######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.Cabarat.Hindawi29373683 #META# Tags: novels #META# ID: 29373683 #META# Title: العبرات #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # اليتيم‏ # الشهداء‏ # الحجاب‏ # الذكرى‏ # الهاوية‏ # الجزاء‏ # العقاب‏ # الضحية‏ # إهداء‏ # اليتيم‏ # الشهداء‏ # الحجاب‏ # الذكرى‏ # الهاوية‏ # الجزاء‏ # العقاب‏ # الضحية‏ # | العبرات # | العبرات # تعريب # مصطفى لطفي المنفلوطي # | إهداء # الأشقياء في الدنيا كثير، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحو شيئا من بؤسهم ~~وشقائهم، فلا أقل من أن أسكب بين أيديهم هذه العبرات، علهم يجدون في بكائي عليهم ~~تعزية وسلوى. # مصطفى لطفي المنفلوطي # | اليتيم # موضوعة # سكن الغرفة العليا من المنزل المجاور لمنزلي من عهد قريب فتى في التاسعة عشرة أو ~~العشرين من عمره، وأحسب أنه طالب من طلبة المدارس العليا أو الوسطى في مصر، فقد كنت أراه ~~من نافذة غرفة مكتبي، وكانت على كثب من بعض نوافذ غرفته، فأرى أمامي فتى شاحبا، نحيلا، ~~منقبضا، جالسا إلى مصباح منير في إحدى زوايا الغرفة، ينظر في كتاب، أو يكتب في دفتر، أو ~~يستظهر قطعة، أو يعيد درسا، فلم أكن أحفل بشيء من أمره. # حتى عدت إلى منزلي منذ أيام بعد منتصف ليلة قرة من ليالي الشتاء، فدخلت غرفة ~~مكتبي لبعض الشئون، فأشرفت عليه، فإذا هو جالس جلسته تلك أمام مصباحه، وقد أكب بوجهه ~~على دفتر منشور بين يديه على مكتبه، فظننت أنه لما ألم به من تعب الدرس وآلام السهر، ~~قد عبئت بجفنيه سنة من النوم، فأعجلته من الذهاب إلى فراشه، وسقطت به مكانه، فما ~~رمت مكاني حتى رفع رأسه، فإذا عيناه مخضلتان من البكاء، وإذا صفحة دفتره التي كان ~~مكبا عليها قد جرى دمعه فوقها، فمحا من كلماتها ما محا، ومشى ببعض مدادها إلى بعض، ثم لم ~~يلبث أن عاد إلى نفسه، فتناول قلمه، ورجع إلى شأنه الذي كان فيه. # فأحزنني أن أرى في ظلمة ذلك الليل وسكونه هذا الفتى البائس المسكين منفردا بنفسه في غرفة ~~عارية باردة! لا يتقي فيها عادية البرد بدثار ولا نار، يشكو هما من هموم الحياة أو ~~رزءا من أرزائها، قبل أن يبلغ سن الهموم والأحزان، من حيث لا يجد بجانبه مواسيا ولا ~~معينا. # وقلت: «لا بد أن يكون وراء ms001 هذا المنظر الضارع الشاحب نفس قريحة معذبة تذوب بين أضلاعه ~~ذوبا، فيتهافت لها جسمه تهافت الخباء المقوض.» # فلم أزل واقفا مكاني لا أبرحه، حتى رأيته قد طوى كتابه وفارق مجلسه، وأوى إلى فراشه، ~~فانصرفت إلى مخدعي، وقد مضى الليل إلا أقله، ولم يبق من سواده في صفحة هذا الوجود إلا ~~بقايا أسطر يوشك أن يمتد إليها لسان الصباح فيأتي عليها. # ثم لم أزل أراه بعد ذلك في كثير من الليالي إما باكيا، أو مطرقا، أو ضاربا برأسه ~~على صدره، أو منطويا على نفسه في فراشه يئن أنين الوالهة الثكلى، أو هائما في غرفته يذرع ~~أرضها، ويمسح جدرانها، حتى إذا نال منه الجهد سقط على كرسيه باكيا منتحبا، فأتوجع له، ~~وأبكي لبكائه، وأتمنى لو استطعت أن أداخله مداخلة الصديق لصديقه، وأستبثه ذات نفسه وأشركه ~~في همه، لولا أنني كرهت أن أفجأه بما لا يحب، وأن أهجم منه على سر ربما كان يؤثر ~~الإبقاء عليه في صدره، وأن يكاتمه الناس جميعا. # حتى أشرفت عليه ليلة أمس بعد هدأة من الليل، فرأيت غرفته مظلمة ساكنة، فظننت أنه خرج ~~لبعض شأنه، ثم لم ألبث أن سمعت في جوف الغرفة أنة ضعيفة مستطيلة، فأزعجني مسمعها، وخيل ~~إلي، وهي صادرة من أعماق نفسه، كأنني أسمع رنينها في أعماق قلبي، وقلت: «إن الفتى مريض ~~ولا يوجد بجانبه من يقوم بشأنه، وقد بلغ الأمر مبلغ الجد فلا بد لي من المسير إليه.» # فتقدمت إلى خادمي أن يتقدمني بمصابيح، حتى بلغت منزله، وصعدت إلى باب غرفته، ~~فأدركني من الوحشة عند دخولها ما يدرك الواقف على باب قبر، ويحاول أن يهبطه ليودع ساكنه ~~الوداع الأخير. # ثم دخلت ففتح عينيه عندما أحس بي، وكأنما كان ذاهلا أو مستغرقا، فأدهشه أن يرى بين ~~يديه مصباحا ضئيلا ورجلا لا يعرفه، فلبث شاخصا إلي هنيهة لا ينطق ولا يطرف، فاقتربت ~~من فراشه وجلست بجانبه، وقلت: «أنا جارك القاطن هذا المنزل، وقد سمعتك الساعة تعالج نفسك ~~علاجا شديدا، وعلمت أنك وحدك في هذه الغرفة؛ فعناني ms002 أمرك؛ فجئتك علني أستطيع أن أكون لك ~~عونا على شأنك، فهل أنت مريض؟» # فرفع يده ببطء، ووضعها على جبهته، فوضعت يدي حيث وضعها، فشعرت برأسه يلتهب التهابا ~~فعلمت أنه محموم، ثم أمررت نظري على جسمه فإذا خيال سار لا يكاد يتبينه رائيه، وإذا قميص ~~فضفاض من الجلد يموج فيه بدنه موجا. # فأمرت الخادم أن يأتيني بشراب كان عندي من أشربة الحمى، فجرعته منه بضع قطرات، ~~فاستفاق قليلا ونظر إلي نظرة عذبة صافية، وقال: «شكرا لك.» # فقلت: «ما شكاتك أيها الأخ؟» # قال: «لا أشكو شيئا.» # فقلت: «فهل مر بك زمن طويل على حالك هذه؟» # قال: «لا أعلم!» # قلت: «أنت في حاجة إلى الطبيب، فهل تأذن لي أن أدعوه إليك لينظر في أمرك؟» # فتنهد طويلا ونظر إلي نظرة دامعة، وقال: «إنما يبغي الطبيب من يؤثر الحياة على ~~الموت!» # ثم أغمض عينيه، وعاد إلى ذهوله واستغراقه، فلم أجد بدا من دعاء الطبيب رضي أم أبى، ~~فدعوته، فجاء متأففا متذمرا، يشكو - من حيث يعلم أني أسمع شكواه - إزعاجه من مرقده ~~وتجشيمه خوض الأزقة المظلمة في الليالي الباردة! فلم أحفل بتعريضه؛ لأنني أعلم طريق ~~الاعتذار إليه؛ فجس نبض المريض وهمس في أذني قائلا: «إن عليلك يا سيدي مشرف على الخطر، ~~ولا أحسب أن حياته تطول كثيرا إلا إذا كان في علم الله ما لا نعلم.» # وجلس ناحية يكتب ذلك الأمر الذي يصدره الأطباء إلى عمالهم الصيادلة أن يتقاضوا من ~~عبيدهم المرضى ضريبة الحياة، ثم انصرف لشأنه بعدما اعتذرت إليه ذلك الاعتذار الذي يؤثره ~~ويرضاه. # فأحضرت الدواء، وقضيت بجانب المريض ليلة ليلاء، ذاهلة النجم، بعيدة ما بين الطرفين، ~~أسقيه الدواء مرة، وأبكي عليه أخرى، حتى انبثق نور الفجر؛ فاستفاق ودار بعينيه حول فراشه ~~حتى رآني، فقال: «أنت هنا؟» # قلت: «نعم، وأرجو أن تكون أحسن حالا من ذي قبل.» # قال: «أرجو أن أكون كذلك.» # قلت: «هل تأذن لي يا سيدي أن أسألك من أنت؟ وما مقامك وحدك في هذا المكان؟ وهل أنت غريب ~~في هذا البلد أو ms003 أنت من أهليه؟ وهل تشكو داء ظاهرا أو هما باطنا؟» # قال: «أشكوهما معا.» # قلت: «فهل لك أن تحدثني بشأنك وتفضي إلي بهمك كما يفضي الصديق إلى صديقه، فقد أصبحت ~~معنيا بأمرك عنايتك بنفسك؟» # قال: «هل تعدني بكتمان أمري إن قسم الله لي الحياة، وبإمضاء وصيتي إن كانت ~~الأخرى؟» # قلت: «نعم.» # قال: «قد وثقت بوعدك، فإن من يحمل في صدره قلبا شريفا مثل قلبك لا يكون كاذبا ولا ~~غادرا. # أنا فلان بن فلان، مات أبي منذ عهد بعيد، وتركني في السادسة من عمري فقيرا معدما لا ~~أملك من متاع الدنيا شيئا، فكفلني عمي فلان، فكان خير الأعمام، وأكرمهم، وأوسعهم برا ~~وإحسانا، وأكثرهم عطفا وحنانا، فقد أنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحدا من قبلي غير ~~ابنته الصغيرة، وكانت في عمري أو أصغر مني قليلا، وكأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا ~~بعدما تمنى على الله ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته، فعني بي عنايته بها، وأدخلنا ~~المدرسة في يوم واحد، فأنست بها أنس الأخ بأخته، وأحببتها حبا شديدا، ووجدت في عشرتها ~~من السعادة والغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقد أبوي ~~من حين إلى حين. # فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو عائدين منها، أو لاعبين في فناء ~~المنزل، أو مرتاضين في حديقته، أو مجتمعين في غرفة المذاكرة، أو متحدثين في غرفة ~~النوم، حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها واستمررت في دراستي. # ولقد عقد الود بين قلبي وقلبها عقدا لا يحله إلا ريب المنون، كنت لا أرى لذة العيش ~~إلا بجوارها، ولا أرى نور السعادة إلا في فجر ابتساماتها، ولا أؤثر على ساعة أقضيها ~~بجانبها جميع لذات العيش ومسرات الحياة، وما كنت أشاء أن أرى خصلة من خصال الخير في ~~فتاة من: أدب، أو ذكاء، أو حلم، أو رحمة، أو عفة، أو شرف، أو وفاء إلا وجدتها ~~فيها. # وإني أستطيع، وأنا في هذه الظلمة الحالكة من الهموم والأحزان، أن أرى على البعد تلك ms004 ~~الأجنحة النورانية البيضاء من السعادة التي كانت تظللنا معا أيام طفولتنا؛ فتشرق لها ~~نفسانا إشراق الراح في كأسها. # وأن أرى تلك الحديقة الغناء التي كانت مراح لذاتنا ومسرح آمالنا وأحلامنا، كأنها حاضرة ~~بين يدي أرى لألاء مائها، ولمعان حصبائها، وأفانين أشجارها، وألوان أزهارها. # وتلك القاعدة الحجرية التي كنا نقتعدها منها طرفي النهار، فنجتمع على حديث نتجاذبه، أو ~~طاقة نؤلف بين أزهارها، أو كتاب نقلب صفحاته، أو رسم نتبارى في إتقانه. # وتلك الخمائل الخضراء التي نلجأ إلى ظلالها كلما فرغنا من شوط من أشواط المسابقة، فنشعر ~~بما تشعر به أفراخ الطيور اللاجئة إلى أحضان أمهاتها. # وتلك الحفائر الصغيرة التي نحتفرها ببعض الأعواد على شاطئ الجداول والغدران فنملؤها ~~ماء، ثم نجلس حولها لنصطاد أسماكها التي ألقيناها فيها بأيدينا؛ فنطرب إن ظفرنا بشيء ~~منها كأنا قد ظفرنا بغنم عظيم. # وتلك الأقفاص الذهبية البديعة التي كنا نربي فيها عصافيرنا وطيورنا، ثم نقضي الساعات ~~الطوال بجانبها نعجب بمنظرها ومنظر مناقيرها الخضراء، وهي تحسو الماء مرة وتلتقط الحب ~~أخرى، ونناديها بأسمائها التي سميناها بها، فإذا سمعنا صفيرها وتغريدها ظننا أنها تلبي ~~نداءنا. # ولا أعلم هل كان ما كنت أضمره في نفسي لابنة عمي ودا وإخاء، أو حبا وغراما؟ ~~ولكنني أعلم أنه كان بلا أمل، ولا رجاء، فما قلت لها يوما إني أحبها؛ لأني كنت أضن بها - ~~وهي ابنة عمي ورفيقة صباي - أن أكون أول فاتح لهذا الجرح الأليم في قلبها، ولا قدرت في ~~نفسي يوما من الأيام أن أصل أسباب حياتي بأسباب حياتها؛ لأني كنت أعلم أن أبويها لا ~~يسخوان بمثلها على فتى بائس فقير مثلي، ولا حاولت في ساعة من الساعات أن أتسقط منها ~~ما يطمع في مثله المحبون المتسقطون؛ لأني كنت أجلها عن أن أنزل بها إلى مثل ذلك، ولا ~~فكرت يوما أن أستشف من وراء نظراتها خبيئة نفسها لأعلم أي المنزلتين أنزلها من قلبها: ~~أمنزلة الأخ فأقنع منها بذلك، أم منزلة الحبيب، فأستعين بإرادتها على إرادة أبويها؟ بل كان ~~حبي لها حب الراهب ms005 المتبتل صورة العذراء الماثلة بين يديه في صومعته، يعبدها ولا يتطلع ~~إليها! # ولم يزل هذا شأني وشأنها، حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ~~ربه، وكان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، وكان يحسن بها ظنا: لقد ~~أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام، فكوني له أما كما كنت له أبا، وأوصيك ألا ~~يفقد مني بعد موتي إلا شخصي. # فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه، ونظرات غير النظرات، وحالا غريبة لا ~~عهد لي بمثلها من قبل، فتداخلني الهم واليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني ~~قد أصبحت في هذا المنزل غريبا، وفي هذا العالم طريدا. # فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم إذ دخلت علي الخادم، وكانت امرأة من النساء الصالحات ~~المخلصات، فتقدمت نحوي خجلة متعثرة، وقالت: قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها قد ~~عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، وإنها ترى أن بقاءك بجانبها بعد موت أبيها وبلوغكما هذه ~~السن التي بلغتماها ربما يريبها عند خطيبها، وإنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح ~~الذي تسكنه من القصر، فهي تريد أن تتحول إلى منزل آخر تختاره لنفسك من بين منازلها، على أن ~~تقوم لك فيه بجميع شأنك، وكأنك لم تفارقها. # فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصمت به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلا ريثما قلت لها: ~~«سأفعل إن شاء الله ولا أحب إلي من ذلك.» فانصرفت لشأنها، فخلوت بنفسي ساعة أطلقت ~~فيها السبيل لعبراتي، ما شاء الله أن أطلقها، حتى جاء الليل، فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ~~ثيابي وكتبي، وقلت في نفسي: «قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان ~~الذي أحببته وأحببت نفسي من أجله، وقد حيل بيني وبينه، فلا آسف على شيء بعده.» # ثم انسللت من المنزل انسلالا من حيث لا يشعر أحد بما كان، ولم أتزود من ابنة عمي قبل ~~الرحيل غير ms006 نظرة واحدة ألقيتها عليها من خلال كلتها وهي نائمة في سريرها، فكانت آخر ~~عهدي بها: # لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى # لو انا وجدنا من فراق لها بدا # كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها # وداعا، ولم أحدث بساكنها عهدا # وهكذا فارقت المنزل الذي سعدت فيه حقبة من الزمان فراق آدم جنته، وخرجت منه ~~شريدا طريدا، حائرا ملتاعا، قد اصطلحت علي الهموم والأحزان، فراق لا لقاء بعده، وفقر ~~لا ساد لخلته، وغربة لا أجد عليها من أحد من الناس مواسيا ولا معينا. # وكانت معي صبابة من مال قد بقيت في يدي من آثار تلك النعمة الذاهبة، فاتخذت هذه ~~الحجرة العارية في هذه الطبقة العليا مسكنا، فلم أستطع البقاء فيها ساعة واحدة، فأزمعت ~~الرحيل إلى حيث أجد في فضاء الله ومنفسح آفاقه علاج نفسي من همومها وأحزانها، فرحلت رحلة ~~طويلة، قضيت فيها بضعة أشهر، لا أهبط بلدة حتى تنازعني نفسي إلى أخرى، ولا تطلع علي ~~الشمس في مكان حتى تغرب عني في غيره، حتى شعرت في آخر الأمر بسكون في نفسي يشبه سكون ~~الدمع المعلق في محجر العين، لا يفيض ولا يغيض. # فقنعت بذلك، وكان ميعاد الدراسة السنوية قد حان، فعدت، وقد استقر في نفسي أن أعيش في هذا ~~العالم منفردا كمجتمع، وغائبا كحاضر، وبعيدا كقريب، وأن ألهو بشأن نفسي عن كل شأن ~~سواه، وأن أستعين على نسيان الماضي باجتناب مواطنه ومظاهره. # فلزمت غرفتي ومدرستي أداول بينهما لا أفارقهما، ولم يبق أثر لذلك العهد القديم في ~~نفسي إلا نزوات تعاود قلبي من حين إلى حين، فأستعين عليها بقطرات من الدمع أسكبها من جفني ~~في خلوتي من حيث لا يعلم إلا الله ما بي، فأجد برد الراحة في صدري. # لبثت على ذلك برهة من الزمان، حتى عدت بالأمس إلى تلك الفضلة التي كانت في يدي من ~~المال، فإذا هي ناضبة أو موشكة، وكنت مأخوذا بأن أهيئ لنفسي عيشا مستقلا، وأن أؤدي ~~للمدرسة قسطا من أقساطها، والمدرسة في هذا البلد حانوت قاس لا ms007 تباع فيه السلعة نسيئة، ~~والعلم في هذه الأمة مرتزق يرتزق منه المرتزقون، لا منحة يمنحها المحسنون، فأهمتني نفسي، ~~وعلمت أني مشرف على الخطر، ولا أعرف سبيلا إلى القوت بوجه ولا حيلة. # فعمدت إلى كتبي، فاستبقيت منها ما لا غنى لي عنه، وحملت سائرها إلى سوق الوراقين، ~~فعرضته هناك يوما كاملا، فلم أجد من يبلغ به في المساومة ربع ثمنه؛ فعدت به حزينا وما ~~على وجه الأرض أحد أذل مني ولا أشقى! # فلما بلغت باب المنزل رأيت في فنائه امرأة تسائل أهل البيت عني، فتبينتها فإذا هي ~~الخادم التي كانت تخدمني في منزل عمي. # فقلت: «فلانه؟» # قالت: «نعم.» # قلت: «ماذا تريدين؟» # قالت: «لي إليك كلمة فائذن لي.» # فصعدت معها إلى غرفتي، فلما خلونا قلت: «هات.» # قالت: «مرت بي ثلاثة أيام وأنا أفتش عنك في كل مكان، فلم أجد من يدلني عليك حتى وجدتك ~~اليوم بعد اليأس منك.» # ثم انفجرت باكية بصوت عال؛ فراعني بكاؤها وخفت أن يكون قد حل بالبيت الذي أحبه ~~بأس. # فقلت: «ما بكاؤك؟» # قالت: «أما تعلم شيئا من أخبار بيت عمك؟» # قلت: «لا، فما أخباره؟» # فمدت يدها إلى ردائها وأخرجت من أضعافه كتابا مغلقا، فتناولته منها، ففضضت غلافه، ~~فإذا هو بخط ابنة عمي، فقرأت فيه هذه الكلمة لا أزال أحفظها حتى الساعة: «إنك فارقتني ولم ~~تودعني، فاغتفرت لك ذلك، فأما اليوم وقد أصبحت على باب القبر، فلا أغتفر لك ألا تأتي ~~إلي لتودعني الوداع الأخير.» # فألقيت الكتاب من يدي، وابتدرت الباب مسرعا، فتعلقت الخادم بثوبي، وقالت: «أين تريد ~~يا سيدي؟» # قلت: «إنها مريضة، ولا بد لي من المسير إليها.» # فصمتت لحظة ثم قالت بصوت خافت مرتعش: «لا تفعل يا سيدي، فقد سبقك القضاء ~~إليها!» # هنالك شعرت أن قلبي قد فارق موضعه إلى حيث لا أعلم له مكانا، ثم دارت بي الأرض الفضاء ~~دورة سقطت على أثرها في مكاني لا أشعر بشيء مما حولي، فلم أفق إلا بعد حين، ففتحت عيني ~~فإذا الليل قد أظلني، وإذا الخادم لا تزال ms008 تبكي وتنتحب، فدنوت منها، وقلت: «أيتها المرأة، ~~أحق ما تقولين؟» # قالت: «نعم.» # قلت: «قصي علي كل شيء.» # فأنشأت تقول: «إن ابنة عمك يا سيدي لم تنتفع بنفسها بعد رحيلك، فقد سألتني في اليوم الذي ~~رحلت فيه عن سبب رحيلك، فحدثتها حديث الرسالة التي حملتها إليك من زوجة عمك. # فلم تزد على أن قالت: «وماذا يكون مصير هذا البائس المسكين؟ إنهم لا يعلمون من أمره ولا ~~من أمري شيئا، ثم لم يجر ذكرك بعد ذلك على لسانها بخير ولا بشر، كأنما كانت تعالج في ~~نفسها ألما ممضا.» # وما هي إلا أيام قلائل حتى سرى داء نفسها إلى جسمها، فاستحالت حالها، غاض ماء جمالها، ~~وانطفأت تلك الابتسامات العذبة التي كانت لا تفارق ثغرها، ثم سقطت على فراشها مريضة لا ~~تبل يوما حتى تنتكس أياما، فراع أمها أمرها، وورد عليها ما قطعها عن ذكر العرس ~~والعروس والخطبة والخطيب، وكانت لا تزال تهتف بذلك نهارها وليلها، فلم تدع طبيبا ولا ~~عائدا إلا فزعت إليه أمرها، فما أغنى العائد ولا الطبيب! وأصبحت الفتاة تدنو من القبر ~~رويدا رويدا. # فبينما أنا ساهرة بجانب فراشها منذ ليال إذ شعرت بها تتحرك في مضجعها، فدنوت منها، ~~فأشارت إلي أن آخذ بيدها، ففعلت، فاستوت جالسة وقالت: «في أي ساعة نحن من ~~الليل؟» # قلت: «في الهزيع الأخير منه.» # قالت: «أأنت وحدك هنا؟» # قلت: «نعم، فقد هجع أهل البيت جميعا.» # قالت: «ألا تعلمين أين مكان ابن عمي الآن؟» # فعجبت لكلمة لم أسمعها منها قبل اليوم، وقلت: «بلى يا سيدتي أعلم مكانه.» # وما كنت أعلم شيئا، ولكني أشفقت على هذا الخيط الرقيق الباقي في يدها من الأمل أن ~~ينقطع فينقطع بانقطاعه آخر خيط من خيوط أجلها، فقالت: «ألا تستطيعين أن تحملي إليه رسالة ~~مني من حيث لا يعلم أحد بشأني؟» # قلت: «لا أحب إلي من ذلك يا سيدتي.» # فأشارت أن آتيها بمحبرتها، فجئتها بها، فكتبت إليك هذا الكتاب الذي تراه، فلما أصبح ~~الصباح خرجت أسائل الناس عنك في كل مكان، وأتصفح وجوه ms009 الغادين والرائحين علني أراك ~~وأرى من يهديني إليك، فلم أظفر بطائل حتى انحدرت الشمس إلى مغربها، فعدت إلى المنزل وقد ~~مضى شطر من الليل، فما بلغته حتى سمعت الناعية، فعلمت أن السهم قد بلغ المقتل، وأن تلك ~~الوردة الناضرة التي كانت تملأ الدنيا جمالا وبهاء قد سقطت آخر ورقة من ورقاتها، فحزنت ~~عليها حزن الثاكل على وحيدها، وما رئي مثل يومها يوم كان أكثر باكية وباكيا! # وكان أكبر ما أهمني من أمرها، أن كل ما كانت ترجوه في الساعة الأخيرة من ساعات حياتها ~~أن تراك، ففاتها ذلك وسقطت دون أمنيتها، فلم أزل كاتمة أمر الرسالة في نفسي، ولم أزل أتطلب ~~السبيل إليك حتى وجدتك.» # فشكرت لها صنيعها وآذنتها بالانصراف فانصرفت، فما انفردت بنفسي حتى شعرت أن سحابة ~~سوداء تهبط فوق عيني شيئا فشيئا حتى احتجب عن ناظري كل شيء، ثم لا أعلم ماذا تم بعد ذلك ~~حتى رأيتك.» # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد، حتى زفر زفرة خلت أن كبده قد ارفضت، وأن هذه ~~أفلاذها، فدنوت منه، وقلت: «ما بك يا سيدي؟» # قال لي: «إني أطلب دمعة واحدة أتفرج بها مما أنا فيه فلا أجدها!» # ثم صمت ساعة طويلة، فشعرت أنه يهمهم ببعض كلمات، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول: «اللهم ~~إنك تعلم أني غريب في هذه الدنيا، لا سند لي فيها ولا عضد، وأني فقير لا أملك من متاع ~~الحياة ما أعود به على نفسي، وأني عاجز مستضعف لا أعرف السبيل إلى باب من أبواب الرزق ~~بوجه ولا حيلة، وأن الضربة التي أصابت قلبي قد سحقته سحقا فلم يبق فيه حتى الذماء، ~~وإني أستحي منك أن أمد يدي إلى هذه النفس التي أودعتها بيدك بين جنبي فأنتزعها من مكانها، ~~فتول أنت أمرها بيدك، واسترد وديعتك إليك، وانقلها إلى دار كرامتك، فنعم الدار دارك، ~~ونعم الجوار جوارك.» # ثم أمسك رأسه بيده، كأنما يحاول أن يحبسه عن الفرار، وقال بصوت ضعيف خافت: «أشعر برأسي ~~يحترق احتراقا، وقلبي يذوب ذوبا، لا أحسبني ms010 باقيا على هذا، فهل تعدني أن تدفنني معها في ~~قبرها وتدفن معي كتابها إن قضى الله في قضاءه؟» # قلت: «نعم، وأسأل الله لك السلامة!» # قال: «الآن أموت طيب النفس عن كل شيء.» # ثم انتفض انتفاضة فاضت نفسه فيها! # لقد هون وجدي على هذا البائس المسكين، أني استطعت إمضاء وصيته كما أراد، فسعيت في دفنه ~~مع ابنة عمه، ودفنت معه تلك الرسالة التي دعته فيها أن يوافيها، فعجز عن أن يلبي نداءها ~~حيا فلباها ميتا. # وهكذا اجتمع تحت سقف واحد ذانك الصديقان الوفيان، اللذان ضاق بهما في حياتهما فضاء ~~القصر، فوسعتهما بعد موتهما حفرة القبر. # | الشهداء # مترجمة # لم يبق لها بعد موت زوجها وأبويها إلا ولد صغير يؤنسها، وأخ شفيق يحنو عليها، وصبابة ~~من المال تترشف الرزق منها ترشفا مصانعة للدهر فيها. # أما الصبابة فقد نضبت، وأما الأخ فقد ضمه الدهر ضمة ذهبت بماله وبجميع ما تملك يده، ~~فهاجر هجرة بعيدة لا تعرف مصيره فيها، فأصبحت من بعده لا تملك مالا ولا عضدا. # لقد لقيت هذه المرأة المسكينة من الشقاء في طلب العيش ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، فخاطت ~~الملابس حتى عشي بصرها، وغسلت الثياب حتى يبست أطرافها، ودخلت المصانع حتى كلت، وخدمت ~~في المنازل حتى ذلت، ولكنها استطاعت أن تحيا ويحيا ولدها بجانبها. # ما كان لمثلها أن يحيا على مثل ذلك، ولكن الله كان أرحم بها من أن يسلبها السعادة ويسلبها ~~العزاء عنها معا، فقد كانت إذا دجا ليل الحوادث حولها، وأظلمت الحياة أمام عينيها، رأت في ~~الأفق البعيد ثلاثة أشعة تنبعث من سماء الرحمة الإلهية حتى تتلاقى في فؤادها فتملأه عزاء ~~وصبرا: شعاع الأنس بولدها، وشعاع الرجاء في أخيها، وشعاع السرور بما وفقت إليه من صيانة ~~عرضها. # دارت الأيام دورتها، فاكتهلت الأم، وشب الولد، وانتقل هم قلبها إلى قلبه، وكان لا بد ~~له أن يعيش، وأن يحسن إلى تلك التي طالما أحسنت إليه، فمشى يتصفح وجوه الرزق وجها وجها، ~~ويرد مناهله منهلا منهلا، حتى وقف به حظه على ms011 مهنة الرسم، فأنس بها، وما زال يعطيها ~~من نفسه وجده حتى مهر فيها. # والمهارة لا تدل على صاحبها وحدها، بل هو الذي يدل عليها بحيلته ورفقه، وما كان الفتى ~~يملك أداة ذلك، ولا يعرف السبيل إليه، فاستمر خاملا مغمورا، لا تدر له مهنته إلا القطرة ~~بعد القطرة في الفينة بعد الفينة، فلم يستطع أن يسعد أمه، ولكنه استطاع أن يسد ~~خلتها، فقنعت منه بذلك ولزمت منزلها، ووجدت برد الراحة في صدرها. # إلا أنها كانت إذا ذكرت ذلك الغائب النائي عنها، حنت إليه حنين النيب إلى فصالها، ~~وأحزنها أنها لم تره منذ خمسة عشر عاما، ولم تر منه كتابا منذ عشرة أعوام حتى اليوم، ~~فلا تجد لها بدا كلما هاجها الوجد إليه إلا أن تلجأ إلى ذلك الملجأ الوحيد الذي يفزع إليه ~~جميع البائسين والمحزونين في بأسائهم وضرائهم، خلوتها ودموعها، فتبكي ما شاء الله أن تفعل، ~~ثم تخرج لاستقبال ولدها باشة باسمة كأن لم تكن باكية قبل ذلك! # دخل عليها ولدها يوما في خلوتها فرآها تبكي، ورأى في يدها صورة فتبينها، فإذا هي صورة ~~خاله، فألم بسريرة نفسها، وأمسك بين أهداب عينيه دمعة مترقرقة ما تكاد تتماسك، فمشى ~~إليها حتى وضع يده على عاتقها، وقال: «رفهي عن نفسك يا أماه، فستعلمين خبر غائبك عما ~~قليل.» # فتطلق وجهها وأضاء، وقالت: «وكيف السبيل إلى ذلك؟» # قال: «قد علمت أن معرضا سيقام للرسم في واشنطون حاضرة أمريكا بعد بضعة أشهر، وأنهم ~~قدروا له جوائز مختلفة، صغرى وكبرى، وقد وعدني بعض أصدقائي أن يساعدني على الشخوص إليه، ~~علني أستطيع أن أنال ما أقيم به وجهي وأنقذ به نفسي ونفسك من هذا الشقاء، وهنالك أفتش عن ~~غائبك حتى أجده أو أجد منقطع أثره.» # فاستسر بشرها الذي كان متلألئا، وقالت: «لا تفعل يا بني، فما أنا بشقية ما رأيتك ~~بجانبي، وما أنت بشقي ما قنعت بما قسم الله لك، ولئن فعلت لا تكونن امرأة على وجه الأرض ~~أعظم مني لوعة ولا أشقى، ولئن بكيت لفراق أخي مرة ms012 فسأبكي لفراقك ألف مرة، وإني كلما ذكرته ~~وجدت في وجهك العزاء عنه، فمن لي بالعزاء عنكما إن فقدت وجهيكما معا؟» # فما زال يروضها ويسمحها ويمنيها في رحلته الأماني العذاب حتى أسلست وهدأت وأسلمت ~~إلى الله أمرها. # وما هي إلا أيام قلائل حتى ضرب الدهر بينهما بضرباته، فإذا الأم وحيدة في فرنسا لا مؤنس ~~لها، وإذا الولد غريب في أمريكا لا يعرف له سندا، ولا عضدا. # وصل الفتى إلى معرض الرسم فعرض رسمه هناك، وكان يمثل فيه موقف الوداع الذي جرى بينه وبين ~~أمه على شاطئ البحر يوم رحيله، وكان موقفا محزنا فأحسن تمثيله، فأعجب القوم بجماله، ~~وأثر في نفوسهم منظره، فقضوا له بالجائزة التي كان يمني نفسه بها، فما حصلت في يده حتى ~~خيل إليه أنه أسعد أهل الأرض طرا، وأن هذا اليوم هو أول يوم هبط فيه عالم الوجود، وأنه ~~ما ذاق قبل الساعة مرارة العيش، ولا رأى صورة الشقاء! # وكذلك يعبث الدهر بالإنسان ما يعبث، ويذيقه ما يذيقه من صنوف الشقاء وألوان الآلام، حتى ~~إذا علم أنه قد أوحشه وأرابه وملأ قلبه غيظا وحنقا، أطلع له في تلك السماء المظلمة ~~المدلهمة بارقة واحدة من بوارق الأمل الكاذب فاسترده بها إلى حظيرته راضيا مغتبطا، كما ~~تقاد السائمة البلهاء بأعواد الكلأ إلى مصرعها، فما أسعد الدهر بالإنسان! وما أشقى الإنسان ~~به! # أرسل الفتى إلى أمه بعض المال واستبقى لنفسه بعضا، وكتب إليها أنه لن يبرح هذه الأرض حتى ~~يفي لها بما عاهدها عليه، ومشى في طريقه يفتش عن خاله في أنحاء البلاد ويسائل عنه كل من ~~لقيه من القاطنين والطارئين، حتى حدثه بعضهم أن آخر عهدهم به رحلة رحلها عنهم من بضع ~~سنوات إلى بعض الجزر الجنوبية في التفتيش عن معدن نحاس هناك، ثم لم يعد بعد ذلك. # فمشى في الطريق التي علم أنه سلكها حتى وصل إلى جزيرة موحشة مقفرة، وكانت لا تزال تغشى ~~سماء تلك البلاد بقية من ظلمات العصور الأولى، فمر بقبيلة من قبائل الزنج نازلة هناك ms013 ~~وراء بعض الجبال المنقطعة، فما رأوه حتى هاجت في صدورهم أحقاد تلك العداوة اللونية التي لا ~~يزال يضمرها هؤلاء القوم لكل شيء أبيض، حتى للشمس المشرقة، والكواكب الزاهرة، فداروا به ~~دورة سقط من بعدها أسيرا في أيديهم، فاحتملوه حتى وصلوا به إلى ديارهم، فاحتبسوه هناك في ~~نفق تحت الأرض كانوا يسمونه «سجن الانتقام». # هنالك علم أن تلك البارقة التي لاحت له في سماء السعادة من الأمل يوم المعرض، إنما هي ~~خدعة من خدع الدهر، وأكذوبة من أكاذيبه، وأن ما كان يقدره لنفسه من سعادة وهناء في ~~مستقبل أيامه قد ذهب بذهاب أمس الدابر، وأصبح صحيفة بالية في كتاب الدهر الغابر. # ولقد كان في استطاعته أن يخلد للنازلة التي نزلت به ويستمسك لها لو أنه استقل بحملها، ~~ولكن الذي آده وأثقله، أن هناك إنسانا آخر كريما عليه يقاسمه إياها، فقد أصبح يحمل ~~مصيبته ومصيبة أمه فيه على عاتق واحد. # نزلوا به إلى المحبس وقادوه إلى سلسلة غليظة الحلقات فسلكوه فيها، ثم أغقلوا الباب من ~~دونه وتركوه وشأنه، فما انفرد بنفسه حتى فتح عينيه فلم ير أمامه شيئا، فلم يعلم: هل ~~كف بصره أم اشتدت الظلمة أمام عينيه فحجبت عن ناظره كل شيء حتى نفسها؟ فلم يزل في حيرته ~~حتى انقضى الليل، فانحدر إليه من ثقب صغير في حائط المحبس خيط أبيض دقيق من شعاع الشمس ~~حتى استقر بين يديه، فأنس به أنس الغريب بالغريب، وشكر للشمس رسولها الذي أرسلته إليه ~~ليؤنسه في وحدته، واستمر بصره عالقا به لا يفارقه أينما سار وحيثما انتقل، حتى رآه يقبض ~~شيئا فشيئا، ويتراجع قليلا قليلا، ثم علا إلى ثقبه الذي انحدر منه، ثم طار إلى سمائه ~~التي هبط منها، فحزن لفراقه حزن العشير لفراق عشيره، ودار بعينيه حول نفسه، فإذا قطع سوداء ~~مظلمة تتدجى وتتكاثف من حوله، ويملس بعضها في أحشاء بعض. # وإذا هو نفسه قطعة من تلك القطع هائمة بينها هيمان الروح الحائر في ظلمات القبور، فما ~~كاد يعرف مكانه منها، فمشى في ذلك ms014 المعترك المائج يفتش عن نفسه ويتلمسها بيده تلمسا، حتى ~~سمع صلصلة السلسلة الملتفة على قدميه، فوجدها وكان قد أجهده المسير، فتساقط على نفسه باكيا ~~منتحبا. # وكذلك انقطع هذا المسكين عن العالم كله خيره وشره، ولم يبق بينه وبينه من صلة إلا ذلك ~~الشعاع الأبيض الذي يزوره كل صباح، وذلك السجان الأسود الذي يطرقه كل مساء. # وما مرت به على حاله تلك سنة واحدة حتى نسي نفسه، ونسي أمه، ونسي العالم الذي كان يعيش ~~فيه، والعالم الذي انتقل إليه، ونسي الليل والنهار، والظلمة والنور، والسعادة والشقاء، ~~وأصبح في منزلة بين منزلتي الحياة والموت، فلا يفرح ولا يتألم، ولا يذكر الماضي، ولا يرجو ~~المستقبل، ولا يعلم هل هو حجر بين تلك الأحجار، أو قطعة بين قطع الظلام، أو جسد يتحرك، ~~أو خيال يسري، أو وهم من الأوهام، أو عدم من الأعدام؟ # مرت على تلك الأم المسكينة بضعة أعوام لا ترى ولدها ولا تجد من يدلها عليه، فأصبح من ~~يراها في طريقها، يرى عجوزا حدباء والهة متسلبة مذهوبا بها قد توكأت على عصا ما تزال ~~تضطرب في يدها، وأسبلت فوق جسمها الناحل المحقوقف أهداما خلقانا يحسبها الناظر إليها - ~~لكثرة ما نالت يد البلى منها - أهدابا متلاصقة أو مزقا متطايرة، تقف صدر النهار بأبواب ~~المعابد والكنائس، تسأل الله أن يرحمها، والناس أن يطعموها. # حتى إذا زالت الشمس عن كبد السماء أخذت سمتها إلى شاطئ البحر، وجلست فوق بعض صخوره تناجي ~~أمواجه ورماله، وترقب أفقه البعيد كما يرقب المنجم كوكبه في أفق السماء، فإذا سرت إليها ~~نسمة وجدت ريح ولدها فيها، وإذا أقبلت عليها موجة ظنت أنها رسول منه إليها، وإذا تراءت ~~لها سفينة ماخرة على سطح الماء حسبتها السفينة التي تحمله، فلا يزال بصرها عالقا بها لا ~~يفارقها حتى ترسو على الشاطئ، فتقف في طريق ركبانها تتصفح الوجوه، وتتفرس الشمائل، وتهتف ~~باسم ولدها صارخة معولة، وتقول: «عباد الله، من يدلني على ولدي، أو ينشده لي في معالم ~~الأرض ومجاهلها، فقد أضللته منذ عهد بعيد ms015 ، فحار بي الدهر من بعده، فلا أنا سالية عنه ولا ~~واجدة إليه سبيلا، فاحتسبوها يدا عند الله وحدثوني عنه هل عاد معكم، أو تخلف عنكم ليأتي ~~على إثركم، أو انقطع الدهر به فلا أمل فيه بعد اليوم؟» فلا يلتفت إليها أحد، ولا يفهم أحد ~~ما تقول، وربما لمحها بعض الناس فظنها امرأة ملتاثة فرثى لها، أو سائلة فتصدق ~~عليها! # ولا يزال هذا شأنها في موقفها هذا حتى ترى الأمهات والأخوات والفتيات، قد عدن بأولادهن ~~وإخوانهن وآبائهن إلى منازلهن، ولم يبق على شاطئ البحر من غاد ولا رائح سواها، فتتناول ~~عصاها وتعود أدراجها إلى بيتها، فتأخذ مجلسها من حافة قبر كانت قد احتفرته بيدها في أرض ~~قاعتها وتوهمته مدفنا لولدها، فتظل تبكي وتقول: «في أي بطن من بطون الأرض مضجعك يا بني، ~~وتحت أي نجم من نجوم السماء مصرعك، وفي أي قاع من قيعان البحر مثواك، وفي أي جوف من أجواف ~~الوحوش الضاربة مأواك؟ # لو يعلم الطير الذي مزق جثتك، أو الوحش الذي ولغ دمك، أو القبر الذي ضمك إلى أحشائه، أو ~~البحر الذي طواك في جوفه، أن وراءك أما مسكينة تبكي عليك من بعدك لرحموك من أجلي؟! # عد إلي يا بني فقيرا أو مقعدا أو كفيفا، فحسبي منك أن أراك بجانبي في الساعة التي ~~أفارق فيها هذه الحياة، لأقبلك قبلة الوداع، وأعهد إليك بزيارة مضجعي مطلع كل شمس ~~ومغربها لتخف بزورتك عني ضمة القبر، وتستنير بوجهك الوضاء ظلماته الحالكة! # ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلى القبور! وما أشقى الأمهات اللواتي يسبقهن ~~أولادهن إليها! وأشقى منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلى الموت دبيبا وهي لا تعلم: هل ~~تركت ولدها وراءها، أو أنها ستجده أمامها؟» # وهكذا كان شأنها صباحها ومساءها، فلم تزل تبكي ولدها بكاء يعقوب ولده، حتى ذهب بصرها ذهاب ~~بصره، ولكنها لم تستطع عن يوسفها صبرا. # دخل السجان على الفتى عشية ليلة في محبسه، فاقترب منه، ومد يده إلى سلسلته المثبتة في ~~الجدار فانتزعها من مكانها، فلم يقل ms016 شيئا، ولم يسائل نفسه هل هي ساعة نجاته أو ساعة ~~حمامه، ثم قاده إلى خارج المحبس حتى وصل به إلى صخرة جاثمة على مقربة من مجتمع القبيلة، ~~فشد سلسلته إليها وتركه مكانه ومضى، ففتح عينيه فرأى مكانا غير مكانه، ومنظرا غير منظره، ~~وسماء وأرضا غير سمائه وأرضه، فبدأ شعوره يعود إليه شيئا فشيئا، حتى استفاق فتذكر ما ~~كان فيه ورأى ما صار إليه. # هنالك تذكر السعادة والشقاء، والغربة والوطن، والسجن وظلمته، والقيد ووطأته، ثم طار ~~بخياله إلى ما وراء البحار، فذكر أمه وشقاءها من بعده، وحنينها ويأسها من لقائه، فذرفت ~~عيناه دمعة كانت هي أول دمعة أرسلها من جفنيه من تاريخ شقائه، وما زال يرسل العبرة إثر ~~العبرة، لا يهدأ ولا يستفيق، حتى مضى شطر من الليل، وهدأ الناس جميعا في مضاجعهم، فأسلم ~~رأسه إلى ركبتيه وذهب بخياله إلى حيث شاء أن يذهب. # فإنه لكذلك وقد رنقت في عينيه سنة من النوم إذ شعر بيد تلمس كتفيه، فرفع رأسه، ~~فإذا شبح أبيض قائم فوق رأسه، فخيل إليه أن ملكا نورانيا نزل إليه من علياء السماء ~~لينقذه من شقائه، فتبينه فإذا فتاة جميلة بيضاء، ما التفت الأزر على مثلها حسنا ~~وبهاء، تتمشى في بياضها سمرة رقيقة كسمرة السحاب الرهو الذي يخالط وجه الشمس في صحوة ~~النهار، فسألها: «من أنت؟» # قالت: «أنا فتاة من فتيات هذا الحي، وقد ألممت بشيء من أمرك، فعلمت أنك شقي فرحمتك ~~مما أنت فيه، فجئتك أطلق وثاقك لتذهب حيث تشاء، فلا مثوبة يقدمها المرء بين يدي ربه يوم ~~جزائه أفضل من مواساة البائس وتفريج كربة المكروب!» # فعجب لزنجية بيضاء ووثنية تعبد الله، وبربرية تحمل بين جنبيها قلبا يعطف على البؤساء ~~والمنكوبين، وقال في نفسه: «ما لهذا الفتاة بد من شأن.» وورد عليه من أمرها ما ذهب ~~بلبه، وملك عليه نفسه وهواه، وأنساه كل شأن في الحياة إلا شأنها، فلبث صامتا واجما لا ~~ينطق. # وقال لها: «اذهبي لشأنك يا سيدتي فإنني لا أريد النجاة!» # فعلمت أنها ثورة من ms017 ثورات اليأس، فدنت منه ووضعت يدها على عاتقه، وقالت: «لا تجعل ~~لليأس إلى قلبك أيها الفتى سبيلا، وانج بحياتك من يد الموت، فليس بينك وبينه إن بقيت هنا ~~إلا أن ينحدر عن وجهك قناع هذا الليل، فإذا أنت فلذ طائرة مع شفرات السيوف، فلا تفجع ~~نفسك في نفسك، ولا تفجع هذه المسكينة الواقفة بين يديك، فإن شديدا علي جدا أن أراك بعد ~~قليل ذبيحة في يد الذابح، أو مضغة في فم الآكل!» # قال: «إنك لا تستطيعين نجاتي.» # قالت: «لا أفهم ما تقول، فإنني ما جئتك إلا وأنا عالمة ماذا أصنع.» # قال: «قد كنت قبل اليوم موثقا بوثاق واحد فأصبحت موثقا بوثاقين، فإن استطعت أن تحلي ~~وثاق قدمي فإنك لا تستطيعين أن تحلي وثاق قلبي.» # فألمت بسريرة نفسه فرفعت وجهها إلى السماء ولبثت شاخصة إليها ساعة، فرفع رأسه إليها ~~ولبث شاخصا إلى وجهها نظر المصور الماهر إلى تمثاله البديع، حتى شعر بدمعة حارة قد ~~سقطت من جفنها على وجهه، فجرت في مجرى الدموع من خده، فانحدرت من جفنه دمعة مثلها فالتقت ~~بدمعتها فامتزجتا معا. # فمد يده إلى ردائها فاجتذبها إليه، وقال: «قد طال وقوفك يا سيدتي فاجلسي بجانبي نتحدث ~~قليلا.» # فجلست على مقربة منه، فقال لها: «إن امتزاج دمعي بدمعك في هذه الساعة قد دلني على أننا لن ~~نفترق بعد اليوم أحياء أو أمواتا، فإن كنت تريدين لي النجاة فإنني لا أنجو إلا ~~بك.» # قالت: «ليتني أستطيع ذلك يا سيدي.» # قال: «وما يمنعك منه؟» # فنظرت إليه نظرة دامعة، وقالت: «أخاف أن أحبك!» # قال: «ولم تخافين؟» # قالت: «لا أعلم.» # قال: «أنا لا أسألك عما تكتمين في صدرك من الأسرار، ولكني أسألك أن تتركيني وشأني في يد ~~القدر يفعل بي ما يشاء، فقد كنت أخاف الموت قبل أن أراك، أما اليوم فحسبي عزاء عما ألاقيه ~~من غصصه وآلامه نظرة رحمة تلقينها علي في مصرعي، ودمعة حزن تسكبينها من بعدي على ~~تربتي.» # فما استقبلته إلا بدموعها تنحدر على خديها كالعقد وهى سلكه فانتثر، ثم ms018 مدت يدها إلى ~~قيده فعالجته حتى انصدع، وقالت: «إني ذاهبة معك وليقض الله في وفيك قضاءه.» # مشيا يطويان القفار، ويعبران الأنهار، ويضحيان مرة ويخصران أخرى، ويردان آجن المياه ~~وصفوها، ويقتاتان يابس الثمار ورطبها، فإذا لاح لهما ظل شجرة أو شاطئ غدير أو سفح جبل أويا ~~إليه فاستراحا بجانبه قليلا ثم عادا إلى شأنهما. # وكانت لا تزال تغشى وجه الفتاة مذ فارقت موطنها سحابة سوداء من الحزن ما تكاد تنقشع عنه، ~~وكانا إذا نزلا منزلا وأخذا مضجعهما من تربه وأحجاره نهضت من مرقدها بعد هدأة من الليل ~~وانتحت ناحية من حيث تظن أنه لا يشعر بمكانها، ومدت يدها إلى صدرها فتناولت صليبا صغيرا ~~فقبلته. # ثم أنشأت تهمهم بكلام خفي، كأنها تناجي به شخصا غائبا عنها فتستغفره من ذنب جنته ~~إليه مرة، وتطلب معونته على أمر لا تعرف مصيره، ولا تعلم وجه الصواب فيه أخرى، حتى ينبثق ~~نور الفجر فتعود إلى مرقدها. # وكان كلما سألها عن شأنها، التوت عليه ودافعته عنها حتى تلوم أن يعاودها، فتركها ~~وشأنها، وقد أصبح يحمل في صدره من الهم فوق ما تحمل من هم نفسها، حتى أشرفا بعد مسير ثلاثين ~~يوما على سواء العمران، فاستبشرا وعلما أنهما قد أصبحا في الساعة الأخيرة من ساعات ~~الشقاء. # وكانا قد وصلا إلى نهر صغير هناك، فجلسا بجانبه تحت شجرة مورقة يتحدثان، وهي أول مرة ~~جلسا فيها للحديث، فقال لها: «ما حفظ الله حياتنا في هذه السفرة الطويلة في هذه القفرة ~~الجرداء الموحشة إلا وقد كتب لنا في لوح مقاديره سعادة لا أحسب أنه قد أعد خيرا منها ~~لعباده المتقين في جنات النعيم.» # قالت: «ومتى كانت هذه الحياة موطنا للسعادة أو مستقرا لها؟ ومتى سعد أبناؤها بها فنسعد ~~مثلهم كما سعدوا؟ وإن كان لا بد من سعادة في هذه الحياة فسعادتها أن يعيش المرء فيها ~~معتقدا أن لا سعادة له فيها، ليستطيع أن يقضي أيامه المقدرة له على ظهرها هادئ القلب، ساكن ~~النفس، لا يكدر عليه عيشه أمل كاذب، ولا رجاء ms019 خائب!» # قال: «إن السعادة حاضرة بين أيدينا، وليس بيننا وبينها إن أردناها إلا أن نطوي هذه ~~المرحلة الباقية من هذا القفر، فنلجأ إلى أول بيت نلقاه في طريقنا من بيوت الله، فنجثو أمام ~~مذبحه ساعة نخرج من بعدها زوجين سعيدين لا يحول بيننا حائل، ولا يكدر صفونا مكدر.» # فأطرقت هنيهة، ثم رفعت رأسها فإذا دمعة صافية تنحدر على خدها، فقال: «ما بكاؤك يا ~~سيدتي؟» # فقالت: «أتذكر ليلة النجاة إذ دعوتني إلى الفرار معك، فقلت لك إني أخاف إن فررت معك أن ~~أحبك؟» # قال: «نعم.» # قالت: «وا أسفاه لقد وقع اليوم ما كنت منه أخاف.» # ثم صرخت صرخة عالية وقالت: «ماذا يا أماه؟» # وسقطت مكبة على وجهها، فدنا منها وأمسك بيدها فإذا رعدة شديدة تتمشى في أعضائها، فعلم ~~أنها البرداء، وعمد إلى بعض الأشجار فاقتطع منها بضعة أعواد، ومشى يفتش عن الناس في كوخ ~~كان يتراءى له على البعد، حتى بلغه، فوجد على بابه كاهنا شيخا جليل المنظر، فدنا منه ~~وحياه تحية حياه بأحسن منها، وقال له: «ما شأنك يا بني؟» # قال: «إن بجانب ذلك النهر فتاة مسكينة تركتها ورائي تشكو البرد، فهل أجد عندك جذوة نار ~~أعود بها إليها لتصطلي بها؟» # فمكنه من طلبته، وقال له: «كتب الله لك ولعليلتك السلامة يا بني، فاذهب فإني على ~~إثرك.» # فعدا الفتى عدوا شديدا حتى بلغ النهر، فأدهشه أن رأى الفتاة هادئة ساكنة، طيبة النفس، ~~لا تشكو بردا ولا ألما، فأقبل عليها متهللا. # وقال لها: «لعل ما كان يخالط نفسك من الألم لذكر أهلك ووطنك قد ذهب بذهاب الأيام.» # قالت: «ما كان يخالط نفسي من ذلك شيء، فاجلس أحدثك حديثي فقد آن أن أفضي به ~~إليك.» # فجلس بجانبها فأنشأت تحدثه، وتقول: «أنا فتاة غريبة مثلك عن هذه الديار، لا أعرف من ~~ساكنيها غير نفسي، ولا من أرضها غير قبر قد زال اليوم رسمه وبلي مع الأيام دفينه، فقد ~~ولدتني أمي على فراش رجل أبيض وفد من دياركم منذ عشرين عاما، فالتقى بها عند ms020 مروره بحيها ~~فأحبها وأحبته، ثم فرت معه إلى ما وراء هذه الصحراء، فدانت بدينه، ثم تزوجها فولداني، وعشنا ~~جميعا من الدهر عيش السعداء الآمنين. # وكان رجال قبيلة أمي لا يزالون يتطلبون السبيل إلينا حتى سقطوا علينا سقوط القضاء في جنح ~~ليلة من ليالي الظلام، فاقتادونا جميعا إلى أرضهم، وكنت إذ ذاك لم أسلخ العاشرة من عمري، ~~فقتلوا أبي أمامي وأمام أمي قتلة لا يزال منظرها حاضرا بين يدي حتى الساعة لا يفارقني، ~~فحزنت أمي عليه حزنا شديدا ما زال يدنو بها من القبر شيئا فشيئا حتى جاءت ساعتها، فحضر ~~موتها رسول من رسل المسيح كان لا يزال يختلف إليها من حين إلى حين، فدعتني إليها أمامه، ~~وقالت لي: «يا بنية، إن أمي قد ولدتني للشقاء في هذا العالم، وأحسب أني قد ولدتك له كذلك، ~~فحسبنا ذلك، ولا تكوني سببا في شقاء أحد من بعدك، وانذري نفسك للعذراء نذرا لا يحله إلا ~~الموت.» فأذعنت لأمرها وأشهدت الكاهن على نذري، فتلألأ وجهها بشرا وسرورا، ثم نظرت نظرة ~~في السماء وقالت: «هأنذا على إثرك يا رافائيل، ثم فاضت روحها».» # فاضطرب الفتى عند سماع هذا الاسم وقال لها: «هل تعرفين وطن أبيك وأسرته؟» # قالت: «نعم.» # وسمتهما له، فاستطير فرحا وسرورا، وقال: «أحمدك اللهم فقد وجدت ضالتي!» # فعجبت لأمره، وقالت: «وأي ضالة تريد؟» # قال: «أتذكرين ليلة اللقاء إذ امتزجت دمعتانا معا فقلت لك إنها صلة بيني وبينك لا ~~يقطعها إلا الموت؟» # قالت: «نعم.» # قال: «قد كنت أمت إليك قبل اليوم بحرمة الحب وحدها، فأصبحت أمت إليك بحرمة الحب ~~والقربى، فأنت اليوم حبيبتي وابنة خالي معا!» # فقالت بصوت خافت: «أحمد الله، فقد وجدت لي في هذه الساعة العصيبة أخا.» # وأخذ جسمها يضطرب اضطرابا شديدا، ووجهها يربد شيئا فشيئا، فذعر الفتى وارتاع، وحنا ~~عليها وقال: «ماذا أرى؟» # قالت: «لا ترع، فأصغ إلي؛ فإن لحديثي بقية لم تسمعها، إنني منذ حفظت وصية أمي ووهبت ~~العذراء نفسي، كان لا بد لي أن أتخذ لي ملجأ أفزع إليه في اليوم ms021 الذي أخاف أن يغلبني فيه ~~هواي على ديني، فكنت لا أزال أحمل تلك القارورة معي حتى جاء اليوم الذي خفته، فلجأت إليها، ~~فنجوت، وأستودعك الله.» # فنظر الفتى حيث أشارت، فرأى قارورة مطروحة وراءها فتناولها، فإذا هي فارغة إلا بقية صفراء ~~في قرارتها ففهم كل شيء. # هنالك شعر كأن شعبة من شعاب قلبه قد هوت بين أضلاعه، وكأن طائرا قد نفض جناحيه، ثم طار ~~عن رأسه إلى جو السماء، فصعق في مكانه صعقة لم يشعر بعدها بشيء مما حوله، فلم يستفق إلا ~~بعد حين، ففتح عينيه فإذا الفتاة بجانبه جثة باردة، وإذا الكاهن صاحب الكوخ واقف أمامه ~~يحمل على كفه طعاما كان قد جاء به إليهما، ويقلب نظره حائرا لا يفهم مما يرى شيئا، ~~فوثب الفتى إليه حتى صار أمامه وجها لوجه ونظر إليه نظرة شزراء كتلك النظرة التي يلقيها ~~الموتور على وجه واتره، وكأن قد خولط في عقله فأخذ يهذي، ويقول: «أتدري أيها الرجل لم ~~ماتت هذه الفتاة؟ لأنها وهبت نفسها للعذراء، ثم عرض لها الحب في طريقها فوقفت حائرة بين ~~قلبها ودينها، فلم تجد لها سبيلا إلى الخلاص إلا سبيل الانتحار فانتحرت. تلك جرائمكم يا ~~رجال الأديان التي تقترفونها على وجه الأرض، ما كفاكم أن جعلتم أمر الزواج في أيديكم تحلون ~~منه ما تحلون، وتربطون ما تربطون، حتى قضيتم بتحريمه قضاء مبرما لا يقبل أخذا ولا ~~ردا! # إن الذي خلقنا وبث أرواحنا في أجسامنا هو الذي خلق لنا هذه القلوب وخلق لنا فيها الحب، ~~فهو يأمرنا أن نحب، وأن نعيش في هذا العالم سعداء هانئين، فما شأنكم والدخول بين المرء ~~وربه، والمرء وقلبه؟ # إن الله بعيد في علياء سمائه عن أن تتناوله أنظارنا، وتتصل به حواسنا، ولا سبيل لنا أن ~~نراه إلا في جمال مصنوعاته وبدائع آياته، فلا بد لنا من أن نراها ونحبها لنستطيع أن نراه ~~ونحبه. # إن كنتم تريدون أن نعيش على وجه الأرض بلا حب، فانتزعوا من بين جنوبنا هذه القلوب ~~الخفافة ثم اطلبوا منا بعد ms022 ذلك ما تشاءون؛ فإننا لا نستطيع أن نعيش بلا حب ما دامت لنا ~~أفئدة خافقة. # أتظنون أيها القوم أننا ما خلقنا في هذه الدنيا إلا لننتقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة ~~الدير، ومن ظلمة الدير إلى ظلمة القبر؟ بئست الحياة حياتنا إذن، وبئس الخلق خلقنا، إننا لا ~~نملك في هذه الدنيا سعادة نحيا بها غير سعادة الحب، ولا نعرف لنا ملجأ نلجأ إليه من هموم ~~العيش وأرزائه سواها، ففتشوا لنا عن سعادة غيرها قبل أن تطلبوا منا أن نتنازل لكم ~~عنها. # هذه الطيور التي تغرد في أفنائها إنما تغرد بنغمات الحب، وهذا النسيم الذي يتردد في ~~أجوائه إنما يحمل في أعطافه رسائل الحب، وهذه الكواكب في سمائها، والشموس في أفلاكها، ~~والأزهار في رياضها، والأعشاب في مروجها، والسوائم في مراتعها، والسوارب في أحجارها ... إنما ~~تعيش جميعا بنعمة الحب، فمتى كان الحيوان الأعجم والجماد الصامت - أيها القساة المستبدون - ~~أرفع شأنا من الإنسان الناطق وأحق منه بنعمة الحب والحياة؟! # فهنيئا لها جميعها أنها لا تعقل عنكم ما تقولون، ولا تسمع منكم ما تنطقون، فقد نجت بذلك ~~من شر عظيم، وشقاء مقيم. # إننا لا نعرفكم أيها القوم ولا ندين بكم، ولا نعترف لكم بسلطان على أجسامنا أو أرواحنا، ~~ولا نريد أن نرى وجوهكم أو نسمع أصواتكم، فتواروا عنا واذهبوا وحدكم إلى معابدكم أو ~~مغاوركم، فإنا لا نستطيع أن نتبعكم إليها، ولا أن نعيش معكم فيها. # إن وراءنا نساء ضعاف القلوب ورجالا ضعاف العقول، ونحن نخافكم عليهم أن يمتد شركم إليهم، ~~فلا بد لنا أن نقف في وجوهكم ونعترض سبيلكم لنذودكم عنهم حتى لا تصلوا إليهم فتفسدوا عليهم ~~البقية الباقية من قلوبهم وعقولهم. # إنا لا نعبد إلا الله وحده، ولا نشرك به غيره، وفي استطاعتنا أن نعرف الطريق إليه وحدنا ~~بدون دليل يدلنا عليه، فلا حاجة لنا بكم ولا بوساطتكم. # كتاب الكون يغنينا عن كتابكم، وآيات الله تغنينا عن آياتكم، وأناشيد الطبيعة ونغماتها ~~تغنينا عن أناشيدكم ونغماتكم، هذا الجمال المترقرق في سماء الكون وأرضه ms023 ، وناطقه وصامته، ~~ومتحركه وساكنه، إنما هو مرآة نقية صافية ننظر فيها فنرى وجه الله الكريم مشرقا ~~متلألئا، فنخر بين يديه ساجدين، ثم نصغي إليه لنستمع وحيه، فنسمعه يقول لنا: أيها الناس، ~~إنما خلق الجمال متعة لكم فتمتعوا به، وإنما خلقتم حياة للجمال فأحيوه. # ذلك أمر الله الذي نسمعه ولا نسمع أمرا سواه.» # وما إن وصل في حديثه إلى هذا الحد حتى ثقل لسانه، ووهنت عزيمته، وارتعدت مفاصله، فسقط في ~~مكانه يزفر زفيرا شديدا، ويئن أنينا محزنا، فاقترب منه الشيخ ووضع يده على رأسه، وقال ~~له: «ارفق بنفسك يا بني؛ فما أنت بأول ثاكل على وجه الأرض، ولا فقيدك بأول راحل عنها، وإن ~~في رحمة الله ورضوانه عزاء للصابرين وجزاء للمحسنين.» # فأهوى الفتى على يده وأخذ يقبلها، ويقول: «اغفر لي ذنبي يا أبت، فقد كنت من ~~الظالمين.» # قال: «غفر الله لك يا بني؛ فما دون رحمة الله باب موصد ولا رتاج معترض.» # قال له: «يا أبت، إن هذه الفتاة غريبة عن هذه الأرض، وليس لها فيها أحد سواي، وقد ماتت ~~من أجلي وفي سبيلي، فهل تأذن لي أن أدنو منها لأقبلها قبلة الوداع في آخر ساعة من ساعاتها ~~على وجه الأرض؟» # قال: «افعل يا بني.» # فزحف على ركبتيه حتى بلغ مكانها فضمها إليه ضمة شديدة وأهوى بفمه على فمها، فقبلها لأول ~~مرة في حياته قبلة فاضت روحه فيها. # في الساعة التي دفن فيها هذان الشهيدان تحت تلك الشجرة المورقة على شاطئ ذلك النهر ~~الجاري، مرت بكوخ العجوز امرأة من جاراتها كانت تعتادها الزيارة من حين إلى حين، فنظرت إلى ~~مكانها الذي اعتادت أن تتخذه من حافة ذلك القبر المفتوح فرأته خاليا، فأشرفت على الحفرة ~~فوجدتها متردية فيها، معفرة بترابها، لا حراك بها، فملأت بالتراب الذي كان مجتمعا حول ~~الحفرة تلك الأشبار الخمسة التي هي مسافة ما بين الحياة والموت، ثم أسبلت فوق تربتها دمعة ~~كانت هي كل نصيبها من الدنيا! # | الحجاب # موضوعة # ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا ms024 ، فلبث فيها بضع سنين، ثم عاد وما بقي مما ~~كنا نعرفه منه شيء. # ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها، وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة، ~~وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر، وعاد بقلب ملفف مدخول لا ~~يفارقه السخط على الأرض وساكنها، والنقمة على السماء وخالقها، وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل ~~نفس فوقها، وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئا فوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما ~~تحتها، وذهب برأس مملوء حكما ورأيا، وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملؤه إلا الهواء ~~المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه، وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه ~~منهما. # وكنت أرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين من ~~تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغا، لا تلبث أن تطلع عليها ~~شمس المشرق حتى تتصل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء، وأن مكان المدنية الغربية من نفوسهم ~~مكان الوجه من المرآة، إذا انحرف عنها زال خياله منها. # فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق ولبسته على علاته، وفاء بعهده السابق ورجاء لغده ~~المنتظر، محتملا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة ~~لمثلي باحتمال مثله، حتى جاءني ذات ليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي ~~به. # دخلت عليه فرأيته واجما مكتئبا، فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء، فسألته ما باله؟ ~~فقال: «ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه، ولا أدري ~~مصير أمري فيه.» # قلت: «وأي امرأة تريد؟» # قال: «تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي ~~وآمالي.» # قلت: «إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تتحدث؟» # قال: «ليس لي في الحياة إلا أمل واحد، هو أن أغمض عيني ثم أفتحهما فلا أرى برقعا على ~~وجه امرأة في هذا البلد!» # قلت: «ذلك ما لا تملكه ولا رأي لك فيه.» # قال ms025 : «إن كثيرا من الناس يرون في الحجاب رأيي، ويتمنون في أمره ما أتمنى، ولا يحول بينهم ~~وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز ~~والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد. # فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي القديم الذي وقف سدا دون سعادة الأمة ~~وارتقائها دهرا طويلا، وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية ~~وأشياعها. # فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته، وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات ~~العظام والرزايا الجسام، وزعمت أنها إن برزت إلى الرجال؛ فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى ~~النساء بعد ذلك حياء منهن وخجلا. # ولا خجل هناك ولا حياء، ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في ~~هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرة ~~الدنيا إلى مقبرة الآخرة، فلا بد لي أن أبلغ أمنيتي، وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر ~~علاجا ينتهي بإحدى الحسنيين: إما بكسره أو بشفائه.» # فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي هما وحزنا، ونظرت إليه نظرة الراحم الراثي، وقلت: ~~«أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟» # قال: «نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها، واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعا ~~حيث وقعت.» # قلت: «هل تأذن لي أن أقول لك إنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهم ~~ونسائهم، فهل تذكر أن نفسك حدثتك يوما من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك ~~يمينك من أعراض نسائهم، فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه؟» # قال: «ربما وقع لي شيء من ذلك، فماذا تريد؟» # قلت: «أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلم به من الناس ما ألم بأعراض الناس ~~منك؟» # قال: «إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد ~~إليه ms026 المطامع.» # فتداخلني ما لم أملك نفسي معه، وقلت له: «تلك هي الخدعة التي يخدعكم بها الشيطان أيها ~~الضعفاء، والثلمة التي يعثر بها في زوايا رءوسكم فينحدر منها إلى عقولكم ومدارككم ~~فيفسدها عليكم، فالشرف كلمة لا وجود لها في قواميس اللغة ومعاجمها، فإن أردنا أن نفتش عنها ~~في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها، والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافيا رائقا ~~حتى يسقط فيه حجر فإذا هو مستنقع كدر، والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها، ~~وقلما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة.» # قال: «أتنكر وجود العفة بين الناس؟» # قلت: «لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين البله الضعفاء والمتكلفين، ولكني أنكر ~~وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة المترفقة إذا سقط بينهما الحجاب وخلا وجه ~~كل منهما لصاحبه. # في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم؟! # أفي جو المتعلمين، وفيهم من سئل مرة لم لم يتزوج، فأجاب: نساء البلد جميعا ~~نسائي؟! # أم في جو الطلبة، وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه حياء وخجلا إن خلت محفظته ~~يوما من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته، أو أقفرت من رسائل الحب والغرام؟! # أم في جو الرعاع والغوغاء، وكثير منهم يدخل البيت خادما ذليلا، ويخرج منه صهرا ~~كريما؟! # وبعد: فما هذا الولع بقصة المرأة، والتمطق بحديثها، والقيام والقعود بأمرها وأمر ~~حجابها وسفورها، وحريتها وأسرها، كأنما قد قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم، فلم يبق ~~إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم؟! # هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء ~~أعجز! # أبواب الفخر أمامكم كثيرة، فاطرقوا أيها شئتم، ودعوا هذا الباب موصدا، فإنكم إن فتحتموه ~~فتحتم على أنفسكم ويلا عظيما وشقاء طويلا. # أروني رجلا واحدا منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها، ~~فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه! # إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه، وتطلبون عندها ما لا ms027 تعرفونه عند أنفسكم، ~~فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرة لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها، وما ~~أحسبكم إلا خاسرين. # ما شكت المرأة إليكم ظلما، ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها، فما ~~دخولكم بينها وبين نفسها؟ وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟ # إنها لا تشكو إلا فضولكم وإسفافكم، ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيثما سارت وأينما ~~حلت، حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلا إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما ~~سجنها أهلها، فأوصدت من دونها بابها، وأسبلت أستارها؛ تبرما بكم، وفرارا من فضولكم، فوا ~~عجبا لكم! تسجنونها بأيديكم ثم تقفون على باب سجنها تبكونها وتندبون شقاءها! # إنكم لا ترثون لها بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل ~~جوها تبرجا وسفورا، ويتدفق خلاعة واستهتارا، تودون بجدع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش ~~الذي خلفتموه هناك. # لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء، فما زلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ~~ثقبا والعفة تتسلل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى ~~جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة! # عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشتها، ~~ترى السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، ~~أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في ~~خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما، وكانت تفهم معنى الحب وتجهل معنى ~~الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب ~~أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب. # فقلتم لها: إن هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلا ولا أفضل رأيا، ~~ولا أقدر على النظر لك من نظرك لنفسك، فلا حق لهم في هذا ms028 السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم ~~عليك؛ فازدرت أباها، وتمردت على زوجها، وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرسا من الأعراس ~~الضاحكة مناحة قائمة لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها. # وقلتم لها: لا بد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك، فاختارت ~~لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزد عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل ~~بعد ذلك والعذاب الأليم. # وقلتم لها: إن الحب أساس الزواج؛ فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة حتى ~~شغلها الحب عن الزواج فعنيت به عنه. # وقلتم لها: إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها، وما كانت تعرف إلا أن الزوج ~~غير العشيق، فأصبحت تطلب في كل يوم زوجا جديدا يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوج القديم، ~~فلا قديما استبقت ولا جديدا أفادت! # وقلتم لها: لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك، والقيام على شئون بيتك، فتعلمت كل شيء ~~إلا تربية ولدها، والقيام على شئون بيتها! # وقلتم لها: نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها، ويلائم ذوقها ذوقنا، وشعورها ~~شعورنا، فرأت أن لا بد لها أن تعرف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم لتتجمل لكم بما تحبون، ~~فراجعت فهرس حياتكم صفحة صفحة فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضحكات ~~اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن؛ فتخلعت واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل ~~عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف تعرض نفسها عليكم عرضا، كما تعرض ~~الأمة نفسها في سوق الرقيق، فأعرضتم عنها ونبوتم بها. # وقلتم لها: إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعا ~~ساقطات إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة وقد أباها الخليع، وترفع ~~عنها المحتشم، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت. # وكذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعا وتمشت الظنون بين رجالها ونسائها، فتعاجز ~~الفريقان، وأظلم الفضاء بينهما، وأصبحت البيوت كالأديرة، لا يرى فيها الرائي إلا رجالا ~~مترهبين ونساء عانسات. # ذلك بكاؤكم على ms029 المرأة أيها الراحمون، وهذا رثاؤكم لها وعطفكم عليها! # نحن نعلم - كما تعلمون - أن المرأة في حاجة إلى العلم، فليهذبها أبوها أو أخوها، ~~فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم، فليحسن الآباء اختيار ~~الأزواج لبناتهم، وليجمل الأزواج عشرة نسائهم، وإلى النور والهواء تبرز إليهما وتتمتع فيهما ~~بنعمة الحياة، فليأذن لها أولياؤها بذلك، وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها، كما ~~يرافق الشاة راعيها خوفا عليها من الذئاب، فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والإخوة والأزواج ~~بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعها، نسائها ورجالها، فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها ~~من الرجل على إصلاحها. # أعجب ما أعجب له في شئونكم أنكم تعلمتم كل شيء إلا شيئا واحدا، هو أدنى إلى مدارككم ~~أن تعلموه قبل كل شيء، وهو أن لكل تربة نباتا ينبت فيها، ولكل نبات زمنا ينمو ~~فيه! # رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ضرورياتها؛ فاشتغلتم ~~بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء! # ورأيتم الفلاسفة فيها ينشرون فلسفة الكفر بين شعوب ملحدة لها من عقولها وآدابها ما ~~يغنيها بعض الغناء عن إيمانها، فاشتغلتم بنشرها بين أمة ضعيفة ساذجة لا يغنيها عن إيمانها ~~شيء، إن كان هناك ما يغني عنه! # ورأيتم الرجل الأوروبي حرا مطلقا، يفعل ما يشاء، ويعيش كما يريد؛ لأنه يستطيع أن يملك ~~نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود الحرية التي رسمها لنفسه فلا ~~يتخطاها، فأردتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسها رجلا ضعيف الإرادة والعزيمة، يعيش من حياته ~~الأدبية في رأس منحدر زلق، إن زلت به قدمه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك حتى ~~يبلغ الهوة ويتردى في قرارتها. # ورأيتم الزوج الأوروبي الذي أطفأت البيئة غيرته وأزالت خشونة نفسه وحرشتها يستطيع أن ~~يرى زوجته تخاصر من تشاء، وتصاحب من تشاء، وتخلو بمن تشاء، فيقف أمام ذلك المشهد موقف ~~الجامد المتبلد، فأردتم الرجل الشرقي الغيور الملتهي أن يقف موقفه ms030 ، ويستمسك ~~استمساكه. # ورأيتم المرأة الأوروبية الجريئة المتفتية في كثير من مواقفها مع الرجال تحتفظ بنفسها ~~وكرامتها، فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن تبرز للرجال بروزها، وتحتفظ بنفسها ~~احتفاظها! # وكل نبات يزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، ~~وإما أن ينشب فيها فيفسدها. # إنا نضرع إليكم باسم الشرف الوطني والحرمة الدينية أن تتركوا تلك البقية الباقية من نساء ~~الأمة مطمئنات في بيوتهن، ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن، فكل جرح من ~~جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف، فإن أبيتم إلا أن تفعلوا فانتظروا بأنفسكم قليلا ريثما ~~تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا ~~في حياتكم الجديدة سعداء آمنين.» # فما زاد الفتى على أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية، وقال: «تلك حماقات ما جئنا ~~إلا لمعالجتها، فلنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها.» # فقلت له: «لك أمرك في نفسك وفي أهلك فاصنع بهما ما تشاء، وائذن لي أن أقول لك إني لا ~~أستطيع أن أختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاء عليك وعلى نفسي؛ لأني أعلم أن الساعة التي ينفرج ~~لي فيها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه امرأة من أهلك تقتلني حياء وخجلا.» ثم انصرفت، ~~وكان هذا فراق ما بيني وبينه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانا هتك الستر في منزله بين نسائه ~~ورجاله، وأن بيته أصبح مغشيا، لا تزال النعال خافقة ببابه، فذرفت عيني دمعة، لا أعلم ~~هل هي دمعة الغيرة على العرض المذال، أو الحزن على الصديق المفقود؟ # مرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره فيها ولا يزورني، ولا ألقاه في طريقه إلا ~~قليلا فأجيبه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر، ثم أنطلق في ~~سبيلي. # فإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس، وقد مضى الشطر الأول من الليل؛ إذ رأيته خارجا من منزله ~~يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبة جندي ms031 من جنود الشرطة، كأنما هو يحرسه أو يقتاده، فأهمني ~~أمره، ودنوت منه، فسألته عن شأنه، فقال: «لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة ~~بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة، ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببا، وما أنا ~~بالرجل المذنب ولا المريب، فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني ~~الليلة في وجهي هذا علني أحتاج إلى بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشئون؟» # ومشيت معه صامتا لا أحدثه، ولا يقول لي شيئا، ثم شعرت كأنه يزور في نفسه كلاما ~~يريد أن يفضي به إلي، فيمنعه الخجل والحياء، ففاتحته الحديث وقلت له: «ألا تستطيع أن ~~تتذكر لهذه الدعوة سببا؟» # فنظر إلي نظرة حائرة، وقال: «إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث، ~~فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة، وما كان ذلك شأنها من قبل.» # قلت: «أما كان يصحبها أحد؟» # قال: «لا.» # قلت: «ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟» # قال: «لا»، قلت: «ومم تخاف عليها؟» # قال: «لا أخاف شيئا سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء، فلعل بعض الناس حاول العبث ~~بها في طريقها، فشرست عليه، فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى مخفر الشرطة.» # وكنا قد وصلنا إلى المخفر، فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور، فوقفنا بين يديه، فأشار إلى ~~جندي أمامه إشارة لم نفهمها، ثم استدنى الفتى إليه وقال له: «يسوءني أن أقول لك يا سيدي ~~إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة برجل وامرأة، في حال غير صالحة، ~~فاقتادوهما إلى المخفر، فزعمت المرأة أن لها بك صلة، فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها، ~~فإن كانت صادقة أذنا لها بالانصراف معك إكراما لك وإبقاء على شرفك، وإلا فهي امرأة ~~عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات، وها هما وراءك فانظرهما.» # وكان الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى، فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته وإذا الرجل أحد ms032 ~~أصدقائه، فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر وملأت نوافذه وأبوابه عيونا وآذانا، ثم سقط في ~~مكانه مغشيا عليه. فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها، ففعل، وأطلق سبيل ~~صاحبها، ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله ودعونا له الطبيب، فقرر أنه مصاب بحمى دماغية ~~شديدة، ولبث ساهرا بجانبه بقية الليل يعالجه حتى دنا الصبح، فانصرف على أن يعود متى ~~دعوناه، وعهد إلي بأمره، فلبثت بجانبه أرثي لحاله وأنتظر قضاء الله فيه، حتى رأيته يتحرك ~~في مضجعه، ثم فتح عينيه فرآني، فلبث شاخصا إلي هنيهة كأنما يحاول أن يقول لي شيئا فلا ~~يستطيعه، فدنوت منه وقلت له: «هل من حاجة يا سيدي؟» # فأجاب بصوت ضعيف خافت: «حاجتي ألا يدخل علي من الناس أحد.» # قلت: «لن يدخل عليك إلا من تريد.» # فأطرق هنيهة، ثم رفع رأسه فإذا عيناه مخضلتان بالدموع، فقلت: «ما بكاؤك يا سيدي؟» # قال: «أتعلم أين زوجتي الآن؟» # قلت: «وماذا تريد منها؟» # قال: «لا شيء سوى أن أقول لها إني قد عفوت عنها.» # قلت: «إنها في بيت أبيها.» # قال: «وا رحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها، فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي شرفاء أمجادا، ~~فألبستهم مذ عرفوني ثوبا من العار لا تبلوه الأيام. # من لي بمن يبلغهم عني جميعا أنني مريض مشرف على الموت، وأنني أخشى لقاء الله إن لقيته ~~بدمائهم، وأنني أضرع إليهم أن يصفحوا عني ويغتفروا زلتي قبل أن يسبق إلي أجلي؟ # لقد كنت أقسمت لأبيها يوم اهتديتها أن أصون عرضها صيانتي لحياتي، وأن أمنعها مما ~~أمنع منه نفسي، فحنثت في يميني، فهل يغفر لي ذنبي فيغفر لي الله بغفرانه؟ # نعم إنها قتلتني! ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي أغمدته في صدري، فلا يسألها ~~أحد عن ذنبي، البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي ~~إلى زوجتي، فلم يذنب إلي أحد سواي.» # ثم أمسك عن الكلام هنيهة، فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه شيئا فشيئا، ~~حتى لبست وجهه، فزفر ms033 زفرة خلت أنها خرقت حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول: «آه، ما أشد الظلام ~~أمام عيني! وما أضيق الدنيا في وجهي! في هذه الغرفة، على هذا المقعد، تحت هذا السقف كنت ~~أراهما جالسين يتحدثان فتملأ نفسي غبطة وسرورا، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفي ~~يؤنس زوجتي في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي. فقولوا للناس جميعا: إن ذلك ~~الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته ويزعم أنه أكيس الناس وأحزمهم، قد أصبح يعترف ~~اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها. وا لهفا ~~على أم لم تلدني وأب عاقر لا نصيب له من البنين! # لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ~~ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدقون إلي ويطيلون النظر في وجهي، ليروا كيف تتمثل ~~البلاهة في وجوه البله، والغباوة في وجوه الأغبياء! # ولعل الذين كانوا يتوددون إلي ويتمسحون بي من أصدقائي إنما كانوا يفعلون ذلك من أجلها ~~لا من أجلي، ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم قوادا ويسمون زوجتي مومسا وبيتي ماخورا، ~~وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم! # فوا رحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة! ووا لهفا على زاوية منفردة ~~في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي!» # ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه. # وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته بجانب فراشه ثم تركته وانصرفت، ~~فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر أبيه، فأحس به ففتح عينيه، فرآه فابتسم لمرآه، ~~وضمه إلى صدره ضمة الرفق والحنان، وأدنى فمه من وجهه ليقبله، ثم انتفض فجأة واستسر بشره ~~ودفعه عنه بيده دفعة شديدة وأخذ يصيح: «أبعدوه عني، لا أعرفه، ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا ~~أمه عن أبيه من هو واذهبوا به إليه! لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثرا خالدا ورائي بعد ~~مماتي.» # وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبت ms034 به؛ فسمع صوته وهو يبتعد عنه ~~شيئا فشيئا فأنصت إليه واستعبر باكيا، وصاح: «أرجعوه إلي.» فعادت به المرضع، فتناوله ~~من يدها وأنشأ يقلب نظره في وجهه ويقول: «في سبيل الله يا بني ما خلف لك أبوك من اليتم، ~~وما خلفت لك أمك من العار، فاغفر لهما ذنبهما إليك، فلقد كانت أمك امرأة ضعيفة فعجزت عن ~~احتمال صدمة القضاء فسقطت، وكان أبوك أحسن في جريمته التي اجترمها، فأساء من حيث أراد ~~الإحسان! سواء أكنت ولدي يا بني أم ولد الجريمة فإني قد سعدت بك حقبة من الدهر، فلا أنسى ~~يدك عندي حيا أو ميتا!» # ثم احتضنه إليه، وقبله في جبينه قبلة لا أعلم هل هي قبلة الأب الرحيم أو المحسن ~~الكريم؟ # وكان قد بلغ منه الجهد، فعاودته الحمى وغلت نارها في رأسه، وما زال يثقل شيئا فشيئا حتى ~~خفت عليه التلف، فأرسلت وراء الطبيب فجاء وألقى عليه نظرة طويلة ثم استردها مملوءة يأسا ~~وحزنا، ثم بدأ ينزع نزعا شديدا ويئن أنينا مؤلما، فلم تبق عين من العيون المحيطة به ~~إلا ارفضت عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها. # فإنا لجلوس حوله وقد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره إذا امرأة مؤتزره بإزار ~~أسود قد دخلت الحجرة، وتقدمت نحوه ببطء حتى ركعت بجانبه، ثم أكبت على يده الموضوعة فوق ~~صدره فقبلتها، وأخذت تقول له: «لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أمه تعترف بين ~~يديك وأنت ذاهب إلى ربك أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة ولكنها لم ترتكبها، فاعف عني يا ~~والد ولدي، واسأل الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك، فلا خير لي في الحياة من ~~بعدك.» # ثم انفجرت باكية ... ففتح عينيه، وألقى على وجهها نظرة باسمة، كانت هي آخر عهده بالحياة ~~وقضى. # الآن عدت من المقبرة بعدما دفنت صديقي بيدي وأودعت حفرة القبر ذلك الشباب الناضر، والروض ~~الزاهر، وجلست لكتابة هذه السطور وأنا لا أكاد أملك مدامعي وزفراتي، فلا يهون وجدي عليه ~~إلا ms035 أن الأمة كانت على باب خطر عظيم من أخطارها، فتقدم هو أمامها إلى ذلك الخطر وحده ~~فاقتحمه فمات شهيدا، فنجت بهلاكه. # | الذكرى # مترجمة # وقف أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة بعد انكساره أمام جيوش الملك فرديناند والملكة إيزابيلا ~~على شاطئ الخليج الرومي تحت ذيل جبل طارق قبل نزوله إلى السفينة المعدة لحمله إلى أفريقيا، ~~وقد وقف حوله نساؤه وأولاده وعظماء قومه من بني الأحمر، فألقى على ملكه الذاهب نظرة طويلة ~~لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع، ثم أدنى رداءه من وجهه وأنشأ يبكي بكاء مرا، وينشج ~~نشيجا محزنا حتى بكى من حوله لبكائه، وأصبح شاطئ البحر كأنه مناحة قائمة تتردد فيها ~~الزفرات، وتسبق العبرات، فإنه لواقف موقفه هذا وقد ذهل عن نفسه وموقفه إذ أحس هاتفا يهتف ~~باسمه، بصوت كأنما ينحدر إليه من علياء السماء، فرفع رأسه فإذا شيخ ناسك متكئ على عصاه ~~واقف على باب مغارة من مغارات الجبل المشرف عليه ينظر إليه ويقول: «نعم، لك أن تبكي أيها ~~الملك الساقط على ملكك بكاء النساء، فإنك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال. إنك ضحكت بالأمس ~~كثيرا، فابك اليوم بمقدار ما ضحكت بالأمس، فالسرور نهار الحياة والحزن ليلها، ولا يلبث ~~النهار الساطع أن يعقبه الليل القاتم. # لو أن ما ذهب من يدك من ملكك ذهب بصدمة من صدمات القدر، أو نازلة من نوازل القضاء، من ~~حيث لا حول لك في ذلك ولا حيلة، لهان أمره عليك، أما وقد أضعته بيدك، وأسلمته إلى عدوك ~~باختيارك، فابك عليه بكاء النادم المتفجع الذي لا يجد له عن مصابه عزاء ولا ~~سلوى. # لا يظلم الله عبدا من عباده، ولا يريد بأحد من الناس في شأن من الشئون شرا ولا ضيرا، ~~ولكن الناس يأبون إلا أن يقفوا على حافة الهوة الضعيفة فتزل بهم أقدامهم، ويمشوا تحت الصخرة ~~البارزة المشرفة فتسقط على رءوسهم. # لم تقنع بما قسم الله لك من الرزق، فأبيت إلا الملك والسلطان، فنازعت عمك الأمر، واستعنت ~~عليه بعدوك وعدوه، فتناول رأسيكما معا، وما زال يضرب ms036 أحدهما بالآخر حتى سال تحت قدميكما ~~قليب من الدم فغرقتما فيه معا. # لي فوق هذه الصخرة يا بني الأحمر سبعة أعوام أنتظر فيها هذا المصير الذي صرتم إليه، ~~وأترقب الساعة التي أرى فيها آخر ملك منكم يرحل عن هذه الديار رحلة لا رجعة من بعدها؛ ~~لأني أعلم أن الملك الذي يتولى أمره الجاهلون الأغبياء لا دوام له ولا بقاء. # اتخذ بعضكم بعضا عدوا؛ وأصبح كل واحد منكم حربا على صاحبه، فسقتم المسلمين إلى ميادين ~~القتال يضرب بعضكم وجوه بعض، والعدو رابض من ورائكم يتربص بكم الدوائر، ويرى أن كلا منكم ~~قائد من قواده ينبعث بين يديه لقتال أعدائه، والمناضلة على ملكه، حتى رآكم تتهافتون على ~~أنفسكم ضعفا ووهنا فاقتحمكم، فما هي إلا جولة أو جولتان حتى ظفر بكم معا. # ستقفون غدا بين يدي الله يا ملوك الإسلام، وسيسألكم عن الإسلام الذي أضعتموه وهبطتم به ~~من علياء مجده حتى ألصقتم أنفه بالرغام، وعن المسلمين الذين أسلمتموهم بأيديكم إلى أعدائهم ~~ليعيشوا بينهم عيش البائسين المستضعفين، وعن مدن الإسلام وأمصاره التي اشتراها آباؤكم ~~بدمائهم وأرواحهم ثم تركوها في أيديكم لتذودوا عنها، وتحملوا ذمارها، فلم تحركوا في شأنها ~~ساكنا حتى غلبكم أعداؤكم عليها، فأصبحتم تعيشون فيها عيش الأذلاء، وتطردون منها كما يطرد ~~الغرباء، فماذا يكون جوابكم إن سئلتم عن هذا كله غدا؟ # ها هي ذي النواقيس ترن في شرفات المآذن بدل الأذان، وها هي ذي المساجد تطأ نعال الصليبيين ~~في تربتها مواقع جباه المسلمين، وها هو ذا المسلم يفر بدينه من مكان إلى مكان، ويلوذ ~~بأكناف الهضاب والشعاب، لا يستطيع أن يؤدي شعيرة من شعائر دينه إلا في غار كهذا الغار ~~الذي أعيش فيه! # ليت المسلمين عاشوا دهرهم فوضى لا نظام لهم ولا ملك ولا سلطان، كما يعيش المشردون في آفاق ~~البلاد، فقد كان خيرا لهم من أن يتولى أمرهم رجال مثلكم طامعون مستبدون يلفون على أعناقهم ~~جميعا غلا واحدا يسوقونهم به إلى موارد التلف والهلاك من حيث لا يستطيعون ذودا عن ~~أنفسهم، وما ms037 تفعل الفوضى بأمة ما يفعل بها الاستبداد. # يسألكم الله يا بني الأحمر عني وعن أولادي الذين انتزعتموهم من يدي انتزاعا أحوج ما كنت ~~إليهم، وسقتموهم إلى ميادين القتال ليقاتلوا إخوانهم المسلمين قتالا لا شرف فيه ولا فخار، ~~حتى ماتوا جميعا موت الأذلاء الأدنياء، فلا أنتم تركتموهم بجانبي آنس بهم في وحشتي وألجأ ~~إلى معونتهم في شيخوختي، ولا أنتم ذهبتم بهم إلى ميدان قتال شريف فأتعزى عنهم من بعدهم ~~بأنهم ماتوا فداء عن دينهم ووطنهم، فهأنذا عائش من بعدهم وحدي في هذا الغار الموحش، فوق ~~هذه الصخرة المنقطعة أبكي عليهم، وأسأل الله أن يلحقني بهم، فمتي يستجيب الله ~~دعائي؟» # ثم اختنق صوته بالبكاء، فأدار وجهه ومشى بقدم مطمئنة يتوكأ على عصاه حتى دخل مغارته وغاب ~~عن العيون، فنالت كلماته من نفس الأمير ما لم ينل منها ضياع ملكه وسقوط عرشه، فصاح: «ما ~~هذا بشرا، إنما هو صوت العدل الإلهي ينذرني بشقاء المستقبل فوق شقاء الماضي، فليصنع الله ~~بي ما يشاء، فعدل منه كل ما صنع.» # ثم انحدر إلى سفينته وانحدر أهله وراءه، فسارت السفينة بهم تشق عباب الماء شقا، فسجل ~~التاريخ في تلك الساعة: أن قد تم جلاء العرب عن الأندلس بعدما عمروها ثمانمائة عام. # بعد مرور أربعة وعشرين عاما على تلك الحوادث، لم يبق في إفريقية حي من بني الأحمر إلا ~~فتى في العشرين من عمره، اسمه «سعيد» لم ير غرناطة، ولا قصر الحمراء، ولا المرج، ولا جنة ~~العريف، ولا نهر شنيل، ولا عين الدمع، ولا جبل الثلج، ولكنه ما زال يحفظ في ذاكرته من عهد ~~الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي كان يترنم بها نساء قومه حول مهده، ويرددن ~~فيها ذكر آبائه وأجداده وآثار أيديهم وعزة سلطانهم في تلك البقاع، وتلك المراثي المحزنة ~~المؤثرة التي بكى فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والملك المضاع، فكان كلما خلا إلى ~~نفسه ردد تلك المراثي بنغمة شجية محزنة تستثير عبرته، وتهيج أشجانه، فلا يزال يبكي وينتحب ~~حتى يشرف على التلف، فكان لا ms038 يتمنى على الله من كل ما يتمنى امرؤ على ربه في حياته إلا أن ~~يرى غرناطة ساعة من زمان يشفي بها غلة نفسه، ثم ليصنع الدهر به بعد ذلك ما ~~يشاء. # وكان كلما هم بالذهاب إليها قعد به عن ذلك أن وراءه عجوزا من أهله مريضة، وما كان ~~يستطيع أن يتركها، ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشأنها حتى وافاها أجلها، فركب البحر من ~~سبتة إلى شاطئ ملقة، ثم انحدر منها إلى غرناطة متنكرا في ثوب طبيب عربي من أطباء ~~الأعشاب يتبقل في جبال الأندلس وسهولها حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل، فوقف على هضبة من ~~هضاب جبل الثلج، فرأى الأمواه تنزلق عنه في هدوء وسكون، كأنها فوق سطحه اللامع المتلألئ ~~قميص من النور، أو قبة من البلور، حتى تصل إلى سفحه فإذا هى حيات بيضاء مذعورة، تنبعث ~~ههنا وههنا، لا هم لها إلا النجاة من يد مطاردها حتى تعثر بجدول ماء في طريقها فتدغم فيه ~~وتنساب في أحشائه. # ثم التفت إلى المدينة فرأى على البعد أبراجها العقيقية الحمراء، وقبابها العالية الشماء، ~~ومآذنها الذاهبة في جو السماء، فوقف أمام هذا المنظر الجليل المهيب موقف الخاشع المتخضع، ~~وضم إحدى يديه إلى الأخرى، ووضعهما على صدره كأنما هو قائم أمام المحراب يؤدي صلاته، ولبث ~~على ذلك برهة ثم صاح بصوت عال رددته الغابات والحرجات يقول: «هذا ميراث آبائي وأجدادي، لم ~~يبق لي منه إلا وقفة بين يديه كوقفة الثاكل المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي، والآثار ~~الدوارس. # هذه مضاجعهم ينام فيها أعداؤهم، وهم لا مضاجع لهم إلا رمال الصحراء وكثبان ~~الفلوات. # هذه قصورهم، تشرف على الأرض الفضاء، وتطل من عيون نوافذها، كأنما تترقب أن يعودوا إليها ~~فيعمروها كما كانوا فلا يفعلون. # هذه قبابهم وأبراجهم رافعة رأسها ليلها ونهارها إلى السموات العلا، تدعو الله أن يعيد ~~إليها بناتها وحماتها فلا يستجاب لها دعاء. # في هذه البساتين كانوا ينعمون، وتحت هذه الظلال كانوا يقيلون، وعلى ضفاف هذه الأنهار ~~كانوا يغدون ويروحون، واليوم لا غاد منهم ms039 ولا رائح، ولا سانح تحت هذه السماء ولا ~~بارح!» # ثم نظر إلى الأفق فرأى الشمس تنحدر إلى مغربها، ورأى جيش الليل يطارد فلول جيش النهار ~~فيبددها بين يديه تبديدا، فتهافت على نفسه وهو يقول: «هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان، ~~وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار، وهكذا تنتشر سحب الموت على وجه الحياة.» # ثم توسد ذراعه واستغرق في نومه بين وطاء الأرض وغطاء السماء، فلم يستفق حتى مضت دولة ~~الليل، فمشى إلى نهر جار في سفح الجبل فصلى عنده صلاة الفجر، ثم انحدر إلى المدينة يفتش ~~عن خان يأوي إليه، فلم يجد في طريقه من يرشده إلى طلبته حتى بلغ «شنيل»، فمشى على ضفته ~~يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر يقظة المدينة بعد هجعتها. # وإنه لكذلك إذ انفتح بين يديه باب قصر عظيم، وإذا فتاة إسبانية خارجة منه قد أسبلت على ~~وجهها خمارا أسود شفافا، وأرسلت على صدرها صليبا ذهبيا صغيرا، ومشى وراءها غلام يحمل ~~على يده الكتاب المقدس، فلمحته في مكانه فأدهشها موقفه، فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها، ~~فإذا الشمس طالعة حسنا وبهاء، وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة: «أغريب أنت عن هذا ~~البلد أيها الفتى؟» # قال: «نعم، لقد نزلت به الساعة فلم أعرف طريق الخان الذي يأوي إليه الغرباء، ولم أجد في ~~طريقي من يدلني عليه.» # فسمعت في صوته رنة الشرف، ورأت بين أعطافه مخائل النعمة فأهمها أمره، وأشارت إليه أن ~~يتبعها لتدله على ما يريد، فمشى بجانبها حتى بلغا موضع الخان، فحيته بابتسامه عذبة، ~~وقالت له: «لا تنس أن تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة.» ثم سارت في طريق ~~كنيستها. # كما أن السماء في ظلمة الليل تختلف إليها النجوم فتضيء صفحتها، وتمر بها الشهب فتلمع في ~~أرجائها، حتى إذا طلعت الشمس من مشرقها محا ضوؤها ضوء جميع تلك النيرات؛ كذلك القلب ~~الإنساني لا تزال تمر به مختلف العواطف وأشتات الأهواء مجتمعة ومفترقة، حتى إذا بلغ وأشرقت ~~عليه شمس الحب غربت بجانبها جميع تلك العواطف والأهواء. # فقد أصبح ms040 الأمير ينظر إلى غرناطة منذ الساعة بعين غير العين التي كان ينظر بها إليها من ~~قبل، ويرى في وجهها صورة الأنس بعد الوحشة، والنور بعد الظلمة، والحياة بعد الموت، فسكن ~~ثائره وبردت جوانحه، وهدأت في نفسه ثورة الغضب التي كانت لا تزال تعتلج بين أضلاعه، فكان ~~إذا مر بمسجد من تلك المساجد التي استحالت إلى كنائس، استطاع أن يقف أمامه هنيهة عله ~~يرى الفتاة الإسبانية بين الداخلات إليه أو الخارجات منه، وإذا رأى الصليب مشرفا على رأس ~~مئذنة ذكر الصليب الذهبي الجميل الذي رآه على صدرها يوم اللقاء، فاغتفر منظر هذا لمنظر ~~ذاك، وإذا سمع أصوات النواقيس ترن في أجواز الفضاء ذكر أنه كان يسمع ذلك الصوت الرنان في ~~الساعة التي رآها فيها، فأنس به وسكنت نفسه إليه. # وكذلك أصبح هذا الأمير المسكين ولا هم له إلا أن يتمشى صبيحة كل يوم على ضفاف نهر ~~«شنيل» يقلب نظره في أبواب القصور المشرفة على ذلك النهر؛ عله يعرف قصر الفتاة فلا ~~يعرفه، وفي وجوه الغاديات والرائحات من الفتيات عله يراها بينهن فلا يراها، حتى إذا نال ~~منه اليأس انكفأ راجعا إلى مقبرة آبائه في ظاهر المدينة فجلس بين القبور يذرف دموعا ~~غزارا، لا يعلم هل هي دموع الذكرى القديمة أو دموع الذكرى الجديدة! # نكب الدهر «فلورندا» منذ عامين نكبة لا تزال لوعتها متصلة بقلبها حتى اليوم، فقد كان ~~أبوها رئيس جمعية «العصابة المقدسة» التي قامت في وجه الحكومة أعواما طوالا، تطالبها ~~بالحرية الدينية والشخصية لجميع الشعوب المحكومة على اختلاف مذاهبها وأجناسها، حتى أعيا ~~رجال الحكومة أمرها، فدسوا لرئيسها من قتله غيلة تحت ستار الظلام، فحزنت ابنته عليه وعلى ~~أمها التي ماتت على إثره حزنا شديدا ما كان يفارقها في جميع غدواتها وروحاتها، فأصبحت وهي ~~لم تسلخ الثامنة من عمرها تعيش في قصورها عيش الزاهدات المتبتلات، فكان لا يراها الرائي إلا ~~ذاهبة إلى الكنيسة أو عائدة منها، لا يصحبها إلا غلامها، أو واقفة على أطلال الدولة ~~الماضية ورسومها تقلب فيها نظر العظة ms041 والاعتبار، أو هائمة على وجهها في مروج غرناطة ~~وبساتينها حتى ينزل ستار الليل فتعود إلى قصرها، وكذلك كان شأنها في جميع أيامها، حتى سماها ~~أهل غرناطة «الراهبة الجميلة». # فإنها لسائرة يوما بجانب مقبرة بني الأحمر، إذ لمحت على البعد فتى عربيا على أحد ~~القبور كأنما يقبل صفائحه ويبل تربته بدموعه، فرثت لحاله، ومشت نحوه حتى دانته فأحس ~~بها، فرفع رأسه، فعرفها وعرفته، فقالت له: «إنك تبكي ملوكك بالأمس أيها الفتى، فابكهم ~~كثيرا، فقد جف تراب قبورهم لقلة من يبكي عليهم!» # قال: «أترثين لهم يا سيدتي؟» # قالت: «نعم؛ لأنهم كانوا عظماء فنكبهم الدهر، وليس أحق بدموع الباكين من العظماء ~~الساقطين.» # قال: «شكرا لك يا سيدتي، فهذه أول ساعة شعرت فيها ببرد العزاء يدب في صدري مذ وطئت ~~قدماي أرضكم هذه.» # قال: «هل زرت قصورهم وآثارهم التي تركوها من بعدهم في هذه الديار؟» # فأطرق قليلا ثم رفع رأسه، فإذا دمعة تترجج في مقلتيه وقال: «لا يا سيدتي، لقد حاولت ~~الدنو منها فطردني عنها الموكلون بأبوابها، كأنما هم يجهلون أن ليس بين الأحياء جميعهم في ~~هذا العالم كله من هو أولى بها مني.» # قالت: «أتمت إلى أحد من أصحابها بنسب أو رحم؟» # قال: «لا يا سيدتي، ولكني عبدهم ومولاهم، وصنيعة أيديهم، وغرس نعمتهم، فلا أنسى ولاءهم ما ~~حييت.» # قالت: «إن رأيتك غدا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ذهبت بك إلى ما تريد منها.» # قال: «لئن فعلت لا يكونن امرؤ على وجه الأرض أشكر لنعمتك مني.» فحيته وانصرفت، ومضى هو ~~إلى خانه بين صبابة تقيمه وتقعده، وأمل يميته ويحييه. # وفت «فلورندا» لصديقها العربي بما وعدته به، فجاءته في اليوم الثاني فأزارته بعض الآثار، ~~ثم جاءته في اليوم الثالث فأزارته بعضا آخر منها، وهكذا، ما زالا يجتمعان كل يوم ويفترقان، ~~ويختلفان إلى ما شاءا من الرسوم والآثار، لا ينكر الناس من أمرهما شيئا، فقد كانوا يقولون ~~إذا رأوهما معا: إن الراهبة الجميلة تحاول أن تهدي الفتى العربي إلى دينها القويم، حتى ~~استحال العطف ms042 الذي كانت تضمره له في نفسها مع الأيام إلى حب شديد، وكذلك العطف دائما ~~طريق الحب، أو هو الحب نفسه لابسا ثوبا غير ثوبه، إلا أن أحدا منهما لم يجرؤ أن يكاشف ~~صاحبه بما أضمره له في نفسه، حتى جاء اليوم الذي عزم على زيارة قصر الحمراء، وهو آخر ما بقي ~~بين أيديهما من الآثار، فلا لقاء بينهما بعد اليوم. # وقف الأمير أمام قصر الحمراء فرأى سماء تطاول السماء، وطودا يناطح الجوزاء، وهضبة تشرف ~~على الهضاب، وسحابة تمر فوق السحاب، وجبلا تحسر عن قمته العيون، وتضل في جوانبه الظنون، ~~وحصنا تتقاصر عنه يد الأيام، وتتهافت من حوله السنون والأعوام. # ثم دخل فإذا ملك كبير، وجنة وحرير، وقباب تفضي إليها النجوم بالأسرار، وأبراج تنزلق عن ~~سطوحها يد الأقدار، وصحون مفروشة بألوان الحصباء، كأنها الرياض الزهراء، وجدران صقيلة ~~ملساء تصف ما بين يديها من الأشياء، كما تصف المرآة وجه الحسناء، وكأن كل جدار منها لجة ~~متلاطمة الأمواج، يحبسها عن الجريان لوح من زجاج، فمشى يقلب نظر العظة والاعتبار، بين تلك ~~المشاهد والآثار، ويتنغم في نفسه بقول القائل: # وقفت بالحمراء مستعبرا # معتبرا أندب أشتاتا # فقلت: يا حمراء هل رجعة؟ # قالت: وهل يرجع من ماتا؟ # فلم أزل أبكي على رسمها # هيهات يغني الدمع هيهاتا # كأنما آثار من قد مضوا # نوادب يندبن أمواتا # حتى وصل إلى الساحة الكبرى، فرأى صحنا مفروشا ببساط من المرمر الأصفر، قد دارت به في ~~جهاته الأربع أربعة صفوف من الأعمدة النحاف الطوال، وتراءت في جوانبه حجرات متقابلات، ~~تعلوها قباب مشرفات، فعلم أنها حجرات الأمراء والأميرات من أهل بيته، فهاجت في نفسه ~~الذكرى، وشعر أن صدره يحاول أن ينشق عن قلبه حزنا ووجدا. # وأحس بحاجته إلى البكاء فاستحيا أن يبكي أمام «فلورندا»، فتركها في مكانها لاهية عنه ~~بالنظر إلى بعض النقوش، ومشى إلى بعض تلك القاعات حتى داناها، فكان أول ما تناول نظره منها ~~سطرا مكتوبا على بابها، فما قرأه حتى صاح صيحة شديدة ~~قائلا: «وا أبتاه!» وسقط مغشيا عليه، فلم ms043 يستفق إلا ~~بعد ساعة طويلة، ففتح عينيه فوجد رأسه في حجر «فلورندا»، ووجد في عينيها آثار البكاء، فقالت ~~له: «لقد كنت أعلم قبل اليوم أنك تكاتمني شيئا من أسرار نفسك، والآن عرفت أنك لست عبد بني ~~الأحمر ولا مولاهم كما تقول، ولكنك أحد أمرائهم، وأنك الساعة في قصر جدك وأمام حجرة أبيك، ~~فما أسوأ حظكم يا بني الأحمر! وما أعظم شقاءك أيها الأمير المسكين!» # فلم يجد سبيلا بعد ذلك إلى كتمان أمره، فأنشأ يقص عليها قصته وقصة أهل بيته، وما صنعت يد ~~الدهر بهم مذ جلوا عن الأندلس حتى اليوم، فلما فرغ من قصته نظر إليها نظرة منكسرة وقال ~~لها: «فلورندا، إن جميع ما لقيته من الشقاء بالأمس يصغر بجانب الشقاء الذي تدخره لي الأيام ~~غدا.» # قالت: «وأي شقاء ينتظرك أكثر مما أنت فيه؟» # فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه وقال: «إنني أستطيع أن أحتمل كل شيء في الحياة إلا أن أفارقك ~~فراقا لا لقاء من بعده!» # قالت: «أتحبني أيها الأمير؟» # قال: «نعم، حب الزهرة الذابلة للقطرة الهاطلة.» # قالت: «وهل تستطيع أن تحب فتاة مسيحية لا تدين بدينك؟» # قال: «نعم؛ لأن طريق الدين في القلب غير طريق الحب، ولقد وجدت فيك الصفات التي أحبها ~~فأحببتك لها، ثم لا شأن لي بعد ذلك فيما ~~تعتقدين.» # قالت: «وهل تستطيع أن تحب بلا أمل؟» # قال: «ولم لا يكون الحب نفسه غاية من الغايات التي نجد فيها السعادة إن ظفرنا بها؟ ~~ومتى كان للسعادة في هذه الحياة نهاية محدودة، فلا نجد الراحة إلا إذا وصلنا إلى ~~نهايتها؟» # وكان الليل قد أظلهما، فبرحا مكانهما ومشيا يتحدثان حتى بلغا الموضع الذي اعتادا أن ~~يفترقا فيه، فوضعت «فلورندا» يدها في يده وقالت له: «سأحبك كما أحببتني أيها الأمير، وسيكون ~~حبي لك بلا أمل كحبك، ولقد فرق الدين بين جسدينا، فليجمع الحب بين قلبينا.» وتركته ~~وانصرفت. # ثم مرت بهما بعد ذلك أيام سعدا فيها بنعمة العيش سعادة أنستهما جميع ما لقيا في حياتهما ~~الماضية من شقاء وعناء، فأصبحا فوق ms044 أرض غرناطة وتحت سمائها طائرين جميلين يطيران حيث ~~يصفو لهما وجه السماء، وتترقرق صفحة الهواء، ويقعان حيث يطيب لهما التغريد والتنقير، فليت ~~الدهر ينام عنهما ويتركهما وشأنهما، ولا ينفس عليهما هذه الساعات القليلة من السعادة ~~التي ابتاعاها بكثير من دموعهما وآلامهما، والتي لا يملكان من سعادة الحياة سواها، فإن ~~خسراها خسرا كل شيء. # بينما هما جالسان ذات يوم على ضفة جدول من جداول عين الدمع، إذ مر بهما «الدون رودريك» ~~ابن حاكم مدينة غرناطة، فرآهما في مجلسهما هذا من حيث لا يريانه، وكان قد رأى «فلورندا» قبل ~~اليوم فأحبها، فاختلف إلى منزلها أياما يتحبب إليها ويدعوها إلى الزواج منه، فأبت أن ~~تصغي إليه، وقالت له: إنني لا أتزوج ابن قاتل أبي. فانصرف بلوعة لا تزال في نفسه حتى ~~اليوم، فلما رآها جالسة مجلسها هذا زعم في نفسه أنها ما أوصدت باب قلبها في وجهه إلا لأنها ~~كانت قد فتحته من قبل لذلك الفتى العربي الجميل الذي يجالسها، فذهب إلى قصرها في اليوم ~~الثاني ليفضي إليها بما وقع في نفسه، فأبت أن تقابله، فخرج غاضبا يحدث نفسه بأفظع أنواع ~~الانتقام. # وما هي إلا أيام قلائل حتى سيق الأمير سعيد بن يوسف بن أبي عبد الله، سليل بني الأحمر ~~ملوك هذه البلاد بالأمس ومؤسسي مجدها وعظمتها، وبناة قلاعها وحصونها، وأصحاب قصورها ~~وبساتينها، ذليلا مهانا إلى محكمة التفتيش متهما بمحاولة إغراء فتاة مسيحية بترك دينها، ~~وهي عندهم أفظع الجرائم وأهولها. # وقف الأمير أمام قضاة محكمة التفتيش، فسأله الرئيس عن تهمته، فأنكرها، فلم يحفل بإنكاره، ~~وقال له: «لا يدل على براءتك إلا أمر واحد، وهو أن تترك دينك وتأخذ بدين المسيح!» فطار ~~الغضب في دماغه، وصرخ صرخة دوت بها أرجاء القاعة وقال: «في أي كتاب من كتبكم، وفي أي ~~عهد من عهود أنبيائكم ورسلكم أن سفك الدم عقاب الذين لا يؤمنون بإيمانكم، ولا يدينون ~~بدينكم؟ # من أي عالم من عوالم الأرض أو السماء أتيتم بهذه العقول التي تصور لكم أن الشعوب تساق ~~إلى الإيمان ms045 سوقا، وأن العقائد تسقى للناس كما يسقى الماء والخمر؟ # أين العهد الذي اتخذتموه على أنفسكم يوم وطئت أقدامكم هذه البلاد أن تتركونا أحرارا في ~~عقائدنا ومذاهبنا، وألا تؤذونا في عاطفة من عواطف قلوبنا، ولا في شعيرة من شعائر ~~ديننا؟ # أهذا الذي تصنعون اليوم، والذي صنعتم بالأمس، هو كل ما عندكم من الوفاء بالعهود والرعي ~~للذمم؟! # نعم لكم أن تفعلوا ما تشاءون، فقد خلا لكم وجه البلاد وأصبحتم أصحاب القوة والسلطان فيها، ~~وللسلطان عزة لا تبالي بعهد ولا وفاء. # إن العهود التي تكون بين الأقوياء والضعفاء إنما هي سيف قاطع في يد الأولين، وغل ~~ملتف على أعناق الآخرين، فلا أقال الله عثرة البلهاء ولا أقر عيون الأغبياء! # أنتم أقوياء ونحن ضعفاء، فأنتم أصحاب الحق الأبلج والحجة القائمة، فاصنعوا ما شئتم فهذا ~~حقكم الذي خولتكم إياه قوتكم. # اسفكوا من دمائنا ما شئتم، واسلبوا من حقوقنا ما أردتم، واملكوا علينا مشاعرنا وعقولنا ~~حتى لا ندين إلا بما تدينون، ولا نذهب إلا حيث تذهبون، فقد عجزنا عن أن نكون أقوياء، فلا بد ~~أن ينالنا ما ينال الضعفاء!» # ثم حاول الاستمرار في حديثه فقاطعه الرئيس، وأمر أن يساق إلى ساحة الموت التي هلك فيها ~~من قبله عشرة آلاف من المسلمين قتلا أو حرقا، فسيق إليها واجتمع الناس حول مصرعه رجالا ~~ونساء، وما جرد الجلاد سيفه فوق رأسه حتى سمع الناس صرخة امرأة بين الصفوف، فالتفتوا فلم ~~يعرفوا مصدرها، وما هي إلا غمضة وانتباهة أن سقط ذلك الرأس الذي ليس له مثيل. # يرى المار اليوم بجانب مقبرة بني الأحمر في ظاهر غرناطة قبرا جميلا مزخرفا، هو قطعة ~~واحدة من الرخام الأزرق الصافي، قد نحتت في سطحها حفرة ~~جوفاء تمتلئ بماء المطر، فيهوي إليها الطير في أيام الصيف الحار فيشرب منها، ونقشت على ضلع ~~من أضلاعها هذه السطور: # هذا قبر آخر بني الأحمر # من صديقته الوفية بعهده حتى الموت # فلورندا فيليب # | الهاوية # موضوعة # ما أكثر أيام الحياة وما أقلها؟! # لم أعش من تلك الأعوام الطوال التي عشتها ms046 في هذا العالم إلا عاما واحدا، مر بي كما ~~يمر النجم الدهري في سماء الدنيا ليلة واحدة، ثم لا يراه الناس بعد ذلك. # قضيت الشطر الأول من حياتي أفتش عن صديق ينظر إلى أصدقائه بعين غير العين التي ينظر بها ~~التاجر إلى سلعته، والزارع إلى ماشيته، فأعوزني ذلك حتى عرفت «فلانا» منذ ثمانية عشر ~~عاما، فعرفت امرأ ما شئت أن أرى خلة من خلال الخير والمعروف في ثياب رجل إلا وجدتها ~~فيه، ولا تخيلت صورة من صور الكمال الإنساني في وجه إنسان إلا أضاءت لي في وجهه، فجلت ~~مكانته عندي، ونزل من نفسي منزلة لم ينزلها أحد من قبله، وصفت كأس الود بيني وبينه لا ~~يكدرها علينا مكدر. # حتى عرض إلي من حوادث الدهر ما أزعجني من مستقري، فهجرت القاهرة إلى مسقط رأسي، غير ~~آسف على شيء فيها إلا على فراق ذلك الصديق الكريم، فتراسلنا حقبة من الزمن، ثم فترت ~~عني كتبه ثم انقطعت، فحزنت لذلك حزنا شديدا، وذهبت بي الظنون في شأنه كل مذهب، إلا ~~أن أرتاب في صدقه ووفائه، وكنت كلما هممت بالمسير إليه لتعرف حاله قعد بي عن ذلك هم ~~كان يقعدني عن كل شأن حتى شأن نفسي، فلم أعد إلى القاهرة إلا بعد أعوام، فكان أول همي ~~يوم هبطت أرضها أن أراه، فذهبت إلى منزله في الساعة الأولى من الليل، فرأيت ما لا تزال ~~حسرته متصلة بقلبي حتى اليوم. # تركت هذا المنزل فردوسا صغيرا من فراديس الجنان تتراءى فيه السعادة في ألوانها ~~المختلفة، وتترقرق وجوه ساكنيه بشرا وسرورا، ثم زرته اليوم فخيل إلي أنني أمام ~~مقبرة موحشة ساكنة، لا يهتف فيها صوت، ولا يتراءى في جوانبها شبح، ولا يلمع في أرجائها ~~مصباح، فظننت أني أخطأت المنزل الذي أريده، أو أنني بين يدي منزل مهجور، حتى سمعت بكاء ~~طفل صغير، ولمحت في بعض النوافذ نورا ضعيفا، فمشيت إلى الباب فطرقته، فلم يجبني ~~أحد، فطرقته أخرى، فلمحت من خصاصه نورا مقبلا، ثم لم يلبث أن انفرج لي عن ms047 وجه غلام ~~صغير في أسمال بالية يحمل في يده مصباحا ضئيلا، فتأملته على ضوء المصباح فرأيت في ~~وجهه صورة أبيه، فعرفت أنه ذلك الطفل الجميل المدلل الذي كان بالأمس زهرة هذا المنزل وبدر ~~سمائه، فسألته عن أبيه فأشار إلي بالدخول ومشى أمامي بمصباحه، حتى وصل بي إلى قاعة شعثاء ~~مغبرة بالية المقاعد والأستار، ولولا نقوش لاحت لي في بعض جدرانها كباقي الوشم في ظاهر ~~اليد، ما عرفت أنها القاعة التي قضينا فيها ليالي السعادة والهناء اثني عشر هلالا. # ثم جرى بيني وبين الغلام حديث قصير عرف فيه من أنا، وعرفت أن أباه لم يعد إلى المنزل حتى ~~الساعة، وأنه عائد عما قليل، ثم تركني ومضى، وما لبث إلا قليلا حتى عاد يقول لي إن والدته ~~تريد أن تحدثني حديثا يتعلق بأبيه، فخفق قلبي خفقة الرعب والخوف، وأحسست بشر لا أعرف ~~مأتاه. # ثم التفت فإذا امرأة ملتفة برداء أسود واقفة على عتبة الباب، فحيتني فحييتها، ثم ~~قالت لي: «هل علمت ما صنع الدهر بفلان من بعدك؟» # قلت: «لا، فهذا أول يوم هبطت فيه هذا البلد بعد ما فارقته سبعة أعوام.» # قالت: «ليتك لم تفارقه، فقد كنت عصمته التي يعتصم بها، وحماه من غوائل الدهر وشروره، ~~فما هو إلا أن فارقته حتى أحاطت به زمرة من زمر الشيطان، وكان فتى - كما تعلمه - غريرا ~~ساذجا، فما زالت تغريه بالشر وتزين له منه ما يزين الشيطان للإنسان، حتى سقط فيه، فسقطنا ~~جميعا في هذا الشقاء الذي تراه!» # قلت: «وأي شر تريدين يا سيدتي؟ ومن هم الذين أحاطوا به فأسقطوه؟» # قالت: «سأقص عليك كل شيء، فاستمع لما أقول: ما زال الرجل بخير حتى اتصل بفلان رئيس ~~ديوانه، وعلقت حباله بحباله، وأصبح من خاصته الذين لا يفارقون مجلسه حيث كان، ولا تزال ~~نعالهم خافقة وراءه في غدواته وروحاته، فاستحال من ذلك اليوم أمره، وتنكرت صورة أخلاقة، ~~وأصبح منقطعا عن أهله وأولاده، لا يراهم إلا الفينة بعد الفينة، وعن منزله لا يزوره إلا في ~~أخريات الليالي، ولقد ms048 اغتبطت في مبدأ الأمر بتلك الحظوة التي نالها عند ذلك الرئيس ~~والمنزلة التي نالها من نفسه، ورجوت له من ورائها خيرا كثيرا؛ مغتفرة في سبيل ذلك ما ~~كنت أشعر به من الوحشة والألم لانقطاعه عني، وإغفاله أمري وأمر أولاده، حتى عاد في ليلة من ~~الليالي شاكيا متألما يكابد غصصا شديدة وآلاما جساما، فدنوت منه، فشممت من فمه رائحة ~~الخمر، فعلمت كل شيء. # علمت أن ذلك الرئيس العظيم هو قدوة مرءوسه؛ في الخير إن سلك طريق الخير، والشر إن سلك ~~طريق الشر، قاد زوجي الفتى المسكين إلى شر الطريقين، وسلك به أسوأ السبيلين، وأنه ما كان ~~يتخذه صديقا كما زعم، بل نديما على الشراب، فتوسلت إليه بكل عزيز عليه، وسكبت على يديه ~~من الدموع كل ما تستطيع أن تسكبه عين، رجاء أن يعود إلى حياته الأولى التي كان يحياها ~~سعيدا بين أهله وأولاده، فما أجديت عليه شيئا. # ثم علمت بعد ذلك أن اليد التي ساقته إلى الشراب قد ساقته إلى اللعب، فلم أعجب لذلك؛ لأني ~~أعلم أن طريق الشر واحدة، فمن وقف على رأسها لا بد له أن ينحدر فيها حتى يصل إلى نهايتها، ~~فأصبح ذلك الفتى النبيل الشريف - الذي كان يعف بالأمس عن شرب الدواء إذا اشتم فيه رائحة ~~النبيذ، ويستحي أن يجلس في مجتمع فيه قوم شاربون - سكيرا مقامرا، مستهترا لا يحتشم ولا ~~يتلوم، ولا يتقي عارا ولا مأثما. # وأصبح ذلك الأب الرحيم والزوج الكريم - الذي كان يضن بأولاده أن يعلق بهم الذر، ~~وبزوجه أن يتجهم لها وجه السماء - أبا قاسيا، وزوجا سليطا، يضرب أولاده كلما دنوا ~~منه، ويشتم زوجته وينتهرها كلما رآها، وأصبح ذلك الرجل الغيور الضنين بعرضه وشرفه لا يبالي ~~أن يعود إلى المنزل في بعض الليالي في جمع من عشرائه الأشرار، فيصعد بهم إلى الطبقة التي ~~أنام فيها أنا وأولادي فيجلسون في بعض غرفها، ولا يزالون يشربون ويقصفون حتى يذهب بعقولهم ~~الشراب، فيهتاجوا ويرقصوا ويملئوا الجو صراخا وهتافا، ثم يتعادوا بعضهم وراء بعض في ~~الأبهاء والحجرات ms049 حتى يلجوا على باب غرفتي، وربما حدق بعضهم في وجهي أو حاول نزع خماري ~~على مرأى من زوجي ومسمع فلا يقول شيئا، ولا يستنكر أمرا، فأفر بين أيديهم من مكان إلى ~~مكان، وربما فررت من المنزل جميعه وخرجت بلا إزار ولا خمار، غير إزار الظلام وخماره، حتى ~~أصل إلى بيت جارة من جاراتي؛ فأقضي عندهم بقية الليل.» # وهنا تغيرت نغمة صوتها، فأمسكت عن الحديث وأطرقت برأسها، فعلمت أنها تبكي، فبكيت بيني ~~وبين نفسي لبكائها، ثم رفعت رأسها، وعادت إلى حديثها تقول: «وما هي إلا أعوام قلائل حتى ~~أنفق جميع ما كان في يده من المال، فكان لا بد له أن يستدين، ففعل، فأثقله الدين، فرهن، ~~فعجز عن الوفاء، فباع جميع ما يملك حتى هذا البيت الذي نسكنه، ولم يبق في يده غير راتبه ~~الشهري الصغير، بل لم يبق في يده شيء حتى راتبه؛ لأنه لا يملكه إلا ساعة من نهار، ثم هو ~~بعد ذلك ملك للدائنين، أو غنيمة للمقامرين! # هذا ما صنعت يد الدهر به، أما ما صنعت بي وبأولادي، فقد مر على آخر حلية بعتها من حلاي ~~عام كامل، وها هي ذي حوانيت المرابين والمسترهنين ملأى بملابسي، وأدوات بيتي وأثاثه، ولولا ~~رجل من ذوي قرباي رقيق الحال يعود علي من حين إلى حين بالنزر القليل مما يستله من أشداق ~~عياله لهلكت وهلك أولادي جوعا. # فلعلك تستطيع يا سيدي أن تكون عونا لي على هذا الرجل المسكين، فتنقذه من شقائه وبلائه ~~بما ترى له في ذلك الرأى الصالح، وأحسب أنك تقدر منه - للمنزلة التي تنزلها من نفسه - على ~~ما عجز عنه الناس جميعا، فإن فعلت أحسنت إليه وإلينا إحسانا لا ننسى يدك فيه حتى ~~الموت.» # ثم حيتني ومضت لسبيلها، فسألت الغلام عن الساعة التي أستطيع أن أرى أباه فيها في ~~المنزل، فقال: إنك تراه في الصباح قبل ذهابه إلى الديوان. فانصرفت لشأني، وقد أضمرت بين ~~جنبي لوعة ما زالت تقيمني وتقعدني وتذود عن عيني سنة الكرى حتى انقضى الليل، وما ms050 كاد ~~ينقضي. # ثم عدت في صباح اليوم الثاني؛ لأرى ذلك الصديق القديم الذي كنت بالأمس أسعد الناس به، ولا ~~أعلم ما مصير أمري معه بعد ذلك، وفي نفسي من القلق والاضطراب ما يكون في نفس الذاهب إلى ~~ميدان سباق قد خاطر فيه بجميع ما يمتلك، فهو لا يعلم أيكون بعد ساعة أسعد الناس أم ~~أشقاهم! # الآن عرفت أن الوجوه مرايا النفوس، تضيء بضيائها وتظلم بظلامها، فقد فارقت الرجل منذ سبع ~~سنوات فأنستني الأيام صورته، ولم يبق في ذاكرتي منها إلا ذلك الضياء اللامع، ضياء الفضيلة ~~والشرف الذي كان يتلألأ فيها تلألؤ نور الشمس في صفحتها، فلما رأيته الآن - ولم أر أمام ~~عيني تلك الغلالة البيضاء التي كنت أعرفها - خيل إلي أنني أرى صورة غير الصورة ~~الماضية، ورجلا غير الذي كنت أعرفه من قبل. # لم أر أمامي ذلك الفتى الجميل الوضاح، الذي كان كل منبت شعرة في وجهه فما ضاحكا تموج ~~فيه ابتسامة لامعة، بل رأيت مكانه رجلا شقيا منكوبا، قد لبس الهرم قبل أوانه، وأوفى ~~على الستين قبل أن يسلخ الثلاثين، فاسترخى حاجباه، وثقلت أجفانه، وجمدت نظراته، وتهدل ~~عارضاه، وتجعد جبينه، واستشرف عاتقاه، وهوى رأسه بينهما هويه بين عاتقي الأحدب، فكان ~~أول ما قلت له: «لقد تغير فيك كل شيء يا صديقي، حتى صورتك!» # وكأنما ألم بما في نفسي، وعرف أني قد علمت من أمره كل شيء، فأطرق برأسه إطراق من يرى ~~أن باطن الأرض خير له من ظهرها، ولم يقل شيئا، فدنوت منه حتى وضعت يدي على عاتقه، وقلت له: ~~«والله ما أدري ماذا أقول لك، أأعظك، وقد كنت واعظي بالأمس، ونجم هداي الذي أستنير به في ~~ظلمات حياتي؟! أم أرشدك إلى ما أوجب الله عليك في نفسك وفي أهلك ولا أعرف شيئا أنت تجهله، ~~ولا تصل يدي إلى عبرة تقصر يدك عن نيلها؟ أم أسترحمك لأطفالك الضعفاء وزوجتك البائسة ~~المسكينة التي لا عضد لها في الحياة ولا معين سواك وأنت صاحب القلب الرحيم الذي طالما خفق ~~بالبعداء، فأحرى ms051 أن يخفق رحمة بالأقرباء؟! # إن هذه الحياة التي تحياها يا سيدي إنما يلجأ إليها الهمل العاطلون الذين لا يصلحون ~~لعمل من الأعمال، ليتواروا فيها عن الناس حياء وخجلا حتى يأتيهم الموت فينقذهم من عارهم ~~وشقائهم، وما أنت بواحد منهم. # إنك تمشي يا سيدي في طريق القبر، وما أنت بناقم على الدنيا ولا بمتبرم بها، فما رغبتك ~~في الخروج منها خروج اليائس المنتحر؟! عذرتك لو أن ما ربحت في حياتك الثانية يقوم لك مقام ~~ما خسرت من حياتك الأولى، ولكنك تعلم أنك كنت غنيا فأصبحت فقيرا، وصحيحا فأصبحت سقيما، ~~وشريفا فأصبحت وضيعا، فإن كنت ترى بعد ذلك أنك سعيد، فقد خلت رقعة الأرض من ~~الأشقياء! # إن كل ما يعنيك من حياتك هذه أن تطلب فيها الموت، فاطلبه في جرعة سم تشربها دفعة واحدة، ~~فذلك خير لك من هذا الموت المتقطع الذي يكثر فيه عذابك وألمك، وتعظم فيه آثامك وجرائمك، وما ~~يعاقبك الله على الأخرى بأكثر مما يعاقبك على الأولى. # حسبنا يا صديقي من الشقاء في هذه الحياة ما يأتينا به القدر، فلا نضم إليه شقاء جديدا ~~نجلبه بأنفسنا لأنفسنا! فهات يدك وعاهدني على أن تكون لي منذ اليوم كما كنت لي بالأمس، ~~فقد كنا سعداء قبل أن نفترق، ثم افترقنا فشقينا، وها نحن أولاء قد التقينا، فلنعش في ~~ظلال الفضيلة والشرف سعداء كما كنا.» # ثم مددت يدي إليه، فراعني أنه لم يحرك يده، فقلت له: «ما لك لا تمد يدك إلي؟» # فاستعبر باكيا وقال: «لأنني لا أحب أن أكون كاذبا ولا حانثا.» # قلت: «وما يمنعك من الوفاء؟» # قال: «يمنعني منه أنني رجل شقي، لا حظ لي في سعادة السعداء.» # قلت: «قد استطعت أن تكون شقيا، فلم لا تستطيع أن تكون سعيدا؟» # قال: «لأن السعادة سماء والشقاء أرض، والنزول إلى الأرض أسهل من الصعود إلى السماء، وقد ~~زلت قدمي عن حافة الهوة فلا قدرة لي على الاستمساك حتى أبلغ قرارتها، وشربت أول جرعة من ~~جرعات الحياة المريرة، فلا بد لي أن أشربها ms052 حتى ثمالتها، ولا شيء من الأشياء يستطيع أن يقف ~~في سبيلي إلا شيء واحد فقط، هو ألا أكون قد شربت الكأس الأول قبل اليوم، وما دمت قد فعلت ~~فلا حيلة لي فيما قضى الله.» # قلت: «ليس بينك وبين النزوع إلا عزمة صادقة تعزمها فإذا أنت من الناجين.» # قال: «إن العزيمة أثر من آثار الإرادة، وقد أصبحت رجلا مغلوبا على أمري، لا إرادة لي ~~ولا اختيار، فدعني يا صديقي والقضاء يصنع بي ما يشاء، وابك صديقك القديم منذ اليوم، إن كنت ~~لا ترى بأسا في البكاء على الساقطين المذنبين!» # ثم انفجر باكيا بصوت عال وتركني مكاني دون أن يحييني بكلمة، وخرج هائما على وجهه لا ~~أعلم أين ذهب، فانصرفت لشأني وبين جنبي من الهم والكمد ما الله به عليم. # لم يستطع رئيس الديوان أن يحمل نديمه بالأمس زمنا طويلا، فأقصاه عن مجلسه استقلالا له، ~~ثم عزله عن وظيفته استنكارا لعمله، ولم تذرف عينه دمعة واحدة على منظر صريعه الساقط بين ~~يديه، ولم يستطع مالك البيت الجديد أن يهمل فيه المالك القديم أكثر من بضعة أشهر ثم طرده ~~منه، فلجأ هو وزوجته وولداه إلى غرفة حقيرة في بيت قديم في زقاق مهجور، فأصبحت لا أراه ~~بعد ذلك إلا ذاهبا إلى الحانة أو عائدا منها، فإن رأيته ذاهبا زويت وجهي عنه، أو عائدا ~~دنوت منه فمسحت عن وجهه ما لصق به من التراب أو عن جبينه ما سال منه من الدم، ثم قدته إلى ~~بيته. # وهكذا، ما زالت الأيام والأعوام تأخذ من جسم الرجل ومن عقله، حتى أصبح ظلا من الظلال ~~المتنقلة، أو حلما من الأحلام السارية، يمشي في طريقه مشية الذاهل المشدوه، لا يكاد يشعر ~~بشيء مما حوله، ولا يتقي ما يعترض سبيله حتى يدانيه، ويقف حينا بعد حين فيدور بعينيه حول ~~نفسه، كأنما يفتش عن شيء أضاعه وليس في يده شيء يضيع، أو يقلب نظره في أثوابه، وما في ~~أثوابه غير الرقاع والخرق! وينظر إلى كل وجه يقابله نظرة شزراء كأنما ms053 يستقبل عدوا ~~بغيضا وليس له عدو ولا صديق، وربما تعلق بعض الصبيان بعاتقه فدفعهم عنه بيده دفعا لينا ~~غير آبه ولا محتفل، كما يدفع النائم المستغرق عن عاتقه يد موقظه، حتى إذا خلا جوفه من ~~الخمر وهدأت سورتها في رأسه، انحدر إلى الحان فلا يزال يشرب ويتزايد حتى يعود إلى ما كان ~~عليه. # ولم يزل هذا شأنه حتى حدثت منذ بضعة أشهر الحادثة الآتية: عجزت تلك الزوجة المسكينة ~~أن تجد سبيلا إلى القوت، وأبكاها أن ترى ولدها وابنتها باكيين بين يديها، تنطق دموعهما ~~بما يصمت عنه لسانهما، فلم تر لها بدا من أن تركب تلك السبيل التي يركبها كل مضطر ~~عديم، فأرسلتهما خادمين في بعض البيوت يقتاتان فيها ويقيتانها، فكانت لا تراهما إلا ~~قليلا، ولا ترى زوجها إلا في الليلة التي تغفل فيها عنه عيون الشرطة، وقلما تغفل عنه، ~~فأصبحت وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها ولا معين إلا جارة عجوز، تختلف إليها من حين، فإذا ~~فارقتها جارتها وخلت بنفسها، ذكرت تلك الأيام السعيدة التي كانت تتقلب فيها في أعطاف العيش ~~الناعم والنعمة السابغة، بين زوج كريم وأولاد كالكواكب الزهر حسنا وبهاء، ثم تذكر ~~كيف أصبح السيد مسودا، والمخدوم خادما، والعزيز الكريم ذليلا مهينا، وكيف انتثر ذلك ~~العقد اللؤلؤي المنظوم الذي كان حلية بديعة في جيد الدهر، ثم استحال بعد انتثاره إلى ~~حصيات منبوذات على سطح الغبراء، تطؤها النعال وتدوسها الحوافر والأقدام، فتبكي بكاء الواله ~~في إثر قوم ظاعنين حتى تتلف نفسها أو تكاد! # على أنها ما أضمرت قط في قلبها حقدا لذلك الإنسان الذي كان سببا في شقائها وشقاء ~~ولديها، ولا حدثتها نفسها يوما من الأيام بمغاضبته أو هجرانه؛ لأنها امرأة شريفه، ~~والمرأة الشريفة لا تغدر بزوجها المنكوب، بل كانت تنظر إليه نظرة الأم الحنون إلى طفلها ~~الصغير، فترحمه وتعطف عليه، وتسهر بجانبه إن كان مريضا، وتأسو جراحه إن عاد جريحا، وربما ~~طرده الخمار في بعض لياليه من حانه حينما لا يجد معه ثمن الشراب، فيعود إلى بيته ~~ثائرا ms054 مهتاجا يطلب الشراب طلبا شديدا، فلا تجد بدا من أن تعطيه نفقة طعامها، أو تبتاع ~~له من الخمر ما يسكن به نفسه، رحمة به وإبقاء على تلك البقية الباقية من عقله. # وكأن الدهر لم يكفه ما وضع على عاتقها من الأثقال، حتى أضاف إليها ثقلا جديدا، فقد ~~شعرت في يوم من أيامها بنسمة تتحرك في أحشائها، فعلمت أنها حامل، وأنها ستأتي إلى دار ~~الشقاء بشقي جديد، فهتفت صارخة: «رحمتك اللهم، فقد امتلأت الكأس حتى ما تسع قطرة واحدة!» ~~وما زالت تكابد من آلام الحمل ما يجب أن تكابده امرأة مريضة منكوبة، حتى جاءت ساعة وضعها، ~~فلم يحضرها أحد إلا جارتها العجوز، فأعانها الله على أمرها فوضعت، ثم مرضت بعد ذلك بحمى ~~النفاس مرضا شديدا، فلم تجد طبيبا يتصدق عليها بعلاجها؛ لأن البلد الذي لا يستحي أطباؤه ~~أن يطالبوا أهل المريض بعد موته بأجرة علاجهم الذي قتله، لا يمكن أن يوجد فيها طبيب محسن ~~أو متصدق، فما زال الموت يدنو منها رويدا رويدا حتى أدركتها رحمة الله، فوافاها أجلها في ~~ساعة لا يوجد فيها بجانبها غير طفلتها الصغيرة عالقة بثديها. # في هذه الساعة دخل الرجل ثائرا مهتاجا يطلب الشراب ويفتش عن زوجته لتأتي له منه بما ~~يريد، فدار بعينيه في أنحاء الغرفة حتى رآها ممدة على حصيرها، ورأى ابنتها تبكي بجانبها، ~~فظنها نائمة، فدنا منها ودفع الطفلة بعيدا عنها، وأخذ يحركها تحريكا شديدا فلم يشعر ~~بحركة، فرابه الأمر وأحس برعدة تتمشى في أعضائه حتى أصابت قلبه، فبدأ صوابه يعود إليه شيئا ~~فشيئا، فأكب عليها يحدق في وجهها تحديقا شديدا، ويزحف نحوها رويدا رويدا حتى رأى شبح ~~الموت يحدق إليه من عينيها الشاخصتين الجامدتين، فتراجع خوفا وذعرا، فوطئ في تراجعه صدر ~~ابنته، فأنت أنة مؤلمة لم تتحرك بعدها حركة واحدة، فصرخ صرخة شديدة وقال: «وا ~~شقاءاه! وا شقاءاه!» # وخرج هائما على وجهه يعدو في الطرق ويضرب رأسه بالعمد والجدران، ويدفع كل ما يجد في ~~طريقه من إنسان أو حيوان ويصيح: «ابنتي! زوجتي ms055 ! هلموا إلي! أدركوني!» حتى أعيا فسقط على ~~الأرض، وأخذ يفحص التراب برجليه ويئن أنين الذبيح، والناس من حوله آسفون عليه، لا لأنهم ~~يعرفونه، بل لأنهم قرءوا في وجهه آيات شقائه، فكانت تلك اللحظة القصيرة التي استفاق فيها من ~~ذهوله الطويل سببا في ضياع ما بقي من عقله. # وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى أصبح مقيدا مغلولا في قاعة من قاعات البيمارستان. فوا ~~رحمتاه له ولزوجته الشهيدة ولطفلته الصريعة ولأولاده المشردين البؤساء! # | الجزاء # مترجمة # جلست على ضفة البحيرة لتملأ جرتها، وكان الماء ساكنا هادئا كأنما قد امتدت فوق ~~سطحه طبقة لامعة من الجليد؛ فعز عليها أن تكسر بيدها هذه المرآة الناعمة الصقيلة، ولا ~~شيء أحب إلى المرأة من المرآة، فظلت تقلب نظرها فيها، فلمحت في صفحتها وجها أبيض ~~رائقا ينظر إليها نظرا عذبا فاترا، فابتسمت له، فابتسم لها، فعلمت أنه الوجه الذي افتتن ~~به خطيبها القروي الجميل. # أنست بهذا المنظر ساعة، ثم راعها أن رأت بجانب خيالها في الماء خيالا آخر، فتبينته ~~فإذا به خيال رجل، فذعرت، ولكنها لم تلتفت وراءها ومدت يدها إلى الماء فملأت جرتها، ثم ~~نهضت لتحملها، فتقدم إليها ذلك الواقف بجانبها وقال لها: «هل تأذنين لي يا سيدتي أن ~~أعينك على حمل جرتك؟» فالتفتت فإذا فتى حضري غريب حسن الصورة والبزة لا تعرفه، ولا تعرف ~~أن هذه الأرض مما تنبت مثله، فرابها أمره، واتقد وجهها حياء وخجلا، ولم تقل شيئا، ~~واستقلت جرتها ومضت في سبيلها. # نشأت «سوزان» وابن عمها «جلبرت» في بيت واحد كما تنشأ الزهرتان المتعانقتان في مغرس ~~واحد، فرضعت معه وليدة، ولعبت معه طفلة، وأحبته فتاة، ومرت بهما في جميع تلك الأدوار ~~سعادة لم يستمداها من القصور والبساتين والأرائك والأسرة، والجياد والمركبات، والأكواب ~~والدنان، والمزاهر والعيدان، والذهب اللامع، واللؤلؤ الساطع، والأثواب المطرزة، والغلائل ~~المرصعة؛ لأنهما كانا قرويين فقيرين. # بل استمداها من مطلع الشمس ومغربها، وإقبال الليل وإدباره، وتلألؤ السماء بنجومها ~~الزاهرة، والأرض بأعشابها الناضرة، ومن الوقفات الطوال فوق الصخور البارزة على ضفاف البحيرة ~~الهادئة ms056 ، والجلسات الحلوة الجميلة، على الأعشاب الناعمة، تحت ظلال الأشجار الوارفة، ومن ~~سماع أناشيد الحياة، وأغاني الرعاة، وضوضاء السائمة في غدوها ورواحها، وبكاء النواعير في ~~مسائها وصباحها، ومن الحب الطاهر الشريف الذي يشرق على القلوب الحزينة فيسعدها، والأفئدة ~~المظلمة فينيرها، والأجنحة الكسيرة فيريشها، والذي هو العزاء الوحيد عن كل فائت في هذه ~~الحياة، والسلوى عن كل مفقود، ولم يزل هذا شأنها حتى كان يوم البحيرة. # لا تعرف المرأة لها وجودا إلا في عيون الرجال وقلوبهم، فلو خلت رقعة الأرض من وجوه ~~الناظرين، أو أقفرت حنايا الضلوع من خوافق القلوب، لأصبح الوجود والعدم في نظرها سواء، ولو ~~أن وراءها ألف عين تنظر إليها ثم لمحت في كوكب من كواكب السماء نظرة حب، أو سمعت في زاوية ~~من زوايا الأرض أنة وجد، لأعجبها ذلك الغرام الجديد، وملأ قلبها غبطة وسرورا. # فقد عادت الفتاة إلى بيتها طيبة النفس، قريرة العين، مزهوة مختالة، لا لأن حبا جديدا ~~حل في قلبها محل الحب القديم، ولا لأن نفسها حدثتها أن تصل حياتها بحياة أحد غير ~~خطيبها، بل لأنها وجدت في طريقها برهانا جديدا على جمالها فأعجبها، فكانت لا تزال تختلف ~~بعد ذلك بجرتها إلى البحيرة غير خائفة ولا مرتابة، فترى ذلك السيد الحضري في غدوها أو ~~رواحها يحييها أو يبتسم لها، أو يسائلها عن طريق، أو يستسقيها شربة ماء، أو يقدم إليها ~~زهرة جميلة، أو يلقي في أذنها كلمة عذبة، حتى استطاع في يوم من الأيام أن يجلس بجانبها ~~لحظة قصيرة في ظل صخرة منفردة، فكانت هذه اللحظة آخر عهدها بحياتها القديمة، وأول عهدها ~~بحياتها الجديدة! # هبط «المركيز جوستاف روستان» هذه الأرض منذ أيام لتفقد مزارعه فيها، وكان لا يزال ~~يختلف إليها من حين إلى حين، فيقضي في قصره الجميل الذي بناه فيها على بعد ساعتين من ~~البحيرة بضعة أيام، ثم يعود إلى بلدته «نيس»، حتى رأى هذه المرة هذه الفتاة في بعض غدواته ~~إلى ضفاف البحيرة فاستلهاه حسنها، وما زال يفيض على قلبها من حبه، وعلى ms057 أذنها من سحره، وعلى ~~جيدها ومعصميها من لآلئه وجواهره، ويصور لها جمال الحياة الحضرية في أجمل صورها وأبهاها، ~~ويمنيها الأماني الكبار في حاضرها ومستقبلها، حتى أذعنت واستقادت وخضعت للتي تخضع لها كل ~~أنثي نامت عنها عين راعيها، وأسلمها حظها إلى أنياب الذئاب. # استيقظ الفتى «جلبرت» في الساعة التي يستيقظ فيها من صباح كل يوم، فعمد إلى بقرته فحل ~~عقالها، ثم هتف باسم «سوزان» يدعوها إلى الذهاب معه إلى المرعى فلم تجبه، فصعد إلى غرفتها ~~في سطح المنزل ليوقظها فلم يجدها، فسأل عنها أمه فلم تعلم من أمرها أكثر مما يعلم، فظن أنها ~~خرجت لقضاء بعض الشئون، ثم تعود، فلبث ينتظرها وقتا طويلا فلم تعد. # فرابه الأمر، وأعاد البقرة إلى معتلفها، وخرج يفتش عنها في كل مكان، ويسائل عنها الناس ~~جميعا غاديهم ورائحهم، فلم يجد من يدله عليها حتى أظله الليل، فعاد حزينا مكتئبا لا ~~يرى أن أحدا على وجه الأرض أعظم لوعة منه ولا أشقى، فرأى أمه قابعة في كسر البيت مطرقة ~~برأسها تفلي التراب بعود في يدها، فدنا منها، فرفعت رأسها إليه وقالت له: «أين كنت يا ~~جلبرت؟» # قال: «فتشت عن سوزان في كل مكان فلم أجدها.» # فألقت عليه نظرة مملوءة حزنا ودموعا، وقالت: «خير لك يا بني ألا تنتظرها بعد ~~اليوم.» # فانتفض انتفاضة شديدة، وقال: «لماذا؟» # قالت: «قد دخلت علي الساعة جارتنا فلانة، فحدثتني أنها ما زالت تراها منذ ليال تختلف ~~إلى البحيرة للاجتماع على ضفافها بفتى حضري غريب عن هذه المدرة، أحسبه المركيز «جوستاف ~~روستان» صاحب هذه المزارع التي تلينا والقصر الأحمر الذي يليها، وقالت لي إنها رأتها ليلة ~~أمس بعد منتصف الليل راكبة وراءه على فرس أشهب يعدو بها في طريق القصر الأحمر، ولا بد أنها ~~فرت معه.» # فصرخ «جلبرت» صرخة جادت لها نفسه أو كادت، وخر في مكانه صعقا، فلم تزل أمه جاثية ~~بجانبه الليل كله، تبكي عليه مرة، وتمسح جبينه بالماء أخرى، حتى استفاق في مطلع الفجر، فنظر ~~حوله نظرة حائرة، فرأى أمه مكبة ms058 على وجهها تبكي وتنتحب، فذكر كل ذلك فأطرق هنيهة، ثم رفع ~~رأسه ووضع يده على عاتقها، وسألها: «ما بكاؤك يا أماه؟» # قالت: «أبكي عليك يا بني وعليها.» # قال: «إن كنت باكية فابك على غيري، أما أنا فلست بحزين ولا باك، فقد كنت أحببت هذه ~~الفتاة لأنها كانت تحبني، وقد استحال قلبي الآن إلى صخرة عاتية لا ينال منها شيء، فلا رجعة ~~لى إليها بعد اليوم!» ثم مسح عن خده آخر دمعة كانت تنحدر فيه، وقام إلى بقرته فأخذ بزمامها ~~ومضى بها إلى المزرعة وحده. # لقد كذبت المسكين نفسه، فإنه ما سلا سوزان ولا هدأت عن قلبه لوعة حبها، ولكنها ~~الغضبة التي يغضها المحب المهجور، تخيل إليه أنه قد نفض يده من الحب أشد ما يكون به ~~عالقا. # فإنه ما وصل إلى المزرعة وأرسل سائمته في مرعاها، حتى رأى كوكب الشمس يتناهض من مطلعة ~~قليلا قليلا، ويرسل أشعته الياقوتية الحمراء على هذه الكائنات، فتنير ظلامها، وتجلو ~~صفحتها، وتترقرق ما بين خضرائها وغبرائها، فأعجبه منظر هذه الطبيعة المتلألئة بين يدي هذا ~~الكوكب المنير، ودار بنظره في الفضاء من مشرقه إلى مغربه، فلمح في الأفق الغربي بارقا يخطف ~~البصر بلألائه، فخيل إليه أن المغرب قد أطلع في أفقه شمسا كتلك التي أطلعها المشرق ~~حتى تبينه، فإذا هو لوح كبير من الزجاج أصفر مستدير تعابثه أشعة الشمس فيما تعابث من ~~الكائنات فيلتمع التماعا شديدا، فاسترد بصره إليه سريعا ووضع يده على يسرى أضالعه، ~~كأنما يحول بين قلبه وبين الفرار؛ لأنه علم أن ذلك اللوح الزجاجي الأصفر إنما يلوح في برج ~~من أبراج القصر الأحمر. # هنا علم أن نفسه قد كذبته فيما حدثته، وأن تلك البارقة التي كانت تضيء ما بين جنبيه من ~~الحب قد استحالت إلى جذوة نار مشتعلة تقضم فؤاده قضما، وتمشي في نفسه مشي الموت في الحياة، ~~فأطلق لعبرته سبيلها، وأنشأ يئن أنينا محزنا تردده الرياح في جوها، والأمواج في بحرها، ~~والأعشاب في مغارسها، والسائمة في مرابضها، حتى سمع أصوات الرعاة وضوضاء ms059 السائمة، فكفكف ~~عبراته، وأسلم رأسه إلى ركبتيه وذهب مع همومه وأحزانه إلى حيث شاء الله أن تذهب. # هكذا لم ينتفع المسكين بنفسه بعد اليوم، فقد ذهب من الحزن إلى أبعد مذاهبه، حتى نال منه ~~ما لم ينل كر الغداة ومر العشي، فأصبح من يراه في طريقه يرى رجلا بائسا منكوبا ~~مشرد العقل، مشترك اللب، مذهوبا به كل مذهب، يهيم على وجهه آناء الليل وأطراف ~~النهار بين الغابات والحرجات، وفوق ضفاف الأنهار وتحت مشارف الجبال، يأنس بالوحش أنس ~~العشير بعشيره، ويفر من الناس إن دانوا منه فرار الإنسان من الوحش، ويرد المناهل مع ~~الظباء واليعافير، ثم يصدر إذا صدرت معها. # وربما ترامى به السير أحيانا إلى أفنية القصر الأحمر من حيث لا يشعر، فإذا رأى أبراجه ~~بين يديه ذعر ذعرا شديدا وصاح صيحة عظيمة، وانكفأ راجعا إلى قريته لا يلوي على شيء، ~~وكثيرا ما قضت أمه النهار كله حاملة على يدها الطعام تفتش عنه في كل مكان، حتى تراه ملقى ~~بين الأحجار، على ضفة نهر، أو في سفح جبل، فتضع الطعام بين يديه من حيث لا يشعر بمكانها، ثم ~~ترفع يدها إلى السماء ضارعة متخشعة، تسأل الله بدموعها وزفراتها أن يرد إليها وحيدها، ثم ~~تعود أدراجها! # مضى الليل إلا أقله، وسوزان جالسة إلى نافذة قصرها المشرفة على النهر، تلتفت إلى سرير ~~ابنتها مرة وتقلب وجهها في السماء أخرى، وكان القمر في ليلة تمه، فظلت تناجيه وتقول: ~~«أيها القمر الساري في كبد السماء، هأنذا أراك في ليلة تمك وحدي للمرة الرابعة والعشرين، ~~فهل يعود إلي خطيبي «جوستاف» فينظر إليك معي كما كان يفعل من قبل؟ # لقد كنت لي أيها الكوكب المنير نعم المعين في ليالي الموحشة على همومي وأحزاني، فهل ~~تستطيع أن تحدثني عن «جوستاف» أين مكانه ومتى يعود؟ وهل نلتقي قريبا فتتم بذلك يدك ~~عندي؟ # حدثني عنه ... هل يذكرني كما أذكره؟! وهل يحفظ عهدي كما أحفظ عهده؟! وهل يجلس إليك حينا ~~فيسائلك عني كما أسألك عنه؟ فإن فعل فقل له إن ms060 ابنته جميلة جدا جمال الابتسامة الحائرة ~~في فم الحسناء، وبيضاء بياض القطرة الصافية في الزنبقة الناصعة تحت الأشعة الساطعة. وقل له ~~إنها لا تهتف باسم غير اسمه، ولا تبتسم لرسم غير رسمه، وإنه إن رآها أغنته رؤيتها عن ~~المرآة المجلوة؛ لأنه يرى صورته في وجهها كما تتشابه الدميتان المصبوبتان في قالب ~~واحد.» # ولم تزل تناجي القمر بمثل هذا النجاء حتى رأته ينحدر إلى مغربه، فودعته وداعا ~~جميلا، وقالت: «إلى الغد يا صديقي العزيز.» ثم قامت إلى سرير ابنتها فحنت عليها برفق ~~وقبلتها في جبينها قبلة السماء، وذهبت إلى مضجعها، وما هو إلا أن عبئت بجفنها السنة ~~الأولى من النوم، حتى أسلمتها أحلامها إلى أمانيها وآمالها، فرأت كأن «جوستاف» قد عاد من ~~سفره، فاستقبلته هي وابنتها على باب القصر، فنزل من مركبته وضمهما معا إلى صدره ضما ~~شديدا، وظل يقبلهما ويبكي فرحا وسرورا. # فإنها لمستغرقة في حلمها هذا؛ إذ شعرت بيد تحركها فانتبهت، فإذا صدر النهار قد علا، وإذا ~~خادمتها واقفة على رأسها ضاحكة متطلقة، تقول لها: «بشراك يا سيدتي، فقد حضر سيدي!» # فاستطيرت فرحا وسرورا، وقالت: «أحمدك اللهم، فقد صدقت أحلامي.» وأسرعت إلى غرفة ~~ملابسها فبدلت أثوابها، ثم دخلت عليه في غرفته باسمة متهللة تحمل ابنتها على يدها، فرأته ~~واقفا في وسط الغرفة متكئا على كرسي بين يديه، فهرعت إليه، ولكنها ما دنت منه، حتى تراجعت ~~حائرة مدهوشة؛ لأنها رأت أمامها رجلا لا تعرفه ولا عهد لها به من قبل، لا بل هو بعينه، ~~ولكنها رأت وجها صامتا متحجرا لا تلمع فيه بارقة ابتسام، ولا تجري فيه نظرة بشاشة، ~~فأنكرته، إلا أنها تماسكت قليلا ومدت إليه يدها تحييه، فمد إليها يده بتثاقل وفتور، كأنما ~~ينقلها من مكانها نقلا، ولم يلق على وجه الطفلة - وكانت تبتسم إليه وتمد نحوه ذراعيها - ~~نظرة واحدة، وكانت أول كلمة قالها لها: «أباقية أنت في القصر حتى اليوم؟!» # فازدادت دهشة وحيرة، ولم تفهم ماذا يريد، وقالت له: «وأين كنت تريد أن تراني يا ~~سيدي؟» # قال: «في ms061 هذا القصر كما تركتك، ولكني أظن أنك لا تستطيعين البقاء فيه بعد اليوم.» # قالت: «لماذا؟» # قال: «لأن زوجتي قادمة إليه اليوم، وربما كانت لا تحب أن ترى فيه من يزعجه ~~وجودها.» # هنالك شعرت أن جميع ما كان ينبعث في عروقها من الدم قد تراجع كله دفعه واحدة إلى قلبها، ~~فأصبح وحده الواجب الخفاق من دون أعضائها وأوصالها جميعا، ولكن المصيبة إذا عظمت جلت ~~عن البكاء والأنين، فلم تصح ولم تضطرب، بل نظرت إليه نظرة طويلة هادئة، ثم التفتت إلى ~~ابنتها وقالت له: «وما ترى في ابنتك هذه؟» # قال: «ليس لي ابنة أيتها السيدة، ولا ولد لي؛ لأني لم أتزوج إلا منذ ثلاثة أيام! فخذي ~~ابنتك معك وعيشي معها حيث تشائين، وقد تركت لك هذا الكيس على المنضدة، فخذيه واستعيني به ~~على عيشك.» وتركها ومضي. # لم تلق على المنضدة نظرة واحدة، ومشت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى غرفتها، وهنالك ~~انفجرت باكية، وقالت: «وا سوأتاه! إنه يعطيني ثمن عرضي!» وسقطت مغشيا عليها. # فلم تستفق حتى أظلها الليل، ففتحت عينيها فإذا ابنتها تبكي بين ذراعي الخادمة، وإذا ~~الخادمة تبكي لبكائها، فضمتها إلى صدرها ساعة، ثم قامت إلى غرفة ملابسها وأخذت تفتش عن ~~أثوابها القروية التي دخلت بها هذا القصر منذ ثلاثة أعوام، وكانت تخفيها عن أعين الناس حياء ~~وخجلا، فخلعت أثوابها ولبسته، ولم تبق في معصميها ولا في جيدها لؤلؤة ولا ماسة إلا ~~ألقت بها تحت قدميها، واحتملت طفلتها وخرجت تحت ستار الليل تترنح في مشيتها كأنما تمشي على ~~رملة ميثاء. # وما جاوزت عتبة الباب ووصلت إلى الموضع الذي كانت واقفة فيه في حلمها هي وابنتها منذ ~~ساعات تنتظر خطيبها حتى لمحت على البعد مركبة فخمة مقبلة على القصر تحمل المركيز وامرأة ~~بجانبه! فأغمضت عينيها وتسللت تحت جدار القصر، ومضت في سبيلها. # لا يعلم إلا الله ما كانت تحمل هذه الفتاة المسكينة بين جنبيها في تلك الساعة من هموم ~~وأحزان، فقد خرجت مطرودة من القصر التي كانت تظن منذ ساعات أنها صاحبته ms062 ، وتولى طردها من ~~كانت تزعم في نفسها أنها أحب الناس إليه، وآثرهم عنده، واستحالت في ساعة واحدة من فتاة ~~شريفة ذات خطيب شريف إلى امرأة عاهرة ذات ولد مريب، وأصبح مستحيلا عليها أن تعود إلى بيتها ~~القديم بعارها، فترى وجه ذينك الشخصين اللذين أحسنا إليها كثيرا وأحباها حبا جما ~~فأساءت إليهما وغدرت بهما، فقد سدت دونها السبل، وأظلم ما بينها وبين العالم بأجمعه، ~~فما من رحمة لها في الأرض ولا في السماء! # ذلك ما كانت تحدث نفسها به، وهي سائرة تحت سوار القصر سير الذاهل المشدوه، لا تعرف لها ~~مذهبا ولا مضطربا، حتى رأت رأس ابنتها يميل به الكرى، فمشت إلى ربوة عالية على ضفة النهر ~~الجاري على مقربة من القصر، فأضجعتها فوق عشبها، وأسبلت عليها رداءها، وجلست بجانبها تفكر ~~في مصيرها. # فإنها لجالسة مجلسها هذا - وقد سكن الليل وسكن كل شيء فيه إلا ضوء القمر المنبعث في ~~أجواز الفضاء، ونسمات الهواء المترقرقة على صفحات الماء - إذ شعرت كأنها تسمع بالقرب منها ~~هاتفا يهتف باسمها بصوت ضعيف، فالتفتت حيث سمعت الصوت، فإذا شبح أسود ممتد بين صخرتين ~~على ضفة النهر، كأنه إنسان نائم، فارتاعت وفزعت، ثم سمعت الصوت يتكرر بنغمة واحدة، ~~فأهمها الأمر، ونهضت من مكانها وأخذت تدنو من الشبح رويدا رويدا حتى دانته، فإذا هو ~~إنسان في زي المساكين مستلق على ظهره شاخص ببصره إلى جدار القصر، فذهبت بنظرها حيث يذهب، ~~فإذا عينه عالقة بنافذة غرفتها التي كانت تجلس إليها كل ليلة، عجبت لذلك كل العجب، وخفق ~~قلبها خفقا متداركا، ورأته يضم إلى صدره هنة بيضاء أشبه بالرقعة ضما شديدا، فاكبت ~~عليه لتتبينه وترى ما يضم إلى صدره، فإذا الرقعة رسمها، وإذا هو «جلبرت» يجود بنفسه، ~~ويردد بصوت خافت متغلغل كأنه أصوات المعذبين في أعماق القبور: «الوداع يا سوزان! الوداع يا ~~سوزان!» # ففهمت كل شيء، فصرخت صرخة عظمى، دوى بها الفضاء وقالت: «آه! لقد قتلتك يابن ~~عمي!» # ثم سقطت على يده تقبلها وتبللها بدموعها، وتقول: «هأنذا يا «جلبرت» جاثية ms063 تحت قدميك، ~~فارحمني واغفر لي ذنبي، فقد أصبحت امرأة بائسة شقية، ليس على وجه الأرض من هو أحق بالرحمة ~~مني.» # وكأنما أحس بنغمة صوتها فارتعد قليلا، ثم مال بنظره نحوها حتى رآها، فسقطت من جفنه دمعة ~~حارة على يدها كانت آخر عهده بالحياة، وقضى. # ولما دنا مني السياق تعرضت # إلي ودوني من تعرضها شغل # أتت وحياض الموت بيني وبينها # وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل # جثت سوزان بجانب جثة جلبرت ساعة، قضت فيها ما يجب عليها لابن عمها وخطيبها وعشيقها ~~الذي أحبها حبا لم يحبه أحد من قبله أحدا حتى مات حسرة عليها، ثم استفاقت فذكرت ~~ابنتها، وأنها تركتها على تلك الربوة نائمة وحدها، فعادت إليها مسرعة، وقد قررت في نفسها ~~أمرا. ~~«لا أعرف أحدا من الناس أوصيه بك يا بنيتي؛ لأن أباك أنكرك، ولأن الرجل الوحيد الذي ~~كان يحبني في هذا العالم ذهب لسبيله، ولكني أعلم أن لهذا الكون إلها رحيما يعلم دخائل ~~القلوب وسرائر النفوس، ويرى لوعة الحزن في أفئدة المحزونين، ولاعج الشقاء بين جوانح ~~الأشقياء، فأنا أكل أمرك إليه وأتركك بين يديه، فهو أرحم بك من جميع الرحماء. # لا أستطيع أن أعيش لك يا بنيتي، فإن أحدا من الناس لا يغتفر لي الذنب الذي أذنبته، حتى ~~الذي أغراني به وشاركني فيه، فأنا ذاهبة إلى ذلك العالم العلوي المملوء عدلا ورحمة، ~~لعلي أجد فيه من يغفر لي ذنبي إن كنت بريئة، ويرحمني إن كنت مذنبة. # لا أحب أن تكون حياتي يا بنية شؤما على حياتك، ولا أن يأخذك الناس بذنبي كلما رأوك ~~بجانبي، فأنا أتركك وحدك في هذا المكان لعل راحما من الناس يمر بك فيعطف عليك ويضمك ~~إليه من حيث لا يعلم شيئا من أمرك، فتعيشين في بيته سعيدة هانئة، لا تعرفين أباك فيخجلك ~~مرآه، ولا أمك فتؤلمك ذكراها. # اللهم إن كنت تعلم أن هذه الطفلة ضعيفة عاجزة تحتاج إلى من يرحمها ويكفل أمرها، وأنني قد ~~أصبحت عاجزة عن البقاء بجانبها أرعاها وأحنو عليها، وأنها بريئة طاهرة ms064 لا يد لها في الذي ~~أذنبه أبواها، فارحمها وأسبل عليها ستر معروفك وإحسانك، وهيئ لها صدرا حنونا، ومهدا ~~لينا، وعيشا رغيدا.» # ثم بدأت تسرو ثيابها عن جسمها، وتغطي بها جسم ابنتها وقاية لها من برد الليل، حتى لم ~~يبق على جسدها إلا قميص واحد، تركته ليكون سترا لعورتها عند انتشال جثتها، ثم حنت على ~~الطفلة برفق، فلثمتها في جبينها لثمة أودعتها كل ما في صدرها من حب ورحمة ورفق وحنان، ~~ثم هتفت قائلة: «الوداع يا «ماري»، سنلتقي عما قليل يا «جلبرت»، المغفرة يا «كاترين».» ~~وألقت بنفسها في الماء. # قضى المركيز الليلة الأولى من ليالي شهر العسل مع عروسه في شرفة القصر يسمران ويتناجيان، ~~ويذهبان بنظرهما حيث تذهب خضرة الأرض وتمتد زرقة السماء وتطرد مياه النهر، ويتقلبان بين ~~سعادة حاضرة وأخرى مرجوة، ويرشفان من كل كأس من تلك الكئوس رشفة تكثرا بما عندهما ~~منها، حتى ثملا واستغرقا وأصبحا لا يشعران بشيء مما حولهما، فلم يستفيقا حتى سمعا دوي الريح ~~في أبراج القصر، وفي ذوائب الأشجار، فعلما أنها الزوبعة، فنهضا من مكانهما ليذهبا إلى ~~مضجعهما. # فإنهما لواقفان موقفهما هذا إذ لمحت المركيزة في وجه المركيز دهشة واضطرابا، ورأته ~~يلتفت التفاتا شديدا كأنما يتسمع لصوت غريب، فسألته ما باله، فلم يجبها، وأطل من ~~الشرفة على النهر، فرأى كما رأت هي على نور القمر، طفلة واقفة على الضفة تصيح وتعول، ~~وتشير بيدها نحو الماء، وتقول: «أماه! أماه!» فنظرا حيث تشير، فإذا امرأة عارية إلا ~~قليلا تتخبط في لجج الماء تخبط الغرقى. # فترك المركيز مكانه ونزل يعدو إلى النهر، وهو يقول: «وا لهفتاه إن كانت هي!» وصاح بخدمه ~~أن يتبعوه ففعلوا. # حتى بلغ موقف الطفلة، فعرف أنها ابنته، وأن الغريقة سوزان، فأظلم الفضاء في عينيه، وأشار ~~إلى أحد خدمه أن يعود بالطفلة إلى القصر، وأمر الباقين أن يسبحوا وراء الغريقة، ثم سقط في ~~مكانه واهنا متهالكا، وكان قد اجتمع على الضفة خلق كثير من الفلاحين رجالا ونساء، فسبح ~~بعضهم وراء السابحين، ووقف الباقون حول المركيز ms065 ينتظرون رحمة الله وإحسانه. # انتشر السابحون في كل مكان، ومشت وراءهم عيون الناظرين وقلوبهم، فقامت بينهم وبين الأمواج ~~المتلاطمة معركة هائلة، وكانوا يظفرون فيها مرة ويتراجعون أخرى، وكانوا إذا لاح لهم على ~~البعد قميص الغريقة أو شعرها عظم عندهم الأمل، فاندفعوا وراءها مستبسلين مستقتلين يغالبون ~~جبال الأمواج المعترضة في طريقهم، حتى إذا دنوا من المكان الذي لمحوها فيه لا يجدون أمامهم ~~شيئا، ثم لا يلبث الموج أن يكر عليهم فيدفعهم إلى الضفة كما كانوا. # وما زالت الفترات بين ظهور الغريقة واختفائها تتسع شيئا فشيئا حتى غابت عن الأعين ولم ~~تظهر، فهبط السابحون وراءها ولبثوا ساعة يرسبون ويطفون، ثم ظهروا على وجه الماء يحملونها ~~على أيديهم، ولا يعلم الناس أحية أم ميتة، وما زالوا يسبحون بها وأصوات الدعاء لها والبكاء ~~عليها ترن في الضفتين، فتردد رنينها آفاق السماء، حتى وصلوا بها إلى الضفة، فألقوها على ~~الأرض فإذا هي ميتة. # وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى كانت الضفة مأتما قائما يبكي فيه النساء على الشهيدة ~~والرجال على الشهيد. # لم ينتفع المركيز بنفسه بعد هذا اليوم، كما لم ينتفع جلبرت بنفسه من قبل، فقد مرضت ابنته ~~على إثر تلك الحادثة مرضا شديدا، فلم تلبث أن لحقت بأمها بعد ثلاث ليال، واستحال الحب ~~الذي كانت تضمره له زوجته إلى بغض واحتقار، فهجرته وسافرت إلى «نيس»، ولزمه خيال ذلك ~~المنظر الذي رآه من شرفة القصر ليلة الغرق لا يفارقه ليله ونهاره، فكان كلما مشى في طريق ~~توهم أن أمامه نهرا هائجا تتخبط «سوزان» في لجته، وتصيح «ماري» على ضفته، فيصرخ قائلا: ~~«لبيك يا سوزان!» ويندفع إلى الأمام كأنما يريد أن يلقي بنفسه في النهر الذي توهمه لينجي ~~الغريقة التي تخيلها، فينأى عنه المنظر كلما دنا منه حتى ينال منه التعب، فيسقط حسيرا ~~طريحا. # وكان يهيم على وجهه أحيانا حتى يصل إلى ضاحية قرية «ليني»، فيرى امرأة عجوزا مكبة ~~على قبر بين يديها تبكي وتنتحب، فيعلم أنها «كاترين»، وأن القبر قبر قتلاه، فيتراجع خائفا ms066 ~~مذعورا، ويصرخ قائلا: «الرحمة الرحمة! العفو العفو!» # وكثيرا ما كان يراه نساء الفلاحين ساقطا في بعض الأماكن التي كن يرين فيها «جلبرت»، ~~فيقلن: «لقد انتقم الله للشهيد المسكين والشهيدة المظلومة.» وكان منظر الماء يهيجه أكثر من ~~كل منظر سواه، فإذا رآه ثار واضطرب وتهافت عليه يريد اقتحامه، لولا أن يتداركه من يراه من ~~المارة. # ولم يزل هذا شأنه حتى رأى الناس جثته في صباح يوم من الأيام طافية على وجه النهر في ~~المكان الذي غرقت فيه «سوزان»، فعلموا أنها نهاية الجزاء. # مرت على هذه الحادثة أعوام طوال، ولا يزال عجائز قرية «ليني» والقرى المحيطة بها ~~يحفظنها حتى اليوم، ويبكين كلما ذكرنها، ويروينها لبناتهن وحفيداتهن عبرة يعتبرن بها كلما ~~طاف بهن طائف من شرور الرجال. # | العقاب # موضوعة # رأيت فيما يرى النائم في ليلة من ليالي الصيف الماضي كأني هبطت مدينة كبرى، لا علم لي ~~باسمها، ولا بموقعها من البلاد، ولا بالعصر الذي يعيش أهلها فيه، فمشيت في طرقها بضع ساعات، ~~فرأيت أجناسا من البشر لا عداد لهم، ينطقون بأنواع من اللغات لا حصر لها، فخيل إلي ~~أن الدنيا قد استحالت إلى مدينة، وأن الذي أراه بين يدي إنما هو العالم بأجمعه من أقصاه إلى ~~أقصاه، فلم أزل أتنقل من مكان إلى مكان، وأداول بين الحركة والسكون حتى انتهى بي المسير ~~إلى بنية عظيمة، لم أر بين البنى أعظم منها شأنا ولا أهول منظرا، وقد ازدحم على بابها ~~خلق كثير من الناس، ومشى في أفنيتها وأبهائها طوائف من الجند يخطرون بسيوفهم وحمائلهم ~~جيئة وذهوبا، فسألت بعض الواقفين: «ما هذه البنية؟ وما هذا الجمع المحتشد على بابها؟» ~~فعلمت أنها قصر الأمير، وأن اليوم يوم القضاء بين الناس والفصل في خصوماتهم. # وما هي إلا ساعة حتى نادى مناد في الناس أن قد اجتمع مجلس القضاء فاشهدوه، فدخل الناس ~~ودخلت على إثرهم، وجلست حيث انتهى بي المجلس، فرأيت الأمير جالسا على كرسي من الذهب ~~يتلألأ في وسط الفناء تلألؤ الشمس في دارتها، وقد جلس على ms067 يمينه رجل يلبس مسوحا وعلى يساره ~~آخر يلبس طيلسانا، فسألت عنهما، فعرفت أن الذي على يمينه كاهن الدير، وأن الذي على يساره ~~قاضي المدينة، ورأيته ينظر في ورقة بيضاء بين يديه، فأكب عليها ساعة ثم رفع رأسه وقال: ~~«ليؤت بالمجرمين.» # ففتح باب السجن وكان على يسار الفناء، فتكشف عن مثل خلق الليث منظرا وزئيرا، وخرج ~~منه الأعوان يقتادون شيخا هرما تكاد تسلمه قوائمه ضعفا ووهنا، فسأل الأمير: «ما ~~جريمته؟» # فقال الكاهن: «إنه لص دخل الدير، فسرق منه غرارة من غرائر الدقيق المحبوسة على الفقراء ~~المساكين.» # فضج الناس ضجيجا عاليا وصاحوا: «ويل للمجرم الأثيم، أيسرق مال الله في بيت الله؟» ثم ~~نودي بالشهود، فشهد عليه رهبان الدير، فتسار الأمير مع الكاهن هنيهة، ثم صاح: «يقاد ~~المجرم إلى ساحة الموت، فتقطع يمناه ثم يسراه، ثم بقية أطرافه، ثم يقطع رأسه، ويقطع طعاما ~~للطير الغادي والوحش الساغب!» فجثا الشيخ بين يدي الأمير، ومد إليه يده الضعيفة المرتعشة ~~يحاول أن يسترحمه، فضرب الأعوان على فمه واحتملوه إلى محبسه. # ثم عادوا وبين أيديهم فتى في الثامنة عشرة من عمره، أصفر نحيل يضطرب بين أيديهم خوفا ~~وفرقا، حتى وقفوا بين يدي الأمير، فسأل: «ما جريمته؟» # فقال الكاهن: «إنه قاتل، ذهب أحد قواد الأمير إلى قريته لجمع الضرائب، فطالبه بأداء ما ~~عليه من المال، فأبى وتوقح في إبائه، فانتهره القائد، فاحتدم غيظا وجرد سيفه من غمده ~~وضربه به ضربة ذهبت بحياته.» # فصاح الناس: «يا للفظاعة والهول! إن من يقتل نائب الأمير فكأنما قتل الأمير نفسه.» ثم جيء ~~بأعوان القائد المقتول، فأدوا شهادتهم، فأطرق الأمير لحظة، ثم رفع رأسه، وقال: «يقاد ~~المجرم إلى ساحة الموت فيصلب على أعواد شجرة، ثم تفصد عروقه كلها، حتى لا يبقى في جسمه ~~قطرة واحدة من الدم.» فصرخ الغلام صرخة حال الأعوان بينه وبين إتمامها، واحتملوه إلى ~~السجن. # وما لبثوا أن عادوا بفتاة جميلة، كأنها الكوكب المشبوب حسنا وبهاء، لولا سحابة غبراء ~~من الحزن تتدجى فوق جبينها، فقال الأمير: «ما جريمتها؟» # فقال القاضي ms068 : «إنها امرأة زانية، دخل عليها رجل من أهلها فوجدها خالية بفتى غريب، كان ~~يحبها ويطمع في الزواج منها قبل اليوم.» # فهاج الناس واحتدموا وهتفوا: «القتل القتل! الرجم الرجم! إنها الجريمة العظمى والخيانة ~~الكبرى.» # فقال الأمير: «أين شاهدها؟» # فدخل قريبها الذي كشف أمرها فشهد عليها، فهمس القاضي في أذن الأمير ساعة، ثم قال الأمير: ~~«تؤخذ الفتاة إلى ساحة الموت، فترجم عارية حتى لا يبقى على لحمها قطعة جلد، ولا على ~~عظمها قطعة لحم.» فهلل الناس وكبروا إعجابا بعدل الأمير وحزمه، وإكبارا لسطوته وقوته، ~~وهتفوا له ولكاهنه وقاضيه بالدعاء. # ثم نهض فنهض الناس بنهوضه، ومضوا لسبيلهم فرحين مغتبطين، وخرجت على أثرهم حزينا مكتئبا ~~أفكر في هذه المحاكمة الغريبة، التي لم يسمع فيها دفاع المتهمين عن أنفسهم، ولم يشهد فيها ~~على المتهمين غير خصومهم، ولم تقدر فيها العقوبات على مقدار الجرائم، وأعجب للناس في ضعفهم ~~واستخذائهم أمام القوة القاهرة، وغلوهم في تقديسها وإعظامها، وإغراقهم في الثقة بها والنزول ~~على حكمها عدلا كان أو ظلما، رحمة أو قسوة، وأردد في نفسي هذه الكلمات: «ليت شعري، ألا ~~يوجد بين هذه الجماهير لص أو قاتل أو زان يعلم عذرهم فيرحمهم، وينظر إلى جرائمهم بالعين ~~التي ينظر بها إلى جريمته، ويتمنى لهم من الرحمة والمغفرة ما يتمنى لنفسه، إن قدر له أن ~~يقف في موقف مثل موقفهم أمام قضاة مثل قضاتهم؟! # ألا يجوز أن تكون الزانية غير زانية؟ والقاتل إنما قتل دفاعا عن عرضه أو ماله؟! واللص ~~إنما سرق ما يسد به جوعته أو جوعة أهل بيته؟! # ألم يرتكب الأمير جريمة القتل مرة واحدة في حياته فيرحم القاتلين عند النظر في ~~جرائمهم؟! # ألم يسقط إلى يد الكاهن يوما من الأيام دينار من غير حله فتخف لوعة أسفه على ~~الغرارة المسروقة من ديره ويغتفر هذه لتلك؟! # ألم تزل قدم القاضي مرة واحدة فيما مر به من أيام حياته فتهدأ ثورة غضبه على ~~الساقطين والساقطات؟! # من هم هؤلاء الجالسون على هذه المقاعد يتحكمون في أرواح العباد وأموالهم كما يشاءون ms069 ، ~~ويقسمون السعود والنحوس بين البشر كما يريدون؟! # إنهم ليسوا بأنبياء معصومين، ولا بأملاك مطهرين، ولا يحملون في أيديهم عهدا من الله ~~تعالى بالنظر في أمر عباده وتوزيع حظوظهم وأنصبتهم بينهم، فبأي حق يجلسون هذه الجلسة على ~~هذه الصورة؟! ومن أي قوة شرعية يستمدون هذه السلطة التي يستأثرون بها من دون الناس ~~جميعا؟! # من هو الأمير؟ أليس هو المستبد الأعظم في الأمة؟ أو سلالة المستبد الأعظم فيها، الذي ~~استطاع بقوته وقهره أن يتخذ من أعناق الناس وكواهلهم سلما يصعد عليها إلى العرش الذي يجلس ~~عليه؟! # من هو الكاهن؟ أليس هو أبرع الناس وأمهرهم في استغلال النفوس الضعيفة والقلوب ~~المريضة؟! # من هو القاضي؟ أليس هو أقدر الناس على إلباس الحق صورة الباطل والباطل صورة الحق؟! # ومتى كان المستبدون واللصوص والظلمة أخيارا صالحين وأبرارا طاهرين؟! # عجيب جدا أن يقتل الرجل الرجل لغضبة يغضبها لعرضه أو شرفه فيسمى مجرما، فإذا قتل ~~الأمير القاتل سمي عادلا، وأن يسرق السارق اللقمة يقتات بها أو يقيت بها عياله فيسمى ~~لصا! فإذا أمر القاضي بقطع أطرافه والتمثيل به سمي حازما! وأن تسقط المرأة سقطة ربما ~~ساقتها إليها خدعة من خداع الرجال أو نزغة من نزغات الشيطان، فيستنكر الناس أمرها، ~~ويستبشعون منظرها، فإذا رأوها مشدودة إلى بعض الأنصاب عارية تتساقط عليها حجارة من كل صوب، ~~أنسوا بمشهدها، وأعجبهم موقفها ومصيرها! # كما أن النار لا تطفئ النار، وشارب السم لا يعالج بشربه مرة أخرى، وكما أن مقطوع اليد ~~اليمني لا يعالج بقطع اليد اليسرى، كذلك لا يعالج الشر بالشر، ولا يمحى الشقاء في هذه ~~الدنيا بالشقاء.» # ولم أزل أحدث نفسي بمثل هذا الحديث، حتى أقبل الليل فمررت بساحة مظلمة موحشة تتطاير ~~في جوها أسراب من الطير غادية رائحة، فاخترقتها حتى بلغت أبعد بقاعها، فرأيت منظرا هائلا ~~لا يزال أثره عالقا بنفسي حتى الساعة. # رأيت الشيخ جثة معفرة بالتراب لا رأس لها، ولا أطراف، ثم رأيت رأسه وأطرافه مبعثرة ~~حواليه كأنها نوادب يندبنه حاسرات، ورأيت الفتى مشدودا إلى شجرة فرعاء كأنه ms070 بعض أغصانها، ~~وقد سال جميع ما في عروقه من الدم حتى أصبح شبحا ماثلا، أو خيالا ساريا، ورأيت الفتاة ~~كتلة حمراء من اللحم لا يستبين لها رأس ولا قدم، وقد أحاطت بها أكوام من الحجارة المخضبة ~~بدمائها، ثم رأيت بجانب هذه الجثث الثلاث حفرة جوفاء تفهق بالدم، فعلمت أنها مجمع دماء ~~هؤلاء المساكين، فشعرت كأن سحابة سوداء تهبط على عيني قليلا قليلا، حتى غاب عن نظري كل ~~شيء، فسقطت في مكاني لا أشعر بشيء مما حولي، فلم أستفق حتى مضت دولة من الليل. # ففتحت عيني فإذا شبح أسود يدنو مني رويدا رويدا، فارتعت لمنظره، وفزعت إلى ساق ~~الشجرة فاختبأت وراءه، فما زال يتقدم حتى صار بجانبي، فأشعل مصباحا صغيرا كان في يده، ~~فتبينته على نوره، فإذا عجوز شمطاء في زي المساكين وسحنتهم، فمشت تتصفح وجوه القتلى حتى ~~بلغت مصرع الشيخ، فجثت بجانبه ساعة تبكيه وتندبه، ثم مشت إلى رأسه وأطرافه فجمعتها وضمتها ~~إلى جثته، ثم احتفرت له حفرة تحت ساق الشجرة فدفنته فيها، وقامت على قبره تودعه وتقول: «في ~~سبيل الله ما لقيت في سبيلي وسبيل أحفادك البؤساء أيها الشهيد المظلوم، وفي ذمة الله وكنفه ~~روح طار عن جسدك، وجسد ضمه قبرك، فقد كنت خير الناس زوجا وأبا، وأطهرهم لسانا ويدا، ~~وأشرفهم قلبا ونفسا، فاذهب إلى ربك لتلقى جزاءك عنده، واطلب إليه الرحمة لجميع الناس حتى ~~لقاتليك وظالميك، واسأله أن يلحقني بك وشيكا، فلا شيء يعزيني عنك بعد فراقك إلا الأمل في ~~لقائك!» # فأبكاني بكاؤها وأحزنني منظرها، ووقع في نفسي أنها صادقة فيما تقول، وأن شيخها شهيد من ~~شهداء القضاء، وأحببت أن أقف على قصتها وقصته، فبرزت من مخبئي ومشيت إليها، فارتاعت لمرآي ~~عند النظرة الأولى، ثم سكتت كأنما ذكرت ألا قيمة لمصائب الحياة بعد مصابها الذي نزل ~~بها. # فابتدرتها بقولي: «لا تراعي يا سيدتي، فإنني رجل غريب عن هذا البلد، لا أعرف من شأنه ~~ولا من شأن أهله شيئا، وقد رأيت الساعة موقفك على هذا القبر وتفجعك على ساكنه ms071 ، فرثيت لك ~~وبكيت لبكائك، وتمنيت لو أفضيت إلي بذات نفسك، علني أستطيع أن أكون لك عونا على ~~همك.» # فاستعبرت باكية وأنشأت تحدثني وتقول: «إن زوجي لم يكن في يوم من أيام حياته لصا ولا ~~سارقا، بل قضى أيام شبابه وكهولته عاملا مجدا لا يفتر ساعة واحدة عن السعي في طلب رزقه ~~ورزق أهل بيته حتى كبر ولده، وكان واحده، فاشتد به ساعده واحتمل عنه ما كان يستقل بحمله ~~من الهم، وما هو إلا أن نعمنا به وبمعونته حقبة من الدهر، حتى نزلت به نازلة الموت، فذهبت ~~بحياته ونحن أحوج ما كنا إليه، وخلف وراءه خمسة أولاد صغار لا يتجاوز أكبرهم العاشرة من ~~عمره، وكانت قد أدركت أباه الشيخوخة، فاجتمع عليه هم الكبر وهم الثكل، فأصبح عاجزا عن ~~العمل لا يستطيعه إلا في الفينة بعد الفينة، وأصبحنا جميعا في حالة من الشقاء والبؤس، لا ~~يعرف مكانها من نفوسنا إلا من ألم به في حياته طرف منها، حتى طلعت علينا شمس يوم من ~~الأيام، وليس في يدنا ما نقوم به أصلاب صغارنا، ولا ما نعللهم به تعليلا، فأسقط في ~~يدنا، وعلمنا أنا هالكون جميعا إن لم يتداركنا الله برحمة من عنده. # فلم أر بدا من أن ألجأ إلى الخطة التي يلجأ إليها كل مضطر عديم، فبرزت إلى الناس ~~أتعرض لمعروفهم وأستندي ماء أكفهم، فلم أجد بينهم من يحسن إلي بجرعة أو مضغة، ولا من ~~يدلني على سبيل ذلك، وكان أكبر ما حال بيني وبينهم وصرف وجوههم عني، أني ألبس مرقعة ~~الشحاذين ولا أحمل ركوتهم، فعدت إلى منزلي وبين جنبي من الهم ما الله به عليم، فرأيت ~~الأطفال سهدا يتضاغون جوعا، ورأيت الشيخ جالسا بينهم يبل تربة الأرض بدموعه ويقرع كفه ~~بكفه لا يعلم ماذا يصنع، ولا كيف يحتال، ولو أن شخص الموت برز إلي في تلك الساعة لكان ~~منظره أهون على نفسي من منظر هؤلاء الصبية، وهم يحدقون في وجهي عند دخولي، ويدورون حولي ~~ليروا هل عدت إليهم بما يسد جوعتهم، وما ms072 عدت إليهم إلا باليأس القاتل والكمد الشامل. # فتقدمت نحو الشيخ، وقلت له: إن في دير المدينة كما يزعمون مالا للصدقات، يتولى الكاهن ~~الأعظم إنفاقه على الفقراء والمساكين، فلو ذهبت إليه وكشفت له خلتك، وسألته أن يمنحك ~~علالة تستعين بها على أمرك لرجونا أن نطفئ لوعة هؤلاء الأطفال المساكين. # فاستنار وجهه بنور الأمل، وقام إلى عصاه فاعتمد عليها ومشى إلى الدير حتى بلغه، فصعد إلى ~~حجرة الكاهن حتى وقف بين يديه، فنفض له جملة حاله، وسكب تحت قدميه جميع ما أبقت الأيام في ~~جفنيه القريحين من دموع، فاستقبله الكاهن بأقبح ما يستقبل به مسئول سائلا، وقال له: إن ~~الدير لا يحسن إلا إلى الذين أسلفوه الإحسان من قبل، وما كنت في يوم من أيام رغدك ورخائك ~~من المحسنين إليه، فاذهب لشأنك، فأبواب العيش واسعة بين يديك، فإن ضاقت بك فأبواب الجرائم ~~أوسع منها! # فخرج من حضرته كئيبا محزونا لا يرى فضاء الدنيا في نظره إلا ككفة الحابل أو أفحوص ~~القطاة، حتى نزل إلى ساحة الدير فلمح في إحدى زواياه غرارة دقيق، فحدثته نفسه بها، وما ~~كانت تحدثه لولا العوز والفاقة، ثم أدركه الحياء، فأغضى عنها واستمر سائرا في طريقه حتى ~~صار بجانبها، فوقع نظره عليها مرة أخرى، فعاوده حديثه الأول، فحاول دفعه، فلم يستطع، فجلس ~~بجانبها يحدث نفسه ويقول: إن الطعام طعام الفقراء والمساكين، وأنا فقير مسكين، لا أعلم ~~أن بين أسوار هذه المدينة ولا في جميع أرباضها رجلا أحوج ولا أفقر مني، فإن كان الطمع في ~~هذه الغرارة جريمة فقد أذن لي الكاهن بارتكاب الجرائم في سبيل العيش. # ثم مشى إليها فاحتملها على ظهره ومشى بها جاهدا مترجحا، فما تجاوز عتبة الدير حتى أثقله ~~الحمل، وشعر أنه عاجز عن المسير، فحدثته نفسه بإلقائه عن ظهره، ثم تمثل له منظر أحفاده ~~الصغار، وهم ألقاء تحت جدران البيت يتضورون جوعا، فحمل على نفسه ومشى يعتمد على عصاه ~~مرة وعلى الجدران مرة أخرى، حتى نال منه الجهد، فأحس كأن أنفاسه قد جمدت في ms073 صدره لا تهبط ~~ولا تعلو، وأن ما كان باقيا في عينيه من نور قد انطفأ دفعة واحدة، فأصبح لا يرى شيئا مما ~~حوله، وإذا نفثة من دم دفقت من صدره فانحدرت على ردائه، فسقط في مكانه مغشيا ~~عليه. # ولم يزل على حاله تلك، حتى مر به العسس فرأوه ورأوا الغرارة بجانبه، فارتابوا له، ~~وكان رهبان الدير قد أخذوا يتصايحون فيما بينهم: «الغرارة، الغرارة!» وينشدونها في أنحاء ~~الدير حتى يئسوا منها، فخرجوا يطلبونها في كل مكان حتى التقوا بالعسس ملتفين حول الشيخ، ~~فعرفوا ضالتهم، وما هي إلا ساعة حتى كانت الغرارة في الدير، وكان الشيخ في السجن، ثم كان ~~بعد ذلك ما رأيت من أمره. فوا أسفاه عليه! لقد مات شهيدا مظلوما، ووا رحمتاه لي ولأطفالي ~~البؤساء المساكين من بعده!» # ثم نهضت من مكانها ومسحت عبرتها بطرف ردائها، ونظرت إلى القبر نظرة طويلة وقالت: ~~«الوداع يا رفيق صباي، وعماد شيخوختي، الوداع يا خير الأزواج وأبر العشراء، الوداع حتى يجمع ~~الله بيني وبينك في دار جزائه.» ثم انكفأت راجعة في الطريق التي جاءت منها. # وما هو إلا أن تغلغل شخصها في أعماق الظلام، حتى رأيت شبحا آخر يتراءى من حيث اختفى ~~الشبح الأول، وما زال يتقدم نحوي متسللا يختلس خطواته اختلاسا، فاختبأت وراء الشجرة ~~لأرى ما هو صانع، وكان القمر قد بدأ يشرف على الوجود من مطلعه، ويرسل الخيوط الأولى ~~من أشعته على تلك الساحة الكبرى، فرأيت الشبح على نوره، فإذا فتاة جميلة باكية لم أر في ~~حياتي دمعة على خد أجمل من دمعتها على خدها، فدارت بعينيها لحظة، حتى وقع نظرها على جثة ~~المصلوب بين أعواد الشجرة، فمشت إليه ومدت يدها وأضجعته على الأرض ووقفت بجانبة ساعة تنظر ~~إليه جامدة ساكنة كأنها غير آبهة ولا حافلة، ثم هتفت صارخة: «وا شقيقاه!» وسقطت فوقه تضمه ~~وتقبله وتلثم شعره وجبينه، وتزفر فيما بين ذلك زفيرا متداركا، كأنما تنفث أفلاذ كبدها ~~نفثا، حتى نال منها الجهد، فترنحت قليلا ثم هوت بجانبة هوى الجذع الساقط ms074 لا حراك ~~بها. # فأهمني أمرها وخفت أن يكون قد لحق بها مكروه، فمشيت إليها حيث صرت بجانبها، فشعرت ~~بأنفاسها الضعيفة تتردد في صدرها، فعلمت أنها حية، فجلست فوق رأسها أندبها وأدعو الله لها ~~حتى استفاقت بعد هنيهة، فرأتني بجانبها فنظرت إلي نظرة حائرة، ثم تقدمت نحوي وقالت: «على ~~من تبكي أيها الرجل الغريب؟» # قلت: «أبكي عليك يا سيدتي وعلى فقيدك البائس المسكين!» # قالت «نعم، إنه بائس مسكين، فابك عليه يا سيدي كثيرا، فقد كان زينة الشباب وزهرة الحياة ~~وريحانة النفوس ومتعة الأفئدة والقلوب، ولقد ظلموه إذ قتلوه، فما كان قاتلا ولا مجرما، ~~ولكنه رجل رأى عرضه فريسة في يد من يريد تمزيقه، فقطع تلك اليد الممتدة إليه، وانتقم ~~لنفسه وللشرف والفضيلة منها، ولو أنصفوه لاستبقوه رحمة به وبشبابه، فما أجرم من ذاد عن ~~عرضه ولا أثم من قتل قاتله.» # قلت: «هل لك أن تقصي علي قصته يا سيدتي؟» # قالت: «نعم، نزل قريتنا صباح يوم من الأيام قائد من قواد الأمير الذين يطوفون البلاد ~~لجمع الضرائب، فمر بأبيات القرية بيتا بيتا حتى بلغ منزلنا، وكنت واقفة على بابه، فنظر ~~إلي نظرة مريبة طار لها قلبي رعبا وفرقا، ثم سألني عن أخي، فأرشدته إلى مكانه، فسأله ~~عن المال، فاستنسأه إياه أياما قلائل حتى يبيع غلته، فأبى إلا أن ينقده الساعة أو ~~يأخذني رهينة عنده إلى يوم الوفاء. # وغمز بي بعض أعوانه فداروا حولي، وكنت أسمع قبل اليوم حديث أولئك الفتيات الشقيات اللواتي ~~يدخلن رهائن في قصر الأمير، فلا يخرجن منه إلا ساقطات أو محمولات، ففزعت إلى أخي ولصقت ~~به، فوقف بيني وبين الرجل، وقال له: لا شأن لك مع الفتاة إنما أنا صاحب المال، وأنا المأخوذ ~~به من دون الناس جميعا، فإن كان لا بد لك من رهينة فأنا رهينة مالي حتى يصل إليك. # فقال له: لا بد لي من المال أو الرهينة، ولا بد أن تكون الرهينة كما أريد، فإن أبيت ~~فحياتك فداء عنها. # فغضب أخي غضبة انتفض لها في جبينه ms075 عرق لم أره في ساعة من ساعات غضبه قبل اليوم، وقال ~~له: فلتكن حياتي فداء لشرفي. ثم جرد سيفه وضربه به ضربة طارت برأسه، ووقف في مكانه لا ~~يبرحه وسيفه يقطر دما حتى غله الأعوان واحتملوه إلى السجن. فتلك حياته يا سيدي وذاك ~~مماته، فلئن بكيته فأنا أبكي فتى الفتيان همة ونجدة، ونادرة الرجال عزة وإباء، ~~وأفضل الإخوة رحمة وحنانا.» # ثم قالت: «هل لك أن تعينني يا سيدي على مواراته قبل أن يحول النهار بيني وبينه؟ فقد ~~أصبحت واهية متضعضعة، لا أقوى على شيء.» # فقمت إلى الشجرة فاحتفرت حول ساقها حفرة بجانب حفرة الشيخ فواريته فيها، فتقدمت ~~الفتاة نحو القبر وجثت بجانبه ساعة مطرقة ساكنة، لا أعلم هل هي باكية أو ذاهلة، حتى فارقت ~~مكانها، فرأيت تربة القبر مخضلة بدموعها، ثم مدت يدها إلي وقالت: «شكرا لك يا سيدي، ~~فقد أعنتني على موقف قلما يجد فيه مستعين معينا.» ومضت لسبيلها. # فأتبعتها نظري حتى اختفت آخر طية من طيات ردائها، فعدت إلى نفسي، فإذا جثة الفتاة ~~المرجومة لا تزال مكانها، فهاجني منظرها، وقلت في نفسي: «إنني لا أدخر لنفسي عملا أرجو فيه ~~رحمة الله وإحسانه يوم جزائه، أفضل من مواراة هذه المسكينة التراب.» فاحتفرت لها حفرة ~~بجانب حفرة الشهيدين، ثم ألقيت عليها ردائي واحتملتها على يدي حتى أضجعتها في ~~حفرتها. # فإني لأحثو عليها التراب إذ شعرت بحركة ورائي، فالتفت فإذا فتى يافع متلفع ببردة ~~سوداء لا يستبين منها غير بياض وجهه، فابتدرني بقوله: «من صاحب هذا القبر الذي تحثو ترابه ~~يا سيدي؟» # قلت: «فتاة مرجومة، رأيت جثتها الساعة منبوذة في هذا العراء، فرحمت مصرعها، واحتفرت لها ~~هذا القبر الذي تراه.» # فقال: «إن لي يا سيدي مع هذه الفتاة شأنا، فهل تأذن لي أن أودعها الوداع الأخير قبل أن ~~يحول التراب بيني وبينها؟» # قلت: «نعم، شأنك وما تريد.» # وتنحيت قليلا، فدنا من القبر وجثا فوق تربتها، وظل يناجي الدفينة نجاء خلت أن الكواكب ~~تردده في سمائها والرياح في أجوائها، حتى اشتفت نفسه ms076 ، فقام إلى التراب يهيله عليها حتى ~~واراها. # ثم التفت إلي وقال: «لقد شكر الله لك يا سيدي هذه اليد التي أسديتها إلى هذه الفتاة ~~المظلومة بستر ما كشف الناس عن عورتها، وحفظ ما أضاعوا من حرمتها، فجزاك الله خيرا بما ~~فعلت، وأحسن إليك كما أحسنت إليها.» # وأراد الرجوع فاستوقفته، وقلت له: «وهل ماتت هذه الفتاة مظلومة كما تقول؟» # فانفرجت شفتاه عن ابتسامة مرة، ونظر إلي نظرة هادئة مطمئنة وقال: «نعم يا سيدي، ولولا ~~ذلك ما رأيتني الساعة واقفا على حافة قبرها أندبها ... أنا الرجل الذي اتهموها به، وأستطيع ~~أن أقول لك، كما أقول لربي يوم أقف بين يديه رافعا إليه ظلامتها: إنها بريئة مما رموها به، ~~وإنها أطهر من الزهرة المطلولة، وأنقى من القطرة الصافية. # لقد أحببت هذه الفتاة مذ كانت طفلة لاعبة، وأحبتني كذلك، ثم شببنا وشب الحب معنا، ~~فتعاقدنا على الوفاء والإخلاص، ثم خطبتها إلى أبيها فأخطبني راضيا مسرورا، حتى إذا لم ~~يبق بيني وبين البناء بها إلا أيام معدودات؛ إذ نزلت بأبيها نازلة الموت، فعلمنا أن لا بد ~~لنا من الانتظار بأنفسنا عاما كاملا، ففعلنا. # حتى إذا انقضى العام أو كاد، حدث أن ذهبت الفتاة إلى قاضي المدينة في أمر يتعلق ~~بميراثها، فرآها القاضي، فتبعتها نفسه، فأرسل وراء عمها، وكان ولي أمرها بعد أبيها، وهو ~~رجل من الطامعين المداهنين الذين لا يبالون أن يخوضوا بحرا من الدم إذا تراءى لهم على ~~شاطئه الآخر دينار لامع، فعرض عليه رغبته في الزواج من ابنة أخيه، فطار بهذه المنحة فرحا ~~وسرورا، ولم يتردد في إجابة طلبه، وعاد إلى الفتاة يحمل إليها هذه البشرى، فاستقبلته ~~بوجه باسر وقالت له: إنني لا أستطيع أن أكون خطيبة رجلين في آن واحد. فلم يبال بقولها ~~وقال لها: ستتزوجين ممن أريد طائعة أو كارهة، فلا خيار لك في نفسك إنما الخيار لي في أمرك ~~وحدي! # وما هي إلا أيام قلائل حتى أعدوا لها عدة زواجها وسموا يوما لزفافها، فما غربت شمس ذلك ~~اليوم، حتى جمعت ms077 ما كان لها في بيتها من ثياب وحلية، وخرجت تحت ستار الليل هائمة على وجهها ~~لا تعلم أين تذهب، ولا أي طريق تسلك، وكان عمها قد رفع إلى القاضي أمر فرارها، فبث عليها ~~عيونه وأرصاده يطلبونها في كل مكان، حتى لمحها بعضهم جالسة تحت بعض الجدران، فأقبل عليها، ~~فذعرت لمرآه وتركت حقيبتها مكانها، وفرت بين يديه تعدوا عدوا سريعا. # وكنت عائدا في تلك الساعة إلى منزلي، فرأتني فألقت نفسها علي وقالت: إنهم يتبعونني، ~~وإنهم إن ظفروا بي قتلوني، فارحمني يرحمك الله. فأهمني أمرها، وذهبت بها إلى منزلي ~~وأخفيتها في بعض حجراته، وما هي إلا ساعة حتى دخل عمها ووراءه أعوان القاضي يطلبها طلبا ~~شديدا، فأنكرت رؤيتها فلم يصدقني، وأخذ يضرب أبواب الحجرات بابا بابا حتى ظفر بها، فصاح: ~~ها هي ذي الفتاة الزانية، وهذا صاحبها. فأقسمت له بكل محرجة من الأيمان أنها بريئة ~~مما يرميها به، فلم يصغ إلي، وأمر الأعوان فاحتملوها، وحاولت أن أحول بينهم وبينها، ~~فضربني أحدهم على رأسي ضربة طارت بصوابي فسقطت مغشيا علي، فلم أستفق إلا بعد ساعة، ~~فوجدت الحمى قد أخذت مأخذها من جسمي، فلزمت فراشي بضعة أيام لا أفيق ساعة، حتى يتمثل لي ذلك ~~المنظر الذي رأيته، فأشعر بالرعدة تتمشى في أعضائي، فأعود إلى ذهولي واستغراقي، حتى أدركتني ~~رحمة الله فأبللت منذ الأمس بعض الإبلال، واستطعت أن أخرج الليلة من منزلي، فعلمت ما ~~تم من أمر تلك المسكينة، فجئت كما تراني أودعها الوداع الأخير، وأواري جثتها التراب، وما ~~أنا بالسالي عنها، ولا بالذائق حلاوة العيش من بعدها حتى ألحق بها.» # ثم ألقى على قبرها نظرة جمعت في طياتها جميع معاني النظرات البائسات من حزن ويأس، ~~ولوعة وشقاء، ومضى لسبيله. # فما أبعد إلا قليلا حتى رأيت القمر ينحدر إلى مغربه، ثم ما لبث أن اختفى، فإذا الفضاء ~~ظلمة وسكون، وإذا الساحة وحشة وانقباض، فصعدت على ربوة عالية مشرفة على القبور الثلاثة، ثم ~~تلفعت بردائي، وألقيت رأسي على بعض الصخور، وأنشأت أحدث نفسي وأقول: «ليت شعري ms078 ! ألا يوجد في ~~هذه الدنيا عادل ولا راحم؟ فإن خلت منهما رقعة الأرض فهل خلت منهما ساحة السماء؟ # أجرم الزعيم الديني؛ لأنه ضن على ذلك الشيخ المسكين بدرهم من مال يسد به جوعته ~~وجوعة أهل بيته، فاضطر الرجل إلى ارتكاب جريمة السرقة، فعوقب السارق على سرقته، ولم يعاقب ~~القاسي على قسوته، ولولا قسوة القاسي ما كانت سرقة السارق. # وأجرم الأمير لأنه أرسل قائده لاختطاف فتاة حرة لا تؤثر أن تجود بعرضها، فاضطر أخوها ~~إلى الذود عنها فارتكب جريمة القتل، فعوقب الفتى على جريمته وسلم من العقوبة من دفعه ~~إلى الإجرام. # وأجرم القاضي لأنه أراد أن يكره فتاة لا تحبه على الزواج منه، ففرت من وجهه، فعاقبوها ~~على فرارها، ولم يعاقبوا القاضي على ظلمه واستبداده. # وهكذا أصبح المجرم بريئا، والبريء مجرما، بل أصبح المجرم قاضي البريء وصاحب الحق في ~~معاقبته! # فهل تسقط السماء على الأرض بعد اليوم، أم لا تزال تنيرها بكواكبها ونجومها، وتمطرها ~~غيثها ومزنها؟» # ثم التفت إلى مصرع المقبورين فوقع نظري على بركة الدم التي اجتمعت فيها دماء هؤلاء ~~الشهداء، فرأيت خيال نجم في السماء يتلألأ فوق صفحتها، فرفعت نظري إلى النجم، فإذا هو ~~المريخ يتلهب ويضطرم، كأنه جمرة الغيظ في أفئدة الموتورين، فعلق نظري به ساعة، ثم رأيت كأنه ~~يهبط من عليائه رويدا رويدا، فيعظم جرمه كلما ازداد هبوطه، حتى إذا لم يبق بينه وبين ~~الأرض إلا ميل أو بعض ميل إذا به ينتفض انتفاضا شديدا، وإذا هو على صورة ملك من ملائكة ~~العذاب ينبعث الشرر من عينيه ومنخريه، ويتطاير من أجنحته وأطرافه، فلم يزل هابطا حتى نزل ~~على رأس الشجرة التي تظلل قبور الشهداء، ثم صفق بجناحيه تصفيقة اهتزت لها جوانب الأرض ~~وأضاءت بها الأرحام، ثم أخذ ينطق بصوت كأنه جلجلة الرعد في آفاق السماء، ويقول: «ها هم ~~أولاء الناس قد عادوا إلى ما كانوا عليه، وها هي ذي الأرض قد ملئت شرورا وفسادا حتى لم ~~يبق فيها بقعة طاهرة يستطيع أن يأوي إليها ملك من أملاك ms079 السماء. # ها هم أولاء الأقوياء قد ازدادوا قوة، والضعفاء قد ازدادوا ضعفا، وها هي ذي لحوم الفقراء ~~تنحدر في بطون الأغنياء انحدارا، فلا الأولون بمستمسكين، ولا الآخرون بقانعين. # ها هم أولاء الفقراء يموتون جوعا فلا يجدون من يحسن إليهم، والمنكوبون يموتون كمدا فلا ~~يجدون من يعينهم على همومهم وأحزانهم. # ها هم أولاء الأمراء قد خانوا عهد الله وخفروا ذمامه، فأغمدوا السيوف التي وضعها الله في ~~أيديهم لإقامة العدل والحق، وتقلدوا سيوفا غيرها، لا هي إلى الشريعة، ولا إلى الطبيعة، ~~ومشوا بها يفتتحون لأنفسهم طريق شهواتهم ولذائذهم حتى ينالوا منها ما يريدون. # ها هم أولاء القضاة قد طمعوا وظلموا، ووضعوا القانون ترسا أمام أعينهم يصيبون من ورائه ~~ولا يصابون، وينالون من يشاءون تحت حمايته ولا ينالون. # ها هم أولاء زعماء الدين قد أصبحوا زعماء الدنيا، فحولوا معابدهم إلى مغاور لصوص ~~يجمعون فيها ما يسرقون من أموال العباد، ثم يضنون بالقليل منه على الفقراء ~~والمساكين. # ها هم أولاء الناس جميعا قد أصبحوا أعوانا للأمراء على شهواتهم، والقضاة على ظلمهم، ~~وزعماء الأديان على لصوصيتهم، فلتسقط عليهم جميعا نقمة الله، ملوكا ومملوكين، ورؤساء ~~ومرءوسين. # لتسقط العروش، ولتهدم المعابد، ولتتقوض المحاكم، وليعم الخراب المدن والأمصار، ~~والسهول والأوعار، والنجاد والأغوار، ولتغرق الأرض في بحر من الدماء يهلك فيه الرجال ~~والنساء، والشيوخ والأطفال، والأخيار والأشرار، والمجرمون والأبرياء، وما ظلمهم الله، ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون.» # وما انتهى من دعوته تلك، حتى رأيت بركة الدم تفور كما فار التنور يوم دعوة نوح، ثم فاضت ~~الدماء منها، ومشت تتدفق في الأرض تدفق السيل المنحدر، وإذا الأرض بحر أحمر يزخر ويعج، ~~ويكتسح أمامه كل شيء من زرع وضرع، وقصور وأكواخ، وحيوان وإنسان، وناطق وصامت، ثم شعرت ~~به يعلو شيئا فشيئا، حتى ضرب بأمواجه رأس الربوة التي أنا جالس فوقها، فصرخت صرخة عظمى ~~فاستيقظت من نومي، وكان ذلك في صباح اليوم الثامن والعشرين من شهر يوليو 1914، فإذا صائح ~~يصيح تحت نافذة غرفتي: «إعلان الحرب.» # | الضحية # مترجمة # نشأت «مرغريت جوتييه» فقيرة لا تملك ms080 مالا تشتري به زوجا، ولا تجد بين الرجال من ~~يبيعها نفسه بلا مال، أو يحسن إليها بما يسد خلتها، ويستر عورتها، وكان لا بد لها أن ~~تعيش، فلم تجد بين يديها سوى عرضها، فذهبت به إلى سوق الشقاء والآلام، فساومها فيه بعض ~~المساومين بأبخس الأثمان، فباعته إياه كارهة مرغمة، وكانت من الخاسرين. # ولقد كان جمالها شؤما عليها، فلو أنها كانت شوهاء لوجدت في الناس من يرحمها ويحنو عليها، ~~ولكن الجمال سلعة من السلع النافقة، لا يستطيع صاحبه أن ينال ما في أيدي الناس إن كان ~~فقيرا معوزا إلا من طريق المساومة فيه. # لذلك نقمت تلك الفتاة المنكوبة على الرجال جميعا، وأقسمت أن تتخذ من جمالها - الذي هو ~~مطمع أنظارهم وقبلة آمالهم - آلة انتقام تنتقم بها منهم لعرضها وشرفها. # ولقد برت بيمينها بر الوفي بعهده، فعاشرت الرجال ولم تحبهم، ونكبتهم في أموالهم وفي ~~أنفسهم ولم تأسف عليهم، ونظرت إلى دموع الباكين تحت قدميها نظرات الغبطة والسرور، وهي تقول: ~~«ويح لكم يا معشر الرجال! ما كنت أطلب منكم باسم الفضيلة والشرف إلا رغيفا واحدا لغدائي ~~وآخر لعشائي، فأبيتموهما علي، فلما طلبت منكم باسم الرذيلة جميع ما تمتلك أيديكم من مال ~~ونشب، بذلتموه لي طائعين مختارين، فما أصغر نفوسكم وأخس أقداركم! # ولقد كان في استطاعة أصغركم شأنا، وأهونكم على نفسه وعلى الناس جميعا، أن يشتري من جسمي ~~وقلبي وحياتي بلا ثمن سوى سد خلتي وصيانة عرضي فلم تفعلوا، فها هم أولاء اليوم عظماؤكم ~~وأشرافكم يجثون تحت قدمي جثي الكلب الذليل تحت مائدة سيده، فلا ينالون مني أكثر مما ينال ~~منها! # أحببتم المال حبا جما، فأبيتم إلا أن تتزوجوا ذات مال لتضموا طارفها إلى تليدكم، ~~فابذلوا اليوم لامرأة مومس لا تمنحكم مالا ولا حبا جميع ما في أيديكم من فضة وذهب، حتى ~~لا يبقى لكم طارف ولا تليد.» # ظهرت «مارغريت» في سماء باريس كوكبا متلألئا يبعث الأنوار ويبهر الأنظار، ويملأ أجواز ~~الفضاء بهجة وضياء، فطارت حولها العقول طيران النحل حول الزهر، وسال النضار بين ms081 يديها سيلان ~~الجدول المتدفق تحت أشعة الأصيل، وعنت لها الوجوه الكريمة، وتعفرت تحت قدميها الجباه ~~الرفيعة، وأصبحت أعناق الرجال في يدها، كأنما قد سلكتهم جميعا في سلك واحد، ثم أمسكت بطرف ~~السلك تحركه فيتحركون، وتمسك عنه فيمسكون. # وكان شأنها معهم شأن صاحب الكلب مع كلبه، لا يشبعه فيستغني عنه، ولا يجيعه فييأس منه، ~~فكانت تملأ نفس عاشقها أملا ورجاء، حتى إذا ظن أن قد دنا به حظه، وأن ليس بينه وبين أمله ~~إلا أن يمد إليه يده فيناله، ذادته عند ذود الظامئ الهيمان عن ورده أدنى ما يكون إلى ~~فمه، فإذا علمت أن اليأس قد بلغ من نفسه، وأنه قد أزمع أن يركب رأسه إلى حيث لا مرد له، ~~بعثت وراءه شعاعا من أشعة ابتسامتها العذبة الخلابة فاستردته إليها صاغرا ~~مستسلما. # وكذلك أصبحت تلك الفتاة الجائعة العارية - التي كانت تعوزها بالأمس اللقمة وتعييها الخرقة ~~- سيدة باريس وصاحبة عرشها، ومالكة أزمة رجالها، وفاجعة قلوب نسائها، والنجم الخالق الذي ~~تبتهل إليه العيون، والسر الغامض الذي تحار فيه الظنون. # ذلك ما يعلمه الناس من أمرها، أما ما تعلمه من أمر نفسها، فهي ترى أن جميع ما يبذله لها ~~من فضة وذهب، وأثاث ورياش، وقصور ودور، وجياد ومركبات، لا يساوي دمعة واحدة من تلك الدموع ~~التي سكبتها على نفسها يوم باعت عرضها، وأن جميع هذه اللآلئ والجواهر والأردية والتيجان ~~التي يهبونها، إنما يهبونها لأنفسهم ليتمتعوا بمنظرها فوق جسمها، كما يتمتع صاحب الكلب ~~بمنظر القلادة في عنق كلبه، وما له من ذلك شيء، فكأنما باعت عرضها بلا ثمن ولا ~~جزاء! # وكانت تخلو بنفسها حينا فتذكر أن جميع هذه القلوب الطائرة حولها إنما تطير على جمالها لا ~~عليها، وأنها إن حرمت هذا الجمال ساعة واحدة انفض الناس جميعا من حولها، وأصبحت وحيدة ~~منقطعة في هذا العالم، لا يعطف عليها قلب، ولا تبكي عليها عين، فتبكي بكاء الأشقياء على ~~أنفسهم، بل ترى أنها شقية مثلهم؛ لأنها تعاشر من لا تحب، وتحيا بين قوم لا يحبونها إلا ~~حبا ms082 كاذبا. # وربما مرت في بعض غدواتها أو روحاتها بغرفة حارس قصرها وهو جالس بين زوجه وأولاده ~~يمنحهم حبه وإخلاصه ويمنحونه من ذلك مثل ما يمنحهم، فتتمنى أن لو كان حظها من هذه الحياة ~~غرفة كهذه الغرفة، وزوجا وأولادا كهذا الزوج وهؤلاء الأولاد، ثم لا تقترح على دهرها بعد ~~ذلك شيئا. # وما رآها الناس في يوم من أيامها استقبلت في قصرها رجلا متزوجا أو خاطبا، فكانوا ~~يحملون هذا الأمر منها على محمل الأثرة، ويقولون إنها امرأة طامعة لا تحب إلا أن يكون ~~عاشقها خالصا لها، ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرها وألموا بسريرة نفسها، لعلموا أنها امرأة ~~حزينة منكوبة، قد فجعها الدهر في سعادة الزوجية فعرفت قيمتها، فهي لا تحب أن تفجع فيها ~~امرأة غيرها. # لقد تحدث بعض الذين ألموا بشئون حياتها الخاصة أنها وهبت مرتين أو ثلاثا لبعض الفتيات ~~الفقيرات مهورا يستعن بها على الزواج ممن يردن، فلم يصدق الناس هذا الخبر وقالوا: إن ~~السالب لا يكون واهبا، وإن ينبوع الخير لا يمكن أن ينفجر في قلوب الناس الفاجرات! ولكن ~~الحقيقة أنها فعلت ذلك، وربما فعلت أكثر منه. # هذا هو قلب «مرغريت»، وهذه هي سريرة نفسها، فهي فتاة فاسدة، ولكنها غير راضية عن فسادها، ~~وساقطة، ولكنها لا تحب أن ترى الفتيات ساقطات مثلها، ولو كان في استطاعة المرأة الساقطة أن ~~تسترجع بتوبتها وإنابتها مكانتها في قلوب الناس، وأن تمحو بصلاحها ما سلف من فسادها، لكانت ~~هي أقرب النساء إلى التوبة والنزوع، ولكن المجتمع الذي أسقطها وسلبها ذلك الرداء من الشرف ~~الذي كانت ترتديه يأبى عليها أن يعيد إليها رداءه إن طلبته، فلا بد لها من الاستمرار في ~~سقوطها راضية أو كارهة، وكذلك كان شأنها. # ولم يمض على «مرغريت» في حياتها هذه أكثر من بضعة أعوام، حتى نزل بها مرض حجبها في ~~بيتها عدة أيام، ثم اشتد عليها، فأشار عليها الأطباء أن تذهب إلى حمامات «البانيير» ~~للاستشفاء بمائها وهوائها، فسافرت إليها وحدها لا تصحبها إلا خادمتها، وكان في ذلك المصطاف ~~في هذا ms083 العام شيخ من الأثرياء اسمه «الدوق موهان»، حضر إليه مع ابنته - وكانت مريضة بداء ~~الصدر - ليستشفي لها من دائها، فلم يجدها العلاج وماتت بين يديه، فدفنها هناك، ولبث بعد ~~موتها عدة أيام يختلف إلى قبرها ويبكيها بكاء شديدا. # فإنه لعائد من المقبرة ذات يوم إذ لمح في طريقه «مرغريت» سائرة وحدها، وكان ذلك اليوم ~~الثاني من وصولها إلى «البانيير»، فدهش لمنظرها دهشة عظمى، وخيل إليه أن الله قد بعث له ~~ابنته من قبرها، أو أرسل إليه خيالها ليعزيه عنها، وذلك لمكان الشبه بين صورة هذه الفتاة ~~وصورتها، فتقدم نحوها ذاهلا مشدوها وأمسك بطرف ردائها، وظل يحدق في وجهها تحديقا ~~طويلا، فعجبت لشأنه وسألته ما باله، فقال لها: «هل تأذنين لي يا سيدتي أن أقبل يدك؟» ~~فمدت إليه يدها وهي لا تعلم ماذا يريد ولا ما الذي أصابه، فلثمها ثم اعتذر إليها عن جرأته، ~~بذهوله ودهشته، ومشى معها يقص عليها قصته وقصة مصابه في ابنته، وما راعه من الشبه بين ~~صورتها وصورتها، فرثت له، وحزنت لحزنه، واستهلت دمعة رآها الشيخ من خلال أهداب عينيها ~~المبتلة بالدموع، فسقط على يدها يقبلها ويشكر لها تلك الدمعة التي جادت بها عليه في ساعة ~~شقائه. ولم يزل سائرا معها حتى وصلا إلى النزل، فودعها ومضى بعدما استأذنها أن يختلف ~~إليها من حين إلى حين، فأذنته بذلك وصعدت إلى غرفتها. # فلما خلت بنفسها أنشأت تفكر في أمر تلك الفتاة المسكينة التي اختطفها الموت من يد أبيها ~~في زهرة صباها من حيث لم يستطع طبيب ولا عائد رد عادية القضاء عنها، ثم خطر لها أنها ~~مريضة بمثل المرض الذي ماتت به، وأنها ربما ماتت موتتها فلا تجد بجانبها أبا كهذا الأب ~~يندبها ويبكي عليها، فأثر في نفسها هذا الخاطر تأثيرا شديدا، وبكت له بكاء طويلا، ~~ولزمت غرفتها في ذلك اليوم لا تفارقها. # وظل «الدوق» يختلف إليها بعد ذلك فيجالسها طويلا، ويجد من الأنس بها والاغتباط بعشرتها ~~ما تسكن له لوعة نفسه كلما شبها الوجد في صدره، حتى ms084 أصبح لا يستطيع مفارقتها ساعة ~~واحدة، وكأنما لذ لها أن يرى ذلك الشيخ الثاكل المنكوب في وجهها سلوته وعزاءه، فمنحته من ~~عطفها وحبها ما لم تمنحه أحدا من قبله، وأنست به أنسا لم تأنسه بإنسان سواه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى أبلت من مرضها بعض الإبلال، وعاد إلى وجهها الجميل رونقه ~~وبهاؤه، وإلى ثغرها البديع ابتسامه وافتراره، فلذ لها المقام في «البانيير» أياما طوالا ~~حتى شعرت بهبوب رياح الشتاء، فأزمعت العودة إلى «باريس»، فشق ذلك على الدوق، وعلم أنها ~~إن عادت إليها لا يظفر منها في ذلك المزدحم العظيم الحافل بخلانها وأصدقائها بمثل ما كان ~~يظفر به منها في «البانيير»، فخلى بها ليلة السفر ساعة وحادثها حديثا طويلا انتهى ~~بالاتفاق معها على أن تهجر حياتها الأولى، حياة المخالة والمعاشرة وتعيش في منزل يهيئه لها، ~~ويقوم بنفقاتها فيه على أن تأذن له بالاختلاف إليها من حين إلى حين، ثم سافرا في اليوم ~~الثاني إلى باريس. # ومنذ ذلك اليوم تغيرت صورة حياتها عما كانت عليه من قبل، فأصبحت تعيش في قصرها الذي ~~هيأه لها الدوق عيشا بين العزلة والاختلاط، فلا تستقبل الناس فيه إلا قليلا، ولا تمتزج مع ~~الذين تستقبلهم الامتزاج كله، وربما مرت بها أيام لا يراها الناس خارج قصرها إلا قليلا، ~~فإذا خرجت ركبت عربتها وحدها دون رفيق أو رفيقة، ومشت في طريقها تقرأ في كتاب أو صحيفة، ~~فربما مر بها كثير ممن تعرفهم فلا تراهم، فإذا وقع نظرها على واحد منهم ابتسمت له ابتسامة ~~قصيرة موجزة، قلما يشعر بها أحد سواه، ثم استمرت أدراجها حتى تصل إلى منتزه «الشانزلزيه» ~~فتنزل من عربتها وتمشي في الغابة على قدميها ساعة ثم تعود إلى قصرها، فإذا جاء الليل ذهبت ~~إلى ملعب التمثيل وحدها، أو مع الرجل القائم بشأنها، فتقضي فيه أكثر وقتها ناظرة إلى ~~المسرح، لا يشغلها كثرة الناظرين إليها أو المتهافتين على مقصورتها عن تتبع فصول الرواية ~~والاهتمام بوقعها حتى تنتهي. # فلم تمض عليها أيام كثيرة حتى علم الناس جميعا ms085 أن «مرغريت» قد استحالت حالها، وتغيرت ~~صورة حياتها، وأنها قد قنعت بهذه الحياة الجديدة، حياة الهدوء والسكينة، والوحشة والانفراد، ~~ورضيتها لنفسها، فلا سبيل إلى مغالبتها عليها، فقصرت عنها أطماعهم، وانقطعت منها آمالهم، ~~وظلوا يتلمسون الأسباب لتلك الحالة الغريبة التي طرأت عليها، فذهبوا في شأنها المذاهب كلها ~~إلا المذهب الصحيح منها، وهي أن تلك الحادثة المحزنة التي حدثت لابنة الدوق شبيهتها في ~~صورتها ومرضها قد أثرت في نفسها تأثيرا شديدا، وصورت لها الحياة بصورة غير صورتها ~~الأولى، فأصبحت تعاف الرجال؛ لأنهم سبب سقوطها، وتستنكر سقوطها أكثر مما استنكرته من قبل؛ ~~لأنه سبب مرضها، ولا تأسف على ما فاتها مما في أيدي الناس؛ لأنها تعيش من مال الدوق في نعمة ~~لا يطمع طامع في أكثر منها، وربما خطر بها أن حياتها مع هذا الشيخ الهرم الذي لا يطمع منها ~~في أكثر من أن يراها تشبه حياة العذارى الطاهرات اللواتي ينعمن بنعمة الشرف في ظلال آبائهن، ~~فأعجبها هذا الخيال ولذ لها، وكثيرا ما بكت ذلك الشرف قبل اليوم وحنت إليه. # انقضت أيام الخريف وأقبلت أيام الشتاء، وسالت الأجواء بردا وقرا، فثار ما كان كامنا ~~من داء «مرغريت»، وعاد إليها نفثها وسعالها، فظلت تكابد من مرضها آلاما جساما، لا تفارقها ~~يوما حتى تعاودها أياما، فإن ألمت بها لزمت سريرها لا تفارقه، وإن روحت عنها برزت إلى ~~الخلاء في بكور الأيام وأصائلها تطلب الهواء الطلق والجو النقي، وربما ذهبت في بعض لياليها ~~إلى ملعب التمثيل لتتفرج ما هي فيه، فتخلو بنفسها في مقصورتها ساعة أو ساعتين، ثم تعود إلى ~~منزلها. # وكانت لا تزال ترى في المقصورة المجاورة لمقصورتها كلما ذهبت إلى الملعب فتى في زي أبناء ~~الأشراف وشمائلهم، لا يزال يخالسها النظر من حين إلى حين، فينظر إليها إن غضت عنه ويغض ~~عنها إن نظرت إليه، ولا يلتقي نظرها بنظره حتى يتلهب وجهه حمرة ويرفض جبينه عرقا، كأنما ~~جنى جناية لا مقيل له منها، فلم تحفل به كثيرا؛ لأنها لم تر في أمره شيئا جديدا ms086 ، إلا ~~أنها كانت تعجب لسكونه وجموده، طول إغضائه وإطراقه، ولتلك العبرة من الحزن المنتشرة على ~~وجهه، وكان أكثر ما يدهشها منه أو يعجبها أنه الفتى الوحيد الذي كان يبكي في ذلك المجتمع ~~لمنظر المشاهد المحزنة التي تمثل على مسرح التمثيل؛ لأنها تعلم أن الفتيان الفرحين ~~المغتبطين بشبابهم وصحتهم لا يحفلون بمناظر الشقاء الحقيقية، فأحرى ألا يحفلوا ~~بتمثيلها. # فإنها لخالية بنفسها في مقصورتها ذات ليلة - وكان الجو باردا مقشعرا - إذ فاجأتها ~~نوبة سعال اشتدت عليها كثيرا حتى كادت تسقط عن كرسيها ضعفا ووهنا، فشعرت بيد تمسك ~~يدها، فاعتمدت عليها دون أن تستطيع الالتفات إلى صاحبها حتى بلغت عربتها فركبتها، فشعرت ~~بالراحة قليلا، فالتفتت لتشكر لصاحب تلك اليد يده، فلم تر أمامها أحدا، ورأت على بعد ~~خطوات منها إنسانا منصرفا فلم تتمكن من رؤيته، إلا أنها تخيلت صورته تخيلا، فعجبت ~~لأمره، ومضت في طريقها، فما وصلت إلى منزلها حتى شعرت برعدة الحمى تتمشى في أعضائها، فلزمت ~~سريرها بضعة أيام لا تفارقه حتى أبلت قليلا، فقدمت إليها خادمتها بطاقات الزيارة التي ~~تركها الفتيان الذين زاروها في أثناء مرضها تجملا وتلوما، فلم تقرأ واحدة ~~منها. # ثم حدثتها الخادمة أن فتى كان يأتي للسؤال عنها في كل يوم مرة أو مرتين، ولا يذكر ~~اسمه، ولا يترك بطاقته، وأنه كان ينقبض انقباضا شديدا كلما أخبرته أنها لا تزال طريحة ~~فراشها تشكو وتتألم، فاستوصفتها إياه، فوصفته لها، فلم تعرفه، وعجبت لأمره كل العجب، ~~وتمنت لو رأته فشكرت له هذا الإخلاص النادر، الذي لا عهد لها به في أحد من الناس. # وأمرت خادمتها أن تخبرها خبره إن جاء للسؤال عنها مرة أخرى، فلم يلبث أن جاء، وكانت ~~«مرغريت» جالسة في شرفة المنزل المطلة على الطريق فرأته، فعرفت أنه ذلك الفتى الحزين الذي ~~كانت تراه في المقصورة المجاورة لمقصورتها في ملعب التمثيل، وأنه صاحب تلك اليد التي امتدت ~~لمعونتها ليلة النازلة التي نزلت بها هناك، فأشارت إلى خادمتها بالنزول إليه واستدعائه ~~إليها، ففعلت، فاضطرب الفتى لهذه الدعوة اضطرابا شديدا ms087 حتى كاد يرفضها، ثم شعر بمكان ~~«مرغريت» من الشرفة فتلوم ومشى وراء الخادمة، حتى صعدت به إلى غرفة سيدتها، فتركته ~~وانصرفت. # فدخل عليها فحياها ووجهه يرفض عرقا، ولسانه لا يكاد يبين، فمدت إليه يدها، فتناولها ~~وقبلها قبلة طويلة، عرفت «مرغريت» سر ما أودعها من عواطف قلبه، وهي العالمة بأسرار ~~القبلات، ثم أذنته بالجلوس، فجلس، فأنشأت تسائله عن نفسه وعن قومه، وعن سبب اهتمامه ~~بشأنها، وتبتسم له فيما بين ذلك ابتسامات تلاطفه بها، وتمسح عن فؤاده ما ألم به من ~~الروع. # فحدثها أنه غريب عن «باريس»، وأنه وفد إليها منذ عشرين يوما من بلدته «نيس» ليقضي ~~فيها ثلاثة أشهر أذن له أبوه بها طلبا لتغيير الهواء وترويح النفس، ثم يعود في نهايتها إلى ~~وطنه، فسألته: «هل وجدت المقام حميدا هنا؟» # فصمت هنيهة، ثم نظر إليها نظرة منكسرة، وقال: «لا يا سيدتي.» # قالت: «لماذا؟» # فحارت بين شفتيه كلمة لم يستطع أن ينطق بها، فعاد إلى صمته وإطراقه، فأعادت عليه ~~سؤالها. # فقال لها: «هل تأذنين لي يا سيدتي أن أقول لك كل ما في نفسي؟» # فشعرت بما في نفسه قبل أن يقوله، وقالت له: «قل ما تشاء إلا أن تطارحني حبك وغرامك، فإنني ~~امرأة مريضة لا أستطيع أن أحتمل الحياة وحدها خالصة لا مئونة فيها، فأحرى ألا أحتملها ~~مثقلة بالحب والغرام.» # فاصفر وجهه اصفرارا شديدا، ومد يده إلى دمعة تترقرق في عينيه فمسحها، ثم قال لها: ~~«ذلك ما يحزنني يا سيدتي ويبكيني وينغص علي عيشي، منذ هبطت باريس حتى اليوم، فإنني رأيتك ~~فأحببتك للنظرة الأولى، ثم سألت عنك فعرفت من أمرك كل شيء، وعلمت أنك تعيشين منذ شهور عيشة ~~لا مطمع فيها لطامع ولا أمل لآمل، فانقطع أملي منك، إلا أن حبي إياك لم ينقطع، ثم رأيتك ~~بعد ذلك في ملعب التمثيل ورأيت هذا القناع الأصفر الذي نسجته يد المرض على وجهك الجميل، ~~فاستحال حبي إياك رحمة وشفقة، وأصبحت أبكي لمرضك أكثر مما أبكي لحبك، وأصبح كل ما أتمنى ~~على الله في حياتي ms088 أن أراك بارئة ناعمة، موفورا لك حظك من سعادة العيش وهنائه، ثم لا أطمع ~~بعد ذلك في شيء مما يطمع فيه المحبون المغرمون، فأنا أقف الساعة بين يديك لا لأطارحك الحب ~~والغرام؛ بل لأسأل أن تأذني لي بالوقوف على بابك كلما جئته أسأل خادمتك عنك، ثم أمضي ~~لسبيلي من حيث لا ترين وجهي، ولا تشعرين بمكاني.» # فسرت في أعضائها رعدة غير الرعدة التي تعرفها من الحمى، وخيل إليها أنها تسمع نغمة ~~في الحب غير التي كانت تسمعها قبل اليوم من أفواه الرجال، فنظرت إليه نظرة لا يعلم تأويلها ~~إلا الله تعالى، ثم قالت له: «إني آذن لك بذلك يا سيدي، وأشكره لك شكرا جزيلا، بل آذنك أن ~~تزورني كلما شئت، على أن تفد إلي صديقا مساعدا، لا محبا مغرما، فإني إلى الأصدقاء ~~المخلصين أحوج مني إلى المحبين المغرمين.» # ومدت إليه يدها، فعلم أنها قد أذنته بالانصراف، فقبلها وانصرف مسرورا مغتبطا، فأتبعته ~~نظرها حتى غاب عنها، فسقطت على وسادة بجانبها، وقالت: «رحمتك اللهم، فإني أخشى أن ~~أحبه!» # لقد أحبته من حيث لا تدري؛ فإن الخوف من الحب هو الحب نفسه، بل شعرت في حبه بسعادة لم ~~تشعر بمثلها من قبل، فأصبحت تستقبله كل يوم في منزلها، وتأنس به وبحديثه أنسا كثيرا، ~~وتفضي إليه بذات نفسها إفضاء الصديق إلى صديقه، وتقص عليه قصة ماضيها وحاضرها لا تكذبه ~~شيئا ولا تكتم عنه أمرا، ثم ترامى بها الأمر، حتى أصبحت تشعر بالوحشة إن تخلف عن ميعاد ~~زيارته بضع دقائق، ثم حدث أن انقطع عن زيارتها ثلاثة أيام لأمر عرض له لن يتمكن من إخبارها ~~به، فحزنت لانقطاعه حزنا عظيما، وذهبت بها الوساوس والظنون كل مذهب، ثم ذكرت أن ذلك الحزن ~~وهذا الوسواس ليس من شأنها قبل اليوم، فقلقت لذلك قلقا شديدا، وخفق قلبها خفقة الرعب ~~والخوف، وعلمت أنها قد وقفت على حافة الهوة، ولم يبق إلا أن تتردى فيها، فسهرت ليلة طويلة ~~عالجت فيها من نوازع النفس وخوالجها ما عالجت، حتى أصبح الصباح وقد ms089 أضمرت في نفسها ~~أمرا. # جاء «أرمان» في صباح اليوم الرابع، فوجدها طريحة فراشها، وفي عينيها حمرة البكاء والسهر، ~~فارتاع لمنظرها، وقال لها: «لعلك سهرت بالأمس كثيرا يا سيدتي أو بكيت، فإني أرى في عينيك ~~أثر واحد منهما.» # قالت: «هما معا يا أرمان.» # قال: «وهل حدث شيء جديد؟» # قالت: «اجلس بجانبي قليلا أيها الصديق أحدثك حديثا قصيرا، وربما كان آخر حديث بيني ~~وبينك، ثم لا أراك بعد ذلك ولا تراني.» # فذعر ذعرا شديدا، وداخله من الرعب والهول ما ملك عليه عقله ولسانه، فلم يستطع أن يقول ~~شيئا، وسقط بجانبها واهيا متضعضعا، وظل ينظر إلى وجهها نظر المتهم إلى وجه قاضيه ساعة ~~نطقة بالحكم. # فأقبلت عليه تحدثه وتقول: «عرفتك يا «أرمان» فعرفت فيك الرجل الكريم الذي أحبني لنفسي ~~أكثر مما أحبني لنفسه، والصديق الوفي الذي امتزجت في قلبه عاطفة الحب بعاطفة الرحمة ~~والحنان، فأوى إلي مريضة حينما جفاني الناس لمرضي، وعاش معي بلا أمل حينما انقطع الناس ~~عني لانقطاع أملهم مني، فأضمرت لك في قلبي من الحب والاحترام ما لم أضمره لأحد سواك، وسعدت ~~بك سعادة لم أشعر بمثلها في يوم من أيام حياتي. # ولكن الله الذي كتب لي الشقاء في لوح مقاديره من ضجعة المهد إلى رقدة اللحد لم يشأ أن ~~يمتعني طويلا بهذه السعادة، وأبى إلا أن يسلبنيها وشيكا، فقد أصبحت أشعر منذ أيام أن تلك ~~العاطفة الشريفة المقدسة التي كنت أستمد منها سعادتي وهنائي قد أخذت تستحيل في أعماق قلبي ~~إلى عاطفة أخرى غيرها لا أريدها لنفسي، ولا أرى إلا أنها ستكون سبب شقائي وبلائي، فخادعت ~~نفسي عنها حينا، أكذبها مرة وأصدقها أخرى، حتى كان ما كان من انقطاعك عني تلك الأيام ~~الثلاثة، فشعرت لغيابك بحزن أقلقني وأمضني، وملك علي جميع عواطفي ومشاعري، ولو شئت أن ~~أقول، لقلت إنه أبكاني كثيرا، وأسهرني طويلا. # فعلمت - وا أسفاه - أنني قد أصبحت عاشقة، وأن هذا الذي يختلج في قلبي، ويقيمني ويقعدني، ~~إنما هو الحب والغرام، فقضيت ليلة الأمس كلها أفكر في طريق ms090 الخلاص من هذه النكبة العظمى ~~التي نزلت بي، فلم أجد أحدا يخلصني منها سواك، فأنا أسألك يا «أرمان» باسم الصداقة والود ~~الذي تعاقدنا عليه بالأمس، بل باسم الدموع التي طالما كنت تسكبها رحمة بي وإشفاقا علي، ~~أن تنقطع عن زيارتي منذ اليوم، وأن تسافر إلى أهلك الليلة إن استطعت، ثم لا تعد إلي ~~بعد ذلك، فأحمل نفسي على الصبر عنك حتى يمن الله علي براحة اليأس منك!» # ثم نظرت إليه لترى ما يقول، فإذا هو جامد مصفر، كأن وجهه وجه تمثال منحوت، وإذا عيناه ~~شاخصتان إليها شخوص العين القائمة التي تنظر إلى الشيء ولا تراه، وبعد لأي ما استطاع أن ~~يحرك شفتيه، ويقول لها بصوت خافت كصوت الضمير: «وما يخيفك من الحب يا مرغريت؟» # قالت: «يخيفني منه العقاب الأليم الذي أتوقع أن يعاقبني به الله على ما اقترفت من الذنوب ~~والآثام في فاتحة حياتي، فقد كتب الله لنا - معشر النساء الساقطات - في لوح مقاديره أن لا ~~نزال نعبث بقلوب الرجال وعقولهم ونبتليهم بصنوف العذاب وأنواع الآلام، حتى يغضب الله لهم ~~ويغار عليهم، فيبتلينا بحب نحمل فيه من العذاب جميع ما حملناه للناس من قبل، ونشقى فيه ~~شقاء لا ينتهي إلا بانتهاء حياتنا، فنموت بين يدي أنفسنا مهملات مغفلات، لا ينعانا ~~ناع، ولا يبكي علينا باك، فهذا الذي أخافه وأخشاه، وأحب أن يسبق إلي أجلي قبل أن ~~أراه. # أنا لا أتهمك بالخيانة والغدر يا «أرمان»، فأنت أجل من ذلك عندي، ولكني أعلم أنك باق ~~في هذا البلد إلى أجل، فإذا انقضى الأجل سافرت إلى أهلك سفرا لا تملك بعده العودة إلي، ~~فإن أبيت إلا البقاء بجانبي حال أهلك بينك وبين ذلك؛ لأنهم قوم شرفاء يضنون بك وبشرفك أن ~~تلوثهما امرأة مومس بعارها وشنارها، فلا تجد لك بدا من الخضوع لهم والنزول على حكمهم، ~~وهنالك أقف موقف الحيرة واللوعة أطلب السبيل إليك فلا أجدك، والسلو عنك فلا أستطيعه، وربما ~~حاولت بعد ذلك العودة إلى كنف ذلك الشيخ الكريم الذي أحسن إلي إحسانا ms091 كبيرا؛ فطردني من ~~بين يديه عقابا لي على خيانة عهده وكفر نعمته، فلا أجد لي بدا من الرجوع إلى حياتي ~~الأولى - حياة الشرور والآثام، والهموم والآلام - التي أبغضها بغض الأرض للدم، وهنالك ~~العذاب الدائم والشقاء الطويل! # إني أعلم يا «أرمان» أنك تحبني حبا جما، وأنك ستكابد في ابتعادك عني عذابا كثيرا، ~~ولكني أعلم أن لك قلبا شريفا يحتمل العذاب في سبيل الرحمة، فاحتمل هذا العذاب من أجلي، ~~فإنك أقدر مني على احتمال الآلام والأوجاع، وسأدعو الله تعالى ليلي ونهاري أن يمنحني الصبر ~~عنك، ويرزقني راحة النفس وسكونها من بعدك، وأن يمنحك من ذلك مثل ما يمنحني، فلعله يرحمنا ~~جميعا.» # فلم يكن له جواب على كلمتها هذه سوى أن نهض من مكانه متضعضعا متهالكا ومشى إلى باب ~~القاعة يسوق نفسه سوقا حتى بلغه، فوقف على عتبته، والتفت إلى «مرغريت»، وألقى عليها تلك ~~النظرة التي يلقيها المحتضر على أهله في آخر لحظات حياته، وقال لها: «الوداع يا مرغريت!» ~~ومضى. # فما غاب شخصه عن عينيها حتى نهضت من فراشها هائمة مختبلة، واندفعت إلى الباب تريد اللحاق ~~به! ثم تراجعت، ثم حاولت ذلك مرة أخرى، فأدركها رشدها وأناتها، فعادت إلى فراشها تبكي ~~وتنتحب، وتعول إعوالا شديدا، وتدور في أنحاء الغرفة دوران الثاكلة المفجوعة، وهي تصيح: ~~«أرجعوه إلي، لا أستطيع فراقه، سأموت من بعده.» # وإنها لكذلك إذ سمعت صرخة عظمى آتية من ناحية الحديقة، فخرجت تعدو إلى حيث سمعت الصوت حتى ~~بلغت باب المنزل، فرأت «أرمان» ساقطا تحت عتبته مغشيا عليه، فرفعت طرفها إلى السماء ~~وقالت: «ليكن ما أراد الله.» ثم ألقت نفسها عليه ولثمت ثغره لثمة هي أول لثمة ذاقت فيها لذة ~~العيش في حياتها، فشعر بها «أرمان» فاستفاق، وضمها إلى صدره ضمة لو مات على أثرها ما بكى ~~على شيء من نعيم الدنيا وهنائها! # انقضى الشتاء فانقضى بانقضائه شقاء «مرغريت» وعناؤها، فقد أبلت من مرضها، وأصبحت سعيدة ~~بحبها، فلم يبق بين يديها إلا أن تبلغ من تلك السعادة نهايتها، فاقترحت على «أرمان» أن ms092 ~~يتركا «باريس» وضوضاءها، ومزدحم الحياة فيها إلى مصيف يختارانه لنفسهما في بعض الأماكن ~~الخالية، فقبل مقترحها وسافرا معا يفتشان عن المكان الذي يريدان حتى بلغا قرية «بوجيفال»، ~~وهي ضاحية من ضواحي باريس على بعد ساعتين منها، فوجدا في بعض أرباضها منزلا صغيرا منفردا ~~واقعا على رأس هضبة عالية في سفح جبل مخضر، تجري من تحته بحيرة صافية بديعة كأنما بناه ~~بانيه لهما، فاكترياه، ونقلت «مرغريت» إليه من منزلها في باريس بعض ما يحتاجان إليه من أثاث ~~ومتاع. # ثم عاشا فيه بعد ذلك عيشا ناعما هنيئا، لا تضطرب في سمائه غيمة، ولا تمر بصفحته ~~غبرة، ولا يكدر عليهما مكدر من خواطر الشقاء ووساوسه، فكانا يقضيان نهارهما صاعدين ~~إلى قمة الجبل أو منحدرين إلى سفحه، أو راكبين زورقا صغيرا يسبح بهما على صفحة ~~البحيرة جيئة وذهوبا، أو جالسين تحت شجرة فرعاء تظللهما من لفحات الهجير وتضمهما إليها ~~كما تضم ثمارها، أو مضطجعين على بساط من العشب الممتد في تلك البطحاء الفسيحة يتناجيان ~~ويلهوان بمنظر الجمال الماثل في الشاطئ، والأمواه والأخاديد، والوديان والغابات والحرجات، ~~والكهوف والأغوار، والغيوم والسحب والأضواء في تشكلها وتلونها، والظلال في تحولها ~~وانتقالها، وفي رءوس الجبال اللاصقة بجلدة السماء كأنها بعض سحبها، وفي قطع الصخور المبعثرة ~~على جوانب الغدران كأنها بعض أمواجها، وفي تلك المعركة التي تدور في كل يوم مرتين بين جيشي ~~الأنوار والظلمات، فينتظر في صدر النهار أولهما، ثم يدال في آخره لثانيهما، حتى إذا جاء ~~الليل، عادا إلى منزلهما فنعما فيه بألوان النعيم وضروبه، ورشفا من كل ثغر من ثغور السعادة ~~رشفة تسري حلاوتها في قلبهما حتى تصيب صميمه. # مر بهما على ذلك عام كامل، هو كل ما استطاعا أن يختلساه من يد الدهر في غفلته، ثم انتبه ~~لهما بعد ذلك، وويل للسعداء من انتباهه بعد إغفائه! فقد نضب أو أوشك أن ينضب ما كان في ~~يد «أرمان» من المال، وكان في يده الكثير منه، فكتب إلى أبيه يطلب إليه أن يبعث إليه بما ~~يستعين به على ms093 البقاء في باريس مدة أخرى، زاعما أنه لا يزال مريضا متألما لا يستطيع ~~السفر، وكذلك كان يفعل من حين إلى حين، فلم يأته الرد، فأقلقه ذلك قلقا شديدا، وظل ~~يختلف إلى المدينة في كل يوم، يسأل في فندق «تورين» الذي كان ينزل به قبل اتصاله بمرغريت عن ~~الكتاب الذي ينتظره فلا يجده، فيعود حزينا منقبضا، حتى إذا وصل إلى بوجيفال، ورأى ~~«مرغريت» بين يديه، تطلق وتبسم كأنه لا يضمر في نفسه هما قاتلا. # ولكن عين «مرغريت» أقدر من أن يعجزها النفاذ إلى أعماق قلبه، فاكتنهت سره فكاشفته به، ~~وقالت: «لا يحزنك شأن المال يا «أرمان»، فإن عندي منه ما يكفينا العيش معا سنين ~~طوالا.» # ولم تكن صادقة فيما تقول؛ لأن الدوق قاطعها ومنع عنها رفده مذ عرف قصتها مع «أرمان»، ~~وعلم أنها خانته وخانت عهده، بل كانت مدينة بمال كثير لبعض تجار الجواهر والثياب، بل أصبح ~~دائنوها يتقاضونها ديونهم بعدما علموا أن الدوق قاطعها ونفض يده منها. # ولكنها خاطرت بكلمتها مخاطرة لم تفكر في عاقبتها، فأكبر «أرمان» ذلك وأعظمه، وأنف منه ~~أنفة شديدة، وأبى أن يعيش معها بمال غير ماله، وعزم أن يسافر إلى «نيس» ليأتي منها ~~بالمال الذي يريده، فأزعجها عزمه هذا إزعاجا شديدا، وخافت عاقبته، فجثت بين يديه تستعطفه ~~وتسترحمه، وتبذل في ضراعتها ورجائها في سبيل بقائه أكثر مما بذلت قبل اليوم في سبيل رحيله، ~~حتى أذعن واستقاد، ورضي بالتي لم يكن يرضى بمثلها لولا لهفة الحب وضراعة الدموع، وقد أضمر ~~في نفسه أن يتنازل لها عن نصيبه في الميراث الذي ورثه من أمه مكافأة لها ووفاء بحقها، فلم ~~يكن لمرغريت بعد ذلك بد من أن تمد يدها إلى جواهرها وذخائرها، فأنشأت تبيع القطعة بعد ~~القطعة لتسد بعض دينها، وتقوم بنفقة بيتها، من حيث لا يعلم «أرمان»، واستمرا على ذلك بضعة ~~أشهر، حتى دخل عليهما في يوم من الأيام في ساعات أنسهما وصفائهما خادم فندق «تورين» الذي ~~كان ينزل به «أرمان» في باريس، وقال له إن والده قد ms094 وصل الساعة إلى الفندق، وإنه ينتظره ~~هناك. # قال «دوفال» لولده: «لقد كذبت علي كثيرا يا «أرمان»، وما كنت قبل اليوم كذابا ~~ولا خادعا، ورضيت لنفسك بحياة كنت أضن الناس بنفسك على مثلها من قبل، ومزقت بيدك ذلك ~~القناع الجميل من الحياء الذي لا يزال مسبلا على وجهك، وأصبحت تتبذل في العيش مع امرأة ~~عاهرة، كل ما لها من الشأن عند نفسها وعند الناس جميعا أنها نفاية من نفايات الرجال، ~~وفضلة من فضلات الفساق، وفتات المائدة العامة التي يجلس عليها الناس جميعا صباحهم ~~ومساءهم. فحسبك هذا، وقم الساعة لتعد نفسك للسفر معي إلى «نيس»، فلست بتاركك بعد اليوم ~~في هذا البلد ساعة واحدة.» # فرفع «أرمان» رأسه إلى أبيه وقال له بصوت هادئ مطمئن: «لا أستطيع يا أبتاه!» # فنظر إليه أبوه نظرة شزراء، وقال له: «وتلك سيئة أخرى، فقد أصبحت لا تعبأ بي، ولا تبالي ~~بمخالفة أمري من أجل امرأة ساقطة، لا شأن لها معك إلا أن تعبث بعقلك، وتسلبك مالك وشرفك، ~~وتفسد عليك حاضرك ومستقبلك.» # قال: «لا يا أبتاه، إنها ليست بعابثة ولا خادعة، ولكنها تحبني حبا جما لم يحبه أحد ~~من قبلها أحدا، وأحسب أني إن فارقتها قتلتها، وجنيت عليها جناية لا يفارقني الندم عليها ~~حتى الموت.» # قال: «ذلك ما يخدع به أمثالها أمثالك، فليس للنساء العاهرات قلوب يحببن بها، بل ~~لهن ألسن يختلن بها الرجال ويسبلنها حجبا بين بعضهم وبعض، حتى يظن كل واحد منهم أنه ~~الأثير عندها، وصاحب الحظوة لديها من دون أصحابه جميعا.» # قال: «ربما كان ذلك شأنها قبل اليوم، أما اليوم فهي لا تحب أحدا غيري، بل لا تعرف أحدا ~~سواي، فهي تعيش عيشة تشبه عيشة النساء الشريفات، بل أشرف من عيشة الكثيرات منهن؛ لأن ~~الخليلة التي تخلص لخليلها أشرف من الزوجة التي تخون زوجها، وأخشى إن فارقتها أن تثور في ~~نفسها ثورة اليأس فتردها إلى تلك الحياة الأولى، حياة الشر والفساد، والشقاء والعذاب، بعدما ~~استنقذت نفسها!» # قال: «وهل ترى أن وظيفة الرجل الشريف في هذه ms095 الحياة إصلاح النساء الفاسدات؟» # قال: «ذلك خير له من أن تكون وظيفة إفسادهن؛ فإن الأشراف في هذا العصر يفخرون بإفساد ~~النساء الصالحات، واستدراجهن إلى مواطن الفسق والفجور، وإصلاح المرأة الفاسدة أدنى إلى ~~الشرف من إفساد المرأة الصالحة.» # قال: «لقد أصبحت كثير الرحمة يا أرمان!» # قال: «لم لا أرحم فتاة مريضة مسكينة ليس لها في الناس من يعولها من ذي قرابة أو ذي ~~رحم، وقد نزل داؤها من صدرها منزلة لا يبرحها ولا يتحلل عنها، إلا أن يهدأ عنها حينا ~~ويستيقظ أحيانا، فهي تكابد الألم مرة، والخوف من الألم أخرى؟ ولا عزاء لها في حالتيها إلا ~~هذه السعادة التي تتوهمها في الحب، وترى أنها ناعمة بها، فإن فقدتها فقدت كل شيء في ~~الحياة، وعظم حزنها وبؤسها، وثقلت وطأة الداء عليها حتى كادت تأتي على البقية الباقية من ~~حياتها، فدعني معها يا أبتاه عاما آخر أو عامين أهون عليها فيهما شقاءها، فربما كان ذلك ~~آخر ما قدر لها أن تقضيه من أيامها في هذا العالم، ثم أعود بعد ذلك إليك هادئ القلب، ~~ساكن الضمير، راضيا عن نفسي وعن عملي، أبكيها بدموع الحزن لا بدموع الندم، ويهون وجدي ~~عليها كلما ذكرتها أنني لم أخنها ولم أغدر بعهدها.» # فأطرق «دوفال» هنيهة كأنما يعالج في نفسه هما معتلجا، ثم رفع رأسه، ونظر إلى ولده ~~نظرة تشبه نظرة العطف والرحمة، وقال له: «لا أستطيع أن أسافر بدونك يا بني، فحسبي ما ~~كابدت من الألم لفراقك قبل اليوم، وقد تركت أختك ورائي تندبك وتبكي عليك صباحها ومساءها، ~~وتحن إلى لقائك حنين الظامئ إلى الورود، واعلم أن جميع ما تعتذر به عن نفسك في هذا الشأن ~~لا يغني عنك ولا عني شيئا يوم يقول الناس كلمتهم التي لا بد أن يقولوها غدا، وربما قال ~~كثير منهم قبل اليوم إن «أرمان دوفال» سلالة آل تاليراند يعيش مع امرأة مومس في بيت واحد! ~~فعد إلى نفسك يا بني واستلهم الله الرشد يلهمك، ولا تجعل لهواك سبيلا على عقلك، ودع هذه ms096 ~~الحياة الساقطة التي يحياها من ليست له همة مثل همتك، ولا مجد ولا بيت مثل مجدك وبيتك، ~~وإني تاركك الآن وحدك وذاهب عنك لبعض شأني لتخلو بنفسك ساعة تسترد فيها ما عزب عنك من ~~صوابك، ثم أعود إليك بعد قليل لأسمع منك الكلمة التي أرجو أن تكون شفاء نفسي ورواء ~~غلتي.» # ثم تركه ونزل، فمشى إلى قهوة قريبة من الفندق فكتب فيها لبعض الناس كتابا خاصا، ثم طاف ~~ببعض أصدقائه الذين يعرفهم في باريس، فزارهم زيارة طويلة، فلم يعد إلى الفندق حتى أظل ~~الليل، فرأى «أرمان» لا يزال في مكانه، فسأله ماذا رأى، فلم يجبه إلا بدموعه تنحدر على خديه ~~تحدر القطر على أوراق الزهر، وجثا بين يديه يستعطفه ويسترحمه ويكشف له من خبيئة نفسه ما ~~كان يكتمه من قبل، قال: «والله يا أبت لو علمت أني أستطيع الحياة بدونها لفارقتها برا ~~بك وإيثارا لطاعتك، ولكني أعلم أني إن فعلت فقد وضعت أمري في موضع الغرر، وخاطرت بعقلي ~~أو بحياتي مخاطرة لا أعلم ماذا يكون حظي فيها، ولا أحسبه إلا أسوأ الحظين، وأنحس النجمين، ~~ولو أن أحدا من قبلي استطاع أن يدفع هواه عن قلبه أو يمحو ما قدر له في صحيفة قضائه من ~~شقاء الحب وبلائه لسلكت سبيله التي سلكها، ولكنه بلاء بليت به لحين أريد لي، فلا رأي ~~لي في رده، ولا حيلة لي في اتقائه، وقد نزلت هذه الفتاة من نفسي منزلة هي منزلة الحياة ~~من الجسم، والغيث من التربة القاحلة، فإن كنت لا بد آخذي فخذ معك جسما هامدا لا حراك به، ~~ونبتة ذاوية لا حياة فيها!» # فوضع أبوه يده على عاتقه، وقال له: «قم الآن يا بني واذهب لشأنك، وعد إلي صباح الغد ~~لأتمم حديثي معك، وأرجو أن تكون في غدك خيرا منك في أمسك.» # فخرج محزونا مكتئبا يمشي مشية الذاهل المشدوه، لا يرى ما أمامه ولا يشعر بما حوله حتى ~~رأى عربة، فركبها إلى «بوجيفال» حتى بلغها بعد هدأة من الليل، فلم ير «مرغريت ms097 » في شرفة ~~البيت تنتظره كعادتها، فدخل عليها غرفتها فرآها مكبة على منضدة بين يديها كأنما هي نائمة ~~أو ذاهلة، فشعرت به عند دخوله، فنهضت مذعورة متلهفة، فخيل إليه عند نهوضها أنه لمح في ~~يدها رسالة تضم عليها أصابعها، فظنها بعض تلك الرسائل التي كان يرسلها إليها المركيز «جان ~~فيليب» من حين إلى حين، وهو فتى من أبناء الأشراف الأثرياء كان يحبها في عهدها الأول حبا ~~شديدا، وينفق عليها أموالا طائلة، فلما انقطعت عنه لم ينقطع منها أمله، فظل يرسل إليها ~~رسائل كثيرة يعرض فيه حبه وماله، ويمنيها الأماني الحسان في عودتها إليه، واتصال حياتها ~~بحياته، فكانت تمزقها عند اطلاعها عليها أو على عنوانها. # فلم يحفل «أرمان» بذلك ومشى إليها فقبلها، فقالت له: «ماذا يا أرمان؟» # قال: «أرادني أبي على السفر معه فأبيت، وبكيت بين يديه كثيرا فلم أنل منه منالا، وقد ~~أمرني بالعودة إليه غدا ولا أريد أن أفعل؛ لأني لا أحسب حظي منه في الغد خيرا منه اليوم، ~~وقد أصبحت نفسي تحدثني بعصيانه، والبقاء هنا على الرغم منه؛ لأني أعلم أني قد تجاوزت السن ~~التي يحتاج فيها الأبناء إلى إرشاد الآباء، ولأني لا أعرف أحدا بين الناس يستطيع أن يرسم ~~لي خطة سعادتي كما أرسمها لنفسي.» # ثم أنشأ يقص عليها قصته مع أبيه حتى أتمها، ونظر إليها فإذا هي مطرقة صامتة، وإذا وجهها ~~أصفر مربد كأنما قد نفض الموت عليه غباره! فقال: «ما بالك يا مرغريت؟» # قالت: «أشعر بألم شديد في رأسي وأريد الذهاب إلى مخدعي.» # فأخذ بيدها إليه، وجرعها بضع قطرات من الدواء، فاستفاقت قليلا، ثم نامت في مخدعها ~~نوما مشردا مذعورا، تتخلله أنات طويلة وأحلام مزعجة، حتى أصبح الصباح، فقالت له: «أرى ~~لك يا «أرمان» أن تعود إلى أبيك كما أمرك، وأن تعاود استرحامه واستعطافه لعلك بالغ منه ~~اليوم ما عجزت عنه بالأمس، إني لا أكون راضية عن نفسي، ولا هانئة بحياتي إن لم يكن أبوك ~~راضيا عنك.» # ولم تزل به حتى أذعن لها وقام إلى ثيابه ms098 فارتداها، ثم مشى إليها وضمها إلى صدره ضمة ~~شديدة، كأنما يضن بها أن ينتزعها من ذراعيه منتزع، ثم قبلها وقال لها: «إلى المساء يا ~~مرغريت.» فلم ترد عليه تحيته حتى أبعد عنها، فقالت بينها وبين نفسها: «أرجو أن يكون كذلك.» ~~وتهافتت على كرسي بين يديها باكية منتحبة. # ولم يزل «أرمان» سائرا في سبيله حتى وصل إلى «باريس»، فذهب إلى فندق «تورين» فلم يجد ~~أباه هناك، ووجد رسالة تركها له قبل ذهابه يأمره فيها أن ينتظره حتى يعود، فلبث ينتظره ~~وقتا طويلا حتى عاد بعد منتصف النهار، وقد رقت قليلا تلك الغمامة السوداء التي كانت ~~تلبس وجهه بالأمس، فتقدم نحوه «أرمان» فحياه، فقال له: «لقد فكرت ليلة أمس في أمرك كثيرا ~~يا بني فرأيت أني قد قسوت عليك وغلوت في أمرك غلوا كبيرا، ونظرت إلى مسألتك بعين أقصر من ~~التي كان يجب علي أن أنظر إليها، فإن للشباب شأنا غير شأن الكهولة والشيخوخة، وحالا ~~خاصة به، لا يخرج عن حكمها شريف ولا وضيع، ولا يختلف فيها سوقة عن ملك، فلك أن تبقى يا ~~بني كما تشاء، وأن تعاشر الفتاة التي تحبها كما تريد، على أن تعدني بالعودة إلي في اليوم ~~الذي تنقطع فيه الصلة بينك وبينها انقطاع حياة أو موت، فإني إن أمنت عليك شرها فلا آمن ~~عليك شر غيرها من النساء.» # فاستطير «أرمان» فرحا وسرورا، وأهوى على يد أبيه يقبلها ويبللها بدموعه، ويقول: ~~«أعدك بذلك يا أبتاه وعدا لا أخالفه، ولا أخيس به، ولك حكمك ما تشاء إن رأيتني بعد ~~اليوم كاذبا أو حانثا.» # ثم نهض يريد الذهاب، فقال له: «أين تريد؟» # قال: «أريد الذهاب إلى «مرغريت» لأبشرها بهذا النبأ وأمسح عن فؤادها ما ألم به من الروع ~~منذ الأمس.» فانتفض أبوه انتفاضة خفيفة لم يشعر بها «أرمان»، ثم أدار وجهه ليغالب دمعة ~~كانت تترقرق في عينيه. # ثم التفت إليه وقال: «ابق معي يا بني فربما سافرت غدا، ولا أعلم بعد ذلك متى ~~أراك.» # فبقي معه اليوم كله حتى جاء ms099 الليل، فاستأذنه في الذهاب إلى «بوجيفال» فأذن له، فحياه ~~وخرج، فأتبعه نظره حتى غاب عن عينيه، فانحدرت من جفنه تلك الدمعة التي كان يحبسها من قبل، ~~وقال: «وا رحمتاه لك أيها الولد المسكين!» # حمل «أرمان» بين جنبيه آماله وآمال «مرغريت» وسعادتهما التي يرجوانها في مستقبل حياتهما، ~~وطار بها إليها ليقاسمها إياها حتى دنا من «بوجيفال»، فأدهشه أن رأى البيت مظلما ساكنا لا ~~يضطرب فيه شعاع، ولا يتراءى فيه ظل، فمشى إلى الباب فرآه مرتجا، فوضع أذنه على ~~خصاصه، فلم يسمع حركة، فأخذ يقرعه قرعا شديدا، ويهتف باسم «مرغريت» مرة واسم «برودنس» ~~أخرى، فلم يجبه أحد، فقال في نفسه: «لعلها ذهبت إلى بيتها في «باريس» لبعض شأنها ~~واستصحبت خادمتها، ولا بد أن تعود الآن.» # فجلس على صخرة أمام باب المنزل ينتظرها حتى مضت هدأة من الليل فلم تعد، فحدثته نفسه ~~بالعودة إلى «باريس» للبحث عنها في مظان وجودها، ثم منعه من ذلك خوفه أن يسلك في ذهابه ~~طريقا غير الطريق التي تسلكها في عودتها، فاستمر في مكانه يقعد مرة ويقوم أخرى، ويقف ~~حينا ويتمشى أحيانا، ويحدث نفسه بكل حديث يمر بخاطر القلق المرتاع، إلا حديث خيانتها ~~وغدرها. # ولم يزل في حيرته واضطرابه حتى رأى جذوة الفجر تدب في فحمة الظلام، فساء ظنه، وانتشرت ~~عليه وساوسه وأوهامه، وقال في نفسه: «ما لمرغريت بد من شأن، ولا بد لي من المسير إليها ~~والنظر في الشأن الذي شغلها!» وكان القلق والسهر قد أخذا مأخذهما من جسمه ونفسه من حيث لا ~~يشعر، فمشى في طريقه إلى «باريس» يترنح ترنح الشارب الثمل حتى وصل إلى منزل «مرغريت» وقد ~~علا صدر النهار. # فرأى حارس المنزل قد استيقظ من نومه ووقف بفأسه على شجرة الحديقة يشذب أغصانها، فسأله عن ~~مرغريت، فقال: «إنها حضرت هنا بالأمس في منصرف النهار ووراءها خادمتها تحمل حقيبة كبيرة ~~فصعدت إلى المنزل فلبثت فيه ساعة ثم نزلت، وقد لبست ثوبا من أثواب الولائم، فأعطتني ~~كتابا، وقالت لي إذا جاء هنا المسيو «أرمان» للسؤال عني ms100 فأعطه إياه، ثم ركبت عربتها هي ~~وخادمتها وانصرفت.» # قال: «ألا تعلم أين ذهبت؟» # قال: «أحسب أني سمعتها تقول للحوذي عند ركوبها: إلى منزل المركيز جان فيليب.» # فجمد «أرمان» في مكانه جمود الصنم، واستحال لونه إلى صفرة الموت، ومر بخاطره مرور البرق ~~ذلك الكتاب الذي رآه في يدها بعد عودته إليها من مقابلة أبيه، فتركه الحارس مكانه وذهب إلى ~~غرفته، وعاد إليه بالكتاب، فتناوله منه بيد مرتجفة ونشره وأمر نظره عليه إمرارا، فأحاط ~~بما فيه للنظرة الأولى، فارتعد جسمه ارتعادا شديدا، وتراجع خطوة أو خطوتين إلى باب القصر، ~~فأسند ظهره إليه وأعاد قراءته، فإذا هو مشتمل على هذه الكلمات: # هذا آخر ما بيني وبينك يا «أرمان»، فلا تحدث نفسك بمعاودة الاتصال بي، ولا تسألني ~~عن السبب في ذلك، فلا سبب عندي إلا أني هكذا أردت لنفسي، والسلام. # فعلق نظره بالكتاب ساعة لا يرفع طرفه عنه، ولا يقرأ منه حرفا، كأنما هو تمثال من تماثيل ~~الحديقة، وكان الحارس قد عاد إلى شجرته يشذب أغصانها، ويتغنى في صعوده إليها وانحداره ~~عنها بقطعة من الشعر الغرامي يعجبه لحنها وإن كان لا يفهم معناها. # فإنه لكذلك إذ سمع صوت جسم ثقيل قد سقط على الأرض، فرمى بفأسه وهرع إلى ناحية الصوت، ~~فرأى «أرمان» صريعا معفرا تحت عتبة الباب، ففزع فزعا شديدا وظنها الصرعة الكبرى، فأهوى ~~بأذنه إلى صدره، فسمع ما بقي من دقات قلبه، فاطمأن قلبا، وعمد إلى جرة بين يديه فأخذ ~~ينضح بمائها وجهه، ويدلك براحة يده صدره وصدغيه حتى استفاق بعد قليل، ففتح عينيه فرأى ~~الحارس جالسا بجانبه، ورأى الكتاب لا يزال في يده، فدار بعينيه حول نفسه، فمرت بخاطره في ~~الحال ذكرى مصرعه القديم في هذا المكان عينه منذ خمسة عشر شهرا، يوم ألقت «مرغريت» بنفسها ~~عليه ورسمت على ثغره أول قبلة من قبلات الحب، فهاجته تلك الذكرى وصاح: «ما أبعد اليوم من ~~الأمس!» # وأنشأ يبكي بكاء الطفل الذي حيل بينه وبين ثدي أمه، حتى بكى الحارس لبكائه، وأقبل عليه ~~يعزيه عن ms101 مصابه، ويهونه عليه حتى هدأ قليلا، فأمره أن يستدعي له عربة ففعل، فقام يتوكأ على ~~يد الحارس حتى بلغها فركب وقال للسائق: «إلى فندق تورين.» فسارت به العربة إليه، حتى إذا لم ~~يبق بينه وبينه إلا منعطف واحد مرت بجانبه عربة فخمة مرور البرق الخاطف، تحمل رجلا ~~وامرأة لم يتبينهما للنظرة الأولى، ثم راجع صورتهما في خياله فإذا هما «جان فيليب ومرغريت»، ~~وكانت مركبته قد وصلت به إلى الفندق، فدخل على أبيه هائما مختبلا، فقال: «ما دهاك يا ~~بني؟!» # قال: «قد خانتني يا أبتاه!» # قال: «ذلك ما أنذرتك به من قبل يا بني.» # ثم انقضى النهار، وجاء الليل فقضاه «أرمان» ساهرا في مخدعه يراجع فهرس حياته مع «مرغريت» ~~صفحة صفحة، ويستعرض في نفسه جميع أطوارها وشئونها، فلم تبق حركة من حركاتها، ولا كلمة من ~~كلماتها، ولا صورة من صور أعمالها، كان يراها بالأمس حسنة من حسنات الإخلاص والوفاء، إلا ~~رآها اليوم سيئة من سيئات الخديعة والمكر، حتى وصل في مراجعته إلى الأمس واليوم الذي ~~قبله. # فذكر عدم انتظارها إياه في شرفة البيت كعادتها يوم عاد إليها من مقابلة أبيه، وشدة ~~احتفاظها بكتاب المركيز في يدها عندما دخل عليها غرفتها وضنها به ضنا شديدا، ولم تكن ~~تفعل ذلك من قبل، وإعراضها عن التبسط معه في الحديث بعدما قص عليها قصته مع أبيه، وزعمها ~~أنها مريضة خائرة لا تستطيع البقاء معه، وإلحاحها عليه في صباح اليوم الثاني إلحاحا ~~شديدا في العودة إلى مقابلة أبيه واستعطافه، وقولها إنها لا تكون راضية عن نفسها ولا هانئة ~~بعيشها إن لم يكن أبوه راضيا عنه، فاستنتج من هذا كله أنها مذ شعرت بفراغ يده من المال وأن ~~أباه إما يحول بينه وبينها وإما أن يقتر عليه الرزق تقتيرا، ملته واجتوته، ~~وفكرت في سبيل الخلاص منه، ولم تزل تنتظر ما يأتيها به القدر حتى أتاها بكتاب المركيز، ~~فكان هو طريق خلاصها. # ولم يزل هائما ما شاء الله أن يهيم في تصوراته وأوهامه حتى غلبته عيناه، فهجع قليلا ms102 ، ~~ثم استيقظ في الصباح فدخل على أبيه في مخدعه، وقال له: «لي عندك أمنية يا أبتاه لا أريد ~~غيرها، وأريد أن أبتاعها منك بخضوعي لك ونزولي على حكمك أبد الدهر فيما سرني أو ساءني، ~~فهل لك أن تبلغنيها؟» # قال: «وما هي؟» # قال: «أريد أن تعطيني الساعة خمسة عشر ألف فرنك.» # قال: «وما تريد منها؟» # قال: «أحب أن أستأثر بهذا السر لنفسي من دون الناس جميعا حتى من دونك.» # فنظر إليه أبوه نظر الملم بما دار في نفسه ولم يعاوده، وأعطاه صكوكا بالمال الذي ~~أراد، فأخذها وأرسلها إلى «مرغريت»، وأرسل معها كتابا طويلا ختمه بهذه الكلمة: # أما وقد عرفت أنني كنت أعيش مع امرأة عاهرة ساقطة لا عهد لها ولا ذمام، فها هي ~~ذي أجرة لياليك الماضية مرسلة إليك. # ثم خرج ليعد نفسه للسفر، فقضى اليوم كله خارج الفندق، ثم عاد إليه دبر النهار؛ فوجد ~~فيه كتابا باسمه ففض ختامه، فإذا الأوراق التي أرسلها إلى «مرغريت» عائدة إليه كما هي ~~وليس معها كلمة واحدة، فحاول أن يعيدها إليها مرة أخرى، فمنعه أبوه من ذلك وقال له: «قد ~~وعدتني ألا تخالفني في أمر، فلا بد لك من الإذعان.» فأذعن ثم سافرا معا تلك الليلة إلى ~~«نيس». # كذلك قضى الله أن يفترق ذلك الصديقان الوفيان والعاشقان المخلصان، فعاد الفتى إلى أحضان ~~أبيه، وعادت الفتاة إلى حياتها الأولى التي كانت تأباها الإباء كله، وتخافها الخوف الشديد، ~~وفي نفس كل منهما من الوجد بصاحبه والحسرة عليه ما لا تنيه، ولا تنتقص منه السنون ~~والأعوام. # الأشقياء في الدنيا كثير، وأعظمهم شقاء ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ضرورة من ~~ضروريات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه فيودعها هناك، ثم يغلق دونها بابا ~~من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باش الوجه باسم الثغر متطلقا متهللا، كأنه لا ~~يحمل بين جنبيه هما ولا كمدا. # ذلك كان شأن «مرغريت» بعد عودتها إلى حياتها الأولى، فقد أصبحت تعيش مع الناس بصورة غير ~~الصورة التي تعيش بها مع ms103 نفسها، أما حياتها مع الناس فحياة ضاحكة لاعبة مرحة وثابة، ~~تضيء المجامع والمحافل، وتملأ الأنظار والأسماع، فإذا ضمها مخدعها وخلا لها وجه الليل مرت ~~أمام عينيها صورة تلك الساعات السعيدة التي قضتها بجانب «أرمان». # ثم ذكرت أنها قد أفلتت من يدها إفلات الطائر من يد صائده، وصارت بعيدة عنها بعد الشمس عن ~~يد متناولها، وأنها قد أصبحت تعيش بين أقوام لا تعرفهم، ولا تجد في نفسها لذة الأنس بهم، ~~ثم لا تجد لها بدا من مماذقتهم والتحبب إليهم والتجمل لهم بما يريدون ويشتهون، ~~فتقبل الأفواه التي لا تشتهيها، وتعتنق القامات التي لا تطيق رؤيتها، وتشرب مع كل شارب، ~~والشراب يحرق أحشاءها، وترقص مع كل راقص، والرقص يمزق أوصالها، وتضحك ضحكات السرور من قلب ~~باك، وتنشد أناشيد الهناء من فؤاد محترق. # فكأنها في يد الناس العود في يد المغني يقطع أوتاره ضربا ليطرب لنغماته، أو الزهرة في ~~يد المقتطف يعصر أوراقها عصرا لينعم بشذاها، فتهيجها ذكرى ذلك الماضي السعيد، وهذا الحاضر ~~الشقي، فتطلق السبيل لزفراتها وعبراتها يصعد منها ما يصعد، وينحدر ما ينحدر، حتى تشتفي ~~نفسها، فتقوم إلى خزانة ملابسها فتستخرج منها صورة تضعها بين سحرها ونحرها، ثم تأوي إلى ~~مضجعها فتجد برد الراحة في صدرها؛ لأنها صورة «أرمان». # ولم تزل تكابد من الشقاء في تلك الحياة الساقطة وآلامها ما لا طاقة لمثلها باحتمال ~~مثله، حتى استيقظ في صدرها داؤها القديم بعدما نام عنها حينا من الدهر، فهزل جسمها، وشحب ~~لونها، وغاض ماء ابتسامتها، وانطفأ شعاع نظراتها، وشغلها شأن نفسها عن شأن المركيز، فلم ~~يلبث أن ملها وفارقها، واستبدل بها أخرى غيرها، ثم اختلف عليها من بعده الأخلاء ~~الرفقاء، فكان شأنهم معها شأنه، لا يلبث أحدهم أن يعرفها حتى يهجرها، فكسدت سلعتها في سوق ~~الجمال، وطمع فيها من لم يكن يطمع قبل اليوم في لثم مواطئ أقدامها، وخلت منها المجامع ~~والمحافل، ثم خلت من ذكرها وحديثها، وأعوزها المال إعوازا شديدا، فمدت يدها إلى ما كان ~~باقيا عندها من جواهرها ولآلئها فباعته ms104 ، فلم يف بدينها، فطلبت المعونة من كثير من ~~أصدقائها الماضين، فأرسل إليها قليل منهم القليل منها، فلم يغن عنها شيئا. # واختلفت إليها جرائد الحساب يطلب أصحابها سداد ما فيها، فدافعتهم عنها حينا ثم عجزت، ~~فحجزوا على جميع مقتنياتها وذخائرها وأثات بيتها ورياشه، ولؤموا في مقاضاتها لؤما ~~ضاعف حزنها ومرضها، وقضى على بقية ما كانت تضمره في نفسها من الأمل في الحياة والسعادة ~~فيها، فنسيت العالم خيره وشره، والحياة سعادتها وشقاءها، وأصبحت لا تفكر إلا في أمر واحد ~~تقوم وتقعد به ليلها ونهارها، وهو أن ترى «أرمان» ساعة واحدة قبل موتها، ثم تذهب إلى ~~ربها. # ولم تكن قد كتبت إليه قبل اليوم كلمة واحدة مذ فارقها، ولا كتب إليها، فنهضت تتحامل على ~~نفسها حتى وصلت إلى منضدتها فكتبت إليه هذا الكتاب: # تعال إلي يا «أرمان» راضيا كنت أو غاضبا، فإنني مريضة مشرفة على الموت، ~~وأحب أن أراك قبل موتي، لأفضي لك بسر الذنب الذي أذنبته إليك فيما مضى، والذي لا ~~تزال واجدا علي بسببه حتى اليوم، فلعلك تعفو عني في ساعتي الأخيرة فيكون عفوك ~~ورضاك هو كل ما أتزوده من هذه الحياة لقبري، واذكر يا «أرمان» أن أول عاطفة جمعت ~~بيني وبينك وألفت بين قلبي وقلبك، كانت عاطفة الرحمة والشفقة، فها هي ذي الفتاة ~~المريضة المسكينة التي رحمتها بالأمس وعطفت عليها قبل أن تحبها تدعوك اليوم أن ~~ترحمها وتعطف عليها، وإن تكن قد سلوتها. أما كتابك الذي كتبته إلي قبل سفرك فقد ~~اغتفرت لك كل ما فيه، حتى قولك إنني كنت كاذبة في حبك، طامعة في مالك؛ لأني أعلم ~~أن المرأة التي تكذب الناس في حبها طول حياتها لا يمكن أن تجد من يصدقها إذا صدقت ~~فيه، وعدل من الله كل ما صنع. # ثم لبثت تنتظر حضوره أياما طوالا فلم يأت، فأحزنها ذلك حزنا شديدا، وساء ظنها به، ~~ووقع في نفسها أنه قد سلاها واطرحها، وأصبح لا يعبأ بها، ولا يبالي بحياتها أو ~~موتها، وسعادتها أو شقائها، وكانت مخطئة فيما ظنت ms105 ، فإن «أرمان» لم يطلع على الكتاب الذي ~~أرسلته إليه مذ فارقها في العام الماضي وسافر إلى «نيس»، ولم يستطع البقاء فيها إلا أياما ~~قلائل، ثم ملكه الضجر وأحاطت به الوحشة، وضاقت في وجهه مذاهب السلوى، فاستأذن من أبيه أن ~~يسافر إلى بعض بلاد المشرق ترويحا عن نفسه وتفريجا من كربته، فأذن له، فسافر إلى ~~الإسكندرية فأقام بها بضعة أشهر كاتب أباه فيها قليلا، ثم تركها وأخذ يتنقل في أنحاء ~~البلاد لا ينزل ببلد حتى يطير به الضجر إلى غيره، فانقطعت رسائله عن أبيه، فأصبح لا يعلم ~~مكان وجوده. # فلما أرسلت «مرغريت» إليه كتابها في «نيس» قرأه أبوه وحفظه عنده ولم يستطع أن يرسله إليه، ~~و«مرغريت» لا تعلم بشيء من ذلك، فحزنت لخيبة أملها حزنا شديدا، ودب اليأس في قلبها ~~دبيب الموت في الحياة، ووقع في نفسها أنها ستخرج من الدنيا فارغة اليد من كل شيء حتى من ~~هذه الأمنية التي بقيت في يدها من بين جميع آمالها الضائعة. # فتنكر شأنها، واستحالت حالها، ولجأت إلى صمت طويل لا تقول فيه خيرا ولا شرا، ~~وأصبحت تنظر إلى نفسها وإلى ما يحيط بها من الأشياء كأنها تنظر إلى شيء تنكره ولا تعرفه، ~~فربما دخل عليها طبيبها وهي في أشد حالات ألمها فلا تشكو له ألما، أو سمعت ضوضاء الدائنين ~~وصخبهم في فناء المنزل فلا تسأل ماذا يريدون! # وكانت إذا شعرت بقليل من الراحة والسكون ركبت عربتها إلى «بوجيفال» فزارت البيت الذي قضت ~~فيه أيام سعادتها الذاهبة، وكان لا يزال باقيا على الصورة التي تركته عليها يوم فارقته، ~~ومرت بغرفه وقاعاته، وجلست في كل مكان كانت تجلس فيه مع «أرمان»، وأشرفت من كل نافذة كان ~~يشرف منها معها، وقبلت جميع آثاره وبقاياه، ولثمت الكأس التي كان يشرب بها، والزهرة التي ~~كان يحبها، والقلم الذي كان يكتب به، والكتاب الذي كان يقرأ فيه. # فإذا نال منها التعب جلست على بعض المقاعد لتأخذ لنفسها راحتها، فربما طار بها خيالها إلى ~~ذلك العهد القديم، فتمثل لها أن ms106 «أرمان» جالس تحت قدميها يسرد عليها حادثة من حوادث ~~طفولته في «نيس»، أو يبثها ما يضمره لها في نفسه من الوجد والغرام، فتبتسم لحديثه ابتسام ~~السعيد الهانئ، وتستشعر في نفسها لذة لا يشعر بمثلها إلا المتقون في جنات النعيم، ثم تفتح ~~عينها فلا ترى أمامها غير الوحشة والسكون، والوحدة والانفراد، فتبكي ما شاء الله أن تفعل، ~~ثم تعود إلى بيتها في «باريس»، فتجلس على كرسيها بجانب منضدتها وتناجي «أرمان» في مذكراتها ~~بجميع ما تحدثها به نفسها، كأنه حاضر بين يديها يراها ويسمعها! ~~(1) مذكرات مرغريت # 15 ديسمبر سنة 1850 # أرمان: لم تكتب إلي ولم تأتني، كأنما ظننت أني أريد أن أستعيد معك عهد ~~الماضي، وأين أنا من ذلك العهد؟! فلو رأيتني لرأيت امرأة ذاهبة مدبرة لا تصلح ~~لشأن من شئون الحياة، ولم يبق فيها من صورتها الماضية إلا كما بقي من الزهرة ~~الساقطة عن غصنها بعدما عصفت الريح بأوراقها، وكل ما كنت أريده منك أن أراك بجانب ~~فراشي في ساعتي الأخيرة؛ لأعتذر لك عن ذنبي الذي أذنبته إليك، ثم أنظر إليك نظرة ~~وداع أغمض عليها جفني وأذهب بها إلى قبري. # ما أنا بخائنة يا «أرمان» ولا خادعة؛ فإن الرسالة التي رأيتها في يدي يوم عدت ~~إلي من مقابلة أبيك ليست رسالة المركيز كما ظننت، بل رسالة أبيك نفسه، وصلت منه ~~قبل وصولك إلى «بوجيفال» بساعة واحدة، وهذا نصها الذي لا يزال عالقا بذهني حتى ~~الساعة: # سيدتي: # أريد أن أقابلك غدا في منزلك من الساعة العاشرة صباحا في شأن خاص بي ~~وبك، وأريد ألا يكون «أرمان» حاضرا تلك المقابلة ولا عالما بها، ولا بأني ~~أرسلت هذه الرسالة إليك، ولي من حسن الرأى فيك ما يطمعني في أن يكون ما ~~سألتك إياه سرا بيني وبينك حتى نلتقي، والسلام. # دوفال # فلما قرأتها علمت ماذا يريد من تلك المقابلة، وشعرت بما وراءها، بل علمت بما ~~دار بينك وبينه من الحديث، وأنك امتنعت عليه حتى يئس منك، فحاول أن يدخل عليك من ~~بابي، فحدثتني نفسي أن ms107 أرفض مقابلته، وأن أكاشفك بكل شيء، ثم استحييت من نفسي، ~~وأكبرت أن يعتمد علي رجل شريف كأبيك في كتمان سر بسيط كهذا السر فلا يجدني ~~عند ظنه، وطمعت في أن أنال منه عند المقابلة ما يطمع أن يناله مني، فكتمتك أمر ~~الرسالة، وكتمتك ما في نفسي منها، ولم أكن كاذبة في شكاتي وألمي حينما قلت لك في ~~تلك الليلة إنني لا أستطيع البقاء بجانبك، وسألتك أن تقودني إلى مخدعي، فقد قضيت في ~~فراشي بعدما فارقتك ليلة لم أقض مثلها في جميع ما مر بي من ليالي الهموم ~~والأحزان، حتى أصبح الصباح فألححت عليك أن تذهب لمقابلة أبيك، وأنا أعلم أنك إن ~~ذهبت إليه لا تراه، ولا تنتفع بمقابلته إن رأيته، ولكني خفت أن يزورني فيراك عندي ~~فأصغر في عينيه، ولا أشد علي من ذلك. # وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصل إلى «بوجيفال» في الموعد الذي ضربه في كتابه، ~~فاستأذن علي فأذنت له، فدخل، فرأيت في عينيه جمرة من الغضب تلتهب التهابا، فلم ~~أحفل بها، ودعوته للجلوس فلم يفعل، ولم يحيني بيده، ولا بلسانه. # وكان أول ما استقبلني به قوله: «ماذا تريدين أن تصنعي بولدي أيتها السيدة؟» وظل ~~ناظرا إلي نظرا جامدا ساكنا لا يطرف ولا يختلج! فعجبت لمدخله الغريب، ونظراته ~~المترفعة، ولهجته الجافة الخشنة، وامتعضت في نفسي امتعاضا شديدا حتى كدت أقول له ~~- ولا أكتمك ذلك: «تذكر يا سيدي أنك في منزلي، وأنني لم أدعك إلى زيارتي، بل أنت ~~الذي دعوت نفسك بنفسك.» # ثم ذكرت مكانه منك فأمسكت عن كل شيء، حتى عن الجواب على سؤاله، فمشى يضرب الأرض ~~بعصاه وبقدمه حتى دنا مني، وألقى علي تلك النظرة التي اعتاد الأشراف المترفعون أن ~~يلقوها في طريقهم على وجوه النساء العاهرات، وقال: «لقد أنفق ولدي عليك جميع ما كان ~~بيده من المال، وكان في يده الكثير منه، ثم جميع ما أرسلته إليه بعد ذلك، وقد أرسلت ~~إليه فوق طاقتي، فلم يبق في استطاعته أن يمدك بأكثر مما أمدك، ولا في ms108 استطاعتي أن ~~أستنزل له من السماء ذهبا يمطره عليك، فدعيه وشأنه، فالبلد مملوء بالأبناء الذين ~~لا يحتاج آباؤهم إليهم والذين لا يحتاجون إلى أنفسهم، أما أنا فإني في حاجة إلى ~~ولدي؛ لأني لم أرزق ولدا سواه، ومن كانت بيده هذه الثروة من الجمال التي تملكينها ~~لا يضيق به مذهب من مذاهب العيش، ولا يتلوى عليه مأرب من مآرب الحياة.» # فسرت كلماته في نفسي سريان الحمى في عظام المحموم، وخيل إلي أن هذا ~~الماثل أمامي لا يحدثني، إنما يجرعني السم بيده تجريعا، وشعرت بذلة لم ~~أشعر بمثلها في يوم من أيام حياتي، إلا أنني تجلدت واستمسكت ورددت نفسي على ~~مكروهها، وقلت له بصوت هادئ ساكن لا يمازحه غضب ولا نزق: «لا يا سيدي، نعم إنني ~~أحب ولدك، ولكني لا أطمع فيه، ولو كان الذي يعنيني منه الطمع في ماله لفارقته منذ ~~ثلاثة أشهر؛ أي منذ خلت يده من المال وأصبح لا يجد السبيل إليه بحال من الأحوال، ~~بل لفارقته قبل ذلك؛ لأن الذين لا يزالون يساومونني في نفسي من أشراف هذا البلد ~~ونبلائه منذ اتصلت به حتى اليوم أفضل منه وأكثر رغدا، على أن ولدك لم ينفق علي ~~من هذا المال الذي تذكره إلا النزر القليل، وربما أنفق باقيه على نفسه، ولو استطعت ~~أن أرفض ذلك القليل وآباه لفعلت، ولكني كنت أضن به أن يداخل نفسه ما يريبها أو ~~يؤلمها، فقبلت منه هداياه الصغيرة التي كان يقدمها إلي من حين إلى حين إرعاء ~~عليه، وإبقاء على عزة نفسه وكرامتها، ولو أن ما كان بيده من المال انتقل إلى يدي - ~~كما تقول - لأصبحت غنية موفورة لا أحمل هما من هموم العيش، ولا أعاني من بأساء ~~الحياة وضرائها ما أعانيه اليوم! # فإنني لو تبينت أمري امرأة فقيرة معوزة لا أملك من متاع الدنيا إلا حلاي ~~ومركبتي وأثاث بيتي، وليتها كانت خالصة لي، فقد أمتدت يد الضرورة إليها منذ عهد ~~قريب، فأصبح الكثير منها سلعة في يد المرابين، ولا أعلم ما يأتي به الغد، ms109 وإن ~~أبيت إلا أن تعرف ذلك بنفسك فسأطلعك على ما كتمته عن الناس جميعا حتى عن ولدك.» ~~ثم قمت إلى خزانة أوراقي، فجئته منها بالصكوك والوثائق المشتملة على بيع ما بعت من ~~جواهري، وخيولي وأثاث بيتي، ورهن ما رهنت منها، فظل يقلبها بين يديه ساعة، ويتأمل ~~في تاريخها طويلا، ثم طواها وأعادها إلي مطرقا صامتا لا يقول شيئا، ومد يده ~~إلى كرسي بين يديه فاجتذبه إليه وجلس عليه معتمدا برأسه على عصاه، وقد هدأت في ~~نفسه تلك الثورة التي كانت تضطرم وتعتلج منذ دخوله، وطارت عن وجهه تلك الغبرة ~~السوداء التي كانت تظلله من قبل. # فعدت إلى حديثي معه أقول: «على أنني يا سيدي غير شاكية ولا ناقمة، فقد مر بي ~~من نوب الأيام وأرزائها ما محا من نفسي كل شهوة من شهوات الحياة، وأنساني جميع ~~مظاهر الدنيا ومفاخرها، فأصبحت لا أبالي بما تأتي به الأيام، وسواء لدي الفقر ~~والغنى، والحلي والعطل، وسكنى القصر وسكنى الكوخ، وركوب المركبة وركوب ~~النعل. # وكل ما أرجو من حياتي وأضرع إلى الله وإليك فيه، أن أرى «أرمان» يقاسمني هم ~~الحياة وبؤسها، ويعينني على شدتها ولأوائها حتى يقضي الله في أمري بما هو ~~قاض. # فإن كان في الأجل فسحة قضيتها في شكرك وحمدك، والإخلاص لك في سري وعلني، وإن ~~كانت الأخرى كان آخر ما أنطق به في ساعتى الأخيرة أن أدعو لك الله تعالى ضارعة ~~مبتهلة أن يبارك لك في نفسك، وفي أهلك، وأن يسبل ستره الضافي عليك في حاضرك ~~ومستقبلك!» # ثم جثوت بين يديه وتعلقت بأهداب ثوبه، وقد عجزت في تلك الساعة عن أن أملك من ~~دموعي ما كنت مالكة من قبل، فظللت أبكي، وأقول: «رحماك يا مولاي، إنني امرأة ~~بائسة مسكينة قد قضت علي بعض ضرورات العيش في فاتحة حياتي أن أقف على حافة تلك ~~الهوة التي يقف على رأسها النساء الجائعات، فسقطت فيها كارهة مرغمة، ثم أردت ~~نفسي على الرضا بتلك الحياة التي قدرها الله لي فلم أستطع، فأصبحت في منزلة بين ms110 ~~المنزلتين ، لا أنا شريفة أنعم بعيش النساء الشريفات، ولا ميتة القلب أسعد سعادة ~~الفتيات الساقطات، وقد وجدت في ولدك الرجل الوحيد الذي أحبني لنفسي، ومنحني من ~~وده وإخلاصه ما ضن به علي الناس جميعا، فأنست به أنسا أنساني سقوطي وعاري، ~~وحبب إلي الحياة بعدما أبغضتها وبرمت بها، وكدت أقضي على نفسي بالخلاص منها، ~~فلا تحرمني جواره، ولا تفرق بيني وبينه، فإنك إن فعلت أشقيتني وبرحت بي، وملأت ~~حياتي هما وكمدا، وأنت أجل من أن ترضى لنفسك بأن تبني سعادتك وهناءك على شقاء ~~امرأة مسكينة مثلي. # ماذا يكون مصيري غدا إذا أصبحت وحيدة منقطعة في هذا العالم لا صديق لي ولا ~~معين؟ أأعود إلى حياتي التي أبغضها وأخشاها، فأعود إلى جرائمي وآثامي؟ أم أقتل نفسي ~~بيدي فرارا من شقاء الدنيا وبلائها، فأختم حياتي بأقبح مما ختم امرؤ به حياته؟ لا ~~أستطيع واحدة من هاتين، فامدد إلي يدك البيضاء وأنقذني من هذه الهوة العميقة ~~التي لا يستطيع أحد أن ينقذني منها سواك. # أنا أعلم أنك في حاجة إلى ولدك، وأنك أولى به من كل مخلوق على وجه الأرض، ولكني ~~أعلم أنك شفيق رحيم لا تأبى أن تتصدق على امرأة مريضة بائسة مثلي بساعات من ~~السعادة تتعلل بها في مرضها الذي تكابده حتى يوافيها أجلها، لا أسألك يا سيدي مالا ~~ولا نسبا ولا عرضا من أعراض الحياة، بل أسألك أن تأذن لأرمان بالبقاء معي، فإن ~~في بقائه بقاء حياتي وسعادتي، فتصدق بهما علي إنك من المحسنين.» # وهنا شعرت كأنه يتحرك في كرسيه، فخفق قلبي، خفقانا شديدا، ثم رفع رأسه ونظر ~~إلي نظرة أهدأ نارا وأقصر شعاعا من نظرته الأولى، وقال: «ومن أين ~~تعيشان؟» # قلت: «عندي بقية من جواهري وحلاي سأبيعها وأعيش بثمنها معه في زاوية من زوايا ~~«باريس» عيش الفقراء المقلين، لا يرانا أحد، ولا يشعر بوجودنا شاعر، وحسبنا الحب ~~سعادة نغنى بها عن كل سعادة في هذا العالم وهناء.» # قال: «ذلك هو الشقاء بعينه، فإن الحب نبات ظلي تقتله شمس الشقاء الحارة، ms111 ~~وكل سعادة في العالم غير مستمدة من سعادة المال أو لاجئة إلى ظلاله فهي كاذبة لا ~~وجود لها في سوانح الخيال. # أنتما اليوم سعيدان لأن في يدكما مالا تعيشان به، ولأنكما تسكنان هذا المنزل ~~البديع، فوق هذه الهضبة العالية، بجانب هذه البحيرة الجميلة، فإذا خلت يدكما من ~~المال وحرمتما هذا النعيم الذي تنعمان به شقيتما وشغلكما شأن نفسيكما عن شأن الحب ~~ولذائذه، وسرى إلى نفسيكما الضجر والملل، وربما امتدت تلك السآمة بينكما إلى أبعد ~~غايتها. # إن للحب فنونا من الجنون، وأقبح فنونه أن يعتقد المتحابان أن حبهما دائم لا ~~تغيره حوادث الأيام، ولا تنال منه الصروف والغير، ولو عقلا لعلما أن الحب لون من ~~ألوان النفس، وعرض من أعراضها الطائرة، تأتي به شهوة وتذهب به أخرى، ولا يذهب به ~~المثل، مثل الفاقة إذا اشتدت واستحكمت حلقاتها، فإن النفس تطلب حياتها وبقاءها، قبل ~~أن تطلب لذائذها وشهواتها! # أنا أعلم من شأن ولدى يا سيدتي ما لا تعلمين، وأعلم أنه لا يستطيع أن يعيش هذه ~~العيشة النكداء التي تظنين، وهو فتى فقير لا يملك من الدنيا إلا قطعة صغيرة من ~~الأرض ورثها عن أمه لا تغني عنه ولا عنك شيئا، وما أنا بذي ثروة طائلة أستطيع أن ~~أحفظ له بها زمنا طويلا هذا العيش السعيد الرغد الذي يعيشه اليوم في «باريس»، فلم ~~يبق بين يديه إلا أن يعيش بمالك، وهو ما لا أرضاه له ولا يرضاه لنفسه، واسمحي لي ~~يا سيدتي أن أقول لك إن جميع مصائب الدنيا وأرزائها أهون علي وعليه من أن يقول ~~الناس إن خليلة أرمان دوفال قد باعت جواهرها وحلاها التي أهداها إليها عشاقها ~~الماضون لتنفق ثمنها عليه. # سامحيني يا بنيتي، واغتفري لي حدتي وخشونتي، فإن شديدا جدا على والد شيخ ~~مثلي أن يرى ولده الذي وضع فيه كل آمال بيته يهوي أمام عينيه في هذه الهوة السحيقة ~~التي لا قرار لها دون أن يطير قلبه خوفا وهلعا. # إنه مذ عرفك نسيني ونسي أخته، فلا يذكرني ولا يذكرها، ms112 وقد مرضت منذ شهور مرضا ~~أشرفت فيه على الموت، فكتبت إليه أن يأتي ليعودني فلم يفعل، ولم يرد على كتابي؛ ~~أي إنني كنت على وشك أن أموت ولا أراه، ولو تم ذلك لذهبت إلى قبري بحسرة لم يحمل ~~مثلها في صدره راحل عن الدنيا قبلي! # أنت صادقة يا سيدتي في قولك إنه لم ينفق عليك جميع ما كان بيده من المال؛ لأنني ~~علمت بالأمس أنه قامر منذ عهد قريب، وخسر في مقامرته كثيرا، كما علمت أنك لا ~~تعلمين شيئا من ذلك، فما يؤمنني إن أنا تركته في هذا البلد ألا يستمر في هذه ~~الغواية الجديدة التي خطا الخطوات الأولى في طريقها، ولا يخسر في بعض مواقفه خسارة ~~عظمي؟ لا أجد لي بدا من أن آخذ بيده فيها، فأقدم إليه ذخر شيخوختي، ومهر ~~ابنتي، فنهلك نحن الثلاثة في يوم واحد. # من أين لك يا بنيتي أنه إن طال عهده بك لا يملك، ولا تمتد عينه إلى امرأة ~~سواك، فتكون فجيعتك فيه غدا شرا من فجيعتك فيه اليوم؟ ومن أين له أنك لا تضيقين ~~ذرعا يوما من الأيام بعيشة الوحشة والوحدة فتحنين إلى حياتك الأولي، حياة الأنس ~~والاجتماع، والضوضاء واللجب، وهو فتى غيور مستطار، فربما أنفت نفسه أن ~~يزاحمه فيك مزاحم، وربما امتدت يده بشر إلى ذلك الذي يزاحمه، فتنازلا، فأصابته ~~من يد منازله ضربة تقضي على حياته وتفجعني فيه؟ # كيف يكون موقفك يا سيدتي غدا إن نفذ فيه هذا السهم من القضاء أمام هذا الأب ~~الثاكل المسكين إذا جاءك يسألك عن دم ولده؟ وكيف تكون آلام نفسك ولواعجها أمام مشهد ~~بكائه وتفجعه؟» # ثم ارتعش ارتعاشا شديدا، وظل نظره حائرا مضطربا كأنما يخيل إليه أنه يرى ~~أمام عينيه ذلك المنظر الذي يتحدث عنه، ثم سكن قليلا، ونظر إلي نظرة هادئة ~~مملوءة عطفا وحنانا، وأنشأ يقول: «مرغريت، أنت أعظم في عيني مما كنت أظن، وأكرم ~~نفسا من أولئك النساء اللواتي يزعمن أنك واحدة منهن، وقد وجدت فيك من فضائل ~~النفس ومزاياها ما لم ms113 أجده إلا قليلا في أفذاذ الرجال، وأقل من القليل في فضليات ~~النساء، ولو قسم الشرف بين النساء على مقدار فضائلهم وصفاتهم لكان نصيبك منه ~~أوفر الأنصبة وأوفاها. # لا أنسى لك يا «مرغريت» ما دمت حيا كتمانك أمر الكتاب الذي أرسلته إليك، ~~واحتفاظك بسره في ساعة تنفرج فيها الصدور عن مكنوناتها، ولا سكوتك وإغضاءك - وأنت ~~في منزلك وموضع أمرك ونهيك - أمام حدتي وخشونتي وجنون غضبي، ولا بذلك ما ~~بذلت من ذات نفسك وذات يدك لولدي - من حيث لا يعلم - وفاء له وإبقاء على عزة ~~نفسه وكرامتها! # لقد كانت ضحيتك التي قدمتها لولدي بالأمس عظيمة جدا، واليوم جئتك أطلب ~~إليك أن تقدمي ضحية أعظم منها لابنتي، ولا معتمد لي أعتمد عليه في تلبية رجائي ~~عندك إلا شرف نفسك وفضيلتها. # لقد تركت «سوزان» ورائي تتقلب على فراش المرض، وتكابد منه فوق ما يحتمل جسمها ~~الناشئ الغض؛ لأن خطيبها الذي تحبه حبا جما قد هجرها منذ شهرين فلا يزورها ولا ~~تراه، وقد كنت أجهل قبل اليوم سبب مرضها إلا الظن والتقدير، حتى سهرت بجانب فراشها ~~ليلة كانت الحمى فيها قد نالت منها منالا عظيما، ووصلت بها إلى درجة الخبل ~~والهذيان، فسمعتها تهتف باسم خطيبها مرات كثيرة، وتبكي كلما جرى ذكره على لسانها ~~كأنها حاضرة مستفيقة، فعلمت موضع دائها، وذهبت في اليوم الثاني إلى والد ذلك ~~الخطيب أسأله عما راب ولده من أمر ابنتي وقطعه عن زيارتها، فذكر لي سببا غريبا لك ~~فيه يا سيدتي بعض الشأن، فإن أذنت لي حدثتك حديثه.» # فخفق قلبي خفقانا شديدا، وأحسست بالشر يدنو مني رويدا رويدا، إلا أنني تماسكت ~~وقلت له: «نعم آذن لك يا سيدي.» قال: «لقد أجابني الرجل على سؤالي بقوله: «إن أسرتي ~~أسرة شريفة لا تصاهر إلا أسرة شريفة مثلها من جميع وجهها، وقد عرفت أسلوب ~~المعيشة السافلة التي يعيشها ولدك في «باريس»، إنه يعاشر منذ عهد طويل امرأة ~~مومسا معروفة هناك معاشرة تهتك وتبذل يشهدها الناس جميعا، ولا أسمح لنفسي ~~أن يكون مثل ولدك في ms114 تبذله واستهتاره، وصغر نفسه وفسولتها صهرا لولدي ولا ~~عارا على بيتي.» فاستقبلت خشونته وجفاءه بصبر واحتمال؛ لأن الخوف على ابنتي ~~شغلني عن الغضب لنفسي، وقلت له: «أواثق أنت مما تقول؟» فأدلى لي بما أقنعني، فلم ~~أر بدا من أن أسلم له بصواب ما فعل، وسألته ألا يبت في أمر الخطبة شيئا ~~حتى أسافر إلى «باريس» وأعود منها. # ذلك ما حملني على المجيء إلى «باريس»، وهذه هي قصتي التي جئت أعرضها عليك، وأنتظر ~~حكمك فيها، وقد كتمتها عن الناس جميعا حتى عن ولدي «أرمان»، فانظري ماذا ~~تأمرين؟» # وهنا أطرق برأسه طويلا، ثم رفعها، فإذا عبرة تترقرق في عينيه، وإذا هو يحاول ~~الكلام فلا يستطيعه، فرحمته مما به، وأعظمت مصابه حتى نسيت مصابي بجانبه، وساد ~~السكون بيننا ساعة لا يقول لي شيئا، ولا أدري ماذا أقول، حتى هدأ ثائره قليلا، ~~فمد يده إلى يدي فأخذها بين ذراعيه، وعاد إلى حديثه يقول: «مرغريت، إن حياة ابنتي ~~بين يديك، فامنحيني إياها تتخذي عندي يدا لا أنساها لك حتى الموت. # إنني لا أستطيع أن أراها تموت بين يدي، ولم تم ذلك لمت على أثرها حزنا وكمدا، ~~وضمنا في يوم واحد قبر واحد؛ لقد رأيت مصرع أمها منذ خمس سنين، ولا يزال أثره ~~باقيا في نفسي حتى اليوم، ولا أستطيع أن أرى هذا المشهد مرة أخرى في ابنتها ~~وصورتها الباقية عندى من بعدها. # إنني أحبها حبا جما، ولا أستطيع أن أراها في ساعة من ساعاتها حزينة أو ~~مكتئبة، فكيف أن أراها تعالج سكرات الموت؟! # إنك لا تعرفينها يا «مرغريت»، وأعتقد أنك لو رأيتها لأحببتها كما أحبها، ~~ولرحمتها كما أرحمها، ولفديتها بما تستطيعين رأفة وإشفاقا عليها. # إنها جميلة جدا، وبيضاء مثل الكوكب، وطاهرة طهارة الملك، وغريرة غرارة الطفل، ~~فاسمحي لهذه الحياة الغضة الزاهرة بالبقاء والسعادة، فإنها لا تستحق الشقاء. # إنها اليوم تعيش بالأمل الذي أودعته قلبها يوم سفري، فإن عدت إليها بالخيبة عدت ~~إليها باليأس القاتل والقضاء النازل! # إنك تحبين «أرمان» يا «مرغريت»، وقد أصبحت أعتقد أنك ms115 مخلصة في حبه إخلاصا ~~عظيما، فاصنعي ما يصنع المحبون المخلصون، وضحي حبك من أجله ومن أجل مستقبله، ~~فإلا تفعلي ذلك من أجله فافعليه من أجلي. # لقد قلت لي إنه الرجل الوحيد الذي أحبك لنفسك أكثر مما أحبك لنفسه، فبادليه هذا ~~الحب، بل كوني خيرا منه فيه، وليكن عزاؤك عما تلاقيه بعد فراقه من حزن وألم أنه قد ~~أصبح سعيدا من بعدك، وأنك قد أنقذت من يد الموت فتاة مسكينة، ومن يد الشقاء ~~شيخا حزينا.» وهنا اختنق صوته بالبكاء فهبط من على كرسيه بين يدي، وقال بنغمة ~~المشرف المحتضر: «ارحميني يا «مرغريت» واشفقي على ضعفي وشيخوختي، وتصدقي علي ~~بمستقبل ولدي وحياة ابنتي.» # ثم لم يستطع أن يقول بعد ذلك شيئا، فألقى رأسه على كرسيه الذي كان جالسا عليه ~~وانفجر باكيا. # آه لو رأيتني يا «أرمان» في موقفي هذا، ورأيت لوعتي وتفجعي ودموعي المنهمرة على ~~خدي انهمار الديمة الوطفاء رحمة بأبيك وإشفاقا عليه! # لقد كان يتكلم فتسيل مدامعي مع حروفه وكلماته، كأنما هو ينشد مرثية محزنة، أنا ~~المبكية عليها فيها! # إن العظيم عظيم في كل شيء، حتى في أحزانه وآلامه، فلقد كان يخيل إلي وأبوك ~~يبكي بين يدي وينتحب أن كل دمعة من دموعه تستنزل غضب الله على الأرض، وكل زفرة من ~~زفراته تلتهب بها آفاق السماء. # لقد أكبرت في نفسي جدا أن يجثو مثل هذا الشيخ الشريف الطاهر بين يدي فتاة ~~ساقطة مثلي، واستحييت من ذلك حياء تمنيت معه أن لو انشقت الأرض تحت قدمي فسخت ~~فيها أبد الدهر. # وبينما هو مطرق صامت أخذت أفكر فيه وفي مصابه، وفي قصته التي قصها علي، وفي ~~الشأن الذي لي فيها، فعلمت أني قد أصبحت شؤما على هذه الأسرة السعيدة جميعها، ~~أبيها وابنها وابنتها، فثقلت نفسي علي، وسمج منظرها في عيني، حتى خيل إلي أنها ~~لو كانت حاضرة بين يدي لرميت بها من حالق إلى حيث لا يجمعني وإياها مكان بعد ~~اليوم. # ثم قلت في نفسي: إن حياتي الماضية التي قضيتها في الشرور والآثام ms116 قد قطعت علي ~~طريق الشرف، فلا حق لي في أن أطمع في حياة الشرفاء، ولا أن أنازعهم سعادتهم ~~وهناءهم، وإن الإثم الذي اقترفته في ماضي قد أثمته وحدي، فلا بد لي أن أستقل ~~بعبئه دون أن ألقيه على عاتق أحد غيري، فإن كان مقدرا علي أن أموت موت النساء ~~الساقطات، فذلك لأنني امرأة ساقطة، أو ألاقي في مستقبل حياتي شقاء وآلاما، فذلك ~~لأن المستقبل نتيجة الماضي وثمرته الطبيعية. # هنا ذكرتك يا «أرمان»، وذكرت فراقك وكيف أستطيعه، وذكرت أنا التي سأتولى قتل نفسي ~~بيدي؛ لأن الطريق التي لا طريق غيرها إلى بلوغ رضا أبيك وموافاة رغبته أن أقاطعك ~~وأغاضبك، وأظهر أمامك بمظهر الخائنة الغادرة، وربما اضطررت إلى الاتصال بغيرك على ~~مرأى منك ومسمع، حتى تنصرف عني انصراف يائس مغلوب على أمره من حيث لا يكون لأبيك ~~مدخل في ذلك، فأكون قد جمعت على نفسي بين فراقك وغضبك في أن واحد، وذكرت أن لا بد ~~لي متى فارقتك أن أعود إلى حياتي الأولى التي أبغضها وأمقتها؛ لأن الدوق «موهان» ~~لم يستطع أن ينسى ذنبي الذي أذنبته إليه حتى اليوم، ولأني في حاجة إلى بسطة من ~~العيش أستعين بها على معالجة مرضي ووفاء ديني، فدارت هذه الخواطر في رأسي ساعة، ~~وطالت دورتها حتى كادت تغلبني على أمري، ثم وقع نظري على وجه أبيك المخضل بدموعه، ~~فتجلدت وجمعت أمري ومضيت قدما لا ألوي على شيء مما ورائي. # لقد كان شديدا علي جدا أن أفارقك يا «أرمان»، ولكن كان أشد علي منه أن أرى ~~أباك يبكي بين يدي، وأن أكون سببا في موت أختك أو شقائها. # إنني أحب يا «أرمان» وأعرف آلام الحب ولوعته في النفوس، ولقد كان يخيل إلي ~~وأبوك يحدثني عن أختك وشقائها أنني أراها من خلال دموعي طريحة فراشها، وهي تمد يدها ~~إلي ضارعة متوسلة تقول: أنقذيني يا سيدتي وارحمي ضعفي وشبابي. فأجد لكلماتها من ~~الأثر في نفسي ما لا يستطيع أن يشعر به إلا من كان له شأن مثل شأني. # إنني ms117 حرمت في مبدأ حياتي السعادة الزوجية وهناءها، ولقيت بسبب ذلك من الشقاء ما ~~لا أزال أبكيه حتى اليوم، فلا يهيج حزني ولا يستثير كامن لوعتي مثل أن أرى بين ~~الناس فتاة محرومة السعادة مثلي. # إنني أحب وهي تحب، ولا بد لواحدة منا أن تموت فداء عن الأخرى، فلأمت أنا ~~فداء عنها؛ لأنها أختك، ولأنها لم تقترف في حياتها ذنبا تستحق بسببه ~~الشقاء. # وكنت كلما ذكرت أنها ستصبح سعيدة هانئة من بعدي - وتراءى لي شبحها وهي لابسة ثوب ~~عرسها الأبيض الجميل، وسائرة إلى الكنيسة بجانب خطيبها - طار قلبي فرحا وسرورا، ~~وهان علي كل شيء في سبيل غبطتها وهنائها. # نعم إن الضربة التي سأستقبلها شديدة جدا، لا يقوى عليها قلبي، ولكني سأحتملها ~~بصبر وسكون؛ لأن أباك سيصبح راضيا عني، ولأنك ستعلم في مستقبل الأيام سر ~~تضحيتي، فتحبني فوق ما أحببتني! ولأن أختك ستصبح سعيدة مغتبطة بعيشها وحبها، وسيكون ~~اسمي بين الأسماء التي تدعو لها الله في صلواتها بالرحمة والرضوان. # جاءت الساعة التي أقول فيها لأبيك كلمتي الأخيرة، ولقد كانت شديدة هائلة، أسأل ~~الله أن يغفر لي بما لقيت فيها من الآلام، ماضي ذنوبي وآتيها، كما أسأله ألا يذيق ~~مرارتها قلب امرأة على وجه الأرض من بعدي! # قمت من مكاني كأنني أنتزع نفسي من الأرض انتزاعا، ومشيت إلى أبيك كما يمشي ~~الحائن إلى مصرعه حتى جثوت بين يديه، وأخذت بيده، فاستفاق من غشيته ونظر إلي ~~ذاهلا مشدوها، فقلت له: «أتعتقد يا سيدي أنني أحب ولدك؟» قال: «نعم.» قلت: «حبا ~~هو منتهى ما تستطيع امرأة أن تحتمل؟» قال: «نعم.» قلت: «وأن هذا الحب هو كل آمالي ~~وسعادتي وما أملك في الحياة؟» قال: «نعم يا بنيتي.» قلت: «قد ضحيته من أجل ~~ابنتك، فعد إليها وبشرها بسعادة المستقبل وهنائه، وقل لها إن امرأة لا تعرفك، ولم ~~ترك في يوم من أيام حياتها، ولكنها تحبك وتشفق عليك، تموت الآن من أجلك، فاسألي ~~الله لها الرحمة والغفران.» # فتهلل وجهه بشرا وسرورا، ولم يدع كلمة من كلمات الشكر والثناء ms118 إلا أفضى بها ~~إلي، فأنساني سروره واغتباطه ألم الضربة التي أصابت كبدي، واستحال حزني واكتئابي ~~إلى راحة وسكون، فحمدت الله على أن لم ير في وجهي في تلك الساعة ما ينغص عليه ~~سروره واغتباطه. # وهنا شعرت بحركة عند باب الغرفة، فالتفت فإذا «برودنس» تشير إلي بيدها؛ ~~فذهبت إليها فأعطتني كتابا جاء به البريد، فقرأت عنوانه، فإذا هو بخط المركيز «جان ~~فيليب»، فعلمت ما يتضمنه قبل أن أراه، ووقع في نفسي أن الله قد أوحى إلي بما ~~أفعل، فذهبت مسرعة إلى غرفة مكتبي أخاف أن يعرض لي في طريقي ما يزعزع عزيمتي، ~~وهناك قرأت الكتاب وكتبت لصاحبه في بطاقة صغيرة هذه الكلمة: «سأتعشى عندك الليلة.» ~~ثم أعطيتها برودنس لتلقيها في صندوق البريد. # وعدت إلى أبيك فوجدته حيث تركته، فقلت له: «إن «أرمان» لا يعلم شيئا من أمر ~~زيارتك هذه، فاكتمها عنه حين تلقاه، وسأكتب إليه كتاب مقاطعة لا يشك في أني صاحبة ~~الرأي فيه، وأن لا يد لك فيما كان، وسيعلم اليوم أو غدا أنني قد اتصلت برجل غيره، ~~فيرى أنني قد خنته وغدرت بعهده، فلا يجد له بدا من أن يسافر معك قاطعا رجاءه ~~مني، وربما تألم لهذه الصدمة بضعة أيام أو بضعة أسابيع، فلا تحفل بذلك، فسيبلى ~~حبي في قلبه كما يبلى كل حب في كل قلب. غير أن لي عندك طلبة واحدة لا أريد منك ~~سواها، فهل تسمح لي بها؟» # قال: «نعم أسمح لك بكل شيء.» قلت: «إني مريضة، وإن العلة التي أكابدها كثيرا ما ~~يتحدث الناس عنها أنها لا تترك صاحبها - طالت أم قصرت - حتى تذهب به إلى قبره، فكل ~~ما أسألك إياه أن تأذن لأرمان في اليوم الذي تعلم فيه أنني قد أصبحت على حافة قبري ~~أن يأتيني لأراه وأودعه الوادع الأخير، وأعتذر له عن ذنبي الذي أذنبته إليه حتى ~~لا أخسر حبه واحترامه حية وميتة.» # فنظر إلي نظرة دامعة، وقال: «وا رحمتاه لك يا بنيتي! إنني أعدك بما أردت، ~~وأسأل الله لك الشفاء والعزاء.» ثم ms119 حاول أن يعرض علي شيئا من المعونة، فأبيت ذلك ~~إباء شديدا، وقلت له: «إنني لم أبع نفسي يا سيدى بيعا، بل وهبتها هبة.» فأخذ ~~رأسي بين يديه وقبلني في جبيني قبلة كانت خير جزاء لي على تضحيتي التي ضحيت بها، ~~وودعني ومضى. # فما ابتعد إلا قليلا حتى قمت إلى خزانتي، فجمعت ثيابي وما بقي لي من حلاي ~~ووضعتها في حقيبتي، وسافرت مع «برودنس» إلى باريس، وذهبت إلى منزلي هناك، فكتبت ~~إليك فيه ذلك الكتاب الذي تعلمه، والله يعلم كم سكبت من الدموع، وكم وقف قلبي بين ~~كل كلمة وما يليها أثناء كتابته حتى أتممته، فأعطيته حارس المنزل وأوصيته أن ~~يسلمه إليك عند مجيئك، ثم ذهبت للوفاء بعهد المركيز. # أما حياتي مع ذلك الرجل فلا أستطيع أن أقص عليك منها شيئا سوى أن أقول لك إنه لم ~~ير في المرأة التي كان يتخيلها، ويمني نفسه بها، ولم أر فيه الرجل الذي ~~يؤنسني ويخلط نفسه بنفسي، فافترقنا، فأصبحت لا أعرف لي في العالم صديقا صادقا ~~ولا كاذبا. # هذه قصتي يا «أرمان» كما هي، وهذا ذنبي الذي أذنبته إليك، فهل ترى بعد ذلك أني ~~خائنة أو خادعة؟ # قلبي يحدثني أنني سأموت قبل أن أراك، وأملي يخيل إلي أن ما في نفسك من ~~الموجدة علي لا يستمر إلى ما بعد الموت، وأنك ستعود إلى «باريس» في الساعة ~~التي ينعاني لك فيها الناعي لتزور قبر تلك المرأة المسكينة التي تولت سعادة قلبك ~~وهناءه حقبة من أيام حياتك، ثم خرجت من الدنيا فارغة اليد من كل شيء، حتى من حبك ~~وعطفك، وربما بلغ بك الاهتمام بشأنها أن تحاول معرفة ما تم لها من بعدك إلى أن ذهب ~~بها الموت إلى قبرها. # فهأنذا أكتب هذه المذكرات، وأتركها لك عند «برودنس» لعلك تقرءها في مستقبل ~~الأيام، فتنظر إليها كما تنظر إلى كتاب اعتراف مقدس قد ألبسه الموت ثوب الطهارة ~~والبراءة، فتصدق ما فيها وتعفو عني، فينير عفوك ظلمات قبري، ويؤنس وحشة ~~نفسي. # 3 يناير 1851 # أين أنت يا ms120 «أرمان»؟ أنت بعيد عني جدا، بعيد بجسمك وبقلبك؛ لأنك لم تهمل كتابي ~~الذي كتبته لك ودعوتك فيه لزيارتي وسماع اعترافي الأخير إلا لأن ما كان في نفسك من ~~العتب والموجدة علي قد استحال إلى نسيان وإغفال، فأصبحت لا تذكرني كما يذكر ~~المحب حبيبه، ولا تعطف علي كما يعطف الصديق على صديقه، فليكن ما أراد الله، ~~ولتدم تلك السعادة التي تنعم بها بين أهلك وقومك، فإني غير واجدة عليك، ولا ~~ناقمة منك شيئا، ولا حاملة لك في نفسي إلا الحب والإخلاص والرضا بكل ما تأتي وما ~~تدع. # لي عدة أيام لم أر فيها أحدا من الناس؛ لأن الطبيب منعني من الخروج، ولأن ~~أصدقائي الذين كانوا يعرفونني فيما مضى قد أصبحوا يقنعون من زيارتي بإرسال بطاقاتهم ~~إلي مع خادمتي، ثم ينصرفون مسرعين كأنما يفرون من أمر يخيفهم، ولقد كانوا قبل ~~اليوم إذا أرسلوها لبثوا ينتظرون الساعات الطوال حتى آذن لهم بالمقابلة، فإذا ظفروا ~~بها طاروا بها فرحا وسرورا، وإن حرموها عادوا آسفين محزونين! # ولا أدري لم لا يقطعون بطاقاتهم كما قطعوا زياراتهم؟ فإن كانوا يظنون أنهم ~~سيرونني بينهم في مستقبل الأيام صحيحة الجسم، طيبة النفس، أصلح للمعاشرة والمخادنة ~~كما كانوا يعهدونني من قبل، فهم في ظنهم مخطئون. # لقد أحسنوا فيما عملوا، فإنني أصبحت لا آنس بأحد في العالم سوى نفسي، ولا آنس ~~بنفسي إلا لأني أستطيع متى خلوت بها أن أسائلها عنك فتذكرني بك وبتلك الأيام ~~السعيدة التي قضيتها معك في «بوجيفال»، وذكرى تلك الأيام هي العزاء الباقي لي عن ~~جميع ما خسرت يدي. # ما كنت أظن يا «أرمان» أن جسم الإنسان يحتمل كل هذه الآلام التي أكابدها، فلقد ~~تمر بي ساعات أعتقد فيها أن الألم الذي أكابده إنما هو ألم النزع، وأنني في الساعة ~~الأخيرة من ساعات حياتي، فإذا استفقت قلت في نفسي: هذا ألم المرض، وقد عجزت عنه، ~~فمن لي باحتمال ألم الموت؟ # على أن نفسي تحدثني أحيانا أنه إن قدر لي أن أراك بجانبي في يوم من الأيام ~~برئت ms121 من مرضي، وتراجعت نفسي وعدت إلى راحتي وسكوني، فهل يقدر لي الله ~~ذلك؟ # لا أعلم، فالمستقبل بيد الله، فليقدر الله ما يشاء وليفعل ما يريد. # 24 يناير 1851 # لم أفارق سريري منذ أيام طوال إلا صباح هذا اليوم، فجلست قليلا بجانب نافذتي، ~~وأشرفت منها على الحياة العامة، فوقع نظري على كثير ممن كنت أعرفهم من قبل سائرين ~~في طريقهم لاهين مغتبطين، ولم أر بينهم من رفع نظره إلى نوافذ غرفتي مرة واحدة، ~~كأنما يمرون ببيت لا يعرفونه، ولا عهد لهم به من قبل. # ما أشد وحشتي! وما أضيق صدري! وما أثقل هذا الجدار الذي يدور حولي! # لا أطيق النظر إلى سريري؛ لأن نفسي تحدثني أنه سيكون عما قليل سلم قبري، ولا ~~الوقوف أمام مرآتي؛ لأنها تحدثني عن نفسي أسوأ الأحاديث وأشأمها، ولا الإشراف من ~~نافذتي؛ لأنها تذكرني بحياتي الماضية السعيدة التي حيل بيني وبينها، فأين أذهب وكيف ~~أعيش؟ # لا آكل إلا طعاما واحدا، ولا أرى إلا منظرا متكررا، ولا أسمع إلا صوت طبيبي ~~وخادمتي حينما يسألها عني صباح كل يوم ومساءه فتجيبه بجواب واحد، حتى مللت وسئمت، ~~وأصبحت أشعر أن نفسي سجينة في صدري سجن جسمي في غرفتي، وربما مرت بي ساعات يقف ~~فيها ذهني عن التفكير وخاطري عن الحركة، وينقطع ما بيني وبين يومي وأمسي وغدي وكل ~~شيء في الحياة حتى نفسي. # السعال يهدم أركان صدري هدما، والنوم لا يلم بعيني إلا قليلا، والطبيب يعذبني ~~بمشارطه وضماداته عذابا أليما، وكل يوم أشعر أن نفسي يزداد ضيقا، وبصري يزداد ~~ظلمة، وأن الحياة تبعد عن ناظري شيئا فشيئا، حتى أكاد أحسبها شبحا من الأشباح ~~النائية، فمتي ينقضي عذابي؟! # 30 يناير 1851 # سمعت صباح اليوم لجبا كثيرا في فناء المنزل، فسألت «برودنس»: «ما الخبر؟» فذهبت ~~وعادت إلي تبكي، وتقول: «إنهم يحجزون أثاث المنزل يا سيدتي.» فقلت: «دعيهم يفعلوا ~~ما يشاءون.» وما هي إلا لحظات قليلة حتى دخلوا غرفتي مندفعين متصايحين، ولم يمر ~~بخاطر واحد منهم أن يرفع قبعته عن رأسه احتراما لصاحبة ms122 المنزل، أو يخفض صوته ~~إشفاقا على المريضة المعذبة، فمشوا يسجلون كل ما وقع نظرهم عليه، وخفت أن ~~يسجلوا دفتر مذكراتي، فأشرت إلى «بردونس» أن تخفيه عنهم، ففعلت، فحمدت الله على ~~ذلك، ثم وصلوا إلى سريري، فطلب أحد الدائنين حجزه، وقال: «إنه ثمين، سيكون له يوم ~~البيع شأن عظيم.» فأفهمه الحاجز أن القانون يستثني الأسرة وفراشها، وألقى في أذنه ~~كلمة أحسب أني سمعته يقول فيها: «إنك تستطيع أن تفعل ذلك بعد موتها!» ثم انصرفوا ~~بعدما تركوا على باب بيتي حارسا لا يفارقه ليله ونهاره. # فكتبت إلى «الدوق موهان»، وهي أول مرة كتبت إليه فيها أستغفر ذنبي الذي أذنبته ~~إليه، وأشكو له ما نالته يد الأيام مني، وأستحلفه بذكرى ابنته الكريمة عليه أن يأتي ~~لزيارتي، ففعل، فبكى عندما رآني، ولا أدري هل بكاني أو ذكر عند رؤية مصرعي مصرع ~~ابنته الأخير فبكاها، ثم قضى بجانب فراشي ساعة مطرقا صامتا لا يحدثني إلا قليلا، ~~ولا يذكر الماضي بكلمة واحدة، ثم ترك في يد «برودنس» ضمة أوراق، استبقت بعضها ~~للنفقة واستعانت بباقيها على تأجيل بيع الأثاث بضعة أشهر. # لا أستطيع أن أكتب إليك اليوم أكثر مما كتبت، فإن الطبيب ما زال يلح على جسمي ~~بالفصد حتى أوهاه واستنزف دمه، فأصبحت لا أتحرك حركة إلا شعرت بألم عظيم. # 2 فبراير 1851 # إن هذا اليوم أسعد أيامي وأهنؤها، فقد وصل إلي من أبيك كتاب هذا نصه: # سيدتي: # إني أتوجع لك توجعا شديدا، فقد علمت بالأمس من بعض الوافدين إلى «نيس» ~~أنك مريضة مرضا شديدا منذ شهرين، وأنك لا تخرجين من منزلك إلا قليلا، ~~فأسأل الله لك الشفاء والعزاء، وأضرع إليه أن يجزيك خيرا بما قاسيت من ~~الآلام والأوجاع في سبيلي وسبيل ابنتي، وأبشرك أن الله قد تقبل قربانك ~~الذي قدمته إليه، فإن «سوزان» قد تزوجت من خطيبها منذ عشرين يوما، ~~وأصبحت هانئة بحبها وعيشها كما أردت لها، وإنها وإن لم تكن تعلم من أمر ~~تلك القصة التي نعلمها شيئا فقد قلت لها إن بعض الناس - ولم ms123 أسمه لها - ~~قد ضحى بنفسه وبسعادته في سبيل سعادتك وهنائك، فلا تتركي الدعاء له في ~~جميع صلواتك بجزيل الأجر وحسن المثوبة، فهي لا تزال تدعو لك صباحها ومساءها ~~أن يحسن الله إليك كما أحسنت إليها. # أما الكتاب الذي أرسلته إلى «أرمان» في أوائل الشهر الماضي فلم يصل ~~إليه إلا اليوم؛ لأنه منذ فارقك وسافر إلى «نيس» لم يستطع البقاء فيها إلا ~~بضعة أيام، ثم رحل عنها إلى الشرق حزينا مهموما من أجلك، وكنت لا أعرف ~~الجهة التي يقيم فيها، فلم أستطع أن أرسله إليه حتى عرفتها منذ أيام ~~قلائل، فأرسلته وأرسلت معه كتابا أطلعه فيه على قصتك، وأقول له إنني لا ~~أرى مانعا يمنعني بعد زواج أخته من أن آذن له بالسفر إلى «باريس» والبقاء ~~فيها ما شاء أن يبقى، وأحسب أن يصل إليك في عهد قريب. # أرسلت إليك مع كتابي هذا عشرة آلاف فرنك أرجو أن تقبليها مني، وأن تنظري ~~إليها بالعين التي تنظر بها الفتاة إلى هدية أبيها الذي يحبها ويجلها، فإن ~~فعلت أحسنت إلي بذلك إحسانا عظيما! # لي الأمل أن أسمع عما قليل خبر شفائك، وأرجو أن أراك في مستقبل الأيام ~~ناعمة بصحتك وسعادتك. # دوفال # فما قرأته حتى شعرت بهزة من السرور في قلبي، لم أشعر بمثلها مذ فارقتك حتى ~~اليوم، فقد علمت أن «سوزان» قد تزوجت، وذلك ما كنت أرجو لها، وأنك لا تزال تحبني، ~~وقد أخاف نسيانك أكثر مما أخاف عتبك، وأنني سأراك عما قليل، وتلك آمالي في ~~الحياة. # أما الهدية التي أرسلها إلي أبوك فقد نظرت إليها بالعين التي أرادها، فقبلتها ~~شاكرة له حامدة، أحسن الله إليه كما أحسن الله إلي. # 3 فبراير 1851 # استطعت أن أنام ليلة أمس أكثر من كل ليلة؛ لأن السرور الذي تركه كتاب أبيك في ~~نفسي شغلني عن كل شيء، حتى عن ألمي، وفي الصباح قال لي طبيبي: «إنك اليوم خير منك ~~في كل يوم، وإن الشمس مشرقة، والهواء فاتر عليل، فاخرجي في مركبتك إلى بعض ~~المتنزهات ساعة ثم ms124 عودي.» # فخرجت إلى غابات «الشانزلزيه»، فرأيتها زاهرة بالحياة والجمال، ورأيت الناس فيها ~~ضاحكين متهللين، مغتبطين بسعادة لا يعرفون قيمتها كما تعرفها امرأة محرومة منها ~~مثلي، فلم أحسدهم على نعمتهم التي آتاهم الله، بل دعوت لهم ببقائها ودوامها، إلا ~~أنني حزنت على نفسي حزنا شديدا حينما رأيت أن كثيرا من معارفي الماضين قد مروا ~~على مقربة مني ولم يعرفوني، ورأيت أحدهم ينظر إلي - وقد مر بجانب مركبتي - نظر ~~المتخيل المتوهم، ثم لم يلبث أن لوى وجهه عني ومضى لسبيله، وقد استقر في نفسه أنه ~~يرى امرأة غير المرأة التي يعرفها. # فعلمت أني قد تغيرت تغيرا عظيما، وأن مرآتي ما كانت تكذبني حينما تحدثني عن ~~نحولي واصفراري، واستحالة صورتي، بل صدقتني كما صدقني الناس. # ثم رأيت الشمس قد توارت وراء حجابها فعدت إلى منزلي، وقد زال من نفسي ذلك الخاطر ~~الذي أحزنني، وحل محله خاطر آخر خير منه، وهو أنني سأراك عما قليل. ~~«وسينقضي بلقائك عهد بؤسي وشقائي.» # 7 فبراير 1851 # ما أحسب أنك مدركي يا «أرمان»، فقد بلغت بي العلة منتهاها، وأصبحت لا أجد الراحة ~~في قيام ولا قعود، ولا نوم ولا يقظة، وانتشرت الآلام والأوجاع في جميع أعضائي ~~ومفاصلي، وكأن حجرا من الأحجار العاتية ممتد على صدري يمنعني التنفس والحركة، ~~وقد عجزت اليوم عن أن أنتقل من سريري إلى مكتبي، فأمرت «برودنس» أن تأتيني بمحبرتي ~~ودفتري حيث أنا، فجاءت بهما إلي، فأنا الآن أكتب إليك وأنا في فراشي؛ فمتي أراك ~~يا «أرمان» لأحيا برؤيتك أو أودعك قبل أن أموت؟ # 10 فبراير 1851 # أملي في الحياة ضعيف جدا، ها هو ذا الموت يدنو مني رويدا رويدا، لم تأت ~~إلي حتى الساعة يا «أرمان»، وأظن أني سأموت قبل أن أراك، إن الموت مخيف جدا، ~~يملأ قلبي رعبا وهولا، لا أعلم كيف أستطيع أن أسكن وحدي تلك الحفرة الموحشة ~~المظلمة التي لا أنيس لي فيها ولا سمير. لم أتمتع بالحياة طويلا، وكانت كل سعادتي ~~فيها آمالا وأحلاما، وهأنذا أموت قبل أن أرى شيئا ms125 من آمالي وأحلامي. # ما أحلى الحياة وأمر فراقها! لم أنل منها طائلا، ولكني لا أحب أن أتركها، ~~لقد سعد الذين يعمرون في الحياة طويلا، ثم يموتون فيتركون من بعدهم ذرية صالحة ~~أو عملا طيبا يعيشون به بعد موتهم زمنا أطول مما عاشوا، أما أنا فإني سأموت في ~~ربيع حياتي، وسيموت ذكري في الساعة التي أموت فيها، وكأني لم أعش في الحياة يوما ~~واحدا، وا أسفاه على ما فرطت في حياتي الماضية! إنني أدفع اليوم ثمن ذنوبي وآثامي ~~أضعافا مضاعفة! # لقد كنت أستطيع أن أقنع بالمضغة والجرعة، ولا أمد عيني إلى ما تقصر عنه يدي فلم ~~أفعل، فهأنذا لا أسيغ المضغة ولا الجرعة، ولا أجد السبيل إلى العيش على أية صورة ~~كانت. # أهكذا أخرج من الدنيا غريبة عنها كما دخلت فيها لا يحضر موتي قريب، ولا يبكي ~~علي صديق؟! أهكذا تنتهي حياتي في الساعة التي أحببتها فيها وأصبحت على مرحلة ~~واحدة من أحلامي وآمالي؟! # آه لو يمهلني الموت قليلا! فربما كنت على مقربة مني، فأنظر إليك نظرة واحدة ~~ثم أموت، لا أمل لي في ذلك، فقد رأيت طبيبي صباح اليوم يلقي في أذن خادمتي وهو خارج ~~من عندي كلمة، فسألتها عنها، فدارت حولها ولم تقلها، وما أحسبها إلا تلك الكلمة ~~الهائلة. لا أكاد أبصر شيئا مما حولي حتى بياض الصحيفة التي في يدي، كنت قبل ~~اليوم أنفث الدم وحده، والآن أنفث أفلاذ رئتي مصبوغة بالدم. # من لي بكأس من السم أشربها جرعة واحدة فأستريح من هذا العذاب الذي يساورني؟ ~~ولكن أي فائدة لي من ذلك؟ # ها هو ذا الموت يمشي إلي بأسرع مما أمشي إليه ... رحمتك اللهم وإحسانك، فأنت وحدك ~~العالم بمقدار ألمي وعذابي، فارحمني وهون علي أمري، وامنحني إحدى ~~الراحتين. # لا أرى شيئا، ولا أعرف ماذا أقول، وربما كانت هذه الكلمات آخر ما تخطه ~~يدي! # 14 فبراير 1851 # لا تحزن علي كثيرا بعد موتي يا «أرمان»، فحسبي منك أن تذكرني ولا تنساني، ~~وأبشرك أن الله قد استجاب لدعائي، فألقى في ms126 نفسي منذ الأمس برد الراحة واليقين، ~~ومحا من قلبي جميع مخاوفه ووساوسه، فعلمت أنه قد رضي عني ، وغفر لي ذنبي، وأصبحت لا ~~أخشى الموت ولا أخاف بعده، ولا أجزع من الألم، ولا أبكي أسفا على الحياة، فلا ~~يحزنك أمري حين تعلمه، وعش سعيدا بين قومك وأهلك، وأكرم أباك فهو خير الآباء، ~~وأحبب أختك فهي أطهر الفتيات، وأوصيك خيرا ببرودنس، فهي فتاة طيبة القلب، عظيمة ~~الإخلاص لي ولك، وأخاف أن يتنكر لها الدهر من بعدي. # إن الله قد خلق لكل روح من الأرواح روحا أخرى تماثلها وتقابلها، وتسعد بلقائها ~~وتشقى بفراقها، ولكنه قدر أن تضل كل روح عن أختها في الحياة الأولى، فذلك شقاء ~~الدنيا، وأن تهتدي إليها في الحياة الثانية، وتلك سعادة الآخرة. # فإن فاتتني سعادتي بك في الأرض، فسأنتظرها في علياء السماء! # وهنا كتبت بعض كلمات مضطربة، قد محا الدمع أكثرها فلم يبق منها واضحا بعض ~~الوضوح إلا كلمة «الوداع»! ~~(2) بقية المذكرات (بقلم الخادمة برودنس) # 14 فبراير 1851 # لم تستطع «مرغريت» يا سيدي أن تكتب لك أكثر مما كتبت؛ لأن الطبيب منعها الحركة، ~~ولو أرادتها لعجزت عنها. # أتذكر يا سيدي ذلك الجسم الغض الناعم، الذي كان يموج بالنور موجا ويشرق وراء ~~بشرته إشراق الخمر في كأسها؟ لقد أصبح اليوم عظما مجلدا وهيكلا قائما لا يساوي ~~ثمن النظر إليه! # وا رحمتاه لك! لقد مات كل شيء فيها إلا قلبها وشعورها، وليتهما ماتا معها، فإنه ~~لا يعذبها شيء مثل خواطرها وأفكارها! # لا يدخل من باب غرفتها داخل حتى ترفع نظرها إليه تظن أنك قد جئتها، فإذا دنا ~~منها ورأته أطبقت جفنيها على دمعة تنحدر من بينهما بالرغم منها. # إنها لا تتكلم كثيرا، فإذا تكلمت كان أول حديثها: «ألم يأت «أرمان»؟» فإذا ~~أجبتها أن لا، سألت عن أمر آخر تتلهى به، أو عادت إلى صمتها مرة أخرى. # لقد رابها اليوم أن طبيبها لم يأتها، فلما أردت أن أعتذر لها عنه لم تصدقني، ~~وقالت: «الآن عرفت كلمته التي ألقاها إليك بالأمس.» فسكت، ولم ms127 أعرف ماذا ~~أقول. # 14 فبراير 1851 # أصبح اليوم صوتها ضعيفا جدا لا أكاد أسمعه، وأظلم بصرها، فهي تنظر إلي ولا ~~تراني ، وقد أشارت إلي في الصباح مرارا أن أفتح لها نوافذ الغرفة لتستنشق الهواء ~~وتروح عن نفسها، ونوافذ الغرفة مفتوحة يجري منها الهواء متدفقا، ولكنه لا يصل إلى ~~صدرها. # آه لو أستطيع يا سيدي أن أبيع حياتي لأشتري لها بضعة أنفاس تتردد في صدرها، أو ~~بعض سنات من النوم تأوي إلى جفنها، فإن تنفسها يؤلمني ويعذبني عذابا شديدا، ~~وقد مرت بها ثلاث ليال لم تنم فيها لحظة واحدة! # 15 فبراير 1851 # بعد صمت طويل لم تنطق فيه بحرف واحد فتحت عينيها، ونادتني بصوتها الخافت ~~الضعيف، فدنوت منها، فقالت لي: «أريد الكاهن، فأتيني به.» فعلمت أنها قد أصبحت على ~~يقين من أمرها، فغالبت عبراتي حتى خرجت من الغرفة، فبكيت ما شاء الله أن أفعل، ثم ~~ذهبت إلى الكاهن فتردد عندما ذكرت له اسم المرأة التي يريد الذهاب إليها، فضرعت ~~إليه وقلت له: «إن رحمة الله يا سيدي لا يستحقها أحد مثل الآثمين المسرفين.» فأذعن ~~بعد لأي وجاء معي، فخلا بها ساعة ثم خرج، فسألته: «أيرحمها الله يا سيدي؟» قال: ~~«إنها عاشت عيش الآثمين، ولكنها ستموت موت المؤمنين.» فحمدت الله على ذلك. # ومنذ تلك الساعة لم أعد أسمع منها كلمة واحدة، ولا أرى عضوا من أعضائها يتحرك، ~~إلا ما كان في صدرها يترجح بين الصعود والهبوط. # 15 فبراير - ساعة الغروب # إن مرغريت تتعذب كثيرا يا سيدي، وأحسب أنها تعالج سكرات الموت. # لم يقاس إنسان في حياته مثل ما تقاسيه الآن من آلامها وأوجاعها، إنها تصرخ من ~~حين إلى حين صرخات تذوب لها حبات القلوب. # ولقد اشتد بها الألم الساعة فهبت من مكانها صارخة، وانتصبت على قدميها في ~~سريرها حتى كادت تسقط عنه، فأدركتها وأضجعتها في مكانها، ففتحت عينيها فسقطت ~~منهما دمعتان كبيرتان، وكأنما أحست بي فاعتنقتني وضمتني إليها ضما شديدا، ثم ~~ما لبثت أن تراخت يداها وعادت إلى نزاعها وجهادها. # 15 فبراير ms128 - نصف الليل # قضي الأمر وماتت «مرغريت»، ولم يبق منها على سريرها إلا جثتها التي ستذهب غدا ~~إلى قبرها، تلك غايتها وغاية كل حي، فصبرا على قضاء الله وبلائه! # لقد هتفت باسمك كثيرا يا سيدي في ساعتها الأخيرة، وكان آخر عهدها بالحياة أن ~~نظرت إلي نظرة طويلة مملوءة حزنا ودموعا! ثم حركت أصبعها حركة خفيفة، وأشارت ~~إلى دفتر مذكراتها الذي كان ملقى بجانبها وقالت: «أرمان.» ففهمت أنها توصيني أن ~~أبلغه إليك، ثم أسلمت روحها. # عزيز علي يا سيدتي ما لقيت من العذاب قبل موتك، وعزيز علي أن تموتي، ولا ~~تجدي بجانبك من يغمض عينيك ويلقي رداءك عليك سواي! وفي سبيل الله تلك النفس الطاهرة ~~الكريمة التي ما حملت في حياتها شرا لمحسن، ولا لمسيء، وذلك الصدر الرحب الذي كان ~~يسع الدنيا بأرضها وسمائها فلا يضيق عنها، وذلك القلب النقي الأبيض الذي ما أضمر في ~~حياته غير الخير أو الإحسان، ولا فاض إلا بالرحمة والحنان! # بكت «برودنس» بجانب جثة سيدتها ما بكت، ثم أنارت حولها الشموع، وبعثت إلى الكاهن ~~فجاء وجثا عند رأسها يقرأ في كتابه، ومشت هي إلى المكتب فجلست إليه تكتب آخر ~~مذكراتها حتى فرغت منها. # ثم قامت من مكانها، فراعها أن رأت شبحا ماثلا على باب الغرفة، فمشت إليه فإذا ~~هو «أرمان» في لباس السفر، وقد ألقى من مكانه على سرير الميتة نظرة غريبة هائلة ~~كتلك النظرة التي تسبق صرعات الجنون، ثم استردها وألقاها عليها، وسألها: «من هذا ~~المسجى على هذا السرير؟» فبكت «برودنس» ولم تقل شيئا، فسقطت حقيبته من يده، وجمد ~~في مكانه لحظة لا ينطق ولا يتحرك. # ثم اندفع إلى سرير الميتة صارخا يريد أن يلقي بنفسه عليه، فأدركته «برودنس»، ~~ووقف الكاهن في وجهه، وقال له: «احترم الموت أيها الفتى.» فاختنقت عبراته في صدره ~~وارتعد ارتعادا شديدا وسقط مغشيا عليه. # فلم يستفق إلا مطلع الفجر حينما شعر أنهم قد أقبلوا يحملون الجثة، فقام يتحامل ~~على نفسه حتى دنا من السرير، وقال: «رحمة بي أيها الناس، فقد فاتني ms129 أن أودعها وهي ~~حية، فأذنوا لي أن أودعها ميتة!» # فرحموه وأفرجوا له عنها حتى داناها، ورفع الغطاء عن وجهها وقبلها في جبينها، ~~وقال: «الوداع يا أعز الناس عندي! الوداع يا خير فتاة في الأرض، وأشرف روح في ~~السماء!» ثم أعاد الغطاء على وجهها، وتراجع عنها وأذنهم بحملها. # ثم مشى وراء نعشها يبكي وينتحب، ولم يمش وراء النعش غيره وغير الخادمة «برودنس»، ~~والدوق «موهان»، وهو يتوكأ على عصاه، ويقول في ندبه وبكائه: «هأنذا أرى ابنتي تموت ~~أمامي مرة أخرى، ولا أزال حتى الساعة على قيد الحياة، وبعض نسوة بائسات من ضحايا ~~تلك المقادير.» # وما انقضى النهار حتى انقضى كل شيء، وأصبحت «مرغريت» رهينة قبرها، و«أرمان» طريح ~~فراشه يقرأ في مذكراتها ويبكي بكاء الثاكل المفجوع. # ثم اشتد به المرض بعد ذلك، فلم تر «برودنس» بدا من أن تكتب إلى أبيه تشرح له ~~سوء حاله، فحضر وحضرت معه ابنته وزوجها، ولبثوا بجانبه شهرا يعللونه ويشتفون ~~له حتى أبل ونجا من خطره. # ثم ذهبوا جميعا إلى قبر مرغريت ليودعونها قبل سفرهم، فبكوا حوله بكاء شديدا، ~~وكانت «سوزان» أشدهم بكاء عليها، وإن كانت لا تعلم أنها تبكي المرأة التي ضحت ~~بنفسها في سبيلها. # ثم تقدم المسيو «دوفال» إلى ولده وقال له: «أتغفر لي ذنبي يا بني؟» # قال: «نعم يا أبتاه؛ لأنها غفرت لك ذنبك إليها.» ثم انصرفوا. # مرت الأيام وانقضت الأعوام، ومات المسيو «دوفال»، وسعد ولده كما أراد له أبوه، ~~ولكن بقيت بين جنبيه لوعة معتلجة، لا يروحها عنه كلما ساورته إلا قراءة ~~مذكرات «مرغريت»، ومحادثة «برودنس» عنها وزيارة قبرها من حين إلى حين. ms130