######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026382 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي (المتوفى: 1343هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1343 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العبرات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026382 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26382 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26382 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الهدى الوطنية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # العبرات # مصطفى لطفي المنفلوطي # وهي مجموعة روايات قصيرة بعضا موضوع وبعضا مترجم # PageV01P001 # إهداء # الأشقياء في الدنيا كثير وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحو شيئا من ~~بؤسهم وشقائهم فلا أقل من أن أسكب بين أيديهم هذه العبرات , علهم يجدون في ~~بكائي عليهم تعزية وسلوى , # مصطفى لطفي المنفلوطي # PageV01P005 ### | اليتيم # " موضوعة " # سكن الغرفة العليا من المنزل المجاور لمنزلي من عهد قريب فتى في التاسعة ~~عشر أو العشرين من عمره، وأحسب أنه طالب من طبقة المدارس العليا أو الوسطى ~~في مصر فقد كنت أراه من نافذة غرفة مكتبي وكانت على كثب من بعض نوافذ غرفته ~~فأرى أمامي فتى شاحبا نحيلا منقبضا جالسا إلى مصباح منبر في إحدى زوايا ~~الغرفة ينظر في كتاب أو يكتب في دفتر أو يستظهر قطعة أو يعيد درسا فلم أكن ~~أحفل بشيء من أمره حتى عدت إلى منزلي منذ أيام بعد منتصف ليلة قرة من ليالي ~~الشتاء فدخلت غرفة مكتبي لبعض الشؤون فأشرقت عليه فإذا هو جالس جلسته تلك ~~أمام مصاحبه وقد أكب بوجهه على دفتر منشور بين يديه على مكتبه فظننت أنه ~~لما ألم به من تعب الدرس وآلام السهر قد عبئت بجفنيه سنة من النوم فأعجلته ~~من الذهاب إلى فراشه وسقطت به مكانه فما رمت مكاني حتى رفع رأسه فإذا عيناه ~~مخصلتان من البكاء وإذا صفحة دفتره التي كان مكبا عليها قد جرى دمعه فوقها ~~فمحا من كلماتها ما محا ومشى ببعض مدادها إلى بعض ثم لم يلبث أن عاد إلى ~~نفسه فتناول قلمه ورجع إلى شأنه الذي كان فيه. # PageV01P007 # فأحزنني أن أرى في ظلمة ذلك الليل وسكونه هذا الفتى البائس المسكين ~~منفردا بنفسه في غرفة عارية باردة لا يتقي فيها عادية البرد بدثار ولا نار ~~يشكو هما من هموم الحياة أو رزء من أرزائها قبل أن يبلغ سن الهموم والأحزان ~~من حيث لا يجد بجانبه مواسيا ولا معينا وقلت لابد أن يكون وراء هذا المنظر ~~الضارع الشاحب نفس قريحة معذبة تذوب بين أضلاعه ذوبا فيتهافت لها ms001 جسمه ~~تهافت الخباء المقوض فلم أزل واقفا مكاني لا أربحه حتى رأيته قد طوى كتابه ~~وفارق مجلسه وأوى إلى فراشه فانصرفت إلى مخدعي وقد مضى الليل إلا أقله ولم ~~يبق من سواده في صفحة هذا الوجود إلا بقايا أسطر يوشك أن يمتد إليها لسان ~~الصباح فيأتي عليها: # ثم لم أزل أراه بعد ذلك في كثير من الليالي إما باكيا أو مطرقا أو ضاربا ~~برأس على صدره أو منطويا على نفسه في فراشه يئن أنين الوالهة الثكلى أو ~~هائما في غرفته يذرع أرضها ويمسح جدرانها حتى إذا نال منه الجهد سقط على ~~كرسية باكيا منتحبا فأتوجع له وأبكى لبكائه وأتمنى لو استطعت أن أدخله ~~مداخلة الصديق لصديقه وأستبثه ذات نفسه واشركه في همه لولا أنني كرهت أن ~~بالإغواء بما لا يحب وأن أهجم منه على سر ربما كان يؤثر الإبقاء عليه في ~~صدره وأن يكاتمه الناس جميعا حتى أشرقت عليه ليلة أمس بعد هدأة من الليل ~~فرأيت غرفته مظلمة ساكنة فظننت أنه خرج لبعض شأنه ثم لم ألبث أن سمعت في ~~جوف الغرفة أنه ضعيفة مستطيلة فأزعجني مسمعها وخيل إلي # PageV01P008 # وهي صادرة من أعماق نفسه كأنني أسمع رنينها في أعماق قلبي وقلت إن الفتى ~~مريض ولا يوجد بجانبه من يقوم بشأنه وقد بلغ الأمر مبلغ الجد بد لي من ~~المصير إليه فتقدمت إلى خادمي أن يتقدمني بمصباح حتى بلغت منزله وصعدت إلى ~~باب غرفته فأدركني من الوحضة عند دخولها ما يدرك الواقف على باب قبر يحاول ~~أن يهبطه ليودع ساكنه الوداع الأخير ثم دخلت ففتح عينيه عندما أحس بي ~~وكأنما كان ذاهلا أو مستغرقا فأدهشه أن يرى بين يديه مصباحا ضئيلا ورجلا لا ~~يعرفه فلبث شاخصا إلى هنيهة لا ينطق ولا يطرف فاقتربت من فراشه وجلست ~~بجانبه وقلت أنا جارك القاطن هذا المنزل وقد سمعتك الساعة تعالج أمرك فجئتك ~~علني أستطيع أن أكون لك عونا على شأنك فهل أنت مريض ? فرفع يده ببطء ووضعها ~~على جبهته فوضعت يدي حيث وضعها فشعرت ms002 برأسه يلتهب التهابا فعلمت أنه محموم ~~ثم أمررت نظري على جسمه فإذا خيال سار لا يكاد يتبينه رائيه وإذا قميص ~~فضفاض من الجلد يموج فيه بدنه موجا فأمرت الخادم أن يأتيني بشراب كان عندي ~~من أشربة الحمى فجرعته منه بضع قطرات فاستفاق قليلا ونظر إلى نظرة عذبة ~~صافية وقال شكرا لك فقلت ما شكاتك أيها الأخ قال لا أشكو شيئا فقلت فهل مر ~~بك زمن طويل على حالك هذه قال لا أعلم قلت أنت في حاجة إلى الطبيب فهل تأذن ~~لي أن أدعوه إليك لينظر في أمرك فتنهد طويلا ونظر إلى نظرة دامعة وقال إنما # PageV01P009 # يبغي الطبيب من يؤثر الحياة على الموت ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله ~~واستغراقه فلم أجد بدا من دعاء الطبيب رضي أم أبي فدعوته فجاء متأففا ~~متذمرا يشكو من حيث يعلم أني أسمع شكواه إزعاجه من مرقده وتجشيمه خوض ~~الأزقة المظلمة في الليالي الباردة فلم أحفل بتعريضه لأنني أعلم طريق ~~الاعتذار إليه فجس نبض المريض وهمس في أذني قائلا إن عليلك يا سيدي مشرف ~~على الخطر ولا أحسب أن حياته تطول كثيرا إلا إذا كان في علم الله ما لا ~~نعلم وجلس ناحية يكتب ذلك الأمر الذي يصدره الأطباء إلى عمالهم الصيادلة أن ~~يتقاضوا من عبيدهم المرضى ضريبة الحياة ثم أنصرف لشأنه بعد ما اعتذرت إليه ~~ذلك الاعتذار الذي يؤثره ويرضاه فأحضرت الدواء وقضيت بجانب المريض ليلة ~~ليلاء ذاهلة النجم بعيدة ما بين الطرفين أسقيه الدواء مرة وأبكى عليه أخرى ~~حتى انبثق نور الفجر فاستفاق ودار بعينه حول فراشه حتى رآني فقال: # أنت هنا ? قلت نعم وأرجو أن تكون أحسن حالا من ذي قبل قال أرجو أن أكون ~~كذلك قلت هل تأذن لي يا سيدي أن أسألك من أنت وما مقامك وحدك في ها المكان ~~وهل أنت غريب في هذا البلد أو أنت من أهليه وهل تشكو داء ظاهرا أو هما ~~باطنا قال أشكوهما معا قلت فهل لك أن تحدثني بشأنك وتفضى إلى بهمك كما ms003 يفضي ~~الصديق إلى صديقه فقد أصبحت معنيا بأمرك عنايتك بنفسك ? قال هل تعذني ~~بكتمان أمري إن قسم الله لي الحياة وبإمضاء وصيتي إن كانت الأخرى ? قلت نعم ~~قال قد وثقت بوعدك فان من يحمل في صدره قلبا شريفا مثل قلبك لا يكون كاذبا ~~ولا غادرا. # أنا فلان بن فلان مات أبي منذ عهد بعيد وتركني في السادسة # PageV01P010 # من عمري معدما لا أملك من متاع الدنيا شيئا فكلفني عمي فلان فكان خير ~~الأعمام وأكرمهم وأوسعهم برا وإحسانا وأكثرهم عطفا وحنانا فقد أنزلني من ~~نفسه منزلة لم ينزلها أحدا من قبلي غير ابنته الصغيرة وكانت في عمري أو ~~أصغر مني قليلا وكأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا بعد ما تمنى على الله ~~ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته فعني بي عنايته بها وأدخلنا المدرسة في يوم ~~واحد فأنست بها أنس الأخ بأخته وأحببتها حبا شديدا ووجدت في عشرتها من ~~السعادة والغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقد ~~أبوي من حين إلى حين فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو ~~عائدين منها أو لاعبين في فناء المنزل أو مرتاضين في حديقته أو مجتمعين في ~~غرفة المذاكرة أو متحدثين في غرفة النوم حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها ~~واستمرت في دراستي. # ولقد عقد الود قلبي وقلبها عقدا لا يحله إلا ريب المنون فكنت لا أرى لذة ~~العيش إلا بجوارها ولا أرى نور السعادة إلا في فجر ابتسامتها ولا أؤثر على ~~ساعة أقضيتها بجانبها جميع لذات العيش ومسرات الحياة وما كنت أشاء أن أرى ~~خصلة من خصال الخير في فتاة من أدب أو ذكاء أو حلم أو رحمة أو عفة أو شرف ~~أو وفاء إلا وجدتها فيها. # وأني أستطيع وأنا في الظلمة الحالكة من الهموم والأحزان أن أرى على البعد ~~تلك الأجنحة النورانية البيضاء من السعادة التي كانت تظللنا معا أيام ~~طفولتنا فتشرق لها نفسانا إشراق الراح في كأسها وأن أرى تلك الحديقة الغناء ~~التي كانت ms004 مراح لذاتنا ومسرح آمالنا وأحلامنا كأنها حاضرة بين يدي أرى ~~لألاء # PageV01P011 # مائها ولمعان حصبائها وأقانين أشجارها وألوان أزهارها تلك القاعدة ~~الحجرية التي كنا نقتعدها منها طرفي النهار فنجتمع على حديث نتجاذبه أوط ~~اقة تؤلف بين أزهارها أو كتاب نقلب صفحاته أو رسم نتبارى في إتقانه وتلك ~~الخمائل الخضراء التي كنا نلجأ إلى ظلالها كلما فرغنا من شوط من أشواط ~~المسابقة فتشعر بما تشعر به أفراح الطيور اللاجئة إلى أحضان أمهاتها وتلك ~~الحفائر الصغيرة التي نحتفرها ببعض الأعواد على شاطئ الجداول والغدران ~~فنملؤها ماء ثم نجلس حولها لنصطاد أسماكها التي ألقيناها فيها بأيدينا ~~فنطرب إن ظفرنا بشيء منها كأنا قد ظفرنا بغنم عظيم وتلك الأقفاص الذهبية ~~البديعة التي كنا نربي فيها عصافيرنا وطيورنا ثم نقضي الساعات الطوال ~~بجانبها نعجب بمنظرها ومنظر مناقيرها الخضراء وهي تحسو الماء مرة وتلتقط ~~الح 00 ب أخرى ونناديها بأسمائها التي سميناها بها فإذا سمعنا صفيرها ~~وتغريدها ظنا أنها تلبي نداءها ولا أعلم هل كان ما كنت أضمره في نفسي لابنة ~~عمي ودا وإخاء أو حبا وغراما ولكنني أعلم أنه كان بلا أمل ولا رجاء فما قلت ~~لها يوم إني أحبها لأني كنت أضن بها وهي ابنة عمي ورفيقة صباي أن أكون أول ~~فاتح لهذا الجرح الأليم في قلبها ولا قدرت في نفسي يوما من الأيام أن أصل ~~أسباب حياتي بأسباب حياتها لأني كنت أعلم أن أبويها لا يسخوان بمثلها على ~~فتى بائس فقير مثلي ولا حاولت في ساعة من الساعات أن أتسقط منها ما يطمع في ~~مثله المحبون المتسقطون لأني كنت أجلها عن أن أنزل بها إلى مثل ذلك ولا ~~فكرت يوما أن أستشف من رواء نظراتها خبيئة نفسها لأعلم أي المنزلتين أنزلها ~~من قلبها أمنزلة # PageV01P012 # الأخ فأقنع منها بذلك أم منزلة الحبيب فاستعين بإرادتها على إرادة أبويها ~~? بل كان حبى الراهب المتبتل صورة العذراء المائلة بين يديه في صومعته ~~يعبدها ولا يتطلع إليها. # ولم يزل هذا شأني وشأنها حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم ms005 تنشب أن ذهبت ~~به إلى جوار ربه وكان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته وكان ~~يحسن بها ظنا لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام فكوني له أما ~~كما كنت له أبا وأوصيك أن لا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي فما مرت أيام ~~الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه ونظرات غير النظرات وحالا غريبة لا عهد ~~لي بمثلها من قبل فتداخلني الهم واليأس ووقع نفسي للمرة الأولى في حياتي ~~أنني قد أصبحت في هذا المنزل غريبا وفي هذا العالم طريدا. # فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم إذ دخلت علي الخادم وكانت امرأة من النساء ~~الصالحات المخلصات فتقدمت نحوي خجلة متعثرة وقالت قد أمرتني سيدتي أن أقول ~~لك يا سيدي إنها قد عزمت على تزويج أبنتها في عهد قريب وإنها ترى أن بقاءك ~~بجانبها بعد موت أبيها وبلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يربيها عند ~~خطيبها وإنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر ~~فهي تريد أن تتحول إلى منزل آخر تختاره لنفسك من بين منازلها على أن تقوم ~~لك فيه بجميع شأنك وكأنك لم تفارقها. # فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصمت به كبدي إلا أنني # PageV01P013 # تماسكت قليلا ريثما قلت لها سأفعل إن شاء الله ولا أحب إلي من ذلك ~~فانصرفت لشأنها فخلوت بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعبراتي ما شاء الله أن ~~أطلقها حتى جاء الليل فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ثيابي وكتبي وقلت في نفسي: # قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي ~~أحببته وأحببت نفسي من أجله وقد حيل بيني وبينه فلا آسف على شيء بعده. # ثم انسللت من المنزل انسلالا من حيث لا يشعر أحد بما كان ولم أتزود من ~~ابنة عمي قبل الرحيل غير نظرة واحدة ألقيتها عليها من خلال كلتها وهي نائمة ~~في سريرها فكانت آخر عهدي بها. # لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى # لو أنا وجدنا ms006 من فراق لها بدا # كفي حزنا أن رحت لم استطع لها # وداعا ولم أحدث بساكنها عهدا # وهكذا فارقت المنزل الذي سعدت فيه حقبة من الزمان فراق آدم جنته وخرجت ~~منه شريدا طريدا حائرا ملتاعا قد اصطلحت على الهموم والأحزان فراق لالقاء ~~بعده وفقر لا ساد لخلته وغربة لا أجد عليها من أحد من الناس مواسيا ولا ~~معينا. # وكانت معي صبابة من مال قد بقيت في يدي من آثار # PageV01P014 # تلك النعمة الذاهبة فاتخذت هذه الحجرة العارية في هذه الطبقة العليا ~~مسكنا فلم أستطيع البقاء فيها ساعة واحدة فأزمعت الرحيل إلى حيث أجد في ~~فضاء الله ومنفسح آفاقه علاج نفسي من همومها وأحزانها فرحلت رحلة طويلة ~~قضيت فيها بضعة أشهر لا أهبط بلدة حتى تنازعني نفسي إلى أخرى ولا تطلع علي ~~الشمس في مكان حتى تغرب عني في غيره حتى شعرت في آخر الأمر بسكون في نفسي ~~يشبه سكون الدمع المعلق في محجر العين لا يفيض ولا يغيض. # فقنعت بذلك وكان ميعاد الدراسة السنوية قد حان فعدت وقد استقر في نفسي أن ~~أعيش في هذا العالم منفردا كمجتمع وغائبا كحاضر وبعيدا كقريب وأن ألهو بشأن ~~نفسي عن كل شأن غرفتي ومدرستي أداول بينهما لا أفارقهما ولمي بق أثر بذلك ~~العهد القديم في نفسي إلا نزوات تعاود قلبي من حين إلى حين فأستعين عليها ~~بقطرات من الدمع أسكبها من جفني في خلوتي من حيث لا يعلم إلا الله ما بي ~~فأجد برد الراحة في صدري. # لبثت على ذلك برهة من الزمان حتى عدت بالأمس إلى تلك الفضلة التي كانت في ~~يدي من المال فإذا هي ناضبة أو موشكة وكنت مأخوذا بأن أهيء لنفسي عيشا ~~مستقلا وأن أودي للمدرسة قسطا من أقساطها والمدرسة في هذا البلد حانوت قاس ~~لا تباع فيه السلعة نسيئة والعلم في هذه الأمة مرتزق يرتزق منه بالإغواء لا ~~منحة يمنحها المحسنون فأهتمني نفسي وعلمت أني مشرف على الخطر ولا أعرف ~~سبيلا إلى القوت بوجه ولا حيلة فعمدت إلى كتبي فاستبقيت ms007 منها ما لا غني لي ~~عنه وحملت # PageV01P015 # سائرها إلى سوق الوراقين فعرضته هناك يوما كاملا فلم أجد من يبلغ به في ~~المساومة ربع ثمنه فعدت به حزينا منكسرا وما على وجه الأرض أحد أذل مني ولا ~~أشقى. # فلما بلغت باب المنزل رأيت في فنائه امرأة تسائل أهل البيت عني فتبينتها ~~فإذا هي الخادم التي كانت تخدمني في منزل عمي فقلت: فلانة قالت نعم قلت ~~ماذا تريدين قالت لي إليك كلمة فائذن لي فصعدت معها إلى غرفتي فلما خلونا ~~قلت هات قالت مرت بي ثلاثة أيام وأنا أفتش عنك في كل مكان فلم أجد من يدلني ~~عليك حتى وجدتك اليوم بعد اليأس منك ثم أنفجرت باكية بصوت عال فراعني ~~بمائها وخفت أن يكون قد حل بالبيت الذي أحبه بأس فقلت: # ما بكاؤك قالت أما تعلم شيئا من أخبار بيت عمك قلت لا فما أخباره فمدت ~~يدها إلى ردائها وأخرجت من أضعافه كتابا مغلقا فتناولته منها ففضضت غلافه ~~فإذا هو بخط ابنة عمي فقرأت فيه هذه الكلمة التي لا أزال أحفظها حتى الساعة ~~إنك فارقتني ولم تودعني فاغتفرت لك ذلك فأما اليوم وقد أصبحت على باب القبر ~~فلا أغتفر لك ألا تأتي إلي لتودعني الوداع الأخير. # فألقيت الكتاب من يدي وابتدرت الباب مسرعا فتعلقت الخادم بثوبي وقالت أين ~~تريد يا سيدي قلت إنها مريضة ولا بد لي من المصير إليها فصممت لحظة ثم قالت ~~بصوت خافت مرتعش لا تفعل يا سيدي فقد سبقك القضاء إليها. # هنالك شعرت أن قلبي قد فارق موضعه إلى حيث لا أعلم # PageV01P016 # له مكانا ثم دارت بي الأرض الفضاء دورة سقطت على أثرها في مكاني لا أشعر ~~بشيء مما حولي فلم أفق إلا بعد حين ففتحت عيني فإذا الليل قد أظللني وإذا ~~الخادم لا تزال بجانبي تبكي وتنتحب فدنوت منها وقلت أيتها المرأة أحق ما ~~تقولين قالت نعم قلت قصي علي كل شيء فأنشأت تقول: # إن ابنة عمك يا سيدي لم تنتفع بعد رحيلك فقد سألتني في اليوم ms008 الذي رحلت ~~فيه عن سبب رحيلك فحدثتها حديث الرسالة التي حملتها إليك من زوجة عمك فلم ~~تزد على أن قالت وماذا يكون مصير هذا البائس المسكين إنهم لا يعلمون من ~~أمره ولا من أمري شيئا ثم لم يجر ذكرك بعد ذلك على لسانها بخير ولا بشر ~~كأنما كانت تعالج في نفسها ألما ممضا وما هي إلا أيام قلائل حتى سرى داء ~~نفسها إلى جسمها فاستحالت حالها وغاض ماء جمالها وانطفأت تلك الابتسامات ~~العذبة التي كانت لا تفارق ثغرها ثم سقطت على فراشها مريضة لا تبل يوما حتى ~~تنتكس أياما فراع أمها أمرها وورد عليها ما قطعها عن ذكر العرس والعروس ~~والخطبة والخطيب وكانت لا تزال تهتف بذلك نهارها وليلها فلم تدع طبيبا ولا ~~عائدا إلا فزعت إليه أمرها فما أغني العائد ولا الطبيب وأصبحت الفتاة تدنو ~~من القبر رويدا رويدا فبينا أنا ساهرة بجانب فراشها منذ ليال إذ شعرت بها ~~تتحرك في مضجعها فدنوت منها فأشارت إلى أن آخذ بيدها ففعلت فاستوت جالسة ~~وقالت في أي ساعة نحن من الليل قلت في الهزيع الأخير منه قالت أأنت وحدك ~~هنا قلت نعم فقد هجع أهل البيت جميعا قالت ألا تعلمين أين مكان ابن عمي ~~الآن فعجبت # PageV01P017 # لكلمة لم أسمعها منها قبل اليوم وقلت بلى يا سيدي أعلم مكانه وما كنت ~~أعلم شيئا ولكني أشفقت على هذا الخيط الرقيق الباقي في يدها من الأمل أن ~~ينقطع بانقطاعه آخر خيط من خيوط أجلها فقالت ألا تستطيعين أن تحملي إليه ~~رسالة مني من حيث لا يعلم أحد بشأني قلت لا أحب إلي من ذلك يا سيدتي. . # فأشارت أن آيتها بمحبرتها فجئتها بها فكتبت إليك هذا الكتاب الذي تراه ~~فلما أصبح الصباح خرجت أسائل الناس عنك في كل مكان وأتصفح وجوه الغادين ~~والرائحين علني أراك وأرى من يهديني إليك فلم أظفر بطائل حتى انحدرت الشمس ~~إلى مغربها فعدت إلى المنزل وقد مضى شطر من الليل فما بلغته حتى سمعت ~~الناعية فعلمت أن السهم قد بلغ ms009 المقتل وأن تلك الوردة الناضرة التي كانت ~~تملأ الدنيا جمالا وبهاء قد سقطت آخر ورقة من ورقاتها فحزنت عليها حزن ~~الثاكل على وحيدها وما رئي مثل يومها يوم كان أكثر باكية وباكيا. # وكان أكبر ما أهمني ما أمرها أن كل ما كانت ترجوه في الساعة الأخيرة من ~~ساعات حياتها أن تراك ففاتها ذلك وسقطت دون أمنيتها فلم أزل كاتمة أمر ~~الرسالة في نفسي ولم أزل أتطلب السبيل إليك حتى وجدتك فشكرت لها صنيعها ~~وأذنتها بالانصراف فانصرفت فما انفردت بنفسي حتى شعرت أن سحابة سوداء تهبط ~~فوق عيني شيئا فشيئا حتى أحتجب عن ناظري كل شيء ثم لا أعلم ماذا تم بعد ذلك ~~حتى رأيتك. # PageV01P018 # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى زفر زفرة خلت أن كبده قد وأن هذه ~~أفلاذها فدنوت منه وقلت ما بك يا سيدي قال بي أني أطلب دمعة واحدة أتفرج ~~بها مما أنا فيه فلا أجدها. # ثم صمت ساعة طويلة فشعرت أنه يهمهم ببعض كلمات فأصغيت إليه فإذا هو يقول: # اللهم إنك تعلم أني غريب في هذه الدنيا لا سند لي فيها ولا عضد وأني فقير ~~لا أملك من متاع الحياة ما أعود بع على نفسي وأني عاجز مستشعف لا أعرف ~~السبيل إلى باب من أبواب الرزق بوجه ولا حيلة وأن الضربة التي أصابت قلبي ~~قد سحقته سحقا فلم يبق فيه حتى الذماء وإني أستحييك أن أمد يدي إلى هذه ~~النفس التي أودعتها بيدك بين جنبي فأنتزعها من مكانها وألقي بها في وجهك ~~ساخطا ناقما فتول أنت أمرها بيدك واسترد وديعتك إليك وانقلها إلى دار ~~كرامتك فنعم الدار دارك ونعم الجوار جوارك. # ثم أمسك رأسه بيده كأنما يحاول أن يحسه عن الفرار وقال بصوت ضعيف خافت ~~أشعر برأسي يحترق احتراقا وقلبي يذوب ذوبا لا أحسبني باقيا على هذا فهل ~~تعدني أن تدفنني معها في قبرها وتدفن معي كتابها إن قضى الله في قضاءه قلت ~~نعم وأسأل الله لك السلامة قال الآن أموت طيب النفس عن ms010 كل شيء # PageV01P019 # ثم انتفض انتفاضة نفسه فيها. # لقد هون وجدي على ذا البائس المسكين أني استطعت إمضاء وصيته كما أراد ~~فسعيت في دفنه مع ابنة عمه ودفنت معه تلك الرسالة التي دعته فيها أن ~~يوافيها فعجز عن أن يلبي نداءها حيا فلباها ميتا. # وهكذا اجتمع تحت سقف واحد ذانك الصديقان الوفيان اللذان ضاق بهما في ~~حياتهما فضاء القصر فوسعتهما بعد موتهما حفرة القبر. # PageV01P020 ### | الشهداء # مترجمة # لم يبق لها بعد موت زوجها وأبويها إلا ولد صغير يؤنسها وأخ شفيق يحنو ~~عليها وصبابة من المال تترشف الرزق منها ترشفا مصانعة للدهر فيها. # أما الصبابة فقد نضبت وأما الأخ فقد ضمه الدهر ضمة ذهبت بماله وبجميع ما ~~تملك وبجميع ما تملك يده فهاجر هجرة بعيدة لا تعرف مصيره فيها فأصبحت من ~~بعده لا تملك مالا ولا عضدا. # لقد لقيت هذه المرأة المسكينة من الشقاء في طلب العيش ما لا يستطيع أن ~~يحتمله بشر فخاطت الملابس حتى عشى بصرها وغسلت الثياب حتى يبست أطرافها ~~ودخلت المصانع حتى كلت وخدمت في المنازل حتى ذلت ولكنها استطاعت أن تحيا ~~ويحيا ولدها بجانبها. # ما كان لمثلها أن يحيا على مثل ذلك ولكن الله كان أرحم بها من أن يسلبها ~~السعادة ويسلبها العزاء عنها معا فقد كانت إذا دجا ليل الحوادث حولها ~~وأظلمت الحياة أمام عينيها رأت في الأفق البعيد ثلاثة أشعة تنبعث من سماء ~~الرحمة الإلهية # PageV01P021 # حتى تتلاقى في فؤادها فتملأه عزاء وصبرا شعاع الأنس بولدها وشعاع الرجاء ~~في أخيها وشعاع السرور بما وفقت إليه من صيانة عرضها. # دارت الأيام دورتها فاكتهلت الأم وشب الولد وانتقل قلبها إلى قلبه وكان ~~لا بد له أن يعيش وأن يحسن إلى تلك التي طالما أحسنت إليه فمشى يتصفح وجوه ~~الرزق وجها وجها ويرد مناهله منهلا منهلا حتى وجده حتى مهر فيها والمهارة ~~لا تدل على صاحبها وحدها بل هو الذي يدل عليها بحيلته ورفقه وما كان الفتى ~~يملك أداة ذلك ولا يعرف السبيل إليه فاستمر خاملا مغمورا لا تدر له ms011 مهنته ~~إلا القطرة بعد القطرة في الفينة بعد الفينة فلم يستطع أن يسعد أمه ولكنه ~~استطاع أن يسد خلتها فقنعت منه بذلك ولزمت منزلها ووجدت برد الراحة فد ~~صدرها. # إلا أنها كانت إذا ذكرت ذلك الغائب النائي عنها حنت إليه حنين النيب إلى ~~فصالها وأحزنها أنها لم تره منذ خمسة عشر عاما ولم تر منه كتابا منذ عشرة ~~أعوام حتى اليوم فلا تجد لها بدا كلما هاجها الوجد إليه إلا أن تلجأ إلى ~~ذلك الملجأ الوحيد الذي يفزع إليه جميع البائسين والمحزونين في بأسائهم ~~وضرائهم خلوتها ودموعها فتبكي ما شاء الله أن تفعل ثم تخرج لاستقبال ولدها ~~باشة باسمة مأن لم تكن باكية قبل ذلك. # PageV01P022 # دخل عليها ولدها يوما في خلوتها فرآها تبكي ورأى في يدها صورة فتبينها ~~فإذا هي صورة خاله فألم بسريرة نفسها وأمسك بين أهداب عينيه دمعة مترقرقة ~~ما تكاد تتماسك فمشى إليها حتى وضع يده على عاتقها وقال رفهي عن نفسك يا ~~أماه فستعلمين خبر غائبك عما قليل فتطلق وجهها وأضاء وقالت كيف السبيل إلى ~~ذلك قال قد علمت أن معرضا سيقام للرسم في واشنطون حاضرة أمريكا بعد بضعة ~~شهور وأنهم قدروا له جوائز مختلفة صغرى وكبرى وقد وعدني بعض أصدقائي أن ~~يساعدني على الشخوص إليه علني استطيع أن أنال مات أقيم به وجهي وأنقذ به ~~نفسي ونفسك من هذا الشقاء هنالك أفتش عن غائبك حتى أجده أو أجد منقطع أثره ~~فاستسر بشرها الذي كان متلألئا وقالت لا تفعل يا بني فما أنا بشقية ما ~~رأيتك بجانبي وما أنت بشقي ما قنعت بمات قسم الله لك ولئن فعلت لا تكونن ~~امرأة على وجه الأرض أعظم مني لوعة ولا أشقى ولئن بكيت لفراق أخي مرة ~~فسأبكي لفراقك ألف مرة وإني كلما ذكرته وجدت في وجهك العزاء عنه فمن لي ~~بالعزاء عنكما إن فقدت وجهيكما معا. # فما زال يروضها ويمسحها ويمنيها في رحلته الأماني العذاب حتى أسلست وهدأت ~~وأسلمت إلى الله أمرها. # وما هي إلا أيام قلائل حتى ms012 ضرب الدهر بينهما بضرباته فإذا الأم وحيدة في ~~فرنسلا لا مؤنس لها وإذا الولد غريب في أمريكا لا يعرف له سندا ولا عضدا. ~~وصل الفتى إلى معرض الرسم فعرض رسمه هناك وكان # PageV01P023 # يمثل فيه موقف الوداع الذي جرى بينه وبين امه على شاطئ البحر يوم رحيله ~~وكان موقفا محزنا فأحسن تمثيله فأعجب القوم بجماله وأثر في نفوسهم منظره ~~فقضوا له بالجائزة التي كان يمني نفسه بها فما حصلت في يده حتى خيل إليه ~~أنه أسعد أهل الأرض طرا وأن هذا اليوم هو أول يوم هبط فيه عالم الوجود وأنه ~~ما ذاق قبل الساعة مرارة العيش ولا رأى صورة الشقاء. # وكذلك يعبث الدهر بالإنسان ما يعبث ويذيقه ما يذيقه نمن صنوف الشقاء ~~وألوان الآلام حتى إذا علم أنه قد أوحشه وأرابه وملأ قلبه غيظا وحنقا أطلع ~~له في تلك السماء المظلمة المدلهمة بارقة واحدة من بوارق الأمل الكاذب ~~فاسترده بها إلى حظيرته راضيا مغتبطا كما تقاد السائمة البلهاء بأعواد ~~الكلأ إلى مصرعها فما اسعد الدهر بالإنسان وما أشقى الإنسان به. # أرسل الفتى إلى أمه بعض المال واستبقى لنفسه بعضا وكتب إليها أنه لن يبرح ~~هذه الأرض حتى يفي لها بما عاهدها عليه ومشى في طريقه يفتش عن خاله في ~~أنحاء البلاد ويسائل عنه كل من لقيه من القاطنين والطارئين وحتى حدثه بعضهم ~~أن آخر عهدهم به رحلة رحلها عنهم من بضع سنوات إلى بعض الجزر الجنوبية في ~~التفتيش عن معدن نحاس هناك ثم لم عد بعد ذلك فمشى في الطريق التي علم أنه ~~سلكها حتى وصل إلى جزيرة موحشة مقفرة وكانت لا تزال تغشي سماء تلك البلاد ~~بقية من ظلمات العصور الأولى فمر بقبيلة من قبائل الزنج نازلة هناك وراء ~~بعض الجبال المنقطعة فما راؤه حتى هاجت في صدورهم # PageV01P024 # أحقاد تلك العداوة اللونية التي لا يزال يضمرها هؤلاء القوم لكل شيء أبيض ~~حتى للشمس المشرقة والكواكب الزاهرة فداروا به دورة سقط من بعدها أسيرا في ~~أيديهم بالإغواء حتى وصلوا به إلى ms013 ديارهم فاحتبسوه هناك في نفق تحت الأرض ~~كانوا يسمونه سجن الانتقام. # هنالك علم ان تلك البارقة التي لاحت له في سماء السعادة من الأمل يوم ~~المعرض إنما هي خدعة من خدع الدهر وأكذوبة من أكاذيبه وأن ما كان يقدره ~~لنفسه من سعادة وهناء في مستقبل أيامه قد ذهب بذهاب أمس الدابر وأصبح صحيفة ~~بالية في كتاب الدهر الغابر. # ولقد كان في استطاعة أن يخلد للنازلة التي نزلت به ويستمسك لها لو أنه ~~استقل بحملها ولكن الذي آذاه وأثقله أن هناك إنسانا آخر كريما عليه يقاسمه ~~إياها فقد أصبح يحمل مصيبته ومصيبة أمه فيه على عاتق واحد. # نزلوا به إلى المحبس وقادوه إلى سلسلة غليظة الحلقات فسلكوه فيها ثم ~~أغلقوا الباب منذ ونه وتركوه وشأنه فما انفرد بنفسه حتى فتح عينيه فلم ير ~~أمامه شيئا فلم يعلم هل كف بصره أم اشتدت الظلمة أمام عينيه فحجبت عن ناظره ~~كل شيء حتى نفسها فلم يزل في حيرته حتى انقضى الليل فانحدر إليه من ثقب ~~صغير في حائط المحبس خيط أبيض دقيق من شعاع الشمس حتى استقر بين يديه فأنس ~~به أنس الغريب وشكر للشمس رسولها الذي أرسلته إليه ليؤنسه في وحدته واستمر ~~بصره عالقا # PageV01P025 # به لا يفارقه أينما سار وحيثما انتقل حتى رآه يتقبض شيئا فشيئا ويتراجع ~~قليلا قليلا ثم علا إلى ثقبة الذي انحدر منه ثم طار إلى سمائه التي هبط ~~منها فحزن لفراقه حزن العشير لفراق عشيره ودار بعينيه حول نفسه فإذا قطع ~~سوداء مظلمة تتدجى وتتكاثف من حوله ويملس بعضها في أحشاء بعض وإذا هو نفسه ~~قطعة من تلك القطع هائمة بينها هيمان الروح الحائر في ظلمات القبور فما كاد ~~يعرف مكانه منها فمشى في ذلك المعترك المائج يفتش عن نفسه ويتلمسها بيده ~~تلمسا حتى سمع صلصلة السلسلة الملتفة على قدميه فوجدها وكان قد أجهده ~~المسير فتساقط على نفسه باكيا منتحبا. # وكذلك انقطع هذا المسكين عن عالم كله خيره وشره ولم يبق بينه وبينه من ~~صلة إلا ذلك الشعاع ms014 الأبيض الذي يزوره كل صباح وذلك السجان الأسود الذي ~~يطرقه كل مساء. # وما مرت به على حاله تلك سنة واحدة حتى نسى نفسه ونسي أمه ونسي العالم ~~الذي كان يعيش فيه والعالم الذي انتقل إليه ونسي الليل والنهار والظلمة ~~والنور والسعادة والشقاء وأصبح في منزلة بين منزلتي الحياة والموت فلا يفرح ~~ولا يتألم ولا يذكر الماضي ولا يرجو المستقبل ولا يعلم هل هو حجر بين تلك ~~الأحجار أو قطعة بين قطع الظلام أو جسد يتحرك أو خيال يسري أو وهم من ~~الأوهام أو عدم من الإعدام! مرت على تلك الأم المسكينة بضعة أعوام لا ترى ~~ولدها ولا تجد من يدلها عليه فأصبح من يراها في طريقها يرى عجوزا حدباء # PageV01P026 # والهة متسبلة مذهوبا بها قد توكأت على عصا ما تزال تضطرب في يدها وأسبلت ~~جسمها الناحل المحقوقف أهداما خلقانا يحسبها الناظر إليها لكثرة ما نالت يد ~~البلى منها أخدابا متلاصقة أو مزقا متطايرة تقف صدر النهار بأبواب المعابد ~~والكنائس تسأل الله أن يرحمها والناس أن يطعموها حتى إذا زالت الشمس عن كبد ~~السماء أخذت سمتها إلى شاطئ البحر وجلست فوق بعض صخوره تناجي أمواجه ورماله ~~وترقب أفقه البعيد كما يرقب المنجم كوكبه في أفق السماء فإذا سرت إليها ~~نسمة وجدت ريح ولدها فيها وإذا عليها موجة ظنت أنها رسول منه إليها وإذا ~~تراءت لها سفينة ماخرة على سطح الماء حسبتها السفينة التي تحمله فلا يزال ~~بصرها عالقا بها لا يفارقها حتى ترسو على الشاطئ فتقف في طريق ركبانها ~~تتصفح الوجوه وتتفرس الشمائل وتهتف باسم ولدها صارخة معولة وتقول: # عباد الله من يدلني على ولدي أو ينشده لي في معالم الأرض ومجاهلها فقد ~~أضللته منذ عهد بعيد فحار بي الدهر من بعده فلا أنا سالية عنه ولا واجدة ~~إليه سبيلا فاحتسبوها يدا عند الله وحدثوني عنه هل عاد معكم أو تخلف عنكم ~~ليأتي على أثركم أو انقطع الدهر بع فلا أمل فيه بعد اليوم فلا يلتفت إليها ~~أحد ولا يفهم أحد ما ms015 تقول وربما لمحها بعض الناس فظنها امرأة ملتاثة فرثى ~~لها أو سائلة فتصدق عليها. # PageV01P027 # ولا يزال هذا شأنها في موقفها هذا حتى ترى الأمهات والأخوات والفتيات قد ~~عدن بأولادهن وإخوانهن وآبائهن إلى منازلهن ولم يبق على شاطئ البحر من غاد ~~ولا رائح سواها فتناول عصاها وتعود أدراجها إلى بيتها فتأخذ مجلسها من حافة ~~قبر كانت قد احتفرته بيدها في أرض قاعتها وتوهمته مدفنا لولدها فتظل تبكي ~~وتقول: # في أي بطن من بطون الأرض مضجعك يا بني وتحت أي نجم من نجوم السماء مصرعك ~~وفي أي قاع من قيعان البحر مثواك وفي أي جوف من أجواف الوحوش الضاربة مأواك ~~? # لو يعلم الطير الذي مزق حثتك أو الوحش الذي ولغ دمك أو القبر الذي ضمك ~~إلى أحشائه أو البحر الذي طواك في جوفه أن وراءك أما مسكينة تبكي عليك من ~~بعدك لرحموك من أجلي ? عد إلي يا بني فقيرا أو مقعدا أو كفيفا فحسبي منك أن ~~أراك بجانبي في الساعة التي أفارق فيها هذه الحياة لأقبلك قبلة الوداع ~~وأعهد إليك بزيارة مضجعي مطلع كل شمس ومغربها لتخف بزورتك عني ضمة القبر ~~وتستنير بوجهك الوضاء ظلماته الحالكة. # ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلى القبور وما أشقى الأمهات ~~اللواتي يسبقن أولادهن إليها وأشقى منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلى ~~الموت دبيبا وهي لا تعلم هل تركت ولدها وراءها أو أنها ستجده أمامها ? ~~وهكذا كان شأنها صباحها ومساءها فلم تزل تبكي ولدها بكاء يعقوب ولده حتى ~~ذهب بصرها ذهاب بصره ولكنها لم تستطع عن يوسفها صبرا. # PageV01P028 # دخل السجان على الفتي عشية ليلة في محبسه فاقترب منه ومد يده إلى سلسلته ~~المثبتة في الجدار فانتزعها من مكانها فلم يقل شيئا ولم يسائل نفسه هل هي ~~ساعة نجاته أوس اعة حمامه ثم قاده إلى خارج المحبس حتى وصل به إلى صخرة ~~جاثمة على مقربة من مجتمع القبيلة فشد سلسلته إليها وتركه مكانه ومضى ففتح ~~عينيه فرأى مكانا غير مكانه ومنظرا غير منظره وسماه وأرضا غير ms016 سمائه وأرضه ~~فبدأ شعوره يعود إليه شيئا فشيئا حتى استفاق فتذمر ما كان فيه وزاى ما صار ~~إليه. # هنا تذكر السعادة والشقاء والغربة والوطن والسجن وظلمته والقيد ووطأته ثم ~~طار بخياله إلى ما وراء البحار فذكر أمه وشقاءها من بعده وحنينها ويأسها من ~~لقائه فذرفت عينيه دمعة كانت هي أول دمعة أرسلها من جفنيه من تاريخ شقائه ~~وما زال يرسل العبرة إثر العبرة لا يهدأ ولا يستفيق حتى مضى شطر من الليل ~~وهدأ الناس جميعا في مضاجعهم فأسلم رأسه إلى ركبتيه وذهب بخياله إلى حيث ~~شاء أن يذهب. # فإنه لكذلك وقد رنقت في عينيه سنة من النوم إذ شعر بيد تلمس كتفيه فرفع ~~رأسه فإذا شبح أبيض قائم فوق رأسه فخيل إليه أن ملكا نورانيا نزل إليه عن ~~علياء السماء لينقذه من شقائه فتبينه فإذا فتاة جميلة بيضاء ما التفت الأزر ~~على مثلها حسنا وبهاء تتمشى في بياضها سمرة رقيقة كسمرة السحاب الزهو الذي ~~يخالط وجه الشمس في ضحوة النهار فسألها من أنت ? قالت أنا فتاة من فتيات ~~هذا الحي وقد ألممت بشيء من أمرك # PageV01P029 # فعلمت أنك شقي فرحمتك مما أنت فيه فجئتك أطلق وثاقك لتذهب حيث تشاء فلا ~~مثوبة يقدمها المرء بين يدي ربه يوم جزائه أفضل من مواساة البائس وتفريج ~~كربة المكروب فعجب لزنجية بيضاء ووثنية تعبد الله وبربرية تحمل بين جبينها ~~قلبا يعطف على البؤساء والمنكوبين وقال في نفسه ما لهذه الفتاة بد من شأن ~~وورد عليه من أمرها ما ذهب بلبه وملك عليه نفسه وهواه وأنساه كل شأن في ~~الحياة إلا شأنها فلبث صامتا واجما لا ينطق وقال لها اذهبي لشأنك يا سيدتي ~~فإنني لا أريد النجاة فعلمت أنها ثورة من ثورات اليأس فدنت منه ووضعت يدها ~~على عاتقة لا تجعل لليأس إلى قلبك أيها الفتى سبيلا وانج بحياتك من يد ~~الموت فليس بينك وبينه إن بقيت هنا إلا أن ينحدر عن وجهك قناع هذا الليل ~~فإذا أنت فلذ طائرة مع شفرات السيوف فلا تفجع نفسك ms017 في نفسك ولا تفجع هذه ~~المسكينة الواقفة بين يديك فإن شديدا على جدا أن أراك بعد قليل ذبيحة في يد ~~الأبح أو مضغة في فم الآكل قال إنك لا تستطيعين نجاتي قالت لا أفهم ما تقول ~~فإنني ما جئتك إلا وأنا عالمة ماذا أصنع قال قد كنت قبل اليوم موثقا بوثاق ~~واحد فأصبحت موثقا بوثاقين فان استطعت أن تحلى وثاق قدمي فإنك لا تستطيعين ~~أن تحلي وثاق قلبي فألمت بسريرة نفسه فرفعت وجهها إلى السماء ولبثت شاخصة ~~إليها ساعة فرفع رأسه إليها ولبث شاخصا إلى وجهها نظر المصور الماهر إلى ~~تمثاله البديع حتى شعر بدمعة حارة قد سقطت من جفنها على وجهه فجرت في مجرى ~~الدموع من خده فانحدرت من جفنه دمعة مثلها فالتقت بدمعتها فامتزجتا معا فمد ~~يده إلى ردائها بالإغواء إليه وقال قد طال وقوفك يا سيدتي فاجلسي بجانبي ~~نتحدث قليلا فجلست على مقربة منه فقال لها إن # PageV01P030 # امتزاج دمعي بدمعك في هذه الساعة قد دلني على أننا لن تفترق بعد اليوم ~~أحياء أو أمواتا فإن كنت تريدين لي النجاة فإنني لا أنجو إلا بك قالت ليتني ~~أستطيع ذلك يا سيدي قال وما يمنعك منه فنظرت إليه نظرة دامعة وقالت أخاف أن ~~أحبك قال ولم تخافين قالت لا أعلم قال أنا لا أسألك عما تكتمين في صدرك من ~~الأسرار ولكني أسألك أن تتركيني وشأني في يد القدر يفعل بي ما يشاء فقد كنت ~~أخاف الموت قبل أن أراك أما اليوم فحسبي عزاء عما ألاقيه من غصصه وآلامه ~~نظرة رحمة تلقينها علي في مصرعي ودمعة حزن تسكبينها من بعدي على تربتي فما ~~استقبلته إلا بدموعها تنحدر على خديها كالعقد وهي سلكة فانتثر ثم مدت يدها ~~إلى قيده فعالجته حتى انصدع وقالت إني ذاهبة معك وليقض الله في وفيك قضاءه. # مشيا يطويان القفار ويعبران الأنهار ويضحيان مرة ويخصران أخرى ويردان آجن ~~المياه وصفوها ويقتاتان يابس الثمار ورطبها فإذا لاح لهما ظل شجرة أو شاطئ ~~غدير أو سفح جبل أويا إليه ms018 فاستراحا بجانبه قليلا ثم عادا إلى شأنهما. # وكانت لا تزل تغشى وجه الفتاة مذ فارقت موطنها سحابة سوداء من الحزن ما ~~تكاد تنقشع عنه وكانا إذا نزلا منزلا وأخذا مضجعهما من تربه وأحجاره نهضت ~~من مرقدها بعد هدأة من الليل وانتحت ناحية من حيث تظن أنه لا يشعر بمكانها ~~ومدت يدها إلى صدرها فتناولت صليبا صغيرا فقبلته ثم أنشأت تهمهم # PageV01P031 # بكلام خفي كأنها تناجي به شخصا غائبا عنها فستغفره من ذنب جنته إليه مرة ~~وتطلب معونته على أمر لا تعرف مصيره ولا تعلم وجه الصواب فيه أخرى حتى ~~ينبثق نور الفجر فتعود إلى مرقدها وكان كلما سألها عن شأنها التوت عليه ~~ودافعته عنها حتى تلوم أن يعاودها فتركها وشأنها وقد أصبح يحمل في صدره من ~~الهم فوق ما تحمل من هم نفسها حتى أشرفا بعد مسير ثلاثين يوما على سواء ~~العمران فاستبشرا وعلما أنهما قد اصحبا في الساعة الأخيرة من ساعات الشقاء. # وكانا قد وصلا إلى نهر صغير هناك فجلسا بجانبه تحت شجرة مورقة يتحدثان ~~وهي أول مرة جلسا فيها للحديث فقال لها ما حفظ الله حياتنا في هذه السفرة ~~الطويلة في هذه القفزة الجرداء الموحشة إلا وقد كتب لنا في لوح مقاديره ~~سعادة لا أحسب أنه قد أعد خيرا منها لعباده المتقين في جنات النعيم قالت ~~ومتى كانت هذه الحياة موطنا للسعادة أو مستقرا لها ومتى سعد أبناؤها بها ~~فنسعد مثلهم كما سعدوا وإن كان لابد من سعادة في هذه الحياة فسعادتها أن ~~يعيش المرء فيها معتقدا أن لا سعادة له فيها ليستطيع أن يقضي أيامه المقدرة ~~له على ظهرها هادئ القلب ساكن النفس لا يكدر عليه عيشه أمل كاذب ولا رجاء ~~خائب قال: # إن السعادة حاطرة بين أيدينا وليس بيننا وبينها إن اردناها إلا أن نطوي ~~هذه المرحلة الباقية من هذا القفر فنلجأ إلى أول بيت نلقاه في طريقنا من ~~بيوت الله فنجثو أمام مذبحه ساعة نخرج من بعدها زوجين سعيدين لا يحول بيننا ~~حائل ولا يكدر صفوفنا ms019 مكدر فأطرقت هنيهة ثم رفعت رأسها فإذا دمعة صافية ~~تنحدر على خدها فقال ما بكاؤك يا سيدتي فقالت أتذكر ليلة النجاة إذ دعوتني ~~إلى الفرار معك فقلت لك إني أخاف إن فررت # PageV01P032 # معك أن أحبك ? قال نعم قالت وأسفاه لقد وقع اليوم ما كنت منه أخاف ثم ~~صرخت صرخة عالية وقالت ماذا يا أماه وسقطت مكبة على وجهها فدنا منها وأمسك ~~بيدها فإذا رعدة شديدة تتمشى في أعضائها فعلم أنها البرداء وعمد إلى بعض ~~الأشجار فاقتطع منها بضعة أعواد ومشى يفتش عن الناس في كوخ كان يتراءى له ~~على البعد حتى بلغه فوجد على بابه كاهنا شيخا جليل المنظر فدنا منه وحياه ~~تحية حي بأحسن منها وقال له ما شأنك يا بني ? قال إن بجانب ذلك النهر فتاة ~~مسكينة تركتها ورائي تشكو البرد فهل أجد عندك جذوة نار أعود بها إليها ~~لتصطلي بها ? فمكنه من طلبته وتقال له كتب الله ولعليلتك السلامة يا بني ~~فاذهب فإني على أثرك فعدا الفتى عدوا شديدا حتى بلغ النهر فأدهشه أن رأى ~~الفتاة هادئة ساكنة طيبة النفس لا يشكو بردا ولا ألما فأقبل عليها متهللا ~~وقال لها لعل ما كان يخالط نفسك من الألم لذكر أهلك ووطنك قد ذهب بذهاب ~~الأيام قالت ما كان يخالط نفسي من ذلك شيء فاجلس أحدثك حديثي فقد آن أن ~~أفضي به إليك فجلس بجانبها فأنشأت تحدثه وتقول: # أنا فتاة غريبة مثلك عن هذه الديار لا أعرف منن ساكنيها غير نفسي ولا من ~~أرضها غير قبر قد زال اليوم رسمه بلي مع الأيام دفينه فقد ولدتني أمي على ~~فراش رجل أبيض وفد من دياركم منذ عشرين عاما فالتقي بها عند مرور بحيها ~~فأحبها وأحبته ثم فرت معه إلى ما وراء هذه الصحراء فدانت بدينه ثم تزوجها ~~فوالداني وعشنا جميعا حقبة من الدهر عيش السعداء # PageV01P033 # الآمنين وكان رجال قبيلة أمي لا يزالون يتطلبون السبيل إلينا حتى سقطوا ~~علينا سقوط القضاء في جنح ليلة من ليالي الظلام فاقتادونا جميعا إلى أرضهم ms020 ~~وكنت إذ ذاك لم أسلخ العاشرة من عمرى فقتلوا أبي وأمي وأمام أمي قتلة لا ~~يزال منظرها حاضرا بين يدي حتى الساعة لا يفارقني فحزنت أمي عليه حزنا ~~شديدا ما زال يدنو بها من القبر شيئا فشيئا حتى جاءت ساعتها فحضر موتها ~~يدنو بها من القبر شيئا فسيئا حتى جاءت ساعتها فحضر موتها رسول من رسل ~~المسيح كان لا يزال يختلف إليها من حين إلى حين فدعتني إليها أمامه وقالت ~~لي يا بنية إن أمي قد ولدتني للشقاء في هذا العالم وأحسب أني قد ولدتك له ~~كذلك فحسبنا ذلك ولا تكوني سببا في شقاء أحد من بعدك وانذري نفسك للعذراء ~~نذرا لا يحله إلا الموت فأذعنت لأمرها وأشهدت الكاهن على نذري فتلألأ وجهها ~~بشرا وسرورا ثم نظرت نظرة في السماء وقالت ها انذا على أثرك يا رافائيل ثم ~~فاضت روحها. # فاضطرب الفتي عند سماع هذا الاسم وقال لها عهل تعرفين وطن أبيك وأسرته ~~قالت نعم وسمتها له فاستطير فرحا وسرورا وقال أحمدك اللهم فقد وجدت ضالتي ~~فعجبت لأمره وقالت وأي ضالة تريد قال أتذكرين ليلة اللقاء إذا امتزجت ~~دمعتانا معا فقلت لك إنها صلة بيني وبينك لا يقطعها إلا الموت قالت نعم قال ~~قد كنت أمت إليك قبل اليوم بحرمة الحب وحدها فأصبحت أمت إليك بحرمة الحب ~~والقربى فأنت اليوم حبيبي وابنة خالي معا فقالت بصوت خافت أحمد الله فقد ~~وجدت لي في هذه الساعة العصيبة أخا وأخذ جسمها يضطرب اضطرابا شديدا ووجهها ~~يربد شيئا فشيئا فذعر # PageV01P034 # الفتى وارتاع وحنا عليها وقال ماذا أرى قالت لا ترع فاصغ إلى فان لحديثي ~~بقية لم تسمعها إنني منذ حفظت وصية أمي ووهبت العذراء نفسي كان لابد لي أن ~~أتخذ لي ملجأ أفزع إليه في اليوم الذي أخاف أن يغلبني فيه هواي على ديني ~~فكنت لا أزال أحمل تلك القارورة معي حتى جاء اليوم الذي خفته فلجأت إليها ~~فنجوت وأستودعك الله فنظر الفتي حيث أشارت فرأى قارورة مطرحة وراءها ~~فتناولها فإذا هي فارغة ms021 إلا من بقية صفراء في قرارتها ففهم كل شيء. # هنالك شعر كأن شعبه من شعاب قلبه هوت بين أضلاعه وكأن طائرا قد نفض ~~جناحيه ثم طار عن رأسه إلى جو السماء فصعق في مكانه صعقة لم يشعر بعدها ~~بشيء ما حوله فلم يستفيق إلا بعد حين ففتح عينيه فإذا الفتاة بجانيه جثة ~~باردة وإذا الكاهن صاحب الكوخ واقفا أمامه يحمل على كفه طعاما كان قد جاء ~~به إليهما ويقلب نظره حائرا لا يفهم مما يرى شيئا فوثب الفتي إليه حتى صار ~~أمامه وجها لوجه ونظر إليه نظرة شزراء كتلك النظرة التي يلقيها الموتور على ~~وجه واتره وكأن قد خولط في عقله فأخذ يهذي ويقول: # أتدري أيها الرجل لم ماتت هذه الفتاة لأنها وهبت نفسها للعذراء ثم عرض ~~لها الحب في طريقها فوقفت حائرة بين قلبها ودينها فلم تجد لها سبيلا إلى ~~الخلاص إلا سبيل الانتحار فانتحرت تلك جرائمكم يا رجال الأديان التي ~~تقترفونها على وجه الأرض ما كفاكم أن جعلتم أمر الزواج في أيديكم تحلون منه ~~ما تحلون وتربطون ما تربطون حتى قضيتم بتحريمه قضاء مبرما لا يقبل أخذا ولا ~~ردا ? # PageV01P035 # إن الذي خلقنا وبث أرواحنا في أجسامنا هو الذي خلق لنا هذه القلوب وخلق ~~لنا فيها الحب فهو يأمرنا أن نحب وأن نعيش في هذا العالم سعداء هانئين فما ~~شأنكم والدخول بين المرء وربه والمرء وقلبه ? إن الله بعيد في علياء سمائه ~~عن أن تتناوله أنظارنا وتتصل به حواسنا ولا سبيل لنا أن نراه إلا في جمال ~~مصنوعاته وبدائع آياته فلا بد لنا من أن نراها ونحبها لنستطيع أن نراه ~~ونحبه. # إن كتنتم تريدون أن نعيش على وجه الأرض بلا حب فانتزعوا من بين جنوبنا ~~هذه القلبو الخفاقة ثم اطلبوا منا بعد ذلك ما تشاءون فإننا لا نستطيع أن ~~نعيش بلا حب ما دامت لنا أفئدة خافقة. # أتظنون أيها القوم أننا ما خلقنا في هذه الدنيا إلا لننتقل فيها من ظلمة ~~الرحم إلى ظلمة الدير ومن ظلمة الدير إلى ms022 ظلمة القبر ? بئست الحياة حياتنا ~~إذن وبئس الخلق خلقنا إننا لا نملك في هذه الدنيا سعادة نحيا بها غير سعادة ~~الحب ولا نعرف لنا ملجأ نلجأ إليه من هموم العيش وأرزائه سواها ففتشوا لنا ~~عن سعادة غيرها قبل أن تطلبوا منا أن نتنازل لكم عنها. # هذه الطيور التي تغرد في أفنائها إنما تغرد بنغمات الحب وهذا النسيم الذي ~~يتردد في أجوائه إنما يحمل في أعطافه رسائل الحب وهذه الكواكب في سمائها ~~والشموس في أفلاكها والأزهار في رياضها والأعشاب في مروجها والسوأئم في ~~مراتعها والسوارب في أحجارها وإنما تعيش جميعا بنعمة الحب فمتى كان الحيوان ~~الأعجم والجماد الصامت أيها القساة المستبدون أرفع # PageV01P036 # شأنا من الإنسان النطاق وأحمق منه بنعمة الحي والحياة ? ? فهنيئا لها ~~جميعها أنها لا تعقل عنكم ما تقولون ولا تسمع منكم ما تنطقون فقد نجت بذلك ~~من شر عظيم وشقاء مقيم. # إننا لا نعرفكم أيها القوم ولا ندين بكم ولا نعترف لكم بسلطان على ~~أجسامنا أو أرواحنا ولا نريد أن نرى وجوهكم أو نسمع أصواتكم فتواروا عنا ~~اذهبوا وحدكم إلى معابدكم أو مغاوركم فإنا لا نستطيع أن نتبعكم إليها ولا ~~أن نعيش معكم فيها. # إن وراءنا نساء ضعاف القلوب ورجالا ضعاف العقول ونحن نخافكم عليهم أن ~~يمتد شركم إليهم فلا بد لنا أن نقف في وجوهكم ونعترض سبيلكم لنذوركم عنهم ~~حتى لا تصلوا إليهم فتفسدوا عليهم البقية الباقية من قلوبهم وعقولهم. # إنا لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به غيره وفي استطاعتنا أن نعرف ~~الطريق إليه وحدنا بدون دليل يدلنا عليه فلا حاجة لنا بكم ولا بساطتكم. # كتاب الكون يغنينا عن كتابكم وآيات الله تغنينا عن آياتكم وأناشيد ~~الطبيعة ونغماتها تغنينا عن أناشيدكم ونغماتكم هذا الجمال المترقرق في سماء ~~الكون وأرضه وناطقه وصامتة ومتحركة وساكنه وإنما هو مرآة نقية صافية تنظر ~~فيها فنرى وجه الله الكريم مشرقا متلألئا فنخر بين يديه ساجدين ثم نصغي ~~إليه لنستمع وحيه فنسمعه يقول لنا أيها الناس إنما خلق الجمال متعة لكم ~~فتمتعوا ms023 به وإنما خلقتم حياة للجمال فأحيوه. # ذلك أمر الله الذي نسمعه ولا نسمع أمرأ سواه. # PageV01P037 # وما وصل إلى حديثه إلى هذا الحد حتي ثقل لسانه ووهنت عزيمته وارتعدت ~~مفاصله فسقط في مكانه يزفر زفيرا شديدا ويئن أنينا محزنا فاقترب منه الشيخ ~~ووضع يده على رأسه وقال له: # أرفق بنفسك يا بني فما أنت بأول ثاكل على وجه الأرض ولا فقيدك بأول راحل ~~عنها وإن في رحمة الله ورضوانه عزاء للصابرين وجزاء للمحسنين فأهوى الفتي ~~على يده وأخذ يقبلها ويوقل أغفر لي ذنبي يا أبت فقد كانت من الظالمين قال ~~غفر الله لك يا بني فما دون رحمة الله باب موصد ولا رتاج , معترض قال لله ~~يا أبت إن هذه الفتاة غريبة عن هذه الأرض وليس لها فيها أحد سواي وقد # ماتت من أجلي وفي سبيلي فهل تأذن لي أن أدنو منها لأقبلها قبلة الوداع في ~~آخر ساعة من ساعتها علد وجه الأرض قال افعل يا بني فزحفت على ركبتي حتى بلغ ~~مكانها فضمها إليه ضمة شديدة وأهوى بفمه على فمها فقبلها لأول مرة في حياته ~~قبلة فاضت روحه فيها. # في الساعة التي دفن فيها خذان الشهيدان تحت تلك الشجرة المورقة على شاطئ ~~ذلك النهر الجاري مرت بكوخ العجوز امرأة من جاراتها كانت تعتادها الزيارة ~~من حين إلى حين فنظرت إلى مكانها الذي اعتادت أن تتخذه من حافة ذلك القبر ~~المفتوح فرأته خاليا فأشرقت على الحفرة فوجدتها متردية فيها معفرة بترابها ~~لا حراك بها فملأت بالتراب الذي كان مجتمعا حول الحفرة تلك الأشبار الخمسة ~~التي هي مسافة ما بين الحياة والموت ثم فوق تربتها دمعة كانت هي كل نصيبها ~~من الدنيا. # PageV01P038 ### | الحجاب # " موضوعة " # ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا فلبث فيها بضع سنين ثم عاد ~~وما بقي مما كنا نعرفه منه شيء. # ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت ~~الليلة الماطرة وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر وعاد ~~بقلب ملف ms024 مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها والنقمة على السماء ~~وخالقها وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها وعاد بنفس ذهابه نزاعة لا ~~ترى شيئا فوقها ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها وذهب برأس مملوءة حكما ~~ورأيا وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملؤها إلا لهواء المتردد وذهب وما ~~علي وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها أصغر في عينه ~~منهما. # وكنت أرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاء الضعفاء من ~~الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على ~~أجسامهم إفراغا لا تلبث أن تطلع عليها الشمس المشرق حتى تتصل وتتطاير ~~ذراتها في أجواء السماء وأن مكان المدنية الغربية من نفوسهم مكان الوجه من ~~المرآة إذا انحرف عنها زال خياله منها فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق ولبسته # PageV01P039 # على علاته وفاء بعهده السابق ورجاء لغده المنتظر محتملا في سبيل ذلك من ~~حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله ~~حتى جاءني ذات ليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب فكانت آخر عهدي به. # دخلت عليه فرأيته واجما مكتئبا فحييته فأومأ إلى بالتحية إيماء فسألته ما ~~باله فقال ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى ~~الخلاص منه ولا أدري مصير أمري فيه قلت وأي امرأة تريد ? قال تلك التي ~~يسميها الناس زوجتي وأسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي قلت إنك ~~كثير الآمال يا سيدي فعن أي آمالك تحدث ? قال ليس لي في الحياة إلا أمل ~~واحد هو أن أغمض عين ثم أفتحها فلا أرى برقعا على وجه امرأة في هذا البلد ~~قلت ذلك ما لا تملكه ولا رأى لك فيه قال إن كثيرا من الناس يرون في الحجاب ~~رأيي ويتمنون في أمره ما أتمني ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم ~~إبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز والضعف ~~والهيبة التي لا تزال تلم بنفس ms025 الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد ~~فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي القديم الذي وقف سدا دون سعادة ~~الأمة وارتقائها دهرا طويلا وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من ~~دعاة الحرية وأشياعها فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته وخيل إليها ~~أنني جثتها بإحدى النكبات العظام والرزايا الجسام وزعمت أنها إن برزت إلى ~~الرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك. # PageV01P040 # حياء منهن وخجلا ولا خجل هناك ولا حياء ولكنه الموت والجمود والذل الذي ~~ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن ~~وخمرهن حتى يأتين الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة فلا بد ~~لي أن أبلغ أمنيتي وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجا ينتهي بإحدى ~~الحسنيين إما بكسره أو بشفائه. # فورد على من حديثه ما ملأ نفسي هما وحزنا ونظرت إليه نظرة الراحم الراثي ~~وقلت أعالم أنت أيها الصديق ما تقول ? قال نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها ~~وأدين نفسي بها واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعا حيث وقعت قلت هل تأذن لي ~~أن أقول لك إنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهم ونسائهم فهل ~~تذكر أن نفسك حدثتك يوما من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك ~~يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه ? قال ربما ~~وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد قلت أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن ~~يلم به من الناس ما ألم بأعراض الناس منك قال إن المرأة الشريفة تستطيع أن ~~تعيش بين الرجال من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع ~~فتداخلني ما لم أملك معه وقلت له تلك هي الخدعة التي بالإغواء بها الشيطان ~~أيها الضعفاء والثلمة التي يغثر بها في زوايا رءوسكم فينحدر منها إلى ~~عقولكم ومدارككم فيفسدها عليكم فالشرف كلمة لا وجود لها في قواميس اللغة ms026 ~~ومعاجمها فإن أردنا أن نفتش عنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها والنفس ~~الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافيا رائقا حتى يسقط فيه حجر فإذا هو ~~مستنقع كدر والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من # PageV01P041 # جواهرها وقلما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة قال أتنكر وجود ~~العفة بين الناس قلت لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين البله الضعفاء ~~والمتكلفين ولكني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة ~~المترفقة إذا سقط بينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه. # في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم ? أفي جو ~~المتعلمين وفيهم من سئل مرة لم لم يتزوج فأجاب نساء البلد جميعا نسائي. # أم في جو الطلبة وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأتربه وخجلا أن خلت ~~محفظته يوما من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته أو أقفزت من رسائل الحب ~~والغرام ? أم في جو الرعاع والغوغاء وكثير منهم يدخل البيت خادما ذليلا ~~ويخرج منه صهرا كريما ? وبعد فما هذا الولع بقصة المرأة والتمطق بحديثها ~~والقيام والقعود بأمرها وأمر حجابها وسفورها وحريتها وأسرارها كأنما قد ~~قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم فلم يبق الا أن تفيضوا من تلك النعم ~~على غيركم. # بالإغواء رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن ~~النساء أعجز. # PageV01P042 # أبواب الفخر أمامكم كثيرة فاطرقوا أيها شئم ودعوا هذا الباب موصودا فإنكم ~~إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلا عظيما وشقاء طويلا. # أروني رجلا واحدا منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي ~~امرأة يرضاها فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه. # إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبون عندها مالا ~~تعرفونه عند أنفسكم فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرة لا تعلمون ~~بالإغواء من بعدها أم تخسرونها وما أحسبكم إلا خاسرين. # ما شكت المرأة إليكم ظلما ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من ~~اسرها فما دخولكم بينها وبين نفسها ? وما ms027 تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها ~~وأحاديثها ? إنها لا تشكو إلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في ~~وجهها وحيثما سارت وأينما خلت حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلا ~~إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها من دونها بابها ~~وأسلبت أستارها تبرما وفرارا من فضولكم فوا عجبا لكم تسجنونها بأيديكم ثم ~~تقفون على باب سجنها تبكونها وتندبون شقاءها! إنكم لا ترثون لها بل ترثون ~~لأنفسكم ولا تبكون عليها بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجا ~~وسفورا ويتدفق خلاعة واستهتارا وتودون بجدع الأنف لو ظفرتم هنا # PageV01P043 # بذلك العيش الذي خلقتموه هناك. # لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء فما زلتم به تثقبون في ~~جوانبه كل يوم ثقبا والعفة تسلل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش ثم لم يكلفكم ~~ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقي فيه قطرة واحدة. # عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها راضية عن نفسها ~~وعن عيشتها ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها أو وقفة تقفها بين ~~يدي ربها أو عطفة تعطفها على ولدها أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات ~~نفسها وتستبثها سريرة قلبها وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها ~~وائتمارها بأمر زوجها ونزولها عند رضاهما وكانت تفهم معنى الحب وتجهل معنى ~~الغرام فتحب زوجها لأنه زوجها كما تحب ولدها لأنه ولدها فإن رأى غيرها من ~~النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب فقلتم لها أن هؤلاء ~~الذين يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلا ولا أفضل رأيا ولا أقدر ~~على النظر لك من نظرك لنفسك فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه ~~لأنفسهم عليك بالإغواء أباها وتمردت على زوجها وأصبح البيت الذي كان بالأمس ~~عرسا من الأعراس الضاحكة مناحة قائمة لا تهدأ نارها ولا يخبو أوارها. # وقلتم لها لا بد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك # PageV01P044 # أهلك عن سعادة ms028 مستقبلك فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها فلم يزد ~~عمر سعادتها على يوم وليلة ثم الشقاء الطويل بعد ذلك العذاب الأليم. # وقلتم لها إن الحب أساس الزواج فما زالت تقلب عينها في وجوه الرجال مصعدة ~~مصوبة حتى شغلها الحب عن الزواج فعنيت به عنه. # وقلتم لها إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها وما كانت تعرف ~~إلا أن الزواج غير العشيق فأصبحت تطلب في كل يوم زوجا جديدا يحي من لوعة ~~الحب ما أمات الزوج القديم فلا قديما استبقت ولا جديدا أفادت. # وقلتم لها لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك والقيام على شؤون بيتك ~~فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها والقيام على شؤون بيتها. # وقلتم لها نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها ويرئم ذوقها ~~ذوقنا وشعورنا شعورنا فرأت أن لابد لها أن تعرف مواقع بالإغواء ومباهج ~~أنظاركم لتتجمل لكم بما تحبون فراجعت فهرس حياتكم صفحة صفحة فلم تر فيه غير ~~أسماء بالإغواء المستهترات والضاحكات اللاعبات والإعجاب بهن والثناء على ~~ذكائهن وفطنتهن فتخلعت واستهترت لتبلغ رضاكم وتنزل عند محبتكم ثم مشت إليكم ~~بهذا الثوب الرقيق الشفاف تعرض نفسها عليكم عرضا كما تعرض الأمة # PageV01P045 # نفسها في سوق الرقيق فأعرضتم عنها ونبوتم بها وقلتم لها إنا لا نتزوج ~~النساء العاهرات كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعا ساقطات إذا سلمت ~~لكم نساؤكم فرجعت أدراجها خائبة منكسرة وقد أباها الخليع وترفع عنها ~~المحتشم فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت. # وكذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعا وتمشت الظنون بين رجالها ~~ونسائها فتعاجز الفريقان وأظلم الفضاء بينهما وأصبحت البيوت كالأديرة لا ~~يرى فيها الردائي إلا رجالا مترهبين ونساء عانسات. ذلك بكاؤكم على المرأة ~~أيها الراحمون وهذا رثاءكم لها وعطفكم عليها! نحن نعلم كما تعلمون أن ~~المرأة في حاجة إلى العلم فليهذبها أبوها أو أخوها فالتهذيب أنفع لها من ~~العلم وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم فليحسن الآباء اختيار الأزواج ~~لبناتهم وليجمل الأزواج عشرة نسائهم وإلى النور ms029 والهواء تبرز إليهما وتتمتع ~~فيهما بنعمة الحياة فليأذن لها أولياؤها بذلك وليرافقها رفيق منهم في ~~غدواتها وروحاتها كما يرافق الشاة راعيها خوفا عليها من الذئاب فإن عجزنا ~~عن أن نأخذ الآباء والإخوة والأزواج بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعها ~~على إصلاحها. # أعجب ما جب له في شؤونكم أنكم تعلمتم كل شيء إلا # PageV01P046 # شيئا واحدا هو أدنى إلى بالإغواء أن تعلموه قبل كل شيء وهو أن لكل تربة ~~نباتا ينبت فيها ولكل نبات زمنا ينمو فيه! رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلون ~~بكماليات العلوم بين أهم قد فرغت من ضرورياتهم فاشتغلتم بها مثلهم في أمة ~~لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء. # ورأيتم الفلاسفة فيها ينشرون فلسفة الكفر بين شعوب ملحدة لها من عقولها ~~وآدابها ما يغنيها بعض الغناء عن إيمانها فاشتغلتم بنشرها بين أمة ضعيفة ~~ساذجة لا يغنيها عن إيمانها شيء إن كان هناك ما يعني عنه. # ورأيتم الرجل الأوروبي حرا مطلقا يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد لأنه ~~يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود ~~التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها فأردتم أن تمحوا هذه الحرية نفسها رجلا ضعيف ~~الإرادة والعزيمة يعيش من حياته الأدبية في رأس منحدر زلق إن زلت به قدمه ~~مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يمسك حتى يبلغ الهوة ويتردى في قرارتها. # ورأيتم الزوج الأوربي الذي أطفأت البيئة غيرته وأزالت خشونة نفسه وحرشتها ~~يستطيع أن يرى زوجته تحاضر من يشاء وتصاحب من تشاء وتخلو بمن تشاء فيقف ~~أمام ذلك المشهد موقف الجامد المتبلد فأردتم الرجل الشرقي الغيور الملتهي ~~أن يقف موقفه ويستمسك استمساكه. # ورأيتم المرأة الأوربية والجريئة المتفتية في كثير من مواقفها # PageV01P047 # مع الرجال تحتفظ بنفسها وكرامتها فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة ~~الساذجة أن تبرز للرجال بروزها وتحتفظ بنفسها احتفاظها. # وكل البنات يزرع في أرض غير أرضه أو في ساعة غير ساعته إما أن تأباه ~~الأرض بالإغواء وإما أن ينشب فيها فيفسدها. # إنا نضرع إليكم ms030 باسم الشرف الوطني والحرمة الدينية أن تتركوا تلك البقية ~~الباقية من نساء الأمة مطمئنات في بيوتهن ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما ~~أزعجتم من قبلهن فكل جرح من جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف فإن أبيتم ~~إلا أن تفعلوا فانتظروا بأنفسكم قليلا ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه ~~الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا فغي حياتكم ~~الجديدة سعداء آمنين. # فما زاد الفتي على أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية وقال تلك ~~حماقات ما جئنا إلا لمعالجتها فلنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها ~~فقلت له لك أمرك في نفسك وفي أهلك فاصنع بهما ما تشاء وأذن لي أن أقول لك ~~إني لا أستطيع أن أختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاء عليك وعلى منفسي لأني ~~أعلم أن الساعة التي ينفرج لي فيها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه امرأة من ~~أهلك تقتلني جياء وخجلا ثم أنصرفت وكان هذا فراق ما بيني وبينه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانا هتك الستر في ~~منزله بين نسائه ورجاله وأن بيته أصبح مغشيا # PageV01P048 # لا تزال النعال خافقة ببابه فذرفت عيني دمعة لا أعلم هل هي دمعة الغيرة ~~على العرض المذال أو الحزن على الصديق المفقود ? مرت على تلك الحادثة ثلاثة ~~أعوام لا أزوره فيها ولا يزورني ولا ألقاه في طريقه إلا قليلا فأحييه تحية ~~الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر ثم أنطلق في سبيلي. # فإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس وقد مضى الشرط الأول من الليل إذ رأسيته ~~خارجا من منزلة يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما ~~هو يحرسه أو يقتاده فأهمني أمره ودنوت منه فسألته عن شأنه فقال لا اعلم لي ~~بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة ولا ~~أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببا وما أنا بالرجل المذنب ولا ~~المريب فهلا استطيع أن أرجوك يا صديقي ms031 بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني ~~الليلة في وجهي هذا علني احتجاج إلى بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من ~~الشؤون قلت لا أحب إلى من ذلك ومشيت معه صامتا لا أحدثه ولا يقول لي شيئا ~~ثم شعرت كأنه يزور في نفسه كلاما يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء ~~ففاتحته الحديث وقلت له ألا تستطيع أن تتذكر لهذه الدعوة سببا فنظر إلى ~~نظرة حائرة وقال إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث فقد ~~رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة وما كان ذلك شأنها من ~~قبل قلت أما كان يصحبها أحد ? قال لا قلت ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه ~~قال لا قلت # PageV01P049 # ومم تخاف عليها ? قال لا أخاف شيئا سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء ~~فلعل بعض الناس حاول العبث بها في طريقها فشرست عليه فوقعت بينهما واقعة ~~انتهي أمرها إلى مخفر الشرطة وكنا قد وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى ~~قاعة المأمور فوقفنا وكنا قد وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة ~~المأمور فوقفنا بين يديه فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها ثم استدني ~~الفتى إليه وقال لي يسوءني أن أقول لك سيدي إن رجال الشرطة قد عثورا الليلة ~~في مكان من أمكنة الريبة رجل وامرأة في مجال غير صالحة فاقتادوهما إلى ~~المخفر فزعمت المرأة أن لها بك صلة فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها فإن ~~كانت صادقة اذنا لها بالانصراف معك إكراما لاك وإبقاء على شرفك وإلا فهي ~~امرأة عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات وها هما وراءك فانظرهما وكان ~~الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته وإذا ~~الرجل أحد أصدقائه فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر وملأت نوافذه وأبوابه ~~عيونا وآذانا ثم سقط في مكانه مغشيا عليه فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة ~~إلى منزل أبيها ففعل وأطلق سبيلا صاحبها ثم حملنا الفتي في مركبة إل منزلة ms032 ~~ودعونا له الطبيب فقرر أنه مصاب بحم دماغية شديدة ولبث ساهرا بجانبه بقية ~~الليل يعالجه حتى دنا الصبح فانصرف على أن يعود متى دعوناه وعهد إلي بأمره ~~فلبثت بجانبه أرثي لحاله وانتظر قضاء الله فيه حتى رأيته يتحرك في مضجعه ثم ~~فتح عينيه فرآني فلبث شاخصا إلى هنيهة كأنما يحاول أن يقول لي شيئا فلا ~~يستطيعه فدنوت منه وقلت له هل من حاجة يا سيدي ? فأجاب بصوت ضعيف خافت ~~حاجتي أن لا يدخل علي من الناس أحد قلت لن يدخل عليك إلا من تريد فأطرق ~~هنيهة ثم رفع رأسه فإذا عيناه مخصلتان بالدموع فقلت: # PageV01P050 # ما بكاؤك يا سيدي ? قال أتعلم أين زوجتي الآن قلت وماذا تريد منها ? قال ~~لا شيء سوى أن أقول لها إني قد عفوت عنها قلت إنها في بيت أبيها قال ~~وارحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي شرفاء ~~أمجادا فألبستهم مذعوني ثوبا من العار ولا تبلوه الأيام. # من لي بمن يبلغهم عني جميعا أنني مريض مشرف وأنني أخشى لقاء الله إن ~~لقيته بدمائهم وأنني أشرع إليهم أن يصفحوا عني ويغفروا زلتي قبل أن يسبق ~~إلي أجلي. # لقد كنت أقسمت لأبيها يوم اهتدايتها أن أصون عرضها صيانتي لحياتي وأن ~~أمنعها مما أمنع منه نفسي فحنثت في يمني فهل يغفر لي ذنبي فيغفر لي الله ~~بغفرانه ? نعم إنها قتلتني ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي ~~أغمدته في صدري فلا يسألها أحد عن ذنبي. # البيت بيتي والزوجة زوجتي والصديق صديقي وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي ~~إلى زوجتي فلم يذنب إلى أحد سواي. # ثم أمسك عن الكلام هنيهة فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنشر فوق جبينه ~~شيئا فشيئا حتى لبست وجهه فزفر زفرة خلت أنها خرقت حجاب قلبه ثم أنشأ يقول. # آه ما اشد الظلام أمام عيني وما أضيق الدنيا في وجهي في هذه الغرفة على ~~هذا المقعد تحت هذا السقف كنت أراهما # PageV01P051 # جالسين يتحدثان فتملأ نفسي عبطة وسرورا وأحمد الله على أن ms033 رزقني بصديق ~~وفي يونس زوجتي في وحدتها وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي فقولوا ~~للناس جميعا أن ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته ويزعم أنه ~~أكيس الناس وأحزمهم قد أصبح يعترف اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة ~~وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها. # والهفا على أم لم تلدني وأب عاقر لا نصيب له في البنين. # لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل ولعلهم كانوا إذا مررت بهم ~~يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض أو يحدقون إلى ويطيلون النظر في ~~وجهي وليروا كيف تتمثل البلاهة في وجوه البله والغباوة في وجوه الأغبياء ~~ولعل الذين كانوا يتوددون إلي ويتمسحون بي من أصدقائي إنما كانوا يفعلون ~~ذلك من أجلها لا من أجلي ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم ويسمون زوجتي ~~موسا وبيتي ماخورا وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم!. # فوا بالإغواء لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة ووالهفا على ~~زاوية منفردة في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي. # ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه. # وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته # PageV01P052 # بجانب فراشه ثم تركته وانصرفت فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر ~~أبيه فأحس به ففتح عينيه فرآه فابتسم لمرآه وضمه إلى صدره ضمة الرفق ~~والحنان وأدنى فمه من وجهه ليقبله ثم انتفض فجأة واستسر بشره ودفعه عنه ~~بيده دفعة شديدة وأخذ يصيح أبعدوه عني لا أعرفه ليس لي أولاد ولا نساء سلوا ~~أمه عن أبيه من هو واذهبوا به إليه ? لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثرا ~~خالدا ورائي بعد مماتي وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته ~~وذهبت به فسمع صوته وهو يبتعد عنه شيئا فشيئا فأنصت إليه واستعبر باكيا ~~وصاح ارجعوه إلي فعادت به المرضع فتناوله من يدها وأنشأ يقلب نظره في وجهه ~~ويقول: # في سبيل الله يا بني ما خلف لك أبوك من اليتم وما خلفت لك أمك من العار ms034 ~~فاغفر لهما ذنبهما إليك فلقد كانت أمك امرأة ضعيفة فعجزت عن احتمال صدمة ~~القضاء فسقطت وكان أبوك حسن في جريمته التي اجترمها فأساء من حيث أراد ~~الإحسان. # سواء كنت ولدي يا بني أم ولد الجريمة فإني قد سعدت بك حقبة من الدهر فلا ~~أنسى يدك عندي حيا أو ميتا ثم احتضنه إليه وقبله في جبينه قبلة لا أعلم هل ~~هي قبلة الأب الرحيم أو المحسن الكريم ? وكان قد بلغ منه الجهد فعاودته ~~الحمى وغلت نارها في رأسه ومازال يثقل شيئا فشيئا حتى خفت عليه التلف ~~فأرسلت وراء الطبيب فجاء وألقى عليه نظرة طويلة ثم استردها مملوءة يأسا # PageV01P053 # وحزنا. # ثم بدأ ينزع نزعا شديدا ويئن أنينا مؤلما فلم تبق عين من العيون المحيطة ~~به إلا ارفضت عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها. # فإنا لجلوس حوله وفد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره وإذا امرأة ~~مؤتزرة بإزار أسود قد دخلت الحجرة وتقدمت نحوه ببطء حتى ركعت بجانبه ثم ~~أكبت على يده الموضوعة فوق صدره فقبلتها وأخذت تقول له: # لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك فإن أمه تعترف بين يديك وأنت ذاهب ~~إلى ربك أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة ولكنها لم ترتكبها فاعف عني يا ~~والد ولدي واسأل الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك فلا خير لي في ~~الحياة من بعدك. # ثم انفجرت باكية ففتح عينيه وألقي على وجهها نظرة باسمة كانت هي آخر عهده ~~بالحياة وقضى. # الآن عدت من المقبرة بعد ما دفنت صديقي بيدي وأودعت حفرة القرب ذلك ~~الشباب الناضر والروض الزاهر وجلست لكتابة هذه السطور وأنا لا أكاد أملك ~~مدامعي وزفراتي فلا يهون وجدي عليه إلا أن الأمة كانت على باب خطر عظيم من ~~اخطارها فتقدم هو أمامها إلى ذلك الخطر وحده فاقتحمه فمات شهيدا فنجت ~~بهلاكه. # PageV01P054 ### | الذكرى # " مترجمة " # وقف أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة بعد انكساره أمام جيوش الملك فردينايد ~~والملكة إيزابلا على شاطئ الخليج الرومي تحت ذيل ms035 جبل طارق قبل نزوله إلى ~~السفينة المعدة لحمله إلى أفريقيا وقد وقف حوله نساؤه وأولاده وعظماء قومه ~~من بني الأحمر فألقى على ملكه الذاهب نظرة طويلة لم يسترجعها إلا مبللة ~~بالدمع ثم أدنى رداءه من وجهه وأنشأ يبكي بكاء مرا وينشج نشيجا محزنا حتى ~~بكى من حوله لبكائه وأصبح شاطئ البحر كأنه مناحة قائمة تتردد فيها الزفرات ~~ويستبق العبرات فإنه لواقف موقفه هذا وقد ذهل عن نفسه وموقفه إذ أحس هاتفا ~~يهتف باسمه بصوت كأنما ينحدر إليه من علياء السماء فرفع رأسه فإذا شيخ ناسك ~~متكئ على عصاه واقف على باب مغارة من مغارات الجبل المشرف عليه ينظر إليه ~~ويقول: # نعم لك أن نبكي أيها الملك الساقط على ملكك بكاء النساء # PageV01P055 # فإنك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال. # إنك ضحكت بالأمس كثيرا فابك اليوم بمقدار ما ضحكت بالأمس فالسرور نهار ~~الحياة والحزن ليلها ولا يلبث النهار الساطع أن يعقبه الليل القاتم. # لو أن ما ذهب من يدك من ملكك ذهب بصدمة من صدمات القدر أو نازلة من نوازل ~~القضاء من حيث لا حول لك في ذلك ولا حيلة لهان أمره عليك أما وقد أضعته ~~بيدك إلى عدوك باختيارك فابك عليه بكاء النادم المتفجع الذي لا يجد له عن ~~مصابه عزاء ولا سلوى. # لا يظلم الله عبدا من عباده ولا يريد بأحد من الناس في شأن من الشؤون شرا ~~ولا ضيرا ولكن الناس يأبون إلا أن يقفوا على حافة الهوة الضعيفة فتزل بهم ~~اقدامهم ويمشوا تحت الصخرة البارزة المشرفة فتسقط على رءوسهم. # لم تقنع بما قسم الله لك من الزرق فأبيت إلا الملك والسلطان فنازعت عمك ~~الأمر واستعنت عليه بعدوك وعدوه فتناول رأسيكما معا وما زال يضرب أحدهما ~~بالآخر حتى سال تحت قدميكما قليب من الدم فغرقتما فيه معا. # لي فوق هذه الصخرة يا بني الأحمر سبعة أعوام أنتظر فيها هذا المصير الذي ~~صرتم إليه وأترقب الساعة التي أرى فيها آخر ملك ملكا يرحل عن هذه الديار ~~رحلة لا رجعة من بعدها ms036 لأني أعلم أن الملك الذي يتولى أمره الجاهلون ~~الأغبياء لا دوام له ولا # PageV01P056 # بقاء. # اتخذ بعضكم بعضا عدوا وأصبح كل واحد منكم حربا على صاحبه فسقتم المسلمين ~~إلى ميادين القتال يضرب بعضهم وجوه بعض والعدو رابض من ورائكم يتربص بكم ~~الدوائر ويرى أن كلا منكم قائد قواده ينبعث بين يديه لقتال أعدائه ~~والمناضلة على ملكه حتى رآكم تتهافتون على أنفسكم ضعفا ووهنا فاقتحمكم فما ~~هي إلا جولة أو جولتان حتى ظفر بكم معا. # ستقفون غدا بين يدي الله يا ملوك الإسلام وسيسألكم عن الإسلام إلى ~~أضعتموه وهبطتم به من علياء مجده حتى ألصقتم أنفه بالرغام وعن المسلمين ~~الذين بالإغواء بأيديكم إلى أعدائهم ليعيشوا بينهم عيش البائسين المستضعفين ~~عن مدن الإسلام وأمصاره التي اشتراها آباؤكم بدمائهم وأرواحهم ثم تركوها في ~~أيديكم لتذودوا عنها وتحموا ذمارها فلم تحركوا في شأنها ساكنا حتى غلبكم ~~أعداؤكم عليها فأصبحتم تعيشون فيها عيش الأذلاء وتطردون منها كما يطرد ~~الغرباء فماذا يكون جوابكم إن سئلتم عن هذا كله غدا ? ها هي النواقيس ترن ~~في شرفات المآذن بدل الأذان وها هي المساجد تطأ نعال الصليبيين في تربتها ~~مواقع جباه المسلمين وها هو المسلم يفر بدينه من مكان إلى مكان ويلوذ ~~بأكناف الهضاب والشعاب لا يستطيع أن يؤدي شعيره من شعائر # PageV01P057 # دينه إلا في غار كهذا الغار الذي أعيش فيه: # ليت المسلمين عاشوا دهرهم فوضى لا نظام لهم ولا ملك ولا سلطان كما يعيش ~~المشردون في آفاق البلاد فقد كان ذلك خيرا لهم من أن يتولى أمرهم رجال ~~مثلكم طامعون مستبدون يلفون على أعناقهم جميعا غلا واحدا يسوقونهم به إلى ~~موارد التلف والهلاك من حيث لا يستطيعون ذودا عن أنفسهم وما تفعل الفوضى ~~وبأمة ما يفعل بها الاستبداد. # يسألكم الله يا بني الأحمر عني وعن أولادي الذين انتزعتموهم من يدي ~~انتزاعا أحوج ما كنت إليهم وسقتوهم إلى ميادين القتال ليقاتلوا إخوانهم ~~المسلمين قتالا لا شرف فيه ولا فخار حتى ماتوا جميعا موت الأذلاء الأدنياء ~~فلا أنتم تركتموهم بجانبي آنس ms037 بهم في وحشتي وألجأ إلى معونتهم في شيخوختي ~~ولا أنتم ذهبتم بهم إلى ميدان قتال شريف فأتعزى عنهم من بعدهم بأنهم ماتوا ~~فداء دينهم ووطنهم. # فها أنذا عائش من بعدهم وحدي في هذا الغار الموحش فوق هذه الصخرة ~~المنقطعة أبكي عليهم وأسأل الله أن يلحقني بهم فمتى يستجيب الله دعائي ? ثم ~~أختنق صوته بالبكاء فأدار وجهه ومشى بقدم مطمئنة يتوكأ على عصاه حتى دخل ~~مغارته وغاب عن العيوب فنالت كلماته من نفس الأمير ما لم ينل منها ضياع ~~ملكه وسقوط عرشه فصاح ما هذا بشرا إنما صوت العدل الإلهي ينذرني بشقاء ~~المستقبل فوق شقاء الماضي فليصنع الله بي ما يشاء فعدل منه كل ما صنع. # PageV01P058 # ثم انحدر إلى سفينته وانحدر أهله وراءه فسارت السفينة بهم تشق عباب لماء ~~شقا فسجل التاريخ في تلك الساعة أن قد تم جلاء العرب عن الأندلس بعد ما ~~عمروها ثمانمائة عام. # بعد مرور أربعة وعشرين عاما على تلك الحوادث لم يبق في إفريقية حي من بني ~~الأحمر إلا فتى في العشرين من عمره أسمه سعيد لم ير غرناطة ولا قصر الحمراء ~~ولا المرج ولا جنة العريف ولا نهر شنيل ولا عين الدمع ولا جبل الثلج ولكنه ~~ما زال يحفظ في ذاكرته من عهد الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي ~~كان يترنم بها نساء قومه حول مهده ويرددون فيها ذكر آبائه وأجداده وآثار ~~أيديهم وعزة سلطانهم في تلك البقاع وتلك المراثي المحزنة المؤثرة التي بكي ~~فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والملك المضاع فكان كلما خلا إلى نفسه ~~ردد تلك المراثي بنغمة شجية محزنة تستثير عبرته وتهيج أشجانه فلا يزال يبكي ~~وينتحب حتى يشرف على التلف. # فكان لا يتمنى على الله من كل ما يتمنى امرؤ على ربه في # PageV01P059 # حياته إلا أن يرى غرناطة ساعة من زمان يشفي بها غلة نفسه ثم ليصنع الدهر ~~به بعد ذلك ما يشاء. # وكان كلما هم بالذهاب إليها قعد به عن ذلك أن وراءه عجوزا من أهله مريضة ~~وما كان ms038 يستطيع أن يتركها ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشأنها حتى ~~وافاها أجلها فركب البحر من سبتة إلى شاطئ ملقة ثم انحدر منها إلى غرناطة ~~متنكرا في ثوب طبيب عربي من أطباء الأعشاب بتقبل في جيال الأندلس وسهولها ~~حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل فوقف على هضبة من هضاب جبل الثلج فرأى الأموال ~~تنزلق عنه في هدوء وسكون كأنها فوق سطحه اللامع المتلألئ قميص من النور أو ~~قبة من البلور حتى تصل إلى سفحه فإذا هي حيات بيضاء مذعورة تنبعث ههنا ~~وههنا لا هم إلا النجاة من يد مطاردها حتى تعثر بجدول ماء في طريقها فتدعم ~~فيه وتنساب في أحشائه. # ثم التفت إلى المدنية فرأى على البعد أبراجها العقيقية الحمراء وقبابها ~~لعالية الشماء ومآذنها الذاهبة في جو السماء فوقف أمام هذا المنظر الجليل ~~المهيب موقف الخاشع المتخضع وضم إحدى يديه إلى الأخرى ووضعها على صدره ~~كأنما هو قائم أمام المحراب يؤدي صلاته ولبث على ذلك برهة ثم صاح بصوت عال ~~رددته الغابات والحرجات يقول. # هدا ميراث آبائي وأجدادي لم يبق لي منه إلا وقفة بين يديه كوقفة الثاكل ~~المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي والآثار الدوارس. # هذه مضاجعهم ينام فيها أعداؤهم وهم لا مضاجع لهم # PageV01P060 # إلا رمال الصحراء وكثبان الفلوات. # هذه قصورهم تشرف على الأرض الفضاء وتطل من عيون نوافذها كأنما تترقب أن ~~يعودوا إليها فيعمروها كما كانوا فلا يفعلون. # هذه قبابهم بالإغواء رافعة رأسها ليلها ونهارها إلى السموات العلا تدعو ~~الله أن يعيد إليها بناتها وحماتها فلا يستجاب لها دعاء. # في هذه البساتين كانوا ينعمون وتحت هذه الظلال كانوا يقلون وعلى ضفاف هذه ~~الأنهار كانوا يغدرون ويروحون واليوم لا غاد منهم ولا رائح ولا سانح تحت ~~هذه السماء ولا بارح ثم نظر إلى الأفق فرأى الشمس تنحدر إلى بالإغواء ورأى ~~جيش الليل يطرد فلول جيش النهار فيبددها بين يديه تبديدا فتهافت على نفسه ~~وهو يقول: # هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار وهكذا ~~تنشر سحب الموت على ms039 وجه الحياة. # ثم توسد ذراعه واستغرق في نومه بين وطاء الأرض وغطاء السماء فلم يستفق ~~حتى مضت دولة الليل فمشى إلى نهر جار في سفح الجبل فصلى عنده صلاة الفجر ثم ~~انحدر إلى المدنية يفتش عن خان يأوي إليه فلم يجد في طريقه من يرشده إلى ~~طلبته حتى بلغ نهر شنيل فمشى على ضفته يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر ~~يقظة المدينة بعد هجعتها. # وإنه لكذلك إذ انفتح بين يديه باب قصر عظيم وإذا فتاة # PageV01P061 # إسبانية خارجة منه قد على وجهها خمارا أسود شفافا وأرسلت على صدرها صليبا ~~ذهبيا صغيرا ومشى وراءها غلام يحمل على يده الكتاب المقدس فلمحته في مكانه ~~فأدهشها موقفه فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها فإذا الشمس طالعة حسنا وبهاء ~~وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة أغريب أنت عن هذا البلد أيها الفتي ~~قال نعم لقد نزلت به الساعة فلم أعرف طريق الخان الذي يأوي إليه الغرباء ~~ولم أجد في طريقي من يدلني عليه فسمعت في صوته رنة الشرف ورأت بين أعطافه ~~مخائل النعمة فأهمها أمره وأشارت إليه أن يتبعها لتدله على ما يريد فمشى ~~بجانبها حتى بلغا موضع الخان فحيته بابتسامة عذبة وقالت له لا تنس أن ~~تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة ثم سارت في طريق كنيستها. # كما أن السماء في ظلمة الليل تختلف إليها النجوم فتضيء صفحتها وتمر بها ~~الشهب فتلمع في أرجائها حتى إذا طلعت الشمس من مشرقها محا ضوؤها ضوء جميع ~~تلك النيرات كذلك القلب الإنساني لا تزال تمر به مختلف العواطف وأشتات ~~والأهواء مجتمعة ومفترقة حتى إذا بلغ وأشرقت عليه شمس الحب غربت بجانبها ~~جميع تلك العواطف والأهواء. # فقد أصبح الأمير ينظر إلى غرناطة منذ الساعة بعين غير العين التي كان ~~ينظر بها إليها من قبل ويرى في وجهها صورة الأنس بعد الوحشة والنور بعد ~~الظلمة والحياة بعد الموت فسكن ثائره وبردت جوانحه وهدأت نفسه ثورة الغضب ~~التي كانت # PageV01P062 # لا تزال تعتلج بين أضلاعه فكان إذا مر بمسجد من ms040 تلك المساجد التي استحالت ~~إلى كنائس استطاع أن يقف أمامه هنيهة عله يرى الفتاة الإسبانية بين ~~الداخلات إليه أو الخارجات منه وإذا رأى الصليب مشرفا على رأس مئذنة ذكر ~~الصليب الذهبي الجميل وإذا سمع أصوات النواقيس ترن في أجواز الفضاء ذكر أنه ~~كان يسمع ذلك الصوت الرنان في الساعة التي رآها فيها فأنس به وسكنت نفسه ~~إليه. # وكذلك أصبح هذا الأمير المسكين ولا هم له إلا أن يتمشى صبيحة كل يوم على ~~ضفاف نهر شنيل يقلب نظره في أبواب القصور المشرفة على ذلك النهر عله يعرف ~~قصر الفتاة فلا يعرفه وفي وجوه الغاديات والرائحات من الفتيات عله يراها ~~بينهن فلا يراها حتى إذا نال منه اليأس انكفأ راجعا إلى مقبرة آبائه في ~~ظاهر الدينة فجلس بين القبور يذرف دموعا غزارا لا يعلم هل هي دموع الذكرى ~~القديمة أو دموع الذكرى الجديدة. # نكب الدهر فلورندا منذ عامين نكبة لا تزال لوعتها متصلة بقلبها حتى اليوم ~~فقد كان أبوها رئيس جميعة العصابة المقدسة التي قامت في وجه الحكومة أعواما ~~طوالا تطالبها بالحرية الدينية والشخصية لجميع الشعوب الحكومة على اختلاف ~~مذاهبها وأجناسها حتى أعيار رجال الحكومة أمره. # التي ماتت على أثره حزنا شديدا ما كان يفارقها في جميع غدواتها # PageV01P063 # وروحاتهم فأصبحت وهي لم تسلخ الثامنة من عمرها تعيش في قصرها عيش ~~الزاهدات المتبتلات فكان لا يراها الرائي إلا ذاهبة إلى الكنيسة أو عائدة ~~منها لا يصحبها إلا غلامها أو واقفة على أطلال الدولة الماضية ورسومها تقلب ~~فيها نظر العظة والاعتبار أو هائمة على وجهها في مروج غرناطة وبساتينها حتى ~~ينزل ستار الليل فتعود إلى قصرها وكذلك كان شأنها في جميع أيامها حتى سماها ~~أهل غرناطة الراهبة الجميلة. # فإنها لسائرة يوما بجانب مقبرة بني الأحمر إذ لمحت على البعد فتى عربيا ~~مكبا على أحد القبور كأنما يقبل صفائحه ويبل تربته بدموعه فرثت لحاله ومشت ~~نحوه حتى دنته فأحس بها فرفع رأسه فعرفها وعرفته فقالت له إنك تبكي ملوكك ~~بالأمس أيها الفتي فابكهم كثيرا فقد ms041 جف تراب قبورهم لقلة من يبكي عليهم قال ~~أترثين لهم يا سيدتي قالت نعم لأنهم كانوا عظماء فنكبهم الدهر وليس أحق ~~بدموع الباكين من العظماء الساقطين قال شكرا لك يا سيد فهذه أول ساعة شعرت ~~فيها ببرد العزاء يدب في صدري منذ وطئت قدماي أرضكم هذه قالت هل زرت قصورهم ~~وآثارهم التي تركوها من بعدهم في هذه الديار فأطرق قليلا ثم رفع رأسه فإذا ~~دمعة تترجرج في مقلتيه وقال لا يا سيدتي لقد حاولت الدنو منها فطردني عنها ~~الموكلون بأبوابها كأنما هم يجهلون أن ليس بين الأحياء جميعهم في هذا ~~العالم كله من هو أولى بها مني قالت أتمت إلي أحد من أصحابها بنسب أو رحم ~~قال لا يا سيدتي ولكني عبدهم ومولاهم وصنيعة أيديهم وغرس نعمتهم فلا أنسى # PageV01P064 # ولاءهم ما حييت قالت إن رأيتك غدا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ذهبت ~~بك إلى ما تريد منها قال لئن فعلت لا يكونن امرؤ على وجه الأرض أشكر لنعمتك ~~مني فحيته وانصرفت ومضى هو إلى خانه بين صبابة تقيمه وتقعده وأمل يميته ~~ويحييه. # وفت فلورندا لصديقها العربي بما وعدته به فجاءته في اليوم الثاني فأزارته ~~بعض الآثار ثم جاءته في ليوم الثالث فأزارته بعضا آخر منها وهكذا ما زالا ~~يجتمعان كل يوم ويفترقان ويختلفان إلى ما شاء من الرسوم والآثار لا ينكر ~~الناس من أمرهما شيئا فقد كانوا إذا رأوهما معا إن الراهبة الجميلة تحاول ~~أن تهديد الفتي العربي إلى دينها القويم حتى استحال العطف الذي كانت تضمره ~~له في نفسها مع الأيام إلى حب شديد وكذلك العطف دائما طريق الحب أو هو الحب ~~نفسه لابسا ثوبا غير ثوبه إلا أن أحدا منهما لم يجرؤ أن يكاشف صاحبه بما ~~أضمره له في نفسه حتى جاء اليوم الذي عزم فيه على زيادة قصر الحمراء وهو ~~آخر ما بقي بين أيديهما من الآثار فلا لقاء بينهما بعد اليوم. # وقف الأمير امام قصر الحمراء فرأى سماء تطاول السماء وطودا يناطح الجوزاء ~~وهضبة ms042 تشرف على الهضاب وسحابة تمر فوق السحاب وجبلا تحسر عن قمته العيون ~~وتضل في جوانبه الظنون وحصنا تتقاصر عنه يد الأيام وتتهافت من حوله السنون ~~والأعوام ثم دخل فإذا ملك كبير وجنة وحرير وقباب تقضي إليها النجوم ~~بالأسرار وأبراج تنزلق عن سطوحها يد الأقدار وصحون مفروشة بألوان الحصباء ~~كأنها الرياض # PageV01P065 # الزهراء وجدران صقيلة ملساء تصف ما بين يديها من الأشياء كما تصف المرآة ~~وجه الحسناء وكأن كل جدار منها لجة متلاطمة الأمواج يحبسها عن الجريان لوح ~~من زجاج فمشى يقلب نظر العظة والاعتبار بين تلك المشاهد والآثار ويتنغم في ~~نفسه يقول القائل. # وقفت بالحمراء مستعبرا معتبرا أندب أشتاتا فقلت يا حمراء هل وجعة قالت ~~وهل يرجع من ماتا فلم أزل أبكي على رسمها هيهات يغني الدمع هيهات كأنما ~~آثار من قد مضوا نوادب يندبن أمواتا حتى وصل إلى الساحة الكبرى فرأى صحنا ~~مفروشا ببساط من المرمر الأصفر قد دارات به في جهاته الأربع أربعة صفوف من ~~الأعمدة النجاف الطوال وتراءت في جوانبه حجرات متقابلات تعلوها قباب مشرفات ~~فعلم أنها حجرات الأمراء والأميرات من أهل بيته فهاجت في نفسه الذكرى وشعر ~~أن صدره يحاول أن يبكي أمام فلورندا فتركها في مكانها لاهية عنه بالنظر إلى ~~بعض النقوش ومشى إلى بعض تلك القاعات حتى داناها فكان أول ما تناول نظره ~~منها سطرا مكتوبا على بابها فما قرأه حتى صباح صيحة شديدة قائلا وا أبتاه ~~وسقط مغشيا عليه فلم يستفيق إلا بعد ساعة طويلة ففتح عينيه فوجد رأسه في ~~حجر فلورندا ووجد في عينها آثار البكاء فقالت له لقد كنت اعلم قبل اليوم ~~أنك تكاتمني شيئا من أسرار نفسك والآن عرفت أنك لست عبد بني الأحمر ولا ~~مولاهم كما تقول ولكنك أحد أمرائهم وأنك الساعة في قصر جدك وأمام حجرة # PageV01P066 # أبيك فما أسوأ حظكم يا بني الأحمر وما أعظم شقائك أيها الأمير المسكين ~~فلم يجد سبيلا بعد ذلك إلى كتمان أمره فأنشأ يقص عليها قصته وقصة أهل بيته ~~وما صنعت يد الدهر بهم ms043 منذ جلوا عن الأندلس حتى اليوم فلما فرغ من قصته نظر ~~إليها نظرة منكسرة وقال لها فلورندا إن جميع ما لقيته من الشقاء بالأمس ~~يصغر بجانب الشقاء الذي تدخره لي الأيام غدا قالت وأي شقاء ينتظرك أكثر مما ~~أنت فيه فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه وقال أنني أستطيع أن أحتمل كل شيء في ~~الحياة إلا أن أفارقك فراقا لا لقاء من بعده قالت أتحبني أيها الأمير ? قال ~~نعم حب الزهرة الذابلة للقطرة الهاطلة قالت وهل تستطيع أن تحب فتاة مسيحية ~~لا تدين بدينك ? قال نعم لأن طريق الدين في القلب غير طريق الحب ولقد وجدت ~~فيك الصفات التي أحبها فأحببتك لها ثم لا شأن لي بعد ذلك فيما تعتقدين قالت ~~وهل تستطيع أن تحب بلا أمل قال ولم لا يكون الحب نفسه غاية من الغايات التي ~~نجد فيها السعادة إن ظفرنا بها ومتى كان للسعادة فيهذه الحياة نهاية محدودة ~~فلا نجد الراحة إلا إذا وصلنا إلي نهايتها ? وكان الليل قد أظلها فبرحا ~~مكانهما ومشيا يتحدثان حتى بلغا الموضع الذي اعتادا أن يفترقا فيها فوضعت ~~فلورندا يده في يدها وقالت له سأحبك كما أحببتني أيها الأمير وسيكون حي لك ~~بلا أمل كحبك كما أحببتني أيها الأمير وسيكون حي لك بلا أمل كحبك ولقد فرق ~~الدين بين جسدينا فليجمع الحب بين قلبينا وتركته وانصرفت. # ثم مرت بهما بعد ذلك أيام سعدا فيها بنعمة العيش سعادة أنستهما جميع ما ~~لقيا في حياتهما الماضية من شقاء وعناء فأصبحا # PageV01P067 # فوق أرض غرناطة وتحت سمائها طائرين جميلين يطيران حيث يصفو لهما وجه ~~السماء وترقرق صفحة الهواء ويقعان حيث يطيب لهما التغريد والتنفير فليت ~~الدهر ينام عنهما ويتركهما وشأنهما ولا ينفس عليهما هذه الساعات القليلة من ~~السعادة التي ابتاعاها بكثير من دموعهما وآلامهما والتي لا يملكان من سعادة ~~الحياة سواها فإن خسراها خسرا كل شيء ? بينما هما جالسان ذات يوم على ضفة ~~جدول من جداول عين الدمع إذ مر بهما الدون رودريك ابن حاكم مدينة غرناطة ~~فرآها ms044 في مجلسها هذا من حيث لا يريانه وكان قد رأى فلورندا قبل اليوم ~~فأحبها فاختلف إلى منزلها أياما يتحبب إليها ويدعوها إلى الزواج منه فأبت ~~أن تصغي إليه وقالت له إنني لا أتزوج ابن قاتل أبي فانصرف بلوعة لا تزال ~~كامنة ف ينفسه حتى اليوم فلما رآها جالسة مجلسها هذا زعم في نفسه أنها ما ~~أوصدت باب قبلها في وجهه إلا لأنها كانت قد فتحته من قبل لذلك الفتي العربي ~~الجميل الذي يجالسها فذهب إلى قصرها في اليوم الثاني ليفضي إليها بما وقع ~~في نفسه فأبت أن تقابله فخرج غاضبا يحدث نفسه بأفظع أنواع الانتقام. # وما هي إلا أيام قلائل حتى سيق الأمير سعيد بن يوسف بن أبي عبد الله سليل ~~بني الأحمر ملوك هذه البلاد بالأمس ومؤسسي مجدها وعظمتها وبناة قلاعها ~~وحصونها وأصحاب قصورها وبساتينها ذليلا مهانا إلى محكمة التفتيش متهما ~~بمحاولة إغراء فتاة مسيحية بترك دينها وهي عندهم أفظع الجرائم وأهولها. # PageV01P068 # وقف الأمير أمام قضاة محكمة التفتيش فسأله الرئيس عن تهمته فأنكرها فلم ~~يحفل بإنكاره وقال له لا يدل على براءتك إلا أمر واحد وهو أن تترك دينك ~~وتأخذ بدين المسيح فطار الغضب في دماغه وصرخ صرخة دوت بها أرجاء القاعة ~~وقال: # في أي كتاب من كتبكم وفي أي عهد معهود أنبيائكم ورسلكم أن سفك الدم عقاب ~~الذين لا يؤمنون بإيمانكم ولا يدينون بدينكم ? من أي عالم من عوالم الأرض ~~أو السماء أتيتم بهذه العقول التي تصور لكم أن الشعوب تساق إلى الإيمان ~~سوقا وأن العقائد تسقى للناس كما يسقى الماء والخمر ? أين العهد الذي ~~اتخذتموه على أنفسكم يوم وطئت أقدامكم هذه البلاد أن تتركونا أحرارا في ~~عقائدنا ومذاهبنا وأن لا تؤذونا في عاطفة من عواطف قلوبنا ولا في شعيرة من ~~شعائر ديننا ? أهذا الذي تصنعون اليوم والذي صنعتم بالأمس هو كل ما عندكم ~~من الوفاء بالعهود والرعي للذمم ? نعم لكم أن تفعلوا ما تشاءون فقد خلا لكم ~~وجه البلاد وأصبحتم القوة والسلطان فيها وللسلطان عزة ولا تبالي ms045 بعهد ولا ~~وفاء. # إن العهود التي يكون بين الأقوياء والضعفاء إنما هي سيف قاطع في يد ~~الأولين وغل ملتف على أعناق الآخرين فلا أقال الله عثرة البلهاء ولا أقر ~~عيون الأغبياء. # أنتم أقوياء ونحن ضعفاء فأنتم أصحاب الحق الأبلج والحجة # PageV01P069 # القائمة فاصنعوا ما شئتم فها حقكم الذي خولتكم إياه قوتكم. # اسفكوا من دمائنا ما شئتم واسلبوا من حقوقنا ما أردتم واملكوا علينا ~~مشاعرنا وعقولنا حتى لا ندين إلا بما تدينون ولا نذهب إلا حيث تذهبون فقد ~~عجزنا عن أن نكون أقوياء فلا بد أن ينالنا ما ينال الضعفاء. # ثم حاول الاستمرار في حديثه فقاطعه الرئيس وأمر أن يساق إلى ساحة الموت ~~التي هلك فيها من قبله عشرة آلاف من المسلمين قتلا أو حرقا فسيق إليها ~~وأجتمع الناس حول مصرعه رجالا ونساء وما جرد الجلاد سيفه فوق رأسه حتى سمع ~~الناس صرخة امرأة بين الصفوف فالتفتوا فلم يعرفوا مصدرها وما هي إلا غمضة ~~وانتباهة أن سقط ذلك الرأس الذي ليس له مثيل. # يرى المار اليوم بجانب مقبرة نبي الأحمر في ظاهر غرناطة قبرا جميلا ~~مزخرفا هو قطعة واحدة من الرخام الأزرق الصافي قد نحتت في سطحها حفرة وفاء ~~تمتلئ بماء المطر فيهوى إليها الطير في أيام الصيف الحار فيشرب منها ونقشت ~~على ضلع من أضلاعها هذه السطور: # هذا قبر آخر بني الأحمر من صديقته الوفية بعهده حتي الموت فلورندا فيليب # PageV01P070 ### | الهاوية # موضوعة # ما أكثر أيام الحياة وما اقلها ? لم أعش من تلك الأعوام الطوال التي ~~عشتها فيهذا العالم إلا عاما واحدا مر بي كما يمر النجم الدهري في مساء ~~الدنيا ليلة واحدة ثم لا يراه الناس بعد ذلك. # قضيت الشطر الأول من حياتي أفتش عن صديق ينظر إلى أصدقائه بعين غير العين ~~التي ينر بها التاجر إلى سلعته والزارع إلى ماشيته فأعوزني ذلك حتي عرفت ~~فلانا منذ ثماني عشرة عاما فعرفت امرأ ما شئت أن أرى خلة من خلال الخبر ~~والمعروف في ثياب رجل إلا وجدتها فيه ولا تخليت صورة من ms046 صور الكمال ~~الإنساني في وجه إنسان إلا أضاءت لي في وجهه فجلت مكانته عندي ونزل من نفسي ~~منزلة لم ينزلها أحد من قبله وصفت كأس الود بيني وبينه لا يكدرها علينا ~~مكدر حتى عرض إلى من حوادث الدهر ما أزعجني من مستقري فهجرت القاهرة إلى ~~مسقط راسي غير أسف على شيء فيها إلا على فراق ذلك الصديق الكريم فتراسلنا ~~حقبة من الزمن ثم فترت عيني كتبه ثم انقطعت فحزنت لذلك حزنا شديدا وذهبت بي ~~الظنون في شا ; ه كل مذهب إلا أن أرتاب في صدقه ووفائه وكنت كما هممت ~~بالمسير إليه لتعرف حاله قعد بي عن ذلك هم كان يقعدني عن كل شأن # PageV01P071 # حتى شأن نفسي فلم أعد إلى لقاهرة إلا بعد أعوام فكان أول همي يوم هبطت ~~أرضها أن أراه فذهبت إلى منزله في الساعة الأولى من الليل فرأيت ما لا تزال ~~حسرته متصلة بقلبي حتى اليوم. # تركت هذا المنزل فردوسا صغيرا من فراديس الجنان تتراءى فيه السعادة في ~~ألوانها المختلفة وتترقرق وجوه ساكنيه بشرا وسرورا ثم زرته اليوم فخيل إلي ~~أنني أمام مقبرة موحشة ساكنة لا يعتف فيها صوت ولا يتراءى في جوانبها شبح ~~ولا يلمع في أرجائها مصباح فظننت أني أخطأت المنزل الذي أريده أو أنني بين ~~يدي منزل مهجور حتى سمعت بكاء طفل صغير ولمحت في بعض النوافذ نورا ضعيفا ~~فمشيت إلى الباب فطرقته فلم يجنبني أحد فطرقته أخرى فلمحت من خصاصه نورا ~~مقبلا ثم لم يلبث أن انفرج لي عن وجه غلام صغير في أسمال بالية يحمل في يده ~~مصباحا ضئيلا فتأملته على ضوء المصباح فرأيت في وجهه صورة أبيه فعرفت أنه ~~لك الطفل الجميل المدلل الذي كان بالأمس زهرة هذا المنزل وبدر سمائه فسألته ~~عن أبيه فأشار إلي بالدخول ومشى أمامي بمصاحبه حتى وصل بي إلى فأشار إلى ~~بالدخول ومشى أمامي بالإغواء حتى وصل بي إلي قاعة شعثاء مغبرة بالية ~~المقاعد والأستار ولولا نقوش لاحت لي في بعض جدرانها كباقي الوشم في ظاهر ~~اليد ms047 ما عرفت أنها القاعة التي قضينا فيها ليالي السعادة والهناء اثني عشر ~~هلالا ثم جرى بيني وبين الغلام حديث قصير عرف فيه من أنا وعرفت أن أباه لم ~~يعد إلى المنزل حتى الساعة وأنه عائد عما قليل ثم تركني ومضى وما ليبث إلا ~~قليلا حتى عاد يقول لي إن والدته تريد أن تحدثني حديثا يتعلق بأبيه فخفق ~~قلبي خفقة # PageV01P072 # الرعب والخوف وأحسست بشر لا أعرف مأتاه ثم التفت فإذا امرأة ملتفة برداء ~~أسود واقفة على عتبة الباب فحيتني فحييتها ثم قالت لي هل علمت ما صنع الدهر ~~بفلان من بعدك قلت لا فهذا أول يوم هبطت فيه هذا البلد بعد ما فارقته سبعة ~~أعوام قالت ليتك لم تفارقه فقد كنت عصمته التي يعتصم بها وحماه من غوائل ~~الدهر وشروره فما هو إلا أن فارقته حتى أحاطت به زمرة من زمر الشيطان وكان ~~فني كما تعلمه غريرا ساذجا فما زالت تغريه بالشر وترين له منه ما يزين ~~الشيطان للإنسان حتى سقط فيها فسقطنا جميعا في هذا الشقاء الذي تراه قلت ~~وأي شر تريدين يا سيدتي ومن هم الذين أحاطوا به بالإغواء قالت سأقص عليك كل ~~شيء فاستمع لما أقول: # ما زال الرجل بخير اتصل بفلان رئيس ديوانه وعلقت حباله وأصبح من خاصته ~~الذين لا يفارقون مجلسه حيث كان ولا تزال نعالهم خافقة وراءه في غدواته ~~وروحاته فاستحال من ذلك اليوم أمره وتنكرت صورة أخلافه وأصبح منقطعا عن ~~أهله وأولاده لا يراهم إلا الفنية بعد الفنية وعن منزله لا يزوره إلا في ~~أخريات الليالي ولقد اغتبطت في مبدأ الأمر بتلك الحظوة التي نالها عند ذلك ~~الرئيس والمنزلة التي نالها من نفسه ورجوت له من ورائها خيرا كثيرا مغتفرة ~~في سبيل ذلك ما كنت أشعر به من الوحشة والألم لانقطاعه عني وإغفاله أمري ~~وأمر أولاده حتى عاد في ليلة من الليالي شاكيا متألما يكابد غصصا شديدة ~~وآلاما جساما فدنوت منه فشممت من فمه رائحة الخمر # PageV01P073 # فعلمت كل شيء. # علمت أن ذلك الرئيس العظيم ms048 هو قدوة مرءوسيه في الخير إن سلك طريق الخير ~~والشر إن سلك طريق الشر قاد زوجي الفتي المسكين إلى شر الطريقين وسلك به ~~أسوأ السبيلين وأنه ما كان يتخذه صديقا كما زعم بل نديما على الشراب فتوسلت ~~إليه بكل عزيز عليه وسكبت على يديه من الدموع كل ما تستطيع أن تسكبه عين ~~رجاء أن يعود إلى حياته الأولى التي كان يحياها سعيدا بين أهله وأولاده فما ~~أجديت عليه شيئا ثم علمت بعد ذلك أن اليد التي ساقته إلى الشراب قد ساقته ~~إلى اللعب فلم أعجب لذلك لأني أعلم أن طريق الشر واحدة فمن وقف على رأسها ~~لابد له أن ينحدر فيها حتى يصل إلى نهايتها فأصبح ذلك الفني النبيل الشريف ~~الذي كان يعف بالأمس عن شرب الدواء إذا اشتم فيه رائحة النبيذ ويستحي أن ~~يجلس في مجتمع يجلس فيه قوم شاربون سكيرا مقامرا مستهترا لا بالإغواء ولا ~~يتلوم ولا يبقي عارا ولا مأثما وأصبح ذلك الأب الرحيم والزوج الكريم الذي ~~كان يضن بأولاده أن يعلق بهم الذر وبزوجه أن يتهجم لها وجه السماء أبا ~~قاسيا وزوجا سليطا يضرب أولاده كلما دنو منه ويشتم زوجته وينتهرها كلما ~~رآها وأصبح ذلك الرجل الغيور الضنين بعرضه وشرفه لا يبالي أن يعود إلى ~~المنزل في بعض الليالي في جمع من عشرائه الأشرار فيصعد بهم إلى الطبقة التي ~~أنام فيها أنا وأولادي فيجلسون في بعض غرفها ولا يزالون يشربون ويقصفون حتى ~~يذهب بعقولهم الشراب فيهتاجوا ويرقصوا بالإغواء الجو # PageV01P074 # صراخا وهتافا ثم يتعادوا بعضهم وراء في الأبهاء والحجرات حتى يلجوا على ~~باب غرفتي وربما حدق بعضهم في وجهي أو حاول نزع خماري على مرأى من زوجي ~~ومسمع فلا يقول شيئا ولا يستنكر أمرا فأفر بين أيديهم من مكان إلى مكان ~~وربما فررت من المنزل جمعيه وخرجت بلا إزار ولا خمار غير إزار الظلام ~~وخماره حتى أصل إلى بيت جارة من جاراتي فأقضي عندهم بقية الليل. # وهنا تغيرت نغمة صوتها فأمسكت عن الحديث وأطرقت برأسها فعلمت أنها ms049 تبكي ~~فبكيت بيني وبين نفسي لبكائها ثم رفت رأسها وعادت إلى حديثها تقول: وما هي ~~إلا أعوام قلائل حتى أنفق جميع ما كان في يده من المال فكان لابد له أن ~~يستدين ففعل فأثقله الدين فرهن فعجز عن الوفاء فباع جميع ما يملك حتى هذا ~~البيت الذي نسكنه ولم يبق في يده غير راتبه الشهري الصغير بل لم يبق في يده ~~شيء حتى راتبه لأنه لا يملكه إلا ساعة من نهار ثم هو بعد ذلك ملك للدائنين ~~أو غنيمة للمقامرين. # هذا ما صنعت يد الدهر به أما ما صنعت بي وبأولادي فقد مر على آخر حلية ~~بعتها من حلاي عام كامل وها هي حوانيت المرابين والمسترهنين ملأى بملابسي ~~وأدوات بيتي وأثاثه ولولا رجل من ذوي بالإغواء رقيق الحال يعود علي من حين ~~إلى حين بالنزر القليل مما يستله من أشداق عياله لهلكت # PageV01P075 # وهلك أولادي جوعا. # فلعلك تستطيع يا سيدي أن تكون عونا لي على هذا الرجل المسكين فتنقذه من ~~شقائه وبلائه بما ترى له في ذلك الرأي الصالح وأحسب أنك تقدر منه للمنزلة ~~التي تنزلها من نفسه على ما عجز عنه الناس جميعا فإن فعلت أحسنت إليه ~~وإلينا إحسانا لا ننسى يدك فبه حتى الموت. # ثم حيتني ومضت لسبيلها فسألت الغلام عن الساعة التي استطيع أن أرى أباه ~~فيها في المنزل فقال إنك تراه في الصباح قبل ذهابه إلى الديوان فانصرفت ~~لشأني وقد أضمرت بين جنبي لوعة ما زالت تقيمني وتقعدني وتذود عن عيني سنة ~~الكرى حتى انقضى الليل وما كاد ينقضي. # ثم عدت في صباح اليوم الثاني لأرى ذلك الصديق القديم الذي كنت بالأمس ~~أسعد الناس به ولا أعلم ما مصير أمري معه بعد ذلك وفي نفسي من القلق ~~والاضطراب ما يكون في نفس الذاهب إلى ميدان سباق قد خاطر فيه بجميع ما ~~يمتلك فهو لا يعلم أيكون بعد ساعة أسعد الناس أم أشقاهم ? الآن عرفت أن ~~الوجوه مرايا النفوس تضيء بضيائها وتظلم بظلامها فقد فارقت الرجل منذ سبع ms050 ~~سنوات فأنستني الأيام صورته ولم يبق في ذاكرتي منها إلا ذلك الضياء اللامع ~~ضياء الفضيلة والشرف الذي كان يتلألأ فيها تلألؤ نور الشمس # PageV01P076 # في صفحتها فلما رايته الآن ولم أر أمام عيني تلك الغلالة البيضاء التي ~~كنت أعرفها خيل إلي أنني أرى صورة غير الصورة الماضية ورجلا غير الذي كنت ~~أعرفه من قبل. # لم أر أمامي ذلك الفتي الجميل الوضاح الذي كان كل منبت شعرة في وجهه فما ~~ضاحكا تموج فيه ابتسامة لامعة بل رايت مكانه رجلا شقيا منكوبا قد لبس الهرم ~~قبل أوانه وأوفي على الستين قبل أن يسلخ الثلاثين فاسترخى حاجباه وثقلت ~~أجفانه وجمدت نظراته وتهدل عارضاه وتجعد جبينه استشرف عاتقاه وهوى رأسه ~~بينهما هوية بين عاتقي الأحدب فكان أول ما قلت له لقد تغير فيك كل شيء يا ~~صديقي حتى صورتك وكأنما ألم بما في نفسي وعرف أني قد علمت من أرمه كل شيء ~~فأطرق برأسه إطراق من يرى أن باطن الأرض خير له من ظهرها ول يقل شيئا فدنوت ~~منه وضعت يدي على عاتقه وقلت له: # والله ما ادري ماذا أقول لك ? أأعظك وقد كنت واعظي بالأمس ونجم هداي الذي ~~أستنير به في ظلمات حياتي ? أم أرشدك إلى ما أوجب الله عليك في نفسك وفي ~~أهلك ولا أعرف شيئا أنت تجهله ولا تصل يدي إلى عبرة تقصر يدك عن نيلها أم ~~أسترحمك لأطفالك الضعفاء وزوجتك البائسة المسكينة التي لا عضد لها في ~~الحياة ولا معين سواك وأنت صاحب القلب الرحيم الذي طالما خفق بالبعداء ~~فأحرى أن يخفق رحمة بالأقرباء!. . . # إن هذه الحياة التي تحياها يا سيدي إنما يلجأ إليها الهمل العاطلون # PageV01P077 # الذين لا يصلحون لعمل من الأعمال ليتواروا فيها عن أعين الناس حياء وخجلا ~~حتى يأتيهم الموت فينقذهم عن هارهم وشقائهم وما أنت بواحد منهم! إنك تمشي ~~يا سيدي في طريق القبر وما أنت بناقم على الدنيا ولا يتبرم بها فما رغبتك ~~في الخروج منها خروج اليائس المنتحر عذرتك لو أن ما ربحت في حياتك الثانية ms051 ~~يقوم لك مقام ما خسرت من حياتك الأولى ولكنك تعلم أنك كنت غنيا فأصبحت ~~فقيرا وصحيحا فأصبحت سقيما وشريفا فأصبحت وضيعا فإن كنت ترى بعد ذلك أنك ~~سعيد فقد خلت رقعة الأرض من الأشقياء. # إن كل ما يعنيك من حياتك هذه أن تطلب فيها الموت فاطلبه بالإغواء سم ~~تشربها دفعة واحدة فذلك خير لك من هذا الموت المتقطع الذي يكثر فيه عذابك ~~وألمك وتعظم فيه آثامك وجرائمك وما يعاقبك الله على الأخرى بأكثر مما ~~يعاقبك على الأولى. # حسبنا يا صديق من الشقاء في هذه الحياة ما يأتينا به القدر فلا نضم إليه ~~شقاء جديدا نجلبه بأنفسنا لأنفسنا فهات يدك وعاهدني على أن تكون لي منذ ~~اليوم كما كنت لي بالأمس فقد كنا سعداء قبل أن نفترق قم افترقنا فشقينا وها ~~نحن أولاء قد التقينا فلنعش في ظلال الفضيلة والشرف سعداء كما كنا ثم مددت ~~يدي إليه فراعني أنه لم يحرك يده فقلت له مالك لا تمد يدك إلي فاستعبر ~~باكيا وقال لأنني لا أحب أن أكون # PageV01P078 # كاذبا ولا حانثا قلت وما يمنعك من الوفاء ? قال يمنعني منه أنني رجل شقي ~~لاحظ لي في سعادة السعداء قلت قد استطعت أن تكون شقيا فلم لا تسطيع أن تكون ~~سعيدا قال لأن السعادة سماء والشقاء أرض والنزول إلى الأرض أسهل من الصعود ~~إلى السماء وقد زلت قدمي عن حافة الهوة فلا قدرة لي على الاستمساك حتى أبلغ ~~قرارتها وشربت أول جرعة من جرعات الحياة المريرة فلا بد لي أن أشربها حتى ~~ثمالتها ولا شيء من الأشياء يستطيع أن يقف في سبيلي إلا شيء واحد فقط هو ان ~~لا أكون قد شربت الكأس الأولى قبل اليوم وما دمت قد فعلت فلا حيلة لي فيما ~~قضي الله قلت ليس بينك وبين النزوع إلا عزمة صادقة تعزمها فإذا أنت من ~~الناجين قال إن العزيمة أثر من آثار الإرادة وقد أصبحت رجلا مغلوبا على ~~أمري لا إرادة لي ولا اختبار فدعني يا صديقي والقضاء يصنع بي ما ms052 يشاء وابك ~~صديقك القديم منذ اليوم إن كنت لا ترى بأسا في البكاء على الساقطين ~~المذنبين. # ثم انفجر باكيا بصوت عال وتركني مكاني دون أن يحييني بكلمة وخرج هائما ~~على وجهه لا أعلم أين ذهب فانصرفت لشأني وبين جنبي من الهم والكمد ما لله ~~به عليم. # لم يستطع رئيس الديوان أن يحمل نديمه بالأمس زمنا طويلا فأقصاه عن مجلسه ~~استثقالا له ثم عزله عن وظيفه استنكارا لعمله ولم تذرف عينه دمعة واحدة على ~~منظر صريعه الساقط بين يديه ولم يستطيع مالك البيت الجديد أن يمهل فيه ~~المالك القديم أكثر من بضعة شهور ثم طرده منه فلجأ هو وزوجته # PageV01P079 # وولداه إلى غرفة حقيرة في بيت قديم في زقاق مهجور فأصبحت لا أراه بعد ذلك ~~إلا ذاهبا إلى الحانة أو عائدا منها فإن رأيته ذاهبا زويت وجهي عنه أو ~~عائدا دنوت منه فمسحت عن وجهه ما لصق به من التراب أو عن جبينه ما سال منه ~~من الدم ثم قدته إلى بيته. # وهكذا ما زالت الأيام والأعوام تأخذ من جسم الرجل ومن عقله حتى أصبح من ~~يراه يرى ظلا من الظلال المتنقلة أو حلما من الأحلام السارية يمشي في طريقة ~~مشية الذاهل المشدوه لا يكاد يشعر بشيء مما حوله ولا يتقي ما يعترض سبيله ~~حتى يدانيه ويقف حينا بعد حين فيدور بعينيه حول نفسه كأنما يفتش عن شيء ~~أضاعه وليس في يده شيء يضيع أو بقلب نظره في أثوابه وما في أثوابه غير ~~الرقاع والخروق وينظر إلى كل وجه يقابله نظرة شزراء كأنما يستقبل عدوا ~~بغيضا وليس له عدو ولا صديق وربما تعلق بعض الصبيان بعاتقه فدفعهم عنه بيده ~~دفعا لينا غير آبه ولا محتفل كما يدفع النائم المستغرق عن # عاتقه يد موقظه حتى إذا خلا جوفه من الخمر وهدأت سورتها في رأسه انحدر ~~إلى الحان فلا يزال يشرب ويتزايد حتى يعود إلى ما كان عليه. # ولم يزل هذا شأنه حتى حدثت منذ بضعة شهور الحادثة الآتية عجزت تلك الزوجة ~~المسكينة أن ms053 تجد سبيلا إلى القوت وأبكاها أن ترى ولداها وابنتها باكين بين ~~يديها تنطق دموعها بما يصمت عنه لسانهما فلم تر لها بدا من أن تركب تلك ~~السبيل التي يركبها كل مضطر عديم فأرسلتهما خادمين في بعض البيوت يقتاتان ~~فيها ويقيتانها فكانت لا تراهما إلا قليلا ولا ترى # PageV01P080 # زوجها إلا في الليلة التي تغفل فيها عنه عيون الشرطة وقلما تغفل عنه ~~فأصبحت وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها ولا معين إلا جارة عجوز تختلف إليها من ~~حين الى حين فإذا فارقتها جارتها وخلت بنفسها ذكرت تلك الأيام السعيدة التي ~~كانت تتقلب فيها في أعطاف العيش الناعم والنعمة السابغة بين زوج كريم ~~وأولاد كالكواكب الزهر حسنا وبهاء ثم تذكر كيف أصبح السيد مسودا والمخدوم ~~خادما والعزيز الكريم ذليلا مهينا وكيف انتثر ذلك العقد بالإغواء المنظوم ~~الذي كان حلية بديعة في جيد الدهر ثم استحال بعد انتثاره إلى حصيات منبوذات ~~على سطح الغبراء تطؤها النعال وتدوسها الحوافر والأقدام فتبكي بكاء الواله ~~في إثر قوم ظاعنين حتى تتلف نفسها أو تكاد على أنها ما أضمرت قط في قلبها ~~حقدا لذلك الإنسان الذي كان سببا في شقائها وشقاء ولديها لا حدثتها نفسها ~~يوما من الأيام بمغاضبته أو هجرانه لأنها امرأة شريفة والمرأة الشريفة لا ~~تغدر بزوجها المنكوب بل كانت تنظر إليه نظرة الأم الحنون إلى طفلها الصغير ~~فترحمه وتعطف عليه وتسهر بجانبه إن كان مريضا وتأسو جراحه إن عاد جريحا ~~وربما طرده الحمار في بعض لياليه من حانة حينما لا يجد معه ثمن الشراب ~~فيعود إلي بيته ثائرا مهتاجا يطلب الشراب طلبا شديدا فلا تجد بدا من أن ~~تعطيه نفقة طعامها أو تبتاع له من الخمر ما يسكن به نفسه رحمة به وابقاء ~~على تلك البقية الباقية من عقله. # وكأن الدهر لم يكفه ما وضع على عاتقها من الأثقال حتى أضاف إليها ثقلا ~~جديدا فقد شعرت في يوم من أيامها بنسمة نتحرك في أحشائها فعلمت أنها حاول ~~وأنها ستأتي إلى دار الشقاء بشقاء جديد فهتفت ms054 صارخة رحمتك اللهم فقد امتلأت ~~الكأس حتى ما تسع قطرة واحدة وما زالت تكابد من آلام الحمل # PageV01P081 # ما يجب أن تكابده امرأة مريضة منكوبة حتى جاءت ساعة وضعها فلم يحضرها أحد ~~الا جارتها العجوز فأعانها الله على أمرها فوضعت ثم مرضت بعد ذلك بحمى ~~النفاس مرضا شديدا فلم تجد طبيبا يتصدق عليها بعلاجها لأن البلد الذي لا ~~يستحي أطباؤه أن يطالبوا أهل المريض بعد موته بأجرة علاجهم الذي قتله لا ~~يمكن أن يوجد فيها طبيب محسن أو متصدق فما زال الموت يدنو منها رويدا رويدا ~~حتى ادركتها رحمة الله فوافاها أجلها في ساعة لا يوجد فيها بجانبها غير ~~طفلتها الصغيرة عالقة بثديها. # في هذه الساعة دخل الرجل ثائرا مهتاجا يطلب الشراب ويفتش عن زوجته لتأتي ~~له منه بما يريد فدار بعينه في أنحاء الغرفة حتى رآها ممددة على حصيرها ~~وزاى ابنتها تبكي بجانيها فظنها نائمة فدنا منها ودفع الطفلة بعيدا عنها ~~وأخذ يحركها تحريكا شديدا فلم يشعر بحركة فرابه الأمر وأحس بالإغواء تتمشى ~~في أعضائه حتى أصابت قلبه فبدأ صوابه يعود إليه شيئا فشيئا فأكب عليها يحدث ~~في وجهها تحديقا شديدا ويزحف نحوها رويدا رويدا حتى رأى شبح الموت يحدق ~~إليه من عينها الشاخصتين الجامدتين فتراجع خوفا وذعرا فوطئ في تراجعه صدر ~~ابنته فأنت أنة مؤلمة لم تتحرك بعدها حركة واحدة فصرخ صرخة شديدة وقال ~~اشقاءاه وخرج هائما على وجهه يعدو في الطرق ويضرب رأسه بالعمد والجدران ~~ويدفع كل ما يجد في طريقه من إنسان أو حيوان ويصيح ابنتي زوجتي هلموا إلي ~~ادركوني حتي أعيا فسقط على الأرض وأخذ يفحص التراب برجليه ويئن أنين الذبيح ~~والناس من حوله آسفون عليه لأ لأنهم يعرفونه بل لأنهم قرءوا في وجهه آيات ~~شقائه. # PageV01P082 # فكانت تلك اللحظة القصيرة التي استفاق فيها من ذهوله الطويل سببا في ضياع ~~ما بقي من عقله. # وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى أصبح مقيدا مغولا في قاعة من قاعات ~~البيمارستان فوا بالإغواء له ولزوجته الشهيدة ولطفلته الصريعة ولأولاده ms055 ~~المشردين البؤساء. # PageV01P083 ### | الجزاء # مترجمة # جلست على ضفة البحيرة لتملأ جرتها وكان الماء ساكنا هادئا كأنما قد أمتدت ~~فوق سطحه طبقة لامعة من الجليد فعز عليها أن تكسر بيدها هذه المرآة الناعمة ~~الصقيلة ولا شيء أحب إلى المرأة من المرأة فظلت تقلب نظرها فيها فلمحت في ~~صفحتها وجها أبيض رائقا ينظر إليها نظرا عذبا فاترا فابتسمت له فابتسم لها ~~فعلمت أنه الوجه الذي أفتن به خطيبها لقروي الجميل. # أنست بهذا المنظر ساعة ثم راعها أن رأت بجانب خيالها في الماء خيالا آخر ~~فتبينته فإذا به خيال رجل فذعرت ولكنها لم تلتفت وراءها ومدت يدها إلى ~~الماء فملأت جرتها ثم نهضت لتحملها فتقدم إليها ذلك الواقف بجانيها وقال ~~لها هل تأذنين لي يا سيدتي أن أعينك على حمل جرتك فالتفت فإذا فتي حضري ~~غريب حسن الصورة والبزة لا تعرفه ولا تعرف أن هذه الأرض مما تنبت مثله ~~فرابها أمره واتقد وجهها حياء وخجلا ولم تقل شيئا واستلقت جرتها ومضت في ~~سبيلها. # نشأت سوزان وابن عمها جلبرت في بيت واحد كما تنشأ الزهرتان المتعانقتان ~~في مغرس واحد فرضعت معه وليدة ولعبت معه طفلة وأحبته فتاة ومرت بهما في ~~جميع تلك الأدوار. # PageV01P084 # سعادة لم يستمدها من القصور والبساتين والأرائك والأسرة والحياد ~~والمركبات والأكواب والدنان والمزاهر والعيدان والذهب اللامع واللؤلؤ ~~الساطع والأثواب المطرزة والغلائل المرصعة لأنهما كانا قريين فقيرين بل ~~استمدها من مطلع الشمس ومغربها وإقبال الليل وإدباره وتلألؤ السماء بنجومها ~~الزاهرة والأرض بأعشابها الناضرة ومن الوقفات الطوال فوق الصخور البارزة ~~على ضفاف البحيرة الهادئة والجلسات الحلوة الجميلة على الأعشاب الناعمة تحت ~~ظلال الأشجار الوارقة ومن سماع أناشيد الحياة وأغاني الرعاة وضوضاء السماء ~~في غدوها ورواحها وبكاء النواعير في مسائها وصباحها ومن الحب الطاهر الشريف ~~الذي يشرق على القلوب الحزينة فيسعدها والأفئدة المظلمة فينيرها والأجنحة ~~الكسيرة فيريشها والذي هو العزاء الوحيد عن كل فائت في هذه الحياة والسلوى ~~عن كل مفقود ولم يزل هذا شأنها حتى كان يوم البحيرة. # لا تعرف المرأة لها وجودا إلا ms056 في عيون الرجال وقلبوهم فلو خلت رقعة الأرض ~~من وجوه الناظرين أو أقفرت حنايا الضلوع من خوافق القلوب لأصبح الوجود ~~والعدم في نظرها سواء ولو أن وراءها ألف عين تنظر إليها ثم لمحت في كوكب من ~~كواكب السماء نظرة حب أو سمعت في زاوية من زوايا الأرض أنة وجد لأعجبها ذلك ~~الغرام الجديد وملأ قبلها غبطة وسرورا. # PageV01P085 # فقد عادت الفتاة إلى بيتها طيبة النفس قريرة العين مزهوة مختالة لا لأن ~~حبا جديدا حل في قلبها محل الحب القديم ولا لأن نفسها حدثتها أن تصل حياتها ~~بحياة أحد غير خطيبها بل لأنها وجدت في طريقها برهانا جديدا على جمالها ~~فأعجبها فكانت لا تزال تختلف بعد ذلك بجرتها إلى البحيرة غير خائفة ولا ~~مرتابة فترى ذلك السيد الحضري في غدوها أو رواحها يحييها أو يبتسم إليها ~~زهرة جميلة أو يلقي في اذنها كلمة عذبة حتى استطاع في يوم من الأيام أن ~~يجلس بجانبها لحظة قصيرة في ظل صخرة منفردة فكانت هذه اللحظة آخر عهدها ~~بحياتها القديمة وأول عهدها بحياتها الجديدة. # هبط المركز جوستاف روستان هذه الأرض منذ أيام لتفقد مزارعه فيها وكان لا ~~يزال يختلف إليها من حين إلى حين فيقضي في قصره الجميل الذي بناه فيها على ~~بعد ساعتين من البحيرة بضعة أيام ثم يعود إلى بلدته نيس حتى رأى هذه المرة ~~هذه الفتاة في بعض غدواته إلى ضفاف البحيرة فاستلهاه حسنها وما زال بها ~~يفيض على قلبها من حبه وعلى أذنها من سحره وعلى جيدها بالإغواء من لآلئه ~~وجواهره ويصور لها جمال الحياة الحضرية في أجمل صورها وأبهاها الأماني ~~الكبار في حاضرها ومستقبلها حتى أذعنت واستقادت وخضعت للتي تخضع لها كل ~~أنثى نامت عنها عين راعيها وأسلمها حظها إلى أنياب الذئاب. # PageV01P086 # استيقظ الفتي جلبرت في الساعة التي يستيقظ فيها من صباح كل يوم فعمد إلى ~~بقرته فحل عقالها ثم هتف باسم سوزان يدعوها إلى الذهاب معه إلى المرعى فلم ~~تجبه فصعد إلى غرفتها في سطح المنزل ليوقظها فلم يجدها فسأل ms057 عنها أمه فلم ~~تعلم من أمرها أكثر مما يعلم فظن أنها خرجت لقضاء بعض الشؤون ثم تعود فلبث ~~ينتظرها وقتا طويلا فلم تعد فرابه الأمر وأعاد البقرة إلى معتلفها وخرج ~~يفتش عنها في كل مكان ويسائل عنها الناس جميعا غاديهم ورائحهم فلمي جد من ~~يدله عليها حتى أظله الليل فعاد حرينا مكتئبا لا يرى أن أحدا على وجه الأرض ~~أعظم لوعة منه ولا أشقى أمه قابعة في كسر البيت مطرقة برأسها تفلي التراب ~~بعود في يدها فدنا منها فرفعت رأسها إليه وقالت له أين كنت يا جلبرت ? قال ~~فتشت عن سوزان في كل مكان فلم أجدها فألقت عليه نظرة مملوءة حزنا ودموعا ~~وقالت خير لك يا بني ألا تنتظرها بعد اليوم فانتفض انتفاضة شديدة وقال ~~لماذا قالت قد دخلت على الساعة جارتنا فلانة فحدثتني أنها ما زالت تراها ~~منذ ليالي تختلف إلى البحيرة للاجتماع على ضفافها بفتي حضري غريب عن هذه ~~المدرة أحسبه المركز جوستاف صاحب هذه المزارع التي تلينا والقص الأحمر الذي ~~يليها وقالت لي إنها رأتها ليلة أمس بعد منتصف الليل راكبة وراءه على فرس ~~أشهب يعدو بها في طريق القصر الأحمر ولا بد أنها فرت معه فصرخ جلبرت صرخة ~~جادت لها نفسه أو كادت وخدر في مكانه صعقا فلم تزل أمه جاثية بجانبه الليل ~~كله تبكي عليه مرة وتمسح جبينه بالماء أخرى حتى استفاق في مطلع الفجر فنظر ~~حوله نظرة حائرة فرأى أمه مكبة على وجهها تبكي فذكر كل ذلك فأطرق هنيهة ثم # PageV01P087 # رفع رأسه ووضع يده على عاتقها وسألها ما بكاؤك يا أماه ? قالت أبكي عليك ~~يا بني وعليها قال إن كنت باكية قبلك على غيري أما أنا فلست بحزين ولا باك ~~فقد كنت أحببت هذه الفتاة لأنها كانت تحبني وقد استحال قلبي الآن إلى ~~الصخرة عاتية لا ينال منها شيء فلا رجعة لي إليها بعد اليوم ثم مسح عن خده ~~آخر دمعة كانت تنحدر فيه وقام إلى بقرته فأخذ بزمامها ومضى بها إلى المزرعة ~~وحده. ms058 # لقد كذبت المسكين نفسه فإنه ما سلا سوزان ولا هدأت عن قلبه لوعة حبها ~~ولكنها الغضبة التي يغضبها المحب المهجور تخيل إليه أنه قد نفض يده من ~~المحب أشد ما يكون به عالقا فإنه ما وصل إلى المزرعة وأرسل سائمته في ~~مرعاها حتى رأى كوكب الشمس يتناهض من مطلعه قليلا قليلا ويرسل أشعته ~~الياقوتية الحمراء على هذه الكائنات فتنير ظلامها وتجلو صفحتها وتترقرق ما ~~بين خضرائها وغبرائها فأعجبه منظر هذه الطبيعة المتلألئة بين يدي هذا ~~الكوكب المنير ودار بنظره في الفضاء من مشرقة إلى مغربة فلمح في الأفق ~~الغربي بارقا يخطف البصر بلآلئه فخيل إليه أن المغرب قد أطلع في أفقه شمسا ~~كتلك التي اطلعها المشرق حتى تبينه فإذا هو لوح كبير من الزجاج أصفر مستدير ~~تعابثه أشعة الشمس فيما تعابث من الكائنات فالتمع التماعا شديدا فاسترد ~~بصره إليه سريعا ووضع يده على يسرى أضلعه كأنما يحول بين قلبه وبين الفرار ~~لأنه علم أن ذلك اللوح الزجاجي الأصفر إنما يلوح في برج من أبراج القصر ~~الأحمر. # هنا علم أن نفسه قد كذبته فيما حدثته وأن تلك البارقة. # PageV01P088 # التي كانت تضيء ما بين جنبيه من الحب قد استحالت إلى جذوة نار مشتعلة ~~تقضم فؤاده قضما وتمشي في نفسه مشي الموت في الحياة فأطلق لعبرته سبيلها ~~وأنشأ بين أنينا يئن محزنا تردده الرياح في جوها والأمواج في بحرها ~~والأعشاب في مغارسها والسائمة في مرابضها حتى سمع أصوات الرعاة وضوضاء ~~السائمة فكفكف عبراته وأسلم رأسه إلى ركبتيه وذهب مع همومه وأحزانه إلى حيث ~~شاء الله أن تذهب. # هكذا لم ينتفع المسكين بنفسه بعد اليوم فقد ذهب من الحزن إلى أبعد مذاهبه ~~حتى نال منه ما لم ينل كر الغداة ومر العشي فأصبح من يراه في طريقه يرى ~~رجلا يائسا منكوبا مشرد العقل مشترك اللب مذهوبا به كل مذهب يهيم على وجهه ~~آناء الليل وأطراف النهار بين الغابات والحرجات وفوق ضفاف الأنهار وتحت ~~مشارف الجبال يأنس بالحوش أنس العشير بعشيره ويفر من الناس إن ms059 دنوا منه ~~فرار الإنسان من الوحش ويرد المناهل مع الظباء واليعافير ثم يصدر إذا صدرت ~~معها وربما ترامى به السير أحيانا إلى أفنية القصر الأحمر من حيث لا يشعر ~~فإذا رأى أبراحه بين يديه ذعر ذعرا شديدا وصاح صيحة عظيمة وانكفا راجعا إلى ~~قربته لا يلوي على شيء وكثيرا ما قضت أمه النهار كله حاملة على يدها الطعام ~~تفتش عنه في كل مكان حتى تراه ملقى بين الأحجار على ضفة نهر أو في سفح جبل ~~فتضع الطعام بين يديه من حيث لا يشعر بمكانها ثم ترفع يديها إلى السماء ~~ضارعة متخشعة تسأل الله بدموعها وزفراتها أن يرد إليها وحيدها ثم تعود ~~أدراجها. # PageV01P089 # مضى الليل إلا أقله وسوزان جالسة إلى نافذة قصرها المشرفة على النهر ~~تلتفت إلى سرير ابنتها مرة وتقلب وجهها في السماء أخرى وكان القمر في ليلة ~~تمه فظلت تناجيه وتقول: # أيها القمر الساري في كبد السماء ها أنذا في ليلة تمك وحدي للمرة الرابعة ~~والعشرين فهل يعود إلى خطيبي جوستاف فينظر إليك معي كما كان يفعل من قبل. # لقد كنت لي أيها الكوكب المنير نعم المعين في ليالي الموحشة على همومي ~~وأحزاني فهل تستطيع أن تحدثني عن جوستاف أين مكانه ومتى يعود وهل نلتقي ~~قريبا فيتم بذلك يدك عندي ? حدثني عنه. . هل يذكرني كما أذكره وهل يحفظ ~~عهدي كما أحفظ عهده ? وهل يجلس إليك حينا فيسألك عني كما أسألك عنه ? فإن ~~فعل فقل له إن ابنته جميلة جدا جمال الابتسامة الحائرة في فم الحسناء ~~وبيضاء بياض القطرة الصافية في الزنبقة الناصعة تحت الأشعة الساطعة وقل له ~~إنها لا تهتف باسم غير اسمه ولا تبتسم لرسم غير رسمه وإنه إن رآها أغنته ~~رؤيتها عن المرآة المجلوة لأنه يرى صورته في وجهها كما تتشابه الدميتان ~~المصوبتان في قالب واحد. # ولم تزل تناجي القمر بمثل هذا النجاء حتى رأته ينحدر إلى مغربه فودعته ~~وداعا جميلا وقالت إلى الغد يا صديقي العزيز. . . # ثم قامت إلى سرير ابنتها فحنت عليها برفق وقبلتها في ms060 جبينها قبلة المساء ~~وذهبت إلى مضجعها وما هو إلا أن عبثت بجفنها السنة الأولى من النوم حتى ~~أسلمتها أحلامها إلى أمانيها وآمالها فرأت كأن جوستاف قد عاد من سفره ~~فاستقبلته هي وابنتها # PageV01P090 # على باب القصر فنزل من مركبته وضمهما معا إلى صدره ضما شديدا وظل يقبلهما ~~ويبكي فرحا وسرورا. # فإنها بالإغواء في حملها هذا إذ شعرت بيد تحركها فانتبهت فإذا صدر النهار ~~قد علا وإذا خادمتها واقفة على رأسها ضاحكة متطلقة تقول لها بشراك يا سيدتي ~~فقد حضر سيدي فاستطيرت فرحا وسرورا وقالت أحمدك اللهم فقد صدقت أحلامي ~~وأسرعت إلى غرفة ملابسها فبدلت أثوابها ثم دخلت عليه في غرفته باسمة متهللة ~~تحمل ابنتها على يدها فرأته واقفا في وسط الغرفة متكئا على كرسي بين يديه ~~فهرعت إليه ولكنها ما دنت منه حتى تراجعت جائرة مدهوشة لأنها رأت أمامها ~~رجلا لا تعرفه ولا عهد لها به من قبل لا بل هو بعينه ولكنها رأت وجها صامتا ~~متحجرا لا تلمع فيه بارقة ابتسام ولا تجري فيه نظرة بشاشة فأنكرته إلا أنها ~~تماسكت قليلا ومدت إليه يدها تحييه فمد إليها يده بتثاقل وفتور كأنما ~~ينقلها من مكانها نقلا ولم يلق على وجه الطفلة وكانت تبتسم إليه وتمد نحوه ~~ذراعيها نظرة واحدة وكانت أول كلمة قالها لها أباقية أنت في القصر حتى ~~اليوم فازدادت دهشة وحيرة ولم تفهم ماذا يريد وقالت له وأين كنت تريد أن ~~تراني يا سيدي قال في هذا القصر كما تركتك ولكني أظن أنك لا تستطيعين ~~البقاء فيه بعد اليوم قالت: لماذا قال لأن زوجتي قادمة إليه اليوم ربما ~~كانت لا تحب أن ترى فيه من يزعجه وجودها. # هنالك شعرت أن جميع ما كان ينبعث في عروقها من الدم قد تراجع كله دفعة ~~واحدة إلى قلبها فأصبح وحده الواجب # PageV01P091 # الخفاق من دون أغصانها وأوصالها جميعا ولكن المصيبة إذا عظمت خلت عن ~~البكاء والأنين فلم تصح ولم تضطرب بل نظرت إليه نظرة طويلة هادئة ثم التفتت ~~إلى ابنتها وقالت له وما ms061 ترى في ابنتك هذه ? قال ليس لي ابنة أيتها السيدة ~~ولا ولد لي لأني لم أتزوج إلا منذ ثلاثة أيام فخذي ابنتك معك وعيشي معها ~~حيث تشائين وقد تركت لك هذا الكيس على المنضدة فخذيه واستعيني به على عيشك ~~وتركها ومضى. # لم تلق على المنضدة نظرة واحدة ومشت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى ~~غرفتها وهنالك انفجرت باكية وقالت واسوأتاه إنه يعطني ثمن عرضي وسقطت مغشيا ~~عليها فلم تستفق حتى أظلها الليل ففتحت عينيها فإذا ابنتها تبكي بين ذراعي ~~الخادمة وإذا الخادمة تبكي لبكائها فضمتها إلى صدرها ساعة ثم قامت إلى غرفة ~~ملابسها وأخذت تفتش عن أثوابها القورية التي دخلت بها هذا القصر منذ ثلاثة ~~أعوام وكانت تخفيها عن أعين الناس حياء وخجلا فخلعت أثوابها ولبستها ولم ~~تبق في معصميها ولا في جيدها لؤلؤة ولا ماسة إلا ألقت بها تحت قدميها ~~واحتملت طفلتها وخرجت تحت ستار الليل تترنح في مشيتها كأنما تمشى على رملة ~~ميثاء. # وما جاوزت عنبة الباب ووصلت إلى الموضع الذي كانت واقفة فيه في حملها هي ~~وابنتها منذ ساعات تنظر خطيبها حتى لمحت على البعد مركبة فخمة مقبلة على ~~القصر تحمل المركيز وامرأة بجانبه فأغمضت عينيها وتسللت تحت جدار القصر ~~ومضت في سبيلها. # PageV01P092 # لا يعلم إلا الله ما كانت تحمل هذه الفتاة المسكينة بين جنبيها في تلك ~~الساعة من هموم وأحزان فقد خرجت مطرودة من القصر التي كانت تظن منذ ساعات ~~أنها صاحبته وتولى طردها من كانت تزعم في نفسها أنها أحب الناس إليه وآثرهم ~~عنده واستحالت في ساعة واحدة من فتاة شريفة ذات خطيب شريف إلى امرأة عاهرة ~~ذات ولد مريب وأصبح مستحيلا عليها أن تعود إلى بيتها القديم بعارها فترى ~~وجه ذينك الشخصين اللذين أحسنا إليها كثيرا وأحباها حبا جما فأساءت إليهما ~~وغدرت بهما فقد سدت دونها السبل وأظلم ما بينها وبين العالم بأجمعه فما من ~~رحمة لها في الأرض ولا في السماء. # ذلك ما كانت تحدث نفسها به وهي سائرة تحت سوار القصر سير ms062 الذاهل المشدوه ~~ولا تعرف لها مذهبا ولا مضطربا حتى رأت رأس ابنتها يميل به الكرى فمشت إلى ~~ربوة عالية على ضفة النهر الجاري على مقربة من القصر فأضجعتها فوق عشبها ~~وأسبلت عليها رداءها وجلست بجانبها تفكر في مصيرها. # فإنها الجالسة مجلسها وهذا وقد سكن الليل وسكن كل شيء فيه إلا ضوء القمر ~~المنبعث في أجواز الفضاء ونسمات الهواء المترقرقة على صفحات الماء إذ شعرت ~~كأنها تسمع بالقرب منها هتافا يهتف باسمها ممتد بين صخرتين على ضفة النهر ~~كأنه إنسان نائم فارتاعت وفزعت ثم سمعت الصوت يتكرر بنغمة واحدة فأهمها ~~الأمر ونهضت من مكانها وأخذت تدنو من الشيخ رويدا رويدا حتى دانته فإذا هو ~~إنسان في زي المساكين مستلق على ظهره شاخص ببصره إلى جدار القصر فذهبت ~~بنظرها فإذا عينه # PageV01P093 # عالقة بنافذة غرفتها التي كانت تجلس إليها كل ليلة فعجبت لذلك كل العجب ~~وخفق قلبها خفقا متداركا ورأته يضم إلى صدره هنة بيضاء أشبه بالرقعة ضما ~~شديدا فأكبت عليه لتتبينه وترى ما يضم إلى صدره فإذا الرقعة رسمها وإذا هو ~~جلبرت يجود بنفسه ويردد بصوت خافت متغلغل كأنه أصوات المعذبين في أعماق ~~القبور الوادع يا سوزان الوداع يا سوزان ففهمت كل شيء فصرخت صرخة عظمى دوى ~~بها الفضاء وقالت: # آه لقد قتلتك يا ابن عمي ثم سقطت على يده تقبلها وتبللها بدموعها وتقول ~~ها أنذا يا جلبرت جاثية تحت قدميك فارحمني واغفر لي ذنبي فقد أصبحت امرأة ~~بائسة شقية ليس على وجه الأرض من هو أحق بالرحمة مني وكأنما أحس بنغمة ~~صوتها فارتعد قليلا ثم مال بنظره نحوها حتى رآها فسقطت من جفنه دمعة حارة ~~على يدها كانت آخر عهده بالحياة وقضى. # ولما دنا مني السياق تعرضت # إلى ودوني من تعرضها شغل # أتت وحياض الموت بيني وبينها # وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل # جثت سوزان بجانب جثة جلبرت ساعة قضت فيها ما يجب عليها لابن عمها وخطيبها ~~وعشيرها الذي أحبها حبا لم يحبه أحد من قبله أحدا حتى مات حسرة عليها ms063 ثم ~~استفاقت فذكرت ابنتها وأنها تركتها على تلك الربوة نائمة وحدها فعادت إليها ~~مسرعة # PageV01P094 # وقد قررت في نفسها أمرا. . # لا أعرف أحدا من الناس أوصيه بك يا بني لأن أباك بالإغواء ولأن الرجل ~~الوحيد الذي كان يحبني في هذا العالم ذهب لسبيله ولكني أعلم أن لهذا الكون ~~إلها رحيما يعلم دخائل القلوب وسرائر النفوس ويرى لوعة الحزن في أفئدة ~~المحزونين ولاعج الشقاء بين جوانح الأشقياء فأنا أكل أمرك إليه وأتركك بين ~~يديه فهو أرحم بك من جميع الرحماء لا أستطيع أن أعيش لك يا بنيتي فإن أحدا ~~من الناس لا يغتفر لي الذنب الذي أذنبته حتى الذي أغراني به وشاركني فيه ~~فأنا ذاهبة إلى ذلك العالم العلوي المملوء عدلا ورحمة لعلي أجد فيه من يغفر ~~لي ذنبي إن كنت بريئة ويرحمني إن كنت مذنبة. # لا أحب ان تكون حياتي يا بنية شؤما على حياتك ولا أن يأخذك الناس بذنبي ~~كلما رأوك بجانبي فأنا اتركك وحدك في هذا المكان لعل راحما من الناس يمر بك ~~فيعطف عليك ويضمك إليه من حيث لا يعلم شيئا من أمرك فتعيشين في بيته سعيدة ~~هانئة لا تعرفين أباك فيخجلك مرآه ولا أمك فتؤلمك ذكراها. # اللهم إن كنت تعلم أن هذه الطفلة ضعيفة عاجزة تحتاج إلى من يرحمها ويكفل ~~أمرها وأنني قد أصبحت عاجزة عن البقاء بجانبها أرعاها وأحنو عليها وأنها ~~بريئة طاهرة لا يد لها في الذي أذنبه أبوها فارحمها وأسبل عليها ستر معروفك ~~وإحسانك وهيء لها صدرا حنونا ومهدا لينا وعيشا رغيدا. # ثم بدأت تسر ثيابها عن جسمها وتغطي بها جسم ابنتها وقاية # PageV01P095 # لها من برد الليل حتى لم يبق على جسدها إلا قميص واحد تركته ليكون سترا ~~لعورتها عند انتشال جثتها ثم حنت على الطفلة برفق فلثمتها في جبينها لثمة ~~أودعتها كل ما في صدرها من حب ورحمة ورفق وحنان ثم هتفت قائلة الوداع يا ~~ماري سنلقي عما قليل يا جلبرت المغفرة يا كاترين وألقت بنفسها في الماء. # قضي المركيز الليلة الأولى من ms064 ليالي شهر العسل مع عروسه في شرفة القصر ~~يسمران ويتناجيان ويذهبان بنظرهما حيث تذهب خضرة الأرض وتمتد زرقة السماء ~~وتطرد مياه النهر ويتقلبان بين سعادة حاضرة وأخرى مرجوة ويرشفان من كل كأس ~~من تلك الكؤوس رشفة تكثرا بما عندهما منها حتى ثملا واستغرقا وأصبحا لا ~~يشعران بشيء مما حولهما فلم يستفيقا حتى سمعا دوي الريح في أبراج القصر وفي ~~ذوائب الأشجار فعلما أنها الزوبعة فنهضا من مكانها ليذهبا إلى مضجعها. # فإنهما لواقفان موقفهما هذا إذ لمحت المركيزة في وجه المركيز دهشة ~~واضطرابا ورأته يلتفت التفاتا شديدا كأنما يتسمع لصوت غريب فسألته ما باله ~~فلم يجبها وأطل من الشرفة على النهر فرأى كما رأت هي على نور القمر طفلة ~~واقفة على الضفة تصيح وتعول وتشير بيدها نحو الماء وتقول أماه أماه فنظرا ~~حيث تشير فإذا امرأة عارية إلا قليلا تتخبط في لجج الماء تخبط الغرقى فترك ~~المركيز مكانه ونزل يعدو إلى النهر وهو يقول والهفتاه إن كانت هي وصاح ~~بخدمه أن يتبعوه ففعلوا حتى بلغ موقف الطفلة فعرف أنها ابنته وأن الغريقة ~~سوزان فأظلم الفضاء في عينيه وأشار إلى أحد خدمه أن # يعود بالطفلة إلى القصر وأمر # PageV01P096 # الباقين أن يسبحوا وراء الغريقة ثم سقط في مكانه واهنا متهالكا وكان قد ~~اجتمع على الضفة خلق كثير من الفلاحين رجالا ونساء فسبح بعضهم وراء ~~السابحين ووقف الباقون حول المركيز ينتظرون رحمة الله وإحسانه. # انتشر السابحون في كل مكان ومشت وراءهم عيون الناظرين وقلوبهم فقامت ~~بينهم وبين الأمواج المتلاطمة معركة هائلة كانوا يظفرون فيها مرة ويتراجعون ~~أخرى وكادوا إذا لاح لهم على البعد قميص الغريقة أو شعرها عظم عندهم الأمل ~~فاندفعوا وراءها مستبسلين مستلقين يغالبون جبال الأمواج المعترضة في طريقهم ~~حتى إذا دنو من المكان الذي لمحوها فيه لا يجدون أمامهم شيئا ثم لا يلبث ~~الموج أن بكر عليهم فيدفعهم إلى الشفة كما كانوا. # وما زالت الفترات بين ظهور الغريقة واختفائها تتسع شيئا فشيئا حتى غابت ~~عن الأعين ولم تظهر فهبط السابحون وراءها ولبثوا ms065 ساعة يرسبون ويطفون ثم ~~ظهروا على وجه الماء يحملونها على أيديهم ولا يعلم الناس أحية أم ميتة وما ~~زالوا يسبحون بها وأصوات الدعاء لها والبكاء عليها ترن في الضفتين فتردد ~~رنينها آفاق السماء حتى وصلوا بها إلى الضفة فألقوها على الأرض فإذا هي ~~ميتة. وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى كانت الضفة مأتما قائما يبكي فيه ~~النساء على الشهيدة والرجال على الشهيد. # لم ينتفع المركيز بنفسه بعد هذا اليوم كما لم ينتفع جلبرت بنفسه من قبل ~~فقد مرضت ابنته أثر تلك الحادثة مرضا شديدا # PageV01P097 # فلم تلبث أن لحقت بعد ثلاث ليال واستحال الحب الذي كانت تضمره له زوجته ~~إلى بعض واحتقار فهجرته وسافرت إلى نيس ولزمه خيال ذلك المنظر الذي رآه من ~~شرفة القصر ليلة الغرق لا يفارقه ليله ونهاره فكان كلما مشى في طريق توهم ~~أن أمامه نهرا هائجا تتخبط سوزان في لجته وتصيح ماري على ضفته فيصرخ قائلا ~~لبيك يا سوزان ويندفع إلى الأمام كأنما يريد أن يلقي بنفسه في النهر الذي ~~توهمه لينجي الغريقة التي تخيلها فينأى عنه المنظر كلما دنا منه حتى ينال ~~منه التعب فيسقط حسيرا طريحا وكان يهيم على وجه أحيانا حتى يصل إلى ضاحية ~~قربة ليني فيرى امرأة عجوز مكبة على قبر بين يديها تبكي وتنحب فيعلم أنها ~~كاترين وأن القبر قبر قتلاه فيتراجع خائفا مذعورا ويصرخ قائلا الرحمة ~~الرحمة العفو العفو وكثيرا ما كان يراه نساء الفلاحين ساقطا في بعض الأماكن ~~التي كن يرين فيها جلبرت فيقلن لقد انتقم الله للشهيد المسكين والشهيدة ~~المظلومة وكان منظر الماء يهيجه أكثر من كل منظر سواه فإذا رآه اثار واضطرب ~~وتهافت عليه يريد اقتحامه لولا أن يتداركه من يراه من المارة. # ولم يزل هذا شأنه حتى رأى الناس جثته في صباح يوم من الأيام طافية على ~~وجه النهر في المكان الذي غرقت فيه سوزان فعلموا أنها نهاية الجزاء. # مرت على هذه الحادثة أعوام طوال ولا يزال عجائز قربة ليني والقرد المحيطة ~~بها يحفظنها ms066 حتى اليوم ويبكين كلما ذكرنها ويروينها لبناتهن وحفيداتهن عبرة ~~يعتبرن بها كلما طاف بهن من شرور الرجال. # PageV01P098 ### | العقاب # " موضوعة " # رأيت فيما يرى النائم في ليلة من ليالي الصيف الماضي كأني هبطت مدنية ~~كبرى لا علم لي باسمها ولا بموقعها من البلاد ولا بالعصر الذي يعيش أهلها ~~فيه فمشيت في طرقها بضع ساعات فرأيت أجناسا من البشر لا عداد لهم ينطقون ~~بأنواع من اللغات لا حصر لها فخيل إلي أن الدنيا قد استحالت إلى مدنية وأن ~~الذي أراه بين يدي إنما هو العالم بأجمعه من أدناه إلى أقصاه فلم أزل أتنقل ~~من مكان إلى مكان وأداول بين الحركة والسكون حتى انتهى بي المسير إلى بنية ~~عظيمة لم أر بين النبي أعظم منها شأنا ولا أهول منظرا وقد ازدحم على بابها ~~خلق كثير من الناس ومشى في أفنيتها وأبهائها طوائف من الجند يخطرون بسيوفهم ~~وحمائلهم جيئة وذهوبا فسألت بعض الواقفين ما هذه البنية وما هذا الجمع ~~المحتشد على بابها فعلمت أنها قصر الأمير وأن اليوم يوم القضاء بين الناس ~~والفصل في خصوماتهم وما هي إلا ساعة حتى نادى مناد في الناس أن قد اجتمع ~~مجلس القضاء فاشهدوه فدخل الناس ودخلت على أثرهم وجلست حيث انتهى بي المجلس ~~فرأيت جالسا على كرسي من الذهب يتلألأ في وسط الفناء تلألؤ الشمس فد دارتها ~~وقد جلس على يمينه # PageV01P099 # رجل يلبس مسوحا وعلى يساره آخر يلبس طيلسانا فسألت عنهما فعرفت أن الذي ~~على يمينه كاهن الدير وأن الذي على يساره قاضي المدينة ورايته ينظر في ورقة ~~بيضاء بين يديه فأكب عليها ساعة ثم رفع رأسه وقال ليؤت بالمجرمين ففتح باب ~~السجن وكان على يسار الفناء فتكشف عن مثل خلق الليث منظرا وزئيرا وخرج منه ~~الأعوان يقتادون شيخا هرما تكاد تسلمه قوائمه ضعفا ووهنا فسأل الأمير ما ~~جريمته فقال الكاهن إنه لص دخل الدير فسرق منه غرارة من غرائر الدقيق ~~المحبوسة على الفقراء والمساكين فضج الناس ضجيجا عاليا وصاحوا ويل للمجرم ~~الأثيم أيسرق مال الله في بيت ms067 الله ? ثم نودي بالشهود فشهد عليه رهبان ~~الدين فتسار الأمير مع الكاهن هنيهة ثم صاح يقاد المجرم إلى ساحة الموت ~~فتقطع يمناه ثم يسراه ثم بقية أطرافه ثم يقطع رأسه ويقطع طعاما للطير ~~الغادي والوحش الساغب فجثا الشيخ بين يدي الأمير ومد إليه يده الضعيفة ~~المرتعشة يحاول أن يسترحمه فضرب الأعوان على فمه واحتملوه إلى محبسه ثم ~~عادوا وبين أيديهم فتى في الثامنة عشرة من عمره أصفر نحيل يضطرب بين أيديهم ~~خوفا وفرقا حتى وقفوا به بين يدي الأمير فسأل ما جريمته فقال إنه قاتل ذهب ~~أحد قواد الأمير إلى قريته لجمع الضرائب فطالبه بأداء ما عليه من المال ~~فأبي وتوقح في إبائه فانتهزه القائد فاحتدم غيظا وجرد سيفه من غمده وضربه ~~به ضربة ذهبت بحياته فصاح الناس يا للفظاعة والهول إن من يقتل نائب الأمير ~~فكأنما قتل الأمير نفسه ثم جىء بأعوان القائد المقتول فأدوا شهادتهم. # PageV01P100 # فأطرق الأمير لحظة ثم رفع رأسه وقال يقاد المجرم إلى ساحة الموت فيصلب ~~على أعواد شجرة ثم تفصد عروقه كلها حتى لا يبقى في جسمه قطرة واحدة من الدم ~~فصرخ الغلام صرخة حال الأعوان بينه وبين إتمامها واحتملوه إلى السجن وما ~~لبثوا أن عادوا بفتاة جميلة كأنها الكوكب المشبوب حسنا وبهاء لولا سحابة ~~غبراء من الحزن تتدجى فوق جبينها فقال الأمير ما جريمتها فقال القاضي إنها ~~امرأة زانية دخل عليها رجل من أهلها فوجدها خالية بفتي غريب كان يحبها ~~ويطمع في الزواج منها قبل اليوم فهاج الناس واحتدموا وهتفوا القتل القتل ~~الرجم الرجم!! إنها الجريمة العظمى والخيانة الكبرى فقال الأمير أين شاهدها ~~? فدخل قريبها الذي كشف أمرها فشهد عليها فهمس القاضي في إذن الأمير ساعة ~~ثم قال الأمير تؤخذ الفتاة إلى ساحة الموت فترجم عارية حت يبقى على لحمها ~~قطعة جلد ولا على عظمها قطعة لحم فهلل الناس وكبروا إعجابا بعدل الأمير ~~وحزمه وإكبارا لسطوته وقوته وهتفوا له ولكاهنه وقاضيه بالدعاء ثم نهض فنهض ~~الناس بنهوضه ومضوا لسبيلهم فرحين مغتبطين وخرجت على أثرهم ms068 حرينا مكتئبا ~~أفكر في هذه المحاكمة الغريبة التي لم يسمع فيها دفاع المتهمين عن أنفسهم ~~ولم يشهد فيها على المتهمين غير خصومهم ولم تقدر فيها العقوبات على مقدار ~~الجرائم وأعجب للناس في ضعفهم واستخذائهم أمام القوة القاهرة وغلوهم في ~~تقديسها وإعظامها وإغراقهم في الثقة بها والنزول على حكمها عدلا كان أو ~~ظلما رحمة أو قسوة وأردد في نفسي هذه الكلمات. # ليت شعري ألا يوجد بين هذه الجماهير لص أو قاتل أو زان يعلم عذرهم ~~فيرحمهم وينظر إلى جرائمهم بالعين التي # PageV01P101 # ينظر بها إلى جريمته ويتمنى لهم من الرحمة والمغفرة ما يتمنى لنفسه إن ~~قدر له أن يقف في موقفهم أمام قضاة مثل قضاتهم ? ألا يجوز أن تكون الزانية ~~غير زانية والقاتل إنما قتل دفاعا عن عرضه أو ماله واللص إنما سرق ما يسد ~~به جوعته أو جوعة أهل بيته ? ألم يرتكب الأمير جريمة القتل مرة واحدة في ~~حياته فيرحم القاتلين عند النظر في جرائمهم ? ألم يسقط إلى يد الكاهن يوما ~~من الأيام ينار من غير حله فتخف لوعة أسفه على الغرارة المسروقة من ديره ~~ويغتفر هذه لتلك ? ألم تزل قدم القاضي مرة واحدة فيما مر به أيام حياته ~~فتهدأ ثورة غضبه على الساقطين والساقطات ? من هم هؤلاء الجالسون على هذه ~~المقاعد يتحكمون في أرواح العباد وأموالهم كما يشاؤون ويقسمون السعود ~~والنحوس بين البشر كما يريدون ? إنهم ليسوا بأنبياء معصومين ولا بأملاك ~~مطهرين ولا يحملون في أيديهم عهدا من الله تعالى بالنظر في أمر عباده ~~وتوزيع حظوظهم وأنصبتهم بينهم فبأي حق يجلسون هذه الجلسة على هذه الصورة ? ~~ومن أي قوة شرعية يستمدون هذه السلطة التي يستأثرون بها من دون الناس ~~جميعا. # من هو الأمير أليس هو المستبد الأعظم في الأمة أو سلالة # PageV01P102 # المستبد الأعظم فيها الذي استطاع بقوته وقهره أن يتخذ من أعناق الناس ~~وكواهلهم سلما يصعد عليها إلى العرش الذي يجلس عليه ? # من هو الكاهن ? أليس هو أربع الناس وأمهرهم في استغلال النفوس الضعيفة ~~والقلوب المريضة ? # من هو القاضي أليس ms069 هو أقدر الناس على إلباس الحق صورة الباطل والباطل ~~صورة الحق ? # ومتى كان المستبدون واللصوص والظلمة أخيارا صالحين طاهرين. # عجيب جدا أن يقتل الرجل الرجل لغضبة يغضبها أو شرفه فيسمى مجرما فإذا قتل ~~الأمير القاتل سمي عادلا وأن يسرق السارق اللقمة يقتات بها أو يقيت بها ~~عياله فيسمى لصا فإذا أمر القاضي بقطع أطرافه والتمثيل به سمي حازما وأن ~~تسقط المرأة سقطة ربما ساقتها إليها خدعة من خداع الرجال أو نزعة من نزعات ~~الشيطان فيستنكر الناس أمرها ويستبشعون منظرها فإذا رأوها مشدودة إلى بعض ~~الأنصاب عارية تتساقط عليها حجارة من كل صوب أنسوا بمشهدها وأعجبهم موقفها ~~ومصيرها. # كما أن النار لا تطفئ النار وشارب السم لا يعالج بشر به مرة أخرى وكما أن ~~مقطوع اليد اليمنى لا يعالج بقطع اليد اليسرى كذلك لا يعالج الشر بالشر ولا ~~يمحى الشقاء في هذه الدنيا بالشقاء. . . # ولم أزل أحدث نفسي بمثل هذا الحديث حتى أقبل الليل فمررت بساحة مظلمة ~~موحشة تتطاير في جوها أسراب من الطير غادية # PageV01P103 # رائحة بالإغواء حتى بلغت أبعد بقاعها فرأيت منظرا هائلا لا يزال أثره ~~عالقا بنفسي حتى الساعة. # رأيت الشيخ جثة معفرة بالتراب لا رأس لها ولا أطراف ثم رأيت رأسه وأطرافه ~~مبعثرة حواليه مأنها نوادب يندبنه حاسرات ورأيت الفتى مشدودا إلى شجرة ~~فرعاء كأنه بعض أغصانها وقد سال جميع ما في عروقه من الدم حتى أصبح شبحا ~~ماثلا أو خيالا ساريا ورأيت الفتاة كتلة حمراء من اللحم لا يستبين لها رأس ~~ولا قدم وقد أحاطت بها أكوام من الحجارة المخضبة بدمائها ثم رأيت بجانب هذه ~~الجثث الثلاث حفرة جوفاء تفهق بالدم فعلمت أنها مجمع دماء هؤلاء المساكين ~~فشعرت كأن سحابة سوداء تهبط على عيني قليلا قليلا حتى غاب عن نظري كل شيء ~~فسقطت في مكاني لا أشعر بشيء مما حولي فلم أستفق حتى مضت دولة من الليل ~~ففتحت عيني فإذا شبح أسود يدنو منى رويدا رويدا فارتعت لمنظره وفزعت إلى ~~ساق الشجرة فاختبأت وراءه فما زال يتقدم ms070 حتى صار بجانبي فأشعل مصباحا صغيرا ~~كان في يده فتبينه على نوره فإذا عجوز شمطاء في زي المساكين وسحنتهم فمشت ~~تتصفح وجوه القتلى حتى بلغت مصرع الشيخ فجثت بجانبه ساعة تبكيه وتندبه ثم ~~مشت إلى رأسه وأشرافه فجمعتها وضمتها إلى جثته ثم بالإغواء له حفرة تحت ساق ~~الشجرة فدفنته فيها وقامت على قبره تودعه وتقول في سبيل الله ما لقيت في ~~سبيلي وسبيل أحفادك البؤساء أيها الشهيد المظلوم وفي ذمة الله وكفنه روح ~~طار عن جسدك وجسد ضمه قبرك فقد كنت خير الناس زوجا وأبا وأطهرهم لسانا ويدا ~~وأشرفهم قلبا ونفسا فاذهب إلى ربك لتلقي جزاءك عنده واطلب إليه الرحمة ~~لجميع الناس حتى لقاتليك وظالميك واسأله أن يلحقني # PageV01P104 # بك وشيكا فلا شيء يعزيني عنك بعد فراقك إلا الأمل في لقائك فأبكاني ~~بكاؤها وأحزنني منظرها ووقع في نفسي أنها صادقة فيما تقول وأن سيخها شهيد ~~من شهداء القضاء وأحببت أن أقف على قصتها وقصته فبرزت من مخبئي ومشيت إليها ~~فارتاعت لمرآي عند النظرة الأولى ثم سكتت كأنما ذكرت أن لا قيمة لمصائب ~~الحياة بعد مصابها الذي نزل بها فابتدرتها بقولي لا تراعي يا سيدتي فإنني ~~رجل غريب من هذا البلد لا أعرف من شأنه ولا من شان أهله شيئا وقد رأيت ~~الساعة موقفك على هذا القبر وتفجعك على ساكنه فرثيت لك وبكيت لبكائك وتمنيت ~~لو أفضيت إلى بذات نفسك علني استطيع أن أكون لك عونا على همك فاستعبرت ~~باكية وأنشأت تحدثني وتقول: # إن زوجي لم يكن في يوم من أيام حياته لصا ولا سارقا بل قضي أيام شبابه ~~وكهولته عاملا مجدا لا يفتر ساعة واحدة عن السعي في طلب رزقه ورزق أهل بيته ~~حتى كبر ولده وكان واحده فاشتد به ساعده واحتمل عنه بعد ما كان يستقل بحمله ~~من الهم وما هو إلا أن نعمنا به وبمعونته حقبة من الدهر حتى نزلت به نازلة ~~الموت فذهبت بحياته أحوج حا كنا إليه وخلف وراءه حمسة أولاد صغار لا يتجاوز ~~أكبرهم العاشرة من ms071 عمره وكانت قد أدركت أباه الشيخوخة فاجتمع عليه هم الكبر ~~وهم الثكل فأصبح عاجزا عن العمل لا يستطيعه إلا في الفنية بعد الفنية ~~وأصبحنا جميعا في حالة من الشقاء والبؤس لا يعرف مكانها من نفوسنا إلا من ~~ألم به في حياته طرف منها حتى طلعت علينا شمس يوم من الأيام وليس في يدنا ~~ما نقوم به أصلاب صغارنا # PageV01P105 # ولا ما نعللهم به تعليلا فأسقط في يدنا وعلمنا أنا هالكون جميعا إن لم ~~يتداركنا الله برحمة من عنده فلم أر بدا من أن ألجأ إلى الخطة التي يلجأ ~~إليها كل مضطر عديم فبرزت إلى الناس أتعرض لمعروفهم وأستندي ماء أكفهم فلم ~~أجد بينهم من يحسن إلى بجرعة أو مضغة ولا من يدلني على سبيل ذلك وكان أكبر ~~ما حال بيني وبينهم وصرف وجوههم عني أني ألبس مرقعة الشحاذين ولا أحمل ~~ركوتهم فعدت إلى منزلي وبين جنبي من الهم ما الله به عليم فرايت الأطفال ~~سهدا يتضاغون جوعا ورأيت الشيخ جالسا بينهم يبل تربة الأرض بدموعه ويقرع ~~كفه بكفه لا يعلم ماذا يصنع ولا يكف يحتال ولو أن شخص الموت برز إلي في تلك ~~الساعة لكان منظره أهون على نفسي من منظر هؤلاء الصبية وهم يحدقون في وجهي ~~عند دخولي ويدورون حولي ليروا هل عدت إليهم بما يسد جوعتهم وما عدت إليهم ~~إلا باليأس القاتل والكمد الشامل فتقدمت نحو الشيخ وقلت له أن في دير ~~المدنية كما يزعمون مالا للصدقات يتولى الكاهن الأظم إنفاقه على الفقراء ~~والمساكين فلو ذهبت إليه وكشفت له خلتك وسألته أن يمنحك علالة تستعين بها ~~على أمرك لرجونا أن نطفئ لوعة هؤلاء الأطفال المساكين فاستنار وجهه بنور ~~الأمل وقام إلى عصاه فاعتمد عليها ومشى إلى الدير حتى بلغه فصعد إلى حجرة ~~الكاهن حتى وقف بين يديه فنفض له جملة حاله وسكب تحت قدميه جميع ما أبقت ~~الأيام في جفنيه القريحين من دموع فاستقبله الكاهن بأقبح ما يستقبل به ~~مسئول سائلا وقال له الدير لا يحسن إلا إلى الذين ms072 أسلفوه الإحسان من # PageV01P106 # قبل وما كنت في يوم من أيام رغدك ورخاءك من المحسنين إليه فاذهب لشأنك ~~فأبواب العيش واسعة بين يديك فإن ضاقت بك فأبواب الجرائم أوسع منها فخرج من ~~حضرته كئيبا محزونا لا يرى فضاء الدنيا في نظره إلا ككفة الحابل أو أفحوص ~~القطاة حتى نزل إلى ساحة الدير فلمح في إحدى زواياه غرارة دقيق فحدثته نفسه ~~بها وما كانت تحدثه لولا العوز والفاقة ثم أدركه الحياء فأغضى عنها واستمر ~~سائرا في طريقه حتى صار بجانبها فوقع نظره عليها مرة أخرى فعاوده حديثه ~~الأول فحاول دفعه فلم يستطع فجلس بجانبها يحدث نفسه ويقول إن الطعام طعام ~~الفقراء والمساكين وأنا فقير مسكين لا أعلم أن بين أسوار هذه المدنية ولا ~~في جميع أرباضها رجلا أحوج ولا أفقر مني فإن كان الطمع في هذه الغرارة ~~جريمة فقد أذن لي الكاهن بارتكاب الجرائم في سبيل العيش ثم مشى إليها ~~فاحتملها على ظهره ومشى بها جاهدا مترجحا فما تج - اوز عتبة الدير حتى ~~أثقله الحمل وشعر أنه عاجز عن السمير فحدثته نفسه بإلقائه عن ظهره ثم تمقل ~~له منظر أحفاده الصغار وهم ألقاء تحت جدران البيت يتضورون جوعا فحمل على ~~نفسه ومشى يعتمد على عصاه مرة وعلى الجدار مرة وعلى الجدار كرة أخرى حتى ~~نال منه الجهد فأحس كأن أنفاسه قد جمدت في صدره لا تهبط ولا تعلو وأن ما ~~كان باقيا في عينيه من نور قد أنطفأ دفعة واحدة فأصبح لا يرى شيئا مما حوله ~~وإذا نفثة من دم دفقت من صدرة فانحدرت # PageV01P107 # على ردائه فسقط في مكانه مغشيا عليه ولم يزل على حاله تلك حتى مر به ~~العسس فرأوه ورأوا الغرارة بجانبه فارتابوا به وكان رهبان الدير قد أخذوا ~~يتصايحون فيما بينهم الغرارة الغرارة وينشدونها في أنحاء الدير حتى يئسوا ~~منها فخرجوا يطلبونها في كل مكان حتى التقوا بالعسس حول مصرع الشيخ فعرفوا ~~ضالتهم وما هي إلا ساعة حتى كانت الغرارة في الدير وكان الشيخ في السجن ثم ~~كان بعد ms073 ذلك ما رأيت من أمره فوا أسفاه عليه لقد مات شهيدا مظلوما ~~ووارحمتاه لي ولأطفالي البؤساء المساكين من بعده! ثم نهضت من مكانها ومسحت ~~عبرتها بطرف ردائها ونظرت إلى القبر نظرة طويلة وقالت الوداع يا رفيق صباي ~~وعماد شيخوختي الوداع يا خير الأزواج وأبر العشراء الوداع حتى يجمع الله ~~بيني وبينك في دار جزائه ثم انكفأت راجعة في الطريق التي جاءت منها. # وما هو إلا أن تغلغل شخصها في أعماق الظلام حتى رأيت شبحا آخر يتراءى من ~~حيث اختفي الشبح الأول وما زال يتقدم نحوي متسللا يختلس خطواته اختلاسا ~~فاختبأت وراء الشجرة لأرى ما هو صانع وكان القمر قد بدأ يشرف على الوجود من ~~مطلعه ويرسل الخيوط الأولى من أشعته على تلك الساحة الكبرى فرأيت الشبح على ~~نوره فإذا فتاة جميلة باكية لم أر في حياتي دمعة على خد أجمل من دمعتها على ~~خدها فدارت بعينيها لحظة حتى وقع نظرها على جثة المصلوب بين أعواد الشجرة ~~فمشت إليه ومدت يدها إلى الحبل المشدود به فعالجت عقدته حتى انحلت ثم ~~احتملته # PageV01P108 # على يدها وأضعجته على الأرض ووقفت بجانيه ساعة تنظر إليه جامدة ساكنة ~~كأنها غير آبهة ولا حافلة ثم هتفت صارخة واشقيقاه! وسقطت فوقة تضمه وتقبله ~~وتلثم شعره وجبينه وتزفر فيما بين ذلك زفيرا متداركا كأنما تنفث أفلاذ ~~كبدها نفثا حتى نال منها الجهد فترنحت قليلا ثم هوت بجانبه هوى ال} دع ~~الساقط لا حراك بها فأهمني أمرها وخفت أن يكون قد الحق بها مكروه فمشيت ~~إليها حتى صرت بجانبها فشعرت بأنفاسها الضعيفة تتردد في صدرها فعملت أنها ~~حية فجلست فوق رأسها أندبها وأدعو الله لها حتى استفاقت بعد هنيهة فرأيتني ~~بجانبها فنظرات إلى نظرة حائرة ثم تقدمت نحوي وقالت على من تبكي أيها الرجل ~~الغريب ? قلت أبكي عليك يا سيدتي وعلى فقيدك البائس المسكين قالت نعم إنه ~~بائس مسكين فابك عليه يا سيدي كثيرا فقد كان زينة الشباب وزهرة الحياة ~~وريحانة النفوس ومتعة الأفئدة والقلوب ولقد ظلموه إذ قتلوه فما ms074 كان قاتلا ~~ولا مجرما ولكنه رجل رأى عرضه فريسة في يد من يريد تمزيقه فقطع تلك اليد ~~الممتدة إليه وانتقم لنفسه وللشرف والفضيلة منها ولو أنصفوه لا ستبقوه رحمة ~~به ويسابه فما أجرم من ذاد عن عرضه ولا أثم من قتل قاتله قلت هل لك أن تقصي ~~علي قصته يا سيدتي ? قالت نعم. # نزل قريتنا صباح يوم من الأيام قائد من قواد الأمير الذين يطوفون البلاد ~~لجمع الضرائب فمر بأبيات القرية بيتا بيتا حتى بلغ منزلنا وكنت واقفة على ~~بابه فنظر إلي نظرة مريبة طار لها قلبي رعبا وفرقا ثم سألني عن أخي فأرشدته ~~إلى مكانه فسأله عن المال فأستنسأه إياه قلائل حتى يبيع غلته فأبى إلا # PageV01P109 # أن ينقده الساعة أو يأخذني رهينة عنده إلى يوم الوفاء وغمز بي بعض أعوانه ~~فداروا حولي وكنت أسمع قبل اليوم حديث أولئك الفتيات الشقيات اللواتي يدخلن ~~رهائن في قصر الأمير فلا يخرجن منه إلا ساقطات أو محمولات ففزعت إلى أخي ~~ولصقت به فوقف بيني الرجل وقال له لا شأن لك مع الفتاة إنما أنا صاحب المال ~~وأنا المأخوذ به من دون الناس جميعا فإن كان لا بد لك من رهينة فأنا رهينة ~~مالي حتى يصل إليك فقال له لابد من المال أو الرهينة ولا بد أن تكون ~~الرهينة كما أريد فإن أبيت فحياتك فداء عنها فغضب أخي غضبة انتفض لها جبينه ~~عرق ولم أره في ساعة من ساعات غضبه قبل اليوم وقال له فلتكن حياتي فداء ~~لشرفي ثم جرد سيفه وضربه به ضربة طارت برأسه ووقف في مكانه لا يبرحه وسيفه ~~يقطر دما حتى غله الأعوان واحتملوه إلى السجن فتلك حياته يا سيدي وذاك ~~مماته فلئن بكيته أنا أبكي فتي الفتيان همة ونجدة ونادرة الرجال عزة واباء ~~وأفضل الأخوة رحمة وحنانا. # ثم قالت هل لك أن تعينني يا سيدي على مواراته قبل أن يحول النهار بيني ~~وبينه فقد أصبحت واهية متضعضعة لا أقوى على شيء فقمت إلى الشجرة فاحتفرت ~~حول ساقها حفرة بجانب ms075 حفرة الشيخ فواريته فيها فتقدمت الفتاة نحو القبر ~~وجثت بجانيه ساعة مطرقة ساكنة لا أعلم هل هي باكية أو ذاهلة حتى فارقت ~~مكانها فرأيت تربة القبر مخصله بدموعها ثم مدت يدها إلي وقالت: # شكرا لك يا سيدي فقد أعنتني على موقف قلما يجد فيه مستعين معينا ومضت ~~لسبيلها. # PageV01P110 # فأتبعتها نظري حتى اختفت آخر طية من طيات ردائها فعدت إلى نفسي فإذا جثة ~~الفتاة المرجومة لا تزال مكانها فهاجمني منظرها وقلت في نفسي إنني لا أدخر ~~لنفسي عملا أرجو فيه رحمة الله وإحسانه يوم جرائه أفضل من مواراة هذه ~~المسكينة التراب فاحتفرت لها حفرة بجانب حفرة الشهيدين ثم ألقيت عليها ~~ردائي واحتملتها على يدي حتى أضجعتها في حفرتها فإني لأجثو عليها التراب ~~سوداء لا يستبين منها غير بياض وجهه فابتدرني بقوله من صاحب هذا القبر الذي ~~تجثو ترابه يا سيدي قلت فتاة مرجومة رأيت جثتها الساعة منبوذة في هذا ~~العراء فرحمت مصرعها واحتفرت لها هذا القبر الذي تراه فقال إن لي يا سيدي ~~مع هذه الفتاة شأنا فهل تأذن لي أن أودعها الوداع الأخير قبل أن يحول ~~التراب بيني وبينها قلت نعم شأنك وما تريد وتنحيت قليلا فدنا من القبر وجثا ~~فوق تربته وظل يناجي الدفينة نجاء خلت أن الكواكب تردده في سمائها والرياح ~~ترجعه في أجوائها حتى اشتفت نفسه فقام إلى التراب يهيله عليها حتى وراها ثم ~~التفت إلي وقال الفتاة المظلومة بستر ما كشف الناس عن عورتها وحفظ ما ~~أضاعوا من حرمتها فجزاك الله خيرا بما فعلت وأحسن إليك كما أحسنت إليها ~~وأراد الرجوع فاستوقفته وقلت له وهل ماتت هذه الفتاة مظلومة كما تقول ? ~~فانفجرت شفتاه عن ابتسامة مرة ونظر إلى نظرة هادئة مطمئنة وقال نعم يا سيدي ~~ولولا ذلك ما رأيتني الساعة واقفا على حافة قبرها أندبها. # أنا الرجل الذي اتهموها به وأستطيع أن أقول لك كما أقول لربي يوم أقف بين ~~يديه رافعا إليه ظلامتها إنها بريئة مما رموها به # PageV01P111 # وإنها أطهر من الزهرة المطلولة وأنقى من ms076 القطرة الصافية. # لقد أحببت هذه الفتاة منذ كانت طفلة لاعبة وأحبتني كذلك ثم شببنا وشب ~~الحب معنا فتعاقدنا على الوفاء والإخلاص ثم خطبتها إلى أبيها فأخطبني راضيا ~~مسرورا حتى إذا لم يبق بيني وبين البناء بها إلا أيام معدودات إذ نزلت ~~بأبيها نازلة الموت فعلمنا أن لا بد لنا من الانتظار بأنفسنا عاما كاملا ~~ففعلنا حتى إذا انقضى العام أو كاد حدث أن ذهبت الفتاة إلى قاضي المدنية في ~~أمر يتعلق بميراثها فرآها القاضي فتبعتها نفسه فأرسل وراء عمها وكان ولي ~~أمرها بعد أبيها وهو رجل من الطامعين المداهنين الذين لا يبالون أن يخوضوا ~~بحرا من الدم إذا تراءى لهم على شاطئه الآخر دينار لامع فعرض عليه رغبته في ~~الزواج مع ابنة أخيه فطار بهذه المنحة فرحا وسرورا ولم يتردد في إجابة طلبه ~~وعاد إلى الفتاة يحمل إليها هذه البشرى فاستقبلته بوجه باسر وقالت له إنني ~~لا أستطيع أن أكون خطيبة رجلين في آن واحد فلم يبل بقولها وقال لها ~~ستتزوجين ممن أريد طائعة أو كارهة فلا خيار لك في نفسك إنما الخيار لي في ~~أمرك وحدي وما هي إلا أيام قلائل حتى أعدوا لها عدة زواجها وسموا يوما ~~لزفافها فما غربت شمس ذلك اليوم حتى جمعت ما كان لها في بيتها من ثياب ~~وحيلة وخرجت تحت ستار الليل هائمة على وجهها لا تعلم أين تذهب ولا أي طريق ~~تسلك وكان عمها قد رفع إلى القاضي أمر فرارها فبث عليها عيونه وأرصاده ~~يطلبونها في كل مكان حتى لمحها بعضهم جالسة تحت بعض الجدران فأقبل عليها ~~فذعرت لمرآه وتركت حقيبتها مكانها وفرت بين يديه # PageV01P112 # تعدو عدوا سريعا وكنت عائدا في تلك الساعة إلى منزلي فرأتني فألقت نفسها ~~علي وقالت إنهم يتبعونني وإنهم إن ظفروا بي قتلوني فارحمني يرحمك الله ~~فأهمني أمرها وذهبت بها إلى منزلي وأخفيتها في بعض حجراته وما هي إلا ساعة ~~حتى دخل عمها ووراءه أعوان القاضي يطلبها طلبا شديدا فأنكرت رؤيتها فلم ~~يصدقني وأخذ يضرب أبواب الحجرات بابا ms077 بابا حتى ظفر بها فصاح ها هي الفتاة ~~الزانية وهذا صاحبها فأقسمت له بكل محرجة من الأيمان أنها بريئة مما يرميها ~~به فلم يصغ إلي وأمر الأعوان فاحتملوها وحاولت أن أحول بينهم وبينها فضربني ~~أحدهم على رأسي ضربة طارت بصوابي فسقطت مغشيا علي فلم أستفق إلا بعد ساعة ~~فوجدت الحمى قد أخذت مأخذها من جسمي فلزمت فراشي بضعة أيام لا أفيق ساعة ~~حتى يتمثل لي ذلك المنظر الذي رأيته فأشعر بالرعدة تتمشى في أعضائي فأعود ~~إلى ذهولي واستغراقي حتى أدركتني رحمة الله فأبللت منذ الأمس تم من أمر تلك ~~المسكينة فجئت كما تراني أودعها الوداع الأخير وأواري جثتها التراب وما أنا ~~بالسالي عنها ولا بالذائق حلاوة العيش من بعدها حتى ألحق بها. # ثم ألقي على قبرها نظرة جمعت في طياتها جميع معاني النظرات البائسات من ~~حزن وبأس ولوعة وشقاء ومضى لسبيله. # فما أبعد إلا قليلا حتى رأيت القمر ينحدر إلى مغربه ثم ما لبث أن اختفى ~~فإذا الفضاء ظلمة وسكون وإذا الساحة وحشة وانقباض فصعدت على ربوة عالية ~~مشرفة على القبور الثلاثة ثم تلفعت بردائي وألقيت رأسي على بعض الصخور ~~وأنشأت # PageV01P113 # أحدث نفسي وأقول: # ليت شعري ألا يوجد في هذه الدنيا عادل ولا راحم فإن خلت منهما رقعة الأرض ~~فهل خلت منهما ساحة السماء ? أجرم الزعيم الديني لأنه ضن على ذلك الشيخ ~~المسكين بدرهم من مال يسد به جوعته وجوعة أهل بيته فاضطر الرجل إلى ارتكاب ~~جريمة السرقة فعوقب السارق على سرقته ولم يعاقب القاسي على قسوته ولولا ~~قسوة القاسي ما كانت سرقة السارق. # وأجرم الأمير لأنه أرسل قائده لاختطاف فتاة حرة لا تؤثر أن تجود بعرضها ~~فاضطر أخوها إلى الذود عنها فارتكب جريمة القتل فعوقب الفتى على جريمته ~~وسلم من العقوبة من دفعه إلى الإجرام. # وأجرم القاضي لأنه أراد أن يكره فتاة لا تحبه على الزواج منه ففرت من ~~وجهه فعاقبوها على فرارها ولم يعاقبوا القاضي على ظلمه واستبداده. # وه: ذا أصبح المجرم بريئا والبريء مجرما بل أصبح المجرم ms078 قاضي البريء ~~وصاحب الحق في معاقبته فهل تسقط السماء على الأرض بعد اليوم أم لا تزال ~~تنيرها بكواكبها ونجومها وتمطرها غيثها مزنها. # ثم التفت إلى مصرع المقبورين فوقع نظري على بركة الدم التي اجتمعت فيها ~~دماء هؤلاء الشهداء فرأيت خيال نجم في السماء يتلألأ فوق صفحتها فرفعت نظري ~~إلى النجم فإذا هو المريخ # PageV01P114 # يتلهب ويضطرب كأنه جمرة الغيظ في أفئدة الموتورين فعلق نظري به الساعة ثم ~~رأيت كأنه يهبط من عليائه رويدا رويدا فيعظم جرمه كلما ازداد هبوطه حتى إذا ~~لم يبق بينه وبين الأرض إلا ميل أوب عض ميل إذا به ينتفض انتفاضا شديدا ~~وإذا هو على صورة ملك من ملائكة العذاب ينبعث الشرر من عينيه ومنخريه ~~ويتطاير من أجنحته وأطرافه فلم يزل هابطا حتى نزل على رأس الشجرة التي تظل ~~قبور الشهداء ثم صفق بجناحيه تصفيقة أهتزت لها جوانب الأرض وأضاءت بها ~~الأرجاء ثم أخذ ينطق بصوت كأنه جلجلة الرعد في آفاق السماء ويقول ها هم ~~الناس قد عادوا إلى ما كانوا عليه وها هي الأرض قد ملئت شرورا وفسادا حتى ~~لم يبق فيها بقعة طاهرة يستطيع أن يأوي إليها ملك من أملاك السماء. # ها هم الأقوياء قد ازدادوا قوة والضعفاء قد ازدادوا شعيفا وها هي لحوم ~~الفقراء تنحدر في بطون الأغنياء انحدار فلا الأولون بمستمسكين ولا الآخرون ~~بقانعين. # ها هم الفقراء يموتون جوعا فلا يجدون من يحسن إليهم والمنكوبون يموتون ~~كمدا فلا يجدون من يعينهم هلى همومهم وأحزانهم. # ها هم الأمراء قد خانوا عهد الله وخفروا ذمامه فأغمدوا السيوف التي وضعها ~~الله في أيديهم لإقامة العدل والحق وتقلدوا سيوفا غيرها ولا هي إلى الشريعة ~~ولا إلى الطبيعة ومشوا بها فيفتحون لأنفسهم طريق شهواتهم ولذائذهم حتى ~~ينالوا منها ما يريدون. # PageV01P115 # ها هم القضاة قد طمعوا وظلموا ووضعوا القانون ترسا أمام أعينهم يصيبون من ~~ورائه ولا يصابون وينالون من يشاؤون تحت حمايته ولا ينالون. # ها هم زعماء الدين قد أصبحوا زعماء الدنيا فحولوا معابدهم إلى مغاور لصوص ~~يجمعون فيها ms079 ما يسرقون من أموال العباد ثم يضنون بالقليل منه على الفقراء ~~والمساكين. # ها هم الناس جميعا قد أصبحوا أعوانا للأمراء على شهواتهم والقضاة على ~~ظلمهم وزعماء الأديان على لصوصيتهم فلتسقط عليهم جميعا نقمة الله ملوكا ~~ومملوكين ورؤساء ومرؤسين. # بالإغواء العروش ولتدهم المعابد ولتتقوض المحاكم وليعم الحراب المدن ~~والأمصار والسهول والأوعار والنجاد والأغوار ولتغرق الأرض في بحر من الدماء ~~يهلك فيه الرجال والنساء والشيوخ والأطفال والأخيار والأشرار والمجرمون ~~والأبرياء وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # وما انتهى من دعوته تلك حتى رأيت بركة الدم تفور كما فار التنور يوم دعوة ~~نوح ثم فاضت الدماء منها ومشت تتدفق في الأرض تدفق السيل المنحدر وإذا ~~الأرض بحر أحمر يزخر ويعج ويكتسح أمامه كل شيء من زرع وضرع وقصور وأكواخ ~~وحسوان وإنسان وناطق وصامت ثم شعرت به يعلو شيئا فشيئا حتى ضرب بأمواجه رأس ~~الربوة التي أنا جالس فوقها فصرخت صرخة عظمى فاستيقظت من نومي وكان ذلك في ~~صباح اليوم الثامن والشعرين من شهر يوليو فإذا صائح يصيح تحت نافذة غرفتي ~~إعلان الحرب! # PageV01P116 ### | الضحية # نشأت مرغريت جوتييه فقيرة لا تملك مالا تشتري به زوجا ولا تجد بين الرجال ~~من يبيعها نفسه بلا مال أو يحسن إليها بما يسد خلتها ويستر عورتها وكان ~~لابد لها أن تعيش فلم تجد بين يديها سوى عرضها فذهبت به إلى سوق الشقاء ~~والآلام فساومها فيه بعض المساومين بأنجس الأثمان فباعته إياه كارهة مرغمة ~~وكانت من الخاسرين. # ولقد كان جمالها شؤما عليها فلو أنها كانت شوهاء لوجدت في الناس من ~~يرحمها ويحنو عليها ولكن الجمال سلعة من السلع النافقة لا يستطيع صاحبه أن ~~ينال ما في أيدي الناس إن كان فقيرا معوزا إلا من طريق المساومة فيه. لذلك ~~نقمت تلك الفتاة المنكوبة على الرجال جميعا وأقسمت أن تتخذ من جمالها الذي ~~هو مطمح أنظارهم وقبلة آمالهم آلة انتقام بها منهم لعرضها وشرفها. # ولقد برت بيمينها الوفي بعهده فعاشرت الرجال ولم تحبهم ونكبتهم في ~~أموالهم وغي أنفسهم ولم تأسف عليهم ms080 ونظرت إلى دموع الباكين تحت قدميها ~~نظرات لغبطة والسرور وهي تقول: # PageV01P117 # ويح لكم يا معشر الرجال ما كنت أطلب منكم باسم الفضيلة والشرف إلا رغيفا ~~واحدا لغذائي وآخر لعشائي فأبيتموها على فلما طلبت منكم باسم الرذيلة جميع ~~ما تملك أيديكم من مال ونشب بذلتموه لي طائعين مختارين فما أصغر نفوسكم ~~وأخس أقداركم. # ولقد كان في استطاعة أصغركم شأنا وأهونكم على نفسه وعلى الناس جميعا أن ~~يشتري مني جسمي وقلبي وحياتي بلا ثمن سوى سد خلتي وصيانة عرضي فلم تفعلوا ~~فها هم أولاد اليوم عظماؤكم وأشرافكم يجثون تحت قدمي جثي الكلب الذليل تحت ~~مائدة سيده فلا ينالون مني أكثر مما ينال منها. # أحببتم المال حبا جما فأبيتم إلا أن تتزوجوا ذات مال لتضموا طارفها إلى ~~تليدكم فابذلوا اليوم لامرأة مومس لا تمنحكم مالا ولا حبا جميع ما في ~~أيديكم من فضة وذهب حتى يبقى لكم طارف ولا تليد. # ظهرت مرغريت في سماء باريس كوكبا متلألئا يبعث الأنوار ويبهر الأنظار ~~ويملأ أجواز الفضاء بهجة وضياء فطارت حولها العقول طيران النحل حول الزهر ~~وسال النضار بين يديها سيلان الجدول المتدفق تحت أشعة الأصيل وعنت لها ~~الوجوه الكريمة وتعفرت تحت قدميها الجباه الرفيعة وأصبحت أعناق الرجال في ~~يدها كأنما قد سلكتهم جميعا في سلك واحد ثم أمسكت بطرف السلك تحركه ~~فيتحركون وتمسك عنه فيمسكون وكان شأنها # PageV01P118 # معهم شأن صاحب الكلب مع كلبه لا يشبعه فيستغني عنه ولا يجيعه فييأس منه ~~فكانت تملأ نفس عاشقها أملا ورجاء حتى إذا ظن أن قد دنا به حظه تملأ نفس ~~عاشقها أملا ورجاء حتى إذا ظن أن قد دنا إليه يده فيناله ذادته عنه ذود ~~الظامئ الهيمان عن ورده أدنى ما يكون إلى فمه فإذا علمت أن اليأس قد بلغ من ~~نفسه وأنه قد أزمع أن يركب رأسه إلى حيث لا مرد له بعث وراءه شعاعا من أشعة ~~ابتساماتها العذبة الخلابة فاستردته إليها صاغرا مستسلما. # وكذلك أصبحت تلك الفتاة الجائعة العارية التي كانت تعوزها بالأمس اللقمة ~~وتعييها الخرقة ms081 سيدة باريس وصاحبة عرشها ومالكة أزمة رجالها وفاجعة قلوب ~~نسائها والنجم الحالق الذي تبتهل إليه العيون والسر الغامض الذي تحار فيه ~~الظنون. # ذلك ما يعلمه الناس من أمرها أما ما تعلمه من أمر نفسها فهي ترى أن جميع ~~ما يبذله لها الناس من فضة وذهب وأثاث ورياش وقصور ودور وجياد ومركبات لا ~~يساوي دمعة واحدة من تلك الدموع التي سكبتها على نفسها يوم باعت عرضها وأن ~~جميع هذه اللآلئ والجواهر والأردية والتيجان التي يهبونها إنما يهبونها ~~أنفسهم ليتمتعوا بمنظرها فوق جسمها كما يتمتع صاحب الكلب بمنظر القلادة في ~~عنق كلبه وما له من ذلك شيء فكأنما باعت عرضها بلا ثمن ولا جزاء. # وكانت تخلو بنفسها حينا فتذكر أن جميع هذه القلوب الطائرة حولها إنما ~~تطير على جمالها لا عليها وأنها إن حرمت هذا الجمال ساعة واحدة انفض الناس ~~جميعا من حولها وأصبحت وحيدة منقطعة فيهذا العالم لا يعطف عليها قلب ولا ~~تبكي عليها عين فتبكي بكاء الأشقياء على أنفسهم بل ترى أنها شقية مثلهم # PageV01P119 # لأنها تعاشر من لا تحب وتحيا بيتن قوم لا يحبونها إلا حبا كاذبا. # وربما مرت في بعض غدواتها أو روحاتها بغرفة حارس قصرها وهو جالس بين زوجه ~~وأولاده يمنحهم حبه وإخلاصه ويمنحونه من ذلك مثل ما يمنحهم فتتمنى أن لو ~~كان حظها من هذه الحياة غرفة كهذه الغرفة وزوجا وأولادا كهذا الزوج وهؤلاء ~~الأولاد ثم لا تقترح على دهرها بعد ذلك شيئا. # وما رآها في يوم من أيامها استقبلت في قصرها رجلا متزوجا أو خاطبا فكانوا ~~يحملون هذا الأمر منها على محمل الأثرة ويقولون إنها امرأة طامعة لا تحب ~~إلا أن يكون عاشقها خالصا لها ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرها وألموا بسريرة ~~نفسها لعلموا أنها امرأة حزينة منكوبة قد فجعها الدهر في سعادة الزوجية ~~فعرفت قيمتها فهي لا تحب أن تفجع فيها امرأة غيرها. # لقد تحدث بعض الذين ألموا بشؤون حياتها الخاصة أنها وهبت مرتين أو ثلاثا ~~بعض الفتيات الفقيرات مهورا يستعن بها على الزواج ممن ms082 يردن فلم يصدق الناس ~~هذا الخبر وقالوا إن السالب لا يكون واهبا وإن ينبوع الخير لا يمكن أن ~~ينفجر في قلوب النساء الفاجرات ولكن الحقيقة أنها فعلت ذلك وربما فعلت أكثر ~~منه هذا هو قلب مرغريت وهذه هي سريرة نفيها فهي فتاة فاسدة ولكنها غير ~~راضية عن فسادها وساقطة ولكنها لا تحب أن ترى الفتيات ساقطات مثلها ولو كان ~~في استطاعة المرأة الساقطة أن تسترجع بتوبتها وإنابتها مكانتها في قلوب ~~الناس وأن تمحو بصلاحها ما سلف من فسادها لكانت هي أقرب النساء إلى التوبة ~~والنزوع ولكن المجتمع الذي أسقطها وسلبها ذلك الرداء من الشرف الذي كانت ~~ترتديه يأبى عليها أن يعيد إليها # PageV01P120 # رداءه إن طلبته فلا بد لها من الاستمرار في سقوطها راضية أو كارهة وكذلك ~~كان شأنها. ولم يمض على مرغريت في حياتها هذه أكثر من بضعة أعوام حتى نزل ~~بها مرض حجبها في بيتها عدة أيام ثم اشتد عليها فأشار عليها الأطباء أن ~~تذهب إلى حمامات البانيير للاستشفاء بمائها وهوائها فسافرت إليها وحدها ولا ~~تصحبها إلا خادمتها وكان في ذلك المصطاف في هذا العام سيخ من الأثرياء اسمه ~~الدوق موهان حضر إليها مع ابنته وكانت مريضة بداء الصدر ليستشفى لها من ~~دائها فلم يجدها العلاج وماتت بين يديه فدفنها هناك ولبث بعد موتها عدة ~~أيام يختلف إلى قبرها ويبكيها بكاء شديدا فإنه لعائد من المقبرة ذات يوم إذ ~~لمح في طريقه مرغريت سائرة وحدها وكان ذلك اليوم الثاني من وصولها إلى ~~البانيير فدهش لمنظرها دهشة عظمى وخيل إليه أن الله قد بعث له ابنته من ~~قبرها أو أرسل إليه خيالها ليعزيه عنها لمكان الشبه بين صورة هذه الفتاة ~~وصورتها فتقدم نحوها ذاهلا مشدوها وأمسك بطرف ردائها وظل يحدق في وجهها ~~تحديقا طويلا فعجبت لشأنه وسألته ما باله ? فقال لها ها تأذنين لي يا سيدتي ~~أن اقبل يدك ? فمدت إليه يدها وهي لا تعلم ماذ يريد ولا ما الذي أصابه ~~فلثمها ثم اعتذر إليها عن جرأته بذهوله ودهشته ومشى ms083 معها يقص عليها قصته ~~وقصة مصابه في ابنته وما راعه من الشبه بين صورتها وصورتها فرثت له وحزنت ~~لحزنه واستهلت دمعة رآها الشيخ من خلال أهداب عينيها المبتلة بالدموع فسقط ~~على يدها يقبلها ويشكر لها تلك الدمعة التي جادت بها عليه في ساعة شقائه ~~ولم # PageV01P121 # يزل سائرا معها حتى وصلا إلى المنزل فودعها ومضى بعد ما بالإغواء أن ~~يتخلف إليها من حين إلى حين بالإغواء بذلك وصعدت إلى غرفتها فلما خلت ~~بنفسها أنشأت تفكر في أمر تلك الفتاة المسكينة التي اختطفها الموت من يد ~~أبيها في زهرة صباها من حيث لم يستطع طبيب ولا عائد رد دعاية القضاء عنها ~~ثم خطر لها أنها مريضة بمثل المرض الذي ماتت به وأنها ربما ماتت موتتها فلا ~~تجد بجانبها أبا كهذا الأب يندبها ويبكي عليها فأثر في نفسها هذا الخاطر ~~تأثيرا شديدا وبكت له بكاء طويلا ولزمت غرفتها في ذلك اليوم لا تفارقها. # وظل الدوق يختلف إليها بعد ذلك فيجالسها طويلا ويجد من الأنس بها ~~والاغتباط بعشرتها ما تسكن به لوعة نفسه كلما شبها الوجد في صدره حتى أصبح ~~لا يستطيع مفارقتها ساعة واحدة وكأنما لذ لها أن يرى ذلك الشيخ الثامل ~~المنكوب في وجهها سلوته وعزاءه فمنحه من عطفها وحبها ما لم تمنحه أحدا من ~~قبله وأنست به أنسا لم تأنسه بإنسان سواه. # وما هي أيام قلائل حتى أبلت من مرضها بعض الإبلال وعاد إلى وجهها رونقه ~~وبهاؤه وإلى ثغرها البديع ابتسامه وافتراره فلذ لها المقام في البانيير ~~أياما طوالا حتى شعرت بهبوب رياح الشتاء فأزمعت العودة إلى باريس فشق ذلك ~~على الدوق وعلم أنها إن عادت إليها لا يظفر منها في ذلك المزدحم العظيم ~~الحافل بخلانها وأصدقائها بمثل ما كان يظفر به منها في البانيير فخلى بها ~~ليلة السفر ساعة وحادثها حديثا طويلا وانتهي بالاتفاق معها على أن تهجر ~~حياتها الأولى حياة المخالة والمعاشرة وتعيش # PageV01P122 # في منزل يهيئه لها يوقم بنفقاتها فيه على أن تأذن له بالاختلاف إليها من ~~حين إلى ms084 حين ثم سافرا في اليوم الثاني إلى باريس. . # ومنذ ذلك اليوم تغيرت صورة حياتها عما كانت عليه من قبل فأصبحت تعيش في ~~قصرها الذي هيأه لها الدوق عيشا بين العزلة والاختلاط فلا تستقبل الناي فيه ~~إلا قليلا ولا تمتزج مع الذين تستقبلهم الامتزاج كله وربما مرت بها أيام لا ~~يراها الناس خارج قصرها إلا قليلا فإذا خرجت ركبت عربتها وحدها دون رفيق أو ~~رفيقه ومشت في طريقها تقرأ في كتاب أوص حيفة فربما مر بها كثير ممن تعرفهم ~~فلا تراهم فإذا وقع نظرها على واحد منهم ابتسمت أدراجها حتى تصل منزه ~~الشانزليزيه فتنزل من عربتها وتمشي في الغابة على قدميها ساعة ثم تعود إلى ~~قصرها فإذا جاء الليل ذهبت إلى ملعب التمثيل وحدها أو مع الرجل القائم ~~بشأنها فتقضي فيه أكثر وقتها ناظرة إلى المسرح لا يشغلها كثرة الناظرين ~~إليها أو المتهافتين على مقصورتها عن تتبع فصول الرواية والاهتمام بوقعها ~~حتى تنتهي. # فلم تمض عليها أيام كثيرة حتى علم الناس جميعا أن مرغريت قد استحالت ~~حالها وتغيرت صورة حياتها وأنها قد قنعت بهذه الحياة الجديدة حياة الهدوء ~~والسكينة والوحشة والانفراد ورضيتها لنفسها فلا سبيل إلى مغالبتها عليها ~~فقصرت عنها أسماعهم وانقطعت منها سبيل إلى مغالبتها عليها فقصرت عنها ~~أطماعهم وانقطعت منها آمالهم وظلوا يتلمسون الأسباب لتلك الحالة الغريبة ~~التي طرأت عليها فذهبوا في شأنها المذاهب كلها إلا المذهب الصحيح منها وهي ~~أن تلك الحادثة المحزنة التي حدثت لابنة الدوق شبيهتها في صورتها ومرضها قد ~~أثرت في نفسها تأثيرا شديدا # PageV01P123 # وصورت لها الحياة بصورة غير صورتها الأولى فأصبحت تعاف الرجال لأنهم سبب ~~سقوطها وتستنكر سقوطها أكثر مما استنكرته من قبل لأنه سبب مرضها ولا تأسف ~~على ما فاتها مما في أيدي الناس لأنها تعيش من مال الدوق في نعمة لا يطمع ~~طامع في أكثر منها وربما خطر لها أن حياتها مع هذا الشيخ الهرم الذي لا ~~يطمع منها في أكثر من أن يراها تشبه حياة العذارى الطاهرات اللواتي ينعمن ~~بنعمة الشرف ms085 في ظلال آبائهن فأعجبها هذا الخيال ولذ لها وكثيرا ما بكت ذلك ~~الشرف قبل اليوم وحنت إليه. # انقضت أيام الخريف وأقبلت أيام الشتاء وسالت الأجواء بردا وقرا فثار ما ~~كان كامنا من داء مرغريت وعاد إليها نفثها وسعالها فظلت تكابد من مرضها ~~آلاما جساما لا تفرقها يوما حتى تعاودها أياما فإن ألمت بها ألزمت سريرها ~~لا تفارقه وإن روحت عنها برزت إلى الخلاء في بكور الأيام وأصائلها تطلب ~~الهواء الطلق والجو النقي وربما ذهبت في بعض لياليها إلى ملعب التمثيل ~~لتتفرج ما هي فيه فتخلو بنفسها في مقصورتها ساعة أو ساعتين ثم تعود إلى ~~منزلها. # وكانت لا يزال ترى في المقصورة المجاورة لمقصورتها كلما ذهبت إلى الملعب ~~فتى في زي أبناء الأشراف وشمائلهم لا يزال يخالسها النطر من حين إلى حين ~~فينظر إليها إن غضت عنه ويقضي عنها إن نظرت إليه ولا يلتقي نظرها بنظره حتى ~~يتلهب وجهه # PageV01P124 # حمرة ويرفض جبينه عرقا كأنما جنى جناية لامقيل له منها فلم تحفل به كثيرا ~~لأنها لم تر في أمره شيئا جديدا إلا أنها كانت تعجب لسكونه وجموده وطول ~~إغضائه وإطراقه ولتلك العبرة من الحزن المنتشرة على وجهه وكان أكثر ما ~~يدهشها منه أو يعجبها أنه الفتى الوحيد الذي كان يبكي في ذلك المجتمع ~~المنتظر المشاهد المحزنة التي تمثل على مسرح التمثيل لأنها تعلم أن الفتيان ~~الفرحين المغتبطين بشبابهم وصحتهم ولا يحفلون بمناظر الشقاء الحقيقية فأحرى ~~أن لا يحفلوا بتمثيلها. # فإنها الحالية بنفسها في مقصورة ذات ليلة وكان الجو باردا مقشعرا إذ ~~فاجأتها نوبة سعال اشتدت عليها كثيرا حتى كادت تسقط عن كرسيها ضعفا ووهنا ~~فشعرت بيد تمسك يدها فاعتمدت عليها دون أن تستطيع الالتفات إلى صاحبها حتى ~~بلغت عربتها فركبتها فشعرت بالراحة قليلا فالتفتت لتشكر لصاحب تلك اليد يده ~~لم تر أمامها أحدا ورأت على بعد خطوات منها إنسانا منصرفا فلم تتمكن من ~~رؤيته إلا أنها تخيلت صورته تخيلا فعجبت لأمره ومضت في طريقها فما وصلت إلى ~~منزلها حتى شعرت برعدة الحمى ms086 تتمشى في أعضائها فلزمت سريرها بضعة أيام لا ~~تفارقه حتى أبلت قليلا فقدمت إليها خادمتها بطاقات الزيارة التي تركها ~~الفتيان الذين زاروها في اثناء مرضها تجملا وتلوما فلم تقرأ واحدة منها ثم ~~حدثتها الخادم أن فتى كان يأتي للسؤال عنها في كل يوم مرة أو مرتين ولا ~~يذكر اسمه ولا يترك بطاقته وأنه كان ينقبض انقباضا شديدا كلما أخبرته أنها ~~لا تزال طريحة فراشها تشكو وتتألم فاستوصفتها إياه فوصفته لها فلم # PageV01P125 # تعرفه وعجبت لأمره كل العجب وتمنت لو رأته فشكرت له هذا الإخلاص النادر ~~الذي لا عهد لها به في أحد من الناس وأمرت خادمتها أن تخبرها خبره إن جاء ~~للسؤال عنها مرة أخرى فلم يلبث أن جاء وكانت مرغريت جالسة في شرفة المنزل ~~المطلة على الطريق فرأته فعرفت أنه ذلك الفتى الحزين الذي كانت تراه في ~~المقصورة المجاورة لمقصورتها في ملعب التمثيل وأنه صاحب تلك اليد التي ~~امتدت لمعونتها ليلة النازلة التي نزلت بها هناك فأشارت إلى خادمتها ~~بالنزول إليه واستدعائه إليها ففعلت فاضطرب الفتي لهذه الدعوة اضطرابا ~~شديدا حتى كاد يرفضها ثم شعر بمكان مرغريت من الشرفة فتلوم ومشي وراء ~~الخادمة حتى صعدت به إلى غرفة سيدتها فتركته وانصرفت فدخل عليها فحياها ~~ووجهه يرفض عرقا ولسانه لا يكاد يبين فمدت إليه يدها فتناولها وقبلها قبلة ~~طويلة عرفت مرغريت سر ما أودعها من عواطف قلبه وهي العالمة بأسرار القبلات ~~ثم آذنته بالجلوس فجلس فأنشأت تسائله عن نفسه وعن قومه وعن سبب اهتمامه ~~بشأنها وتبتسم له فيما بين ذلك ابتسامات تلاطفه بها وتمسح عن فؤاده ما ألم ~~به من الروع فحدثها أنه غريب عن باريس وأنه وفد إليها منذ عشرين يوما من ~~بلدته نيس ليقضي فيها ثلاثة أشهر أذن له أبوه بها طلبا لتغيير الهواء ~~وترويح النفس ثم يعود في نهايتها إلى وطنه فسألته هل وجد المقام حميدا هنا ~~فصمت هنيهة ثم نظر إليها نظرة منكسرة وقال لا يا سيدتي قالت لماذا فحارت ~~بين شفتيه كلمة لم يستطع أن ينطق ms087 بها فعاد إلى صمته وإطراقه فأعادت عليه ~~سؤالها فقال لها هل تأذنين لي يا سيدتي أن أقول لك كل ما في نفسي فشعرت بما ~~في نفسه قبل أن يقوله وقالت له قل ما تشاء إلا أن تطارحني حبك وغرامك فإنني # PageV01P126 # امرأة مريضة لا أستطيع أن احتمل الحياة وحدها خالصة لا مؤونة فيها فأحرى ~~أن لا احتملها مثقلة بالحب والغرام فاصفر وجهه اصفرار شديدا ومد يده إلى ~~دمعة تترقرق في عينيه فمسحها ثم قال لها ذلك ما يحزنني يا سيدتي ويبكيني ~~وينغص لي عيشي منذ هبطت باريس حتى اليوم فإنني رأيتك فأحببتك للنظرة الأولى ~~ثم سألت عنك فعرفت من أمرك كل شيء وعلمت أنك تعيشين منذ شهور عيشة لا مطمع ~~فيها لطامع ولا أمل لآمل فانقطع أملي منك إلا أن حبي إياك لم ينقطع ثم ~~رأيتك بعد ذلك في ملعب التمثيل ورأيت هذا القناع الأصفر الذي نسجته يد ~~المرض على وجهك الجميل فاستحال جي إياك رحمة وشفقة وأصبحت أبكي لمرضك أكثر ~~مما أبكي لحبك وأصبح كل ما أتمنى على الله في حياتي أن أراك بارئة ناعمة ~~موفورا لك حظك من سعادة العيش وهنائه ثم لا أطمع بعد ذلك في شيء مما يطمع ~~فيه المحبون المغرمون فأنا أقف الساعة بين يديك لا لأطارحك الحب والغرام بل ~~لأسأل أن تأذني لي بالوقوف على بابك كلما جثته أسأل خادمتك عنك ثم أمضي ~~لسبيلي من حيث لا تريم وجهي ولا تشعرين بمكاني فسرت في أعضائها رعدة غير ~~الرعدة التي تعرفها من الحمى وخيل إليها أنها تسمع نغمة في الحب غير النغمة ~~التي كانت تسمعها من قبل اليوم من أفواه الرجال فنظرت إليه نظرة لا تأويلها ~~إلا الله تعالى ثم قالت له إني آذن لك بذلك يا سيدي وأشكره لك شكرا جزيلا ~~بل آذنك أن تزورني كلما شئت على أن تفد إلى صديقا مساعدا لا محبلا مغرما ~~فإني إلى الأصدقاء المخلصين أحوج مني إلى المحبين المغرمين ومدت إليه يدها ~~فعلم أنها قد آذنته بالانصراف فقبلها وانصرف ms088 مسرورا مغتبطا فأتبعته نظرها ~~حتى غاب عنها فسقطت وسادة بجانبها وقالت: # PageV01P127 # رحمتك اللهم فإني أخشي أن أحبه. # لقد أحببته من حيث لا تدري فإن الخوف من الحب هو الحب نفسه بل شعرت في ~~حبه بسعادة لم تشعر بمثلها من قبل فأصبحت تستقبله كل يوم في منزلها وتأنس ~~به وبحديثه أنا كثيرا وتقضي إليه بذات نفسها إفضاء الصديق إلى صديقه وتقص ~~عليه قصة ماضيها وحاضرها ولا تكذبه شيئا ولا تكتم عنه أمرأ ثم ترامى بها ~~الأمر حتى أصبحت تشعر بالوحشة إن تخلف عن ميعاد زيارته بضع دقائق ثم حدث أن ~~انقطع عن زيارتها ثلاثة أيام لأمر عرض له لم يتمكن من إخبارها به فحزنت ~~لانقطاعه حزنا عظيما وذهبت بها الوساوس والظنون كل مذهب ثم ذكرت أن ذلك ~~الحزن وهذا الوساوس ليس من شأنها قبل اليوم فقلقت لذلك قلقا شديدا وخفق ~~قلبها خفقة الرعب والخوف وعلمت أنها قد وقفت على حافة الهوة ولم يبق إلا أن ~~تتردى فيها فسهرت ليلة طويلة عالجت فيها نوازع النفس وخوالجها ما عالجت حتى ~~أصبح الصباح وقد أضمرت في نفسها أمرا. # جاء أرمان في صباح اليوم الرابع فوجدها طريحة فراشها وفي عينيها حمرة ~~البكاء والسهر فارتاع لمنظرها وقال لها لعلك سهرت بالأمس كثيرا يا سيدتي أو ~~بكيت فإني أرى في عينيك أثر واحد منهما قالت هما معا يا أرمان قال وهل حدث ~~شيء جديد ? قالت اجلس بجانبي قليلا أيها الصديق أحدثك حديثا قصيرا وربما ~~كان آخر حديث بيني وبينك ثم لا أراك بعد ذلك ولا تراني فذعر ذعرا شديدا ~~وداخله من الرعب والهول ما ملك عليه عقله ولسانه فلم يستطيع أن يقول شيئا ~~وسقط بجانبها واهيا متضعضعا وظل ينظر إلى وجهها نظر المتهم إلى وجه قاصيه. # PageV01P128 # ساعة نطفه بالحكم فأقبلت عليه تحدثه وتقول: # عرفتك يا أرمان فعرفت فيك الرجل الكريم الذي أحبني لنفسي أكثر مما أحبني ~~لنفسه والصديق الوفي الذي امتزجت في قلبه عاطفة الحب بعاطفة الرحمة والحنان ~~فآوى إلى مريضه حينما جفاني الناس لمرضي وعاش معي ms089 بلا أمل حينما انقطع ~~الناس عني لانقطاع أملهم مني فأضمرت لك في قلبي من الحب والاحترام ما لم ~~أضمره أحد سواك وسعدت بك سعادة لم أشعر بمثلها في يوم من أيام حياتي ولكن ~~الله الذي كتب لي الشقاء في لوح مقاديره من ضجعة المهد إلى رقدة اللحد لم ~~يشأ أن يمتعني طويلا بهذه السعادة وأبي إلا أن يسلبنيها وشيكا فقد أصبحت ~~أشعر منذ أيام أن تلك العاطفة الشريفة المقدسة التي كنت أستمد منها سعادتي ~~وهنائي قد أخذت تستحيل في أعماق قلبي إلى عاطفة أخرى غيرها لا أريدها لنفسي ~~ولا أرى إلا أنها ستكون سبب شقائي وبلائي فخادعت نفسي عنها حينا أكذبها مرة ~~وأصدقها أخرى حتى كان ما كان من انقطاعك عنى تلك الأيام الثلاثة فشعرت ~~لغيابك بحزن قلبي وأمضني وملك علي جميع عواطفي ومشاعري ولو شئت أن أقول ~~لقلت إنه أبكاني كثيرا وأسهرني طويلا فعلمت وأسفاه أنني قد أصبحت عاشقة وأن ~~هذا الذي يختلج في قلبي ويقيمني ويقعدني إنما هو الحب والغرام فقضيت ليلة ~~الأمس كلها أفكر في طريق الخلاص من هذه النكبة العظمى التي نزلت بي فلم أجد ~~أحدا يخلصني منها سواك فأنا أسألك يا أرمان باسم الصداقة والود الذي ~~تعاقدنا عليه بالأمس بل باسم الدموع التي طالما كنت تسكبها رحمة بي وإشفاقا ~~علي أن تنقطع عن زياراتي منذ اليوم وأن تسافر إلى أهلك الليلة إن استطعت ثم ~~لا تعد إلى بعد ذلك فأحمل نفسي على الصبر # PageV01P129 # عنك حتى يمن الله براحة اليأس منك. # ثم نظرت إليه لترى ما يقول فإذا هو جامد مصفر كأن وجهه وجه تمثال منحوت ~~وإذا عيناه شاخصتان إليها شخوص العين القائمة التي تنظر إلى الشيء ولا تراه ~~وبعد لأي ما استطاع أن يحرك شفتيه ويقول لها بصوت خافت كصوت الضمير وما ~~يخفيك من الحب يا مرغريت قالت يخفيني منه العقاب الأليم الذي أتوقع أن ~~يعاقبني به الله على ما اقترفت من الذنوب والآثام في فاتحة حياتي فقد كتب ~~الله لنا معشر النساء الساقطات في ms090 لوح مقاديره أن لا نزال نعبث بقلوب ~~الرجال وعقولهم ونبتليهم بصنوف العذاب وأنواع الآلام حتى يغضب الله لهم ~~ويغار عليهم فيبتلينا بحب نحمل فيه العذاب جميع ما حملناه من قبل ونشقى فيه ~~شقاء لا ينتهي إلا بانتهاء حياتنا فنموت بين يدي أنفسنا مهملات مغفلات لا ~~ينعانا ناع ولا يبكي علينا بك فهذا الذي أخافه وأخشاه وأحب أن يسبق إلى ~~أجلي قبل أن أراه. # أنا لا أتهمك بالخيانة والغدر يا أرمان فأنت أجل من ذلك عندي ولكني أعلم ~~أنك باق في هذا البلد إلى أجل فإذا انقضى الأجل سافرت إلى أهلك سفرا لا ~~تملك بعده العودة إلي فإن أبيت إلا البقاء بجانبي حال أهلك بيني وبين ذلك ~~لأنهم قوم شرفاء يضنون بك وبشرفك أن تلوثهما امرأة مومس بعارها وشنارها أقف ~~موقف الحيرة واللوعة أطلب السبيل إليك فلا أجدك والسلو عنك فلا أستطيعه ~~وربما حاولت بعد ذلك العودة إلى # PageV01P130 # كنف ذلك الشيخ الكريم الذي أحسن إلي إحسانا كبيرا فطردني من بين يديه ~~عقابا لي على خيانة عهده وكفر نعمته فلا أجد لي بدا من الرجوع إلى حياتي ~~الأولى حياة الشرور والآثام والهموم والآلام التي أبغضتها بغض الأرض للدم ~~وهنالك العذاب الدائم والشقاء والطويل. # أني أعلم يا أرمان أنك تحبني حبا جما وأنك ستكابد في ابتعادك عني عذابا ~~كثيرا ولكني أعلم أن قلبا طريفا يحتمل العذاب في سبيل الرحمة فاحتمل هذا ~~العذاب من أجلي فإنك أقدر مني على احتمال الآلام والأوجاع وسأعود الله ~~تعالى ليلي ونهاري أن يمنحني الصبر عنك ويرزقني راحة النفس وسكونها من بعدك ~~وأن يمنحك من ذلك مثل ما يمنحني فلعله يرحمنا جميعا. # فلم يكن له جواب على كلمتها هذه سوى أن نهض من مكانه متضعضعا متهالكا ~~ومشى إلى باب القاعة يسوق نفسه سوقا حتى بلغه فوقف على عتبته والتفت إلى ~~مرغريت وألقي عليها تلك النظرة التي يلقيها المحتضر على أهله في آخر لحظات ~~حياته وقال لها الوداع يا مرغريت ومضى فما غاب شخصه عن عينيها حتى نهضت من ~~فراشها ms091 هائمة مختبلة واندفعت إلى الباب تريد اللحاق به ثم تراجعت ثم حاولت ~~ذلك مرة أخرى فأدركها شديدا وتدور في أنحاء الغرفة دوران الثاكلة المفجوعة ~~وهي تصيح أرجعوه إلي لا أستطيع فراقه سأموت من بعده وإنها لكذلك إذا سمعت ~~صرخة عظمى آتية من ناحية الحديقة فخرجت تعدو إلى حيث سمعت الصوت حتى بلغت ~~باب المنزل # PageV01P131 # فرأت أرمان ساقطا تحت عتبته مغشيا عليه فرفعت طرفها إلى السماء وقالت ~~ليكن ما أراد الله ثم ألقت نفسها عليه ولثمت ثغره لثمة هي أول لثمة ذاقت ~~فيها لذة العيش في حياتها فشعر بها أرمان فاستفاق وضمها إلى صدره ضمة لو ~~مات على اثرها ما بكى على شيء من نعيم الدنيا وهنائها. # انقضى الشتاء فانقضى بانقضائه شقاء مرغريت وعناؤها فقد أبلت من مرضها ~~وأصبحت سعيدة بحبها فلم يبق بين يديها إلا أن تبلغ من تلك السعادة نهايتها ~~فاقترحت على أرمان أن يتركا باريس وضوضاءها ومزدحم الحياة فيها إلى مصيف ~~يختارانه لنفسهما في بعض الأماكن الخالية فقبل مقترحها وسافرا معا يفتشان ~~عن المكان الذي يريدان حتى بلغا قرية وهي ضاحية من ضواحي باريس على بعد ~~ساعتين منها فوجدا في بعض أرباضها منزلا صغيرا منفردا واقعا على رأس هضبة ~~عالية في سفح جبل مخضر تجري من تحته بحيرة صافية بديعة كأنما بناه بانيه ~~لهما فاشترياه ونقلت مرغريت إليه من منزلها في باريس بعض ما يحتاجان إليه ~~من أثاث ومتاع ثم عاشا فيه بعد ذلك عيشا ناعما هنيئا لا تضطرب في سمائه ~~غيمة ولا تمر بصفحته غبرة ولا يكدر عليهما مكدر من خواطر الشقاء ووساوسه ~~فكانا يقضيان نهارهما صاعدين إلى قمة الجبل أو منحدرين إلى سفحه أو راكبين ~~زورقا صغيرا يسبح بهما على صفحة البحيرة جيئة وذهوبا أو جالسين تحت شجرة ~~فرعاء تظللها من لفحات الهجير وتضمهما إليها كما تضم ثمارها أو مضطجعين على ~~بساط من العشب الممتد في تلمك البطحاء الفسيحة يتناجيان ويلهوان بمنظر # PageV01P132 # الجمال المائل في الشاطئ والأمواج والأخاديد والوديان والغابات والحجرات ~~والكهوف والأغوار والغيوم والسحب والأضواء ms092 في تشكلها وتلونها والظلال في ~~نحولها وانتقالها وفي رءوس الجبال اللاصقة بجلدة السماء كأنها بعض سحبها ~~وفي قطع الصخور المبعثرة على جوانب الغدران كأنها بعض أمواجها وفي تلك ~~المعركة التي تدور في كل يوم مرتين بين ج - يشي الأنوار والظلمات فينتصر في ~~صدر النهار في كل يوم مرتين بين جيشي الأنوار والظلمات فينتصر في صدر ~~النهار أولهما ثم يدال في آخره لثانيهما حتى إذا جاء الليل عادا إلى ~~منزلهما فنعمتا فيه بألوان النعيم وضروبه ورشفا من كل ثغر من ثغور السعادة ~~رشفة تسري حلاوتها في قلبهما حتى تصيب صميمه مر بهما عل ذلك عام كامل هو كل ~~ما استطاعا أن يختلساه من يد الدهر في غفلته ثم انتبه لهما بعد ذلك وويل ~~للسعداء من انتباهه بعد إغفائه فقد نضب أو أوشك أن ينصب ما كان في يد أرمان ~~من المال وكان في يده الكثير منه فكتب إلى أبيه يطلب إليه أن يبعث إليه بما ~~يستعين على البقاء في باريس مدة أخرى زاعما أنه لا يزال مريضا متألما لا ~~يستطيع السفر وكذلك كان يفعل من حين إلى حين فلم يأته الرد فأقلقه ذلك قلقا ~~شديدا وظل يختلف إلى المدينة في كل يوم يسأل في فندق تورين الذي كان ينزل ~~به قبل اتصاله بمرغريت عن الكتاب الذي ينتظره فلا يجده فيعود حرينا منقبضا ~~حتى إذا وصل إلى بوجيفال ورأى مرغريت بين يديه تطلق وتبسم كأنه لا يضمر في ~~نفسه هما قاتلا ولكن عين مرغريت أقدر من أن يعجزها النفاذ إلى أعماق قلبه ~~فانتهكت سره فكاشفته به وقالت لا يحزنك شأن المال يا أرمان فإن عندي منه ما ~~يكفينا العيش معا سنين طوالا ولم تكن صادقة فيما تقول لأن الدوق قاطعها ~~ومنع عنها رفده منذ عرف قصتها فيما تقول لأن الدوق قاطعها ومنع عنها رفده ~~منذ وعلم # PageV01P133 # أنها خانته وخانت بعده بل كانت مدنية بمال كثير لبعض تجار الجواهر ~~والثياب بل أصبح دائنوها يتقاضونها ديونهم بعد ما علموا أن الدوق قاطعها ~~ونفض يده ms093 منها ولكنها خاطرت بكلمتها مخاطرة لم تفكر في عاقبتها فأكبر أرمان ~~ذلك وأعظمه وأنف منه أنفة شديدة وأبي أن يعيش معها بمال غير ماله وعزم أن ~~يسافر إلى نيس ليأتي منها بالمال الذي يريده فأزعجها عزمه هذا إزعاجا شديدا ~~وخافت عاقبته فجثت بين يديه تستعطفه وتسترحمه وتبذل في ضراعتها ورجائها في ~~سبيل بقائه أكثر مما بذلت قبل اليوم في سبيل رحيله حتى أذعن واستقاد ورضي ~~بالتي لم يكن يرضى بمثلها لولا لهفة الحب وضراعة الدموع وقد أضمر في نفسه ~~أن يتنازل لها عن نصيبه في الميراث الذي ورثه من أمه مكافأة لها ووفاء ~~بحقها فلم يكن لمرغريت بعد ذلك بد من أن تمد يدها إلى جواهرها وذخائرها ~~فأنشأت تبيع القطعة بعد القطعة لتسد بعض دينها وتقوم بنفقة بيتها من حيث لا ~~يعلم أرمان واستمرار على ذلك بضعة أشهر حتى دخل عليهما في يوم من الأيام في ~~ساعات أنسهما وصفائهما خادم فندق تورين الذي كان ينزل به أركان في باريس ~~وقال له إن والده قد وصل الساعة إلى الفندق وإنه ينتظره هناك قال دوفال ~~لولده لقد كذبت علي كثيرا يا أرمان وكا كنت قبل اليوم كذابا ولا خادعا ~~ورضيت لنفسك بحياة كنت أضن الناس بنفسك على مثلها من قبل ومزقت بيدك ذلك ~~القناع الجميل من الحياء الذي لا يزال مسبلا على وجهك وأصبحت تبذل في العيش ~~مع امرأة عاهرة كل ما لها من الشأن عند نفسها. # PageV01P134 # وعند الناس جميعا أنها نفاية الرجال وفضلة من فضلات الفساق وفتات المائدة ~~العامة التي يجلس عليها الناس جميعا صباحهم ومساءهم فحسبك هذا وقم الساعة ~~لتعد نفسك للسفر معي إلى نيس فلست بتاركك بعد اليوم في هذا البلد ساعة ~~واحدة. # فرفع أرمان رأسه إلى أبيه وقال له بصوت هادئ مطمئن. # فنظر إليه أبوه نظرة شزراء وقال له وتلك سيئة أخرى فقد أصبحت لا تعبأ بي ~~ولا تبالي بمخالفة أمري من أجل امرأة ساقطة لا شأن لها معك إلا أن تعبث ~~بعقلك وتسلبك مالك وشرفك وتفسيد عليك ms094 حاضرك ومستقبلك. # قال لا يا أبتاه إنها ليست بعابثة ولا خادعة ولكنها تحبني حبا لم يحبه ~~أحد من قبلها أحدا وأحسب أني أن فارقتها قتلتها وجنيت عليها جناية لا ~~يفارقني الندم عليها حتى الموت. # قال ذلك ما يخدع به أمثالها أمثالك فليس للنساء العاهرات قلوب يحببن بها ~~بل لهن ألسن يختلن بها الرجال ويسلبنها حجبا بين بعضهم وبعض حتى يظن كل ~~واحد منهم أنه الأثير عندها وصاحب الحظوة لديها من دون أصحابه جميعا. # قال ربما كان ذلك شأنها قبل اليوم أما اليوم فهي لا تحب أحدا غيري بل لا ~~تعرف أحدا سواي فهي تعيش عيشة تشبه عيشة النشاء الشريفات بل اشرف من عيشة ~~الكثيرات منهن لأن الخليلة التي تخلص لخليلها أشرف من الزوجة التي تخون ~~زوجها وأخشى إن فارقتها أن تثور في نفسها ثورة من ثورات اليأس فتردها إلى ~~تلك الحياة الأولى حياة الشر والفساد والشقاء. # PageV01P135 # والعذاب بعد ما استنقذت نفسها. # قال وهل ترى أن وظيفة الرجل الشريف في هذه الحياة إصلاح النساء الفاسدات # قال ذلك خير له من أن تكون وظيفته إفسادهن فإن الأشراف في هذا العصر ~~يفخرون بإفساد النساء الصالحات واستدراجهن إلى مواطن الفسق والفجور وإصلاح ~~المرأة الفاسدة أدنى إلى الشرف من إفساد المرأة الصالحة. # قال لقد أصبحت كثير الرحمة يا أرمان. # قال لم لا أرحم فتاة مريضة مسكينة ليس لها في الناس من يعولها من ذي ~~قرابة أو ذي رحم وقد نزل داؤها من صدرها منزلة لا يبرحها ولا يتحلل عنها ~~إلا أن يهدأ عنها حينا ويستيقظ أحيانا فهي تكابد الألم مرة والخوف من الألم ~~أخرى ولا عزاء لها في حالتيها إلا هذه السعادة التي تتوهمها في الحب وترى ~~أنها ناعمة بها فإن فقدتها فقدت كل شيء في الحياة وعظم حزنها وبؤسها وثقلت ~~وطأة الداء عليها حتى كادت تأتي على البقية الباقية من حياتها فدعني معها ~~يا أبتاه عاما آخر أو عامين أهون عليها فيهما شقاءها فربما كان ذلك آخر ما ~~قدر لها أن تقضيه من أيامها ms095 في هذا العالم ثم أعود بعد ذلك إليك هادئ القلب ~~ساكن الضمير راضيا عن نفسي وعن عملي أبكيها بدموع الحزن لا بدموع الندم ~~ويهون وجدي عليها كلما ذكرتها أنني لم أخنها ولم أغدر بعهدها. # فاطرق دوفال هنيهة كأنما يعالج في نفسه هما معتلجا ثم رفع رأسه ونظر إلى ~~ولده نظرة تشبه نظرة العطف والرحمة وقال. # PageV01P136 # له لا أستطيع أن أسافر بدونك يا بني فحسبي ما كابدت من الألم لفراقك قبل ~~اليوم وقد تركت أختك ورائي تندبك وتبكي عليك صباحها ومساءها وتحن إلى لقائك ~~حنين الظامئ إلى الورود واعلم أن جميع ما تعتذر به عن نفسك في هذا الشأن لا ~~يغني عنك ولا عني شيئا يوم يقول الناس كلمتهم التي لا بد أن يقولها غدا ~~تاليراند يعيش كثير منهم قبل اليوم إن أرمان دوفال سلالة آل تاليراند يعيش ~~مع امرأة مومس في بيت واحد فعد إلى نفسك يا بني واستلهم الله الرشد يلهمك ~~ولا تجعل لهواك سبيلا على عقلك ودع هذه الحياة الساقطة التي يحياها من ليست ~~له همة مثل همتك ولا مجد ولا بيت مثل مجدك وبيتك وإني تاركك الآن وحدك ~~وذاهب عنك لبعض شأني لتخلو بنفسك ساعة تسترد فيها ما عرب عنك من صوابك ثم ~~أعود إليك بعد قليل لأسمع منك الكلمة التي أرجو أن تكون شفاء نفسي ورواء ~~غلتي. # ثم تركه ونزل فمشى إلى قهوة قريبة من الفندق فكتب فيها لبعض الناس كتابا ~~خاصا ثم طاف ببعض أصدقائه الذين يعرفهم في باريس فزارهم زيارة طويلة فلم ~~يعد إلى الفندق حتى أظل الليل فرأى أرمان لا يزال في مكانه فسأله ماذا رأى ~~فلم يجبه إلا بدموعه تنحدر على خديه تحدر القطر على أوراق الزهر وجثا بين ~~يديه يستعطفه ويسترحمه ويكشف له من خبيئة نفسه ما كان يكتمه من قبل يقول ~~والله يا أبت لو علمت أني أستطيع الحياة بدونها لفارقتها برا بك وإيثارا ~~لطاعتك ولكني أعلم أني إن فعلت فقد وضعت أمري في موضع الغرر وخاطرت بعقلي ~~أو بحياتي ms096 مخاطرة لا أعلم ماذا يكون خظي فيها ولا أحسبه # PageV01P137 # إلا أسوأ الحظين وأنحس النجمين ولو أن أحدا من قبلي استطاع أن يدفع هواه ~~عن قلبه أو يمحو ما قدر له في صحيفة قضائه من شقاء الحب وبلائه لسلكت سبيله ~~التي سلكها ولكنه بلاء بليت به الحين أريد لي فلا رأي لي في رده ولا حيلة ~~لي في اتقائه وقد نزلت هذه الفتاة من نفسي منزلة هي الحياة من الجسم والغيث ~~من التربة القاحلة فإن كنت لابد آخذي فخذ معك جسما هامدا لا حراك به ونبتة ~~ذاوية لا حياة فيها فوضع أبوه يده على عاتقه وقال له الآن يا بني واذهب ~~لشأنك وعد إلى صباح الغد لأتمم حديثي معك وأرجو أن تكون في غدك خيرا منك في ~~أمسك فخرج محزونا مكتئبا يمشي مشية الذاهل المشدوه لا يرى ما أمامه ولا ~~يشغر بما حوله حتى رأى عربة فركبها إلى بوجيفال حتى بلغها بعد هدأة من ~~الليل فلم ير مرغريت في شرفة البيت تنتظره كعادتها فدخل عليها غرفتها فرآها ~~مكبة على منضدة بين يديها كأنما هي نائمة أو ذاهلة فشعرت به عند دخوله ~~فنهضت مذعورة متلهفة فخيل إليه عند نهوضها أنه لمح في يدها رسالة تضم عليها ~~أصابعها فظنها بعض تلك الرسائل التي كان يرسلها إليها المركيز جان فيليب من ~~حين إلى حين وهو فتى من أبناء الأشراف الأثرياء كان يحبها في عهدها الأول ~~حبا شديدا وينفق عليها أموالا طائلة فلما انقطعت عنه لم ينقطع منها أمله ~~فظل يرسل إليها رسائل كثيرة يعرض فيها حبه وماله ويمنيها الأماني الحسان في ~~عودتها إليه واتصال حياتها بحياته فكانت تمزقها عند اطلاعها عليها أو على ~~عنوانها فلم يحفل أرمان بذلك ومشى إليها فقبلها فقالت له ماذا جرى يا أرمان ~~قال أرادني أبي على السفر معه فأبيت وبكيت بين يديه كثيرا فلم أنل منه ~~منالا وقد أمرني بالعودة إليه غدا ولا # PageV01P138 # أريد أن أفعل لأني لا أحب حظي منه في الغد خيرا منه اليوم وقد أصبحت نفسي ms097 ~~تحدثني بعصيانه والبقاء هنا على الرغم منه لأني أعلم أني قد تجاوزت السن ~~التي تحتاج فيها الأبناء إلى إرشاد الآباء ولأني لا أعرف أحدا بين الناس ~~يستطيع أن يرسم لي خطة سعادتي كما ارسمها لنفسي ثم أنشأ يقص عليها قصته مع ~~أبيه حتى أتمها ونظر إليها فإذا هي مطرقة صامتة وإذا وجهها أصفر مربد كأنما ~~قد نفض الموت عليه غباره فقال ما بالك يا مرغريت. # قالت أشعر بألم شديد في رأسي وأريد الذهاب إلى مخدعي فأخذ بيدها إليه ~~وجدعها بضع قطرات من الدواء فاستفاقت قليلا ثم نامت فغي مخدعها نوما مشردا ~~مذعورا. # لم يزل أرمان سائرا في سبيله حتى وصل إلى باريس فذهب إلى فندق تورين فلم ~~يجد أباه هناك ووجد رسالة تركها له قبل ذهابه يأمره فيها أن ينتظره حتى ~~يعود فلبث ينتظره حتى يعود فلبث طويلا حتى عاد بعد منتصف النهار وقد رقت ~~قليلا تلك الغمامة السوداء التي كانت تلبس وجهه بالأمس فتقدم نحوه أرمان ~~فحياه فقال له لقد فكرت ليلة أمس في أمرك كثيرا يا بني # PageV01P139 # فرأيت أني قد قسوت عليك وغلوت في أمرك غلوا كبيرا ونظرت إلى مسألتك بعين ~~أقصر من التي كان يجب علي أن أنظر إليها فإن للشباب شأنا غير شأن الكهولة ~~والشيخوخة وحالا خاصة به لا يخرج عن حكمها شريف ولا وضيع ولا يختلف فيها ~~سوقة عن ملك أن تبقي يا بني كما تشاء وأن تعاشر الفتاة التي تحبها كما تريد ~~على أن تعدني بالعودة إلى في اليوم الذي تنقطع فيه الصلة بينك وبينها ~~انقطاع حياة أو موت فإني إن منيت عليك شرها فلا آمن عليك شر غيرها من ~~النساء فاستطير أرمان فرحا وسرورا وأهوى على يد أبيه يقلبها ويبللها بدموعه ~~ويقول أعدك بذلك يا أبتاه وعدا لا أخالفه ولا أخيس به ولك حكمك ما تشاء إن ~~رأيتني بعد اليوم كاذبا أو خائنا. # ثم نهض يريد الذهاب فقال له أين تريد قال أريد الذهاب إلى مرغريت لأبشرها ~~بهذا النبأ وأمسح عن فؤادها ما ms098 ألم به من الروع منذ الأمس فانتفض أبوه ~~انتفاضة خفيفة لم يشعر بها أرمان ثم ادار وجهه ليغالب دمعة كانت تترقرق في ~~عينيه ثم التفت إليه وقال ابقي معي اليوم يا بني فربما سافرت غدقا ولا أعلم ~~بعد ذلك متى أراك فبقي معه اليوم كله حتى جاء الليل فاستأذنه في الذهاب عن ~~عينيه فانحدرت من جفنه تلك الدمعة نظره حتى غاب عن عينيه فانحدرت من جفنه ~~تلك الدمعة التي كان يحبسها من قبل وقال وارحمتاه لك أيها الوالد المسكين! ~~حمل أرمان بين جنبيه آماله وآمال مرغريت وسعادتهما التي # PageV01P140 # يرجوانها في مستقبل حياتهما وطار بها إليها ليقاسمها إياها حتى دنا من ~~بوجيفال فأدهشه أن أرى البيت مظلما ساكنا لا يضطرب فيه شعاع ولا يتراءى فيه ~~ظل فمشى إلى الباب فرآه مرتجا فوضع أذنه على خصاص فلم يسمع حركة فأخذ يقرعه ~~قرعا شديدا ويهتف باسم مرغريت مرة واسم برودنس أخرى فلم يجبه أحد فقال في ~~نفسه لعلها ذهبت إلى بيتها في باريس لبعض شأنها واستصحبت خادمتها ولا بد أن ~~تعود الآن فجلس على صخرة أمام باب المنزل ينتظرها حتى مضت هدأة من الليل ~~فلم تعد فحدثته نفسه بالعودة إلى باريس للبحث عنها في مكان وجودها ثم منعه ~~من ذلك خوفه أن يسلك في ذهابه طريقا غير الطريق التي تسلكها في عودتها ~~فاستمر في مكانه يقعد مرة ويقوم أخرى ويقف حينا ويتمشى أحيانا ويحدث نفسه ~~بكل حديث يمر بخاطر القلق المرتاع إلا حديث خيانتها وغدرها ولم يزل في ~~حيرته واضطرابه حتى رأى جذوة الفجر تدب في فحمة الظلام فساء ظنه وانتشرت ~~عليه وساوسه وأوهامه وقال في نفسه ما لمرغريت بد من شأن ولا بد لي من ~~المصير إليها والنظر في الشأن الذي شغلها وكان القلق والسهر قد أخذا ~~مأخذهما من جسمه ونفسه من حيث لا يشعر فمشى في طريقه إلى باريس يترنح ~~الشارب الثمل حتى وصل إلى منزل مرغريت وقد علا صدر النهار فرأى حارس المنزل ~~قد استيقظ من نومه ووقف بفأسه على ms099 شجرة من أشجار الحديقة بشذب أغصانها ~~فسأله عن مرغريت فقال إنها حضرت هنا بالأمس في منصرف النهار ووراءها ~~خادمتها تحمل حقيبة كبيرة فصعدت إلى المنزل فلبثت فيه ساعة ثم نزلت وقد ~~لبست ثوبا من أثواب الولائم فأعطني كتابا وقالت لي إذا جاء المسيو أرمان ~~للسؤال عني # PageV01P141 # فأعطه إياه ثم ركبت عربتها هي وخادمتها وانصرفت قال ألا تعلم أين ذهبت ~~قال أحسب أني سمعتها تقول للحوذي عند ركوبها إلى منزل المركيز جان فيليب ~~فجمى أرمان في مكانه جمود الصنم واستحال لونه إلى صفرة الموت ومر بخاطره ~~مرور البرق ذلك الكتاب الذي رآه في يدها بعد عودته إليها من مقابلة أبيه ~~فتركه الحارس مكانه وذهب إلى غرفته وعاد إليه بالكتاب فتناوله منه بيد ~~مرتجفة ونشره وأمر نظره عليه إمرارا فأحاط بما فيه للنظرة الأولى فارتعد ~~جسمه ارتعادا شديدا وتراجع خطوة أو خطوتين إلى باب القصر فأسند ظهره إليه ~~وأعاد قراءته فإذا هو مشتمل على هذه الكلمات هذا آخر ما بيني وبينك يا ~~أرمان فلا تحدث نفسك بمعاودة الاتصال بي ولا تسألني عن السبب في ذلك فلا ~~سبب عندي إلا أني هكذا أردت لنفسي والسلام. فعلق نظره بالكتاب ساعة لا يرفع ~~طرفه عنه ولا يقرأ منه حرفا كأنما هو تمثال من تماثيل الحديقة وكان الحارس ~~قد عاد إلى شجرته يشذب أغصانها ويتغنى في صعوده إليها وانحداره عنها بقطعة ~~من الشعر الغرامي يعجبه لحنها وإن كان لا يفهم معناها فإنه لكذلك إد سمع ~~صوت جسم ثقيل قد سقط على معناها فإنه لكذلك إذ سمع صوت جسم ثقيل قد سقط على ~~الأرض فرمى بفأسه وهرع إلى ناحية الصوت فرأى أرمان صريعا معفرا تحت عتبة ~~الباب ففزع فزعقا شديدا وظنها الصرعة الكبرى فأهوى بأذنه إلى صدره فسمع ما ~~بقي من دقات قلبه فاطمأن قلبا وعمد إلى جرة بين يديه فأخذ ينضح بمائها وجهه ~~يدلك براحة يده صدره وصدغيه حتى استفاق بعد قليل ففتح عينيه فرأى الحارس ~~جالسا بجانبه ورأى الكتاب لا يزال # PageV01P142 # في يده فدار بعينيه ms100 حول نفسه فمرت بخاطره في الحال ذكرى مصرعه القديم في ~~هذا المكان عينه منذ خمسة عشر شهرا يوم ألقت مرغريت بنفسها عليه ورسمت على ~~ثغره أول قبلة من قبلات الحب فهاجته تلك الذكري وصاح ما ابعد اليوم من ~~ألامس وأنشأ يبكي بكاء الطفل الذي حيل بينه وبين ثدي أمه حتى بكى الحارس ~~لبكائه وأقبل عليه يعزيه عن مصابه ويهونه عليه حتى هدأ قليلا فأمره أن ~~يستدعي له عربة ففعل فقام يتوكأ على يد الحارس حتى بلغها فركب وقال للسائق ~~إلى فندق تورين فسارت به العربة إليه حتى إذا لم يبق بينه وبينه إلا منعطف ~~واحد مرت بجانيه عربة فخمة مرور البرق الخاطف تحمل رجلا وامرأة لم يتبينهما ~~للنظرة الأولى ثم راجع صورتهما في خياله فإذا هما جان فيليب ومرغريت وكانت ~~مركبته قد وصلت به إلى الفندق فدخل على أبيه هائما مختبلا فقال ما دهاك يا ~~بني قال قد خانتني يا أبتاه قال ذلك ما أنذرتك من قبل يا بني. # ثم انقضى النهار وجاء الليل فقضاه أرمان ساهرا في مخدعه يراجع فهرس حياته ~~مع مرغريت صفحة صفحة ويستعرض في نفسه جميع أطوارها وشؤونها فلم تبق حركة من ~~حركاتها ولا كلمة من كلماتها ولا صورة من صور أعمالها كان يراها بالأمس ~~حسنة من حسنات الإخلاص والوفاء إلا رآها اليوم سيئة من سيئات الخديعة ~~والمكر حتى وصل في مراجعته إلى الأمس واليوم الذي قبله. # فذكر عدم انتظارها إياه في شرفة البيت كعادتها يوم عاد إليها من مقابلة ~~أبيه وشدة احتفاظها بكتاب المركيز في يدها عندما # PageV01P143 # دخل عليها غرفتها وضنها به ضنا شديدا ولم تكن تفعل ذلك من قبل وإعراضها ~~عن التبسط معه في الحديث بعد ما قص عليها من قبل وإعراضها عن التبسط معه في ~~الحديث بعد ما قص عليها قصته مع أبيه وزعمها أنها مريضة خائرة لا تستطيع ~~البقاء معه وإلحاحها عليه في صباح اليوم الثاني إلحاحا شديدا في العودة إلى ~~مقابلة أبيه واستعطافه وقولها إنها لا تكون راضية عن نفسها ولا ms101 هانئة ~~بعيشها إن لم يكن أبوه راضيا عنه فاستنتج من هذا كله أنها منذ شعرت بفراغ ~~يده من المال وأن أباه إما أن يحول بينه وبينها وإما أن يقتر عليه الرزق ~~تقتيرا ملته واجتويه وفكرت في سبيل الخلاص منه ولم تزل تنتظر ما يأتيها به ~~القدر حتى أتاها بكتاب المركيز فكان هو طريق خلاصها. # ولم يزل هائما ما شاء الله أن يهيم في تصوراته وأوهامه حتى غلبته فهجع ~~قليلا ثم استيقظ في الصباح فدخل على أبيه في مخدعه وقال له لي عندك أمنية ~~يا أبتاه لا أريد غيرها وأريد أن أبتاعها منك بخضوعي لك ونزولي على حكمك ~~أبد الدهر فيما سرني أو ساءني فهل لك أن تبلغنها قال وما هي قال أريد أن ~~تعطيني الساعة خمسة عشر ألف فرنك قال وما تريد منها قال أحب أن أستأثر بهذا ~~السر لنفسي من دون الناس جميعا حتى من دونك فنظر إليه أبوه نظرة الملم بما ~~دار في نفسه ولم يعاوده وأعطاه صكوكا بالمال الذي أراد فأخذها وأرسلها إلى ~~مرغريت وأرسل معها كتابا طويلا ختمه بهذه الكلمة أما قد عرفت أنني كنت أعيش ~~مع امرأة عاهر ساقطة لا أما وقد عرفت أنني كنت أعيش مع امرأة عاهر ساقطة لا ~~عهد لها ولا ذمام فها هي ذي أجرة لياليك الماضية مرسلة إليك. # ثم خرج ليعد نفسه للسفر فقضي اليوم كله خارج الفندق ثم عاد إليه دبر ~~النهار فوجد فيه كتابا باسمه ففض ختامه فإذا # PageV01P144 # الأوراق التي أرسلها إلى مرغريت عائدة إليه كما هي وليس معها كلمة واحدة ~~فحاول أن يعيدها إليها مرة أخرى فمنعه أبوه من ذلك وقال له قد وعدتني ألا ~~تخالفني في أمر بد لك من الإذعان فأذعن ثم سافرا معا تلك الليلة إلى نيس. # وكذلك قضي الله أن يفترق ذلك الصديقان الوفيان والعاشقان المخلصان فعاد ~~الفتي إلى أحضان أبيه وعادت الفتاة إلى حياتها الأولى التي كانت تأباها ~~الإباء كله وتخافها الخوف الشديد وفي نفس كل منهما من الوجد بصاحبه والحسرة ~~عليه ms102 ما لا تليه الأيام ولا تنتقص منه السنون والأعوام. # الأشقياء في الدنيا كثير وأعظمهم شقاء ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ~~ضرورة من ضروريات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه فيودعها ~~هناك ثم يغلق دونها بابا من الصمت والكتمان ثم يصعد إلى الناس باش الوجه ~~باسم الثغر متطلقا متهللا كأنه لا يحمل بين جنبيه هما ولا كمدا: # ذلك كان شأن مرغريت بعد عودتها إلى حياتها الأولى فقد أصبحت تعيش مع ~~الناس بصورة غير الصورة التي تعيش بها مع نفسها أما حياتها مع الناس فحياة ~~ضاحكة لاعبة مرحة وثابتة تضيء المجامع والمحافل وتملأ الأنظار والأسماع ~~فإذا ضمها مخدعها وخلا لها وجه الليل مرت أمام عينيها صورة تلك الساعات ~~السعيدة التي قضتها بجانب أرمان ثم ذكرت أنها قد أفلتت من يدها إفلات ~~الطائر من يد صائده وصارت بعيدة عنها بعد الشمس عن يد متناولها وأنها قد ~~أصبحت تعيش بين أقوام لا تعرفهم # PageV01P145 # ولا تجد في نفسها لذة الأنس بهم ثم لا تجد لها بدا من مماذقتهم والتحبب ~~إليهم والتجمل لهم بما يريدون ويشتهون فتقبل الأفواه التي لا تشتهيها ~~وتعتنق القامات التي لا تطيق رؤيتها وتشرب مع كل شارب والشراب يحرق أحشاءها ~~وترقص مع كل راقص والرقص يمزق أوصالها وتضحك ضحكات السرور من قلب باك وتنشد ~~أناشيد الهناد من فؤاد محترق فكأنها في يد الناس والعود في يد المغني يقطع ~~أوتاره ضربا ليطرب لنغماته أو الزهرة في يد المقتطف يعصر أوراقها عصرا ~~لينعم بشذاها فتهيجها ذكرى ذلك الماضي السعيد وهذا الحاضر الشقي فتطلق ~~السبيل لزفراتها وعبراتها يصعد منها ما يصعد وينحدر ما ينحدر حتى تشتفي ~~نفسها فتقوم إلى خزانة ملابسها فتستخرج منها صورة تضعها بين سحرها ونحرها ~~ثم تأوي إلى مضجعها فتجد برد الراحة في صدرها لأنها صورة أرمان. # ولم تزل تكابد من الشقاء في تلك الحياة الساقطة وآلامها ما لا طاقة ~~لمثلها باحتمال مثله حتى استيقظ في صدرها داؤها القديم بعد ما نام عنها ~~حينا من الدهر فهزل جسمها وشحب ms103 لونها وغاض ماء ابتساماتها وانطفأ شعاع ~~نظراتها وشغلها شأن نفسها عن شأن المركيز فلم يلبث أن ملها وفارقها واستبدل ~~بها أخرى غيرها ثم اختلف عليها من بعده الأخلاء الرفقاء فكان شأنهم معها ~~شأنه لا يلبث أحدهم أن يعرفها حتى يهجرها فكسدت سلعتها في سوق الجمال وطمع ~~فيها من لم يكن يطمع قبل اليوم في لثم مواطئ أقدامها وخلت منهلا المجامع ~~والمحافل ثم خلت من ذكرها وحديثها وأعوزها المال إعواز شديدا فمدت يدها إلى ~~ما كان باقيا عندها من جواهرها ولآلئها فباعته فلم يف بدينها فطلبت المعونة ~~من كثير من أصدقائها الماضين فأرسل إليها قليل # PageV01P146 # منهم القليل فلم يغن عنها شيئا واختلفت إليها جرائد الحساب يطلب أصحابها ~~سداد ما فيها فدافعتهم عنها حينا ثم عجزت فحجزوا على جميع مقتنياتها ~~وذخائرها وأثاث بيتها ورياشه ولؤموا في مقاضاتها لؤما ضاعف حزنها ومرضها ~~وقضي على بقة ما كانت تضمره في نفسها من الأمل في الحياة والسعادة فيها ~~فنسيت العالم خيره وشره والحياة سعادتها وشقاءها وأصبحت لا تفكر إلا في أمر ~~واحد تقوم وتقعد به ليلها ونهارها وهو ان ترى أرمان ساعة واحدة قبل موتها ~~ثم تذهب إلى ربها. # ولم تكن قد كتبت إليه قبل اليوم كلمة واحدة منذ فارقها ولا كتب إليها ~~فنهضت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى منضدتها فكتبت إليه هذا الكتاب تعال ~~إلى يا أرمان راضيا كنت أو غاضبا فإنني مريضة مشرفة وأحب أن أراك قبل موتى ~~لأقضي لك بسر الذنب الذي أذنبته إليك فيما مضى والذي لا تزال واجدا على ~~بسببه حتى اليوم فلعلك تعفو عني في ساعتي الأخيرة فيكون عفوك ورضاك هو كل ~~ما أتزوده من هذه الحياة لقبري واذكر يا أرمان أن أول عاطفة جمعت بيني ~~وبينك وألفت بين قلبي وقلبك كانت عاطفة الرحمة والشفقة فها هي الفتاة ~~المريضة المسكينة التي رحمتها بالأمس وعطفت عليها قبل أن تحبها تدعوك اليوم ~~أن ترحمها وتعطف عليها وإن تكن قد سلوتها أما كتابك الذي كتبته إلي قبل ~~سفرك فقد اغتفرت لك ms104 كل ما فيه حتى قولك إنني كنت كاذبة في حبك طامعة في ~~مالك لأني أعلم أن المرأة التي كذب الناس في حبها طوال حياتها لا يمكن أن ~~تجد من يصدقها إذ صدقت فيه وعدل من الله كل ما صنع. # PageV01P147 # ثم لبثت تنتظر حضوره أياما طوالا فلم يأت فأحزنها ذلك حزنا شديدا وساء ~~ظنها به ووقع في نفسها أنه قد سلاها واطرحها وأصبح لا يعبأ بها ولا يبالي ~~بحياتها أو موتها وسعادتها أو شقائها وكانت مخطئة فيما ظنت فإن أرمان لم ~~يطلع على الكتاب الذي أرسلته إليه منذ فارقها في العام الماضي وسافر إلى ~~نيس ولم يستطع البقاء فيها إلا أياما قلائل ثم ملكه الضجر وأحاطت به الوحشة ~~وضاقت في وجهه مذاهب السلوى فاستأذن من أبيه أن يسافر إلى بعض بلاد المشرق ~~ترويحا عن نفسه وتفريحا من كربته فأذن له فسافر إلى الإسكندرية فأقام بها ~~بضعة أشهر كاتب أباه فيها قليلا ثم تركها وأخذ ينتقل في أنحاء البلاد لم ~~ينزل ببلدة حتى يطير به الضجر إلى غيره فانقطعت رسائله عن أبيه فأصبح لا ~~يعلم مكان وجوده فلما أرسلت مرغريت إليه كتابها في نيس قرأه أبوه وحفظه ~~عنده ولم يستطع أن يرسله إليه ومرغريت لا تعلم بشيء من ذلك فحزنت لخيبة ~~أملها حزنا شديدا ودب اليأس في قلبها ربيب الموت في الحياة ووقع في نفسها ~~أنها ستخرج من الدنيا فارغة اليد من كل شيء حتى من هذه الأمنية التي بقيت ~~في يدها من بين جميع آمالها الضائعة فتنكر شأنها واستحالت جالها ولجأت إلى ~~صمت طويل لا تقول فيه خيرا ولا شرا وأصبحت تنظر إلى نفسها وإلى ما يحيط بها ~~من الأشياء كأنها تنظر إلى شيء تنكره ولا تعرفه فربما دخل عليها طبيبها وهي ~~في أشد حالات ألمها فلا تشكو له ألما أو سمعت ضوضاء الدائنين وصخبهم من ~~الراحة والسكون ركبت عربتها إلى بوجيفال فزارت البيت الذي قضت فيه أيام ~~سعادتها الذاهبة وكان لا يزال باقيا على الصورة التي تركتها عليها يوم ~~فارقته ms105 ومرت بغرفه وقاعاته وجلست # PageV01P148 # في كل مكان كانت تجلس فيه مع أرمان وأشرفت من كل نافذة كان يشرف منها ~~معها وقبلت جميع آثاره وبقاياه ولثمت الكأس التي كان يشرب بها والزهرة التي ~~كان يحبها والقلم الذي كان يكتب به والكتاب الذي كان يقرأ فيه فإذا نال ~~منها التعب جلست على بعض المقاعد لتأخذ لنفسها راحتها فربما طار بها خيالها ~~إلى ذلك العهد القديم فتمثل لها أن أرمان جالس تحت قدميها يسرد عليها حادثة ~~من حوادث طفولته في نيس أو يبثها ما يضمره لها في نفسه من الوجد والغرام ~~فتبتسم لحديثه ابتسام السعيد الهانئ وتستشعر في نفسها لذة لا يشعر بمثلها ~~إلا المتقون في جنات النعيم ثم تفتح عينيها فلا ترى أمامها غير الوحشة ~~والسكون والوحدة والانفراد فتبكي ما شاء الله أن تفعل ثم تعود إلى بيتها في ~~باريس فتجلس على كرسيها بجانب منضدتها وتناجي أرمان في مذكراتها جميع ما ~~تحدثها به نفسه كأنه حاضر بين يديها يراها ويسمعها # PageV01P149 ### | مذكرات مرغريت # أرمان: # لم تكتب إلى ولم تأتني كأنما ظننت أني أريد أن أستعيد معك عهد الماضي ~~وأين أنا من ذلك العهد فلو رأيتني لرأيت امرأة ذاهبة مدبرة لا تصلح لشأن من ~~شؤون الحياة ولم يبق فيها من صورتها الماضية إلا كما بقي من الزهرة الساقطة ~~عن غصنها بعد ما عصفت الريح بأوراقها وكل ما كنت أريده منك أن أراك بجانب ~~فراشي في ساعتي الأخيرة لأعتذر لك عن ذنبي الذي أذنبته إليك ثم أنظر نظرة ~~وداع أغمض عليها جفني واذهب بها إلي قبري! ما أنا بخائنة يا أرمان ولا ~~خادعة فإن الرسالة التي رأيتها في يدي يوم عدت إلى من مقابلة أبيك ليست ~~رسالة المركيز كما ظننت بل رسالة أبيك نفسه وصلت منه قبل وصولك إلى بوجيفال ~~بساعة واحدة وهذا نصها الذي لا يزال عالقا بذهني حتى الساعة: # سيدتي: # أريد أن أقابلك غدا في منزلك في الساعة العاشرة صباحا في شأن خاص بي وبك ~~وأريد ألا يكون أرمان حاضرا تلك المقابلة ولا ms106 عالما بها ولا بأني أرسلت هذه ~~الرسالة إليك ولي من حسن # PageV01P150 # الرأي فيك ما يطمعني في أن يكون ما سألتك إياه سرا بيني وبينك حتى نلتقي ~~والسلام. # فلما قرأتها علمت ماذا يريد من تلك المقابلة وشعرت بما وراءها بل علمت ~~بما دار بينك وبينه من الحديث وأنك أمتنعت عليه حتى يئس منك فحاول أن يدخل ~~عليك من بابي فحدثتني نفسي أن أرفض مقابلته وأن أكاشفك بكل شيء ثم استحييت ~~من نفسي وأكبرت السر فلا يجحدني عند ظنه وطمعت في أن أنال منه عند المقابلة ~~ما يطمع أن يناله مني فكلمتك أمر الرسالة وكتمتك ما في نفسي منها ولم أكن ~~كاذبة في شكاتي وألمي حينما قلت لك في تلك الليلة إنني لا أستطيع البقاء ~~بجانبك وسألتك أن تقودني إلى مخدعي فقد قضيت في فراشي بعدما فارقتك ليلة لم ~~أقض مثلها في جميع ما مر بي من ليالي الهموم والأحزان حتى اصبح الصابح ~~فألححت عليك أن تذهب لمقابلة أبيك وأنا أعلم أنك ذهبت إليه لا تراه ولا ~~تنتفع بمقابلته إن رأيته ولكني خفت أن يزورني فيراك عندي فأصغر في عينيه ~~ولا أشد علي من ذلك وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصل إلى بوجيفال في الموعد ~~الذي ضربه في كتابه فاستأذن على فأذنت له فدخل فرايت في عينيه جمرة من ~~الغضب تلتهب التهابا فلم أحفل بها ودعوته للجلوس فلم يفعل ولم يحيني بيده ~~ولا بولدي أيتها السيدة وظل ناظرا إلى نظرا جامدا ساكنا لا ولهجته الجافة ~~الخشنة وامتعضت في نفسي امتعاضا شديدا حتى # PageV01P151 # كدت أقول له ولا أكتمك ذلك تذكر يا سيدي أنك في منزلي وأنني لم أدعك إلى ~~زيارتي بل أنت الذي دعوت نفسك بنفسك ثم ذكرت مكانه منك فأمسكت عن كل شيء ~~حتى عن الجواب على سؤاله فمشى يضرب الأرض بعصاه وبقدمه حتى دنا مني وألقى ~~علي تلك النظرة التي اعتاد الأشراف المترفعون أن يلقوها في طريقهم على وجوه ~~النساء العاهرات وقال لقد أنفق ولدي عليك جميع ما كان بيده ms107 من المال وكان ~~في يده الكثير منه ثم جميع ما أرسلته إليه بعد ذلك وقد أرسلت إليه فوق ~~طاقتي فلم يبق في استطاعته أن يمدك بأكثر مما أمدك ولا في استطاعتي أن ~~استنزل له من السماء ذهبا يمطره عليك ولا في استطاعتي أن أستنزل له من ~~السماء ذهبا يمطره عليك فدعيه وشأنه فالبلد مملوء بالأبناء الذين لا يحتاج ~~آباؤهم إليهم فدعيه وشأنه والذين لا يحتاجون إلى أنفسهم أما أنا فإني في ~~حاجة إلى ولدي لأني لم أرزق ولدا سواه ومن كانت بيده هذه الثروة من الجمال ~~التي تملكينها لا يضيق به مذهب من مذاهب العيش ولا يتلوى عليه مأرب من مآرب ~~الحياة فسرت كلماته في نفسي سريان الحمى في عظام المحموم وخيل إلي أن هذا ~~المائل أمامي لا يحدثني وإنما يجزعني السم بيده تجريعا وشعرت بذلة لم أشعر ~~بمثلها في يوم من أيام حياتي إلا أنني تجلدت واستمسكت ورددت نفسي على ~~بالإغواء وقلت له بصوت هادئ ساكن لا يمازجه غضب ولا نزق يا سيدي نعم إنني ~~أحب ولدك ولكني لا اطمع فيه ولو كان الذي يعنين منه الطمع في ماله لفارقته ~~منذ ثلاثة شهور أي منذ خلت يده من المال وأصبح لا يجد السبيل إليه بحال من ~~الأحوال بل لفارقته قبل ذلك لأن الذين لا يزالون يساومونني في نفسي من ~~أشراف هذا البلد ونبلائه منذ اتصلت به حتي اليوم أفضل منه وأكثر رغدا على ~~أن ولدك لم ينفق علي من هذا المال # PageV01P152 # الذي تذكره إلا النزر القليل وربما أنفق باقيه على نفسه ولو استطعت أن ~~أرفض ذلك القليل وآباه لفعلت ولكني كنت أضن به أن يداخل نفسه ما يريبها أو ~~يؤلمها فقبلت منه هداياه الصغيرة التي كان يقدمها إلى من حين إلى حين إرعاء ~~عليه وإبقاء على عزة نفسه وكرامتها ولو أن ما كان بيده من لمال انتقل إلى ~~يدي كما تقول لأصبحت غنية موفورة لا أحمل هما من هموم العيش ولا أعاني من ~~بأساء الحياة وضرائها ما أعانيه اليوم ms108 فإنني لو تبينت أمري امرأة فقيرة ~~معوزة لا أملك من متاع الدنيا إلا حلاي ومركبتي وأثاث بيتي وليتها كانت ~~خالصة لي فقد امتدت يد الضرورة إليها منذ عهد قريب فأصبح الكثير منها سلعة ~~في يد المرابين ولا أعلم ما يأتي به الغد وإن أبيت إلا أن أتعرف ذلك بنفسك ~~بالإغواء على ما كتمته عن الناس جميعا حتى عن ولدك ثم قمت إلى خزانة أوراقي ~~فجئته منها بالصكوك والوثائق المشتملة على بيع ما بعت من جواهري وخيولي ~~وأثاث بيتي ورهن ما رهنت منها فظل يقبلها بين يديه ساعة ويتأمل في تاريخها ~~طويلا ثم طواها وأعادها إلى مطرقا صامتا لا يقول شيئا ومد يده إلى كرسي بين ~~يديه فاجتذبه إليه وجلس عليه معتمدا برأسه على عصاه وقد هدأت في نفسه تلك ~~الثورة التي كانت تضطرم وتعتلج منذ دخوله وطارت عن وجهه تلك الغيرة السوداء ~~التي كانت تظلله من قبل فعدت إلى حديثي معه أقول على أنني يا سيدي غير ~~شاكية ولا ناقمة فقد مر بي من نوب الأيام وأرزائها ما محا من نفسي كل شهوة ~~من شهوات الحياة وأنساني جميع مظاهر الدنيا ومفاخرها فأصبحت لا أبالي بما ~~تأتي به الأيام وسواء لدي الفقر والغنى والحلي والعطر وسكنى القصر وسكنى ~~الكوخ وركوب المركبة وركوب # PageV01P153 # النعل وكل ما أرجوه من حياتي وأضرع إلى الله وإليك فيه أن أرى أرمان ~~يقاسمني هم الحياة وبؤسها ويعنيني على شدتها فسحة قضيتها في شكرك وحمدك ~~والإخلاص لك في سرى وعلني وإن كانت الأخرى كان آخر ما ; طلق به في ساعتي ~~الأخيرة أن أدعو لك الله تعالى ضارعة مبتهلة أن يبارك لك في نفسك وفي أهلك ~~وأن يسبل ستره الضافي عليك في حاضرك ومستقبلك. # ثم جثوت بين يديه وتعلقت بأهداب ثوبه وقد عجزت في تلك الساعة عن أن أملك ~~من دموعي ما كنت مالكة من قبل فظللت أبكي وأقول. # رحماك يا مولاي إنني امرأة بائسة مسكينة قد قضت علي بعض ضرورات العيش في ~~فاتحة حياتي أن أقف على حافة ms109 تلك الهوة التي يقف على رأسها النساء الجائعات ~~فسقطت فيها كارهة مرغمة ثم أردت نفسي على الرضا بتلك الحياة التي قدرها ~~الله لي فلم أستطع فأصبحت في منزلة بين المنزلتين لا أنا شريفة أنعم بعيش ~~النساء الشريفات ولا ميتة القلب أسعد سعادة الفتيات الساقطات وقد وجدت في ~~ولدك الرجل الوحيد الذي أحبني لنفسي ومنحني من وده وإخلاصه ما ضن به على ~~الناس جميعا فأنست به أنسا أنساني سقوطي وعاري وحبب إلي الحياة بعد ما ~~أبغضتها وبرمت بها وكدت أقضي على نفسي بالخلاص منها فلا تحرمني جواره ولا ~~تفرق بيني وبينه فإنك إن فعلت أشقيتني وبرحت بي وملأت حياتي همدا وكمدا ~~وأنت أجل من أن ترضي لنفسك بأن تبني سعادتك وهناءك على شقاء امرأة مسكينة ~~مثلي. # PageV01P154 # ماذا يكون مصيري غدا إذا أصبحت وحيدة منقطعة في هذا العالم لا صديق لي ~~ولا معين أعود إلى حياتي التي أبغضها وأخشاها فأعود إلى جرائمي وآثامي أم ~~اقتل نفسي بيدي فرارا من شقاء الدنيا وبرئها فأختم حياتي بأقبح ما ختم امرؤ ~~به حياته لا استطيع واحدة من هاتين فأمدد إلي يدك البيضاء وأنقذني من هذه ~~الهوة العميقة التي لا يستطيع أحد أن ينقذني منها سواك. # أنا أعلم في حاجة إلى ولدك وأنك أولى به من كل مخلوق على وجه الأرض ولكني ~~أعلم أنك شفوق رحيم لا تأبي أن تتصدق على امرأة مريضة بائسة مثلي بساعات من ~~السعادة تتعلل بها في مرضها الذي تكابده حتى يوافيها أجلها لا أسألك يا ~~سيدي مالا ولا نسبا ولا عرضا من أعراض الحياة بل أسألك أن تأذن لأرمان ~~بالبقاء معي فإن بقائه بقاء حياتي وسعادتي فتصدق بهما علي إنك من المحسنين. # وهنا شعرت كأنه يتحدك في كرسية فخفق قلبي خفقانا شديدا ثم رفع رأسه ونظر ~~إلي نظرة أهدأ نارا وأقصر شعاعا من نظرته الأولى وقال ومن أين تعيشان ? قلت ~~عندي بقية من جواهري وحلاي سأبيعها وأعيش بثمنها معه في زاوية من زوايا ~~باريس عيش الفقراء المقلين لا يرانا أحد ولا ms110 يشعر بوجودنا شاعر وحسبنا الحب ~~سعادة نعني بعا عن كل سعادة في هذا العالم وهناءه. # قال: ذلك هو الشقاء بعينه فإن الحب نبات ظلي تقتله شمس الشقاء الحارة وكل ~~سعادة في العالم غير مستمدة من سعادة المال أو لاجئة إلى ظلاله فهي كاذبة ~~لا وجود لها إلا في سوانح الخيال. # PageV01P155 # أنتما اليوم سعيدان لأن في يدكما مالا تعيشان به ولأنكما تسكنان هذا ~~المنزل البديع فوق هذه الهضبة العالية بجانب هذه البحيرة الجميلة فإذا خلت ~~يدكما من المال وحرمتما هذا النعيم لذي تنعمان به بالإغواء ولكما شأن ~~نفسيكما عن شأن الحب ولذائذه وسرى إلى نفسيكما الضجر والملل وربما امتدت ~~تلك السآمة بينكما إلى أبعد غايتها. # إن للحب فنونا من الجنون وأقبح فنونه أن يعتقد المتحابان أن حبهما دائم ~~لا تغيره حوادث الأيام ولا تنال منه الصروف والغير ولو عقلا لعلما أن الحب ~~لون من ألوان النفس وعرض من أعراضها الطائرة تأتي به شهوة وتذهب به أخرى ~~ولا يذهب به المثل مثل الفاقة إذا اشتدت واستحكمت حلقاتها فإن النفس تطالب ~~حياتها وبقاءها قبل أن تطلب لذائذها وشهواتها ? # أنا أعلم من شأن ولدي يا سيدتي ما لا تعلمين وأعلم أنه لا يستطيع أن يعيش ~~هذه العيشة النكداء التي تظنين وهو فتى فقير لا يملك من الدنيا إلا قطعة ~~صغيرة من الأرض ورثها عن أمه لا تغني عنه ولا عنك شيئا وما أنا بذي ثروة ~~طائلة استطيع أن أحفظ له بها زمنا طويلا هذا العيش السعيد الرغد الذي يعيشه ~~اليوم في باريس فلم يبق بين يديه إلا أن يعيش بمالك وهو ما لا أرضاه له ولا ~~يرضاه لنفسه واسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك إن جميع مصائب الدنيا وأرزائها ~~أهون علي وعليه أن يقول الناس إن خليلة أرمان دوفال قد باعت جواهرها وحلاها ~~التي أهداها إليها عشاقها الماضون لتنفق ثمنها عليه سامحيني يا بنيتي ~~واغتفري لي حدتي وخشونتي فإن شديدا # PageV01P156 # جدا على والد شيخ مثلي أن يرى ولده الذي وضع فيه كل آمال ms111 بيته يهوى أمام ~~عينيه في هذه الهوة السحيقة التي لا قرار لها دون أن يطير قلبه خوفا وهلعا. # أنه منذ عرفك نسيني ونسي أخته فلا يذكرني ولا يذكرها وقد مرضت منذ شهور ~~رضا مشرفا فكتبت إليه أن يأتي ليعودني فلم يفعل ولم يرد على كتابي أي أنني ~~كنت على وشك أن أموت ولا أراه ولو تم ذلك لذهبت إلى قبري بحسرة لم يحمل ~~مثلها في صدره راحل عن الدنيا من قبلي. # أنت صادقة يا سيدتي فد قولك إنه لم ينفق عليك جميع ما كان بيده من المال ~~لأنني علمت بالأمس أنه قامر منذ عهد قريب وخسر في مقامرته كثيرا كما علمت ~~أنك لا تعلمين شيئا من ذلك فما يؤمنني إن أنا تركته في هذا البلد ألا يستمر ~~في هذه الغواية الجديدة التي خطا الخطوات الأولى في طريقها ولا يخسر في بعض ~~مواقفه خسارة عظمى لا أجد لي بدا من أن آخذ بيده فيها فأقدم إليه ذخر ~~شيخوختي ومهر ابنتي فنهلك نحن الثلاثة في يوم واحد ? من أين لك يا بنيتي ~~أنه إن طال عهده بك لا يملك ولا تمتد عينه إلى امرأة سواك فتكون فجيعتك فيه ~~غدا شرا من فجيعتك فيه اليوم ومن أين له أنك لا تضيقين ذرعا يوما من الأيام ~~بعيشة الوحشة والوحدة فتحنين إلى حياتك الأولى حياة الأنس والاجتماع ~~والضوضاء واللجب وهو فتي غيور مستطار فربما أنفت نفسه أن يزاحمه فيك مزاحم ~~وربما امتدت يده بشر إلى ذلك الذي يزاحمه فتنازلا فأصابته من يد منازله ~~ضربة تقضي على حياته وتفجعني فيه؟ # PageV01P157 # كيف يكون موقفك يا سيدتي غدا إن نفذ فيه هذا السهم من القضاء أمام هذا ~~الأب الثاكل المسكين إذا جاءك يسألك عن دم ولده ? وكيف تكون آلام نفسك ~~ولواعجها أمام مشهد بكائه وتفجعه ? # ثم أرتعش ارتعاشا شديدا وظل نظره حائرا مضطربا كأنما يخيل إليه أنه يرى ~~أمام عينيه ذلك المنظر الذي يتحدث عنه ثم سكن قليلا ونظر إلى نظرة هادئة ~~مملوءة عطفا وحنانا وأنشأ يقول: # مرغريت ms112 ? أنت أعظم في عيني مما كنت أظن وأكرم نفسا من أولئك النساء ~~اللواتي يزعمن أنك واحدة منهن وقد وجدت فيك من فضائل النفس ومزاياها ما لم ~~أجده إلا قليلا في أفذاذ الرجال وأقل من القليل في فضليات النساء ولو قسم ~~الشرف بين الناس على مقدار فضائلهم وصفاتهم لكان نصيبك منه أوفر الأنصبة ~~وأوفاها. # لا أنسى لك يا مرغريت ما دمت حيا كتمانك أمر الكتاب الذي أرسلته إليك ~~واحتفاظك بسره في ساعة تتفرج فيها الصدور عن مكنوناتها ولا سكوتك وإعضاءك ~~وأنت في منزلك وموضع أمرك ونهيك أمام حدتي وخشونتي وجنون غضبي ولا بذلك ما ~~بذلك من ذات نفسك وذات يدك لولدي من حيث لا يعلم وفاء له إبقاء على عزة ~~نفسه وكرامتها. # لقد كانت ضحيتك التي قدمتها لولدك بالأمس عظيمة جدا واليوم جئتك أطلب ~~إليك أن تقدمي ضحية أعظم منها لابنتي ولا معتمد لي أعتمد عليه في تلبية ~~رجائي عندك إلا شرف نفسك وفضيلتها. # PageV01P158 # لقد تركت سوسان ورائي تتقلب على فراش المرض وتكابد منه فوق ما يحتمل ~~جسمها الناس العض لأن خطيبها الذي تحبه حبا جما قد هجرها منذ شهرين فلا ~~يزورها ولا تراه وقد كنت أجهل قبل اليوم سبب مرضها إلا الظن والتقدير حتى ~~سهرت بجانب أجهل قبل اليوم سبب مرضها إلا الظن والتقدير حتى سهرت بجانب ~~فراشها ليلة كانت الحمى فيها قد نالت منها منالا عظيما ووصلت بها إلى درجة ~~الخيل والهذيان فسمعتها تهتف باسم خطيبها مرات كثيرة وتبكي كلما جرى ذكره ~~على لسانها كأنها حاضرة مستفيقة فعلمت موضع دائها وذهبت في اليوم الثاني ~~إلى والد ذلك الخطيب أسأله عما ولده من أمر ابنتي وقطعه عن زيارتها فذكر لي ~~سببا غريبا لك فيه يا سيدتي بعض الشأن فان أذنت لي حدثتك حديثه. # فخفق قلبي خفقانا شديدا وأحسست بالشر يدنو مني رويدا رويدا إلا أنني ~~تماسكت وقلت له نعم آذن لك يا سيدي قال لقد أجابني الرجل على سؤالي بقوله ~~إن أسرتي أسرة شريفة لا تصاهر إلا أسرة شريفة مثلها ms113 من جميع وجوهها وقد ~~عرفت أسلوب المعيشة السافلة التي يعيشها ولدك في باريس إنه يعاشر منذ عهد ~~طويل امرأة مومسا معروفة هناك معاشرة تهتك وتبذل يشهدها الناس جميعا ولا ~~أسمح لنفسي إن يكون مثل ولدك في تبذله واستهتاره وصغر نفسه وفسولتها صهرا ~~لولدي ولا عارا على ابنتي فاستقبلت خشونته وجفاءه بصبر واحتمال لأن الخوف ~~على ابنتي شغلني عن الغضب لنفسي وقلت له أواثق أنت مما تقول فأدلى لي بما ~~أقنعني فلم أر بدا من أن أسلم له بصواب ما فعل وسألته أن لا يبت في # PageV01P159 # أمر الخطبة شيئا حتى أسافر إلى باريس وأعود منها. # ذلك ما حملني على المجيء إلى باريس وهذه هي قصتي التي جئت أعرضها عليك ~~وأنتظر حكمك فيها وقد كتمتها عن الناس جميعا حتى عن ولدي أرمان فانظري ماذا ~~تأمرين ? # وهنا أطرق برأسه طويلا ثم رفعها فإذا عبرة تترقرق في عينيه وإذا هو يحاول ~~الكلام فلا يستطيعه فرحمته مما به وأعظمت مصابه حتى نسيت مصابي بجانبه وساد ~~السكون بيننا ساعة لا يوقل لي شيئا ولا أدري ماذا أقول له حتى هدأ ثائره ~~قليلا فمد يده إلى يدي فأخذها بين ذراعيه وعاد إلى حديثه يقول: # مرغريت إن حياة ابنتي بين يديك فامنحيني إياها تتخذي عندي يدا لا أنساها ~~لك حتى الموت. # إنني لا أستطيع أن أراها تموت بين يدي ولو تم ذلك لمت على أثرها حزنا ~~وكمدا وضمنا في يوم واحد قبر واحد لقد رأيت مصرع أمها منذ خمس سنين ولا ~~يزال أثره باقيا في نفسي حتى اليوم ولا أستطيع أن أرى هذا المشهد مرة أخرى ~~في ابنتها وصورتها الباقية عند من بعدها. # إنني أحبها حبا جما ولا أستطيع أن أراها في ساعة من ساعاتها حزينة أو ~~مكتئبة فكيف أن أراها تعالج سكرات الموت! # إنك لا تعرفينها يا مرغريت وأعتقد أنك لو رأيتها لأحببتها كما أحبها ~~ولرحمتها كما أرحمها ولفديتها بما تستطيعين رأفة # PageV01P160 # إنها جميلة جدا وبيضاء مثل الكوكب وطاهرة طهارة الملك وغريرة غرارة الطفل ~~فاسمحي لهذه الحياة ms114 الغضة الزاهرة بالبقاء والسعادة فإنها لا تستحق الشقاء. # إنها اليوم تعيش بالأمل الذي أودعته قلبها يوم سفري فإن عدت إليها ~~بالخيبة عدت إليها باليأس القاتل والقضاء النازل. # إنك تحبين أرمان يا مرغريت وقد أصبحت أعتقد أنك مخلصة في حبه إخلاصا ~~عظيما فاصنعي ما يصنع المحبون المخلصون وضحي حبك من أجله ومن أجل مستقبله ~~فإلا تفعلي ذلك من أجله فافعليه من أجلي. # لقد قلت لي إنه الرجل الوحيد الذي أحبك لنفسك أكثر مما أحبك لنفسه ~~فبادليه هذا الحب بل كوني خيرا منه فيه وليكن عزاؤك عملا تلاقيه بعد فراقه ~~من حزن وألم أنه قد أصبح سعيدا من بعدك وأنك قد أنقذت من يد الموت فتاة ~~مسكينة ومن يد الشقاء شيخا حرينا وهنا أختنق صوته بالبكاء فهبط على كرسيه ~~بين يدي وقال بنغمة المشرف المحتضر: # ارحميني يا مرغريت واشفقي على ضعفي وشيخوختي وتصدقي علي بمستقبل ولدي ~~وحياة ابنتي. # ثم لم يستطع أن يقول بعد ذلك شيئا فألقى رأسه على كرسيه الذي كان جالسا ~~عليه وانفجر باكيا. # آه لو رأيتني يا أرمان في موقفي هذا ورأيت لوعتي وتفجعي # PageV01P161 # ودموعي المنهمرة في خدي انهمار الديمة الوطفاء رحمة بأبيك وإشفاقا عليه. # لقد كان يتكلم فتسيل مدامعي مع حروفه وكلماته كأنما هو ينشد مريثة محزنة ~~أنا المبكية عليها فيها ? # إن العظيم عظيم في كل شيء حتى في أحزانه وآلامه فلقد كان يخيل إلى وأبوك ~~يبكي بين يدي وينتحب أن كل دمعة من دموعه تستنزل غضب الله على الأرض وكل ~~زفرة من زفراته تلتهب بها آفاق السماء. # لقد أكبرت في نفسي جدا أن يجثو مثل هذا الشيخ الشريف الطاهر بين يدي فتاة ~~ساقطة مثلي بالإغواء من ذلك حياء تمنيت معه أن لو انشقت الأرض تحت قدمي ~~فسخت فيها أبد الدهر. # وبينما هو مطرق صامت أخذت أفكر فيه وفي مصابه وفي قصته التي قصها علي وفي ~~الشأن الذي لي فيها فعلمت أني قد أصبحت شؤما على هذه الأسرة السعيدة جميعها ~~أبيها وابنها وابنتها فثقلت نفسي علي وسمج منظرها ms115 في عيني حتى خيل إلي أنها ~~لو كانت حاضرة بين يدي لرميت بها من حالق إلى حيث لا يجمعني وإياها مكان ~~بعد اليوم ثم قلت في نفسي إن حياتي الماضية التي قضيتها في الشرور والآثام ~~قد قطعت على طريق الشرف فلا حق لي في أن أطمع في حياة الشرفاء ولا أن ~~أنازعهم سعادتهم وهناءهم وإن الإثم الذي اقترفته في ماضي قد بالإغواء وحدي ~~فلا بد لي أن أستقل بعبئه دون أن ألقيه على عاتق أحد غيري فإن كان مقدرا ~~علي أن أموت موت النساء الساقطات # PageV01P162 # فذلك لأنني امرأة ساقطة أو ألاقي في مستقبل حياتي شقاء وآلاما فذلك لأن ~~المستقبل نتيجة الماضي وثمرته الطبيعية. # هنا ذكرتك يا أرمان وذكرت فراقك وكيف أستطيعه وذكرت أنا التي سأتولى قتل ~~نفسي بيدي لأن الطريق التي لا طريق غيرها إلى بلوغ رضا أبيك وموافاة رغبته ~~أن أقاطعك وأغاضبك واظهر أمامك بمظهر الخائنة الغادرة وربما اضطررت إلى ~~الاتصال بغيرك على مرأى منك ومسمع حتى تنصرف عني انصراف يائس مغلوب على ~~أمره من حيث لا يكون لأبيك مدخل في ذلك فأكون قد جمعت على نفسي بين فراقك ~~وغضبك في آن واحد وذكرت أن لا بد لي متي فارقتك أن أعود إلى حياتي الأولى ~~التي أبغضها وأمقتها لأن لم يستطع أن ينسى ذنبي الذي أذنبته إليه حتى اليوم ~~ولأني في حاجة إلى بسطة من العيش أستعين بها على معالجة مرضي ووفاء ديني ~~فدارت هذه الخواطر في رأسي ساعة وطالت دورتها حتى كادت تغلبني على أمري ثم ~~وقع نظري على وجه أبيك المخصل بدموعه فتجلدت وجمعت أمري ومضيت قدما لا ألوي ~~على شيء مما ورائي. # لقد كان شديدا علي جدا أن أفارقك يا أرمان ولكن كا أشد على منه أن أرى ~~أباك يبكي بين يدي وأن أكون سببا في موت أختك أو شقائها. # إنني أحب يا أركان وأعرف آلام الحب ولوعته في النفوس ولقد كان يخيل إلي ~~وأبوك يحدثني عن أختك وشقائها أنني أراها من خلال دموعي طريحة فراشها ms116 وهي ~~تمد يدها إلى ضارعة متوسلة وتقول بالإغواء يا سيدتي وارحمي ضعفي وشبابي ~~فأجد لكلماتها # PageV01P163 # من الأثر في نفسي ما لا يستطيع أن يشعر به إلا من كان له شأن مثل شأني. # إنني حرمت في مبدإ حياتي سعادة الزوجية وهناءها ولقيت بسبب ذلك من الشقاء ~~ما لا أزال أبكيه حتى اليوم فلا يهيج حزني ولا يستثير كامن لوعتي مثل أن ~~أرى بين الناس فتاة محرومة السعادة مثلي. # إنني أحب وهي تحب ولا بد لواحدة منا أن تموت فداء عن الأخرى فلأمت أنا ~~فداء عنها لأنها أختك ولأنها لم تقترف في حياتها ذنبا تستحق بسببه الشقاء. # وكنت كلما ذكرت أنها ستصبح سعيدة هانئة من بعدي وتراءى لي شبحها وهي ~~لابسة ثوب عرسها الأبيض الجميل وسائرة إلى الكنيسة بجانب خطيبها طار قلبي ~~فرحا وسرورا وهان علي كل شيء في سبيل غبطتها وهنائها. # نعم إن الضربة التي سأستقبلها شديدة جدا ولا يقوى عليها قلبي ولكني ~~سأحتملها بصبر وسكون لأن أباك سيصبح راضيا عني ولأنك ستعلم في مستقبل ~~الأيام سر تضحيتي فتحبني فوق ما أحببتني ولأن أختك ستصبح سعيدة مغتبطة ~~بعيشها وحبها وسيكون أمسي بين الأسماء التي تدعو لها الله في صلواتها ~~بالرحمة والرضوان. # جاءت الساعة التي أقول فيها لأبيك كلمتي الأخيرة لقد كانت شديدة هائلة ~~أسأل الله أن يعفر لي بما لقيت فيها من الآلام ماضي ذنوبي وآتيها كما أسأله ~~ألا يذيق مرارتها قلب امرأة على وجه الأرض من بعدي. # PageV01P164 # قمت من مكاني كأنني أنتزع نفسي من الأرض انتزاعا ومشيت إلى أبيك كما يمشي ~~الحائن إلى مصرعه حتى جثوت بين يديه وأخذت بيده فاستفاق من غشيته ونظر إلي ~~ذاهلا مشدوها فقلت له أعتقد يا سيدي أنني أحب ولدك ? قال نعم قالت حبا هو ~~منتهى ما تستطيع امرأة أن تحتمل قال نعم قلت وأن هذا الحب هو كل آمالي ~~وسعادتي وما أملك في الحياة قال نعم يا بنيتي قلت قد ضحيته من أجل ابنتك ~~فعد إليها وبشرها بسعادة المستقبل وهنائه وقل لها إن امرأة ms117 لا تعرفك ولم ~~تترك في يوم من أيام حياتها ولكنها تحبك وتشفق عليك تموت الآن من أجلك ~~فاسألي الله لها الرحمة والغفران. # فتهلل وجهه بشرا وسرورا ولم يدع كلمة من كلمات الشكر والثناء إلا أفضي ~~بها إلي فأنساني سروره واغتباطه ألم الضربة التي أصابت كبدي واستحال حزني ~~بالإغواء إلى راحة وسكون فحمدت الله على أن لم ير في وجهي في تلك الساعة ما ~~ينغص عليه سروره واغتباطه. # وهنا شعرت بحركة عند باب الغرفة فالتفت فإذا برودنس تشير إلى بيدها فذهبت ~~إليها فأعطتني كتابا جاء به البريد فقرأت عنوانه فإذا هو بخط المركيز جان ~~فيليب فعلمت ما يتضمنه قبل أن أراه ووقع في نفسي أن الله قد أوحى إلى بما ~~أفعل فذهبت مسرعة إلى غرفة مكتبي كأنني أخاف أن يعرض لي في طريقي ما يزعزع ~~عزيمتي وهناك قرأت الكتاب وكتبت لصاحبه في بطاقة صغيرة هذه الكلمة سأتعشى ~~عندك الليلة ثم أعطيتها برودنس لتلقيها في صندوق البريد وعدت إلى أبيك ~~فوجدته # PageV01P165 # حيث تركته فقلت له إن أرمان لا يعلم شيئا من أمر زيارتك هذه فاكتمها عنه ~~حين نلقاه وسأكتب إليه كتاب مقاطعة لا يشك في أني صاحبة الرأي فيه وأن لا ~~يد لك فيما كان وسيعلم اليوم أو غدا أنني قد برجل غيره فيرى أنني قد خنته ~~وغدرت بعهده فلا يجد له بدا من أن يسافر معك قاطعا رجاءه مني وربما تألم ~~لهذه الصدمة بضعة أيام أو بضعة أسابيع فلا تحفل بذلك بالإغواء حبي في قلبه ~~كما يبلى كل حب في كل قلب غير أن لي عندك طلبة واحدة لا أريد منك سواها فهل ~~تسمح لي بها قال نعم أسمح لك بكل شيء قلت إني مريضة مشرفة وإن العلة التي ~~أكابدها كثيرا ما يتحدث الناس عنها أنها لا تترك صاحبها طالت أم قصرت حتط ~~تذهب به إلى قبره فكل ما أسألك إياه أن تأذن لأركان في اليوم الذي تعلم فيه ~~أنني قد أصبحت على حافة قبري أن يأتيني لأراه وأودعه الوداع الأخير ms118 وأعتذر ~~لع عن ذنبي الذي أذنبته إليه حتى لا أخسر حبه واحترامه حية وميتة فنظر إلي ~~نظرة دامعة وقال وارحمتاه لك يا بنيتي أنني أعدك بما أردت وأسأل الله لك ~~الشفاء والعزاء. # ثم حاول أن يعرض علي شيئا من المعونة فأبيت ذلك إباء شديدا وقلت له إنني ~~لم ابع نفسي يا سيدي بيعا بل وهبتها هبة فأخذ رأسي بين يديه وقبلتي في ~~جبيني قبلة كانت خير جزاء لي على تضحيتي التي ضحيت بها وودعني ومضى. # فما أبعد إلا قليلا حتى قمت إلى خزانتي فجمعت ثيابي وما بقي لي من حلاي ~~ووضعتها في حقيبتي وسافرت مع برودنس إلى باريس وذهبت إلى منزلي هناك فكتبت ~~إليك فيه ذلك الكتاب الذي تعلمه والله يعلم كم سكبت من الدموع وكم وقف قلبي ~~بين كل كلمة وما يليها أثناء كتابته حتى أتمته فأعطيته حارس # PageV01P166 # المنزل وأوصيته أن يسلمه إليك عند مجيئك ثم ذهبت للوفاء بعده المركيز. # أما حياتي مع ذلك الرجل فلا استطيع أن أقص عليك منها شيئا عليك منها سوى ~~أن أقول لك إنه لم ير في المرأة التي كان يتخيلها ويمني نفسه بها ولم أر ~~فيه الرجل الذي يؤنسني ويخلط نفسه بنفسي فافترقنا فأصبحت لا أعرف لي في ~~العالم صديقا صادقا ولا كاذبا. # هذه قصتي يا أرمان كما هي وهذا ذنبي الذي أذنبته إليك فهل ترى بعد ذلك ~~أني خائنة أو خادعة ? # قلبي يحدثني أنني سأموت قبل أن أراك وأملي يخيل إلى أن ما في نفسك من ~~الموجدة علي يستمر إلى ما بعد الموت وأنك ستعود إلى باريس في الساعة التي ~~ينعاني لك فيها الناعي لتزور قبر تلك المزاة المسكينة التي تولت سعادة قلبك ~~وهناءة حقبة من أيام حياتك ثم خدجت من الدنيا فارغة اليد من كل شيء حتى من ~~حبك وعطفك وربما بلغ بك الاهتمام بشأنها أن تحاول معرفة ما تم لها من بعدك ~~إلى أن ذهب بها الموت إلى قبرها. # فهأنذا أكتب هذه المذكرات واتركها لك عند برودنس لعلك تقرأها في ms119 مستقبل ~~الأيام فتنظر إليها كما تنظر إلى كتاب اعتراف مقدس قد ألبسه الموت ثوب ~~الطهارة والبراءة فتصدق ما فيها وتعفو عني فينير ثوب الطهارة والبراءة ~~فتصدق ما فيها وتعفو عني فينير عفوك ظلمات قبري ويونس وحشة نفسي. # PageV01P167 # أين أنت يا أرمان ? أنت بعيد عني جدا بعيد بجسمك وبقلبك لأنك لم تهمل ~~كتابي الذي كتبته لك ودعوتك فيه لزياراتي وسماع اعترافي الأخير إلا لأن ما ~~كان في نفسك من العتب والموجدة علي قد استحال إلى نسيان وإغفال فأصبحت لا ~~تذكرني كما يذكر المحب حبيبه ولا تعطف علي كما يعطف الصديق على صديقه فليكن ~~ما أراد الله ولتدم لك تلك السعادة التي ينعم بها بين أهلك وقومك فإني غير ~~واجدة عليك ولا ناقمة منك شيئا ولا حاملة لك في نفسي إلا الحب والإخلاص ~~والرضا بكل ما تأتي وما تدع. # لي عدة أيام لم أر فيها أحدا من الناس لأن الطبيب منعني من الخروج ولأن ~~أصدقائي الذين كانوا يعرفونني فيما مضى قد أصبحوا يقنعون من زيارتي بإرسال ~~بطاقاتهم إلي مع خادمتي ثم ينصرفون مسرعين كأنما يفرون من أمر يخفيهم ولقد ~~كانوا قبل اليوم إذا أرسلوها لبثوا ينتظرون الساعات الطوال حتى آذن لهم ~~بالمقابلة فإذا ظفروا بها طاروا بها فرحا وسرورا وإن حرموها عادوا آسفين ~~محزونين. # ولا أدري لم لا يقطعون بطاقاتهم كما قطعوا زياراتهم فقد كانوا يظنون أنهم ~~سيرونني بينهم في مستقبل الأيام صحيحة الجسم طيبة النفس أصلح للمعاشرة ~~والمخادنة كما كانوا يعهدوني من قبل فهم في ظنهم مخطئون. # لقد أحسنوا فيما علموا فإنني أصبحت لا آنس بأحد في العالم سوى نفسي ولا ~~آنس بنفسي إلا لأني أستطيع متى خلوت بها # PageV01P168 # أن أسائلها عنك فتذكرني بك وبتلك الأيام السعيدة التي قضيتها معك في ~~بوجيفال وذكرى تلك الأيام هي العزاء الباقي لي عن جميع ما خسرت يدي. # ما كنت أظن يا أرمان أن جسم الإنسان يحتمل كل هذه الآلام التي أكابدها ~~فلقد تمر بي ساعات أعتقد فيها أن الألم الذي أكابده إنما هو ألم ms120 النزع ~~وأنني في الساعة الأخيرة من ساعات حياتي فإذا استفقت قلت في نفسي هذا ألم ~~المرض وقد عجزت عنه فمن لي باحتمال ألم الموت ? على أن نفسي تحدثني أحيانا ~~أنه إن قدر لي أن أراك بجانبي في يوم من أيام برئت من مرضي وتراجعت نفسي ~~وعدت إلى راحتي وسكوني فهل يقدر لي الله ذلك ? لا أعلم فالمستقبل بيد الله ~~فليقدر الله ما يشاء وليفعل ما يريد. # لم أفارق سريري منذ أيام إلا صباح هذا اليوم فجلست قليلا بجانب نافذتي ~~وأشرقت منها على الحياة العامة فوقع نظري على كثير ممن كنت أعرفهم من قبل ~~شائرين في طريقهم لاهين مغتبطين ولم أر من وقع نظره إلى نوافذ غرفتي مرة ~~واحدة كأنما يمرون ببيت يعرفنه ولا عهد لهم به من قبل. # ما اشد وحشتي وما أضيق صدري وما اثقل هذا الجدار الذي يدور حولي؟ # PageV01P169 # لا أطيق النظر إلى سريري لأن نفسي تحدثني أنه سيكون عما قليل سلم قبري ~~ولا الوقوف أمام مرآتي لأنها تحدثني نفسي أسوأ الأحاديث وأشأمها ولا ~~الإشراف من نافذتي لأنها تذكرني بحياتي الماضية السعيدة التي حيل بيني ~~وبينها فأين أذهب وكيف أعيش ? لا آكل إلا طعاما واحدا ولا أرى إلا منظرا ~~متكررا ولا أسمع إلا صوت طبيبي وخادمتي حينما يسألها عني صباح كل يوم ~~ومساءه فتجيبه بجواب واحد حتى مللت وسئمت وأصبحت أشعر أن نفسي سجينه في ~~صدري سجن جسمي في غرفتي وربما مرت بي ساعات يقف فيها ذهني عن التفكير ~~وخاطري عن الحركة وينقطع ما بيني وبين يومي وأمسي وغدي. # وكل شيء في الحياة حتى نفسي. # السعال يهدم أركان صدري هدما والنوم لا يلم بعيني إلا قليلا والطبيب ~~يعذبني بمشارطه وضماداته عذابا أليما وكل يوم أشعر أن نفسي يزداد ضيقا ~~وبصري يزداد ظلمة وأن الحياة تبعد عن ناظري شيئا فشيئا حتى أكاد أحسبها ~~شبحا من الأشباح النائية فمتى ينقضي عذابي ? سمعت صباح اليوم كثيرا في فناء ~~المنزل فسألت برودنس: # PageV01P170 # ما الخبر فذهبت وعادت إلى تبكي وتقول إنهم يحجزون أثاث ms121 المنزل يا سيدتي ~~فقلت دعيهم يفعلون ما يشاؤون وما هي إلا لحظات قليلة حتى دخلوا غرفتي ~~مندفعين متصايحين ولم يمر بخاطر واحد منهم أن يرفع قبعته عن رأسه احتراما ~~لصاحبة المنزل أو يخفض صوته إشفاقا على المريضة المعذبة فمشوا يسجلون كل ما ~~وقع نظرهم عليه وخفت أن يسجلوا دفتر مذكراتي فأشرت إلى برودنس أن تخفيه ~~عنهم ففعلت فحمدت الله على ذلك ثم وصلوا إلى سريري فطلب أحد الدائنين حجزه ~~وقال إنه ثمين سيكون له يوم البيع شأن عظيم فأفهمه الحاجز أن القانون ~~يستثني الأسرة وفرشها وألقي في أذنه كلمة أحسب أني سمعته يقول فيها إنك ~~تستطيع أن تفعل ذلك بعد موتها ثم انصرفوا بعد ما تركوا على باب بيتي حارسا ~~لا يفارقه ليله ونهاره كتبت إلى الدوق موهان وهي أول مرة كتبت إليه فيها ~~أستغفر ذنبي الذي أذنبته إليه واشكو له ما نالته يد الأيام مني وأستحلفه ~~بذكرى ابنته الكريمة عليه أن يأتي لزيارتي ففعل فبكى عندما رآني ولا أدري ~~هل بكاني أو ذكر عند رؤية مصرعي مصرع ابنته الأخير فبكاها ثم قضي بجانب ~~فراشي ساعة مطرقا صامتا لا يحدثني إلا قليلا ولا يذكر الماضي بكلمة واحدة ~~ثم ذهب وترك في يد برودنس ضمة أوراق استبقت بعضها للنفقة واستعانت بالإغواء ~~على تأجيل بيع الأثاث بضعة أشهر. # لا أستطيع أن أكتب إليك أكثر مما كتبت فإن الطبيب ما زال يلح على جسمي ~~بالقصد حتى أوها واستنزف فأصبحت لا أتحرك حركة إلا شعرت بألم عظيم. # PageV01P171 # إن هذا اليوم أسعد أيامي وأهنؤها فقد وصل إلي من أبيك كتاب هذا نصه. # سيدتي: # إني أتوجع لك توجعا شديدا فقد علمت بالأمس من بعض الوافدين إلى نيس أنك ~~مريضة مرضا شديدا منذ شهرين وأنك لا تخرجين من من ذلك إلا قليلا فأسأل الله ~~لك الشفاء والعزاء وأضرع إليه أن يجزيك خيرا بما قاسيت من الآلام والأوجاع ~~في سبيلي وابنتي وأبشرك أن الله قد تقبل قربانك الذي قدمته إليه فإن سوزان ~~قد تزوجت من خطيبها منذ عشرين ms122 يوما وأصبحت هانئة بحبها وعيشها كما أردت لها ~~وأنها وإن لم تكن تعلم من أمر تلك القصة التي تعلمها شيئا فقد قلت لها إن ~~بعض الناس ولم اسمه لها قد ضحى بنفسه وبسعادته في سبيل سعادتك وهنائك فلا ~~تتركي الدعاء له في جميع صلواتك بجزيل الأجر وحسن المثوبة فهي لا تزال تدعو ~~لك صباحها ومساءها أن يحسن الله إليك أحسنت إليها. # أما الكتاب الذي أرسلته إلى أرمان في أوائل الشهر الماضي فلم يصل إليه ~~اليوم لأنه منذ فارقك وسافر إلى نيس لم يستطيع البقاء فيها إلا بضعة أيام ~~ثم رحل عنها إلى الشرق حزينا مهموما من أجلك وكنت لا أعرف الجهة التي # PageV01P172 # بقية المذكرات # لم تستطع مرغريت يا سيدي أن تكتب لك أكثر مما كتبت لأن الطبيب منعها ~~الحركة ولو إرادتها لعجزت عنها. # أتذكر يا سيدي ذلك الجسم الغض الناعم الذي كان يموج بالنور موجا ويشرق ~~وراء بشرته إشراق الخمر في كأسها لقد صبح اليوم عظما مجلدا وهيكلا قائما لا ~~يساوي ثمن نظر إليه!. # وارحمتاه لك لقد مات كل شيء فيها إلا قلبها وشعورها وليتهما ماتا معا ~~فإنها لا عذبها شيء مثل خواطرها وأفكارها. # ولا يدخل من باب غرفتها داخل حتى ترفع نظرها إليه تظن أنك قد جئتها فإذا ~~دنا ورأته أطبقت جفنيها على دمعة تنحدر من بينهما بالرغم منها. # إنها لا تتكلم كثيرا فإذا تكلمت كان أول حديثها ألم يأت أرمان فإذا ~~أجبتها أن لا سألت عن أمر آخر تتلهى به أو عادت إلى ضمتها مرة أخرى. # لقد رابها اليوم أن طبيبها لم يأتها فلما أردت أن أعتذر له عنه لم تصدقني ~~وقالت الآن عرفت كلمته التي ألقاها إليك # PageV01P178 # بالأمس فسكت ولم أعرف ماذا أقول. # 41 فبراير: # أصبح اليوم صوتها ضعيفا جدا لا أكاد أسمعه وأظلم بصرها فهي تنظر إلي ولا ~~تراني وقد أشارت إلي في الصباح مرارا أن أفتح لها نوافذ الغرفة لتستنشق ~~الهواء وتروح عن نفسها ونوافذ الغرفة مفتوحة يجري منها الهواء متدفقا ولكنه ~~لا يصل إلى ms123 صدرها. # آه لو أستطيع يا سيدي أن أبيع حياتي لأشتري لها بضعة أنفاس تتردد في ~~صدرها أو بعض سنات من النوم تأوي إلى جفنها فإن تنفسها يؤلمني ويعذبني ~~عذابا شديدا وقد مرت بها ثلاث ليال لم تنم فيها لحظة واحدة. # 51 فبراير # بعد صمت طويل لم تنطق فيه بحرف واحد فتحت عينيها ونادتني بصوتها الخافت ~~الضعيف فدنوت منها فقالت لي أريد الكاهن فأتيني به فعلمت أنها قد أصبحت على ~~يقين من أمرها فغالبت عبراتي حتي خرجت من الغرفة فبكيت ما شاء الله أن أفعل ~~ثم ذهبت إلى الكاهن فتردد عندما ذكرت له اسم المرأة التي يريد الذهاب لا ~~يستحقها أحد مثل الآثمين المسرفين فذعن بعد لأي وجاء معي فخلا بها ساعة ثم ~~خرج فسألته # PageV01P179 # أيرحمها يا سيدي قال إنها عاشت عيش الآثمين ولكنها ستموت موت المؤمنين ~~فحمدت الله على ذلك: # ومنذ تلك الساعة لم أعد أسمع منها كلمة واحدة ولا أرى عضوا من أعضائها ~~يتحدك إلا ما كان في صدرها يترجح بين الصعود والهبوط. # فبراير ساعة الغروب: # إن مرغريت تتعذب كثيرا يا سيدي وأحسب أنها تعالج سكرات الموت. # لم يقاس إنسان في حياته مثل ما تقاسيه الآن من آلامها وأوجاعها. # إنها تصرخ من حين إلى حين صرخات تذوب لها حبات القلوب. # ولقد اشتد بها الألم الساعة فهبت من مكانها صارخة وانتثبت على قدميها في ~~سريرها حتى كادت تيقظ عنه فأدركتها وأضجعتها في مكانها ففتحت عينيها فسقطت ~~منهما دمعتان كبيرتان وكأنما أحست بي فاعتنقتني وضمتني إليها شديدا ثم ما ~~لبث أن تراخت يداها وعادت إلى نزاعها وجهادها. # قضي الأمر وماتت مرغريت ولم يبق منها على سريرها إلا جثتها التي ستذهب ~~إلى قبرها تلك غايتها وغاية كل حي # PageV01P180 # فصبرا على قضاء الله وبلائه. # لقد هتفت باسمك كثيرا يا سيدي في ساعتها الأخيرة وكان آخر عهدها بالحياة ~~أن نظرت إلى نظرة طويلة مملوءة حزنا ودموعا حركت أصبعها حركة خفيفة وأشارت ~~إلى دفتر مذكراتها الذي كان ملقي بجانبها وقالت أرمان ففهمت أنها توصيني أن ms124 ~~أبلغه إليك ثم أسلمت روحها. # عزيز علي يا سيدتي ما لقيت من العذاب قبل موتك وعزيز علي أن تموتي ولا ~~تجدي بجانبك من يغمض عينيك ويلقي رداءك عليك سواي وفي سبيل الله تلك النفس ~~الطاهرة الكريمة التي ما جملت في حياتها شرا لمحسن ولا لمسيء وذلك الصدر ~~الرحب الذي كان يسع الدنيا بأرضها وسمائها فلا يضيق عنها وذلك القلب النقي ~~الأبيض الذي ما اضمر في حياته غير الخير أو الإحسان ولا فاض إلا بالرحمة ~~والحنان. # بكت برودنس بجانب جثة سيدتها ما بكت ثم أنارت حولها الشموع وبعثت إلى ~~الكاهن فجاء وجثا عند رأسها يقرأ في كتابه ومشت هي إلى المكتب فجلست إليه ~~تكتب آخر مذكراتها حتى فرغت منها ثم قامت من مكانها فراعها أن رأت شبحا ~~ماثلا وقد ألقي من مكانه على سرير الميتة نظرة غريبة هائلة كتلك النظرة ~~التي تسبق صرعات الجنون ثم استردها وأقلاها عليها وسألها من هذا المسجي على ~~هذا السرير فبكت برودنس ولم تقل شيئا فسقطت حقيبة من يده وجمد في مكانه ~~لحظة لا ينطبق ولا # PageV01P181 # يتحرك. # ثم اندفع إلى سرير الميتة صارخا يريد أن يلقي بنفسه عليه ادركته برودنس ~~ووقف الكاهن في وجهه وقال له احترم الموت أيها الفتي فاختنقت عبراته في ~~صدره وارتعد ارتعادا شديدا وسقط مغشيا عليه فلم يستفق إلا مطلع الفجر حينما ~~شعر أنهم قد أقبلوا يحملون الجثة فقام يتحامل على نفسه حتى دنا من السرير ~~وقال رحمة بي أيها الناس فقد فاتني أن أودعها وهي حية فأذنوا لي أن أودها ~~ميتة فرحموه وأفرجوا له عنها حتى داناها ورفع الغطاء عن وجهها وقبلها في ~~جبينها وقال الوداع يا أعز الناس عندي الوداع يا خير فتاة في الأرض وأشرف ~~روح في السماء ثم أعاد الغطاء على وجهها وتراجع عنها وأذنهم بحملها. # ثم مشى وراء نعشها يبكي وينتحب ولم يمش وراء النعش غيره وغير الخادمة ~~برودنس والدوق موهان وهو يتوكأ على عصاه ويقول في ندبه وبكائه هأنذا أرى ~~ابنتي تموت أمامي مرة أخرى ولا ms125 أزال حتى الساعة على قيد الحياة وبعض نسوة ~~بائسات من ضحايا تلك المقادير. # وما انقضي النهار حتى انقضي مل شيء وأصبحت مرغريت رهينة قربها وأرمان ~~ضريح فراشه يقرأ في مذكراتها ويبكي بكاء الثاكل المفجوع. . # ثم اشتد به المرض بعد ذلك فلم تر برودنس بدا من أن تكتب إلى أبيه تشرح له ~~سوء حاله فحضر وحضرت معه ابنته وزوجها ولبثوا بجانبه شهرا يعللونه ويستشفون ~~له حتى أبل ونجا من خطره # PageV01P182 # ثم ذهبوا جميعا إلى قبر مرغيريت ليودعوها قبل سفرهم فبكوا حوله بكاء شديد ~~وكانت سوسان أشدهم بكاء عليها وإن كانت لا تعلم أنها تبكي المرأة التي ضحت ~~بنفسها في سبيلها. # ثم تقدم المسيو دوفال إلى ولده وقال له أتغفر لي ذنبي يا بني قال نعم يا ~~أبتاه لأنها غفرت لك ذنبك إليها ثم انصرفوا. # مرت الأيام وانقضت الأعوام ومات المسيو دوفال وسعد لده كما أراد له أبوه ~~ولكن بقيت بين جبينه لوعة معتلجة لا يروحها عنه كلما ساورته إلا قراءة ~~مذكرات مرغريت ومحادثة برودنس عنها وزيارة قبرها من حين إلى حين. ~~PageV01P183 ms126