######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.Fadila.Hindawi24684962 #META# Tags: novels #META# ID: 24684962 #META# Title: الفضيلة #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرواية‏ # 1 - جزيرة موريس‏ # 2 - الشيخ‏ # 3 - مدام دي لاتور‏ # 4 - مرغريت‏ # 5 - الحياة الطبيعية‏ # 6 - حياة الطفولة‏ # 7 - العزاء‏ # 8 - الاستعمار الأوروبي‏ # 9 - السعادة‏ # 10 - العمل‏ # 11 - التاريخ‏ # 12 - مخدع فرجيني‏ # 13 - ليالي الشتاء‏ # 14 - آدم وحواء‏ # 15 - الخفقة الأولى‏ # 16 - الرسالة‏ # 17 - الوداع‏ # 18 - السفر‏ # 19 - أوروبا‏ # 20 - الطبيعة‏ # 21 - الحديث‏ # 22 - السفينة‏ # 23 - العاصفة‏ # 24 - الكارثة‏ # 25 - أحزان بول‏ # 26 - الموت‏ # 27 - الإيمان‏ # 28 - النهاية‏ # بول وفرجيني‏ # إهداء الرواية‏ # 1 - جزيرة موريس‏ # 2 - الشيخ‏ # 3 - مدام دي لاتور‏ # 4 - مرغريت‏ # 5 - الحياة الطبيعية‏ # 6 - حياة الطفولة‏ # 7 - العزاء‏ # 8 - الاستعمار الأوروبي‏ # 9 - السعادة‏ # 10 - العمل‏ # 11 - التاريخ‏ # 12 - مخدع فرجيني‏ # 13 - ليالي الشتاء‏ # 14 - آدم وحواء‏ # 15 - الخفقة الأولى‏ # 16 - الرسالة‏ # 17 - الوداع‏ # 18 - السفر‏ # 19 - أوروبا‏ # 20 - الطبيعة‏ # 21 - الحديث‏ # 22 - السفينة‏ # 23 - العاصفة‏ # 24 - الكارثة‏ # 25 - أحزان بول‏ # 26 - الموت‏ # 27 - الإيمان‏ # 28 - النهاية‏ # بول وفرجيني‏ # | الفضيلة # | الفضيلة # تعريب # مصطفى لطفي المنفلوطي # | إهداء الرواية # يعجبني من الفتى الشجاعة والإقدام، ومن الفتاة الأدب والحياء؛ لأن شجاعة ~~الفتى ملاك أخلاقه كلها، ولأن حياء الفتاة جمالها الذي لا جمال لها سواه، فأنا ~~أهدي هذه الرواية إلى فتيان مصر وفتياتها؛ ليستفيد كل من فريقيهما الصفة التي ~~أحب أن أراها فيه؛ وليضعا حياتهما المستقبلة على أساس الفضيلة كما وضعها بول ~~وفرجيني. # مصطفى لطفي المنفلوطي # | ترجمة المؤلف # بقلم محمود خيرت # 1 # في سنة 1852 احتفلت حكومة الجمهورية الفرنسية بإقامة تمثال من البرنز صنعه «دافيد ~~الشهير» في أحد ميادين ثغر الهافر لرجل جليل عظيم الهيبة، تتألق ملامحه بالبشر والنور، ~~وتفيض عيناه بالوداعة واللطف، وهو ممسك بإحدى يديه قرطاسا وبالأخرى قلما، وعند ~~قدميه صبي وصبية عاريان يتصافحان تحت ظل شجرة من أشجار المناطق الحارة. # من هما ذانك الصبيان المتصافحان؟ وما معنى تلك الشجرة التي ليست من نبات هذه البلاد؟ ~~وما عسى أن يكون ذلك الرجل الذي كتب له الحظ أن يكون محلا لعناية «دافيد» واهتمام ~~الجمهورية؟ # أرادت فرنسا بأسرها أن تخلد ذكرى ms001 رجل من أبنائها قضى حياته محبا للحرية واستقلال ~~الرأي، وإن ناله بسببهما الأذى، منقبا عن الحكمة وهو يتفانى في تمجيدها، عاشقا ~~للطبيعة وهو يتغنى بمحاسنها، ينسق قلمه القدير كل يوم للأدب إكليلا يانعا من أزاهير ~~الجمال، وتسمو به نفسه الطاهرة الأبية إلى سماء الإنسانية للعمل على تخفيف ويلات البشر ~~وآلامهم، فكان رجلا ذكيا عالي الهمة، حكيما، كبير النفس ، يعرف للطبيعة حقها وفضلها، ~~كاتبا فذا جم الشعور، ملأت فراغ قلبه فيوض الرحمة بالبشر إلى حد يجعله في صف ~~القديسين. # وما كان هذا الرجل بحاجة إلى أثر يخلده؛ وفي رأسه وقلمه ونفسه مثل تلك الآثار الخالدة ~~يحيا بها على تعاقب السنين. # 2 # ولد برناردين دي سان بيير في التاسع عشر من شهر يناير سنة 1727 بالهافر، من أبوين ~~كانا يدعيان اتصالهما بالنبيل أوستاش دي سان بيير، حتى إنه ولع من صغره بهذه النسبة ~~فانتحل لنفسه لقب «شفالييه»، وأخذ يحلي صدره بأوسمة يصنعها بنفسه تتفق مع شرف هذا ~~اللقب. # ولقد كان في صباه رقيق المشاعر، عصبي المزاج، كثير الجري وراء الخيال، حتى طمحت ~~نفسه إلى تأسيس جمهورية واسعة من طائفة العاثرين البائسين؛ يكون هو واضع شريعتهم ومنظم ~~حياتهم؛ ليضمن لهم سعادة العيش، فكان في هذا الخاطر مثل جان جاك، إلا أن هذا كان يرى أن ~~يعود الناس إلى فطرتهم الأولى طاهرين من الأرجاس، خالصين من الأدران، فيعيشون عيشة ~~صافية هنية في ظل شريعة الكون العامة التي سنها الخالق، أما برناردين فكان يرى أن يضع ~~لهم نظاما جديدا يحارب به قسوة الحياة الحالية وويلاتها. # ولكنه كان لا يزال طفلا قليل الحول والحيلة، حتى إن أحد أعمامه - وكان قبطانا ~~لسفينة تجارية - أخذه معه إلى جزر المارتينيك، ولكنه عاد منها مثقلا بالهموم وكراهية ~~العيش، فسلمه أبوه لجزويت كاين. # وعند ذلك عادت تلك الفكرة السامية إلى رأسه الصغير لما كان يسمعه من أحاديث المبشرين ~~عن رحلاتهم في البلاد المتوحشة، حتى تمنى لو أنه يقفو أثرهم فيهدي إلى سبيل السعادة ~~فريقا من عباد الله الأشقياء الجاهلين. # على أن ms002 أباه عجل بنقله إلى مدرسة رووين، ثم إلى مدرسة الهندسة، ثم التحق بعد ذلك ~~بالجيش، ولكنه كما ذكرنا كان عنيدا لا يسمع غير صوت نفسه وإن خرج في ذلك عن حدود ~~الواجب، حتى إن رئيسه عقد مجلسا لتأديبه ثم أوقفه. # ولقد أراد بعد ذلك أن يقصد مالطة لتلمس الرزق فيها، ولكنها كانت مهددة بإغارة من ~~جانب الأتراك، فعاد أدراجه وأخذ يعيش من بعض دروس في الحساب يعطيها لمريديه. # وهكذا أحدق به الهم وعضه الفقر، والتوى عليه سبيل الهناء، ولم يجد عند أحد صدرا ~~يسعه في محنته، ولا قلبا يحنو عليه في كربته، فاحتقر الحياة، وكره الناس، وآثر العزلة ~~على البقاء في هذا العالم القاسي قائلا: «إن العزلة جبل عال تريني قمته الناس ~~صغارا.» # على أنه لم يعدم صدرا آخر يفيض عليه من حنوه الأبدي الخالد، هو صدر الطبيعة، فاستنام ~~إليها وأحبها وفني في عشقها. # ولقد حببها إليه أيضا أنه رأى ذات يوم عودا هزيلا من «الفراولة» نبت على حافة ~~نافذته، فلما أخذ يتأمله قام في نفسه أن يصفه بكل دقائقه ويصف ما حوله من حشرات صغيرة ~~وذباب، ولكن ذلك استعصى عليه وقد رأى تلك الحشرات تصغر شيئا فشيئا إلى حد أعجزه عن ~~متابعتها، وعند ذلك أدرك مقام الطبيعة وعظمتها فهام بها. # وإن نفسا مثل نفس برناردين لا تعرف اليأس، فعزم على الهجرة من وطنه إلى غيره من بلاد ~~الله، وهو مع ذلك لا يكرهه ولا يحقد عليه «لأن من أحب وطنه تغرب في سبيله» كما قال في ~~ترجمة حياته. # وكانت فكرة إصلاح المجتمع قد اختمرت في رأسه، فسافر إلى روسيا لعله يجد عند ملكتها ~~كاترين ما يساعده على إخراجها إلى نور الوجود على شواطئ بحر قزوين، ولكن سهمه طاش، ~~فارتحل إلى فنلندا ثم إلى بولونيا فألمانيا فصحارى أمريكا العليا فمدغشقر، حتى انتهى به ~~المطاف عند جزيرة «موريس» التي كتب عنها روايته، ولكنه في كل هذه الأدوار كان سوء الحظ ~~حليفه، فاضطر إلى العودة لوطنه ثانيا وهو ينوء تحت حمل الأحزان ms003 والديون، ذاهبا إلى أن ~~العيب لم يكن على النظم التي تشرع للناس، ولكن على نفس القائمين بها. # وكان في أسفاره لا يكاد يرفع طرفه عن الطبيعة التي طالما أحبها وشغف باكتناه أسرار ~~جمالها، ولكنه كان يغلب عليه في تفهمها مزاجه الشعري، وهو يعتقد أن خواطره ليست هي ~~التي تتجه إلى الطبيعة ولكنها هي التي توجه إليها آلاف الأشكال المختلفة الرائعة ، وهكذا ~~كان يغرس على طول طريقه بذور خيالاته فيحظى من الطبيعة بكل ثمرة شهية وهو يرى في كل ~~ذرة من ذراتها نفسا حية ناطقة، حتى صهره البحث وأنضجته التجربة، ولكن شقاء الحظ ~~جرعه آخر ما في كأسه، فعاد - كما ذكرنا - وهو يقول في نفسه: لقد أصبح الناس لا يعرفون ~~قدر الإحسان فكيف رفعتهم الأقدار؟ ولكن حسبي أن التجربة صيرتني هرما فأصبحت لا ~~أطمع في غير الراحة. # نعم إنه أحس بعزمه قد وهن، وكأن الشاب الطامح إلى لقاء الحوادث ومجالدتها قد ذاب ~~فيه وفني وهو مع ذلك لا يتجاوز الثلاثين من عمره، أضف إلى ذلك ما آلت إليه حاله من ~~الفاقة والبؤس، ففكر في وضع كتاب عن تلك الجزر التي زارها وما شاهد فيها ودون في ~~مذكراته عنها. # ولكن كتابه الذي كان يظن أنه وضع به أساس مجده لم يصادف إلا نجاحا قليلا؛ لأنه أفسد ~~عليه قلوب الحكام؛ بما ذكره فيه من خلل إدارة المستعمرات وفساد نظامها، إلا أن هذا ~~السفر قد أكسبه الاتصال بكتاب عصره وفلاسفته، فعرفوه وعرفهم، ولكنه لم يلبث أن ~~أنكرهم؛ لأنه أدرك أنهم كغيرهم قوم لا يعرفون معنى العدل والحق اللذين كانا دعامة ~~خلقه، حتى إنه قاطعهم وهجرهم؛ لأن ألم شوكة واحدة - كما كان يقول - تنسي المرء لذة ~~مائة وردة يشمها؛ ولذلك عمد إلى ما دونه من أبحاثه في الطبيعة فجمعها في كتاب نشره ~~على الناس على ما بها من التفكك وعدم الارتباط، ولكن هذا الكتاب الناقص، أو تلك الأطلال ~~الدوارس - كما كان يسميها - كانت وحدة معنوية حية خيرا مائة مرة من أية وحدة علمية؛ ~~لأنها تمثل ms004 جلال القدرة حاضرة دائما في الذهن، ماثلة للعين، حتى إن نجاحه كان فوق ما ~~أمله فعرف الناس قدره وأحبوه. # وهكذا أمكنه أن يزحزح عن نفسه شيئا من أحمال شقائه، فابتاع منزلا صغيرا اختاره في ~~طريق ضيق يسكنه الفقراء، حتى يشعر أنه بين أفراد عائلته الطبيعية، وعلى مقربة من ~~حديقة الحيوانات، كي لا يحرم من متابعة أبحاثه. # 3 # وقد كان من نتائج تلك التجاريب الطويلة الشاقة أن برناردين اعتقد أن سعادة الإنسان ~~قائمة على سلوك سبيل الحياة تتطلبه الطبيعة والفضيلة، وأن الفضيلة العامة مهما بلغ من ~~اتساعها فإن مكانها المكان الأول في نفس كل فرد؛ ولذلك عدل عن فكرة الجمهورية التي ~~حاول إنشاءها، واقتصر على وصف حياة بعض الأسر المنزوية في ظلال الوحدة تتذوق طعم النعيم ~~في حجر الطبيعة وعند بساطة الفضيلة. # وهكذا ظهر سفره الخالد «بول وفرجيني»، فهز أوتار المشاعر، وملك أزمة القلوب، وكان ~~فجرا لليل الأدب، وتاجا على رءوس الأقلام، وشعلة صافية باردة فاض بها فؤاده الذي ~~غمرته الفضيلة والصبر والرحمة، وكان لظهوره تأثير عظيم في جميع أنحاء فرنسا، فأبكى كل ~~عين، وصعد كل زفرة، ولم تبق أسرة ولد لها ولد إلا سمته بول، أو ابنة إلا سمتها ~~فرجيني. # وكان أكبر ما أثره في نفوس الناس من هذه الرواية أن حوادثها صحيحة ليس فيها من ~~الخيال إلا النسق والترتيب، فقد قال مؤلفها في مقدمتها: «إني لم أتخيل قصة روائية أصور ~~فيها حياة سعيدة تمتعت بها أسرة أوروبية في وسط ذلك الفقر، بل يمكنني أن أقول إن ~~أشخاص هذه الرواية قد عاشوا حقيقة في تلك الأصقاع وتمتعوا بالسعادة التي وصفتها، ~~وإن تاريخهم في مجمله صحيح شهد به كثير من سكان تلك الجزيرة، ولم أضف عليه إلا بعض ~~جزئيات ليست بذات بال.» # وقد تنبأ بمبلغ تأثير روايته في النفوس قبل ظهورها فقال: «أردت عندما وضعت هذه ~~الرواية أن أعرف مقدار تأثيرها في القراء على اختلاف درجاتهم ومراتبهم ومشاربهم ~~وميولهم، فتلوتها على بعض السيدات الجميلات المتأنقات فبكين، ثم تلوتها على بعض ~~الشيوخ ms005 المحافظين الرزينين فبكوا، فعلمت أني قد كتبتها للناس جميعا، وأرضاني هذا ~~الحكم الصامت كل الرضى، على أن هذا السفر إذا كان قد هز عالم البيان إلى هذا الحد فإنه ~~لم يكن ابن يومه، وإنما كان ثمرة مجهود بطيء حتى خرج للناس من ظلمات الفكر إلى قضاء ~~الحقيقة وعليه ثوب ذلك الشاب القشيب، فهو كأنه ليس من عمله بل من عمل الطبيعة التي تضع ~~بذورها في السكون وتنضجها في الظل، فإذا وافى اليوم الذي تظهر ثمرتها فيه أخذت بالألباب ~~والأبصار.» # وكثيرا ما كان يسأله الناس كيف وضعه؟ وكيف انتهى منه؟ فيقول لهم: حسبكم أنه أعجبكم، ~~فلا تضعوا بهذه الأسئلة غشاوة على أعينكم تحجب عنها لذة السرور الذي شعرت به، وإلا كان ~~مثلكم كمثل الطفل يقع نظره على وردة فيذهب خاطره إلى محاولة الاهتداء لكيفية صنعها، ~~وعند ذلك ينثرها ورقة ورقة حتى إذا بلغ غايته لا يرى أمامه شيئا. # على أن جمال الكتاب يجعل الحيارى من السائلين في حل من موقفهم هذا، فهم معذورون إذا ~~تساءلوا عن زهرة هذا السفر القيم كيف نشأت، وعلى أية طريقة نبتت، وبماء أي خاطر متقد ~~سقيت، وتحت أي مؤثر من مؤثرات النفس أيعنت ففاضت على الأجيال بالأريج والألوان ~~والجمال. # ولكن عناصر مثل هذا العمل الكبير دفينة في نفس حياة الكاتب إذا صح أن كل مؤلف يتمثل ~~في سطوره. # على أن برناردين إذا كان لم يخلق كاتبا فإن المشاهدة والتجربة والدرس هذبت قلمه ~~وأنضجته، حتى إذا انقضت هزيلة بائسة طائرة في مهاب الحوادث وقد أحاطتها الأيام ~~بإطار من الشيخوخة لم ير له بديلا منها إلا نفثات قلمه بين سطور هذا السفر الفياض؛ ~~ولذلك قال عنه بعض قارئيه: «ليست هذه الرواية أثرا للكاتب، وإنما هي أثر خالد للغة ~~الفرنسية.» # على أن الرواية وإن كانت لم تقم إلا على وصف الطبيعة الجافة الخشنة فإن القارئ لا ~~يكاد ينتهي منها حتى يشعر بدبيب النشوة في مفاصله، لا لترتيب أشخاصها أو غرابة حوادثها، ~~ولكن لقدرة برناردين على وصف أخلاق أهل القرى ms006 السهلة بعبارته الساحرة الجذابة، فهي التي ~~أنطقت الطبيعة الجامدة، وجعلت من الكمال تمثالا حيا قدسيا خالدا، حتى إن بعض ~~قرائه صاح وقد هزه الطرب: «إنني لا أرى هنا غير أكواخ بسيطة وأعواد خشنة، ولكنني أرى ~~حولها وجوها ضاحكة مستبشرة، وقلوبا تسيل سعادة وهناء.» وحتى قال شاتوبريان: «إن ~~السحر الذي يتشعع من سطور هذا الكتاب ليس غير عظمة تتلألأ في ثناياه تحكي تألق القمر ~~فوق عزلة مزدانة بالزهور.» # ولقد كان ختام كفاح برناردين بعد ما حاربته الليالي وخاصمه الحظ أن عرف قدره أولئك ~~الذين جهلوه حتى توجهت إليه عناية لويز السادس عشر، فقلده إدارة حديقة النباتات، ومتحف ~~التاريخ الطبيعي، وإذا كانت الثورة قد أفقدته هذا المركز وسلبته تلك النعمة التي أصبح ~~فيها، فإن «نابوليون بونابرت» شمله برعايته، وغمره بإحسانه، فأنساه مرارة الأيام ~~الماضية، كما أنه قلده وسام الشرف، فلم يعد في حاجة إلى تلك الأوسمة الخيالية التي كان ~~يحلم بها في صباه، وكان إذا قابله قال له: «متى تؤلف لنا يا برناردين رواية ~~ثانية؟» # هذه هي رواية بول وفرجيني، وهذا هو كاتبها الذي كان يقول في أول أمره: «إن إنكار ~~الناس لجميلي، والأحزان التي لا تفارقني، وضآلة مرتزقي وآمالي الضائعة، كل هذه المصائب ~~تجمعت لتحاربني فأفسدت علي صحتي، وأزاغت صوابي، حتى إن كل ما يقع تحت بصري أصبحت أراه ~~متحركا مضاعفا، كأنني أوديب الملك أرى شمسين»، فأصبح يقول: «هكذا بعد ما قاست سفينة ~~حياتي من زعازع الحوادث أخذت تتقدم آمنة مطمئنة إلى بر السعادة.» # الفصل الأول # | جزيرة موريس # هي إحدى الجزر الإفريقية الواقعة في المحيط الهندي على مقربة من جزيرة «مدغشقر»، وعلى ~~مدى غير بعيد من جزائر «سيشيل»، وهي جزيرة قفراء بلقع إلا قليلا من السكان السود ~~متفرقين في جبالها وغاباتها، يستعبدهم بضعة أفراد من المهاجرين الأوروبيين النازلين بينهم، ~~ويسخرونهم في حراثة الأرض واستنباتها واستخراج معادنها واستنباط أمواهها وتقليم أشجارها، ~~كما هو شأن المستعمرين الأوروبيين في جميع الأصقاع التي يعيشون فيها. ~~••• # يرى المقبل على هذه الجزيرة شرقي الجبل القائم خلف عاصمتها ms007 «بورلويس» واديا مستطيلا، ~~مسورا بسور طبيعي من الآكام والصخور، قد تراءت في وسطه أطلال كوخين دارسين لم يبق ~~منهما إلا أنصاف جدرانهما، وبضعة جذوع ناخرة سوداء متناثرة حولهما، ويرى الأرض المحيطة ~~بهما مختلفة الألوان، ما بين سوداء وخضراء وصفراء، مختلفة السطوح ما بين أنجاد وأغوار، ~~وأحافير وأخاديد، ومتعرجات ومستدقات، إلى كثير من الجداول والغدران القائمة ~~والمتداعية، كأنما يعيش فيها قبل اليوم قوم يتولون حرثها وزرعها وتقسيمها وتخطيطها، ثم ~~ضربها الدهر بضرباته فرحل عنها ساكنوها أو رحلوا عن العالم بأجمعه. # ولم يكن لذلك الوادي - على اتساعه وانفراجه - إلا فجوة واحدة من ناحيته الشمالية، وعلى ~~يساره ذلك الجبل العظيم الذي يسمونه جبل الاستكشاف؛ لأنهم كانوا يرقبون من قمته السفن ~~القادمة إلى الجزيرة، وبسفحه تقع مدينة «بورلويس» قصبة الجزيرة ومقر حاكمها الفرنسي، وهي ~~مدينة صغيرة نصف متحضرة، يتفرع من يمينها طريق لاحب عريض ينتهي بضاحية «بمبلوس»، ~~وهناك الكنيسة المسماة بهذا الاسم قائمة بمماشيها المتدرجة المتصاعدة المحفوفة بأشجار ~~الخيزران وسط أفيح فسيح، ثم الحرجات والآجام بعد ذلك منبسطة ممتدة إلى ساحل البحر، حيث ~~يرى هنا خليج «تومبو»؛ أي: خليج القبر، وعلى يمينه رأس يسمى «كاب ماليرو»؛ أي: الرأس ~~البائس، ثم الخضم الفسيح بعد ذلك تنتشر على صفحته عدة جزر صغيرة مقفرة كأنها السفن السابحة ~~على سطح الماء، وأكبر ما فيها جزيرة «كوان دمير» تتهادى بينها كأنها البرج العظيم. ~~••• # ولا يزال يسمع المقبل على ذلك الوادي حين يدنو منه عصف الرياح الضاربة في بطون الجبال ~~وأحشاء الغابات وذوائب الأشجار، ودمدمة الأمواج المتوثبة على صخور الشاطئ وهضابه، حتى إذا ~~وصل إلى مكان الكوخين انقطع عن سمعه كل شيء، فلا يحس إلا صدى ضعيفا لحفيف سعف النخل، ولا ~~يسمع إلا وسوسة الأمطار المتساقطة برفق ولين على رءوس الصخور الملساء، فترسم على جوانبها ~~المكسوة بالطحلب ألوان الطيف ثم تنحدر عنها متسلسلة إلى حيث تسقي أحواض الأزهار المهملة ~~التي لا تمتد إليها يد، ولا يقتطفها مقتطف، ثم تفضي بعد ذلك إلى الغدران والأقنية فتمدها ~~بالجم الكثير من أمواهها، وإلى ms008 خمائل الأشجار ولفائف الأعشاب، فتنسرب من أحشائها انسراب ~~الأفاعي الرقطاء في بطون الرمال، ولا يرى بين يديه إلا هضابا شماء قد نبتت في سفوحها وعلى ~~قممها وبين فروجها مجاميع الأشجار الباسقة التي تعابث أشعة الشمس أوراقها الخضراء ~~المترعرعة، وتكسوها بما شاءت من ضروب الألون ذهبيها وفضيها، وأرجوانيها وناريها، ولا تنحدر ~~إلى قاع الوادي وتتبسط في أرجائه إلا وقت الظهيرة، فإذا أدبر النهار وطفلت الشمس للإياب كان ~~منظر الأصيل أبدع منظر رآه الرائي في جمال ألوانه، وانسجام ظلاله، ورقة أضوائه، وتلهب ~~أفقه، وذهاب العين بين أرضه وسمائه في أبهى من الحلة السيراء والروضة الغناء، فإذا ~~انحدرت الشمس إلى مغربها خيم السكون على كل شيء من ماء وهواء، وكوكب ونجم، واستحال ~~المنظر إلى وحشة مخيفة كوحشة القبور، لا نأمة فيها ولا حركة، ولا بارق ولا خافق. # الفصل الثاني # | الشيخ # كان يلذ لي كثيرا أن أختلف إلى هذا المكان الجميل صباح مساء، وأن أستريح إلى منظره ~~الهادئ الساكن، فإني لجالس ذات يوم على صخرة من صخور العالية أقلب الطرف بين أرضه ~~وسمائه، وأفكر في شأن هذين الكوخين الدارسين، وفيما تنطق به آياتهما من العظات والعبر، ~~وآثارهما من الأحاديث والسير، إذ مر بي شيخ هرم من سكان تلك الجزيرة قد نيف على السبعين ~~من عمره، يعتمد على عصا عجراء في يده، ويلبس سراويل واسعة وصدارا ريفيا بسيطا وقبعة ~~عريضة من الخوص، كشأن سكان تلك الأصقاع، وله شعر أبيض مستطيل مسترسل على كتفيه، وقد ~~تلألأ وجهه الأبيض النحيف الضارب إلى السمرة بذلك النور الساطع الذي يتلألأ دائما في وجوه ~~الريفيين الأتقياء، نور البساطة والطهارة، والنبل والشرف. # فأنست به وبمنظره الجميل الأنيق، وبدأته بالتحية، فرفع رأسه إلي متوسما وألقى علي نظرة ~~هادئة مطمئنة ثم رد تحيتي ردا جميلا، وكأنما شعر لي بمثل الذي شعرت له به من العطف ~~والود، فأقبل نحوي باسما متهللا، وجلس على صخرة محاذية للصخرة التي أجلس عليها، وألقى ~~عصاه تحت قدميه ووضع قبعته بجانبه، فأقبلت عليه وقلت له: لعلك تعيش في هذه ms009 الجزيرة يا سيدي ~~منذ زمن طويل، قال: نعم، طويت فيها رداء شبابي، وهأنذا أطوي فيها رداء شيخوختي، وستبرد ~~عظامي غدا تحت صخورها وجنادلها، قلت: هل لك أن تحدثني قليلا عن شأن هذين الكوخين الدارسين ~~وعمن كان يسكنهما قبل أن تعبث بهما يد البلى، وتعصف بهما عواصف الدهر وأرزاؤه؟ فوجم قليلا ~~وظل صامتا لا يقول شيئا وقد انتشرت على جبينه اللامع المتلألئ غمامة رقيقة من الهم ~~والاكتئاب، ثم تنهد تنهدة طويلة اختلجت لها أعضاؤه وقال: نعم يا بني إن هذا الوادي الذي ~~تراه اليوم خرابا يبابا لا يمر به المار إلا ليقف على ربوعه وأطلاله وقفة المتأمل ~~المعتبر، كان منذ عشرين عاما روضة غناء يعيش فيها أقوام سعداء بأخلاقهم وفضائلهم، ما كان ~~يخطر ببالهم ولا ببال من يراهم أن مصيرهم سيكون هذا المصير الذي تراه اليوم، وإن قصتهم ~~لقصة غريبة مؤثرة تستثير الأشجان وتستذرف الدموع، إلا أن أبطالها ليسوا ملوكا ولا قادة، ~~ولا من أصحاب القصور والدور، والحدائق والبساتين، والمسارح والملاعب، والوقائع العظيمة، ~~والحوادث الجسيمة، كما هو شأن أبطال الراويات التي تقرءونها، بل كانوا قوما فقراء مغمورين ~~تقتحمهم العيون، وتتخطاهم الأنظار، ومن كان هذا شأنهم لا يحفل بهم أحد من الناس، ولا يعنى ~~بسماع شيء من أخبارهم وتواريخهم؛ لأن الناس لا يستطيعون أن يفهموا السعادة إلا من الطريق ~~الذي ألفوه واعتادوه، فهم لا يصدقون أن قوما فقراء متقشفين يعيشون في أرض قفرة جرداء ~~منقطعة عن العالم بأجمعه قد استطاعوا أن يكونوا سعداء من طريق الفضيلة والبساطة. # فأكبرت الرجل في نفسي وأعظمته، وعلمت أنه يحمل بين جنبيه نفسا كبيرة سامية تختلف ~~صورتها عن صورة هذه الأسمال الحقيرة التي يلبسها، وقلت له: نعم يا سيدي إنني أعترف لك أننا ~~- معشر الأوروبيين - لا نفهم من معنى السعادة إلا ذلك المعنى الذي تقوله، ولا نعجب بالقصة ~~إلا إذا كان أبطالها أولئك الملوك الظلمة، والقواد السفاكين، ولكننا نستطيع أن نصغي في ~~بعض الأحايين بلذة وسرور إلى أحاديث الفقراء والبائسين، ومهما بلغت القسوة بالقلب الإنساني ~~وغمرت الشهوات ms010 شعوره ووجدانه، فلا بد أن تهب عليه من حين إلى حين نفحة من نفحات الفطرة ~~الإلهية تنعشه وتوقظ شعوره، فيستطيع أن يعود إلى نفسه قليلا، وأن يفهم أن في العالم صنوفا ~~من السعادة غير التي يعرفها ويألفها، وربما أكبرها وأعظمها وتمناها لنفسه، وود لو طال ~~استمتاعه بها. # فقص علي قصتك يا سيدي، فما أنا لو علمت إلا رجل بائس مسكين، قد أخطأته السعادة ~~حيث طلبها في المدن والحواضر بين الدور والقصور، فلعله يجدها في القفر الموحش بين الهضاب ~~والصخور. # فوضع يده على جبينه المغضن كأنما هو يفتش في طياته عن بعض الذكريات القديمة، أو يستجمع ~~ما تفرق من شواردها، وأنشأ يحدثني ويقول. # الفصل الثالث # | مدام دي لاتور # في عام 1726 قدم هذه الجزيرة فتى من «نورماندي» اسمه «مسيولاتور» ليطلب رزقه في هذه ~~الجزيرة المقفرة بعد ما أعياه طلبه في فرنسا، وعجز عن أن يجد له فيها معينا حتى من أهله ~~وذوي رحمه، وكانت تصحبه زوجته، وهي فتاة نبيلة، جميلة الصورة، كريمة الخلق، طيبة ~~العنصر، أحبها وأحبته، وأراد أن يخطبها إلى قومها فأبوها عليه؛ لأنه كان فقيرا ~~مقلا، ولأنهم كانوا من المدلين بأنفسهم وبوفرهم وثرائهم ومكانتهم في الهيئة ~~الاجتماعية، فلم يكن مما يهون عليهم أن يصهروا إلى رجل ليس من أكفائهم ولا نظرائهم، ~~فتزوجها سرا بدون مهر، وهاجر بها إلى هذه الجزيرة عله يجد سبيلا إلى العيش فيها، ~~فتركها هنا وسافر إلى جزيرة «مدغشقر» ليبتاع منها طائفة من الزنوج يستعين بهم عند عودته على ~~استصلاح بعض الأراضي المهجورة، فيقتات منها هو وزوجته، فلم يتح له الحظ الذي أراد؛ لأنه ~~سافر إلى «مدغشقر» في الفصل الذي يوبأ فيه مناخها ويمتلئ فيه جوها بالحميات والرياح السامة ~~القاتلة، فلم يلبث أن اشتكى شكاة ذهبت بحياته، وكان يحمل معه بعض الأثاث وشيئا من المال، ~~فتناهبته الأيدي هناك، كما هو الشأن دائما في تراث الغرباء من الأوروبيين الذين يموتون ~~بعيدا عن أوطانهم في تلك الجزر النائية. # فأصبحت امرأته من بعده أرملة مسكينة لا سند لها ولا ms011 عضد ولا من يعينها على أمرها إلا ~~جارية زنجية كانت قد ابتاعتها عند حضورها ببعض دريهمات، ولم تكن تعتمد على ما يعتمد عليه ~~أكثر المهاجرين المقيمين في هذه الجزيرة من عون الحاكم ومساعدته، أو الصلة ببعض أصحاب الجاه ~~والنفوذ؛ لأنها كانت أجل في نفسها من ذلك، ولأنها لم يكن يعنيها بعد أن فقدت ذلك الزوج ~~الكريم الذي كان موضع آمالها ووجهة حياتها أن تكون لها صلة مع أحد من الناس كائنا من ~~كان. # فأكسبها يأسها هذا قوة وجلدا، وصحت عزيمتها على أن تعتمد في حياتها على نفسها، وأن تتخذ ~~لها قطعة من الأرض تستصلحها بيدها هي وجاريتها علها تجد قوتها ومرتزقها. # والأرض في هذه الجزيرة على جدبها وإقفارها لا يعدم أن يجد فيها الإنسان بضع قطع خصبة ~~صالحة للنماء والاستثمار، ولكنها كانت تريد العزلة والانفراد والفرار بنفسها عن أبصار الناس ~~وأسماعهم، فتركت المواضع الخصبة الميثاء وأوغلت في المجاهل البعيدة تفتش عن قطعة أرض ~~معتزلة في سفح جبل أو بطن غور أو وراء منقطع لا يطرقها طارق ولا يمر بها سابل حتى وصلت ~~إلى هذا المكان الذي نحن فيه، فأعجبها منظره الهادئ المنفرد، وسكنت نفسها إليه سكون الطائر ~~الغريب إلى العش المهجور، وكذلك شأن البائسين المنكوبين، يشعرون دائما بحاجتهم إلى الفرار ~~بأنفسهم من ضوضاء العالم وجلبته إلى المعتزلات النائية القصية، والمواطن الخشنة الوعرة، ~~كأنما يخيل إليهم أن صخورها وهضابها قلاع حصينة يعتصمون بها من كوارث الدهر وأرزائه، أو ~~كأنما يتوهمون أن هدوءها وسكونها يسري إلى قلوبهم وأفئدتهم فيروح عنها بعض ما بها ويملؤها ~~راحة وسكونا، إلا أن العناية الإلهية - التي تتولى حراسة الإنسان وتمده بلطفها وعنايتها ~~من حيث لا يقدر ولا يحتسب، وترى له دائما خيرا مما يرى لنفسه؛ أبت أن تسلمها إلى وحشتها ~~وكآبتها، فأتاحت لها صديقة كريمة تؤنس وحشتها، وتعينها على أمرها. # الفصل الرابع # | مرغريت # كانت تعيش في هذه الأرض قبل عام واحد من حضور «مدام دي لاتور» امرأة صالحة كريمة رقيقة ~~الحال اسمها «مرغريت»، وفدت إليها على أثر ms012 نكبة حلت بها في مسقط رأسها «بريتانيا»، ~~وخلاصتها أن نبيلا من النبلاء الاصطلاحيين - أي الذين اصطلح الناس على تلقيبهم بهذا اللقب ~~- نزل بلدتها للاصطياف بها فرآها فأحبها، وكانت فتاة غريرة ساذجة تصدق كل ما يقال لها، ~~فصدقت ما حدثها به عن الحب والزواج، والسعادة والرغد، كأنما خيل إليها أن العظماء في ~~أحاديثهم وعهودهم كما هم عظماء في مظاهرهم وأزيائهم، لا يخلفون إذا وعدوا، ولا ينكثون إذا ~~عاهدوا، فاتصلت به اتصال الزوج بزوجها حينما وعدها أن يتزوج منها عند عودته إلى وطنه ~~واستئذان أبويه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى ملها واجتواها كما مل الكثيرات من أمثالها من قبلها، فرحل ~~عنها فجأة أعظم ما كانت غبطة به وأملا فيه، وترك لها تحت وسادتها شيئا من المال خيل ~~إليه أنه الثمن الذي يقوم لها بوفاء ما بذلت من عرضها وشرفها، فجن جنونها وهرعت إلى فرضة ~~البحر التي علمت أنه سيسافر منها، فلم تر من سفينته الماخرة على سطح الدأماء إلا ما يرى ~~الرائي من أعقاب النجم المغرب؛ فبكت ما شاء الله أن تفعل، ثم عادت إلى منزلها دامية العين ~~قريحة القلب، ولم تلبث إلا قليلا حتى شعرت أنها تحمل جنينا في أحشائها، فأسقط في يدها ~~وعلمت أنه قد استحال عليها البقاء بين أهلها وقومها بعد ما فقدت تلك الجوهرة الثمينة التي ~~هي كل ما تملك العذراء في يدها، وكل ما تستطيع أن تقدمه مهرا لزوجها، فأزمعت الرحيل إلى ~~إحدى المستعمرات النائية لتواري في قاعها السحيق سوأتها وعارها، فوفدت إلى هذه الجزيرة بعد ~~عناء كثير، وعقبات كبيرة واستطاعت بمعونة بعض المحسنين الراحمين أن تبتاع لها خادما ~~زنجيا يعينها على أمرها ويساعدها على حراثة الأرض التي أوت إليها واستخراج ~~ثمراتها. # وعاشت هنا عيش الصالحات القانتات لا تعرف أحدا من الناس ولا يعرفها أحد سواي، وكانت ~~تجلس دائما على هذه الصخرة العالية أمام كوخها ترضع ولدها وتنسج نسيجها، فلما وفدت هيلين ~~«مدام دي لاتور» رأتها جالسة في مكانها الذي اعتادت الجلوس فيه، فعجبت لأمرها وأنست ms013 بمرآها ~~أنسا عظيما؛ لأنها ما كانت تتصور قبل أن تراها أن في الناس إنسانا له حال تشبه حالها، ~~فدنت منها وحيتها ثم جلست بجانبها وأخذت تسائلها عن شأنها، فقصت عليها مرغريت قصتها كما ~~وقعت، وكشفت لها بشجاعة وإخلاص عن مكان المصرع الذي زلت فيه قدمها، ولم تكتمها من أمرها ~~شيئا، ثم ختمت حديثها بقولها: إن الله لم يظلمني، ولم يقس علي فيما فعل، بل عاقبني على ~~جريمتي التي اقترفتها عقابا عادلا شريفا، فله العتبى معطيا وسالبا، وله الحمد على ~~نعمائه وبأسائه. # فرثت لها هيلين «مدام دي لاتور» وأوت إليها، وأعجبها منها إخلاصها وصراحتها، وقوة يقينها ~~وإيمانها. فلم تر بدا من أن تمنحها من بنات قلبها مثل ما منحتها، فأفضت بسرها، وحدثتها ~~حديثها من مبدئه إلى منتهاه. فقالت لها مرغريت: أما أنا يا سيدتي فقد لاقيت عقوبتي التي ~~أستحقها بما أسرفت على نفسي، وفرطت في أمري، فما شأنك أنت وأنت فتاة صالحة شريفة لا ذنب ~~لك ولا جريرة! # ثم دعتها إلى كوخها الحقير فلبت دعوتها ودخلت معها راضية مغتبطة وهي تقول: أحمدك اللهم، ~~فقد وجدت لي في هذا المغترب النائي أختا لم أجد مثلها بين أهلي وقومي، وما أحسب إلا أن ~~آلامي قد انتهت. ~~••• # وكنت أسكن في ذلك الحين وراء هذا الجبل على بعد مرحلة ونصف من كوخ مرغريت، ولكنني كنت ~~- على بعد ما بيني وبينها واعتراض هذه العقبات دوننا - متصلا بها، أزورها وأتفقد حالها، ~~وأرعى لها ما يرعى الجار لجاره الملاصق، وتلك خلة لا توجد إلا في سكان القفار المهجورة، ~~والمغتربات النائية، فلا الجبال الشامخة، ولا الصحارى الشاسعة، ولا الشقة البعيدة بقادرة ~~على أن تفرق بينهم وتمنع اتصال بعضهم ببعض، كأنما هم يقطنون محلة واحدة، أو منزلا ~~واحدا، أما في أوروبا فكثيرا ما يعيش الرجل بجانب الرجل لا يفصل بينه وبينه إلا جدار ~~قائم، أو ممر ضيق، أو ظلة دانية، ثم هو لا يعرفه ولا يحييه، وربما أنكر وجهه وصورته، وهناك ~~قلما يستطيع القادم الغريب أن ينزل ضيفا إلا عند ms014 نفسه في أخصب البلاد وأغناها، وأرغدها ~~عيشا، وأصحلها حالا، وهنا يجد ساعة نزوله المنزل الرحب، والمناخ الكريم في كل دار وكوخ، ~~سواء في ذلك فقراء الناس وأغنياؤهم، وسوقتهم وأشرافهم، كأن الناس حين يعودون إلى حياتهم ~~الفطرية الأولى - حياة البساطة والسذاجة والعيش في الأجواء الحرة المطلقة - تعود لهم معها ~~أخلاقهم الطبيعية الجميلة التي فطروا عليها: من كرم وسماحة، وجود وإيثار، وود ~~وإخاء. # وبعد ، فلما سمعت أن جارتي قد نزلت بها ضيفة غريبة أتيت إليها أتفقد حالها، وأعينها على ~~أمرها، فإذا أنا بين يدي فتاة جميلة رائعة، تحيط بوجهها المشرق المتلألئ هالة وضاءة من ~~الشرف والنبل، تغشاها سحابة خفيفة من الهم والكآبة، ويتراءى في عينيها المتضعضعتين ~~الذابلتين أثر الذل والانكسار الذي يراه الإنسان دائما في عيون الفتيات المنكسرات في ميدان ~~الحياة. # وما هو إلا أن جلست إليها جلسة خفيفة حتى ألممت بشأنها كله، فأخذت أحدثها وصديقتها عن ~~مستقبل حياتهما في هذه الجزيرة، وكيف تستطيعان أن تعيشا فيها سعيدتين هانئتين، فاقترحت ~~عليهما أن تتخذا هذا الوادي مزرعة لهما تقتسمانها بينهما، ويعينهما على استصلاحها ~~واستثمارها خادماهما الزنجيان، فأعجبهما مقترحي وعهدا إلي بتنفيذ ما أشرت به. # وكانت مساحة الوادي نحو عشرين فدانا، فقسمته قسمين، قسما أعلى، وقسما أدنى، أما الأول ~~فيبتدئ من رءوس تلك الصخور العالية التي تكسوها السحب أرديتها الشفافة البيضاء، وتنبعث من ~~خلالها أمواه نهر «اللاتينيه» وينتهي عند هذه الفجوة التي تراها أمامك، ويسمونها هنا ~~«لامبرازير»؛ لأنها تشبه في شكلها فوهة المدفع. وتكثر في هذا القسم الصخور والوعور التي ~~يتعذر السير فيها، إلا أنه كثير الأشجار والنخيل، حافل بالينابيع والغدران. # وأما الثاني فيبتدئ من هذا المكان منحدرا مع النهر الجاري بجانبه إلى نهاية الوادي، حيث ~~ينحرف النهر بعد ذلك سائرا في رملة ميثاء بين جبلين شامخين إلى مصبه في البحر، وأرض هذا ~~القسم سهلة لينة كثيرة الخضرة والأعشاب، إلا أن المستنقعات تكثر فيها في فصل الأمطار، ~~وتكاد تتحجر تربتها أيام الجفاف، فتصبح كأنها أرض صخرية، فهما في الحقيقة قسمان متعادلان ~~تتكافأ حسناتهما وسيئاتهما. ms015 # فلما فرغت من تهيئتهما اقترعت بين السيدتين عليهما، فكان القسم الأعلى نصيب هيلين «مدام ~~دي لاتور»، والقسم الأدنى نصيب مرغريت، فرضيت كل منهما بنصيبها، إلا أنهما أبتا أن تفترقا ~~في مسكنهما وعيشهما، فرأيت أن أنشئ لهما كوخين متجاورين تجدان فيهما من السعة والراحة لهما ~~ولولديهما أكثر مما تجدان في الكوخ الواحد، وأن أجعل أحدهما في ذيل القسم الأول، وثانيهما ~~في رأس القسم الثاني، فتسكن كل منهما أرضها، وكأنها تعيش مع صاحبتها في مسكن واحد، ~~فأعجبتهما تلك الفكرة واغتبطتا بها، فاستعنت بالزنجيين على قطع الأحجار من الجبال، واجتلاب ~~الأخشاب من الغابات، وصنع مواد البناء، وأنشأت لهما كوخين فسيحين يدور بهما سياج متين من ~~الأغصان المتشابكة، وغرست حولهما خميلة من أشجار اللاتينية تظللهما وتقيهما وهج الشمس ~~وغائلة المطر. # وهنا صمت الشيخ وأطرق، ثم رفع رأسه بعد قليل فإذا دمعة رقراقة تترجح في مقلتيه كلما ~~حاولت أن تسيل أمسكها، واستمر في حديثه يقول: نعم بنيتهما وشيدتهما وأنشأت لهما السقوف ~~والأبواب والكوى والنوافذ، وهأنذا أراهما الآن بين يدي ساقطين متهدمين، فلا أبواب ولا سقوف، ~~ولا نوافذ ولا كوى، ولا قطان ولا سكان، وكأن الله - تعالى - أراد أن يستديم تلك الذكرى ~~في نفسي فلا تبرح مخيلتي حتى تذهب معي إلى قبري، فأبقى على هذه البقايا الماثلة من جدرانهما ~~وأحجارهما ليستثير مرآها شجني، ويهيج آلامي وأحزاني. أو كأن طوارق الحدثان التي لا تبالي أن ~~تعصف بقصور الملوك وصروح الجبابرة وتذهب ببقاياها وآثارها إلى الأبد، قد وقفت وقفة الإجلال ~~والإعظام أمام هذه الأكواخ الحقيرة المشعثة، فأبت أن تقضي عليها القضاء كله إجلالا لها، ~~واحتراما لذكرى أصحابها الأوفياء المخلصين. # وبعد فلم أكد أفرغ من بناء الكوخين حتى شكت هيلين وجاءها المخاض فولدت طفلة جميلة ~~كأنها النجم اللامع في سطوعه وإشراقه، وسألتني أن أكون «عرابها»، وأن أتولى تسميتها كما ~~توليت تسمية ولد صديقتها، فأشرت على مرغريت أن تفعل؛ لأني أردت أن تكون لها أما ثانية، ~~فسمتها «فرجيني»، وقالت لأمها سيهب الله ابنتك نعمة الفضيلة والعفة فتحيا حياة سعيدة ~~هانئة، ms016 فإني ما فقدت السعادة إلا منذ اليوم الذي انحرفت فيه عن طريق الفضيلة. # الفصل الخامس # | الحياة الطبيعية # نهضت هيلين من نفاسها بارئة نشطة، فأخذت هي وصديقتها مرغريت تعملان في أرضهما بمعونة ~~الزنجي «دومينج»، وهو رجل كهل قد نيف على الخمسين من عمره، إلا أنه كان فتي الهمة ~~والعزيمة، واسع الخبرة في شئون الزراعة الجبلية وأساليبها، فكان يغرس في كل أرض ما يناسبها ~~من البذور والأغراس، ولا يفرق في ذلك بين القسمين ولا يمنح أحدهما من اهتمامه وعنايته أكثر ~~مما يمنح الآخر، فزرع الذرة في التربة المتوسطة، والحنطة في الأرض الجيدة، والأرز في التربة ~~السبخة، والقرع والقثاء وما أشبههما من النبات المتسلق حول الصخور وفوق رءوس الهضاب، ~~وزرع البطاطا في التربة الجافة اليابسة، وشجيرات القطن في الربوات العالية، وقصب السكر في ~~الأرض القوية المتينة، وغرس على ضفة النهر حول الكوخين أشجار الموز ذات الأوراق العريضة ~~والأفياء الظليلة، ولم يفته أن يزرع لنفسه بضع شجيرات من التبغ يروح بتدخينها عن ~~نفسه هموم دهره وآلامه. # وكان يذهب فوق ذلك إلى الغابات البعيدة والأحراش النائية لاحتطاب الحطب واجتلاب أخشاب ~~الوقود، ويقضي جزءا عظيما من يومه في تمهيد الأرض وتذليلها، وتكسير الصخور ورصف الحصى، ~~وإنشاء الممرات والمستدقات والجداول والأقنية، وكان يقوم بهذا العمل كله وحده راضيا ~~مغتبطا لا أعينه عليه إلا بالرأي والإرشاد؛ لأنه كان يحب سيدتيه حبا جما، ~~ويخلص لهما إخلاصا عظيما، وربما كان للغرام يد خفية في ذلك النشاط الغريب المنبعث في ~~أنحاء نفسه - كما هو الشأن في أكثر حركات الناس وسكناتهم - فإنه كان مغتبطا كل الاغتباط ~~بتلك الصلة التي نشأت بينه وبين الزنجية «ماري» في العمل، وبوده لو استحالت إلى صلة أخرى ~~غيرها أدنى إلى نفسه وألصق بفؤاده، وقد تم له بعد عام واحد من اتصاله بها ما أراد، فقد سمحت ~~له سيدتاه بالزواج منها، فبنى بها ليلة عيد ميلاد فرجيني، وسعد بجوارها سعادة لا تختلف ~~في روحها وجوهرها عن السعادة التي يهنأ بها البيض المتمدينون. # وكانت ماري فتاة نشطة حاذقة، ذكية ms017 الذهن، صناع اليد، متحلية بكثير من الصفات ~~الفاضلة. وقد استفادت في مسقط رأسها «مدغشقر» العلم ببعض الصنائع اليدوية التي يزاولها ~~الناس هناك، فكانت تجيد صنع السلال من لحاء أشجار القصب، ونسج المآزر والمطارف من خيوط ~~بعض الأشجار الليفية، وكانت تحسن القيام على خدمة المنزل ومنظرته وترتيب أثاثه وتربية ~~الطيور الداجنة، ورعي الماشية، ومزاولة الطبخ والغسل، فإذا فرغت من عملها حملت ما فضل عن ~~حاجة البيت من فاكهة وحبوب - ولم يكن بالشيء الكثير - إلى سوق المدينة فباعته فيها ثم عادت ~~ببضعة دريهمات تعطيها لسيدتيها. # أي إن المزرعة كان يعيش فيها امرأتان وطفلان وخادمان، وكلب للحراسة، وعنزتان للبن، وبضع ~~دجاجات للبيض، لا أكثر من ذلك ولا أقل. # وكان لا بد للسيدتين من أن تعملا عملا يعينهما على عيشهما ويروح عنهما سآمة الوحدة ~~ومللها، فكانتا تغزلان بياض نهارهما، وأحيانا سواد ليلهما على ضوء القمر، فاستطاعتا أن ~~تجدا رزقهما، ولكن مقترا مكدودا، فأكلتا الدخن والذرة، وشربتا الماء الرنق، ~~ولبستا القمص البنغالية الخشنة التي يلبسها الإماء في هذه الجزيرة، ومشتا على الأرض حافيتين ~~غير منتعلتين إلا في اليوم الذي كانتا تذهبان فيه إلى الكنيسة في حي «بمبلوس» لأداء الصلاة، ~~وقلما كانتا تذهبان إلى «بورلويس» عاصمة الجزيرة إلا في الدرجة القصوى من الضرورة حياء من ~~نفسيهما، وفرارا من أعين الساخرين والهازئين، فإن فعلتا نالهما من الألم والامتعاض ما ينغص ~~عليهما يومهما، ويستثير كامن حزنهما وألمهما، ولا يزال هذا القلق يساورهما حتى تعودا إلى ~~مزرعتهما فإذا أشرفتا عليها، ورأتا على بعد منظر خادميهما المخلصين وهما يهبطان إليهما من ~~قمة الجبل ليساعداهما على صعوده وتسلقه، وشعرتا بنسيم الحرية العليل يهب عليهما ويمازج ~~أنفاسهما، نسيتا في هذا المعتزل المنفرد كل ما لحقهما وآلم نفسيهما من خشونة الناس وقسوتهم، ~~وفضولهم وكبريائهم، وكأنما قد نبتتا في هذه البقعة بين نخيلها وأشجارها، ولم تريا طول ~~حياتهما بقعة سواها. # ولقد عشت في كل جو وبيئة، وخالطت جميع الطبقات والأجناس، وعاشرت الناس أخيارا وأشرارا، ~~وأعلياء وأدنياء، وحضرت مواقف الحب بين المتحابين، والصداقة بين المتصادقين، ms018 فلم أر في ~~حياتي منظرا أجمل ولا أبهج ولا أحلى في العين ولا أرفع في النفس من منظر الحب والصداقة بين ~~هاتين السيدتين الكريمتين، حتى كان يخيل إلي أحيانا أن نفسيهما قد استحالت إلى نفس واحدة ~~يحملها جسدان، وكنت إذا حدثت إحداهما شعرت كأني أحدث الأخرى معها، وإذا حدثتهما معا كنت ~~كأني أحدث نفسا واحدة ذات صورة واحدة ولون واحد، فلقد وحدت بينهما الهموم والآلام، ~~ومازجت بين نفسيهما الوحدة والعزلة، والفكرة والرأي، والحاجة والمصلحة، والذكرى المؤلمة ~~والبؤس المشترك، فنطقت كل منهما بما نطقت به الأخرى، وشعرت، وفكرت فيه، وكأن الله تعالى ~~إذ زوى عنهما الأرض الفسيحة ذات الطول والعرض، وحرمهما فيه نعمة العيش الهنيء، أبدلهما ~~منها تلك الروضة الغناء من الحب والإخلاص؛ لتعيشا فيها ناعمتين هانئتين، لا تمر بسمائهما ~~غنيمة، ولا ترجف بأرضهما رجفة. # فإن اضطرمت بين جوانحهما في بعض الأحايين نار أقوى من نار الصداقة وأشد منها لهيبا ~~واستعارا؛ لا تلبث أن تهب عاصفة من دينهما وتقواهما فتلوي بها عن سبيلها، وتطير بها إلى ~~العالم الثاني، كما تتطاير الشعلة الملتهبة في جو السماء إذا فقدت مادتها التي تغتذي بها ~~على وجه الأرض. # وكان أعظم ما يؤنسهما ويروح عنهما ويمازج بين شعورهما وإحساسهما رؤية طفليهما الصغيرين ~~بين أيديهما يمرحان ويلعبان ويعدوان ويطفران، وينامان في مهد واحد، ويستحمان في إناء ~~واحد، ويطير كل منهما شوقا إلى صاحبه إذا فقد مكانه وغاب عنه وجهه، كأنهما أخوان ~~شقيقان، بل توأمان متشابهان. # وكثيرا ما كانت ترضع إحداهما ولد الأخرى فتمنحه من عطفها وحنانها ما تمنح ولدها، حتى ~~قالت هيلين مرة لمرغريت: «سيكون لكل منا ولدان، ولكل من ولدينا أمان.» وكان اجتماع ذينك ~~الطفلين اليتيمين على ثدي واحد - بعد ما فجعهما الزمان بأسرتيهما وحرمهما حنان أبويهما ~~وعطفهما - سببا في نموهما وترعرعهما، وسرورهما وغبطتهما، كالصنوين الباقيين من شجرتين قد ~~عصفت الريح بهما وبأغصانهما، إذا لقح أحدهما بالآخر أورقا وأثمرا بأبهى وأجمل مما لو ~~بقي كل منهما في مكانه. ~~••• # وكان يلذ لأميهما كثيرا الحديث عنهما، وعن مستقبل ms019 حياتهما، وعن اتصالهما بعقدة الزواج ~~متى بلغا أشدهما، وكأنما قد بقيت في زوايا قلبيهما بقية من ذلك الألم الماضي، ألم حرمانهما ~~الهناء الزوجي الذي كانتا تتعللان به في مؤتنف حياتهما، فهما تتعللان عنه برؤية ولديهما ~~متمتعين به. إلا أن حديثهما هذا كان ينتهي أحيانا ببكائهما ونشيجهما حينما تذكران أنهما قد ~~أساءتا إلى نفسيهما بطموح إحداهما إلى منزلة في الحياة فوق منزلتها، ونزول الأخرى فيها إلى ~~مقام دون مقامها، فعاقبتهما الطبيعة على تمردهما وشذوذهما بهذا العقاب المؤلم الشديد الذي ~~تقاسيانه وتذوقان مرارته. # ولكنهما لا تلبثان أن تسمعا صوت طفليهما الصغيرين يبغمان في مهدهما ويتناغيان حتى تعودا ~~إلى سكونهما واستقرارهما، وتشعرا ببرد العزاء يتدفق في صدريهما، خصوصا عندما تذكران أن ~~الهناء الذي فاتهما في ماضيهما لن يفوت ولديهما في مستقبل أيامهما، وكانتا تقولان إنهما ~~سيقضيان حياتهما بعيدين عن مفاسد المدنية وشرورها وتقاليدها العمياء وأوهامها الباطلة، فلا ~~ينالهما من أذاها شيء. # الفصل السادس # | حياة الطفولة # ولم أر فيما رأيت من عجائب الأشياء وغرائبها أغرب من تلك الصلة التي كانت بين هذين ~~الساذجين الطاهرين، ولا أعجب من ذلك الامتزاج الذي كان بين روحيهما، فإذا شكا بول شكت ~~فرجيني لشكاته، وإذا بكى لا يخفض عبرته ولا يسري حزنه إلا رؤيتها باسمة بين يديه، ~~وكثيرا ما كانت تتألم بينها وبين نفسها لبعض الشئون فلا يدل على ألمها وحزنها إلا بكاؤه ~~ونشيجه، فكانت إذا ألم بها ألم طوت عليه ضلوعها، وكاتمته نفسها، ضنا به أن تراه ~~باكيا أو متألما. # وما جئت هنا مرة في شأن من الشئون إلا رأيتهما معا يحبوان، أو يدرجان، أو يتداعبان، أو ~~يتماسكان، أو يستبقان إلى غاية، أو يتخاطفان لعبة، فلم يكن شيء من الأشياء بقادر على أن ~~يفرق بينهما حتى ظلام الليل ووحشته، فقد كان لهما مهد واحد ينامان فيه معا عاريين كعادة ~~الأطفال في هذه الجزيرة، وقد تلازما وتآخذا وتوسد كل منهما ذراع صاحبه كأنما يخشيان أن ~~يفرق بينهما حادث من حوادث الدهر. # وكان أول ما نطقا به من الكلمات كلمتا ms020 الأخ والأخت، وهي كلمة جميلة جدا، ما خلق الله ~~في الكلم أجمل ولا أحلى ولا أشرف معنى ولا أطرب نغمة منها، ويزيدها جمالا وحسنا صدورها ~~من أفواه الأطفال الصغار، كأنهما عهد يأخذونه على أنفسهم منذ اليوم أن يكون كل منهما ~~لصاحبه غدا، أو كأنها راية السلام البيضاء يرفعونها على رءوسهم ويلوحون بها في ~~الآفاق. # ثم أخذت تلك العلاقة الطفلية البسيطة تستحيل مع الأيام إلى صداقة جدية، يشعر فيها كل ~~منهما بحاجته إلى الآخر وإلى معونته ومساعدته، فبدآ يشتركان في خدمة المنزل ومناظرة شئونه، ~~ومعاونة أميهما فيما هما بسبيله من طلب العيش ومعالجة القوت، كل فيما هيأته طبيعته ~~له. # فلحقت فرجيني بالزنجية «ماري» تتعلم منها الطبخ والغسل والنسيج وإعداد المائدة وتهيئة ~~الفراش وخياطة الملابس وصنع السلال، إلا أنها كانت تعنى بما يتعلق بأخيها بول قبل كل شيء، ~~ولحق بول بدومينج يعينه بفأسه الصغيرة التي كانت لا تفارق عاتقه على فلح الأرض وحرثها، ~~وتخطيطها وتقسيمها، وتحويل مياهها، وقلع حشائشها، وتسلق رباها، وتقليم أشجارها، فإذا ~~عثر في طريقه بزهرة جميلة، أو فاكهة طيبة، أو طائر في عشه، أو حشرة في حفرتها، أو ~~سمكة ملونة، أو محارة ظريفة، احتفظ بها في جيبه ليقدمها هدية لفرجيني حين يعود ~~إليها. # وكانا على اختلاف شأنهما واستقلال كل منهما بعمله عن عمل صاحبه على اتصال دائم ~~ببعضهما؛ فحيث وجدت فرجيني فقد وجد بول معها، أو على مقربة منها، أو منحدرا إليها، أو ~~مشرفا عليها، أو هاتفا بها، ما من ذلك بد. # وأذكر أني كنت منحدرا ذات يوم من قمة الجبل، وكان الجو ماطرا مكفهرا، فرأيت فرجيني ~~مقبلة نحو المنزل من أقصى الحديقة، وقد رفعت إزارها من خلفها وأسبلته على رأسها لتتقي به ~~المطر المتساقط، فهرعت إليها لأساعدها على المسير، فلما دنوت منها رأيت أن ذلك الإزار الذي ~~يضمها لا يضمها وحدها، بل يضم معها أخاها بول، فنظرا إلي ضاحكين متهللين كأنهما مغتبطان ~~باهتدائهما إلى تلك الفكرة الجميلة التي استطاعا بها أن يلجئا من ذلك الغيث المنهمل إلى ~~ظلة ms021 واحدة، فذكرني منظرهما هذا ومنظر رأسيهما الصغيرين المتلاصقين في ذلك الإزار بمنظر ~~طفلي «ليدا»، وقد حفرا معا في محارة واحدة. # وكانت حياتهما بسيطة ساذجة؛ لأن ذهنهما كان بسيطا ساذجا خاليا من مشاغل الحياة ~~المركبة وهمومها، فلا يفكران في شأن غير شأنهما، ولا يسبحان في محيط غير محيطهما، ولا ~~ينتقلان بذهنهما من الحاضر إلى الماضي أو المستقبل، ولا تترامى أبصارهما إلى ما وراء الأفق ~~المحيط بهما، كأنهما يظنان أن العالم ينتهي حيث تنتهي جزيرتهما. # ولقد أراحهما من عناء البحث والتفكير جهلهما وأميتهما وبعدهما عن هموم العلم ومشاغله، فلم ~~يقدر لهما أن يسهرا ليلهما منكبين على المذاكرة والمدارسة حتى يغلبهما النوم فيناما في ~~مكانهما، ولم يذرفا الدموع الغزار يوما من أيامهما أمام معضلة من معضلات العلم، أو مشكلة ~~من مشكلاته، حتى تتقرح أجفانهما، ولم يثر غيظهما وحنقهما عجزهما عن التغلب على خصومهما في ~~ميدان المجادلة والمناظرة حتى تنشق مرارتهما غيظا وحنقا، وما شعرا في ساعة من ساعات ~~حياتهما بحاجتهما إلى أن يعرفا غير ما يعرفان؛ لأنهما يعلمان أنهما ما خلقا إلا ليعيشا ~~سعيدين هانئين. وها هي ذي السعادة تظللهما بأجنحتها البيضاء، وتتدفق بحرا زاخرا تحت ~~أقدامهما، وإلا ليؤديا واجب الحب والإخلاص لذينك الشخصين الكريمين عليهما، وها هما ذان ~~يقومان لهما بهذا الواجب بأفضل ما يقوم به عبد لسيده، بل عابد لمعبوده. # فما بهما من حاجة إلى من يعلمهما أن الكذب حرام؛ لأنهما لا يكذبان، ولا أن السرقة ~~جريمة؛ لأن جميع ما يقع تحت متناول أيديهما ملك مشترك للجميع، ليس أحد أولى به من ~~الآخر، ولا أن الجشع رذيلة؛ لأن ما يشتمل عليه كوخهما بسيط محدود لا يحتمل جشعا ولا ~~نهما، ولا أن البر بالوالدين واجب؛ لأنهما كانا يعبدان أميهما عبادة هي فوق البر ~~والإحسان، ولا أن الصلاة فريضة؛ لأنهما وإن لم يذهبا إلى الكنيسة إلا قليلا فقد كانا ~~يصليان في كل أرض، وفي كل جو، في البيت والمزرعة، والقمة والرابية، والسهل والجبل، وفي ~~بكور الأيام وأصائلها، وأوائل الليالي وأواخرها. ~~••• # وكذلك أشرقت حياتهما ms022 الأولى إشراق الفجر المنير في صفحة الأفق مبشرا بيوم صحو جميل، ~~وأخذت تمر بهما الأيام عذبة صافية جريان الغدير المترقرق على بياض الحصباء، سواء ليلها ~~ونهارها، وصبحها ومساؤها. # وكان من شأن فرجيني أن تستيقظ صباح كل يوم مبكرة والطير لم يفارق وكره، فتحمل جرتها ~~وتذهب بها إلى نبع صاف كان على بعد مرحلة من المزرعة فتستقي منه ثم تعود فتجلس لتهيئة ~~طعام الإفطار، حتى إذا برزت الشمس من خدرها وأخذت تنفض بيدها غبار الظلام عن وجه الأرض، ~~وتمسح جبين الطبيعة المكتئب بريشة أشعتها الذهبية، أقبلت مرغريت من كوخها هي وولدها ~~فتبادلوا جميعا تحية الصباح ثم اصطفوا لأداء الصلاة، وبسطو أيديهم إلى السماء ضارعين إلى ~~الله - تعالى - أن يكلأهم بعين رعايته، ويبسط عليهم جناح رحمته، وأن يهيئ لهم من أمرهم ~~رشدا. فإذا انتهوا من صلاتهم خرجوا خارج الكوخ لتناول الطعام على مائدة جميلة من العشب ~~الأخضر تحت ظلة دانية من الأغصان المتشابكة، تتساقط عليهم قطع النور من فجواتها كأنها ~~النثار الفضي اللامع. # فكان أثر ذلك الغذاء الطبيعي البسيط تحت هذه السماء الصافية، وفوق تلك الأرض الندية ~~المخضلة عظيما في نمو الولدين وترعرعهما، ونضرة وجوههما، وحلاوة ملامحهما، فلم تبلغ ~~فرجيني الثانية عشرة من عمرها حتى استقام عودها، واعتدل قوامها، وتهدل شعرها الأصفر اللامع ~~على كتفيها كأنما قد نسج من خيوط الشمس، وأضاءت عيناها الزرقاوان بنور سماوي غريب كأنه ~~قبس من النور الإلهي، فإن ابتسمت ابتسمتا معها كأنهما ثغران ضاحكان، وإن قطبت سبحتا ~~وحدهما في جو السماء حتى تلتقي زرقتهما بزرقتها. # أما بول فقد كانت قامته أطول قليلا من قامة فرجيني، ونظره أحد من نظرها، وأنفه أكثر ~~شمما من أنفها، ولونه أقرب إلى السمرة من لونها؛ أي إن ملامحه كانت تذهب مذهب الرجولة في ~~تكونها واستدارتها، وكانت تنبعث من عينيه نار من القوة والنشاط تكاد تلتهب التهابا لولا ~~تلك الأهداب الندية الحافة بهما. # وكان لا يزال ثائرا مهتاجا، ما يهدأ ولا يسكن حتى تقبل عليه فرجيني وتجلس بجانبه، ~~فإذا هو الطفل الصغير بساطة ms023 وسذاجة ووداعة ولطفا. # وكثيرا ما كانا يجلسان معا صامتين هادئين ساعات طوالا على ضفة نهر، أو حافة ينبوع، ~~أو ربوة عالية، أو قمة مشرفة، وقد اضطجع كل منهما بجانب الآخر ومد قدميه العاريتين، ~~فكأنهما تمثال رخامي عتيق من تماثيل أولاد «بينوب»، وكأن حياتهما حياة الملائكة الأبرار ~~في عالمها العلوي، لا تشعر بحاجتها إلى الحروف والكلمات في التعبير عن شعورها ~~وإحساسها. # ولم يتكلمان وقد قامت لهما نظراتهما المتمازجة وابتساماتهما المتماوجة مقام الألسنة في ~~نطقها وإفصاحها، ولم يكن حبهما حبا صناعيا ولا متكلفا فيحتاجا إلى استدامته واستبقائه ~~وتأريث ناره في قلبيهما بالملق والدهان، والتدليل والترفيه، وخلابة الألفاظ وسحر البيان، ~~لا، بل لو سئل أحدهما عن الحب وتعريفه وصفاته لما استطاع أن يجيب بشيء؛ لأنه لا يفهم من ~~الحب سوى أنه في حاجة إلى بقاء صاحبه بجانبه لا يفارقه، ولا يغيب عن وجهه، لا يزيد على ذلك ~~ولا ينقص شيئا، ولقد استقر هذا الشعور في نفسيهما وملك عليهما حواسهما وخوالجهما، فلم ~~يفكرا في تشخيصه وتحديده، واستعراض صوره وألوانه، فكان أشبه شيء بالإيمان في قلوب العجائز، ~~والإلهام في أنفس الحيوان، والعبقرية في أذهان الخاملين المغمورين، فهما ينعمان بحب هادئ ~~لطيف لا جلبة فيه ولا ضوضاء ولا تجاذب ولا تآخذ، ولا شكوى ولا عتاب، ولا سهر ولا قلق، ولا ~~خوف من الطوارق، ولا خشية من الفواجئ. # غير أن هيلين - وقد رأت فتاتها تنمو وتترعرع ويتلألأ وجهها بتلك المحاسن الباهرة - بدأت ~~تفكر في أمرها وأمر مستقبلها، وتقول في نفسها: ماذا يكون مصير هذه الفتاة المسكينة غدا إن ~~عدت علي عوادي الدهر، وفرقت المنية بيني وبينها، وخلفتها وحدها هنا في هذه القفرة المجدبة ~~بين هذه الخلائق الغريبة وحيدة منقطعة لا سند لها ولا معين؟ # وكانت لها في فرنسا عمة مثرية ثراء واسعا، إلا أنها كانت امرأة متكبرة تياهة شديدة ~~الذهاب بنفسها، مدلة بجاهها ونفوذها متشددة في آرائها وأفكارها، فنقمت عليها أشد النقمة ~~لاتصالها بذلك الفتى الفقير الذي اختارته زوجا لها، واعتبرت حادثتها هذه نكبة من أعظم ~~النكبات ms024 التي حلت بها وبأسرتها، فأبت أن تغفر لها زلتها بدموعها وآلامها، وضراعتها ~~ومناشدتها، فسافرت وقد آلت على نفسها ألا تلجأ إليها في شأن من شئون حياتها ما تردد لها ~~نفس على وجه الأرض، أما الآن وقد أصبحت أما يعنيها من أمر فتاتها ما يعني الأمهات من أمر ~~فتياتهن، فلم تر بدا من أن تحمل نفسها على ذلك المكروه الذي عافته برهة من الزمان، فكتبت ~~إلى تلك العمة القاسية كتابا طويلا أفضت إليها فيه بخواطر نفسها، ووساوس قلبها، وقصت ~~عليها قصة حضورها إلى هذه الجزيرة، وما كان من وفاة زوجها على أثر حضورها وحياتها الشقية ~~التي تحياها الآن من بعده وحيدة منقطعة لا ناصر لها ولا معين، وظلت تحدثها حديثا طويلا ~~عن ابنتها وما تخشاه عليها في مستقبل حياتها إن نشب بها ظفر جارح من أظفار الدهر، وفرقت ~~المنية بينها وبينها، ثم قالت لها في ختام كتابها: «إن كنت ترين أنني لا أزال مذنبة بعد ~~ذلك، وأن تلك الدموع السخية التي رويت بها ثرى الأرض اثني عشر عاما لا تكفي لمحو زلتي من ~~صحيفة أعمالي: فارحمي هذه الفتاة المسكينة من أجلها لا من أجلي فهي حفيدة أخيك، وغصن دوحتك، ~~والبقية الباقية من أسرتك.» # لبثت تنتظر ردا على كتابها فلم يأتها، فأتبعته بآخر، ثم بآخر، وضرعت في ذلك ضراعة لم ~~يكن مثلها مما يهون على مثلها لولا عاطفة الأمومة ورحمتها، حتى كانت سنة 1738 - أي بعد ~~قدومها هنا باثني عشر عاما وبعد مرور ثلاث سنوات على قدوم مسيو «دي لابوردونيه» حاكما على ~~الجزيرة - إذ علمت أن ذلك الرجل يسأل عنها ليسلمها كتابا ورد عليها من عمتها، ~~فاستطيرت فرحا وسرورا، وعلمت أن أيام شقائها قد انتهت، وأن الله قد رحمها ورثى لبؤسها ~~وشقائها، وهرعت إلى «بورلويس» لمقابلته، فدخلت عليه في ذلك الثوب البنغالي الخشن الذي ~~اعتادت أن تلبسه في بيتها غير حافلة بشيء إلا بتلك السعادة التي ستقدمها عما قليل ~~لابنتها، فاستقبلها الرجل استقبالا جافا خشنا، وهي المرأة الشريفة الطاهرة التي تغضي ~~العيون ms025 بين يديها إجلالا وإكبارا، والبائسة المسكينة التي تهابها النفوس مرثاة لها ~~ومرحمة لبؤسها وشقائها، ولم يزد على أن أومأ إليها برأسه إيماءة خفيفة، ثم تقدم نحوها ~~بعظمة وكبرياء وأعطاها كتابها، فاختطفته من يده وأنشأت تقرؤه بلهفة وسرور، إلا أنها لم ~~تقرأ منه بضعة أسطر حتى امتقع لونها، وارتعشت يدها، وترنحت في مكانها ترنج الشارب الثمل، ~~فقد كتبت إليها عمتها تؤنبها وتقرعها تقريعا مؤلما مهينا، وتشمت بها وبمصيرها، وتقول ~~لها هذا جزاء تمردك وعصيانك وخروجك عن أهلك وقومك، وانقيادك إلى شهوتك البهيمة واسترسالك ~~فيها استرسالا دفع بك إلى أحضان ذلك الفتى الوضيع المهين الذي لا يليق به أن يحل سيور ~~حذائك، حتى جلبت على نفسك وعلى أهلك العار الذي لا يمحى، ولقد أحسنت كل الإحسان بمغادرتك ~~هذه البلاد وفرارك إلى تلك الجزيرة النائية المنقطعة لتدفني فيها نفسك وعارك إلى الأبد، وما ~~موت زوجك، وولادة ابنتك، وشقاء عيشك، والوساوس التي تعتلج في صدرك خوفا على فتاتك وعلى ~~مستقبلها، إلا عقوبة أنزلها الله بك ليمحص عنك ذونبك ويمهد لك سبيل غفران سيئاتك، فاصبري ~~لها ولا تجزعي حتى يقضي الله قضاءه فيك. # ثم أنشأت تدل عليها بنفسها وتفاخرها بعفتها وطهارتها وترفعها وإبائها، وأنها قضت أيام ~~حياتها عانسا متبتلة ما تزلق بها شهوتها في هوة من تلك الهوى التي تزلق فيها أقدام ~~النساء الجاهلات، ولا تسلم قيادها إلى رجل من الرجال - كائنا من كان - ضنا بحريتها أن ~~تعبث بها أيدي المطامع والأهواء. # وكانت كاذبة فيما تقول، فهي امرأة دميمة شوهاء، غريبة الأخلاق والأطوار، ليس لها من ~~المزايا إلا ثروتها الطائلة، وجاهها الواسع، ومكانتها من البلاط الملكي، وكان كبرياؤها ~~الكاذب يأبى عيها إلا أن تتزوج من رجل من ذوي البيوتات العظيمة والألقاب الضخمة، وليس بين ~~هؤلاء جميعا من يرضى أن يبيعها نفسه بيعا مهما بلغ من رقة الحال، وشظف العيش، ولم يزل هذا ~~شأنها حتى تجاوزت سن الزواج وضاعت بين سخافتها وكبريائها. # ثم ختمت كتابها بقولها: «لا بد لك أن تعملي لنفسك، فقد علمت أنك في ms026 جزيرة صالحة للعمل ~~والاستثمار، وأن جميع المهاجرين الذين يؤمونها يعودون منها بالثروة الطائلة والربح ~~الكثير، على أنني قد كتبت إلى مسيو دي لابوردونيه حاكم الجزيرة أوصيه بك خيرا، فاعتمدي ~~عليه وعلى معونته ولا تكتبي إلي بعد اليوم.» # وكانت صادقة في كلمتها هذه، فإنها كتبت إلى ذلك الرجل كتابا توصيه بها فيه، إلا أنها ~~ملأته بذمها وثلبها، والاستطالة عليها في عرضها وشرفها، كأنها تلتمس لنفسها عذرا عنده في ~~قسوتها عليها، وعنفها بها، وضنها عليها بالمعونة والمساعدة. # فكان من أثر ذلك في نفسه أن ازدراها واحتقرها، وتجهم لها حين رآها، ثم ودعها بمثل ما ~~استقبلها به، لم يسألها عن شأن من شئونها، ولم يمنحها غير وعود كاذبة كان ينطق بها بلهجة ~~جافة خشنة مملوءة ضجرا ومللا، فكأنما أوصته بقتلها والقضاء عليها. # الفصل السابع # | العزاء # عادت هيلين إلى المزرعة ونفسها تسيل لوعة وأسى، فما بلغت كوخها حتى ألقت بالكتاب على ~~المنضدة وتهافتت على سريرها باكية منتحبة، فهرعت إليها صديقتها تسألها ما شأنها، فأشارت ~~إلى الكتاب وقالت ها هي ذي خلاصة حياتي من أولها إلى آخرها. ولم تكن مرغريت تحسن القراءة ~~فأتتها بالكتاب فأنشأت تقرؤه عليها وفؤادها يتمزق لوعة وأسى، فقاطعتها مرغريت وأقبلت ~~عليها تقول لها: متى تخلى الله عنا يا هيلين فنلجأ إلى الناس في شئوننا، ونعتمد عليهم في ~~رزقنا، ونحن أغنياء عنهم بما هيأ الله لنا من القوت في هذه الجنة الصغيرة التي نعيش فيها، ~~فما فينا من يشكو جوعا أو عطشا، ولا من يمشي عاريا أو حافيا، ولا من يبيت مغتما أو ~~محزونا، فروحي عن نفسك، فالله أرحم بك وبنا من الأقارب والأصدقاء، ثم عجزت عن امتلاك ~~نفسها ومتابعة حديثها، فاختنق صوتها بالبكاء فتهافتت هيلين على عنقها وضمتها إلى نفسها وظلت ~~تقول لها: آه يا صديقتي! آه يا صديقتي! # وكانت فرجيني واقفة بجانبهما، فأثر في نفسها هذا المنظر المحزن، فاستعبرت باكية، وظلت ~~تتناول يد أمها مرة ويد مرغريت أخرى فتقبلهما وتبللهما بدموعها، وتقول لهما: أرجو ألا يكون ~~ذلك من أجلي! فبكى ms027 لبكائها الزنجيان، وكانا واقفين عند الباب واشتد نحيبهما ونشيجهما، أما ~~بول فقد عصفت في رأسه عاصفة الغضب وظل يضرب الأرض بقدميه ويشير بيديه متهددا متوعدا لا ~~يعلم من يهدد ولا من يتوعد، ولا على أي رأس من الرءوس يرسل صاعقة غضبه؛ لأنه لم يفهم مما ~~كان شيئا، فكان هذا المأتم الغريب في تلك الساعة الرهيبة مظهرا من مظاهر الإخلاص والولاء ~~بين قوم جمعتهم جامعة البؤس والشقاء، ووحدت بين قلوبهم الهموم والآلآم، وما اجتمعت القلوب ~~على شيء هو أجمع لشملها وأوثق لرباطها من اجتماعها حول مواقف الهموم والأحزان، فسري عن ~~هيلين قليلا، وضمت بول وفرجيني إلى صدرها وقالت لهما: إنكما وإن كنتما يا ولدي سبب أحزاني ~~وآلامي ولكن الشقاء لم يأتني منكما. فلم يفهما شيئا مما تقول، ولكنهما علما أنها قد هدأت ~~وسكنت، وأنها تبتسم لهما، فاعتنقاها وقبلاها. # وما لبثوا جميعا أن عادوا إلى سرورهم وغبطتهم، ولعبهم ومرحهم. # وكانت تلك الحادثة أشبه شيء بسحابة اعترضت وجه الشمس ساعة ثم اضمحلت. # الفصل الثامن # | الاستعمار الأوروبي # مضت على ذلك أيام والولدان ينموان في جوهما نمو النبات المحيط بهما، وينمو معهما طيب ~~أخلاقهما وحسن سجاياهما، فبينا فرجيني جالسة في الكوخ ذات يوم تهيئ طعام الإفطار لأسرتها ~~كعادتها، والشمس لا تزال في خدرها، وأماها قد ذهبتا مع دومينج لأداء صلاة الأحد في كنيسة ~~«بمبلموس» وبول في الحديقة يشذب بعض أشجارها، وماري وراء الكوخ تشتغل ببعض شئونها، إذ ~~دخلت عليها زنجية مسكينة آبقة كأنها الهيكل العظمي نحولا وهزالا، ليس عليها من الثياب ~~إلا خرقة بالية تدور بحقويها فجثت على ركبتيها بين يديها باكية منتحبة وأنشأت تقول ~~لها: الرحمة يا سيدتي فإني أكاد أموت جوعا، وقد مر بي يومان وأنا أجوب هذه الأحراش ~~والغابات أتوارى مرة وأظهر أخرى، وأقتات كل ما هو فوق التراب؛ مخافة أن تقع علي عيون بعض ~~الفضوليين من الصيادين فيعيدوني إلى سيدي، والموت أهون علي من أن أعود إليه، فهو رجل قاس ~~غليظ لا يزال يجلدني ويمزق لحمي بسوطه كلما بدا له أن ms028 يفعل ذلك. # ثم كشفت ثوبها عن جسمها وأشارت إلى مواضع الضرب منه فإذا خطوط حمراء ملتهبة لا يستطيع ~~نظر الناظر أن يثبت أمامها لحظة واحدة، ثم قالت: ولقد حدثت نفسي كثيرا بالانتحار فما كان ~~يمنعني منه إلا الخوف والجزع، ثم سمعت الناس يحدثون عنكم حديثا حسنا، ويقولون إنكم وإن ~~كنتم من هذا الجنس الأبيض المخيف ولكنكم قوم محسنون راحمون، فأضرع إليك يا سيدتي أن ~~ترحميني وتعودي علي بلقمة أتبلغ بها، وأن تحولي بيني وبين الشقاء! وهنا اشتد بكاؤها ~~ونحيبها فأوت لها فرجيني ورقت لها رقة شديدة، ونهضت إلى الطعام الذي كانت أعدته لأسرتها ~~فأتتها به، فالتهمته في لحظات قليلة، وأخذ وجهها يتطلق فرحا وسرورا، فقالت لها فرجيني: ~~أتحبين أن أذهب معك إلى سيدك وأشفع لك عنده عله يعفو عنك ويرحمك ويكون لك في مستقبله خيرا ~~منه في ماضيه؟ وما أحسبه إلا فاعلا حين يرى بؤسك وشقاءك ومنظر جسمك المعذب المقروح؟ فشكرت ~~لها الجارية فضلها ورحمتها وقالت لها: سأتبعك يا سيدتي حيث شئت، فأنت ينبوع الرحمة ~~والإحسان. # فهتفت فرجيني ببول فحضر، فحدثته حديث الجارية والرأي الذي رأته لها، فوافقها على رأيها ~~واقترح عليها أن يرافقها في رحلتها، ثم سارا معا والجارية تتقدمهما وتخترق بهما الغابات ~~والأجمات في ممرات مستدقة غامضة تعرفها. وكانت تعترضهما في مسيرهما بعض هضبات عالية كانا ~~يجدان مشقة عظمى في تسلقها حتى أشرفا وقت الظهيرة على ضفة النهر الأسود حيث مقام الرجل، ~~فانحدرا إليه، وهناك شاهدا بنية عظيمة فخمة تحيط بها حدائق غناء، وأدواح ملتفة، ومزارع ~~منبسطة، وعبيد كثيرون منتشرون في كل مكان يحرثون ويحصدون، ويحفرون وينقبون، ويخوضون ~~الأوحال، ويحملون الأثقال، ويقطعون الصخور، ولمحا صاحب المزرعة يتمشى بينهم مشية الخيلاء ~~و«غليونه» في فمه ينفث منه الدخان، وبيده عصا خيزران طويلة، وهو رجل طويل القامة، مهزول ~~الجسم، غائر العينين؛ مقرون الحاجبين، أخضر اللون، مقطب الجبين، كأنما قد جثمت روحه الشريرة ~~بين عينيه واستعدت للوثوب على كل من يدنو منها، فارتاعت فرجيني لمنظره المرعب المخيف، إلا ~~أنها لم تجد بدا ms029 من التقدم. # فشمت نحوه خائفة مضطربة تعتمد على يد بول والجارية من خلفهما تتبعهما حتى بلغته، فجثت ~~بين يديه وأخذت تضرع إليه أن يعفو عن جاريته المسكينة ويرحمها، وتناشده الله والكتاب في ~~ذلك، فلم يكترث في مبدأ أمره لمنظر فتى وفتاة فقيرين زريين في ملبسهما وهيأتهما، إلا ~~أنه لما وقع نظره على فرجيني ورأى منظرها البديع الجذاب، وشعرها الأصفر الذهبي المسترسل على ~~ظهرها، وتلك العصابة الزرقاء التي تدور بجبينها الأبيض المشرق، ورأى ماء الحياء يترقرق في ~~وجهها ترقرق الطل في ورقات الورد، وسمع صوتها الرخيم المتهدج كأنه ينبعث من آلة موسيقية ~~شجية، بهت وشده وأخرج غليونه من فمه، وابتسم ابتسامة نكراء، وتقدم نحوها قليلا وألقى ~~عليها نظرة فاجرة مريبة، وقال لها: قد عفوت عنها أيتها الفتاة الجميلة، لا من أجل الله ~~ولا من أجل الكتاب بل من أجلك أنت ... # فأشارت فرجيني إلى الجارية أن تتقدم لتشكر لسيدها نعمته وفضله، ثم انكفأت راجعة تركض ~~ركوض الهارب وبول يتبعها حتى ارتقيا الجبل الصغير الذي هبطا منه، وجلسا تحت دوحة من أدواحه ~~يستريحان، وكان التعب قد نال منهما منالا عظيما، فقد قطعا في ذلك اليوم خمسة فراسخ في أرض ~~صخرية وعرة لا يستريحان فيها ولا يهدآن، ولا يتبلغان بطعام ولا شراب، فقال بول لفرجيني ها ~~قد مال ميزان النهار وبيننا وبين مزرعتنا مفازة منكرة لا أحسب أننا نستطيع قطعها قبل ~~الغروب. وليس في هذه البطحاء المحيطة بنا شجرة واحدة ذات ثمر صالح نطعمه أو ننقع ظمأنا ~~بعصارته، وأنت ظامئة جائعة لا طاقة لك بالصبر على أكثر مما صبرت، فخير لنا أن نعود إلى ~~مزرعة مولى الجارية ونطلب إليه أن يمدنا بشيء من الطعام والشراب، وما أحسبه ضانا علينا ~~بهما. # فوجمت فرجيني وقالت: لا يا بول، إن هذا الرجل قد ملأ قلبي خوفا ورعبا، وما أحب أن أرى ~~وجهه مرة أخرى، واذكر تلك الكلمة التي كانت تقولها لنا أمي دائما: «إن خبز الأشرار يملأ ~~الفم حصى»، فلنمض في سبيلنا، وما أحسب أن الله يخذلنا ms030 أو يتخلى عنا. # قال: وما العمل، والشقة بعيدة، والمنال وعر، والأرض قاحلة جدباء لا ماء فيها ولا ثمر ~~ولا شيء مما يتبلغ به المتبلغ، أو يتعلل به الظامئ. # قالت: إن الله الذي يسمع زقزقة العصفور الصغير في عشه فيرسل إليه الحبة التي تقوته ~~والقطرة التي ترويه سيسمع دعاءنا ويرد لهفتنا، وما ذلك عليه بعزيز. # ثم سارا في طريقهما، فما أبعدا إلا قليلا حتى سمعا خرير ماء على البعد، فانتعشا وصاحا ~~بصوت واحد: «إن ها هنا ماء»، وتبعا الصوت حتى وصلا إلى صخرة عظيمة عالية يتفجر من صدوعها ~~ماء زلال رقراق كأنه ذوب البلور في شفوفه ولمعانه، فشربا منه حتى ارتويا، ووجدا من حوله ~~بعض الأعشاب التافهة فأصابا منها قليلا ثم جلسا في مكانهما. # وإنهما لكذلك إذ لمحا على البعد نخلة سامقة من نخيل الجوز، والجوز أنواع كثيرة متعددة، ~~وهذا النوع منها دقيق مستطيل لا يزيد حجم ساقه عن حجم ساق الإنسان إلا قليلا، وربما ذهب في ~~الهواء ستين قدما أو أكثر، وله في شعفاته لفائف ضخمة متراكمة أشبه بلفائف الكرنب، تحمل في ~~جوفها طلعا أبيض ناصعا، حلو الطعم، جيد الغذاء. # فابتهجا بها إذ رأياها، وهرعا إليها، وكانا بين أن يصعداها - وهو ما لا سبيل إليه - أو ~~يقطعاها - وهو ما تعيا به قوتهما - عقبة كئود؛ لأن جذعها على رقته ونحافته مؤلف من خيوط ~~ليفية متداخلة متينة النسيج، سميكة القشرة، تعيا بها الفئوس القاطعة، فلم يبق أمامهما إلا ~~أن يحرقاها فتهوى بين أيديهما فيظفرا بثمرها، ولم يكن لديهما نار ولا شيء مما تقتدح به ~~النار، وليس في تلك المدرة جميعها - على كثرة صخورها وأحجارها، واختلاف صورها وأشكالها - ~~حجر من أحجار الاقتداح، ففتقت الحاجة لبول حيلة من أغرب الحيل وأبدعها، وقديما فتقت ~~الحاجات حيل الرجال، واستثارت دفائن ذكائهم وفطنتهم، وما انتفع العالم في جميع شئونه ~~وأحواله بمثل ما تفتقه الحاجات والضرورات، ولا نبتت أغراس المعارف والعلوم والمستكشفات ~~والمخترعات إلا في تربة الفقر والإقلال، فعمد إلى ظر رقيق الأطراف مما يقوم لدى سكان ~~تلك ms031 الأصقاع مقام المدى في منفعتها وجدواها، فبرى به طرف غصن يابس متين حتى صيره ~~كالسهم، ثم عمد إلى غصن آخر من نوع غير نوعه فثقبه ثقبا دقيقا بحد ذلك الحجر نفسه ثم ~~أدخل طرف الغصن الأول في ثقب الغصن الثاني بعدما شد عليه بقدمه وظل يديره بكلتا يديه بسرعة ~~عظيمة، فما هي إلا لحظات حتى التهب الغصنان وانبعث منهما دخان وشرر، فجمع بضعة أعواد يابسة ~~وأوراق جافة وألقاها على النار فاشتعلت، فأدناها من ساق النخلة فنشبت بها ولم تلبث إلا ~~قليلا حتى هوت بين يديه هوي الكوكب الناري من سمائه، فأخذ يفض اللفافات عن طلعها الأبيض ~~النضير، وجلس هو وفرجيني يشتويان ويأكلان ألذ طعام وأهنأه حتى اكتفيا، ومرت بهما ساعة سرور ~~وغبطة نسيا فيها بؤسهما وشقاءهما، ثم ما لبثا أن جمعا شتات نفسهما وأخذا يتمثلان حيرتهما ~~وضلالهما، وبعد الشقة بينهما وبين أرضهما، ويذكران قلق أميهما عليهما، وجزعهما لغيابهما، ~~ويقولان في نفسهما: لا بد أن تكون الظنون قد ذهبت بهما مذاهب سيئة في شأنهما حينما عادتا من ~~الكنيسة إلى المزرعة فلم تجداهما، ولم تعرفا الوجه الذي ذهبا فيه. # ثم نهضا من مكانهما وأخذا يدوران بأنظارهما يمنة ويسرة ليتعرفا الطريق التي أتيا منها ~~فأضلاها، فسقط في أيديهما ولم يعرفا كيف يعودان، وكان بول أهدأ من فرجيني روعا وأثبت ~~جأشا، فظل يعللها ويهدئ روعها ويقول لها إن كوخنا يكون دائما في مثل هذه الساعة تحت قرص ~~الشمس، فإذا نحن اتجهنا جهة الشرق لا نحيد عنه يمنة ولا يسرة، ثم إذا صعدنا هذا الجبل ~~المثلث الرأس الذي نراه أمامنا لا نلبث أن نجد أنفسنا في مزرعتنا. # وأخذا يسيران في الوجهة التي توهماها، فمرا بغابات كثيرة، وأدواح ملتفة، وهضاب ~~عالية، وأنهار جارية، لم يطأ السائحون لها أرضا حتى اليوم، وظلا على ذلك ساعتين حتى اعترض ~~طريقهما نهر واسع يتدفق ماؤه تدفقا، فذعرت فرجيني لمنظره ومنظر الصخور السوداء الجاثمة في ~~مجراه، واستحال عليها أن تضع قدمها فيه، فلم ينشب بول أن حملها على ظهره وخاض بها ms032 الماء لا ~~يحفل بتياره المتدفق، ولا بصخوره المتزلقة، وظل يقول لها وهو سائر بها: لا تخشي شيئا يا ~~أختاه، فإني جلد قوي لا يعجزني حمل شيء من الأشياء كيفما كان شأنه، وأشعر أني أزداد ~~قوة وجلدا حين أكون معك، وأستطيع أن أقول لك إن نفسي كانت تحدثني بشر عظيم لذلك الرجل ~~مولى الجارية حينما ظننت أنه احتقرك وازدراك فلم يحفل بك ولا برجائك، ولو أنه فعل لبطشت به ~~بطشة لا أبالي بعواقبها. # فاضطربت فرجيني وقالت له: ولكنك لا تفعل يا بول إلا إذا أردت أن تكون غلاما شريرا، دع ~~الأشرار يا صديقي وشأنهم، لا تهجهم، ولا تعترض طريقهم، عسى أن يموت شرهم في صدورهم ~~حينما لا يجد له مضربا ولا منتدحا، ثم تنهدت ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: آه يا رب! ~~لم لم تجعل طريق الخير سهلا لينا كطريق الشر؟ # ولم يزل سائرا بها حتى بلغ الضفة الأخرى، وأراد أن يستمر في سبيله حاملا إياها على ظهره ~~حتى يصعد بها الجبل المثلث الرأس اعتزازا بقوته وبأسه، فألحت عليه ألا يفعل، ~~فأنزلها. # واستمرا سائرين في أرض وعرة كأداء كاطراد السيف تحفى فيها النعال، وتدمى الأقدام، ~~وكانت فرجيني قد نسيت نعلها في كوخها حينما ورد عليها من أمر تلك الزنجية المسكينة ما ~~أذهلها وطار بلبها، فأضر بها الجهد، وأدمى قدميها المسير، فلم تزل تتحامل على نفسها حتى ~~وصلت إلى جدول ماء جار، فترامت على ضفته وأخذت تنضح قدميها بمائه، ثم مدت يدها إلى شجرة ~~فرعاء حانية عليها فاقتطعت بعض أعوادها وأوراقها ونسجت منها لنفسها ما يشبه النعل ~~فانتعلته فهدأ بعض ما بها، وأقبلت على بول تقول له: ها هي ذي الشمس قد أشرفت على المغيب، ~~ولا تزال الشقة بيننا وبين المزرعة بعيدة جدا، وقد نال مني التعب، ولم يبق لي جلد على ~~المسير، فاتركني وحدي هنا واذهب إلى المزرعة لتخبر أهلنا خبرنا فيطمئنوا علينا، وابعثوا إلي ~~من قبلكم من يحملني إليكم، فأبى بول مستعظما الأمر، وقال: الموت أهون علي من أن أتركك ms033 ~~وحدك في هذا المكان الموحش المقفر، فسأبقى معك ما بقيت، فإن أظلنا الليل قطعت لك نخلة من ~~نخيل الجوز فأطعمتك ثمرها كما فعلت الغداة ثم نسجت لك من أعوادها وأغصانها مهادا لينا ~~تنامين عليه وأنا ساهر بجانبك حتى الصباح. # فأذعنت لرأيه، وكانت قد شعرت بشيء من الراحة بعد ما خصفت قدميها بتلك الأعواد المخضلة، ~~فقامت تعتمد بيمناها على فرع قطعته من تلك الشجرة، وبيسراها على كتف بول حتى بلغا غابة ~~كثيفة قد أحاط بها من جميع أقطارها كثير من الأدواح الباسقة الملتفة، فدخلاها، وما أمعنا ~~فيها إلا قليلا حتى احتجب عنهما وجه الشمس وراء تلك الهضاب الشامخة والأدواح العالية، وغاب ~~عن عينيهما الجبل المثلث الرأس، وكان علمهما الذي يهتديان به، فإذا هما في مضلة بهماء لا ~~يريان فيها غير الصخور العالية، والهضاب المشرفة، والأشجار المتشابكة، والمسالك المتشابهة، ~~والأعماق المتغلغلة، فذعر بول ذعرا شديدا، ووقف في مكانه حائرا ذاهلا لا يدري ماذا ~~يأخذ وماذا يدع؟ ثم اندفع يعدو ها هنا وها هنا هائما مخبولا عله يجد طريقا أو مسلكا، أو ~~دليلا يهديه الطريق، فلم يجد، فتسلق شجرة عالية ووقف بين فرعين من فروعها وظل يدور بنظره ~~حوله ليرى موضع الجبل المثلث الرأس، أو يرى قرص الشمس في منحدرها إلى مغربها، فلم ير غير ~~ذوائب الأشجار العالية تتلألأ على أوراقها الخضراء أشعة الشمس الذهبية قبل انحدارها إلى ~~الغروب، وغير الظلال الممتدة التي يرسلها الليل طلائع لجيوشه الزاحفة المتدفقة، وكانت الريح ~~قد هدأت وخفت صوتها، شأنها ساعة الغروب، وساد السكون على كل شيء، فأصبحت الغابة كأنها كوكب ~~من كواكب السماء، السابحة في أجواز الفضاء، لا يدب فيها حيوان، ولا يخطر إنسان، فملك ~~الخوف قلب بول وجن جنونه، وأخذ يصيح بأعلى صوته لا يدري من يحدث ومن ينادي، الغوث، النجدة، ~~النجدة، إلي أيها الناس لتنقذوا فرجيني البائسة المسكينة، فلم يجبه غير الصدى ~~المتردد. # ولم يزل يكرر هذا النداء والصدى يردد صوته حتى خيل إليه أن صوته قد أصبح صدى من تلك ~~الأصداء، فنزل من ms034 مكانه خائرا متضعضعا، ليس وراء ما به من الهم غاية، ثم وقف وأجال نظره ~~في الفضاء فلم ير ماء ولا ثمرا، ولا نخيلا ولا شجرا، ولا كنا ولا مأوى، ولا شيئا مما ~~يقتات به المقتات، أو يتعلل به المتعلل، فصرخ صرخة عظيمة، وتهافت على الأرض باكيا منتحبا، ~~فذعرت فرجيني حين رأته على تلك الحال وهرعت إليه وضمته إلى نفسها وظلت تقول له : لا تبك يا ~~بول، فإن بكاءك يقتلني هما وكمدا، واغفر لي جريمتي التي أجرمتها إليك، فلولاي لما قاسيت ~~هذا البلاء الذي تقاسيه الآن، ولقد كان خيرا لي ألا أقدم على عمل من أعمال الخير أو ~~الشر إلا بعد استشارة أمي، ثم قالت له: دع البكاء والنحيب ولنتوجه إلى الله تعالى ~~بالضراعة والابتهال عسى أن يفرج كربتنا، ويجعل لنا من أمرنا مخرجا. # وجثيا يصليان صلاة طويلة استغرقت شعورهما ووجدانهما، وذهبت نفساهما فيها حيث تذهب نفوس ~~القانتين المتبتلين في مواقف خشوعهم وابتهالهم، وكانت الشمس قد انحدرت إلى مغربها ولم يبق ~~منها في حاشية الأفق إلا كما يبقى على صفحة البحر الهادئ من آثار السفينة الماخرة، فلبثا ~~على ذلك هنيهة ثم استفاقا على صوت كلب ينبح نباحا شديدا، فصاح بول: إنه كلب أحد ~~الصيادين الذين يرصدون الأيائل في أعماق هذه الغابات ليطلقوا عليها كلابهم فتعقرها، ثم ~~اشتد نباح الكلب وأخذ يدنو منهما شيئا فشيئا، فارتعدت فرجيني وقالت: يخيل إلي يا ~~بول أني أسمع صوت كلبنا «فيديل» لا، بل هو بعينه، وما ارتبت فيه قط. # وما أتمت كلمتها حتى كان الكلب «فيديل» تحت أقدامهما يتمسح بهما ويجاذبهما أثوابهما، ~~ويكاد - لو استطاع - أن يبكي فرحا بهما، ثم ما لبثا أن رأيا الزنجي دومينج مقبلا عليهما، ~~فازداد سرورهما واغتباطهما، وما وقع نظر الرجل عليهما حتى هرع إليهما وجثا تحت أقدامهما ~~باكيا مستعبرا، وظل يقول لهما: لقد مر بأميكما اليوم يا ولدي يوم ما مر بهما مثله ~~مذ نزلا هذه الأرض حتى اليوم، ولقد كان جزعهما عظيما جدا حينما عادتا من الكنيسة فلم ~~تجداكما، ولم ms035 تعرفا أي سبيل سلكتما، ولا أي أرض اشتملت عليكما، ولم تستطع ماري أن تقول ~~لهما شيئا؛ لأنها كانت مشتغلة ببعض الشئون وراء الكوخ في الساعة التي خرجتما فيها فلم ~~تركما، وقد فتشنا عنكما في كل مكان وسألنا عنكما كل غاد ورائح فلم نجد من يدلنا ~~عليكما، فرأيت أن أستعين بالكلب «فيديل» على تتبع آثاركما، فأحضرت له بعض أثوابكما وألقيتها ~~بين يديه فاشتمها ، وكأنه علم ما يراد منه، فألصق خيشومه بالأرض وانبعث في الطريق التي ~~سرتما فيها، فعل الدليل الحاذق، فتبعته أخترق الغابات والأجمات، وأتسلق الصخور والهضاب، ~~وأجتاز الجداول والأنهار، وأشعر بجميع ما شعرتما به من المتاعب والآلام، حتى بلغنا ضيعة ~~الرجل الأوروبي على شاطئ النهر الأسود، وهنالك حدثني بعض الذين عرفتهم من عبيده وأجرائه ~~أنكما حضرتما إليه لتسألاه العفو عن زنجية مسكينة كانت قد أبقت منه وخافت الرجوع إليه، ~~فوعدكما بالعفو عنها، ثم ما لبثتما أن عدتما أدراجكما قبل أن تعلما ما تم في شأنها. # فاضطربت فرجيني وقالت: وماذا تم في شأنها؟ ألم يعف الرجل عنها؟ فابتسم دومينج وقال: نعم ~~عفا عن قتلها وإزهاق روحها، أما ما دون ذلك فلا، فإنه ما لبث على إثر ذهابكما أن أمر بشدها ~~إلى بعض الأشجار عارية، وظل يجلدها بسوطه حتى تناثر لحمها، وتدفق دمها، ثم تركها مكانها ~~تتأوه آهات تستبكي العيون وتذيب الأكباد، وقد رأيتها بعيني فلم أستطع البقاء أمامها لحظة ~~واحدة. # وما أتم كلمته حتى صعقت فرجيني وهتفت بكلمتها التي كانت ترددها دائما: آه رب، لم ~~لم تجعل طريق الخير سهلا لينا كطريق الشر؟! # ثم عاد الزنجي إلى حديثه يقول: ثم انكفأ «فيديل» راجعا فتبعته فسار قليلا على شاطئ ~~النهر الأسود، ثم صعد الجبل الصغير المشرف عليه فصعدت وراءه حتى قادني إلى عين ماء جارية ~~رأيت على مقربة منها نخلة من نخيل الجوز ساقطة محترقة لا يزال ينبعث دخانها وبقايا طلع ~~مشوي متناثر حولها، فعلمت أنكما عجتما بهذا المكان، وأن الجوع قد نال منكما منالا عظيما ~~فتجشمتما في طلب الطعام هذا العناء ms036 الكثير، ثم قادني الكلب بعد ذلك إلى هنا كما تريان، ونحن ~~الآن على مقربة من الجبل المثلث الرأس، وبيننا وبين المزرعة أربعة فراسخ، وقد أرسلت لكما ~~سيدتاي هذا الطعام فكلاه وخذا لنفسكما راحتها وسكونها، ثم نرى بعد ذلك كيف نعود، وأخرج لهما ~~طعاما كثيرا، وأثمارا متنوعة، وركوة ماء قراح، وشيئا من شراب الليمون المحلى ~~بالسكر، وجلسوا جميعا يأكلون ويشربون فرحين مغتبطين، لولا ما كان ينغص على فرجيني أحيانا ~~من ذكرى تلك الزنجية المسكينة المعذبة، حتى فرغوا من الطعام وتهيئوا للمسير، فإذا بول ~~وفرجيني ضعيفان متضعضعان لا يستطيعان الانتقال خطوة واحدة لما نالهما من الأين ~~والإعياء. # فوقف دومينج وقفة الحائر المضطرب لا يدري ماذا يصنع: أيحملهما على عاتقه، وهو ما لا طاقة ~~له به، أم يقضي الليل بجانبهما، ووراءهما أماهما تنتظرانهما انتظار الظامئ الهيمان علالة ~~الماء البارد؟ أم يرجع إلى المزرعة وحده ليعود منها بمن يساعده على حملهما؟ وكيف له بتركهما ~~وحدهما في هذه القفرة الموحشة التي لا يعلم إلا الله ماذا تضم بين أقطارها من مخاوف ~~وأهوال، فتنفس تنفسة طويلة وأنشأ يقول: أسفي على تلك الأيام المواضي حين كنت أحملكما فيها ~~يا ولدي على ذراع واحدة ما أشكو ولا أتبرم، أما اليوم فقد وهن عظمي، وضعفت منتي، وتقاربت ~~خطاي، ولم يبق لي من الحياة إلا هذه الخطوات البطيئات التي أخطوها إلى قبري! # وإنه لكذلك إذ لمح أشباحا سوداء تنحدر إليه من قمة الجبل كأنها قطع الليل، فراعه منظرها، ~~ثم تبينها فإذا قوم من الزنوج السود الآبقين من ظلم مواليهم البيض في شعاب الجبال ~~ومخارمها، وكانوا قد سمعوا وهم في مكمنهم حديثه مع الولدين ورأوا حيرته في أمرهما فجاءوا ~~لمساعدته، وقال زعيمهم: إن هذين الأبيضين الصغيرين من أطيب الناس قلبا، وأشرفهم نفسا، ~~وأدناهم رحمة فقد جشما اليوم نفسهما عناء عظيما في سبيل مساعدة زنجية مسكينة كان قد ~~بلغ بها الشقاء والبلاء مبلغهما، فرحماها وأويا إليها وذهبا بها إلى سيدها ليشفعا لها عنده ~~ويسألاه العفو عنها والمرحمة بها، وقد رأيناهما صباح اليوم ms037 وهما سائران معها إلى شاطئ النهر ~~الأسود، فشكرنا لهما في أنفسنا فضلهما ونعمتهما، وعجبنا كيف استطاع ذلك الإهاب الأبيض ~~الدميم أن يضم بين أقطاره قلبا غير أسود، وقد سمعنا الآن حوارك معهما، وعلمنا أنهما في ~~حاجة إلى من يحملهما إلى مزرعتهما، فجئنا لنتولى ذلك بأنفسنا مكافأة لهما على نعمتهما التي ~~أسدياها إلى تلك الطريدة المسكينة. # ثم أشار إلى أصحابه فاقتطعوا في لحظات قليلة بضعة أعواد من بعض الأشجار العاتية وصنعوا ~~منها ما يشبه المحفة، فصعد إليها بول وفرجيني، وحملها أربعة منهم على عواتقهم، ومشى ~~الباقون أمامهم ينيرون الطريق بمشاعلهم، ويغنون أغانيهم الخاصة كأنما قد نسوا جميع همومهم ~~وآلامهم التي يعالجونها في أنفسهم، حتى وصلوا عند منتصف الليل إلى المزرعة. # وكانت هيلين ومرغريت تنتظران ولديهما منذ غروب الشمس عند سفح الجبل وقد نصبتا حولهما على ~~أبعاد مختلفة بعض المشاعل الكبيرة لتريا على ضوئها وجوه القادمين، فما لمحتا المحفة على ~~بعد حتى طارتا إليها وضمتا ولديهما إلى صدريهما باكيتين منتحبتين، فبكى الولدان لبكائهما، ~~وبكى الجميع لبكائهم، والتفتت هيلين إلى ابنتها وقالت لها: أين كنتما أيها الولدان الشقيان؟ ~~ومن أذنكما بالذهاب وحدكما في هذه الفلاة الموحشة؟ فجثت فرجيني بين يدي أمها وقالت لها: ~~العفو يا أماه، فقد جاءتني اليوم زنجية مسكينة آبقة من سيدها تتضور جوعا، وتسيل نفسها ~~هما وكمدا، فسألتني أن أطعمها وأسقيها، وأن أنقذها من بؤسها وبلائها، فقدمت لها ما شاءت ~~من الطعام والشراب، ثم حرت في أمرها بعد ذلك، فلم أر خيرا لها من أن أصحبها إلى سيدها ~~وأسأله العفو عنها والمرحمة بها، وأبى بول إلا أن يصحبني، فذهبنا إلى شاطئ النهر الأسود، ~~فلما فرغنا من شأننا وأردنا الرجوع ضللنا الطريق، وظللنا حائرين ساعات طوالا حتى وافانا ~~دومينج، وكان التعب قد نال منا منالا عظيما فعجزنا عن المسير، فتقدم هؤلاء السود الطيبون ~~لمساعدتنا، وصنعوا لنا هذه المحفة وحملونا عليها رحمة بنا، ووفاء بذلك المعروف القليل ~~الذي بذلناه لمواطنتهم المسكينة، وكذلك يجزي الله المحسنين خيرا بما فعلوا. # فضمتها أمها إلى صدرها ms038 وقالت: قد عفوت عنكما يا ولدي، وأدعو الله ألا يحرمكما نعمة ~~العطف على البائسين والمنكوبين. ثم عادوا جميعا إلى أكواخهم فرحين مغتبطين وقدموا للزنوج ~~كثيرا من الطعام والشراب، فشكروا لهم فضلهم وانصرفوا. # الفصل التاسع # | السعادة # وهنا تنفس الشيخ الصعداء ثم، أستطيع أن أقول لك يا بني: إن السعادة ينبوع يتفجر من ~~القلب لا غيث يهطل من السماء، وإن النفس الكريمة الراضية البريئة من أدران الرذائل ~~وأقذارها، ومطامع الحياة وشهواتها، سعيدة حيثما حلت وأنى وجدت: في القصر وفي الكوخ، في ~~المدينة وفي القرية، في الأنس وفي الوحشة، في المجتمع وفي العزلة، بين القصور والدور، وبين ~~الآكام والصخور، فمن أراد السعادة فلا يسأل عنها المال والنشب، والفضة والذهب، والقصور ~~والبساتين، والأرواح والرياحين، بل يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه، فهي ينبوع سعادته وهنائه ~~إن شاء، ومصدر شقائه وبلائه إن أراد، وما هذه الابتسامات التي نراها تتلألأ في أفواه ~~الفقراء والمساكين، والمحزونين والمتألمين؛ لأنهم سعداء في عيشهم، بل لأنهم سعداء في ~~أنفسهم، وما هذه الزفرات التي نسمعها تتصاعد من صدور الأغنياء والأثرياء، وأصحاب العظمة ~~والجاه، لأنهم أشقياء في عيشهم؛ بل لأنهم أشقياء في أنفسهم، وما كدر صفاء النفوس وأزعج ~~سكونها وقرارها، وسلبها راحتها وهناءها مثل عاطفة البغض، ولا أنار صفحتها وجلا ظلمتها مثل ~~عاطفة الحب، فأشقى الناس جميعا المبغضون الذين يضمرون الشر للعالم، فيجزيهم العالم شرا ~~بشر، وأسعدهم جميعا المحبون الذين يحبون الناس ويمنحونهم ودهم وصفاءهم، فيمنحهم الناس من ~~بنات قلوبهم مثل ما منحوهم. # وكذلك استطاعت تلك الأسرة الفقيرة المسكينة أن تكون سعيدة هانئة على فقرها وإقلالها ~~وجعجعة المصائب بها، فقد كانت تحمل بين جنوبها نفوسا طاهرة شريفة لا تضمر حقدا، ولا تعرف ~~غلا، فأحبت القريب والبعيد، والمحسن والمسيء، وعطفت على الناس جميعا، من تمت إليه ~~بصلة، ومن لا تمت إليه بشيء. # ولم تحقد على الناس أو تضمر لهم في نفسها شرا، وما لها إلى الناس حاجة، ولا رأي لها في ~~مطالبتهم بشيء مما في أيديهم من مال أو جاه، أو قوة أو ms039 سلطان، فقد قنعت من عيشها بما قسم ~~الله لها، ولم تطلب مزيدا، ورضيت من حياتها بهذه العلالة القليلة التي تتعلل بها، فأراحت ~~نفسها من هموم المطامع ومتاعبها. # وكانت أحاديثها التي تجري بينها أحاديث طاهرة بريئة لا تطغى فيها الألسنة ولا الأفكار، ~~ولا تتناول شأنا من شئون الناس - خاصها أو عامها - والغيبة رسول الشر بين البشر، بل هي أس ~~الشرور جميعها، قديمها وحديثها ؛ لأن المرء إذا اعتقد من طريقها الشر في صديقه أو عشيره ~~وملكته فكرة سوء الظن به أبغضه واجتواه، وحذره واتقاه، وكان لا بد له من إحدى اثنتين: ~~إما أن يصارحه ببغضه، فتصبح حياته معه حياة نكدة لا نهاية لهمومها وآلامها؛ أو يماذقه ~~ويداوره، فيصبح رجلا منافقا كذابا، وخير له من هذا وذاك ألا يسمع عن الناس خيرا ولا ~~شرا. # نعم إنها لم تكن تعتمد في حديثها على العلم والتاريخ كما يعتمد الناس في مجتمعاتهم، ولا ~~كانت محاضراتها حافلة بالشواهد والأمثال والعظات والعبر، والمقارنات والموازنات، ولكنها ~~كانت لذيذة شهية، رقيقة مستملحة؛ لأنها كانت تستمد جمالها ورونقها من كتاب الطبيعة ~~المفتوح أمامها، وكتاب الطبيعة هو الكتاب المشرق المنير الذي لا يقبل تأويلا، ولا يحتاج ~~إلى تفسير، والذي يرى فيه قارئه الحياة كما خلقها الله، فلا حاجة به إلى من يدله عليه، أو ~~يرشده إليه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى انتشر لتلك الأسرة الكريمة - بين سكان تلك الجزيرة - ذكر ~~عطر، فأخذ الناس يتحدثون بأدبها ولطفها، ومروءتها وكرمها، وأياديها الظاهرة والخفية، ~~ورحمتها الخاصة والعامة وإن لم يعرفوا لها اسما ولا لقبا، فإذا سأل سائل من السابلة أو ~~الطارئين: من هم؟ كان جواب المجيب: إنهم قوم طيبون وكفى، كشجرات البنفسج المختبئة بين ~~لفائف الأدغال ينشق الناس طيبها، ويحمدون عرفها، وإن لم يعرفوا مكانها. # الفصل العاشر # | العمل # وكان بول وهو في الثالثة عشرة من عمره كأنه في الخامسة عشرة قوة ونشاطا، وهمة وعزيمة، ~~وذكاء وفطنة، فكان لا يمل العمل نهاره ولا ليله، ولا يتلهى عنه بما يتلهى به أمثاله من ~~الغلمان في مثل ms040 هذه السن، وكأنما كان يشعر في نفسه أنه مسئول عن هذه القفرة الموحشة أن ~~يحيلها إلى جنة فيحاء من جنان الأرض، فلا بد له أن يعمل حتى يصل إلى الغابة التي يريدها، ~~وكان لا يعمل قبل أن يفكر، ولا يفكر إلا تفكيرا صحيحا مستقيما، وقد وهبه الله قريحة ~~وقادة، وذهنا خصبا، وذوقا سليما، ومخيلة قوية قادرة على جمع شوارد الأشياء والتأليف ~~بين متنافراتها، فرسم في ذهنه صورة بديعة لذلك الوادي الجميل كما يفعل المهندس الماهر، وأخذ ~~نفسه بالعمل لإبرازها وتحقيقها فلم يخطئ ولم يضطرب، ولم يلجأ إلى الاستشارة إلا في القليل ~~النادر مما يستعصي مثله على أمثاله، فكان لا يراه الرائي إلا غاديا أو رائحا، أو مصعدا ~~أو منحدرا، أو متسلقا شجرة، أو مكبا على قناة، أو حاملا غرسا أو خائضا نهرا، ~~ودومينج وراءه يعينه على ما يعجز عنه من حمل الأثقال وتحويل المياه ونقل الأغراس، فأنشأ ~~الحظائر المختلفة للحنطة والشعير، والدخن والذرة، والقطن والقصب، تزخر كل حظيرة بما فيها ~~من ماء وثمر، وغرس أشجار الليمون والبرتقال والتمر الهندي ونخيل البلح والجوز، وألوانا من ~~الأزهار والأنوار تتألق في أغصانها تألق الأحجار الكريمة في التيجان المرصعة. # وأجرى المياه حول تلك الأغراس وفي خلالها بنظام دقيق كأنما قد خطها بالبركار، وزرع ~~الأكمات والروابي المشرفة على الوادي من جميع نواحيه، فتراءت لعين الناظر كأنها قباب ~~لطاف، أو أهرام صغار مكسوة برقاق الخز والديباج على اختلاف أصباغها وألوانها، ولم ~~يترك بقعة جدبة ولا أرضا صلبة إلا هز تربتها وأحيا مواتها، فاستحالت إلى روضة أنف ~~تتدفق ثمارا وأزهارا، وتسيل عيونا وغدرانا، وأعجب ما كان يعجب له الناظر في هذه الروضة ~~الزاهرة منظر المياه المتدفقة من أعالي الجبال تنثر الخصب حولها نثرا، وتدور بالربى ~~والهضاب قلائد وعقودا، وبالخمائل والأشجار أوشحة ومناطق، وتتلوى في سيرها وتدفعها ~~تلوي الحيات المذعورة الهائمة على وجهها، حتى إذا انتهت إلى السفح مشت برفق وهدوء تتبسط ~~في مذاهبها ومناحيها، ثم تتلاقى أطرافها فتكون بركا صغيرة مستديرة تحف بها الأعشاب ~~المخضرة كما تحف ms041 بالعيون أهدابها، فإذا انعكست على تلك البرك زرقة السماء خيل إليك أنها ~~المرايا الصافيات في أطرها أو أحجار الفيروز في خواتمها، ولما كانت الأرض في تلك الدائرة ~~متدرجة غير مستوية، فقد راعى أن يغرس الأدواح الباسقة في البقاع المنخفضة، والأشجار ~~المتوسطة في الأماكن المتوسطة، والشجيرات القصيرة في المشارف العالية، فاستوت رءوس الأشجار ~~في علوها وارتفاعها كأنما قد قرضت ذوائبها بمقراض، أو كأنما غرسها غارسها في بطحاء ~~مستوية. # وكان يعمد إلى الهضاب العالية ذات الجباه البارزة فيغرس بين يديها الأشجار العظيمة ~~المورقة، فتتلاقى ذؤابة الشجر بذؤابة الهضبة؛ فتتكون منهما قبة جوفاء تشرف على مجلس رطب ~~ظليل كانوا يفيئون إليه من حر الهاجرة، فإذا هم في روضة يانعة من رياض الجنة تزخر ~~أشجارها، وترن أطيارها، وترف ظلالها، وتتهادى نسائمها، وأجمل من هذا وذاك أنه غرس صفين ~~متقابلين من الأشجار الوحشية الضخمة يمتدان على مدى بعيد، فتألف منهما دهليز ضيق مستطيل ~~لا تنفذ إليه أشعة الشمس، ولا تكاد تصل إليه أضواء النهار، فإذا دخله الداخل خيل إليه أنه ~~يسير في نفق مظلم تحت الأرض، وشعر بوحشة غريبة أشبه بتلك الوحشة التي يشعر بها سكان ~~السراديب في سراديبهم، أو عملة المناجم في أعماق مناجمهم. # في أحضان ذلك الوادي الجميل، وفي ذمة تلك الجنة الزاهرة وبين أعطاف تلك الدائرة الواسعة ~~المخضرة من الربى والهضاب كان يعيش هؤلاء القوم في أكواخهم البسيطة عيشا سعيدا هانئا، ~~متمتعين بما لا يتمتع به الأثرياء في قصورهم وبساتينهم، والسعداء في جناتهم وعيونهم، فإذا ~~انقضى النهار وأوت الشمس إلى خدرها صعدوا إلى صخرة عظيمة تشرف على ذلك الوادي جميعه فيتجلى ~~أمامهم منظره العام بعيونه وغدرانه، وأعشابه وأشجاره، وخمائله وكرومه، ومروجه وحرجاته، ~~وظلاله وأضوائه، فإذا ألقوا بأنظارهم في جو السماء المائج فوق رءوسهم بأضوائه وأنواره خيل ~~إليهم أنهم بين سماءين متقابلتين، سماء تنبت الكواكب والنجوم، وأخرى تنبت الأزهار ~~والأنوار، أو روضتين مترائيتين، تتألق في إحداهما الزنابق البيضاء على ديباجة زرقاء، وفي ~~أخراهما الورود الحمراء على قطيفة خضراء. # الفصل الحادي عشر # | التاريخ # وكانوا ms042 يسمون هذه الصخرة «اكتشاف الصداقة»؛ لأن بول غرس في قمتها شجرة دقيقة من شجر ~~الأثل، ورفع في أعلاها منديلا أبيض يشبه العلم، وناطه بخيوط مختلفة تسترسل في أسفل ~~الشجرة، فإذا لمحني مقبلا على البعد شد الخيط فانتشر المنديل واضطرب في الهواء، وكان ذلك ~~إعلانا للأسرة بقدومي، كما يرفع العلم على قمة الجبل إعلانا بقدوم سفينة إلى ~~الشاطئ. # وكذلك كان شأنهم دائما في تسمية الأماكن والبقاع والجذوع والأشجار التي يحبونها بأسماء ~~لطيفة يرمون بها إلى غرض خاص، ويسجلون بها فكرة معينة، فكان يخيل إلي أنهم يلقون عليها ~~أشعة أرواحهم النورانية السامية فتدب فيها حياة جديدة فوق حياتها الأولى، فأطلقوا اسم ~~«ميدان الاتفاق» على بساط من العشب الأخضر مسور ببضع شجيرات متسقات من أشجار البرتقال ~~كان بول وفرجيني يرقصان عليه معا في ضوء القمر، وأطلقوا اسم «الدموع الممسوحة» على شجرة ~~عتيقة جلست تحتها هيلين ومرغريت لأول عهدهما باللقاء، وأخذت كل منهما تقص على صاحبتها ~~قصتها وتبثها أحزانها وآلامها، فتضمها الأخرى إلى نفسها وتعزيها عن همها وتمسح لها دموعها، ~~وسموا حقلا من القمح باسم «نورماندي» مسقط رأس هيلين، وآخر من الأرز باسم «بريتانيا» مسقط ~~رأس مرغريت، إلى كثير من أمثال تلك الذكريات القديمة، كأنما أرادوا وقد هجروا بلادهم إلى ~~الأبد، وحالت الحوائل بينهم وبينها أن يستصحبوها معهم تصورا وخيالا بعد ما فقدوها سكنا ~~وموطنا ليأنسوا بها بعض الأنس، ويلطفوا من حرارة شوقهم إليها. # وأغرب من ذلك أن الزنجيين «ماري ودومينج» لم يكن قلبهما خاليا من ذلك الشعور الطيب ~~الشريف، شعور الوفاء للوطن الأول والحنين إليه، فأطلقوا اسم «أنغولا» و«فول بوانت» على بعض ~~حقول الدخن ومنابت القرع، شغفا بأوطانهما وعهود صباهما، وضنا بذكراها أن تزول. # وكانت تعجبني من هؤلاء القوم كثيرا تلك الروح الأثرية الغالبة على شعورهم ووجدانهم؛ لأني ~~أعتقد أنها هي بعينها روح الوفاء والإخلاص، وأن من لا خير فيه لماضيه فلا خير فيه لحاضره ~~ومستقبله. # وما زلت مذ نشأت لا أوثر منظرا من مناظر الحياة ولا مشهدا من مشاهد الحسن والجمال على ms043 ~~منظر أثر قديم أعثر به في سفرة من أسفاري في بادية منقطعة أو صحراء شاسعة، فأقف بين ~~يديه ساعة من نهار وأرى في نؤيه وأحجاره وصخوره المبعثرة وأعمدته المتناثرة ونقوشه ~~المحفورة على بقايا جدرانه صورة أولئك القوم البائدين الذين كانوا يسكنونه ويعمرون عرصاته ~~ومغانيه، وكأني أسمع في صفير رياحه وعزيف جناته وغيلانه صائحا يصيح بي: لقد كان يعيش في ~~هذا المكان عالم مثل عالمكم، يشعرون كما تشعرون، ويفكرون كما تفكرون، ويؤملون في الحياة ~~الطيبة الهانئة كما تؤملون، وهم وإن ذهبوا بأجسامهم، وخلا وجه الأرض من سميرهم وأنيسهم، ~~فهم باقون بينكم بأرواحهم وآثارهم، وما أنتم يا أبناءهم وأحفادهم وحملة أسرار حياتهم إلا ~~أرواحهم وآثارهم التي بقيت على الأرض من بعدهم. # هنالك أشعر أنني قد انتقلت من حاضري إلى ماضي، وأنني أعيش في تلك العصور القديمة بين ~~آبائي وأجدادي، أحدثهم، وأفضي إليهم بذات نفسي ويفضون إلي بذوات نفوسهم، فأقضي على ذلك ~~ساعة من الزمان، ثم أذهب لشأني وقد فاضت نفسي شعورا بأن النفس الإنسانية خالدة باقية لا ~~تنال منها عاديات الزمان، ولا تعبث بصورتها الأيام والأعواد. # ومنت لذلك شديد الشغف بحفر الكلمات أو نقشها على كل ما يقع عليه نظري من الجذوع ~~والأشجار، والصخور والأحجار، وكل ما أمر به في طريقي مما أحبه وأرضاه، وأتمنى له الخلود ~~والبقاء، كأنني كنت أريد أن أمد الأجيال المقبلة بالذكريات العظيمة، كما أمدتنا الأجيال ~~الماضية بذكرياتها وعهودها، فحفرت على ساق شجرة العلم كلمة «هوارس» اللاتيني: «وقاك الله ~~شر العاصفة ولا عبثت بك إلا أيدي النسائم.» وعلى جذع شجرة كان بول يجلس تحتها أحيانا؛ ~~ليشاهد منظر البحر الهائج قول الآخر: «ما أعظم سعادتك لأنك لا تعرف إلها غير إله النبات!» ~~وعلى باب كوخ هيلين؛ وكان هو مجتمع الأسرة ومنتداها هذه الكلمة: «هنا ضمير صالح ونفس لا ~~تعرف الخداع.» # وكانت فرجيني تستثقل أمثال هذه الكلمات وتراها غامضة ومتكلفة، وقالت لي مرة: حبذا لو ~~أنك كتبت على شجرة العلم: «ثابت دائما برغم اضطرابه» بدلا من كلمتك التي كتبتها. ~~فأجبتها: ms044 ذلك إنما يقال في موقف الحث على الفضيلة، فاحمر وجهها خجلا وصمتت. # ذلك كان شأن هذا الوادي فيما مضى، أما اليوم فقد عفا فيه كل شيء، ودرس كل أثر، ولم يبق ~~من تلك الرسوم الماضية إلا كما يبقى من الوشم في ظاهر اليد. وأصبحت أعيش في هذا المكان ~~كأنني أعيش بين خرائب أثينا أو أطلال منف، وما مضى على تاريخها أكثر من عشرين عاما. # الفصل الثاني عشر # | مخدع فرجيني # ولم أر فيما رأيت من المناظر الجميلة والمشاهد الفاتنة المؤثرة منظرا أبدع ولا أجمل ولا ~~أعلق بالقلوب ولا أشهى إلى النفوس من منظر ذلك المكان الذي كانوا يسمونه «مخدع فرجيني»، وهو ~~كهف صغير منحوت في أصل الصخرة الكبرى، كأنه مضجع النائم يتفجر بين يديه نبع غزير صاف، ~~تحف به نخلتان من نخيل الجوز كانت مرغريت قد بذرت بذرة إحداهما منذ أربعة عشر عاما يوم ~~ولادة ولدها بول، وبذرت هيلين بذرة أخرى منذ ثلاثة عشر عاما يوم ولادة ابنتها فرجيني، ~~فنبتتا مع الولدين وسميتا باسميهما. وما ذهبتا مذهبهما في جو السماء حتى تداني سعفهما ~~واشتبكا كأنهما تتعانقان، وكانت نخلة بول أطول قليلا من نخلة فرجيني؛ لأن بول كان أسن من ~~فرجيني بعام واحد وأطول قامة منها. # وربما كان هذا المكان هو المكان الوحيد الذي تركوه للطبيعة تذهب في شأنه حيث شاءت من ~~مذاهبها دون أن يتناولوه بتهذيب ولا تنسيق، فنبتت من حوله في طريق المياه المنبسطة بضع ~~شجيرات مختلفة الألوان والأشكال، والأحجام والأطوال، ما بين ضخم الجذوع ودقيقها، ومنتشر ~~الفروع ومجتمعها، وضارب في أعماق الأرض، وذاهب في جو السماء، فاختلفت ثمراتها وزهراتها، ~~وطعومها ومذاقاتها، وروائحها ونفحاتها، ودب بعضها إلى ظهر تلك الصخرة المشرفة فنشر عليها ~~غلالة رقيقة من أزهاره ورياحينه، ثم انحدر عنها خيوطا دقيقة ناعمة ترفرف في الهواء كما ~~ترفرف شعور الحسناء على ضفاف الماء. # ولم يكن شيء من الأشياء أحب إلى فرجيني وأشهى إلى نفسها من أن تأوي في أوقات راحتها ~~وفراغها إلى هذا المكان الجميل لتمتع نظرها بمرأى تلك ms045 المياه الثلجية البيضاء المتفجرة من ~~ذلك النبع الغزير، ومرأى تينك النخلتين البديعتين المتعانقتين على ضفته، ومنظر تلك المروج ~~الخضراء المنبسطة من حوله؛ وكانوا لذلك يسمونه «مخدع فرجيني». # وكانت تستصحب معها كلما ذهبت إليه غنيماتها وأعنزها، فتتركها ترعى بين يديها، ~~ويعجبها أن ترى واحدة منها قد وثبت إلى ظهر الصخرة ووقفت على مؤخر أطرافها واشرأبت بعنقها ~~لتتناول بفمها بعض الأغصان فتقضمها قضما ، فكأنما معلقة في الهواء، أو كأنها تمثال ~~ماثل في الفضاء. # وربما أخذت معها ملابسها وملابس الأسرة فغسلتها على حافة النبع، أو جلست ناحية تحتلب ~~ألبان ماشيتها، ثم تمخضها. # وكان بول يختلف إلى هذا المكان من حين إلى حين كلما أمكنته الفرصة، فيجلس إلى فرجيني ~~جلسة هانئة سعيدة يغتبطان فيها بتلك العزلة الهادئة الساكنة، وذلك المنظر الساحر ~~البديع. # وكان أعظم ما يروقهما ويستثير سرورهما وغبطتهما منظر الطيور البحرية وهي مقبلة من شاطئ ~~البحر الهندي مع الظلام زمرا زمرا، ترسم في صفحة السماء خطوطا مستقيمة ومتعرجة، ~~ودوائر تامة وناقصة، وتغرد أغاريدها المختلفة الألحان والنغمات، حتى تنزل بهذا المعتزل ~~الساكن الظليل لتقضي فيه سواد ليلها، فإذا انقضت دولة الظلام ونشر الفجر رايته البيضاء في ~~آفاق السماء؛ طارت مع أشعته وأضوائه وذهبت من مذاهبها حيث تشاء، وكأن بول قد عز عليه ألا ~~تتمتع فرجيني بذلك المنظر البديع الرائق في جميع أوقاتها، فأخذ ينقل إلى الأشجار المحيطة ~~بهذا المكان من الغابات القريبة فراخ الطير في أعشاشها فتتبعها أمهاتها، وما هي إلا أيام ~~قلائل حتى اتخذت لها في هذا الروض الأريض موطنا جديدا تروح إليه وتغدو، فأنست بها فرجيني ~~أنسا عظيما، وعطفت عليها عطف الأم الرءوم على صغارها، فكانت تطعمها وتسقيها، وتحمل لها في ~~حجرها حبوب القمح والذرة فتنثرها بين يديها، فإذا رأتها الطيور مقبلة من بعيد تطايرت ~~إليها من أوكارها وأعشاشها صادحة مترنمة، وحامت فوق رأسها تلتقط الحب من يديها مرة، ومن ~~الأرض أخرى، فيكون منظرها في اختلاف ألوانها وتمعجها واضطراب حركاتها أشبه شيء بمنظر ~~الثوب المفوف قد عبثت أشعة الشمس بخيوطه الحريرية، فماج ms046 بعضه في بعض، فتظل فرجيني ~~لاهية بهذا المنظر الجميل مفتتنة به، وبول مغتبط باغتباطها، راض عن نفسه برضاها، حتى ~~يعودا معا ساعة الغروب إلى كوخهما. # وهنا تنفس الشيخ الصعداء وألقى أمامه نظرة بعيدة جامدة كأنما ينظر إلى شبح مقبل ~~عليه، فألقيت نظري حيث ألقى نظره فإذا هو محدق في تلك البقعة التي سماها «مخدع ~~فرجيني»، وأخذ يهمهم كأنما يحدث في نفسه ويقول: أيها الولدان العزيزان، إن أنس ~~شيئا فإنني لا أنسى أيامكما العذبة الجميلة التي ملأتما فيها حياتي سرورا وغبطة، ~~وكنتما لي صديقين حميمين، ما أنكر منكما ولا تنكران مني شيئا، ولا أنكما كنتما أبر الناس، ~~وأحدبهم علي، حتى أصبحت أشعر أنني أعيش بجانبكما في أسرتي بين أهلي وقومي، وأن أيام صباي ~~قد عادت لي بوجهها الطلق النضير، فسلام عليكما حيث كنتما، وسلام على عهدكما البائد ~~الدارس: عهد الصلاح والبر، والفضيلة والشرف، والحب والوفاء. # الفصل الثالث عشر # | ليالي الشتاء # وكان إذا جاء الشتاء وسالت الأجواء بردا وقرا، وأوت الطيور إلى أوكارها، والوحوش إلى ~~أحجارها، قضوا داخل أكواخهم ليالي سمر جميلة يجتمعون فيها حول منضدتهم العارية على ضوء ~~مصباح ضئيل يلقي أشعته الصفراء الخفافة على ما نيط بجدران الكوخ من معاول وفئوس وقواطع ~~ومناشير، وما كدس في أركانه من حقائب وجوالق وقرب وزوايا، فتتراءى كأنها الأشباح ~~الجاثمة، أو الوحوش الرابضة، فيتحدث بول عن حقوله وأغراسه، وغلاته وثمراته، وأحواضه ~~ومستنبتاته، وما نضج من أزهاره وما لم ينضج، وما نقل منها إلى الظل وما أبقى تحت أشعة ~~الشمس، وعن الكروم وعناقيدها، والقمح وسنابله، والذرة وأعوادها، وتحدثهم فرجيني عن عصارة ~~القصب، ومنقوع الشعير، وشراب الليمون، وأمثال ذلك من الأشربة التي تعلمت من أمها صنعها ~~وإجادتها واعتادت أن تقدمها لأسرتها صباح كل يوم ومساءه. # وقد تحدثهم أحيانا عن حديقتها الصغيرة، فتظل تصف لهم نبعها المتفجر الثجاج، ونخلتيها ~~الباسقتين المتعانقتين، وما نبت حولهما من ألوان الزهر وصنوف العشب، وما يختلف إلى خمائلها ~~وأشجارها من أسراب الطير وجماعاتها ليلها ونهارها صادحة مترنمة كأنها فرقة موسيقية تتحد ~~نغماتها ms047 وتختلف رناتها، وتقص عليهم مرغريت بعض القصص الغريبة المملوءة هولا ورعبا، كقصة ~~السائح المسكين الذي ضل به طريقه في إحدى الليالي الداجية المدلهمة في بعض غابات بريتانيا ~~الموحشة، فخرج عليه بعض اللصوص من مكمنهم فسلبوه ماله وراحلته، ثم خافوا جريرتهم فقتلوه ~~وألقوه في أحشاء الغابة. أو قصة السفينة التي عصفت بها الريح في بحر الشمال وأحاط بها الموج ~~من كل جانب ، وأخذت عليها جميع السبل فغرقت وغرق معها ركابها، ولم يبق من آثارها إلا بضعة ~~ألواح ألقاها الموج على جوانب بعض الصخور الناتئة. فيتأثر بول وفرجيني لسماع أمثال هذه ~~القصص تأثرا شديدا، وينفجر في قلبيهما ينبوع صاف من الرقة والرحمة بهؤلاء البائسين ~~المنكوبين، ويتمنيان بكل ما تملك أيديهما أن لو وفقا في يوم من أيام حياتهما إلى هداية ~~سائح ضال عن طريقه، أو إنقاذ غريق من مخالب الموت. # وكثيرا ما كانت تقرأ عليهم هيلين شيئا من قصص «العهد القديم»، وبعض آيات من «العهد ~~الجديد»، فيسمعها الآخرون ساكنين خاشعين، تسيل نفوسهم أسى وعيونهم أدمعا، إلا أنهم ما ~~كانوا يحفلون كثيرا بتفهم مضامينها، واكتناه أسرارها، كأنما يشعرون في أنفسهم أنهم ~~أغنياء عن هذا كله بما وهبهم الله من إيمان فطري بسيط لا يحتاج إلى تفسير ولا توضيح، ~~ومن يقين راسخ في أعماق قلوبهم يثلج صدورهم ويملأ فضاء نفوسهم راحة وسكينة، حتى كان ~~يخيل إليهم أحيانا أن الفضاء الذي بين أيديهم إنما هو معبد مقدس يصلون لله في أية ~~بقعة من بقاعه شاءوا، ويرون الله في أي مطلع من مطالعه أرادوا، وكأن الطبيعة بين أيديهم ~~إنجيل مفتوح تقوم فيه الآيات المنظورة مقام الآيات المتلوة، والبراهين الحسية مقام ~~البراهين التوفيقية المقروءة، وهل الرحمة الإلهية إلا تلك الثمرات التي نبتت لهم في أرض ~~مقفرة مجدبة لا ينبت مثلها غير الجهد والشقاء؟ وهل القدرة الربانية إلا تلك الجنة الأرضية ~~الزاهرة التي اختلفت أوضاعها وأشكالها وطعومها وروائحها، وقد سقيت بماء واحد وأشرقت ~~عليها شمس واحدة؟ وهل العناية الصمدانية إلا ذلك التوفيق الغريب الذي ضم بعضهم إلى ~~بعض ms048 على بعد ديارهم واختلاف مواطنهم؟ فتكونت منهم أسرة واحدة متحابة متآلفة، يغنيها ~~اجتماعها واتفاقها عن الأهل والوطن، والمال والنشب. # وكانت تجري بينهم الأحاديث، والطبيعة خارج الكوخ هائجة صاخبة، تجلجل رعودها، وتعصف ~~رياحها، وتتدفق سيولها، وتصخب أمواجها، فيحمدون الله - تعالى - على أن كفاهم شرورها ~~وويلاتها، ومنحهم هذا الملجأ الأمين الذي يفزعون إليه من كوارثها وأرزائها، ثم لا تلبث ~~السنة أن تخالط أجفانهم ، فينسلوا إلى مضاجعهم ويناموا فيها نوما هادئا ساكنا لا قلق ~~فيه ولا اضطراب، ولئن كان صحيحا ما يقولون من أن لكل امرئ في الحياة يومين: يوم بؤس، ويوم ~~نعيم، فلقد كان لهؤلاء القوم من دون الناس جميعا يوم واحد لا يرون فيه غير وجه النعيم، ~~ولا تطلع عليهم شمسه إلا بما يحبون ويرتضون. # وكان الدهر يأبى عليهم أحيانا إلا أن يجري حكمه فيهم كما يجريه على الناس جميعا، فيأذن ~~لبعض غيومه القاتمة أن تلم بسمائهم الصافية فتغشي صفحتها، وتكدر صفاءها، فإذا نزلت ~~بأحدهم نازلة مرض أو هم رأيت الباقين قد أحاطوا به وبسطوا عليه جناح عطفهم ورحمتهم، ~~وكأنما قد أصيبوا من دونه بالذي أصيب به، ولا يزالون يلاطفونه ويداورونه حتى ينتزعوا الهم ~~من بين جنبيه انتزاعا، فإذا هو بارئ سليم كأن لم يشك قبل اليوم هما ولا ~~ألما. # وكانوا يذهبون أيام الآحاد لأداء الصلاة في كنيسة «بامبلموس» ذات القبة العالية التي ~~تراها هناك في وسط ذلك السهل الفسيح مشاة على أقدامهم، لا يشكون تعبا ولا نصبا، فإذا ~~وصلوا إليها رأوا كثيرا من الأثرياء وأرباب النعمة مقبلين في هوادجهم المحمولة على أعناق ~~عبيدهم في رونق بديع يملأ العين بهجة والقلب روعة، فلا يحفلون بهم ولا يكترثون، ولا ~~يحسدونهم على ما آتاهم الله من نعمة، بل كانوا يتجنبون جهدهم أن يخالطوهم أو يجيبوا داعي ~~مودتهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن القوي لا يمنح الضعيف وده ومحبته إلا ليبتاع منه ماء وجهه ~~وكرامة نفسه، ولا يبذل له القليل من بره ومعروفه إلا ليستعبده ويستأسره ويملك عليه زمام ~~حياته، وهم لا يريدون أن يبذلوا ms049 من ذلك شيئا، كما أنهم كانوا يتجنبون جهدهم مخالطة الهمج ~~والرعاع وأسقاط الناس وأشرارهم، ضنا بنفوسهم أن يسري إليها من طريق المخالطة الساقطة ما ~~يشوه جمالها، ويغشي لألاءها، فاتهمهم الناس بالضعف مرة، وبالكبرياء أخرى ومضوا معهم على ~~ذلك عهدا طويلا حتى عرفوهم حق المعرفة، واستشفوا سريرة نفوسهم، فعلموا أنهم أشرف من هذا ~~وذاك، فإنهم ما كانوا يضنون بأنفسهم أن يقفوا الوقفات الطوال مع من يعترض طريقهم من الناس ~~فيسألهم حاجة من الحاج، أو يستعين بهم على كارثة من كوارث الدهر، أو يدعوهم إلى زيارة ~~مريض، أو مساعدة منكوب، ولا يأبون أن يدخلوا الأكواخ القذرة الوبيئة لزيارة المرضى ~~ومواساتهم، وتفقد حالة المنكوبين والبائسين. # فإذا دخلوا على مريض جلسوا حوله طويلا، وعللوه كثيرا وحاطوه بعطفهم وعنايتهم، فتقدم له ~~مرغريت الدواء وفرجيني الابتسامات، وهيلين التعزية، وبول النصائح الطبية، فكانوا يعالجون في ~~آن واحد نفسه وجسده، ثم يعودون وقد خالطت نفوسهم عاطفتان مختلفتان، عاطفة الحزن على أولئك ~~المعذبين المتألمين، وعاطفة الغبطة بما وفقهم الله إليه من تسرية همومهم، وتهوين ~~آلامهم. # وكان منزلي على مقربة من تلك الكنيسة ليس بينها وبينه إلا طريق واحد يمتد بجانب الجبل ~~صعدا حتى يصل إليه، فإذا قضوا حاجتهم من مواساة البائس وتعليل المريض وتعزية المنكوب ~~سلكوا تلك الطريق إلى منزلي ليقضوا عندي بقية يومهم، فكنت أعد لهم الغداء على شاطئ جدول ~~صغير تحت ظلة دانية من شجر الموز، وكان غداؤنا بسيطا جدا لا يزيد على ما يقذفه إلينا ~~البحر من أسماكه، وما يساقطه علينا الشجر من أثماره، وما نظفر به في فضاء الجو من سارح أو ~~بارح، وربما ضممنا إليه شيئا من التوابل والأفاويه المركبة من الأعشاب الهندية الحارة، ~~فإذا قضينا غداءنا جلسنا للراحة فوق هضبة عظيمة على شاطئ البحر لنمتع أنظارنا برؤية أمواجه ~~وهي مقبلة علينا يتلو بعضها بعضا حتى تتكسر تحت أقدامنا، ثم تتبسط قليلا على ذلك الشاطئ ~~الرملي الفسيح، ثم تتلاشى كأنها لم تكن، وكان بول إذا رآها مقبلة فر من بين يديها كأنها ~~طريدها الذي ms050 تطلبه، وربما تلكأ في جريه عمدا حتى تدركه فإذا هو مكفن في كفن صاف من ~~نسيجها الأبيض، فتصرخ فرجيني حين تراه على هذه الحالة صرخة عالية كأن الأمر قد بلغ عندها ~~مبلغ الجد، أو كأنها ترى من وراء حجب الغيب منظرا مخيفا يروعها ويزعجها، فتظل تقول بينها ~~وبين نفسها: يخيل إلي وأنا أنظر إلى هذا البحر المائج المصطخب أنني أرى بين كل موجتين ~~قبرا محفورا، ثم لا تلبث أن تعود إلى نفسها، وتثوب إلى رشدها، وتستأنف سرورها ومرحها، ~~فيدعوها بول إلى الرقص معه فيرقصان معا على بساط الرمل الأصفر تلك الرقصة الزنجية البسيطة ~~التي لا هجر فيها ولا يشوبها عار ولا إثم، ثم يغنيان بعض قطع جميلة لا أزال أذكر منها ~~حتى اليوم قطعة «البحر الزاخر» التي يثني فيها قائلها على الحياة الهادئة البسيطة فوق ظهر ~~اليبس، ويذم الحياة القلقة المضطربة على سطح الماء، وينعي نعيا كثيرا على أولئك الذين ~~يدفعهم شرههم وطمعهم إلى ركوب البحر واحتمال مخاطره وكوارثه طلبا للثراء الواسع والمال ~~الكثير، بدلا من بقائهم في أوطانهم بين أهلهم وعشيرتهم، والقناعة بما قسم الله لهم من ~~الرزق. # وكان يخطر لفرجيني أحيانا أن تمثل بعض الروايات القصيرة التي سمعتها من أمها فتظهر على ~~مسرح الشاطئ الرملي حاملة جرتها على رأسها، كأنها ذاهبة إلى بعض الآبار للاستقاء، حتى إذا ~~بلغت مكان البئر وقف دومينج وماري ومرغريت في طريقها كأنهم رعاة مدين يحولان بين ابنة ~~شعيب وبين البئر، فيلمحها بول على البعد فيسرع لنجدتها، ويحمل على الرعاة حملة شديدة حتى ~~يمزقهم كل ممزق كما فعل موسى، ثم يضع لها فوق رأسها طاقة جميلة من الزهر الأحمر ليضع ~~الجرة فوقها، فكأنه يكللها بإكليل الزواج، فأقوم أنا بتمثيل دور «شعيب» وأزوج ابنتي ~~«صفورة» من الفتى «موسى». # وأحيانا كانت تمثل دور البائسة «راعوث» حينما عادت إلى بلدها بعد غياب طويل، فترى ~~نفسها غريبة منقطعة لا أهل لها ولا رحم، فتظل سائرة في طريقها مطرقة الرأس ساهمة الوجه ~~حتى تلمح جماعة الصيادين، وكان يمثلهم دومينج ms051 وماري ومرغريت يحصدون في مزرعتهم، فتتبع ~~خطواتهم وتلتقط بعض السنابل الساقطة لتتبلغ بها، فيراها بول وهو يمثل دور «بوعز» أحد نبلاء ~~المدينة، فتدركه رقة لها، فيتقدم نحوها ويسألها عن شأنها، فترتعد بين يديه وتجيبه على ~~أسئلته بصوت خافت متهدج، فتذرف عيناه الدموع رحمة بها ومرثاة لها، ويأخذ بيدها حتى يقف ~~بها أمام شيوخ المدينة في منتداهم ويعلن زواجه منها برغم فقرها وإقلالها. # وهنا تذكر هيلين حياتها الأولى، وأنها كانت أشبه شيء بحياة تلك الفتاة الإسرائيلية ~~المسكينة، وأنها لقيت من أهلها وجفائهم وغلظتهم مثل ما لقيت، وكابدت من آلام الحياة وهمومها ~~مثل ما كابدت، فتبكي بكاء طويلا. # ثم لا تلبث أن تصل بخيالها إلى النهاية الطيبة التي ختمت بها تلك الرواية، فتهدأ نفسها ~~قليلا، وتتفاءل خيرا لابنتها أن يكون مصيرها هذا المصير السعيد. # وجملة القول أننا كنا نتمتع في ذلك اليوم بجميع ما يتمتع به السعداء في منتدياتهم ~~ومجتمعاتهم ومعاهد أنسهم ولهوهم من أكل وقصف، ورقص، وتمثيل، ولعب ومزاح، لا فرق بيننا ~~وبينهم، إلا أننا لا نزخرف المسرح الذي نتنقل عليه بالصور الكاذبة للبحر والشاطئ، والصحراء ~~والسماء، والكواكب والنجوم، والنبات والعشب، وهدير الأمواج وزيف الرياح، ودمدمة الرعود كما ~~يزخرفون، فكل ذلك حاضر بين أيدينا حقيقة لا خيالا. # ولا نزال هكذا حتى تدنو ساعة الأصيل، ويقف قرص الشمس وقفة الوداع على قمة الجبل متوهجا ~~كاللهب الأحمر، فيظل ينثر ذراته الذهبية في عرض الفضاء، وتظل قطع الأنوار تتساقط من بين ~~فجوات الأغصان كأنها الدنانير المبعثرة، وتستحيل أوراق الزهر في سكون ذلك الجو وهدوئه إلى ~~أحجار جامدة من الزمرد والياقوت، والماس والفيروزج، ويخيل للناظر إلى الجذوع الماثلة ~~كأنها بقايا بركان قديم كان قد غمرها في سالف العهد ثم انحسر عنها، فإذا هي أعمدة صدئة ~~من البرنز القاتم، ثم لا يلبث الظلام أن يمتد وينبسط فإذا الفضاء سكون ووحشة، وإذا البحر ~~خشية وجلال، وإذا الطير حائمة على أوكارها تفر إليها من وحشة الظلام وهوله، وإذا كل شيء ~~صامت جامد إلا ما كان من جرجرة الآذي ms052 تصل إلى آذاننا من حين إلى حين كأنها الزئير ~~المنبعث من حلوق الوحوش الضارية، فنجمد أمام هذا المنظر الرهيب ساعة ذاهلين مستغرقين، ~~وكأننا قد انتقلنا إلى عالم آخر من عوالم الملأ الأعلى حافل بعجائب المنظورات وغرائب ~~المشاهدات، ثم نعود إلى أنفسنا فيودع بعضنا بعضا، ثم نفترق إلى أكواخنا. # الفصل الرابع عشر # | آدم وحواء # نشأ بول وفرجيني في هذه الجنة الأرضية منشأ أبوينا الأولين في جنتهما السماوية، فكان بول ~~مثال آدم، له قامة الرجل وشطاطه، وبساطة الطفل وسذاجته، وكانت فرجيني مثال حواء، لها جمال ~~الأنوثة وحلاوتها، ودعة النفس وعذوبتها. وكانا يعيشان في معتزلهما هذا حرين مطلقين، لا ~~يسيطر عليها مسيطر من تلك القيود التي تسيطر على عقول الناشئين وضمائرهم في تلك البلاد ~~التي يسمونها بلاد الحرية والطلاقة، ولا تسجنهما العلوم والمعارف في سجنهما الضيق المظلم ~~الذي يحول بينهما وبين التبسط والاضطراب في فضاء الكون كما يشاءان. # ولم تكن لديهما ساعة لمعرفة أوقات الليل والنهار، ولا تقويم لمعرفة الفصول والأعوام، ~~ولم يتلقيا درسا واحدا في علم الهيئة ونظام الكواكب والنجوم، ولكن الطبيعة استطاعت أن ~~تمنحهما من نفسها ما تمنح العلوم والمعارف أمثالها، فاستعانا بالأشعة والظلال على معرفة ~~الأوقات، وبنضج النبات وظهور الأثمار وتلون الأزهار على معرفة الفصول، وبعدد ما غرسا من ~~الأشجار على عدد ما مر بهما من السنين والأعوام، فكانا يقولان «قد حان وقت الغداء» إذا ~~انقبضت ظلال أشجار الموز وتضاءلت تحتها، و«قرب الليل» إذا التفت أوراق التمر هندي على ~~أثمارها، وكانا إذا وعدا أحدا بزيارة جعلا ميعادها ظهور قصب السكر أو نضج أثمار النارنج، ~~وإذا سئلت فرجيني عن عمرها أجابت: قد أثمرت الكروم مذ ولدت أربع عشرة مرة، وأشجار البرتقال ~~ثمانية وعشرين، وإذا سئل بول بكم يكبر فرجيني؟ أجاب بمقدار ما بين النخلتين الماثلتين على ~~حافة النبع، كأن حياتهما متصلة بحياة النبات، أو كأنهما إلهان من آلهة الحقول التي تعيش ~~بينها وترعاها. # فكانا لا يعرفان تاريخا غير تاريخهما، ولا يطالعان مصورا غير مصور جزيرتهما، ولا ~~يقرآن كتابا غير كتاب الطبيعة ms053 المفتوح أمامهما، ولا يفهمان فلسفة غير أن عمل الخير سعادة، ~~وعمل الشر شقاء، ولا يحفظان آية غير آية التفويض إلى الله - تعالى - في كل ما يأخذان وما ~~يدعان. # وكانا إذا خلوا بنفسيهما جرت بينهما أحاديث بسيطة ساذجة لا يتكلفان فيها ولا ~~يتعملان، ولا يحاولان أن يضعا حجابا بين ما يدور في سريرتيهما، وما ينطق به ~~لساناهما. # ولقد سمعتهما مرة يتحدثان من حيث لا يشعران بمكاني وكان بول قد عاد من عمله ساعة الغروب، ~~فرمى بفأسه وحقيبته إلى الأرض وجلس إلى فرجيني يقول لها: إني لأراك يا فرجيني وأنا تعب ~~مكدود ما أكاد أتماسك، فأنسى تعبي وشقائي، وكأنني لم أحمل في يومي فأسا، ولم أفلح أرضا، ~~وربما وقع نظري عليك وأنا على قمة الجبل وأنت في سفحه فيخيل إلي أنك وردة بين الورود ~~النابتة حولك، إلا أنك أنضر منها حسنا، وأطيب أريجا، فإذا غبت عن ناظري وراء أكمة من ~~الأكمات أو تحت ظلة من الظلل استطعت أن أعرف المكان الذي أنت فيه؛ لأنني أشعر أن موجة ~~من النور تحيط بك حيثما ذهبت وأني حللت، فإذا برق لي شعاعها علمت أين تحلين من بطن ~~الوادي، فلا أحتاج للسؤال عنك، فإذا رأيتك وأنت عائدة إلى المنزل خيل إلي - لجمال مشيتك ~~ورشاقة حركاتك - كأنك قطاة تنتقل على بساط الخضرة، وأنك موشكة أن تستقلي بجناحيك في ~~جو السماء. # إنك كل شيء لي يا فرجيني، إنك حياتي التي لا أستطيع أن أعيش بدونها، بل لا أستطيع ~~فراقها لحظة واحدة، إن زرقة عينيك أصفى من زرقة السماء، وإن نضارة وجهك أجمل من نضارة ~~الربيع، وإن ماء الحسن الذي يجول في أديمك لهو الكوثر الذي يصفه الكتاب المقدس فيما يصف ~~من بدائع الجنان. # أسمع صوتك الذي هو أشبه شيء بصوت الطائر الغرد فيخفق قلبي خفقان أجنحة ذلك الطائر، ~~وأضع يدي في يدك فتنبعث في جسمي رعشة شديدة كرعشة الخائف المذعور وما أنا بخائف ولا ~~مذعور. # أتذكرين يا فرجيني يوم حملتك على ظهري واجتزت بك ذلك النهر المتدفق ونحن ms054 عائدان من ~~زيارة ذلك الرجل الشرير؟ # لقد كنت في ذلك الوقت تعبا واهنا، ولكنني ما شعرت بملامسة جسمك لجسمي حتى خيل إلي ~~أنني قد استحلت إلى طائر خفاق الجناحين، ولو أنك اقترحت علي في تلك الساعة أن أطير بك في ~~آفاق السماء لفعلت. لا أستطيع أن أفهم ما هذا الذي يؤثر علي منك يا فرجيني! فإنني لا ~~أخافك ولا أخشاك ، بل أحبك وآنس بك، فلم أضطرب حين أراك؟ ولم أرتعد حين يلمس جسمي ~~جسمك؟! # إنك لا تستطيعين أن تحبيني كما تحبني أمي، أو تعطفي علي عطفها، أو تقاسميني همومي وآلامي ~~مقاسمتها، ولكنني أشعر أن الذي أضمره لك من الحب والعطف فوق الذي أضمره لها، ولقد عدت الآن ~~من المزرعة وكان أمامي الطريقان: طريقي إلى الكوخ فلم أنتبه إليه، وطريقي إليك؛ فجئتك بدون ~~أن أشعر بما أفعل، أو أعرف لذلك سببا. # ما أحسب إلا أن حادثة الجارية الآبقة كانت هي السبب في ذلك، فإن أنس لا أنسى صورة ذلك ~~الألم الشديد الذي ارتسم على وجهك يوم جاءت تلك البائسة المسكينة تحت قدميك وقصت عليك ~~قصتها، ولا تلك الدموع الغزار التي ذرفتها رحمة بها وإشفاقا عليها، ثم ما خاطرت به بعد ~~ذلك من راحة نفسك وهدوئها في سبيلها. # إنك طيبة القلب يا فرجيني، إنك تحبين الخير للخير لا تطلبين عليه جزاء ولا أجرا، إنك ~~تتألمين لمصاب المساكين والبائسين أكثر مما يتألم الناس جميعا، فأنا أحبك أكثر مما أحب ~~جميع الناس. # تعالي إلى جانبي وخذي هذا الغصن الأخضر الذي قطعته لك الساعة من شجرة الليمون الكبرى ~~وضعيه حين تنامين تحت سريرك، فإنه يملأ لك فضاء الكوخ عطرا وشذى، وخذي هذا القرص من ~~العسل، فقد عثرت به في جوف صخرة عالية في قمة الجبل، وسيكون فطورنا في الصباح شهيا ~~جميلا. # تعالي إلي يا فرجيني وضعي رأسك الجميل على فخذي لأشعر بالراحة من جميع متاعبي وآلامي، ~~وتحدثي إلي قليلا، فحديثك غذاء نفسي وراحة ضميري. # فتخرج منديلها من جيبها وتمسح له عرق جبينه ثم تضطجع وتضع ms055 رأسها على فخده، وتظل تقول له: ~~أترى يا بول منظر هذه الأشعة الصفراء الساقطة على رءوس الصخور وذوائب الأشجار، ومنظر ذلك ~~الشفق الأحمر الممتد على حافة الأفق، وتلك اللآلئ اللامعة الجميلة المنتثرة على سطح ~~الماء؟! # إنها جميلة جدا، ولكنها لا تستطيع أن تبعث السرور إلى نفسي كما يبعثه جلوسي بجانبك، ~~وامتزاج أنفاسي بأنفاسك. # إنني أحب والدتي حبا جما، ولكنني أحبها أكثر من كل وقت في الساعة التي أراها تحنو ~~عليك فيها، وتضمك إلى نفسها وتدعوك: يا ولدي، وربما غفرت لها إغضاءها عني أحيانا ولكنني لا ~~أستطيع أن أغفر لها إغضاءها عنك. # قالت فرجيني: إنك تتساءل في نفسك يا بول: لم تحبني أكثر من كل شيء في العالم؟ أما أنا ~~فإنني أحبك هذا الحب نفسه، ولكنني لا أسائل نفسي عن سبب ذلك؛ لأني أعلم أن الطائرين اللذين ~~ينشآن في منشأ واحد وجو واحد يتعاطفان ويتآلفان، حتى ما يكاد يصبر أحدهما عن صاحبه ~~لحظة واحدة ... انظر إليهما، ها هما يتصايحان ويتهاتفان على بعد ما بينهما، كأن كلا منهما ~~يقول لصاحبه: تعال إلي جانبي ولا تفارقني، فإنني لا أستطيع أن أجد لذة الحياة بعيدا ~~عنك. # كذلك نحن يا بول نشأنا في منشأ واحد، ورضعنا ثديا واحدا، ونمنا في مهد واحد، ~~وابتردنا في حوض واحد، فأصبحنا شخصا واحدا، فإذا افترقنا ساعة ظل كل منا يهتف بصاحبه ~~ويناجيه، أنت بمزمارك على قمة الجبل، وأنا بأنشودتي في سفحه، كما يفعل ذانك الطائران ~~المتناجيان على أفنانهما حتى نلتقي. # تقول إنك أحببتني منذ ذلك اليوم الذي رأيتني فيه أعطف على تلك الجارية المسكينة، وأنا ~~أقول لك إنني أحببتك من ذلك اليوم نفسه، فإنني لا أستطيع أن أنسى أنك أوشكت أن تخاطر بنفسك ~~في سبيلي حينما عزمت على مقاتلة ذلك الرجل الشرير من أجلي، بل خاطرت بها فعلا حينما حملتني ~~على ظهرك وأنت تعب مكدود، واجتزت بي ذلك النهر الزاخر المتدفق لا تعلم أتصل إلى ضفته أم ~~تسقط دون ذلك؟ # إنني أجثو كل يوم بين يدي ربي أسأله الرحمة ms056 لأمي وأمك وماري ودومينج، حتى إذا مر ذكرك على ~~لساني ارتعشت شفتاي وشعرت كأنني أرتشف على الظمأ جرعة باردة ما خلق الله أهنأ ولا أطيب ~~منها. # لم تتسلق الصخور من أجلي يا بول؟ ولم تجشم نفسك هذا العناء الشديد فوق عنائك الذي ~~تكابده طول يومك؟ إنني لا أفكر في شيء وأنت غائب عني سوى أن تعود إلي سالما موفورا، فإذا ~~رأيتك كنت أنت الهدية الثمينة التي تقدمها إلي، وتستحق من أجلها شكري وحمدي. # الفصل الخامس عشر # | الخفقة الأولى # ما لفرجيني حزينة مكتئبة لا تضيء الابتسامات ثغرها كما كانت تضيئه من قبل؟! # ما لها واجمة صفراء تمشي مطرقة وتجلس واهنة، وكأن هما من هموم الحياة الثقال يملأ ~~ما بين جانحتيها ولا هم هناك ولا حزن؟! ما لها تلجأ إلى الخلوات والمعتزلات وتتجنب جهدها أن ~~تخالط الناس حتى أسرتها وقومها، وحتى صديقها الوحيد الذي هو أعز عليها من نفسها التي بين ~~جنبيها؟! # ما لهذه الخضرة الزاهية البديعة، ولتلك السماء الصافية المتلألئة، ولذلك المنظر البديع ~~الجذاب، منظر الشمس في طلوعها وغروبها، والطير في غدوها ورواحها لا يروقها ولا يستثير ~~سرورها وبهجتها، ولا يسري عنها همومها وآلامها كما كان شأنها قبل اليوم؟! # ذلك لأن قلبها خفق الخفقة الأولى، والحب إذا خالط قلب الفتاة لأول عهدها به نقلها من حياة ~~السرور والبهجة إلى حياة الهموم والأكدار. # نعم قد تحولت الصداقة في قلب فرجيني إلى حب، وللحب شأن غير شأن الصداقة، وحال غير ~~حالها، وشعور وإحساس غير شعورها وإحساسها، وكما أن المرأة الفارغة تشعر بتغير في جميع ~~حالاتها الجسمية إذا بدأت بذرة الجنين تنمو في أحشائها، كذلك الفتاة الخالية تشعر بتغير في ~~جميع حالاتها النفسية إذا أحست بدبيب الحب في قلبها، وربما كان هذا الشعور هو دليلها الوحيد ~~على أنها قد أحبت قبل أن تعرف ما الحب وما الغرام؟ # لقد كانت فرجيني تجهل في مبدأ أمرها حقيقة الحال التي طرأت عليها ولا تفهم منها شيئا سوى ~~أنها قلقة مستوحشة، لا تأنس بالناس أنسها الأول، ولا تجد ms057 في الجلوس إلى أسرتها ولا في ~~الذهاب إلى «مخدعها» الراحة التي كانت تجدها من قبل، فكانت تهيم على وجهها في القفار ~~والغابات وضفاف الأنهار وقمم الجبال، ما تكاد تستقر في مكان واحد، فإذا وقع نظرها على بول ~~في بعض غدواتها أو روحاتها طارت إليه فرحا وسرورا، وبسطت إليه يدها لتعانقه، فإذا دانته ~~انقلبت فجأة من سرور إلى حزن ووقفت في مكانها جامدة جمود الدمية في محرابها يتلهب ~~وجهها حمرة، ويرفض جبينها عرقا، فيعجب بول لشأنها، ويظل يقول لها: إن الخضرة اليوم ~~زاهية جدا، وإن الشمس ساطعة متلألئة تضيء كل شيء حتى الأنفاق والأغوار، وكل ما في ~~الوجود ضاحك مستبشر ما عداك يا فرجيني، فهل لك أن تحدثيني ما الذي ألم بك؟ وما هذه ~~الغبرة القاتمة التي تلبس أديم وجهك؟ ثم ينقض عليها ليضمها إلى صدره كعادته فتملس من ~~يديه إملاسا، وتركض هاربة إلى أمها لتضع رأسها في حجرها، فيظل بول واقفا مكانه يعجب ~~لأمرها عجبا شديدا، لا لأن الذي يضمر لها من الحب أقل من الذي تضمر له، ولا لأن نفسه ~~خالية من الهم الذي يخالط نفسها، ولكن المرأة ضعيفة خائرة لا تملك من الصبر والجلد بين ~~أيدي النكبات النفسية التي تنزل بها ما يملك الرجل، فإذا أحبت لأول عهدها بالحب وكانت ~~شريفة فاضلة خرج بها الحب إلى حالة أشبه بالجنون والخبل، وما هي بجنون ولا خبل، ولكنها ~~حيرة النفس وضلالها. # ولم يزل هذا شأنها حتى جاء شهر ديسمبر، وهو الشهر الذي تشتد فيه حرارة الشمس في تلك ~~المنطقة اشتدادا عظيما، وتظل تصب عليها أشعتها عمودية كأنها السهام المنبعثة من أقواسها، ~~وتنقطع عنها ريح الجنوب التي تعتادها طول العام، وتهب عليها بدلا منها أعاصير شديدة تزلزل ~~أرضها زلزالا، وتطير بما شاءت من معالمها ومجاهلها، وتشقق ما أرادت من أطرافها وأنحائها، ~~فيثور الغبار ملتفا في جو السماء ثم يجمد في مكانه ما يتزحزح ولا يتحلحل كأنه العمد ~~المنتصبة، وتصبح سفوح الجبال وجوانب الهضاب كأنها أتن مشتعلة تنفث أوارها من حولها، ~~فتلتهب ms058 الأجواء حتى ما يستطيع متنفس أن يتنفس إلا زفيرا، ولا مستنشق أن يستنشق إلا شواظا ~~ولهيبا، وحتى ما يجد المبترد ضحضاح ماء في غدير من الغدر أو خليج من الخلجان يبترد فيه، ~~ويزحزح عن عاتقه ذلك القميص الناري اللاصق به، وتتساقط الماشية في ظلال الأشجار وفي سفوح ~~الجبال واهنة متضعضعة، مادة ألسنتها إلى السماء كأنها أيد مبسوطة بالدعاء إلى الله - ~~تعالى - أن يجود عليها بقطرة تبل غلتها، وتطفئ لاعجها، وكأن ثغاءها وعجيجها وصفير الرياح ~~السافيات من حولها، وطنين البعوض الحائم عليها مناحة قائمة على هذه الطبيعة الميتة، فإذا ~~أقبل الليل عجزت يده الباردة الندية أن يخفف شيئا من لهيب ذلك الأتون المستعر، وظهر ~~القمر في أفق السماء أحمر كامدا كأنه الوجه المخضب بالدم، يمشي في طريقه متثاقلا متظالعا ~~كأنما هو يسبح في لجة عميقة من السحب المحيطة به. # في ليلة من تلك الليالي الداجية السوداء عجزت فرجيني عن أن تأخذ لنفسها راحتها في مضجعها ~~وعجز الكرى عن أن يلم بأجفانها، فثارت من مكانها متململة وأخذت سمتها إلى مخدعها عساها أن ~~تجد فيه ما يروح عن نفسها، وكان القمر لا يزال يرسل ذلك النذر القليل من أشعته الكامدة، ~~فأزعجها أنها لم تجد من جدولها المترع المتدفق إلا خيطا دقيقا يلمع في ضوء تلك الأشعة ~~الباهتة كأنه ثعبان ممدود يتقلب على حرة سوداء، ثم مشت إلى حوضها الصغير الذي اعتادت أن ~~تستحم فيه فلم تجد فيه إلا ضحضاحا من الماء ما كاد يغمر جسمها فخلعت ملابسها ونزلته، ~~فاستطاعت أن تجد قليلا من الراحة، وكان أول ما مر بخاطرها في تلك الساعة بعد أن عادت إليها ~~نفسها ذكرى تلك الأيام الماضية التي كانت تستحم فيها مع بول وهما طفلان صغيران في هذا الحوض ~~الصغير، وذكرت كيف كانا يقضيان الساعات الطوال على ضفافه عاريين يرقصان ويمرحان، ويعتليان ~~الهضاب والربى، ويتسلقان النخيل والأشجار ليقطعا أغصانها أو يجنيا ثمارها، ثم ألقت رأسها ~~على صدرها فرأت بين ثدييها وفوق ذراعيها العاريين ظل النخلتين المسماتين باسمها واسم بول، ms059 ~~وقد طالت عثاكيلهما، وانتشرت سعفاتهما، وكبر جوزهما، ولصقت كل منهما بالأخرى لصوقا ~~شديدا، فأثار ذلك المنظر في نفسها شعورا غريبا لم تستطع أن تفهمه ولا أن تفهم ما الذي ~~يقلقها منه، فلم تطق البقاء في مكانها لحظة واحدة، فنهضت إلى ثوبها فأسبلته على جسمها، ~~واندفعت راكضة إلى كوخها، وأيقظت أمها من منامها واضطجعت بجانبها، وأخذت بيدها وظلت تضغط ~~عليها ضغطا شديدا كأنما تريد أن تبثها ألمها وتفضي إليها بسرها فلا تستطيع، وتحاول أن ~~تنطق باسم بول فيحتبس لسانها في فمها، ثم لا يلبث ذلك السعير المتأجج في صدرها أن يستحيل ~~إلى زفير فشهيق فبكاء، فتذرف من دموعها ما شاء الله أن تذرف حتى يهدأ ما بها، وأمها صامتة ~~ساكتة تفهم كل شيء ولا تقول شيئا، سوى أن ترفع نظرها إلى السماء سائلة الله تعالى ~~بنظراتها السابحة في ذلك الفضاء أن يمنح ابنتها الهدوء والسكينة، وأن يقيها العثرات ~~والزلات. # ولم يزل الحر آخذا في اشتداده حتى استثار من مياه البحر أبخرة عظيمة ما زالت تتكاثف ~~وتتجمع حتى انعقدت في سماء الجزيرة ظلة سوداء، فاحتجب قرص الشمس، وتلفعت الجبال والهضاب ~~والربى والآكام بأردية بيضاء من الضباب، فما تكاد تقع عين الناظر على منظر مستبين، ثم ما ~~لبث الرعد أن قصف قصفا شديدا دوت به أرجاء الجبال، وأخذ البرق يرسل شرارته الحمراء في ~~خلال السحب الكثيفة المتراكمة، فأنار بعضا منها وعجز عن بعض، ثم انفجرت السماء عن أمطار ~~غزار سالت بها الأودية والقيعان، وسحبت فيها الربى والهضاب، وما هي إلا لحظات قليلة حتى ~~أصبح ذلك الحوض الواسع بحرا عجابا يعب عبابه وتصطخب أمواجه، واختفى كل شيء من هواديه ~~وأعلامه، وأطمه وذراه، ولم يبق طافيا منه على سطح الماء إلا تلك الربوة العالية التي ~~يرفرف فوقها العلم الأبيض، علم الاستكشاف، فكان منظرها في وسط ذلك البحر العجاج منظر ~~السفينة المضطربة في أيدي الأمواج الثائرة، فصعدت إليها تلك الأسرة المسكينة تنتظر قضاء ~~الله فيها وفي زروعها وضروعها. # وظلت الحال على ذلك عدة ساعات، ثم هدأت ms060 العاصفة، ورقت السحب، واستطاعت الشمس أن ترسل من ~~خلالها بعض الأشعة البيضاء في أنحاء الفضاء، وأخذ بول ودومينج يفتحان للمياه المتراكمة ~~شعابا ممتدة في أطراف الحوض تنحدر منها إلى البحر، حتى لم يبق منها بعد ساعة إلا ما ركد ~~في الحفائر والأغوار، والبطون والوهاد، فذعر بول وفرجيني لمنظر الأشجار الساقطة والجذوع ~~المتهافتة، والأغصان المتناثرة، والأزهار المبعثرة، كأنهم يشهدون أطلالا بالية قد عصفت بها ~~وبساكنيها أيدي الحدثان، وعوادي الزمان. # وخطر لفرجيني أن تذهب لزيارة حديقتها لترى ما فعلت تلك الحوادث بها، فعرض عليها بول أن ~~يصحبها فسارا معا حتى أشرفا عليها، فإذا هي قفر يباب لا شجر ولا ثمر، ولا طيور ولا أعشاش ~~ولا جداول ولا غدران، إلا ما كان من تلك البلابل الضاوية الواقعة على ذوائب بعض الأشجار ~~ترعد بردا، وتغرد تغريدا شجيا هو بالأنين والبكاء أشبه منه بالترجيع والغناء. # فأطرقت فرجيني إطراقة طويلة ثم رفعت رأسها والتفتت إلى بول وقالت له: لقد ضاعت كل آمالي ~~في الأرض يا أخي، فلم يبق لي إلا أملي في السماء! لقد غرست تلك الجنة الزاهرة، وأجريت في ~~خلالها الجداول والغدران. وأنشأت في أنحائها ما شئت من الحظائر لماشيتي، والأعشاش لطيوري، ~~وكانت أنسي وراحتي، وملجأ همومي وأحزاني. # وها هي ذي أيدي الحدثان قد عصفت بها، وعفت رسومها ومعالمها، ومحت سطورها من كتاب الدهر ~~كأن لم تغن بالأمس، فلم يبق لي ما آنس به في هذا العالم ولا ما أسكن إليه، فلأطلب لنفسي ~~سعادة غير هذه السعادة، في عالم غير هذا العالم لا تعصف به العواصف، ولا تجتاحه السيول، ~~ولا تنال منه أيدي الصروف والغير. # فاضطرب بول عند سماع هذه الكلمات وسرت في جسمه رعدة شديدة ملكت ما بين أقطاره، فصمت ~~هنيهة ثم التفت إليها وقال لها: هوني عليك الأمر يا فرجيني، فكما يعرض الموت على الحياة ~~تعرض الحياة على الموت، وأعدك وعدا صادقا أن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه، وسترين عما ~~قليل خمائلك وأشجارك ومياهك وظلالك وأطيارك وأعشاشك عائدة إلى شأنها الأول، ms061 فيعود لك ~~أنسك واغتباطك وسرورك وابتهاجك، فرفعت طرفها إلى السماء وظلت على ذلك ساعة كأنما تحاول ~~أن تطير بروحها إلى ذلك الملأ الأعلى، ثم وضعت يدها على عاتقه وقالت له: أتدري ما هو خير من ~~هذا كله يا بول؟ قال: لا، قالت: إن لسميك «بول» الرسول عندي منزلة لا تعدلها منزلة ~~أخرى، وقد رأيت له صورة عندك تحتفظ بها في أطواء ثيابك، فرجائي إليك أن تهديني إياها، قال: ~~لا أحب إلي من ذلك. # وانطلق يعدو إلى كوخه عدو الظليم ليأتي بها، وهي صورة أثرية قديمة كانت تحملها مرغريت في ~~قلادتها منذ زمن بعيد، فلما ولدت ولدها بول ورأت في ملامح وجهه ما يشبه ملامح ذلك القديس ~~العظيم سمته باسمه، وناطت تلك القلادة بعنقه كتميمة تحفظه من عاديات الدهر، وغوائل الأيام، ~~ولم يزل حاملا إياها حتى كبر وأينع، فاحتفظ بها في صندوقه بين ملابسه كأعز شيء لديه، حتى ~~سمع فرجيني تقترح عليه أن يهديها إياها، فلم يكن شيء من الأشياء أحب إليه من أن يفعل راضيا ~~مغتبطا، وما هي إلا ساعة حتى عاد بها طائرا فرحا فقدمها إليها، فسرت بها سرورا عظيما، ~~وجرى ماء البشر في وجهها طلقا غدقا، وقالت له: ستبقى هذه الصورة تذكارك الدائم عندي ما ~~حييت، ولن تفارق عنقي أبدا حتى الساعة الأخيرة من ساعات حياتي، ولن أنسى أبد الدهر أنك قد ~~أهديت إلي الشيء الوحيد الذي تملكه، فحنا عليها وهم أن يحتضنها إلى صدره فأفلتت من يده ~~برفق وركضت هاربة إلى حجر أمها كعادتها. # فوقف بول في مكانه حائرا مكتئبا مذهوبا به كل مذهب، تعبث بعقله الوساوس ~~والأوهام. # ولقد طال هذا الأمر بينهما وأصبحت حياتهما حياة غريبة مضطربة لا عهد لهما بمثلها من ~~قبل، فخلت مرغريت يوما من الأيام بهيلين وقالت لها: لم لا نزوج بول من فرجيني فقد بدآ ~~يشقيان في عيشهما، وأخاف أن يمتد بهما الأمر إلى ما هو أعظم شرا من ذلك، وعندي أنه متى ~~تكلمت الطبيعة وجب الإصغاء إليها والإذعان لها، وما شقي ms062 الناس هذا الشقاء الذي نراهم ~~يعالجونه كل يوم إلا لأنهم تمردوا على الطبيعة وخلعوا طاعتها، وسولت لهم نفوسهم السير في ~~طريق غير طريقها. فقالت هيلين: إن الولدين لا يزالان صغيرين وفقيرين، فماذا يكون ~~شأنهما غدا إن قسم لهما أن يلدا أولادا كثارا في قفرة مثل هذه القفرة لا يعين المرء ~~فيها على العيش غير المال؟ إننا كابدنا أعظم ما يكابد امرؤ في العالم من عناء وشقاء في ~~سبيل تربيتهما وتغذيتهما، فمن لهما - وهما ضعيفان ساذجان وقد رحلنا عنهما إلى عالمنا الآخر ~~الذي ينتظرنا ورحل معنا دومينج وماري - بقوة تعينهما على أمرهما وأمر حياتهما العائلية ~~المستقبلة، إن الزمان قد دار دورته، وقد أصبحت أشعر منذ أعوام بآلام شداد تخالط كل جزء ~~من أجزاء جسمي، وأرى أنني أسير حثيثا في تلك الطريق التي يسير فيها الذاهبون إلى حفائرهم، ~~وأن ليس بيني وبينها إلا خطوات قليلة، وقد أصبح دومينج شيخا هرما لا يكاد يحمل عبء نفسه، ~~وأصبحت ماري على مقربة من ذلك، فلا يبقى لهما مساعد ولا معين. # والرأي الذي أراه أن نباعد بينهما، فنرسل بول إلى بعض أصقاع الهند ليتجر فيها بما يتجر ~~به الأوروبيون المنتشرون في تلك البلاد، عله يتلهى عن فرجيني بشواغله وأعماله، وربما عاد ~~عليه من ذلك ما يعينه على أمرها وأمره غدا. # ثم اتفقتا على أن تستشيراني في هذا الأمر، فأشرت عليهما بما رأتا، وقلت لهما: إن في هذه ~~الجزيرة وفي ما حولها من الجزر كثيرا من السلع التي تنفق نفاقا عظيما في الأسواق ~~الهندية، كالقطن والآبنوس والأصباغ وما إليها، فإذا سافر بول بها فباعها هناك ثم عاد ببعض ~~السلع الهندية الغريبة فباعها هنا وطال مرانه على ذلك واعتياده رجوت له في مستقبل حياته ~~خيرا كثيرا. # فعهدتا إلي أن أفاتحه في هذا الشأن، فخلوت به ذات يوم وأنشأت أحدثه حديثا طويلا عن ~~التجارة وفضائلها ومزاياها، وعن الضرب في آفاق الأرض وثمراته وفوائده، ثم أفضيت إليه بذلك ~~المقترح، فأصغى إليه وهو صامت واجم لا يقول شيئا حتى انتهيت من ms063 حديثي، فرفع رأسه إلي ~~وقال: وهل يوجد عمل أعظم ثمرة وأعود فائدة من عمل الفلاح، الذي يقوم بزراعة حقل من الحقول ~~لا يعطيه إلا القليل من جهده وأقل من القليل من ماله فيعود عليه منه ضعف ما بذل له خمسين ~~أو ستين مرة؟ ومتى كانت البحار يا سيدي وطاء لينا أخاطر فيه بنفسي لأربح شيئا أستطيع أن ~~أربحه من بيع ما فضل عن حاجتنا من حبوب وأثمار في أسواق هذه الجزيرة وما حولها من الجزر؟ ~~وأية حاجة بنا إلى المال الكثير ونحن والحمد لله في سعة من العيش لا نشكو جوعا ولا ظمأ، ~~ولا ضيقا ولا ضجرا، ولا نطلب لأنفسنا منزلة في الحياة فوق المنزلة التي نحن فيها؟ ولا ~~أكتمك يا سيدي أنني أخاف المال وأخشاه خشية شديدة، وأقشعر من ذكره كلما سمعت به، وأعتقد ~~أننا لا نزال سعداء في هذه الحياة ما دمنا بعيدين عنه وعن التفكير فيه، فإن قدر لنا ~~يوما أن نشقى فيها فإنما شقاؤنا يكون على يده وبشؤم طالعه، فلنتمتع بالسعادة التي قسم ~~الله لنا، ولا نجني على أنفسنا بالتكلف والمحاولة وركوب الطريق الهوجاء التي لا نعرفها ولا ~~نعرف غايتها ولا منتهاها، والله أعلم بنا منا، وأحنى علينا من آبائنا وأمهاتنا. # فوقفت بين يدي هذه الكلمات الحكيمة المملوءة شرفا وفضيلة موقف الجمود والصمت، لا ~~أستطيع أن أقول له شيئا، ولا أن أنكر عليه أمرا، ولا أن أفضي إليه بسر ذلك المقترح الذي ~~اقترحته عليه، ضنا به أن يهلك يأسا وجزعا. # الفصل السادس عشر # | الرسالة # وهنا وصلت سفينة من فرنسا تحمل كتابا لهيلين من عمتها تقول لها فيه: إنها ندمت على ما ~~كان منها في الماضي من قسوتها عليها ونبوها بها واطراحها إياها، وأنها قد بلغت السن ~~التي تحتاج فيها إلى قلب رحيم من قلوب أهلها أو ذوي رحمها يخفق بجانبها؛ لأنها تعيش في بلد ~~لا أهل لها فيه ولا رحم، فهي تقترح عليها أن تحضر إليها بنفسها، فإن حال دون ذلك حائل ~~أرسلت إليها ابنتها بدلا ms064 منها لتكون بجانبها في ساعتها الأخيرة، وقالت لها: إنها قد عزمت ~~على أن توصي لفرجيني بجميع ثروتها من بعدها. # فوقع ذلك الكتاب من نفوسهم جميعا موقع الدهشة والعجب، وكأنما قد نزلت بهم كارثة من أعظم ~~كوارث الدهر، فقد تمثل لهم أن هيلين ستفارقهم وينقطع أنسها عنهم، وأن ذلك الوادي سيقفر منها ~~ومن فواضلها وأياديها بعد ما عمرته أعواما طوالا، فوجمت مرغريت، وأطرقت فرجيني، وجمد بول ~~في مكانه جمود الصنم، واستعبر دومينج وماري، ومرت بهم على ذلك ساعة لم تمر بهم مثلها مذ ~~وطئت أقدامهم هذه الأرض حتى اليوم، ثم التفتت هيلين إلى مرغريت باسمة وقالت لها: هدئي روعك ~~يا صديقتي فإنني لا أفارقك أبدا، وما أحسبني مستطيعة ذلك لو أردته، فقد سعدت بك برهة من ~~الزمان لا أستطيع أن أنساها أو أنسى يدك البيضاء فيها، ثم أقبلت عليهم جميعا وقالت لهم: ~~كونوا مطمئنين يا أولادي، فسأبقى معكم حتى أموت بينكم وأدفن في التربة التي تعيشون فيها، ~~ولقد جرح الدهر قلبي فيما مضى جرحا داميا فكنتم أنتم أطباءه وأساته وما زلتم به ~~تنفون عنه غثاثته وتنضحونه بالبارد العذب من ودكم وإخلاصكم، وعطفكم ورحمتكم، حتى التأم ~~أو كاد، فلن أكفر بنعمتكم أبدا، ولن أجازيكم على إحسانكم شر الجزاء، ولئن كانت قد بقيت في ~~أعماق قلبي بقية من ذلك الشجن القديم، والذكرى المؤلمة، فذلك ما لا يد لكم فيه، ولا حيلة ~~لكم في أمره، ولا توجد قوة في العالم - سواء أعشت في هذا الكوخ الحقير أو في ذلك القصر ~~العظيم - تستطيع أن تشفيني من دائي، إلا أن يمد الله إلى يد معونته ورحمته. # فما سمعوا منها ذلك حتى استطيروا فرحا وسرورا، وداروا بها يقبلونها ويعتنقونها، ~~ويهنئونها بوفائها وإخلاصها، فلله ما أشرفهم وأكرم نفوسهم، إن الثروة الطائلة التي يقتتل ~~عليها الناس اقتتالا وينحر بعضهم بعضا في سبيلها، تعرض نفسها عليهم عرضا فيأبونها، ~~ويطيرون فرحا بالخلاص منها. # وإنهم لكذلك إذ سمعوا ضوضاء خارج الكوخ وأصواتا غريبة، فدخل عليهم دومينج وأخبرهم أن ~~سيدا عظيما يركب مركبا ms065 فارها ووراءه عبيد كثيرون يقصد هذا الكوخ، وما أتم كلمته حتى دخل ~~ذلك السيد العظيم، فإذا هو حاكم الجزيرة المسيو «لابوردينيه»، فنهضوا له إجلالا وإعظاما، ~~وحيوه بتحية الحاكمين، وقدمت له مرغريت كرسيا من القش فجلس عليه، وقدمت له هيلين شراب ~~الأرز في إناء بسيط من القرع فتناوله مغالبا نفسه على كتمان ما شعر به من التقزز حينما ~~شربه، ثم دار بعينيه في أنحاء الكوخ، فعجب لحقارته ورثاثته، وبساطة ما يشتمل عليه من الآنية ~~والأثاث، وبدأ حديثه بمعاتبة هيلين في انقطاعها عن زيارته تلك المدة الطويلة، وأنها لم تلجأ ~~إليه في ساعات شدتها وبؤسها ليمدها بالمعونة التي تحتاج إليها، وكان بول واقفا بجانب ~~الباب يسمع حديثه ويلقي عليه نظرة شزراء، وكأنما قد ألهم ما يدور في نفسه، وما قدم من ~~أجله، فتقدم نحوه خطوة وقال له: إنك لست بصادق فيما تقول يا سيدي؛ لأن أمي ذهبت إليك في ~~بيتك منذ أعوام فازدريتها واحتقرتها، ولم تأذن لها أن تجلس على كرسي بين يديك، ولقد أراد ~~الله بها خيرا إذ كفاها مئونة حمل منتك أو منة أحد من الناس غيرك. فالتفت الحاكم إلى ~~هيلين وقال لها: ألك ولد أيضا يا سيدتي؟ قالت: لا، ولكنه ولد صديقتي مرغريت وهو يسميني ~~أمه؛ لأنه ربي مع فرجيني في مهد واحد، ورضع معها ثديا واحدا، وأحبها حبا لا يحبه ~~الأخ أخاه. فنظر إليه الحاكم وقال له: ادن مني يا ولدي، فدنا منه، فمسح بيده على رأسه، وقال ~~له: إنك لا تزال صغيرا يا بني، فإذا بلغت مبلغ الرجال وفهمت ضرورات الحياة وأحكامها أدركت ~~مبلغ شقاء هؤلاء القوم الذين تسمونهم حكاما، وعلمت أن أعظم ما يشقون به في حياتهم أنهم ~~ليسوا أحرارا في إجراء العدالة بين الناس، وإراحة الحقوق على أهلها، وتحري الصدق فيما ~~يقولون، والفضيلة فيما يفعلون. # فتناول بول يده وهزها هزا شديدا وقال له: أشكر لك صدقك وصراحتك يا سيدي، وإن كنت قد ~~أسأت إلينا فيما مضى، وأظن أني أستطيع أن أتخذك صديقا لي منذ اليوم، ms066 فابتسم الحاكم وقال: ~~ولي الشرف العظيم بذلك يا ولدي. # ثم أشار إلى هيلين أنه يريد محادثتها على انفراد، فأشارت إليهم جميعا فانصرفوا، فأقبل ~~عليها يقول لها: لا بد أن تكوني قد قرأت الكتاب الذي أرسلته إليك عمتك اليوم، وقد جاءني ~~منها كتاب في البريد نفسه تطلب إلي فيه أن أزورك، وأبذل كل ما أملك من الجهد في حملك على ~~السفر إليها، أو إرسال ابنتك فرجيني بدلا منك، وأرى أن ترسلي إليها ابنتك، فهي فتاة ناشئة ~~فتية ذات نضرة وجمال، وليس من الرأي أن تدفني مثل هذه الحياة الغضة الندية في مثل هذه ~~التربة القاحلة المحرقة، والحياة السعيدة هنالك تنتظرها وتمد ذراعيها لاستقبالها، وإني وإن ~~كنت أعلم أني أطلب إليك ما يشق عليك ويفت في عضدك، ولكني أعلم أيضا أنك أرحم بابنتك وأحنى ~~قلبا عليها من أن تحولي بينها وبين تلك السعادة التي تنتظرها هناك من أجل متعة نفسك ~~برؤيتها جالسة بين يديك، وأعتقد أنك لا ترين بأسا من التضحية بشيء من عواطفك النفسية ~~في سبيل راحتها وسعادتها وهناءة عيشها طول أيام حياتها، ولقد كتب إلي وزير المستعمرات أن ~~أعنى بهذه المسألة عناية كبرى، وألا أدعها تفلت من يدي ما وجدت إلى ذلك سبيلا، ومعني ذلك ~~عنده أن آخذك بالشدة في هذا الأمر، وأكرهك منه على ما لا تحبين، ولكنني لم أحفل بكلامه ولم ~~أكترث له، بل جئت إليك بنفسي لأعرض عليك الأمر عرضا، لا لألزمك به إلزاما، وإني أكل ~~إليك وإلى رحمتك وشفقتك وتعقلك ورزانتك مستقبل هذه الفتاة المسكينة، فاختاري لها ما يجب أن ~~تختاره الأم الرءوم لابنتها، على أن صلتها بك لن تنقطع في مستقبل الأيام، وستسمعين غدا من ~~أحاديث هناءتها ورغدها ورفاهيتها ونعمتها ما ينير لك ظلمة الوحشة التي تشعرين بها بعد ~~فراقها، على أنها ربما عادت إليك بعد قليل من الأيام، فإن عمتك - على ما أعلم - في الدور ~~الأخير من أدوار حياتها، وهي هامة اليوم أو غد. # فقالت له هيلين: إنني ما تمنيت على الله في حياتي ms067 شيئا سوى أن أرى ابنتي سعيدة في ~~حياتها، هانئة بعيشها، إلا أنني لا أحب أن أفتات عليها في أمر من أمورها، فلا بد لي من أن ~~آخذها بالرفق واللين حتى تذعن لما أريد، وأرجو أن يعيني الله على ذلك، وأظن أني أستطيع أن ~~أفضي إليك بالأمر غدا أو بعد غد قال: أرجو أن تعجلي بقدر ما تستطيعين، فالسفينة موشكة على ~~السفر، ولا أحسبها باقية عندنا أكثر من ثلاثة أيام، ولا أعلم متى تعود بعد ذلك. # ثم نهض قائما وأخرج من جيبه كيسا كبيرا مملوءا بالقطع الذهبية ووضعه على المائدة ~~وقال: هذه هدية عمتك إليك لتستعيني بها على شأنك وشأن فرجيني. وودعها ومضى. # الفصل السابع عشر # | الوداع # لم يثقل هذا الأمر كثيرا على نفس هيلين، بل صادف هوى من قلبها، ولم تكن كاذبة في قولها ~~للحاكم إنها لا تتمنى على الله في حياتها شيئا سوى أن ترى ابنتها سعيدة في حياتها، هانئة ~~بعيشها، إلا أنها لا تحب أن تفتات عليها في أمرها، فإن الحاكم لم يتجاوز عتبة باب الكوخ حتى ~~دعت إليها ابنتها وخلت بها، وأنشأت تحدثها حديثا طويلا قالت لها فيه: إنني أصبحت يا بنيتي ~~امرأة عليلة منهوكة، لا قوة لي ولا عزيمة، وما مرغريت بأحسن حالا مني، وقد صار دومينج ~~وماري شيخين ضعيفين، والشيخوخة أسرع إلى سكان هذه المناطق الحارة منها إلى سكان المناطق ~~الأخرى، وبول لا يزال فتى غريرا عاجزا عن أن يستقل بنفسه فيما يعالج من شئونه، فماذا يكون ~~حالكما غدا لو أنكما أصبحتما تحملان وحدكما عبء هذه الحياة الثقيلة على عاتقكما، وكيف يهون ~~عليكما أن تريا أولادكما الصغار غدا بائسين أشقياء لا يملكون لأنفسهم ولا تملكان لهم نفعا ~~ولا ضرا؟ وقد مثلت لنفسي بين أن تعيشي بجانبي فأراك فقيرة معوزة تشقين ليلك ونهارك ~~في جمع قوتك كما تشقى الأجيرة العاملة، وبين أن تفارقيني بضعة أعوام أسمع في أثنائها على ~~البعد من أنباء سعادتك وهناءتك ونعمتك ورغدك ما يثلج صدري ويذهب بوحشة نفسي، فوجدت أني ~~أستطيع احتمال ms068 الثانية، وأعجز عن احتمال الأولى، فسافري يا بنيتي، وكوني غدا عكاز شيخوختي ~~وعماد حياتي، ومعينتي على دهري. # فرفعت فرجيني رأسها إليها فإذا دمعة رقراقة تتلألأ في عينيها، ونطقت بتلك الكلمة التي ~~عجزت عن أن تنطق بها قبل اليوم فقالت: «وكيف لي بترك بول يا أماه؟!» # قالت: «إنما أطلب إليك السفر من أجل بول، لا من أجل غيره، فهو غلام مسكين يبذل من راحته ~~وقوته في سبيل العمل ما أحسب أنه قاتله وذاهب بحياته إن طال عليه أمره، فارحميه وأشفقي ~~عليه وأنقذيه من بؤسه وبلائه، ولقد آثرت أن أحتمل كل مكروه في سبيل ذلك حتى الموت ضنا بك ~~وبسعادتك، فكوني مثلي وفارقيه رحمة به وإبقاء عليه، وليكن حبك إياه عظيما مجيدا كحبي ~~إياك، ولن يعظم الحب ولن يمجد إلا إذا بني على أساس من التضحية والبذل.» # قالت: ألم تقولي لي يا أماه قبل اليوم إن للكون إلها يتولى شأنه ويرعاه؟ وقد رعانا وتولى ~~شأننا بالأمس، فلم يتخلى عنا غدا؟ # ألم تقولي لي إننا ما خلقنا إلا للعمل، وإن العمل هو ينبوع الحياة ومادتها التي لا تفنى؛ ~~فلم تطلبين إلي اليوم أن أعتمد في حياتي على غيره، وألتمس الرزق من سبيل غير سبيله؟ # دعيني أعش بجانبك يا أماه، وبجانب بول ومرغريت ودومينج وماري، وعلى مقربة من شويهاتي ~~وأعنزي، وطيوري وعصافيري، وبين أحضان هذا الوادي الجميل الذي أنست به وأحببته وألفت ~~ليله ونهاره، وكواكبه ونجومه، وأشعته وظلاله، فإنني لا أستطيع أن أعيش بين قوم لا أعرفهم ~~ولا أفهمهم، ولا أحسبني أحمدهم إن عرفتهم وفهمتهم. # دعيني أعش مما قسم الله لي من الرزق، ولقد رزقني الجم الكثير الذي لا أطلب فوقه مزيدا، ~~ولا أبتغي به بدلا ... # لقد عشت في هذا الوادي خمسة عشر عاما ما شكوت ولا تألمت، ولا بت ليلة جائعة أو ظامئة ~~أو ساخطة أو ناقمة، فلم تطلبين إلي أن أترك ما لا يريبني إلى ما يريبني، وأن أبيع هذا ~~الحاضر المعروف بذلك الغائب المجهول؟ إن نفسي لتحدثني بشر عظيم في هذه ms069 السفرة التي ~~تدعونني إليها، وما أزعم لنفسي علم ما في الغيب، ولكنني أشعر بخوف شديد لا أعرف له سببا، ~~وحسبي أن أعلم ألا سبيل لي إلى الوصول إلى ذلك العالم الثاني إلا إذا ركبت تلك المطية ~~الوعرة التي يسمونها البحر حتى تسيل نفسي رهبة وجزعا. # فأطرقت هيلين صامتة ولم تستطع أن تقول شيئا؛ لأنها وإن كانت من أشهى الأشياء إليها أن ~~ترى ابنتها بعيدة عن بول في تلك الأيام، وأن تراها آخذة بحظها من تلك السعادة التي ~~تنتظرها هناك، إلا أنها رحمتها وأشفقت عليها فلم تستطع أن تجادلها فيما تقول. # ثم قالت بعد قليل: إنني لا أحب أن أشق عليك يا بنيتي في شأن من شئونك الخاصة بك، فاختاري ~~لنفسك الحياة التي تحبينها وتؤثرينها، غير أني أضرع إليك في أمر أرجو ألا يثقل عليك. قالت: ~~وما هو؟ قالت: أن تكتمي سرك الذي تعالجينه بين جنبيك، فلا تبوحي به لأحد من الناس كائنا ~~من كان حتى لبول نفسه، وأن تجعلي الفضيلة والطهارة والشرف والعفة رائدك في كل ما تقولين وما ~~تفعلين، وأن تأخذي نفسك بالأناة والرفق في جميع خطواتك وتصرفاتك اتقاء العثرة والزلة، وأن ~~تجعلي نصب عينيك دائما أن الرجل لا يحترم إلا المرأة التي تضن بنفسها عليه، ولا يحتقر مثل ~~المرأة التي تبذل نفسها له، أي إنه يحب المرأة الفاضلة أكثر مما يحب المرأة الجميلة، بل لا ~~يعرف للمرأة جمالا غير جمال الأدب والعفة، وإن زعم في نفسه غير ذلك. قالت: ذلك ما أعرفه يا ~~أماه، ولا أعرف شيئا سواه. # وما أتى المساء حتى وفد إلى الكوخ كاهن الجزيرة، وهو رجل من أولئك الدهاة الماكرين الذين ~~تستعين بهم الحكومات الاستعمارية على غزو القلوب الضعيفة وحيازتها بلا سفك دم، ولا إنفاق ~~مال، والذين يكونون دائما في حاشية حكام المستعمرات ليعينوهم على ما هم آخذون بسبيله من ~~الفتح والغزو، وكان هذا الكاهن يختلف إلى هذه الأسرة من حين إلى حين ليرشدها ويباركها، ~~فلما رأوه قادما إليهم ظنوا أنه إنما جاء لزيارتهم كعادته ms070 التي اعتادها، فأحسنوا استقباله ~~وتحيته. ورأت هيلين أن تكاشفه بذلك الأمر الذي كان يشغلها، فكاشفته به، فلم يلبث أن قضى فيه ~~قضاء مبرما، وأعلن أن الله يأمر هيلين بالبقاء في الجزيرة ويأمر فرجيني بالسفر إلى فرنسا، ~~وأنهما إن لم تفعلا فقد خالفتا إرادة الله وباءتا بسخطه وغضبه. فذعرت فرجيني ذعرا شديدا، ~~ولم تجد بدا من الخضوع والإذعان، فانصرف الكاهن عائدا إلى قصر الحاكم ليرفع إليه ما تم ~~من الأمر على يده. # وما أصبح الصباح حتى علم سكان الجزيرة أن تلك الأسرة الفقيرة الخاملة التي تسكن ذلك ~~الوادي المقفر الموحش قد أمطرتها السماء فضة وذهبا، فوفد إليه الوافدون من كل مكان ما ~~بين مستمنح يطلب حاجة، ومستعين يطلب معونة، وتاجر يعرض سلعة، فأعطت السائل، وأعانت ~~المسترفد، وابتاعت من الأنسجة والشفوف وصنوف الديباج والخز وأنواع الأثاث والرياش ما يزيد ~~عن حاجتها، وما يضيق به كوخها، وخلع جميع أفرادها أسمالهم القديمة البالية وقمصهم البنغالية ~~الخشنة، وارتدوا ملابس جديدة بديعة الشكل والهندام، ولبست فرجيني ثوبا حريريا أزرق ~~مطرزا بالقصب، واعتصبت بعصابة وردية زاهية، ولصق ثوبها بجسمها فمثله تمثيلا بديعا، ~~ووصفه وصفا دقيقا، وبول يرى كل هذا ولا يفهم منه شيئا؛ لأن أحدا منهم لم يجرؤ أن يكاشفه ~~بالأمر إلا أن يظن ظنا، فعظم حزنه واكتئابه، وساورته الوساوس والهموم، فرحمته أمه مما به، ~~وكانت تمسك في نفسها شيئا من العتب على صديقتها هيلين في رضاها بسفر ابنتها، وتضحيتها ~~بابنها في سبيلها، فدعته إليها وخلت به وقالت له: لم تعلل نفسك يا بني بالآمال الكاذبة، ~~والأماني الضائعة، ولم تتطلع إلى ما تقصر عنه يدك ويضيق به ذرعك؟ ولقد آن أن أكشف لك حقيقة ~~أمرك الذي كتمته عنك زمنا طويلا لتعلم من أنت؟ ولتقدر آمالك على مقدار حقيقتك، لا على ~~مقدار تصورك، فاعلم أن أمك امرأة فلاحة وضيعة لا حسب لها ولا نسب، وأن قدرا من الأقدار ~~الجارية بين الناس قد نزل بها في صباها فحاد بها عن طريق الشرف والاستقامة، فحملت بك من ~~سفاح، أي إنك ms071 لا أب لك يعرفه الناس ولا لقب لك غير لقب أمك، فلا تقس نفسك بفرجيني، فهي ~~فتاة شريفة نبيلة من أسرة كريمة مشهورة، ولها عمة مثرية كانت قد أغفلت أمرها حقبة من ~~الزمان لأمر ما ثم ذكرتها اليوم فأرسلت في طلبها لتعيش معها في باريس متمتعة بثروتها ~~الطائلة، حتى إذا ذهبت لسبيلها ورثت عنها هذه الثروة من بعدها، فلا تطمع في أن تتصل بها ~~يوما من الأيام إلا أن تكون فلتة من فلتات الدهر، أو أعجوبة من أعاجيب الأيام، وأرح نفسك ~~من هموم الأماني ومتاعبها، والله أولى بك وبي من كل مخلوق. # واعلم يا بني أنني لم أقترف هذا الجرم الذي ذكرته لك وأنا أعلم أني آثمة أو مذنبة، ولكنه ~~قضاء الله قد جرى بما لا حيلة لي ولا لأحد من الناس في أمره، فاغفر لي خطيئتي إن كنت ترى ~~أنني مخطئة أو أنني الجالبة لك هذا الشقاء الذي تكابده في حياتك. # ثم أسلمت رأسها إلى ركبتيها وبكت بكاء طويلا. # فحنا عليها بول وطوق عنقها بيديه وقال لها: لا تبك يا أماه، فما أنت بائسة ولا شقية ما ~~دمت معك، أما هفوتك التي تتحدثين عنها فما أحسب إلا أن الله قد غفر لك؛ لأنك قد كفرت عنها ~~بدموعك وآلامك وشقائك الذي كابدته زمنا طويلا، وكوني على ثقة من أنك أجل في عيني ~~وأكبر في نفسي من أن أعد عليك أمثال هذه الهفوات والعثرات، وأنني لا يعنيني أكان أبي ~~معلوما أم مجهولا، شريفا أم وضيعا؛ لأنني ما فكرت يوما من الأيام أن أفخر به أو أعتمد ~~في حياتي عليه، أما تلك التي حدثتني عنها فسأحمل نفسي على نسيانها وسلوتها، وأرجو أن يعينني ~~الله على ذلك، ولقد شعرت قبل اليوم بانقباضها عني وتجهمها لي، ولا بد أن تكون قد وقفت من ~~بضعة أشهر على هذا السر الذي أطلعتني عليه اليوم فازدرتني واحتقرتني، ونفضت يدها مني إلى ~~الأبد، والأمر لله وحده. # ثم نهض قائما وقد ظن أنه قد شفي مما به، فتنفس نفس ms072 الراحة ومضى لسبيله. # غير أنه لم يبعد إلا قليلا حتى شعر بوخزة في قلبه، فلم يهتم بها، ثم تتابعت الوخزات، ~~فخيل إليه أن قلبه يرفرف بين أضلاعه رفرفة الطائر بأجنحته، وأنه يحاول أن ينبعث من مكانه ~~ويطير في أجواز الفضاء، فصرخ صرخة عظيمة وظل يهتف: آه يا فرجيني! آه يا فرجيني! حتى وصل ~~إلى صخرة عالية على شاطئ البحر فتهافت عليها، وأسلم رأسه إلى ركبتيه، وذهبت به نفسه مذاهب ~~لا يعلمها إلا الله. # وظل على ذلك ساعة حتى انحدر قرص الشمس إلى مغربه وبدأ كوكب الليل يخطر في جو السماء ~~محفوفا بحاشية من سحبه وغيومه، فلا يكاد يلمحه اللامح من خلالها إلا كما يلمح وجه الحسناء ~~من وراء خمارها، ثم أخذ يرسل أشعته الباهتة الخضراء على ما تحته من صخور وهضاب، ورمال ~~وتلال، فأضاءتها وأضاءت فيما أضاءته ذلك الشبح الضئيل الجاثم على تلك الصخرة ~~المنفردة. # وإنه لكذلك إذ شعر بيد قد وضعت على عاتقه وبأحرى ترفع رأسه، فانتبه فإذا فرجيني واقفة ~~أمامه ودموعها تترقرق في عينيها، فذعر إذ رآها وظل ينظر إليها نظرا حائرا مضطربا، فقالت ~~له: ما بقاؤك هنا وحدك في هذا المكان يا بول؟! فقال لها: لقد حدثوني عنك أنك مسافرة بعد ~~يومين أو ثلاثة، وأنك ذاهبة لتفتشي لك عن أخ آخر غيري يصلح لك وتصلحين له؛ لأنك عرفت ~~أنك فتاة شريفة سرية لا يجمل بك أن تتصلي بفتى وضيع مسكين مثلي، فأحزنني ذلك حزنا ~~عظيما، وكنت أظن أنني أستطيع أن أحمل نفسي على الصبر عنك واليأس منك، فعجزت، فلم أر بدا ~~من أن أروح عن نفسي ببضع قطرات من الدمع أذرفها في هذا المكان الخالي. # ثم أشار إليها أن تجلس بجانبه، وأقبل عليها، وظل يقول لها: إلى أين تريدين أن تذهبي يا ~~فرجيني؟ وأي أرض تلك الأرض التي اخترتها وآثرتها على أرضك التي نشأت فيها، وألفت ماءها ~~وهواءها، وظلالها وأفياءها، وخضراءها وغبراءها؟ وأي قلب ذلك القلب الذي رأيت أنه يحمل لك ~~في سويدائه من الحب والعطف أكثر ms073 مما يحمل لك قلب أمك فاستبدلته به وسكنت إليه من ~~دونه؟ # لمن تتركين تلك المرأة المسكينة وأنت أنس وحشتها، وسمير وحدتها، وعماد حياتها، وكل أملها ~~ورجائها في هذا العالم؟ # كيف تستطيع أن تهنأ بنومها حينما تمد يدها في ظلام الليل وسكونه إلى مضجعك فلا تراك ~~بجانبها؟ وكيف تستقبل وجه النهار إذا فتحت عينيها في الصباح فلا تقعان على وجهك المشرق ~~الجميل؟ أو تجد لذة الطعام والشراب إذا جلست إلى المائدة فلا تراك بين الجالسين إليها؟ أو ~~تصغى إلى أصوات الطبيعة المترنمة وصوتك لا يجلجل بينها، ولا تنبعث رنته بين رناتها؟ # وكيف لي بتعزيتها وتعزية أمي عن همومهما وأحزانهما إذا دخلت إليهما فرأيتهما باكيتين ~~منتحبتين تسألان عنك الليل والنهار، والأصائل والأسحار، والظباء السانحة، والطيور البارحة، ~~فلا تسمعان ملبيا ولا مجيبا، ولا تقبلان عزاء ولا سلوى؟ # وصمت هنيهة ثم قال وعيناه مخضلتان بالدموع: وما أصنع أنا من بعدك أيتها الغادرة القاسية ~~إذا ظللت أفتش عنك في كوخك ومخدعك، وتحت ظلال الأشجار، وعلى ضفاف الأنهار، وفي جميع الأماكن ~~التي أعلم أنك تأوين إليها، لأجلس إليك ساعة أتمتع فيها بلذة حديثك، وحلاوة سمرك، فلا أراك ~~في واحد منها؟ ومن لي بمن يستقبلني حينما أعود من المزرعة تعبا لاغبا فيبتسم لي تلك ~~الابتسامة العذبة الجميلة التي تذهب بجميع أوجاعي وآلامي؟ ومن ذا الذي يصحبني في هدوء الليل ~~وسكونه إلى شاطئ البحر وقد بسط القمر أشعته على أمواجه المنبسطة، وصبغها بلونه الفضي ~~الجميل، فيجلس بجانبي على رملة من رماله الميثاء فيسمعني تلك الأناشيد الساحرة الخالبة ~~التي تستغرق شعوري ووجداني، وتملك علي مداركي وعواطفي، ويخيل إلي حين أسمعها أنها هابطة ~~من الملأ الأعلى، وأنها نغمات الحور الحسان في فراديس الجنان؟ # إنني لا أستطيع أن أعيش من بعدك يا فرجيني، ولا أستطيع أن أسألك أن تستصحبيني معك في ~~سفرك، فأنت أجل من ذلك شأنا وأعظم خطرا، ولقد أفضت إلي أمي اليوم بسر حياتك وسر ~~حياتي، فعلمت أنك فتاة شريفة جدا، وأنني فتى وضيع جدا، لا أصلح أن أكون ms074 أخا لك، بل ~~لا أصلح أن أكون عشيرك وجليسك، وإنما أسألك أن تأذني لي بركوب السفينة التي تركبينها لأكون ~~ملاحا من ملاحيها، أو خادما من خدمها، فأراك على البعد، فأجد في رؤيتك راحتي وسلوتي، ~~وأعدك وعدا صادقا لا أغدر فيه ولا أحنث أنني لا أجالسك ولا أدنو منك، ولا أتصل بك بوجه ~~من الوجوه إلا إذا عرض لك خطر من الأخطار، فإنني أبذل لك في تلك الساعة جميع ما تملك يدي، ~~وما تملك يدي غير حياتي، فأبذلها لك طيب النفس عنها. # ما الذي طرأ عليك يا فرجيني؟ وما الذي نال من نفسك هذا المنال كله حتى استحالت حالتك إلى ~~حالة أخرى أكاد أنكرها ولا أعرفها؟ # كنت تخافين البحر أشد الخوف، وتجزعين لرؤية عواصفه وأنوائه جزع الأطفال الصغار، وتعجبين ~~كل العجب للذين يخاطرون بأنفسهم في ركوبه، فإذا أنت مزمعة أن تعبريه، وأن تلبثي بين أمواجه ~~الثائرة تسعين يوما كاملة. # كنت تتألمين أشد الألم لفراق أمك يوما واحدا، فها أنت تريدين أن تفارقيها طويلا لا ~~يعلم مداه إلا الله تعالى، ومالك حيث تذهبين من الأرض أم سواها. # كنت تقولين لي: إنني لا أجد لذة الحياة بعيدة عنك، فها أنت تجدينها بعيدة عني جدا ~~بين أقوام لا تعرفينهم، ولا تمتين إليهم بصلة من الصلات، أو سبب من الأسباب. # لقد شعرت بهذا الطارئ الجديد الذي طرأ على نفسك مذ رأيتك تلبسين هذا الثوب الضيق اللاصق ~~بجسمك، وعهدي بك أنك تضيقين ذرعا بالريح العاصفة إذا مدت يدها إليك وحاولت أن تعبث بذيل ~~ردائك، أو تدور بقميصك حول جسمك، ولا أدري ماذا يكون شأنك غدا إذا فارقت هذه القفرة ~~الموحشة إلى ذلك العالم المزدحم الهائل الذي يتدفق حرية واستهتارا، ويسيل نعمة ~~ورغدا؟ # نعم إنك قد مللتني يا فرجيني، ومللت الحياة بجانبي، وأصبحت تشعرين بالحاجة إلى المال ~~الذي لا أستطيع تقديمه لك، وإلى العيش الرغد الذي تقصر يدي عنه، فلا ألومك ولا أعتب عليك، ~~ولكنني أسألك هل أنت على ثقة من أن المال هو السبيل الوحيد إلى ms075 السعادة التي تنشدينها؟ ~~وإنك تكونين في ذلك الفناء الواسع أسعد منك في هذه الزاوية الضيقة؟ إنني أخاف أن تكوني ~~مخطئة فيما تظنين. # إنني لا آسى على نفسي يا فرجيني، فقد عرفت من أنا وعرفت من أنت، وأصبحت لا أمل لي ~~في أن أعيش في دائرة أوسع من الدائرة التي خلقت لها، ولكنني أضن بك على الدهر وأرزائه ~~أن يمتد إليك ظفر من أظفاره الجارحة فأهلك على أثرك هما وكمدا، فإما أن تعدلي عن السفر، ~~أو تأذني لي بالسفر معك، فإنني لا أستطيع أن أحول بين قلبي وبين القلق عليك ما دمت غائبة ~~عني، فإن أبيتهما فودعيني منذ الساعة الوداع الأخير، فلا أمل لي في الحياة من بعدك! # فلم تستقبله إلا بدموعها تتحدر على خديها تحدر حبات العقد وهي سلكه فانتثر، ~~وأنشأت تقول له: إنني إنما أسافر من أجلك يا بول لا من أجل نفسي؛ لأنني أصبحت أشفق عليك ~~الإشفاق كله من هذا الشقاء الذي تكابده في سبيلي وسبيل هذه الأسرة المسكينة، وطالما بكيتك ~~بيني وبين نفسي كلما رأيتك صاعدا شرفا، أو عابرا نهرا، أو سالكا وعرا، أو حاملا ~~ثقلا، حذرا عليك أن تزل بك قدمك في هوة من الهوى فتهلك فأهلك على أثرك، فأنا إن فارقتك ~~فإنما أفارقك بجسمي لا بنفسي لأعود إليك بعد قليل من الأيام بالراحة الطويلة من الآم هذه ~~الحياة ومتاعبها، ولنستطيع أن نتمتع غدا في هذا المعتزل الساكن الجميل متعة لا يكدرها ~~علينا مكدر حتى الموت. # ورجائي إليك، ألا تعود مرة أخرى إلى ذلك الحديث المزعج الذي حدثتنيه الساعة، فإنما نحن ~~توءم، نشأنا معا، ودرجنا معا، وشربنا الحياة من كأس واحدة، وسلكنا سبيلها من طريق ~~واحدة، هذا هو نسبنا، وهذا هو حسبنا، لا نعرف غيره، ولا نفهم شيئا سواه، وإني ~~قائلة لك كلمة ما كان يمنعني من أن أقولها لك قبل اليوم إلا الخجل والحياء: لو أن الدنيا ~~عرضت علي بحذافيرها على أن أبتاعها بشوكة تشاكها ولحظة تتألم فيها، لأبيتها غير آسفة ولا ~~نادمة. # على أنني ms076 لا ذنب لي فيما كان، فقد أمرتني أمي بالسفر ولا أستطيع أن أخالف لها أمرا، ~~وأبلغني الكاهن أن تلك إرادة الله ومشيئته، ولا قبل لي بالخروج عن إرادته، وبعد فهأنذا ~~بين يديك فمر في بما تشاء من أمرك أطعك وأذعن إليك غير مبالية بشيء بعدك، فكل ما في ~~الحياة هين علي إلا أن أراك جازعا أو متألما. # فصاح بول صيحة الفرح والسرور وقال: سافري يا فرجيني، وسأسافر معك لأقيك بنفسي عاديات ~~الدهر وطوارق الحدثان، فإن حيينا حيينا معا، وإن هلكنا هلكنا معا، ثم دنا منها وضمها إلى ~~صدره فشعر بالراحة التي يشعر بها الملقي عصاه بعد سفر طويل. # وكنا نفتش عنهما في تلك الساعة أنا وهيلين ومرغريت ولا نعرف لهما مكانا، حتى سمعنا صيحة ~~بول حين صاح فقصدنا إليه، فما وقع نظره علينا حتى انتفض من مكانه ومشى إلينا، ثم التفت إلى ~~هيلين وألقى عليها نظرة ما ألقى عليها مثلها قبل اليوم، وقال لها بنغمة الهازئ الساخر: ~~نعمت الأم أنت يا سيدتي، ونعم ما تسدينه إلى ولديك الكريمين عليك من نعمة سابغة ويد ~~بيضاء، إذ تريدين أن تفرقي بينهما، وتمزقي شمل حياتيهما، وتعذبي قلبيهما الناشئين الضعيفين ~~بصنوف العذاب وألوان الآلام، وأنت تعلمين أنهما متحابان متآلفان، لا يستطيع أحدهما أن يصبر ~~عن صاحبه لحظة واحدة، وأن افتراقهما هو القضاء عليهما معا. # لقد كنت يا سيدتي أزهد الناس في المال، وأشدهم نقمة عليه، وزراية وزهدا فيه، فما الذي ~~بدا لك في شأنه حتى أصبحت تخاطرين بولديك العزيزين عليك في سبيله؟ بل تخاطرين بكرامتك وعزة ~~نفسك؟ لأنك تريدين أن ترسلي ابنتك إلى تلك الأرض التي أهانتك واحتقرتك، وأبت أن تسمح لك ~~بالبقاء فيها، والعيش تحت سمائها، عقابا لك على هفوة صغيرة ما كان مثلها جديرا بمثل هذا ~~العقاب المؤلم الشديد. # نعم إنها ابنتك وأنت صاحبة الشأن فيها، ما ينازعك في ذلك منازع، ولكنني أنا أيضا أخوها ~~وصديقها وعشيرها، فصلتي بها عظيمة جدا لا تفترق عن صلتك إلا قليلا، ولئن فرق بيني ~~وبينها النسب ms077 فلقد جمعنا الحب والإخاء، والود والوفاء، والولادة في مهد واحد، والرضاع من ~~ثدي واحد، وبكائي عليها إن مسها ألم، وبكاؤها علي إن نالني وصب، ومخاطرة كل منا بنفسه في ~~سبيل صاحبه حتى يستنقذ حياته من يدي أجله أو يهلك دون ذلك، واشتركنا معا في الخير والشر، ~~والنعيم والبؤس، والجوع والشبع، والري والظمأ، وخوض الأنهار، واجتياز القفار، وتسلق الجبال، ~~ومقاساة الأهوال ، فكيف لي بالصبر على فراقها أو لها بالصبر على فراقي؟ # أبعديها عني ما شئت، ولكنني سأتبعها وأترسم آثارها حيثما حلت من الأرض، فإن أبيتم ~~إلا أن تقفوا في وجهي وتحولوا بيني وبين ركوب السفينة التي تحملها؛ خضت البحر وراءها خوضا، ~~لا أبالي بالمخاطر التي تعترضني في طريقي، فإن قدرت لي النجاة فذاك، أو لا، فحسبي منها أنها ~~تلقي علي في الساعة الأخيرة من ساعات حياتي نظرة من نظراتها، وأن تذرف في سبيلي دمعة من ~~مدامعها، فيكون شخصها آخر ما أرى من الأشياء، وصوتها آخر ما أسمع من الأصوات. # فاستعبرت هيلين وقالت: وماذا يكون حالنا من بعدك يا بول؟ # قال: هل تظنون أنني أبقى من بعدها إنسانا تستطيعون أن تنتفعوا بي في شأن من شئونكم؟ أو ~~أن يبقى لي من الفهم والإدراك ما يعينني على مأرب من مآرب هذه الحياة؟ إنها فكري وعقلي، ~~وتصوري وإدراكي، وقوتي وعزيمتي، وحياتي من مبدئها إلى منتهاها، فإن أردتم أن تفقدوني إلى ~~الأبد فأبعدوها عني، وودعوني الوداع الأخير قبل أن تودعوها. # ثم اختنق صوته بالبكاء وحاول أن يذرف دمعة واحدة يروح بها عن نفسه فلم يستطع، فارتعد ~~جسمه، واستحال لونه، وشاعت نظراته، ولمعت عيناه، ولبس وجهه أغرب صورة لبسها في حياته، وظل ~~يهذي ويقول: أيتها المرأة القاسية! لا متعك الله برؤية ابنتك بعد اليوم، ولا أعادها البحر ~~إليك إلا جثة باردة طافية على أمواجه، ولا وقعت عيناك عليها إلا محمولة على الأيدي إلى ~~مقرها الأخير، ولتكن ذكراها مبعث ألم دائم لك لا يفارقك حتى الموت. # ثم دار على نفسه دورة سريعة وسقط مغشيا عليه، فبكت هيلين ms078 ومرغريت، وبكيت أنا أيضا على ~~جفاف دمعتي ونضوب مادة حياتي؛ لأنني أصبحت والدا لهذا الولد المسكين، وأي والد لا يستطيع ~~أن يملك نفسه ومدامعه أمام دموع ولده المنهلة بين يديه، وظللت أقول في نفسي: ويل لك أيتها ~~القارة المشؤمة، لا خلاص منك ولا نجاة من يدك أبد الدهر، فقد فرت منك تلك الأسرة المسكينة، ~~ولجأت إلى أقصى مكان يمكن أن تناله يد في العالم، فما زلت بها ترسلين وراءها عقاربك ~~واحدة بعد أخرى حتى أزعجتها من مستقرها، واستطعت بحفنة واحدة من الدنانير أن تفسدي عليها ~~حياتها وتبددي ما اجتمع من أمرها، وأن تعيديها إلى حبائلك المنصوبة التي ظنت أنها قد أفلتت ~~منها أبد الدهر، فوا شقاءك ووا شقاء العالم بك! # وهنا تقدمت نحوه فرجيني تمشي بخطوات خفيفة مختلسة حتى جلست إلى جانبه، وقد تلألأ وجهها ~~بنور سماوي غريب، لا يشبه نور القمر، ولا نور الشمس، ولا نور أي كوكب من كواكب الأرض ~~والسماء، بل هو مبعث ذاته، ومنبع نفسه وأكبت على أذنه تقول له: سواء بقيت هنا يا بول أو ~~رحلت فإني أقسم لك بدموعي ودموعك، وآلامي وآلامك، وبما قدر لنا أن نلقاه في حياتنا من ~~شقاء ولوعة أنني أكون لك ما حييت، ولا أكون لأحد غيرك، أقسم لك على ذلك بين يدي أمي وأمك، ~~وبين يدي هذا الشيخ الصالح الجليل، فهم شهودي على ما أقول، والله من ورائهم محيط. # فكأنما صبت على جسمه سجلا من الزلال البارد، فانتفض ورأرأ بمقلتيه واستوى جالسا، ~~وظل يدور بنظره حوله ثم أسلبت عيناه الدموع في هدوء وسكون، فاحتضنته أمه إلى صدرها، وبكت ~~حتى امتزجت دموعه بدموعها، فهمست هيلين في أذني: إن الموقف مؤلم جدا، ولا صبر لي على ~~مشاهدته، فتقدمت نحو بول وجذبت يده، وقلت له: هيا بنا يا ولدي إلى المنزل، وقد انتصف الليل، ~~فمشى معي صامتا لا يقول شيئا ولا يلوي على شيء مما وراءه، حتى بلغنا مفترق الطريقين: ~~طريقي إلى كوخي، وطريقه إلى كوخه، فقلت له: هل لك أن تترك ms079 أهلك الليلة يستريحون من آلامهم ~~ومتاعبهم، وتذهب معي إلى كوخي لتبيت عندي ثم تعود في الصباح؟ وكن على ثقة أن فرجيني لا ~~تسافر بعد اليوم، فقد عزمت غدا أن أكلم الحاكم في أمرها، والحاكم لا يرد لي رجاء، وما ~~أحسب إلا أن الأمر سينتهي على ما تحب وترضى. فأسلم لي يده، فقدته كما تقاد السائمة ~~البلهاء حتى وصلنا إلى المنزل . فقضى ليلته قلقا مروعا لا يذوق النوم إلا لماما حتى أصبح ~~الصباح. # الفصل الثامن عشر # | السفر # وهنا صمت الشيخ وأطرق برأسه، فدنوت منه وقلت له: ما بك يا سيدي؟ قال لي: إن هذه الذكرى ~~تهيجني وتبعث شجوني وأحزاني، ولا أرى لك يا ولدي فائدة من ذكرها، فالحياة كما تعلم ذات ~~لونين: أبيض وأسود، وأنتم معشر المتمدينين لا تحبون منها إلا لونها الأبيض، فلا أريد أن ~~أنحرف بك إلى ما لا تحب من لونيها. قلت: قل يا سيدي فنحن أبناء الدموع والآلام، وسلائل ~~البؤس والشقاء، وما لنا أن نبرأ من أصولنا وأعراقنا، أو نذهب في حياتنا مذهبا غير مذهب ~~آبائنا وأجدادنا، وهل يطهر معدن النفس من أخلاطه وشوائبه وينقيه من أدرانه وأكداره غير تلك ~~الألسن النارية التي تنبعث من صدور المتألمين وقلوب المحزونين؟ على أننا لا بد لنا أن نفهم ~~الحياة كما خلقت خيرها وشرها، سعودها ونحوسها، ولا بد لنا حين ننظر إلى نصف الكرة الذي ~~يقابل وجه الشمس أن نعلم أن نصفها الآخر مظلم قاتم، وأننا ونحن في ضوء النهار سيدور الفلك ~~دورته فنصبح في ظلمة الليل البهيم. # فرفع رأسه واستمر في حديثه يقول: جاء الصباح فنهض بول من مضجعه القلق المضطرب ومشى في ~~طريقه إلى كوخه، ومشيت وراءه أرقبه على البعد من حيث لا يشعر بمكاني، فلم يزل سائرا حتى ~~لمح الخادمة «ماري» واقفة على رأس هضبة عالية تنظر جهة البحر، فذعر إذ رآها، وناداها: ~~أين فرجيني يا ماري؟ فأطرقت برأسها وبكت، فجن جنونه، وعلم بما كان، وهرع إلى شاطئ البحر ~~يعدو عدو الظليم؛ فلم ير أمامه على سطح ms080 الماء شيئا، وحدثه الناس هناك أن السفينة قد أقلعت ~~قبيل الفجر، وأنها قد تجاوزت مدى البصر فلا سبيل إلى رؤيتها، فكر راجعا حتى وصل إلى ذلك ~~الجبل العظيم الذي يسمونه جبل الاستكشاف، فارتقاه بأسرع من لمح البصر على وعورته وتشعب ~~مسالكه حتى بلغ قمته العليا، وضرب الفضاء بنظره، لم ير في عرض البحر إلا نقطة سوداء صغيرة ~~تتلاشى شيئا فشيئا ، فعلم أنها السفينة التي تحمل فرجيني، فاستمر نظره عالقا بها لا ~~يفارقها حتى غابت عن عينيه، فظل واقفا حيث هو، ينظر حيث ينظر، كأنما يظن أنها لا تزال ~~باقية في مكانها، وظل على ذلك ساعة حتى نشأت أمام عينيه سحابة سوداء حجبت عنه كل شيء، ~~فلوى رأسه وانفجر باكيا، وأنشأ يعج عجيجا محزنا يرن في أجواف الغابات والأدغال، وتردد ~~صداه أكناف الجبال، فصعدت درجات من الجبل حتى كنت منه بحيث يسمع صوتي، وظللت أناديه وأضرع ~~إليه أن ينزل، فلم يفعل إلا بعد لأي، فتناولت يده وذهبت به إلى كوخه، فبكت أماه إذ ~~رأتاه، وكانت صورته قد استحالت إلى أغرب صورة لبسها في حياته، وكأن بؤس الحياة جميعه قد ~~تجمع واتخذ له مكانا بين حاجبيه، فظل ساعة صامتا لا يقول شيئا سوى أن يدور بطرفه ها هنا ~~وها هنا كالذاهل المختبل، ثم أخذ يتكلم كأنما يحدث نفسه ويقول: لم لم ينبئوني بالساعة ~~التي تسافر فيها لأقضي حق وداعها قبل أن تفارقني؟ إنهم لو فعلوا لما زدت شيئا على أن أدنو ~~منها وأقبلها قبلة الوداع، ثم أقول لها: إن كنت تذكرين يا فرجيني أني أسأت إليك يوما من ~~الأيام أو بدرت مني بادرة آلمتك وجرحت نفسك فاغفري لي ذنبي قبل أن تفارقيني، وإن كنت ~~عزمت على أن تجعلي فراقك هذا الفراق الأخير الذي لا لقاء بعده، وأن تتخذي لك في المكان ~~الذي تذهبين إليه أخا آخر غيري تمنحينه من عطفك وودك مثل ما كنت تمنحينني فأنت في حل من ~~ذلك، وهنيئا لك ما تختارين وما تؤثرين، فلا تكن ذكراي سببا في تنغيص ms081 عيشك المقبل، وتكدير ~~حياتك الجديدة، ثم أنصرف بعد ذلك لشأني، وقد هدأت نفسي وبرد غليلي، ولكنهم لم يشفقوا علي ~~ولم يرحموني؛ لأنني ولد مسكين لا شأن لي في الحياة، بل لا مكان لي بين الأمكنة التي يجلس ~~فيها ذوو الأصول والأنساب. # فدنت منه هيلين - وما بين القلوب قلب أكثر من قلبها لوعة وأسى - وتناولت يده وقالت له: ~~كن رجلا يا بني كما كنت طول أيام حياتك، واعلم أننا ما كنا نعرف الساعة التي تسافر فيها ~~فرجيني، فقد طرق بابنا بعد عودتنا إلى الكوخ وفي هدوء الليل وسكونه حاكم الجزيرة ووراءه ~~أعوانه وجنوده وقال لنا: إن الريح قد اعتدلت، والسفينة على وشك السفر، فلتستعد الفتاة، فأبت ~~فرجيني أن تسافر قبل أن تراك، وظلت تهتف باسمك وتناجيك وتبكي بكاء مرا، فلم يجد الحاكم ~~بدا من أن يأمر رجاله بحملها، فاحتملوها إلى هودج كانوا قد أعدوه لها وساروا بها إلى شاطئ ~~البحر وهي لا تنفك عن ذكرك والبكاء عليك، حتى أقلعت السفينة. # فرفع بول إليها نظره يردده بينها وبين أمه، ثم قال لهما: فتشا لكما الآن عن ولد غيري ~~يدعوكما بأمه، ويحمل عنكما همومكما وآلامكما، فقدتماني إلى الأبد، ثم انفتل من مكانه ~~مسرعا وخرج هائما على وجهه يمر بكل مكان كانت تجلس فيه فرجيني فيجلس فيه، وبكل شجرة ~~كانت تستظل بظلها فيقف تحتها، وبكل جدول كانت تنام على ضفته فينام مكانها، وأخذ يخاطب ~~الماشية التي يجدها في طريقه كأنها تعقل عنه ما يقول لها: مسكينة أنت أيتها السائمة ~~الضعيفة، من ذا الذي يرحمك ويعطف عليك بعد صاحبتك، ويقول للطيور التي تغرد في أعشاشها: لا ~~تنتظري بعد اليوم من يحمل إليك الطعام في حجره، والماء في يده، فقد سافرت فرجيني، ورأى ~~الكلب «فيديل» سائرا في طريقه يسوف الترب ويشتمه، كأنما يفتش عن شيء ضاع منه، ~~فقال له: فتش ما شئت فإنك لن تراها بعد اليوم، ورأى عنزا تتبعه حيث سار، فالتفت إليها ~~وقال لها: أنا سائر وحدي، وليست فرجيني معي، فانصرفي لشأنك. # ولم يزل ms082 هذا شأنه حتى بلغ الصخرة التي جلس عليها معها ليلة الأمس، فارتقاها ورمى بنظره في ~~الفضاء؛ حتى استقر في المكان الذي شاهد فيه تلك النقطة السوداء من البحر في الصباح، فلم يزل ~~نظره عالقا به كأنما يظن أن السفينة لا تزال باقية فيه، وظل على ذلك ساعات طوالا. # وكنا نتبعه على البعد من حيث لا يشعر بمكاننا، ونترقب مذاهبه ومراميه ، ونرثي له مما به، ~~وقد أصبحنا ولا شأن لنا غير رعايته وملاطفته، وتهوين خطبه عليه، وتسرية همومه وأحزانه، ~~ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، حتى استطعنا بعد لأي أن نعود به إلى الكوخ، واستطاع هو بعد ~~مرور يومين كاملين لم يذق فيهما طعاما ولا شرابا أن يصيب شيئا من الطعام، فكان إذا جلس ~~على المائدة خيل إليه أن فرجيني لا تزال بجانبه، فظل يحادثها ويلاطفها كما كان يفعل من قبل، ~~ويضع بين يديها أصناف الطعام التي يعلم أنها تحبها، ثم لا يلبث أن ينتبه لنفسه فيطرق برأسه ~~خجلا وحياء، وتظل عيناه تنهملان بالدموع ثم ينهض من مكانه وينصرف لشأنه. # وكان لا يعجبه من الأحاديث مثل الحديث عنها، ولا يطربه خطاب مثل خطاب هيلين حين تناديه: ~~يا زوج ابنتي، أو يا صهري العزيز، فاستطاع الهدوء أن يجد شيئا فشيئا إلى نفسه سبيلا، ~~فأخذ يجمع آثار فرجيني من جميع أماكنها ومظانها، فجمع طاقة من الزهر كان قد أهداها إليها ~~قبل سفرها بيوم واحد، وعصابة حمراء كانت تعتصب بها في أيام الأعياد، وكأس الشاي التي كانت ~~تشرب بها، وزجاجة العطر التي كانت تحفظها في صندوقها، ومشط الآبنوس الذي كانت تمشط به ~~غدائرها، وأمثال ذلك من الأدوات والآنية؛ ووضعها في مكان واحد سماه «متحف فرجيني»، فكان ~~يختلف إليها من حين إلى حين ليلثمها ويقبلها ويضمها إلى صدره كأنما هو يضم صاحبتها. # وما هي إلا أيام قلائل حتى عادت له تلك الروح العظيمة الشريفة التي كانت تملأ ما بين ~~جنبيه، روح الرجولة والهمة والعزة والأنفة، فعز عليه أن يرى أميه وهما ضعيفتان منهوكتان ~~تختلفان إلى المزرعة ms083 لمناظرتها والقيام عليها؛ فأخذ يحمل عنهما ذلك العبء شيئا فشيئا حتى ~~استقل به، فعاد له جده ونشاطه، وأصبح العمل ملهاته الوحيدة التي يلجأ إليها من همومه ~~وأحزانه، ويعتصم بها من وساوسه وبلابله. # وكان يأنس بي في ذلك الحين أنسا عظيما، ويقضي معي جميع أوقات فراغه؛ لأنني كنت أعزيه ~~وأهون عليه همومه وآلامه، لا بالدموع والبكاء، كما كانت تفعل أماه، بل بالحديث والسمر، وسرد ~~القصص، وضرب الأمثال، واستخراج العبر والعظات من مشاهد الكون ومناظره، فاقترح علي يوما من ~~الأيام أن أعلمه الكتابة والقراءة، ولعله كان يضمر في نفسه أن يعرف السبيل إلى مراسلة ~~فرجيني، فأعجبني مقترحه هذا، وأخذت أعلمه ما أراد، وأقسم لك يا ولدي أنني ما رأيت في حياتي ~~ذهنا أحد ولا أمضى، ولا فطرة أقوم ولا أسلم من ذهن هذا الغلام وفطرته. # فقد استطاع بعد بضعة أشهر لا تزيد على تسعة أو عشرة أن يقرأ فصلا طويلا من كتاب ~~أدبي بسيط، وأن يكتب مسودة رسالة لفرجيني. # وما هو إلا عام وبعض عام حتى طلب إلي أن أعلمه فن الفلاحة، ولعله أراد أن يصل من طريقه ~~إلى الثروة الواسعة إرضاء لفرجيني، وعلم تقويم البلدان ليعرف النقطة التي تحلها ~~فرجيني من سطح الأرض، وعلم التاريخ ليعرف شيئا من شئون أولئك القوم الذين تعاشرهم فرجيني، ~~فعلمته من ذلك ما يستطيع أن يقوم به مثلي، ولم يلبث إلا قليلا حتى استطاع أن يستقل بنفسه ~~في دراسته تلك العلوم وغيرها مما بدا له أن يعرفه ويزاوله، فأصبح يشعر بلذة عظيمة ما كان ~~يشعر بمثلها من قبل، وسمت نفسه إلى درجة عالية من الفهم والإدراك لم يسمح الدهر بمثلها ~~لفتى في مثل سنه، وفي مثل الزمن الذي قضاه في الدراسة، وأصبح ينظر إلى الحياة وشئونها نظر ~~الفيلسوف الحكيم، ففهمها على حقيقتها، واستشف الكثير من بواطنها وخفاياها، وعرف الفروق ~~الدقيقة بين الخير والشر، والصلاح والفساد، والإساءة والإحسان، فلم يشتبه عليه مسلك من ~~المسالك، ولا سبيل من السبل؛ وكان السبب في ذلك أنه تعلم العلم لا ليتخذه ms084 آلة يتوصل بها ~~إلى غرض من أغراض الحياة، أو مطمع من مطامعها، ولا ليتجمل به بين الناس كما يفعل أولئك ~~الفاخرون المغرورون الذين يعتبرون العلم حلية من الحلي يفاخرون بها كما يفاخرون ~~بأثوابهم القشيبة، وجواهرهم الثمينة، وقصورهم الشامخة، ومراكبهم الفارهة، بل ليفهم الحياة ~~على حقيقتها ويراها كما خلقها الله لا كما عبثت بها يد الإنسان، فكان له ما أراد. # وكذلك استطاع الحب أن يخلق من هذا الغلام الهمجي المتوحش إنسانا كاملا، مستنير الذهن، ~~مستوي العقل، فياض الشعور والإحساس، واستطاعت شمسه المشرقة أن ترسل أشعتها الوضاءة إلى ~~أعماق ذلك القلب المظلم القاتم، فتنير جوانبه، وتبدد ظلماءه، واستطاعت شعلته الملتهبة أن ~~تطهر بنارها تلك النفس الصدئة المتبلدة، وتستخلصها من أخلاطها وشوائبها، فإذا هي سبيكة ~~صافية من الذهب تتوهج توجها وتلتمع التماعا، إلا أنه لم يمض على ذلك زمن طويل حتى بدأ ~~يمل التاريخ لكثرة ما يشتمل عليه من وصف المجازر البشرية، والمصارع الإنسانية، الآخذ بعضها ~~بأعناق بعض، ومن تلك الجداول المستطيلة الحافلة برذائل الملوك والأمراء، وفظائع الأشراف ~~والنبلاء، وما سودوا به صحائف حياتهم وحياة العالم أجمع من عار وشنار، كما مل تقويم ~~البلدان لكثرة ما يحتويه من أسماء الأمكنة والبقاع، والجبال والتلال، والأنهار والنهيرات ~~التي لا نهاية لها، ولا فائدة منها، وشغف الشغف كله بالأدب شعرا ونثرا، وقصصا وروايات، ~~وأمالي ومحاضرات؛ لأنه خلاصة العقل البشري، وزبدته الأخيرة التي تمخض عنها، ولأنه المرآة ~~الصافية التي تتراءى فيه صور الحياة على حقيقتها، ومشاعر النفوس بكل ما تشتمل عليه من حب ~~وبغض، وسرور وألم، وطمع ويأس، وارتياح وانقباض، وكان خير ما يعجبه من الشعر شعر ~~«هومير»، ومن النثر قصة «تليماك»؛ لأنها تصور حياة الفطرة والبساطة، وتمثل المشاعر النفسية ~~بدقائقها وأجزائها، وترسم مزالق الشهوات التي تزل فيها أقدام البشر من فجر التاريخ حتى ~~اليوم، فإذا جلس لقراءتها ووصل إلى قصة أنتيوت وأوخاريس، خيل إليه أن فرجيني مثال الأولى ~~في إبائها وعزتها، ومثال الأخرى في رقتها وعذوبتها، فتهيج أشجانه، وتسيل عبراته، فيلقي ~~كتابه جانبا ويسبح في فضاء ms085 الخيال سبحا طويلا. # وكان من أبغض الأشياء إليه مطالعة تلك الروايات الغرامية التي وضعها واضعوها لا ليهذبوا ~~بها الطباع البشرية، ولا ليصوروا فيها الحياة الاجتماعية على حقيقتها؛ بل ليستثيروا بها ~~شهوات الناس، وفضول أطماعهم، وليلهبوا بنارها ما برد من عواطفهم، وهدأ من لواعجهم، ولينزلوا ~~بالحب من سمائه الرفيعة المقدسة إلى تلك الحمأة القذرة من الرذائل والمثالب، وكان يقول في ~~نفسه كلما قرأ شيئا منها: ليت شعري، هل تستطيع فرجيني أن تنجو بنفسها من شرور ذلك المجتمع ~~الخبيث الذي تتحدث عنه هذه الروايات؟! إنني أخاف عليها خوفا شديدا. # الفصل التاسع عشر # | أوروبا # مرت ثلاثة أعوام ولم يرد على هيلين كتاب من ابنتها ولا من عمتها؛ فقلقت لذلك أشد القلق؛ ~~لأنها لم تعرف عن ابنتها شيئا منذ سافرت حتى اليوم سوى ما كانت تسمعه من حين إلى حين من ~~أفواه بعض الطارئين على الجزيرة، أنها وصلت سالمة إلى بيت عمتها، وأنها تعيش في ذلك البيت ~~عيشا سعيدا يحسدها عليه الحاسدون، ثم ورد عليها منها بعد حين ذلك الخطاب، ولا أزال أحفظ ~~صورته حتى اليوم: # والدتي # كتبت إليك قبل اليوم كتبا كثيرة، ثم علمت من عهد قريب أنها لم تصلك، فأرسلت ~~إليك هذا الكتاب من طريق آخر غير الطريق الذي كنت أرسل إليك منه. # لا أحدثك كثيرا عن سفري وأدوار، سوى أن أقول لك إن فراقك كان له تأثير على نفسي ~~عظيم ما كنت أقدره من قبل، فقد بكيت كثيرا، وتألمت كثيرا، حتى رحمني من كان ~~معي، وكان يخيل إلي والسفينة تمخر بي في عباب البحر؛ أنني إنما أفارقك فراقا لا ~~رجعة لي منه أبد الدهر، ولقد شعرت بوحشة عظيمة في الساعة التي دخلت قصر عمتي، فقد ~~خيل إلي أنه على جماله ورونقه، وحسن نظامه، وبديع هندمه، وكثرة الذاهبين ~~والآتين في أبهائه وحجراته، مقبرة موحشة لا نأمة فيها ولا حركة. # ولقد سألتني عمتي حين وقفت بين يديها بصوت خشن جاف لا تجول في أديمه قطرة ~~واحدة من الرحمة: ماذا علمت في صغري؟ فلما ms086 عرفت أنني لم أتعلم شيئا حتى ~~القراءة والكتابة قالت: إنك لا تزيدين في شأنك على شأن هؤلاء الخدم الوقوف بين يدي، ~~ولم تنشئي منشأ خيرا من منشئهم. ثم أمرت بإرسالي إلى دير في ضواحي باريس أتعلم ~~فيه أنواع العلوم، فعلموني القراءة والكتابة؛ فسرني منهما أني أستطيع مراسلتك ~~وقراءة رسائلك، ثم أخذوا يعلمونني التاريخ وتقويم البلدان والحساب والهندسة والرسم ~~والعلوم الدينية وبعض الألعاب الرياضية، فلم أحفل بشيء من هذا كله؛ لأني شعرت ببغضه ~~والنفور منه، واعتقدت أن لا فائدة لي فيه، فوصفني أساتذتي ورفيقاتي بالبلادة وعسر ~~الفهم، فلم أبل بذلك؛ لأني ما دخلت الدير لأرضيهم، ولا لأنال الحظوة في عيونهم، ~~على أن عمتي تعنى بي عناية كبرى، وتبذل في سبيل راحتي ورفاهيتي وتيسير جميع ~~مرافقي وحاجاتي مالا كثيرا. # وقد خصصت لخدمتي فتاتين متأنقتين من وصائفها لا عمل لهما نهارهما وليلهما إلا ~~القيام على زينتهما وحليتهما، وقضاء ما يتبقى من أوقات فراغهما في أحاديث تافهة ~~مرذولة لا لب لها ولا ثمرة، كأنما تمثلان على مسرح، أو تلعبان في ملعب، ويخيل إلي ~~أن عمتي قد أوعزت إليهما ألا تدعواني بلقبي الذي أحبه وأوثره، فهما تسميانني دائما ~~«الكونتة فرجيني» بدلا من «فرجيني دي لاتور»؛ أي إنها تأبى علي أن أحمل اسم والدي ~~الذي أحبه وأعطف عليه وأفخر به كل الفخر، ولا أستطيع أن أنسى ما كابده في حياته من ~~شقاء وألم في سبيلك وسبيل سعادتك؛ حتى سقط في مصرعه المحزن المؤلم في صحارى مدغشقر ~~غريبا وحيدا لا يعطف عليه عاطف، ولا يبكي عليه باك، ويخيل إلي فوق ذلك أنها ~~أمرتهما ألا تسمحا لي بالتحدث عنك، وعن حياتي الماضية معك، فإذا ذكرتك أو ذكرت ~~شيئا عن تلك الجزيرة التي قضيت فيها زهرة حياتي نظرتا إلي نظرات الهزء والسخرية، ~~وقالتا لي: إنك باريسية يا سيدتي فلا يجمل بك أن تتحدثي أمثال هذه الأحاديث عن تلك ~~الأصقاع المتوحشة. # وأغرب من هذا أنها على جودها وسخائها وبسطة يدها وإحاطتها إياي بجميع صنوف ~~الرعاية والإكرام لا تسمح ببقاء درهم ms087 واحد في يدي، كأنها تخشى أن أبعث إليك بشيء من ~~المال، ولا أدري ماذا يعنيها من ذلك، على أنني أعترف لها بأنها قد صدقت في ~~فراستها، فإنني ما كنت أتأخر عن أن أبعث إليك بجميع ما يصل إلى يدي - لو وصل ~~إلى يدي شيء - ولكن ماذا أصنع وأنا فقيرة معوزة لا أملك شيئا، بل أنا الآن أفقر ~~مني في كل عهد مضى؛ لأنني عاجزة عن أن أمد يدي بالمعونة إلى من تهمني معونته، ~~ولقد سألتها مرة لم لا ترسل إليك شيئا من المال تستعينين به على عيشك في تلك ~~البلاد المقفرة، فكان جوابها: إن الحياة في تلك البلاد لا تحتاج إلى كثير من ~~المال، وإن المال يفسدها ويربكها، ويحولها من حياة بسيطة هادئة إلى حياة مركبة ~~مزعجة، مملوءة بالمتاعب والشواغل، فلم أستطع أن أفهم شيئا مما تقول، ولكنني فهمت ~~أنها لا تكترث بك، ولا تحفل بشأنك. # وما كنت أريد أن أقص عليك شيئا من هذا لولا أنك أوصيتني أن أصدقك الحديث عن كل ~~ما أراه وأشعر به من خير أو شر، فليتك تحضرين إلي يا والدتي لتعيشي بجانبي وتحملي ~~عني بعض ما أكابده من الوحشة والكآبة في هذه البلاد، فإن حياتي - على رغدها ورخائها ~~وتوفر أسباب النعمة فيها - شقية جدا، لا أجد فيها أنسا ولا اغتباطا، فلا الرياض ~~الزاهرة، ولا القصور الشامخة، ولا الأثواب الجميلة، ولا الجواهر الثمينة، ولا ~~المراكب الفارهة، بقادرة على أن تذهب بشيء من وحشتي وضجري؛ لأنني لا أجد حولي تلك ~~القلوب الطيبة الرحيمة التي ألفتها وأحببتها، وامتزح شعوري بشعورها، فأنا أعيش من ~~بعدها في ظلمة حالكة لا يلمع فيها نجم ولا يضيء كوكب، ولولا أني أعلم أن بقائي هنا ~~إنما هو تنفيذ لإرادتك، ونزول على حكمك لما أطقت البقاء ساعة واحدة. # ولقد كنت أجهل في مبدأ أمري أخلاق سكان هذه البلاد وطبائع نفوسهم، وأعتقد أن ~~ظواهرهم مرآة بواطنهم، وأن الله قد منحهم من الفضائل النفسية بمقدار ما منحهم من ~~جمال الصور ونضرة الأجسام، حتى تكشف لي ms088 أمرهم، فرأيت أني أعيش بين قوم ممثلين، لا ~~علاقة بين قلوبهم وألسنتهم، ولا صلة بين خواطر نفوسهم، وحركات أجسامهم، فهم يكذبون ~~ليلهم ونهارهم، في جميع أقوالهم وأفعالهم، لا يرون في ذلك بأسا، كأن الكذب هو ~~الأساس الأول لحياتهم الاجتماعية، وكأن الصدق عرض من أعراضها الطارئة عليها، ~~وكأن لهم نظاما خاصا بهم يختلف عن نظام البشر جميعا في كل مكان وزمان . # ولقد لبثت زمانا طويلا أكتب إليك الكتاب بعد الكتاب ثم أنتظر رده فلا يرد إلي ~~شيء؛ وكنت أعجب لذلك كل العجب، وأذهب في تأويله مذاهب مختلفة، حتى علمت منذ أيام ~~قلائل أن الوصيفة التي كنت أعتمد عليها في حمل كتبي إلى البريد كانت تحملها إلى ~~عمتي فتقرؤها وتمزقها، فأحزنني ذلك حزنا عظيما، ثم أفضيت بالأمر إلى صديقة لي من ~~طالبات المدرسة كنت أثق بها كثيرا؛ فأخذت على نفسها أن تتولى إرسال ما أريده من ~~الكتب إليك، وها هو ذا عنوانها مرسلا مع هذا فابعثي إلي برسائلك من طريقها. # وبعد فليس في هذه الحياة التي أحياها هنا ما يروقني ويعجبني، فإنني لا أزال حتى ~~الساعة أعيش في قفرة موحشة لا يؤنسني فيها غير أولئك الوصيفات السخيفات اللواتي لا ~~أطيق رؤيتهن، ولا سماع أحاديثهن، وغير شيخ هرم من أصدقاء عمتي يزعم أنه يحبني ويعطف ~~علي، وأحسب أنه كاذب فيما يقول؛ لأني لا أشعر بحبه ولا العطف عليه، فأنا أقضي جميع ~~أوقاتي مكبة على منسجي، أروح عن نفسي بالنسج والتطريز، وستجدين في الحقيبة ~~المرسلة إليك مجموعة من الجوارب والمناديل والعصائب والأخمرة هي قسمة بينك وبين ~~أمي مرغريت، وقلنسوة لدومينج، وثوبا لماري، وكنت أود أن أرسل إليها كثيرا من ~~أثوابي الخليعة لولا أن الوصائف هنا لا يسمحن لي بذلك؛ لأنهن يتقاسمن ملابسي ويقررن ~~مصيرها قبل أن أخلعها. # تحيتي إلي أمي مرغريت، ووالدي دومينج، ومربيتي ماري، وأستاذي الشيخ الجليل، وكلبي ~~الأمين «فيديل»، وإلى جميع شويهاتي وأعنزي، وطيوري وعصافيري، واعلمي يا والدتي أنني ~~في أشد الحاجة إلى بقائي بجانبك، وإلى الرجوع إلى تلك الحياة الطيبة السعيدة ms089 التي ~~فقدتها ولا أزال أبكي عليها، وأنني أعيش هنا كما تعيش النبتة الغريبة في أرض غير ~~أرضها، ومناخ غير مناخها، فهي صائرة إلى الذبول والاضمحلال، وأرجو أن أراكم جميعا ~~عندي قريبا أو أراني عندكم والسلام. # فرجيني دي لاتور # وكانوا جميعا يصغون إلى الكتاب عند تلاوته ويذرفون الدموع مرارا حتى فرغت هيلين من ~~قراءته؛ فعجب بول أنها لم تذكر اسمه في كتابها، ولم ترسل إليه تحيتها، كما أرسلتها لكل من ~~في الجزيرة حتى لطيورها وعصافيرها، ولم يعلم أن الفتاة تؤجل دائما الحديث عن أهم الأشياء ~~لديها وأجلها شأنا عندها إلى آخر كتابها، فقد لمحت هيلين بعد ذلك حاشية منفردة في زاوية ~~الكتاب فقرأتها فإذا هي تقول: # بلغي أخي بول تحيتي وشوقي، وقولي له: إنني قد أرسلت باسمه حقيبة صغيرة، تشتمل ~~على بضعة أنواع من البذور الأوروبية التي يغرسونها هنا ويحتفلون بها احتفالا ~~كثيرا معنونة بأسمائها، فإنني أرغب إليه أن يعنى عناية خاصة بزهرة البنفسج ~~فيغرسها تحت نخلتي الجوز المسماتين باسمي واسمه، وأن يحبها كما أحببتها؛ لأنها ~~على جمالها ورقتها حيية خجولة، لا تألف إلا المخابئ والمكامن، ولا تحب أن تقع عليها ~~عيون تنم عليها أكثر مما تنم أية رائحة على زهرتها، وأوصيه أيضا أن يغرس الزهرة ~~السوداء التي يسمونها هنا «زهرة الحداد» في ظل الصخرة التي جلسنا عليها معا «ليلة ~~الوداع»، وقد سموها بهذا الاسم لأنها تشتمل على نقطة صفراء فاقعة تدور بها دائرة ~~سوداء كما يدور الخمار الأسود بوجه الفتاة الحزينة في موقف الثكل، وأن ينقش على ~~تلك الصخرة كلمة «صخرة الوداع» ويحييها عني كما يحيي جميع الأمكنة والبقاع التي ~~يعلم أني أحبها، وبلغيه أيضا أني لا أزال أذكره وأنني لن أنسي أبدا أياديه ~~البيضاء التي أسداها إلي فيما مضى من أيام حياتي، وأنني دائما عند ظنه بي. # فاستطير بول فرحا وسرورا، وتناول الكيس الصغير الذي أرسلته إليه فوجد على نسيجه الرقيق ~~الأبيض الحرفين الأولين من اسمه واسمها مطرزين بالقصب على شكل زهرتين متعانقتين، فسر بذلك ~~سرورا عظيما، وكان اغتباطه ms090 بالكيس أكثر من اغتباطه بما اشتمل عليه. # وقد كتبت هيلين إلى ابنتها كتابا قالت لها فيه: إنها وجميع أفراد الأسرة قد أصبحوا بعد ~~فرقتها في وحشة مخيفة لا يهونها عليهم شيء من الأشياء، وإن الموت أهون عليهم من أن يعيشوا ~~بعيدين عنها، منقطعين عن رؤيتها، وإنها لا ترى بأسا من رجوعها إلى الجزيرة متى أرادت ذلك. ~~وكتب إليها بول يشكر لها هديتها، ويقول لها: إنه قد أصبح الآن عالما من علماء الفلاحة، ~~وإنه سيقوم بغرس تلك البذور في أماكنها المناسبة لها حسب القواعد التي يرسمها ذلك الفن، ~~وإنها ستراها حين عودتها زاهرة نامية، تحييها بابتساماتها اللطيفة، وتنشر عليها ظلالها ~~وأفياءها، ثم أخذ يبثها آلام نفسه ولواعجها التي قاساها من بعدها، ويشكو لها شكاة لم تترك ~~دمعة في محاجرها عندما قرأتها إلا استذرفتها. # ثم أخذ بعد ذلك يهيئ الأحواض لغرس تلك البذور ويعد لها عدتها من طل وماء، فأنفق في ذلك ~~وقتا طويلا ثم غرسها، فلم تلبث إلا قليلا حتى ذبلت وتضاءلت، إما لأنها ميتة لا حياه ~~فيها، أو لأن التربة غير صالحة لنمائها، أو لأن الشرق شرق، والغرب غرب، فمحال أن يمتزجا ~~ويختلطا ويشتركا في نظام واحد وحياة واحدة، فتطير بذلك وتشاءم، وزاده حزنا وألما ما أصبح ~~يسمعه من أفواه بعض المهاجرين الطارئين على الجزيرة من الروايات الغريبة التي تفترق ما ~~تفترق ثم تتفق على أن فرجيني موشكة أن تتزوج، فلم يحفل بذلك في مبدأ الأمر، ثم حفل واهتم؛ ~~لأن أخبار السوء لا يمكن أن تمر بدون أن تترك أثرها في النفس، بدأ يصدق ما يسمعه، لا لأنه ~~يعتقد صدق القائلين؛ بل لأنه وقع في الخطأ الذي يقع فيه الناس دائما، وهو اعتقاد أن الدخان ~~لا يمكن أن ينبعث من غير نار، وفاتهم أن تلك النار التي يتحدثون عنها قد تكون نار الحقد ~~والبغض المشتعلة في الصدور، فيكون الدخان الذي ينبعث عنها إنما هو دخان المختلقات ~~والمفتريات، وكان يقرأ فيما يقرأ من الروايات أحاديث الغدر والخيانة التي يرويها الراوون عن ms091 ~~النساء فيقول في نفسه: ربما أفسد ذلك المجتمع الخبيث نفسها، وحول حياتها الطيبة ~~الطاهرة إلى طريق غير طريقها؛ فنسيت أقسامها وعهودها، وأيمانها المحرجة التي أقسمتها بين ~~يدي ألا تستبدل بي أخا سواي، والنفس الإنسانية كما يقول «روسو» مرآة تتراءى فيه مختلفات ~~الصور والألوان، والمرء كما يقول «موبسان» ابن البيئة التي يعيش فيها. # فكأن استنارة ذهنه وسعة دائرة معارفه واضطلاعه بشئون العالم وأحواله كان شقاء عليه وويلا ~~له، ولعله لو بقي فدما جاهلا كما كان، لا يجول نظره في أفق أوسع من الأفق الذي يعيش فيه، ~~كان من أبعد الأشياء عن ذهنه أن يتصور أن فرجيني غادرة خائنة. # وكان إذا حزبه الأمر، ولجت به الوساوس والهموم، فزع إلي وألقى بين يدي أثقاله وأعباءه، ~~فأحدثه أحاديث كثيرة عن الدهر وتقلباته، والأيام وصروفها، وما يتداوله الناس في دنياهم ~~من نعيم وبؤس، وجدة وفقر، وراحة وتعب، وصحة ومرض، ورجاء يشرق في ليل اليأس حتى يحيله ~~نهارا ساطعا، ويأس يغشي نهار الرجاء حتى يبدله ظلاما قاتما، وخير لا يزال يطارد الشر ~~حتى يطرده ويأخذ مكانه، وشر لا يزال يغالب الخير حتى يغلبه ويفلج عليه، فيجد في ~~أحاديثي هذه ملهاة يتلهى بها حينا عن شواغله وهمومه. # الفصل العشرون # | الطبيعة # وهنا قلت للشيخ: هل لك يا سيدي أن تحدثني قليلا عن نفسك، فإني أشعر مذ جلست إليك أني ~~أجلس إلى رجل من عظماء الرجال، ليست مثل هذه الأرض مما تنبت مثله في وفور عقله، وسعة ~~مداركه، واكتمال أهبته، وكثرة تجاربه واختباراته، ولا بد أن حادثا من حوادث الدهر العظام ~~قد قذف به إلى هذه الجزيرة النائية فعاش فيها كما أرادت المقادير أن يكون. # فرفع رأسه إلي وقال: نعم سأحدثك عن نفسي قليلا يا بني، فلا أحب للمرء من أن يجد إلى ~~جانبه جليسا يستطيع أن يسكب نفسه في نفسه، ويفضي إليه بسريرة قلبه، ثم اعتدل في جلسته ~~وأنشأ يقول: إني أسكن يا بني على بعد فرسخ ونصف من هذا المكان على ضفة جدول صغير ممتد ~~بجانب ذلك ms092 الجبل الذي يسمونه «الجبل الطويل»، وهناك أقضي أيام حياتي منفردا، لا زوج لي ولا ~~ولد، ولا أنيس ولا عشير، وعندي أن سعادة المرء لا تعدو إحدى حالتين: أن يوفق إلى زوج ~~صالحة تحبه ويحبها، وتخلص إليه ويخلص إليها، فإن أعوزه ذلك فسعادته أن يهجر العالم كله إلى ~~معتزل ناء كهذا المعتزل، يتمتع فيه بجوار نفسه وعشريتها، وقد قضى الله أن أحرم الأولى، ~~فلم يبق لي بد من اختيار الثانية. # والعزلة هي المرفأ الأمين الذي تلجأ إليه سفينة الحياة حين تتقاذفها الأمواج، وتصطلح ~~عليها هوج الرياح، وهي الواحة الخصبة التي يفيء إليها السفر بعد الأين والكلال، فيجدون ~~في ظلها الظليل راحتهم من سموم الصحراء، ولوافح الرمضاء، وهي المنزلة الأولى التي ينزلها ~~المرء في طريقه من الدنيا إلى الآخرة؛ ليستجم ذهنه، ويجمع أمره، ويعد عدته للقاء الله، ~~تعالى؛ لذلك كانت العزلة دائما في الشعوب الشقية المضطهدة التي لا إرادة لها أمام إرادة ~~حاكميها الظالمين، وملوكها المستبدين، كما كان شأن المصريين والرومان واليهود فيما مضى من ~~التاريخ، وكما هو شأن الهنود والصينيين والإيطاليين والشعوب الشرقية اليوم. # وقد يكون ذلك أحيانا في الأمم المتمدينة المتحضرة، فإن للمدنية شقاء كشقاء الهمجية، لا ~~يختلف عنه إلا في لونه وصبغته، فإن وقوف الإنسان في وسط ذلك المزدحم الهائل بين الجواذب ~~المختلفة والدوافع المتعددة، وحيرة عقله بين مختلف المذاهب والشيع والآراء والأفكار، ~~يحاول كل منها أن يجذبه إليه ويسطير عليه ويستأثر به، وهو فيما بينها كالريشة الطائرة في ~~مهاب الرياح لا تستقر في قرار، ولا تهبط في مهبط، متعبة عقلية لا قبل له باحتمالها، ~~ولو أنه كان أسيرا في قوم متوحشين، وقد شده آسروه إلى جذع من جذوع النخل، وأخذ كل منهم ~~بعضو من أعضائه يجذبه إليه جذبا شديدا ليمزقوه إربا إربا، لكان ذلك أهون عليه من هذه ~~الحالة التي يستطيع أن يتمتع فيها بهدوئه النفسي وسكونه الفكري، كما تتمتع السائمة على ~~وجهها في مسارحها ومرابعها، فلا يجد له بدا من الفرار بنفسه إلى حيث يجد نفسه، ويظفر ms093 ~~بكيانه، ولا سبيل له إلى وجدان نفسه والعثور بها إلا في مثل هذه الصخرة النائية المنقطعة ~~التي يستطيع أن يجمع في ظلالها ما تفرق من أمره، وتبعثر من قوته، ويضغي في وسط ذلك السكون ~~والهدوء إلى صوت قلبه حين يحدثه أصدق الأحاديث وأجملها عن الخالق والمخلوق، والحياة والموت، ~~والبقاء والفناء، وطبيعة الكون، وأسرار الخليقة؛ فيشعر بالراحة بعد ذلك العناء الكثير والكد ~~الطويل، كالسيل المنحدر من أعالي الجبال، لا يزال يحمل في طريقه الأقذاء والأكدار، حتى إذا ~~بلغ الحضيض استحال إلى بركة هادئة ساكنة يتلألأ في صفحتها الصقيلة اللامعة جمال السماء ~~وبهجة الملأ الأعلى. # ولقد كنت أحد أولئك الفارين بأنفسهم من لجب المدينة وضوضائها، وضلالها وحيرتها، وقنعت ~~منها بذلك الكوخ البسيط الذي بنيته بيدي على ضفة ذلك الجدول الصغير، وقد رزقني الله أرضا ~~خصبة جيدة التربة، أقضي جميع أوقاتي في حرثها وفلحها، وتصريف مياهها، وتشذيب أشجارها، لا ~~معين لي غير قوتي، ولا أنيس لي غير وحدتي، فإن شعرت بشيء من الملل رجعت إلى تلك الأسفار ~~القليلة التي اخترتها لصحبتي حين نفضت يدي من جميع الأصدقاء والأصحاب؛ لأحادث على صفحاتها ~~أولئك الرجال العظام أصحاب المبادئ القويمة، والعقائد الثابتة، والآراء الناضجة، الذين لم ~~يكتبوا ما كتبوا ليوافوا رغبة الناس في أهوائهم ومطامعهم، ولا ليعجبوهم من ذكائهم ~~وفطنتهم، ولا ليدلوا عليهم بفصاحتهم وبلاغتهم، ولا ليفاخروهم بقوة ابتكارهم وغرابة ~~ابتداعهم، بل ليكشفوا الغطاء برفق وهدوء عن وجه الحقيقة، فيراها الناس كما هي غير مشوهة ~~ولا مزخرفة، لا يبتغون على ذلك أجرا سوى أن يروا الإنسانية الشقية المعذبة ناهضة من حضيض ~~بؤسها وشقائها إلى ذروة سعادتها وهناءتها. # فإذا جلست لقراءتها رأيت في مرآتها ذلك العالم الذي فارقته واجتويته، ورأيت شقاءه ~~الذي يكابده، وآلامه التي يعالجها بدون أن يحس أنه شقي أو متألم، فأشعر بما يشعر به ذلك ~~الذي نجا من سفينة موشكة على الغرق إلى صخرة عالية في وسط البحر، فأشرف منها على بقايا ~~تلك السفينة المحطمة مبعثرة على سطح الماء، فشعر ببرد الراحة وطيب الحياة. ms094 # ولقد أصبحت بعد أن فارقت الناس وصرت بمنجاة منهم أحنو عليهم، وأرثي لبؤسهم وشقائهم، ~~وأضمر لهم من العطف والحب ما لم أكن أضمره لهم من قبل، وأتمنى لهم النجاة من شقائهم الذي ~~يعالجونه، وبؤسهم الذي يكابدونه على كثرة ما قاسيت منهم في مقامي بينهم من الهموم والآلام، ~~والمذال والمهانات، ولم يكن بيني وبينهم سوى أنني كنت أدعوهم إلى الحياة الطيبة السعيدة، ~~حياة الطبيعة والفطرة، وأنعي عليهم ذلك التكلف والتعمل في مطاعمهم ومشاربهم، وملابسهم ~~ومساكنهم، وعقائدهم ومذاهبهم، وآرائهم وأفكارهم، وصلاتهم وعلائقهم، وأقول لهم: أيها الناس ~~عودوا إلى أحضان أمكم الطبيعة، فهي أحنى عليكم وأرأف بكم من كل شيء في العالم، واعلموا أن ~~جميع ما تكابدون من الآلام والأسقام في حياتكم، إنما هو عقوبة لكم على عقوقكم لها وتمردكم ~~عليها، وكفركم بسننها وشرائعها، فاشربوا قراح الماء إن شربتم، وكلوا بسيط المآكل إن أكلتم، ~~واقنعوا حين تلبسون بما يستر عورتكم، وحين تسكنون بما يجمع شملكم، ووحدوا نظركم إلى الأشياء ~~والشئون بقدر ما تستطيعون تتحدوا فيما بينكم، وتهدأ عنكم نار تلك البغضاء التي تتقلبون فيها ~~ليلكم ونهاركم، واعملوا أن الحياة أبسط من أن تحتاج إلى كل هذه الجلبة والضوضاء، فخذوها من ~~أقرب وجوهها وألين جوانبها، واقنعوا منها بالكفاف الذي يمسك الحوباء، ويعين على المسير، ~~فإنما أنتم مارون لا مقيمون، ومجتازون لا قاطنون، ولا يوجد بؤس في العالم أعظم من بؤس رجل ~~مسافر نزل على عين ماء ليطفئ ببردها غلته، ويجد في ظلالها راحته ساعة من نهار ثم ~~يمضي لسبيله، فصدف عنها وظل يشتغل بحفر عين أخرى بجانبها، فلم يكد يبلغ قاعها حتى كان قد ~~نال منه الجهد فهلك دون مرامه ظمأ وعيا، ولا يقذفن في روعكم أني أريد أن أذهب بكم ~~إلى بغض الحياة ومقتها، ولا إلى تعذيب أنفسكم بالحرمان من أطايبها ولذائذها، فالزهد عندي ~~سخافة كالجشع، كلاهما تكلف وتعمل لا حاجة إليه، وكلاهما خروج عن القصد وضلال عن ~~السبيل، وإنما أريد أن تترافقوا في الطلب، ولا تمعنوا فيه إمعانا، فالإمعان فيه والاستهتار ~~به ms095 حرب شعواء يقيمها القوي على الضعيف، والجشع المتكالب على القنوع المعتدل، يسلبه ما بيده ~~ويحرمه القليل التافه الذي يتبلغ به باسم جهاد الحياة، وتنازع البقاء، فكان جزائي عندهم ~~على هدايتهم وإرشادهم ومحاولة استنقاذهم من يد الشقاء الذي يعالجونه أن سخروا بي واحتقروني، ~~وسموني مجنونا، ولم يقنعوا في أمري بتركي وشأني كما يترك المجانين وشأنهم، بل اتخذوني ~~عدوا لهم يحاربونني كما يحاربون الله والطبيعة، ولا ذنب لي عندهم إلا أنني أسمي المال ~~شقاء ويسمونه سعادة، واسمي الجاه مئونة ويسمونه متعة، وأسمي اللجاج في الطلب والتهالك ~~فيه جنونا وخبلا ويسمونه حكمة وحزما، ثم لا يلبثون إلا قليلا حتى يروا بأعينهم كذب ~~ظنونهم وخيبة آمالهم، ويسقطوا في الهوة التي كنت أقدر لهم السقوط فيها، فلا يكون أثر ذلك في ~~نفوسهم أن يؤمنوا بسنة الله والطبيعة، ويذعنوا لأحكامه وأحكامها، ويعودوا باللائمة على ~~أنفسهم فيما كان منهم كما يتوقع أن يكون، بل ينقمون على الأرض والسماء، والخالق والمخلوق، ~~والدنيا والآخرة، ويثيرون الثائرة على الشرائع الأرضية والسماوية، والنظم الطبيعية ~~والوضعية، وعلي أنا أيضا؛ لأنني لم أهو معهم في الهوة التي هووا فيها، كأنني أنا الذي ~~أشقيتهم وابتليتهم، وأوردتهم هذا المورد الوبيل، وما أشقاهم إلا أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون. # أما الآن فقد نجوت من هذا كله، والحمد لله، وأرحت نفسي إلى الأبد من رؤية تلك المناظر ~~المؤلمة الممضة، مناظر المتهافتين ليلهم ونهارهم في تلك الحفائر الجوفاء التي حفرتها في ~~طريقهم أيدي المطامع والشهوات، وانقطع عن أذني ذلك الدوي الهائل الذي كان يزعجني ويقلقني، ~~وأصبحت في وحدتي هذه أتمتع بالهواء طلقا غير مكدر، والنور ساطعا غير منغص، والجمال ~~خالصا غير مشوه، أتبسط في أنحاء نفسي حيث أشاء ومتى أشاء، وأناجي الله والطبيعة وجها ~~لوجه، لا يحول بيني وبينهما حائل، وأفكر على الطريقة التي أريدها لا التي يريدها الناس، ~~وأنسج ثوبي على مقدار جسمي لا على مقدار جسوم الآخرين، وأشرف من قمة وحدتي وعزلتي على ذلك ~~العالم الذي فارقته واجتويته، فأعجب لتلك الهموم والآلام التي يعالجها لغير علة ولا ms096 سبب، ~~ولتلك المعركة الهائلة التي يشنها بعض أفراده على بعض على غير طائل سوى أن يهلك أحدهم في ~~سبيل الآخر، ثم يهلك الآخر في سبيل آخر، وهكذا تمتد سلسلة الهلاك فيهم إلى ما لا نهاية لها، ~~كقطع الأمواج التي تتواثب على الصخور المعترضة في مجراها فتتكسر عليها واحدة بعد أخرى ثم ~~تتلاشى كأن لم تكن؛ فأحمد الله على نجاتي منهم ، وخلاصي من أيديهم، وعلى أنني استطعت أن أعيش ~~على حساب نفسي لا على حساب الضعفاء والمساكين، وأن أتناول لقمتي مغموسة بدمي لا بدماء ~~الضحايا والهلكى، وأن أعود بما فضل عن حاجتي على البائسين والمساكين، والساقطين في هوى ~~اليأس، والمنقطعين عن قافلة الحياة، ولو أن جميع لذائذ الدنيا - مأكلا ومشربا، وملبسا ~~ومسكنا - وضعت لي في كفة، ثم وضعت لي في الكفة الأخرى لذتي في هداية تائه ضل به طريقه، ~~أو معونة يائس انقطع به أمله، لرجحت عليها. # وهكذا أقضي حياتي في تلك الجنة الصغيرة على ضفة ذلك النهر الصغير، وبين يدي ذلك الخضم ~~العظيم، متمتعا بما شئت من جمال الدنيا وبهجتها، ورغد العيش ونعيمه، ومناظر الطبيعة ~~ومشاهدها، فالسماء فوقي تتلألأ بنجومها وكواكبها، والبحر أمامي يعج بأمواجه وأثباجه، والأرض ~~بين يدي تختال في أثوابها وأبرادها، والأصوات المنبعثة من البحر الزاخر والجدول المتسلسل، ~~والشلال المتدفق والريح العاصفة، والأشجار المترنحة، والطيور الصادحة كلها فرق موسيقية ~~مختلفة الآلات والنغمات، تسمعني ما لم أسمعه يوما من أيام حياتي في أكبر معهد غنائي، من ~~أكبر فرقة موسيقية. # فإذا جلست أمام كوخي على تلك الصخرة العالية التي اعتدت أن أجلس عليها رأيت النخل الباسق ~~مصطفا بعضه وراء بعض كأنه السطور في الكتاب، ورأيت رءوسه العالية المتشابكة كأنها غابة ~~ممتدة بين السماء والأرض، ورأيت الجدول المتسلسل وهو يجري في خلال الخمائل الملتفة جريان ~~القمر الساري في أعماق السحب المتكاثفة فلا يرى منه الرائي إلا بوارق خاطفة تلمع من حين إلى ~~حين، وألقي نظري تارة على الروض الجميل الذي غرسته بيدي فأرى صنوف أشجاره وألوان أزهاره، ~~وأنواع كرومه وأعنابه، فأراه ms097 في سكون الريح وهدوئها معبدا قد لبس الجلال والوقار، وانتثرت ~~في جنباته أشخاص الراكعين والساجدين، وفي هبوبها وانبعاثها، مرقصا تترنح فيه القدود، ~~وتعتنق القامات، وتتقابل الحركات والسكنات. # ثم أنظر إلى السيل المتدفق من أعالي الجبال فأرى تلك المعركة الهائلة التي تجري بينه وبين ~~الصخور الناتئة في طريقه، يهاجمها فتدفعه، ويثب عليها فتمزقه، فتتطاير أجزاؤه في جو السماء ~~كأنها شظايا ألواح البلور، فيشتد غيظه وحنقه وإرغاؤه وإزباده، ويحاول أن يثأر لنفسه منها، ~~فلا ينال آخرا أكثر مما نال أولا، وهي جامدة في مكانها لا تحرك ساكنا ولا تمد يدا، فلا ~~يجد له بدا من الفرار من وجهها، شأن الطيش والنزق بين يدي الرزانة والحلم، فينحدر عنها ~~إلى السهل متغلغلا في أعماق الخمائل والأدغال، كأنما يتوارى حياء وخجلا، ثم لا يلبث أن ~~يستحيل بعد ذلك إلى مرآة صافية تتراءى فيها صور النخيل والأشجار، وظلال القمم والهضاب، ~~كأنما قد خطها رسام ماهر بريشة رقيقة في صحيفة ناصعة، وأعظم ما أعجب له من تلك المناظر ~~منظر الطيور الغريبة حين تفد في أواخر فصل الصيف أسرابا أسرابا من أقاصي البلاد مجتازة ~~ذلك الخضم العظيم إلى حيث تتلمس رزقها الذي أعوزها في أرضها، فتقع على ذوائب الأشجار، وضفاف ~~الأنهار، وتحلق فوق الجداول والغدر شادية مترنمة، مرفوفة بأجنحتها الجميلة ذات الألوان ~~اللامعة المتلألئة، وكأنما قد خلعت من نفسها على الجزيرة بردا مفوفا ترف حواشيه ~~وأهدابه، وترجف متونه وأثناؤه، وتموج خيوطه بعضها في بعض، فأجد من الأنس بها والغبطة ~~بعشرتها ما يملأ قلبي بهجة وحبورا، إلا أنها لا تمكث أكثر من شهر أو شهرين ثم تعود ~~أدراجها، فأوجد من الوحشة لفراقها ما يجد العشير لفراق عشيره. # وقد أجلس أحيانا على شاطئ البحيرة لأتفكه بمنظر القرود السوداء وهي تثب من شجرة إلى ~~شجرة، ومن غصن إلى غصن، وقد احتضنت أولادها إلى صدورها، أو تركتها معلقة بأذنابها، وقد ~~يكون بين الشجرة والشجرة، والنخلة والنخلة، جدول واسع، أو نهر متدفق، فيكون لها في ~~غدوها ورواحها، ووثبها وقفزها، وضحكها مرة وغضبها أخرى، ms098 وترفقها الغريب في طلب عيشها، ~~وتحصيل رزقها، منظر بديع رائق، لا تكدره حبائل منظومة، ولا تزعجه قذائف منطلقة، وأستطيع ~~أن أقول لك يا بني إنني - وقد عاشرت الوحوش الضارية، والذئاب المفترسة، والنمور الكاسرة، ~~والقردة الشرسة، وخبرت أخلاقها وطباعها، ومنازعها ومشاربها، ورأيت أنها لا تفترس إلا إذا ~~جاعت، ولا تشرس إلا إذا هيجت، ولا تطمع في أكثر من كفاف عيشها وعلالة حياتها - أصبحت ~~أعتقد أن الإنسان أضرى - منها وأشرس، وأنه مخدوع أو خادع في تفضيل نفسه عليها. # ولم يزل هذا شأني حتى نزلت بالجزيرة تلك الأسرة الصالحة الكريمة، فكانت أيامي معها ~~غرة أيام حياتي وكوكب سمائها الساطع، فوا أسفي عليها! ووا فجيعتي بالحياة من ~~بعدها! # الفصل الحادي والعشرون # | الحديث # وحسبك الآن يا بني ما عرفت من شأني، فلأعد بك إلى شأن ذلك الولد المسكين، فقد حدثتك ~~عنه أنه كان يختلف إلي كثيرا بعد سفر فرجيني ليطلب عندي عزاءه وسلواه وراحة نفسه من ~~بلابلها ووساوسها. # فوفد إلي ذات يوم، وكنت جالسا تحت شجرة قصيرة كانت قد غرستها فرجيني فيما غرست من ~~الأشجار الكثيرة؛ التي كانت تحمل معها بذورها حيثما ذهبت وأينما حلت، قائلة لعل الله يمنحها ~~النماء والنضرة فيهتدي بها ضال، أو يفيء إليها حائر، أو يتعلل بها ظامئ، فجلس بجانبي ~~وأطرق إطراقة طويلة ثم رفع رأسه وقال: أنا حزين جدا يا والدي، ويخيل إلى أن فرجيني قد ~~نسيتني وأن يدي قد أصبحت صفرا منها إلى الأبد، فلقد مر على سفرها ثلاثة أعوام لم ترسل إلي ~~فيها إلا كتابا واحدا منذ ثمانية أشهر، ثم انقطعت رسائلها بعد ذلك، ولا أعلم ماذا دهاها، ~~وماذا دهاني عندها، ولقد حدثتني نفسي اليوم أن أسافر إلى فرنسا وأسعى إلى مقابلة ملكها ~~لأتولى خدمته، وأتوصل من طريقه إلى جمع ثروة طائلة أستطيع أن أتقدم بها إلى جدة فرجيني فلا ~~ترى مانعا - وقد جمعت في يدي بين حاشيتي المجد والشرف - أن تزوجني من حفيدتها. # قلت: ألم تحدثني يا ولدي قبل اليوم أنك لا تتصل بنسب شريف أو أنك ms099 لا تعرف لك ~~أبا؟ # قال: وأية علاقة للأبوة والبنوة بما نحن فيه؟ إنني لا أريد أن أتقدم إلى الملك بحسبي ~~ونسبي، بل بكفايتي وجدارتي وخدمتي التي أقدمها لوطني، وهل يوجد في الناس من يأخذني بذنب ~~لست صاحبه ولا صاحب الرأي فيه، بل لم أكن حاضره ولا شاهده؛ لأنه وقع قبل وجودي في هذا ~~العالم؟ على أنني لا أعد ما كان ذنبا؛ لأن والدتي أطهر وأشرف من أن تقترف الجرائم ~~والذنوب. # قلت: إنك تحدثني بلسان الحقيقة، أما لسان الاصطلاح فهو أن من كان مثلك مغمور النسب أو ~~مقطوعه فلا سبيل له إلى أن يلمس بأطراف قدمه أدنى درجة من درجات المجد، بل لا سبيل له أن ~~يأخذ لنفسه مكانا مطمئنا بين الطبقات العالية الرفيعة التي يسمونها طبقات الأشراف ~~والنبلاء. # قال: إنك قد قلت لي قبل اليوم - كما قرأت في كثير من الكتب - إن عظمة فرنسا إنما حملت ~~على عواتق أولئك الرجال المغمورين الذين لا يمتون إلى الناس بحسب ولا نسب، ولا شأن لهم في ~~حياتهم سوى أنهم قد أدوا لوطنهم خدمات جليلة كانت هي وسيلتهم الوحيدة إلى بلوغ ذروة المجد ~~التي بلغوها، فهل كنت تخدعني فيما قلت لي وكان يخدعني أولئك الكاتبون؟ # قلت: لم أخدعك يا بني ولا خدعوك، وإنما كنت أحدثك عن الماضي، أما اليوم فالملوك متكبرون ~~متغطرسون لا يؤثرون مزية من المزايا على مزية الحسب والنسب، ولا يعرفون مفخرة يفخرون بها ~~سوى أنهم من سلالة أولئك الملوك الماجدين، فهم لا يقربون ولا يدنون إلا من أمسك ~~بطرف سلسلة يمسك بطرفها الآخر أمير من الأمراء أو قائد من القواد أو نبيل من النبلاء، ~~هؤلاء هم أعوانهم وأنصارهم، ووزراؤهم وقوادهم، وولاتهم وعمالهم، وجلساؤهم وسمارهم، ومواضع ~~ثقتهم وأمناء أسرارهم، أحاطوا بهم إحاطة السحب الكثيفة بالكواكب النيرة، فلا يأذنون لشعاع ~~من أشعتهم أن يتصل بأحد من الناس سواهم؛ فكانت نتيجة ذلك أن ماتت المواهب والمزايا، ~~وقبرت العزائم والهمم، وأصبح كتاب الأمة وشعراؤها وحكماؤها وعلماؤها ورجال الفنون فيها ~~أضعف الناس شأنا، وأهونهم خطرا، وأدناهم ms100 منزلة في ترتيب درجات الإنسانية؛ لأنهم قد حرموا ~~الاتصال بتلك الشمس المشرقة التي تمدهم بالقوة والحياة، وتبعث فيهم روح النشاط ~~والعمل. # قال: وماذا علي إن اتصلت بنبيل من أولئك النبلاء وعشت تحت كنفه لأصل من طريقه إلى الغاية ~~التي أريدها؟ # قلت: إنك لا تستطيع أن تنال الحظوة عنده إلا إذا نزلت على حكم أهوائه وشهواته؛ أي أن تجعل ~~نفسك جسرا يمشي عليه إليها، وذلك ما تأباه عليك عزة نفسك وأنفتها. # قال: يخيل إلي أني إن قمت بواجبي لأمتي ووطني وأديت للإنسانية العامة خدمة عظمى يرن ~~صداها في جميع الآفاق؛ لا أعدم أن أجد بين الأشراف المحسنين من يتولاني بحمايته ورعايته، ~~ويأخذ بضبعي إلى المنزلة التي أستحقها. # قلت: استمع مني كلمة أقولها لك يا بني، لقد كان اليونان والرومان والمصريون - حتى في ~~أدوار سقوطهم وانحطاطهم - يبجلون الفضيلة ويعظمون شأنها، ويقدسون المواهب والمزايا أعظم ~~تقديس، ويعرفون لأصحابها أقدارهم ومنازلهم، ويبسطون عليهم جناح مودتهم ورحمتهم، ولعلك قرأت ~~من ذلك شيئا في كتب التاريخ، أما اليوم فقد انقضى ذلك كله، وأصبح الشرف محصورا بين الجاه ~~والمال، فلا يظفر به إلا ذو منصب عال، أو مال كثير، وقد يعطف بعض أولئك الذين يسمونهم ~~النبلاء على بعض أصحاب المواهب والمزايا، كالشعراء والكتاب والموسيقيين والمصورين؛ لا ~~لأنهم يحترمونهم ويجلونهم، أو يمجدون ذكاءهم ونبوغهم، بل ليزينوا بهم مجالسهم كما يزينونها ~~بالتحف والذخائر؛ وليمتعوا أنفسهم بمنظر ذلتهم وخضوعهم بين أيديهم كما يمتعونها بمنظر ~~مضحكيهم ومجانهم، وما أحسب أنك ترضى لنفسك بهذه المنزلة، أو أن يكون منتهى آمالك في ~~حياتك أن تصبح خليعا ماجنا. # قال: إن فاتني أن أعيش في كنف رجل شريف، فلن يفوتني أن أعيش في كنف حزب من الأحزاب أو ~~جماعة من الجماعات أخدمها وأخلص لها؛ فأنال الحظوة عندها. # قال: إنك تستطيع أن تفعل ذلك، ولكن على أن تضرب بينك وبين ضميرك سدا إلى الأبد، ~~فالهيئات كالأفراد لا يعنيها إلا مصلحتها وفائدتها، وكثيرا ما تكون مصلحتها في جانب، ~~والحق في جانب آخر، بل ذلك هو الأعم الأغلب ms101 في أمرها، فإما جاريتها فهلكت، أو نابذتها ~~فاستهدفت لغضبها ومقتها. # قال: الموت أهون علي من أن أخطو خطوة واحدة لا يرضى بها ضميري. # قلت: إذن ودع جميع آمالك وأمانيك وداعا دائما لا لقاء بينكما من بعده. # قال: وا شقاآه! لقد أخذت علي جميع السبل، وسدت جميع المسالك، ويخيل إلي أنني سأقضي بقية ~~أيام حياتي في ظلمة داجية لا ينفذ إليها شعاع من أشعة الرحمة، ولا يلمع فيها بارق من ~~بوارق الإحسان، وأن قد حيل بيني وبين فرجيني إلى الأبد. # قلت: إنك واهم يا بني، فما أنت بشقي كما تظن، وما الشقاء إلا تلك العظمة التي تطلبها ~~وتسعى إليها، إنك تعيش من حريتك واستقلالك وهدوئك وسكونك وطهارة ضميرك وصفاء سريرتك في ~~سعادة لا يتمتع بها متمتع على ظهر الأرض، فما حاجتك إلى تلك العظمة التي لا سبيل لك إلى ~~بلوغها إلا إذا مشيت إليها على جسر من الكذب والرياء، والملق والدهان، والمواربة ~~والمداجاة، والظلم والإثم، ونصبت نفسك ليلك ونهارك لمحاربة الدسائس بالدسائس، والدنايا ~~بالدنايا، والأكاذيب بالأكاذيب، وملأت فراغ قلبك حقدا وموجدة على الذين يسيئون إليك أو ~~يجترئون عليك، وكنت في آن واحد أذل الناس لمن هم فوقك، وأقساهم على من هم دونك، ثم لا ~~تحصل بعد ذلك كله على طائل سوى أن تطعم لقمة يطعمها جميع الناس، وتستر سوأة لا يوجد في ~~الناس من لا يسترها، وما أحسب أن فرجيني ترضى لك ولا لنفسها أن تكون وسيلتك إليها هذه ~~الوسيلة الدنيئة الحقيرة، وهي الفتاة الشريفة الفاضلة التي لها طهارة الملك في سمائه، وصفاء ~~الكوكب في أفقه، واعلم يا بني أن الفقير يعيش من دنياه في أرض شائكة قد ألفها واعتادها، ~~فهو لا يتألم لوخزاتها ولذعاتها، ولكنه إذا وجد يوما من الأيام بين هذه الأشواك وردة ~~ناضرة طار بها فرحا وسرورا، وأن الغني يعيش منها في روضة مملوءة بالورود والأزهار قد ~~سئمها وبرد بها، فهو لا يشعر بجمالها، ولا يتلذذ بطيب رائحتها، ولكنه إذا عثر في طريقه ~~بشوكة تألم لها ألما شديدا ms102 لا يشعر بمثله سواه، وخير للمرء أن يعيش مؤملا كل شيء من ~~أن يعيش غنيا خائفا من كل شيء. # قال: إنما أريد المجد الأدبي لا المجد المالي. # قلت: نعم، إن المجد الأدبي مجد عظيم وشريف ولكنه لا يصل بك إلى الغاية التي تريدها، إن ~~الأدباء والحكماء، والمصلحين والمفكرين، هم عظماء هذا العالم وساداته، وهم الكواكب النيرة ~~التي تطلع في سمائه الداجية المدلهمة فتنير أرجاءها، وتبدد ظلماتها، وهم الأشعة الباهرة ~~التي تنفذ إلى أعماق القلوب المظلمة القاتمة فتذيب جهالاتها وضلالتها، وتطير بأوهامها ~~وأحلامها، وهم المنائر العالية التي يهتدي بها الحائر، ويستنير بها الضال، ويعرف بها ~~المدرج الساري أي شعب يسلك، وأيه غاية من الغايات يريد؟ وهم الأطباء الماهرون يتولون ~~القلوب الكسيرة اليائسة فيعالجون همومها وآلامها، ويملئون فضاءها رجاء وأملا، إلا أن ~~سبيلهم إلى ذلك من أوعر السبل وأخشنها؛ لأنهم أنصار الخير، وللشر أنصار أشد منهم قوة وأكثر ~~عدة وعددا، وهم دائما هدف لغضب الملوك؛ لأنهم يثيرون ثائرة الشعوب عليهم، وغضب النبلاء؛ ~~لأنهم يحتقرون نبلهم، ويزدرون مجدهم وعظمتهم، وغضب الكهنة؛ لأنهم ينعون عليهم رياءهم، ~~وكذبهم، وغضب العامة لأنهم يصادرون أهواءهم وشهواتهم؛ أي إن العالم كله حرب عليهم من أقصاه ~~إلى أقصاه، وقلما تنتهي حياتهم إلا بما انتهت به حياة سقراط الحكيم، وهومير الشاعر، ~~وأفلاطون الفيلسوف، وفيثاغورث الرحيم، من قتل، أو صلب، أو إلقاء في السجن، أو تشريد في ~~الأرض، ولا ذنب لهم إلا أنهم أحبوا البشر وعطفوا عليه، وتألموا لألمه وبكوا لبكائه، فنقم ~~البشر منهم هذه العاطفة الطيبة الكريمة، وانتقم لنفسه منهم بإرهاق أرواحهم، أو تعذيب ~~أجسامهم، أو تقطيع أوصالهم، ولم يقنع في أمرهم بذلك حتى شوه وجه تاريخهم وسود صفحاته ~~بما شاء من الوصمات والعيوب، ولم تستطع شمس الحقيقة أن تبدد تلك الظلمات المحيطة بهم ~~وبتاريخ حياتهم إلا بعد عدة قرون وأجيال. # قال: لولا فرجيني ما أسفت على شيء في الحياة، ولا بكيت على فائت منها. # قلت: إن فرجيني باقية على عهدها لم تتغير، فاحذر أن تخسرها من حيث تريد أن ms103 تكسبها، واعلم ~~أنها ما قطعت رسائلها عنك إلا لأنها عازمة على الرجوع في عهد قريب، فانتظر رجوعها بعد ~~قليل من الأيام، وأعد نفسك لحياة مستقبلة سعيدة يستغفر لك الدهر فيها عن جميع سيئاته ~~إليك. فأضاءت حول ثغره ابتسامة لم تضئه من عهد بعيد، وقال: أأنت على ثقة مما تقول؟ قلت: ~~نعم، فكأنما قد نزل عليه بهذه الكلمة وحي من السماء ، فما أصبح الصباح حتى رأيته مشمرا عن ~~ساعديه، يجول في أكناف «حديقة فرجيني» يشذب أشجارها، ويشق أنهارها، ويحول مياهها، ويسقي ما ~~ذبل من أغراسها، وقد لبس بردا قشيبا من الجد والنشاط لا عهد له بمثله منذ أعوام ثلاثة. # الفصل الثاني والعشرون # | السفينة # وفي عصر يوم 24 ديسمبر سنة 1744 رأى بول العلم الأبيض يخفق على قمة جبل الاستكشاف، فعلم ~~أن سفينة قادمة إلى الجزيرة، فطمع أن تكون السفينة التي تحمل فرجيني، فانحدر إلى شاطئ ~~البحر فيمن انحدر إليه من سكان الجزيرة ليتعرف شأنها، فعرف أن دليل المرفأ قد ركب زورقه ~~إليها منذ ساعات، وأنه لم يعد حتى الساعة، فجلس في انتظاره حتى عاد وحده، فأخبر أن السفينة ~~اسمها «سان جيران» وربانها اسمه المسيو «أوبن»، وأن الريح لا تساعدها على دخول المرفأ ~~الليلة، ولا يمكنها الوصول إليه إلا في الغد، وكان يحمل في يده عدة رسائل لبعض سكان ~~الجزيرة، بعضها آت من فرنسا، وبعضها مرسل من ركاب السفينة أنفسهم. # فسمع بول فيما سمع من الأسماء اسم مدام دي لاتور «هيلين»، فاختطف الرسالة من يد الرجل ~~اختطافا، وقرأ عنوانها فإذا هو بخط فرجيني، فطار بها فرحا وسرورا، وأخذ يعدو إلى المزرعة ~~عدو الظليم، فرأى على البعد أفراد الأسرة واقفين على رأس هضبة عالية ينتظرونه، فرفع يده ~~بالرسالة وصار يلوح بها في الجو كأنما يحمل راية بيضاء، حتى بلغ مكانهم، فقدم الرسالة إلى ~~هيلين ففضت غلافها وأمرت عليها نظرها فعلمت أن ابنتها قادمة على هذه السفينة نفسها، وأن ~~السبب في عودتها من فرنسا أن عمتها حاولت كثيرا أن تغير من طباعها وأخلاقها، وتذهب ms104 بها في ~~حياتها مذهبا غير مذهبها الأول فعجزت عن ذلك، وأنها عرضت عليها أن تزوجها من عظيم من ~~عظماء البلاط فرفضت، فنقمت عليها نقمة عظيمة، وأصبحت تحتقرها وتزدريها، وتنظر إليها بالعين ~~التي تنظر بها إلى فتاة مخبولة العقل، فاسدة الذهن، أسيرة الأوهام والأحلام، ثم ما لبثت أن ~~حرمتها من ميراثها، وسلبتها كل ما كانت تسبغه عليها من النعم، ولم يبق إلا أن تطردها من ~~منزلها طردا، فلم تجد بدا من الرجوع، فركبت أول سفينة علمت أنها ذاهبة إلى إفريقيا، ثم ~~ختمت رسالتها بقولها: إنني أكتب لك هذه الرسالة وأنا على ظهر السفينة «سان جيران» وبيننا ~~وبين الشاطئ أربعة فراسخ، ولا نستطيع الدخول إلى المرفأ إلا في الغد كما أخبرنا بذلك ~~الدليل، وفي الغد نلتقي إن شاء الله تعالى. # وما إن انتهوا من قراءة الرسالة حتى استطيروا فرحا وسرورا، وأخذ الزنجيان يرقصان ~~ويقفزان ويهتفان بصوت عال: قد عادت فرجيني! لقد عادت فرجيني، وكان أول ما مر بخاطر بول في ~~هذه الساعة أن يذهب إلي في كوخي ويبشرني برجوع فرجيني، ويشكر لي نبوءتي التي تنبأت له بها ~~في أمرها، وكانت قد مضت هدأة من الليل، فأستأذن أمه في ذلك فأذنته، فمشى ومشى أمامه دومينج ~~يحمل مشعلا كبيرا حتى وصل إلي بعد ساعتين، وكنت قد أويت إلى مضجعي، فأيقظني من نومي وألقى ~~إلي ببشراه، فلم يكن سروري بها بأقل من سروره، وقال: هيا بنا نذهب إلى الشاطئ لننتظر فرجيني ~~فإن السفينة تصل في الصباح. # فقمت إلى ثيابي فأسبلتها علي وذهبت معه، وكانت الليلة حالكة مدلهمة قد احتجبت كواكبها ~~وراء قطع الغمام الكثيفة الآخذ بعضها بأعناق بعض كأنها القافلة السائرة في الصحراء، فمشينا ~~لا نهتدي بشيء سوى غريزتنا التي تقود خطواتنا دائما في مفاوز الأرض ومجاهلها، وكنا نسمع ~~من حين إلى حين قرقعة هائلة آتية من ناحية البحر تشبه دمدمة الرعد وليست بها، فلا نفهم ~~منها شيئا. # فإنا لسائرون إذ لمحنا زنجيا ضخم الجثة يمر بجانبنا، فاستوقفته وسألته من أين أقبل، ~~فقال إني مرسل ms105 من شاطئ جزيرة الذهب إلى الحاكم لأبلغه أن سفينة قد ألقى بها التيار إلى ما ~~وراء جزيرة العنبر تطلق مدافعها من حين إلى حين؛ أي إنها في خطر، وأنها في حاجة إلى ~~المعونة، فسألته هل يعرف اسمها؟ فأجاب أن لا، وانطلق لسبيله، فالتفت إلى بول وقلت له: أخاف ~~أن تكون سفينة «سان جيران»، وخير لنا أن ننحدر إلى الشاطئ المقابل لجزيرة الذهب لنقف على ~~الحقيقة، فمشى معي صامتا لا يقول شيئا حتى أشرفنا بعد قطع ثلاث مراحل على ذلك الشاطئ، ~~وكانت الطلقات قد انقطعت فراعني سكوتها أكثر مما راعني دويها، ثم ظهر القمر في كبد السماء ~~محاطا بثلاث دوائر سوداء، كأنه متمنطق بنطاق الحداد، فرأينا على نوره الضعيف الباهت منظر ~~البحر وهو ثائر مهتاج تموج ظلماته بعضها في بعض، وترتطم أمواجه بصخور الشاطئ وهضابه، ~~فينبعث لها صوت أجش كأنه أنين الثكلى، أو حشرجة المحتضر، وقد يتطاير منها أحيانا شرر ~~لامع كذلك الشرر الذي يتطاير من أجنحة الحباحب، ورأينا الصيادين مكبين على زوارقهم ~~ينقلونها من الماء إلى اليبس ويطرحونها فوق الرمال خوفا عليها من الهلاك، ولمحنا على مقربة ~~منا جماعة من الناس مجتمعين حول نار عظيمة يستدفئون بها، فقصدنا إليهم، وجلسنا على مقربة ~~منهم، وسمعناهم يتحدثون أن السفينة قد جار بها التيار عن طريقها ودفعها إلى شاطئ جزيرة ~~العنبر حيث الخطر عظيم لا حيلة فيه، وأنها إن لم تبادر بدخول المضيق الذي بين جزيرة العنبر ~~وجزيرة «سان لوي»، فمصيرها الهلاك ما من ذلك بد، وكان بول يسمع هذا كله وهو صامت مطرق ~~كأنه لا يفهم منه شيئا. # ولم يزل هذا شأننا حتى بدأت حاشية الظلام ترق عن بياض الفجر فتلمع بعض أشعته من خلالها ~~كما يلمع الماء من خلال الطحلب، فحاولنا أن نرى سطح البحر فلم نستطع؛ لأن الضباب كان كثيفا ~~جدا، كأنما قد بنى دوين السماء سماء أخرى لا يرى الرائي من خلالها غير بعض القمم ~~العالية تطفو وترسب كما يطفو الغريق ويرسب في عباب الماء، ثم استطعنا بعد حين ms106 أن نرى على ~~سطح البحر شيئا أشبه بغمامة كثيفة، فتأملناه، فإذا هو جزيرة العنبر التي زعموا أن السفينة ~~محتبسة بشاطئها، إلا أننا لم نر السفينة بحال من الأحوال. # وهنا حضر المسيو لابوردونيه حاكم الجزيرة راكبا جواده ووراءه فصيلة من الجند تحمل ~~بنادقها على عواتقها، فأمرها أن تصطف صفا واحدا، ففعلت، فأمرها أن تطلق بنادقها ~~فأطلقتها، فلم نلبث أن رأينا نورا لمع على سطح البحر، وأعقبه دوي مدفع، فعلمنا أن السفينة ~~غير بعيدة عنا، فتقدمنا جميعا نحو الشاطئ لنتحقق من رؤيتها، فاستطعنا بعد لأي أن نرى ~~شبحها الغارق في عباب الضباب، وأن نرى سواريها الذاهبة في كبد السماء، وأن نسمع - برغم ~~جرجرة الآذي وزمجرته - صوت ربانها وهو يصرخ صرخاته العظمى التي يستنهض بها همم رجاله، ~~فأمر الحاكم بإعداد زورق لنجدتها، وبإشعال النار على طول الشاطئ لترى على ضوئها الزورق ~~المعد لإنقاذها، فما رأت النار حتى أخذت تطلق مدافعها تباعا، واستمر التخاطب بهذه اللغة ~~النارية بينها وبين الشاطئ ساعة طويلة. # وإنا لكذلك إذ دلف إلى الحاكم شيخ زنجي هرم يدب على عصاه، وقال له: إننا نسمع يا سيدي ~~منذ الليلة زمجرة هائلة تنحدر إلينا من قمة الجبل، ونرى أوراق الأشجار تهتز وتضطرب دون أن ~~تهب علينا ريح، ونرى طيور البحر هاربة إلى البر أسرابا أسرابا دون أن يزعجها مزعج، أو ~~يطاردها مطارد، فهي العاصفة، ما في ذلك ريب ولا شك، فأنقذوا السفينة قبل هبوبها، فإن لم ~~تفعلوا فانفضوا أيديكم منها إلى الأبد. # فاصفر وجه الحاكم، وشعر برعدة شديدة في جسمه، إلا أنه تجلد واستمسك، وصاح: سأنقذها ولو ~~كان في ذلك حياتي! # ولقد صدق الزنجي فيما قال، فقد لبس الجو حلة غريبة لا عهد له بمثلها من قبل، وكأنما ~~انبعث في جميع أوصاله رعشة شديدة كتلك الرعشة التي تنبعث في جسم المحموم، وأقبلت طيور ~~البحر من كل صوب هاربة إلى البر كأن مطاردا يطاردها ويشتد على أثرها، وتراءت قطع السحاب ~~سوادء قاتمة تلمع في خلالها نقط نارية حمراء كما يلمع بصيص النار من ms107 خلال الرماد، وامتلأ ~~الجو بفحيح الأفاعي، وطنين البعوض، وزمجرة الوحوش. # الفصل الثالث والعشرون # | العاصفة # في نحو الساعة السابعة سمعنا قعقعة عظيمة، قد انبعثت من جميع جهات البحر في آن واحد، ~~فاهتزت الأرض والسماء، ودارت الأرض الفضاء، وانقلب عال كل شيء سافله وصاح الجميع ~~«العاصفة». # هنا رأينا منظرا هائلا مخيفا جمدت له دماؤنا في عروقنا، ومشت له قلوبنا في صدورنا، وما ~~أحسب إلا أنه ستمر بنا الأيام والليالي ولا نستطيع أن ننساه حتى تبرد أعظمنا في ثراها؛ ~~رأينا الضباب الذي كان يحول بيننا وبين رؤية السفينة قد انحسر دفعة واحدة، فإذا السفينة ~~ذرة هائمة في ذلك الفضاء الواسع، تقبل بها الريح وتدبر، وتعلو بها الأمواج وتسفل، إن ~~حاولت الدنو من الشاطئ وقفت في وجهها الصخور الناتئة المحددة الأطراف كأنها رماح مصوبة إلى ~~صدرها، أو أرادت النكوص على عقبها والانسياب في طريق أخرى غير هذه الطريق عجزت عن مقاومة ~~التيار؛ لأنها أصبحت مجردة من جميع قواها وأسلحتها، فقلوعها ممزقة، وألواحها متناثرة، ~~وحبالها متطايرة وسواريها منكسة، وأعلامها ساقطة، ورجالها متهافتون على سطحها لما نالهم من ~~الأين والإعياء، وقد بدأ مؤخرها يهبط، ومقدمها يرتفع؛ أي إن الهلاك قاب قوسين منها أو ~~أدنى. # وكانت العاصفة في تلك اللحظة قد بلغت أشدها، فرأينا الموج يرتفع ارتفاع الجبال حتى يصك ~~بمنكبه منكب السماء، ثم يندفع إلى الشاطئ كهوي العقاب إلى وكره، فينسف رماله وحصاه، ~~ويطير بشظياته في جو السماء، ثم لا يلبث أن يتراجع مجرجرا في تراجعه جرجرته في تدافعه، ~~كالسهم الأليم في حالتي وقعه ونزعه، ويترك وراءه بقعة واسعة من الرمل كصفحة المرآة في ~~لمعانها واستوائها، ورأينا المضيق الواقع بين شاطئ الجزيرتين يرغي ويزبد كأنما يشتعل من ~~تحته أتون متقد، ويرمي بالزبد من جفافيه كما يتناثر العهن المنفوش عن المندف؛ أما السماء ~~فقد أصبحت ميدانا تتسابق فيه قطع الغيوم الطائرة إلى غاياتها، فلا تفرغ حلبة حتى تنشأ حلبة ~~أخرى، فأصبح البر والبحر، والسماء والأرض، والماء واليبس، والسهل والجبل، قيامة كبرى يموج ~~فيها كل شيء، ويضطرب كل ms108 شيء، فلم نعد نعلم أنحن وقوف في أماكننا أم طائرون في جو السماء؟ ~~وهل طغى الماء على اليبس فأحاله ماء، أم لا يزال الماء ماء واليبس يبسا؟ # الفصل الرابع والعشرون # | الكارثة # وبينما نحن ذاهلون عن أنفسنا، وعن كل ما يدور حولنا، إذ طرق آذاننا صوت عظيم، فاستفقنا، ~~فإذا السفينة قد اصطدمت بإحدى الصخور العظيمة، وإذا آخر جرير من أجرتها قد انقطع، ~~فانبعثت في تلك اللحظة صيحة ألم من جميع القلوب، وإذا بول يهجم على البحر ليلقي بنفسه فيه، ~~فاعترضت طريقة أنا ودومينج، وحاولنا أن نمنعه فلم نستطع، وظل يصيح: دعوني أنجي فرجيني، فلم ~~يكن لنا بد من أن نتركه وشأنه، غير أننا عقدنا في وسطه حبلا طويلا وأبقينا طرفه في ~~أيدينا خوفا عليه من الهلاك، فاقتحم الماء وكان منظره في تلك اللحظة منظرا مخيفا مرعبا ~~كأنما هو منتفض من كفن، وكأنما صورته قد استحالت إلى صورة وحش ضار لا يقوم له شيء إلا ~~أتى عليه، فظل يعوم مرة، ويتسلق الصخور أخرى، ويعاني في سبيل ذلك ما لا يستطيع أن يحتمله ~~بشر، حتى دنا من السفينة، أوشك أن يدنو منها، فلطمه تيار قوي لطمة شديدة أعادته إلى ~~الشاطئ كما كان، مجروح الساق، مهشم الأعضاء، فلم يضعف ولم يهن، ولم يبق إلا بمقدار ما ~~تنفس نفس الراحة ثم عاد إلى شأنه الأول. # وكان الموج يهدأ حينا عن السفينة فيخيل إلينا أنها واقفة على اليبس فنرى أشرعتها ~~الممزقة، وألواحها المتناثرة، ورجالها المتهافتين على سطحها من الإعياء والتعب، وربانها ~~الواقف في مقدمتها وقفة الليث الهصور يصرخ صرخاته العالية التي تدوي بها أجواز الفضاء، ثم ~~يطغى عليها حينا فيضرب فوقها قبة جوفاء تغمرها كما يغمر القبر دفينه. # وما هي إلا لحظات حتى بدأ سطح السفينة يتشقق وبدأ الماء يتسرب إلى أحشائها، وعلم ركابها ~~أنهم هالكون إن بقوا فيها، فأخذوا يلقون ما على سطحها من ألواح ومجاذيف وصناديق وأقفاص ثم ~~يلقون بأنفسهم وراءها. # وهنا ظهر منظر هائل عظيم هلعت له القلوب وزاغت له الأبصار، وفاضت له ms109 الشئون من آماقها ~~لهفة وجزعا. # ظهر في مؤخر السفينة منظر فتاة رائعة الجمال، غضة الشباب، نبيلة المنظر، واقفة على ~~قدميها العاريتين، وقد ضمت بإحدى يديها قميصها إلى صدرها، ومدت يدها الأخرى إلى ذلك البائس ~~المسكين الذي يخاطر بحياته ويكابد أعظم الشدائد والأهوال في سبيل الوصول إليها، فلم نعلم ~~أهي تستغيث به لينقذها، أم تشير إليه أن يعود إلى مكانه رحمة به وإشفاقا عليه؟ فكان ~~منظرها في تلك الساعة منظر صورة بديعة مرسومة في صفحة السماء. # من هي هذه الفتاة؟! إنها الفتاة الطاهرة الشريفة التي تجثو الفضيلة خاشعة بين يديها، ~~إنها الفتاة الكريمة المحبوبة التي نبتت من كل قلب، فهي حبيبة إلى كل قلب، إنها الرحمة ~~الإلهية التي طالما أحسنت إلى البائسين، وفرجت كربة المكروبين، وبكت رحمة بالمنكوبين ~~والمرزوئين، إنها النور السماوي الذي طالما أشرق في القلوب اليائسة الحزينة فأنار حلكتها، ~~وبدد ظلمتها، وملأها رجاء وأملا. # لذلك لم تبق عين من العيون إلا فاضت مدامعها، ولا نفس من النفوس إلا سالت من بين ~~أضالعها، ولا يد من الأيادي إلا ارتفعت إلى السماء ضارعة إلى الله، تعالى، أن ينقذها من ~~بلائها. # علم الملاحون أن السفينة قد بدأت تهوي إلى مستقرها، وأن ظلمة الموت قد أخذت تخيم فوقها، ~~فنفضوا أيديهم منها نفض المودع يده من تراب الميت، وأخذوا يقذفون بأنفسهم إلى الماء، لا ~~يعلمون أذاهبون إلى الحياة أم إلى الموت؟ وسفينة النجاة واقفة في مكانها من الشاطئ لا ~~تستطيع أن تتقدم خطوة واحدة خوفا على نفسها من الهلاك، وأخذت همة بول تضعف وتفتر؛ لأنه كان ~~قد استنفذ جميع قواه فلم يبق له منها ما يمسك به رمقه. # وما هي إلا لحظات حتى خلا سطح السفينة من كل شيء إلا من فرجيني واقفة في مؤخرتها تنتظر ~~قضاء الله فيها، ورجل بحار واقف في مقدمتها قد خلع ملابسه وهم بإلقاء نفسه ثم لمح ~~فرجيني واقفة موقفها هذا، فأبى له كرمه ووفاؤه إلا أن يمد لها يد المعونة لينقذها، فمشى ~~إليها وجثا بين يديها وطلب منها ms110 أن تخلع ثوبها ليحملها على ظهره ويسبح بها. # أتدري ماذا كان بعد ذلك؟ # كان أن غلب الحياء على الفتاة حينما رأت رجلا عاريا بين يديها يريد أن يضمها عارية إلى ~~جسمه فأشاحت بوجهها عنه، وأشارت برأسها أن لا، فصاح الناس من كل جانب أنقذها، أنقذها، فوثب ~~الرجل قائما على قدميه ومد يده إلى ثوبها ليجردها منه. # وهنا وا أسفاه أقبلت موجة عظيمة كالجبل الأشم تندفع نحو السفينة اندفاع القضاء النازل، ~~وتزمجر في اندفاعها زمجرة الليث الهصور، فذعر البحار إذ رآها وطاش عقله، وما لبث أن أملس من ~~مكانه وألقى بنفسه في الماء. # أما فرجيني فلم تخف ولم تطش، بل لبثت في مكانها كما هي، وقد علمت أن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، فضمت قميصها إلى جسمها بيد، ووضعت يدها الأخرى على قلبها، وسبحت بنظرها في ~~الفضاء، فأصبح منظرها منظر ملك كريم يطير بجناحيه في جو السماء. # وما هو إلا أن أغمض الواقفون عيونهم جزعا من هذا المنظر الهائل المخيف، ثم فتحوها فإذا ~~البحر قد ابتلع كل شيء، وإذا كل شيء قد انقضى! # وهنا صمت الشيخ وأسلم رأسه إلى ركبتيه وأخذ يضطرب اضطرابا شديدا كأنما يعالج غصة تعتلج ~~في صدره، ثم لم يلبث أن انفجر باكيا ينشج نشج الأطفال، فهاجني بكاؤه فبكيت حتى ذهلت، ولم ~~أستطع الرجوع إلى نفسي إلا بعد حين، فرأيته لا يزال في ذهوله واستغراقه، فنبهته فانتبه، ~~وعاد إلى حديثه يقول: يا له من يوم عظيم هائل! يا لها من ذكرى مؤلمة مريرة! يا لها من ~~حسرة لا انقضاء لها حتى الموت! لقد مر على تلك الحادثة عشرون عاما ولا تزال تلك الفتاة ~~ماثلة أمامي كأنني لا أزال أراها، إن فرجيني كانت عزيزة علي جدا، بل كانت أعز مخلوق ~~عندي، ولو كان لي ابنة لما نزلت من نفسي تلك المنزلة التي نزلتها، وكان كل أملي في حياتي ~~أن أعيش في ظل عطفها ورحمتها، وحنانها وشفقتها، حتى تتولى إغماض عيني بيدها في ساعتي ~~الأخيرة، فلم يقدر لي ما أريد. ms111 لقد هجرت العالم كله ولجأت إلى هذا المعتزل البعيد النائي ~~هربا من الشقاء فتبعني الشقاء حيث ذهبت، وما أحسبه تاركي بعد ذلك حتى ينزل معي إلى ~~قبري. # ثم تنفس الصعداء وقال: ولكن الذي يهون وجدي عليها أنها الآن سعيدة في سمائها، مغتبطة ~~بعيشها، متمتعة برحمة ربها ورضوانه، وأن تلك المرارة التي ذاقتها ساعة موتها قد زالت من ~~فمها إلى الأبد. # نعم إن يومها كان يوما هائلا جدا، فلقد بكاها كل من رآها حتى الزنوج الذين ألفو ~~البؤس والشقاء، فلم يبق في عيونهم موضع للبكاء، وكان أكثرهم بكاء عليها البحار المسكين ~~الذي حاول إنقاذها فحال القضاء بينه وبينها، فقد كان يخيل إليه أنه أجرم إجراما عظيما ~~بالفرار منها وتركها وشأنها، فجلس على الرمل بعد خروجه يلطم وجهه وينتف شعره ويقول: اللهم ~~اغفر لي ذنبي، فقد كنت أرجو أن أنال السعادة بافتدائها بحياتي، ولكن الله أراد ما ~~أراد. # أما بول المسكين، فقد كنا جذبناه قبل ذلك إلى الشاطئ، فجثا على ركبتيه يشاهد ذلك المنظر ~~المؤلم وهو يرعد ويضطرب اضطراب الغصن في مهاب الرياح حتى انقضى. فسقط مغشيا عليه يتدفق ~~الدم من فمه وأذنيه وأنفه، فظللنا نعالجه ساعة طويلة حتى استفاق بعد لأي، ودار بنظره حوله ~~كالذاهل المخبول، ثم انتفض انتفاضة شديدة وعاد إلى ذهوله واستغراقه، فأمر الحاكم أن ينقل ~~إلى خيمته الخاصة، وأمر طبيبه بالقيام عليه والعناية به، وظل هو ملازما له لا ~~يفارقه. # فتركته حيث هو، وذهبت أنا ودومينج إلى الساحل لنفتش عن جثة فرجيني، وكانت الزوبعة قد هدأت ~~قليلا فقضينا في البحث عنها زمنا طويلا فلم نعثر عليها، فاشتد حزننا وألمنا، واستولى ~~اليأس على نفوسنا، وبدأ الريب يدب في قلوب الكثير منا، فصاح بعض الناس وقد أدركه مثل ~~الجنون: ألا يوجد لهذا الكون إله يدبره ويرعاه؟ ألا يوجد بين هؤلاء الناس جميعا من يستحق ~~هذه الميتة التي ماتتها هذه الفتاة سواها؟ والنفس الضعيفة تعجز دائما عن احتمال صدمات ~~القضاء، فلا تجد بدا حين تصدمها من أن تروح عن نفسها بالسخط ms112 والغضب، وقد تخرج في سخطها ~~أحيانا عن صوابها وهداها، فليرحمها الله، فإنها ما أتيت إلا من ناحية الإيمان بالله والثقة ~~بعدله ورحمته. # وهنا مر بنا بعض الناس وأخبرنا أن التيار قد ألقى ببقايا السفينة على شاطئ الخليج المسمى ~~خليج «وتمبو»؛ أي خليج القبر، فذهبنا إليه نرجو أن نعثر على الجثة هناك، فوجدناها غارقة في ~~الرمل إلا جزأها الأعلى، فنبشنا عنها فإذا هي على الصورة التي رأيناها عليها في ساعتها ~~الأخيرة، وكأنها حية باقية لم تمت، وكأن ماء الحياة لا يزال يجول في وجهها، لولا اصفرار ~~قليل في خديها، وإذا هي لا تزال ضامة ثوبها إلى جسمها وواضعة يدها الأخرى على قلبها، وكأن ~~أناملها تقبض على شيء، ففتحتها فرأيتها قابضة على صورة الرسول بول، التي كان بول قد ~~أهداها إليها قبل سفرها فوعدته أن تحتفظ بها إلى آخر رمق من حياتها، فكأنها تودع صديقها ~~الحميم الوداع الأخير في صورة ذلك القديس العظيم، فأكبرت هذا الإخلاص العظيم كل الإكبار، ~~وأيقنت أن النفس الطاهرة كالذهب الخالص، لا يغيرها شأن من شئون الحياة أو الموت. # ثم حملناها إلى كوخ قريب لبعض الصيادين، وعهدت إلى بعض النساء أن يتولين شأنها حتى نعود، ~~وصعدت إلى الوادي لأبلغ تينك المرأتين المسكينتين ذلك الخبر الهائل، وما أحسبني وقفت في ~~حياتي موقفا أشد علي من هذا الموقف، فدخلت عليهما في الكوخ فرأيتهما جاثيتين تصليان ~~وتدعوان الله تعالى بسلامة ابنتهما من شر هذه العاصفة، وكان الليل قد بدأ يرخي سدوله على ~~الكائنات، ويضرب عليها سرادقا من وحشته وكآبته، فما وقع نظرهما علي حتى ذعرتا وارتاعتا ~~وصاحتا: أين فرجيني؟ # فلم أستطع أن أنطق بشيء سوى أنني أطرقت برأسي، فدنت مني هيلين وقد استحالت إلى شبح ~~كأشباح الموتى وقالت لي بصوت خافت متهافت: هل ماتت؟ فاستمررت في إطراقي، ففهمت كل شيء، ~~وما هي إلا صيحة واحدة صاحتها من أعماق قلبها ثم سقطت في مكانها لا يختلج في جسمها عرق ~~واحد، ودارت مرغريت بنظرها فلم تر ولدها أمامها فسألتني أين بول؟ فتلطفت في ms113 قص قصته عليها، ~~وحلفت لها بالله أنني أرجو له حسن العاقبة، فلم تعبأ بما أقول، ولم يكن جزعها على ولدها، ~~بأقل من جزع صاحبتها على ابنتها. # ولا أستطيع أن أصف لك يا بني هول تلك الليلة في ذلك الكوخ، فلم تكن ليلة بكاء وعويل، ~~وولولة، كما تكون ليالي الثكل في بيوت الثاكلين، بل ليلة حزن صامت عميق يحبس الدموع ~~عن الانطلاق والزفرات عن التصعيد، وإن أنس لا أنسى منظر تلك المرأة المسكينة وهي ساقطة ~~تحت أعباء ذلك الحزن الثقيل تئن أنين الدفين تحت أنقاض البيت الساقط، وتقلب وجهها في السماء ~~تسألها دمعة واحدة تروح بها عن نفسها فلا تعطاها، وقد تغمغم أحيانا بكلمات مبهمة لا ~~يستمع منها السامع غير قولها: ابنتي! حبيبتي! مسكينة أنت! الرحمة يا رب! المغفرة يا إلهي! ~~ومرغريت تجلس بجانبها تارة لتعزيها وتهون عليها مصابها، وتخرج خارج الكوخ تارة أخرى لتبكي ~~ولدها ما شاء الله أن تفعل، فكان منظر إخلاصها في تلك الساعة أعجب منظر رأيته في حياتي، أما ~~دومينج وماري فقد ظلا يدوران ليلهما حول الكوخ يلطمان خدودهما، ويخمشان وجهيهما، وينتفان ~~شعورهما، ويرسلان صرخاتهما المحزنة الأليمة في جو السماء حتى تلفا أو كادا. # ولم يزل هذا شأننا جميعا حتى انبثق نور الفجر، فانسللت في صمت وسكون من حيث لا يشعر بي ~~أحد وانحدرت إلى الشاطئ، فرأيت أن الحاكم قد أعد كل شيء لتشييع جنازة فرجيني، فكسوا نعشها ~~بصنوف الزهر وأنواع الريحان، وحمله ثمان من عذارى «سان لوي» لابسات حللا بيضاء مشرقة، ~~وتبعه نحو مائتي طفلة من أطفال الدير يمشين صفوفا متتالية، ويحملن في أيديهن سعف النخل ~~وطاقات الزهر، ويرتلن الأناشيد الدينية بنغمة شجية محزنة، ومشى في المقدمة حاكم الجزيرة ~~ووراءه ضباطه وجنوده منكسي أسلحتهم، مطرقي رءوسهم، والناس فيما وراء ذلك بحر زاخر ~~يعج بالبكاء والعويل، والأنات والزفرات، وكانت مدافع الحصون ترسل طلقاتها من حين إلى حين، ~~فتردد صداها مدافع السفن الراسية على الشاطئ. # ولم نزل سائرين في طريقنا حتى وصلنا إلى كنيسة «بامبلموس»، وهناك حي الزنوج ms114 المساكين الذي ~~كانت تزوره فرجيني في أيام الآحاد بعد أداء الصلاة في الكنيسة، فتعول فقراءه وتطعم جائعيه، ~~وتعود مرضاه، وتعطف على أيتامه وأرامله، فخرج رجاله ونساؤه، وفتيانه وفتياته، باكين صارخين، ~~فبكينا جميعا لبكائهم، وكانت مناحة عامة جاد فيها بالدمع من لم يجد، وبكى فيها من لا عهد ~~له بالبكاء، ولقد رأيت بعيني أولئك الأبطال الأنجاد الذين يأنفون أن يذرفوا دمعة واحدة من ~~مدامعهم والرماح تنوشهم والسيوف تأخذهم من كل جانب يتهافتون على الجذوع والأحجار باكين ~~منتجين انتحاب الأطفال الصغار، ورأيت جماعة من نساء مدغشقر وموزنبيق آتيات يحملن على ~~عواتقهن أقفاص الفاكهة حتى وضعنها حول القبر، وعلقن على أغصان الأشجار المحيطة به خرقا ~~بيضاء ناصعة، كعادتهن التي اعتدنها في موتاهن الأعزاء، ورأيت جماعة أخرى من نساء الهند ~~والبنغال يحملن أقفاص الطير على عواتقهن ليرسلنها فوق القبر ساعة الدفن، ولعلهن يردن من ذلك ~~تمثيل صعود الروح إلى سمائها ... فما أجل الفضيلة وما أعظم شأنها! إنها الشريعة العامة التي ~~يدين بها الناس جميعا عالمهم وجاهلهم، مؤمنهم وملحدهم، حاضرهم وباديهم، والمعبد المشترك ~~الذي يقف فيه الجميع صفا واحدا أمام هيكل واحد، يرتلون آية واحدة بنغمة واحدة. # وكانوا قد حفروا للميتة قبرا تحت شجرة خيزران مورقة في الجانب الغربي من كنيسة «بامبموس» ~~كانت تجلس تحتها دائما هي وبول حينما كانا يأتيان لزيارة الكنيسة وتوزيع الصدقات على ~~الفقراء والمساكين، فلما حلت ساعة الدفن اشتد البكاء والنحيب، وهرعت الفتيات إلى النعش ~~يلمسنه بأيديهن، ويشرن إليه بمناديلهن وخرقهن، ثم يمسحن وجوههن تبركا كما يفعلن أمام ~~تمثال العذراء، وجأرت الأمهات بالدعاء إلى الله، تعالى، أن يمنح بناتهن الفضيلة التي ~~يمنحها هذه القديسة المباركة ليحيين حياتها، ويمتن موتها، وما هي إلا لحظات حتى انحدر ~~إلى مغربه ذلك الكوكب الفخم الذي خفق في سماء العالم لحظة ثم اختفى. # الفصل الخامس والعشرون # | أحزان بول # نقلنا بول في محفة إلى كوخه بعد ما أبل قليلا، وكنت خائفا عليه وعلى أميه ~~أشد الخوف من تلك الساعة التي يتلاقون فيها، ولكن الله، تعالى، جعل خيرا ms115 ما كنت أحسبه ~~شرا، فلم يقع نظرهما عليه حتى نهضتا إليه وضمتاه إلى صدرهما وانفجرتا بالبكاء، فنفس ~~الدمع عن هيلين تلك الحرقة الكامنة التي ظلت تعتلج في صدرها يومين كاملين، وكأن شعاعا ~~لامعا قد انبعث من عينيه اللامعتين إلى قلبيهما فأضاءهما بنور العزاء والسلوى، فطفقتا ~~تقبلانه وتلثمانه، وتمزجان دموعهما بدموعه، وقد أنزل الله عليهم جميعا السكينة والصبر، ~~فاستحالت تلك العاصفة التي كانت تعصف بقلوبهم ليلها ونهارها إلى سكون يشبه سكون الموت، فلا ~~نواح ولا عويل، ولا تذمر ولا شكوى، إلا ما كان من تلك العبرات التي تنحدر من آماقهم في صمت ~~وسكون. # وبعد هنيهة حضر الحاكم ليعزي هيلين عن نكبتها، فعزاها وحدثها طويلا عن عمتها وعن ~~ذلك المسلك الوحشي الذي سلكته مع ابنتها، فكان جوابها على ذلك كله أن سألت الله لها العفو ~~والمغفرة، ثم اقترب من فراش بول وتناول يده وقال له: يجب أن تسافر يا بني إلى فرنسا وسأعطيك ~~كتاب وصاة تستعين به على عمل ينفعك وينفع أهلك، وسأتولى عنك رعاية أميك وكفالتهما ~~في غيبتك. فألقى عليه بول نظرة طويلة لا يعلم إلا الله ماذا يريد منها، ثم جذب يده منه ~~وأدار وجهه للحائط، فاكتأي الرجل قليلا ثم نهض وقال له: سأعود إليك مرة أخرى يا بني، ~~وانصرف. # ولم يكن لي بد في هذه الأيام من أن ألزمهم لأقوم بخدمتهم وقضاء حاجاتهم، ولأتولى بنفسي ~~تمريض هذا الولد المسكين، فلزمت فراشه ليلي ونهاري ما أكاد أفارقه حتى استطاع بعد ثلاثة ~~أسابيع أن ينشط من علته، إلا أنه استحال إلى شخص آخر غير ذلك الشخص الأول، وكأنما انطفأ في ~~قلبه ذلك المصباح المنير الذي كان يمد حواسه ومشاعره بالنور والإشراق، فأصبح ذاهلا مذهوبا ~~به، تحدثه فلا يكاد يفهم الحديث، ولا يكاد يرد عليه إن فهمه، وكانت تدنو منه هيلين ~~أحيانا فتقول له: إنني كلما رأيتك يا ولدي يخيل إلي أن ابنتي لا تزال حية باقية أراها ~~وأحادثها، تريد بذلك تسرية همة وإزالة وحشة نفسه، فلا يكاد يسمع اسم فرجيني حتى ms116 ينتفض ~~انتفاضا شديدا ويخرج من الكوخ هائما على وجهه، فلا يعود إليه حتى يعود به من يراه. ~~وكثيرا ما كان يذهب وحده إلى «مخدع فرجيني» فيجلس هناك تحت النخلتين المسماتين باسمه ~~واسمها شاخصا ببصره إلى البركة التي كانا يستحمان فيها أيام طفولتهما، ويظل على ذلك عدة ~~ساعات حتى أذهب إليه وأعود به إلى الكوخ. # وخرج ذات يوم فتبعته أنا ودومينج، وكنت أتبعه دائما حيثما سار، فصعد جبل «المورن» ثم ~~انحدر إلى سفحه الآخر ومشى في الطريق الموصل إلى كنيسة بامبلموس، فاستطير قلبي خوفا ~~وهلعا، وخفت أن ينتهي به المسير إلى قبر فرجيني، وكنت لا أستطيع منعه أو الوقوف في وجهه؛ ~~لأن الطبيب أمرني ألا أحاوله في أمر يريده، وأن أترك له الحرية في جميع ما يأخذ وما يدع، ~~وقال لي: إن هذا هو علاجه الوحيد الذي لا علاج له سواه من وحشة نفسه وكآبتها، فظل سائرا لا ~~يلتفت يمنة ولا يسرة حتى بلغ مكان القبر لا يخطئه، فجثا فوق تربته تحت ظلال شجرة الخيزران ~~يصلي ويبتهل، فعجبت لذلك أشد العجب؛ لأنني كنت على ثقة من أنه لا يعلم حتى الساعة هل ~~أخرجت جثة فرجيني من البحر أم ذهبت طعاما للسمك؟ فلم أجد بدا أنا ودومينج من أن ~~نجثو جثيه وندعو دعاءه، فالتفت فرآنا، فسألته لم يصلي في هذا المكان؟ فقال: إنه المكان ~~الذي كنا نجلس فيه معا حينما نأتي إلى هنا أيام الآحاد لزيارة الكنيسة وتوزيع الصدقات على ~~الفقراء والمساكين، ويخيل لي أن هذه البقعة أحب بقعة إلي على وجه الأرض وأدناها إلى نفسي، ~~فعلمت أنه ألهم، وأن طيب تراب القبر دل على القبر. # ثم نهض قائما على قدميه وذهب ببصره في السماء، وظل على ذلك ساعة، فخيل إلي أنه قد طار ~~بنفسه إلى ذلك العالم الآخر ليفتش عن تلك النفس الحبيبة إليه التي فارقته فراق الأبد، فأصبح ~~لا يهنأ له العيش من بعدها، ثم ما لبث أن انتفض انتفاضة شديدة وانحدر إلى شاطئ البحر، ~~فذعرت وارتعت، ولم أجد بدا ms117 من أن أقف في وجهه، وقلت له: عد بنا إلى الكوخ يا بول وكن ~~عند ظني بك، فلم يعبأ بما أقول، واستمر سائرا في طريقه حتى أشرف على البحر، وشخص ببصره ~~إلى النقطة التي غرقت فيها السفينة، فخفت أن يكون قد حدث نفسه بذلك الأمر العظيم، فدنوت ~~منه وقلت له: إن المنتحر يا بول لا يصعد إلى ملكوت السماء، فلم يزد على أن صاح: آه يا ~~فرجيني! آه يا فرجيني! وسقط مغشيا عليه، فحملناه إلى الغابة، ولم نزل به حتى استفاق، ~~فحاول أن يتقدم نحو الشاطئ مرة أخرى، فضرعت إليه ألا يفعل، فأمسك على مضض، وبعد لأي ما ~~استطعنا أن نعود إلى الكوخ. # وأصبح بعد ذلك لا شأن له إلا طروق الأماكن التي عاش فيها مع فرجيني، أو اتفق لهما فيها ~~شأن من الشئون، فزار الملعب الذي كانا يلعبان فيه معا وهما طفلان صغيران، ويحفران في رمله ~~الحفر العميقة الواسعة ويملآنها بالماء وصغار السمك، ويجلسان على ضفافها يصطادان، واجتاز ~~الطريق التي مشيا فيها تحت وابل المطر وقد أسبلت إزارها على رأسه لتقيه مما تقي منه نفسها، ~~فكان منظرها منظر الدمية في المحراب، ومشى في الطريق التي مشيا فيها يوم ذهبا إلى ضفة النهر ~~الأسود ليشفعا للزنجية الآبقة عند سيدها، ومر بالمكان الذي قطعا فيه نخلة الجوز وأحرقاها ~~ليأكلا طلعها الأبيض حين أزمت بهما أزمة الجوع، ودخل الغابة التي أضلا فيها الطريق حتى ~~أظلهما الليل وهما تائهان مشردان، وجثا عند الشجرة التي جثيا عندها يصليان ويدعوان الله، ~~تعالى، أن يبعث إليهما من يهديهما السبيل، وجلس بجانب الهضبة التي كانت تنتظره عندها حتى ~~يعود من المزرعة تعبا مكدودا فتمسح عرق جبينه بمنديلها وتبتسم له تلك الابتسامة العذبة ~~الجميلة التي تنسيه آلامه ومتاعبه، ومر بالشاطئ الرملي الذي كانا يرقصان فيه تلك الرقصة ~~الزنجية الساذجة، ويمثلان على مسرحه بعض قصص الكتاب المقدس، وجلس طويلا على الصخرة التي ~~جلسا عليها ليلة الوداع يتعاتبان ويتشاكيان. وكان هذا آخر عهده بها حتى قضى الله قضاءه ~~فيها. # ولم ms118 يدع هضبة ولا صخرة، ولا شجرة ولا نخلة، ولا ظلة ولا كرمة كانا يجلسان إليها أو ~~يفيئان إلى ظلها إلا زارها وبكى عندها طويلا، كأنما كان يشعر في نفسه أنه مفارقها، وألا بد ~~له من وداعها، فهو يودعها وداع الآسف الحزين. # وكذلك قضى أيامه الأخيرة وحيدا شريدا، هائما مستوحشا، يأكل حيث يجد طعاما، ويشرب حيث ~~يجد شرابا، ويأوي إلى كل ظل، وينام تحت كل كوكب، حتى تخونه السقم، وأضواه الهم، ~~فغارت عيناه، وانكفأ لونه، وذوت نضرته، وأصبح مثل الخلال رقة وذبولا، فأزعجني أمره، ورثيت ~~له ولأميه البائستين المسكينتين اللتين تبكيانه ليلهما ونهارهما على ضعفهما وسقمهما ~~وإدبار أمرهما، ولم أكن فاتحته حتى اليوم بكلمة واحدة في شأن نكبته التي نكب بها رحمة ~~به، وإبقاء على حشاشته القريحة أن يؤلمها المس ويهيجها العبث. فلما استحالت حاله إلى ما ~~أرى؛ رأيت أن أذهب في معالجته مذهبا غير المذهب الأول، فجلست إليه ذات يوم وقلت له: أتعلم ~~يا بول أن فرجيني قد أخلصت إليك إلى آخر رمق في حياتها إخلاصا لم ير مثله راء؟ ولا ~~يتحدث بمثله متحدث، فانتفض قليلا ورفع رأسه إلي ورنق ينتظر ما أقول، فأخرجت له صورة ~~الرسول بول وأريته إياها، فاختطفها من يدي بيديه الضعيفتين المرتعشتين وقال: وأين وجدتها؟ ~~قلت: عشية، على صدر فرجيني حينما وجدنا جثتها على شاطئ البحر وقد وضعت يدها عليها كأنها ~~تضمك فيها إلى نفسها وتودعك الوداع الأخير. قال: وهل وجدتم جثتها؟ قلت: نعم وجدناها على ضفة ~~الخليج عشية اليوم الذي غرقت فيه تحت طبقة من الرمل قد سترت منها الجزء الذي تحب أن تستره ~~من جسمها، قال: وأين دفنتموها؟ قلت: في الجانب الغربي من كنيسة «بامبلموس» تحت شجرة ~~الخيزران الكبرى، حيث ذهبت وجثوت وصليت من حيث لا تدري. فتنفس تنفسة طويلة كادت تنقطع ~~لها حيازيمه، وأكب على الصورة يغمرها بدموعه وقبلاته، فافترصت هذه الفرصة وأنشأت أقول ~~له ... # الفصل السادس والعشرون # | الموت # ما هذه الدموع التي تذرفها يا بني ليلك ونهارك ما تهدأ ولا تفتر؟ وما ms119 هذا الحزن الذي ~~تحمله بين أحناء ضلوعك لا يتفرج عنك بوجه من الوجوه، ولا حيلة من الحيل؟ ومتى كان الموت ~~نكبة من النكبات العظام التي يهلك المرء في سبيلها جزعا، وتتساقط نفسه من دونها حسرات؟ ~~وهل هو إلا الانتقال من منزل إلى منزل، والتحول من موطن إلى موطن، وربما كان الذي ننتقل ~~إليه خيرا من الذي ننتقل منه؟ ومن أين لك أن الله - تعالى - لم يرد بصاحبتك خيرا حين ~~استأثر بها واختار لها ما عنده، وأنه ما نقلها من هذه الدار إلى تلك الدار إلا لينقذها من ~~شقاء علم أنها ستكابده فيها وستلاقي منه آلاما جساما؟ وهل يمكن أن يكون لها مصير إن ~~قدر لها البقاء في هذه الحياة غير هذا المصير بعد ما تجهم لها الدهر، وحارت بها ~~السبل وانتهى أمرها مع عمتها بما انتهى إليه من سوء الحال، وخيبة الأمل، وبعد ما قضي عليها ~~أن تقضي بقية أيام حياتها في هذه القفرة المجدبة المحرقة التي لا ماء فيها ولا ثمر؟ # وهل كنت تؤثر أن تراها شقية معذبة بين يديك تفلح الأرض، وتكسر الصخر، وتخوض الوحل، ~~وتتسلق الأشجار، وتعبر الأنهار؛ لتعينك وتعين أطفالها المستقبليين على العيش بعد ما ألفت ~~النعمة والرغد والعيش الهنيء في قصر عمتها عدة أعوام لا ترى فيها صخرا ولا حجرا، ولا ~~رملا ولا مدرا؟ ولم لا يهنئك ويفرحك ويملأ قلبك غبطة وسرورا أن تعلم أنها الآن ~~سعيدة في عيشها، هانئة بمصيرها، مغتبطة بما وفقت إليه من قدومها على ربها طاهرة نقية لم ~~تلوث صحيفتها برشاشة واحدة من ذلك الرشاش الكثير الذي تلوث به صحائف الفتيات، مجزية أحسن ~~الجزاء على موقفها الشريف العظيم، موقف العزة والأنفة والصبر والاحتمال الذي وقفته في ~~ساعتها الأخيرة؟ ومن هو أولى منك - وأنت صديقها وحبيبها وألصق الناس بها - بالسرور ~~لسرورها، والغبطة لغبطتها، والابتهاج بمصيرها السعيد الذي صارت إليه؟ وأنا أجلك كل ~~الإجلال عن أن يكون حبك إياها حبا ماديا يزعجه افتراق الأجسام، ويكدر صفوه اختلاف ~~الموطن والمقام. # ولو أنك عدت إلى ms120 نفسك قليلا لعلمت أنها لم تفارقك، ولم تنأ عنك، وأنها جالسة إليك تحدثك ~~وتسمع حديثك، ولا شك عندي في أنها عاتبة عليك أشد العتب في هذه العجاجة السوداء من الحزن ~~التي تثيرها على أثرها كأنها ذاهبة إلى دار الجحيم تستقبل أنواع العذاب وألوان الآلام، أو ~~كأن كل الذي كان يعنيك منها شهواتك ولذائذك، فلما فاتتك بكيتها كما يبكي الطفل لعبته ~~النافقة، وكأنني أسمعها تهتف بك قائلة: «لا تبك علي يا بول فإنني سعيدة ناعمة متمتعة ~~برحمة ربي ورضوانه، متقلبة في أعطاف نعمته التي أسبغها علي مكافأة لي على صبري ~~واحتمالي، وما استقبلت به هموم حياتي وآلامها من سكينة وجلد، فاصبر كما صبرت، واحتمل من ~~آلام الحياة ما احتملت، يحسن الله جزاءك، ويجزل أجرك، ويرفعك إلى المنزلة التي رفعني إليها، ~~فنعش معا في سعادة دائمة ليست سعادة الدنيا بالإضافة إليها إلا وهما من الأوهام، أو ~~حلما من الأحلام.» # فلم يزد على أن رفع رأسه إلي وقال: ما دامت الحياة شقاء وعذابا، وما دام الموت سعادة ~~وهناءة، وما دامت فرجيني تنتظرني في علياء سمائها لأعيش بجانبها العيش الذي أرجوه وآمله، ~~ولا أوثر عليه عيشا سواه، فلا خير في الحياة من بعدها، وما أشوقني إلى الموت الذي يدنيني ~~منها! # وهنا علمت ألا حيلة لي فيما قضى الله وقدره، وأن الفتى قد نفض يده من هذه الحياة إلى ~~الأبد، وألا يد في العالم تستطيع أن تديره إلى وجهة غير الوجهة التي يسير فيها غير يد ~~الله، فقمت وقام، ولا أسف في الدنيا أعظم من أسفي عليه، ولا فجيعة أكبر من فجيعتي فيه. # الفصل السابع والعشرون # | الإيمان # جزى الله الإيمان عنا خيرا، فلولاه لثقلت على عواتقنا هذه الهموم التي نعالجها، ولولاه ~~لعجزنا عن أن نتنفس نفس الراحة الذي يعيننا على المسير في صحراء هذه الحياة القاحلة، فهو ~~النجم الخافق الذي يلمع من حين إلى حين في سماء الليلة المظلمة المدلهمة فينير أرجاءها، ~~وهو الدوحة الفينانة التي يلجأ إليها المسافر من حرور الصحراء وسمومها فيجد في ms121 ظلالها ~~راحته وسكونه، وهو الجرعة الباردة التي يظفر بها الظامئ الهيمان فينقع بها غلته، ~~ويفثأ لوعته، وهو المطرة الشاملة التي تنزل بالأرض القاحلة فتهتز تربتها، وتحيي مواتها ~~وتبعث في صميمها القوة والحياة، وهل كنا نستطيع أن نبقى لحظة واحدة في هذه الدار التي لا ~~نفلت فيها من هم إلا إلى هم، ولا نفزع من رزء إلا إلى رزء، لولا يقيننا أن هذه ~~الطريق الشائكة التي نسير فيها إنما هي سبيلنا الوحيد الذي يفضي بنا إلى النعيم المقيم الذي ~~أعده الله في جواره للصابرين من عباده؟ وهل كان في استطاعة مريضنا الذي يئس من الشفاء، ~~وفقيرنا الذي عجز عن القوت، وثاكلنا التي فقدت واحدها من حيث لا ترجو سواه، أن يحتفظوا ~~بعقولهم سليمة، ومداركهم صحيحة، وعزائمهم متماسكة، لولا أنهم يعلمون أن حياتهم لا تنقضي ~~بانقضاء أنفاسهم على ظهر الأرض، وأن هناك حياة أخرى في عالم غير هذا العالم، لا سقم فيها ~~ولا مرض، ولا بؤس ولا شقاء؟ # لذلك استطاعت هيلين ومرغريت في أواخر أيامهما أن تحتفظا بسكونهما وهدوئهما أمام هذه ~~الحوادث المؤلمة التي تفض أصلاد الصفا، وتذيب لفائف القلوب، فكنت إذا دخلت عليهما ~~رأيتهما في فراش مرضهما صابرتين محتملتين كأنهما لا تعالجان في أعماق قلوبهما أشد الآلام ~~النفسية وأهوالها، فإذا نظرتا نظرتا إلى السماء، وإذا نطقتا نطقتا باسم الله وسألتاه العفو ~~عنهما والرحمة بهما، ثم لا تلبث أعينهما أن تتلألأ بنور الأمل والرجاء، كأنما قد وقع في ~~نفسهما أن الله قد استجاب دعاءهما، وتقبل قربانهما، ووعدهما المثوبة العظيمة في دار نعمته ~~وجزائه. # ولقد دخلت صباح يوم على مرغريت للحظة التي استيقظت فيها من نومها فقصت علي أنها رأت ~~فرجيني في منامها تسبح في غمرة من النور، وقد لبست قميصا أبيض فضفاضا كأنما قد نسج من ~~خيوط الشمس، ولم تزل تهبط من أوجها رويدا حتى أصبحت في حرم الأرض، فمدت يدها إلى بول فأخذت ~~به من ضبعيه وطارت في جو السماء فتشبثت بردائه فطرت وراءه، ولا أعلم كيف طرت، ثم ~~نظرت تحتي ms122 فإذا هيلين طائرة ورائي، وإذا ماري ودومينج طائران وراءها، ثم دخلت على هيلين في ~~كوخها في الساعة نفسها فقصت علي هذه الرؤيا بعينها؛ فعجبت لذلك أشد العجب! وأيقنت أن الله ~~قد اصطفى هؤلاء القوم لنفسه، وأنزلهم منازل الأبرار الصالحين، وأنهم وإن كانوا لا يزالون ~~على قيد الحياة فقد لحقو بالعالم الآخر، وأصبحوا ملائكة بين ملائكته المقربين. # ولقد صدقت هذه الرؤيا كما هي ، أما بول فقد مات بعد ذلك بثمانية أيام، وكان قد خرج في بعض ~~خرجاته التي اعتادها بدون أن أراه، فافتقدته عدة ساعات فلم أجده، فانحدرت إلى حي بامبلموس ~~فوجدته جاثيا على قبر فرجيني وقد ضم إلى صدره صورة بول الرسول التي خلفتها له، فحركته فإذا ~~هو ميت، فحفرنا له ودفناه معها في قبرها، وأما مرغريت فقد لحقت بولدها بعد ثلاثة أيام من ~~وفاته قضتها صابرة متجلدة لا تذرف لها دمعة، ولا تصعد لها أنة، وكان وداعها لصديقتها ~~وداعا هادئا ساكنا لم تزد فيه على أن قالت لها: «سنلتقي هناك»، كأنما تفترقان على ميعاد، ~~ثم أسلمت روحها، وأما هيلين فقد ماتت بعد شهر من ذلك التاريخ على ذلك الفراش الحقير، في ~~ذلك الكوخ البسيط، لا يحيط بها غيري وغير ماري ودومينج، بعد ذلك الملك الكبير، والجنة ~~والحرير، والنعمة السابغة، والمتعة الواسعة، أما أنا ... وهنا سكت سكتة طويلة كانت أوصاله ~~ترتعد فيها ارتعادا شديدا ثم قال بصوت خافت متهدج: «فقد بقيت وحدي!» وانفجر باكيا بكاء ~~ثاكل فجعها الدهر في أفلاذ كبدها جميعا في ساعة واحدة، فلا صبر لها ولا عزاء، وبعد لأي ما ~~استطاع أن يعود إلى حديثه فقال: وهنا لم أجد بدا من أن أنقل ماري ودومينج إلى كوخي، فلم ~~يعيشا بعد مواليهم إلا بضعة أشهر ثم لحقا بهم، فخلت الأرض منهم جميعا، حتى من كلبهم، ~~وماشيتهم، وطيورهم وعصافيرهم، وأصبحوا تحت التراب أجسادا هامدة، وعظاما نخرة، تسفي عليهم ~~السوافي، وتدور عليهم الدوائر، ويتحدث عنهم المتحدثون كما يتحدثون عن الشعوب الغابرة، ~~والأمم الخالية، ولم يبق من آثارهم غير تلك الجدران ms123 المتهدمة التي تراها، وقد خلد أهل ~~الجزيرة ذكرهم في كثير من الأماكن التي عاشوا فيها، فسموا الرأس الذي عجزت السفينة عن ~~اجتيازه فكان في ذلك هلاكها «الرأس البائس»، والخليج الذي وجدت جثة فرجيني على شاطئه ~~دفينة في الرمل «خليج القبر»، والمضيق الذي غرقت فيه السفينة «مضيق سان جيران»، وسموا مخدع ~~فرجيني التي كانت تخلو فيه بنفسها «كهف الفتاة»، وشجرة الخيزران التي ظللت قبرهم جميعا ~~«الشجرة المقدسة»، والوادي الذي عاشوا فيه «الوادي السعيد»، ثم لم تلبث الأيام أن ذهبت بهذه ~~الذكرى كما ذهبت بأصحابها؛ لأن الناس أصبحوا ينطقون بهذه الأسماء ولا يفهمون معناها، فوا ~~رحمتاه لهم! لقد ضن الدهر عليهم بكل شيء حتى بالذكرى! # وقد علمت بعد مرور بضع سنوات على هذه الحادثة أن تلك العمة القاسية التي ضنت بمالها على ~~ابنة أخيها وتركتها تموت بؤسا وهما في أعناق المحيط، لقيت جزاء غلظتها وقسوتها، فلم ~~تسمع بخبر غرق فرجيني وموت أمها حتى أصابها مثل الجنون، وملأت رأسها الوساوس والهواجس، ~~فكانت تندبهما تارة وتبكي مصيرهما حتى تشرف على التلف، وتهون على نفسها أمرهما تارة ~~أخرى قائلة: إنها لم تفعل شيئا سوى أنها أبعدت العار عنها وعن أسرتها، فكان ما قدر الله أن ~~يكون، وكانت تنقم أشد النقمة على الفقراء والمساكين كلما رأتهم في طريقها فتصيح: أما كان ~~خيرا لهؤلاء الأشقياء أن يذهبوا إلى المستعمرات الإفريقية فيموتوا فيها ويريحونا من شرورهم ~~وويلاتهم؟ ثم لا تلبث أن تشعر بالعطف عليهم والرثاء لهم، فتذهب إلى الكنيسة بمال كثير ~~تضعه في صندوقها باسمهم، كأنما تظن أن الله، تعالى، يغفر لها جرائمها وآثامها بهذه الرشوة ~~التي تقدمها إليه، وكانت لا تزال ترى في يقظتها ومنامها، وقومتها وقعدتها، وذهوبها وجيئتها، ~~أشباحا مخيفة تلوح لها في وجهها، وتهددها أفظع تهديد وأهوله، فتركض هاربة منها، فتراها ~~أمامها حيثما ذهبت، وأينما حلت، فتفزع إلى الكاهن تسأله أن يشفيها من دائها، وما داؤها إلا ~~ذنوبها وآثامها التي أسلفتها، فما حيلة الكاهن فيها! وكانت كلما مر بخاطرها أن أقرباءها ~~البعيدين الذين لا تحبهم ms124 ولا يحبونها سيرثونها من بعدها، اشتد ذلك عليها كثيرا، فخرجت إلى ~~الطريق حاملة بدر الذهب في يدها فتنثرها على الناس نثرا، فرفع هؤلاء القوم أمرها إلى ~~القضاء واتهموها بالجنون، ولم يزالوا بها حتى أرسلوها إلى المارستان، وسكنوا قصرها من ~~بعدها، ووضعوا أيديهم على مالها، وكأن الله أراد أن يسقيها الكأس حتى ثمالتها فأبقى لها من ~~الفهم والإدراك ما تستطيع به أن تعلم أن مالها الذي تعبت كثيرا في جمعه وتدبيره واقترفت ~~كثيرا من الذنوب والآثام في سبيل الاحتفاظ به والحرص عليه يتمتع به في حياتها خصومها ~~وأعداؤها، فنال ذلك منها منالا عظيما، ولم تلبث أن ماتت حاملة معها حسرتها إلى ~~قبرها. # وكذلك ينتقم الله من الأشحاء الذين يضنون بمالهم على أصحاب الحق فيه بنقله إلى الأيدي ~~التي لا تستحقه، سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير. # وصمت هنيهة، ثم ألقى نظرة عامة على ما يدور حوله وأنشأ يقول: سلام عليكم أيها القوم ~~الأبرار، والملائكة الأطهار، لقد عشتم ما عشتم في هذه الدار وأنتم غرباء عنها، لا تعرفكم ~~ولا تعرفونها، ولا تأنس بكم ولا تأنسون بها؛ لأنكم من عنصر غير عنصرها، وجوهر غير جوهرها، ~~ثم رحلتم عنها كما جئتم إليها، لم يشعر بكم شاعر، ولم يحفل بأمركم حافل، فكنتم كحلم ~~لذيذ ألم بالعيون الهاجعة ثم مضى لسبيله. # هذه آثاركم عافية، ودياركم خالية، ومساكنكم لا يأوي إليها غير الضب واليربوع، ولا يسمع ~~فيها غير الزئير والعواء، فلا نور ولا نار، ولا روض ولا ماء، ولا ملعب ولا مرتع، ولا حديث ~~ولا سمر، ولا عين ولا أثر، كأن وجودكم الدنيا بجمالها ولألائها، وكأن ذهابكم القيامة التي ~~تزلزل كل شيء وتأتي على كل شيء. # سلام عليكم يا بني، لقد كنتم أنسي وحياتي، وسلوتي وعزائي، ومتعة نفسي وراحة ضميري، ~~والروضة الأنف التي أقطف ما أشاء من أزهارها ورياحينها، وألجأ إلى ما أحب من ظلالها ~~وأفيائها، أما اليوم فقد سمج وجه الدنيا في نظري وأصبح عبء الحياة ثقيلا على عاتقي، لا ~~أستطيع احتماله ولا الاستقلال به. ms125 # سلام عليك أيها الولد الطيب الكريم الذي نشأ في تربة ساذجة بسيطة، فنشأ ساذجا بسيطا، ~~لا ينال الناس بشر، ولا يعتقد في الناس شرا، ولا يضمر في نفسه إلا الوفاء والإخلاص، حتى ~~لكلبه وشاته، والكوخ الذي يؤويه، والظل الذي يفيء عليه. # سلام عليك أيتها الفتاة الشريفة الطاهرة التي صيغ قلبها من الرحمة والشفقة، فبكت البائس ~~والفقير، واليتيم الذي لا عائل له، والأرمل التي لا معين لها، بكاء صادقا لا تسمعه إلا ~~أذن الليل، ولا ترعاه إلا عيون الكواكب، ولم يكن صدقها في أدبها وحيائها، بأقل من صدقها في ~~رحمتها وإحسانها، ففرت من قارة إلى أخرى حياء من نفسها، ثم فرت من العالم بأجمعه ضنا ~~بجسمها أن تلمسه يد منقذها. # سلام عليكما أيتها المرأتان الصابرتان اللتان علمتا ولديهما الفضيلة، وغذتاهما بلبانها، ~~فكانتا خير الأمهات لخير الأبناء، واللتان لم تسخطا في حياتهما يوما واحدا ولم تنقما، ولم ~~تشكوا لأحد غير خالقهما، على كثرة ما ألم بهما من المصائب ونالهما من الأرزاء، ثقة ~~برحمة ربهما وإحسانه، وسكونا لقضائه وقدره، حتى خرجتا من دنياهما خروج السبيكة من ~~البودقة طهارة وصفاء. # سلام عليكما أيها الزنجيان المخلصان اللذان حفظا الصنيعة من حيث لا يحفظها أحد، وشكراها ~~من حيث لا يشكرها شاكر، ولم يحل سواد جلدهما وخشونة منبتهما، ووحشة نفسهما، من أن يحملا ~~بين جوانحهما عواطف الود والإخاء التي لا يزال البيض في أوروبا ينشدونها في كل مكان على ~~ألسنة كتابهم وشعرائهم، وخطبائهم ووعاظهم رجاء الوصول إليها، فلا يجدون إليها ~~سبيلا. # سلام عليكم يا بني من والدكم الحزين الباكي الذي بليت عظامكم في قبرها ولم يبل ذكركم في ~~قلبه، والذي ظل يختلف إلى واديكم عشرين عاما يندبكم ويبكيكم، ويسأل الله أن يلحقه بكم، فلا ~~يستتب له ما يريد. # ثم تناول عصاه واعتمد عليها ونهض قائما كأنما يقتلع نفسه من الأرض اقتلاعا، وكأنما قد ~~خطا نحو القبر عشر سنوات كاملة في تلك الساعات القليلة التي قضاها معي، فأصبح هامة اليوم ~~أو غد، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، ولم ms126 يبق منها في دائرة الأفق إلا كما يبقى في جنبات ~~الكأس من فضل الشراب، فألقى عليها نظرة هادئة مطمئنة، ثم مشى في طريقه بخطوات بطيئة، ~~وأوصال مرتعدة، ودموعه تنحدر على خديه انحدار المزنة الهاطلة، فلبثت في مكاني أنظر إليه ~~وقلبي يذوب رحمة به وإشفاقا عليه، حتى انحدر في بعض البطون وغاب عن نظري. # الفصل الثامن والعشرون # | النهاية # عدت إلى منزلي الذي أنزله وحاولت أن آوي إلى مضجعي فنبا بي، وأن أستزير الغمض فامتنع علي، ~~وأن أهدأ في مكاني ساعة واحدة فلم أستطع، وكان أكبر ما يشغلني وينفر النوم عن عيني حالة ~~ذلك الشيخ المسكين، فقد هاجت تلك القصة التي قصها علي ألما دفينا في نفسه وشجنا كامنا، ~~فاستحال في بعض ساعات إلى هيكل من العظم تتردد أنفاسه في صدره تردد الريح في جوانب الهيكل ~~الخرب. وانصرف عني يمشي مشية الطائر المذبوح يجر شلوه جرا، وتمثل لي أنه الآن طريح فراشه ~~في زاوية من زوايا كوخه، يكابد آلام المرض أو آلام النزع من حيث لا يعينه معين، ولا يرحمه ~~راحم، فاشتد ذلك علي كثيرا، وشعرت بشعبة من شعب قلبي قد سقطت. # وما أصبح الصباح حتى عقدت العزم على زيارته في واديه على بعد الشقة بيني وبينه لأتفقد ~~شأنه، وأقضي حق صحبته، فسلكت الطريق التي وصفها لي مرارا في حديثه، ولم أزل أصعد النجاد، ~~وأهبط الوهاد، وأضل مرة وأهتدي أخرى، حتى أشرفت منزلق الشمس عن كبد السماء على كوخه المنفرد ~~في ذلك الوادي الموحش، فانحدرت إليه، وكنت أرجو أن أراه واقفا على بابه، أو جالسا على ~~مقربة منه، فلم يقع نظري على شيء، وكان السكون سائدا عميقا لا يسمع فيه السامع نأمة ولا ~~حركة، كأنه سكون المقابر، اللهم إلا عصفورا صغيرا يغرد من حين إلى آخر تغريدة شجية ~~مؤثرة، كأنما هو يوقع لحنا من الألحان المحزنة على نغم واحد، وميزان مطرد، فرفعت نظري ~~إليه فإذا هو واقع على شجرة قصيرة منفردة أمام باب الكوخ ذكرت عند رؤيتها أنها الشجرة ~~التي حدثني عنها ms127 أن فرجيني غرستها أمام كوخه منذ عهد بعيد، وأنه يحبها كثيرا ويأنس بها من ~~أجلها، فدنوت منها، فراعني أن رأيت تحتها شبحا معفرا بالتراب، فتبينته فإذا هو الشيخ، ~~فحركته فإذا هو ميت، فهالني الأمر وتعاظمني، وشعرت بقلبي يتمزق لوعة وأسى، وبنفسي تسيل ~~رحمة وإشفاقا، وقلت: يا له من رجل مسكين! لقد مات ولا صديق يوسد رأسه أو يسبل ~~أجفانه، ولا عين تبكي عليه غير عين ذلك العصفور الصغير الذي ينوح فوق رأسه. ~~••• # ولم ينقض اليوم حتى دفناه تحت تلك الشجرة التي مات تحتها، والتي كان يحبها ويأنس بها، ثم ~~انصرفنا. # ولا عين إلا وهي عين من البكا # ولا خد إلا للدموع به خد ~~(انتهت) # | بول وفرجيني # شعر # يا بني القفر سلام عاطر # من بني الدنيا عليكم وثناء # وسقى العارض من أكواخكم # معهد الصدق ومهد الأنقياء # كنتم خير بني الدنيا ومن # سعدوا فيها وماتوا سعداء # عشتم من فقركم في غبطة # ومن القلة في عيش رخاء # لا خصام، لا مراء بينكم # لا خداع، لا نفاق لا رياء # خلق بر وقلب طاهر # مثل كأس الخمر معنى وصفاء # ووفاء ثبت الحب به # وثبات الحب في الناس الوفاء # أصبحت قصتكم معتبرا # في البرايا وعزاء البؤساء # يجتلي الناظر فيها حكمة # لم يسطرها يراع الحكماء # حكم لم تقرءوا في كتبها # غير أن طالعتم صحف القضاء # وكتاب الكون فيه صحف # يقرأ الحكمة فيها العقلاء ~~••• # إن عيش المرء في وحدته # خير عيش كافل خير هناء # فالورى شر وهم دائم # وشقاء ليس يحكيه شقاء # وفقير لغني حاسد # وغني يستذل الفقراء # وقوي لضعيف ظالم # وضعيف من قوي في عناء # في قضاء الأرض منأى عنهم # ونجاء منهم أي نجاء # إن عيش المرء فيهم ذلة # وحياة الذل والموت سواء ~~••• # ليت «فرجيني» أطاعت «بولها» # وأنالته مناه في البقاء # ورثت للأدمع اللاتي جرت # من عيون ما درت كيف البكاء # لم يكن من رأيها فرقته # ساعة لكنه رأي القضاء # فارقته لم تكن عالمة # أن يوم الملتقى يوم اللقاء ~~••• # ما «لفرجيني» و«باريس» أما # كان في القفر عن ms128 الدنيا غناء # إن هذا المال كأس مزجت # قطرة الصهباء فيه بدماء # لا ينال المرء منه جرعة # لم يكن في طيها داء عياء # عرضوا المجد عليها باهرا # يدهش الألباب حسنا ورواء # وأروها زخرف الدنيا وما # راق فيها من نعيم وثراء # فأبته وأبى الحب لها # نقض ما أبرمه عهد الإخاء # ودعاها الشوق للقفر وما # ضم من خير إليه وهناء # فغدت أهواؤها طائرة # بجناح الشوق يرجيها الرجاء # يأمل الإنسان ما يأمله # وقضاء الله في الكون وراء ~~••• # ما لهذا الجو أمسى قاتما # ينذر الناس بويل وبلاء # ما لهذا البحر أضحى مائجا # كبناء شامخ فوق بناء # وكأن الفلك في أمواجه # ريشة تحملها كف الهواء # و«لفرجيني» يد مبسوطة # بدعاء حين لا يجدي دعاء ~~••• # لهفي والماء يطفو فوقه # هيكل الحسن وتمثال الضياء # زهرة في الروض كانت غضة # تملأ الدنيا جمالا وبهاء # من يراها لا يراها خلقت # مثل خلق الناس من طين وماء # ظنت البحر سماء فهوت # لتباري فيه أملاك السماء # هكذا الدنيا وهذا منتهى # كل حي، ما لحي من بقاء ms129