######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.FiSabilTaj.Hindawi85247571 #META# Tags: novels #META# ID: 85247571 #META# Title: في سبيل التاج #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # مقدمة المؤلف‏ # الجاسوس‏ # قسطنطين‏ # التاج‏ # المؤامرة‏ # الأمل‏ # السر‏ # الجريمة‏ # الضمير‏ # الأزهار‏ # حديث‏ # الدسيسة‏ # التمثال‏ # النهاية‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # مقدمة المؤلف‏ # الجاسوس‏ # قسطنطين‏ # التاج‏ # المؤامرة‏ # الأمل‏ # السر‏ # الجريمة‏ # الضمير‏ # الأزهار‏ # حديث‏ # الدسيسة‏ # التمثال‏ # النهاية‏ # | في سبيل التاج # | في سبيل التاج # تأليف # مصطفى لطفي المنفلوطي # | الإهداء # إلى البطل المصري العظيم سعد زغلول باشا # تشرح هذه الرواية سيرة بطل من أبطال الوطنية العالية قد جمع الله له من صفات الشجاعة ~~والثبات والعزيمة والغيرة والإخلاص والتضحية ما جمع لك منها، فائذن لي أن أهدي ~~روايته إليك، وأن أقدم البطل البلقاني إلى البطل المصري لتأنس روح كل منكما بروح ~~صاحبه وإن باعد بينكما الزمن، واختلفت بكما الدار، فإن تفضلت بقبول هديتي - وما ~~أحسبك ضانا بذلك علي - فلتكن جائزتي عندك عليها أن تشهد لي بينك وبين نفسك أنني قد ~~وضعت لبنة صغيرة في ذلك البناء الضخم الذي شدته لأمتك، ووطنك، وحسبي ذلك ~~وكفى. # مصطفى لطفي المنفلوطي # أول يونيو سنة 1920 # | مقدمة # انصرفت عقول الكتاب والمفكرين في هذه الأيام وفي جميع البلاد إلى الاشتغال بالمسائل ~~السياسية والمشاكل الاجتماعية التي أوجدتها الحرب الأخيرة، وانصرفت الأقلام وراء العقول ~~تحاول إنارة السبيل لقادة الشعوب علهم يستطيعون إقالة هذا العالم من عثرته. # ولقد كان من جراء ذلك أن أهمل الأدب إهمالا نزل به إلى مرتبة دون التي كان يشغلها في ~~نفوس القراء والمؤلفين، فانحط التأليف الأدبي انحطاطا قد يستمر ما استمرت حالة ~~العالم على ما هي عليه. # ولم يكن تأثير هذه الأزمة الأدبية في مصر بأقل منه في غيرها؛ إذ انصرف معظم الأدباء عن ~~فنهم - وعلى الأخص في السنة الأخيرة - إلى الاشتغال بقضيتنا السياسية الكبرى، فانقطع ~~ظهور الكتب الأدبية أو كاد، وأوشكت مسارح التمثيل أن تغلق أبوابها لقلة ما يقدم إليها ~~من الروايات، ورأت صحف الأدب ألا بقاء لها إلا إذا ولت وجهها شطر السياسة، فوقفت ~~جل أعمدتها على شرح وتأويل ما يحمله إلينا البرق من الأخبار، وبذلك وقفت نهضتنا الأدبية ~~منتظرة أن تمر العاصفة وتصفو السماء فتستأنف سيرها ويعود ms01 إليها عزها ونشاطها، بيد أن ~~العناية الساهرة على الفنون قد أبت أن تذبل شجرة الأدب في مصر ولما تينع أزهارها، فلم ~~تدع السياسة تستأثر بأقلام جميع الكتاب، بل أبقت للأدب أئمته وأنصاره، فلم يؤيسهم شغف ~~الجمهور بسياسة العالم وانصرافه عن كل ما عداها، وظلوا رافعين لواء فنهم في وسط الزوابع ~~والأعاصير عالمين أن الأدب أفيد غذاء لروح الأمة وعقلها، وأكبر مهذب لإحساسها ~~وشعورها. # في طليعة هذا النفر من أئمة الفن وخدامه لا أتردد في ذكر اسم السيد «مصطفى لطفي ~~المنفلوطي» الذي لم يبخل على قرائه العديدين بأويقات فراغه، فوقفها على الكتابة والتأليف، ~~ولم تحل أعمال وظيفته الحكومية بينه وبين أن يخرج للناس بضعة مؤلفات قيمة، آخرها هذه ~~الرواية الشيقة الممتعة «في سبيل التاج» التي نقدم اليوم طبعتها الرابعة إلى جمهور ~~القارئين. ~~••• # فرانسوا كوبيه مؤلف «في سبيل التاج» شاعر عرك صروف الزمان، وجس بأصبعه مصائب الإنسان، ~~فلم تزد قلبه مناظر البؤس والفاقة إلا لينا وحنانا، حتى إن القارئ لا يرى في شعره إلا ~~عبرة حارة أرسلتها عيناه إشفاقا وحنوا على الذين تخطتهم السعادة وغضبت عليهم الحياة، ~~حتى لقبه عارفوه بحق «معزي المنكودين والبائسين، وشاعر الضعفاء والمحزونين.» # ولد كوبيه سنة 1842، ولم تمكنه بنيته السقيمة من تتميم دراسته، فانقطع عن تلقي الدروس ~~في معاهد العلم، وانصرف إلى قراءة الكتب والاطلاع على أوضاع الأقدمين، وكان يشعر بميل ~~شديد غريزي إلى الشعر، فنظم منه بضع قصائد لم تصادف إعجابا من الذين أسمعهم إياها، ~~فرأى أن النار أحق بها من المطبعة، فأحرقها، وطلق الشعر وهجر الأدب، وسعى حتى حصل على ~~وظيفة في الحكومة استولى عليها ظنا أنه لم يخلق لصناعة القلم، وأن رغبته في الشعر ما ~~هي إلا نزعة مفتون تصبو نفسه إلى ما لا قبل له به ولا طاقة له عليه. # بيد أن الفطرة ما لبثت حتى غلبت اليأس في نفس الشاب، فعاد إلى القصائد ينظم منها اليوم ~~ما يمزقه في الغد، حتى وفق لكتابة «صندوق البقايا المقدسة» # Le Reli Puaire ~~، ونشره بين الناس، فصادف ms02 رواجا وإقبالا شجعاه على الاستمرار ~~والمثابرة، وزاد تشجيعا أن صارت بعض منظوماته تتلى على المسارح وفي الحفلات. وما زالت ~~شهرته تنمو حتى اهتمت بشأنه إحدى الممثلات الشهيرات (مدام أجار)، ورأت فيه قابلية ~~للتأليف التمثيلي، فنصحت إليه بكتابة شيء للمسرح، فعمل بنصيحتها وكتب «عابر السبيل» # Le Passant ~~، وهي رواية ذات فصل واحد، ما كادت تظهر ~~حتى تخاطفتها المسارح ومثلتها «سارا برنار»، فطار صيت المؤلف الشاب وذاعت شهرته، وأقبل ~~عليه مديرو المسارح يلتمسون منه المزيد. # ومن سنة 1868 نشر كتبا شعرية متتابعة أهمها «المودات» # Intimitês # و«اعتصاب الحدادين»، و«المتواضعون»، وبعض ~~قصص نثرية، منها: «المجرم» # Toueune ~~، و«شبوبيه» # Jeunesse ~~، وكثير من الروايات التمثيلية، نخص بالذكر ~~منها: «عواد كريمون» # Le Luthier de Grêmone ~~، و«مدام ده ~~مانتنون»، و«سيفير ونوريلي»، و«في سبيل التاج». # وفي عام 1884 انتخب عضوا بمجمع علماء فرنسا، ثم انكب على السياسة وسار فيها شوطا ~~بعيدا كاد ينسيه الشعر والأدب، وتوفي سنة 1908 وهو رئيس فخري لجمعية الوطن ~~الفرنساوية. # هذا ملخص حياة ذلك النابغة الذي امتاز على أقرانه بأنه لم يقلد أحدا من الأوائل ولا ~~من المعاصرين - والتقليد لا يكاد ينجو منه شاعر من الشعراء - وبأن معظم المواضيع التي ~~طرقها كانت إلى عهده جديدة لم يتقدم إليها قبله أحد من المؤلفين، ولقد قال عنه أناتول ~~فرانس ما معناه: # إن نفثات قلم هذا الشاعر قد أثرت في جميع القلوب وتمكنت منها؛ لأن أساسها ~~الطبيعة، وأحسن ما يبرع في الكتابة عنه ويصل فيه إلى أعلى طبقات البلاغة ما كان له ~~مساس بالمشاعر والأخلاق الاعتيادية والحقائق الواقعة. وهذا النوع من الكتابة لا ~~يتيسر إلا لأصحاب الأذواق السليمة والذكاء المتوقد الخارق، وهو يحتاج إلى ~~مهارة فائقة وبراعة زائدة، فإن أقل خطأ فيه لا يلبث أن يبدو للعيان مجسما، وإن في ~~استطاعة كل إنسان مهما كانت منزلته من العلم أن يفهم هذا الشاعر ويتأثر بأغراضه ~~ومراميه، ولكن لا يستطيع أن يسبر كنهه ويتذوق طعم أدبه إلا من رزق حظا ~~وافرا من العلم والذوق السليم، وبالجملة فقراء هذا الشاعر كثيرون جدا، ms03 ومن ~~جميع الطبقات، ولكن قراءه الحقيقيين قليلون. # أما رواية «في سبيل التاج» التي نحن بصددها فمأساة شعرية تمثيلية وضعها المؤلف في سنة ~~1895، وأراد أن يجاري بها عميدي الشعر التمثيلي في القرن السابع عشر: كورني وراسين، وهي ~~رواية أخلاقية بطلها فتى تعارضت في نفسه عاطفتان قويتان: حب الأسرة، وحب الوطن، فضحى ~~بالأولى فداء للثانية، ثم ضحى بحياته فداء لشرف الأسرة. ولقد تجلت في هذه المأساة عبقرية ~~الشاعر ومواهبه الكبيرة، فالأسلوب سهل ممتنع، والأفكار متسلسلة متماسكة، والوقائع ~~جلية واضحة، وأخلاق أشخاص الرواية تفسرها أقوالهم وحركاتهم، فلا غموض فيها ولا ~~إبهام. # ولقد ذهب النقاد في تقدير هذه المأساة مذاهب شتى، حتى قال بعضهم: إنها خير ما أخرج للناس ~~من عهد راسين إلى يوم ظهورها. # قال الأستاذ «إيميل فاجيه» العضو بالمجمع العلمي الفرنساوي عن هذه الرواية في الجزء ~~الثالث من كتابه «آراء في التمثيل» ما معناه: # إذا نظرنا إلى ما في الفصول الثلاثة الأولى من القوة والمتانة والوضوح مع البيان ~~والبلاغة وحسن التصوير، أمكننا أن نحكم بأن هذه الرواية ستمثل إلى ما شاء الله ~~بدون أن يملها الجمهور أو يشعر بسأم من سماعها، وأن «فرانسوا كوبيه» بكتابته للفصل ~~الثالث منها على الأخص قد ضمن لذكراه الخلد في ذاكرة الأجيال المقبلة، وهو الفصل ~~المعنون في التعريب بعنوان «الجريمة». # وقال الأستاذ «جول لومتر» العضو بالمجمع العلمي الفرنساوي في الجزء التاسع من كتابه ~~«خواطر في التمثيل» - بعد أن أطنب في وصف شاعرية كوبيه وفي تقدير مواهبه: إن رواية «في ~~سبيل التاج» لهي من صنع فتى قدير وشاعر عظيم، ورجل ذي ضمير حي وقلب كبير، وإذا كان ~~فيها بعض النقص فهذا النقص لم يخل منه كورني ولا فيكتور هوجر ولا غيرهما من كبار ~~الفنيين. # وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: إن المشاهد لتمثيل رواية «في سبيل التاج» ليشعر منذ ~~الهنيهة الأولى براحة واطمئنان، ثم لا يلبث حتى يتأكد أنه سيشاهد عملا متقنا وفنا ~~نظيفا، ولقد يكون أحسن ما في هذه القطعة تنسيق الأفكار، وتحليل العواطف، وترتيب الحوادث، ms04 ~~وتصوير النفوس والأشخاص. # هذا رأي كبيرين من زعماء الحركة الأدبية في فرنسا، نورده هنا ليعلم القراء منزلة هذه ~~الرواية من نفوس الأدباء في الغرب ومبلغ تقديرهم لمؤلفها. # ولقد تناول السيد مصطفى لطفي المنفلوطي هذه المأساة، ونقل موضوعها إلى اللغة العربية في ~~قالب روائي جميل بعد أن أضاف إليها أشياء وحذف منها أخرى، وأخرجها لقرائه قصة يستهوي ~~أسلوبها القلوب، وتسترعي وقائعها الألباب، بقلم عذب، وعبارة رقيقة، وديباجة بديعة لا ~~نطيل الكلام في وصفها؛ لأن قراء العربية جميعا يعرفونها لهذا الكاتب العظيم، ويعترفون له ~~بها، ولم يفته أن ينقل إلى العربية قطعا كاملة من الرواية يستطيع القارئ أن يتبين ~~منها قوة المؤلف، ومع أن الرواية ملخصة تلخيصا، فقد استطاع الكاتب بمهارة فائقة أن يصور ~~الروح الأصيلة للمؤلف تصويرا مؤثرا، وأن يملك من نفوس قراء العربية ما ملكه فرانسوا ~~كوبيه من نفوس قراء الفرنسية. # ولا يفوتنا هنا أن نقول: إن الكاتب قد اشتغل بتلخيص هذه الرواية في إبان الحركة الوطنية ~~الأخيرة، ولقد أوحت إليه الحوادث السياسية التي لا تزال ماثلة في الأذهان صفحات تفيض ~~وطنية وغيرة، حتى لكأنه قد أفضى إلى أمته في هذا الكتاب بكثير مما لا يستطيع كتابته ~~في الصحف السياسية، والحق أقول: إننا كثيرا ما كنا نعتب عليه في سكوته عن الاشتراك بقلمه ~~مع العاملين في هذه الحركة حتى قرأنا هذه الرواية، فإذا روحه الوطنية الشريفة تسيل فوق ~~صفحاتها سيلا، وإذا الرواية رواية الحركة الحاضرة بجميع ظروفها ومتعلقاتها. # وبالجملة فرواية «في سبيل التاج» كتاب الوطنية الخالدة في ثوب قصة خيالية تملك لب ~~القارئ بجمالها، وتتولى تهذيب نفسه بآدابها وفضائلها، وما أحوجنا أن تجري الأقلام الأدبية ~~في هذا العصر بمثل ما جرى به قلم السيد المنفلوطي في هذه المأساة المؤثرة؛ ليتلقى ~~النشء الحديث دروس وطنيته من طريق العواطف والوجدان، وقلما تصل الوطنية إلى أعماق القلوب ~~وتتغلغل في شغافها إلا من هذا الطريق. # حسن الشريف # أول يونيو سنة 1920 # | مقدمة المؤلف # لا يزال التاريخ يحفظ في صفحاته حتى اليوم تلك الوقائع الحربية ms05 الهائلة التي وقعت في ~~القرن الرابع عشر بين الدولة العثمانية والشعوب البلقانية أيام أغارت الأولى على الثانية ~~تريد افتتاحها والاستيلاء عليها، فدافعت الثانية عن نفسها دفاعا مجيدا استمر زمنا طويلا ~~حتى غلبت على أمرها فسقطت في يد القوة القاهرة، ودخل الترك أرض البلقان وحولوا كنائسها ~~إلى مساجد، وفرضوا على أهلها الإتاوات الثقيلة، وعزلوا ملكها الذي كان يحاربهم ويناوئهم، ~~وملكوا عليها ملكا من أهلها اسمه «ميلوش»، فلبثت في حكم الأتراك عهدا طويلا عانت فيه ~~من ضروب الذل والهوان ما يعانيه كل شعب مغلوب على أمره، حتى قيض الله لها رجلا من رجال ~~الدين المخلصين اسمه الأسقف «أتين» عز عليه ضياع بلاده وسقوطها في يد أعدائها، وأن ~~تتحول فيها الكنائس إلى مساجد، وتجأر في أرجائها أصوات المؤذنين بدلا من أصوات النواقيس، ~~وألا يجد المسيحيون في عقر ديارهم مكانا يؤدون فيه فروض صلواتهم غير الصحارى والفلوات، ~~فأخذ يتنقل في أرجاء البلاد، ويمشي بين شعوبها وقبائلها يدعو باسم الدين مرة والوطنية ~~أخرى، ويستنهض همم الرجال للدفاع عن وطنهم وتحرير بلادهم من يد ذلك القاهر المغتصب، حتى جمع ~~كلمة الأمة كلها من حوله على اختلاف عناصرها ومذاهبها، وكذلك تتفق كلمة الأمة أمام الخطر ~~الداهم والقضاء الشامل. # ثم أشار على ملكه أن يخلع طاعة الترك، ويطرد رعاياهم من بلاده، ويمتنع عن دفع الجزية ~~والإتاوة، وينادي بحرية البلقان واستقلاله، فجبن الملك عن ذلك في أول الأمر، ثم أسلس له ~~وأذعن لرأيه، ففعل ما أشار به عليه، فأحقد ذلك الترك وآسفهم، واستثار حقدهم وضغينتهم، ~~فوجهوا إلى البلاد البلقانية جيشا عظيما وافر العدة والعدد بقيادة أحد أبطالهم العظام ~~أرطغرل باشا، فثار البلقانيون جميعا رجالا ونساء للدفاع عن أنفسهم والذود عن وطنهم، ~~واختاروا لقيادة جيشهم القائد البلغاري العظيم الأمير ميشيل برانكومير، فظل يحارب الأتراك ~~عدة أعوام يدال له عليهم فيها ويدال لهم عليه، ولكنهم لا يستطيعون اجتياز حدود بلاده ~~واقتحام جبالها، حتى عي القائد التركي بأمره، ورأى ألا حيلة له فيه إلا من طريق ~~الدسيسة والكيد، وكذلك فعل. # | الجاسوس # اجتمع ms06 جنود الفرقة البلقانية ذات ليلة في معسكرهم يشربون ويطربون ويرقصون على نغم ~~قيثار الموسيقار البوهيمي المسكين «بانكو»، الذي كان يفد إلى معسكرهم كل ليلة يغنيهم ~~قطعا حماسية مؤثرة يذكرهم فيها بمجد وطنهم وتاريخه العظيم، فيرقصون على غنائه ويطربون ~~ويحسنون إليه بما فضل من زادهم وشرابهم، ثم جلسوا بعد فراغهم يتحدثون في شأن ذلك الحادث ~~العظيم الذي حدث في بلادهم منذ أيام، وهو موت الملك ميلوش، وعزم الجمعية الوطنية على ~~الاجتماع للنظر فيمن يخلفه على العرش من بعده، فانقسموا في رأيهم قسمين: فريق يرى اختيار ~~الأسقف أتين، وفريق يرى اختيار القائد برانكومير، فقال الجندي الروماني «أورش» - وهو من ~~أشياع الأسقف وأنصاره: «نعم، إن النصر قد تم لنا على يد قائدنا العظيم ميشيل برانكومير، ~~ولكن من الذي مهد له النصر وأعد له عدته قبل أن يعقد له اللواء على الجيش؟ أليس ~~الأسقف أتين؟ # من الذي ينكر أن ذلك الرجل التقي الصالح هو الذي طاف البلاد من أقصاها إلى أقصاها عشرة ~~أعوام كاملة يستنهض الهمم، ويستثير حفائظ النفوس، ويستحيي ميت العزائم، ويهيج عاطفة ~~الثأر والانتقام في نفوس الرجال والنساء والفتيان والفتيات، ويلقي على تلاميذ المدارس في ~~مدارسهم أناشيد الحرية والوطنية، فيستظهرونها مع دروسهم، ويتغنون بها في مسارحهم ~~وملاعبهم، ومغداهم ومراحهم؟ # من الذي ينكر أنه هو الذي علم الشعب البلقاني دروس الوطنية الشريفة العالية، وغرس في ~~قلوبهم أن الحياة الذليلة خير منها الموت الزؤام، وأن الحرية حياة الأمم وروحها، ~~والرق موتها وفناؤها، وأن الأمة التي ترضى بضياع حريتها واستقلالها، وتقبل أن تضع يدها ~~في يد غاصبها إنما هي أحط الأمم وأدناها وأحقها بالزوال والفناء؟ # ولم يزل يفيض على نفوسهم من نفسه تلك الروح الوطنية العالية، ويملي عليهم أمثال هذه ~~الآيات الذهبية الشريفة، حتى صفت ضمائرهم من أدران الذل والمهانة، وأدركوا من معنى ~~الحياة ما لم يكن يدركه آباؤهم من قبل، فأصبحوا كما تراهم اليوم حماة الوطن وذادته، ~~يبذلون في سبيله من ذات أيديهم وذات نفوسهم ما لا يبذل مثله إلا الأمم الراقية الشريفة ~~في ms07 سبيل الذود عن مجدها، والدفاع عن حريتها واستقلالها، ويتقدمون إلى الموت زرافات ~~ووحدانا، فرحين متهللين كأنهم ذاهبون إلى مراقص «فيدين» وملاعبها؛ لأنهم يعلمون أن قطرات ~~الدماء التي يبذلونها في سبيل حريتهم واستقلالهم إنما هي المداد الأحمر الذي تسجل لهم ~~به في صفحات تاريخهم آيات المجد والفخار، وأن الأشلاء التي ينثرونها في تربة وطنهم ثم ~~يسقونها من دمائهم إنما هي البذور الطيبة التي تنبت لبلادهم المستقبل الحر ~~الشريف. # من منا يجهل أنه هو الذي استطاع وحده من بين أبناء البلقان جميعا أن يقف أمام ملكه ~~وقفة الأسد الهصور، ويصيح في وجهه قائلا له: «حتى متى أيها الملك الضعيف المهين تبيع وطنك ~~وأبناءه لأعدائك وأعدائه بيع السلع المعروضة في حوانيت التجار بأبخس الأثمان وأدناها؟ ~~وإلام تضع هذه السلاسل والأغلال في أعناق أبناء أمتك لتقودهم بها إلى حيث يمرغون ~~جباههم الشريفة تحت مواطئ أقدام ذلك العدو المغتصب صاغرين ضارعين، ثم تزعم بعد ذلك أنك ملك ~~عظيم جالس على عرش شريف؟ ولو حققت أمرك لعلمت أنك نخاس على عرش شريف، ولو حققت أمرك ~~لعلمت أنك نخاس دنيء يبيع الرقيق في سوق النخاسة، بل أدنى من نخاس؛ لأن النخاس لا ~~يتجر في أبناء أمته، ولا في أفراد أسرته!» فاهتز الملك لكلمته هذه اهتزاز القصبة ~~الجوفاء بين مهاب الرياح، وطأطأ لها رأسه إجلالا وإعظاما، ولم يلبث أن عزم عزمته الشريفة ~~التي ترونها اليوم، والتي أنقذت الوطن من العار، ورفعته إلى ذروة المجد والفخار.» # وهنا ضج القوم جميعا ضجة السرور والاستحسان وصاحوا: أحسنت يا أورش، أحسنت إحسانا ~~عظيما، إلا نفرا قليلا من أشياع القائد وصنائعه، فإنهم امتعضوا لهذه الكلمة وغصوا ~~بها، وقام أحدهم - واسمه لازار، وكان الحارس الخاص لقصر القائد وأمينه، وموضع ثقته وثقة ~~زوجته الأميرة بازيليد - وطلب الإذن في الكلام، فأذنوا له، فقال: «إني لا أريد أن أعترض على ~~صديقي أورش في كلمته التي قالها في فضل أسقفنا العظيم وأثره الجليل في خدمة الدين والوطن، ~~ولكن الذي أراه وأستصوبه أن لرجال الدين شئونا خاصة بهم لا ms08 يجمل بكرامتهم أن يتعدوها إلى ~~غيرها من أعمال الحياة، وإني أضن بأسقفنا العظيم أن تشغله مشاغل الملك وملاهيه عن شئون ~~الدين التي تصبو لها نفسه طول حياته. والرأي الذي أراه أن يعهد الملك إلى القائد ميشيل ~~برانكومير ليقود الأمة جميعها بتلك السياسة الحكيمة الرشيدة التي قاد بها الجيش، ورفعه ~~إلى مناط السماك الأعلى.» فاعترضه جندي كان جالسا على مقربة منه وقال له: «ولم لا ~~تضن بالقائد ميشيل أن تشغله مشاغل الملك وملاهيه عما هو بسبيله من قيادة الجيش وتدبير ~~شئونه؟» فأجاب: «إن قيادة الجيش وزعامة الملك أمران متشابهان؛ لأنهما يتعلقان بشئون ~~الحياة وأعمالها، أما الشئون الدينية فلا علاقة لها بالشئون الدنيوية بحال من الأحوال؛ ~~فدعوا الكاهن مستريحا في معبده، مستغرقا في صلواته وعباداته، واختاروا لملككم رجل ~~الأمة وبطلها وحامي ذمارها وحماها الأمير برانكومير.» فعلت أصوات الصاخبين ~~والصائحين، والمستحسنين والمستهجنين، وذهب كل في صيحته المذهب الذي يراه ويتشيع ~~له. # وإنهم لكذلك إذا بصوت صارخ في وسط هذه الضوضاء يقول: «استمعوا مني أيها القوم كلمة ~~واحدة هي فصل الخطاب في قضيتكم هذه، ولا أطلب إليكم أن تستمعوا مني سواها.» فالتفت الجميع ~~فإذا الضابط «ألبير» - وهو جندي شيخ عرف القائد برانكومير صغيرا وخدمه كبيرا، وعاش ~~معه في منزله في عهد زوجته الأولى كأنه أحد أفراد أسرته، ولم يفارقه إلا منذ عامين اثنين؛ ~~أي بعد وفاة زوجته بأيام قلائل - فأنصتوا إليه فإذا هو يقول: «أنتم تعلمون جميعا صلتي ~~بالقائد برانكومير ومكانتي عنده، وإني أعرف من شئونه الخاصة والعامة ما لا يعرفه أحد ~~غيري، ولقد عرفت فيما عرفت من خلائقه وسجاياه بعد تجربة عشرين عاما قضيتها في خدمته، أنه ~~أبعد الناس جميعا عن مطامع الحياة ومظاهرها، وأرغبهم عن سفاسف الأمور ودناياها، وأنه ~~جندي صميم معتز بجنديته وشظفها وخشونة العيش فيها، لا يؤثر عليها أي مظهر من مظاهر ~~الحياة مهما علا شأنه وغلت قيمته؛ فمن ظن منكم أنه يرضيه ويجامله بترشيحه لمنصب الملك بين ~~أشراف البلقان وسادته؛ فهو غير القائد برانكومير.» فهدأت الأصوات وسكنت الضوضاء عند ms09 سماع ~~هذه الكلمة الهادئة الرزينة التي ينطق بها جندي شريف صادق ، وكادت تكون فصل الخطاب في ~~القضية، لولا أن «أورش» - وهو ذلك الجندي المتشيع للأسقف والداعي له - قد نهض من مكانه مرة ~~أخرى، ونظر إلى الجندي «ألبير» مبتسما ابتسامة الهزء والسخرية، وقال له: «نعم يا سيدي، ~~إنك صادق فيما تقول، ولم تزد حرفا على ما تعرف ولم تنقص، ولكن ائذن لي أن أقول لك: إنك ~~إنما تحدث في كلامك عن الماضي القديم الذي حضرته وشاهدته، أما الحاضر فلا تعرف منه ~~شيئا، فإن أذنت لي حدثتك عنه وقلت لك: إن الأمير برانكومير اليوم غيره بالأمس، وإن تلك ~~النفس العالية المترفعة التي كنت تعرف بالأمس مكانها من بين جنبيه قد استحالت اليوم إلى ~~نفس تواقة متطلعة، تصبو إلى المعالي وتفتتن بالعروش، وإنه هو الذي يدعو بنفسه إلى نفسه، ~~ويرسل الدعاة في كل مكان لتأييده ومساعدته على نيل الملك.» فاستطير ألبير غضبا وقال: ~~«أتريد أن تقول: إن أخلاق قائدنا قد تغيرت، وإنه قد أصبح رجلا صغير النفس متبذلا؟» قال: ~~«لا، ما إلى هذا ذهبت، ولكني أريد أن أقول: إنه قد أصبح منقادا في شئون حياته لرأي غيره ~~لا لرأي نفسه، وربما لو ترك وشأنه لكانت له في حياته خطة غير هذه الخطة التي ينتهجها ~~اليوم.» # فانتفض القوم واضطربوا ونظر بعضهم في وجوه بعض، ومشت الهمسات بين الأفواه والآذان، وسمع ~~الخطيب اسم قسطنطين يتردد مرارا في أفواه الهامسين، فصاح في القوم: «أنتم مخطئون جميعا ~~فيما تذهبون إليه، فإن ابن قائدنا وزهرة شبيبتنا وضابط فرقتنا أعلى همة مما تظنون.» فصرخ ~~لازار: «قل من هو الشخص الذي تريد؟» فجلس أورش ولم يقل شيئا، إلا أنه همس في أذن جندي ~~كان بجانبه: «الزوجة الجديدة!» فسرت هذه الكلمة بين الجموع سريان الكهرباء في أسلاكها ~~حتى بلغت مسمع الموسيقار بانكو، فبرقت لها عيناه بريق الفرح والسرور؛ لأنه لم يكن موسيقارا ~~بوهيميا كما زعم، ولم يكن اسمه بانكو كما يسمونه، بل هو الضابط المشهور إبراهيم بك، أحد ~~أركان حرب القائد ms10 التركي العظيم أرطغرل باشا، وقد وجد في هذه الكلمة التي سمعها ما كان يريد ~~أن يكون، وعثر بالثلمة التي ينحدر منها إلى أغراضه ومآربه. # وما أوى القوم إلى مضاجعهم، وأخذ النوم بمعاقد أجفانهم حتى دب ذلك الجاسوس المتنكر على ~~يديه حتى بلغ مضجع الجندي لازار، حارس قصر القائد وموضع ثقته وأكبر أشياع زوجته وأنصارها، ~~فاضطجع بجانبه، وظل يهمس في أذنه ساعة طويلة كان يتردد فيها اسم الأميرة بازيليد زوجة ~~القائد الجديدة، حتى تم لهما الاتفاق على ما يريدان، ثم أسلما عيونهما إلى الكرى ~~فناما. # | قسطنطين # توفيت زوجة الأمير برانكومير منذ عامين، وكانت امرأة من النساء الصالحات القانتات ~~ذوات النفوس العالية والهمم الكبرى، فورث ابنها قسطنطين عنها هذه الأخلاق الكريمة، كما ورث ~~عن أبيه صفات الشجاعة والعزيمة والصبر واحتمال المكاره في سبيل خدمة الوطن والأمة، فكان ~~خير ابن لخير أب وأم، وكان يد أبيه اليمنى ودرعه الواقية الأمينة في جميع وقائعه ~~ومشاهده، حتى ذاع صيته في جميع أنحاء المملكة، وأحبه الشعب والجند حبا كاد يرفعه إلى ~~ما فوق منزلة أبيه، لولا حرمة الأبوة وجلال الشيخوخة ومكان التاريخ، فلما ماتت أمه تزوج ~~أبوه من بعدها فتاة يونانية اسمها بازيليد، يقال: إنها من سلالة قياصرة بيزنطية ~~«القسطنطينية». # وهي فتاة جميلة ساحرة تستهوي القلوب وتختلب الألباب، ذات نظرات غريبة لامعة يقضي ~~المتفرس فيها حين يراها أنها نظرات مريبة ألفت الاختلاب والافتتان من عهد بعيد، ~~فنزلت من قلب القائد الشيخ منزلة لم ينزلها منه أحد من قبلها ولا من بعدها، حتى زوجته ~~الصالحة وولده النجيب، فأصبح مستهاما بها، مستسلما إليها، لا يصدع إلا بأمرها، ولا ~~يصدر إلا عن رأيها، ولا يرى حلو العيش وجماله إلا بجانبها، ولا يستروح رائحة السعادة ~~والهناء إلا إذا هبت عليه من ناحيتها. # وكانت امرأة طموحا متطلعة لا يعنيها من شئون حياتها إلا مظاهر السؤدد والعظمة، ولا ~~يغلب على مشاعرها وعواطفها إلا ذكرى تاريخ آبائها وأجدادها، ومصارع قومها في «بيزنطية» ~~بيد الأتراك الفاتحين، وكانت لا تزال تتحدث في مجالسها العامة والخاصة ms11 بنبوءة قديمة ~~تنبأ لها بها بعض المتنبئين، ومجملها أن كاهنا عرافا دخل منزل أبيها وهي طفلة ~~لعوب لا تزال تحوم حول مهدها، فنظر إليها طويلا ثم قال لأمها: إن ابنتك هذه ستكون ملكة ~~عظيمة الشأن في مستقبل أيامها. وربما كان اهتمامها بهذه النبوءة واحتفالها بها وتصديقها ~~إياها هو السبب في قبولها الزواج من شيخ هرم مدبر قلما يعنى بمثله مثلها، على أمل ~~أن تحقق لها الأيام على يديه آمالها وأمانيها. # فظلت تغرس في نفسه هذه الأمنية الجميلة المحبوبة مدة من الزمان، وتسقيها بماء حسنها ~~وجمالها، حتى ملأت بها فضاء قلبه، وشغلته بها عن كل شاغل سواها. # ولم يزل هذا شأنها معه حتى مات الملك ميلوش، وجاءت الساعة التي تنتظرها، فهتفت به: ها ~~قد حانت الفرصة التي كنا نرقبها، وها قد بدأت تتحقق نبوءة ذلك العراف الخبير التي تنبأ لي ~~بها، وما هو بالكاذب ولا المتخرص. ثم زجت به في طريق مزاحمة الأسقف أتين على الملك، ~~فانقاد لها ومشى في الطريق التي رسمتها له، وأخذ يدعو الناس لنفسه، ويستكثر من سواد أشياعه ~~وأنصاره، ويداخل أعضاء الجمعية الوطنية ويداهنهم ويتوسل إليهم أن يساعدوه على نيل ~~أمنيته التي يرجوها، مدلا بمكانته من خدمة الأمة والوطن، وأياديه في الذود عنهما، وبما ~~بذل من صحته وشبابه في مقاتلة الأعداء ومدافعتهم تلك السنين الطوال حتى اشتعل رأسه شيبا، ~~ولمست قدماه رأس المنحدر المؤدي إلى القبر. # هذا ما كان يشغل القائد وزوجته في ذلك التاريخ، أما ابنه قسطنطين فكان بمعزل عن هذا كله، ~~فإن وفاة أمه التي كان يحبها حبا شديدا تركت في نفسه أثرا من الحزن لا يبلى، وملأت فضاء ~~حياته هما ونكدا، وكان يجد بعض العزاء عن ذلك الهم الذي نزل به في حنان أبيه عليه ~~وعنايته به، حتى تزوج من تلك المرأة اليونانية وأسلم إليها نفسه وقلبه، ففقد بفقد ~~عطف أبيه عليه وحنان أمه كل أمل له في الحياة، وأصبح يشعر في نفسه بذلة اليتم التي ~~يشعر بها أولئك المساكين المنقطعون الذين لا يجدون ms12 بين أيديهم قلوبا راحمة، ولا أفئدة ~~عاطفة! # فكان يخاطر بنفسه في المعارك التي يحضرها مخاطرة اليائس المستقتل، راجيا أن يريحه الموت ~~من هموم نفسه وآلامها، فزج بنفسه ذات يوم في معركة كبرى استبسل فيها استبسالا عظيما، ~~واستقتل معه جنده يطلبون الموت حيث يطلبه، فلم يبلغ أمنيته التي يتمناها، ولكنه انتصر ~~في تلك المعركة انتصارا باهرا، وأنقذ من يد الترك شعب «تراجان» - وكان الملجأ العظيم ~~لهم، والمركز الأكبر لحركاتهم وأعمالهم. # وإنه ليتأثر الجيش المنهزم ويشتد في أعقابه إذ لمح على البعد فارسا تركيا ~~قابضا بيده على شعر فتاة مسكينة؛ يريد اقتسارها وإكراهها على الركوب معه، وهي تمتنع ~~وتتأبى وتحاول الإفلات من يده، فيضربها بسوطه ضربا مؤلما وجيعا، فأزعجه هذا المنظر ~~وآلمه، فركض جواده حتى أدرك ذلك الفارس فضربه على هامته بسيفه ضربة قضت عليه، فركعت الفتاة ~~بين يديه ضارعة تسأله أن ينقذها من شقائها ويقودها معه إلى حيث يشاء، فرثى لحالها وأحزنه ~~منظرها دون أن يعلم من أمرها شيئا، فأردفها خلفه وركض بها حتى بلغ موضع الخيام، فتركها ~~بين الأسرى، وعاد من تلك الموقعة ظافرا منصورا يهنئه الشعب ويهتف له في كل مكان يمر ~~به، حتى وصل إلى القلعة الكبرى، فدخل على أبيه وألقى بين يديه الأعلام التي غنمها في ~~المعركة، فأمر برانكومير بقتل الأسرى، وكان ذلك شأنه فيهم كلما قدموا إليه، حتى جاء ~~دور الفتاة، فجثت بين يديه ومدت إليه يدها مستغيثة تطلب العفو وتقول له: إنها فتاة ~~نورية مسكينة لا شأن لها في الحرب ولا علاقة لها بأهله، وإن أمها باعتها منذ عامين ~~من جندي تركي أساء عشرتها وعذبها عذابا أليما، حتى قيض الله لها هذا الفتى الكريم ~~فاستنقذها من يده. وأشارت إلى قسطنطين. # فركع قسطنطين بجانبها وسأل أباه العفو عنها وقال له: إنني قد أنقذت حياتها بالأمس، فأنقذ ~~أنت حياتها اليوم واجعلها حصتي الوحيدة من الغنيمة، وأعدك أني لا أطلب غنيمة سواها. ~~فأحفظ ذلك قلب الأميرة بازيليد زوج أبيه، وكانت حاضرة تسمع حديثه، فنظرت إليه نظرة ~~الازدراء والاحتقار ms13 - وكان هذا شأنها معه كلما التقت به - وأنشأت تنعي عليه اهتمامه بشأن ~~فتاة نورية راقصة طريدة غابات وفلوات، وربيبة حانات ومعسكرات، وقالت له: لقد كان ~~جديرا بك وأنت ذلك الجندي الشريف سليل ذلك القائد العظيم، والأمير الجليل، أن تلقي ~~بمثلها إلى حارس من حراس بابك، أو جندي من جنودك يتلهى بها كما يتلهى الكلب بالعظمة ~~المطروحة تحت أرجله، بدلا من أن تصل حياتك الشريفة الطاهرة بحياتها الدنيئة ~~الساقطة! # فثارت ثورة الغضب في نفسه، وأضغنه عليها هذا الرياء الكاذب، والشرف المتكلف، وكان يعلم ~~من شئون نفسها وخبايا قلبها ما لا تظن أنه يعرف شيئا منه، فنظر إليها نظرة شزراء ملتهبة، ~~وقال لها وهو يعلم أن ما سيقوله سيغضبها ويؤلمها ويملأ صدرها غصة وحنقا: إن الله لم ~~يخلق الضعفاء والمساكين ليكونوا ترابا لنا تدوسه أقدامنا، وتطؤه نعالنا كلما وجدنا إلى ذلك ~~سبيلا، ولم يمنحنا القوة والعزة لنتخذ منهما أسواط عذاب نمزق بها أجسامهم، ونستنزف بها ~~دماءهم، وكل ذنوبهم عندنا أنهم أذلاء مستضعفون لا يملكون من القوة والعزة مثل ما نملك، ولا ~~يذودون عن أنفسهم بمثل ما نذود، وأحسب أنهم لو كانوا أقوياء أو أعزاء مثلنا، أو أعز وأقوى ~~منا؛ لخفناهم واتقينا جانبهم، ونظرنا إليهم بعين غير العين التي ننظر بها إليهم اليوم؛ ~~لأن القوي الذي يتنمر على الضعفاء لا بد أن يكون جبانا ذليلا أمام الأقوياء. # إننا الآن في حرب مع عدو قاهر جبار ننقم منه جوره وظلمه واستضعافه إيانا، واستطالته ~~علينا بقوته وكثرته، فجدير بنا ألا نفعل ما ننقمه منه ونأخذه به، عسى أن يرحمنا الله ~~وينظر إلينا بعين عدله وإحسانه، وينتصف لضعفنا من قوته، وقلتنا من كثرته! # إنا لا نحمل هذه السيوف على عواتقنا لنقتل بها النساء والأطفال والضعفاء والعزل ~~الذين لا سلاح لهم ولا قوة في أيديهم، بل لنقارع بها الأبطال والأكفاء في ميادين الحروب ~~ومواقف النزال. # إني لا أعرف شرفا غير شرف النفس، ولا نسبا غير نسب الفضيلة، وإن هذه البائسة المسكينة ~~التي تحتقرونها وتزدرونها لم تصنع ذنبها ms14 بيدها، ولا سعت إليه بقدمها، بل هكذا قدر لها أن ~~تنبت في هذا المنبت القذر الوبيء، فوبئت وقذرت، وليس في استطاعتها أن تعود إلى العدم ~~مرة أخرى لتخلق نفسها خلقا جديدا في جو غير هذا الجو، وتربة غير هذه التربة، فما هو ~~ذنبها؟ وما هي جريمتها؟ وأي حيلة لها في هذا المصير الذي ساقها القدر إليه؟ # إنما الإثم على الذين يقترفون الذنوب وهم يعلمون مكانها من الرذيلة، ومكان أنفسهم من ~~اقترافها، ويحولون زمام حياتهم بأيديهم من طريق الخير إلى طريق الشر، إيثارا لها ~~وافتتانا بها، أولئك هم الآثمون المذنبون الذين يجدر بنا أن نقسو عليهم ونشتد في مؤاخذتهم. ~~أما الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم في شأن أنفسهم ولا حيلة، فهم برحمتنا وعطفنا أحق ~~منهم بعتبنا ولومنا، فإن وجدنا السبيل إلى معاونتهم ومساعدتهم واستنقاذهم من وهدة ~~الشقاء التي هووا فيها فذاك، أو لا؛ فلندعهم وشأنهم تذهب بهم المقادير حيث شاءت من ~~مذاهبها، ولا نزدهم بكبريائنا واستطالتنا بؤسا على بؤسهم، وشقاء على شقائهم. # إننا ما أصبنا بما أصبنا به من هذه النكبة الشعواء والداهية الدهياء التي نزلت بنا ~~منذ عشرة أعوام ما تفارقنا ولا تهدأ عنا إلا من ناحية كبريائنا وخيلائنا واعتدادنا ~~بأنفسنا في جميع شئوننا وأعمالنا، واحتقار غنينا لفقيرنا، وقوينا لضعيفنا، وسيدنا ~~لمسودنا، فسلط الله علينا ذلك العدو القاهر الذي لا يعتمد في جميع شئونه ومواقعه إلا على ~~قوته وأيده؛ لأننا لم نعتمد في يوم من أيام حياتنا في جميع صلاتنا وعلائقنا إلا على ~~قوتنا وأيدنا، والجزاء من جنس العمل # وما ظلمهم الله ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~. # فاصفر وجه بازيليد واربدت شفتاها، وكأنما خيل إليها أنه يلمزها ويريبها ويشير في ~~حديثه إلى ماضيها القديم وحوادث صباها السالفة، فصمتت ولم تقل شيئا، إلا أنها انتحت ناحية ~~وأخذت تبكي وتنتحب - والدموع هي السلاح الوحيد الذي تعتمد عليه المرأة في جميع شئونها ~~وعلائقها - فعظم الأمر على برانكومير، وأكبر أن يخاطب ولده زوجته المحبوبة هذا الخطاب ~~الجافي الغليظ، فأنحى عليه باللائمة الشديدة وقال له: ms15 إنك لم تسئ إلى نفسك في تنزلك إلى ~~حماية هذه النورية الساقطة واهتمامك بشأنها، بقدر ما أسأت إلى أبيك في مجابهة زوجته ~~ومغايظتها، وسوء الرد عليها بهذه اللهجة الشديدة القاسية. ولولا هذه الرايات الحمر التي ~~ألقيتها اليوم تحت قدمي بأهلتها البيضاء لما اغتفرت لك هذه الجريمة التي اجترمتها، فاذهب ~~لشأنك ولا تعد إلى مثلها. # وكذلك تم لقسطنطين ما كان يريده من إنقاذ تلك الفتاة المسكينة من يد الموت بعدما أنقذها ~~من يد الشقاء، فذهب بها إلى الجناح الذي يسكنه من القلعة، وجلس إليها يحادثها في شأنها وشأن ~~ماضيها، ويسائلها عن دينها ومذهبها ووطنها وقومها، فلم ير بين يديه إلا فتاة ساذجة ~~جاهلة لا تعرف لها وطنا ولا بيئة، ولا تدين بدين من الأديان ولا مذهب من المذاهب، ولا ~~تفهم من شئون حياتها إلا أنها فرد مبهم من أفراد هذا المجتمع المائج المضطرب، تمتد ~~بامتداده وتنحسر بانحساره، لا تعرف الآمال ولا تفكر في المستقبل، ولا تحفل بالماضي، ولا ~~يتسع عقلها لأكثر من الساعة التي تعيش فيها، ولا تتألم إلا كما يتألم الأطفال، ولا تفرح إلا ~~كما يفرح المجانين، قد صفت نفسها من كل شائبة من شوائب النفوس البشرية، فلا تحقد ولا ~~تغضب، ولا تكره ولا تحسد، ولا تطمع ولا تتطلع، ولا تشغل ذهنها بترتيب الصور والأفكار ~~واستنتاج النتائج من المقدمات، فأصبح ينظر إليها نظر الأب الرحيم إلى طفله اللاعب بين يديه، ~~وأصبحت تجلس تحت قدميه جلسة الكلب المخلص تحت قدمي سيده، لا تحدثه حتى يحدثها، ولا ترفع ~~نظرها إليه حتى يناديها. # وكان يقول في نفسه كلما نظر إليها وإلى سذاجتها وطهارتها، وبلاهة عقلها وغفلته: أهكذا ~~قضي على الإنسان في هذه الحياة ألا تخلص نفسه من شوائب الرذيلة والشر حتى يسلب عقله ~~وإدراكه قبل ذلك، وألا يمنح مقدارا من الصدق والشرف حتى يحرم في مقابله مقدارا من الفطنة ~~والذكاء، فليت شعري هل عجزت الطبيعة عن أن تجمع للمرء بين هاتين المزيتين: مزية العقل ~~الذي يعيش به، والخلق الذي يتحلى بحليته، أو أن ms16 لله في ذلك حكمة لا نعلمها ولا ندرك ~~كنهها؟ # وكأنما كان يشعر في نفسه باقتداره على أن يجمع لتلك الفتاة المسكينة بين هاتين الفضيلتين، ~~وأن يصوغ من نفسها ذلك المثال الغريب الذي عجزت يد الطبيعة عن صياغته، فبدأ يهتم بشأنها ~~اهتماما عظيما، ويتبسط معها في الحديث تبسط النظير مع نظيره، ذاهبا معها في كل واد من ~~أوديته، معنيا كل العناية بتثقيفها وتعليمها وإنارة ما أظلم من بصيرتها، ولكن بأسلوب غير ~~الأسلوب الذي كان يعلمه به معلمه في المدرسة، فأرشدها إلى وجود الله، لا من طريق البراهين ~~الجدلية والقضايا الكلامية، بل من طريق الآثار والمصنوعات الناطقة بجمالها ولطف تكوينها ~~عن قدرة صانعها وإبداع خالقها، وأرشدها إلى الفضيلة من طريق الفضيلة نفسها لا من طريق ~~الترغيب في الثواب والتخويف من العقاب؛ ليكون أدبها أدب نفس لا أدب درس، ولتمتزج ~~الفضيلة بنفسها امتزاجا لا تزعزعه عواطف اليأس ولا عوامل الرجاء، فكانت تعجب لحديثه ~~ومراميه عجبا شديدا، وتجد فيه من اللذة والغبطة ما لا تذكر أنها شعرت بمثله في حياتها ~~في حديث أي متحدث يتحدث إليها، وتعجب أكثر من كل شيء لتنزل مثل هذا الأمير الجليل ~~والسيد الشريف إلى مجالستها ومثافنتها، والنزول على حكمها فيما يغضبها ويرضيها، فقالت ~~له مرة وهي تحاوره: إنك تحدثني يا مولاي كأنك لا تعرف من أنا، قال: إني أعرفك كما تعرفين ~~نفسك، وأعرف أنك أختي في الإنسانية، وهي الأم الرءوم التي لا يستطيع أحد من بنيها أن ~~يمت إليها بأكثر مما يمت به إخوته، وما للأخت ملجأ تلجأ إليه في شدتها غير عطف أخيها ~~وحنانه عليها، قالت: ولكنك تعلم أني فتاة مذنبة ساقطة، قال: كل الناس مذنبون آثمون، ~~وإنما تختلف صور الذنوب وأشكالها وأساليب اقترافها، قالت: لم أر في حياتي مذ نشأت حتى ~~اليوم عفيفا قط ابتسم في وجهي! قال: ذلك لأن الناس مراءون مخادعون يزعمون لأنفسهم من ~~الفضائل والمزايا ما تنكره نفوسهم عليهم، فهم يحتقرون المذنب ويزدرونه؛ لا لأنهم أطهار ~~أبرياء كما يزعمون، بل ليوهموا الناس أنهم غير ms17 مذنبين، ولو أنهم تكاشفوا وتصارحوا، وصدق ~~كل منهم صاحبه الحديث عن نفسه لتتاركوا وتهادنوا، ولما آخذ أحد منهم أحدا بذنب ولا ~~جريرة! # وكذلك أصبحت ميلتزا العزاء الوحيد لقسطنطين عن همومه وآلامه، فقد وجد بين جنبيها تلك ~~النفس الطاهرة البريئة التي طالما نشدها قبل اليوم فأضلها، وتطلبها فأعياه طلابها، ~~ووجد في صدرها ذلك القلب المحب المخلص الذي بكاه وندبه ندبا شديدا يوم ماتت أمه، ويوم ~~تولى عنه حنان أبيه، وكان يتحدث معها في كل شيء من شئون الحياة دقيقها وجليلها، ويفضي ~~إليها بكل خبيئة من خبايا نفسه، إلا ذلك الهم العظيم الذي كان يعالجه في أطواء نفسه ~~وأعماقها، ويكابد منه ما يقلق مضجعه ويصل ليله بنهاره؛ وهو استحالة حال أبيه، وانتفاض قلبه ~~عليه، وانقياده ذلك الانقياد الأعمى إلى تلك الفتاة اليونانية الدخيلة التي لا يعنيها من ~~شأنه سوى أن تتخذ من عاتقه سلما تصعد عليه إلى سماء المجد، ثم لا تبالي بعد ذلك أن تدفعه ~~بقدمها بعد بلوغ غايتها، فيسقط في الهوة التي قدر له أن يهوي فيها، إلا أن ميلتزا ~~الذكية بفطرتها، المتفانية في حبها وإخلاصها، لم يكن يفوتها أن ترى بعين فطنتها وذكائها في ~~تلك الزاوية المظلمة من زوايا قلبه ذلك الهم الخفي المكتن، وكان يساعدها على فهمه ~~واستكناهه تلك الأحاديث التي كانت تسمعها تدور من حين إلى حين بين القائد وزوجته، عندما ~~كانا يمران بها أو يقفان على مقربة منها وهي جالسة تحت بعض الجدران، أو في ظلال بعض ~~الأشجار لا يحفلان بها ولا يلقيان لها بالا. # فقد سمعته مرة يقول لها: إنني أحبك يا بازيليد حب المرء نفسه التي بين جنبيه، ولقد عشت ~~حياتي كلها قانعا من العيش بتلك اللذة الوحشية الدموية، لذة القتل والأسر وسفك الدماء ~~وتقطيع الأوصال، حتى رأيتك تتطلعين إلى تاج الملك، وتشتهين أن تضعيه فوق رأسك، فأحببته ~~من أجلك، وأصبحت لا أقترح على الدهر أمرا سوى أن أرى تلك الجبهة اللامعة المضيئة يتلألأ ~~فوقها ذلك التاج المرصع البديع، فلا تيأسي منه ولا تقنطي، ms18 واعلمي أنني سآتيك به وإن كان ~~كوكبا نائيا في آفاق السماء ، أو درة راسبة في أعماق البحار. # وسمعتها مرة تقول له: ما أجمل وجهك يا برانكومير! وما أبدع ضياءه ولألاءه! وما أنصع هذه ~~الشعور البيضاء التي تدور به دورة الهالة بالقمر! وما أجمل تاج الملك يوم يوضع على رأسك ~~فتتحد الأضواء الثلاثة جميعها، ويموج بعضها في بعض فتتراءى في أجمل شكل وأبدع منظر! ~~إنك ستكون ملكا يا مولاي، وستكون أعظم ملوك العالم شأنا، وأرفعهم مقاما، وستجتمع فوق ~~عرشك الرفيع الأمجاد الثلاثة: مجد النسب، ومجد الحروب، ومجد الملك. وقد ألقى الكاهن في ~~نفسي كلمته التي تنبأ لي بها، وما هو بالكاذب ولا المجنون، فكن على ثقة من صدقه وحكمته، ~~واعلم أنه ليس بينك وبين التاج إلا خطوة واحدة، فاخطها بهمة وعزيمة تبلغ الغاية ~~التي تريد. # وسمعتها مرة تقول له: إنني لا أخاف على أملنا أحدا من الناس سوى ولدك قسطنطين، فقد علمت ~~أمس من بعض أصدقائه أنه ينكر عليك كل الإنكار هذا المسعى الذي تسعاه اليوم، كما سمعت أنه ~~يثبط الناس عنك ويزحزحهم من حولك، ويلقي في قلوبهم اليأس من نجاحك. ولقد حدثني عنه ~~بعض الناس أن ذاكرا ذكر له مرة ولاية العهد مهنئا إياه بها، فغضب واحتد وتغيظ عليه ~~تغيظا شديدا وقال له: «إنني جندي ولدت في ساحة القتال وسأموت فيها.» وإن كلمة كهذه ~~الكلمة المؤثرة يقولها أمير مطاع في الجيش والشعب كولدك لا بد أن تترك أثرا سيئا في ~~نفوس الناس جميعا، وتفت في عضد أنصارك وأعوانك، وربما كانت سببا في القضاء على آمالك ~~وأمانيك، ولا أعلم لخطته هذه سببا سوى ذلك البغض الشديد الذي لا يزال يضمره لي في أعماق ~~قلبه مذ دخلت بيتكم حتى اليوم، وما أذنبت إليه ذنبا ولا أسلفت عنده جريرة، فهو يؤثر أن ~~يحرم نفسه وبيته ذلك الشرف العظيم الخالد على أن يراني جالسة على العرش بجانبك أستظل ~~بظل نعمتك، وأشاركك في التمتع بمجدك وسلطانك، فقاطعها الأمير وقال لها: لا تصدقي يا ~~بازيليد شيئا ms19 مما يقولون، فقسطنطين أبر بي وأعظم حبا وإخلاصا من أن يعترض سبيل رغبة ~~يعلم أني أرغبها وأصبو إليها، ولا أعلم أنه يبغضك أو يضمر لك في نفسه شيئا من الشر الذي ~~تذكرين، بل هو يحترمك ويجلك إجلاله إياي، ويحب لك من الخير ما يحب لي ولنفسه، ولا يؤثر على ~~مرضاتنا شيئا. # وكذلك ظلت ميلتزا تسمع أمثال هذه الأحاديث فتعلم منها ما يدور بنفسي هذين الشخصين ~~الطامعين، وتعلم أن هذا الذي يدور بنفسيهما إنما هو علة ذلك الهم الذي يعالجه قسطنطين في ~~أعماق قلبه ويكابده، ولكن لم يخطر ببالها مرة أن تنقل إليه شيئا مما سمعته؛ إعظاما له ~~وإجلالا، وضنا بنفسها وبأدبها أن تفاتحه في أمر لم يشأ هو أن يفاتحها فيه. # | التاج # جاء اليوم المعين لاجتماع الجمعية الوطنية للنظر في انتخاب الملك الجديد، فنظرت في ~~المسألة نظرا خالصا مجردا عن الميل والهوى، فرأت أن العدو لا يزال على الأبواب، وأنه ~~لا يزال قوي الشكيمة صعب المراس، وأن الوطن يحتاج إلى الأمير برانكومير قائدا أكثر مما ~~يحتاج إليه ملكا، وأن الأسقف «أتين» أعظم رجال المملكة عقلا، وأسماهم إدراكا، وأقواهم ~~سلطانا على نفوس الجيش والشعب، فقررت تقليده ملك البلقان، وأعلنت قرارها في جميع أنحاء ~~المملكة، فقابله الشعب بالرضا والتسليم، ولم يختلف عليه إلا العدد القليل من أشياع القائد ~~وأنصاره. # ثم أقيمت حفلة التتويج بعد أيام، فحضرها جميع وجوه المملكة وعيونها، ورجال السياسة ~~والجيش، ما عدا القائد برانكومير، فلم يأخذه الملك بهذه الهنة، بل أعتبه وأعطاه من نفسه ~~الرضا، ولم يقنع في أمره بذلك حتى أعلن عزمه على السفر إلى الحدود لزيارته في قلعته، ~~وما لبث أن سافر في جمع من حاشيته وجنده، وكانت رسله قد تقدمته لإنباء القائد بمقدمه، ~~فامتعض لذلك وتمرمر، وكانت تحدثه نفسه أن يسافر إلى بعض الجهات حتى لا يستقبله عند قدومه، ~~لولا أن أشارت عليه بازيليد بغير هذا الرأي، فأذعن لها راغما، ونزل بانتظاره أمام باب ~~القلعة حتى حضر، فحياه الملك حين رآه تحية الإجلال والإعظام، وعانقه عناقا ms20 طويلا، وقال ~~له: أما الملك الجالس على عرش البلقان وصاحب الأمر والنهي فيه فهو أنت يا برانكومير، أما ~~أنا فإني خادمك الأمين المخلص، القائم بتنفيذ أوامرك، وتجييش الجيوش لك، وإمدادك بما تحتاج ~~إليه من العدة والمئونة. # واعلم أن الأمة لم تضن عليك بالعرش والتاج، ولا رأت أن أحدا أجدر بهما منك، ولكنها ~~ضنت بك أنت - وأنت حصنها المنيع، ودرعها الواقية، وبطلها الذي لا يغني غناءه في موقعة ~~أحد - أن يشغلك شاغل الملك عن شأنك الذي أنت فيه، والذي نصبت له نفسك طول حياتك، فآثرت ~~بقاءك في هذه القلعة تحميها وتحمي المملكة بحمايتها، فإن لم تكن الملك الجالس على عرش ~~«فيدين»؛ فأنت الملك المتبوئ عرش الأفئدة والقلوب، واعلم أنني ما قدمت إليك مقدمي هذا ~~لأعتذر عندك من ذنب أذنبته إليك، أو لأتوجع لك من كارثة نزلت بك؛ لأني أعلم أنك أجل وأرفع ~~من أن تعتبر عبء الملك وهمه نعمة تأسف على فقدها، بل جئت لأباركك وأمسحك وأدعو لك الله أن ~~يمدك بروح من عنده حتى يتم لنا على يدك النصر الذي نرجوه لأنفسنا، فيأمن البلقان أبد ~~الدهر أن تخفق على ربوعه بعد اليوم راية غير راية المسيح، أو يرن في أجوائه صوت غير صوت ~~الله. # ثم تقدم نحوه ووضع يده على رأسه يباركه ويصلي له، وبرانكومير يتميز غيظا وحنقا، ولكنه ~~يتجلد ويستمسك، حتى فرغ الأسقف من شأنه، فلم ير بدا من أن يستقبل حفاوته بمثلها، فمد ~~إليه يده وهنأه بالملك، واعتذر إليه من تقصيره في حضور حفلة التتويج، فقبل عذره، وقضى بقية ~~يومه عنده هانئا مغتبطا لا يرى إلا أنه قد أرضاه، ومحا أثر ذلك العتب من نفسه. # ثم عاد بموكبه راضيا مسرورا، فشيعه القائد إلى ضاحية المدينة، ولبث واقفا مكانه ساعة ~~ينظر إلى ذلك الموكب الفخم العظيم، ويسمع موسيقاه الشجية الجميلة حتى غاب عن بصره، فانقلب ~~إلى قصره ثائرا مهتاجا يصيح ويجأر ويهذي هذيان المحمومين، حتى بلغ غرفته الخاصة، فوقف ~~بجانب نافذة عالية مشرفة على الجماهير الغادية والرائحة في طرقها ms21 ومذاهبها، وأنشأ يحدث ~~نفسه ويقول: تبا لك أيها الشعب الخائن الغادر ، لقد جازيتني شر الجزاء على عملي، وكفرت ~~بنعمتي التي أسديتها إليك، ويدي التي اتخذتها عندك، أيام كنت أسهر لتنام، وأشقى لتسعد، ~~وأقضي ليالي الطوال سجينا في قلعتي لا أبرحها ولا أنتقل منها لأدبر لك أمر الحماية ~~التي تحميك، وتصون أرضك وديارك، وأنت لاه لاعب هانئ مغتبط، يمرح عامتك في منازههم ~~ومسارحهم ليلهم ونهارهم، ويقيم خاصتك حفلات الرقص والغناء في قصورهم وأنديتهم، فكان جزائي ~~عندك أن ضننت علي بالعرش الذي أنا عماده وملاكه، وحامل قوائمه وعمده، وآثرت به كاهنا ~~مأفونا لا شأن له في حياته سوى أن يمسح رءوس الأطفال، ويهمهم حول أسرة الموتى، فبئس ~~ما جررت على نفسك من الويل في فعلتك التي فعلت، وبئست الساعة التي رأيت فيها هذا الرأي ~~الفائل الخطل، لقد فللت بيدك سيفك الذي كان يحميك ويصونك، وأطفأت جذوة الحماسة في صدر قائدك ~~الذي كان يذود عنك وعن عرضك، ويحمي أرضك وديارك، فابتغ لك بعد اليوم قائدا يتولى حمايتك ~~وصيانتك، أو فاطلب إلى أسقفك التقي الصالح الذي توجته بيدك، واخترته بنفسك لنفسك، أن ~~يستنزل لك بدعواته النصر من آفاق السماء! # وإنه ليردد في موقفه أمثال هذه الكلمات، وينفث سموم الحقد والشر على العالم بأجمعه، إذ ~~دخلت عليه الأميرة باسمة متطلقة تختال في حللها وحلاها، فأخذت بيده وقالت له: ارفق ~~بنفسك يا برانكومير، واعلم أن نبوءة الكاهن لا تكذب ولا تخيب، وأبشرك أنك ستكون بعد ~~شهر واحد ملكا على البلقان، ولا تسألني كيف يكون ذلك! فدهش لأمرها وحاول أن يسألها عن ~~معنى كلمتها ومأتاها، فلم تمكنه من ذلك؛ لأنها تهافتت عليه واعتنقته ووضعت على فمه ~~قبلة شهية أطفأت بها جذوة حدته وغضبه، ثم أفلتت من يده وعادت أدراجها. # | المؤامرة # اضطجعت بازيليد في سريرها، وجلست خادمتها صوفيا تحت قدميها تروح لها بمروحتها ~~وتحدثها حديث تلك الآمال الحسان التي لا تزال تتراءى لها في يقظتها، وتحلم بها في ~~منامها، وإنهما لكذلك إذ قرع الباب قرعا خفيفا، فعرفت صوفيا ms22 من القارع وفتحت له، فإذا ~~«بانكو» الجاسوس التركي متنكرا في زي الموسيقار المسكين، فدخل وحيا الأميرة تحية ~~الإجلال والإعظام، ثم أخذ مقعده الذي كان يقتعده من الغرفة في كل ليلة، وأنشأ يضرب على ~~قيثارته قطعة رومانية جميلة من تلك القطع التي كان أعدها منذ عهد طويل؛ ليخلب بها لب ~~تلك المرأة ويستهويها، حتى أتمها، فطربت لها طربا شديدا، ثم دعت خادمتها فأرسلتها في ~~بعض الشئون، فلما خلا بها المكان ألقى الموسيقي قيثارته جانبا، وخلع عنه رداء ~~التنكر، ثم مشى إلى سريرها فجلس بجانبها وقال لها: ماذا تم في المسألة يا بازيليد، فقد ~~طال مقامي في هذا البلد وأخشى أن يرتاب بي أحد، وليس في استطاعتي أن أبقى هنا أكثر من ~~ثلاثة أيام ثم أنصرف لشأني. # فاعتدلت في جلستها وقالت له: لقد فاتحت الأمير ليلة أمس في المسألة، وعرضت عليه مقترحك ~~الذي اقترحته، فأصغى إلى حديثي في مبدأ الأمر، ثم لم يلبث أن اكفهر وجهه واكتأب، وأبى أن ~~يقبل مني كلمة واحدة في هذا الشأن، وظل يقاطعني ويعارضني معارضة شديدة، فلم أشأ أن ~~ألح عليه مخافة أن يرتاب بي وبمقصدي، وسأستأنف معه الحديث الليلة بعد رجوعه من المعسكر، ~~وأرجو أن ينتهي بإذعانه وتسليمه، ولا يفتك يا سيدي أن من أصعب الأمور على رجل شريف ~~عظيم مثل برانكومير أن يتحول في ساعة واحدة عن أخلاقه وطبيعته، وأن ينقلب فجأة من رجل ~~وطني مخلص يبذل دمه وحياته في سبيل الدفاع عن وطنه والذود عنه، إلى خائن سافل يبيع ~~ذلك الوطن العزيز عليه من أعدائه بعرض تافه من أعراض الحياة، فلا بد من مهادنته ~~ومؤاتاته، وأخذه بالروية والتؤدة. # قال: ليس في الأمر خيانة ولا دناءة، ولا بيع وطن ولا أمة، فإنا لا نريد أن ندخل ~~بلادكم مستعبدين أو مسترقين، بل أصدقاء مخلصين، وما خطر ببالنا قط حينما فكرنا في ~~افتتاح بلادكم والنزول بها أن نصادركم في حريتكم الدينية والاجتماعية، أو نسلب أموالكم ~~وننتهك أعراضكم، أو نغلق أبواب كنائسكم ومعابدكم، أو نخرس أصوات نواقيسكم وأجراسكم، ms23 ولكن ~~لنكون أعوانكم على ترقية شئونكم الاجتماعية والاقتصادية، والسير بكم في طريق المدنية ~~الأدبية والسياسية، حتى تبلغوا الذروة العليا منهما، ولنحميكم فوق ذلك من أعدائكم ~~المجريين الذين يطمعون في امتلاك بلادكم واغتيالها، وندفع عنكم شرورهم ومطامعهم، فنحن ~~أصدقاؤكم المخلصون الأوفياء من حيث تظنون أننا أعداؤكم وخصومكم. # فابتسمت بازيليد ابتسامة الهزء والسخرية، ونظرت إليه نظرة عتب وتأنيب، وقالت له: إن ~~برانكومير يا صديقي ليس موجودا معنا لنخدعه بأمثال هذه الأساليب الكاذبة، أما أنا فإني لا ~~أنخدع بها ولا أغتر؛ لأني أعلم - كما تعلم أنت وكما يعلم الساسة الكاذبون جميعا - أن ~~الفاتحين من عهد آدم إلى اليوم وإلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات لا يفتحون البلاد ~~للبلاد، بل لأنفسهم، ولا يمتلكونها لرفع شأنها وإصلاح حالها، والأخذ بيدها في طريق الرقي ~~والكمال كما تقول، بل لامتصاص دمها وأكل لحمها وعرق عظمها، وقتل جميع موارد الحياة ~~فيها، والأمة إن لم تتول إصلاح شأنها بنفسها لا تصلحها أمة أخرى مهما حسنت نيتها ونبل ~~مقصدها، والصلاح إن لم ينبت في تربة الأمة نفسها، ويزهر في جوها، ويأتلف مع مزاج أفرادها ~~وطبيعتهم لا ينفعها ولا يجدي عليها، ويكون مثله مثل الزهرة التي تنقل من مغرسها إلى مغرس ~~آخر، فهي تزهر فيه أياما قلائل ثم لا تلبث أن تذبل وتذوي. # فإن وجد بين أولئك الطامعين من يذهب في سياسته الاستعمارية مذهب الإصلاح والتشييد، فكما ~~يسمن صاحب الشاة شاته ليذبحها ويأكلها، وكما يتعهد صاحب المزرعة مزرعته بالري ~~والتسميد ليستكثر غلتها وثمراتها. # أما الحرية الدينية التي تريدون أن تمنوا بها علينا، فما أهونها عليكم ما دامت لا ~~تعطل لكم غرضا، ولا تقف لكم في سبيل مطمع، وقديما كان الفاتحون يخدعون الشعوب الجاهلة ~~بإرضائها في شئون دينها، ليسلبوا شئون دنياها، ويوجهون نظرها إلى الشئون المادية الحيوية، ~~فكان مثلهم في ذلك مثل اللص الذي يدس لمن يريد سرقته مادة مخدرة في طعامه لا تكلفه إلا ~~ثمنا يسيرا ليستولي على الجم الكثير من دنانيره ودراهمه، على أن القوة الدينية في الأمة ~~أثر ms24 من آثار القوة السياسية، فإذا ضعف أمر الأمة في سياستها ضعف أمرها مع الأيام في ~~دينها، ولا بقاء لدين من الأديان يعيش تحت سلطان دين آخر، ويستظل برايته، إلا كما يبقى ~~الثلج تحت أشعة الشمس وحرارتها، ومن ظن غير ذلك فعلى عقله العفاء! # أما حمايتكم إيانا من أعدائنا فليس لنا على وجه الأرض عدو سواكم، فاحمونا من أنفسكم قبل ~~أن تحمونا من غيركم، وهب أن المجريين أعداؤنا كما تقولون، فهل يطمعون في شيء أكثر مما ~~تطمعون فيه أنتم؟ وهل يحاولون منا غير هذا للفتح الذي تحاولونه اليوم؟ وهل من الرأي أن يهب ~~الإنسان متاعه رجلا مخافة أن يغلبه عليه رجل آخر؟ أو أن يذبح نفسه بيده فرارا من ذابح ~~يريد أن يذبحه؟ # إنكم ما جئتم هنا لتحمونا من أعدائنا، بل لتحتموا بنا من أعدائكم؛ لأنكم إنما أردتم ~~بامتلاك هذه البلاد واستعمارها أن تتخذوا من حصونها وقلاعها وجبالها وأسوارها ودماء أبنائها ~~وأرواحهم وقاية لكم تتقون بها زحف المجريين عليكم وعدوانهم على أرضكم. # هذه هي الحقيقة التي لا ريب فيها، فإن كنت تريد بما قلته أن تعلمني ما ألقنه لذلك ~~الرجل الذي اتفقنا على خداعه وختله، فإنني أحفظ كثيرا من أمثال هذه الرقى والتعاويذ، فلا ~~حاجة بي إلى سماعها منك، فلنعمل في المسألة معا متكاشفين متصارحين، ولتعلم أن الذي أسعى ~~لإعطائك إياه وتسليمك زمامه إنما هو الوطن بأجمعه، أرضه وسماؤه، وبره وبحره، وخيراته ~~وثمراته، وحرية أهله وسعادتهم، وأن الثمن الذي أتقاضاكه في سبيل ذلك ثمن بخس ضئيل لا ~~يزيد عن كرسي من الخشب مموه بالذهب، يسميه الجهلاء عرشا، وهو في البلد المغلوب على ~~أمره المسلوب حريته واستقلاله سجن ضيق، لولا خدع الحياة وأكاذيبها لما استطاع الجالس ~~عليه أن يهدأ فيه ساعة واحدة، فأنا أبيعك هذا الوطن الثمين، وآخذ منك ذلك الكرسي الحقير، ~~وأنا عالمة قيمة ما أعطي، وقيمة ما آخذ، فلا تحسب أنك تخدعني أو تداهنني في هذه الصفقة، ~~وأقسم لك بشرفي وشرف «بيزنطية» لو كان هذا الوطن وطني وكانت تربته مدفن ms25 آبائي وأجدادي لما ~~بعتك ذرة واحدة من ترابه بجميع عروش الأرض وتيجانها. # فاصفر الجاسوس واربد وجهه وقال: إننا ما اجتمعنا هنا لتفسير معنى الفتوح والاستعمار، بل ~~لأعرض على زوجك هذا العهد السلطاني بتقليده ملك البلقان وإلباسه تاجه إن هو تمكن من إخلاء ~~التخوم من حراسها، وسهل لجيشنا سبيل اجتيازها، فإن قبل فذاك، أو لا عدت بعد ثلاثة ~~أيام إلى مركز الجيش ورفعت الأمر إلى سلطاني وقائدي، وعادت الحرب إلى شأنها الأول أو أشد، ~~ولا يعلم إلا الله متى تنتهي، وماذا تكون عاقبتها. # فتناولت منه العهد وقالت له: سنلتقي بعد ليلتين أو ثلاث، وسأخبرك بما تم عليه ~~الاتفاق. # فقام إلى مكانه الأول وأخذ يضرب على قيثارته بعض الأناشيد الدينية، وما هي إلا لحظة ~~حتى عادت الوصيفة، وكان الليل قد انتصف، فاستأذن للانصراف وانصرف. # | الأمل # الحب شقاء كله، وأشقى المحبين جميعا أولئك الذين يحبون بلا أمل ولا رجاء! # إنهم يذرفون دموعهم وهم عالمون أنهم يسكبونها في أرض قاحلة جدباء لا تنبت لهم راحة ~~ولا سعادة، ويسهرون لياليهم وهم يعتقدون أن ظلماتها لا تنحسر عن فجر منير، أو صبح سعيد، ~~ويطرقون برءوسهم في خلواتهم لا ليفكروا متى تنتهي أيام شقائهم أو تبتدئ أيام سعادتهم، ~~فحياتهم كلها شقاء لا فرق بين أمسها وغدها وحاضرها ومستقبلها؛ بل ليفكروا متى يرحلون عن هذه ~~الدار ليستريحوا من آلامها وهمومها، فإن كان لا بد لنا من أن نذرف قطرة من دموعنا على ~~شقي في هذه الأرض، فلنذرفها على والد ثكل ولده في ريعان شبابه، أحب ما كان إليه، وألصق ~~ما كان بقلبه، من حيث لا أمل له في رجعته ولا رجاء في لقائه، أو عاشق علم في ساعة ما كان ~~يتوقعها أن حبيبته قد تزوجت من غيره، وأنها ستسافر اليوم أو غدا إلى وطن ناء لا رجعة ~~لها منه أبد الدهر، فوقف أمامها يودعها وداعا لا يقول لها فيه: إلى الغد أو إلى الملتقى، ~~ولا يأخذ عليها فيه عهدا أو ميثاقا، بل يصمت صمتا تذوب فيه كبده القريحة ms26 ذنوبا، حتى إذا ~~غابت عن بصره، وانقطع آخر آثارها، رجع أدراجه وهو يعلم أن لا نصيب له في العيش بعد اليوم، ~~وأن هذا آخر عهده بالحياة، أو فتاة بائسة مسكينة كتب لها شقاؤها أن يعلق قلبها بعظيم من ~~عظماء الحياة المدلين بأنفسهم ومكانتهم، فلا تستطيع الصعود إليه في سمائه، وليس من ~~شأن مثله أن يهبط إليها في أرضها، فهي تبكيه ولا يشعر ببكائها، وتهتف باسمه ليلها ونهارها ~~ولا يسمع نداءها، ولا يزال هذا شأنها حتى يوافيها أجلها فيريحها. # كذلك كان شأن ميلتزا، فإنها أحبت سيدها حب العابد إلهه المعبود، وافتتنت به افتتانا كانت ~~تحسبه في مبدأ أمرها عاطفة ولاء وإخلاص، فإذا هو لوعة الحب وحرقة الغرام، ولكن أنى لها ~~وهي الفتاة النورية الساقطة المسكينة أن يمتد بها مطمعها إلى ذلك الكوكب النائي في ~~سمائه، أو أن تمت إليه بسبب من تلك الأسباب التي يمت بها الناس بعضهم إلى بعض، ~~فكانت وهي أقرب الناس إليه أبعد الناس عنه، وأنآهم من مكانه، لا تستطيع أن تتجاوز في ~~موقفها معه منزلة الخادم من المخدوم، والسيد من المسود، والصنيعة من صاحب النعمة. # وكان يقلقها أشد القلق ويكاد يذيبها حياء وخجلا خوفها أن يطلع منها على سريرة نفسها، أو ~~أن يعثر يوما من الأيام بتلك اللوعة المتأججة في صدرها، فيتهمها في عقلها، ويسخر بينه ~~وبين نفسه بتصوراتها وآمالها، فكانت تفر من نظراته كلما وقعت عليها حتى لا يرى في عينيها ~~أثر الدمع ولا حمرة السهر، وتهرب من الخلوة به جهدها حتى لا يرتاب في اصفرار وجهها، ~~واضطراب أوصالها، وذهول عقلها، ولجلجة لسانها؛ أي أنها كانت محرومة كل شيء حتى تلك اللذة ~~الضئيلة التي يتمتع بها أقل المحبين حظا، وأخيبهم في الحب سهما؛ وهي الإفضاء بمكنون ~~صدرها إلى ذلك الذي تحبه وتعبده. وكان كل ما يعرف قسطنطين من شأنها أنها فتاة مخلصة وفية ~~تحبه حب العبد الشكور لسيده المنعم، وكان يجد في بلاهتها وسذاجتها، وطهارة قلبها ونقائه، ~~وصدق لسانها، وإخلاص قلبها ملهاة يتلهى بها عن همومه ms27 وأحزانه، ومتكأ يتكئ عليه في ساعات ~~إعيائه ونصبه، لا يزيد على ذلك شيئا، فكانت إذا جن الليل وأخذت الجنوب مضاجعها جلست في ~~فراشها تساهر الكوكب وتطالعه، وتزفر زفرات حرى موجعة وهي لا تعلم ماذا تشكو ولم تبكي؛ ~~لأنها لا تعرف لها غرضا ولا غاية، ولو استطاعت أن تفهم من شئون نفسها ما يفهم الناس من ~~شئون نفوسهم لعرفت أنها إنما تبكي على أن ليس لها في الحياة - كما للناس - أمل ولا ~~رجاء. # هذا هو الحب الطاهر البريء الذي لا تشوبه الأغراض والغايات، ولا تحيط به الريب والشكوك، ~~والذي طالما نشده الناس في كل مكان فأضلوه، وذابت قلوبهم حسرة عليه فلم يجدوه، وأي ~~سعادة في الدنيا أعظم من سعادة نفس تجد بين يديها نفسا طاهرة مخلصة تحبها، وتمتزج بها ~~امتزاج الماء بالخمر والأريج بالزهر؟ ولقد ظفر قسطنطين من تلك الفتاة بهذه النفس المخلصة ~~التي تحزن لحزنه، وتفرح لفرحه، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه، ولا تعرف لها وجودا منفصلا عن ~~وجوده، ولا حياة مستقلة عن حياته، فكانت منه بمنزلة المرآة من الوجه: تقطب إذا قطب، وتبتسم ~~إذا ابتسم، وتطير فرحا وسرورا بانتصاراته، وتذوب كمدا وحزنا لآلامه وأحزانه، وتحب أباه ~~حبه إياه، وتنفر من زوج أبيه نفوره منها، وهو وإن لم يكن يفاتحها في شأن من شئونه ~~الخاصة، ولا يفضي إليها بسر من أسرار بيته وعلائق بعض أفراده ببعض، فإنها كانت تشعر أن ~~تلك المرأة اليونانية الدخيلة خطر عظيم على الوالد والولد، بل على الأمة بأسرها، وكان ~~شعورها هذا يقودها إلى مراقبتها وملاحقتها في كل مكان، وترصد حركاتها وسكناتها علها تهجم ~~منها على ذلك السر الهائل الذي تتوهمه توهما ولا تعرفه، فتكشفه وتمزق عنه الستار، ~~حتى واتاها القدر يوما من الأيام فعثرت به. # | السر # رجع قسطنطين من بعض غزواته فدخل على ميلتزا فرآها مطرقة واجمة، فلم يلق لها بالا وخلع ~~رداءه ثم جلس على كرسيه جلسة الراحة والسكون، وإنه لكذلك إذ طرق مسمعه صوت تلك القيثارة ~~البديعة التي كان يسمعها من حين إلى حين ms28 تصدح في قصر أبيه، فطرب لها طربا شديدا، ~~وافتر ثغره بعد عبوسه، ثم نظر إلى ميلتزا وهي جالسة تحت قدميه، فرآها مصفرة مغبرة ~~الوجه ذاهلة كأن نكبة من النكبات العظام قد نزلت بها، فعجب لأمرها وقال لها: ألا تطربين ~~معي يا ميلتزا لهذه النغمات الشجية البديعة؟! فرفعت رأسها إليه وكأن دمعة لامعة تترقرق ~~في عينيها، وقالت له: لا يا مولاي! فدهش لقولها وقال: ولم؟ قالت: لأني لا أحبها! قال: ولم ~~لا تحبينها؟ قالت: لأني لا أحب صاحبها، قال: وهل تعرفينه؟ أليس هو ذلك الرجل البائس المسكين ~~الذي يختلف إلى الأميرة من حين إلى حين ليسمعها أناشيد قومها وأغانيهم فتعود عليه ببعض ~~نوالها؟ # قالت: إنه ليس بسائل يا سيدي ولا مسكين، بل هو الضابط العظيم إبراهيم بك، أحد قواد ~~الجيش التركي، فانتفض قسطنطين مذعورا واستوى في مكانه جالسا وقال: ماذا تقولين؟ قالت: إني ~~كنت مخدوعة به قبل اليوم، حتى رأيته ليلة أمس واقفا تحت شجرة وارفة من أشجار الحديقة ~~يصلي صلاة المسلمين مطرقا خاشعا مستقبلا قبلتهم، فارتبت في أمره، ثم دنوت منه وأنعمت ~~النظر في وجهه من خلال بعض الأغصان من حيث لا يشعر بمكاني، فعرفته وذكرت أنه ذلك البطل ~~العظيم الذي كنت أراه في معسكر الجيش التركي لا يزال مرافقا للقائد الكبير، يسير في ركابه ~~حيث سار، ويتنقل معه في غدواته وروحاته، وإن غابت عني معرفته فلن تغيب عني معرفة تلك ~~الشجة الهلالية الواضحة في جبينه، وذلك الخال الأسود المرتسم تحت عينه اليسرى، بل أعرفه ~~من تلك النغمات الشجية التي يغنيها الآن. # وهنا توقفت عن الكلام واضطربت وكأن كلمة حائرة تختلج بين شفتيها، فعجب قسطنطين لأمرها ~~وسألها ما بالها، فأطرقت هنيهة ثم رفعت رأسها فإذا دمعة تنحدر على خدها، واستمرت في ~~حديثها تقول: نعم، إنني أعرفه من تلك النغمات التي كان يدعوني إلى الرقص عليها في خيمته في ~~المعسكر وهو جالس بين صحبه وخلانه من قواد الجيش ورؤسائه يغنيهم ويطربهم، فأرقص أمامهم ~~رقص الطائر المذبوح وفؤادي يتمزق لوعة وأسى، لا ms29 أهن ولا أفتر، ولا أستعفي ولا ~~أعتذر؛ مخافة أن يرى سيدي الجندي ذلك مني فيعاقبني، فقد كان يحاسبني على الضعف والعجز، ~~والحياء والخجل، والتلوم والاحتشام، محاسبة القاضي المجرمين على الذنوب والآثام؛ ~~فاعذرني يا سيدي إن بكيت لحظة بين يديك، فإنني وإن كنت ولدت في مهد الشقاء، ونشأت في حجر ~~البؤس والآلام، فقد كانت تلك الأيام التي قضيتها في ذلك المعسكر أو في بؤرة السقوط والعار ~~أشقى أيامي وأعظمها شدة وبؤسا، لا أذكرها إلا بكيت لذكراها، وأسبلت ردائي على وجهي ~~حياء منها وخجلا. # على أنني أحمد الله إليك، فقد بسطت إلي يد رحمتك وإحسانك، واستنقذتني من مخالب ذلك ~~الشقاء أيأس ما كنت من الخلاص منه، أحسن الله إليك، وهون عليك همومك وآلامك. # وكانت تتكلم وقسطنطين لاه عنها بقصة ذلك الجاسوس، لا يكاد يشعر بشيء مما حوله، ثم التفت ~~إليها وقال لها: إذن هو جاسوس متنكر! قالت: ذلك ما أعتقده يا مولاي ولا أرتاب فيه. فظل ~~يدور في الغرفة دورة الهائم المختبل لا يهدأ ولا يتريث، وظل على ذلك ساعة ثم انقض بغتة ~~على ردائه فاختطفه وخرج من الغرفة مسرعا، فأدركته ميلتزا وتعلقت بأطراف ثوبه وقالت له: ~~أين تريد يا مولاي؟ قال: أريد أن أقبض على ذلك الجاسوس المجرم وأرفع أمره إلى الأمير ليرى ~~رأيه فيه، قالت: إن القيثارة قد انقطع صوتها، ولا بد أن يكون قد ذهب لسبيله؛ فدعه وشأنه، ~~قال: لا بد لي من أن أكشف أمره على كل حال حتى لا يعود إلى هذا المكان مرة أخرى، قالت: ~~أضرع إليك يا سيدي أن تملك نفسك وأن تهدأ لحظة واحدة حتى أتمم لك بقية حديثي. # فجمد في مكانه وقال لها: ماذا عندك بعد ذلك؟ قالت: إن كنت تريد أن ترفع أمر الرجل إلى ~~أبيك ليعرف حقيقته، فاعلم أنه يعرفه حق المعرفة، بل هو أعلم به مني ومنك! فثار ثائره وصرخ ~~في وجهها قائلا: ماذا تقولين أيتها الفتاة؟ وجرد سيفه من غمده وأهوى به عليها ليقتلها، ~~فاستخذت له ومدت إليه عنقها ms30 وقالت: اضرب يا مولاي، فدمي حلال لك، وإن شئت فاستمع مني ~~كلمة واحدة قبل أن تفعل، فإن شرفك وشرف بيتك رهن بما أقول! فجمد السيف في يده وظل شاخصا ~~إليها ينتظر كلمتها، فقالت: نعم، قد تم الاتفاق بين أبيك وزوجته وذلك الجاسوس التركي على أن ~~يخلي أبوك تخوم المملكة من حراسها هذه الليلة؛ لتتمكن الجيوش التركية من اجتيازها، فإن فعل ~~أصبح في الغد سيد البلقان ومليكها، قال: ومن أين لك علم ذلك؟ قالت: قد سمعت الحديث الذي دار ~~بينهم في هذا الشأن، ورأيت ورقة منشورة بين أيديهم يقرءونها ويتداولونها، وما أحسبها إلا ~~وثيقة العهد الذي تعاهدوا عليه، فإن كنت لا تزال في ريب من ذلك فدونك الغرفة المجاورة لغرفة ~~الأميرة فادخلها برفق وهدوء، وضع أذنك على خصاص الباب المغلق بينهما، كما صنعت أنا منذ ~~ساعة، تسمع ما يتحدثون به، ولك حكمك بعد ذلك. # فشعر قسطنطين أن الأرض الفضاء تدور به، وأن الشمس قد لبست قناعها الأسود فما يرى شعاعا ~~من أشعتها، وأن فرائصه ترتعد وتصطك فما تكاد تحمله، فتراجع إلى جدار قائم وراءه فأسند ظهره ~~إليه حتى هدأ قليلا، ثم مشى يتحامل على نفسه حتى دخل الغرفة التي وصفتها ميلتزا، ومشى إلى ~~الباب الموصد بين الغرفتين ووقف بجانبه يتسمع فلم يسمع شيئا، حتى ظن الغرفة خالية، ثم ~~سمع صوت أبيه فانتبه وتجمع للإصغاء، فإذا هو يقول لزوجته بصوت خافت متهدج: هل سافر ~~الرجل؟ قالت: نعم يا سيدي، وما أحسب إلا أنه تجاوز أطراف التخوم الساعة، فإن جواده أفره ~~الجياد وأسرعها. وصمت ولم يقل شيئا، فدنت منه وقالت له بنغمة حلوة ساحرة: ما هذا الاصفرار ~~الذي يكسو وجهك يا ميشيل؟ وما هذه الكآبة السوداء التي تتدجى في عينيك؟ فهل أنت نادم على ~~ما كان؟ قال: لا، ولكنني أخشى الفشل. # قالت: لا أعرف للفشل بابا يمكنه أن يدخل عليك منه، فأنت قائد الجيش وصاحب الأمر والنهي ~~فيه، فإن كان كل ما يعنيك من الأمر ألا تظهر يدك في هذا العمل فقم الساعة ms31 والبس ثياب ~~أحد الحراس، واذهب إلى مكان الحارس الأول القائم على حراسة الرابية الأولى وارقبه حتى تأتي ~~ساعة انصرافه واستبداله، فأظهر له كأنك الحارس الذي يخلفه في مكانه، واهتف له بكلمة السر ~~التي بثثتها الليلة بين جنودك - وحراس المداولة كثيرون لا يكاد يعرف بعضهم بعضا - فإذا ~~انصرف لشأنه أخذت مكانه من حيث لا يعلم من أمرك شيئا، حتى إذا رأيت الجيش التركي ~~مقبلا في منتصف الليل، وعلمت أنه قد أشرف على التخوم وملك رأس الطريق إلى «فيدين»؛ عدت ~~أدراجك إلى القصر متنكرا كما ذهبت، لم يشعر بك أحد في ذهابك أو إيابك، وكأننا قد فوجئنا ~~بهذه النازلة مفاجأة لا نملك معها للأمر دفعا ولا ردا. # فطارت نفس قسطنطين شعاعا عند سماع هذه الكلمات، وكاد يصرخ صرخة عظمى يرتج بها القصر ~~وأرجاؤه، لولا أنه طمع في أن يسمع من أبيه كلمة شرف وإباء تهدم صرح تلك الخيانة الذي ~~تبنيه يد زوجته، فأرهف أذنيه ليسمع جوابه، فسمعه يقول بنغمة الفارح المغتبط، بعد كلام ~~كثير لم يفهمه: نعم، هذا هو الرأي السديد، ولقد أمنت الآن كل شيء، فائتيني بلباس ~~الحارس، فقد عزمت ولا مرد لعزمي. فتهافتت على عنقه وقبلته قبلة طويلة رن صوتها في ~~أرجاء الغرفة، ثم ذهبت لشأنها. # فما سمع قسطنطين هذه الكلمة حتى أظلمت عيناه، واكفهر وجهه، وتداركت ضربات قلبه، وحاول أن ~~يصيح فخانه صوته، فسقط مغشيا عليه، ولكن بين ذراعي ميلتزا؛ لأنها كانت واقفة وراءه ترصده ~~من حيث لا يشعر بمكانها، حتى إذا هوى تلقته بين ذراعيها وقادته إلى غرفتها. # | الجريمة # جثم الليل في مجثمه ونشر أجنحته السوداء على الكون بأجمعه، فهجع تحت ظلالها الأحياء ~~جميعا من بشر وحيوان، ولم يبق ساهرا وسط هذا السكون المخيم إلا عينا القائد ~~برانكومير في شعب «تراجان» يديرهما ها هنا وها هنا، فينظر بهما تارة أمامه وأخرى وراءه؛ ~~ليرى هل يرصده أحد أو يتأثر حركاته وأعماله، ويقلبهما أحيانا في صفحة السماء فيرى عيون ~~النجوم محدقة فيه، فيخيل إليه أنها عيون الله ناظرة إليه نظرات ms32 الوعيد والتهديد، وكأن ~~صائحا يصيح به من جوانب الملأ الأعلى: اصنع ما تشاء أيها الرجل الخائن، واكتم عملك عن عيون ~~الناس جميعا، فإني ناظر إليك ومسجل عليك هذه الجناية العظمى التي تجنيها على وطنك ~~وقومك! # فيتضاءل ويتصاغر ويمر بخاطره قول أمه له في عهد طفولته فيما كانت تمليه عليه من آداب ~~الحكماء وأقوالهم: «إن كواكب السماء ونجومها تشهد بين يدي الله على جميع جرائم البشر التي ~~ليس لها شهود!» ثم لا يلبث أن يسري عن نفسه ويذهب به خياله إلى الملك وعرشه، وتاجه ~~وصولجانه، وعزه ومجده، ثم يلقي نظرة عامة على الجبال المحيطة به، والسهول المنبسطة من حوله، ~~والأنهار المائجة بأشعة النجوم ولألائها، فيقول: غدا تصبح هذه الجزيرة كلها جزيرتي، وأهلها ~~خدمي وحشمي، يأتمرون بأمري، ويذعنون لقوتي وسلطاني، وغدا يتلألأ التاج على جبين ~~بازيليد، فتصبح أسعد نساء العالم جمعاء، وأصبح بسعادتها أسعد رجاله، ثم يخيل إليه كأنه ~~يرى بازيليد ماثلة بين يديه تنظر إليه نظراتها الساحرة الفاتنة، فيمد ذراعيه لاستقبالها ~~ويناجيها قائلا: إنني لا أزال على العهد الذي عاهدتك عليه مذ فارقتك حتى الساعة، لم أندم ~~ولم أتردد، ولا مر بخاطري أن أحفل بشيء في العالم سوى أن أنيلك البغية التي ~~تبتغينها. # إن القبلة التي وضعتها على شفتي منذ ساعة قد أثلجت صدري، وسكنت جميع مخاوفي ووساوسي، ~~فأنا أقدم على الجريمة إقدام الهادئ المطمئن، لا أشعر بثقلها، ولا أفكر في نتائجها، بل لا ~~أشعر أنها جريمة يخفق لها قلبي خفقة الأسف والندم. # لقد أقسمت لك على الوفاء بالعهد، ولا بد لي من أن أبر بقسمي، ولو كنت أقسمت لك على ~~حرمان نفسي منك - وأنت الحياة التي لا حياة لي بدونها - لاستحييتك أن أحنث في قسمي، أو أن ~~أخيس بعهدي. # أقسمت لك أن أخون وطني، وهأنذا أخونه كما أردت راضيا مستسلما لا أندبه ولا أرثي له، ~~فرضاك هو الوطن كله، بل هو الدنيا بأجمعها، فليذهب الوطن كله، وليفن العالم بأسره، فأنت ~~لي كل شيء فيهما. # وكان يحدث نفسه بهذا الحديث وهو ms33 جالس على رابية مرتفعة على شعب «تراجان» تحت القوس ~~الروماني بجانب هضبة عالية من الحطب أعدت للإحراق إنذارا للجيش بالعدو عند زحفه، وكانت ~~الهضبات المحيطة بتلك الرابية أو المبعثرة من حولها سوداء قاتمة تتراءى في ظلمة الليل ~~ووحشته في صور وحوش مخيفة هائلة فاغرة أفواهها، أو مقعية على أذنابها، أو متوثبة ~~للهجوم، فلا يقع نظره عليها حتى يطير قلبه شعاعا، فيسرع إلى الاغتماض فلا يفارقه خيالها ~~إلا بعد حين. # وما كان الرجل جبانا ولا رعديدا، فهو بطل البلقان وحاميه وسيد من أنجبت به ميادين ~~قتاله وساحات نزاله، ولكنها الجريمة تنتزع قلب المجرم من بين جنبيه، وتغشي على عينيه ~~البصيرتين فيصبح بلا قلب وبلا نظر، يرى ما لا يراه الناس، ويخشى ما لا يخشونه، فهو لا يخاف ~~الوحوش والهوام والجن والشياطين والصخور والأحجار، بل يخاف جرائمه وآثامه! # وإنه لكذلك إذ خيل إليه أن إحداها تتحرك من مكانها وتتحلحل تحلحل الليث المتوثب، ~~فاستطير قلبه فرقا ورعبا، وحاول أن يتهم نظره ويستريب به فلم يستطع؛ لأنه ما لبث أن ~~رأى في ذروة تلك الهضبة رأسا يتحرك وينظر إليه بعينين متقدتين، فصرخ صرخة الكلب الجبان ~~الذي ينبح الشبح المقبل نحوه، لا جرأة وإقداما، بل جبنا وفرقا، وقال: من هناك؟ ~~فانحدر الشبح إليه من أعلى الهضبة وقال له بصوت خشن أجش: لا ترتع يا أبت؛ فأنا ~~ولدك قسطنطين. فوثب من مكانه وثبة الملسوع وقال له بصوت متهدج مختنق: ما الذي جاء بك ~~إلى هنا؟ ومن أنبأك أني في هذا المكان؟ قال له: وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا، ومن أنبأك أني ~~في هذا المكان؟ قال له: وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا يا أبت؟ وماذا تريد أن تفعل؟ إنني ~~أسألك عن مثل ما تسألني عنه! # فأسقط في يده وطار طائر عقله، وأحس بالخطر المقبل إلا أنه تجلد واستمسك وقال بلهجة ~~الآمر المسيطر: وما سؤالك عن مثل هذا أيها الفتى الجريء؟ وما شأنك بي وبما أفعل؟ وكيف ~~فارقت حصنك في هذه الساعة من الليل؟ ms34 ومن أذنك بذلك؟ قال: لم أستأذن في ذلك أحدا غير ~~واجبي ، إنني أعلم كل شيء يا أبت، وأعلم أنك ما جئت إلى هذا المكان إلا لترتكب أفظع ~~جريمة يرتكبها إنسان في العالم! فصاح برانكومير وهو يتميز غيظا وحنقا: كذبت أيها الغلام ~~الوقح، واجترأت على ما لم يجترئ عليه أحد من قبلك! عد الآن إلى حصنك، ولا تبق بعد صدور ~~أمري إليك لحظة واحدة، فإن جاولتني في ذلك فأنت أعلم بما يكون! إنك لا تفهم شيئا من ~~أسراري وخويصات نفسي، وليس لك أن تسألني عنها؛ لأنك جندي والجندي لا يسأل قائده، بل ~~يأتمر بأمره ولو كان الموت الزؤام! عد إلى مخفرك وتول حراسته بنفسك، ولا تأذن لجفنك ~~بالغمض لحظة واحدة، وسأحدثك غدا في هذا الشأن حديثا طويلا تعلم منه كل شيء. # فتضعضع قسطنطين أمام هذه اللهجة الرزينة الهادئة، وجثا على ركبتيه بين يديه وقال له: ~~عفوا يا أبت، فقد أخطأت في سوء ظني بك، فأنت أشرف من أن تضع نفسك حيث أرادوا أن يضعوك، ~~وما أحسب كلمتك التي قلتها للأميرة منذ حين في تلك الخلوة الرهيبة إلا كلمة مزح ودعابة ~~أردت بها مداراتها وملاينتها، أو الهزء والسخرية بها، حتى إذا فصلت عنك وخلا بك مكانك محوت ~~بظهر يدك عن فمك تلك القبلة الأثيمة التي ختمت بها ذلك العهد الأثيم، ثم قلت لها في نفسك: ~~إنني قد عاهدت الله، أيتها المرأة البلهاء، قبل أن أعاهدك على أن أكون أمينا لوطني، ~~وفيا له، فلا أحفل بعهد غير هذا العهد، ولا بيمين غير تلك اليمين، ثم خفت أن تكون ~~قد استرابت بك أو مرت بخاطرها خلجة شك في أمرك فأخذت للأمر حيطتها من طريق غير طريقك، ~~فجئت بنفسك لتتولى حراسة التخوم وحمايتها، حتى إذا شعرت بسواد الجيش التركي مقبلا أشعلت ~~النيران إنذارا لجيشك بالخطر الداهم، وخيبت آمال أعدائك فيما يكيدون لك ولقومك. # أليس كذلك يا أبت؟ نعم، إنه كذلك بلا شك ولا ريب، فأشعل النار الآن ودعها تسطع في ~~هذا الفضاء الواسع، وتبدد بلألائها ms35 هذه الظلمات المتكاثفة؛ فإني أشعر بسواد مقبل من بعيد ~~يتقدم شيئا فشيئا، وما أحسبه إلا فيالق العدو وجيوشه. انظر يا أبت واخترق بنظرك هذا ~~الفضاء الشاسع، ألا ترى تحت خط الأفق أشباحا تتحرك وتتقدم؟ إنه ليخيل إلي أنها أعلام ~~الجيوش التركية تخفق في أجوائها، وربما لا تمضي ساعة أو بعض ساعة حتى تكون قد وصلت إلى ~~هنا! # أسرع بإشعال النار أو عد أنت إلى قصرك وخذ لنفسك راحتها فيه ودعني أتولى عنك ~~إشعالها، فالخطر موشك أن يقع ما من ذلك بد! # ما لي أراك جامدا يا أبت؟ وما هذا الذهول الذي تولاك؟ أشعل النار أو تنح عن طريقي ~~لأشعلها، أشعلها فالوقت أضيق من التأمل والتفكير! # فرفع برانكومير رأسه ونظر إلى ولده نظرة جامدة وقال له: إذن أنت تتهمني يا قسطنطين ~~وترتاب بي، ما أشقاني وأسوأ حظي! ولدي وفلذة كبدي ووارث اسمي ولقبي يتهمني ويتجسس علي، ~~ويقف وراء الأبواب ينظر من خصائصها ليسمع ما يدور بيني وبين زوجي في خلوتي! فيا للعار ويا ~~للشقاء! أيها الولد العاق المسكين، اذهب لشأنك؛ فإني أريد أن أبقى هنا الليلة وحدي، ولا ~~تجازف بمخالفة أمر قائد تعود أن يأمر فيطاع، وليس من شأن مثله أن يصبر لحظة واحدة على ~~مخالفة أمره، إنني سأبقى هنا وحدي، وسأشعل النار بنفسي عندما أريد إشعالها، فلا حاجة بي إلى ~~مشورتك ومعونتك، عد أدراجك إلى حصنك ولا تضف إلى جريمة التجسس على أبيك جريمة ~~معاندته ومخالفة أمره، واعلم أنك الآن جندي أمام قائده لا ولد بين يدي أبيه. # فأن قسطنطين وتأوه آهة طويلة وقال: وا رحمتاه لي ولك يا أبت! إن الأمر صحيح لا ~~ريب فيه، والجريمة توشك أن تقع. # ثم صمت صمتا طويلا لا تطرف له فيه عين، ولا تنبعث له جارحة، ثم انتفض فجأة وصاح ~~بلهجة شديدة صارمة: أبي، إنني سأبقى هنا! # فدهش الأب لعناده وصلابته وقال له: ما أراني الآن إلا أمام عدو لدود لا ولد بار ~~مطيع! قال: لا يا أبت، بل أمام ولد بار مطيع، ms36 ولولا ذلك ما جشمت نفسي مشقة المجيء ~~إليك في هذه الساعة من الليل، ولا وقفت أمامك هذا الموقف الخطر المميت، إنني لم أفعل ذلك من ~~أجل نفسي، بل من أجلك ومن أجل شرفك، إنني أحبك كما أحب وطني، وما على وجه الأرض شيء أحب ~~إلي منكما، وكما أتمنى له أن يعيش حرا مستقلا أتمنى لك أن تعيش شريفا عظيما، فإذا ~~ضاع وطني وكان ضياعه على يدك أنت فقدت في ساعة واحدة جميع ما أحب في هذه الحياة؛ ~~فارحم ولدك المسكين الذي لا يزال يضمر لك في قلبه حتى الساعة ذلك الحب القديم الذي تعرفه، ~~واستبق له تلك السعادة التي لم يبق له في الحياة سعادة غيرها، تنح قليلا عن طريقي ~~وائذن لي أن أصل إلى هذه الرابية لأشعل نارها فيراها حراس الروابي جميعا فيشعلوا ~~نيرانهم، فينهض الجيش للدفاع عن الوطن؛ فقد أزفت الساعة ولم يبق سبيل للأناة ~~والتفكير. # ثم اندفع إلى مكان الرابية مسرعا فاعترضه أبوه ووقف في وجهه وقفة الصخرة العاتية في وجه ~~الريح العاصف وقال له: لا آذن لك بالتقدم خطوة واحدة، ودون ما تريد الموت الزؤام! فطاش ~~عقل قسطنطين وجن جنونه وقال له: احذر يا أبت؛ فإن في هذه السماء المشرقة علينا ~~بنجومها وكواكبها إلها ينتقم من الظالمين، ويجازي الخائنين بخيانتهم شر الجزاء، وما أنت ~~بناج من عقابه، ولا مفلت من جزائه! لقد حدثتني نفسي في تلك الساعة الهائلة التي سمعتك ~~فيها تؤامر على وطنك وأمتك بأفظع ما تحدث به نفس صاحبها، وكنت على وشك أن أرفع أمرك إلى ~~الملك أنت وزوجك، وأكشف له دخيلة أمركما، فلم أفعل؛ لأني ضننت بك على الموت الدنيء الذي ~~يموته الخائنون المجرمون أمثالك، وأشفقت على ذلك الشرف العظيم الذي بلغ في علوه مناط السماك ~~الأعلى أن يصبح مهانا مذالا تدوسه الأقدام، وتطؤه النعال، وكرهت أن يمر السابلة من ~~رعاع الناس وغوغائهم على قبرك بعد موتك فيبصقوا عليه كأنما يبصقون على قبر الشيطان، وربما ~~نبشوا عن جثتك تشفيا منك وانتقاما، فأخرجوها من ms37 قبرها وأسلموها إلى جوارح الطير ~~وكواسر الوحش تمزق أشلاءها، وتبعثر عظامها . # أشفقت عليك من كل هذا، وأشفقت على نفسي أن يراني الناس في طريقي فيشيروا إلي ~~بأصابعهم ويقولوا: هذا هو الولد السافل الدنيء الذي وشى بأبيه وأورده مورد التهلكة، فبئس ~~الولد ولبئس الوالد! ولا يلد الخونة المجرمون غير الأدنياء الساقطين! فنهنهت نفسي وملكت ~~عليها زمامها وقلبي يذوب حزنا ولوعة، وقلت: لعلني أستطيع أن أتدارك الأمر عن طريق غير تلك ~~الطريق، وأن أتمكن في آن واحد من إنقاذ أبي وإنقاذ وطني من حيث لا أخسر واحدا منهما في ~~سبيل الآخر، فجئت وقلبي ممتلئ أملا ورجاء. # أما الآن وقد يئست من كل شيء، فإني أكاد أشعر بالندم على ضياع تلك الفرصة التي ملكتها ~~ساعة من الزمان فسرحتها ولم أنتفع بها، وكأن صوتا خفيا يهتف بي من أعماق قلبي: إنك ~~قد أشفقت على نفسك مرة وعلى أبيك أخرى، ولم يخطر ببالك لحظة واحدة أن تشفق على وطنك ~~وقومك. # فأسألك مرة أخرى يا سيدي، وربما كانت هي المرة الأخيرة، أن تتنحى عن طريقي، فإنني قد ~~عزمت عزما لا مرد له أن أقتحم هذه الرابية لأضرم نارها رضيت أم أبيت، سقطت السماء على ~~الأرض أم بقيت في مكانها! # فأطرق برانكومير لحظة ذهبت به فيها الهموم والأفكار كل مذهب، ثم رفع رأسه فإذا دمعة ~~كبيرة تترقرق في عينيه، ونظر إلى ولده نظرة عتب وتأنيب وقال له: نعم يا بني، إنك قد ~~أخطأت خطأ عظيما إذ أضعت الفرصة العظيمة التي لاحت لك، وقد كان جديرا بك أن تفترصها ولا ~~تسرحها، وأن تلقي في عنق أبيك في تلك الساعة التي رابك فيها من أمره ما رابك غلا ~~ثقيلا تقوده به إلى حضرة الملك متهما إياه بجريمة الخيانة الكبرى؛ ليأمر بقتله، فتمتع ~~نظرك برؤيته مصلوبا على باب المدينة والجماهير من حوله يبصقون على وجهه، ويصفعون قذاله، ~~ويرجمونه بالحجارة على مرأى من ضباطه وجنوده وأسرته وأصدقائه، وربما اشترك هؤلاء جميعا ~~معهم في عملهم. # نعم، إنها فرصة ثمينة جدا قد أضعتها ms38 بترددك وتحيرك، وقد كان جديرا بك أن تقدم ~~إقدام العازم المصمم كما كان يفعل أبوك لو كان في مكانك، فقد عودت نفسي أنني إذا عزمت على ~~أمر لا أتردد فيه ولا أتريث، وقد عزمت الآن على ألا أشعل هذه النار، فلا أشعلها، ولا ~~آذن لك بالتحرك من مكانك خطوة واحدة! # فوقف قسطنطين حائرا ملتاعا يترجح بين اللهف على وطنه الضائع والإشفاق على أبيه المسكين، ~~لا يستطيع أن يخون وطنه الذي نبت في تربته، وعاش بين أرضه وسمائه، ولا أن يعق أباه الذي ~~أبرزه إلى الوجود، ووهبه نعمة الحياة التي ينعم بها، فأسند رأسه إلى صخرة كانت بجانبه ~~خائرا متضعضعا تتوارد في رأسه الخواطر والأفكار يصارع بعضها بعضا، ويشتد بعضها في أثر ~~بعض، حتى بلغ منه الإعياء مبلغه، فنظر إلى أبيه نظرة منكسرة حائرة تفيض حزنا ويأسا ~~وقال: أيرضيك يا ميشيل برانكومير، يا بطل البلقان وحاميها وأشرف من أنجبت به أصلاب رجالها ~~وأرحام نسائها، أن يملك العدو علينا هذه البلاد العزيزة الكريمة فيقتل أبناءها، ويستحل ~~حرماتها، وينكس صلبانها، ويهدم صوامعها ومعابدها، ويخرس فيها كل صوت غير صوت الأذان ~~على ذرى المنائر؟ # قال: نعم، يرضيني ذلك؛ لأنني أحسنت إليها فكفرت بنعمتي وجازتني شر الجزاء على صنيعي! ~~قال: إن لم تفعل ذلك من أجلها، فافعله من أجل ربك، قال: أي رب تريد؟ إنني لا أفعل شيئا من ~~أجله، فهو ممالئ مداج لا يحب إلا قساوسته وكهانه، ولا يرى رءوسا تصلح للتيجان غير ~~رءوسهم الصغيرة الصلعاء، ولكنني سأنتزع بالرغم منه ذلك التاج من ذلك الرأس الذي توجه ~~به وأضعه على رأسي، قال: ولكنك تعلم يا أبت أن التاج الذي يتناوله متناوله من يد عدوه ~~ليس بتاج شريف، قال: ولكنه تاج على كل حال! قال: ألا تخاف أن يثقل يوما على رأسك فيهبط ~~إلى عنقك ويستحيل إلى طوق حديدي ويقضي عليك؟ قال: إنك تهينني يا قسطنطين وتهددني، ولقد ~~بلغت بوقاحتك الغاية التي لا غاية وراءها، فتجمل قليلا ولا تنس أنك إنما تخاطب أباك! ~~قال: عفوا ms39 يا أبت وغفرا، فلقد بلغ بي اليأس مبلغه حتى أصبحت لا أفقه ما أقول! # ثم دنا منه وأمسك بيده وأنشأ يخاطبه بصوت ضعيف متهافت ويقول: عد إلى نفسك لحظة ~~واحدة يا أبت، وراجع فهرس تاريخك الشريف، واذكر تلك الأيام المجيدة التي أبليت فيها في ~~الدفاع عن وطنك وقومك بلاء سجله لك التاريخ في صفحاته البيضاء بأقلامه الذهبية، وتلك ~~الوقائع الحربية الهائلة التي كنت تستقبل فيها الموت استقبال العروس ابتسامات عروسه الحسناء ~~ليلة زفافها، وتضحك للهول فيها ضحك الزهر لقطرات الندى، والنبت لأشعة الشمس، ثم تعود منها ~~منصورا مظفرا يستقبلك نساء القرى وفتياتها في كل طريق مررت به بدفوفهن وعيدانهن ~~يغنينك ويرقصن بين يديك، ويرتشفن قطرات الدماء من كئوس جراحاتك، وينثرن الأزهار تحت ~~قدميك، وينادينك باسم المخلص العظيم، وخليفة المسيح في الأرض. # اذكر تلك الأعلام الوطنية التي تخفق على أبواب المدينة وأسوارها، وترنحها طربا وسرورا ~~عند رؤيتك، وتراميها على قدميك كلما مررت بها كأنها تحاول تقبيلهما ولثمهما، واخش إن مررت ~~بها بعد اليوم أن تشيح بوجهها عنك احتقارا وازدراء، وتضم أطرافها إلى نفسها ترفعا ~~وإباء حتى لا تلمس جسمك، ولا تخفق فوق رأسك. # لا تبع أمتك يا أبت بعرض تافه من أعراض الحياة، فالتاج الذي يتناوله صاحبه من يد ~~عدوه ليس بتاج الملك، إنما هو قلنسوة الإعدام. # كيف يهنؤك ذلك الملك وأنت ترى أمتك المسكينة راسفة في قيود الذل والاستعباد تبكي ~~وتستصرخ ولا منجد لها ولا معين، وتئن في يد عدوها القاهر أنين المحتضر المشرف ولا من ~~يسمع أنينها، أو يصغي إلى شكاتها. # كيف يهنؤك ذلك العيش وأنت ترى أبناء وطنك أسارى أذلاء في قبضة أعدائهم يسوقونهم بين ~~أيديهم سوق الجزار ماشيته إلى الذبح، فإن خفق قلبك خفقة الرحمة بهم أو العطف عليهم لا ~~تستطيع أن تمد يدك لمعونتهم وإنقاذهم؛ لأنك قد بعتهم ونفضت يدك منهم فلا سبيل لك إليهم ~~بعد ذلك. # اذكر يا أبت تلك الأيام التي لقي فيها هذا الشعب المسكين على يد هؤلاء القوم الظالمين ما ~~لم يلق ms40 شعب في الأرض على يد فاتح أو مغتصب، أيام كنا غرباء في أوطاننا، أذلاء في ~~ديارنا، نمشي فيها مشية الخائف المذعور، وننتفض انتفاضة الهارب المتنكر، لا نعلم أيسقط ~~الشقاء علينا من علياء السماء، أم ينبعث إلينا من أعماق الأرض؟ وهل يخرج الخارج منا من ~~منزله ليعود إليه، أو ليرد المورد الذي لا رجعة له منه أبد الدهر؟ # اذكر أيام كانوا يملكون علينا كل شأن من شئون حياتنا حتى زروعنا وضروعنا، ومياه ~~أنهارنا، وأشعة شموسنا، فأصبحنا ولا شأن لنا في وطننا إلا كما لعمال المزرعة ونواطيرها ~~من الشأن فيها، ويحصون علينا كل حركة من حركاتنا، وكل سكنة من سكناتنا، حتى نبضات قلوبنا، ~~وخواطر أفكارنا، وفلتات ألسنتنا، وأحاديث آمالنا، ويحاسبوننا على النظرة واللفتة، والأنة ~~والزفرة، والقومة والقعدة، ثم يقضون فينا بما شاءوا من أقضيتهم، فلا ينحسر ظلام ليلة من ~~الليالي إلا عن مصلوب تهفو به الرياح السافيات، أو طريح مرتهن في أعماق ~~السجون! # اذكر أيام كانت كلمة الوطن جريمة يعاقب عليها قائلها بحرمانه من ذلك الذي يهتف باسمه، ~~وكلمة الدين إثما عظيما يذهب بصاحبه إلى أحد القبرين: إما المنشور، وإما ~~المحفور. # اذكر الدموع التي كانت تذرفها الأمهات على أطفالهن المذبوحين فوق حجورهن، والصيحات ~~التي كانت تصيحها الزوجات والأخوات الواقفات بأبواب السجون على أزواجهن وإخوتهن، ~~والزفرات التي كان يصعدها اليتامى الثاكلون على حافات القبور حنينا إلى آبائهم ~~وأمهاتهم الهالكين! # اذكر ذلك كله ولا تنسه، لا بل أنت تذكره وتعرفه كما تعرف نفسك؛ لأنك أنت الذي قصصته ~~علينا ومثلته لأعيننا وقلوبنا، وأريتنا من ويلاته ومصائبه ما لم نره، ولطالما كنت تبكي عند ~~ذكراه بكاء الطفل الثاكل أمه، فنبكي لبكائك وننشج لنشيجك. # ألا تسمع هذه الأصوات المخيفة التي تحملها إلينا الرياح من ذلك الجانب الغربي؟ إنها ~~أصوات الموتى من جنودك وأبطالك يضجون في قبورهم صائحين: وا ويلتاه، ها هي ذي السماء ~~توشك أن تنقض على الأرض! وها هي ذي أقدام العدو تدنو من تخوم البلقان وبطاحه، وتوشك أن ~~تطأ بنعالها قبورنا، وتزعجنا من مراقدنا، وها ms41 هو ذا قائدنا المحبوب برانكومير العظيم الذي ~~سفكنا دماءنا وبذلنا أرواحنا في سبيل ظفره وانتصاره يساوم عدونا في وطننا، ويحاول أن ~~يبيعه نساءنا وأولادنا الذين تركناهم أمانة في يده، ففي سبيل الله ما سفكنا، وفي ذمة ~~القدر ما بذلنا! # ألا تسمع هذه الهمهمة الهابطة علينا من آفاق السماء؟ إنها أصوات الملائكة الأبرار يصيحون ~~ويصخبون وهم وقوف بين يدي ربهم يقولون له: حتى متى يسع حلمك وأناتك هذا الخائن الغادر ~~الذي يبيع أمة من أمم المسيح إلى أعدائها وأعداء دينها، ويسلم إليهم أرواحها وأغراضها، ~~فاقض اللهم فيه قضاءك العادل، واضربه الضربة التي تجعله عبرة للخائنين، ومثلا في ~~الغادرين. # إلي أيتها الذكريات القديمة، والانتصارات العظيمة، والأيام الغر المحجلة ~~المكتوبة بمداد الذهب في صفحات التاريخ، مدي إلي يد مساعدتك، وأعينيني على ذلك الرجل ~~البائس المسكين، وتمثلي أمام عينيه لتذكريه بنفسه وتاريخك، عله يحمر خجلا عند رؤيتك، ~~ويقشعر بدنه رهبة من خيال الجريمة التي يريد ارتكابها. # إلي أيتها الفضائل الإنسانية والكمالات العالية، من شرف وعزة، وترفع وإباء، ~~وأمانة وإخلاص، تعالين إلي جميعا واجثين معي بين يديه، واضرعن إليه أن ينصفكن، ويعدك ~~في أمركن، ولا يقضي للرذيلة عليكن، وقلن له: إنك إن خذلتنا ونفضت يدك منا؛ فلن نجد لنا من ~~بعدك ناصرا ولا معينا. # يا أطفال البلقان وصغارها الناشئين من فتية وفتيات، أقبلوا إليه جميعا، واجتمعوا من ~~حوله، وتعلقوا بأهداب ثوبه، واسكبوا ما تستطيعون أن تسكبوا من دموعكم وشئونكم تحت قدميه، ~~وقولوا له: رحمة بنا أيها الأب الرحيم، والسيد الكريم، وحنانا علينا، لا تكلنا إلى ~~أعدائنا وأعداء وطننا، ولا تجعل مستقبلنا ومستقبل بلادنا في أيديهم يسوموننا الخسف، ~~ويذيقوننا ألوان العذاب، فإن أبيت إلا أن تفعل، فجرد سيفك من غمده واقطع به أعناقنا؛ فذلك ~~خير لنا من هذا العيش المؤلم المرير. # وكان يتكلم ودموعه تنهمر على خديه دائبة ما تهدأ ولا ترفأ، وأبوه يضطرب بين يديه اضطراب ~~الدوحة الماثلة في مهاب الرياح الأربع، ويزفر زفرات محرقة ملتهبة، وقد قامت في نفسه تلك ~~المعركة الهائلة التي تقوم ms42 في كل نفس شريفة بين الواجب والشهوة، يتمثل له الأول في وجه ~~قسطنطين العبوس المكتئب، فيرتعد ويضطرب، وتتراءى له الثانية في وجه بازيليد الضاحك المشرق، ~~فيخور ويتضعضع، لا يستطيع أن يعرض عن نداء وطنه؛ لأنه نداء يصل إلى أعماق قلبه، ويبلغ ~~صميمه، ولا أن يفلت من سلطان شهوته؛ لأنه سلطان قاهر جبار لا يفلت منه قوي ولا ضعيف، ~~فوضع إحدى يديه على عينيه، ومد الأخرى أمامه كأنما يطارد أشباحا مخيفة هائلة تتقدم ~~نحوه، وظل يصيح بأعلى صوته: اصمت يا قسطنطين! اصمت يا ولدي! لا أستطيع أن أحتمل أكثر مما ~~احتملت، آه من القدر وأحكامه، والدهر وتصرفاته، وويلي من الشقاء المكتوب، والبلاء ~~الحتم، من لي بيد قوية تنقذني من هذا الشقاء المحيط بي، فقد أصبحت وما على وجه الأرض أحد ~~أجدر بالرحمة والشفقة مني، العنوني جميعا يا أولادي وأبناء وطني، وانتقموا مني بأفظع ~~أنواع الانتقام؛ فإنني خائن لئيم لا أستحق رحمتكم ولا مغفرتكم، ثم صمت صمتا عميقا لا ~~ينبس فيه ولا يتحرك، وظل على ذلك هنيهة ثم نظر أمامه نظرة الدهشة والذهول، فخيل إليه ~~أنه يرى شبحا يتقدم نحوه، فمد يده إليه وأخذ يناجيه ويقول: بازيليد، ألا تستطيعين أن ~~تحليني من ذلك القسم الذي أقسمته لك، فقد ضعف كاهلي عن احتماله واحتمال أثقاله، لا أريد ~~ملكا ولا تاجا ولا صولجانا، بل لا أريد أن أبقى على ظهر الأرض يوما واحدا؛ الموت! ~~من لي به في هذه الساعة فأنجو من همومي وآلامي؟ # فتهلل وجه قسطنطين غبطة وسرورا، ووقع في نفسه أن الرجل قد تلوم واستخذى، وبدأ يستفظع ~~ذنبه ويستهوله، فترامى على عنقه واحتضنه إليه وظل يقول بنغمة الفارح المغتبط: أحمدك ~~اللهم قد أنقذت لي أبي! فحنا أبوه عليه وظلا متعانقين ساعة لا يسمع فيها إلا تردد ~~أنفاسهما، ونشيج بكائهما، ثم افترقا بغتة واشرأبا بأعناقهما حينما سمعا في لحظة واحدة ~~حسيس جيش العدو وهو مقبل من ناحية الشمال، وكان ما سمعاه في هذه المرة حقيقة لا ~~وهما، فارتجلا في وقت واحد حركتين مختلفتين؛ ms43 إذ وثب قسطنطين إلى الرابية وثبة عظمى ليضرم ~~نارها، ووثب أبوه وثبة أعظم منها فاعترض سبيله وصرخ في وجهه: قف مكانك، لا تتقدم خطوة ~~واحدة! فأصاب قسطنطين مثل الجنون وقال له: تنح عن طريقي، أيها المجرم الأثيم؛ فقد فرغ ~~صبري، قال: إنك لا تستطيع أن تمر إلا على جثتي. فارتعد قسطنطين وبرقت عيناه وذهبت به ~~الأفكار مذاهبها، وقال له: أي كلمة هائلة نطقت بها أيها الرجل الشقي؟! وأي قضاء ~~قضيت به على نفسك؟! تنح عن طريقي؛ فإن نفسي تحدثني بأفظع ما تحدث به نفس صاحبها ~~في هذا العالم، قال: إنك لا تستطيع أن تقتل أباك، قال: أستطيع أن أفعل كل شيء في سبيل ~~وطني، إنني وقفت سيفي طول حياتي على خدمتك وحمايتك والذود عنك أيام كنت لوطنك وقومك، أما ~~الآن فإني أغمد ذلك السيف نفسه في صدرك طيب النفس مثلوج الفؤاد؛ لأني أعتقد أني لا أغمده ~~في صدر أبي، بل في صدر خائن وطني، قال: لا تنس أن لي يدا أقوى من يدك، وسيفا أمضى من ~~سيفك، قال: إني لا أجهل ذلك، ولكنك تقاتل في سبيل الدناءة والخيانة، وأقاتل في سبيل ~~الواجب والشرف، والله مطلع علينا من علياء سمائه، وهو الحكم العدل بيننا. فجرد برانكومير ~~سيفه وهجم على ولده هجمة قوية، فجرد الآخر سيفه وتلقى ضرباته بأشد وأنكى منها، وما هي ~~إلا جولة أو جولتان حتى حكم القاضي العادل حكمه؛ فسقط الظالم ونجا المظلوم! # فنظر قسطنطين إلى جثة أبيه الساقطة تحت قدميه نظرة جامدة صامتة لا يعلم ما وراءها، ~~ثم أغمد سيفه وصاح بأعلى صوته: رحمتك اللهم؛ فإني لا أستطيع أن أفعل غير ما فعلت. ثم هجم ~~على الرابية فأشعل نارها، فضاءت بها أرض البلقان وسماؤها. # وفي اليوم الثاني نشر الملك ميلوش على الأمة هذا البلاغ: # حاول العدو ليلة أمس تبييت جيوشنا وأخذها على غرة، وكاد يظفر بذلك لولا أن ~~انتبهت الفرقة الأولى من الجيش ونهضت للدفاع بقيادة ضابطها العظيم قسطنطين ~~برانكومير، فأبلت في المعركة بلاء عظيما، ووقفت العدو في ms44 مكانه ساعة كاملة، حتى ~~نهضت بقية الفرق لمساعدتها، فدارت معركة هائلة بين الجيشين انتهت بانتصارنا ~~وانهزام العدو إلى مواقعه الأولى، ولكن المصاب العظيم الذي عم الجيش وشمل ~~الأمة بأسرها هو موت قائدنا العظيم «ميشيل برانكومير»؛ فقد وجد في أثناء المعركة ~~قتيلا بضربة سيف في خاصرته بين صخور «تراجان» تحت القوس الروماني، وسيحتفل ~~بتشييع جنازته غدا احتفالا عسكريا جليلا يليق بمقام شهيد الوطن وبطله ~~العظيم! # أما الذي خلفه في قيادة الجيش، فهو ولده الضابط الشجاع منقذ الأمة والوطن «قسطنطين ~~برانكومير». # | الضمير # مضى الليل إلا قليلا وقسطنطين ساهر في فراشه لا يغمض له جفن، ولا يطمئن له جنب؛ لأن ~~مصرع أبيه في شعب «تراجان» لا يزال ماثلا أمام عينيه ما يفارقه لحظة واحدة، وكان كأنه ~~يرى الجثة بين يديه تتلوى وتتمرمر وتنظر إليه نظرات حادة ملتهبة، وكأن جرحها الدامي ~~بين أضلاعها لا يزال يتدفق منه الدم، فثار من مكانه هائجا مذعورا، وحاول أن يطرد هذا ~~الخيال عن نظره فلم يستطع، فمد يده إلى ذلك الجرح الموهوم الماثل أمامه يريد أن يعترض سبيل ~~الدم المتدفق منه فغلبه على أمره، وازداد في تدفقه وانبثاقه حتى ملأ أرض الغرفة جميعها، ~~وصبغ بلونه الأحمر القاني جميع ما فيها من فرش وأثاث وآنية وثياب، فاشتد فزعه ~~وارتياعه، ولم يستطع أن يحتمل أكثر مما احتمل، فوقع مغشيا عليه. # وظل على ذلك ساعة حتى انفثأت حرارة دمه، فاستفاق من غشيته وجلس إلى نفسه يناجيها ويقول: ~~إنني على ثقة من نفسي، لم أفعل إلا ما يجب على كل رجل شريف أن يفعله، فما هذا الخوف الذي ~~يساورني؟ وما هذه الصور المخيفة التي تتراءى لي في يقظتي وأحلامي؟ كان يجب علي أن أضرب؛ ~~لأنه ما من ذلك بد ففعلت، فلم أرتاب في عملي! ولم أرتعد ارتعاد المجرمين الآثمين؟ إن ~~الرجل لا يخاف إلا ذنبه، وأنا لم أذنب إلى أحد؛ لأن الرجل الذي قتلته كان يريد أن يقتل ~~أمة بأسرها فأنقذتها بقتله، بل أنقذت عشرين أمة من أمم المسيح في أوروبا؛ ألا ms45 يجوز ~~للإنسان أن يقتل الأفعى دفعا لأذاها، والوحش كسرا لشرته، واللص اتقاء لضرره؟! إنني لم ~~أفعل غير ذلك، فما لي أرى وجه السماء أحمر قانئا ليله ونهاره، وما لي أجد مذاق الدم في كل ~~كأس أشربها من ماء أو خمر، وما لي لا أستطيع النظر إلى يدي خوفا ورعبا! إنني لم أقتل ~~أبي، ولكني أحييته؛ لأنه إن كان يحيا اليوم في قلوب الناس حياة العظمة والمجد، وكان تمثاله ~~إلها معبودا يطيف به الشعب، ويقبل أركانه، ويتبرك بلمسه واستلامه، وكان اسمه طغراء ~~الأسماء الشريفة المسجلة في التاريخ، فإنما ذلك بفضل الضربة التي ضربته إياها، ولولا ذلك ~~لعاش بقية أيام حياته عيش الأدنياء الساقطين، أو مات موت الخونة المجرمين. # وهنا انتفض واصفر وارفض جبينه عرقا، وقال بصوت ضعيف مختنق: نعم، إن ذلك كله صحيح ~~لا ريب فيه، ولكنني قتلت أبي! # ثم لم يلبث أن عادت إليه مخاوفه ووساوسه، فرأى الجثة والمصرع، والطعنة النجلاء، والدم ~~المتدفق، وسمع تلك الأصوات التي تهتف به في كل مكان: «يا قاتل أبيه! يا أكبر المجرمين! يا ~~عار البشرية وشنارها!» فجن جنونه، وثار ثائره، وعادت له سيرته الأولى. # ولم يزل هكذا ليله كله، يهدأ حينا ويثور أحيانا، حتى نشر الفجر رايته البيضاء في آفاق ~~السماء، فاستروح رائحة الأنس، وشعر ببرد الراحة، فأوى إلى مضجعه. # كذلك كان شأن قسطنطين دائما، وكذلك كانت أكثر لياليه مذ حدث ذلك الحادث العظيم. # | الأزهار # دخلت ميلتزا غرفة قسطنطين صباح ليلة من تلك الليالي الطويلة الليلاء وبيدها باقة من ~~الزهر تريد أن تقدمها إليه، فرأته مضطجعا على كرسيه، مستغرقا في نومه وآثار الدمع ظاهرة ~~بين أهداب عينيه وفي صفحتي خده، فرثت لحاله وجلست تحت قدميه ترقب يقظته رقبى المجوسي ~~طلعة الشمس من مشرقها، فحمل النسيم إلى رأسه نفحات تلك الأزهار فانتعش وتحرك في مكانه وفتح ~~عينيه فرآها، فابتسم وتهلل وقال: ميلتزا! قالت: نعم يا سيدي، نعمت صباحا ونعمت جميع أيامك ~~بكورها وأصائلها. ثم مدت يدها إليه بالباقة وقالت له: قد اقتطفت لك صباح اليوم ms46 هذه ~~الأزهار الجميلة التي تحبها أكثر من سواها، لتستروحها فتروح عن نفسك برياها همومها ~~وأحزانها. # فتناول الباقة منها واستنشقها وتنفس تنفسة طويلة، ثم نظر إليها نظرة حلوة عذبة وقال ~~لها: أتعلمين، يا ميلتزا، أنني أستنشق في هذه الأزهار التي تهدينها إلي أنفاسك الأريجة ~~العطرة، وإن الذي ينعشني ويحييني ويرفه عني همومي وآلامي في هذه الباقة إنما هو أريجك لا ~~أريج الأزهار. فارتعدت ميلتزا لأول كلمة حب سمعتها من فمه، وظل قلبها يخفق خفقانا ~~شديدا، وملك الدهش عليها عقلها ولسانها فلم تستطع أن تنطق بحرف واحد، وظلت شاخصة إليه ~~ببصرها، فاستمر في حديثه يقول: لقد كنت أطلب الموت قبل دخولك وأتمناه تمنيا شديدا، حتى ~~رأيتك ورأيت هذا الجمال المتلألئ في عينيك، وشممت أنفاسك العطرة المنبعثة من أوراق أزهارك، ~~فأحببت الحياة من أجلك، وأصبحت أتمنى أن أعيش لأراك وأقضي بقية أيام حياتي بجانبك، ~~فشكرا لك يا صديقتي؛ فأنت النجمة الوحيدة الباقية في سماء حياتي بعدما غربت جميع نجومها ~~وكواكبها، والشعاع المضيء الذي ينبعث إلى أعماق سجني المظلم الحالك فيبدد ظلمته، وينير ~~جوانبها، ويملأ قلبي أملا ورجاء، والواحة المخصبة الخضراء التي ألجأ إليها كلما قطعت ~~مرحلة في صحراء هذه الحياة المحرقة، فأنام تحت نخيلها، وأبترد ببرد مياهها. # قالت: ليتني أستطيع أن أكون عند ظنك بي يا سيدي، بل ليتني أستطيع أن أقاسمك هذه الهموم ~~والأحزان التي تعالجها، أو أحتملها عنك جميعها حتى لا أراك بين يدي إلا باسما متطلقا ~~في جميع آنائك وساعاتك. إنني أمتك الوضيعة المسكينة يا سيدي، وليس لفتاة مثلي أن تسألك ~~عن سبب همومك وأحزانك، ولكنني أستطيع أن أضرع إليك أن تسريها عن نفسك، وتهونها عليك، ~~فأنت رجل فاضل شريف، وقد قلت لي قبل اليوم: إن الرجل الفاضل الشريف يعيش من شرفه ~~وفضيلته في سعادة لا يهنأ بمثلها الملوك في قصورهم! قال: ومن أين لك أنني رجل فاضل شريف؟ ~~قالت: لو لم تكن كذلك لما أحببتك! فابتسم قليلا وقال: إذن أنت تحبينني يا ميلتزا! قالت: ~~نعم يا سيدي، أكثر من ms47 كل شيء في العالم، ولولا كرامة أمك عليك وجلال ذكراها في قلبك ~~لقلت لك: إنها ما كانت تحبك في حياتها أكثر مما أحبك اليوم! # فأطرق قسطنطين لتلك الذكرى المؤلمة، ومرت بجبينه سحابة سوداء قاتمة، فرفع رأسه وقال لها: ~~حسبك يا ميلتزا، لا تذكريني بأمي، فما أحسبها الآن إلا ناقمة علي في قبرها، تلعنني ~~وتستعدي ربها علي وتسأل الله صباحها ومساءها أن يعاقبني وينتصف لها مني! وا خجلتاه من ~~نفسي يوم ألقاها في تلك الدار، ويجمع الموقف العظيم بيني وبينها! فارتاعت ميلتزا عند سماع ~~هذه الكلمة وذهبت بها الظنون كل مذهب، وظلت تنظر إليه نظرا غريبا حائرا، وقد بدأت ~~تفهم ذلك السر الهائل الذي أعياها أمره زمنا طويلا، وتدرك السبب في حزن قسطنطين هذا ~~الحزن الشديد الذي يقيمه ويقعده ويساور نفسه ويقلقها منذ قتل أبوه حتى اليوم، وكأنه قد ~~ألم بما دار في نفسها وتردد في خاطرها فظل ناظرا إليها بلهف وشوق ينتظر أول كلمة تنطق ~~بها بعد هذا الصمت الطويل انتظار المتهم أول كلمة ينطق بها قاضيه بعد سماع دفاعه، حتى ~~رآها تبتسم وتتهلل وتقول له: هون عليك الأمر يا سيدي، ولا ترتب في نفسك ولا في ~~ضميرك؛ فما أنت بمجرم ولا قاتل، ولكنك رجل شريف، ولولا أنك كذلك لما أحببتك. # فمد يده إليها فتناول يدها وقال لها: أتعدينني يا ميلتزا أن تكتمي في صدرك كل شيء؟ ~~قالت: نعم، أعدك وعدا لا أخيس به، قال: وشيء آخر يا ميلتزا، قالت: وما هو يا سيدي؟ ~~فأدناها منه وضمها ضمة خفيفة إلى نفسه وقال لها: أتقسمين لي على الحب حتى الموت؟ ~~قالت: نعم يا سيدي، أقسم لك، قال: بم تقسمين؟ قالت: بكل ما تسكن به نفسك، قال: ضعي يدك ~~على هذا الخنجر واقسمي به، قالت: أفعل على شرط واحد، قال: وما هو؟ قالت: أن تهديني إياه ~~بعد ذلك، قال: وماذا تصنعين به؟ قالت: أقتل به نفسي يوم يحل بك مكروه! فناولها إياه وهو ~~يقول في نفسه: ربما حل بي عما قريب ذلك ms48 المكروه الذي تتوقعين! فوضعت يدها على الخنجر ~~وأقسمت به أن تحافظ على حبه والإخلاص له حتى الموت، فتهلل قسطنطين فرحا وسرورا، ونزعه ~~من خاصرته وعلقه في منطقتها، ثم ضمها إلى صدره ضمة شديدة، وقبلها في ثغرها قبلة كانت ~~عزاءها الوحيد عن كل ما مر بها في حياتها. # | حديث # جرح الجندي «أورش» في إحدى المعارك فلزم بيته وتولت ابنته «أنا» معالجته، وكان يزوره ~~بعض أصدقائه من الجنود في الفينة بعد الفينة، فزاره في أحد الأيام الجندي «لازار»، وكان لا ~~يزال حارسا لقصر القائد برانكومير، والخادم الأمين لأرملته بازيليد وثقتها المؤتمن على ~~جميع أسرارها ودخائلها، فقال له «أورش» حين رآه: هل من جديد اليوم يا لازار؟ قال: نعم، قد ~~فشل جيشنا في الواقعة الأخيرة كما فشل في الواقعة الماضية والوقائع التي تقدمتها، ولا ~~أعلم متى تنتهي هذه الانكسارات، فقد تمت عدتها حتى الأمس عشرا، ولا أعلم ما يأتي به ~~الغد. أما القتلى والجرحى فهم كثيرون لا يحصى لهم عدد، وما بيتك بالبيت الوحيد الذي تترقرق ~~فيه الدماء والدموع، ففي كل بيت من بيوت المدينة شاكون ومتألمون. # فقال أورش: لا ريب أن قسطنطين غير أبيه، ولقد فقدنا بفقد ذلك الرجل العظيم قائدا كان خير ~~القواد وأبرعهم، وأوسعهم علما وتجربة، وأعلمهم بموارد الأمور ومصادرها، لم يفلت النصر ~~من يده في جميع معاركه أكثر من مرة أو اثنتين، حتى مات في الوقعة الأخيرة وسيفه مصلت في ~~يده ميتة البطل الشريف، فمات بموته الظفر والانتصار، وأدار الزمات وجهه عنا، ولا يعلم إلا ~~الله متى يقبل بعد إدباره. # فقالت له ابنته «أنا» وكانت جالسة تحت قدميه تضمد له جراحه: لقد قلت لي يا أبت قبل ~~اليوم: إن قسطنطين قائد عظيم لا يشق له غبار، فما هذا الرأي الذي تراه فيه الآن؟ قال: ~~نعم، كان قائدا عظيما في حياة أبيه وتحت لوائه، وأما اليوم وقد استقل بالرأي وحده، وانقطع ~~عنه ذلك الوحي الذي كان يرشده ويهديه، فقد انتقض عليه أمره، وأصبح خائرا مضطربا لا يدري ~~ماذا يفعل ولا ms49 كيف يصرف وقائعه ومواقفه، فقالت: إن جيشنا لم ينكسر قط في واقعة من تلك ~~الوقائع التي تذكرونها كما تتوهمون؛ لأنه لم يتخل عن مركزه، ولم يسلم شعبا واحدا من تلك ~~الشعاب التي يحرسها. أما القتلى والجرحى وكثرتهم فهم في جيوش أعدائنا أكثر منهم في جيوشنا ~~أضعافا مضاعفة، وحسبنا ذلك فوزا وانتصارا. # فقال لازار: لقد كانت خطة القائد ميشيل خطة دفاع محض لا يحول عنها ولا يتزحزح، ~~والجبال بين يديه تحميه وتحفظ مواقفه، أما قسطنطين فقد أخذ نفسه بالهجوم على العدو في حصونه ~~ومواقعه، وترك الجبال التي تحميه من ورائه، فكثر القتلى والجرحى في جيشنا، وهي خطة مخاطرة ~~ومغامرة لا يركبها إلا القائد اليائس أو المجنون، ولا أعلم أي الرجلين هو. # قال أورش: أحسبه يائسا قانطا، فإني أشعر كما يشعر كثير من الناس أن سحنته قد تغيرت منذ ~~موت أبيه تغيرا عظيما، وأصبح حزينا منقبضا لا تفارق الكآبة عينيه وجبينه، ولم أر في ~~حياتي ثاكلا حزن على فقيده حزن هذا المسكين على أبيه، قال لازار: ولقد حدثني بعض خدم القصر ~~وحراسه أنه يستيقظ من نومه في بعض لياليه صارخا متفزعا يستغيث ويستنجد كأنما هو يندم على ~~جريمة ارتكبها، أو يخاف شبحا هائلا مقبلا عليه. # فقالت «أنا»: إنكم تظلمون قائدنا ظلما عظيما، فقسطنطين أفضل القواد وأشرفهم، وما هو ~~بجان ولا مجنون. فنظر إليها لازار شزرا وقال: بل هو جان أو على وشك ارتكاب جريمة هائلة، ~~فقد رابني منه مذ ولي قيادة الجيش عفوه عن الأسرى الذين يقدمون إليه، وإنزاله إياهم منزلة ~~الإكرام والإعزاز، واهتمامه بشأنهم كأنهم ضيوف وافدون، لا أعداء محاربون، كما رابني منه ~~أكثر من ذلك اعتزاله الناس وانقطاعه عنهم جميعا، حتى عن زوج أبيه التي تحبه حب الأم ~~ولدها وفلذة كبدها، فإنه مذ هجر قصرها وعاش في بيته الجديد الذي يسكنه اليوم لم يزرها مرة ~~واحدة، ولا دعاها إلى زيارته حتى الساعة. # فقالت «أنا»: أكل أفعال قسطنطين قد أصبحت مريبة عندكم لا تحمل على محمل حسن؟ حتى ~~إكرامه للأسرى المساكين ms50 وإشفاقه على ذلهم وضعفهم؟ قال: ليس هذا رأيي وحدي، بل رأي أكثر ~~الجنود، فقد أصبحوا يعتقدون أن قائدهم يقودهم إلى الموت الزؤام عمدا لسر خفي يضمره ~~في نفسه، وما أحسبهم قادرين على احتمال هذه الحالة زمنا طويلا، فاحتدمت «أنا» غيظا ~~وقالت: إن قسطنطين أشرف مما تظنون، وهل ترون محالا أو غريبا أن يحزن المرء على أبيه بعد ~~فقده؟ ثم التفتت إلى أبيها وقالت له بسذاجة ورقة: أقسم لك يا أبت لو أن مكروها أصابك ~~من هذا الجرح الذي في فخذك - لا أذن الله بذلك ولا قدره - لحزنت عليك حزنا يصغر ~~بجانبه حزن قسطنطين على أبيه! فابتسم أبوها وضمها إلى صدره وقال لها: إننا لا نذهب في ~~أمره يا بنية حيث ظننت، ولا نتهمه بخيانة ولا ممالأة، ولكننا نخاف عليه أن يكون قد ~~نفذ اليأس إلى قلبه فضعضعه، وأن تكون نفسه قد حدثته بمسالمة أعدائه ومؤاتاتهم، فأعد لذلك ~~العدة التي رآها، واليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم ~~الضعيفة التي يريد قتلها والقضاء عليها. # وهنا دخل بعض الجنود لعيادة أورش، وتلاهم آخرون من بعدهم، واشتركوا جميعا في الحديث، ~~وأنشأ لازار ينفث سموم سعايته ووشايته في صدورهم، حتى أجمعوا رأيهم على أن قسطنطين يخون ~~أمته ويمالئ أعداءها عليها، وأن الرأي الصواب أن يرفعوا أمره إلى الملك ليأمر بعزله عن ~~القيادة ويعهد بها إلى غيره، ثم انصرفوا. # | الدسيسة # بينما كان قسطنطين جالسا صبيحة يوم في غرفته إذ دخل عليه حارس بابه يستأذنه لبازيليد ~~أرملة أبيه، فانقبض صدره واشمأزت نفسه؛ لأنه لم يكن رآها ولا أذن لها بمقابلته مذ مات ~~أبوه حتى اليوم، فأذن لها بعد لأي، فدخلت عليه وحيته وجلست بجانبه، وأنشأت تعاتبه في ~~انقباضه عنها ووحشته منها، وسوء رأيه فيها، وتقسم له بحرمة ذلك الدفين الكريم الذي كان ~~يحبه ويحبها أنها لا تضمر له في نفسها موجدة ولا حقدا، ولا تحمل له بين جنبيها غير الحب ~~الخالص والود المتين، ثم قالت له: إنني برغم آلامي وأحزاني التي أعالجها ms51 مذ نزلت بي تلك ~~النازلة العظمى حتى اليوم، لم أر بدا من أن آتي إليك في هذه الساعة الشديدة عليك، راجية ~~أن أعينك عليها وأهون عليك أمرها، وربما وجدت السبيل إلى خلاصك منها، فالتفت إليها دهشا، ~~وقال: أي ساعة تريدين؟ وما هي الشدة التي أنا فيها؟ # قالت: كأنك لا تعلم أن الخطر الذي يحيط بك عظيم جدا لا قبل لك باحتماله، وأن جنودك قد ~~أصبحوا ينقمون عليك نقمة عظمى، ويبغضونك بغضا لا حد له، ولا تحدثهم نفوسهم بشيء سوى ~~تلمس الطريق إلى الوصول إليك ليقتلوك. فاصفر وجهه وقال: وماذا ينقمون مني؟ قالت: ينقمون منك ~~مخاطرتك بهم في تلك المعارك الهائلة التي تكاد تفنيهم وتقضي عليه، وفشلك في جميع الوقائع ~~التي قمت بها مذ وليت قيادة الجيش حتى اليوم، وقد امتد بهم الحقد عليك إلى سوء الظن بك، ~~فأصبحوا يعتقدون أنك خائن ممالئ للعدو، وأنك ما سلكت هذه الخطة المعوجة في حروبك إلا ~~لتمكن الأعداء من اجتياز الحدود، واقتحام البلاد. فانتفض انتفاضة شديدة، واربد وجهه، ~~ونزت في رأسه سورة الغضب وقال: من ذا الذي يتهمني بالخيانة؟ قالت: جنودك ورجالك. # قال: إنهم كاذبون فيما يقولون - ما في ذلك ريب - إن كنت صادقة فيما تقولين، قالت: ما ~~كذبت عليك قبل اليوم ولا غششتك في النصيحة، ولقد زادهم حقدا عليك وموجدة أن العدو قد ~~اجتاز الجبال ليلة أمس، وربما لا يمر يومان أو ثلاثة حتى يكون قد وصل إلى أبواب العاصمة، ~~وسيصل بريدك الساعة فينقل إليك هذا الخبر المحزن الأليم. فصرخ صرخة عظيمة دوت بها أرجاء ~~الغرفة، ووثب من مكانة ثائرا وهو يقول: آه يا وطني العزيز! وابتدر الباب يريد الخروج منه، ~~فأمسكت بيده واجتذبته إليها وقالت له: مهلا، أين تريد؟ قال: أدعو جنودي وأجمع من تفرق ~~منهم في الثكنات والقلاع وأذهب بهم إلى الحدود للدفاع عن القلعة الكبرى؛ فالوطن في خطر ~~عظيم، قالت: لا تفعل؛ فقد خرج الأمر من يدك، واعلم أن جميع جنودك المقيمين في ثكنات المدينة ~~وأرباضها قد أصبحوا متمردين عليك ms52 لا يطيعونك ولا يأتمرون بأمرك! فلم يحفل بكلامها وأسرع إلى ~~النافذة وأشرف منها على الساحة العامة وظل يصيح: أيها الجنود، النفير النفير، الأهبة ~~الأهبة. فما سمع الجند صوته ورأوا وجهه حتى هاجوا واضطربوا، وأخذوا يصيحون داخل القصر ~~وخارجه: ليسقط الخائن! ليسقط المجرم! فظل يشير إليهم بيده يحاول إسكاتهم واسترعاء أسماعهم ~~وهم مستمرون في ضجيجهم وصياحهم لا يهدءون ولا يفترون، فعاد إلى مكانه يائسا متضعضعا ~~ليس وراء ما به من الهم غاية. # فدنت بازيليد منه وقالت له: قد علمت الآن أنني لم أكذبك القول ولم أخدعك، وأنني لم أقدم ~~إليك مقدمي هذا في هذه الساعة العصيبة إلا لتخليصك وإنقاذك، وإنقاذ الوطن وأبنائه. فرفع ~~نظره إليها مدهوشا وقال: أنت؟ قالت: نعم أنا، في الوقت الذي لا أجد فيه بجانبك من يأخذ ~~بيدك، أو يعينك على أمرك؛ فأصغ لما أقول: إن الملك سيزور قصرك الساعة ليستنجد بك على دفع ~~هذا الخطر الداهم، وإن شئت فقل: ليستعين بك على الاحتفاظ بتاجه الذي يضن به ضنه، ولا يحفل ~~بشيء سواه، وقد علم الجند ساعة حضوره، فهم ينتظرونه في هذه الساحة، حتى إذا طلع عليهم في ~~موكبه هرعوا إليه ضاجين صارخين يتقدمهم جرحاهم وزمناهم، ورموك بين يديه بتلك التهمة ~~العظيمة التي يرددونها الآن، ويصيحون بها في كل مكان، فإما أن يصدقهم، فقد هلكت هلاكا ~~لا نجاة لك من بعده، أو يرتاب بهم فلا يرى له بدا من أن يسلك سبيل الحكمة في مداراتهم ~~ومدافعتهم، فيأمر بعزلك عن القيادة والعهد بها إلى غيرك إرضاء لهم، وتسكينا لثائرهم، فإن ~~فعل فقد انتشرت لك في الأمة قالة سوء لا تستطيع أن تمحو عارها عنك أبد الدهر. # فظل يرتعد ويضطرب ويردد بينه وبين نفسه: رب ماذا أصنع؛ فالخطب أعظم مما أحتمل؟! ~~فاقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وحنت عليه حنو الأم على رضيعها، وقالت له بتلك ~~النغمة العذبة الجميلة التي قتلت بها أباه من قبل: نعم يا بني، إن الخطب أعظم مما ~~تحتمل، ولم يبق بين يديك إلا أن تسلك ms53 تلك الطريق التي شرع أبوك في سلوكها قبل موته ثم عجز ~~عن الاستمرار فيها إلى نهايتها، فخسرها وخسر حياته على أثرها. فنظر إليها دهشا وقال: ماذا ~~تريدين؟ فصمتت لحظة ثم استنجدت قوتها وشجاعتها وقالت له: أتدري يا قسطنطين لم ذهب ~~أبوك إلى شعب «تراجان» وجلس تحت القوس الروماني في الليلة التي مات فيها؟ فرجعت إلى ذهنه ~~تلك الذكرى المؤلمة وقد بدأ يفهم ما ترمي إليه في حديثها، فراعه الأمر وهاله، إلا أنه ~~تماسك وتجلد، وظل ناظرا إليها نظرات جامدة ساكنة أشبه بنظرات الموتى في النزع ~~الأخير. # فاستمرت في حديثها تقول: إنه ذهب إلى ذلك المكان ليستقبل الجيش التركي عند قدومه، ~~ويأذن له باجتياز الحدود والوصول إلى فيدين، ولو فعل لنجى الوطن من خطر عظيم، ولأطفأ نار ~~هذه الحرب التي تلتهم البلاد التهاما يكاد يقضي عليها، ولكان اليوم ملكا جالسا على عرش ~~البلقان لا تمثالا أجوف منتصبا في الميدان، ولكنه عجز في الساعة الأخيرة عن الاحتفاظ ~~بقوته وعزيمته، فما رأى سواد الجيش التركي مقبلا نحوه حتى نسي عهوده ومواثيقه، ~~وابتدر الرابية الأولى فأشعل نارها وأيقظ الجيش من رقدته واستثاره للأهبة والدفاع، ~~وما كفاه ذلك حتى جرد سيفه للقتال، وخاض المعركة بنفسه، وظل يقاتل حتى هلك! # فعجب قسطنطين لتلك الجرأة الغريبة التي لا يشتمل على مثلها صدر امرأة في العالم ولا رجل، ~~ثم قال لها بهدوء وسكون لا يعلم إلا الله ما يكمن وراءهما: وبعد، فماذا تريدين؟ فأطمعها ~~فيه سكونه وهدوءه، وخيل إليها أنه قد استخذى للأمر واستسلم، فقالت: إن العهد ~~السلطاني لأبيك بملك البلقان لا يزال باقيا بيدي حتى الساعة، وهو مذيل بتوقيع السلطان ~~ومختوم بختم آل «برانكومير»، فلسنا في حاجة إلى تغيير حرف منه أو كتابة عهد جديد، وقد ~~قابلت رسول القائد التركي ليلة أمس واتفقت معه على كل شيء، فكن أعقل من أبيك وأبعد منه ~~نظرا، واعلم أن الترك لا بد مقتحمو هذه البلاد وآخذوها، أبطئوا أم أسرعوا، فقد ~~اجتازوا عقبة الجبال اليوم، وسيجتازون بقية العقبات غدا أو بعد ms54 غد، ما من ذلك بد، فخير ~~لك أن تهادنهم وتسالمهم وتتخذ عندهم يدا تنفعك لديهم غدا، وأن تفتح لهم بيدك ما استغلق ~~عليهم من أبواب البلاد بدلا من أن يغلبوك عليها؛ لتحتفظ لنفسك بذلك العرش الذي هو عرشك ~~وعرش أبيك من قبلك لولا طمع ذلك المختلس وفضوله! # إن الجنود يضجون ويصخبون، ويوشك الملك أن يحضر فيرفعوا إليه أمرك، ويهتفوا بين يديه ~~بسقوطك وخيانتك، فيأمر بالقبض عليك وسجنك، فاغضب لنفسك وافعل ما أشرت به عليك لتستطيع أن ~~تأمر بالقبض عليه وسجنه بعد بضع ساعات، ويدين لك البلقان من البسفور إلى ~~الأدرياتيك. # أما أنا، فإني لا أطلب جزاء عندك على نصحي لك وإخلاصي إليك سوى أن تمنحني لديك منزلة ~~الأم الحنون، وتأذن لي أن أجلس على أدنى درجة من درجات عرشك، أخدمك وأمدك برأيي ومشورتي، ~~وأستظل بظلال مجدك وشرفك حتى الموت. ثم أخرجت من حقيبتها العهد السلطاني وأرته إياه، فأخذ ~~يقرؤه وهو في يدها حتى أتمه، فقالت له: قم الساعة وسافر إلى الحدود، وقد جيشك بنفسك ~~وتقهقر به كأنك تفعل ذلك مضطرا، وأنقذ نفسك ووطنك من هذا الخطر العظيم. # ها هي ذي طبول الملك تقترب منا شيئا فشيئا، واعلم أن قلم القدرة معلق الآن بين أصبعي ~~الله ليكتب به في صفحات الغيب أحد الحكمين: إما لك بالصعود إلى العرش، أو عليك ~~بالهبوط إلى أعماق السجون؛ فأحسن الاختيار لنفسك ولا تكن عدوها الأحمق المأفون. # فرفع رأسه ونظر إليها نظرة نارية ملتهبة لو رسمتها ريشة المصور الماهر لأحرقت القرطاس ~~الذي رسمت فيه! ثم قال لها بهدوء وسكون: قد قلت لي يا سيدتي منذ هنيهة: إن أبي قد ذهب إلى ~~شعب «تراجان» ووقف تحت القوس الروماني ليستقبل الجيش التركي عند قدومه، ويأذن له ~~بالمرور، فخانه عزمه ونسي ميثاقه فلم يفعل، وأنا أقول لك: إنك مخطئة في سوء ظنك به، فإنه ~~لم يزل متمسكا برأيه في تلك الليلة محافظا على عهده، حتى حالت الحوائل بينه وبين ~~الوفاء. # قالت: وما الذي طرأ عليه؟ قال: طرأ عليه الموت، ms55 فحال بينه وبين ما يريد! قالت: وهل تعلم ~~كيف مات؟ قال : نعم، أنا أعلم الناس بذلك؛ لأنه لم يكن حاضرا معه في تلك الساعة وفي ذلك ~~الموقف سواي، فارتعدت ونظرت إليه مدهوشة وقالت له: ألم يمت قتيلا بيد أعدائه؟ قال: لا، بل ~~بيد أصدق أصدقائه! بل بيد أقرب الأقرباء إليه وأمسهم به رحما! فطاش عقلها وجن جنونها ~~وصاحت: ماذا تريد أن تقول؟ قال: أريد أن أقول: إنني أنا الذي قتلته بيدي جزاء له على ~~خيانته لوطنه! قالت: أنت يا ولده وفلذة كبده؟ قال: نعم، وأنت التي وضعت في يميني ذلك السيف ~~الذي قتلته به؛ لأنك أفسدت نفسه وقتلت شعوره، وأغريته بخيانة وطنه، وسلبته جوهرة الشرف ~~الثمينة التي كانت تضيء ما بين جنبيه، وكانت أكرم الجواهر وأغلاها، فلم أر بدا من أن ~~أقتله لأستنقذ الوطن من يده، فتألمي ما شئت أيتها المرأة الشريرة وتعذبي، وتجرعي كئوس ~~الحسرة والندم على ما أفلت من يدك من أمانيك وآمالك، وحسبي انتقاما منك على جريمتك التي ~~أجرمتها إلي وإلى أبي وإلى الطبيعة، أن تعلمي أنني أنا الذي خيبت آمالك، وهدمت بيدي ذلك ~~الصرح العظيم الذي أنفقت في تشييده أيام حياتك! # نعم أنا الذي قتلته بيدي، واقترفت أعظم جريمة يقترفها إنسان في العالم، ولولاك لما ~~أقدمت على ذلك ولا خطر ببالي أن إنسانا في الوجود يقدم عليه، ولو كان في استطاعتي أن ~~أكشف أمرك، وأهتك الستر عن جريمتك لفعلت، ولكنني لا أستطيع أن أفعل، إشفاقا على سمعة ذلك ~~الرجل المسكين الذي قضى عليه سوء حظه أن يكون شريكا لك في حياتك وفي جرائمك، فعيشي ~~معذبة مثلي، فريسة لآلامك وأحزانك، واستنفدي ماء شئونك حزنا على العرش الذي فاتك، ~~والزوج الذي رحل عنك، واسهري لياليك الطوال خائفة مرتعبة من شبح الجريمة التي ~~اجترمتها، وخيال الدماء التي سفكتها، وليطر قلبك خوفا وهلعا كلما ذكرت أنك وضعت في يد ~~الولد سيفا ليقتل به الوالد، فمات الوالد قتيلا، وعاش الولد معذبا؛ ولتطل حياتك على ظهر ~~الأرض لتطول آلامك وأحزانك، حتى إذا ms56 نزل بك الموت نزل بهيكل يابس من العظم، قد أحرقته ~~اللوعات ، وأضوته الحسرات، وافترسته الهموم والأحزان. # وهنا سمعت ضجة عظيمة في الساحة، وهاتفون يهتفون: الملك! الملك! فاكتأب قسطنطين ~~وتقبض وجهه، وتهللت بازيليد وتطلقت، وطوت وثيقة العهد برفق ووضعتها في جيبها، ثم قالت ~~له: نعم، إنني سأعيش يا قسطنطين حزينة باكية كما قلت، ما من ذلك بد، ولكنني لا آذن لك ~~أن تعيش يوما واحدا بعد اليوم على ظهر الأرض حتى لا ترى بعينيك مصائبي وآلامي، وتشمت ~~بهمومي وأحزاني، فقد دسست لك الدسيسة في الجيش حتى ثار عليك، ووضع في عنقك ذلك الغل ~~الثقيل، غل الخيانة الذي لا خلاص لك منه، وسترى الآن بقية ثأري وانتقامي! # وهنا دخل الملك والجنود من حوله يتقدمهم لازار وهو يصيح وهم يصيحون من خلفه: إنه خائن ~~يا مولاي، إنه قد مالأ الأعداء علينا، إنه أفنى رجالنا، ورمل نساءنا، ويتم أطفالنا، ~~فأعدنا عليه وانتقم لنا منه وللوطن! والملك يقول: دعوني وشأني، لا أصدق شيئا مما ~~تقولون، ثم التفت إلى قسطنطين وقال له: أيها البطل العظيم، إن الوطن في خطر، وقد جئت ~~أستنجد بك على دفع هذه النازلة التي نزلت بنا، وسأكون في المعركة المقبلة جنديا من ~~جنودك، أقاتل بجانبك، وأبارك خطواتك، ولا تبتئس بما يقول هؤلاء القوم، فإنهم لا يعلمون من ~~أمرك شيئا. إنا لا نعرف اليوم تحت سماء البلقان بطلا غيرك، وما كنا نعرف قبل اليوم بطلا ~~غير أبيك، ولا نضمر لكما في قلوبنا غير الإجلال والإعظام، لمكانكما من خدمة الوطن وحمايته ~~والذود عنه. أما الحظ الذي فارقك في تلك الوقائع الماضية، فأبشرك أن عهد فراقه لا ~~يطول، وأنه سيعود إليك بعد أيام قلائل بالوجه الطلق الجميل، وستمحو بانتصاراتك المقبلة ~~جميع آثار تلك الهزائم السالفة. ثم التفت إلى الجنود وقال لهم: يا أبطال البلقان وحماته، ~~لا تخذلوا قائدكم، ولا تخفروا ذمته، فهو سيدكم اليوم، وابن سيدكم بالأمس، واعلموا أنني ~~لا أصغي إلى تهمة لا أعرف لها برهانا ولا دليلا. # فصمت القوم صمتا عميقا، وساد بينهم ms57 السكوت هنيهة، وقد بدأت مراجل غيظهم وموجدتهم ~~تفتر وتتقاصر، وهنا انفرج الجميع وإذا ببازيليد تتقدم رويدا رويدا - كما ينساب من مكمنه ~~الأرقم - نحو موقف الملك حتى مثلت بين يديه، وقالت له بصوت عال سمعه جميع الجنود: أنا ~~التي أتهمه يا مولاي، وأنا التي أقدم لك على تهمته الدليل والبرهان! فدهش الملك عند ~~رؤيتها، وقال: الأميرة؟ قالت: نعم يا مولاي، أرملة القائد ميشيل برانكومير. إنني أتهم هذا ~~الرجل بخيانة قومه وممالأة أعدائهم عليهم، وأقول لك: إنه كتب بينه وبينهم عهدا على أن يفتح ~~لهم أبواب البلاد في الساعة التي يريدونها، فيمنحوه في مقابل ذلك عرش البلقان وتاجه، وقد ~~دعاني الساعة ليشركني معه في هذه الجريمة التي يريد اقترافها، ويسألني أن أساعده عليها، ~~فلم أر بدا من أن أرفع أمره إليك. أما البرهان الذي تريده فها هو ذا. # ومدت يدها إليه بتلك الوثيقة، فتناولها الملك ذاهلا وأخذ يقرؤها وهو يرتعد ويرتجف ~~ويقول في نفسه: ماذا أرى؟ إخلاء الحدود! اجتياز الجبال! العرش! التاج! ختم برانكومير! يا ~~للهول ويا للفظاعة! ثم نظر إلى قسطنطين فإذا هو تمثال جامد لا يتحرك ولا يطرف، فتقدم ~~نحوه خطوة وقال: ما هي كلمتك يا قسطنطين؟ فصمت ولم يقل شيئا، فالتفتت إليه بازيليد ~~وقالت له: أتستطيع أن تنكر شيئا مما أقول؟ فأوثقته وثاقا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، ~~إلا أنه رفع رأسه ونظر إليها نظرة غريبة مبهمة لم يعلم غيرها ماذا يريد بها، ثم عاد ~~إلى صمته وإطراقه، فهاج الجند وأخذوا يصيحون: القتل القتل، الانتقام الانتقام. # وظل الملك يشير إليهم بيده يدعوهم إلى السكون والهدوء حتى هدءوا، فتقدم نحو قسطنطين ~~خطوة ثانية ووضع يده على كتفه وسأله مرة أخرى: ماذا تقول يا قسطنطين؟ دافع عن نفسك، فإن ~~سكوتك حجة عليك، لا تصمت ولا تطرق، وقل كلمة واحدة؛ فإني أصدقك في كل ما تقول، ~~فاستمر في صمته وإطراقه وهو يقول في نفسه: كيف أدافع عن نفسي، وأي سبيل أسلكه إلى ذلك، ~~والسبل جميعها وعرة شائكة، لا تقوى قدمي على ms58 اجتيازها، إنني لا أستطيع أن أبرئ نفسي إلا ~~إذا اتهمت أبي ، وقد قتلته مرة فلا أقتله مرة أخرى! ثم ابتسم ابتسامة الممتعض وقال في ~~نفسه: قد كنت أطلب الموت بكل سبيل حتى جاءني يسعى إلي بقدميه، فلم أخشاه وأرتاع منه؟ ~~فليكن ما أراد الله أن يكون، ثم رفع رأسه إلى الملك وقال له: ليس عندي ما أقوله لك يا ~~سيدي؛ فاصنع بي ما تشاء. # فصاح الجمهور: ليسقط الخائن! ليقتل المجرم! وهجموا عليه ليفتكوا به، فاعترض الملك طريقهم ~~وقال لهم: دعوه وشأنه، فإن أمره موكول إلى مجلس القضاء، أما نحن فليس بين أيدينا إلا أن ~~نفكر الآن في الطريق إلى الدفاع عن وطننا وحمايته، ودفع هذه النازلة الملمة بنا؛ فسيروا بنا ~~أيها الجنود الأبطال إلى ساحة الحرب وأنا قائدكم. # ثم التفت إلى الحراس وأمرهم بالقبض على قسطنطين والذهاب به إلى السجن حتى يفصل القضاء ~~في أمره. # فهتف به قسطنطين وقال: لي كلمة واحدة أحب أن أقولها لك يا مولاي. فذعرت بازيليد، ~~وارتعد لازار، واشرأب القوم بأعناقهم، والتفت إليه الملك وقال: ماذا تريد أن تقول؟ قال: ~~أنت تعلم يا مولاي أنني جندي قديم، ولدت في ساحة الحرب، وقضيت حياتي في ميادينها، ولا ~~أمنية لي في الحياة غير أن أموت فيها، وأنت الآن قائد الجيش وصاحب الأمر والنهي فيه، فأذن ~~لي أن أسير في ركابك جنديا صغيرا، لا قائدا ولا أميرا، لأقاتل معكم حيث تقاتلون، ولك ~~علي عهد الله وميثاقه ألا أعود من تلك المعركة إلا منتصرا أو محمولا على الأعواد إلى ~~حيث آوي إلى منزلي الأخير الذي لا رجعة لي منه، علني أكفر بذلك عن زلتي التي ~~زللتها، وأنتقم من نفسي بنفسي. فعجب الملك لأمره وظل يردد نظره في وجهه هنيهة وكأن نفسه ~~كانت تحدثه ببراءته وطهارته، إلا أنه لم يلبث إلا قليلا حتى زوى وجهه عنه وقال له: لا ~~أستطيع أن آذن لك بشيء؛ فالموت في ساحة الحرب منزلة لا ينالها إلا الأمناء ~~المخلصون! # فتنفس الجمع الصعداء وخرج الملك يحيط به ms59 جنوده وحراسه، وهو يردد بينه وبين نفسه: وا ~~رحمتاه لك أيها الفتى المسكين! # فتقدم الحراس إلى قسطنطين فقيدوه، وجاءت بازيليد فوقفت بجانبه، وقالت له بصوت خافت لا ~~يسمعه سواه: نعم، إنني سأقضي ما بقي من أيام حياتي حزينة باكية متألمة كما قلت، ولكني قد ~~انتقمت لنفسي، وحسبي ذلك وكفى. فلم يرفع نظره إليها احتقارا وازدراء، بل رفع رأسه إلى ~~السماء وقال: قد كنت أسألك الموت يا رب في كل حين، وأضرع إليك فيه ليلي ونهاري، فبعثت به ~~إلي، ولكن في أفظع صورة وأهولها؛ فامدد إلي يد معونتك ورحمتك لأستطيع أن أشرب الكأس ~~حتى ثمالتها، وخذ بيدي في شدتي؛ فقد تخلى الناس جميعا عني، وأصبحت أحتمل ما أحتمل من ~~الآلام وحدي، وليس بجانبي من يخفف عني لوعتي، أو يمسح بيده دمعة من دموعي. # فخرجت ميلتزا من وراء ستار كانت مختبئة في طياته وتقدمت نحوه وجثت تحت قدميه ~~الموثقتين وقالت له: لست وحدك يا مولاي، فهأنذا! فتهلل وجهه بعد عبوسه وقال: أحمدك اللهم ~~حمدا كثيرا. ثم خرج مع الجنود يرسف في قيوده حتى وصلوا به إلى السجن فأودعوه، وأوصدوا ~~الباب من دونه، فربضت ميلتزا على عتبة الباب ربوض الكلب الأمين على قبر سيده الدفين، وأنشأت ~~تندبه وتبكيه بكاء تهتز له جوانب الأرض وتتداعى له أركان السماء! # | التمثال # انتصر الملك في الواقعة التي حضرها وقاد فيها الجيوش بنفسه انتصارا عظيما كان الفضل ~~الأكبر فيه لتلك الروح الدينية التي كان يبثها في نفوس جنده أثناء المعركة، فقد كان يمشي ~~بين الصفوف بطيلسانه الأسود، والصليب في يده، يهتف باسم المسيح والمسيحية وينادي: ~~دافعوا يا أبناء يسوع عن دينكم وكنيستكم، واعلموا أنكم إن غلبتم اليوم على أمركم فلن تقوم ~~للصليب قائمة أبد الدهر، وهم يستبسلون ويستقتلون ويصبرون للموت صبر الكرام، حتى برقت لهم ~~بارقة النصر، فأطبقوا على جيوش العدو من كل جانب، فتقهقرت أمامهم إلى ما وراء الحدود، ~~وتخلت عن جميع المعابر والجبال التي اجتازتها بالأمس، فاحتفل الشعب بهذا النصر احتفالا ~~عظيما دام عدة أيام، ولم ms60 يكن للناس حديث فيه سوى حديث قسطنطين وجريمته التي اجترمها، ~~والجزاء الذي سيلقاه في سبيلها، وكلهم يتمنى بجدع أنفه أن يشاهد مصرعه، ويرى دماءه ~~تتدفق من بين لحييه. # ولم يزل هذا شأنهم حتى دنا اليوم الذي يجتمع فيه مجلس القضاء للنظر في تلك القضية، فذهب ~~الملك ليلة المحاكمة إلى السجين في سجنه، وخلا به ساعة يسأله عن جريمته وشركائه فيها ~~وأعوانه عليها، وحاوله في ذلك محاولة كثيرة فلم ينطق بشيء، ولا دافع عن نفسه بحرف واحد، ~~حتى عي الملك بأمره، فأمر بإخراجه من السجن إلى الساحة العامة المقام فيها تمثال ~~أبيه، وأمر أن يشد بأغلال إلى قاعدة التمثال نكاية به وتمثيلا، ثم قال له: انظر أيها ~~الخائن ماذا بنى أبوك لنفسه من المجد، وماذا صنعت يدك بذلك البناء الذي ابتناه! وتركه ~~وانصرف. # فلما انفرد بنفسه أطرق ساعة يفكر في شأنه وفي مصيره الذي صار إليه، ثم رفع رأسه إلى ~~التمثال، وكان الليل قد هدأ وسكن ونامت كل عين فيه حتى عيون العسس والحراس، فأنشأ يناجيه ~~ويقول: هنيئا لك أيها الرجل مجدك وعظمتك وتمثالك الشامخ الرفيع الذاهب بعلوه في آفاق ~~السماء! # هنيئا لك الصيت البعيد، والشهرة الذائعة، والشرف الخالد المسجل لك في صفحات التاريخ، وأن ~~الناس لا يمرون بتمثالك حتى يجثوا تحت قاعدته جثيهم تحت قدمي الإله المعبود! # أترى بعد ذلك أنك مظلوم أو مغبون، أو أن الضربة التي أصابتك من يدي قد حرمتك ~~شيئا في هذه الحياة تندبه وتأسف عليه؟ # لقد كنت في الساعة الأخيرة من أيام حياتك، ولم يكن بينك وبين الانحدار إلى قبرك إلا بضع ~~خطوات قصار، فكل ما كان مني لك أنني أنقذتك من تلك الميتة الدنيئة السافلة التي كنت تريدها ~~لنفسك، وقدمت إليك بدلا منها ميتة شريفة مقدسة ترمقها العيون، وتتقطع من دونها الأعناق، ~~وألبستك تاجا أشرف من ذلك التاج الذي كنت تطلبه وتسعى إليه، وأجلستك على عرش أرفع من جميع ~~عروش الأرض، وهو عرش التاريخ! # لا تستبق في نفسك شيئا من الضغن علي، ولا تضمر ms61 لي في قلبك وأنت في عالم الحقيقة ~~المجردة، الذي لا يخالطه كذب ولا رياء، غير ما يجب على المريض المبل أن يضمره لطبيبه ~~الذي شفاه من دائه، وأنقذه من شقائه، فإن كان لا بد لك أن ترى أنني قد أجرمت إليك ووترتك؛ ~~فهأنذا أكفر عن جريمتي بأعظم ما كفر به مجرم عن جريمته! # انظر يا أبت ماذا صنعت فعلتك التي فعلت بولدك، ها هو ذا الغل يحيط بعنقه حتى كاد ~~يخنقه، وها هي ذي القيود تعض قدميه وتدميهما، وها هو ذا السيف مجرد فوق هامته لا تطلع ~~الشمس من مشرقها حتى يسقط عليها فيفصلها عن جثتها، وها هم أولاء الناس جميعا رجالا ~~ونساء، كبارا وصغارا، يلعنونه بألسنتهم وقلوبهم في كل مكان، ويضمرون له من الحقد ~~والبغضاء ما لو امتد إلى جسمه لأحرقه وأحاله رمادا باردا. # أنت المجرم وأنا المعاقب، أنت الخائن وأنا المأخوذ بخيانتك، أنت المتمتع بنعمة الشرف ~~العظيم الذي لا تستحقه، وأنا المتسربل بسربال الإهانة الدائمة التي لا أستحقها! لقد أخطأ ~~القدر في أمرنا مرتين: فرفعك من حيث تستحق الوضع، ووضعني من حيث أستحق الرفع، ولو أنه ~~أنصف في حكمه بيننا لأخذ كل منا مكان صاحبه، فأصبح التمثال لي، وأصبح السجن لك! # هنيئا لك مجدك وشرفك، ووصيتك وسمعتك، وما أهنئك تهنئة الهازئ الساخر، بل تهنئة ~~الفارح المغتبط؛ لأنك أبي، ورئيس أسرتي، وسيد قومي، وحبيب إلي جدا أن يعيش أبي عظيما ~~في حياته وبعد مماته! # إن آلامي يا أبت عظيمة جدا لا تستطيع أن تحتملها نفس بشرية في العالم، ولكن ~~يهونها علي أنني أموت من أجلك، وفي سبيل مجدك وشرفك، وأنني لم أخرج من الدنيا حتى ~~رأيت تمثالك العظيم مشرفا من علياء سمائه على جبال البلقان وهضابها، كما تشرف الشمس من ~~أبراجها على ما تحتها. # ما أنا بنادم على ما كان، ولا خائف مما يكون، فليأت الموت إلي في الساعة التي يريدها، ~~فقد قمت بواجبي لك ولبلادي، وحسبي ذلك وكفى. # كان لا بد لي أن أقتلك ففعلت، ولكنني قتلتك فيجب ms62 أن أقتل بك. # كلانا أجرم، وكلانا لقي جزاء إجرامه. # أجرمت إلى الوطن فانتقمت له منك، وأجرمت إلى الطبيعة، فمن العدل أن تنتقم لنفسها مني، ~~فما ظلم أحد منا صاحبه ولا اعتدى عليه. # ارفع رأسك أيها الرجل تيها وعجبا، وزاحم بمنكبيك أجرام السماء وكواكبها، فقد غسل ~~ابنك بدمه جرمك وعارك، فإن لم تكن شريفا بنفسك، فحسبك شرفا أنك والد الولد الشريف! # ولم يزل في مناجاته هذه حتى مضت هدأة من الليل، فالتف بردائه ووضع رأسه على قاعدة ~~التمثال وأسلم نفسه إلى نوم طويل. # | النهاية # ازدحم الناس يوم المحاكمة في الساحة الكبرى ازدحاما عظيما ينتظرون عودة الملك من مجلس ~~القضاء ليعلن حكمه أمام المتهم، والمتهم هادئ ساكن تحت قاعدة التمثال لا ينتظر شيئا؛ ~~لأنه يعلم أن الموت جزاؤه الحتم، وقد وطن نفسه عليه فلم يعد يحفل به. # وإنهم لكذلك إذ أقبل الملك تحيط به حاشيته، فاشرأبت إليه الأعناق لسماع كلمته، ولم يزل ~~سائرا بين الصفوف حتى وقف أمام المتهم، فنظر إليه نظرة طويلة ثم صاح بأعلى صوته: يا ~~قسطنطين برانكومير، إن الجريمة التي اقترفتها عظيمة جدا لا يفي بها قتلك وسفك دمك؛ لذلك ~~رأى مجلس القضاء أن يحكم عليك بالحياة بدلا من الموت. فقاطعه الجماهير: الموت! الموت! لا ~~بد من قتله! لا يمكن أن يعيش! فأشار إليهم بالهدوء والسكون حتى يسمعوا بقية كلامه، ~~فهدءوا، فاستمر يقول: وأن تظل طول أيام حياتك مقرونا بأغلالك هذه إلى قاعدة تمثال أبيك ~~ليتردد وجهه في وجهك ليلك ونهارك، فتموت في مكانك حياء منه وخجلا، وأن يؤذن لكل مار بك ~~من علية الناس وغوغائهم أن يبصق على وجهك، ويصفعك على قذالك، وينال منك ما يشاء إلا أن ~~يسلبك حياتك. # فصاح الجماهير: يعيش الملك! يحيا العدل! يسقط الخائن! وظلوا يرددون هذه الكلمات وأمثالها ~~وقتا طويلا. # هنا ذرفت عينا ذلك الرجل العظيم الذي لم يبك في يوم من أيام حياته لضربة سيف، أو طعنة ~~رمح، أو رشقة سهم، وعلا صوت نحيبه ونشيجه كما يفعل النساء الضعيفات في مواقف حزنهن ms63 ~~وثكلهن، وما كان مثله من يبكي أو يذرف دمعة واحدة من دموعه لو أن الذي كتب له في صحيفة ~~الغيب من الشقاء كان الوقوف بين السيف والنطع، أو السقوط بين آلات العذاب تنال من جسمه ~~وأطرافه ما تشاء، ولكنه الشرف، شديد جدا على صاحبه أن تنزل به نازلة مذلة، أو يتصل به ~~ظفر جارح من أظفار الهوان، فإذا شعر بشيء من ذلك هاله الأمر وراعه، وخارت عزيمته، ~~ووهنت قوته؛ فبكى بكاء الضعفاء، وأعول إعوال النساء. ولقد رضي قسطنطين من حظه من الحياة ~~بالموت فرارا من العار الذي لحقه، وهربا من نظرات الناظرين إليه وموجدة الواجدين عليه، ~~أما وقد علم أنه سيعيش والعار معا رفيقين متلازمين لا يفترقان ولا ينفصلان، فلم يبق له ~~بد من الجزع، ولم يبق بين يديه سبيل غير البكاء، فبكى ما شاء الله أن يفعل، وأخذ يردد ~~بينه وبين نفسه: يا للبؤس! ويا للشقاء! لقد استحال علي كل شيء حتى الموت! # ثم رفع طرفه إلى السماء وقال بصوت خافت متقطع: رحمتك اللهم وإحسانك، فقد أصبحت عاجزا ~~ضعيفا لا أملك من شئون نفسي شيئا، فامدد إلي يد عنايتك ولطفك لأستطيع أن أتمم واجبي ~~إلى النهاية. # وهنا وقف لازار فوق هضبة مرتفعة - وكان لا يزال رأس الفتنة وشعلتها - وأخذ يصرخ بصوت ~~عال قائلا: إن رأى مولانا الملك أن يأذن لنا بتنفيذ أمره الساعة؛ فقد أوشكت صدورنا أن ~~تنفجر! فصاح الجمهور من ورائه صيحته، ودعوا بمثل دعوته، فاصفر وجه الملك وارتجفت أطرافه ~~ارتجافا خفيفا، ثم قال بصوت خافت متهافت: لكم ما تشاءون! وتحول من مكانه يريد ~~الانصراف. # وهنا برزت ميلتزا من بين الجماهير، واندفعت نحو قسطنطين تسبق المندفعين إليه وهي تقول: ~~فليبق لك أيها المسكين على الأقل قلب واحد يرحمك ويعطف عليك! وضمته إلى صدرها كأنما ~~تريد أن تقيه بنفسها، فسمع الملك صوتها، فالتفت فرآها، ولم يكن يعرف من شأنها شيئا، فعجب ~~لأمرها وأشار إلى الجماهير بالسكوت حتى يعلم ما خطبها، ثم مشى نحوها وقال لها: أتعلمين ~~أيتها الفتاة من ms64 هذا الذي تحمين؟ وما جريمته التي اقترفها؟ فرفعت رأسها إليه وألقت عليه ~~نظرة الليث في عرينه وقالت له: لا أعلم من أمره شيئا سوى أنني أحبه، ولا آذن لأحد أن ~~يناله بمكروه وفي بقية رمق من الحياة! قال: إنه ارتكب جريمة الخيانة الكبرى للأمة ~~والوطن، وقد حكم عليه مجلس القضاء بالتعذيب، ولا بد من إنفاذ حكمه، قالت: إن الحب فوق ~~العدل، وفوق القانون، وفوق كل شيء في العالم؛ فمزقوني إربا إربا لتستطيعوا أن تصلوا ~~إليه! # فلمعت في ثغر قسطنطين ابتسامة في وسط هذه الدجنة الحالكة من الهموم والأحزان، وضمها ~~إلى نفسه وقال لها: شكرا لك يا ميلتزا، فقد أحييت نفسي الميتة، وسريت عني همومي وآلامي، ~~ذودي عني يا صديقتي، وصوني وجهي من العار الذي يريدون أن يلصقوه به، فلم يبق لي في ~~العالم من يرحمني أو يعطف علي سواك! # وأخذ الجماهير يصيحون: اقتلوهما معا، مزقوا جسميهما بالسيوف، وانثروا أشلاءهما في ~~الفضاء. # ثم تدافعوا نحوهما تدافع الصخور الهائلة من أعالي الجبال، فصاحت ميلتزا: أيتها الوحوش ~~الضارية، والخلائق الساقطة، مهما كثر عددكم، وعظمت قوتكم، فإنكم لن تستطيعوا أن تصلوا إليه ~~أو تلحقوا به إهانة من الإهانات التي تضمرونها في نفوسكم، فإن أبيتم إلا أن تفعلوا؛ ~~فاعلموا أنني - أنا الفتاة الضعيفة المسكينة - قادرة على أن أخلصه من أيديكم! فلم ~~يحفلوا بكلامها، ولم يفهموا غرضها، واستمروا في اندفاعهم وتدفقهم. # وهنا حدث ذلك الحادث الهائل الذي شخصت له الأبصار، وذهلت له العقول، وجمدت لمنظره الدماء ~~في العروق، فقد علمت ميلتزا أن القضاء واقع لا مفر منه، وأن القوم لا بد بالغون من ~~قسطنطين ما يريدون، وأن لا طاقة لها بحمايته والذود عنه، وهالها هولا عظيما وكبر في نفسها ~~أن ذلك الوجه الشريف المتلألئ بنور الفضيلة والكرم والطهارة والبراءة يصبح هدفا دنيئا ~~لهؤلاء الغوغاء الثائرين، يلطمه من يلطم ويبصق عليه من يبصق، فلما أصبحوا على مقربة منها ~~ولم يبق بينهم وبينها إلا بضع وثبات، حنت عليه وهمست في أذنه قائلة: في استطاعتك يا ~~سيدي أن تنجي ms65 نفسك بكلمة واحدة تعترف فيها بكل شيء! فرفع طرفه إلى السماء ثم ألقاه على ~~تمثال أبيه، ثم نظر إليها نظرة دامعة حزينة وقال: «لا أستطيع!» # فجردت من منطقتها خنجرها الذي كانت قد استهدته إياه فيما مضى، ورفعته في الهواء ثم ~~طعنته به في صدره طعنة نجلاء وهي تقول: مت شريفا أيها الرجل العظيم كما عشت شريفا، ~~وسأتبعك إلى سمائك التي تصعد إليها. فسقط مضرجا بدمائه وهو يقول بصوت ضعيف متقطع: ~~شكرا لك يا ميلتزا. # وكان القوم قد بلغوا موقفهما: فرفعت الخنجر مرة أخرى وطعنت به نفسها، فترنحت قليلا ثم ~~سقطت على مقربة منه، وكان لا يزال يعالج السكرة الأخيرة، ففتح عينيه فرآها، فأخذ يسحب ~~نفسه سحبا حتى بلغ مصرعها، فألقى يده عليها وظل يجذبها نحوه كأنما يحاول أن يضمها إلى ~~نفسه، فلم يستطع، فسقط رأسه على صدرها، فشعرت به، فضاءت ما بين شفتيها ابتسامة ضئيلة لم ~~تلبث أن انطفأت وتغلغلت في ظلمات الموت، وظلا على هذه الحالة حتى فاضت ~~نفساهما. # فأثر هذا المنظر الرهيب في نفوس الجماهير، وسكنوا في مواقفهم سكونا عميقا لا تتخلله ~~نأمة ولا حركة، وظلوا على ذلك ساعة حتى نطق الملك بصوت خشن أجش تخالطة رنة الحزن ~~والأسف قائلا: أيها المسيحيون، صلوا جميعا لهذين البائسين الشقيين، واسألوا الله لهما ~~الرحمة والغفران. # ثم رفع قلنسوته وجثا على ركبتيه، فرفع القوم قبعاتهم وجثوا حول الجثتين وأخذوا يتلون ~~صلواتهم بنغمة حزينة مؤثرة، كأنما هم يبكون عزيزا عليهم، أو شهيدا من شهدائهم! وما ~~فعلوا غير ذلك لو كانوا يعلمون. ~~••• # ظلت هذه الحقيقة مجهولة لا يعلمها أحد من الناس خمسة وثلاثين عاما، حتى حضر «بازيليد» ~~الموت، فظلت تهذي بها في مرضها، وترددها في يقظتها وأحلامها، وتتألم لذكراها ألما شديدا ~~على مسمع من كاهنها وعوادها، حتى فاضت روحها، فعلم الناس - ولكن بعد عهد طويل، وبعد أن ~~تبدلت شئون البلقان غير شئونه - أن «قسطنطين برانكومير» أشرف الناس وأفضلهم، وأعظمهم ~~وطنية وإخلاصا؛ لأنه ضحى أباه في سبيل إنقاذ وطنه، ثم ضحى نفسه في سبيل إنقاذ ms66 شرف ~~أبيه، فبلغ في وطنيته وشرف نفسه الغاية التي لا غاية وراءها. ms67