######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022274 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي (المتوفى: 1343هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1343 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحجاب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022274 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22274 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22274 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1412 هـ - 1991 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الهداية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا، فلبث فيها بضع سنين، ثم عاد وما بقي مما كنا نعرفه منه شيء. # ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها، وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت ~~الليلة الماطرة، وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر، وعاد ~~بقلب ملفق مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها، والنقمة على السماء ~~وخالقها، وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها.. وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ~~ترى شيئأ فوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها، # PageV01P003 # وذهب برأس مملوءة حكما ورأيا، وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملأها ~~إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه، وعاد ~~وما على وجهها أصغر في عينيه منهما. # وكنت أرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاء الضعفاء من ~~الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على ~~أجسامهم إفراغا لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تنصل وتتطاير ذراتها ~~في أجواء السماء، وأن مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من ~~المرآة، إذا انحرف عنها زال خياله منها، فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق، ~~ولبسته على علاته وفاء بعهده السابق، ورجاء لغده المنتظر، محتملا في سبيل ~~ذلك من حمقه ووسواسه وفساد # PageV01P004 # تصوراته وغرابة أطواره، ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله، حتى جاءني ذات ~~ليلة بداهية الدواهي.. ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به. # دخلت عليه فرأيته واجما مكتئبا، فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء، فسألته ~~ما باله # فقال: مازلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص ~~منه، ولا أدري مصير أمري فيه. # قلت: وأي امرأة تريد؟ # قال: تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية في طريق ~~مطالبي وآمالي. قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تتحدث؟ # PageV01P005 ### | قال: ليس لي في الحياة إلا أمل واحد هو أن أغمض عيني ثم أفتحهما فلا أرى برقعا على وجه امرأة في هذا البلد. ### | قلت: ذلك ms01 ما لا تملكه ولا رأي لك فيه # قال: إن كثيرا من الناس يرون في الحجاب رأيي، ويتمنون في أمره ما أتمنى، ~~ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما ~~يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي ~~كلما حاول الإقدام على أمر جديد، فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء ~~العادي القديم الذي وقف سدا دون سعادة الأمة وارتقائها دهرا طويلا، وأن يتم ~~على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من # PageV01P006 # دعاة الحرية وأشياعها، فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته وخيل إليها ~~أنني جئتها بإحدى النكبات العظام، والرزايا الجسام، وزعمت أنها إن برزت إلى ~~الرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياء منهن وخجلا، ولا ~~خجل هناك ولا حياء، ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء ~~النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن ~~الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة، فلا بد لي أن أبلغ ~~أمنيتي، وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجا ينتهي بإحدى الحسنيين ~~إما بكسره أو بشفائه!.. فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي هما وحزنا، ونظرت ~~إليه نظرة الراحم الراثي # وقلت: أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟ # PageV01P007 # قال: نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها واقعة من نفسك ونفوس ~~الناس جميعا حيث وقعت!.. # قلت: هل تأذن لي أن أقول لك إنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين ~~رجالهم ونسائهم، فهل تذكر أن نفسك حدثتك يوما من الأيام وأنت فيهم بالطمع ~~في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمح فيه من حيث لايشعر ~~مالكه؟ # قال: ربما وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد؟ # قلت: أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلم به من الناس ما ألم ~~بأعراض الناس منك. # قال: إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال من شرفها ms02 وعفتها في ~~حصن حصين لا تمتد إليه المطامع، # PageV01P008 # فتداخلني ما لم أملك معه وقلت له: تلك هي الخدعة التي يخدعكم بها الشيطان ~~أيها الضعفاء، والثلمة التي يعثر بها في زوايا رؤوسكم فينحدر منها إلى ~~عقولكم، ومدارككم فيفسدها عليكم، فالشرف كلمة لا وجود لها إلا في قواميس ~~اللغة ومعاجمها، فإن أردنا أن نفتش عنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما ~~نجدها، والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافيا رائقا حتى يسقط فيه ~~حجر فإذا هو مستنقع كدر. والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها، ~~وقلما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة. # قال: أتنكر وجود العفة بين الناس؟ # قلت: لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين # PageV01P009 # البله الضعفاء والمتكلفين، ولكني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب ~~والمرأة الحاذقة المترفقة إذا سقط بينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه. # في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم؟ # أفي جو المتعلمين، وفيهم من سئل مرة: لم لم يتزوج؟ فأجاب: نساء البلد ~~جميعا نسائي. # أم في جو الطلبة، وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه خجلا إن خلت ~~محفظته يوما من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته، أو أقفرت من رسائل الحب ~~والغرام؟ # أم في جو الرعاع والغوغاء وكثير منهم يدخل البيت خادما ذليلا، ويخرج منه ~~صهرا كريما # PageV01P010 # وبعد، فما هذا الولع بقصة المرأة، والتمطق بحديثها، والقيام والقعود ~~بأمرها وأمر حجابها وسفورها، وحريتها وأسرها، كأنما قد قمتم بكل واجب للأمة ~~عليكم في أنفسكم، فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم؟!.. # هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال، فأنتم عن ~~النساء أعجز. # أبواب الفخر أمامكم كثيرة، فاطرقوا أيها شئتم، ودعوا هذا الباب موصدا، ~~فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلا عظيما.. وشقاء طويلا. # PageV01P011 # أروني رجلا واحدا منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي ~~امرأة يرضاها، فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه. # إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم ms03 تعجزون عنه وتطلبون عندها ما لا ~~تعرفونه عند أنفسكم، فأنتم تخاطرون بها في معركة أحسبكم إلا خاسرين. # ما شكت المرأة إليكم ظلما، ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها ~~من أسرها، فما دخولكم بينها وبين نفسها؟ وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها ~~وأحاديثها؟!.. # إنها لا تشكو إلا فضولكم وإسفافكم # PageV01P012 # ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيثما سارت وأينما حلت، حتى ضاق بها وجه ~~الفضاء فلم تجد لها سبيلا إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها ~~أهلها، فأوصدت من دونها بابها، وأسبلت أستارها، تبرما بكم وفرارا من ~~فضولكم، فواعجبا لكم تسجنونها بأيديكم، ثم تقفون على باب سجنها تبكونها ~~وتندبون شقاءها!.. # إنكم لا ترثون لها، بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها، بل على أيام ~~قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجا وسفورا، ويتدفق خلاعة واستهتارا، وتودون ~~بجدع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك. # لقد كنا، وكانت العفة في سقاء من الحجاب # PageV01P013 # موكوء، فما زلتم به تثقبون في جوانبه، كل يوم ثقبا، والعفة تتسلل منه ~~قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن ~~تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة. # عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن ~~عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين ~~يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات ~~نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها ~~وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما. # PageV01P014 # وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما ~~تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج، رأت ~~هي أن الزواج أساس الحب. فقلتم لها إن هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك، ~~ليسوا بأوفر منك عقلا ولا أفضل رأيا، ولا أقدر على النظر لك من نظرك لنفسك، ~~فلاحق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك، ms04 فازدرت أباها، وتمردت ~~على زوجها، وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرسا من الأعراس الضاحكة، مناحة ~~قائمة، لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها. # وقلتم لها لا بد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة ~~مستقبلك، فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها # PageV01P015 # أهلها، فلم يزد عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، ~~والعذاب الأليم. # قلتم لها إن الحب أساس الزواج فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة ~~مصوبة، حتى شغلها الحب عن الزواج فعنيت به عنه. # وقلتم لها إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها، وما كانت ~~تعرف إلا أن الزواج غير العشيق، فأصبحت تطلب في كل يوم زوجا جديدا يحيي من ~~لوعة الحب ما أمات الزوج القديم.. فلا قديما استبقت ولا جديدا أفادت. # وقلتم لها لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك، والقيام على شؤون بيتك، ~~فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها، والقيام على شؤون بيتها. # وقلتم لها نحن لا نتزوج من النساء إلا من # PageV01P016 # نحبها ونرضاها، ويلائم ذوقها ذوقنا، وشعورها شعورنا، فرأت أن لا بد لها ~~أن تعرف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم، لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس ~~حياتكم، صفحة صفحة، فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات ~~اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلعت، واستهترت ~~لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف، ~~تعرض نفسها عليكم عرضا، كما تعرض الأمة في سوق الرقيق، فأعرضتم عنها ونبوتم ~~بها، وقلتم لها: # - إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة ~~جميعا ساقطات، إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة، وقد أباها ~~الخليع، وترفع عنها المحتشم، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت. # PageV01P017 # وكذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعا وتمشت الظنون بين رجالها ~~ونسائها، فتعاجز الفريقان، وأظلم الفضاء بينهما، وأصبحت البيوت كالأديرة لا ~~يرى فيها الرائي إلا رجالا مترهبين، ونساء عانسات. # ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون.. وهذا رثاؤكم لها ms05 وعطفكم عليها!.. # نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم، فليهذبها أبوها أو ~~أخوها، فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم، ~~فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عشرة نسائهم. وإلى ~~النور والهواء تبرز إليهما، وتتمتع فيهما بنعمة الحياة، فليأذن لها # PageV01P018 # أولياؤها بذلك، وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها، كما يرافق ~~الشاة راعيها، خوفا عليها من الذئاب، فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والأخوة ~~والأزواج بذلك، فلننفض أيدينا من الأمة جميعها نسائها ورجالها، فليست ~~المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها. # أعجب ما أعجب له في شؤونكم أنكم تعلمتم كل شيء، إلا شيئا واحدا هو أدنى ~~إلى مدارككم أن تعلموه قبل كل شيء، وهو أن لكل تربة نباتا ينبت فيها، ولكل ~~نبات زمنا ينمو فيه. # رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ~~ضرورياتها، فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى ~~معرفة حروف الهجاء. # ورأيتم الفلاسفة فيها ينشرون فلسفة الكفر بين # PageV01P019 # شعوب ملحدة، لها من عقولها وآدابها ما يغنيها بعض الغناء عن إيمانها، ~~فاشتغلتم بنشرها بين أمة ضعيفة ساذجة لا يغنيها عن إيمانها شيء، إن كان ~~هناك ما يغني عنه. # ورأيتم الرجل الأوروبي حرا مطلقا يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد، لأنه ~~يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود ~~الحرية التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها، فأردتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسها ~~رجلا ضعيف الإرادة والعزيمة، يعيش من حياته الأدبية في رأس منحدر زلق إن ~~زلت به قدمه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك، حتى يبلغ الهوة ويتردى ~~في قرارتها. # ورأيتم الزوج الأوروبي الذي أطفأت البيئة غيرته.. وأزالت خشونة نفسه ~~وحرشتها، يستطيع أن يرى # PageV01P020 # زوجته تخاصر من تشاء، وتصاحب من تشاء، وتخلو بمن تشاء، فيقف أمام ذلك ~~المشهد موقف الجامد المتلبد. فأردتم الرجل الشرقي الغيور الملتهب أن يقف ~~موقفه، ويستمسك استمساكه!.. # ورأيتم المرأة الأوروبية الجريئة ms06 المتفتية في كثير من مواقفها من الرجال ~~أن تحتفظ بنفسها وكرامتها، فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن ~~تبرز للرجال بروزها، وتحتفظ بنفسها احتفاظها. وكل نبات يزرع في أرض غير ~~أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، وإما أن ينشب فيها ~~فيفسدها. # إنا نضرع إليكم باسم الشرف الوطني، والحرمة # PageV01P021 # الدينية، أن تتركوا تلك البقية الباقية من نساء الأمة مطمئنات في بيوتهن، ~~ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن، فكل جرح من جروح الأمة ~~له دواء، إلا جرح الشرف، فإن أبيتم إلا أن تفعلوا، فانتظروا بأنفسكم قليلا ~~ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم ~~لتستطيعوا أن تعيشوا في حياتكم الجديدة سعداء آمنين. # فما زاد الفتى على أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية، # وقال: تلك حماقات ما جئنا إلا لمعالجتها، فنصطبر عليها حتى يقضي الله ~~بيننا وبينها. # PageV01P022 # فقلت له: لك أمرك في نفسك وفي أهلك فاصنع بهما ما تشاء.. وائذن لي أن ~~أقول لك إني لا أستطيع أن أختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاء عليك وعلى نفسي، ~~لأني أعلم أن الساعة التي ينفرج لي فيها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه ~~امرأة من أهلك تقتلني حياء وخجلا. ثم انصرفت.. وكان هذا فراق ما بيني ~~وبينه. # وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلانا هتك الستر في ~~منزله بين نسائه ورجاله، وأن بيته أصبح مغشيا، لا تزال النعال خافقة ببابه، ~~فذرفت عيني دمعة، لا أعلم هل هي دمعة # PageV01P023 # الغيرة على العرض المذال، أو الحزن على الصديق المفقود!.. # مرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره فيها، ولا يزورني، ولا ألقاه ~~في طريقه إلا قليلا، فأحييه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان ~~بيننا ذكر ثم أنطلق في سبيلي. # فإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس، وقد مضى الشطر الأول من الليل، إذ رأيته ~~خارجا من منزله يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما ~~هو ms07 يحرسه أو يقتاده فأهمني أمره، ودنوت منه فسألته عن شأنه # فقال: - لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى ~~مخفر الشرطة، ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببا، وما أنا ~~بالرجل المذنب، ولا المريب. فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد # PageV01P024 # الذي كان بيني وبينك أن تصحبني الليلة في وجهي هذا علني أحتاج إلى بعض ~~المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشؤون؟ # قلت: لا أحب إلي من ذلك. ومشيت معه صامتا لا أحدثه ولا يقول لي شيئا، ثم ~~شعرت كأنه يزور في نفسه كلاما يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء، ~~ففاتحته الحديث وقلت له: # - ألا تستطيع أن تتذكر لهذه الدعوة سببا؟ فنظر إلي نظرة حائرة، # وقال: إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث، فقد رابني من ~~أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة، وما كان ذلك شأنها من قبل. # قلت: أما كان يصحبها أحد؟ # PageV01P025 # قال: لا. # قلت: ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟ # قال: لا. # قلت: ومم تخاف عليها؟ # قال: لا أخاف شيئا، سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء، فلعل بعض الناس ~~حاول العبث بها في طريقها فشرست عليه.. فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى ~~مخفر الشرطة. # وكنا قد وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور فوقفنا بين ~~يديه، فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها، ثم استدنى الفتى إليه وقال ~~له: # يسوؤني أن أقول لك يا سيدي إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من ~~أمكنة الريبة برجل وامرأة في حال غير صالحة، فاقتادوهما إلى المخفر، فزعمت ~~المرأة أن لها بك # PageV01P026 # صلة، فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها، فإن كانت صادقة أذنا لها ~~بالانصراف معك إكراما لك، وإبقاء على شرفك، وإلا فهي امرأة عاهرة لا نجاة ~~لها من عقاب الفاجرات.. وها هما وراءك فانظرهما. وكان الجندي قد جاء بهما ~~من غرفة أخرى، فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته، وإذا الرجل ms08 أحد أصدقائه.. # فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر، وملأت نوافذه وأبوابه عيونا وآذانا، ثم ~~سقط في مكانه مغشيا عليه، فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها ~~ففعل، وأطلق سبيل صاحبها، ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله، ودعونا له ~~الطبيب فقرر أنه مصاب بحمى دماغية شديدة.. ولبث ساهرا # PageV01P027 # بجانبه بقية الليل يعالجه حتى دنا الصبح، فانصرف على أن يعود متى دعوناه، ~~وعهد إلي بأمره فلبثت بجانبه أرثي لحاله.. وأنتظر قضاء الله فيه، حتى رأيته ~~يتحرك في مضجعه، ثم فتح عينيه فرآني، فلبث شاخصا إلي هنيهة كأنما يحاول أن ~~يقول لي شيئا فلا يستطيعه، فدنوت منه وقلت له: # - هل من حاجه يا سيدي؟ # فأجاب بصوت ضعيف خافت: حاجتي ألا يدخل علي أحد من الناس. # قلت: لن يدخل عليك إلا من تريد. # فأطرق هنيهة، ثم رفع رأسه فإذا عيناه مخضلتان بالدموع.. # فقلت: ما بكاؤك يا سيدي؟ # قال: أتعلم أين زوجتي الآن؟ # قلت: وماذا تريد منها؟ # PageV01P028 # قال: لا شيء، سوى أن أقول لها إني قد عفوت عنها. # قلت: إنها في بيت أبيها. # قال: وارحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها! فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي ~~شرفاء أمجادا فألبستهم مذ عرفوني ثوبا من العار لا تبلوه الأيام. من لي بمن ~~يبلغهم عني جميعا أنني مريض مشرف، وأنني أخشى لقاء الله إن لقيته بدمائهم، ~~وأنني أضرع إليهم أن يصفحوا عني ويغتفروا زلتي، قبل أن يسبق إلي الأجل؟!.. ~~لقد كنت أقسمت لأبيها يوم اهتديتها أن أصون عرضها صيانتي لحياتي، وأن ~~أمنعها مما أمنع # PageV01P029 # منه نفسي، فحنثت في يميني، فهل يغفر لي ذنبي، فيغفر لي الله بغفرانه؟ نعم ~~إنها قتلتني!.. ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي أغمدته في صدري، ~~فلا يسألها أحد عن ذنبي. البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا ~~الذي فتحت باب بيتي لصديقي إلى زوجتي، فلم يذنب إلي أحد سواي. # ثم أمسك عن الكلام هنيهة، فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه ~~شيئا فشيئا، حتى لبست وجهه، فزفر زفرة خلت ms09 أنها خرقت حجاب قلبه، ثم أنشأ ~~يقول: # - آه ما أشد الظلام أمام عيني!.. وما أضيق الدنيا في وجهي!.. في هذه ~~الغرفة على هذا المقعد تحت هذا السقف كنت أراهما جالسين يتحدثان # PageV01P030 # فتملأ نفسي غبطة وسرورا، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفي يؤنس زوجتي ~~في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي، فقولوا للناس جميعا: إن ~~ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته، ويزعم أنه أكيس الناس ~~وأحزمهم، قد أصبح يعترف اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى ~~الغاية التي لا غاية وراءها. # - والهفا على أم لم تلدني وأب عاقر لا نصيب له في البنين. لعل الناس ~~كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ~~ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدقون إلي ويطيلون النظر في وجهي ~~ليروا كيف تتمثل البلاهة في وجوه البله.. والغباوة في وجوه الأغبياء!.. # PageV01P031 # ولعل الذين كانوا يتوددون إلي ويتمسحون بي من أصدقائي، إنما كانوا يفعلون ~~ذلك من أجلها لا من أجلي!.. ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم قوادا ويسمون ~~زوجتي مومسا!.. وبيتي ماخورا.. وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم. # فوارحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة، ووالهفا على ~~زاوية منفردة في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي. ثم أغمض عينيه وعاد إلى ~~ذهوله واستغراقه. # وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته بجانب فراشه، ثم ~~تركته وانصرفت، فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر أبيه فأحس به، ~~ففتح عينيه فرآه فابتسم لمرآه # PageV01P032 # وضمه إلى صدره ضمة الرفق والحنان، وأدنى فمه من وجهه ليقبله، ثم انتفض ~~فجأة واستسر بشره، ودفعه عنه بيده دفعة شديدة وأخذ يصيح: # - أبعدوه عني لا أعرفه!.. ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا أمه عن أبيه من هو ~~واذهبوا به إليه، لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثرا خالدا ورائي بعد ~~مماتي. # وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبت به، فسمع صوته ~~وهو يبتعد ms10 عنه شيئا فشيئا فأنصت إليه واستعبر باكيا وصاح: # - أرجعوه إلي، فعادت به المرضع، فتناوله من يدها وأنشأ # PageV01P033 # يقلب نظره في وجهه ويقول: # - في سبيل الله يابني ما خلف لك أبوك من اليتم، وما خلفت لك أمك من ~~العار، فاغفر لهما ذنبهما إليك، فلقد كانت أمك امرأة ضعيفة فعجزت عن احتمال ~~صدمة القضاء فسقطت، وكان أبوك حسن في جريمته التي اجترمها، فأساء من حيث ~~أراد الإحسان. سواء أكنت ولدي يا بني، أم ولد الجريمة، فإني قد سعدت بك ~~حقبة من الدهر فلا أنسى يدك عندي حيا أو ميتا، ثم احتضنه إليه، وقبله، في ~~جبينه قبلة لا أعلم هل هي قبلة الأب الرحيم، أو المحسن الكريم!.. # وكان قد بلغ منه الجهد فعاودته الحمى، وغلت نارها في رأسه، وما زال يثقل ~~شيئا فشيئا حتى # PageV01P034 # خفت عليه التلف، فأرسلت وراء الطبيب، فجاء وألقى عليه نظره طويلة ثم ~~استردها مملوءة يأسا وحزنا. # ثم بدأ ينزع نزعا شديدا، ويئن أنينا مؤلما، فلم تبق عين من العيون ~~المحيطة به إلا ارفضت عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها. # فإنا لجلوس حوله وقد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره، وإذا ~~امرأة مؤتزرة بإزار أسود قد دخلت الحجرة، وتقدمت نحوه ببطء، حتى ركعت ~~بجانبه، ثم أكبت على يده الموضوعة فوق صدره فقبلتها وأخذت تقول له: # - لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أمه تعترف بين يديك وأنت ~~ذاهب إلى ربك، أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة، ولكنها لم ترتكبها، فاعف ~~عني يا والد ولدي، واسأل # PageV01P035 # الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك، فلا خير لي في الحياة من بعدك. # ثم انفجرت باكية، ففتح عينيه، وألقى على وجهها نظرة باسمة، كانت هي آخر ~~عهده بالحياة وقضى. # الآن عدت من المقبرة بعدما دفنت صديقي بيدي وأودعت حفرة القبر ذلك الشباب ~~الناضر، والروض الزاهر، وجلست لكتابة هذه السطور وأنا لا أكاد أملك مدامعي ~~وزفراتي، فلا يهون وجدي عليه إلا أن الأمة كانت على باب خطر ms11 عظيم من ~~أخطارها، فتقدم هو أمامها إلى ذلك الخطر وحده، فاقتحمه.. فمات شهيدا.. فنجت ~~بهلاكه. PageV01P036 ms12