######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.Majdulin.Hindawi74280904 #META# Tags: novels #META# ID: 74280904 #META# Title: ماجدولين #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ماجدولين‏ # ماجدولين‏ # | ماجدولين # | ماجدولين # تعريب # مصطفى لطفي المنفلوطي # | ماجدولين # (1) من ماجدولين إلى سوزان # سواء لدي أقرأت كتابي هذا أم مزقته، خلو من كل شيء يهمك العلم به أو النظر ~~إليه. # كل ما يمكنني أن أطرفك به من الأخبار أن أقول لك: إن أشجار الربيع قد بدأت تبتسم عن ~~أزهارها، وإن النسيم العليل يجمع إلي في غرفتي في هذه الساعة التي أكتب إليك فيها شذى ~~أول زهرة من زهرات البنفسج وأول عود من أعواد الزنبق. # ويمكنني أن أخبرك أيضا - وإن كنت لا أعرف لمثل هذه الأخبار معنى - أن الغرفة التي ~~كانت خالية في الدور الأعلى من منزلنا قد سكنها اليوم فتى اسمه «استيفن»، غريب الأطوار ~~في وحشته ونفوره وانقباضه عن الناس، حتى يكاد يظن الناظر إليه أنه بائس أو منكوب، فهو ~~ينزل في صبيحة كل يوم إلى الحديقة وبيده كتاب واحد لا يغيره، فإذا جلس للقراءة فيه علق ~~نظره بأول سطر يمر به ثم لا ينتقل عنه بعد ذلك، فهو في الحقيقة مطرق إلى الأرض من حيث ~~يظن الرائي أنه يقرأ في كتاب، فإذا رآني مارة أمامه رفع رأسه إلي وحياني تحية وجيزة، ~~ثم انتقل من مكانه وانساب بين الأشجار، أو صعد إلى غرفته؛ لذلك لم تصل بيني وبينه معرفة ~~حتى اليوم، وربما لا يقع شيء من ذلك فيما بعد؛ لأني لا ألتمس السبيل إلى التعرف به ولا ~~أحب أنه يلتمسه، فإن كنت لا بد سائلة عما يتساءل عنه النساء في مثل هذا الموقف فأقول ~~لك: إن الفتى ليس بجميل ولا جذاب، بل إن في منظره من الخشونة والجمود ما ينفر نظر ~~الناظر إليه، وأحسن ما فيه أني سمعته ليلة - وكانت نافذة غرفتي مفتوحة - يغني غناء ~~شجيا مؤثرا، وإن كان لا يجري فيه على قاعدة من قواعد النغم، فهو يطرب البؤساء ~~والمحزونين، ولا يعجب الموسيقيين المتفننين، ولقد تمكن أبي من مجالسته هنيهة فحدثني ~~عنه أنه من المتعلمين الأذكياء، وبعد: فأحسب أني أمللتك يا سوزان بحديث يتعلق أكثره ~~بإنسان لا شأن لي ms001 ولا لك معه، فلا تعتبي علي، فهذا كل ما تستطيع أن تملأ به صفحات ~~كتابها فتاة تعيش في قريتها الصغيرة عيشا متشابه الصور والألوان، لا فرق بين ليله ~~ونهاره، وصبحه ومسائه، لا تطلع الشمس فيه على مرأى جديد، ولا تغرب عن منظر ~~غريب. ~~(2) من ماجدولين إلى سوزان # الجو رائق، والسماء مصحية، وقرص الشمس يلتهب التهابا، والأرض تهتز فتنبت نباتا ~~حسنا، والأشجار تنتفض عن أوراقها اللامعة الخضراء، والهواء الفاتر يترقرق فينبعث إلى ~~الأجسام فيترك فيها أثرا هادئا لذيذا، وكل ذلك لا قيمة له عندي، ولا أثر له في نفسي، ~~فإني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة، وأن هذا الفضاء على سعته وانفراج ما بين أطرافه أضيق ~~في عيني من كفة الحابل، وأن منظر العالم قد استحال إلى شيء غريب لا أعرفه ولا عهد لي ~~بمثله، فأظل أنتقل من مكان إلى مكان، وأفر من الحديقة إلى المنزل ومن المنزل إلى ~~الحديقة، كأنني أفتش عن شيء، وما أفتش إلا عن نفسي التي فقدتها ولا أزال أنشدها، فإذا ~~نال مني التعب أويت إلى أشجار الزيزفون في الحديقة لأستريح في ظلالها قليلا، فلا يكاد ~~يعلق نظري بأول زهرة يروقني منظرها من بين أزهارها حتى أشعر كأني أنتقل من هذا العالم ~~شيئا فشيئا إلى عالم جميل من عوالم الخيال، فأتغلغل فيه كما يتغلغل الطائر المحلق في ~~غمار السحب وتمر بي على ذلك ساعات طوال لا أعود من بعدها إلى نفسي إلا إذا شعرت بسقوط ~~الكتاب من يدي، فإذا استفقت وجدتني لا أزال في مكاني، ولا يزال نظري عالقا بتلك الزهرة ~~الجميلة التي وقفت عليها. # يقولون إن فصل الربيع فصل الحب، وإن العواطف تضطرم فيه اضطراما فتأنس النفوس ~~بالنفوس، وتقترب القلوب من القلوب، وتمتلئ الحدائق والبساتين بجماعات الطير صادحة فوق ~~زواهر الأغصان وجماعات الناس، سانحة بين صفوف الأشجار، أما أنا فلا أصدق من كل هذا ~~شيئا، فإن أجمل الساعات عندي تلك الساعة التي أخلو فيها بنفسي فأناجيها بهمومي ~~وأحزاني، وأذرف من العبرات ما أبرد به تلك الغلة التي ms002 تعتلج في صدري. # وأعجب ما أعجب له من أمر نفسي أنني أبكي على غير شيء، وأحزن لغير سبب، وأجد بين جنبي ~~من الهموم والأشجان ما لا أعرف سبيله ولا مأتاه، حتى يخيل إلي أن عارضا من عوارض ~~الجنون قد خالط عقلي، فيشتد خوفي واضطرابي. # إن الذين يعرفون أسباب آلامهم وأحزانهم غير أشقياء؛ لأنهم يعيشون بالأمل ويحيون ~~بالرجاء، أما أنا فشقية؛ لأني لا أعرف لي دواء فأعالجه، ولا يوم شفاء فأرجوه. # كل أسباب العيش حاضرة لدي، وأبي لا يعرف له سعادة في الحياة غير سعادتي، ولا هناء غير ~~هنائي، ولا يعجبه منظر من مناظر الجمال في العالم سوى أن يراني باسمة، ويرى أزهار ~~حديقته ضاحكة، بل ربما أغفل أمر حديقته أحيانا حتى تذبل أوراقها وتموت زهراتها في سبيل ~~قضاء مرافقي وحاجاتي، فأنا إن شكوت فإنما أشكو بطرا وأشرا وكفرانا بأنعم الله التي ~~يسبغها علي ويسديها إلي، فغفرانك اللهم ورحمتك، فإني ما اعترفت بجميلك، ولا أحسنت ~~القيام بشكر أياديك. # إني لأذكر يا سوزان تلك الأيام التي قضيناها معا، وتلك السعادة التي كنا نهصر ~~أغصانها، ونجني ثمارها، ونطير في سمائها بأجنحة من الآمال والأحلام؛ فأندبها وأبكي ~~عليها، وأحن إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر، والجدب إلى ديمة القطر. ~~(3) من إدوار إلى استيفن # الآن عرفت أنك لا تثق بي ولا تعتمد علي، وأنك لا تزال تنظر إلي بالعين التي تنظر ~~بها إلى أولئك الذين أثرت مغاضبتهم والتبرم بهم من أفراد أسرتك، فقد كتمت عني ما كنت ~~أرجو أن تقضي به إلي من ذات نفسك فيما اعتزمت عليه من رحلتك لأعرف ماذا تريد وأين ~~تريد، ولكني لم أوثر أن أنزل بك في الود إلى المنزلة التي نزلت بي إليها، فلم أر بدا ~~من أن أكتب إليك. # إنا نبتنا معا يا استيفن في تربة واحدة، تحت سماء واحدة، يغدونا ماء واحد وجو واحد، ~~وما زلنا كذلك حتى شببنا فاختلفنا كما تختلف الشجرتان المتجاورتان في منبتهما ثمرة ~~وشكلا؛ لذلك أنت تفر مني الفرار كله وتنقبض عني، ولا ms003 تراني أسألك فجا من فجاج الأرض ~~إلا سلكت فجا غيره؛ لأنك أصبحت تسعد بحياة غير التي أسعد بها، وتهنأ بعيش غير الذي ~~أهنأ به، وتطرب لنغمة غير التي تسمعها مني، ولا تستطيع أن ترى في وجهي تلك المرآة التي ~~تحب أن ترى فيها صورتك واضحة جليلة لا غموض فيها ولا إبهام. # إنك لا تبغضني يا استيفن، ولكنك لا تحب أن تراني؛ لأنك تعلم أن لي في الحياة رأيا ~~غير رأيك، وطريقا غير طريقك، فأنت تخاف أن تسمع مني ما يفجعك في تصوراتك وأحلامك، ~~ويكدر عليك لذائذك التي تجدها في العيش في ذلك العالم الخيالي المظلم، وتقنع بها فيه ~~قناعة الشعراء المحزونين بالعيش بين أشباح خيالاتهم السوداء. # كن كما تشاء، وعش كما تريد، فستنقضي أيام شبابك وستنقضي بانقضائها أمانيك وأحلامك، ~~وهنالك تنزل من سمائك التي تطير فيها إلى أرضي التي أسكنها، فنتعارف بعد التناكر، ~~ونتواصل بعد التقاطع، ونلتقي كما كنا. # لا بد أن نفترق اليوم لأننا غير متفقين، ولا بد أن نجتمع بعد اليوم لأننا سنتفق، فلا ~~بأس أن تكتب إلي وأكتب إليك، وأن نتواصل على البعد إبقاء على تلك الصلة التي بيننا، ~~واحتفاظا بها، ورعاية لها، حتى يأتي ذلك اليوم الذي تجلو فيه عن نفسها، وتبرز من ~~مكمنها. # إن أهلك يعجبون لأمرك كثيرا، ويرون أنك قد مكرت بهم، وأضللتهم عن مقاصدك وأغراضك، ~~فسافرت خفية من حيث لا يعلمون بأمرك ولا بنيتك التي انتويتها، ويقولون: إنك ما سافرت ~~على هذه الصورة إلا لأنك عدلت عن رأيك في الزواج من تلك الفتاة التي أعدوها لك، وعندي ~~أنهم أصابوا فيما يقولون، وأنك مخطئ فيما فعلت؛ لأنك تعلم أن والدك فقير لا يملك من ~~المال أكثر مما يتسع لأيام حياته؛ ولقد كان لك في هذا الزواج من تلك الفتاة التي ~~اختارها لك حظك من سعادة العيش وهنائه لولا أنك شاعر، والشعراء يفهمون من معنى السعادة ~~غير ما يفهمه الناس جميعا. # أخوك يحبك كثيرا، ولا يزال يحدثني عنك كما أحدثه، فاذكرنا كما نذكرك، واكتب إلينا ms004 ~~بكل شيء. ~~(4) خواطر استيفن # مضى الليل إلا أقله، ولم يبق إلا أن تنفرج لمة الظلام عن جبين الفجر، ولا أزال ~~ساهرا قلق المضجع، أطلب الراحة فلا أجدها، وأهتف بالغمض فلا أعرف السبيل إليه. # إن إدوار يسخر مني في كتابه ويهزأ بي، وينذرني بيوم أرى فيه أوهاما كاذبة وأحلاما ~~باطلة ما كنت أحسبه أماني وأمالا، ويرى أن جميع ما أقدره لنفسي من سعادة في الحياة ~~وهناء أشبه شيء بالخيالات الشعرية التي يسعد الشعراء بتصورها، ولا يسعدون بوجودها؛ ~~فلئن كان حقا ما يقول فما أمر طعم العيش، وما أظلم وجه الحياة. # لا لا، إن الذي غرس في قلبي هذه الآمال الحسان لا يعجز عن أن يتعهدها بلطفه وعنايته ~~حتى تخرج ثمارها، وتتلألأ أزهارها، وإن الذي أنبت في جناحي هذه القوادم والخوافي لا ~~يرضى أن يهيضني ويتركني في مكاني كسيرا لا أنهض ولا أطير، وإن الذي سلبني كل ما يأمل ~~الآملون في هذه الحياة من سرور وغبطة، ولم يبق لي منها إلا حلاوة الأمل ولذته لأجل من ~~أن يقسو علي القسوة كلها فيسلبني تلك الثمالة الباقية التي هي ملاك عيشي، وقوام ~~حياتي. # على أنني ما ذهبت بعيدا، ولا طلبت مستحيلا، فكل ما أطمع فيه من جمال هذا العالم ~~وزخرفه رفيق آنس بقربه وجواره، وأجد لذة العيش في الكون معه، والسكون إليه، وما الرجال ~~كما يقولون إلا أنصاف ماثلة تطلب أنصافها الأخرى بين مخادع النساء، فلا يزال الرجل ~~يشعر في نفسه بذلك النقص الذي كان يشعر به آدم قبل أن تتغير صورة ضلعه الأيسر حتى يعثر ~~بالمرأة التي خلقت له فيقر قراره، ويلقي عصاه. # وبعد؛ فأي مقدور من المقدورات تضيق به قوة الله وحكمته؟ وأي عقل من العقول ~~الإنسانية يستطيع أن يبدع في تصوراته وتخيلاته الذهنية فوق ما تبدع يد القدرة في ~~مصنوعاتها وآثارها؟ وهل الصور والخيالات التي تمتلئ بها أذهاننا وتموج بها عقولنا إلا ~~رسوم ضئيلة لحقائق هذا الكون وبدائعه، ولو أن سامعا سمع وصف منظر الشمس عند طلوعها، ~~أو مهبط الليل عند ms005 نزوله، أو جمال غابة من الغابات، أو شموخ جبل من الأجبال، ثم رأى بعد ~~ذلك عيانا ما كان يراه تصورا وخيالا، لعلم أن جمال الكائنات فوق جمال التصورات، ~~وحقائق الموجودات فوق هواتف الخيالات؛ لذلك أعتقد أني ما تخيلت هذه السعادة التي أقدرها ~~لنفسي إلا لأنها كائن من الكائنات الموجودة، وأنها آتية لا ريب فيها. # إن اليوم الذي أشعر فيه بخيبة آمالي، وانقطاع حبل رجائي، يجب أن يكون آخر يوم من أيام ~~حياتي، فلا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب، ولا خير في قلب يخفق بغير حب. ~~(5) الحب # نزل استيفن صبيحة يوم من الأيام إلى حديقة المنزل فرأى «مولر» والد ماجدولين واقفا ~~على رأس بعض الجداول متكئا على فأسه، فلم ير بدا من أن يحييه، فحياه بتحية حيي ~~بأحسن منها، ثم أراد أن يستمر أدراجه فرآه ينظر إليه نظرة المستوقف، ورأى كأن كلاما ~~يتحير في شدقيه فاستحى أن يمضي لسبيله، فوقف على كلمة يصل بها الحديث بينه وبينه، فلم ~~ير شيئا أقرب إلى ذهنه من أن يسأله على ابنته، ثم بدا له أنه إن فعل أرابه وألقى في ~~نفسه أمرا غير الذي يريد، وهي المرة الأولى التي خطر له فيها أن في سؤال الرجل الرجل ~~عن حال ابنته شيئا غريبا، أو أمرا مريبا، ثم استمر «مولر» في حديثه يقول: إن منظر ~~الطبيعة في هذه الساعة جميل جدا لا يكدره علي إلا تلك الرعدة التي أشعر أنها تتمشى ~~في أعضائي، فما أمر مذاق الشيخوخة وما أثقل مئونتها، وسلام على الشباب وعهوده الزاهرة، ~~أيام كنت لا أحفل بنكباء ولا رمضاء، ولا أبالي أن أبكر في صبيحة كل يوم تبكير الغراب ~~إلى قمم الجبال وشواطئ الأنهار عاري الرأس حافي القدم، أمرح وألعب، وأتأثر طرائد الصيد ~~في مسارحها وملاعبها، فأصبحت ولم يبق لي من تلك الذكريات إلا وقوفي في هذه الضاحية تحت ~~هذه الشمس المشرقة أنسج من خيوطها البيضاء كساء أتقي به هذه الرعدة، وأمتع نظري برؤية ~~الفتيات الصغيرات صواحب ماجدولين وهن يلعبن معها ms006 فوق تلك الهضبة الثلجية. # وهنا وجد «استيفن» مكان القول ذا سعة فقال: إن ماجدولين لم تنزل اليوم كعادتها فلعلها ~~بخير، قال: نعم، هي بخير ولكن ضيفا من أقربائنا نزل بنا أمس فلم أر بدا من أن أكل ~~إليها أمره والعناية به، فتركتهما وذهبت لشأني، وإن كنت أعلم أن ماجدولين ليس في ~~استطاعتها الصبر على النزول إلى الحديقة، ولا يقنعها من الشمس تلك الخيوط البيضاء التي ~~تنحدر إليها من نافذة غرفتها، ثم ذهبا في الحديث بعد ذلك مذاهب مختلفة، وإنهما لكذلك إذ ~~فتح باب المنزل، وإذا ماجدولين وأرشميد مقبلان، يحدثها فتهلل، وتحدثه فيبتسم، وكأن ~~منظرهما منظر عاشقين يتغازلان، لا قريبين يتسامران، فخيل لاستيفن أن هذا المشهد الذي ~~يشهده غير مستحسن ولا مستعذب، ثم اقتربا منه، فصدف عنهما يتلهى بالنظر إلى بعض ~~الزهرات، وود لو وجد السبيل إلى الهرب منهما لولا أنهما اعترضا طريقه، فسلما عليه، فرد ~~ردا فاترا، ثم تركهما مكانهما وانحدر إلى خميلة من الخمائل، فما خطا فيها بعض خطوات ~~حتى سمع الفتى يغرب في الضحك، فما شك أنهما في شأنه، وأنه قد أصبح موضع هزئهما ~~وسخريتهما، وأنهما ما ضحكا إلا للعبث به والزراية عليه، فأحس في قلبه بدبيب البغض لذلك ~~الفتى، وود بجدع الأنف لو وجد السبيل إلى منازلته في ميدان خصام يضربه فيه ضربة تهشم ~~أنفه وتخضب الذي فيه عيناه ليقنعه أنه ليس سخرية الساخر، ولا أضحوكة الضاحك. # ثم عاد إلى نفسه يسائلها عن السبب في انقباضه ووحشته، وعن تلك الحال الغريبة التي ~~ألمت بفؤاده منذ الساعة ويقول: ما لي ولهذا الفتى؟ وبأي حق أحمل له بين جنبي ما أحمل من ~~الضغنة والموجدة؟ فما أنا بعاشق للفتاة فأغار منه عليها، ولا هو بمزاحم لي على هوى ~~فأبغضه فيه! # ولم يزل يسائل نفسه أمثال هذه الأسئلة فلا تجيبه، ويراجع عقله فلا يهديه، حتى عرف أنه ~~لا يسمع خارج الخميلة صوتا، فبرز من مكمنه فلم ير أمامه أحدا، فخرج من الحديقة هائما ~~على وجهه بين الغابات والأحراش حتى أدبر النهار ms007 ، فعاد إلى المنزل وصعد إلى غرفته، وإنه ~~ليمر أمام باب غرفة ماجدولين؛ إذ سمع صوت حديث، فذكر ما كان قد نسيه، وعلم أنها تسمر مع ~~قريبها أرشميد، وأنه لا بد أن يكون سعيدا بهذا الحديث وهذه الخلوة، فنفس عليه ذلك، ~~ولا ينفس الإنسان على صاحبه شيئا يكون في نظره حقيرا، فتريث في مشيته قليلا حتى علم ~~أنه إن دنا من باب الغرفة لا يشعران بموقفه، فدنا منها وأنشأ يتسمع حديثهما، فلم يفهم ~~كلمة مما يقولان، ثم انقطعا عن الحديث. # وأنشأت ماجدولين تغني غناء شجيا قد كان يكون عذبا لذيذا في نفس استيفن لولا أن ~~أذنا أخرى غير أذنه تزاحمه على سماعه، ثم انقطع الغناء أيضا فسمع خفق نعال تتقدم نحو ~~الباب، فابتعد عن مكانه حتى خرج الفتى وخرجت ماجدولين وراءه تشيعه في غلالة رقيقة ~~بيضاء لا تلبسها الفتاة إلا بين يدي عشيقها أو من لا تحتشمه من ذوي قرباها، فرأى في ~~وجهها صورة جديدة غير التي كان يراها من قبل، وأحس في نفسه بشيء غير الذي كان يحس به ~~عند رؤيتها، ثم عادت إلى الغرفة وأغلقت الباب وراءها، فعاد إلى موقفه الأول، وما زال ~~راكعا أمام بابها حتى مشت جذوة النهار في فحمة الليل، فصعد إلى غرفته وقد علم أن الذي ~~قام بنفسه منذ اليوم ليس الهذيان ولا الجنون، ولا الوسواس ولا حرارة الحمى كما كان يظن، ~~وإنما هو الحب! ~~(6) الدعوة # دخل «مولر» على ابنته ذات يوم فقال: يا بنية، إني دعوت اليوم جارنا الذي يسكن في ~~الغرفة العليا من منزلنا إلى العشاء عندنا في الساعة السابعة، فأعدي له الطعام، واعلمي ~~أنك ستغنين في هذه الليلة، فقد وعدته بذلك، وقد لقيت من كرم هذا الفتى وعلو همته، وشدة ~~عارضته، وكثرة ذكائه، وسعة علمه بالنبات، وطبائعه، ما حببه إلي، وأنزله من نفسي ~~المنزلة العليا، ولا بد أن أتخذه صديقا، وأن تكون تلك الدعوة فاتحة تلك الصداقة، ثم ~~تركها وخرج إلى الحديقة، وظل مشتغلا بشأنه فيها حتى مالت الشمس إلى مغربها، فعاد ms008 إلى ~~المنزل وجلس إلى نافذة غرفته المطلة على الحديقة ينتظر ضيفه، وإنه لكذلك إذ رآه خارجا ~~من باب الحديقة يعدو عدوا شديدا وفي يده رسالة مفضوضة، فهتف بابنته يقول: يا ~~ماجدولين! ما أحسب إلا أن جارنا قد حيل بينه وبين الوفاء بوعده، فقد رأيته الساعة ~~خارجا يعدو من باب الحديقة، ثم رأيته قد سلك تلك الطريق التي لا ينتهي فيها السائر إلى ~~غرض إلا بعد سفر عشرة أميال، فقالت: لا بد أن يكون قد عرض له شأن ما كان يقدره في ~~نفسه، فلا بد أن ننتظره حتى يعود، ثم جلسا صامتين، هذا يدخن لفافته، وتلك تخيط ثوبها، ~~حتى علما أنه لن يعود، فقاما إلى العشاء ثم إلى المنام. ~~(7) الزيارة # جلس «مولر» إلى ابنته، فنظر نظرة في النجوم وقال: ما أحسب إلا أن السماء ستمطرنا في ~~هذه الليلة مطرا غزيرا يبلل هذه التربة الظامئة، ويملأ هذه البقاع الجرداء، فما أجمل ~~الربيع وما أجمل غيوثه المنهلة، وما أجمل أرضه بعد أن يكسوها الغمام من نسج يده تلك ~~الغلائل الخضراء! فقالت ماجدولين: لا تنس يا أبت أن كثيرا من ضعفاء السابلة وطرائد ~~الليل يعانون في مثل هذه الليلة الماطرة من تدفق الغيوث فوق رءوسهم، واعتراض الوحول في ~~طريقهم، وبعد الشقة عليهم ما لا طاقة لهم باحتماله، فوا رحمتاه لهم إن الشقاء ~~كامن لهم في كل شيء حتى في الشئون التي يسعد بها غيرهم، فاكتأب «مولر» وقال: نعم يا ~~ماجدولين، إنهم أشقياء بؤساء ولا بد أن يكون «استيفن» واحدا منهم، فقد مر الهزيع الأول ~~من الليل ولم يعد إلى المنزل حتى الساعة بعد ما قضى ليلة أمس خارجه. # أخذت هذه الكلمة مكانها من نفس ماجدولين، فأطرقت برأسها تقلب صحائف كتابها ولا تقرأ ~~منه شيئا، وإنهما لكذلك إذ طارق يخفق الباب خفقا ضعيفا، فاضطربت ماجدولين ودهش ~~«مولر» وقامت «جنفياف» إلى الباب ففتحته، فإذا «استيفن» ماثل بعتبته، فاستأذن ودخل وهو ~~يقول: عفوا يا سيدي إن كنت ترى أنني لم أف لك بوعدي، فقد أرسل إلي أخي ms009 كتابا ~~يدعوني فيه إلى مقابلته على الحدود لتوديعه قبل سفره إلى الحرب، فأعجلني كتابه عن كل ~~شيء حتى عن الاعتذار إليك، فمشيت إليه عشرة أميال لا أتريث ولا أتئد حتى بلغته، فودعته ~~وداعا بين السرور له والحزن عليه، أما السرور فلأني رأيته فرحا مغتبطا برحلته يغني ~~أنشودة الحرب مرة، ويلاعب جواده أخرى، ويمشي مشية الخيلاء بين ريش قبعته وحمائل سيفه، ~~وأما الحزن فلأني أخاف أني يسبقني القدر إليه فيحول بيني وبينه، فأصبح في هذه الحياة ~~غريبا منفردا، لا أجد بين هذه القلوب الخافقة حولي قلبا يحزن لحزني، ولا بين هذه ~~العيون الناظرة إلي عينا تبكي لبكائي، وهنا ذرفت من عينه دمعة كادت تبكي لها ~~ماجدولين، ولكنها لم تفعل ذلك حياء وخجلا، وألقت عليه نظرة عطف ورحمة من حيث لا يشعر، ~~حتى إذا التفت إليها استردت نظرتها وألقتها على صفحة كتابها فقال له «مولر»: لا تجزع يا ~~بني، فالله أرحم بك من أخيك وأرحم بأخيك من نفسك. # ثم أخذ بيده إلى مائدة الشاي وجلسا يشربان معا، وأنشأ «مولر» يحدث صاحبه عن الشاي ~~ومغرسه ومنبته، وأعواده وأوراقه، وأنواعه وألوانه، وطريقة طبخه وأصل كلمته ومصدر ~~اشتقاقها، وآراء علماء النبات في ذلك، وردود بعضهم على بعض، وردوده هو عليهم جميعا، ~~وما زال يثر في ذلك ويسهب ظانا أن «استيفن» حاضر معه، و«استيفن» عنه في شغل بما ~~يختلس من نظرات ماجدولين وما تختلس من نظراته، حتى فرغا من شأنهما، فاقترح «مولر» على ~~ابنته أن تغني لهما صوتا، فأنشأت تغنيه بنغمة تخالطها رعدة الخائف أو رنة المحزون، فما ~~أتت عليه حتى طرب له «استيفن» طربا ملك عليه قلبه، وأحاط بعواطفه ومشاعره، وشعر كأن ~~الفضاء يدور به، وكأن قد بدلت الأرض غير الأرض والسموات، ثم خاف أن يمتد به شوطه إلى ~~أبعد من ذلك، فتناهض للقيام، فمشى معه «مولر» إلى الباب يشيعه ويقول: زرنا يا «استيفن» ~~كلما بدا لك أن تفعل، فما دون مزارك باب موصد، فانصرف بقلب غير قلبه، وعقل غير عقله، ~~وحال بين جنبيه غريبة ms010 لا عهد له بمثلها من قبل. ~~(8) المرأة # قضت ماجدولين ليلتها راكعة في معبدها، مستغرقة في صلاتها، تدعو الله، تعالى، أن ~~يعينها على أمرها، وينير لها ظلمة هذه الحياة الجديدة التي بدأت تسير فيها، وقد ألمت ~~بنفسها في تلك الساعة عاطفة غريبة متنوعة الألوان، مختلفة الأشكال، كأنما هي مزيج من ~~الحب والخوف، والسرور والحزن، والأمل الواسع والرجاء الخائب، فكانت تبتسم مرة حتى تلمع ~~ثناياها، وتبكي أخرى حتى يبتل رداؤها، ولا تعلم ما الذي أضحكها ولا ما الذي أبكاها! ولم ~~تزل على حالها تلك حتى حلق طائر الكرى فوق أجفانها، فاضطجعت في مصلاها، وأسلمت نفسها ~~إلى خالقها. # أما «استيفن» فقضى ليله جالسا إلى نافذة غرفته يقلب وجهه في السماء كأنما هو يساهر ~~كواكبها ونجومها، ويفضي إليها بما ألم بنفسه في تلك الساعة من سرور وغبطة، وما كان ~~سروره إلا لأنه أصبح يشعر في نفسه ببرد الراحة من البحث عن ضالة غرام ظل ينشدها ويتعلق ~~بآثارها عهدا طويلا حتى وجدها، وأن نفسه التي كانت حبيسة بين جنبيه قد أشرقت عليها ~~شمس الحب فانتعشت ورفرفت بجناحيها في الفضاء، فأنشأ يحدث نفسه ويقول: أحمدك اللهم، فقد ~~ظفرت بالحياة التي كنت أقدرها لنفسي، ووجدت المرأة التي كنت أصورها في مخيلتي. وما ~~المرأة إلا الأفق الذي تشرق منه شمس السعادة على هذا الكون فتنير ظلمته، والبريد الذي ~~يحمل على يده نعمة الخالق إلى المخلوق، والهواء المتردد الذي يهب الإنسان حياته وقوته، ~~والمعراج الذي تعرج عليه النفوس من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى، والرسول الإلهي الذي ~~يطالع المؤمن في وجهه جمال الله وجلاله، ففي وجه هذه الفتاة التي عثر بها اليوم قد عثرت ~~بحياتي وسعادتي، ويقيني وإيماني. # وكان يخيل إليه وهو يحدث نفسه بهذا الحديث أن الحب الذي ملأ قلبه قد فاض عنه إلى جميع ~~الكائنات التي يراها بين يديه، فكان يرى في صفحة السماء صورة الحب، ويسمع في حفيف ~~الأشجار صوت الحب، ويستروح في النسيم المترقرق رائحة الحب، ويرى في كل ذرة ثغرا ~~باسما، وفي كل نأمة ms011 عودا ناغما. # ولم يزل يهتف بهذه التصورات حتى انحدر برقع الليل عن وجه الصباح فهجع في مرقده ~~قليلا، ثم قام فنزل إلى الحديقة يترقب نزول ماجدولين إلى متنزهها، فلم تنزل حتى أخذت ~~الشمس مكانها من كبد السماء، فرابه من أمرها ما رابه، فلم ير بدا من زيارة «مولر»، ~~فمشى إلى المنزل بقدم مضطربة وقلب خفاق حتى بلغ الباب، فقرعه، ثم شعر أن شعبة من شعب ~~قلبه قد سقطت بين أضلاعه، وأن لسانه قد التوى عليه فأصبح لا ينطق ولا يبين، فندم على أن ~~لم يكن قد سلك سبيلا غير تلك السبيل، وتمنى لو فترت الخادم قليلا في خطواتها إليه حتى ~~يستجمع رويته وأناته، ويسترد إليه ما تفرق من شمله، فكان له ما تمناه، ولم تفتح ~~«جنفياف» الباب إلا بعد فراغها من شأن كان لها، فسألها: أين «مولر»؟ فمشت أمامه إلى ~~قاعة الأضياف ثم تركته وذهبت لتخبر سيدها بمكانه، وكان يقرأ في قاعة الكتب، فلما خلا ~~«استيفن» بنفسه أخذ يدور بعينيه في جوانب الغرفة، فرأى على مقربة منه بابا مفتوحا ~~يلوح من ورائه سرير قائم، فعلم أنه مخدع «ماجدولين»، فتسمع فلم ير أحدا، فهاجه الشوق ~~إلى اقتحامه فاقتحمه، وهو يعلم أنها المخاطرة بعينها، ولكنه كان على حال لا ينتفع فيها ~~بما يعلم، فدخل واقترب من السرير فوجد الفراش لا يزال مشعثا، ومكان رأس «ماجدولين» من ~~الوسادة لا يزال منخفضا، ورأى بين يدي السرير حوضا مملوء ماء وإلى جانبه كرسي قد ~~انتشر فوقه رداء مبتل، ثم نظر إلى الأرض فرأى بللا بمثل أقداما صغيرة، فعلم أن في ~~هذا السرير كانت ماجدولين نائمة، وفي هذا الماء كانت تتبرد، وبهذا الرداء كانت تتمسح، ~~وعلى هذه الأرض كانت تتنقل، فجمد في مكانه جمود الصنم في هيكله، وأخذ يقول في نفسه: لقد ~~سعد السرير الذي لامسها، والرداء الذي ضمها، والأرض التي لثمت أقدامها، والماء الذي ~~انحدر على جسمها. # ثم مشى إلى الرداء المنتشر فأخذ يلثمه كما يلثم العابد المتشدد ستائر معبده، وتهافت ~~على الأرض يقبل آثار ms012 تلك الأقدام، ثم خيل إليه أنه يسمع من ورائه صوتا، فرجع إلى نفسه ~~وعاد منفتلا إلى مكانه الأول، فما لبث إلا قليلا حتى دخل عليه «مولر» فحياه وقال له: ~~عفوا يا «استيفن» فقد شغلني عنك أني كنت أفتش في قواميس اللغة عن أصول أعلام نباتية ~~ما زلت معنيا بأمرها منذ اليوم، فهل لك أن تكون عونا لي عليها - على شرط ألا تفارق ~~منزلي قبل الغداء، فابتسم «استيفن» ابتسامة الرضا والقبول؛ لأنه علم أنه سيقضي وقتا ~~طويلا في منزل ماجدولين. # ثم ذهبا معا إلى قاعة الكتب فلما أخذا مكانهما منها أنشأ «مولر» يسرد على صاحبه تلك ~~الأعلام التي يقول إنها تشغله، ويشرح له مدلولاتها، وما رآه علماء النبات في مصادر ~~اشتقاقها، وما بدا له من المآخذ عليهم، فإذا ورد في كلامه اسم كتاب قام إلى خزانة ~~الكتب واستخرجه وتصفح أوراقه حتى يجد الكلمة التي يريدها فيتلوها بنغمة الهازئ الساخر، ~~ويقول: هكذا يرى الأستاذ فلان! أما أنا فأرى غير ما يراه، وماذا علي إن بدا لي غير ما ~~بدا له؟ فالعلم ليس وقفا على المؤلفين والمدونين وإنما هو قرع الحجة، ودفع الرأي ~~بالرأي. # وما زال يهدر في حديثه هدير الجمل المخشوش، و«استيفن» لاه يردد النظر إلى باب القاعة ~~من حين إلى حين عله يرى ماجدولين داخلة، فقال له «مولر»: أراك تنظر إلى الباب كثيرا ~~كأنك تخاف أن يلج علينا الغرفة والج فيكدر علينا خلوتنا، فاعلم أنه ما من أحد من هذا ~~المنزل يستطيع أن يخالف أمري ويقتحم علي باب قاعتي من غير إذن، وهنا صاحت الخادم ~~تدعوه إلى الغداء، فلم يقطع حديثه، فصاحت به مرة أخرى، فنهض متثاقلا ومشى متباطئا لا ~~يقطع حديثه حتى وصلا إلى غرفة الطعام، فراع «استيفن» أنه لم ير حول المائدة غير مقعدين، ~~فعلم أن أحدهما له، وأن الآخر لا يمكن أن يكون لأحد غير «مولر»، فوجم وجوم الحزين ~~المكتئب، واستمر يأكل صامتا لا يتحدث ولا يصغي إلى حديث حتى فرغا، فقال له «مولر»: ~~لقد أراد الله بي ms013 خيرا إذ أرسلك إلي في هذا اليوم، فقد كدت لا أجد لي في هذه الوحدة ~~مؤنسا، ولا على هذه المائدة رفيقا، فإن ابنتي سافرت منذ الصباح لزيارة إحدى صواحبها، ~~ولا أحسبها راجعة قبل المساء، فهل لك أن تنزل الحديقة لنرتاض فيها قليلا؟ فنزلا، فما ~~أمعنا فيها إلا قليلا حتى سمع «مولر» صوت الخادم تصيح به من النافذة أن قد عادت ~~سيدتها، فمد يده إلى «استيفن» مودعا، وتركه مكانه حائرا مشدوها، وليس وراء ما به من ~~الهم غاية. ~~(9) الحيرة # كان من أمر استيفن بعد ذلك أنه كلما رأى ماجدولين في الحديقة فر من وجهها وسلك طريقا ~~غير طريقه، ليخلو بنفسه لحظة يصور فيها الموقف الذي يقفه بين يديها، والتحية التي يجمل ~~به أن يحييها بها، فلا يصل إلى ما يريد من ذلك حتى يراها راجعة أدراجها إلى المنزل، ~~فكان يحمل في سبيل ذلك من الهم ما يقلق مضجعه، ويطيل سهده ويحول بينه وبين قراره، فلا ~~يرى بدا من الفرار بنفسه إلى الغابات والأجمات، والهيام على وجهه في قمم الجبال وعلى ~~ضفاف الأنهار ليروح عن نفسه بعض ما ألم بها، واستمر على ذلك أياما طوالا لا يمشي في ~~الحديقة، ولا يرى ماجدولين ولا يزور «مولر» حتى تلفت نفسه، وذهب به اليأس كل مذهب، ~~فعاد يوما من بعض مذاهبه محموما لا يكاد يتماسك ضعفا واضطرابا، فلزم غرفته أياما ~~يعالج من داء قلبه وداء جسمه ما لا طاقة له باحتماله، وكأن «جنفياف» قد ألمت بجملة حاله ~~فكاشفت بها سيدها، فصعد إلى غرفته ليعوده فرآه مستفيقا بعض الاستفاقة، فسأله عما به ~~فانتحل له عذرا، فجلس إليه يحادثه ساعة، فلما أراد القيام مد «استيفن» يده إلى طاقة ~~بنفسج كانت في آنية إلى جانب وسادته وقال له: إني جمعت هذه الطاقة لماجدولين؛ لأني أعلم ~~ولعها بالغريب المستطرف من الزهر، فلعلك تنوب عني في تقديمها إليها، فأخذها «مولر» ~~شاكرا وانصرف. # ومرت بعد ذلك أيام كان فيها «استيفن» بين يأس الحياة ورجائها حتى أدركته رحمة الله ~~فأبل من مرضه، ms014 فنزل إلى الحديقة وقد استقر في نفسه العزم على ألا يفر من وجه ~~ماجدولين إذا رآها، وأن يتقدم نحوها فيحييها ويحادثها، وينفض لها جملة حاله، ولم ينشب ~~أن رآها مقبلة عليه وجها لوجه، فلم ير سبيلا للفرار من بين يديها، فحياها فحيته، ثم ~~أغضى فأغضت، فلم ير بدا من المخاطرة بكلمة يخرج بها من هذا الصمت المعيب، فاستنصر ~~قوته وتجمع تجمع من يريد الوثوب فوق هوة عميقة، وأراد أن يقول شيئا فسمعها تتكلم، ~~فاستفاق وحمد الله على أن كفاه تلك المئونة، فقالت: أراك يا سيدي شاحب اللون، خائر ~~النفس، فلعلك عالجت من مرضك هذا عناء كبيرا، قال: نعم، قالت: أشكر لك يا سيدي هديتك ~~الثمينة التي بعثت بها إلي، ولقد أعجبني منها أن تلك الزهرة هي أحب الزهور إلي، ~~فكأنما ألهمت ما في نفسي، وإني أعجب لشعرائنا في إغفالهم ذكر هذه الزهرة في أشعارهم كما ~~ذكروا غيرها مما لا يقوم مقامها، ولا يكافئها في حسنها وروائها، ولا أذكر أني قرأت لأحد ~~منهم شعرا فيها إلا قطعة صغيرة لشاعرنا «جيتي»، وهنا وجد «استيفن» متسعا في الحديث ~~عن الشعر والشعراء، والنبات والزهر، فاستمر يحادثها ساعة حتى حان وقت رجوعها، فودعته ~~وانصرفت، فصعد إلى غرفته وقد عزم أن يراسلها فيما عجز عن مفاتحتها فيه. ~~(10) من سوزان إلى ماجدولين # كنا على أن نزورك في قريتك يا ماجدولين أنا ووالدي فحدث حادث حال بيننا وبين ذلك: ~~دعانا أحد الأصدقاء لزيارته في بلدته - وهي على بعد ثلاثة فراسخ من قريتنا ولا تبعد عن ~~قريتك إلا قليلا - فذهبنا إليه صبيحة يوم وقضينا في منزله عدة ساعات حتى إذا زلفت ~~الشمس عن كبد السماء خرج القوم إلى الخلاء للتنزه في غاباته وأجماته، وأنت تعلمين فيما ~~تعلمين من أمري أنني لا أجد في نفسي تلك اللذة التي يجدها الشعراء المتخيلون في جمال ~~الطبيعة وحسنها، وبهجتها وروائها، ولا أغتبط بما يغتبطون به من منظر الغابات والأحراش ~~والجبال والآكام، ولا أطرب لخرير الماء، ودوي الريح، وهزيم الرعد، وحرارة الشمس ، ووعث ~~الطريق، ms015 وخشونة الأرض، واقتحام الصخور، والتعثر بين أغوار الفلاة وأنجادها، كما يطربون، ~~ولكنني لم أر بدا من مصانعتهم ومجاملتهم، فمشيت صامتة ومشوا يتحدثون بجمال الحياة ~~القروية، ويتمدحون بعيش العزلة بين سكون الطبيعة وهدوئها، وجمال الكائنات وجلالها، ~~والله يعلم أنه ما من أحد منهم يعلم من نفسه أنه صادق فيما يقول، أو أنه يتمنى لنفسه ~~ذلك الشقاء الذي يحسد الأشقياء عليه، فكان مثلهم في ذلك كمثل أولئك الكتاب المرائين ~~الذين يكتبون الفصول الطوال في مدح الفلاح والتنويه بذكره، والثناء على يده البيضاء في ~~خدمة المجتمع الإنساني، حتى إذا مر ذلك المسكين بأحدهم وأراد أن يمد يده لمصافحته تراجع ~~وكفكف يده ضنا بها أن تلوثها بأقذارها تلك اليد السوداء. # وما زلنا كذلك حتى بلغنا شاطئ النهر فراعنا أنا رأينا هناك جمعا عظيما من الناس ~~يندفع فوق الشاطئ الآخر تدفع الموج المتراكب، ويشير إلى الماء بأصابعه وينادي: الغريق ~~الغريق، والنجدة النجدة! فالتفتنا حيث أشاروا، فإذا رجل بين معترك الأمواج يصارع الموت ~~والموت يصرعه، ويغالب القضاء والقضاء يغلبه، يطفو تارة فيمد يده إلى الناس فلا يجد يدا ~~تمتد إليه، ويرسب أخرى حتى تنبسط فوقه صفحة النهر فتحسبه من الهالكين، وما زال يتخبط ~~ويتشبث، ويظهر ثم يختفي، ويتحرك ثم يسكن، حتى كل ساعده، ووهت قوته، وابيضت عيناه، ~~واستحال أديمه، ولم يبق أمام أعيننا منه إلا رأس يضطرب، ويد تختلج، فبكى الباكون، ~~وأعول المعولون، ونظر الناس بعضهم إلى بعض كأنما يتساءلون عن رجل رحيم، أو شهم كريم، ~~وإنهم لكذلك إذا رجل عار يدفع الجمع بمنكبيه، وينزلق بين الناس انزلاق السهم إلى ~~الرمية، حتى ألقى بنفسه في النهر وسبح حيث هبط الغريق فهبط وراءه، وما هي إلا نظرة ~~والتفاتة أن انفرج الماء عنهما فإذا هما صاعدان، وقد أمسك الرجل بذراع الغريق، فكبر ~~الناس إعجابا بهمة المخلص، وفرحا بنجاة المسكين. # ولكن ما كدنا نستفيق من هذا المنظر المحزن حتى راعنا منظر آخر أجل منه وقعا وأعظم ~~هولا، فقد رأينا الغريق كأنما جن جنونه فظن أن مخلصه يريد به شرا، ms016 وأنه ما أمسك ~~بذراعه إلا وهو يريد أن يهوى به إلى قاع الماء فيعيده سيرته الأولى، فأفلت منه وضربه ~~بجمع يده في صدره ضربة شديدة، ثم أنشب أظافره في عنقه ولفه بساقيه لفة خلنا أن عظامه ~~تئن لها أنينا، فاستيأس الرجل وعلم أنه هالك ما من ذلك بد، فرفع يديه إلى السماء ~~وهتف باسم أظنه اسمك يا ماجدولين، فلم أفهم ماذا يريد ولا من هي تلك التي يريد، ثم ما ~~لبثنا أن هوى الماء بهما، وجرى مجراه فوقهما، فخفقت القلوب، ووجفت الصدور، وخفتت ~~الأصوات، وامتدت الأعناق، وتواثبت الأحشاء، وتزايلت الأعضاء، ومشى اليأس في الرجاء مشي ~~الظلال في الأضواء؛ ومرت على ذلك دقائق لا تضطرب فيها موجة، ولا تهب نسمة، ففزعت إلى ~~أبي ذاهلة حائرة وقلت: أيتعذب الغرقى كثيرا في مصارعة الموت؟ فبكى لبكائي وقال: نعم يا ~~بنية، ولقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يدور بيده في قاع الماء يفتش عن حجر يضرب به رأسه ضربة ~~قاضية يستريح من الآلام والأوجاع، فركعت على كثيب من الرمل ورفعت إلى السماء يدي وقلت: ~~اللهم إنك أعدل من أن تجازي بالإحسان سوءا وبالخير شرا، فلقد أبلى هذا الرجل في ~~إنقاد هذا الغريق بلاء حسنا، وبذل في سبيل ذلك من ذات نفسه ما ضن به الناس جميعا، ~~فامدد يدك البيضاء التي طالما مددتها لإنقاذ البائسين، واكشف عنه كربته التي يعالجها، ~~إنك أرحم الراحمين. # ثم استغرقت في دعائي، فلم أعد أشعر بشيء مما حولي، حتى سمعت ضجة على الشاطئ فاستفقت، ~~فإذا النهر يتثاءب عن الرجل، وإذا الرجل صاعد وحده حتى بلغ سطح الماء، فهتف به الناس: ~~أن انج بنفسك فقد أبليت! فأبى عليه كرمه ووفاؤه أن يكون قاسيا أو منتقما، فألقى بنفسه ~~في الماء مرة أخرى، وعاد بالغريق يحمله على كتفه، وما زال يسبح به حتى بلغ الشاطئ، ~~فسقطا جميعا، فتولى القوم أمرهما، وما زالوا بهما حتى أفاقا، فمشى الغريق إلى مخلصه ~~بعد ما ألم بقصته معه يتوجع له ويمسحه، ويشكر له يده عنده، ويعتذر له عن ms017 ذنبه إليه، ثم ~~انتفض الجمع وبقي الرجل وحده فلبس ثيابه ثم مشى يتحامل على نفسه إلى شجرات بنفسج كن على ~~الشاطئ، فأخذ يقتطف من زهراتها ويضعها في منطقته كأنما يريد أن يتخذ منها طاقة يجعلها ~~لتلك الحادثة تذكارا، فتركناه على حاله وعدنا إلى المنزل صامتين محزونين، وقد فاتنا ما ~~كنا نؤمل من زيارتك في ذلك اليوم. # لا أستطيع أن أكتب إليك غير هذا، فقد أصبحت لا أذكر تلك الحادثة إلا وأجد لذكراها من ~~الألم في نفسي ما يخيل إلي أنها حاضرة من يدي، وربما كتبت إليك فيما بعد، ~~والسلام. ~~(11) المكاشفة # مال ميزان النهار، وانحدرت الشمس إلى مغربها، ودب الظلام في الأضواء دبيب البغضاء في ~~الأحشاء، وسكن كل صوت إلا صوت العصافير المزدحمة على أبواب أعشاشها، وجلس «استيفن» في ~~الحديقة تحت أشجار الزيزفون يترقب نزول ماجدولين، وقد كتب لها كتابا نطق فيه قلمه بما ~~عجز عنه لسانه، فنشره بين يديه وأنشأ يقلب نظره فيه؛ فخيل إليه أنه غير مستعذب ولا ~~سائغ، وأن في كل جملة من جمله موضع ضعف، فاستقر رأيه على أن يطويه حتى يكتب لها خيرا ~~منه، ثم رآها مقبلة نحوه تحمل في يدها كتابا، فلما دنت منه ابتسمت له وقالت: أتذكر يا ~~سيدي مكان الشجرات التي اقتطفت منها زهرات البنفسج التي أهديتها إلي؟ فاضطرب لسؤالها، ~~وقال: نعم، إنها على ضفة نهر صغير يبعد فرسخا أو فرسخين، قالت: اقرأ هذا الكتاب فإن لك ~~فيه ذكرا، فأخذ منها كتاب سوزان في حادثة الغريق وأمر نظره عليه إمرارا فعرف كل شيء، ~~فرده إليها صامتا وهو لا يدري ماذا يقول، فقالت: إنك تكتم عني نفسك يا «استيفن»، فقد ~~عرفتك وعرفت يدك البيضاء في حادثة الغرق وبلاءك فيها، وما عالجت من آلام الحمى على ~~أثرها، ثم مدت يدها إليه مصافحة، فلم يكن بين تلامس كفيهما وخفوق قلبيهما إلا كما يكون ~~بين تلامس أسلاك الكهرباء واشتعال مصابيحها، ولبثا بعد ذلك ساعة صامتين لا ينطقان، إلا ~~أن في الجبين لغة لا تقرؤها إلا العيون، فقرأ ms018 «استيفن» في وجه ماجدولين لوعة الحب وألم ~~الحزن، واضطراب الجأش وحيرة النفس، وقرأت في وجهه الحب والسعادة والدهشة، والسرور ~~المتلألئ والدمع المترقرق، فهاجها هذا المنظر، فأرسلت من محاجرها أول دمعة من دموع ~~الحب، فبكى لبكائها، وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم، وشعر في نفسه وقد ضمها إليه ~~بتلك العاطفة اللذيذة التي يجدها الغريب النائي عن أهله وجيرانه إذ لاقى في مطارح غربته ~~غريبا مثله يأوي إليه، ويحنو عليه، ثم أخذ بيدها فألصقها بكبده كما يفعل المريض بيد ~~عائده ليدله على موضع ألمه، وكأنما هو يقول لها: إن لغة اللسان لا تكشف لك عما اشتملت ~~عليه أضالعي من الوجد بك، والحنين إليك، فالمسي قلبي بيدك لتعرفي مكنونه، وتكشفي غامض ~~سريرته، ثم خر راكعا بين يديها وقال: أتحبينني يا ماجدولين؟ فلم تجب، فأعاد كلمته ~~فاستمرت في صمتها، فمد يده إليها ضارعا وقال: رحماك يا ماجدولين، إنني أخاف أن أكون في ~~حلم، وأن تكون هذه السعادة التي أراها بين يدي خيالا من الخيالات الكاذبة التي كانت ~~تتراءى لي في أحلامي الماضية فأغتبط بها وأسكت إليها حتى إذا ما استفقت وجدت يدي صفرا ~~منها، فأسمعيني كلمة الحب لأعلم أنك حاضرة لدي، وأنني لست واهما ولا حالما. # ومرت بهما على ذلك ساعة لا يعرف مكانها من نفسهما إلا من مرت به في يوم من أيام شبابه ~~ساعة مثلها، فقد كانا يشعران أنهما في معزل عن العالم، وأن مكانهما من تلك الحديقة في ~~انفرادهما وسكونهما وهنائهما وغبطتهما مكان آدم وحواء من جنتهما، قبل أن يأكلا من ~~الشجرة ويهبطا إلى الأرض، وأن روحهما قد تجردت عن جسمهما فطارت ترفرف بأجنحتها في فضاء ~~الملأ الأعلى، فرأت مدارات الشموس في أفلاكها، وحركات الكواكب في منازلها، ومرت بين ~~صفوف الملائكة، وسمعت زجلها وتسبيحها تحت قوائم العرش، ودخلت جنة الخلد فرأت حورها ~~وولدانها، ولؤلؤها ومرجانها، وروحها وريحانها. # فلم يستفيقا من غمرتهما حتى سمعت ماجدولين صوت «جنفياف» تناديها، فمدت إليه يدها ~~مودعة، وهي تقول: غدا في مثل هذه الساعة في هذا المكان، ms019 فمد يده إليها ذاهلا لا يعلم ~~ماذا يراد به، ثم مضت، ومضى بنظراته على آثارها حتى اختفت آخر طية من طيات ردائها ~~الأبيض، فجمد في مكانه ساعة لا يتحرك ولا يلتفت، كأنما يتخيل أنها لا تزال جالسة بين ~~يديه، فلما سمع خفق بابها دار بعينيه حول نفسه يمنة ويسرة، فعلم أنه جالس وحده. ~~(12) النشوة # خرج «استيفن» بعد ذهاب ماجدولين هائما على وجهه يعدو في عرض الفضاء، ينحدر إلى يمينه ~~وإلى يساره أخرى، كأنما يريد أن يشهد الأرض والسماء، والبحار والأنهار، والجبال الشماء، ~~والسهول الفيحاء، والحيوان الناطق، والجماد الصامت، على سروره وغبطته، وكان يشعر في ~~نفسه أن السعادة التي نالها هي فوق ما يحتمل طوقه، فكان كلما مر بأحد من الناس حدثته ~~نفسه أن يفضي إليه بقصته ليحمل عنه جزءا من سعادته، ومر بأطفال يلعبون فجمعهم حوله ~~وأخذ يقبلهم واحدا بعد واحد، ثم نثر عليهم كل ما معه من المال، وبوده لو ملك مفاتيح ~~الأرزاق فأسبغ على الناس جميعا أنعمه وآلاءه فمحا بؤسهم وشقاءهم، وما زال يتغلغل في ~~أحشاء الظلام متيامنا متياسرا، صاعدا منحدرا، حتى رأى باب الحديقة مفتوحا بين ~~يديه، فاقتحمه ومشى إلى مكانه الأول، فجلس فيه وأخذ ينظر إلى شعاع النور المنبعث من بين ~~ستائر غرفة ماجدولين، فخيل إليه أنه يرى قيامها وقعودها، وجيئتها وذهابها، ويسمع حفيف ~~ثوبها، وخشخشة أوراق كتابها، حتى انطفأ المصباح، فصعد إلى غرفته وجلس إلى مكتبه يكتب ~~إليها كتابا طويلا، ثم نال منه التعب فقام إلى سريره ونام نوما هادئا لذيذا حلم ~~فيه أحلاما ما رأى مثلها بعد ليالي طفولته الجميلة. ~~(13) من استيفن إلى ماجدولين # لا أزال أشعر حتى الساعة بجمال ذلك المقام الذي قمته بين يديك أمس، ولا أزال ألمس ~~صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي مخافة أن يكون قد طار سرورا بتلك السعادة ~~التي هي كل ما يتمنى المخير أن يكون، والتي لا أعتقد أن أبناء الخلود يقدرون ~~لأنفسهم في دار نعيمهم خيرا منها، ولو أن لامرئ أن يعبد من يسدي ms020 إليه أفضل النعم ~~وأسبغها، وأجمعها لكل خير وبر، لوجدتني يا ماجدولين ساجدا بين يديك في كل مطلع شمس ~~سجود العبد الشاكر للإله المنعم. # إن الله لم يهب لي نعمة الجمال التي وهبها لك، ولم يجملني بمثل ما جملك به من رقة ~~الحس، وعذوبة النفس، فإن أنت أحببتني فقد أحببت فتى مجردا من مزايا الفتيان لا يستطيع ~~أن يمت إليك بمثل ما تمتين به إليه، ولا أن ينيلك من السعادة ما أنلته منها، فإن كنت ~~ترين أن الإخلاص في الحب والوفاء بالعهد وهبة النفس هبة خالصة بلا ندم ولا أسف مزية ~~أستحق لها محبتك فها أنا ذا أقدمها بين يديك، فتقبليها مني وقولي إنك سعيدة بي، كما أنا ~~سعيد بك. ~~(14) العهد # قدم «استيفن» كتابه إلى ماجدولين يدا بيد، فدهشت حينما رأته وألقت عليه نظرة الحائر ~~المتردد، فنظر إليها «استيفن» نظرة المتوسل المستعطف، فتناولته منه وخبأته في ثنايا ~~صدارها، وقالت: أصحيح يا «استيفن» ما حدثتني به «سوزان» في كتابها أن اسمي كان آخر ~~كلمة هتفت بها في الساعة التي كنت تحسب أنها آخر ساعاتك في الحياة؟ قال: نعم، ولقد نلت ~~ببركة هذا الاسم ما كنت أقدر لنفسي من النجاة عندما هتفت به، فقد علمت أن الله ما منحك ~~هذه المنحة من الجمال، ولا جملك بما جملك به من محاسن الخلال، إلا وأنت آثر بنات حواء ~~عنده، وأكرمهن عليه، فهو أضن بك من أن يجرح قلبا يخفق بحبك، أو يخرس لسانا يهتف ~~بذكرك، فعذت باسمك في شدتي كما يعوذ المؤمن في شدته باسم الله، فكان لي خير معاذ ~~وملاذ. # قالت: إنك قد لقيت في شدتك هذه عناء كثيرا ولقد كنت فيما فعلت من القوم المحسنين، ~~قال: ما كنت محسنا قبل اليوم، ولكنه الحب يملأ القلب رحمة وحنانا، ويصغر في عينيه ~~عظائم الأمور وجلائلها، ويوحي إليه أفضل الأعمال وأشرفها، أما ما لقيت في ذلك اليوم فقد ~~كان فوق ما يحتمل المحتمل، فقد خيل إلي أنني أهوى في منحدر لا أعرف له قرارا ، وأن ~~جسمي ms021 يتفتح عن روحي تفتحا فتملس منه إملاس الفرخ من بيضته، فلما ذكرتك استروحت من ~~ذكراك ما استروح يعقوب من قميص يوسف، فلما نجوت علمت أنك سبب نجاتي، فما بلغت الشاطئ ~~حتى جمعت تلك الزهرات فأرسلتها إليك تذكارا لتلك النعمة السابغة التي أسديتها إلي، ~~فمدت يدها إلى صدرها، وأخرجت منه طاقة زنبق وقالت: إن أبي قد جمع لي هذه الأزهار صباح ~~هذا اليوم فأنا أقدمها إليك ردا لتحيتك التي حييتني بها، فتناولها منها ونثرها بين ~~يديه، وأخذ يؤلف بين أشتاتها وينظمها في سلك مستدير حتى صارت إكليلا جميلا، فوضعه ~~على رأسها وقال: إن من يرى هذا الإكليل الزاهر فوق هذا الجبين الساطع لا يرى إلا أنه ~~إكليل عرس على رأس عروس، فأخذت كلمته هذه مأخذها من نفسها، فأطرقت قليلا ثم رفعت رأسها ~~فإذا دمعة رقراقة تترجح في محجريها، فقال: لا تبكي يا ماجدولين، فما في قوى هذا ~~العالم كلها قوة تستطيع أن تحول بيني وبينك، قالت: إنما أبكي خوفا من الحب، وما أنا ~~إلا فتاة مسكينة منقطعة، أشعر بالحيرة التي تشعر بها كل فتاة لا أم لها ترشدها، ولا ~~ناصر لها يعينها، قال: ألا تعتقدين أن قلبك نقي طاهر؟ قالت: ذلك ما أعتقده وأشهد الله ~~عليه، قال: إذن فالله هو الذي ينصرك ويعينك، وهو الذي يأخذ بيدك في حيرتك، وينير لك ~~السبيل في ظلمات هذه الحياة. # لا تخافي من الحب يا ماجدولين، ولا تخافي من غضب الله فيه، واعلمي أن الله الذي خلق ~~الشمس وأودعها النور، والزهرة وأودعها العطر، والجسم وأودعه الروح، والعين وأودعها ~~النور، قد خلق القلب وأودعه الحب، وما يبارك الله شيئا كما يبارك القلبين الطاهرين ~~المتحابين؛ لأنهما ما تحابا إلا إذعانا لإرادته، ولا تعاقدا إلا أخذا بسنته في عباده، ~~فامددي إلي يدك، وأقسمي بما أقسم به أن نعيش معا، فإن قدر لنا أن نفترق كان ذلك ~~الفراق آخر عهدنا بالحياة، فمدت إليه يدها فتقاسما وتعاهدا، وكانت الشمس قد انحدرت إلى ~~مغربها فافترقا. ~~(15) من استيفن إلى ماجدولين # كتبت إليك ms022 كثيرا، فلم تكتبي إلي كثيرا ولا قليلا؛ لأنك تعتقدين ما يعتقده كثير ~~من النساء من أن المرأة التي تكتب إلى حبيبها كتاب حب آثمة أو غير شريفة، أما أنا ~~فأعتقد أنها إن لم تفعل فهي مرائية مصانعة؛ لأن المرأة التي وهبت قلبها هبة خالصة لا ~~يخالطها شك ولا ريبة لا ترى مانعا يمنعها من أن تكتب لحبيبها في غيبته بمثل ما تحدثه ~~به في حضرته. # إن الحيطة في الحب رأي تراه لنفسها المرأة البغي التي تتخذ لها كل يوم حبيبا تقسم ~~بين يديه بكل محرجة من الأيمان أنها ما فتحت قلبها لزائر قبله، فهي تخاف أن تسجل ~~بيدها على نفسها في يومها ما يفسد عليها أمرها في غدها، أما المرأة الشريفة فما أغناها ~~عن ذلك كله؛ لأنها تحب فتخلص، فتقول فتكتب ما تقول. # اكتبي إلي يا ماجدولين، فإن الذي يستطيع أن يكتم سر حديثك لا يعجز عن أن يكتم سر ~~كتابك، واعلمي أن رجلا غيري ذلك الذي يتخذ من رسائلك سيفا يجرده فوق عنقك إن بدا لك ~~في الفرار منه رأي، وإن فتاة غيرك تلك التي ترضى لنفسها أن تهب قلبها إلى رجل يتجر ~~بأسرار النساء. ~~(16) البحيرة # مضت على «استيفن» وماجدولين بعد ذلك أيام كانا يلتقيان فيها في المنزل أو الحديقة أو ~~في الغابة أو على ضفة النهر، وكثيرا ما كانا يجلسان بجانب شجرات البنفسج، ويذكران ~~حادثة النهر، وطاقة الزهر، وأحيانا كانا ينزلان في زورق صغير يسيران به في البحيرة ~~ساعة أو ساعتين ثم يعودان. # فنزلا في الزورق يوما وكانت الشمس قد لبست ثوبها الثالث، ثم ما لبثت أن هوت إلى ~~مستقرها على أن ترسل من خلفها سليلها القمر إلى هذا الوجود ليقوم عنها بحراسته حتى تعود ~~إليه، فأمعنا في البحيرة، وكانت هادئة ساكنة كصفحة المرآة، وكان النسيم باردا رطبا ~~يترقرق فيلامس الوجوه بخفة كما تلامس يد الحسناء وجه حبيبها، وقد سكن كل شيء إلا صوت ~~قطرات الماء المنحدرة من المجاذيف إلى البحيرة، ونقيق الضفادع من حين إلى حين، ثم ms023 هتك ~~القمر ستر الظلام وأرسل أشعته الزرقاء إلى الزورق والبحيرة والشاطئ وما وراء ذلك، فكانا ~~يريان على ضوئه بعض الأشجار كأنها أشباح متحركة، ويتخيلان أن عيون الحشرات السارية ~~بين لفائف الأعشاب شرر ينقدح، فلذ لهما هذا المنظر البديع، وذلك السكون العميق، وتلك ~~الوحدة التي لا يكدرها عليهما مكدر، وتركا الزورق يمشي بهما حيث يشاء، وينحدر كما ~~يريد. # وظلا يتحدثان، فقال «استيفن»: إني أوثر يا ماجدولين أن يكون البيت الذي نسكنه في ~~المستقبل على شاطئ بحيرة كهذه البحيرة، وأن يكون لنا زورق أوسع من هذا الزورق وأجمل منه ~~شكلا، نقضي فيه الليالي المقمرة بين الرياضة والصيد والاستحمام، ولا بد أن يكون للمنزل ~~حديقة صغيرة ونغرس بها ما نشاء من الكروم والأعناب والأزهار والأنوار، وسأتولى بنفسي ~~غرس شجرات البنفسج لك، وسأنشر على جدران الحديقة والمنزل غلائل رقيقة من الخضرة ~~اليانعة، أما المنزل فأرى أن يكون مشتملا على طبقتين، طبقة عليا يكون فيها أربع غرف، ~~غرفة للأضياف، وأخرى للمكتبة، وأخرى للملابس، وصمت لحظة، ثم قال: أما الرابعة فهي التي ~~تكون لي ولك، فاحمرت ماجدولين خجلا ثم قالت: لقد فاتك أن تذكر غرفتين أخريين: إحداهما ~~لأخيك، والثانية لأبي، قال: نعم، لقد فاتني ذلك، فلا بد إذن أن تكون الطبقة العليا ~~مشتملة على ست غرف، أما الطبقة السفلى فتشتمل على قاعة الطعام، ومخزن المئونة، وبيت ~~الخدم والحمام، إلى ما يلحق ذلك من مرافق البيت وحاجاته، قالت: لقد فاتك أيضا أن ~~الحديقة لا يجمل منظرها إلا إذا كان في وسطها حوض صغير يتدفق ماء نميرا، قال: نعم ~~وسنتخذه لتربية الأسماك الملونة، ولا يفوتنا أن نحوطه بسياج عال من الأغصان المشتبكة ~~وقاية لأطفالنا الصغار. # فأخذت هذه الكلمة مأخذها من نفس ماجدولين، واصفر لها وجهها، ثم أطرقت برأسها طويلا، ~~فحنا عليها «استيفن» وسألها عما بها، فرفعت رأسها فإذا هي تبكي، فقال: ما بك يا ~~ماجدولين؟ قالت: إن الدهر يا «استيفن» أضن بالسعادة من أن يهبها كلها لشخص واحد، وأخاف ~~أن نكون كاذبين في آمالنا، أو مخطئين في تصور ms024 مستقبلنا، فليت الدهر - إن كان يعلم أنه ~~سيحول بيننا وبين سعادتنا في المستقبل ويكدر علينا صفو عيشنا بفاجعة من فواجعه أو ~~نازلة من نوازله - أن يمد إلينا يده في هذه الساعة فيستل حياتنا من يدي أجلنا؛ لتخف في ~~أفواهنا مرارة الموت! قال: لا تخافي يا ماجدولين، فإن سلطان الدهر لا يمتد إلى مواقف ~~الحب إلا إذا أراد المحبون أنفسهم أن يكون له هذا السلطان عليهم، فكوني معي أتخذ من حبك ~~عدة أنازل بها حوادث الدهر وأرزاءه، وأفسد عليه حوله وقوته، فصمتت واجمة، ثم ألقت نظرها ~~على البحيرة ومجرى الزورق منها وقالت: لو أن لامرئ أن يتمنى لنفسه ما يشاء لتمنيت أن ~~يكون هذا الطريق الذي نسير فيه طريق الأبدية، وأن يظل هذا الزورق مطردا بنا في مسيره، ~~لا يقف في طريقه شيء حتى يلج بنا أبواب السماء. # ثم تنفست الصعداء وقالت: حسبنا يا «استيفن» فقد أوشك القمر أن يغيب، وأنا لا أحب أن ~~أرى مغيبه؛ لأني أخاف أن تغرب سعادتنا بغروبه، فنظر إليها واجما مكتئبا، كأنما دار ~~بنفسه ما دار بنفسها من المخاوف والأوهام، ثم قام إلى المجاذيف يحركها، واضطجعت تحت ~~قدميه، وما زالا كذلك حتى بلغا الشاطئ، ثم مشيا حتى بلغا المنزل، فلما أرادا أن يفترقا ~~أدنى يدها من فمه يحاول أن يقبلها فأبت، فقبلها في جبينها فارتعدت، وألقت عليه نظرة ~~عتب أخذت من نفسه مأخذها وانصرفت. ~~(17) من ماجدولين إلى استيفن # ماذا صنعت يا «استيفن»؟ إنك سلبتني الليلة الماضية راحتي وسكوني، فإني كلما تذكرت تلك ~~القبلة التي وصمت بها جبيني شعرت كأن نارا مشتعلة تتأجج بين أضالعي، وأن صحيفتي التي ~~لم تزل بيضاء حتى ليلة أمس قد أصبحت تضطرب في بياضها الناصع نقطة سوداء، فأحاول أن ~~أطردها من أمامي فأكون كالأرمد الذي يحاول أن يطرد الغشاوة السوداء من عينيه فلا ~~يستطيع، لقد سكبت عيناي كثيرا من العبرات، وتوسلت كثيرا إلى الله تعالى، أن يغفر لي ~~ذنبي، ولا أدري ما هو صانع بي؟ ولا كيف أستطيع أن أقف بين يديه ms025 يوم الحساب بهذا الجبين ~~المسود من الإثم، وهذا الوجه المحمر من الخجل؟ لا أكتمك يا سيدي أنني لولا أن عزيت نفسي ~~عن هذه النكبة بأنك أخذت مني تلك القبلة أخذا ولم أمنحها لك منحة لقتلت نفسي بيدي، لا ~~تعد إلى مثلها يا «استيفن» إلا إذا أردت أن تراني يوما من الأيام بين يديك جثة ~~هامدة. ~~(18) من استيفن إلى ماجدولين # ما كنت أعلم قبل اليوم أن الفتاة التي تحب وتعاهد من تحب، وتقسم بين يدي حبيبها يمين ~~الإخلاص والوفاء على أن تكون له كما يكون لها، وألا تجعل ليد غير يد الموت سبيلا إلى ~~التفريق بينهما، تستكثر عليه قبلة شريفة يأخذها من جبينها كما يأخذها الأخ من جبين ~~أخته، والمتعبد من يد كاهنه. # ما أحسب إلا أنك قد خدعت نفسك بنفسك يا ماجدولين حين ظننت أنك عاشقة، وما أنت من الحب ~~في شيء؛ لأن الفتاة التي تحب لا ترى بأسا في أن تمنح القبلة لحبيبها منحة، ولا تنتظر ~~أن يأخذها منها أخذا. # الآن عرفت أن بكاءك بين يدي، واضطراب يدك في يدي، وخفوق قلبك عند رؤيتي، إنما كان ~~أثرا من آثار الخوف لا مظهرا من مظاهر الحب، وأن عطفك علي وتحببك إلي ولصوقك بي ~~لم يكن لأنك كنت تحبينني، بل لأن فتاة مسكينة ضعيفة مثلك لا بد لها أن تشعر بالميل إلى ~~كل رجل قوي بجانبها. # تقولين لي إنك قضيت ليلك أمس معذبة، لا يهنأ لك مضجع، ولا يغتمض لك جفن، أما أنا ~~فأقول لك: إني لم أقض في حياتي ليلة أهنأ من تلك الليلة؛ لأني بت أتخيل تلك القبلة التي ~~تناولتها من جبينك كأنها ثغر منضد يبتسم إلي أرق ابتسام وأعذبه، فأشعر بروح الحب تدب ~~في أعضائي دبيب الحميا في وجه شاربها؛ أما اليوم فإني أصبحت أتخيلها تمثالا جامدا من ~~الحجر الصلد ماثلا بين يدي لا يتحرك ولا ينطق. # عفوا يا ماجدولين، فإني ما تناولت تلك القبلة من جبينك إلا وأنا أعتقد أني أقبل ~~زوجتي؛ لأني لا أرى فرقا بين ms026 عهد الإخلاص الذي يؤخذ بين يدي الحب وعقد الزواج الذي ~~يعقد بين يدي الكاهن، وأشكر لك تلك الساعات القليلة التي سعدت فيها على يدك، وإن كانت ~~سعادة موهومة، ويمكنني أن أقول لك إني ما نقضت - حتى الساعة - ذلك العهد الذي عاهدتك ~~عليه، وإني لا أزال أحبك كما كنت؛ لأني ما كنت أحببتك لأجازيك على حب بمثله، ولا لأنك ~~جميلة أو عاقلة أو ذكية، ولا لشيء مما يحب الرجال له النساء، بل أحببتك للحب نفسه، ~~والسلام. ~~(19) من ماجدولين إلى استيفن # عفوا يا «استيفن»، فما كنت أحسب أن كلمتي بالغة منك ما بلغت، أو أنها ذاهبة بك هذه ~~المذاهب كلها، فاغفر لي ذنبي، فوالله ما احتفظت بعرضي إلا لك، ولا منعتك نفسي اليوم إلا ~~لأبذلها لك غدا، أنت اليوم حبيبي وغدا تكون زوجي، وكل ما صنعته أني توسلت إلى حبيبي ~~أن يزفني طاهرة نقية إلى زوجي، أما الخداع الذي تذكره في كتابك فأنا أعتقد أنك تعلم من ~~أمري غير ما تقول، ولكنك غضبت فقلت غير ما علمت. ~~(20) من مولر إلى استيفن # أكتب إليك كتابي هذا ويدي ترتعد خجلا، ونفسي تسيل حزنا؛ لأني ما كنت أقدر في نفسي ~~أن ستمر بي ساعة من ساعات حياتي أرى نفسي مضطرا أن أقول لصديقي الذي أجله وأعظمه ~~وأنزله من نفسي خير منزلة: إني لا أستطيع أن أستقبلك في منزلي بعد اليوم، بل لا أستطيع ~~أن أحتمل بقاءك في المنزل الذي أسكنه وتسكنه ابنتي؛ لأن لي شرفا أبقي عليه أكثر مما ~~أبقي على صداقة الأصدقاء، على أنني أرجو ألا تزال تعدني صديقك المخلص إليك، كما ~~أني لا أزال أعدك كذلك، وإن فرقت بيننا الأيام. ~~(21) حديث # جلست ماجدولين في غرفتها تخيط ثوبا لها، ربما كانت تعده لليلة عرسها، فندرت إبرتها ~~من يدها، فرفعت رأسها فإذا أبوها ماثل بباب الغرفة، فدهشت لمرآه، وراعها منظر سكونه ~~وجموده، ثم مشى إليها بقدم مطمئنة حتى وضع يده على عاتقها وقال: أتعلمين يا ماجدولين ~~أني أرسلت «جنفياف» الساعة بكتاب إلى «استيفن » أمنعه فيه ms027 من دخول بيتي، بل أمنعه من ~~البقاء في منزلي؟ قالت: لا أعلم من ذلك شيئا، ولا أعرف لصنيعك هذا سببا، قال: لا سبب ~~له إلا أنه يحبك، قالت: إنه لا يحبني، ولكنه يحب أن يتزوج بي، قال: ذلك ما لا أريد أن ~~يكون، قالت: ولماذا؟ قال: لأنه لا يصلح أن يكون زوجا لك، قالت: أنا أعلم أنك اتخذته ~~لنفسك صديقا، وأنك تعرف له مكانه من الفضل والنبل، فكيف ترضى أن تتخذ لنفسك صديقا من ~~لا ترى أنه لا يصلح أن يكون لابنتك زوجا؟ قال: إني أصادقه لأنه شخص كريم، ولا أحب أن ~~أصاهره؛ لأنه بائس فقير، فقد عثرت اليوم بكتاب سقط منه فقرأته فعرفت أنه لا يملك ما ~~يقوت به نفسه، فأحرى ألا يملك ما يقوت به أهله، قالت: إنك حدثتني عنه أنه فتي ذكي ~~متعلم، ومن كان هذا شأنه لا يكون بينه وبين الغنى إلا بضع جولات يجولها في ميدان هذا ~~العالم، فيعود من بعدها رجلا غنيا، وزوجا صالحا، قال: إن في أخلاقه من الأنفة ~~والترفع ما يحول بينه وبين النجاح، قالت: إن الحب يقوم ما اعوج من الأخلاق، ويحيي ~~ميت الأمل في نفس المحب، فلا تطفئ جمرة الحب التي تشتعل في قلبه، فإنك إن فعلت قتلته ~~وقتلت أمله وأتلفت عليه حياته، قال: يا بنية، إني أعلم من أخلاق الناس وشئونهم ما لا ~~تعلمين، وقد رأيت أني أكون مخاطرا بك وبمستقبلك وبكل ما أرجو لك من سعادة في العيش ~~وهناء إن أنا رضيت لك هذا الزواج الذي أعلم أن شره أكثر من خيره، بل أعلم أنه شر كله ~~لا خير فيه، فانظري يا بنية في أمر نفسك بعين غير عين الحب، فإنها دائما حولاء، واذكري ~~أن أباك الذي يحبك وينزلك من نفسه منزلة لا يغلبك عليها غالب لا يمكن أن يكون غاشا ~~لك أو خادعا، فركعت بين يديه ومدت يدها إليه ضارعة، وأنشأت تسترحمه بالبكاء مرة ~~والدعاء أخرى، فكانت كأنها تستنبط الماء من الصخر، أو تستنبت الربيع في المهمه ms028 القفر ~~حتى وهت قوتها، فسقطت تحت قدميه، فتركها مكانها ومضى لسبيله وهو يقول: إنك اليوم تجهلين ~~وغدا تعلمين. ~~(22) الخبر # دخلت «جنفياف» على «استيفن» في غرفته وقد جلس إلى مصباح ضعيف يقرأ في كتاب، فأعطته ~~كتاب سيدها ورجعت أدراجها، وكان أول كتاب جاءه من «مولر»، فمر بخاطره - وهو يفض غلافه - ~~كل شأن إلا الشأن الذي كتب فيه، فما أمر نظره عليه حتى فهم كل شيء. # فلو أن راميا سدد إلى قلبه سهما حديدا فنفذ ما بلغ منه ما بلغ هذا الكتاب، ولو أن ~~نازلة من نوازل القدر هوت عليه فاختطفت نفسه من بين جنبيه لكان له مصابها رأي غير رأيه ~~في هذا المصاب، فقد سكن على أثر ذلك سكونا لا تطرف فيه عين، ولا ينبض فيه عرق، ولا ~~يخفق قلب، ولا يتحرك خاطر، حتى ليكاد يعتقد الناظر إليه في تلك الساعة أن هناك منزلة ~~وسطى بين الحياة والموت تنبعث فيها الحواس في سبلها، ولكنها لا تعود إلى الدماغ بشيء ~~مما تحس به. # واستمر على ذلك ساعة، ثم انتفض انتفاض الطائر المذبوح، ودار بعينيه يمنة ويسرة كأنما ~~يفتش عن شيء أضاعه، فوقع نظره على الكتاب وهو ملقى بجانبه، فقرأه مرة أخرى، ثم ضرب ~~جبهته بيده وأنشأ يقول بصوت خافت: لا أمل لي بعد اليوم، ها أنا ذا، وها هو ذا الكتاب ~~بين يدي، ما أنا بحالم، ولا الكتاب بكاذب، نعم إن «مولر» طردني من بيته، وقتل نفسي ~~قتلا، وفجعني في جميع آمالي، وحال بيني وبين ماجدولين؛ أي إنه فرق بين روحي وجسدي، إنه ~~فعل ذلك وهو لا يدري ماذا يفعل، إنه اجترم هذه الجرائم كلها ساكنا هادئا كأنما هو ~~يعبث بفأسه في أرضه، أو يحول جدوله من طريق إلى طريق، لقد قسا علي قسوة لم يقسها ~~أحد من قبله على أحد، إنه علم أني فقير لا أملك شيئا، ورأى أن الفقر جريمة لا عقاب ~~لها إلا القتل، فقتلني. # ثم كأنما جن جنونه فثار من مكانه ثورة الأسد الهائج، وتمثل له كأن «مولر» ms029 ماثل بين ~~يديه، فمشى إليه مهددا، وصار يهذي ويقول: مهلا، رويدا أيها الشيخ الأبله، أظننت أني ~~بين يديك شاة خرقاء أو دجاجة بلهاء تقدم نفسها لسكين الذابح حينما يريد؟ لا لا! أنا ~~إنسان عاقل، ورجل شجاع، لا بد أن يكون لي أمل أحيا به، وسعادة أنعم بها، ولا بد أن ~~أقاتل عن أملي وسعادتي حتى أبلغهما أو أقتل دونهما. # كذبت أيها الرجل، إنك أضعف من أن تمد يدك إلى هذا الرباط المقدس فتقطعه، إنك أعجز من ~~أن تنتزع شعرة من شعر رأسك الأبيض، فأحرى أن تعجز عن أن تنتزع روحا من جسدها. # إن الذي بيني وبين ماجدولين شيء لا تصل إليه يدك، ولا يمتد إليه سلطانك، ولا يتعلق به ~~أمرك ونهيك، وعطاؤك ومنعك. # إنك تستطيع أن تطردني من بيتك؛ لأنك تملكه وأن تحبس ابنتك في غرفتها لأنك أبوها، ~~ولكنك لا تستطيع أن تمنع قلبينا أن يتحابا، ونفسينا أن تتصلا. # إن الذي خلق الإنسان وأسدى إليه نعمة الحياة والرزق لم يسترقه بهذه النعم، ولم يملك ~~عليه قلبه ثمنا لها، بل تركه حرا يحب من يشاء، ويبغض من يشاء، وأنت تريد أيها الشيخ ~~الضعيف المسكين أن يكون لك على قلوب الناس سلطان فوق سلطان الله، وإرادة فوق ~~إرادته. # أي شأن لك عندنا؟ وأي صلة لك بنا؟ لقد ذهب عصرك وذهبت بذهابه، وأصبحنا لا نعد وجودك ~~وجودا، ولا حياتك حياة، فإن نظرنا إليك فكما ننظر في ساعة من ساعات فراغنا إلى صفحة ~~من صفحات التاريخ الغابر. # إن عقلك الذي بلي ورث وانتشر فوقه طبقة سوداء من القدم، لا يصلح أن يكون مرآة ~~صادقة نرى فيها وجوهنا، ونتاحكم إليها في سعادتنا وشقائنا. # إنك شره طماع، رأيت أن ماء حياتك قد نضب، وأن أغربة الفناء السود تحلق فوق رأسك ~~المشتعل شيبا، فعز عليك أن تموت، فجئت إلينا تحاول أن تقاسمنا حياتنا الجديدة الغضة، ~~فكان مثلك كمثل ذلك الملك الظالم الذي كان يمتص دماء الأطفال ظنا منه أن ما ينقص من ~~حياتهم يزيد في حياته. # إنني ms030 لم أكن أريد بك أيها الشيخ المأفون ولا بابنتك شرا ولا ضيرا، بل كنت أعد لها ~~عيشا هنيئا رغدا في مستقبل حياتها؛ فأنا خير لها منك؛ لأنك ما أردت بها فيما صنعت ~~اليوم إلا عذابا دائما وشقاء طويلا. # وأعجب من ذلك كله أنك تذكر في كتابك الصداقة والإخاء والإخلاص، كأنك تظن أن البله قد ~~بلغ مني مبلغه منك، وأني أجهل أنك شيخ مداج مصانع، تكتب الحكم بالإعدام وكأنك تكتب ~~بطاقة دعوة إلى وليمة، وتقدم قطعة الحلوى وقد دسست في باطنها ناقع السم، وترفع قبعتك ~~احتراما لمن يقطر خنجرك من قلبه دما. # وهنا بلغ منه التعب مبلغه، فسقط مكبا على وجهه، يبكي بكاء الطفل الصغير، وينشج ~~نشيجا محزنا، ثم جثا على ركبتيه ورفع وجهه إلى السماء وأنشأ يقول: رحمتك اللهم ~~وإحسانك، فأنت تعلم أني رجل ضعيف لا ناصر لي ولا معين، فكن أنت ناصري ومعيني، اللهم ~~إني أعترف بأني أذنبت إليك في اغتراري بنفسي، واعتدادي بحولي وقوتي، وأني أغفلت قضاءك ~~وقدرك، وما تجريه على عبادك من أحكام السعادة والشقاء، والسلب والعطاء، فقدرت لنفسي من ~~سعادة المستقبل وهنائه ما لا أملكه ولا سبيل لي إليه إلا بمعونتك وقوتك، فاغفر لي ذنبي، ~~وخذ بيدي في نكبتي، فقد أصبحت أعجز الناس عن الصبر والاحتمال. # ثم سكن بعد ذلك سكونا عميقا، ولم يزل باسطا يديه رافعا رأسه إلى السماء، كأنما ~~كان ينتظر أن يسمع هاتفا يهتف به من الملأ الأعلى، فلم يلبث أن رأى من خلال دموعه ~~الحائرة في عينيه شبحا من نور يتلألأ أمامه، وكان المصباح قد انطفأ وأضاءت الغرفة ~~بأشعة القمر، فمسح دموعه بيمينه ونظر، فإذا هي ماجدولين. ~~(23) الوداع # لبثت ماجدولين في غرفتها بعد أن فارقها أبوها ساعة تقلب النظر في أمرها، فلا ترى في ~~ذلك الظلام الحالك نجما يتلألأ ولا ذبالة تضيء، فبكت ما شاء الله أن تفعل حتى مضى ~~الليل إلا أقله، فحدثتها نفسها بأمر ما كانت تحدثها به لولا لوعة الحب، وفجعة البين، ~~وقامت تختلس خطواتها اختلاسا وما على وجه ms031 الأرض قلب أضعف من قلبها، ولا لوعة أشد من ~~لوعتها، حتى وصلت إلى السلم، فصعدت تسترق درجاته حتى انتهت إلى أعلاه، فوقفت قليلا ~~تستغفر الله من ذنبها، وتسأله إحسانه ورحمته، ثم مشت إلى غرفة «استيفن» ودفعت الباب ~~قليلا، فرأته جاثيا على ركبتيه يهتف بدعائه، فأثر منظره في نفسها، وأخذت تبكي لبكائه، ~~وتدعو بدعائه، حتى التفت فرآها، فخفق قلبه خفقا متداركا، وتعلقت أنفاسه، وجمد نظره، ~~وتزايلت أوصاله، حتى ما يكاد يتحرك من مكانه، فمد إليها يده كالمستغيث المتلهف، فدنت ~~منه وقالت: إني جئتك لأودعك يا «استيفن» ولا أستطيع أن أبقى عندك طويلا، فهل تستطيع أن ~~تعدني وعدا صادقا ألا تترك نفسك في يد الهموم تعبث بها كيف تشاء، وألا تجعل لليأس ~~سبيلا إلى قلبك حتى يجمع الله بيني وبينك؟ قال: ذلك أمره إليك، فأنت التي تستطيعين أن ~~تجعليني شجاعا صبورا محتملا، وأنت التي تملكين أن أحيا بالأمل، أو أموت باليأس، ~~قالت: إني أقول لك اليوم يا «استيفن» كلمة كان يمنعني الحياء أن أقولها لك قبل اليوم، ~~وهي أني أحببتك حبا ملأ فراغ قلبي، فما يسع غيره، ونزل منه منزلة الروح من الجسد، فما ~~ينتقل عنه، وقد عاهدتك على الزواج بين يدي الله ويدي ضميري، وما أنا بخائنة ضميري، ولا ~~بكاذبة ربي، فسافر يا «استيفن»، وفتش عن سعادتنا في كل مكان، وبكل سبيل، حتى تجدها، وعد ~~إلي بعد ذلك، فإني سأكون لك ما حييت، سافر حيث شئت، وتقلب في البلاد كما أردت، وعد ~~إلي بعد عام أو عامين أو عشرة أعوام أو أكثر من ذلك، فإنك ستجدني كما تركتني نقية ~~طاهرة، ووفية مخلصة، واعلم أن الله ما ألهمني الصبر عنك وألهمك مثل ذلك في مثل هذا ~~الموقف الذي تطيش فيه العقول وتطير رواجع الأحلام، إلا وقد أراد بنا خيرا في جميع ~~شئوننا، وقدر لنا السعادة والهناء في مستقبل أيامنا، سافر يا «استيفن» غدا، واكتب ~~إلي بكل ما تلاقي من خير أو شر لأقاسمك سراءك وضراءك، وسأكتب إليك كما تكتب ~~إلي . # فسكت ثائره ms032 قليلا، وقال: إن سفري سيكون طويلا يا ماجدولين، فهل لك أن تزوديني ~~بقليل من الزاد أستعين به على بعد الشقة وعناء المسير؟ فمدت يدها إلى شعرها وقصت ~~منه خصلة، فأعطاها من شعره مثلها، ثم تراجعت قليلا قليلا وهي تنظر إليه بعين ملؤها ~~الحب والجزع، والصبابة والدموع، فقام إليها ليدركها فاختفت. ~~(24) السفر # استيقظ «استيفن» صباح يوم الرحيل وأطل من نافذة غرفته المشرفة على الحديقة فرأى الأفق ~~يتفتح عن نفسه شيئا فشيئا، ورأى الشمس قد هبت من مرقدها، ولا تزال في جفنها سنة ~~الغمض، ثم رآها وقد لبست ثوبها الأول وخطت بعض الخطوات إلى مطلعها، فمشت أمامها حاشية ~~من الأضواء تتقدمها كما تتقدم الملك حاشيته في مطلعه من باب قصره، ثم نظر إلى السماء من ~~ناحية المشرق وقد انتشرت في أنحائها تفاريق السحب، ومشت في جلدتها حمرة النور، فخيل ~~إليه أنه يرى هنالك برجا عظيما تضطرم فيه النار اضطراما، وأن دخان تلك النار يتراكم ~~فوقها مرة، ويفرج عنها أخرى، ثم رأى أشعة الشمس البيضاء تخالط حبات الطل في أوراق ~~الزهر، والطل لم يجر ذائبه، فكان كأنه يرى أحجارا من الماس تضيء فتنعكس عنها ألوان ~~مختلفة بديعة تملك القلوب والأبصار، ولم يكن يسمع في تلك الساعة من الأصوات غير طنين ~~النحل وهو مكب على أزهاره يرشف كئوسها، ويتطاير من حولها كما تتطاير الأحلام اللذيذة ~~حول أفواه الأطفال الصغار. # فألقى على تلك المناظر كلها نظرة عامة لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع حينما ذكر أنه ~~سيفارق عما قليل هذه الدار، ويفارق بفراقها سعادته وهناءه، ويفارق ظلال الزيزفون التي ~~كان يجلس إليها مع ماجدولين، والجدول الذي كانا يمشيان بجانبه، والزورق الذي كانا ~~يتنزهان فيه، والمقعد الذي كان يقتعده من الحديقة لينظر مجيئها، أو ليرى خيالها من ~~نافذة غرفتها، والغرفة التي كان يشرف من نافذتها ليسمع نغمات صوتها العذب، وطاقات الزهر ~~التي كانت تهديها إليه فيستروح منها نسيمها، فلم يزل يبكي بكاء الشيخ على عهود صباه حتى ~~كادت تتلف نفسه، ولولا أنه ذكر حديثها معه ليلة أمس ms033 فعزى نفسه عن فراقها بإخلاصها ~~ووفائها وما عقدت بينها وبينه من العهود لقضى في مكانه أسفا، ثم قام إلى حقيبته فوضع ~~فيها ملابسه ومرافقه، ونزل إلى الحديقة فودع أزهارها وأشجارها، ومجالسها ومقاعدها، ولم ~~يترك جذعا لم يقبله، ولا غصنا لم يلثمه، ولا مقعدا لم يمرغ خده فوقه ويبلله بدموعه، ~~ونقش اسمه واسم ماجدولين على كثير من المقاعد والجذوع، واقتطف من كل شجرة زهرة، وجمع ~~تلك الأزهار في طاقة واحدة، وتركها على بعض المقاعد لماجدولين، ثم ذهب إلى البستاني ~~واتفق معه على أن يحمله على فرسه إلى «كوبلانس»، ثم فارق «ولفاخ» بين وجد يقتله، ~~وأمل يحييه. ~~(25) من ماجدولين إلى استيفن # سافرت يا «استيفن» وأصبحت بعيدا عني، وما أحسب أني أراك في عهد قريب، فما أعظم بؤسي ~~وشقائي! وما أشد ظلمة الوحشة المحيطة بي! # لقد خدعت نفسي يوم أشرت عليك بالسفر، فقد ظننت أن بين جنبي ذخيرة من الصبر والاحتمال ~~أقوى بها على تجرع كأس فراقك المريرة، فلما فقدت وجهك علمت أني فتاة ضعيفة بائسة، لا ~~تقوى على احتمال أكثر مما تطيق من الآلام والأحزان، وأنني فيما أدليت به إليك من تلك ~~النصيحة إنما كنت أحدث عن خواطر عقلي لا عن شعور نفسي. # لقد كنت أرجو أن يكون آخر عهدي بك يوم رحيلك وقفة أقفها في نافذة غرفتي أحييك فيها ~~تحية الوداع، وألقي عليك فيها آخر نظرة من نظرات الحب، لولا أنني خفت عليك الجزع أن ~~تراني باكية، وعلى نفسي التلف أن أراك جازعا، فافتديتك نفسي بهذه اللوعة التي تتأجج ~~اليوم في صدري، فما أصعب الوداع! وما أصعب الفراق بلا وداع! # نزلت بعد سفرك إلى الحديقة فلم أجدك، ووجدت على بعض مقاعدها طاقة الزهر التي تركتها ~~لي قبل سفرك، فلثمتها ولثمت شخصك فيها، ثم مشيت إلى ذلك المقعد الذي كنا نجلس عليه معا ~~تحت شجرة الزيزفون فجلست فيه وحدي، ونشرت بين يدي رسائلك الماضية، وأنشأت أقرؤها وأصغي ~~إلى حديثك فيها، فخيل إلي أنك جالس بجانبي تحدثني فما لفم، وأن ما يقع عليه ms034 نظري في ~~صفحات رسائلك إنما هي نبرات تسمعها أذني، لا خطوط تبصرها عيني، فسكنت لذلك الخيال ~~ساعة سكون الطفل الباكي لنشيد المهد، حتى سمعتك تدعوني في بعض أحاديثك: «يا خطيبتي»، ~~وهي تلك الكلمة الحلوة العذبة التي تهبط حلاوتها إلى أعماق قلبي كلما سمعتها، فانتفضت ~~وألقيت نظري على مكانك الذي تخيلته بجانبي فوجدته خاليا، فعلمت أن تلك الساعات الجميلة ~~التي مرت بنا تحت هذه السماء الصافية، وفوق تلك المقاعد الجميلة، وبين مشتبك هذه الغصون ~~والأوراق، قد ذهبت ولم يبق لي منها غير ذكراها، فبكيت ساعة طويلة لا علم لي بمداها، ~~ثم استفقت فصعدت إلى غرفتي، وجلست إلى منضدتي أكتب إليك هذا الكتاب. # فمتى تعود يا «استيفن» ومتى تعود بعودتك تلك الأيام الحسان؟! ~~(26) من ماجدولين إلى استيفن # لقد كابدت بالأمس ليلة ليلاء، فلم ينحدر كوكب الشمس إلى مغربه حتى سمعت صوت العاصفة ~~يهدر في كل مكان، ورأيت آفاق السماء قد اربدت واقشعرت ثم ارفضت عن غيوثها المنهلة، ~~فذكرت أنك لا تزال على الطريق، وأنك تقاسي في تلك الساعة من عثرات الطريق وعقباته ~~وقفقفة البرد ورعشته عناء عظيما، فالتحفت ردائي وأويت إلى بعض زوايا غرفتي، وظللت ~~أبكي على فراقك مرة وعلى شقائك أخرى، وأذود النوم عن عيني ذيادا؛ لأنني لا أستطيع أن ~~أكون راضية عن نفسي ولا هانئة في مضجعي إن نمت في ساعة لا تجد فيها أنت إلى الراحة ~~سبيلا، حتى مضى الليل إلا أقله، فشعرت أن النعاس الذي كان يغالب جفني قد غلبني عليهما، ~~فنمت في مكاني نوما مشردا مذعورا، حتى استيقظت مع الصباح، فإذا الريح ساكنة، والشمس ~~ساطعة، والجو باسم طلق، فحمدت الله على ذلك. # إني أعد الساعات واللحظات يا «استيفن» وأنتظر بشوق عظيم وصول أول كتاب منك يبشرني ~~ببلوغك مستقرك سالما، فمتى يأتي كتابك إلي؟ ~~(27) من ماجدولين إلى استيفن # لم تكف الأربعون ساعة التي مرت بي لتخفيف شيء من همومي وأحزاني، فلقد قضيتها حائرة ~~الذهن، مشردة اللب، أقلب عيني في كل مكان فلا أجد في بارقة من بوارق الحقيقة ms035 ولا ~~سانحة من سوانح الخيال عزاء ولا سلوى، فصعدت إلى غرفتك المهجورة علني أجد في ~~مقامي بها ساعة علاج ما أكابده من هموم وأحزان، فلما بلغتها ووضعت يدي على مفتاحها ~~شعرت برعشة شديدة ملأت ما بين قمة رأسي إلى أخمص قدمي، فلقد خيل إلي أنني إن ~~فتحت هذا الباب وجدتك وراءه واقفا تبتسم إلي، وتفتح ذراعيك لاستقبالي، فلما فعلت لم ~~أجد غير الوحشة السائدة، والسكون المخيم، وغير سريرك المشعث، وأوراقك المبعثرة في كل ~~مكان، والغبار المنتشر في أرضها وسمائها، فمهدت ما تشعث، وجمعت ما تبعثر، ومسحت الغبار ~~عن المقاعد والنوافذ، وأعدت الغرفة إلى عهدها الأول أيام كنت تسكنها وتزينها، كأنما ~~أبيت إلا أن تكون هي غرفتك المعدة لك، المسماة باسمك، حاضرا كنت أم غائبا. # ووجدت على بعض المقاعد بضعة دراهم في كيس صغير، فعلمت أنها أجرة الغرفة التي ~~يتقاضاها أبي قد تركتها له ليأخذها من حيث لا تراه، فأخذتها لأحملها إليه ثم أستوهبه ~~إياها لأبتاع بها حلية أو ذخيرة أتقلدها كأنها هدية مرسلة منك إلي. # سأحمل نفسي يا «استيفن» على الصبر عنك، حتى يطوي القدر مسافة البعد بيني وبينك، ~~وستكون تعلتي التي أتعلل بها منذ الساعة كلما هاج بي هائج الشوق إليك أنك ما بعدت عني ~~إلا لتقترب مني، ولا فارقتني إلا لأنك آثرت اجتماعا آمنا طويلا على اجتماع مشرد غير ~~مأمون، فامض في سبيلك أيها الصديق المحبوب، وذلل بهمتك جميع العقبات التي تعترض سبيل ~~سعادتنا وهنائنا، حتى نلتقي بعد ذلك لقاء تنسينا حلاوته مرارة ذلك الماضي المحزن ~~الوبيل. ~~(28) من استيفن إلى ماجدولين # بالأمس كنا، وكان يجمعنا بيت واحد، لا يكدر صفاءنا فيه مكدر، واليوم نحن وبيني ~~وبينك خمسون فرسخا، لا تمس يدي يدك، ولا تعبث أناملي بشعرك، ولا أستنشق عبير أنفاسك، ~~ولا يرن صوتك العذب في جوانب قلبي، ولا تضيء ابتساماتك الجميلة ظلمات نفسي، ولا تلتقي ~~أنظارنا في مكان واحد، ولا تمتزج أنفاسنا في جو واحد، فلا السماء صافية كعهدي بها، ~~ولا الجو باسم طلق كما أعرفه ، ولا الماء ms036 صاف عذب، ولا الهواء رقراق عليه، ولا ~~الروض متفتح عن أزهاره، ولا الزهر متنفس عن عبيره، كأنما كنت سر الجمال الكامن في ~~الأشياء، فلما خلت منك أقفرت واقشعرت، ونبت عنها العيون والأنظار. # ولقد لقيت في «كوبلانس» أبي وأهلي وكثيرا من أبناء وطني فلم يغن لقاؤهم عن لقائك، ~~ولم أجد في وجودهم ذلك الأنس الذي كنت أجده فيها قبل أن أعرفك، فأصبحت أشعر في مقامي ~~بينهم بما يشعر به الغريب المنبت الذي يعيش في وطن غير وطنه ودار وأهل غير داره ~~وأهله، فمتى تنقضي أيام غربتي؟ ومتى أعود إلى أهلي ووطني؟ # قد أحزنني كثيرا ما تكابدينه من الآلام والأحزان من أجلي، ولو كشف لك من أمر نفسك ما ~~كشف لي منها لعرفت أنك أسعد مني حظا، وأروح بالا؛ لأنك تعيشين في المواطن التي شهدت ~~سعادتنا وهناءنا، والتي نبتت في تربتها آمالنا وأحلامنا، فكل ما حولك يذكرك بحبك، وأيام ~~سعادتك، أما أنا فكل ما حولي غريب عني، أنكره ولا أكاد أعرفه، كأنما هو مؤتمر بي أن ~~ينتزع مني ذكرى تلك الأيام الجميلة التي قضيتها بجانبك، وهي كل ما أصبحت أملكه من ~~بعدك. # سأكون شجاعا كما أمرت يا ماجدولين، وسأبذل جهدي في تذليل كل عقبة تقف في طريق سعادتي ~~بك، فاكتبي إلي كثيرا، وحدثيني عن كل ما يحيط بك من الأشياء، وما يعرض لك من الشئون ~~صغيرها وكبيرها؛ لأجد على البعد عنك لذة القرب منك، واجعلي حبك عونا لي على مقاصدي ~~وآمالي، فحبك هو الذي يحييني، وهو الذي من أجله أعيش وأبقى. ~~(29) حفلة رقص # أقام والد «استيفن» في بيته حفلة راقصة، وأمر ولده أن يشهدها، ولم يكن قد شهد حفلة ~~رقص قبل اليوم، فأذعن على كره منه، فلما اجتمع الجميع وماجت قاعة الرقص بالراقصين ~~والراقصات وقف «استيفن» موقف الحيرة والخجل أمام هذه المناظر المدهشة الغريبة، لا يدري ~~ماذا يفعل، وأي سبيل يأخذ؟ وخيل إليه أن هناك قانونا موضوعا للحركات والسكنات ~~والجيئات والروحات، وأن من أغفل حرفا واحدا من حروف ذلك القانون أخذته العيون، ms037 ودارت ~~به الأنظار، ورنت حوله ضحكات الهزء والسخرية، وكان لا بد له من أن يخرج من موقفه هذا ~~إلى أية حالة من الحالات، كيفما كان شأنها، فلمح على البعد شمعة يتضاءل نورها بين ~~الشموع المحيطة بها، فخطر له أن يتلهى بإصلاح ذبالتها، فمشى إليها يتخبل في ثيابه ~~تخبلا؛ لأنها لم تكن ثيابه، بل ثياب بعض أقربائه أعاره إياها هذه الساعات من الليل ~~وصاحبها أطول منه قامة، وأضخم جسما، فلما داناها رأى أن ذبالتها قد التوت على نفسها ~~فطالت واسودت وغرقت في الدهن المحيط بها، فبدا له أن يقرض أعلاها ليصفو أسفلها ثم يمسح ~~الدهن السائر حولها، فما هو إلا أن مد يده بالمقراض إليها حتى انطفأت وتطاير دهنها إلى ~~ثوبه فانتشر في أنحائه، فجمد في مكانه جمود المقراض في يده، واستحال إلى تمثال مضحك ~~ماثل بين أعمدة الشموع، لا يستطيع أن ينقل قدميه حياء وخجلا، فوقع ما كان يخافه، ~~وعقدت حوله الأنظار نطاقا، ومشت البسمات والغمزات في الأفواه والعيون، ومر به في موقفه ~~هذا أحد الظرفاء المتأنقين - وكان لا يعرفه - فأسر في أذنه: «أما تعلم يا سيدي أن إصلاح ~~الشموع في الحفلات عمل غير لائق؟» وسمع فتاة تقول لصاحبتها وقد وقفتا به: «ما أجمل ~~زركشة هذا الثوب»، فأجابتها الأخرى: «إنه آخر طرز في الكرنفال.» # فلم يجد بدا من النجاة بنفسه، ففر من مكانه هاربا لا يلوي على شيء حتى دخل بعض ~~القاعات الخالية وجلس على مقعد فيها يمسح بشفرة المقراض ما تناثر على ثوبه من الشمع، ~~فلحق به أبوه بعد قليل وقال له: ما بقاؤك هنا وحدك يا «استيفن»؟ إن أسرة البارون قد ~~حضرت ولا بد لك من مقابلتها والبقاء معها حتى تنصرف، فامتعض «استيفن» في نفسه وتثاقل في ~~مكانه؛ لأنه عرف ما يراد منه، فألح عليه أبوه فأذعن، ومشى إلى مكان هؤلاء القوم فحياهم ~~وحيا تلك الفتاة التي يريدون خطبتها له تحية جامدة لا تشبه تحية الخطباء ولا المحبين، ~~بل لا تنقص عن تحية المتنافرين المتناكرين إلا قليلا، ثم ms038 لم يلبث أن وجد السبيل إلى ~~الخلاص منها فانفتل من مكانه وخرج إلى فضاء الحديقة، وجلس على بعض مقاعدها ينقم على ~~المحافل والمراقص وما ضمت بين أطرافها من رذائل وشرور ويقول: ويل لهؤلاء القوم ~~المرائين الكاذبين، يفسقون ويزعمون أنهم يرقصون، ويقترفون صنوف السيئات والآثام ويقولون ~~إنهم يغنون أو يطربون، ووالله ما اجتمعوا إلا ليخطف العاشق معشوقته من يد زوجها أو ~~أخيها أو أبيها حين أعيته الوسائل إليها، أو لتفتش الزوجة التي ملت زوجها وسئمته عن ~~عشير جديد غير مملول، أو ليلقي الأب بابنته العانس الشوهاء بين ذراعي فتى من الفتيان ~~الأغرار يرجو أن يعميه الشغف الحاضر بها عن النظر إلى عيوبها فيقع في حبالتها، ويصبح ~~على الرغم منه زوجا لها. # إن كانوا يريدون الغناء فلم لا يغنون إلا راقصين؟ أو الرقص فلم لا يرقص الرجل إلا ~~مع امرأة ولا ترقص المرأة إلا مع رجل؟ ثم لا يرقصون إلا متلاصقين متماسكين، كأنهم بين ~~جدران مخادعهم، أو وراء أستار نوافذهم وأبوابهم. # من لهذا الزوج الغبي الذي يلقي بزوجته عارية الصدر والظهر والذراعين والكتفين بين ~~ذراعي فتى جميل ساحر يلاصقها ويخاصرها ويقلبها بين يدي شهواته ما شاء، أن تعود إليه ~~ساعة تعود بالعقل الذي ذهبت به، وبالقلب الذي كانت تحمله بين أضالعها؟ ومن لهذا الأب ~~الأبله المأفون الذي يتبرم بابنته ويستثقل مكانها منه فيقذف بها بين مخالب هذه الوحوش ~~المفترسة، ألا تعود إليه بعد قليل حاملة مع همها الأول همين آخرين: عارا على رأسها، ~~وجنينا في أحشائها؟ # إنهم يقودون على أنفسهم من حيث لا يشعرون، ويمزقون أعراضهم بأيديهم وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا. # ولم يزل يهتف في نفسه بأمثال هذه التصورات الغريبة حتى انصرف الناس، فلم يحضر ~~انصرافهم كما لم يحضر اجتماعهم، وكان أبوه قد أشار إلى جماعة من أهل بيته وخاصة أصدقائه ~~أن يتخلفوا، ففعلوا، فلما خلا بهم المكان دعا «استيفن» أمامهم وقال له على مشهد منهم: ~~قد كنت دعوتك إلى مصاهرة هذه الأسرة منذ عام ودللتك على مكان الخير لك في ms039 هذه الصفقة ~~الرابحة، فأبيت واستعصيت وفررت مني راكبا رأسك إلى حيث لا أعلم لك مذهبا، فلما عدت في ~~هذه المرة ظننت أنك قد أذعنت وأصحبت وفهمت معنى الحياة كما يفهمها الناس جميعا فجئت ~~تطلبها من الطريق التي يطلبونها منه، فأقمت هذه الحفلة الراقصة، وأنفقت في سبيلها ما لا ~~طاقة لي باحتماله، لا أريد بها إلا أن تكون موضع الصلة بينك وبين تلك الفتاة التي ~~اخترتها لك، والخطوة الأولى إلى خطبتها، فأبيت إلا تمردا وعنادا، كأنما ظننت أنني ~~باق لك بقاء الدهر، أكفلك وأقوتك، أو خيل إليك أن هذا العلم الذي تدل به وتعتز بمكانك ~~منه منجم من مناجم الذهب يخرج لك ما يقوتك اليوم ويقوت من وراءك من بنيك وأهل بيتك ~~غدا، فإن كان هذا ما ذهبت إليه فاعلم أن ثروتي لا تتسع لأكثر من أيام حياتي، ولا تتسع ~~في حياتي لأكثر من الإنفاق عليك طفلا وغلاما وفتى، ثم أنت وشأنك بعد ذلك، وأن هذه ~~الفنون الأدبية التي هي كل ما تملك يدك في هذه الحياة ما صلحت أن تكون في زمن من ~~الأزمان وسيلة من وسائل الرزق، ولا سببا من أسباب العيش، ولن تكون كذلك أبد الدهر؛ ~~لأن السعادة حقيقة من الحقائق لا يتوصل إليها من طريق الخيال، فإن أردت لنفسك الخير ~~فدونك الرأي الذي رأيته لك - وأنت أعلم به، أو لا؛ فدونك الأرض الفضاء فامش في مناكبها ~~ما شئت، واطلب لنفسك الرزق من الوجه الذي تعرفه، فقد أصبح وجودك في منزلي على حالتك هذه ~~من البطالة والفراغ عارا علي وعلى أهلك بل عارا على نفسك إن كنت من ~~الشاعرين! # ثم التفت إلى القوم وقال لهم: ها أنا ذا قد أشهدتكم عليه، وبرئت إليه وإليكم وإلى ~~الله من ذنبه، فلا معتبة علي بعد اليوم. # فقال أحد أقربائه: «إني لم أر في حياتي جنونا مثل هذا الجنون.» # وقال آخر: «لعله سقط في هوة من هوى الغرام، فلا مناص له من الارتباط في قعرها حتى ~~الموت.» # وقالت زوج أبيه : «لعله أحب ms040 عروس الشعر فغني بها عن كل عروس سواها.» # وقال عمه وهو يزمجر غضبا: «قبيح بالفتى أن يكون في سن كهذه السن حاملا فوق كاهله ~~قوة كهذه القوة، ثم يرضى لنفسه أن يكون عالة على قومه وذويه.» # فطار طائر الحلم من رأس «استيفن» واختفى من وجهه ذلك الفتى الحيي الخجول، الذي كان ~~يذوب منذ ساعة خجلا أمام النظرات واللفتات، وحل محله رجل هائل جبار لا يخشى أحدا ~~ولا يبالي شيئا، فرفع رأسه ونظر إلى الجميع نظرة شزراء ذهلت لها أنظارهم، وخفقت لها ~~قلوبهم، ثم التفت إلى أبيه وقال له: إني لا أعتب على واحد من هؤلاء؛ لأنهم سمعوك تغني ~~فضربوا على نغمتك، أما أنت فإني أقول لك: نعم إنك قد أحسنت إلي فيما مضى كما تقول، ~~ولكن لا يجمل بك أن تمن علي بإحسانك هذا، ولا يجمل بي أن أشكره لك، أو أثني عليك ~~به؛ لأنك أب، وللأبوة ثمن لا بد لك من أدائه، واحتمال المئونة فيه، على أنك لم تمنحني ~~في يوم من أيامك الماضية عطفك ولا رحمتك، ولو فعلت لكان ذلك خيرا لي من كل ما أسديت ~~إلي من صنوف البر والمعروف، بل كان شأنك معي في كل آناء حياتك شأن رجل عابر سبيل ~~وجد في طريقه طفلا ملففا في قماطة مطرحا تحت جدران بعض المنازل أو على باب إحدى ~~الكنائس فالتقطه وكفله منة، وإحسانا لا رحمة وحنانا، فقد أبعدتني عنك أنا وأخي مذ ~~ماتت أمي، وبنيت بزوجتك الحاضرة قبل أن أبلغ السابعة من عمري، ووضعتني في حجور قوم لا ~~تجمعني بهم جامعة محبة، ولا تعطفهم علي آصرة رحم، ولم أجد فيهم من يذكرني بك، أو ~~يحببك إلي، أو يحدثني عنك حديثا واحدا، وكنت كلما عدت إليك في أيام إجازتي من العام ~~إلى العام استقبلتني بالوجه الذي تستقبل به أبعد الناس عنك، وأصغرهم شأنا عندك، فلا ~~تختصني بكلمة طيبة، ولا تؤثرني بنظرة رحمة، ولا تسهر علي في مرض، ولا تتفقدني في ~~شدة، ولا تبسم للقائي، ولا تحزن لفراقي، وكثيرا ms041 ما سهرت الليالي ذوات العدد أندب حظي ~~عندك، وأضرع إلى الله - تعالى، أن يدني قلبك من قلبي، ويرزقني حبك وحنانك، فلم يستجب ~~دعائي، فاستوحشت نفسي من نفسي، وغلبت على طبعي هذه النفرة التي لا تزال ملازمة لي حتى ~~اليوم، ولولاك لما كنت نفورا ولا مستوحشا، وقسا قلبي القسوة كلها فأصبحت لا أعطف على ~~أحد ولا أحب أحدا؛ لأني لم أتعلم العطف ولا الحب من أحد، ولما لم أجد في الناس من ~~أحبه وأصطفيه أحببت نفسي وحريتي واصطفيتهما وآثرتهما على كل شيء في العالم، فلا أحتمل ~~أن أرى من ينازعني فيهما، أو يغالبني عليهما. # إن حياتي لي، وأنا صاحبها الذي أتولى شأنها، فلا سلطان لأحد غيري عليها، ولا شأن ~~لكائن من كان فيها سواي، فلا أسير في طريق غير الطريق التي ترسمها يدي، ولا أبني ~~مستقبل حياتي على أساس غير الأساس الذي أضعه بنفسي، ولا أحب إلا الفتاة التي أحبها أنا، ~~لا التي يحبها الناس لي، ولا أعاشر إلا المرأة التي أقيس سعادتي معها بمقياس عقلي، لا ~~بمقياس عقول الآباء والأعمام. # فهاج القوم عليه هياجا عظيما، وصرخ أبوه في وجهه، وثاوره عمه يريد الفتك به، ~~وتناولته بقية الألسن بالشتم والسب، فلم يأبه بذلك كله، ولم يتزلزل من موقفه، ~~واستمر في حديثه يقول: بأي حق تريدون أن تسلبوني حريتي وتملكوها علي؟ أبحق العطف الذي ~~بذلتموه لي فيما مضى، وما عرفت بينكم محبا لي ولا راحما؟ أم بحق الكرامة والبقيا، ~~وقد كنتم جميعا تضربونني صغيرا، وها أنتم أولاء اليوم تشتمونني كبيرا؟ # إني قائل لكم جميعا كلمة لا أقول لكم غيرها بعد اليوم: إني لا أحب إلا من يحبني، ~~ولا أكرم إلا من يكرمني، ولا أذعن إلا لرأيي وإرادتي، ولا أبيع حياتي وحريتي بثمن من ~~الأثمان مهما غلا. # إني لا أطلب منكم مالا ولا معونة، ولا أشكو إليكم فقرا ولا عدما، وسأرسم لنفسي ~~بنفسي خطة حياتي، فإن قدر لي النجاح فيها فذاك، أو لا، فحسبي من السعادة أنني قضيت أيام ~~حياتي حرا طليقا، لا ms042 سبيل لأحد علي، ولا شأن لكائن من الكائنات عندي حتى يوافيني ~~أجلي، وهذا فراق ما بيني وبينكم. # ثم انفتل من بين أيديهم وهرع إلى غرفته، فبدل ثيابه، وتناول حقيبة ملابسه وخرج هائما ~~على وجهه يخترق أحشاء الظلام، حتى خرج إلى ضاحية المدينة، فتبعه فتى من أبناء أخواله ~~كان قد ألم ببعض قصته، فقال له: أين تريد يا «استيفن»؟ قال: إلى حيث أرسلني أهلي، فبكى ~~قريبه مرثاة له مما هو فيه وقال له: وا رحمتاه لك أيها البائس المسكين! ثم دس له في ~~جيبه بضع قطع من الذهب، لم ينتبه لها «استيفن» إلا بعد ذهابه، فشكرها له في نفسه ثم مضى ~~لسبيله. ~~(30) النفس العالية # لا تخضع النفس العالية للحوادث ولا تذل لها مهما كان شأنها، ولا تلين صعدتها أمام ~~النكبات والأرزاء مهما عظم خطبها، وجل أمرها؛ بل يزيدها مر الحوادث وعض النوائب قوة ~~ومراسا، وربما لذ لها هذا النضال الذي يقوم بينها وبين حوادث الدهر وأرزائه، كأنما ~~يأبى لها كبرياؤها وترفعها أن يوافيها حظها من العيش سهلا سائغا لا مشقة فيه ولا ~~عناء، فهي تحارب وتجالد في سبيله، وتغالب الأيام عليه مغالبة حتى تناله من يدها قوة ~~واغتصابا، فمثلها بين النفوس كمثل الليث بين السباع، لا تمتد عينه إلى فريسة غيره، ولا ~~يهنأ له طعام غير الذي تجمعه أنيابه ومخالبه. # كذلك كانت نفس «استيفن» بعد نزول تلك النكبات به، فإنه لم يجزع ولم يتألم، ولم يعبث ~~اليأس بقلبه، بل فارق «كوبلانس» كما دخلها: ساكن النفس، مطمئن الضمير، مملوء القلب ثقة ~~وأملا، فلم يزل سائرا بقية ليلته يطوي الأرض على قدميه طيا حتى مشت في جلدة الظلام ~~أشعة الفجر، فالتفت فإذا بقية من شبح «كوبلانس» لا تزال ماثلة، فألقى عليها نظرة واجمة ~~مكتئبة ثم قال: الوداع أيها القوم الذين طردوني من بينهم، ولم يزودوني لقمة واحدة ~~أتبلغ بها في طريقي، ولا دابة أحمل عليها حقيبتي، ولا كلمة طيبة آنس بها في مطارح ~~غربتي، لقد نبذت حبكم من قلبي نبذ الفم النواة، ونفضت ms043 يدي منكم نفض المودع يده من ~~تراب الميت، فأصبح قلبي وضميري وحبي وحناني ونفسي وحياتي وكل ما تملك يدي ملكا خالصا ~~لذلك الإنسان الذي أحبني وأحببته، ووفى لي من دون الناس جميعا ووفيت له، لا ينازعه ~~في منازع، ولا ينزل معه في سويداء قلبي نازل، وسيكون حبه مناري الذي أهتدي به في ~~ظلمات حياتي حتى أبلغ ذروة السعادة التي أطلبها لنفسي، وهنالك ترون أيها القوم الجفاة ~~القساة أن ذلك الفتى الخامل المسكين الذي وقف بينكم بالأمس مهينا ذليلا لا يكاد يرفع ~~طرفه إليكم حياء وخجلا قد أصبح رجلا نابها عظيما غنيا بماله وجاهه عن مالكم ~~وجاهكم، وسعيدا بين أهله وأولاده سعادة لا يحفل من بعدها بنسبكم ولا برحمكم. # ثم مشى في طريقه يعلل نفسه بالآمال الحسان، ويرسم لمستقبل حياته ما شاء من الخطط ~~والنظم، وكان كلما ألغبه المسير دفع إلى أصحاب العجلات المارة في طريقه تحمل ~~الأثقال درهما أو درهمين؛ ليحملوه على عجلاتهم أو يأذنوا له بالجلوس في مؤخرتها ساعة ~~أو ساعتين، ثم يعود إلى شأنه الأول، حتى وصل عند مجتنح الأصيل إلى «جوتنج»، وهي ~~البلدة التي تعلم في مدرستها، وقضى فيها أكثر أيام صباه. ~~(31) النفس الشعرية # ذهب «استيفن» ساعة هبط «جوتنج» إلى أستاذه القديم في الموسيقى «هومل» ليفضي إليه ~~بشأنه، ويستعين به على قضاء حاجته، وكان له بمثابة الأب الرحيم، يحبه ويكرمه ويؤثره على ~~تلاميذه جميعا، فلما وقف بين يديه عقل الحياء لسانه، فلم يستطع أن يقول له شيئا، ~~وكذلك شأن أصحاب النفوس الشعرية، يملأ الشعر نفوسهم عزة وخيلاء، فتملأ العزة وجوههم ~~حياء وخجلا، فلا يذلون ولا يضرعون، ولا يجرءون على شيء مما يجرؤ عليه الناس جميعا ~~كأن تحليقهم الدائم في سماء الخيال وطيرانهم في تلك الأجواء العالية غادين رائحين قد ~~مثل لنفوسهم أنهم يعيشون في ملأ أرفع من الملأ الذي يعيش فيه الناس، فإن عرضت بهم حاجة ~~من الحاج أبوا وأنفوا أن يسألوها أحدا من سكان الأرض، ذهابا بأنفسهم من مواطن ~~الضعة والمهانة، وضنا بأديم وجوههم أن يخلقه ms044 السؤال، وكذلك يعيشون فقراء، ~~ويموتون بؤساء. # لذلك لم يستطع «استيفن» أن يفضي بحاجته إلى أستاذه في المقابلة الأولى، فزعم أنه إنما ~~جاءه ليتلقى عنه دروسا في الموسيقى، وظل يختلف إليه أياما يسمع غناءه ويحفظه عنه، حتى ~~جرى بينهما يوما من الأيام ذكر الحياة والمستقبل، فسأله أستاذه عما رسم لنفسه من الخطط ~~في مستقبل حياته، فقال: لا أدري حتى الساعة، فقال: لا أعرف لك سبيلا غير هذا الفن الذي ~~تحبه وتستهيم به، وأرى أن غرامك به سيجعلك غدا من أصحاب الشأن العظيم فيه، فنفض له ~~«استيفن» إذ ذاك جملة حاله، وصارحه برغبته التي يريدها، فوعده بمساعدته والأخذ بيده، ~~فانصرف مغتبطا مسرورا. ~~(32) من ماجدولين إلى استيفن # لم أستطع أن أكتب إليك منذ شهرين؛ لأني كنت مريضة، وسأقص عليك قصة مرضي: خرجت ذات ~~ليلة لألقي برسالة كنت كتبتها لك في صندوق البريد في قرية «هال»، فلما أبعدت عن ~~«ولفاخ» وغاب عني شبحها وأصبحت في منتصف الطريق بينها وبين «هال» هبت علي ريح عاصفة ~~شديدة دوت بها جوانب الأفق، وقعقعت لها قبة السماء حتى حسبتها توشك أن تنقض، وأخذت ~~تجاذبني ثوبي مجاذبة شديدة، كأنما تأبى إلا أن تنتزعه مني أو تنتزعني معه، فحدثتني ~~نفسي بالعودة من حيث أتيت، ثم ذكرتك وذكرت أنك تنتظر رسالتي، فاستمررت أدراجي، ومشيت في ~~طريقي أتيامن من الريح مرة وأتياسر أخرى، وأندفع متقدمة وأكر راجعة، فمن رآني في تلك ~~الساعة خيل إليه أنه يرى فتاة بائسة مرزأة، قد لعبت النار بأثوابها وعلقت ~~بأطرافها وأوصالها، فهي تهيم على وجهها في كل مكان تطلب الخلاص مما هي فيه فلا تجد ~~إليه سبيلا، فلم أصل إلى تلك القرية إلا بعد ساعتين، فألقيت الكتاب في الصندوق ثم ~~رجعت، وكانت العاصفة قد هدأت قليلا، ولكنها ما هدأت إلا لتفتح الطريق إلى الغيث ~~الهاطل، فلم تهدأ ثورتها حتى ثار ثائره وأخذ يتساقط سقوطا شديدا، فابتل ردائي، ومشت ~~الرعدة في جميع أعضائي، واشتدت ظلمة الليل فما أكاد أهتدي إلى طريقي، ولقد حدثتني نفسي ~~لشدة ما نالني من ms045 التعب والإعياء، وما ملأ قلبي من الخوف والوحشة، أن أسلم نفسي إلى ~~كنف من أكناف الهضاب أو سفح من سفوح الجبال أنتظر فيه منيتي حتى توافيني، فحال بيني ~~وبين ذلك أني أريد أن أحيا لك، وأتولى شأن سعادتك التي عاهدتك على أن أتولاها لك، وأني ~~إن قتلت نفسي قتلتك معي، فبعث ذكرك في نفسي قوة غالبت بها الطبيعة وعواصفها وثلوجها، ~~وبروقها ورعودها، حتى بلغت المنزل بعد لأي، فسقطت مريضة محمومة. # ولقد كابدت في مرضي شدة عظمى لم أر مثلها فيما مر بي من أيام حياتي، حتى دب اليأس ~~في نفسي دبيب المنية في الأجل، وظننت أني لا بد هالكة، وأني لا أراك بعد اليوم، فلم يكن ~~يحزنني في تلك الساعة شيء سوى أنك ستسمع بخبر موتي، ولا تسمع معه أنك كنت الإنسان ~~الوحيد الذي كنت أفكر فيه في ساعتي الأخيرة، فحاولت أن أكتب إليك كتاب وداع أبثك فيه ~~بعض شأني فلم أستطع، ثم شعرت في فترة من فترات السكون التي تتخلل سكرات الحمى أني ~~أستطيع النهوض من فراشي، فكتبت إليك كتابا أوصيت لك فيه بجميع ما تملك يدي، وما تملك ~~يدي إلا كتبي ومحفظة رسائلك، والخاتم الذي نسجته من شعرك، وذخيرة من الذهب ورثتها عن ~~أمي، وهي أعز الأشياء عندي، وكيسا صغيرا يشتمل على بعض قطع فضية وذهبية مما كنت ~~أستفضله من نفقاتي، ثم طويت الكتاب وأعطيته لجنفياف لتوصله إليك بعد موتي، ولكن الله ~~كان أرحم بي وبك من أن يحرمني منك ويفجعك بي، فمد إلي يد معونته وإحسانه واستنقذني من ~~مخالب الموت، فحمدت له منته ونعمته، ولقد بكيت كثيرا عندما أعدت النظر في تلك الوصية ~~المكتوبة؛ لأني تمثلت حزنك وتفجعك وخيبة آمالك لو قدر لك أن تقرأها، فرثيت لك مما بك ~~وبكيت لبكائك. # رجائي عندك يا «استيفن» أن تكتب إلي عنوان أخيك في الجيش؛ لأني أريد أن أبعث إليه ~~بهدية أخطب بها وده إكراما لك، فقد أصبحت أحبه من أجلك حبا كثيرا، وأترقب بفرح ~~وسرور ذلك اليوم الذي يضمنا ms046 وإياه بيت واحد، تحت سماء واحدة. # لا يحزنك يا «استيفن» ما قصصت عليك، فتلك حادثة ماضية قد ذهبت وانقضت، ولم يبق منها ~~في نفسي حتى آثارها، فليذهب الماضي بخيره وشره، وليأت لنا المستقبل بما نريد. ~~(33) من استيفن إلى ماجدولين # عفا الله عنك يا ماجدولين، أكنت تظنين أني أستطيع أن أحيا من بعدك ساعة واحدة أتمتع ~~فيها بالحياة وطيبها، والدنيا ونسيمها، فأوصيت بما أوصيت به إلي؟ # إنك لا تعلمين أنك روحي التي أحيا بها في هذا العالم، ودنياي التي أتنسم فيها رائحة ~~السعادة والهناء، وأن اليوم الذي يخلو فيه مكانك من الدنيا هو آخر عهدي بالعالم وما ~~فيه. # متى أهدي الميت، وأوصى القبر إلى القبر! ومتى عاش المحب بعد فقد حبيبه ساعة واحدة، أو ~~هنئت له لحظة من لحظات عيشه إن قدر له أن يعيش من بعده؟ # إن لي في الحياة - كما للناس - أماني كثيرة، وبودي لو استطعت أن أبيعها جميعها بأمنية ~~واحدة، وهي أن أموت يوم أموت بين ذراعيك، ملقيا رأسي على صدرك، شاخصا بعيني إلى وجهك ~~المشرق الجميل، وأن يكون صوتك آخر ما أسمع من الأصوات، وصورتك آخر ما أرى من الصور، ~~عالما أن من يموت ميتة كهذه تفتحت له أبواب السماء، واتصلت سعادة دنياه بسعادة أخراه، ~~فلا يشعر بشقاء الموت، ولا ما بعد الموت. # هنيئا لك إبلالك من مرضك، وشكرا لله على صنيعته عندك في شفائك، وصنيعته عندي ~~في حفظ حياتك لي، وما أحسب أن الله أراد بي أو بك سوءا فيما كان، ولكنه يبتلينا اليوم ~~لنعرف مقدار ما يستقبلنا به من السعادة غدا. # سأكتب لأخي «أوجين» بشأن الهدية التي أزمعت أن ترسليها إليه، وإني شاكر لك شكرا ~~جزيلا عطفك عليه وحبك إياه، أما عنوانه، فهو: «الفصيلة الثالثة، من قسم الجياد الخفيفة ~~في جيش الحدود.» ~~(34) الحظ # مر الشتاء و«استيفن» يختلف إلى أستاذه «هومل» وأستاذه يسعى له سعي الملح فلا ينجح، ~~حتى أوشك أن ينفد ما كان معه من المال، ولم يبق في يده منه إلا بقية غير صالحة ms047 لا يعلم ~~ما هو صانع بعدها، فلم يجد له بدا من أن يأخذ نفسه بالتقتير، ويحمل عليها في العيش ~~حملا شديدا، فأكل التافه من الطعام، ولبس الخلقان من الثياب، وغني بالأكلة عن ~~الأكلتين، وبالخبز عن الأدم، وكان يقول في نفسه كلما برحت به الفاقة، واشتدت به ضائقة ~~العيش: لقد قال لي عمي: إن من كان فتى قويا مثلك لا يجمل به أن يعيش عالة على أهله ~~وذويه، وها أنا ذا على فتوتي وقوتي أكاد أموت جوعا، فما أقسى قلوب قومي، وما أبعد ~~الرحمة عن أفئدتهم! لقد كان في استطاعتهم أن يقبلوني عندهم ضيفا عاما أو عامين، حتى ~~يفتح الله لي بابا من أبواب الرزق فأرحل عنهم، أو أن يهيئوا لي - قبل أن يطردوني من ~~بينهم - ملجأ أعتصم به في المكان الذي طردوني إليه حتى لا أموت ميتة الغرباء ~~المشردين. # وكان أكبر ما يحزنه من أمر فاقته أنه وعد ماجدولين بالسعي إلى الثروة والنجاح فيها، ~~وملأ قلبها ثقة وأملا في المستقبل، وأن فشله - إن قدر له الفشل - سيقتلها، ويلقي بها ~~في مهواة اليأس والشقاء، فرثى لها وأشفق عليها إشفاقا عظيما، وود لو صلحت حياته لأن ~~تكون ثمنا لسعادته فبذلها في سبيلها، ثم رحل عن الدنيا طيب النفس عنها وعن جميع آماله ~~وأمانيه فيها. # ولقد مر به يوما - في بعض مواقفه بجانب بعض الجدران - فتى زري الهيئة، سيئ الحال، ~~ومد إليه يده يسأله بعض المعونة، فزوى وجهه عنه حياء وخجلا، فقال له الفتى: أقسم لك ~~بالله يا سيدي أني تركت زوجتي ورائي ما تطيق الوقوف من الطوى، ولقد مر بي وبها يومان ما ~~نجد ما نتبلغ به إلا البكاء والدموع فانتفض «استيفن» انتفاضة شديدة والتفت إليه وقال ~~له: أتحب زوجتك كثيرا أيها الفتى؟ قال: نعم يا سيدي كما أحب حياتي، فأطرق برأسه هنيهة ~~وظل يقول في نفسه: إنه يستعدي عطف الناس ورحمتهم على جوع زوجته وطواها، والناس لا ~~يعطفون، ولو عقل لعلم أنه يسألهم حقا من حقوقه المقدسة لا يعترضه من دونه ms048 معترضا إلا ~~استحل دمه ومشى على جثته إليه، فلا جريمة في الدنيا أكبر من أن يرى الإنسان المرأة التي ~~يحبها تموت بين يديه جوعا فلا يفعل شيئا أكثر من أن يغمض عينيها ويسجيها بثوبها، ثم ~~يجلس بجانب سريرها يبكيها ويندبها، ومد يده إلى جيبه فأخرج كل ما كان معه من المال ~~فأعطاه الفتى صامتا، ومشى في طريقه وهو يقول: لقد أنقذتهما من مخالب الجوع بضعة أيام، ~~وأسأل الله أن يقيض لهما من يتولى شأنهما بعد ذلك. # وكذلك عاد «استيفن» إلى مأواه وهو لا يملك من متاع الدنيا حتى قوت يومه. ~~(35) من ماجدولين إلى استيفن # مرت بي اليوم صديقتي «سوزان» وهي عائدة من مصيفها إلى «كوبلانس»، فاغتبطت اغتباطا ~~عظيما، وتمنيت أن لو كنت حاضرا بيننا لتراها، فترى أجمل الفتيات وجها، وأرقهن شمائل، ~~وأعذبهن حديثا، وأجمعهن لأفضل الصفات وأكرمها، فهي تنطق بلغات كثيرة، وتحسن الرسم ~~والتصوير، وتوقع على جميع أنواع الأوتار، وتغني غناء ساحرا فتانا، ولها ثغر وضاء لا ~~يفارقه الابتسام لحظة واحدة، ولا يطربها في الحياة شيء مثل مناظر اللهو واللعب، ولا ~~يعجبها حديث مثل حديث المحافل والمراقص، وقد أصبحت مفتتنة بها لا أكاد أصبر عنها لحظة ~~واحدة، ورجائي إليك يا «استيفن» أن تحبها كما أحبها، وأن تتودد إليها كثيرا يوم ~~تراها. # لم يبق في الصحيفة موضع أكتب إليك فيه شيئا سوى أن أقول لك: «إني أحبك.» ~~(36) من استيفن إلى ماجدولين # سأحب صديقتك يا ماجدولين كما أمرت، ولكن ليس لأنها جميلة فاتنة كما تقولين، فقد ملأ ~~جمالك فضاء قلبي فلم تبق فيه بقية لسواك، ولا لأنها ترقص أو تغني، فإن نفسي الحزينة لا ~~يشفيها من دائها إلا أحد الأمرين: إما لقاؤك، أو الموت، بل لأنها تؤنس وحشتك، وتخفف ~~آلامك، وتعينك على احتمال أعباء الحياة وأثقالها، فاشكريها عني شكرا جزيلا، وبلغيها ~~تحيتي وسلامي. # لا يزال الدهر عابسا في وجهي، ولكنني صابر محتمل، لا أيأس ولا أستسلم ولا تفتر لي ~~همة حتى أنال بغيتي، والسلام. ~~(37) من أوجين إلى استيفن # وصلت إلي هدية السيدة ms049 ماجدولين، فشكرت لها صنيعا شكرا جزيلا، ولقد أصبحت بفضل ~~هديتها صاحب رداء جديد كنت في أشد الحاجة إليه وكانت يدي تقصر عنه، فابتعته وأصبحت ~~فخورا مختالا به بين أترابي وعشرائي، فبلغ صاحبة الهدية شكري، وأرجو أن أراها في عهد ~~قريب فأجزيها خيرا بما فعلت، فإن عجزت عن ذلك فلا أعجز عن أن أحدثها عن الوقائع ~~الغريبة التي شاهدتها أحاديث جميلة عذبة تملأ قلبها غبطة وسرورا. # شاهدت بالأمس أول وقعة من وقائع الحرب فجزعت عند الصدمة الأولى، ولكنني ما لبثت أن ~~سمعت صهيل الخيل وقروع الطبول وأزيز الرصاص، وأنغام الموسيقى الحربية حتى انتشيت ~~واندفعت بجوادي اندفاع السيل المنهمر لا أشعر بشيء مما حولي، ولا أرى إلا بريق سيفي في ~~يدي، ولقد امتلأت نفسي غبطة وسرورا عندما رأيت جيش العدو يتقهقر أمام جيشنا، حتى خيل ~~إلي أنني أنا الذي زحزحته وحدي عن مكانه وألجأته إلى الفرار، وقد عرف قائدي فضل ما ~~أبليت في هذه المعركة فرقاني إلى درجة «صف ضابط»، ولي أمل أن أعود إليكم في عهد قريب ~~باسم «الضابط أوجين». ~~(38) من استيفن إلى ماجدولين # قد ابتسم لي الدهر قليلا يا ماجدولين، فقد زارني أستاذي بالأمس في الخان الذي أنزله ~~بعد ما انقطعت عن زيارته بضعة أسابيع لأمر ما، وبشرني أنه وجد لي عملا في بعض المدارس ~~الصغيرة بوظيفة شهرية قليلة، وقال لي: إن مدير المدرسة وعده أن يضاعفها لي ضعفين بعد ~~ثمانية أشهر، فحمدت الله على ذلك. # لا صعب في الحياة يا ماجدولين غير الخطوة الأولى، فإذا خطاها المرء هان عليه ما ~~بعدها، فلنهنأ منذ اليوم باللقاء، ولنغتبط بالسعادة التي طالما تمنيناها حتى ~~بلغناها. ~~(39) من إدوار إلى استيفن # لا يزال النزاع قائما بيني وبين عمي، يأبى إلا أن أعيش عيش المقلين، وآبي إلا أن ~~أتمتع بمالي الذي ورثته عن أبي كما أحب وأشتهي، ولا أدري ما الذي يعنيه من الحرص على ~~مال يعلم أنه ليس له، وأن مصيره مهما طالت الأيام لصاحبه؟ ولكنها خلة البخلاء الأشحاء، ~~لا يقع في أيديهم شيء ms050 من مالهم أو من مال غيرهم حتى تلتوي أصابعهم عليه التواء الحية ~~على العصا، ثم لا يفلت منها بعد ذلك، فمثلهم كمثل الحبالة التي تنطبق حافتاها على كل ~~ما يدنو منها، وإن لم تجن لنفسها من وراء ذلك شيئا. # على أنها أيام قلائل ستنقضي؛ وسأبلغ سن الرشد بعد بضعة أشهر، فلا يبقى له ولا لغيره ~~علي من سبيل. # ألممت ببعض شأنك الحاضر، وعلمت أن أهلك قد نقموا منك مخالفتك إياهم، وعصيانك أمرهم، ~~فوكلوك إلى نفسك، ونفضوا أيديهم منك، فتركت لهم «كوبلانس» وسافرت إلى «جوتنج» تطلب ~~لنفسك فيها الرزق من طريق العمل، فلم يوافك حتى اليوم ما تريد، فليت الذي كان يا صديقي ~~لم يكن، وليتك أخذت بذلك الرأي الذي رأيته لك من قبل، وسلكت إلى الحياة طريقا غير هذا ~~الطريق الخيالي الذي تسلكه اليوم، فتزوجت من الفتاة التي اختاروها لك، وظفرت بنعمة ~~العيش في ظلالها، فلا سعادة في الدنيا غير سعادة المال، وكل ما في أدمغة البشر من علم ~~وعقل، وما في أجسامهم من قوة وأيد، وما في نفوسهم من فضائل ومزايا، إنما هي سبل ~~للمال، وذرائع إليه. # أهديك تحيتي وسلامي، وربما زرتك في «جوتنج» في عهد قريب، فقد ضقت ذرعا بذلك الرجل، ~~وأصبحت لا أطيق البقاء معه لحظة واحدة في بلد واحد. ~~(40) من استيفن إلى إدوار # لا تعتب علي يا صديقي، إن قلت لك: إن لي في الحياة رأيا غير رأيك وغير ما يراه ~~الناس جميعا. # إنني لا أعرف سعادة في الحياة غير سعادة النفس، ولا أفهم من المال إلا أنه وسيلة من ~~وسائل تلك السعادة، فإن تمت بدونه فلا حاجة إليه، وإن جاءت بقليله فلا حاجة إلى ~~كثيره. # ماذا ينفعني من المال وماذا يغني عني يوم أقلب طرفي حولي فلا أرى بجانبي ذلك الإنسان ~~الذي أحبه وأوثره، وأرى في مكانه إنسانا آخر لا شأن لي معه، ولا صلة لقلبي بقلبه؟ ~~فكأنني وأنا خال به خال بنفسي، منقطع عن العالم وما فيه. # إن الرجل الذي يتزوج المرأة لمالها إنما ms051 هو لص خائن؛ لأنه إنما يأخذ ما يأخذ من ~~مالها باسم الحب وهو لا يحبها، وعاجز أخرق؛ لأنه قعد عن السعي بنفسه لنفسه، فوكل أمره ~~إلى امرأة ضعيفة تقوته وتمونه، وساقط المروءة متبذل؛ لأنه يأجر جسمه للنساء، كما ~~تأجر البغي نفسها للرجال، ليستفيد من وراء ذلك قوته. # نعم إنني بائس فقير، كما تقول، ولكنني أسعى لنفسي سعي المجد الدءوب، وقد بدأت أنجح في ~~مسعاي منذ الأمس، فقد حصلت على وظيفة صغيرة ستكون كبيرة فيما بعد، واستأجرت لي غرفة ~~بسيطة فأصبحت ذا مسكن خاص، وسينتهي بؤسي وشقائي، وأنال السعادة التي أرجوها، وسيكون ~~أعظم ما أغتبط به في مستقبل حياتي أنني أنا الذي صغت إكليل سعادتي بيدي. # أحييك يا «إدوار»، وأرجو ألا تعتب علي فيما قلت لك، ولعلك تفي بوعدك لي، فأراك في ~~«جوتنج» في عهد قريب. ~~(41) غرفة استيفن # سكن استيفن بعد حصوله على وظيفته الجديدة في غرفة صغيرة طولها عشر أقدام وعرضها سبع، ~~ووضع فيها سريرا من خشب ومنضدة عارية يكتب عليها ليلا ويأكل عليها نهارا، وكرسيين ~~مختلفي الحجم والشكل، يجلس على أكبرهما وأصلحهما شأنا، ويضع حقيبة ملابسه على الآخر، ~~ومنصبا للطبخ، وجرة للماء، وبعض آنية أخرى، وكان بغرفته كوة تشرف على سطوح منازل ~~قديمة مهجورة لا يسكنها أحد، فلما أشرف منها ورأى ذلك المنظر الموحش اشمأزت نفسه ~~قليلا، ثم قال: لا بأس، فذلك خير لي من أن يطلع على خلتي أحد، ثم لمح على البعد ~~دوحة عظيمة مورقة في بعض المنازل القاصية فقال: تلك هي الروضة التي أفتح عليها نظري ~~كل صباح، وهل يتمتع صاحبها الذي يملكها ويتعهدها منها بأكثر من ذلك؟ ثم رأى على مقربة ~~منه كنيسة صغيرة فقال في نفسه: أرجو أن تساعدني دقات ساعتها على معرفة المواقيت، ثم ما ~~لبث أن سمع رنينها فأخذ يعدها فرحا مبتهجا وهو يقول: لن أشتري ساعة بعد ~~اليوم. # وكذلك اغتبط «استيفن» بمسكنه الجديد على صغره وحقارة شأنه اغتباطا عظيما؛ لأنه أول ~~مسكن نزل فيه عند نفسه، وابتاع أثاثه وأدواته من ماله، ms052 وظل يقول في نفسه: في المسكن ~~الخاص يستطيع المرء أن يكون حرا في قيامه وقعوده، وجلوسه واضطجاعه، ونومه على الهيئة ~~التي يريدها، لا يتكلف ولا يتعمل، ولا يجامل الناس ولا يرائيهم، ولا يضع نفسه في ~~القالب الذي يصنعونه له، فيرفع يده في الهواء بغتة دون أن يخاف وقوعها على وجه أحد، ~~ويستعين بتقليب يديه وتحريك رأسه على النظر والتفكير دون أن يسميه أحد مجنونا أو ~~مختبلا، ويمد قدميه في الناحية التي يريدها لا يخشى محاسبا يحاسبه على الأدب أو ~~يلاحيه في قواعده وأصوله؛ أي إنه يكون فيه على الصورة التي خلقه الله عليها، لا يزيد ~~على ذلك ولا ينتقص شيئا. # وكان لا بد له من أن يعيش عيش الإقلال والتقتير، فلم يلاق في ذلك عناء عظيما؛ لأنه ~~كان قنوعا مجتزئا، فقسم دخله بين نفقات طعامه وشرابه وملبسه وأجرة مسكنه ووفاء ما ~~عليه من دين الأثاث الذي ابتاعه، وعاش عيشة هادئة ساكنة لا يكدرها عليه مكدر؛ لأنها ~~كانت مملوءة أملا ورجاء. ~~(42) الطارق الجديد # جلس «استيفن» في غرفته غداة يوم من أيام الآحاد، وهي الأيام التي يشعر فيها بالراحة ~~من عناء الدرس ونصبه، فسمع خفق نعل ثقيلة على السلم يختلف صوتها عن صوت نعل جارته ~~العجوز التي كانت تختلف إليه من حين إلى حين لتملأ له جرة الماء من البئر، فدهش، وتسمع ~~فإذا القادم يصيح باسمه صياحا عاليا، فخيل إليه أنه يعرف صاحب هذا الصوت، فابتدر ~~الباب ففتحه فإذا صديقه «إدوار» فابتهج بمرآه وعانقه عناقا طويلا، وقال له: لقد وفيت ~~بوعدك أيها الصديق، فلك الشكر على ذلك، ولقد كنت أترقب حضورك ترقب المقرور أشعة الشمس، ~~والظامئ ديمة القطر. # فقال له: سأنزل عندك في غرفتك هذه الصغيرة ضيفا شهرين أو ثلاثة، وهي المدة الباقية ~~لي على بلوغ سن الرشد، ولقد اشتد النزاع بيني وبين عمي حتى أصبحت لا أطيقه ولا يطيقني، ~~ففارقت منزله وأقسمت ألا أرى وجهه حتى تنتهي قضية الوصاية التي بيني وبينه، ثم دخل وهو ~~يقول، ما أجمل هذه الغرفة وأبدع ms053 شكلها! إنها أوسع مما كنت أظن، وأجمل مما كنت أقدر، ~~وعمد إلى حقيبته ففتحها وأخرج منها زجاجة عطر ومشطا وبضعة مناديل من الحرير وقدمها ~~هدية إلى «استيفن»، فقبلها منه شاكرا ثم قام «استيفن» إلى شريحة لحم كان يعدها لطعام ~~الغد فاشتواها ووضعها على المائدة، ووضع بجانبها زجاجة من الخمر وقطعة من الجبن ثم أخذا ~~يأكلان ويتحدثان ويتذاكران أيام طفولتهما الماضية، وكذلك قضيا بقية يومهما مسرورين ~~مغتبطين حتى أتت ساعة النوم، ففرش «استيفن» لنفسه حشية في بعض جوانب الغرفة وترك السرير ~~لضيفه وناما. # ولما أصبحا أعطى «استيفن» «إدوار» قبل ذهابه إلى المدرسة جميع ما كان معه من المال ~~وقال له: إن أجرة وظيفتي في الشهر مائتا فرنك أنفق منها على الطعام والشراب ستينا، ~~وأحفظ الباقي لأجرة الغرفة وسداد ثمن الأثاث الذي ابتعته، وقد أنفقت منها خمسين فرنكا ~~في الأيام العشرة الماضية، وها هو ذا الباقي، فتول أنت إنفاقه، فأنت رب البيت منذ ~~اليوم وصاحب الشأن فيه، ثم تركه ومضى، فلم يلبث «إدوار» أن نزل إلى السوق فاشترى لحما ~~وخبزا وتوابل وفاكهة وخمرا، وأنفق في سبيل ذلك اثني عشر فرنكا وجلس يطبخ ويشتوي حتى ~~انتصف النهار، وحضر «استيفن» فقال له: ما هذا يا إدوار؟ أوليمة هي؟ قال: نعم وليمة ~~الاحتفال بقدومي! فابتسم «استيفن» وقال له: لقد أحسنت فيما فعلت، وذكرتني بما كنت عنه ~~لاهيا، وجلس يؤاكله حتى فرغا من الطعام، فقال له «إدوار»: أرى أن الغرفة تنقصها بضعة ~~أشياء لا بد منها، فأذن لي بمشتراها، وأعدك ألا أبتاع إلا ما لا بد لنا منه، وألا أنفق ~~في سبيل ذلك إلا ثمنا قليلا، فقال له: لك ما تريد، فخرج ثم عاد بعد ساعة يقتاد كلبا ~~أسود ضخما ووراءه حمال يحمل له مرآة كبيرة ومشجبا للثياب وهو يقول: ما أقبح ~~الغرفة التي لا مرآة فيها، وما أشد وحشة البيت الذي لا ينبح فيه كلب، على أنني لم أنفق ~~في جميع ما ابتعته أكثر من عشرين فرنكا، وأظنك ترى يا «استيفن» كما أرى أنها صفقة ms054 ~~رابحة نادرة قلما يتفق مثلها لأحد فضحك «استيفن» وقال له: ما أعذب جنونك يا «إدوار»! ~~قال: وهل تطيب الحياة بغير جنون؟ # وكذلك لم يأت اليوم العشرون من الشهر حتى صفرت أيديهما من النقود، ولم يجد ~~عليهما الكلب ولا المشجب ولا المرآة شيئا، فقال «استيفن»: ما العمل يا «إدوار»؟ قال ~~الأمر أهون مما تظن، وسأرى لك الرأي الذي ينفعنا، ثم تركه وخرج وعاد بعد قليل يصحبه أحد ~~الحمالين ورجل آخر من تجار الأثاث، فوقف على عتبة الغرفة وقال للرجل خذ هذا السرير ~~فإنه يضايق الغرفة كثيرا، ولا ظهر أثبت تحت جسد النائم من ظهر الأرض، وخذ هاتين ~~الوسادتين الزائدتين، فالوسادة الواحدة إذا ثنيت تكفي صاحبها، ثم نظر إلى «استيفن» وقال ~~له: أليس كذلك يا صديقي؟ فانتبه «استيفن» وكان مكبا على منضدته يكتب كتابا إلى ~~ماجدولين، ففهم كل شيء، وقال: بلى يا «إدوار»، قال: أتظن أن زجاجا رقيقا كزجاج هذه ~~النافذة يبقى طويلا على هذه الرياح العاصفة في هذا الشتاء الشديد؟ قال: لا، قال: أليس ~~من الحزم أن ننتفع بثمنه بدلا من أن نتركه لعبة في أيدي الرياح تعبث به ما تشاء؟ قال: ~~ذلك هو الرأي، فمشى إلى النافذة فانتزع ألواحها واحدا بعد آخر وأعطاها الحمال، ثم قال ~~له: وهل ترى أننا في حاجة إلى مثل هذا الغطاء الثقيل في مثل هذه الغرفة الضيقة؟ قال: ~~لا، فأمر الحمال بحمله، ثم قال له: وهل تضع في هذه الخزانة شيئا تخاف عليه أن يسرق؟ ~~فضحك «استيفن» وقال له: لو كان عندي ما أخاف عليه لم نصر إلى ما صرنا إليه، قال: إذن ~~ما بقاء هذا القفل فيها؟ ثم مد يده إليه فانتزعه من مكانه، وظل يقلب نظره في الغرفة حتى ~~وقع على المنضدة، فذعر «استيفن» وقال له: انتظر يا «إدوار» لا تمسسها حتى أتمم رسالتي، ~~فضحك وقال: إني أتركها لك إكراما لماجدولين. # وأخذ يساوم الرجل في ذلك الأثاث حتى باعه منه بثلاثين فرنكا، ثم عاد إلى «استيفن» ~~وقال له: ماذا ترى فيما تم؟ قال: ms055 أرى أن تعطيني هذا المال الذي معك لأتولى إنفاقه بدلا ~~منك، فإنك لا تستطيع أن تكون حازما، قال: أظن أننا قد بدأنا نختلف يا صديقي؛ لأنك تحب ~~التقتير وهو لا يعجبني، وأنا أحب السعة وهي لا ترضيك، فخير لي ولك أن نقتسم راتبك بيننا ~~قسمين، وأن يعيش كل منا وحده بالقسم الذي يصيبه، وصمت هنيهة ثم قال: على أن افتراقنا في ~~المعيشة لا يتم إلا إذا افترقنا في السكن، فليختص كل منا بجهة من الغرفة مستقلة عن جهة ~~صاحبه، وها أنا أقسمها بيننا قسمة عادلة، ثم عمد إلى قطعة من الجص وخط بها وسط الغرفة ~~خطا مستطيلا، وقال: هذا قسمي أنا وكلبي ومرآتي ومشجبي، وهذا قسمك وحدك وهو خير من ~~قسمي وأكثر منه مرافق ومنافع؛ لأن فيه المنصب الذي تطبخ عليه طعامك، والمنضدة التي تكتب ~~عليها رسائلك، والنافذة التي تمد في فضائها ذراعك كلما أردت أن تلبس قميصك أو معطفك، ~~فأغرب «استيفن» في الضحك وخرج لشأنه وترك له الغرفة يفعل فيها ما يشاء. # وكذلك استمر «إدوار» ينغص على «استيفن» عيشه، و«استيفن» لا يغضب ولا يشكو، بل لا يشعر ~~بألم ولا ضيق؛ لأنه كان صديقه وكفى. ~~(43) التضحية # خرج «إدوار» ذات يوم يرتاض في بعض أطراف القرية، وبقي «استيفن» وحده يدون في دفرته ~~بعض نغمات موسيقية لدروس الغد، وإنه لكذلك إذ سمع على السلم خفق نعال كثيرة وأصواتا ~~مختلفة وصياحا عاليا، فدهش وقام إلى الباب ففتحه، فإذا رجل طويل القامة عريض الكتفين ~~يلبس لباس عمال المناجم تشتعل عيناه نارا، ويتدفق الزبد من شفتيه وقد أمسك بيده سيفين ~~عريضين، فلما وقع نظره على «استيفن» قال له: أأنت المسمى «إدوار»؟ فعلم «استيفن» أن ~~الرجل يريد بصديقه شرا، ولأنه لا يعرف شخصه، فأشفق منه وأراد أن يعرف ما ترته ~~عنده، فقال له: نعم أنا هو، فماذا تريد مني؟ فابتدره الرجل بلطمة على وجهه أظلمت لها ~~عيناه وقال له: لعل شجاعتك التي دفعتك إلى مغازلة زوجتي وانتهاك حرمة بيتي والعبث بشرفي ~~لا تفارقك في هذه الساعة ms056 حين أدعوك إلى مبارزتي على ضفاف النهر، وها هم أولاء شهود ~~المبارزة، فليختر كل منا من يشاء منهم، فأخذ «استيفن» منه السيف صامتا وقد فهم كل شيء، ~~وكان ملما بعض الإلمام بقصة «إدوار» مع زوج هذا الرجل، وأشفق عليه أن يصيبه من ~~المبارزة شر؛ لأنه كان يعلم أنه لم يجرد في حياته سيفا قط، فمشى مع خصمه صامتا لا ~~يقول له شيئا حتى بلغا ضفة النهر وجردا سيفيهما للقتال، وهنا ذكر «استيفن» ماجدولين ~~وود لو استطاع أن يكتب إليها كلمة وداع، فنظر إلى الشهود وقال: هل أجد مع أحد منكم ~~بطاقة صغيرة؟ فأعطاه أحدهم ما أراد، فكتب هذه الكلمة الموجزة «إني أموت في مبارزة ~~شريفة وأنت آخر من أفكر فيه، فالوداع يا ماجدولين.» وكان أحد الملاحين واقفا على مقدمة ~~سفينته بجانب الضفة، فرأى «استيفن» وهو يكتب كلمته، ثم رآه وهو يقلب نظره حوله يفتش عن ~~رسول يبعث بها معه، فأثر منظره في نفسه وتقدم نحوه وقال له: ائذن لي يا سيدي أن أحمل ~~رسالتك إلى من تريد، فشكر له «استيفن» صنيعه وأعطاه الرسالة بعد ما كتب عنوانها على ~~ظهرها، ثم شرع في المبارزة، فكانت يده فيها أعجز من يد خصمه، فجرح بعد ضربات في ذراعه ~~جرحا بليغا، فوقف الشهود المبارزة وتصافح الخصمان، والملاح لا يزال واقفا في مكانه، ~~فقال له «استيفن» وهو ساقط على الأرض بصوت ضعيف: مزق الرسالة التي معك فلا حاجة إليها ~~الآن، فمزقها الرجل ودنا منه فأخرج من جيبه منديلا فعصب به ذراعه، ثم أنهضه من مكانه، ~~وأخذ بيده وظل سائرا معه حتى صعد به إلى غرفته، فأضجعه على فراشه وجلس بجانبه يضمد ~~جرحه ويواسيه. ~~(44) الصداقة # جلس «إدوار» إلى صديقه في الليلة التي عزم على السفر في غدها وكان جرحه قد أشرف على ~~البرء، وقال له: لقد سجلت لنفسك بدمك يا «استيفن» في صفحة قلبي نعمة لا أنساها لك مدى ~~الدهر، كما لا أنسى لك أنك وأنت في أشد حالات بؤسك وضيقك قد آويتني وواسيتني أياما ~~طوالا، ms057 واحتملت لي ما لا يحتمله أخ لأخيه ولا حميم لحميمه، فلو أنني جمعت لك في يوم ~~واحد جميع ما كافأ به الناس بعضهم بعضا على الخير والمعروف مذ خلقت الدنيا حتى اليوم ~~لما جازيتك بعض الجزاء على الخير الذي صنعت، فقال له «استيفن»: إنني لم أسد إليك ~~يدا تستحق مكافاة، ولكنك صديقي، وللصداقة آثار طبيعية تتبعها وتنبعث وراءها جريان ~~الماء في منحدره، فإن كنت لا بد شاكرا فاشكر الصداقة التي ظللتنا بجناحيها مذ كنا ~~طفلين صغيرين، والبؤس الذي لف شملي بشملك، وخلط نفسي بنفسك، وحول قلبينا القريحين ~~الكسيرين إلى قلب واحد، وإن قدر لك يوما من الأيام أن تمد يدك لمعونتي فليكن ذلك منك ~~إذعانا لرحمة قلبك وحنانه، لا مكافأة على خير، ولا مجازاة على معروف. # إنني شقي مذ ولدت يا «إدوار»، فأنا أحب الأشقياء وأعطف عليهم؛ لأنني واحد منهم، ولا ~~صداقة في الدنيا أمتن ولا أوثق من صداقة الفقر والفاقة، ولا رابطة تجمع بين القلبين ~~المختلفين مثل رابطة البؤس والشقاء، فلو أنني خيرت بين صحبة رجلين: أحدهما فقير يضم ~~فاقته إلى فاقتي فيضاعفها، وثانيهما غني يمد يده لمعونتي فيرفه عني ما أنا فيه ~~من شدة وبلاء، لآثرت أولهما على ثانيهما؛ لأن الفقير يتخذني صديقا، والغني يتخذني ~~عبدا، وأنا إلى الحرية أحوج مني إلى المال. # يظن السعيد دائما أن السعادة التي يمرح في ظلها إنما هي منحة سماوية قد آثره الله ~~بها من دون عباده جميعا لفضيلة كامنة في نفسه لا يشاركه فيها غيره، ولا يعرفها الله ~~لشخص في العالم سواه، وليس في استطاعته أن يتصور بحال من الأحوال أن السعادة عارية ~~من عواري الدهر، يأتي بها اليوم ويذهب بها غدا، ولعبة من ألاعيبه، يختلف بها بين الناس ~~أخذا وردا، ويداولها بينهم عطاء وسلبا، فتراه واثقا بها مستنيما إليها، ينطق ~~بذلك لسانه، وتهتف به حركاته وسكناته، وملامح وجهه، وابتسامات ثغره، ومن كان هذا شأنه ~~نظر إلى غيره من البائسين المحدودين الذين لا يتمتعون في حياتهم بمثل متعته، ولا يهنئون ~~فيها ms058 بمثل نعمته نظر الشمس الساطعة إلى ذرات التراب المبعثرة على سطح الأرض، فهو يمن ~~عليهم باللفتة والنظرة، ويحاسبهم على القعدة والقومة، ويتقاضاهم إجلاله وإعظامه ~~كأنما يتقاضاهم حقا من حقوقه المقدسة التي لا ريب فيها، فإن أذن لأحدهم يوما من ~~الأيام أن يجلس في حضرته لا يعجبه منه إلا خضوعه له، واستخذاؤه بين يديه، وتضاؤله أمام ~~نظراته المترفعة تضاؤل الحمامة الساقطة تحت أجنحة النسر المحلق، ثم لا يجازيه على ذلك ~~بأكثر من دعائه إلى مائدته، أو الإنعام عليه بفضلة ماله، أو خلقان ثيابه، لا يبعثه إلى ~~ذلك باعث رحمة أو حنان، بل ليريه فرق ما بينه وبينه في مظاهر الحياة وزخارفها، وحظوظ ~~الأيام وجدودها، وليضيف إلى عنقه المثقل بأغلال الفقر غلا جديدا من الذلة ~~والاستعباد، فإذا أراد المسكين أن يفضي إليه بهم من هموم قلبه - ترويحا عن نفسه، ~~وترفيها لآلامه - أعرض عنه وبرم به، وخيل إليه أنه ما ذهب معه هذا المذهب في حديثه إلا ~~وقد أضمر في نفسه أن يقاسمه ماله، أو يساكنه في قصره، أو يشاطره نعمته وسعادته، فلا ~~يعزيه عن بأساته بأكثر من أن يلومه على تبذيره وإسرافه، أو على بلادته وغفلته، ثم يختم ~~حديثه معه بقوله: إن جميع ما يصيب المرء في حياته من بؤس وشقاء ليس الذنب فيه على ~~القدر، بل على قصور الإنسان وجهله، وعد اضطلاعه بشئون الحياة وتجاريبها، وإن الله - ~~تعالى، أعدل من أن يمنح نعمة جاهلها أو يسلبها مستحقها؛ أي إنه يجمع عليه بين بليتين: ~~بلية الهم، وبلية اليأس من انفراجه وانقشاعه. # لا يستطيع الغني أن يكون صديقا للفقير؛ لأنه يحتقره ويزدريه، فلا يرى فيه فضيلة ~~يصادقه عليها، أو يصطنعه من أجلها، ولأنه يشعر من نفسه باقتداره على احتمال أعباء ~~الحياة وحده دون أن يعينه عليها معين من الفقراء أو الأغنياء، أما صديق الفقير فهو ~~الفقير الذي يصغي لشكاته إذا بثها إليه، ويفهم معناها إذا سمعها منه، ويعزيه عنها إذا ~~فهمها عنه، ويجعل له من صدره متكأ لينا يلقي رأسه عليه، وهو تعب ms059 مكدود، فيجد فيه برد ~~الراحة والسكون. # لذلك أحببتك يا «إدوار» واتخذتك صديقا، وكان الشقاء هو الوثيقة التي تعاقدنا فيها أن ~~يكون كل منا عونا لصاحبه على دهره، وجنة له من دون نكبات الأيام وأرزائها، مهما ~~تقلبت بهما الأحوال، أو فرقت بينهما الأيام. # فأخذ «إدوار» بيد «استيفن» وأقسم له بكل محرجة من الأيمان ألا يهدأ له في حياته ~~روع ولا يثلج له صدر حتى يراه ظافرا من دهره بالسعادة التي يرجوها، ثم عرض عليه أن ~~يضع بين يديه جزءا من ثروته التي صارت إليه فأبى، وقال: أما هذه فلا؛ لأني لا أريد أن ~~أشتري سعادتي في دنياي إلا بأشرف أثمانها. # وفي الصباح مشى «استيفن» مع «إدوار» ليودعه حتى بلغا مكان الافتراق، فتعانقا طويلا ~~وبكى «استيفن» على صديقه ثم افترقا. ~~(45) من استيفن إلى ماجدولين # خرجت ليلة أمس أرتاض على شاطئ النهر، فلما استقبلت الفضاء شعرت أن أوراق الأشجار ~~تضطرب اضطرابا سريعا في خفوت وهمس، وأن الهواء يمشي متثاقلا مترجحا يتحامل بعضه ~~على بعض، ورأيت قطع السحاب الضخمة السوداء تنتقل في صحراء السماء تنقل قطعان الفيلة في ~~غاباتها، وخيل إلي أني أسمع في أعماقها قعقعة مبهمة تدنو حينا وتنأى أحيانا، وكأنما ~~قد راع هذا الصوت الأجش طيور الماء، وحشرات الأرض، فرأيت الطيور مرفرفة على سطح النهر ~~تستبق إلى أوكارها، والحشرات متعادية بين الصخور تتسرب إلى أحجارها، ورأيت السواد قد ~~صبغ كل شيء حتى لون الماء، فقبة السماء ورقعة الأرض والأفق الذي يصل بينهما منجم أجوف ~~عميق من مناجم الفحم يحاول البرق أن يجد له في جدرانه العاتية الصماء منفذا ينحدر منه ~~إلى جوفه فلا يستطيع، إلا الومضة بعد الومضة تعتلج بين طبقاتها ولا تنفذه. # ثم ما لبثت هذه الطبيعة الصامتة الخرساء أن هدرت وزمجرت فهبت الزوبعة من كل مكان تخبط ~~بيديها أوراق الأشجار فتطير بها كل مطار، وتهز السقوف والجدران هزا وتضرب بعضها ~~ببعض، ثم أقبل المطر يمزق قطع السحاب ويفتح لنفسه والبرق طريقا في خلالها، ثم همى ~~فسالت به الأودية والأرجاء، وامتلأت ms060 الأخاديد والأغوار، وكنت على مقربة من كوخ صديقي ~~«فرتز»، وهو ملاح فقير أسدى إلي فيما مضى من الأيام صنيعة لا أزال أحفظها له حتى ~~اليوم، فلجأت إليه، فخيل إلي حين دخلته أنه مقفر موحش ليس به أنيس، ثم أضاء البرق ~~فرأيت في داخله منظرا من أجمل المناظر وأبدعها، رأيت زوج الرجل وأولاده جاثين على ~~أقدامهم خاشعين باسطي أيديهم إلى السماء يدعون الله، تعالى، بدعوات جميلة يرددونها ~~بصوت شجي محزن، فخيل إلي - ولا مصباح هنا ولا ضياء - أني أرى إشراق وجوههم وتلألؤها ~~في هذه الدجنة الحالكة، وأحست لي المرأة فالتفتت إلي وقالت: لم يعد «فرتز» حتى ~~الساعة، ونحن نخشى أن يكون قد أصابه مكروه من أهوال تلك الليلة، فنحن ندعو الله، ~~تعالى، أن يرده إلينا سالما، فأثر في نفسي هذا المنظر تأثيرا شديدا، وقلت في نفسي: ~~«ويل للذين يحاولون أن يسلبوا أمثال هؤلاء المساكين إيمانهم ويقينهم، إنهم يسلبونهم ~~حياتهم التي يحيون بها في هذا العالم وكل ما تملك أيديهم من سعادة وهناء.» # وشعرت بحزن شديد في أعماق قلبي لحرماني من مثل هذه السعادة النفيسة التي ينعم بها ~~هؤلاء القوم، فجثوت بجانبهم أهتف بهتافهم، وأدعو بدعائهم، وأضرع إلى الله أن يمنحني ~~يقينا مثل يقينهم، ولم أدر أن ما أنا فيه إنما هو اليقين الذين أنشده وأضرع إلى الله ~~فيه، ثم رفعت رأسي فإذا «فرتز» واقف على عتبة الباب، فهرعت زوجته إليه تقبله وتنضو عنه ~~رداءه المبتل، ودار أولاده به يلثمونه ويستقبلون لثماته الأبوية الرحيمة، ويستطيرون ~~فرحا به وسرورا، ثم احتملوه جميعا إلى المائدة وجلسوا حوله يحادثونه ويسائلونه عما ~~كابد من أهوال هذه الليلة وشدائدها، وجلست على مقربة منه أسمع حديثهم، وأستشف سريرة ~~نفوسهم، فأخذ منظرهم هذا من نفسي مأخذا شديدا، وكدت - وما حسدت أحدا في حياتي على ~~نعمة قط - أن أحسدهم على نعمتهم هذه وقلت في نفسي: زوجة تحب زوجها وتبكي رحمة به ~~وإشفاقا عليه، وأولاده يجثون على أقدامهم ويمدون أيديهم إلى الله، تعالى، ضارعين أن ~~يحفظ لهم حياة أبيهم، وأب يبكي ms061 فرحا برؤية أولاده بين يديه سالمين مغتبطين ... إنها ~~السعادة النفسية العالية التي لا تستمد بهجتها ورواءها من القصور والرياض، والأثاث ~~والرياش، والفضة والذهب، بل من الحب الخالص، والود المتين. # وكذلك سيكون شأننا في مستقبلنا يا ماجدولين، فربما كتب لنا أن نعيش عيش الفقراء ~~المقلين، ولكننا سنكون على فقرنا وإقلالنا سعداء مغتبطين. # لم يبق بيني وبين الحصول على تلك الزيادة التي وعدوني بها إلا ثلاثة أشهر، سأسافر من ~~بعدها إليها في «ولفاخ» لأخطبك إلى أبيك، وأضع يدي في يدك، فلا يبقى للشقاء بعد اليوم ~~إلينا من سبيل. ~~(46) من ماجدولين إلى استيفن # سافرت «سوزان» إلى «كوبلانس» وتركتني حزينة آسفة على فراقها، ولكني سألحق بها عما ~~قليل، فقد وعدها أبي أن نسافر إليها بعد شهر واحد لنقضي عندها بقية أيام الشتاء، ~~وسأكتب إليك عند وصولي لتكون على بينة من ذلك، فلعلك تجد السبيل إلى موافاتي هناك، ~~فأراك - ولو على البعد - والسلام. ~~(47) من ماجدولين إلى استيفن # وصلنا منذ ثلاثة أيام أنا وأبي إلى «كوبلانس» ونزلنا ضيفين في منزل سوزان وأنا مغتبطة ~~بلقائها والسعادة التي أجدها في منزلها اغتباطا عظيما، وقد أخبرتني اليوم أنها ابتاعت ~~لنا مقصورة في ملعب «الأوبرا» نذهب إليها مساء كل أحد، فها نحن أولاء قد وجدنا المكان ~~الذي يمكننا أن نتراءى فيه أو نتلاقي إن استطعنا. # فتعال إلي يا «استيفن»، ولا يحل بينك وبين ذلك أنك سترى مرة ثانية وجه ذلك البلد ~~الذي أبغضته واجتويته وخرجت منه ناقما عليه، واغتفر كل شيء من أجلي. ~~(48) الحياة الجديدة # سافرت ماجدولين مع أبيها إلى «كوبلانس»، ونزلت في ضيافة صديقتها «سوزان»، فأدهشها ~~منظر القصر وأبهاؤه وحجراته، وما يشتمل عليه من أثاث ورياش، وما يتلألأ في جوانبه من ~~زخرف وآنية، وأعجبها منظر الوصائف في إقبالهن وإدبارهن، وما يتراءين فيه من ألوان ~~الثياب وأنواع الأزياء، حتى خيل إليها وهي واقفة أمام المرآة تنظر إلى نفسها وإلى ~~موقفهن بجانبها أنهن فوق أن يخدمنها أو يسعين بين يديها، بل تمثل لها أنهن يسخرن في ~~أعماق نفوسهن بمنظرها ومنظر ثيابها ms062 القروية القصيرة المخططة التي خاطتها بيدها، وكثيرا ~~ما كانت تحدثها نفسها كلما بدت لها حاجة من الحاج أن تقوم إلى قضائها بنفسها خجلا منهن ~~وحياء، والله يعلم كم نالها في مبدأ أمرها من حيرة وارتباك كلما جلست إلى طعام أو ~~شراب، أو شهدت مجمعا، أو حضرت ملعبا، وكم كابدت من عناء في صياغة نفسها على أوضاع تلك ~~الحياة الجديدة التي انتقلت إليها حتى أسلست واستقادت. # وكانت «سوزان» قد أعدت لها أنواع الأقمشة من حرير ومخمل وخز وصوف وفرو، فخاطت لها ~~خياطة ماهرة ثوبا للرقص، وآخر للملعب، وآخر للمائدة، وقمصا للبيت، وغلائل للنوم، ~~فرقصت وغنت وأنست بمنظر الراقصات والمغنيات، وتحدثت بأحاديث فتيات «كوبلانس»، وذهبت ~~مذاهبهن في آرائهن وتصوراتهن، ولذت لها هذه الحياة الجديدة لذة عظيمة، وملأت ما بين ~~جوانحها حتى غلبتها على أمرها، فتضاءل في نظرها كل شيء في ماضيها إلا حبها ~~لاستيفن. ~~(49) الفتنة # دخلت ماجدولين على «سوزان» ذات ليلة في غرفتها الخاصة في القصر، وهي غرفة بديعة ~~فاخرة، قد كسيت أرضها وجدرانها بالقطيفة الحمراء المطرزة، وأسبلت على نوافذها وأبوابها ~~ستائر حريرية بيضاء تتراءى في خلالها أسلاك الفضة اللامعة، وتدور في أطرافها ألوان ~~الفصوص المتلألئة، وانتثرت في جوانبها وأركانها المقاعد الثمينة، والمناضد الجميلة، ~~وآنية الفضة، فقالت لها «سوزان» حين رأتها: لقد أرسل إلي خطيبي اليوم هدية الزواج، ~~فهل تحبين أن تريها؟ قالت: لا أحب إلي من ذلك، ففتحت «سوزان» الصناديق أمامها ~~واحدا بعد آخر فإذا عقود ودمالج وأساور وأقراط مصوغة أجمل صياغة وأبدعها، مرصعة ~~بأنفس اللآلئ وأثمن الجواهر، فدهشت ماجدولين لمنظرها، وظلت تقلبها بين يديها ساعة، ثم ~~تناولت قرطا من الماس فوضعته في أذنيها، فاقترحت عليها «سوزان» أن تتقلد الحلية ~~بأجمعها لترى منظرها عليها، ففعلت، ووقفت بها أمام المرآة، وأقبلت بها وأدبرت، فقالت ~~لها «سوزان»: ما أحوج جمالك يا ماجدولين إلى مثل الحلية! وما أحوج هذه الحلية إلى مثل ~~هذا الجمال! وإني لا أتمنى على الله شيئا سوى أن أراك خطيبة رجل من ذوي النعمة والثراء ~~يحبك ويستهيم بك، ويكلأ فضاء ms063 حياتك هناء ورغدا. # ثم أنشأت تصف لها قصرا بديعا ابتناه لها خطيبها في إحدى ضواحي «كوبلانس» وأعد لها ~~فيه من أسباب النعمة والرفاهية ما لا يعد مثله أصحاب التيجان لنسائهم وحظياتهم، وختمت ~~حديثها بقولها: و«فردريك» فوق ذلك فتى جميل ساحر، لا تقع العين على أبدع ولا أظرف ~~منه، وهو يحبني حبا شديدا، ولا أحسب أن الذي أضمر له من الحب أقل مما يضمر لي، ~~فأطرقت ماجدولين هنيهة ولم تكن قد أفضت إلى صديقتها حتى الساعة بسر حبها لاستيفن، ثم ~~رفعت رأسها وقالت: هل تكتمين سري يا «سوزان» إن أفضيت به إليك؟ قالت: نعم، ومن يكتمه إن ~~لم أكتمه؟ # فقصت عليها قصتها مع «استيفن»، وذكرت لها ذلك العهد الذي أخذه كل منهما على صاحبه ~~أن يعيش له، وألا يفرق بينهما إلا الموت، فقالت «سوزان»: إني أذكر أنك كتبت لي عنه وكان ~~حديث عهد بالنزول بداركم، إنه غير جميل ولا جذاب، قالت: نعم هو كذلك، ولكنني أحببت ~~فيه أخلاقه أكثر من كل شيء، وإن رجلا يخاطر بنفسه من دون الناس جميعا في سبيل إنقاذ ~~غريق لا يعرف من هو حتى أنقذه وكاد يهلك دون ذلك لهو أشرف الرجال، وأنبلهم قصدا، ~~وأعلاهم همة، ولقد شهدت أنت بنفسك ذلك المنظر، وكتبت لي عنه، وعلمت منه أكثر مما أعلم، ~~قالت: أهو الرجل؟ قالت: نعم، قالت: إني أذكر ذلك، ولقد أعجبت به في ذلك اليوم إعجابا ~~عظيما، وهل هو غني؟ قالت: لا، ولكنه يسعى إلى الكفاف من العيش وسيناله، وحسبي منه أن ~~يحبني حبا لا يحبه أحد أحدا، قالت: ما أقبح المهر يا ماجدولين إذا كان كله حبا، ~~إنك تريدين أن تتبتلي وتستوحشي وتهجري العالم كله بجماله ورونقه إلى غرفة خاملة ~~في أحد المنازل المهجورة المنفردة تقتلين فيها نفسك هما وكمدا. # فصمتت ماجدولين ولم تستطع أن تقول شيئا، لا اقتناعا برأي صديقتها، بل حياء منها ~~وخجلا، ثم افترقتا. ~~(50) الملعب # جلست ماجدولين و«سوزان» في مقصورة الأوبرا، وجلس بجانبهما «ألبرت» ابن عمة ماجدولين، ~~و«اشميد» ابن عم «سوزان»، وهما ms064 فتيان جميلان متأنقان في ملبسهما وحليتهما، شأنهما في ~~حياتهما شأن أمثالهما من الفتيان الأثرياء المستهترين الذين تنقسم حياتهم كلها إلى ~~ساعتين اثنتين: واحدة للضحك والسرور، والأخرى لتصبي النساء واستغوائهم، فينفقون على ~~الأولى عقولهم، وعلى الثانية أموالهم، حتى لا يبقى لهم من هذا ولا ذاك شيء. # جلسا يقلبان النظر في وجوه الجالسين في المقاصير المقابلة لهما، فإن وجدا وجها ~~جميلا تغامزا وتهامسا، أو قبيحا ضحكا وسخرا، ثم علا صوتهما بالضحك والسخرية، فلم تلبث ~~«سوزان» أن اشتركت معهما، ثم تبعتها بعد قليل ماجدولين، ولم يكن ذلك من شأنها أو مما ~~يلتئم مع مزاجها، ولكنها فعلته مجاملة لهما، ثم لم تلبث أن طربت لهذا الأسلوب من المجون ~~وأنست به، فأخذت فيه أخذهما، وبينا هي تقلب نظرها في المقاصير المجاورة لمقصورتها إذ ~~رأت امرأة في سن الشيخوخة تلبس زينة الفتيات وحليتهن، فلفتت نظر أصدقائها إلى ذلك، ~~فضحكوا لفطنتها ضحكا عاليا رنانا، لا لأن هناك فطنة تستحق الإعجاب والإطراء، بل ~~لأنهم أرادوا أن يجازوها مجاملة بمجاملة، ومصانعة بمصانعة، فخدعها هذا الإطراء، ~~فاسترسلت في نكاتها ومجونها حتى كادت تستأثر بالحديث وحدها من دونهم جميعا. # وإنهم لكذلك إذ هتف «ألبرت» وأشار إلى رجل جالس على كرسي في مؤخرة الصفوف وقال: هل ~~رأيتم أعجب من هذا القرد اللابس ثوب الإنسان؟ فقال «اشميد»: أذكر أني رأيت هذا الوحش ~~المستأنس مرة قبل اليوم ولا أدري أين رأيته؟ وقالت «سوزان»: أظنه قدم الملعب الساعة، ~~فإني لم أره قبل هذه اللحظة، وما أحسبه إلا الشيطان الذي كانوا يخيفوننا به صغارا ~~ولا نراه، فقال «اشميد»: إن حلته وإن كانت ثمينة فاخرة فهي من الحلل التاريخية التي لا ~~يلبسها إلا الممثلون، فأجاب «ألبرت»: لعله سرقها من قبور الفراعنة أو دور الآثار، فإن ~~من يملك مثل هذه الحلة الثمينة لا يعجز أن يشتري مشطا يمشط به شعره المشعث، فقالت ~~«سوزان»: لا عار على الرجل أن يكون قبيحا، ولكن القبيح أن يلبس ثيابا جميلة تختلف ~~صورتها عن صورته فتلفت الأنظار إلى قبحه ودمامته، ثم التفتوا جميعا ms065 فرأوا ماجدولين قد ~~تراجعت إلى الوراء وهي ترتعد وتضطرب وقد استحالت حمرة وجهها إلى صفرة كصفرة الموت، ~~فسألوها ما بالها؟ فزعمت أنها مقرورة وأنها تشعر برعدة في جسمها، ودوار في رأسها، ولم ~~تكن صادقة فيما تقول، ولا يمكن أن تصدقهم فيما تقول؛ لأن الرجل الذي يسخرون منه ~~ويتناولونه منذ حين بألسنتهم ويذهبون كل مذهب في تحميقه وتجهيله والسخرية به؛ إنما هو ~~خطيبها الذي تحبه وتستهيم به، فأمسكوا عن الضحك هنيهة وأقبلوا عليها يعللونها حتى هدأ ~~ما بها، فانصرفوا إلى الرواية يشاهدون فصولها، وعادت هي إلى مجلسها الأول، وظلت تخالس ~~«استيفن» النظرة بعد الأخرى حتى انتبه لها فحياها بابتسامة خفيفة لم يشعر بها أحد ~~غيرها، ثم ما لبثت الرواية أن انتهت فنهضوا للانصراف، وألقت ماجدولين على «استيفن» نظرة ~~ضمنتها معنى شكرها إياه على اهتمامه بها، وحضوره لرؤيتها، ثم انصرفوا. ~~(51) الرجل والمرأة # ينظر الرجل إلى المرأة في حبه إياها بعين غير العين التي تنظر بها إليه في حبها ~~إياه، فهو يراها أداته الخاصة به التي لا حق لإنسان غيره في التمتع بها بوجه من ~~الوجوه، ويرى أن حقا عليها أن تختصه بجميع مزاياها وصفاتها، فلا تقع على حسنها عين ~~غير عينه، ولا تسمع رنة صوتها أذن غير أذنه، ولا يشعر بروعة جمالها قلب غير قلبه، ~~فيغار عليها من النظرة واللفتة، وكلمة الاستحسان، وبسمة الإعجاب، ويخيل إليه أن ~~الناظرين إليها والمحتفلين بها والمتحدثين بأحاديث حسنها وجمالها إنما هم قوم جناة ~~متلصصون قد مدوا أيديهم إلى خزانة ذخائره التي يملكها وحده من دون الناس جميعا، ~~فاختلسوا من جواهرها جوهرة لا حق لهم فيها، وفازوا بها من دونه، فيلم بنفسه من ~~الألم والامتعاض ما يلم بنفس الشحيح المختل إذا رأى السابلة تفر من حر الهاجرة إلى ~~جدران داره لتستذري بظلالها ساعة من الزمان، وإن لم يضره ذلك شيئا، وقد يكون من أشهى ~~الأشياء إلى نفسه وأعجبها إليه أن يرى الناس قد أجمعوا رأيهم على استقباحها والزراية ~~عليها ووصفها بأقبح الصفات وأشنعها، وأنها قد أصبحت في ms066 نظرهم ضحكة الضاحكين، وآية ~~السائلين، حتى يكون جمالها سرا من الأسرار الخفية، لا تراه عين غير عينه، ولا يبلغ ~~صميمه نفس غير نفسه. # أما المرأة فتنظر إلى الرجل الذي تحبه نظرها إلى حليتها التي تلبسها وتعتز بها وتدل ~~بمكانها على أترابها ونظائرها، فلا أوقع في نفسها ولا أشهى إلى قلبها من أن تسمع الرجال ~~يقولون عنه إنه رجل عظيم، والنساء يقلن عنه إنه فتى جميل، فهي تحبه لخيلائها وكبريائها ~~أكثر مما تحبه للذاتها وشهواتها، وترى في إعجاب المعجبين به وافتنان المفتتنات بحسنه ~~وجماله اعترافا منهم بحسن حظها وسطوع نجمها، واكتمال أسباب سعادتها وهنائها، وهذا كل ~~ما يعنيها من شئون حياتها. # لذلك شعرت ماجدولين بلوعة الحزن في أعماق قلبها حينما عرفت أن حليتها التي كانت ترجو ~~أن تفاخر بها أترابها غدا وتكاثرهن بحسنها وجمالها، قد بدأتها العيون، واقتحمتها ~~الأنظار، وسخر منها الرجال والنساء جميعا، وظلت تفكر في ذلك ساعة كابدت فيها من آلام ~~النفس ولواعجها ما تكابد نفس المحتضر في ساعته الأخيرة، ثم لم تلبث أن عادت إلى نفسها ~~وظلت تقول: إنهم لا يعرفون من أمره شيئا، ولو أنهم علموا من شأنه بعض الذي أعلم، ~~وعرفوا ما تنطوي عليه جوانحه من الفضائل والمزايا، لأعظموا منه ما استصغروا، وأجلوا ما ~~احتقروا، ولأنزلوه من نفوسهم المنزلة التي يستحقها فضله وكرمه. # وهنا ذكرت آماله وأحلامه، وبؤسه وشقاءه، وما يكابده في حياته من شدة وبلاء في سبيل ~~عيشه مرة وحبه أخرى، فبكت رحمة وإشفاقا عليه. # وهكذا أخذ حبها يستحيل إلى رحمة وشفقة، والحب إذا استحال إلى هذين فقد آذن نجمه ~~بالأفول. ~~(52) من استيفن إلى ماجدولين # رأيتك يا ماجدولين بعد افتراقنا عاما كاملا، وكانت ساعة من أسعد الساعات وأهنئها، ~~فغفرت للدهر من أجلها كل سيئاته عندي، بل نسيت عندها أنني ذقت طعم الشقاء ساعة واحدة ~~في يوم من أيام حياتي، وظللت أقول في نفسي: هذا شأني ولم أرها إلا لحظة واحدة على ~~البعد، فكيف بي إذا أصبحت كل ساعات حياتي ساعات لقاء واجتماع؟ إني أذكر ذلك ms067 يا ماجدولين ~~فيخيل إلي أن قلبي أضعف من أن يحتمل هذه السعادة كلها، وأنها يوم توافيني ستذهب إما ~~بعقلي أو بحياتي. # عفوا يا صديقتي، فقد أذنبت إليك بيني وبين نفسي ذنبا لا بد لي من أن أعترف لك به ~~حتى لا أكون قد أذنبت إليك ذنبا آخر بكتمانه وإخفائه. # تركت «جوتنج» وقلبي يخفق رعبا وخوفا أن تكون الحياة الجديدة التي انتقلت إليها قد ~~نالت من نفسك منالها من نفوس الفتيات الضعيفات اللواتي تتلون قلوبهن وأهواؤهن بلون ~~الهواء الذي يستنشقنه، والجو الذي يعشن فيه، فلما رأيتك ورأيت تلك السحابة السوداء من ~~الحزن التي كانت تغشى وجهك وتظلله، ومنظر عينيك الساجيتين المنكسرتين المملوءتين كآبة ~~وحزنا، علمت أني مخطئ في هواجسي وظنوني، وأن المكان الذي شغلته من قلبك لا يزال آهلا ~~بي كعهدي به، وأن تلك الريبة التي عرضت لنفسي فيك إنما هي وساوس الحب وأوهامه، غير أن ~~لي عندك أمنية واحدة أحب أن تأذني لي بذكرها، وأن تنوليني إياها. # رأيتك في الملعب تلبسين ثيابا رقيقة ناعمة تشف عن ذراعيك وكتفيك ونحرك، وتكاد تنم عن ~~صدرك وثدييك، ورأيت الأنظار حائمة حولك تكاد تنتهبك انتهابا، فاشتد ذلك علي كثيرا، ~~وألم بنفسي من الغيظ والألم ما الله عالم به، وما أحسب أنك كنت راضية عن نفسك في هذا ~~المنظر الذي ظهرت به بين الناس، ولكنك خضعت فيه لرأي النساء، ورأيهن في هذا الشأن أخيب ~~الآراء وأطيشها، فرجائي عندك أن تنزعي عنك هذه الشفوف المهلهلة، وأن تعودي إلى ثيابك ~~القروية الأولى، صونا لجسمك من عبث الأنظار وفضولها، فليس يكفيني منك أن تهبيني قلبك ~~وتؤثريني بمحبتك، بل لا بد لك من أن تذودي عنك قلوب الرجال وأفئدتهم، فلا تجعلي لها ~~سبيلا إلى الافتتان بك، أو الاهتمام بشأنك، لا بالبشاشة والوداعة، ولا بالتزين ~~والتحلي، ولا بالتجمل والتأنق، واعلمي أن المرأة لا تخلص للرجل الذي تحبه الإخلاص كله ~~حتى تؤثره بجميع مزاياها وصفاتها، فلا تحفل برأي أحد فيها غير رأيه، ولا تنزل منزلة ~~الرضا في قلب غير قلبه، ولا ms068 تأذن لكائن من كان أن يقول لها في وجهها، أو بينه وبين ~~نفسه، أو في رؤاه وأحلامه: إنها جميلة أو فتانة، أو ما أظرفها وأبدعها! حتى توافيه ~~طاهرة نقية كاللؤلؤة المكنونة التي يلتقطها ملتقطها من صدفتها. # تحيتي إليك وإلى السيدة «سوزان»، وسأذهب مساء كل أحد إلى الملعب لأراك، وألتمس ~~السبيل إلى لقائك. ~~(53) الدسيسة # دخلت «سوزان» على ماجدولين في غرفتها فرأتها جالسة جلسة الحزين المكتئب، ورأت ذلك ~~الكتاب في يدها فاختطفته منها قبل أن تتمكن من إخفائه، فقرأته ثم ابتسمت وقالت لها: لم ~~يبق على خطيبك هذا يا ماجدولين سوى أن يأمرك بأن تشوهي وجهك، أو تفقئي إحدى عينيك، أو ~~تجدعي أنفك، أو تهشمي مقدم أسنانك، حتى تبذأك العيون، وتقتحمك الأنظار، وتقشعر ~~لرؤيتك الأبدان، فلا يجرؤ أحد على أن يقول لك بلسانه، أو بينه وبين نفسه: إنك جميلة أو ~~فتانة، وأن تحملي بيدك قيثارة رنانة تطوفين بها أنحاء البلاد كما كان يفعل شعراء ~~اليونان والرومان في عصورهم الأولى وتتغنين عليها بمدحه والإشادة به، وتنشدين أناشيد ~~الثناء على حسنه وجماله، فما أقل عقله، وأقصر نظره، وأجهله بالحياة وشئونها! إني لأحسبه ~~قد أعد لك في بيته منذ الساعة قفصا من حديد يستقبلك به يوم تزفين إليه ليسجنك فيه، ثم ~~يقف على بابك حارسا يقظا يصونك من عبث العيون وفضول الأنظار، فلا ترين إلا وجهه، ولا ~~تسمعين إلا صوته، ولا تشعرين بوجود أحد في العالم سواه. # فقالت ماجدولين: إنك تتهمينه يا سيدتي بما ليس فيه، فهو من أحسن الناس أدبا، وأشرفهم ~~نفسا، وأطيبهم قلبا، ولكنه محب، وكل محب غيور، قالت: أعاذني الله وإياك من حب ~~يختلس الحياة اختلاسا، ويأتي عليها بأسرع من ضربة السيف، وكرة الطرف، والله لو ~~جاء في خطبتي ملك من ملائكة السماء يحمل على رأسه تاج الملأ الأعلى ويمهرني بالجنة ~~التي أعدها الله للمتقين وما فيها من حور وولدان وروح وريحان ويعدني بالخلود الدائم ~~والنعيم الذي لا يفنى على أن يضعني في قفص مثل هذا القفص الذي أعده لك هذا الخطيب ms069 ~~المأفون لآثرت موت الفجأة والتغلغل في أعماق السجون والفرار إلى أديرة الصحاري ~~المنقطعة على الرضا به، والنزول على شرطه. # ثم نهضت قائمة وقالت: محال أن أخاطر بك وبمستقبلك يا ماجدولين، وأن أتركك فريسة في ~~يد هذا الوحش المفترس، ينغص عليك عيشك، ويكدر صفو حياتك، ويقتطف زهرة شبابك الغضة قبل ~~أوانها، ثم حيتها وانصرفت إلى مخدعها. # فقضت ماجدولين بعد انصرافها ليلة ليلاء لا تستريح فيها من الضجعة إلا إلى القعدة، ~~ولا من القعدة إلا القومة، تتلمس بارقة الصواب في هذه الدجنة الحالكة فلا تهتدي إليه، ~~وتقلب أمرها ظهرا لبطن فلا يزيدها التلقيب إلا جهلا، حتى غلبتها السنة على عينيها ~~فنامت. ~~(54) من أوجين إلى استيفن # صدر أمر القيادة العليا للتهيؤ للسفر بعد بضعة أيام إلى جهة لا نعرفها، ويقول ~~ضابطنا: إن هناك ستكون الواقعة الكبرى التي يفصل فيها في مستقبل الحرب، ولا أعلم ماذا ~~يعده القضاء لي في ذلك اليوم، فإن قدر لي الله النجاة فسأكتب إليك، وإن كانت الأخرى ~~فستقرأ اسمي بين أسماء القتلى في جريدة الحرب، ولا يحزنك في ذلك اليوم مصيري، فهو مصير ~~كل رجل شريف. # لي إليك حاجة يا «استيفن» أرجو ألا تضن علي بها: قد بلي سرجي ووهت علائقه، ولم ~~يبق معي من المال - بعد ما أنفقت عطائي كله في هذا الشهر بين اللعب والشراب - ما أبتاع ~~به سرجا غيره، فابعث إلي بعشرين فرنكا قبل مرور عشرة أيام، فإن فاتك أن ترسل إلي ~~في ذلك الوقت فلا ترسل إلي شيئا، فإنه لا يصلني، وتحيتي إليك وإلى السيدة ~~ماجدولين. ~~(55) العرس # استطاع «استيفن» بعد سفر صديقه «إدوار» أن يستفضل جزءا من مرتبه الشهري، فاجتمع له ~~بعد بضعة أشهر خمسون فرنكا، استأجر بسبعة منها الحلة التي ذهب بها إلى ملعب الأوبرا ~~لرؤية ماجدولين، وابتاع بخمسة تذكرة الملعب، غير ما أنفق على طعامه وشرابه وسفره، وبقي ~~معه بعد ذلك اثنان وعشرون فرنكا، فلما عاد إلى «جوتنج» لبث بضعة أيام ينتظر كتابا من ~~ماجدولين ردا على كتابه الأول فلم يأته، فساء ظنه، ms070 ووقع في نفسه أنه قد أغضبها وآسفها ~~فيما كتب به إليها، فاشتد حزنه وغمه، وكتب لها رسالة أخرى يعتذر إليها فيها عما ورد في ~~رسالته الأولى، فكتبت إليه أنها كانت عاتبة عليه في سوء ظنه بها، واشتداده في مؤاخذتها، ~~وأنها قد قبلت عذره، وسألته ألا ينقطع عن زيارة الملعب لتراه، فعزم على أن يسافر يوم ~~الأحد ليراها ويلتمس السبيل إلى مقابلتها بكل وسيلة، ليجدد لها اعتذاره بنفسه، ويشكر ~~لها صفحها عنه ورضاها. # فبينما هو جالس في غرفته صباح اليوم الذي عزم فيه على السفر إذ جاءه كتاب أخيه، فحزن ~~عند قراءته حزنا شديدا، وذكر أنه لا يملك من متاع الدنيا غير هذه القطع القليلة وأنه ~~في حاجة إليها لينفقها على زيارة ماجدولين، فلبث حائرا لا يدري ماذا يصنع، ثم غلبته ~~عاطفة الحب على كل عاطفة سواها، فقام ليهيئ نفسه للسفر، وابتاع نعلا جديدة؛ لأن نعله ~~القديمة كانت قد بليت وبلغت آخر درجات الاحتمال، فعجز عن استئجار الحلة التي استأجرها ~~في المرة الأولى، فلم يجد بدا من أن يستصلح حلته التي يلبسها، فرتق فتوقها، وصبغ ~~بالمداد الأسود ما ابيض من خيوطها، ثم ركب عجلة وسافر إلى «كوبلانس» في الساعة الأولى ~~من الليل، فأكل في بعض المطاعم الصغيرة، ثم ذهب إلى الملعب فلم ير ماجدولين في ~~مقصورتها، فلم يقلق لذلك كثيرا وقال: لعل لها شأنا شغلها عن التبكير، وهي آتية ما من ~~ذلك بد، وأقبل على المسرح يتلهى بالنظر إلى فصوله، فرأى بين القطع الممثلة مشهد رجل ~~من أرباب الثراء والنعمة قد استهام بحب امرأة واستهامت به، ثم نزلت به نكبة من النكبات ~~المالية فتنكرت له، وبرمت به، وعزمت على مقاطعته والرحيل عنه، فجثا الرجل بين يديها ~~يستعطفها ويسألها ألا تفعل، فأبت وصارحته بالسبب الذي يدعوها إلى مقاطعته، وقالت له ~~فيما قالت: «إن المرأة لا تحب الرجل أبدا، بل تحب فيه نفسها، فإن كان من أرباب المال ~~أحبت فيه زينتها ولهوها، أو من أرباب الجمال أحبت فيه لذتها وشهوتها، فإن لم يكن ms071 أحد ~~الاثنين، فهي لا تحب إلا هذين.» فاشمأز «استيفن» عند سماع هذه الكلمة، وقال في نفسه: ~~إنهن يمثلن أخلاق البغايا الفاسقات، ويزعمن أنهم يمثلن أخلاق النساء عامة، ها هي ذي ~~ماجدولين تكاد تعبدني حبا، وما أنا من أرباب الجمال فتحب في شهوتها، ولا من أرباب ~~المال فتحب في زينتها، ولقد أراد الله بها خيرا إذ كفاها مئونة سماع هذه الكلمات ~~المنفرة، ولو سمعتها لآلمتها ونالت من نفسها منالا عظيما. # ثم انتظر بعد ذلك ساعة فلم تأت، فلم يبق له أمل في مجيئها، وعلم أن هناك شأنا ~~عظيما عرض لها فشغلها عن الحضور، فاشتد عليه الأمر كثيرا، ورأى ألا بد له من الوقوف ~~على شأنها قبل العودة إلى قريته، وخشي أن تكون مريضة، فخرج من الملعب ومشى في طريق قصر ~~«سوزان» وهو لا يعلم كيف يلتمس السبيل إلى الوصول إليها حتى داناه، فرأى أنوارا كثيرة ~~تتلألأ في أبهائه وحجراته، وتتدفق من نوافذه وكواه، وسمع ألحانا مختلفة تتردد في ~~أنحائه، ورأى الخدم رائحين غادين في صحونه وأفنيته يحملون على أيديهم آنية الشراب وصحف ~~الطعام، فعلم أنها وليمة عامة، ولكنه لم يدر ما المراد بها، فدنا من الباب، فرأى عجلات ~~كثيرة مصطفة أمامه، ورأى حوذيا متكئا على كرسي عجلته، فسأله: ما هذه الليلة الحافلة ~~في هذا القصر؟ فصعد الرجل نظره فيه وصوبه ثم قال له وهو لا يفارق متكأه: إنه عرس السيدة ~~«سوزان» ابنة صاحب هذا القصر، فاطمأن وهدأ، وعلم أن ما بصحابته من بأس، وعزم على ~~الانصراف، ثم حدثته نفسه أن يحتال لرؤيتها ولو على البعد لحظة واحدة قبل انصرافه، فمشى ~~إلى ظلة دانية من ظلل القصر فوقف تحتها يفكر في الوسيلة التي يتذرع بها إلى الدخول، ~~فما لبث أن رأى عجلة مقبلة تحمل بعض الكبراء، ورأى الخدم يهرعون إليها فانفتل من مكانه ~~واختلط بهم كأنه واحد منهم، ولا تختلف هيئته عن ذلك إلا قليلا، ثم نزل الزائر فمشى بين ~~يديه مع الماشين حتى اجتازوا فناء القصر ووصلوا إلى قاعة الرقص، فدخل ms072 الرجل ودخل معه ~~الخدم وبقي هو وحده على الباب يستشف من ألواح زجاجه ما وراءها من المناظر، فرأى ~~الراقصين والراقصات يسبحون في بحر من الهناء والسرور، ويطيرون في أجواء مختلفة من ~~اللذائذ والمناعم، فظل يدير عينيه بينهم يفتش عن ماجدولين حتى لمحها ترقص مع رجل، ~~فتبينه فإذا هو صديقه «إدوار»، فلم يأبه لذلك كثيرا، إلا أن ما راعه وأزعجه وكاد ~~يطير بلبه أنه رآها ترقص في ثوب رقيق شفاف لا يكاد يحجب جارحة من جوارحها، وخيل إليه ~~أن صدرها ملتصق بصدر مخاصرها، وأن رأسها ملقى على كتفه، وخدها تحت متناول لثماته، وأنه ~~يحتضنها أكثر مما يخصرها، فأن أنينا مؤلما وقال في نفسه: ماذا فعلت بك الأيام يا ~~ماجدولين؟ # وحدثته نفسه أن يقتحم الباب ويتغلغل بين الزائرين حتى يبلغ مكانها ويلقي عليها نظرة ~~عتب وتأنيب ثم يعود أدراجه، ولكنه استحيا لها ولنفسه أن يراه الناس في هذه الأثواب ~~الجافية الغليظة، فتماسك على مضض، وأنشأ يسري عن نفسه ويقول: هذا شأن جميع الراقصين ~~والراقصات، وهذه أثوابهم التي يلبسونها، ومواقفهم التي يقفونها، برهم وفاجرهم، تقيهم ~~وعاهرهم، فلا ألومها ولا أعتب عليها، فلتلبس ما تشاء من الثياب، ولترقص مع من تشاء من ~~الرجال، فحسبي منها أني أنا الشخص الوحيد الذي يتيمها ويملأ فراغ قلبها من بين ~~هؤلاء جميعا. # ثم أعاد النظر مرة أخرى فرآها قد فرغت من الرقص ومشت هي و«إدوار» إلى مقعد قريب من ~~الباب فجلسا عليه، فلم ير في مجلسهما بأسا ولا مسترابا، فهدأ ثائره، بل أعجبه ما رأى ~~من عناية صديقه بها، وعطفه عليها، وخيل إليه أنه ما رقص معها ولا احتفل بها إلا من ~~أجله، وأنهما ما اجتمعا على هذا المقعد في هذه الساعة إلا ليتحدثا بشأنه ويتذكرا أيامه ~~ووعوده، ثم ما لبث أن لمح في أصبعها خاتما فتبينه فإذا هو الخاتم الذي نسجته من شعره، ~~والذي لا تزال تحدثه عنه في رسائلها كلما كتبت إليه، فاغتبط بذلك اغتباطا عظيما ولم ~~يبق في نفسه من ذلك الخاطر المؤلم الذي مر ms073 بذهنه منذ ساعة أثر واحد. # وإنه لكذلك إذ دفع الباب بغتة وخرج منه فتى متأنق من الزائرين يهز في يده سوطا ~~مستطيلا، فرآه واقفا فظنه بعض الخدم، فصرخ في وجهه بلهجة الآمر أن يدعو له سائق ~~عجلته، وسماه له، فارتبك قليلا، ثم لم ير بدا من الامتثال مخافة أن ينكشف من أمره ما ~~كان خافيا، فهرع إلى الباب الخارجي يهتف باسم غير الاسم الذي سمعه، وكان قد نسيه، ~~فأدركه الفتى وقد طار الغضب في دماغه فضربه بالسوط على وجهه ضربة أدمته، وأخذ يسبه ~~ويشتمه، فاحتمل «استيفن» تلك الضربة صامتا، ومشى في طريقه لا يلوي على شيء. # وما أبعد إلا قليلا حتى انحدرت من جفنه دمعة جرت على خده فأصابت موضع الضربة منه ~~فآلمته، فهتف صارخا: ماذا لقيت في سبيلك يا ماجدولين؟! ~~(56) المريض # عاد «استيفن» إلى «جوتنج» فوجد كتابا من قريبه الذي كان قد أحسن إليه بتلك القطع ~~الذهبية يوم خروجه من «كوبلانس» شريدا طريدا يقول له فيه: إنه مريض مشرف على الموت، ~~وإنه يحب أن يراه بجانبه في ساعته الأخيرة، فرثى له وحزن عليه حزنا شديدا، ورأى ألا ~~بد له من موافاة رغبته في الذهاب إليه، فاستأذن المدرسة في بضعة أيام يقضيها بجانبه، ~~فلم تأذن له إلا بثلاثة، فسافر إليه، وكان يسكن وحده بيتا في ضاحية من ضواحي «كوبلانس» ~~لا يرى فيه إلا وجه خادمه وطبيبه، وكانت زوجته قد ماتت منذ عهد قريب، وليس له من ~~الأقارب الأدنين غير ابن عم له من قساة الأغنياء وجفاتهم، لا يحبه ولا يحفل بشأنه، فدخل ~~عليه «استيفن» في ساعة من ساعات الليل فرآه ساهرا يئن من الآلام والأوجاع، وقد نال منه ~~الداء منالا عظيما، فأصبح لا يستطيع النطق إلا همهمة وتجمجما، فجلس بجانبه يتوجع له ~~ويواسيه حتى استطاع الرجل بعد لأي أن يقول له: لقد مرت بي بضعة أشهر وأنا طريح هذا ~~الفراش لا أفارقه لحظة واحدة حتى مللت وبرمت، وأصبحت أخشى غائلة الضجر أكثر مما أخشى ~~غائلة المرض، فلا تفارقني بعد اليوم ms074 حتى يحكم الله في أمري بما يشاء. # فلبث معه الثلاثة الأيام التي أجازوه بها ثم عزم على العودة، فتوسل إليه المريض ~~بانكسار عينيه وترقرق الدمع فيهما ألا يفارقه حتى يقضي الله في أمره بقضائه، وكان قد ~~ثقل وأصبح على حالة لا ترجى له معها الحياة، فتذمم «استيفن» أن يفارقه على حاله تلك، ~~وكتب إلى المدرسة يستأذنها في بضعة أيام أخرى يتخلفها وأدلى إليها بعذره في ذلك، ولبث ~~ينتظر جوابها فلم يأته، واشتد به القلق، ثم جاءه منها بعد حين كتاب تقول له فيه: ~~إنها لم تر بدا من الاستغناء عنه والاستبدال به، وإنها قد أرسلت إليه ما بقي له ~~عندها من مرتبه، فما أتى على آخر الكتاب حتى صاح صيحة كادت تنقد لها أضالعه وسقط ~~مغشيا عليه وهو يقول: «رحمتك اللهم فقد عجزت عن الاحتمال!» ~~(57) الموت # نامت العيون وهدأت الجنوب في مضاجعها، وسكنت كل سارية في الأرض، وكل سابحة في ~~السماء، وظل «استيفن» ساهرا وحده بجانب مريضه المحتضر يسمع حشرجة الموت في صدره ترن في ~~هدوء الليل وسكونه، فيخيل إليه أنه واقف في وسط فلاة موحشة تعزف جنانها، وتزمجر غيلانها ~~فامتلأت نفسه رهبة ووحشة، وأن هناك معركة قائمة بين الروح والجسد، تأبى إلا أن ~~تفارقه، ويأبى إلا أن يتشبث بها، فيدركه من التعب والنصب ما لا يحتمله محتمل، حتى ~~عي بأمرها، فتساقط خائرا مستسلما لا تطرف له عين، ولا ينبض له عرق، فوضع «استيفن» ~~أذنه على صدره فلم يسمع شيئا، فعلم أن الأمر قد انقضى، وأن الراقص قد ألقى قناعه، ~~والممثل قد خلع ثوب تمثيله، وأن عنصري الحياة قد افترقا وعاد كل منهما إلى أصله، فطار ~~منهما ما طار، ورسب ما رسب، فجثا بجانب الميت يرثيه ويتوجع له، ويبكي عليه مرة وعلى ~~نفسه أخرى، ومرت أمام نظره في تلك الساعة رواية حياته الماضية من مبدئها إلى منتهاها، ~~فظل يقرؤها صفحة صفحة، ويقلب نظره في سطورها وكلماتها، فرأى بؤسا وشقاء، وأحزانا ~~ودموعا، وجدودا عاثرة، ونحوسا متتابعة، حتى انتهى إلى الصفحة الأخيرة ms075 منها، فقرأ ~~فيها كتاب العزل الذي جاءه من المدرسة، فانتفض عند قراءته انتفاضا شديدا، وصاح صيحة ~~عظيمة دوت بها أرجاء الغرفة قائلا: ما هذا! هل فقدت ماجدولين؟ ثم أطرق إطراقا طويلا ~~لا يعلم إلا الله أين سبحت نفسه فيه، ولبث على ذلك ساعة، ثم رفع رأسه فإذا عيناه جمرتان ~~ملتهبتان، وإذا وجهه أسود مربد كأنما قد لبس نسيجا غير نسيجه، فدار بنظره في أنحاء ~~الغرفة دورة الحية الرقطاء بجوهرتيها في جنبات جحرها حتى وقع على خزانة المال التي كان ~~يأمره الميت في حال مرضه بالإنفاق منها، فعلق بها ساعة لا ينتقل عنها ولا يتحول، كأن ~~عينيه قد استحالتا إلى مسمارين لامعين من مساميرها، ثم وثب على قدميه فجأة وقد أصابه ~~مثل الجنون وهتف صارخا: لا بد لي من النجاح في حياتي، ولا أسمح لعقبة من العقبات مهما ~~كان شأنها أن تقف في طريقي، وإن الدهر لأعجز من أن يعترض سبيلي، أو يغلبني على أمري، ~~فهو لا يغلب إلا الضعفاء، ولا يقهر إلا الأغبياء، وما أنا بواحد منهم، وإن من الجبن ~~والخور أن أضع حياتي بين يديه يتصرف بها كيف يشاء، فلأكن أنا دهرا وحدي، أتولى شأن ~~نفسي بنفسي، وأتصرف بحياتي على الصورة التي أريدها، لا أتقيد بقانون ولا نظام، ولا ~~أسجن نفسي في هذه الدائرة الضيقة التي يسمونها الفضيلة؛ فما سقط الساقطون في معترك ~~الحياة، ولا داستهم أقدام المعتركين فيه إلا لأنهم وقفوا من الميدان في نقطة واحدة لا ~~يتحولون عنها ولا يتلحلحون فلم ينتبهوا إلى الضربات المختلسة التي جاءتهم من خلفهم فقضت ~~عليهم، ولو أنهم داروا مع المعركة حيث دارت، وتقلبوا في جنباتها كرا وفرا لظفروا ~~بالغنيمة مع الظافرين، ولنجوا من غائلة الموت الزؤام. # لا رذيلة في الدنيا غير رذيلة الفشل، وكل سبيل يؤدي إلى النجاح فهو سبيل الفضيلة، ~~وما نجح الناجحون في هذه الحياة إلا لأنهم طرقوا كل سبيل يؤدي إلى نجاحهم فاقتحموه غير ~~متذممين ولا متلومين، وما سقط الساقطون فيها إلا لأنهم تأثموا وتحرجوا وأطالوا ~~النظر والتفكير، ms076 وقالوا: هذا حلال وهذا حرام. # من هم الذين يملكون الدور والقصور، والضياع الواسعة، والرباع الحافلة، والذين تموج ~~خزائنهم بالذهب موج التنور باللهب؟ أليسوا اللصوص والمجرمين الذين يسمون أنفسهم ويسميهم ~~الناس سراة ووجوها؟ # من هم الذين يسهرون الليل طاوين لا يطرق النوم أجفانهم، ويقضون أيامهم هائمين على ~~وجوههم، يفتشون عن الرزق في كل مكان فلا يظفرون منه باللقمة أو الجرعة إلا إذا أراقوا ~~في سبيلها محجما من دماء قلوبهم؟ أليسوا الأشراف والفضلاء الذين يسميهم الناس - ويسمون ~~أنفسهم معهم - رعاعا وغوغاء؟ # أنا لا أعترف بقانون الملكية ولا قانون الوراثة؛ لأن المالكين سارقون، ولأن الوارثين ~~أبناء السارقين، فلا أسمي نفسي ظالما إلا إذا ظلمت عادلا مستقيما لم يظلم في حياته ~~نملة في حبة شعير يسلبها إياها. # إن نشاط الرذيلة وشطاطها أحرص من أن يترك للفضيلة المتئدة المترفقة في سيرها شيئا ~~وراءه تبلغه فتلتقطه، فلأغامر في ميدان هذه الحياة مغامرة، فإن ظفرت فذلك ما رجوت، أو ~~لا، فقد أبليت في حياتي عذرا. # وكان يهذي بأمثال هذه التصورات وهو يضرب في أرجاء الغرفة ذهابا وجيئة بخطوات واسعة ~~متلاحقة، ثم وقف بغتة وألقى نظره على الجثة المسجاة أمامه وقال: لقد أصبحت ميتا أيها ~~الرجل، فلا يعنيك من المال الذي تركته وراءك شيء، ولا شأن لك بمن يخلفك عليه من بعدك ~~أكان صديقك أم عدوك، أم أقرب الناس إليك، أم أبعدهم عنك، ولقد كان جديرا بك وأنا صديقك ~~وحميمك الذي واساك وجاملك في ساعاتك الأخيرة، وقام لك بما لم يقم لك به صديق ولا ~~حميم، حتى أضاع آماله ومستقبل حياته في سبيلك، أن توصي إليه بمالك، فهو أحوج إليه من ~~ابن عمك السعيد المجدود الذي لا يبالي أزاد مالك على ماله أم نقص منه؟ فأنا قائم عنك ~~بعد موتك بما فاتك أن تقوم به في حياتك. # ثم أدار ظهره إلى الجثة ومشى إلى الخزانة وكانت على كثب منه، فوضع يده على مفتاحها ~~فشعر برعدة شديدة تتمشى في أعضائه، وخيل إليه أن الغرفة كلها عيون ترقبه وتحدق في ms077 ~~وجهه، وأن روح الميت تلقي عليه من نوافذ جثتها نظرات شزراء ملتهبة يكاد أوارها يصل ~~إليه فيحرقه، فتريث في مكانه قليلا ثم تماسك واستجمع لبه وأناته وأدار المفتاح، فدار ~~الباب على عقبه وصر في دورانه صريرا خشنا، فارتعد وتمثل له أن صوتا أجش من أصوات ~~الحراس الأشداء يهتف به ويخاشنه، فابتعد عن الباب خطوة، ثم التفت يمنة ويسرة ~~فلم ير شيئا، فقال: إنها خيالات الشقاء تلاحقني في كل مكان، ومد يده إلى الأوراق ~~يقلبها على نور مصباح ضعيف كان في يده حتى عثر بالسفاتج التي يريدها، فما وضع يده عليها ~~حتى شعر أن دمه الذي كان يغلي في عروقه غليان الماء في مرجله قد هدأ وبرد، حتى كاد يقف ~~عن الجريان، وأن قطرات باردة من العرق تتحدر من جبينه على وجهه متتابعة، وأحس في نفسه ~~بذلك السكون العميق الذي يشعر به الهائج المصروع بعد استفاقته من صرعته. # وقد خيل إليه أن الخزانة التي أمامه تهتز وتضطرب ويموج بعضها في بعض، ثم ما لبثت أن ~~استحالت إلى مرآة صقيلة لامعة، فوقع نظره على صورته فيها، فامتلأ قلبه خوفا وذعرا، ~~وأنكرت نفسه نفسه، فقد رأى في أسارير وجهه تلك السحنة المنكرة التي يعرفها في وجوه ~~المجرمين، ورأى في عينيه تلك النظرات الطائرة الشاردة التي ينظر بها المحكوم عليه ~~بالموت إلى سيف الجلاد حين يلمع فوق رأسه، فظل يرتعد ويضطرب، وظلت الأوراق تتساقط من ~~يده واحدة بعد أخرى، وإنه لكذلك إذ أحس بيد ثقيلة قد وضعت على كتفه، فلم يأبه لها ~~في أول الأمر، وظنها بعض الخيالات التي لا تزال تعاوده منذ الليلة، إلا أنه لم يلبث أن ~~أحس ببرودتها فوق كاهله، فتهالك في نفسه وتجمع تجمع المتوقع ضربة هائلة تسقط على أم ~~رأسه، ثم التفت قليلا قليلا ليرى ما دهاه، فإذا الميت واقف خلفه عاري الجسم ينظر ~~إليه بعينين جامدتين، فصرخ صرخة عظيمة ودفعه بيده دفعة شديدة فسقط على الأرض بعيدا عن ~~مضجعه الأول ، فرنت عظام رأسه على أرض الغرفة رنينا شديدا، ms078 فاختبل وأصابه مثل الجنون، ~~وألقى المصباح من يده فانطفأ فازداد رعبه وفزعه، وهرع يطلب الباب للفرار منه فلم يهتد ~~إليه، فظل يعدو في أنحاء الغرفة ويتلمس جدرانها مقبلا مدبرا، لا يعثر حتى يقوم، ولا ~~يقوم حتى يعثر، وقد خيل إليه أن الجثة تعدو وراءه وتتعقبه حيثما ذهب، حتى أعياه الجهد، ~~وعجز عن الحركة، فسقط مغشيا عليه. # ولم يكن ما رآه في هذه المرة خيالا بل حقيقة لا ريب فيها، فقد عاودت الميت الحياة ~~لحظة ففتح عينيه للمرة الأخيرة فرأى باب خزانته مفتوحا، ورأى إنسانا لا يعرف من هو ~~يقلب أوراقه، فدفعه الحرص الغريزي الذي لا يفارق الإنسان مبدأ ساعات حياته إلى نهايتها ~~إلى الوثوب على قدميه والإهواء بيده على كتف السارق، ثم كان ما كان من سقوطه على أرض ~~الغرفة، فكان في سقطته القضاء عليه. # لم يستفق «استيفن» من غشيته حتى طلع الفجر وأرسل بعض أشعته من نافذة الغرفة، ففتح ~~عينيه وظل ينظر حوله يمنة ويسرة، فرأى المصباح الساقط والخزانة المفتوحة، والأوراق ~~المبعثرة، والجثة الملقاة، فذكر كل شيء، وقام يتحامل على نفسه، فأعاد كل شيء إلى مكانه، ~~ونقل الجثة إلى مضجعها، وأسبل عليها غطاءها، ولم يلبث أن جاء الطبيب، فلما رأى الصدع ~~الذي في رأس الميت قال لاستيفن: أحسب أن المريض قد ثار من فراشه في ساعته الأخيرة ولم ~~يكن معه من يتولى شأنه فسقط بعيدا عن مضجعه فأصابه ما أصابه، فارتعد «استيفن» وقال: ~~نعم يا سيدي، ولقد كنت نائما في تلك الساعة فلم أستطع مساعدته ولم أستيقظ إلا على صوت ~~سقطته، فاحتملته إلى مكانه، وكان أسفي لذلك عظيما، فلم ير الطبيب بأسا فيما قال، ~~وانصرف لشأنه. # وما انقضى النهار حتى دفن الميت وحضر دفنه وارثه، وسافر «استيفن» إلى «جوتنج» وهو ~~يردد في طريقه قوله: «ويل لي من مجرم أثيم!» فما وصلها حتى كان قد بلغ آخر درجات ~~الاحتمال فسقط في فراشه مريضا مدنقا، لا يفارقه خيال تلك الليلة الهائلة التي كابدها ~~لحظة واحدة. ~~(58) إدوار # علق «إدوار» بماجدولين منذ الليلة ms079 التي رآهما فيها «استيفن» من وراء ألواح الزجاج ~~يرقصان معا، فأنشأ يختلف إلى منزل «سوزان»، وكان يمت إليها بحبل قرابة ليرى حبيبته ~~ويستدني قلبها، وكان من أقدر الناس على مثل ذلك؛ لعذوبة يعرفها له النساء في أخلاقه، ~~وحلاوة تجتذب قلوبهن في أحاديثه، فأنست به وبمحضره، وأعجبها منه أنه كان يسرد عليها ~~كلما جلس إليها أحاديث المحافل والأندية، ويطرفها بغرائبها ونوادرها، ويذكر لها أسماء ~~الراقصين والراقصات وفضل ما بينهم في البراعة والافتتان، ويشرح لها أنواع الرقص غريبه ~~وشرقيه، قديمه وحديثه، وتاريخ كل نوع منه ومنشأه ومصيره، ويقص عليها قصص الغرام التي ~~تنشأ كل يوم في قاعات الرقص بين النساء والرجال، وكانت حديثة عهد بذلك كله، فلم يكن ~~شيء من الأشياء أعجب إليها من ذكره وترديده، وكان إذا جرى ذكر «استيفن» بينهما أثنى ~~عليه وأطراه، وقص عليها طرفا من نوادر طفولتهما وصباهما، وما مر لهما في حياتهما ~~الأولى من بؤس ورغد، وشدة ورخاء، ثم يصف لها بلهجة الحزين المتفجع حياة البؤس ~~والشقاء التي يحياها اليوم في «جوتنج» وغرفته التي يسكنها، وأثاثها الذي تشتمل عليه، ~~وثيابه التي يملكها، ثم يتبع ذلك بالتوجع له، والتألم لبؤسه وشقائه، ومحاربة الدهر إياه ~~في مساعيه وأغراضه، فتصغي إلى حديثه وتقبل عليه إقبالا عظيما. # ولم يزل بها حتى خلبها ووقع من نفسها، وأصبحت لا تكاد تصبر عن مجلسه ساعة، ولا تزال ~~تفتقده وتسائل نفسها عنه كلما غاب عنها، وهي تظن أنها إنما تحبه من أجل «استيفن»، ولو ~~كشف لها عن دخيلة نفسها لعلمت أنها قد بدأت تنسى «استيفن» من أجله. # ولقد أعجبت «سوزان» تلك الصلة التي نشأت بين صديقتها وقريبها، ورضيت عنها الرضا كله، ~~ورأت أن الله قد أراد به وبها خيرا، فرزقه أفضل الفتيات جمالا وأدبا، ورزقها خير ~~الفتيان ثروة وجاها، وكانت تعرف شيئا عن عيوب «إدوار» ولكنها كانت ترى أنها عيوب ~~خاصة به لا تتعداه إلى غيره، وكانت تعتقد أن المرأة لا ترى في زوجها الغني الذي يملأ ~~فضاء بيتها نعمة ورغدا عيبا واحدا مهما كثرت ms080 عيوبه، فأنشأت تسعى سعيها للبلوغ بهما ~~إلى الغاية التي تريدها لهما، فأشارت على «إدوار» أن يتودد إلى الشيخ «مولر» ويداخله ~~مداخلة الصديق صديقه، وقالت له: إنه رجل مفتون بحب النبات والزهر، فلا يعجبه إلا ~~الحديث عنهما، ولا ينزل من نفسه المنزلة العليا إلا من يعلم أنه يشاركه في العلم بهما، ~~والاهتمام بأمرهما، وكان «إدوار» قد درس شيئا من علم النبات في مدرسته، فاستعان ~~ببستاني حديقته على معرفة ما كان يجهله منه، وغرس في حديقة بيته بعض أنواع الزهر ~~الغريبة، وعرف خصائصها وصفاتها، ثم خالط الرجل وداخله، ودعاه إلى بيته وأراه حديقته، ~~ومشى معه في كل مكان، وجاراه في كل حديث، فلم يلبث أن أعجبه ووقع من نفسه، وهكذا أصبح ~~أثيرا عند الأب وابنته. ~~(59) سريرة المرأة # ما أبغضت ماجدولين «استيفن»، ولا أحبت «إدوار»، ولكنها لبست حالا جديدة لم تكن ~~تلبسها من قبل، فكان لا بد لها من أن تلبس معها جميع آثارها ومتعلقاتها، فقد ألفت ~~المجامع والمحافل، وأنست بالمراقص والملاعب، وصادقت النساء المتحضرات المتأنقات، وغنت ~~كما يغنين، ورقصت كما يرقصن، ومشت في مثل أزيائهن، وتحدثت بمثل أحاديثهن، وفهمت من ~~سعادة الحياة وهنائها المعنى الذي يفهمن، ورأت في الرجال والنساء والصلة التي بينهما ~~الرأي الذي يرين، فتناست «استيفن»؛ لأنه صورة من صور الحياة الماضية التي عفتها ~~واجتوتها، وأحبت «إدوار» لأنه مظهر من مظاهر الحياة الجديدة التي أحبتها وافتتنت ~~بها. # على أنها كانت إذا خلت إلى نفسها، وهدأت عنها ضوضاء الحياة وضجيجها، واستطاعت أن تمد ~~نظرها إلى أعماق سريرتها حتى ترى ما في قرارتها؛ تراءى لها شبح «استيفن» في نحوله ~~واصفراره، وحزنه واكتئابه، وبؤسه وشقائه، ومنظر عينيه الممتلئتين حزنا ودموعا، وقلبه ~~المتقد حبا وغراما، ونفسه الشعرية الهائمة في أودية الهموم والأحزان، فتحن إليه حنين ~~الغريب إلى داره، والشيخ إلى عهود صباه، وتذكر أيامه الماضية التي قضاها معها فتبكي ~~حسرة عليه وإشفاقا، بل وجدا به وغراما، ثم لا تلبث أن ترى سحابة بيضاء من النور ~~ماثلة أمام عينيها، فلا تزال تنبسط وتستفيض حتى تشف ms081 عن قاعة الرقص التي شهدتها ليلة عرس ~~«سوزان»، فترى الوجوه المشرقة، والثغور الباسمة، والذهب اللامع، والجوهر الساطع، ~~والغلائل المطرزة، والحلل المدبجة، والصدور اللاصقة بالصدور، والأذرع المحيطة بالخصور، ~~والجو المائج بالأنوار، والروض الحافل بالأزهار، وترى العروسين كالفرقدين، يبسمان ~~للسعادة المقبلة عليهما، ويتدفق تيار الحب والصبابة بين قلبيهما، فيتضاءل أمام عينيها ~~ذلك الشبح الأول، ثم لا يلبث ان يتغلغل في ظلمات الوجود الحالكة حتى يغيب عن نظرها، فلا ~~يبقى له عين ولا أثر. # ولقد دخلت «سوزان» عليها صبيحة يوم في غرفتها - وكان قد مضى على زفافها شهران - فقالت ~~لها: أتدرين ما اتفقنا عليه أنا وأبوك ليلة أمس يا ماجدولين؟ قالت: لا، قالت: أن نسافر ~~جميعا إلى ضياع زوجي في «سان مارك» لنقضي فيها أسبوعين أو ثلاثة، ثم ننتقل إلى «ولفاخ» ~~وهي على بضعة أميال منها فنستضيفكم أسبوعا واحدا نقضيه في التنزه بين مزارع القرى ~~ودساكرها ثم نفترق بعد ذلك. # فتهلل وجه ماجدولين فرحا بتلك السياحة الجميلة التي ستقضيها مع أصدقائها في أجمل ~~البقاع وأبهجها، ثم ما لبثت أن اكتأبت وتغضن جبينها؛ لأنها ذكرت ساعة الفراق ~~القريبة، وأنها ستعود بعد أيام قلائل إلى عزلتها في قريتها، وتعيش فيها عيش الوحشة ~~والوحدة بعيدة عن «كوبلانس» ومجامعها، ومزدحم الحياة فيها، فاشتد ذلك عليها كثيرا، ~~وألمت «سوزان» بما دار في نفسها وعرفت مأتاه، إلا أنها تبالهت واستمرت في حديثها ~~تقول: وسيصحبنا في سياحتنا هذه «إدوار»، وسيكون أنسنا به وبعشرته عظيما، ألا ترين رأيي ~~في ذلك يا ماجدولين؟ ففهمت ماجدولين مقصدها وأين تريد أن تذهب في حديثها، فقالت: ليذهب ~~معكم من يشاء من أصدقائكم وخلطائكم، فلا شأن لي في ذهاب من يذهب، أو بقاء من يبقى، ~~فابتسمت «سوزان» واستطردت في حديثها تقول: ولقد اتفقنا كذلك على ألا يسافر «إدوار» معنا ~~إلا باسم خطيبك، وقد قطعنا هذا الأمر من دونك؛ لأنا نعلم أنك لا ترين لنفسك إلا الرأي ~~الذي نراه لك، فاضطربت ماجدولين وقالت: «لقد قلت لك يا «سوزان» قبل اليوم إنني لا ~~أستطيع أن أتزوجه.» قالت: لماذا؟ ms082 وهل تطمع الفتاة في زوج أفضل منه عقلا وأدبا، ~~وشرفا وجاها؟ وهو فوق ذلك يحبك ويستهيم بك، ولا يؤثر على سعادتك وهنائك غرضا من ~~أغراض الحياة، ولا مأربا من مآربها، قالت: ولكنه لا يستطيع أن يحبني محبة «استيفن» ~~إياي، قالت: أما هذه فنعم؛ لأنه يحبك حب العقلاء والأكياس، لا حب النوكى ~~والمأفونين. # إن هذا الذي تزعمين أنه يحبك ويستهيم بك، لا يحبك، بل يحب فيك المرأة الخيالية التي ~~يتخيلها في ذهنه، والتي لم يخلق الله لها مثالا في هذا العالم، ولا يعبدك، بل يعبد ~~إلهه الموهوم الذي يظن أنه حال في جثمانك، كما كان يعبد آباؤنا الأولون آلهتهم ~~الماثلة في جذوع الأشجار وقطع الأحجار. # إنه يتخيلك ملكا من ملائكة السماء تحيط بوجهه هالة من النور، ويرفرف في جنبيه ~~جناحان أبيضان متلألئان تلألؤ الأشعة، ويحمل بين أضلاعه نفسا غريبة عن النفوس في ~~جوهرها ومعدنها، قد جملها الله بجميع صنوف الكمال، وطهرها من أدناس الحياة وأرجاسها، ~~فلا تفهم شهوة من الشهوات، ولا تشعر بلذة من اللذائذ، ولا تعرف فرق ما بين السعادة ~~والشقاء، والغنى والفقر، والراحة والتعب، والسرور والحزن، فويل لك منه يوم تنحسر عنه ~~عينيه - بعد ساعة واحدة من بنائه بك، غشاوة الحب الأول، فيراك كما أنت، ويرى فرق ما ~~بينك وبين تلك الصورة الخيالية الهائمة في رأسه، إنه عندئذ لا بد أن يبغضك ويحتقرك، ~~ويهوي بك إلى أدنى دركات الذل والشقاء، ولا نهاية للإغراق في الحب غير الإغراق في ~~البغض، فإن كان لا بد لك من أن تحتفظي بمكانتك في قلبه فلا تتزوجيه ودعيه ينظر إليك ~~دائما بهذه العين التي ينظر بها إليك اليوم، ولا تخشي عليه أن يشقى بفراقك، فليست ~~فجيعته فيك يوم يفقدك بأعظم من فجيعته في آماله وأحلامه يوم يراك، ويرى في ثوبك امرأة ~~غير المرأة التي كان ينتظرها ويطير شوقا إليها. # أنت لا تعلمين من شئون الحياة ودخائلها مثلما أعلم يا ماجدولين، ولقد خبرت فيما ~~خبرت من صروفها وتجاريبها أن الغرام أضعف العلائق بين الزوجين، والمصلحة ms083 أقواها ~~وأوثقها، وأن الحب كالزهرة، والمال كالطل الساقط عليها، فإذا انقطع الطل عن الزهرة بضعة ~~أيام ذوت أوراقها وتساقطت، ثم تطايرت في مهاب الرياح الأربع، وأن هذه الثورة النفسية ~~التي يسمونها الصبابة أو الوجد أو الوله أو الهيام، والتي لا يزال يهتف بذكرها ~~الشعراء، وتطير في سماء خيالها ألباب الرجال والنساء، إنما هي عرض من أعراض الأعصاب ~~المريضة يهيجه البعد، ويطفئه القرب، ثم تبقى بعد ذلك الحاجة إلى العيش ومرافقه، ~~والسعادة وأسبابها، فإن أعوز ذلك فقد مات الحب في القلب، ودفنت جثته في ضريح الفقر، ~~والفقر يطوي في أحشائه جميع عواطف القلوب وخوالجها، بل ربما دارت الوساوس والأوهام في ~~رأس ذينك الزوجين اللذين كانا متحابين بالأمس، فرأى كل منهما في وجه صاحبه صورة الشؤم ~~له، وألقى عليه تبعة بؤسه وشقائه، فاستحال حبهما إلى بغض متغلغل في سويداء القلب لا ~~ينتزعه إلا الموت. # أنت فقيرة يا ماجدولين، و«استيفن» أفقر منك، فلا تضمي فقره إلى فقرك، وليختر كل ~~منكما لنفسه العشير الذي يعلم أنه يسعده ويملأ فضاء حياته غبطة وهناء، فإن كان لا بد ~~لك من الوفاء له فإن أوفى ما يكون المرء لصاحبه حين يؤثر مصلحته على مصلحة نفسه، ~~ويكفكف من نزعات قلبه وأهوائه في سبيل سعادته وهنائه، فليكن ذلك شأنك معه، واحتملي ~~كرارة فراقه وألم الحرمان منه رحمة به وإبقاء على حياته التي توشك أن تعبث بها نكبات ~~الدهر وأرزاؤه، فقد أصبحت أخشى عليه - وفي رأسه مثل هذا العقل الصغير المختبل، وبين ~~جنبيه مثل هذا القلب الضعيف المستطار - أن يعثر به جده فيما يحاوله من الأمل الذي يسعى ~~إليه من أجلك، فيدفعه جنون الطمع إلى سلوك طريق غير طريق الشرف، فيقترف جريمة، أو ~~ينتهك حرمة، أو تثور برأسه ثائرة اليأس فيقتل نفسه طلبا للراحة من عناء الحياة ~~وشقائها، فإن فعل فأنت الجانية عليه، والموردة إياه هذا المورد من التلف، فانظري كيف ~~يكون موقفك بين يدي ربك وضميرك غدا إن تم ذلك على يدك؟ # فاستعبرت ماجدولين باكية، وما بكت إلا رحمة ms084 بذلك البائس المسكين وإشفاقا عليه أن ~~يناله بسببها هذا الشقاء العظيم، وأطرقت مليا ثم رفعت رأسها وقالت: دعيني الساعة وحدي ~~يا «سوزان»، فإنني في حاجة إلى الخلوة بنفسي. ~~(60) الجريدة العسكرية # التحم جيشنا أمس بجيش العدو، واستمرت المعركة عشر ساعات لقي فيها جنودنا من بأس العدو ~~وشدته وقوة مراسه هولا عظيما، حتى بلغ منهم اليأس أو كاد، ثم برز من بين صفوفنا ضابط ~~من ضباط الفرسان اسمه «أوجين ولتز» فهتف بجنوده «ورائي أيها الأبطال!» وانقض على العدو ~~انقضاض النازلة السماوية فانقض معه جنوده، فسرت الحمية في نفس الجيش بأجمعه، فهجم ~~وراءه! وما هي إلا جولة أو جولتان حتى تمت الهزيمة للعدو، ففر يطلب النجاة لنفسه في كل ~~مكان، فتبعناه وأمعنا فيه قتلا وأسرا، وغنمنا منه غنائم كثيرة. # إلا أنه حدث لذلك الضابط الشجاع في نهاية المعركة حادث كدر صفو ذلك الانتصار، فإنه ~~بينما كان يتتبع آثار العدو ويضرب في مؤخرته إذ انقطع حزام سرجه - وكان باليا واهيا - ~~فعجز عن التماسك، فسقط عن جواده فداسته حوافر الخيل، ثم انتبه له بعض الجنود فداروا به ~~واحتملوه إلى المعسكر، وكانت فيه بقية من الحياة، فقضى ساعة يتألم ألما شديدا ويهتف ~~باسم أخ له اسمه «استيفن» حتى فاضت روحه، فحزن الجيش عليه حزنا شديدا، وبكاه القواد ~~ورؤساء الفرق، ثم دفن باحتفال عظيم لائق بشجاعته وإقدامه، وحميته التي ليس لها ~~مثيل. ~~(61) البيت الجديد # وقف «استيفن» على عتبة باب بيته الجديد، وكان البناءون لا يزالون يشتغلون باستصلاح ~~بعض أنحائه، فهتف صديقه «فرتز» فلباه، فقال له: هل تم بناء الغرفتين الجديدتين على ~~الصورة التي اتفقنا عليها، قال: نعم يا سيدي وتم كذلك تجصيصهما وتزجيج نوافذهما، فجزاه ~~خيرا، ثم التفت إلى البستاني وقال له: هل غرست أشجار الفاكهة التي أرسلتها إليك ~~بالأمس؟ قال: نعم يا سيدي، وستكون الكرمة المنبسطة فوق الجدار من أبدع الكرمات وأجملها، ~~قال: لا تنس أن تكسو السور كله باطنه وظاهره بأزهار البنفسج كما أمرتك، قال، سأفعل يا ~~سيدي إن شاء الله. # فتركه ودخل المنزل فألقى ms085 على الطبقة السفلى نظرة عجلى، ثم صعد إلى الطبقة العليا ووقف ~~في بهو متسع تدور به الحجرات وقال: ها قد أصبح البيت على الصورة التي اتفقنا عليها ~~منذ عامين أنا وماجدولين؛ ففي الطبقة السفلى غرفة المائدة والمطبخ، وغرف المئونة ~~والمرافق، وفي الطبقة العليا غرفة الأضياف، ومخدع النوم، وقاعة الكتب، وغرفة الشيخ ~~«مولر»، ثم فتح باب الغرفة الخامسة وألقى عليها نظرة ألمت بجميع ما فيها، فاغرورقت ~~عيناه بالدموع وقال: لقد كنت أرجو يا «أوجين» أن تشركني في سعادتي كما شركتني في شقائي، ~~ولكن هكذا أراد القدر أن يفرق بيني وبينك، وأن تكون سعادتي منغصة بذكراك أبد الدهر، ~~فوا أسفا عليك يا أخي أسفا لا يفارقني حتى الموت! وستمر الأيام وتكر الدهور والأعوام، ~~وسأنسى كل ما مر بي من حوادث الدهر، خيرها وشرها، وبؤسها ورغدها، ولا أنسى أنني ضننت ~~عليك بتلك الدراهم القليلة التي سألتنيها أحوج ما كنت إليها، وأن يدي هي اليد الخفية ~~التي أوردتك هذا المورد من الردى، فاغفر لي ذنبي واعف عني، والقني يوم تلقاني في آخرتك ~~بذلك الوجه البشوش الغض الذي كنت تلقاني به في حياتك، فأنا من لا يعيش إلا بذكرك، ولا ~~يموت إلا بغصتك، وأقفل باب الغرفة وقال: لن يفتح هذا الباب بعد اليوم، ثم كفكف عبرته، ~~وسرى عن نفسه، وأشرف على الحديقة يتلهى بالنظر إليها، فوقع نظره على حوض الماء المبني ~~في وسطها، فعاد إلى مناجاة نفسه يقول: وها هو ذا الحوض الذي سنربي فيه الأسماك ذات ~~الألوان المختلفة، وها هو ذا السياج الذي رأينا أن نقيمه من حوله خوفا على أولادنا ~~المستقبلين من السقوط، وها هي ذي أزهار البنفسج التي تحبها ماجدولين وتؤثرها على ~~الأزهار جميعا تملأ البيت داخله وخارجه. # إنها لا تعلم الآن شيئا عن هذه السعادة المهيأة لها، وربما كانت تكابد اليوم أشد ~~حالات يأسها وحزنها بعد انقطاع رسائلي عنها أياما طوالا، وسأباغتها بها مباغتة لا ~~يزول أثرها من نفسها أبد الدهر، فقد شقينا ما استطاع الشقاء أن يكون، وسنسعد بعد اليوم ms086 ~~سعادة تنسينا همومنا الماضية وآلامنا، ولا نذكرها إلا كما نذكر دموع طفولتنا ~~وبكاءها. # ثم نزل ومشى في الحديقة مع صديقه «فرتز» يناظر القائمين بتنظيم أغراسها وتمهيد ~~طرقاتها، ويتنقل بين أشجارها وأزهارها مسرورا مغتبطا وكأنه لم يذق طعم الشقاء في دهره ~~يوما واحدا. ~~(62) بروتس # ما كان «استيفن» قبل اليوم آمرا ولا ناهيا، ولا صاحب بيت ولا حديقة، بل ولا صاحب ~~أي شيء من الأشياء، إلا إذا كانت أثوابه البالية المرقعة شيئا تتعلق به الحيازة ~~والملك، فقد عاد إلى «جوتنج» بعد تلك الليلة الليلاء التي كابدها في غرفة قريبة صفر ~~اليدين من كل شيء، حتى من آماله وأمانيه، فقضى في فراش مرضه بضعة أيام كابد فيها من ~~آلام جسمه ونفسه ما يعجز عن احتماله، ثم أبل قليلا، فأنشأ يفكر فيما يصنع بعد الذي ~~كان من فشله وانقطاع رجائه به، فخطر له الانتحار، ثم منعه منه أنه سيكون آخر عهده ~~بماجدولين فلا يراها بعد اليوم، وفكر في الرجوع إلى أهله والإذعان لهم في رغبتهم التي ~~يرغبونها إليه، ثم ذكر المواثيق التي أعطاها لماجدولين ألا يبتغي بها بدلا حتى الموت، ~~فعظم عليه أن يخيس بعهده ومر بخاطره الفرار بنفسه إلى بقعة من بقاع الأرض يطلب فيها ~~السلو والراحة والتفرج مما به، ولكنه أشفق على ماجدولين أن يقتلها الحزن عليه من بعده، ~~وهو إنما يحيا في هذا العالم من أجلها. # ولم يزل يراوح بين هذه الفكر ويستدني بعضا منها ويذود بعضا حتى صحت عزيمته على أن ~~يكتب كتابا إلى ماجدولين، ولم يكن قد كتب إليها منذ عهد بعيد يقص عليها فيه قصته وما ~~آل إليه أمره، ويحللها من اليمين التي أقسمتها له، ثم يضع أمره بين يديها، فإما أحيته ~~فعاد إلى أمله وسعيه، أو قتلته فاكتفى مئونة قتل نفسه بنفسه. # فإنه ليكتب ذلك الكتاب إذ دخل عليه رسول البريد يحمل إليه رسالة من مسجل القرية التي ~~مات فيها قريبه يقول له فيها: إن الميت قد أوصى إليه في كتاب وصيته بعشرين ألف فرنك ~~يأخذها في ms087 الحال وعشرة آلاف يأخذها في كل عام، فاستطير فرحا وسرورا وقال: أحمدك اللهم ~~فقد غللت يدي عن أن آخذ هذا المال حراما، حتى بعثت به إلي حلالا، ومزق الكتاب الذي ~~كان يكتبه، وعلم أن أيام محنته قد انقضت، وأنه قد أدى للدهر ما عليه له من ضريبة ~~الشقاء، فلم يبق بين يديه إلا أن يستقبل السعادة المقبلة عليه خالصة هنيئة لا يكدرها ~~عليه مكدر حتى الموت. # وأنشأ يفتش - بمعونة صديقه «فرتز» - عن بيت صغير يشرف على نهر «جوتنج»، ويكون على ~~الصفة التي تمناها هو وماجدولين ليلة ركبا زورق البحيرة وتحدثا عن آمالهما ومستقبلهما، ~~فوجد بيتا يشبهه فابتاعه واستصلحه، وحوله إلى الصورة التي أرادها، وأخذ يؤثث غرفه، ~~ويغرس أشجار حديقته. # وإنه لكذلك إذ قرأ في الجريدة العسكرية خبر وفاة أخيه فبكاه كثيرا، ثم ما لبث أن ~~تجلد واصطبر، ودفن حزنه في أعماق قلبه، وألهاه سروره بحاضره عن التفكير في ماضيه، ~~فابتاع خاتما للخطبة ثمينا، وأعد عدته للسفر إلى «ولفاخ»، وكان قد علم أن ماجدولين قد ~~عادت إليها من «كوبلانس» منذ عهد قريب؛ ليباغتها بتلك السعادة التي هيأها لها، ويخطبها ~~إلى أبيها، ثم يعود بها إلى «جوتنج» ليريها البيت الجديد. # ثم ركب عجلته في صباح أحد الأيام وسافر وقلبه يخفق فرحا وسرورا حتى وصل إلى ضاحية ~~القرية، فترك العجلة مكانها، وأمر السائق أن ينتظره حتى يعود، ونزل يمشي على قدميه ~~ويقلب نظره في تلك المعاهد التي قضى فيها أيام سعادته الأولى، وأشرق على قلبه من سمائها ~~أول شعاع من أشعة الحب، فرأى الغابة التي كان يهيم فيها وحده في الليالي المقمرة ~~مناجيا نفسه بحبه وغرامه، مصورا لها أعذب الآمال وأحلاها، ومر بالنهر الذي اقتحمه منذ ~~عامين لاستنقاذ ذلك الرجل الذي كان مشرفا على الغرق؛ حتى كاد يغرق معه لولا معونة الله ~~وعنايته، ووقف على ضفة البحيرة التي كان يتنزه فيها هو وماجدولين ساعة الأصيل ويقضيان ~~الساعات الطوال بين سمائها ومائها. # ثم أشرف على بيت الشيخ «مولر» فلاحت له أعالي أشجار الزيزفون التي ms088 كان يجلس تحتها هو ~~وماجدولين كما كان يراها في ذلك العهد، ورأى من خلال أوراقها غرفته العالية التي كان ~~يسكنها، فعادت إلى ذهنه تلك الأيام الماضية التي قضاها في هذه المواطن، فرأي صبحها ~~ومساءها، وليلها ونهارها، وبكورها وأصائلها، وكل ما مر له فيها من سرور وحزن، ~~ورجاء ويأس، وصحة ومرض، ورخاء وشدة، حتى خيل إليه أنه لا يزال مقيما في ذلك المنزل ~~حتى اليوم، وأنه إنما خرج الساعة من غرفته لقضاء بعض حاجاته وها هو ذا عائد ~~إليها. # ولم يزل يهيم في أمثال هذه التصورات حتى وصل إلى باب الحديقة فوقف على عتبته وقال: ها ~~هو ذا الباب الذي خرجت منه بالأمس طريدا شريدا لا أملك من أمر نفسي ولا أمر مستقبلي ~~شيئا، وها أنا ذا أدخله اليوم آمنا مطمئنا كما أدخل بيتي، وأزور أهله وقومه كما أزور ~~أهلي وقومي، لا أخشى عينا ولا رقيبا، ولا أتقي غائلة من غوائل الدهر، ولا رزيئة من ~~رزاياه، فما أعجب تقلبت الأيام، وأغرب ما تأتي به الأقدار! # ثم مشى في الحديقة يقلب نظرة في أشجارها وأغراسها، وجداولها وطرقاتها، ويقول في نفسه: ~~لقد بقي كل شيء على ما هو عليه، فها هي ذي ثغرة الحائط الغربي لا تزال باقية كما هي، ~~وها هي ذي الصخرة العاتية السوداء ملقاة في مكانها تحت الجدار كما تركتها، وها هي ذي ~~أعشاش الطيور فوق قمة شجرة السنديان تختلف إليها عصافيرها غادية رائحة كعهدي بها، ثم ~~التفت إلى يمينه وقال: وها هو ذا الجذع الذي حفرنا عليه اسمينا أنا وماجدولين، ثم مشى ~~إليه فرأى الكتابة لا تزال على حالها كأنما قد حفرت بالأمس، فاغرورقت عيناه بالدموع، ~~وجثا بين يدي الجذع وأهوى بفمه إليه فلثمه، كأنما يشكر له تلك اليد التي أسداها إليه في ~~احتفاظه بتلك الذكرى القديمة التي أودعه إياها، وهبت على وجهه في تلك الساعات نسمة مرت ~~قبل مرورها عليه بأزهار الحديقة وأعشابها، فحملت إلى رأسه تلك المجموعة العطرية التي ~~طالما استروحها في هذا المكان نفسه مع ماجدولين، ms089 ولا يحمل الذكرى القديمة مثل الأريج ~~العطر! فهاج وجده وحنينه، وأخذ يعانق الهواء ويضمه إليه كما يضم حبيبا ملقى بين ~~ذراعيه. # ولم يزل سائرا حتى وصل إلى رأس الطريق الموصل إلى مكان المقعد الذي كان يجلس عليه هو ~~وماجدولين تحت أشجار الزيزفون، ولم يبق بينه وبينه إلا خطوات قليلة، فاشتد تأثره، وخفق ~~قلبه خفقانا شديدا، وحدثته نفسه أن ماجدولين جالسة هناك الساعة وحدها تبكي وتنتحب، ~~وتندب آمالها وأحلامها، وتفكر في انقطاع كتبه عنها، فأشفق عليها أن يباغتها بالخبر ~~مباغتة فيقتلها، فأخذ يهيئ في نفسه طريقة إلقائه، ثم مال برأسه قليلا فرأى طرف المقعد، ~~ورأى ذيل ثوب حريري أبيض منسدلا عليه، فاستطير فرحا وسرورا وقال: ها هي ذي جالسة ~~كما كنت أتوقع أن أراها، فثبت اللهم قدمي وقدمها في ذلك الموقف الجلل العظيم. # ثم انعطف فما وقع نظره على المقعد حتى جمد واصفر، ووقفت دورة الدم في عروقه، وتعلقت ~~أنفاسه بين لحييه فما تصعد ولا تهبط! فقد رأى ماجدولين جالسة بجانب فتى غريب تبسم له ~~ويبسم لها، وقد أخذ يدها بين يديه وألقى رأسه على صدرها، وحنا عليها حنو المحب على ~~حبيبه، فظل يقول في نفسه: ما هذا الذي أرى؟ إنني لا أفهم من كل ذلك شيئا، إنها ~~ماجدولين بعينها! فمن هو هذا الإنسان الجالس إليها؟ أليس هو صديقي «إدوار»؟ نعم هو ~~بعينه! فما مجيئه هنا في هذه القرية؟ وما وجوده في هذا البيت؟ وما جلوسه بجانبها هذه ~~الجلسة الغريبة؟ # ثم شد بيده على قلبه كأنما يحاول أن يحبسه عن الفرار، ومشى يقتلع قدميه اقتلاعا ~~كأنما هو شبح من الأشباح الهائمة في ظلام الليل حتى دنا منهما، ففزعا إذ رأياه، ووثبا ~~على أقدامهما وثبة واحدة، ثم ما لبثا أن اختلف شأنهما، فأخذ «إدوار» بطرف شاربه يعبث به ~~ويقلب عينيه في السماء كأنه منجم يفتش عن النجم السابع والسبعين بعد المائة والخمسة ~~والعشرين مليونا كما يصنع المنجمون، وأطرقت ماجدولين إلى الأرض فسكنت في إطراقها ~~سكونا عميقا لا تتخلله حركة ولا نأمة، فظل ms090 «استيفن» يردد نظره بينهما باهتا ~~مشدوها لا يقول لهما شيئا، ولا يفهم من موقفهما أمرا، ثم مشى خطوة إلى ماجدولين، وقد ~~أخذ الذهول مأخذه من عقله فنسي المنظر الذي رآه منذ لحظة، وأنشأ يخاطبها باسما منطلقا ~~ويقول لها: لقد انقضت أيام شقائنا يا ماجدولين، ولقد أصبحت - والحمد لله - صاحب ثروة، ~~ولا أقول إنها عظيمة ولكنها كافية لسعادتنا وهنائنا، فجئت إليك أتنجز وعدك، وأخطبك إلى ~~أبيك، ثم أذهب بك إلى «جوتنج» لأريك البيت الجديد الذي ابتعته لك منذ عهد قريب، وسترين ~~حين ترينه أنه على الهيئة التي تمنينا أن يكون عليها ليلة ركبنا زورق البحيرة وتحدثنا ~~عن آمالنا وأمانينا، فارتعدت ماجدولين وامتقع لونها وقالت بصوت ضعيف خافت كأنها تهمس ~~في نفسها ببعض الأحاديث: «إني أهنئك بصلاح حالك يا سيدي!» # فعجب «استيفن» لذلك واستطير عقله وقال في نفسه: ما هذا الذي أسمع؟ إنها تهنئني بصلاح ~~حالي كأنها ترى أن لي حالا خاصة بي مستقلة عن حالها، فليت شعري ما بالها! وما هذا ~~السكون المخيم عليها؟! وما هذا الوجه الغريب الذي تلقاني به؟! لقد كنت أخشى أن أقتلها ~~فرحا وسرورا فإذا هي تقتلني هما وكمدا. # ثم نسي هذا المنظر الأخير كما نسي الأول، فأخرج من جيبه خاتم الخطبة ومشى إليها خطوة ~~أخرى ليقدمه إليها، فما وقع نظره على أصبعها حتى تراجع خائفا مذعورا، فقد رأى فيه ~~خاتما غير ذلك الخاتم الذي نسجته من شعره، وكانت تحدثه عنه في رسائلها كثيرا وتقول ~~له: إنه لا يفارق أصبعها لحظة واحدة، فاشتد خفوق قلبه واضطرابه، وظل يدور بعينيه حائرا ~~ملتاعا لا يعلم أخيالا يرى أم حقيقة؟ وازدحمت الدموع في عينيه تتبادر إلى السقوط، فمد ~~يده إلى ماجدولين ضارعا وقال لها: ألا تستطيعين يا سيدتي أن تقولي لي كلمة واحدة، فإني ~~أشعر أني على وشك الجنون؟ فرفعت رأسها ونظرت إليه كأنها تريد أن تقول له شيئا، ثم عادت ~~إلى إطراقها وسكونها، وهنا تقدم نحوه «إدوار» ووضع يده على كتفه وقال له: حسبك هذا يا ~~«استيفن» فإنك تقتل ms091 السيدة قتلا، فانتبه «استيفن» إليه وكأنه لم يكن رآه قبل هذه ~~اللحظة، فصعد نظره فيه وصوبه وقال له: إنني لم أكن أتوقع أن أراك هنا في هذا المكان يا ~~«إدوار»! فقال له: سواء أتوقعت أم لم تتوقع، فقد كان يجب عليك أن تستأذن قبل الدخول، ~~ولم يكن يجمل بك وأنت في هذه السن المتقدمة أن تنسى أول درس يتلقاه التلميذ في مدرسته ~~في أدب الزيارة والاستئذان. # فانتفض «استيفن» انتفاضة شديدة، وعلت جبينه سحابة بيضاء لم تزل تتسع وتستفيض حتى ~~لبست وجهه كله فصار كأنه البرد الناصع، واسترخت يداه كما يكسر الطائر جناحيه للوقوع، ~~وشعر بتخاذل أطرافه، فتراجع إلى شجرة وراءه فاستند إليها، ثم نظر إلى «إدوار» نظرة ~~يقطر منها الدم، وقال له تلك الكلمة التي قالها يوليوس قيصر حينما طعن من خلفه، فالتفت ~~فرأى أن الذي طعنه هو صديقه وصفيه بروتس: «حتى أنت يا بروتس؟!» وصمت لحظة حتى رجعت إليه ~~نفسه ثم التفت إلى ماجدولين وقال لها بصوت خافت متهدج تتطاير معه أجزاء نفسه: ~~أصحيح ما يقول هذا الرجل يا ماجدولين؟ وهل ترين كما يرى أنني أخطأت في دخولي عليك بغير ~~استئذان؟ وهل تعتقدين أن له شأنا عندك يسمح له بأن يتولى أمر مؤاخذتي بالنيابة عنك؟ ~~فاعترض «إدوار» بينهما ومد يده إليها وقال لها: هيا بنا يا سيدتي فقد طال جلوسنا في هذا ~~المكان حتى مللناه، فأعطته يدها وتبعته صامتة مطرقة حتى دخلا البيت وتركاه في مكانه ~~ينظر إليهما وهما يبتعدان عنه شيئا فشيئا حتى اختفيا وسمع خفق الباب وراءهما، فظل ~~شاخصا إلى الباب الذي دخلاه لا يتحرك ولا يطرف، ولا تنبعث له جارحة، ولا ينبض له ~~عرق، ومرت به على ذلك ساعة، ثم أخذ يحدث نفسه ويقول: إن «إدوار» يخاطبني بلهجة الآمر ~~الناهي كأن له شأنا في هذا البيت فوق شأني، فلا بد أن يكون له هذا الشأن الذي يزعمه، ~~ولا بد أن يكون قد استمده من ماجدولين نفسها، فقد رأته بعينها وهو يحتقرني ويزدريني، بل ~~يسبني ويشتمني فلم ms092 تقل له شيئا، لا! بل إنها وافقته على أكثر من ذلك، فقد مد يده إليها ~~ودعاها للدخول معه إلى المنزل وهي تعلم أنه لا يريد بذلك إلا طردي وإذلالي، فتبعته ~~طائعة مذعنة، ولم تلتفت إلي ساعة انصرافها التفاتة واحدة تعتذر بها عن عملها هذا، ~~وها قد مضت ساعة بعد ذهابها ولم تعد إلي لترى ماذا حل بي من بعدها، فليت شعري ما ~~دهاني عندها؟ وما هذا الذي بينها وبين «إدوار»؟ إنني أخشى أن يكون خطيبها، وأن يكون هذا ~~الخاتم الذي في يدها خاتم الخطبة الذي أهداه إليها، وأن تكون تلك الجلسة التي رأيته ~~يجلسها بجانبها جلسة غرام يتشاكيان فيها الحب ويتباثانه، فإن كان ما ظننته حقا، فهي ~~فتاة مجرمة خائنة؛ لأنها وعدتني بالانتظار حتى ييسر الله لي سبيل الرزق فلم تف ~~بوعدها، بل أقسمت لي الأيمان التي لا فسحة فيها على الوفاء حتى الموت فلم تبر ~~بيمينها. # لا لا، إنها لا تستطيع أن تفعل ذلك؛ لأنها تعلم حق العلم أنها لي، وأنني صاحب الشأن ~~فيها من دون الناس جميعا، فقد اشتريتها بدم حياتي وبجميع دموعي وآلامي، وكابدت في ~~سبيلها من نكبات الدهر وأرزائه ما يخرج احتماله عن طوق البشر، فجعت حتى أشرفت على ~~الموت، وعريت حتى حبست نفسي عن الخروج من غرفتي إلا في ذمام الليل وحمايته، ونمت في ~~الليالي القرة الباردة في ممر الهواء الجاري بلا غطاء ولا دثار، وخرجت تحت جنح الظلام ~~أفتش في صناديق القمامة عن لقمة متروكة أو عظمة مطروحة أسد بها رمقي، وبعت الخبز ~~الأبيض بالخبز الأسود لأستطيع أن أجد لقمة لغدائي، وأخرى لعشائي، وما زالت أرقع قميصي ~~حتى صار القميص الرقاع، وذهب القميص بأجمعه، بل ركبت في سبيلها ما هو أعظم من ذلك فقد ~~قتلت أخي، ومثلت بالرجل الذي أحسن إلي في حياته وبعد مماته، وحدثت نفسي بسرقة ماله، ~~بل مددت يدي إليه، فأصبحت بذلك من المجرمين. # إنها لا تستطيع أن تنتزع يدها من يدي ، ولا أن تفصل حياتها من حياتي، فقد خلقت لي ms093 كما ~~خلقت لها، وها هو ذا اسمي محفور بجانب اسمها على جذوع أشجار حديقتها، وها هي ذي شعرات ~~رأسها منسوجة في الخاتم الذي ألبسه منذ عامين، وها هي ذي الأرض والسماء، والبحيرة ~~والفلك، والشمس والقمر، والأشجار والأعشاب، والطيور والأزهار، تشهد بحبنا وغرامنا، ~~ومواقف آمالنا وأحلامنا، وأيماننا التي أقسمناها ألا يفرق بيننا إلا الموت، فإن كانت ~~نفسها قد حدثتها بمقاطعتي، واتخاذ سبيل في الحياة غير سبيلي فقد قضت علي وعلى نفسها ~~في آن واحد؛ لأن الحياة الواحدة لا يمكن أن تنقسم إلى حياتين تعيش كل منهما مستقلة عن ~~الأخرى. # ثم تأوه آهة طويلة وقال: من لي بمن أبيعه نصف حياتي على أن يكشف لي الحقيقة التي ~~أجهلها؟ ولقد كان جديرا بي أن أقف في طريقهما عندما حاولا الفرار مني وآبي عليهما أن ~~ينصرفا إلا بعد أن يعترفا لي بحقيقة أمرهما، ويمزقا عن وجهيهما هذا الستار الذي أسبلاه ~~عليهما، فإن أبيا قتلتهما غير ظالم ولا آثم، فليس من العدل ولا من الرحمة أن يذهبا ~~إلى خلوتهما لينعما فيها بما يشاءان أن ينعما به ويتركاني في هذا المكان وحدي أعالج ما ~~أعالج من الهموم والآلام. # ثم قام يتحامل على نفسه حتى خرج من باب الحديقة ومشى يترنح في مشيته ترنح الشارب ~~الثمل، فما أبعد إلا قليلا حتى سمع صوتا شديدا يخفق وراءه، فالتفت فإذا «إدوار» ~~خارج من باب الحديقة ممتطيا صهوة جواد أصهب، فاختبأ «استيفن» وراء ربوة على الطريق ~~حتى دنا منه، فخرج إليه وأمسك بعنان جواده فذعر «إدوار» إذ رآه، ولكنه تماسك وتجلد، ~~وقال له: ماذا تريد يا «استيفن»؟ قال: أريد أن أسألك عن سبب اختلافك إلى هذا البيت، وعن ~~الشأن الذي لك فيه، وما أعرف لك فيه شأنا قبل اليوم، قال: لا أستطيع أن أجيبك على ~~سؤالك هذا وأنت آخذ بعنان جوادي لا تتركه، فدعه وسلني ما تريد، فترك «استيفن» العنان ~~إلا أنه وقف في وجه الجواد، فقال له «إدوار»: لو غيرك سألني هذا السؤال بهذه اللهجة ~~الجافية الخشنة التي تخاطبني ms094 بها لما كان له جواب عندي سوى أن أقول له: إني حر مطلق ~~أتصرف في شئون نفسي كيف أشاء، فأزور ما أزور من المنازل، وأترك ما أترك منها دون أن ~~أعرف لإنسان في الوجود حقا في مراقبتي أو مساءلتي عما أفعل، ولكن إكراما للصداقة ~~التي بيني وبينك أستطيع أن أجيبك عن سؤالك هذا جوابا موجزا فأقول لك: إني أختلف إلى ~~بيت الشيخ «مولر» لأني خطيب ابنته، وسأبني بها بعد شهر واحد ولو شئت لحضرت حفلة ~~عرسنا، بل أنا أدعوك إلى ذلك. # فارتعدت شفتا «استيفن» وشعر بالموت يتسرب إلى قلبه قليلا قليلا، وقال له بصوت خافت ~~ضعيف: أتعني ماجدولين؟ قال: نعم، وليس لمولر ابنة غيرها، فأطرق «استيفن» هنيهة ثم رفع ~~رأسه وقال له: ولكنك تعلم يا «إدوار» أني أحبها وأنها كل حظي في هذه الحياة، وأن ~~انتزاعها من يدي إنما هو بمثابة انتزاع حياتي من بين جنبي، فهل يهون عليك وأنا صديقك ~~ورفيق صباك وشريكك الدائم في سراء الحياة وضرائها أن تقتلني؟ قال: أنا أعلم أنك تحب هذه ~~الفتاة، وأنك استملتها في بعض أيام حياتك الماضية بعض الاستمالة، حتى كادت تسقط في ~~أحبولة الشقاء التي نصبتها لها، لولا أن تداركها أبوها فاستنقذها من يدك، وطردك من بيته ~~طردا قبيحا، وحماها ذلك المستقبل المظلم الذي كنت تهيئه لها، فقاطعه «استيفن» وقال ~~له: ولكنك لم تجبني عن سؤالي الذي سألتكه، قال: وما سؤالك؟ قال سألتك: هل يهون عليك ~~قتلي وأنت أخي وصديقي، ورفيق طفولتي وصباي؟ قال: إني ما أردت قتلك، بل أردت حياتك، فقد ~~تركت لك السبيل بعملي هذا إلى الرجوع إلى نفسك، والتفكير في شأن حاضرك ومستقبلك، فلعلك ~~إن روأت في أمرك قليلا علمت أن خيرا لك من هذه الحياة المضطربة المبعثرة التي ~~تقضيها بين أحلام خائبة وآمال كاذبة الرجوع إلى أهلك والانضواء إليهم، والكون تحت ~~أجنحتهم، والإذعان لهم فيما يريدون لك من الخير في تزويجك من تلك الفتاة الثرية التي ~~اختاروها لك ، ولا يذهب عليك أن زواجك من فتاة موسرة تظلل ms095 بوارف نعمتها ضاحي فقرك خير ~~لك من القعود مقعد الذل والمتربة بجانب فتاة فقيرة تضم شقاءها إلى شقائك فتعيا ~~بحملهما معا، فها أنت ذا ترى أنني قد أردت لك الخير فيما فعلت، وأسديت إليك نعمة إن ~~جهلتها اليوم فستعرفها غدا، وستهدأ عما قليل هذه العاصفة الثائرة في رأسك فتعرف لي ~~مكان تلك اليد التي اتخذتها عندك وتشكرها لي شكرا جزيلا. # فما أتى «إدوار» على آخر كلماته حتى طار الغضب في رأس «استيفن»، وبرزت من مكمنها تلك ~~السورة التي كانت رابضة وراء سكونه، فانقض عليه ولببه وهزه هزا شديدا حتى كاد يقتلعه ~~من سرجه، وأنشأ يقول له: الآن عرفت مكان الخديعة التي خدعتم بها تلك الفتاة المسكينة ~~أيها القوم الأشرار، ومن أي باب دخلتم إلى قلبها فعبثتم به، وإلى عقلها فطرتم ~~بصوابه، فقد علمتم ما تضمره لي بين جوانحها من الحب والإخلاص، وأنها لا تبتغي بسعادتي ~~بدلا من أغراض الحياة ومآربها، فألقيتم في روعها أنها علة ما ألاقيه في هذه الحياة من ~~بؤس وشقاء، وألا سبيل لي إلى أن أنال في حياتي حظا من سعادة العيش وهنائه إلا إذا ~~أيأستني من نفسها وانتزعت يدها من يدي، وقطعت ما كان موصولا من الود بيني وبينها، ~~فصدقت حديثكم، وأزعجها هذا المصير الذي خيلتم لها أنني سأصير إليه بسببها، فأذعنت ~~لرأيكم، واستقادت لكم، وفعلت ما اقترحتم عليها، رحمة بي وإشفاقا علي، وكذلك استطعتم ~~أن تستثمروا ضعفها وتستغلوه لأنفسكم، وما بكم من رحمة بي ولا بها، ولكن هكذا أراد ذلك ~~الشيخ الجشع المأفون أن يستمتع بنعمة المال الذي يعبده ويدين به، فباعك ابنته بيع ~~الإماء في سوق الرقيق، وهكذا أردت أن تتمتع بشهوتك البهيمية التي لا تفهم من شئون ~~الحياة شأنا غيرها، ولا يعنيك من زواجك من مثل هذه الفتاة أمر سواها، فمثلك من يعجز ~~عن إدراك السريرة نفسها وما تضمره بين جوانحها من نبل وشرف، وكل ما تستطيع أن تفهمه ~~منها أنها فتاة وضيئة حسناء ، تشبه في بهائها ورونقها رونق أولئك الفتيات الجميلات ~~اللواتي ms096 طالما خدعتهن عن أنفسهن، وقضيت لياليك في مقاصيرهن، ثم ما لبثت أن نفضت يدك ~~منهن، وتركتهن يندبن حياتهن وآمالهن، ولو استطعت أن تسلك إلى المتعة بهذه الفتاة تلك ~~السبيل التي سلكتها إلى المتعة بأولئك الفتيات لفعلت، ولما جشمت نفسك مشقة الزواج منها، ~~ولأغنتك ليلة واحدة تقضيها في مخدعها عن أن تحبس نفسك عليها الدهر كله، ومن كان هذا ~~همه من حياته فويل لزوجته منه، وويل له منها، وويل لهما من شقائهما الدائم ~~الطويل. # فقال له إدوار: إن كنت تريد أن تقول إنها أرغمت على زواجها إرغاما، أو خدعت فيه ~~خديعة، فأنت مخطئ في ظنك؛ لأنها قد نسيت كل ماضيها، خيره وشره، ولم يبق بين يديها ~~إلا حبها لخطيبها وإخلاصها إليه، وتعليل نفسها باليوم الذي تسعد فيه بجانبه. # فاستطير «استيفن» غضبا وقال: كذبت أيها الرجل الساقط، إنها أشرف مما تظن، وانفض ~~عليه يريد الفتك به، فأمسك «إدوار» بيديه وقال له بنغمة المستعطف المسترحم: أتريد أن ~~تقتلني يا «استيفن»؟ فاستخذى «استيفن» وتضاءل، وتراءى له طيف ذلك الود القديم الذي كان ~~بينه وبينه، ونظر إليه بعينين مغرورقتين بالدموع وقال له: لا يا «إدوار»، لا أستطيع أن ~~أقتلك لأنك صديقي، ولقد وفقت مرة في حياتي أن أسفك بضع قطرات من دمي فداء عنك ~~فلا أندم على معروفي قط، ولا أسترد يدي التي اتخذتها عند الله فيك أبدا. # ثم ألقى برأسه على قربوس السرج وأخذ يد «إدوار» بين يديه يبللها بدموعه وظل يناشده ~~ويقول: لأنني لا أدعوك يا «إدوار» باسم الصداقة التي رضعنا ثديها منذ طفولتنا معا كما ~~يتقاسم الأخوان ثدي أمهما، ولا باسم المدرسة التي أظلتنا سماؤها وأقلتنا أرضها خمسة ~~أعوام كاملة آنس بك فيها وتأنس بي، وأعينك على أمرك وتعينني على أمري، ولا باسم ذلك ~~الشهيد المسكين «أوجين» الذي كان كريما عليك وعلي، وكان يرعى لك ودك ويحفظ عهدك، حتى ~~مات وهو يعتقد أنه قد تركني من بعده في كلاءة أخ كريم، وصديق حميم ، ولا باسم اليمين ~~التي أقسمتها لي ليلة سفرك من ms097 «جوتنج» ألا يهدأ لك في حياتك روع، ولا يثلج لك صدر، حتى ~~أنال أمنيتي من حياتي، بل أدعوك باسم الرحمة والشفقة؛ لأنك محسن كريم ولأني بائس مسكين، ~~وليس للبائس المسكين من سبيل في حياته غير رحمة المحسن الكريم. # فلم يعبأ «إدوار» بذلك كله وتغفله وهمز جواده فطار به ملء فروجه، فركض «استيفن» وراءه ~~فلم يدركه، وكان قد أعياه الجهد فسقط في مكانه وهو يقول: «لا بد أن يكون ما قاله ~~صحيحا.» # ولم يزل في سقطته تلك حتى مر به بعض السابلة، وكان قد رآه عند حضوره فعرفه، فآذن به ~~سائق عجلته فهرع إليه الحوذي وأخذ بيده حتى أركبه العجلة ثم ذهب به إلى منزله. # فما انفرد بنفسه في غرفته حتى أخذ يصيح صياح المجانين ويضرب رأسه بالجدران وهو يقول: ~~«آه، لقد فقدتك يا ماجدولين!» ~~(63) من استيفن إلى ماجدولين # أصحيح يا ماجدولين أن ما كان بيننا قد انقضى؟! وأننا أصبحنا متناكرين غير متعارفين، ~~لا يذكر الواحد منا صاحبه إلا كما يذكر حلما من أحلام صباه قد عفت آثاره الأيام ~~والأعوام؟ # أصحيح أننا إذا التقينا بعد اليوم في طريق واحد مضى كل منا في سبيله دون أن يلوي ~~على صاحبه؟ أو في مجتمع لا يكون بيننا من الشأن إلا كما يكون بين سائر رجال ذلك المجتمع ~~ونسائه؟ أو في خلوة لا نجد ما نتحدث به أو لا نتحدث إلا بحديث الأجواء والأمطار؟ # ما أسرع تقلبات الأيام! وما أغرب تصاريفها وشئونها! أفيم بين يوم وليلة تنهدم جميع ~~الآمال الجسام التي بنيناها وأحكمنا بناءها وبذلنا في سبيلها همومنا وآلامنا، وأرقنا من ~~أجلها كل ما نملك من دموع وشئون، وتصبح أثرا من الآثار الدارسة التي يتحدث عنها ~~التاريخ الحاضر كما يتحدث عن التاريخ الغابر؟! # هكذا تقوم الساعة، وهكذا ترجف الراجفة، وهكذا تنتثر الكواكب في الفضاء، وتطوى السماء ~~طي السجل للكتاب. # لقد كنت أحسب يا ماجدلوين ألا يتولى ذلك الأمر منا غير الموت، أما وقد توليناه من ~~أنفسنا بأنفسنا ونسجنا خيوطه بأيدينا ونحن أحياء، فتلك أعجوبة ms098 الدهر التي لم ير مثلها ~~راء، ولا سمع بمثل حدثيها سامع! # ماذا أنكرت مني يا ماجدولين؟ وماذا دهاني عندك؟ # لقد أحببتك حبا لم يحبه أحد من قبلي أحدا، وأخلصت لك إخلاصا لا يضمر مثله أخ ~~لأخيه، ولا والد لولده، وأجللتك إجلال العابد لمعبوده، فما خنتك في سر ولا جهر، ولا ~~كذبتك في قول ولا عمل، وملأت فراغ حياتي كله بك، فلا أنظر إلا إليك، ولا أشعر إلا بك، ~~ولا أحلم إلا بطيفك، ولا أطرب لرؤية الشمس ساعة شروقها إلا لأني أسمع فيها نغمة حديثك، ~~ولا لمنظر الأزهار الضاحكة في أكمامها إلا لأنها تمثل لي ألوان جمالك، ولا تمنيت لنفسي ~~سعادة في هذه الحياة إلا من أجل سعادتك، ولا آثرت البقاء فيها إلا لأعيش بجانبك، ~~وأستمتع برؤيتك. # إن كنت ترين أني لا أستحق محبتك، وأني أصغر شأنا من أن أملأ فراغ قلبك، فأحبي في حبي ~~إياك، وإخلاصي لك، واجزيني خيرا بما بذلت لك في حياتي من دموع والآم، وشجون وأحزان، ~~واعلمي أنك إن استطعت أن تجدي بين الرجال من يرضيك بجماله أو ماله، أو حسبه أو جاهه، ~~فإنك لا تستطيعين أن تجدي فيهم من يحبك محبتي، أو يخلص لك إخلاصي. # إنهم قد خدعوك يا ماجدولين، وزينوا لك حب المال والشهوات، وخيلوا إليك أن الحياة ~~طعام وشراب، وثوب فاخر، وقصر باذخ، وعقد ثمين، وقرط جميل، وأن الزواج شركة مالية ~~يتعاون فيها الزوجان على جمع المال واكتنازه، وما علموا أن الزواج المالي نوع من أنواع ~~البغاء، وأن المرأة التي تتزوج الرجل لماله لا تتزوجه كما تزعم، بل تبيعه نفسها بيعا ~~كما تبيع البغي جسمها لعاشقها، بل هي أحط من البغي شأنا، وأسفل غرضا؛ لأنها لم تبع ~~نفسها من أجل لقمة تقيم بها أودها، أو خرقة تستر بها ضاحي جلدها، فينفسح لها صدر ~~العذر في ذلك، بل من أجل عقد ثمين تطمع في أن تزين به صدرها، أو ثوب فاخر تكاثر به ~~أترابها، أو قصر جميل تستمتع في جوه بأنواع لذائذها. # لا تصدقي يا ms099 ماجدولين أن في الدنيا سعادة غير سعادة الحب، فإن صدقت فويل لك ~~منك، فإنك قد حكمت على قلبك بالموت. # لقد كنت عندي آخر من يحفل بأمثال هذه المظاهر الكاذبة ويأبه لها، وكان أكبر ما ~~أعظمك في عيني، وأجلك في نفسي واستعبدني لك، أنك المرأة التي وجدت فيها وحدها من ~~بين النساء جميعا قلبا نقيا طاهرا يفيض بالحب النقي الطاهر الذي لا تشوبه شوائب ~~النوازع والشهوات، ولا يكدره مكدر من أغراض الحياة ومطامعها، فهل كنت مخطئا في ~~ظني؟ # لا لا، إنك لا تزالين صاحبة ذلك القلب الذي أعرفه حتى الساعة، وهذا هو الذي أخافه ~~عليك، وأرثي لك من أجله. # أنت لا تعلمين شيئا من شئون «إدوار»، وأنا أعلم من شئونه كل شيء، وأخص ما أعلم منها ~~أنه لا يحمل بين جنبيه قلبا مثل قلبك، ولا يفهم من معنى الحب وسره المعنى الذي تفهمين، ~~ولا يستطيع أن يكون شريكا لك بحال من الأحوال في شعورك ووجدانك، وكل شأنه معك أنه رآك ~~فاستملحك فاشتهاك، والملاحة عرض زائل، والشهوة ظل متنقل، فأخشى عليك أن ينالك بعد ~~قليل على يده ذلك الشقاء الذي تفرين منه اليوم، وألا ينفعك ولا يجدي عليك شيئا في ذلك ~~الحين مال ولا نسب، ولا فضة ولا ذهب، ولئن تم لك ذلك لأكونن أشقى الناس عيشا، ~~وأعظمهم بؤسا؛ لأني أحبك، وأحب لك السعادة في كل موطن تكونين فيه، من أجلك لا من أجل ~~نفسي. # ليت شعري! هل يصل صوتي إلى أعماق قلبك يا ماجدولين كما كان يصل إليه قبل اليوم؟ وهل ~~تستطيعين أن تتصوري كما كنت تتصورين من قبل أنني أحبك أكثر مما أحبك لنفسي، وأنني فيما ~~أفضيت به إليك من تلك النصيحة إنما أردت سعادتك وهناءك أكثر مما أردت سعادة نفسي ~~وهناءها؟! ~~(64) من استيفن إلى ماجدولين # لقلما أبقى على ما أرى. # الحياة مظلمة في عيني، والدنيا موحشة مقفرة، لا أسمع فيها حسا ولا حركة، كأن الليل ~~متواصل لا ينقطع، وكأن الناس رقود في مضاجعهم ليلهم ونهارهم، لا يستيقظون ولا ~~يستفيقون، ms100 ويخيل إلي أنني أعيش في صحراء نائية منقطعة عن العالم وما فيه، لا يمر بها ~~طير، ولا يجري فيها نهر، ولا يطأ تربتها إنسان، ولا يجول في أكنافها حيوان، وأنني أهيم ~~فيها وحدي ليلي ونهاري، أطلب الخلاص منها فلا أعرف السبيل إليه، وأحمل نفسي على البقاء ~~فيها فيقتلني الضجر والضيق. # فمتى يحين حيني وتأتي ساعتي فأرتاح من همومي وآلامي؟ # لا شيء يعزيني عنك في العالم يا ماجدولين؛ لأنك كنت لي كل شيء فيه، فلما فقدتك لم ~~أجد منك عوضا ولا بدلا، وكنت كمن قامر في ساعة واحدة بجميع ما تملك يده فلما خسر، خسر ~~كل شيء. # كانت لي آمال كبار، وأمان حسان، وكانت لي نفس مملوءة بعظائم الأمور وجلائلها، وكنت ~~أشعر بقوة في جسمي لا يقوم لها شيء في هذا العالم، فأصبحت رجلا ضعيفا خامدا، متألما ~~يائسا، قانطا، لا أشعر ولا أفكر، ولا آخذ ولا أدع، ولا أتجه إلى مقصد، ولا أتعلق ~~بغرض، ولا أجلب لنفسي خيرا ولا أدفع عنها ضرا، ولا شأن لي بين الناس أكثر من جثة ~~ملقاة لا روح فيها، أو حجر مطرح في قارعة الطريق. # ألا تخافين يا ماجدولين أن يأخذك الله بذنبي يوم يأخذ الناس بذنوبهم؟ ويسألك عن هذه ~~النفس الطيبة الطاهرة التي قتلتها وفجعتها في جميع فضائلها ومواهبها، وأن يتبعك صوتي في ~~كل مكان تكونين فيه، في خلواتك ومجتمعاتك، ومنامك ويقظتك، وبين ذراعي زوجك، وبجانب مهود ~~أولادك، ويصيح بك: إنك قد قتلت رجلا لو عاش لكان أفضل مثال للأزواج الصالحين، والآباء ~~الرحماء، والأصدقاء الأوفياء، ولكان خير الناس للناس جميعا. # ألم تعديني يا ماجدولين أن تسهري على سعادتي وتحرسيها كما تحرس الملائكة سعادة البشر ~~وهناءهم؟ فها أنا ذا أشقى الناس جميعا، وأعظمهم بؤسا وبلاء، فأين ما وعدتني ~~به؟ # تعالي إلي وقفي أمامي ساعة واحدة لأراك وأرى في وجهك صورة سعادتي الزائلة، ~~وآمالي الضائعة، وأسمعيني صوتك العذب الجميل الذي أسمعتنيه من قبل، وألقي علي نظرة ~~واحدة من نظراتك العذبة الرائقة تحيي بها نفسي الميتة، وقولي لي ms101 صدقا أو كذبا إنك لا ~~تزالين تحبينني وتعطفين علي، ثم لا تزيدي على ذلك شيئا، فقد أصبحت أقنع منك بكل ~~شيء. # أقسم لك يا ماجدولين إنني لو رأيتك في طريقي لهرعت إليك وجثوت تحت قدميك كما يجثو ~~العابد تحت قدمي معبوده، وسألتك البر والإحسان كما يفعل السائل المستجدي، فإن أعرضت عني ~~زحفت وراءك على ركبتي وتعلقت بأهداب ثوبك حتى تصغي إلي وتسمعي شكاتي. # ولكن ماذا أقول لك؟ وماذا عندي من الأحاديث فأحدثك به؟ لا شيء عندي سوى أن أذرف دموعي ~~تحت قدميك، وأمد يدي إليك صامتا ثم أضع حياتي بين يديك، فإما أحييتني أو ~~قتلتني. # إنني أتألم كثيرا يا ماجدولين، ولا أحسب أن في العالم نفسا تحتمل ما تحتمله نفسي من ~~الآلام والأوجاع، فارحميني واعطفي علي، فإن لم أكن كفؤا لمحبتك فامنحيني صداقتك، فإن ~~أبيتها فاسبلي علي ستر حمايتك، فإن ضننت بها فائذني لي أن أسير وراءك في كل مكان ~~تسيرين فيه كما يتبعك كلبك الذليل، لأراك وأسمع صوتك، وأستنشق الهواء الذي يحيط بك؛ ~~لأني لا أستطيع أن أعيش في العالم دون أن تكون لي صلة بك. # كنت قد وضعت قبل اليوم بين يديك سعادتي وهنائي، أما الآن فقد حالت الحال، وتراجعت ~~الآمال، وأصبحت لا أطمع في أن أضع بين يديك شيئا غير حياتي. # فهل تبقين عليها؟ ~~(65) من استيفن إلى ماجدولين # لي الله من بائس مسكين! فقد ذبلت زهرة حياتي قبل أن تتفتح، ودبت إلي الشيخوخة وأنا ~~لا أزال في ريعان الشباب، وانطفأ ما كان مشتعلا في قلبي من الهمة وفي رأسي من الذكاء ~~وفي جسمي من القوة، وانقطع ما كان موصولا بيني وبين الناس جميعا، فمات أخي، وطردني ~~أبي، وعاداني أهلي، ولم يكن باقيا لي في العالم سواك، ثم انقضى ما كان بيني وبينك فأي ~~أرب لي في العيش من بعد ذلك؟ # أتدرين لم أوثر الحياة على الموت يا ماجدولين وقد كان الموت أروح لي مما أكابده؟ ~~لأني لست على يقين مما بعده، وأخشى إن حل بي أن ينتزع ms102 مني ذكرى تلك الأيام الجميلة ~~التي تمتعت فيها بحبك وعطفك وبحلاوة الأمل فيك، والتي هي كل ما بقي في يدي بعد الذي ~~كان، ولولا ذلك لقتلت نفسي، ثم استحالت روحي إلى طائر جميل يطيف بك ويرفرف على رأسك ~~حيثما ذهبت، ويتناول الحب من يدك مرة، والقبلات من فمك أخرى، فأظفر منك ميتا بما عجزت ~~عنه حيا. # إنك سلبتني سعادتي يا ماجدولين، ولكنك لم تعطيني شيئا بدلا منها أعيش به، بل تركتني ~~وشأني كما يترك المسافر رفيقه الجريح الظامئ في الصحراء المحرقة التي لا ظل فيها ولا ~~ماء وينجو بنفسه غير مبال بما تصنع به المقادير من بعده، فما أقساك! وما أبعد الرحمة ~~من قلبك! # ردي علي أماني وآمالي، وليالي التي قضيتها فيك ساهرا متململا، وحياتي التي ~~وضعتها بين يديك، ووكلت أمرها إليك، وأعيدي إلي عطفي وحناني، ورحمتي وإشفاقي، وجميع ~~عواطف قلبي التي ضننت بها على أهلي وقومي جميعا وآثرتك بها من دونهم، وعقيدتي في الحب ~~والهناء، وإيماني بالله وبقاء الخير في الأرض. # ماذا تقترحين علي يا ماجدولين، وأية ذخيرة من ذخائر الأرض أو كنز من كنوز السماء ~~تحبين أن أضعه بين يديك؟ أتريدين قصرا من المرمر الأبيض؟ أم صهريجا مملوءا باللؤلؤ ~~الرطب؟ أم بساطا مصوغا من الجوهر؟ أم حلة منسوجة من أشعة الشمس؟ أم تاجا مرصعا ~~تتضاءل بين يديه تيجان الملوك والأقيال؟ لقد أصبح ذلك كله لك، وليس بينك وبينه إن أردته ~~إلا أن تعيدي إلى قلبي الأمل الذي سلبتنيه فأصبح أقوى الناس جميعا وأقدرهم على امتلاك ~~ناصية الكون بأجمعه، أرضه وسمائه. # آه، ما كان أشد سروري وفرحي يوم أعددت لك ذلك البيت الصغير في «جوتنج»، وبنيت لك فيه ~~تلك الغرفة الزرقاء الجميلة، ووضعت فيها ذلك السرير، كنت أرجو أن يكون الدوحة ~~الفينانة التي أنعم بك في ظلالها، وأنشأت تلك الحديقة البديعة التي لم أدع زهرة ~~تحبينها أو يحبها أبوك إلا غرستها فيها، وكنت كلما دخلت ذلك المنزل ووقفت في فنائه لحظة ~~خيل إلي أنه آهل بك، وأن صوتك العذب ms103 الشجي يرن في أنحائه، وأن أولادنا يلعبون بين ~~أيدينا في حديقته، ويقطفون أزهارها ووردوها ويقدمونها هدية إلينا، بل كنت أتخيل عندما ~~كنت أدخل غرفة زينتك أني أراك جالسة إلى مرآتك فيها تمشطين شعرك الأصفر الجميل، وأنني ~~واقف وراءك أغمس يدي في ذلك الخليج الذهبي الرجراج وأختلس منه قبلة بعد أخرى. # أما اليوم فقد ذبل كل شيء فيه وضوي، فانقطع الماء عن حديقته، وذوت أشجاره وأزهاره، ~~وعصفت الريح بنوافذه وأبوابه، وكست الترب أرضه وسقوفه، فأصبح كالعروس الحسناء التي ~~نزلت بها منيتها ليلة زفافها. # أصبحت لا تكتبين إلي حرفا واحدا، ولا تجيبين عن كتاب واحد من كتبي، وما كان ذلك ~~من شأنك قبل اليوم، فاكتبي إلي كلمة واحدة قولي لي فيها ما تشائين من خير أو شر، ~~فقد وطنت نفسي على احتمال كل شيء. ~~(66) من استيفن إلى ماجدولين # لم تكتبي إلي تلك الكلمة التي ضرعت إليك فيها، وعهدي بك أنك مشيت قبل اليوم على ~~قدميك بضع ساعات كابدت فيها ما كابدت من الأهوال العظام حتى وصلت إلى صندوق البريد في ~~قرية بعيدة عن قريتك فبعثت إلي برسالتك، فهل ذهب ذلك الماضي بأجمعه ولم يبق في نفسك ~~منه أثر واحد؟ # لا أستطيع أن أصدق ذلك، فكل ما حولك يذكرك بي وبأيامي التي قضيتها معك، فهنالك الشمس ~~التي كنا نستقبلها معا طالعة ونودعها غاربة، والقمر الذي كان يشرف علينا من علياء ~~سمائه، ويرسل إلينا أشعته الفضية البيضاء فتضمنا غلالتها معا، والمقعد الذي كنا نجلس ~~عليه بين الظل والماء، ويدك في يدي ورأسك على صدري، وخدك تحت متناول لثماتي، والبحيرة ~~التي كنا نقضي فيها كل يوم ساعة الأصيل سائرين على ضفتها صامتين تتحدث قلوبنا بما تمسك ~~عنه ألسنتنا، ثم نعود وبودنا أن لو استمر بنا المسير أبد الدهر إلى دار الخلود، والغرفة ~~التي التقينا فيها ليلة الوداع وبللنا تربتها بدموعنا، وأقسمنا بين سمائها وأرضها يمين ~~الوفاء حتى الموت. # إني أناديك في اليوم مائة مرة يا ماجدولين صارخا مستغيثا، باكيا منتحبا، لا أهدأ ~~ولا أفتر، وأنت ms104 لاهية عني بذلك الشأن الجديد الذي استحدثته لنفسك، لا تسمعين ندائي، ~~ولا ترثين لمصابي، وما أعلم أني أذنبت إليك في حياتي ذنبا واحدا تأخذينني به، بل أعلم ~~أني اقترفت جميع الذنوب والآثام من أجلك. # إن كنت مررت مرة في حياتك بامرأة جاثية على قبر زوجها تندبه وتبكيه أحر بكاء ~~وأشجاه لأنها كانت تحبه حبا جما، ولأنه تركها في ريعان شبابها فقيرة معدمة، وترك ~~لها أطفالا صغارا لا حول لهم في الحياة ولا قوة، فحزنت حزنها، وبكيت لبكائها. # أو رأيت في طريقك فتاة فقيرة هائمة على وجهها تبكي وتنتحب وتسأل الغادين والرائحين ~~أن يمنحوها درهما واحدا تبتاع به دواء لأخيها الصغير المريض الذي لا سند له غيرها، ~~ولا عائل له سواها، فأويت لها، وأسعفتها بطلبتها. # أو مررت بضفة نهر فرأيت امرأة واقفة به تعول وتصيح وتستصرخ الناس لوحيدها الذي ~~يغرق في النهر أمامها فلا تجد من يعينها عليه حتى سقط سقطة لم يطف من بعدها، فجن جنونها ~~واندفعت وراءه بثيابها، فطواهما البحر معا في لحظة واحدة، فأعظمت نكبتها، وبكيت ~~مصيرها. # أو سمعت بقصة ذلك الشيخ المسكين الذي دخل عليه الجند منزله وهو جاث بجانب زوجته ~~المحتضرة وابنته المريضة ليأخذوه إلى السجن؛ لأنه كان قد سرق من أجلهما بالأمس رغيفا ~~يقيم به أودهما، فسأل الجند أن يمهلوه ساعة واحدة حتى يرى ما يصنع القضاء بعليلته، ~~فأبوا ذلك عليه، فعظمت عليه النازلة فذهبت بعقله، فعدل به الجند عن طريق السجن إلى طريق ~~المارستان. # أو سعمت بقصة ذلك الرجل الذي ضل في مفازة مقفرة، فاشتد به العطش، وهام على وجهه في ~~كل مكان يطلب الماء فلا يجده حتى أعياه الجهد، وعجز عن المسير، ثم لمح على البعد صفحة ~~ماء تترقرق، فما زال يزحف على ركبتيه إليها ويخضب الحصى بدمه المتدفق، حتى إذا داناها ~~ولم يبق بينه وبينها إلا خطوة واحدة سقط من دونها ميتا. # أو قرأت قصة تلك المرأة التي رآها الناس في إحدى المجاعات جالسة أمام كوخها وفي حجرها ~~كتلة لحم حمراء مختلطة، ms105 وبين يديها قدر يتصاعد بخارها، فلما دنوا منها هالهم أن رأوا ~~في يدها سكينا مخضبة بالدم، ورأوا قدما صغيرة بارزة من القدر، فعلموا أن الجوع قد ~~أفقدها عقلها، وأن هذه الكتلة الحمراء التي في حجرها إنما هي رضيعتها قد ذبحتها وأنشأت ~~تقطع أوصالها بمديتها وتطبخها لتأكلها. # إن كنت سمعت بخبر هؤلاء المنكوبين، وسمعت أنين المعذبين في السجون، وصراخ المرضى في ~~المستشفيات، وضحك المجانين في المارستانات فرثيت لهم، وأويت لمصابهم، فتعلمي أنني أشقى ~~من هؤلاء جميعا، وأنني أولى منهم برحمتك وإشفاقك، وعطفك وحنانك. # لم تبق في بقية تحتمل أكثر مما احتملت، وربما لا أستطيع أن أكتب إليك غير هذا ~~الكتاب، فقد بلغ بي الضعف منتهاه، وأظلم بصري فما أكاد أبصر شيئا، فالوداع يا ماجدولين ~~وداع الحياة إن كان لا يزال في الأجل بقية، أو وداع الموت إن كانت الأخرى. ~~(67) من ماجدولين إلى استيفن # لا أكتمك يا سيدي أني بكيت كثيرا عند قراءة رسائلك، ولكنني عدت إلى نفسي وقلت: إنها ~~زفرة من زفرات البأس ستطفئها الأيام كما أطفأت غيرها من زفرات البائسين، وربما علمت ~~بعد قليل من الأيام أن الله قد خار لك فيما كان، وأنه قد أعد لك من حيث لا تحتسب ~~حياة أسعد وأهنأ من هذه الحياة التي تندبها وتبكيها. # أنت تعلم يا «استيفن» أنني فتاة فقيرة وأنك فتى لا مال لك، أو لا تملك من المال ما ~~يقوم بشأنك زوجا ووالدا، فخير لي ولك أن نفترق وأن يسلك كل منا في حياته الطريق ~~التي يعلم أنها تنتهي به إلى سعادة عيشه وهنائه، أحببنا ذلك أم كرهنا، فتناس كل شيء ~~يا صديقي، وسافر إلى «كوبلانس» واستصلح عليك أباك وأهلك، وتزوج من الفتاة التي اختاروها ~~لك، وحسبك مني أن أكون صديقتك الوفية لك ما حييت، ولا تحمل في نفسك ضغينة لصديقك ~~«إدوار»، فقد علم الله أنه ليس له يد في شيء مما كان، وإنما هو رأي رأيته لنفسي، ولم ~~أستشر فيه إلا عقلي وضميري؛ فأنا صاحبته والمأخوذة به إن كنت لا ms106 بد آخذا به أحدا، ~~والسلام عليك من صديقتك التي ترجو عفوك وغفرانك. ~~(68) من استيفن إلى ماجدولين # قد نسيت كل شيء يا ماجدولين، فاختاري لنفسك في حياتك ما شئت وها هي ذي رسائلك عائدة ~~إليك، فليس من الرأي بقاؤها عندي بعد اليوم، وإني أتقبل صداقتك بالصدر الرحب الذي تقبلت ~~به حبك من قبل، أما النقمة فإني لا أنقم عليك ولا على خطيبك شيئا، بل أسأل الله لكما ~~السعادة في حاضركما ومستقبلكما. ~~(69) الزفاف # ازدحمت الكنيسة بسكان قرية «ولفاخ» رجالا ونساء وظلوا جميعا ينظرون إلى الباب بشوق ~~وتلهف ينتظرون حضور العروسين، ثم ما لبثوا أن سمعوا صوت العجلات وهي مقبلة فنهضوا ~~جميعا على أقدامهم واصطفوا صفوفا متتالية لاستقبال القادمين، ثم دخل «إدوار» آخذا ~~بيد ماجدولين وهي لابسة ثوبا أبيضا ناصعا كأنما قد قد من جرم الزهرة وعلى ~~رأسها إكليل من الزهر يتلألأ في شعرها الذهبي الجميل، ودخل وراءهما الشيخ «مولر» ~~و«سوزان» وأبوها وزوجها، و«اشميد» ابن عمة ماجدولين، و«ألبرت» ابن عم «سوزان»، وكثير من ~~أهله وأهلها، فرأى الناس أجمل فتاة رأوها في حياتهم، فدعوا لها ولزوجها بالسعادة ~~والهناء وملئوا أرجاء المعبد هتافا بهما وثناء عليهما، ثم مشيا إلى المذبح وركعا بين ~~يدي القسيس على وسادتين من القطيفة المزركشة فركع الناس بركوعهما، وركع «استيفن» معهم، ~~وكان قد جاء إلى المعبد قبل حضور الناس واختبأ وراء سارية من سواريه فلم يشعر به أحد، ~~وظل يقول في ركوعه بصوت ضعيف خافت لا يحسه أحد: «اللهم احرسها بعين عنايتك، وأسبل ~~عليها ستر حمايتك، وامنحها السعادة والهناء في نفسها وفي عيشها، واكتب لها في صحيفة ~~حياتها ما كنت أسألك أن تكتب لي في صحيفة حياتي.» # ثم بدأ القسيس يتلو صلاته وجاءت الساعة التي ينطق فيها بكلمته الأخيرة التي لا مرد ~~لها ولا رجعة فيها، فشعر «استيفن» أن قلبه يخفق خفقانا شديدا ويضرب ضربا يعلو صوته ~~على أصوات النواقيس، فأمسك بكفيه على أحشائه وأغمض عينيه وقبع في أعماق نفسه، واستلهم ~~الله الصبر على نكبته، ثم غشيته غاشية لم يشعر بما ms107 كان فيها حتى استفاق بعد ساعة فإذا ~~الكنيسة خالية مقفرة تعتلج الظلمة في أرجائها، وتضرب رياح الليل الباردة في نوافذها ~~وكواها، فزفر زفرة حرى كادت تتساقط لها أضلاعه، وجعل يقول في نفسه: لقد قضي الأمر، ~~وخرجت ماجدولين من يدي، وأصبحت كفي صفرا من جميع أماني وآمالي، فما العمل؟ وكيف أعيش؟ ~~وأين أقضي بقية أيام حياتي؟ وأية غاية بقيت لي في هذا العالم أحيا من أجلها. # ثم خرج هائما على وجهه لا يعلم أي فج يسلك من فجاج الأرض، والأرض أضيق في عينيه من ~~كفة الحابل، فإذا هو أمام بيت الشيخ «مولر»، فرأى المدعوين منصرفين من الحفلة زمرا ~~زمرا، فسدك بركن مظلم، من أركان السور حتى انقطع خفق الأقدام، وعلم أن المكان قد ~~خلا بأهله، فرمى البيت بنظرة شزراء ملتهبة لو اتصلت شرارة من شررها بسقف من سقوفه أو ~~كوة من كواه لأتت عليه في لحظة واحدة، ثم ما لبث أن رأى النور قد انطفأ في جميع الغرف ~~والقيعان إلا غرفة واحدة، فعلم أنها غرفة العروس، فلم يتمالك أن ثار من مكمنه ثورة ~~الأسد المهتاج وأخذ يدور حول السور ذهابا وجيئة وهو لا يعلم لم يدور، وأين ينتهي؟ ~~حتى وقع نظره على ثغرة مفتوحة فيه فوقف أمامها لحظة، حدثته نفسه باقتحامها فرأى حجرا ~~ضخما معترضا في فجوتها، فما زال به حتى زحزحه عن مكانه، ثم انحدر إلى الحديقة غير ~~خائف ولا وجل ولا مبال ما أقدم عليه، وأخذ سمته إلى سلم الدار حتى بلغه، فصعده ~~يختلس الخطى اختلاسا حتى وصل إلى باب الغرفة المضيئة، فوقف به وأحس أصواتا من ورائه، ~~فشعر برعدة تتمشى في جميع أعضائه، وخيل إليه أن قلبه ينحدر في هوة عميقة لا قرار لها، ~~وأخذ يقول في نفسه: إنها الآن له وبين يديه لا يحول دونهما حائل، وكأني به وهو يضمها ~~الآن إلى صدره ويلصق فمه بفمها، ويوسعها لثما وتقبيلا، فتعطيه من نفسها ما يعطيها من ~~نفسه، ثم نظر من ثقب الباب فلم ير شيئا أمامه فوضع أذنه ms108 عليه وأصغى إلى حديثهما، فرنت ~~في مسمعه أصوات الضحكات والقبلات، وسمعها تقول له فيما تناجيه به «أنت حياتي التي لا ~~حياة لي بدونها.» فجن جنونه وحدثته نفسه أن يضرب الباب بقدمه ضربة هائلة تطير به ثم ~~يقتحمه عليهما فيقتلهما ويخضب سرير العروس بدمهما، ثم يقتل نفسه على أثرهما، واستنصر ~~قوته على ذلك فخذلته، فوقف بين الإقدام والإحجام يغلي دمه في عروقه غليان الماء في ~~مرجله، ويمزق صدره بأظافره تمزيقا شديدا، حتى امتلأ قميصه دما، وتناثرت أفلاذ جلده ~~بين أصابعه، وهو لا يشعر بألم، بل لا يعلم أنه يصنع من ذلك شيئا، حتى أعياه الجهد، ~~فزلت به قدمه فانقلب إلى أسفل السلم، وهو بين الحياة والموت. # ولم يزل في سقطته تلك حتى استيقظت الخادم «جنفياف» مبكرة قبل أن يستيقظ أحد من أهل ~~البيت وضيفانه فرأته صريعا في مكانه، فراعها أمره، وأدهشها وجوده في هذا المكان، ثم ~~رأت الدم العالق بثوبه وأظافره فظنته قتيلا، فحاولت أن تصيح فخانها صوتها، فأكبت عليه ~~لتعلم ما شأنه، فأحست رجع أنفاسه، فهدأت قليلا وعلمت أنه في غشية شديدة، فأشفقت عليه، ~~وكانت تحبه وتكرمه، ولم تزل تنضح جبينه بالماء وتمسح صدره حتى استفاق، فدار بعينيه حول ~~نفسه فذكر ما كان ورأى «جنفياف» بين يديه، فاحمر وجهه خجلا، وسألها: هل عرف شأنه أحد ~~غيرها؟ قالت: لا، فاعترف لها بمجمل قصته، وناشدها الله والمودة أن تكتم عليه ما كان، ~~فوعدته بذلك، فقام يتحامل على نفسه حتى خرج من المنزل، ومشى في طريق قريته. ~~(70) الهذيان # قالت «جوزفين» زوج «فرتز» للطبيب - وكانت تتولى تمريض «استيفن»: لقد أصبحت أخشى على ~~الرجل أن يصيبه شر عظيم، وأخوف ما أخاف عليه أن تنزل بعقله نازلة من نوازل الجنون، فقد ~~أصبح لا ينطق إلا باسم تلك المرأة، ولا يفكر إلا فيها، ولا يرى في يقظته أو في منامه ~~غيرها، فيتخيلها تارة مقبلة عليه فيبتسم لها ويتهلل ويفتح ذراعيه لاستقبالها، وأخرى ~~منصرفة عنه فيضرع إليها ويستعطفها ويهتف باسمها هتافا عاليا، ويحاول النهوض من فراشه ~~لإدراكها والتشبث ms109 بها، فهو إما ضاحك أو باك، أو هاتف أو ضارع أو مسترحم، ولئن دامت ~~له حالته هذه بضعة أيام أخرى ذهبت النكبة بعقله أو بحياته، وما أحسب أن شيئا غير ظفره ~~بتلك المرأة أو اتصاله بها يشفيه من دائه، فقال الطبيب: لقد خاطرت اليوم بآخر ما في ~~كنانتي من الأسهم، فسافرت إلى قرية «ولفاخ» وقابلت ماجدولين على غير سابق معرفة لي بها، ~~ووصفت لها حالة المريض في جنونه واستهتاره بها، وقيامه وقعوده بأمرها ليله ونهاره، ~~وسألتها أن تزوره زورة واحدة عسى أن تنفعه وترفه عنه بعض ما به، فأبى زوجها عليها ذلك ~~إباء شديدا، فلم أزل به أسترحمه وأستعطفه وأنشده الله والمروءة حتى أذعن بعد لأي، ~~واشترط أن يصحبها في زيارتها، فقبلت ذلك منه على مضض، وقد تركتهما الآن يتهيآن ~~للحضور على أثري. # ثم مشى إلى المريض وجس نبضه وأمر يده على رأسه وقال: يا للعجب! لقد فصدته ليلة ~~أمس مرتين في ساعة واحدة فما أجدى ذلك عليه شيئا، ثم جلس بجانبه ينضح جبينه بالماء ~~ويجرعه بضع قطرات من الدواء. # إنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا خفيفا، ففتح، فدخلت ماجدولين ووراءها «إدوار»، فلم ~~يشعر «استيفن» بهما عند دخولهما، ثم فتح عينيه بعد قليل ونظر إلى «جوزفين» وقال لها: ~~أين ثيابي التي أمرتك بإحضارها، أما تعلمين أن اليوم يوم الأحد وهو موعد ذهابي إلى ~~الكنيسة للاحتفال بعقد زواجي؟ فأطرقت المرأة واجمة، وأدارت ماجدولين وجهها لا يرى أحد ~~اصفرارها، فتقدم نحوها الطبيب وسألها أن تدنو منه وتناديه باسمه لعله يعرفها، فدنت من ~~سريره ووقفت أمام وجهه، فنظر إليها نظرة ذاهلة ثم أدار رأسه وأغمض عينيه، فعلمت أنه لم ~~يعرفها، فنادته باسمه بذلك الصوت الرخيم العذب الذي طالما سمعه من قبل فملك عليه مداركه ~~ومشاعره، فكأن موجة كهربائية اندفعت في جسمه دفعة واحدة، فانتفض من مكانه وفتح عينيه ~~وتناهض مكتئبا على إحدى يديه، وظل يضرب بيديه على جبهته كأنما يستحيي في ذهنه ذكرى ~~قديمة طال عليها العهد، ويدير رأسه يمنة ويسرة، ويقلب نظره ms110 في وجوه الجالسين حتى وقع ~~على ماجدولين، فأخذ يحدق في وجهها تحديقا شديدا، ثم ابتسم ومد يده نحوها وقال لها: ~~شكرا لك يا ماجدولين، فقد جشمت نفسك مشقة المجيء إلي وقد كنت على وشك أن أذهب إليك ~~الساعة لولا أن النوم طرقني فغلبني على أمري، فهلمي بنا الآن فقد حان الوقت، وما أحسب ~~إلا أن أصدقاءنا ينتظروننا الآن في الكنيسة، وكأنني أراهم وقد جلسوا في دهليزها صفوفا ~~متتالية ينظرون إلى الباب بشوق وتلهف يترقبون حضورنا، وأرى القسيس يعد لنا وسادتين من ~~القطيفة المزركشة لنركع عليهما أمام المذبح، وكأنني أشم رائحة البخور متصاعدة من ~~المواقد، وأسمع أصوات النواقيس تقرع قرعا متتابعا، ثم صعد نظره فيها وصوبه وقال لها: ~~ما أجملك يا ماجدولين! وما أجمل هذا الثوب الأبيض الذي ترتدينه! إنك لا ينقصك الآن غير ~~إكليل الزهر، ثم مد يده إلى أزهار كانت بجانبه فأخذ يضفر منها إكليلا جميلا ويتأنق في ~~تنسيقه وتنظيمه، ثم نظر إلى الطبيب وقد خيل إليه أنه الشيخ «مولر» فقال له: ائذن لي يا ~~أبتاه أن أضع هذا الإكليل على رأس ابنتك، فنظر الطبيب إلى ماجدولين نظرة استعطاف يسألها ~~فيها أن ترحمه وألا تنغص عليه هناءه الذي يتخيله. # فوضع «استيفن» الإكليل على رأسها وهي واجمة صفراء كأنما قد انتفضت من كفن، وقال لها: ~~أتذكرين يا ماجدولين يوم وضعت على رأسك منذ عامين في ساعة من ساعات أنسنا ولهونا ~~إكليلا مثل هذا الإكليل فتفاءلنا بذلك خيرا وقلنا ليس بكثير على الأيام أن يصبح ~~جدا ما لهونا به، وحقيقة ما حسبناه خيالا؟ فها قد صدق اليوم فألنا، وصحت آمالنا ~~وأحلامنا، فالحمد لله على ذلك، وله الشكر على آلائه ونعمائه، ثم نظر إلى «جوزفين» وقال ~~لها: إني أشعر بضيق في صدري لا أعلم له سببا فافتحي هذه النافذة لأستنشق هواء هذا ~~الصباح الجميل، ففعلت فأخذ يقلب وجهه في السماء ويقول: ها هي ذي الطبيعة تهدي إلينا في ~~يوم عرسنا أجمل ذخائرها وأعلاقها: هواءها العيل، وشمسها الساطعة، وسماءها الصافية ~~الجميلة، فشكرا لها ms111 على يدها عندنا، وشكرا للدهر الذي أنالني أمنيتي وأظفرني بها بعد ~~أن كنت على وشك اليأس منها. # ثم التفت فوقع نظره على «إدوار»، فهش له وابتسم في وجهه وقال له: شكرا لك يا صديقي، ~~ما أحسب إلا أنك الذي أشرت على ماجدولين بزيارتي في منزلي، ولولاك لحال بينها وبين ذلك ~~الحياء الذي لا يفارقها في جميع آناء حياتها، فامدد إلي يدك وكن أول من يهنئني ~~بسعادتي من بين أصدقائي، فأنت أكرمهم علي جميعا وآثرهم عندي، أتذكر يا «إدوار» أيام ~~كنا نعيش في هذه الغرفة الصغيرة التي نحن فيها الآن عيش البؤس والشقاء، وكنا نتساقى من ~~الود كئوسا مترعات تنسينا حلاوتها مرارة الحياة وآلامها، وكنت لا أجلس إليك مجلسا ~~إلا قصصت عليك فيه شأني مع ماجدولين، وأبثثتك وجدي بها ورجائي فيها، وقلت لك كلما رأيتك ~~تنظر إلي نظرات الهزء والسخرية: إنها قد أقسمت لي يمينا محرجة ألا يفرق بيني ~~وبينها إلا الموت، وإنها لم تخس بعدها أبدا، وإن هذه السحابة السوداء التي تراها ~~متلبدة في سماء حياتي لا تستطيع أن تثبت طويلا على أشعة الحب الحارة المتدفقة، والحب ~~إله قادر لا يعجزه شأن في هذا العالم، ولا يثبت على قدرته شيء؟ فها أنت ذا ترى أنني لم ~~أكن كاذبا في تصوراتي وأحلامي، وأن أماني وآمالي لم تكن كما كنت تظنها خيالات شاعر، ~~ولا هواجس مجنون. # ثم تناول يد ماجدولين وأهوى بفمه إليها ليقبلها، فلمع أمام عينيه شعاع خاطف من أشعة ~~الخاتم الماسي الذي يتألق في أصبعها، فاضطرب ومر بخاطره مرور البرق منظر ذلك الخاتم ~~بعينه يوم رآه في يدها للمرة الأولى، وهي واقفة بجانب «إدوار» في حديقة منزلها، فتراخت ~~يده وامتقع لونه وانطفأ ذلك الشعاع الذي كان يلمع في عينيه وارفض جبينه عرقا، وأخذ ~~صوابه يعود إليه شيئا فشيئا، فظل يقول بصوت خافت متهدج: لا، لا، لا حق لي في تقبيل ~~يدها؛ لأنها ليست لي ولا شأن لي عندها ، ثم تناول غطاءه فأسبله على رأسه وأخذ يبكي بكاء ~~شديدا، ويقول للطبيب: ms112 ليخرجوا عني جميعا فلا شأن لهم عندي ولا شأن لي عندهم، فاغرورقت ~~عين ماجدولين بالدموع، ومدت يدها إليه كالضارعة وهمت بالركوع بجانب سريره، فجذبها إدوار ~~جذبا شديدا، فتبعته متثاقلة، خطوة والتفاتة، وهي تقول بينها وبين نفسها: «وا رحمتاه ~~لك أيها البائس المسكين!» # وما انقضى النهار حتى ترك «إدوار» قرية «ولفاخ» وسافر بزوجته إلى «كوبلانس». ~~(71) اليأس # لبث «استيفن» في سرير مرضه شهرين كاملين كابد فيهما من آلام النفس والجسم ما قدر ~~له أن يكابده، ثم أبل قليلا، فهجر فراشه وأخذ يهيم على وجهه ليله ونهاره، ينام حيث يجد ~~مضجعا، لينا أو خشنا، ويأكل حيث يجد لقمة، بيضاء أو سوداء، لا يستقر بمكان، ولا يأوي ~~إلى ظل، ولا يتعهد جسمه أو ثوبه بما يصلح شأنهما، واستبد به الحزن، فدق جسمه، وغارت ~~عيناه، واسترسل شعر رأسه ولحيته، وآضت نضرة وجهه شحوبا، وحمرة خديه اصفرارا، وأصبح ~~آية السابلين، وعبرة الغادين والرائحين. # وكان لا يمر بكوخ صديقه «فرتز» إلا اتفاقا، فإذا مر به خرج الرجل إليه وزوجه وأولاده ~~وتعلقوا به وناشدوه الله والمودة أن يدخل معهم كوخهم، فيدخل فلا يلبث إلا ساعة أو بعض ~~ساعة حتى يدركه الملل فيثور ثورة الوحش المهتاج ويفر من بينهم راكضا وقد عاد إلى شأنه ~~الأول. # وكثيرا ما كان يمر في تطوافه بمنزله الصغير الذي بناه في «جوتنج» وبنى فيه سروح ~~آماله الذاهبة وأمانيه الضائعة فيصرف وجهه عنه ولا يطيق النظر إليه، وربما انكفأ راجعا ~~حين يلمح أول شرفة من شرفاته حتى لا يمر به ولا يقع نظره عليه. # وكان إذا ركب رأس طريق مشى فيه قدما لا يقف ولا يتريث ولا ينظر يمنة ولا يسرة حتى ~~يعترضه نهر أو جدار، أو يرى بين يديه مجتمعا من الناس فيستفيق من ذهوله ويعود ~~أدراجه. # ولقد استمر به المسير يوما في بعض غدواته حتى وصل في منتصف النهار إلى «كوبلانس»، ~~فأخذ يهيم في شوارعها وطرقاتها، والناس ينظرون إليه وإلى منظره الغريب وشعوره المشعثة ~~الثائرة ونظراته الحائرة المتبددة ويعجبون لأمره. # وإنه لكذلك إذ ms113 مرت على القرب منه عجلة فسمع فيها ضحكا عاليا خيل إليه أنه يعرف ~~نغمته، فالتفت فإذا ماجدولين و«إدوار»، فصعق في مكانه، وتراجع إلى جدار كان وراءه ~~فاستند إليه وهو يقول: «ما أسعدهما وأهنأ عيشهما! إنما يبنيان سعادتهما على أنقاض ~~شقائي.» ثم ذهل عن نفسه وظل في ذهوله ساعة فلم يستفق حتى رأى حلقة من الناس محيطة به، ~~ورأى قوما يتضاحكون ويتغامزون ويشيرون إليه إشارات الهزء والسخرية، فرماهم بنظرة ~~شزراء رجفت لها قلوبهم، وخطا خطوة واسعة إلى الأمام، فهالهم منظره، وتفرجوا له عن ~~طريقه، فسار في سبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى بلغ ضاحية المدينة، فرأى نهرا ~~جاريا على رأس مزرعة خضراء فجلس على ضفته يؤامر نفسه على الموت ويقول: لقد كذب الذين ~~قالوا إن الانتحار ضعف وجبن، وما الضعف ولا الجبن إلا الرضا بحياة كلها آلام وأسقام ~~فرارا من ساعة شدة، مهما كابد المرء من الغصص والأوجاع فهي ذاهبة ولا رجعة لها بعد ~~ذلك. # وهل يوجد في باب الجهالات أقبح من جهالة الرجل الذي يفضل حياة يموت فيها في اليوم ~~مائة مرة، على موتة سريعة عجلى تريحه من هذه الميتات المتقطعة المتداولة. # إني لا أدري لم يضيق الرجل بثوبه فينزعه، ويسمج في نظره منزله فيهجره، ويتبرم ~~بصاحبه فيفارقه، ويثقل على ظهره حمله فيلقي به، فإذا ضاقت به حياته لا يخلعها، ولا ~~يحدث نفسه بالخلاص منها، والحياة إذا بؤست كانت آلم للنفس وأثقل مئونة من ثوب ضيق، ~~أو حمل ثقيل. # إنا لا نخاف الانتحار إلا لأنا نحب الحياة، ولا نحبها على ما هي حافلة به من الكوارث ~~والمحن إلا لأننا جهلاء أغبياء، نطمع في غير مطمع ونرجو ما لا يمكن أن يكون، فمثلنا في ~~ذلك كمثل لاعب القمار، يزداد طمعا في الربح كلما ازداد خسارة، فلا يزال يخسر، ولا يزال ~~يطمع، حتى تصفر يده من كل شيء. # إنا لم نأت إلى هذا العالم باختيارنا فلم لا نخرج منه متى شئنا؟ وإنا لم نكتب ~~على أنفسنا عهدا بين يدي أحد ms114 أن نبقى فيه بقاء الدهر فلم يسمى سعينا في الخلاص منه ~~خيانة وغدرا، أو كفرانا بنعمة الله وإحسانه؟ # إنها هفوة هفاها «شيشرون» الروماني في ذلك العهد القديم حينما قال: «إن كان لصاحب ~~الراية في الحرب حق في إلقائها عن عاتقه كان للإنسان حق في قتل نفسه.» وجاراه المجتمع ~~الإنساني كله على هفوته هذه حتى اليوم، دون أن يخطر على بال فرد من أفراده أن يقول له: ~~إن لصاحب الراية الحق كل الحق في إلقائها عن عاتقه إذا ثقل حملها عليه. # وأعجب من ذلك أنهم لا يذكرون الانتحار إلا ذكروا اسم الله بجانبه، وافتنوا في تصوير ~~غضبه ونقمته على المنتحرين، والله أعدل وأرحم من أن يبتلي عبدا من عبيده ببلية لا تطيب ~~له معها الحياة، ثم يأبى عليه إلا أن يرتبط بجانبها مدى الدهر، ولا يبتغي لنفسه طريقا ~~إلى الخلاص منها. # وكذلك صحت عزيمته على الانتحار، وأخذ يفكر في الصورة التي يفارق الحياة عليها فلم يزل ~~يقلب وجوه الرأي في ذلك حتى اهتدى إلى صورة أعجبه خيالها الشعري، هي أن يكتب كتابا إلى ~~ماجدولين يبثها فيه آلامه وأحزانه ويحدثها عن عزمه على الانتحار، وعن المكان الذي سيلقي ~~نفسه فيه من النهر، ثم ينزع من أصبعه خاتمه المنسوخ من شعرها ويضعه على فمه ويضع يده ~~عليه ويقبله بلهفة شديدة، ثم يلقي بنفسه في الماء على هذه الحالة، فإذا أتت ماجدولين ~~وأخرجته من النهر ورأت هذه الصورة المحزنة التي مات عليها أثر في نفسها إخلاصه ووفاؤه، ~~وأسفت على موته أسفا عظيما، وألم بنفسها الندم على فعلتها التي فعلتها معه، فلا تزال ~~تذكره طول حياتها وتندب مصرعه ومصيره حتى تلحق به. # وهنا رنت في أذنه تلك الضحكة العالية التي سمعها منها منذ ساعة وهي راكبة عجلتها مع ~~زوجها، فطار ذلك الخيال من رأسه واضمحل في مسراه اضمحلال الأبخرة الذاهبة في آفاق ~~السماء، وعادت له أناته ورويته وقال في نفسه: إن من كان مثلها في خيانتها وغدرها وصلابة ~~قلبها وقسوته، لا يبالي ما أقدم عليه ms115 من شئونه، فربما ورد عليها كتابي فأغفلته ثم سمعت ~~بخبر موتي فتنفست تنفس الراحة والدعة واغتبطت بينها وبين نفسها بانقشاع تلك الغيمة ~~السوداء التي كانت تغشى سماء حياتها، وأعجبها أنها قد أصبحت آمنة مدى الدهر أن يذكرها ~~مذكر بخيانتها، أو يتراءى لها في مسلك من مسالكها شبح تلك الجناية متى ~~اقترفتها. # ثم أن أنة مؤلمة وقال: «ويل لي من بائس مسكين! لقد استحال علي كل شيء حتى ~~الموت.» ~~(72) السعادة # قال «فرتز» لاستيفن - وقد ركب معه في زورقه ساعة الأصيل فسار بهما يشق عباب الماء ~~شقا: رفه عليك قليلا يا سيدي، فذلك أمر قد فات واستبد به من قدر له، وليس في ~~فائت حيلة ولا لما قضى الله مرد، ولو شئت أن أقول لك لقلت: إنه غير جميل بك في فضلك ~~وأدبك، ووفور عقلك واكتماله، وعزة نفسك وأنفتها أن تحبس حياتك كلها على امرأة قد علمت ~~ألا خير لك فيها، وأنها قد خانتك وخذلتك، وبلغت بك في الشقاء المبالغ التي لم يبلغها ~~أحد، وطعنت قلبك تلك الطعنة النجلاء التي يثل منها جريحا إلا بمعونة من رحمة الله ~~وإحسانه، وإنها - وأنت تشقى هذا الشقاء كله في سبيلها - تقضي ساعات ليلها ونهارها بين ~~ذراعي زوجها هانئة مغتبطة، غير حافلة بك ولا آسفة عليك، ولا ذاكرة لك ذمة ولا عهدا، ~~فأين شرفك وإباؤك؟ وأين عزة نفسك وأنفتها؟ وأين ترفعك الذي أعرفه لك ويعرفه لك الناس ~~جميعا عن مواطن المهانة والضعة؟ الحق أقول إني لا أعرف سهما أخيب من سهمك، ولا ~~رأيا أضعف من رأيك، ولا حياة أضيع من حياتك. # لقد سلبتك هذه المرأة يا سيدي زهرة عمرك، فحسبك ذلك واستبق لنفسك ما بقي منه، وتمتع ~~فيه بما أعد الله لك في هذه الحياة من لذائذ ومتع لا تنفد ولا تبلى، واطلب السعادة إن ~~أردتها بين أحضان الطبيعة وأعطافها، وفي كل ما يحمل بساط الأرض وتظلل قبة السماء، ~~فالطبيعة أم حنون تضم بين ذراعيها أولادها البؤساء المحزونين فتمسح همومهم عن صدورهم، ~~ودموعهم عن مآقيهم، وتملأ ms116 قلوبهم غبطة وهناء. # اطلب السعادة في الحقول والغابات، والسهول والجبال، والأغراس والأشجار، والأوراق ~~والأثمار، والبحيرات والأنهار، وفي منظر الشمس طالعة وغاربة، والسحب مجتمعة ومتفرقة، ~~والطير غادية ورائحة، والنجوم ثابتة وسارية، واطلبها في تعهد حديقتك، وتخطيط جداولها، ~~وغرس أغراسها، وتشذيب أشجارها، وتنسيق أزهارها، وفي وقوفك على ضفاف الأنهار، وصعودك إلى ~~قمم الجبال، وانحدارك إلى بطون الأودية والوهاد، وفي إصغائك في سكون الليل وهدوئه إلى ~~خرير المياه، وصفير الرياح، وحفيف الأوراق، وصرير الجنادب، ونقيق الضفادع، واطلبها في ~~مودة الإخوان وصداقة الأصدقاء، وإسداء المعروف، وتفريج كربة المكروب، والأخذ بيد البائس ~~المنكوب، ففي كل منظر من هذه المناظر، أو موقف من هذه المواقف، جمال شريف طاهر يستوقف ~~النظر، ويستلهي الفكر ويستغرق الشعور، ويحيي ميت النفس والوجدان، ويملأ فضاء الحياة ~~هناء ورغدا. # إنكم تأبون يا أهل المدن إلا أن تشتروا سعادة الحياة بدمائكم وأرواحكم، والسعادة حاضر ~~بين أيديكم لا ثمن لها ولا قيمة، ولكنكم تجهلونها وتعرضون عنها، وتظنون ألا وجود لها ~~إلا في أحضان النساء، وبين أستارهن وأرائكهن، فتبذلون في سبيلها من دموعكم وآلامكم ما ~~لا قبل لكم باحتماله، فلا تلبثون أن تذبل حياتكم، وتضوى أجسامكم، وتنطفئ جذوة نفوسكم ~~قبل أوانها، فتموتوا أضيع ميتة وأخسرها، لا أملا أفدتم، ولا حياة حفظتم. # إنما يشقى في هذا العالم أحد ثلاثة: حاسد يتألم لمنظر النعم التي يسبغها الله على ~~عباده، ونعم الله لا تنفد ولا تفنى، وطماع لا يستريح إلى غاية من الغايات حتى تنبعث ~~نفسه وراء غاية غيرها فلا تفنى مطامعه، ولا تنتهي متاعبه، ومقترف جريمة من جرائم ~~العرض والشرف لا يفارقه خيالها حيثما حل وأينما سار، وما أنت يا سيدي بواحد من هؤلاء، ~~فمن أي باب من الأبواب يتسرب الشقاء إلى قلبك؟ # أنت شاعر يا مولاي، وقلب الشاعر مرآة تتراءى فيها صور الكائنات صغيرها وكبيرها، ~~دقيقها وجليلها، فإن أعوزتك السعادة ففتش عنها في أعماق قلبك، فقلبك الصورة الصغرى ~~للعالم الأكبر وما فيه. # السماء جميلة، والشاعر هو الذي يستطيع أن يدرك سر جمالها، ويخترق بنظراته أديمها ~~الأزرق ms117 الصافي، فيرى في ذلك العالم العلوي النائي ما لا تراه عين، ولا يمتد إليه ~~نظر. # والبحر عظيم، والشاعر هو الذي يشعر بعظمته وجلاله، ويرى في صفحته الرجراجة المترجحة ~~صور الأمم التي طواها، والمدن التي محاها، والدول التي أبادها، وهو باق على صورته لا ~~يتغير ولا يتبدل، ولا يبلى على العصور والأيام. # والليل موحش، والشاعر هو الذي يسمع في سكونه وهدوئه أنين الباكين، وزفرات المتألمين، ~~وأصوات الدعاء المتصاعدة إلى آفاق السماء، ويرى صور الأحلام الطائفة بمضاجع النائمين، ~~وخيالات السعادة والشقاء الهائمة في رءوس المجدودين والمحدودين. # الشاعر يرى الجمال في كل شيء يتناوله سمعه وبصره، حتى في الزهرة الذابلة، والنبتة ~~الحائلة، والمحلة الطائرة، والفراشة الحائمة، وفي مدارج النمال، وأفاحيص القطا، ~~والنؤي المتهدم، والجدث البالي، والشبح المخيف، والخيال الرائع، وفي الضفدعة الملقاة ~~على شاطئ البحر، والدودة الممتدة في باطن الصهر، فهو من خياله الواسع في نعمة دائمة لا ~~تنفد ولا تبلى. # أنت كالطائر السجين في قفصه، فمزق عن نفسك هذا السجن الذي يحيط بك، وطر بجناحيك في ~~أجواء هذا العالم المنبسط الفسيح، وتنقل ما شئت في جنباته وأكنافه، واهتف بأغاريدك ~~الجميلة فوق قمم جباله، ورءوس أشجاره، وضفاف أنهاره، فأنت لم تخلق للسجن والقيد، بل ~~للهتاف والتغريد. # فأطرق «استيفن» ساعة ذهبت فيها نفسه كل مذهب، ثم رفع رأسه وقال: إني أحاول ذلك يا ~~«فرتز» منذ أيام طوال فلا أستطيعه، ولو كان لي فيما قضى الله حيلة لسحقت قلبي بقدمي ~~سحقا، ثم أسلمت ذراته إلى الرياح الأربع تذهب بها حيث تشاء، ولكن لا سبيل لي إلى ذلك، ~~وإنما هو بلاء قد بليت به لحين قد أريد لي، على أني أعاهدك منذ الساعة عهدا لا ~~أخيس به ألا تراني بعد اليوم ذاكرا لها، ولا باكيا عليها، أما ما يضمره القلب من ~~ثكل ولوعة فأسأل الله أن يعينني عليه، فقال له «فرتز»: ذلك كل ما أريده منك، والله ~~يتولى شأنك ويعينك على بقية أمرك . ~~(73) الهدوء # الحب قطرة غيث صافية تنزل بالتربة الطيبة فتثمر الرحمة والشفقة والبر والمعروف، ms118 ~~وبالتربة الخبيثة فتثمر الحقد والغضب والشر والانتقام، وكان «استيفن» طيب القلب، طاهر ~~السريرة، فاستحالت تلك الآلام التي كانت تعتلج في نفسه إلى وجدان طاهر شريف، يشعر ببؤس ~~البائسين فيرثى لهم، وفجيعة المتفجعين فيبكي عليهم، ولقد وفى بعهده الذي عاهد عليه ~~صديقه «فرتز»، فأمسك عن ذكر ماجدولين والتفكير فيها، وأخذ نفسه بنسيانها ونسيان ماضيها ~~معه، فاستقام له بعض الذي أراد، وتراجعت آلام نفسه وأحزانها إلى زاوية منفردة من زوايا ~~قلبه فكمنت فيها فلم يعد يشعر بها إلا في الفينة بعد الفينة، ولا يذكرها إلا كما ~~يذكر المستيقظ حلما ضئيلا من أحلامه المزعجة ساعة ثم يمضي لسبيله. # وكان أكبر ما أعانه على هدوئه وسكونه أنه أخذ نفسه بعمل الخير والمعروف، فوجد فيه ~~لذة تفوق لذة تلك الآمال والأحلام، فولع به ولعا شديدا، وأصبح لا يسمع بمنكوب قريب ~~منه أو ناء عنه إلا ذهب إليه وأعانه على نكبته جهد استطاعته، ولا يطرق عليه بابه في ~~دجى الليل أو ضحوة النهار طارق لحاجة من الحاجات إلا أخذ بيده فيها واحتملها في نفسه ~~أو في ماله، واتخذ أسرة صديقه «فرتز» أسرة له، فعالها، وواساها، وخلط نفسه بها، وأصبح ~~أخا لكبيرها، ووالدا لصغيرها، ووجد في نفسه من الأنس بها والاغتباط بعشرتها ما كان ~~يتمنى لنفسه طول حياته أن يكون له بين زوجته وأولاده، وعاد إلى فنه القديم، فن ~~الموسيقى، وكانت قد شغلته عنه تلك الشئون الماضية، فتعهده في نفسه واستحياه، واستجد ~~جميع آلاته وأدواته، فكان إذا جن الليل وخلا بنفسه قام إلى قيثارته فلعب بأوتارها، أو ~~جلس إلى البيانو فوقع عليه بعض الألحان القديمة أو الحديثة توقيعا يجيد فيه إجادة لا ~~عهد له بمثلها من قبل، فقد صقلت تلك الآلام الماضية التي كابدها في حياته صفحة نفسه ~~وأنارتها، وملأتها شعورا ووجدانا، وسمت بها إلى سماء فوق سمائها الأولى، فتجلت ~~بجلالها ورونقها في نبرات صوته حين يتنغم، وحركات أنامله حين يوقع، وما هي إلا أيام ~~قلائل حتى ارتقى به الأمر إلى منزلة الابتكار، فوضع ألحانا جديدة محزنة ms119 كانت تنفجر من ~~ذلك القلب المصدوع تفجر المياه الصافية من صدوع الأحجار، فتنساب في أفئدة البائسين ~~والمحزونين، وتتغلغل في أعماق قلوبهم حتى تبلغ سويداءها. # وما كان «استيفن» عالما من علماء الموسيقى، ولا حافظا من كبار حفاظها، ولا كان ~~نصيبه من الإلمام بقواعدها وأصولها أكثر من نصيب زملائه ولداته، ولكنه كان ذا قلب، ~~والقلب هو الينبوع الثجاج الذي يتفجر منه الشعر والموسيقى وسائر الفنون الأدبية، ~~وليس أشعر الشعراء أحفظهم لقواعد اللغة وقوانينها، بل أدقهم شعورا وألطفهم حسا، وليس ~~أفضل المغنيين أعلمهم بفنون النغم، وضروب الإيقاع، بل أنطقهم قلبا وأفصحهم فؤادا، وما ~~ملك نوابغ الممثلين أفئدة الناس وقلوبهم في مواقف تمثيلهم، ولا استدروا دموع الباكين من ~~محاجرها، إلا لأن لهم قلوبا حزينة متفجعة تتأثر بصور الوقائع التي يمثلونها؛ فإذا بكوا ~~صدقوا في بكائهم، وإذا تفجعوا تفجعوا بقلوبهم، ولا يفهم لغة القلب غير القلب ولا يشعر ~~بسر النفس غير النفس، ورب أنة بسيطة ساذجة يسمعها السامع في جوف الليل من ثاكل منكوب ~~تأخذ من نفسه ما لا تأخذه قطعة شعرية بليغة مملوءة بغرائب المعاني وبدائع التصورات، ~~ينظمها شاعر غير باك ويغنيها مغن غير محزون، وما قواعد الشعر والموسيقى والرسم ~~والتصوير إلا حدود يتقي بها المقلدون المحتذون الوقوع في الخطأ الفني، أما الملهمون ~~فما أغناهم برقة وجدانهم ولطف حسهم وصفاء نفوسهم وسلامة طباعهم عن التمثل ~~والاحتذاء. ~~(74) من ماجدولين إلى سوزان # كنت أرجو أن تطول عشرتنا في «كوبلانس» أكثر مما طالت، وألا يفرق بيني وبينك إلا ~~الموت، ولكن هكذا أراد زوجك أن يطوي بك هذه المرحلة البعيدة، وأن يحرمني أعز صديقة كنت ~~لا أجد لذة العيش إلا بجوارها، ولا أستسيغ طعم الحياة إلا معها، ولعلك هانئة في موطنك ~~الجديد كما كنت هانئة في «كوبلانس». # أنا سعيدة والحمد لله، لا أشكو شيئا غير فراقك، وحرماني رؤيتك، و«إدوار» لا يزال ~~يحبني وينزل عند رغباتي، ويتفقد جميع مرافقي وحاجاتي، فله الشكر على ذلك. # لا أكتمك يا «سوزان» أني كنت أشعر في نفسي ببعض الحزن على ذلك الفتى المسكين ms120 الذي لقي ~~في سبيلي ذلك الشقاء العظيم الذي تعلمينه، ولقد سررت اليوم سرورا عظيما حينما علمت من ~~أخباره أنه قد نسي ذلك الماضي جميعه خيره وشره، وأنه قد عاد إلى رشده وصوابه، ونزع عن ~~تلك التصورات الغريبة والخيالات السوداء التي كانت تخالط عقله، وتذهب براحته وسكونه، ~~وأصبح يأنس بالناس ويشعر بلذة المخالطة والاجتماع، ويعيش في بيته الذي بناه في «جوتنج» ~~عيشا هادئا ساكنا لا يمازجه حزن ولا كدر، بل سمعت عنه ما هو أكثر من ذلك، وهو أنه ~~يشتغل بفن الموسيقى اشتغالا يستغرق جميع مشاعره وعواطفه، وأنه قد برع فيه براعة غريبة ~~لا يبلغ مبلغه فيها إلا القليل من الناس، ويقول الذين حدثوني حديثه إن شأنه في ذلك الفن ~~سيكون شأنا عظيما، وربما بلغ فيه بعد قليل من الأعوام مبلغ النابهين من نوابغه ~~وأفذاذه، فحمدت الله على ذلك حمدا كثيرا؛ لأني كنت أشعر في أعماق نفسي بالحزن عليه ~~والرثاء له، بل بالنقمة على الدهر من أجله، وكان يخيل إلي أنه لو مات في سبيله هذه ~~لتنغص علي عيشي، ولقضيت بقية أيام حياتي محزونة النفس، موحشة القلب حتى يوافيني ~~أجلي. # اكتبي إلي كثيرا يا «سوزان» وحدثيني عن كل ما يحيط بك من الأشياء، ذلك ما يعزيني ~~عن فراقك بعض العزاء. ~~(75) من ماجدولين إلى سوزان # أنعي إليك مع الأسف والدي، فقد مات رحمة الله عليه بعد مرض لازمه خمسة أشهر، وكنت ~~قائمة بتمريضه كل هذه المدة في «ولفاخ» حتى مضى لرحمة ربه، ولم أعد إلى «كوبلانس» إلا ~~منذ أيام قلائل، وهذا ما حال بيني وبين الرد على كتبك التي أرسلتها إلي، فسامحيني في ~~تقصيري، وابكي معي ذلك الأب البر الرحيم الذي أحبني في حياته فوق ما يحب الآباء ~~أبناءهم، ومات وهو لا يأسف على فقد شيء في الدنيا سواي، ولقد كنت لأسمع قبل اليوم أن ~~الفتاة الثاكل لا تبكي أباها وهي متزوجة كما تبكيه وهي عذراء، فأرتاب في ذلك ارتيابا ~~كثيرا، حتى مات أبي فبكيته بكاء لا تبكيه متزوجة ولا عذراء، فرحمة ms121 الله عليه وعلى ~~أيامه الغر الحسان، وعلى نفسه الطاهرة. # ولقد عزاني عن فقده بعض العزاء أن كثيرا من صواحبي وأصحاب زوجي كتبوا إلي كتب ~~تعزية رقيقة حملت عن نفسي بعض همومها وأشجانها، والذي عجبت له كل العجب وملأ نفسي ~~دهشة وحيرة أني وجدت بين تلك الكتب كتابا من «استيفن» أرسله إلي من «جوتنج» يعزيني ~~فيه أجمل تعزية وأرقها، ويتفجع فيه على الميت تفجعا عظيما، ويخاطبني بتلك اللهجة التي ~~لا يخاطب بها المرء إلا أكرم أصدقائه عليه، وآثرهم عنده، فعجبت لأمره كثيرا وقلت في ~~نفسي: إن كان الرجل لا يزال يضمر لي في قلبه حتى اليوم بقية من ذلك الإجلال القديم بعد ~~الذي كان بيني وبينه، فهو أكرم الناس خلقا، وأشرفهم نفسا، وأعلاهم همة، على أن الذي ~~سرني في عمله هذا أكثر من كل شيء أنه قد غفر لذلك الشيخ المسكين تلك الإساءة التي كان ~~يظن أنه أسلفها إليه، فمضى لربه طاهر النفس، نقي الصحيفة، لا يحمل تبعة، ولا يجر وراءه ~~إثما. # ألا تعجبين معي يا «سوزان» لهذا الإنسان الغريب الذي كنا نتهمه بالأمس في عقله، وننزل ~~به إلى مرتبة المخالطين الممرورين الذين لا يصلحون لشأن من شئون الحياة كيف استحالت ~~حاله، وهدأت ثوره نفسه، وأصبح رجلا كريما مهذبا، عاملا مستقيما، طيب السريرة ~~والنفس، لا يحقد ولا يضطغن، ولا يأبى أن يغفر الذنب الذي لا يغفره أحد، وينسى الإساءة ~~التي لا ينساها إنسان؟! أهديك يا «سوزان» تحيتي، وبلغي «فردريك» تحيتي وتحية ~~«إدوار». ~~(76) من ماجدولين إلى سوزان # لم تكتبي إلي يا «سوزان» منذ ثلاثة أشهر إلا كتابا واحدا لا يزيد على خمسة أسطر، ~~وهو قليل لا يقنعني منك، فإن لم تكتبي إلي لتعزيتي وتسرية هموم نفسي فاكتبي إلي ~~لأعلم أنك سعيدة هانئة في موطنك الجديد. # أشعر يا «سوزان» مذ مات أبي أنني ضيقة الصدر، خائرة النفس، ولا أدري ما الذي طرأ على ~~«إدوار»، فقد تغير لي بعض التغير عما كان عليه، وأصبح لا ينظر إلي بالعين التي كان ~~ينظر بها إلي من ms122 قبل، ولا أريد أن أقول إنه أبغضني أو تبرم بي أو فتر عن خدمتي ~~والقيام بشأني، بل أريد أن أقول إنني أصبحت أرى في عينيه تقصيرا نحوي وازورارا لا عهد ~~لي بهما من قبل، وصارت ابتسامته مزيجا من المجاملة والحب، وكانت خالصة للحب قبل ذلك، ~~وأصبحت تتخلل أحاديثنا فترات طويلة موحشة ما كانت تتخللها قبل اليوم، وكنت لا أذهب ~~معه في الحديث مذهبا أستحسن فيه أمرا أو أستهجنه إلا ذهب معي فيه، فأصبح يستهجن أكثر ~~ما أستحسن، ويستحسن أكثر ما أستهجن، كأنما يتعمد مغايظتي ومحادتي، وصار يأنس بالزائرين ~~والوافدين ويطيل جلوسه معهم، وقلما كان يأنس بهم أو يهش إلى لقائهم أو يستخفه شيء غير ~~الجلوس معي والحديث إلي، وكنت لا أبتسم إلى رجل من الرجال ابتسامة ود أو مجاملة أو ~~أتبسط معه في حديث إلا وجم لذلك وجوما يظهر في عينيه وفلتات لسانه، فأصبح لا يأبه ~~لشيء من ذلك ولا يحفل به، والغيرة دخان الحب، فإذا انطفأت ناره انقطع دخانه. # لا يحزنك من ذلك شيء يا «سوزان» فربما كنت واهمة أو متخيلة، وربما كتبت إليك بعد ~~قليل أنني سعيدة هانئة، وأن هذا الوهم لا أثر له في نفسي. ~~(77) من سوزان إلى ماجدولين # لا شك أنك واهمة يا ماجدولين، فإن «إدوار» يحبك حبا شديدا، ولا يؤثر على رضاك ~~غرضا من أغراض الحياة ومآربها، وأرى لك ألا تتغلغلي بنفسك هذا التغلغل كله في بواطن ~~الأشياء وأعماقها، فعفو الحياة خير من مجهودها، والسعادة كالزهرة لا تزال ناضرة ما قنع ~~رائيها منها بمنظرها وأريجها، فإذا جاوز ذلك إلى لمسها والعبث بها ذبلت وذوت وذهب ~~جمالها ورواؤها، وأهديك تحيتي وسلامي. ~~(78) من ماجدولين إلى سوزان # لقد وقع لي منذ أيام أمر غريب لا أجد لي بدا من الإفضاء به إليك: دعيت أنا ~~و«إدوار» منذ أيام قلائل إلى حفلة أنس قال صاحبها حين دعانا إليها: إن الذي سيقوم ~~بأدوار الغناء والتوقيع فيها صديق له من مهرة الموسيقيين وحذاقهم، فسألناه عن اسمه ~~فأبى إلا أن يباغتنا به مباغتة، ms123 وقال: إنه حديث عهد بذلك الفن، وإن هذا أول عهده ~~بالغناء في المجامع العامة، وظل يثني عليه ثناء عظيما، ويذهب في تقريظه والإشادة له ~~كل مذهب، فلم يكن لي هم عندما ذهبت إلى تلك الحفلة إلا رؤية ذلك الموسيقي الماهر ~~واستماع أغانيه وألحانه، فظللت شاخصة إلى كرسي البيانو أنتظر ذلك الذي سيتقدم من بين ~~الحاضرين فيجلس عليه حتى رأيت فتى نحيلا ساهم الوجه، تتراءى بين أعطافه مخايل العزة ~~والشرف، قد مشى إلى ذلك الكرسي حتى جلس عليه بلباقة وظرف، فتأملته فإذا هو «استيفن»، ~~وما كدت أعرفه فقد اختفى من وجهه ذلك الإنسان الأشعث الأغبر، الخشن الأعضاء والملامح، ~~وحل محله إنسان آخر ظريف متأنق هادئ الحركات حلو الشمائل، يكاد يحسبه الناظر إليه ~~للمرة الأولى جميلا، وما هو بجميل ولا مستملح، ولكنه جمال نفسه قد فاض على جسمه ~~فكساه رونقه وبهاءه. # ثم بدأ التوقيع فأنشأت أنامله تلعب بأوتار البيانو، فكأنما كانت تلعب بأفئدتنا ~~وقلوبنا، وأخذ يغني في أثناء توقيعه غناء مشجيا مخزنا، خيل إلينا ونحن نسمعه أننا ~~قد انتقلنا من هذا العالم إلى عالم آخر من عوالم الأرواح، وأن ما نسمعه ليس صوتا ~~صاعدا من عالم الأرض بل هابطا من آفاق السماء، حتى أتى على النغمة الأخيرة، فلم يملك ~~السامعون أنفسهم أن هرعوا إليه جميعا وداروا به يهنئونه ويقرظونه، ويرددون في أحاديثهم ~~أنهم ما سمعوا في حياتهم توقيعا أفضل من توقيعه، ولا ألحانا أبدع من ألحانه، وهو يشكر ~~لهم ثناءهم عليه واحتفاءهم به، ويبتسم لهم فيما بين ذلك ابتسامة هادئة غريبة، لا يعلم ~~الناظر إليه أمتكلفة هي أم هي ابتسامته التي لا تنفرج عن غيرها شفتاه؟ وكيفما كان ~~الأمر فقد خيل إلي أني رأيت فيها معنى دقيقا لا أحسب أن أحدا من الناس أدركه سواي، ~~وهو أنها مصبوغة بصبغة رقيقة من الحزن العميق. # ولقد كادت تحدثني نفسي لكثرة ما نالني من الطرب وخالط قلبي من الجذل والسرور أن ~~أذهب إليه أهنئه كما يفعل سائر الناس، فلم أستطع حتى أرى رأي «إدوار»، فلم ms124 ألبث أن ~~رأيته يمشي إليه فتبعته حتى هنأه فهنأته مثله، وكنت أتوقع أن أرى على وجهه عند رؤيتنا ~~حالة من حالات الغضب أو الارتباك، فلم أر إلا رجفة خفيفة مرت بشفته عندما نظر إلينا ~~ثم عاد إلى ابتسامه وتطلقه، وأنشأ يحدثنا بسكون وهدوء كأنما هو يتمم حديثا كان بيننا ~~وبينه من قبل، فعلمت أن الرجل قد محا من سجل حياته تلك الأعوام التي شقي فيها، ومحا ~~معها ذكرى علاقتنا ببؤسه وشقائه، وأصبح لا يرى بين يديه إلا امرأة قد منحته في عهد من ~~عهود حياتها الماضية ودها وإخلاصها، وإلا رجلا قد صادقه وآخاه وقاسمه بؤسه وشقاءه في ~~أيام طفولته وصباه، ثم لا يزيد على ذلك شيئا، فلم ينقض الليل حتى ذهب ما كان بينه ~~وبيننا من الوحشة والجفاء، وذهبنا معه في الحديث مذاهب مختلفة، ووعد «إدوار» أن يزوره ~~في منزله في عهد قريب، ثم افترقا. ~~(79) من ماجدولين إلى سوزان # لا أزال يا «سوزان» ضيقة الصدر، كثيرة الهم، ولا يزال «إدوار» قريبا مني بعنايته ~~واهتمامه، بعيدا عني بقلبه وعواطفه، فقد ملأ فراغ قلبه بشئون مختلفة لا أعرفها ولا ~~آبه لشيء منها، ولم يترك فيه للحب إلا زاوية صغيرة محددة لا تتسع ولا تنقبض، ولا تجد ~~العواطف لنفسها فيها مجالا؛ فهو يحبني حبا هادئا فاترا، ربما لا يزيد عن محبته ~~لخيوله وعجلاته، وقصوره وبساتينه، وأحسب لو أنه أراد أن يزيد على ذلك شيئا لما استطاع؛ ~~لأن نفسه ليست تلك النفس الشعرية المتلألئة التي تذهب في الحب كل مذهب، وتطير في سمائه ~~كل مطار، ولأنه لا يفهم من الحب أكثر من ذلك المعنى المادي البسيط الذي يفهمه الحيوان ~~الأعجم، بل لا يدرك من شئون الحياة جميعها غير ما يقع تحت حواسه ومشاعره. # والآن أستطيع أن أعترف لك يا صديقتي بأنني ما شعرت في يوم من أيام حياتي معه - على ~~حبي إياه وإعجابي به - بأن نفسي خالطت نفسه، أو لامستها، أو امتزجت بها ذلك الامتزاج ~~الذي يحيل النفسين المختلفين إلى نفس واحدة، بل كنت ms125 أرى دائما أنه وإن كان يحبني ~~ويستهيم بي ويبذل لي من ذات نفسه وذات يده كل ما يستطيع أن يبذله زوج لزوجته؛ فهو عاجز ~~عن أن يشعل في قلبي نار الحب الشعري الجميل الذي لا تقنع المرأة من الرجل بدونه، ولا ~~تأنس منه بشيء سواه، ونار الحب إن لم يتعهدها متعهدها بالتأريث والتأجيج فترت وانفثأت ~~واستحالت جمرتها إلى رماد، والحب كالطائر لا حياة له إلا في الغدو والرواح، والتغريد ~~والتنقير، فإذا طال سجنه في قفص القلب تضعضع وتهالك، وأحنى رأسه يائسا، ثم قضى. # وأعظم ما أشكو من الهموم في حياتي معه أنني أصبحت أشعر منذ أيام طوال أنني أعيش في ~~عزلة منقطعة عن العالم كله، لا أنيس لي فيها ولا سمير، فإذا مر بخاطري فكر من ~~الأفكار أو اختلج في نفسي غرض من الأغراض، أو خفق قلبي خفقة سرور أو حزن أو ارتياح ~~أو انقباض، لا أستطيع أن أفضي إليه بشيء من ذلك مخافة ألا يفهمه، أو يفهم منه غير ما ~~أريد فيزدريه ويزدريني من أجله، ويوسعني هزءا وسخرية، فلا أجد لي بدا، من أن ~~أتكتمه في نفسي، وأطويه بين أضالعي. # ألا ترين بعد هذا يا «سوزان» أنني في أشد الحاجة إليك، وإلى بقائك بجانبي، لتأخذي ~~بيدي في ظلمات حياتي، وتحملي عني بعض همومي وأشجاني، فهل يقدر لي الله أن أراك بين يدي ~~في عهد قريب؟ ~~(80) الوحدة النفسية # لقد صدقت ماجدولين فيما قالت، فقد ملها «إدوار» بعد عامين اثنين من زواجه منها ~~وبرم بها وانتهى أمره معها بما ينتهي به كل زواج تعقده يد الشهوة، ولقد مل منها أكثر ~~من كل شيء تلك الوحشة التي كانت سائدة على نفسها، وذلك السكون المخيم على عواطفها ~~ومشاعرها، وذهابها في تصوراتها وآرائها مذهب الخيال الشعري الذي لا يألفه ولا يأنس به، ~~ولا يلتئم مع طبيعة نفسه ومزاجها، فلقد كانت نفسه نفسا مادية ضاحكة ونفسها نفسا ~~روحية مكتئبة، وقد تكلف كل منهما الخروج عن طبعه برهة من الزمان لغرض طارئ من أغراض ~~الحياة، فأخرجها ms126 عن طبعها ذلك اللألاء الساطع الذي بهر عينيها عند انتقالها من القرية ~~إلى المدينة، وتلك الضوضاء العظيمة التي أحاطت بأذنيها وحالت بينها وبين سماع صوت ~~قلبها، وأخرجه عن طبعه أنه أحبها وافتتن بها، وكان لا بد له من أن يقع من نفسها، وينزل ~~عند رغبتها، فتجمل لها في أحاديثه ومنازعه، وتصوراته وآرائه، بما يتجمل به كل رجل لكل ~~امرأة عند خطبتها، حتى اتصلا بصلة الزواج، فأخذا يتراجعان شيئا فشيئا إلى طبعهما ~~وسجيتهما، ويذهبان في الحياة مذهبهما الذي فطرا عليه، فتنافرا وتناكرا، واستوحش كل ~~منهما من صاحبه، ولقد كان يكون «إدوار» خير الأزواج لو أنه تزوج امرأة مثل «سوزان» ~~مادية النفس، وكانت تكون ماجدولين أسعد الزوجات لو أنها تزوجت رجلا مثل «استيفن» شعري ~~الطبيعة، وما خدعت «سوزان» ماجدولين في تزيين هذا الزواج لها وإغراضها به، ولا أرادت ~~بها في ذلك سوءا؛ لأنها لم تر لها إلا ما ترى مثله لنفسها، ولا سلكت بها إلا الطريق ~~التي سلكت مثلها في حياتها. # والهفوة التي يهفوها الرجال والنساء جميعا في مسألة الزواج أنهم يتساءلون عن كل شيء ~~من جمال أو مال، أو خلق أو ذكاء، أو علم أو عقل، أو عفة أو أدب، ويغفلون النظر في ~~ملاك هذه الأشياء جميعها وزمامها، وهو الوحدة النفسية بين الزوجين، فالنفس نفسان: مادية ~~تقف عند مظاهر الحياة ومرائيها، وروحية تتغلغل في أعماقها وأطوائها، وأصحاب النفس ~~الأولى هم أولئك الجامدون المتبلدون الذي يدورون في الحياة حول محور أنفسهم ولا يحفلون ~~بشيء فيها إلا بما يتصل بمطامعهم أو بشهواتهم، والذين إذا شغفوا بالجمال شغفوا به ~~باعتبار علاقته بأجسامهم لا بنفوسهم، وإذا أعجبوا بمنظر من المناظر أعجبوا به من حيث ~~قيمته ومنفعته لا من حيث بهائه ورونقه، وإذا وقفوا أمام قصر باذخ جميل شغلهم النظر في ~~غلته وثمرته عن الشعور بجماله وعظمته، وإذا أشرفوا على الطبيعة ضاقت صدورهم بمناظر ~~غياضها ورياضها، وآجامها وأحراشها، واستوحشوا منها وحشة السائر في فلاة جرداء، أو ~~الهائم في مغارة جوفاء، وإذا صادقوا الناس صادقوهم على المنفعة ms127 أو الشهوة، أو عادوهم ~~فيهما، يضحكون والعالم باك، ويعرسون والدنيا في مأتم، ولا يبالون أهلك الناس أم بقوا ~~ما داموا باقين، وسعدوا أم شقوا ما داموا سعداء مغتبطين. # وأصحاب النفس الثانية: هم أصحاب الملكات الشعرية الذين صفت قلوبهم، فأصحبت كالمرائي ~~المجلوة، فيتراءى فيها العالم بما فيه من خير وشر، ففرحوا بخيره وحزنوا لشره، ورقت ~~أفئدتهم، فشعروا بألم المتألمين فتألموا معهم، وببكاء الباكين فبكوا عليهم، وخفت ~~أرواحهم، فطاروا بأجنحتهم في آفاق السماء، وحلقوا في أجوائها فأشرفوا على الطبيعة، ~~ورأوها في جميع مظاهرها ومرائيها، فوجدوا في رؤيتها من اللذة والغبطة ما زاحم في قلوبهم ~~حب المال والشهوات، فاعتدلوا في مطامعهم وترفقوا في مساعيهم، وازدروا كل لذة في الحياة ~~غير لذة الحب، وكل جمال غير جمال الخيال. # ولا تلتئم النفس المادية بالنفس الروحية بحال من الأحوال ولا تأنس بها، ولا تجد لذة ~~العيش معها، وليس الذي يفرق بين الصاحبين أو الزوجين او العشيرين تفاوت ما بينهما في ~~الذكاء أو العلم أو الخلق أو الجمال أو المال، فكثيرا ما تصادق المختلفون في هذه ~~الصفات وتخادنوا وصفت كأس المودة بينهم، وإنما الذي يفرق بينهما اختلاف شأن نفسيهما، ~~وذهاب كل منهما في منازعه ومشاربه ورغباته وآماله وتصوراته وآرائه غير مذهب صاحبه، وأن ~~يكون أحدهما ماديا ضاحكا للحياة سعيدا بضحكه، والآخر روحيا باكيا عليها سعيدا ~~ببكائه، وهذا هو الذي كان بين «إدوار» وماجدولين. # ولم يكن الجمال وحده هو كل مزايا ماجدولين، بل كان أقلها شأنا وأدناها قيمة، ولكن ~~«إدوار» لم يستطع أن يفهم شيئا غيره أو يعنى بأمر سواه، فما هو إلا أن حصل في يده ~~واستنفد متعته به حتى بدأ الملل يدب في نفسه دبيبا خفيا، فلم تشعر به ماجدولين في ~~مبدأ الأمر؛ ثم أخذت تحسه شيئا فشيئا، فذعرت وارتاعت، وملأ الريب ما بين جوانحها، وما ~~هي إلا أيام قلائل حتى أخذت تنقشع عن عينيها تلك الغيابة السوداء التي كانت تظللهما ، ~~فاستطاعت أن تهبط إلى أعماق قلبها، وتفتش فيه عن صورة الرجل الذي تعاشره وتزعم أنها ms128 ~~تحبه، فرأت صورة لا تعجبها ولا تروقها، ولا تخالط نفسها ولا تمازجها، وعادت إلى ماضيها ~~معه، فأخذت تقرأ صفحاته صفحة صفحة حتى أتت على آخرها، فتبين لها أنها لم تكن تحبه، أو ~~أنها كانت تحب فيه شيئا غير نفسه، وأن الصلة التي بينها وبينه إنما هي صلة الزوجة ~~بالزوج، لا صلة القلب بالقلب، فعرفت أنها لم تحسن الاختيار لنفسها، وأن شقاء طويلا ~~ينتظرها فيما بقي لها من أيام حياتها. ~~(81) من سوزان إلى ماجدولين # أراك تحدثينني في كتبك كثيرا عن «استيفن» كأنك قد نسيت أنه أصبح رجلا غريبا عنك ~~لا شأن لك به، وأن ما كان بينكما قد انقضى وذهب لسبيله، وأغرب من ذلك أنك تكتبين عنه ~~بلهجة أفضل من اللهجة التي تكتبين بها عن زوجك، وأخاف أن يكون لالتقائه بك في تلك ~~الحفلة التي قصصت علي قصتها صلة بهذا الألم الجديد الذي أصبحت تشعرين به اليوم، فما ~~عهدتك قبل الآن باكية ولا شاكية، ولا ناقمة من زوجك شأنا من شئونه، ولا متبرمة ~~بعشرته، ولا ضيقة الصدر بأطواره وأخلاقه، ولا طائرة في سماء الخيال ليلك ونهارك تفتشين ~~عن الحب الشعري وتتلمسينه تلمس من لا يرى لنفسه غناء عنه، ولا يعرف معنى للحياة بدونه، ~~فخذي حذرك من نفسك يا ماجدولين، واعلمي أن ما كان يعد بالأمس هفوة من الهفوات الصغيرة ~~يصبح اليوم جنونا مطبقا لا يماثله جنون، ولا يوحشنك مني ما أقول لك، فأنا لا أتهمك ~~ولا أرتاب فيك، وأنت أعلم بذلك، ولكنني أخشى عليك أن يتلاقى في مكان واحد من قبلك ذكرى ~~ماضيك، وهناء حاضرك، فيصطرعا، فينغص عليك أولهما ثانيهما، فلا الماضي تذكرين، ولا ~~بالحاضر تسعدين. # هذا ما أريد أن أقوله لك، وهذا ما أطلب إليك أن تتعهديه من نفسك وتتولي حراسته من ~~قلبك، قبل أن يأتي يوم لا ينفعك فيه تعهد ولا افتقاد. ~~(82) من ماجدولين إلى سوزان # لا علاقة لاستيفن بهذا الهم الذي أشعر به ، وليس بيني وبينه أكثر مما يكون بين صديقين ~~احتمل أحدهما في سبيل الآخر في عهد ms129 من عهوده الماضية أقصى ما يستطاع احتماله من المشقة ~~والمئونة، فعرف له الآخر يده، وشكرها له، وجازاه ودا بود، ومعروفا بمعروف. # أما هذا الذي تريدين أن تذهبي إليه في كتابك فأقسم لك أني لا أعرف له أثرا في نفسي، ~~ولا أحسب أن له أثرا في نفسه، فقد رأيته في تلك الليلة التي قصصت عليك قصتها ثم رأيته ~~بعد ذلك مرتين فلم أر في نظرات عينيه ولا في ملامح وجهه ولا في نغمة حديثه أثرا من ذلك ~~الحب القديم الذي تعرفينه، وكل ما يستطيع الناظر إليه أن يلمحه في وجهه تلك المسحة ~~الرقيقة من الحزن التي تتراءى في عينيه حين ينظر، وفي ابتسامته حين يبتسم، وما هو بحزين ~~ولا مكتئب، ولكنها صورة الألم القديم قد رسمها الماضي على وجهه ثم ذهب، فبقيت هي من ~~بعده دليلا عليه كما تبقى صورة الجرح بعد التئامه، فاطمئني يا «سوزان»، وليكن رأيك ~~في اليوم رأيك بالأمس، ولا يقم هذا البعد الذي بيني وبينك حجابا بين نفسي ~~ونفسك. ~~(83) قلب استيفن # نبه ذكر «استيفن» وعظم شأنه، وأصبح نابغة من نوابغ الموسيقى، وانتشر له صيت ~~بعيد في «جوتنج» وما وليها من البلدان، ثم امتد صيته إلى «كوبلانس»، فزاره في قريته ~~كثير من المغنين والممثلين، واقترحوا عليه تلحين القطع التمثيلية، وأجزلوا له الأجر ~~عليها، فلحنها أفضل تلحين وأبرعه، ودرت عليه أخلاف الرزق، وسال واديه بالذهب سيلا، ~~وكان أبوه قد مات وورثه تلك الصبابة من المال التي كانت في يده، فكان إذا ذهب ~~إلى «كوبلانس» ليقضي فيها ليلة أو ليلتين لبعض شئونه الخاصة نزل في بيته، وزاره فيه ~~أصدقاؤه وخلانه والمعجبون بفضله، والمعترفون بصنائعه وأياديه. # ولقد وجد في تلك الخطة التي انتهجها لنفسه في حياته بعض العزاء عما لقي في ماضيه، إلا ~~أنه كثيرا ما كان يخلو بنفسه في هدوء الليل وسكونه فتمر أمام نظره على الرغم منه جميع ~~آلامه وهمومه الماضية، فيذكر الليلة التي خرج فيها من «كوبلانس» شريدا طريدا لا يجد ~~مواسيا ولا معينا، والليلة التي ذهب فيها ms130 إلى عرس «سوزان» لرؤية ماجدولين فضربه أحد ~~الزائرين على وجهه سوطا فأدماه، والليلة التي كابد فيها الأهوال العظام في غرفة قريبه ~~ليلة وفاته حتى أشرف على الجنون، والليلة التي قضاها طريحا تحت سلم دار ماجدولين حتى ~~الصباح وهي خالية بزوجها في غرفة عرسها تعانقه وتقبله وتقول له: «أنت حياتي التي لا ~~حياة لي بدونها.» ويتراءى له مرة شبح أخيه «أوجين» وهو ساقط في حومة الوغى تحت سنابك ~~الخيل تدوسه وتخوض في أحشائه، وأخرى منظر ماجدولين وهي جالسة مع «إدوار» على مقعد ~~حديقتها تناجيه بالحب ويناجيها، إلى ما بقي من أيام بؤسه، وليالي شقائه، ثم تتمثل أمام ~~عينيه روضة آماله وهي مورقة خضراء يتسلسل ماؤها ويترقرق هواؤها، ثم يراها وقد عصفت بها ~~ريح الحوادث فصوح نبتها، وذبل زهرها، واستحالت إلى قفرة جرداء لا يترنح فيها ~~غصن، ولا يهتف بها طير، فيخيل إليه أنه يعيش وحده منقطعا عن العالم كله وما فيه؛ لأن ~~ماجدولين ليست بجانبه، وأن ما يتمتع به من مجد ومال لا قيمة له عنده؛ لأنها لا تقاسمه ~~إياه، وأن هذه الألحان التي يضعها والأصوات التي يغنيها دائما إنما هي مأتم يقيمه ~~بنفسه على نفسه وعلى آماله الذاهبة، وأمانيه الضائعة، فتمتلئ نفسه غما وحسرة، فلا يجد ~~له سبيلا سوى أن يتناول قيثارته فيضمها إلى صدره ويبثها هموم قلبه وآلام فؤاده، ويبكي ~~ما شاء الله أن يفعل حتى يجد بعض الراحة في نفسه فيأوي إلى فراشه وينام نوما طويلا، ~~ثم يستيقظ بارئا مستفيقا. # ولم يزل هذا شأنه حتى التقى بماجدولين في تلك الليلة التي قصت هي قصتها على ~~«سوزان»، فاغتبط بمرآها اغتباطا ممزوجا ببعض الألم لذكراها وذكرى ماضيه معها، إلا أنه ~~تجلد واستمسك وكاتم نفسه غصتها، فلم تشعر بشيء مما دار في نفسه حتى انصرفت. # وما هي إلا أيام قلائل حتى زاره «إدوار» في بيته كما وعده واعتذر إليه عن فعلته التي ~~فعلها معه، فقبل عذره قبول من لا يرى من قبوله بدا، بل زعم له حين جرى بينهما ذكر ذلك ms131 ~~الماضي وشئونه أن حبه لماجدولين لم يكن إلا خدعة من خدع النفس ونزعة طائشة من نزعات ~~الشباب، وأنه قد أصبح الآن لا يشعر في نفسه بأثر واحد من حبها، وكان «إدوار» قد بدأ يمل ~~ماجدولين ويأجمها فلم يحفل بأمرها، ولا يفكر في ماضيها ولا حاضرها، وأصبح لا هم له إلا ~~أن يجدد صداقته مع رجل قد أصبح من أصحاب الشأن العظيم والمظهر الفخم، والثروة الطائلة، ~~فصدقه في زعمه، وسكن إليه، وذهب في مجاملته والتودد له كل مذهب، ثم رد له «استيفن» ~~الزيارة في بيته في اليوم الثاني ورأى ماجدولين وحادثها وتبسط معها تبسط من لا يحفل ~~بحاضرها، ولا يعنى بماضيها، ثم لم يزل يراها بعد ذلك في منازل بعض أصدقائه، أو في ~~المحتفلات العامة وحدها، أو مع «إدوار» فيحسن ملتقاه، ويؤثرها بعطفه ورعايته، إلا أنه ~~كان يتجنب جهده أن يجلس معها مجلسا منفردا، أو يتحدث إليها حديثا خاصا؛ لأنه كان ~~قد أخذ نفسه بنسيانها ونسيان ماضيها، فلا يجب أن يستثيره في نفسه مستثير، ولأنه كان لا ~~يزال يمسك في نفسه بعض العتب عليها في غدرتها التي غدرتها به فلا يجب أن ترى ذلك في ~~نغمة حديثه، أو لحظات عينيه، بل يجب أن ترى فيه أنفة وكبرياء بعد أن ذهب بنفسه مذهب ~~من لا يبالي بمن لم تبال به، ولم ترع له ذماما ولا عهدا. # وجملة حاله معها أنه كان يجمع لها في قلبه في آن واحد بين عاطفتين مختلفتين: عاطفة ~~الرضا، وعاطفة السخط، فهو يحبها فلا يستطيع مقاطعتها، ويجد عليها فلا يريد أن تشعر ~~بحبه إياها. ~~(84) قلب ماجدولين # ما زال الملل يأخذ من نفس «إدوار» حتى مل بيته واجتواه، وأنشأ يطلب لنفسه السعادة ~~خارجه بعدما فقدها داخله، فأخذ يتلهى بتلك الشئون التي يعالج بها فقراء القلوب أمراض ~~مللهم وسآمتهم، فقامر، ثم ضارب، ثم ولع بالشراب، ثم قضى بعض لياليه خارج منزله، فاشتد ~~ذلك على ماجدولين ، ونال منها منالا عظيما، وساء ظنها بالحياة وما فيها، فقبح في نظرها ~~كل مظهر من ms132 المظاهر المادية التي أحبتها هنيهة من الزمان واستهامت بها، فعافت المراقص ~~والمحافل، وزهدت المظاهر والمفاخر، وملت كل شيء حتى ثيابها وزينتها، وأصبحت لا تفكر ~~ليلها ونهارها إلا في تلك الكلمة التي قالها لها «استيفن» في بعض كتبه الماضية: «لا ~~تصدقي يا ماجدولين أن في الدنيا سعادة غير سعادة الحب، فإن صدقت فويل لك منك، فإنك ~~قد حكمت على قلبك بالموت!» # غير أنها راضت نفسها مع الأيام على مكروهها، واصطبرت للحالة التي طرأت عليها صبرا ~~جميلا لا يتخلله تذمر ولا شكوى، فقد علمت أن القدر قد جرى في أمرها بما هو كائن، ~~وأنها قد أصبحت زوجة لرجل قد أقسمت له بين يدي الله يمين المحبة والولاء، فلا بد لها ~~من الوفاء له، والإخلاص إليه، واحتمال كل مكروه في عشرته حتى يقضي الله في أمرهما ~~بقضائه. # وكان يعزيها عن شقائها بعض العزاء أنها كانت ترى «استيفن» من حين إلى حين، وتحضر بعض ~~مجالسه ومجتمعاته، فتسمع في حديثه ذلك الأسلوب الشعري البديع، وتلك التصورات السماوية ~~العالية التي طالما سحرتها وملكت عليها قلبها وأهواءها، وترى تلك الشهرة العظيمة التي ~~تنتشر له شيئا فشيئا في أقطار البلاد، فتمتلئ نفسها إكبارا له، وإعظاما، ولا يملك ~~قلب المرأة من الرجل مثل الشهرة وامتداد الصيت، وكان يداخلها شيء من الإعجاب بنفسها ~~كلما ذكرت أنها قد نزلت في عهد من عهود حياتها الماضية منزلة الحب من ذلك القلب الطاهر ~~الشريف، فتجد في سعادة الماضي وذكراه بعض العزاء عن شقاء الحاضر، إلا أن أمرا واحدا ~~لم يخطر ببالها، ولم يدخل في أحاديث نفسها، وهو أن تعود إلى حبه بعدما نفضت يدها منه، ~~أو أن تكون الصلة التي بينها وبينه صلة حب وغرام. ~~(85) من ماجدولين إلى سوزان # قد اطلعت منذ أيام قلائل على سر هائل ليتني لم أطلع عليه، وليتني مت قبل أن أعرف منه ~~حرفا واحدا. # قد أفلس «إدوار» وباع جميع ما يمتلك، ولا تزال عليه بقية من الدين لا سبيل له إلى ~~أدائها، وها أنا ذا أعد عدتي لبيع ms133 جواهري وحلاي علني أستطيع أن أستنقذ البيت الذي ~~نسكنه، ولا أدري ما يكون شأننا بعد ذلك، ولقد فاتحته ليلة أمس في هذا الشأن فراوغني ~~قليلا ثم اعترف لي بكل بشيء، وقال: إنه إنما أتي من قبل المقامرة أولا، والمضاربة ~~آخرا، وأن طمعه في الثروة واستهتاره فيها هو الذي أفقده إياها، فعاتبته في ذلك عتابا ~~لا أظن أني أثقلت عليه فيه، ولكن أتدرين يا «سوزان» ماذا قال لي؟ قال: إنه لم يخطئ في ~~حياته إلا في أمر واحد، وهو أنه تزوج من زوجة فقيرة لا تستطيع أن تمد له يد المعونة ~~في ساعات شدته، ولقد صدق فيما قال، فليس للرجل الغني أن يتزوج إلا امرأة غنية تلائم ~~نفسه نفسها، وليس للمرأة الفقيرة أن تتزوج إلا رجلا فقيرا يشابه عيشه عيشها. # إنني لا أبكي يا «سوزان» على نفسي، فقد قضيت أكثر أيام حياتي فقيرة معدمة لا أملك من ~~متاع الدنيا شيئا، بل على ذلك الجنين المسكين الذي يختلج في أحشائي، والذي سألده غدا ~~للفقر والمتربة، والذل والشقاء. # لقد أصبحت لا أسأل الله إلا موتة عاجلة تذهب بي وبه وتريحني من شقاء الحياة ~~وعنائها، والويل لي وله إن عشت بعد اليوم ساعة واحدة. ~~(86) الغرفة الزرقاء # مرض «إدوار» على أثر تلك النكبة التي نزلت به مرضة شديدة كادت تتلف فيها نفسه، ثم ~~أبل بعض إبلال، فاقترح عليه «استيفن» - وكان قد لازمه مدة مرضه، ومد إليه يد ~~المعونة في نكبته - أن يسافر معه إلى «جوتنج» ليفرج قليلا مما به، ففعل، وسافرت معهما ~~ماجدولين حتى بلغت بهم العجلة ضاحية القرية، فاستقبلهم «فرتز» وزوجته وأولاده على ضفة ~~النهر فرحين مغتبطين، وكانوا على موعد منهم، فصافح «استيفن» «فرتز» وعانقه معانقة ~~الصديق لصديقه، وقبل جبين «جوزفين»، وضم الأولاد إليه وأنشأ يقبلهم ويدير لهم خديه ~~فيقبلونه ويهتفون له ويقولون: لقد طال غيابك عنا في هذه المرة يا سيدي حتى ظننا أنك قد ~~آثرت الإقامة في «كوبلانس» على الإقامة بيننا. # وقال له أكبرهم - وكان في الثالثة عشرة من عمره: ها أنا ms134 ذا ألبس الرداء الجديد الذي ~~أرسلته إلي، فشكرا لك يا سيدي، فسأله: هل أصبح يستطيع نشر شراع الزورق وحده بلا ~~مساعد ولا معين؟ قال: نعم وأستطيع أيضا أن أطويه وقت اشتداد العاصفة، قال: سأرى الآن ~~ذلك أيها الملاح الصغير، وقال أوسطهم - وكان في التاسعة من عمره: لقد بلي حذائي يا ~~سيدتي فهل جئتني بحذاء جديد؟ قال: نعم لقد جئتكم جميعا بأحذية جميلة، وقبعات فاخرة، ~~ففرحوا وتهللت وجوههم، وأحاطوا بأمهم يهمسون في أذنها بهذا النبأ الجديد، وتشبثت بردائه ~~الطفلة الصغيرة وقالت له: لقد ولدت الشاة التي أهديتها إلي حملا صغيرا أبيض اللون ~~أسود العينين، فتعال معي أرك إياه، فتبسم وضمها إليه وقال لها: سأذهب معك يا ~~«فكتورين» عما قليل، ثم التفت إلى ماجدولين وقال لها: إنهم يحبونني كثيرا، وأنا الآن ~~أعيش بينهم كأنني أعيش في أسرتي بين أهلي وقومي، فارتعدت ماجدولين واصفر وجهها وظلت ~~تقول في نفسها: «لقد أصبح سعيدا بنفسه، وكان يظن أنه لا يستطيع أن يكون سعيدا ~~بدوني!» # ثم ركبوا الزورق جميعا، وأخذ الملاح الصغير ينشر الشراع ويصيح باستيفن: ها أنا ذا يا ~~سيدي أنشر الشراع وحدي بلا مساعد ولا معين، فيقول له: أحسنت يا بني أحسنت! حتى عبروا ~~النهر إلى الضفة الأخرى، فاعتمد «إدوار» على ذراع «استيفن»، ومشوا جميعا على أقدامهم ~~إلى المنزل، وكان على كثب منهم، فتقدم «فرتز» وكان معه مفتاح الباب ففتحه، فدخلوا ~~الحديقة، ووقع نظر ماجدولين على حائط السور، فرأته مكسوا بغلالة بديعة من أزهار ~~البنفسج تدور به من جميع جوانبه، فذكرت ذلك الكتاب الذي كتبه إليها «استيفن» منذ خمسة ~~أعوام قبيل زفافها إلى «إدوار»، وقال لها فيه: إنه قد كسا سور البيت الذي ابتناه لها في ~~«جوتنج» بأزهار البنفسج التي تحبها، ثم التفتت فرأت حوض الماء المقام في وسط الحديقة، ~~ورأت حوله ذلك السياج الذي قال لها «استيفن» في كتابه إنه قد أقامه من حوله خوفا على ~~أولادهما من السقوط، ثم لمحت في زاوية من زوايا الحديقة كرسيا طويلا مؤلفا من ~~مقعدين متقابلين، وأرجوحة ms135 صغيرة من أراجيح الأطفال، فعجبت كل العجب من احتفاظه بهذه ~~الآثار التي تؤلمه وتذكره بشقائه الماضي، ثم قالت في نفسها: ما أحسب أنه تعمد إبقاءها ~~والمحافظة عليها، ولكنه تركها وشأنها فبقيت في مكانها على حالها. # وهنا شعرت بتلك الغضاضة التي يشعر بها الذليل في موقف ذله ومهانته، وظلت تقول في ~~نفسها: إنه ما عفا عنها، ولا غفر لها سيئتها عنده، ولا أمسك عن عتابها وتأنيبها، ولا ~~أعطاها من نفسه هذا الوجه من الرضا، إلا لأنه يحتقرها ويزدريها، ويراها أصغر في عينيه ~~من أن يأخذها بذنب، أو يعتد عليها بسيئة، وإن هذه النظرة العذبة التي أصبح ينظر بها ~~إليها إنما هي نظرة العزيز المترفع التي يلقيها على البائس الشقي الذي يستحق عطفه ~~ومرحمته، فأخذ من نفسها هذا الخاطر مأخذا شديدا وأحزنها، وملأ قلبها غصة وألما أنها ~~قد فقدت كل ما كان لها في قلبه، حتى منزلة الاحترام. # وكان «استيفن» قد أنشأ في طرف من أطراف الحديقة غرفا أعدها لمنامه وجلوسه ونزول ~~ضيفانه وترك المنزل جميعه لا يطرقه ولا يأوي إليه طلبا لراحة نفسه من آلام الذكرى ~~وهمومها، فأعد لإدوار غرفة منها ذهب به إليها ساعة وصوله، وكان «إدوار» لا يزال يشكو ~~بقية من الألم في جسمه، فما أخذ مضجعه من فراشه حتى استغرق في نومه، وأقبل الليل فعادت ~~أسرة «فرتز» إلى بيتها، ولجأ بستاني الحديقة إلى مخدعه، وبقي «استيفن» وحده مع ~~ماجدولين، وهي المرة الأولى التي جلس إليها منفردا منذ افترقا، فعادت إلى ذهنه تلك ~~الصورة القديمة التي كان يتخيلها في ماضيه لسعادته وهنائه، وظل يقول في نفسه: ها هو ذا ~~البيت، وها هي ذي الحديقة، وها هو ذا النبت والشجر، والليل والقمر، والسماء الصافية، ~~والأشعة المترقرقة، والنسيم العليل، والسكون السائد، وها هو ذا حوض الماء تسبح فيه ~~الأسماك غادية ورائحة، وها هي ذي ماجدولين جالسة ليس بيني وبينها حائل، ولكنني لا ~~أستطيع أن أمد يدي إليها، بل لا أستطيع أن أملأ نظري منها؛ لأن بيني وبينها على شدة هذا ~~القرب ms136 بعد ما بيني وبين ذلك النجم المتألق في أفق السماء. # وظل مستغرقا في خياله هذا، حتى فاتحته ماجدولين الحديث وقالت له: ما أجمل دارك يا ~~«استيفن» وما أبدع منظرها! إنها أجمل مما كنت أتوقع، فخيل إليه أنها تهزأ به وتستهين ~~بآلامه فلا تبالي أن تذكره بها، فداخله ما لم يملك نفسه معه وقال لها: إن الذي يعيش في ~~قصر جميل فخم كقصرك الذي تعيشين فيه في «كوبلانس» لا يعبأ بمنزل صغير كهذا المنزل، ~~فشعرت أنه يؤنبها ويعرض لها بتلك الإساءة التي أسلفتها إليه فيما مضى، فتألمت في نفسها ~~ألما ممزوجا ببعض الغبطة والارتياح؛ لأنها علمت أنه لا يزال يفكر فيها، ولا يزال يضمر ~~في نفسه بقية من ذلك الحب القديم، وأرادت أن تتغلغل إلى أعماق نفسه، فقالت له: حيثما ~~يجد المرء سعادته في مكان - مهما صغر شأنه - فهو أجمل القصور وأفخمها، فنظر إليها ~~نظرة منكسرة كاد يقول لها فيها إنه ليس بسعيد، وإنه أشقى إنسان على وجه الأرض، ثم ~~استردها سريعا، فلم تشعر بها، وظل صامتا، فذهبت معه في الحديث مذاهب أخرى، حتى مضت ~~قطعة من الليل فنهضت من مكانها، ونهض بنهوضها، وتمشيا قليلا في أنحاء الحديقة حتى مرا ~~بسلم الطبقة العليا فقالت له: هل تأذن لي يا «استيفن» أن أصعد إلى هذه الطبقة لأراها، ~~وهل تتفضل بالصعود معي إليها؟ فاضطرب قليلا ثم قال لها: لك ما شئت يا سيدتي. # وصعد معها ذلك السلم الذي لم تطأه قدمه منذ خمس سنين حتى بلغا أعلاه، فمشى إلى الغرفة ~~الأولى وفتح بابها وقال لها: ها هي ذي الغرفة التي كنت أعددتها لجلوسي ودراستي، ولا ~~حاجة لي بها الآن، فقد اتخذت من بين غرف الحديقة بدلا منها، ثم تركها وفتح باب الغرفة ~~الثانية وقال: وها هي ذي الغرفة التي كنت أعددتها لمقام أبيك رحمة الله عليه أيام كنت ~~أظن أنه سيساكنني في هذا المنزل ويعيش معي فيه، فرأت فراشا جميلا وأثاثا حسنا وأصص ~~زهر وريحان قد يبست وجف ورقها وتناثر في أنحاء الغرفة، ms137 فشعرت بانقباض في نفسها لذكرى ~~أبيها، واغرورقت عيناها بالدموع، ثم انتقل إلى الغرفة الثالثة ومد يده إلى مفتاحها ثم ~~استردها وقال بصوت خافت متهدج: عفوا يا ماجدولين فإنني لا أستطيع أن أفتح هذه ~~الغرفة؛ لأنها الغرفة التي كانت معدة لأخي «أوجين»، وقد آليت على نفسي ألا أفتح بابها ~~ما حييت، فأثر في نفسها منظره وأكبرت حزنه وألمه، وقالت له: أحزين أنت حتى اليوم على ~~«أوجين» يا «استيفن»؟ قال: نعم، حزنا لا يفارقني حتى الموت. # ثم مشى إلى الغرفة الأخيرة ومد يده إلى مفتاحها بهدوء وسكون ففتحها ثم انحرف عنها ~~قليلا وأطرق برأسه ولم يقل شيئا، فألقت عليها ماجدولين نظرة ألمت بجميع ما فيها، فرأت ~~غرفة جميلة رحبة قد دهنت جدرانها باللون الأزرق، وبسط في أرضها بساط أزرق، وأقيم في ~~أحد أركانها سرير من النحاس الأبيض مغطى بملاءة حريرية زرقاء، ورأت منضدة جميلة قد ~~صففت عليها أدوات زينة النساء، وخزانة للملابس، ومرآة كبيرة، وكرسيا طويلا ذا ~~مقعدين، وبضعة مقاعد أخرى كلها زرقاء اللون، وقد علتها جميعها طبقة رقيقة من الغبار، ~~فعلمت أنها أمام الغرفة الزرقاء التي حدثها عنها في بعض رسائله الماضية وقال لها: إنه ~~قد أعدها مخدعا لنومهما، وإنه إنما اختار لها هذا اللون؛ لأنه لون البنفسج الذي تحبه، ~~فثارت في نفسها تلك الذكرى القديمة، ومشت ما بين قمة رأسها وأخمص قدمها رعدة ~~شديدة كادت تتزايل لها أعضاؤها، واشتد خفوق قلبها واضطرابه، ثم نظرت إليه فإذا هو ~~مطرق صامت، وإذا دموعه تنحدر على خديه يتبع بعضها بعضا، فهالها منظره، وازدحمت ~~الدموع في عينيها تتبادر إلى السقوط، فأخذت يده بين يديها وقالت له: ما بك يا «استيفن»؟ ~~وكأنما قد راعه أن يفضح الدمع سره الذي كان يكتمه منذ عهد طويل، فاجتذب يده من يدها ~~برفق وقال لها: لقد هاجني ذكر أخي «أوجين». # وأشار إليها بالنزول، فنزلا حتى وصلا إلى مكانهما الأول من الحديقة، فقالت له: رفه ~~عليك قليلا يا صديقي، فليس فيما قضى الله حيلة، ولا لفائت مرد، ولقد مات أخوك ms138 ~~ميتة كريمة لم يمتها أحد قبله، فليكن صبرك عليه كريما كميتته، فرفع رأسه إليها وقال ~~لها: إنني أستطيع أن أنسى كل عهد من عهود حياته الماضية ولا أستطيع أن أنسى تلك الأيام ~~التي أحببته فيها وأحبني، وأخلصت له فيها وأخلص لي، ولقد جمعت بيني وبينه المصائب مذ ~~كنا طفلين صغيرين، وألفت ما بين قلبينا الكسيرين حتى أصبحا قلبا واحدا يشعر ~~بشعور واحد، ويتألم بألم واحد، ولا تزال حاضرة أمام عيني حتى الساعة تلك الأيام التي ~~قضيناها معا في مدرسة «جوتنج» بعيدين عن أبوينا ورحمتهما وعطفهما؛ لأن أمنا كانت قد ~~ذهبت إلى قبرها، وأبانا كان يقسو علينا ولا يحفل بنا، وقد بؤس عيشنا بؤسا يعيا به ~~الصغير، ويطير له لب الكبير، وبلغنا في الشقاء المبالغ التي لا يبلغها إلا اليتامى ~~المنقطعون عن الأهل والرحم، أو أبناء السبيل المشردون في آفاق البلاد، وكنا نرتدي أرث ~~الثياب، ونأكل أتفه الطعام، ولا نحتذي إلا الأحذية المرقعة، ولا نلبس إلا القلانس ~~المخرقة، ولا نجد ما نستعين به على إصلاح شأن ملابسنا وأجسامنا، فكنا نلاقي بسبب ذلك من ~~معلمينا أشد العقاب وأقساه، فنحتمل الألم بصبر وجلد، ولا نستطيع أن نعتذر إليهم عذرا ~~سديدا نقيم به وجهنا؛ لأننا إن فعلنا فقد عققنا أبانا وتركنا للألسنة سبيلا إليه، ~~وهذا ما لا نحب أن يكون، وكان طلبة المدرسة في شأننا قسمين: هازئ لا يزال يسخر بنا، ~~وراحم لا يزال يتوجع لنا، ودمعة الراحم كابتسامة الساخر، كلاهما يؤلم النفس ويملؤها ~~غصة وأسى، فكنا نضيق بالحالين، ونتألم في الموقفين، وكثيرا ما كان يأمرنا معلمونا ~~كلما زارهم زائر كريم بالانزواء في الركن المظلم من أركان قاعة الدرس حتى لا يخجلوا ~~بنا أمامه، فإذا انصرف عدنا إلى مقاعدنا كما كنا، فكنا نجد في نفوسنا من المضض والألم ~~ما لا يعلم سبيله إلا الله، وكان الطلبة يخرجون جميعا في أيام الآحاد مع المعلمين ~~للتنزه في الأحراش والغابات، أو على ضفة النهر، أو في سفح الجبل في أزياء جميلة ~~وشارات حسنة، ما عدانا، فقد كان ms139 معلمنا يتطلب علينا العلل في ذلك اليوم حتى يأمر ~~بسجننا في بيت الدجاج تبرما بنا، واستثقالا لزينا وهيئتنا، فإذا خلا بنا المكان اختلف ~~شأننا اختلافا عظيما، فأظل أبكي وأنتحب، ويظل «أوجين» يلعب ويمرح؛ لأنه كان على صغر ~~سنه أوسع مني صدرا وأكثر احتمالا، وكان لا يعرف سبيلا لتعزيتي وتسرية هموم نفسي غير ~~هذا السبيل، فلا يزال يغني ويصيح ويقلد أصوات الحيوان، ويطارد الدجاج والإوز، ويفتن في ~~مجونه ولهوه حتى تهدأ نفسي، ويجف مدمعي، ولا أرى لي بدا من المضي معه في شأنه، وكنت ~~أرحمه وأحنو عليه حنو الأم على رضيعها، فلا أستطيع أن أراه باكيا أو شاكيا أو ~~مستوحشا أو متألما، وكان يخيل إلي أنني لو رأيت دمعة واحدة تجري على خده لقتلت ~~نفسي حزنا وكمدا، وكثيرا ما كنت أتمارض ساعة الغداء أو أتظاهر بالشبع إن رأيت الطعام ~~قليلا في أيدينا حتى يستطيع أن يأخذ حظه منه، فلا أرى على وجهه صفرة الجوع، وطالما ~~ضممت في الليالي الباردة غطائي إلى غطائه وأسبلته عليه من حيث لا يشعر، رحمة به ~~وحنوا عليه، حتى إذا أصبح الصباح ورآني نائما بجانبه بغير غطاء ضمني إلى صدره ~~وقبلني، وقال: إنك تقتل نفسك يا «استيفن» من أجلي! # ولم يزل هذا شأننا حتى وفد علينا «إدوار»، وكان منكوبا بمثل نكبتنا، فتقاسمنا نحن ~~الثلاثة هذا الشقاء وتعاونا عليه برهة من الزمان حتى فرقت بيننا الأيام. # وهنا اختنق صوته بالبكاء فلم يستطع المضي في حديثه، وأطرق إطراقا طويلا ثم رفع رأسه ~~فإذا عيناه محمرتان من البكاء، فألقى على ماجدولين نظرة طويلة دامعة وقال لها: أتدرين ~~يا ماجدولين ماذا صنعت بهذا الأخ الذي كنت أحبه أكثر من كل إنسان في العالم، وكان ~~يحبني أكثر مما أحبه؟ قالت: لا أعلم أنك صنعت به شيئا، قال: لأنني قد قتلته، فذعرت ~~ماجدولين واصفر وجهها وقالت: إني لا أفهم ما تقول، قال: قد كتب إلي من ميدان القتال ~~أن سرجه بال ممزق يوشك أن يخذله في الميدان، وأنه في حاجة إلى عشرين فرنكا ms140 ليبتاع ~~بها سرجا جديدا، وكنت قادرا عليها، فضننت بها عليه، فانقطع به سرجه أثناء المعركة، ~~فداسته حوافر الخيل فمات! فاستعبرت ماجدولين باكية وقالت: وا أسفاه عليه وعلى شبابه ~~الغض وغصنه الباسق النضير! فحدق استيفن في وجهها تحديقا شديدا وقال لها: وهل تدرين ~~لم ضننت عليه بهذا المال الذي سألنيه؟ قالت: لا، قال: لأني كنت لا أملك سواه، وكنت ~~بين أن أرسله إليه ليبتاع به السرج الذي يريده، أو أنفقه في السفر إلى «كوبلانس» لأراك، ~~فآثرت رؤيتك على حياته. # فنكست ماجدولين رأسها، واحمر وجهها حياء وخجلا، وظل جسمها يرتعد ارتعادا شديدا. ~~ثم عاد إلى حديثه يقول: وهل تعلمين ماذا تم لي بعد أن سافرت إليك هذه السفرة؟ فصمتت ~~ماجدولين ولم تقل شيئا، فقال: ذهبت إليك في ملعب الأوبرا فلم أجدك، فانتظرتك طويلا ~~فلم تأت، فقلقلت عليك قلقا عظيما، وذهبت إلى بيت «سوزان» لأقف على أمرك فرأيت هناك ~~وليمة حافلة، فسألت عنها فعلمت أنها عرس صديقتك، فأبيت أن أذهب دون أن أراك - ولو على ~~البعد - لحظة واحدة، ثم أنصرف لشأني، وكان لا بد لي من أن أحتال لذلك احتيالا، ~~فاختلطت بالخدم كأنني واحد منهم، وكانت ثيابي أشبه بثيابهم، حتى تمكنت من الدخول إلى ~~فناء القصر، ووصلت إلى باب قاعة الرقص، فنظرت من زجاجها فرأيتك ترقصين مع «إدوار» تلك ~~الرقصة التي كنت تفتتحين بها حياتك الجديدة معه، وبينا أنا كذلك إذ دفع الباب دفعا ~~شديدا وخرج منه أحد الزائرين فأمرني أمرا لم أحسن القيام به، فضربني على وجهي سوطا ~~لا يزال أثره باقيا على خدي حتى الساعة. # وهنا وضع يده على خده كأنما قد وقع السوط في هذه اللحظة، وانفجر باكيا بصوت عال ~~وتركها مكانها ومشى في الطريق الموصل إلى مخدعه، فلحقت به عند باب المخدع وتشبثت بردائه ~~ومدت يدها إليه ضارعة وقالت له: ألا تستطيع أن تعفو عني يا «استيفن»؟ فجذب رداءه منها، ~~وألقى عليها نظرة شزراء هائلة، وقال لها: اذهبي أيتها السيدة إلى مخدع زوجك فإنه مريض، ~~وربما كان في حاجة ms141 إليك، ثم دخل مخدعه وأقفل بابه، فلبثت في موقفها ساعة باهتة مذهولة، ~~ثم انصرفت إلى مخدع زوجها. # في هذه اللحظة علمت أنه لا يزال يحبها، ويستهيم بها، وأنها تحبه حبا يستعبدها، ~~ويملك عليها كل عاطفة من عواطف قلبها، وأن قد حيل بينها وبينه إلى الأبد، فقضت في ~~مضجعها ليلة ليلاء ما يكاد يغرب لها نجم، ولا يطلع لها فجر، وما كان ليله بأقصر من ~~ليلها. ~~(87) من ماجدولين إلى سوزان # لم يبق لي بد من أن أعترف لك بكل شيء. # قد أصبحت أحب «استيفن» حبا لم أضمر له مثله فيما مضى من أيام حياتي؛ لأنه حب بلا ~~أمل ولا رجاء. # لا، بل أعتقد أنني ما سلوته يوما من الأيام ولا نسيته، وأنني كنت أخدع نفسي وأكذبها ~~حينما ظننت أنني أستطيع أن أحيا بدونه، أو أسكن إلى عشرة إنسان سواه. # إنه لا يزال يحبني ويستهيم بي، ولا يزال يذكر ذلك الماضي كأنه لا يزال حاضرا بين ~~يديه، وقد كنت أجهل ذلك منه، ولا أرى له أثرا في وجهه، حتى جلست إليه منذ ليال مجلسا ~~منفردا فجرى بيني وبينه حديث ثارت فيه عواطف نفسه ثورة شديدة فبكى وتألم، وغضب ~~واحتدم، فعلمت أنه لم ينس شيئا وأنه إنما كان يكاتمني لواعج نفسه وآلامها، ويطوي ~~أحناء ضلوعه على مهجة تتحرق لوعة وأسى، فرثيت له وبكيت لبكائه، وأكبرت فيه تلك ~~العاطفة الشريفة، عاطفة الولاء والإخلاص لامرأة قد غدرت به أقبح غدر، وخانته أفظع ~~خيانة، وملأت عليه فضاء حياته بؤسا وشقاء. # إنه لم يفكر في الزواج حتى الساعة، ولم يفتح باب الطبقة العليا من منزله التي كان ~~أعدها لسكنانا إلا مرة واحدة منذ ليال، وكان ذلك من أجلي، ولا تزال غرفة العرس باقية ~~على عهدها كما هي، ولقد رأيتها فرأيت الغبار منتشرا فوق سريرها ومقاعدها وأستارها، ~~فشعرت عند النظر إليها بما يشعر به الماثل أمام جدث بال قد ضم إليه، وطوي به ~~بين تربه وأحجاره. # لقد خسرت يا «سوزان» كل شيء، ولم يبق في يدي من جميع ms142 أماني وآمالي أمل واحد، فقد ~~ضاعت الثروة التي بعت سعادتي بها، وتنغص علي الزواج الذي وضعت فيه جميع آمالي، وخرج ~~من يدي ذلك الرجل الذي أحببته أكثر من كل إنسان في العالم، والذي لا أستطيع أن أحب ~~إنسانا سواه، ولا أعلم ماذا بقي لي في ضمير الدهر بعد ذلك من مخاوف وأهوال. # إنني أشعر بخوف شديد ترتعد له مفاصلي، وأظن أن ساعة العقاب قد دنت، ولقد أذنبت ذنبا ~~عظيما، فلا بد أن يكون عقابي عظيما. ~~(88) من ماجدولين إلى سوزان # قد حلت النكبة الكبرى، فقد تركني «إدوار» وسافر إلى جهة لا أعرفها، سوى ما يقول بعض ~~الناس من أنه ركب البحر من «هامبورج» إلى «أميركا»، ولا أعلم أصدقا ما يقولون أم ~~كذبا؟ # وكان «استيفن» أحسن الله إليه قد أصلح له بعض شأنه بعد نزول تلك النكبة به، وبذل له ~~من المعونة ما لا يبذله أخ لأخيه، ولا حميم لحميمه، ولكنه لم يئل من عثرته هذه حتى ~~عاد إلى سيرته الأولى واندفع في المقامرة اندفاع الجنون فما هي إلا أيام قلائل حتى ~~استدان مائتي ألف فرنك ونيفا، ولم يبق له بد من السقوط، فبعت جميع جواهري وحلاي ~~علني أستنقذه من سقطته فلم أصنع شيئا، ثم استيقظت صباح يوم من الأيام فذهبت إلى مخدعه ~~فلم أجده، فسألت عنه الخدم فأخبرني أحدهم أنه لمحه خارجا في الغلس من باب القصر ~~وبيده حقيبة سفره، ولا يعلم أين ذهب، ثم علمت بعد ذلك أنه باع القصر إلى أكبر غرمائه ~~وأخذ بقية ثمنه وهرب، وترك سائر الغرماء وشأنهم دون أن يوفيهم ديونهم، فعرفت أنه - وقد ~~فعل هذه الفعلة التي لا يقدم عليها رجل شريف - غير عائد من بعدها أبدا، ولم أر بدا ~~من أن أقوم عنه بوفاء بقية ديونه ضنا بكرامته وإبقاء على شرفه، فبعت في سبيل ذلك ~~البيت الذي ورثته عن أبي في «ولفاخ» والمزرعة التي بجانبه، وقد سألت عنه في كل مكان ~~وسافرت للتفتيش عنه في كل جهة أعلم أن له شأنا فيها أو صلة ms143 بها فلم أقف له على أثر، ~~ولا يعلم إلا الله كم ذرفت من الدموع وكابدت من الآلام مذ حلت تلك النكبة بي حتى اليوم، ~~ولقد أرسل إلي بالأمس مالك القصر الجديد ينذرني بمغادرته بعد شهر واحد، ويلح في ذلك ~~إلحاحا شديدا، ولا أدري ماذا أصنع ولا أين أذهب؟ فليس لي قريب آوي إليه، ولا حميم ~~أرجو معونته، ولا أملك ما أستعين به على قضاء ما قدر لي أن أقضيه في هذا العالم من ~~أيام حياتي، وقد انقطع «استيفن» عن زيارة «كوبلانس» فأصبحت لا أراه، ولا أسمع به ولا ~~أعلم سبب انقطاعه، ولقد حدثتني نفسي كثيرا بالانتحار، فحال بيني وبين ذلك أنني إن قتلت ~~نفسي قتلت معي هذا الجنين المسكين الذي لا ذنب له، وكثير على الأم أن تمد يدها لقتل ~~ولدها، فتعالي إلي يا «سوزان» أو ائذني لي أن آتي إليك، لا، بل لا بد من مجيئك إلي؛ ~~لأنني لا أستطيع أن أتحمل مشقة هذا السفر البعيد، وأنا في الشهر الأخير من حملي. # إني أنتظر كتابا منك بعد أيام قلائل، فلم يبق لي في العالم من أعتمد عليه أو أرجو ~~مودته سواك. ~~(89) من ماجدولين إلى سوزان # كنت أنتظر أن يأتيني منك كتاب بالأمس فلم يأتني، فليت شعري ماذا حدث؟ أمريضة أنت؟ ~~أم شغلك عني شأن عظيم لا يسمح لك بمراسلتي؟ اكتبي إلي على كل حال، فقد بلغت بي الشدة ~~منتهاها، وانقطع عني الناس جميعا، فلا أرى أحدا من صواحبي ولا من أصدقاء زوجي. # الحياة مظلمة في عيني، ولقد بكيت كثيرا حتى جفت مدامعي، وفكرة الانتحار تعاودني ~~اليوم أكثر من ذي قبل، فانظري في أمري يا «سوزان» واكتبي إلي أنك قادمة، أو ائذني لي ~~بالسفر إليك فإن لم يأتني منك كتاب غدا فلا أعلم ماذا سيكون شأني بعد غد. ~~(90) من فردريك إلى ماجدولين # أكتب إليك كتابي هذا و«سوزان» في أشد حالات مرضها، وقد أمرني الطبيب أن أجنبها كل ما ~~يؤثر في نفسها من سرور أو حزن، وقد جنبتها كل شيء حتى ms144 الاطلاع على الرسائل التي ترد ~~عليها من صواحبها، وقد سهرت بالأمس ففضضت كتابك الأخير الذي أرسلته إليها عفوا فألممت ~~بطرف من الشدة التي تكابدينها، فأسفت لذلك كثيرا، وهممت أن أطلعها على الرسالة أو أكتب ~~إليك على غير علم منها بالحضور إلينا، ولكنني أشفقت عليها أن يقتلها الحزن لمصابك، أو ~~الفرح برؤيتك، فرجائي إليك أن تنتظري بحضورك بضعة أسابيع حتى أحتال للأمر، أو تهدأ عن ~~«سوزان» علتها، والسلام عليك من صديقك الذي يرثي لك ويتألم لألمك. ~~(91) الجزاء # قرأت ماجدولين ذلك الكتاب فرابها أمره ووقع في نفسها أن «سوزان» ليست بمريضة ولا ~~عاجزة عن قراءة رسائلها كما يقول زوجها، وأنها إنما تريد مدافعتها والتخلص منها، فهالها ~~الأمر وتعاظمها، وظلت ساعة بين الشك واليقين حتى دخلت عليها فتاة من صواحبها وصواحب ~~«سوزان» كانت تختلف إليها من حين إلى حين، فسألتها ماجدولين متى كان آخر عهدها برسائل ~~«سوزان»؟ فقالت: قد جاءني منها كتاب بالأمس تهنئني فيه بعيد ميلادي وتقترح علي أن ~~أسافر إليها لأقضي عندها في «برلين» فصل الربيع، فكتبت إليها أشكر لها تهنئتها، ~~وأستعفيها من السفر، فصمتت ماجدولين ولم تقل شيئا ثم انصرفت الفتاة، فقالت بينها وبين ~~نفسها: لا عتب عليها فيما فعلت، إنما هي الإرادة الإلهية تأبى إلا أن تجازيني غدرا ~~بغدر وكفرانا بكفران. ~~(92) الدموع الأخيرة # استيقظ سكان قرية «ولفاخ» في صبح أحد الأيام فإذا بهم يرون تلك الفتاة التي فارقتهم ~~بالأمس - وهي أنضر الفتيات وجها وأسعدهن حالا - قد عادت إليهم صفراء متضعضعة، شاحبة ~~اللون، بالية الثوب، تمشي مشية الذليل المهين، وتقتلع قدميها في مسيرها اقتلاعا، ~~فعجبوا لأمرها ورثوا لها، ولم تزل سائرة في طريقها حتى مرت أمام ذلك البيت الذي قضت فيه ~~أيام طفولتها وصباها، وسعدت فيه بالحب الشريف الطاهر أياما طوالا حتى فارقته، ففارقها ~~هناء الحياة ورغدها، فخفق قلبها خفقة الألم والحزن، ووقفت أمامه ساعة تقلب نظرها في ~~جنباته وأنحائه، فرأت السكون مخيما والوحشة سائدة، فعلمت أنه لا يزال مهجورا، وكان ~~باب الحديقة مفتوحا، فحدثتها نفسها بدخولها، فدخلتها، وخطت فيها ms145 بضع خطوات، فلمحت ~~البستاني وزوجته جالسين إلى أصل شجرة من الأشجار، فمشت إليهما حتى صارت على كثب منهما، ~~فأنكراها إذ رأياها، ثم عرفاها، فانتفضا من مكانهما انتفاضا، ومشيا إليها فحيياها، ~~ونظر الرجل إليها نظرة واجمة مكتئبة وقال لها: ما الذي طرأ عليك يا سيدتي؟ فأفضت إليه ~~بمجمل قصتها، ثم قالت له: أريد أن أستأجر الغرفة العليا من المنزل لأقضي فيها شهرا أو ~~شهرين، وربما لا أحتاج إليها أكثر من ذلك فاستأذن لي صاحب البيت في أمرها، فاستعبر ~~الرجل باكيا وظل يعجب لتقلبات الأيام، وتبدل صورها وألوانها، ويندب ذلك الزمن الذي ~~قضاه سعيدا في خدمتها وخدمة أبيها، وما هي إلا ساعة حتى أعد لها الغرفة التي أرادتها، ~~فصعدت إليها فوجدتها باقية على عهدها أيام كان «استيفن» يسكنها، وذكرت ذلك اليوم الذي ~~صعدت إليها بعد سفره وأصلحت من شأنها وبللت تربتها بدموعها حزنا على فراقه، وظلت تقول ~~في نفسها: قد كنت أبكي قبل اليوم فراقه، أما اليوم فقد أصبح ذلك الفراق قطيعة دائمة لا ~~واصل لها، فمن لي بدموع تعينني عليها؟ # وخلت بنفسها تتذكر أيامها وعهودها، وتناجي همومها وأشجانها، وتذرف آخر ما أبقي لها ~~في أجفانها من دموع، ومن هو أولى بالبكاء والهم منها وقد ضربها الدهر بجميع ضرباته، ~~وتنكر لها كل وجه من وجوه الحياة، فهجرها زوجها، وخانتها صديقتها، ونقم عليها الرجل ~~الذي تحبه، وفقدت الثروة التي بذلت في سبيلها سعادتها، وأصبحت لا تستطيع أن تطلب الراحة ~~من طريق الموت؛ لأنها لا تستطيع أن تقتل ولدها، ولا أن تجدها في الحياة لأنها لا تملك ~~ما تستعين به على عيشها، وما هي إلا أيام قلائل حتى جاءها المخاض فلم يحضرها غير زوجة ~~البستاني وعجوز من جاراتها القديمات، فولدت طفلة جميلة لم تبتسم عند رؤيتها إلا لحظة ~~واحدة، ثم أخذت تبكيها بكاء الثاكل وحيدها ساعة موته، وما كادت تنهض من نفاسها حتى ~~جاءها الخبر بأن «إدوار» قد انتحر شنقا في فندق من فنادق «شيكاغو» كان ينزل فيه منذ ~~سافر إلى أميركا، على أثر ms146 ليلة قضاها في المقامرة، وخسر فيها جميع ما كان بيده من ~~المال، فسقطت عند سماع الخبر مغميا عليها وهي تقول: «وا يتم ولداه!» # ثم استفاقت بعد حين فإذا هي تمثال صامت جامد، لا تنطق ولا تبكي، ولا تشكو ولا تتألم، ~~ولا تضم طفلتها إلى صدرها إلا إذا أزعجها بكاؤها، ولا تطلب الطعام في غداة ولا عشي، ~~ولا تتناول منه حين يقدم إليها إلا المضغة أو المضغتين، ترفع يدها عنه، وتمر بها ~~الساعات الطوال وهي ذاهبة ببصرها في السماء، لا يعلم إلا الله أين تذهب، ولا أين تتغلغل ~~نفسها في ظلمات هذا الوجود، فإذا ثابت إليها نفسها سألت البستاني هل أتاها كتاب، أو سأل ~~عنها أحد؟ فيجيبها: أن لا، فتعود إلى صمتها وذهولها. ~~(93) قلب استيفن # أصبح «استيفن» بعد انتفاض جرح قلبه عليه في تلك الليلة التي حادث فيها ماجدولين ~~ثائرا مهتاجا، لا يهدأ ولا يستريح، ولا يسكن إلى نوم ولا يقظة، ولا يهنأ باجتماع ولا ~~خلوة، فبدا له أن يسافر إلى بعض مقاطعات الشمال ليروح عن نفسه همومها وآلامها، فسافر ~~سفرة طويلة زار فيها كثيرا من المدن واجتمع بكثير من علماء الموسيقى والمغنين وكتاب ~~الروايات الغنائية الذين سمعوا به ولم يروه، فاحتفلوا به احتفالا عظيما، وأجملوا ~~مودته وعشرته، ونظم في تلك السفرة بعض القطع الشعرية الجميلة ولحنها، ولحن كثيرا من ~~أغاني الروايات التمثيلية التي لا تزال خالدة حتى اليوم، فازداد صيته انتشارا، وبلغ من ~~العظمة أوجها الأعلى، وأجمع الذين سمعوا غناءه أو توقيعه أن سماء ألمانيا لم تطلع فيها ~~منذ مات «بيتهوفن» شمس مثل شمسه، ولا أشرق فيها نجم أسطع من نجمه، وظل في سياحته هذه ~~بضعة أشهر حتى ورد إليه في أحد الأيام كتاب من أحد أصدقائه في «كوبلانس» يخبره فيه ~~خبر «إدوار»، ويقص عليه قصة سفره وانتحاره فحزن عليه وعلى مصيره حزنا شديدا، وبكاه ~~بكاء الوفي الكريم الذي لا يأبى أن ينسى في موقف الموت كل شأن من شئون الحياة، ولم يذكر ~~له في تلك الساعة من ماضيه إلا ms147 شيئا واحدا فقط، وهو أنه كان صديقه ورفيق طفولته ~~وصباه، وأنيس وحدته في أيام بؤسه وشقائه، لا يزيد على ذلك شيئا، ورأى أن لا بد له من ~~العودة ليرى ما حل بماجدولين بعد نزول تلك النكبة بها، وليمد إليها يد معونته في ~~بأسائها التي صارت إليها، فسافر إلى «كوبلانس» فقضى فيها ليلة، ثم ذهب إلى «جوتنج» وظل ~~يتسقط أخبارها حتى عرف عنها كل شيء، وعلم أنها تعيش مع طفلتها عيش البؤس والشقاء في ~~الغرفة العليا التي كان يسكنها من بيتها الأول، فنسي في تلك الساعة موجدته عليها، ~~واستحال غضبه ونقمته إلى رحمة وشفقة، فركب عجلته في الصباح وسافر إلى «ولفاخ» حتى بلغها ~~ضحوة النهار، فأخذ في طريقه إلى بيت الشيخ «مولر» حتى بلغه، فسأل البستاني عنها، فقص ~~عليه مجمل قصتها، ووصف له حياتها الغريبة التي تحياها منذ عادت إلى القرية، وذكر له ~~صمتها وسكونها، وذهولها واستغراقها، واستبداد الهم بها استبدادا يكاد يقتلها، ويأتي ~~على حياتها، فقال له: استأذن لي عليها فإني أحب أن أراها، قال: إنها تقضي أكثر أوقاتها ~~جالسة على ذلك المقعد الذي كنتما تجلسان عليه معا في أيامكما الماضية، وقد تركتها ~~الساعة هناك، فاذهب إليها إذا شئت، فمشى إليها حتى رآها جالسة على الهيئة التي وصفها ~~الرجل، فلم تشعر به حتى صار أمامها، فانتفضت إذ رأته انتفاضة تزايلت لها أعضاؤها، ~~وتساقطت فيها نفسها، فلم تستطع النهوض من مكانها، وأرتج عليها فلم تنطق بحرف واحد، ~~فجلس بجانبها وقلبه يذوب حسرة وأسى، وأخذ يعزيها عن نكبتها، ويتوجع لما حل بها، ويعظها ~~بالصبر على مصابها، فثابت إليها نفسها شيئا فشيئا، ونظرت إليه نظرة منكسرة وقالت له: ~~قد كنت أحتمل هذه النكبات كلها بصبر وجلد لو أنك عفوت عني يا «استيفن». # فأطرق مليا ثم رفع رأسه إليها وقال لها: أما العفو فإني لا أستطيعه؛ لأنني لا ~~أستطيع أن أنسى، فاصفر وجهها اصفرارا شديدا، وشعرت أن روحها تتسرب من بين جنبيها قطرة ~~قطرة، ونظرت إليه بعينين يترقرق في انسيابهما الدمع وقالت له: ألا ms148 يذكرك يا «استيفن» ~~هذا المكان الذي نجلس فيه بشيء من ماضينا؟ قال: لا يذكرني إلا بشيء واحد، وهو أني شهدت ~~فيه ذلك المشهد الذي فجعني في جميع أماني وآمالي، وقتل قلبي قتلة لم يحي من بعدها ~~حتى اليوم، قالت: إنك تقسو علي كثيرا يا «استيفن» ولو شئت لرحمتني وأشفقت ~~علي. # فنظر إليها نظرة شديدة وقد تمثلت أمام عينيه جميع آلامه الماضية دفعة واحدة وقال ~~لها: ذلك شأن المرأة في كل زمان وفي كل مكان، تزعم أنها ضعيفة واهنة، وأن الرجل قوي ~~مقتدر، فهي تسأله عن كل شيء ولا تسأل نفسها عن شيء، ألم تكوني قاسية علي يوم تركتني ~~في هذا المكان وحدي منذ خمسة أعوام أقاسي أعظم ما قاسى امرؤ في حياته من الهموم ~~والآلام، وأخذت بيد خطيبك على مشهد مني ومرأى وذهبت به إلى غرفتك دون أن تلتفتي إلي ~~التفاتة واحدة لتري ما حل بي من بعدك، وهل أنا باق على قيد الحياة أم ذهبت النكبة ~~بما بقي من رمقي؟ ألم تكوني قاسية علي أيام أرسلت إليك تلك الرسائل التي ضرعت إليك ~~فيها ضراعة لا تحتملها نفس من نفوس البشر فأغفلتها وأهملتها ولم تعبئي بدموعي الغزار ~~التي سكبتها فيها، ولم تكتبي إلي إلا كلمة واحدة بعد حين قطعت بها آخر خيط كان في يدي ~~من خيوط الرجاء؟ # إنني لا أزال أذكر حتى الساعة أنك سألتني في تلك الرسالة أن أتناسى ذلك الماضي وأن ~~تحل الصداقة بيننا محل الحب، فها أنا ذا قد جئت إليك باسم تلك الصداقة التي تواثقنا ~~عليها منذ ذلك العهد أتفقدك وأتعهد شأنك، وأهيئ لك حياة هنيئة تحيينها مع طفلتك في أي ~~مكان تشائين آمنة غدرات الدهر ونكباته ما مد الله في أجلي. # فاستعبرت باكية ومدت يدها إليه ضارعة وقالت: أهذا كل ما بقي لي في قلبك يا «استيفن» ~~فهاجت وجده مدامعها، وانبعثت من مكامنها في لحظة واحدة جميع عواطف قلبه المختلفة، ~~وظلت تتداول نفسه واحدة بعد أخرى، فذكر حبه إياها، وحاجته إليها، وأنه لا يستطيع ms149 أن ~~يعيش سعيدا في الحياة بدونها، ثم ذكر خيانتها وغدرها، وقسوتها عليه، وزرايتها به ~~وبآلامه ودموعه، فمحت عاطفة الغضب من نفسه عاطفة الحب، ولكنه ما لبث أن رأى دموعها ~~المنهمرة على خديها، ومنظر بؤسها وشقائها، ويديها الممدودتين بالضراعة إليه، حتى عاد ~~إلى عطفه وإشفاقه، وحدثته نفسه أن يأخذها بين ذراعيه، ويضمها إلى صدره، ويقول لها: قد ~~نسيت كل شيء يا ماجدولين، فتعالي إلي، فإنني لا أستطيع أن أعيش سعيدا في الحياة ~~بدونك، ثم مرت بخاطره مرور البروق تلك الساعة التي وقف فيها على باب غرفتها ليلة عرسها ~~وسمعها تلقي بنفسها بين ذراعي زوجها وتقبله وتستقبل قبلاته، فثارت في نفسه عاطفة العزة ~~والأنفة التي لم تفارقه في يوم واحد من أيام حياته وقال في نفسه: إنني لا أمد يدي إلى ~~فضلات الرجال، ولا ألبس أكفان الموتى. # وكذلك ظل يتقلب ساعة بين أيدي هذه العواطف المختلفة وهو صامت مذهول، وماجدولين ناظرة ~~إلى شفتيه نظر المتهم إلى شفتي قاضيه، تنتظر تلك الكلمة التي تفصل في أمرها، فترفعها ~~إلى سماء السعادة التي لا سماء فوقها، أو تهوي بها في مهواة الشقاء التي لا قرار لها، ~~ثم مدت يدها إلى يده فأخذتها برفق وضمتها إلى صدرها وأنشأت تقبلها وتبللها بدموعها، ~~فتناسى في تلك الساعة كل شيء وحنا عليها وأهوى بفمه إلى فمها، حتى إذا لم يبق بين ~~تلامس شفتيهما إلا ممر الهواء بينهما إذ سمعها تقول له وهي ترتعد بين يديه: «أنت حياتي ~~التي لا حياة لي بدونها.» وهي بعينها الكلمة التي سمعها منها منذ خمسة أعوام وهي تقولها ~~لزوجها ليلة زفافها في غرفة عرسها، فما رنت في أذنه حتى وثب على قدميه وثبة الهائج ~~المختبل وانتزع يده من يدها، ودفعها عنه دفعا شديدا، فسقطت تحت المقعد، وقال لها بصوت ~~شديد قارع: لم يبق لك في قلبي شيء أيتها السيدة منذ ذلك اليوم الذي وضع الكاهن فيه ~~يده على رأسك ورأس زوجك وبارككما ودقت على أثر ذلك أجراس الكنيسة مؤذنة بانقضاء كل ~~شيء. # ثم تركها ms150 مكانها ومشى خافض الطرف، مطأطئ الرأس، حتى وصل إلى باب الحديقة فرأى ~~البستاني واقفا في مكانه، فأخرج من جيبه كتابا مختوما وقال له: اعط هذا لماجدولين ثم ~~ركب عجلته وذهب في سبيله. # فمشى البستاني إليها فرآها ساقطة تحت المقعد تعالج سكرة كسكرة الموت، فما زال بها ~~حتى رجعت إلى نفسها، فأعطاها الكتاب فأخذته من يده صامتة، وصعدت إلى غرفتها وقد لبس ~~وجهها ذلك اللون الذي يغشى وجوه المنذرين بالموت؛ فقضت ليلتها ساهرة بجانب مصباحها، ~~تكتب مرة وتذرف دموعها أخرى، وتضم طفلتها إلى صدرها فيما بين ذلك، حتى انصدع عمود ~~الصباح. ~~(94) الكارثة # قال «فرتز» لزوجته والشمس تشرف على الدنيا من وراء خدرها، والكون يمسح عن عينيه ~~سنة الكرى: أما أنا فإني باق هنا لأني أريد أن أصطاد لاستيفن نوعا من السمك قال ~~لي صباح الأمس: إنه يحب أن يكون على مائدته اليوم، واذهبي أنت إليه، وانتظريه حتى ~~يستيقظ، ولا تأخذي معك من الأولاد غير طفلك الرضيع، وأغلب ظني أنه لا يستيقظ من نومه ~~إلا متأخرا، فقد عاد أمس من تلك السفرة التي سافرها إلى «ولفاخ» حزينا مكتئبا كثير ~~الهم والشجن، فسألته عن شأنه فلم يخبرني بشيء، فجلست إليه أحدثه أحاديث مختلفة رجوت أن ~~أسري بها عن نفسه، فلم يصغ إلي، حتى انتصف الليل، فآذنني بالذهاب إلى منزلي، فتركته ~~وهو يعالج النوم فلا يجد سبيلا إليه. # قالت: مسكين هذا الرجل، ما أحسب أن أحدا شقي في هذه الحياة شقاءه، أو لاقى فيها ما ~~لاقاه، والناس يحسبونه سعيدا مغتبطا، ويحسدونه على نعمته وهنائه، قال: نعم، لقد فتك ~~ذلك الغرام القديم بنفسه فتكة لا أحسب أنه بارئ منها أبد الدهر، فوا رحمتاه له، ووا ~~أسفا عليه! اذهبي إليه يا «جوزفين» وانتظري يقظته، واحذري أن يزعجه بكاء طفلك، وربما ~~لحقت بك بعد قليل، فذهبت حاملة طفلها على يدها حتى دنت من باب الحديقة فمرت على مقربة ~~منها مرور البرق امرأة مقنعة في أخلاق رثة مشعثة، تسرع في مشيتها وتتعثر في ذيلها، ~~فعجبت لأمرها، ولكنها لم ms151 تحفل بها، ودخلت الحديقة فراعها أن رأت بين يديها في دهليز ~~الباب سفطا صغيرا كأن فيه شيئا يضطرب، فدنت منه فرأت طفلا رضيعا ملففا بثيابه ~~يمتص ثديا صناعية موضوعة بجانبه، فذكرت تلك المرأة التي رأتها منذ لحظة تسرع في مشيتها ~~كالخائفة المذعورة، وقالت في نفسها: إنه طفلها ما من ذلك بد قد أثمت فيه وحاولت ~~التخلص من عاره فألقته هنا. # وهتفت بالبستاني - وكان يعمل في ناحية أخرى من الحديقة - فلباها، فسألته عن السفط، ~~فدهش إذ رآه وقال: إنه لم يره إلا الساعة، فلم تر أن تصنع شيئا دون أن ترى رأي ~~«استيفن»، فذهبت إلى مخدعه وأشرفت عليه فرأته مستيقظا في فراشه، فدعاها حين رآها، ~~فدخلت إليه وقالت له: قد كنت أظن أنك لا تستيقظ اليوم إلا ضحوة النهار، قال: إني لم أنم ~~حتى الساعة، فقصت عليه قصة السفط وأخبرته خبر المرأة المقنعة التي رأتها، ووصفت له ~~حالتها في اضطرابها وتخبلها، فداخله ريب عظيم، ونفض غطاءه عنه نفضا وخرج مسرعا ~~في مباذله حتى بلغ مكان السفط، فرآه ورأى الطفل في مضجعه منه، ورأى بجانبه هنة ~~بيضاء فتأملها فإذا كتاب مختوم، فأخذه وقرأ في عنوانه «من ماجدولين إلى استيفن»، ففضه ~~بسرعة وأمر نظره عليه إمرارا، فلمح بين سطوره كلمة «الموت» فصرخ في وجه «جوزفين» ~~أين ذهبت تلك المرأة التي حدثتني عنها؟ قالت: ذهبت في هذا الطريق، وأشارت إلى طريق ~~النهر! فصرخ صرخة عظيمة وقال: إنها ماجدولين، وإنها قد ذهبت إلى الموت! وألقى الكتاب من ~~يده، وعدا عدوا شديدا حتى أشرف على النهر، فرأى خلقا كثيرا مجتمعين على ضفته، وكلهم ~~يشير إلى الماء بأصبعه، فنظر حيث يشيرون فرأى الغريقة تضطرب في أيدي الأمواج، وتمد يدها ~~ناحية الضفة كالمستغيثة، وكانت الزوبعة ثائرة، والريح تعصف من كل جانب، ورأى صديقه ~~«فرتز» يحتث زورقه إليها لإنقاذها، فأخذ يهتف ويقول: أدركها يا «فرتز»، أنقذها يا ~~صديقي، إنها ماجدولين، ثم نضا ثوبه عنه وهم بإلقاء نفسه في الماء، فأشفق عليه الناس أن ~~يصيبه مكروه فاعترضوا سبيله، فدفعهم عنه ms152 دفعا شديدا، واقتحم النهر وظل يسبح وراء ~~الزورق، والموج يدنو منه مرة، وينأى به أخرى حتى بلغه بعد لأي فتشبث به، وكان الزورق ~~قد دنا من مكان الغريقة والغريقة تطفو وترسب، ويتموج شعرها على سطح الماء مرة بعد ~~أخرى. # في هذه الساعة، والقلوب خافقة، والنفوس ذاهلة، والناس يهتفون بالدعاء مرة، ويصرخون ~~صرخات الفزع أخرى، ثارت موجة هائلة حول مكان الغريقة كالطود الشامخ، ولبثت لحظة ~~تعج وتصطخب، فصاح الناس بصوت واحد: رحمتك اللهم وإحسانك، ثم انحسرت فإذا سطح الماء ~~أملس منبسط، وإذا الغريقة لا عين لها ولا أثر. # وما رأى «استيفن» هذا المنظر حتى جن جنونه، وألقى بنفسه في الماء، وغاص حيث غاصت، ~~فاندفع «فرتز» وراءه، وهبط مهبطه، وما زالا يرسبان مرة، ويطفوان أخرى، ويصارعان في ~~هبوطهما وصعودها جبابرة الأمواج صراعا شديدا، ثم انفرج الماء عنهما، فإذا هما صاعدان ~~يحملان الغريقة فوق أيديهما، ولا يعلمان أحية هي أم ميتة؟ وما زالا يسبحان حتى بلغا ~~الضفة فطرحاها، وأكب الناس عليها يتسمعون ضربات قلبها، ويتلمسون أنفاسها، و«استيفن» ~~واقف ناحية يشخص بصره إليها وينتظر قضاء الله فيها، ثم انتبه فإذا القوم جاثون من ~~حولها، وقد رفعوا قبعاتهم عن رءوسهم، وأخذوا يهمهمون بصلواتهم؛ فعلم أن الأمر قد انقضى، ~~فسكن للحادث سكونا عميقا لا تتخلله زفرة ولا أنة، وجثا بجانب الجاثين يصلي بصلاتهم، ~~ويدعو بدعائهم، فأبكى منظره الناس جميعا، وهالهم من سكونه وجموده فوق ما كان يهولهم من ~~جزعه وبكائه، ثم أخذوا ينصرفون واحدا بعد آخر؛ حتى إذا لم يبق منهم أحد نهض «استيفن» ~~من مكانه ومشى إلى الجثة فاحتملها على يده وسار بها إلى المنزل، و«فرتز» يتبعه صامتا، ~~فصعد بها إلى الطبقة العليا ودخل إلى تلك الغرفة الزرقاء فأضجعها على ذلك السرير الذي ~~كان بالأمس سرير عرسها، فأصبح اليوم لحدها الأخير. # وجثا على درجات السرير جثي العابد على درجات الهيكل، وظل على حاله تلك بضع ساعات ~~لا يطرف ولا يتحرك، حتى حلت ساعة الدفن، فنهض من مكانه وأكب على الجثة وكشف الغطاء عن ~~وجهها، وتناول ms153 من فمها تلك القبلة التي كانت تحرمها عليه الحياة، حتى أحلها له ~~الموت، ثم سقط مغشيا عليه. ~~(95) من ماجدولين إلى استيفن # ماذا أصنع بالمال من بعدك يا «استيفن»؟ بل ماذا أصنع بالحياة جميعها بعد ما فقدتك، ~~وانقطعت أسباب دنياي من أسباب دنياك؟ # كنت أرجو أن أعيش لك وأن أقدم إليك في مستقبل حياتك هناء أفضل من الهناء الذي كنت ~~ترجوه في ماضيك؛ لأكفر بذلك عن سيئتي التي أسلفتها إليك، فحلت بيني وبين ذلك؛ لأنك كنت ~~واجدا علي، وكنت ترى أن لا بد لك من الانتقام لنفسك، فقضيت بذلك علي وعلى نفسك ~~في آن واحد؛ لأني أعلم أنك تحبني، وأنك لا تستطيع أن تهنأ بالحياة من بعدي. # كنت أشعر أن بين جنبي ثروة من الحب تملأ فضاء حياتك هناء ورغدا، وكنت أرى أن في ~~استطاعتي أن أمنحك في كل ساعة من ساعات حياتك من السعادة ما لا تستطيع امرأة في العالم ~~أن تمنحه رجلا في الكثير من الأعوام، ولم أكن أرجو على ذلك أجرا سوى أن أراك سعيدا ~~بين يدي، وأن أعيش بجانبك عيش النبتة الضعيفة بجانب الدوحة العظيمة يفيء عليها ظلها، ~~ويترقرق عليها نسيمها. # لم لم تعف عني يا «استيفن»؟ ووالله ما أحببت أحدا في الحياة غيرك، ولا سكنت ~~نفسي إلى عشرة إنسان سواك، ولم يستطع الرجل الذي نقمت مني بسبب زواجي منه، وحاسبتني ~~عليه حسابا شديدا أن ينتقص ذرة واحدة من ذلك الحب الذي أضمرته لك في قلبي مذ عرفتك، ~~فلو أنك أغضيت عن هفوتي وأذنت لحلمك أن يسع جهلي لوجدت بين يديك فتاة عذراء ~~بقلبها وعواطفها، لم تمسسها يد، ولا عبث لفؤادها عابث، ولا فرق بينها وبين تلك الفتاة ~~القروية الساذجة التي أحببتها في «ولفاخ» حبا جما، وعاهدتها على المحبة ~~والولاء. # كانت الكأس مترعة بين أيدينا، وكان منظرها جميلا رائقا تأخذه العين، ويهفو له ~~القلب، وكان جديرا بنا أن نتساقاها قطرة قطرة حتى نأتي على القطرة الأخيرة منها، ثم ~~نموت معا سعيدين بنشوتها، كما عشنا سعيدين بتساقيها، ولكنك ms154 كنت شقيا سيئ الحظ، ~~فدفعتها عنك بقدمك دفعا شديدا فكسرتها، وأرقت ما فيها، فأصبحنا لا نجد لذة الحياة إذا ~~عشنا، ولا نهنأ بضجعة الموت إذا متنا. # لم لم تعف عني يا «استيفن» وقد عاقبني الدهر بذنبك عقابا أليما، وأخذ لك ~~مني فوق ما تستطيع أن تأخذ لنفسك بنفسك؟ فسلبني الثروة التي فتنتني عنك، والزوج الذي ~~مالأته على الغدر بك، والهناء الذي زعمت أني أجده في جوار غير جوارك، وأحال تلك ~~الشرارة من الحب التي كانت تلمع في قلبي فتضيء ظلمته إلى نار آكلة تحرقه وتضطرم في ~~أنحائه، وتتغلغل في أعماقه وأطوائه، ولم يترك في موضعا واحدا يسع عقوبتك ~~وانتقامك. # أتدري يا «استيفن» من هي تلك المرأة التي جلست إليها بالأمس تقرعها وتؤنبها، ~~وتعد عليها ذنوبها وآثامها، وتتلذذ بمنظر ذلها وضراعتها؟ # إنها لم تكن إلا شبحا من الأشباح الضئيلة المتهافتة، قد ذهب الدهر بجميع قواها، ~~وضعضع جميع حواسها ومشاعرها، ولم يترك لها من آثار الحياة إلا عينا تنظر ولا ترى، ~~وأذنا تسمع ولا تعي، ونفسا ذاهلة عن كل شيء حتى عن نفسها، وروحها تتسرب من بين جنبيها ~~شيئا فشيئا ذاهبة في سبيلها. # تلك هي المرأة التي قسوت عليها، ولم ترحم بؤسها وضعفها فمددت إليها يدك القوية ~~القادرة وطعنتها وهي جريحة مثخنة تلك الطعنة النجلاء، التي نفذت إلى قلبها، ~~وقضت عليها القضاء الأخير. # قد غفرت لك كل شيء يا «استيفن» لأني أحبك، ولأني أعلم أنك ما قسوت علي هذه القسوة ~~كلها إلا لأنك تحبني، فامنحني عفوك ومغفرتك وأنزلني من نفسك المنزلة التي كنت أنزلها من ~~قبل، والتي أبذل اليوم حياتي في سبيلها، فإن كنت لا بد آخذا الموتى بذنوبهم فلا تأخذ ~~بذنبي تلك الطفلة اليتيمة المسكينة التي لا سند لها ولا عضد، فهي وإن كانت ابنة ~~المرأة التي خانتك، فهي ابنة المرأة التي أحبتك، وإني أعيذها بكرمك وفضلك أن تذوق طعم ~~الشقاء على عهدك ، أو أن تحل بها كارثة من كوارث الدهر بين سمعك وبصرك. # أطعمها وتصدق عليها، فلطالما أحسنت إلى أبويها ms155 من قبلها، واجعل لها من صدرك الرحيم ~~ملجأ تجد فيه حنان الأم ورعاية الأب، ولا تكلها إلى نفسها تصارع أهوال الحياة ~~وآلامها فتصرعها، وتول بنفسك أمرها في الساعة التي تجتاز فيها تلك العقبة الكبرى من ~~عقبات الحياة حتى لا تسقط سقطة تشقى بها أبد الدهر، واذكر لها دائما أن أمها كانت ~~تحبها حبا جما، وأنها ما آثرت الموت على الحياة إلا لأنها عجزت عن أن تعيش بجانبها، ~~ولأنها كانت شقية مرزأة فأشفقت عليها أن يطيش إليها سهم من سهام شقائنا. # الوداع يا «استيفن»، الوداع يا أحب الناس إلي، إنني أفارق هذه الحياة وأنت آخر من ~~أفكر فيه، وكل ما آسف عليه، فاذكرني ولا تنسني، وتعهد بالزيارة قبري من حين إلى حين، إن ~~كان مقدرا لي أن يكون لي قبر على ظهر الأرض، واحتفظ بالوديعة التي أودعتك إياها، فهي ~~تذكاري الدائم المقيم عندك، وليهون عليك فقدي أن روحي قد امتزجت بروحك امتزاجا لا ~~يغيره فناء ولا بلى، فلئن فرقت بيننا الأقدار في هذه الدار فسنلتقي في الدار الأخرى ~~لقاء لا ينغصه علينا موت ولا فراق. # الوداع يا «استيفن»، وآخر كلمة أقولها لك في آخر ساعة من ساعات حياتي: «إني أحبك، ~~وإنني أموت من أجلك.» ~~(96) المقبرة # استطاع «استيفن» أن يستفيق من غشيته في أصيل اليوم الثاني، ففتح عينيه ودار بهما حوله ~~فرأى «فرتز» وزوجته وأولاده جلوسا تحت قدميه يبكونه ويتوجعون له، فظل شاخصا ببصره ~~هنيهة ثم التفت إلى «فرتز» وألقى عليه نظرة طويلة وقال له: هل دفنتموها؟ فأطرق «فرتز» ~~واجما وقال بصوت خافت: نعم يا سيدي منذ الأمس، قال: وأين طفلتها؟ قال: قد كفلتها ~~«جوزفين» وهي تتولى إرضاعها مع طفلها، قال: وأين ذلك الكتاب؟ قال: ها هو ذا يا سيدي، ~~وأعطاه إياه، فأمره بالانصراف إلى منزله، فانصرف هو وأسرته، فلما خلا «استيفن» بنفسه ~~أخذ يقرأ الكتاب ونفسه تتطاير لوعة وأسى، حتى فرغ منه، فبكى ما شاء الله أن يفعل، ثم ~~أخذته كظمة شديدة، فذهل عن نفسه وظل مستغرقا في ذهوله بضع ساعات ms156 حتى انتصف الليل، ~~فثار من مكانه بغتة وكأنما طاف بعقله طائف من الجنون، وخرج إلى الحديقة فمشى في ~~أنحائها يتسمع فلم يشعر بحركة، ورأى البستاني نائما في غرفته ورأى فأسه على بابها، ~~فتناولها وفتح باب الحديقة بهدوء وخرج، فلما استقبل الفضاء أخذ سمته إلى المقبرة حتى ~~بلغها، وكان الجو مكفهرا والريح عاصفة، والسحب تحجب وجه القمر ولا تنحسر عنه إلا ~~حينا بعد الحين، ثم لا تلبث أن تعود إلى تراكمها وتكاثفها. # وكان يحيط بالمقبرة من جهاتها الثلاث سور متهدم كثير الثغرات والفجوات؛ ويمتد مع ~~جهتها الرابعة نهر «جوتنج» وقد قامت على ضفته أشجار عالية غبياء تعصف الريح بفروعها ~~وأوراقها عصفا شديدا فيتألف من حفيفها وخرير ماء النهر الجاري بجانبها صوت غليظ أجش ~~يملأ القلوب روعة ورهبة، فلم يزل «استيفن» سائرا في طريقه حتى لاحت له رءوس تلك ~~الأشجار، وسمع حفيف أوراقها، وخرير المياه المتدفقة من تحتها، فخيل إليه أنها أشباح ~~سوداء من الجن تتقدم نحوه في جوف الليل راقصة مترنحة، وتدمدم بأصواتها المخيفة ~~المريعة، فمشت في جسمه رعدة الخوف، إلا أنها لم تمنعه من المضي في وجهه، فاستمر في ~~سبيله حتى دخل المقبرة، وكان القمر يظهر حينا فيرشده إلى الطريق ثم يلبث أن يتوارى في ~~غمار السحب فيقف عن المسير، فإذا تراءى له رأى على ضوئه نواويس الموتى وقد جفت فوق ~~تربتها تلك الأشجار القصيرة التي أغفل غارسوها أمرها بعد أن بلي في قلوبهم حزنهم على ~~موتاهم، ولم يزل يتصفح أوجه القبور حتى رأى بين يديه قبرا حديثا لا تزال تربته ~~مخضلة فأكب عليه يتصفح جوانبه فقرأ على أحدها على شعاع ضعيف بعثه إليه القمر في ~~تلك الساعة اسم ماجدولين، فجثا على ركبتيه وهمهم بصلاة قصيرة، ثم نهض قائما على قدميه ~~وتناول الفأس التي أتى بها معه وضرب بها الأرض ضربة شديدة، فلم يسمع لضربته صوتا لشدة ~~عصف الرياح وزفيفها في تلك اللحظة، ثم أخذ يحفر حتى ضرب ضربة أخرى رنت رنينا شديدا ~~ملأ أرجاء المقبرة، فاقشعر بدنه، وبرد دمه ms157 في عروقه، وسقط على ركبتيه، وسقطت الفأس من ~~يده؛ لأن الضربة كانت قد أصابت التابوت الذي يحوي الجثة، فخيل إليه أنها أصابت جمجمة ~~الميتة. # وكان القمر قد برز من وراء غمامته في تلك الساعة وأضاء المقبرة كلها، فتمثل له أن ~~القبور قد تفتحت جميعها، وأن الموتى قد أخرجوا رءوسهم منها وأخذوا ينظرون إليه بعيون ~~ملتهبة متوقدة؛ فطار من رأسه ما بقي فيه من الصواب وترك الفأس مكانها، وركض ركضا ~~شديدا وهو يتخيل أن الموتى يتأثرونه ويركضون وراءه، حتى وصل إلى المنزل منطرحا من ~~الكلال، وهو يصيح: «ما كفاني أن أقتلها حتى مثلت بها!» # وسمع البستاني صيحته فاستيقظ وذهب إليه فرآه على تلك الحالة، فقال له: ما بك يا سيدي؟ ~~فهدأ قليلا عندما رآه، ونهض من مكانه وقال له: اتبعني، فتبعه الرجل صامتا لا يعلم أين ~~يريد، حتى بلغ المقبرة، وكان القمر لا يزال مشرقا في جنباتها، فمشى إلى ذلك القبر ~~فانحنى عليه، فرأى أثر الفأس في التابوت ولم ير شيئا مما كان تخيله، فسكن وهدأ، وعلم ~~أنه إنما كان في ثورة من ثورات الجنون، فأمر الرجل أن يعيد التراب إلى ما كان عليه، ~~فأعاده، ثم أمره أن يأخذ فأسه ويعود إلى المنزل ففعل، وجثا هو بجانب القبر يلثم تربه ~~وثراه، ويلصق خديه بصفائحه وأحجاره، ويبكي بكاء شديدا حتى اشتفت نفسه، ثم انصرف ~~لسبيله وهو يقول: قد كنت أرجو أن أدفن بجانبك يا ماجدولين فلم أوفق إلى ذلك، وأحسب أن ~~ذلك مني غير بعيد. # وأصبح منذ ذلك اليوم خائر النفس، منقبض الصدر، كئيبا مستوحشا، ينظر إلى الحياة وما ~~فيها نظر الغريب النازل بدار لم يطرقها من قبل، ولم يأنس بالمقام فيها، فهو يعد عدته ~~للرحيل عنها، ثم ما زال يلج به الأمر حتى أصبح يستوحش من الناس ويتبرم بمرآهم، ~~ويستنكر سماع أصواتهم، فانقطع عن الاختلاف إلى من كان يختلف إليه من أصدقائه ومعارفه ، ~~وأبى أن يقابل أحدا من زائريه، وأمسى لا يفارق خياله - في نومه ويقظته وذهابه وجيئته - ~~منظر ماجدولين وهي ms158 تغرق في النهر، وغدائرها الذهبية الصفراء طافية على وجه الماء، ~~ويداها تتحركان حركات الاستغاثة فلا تجد مغيثا ولا معينا، فكان يجد في نفسه لتلك ~~الذكرى ألما ممضا يقيمه ويقعده، ويذهب براحته وسكونه، فيصرخ كلما تراءى له ذلك ~~الخيال: نعم أنا الذي قتلتها، وانتزعت حياتها من بين جنبيها، وفرقت بينها وبين فلذة ~~كبدها، فويل لي! ما أشقاني! وما أسوأ حظي! لقد قدر لي أن أقتل بيدي جميع الذين يحبونني ~~على ظهر الأرض، وأن أبقى من بعدهم شقيا معذبا أبكيهم وأندبهم، لا أستطيع أن أنساهم، ~~ولا يقيض لي أن ألحق بهم. # ولقد استيقظ صباح يوم من الأيام ضيق الصدر، كثير الضجر، فخرج من المنزل هائما على ~~وجهه، ومشى في طريق ممهدة بين المزارع لا يدري أين يذهب، ولا أي غاية يريد، واستمر به ~~المسير بضع ساعات فإذا هو أمام قرية «ولفاخ»، فهاجت في نفسه تلك الذكرى الماضية، ومشى ~~إلى بيت الشيخ «مولر»، فراعه وأدهشه أنه لم ير أثرا لذلك البيت، ولا لتلك الحديقة، ~~فلا غرف ولا قيعان، ولا سقوف ولا جدران، ولا أشجار ولا أغراس، بل رأى أنقاضا مبعثرة، ~~وجذوعا متناثرة، وأحجارا ذاهبة ها هنا وها هنا، فعلم أن مالك البيت الجديد قد هدمه، ~~وانتزع أشجار حديقته وأغراسها، فأحزنه المنظر وآلمه، ووقف أمامه مطرقا خاشعا، وقوف ~~العابد أمام محرابه، وللبلى والدروس جلال في النفس فوق جلال الجدة ~~والعمران. # وظل على ذلك ساعة، ثم أخذ يدور في تلك العرصات الخالية يتلمس أثرا من آثار تلك ~~المعالم التي قضى فيها أيام سعادته الأولى، كما يتلمس الساري في ظلمة الليل نجمة القطب ~~في أطباق السحب، فلم يجد شيئا، فهتف صارخا: ماذا صنع الدهر بي وبها؟ لقد أثكلنيها ~~وأثكلني كل شيء بعدها حتى آثارها! وظل يناجي تلك الأطلال الدوارس، ويستنطق نؤيها ~~وأحجارها، ويسائلها عن أهلها وساكنيها، فلا يجيبه غير الصدى المتردد، حتى عي ~~بموقفه، فانصرف ولقلبه وجبات كأنها شقائق برق في السماء لوامع. ~~(97) بيتهوفن # انقطعت أخبار «استيفن» عن «كوبلانس» وأنديتها ومجامعها، وكان غرة جبينها المتلألئة، ~~وشمس ms159 جمالها الساطعة، فتساءل عنه أصدقاؤه ومعارفه، وصنائع أياديه وفواضله، والمعجبون ~~بذكائه ونبوغه، حتى عرفوا قصته، وما كانوا يعرفون شيئا منها قبل اليوم، فهالهم الأمر ~~وتعاظمهم، وأشفقوا أن تختطف يد الدهر من أيديهم تلك الحياة النضرة الزاهرة التي لم ~~يتمتعوا بها إلا قليلا من الأيام، فمشى بعضهم بذلك إلى بعض، واجتمع منهم جمع عظيم ضم ~~بين حاشيتيه كثيرا من كبار الموسيقيين، ونوابغ الممثلين، ورجال الشعر والأدب، فأجمعوا ~~رأيهم على زيارته في قريته، وألا يزالوا به حتى يهجر عزلته ويعود إلى حياته الأولى ~~بينهم، فكتبوا إليه أنهم وافدون لزيارته غدا. # ثم ركبوا في أصيل اليوم الثاني عجلاتهم، واستصحب كثير منهم نساءهم وفتياتهم، وذهبوا ~~إلى القرية، فاستقبلهم استيفن على باب داره باسما متطلقا كأنه لا يضمر بين جنبيه ~~لوعة ولا أسى، وكأن قلبه لا يذوب بين أضالعه ذوب السبيكة في بوتقتها، فطمعوا فيه إذ ~~رأوه، وخيل إليهم أنه قد برئ مما به أو كاد، وأن هذه الصفرة الرقيقة التي لا تزال تلبس ~~وجهه إنما هي أثر من آثار ذلك الماضي سيذهب مع الأيام، وكان قد أعد لهم في الحديقة ~~مائدة عظيمة للعشاء، فجلسوا إليها وكانوا أكثر من ثلاثين رجلا وامرأة، وجلس هو بينهم ~~يحدثهم ويطرفهم بملحه ونوادره، وتجنب في أحاديثه معهم كل ما يتعلق بكارثته، فلم ~~يجرؤ أحد منهم أن يفاتحه فيها حتى فرغوا من الطعام، فتفرقوا في أنحاء الحديقة زمرا ~~يرتاضون ويسمرون حتى مضت قطعة من الليل، فاقترح أحدهم أن يؤتى بالبيانو إلى فضاء ~~الحديقة ليوقع عليه من يشاء منهم، فأتي به، فجلس إليه الموسيقي «فردريك» ووقع عليه ~~لحنا من ألحان الموسيقار العظيم «بيتهوفن»، فطرب له السامعون طربا عظيما، وقال ~~أحدهم: لقد كان «بيتهوفن» الرسول الإلهي الذي بعثه الله إلى البشر ليخاطبهم بلغته، فهو ~~الرجل الذي استطاع وحده من دون الموسيقيين جميعا أن ينطق بلسان الطبيعة، ويردد أنغامها ~~وأهازيجها، وأن يكون في غنائه هادئا كالماء، وصافيا كالسماء، وعميقا كالبحر، وصادحا ~~كالطير، وخافقا كالنجم، فقال الموسيقي «موزات»: نعم ولكنه كان سيئ الحظ، عاثر ms160 الجد، ~~فقد قضى حياته فقيرا معدما يسعى إلى الكفاف من العيش فلا يجده، وخاملا مغمورا، يطلب ~~الشهرة من طريق الفن فلا يظفر بها، حتى مات شريدا طريدا في وطن غير وطنه، وبين قوم ~~وأسرة غير قومه وأسرته، فقال الشاعر «سيدروف»: من منكم يحفظ تاريخ حياته الأخيرة فيقصه ~~علينا؟ فقال «استيفن»: أنا أقصه عليكم؛ لأني أعلم الناس به، فقد كان أستاذي «هومل» رحمة ~~الله عليه صديقه الذي عاشره في آخر أيام حياته حتى مات وتولى دفنه بيده، وكان كثيرا ما ~~يقص علي ذلك التاريخ وهو يبكي بكاء شديدا، فأنا أرويه لكم كما كان يحدثني ~~به. # ثم أقبل عليهم وأنشأ يقول: لقد قسا الدهر على «بيتهوفن» قسوة عظيمة لم يقسها على ~~أحد من قبله من رجال الفنون والآداب، فقد وضع للعالم تلك الموسيقى السماوية العالية ~~التي حاكى بها الطبيعة في نغماتها ورناتها، وصور فيها أدق عواطف القلوب وخوالجها، فلم ~~يحفل بها الناس كثيرا، ولم يأبهوا لها، وكانوا قد ألفوا قبل ذلك تلك الموسيقى الصناعية ~~المتكلفة التي كان يتأنق الموسيقيون الماضون في تنسيقها وتدبيجها تأنق النحات في صنع ~~الدمية الجميلة التي لا روح فيها، وافتتنوا بها افتتانا عظيما فلم يستطيعوا أن يفهموا ~~غيرها، أو يهشوا لشيء سواها، ولم يكن مصابه بجهل الناس إياه واحتقارهم له بأقل من ~~مصابه بحسد حساده من أبناء حرفته، واضطغانهم عليه، بل لم يكن له مصاب غير هؤلاء، فهم ~~الذين وقفوا في وجهه، واعترضوا سبيله، واستقبلوه حين وقف عليهم بتلك القيثارة الجميلة ~~الرنانة بابتسامات الهزء والسخرية، وذهبوا كل مذهب في النيل منه، والولع به، والغض من ~~شأنه، وما كانوا يجهلون فضله ومقداره، وقيمة ما استحدثه في الفن من بدائع المبتكرات ~~وغرائبها، ولكنهم عجزوا عن الصعود معه إلى ذروته التي صعد إليها، فلم يكن لهم بد من أن ~~يثيروا حول كوكبه الساطع المتلألئ في سماء الموسيقى هذه الغبرة السوداء من المثالب ~~والمطاعن ، فلا يرى الناس أشعته، ولا يشعرون بمكانتها، حتى إن «هايدن» نفسه - وكان ~~أكثرهم اعتدالا وأدناهم إلى العدل والإنصاف ms161 - لم يستطع أن يسمح لنفسه بأن يقول عنه في ~~تقريظه أكثر من أنه «عازف ماهر.» فكان مثله في ذلك مثل من يقول عن شاعر مثل شاعرنا ~~«جيتيه»: إنه «يحسن الإملاء.» # ولم يزل هذا شأنهم معه حتى نغصوا عليه حياته، وذهبوا براحة نفسه وسكونها، وملئوا قلبه ~~وساوس وأوهاما، فساء ظنه بنفسه، وأصبح يرتاب معهم كما يرتابون في اقتداره ونبوغه، ~~ولولا أن صديقه «هومل» كان مرآته الصادقة التي يرى فيها نفسه من حين إلى حين لنفض يده ~~من الموسيقى نفض اليائس القانط، ولحرمت الأمة الألمانية هذه القيثارة البديعة الساحرة ~~التي لم يخلق الله لها شبيها في العالم مذ خلقت الدنيا حتى اليوم، فويل للأشرار ~~الخبثاء، ماذا كانوا يريدون أن يصنعوا؟ وماذا كان يكون شأن الموسيقى في العالم لو تم ~~لهم ما أرادوا؟ # ولم يستطع «بيتهوفن» أن يصبر طويلا على هذه المظلمة، وضاق ذرعه بتلك النظرات ~~المؤلمة التي أصبح الناس ينظرون بها إليه كلما مشى في طريق، أو ظهر في مجتمع، فلم ~~يطق المقام بينهم، ولا العيش فيهم، فظل يتنقل في أنحاء البلاد غدوا ورواحا، لا ~~يهبط بلدة حتى يطير به الضجر إلى غيرها، ولا تطلع عليه الشمس في مكان حتى تغرب عنه في ~~مكان آخر، وكان له في مبدإ أمره ثروة صالحة يعود بها على نفسه وذوي قرباه، ولكنه كان ~~من أصحاب الملكات الشعرية، والشعر والحزم لا يجتمعان في رأس واحد، فلم يزل به إسرافه ~~وتخرقه حتى أضاعها، فأصبح لا يملك أداة من أدوات الرزق غير قيثارته، وقيثارته سلعة ~~كاسدة في سوق الفنون لا يبتاعها منه أحد، فزهد المجامع والمحافل، وعاف المدائن والقرى، ~~وفر بنفسه إلى الغابات والأحراش وقلل الجبال وضفاف الأنهار، وهنالك في خلواته ~~ومعتزلاته حيث لا يسمع صوتا غير صوت الطبيعة، ولا يرى وجها غير وجه الله، أخذ يبث ~~قيثارته آلامه وأحزانه، ويسكب مدامعه الغزيرة بين مثانيها ومثالثها، ويضع وهو جائع ~~طاو صفر اليد والأحشاء تلك الموسيقى العظيمة التي يعيش الموسيقيون اليوم ببركتها عيش ~~السعداء، وينعمون في ظلالها بنعمة العيش ms162 الرغيد. # وكثيرا ما كان يستمر به المسير حتى يصل إلى «جزر الدانوب»، فيهيم إلى ضفاف ذلك النهر ~~أياما طوالا لا يفترش إلا العشب، ولا يلتحف غير الظل، ولا يطعم إلا ما يقذف به إليه ~~النهر من أحيائه، حتى يعثر به صديقه «هومل» فيعود به إلى العمران. # ولم يقنع الدهر منه بذلك حتى رماه في آخر أيامه بالصمم، فلم يأسف لهذه النكبة كثيرا، ~~بل قال في نفسه: إني أحمد الله على ذلك، فقد كفاني نصف شرور الناس فلعله يكفيني نصفها ~~الآخر، فلا أرى وجوههم، ولا أسمع أصواتهم، ولقد صدق فيما قال، فقد أخذ الناس يسمونه بعد ~~نزول تلك الكارثة به بالموسيقي المجنون، فلم يسمع شيئا مما يقولون. # وأصبح منذ ذلك اليوم هادئا ساكنا لا يشكو ولا يتضجر، بل لا يشعر ولا يتألم، وذهب ~~إلى غابة قريبة من مدينة «بادن» فعاش فيها وحيدا منفردا لا يسمع إلا صوت قلبه، ولا ~~يصغي إلا لتلك النغمات الداخلية التي تتردد بدون انقطاع في أعماق نفسه، ولا يرى أحدا ~~من الناس غير صديقه «هومل» من حين إلى حين، فإذا جاءه طرح عليه ما وضعه من الألحان ~~فيحمله عنه إلى الناس من حيث لا يشعر، وهو باق في مكانه لا يفارقه. # وكان الناس قد أصبحوا يألفون أنغامه بعض الشيء ويصغون إليها، لا لأن حساده قد هدءوا ~~عنه، أو انقطعوا عن مناوأته والغض منه، بل لأن للطبيعة سلطانا فوق سلطان الضغائن ~~والأحقاد، ولأن السحب المتبلدة في آفاق السماء لا تستطيع أن تطفئ نور الشمس، بل تحجب ~~ضياءها عن العيون لحظة من الزمان ثم لا تلبث أن تنقشع عنها، فإذا هي ملء العيون ~~والأنظار. # ولم يقض في عزلته هذه زمنا طويلا حتى ورد عليه كتاب من ابن اخت له في «فينا» كان ~~قد تبناه في صغره وأحبه حبا كثيرا يقول له فيه: إنني متهم بتهمة عظيمة لا سبيل لي ~~إلى الخلاص منها إلا بحضورك، فسافر إليه دون أن يقابل صديقه «هومل»، ولم يكن معه من ~~المال ما يقوم بنفقات ms163 سفره، فكان يمشي على قدمه حينا ويركب عجلات النقل أحيانا، حتى ~~نال منه الجهد، وأصبح عاجزا عن المسير. # وكان الطريق إلى «فينا» لا يزال بعيدا فمر ذات ليلة ببيت صغير منفرد في ظاهر إحدى ~~القرى فوقف ببابه وأخذ يقرعه قرعا خفيفا، فخرج إليه صاحب البيت وسأله: ما شأنه؟ فقال ~~له: إنني شيخ أصم، غريب عن هذه الديار، وقد أظلني الليل وعجزت عن المسير فلا أستطيع ~~المضي في سبيلي، فائذن لي بمضجع آوي إليه بقية ليلتي، وإن شئت فأمر لي بكسرة خبز ~~أسد بها رمقي، فأشفق عليه الرجل وأوى له، وأحله من بيته أكرم محل وأسماه، وكان للرجل ~~ابنتان في سن الشباب فقامتا بين يديه تخدمانه حتى رجعت إليه نفسه، فدعوه إلى المائدة ~~فأكل معهم، ثم مشى إلى مصطلى في أحد أركان القاعة، فجلس إليه يصطلي ويجفف ثيابه، ~~وكان صاحب البيت من المولعين بالموسيقي والمغرمين بتوقيعها ليلهم ونهارهم، فما فرغ من ~~الطعام حتى جلس أمام «البيانو» وأخذ يقلب دفتر الموسيقى الذي بين يديه حتى وقع على ما ~~يريد منه، فأشار إلى ابنتيه أن تأخذا قيثارتيهما، وأخذوا يعزفون جميعا بنغمة واحدة، ~~فاغتبط «بيتهوفن» بمنظرهم، وإن لم يسمع من غنائهم شيئا وكل ما استطاع أن يفهمه من ~~شأنهم أن لذلك اللحن الذين يوقعونه سلطانا عظيما على نفوسهم، فقد رآهم متأثرين عند ~~توقيعه تأثرا شديدا، ورأى صاحبة البيت وخادمتها قد تركتا ما كانتا تشتغلان به من شئون ~~البيت وأعماله ووقفتا للاستماع، وقد سكنت أطرافهما، وتهلل وجهاهما، وذهبتا ببصرهما في ~~السماء كأنما تتبعان أثر تلك النغمات في طريقها إلى الملأ الأعلى، حتى انتهت القطعة، ~~فاغرورقت عينا الفتاة الصغرى بالدموع، وألقت بنفسها بين ذراعي أمها، وبكت بكاء شديدا، ~~فنهض بيتهوفن من مكانه ومشى إليهم وقال لهم: إنني لم أستطع أن أسمع شيئا من ألحانكم ~~أيها الأصدقاء، ولكنني استطعت أن أفهم أنها ألحان جميلة مؤثرة فتأثرت معكم، وطربت ~~لطربكم ، ولقد كنت قبل أن تحل بي هذه النكبة التي ترونها أحب الموسيقى حبا شديدا، ولا ~~يلذ لي في ms164 الحياة شيء مثل استماعها، فهل تأذنون لي أن أنظر في دفتر الموسيقى لأقرأ تلك ~~القطعة التي كنتم توقعونها؟ فأومأ إليه بالإيجاب، فأكب على الصحيفة، فما وقع نظره على ~~القطعة ورأى اسم صاحبها في رأسها حتى اصفر لونه، وارتعدت يده وارفض جبينه عرقا، ثم أخذ ~~يبكي بكاء شديدا، فانتبه القوم إليه، ونهضوا من مكانهم مذعورين، وأحاطوا به يسألونه ~~ما خطبه، فأشار بأصبعه إلى عنوان القطعة، فلم يفهموا ما يريد، فقال لهم: إنها قطعتي ~~أيها الأصدقاء، وأنا الموسيقي «بيتهوفن»! فدهشوا جميعا، وظلوا ينظروا إليه باهتين ~~مذهولين، ثم رفعوا قبعاتهم عن رءوسهم، وجثوا بين يديه خاضعين متخشعين، وتناولوا يده ~~وأخذوا يقبلونها واحدا بعد آخر، فكانت هذه الساعة هي الساعة الوحيدة التي ذاق فيها لذة ~~الاحترام في حياته، وكانت هي بعينها الساعة التي رفرف على رأسه فيها طائر الموت، فقد ~~شعر في تلك اللحظة بوخزة مؤلمة في جنبه، فتساقط في مكانه، فتلقوه على أيديهم، واحتملوه ~~إلى سريره، وسهروا بجانبه الليل كله يعللونه ويستشفون له، فيستفيق مرة، ويستغرق في ~~غشيته أخرى، حتى الصباح. # وكان صديقه «هومل» قد عرف أمر سفره فتبعه في الطريق التي سلكها، وظل يسائل عنه في كل ~~مكان حتى عرف القرية التي وصل إليها، والبيت الذي نزله، فصعد إليه فرآه في سكرته التي ~~يعالجها، فجلس بجانبه يبكيه ويتوجع له، حتى انتبه له «بيتهوفن» بعد حين، فابتسم له إذ ~~رآه وقال له: هل جئتني بقيثارتي يا «هومل»؟ قال: نعم يا سيدي، وها هي ذي، فتناولها منه ~~وتناهض متكئا على إحدى يديه حتى تمكن من الجلوس، وأنشأ يوقع على مسمع من القوم لحنه ~~المحزن المشهور «رب لم أشقيتني وما أشقيت أحدا من عبادك»، فما أتمه حتى ارتعدت يداه، ~~وجحظت عيناه، وسال العرق من جبينه متحدرا، فسقط على وسادته وقد غشيته غشية الموت، ثم ~~فتح عينيه بعد لحظة فرأى صديقه «هومل» بجانبه، فأمسك بيده ونظر إليه نظرة طويلة وقال: ~~«ألم أكن في حياتي عظيما يا هومل؟» قال: بلى وأكبر من عظيم، فتهلل وجهه بالبشر، وأسبل ms165 ~~عينيه وهو يقول: «الآن أموت سعيدا!» ثم قضى. # وفي اليوم الثاني حمل ذلك الرجل العظيم إلى مقبرة تلك القرية الحقيرة فدفن فيها، ولم ~~يشيع جنازته غير صديقه «هومل» وأفراد تلك الأسرة التي مات بينها، وكان هذا كل حظه من ~~الحياة. ~~(98) لحن الموت # ما وصل «استيفن» في حديثه إلى هذا الحد حتى اصفر لونه، وتغضن جبينه وأطرق برأسه ~~إلى الأرض، فانتبه إليه القوم فإذا هو واضع يده على قلبه، وإذا دموعه تنحدر على خديه ~~متتابعة، فقال له أحدهم: ما بك يا «استيفن»؟ فرفع رأسه بعد هنيهة وقال: إنما أبكي على ~~هذا الرجل المسكين الذي عاش في حياته شقيا ومات مسكينا، ولم يبتسم له الدهر في يوم ~~من أيام حياته ابتسامة واحدة يكافئه بها على يده التي أسداها إلى هذا المجتمع، كأنما ~~قد كتب للعاملين على وجه الأرض جميعا أن يعيشوا فيها عيش الأشجار العظيمة في الصحاري ~~المحرقة، تظلل الناس بوارف ظلها وهي تصطلي حر الهاجرة وأوارها، ولو أن القدر ~~أنصفهم ووفاهم أجورهم لما سعد أحد في الحياة سعادتهم، ولا هنئ فيها هناءهم. # فصمت القوم جميعا، وقد شعروا أنه إنما يحدث عن نفسه، ويرسل في حديثه بعض الزفرات ~~التي تعتلج في صدره. # وإنهم لكذلك إذ نهض من مكانه بغتة ومشى بقدم هادئة مطمئنة حتى وصل إلى كرسي ~~«البيانو» فجلس عليه، ثم التفت إلى القوم وقال لهم: هل تأذنون لي أيها الأصدقاء وقد ~~قصصت عليكم تاريخ حياة «بيتهوفن» أن أسمعكم لحنه الأخير الذي وقعه في آخر ساعات حياته؟ ~~فتهللت وجوههم فرحا، وقد ظنوا أنه إنما يريد أن يسري عن نفوسهم تلك الكآبة التي غشيتها ~~منذ الساعة، فقالوا جميعا: نعم! # فبدأ يوقع ذلك اللحن «رب لم أشقيتني وما أشقيت أحدا من عبادك» ويغنيه بصوت ضعيف ~~خافت، ثم أخذت عواطفه تشتعل شيئا فشيئا، فعلا صوته، وأنشأت نغماته تنتشر في أجواز ~~الفضاء، فسمع القوم تلك الموسيقى السماوية العالية التي لم يخلق الله لها مثيلا، والتي ~~هي غاية ما أنتجه العقل البشري، فأطرقوا برءوسهم إجلالا لهذه العظمة ms166 المشرقة عليها من ~~سمائها، وخيل إليهم أنهم لا يرون بينهم مغنيا يوقع على أوتاره، بل ثاكلا متفجعا يذرف ~~مدامعه، ويصعد زفراته، حتى الموسيقي «موزات» همس في أذن أحد الجالسين بجانبه قائلا: ~~«إن الرجل لا يغني بل يموت، وإني أشم من أنفاسه رائحة الكبد المحترقة.» وكان كلما استمر ~~في غنائه اشتد تأثره، والتهبت عواطفه، وتلون صوته بلون الأنين المحزن، حتى فني عن ~~نفسه وعما حوله، واستولت عليه حالة غريبة من الذهول والاستغراق. # وما أتى على النغمة الأخيرة - وكانت أعلى النغمات وأطولها وأذهبها في أجواز الفضاء - ~~حتى نهض القوم جميعا على أقدامهم وأخذوا يصفقون تصفيقا شديدا ويهتفون «ليحيا ~~استيفن.» # وإنهم ليصفقون هذا التصفيق الشديد ويدعون له بالحياة الطويلة، ويتدافعون إلى مكانه ~~لتهنئته وتمجيده، إذا بهم ينظرون إليه فيرونه مائلا برأسه على ظهر كرسيه، وقد اقشعر ~~وجهه، وتغيرت سحنته، وأمسك بكفه على أحشائه، فطارت ألبابهم، وطاشت عقولهم، ومرت ~~بخواطرهم جميعا مرور البرق تلك الصورة التي مات عليها «بيتهوفن» في قصته التي قصها ~~عليهم منذ الساعة، فتشاءموا وانقبضت نفوسهم، وأحاط به جماعة منهم فاحتملوه إلى سريره، ~~وحضر الطبيب ففحصه ثم نظر إليه نظرة اليأس، فأطرقوا واجمين مكتئبين واحتاطوا بسريره ~~ينتظرون قضاء الله فيه، ففتح عينيه بعد ساعة ودار بها حوله ونطق باسم «فرتز» - وكان ~~حاضرا - فلباه، فنظر إليه طويلا ثم نطق باسم «ماجدولين الصغيرة»، فما لبث أن جاءه ~~بها، فضمها إلى صدره وقبلها قبلة امتزجت فيها عاطفة الرحمة بعاطفة الذكرى، وظل ينظر ~~بعينيه إلى السماء مرة وإلى «فرتز» أخرى، كأنما يوصيه بالطفلة ويستشهد الله على ذلك، ثم ~~التفت إلى القوم وقال بصوت ضعيف متهافت: «أشهدكم أيها الأصدقاء أن جميع ما تملك يدي ~~قسمة بين هذين.» وأشار إلى «فرتز» و«الطفلة»، ثم عاد إلى ذهوله واستغراقه، وأخذ يجود ~~بنفسه، وظل على ذلك ساعة ثم فتح عينيه مرة أخرى فرأى القوم يبكون من حوله ويتفجعون له، ~~فمرت بشفتيه ابتسامة خفيفة، كأنما اغتبط بمنظر تلك العظمة التي تجلت له في دموع هؤلاء ~~العظماء، وأخذ يقلب عينيه فيهم، فتقدم ms167 نحوه الموسيقي «فردريك» - وكان أعظم القوم شأنا ~~وأكبرهم سنا - وقال له: هل توصي بشيء يا مولاي؟ فحاول النطق فلم يستطعه، فظل يعالجه ~~حينا حتى استقاد له، فأنشأ يقول: أوصيك يا «فردريك» أن تجمع ألحاني جميعها في كتاب ~~واحد، وأوصيك يا «فرتز» أن تدفنني مع ماجدولين في قبرها، وأن تتولى شأن هذه الطفلة ~~الصغيرة وتحميها مما تحمي منه أهلك وولدك، حتى إذا يفعت زوجتها من الزوج الذي تختاره ~~لنفسها، وأوصيكم جميعا ألا تحزنوا على موتي، فإنني وإن قضيت حياتي شقيا فها أنتم ~~أولاء ترون الآن أنني أموت بينكم سعيدا، وكان هذا آخر ما نطق به، ثم أسلم روحه. # وكذلك انتهت حياة هذا الرجل العظيم الذي قتل الحب جسمه، ولكنه أحيا نفسه وسجلها في ~~سجل النفوس الخالدات. ~~(99) النهاية # أما أسرة «فرتز» فقد سعد حالها، وأصبحت في نعمة واسعة من العيش، لا ينغصها عليها ~~إلا ذكرى ذلك المحسن الكريم، وأما ماجدولين الصغيرة فقد تولى «فرتز» شأنها ورباها مع ~~ولده «برنار» - الذي رضعت معه في صغره - تربية قروية ساذجة بعيدة عن مفاسد المدينة ~~وآفاتها، حتى شبا فتحابا حبا شريفا طاهرا، فانتهى بهما الأمر إلى الزواج، فعاشا ~~أسعد عيشة وأهنأها، وأما المنزل فقد اشترته جمعية الموسيقى الملوكية في برلين وحفظته ~~تذكارا لاستيفن، ولا يزال حتى اليوم مزارا يزوره الناس ويشاهدون فيه آثار ذلك التاريخ ~~الذي دونه الشاعر «سيدروف» ويرون حديقته، وأزهار البنفسج المنتشرة في أنحائها، والحوض ~~المقام في وسطها، والسياج الدائر من حوله، والمقعد الذي جلس عليه «استيفن» وماجدولين ~~ليلة عاتبها وغاضبها، والغرفة الزرقاء التي كانت غرفة عرس ماجدولين أولا، ولحدها ~~أخيرا، ومكتبة استيفن، وقيثارته، والبيانو الذي وقع عليه في ساعته الأخيرة «لحن ~~الموت.» # فإذا فرغوا من زيارة المنزل ذهبوا إلى المقبرة فزاروا ذلك القبر الذي دفن فيه هذان ~~الشقيان البائسان، فيبلل تربته بالدمع منهم من نكب في حياته بمثل نكبتها، أو عاش ~~فيها شقيا كعيشهما . ms168