######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.Nazarat.Hindawi94061468 #META# Tags: literature #META# ID: 94061468 #META# Title: النظرات #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # المقدمة‏ # الغد‏ # الكأس الأولى‏ # الدفين الصغير‏ # مناجاة القمر‏ # أين الفضيلة؟‏ # الغني والفقير‏ # مدينة السعادة‏ # أيها المحزون‏ # إلى الدير‏ # الرحمة‏ # رسالة الغفران‏ # عبرة الدهر‏ # أفسدك قومك‏ # الصدق والكذب‏ # النظامون‏ # الحرية‏ # عبرة الهجرة‏ # الإنصاف‏ # المدنية الغربية‏ # يوم الحساب‏ # الشعرة البيضاء‏ # الصياد‏ # الانتحار‏ # الجمال‏ # الكذب‏ # غرفة الأحزان‏ # الشرف‏ # الحب والزواج‏ # الإسلام والمسيحية‏ # أهناء أم عزاء؟‏ # الزوجتان‏ # في سبيل الإحسان‏ # أدب المناظرة‏ # الإحسان في الزواج‏ # لا همجية في الإسلام‏ # البخيل‏ # البعوض والإنسان‏ # الجزع‏ # الاتحاد‏ # النبوغ‏ # البائسات‏ # البيان‏ # السريرة‏ # زيد وعمرو‏ # أبو الشمقمق‏ # دورة الفلك‏ # تأبين فولتير‏ # العلماء والجهلاء‏ # الرجل والمرأة‏ # الدعوة‏ # الجزء الثاني‏ # الحياة الذاتية‏ # العبرات‏ # دمعة على الإسلام‏ # السياسة‏ # خداع العناوين‏ # الإغراق‏ # اللقيطة‏ # الصندوق‏ # الغناء العربي‏ # التوبة‏ # الحسد‏ # الوفاء‏ # خبايا الزوايا‏ # الجامعة الإسلامية‏ # القمار‏ # الأوصياء‏ # العام الجديد‏ # سحر البيان‏ # الكبرياء‏ # الانتحار‏ # الحياة الشعرية‏ # رباعيات الخيام‏ # إلى تولستوي‏ # مقدمة «مختارات المنفلوطي»‏ # وا رحمتاه!‏ # خطبة الحرب‏ # الإنسانية العامة‏ # أدوار الشعر العربي‏ # حوانيت الأعراض‏ # الرثاء‏ # الشعر‏ # الشهيدتان‏ # الدعاء‏ # ليلة في التمثيل‏ # الكوخ والقصر‏ # على سرير الموت‏ # غدر المرأة‏ # الضاد‏ # سياحة في كتاب‏ # دمعة على الأدب‏ # الصحافة‏ # التماثيل‏ # مدرسة الغرام‏ # أمس واليوم‏ # المرقص‏ # البعث‏ # الرسائل‏ # الكلمات‏ # الجزء الثالث‏ # البيان‏ # الناشئ الفقير‏ # قتيلة الجوع‏ # الأدب الكاذب‏ # إيفون الصغيرة‏ # الملاعب الهزلية‏ # الشيخ علي يوسف‏ # العظمة‏ # الانتقاد‏ # يوم العيد‏ # من الشيوخ إلى الشبان‏ # الموتى‏ # الزهرة الذابلة‏ # الوجهاء‏ # جرجي زيدان‏ # احترام المرأة‏ # الانتقام‏ # الخطبة الصامتة‏ # اللفظ والمعنى‏ # الآداب العامة‏ # المؤتمر الإسلامي‏ # في أكواخ الفقراء‏ # الضمير‏ # الماضي والحاضر‏ # الشيخوخة المتمردة‏ # عجائز بوشنج‏ # الأجواء‏ # الفتاة والبيت‏ # الأربعون‏ # الجزء الأول‏ # المقدمة‏ # الغد‏ # الكأس الأولى‏ # الدفين الصغير‏ # مناجاة القمر‏ # أين الفضيلة؟‏ # الغني والفقير‏ # مدينة السعادة‏ # أيها المحزون‏ # إلى الدير‏ # الرحمة‏ # رسالة الغفران‏ # عبرة الدهر‏ # أفسدك قومك‏ # الصدق والكذب‏ # النظامون‏ # الحرية‏ # عبرة الهجرة‏ # الإنصاف‏ # المدنية الغربية‏ # يوم الحساب‏ # الشعرة البيضاء‏ # الصياد‏ # الانتحار‏ # الجمال‏ # الكذب‏ # غرفة الأحزان‏ # الشرف‏ # الحب والزواج‏ # الإسلام والمسيحية‏ # أهناء أم عزاء؟‏ # الزوجتان‏ # في سبيل الإحسان‏ # أدب المناظرة‏ # الإحسان في الزواج‏ # لا همجية في الإسلام‏ # البخيل‏ # البعوض والإنسان‏ # الجزع‏ # الاتحاد‏ # النبوغ‏ # البائسات ms001 ‏ # البيان‏ # السريرة‏ # زيد وعمرو‏ # أبو الشمقمق‏ # دورة الفلك‏ # تأبين فولتير‏ # العلماء والجهلاء‏ # الرجل والمرأة‏ # الدعوة‏ # الجزء الثاني‏ # الحياة الذاتية‏ # العبرات‏ # دمعة على الإسلام‏ # السياسة‏ # خداع العناوين‏ # الإغراق‏ # اللقيطة‏ # الصندوق‏ # الغناء العربي‏ # التوبة‏ # الحسد‏ # الوفاء‏ # خبايا الزوايا‏ # الجامعة الإسلامية‏ # القمار‏ # الأوصياء‏ # العام الجديد‏ # سحر البيان‏ # الكبرياء‏ # الانتحار‏ # الحياة الشعرية‏ # رباعيات الخيام‏ # إلى تولستوي‏ # مقدمة «مختارات المنفلوطي»‏ # وا رحمتاه!‏ # خطبة الحرب‏ # الإنسانية العامة‏ # أدوار الشعر العربي‏ # حوانيت الأعراض‏ # الرثاء‏ # الشعر‏ # الشهيدتان‏ # الدعاء‏ # ليلة في التمثيل‏ # الكوخ والقصر‏ # على سرير الموت‏ # غدر المرأة‏ # الضاد‏ # سياحة في كتاب‏ # دمعة على الأدب‏ # الصحافة‏ # التماثيل‏ # مدرسة الغرام‏ # أمس واليوم‏ # المرقص‏ # البعث‏ # الرسائل‏ # الكلمات‏ # الجزء الثالث‏ # البيان‏ # الناشئ الفقير‏ # قتيلة الجوع‏ # الأدب الكاذب‏ # إيفون الصغيرة‏ # الملاعب الهزلية‏ # الشيخ علي يوسف‏ # العظمة‏ # الانتقاد‏ # يوم العيد‏ # من الشيوخ إلى الشبان‏ # الموتى‏ # الزهرة الذابلة‏ # الوجهاء‏ # جرجي زيدان‏ # احترام المرأة‏ # الانتقام‏ # الخطبة الصامتة‏ # اللفظ والمعنى‏ # الآداب العامة‏ # المؤتمر الإسلامي‏ # في أكواخ الفقراء‏ # الضمير‏ # الماضي والحاضر‏ # الشيخوخة المتمردة‏ # عجائز بوشنج‏ # الأجواء‏ # الفتاة والبيت‏ # الأربعون‏ # | النظرات # | النظرات # تأليف # مصطفى لطفي المنفلوطي # | الجزء الأول # | المقدمة # يسألني كثير من الناس - كشأنهم في سؤال الكتاب والشعراء - كيف أكتب رسائلي؟ ~~كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسلكها إليها فيسلكوها معي، وخير لهم ألا ~~يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في ~~الكتابة بطريقتي، أو طريقة أحد من الكتاب غيري. وليعلموا - إن كانوا يعتقدون لي ~~شيئا من الفضل في هذا الأمر - أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل التي يعلمونها ~~بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلا لأني استطعت أن أتفلت من ~~قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني في ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها علي، ~~وعجزها عن أن تمسك إلا قليلا من المقروءات التي كانت تمر بي، فلقد كنت أقرأ من منثور ~~القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا ~~جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب ms002 به. # وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب ~~بياني، أو تقويم لساني، أو تكثير مادة علمي باللغة والأدب، بل كل ما كان من أمري أنني ~~كنت امرأ أحب الجمال وأفتتن به كلما رأيته في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب ~~الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو قمم الجبال، أو سفوح التلال، أو ~~شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نغمة الغناء، أو رنة الحداء، أو مجتمع ~~الأطيار، أو منتثر الأزهار، أو رقة الحس، أو عذوبة النفس، أو بيت الشعر، أو قطعة النثر. ~~فكنت أمر بروض البيان مرا، فإذا لاحت لي زهرة جميلة بين أزهاره تتألق في غصن ~~زاهر بين أغصانه، وقفت بين يديها وقفة المعجب بها، الحاني عليها، المستهتر بحسن تكوينها ~~وإشراق منظرها، من حيث لا أريد اقتطافها أو إزعاجها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد ~~علقت بنفسي صورتها إلى أخرى غيرها. # وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفس تطير سرورا به، وتسيل وجدا عليه، وما هو إلا ~~أن درت ببعض تلك الرياض بعض دورات، ووقفت على أزهارها بعض وقفات، حتى شعرت أن قد ~~بدلت بنفسي نفسا غيرها، وأن بين جنبي حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، ~~فأصبحت أرى الأشياء بعين غير التي كنت أراها بها، وأرى فيها من المعاني الغريبة ~~المؤثرة ما يملأ العين حسنا، والنفس بهجة. # فقد كنت أرى الناس فرأيت نفوسهم، وأرى الجمال فرأيت لبه وجوهره، وأرى الخير فرأيت ~~حسنه، وأرى الشر فرأيت قبحه، وأرى النعماء فرأيت ابتساماتها، وأرى البأساء فرأيت ~~مدامعها، وأرى العيون فرأيت السحر الكامن في محاجرها، وأرى الثغور فرأيت الخمر ~~المترقرقة بين ثناياها. # وكنت أرى الشمس فرأيت خيوطها الفضية الهفافة بين السماء والأرض، وأرى القمر فرأيت ~~شعاعه كأنما يهم أن ينبسط حتى يفيض عن جوانبه فيضا، وأرى الفجر فرأيت بياضه وهو ~~يدب في تجاليد الظلام دبيب المشيب في تجاليد الشباب، وأرى النجوم فرأيت عيونها ~~الذهبية تطل على الكون من فروج ms003 قميص الليل، وأرى الليل فرأيته وهو يهوي بأجنحته ~~السوداء إلى الأرض هوي الكرى إلى الأجفان. # وكنت أسمع خرير المياه فسمعت مناجاتها، وحفيف الأوراق ففهمت نغماتها، وتغريد ~~الأطيار فعرفت لغاتها؛ فأحببت الأدب حبا جما ملأ ما بين جانحتي، فلم تكن ~~ساعة من الساعات أحب إلي ولا آثر عندي من ساعة أخلو فيها بنفسي، وأمسك علي بابي ~~ثم أسلم نفسي إلى كتابي، فيخيل إلي كأني قد انتقلت من هذا العالم الذي أنا فيه ~~إلى عالم آخر من عوالم التاريخ الغابر، فأشاهد بعيني تلك العصور الجميلة، عصور ~~العربية الأولى، وأرى العرب في جاهليتها بين خيامها وأخبيتها، وأطنابها، وأعوادها، ~~وإبلها وشائها، وشيحها وقيصومها، وأرى مساجلاتها ومنافراتها، وحبها وغرامها، وعفتها ~~ووفاءها، وصبرها وبلاءها، وحداءها وغناءها، وأسواق شعرائها، وموقف خطبائها، ~~وفقرها وإقلالها، وشحوب وجوهها، وسمرة ألوانها، وضوى أجسامها، وترددها في ~~بيدائها بين حمارة القيظ وصبارة البرد، وتنقلها من صحراء إلى ريف، ومن مشتى ~~إلى مصيف، ومن نجد إلى وهد، ومن شرف إلى غور، وانتجاعها مواقع الغيث، ومنابت ~~العشب، وقناعتها من الطعام بأحفان التمر، وقعاب اللبن وأصوع الشعير، فإذا جد ~~الجد أكلت القد واشتوت الجلد، وتبلعت بالضب واليربوع وعراقيب الآبال، ~~وأظلاف الأبقار، واكتفاءها من اللباس بأكسية الكرابيس وأردية الأشعار، وقمص الأوبار، ~~فإذا أعوزها ذلك لبست الظل، وافترشت الرمل، غير ناقمة ولا ساخطة ولا متبرمة بقضاء ~~الله وقدره في قسمة أرزاقه بين عباده، ولا باكية حظها من رخاء العيش ولينه. # ثم أراها بعد ذلك وقد أنعم الله عليها بنعمة المدنية الإسلامية، فأرى رغد عيشها، ~~ولين طعامها، واعشوشاب جانبها، وعذوبة مواردها ومصادرها، وسرورها وغبطتها بما أفاء الله ~~عليها من ذخائر الفرس وأعلاق الروم، وامتلاء قصورها باللؤلؤ المنظوم من القيان، ~~واللؤلؤ المنثور من الولدان. # وأرى مجالس غنائها، ومجامع أنسها، ومسارح لهوها، ومجاملات سبقها، وملاعب جيادها، ~~ومذاهب طرائدها، ومواقف حجها، وازدحام شعرائها على أبواب أمرائها، وجوائز أمرائها في ~~أيدي شعرائها، وانطلاق ألسنتها بوصف ما تشاء من الأعواد والبرابط والمعازف والمزاهر، ~~والأقداح والدنان، والموائد والصحف، وألوان الطعام؛ حلوه وحامضه، وأصناف ~~الشراب؛ حلاله ms004 وحرامه، والطيور المحلقة في الأجواء، والسفن الذاهبة في ~~الدأماء، والرياض الخضراء، والغابات الشجراء، والقصور وتماثيلها، والبحيرات وأسماكها، ~~والأنهار وشواطئها، والأزهار ونفحاتها، والغيوث وقطراتها، ودبيب الحب في القلب، ~~والغناء في السمع، والصهباء في الأعضاء، وخلجة الشك، ولمحة الفكر، وبارقة المنى. # ثم لا أشاء أن أرى بين هذا وذاك خلقا عذبا، أو أدبا غضا، أو حبا وفيا، أو ~~مجونا مستظرفا، أو جوارا مستملحا، إلا وجدته، ولا أن أسمع ما تهتف به العاتق في ~~خدرها، وما يحدو به الحادي في أعقاب إبله، وما يتغنى به العاشق، وما يهذي به الشارب، ~~وما يترنم به الشادي، وما يساجل به الماتح إلا سمعته، ولا أن أعلم ما يهجس في نفس ~~المحب إذا اشتمل عليه ليله، والحائر إذا ضل به سبيله، والثاكل إذا فجعت بواحدها، ~~والموتور إذا حيل بينه وبين واتره، والكريم إذا لاح له منظر من مناظر البؤس والشقاء، ~~والغريب في دار غربته، والسجين بين جدران سجنه، والخائف إذا وقف بين الرضا والغضب، ~~والمقدم للقتل إذا وقف بين الرجاء واليأس، والبائس إذا أعوزه القوت، واليائس إذا ~~أعوزه الموت، والعزيز إذا ذل، والمشرف إذا هوى، والشريف إذا عبث بشرفه عابث، ~~والغيور إذا لمس عرضه لامس، إلا علمته. ولا أن أعرف خلق الدهر في تنقله بالناس، ~~ما بين رفع وخفض، وجدة وفقر، ونعيم وبؤس، وإقبال وإدبار، ولا أثر يده السوداء في ~~خراب القصور، وخلاء الدور، وإقفار المغاني، وتصويح الرياض، إلا عرفته. # فكنت أجد في نفسي من اللذة والغبطة بذلك كله ما لا يقوم به عندي كل ما ينعم به ~~الناعمون من رغد في العيش ورخاء، حتى ظننت أن الله سبحانه وتعالى قد صنع لي في هذا ~~الأمر، وأنه لما علم أنه لم يكتب لي في لوح مقاديره ما كتب للسعداء والمجدودين من ~~عباده من مال أو جاه أعيش في ظله، وأنعم بثمرته، زخرف لي هذا الجمال الخيالي ~~البريء من الريبة والإثم، وزوره لي تزويرا بديعا، ووضع لي فيه من الملاذ والمحاسن ~~ما لم يضع لغيري، رحمة لي وإرعاء ms005 علي أن أهلك أو يهلك لبي بين اليأس القاتل، ~~والرجاء الكاذب. وهكذا لا أزال محلقا في هذا الجو البديع من الخيال، أضحك مرة ~~وأكتئب أخرى، وأتغنى حينا، وأبكي أحيانا حتى يرميني الباب ببعض الطارقين أو يستعيد ~~إلي نفسي مستعيد. # ولم يكن حولي لذلك العهد ممن يستعين بمثلهم مثلي على الأدب أحد؛ لأنني كنت أعيش في ~~مفتتح عهدي به - ولم أكن زاهمت إذ ذاك الثالثة عشرة من عمري - بين أشياخ أزهريين من ~~الطراز القديم، لا يرون رأيي فيه، ولا يتعلقون منه بما أتعلق، فكانوا يرون أن ~~التوفر عليه أو الإلمام به عمل من أعمال البطالة والعبث، وفتنة من فتن الشيطان، ~~فكان الذين يتولون أمري منهم لا يزالون يحولون بيني وبينه، كما يحول الأب بين ولده ~~وبين ما يعرض له من فتن الهوى ونزغات الصبوة، ضنا بي، أن أنفق ساعة من ساعات دراستي ~~بين لهو الحياة ولعبها، فكنت لا أستطيع أن ألم بكتابي إلا في الساعة التي آمن فيها ~~على نفسي أن يلموا بأمري، وقليلا ما كنت أجدها، وكثيرا ما كانوا يهجمون مني على ما ~~لا يحبون، فإذا عثروا في حقيبتي، أو تحت وسادتي، أو بين لفائف ثوبي، على ديوان شعر أو ~~كتاب أدب خيل إليهم أنهم قد ظفروا بالدينار في حقيبة السارق، أو الزجاجة في جيب ~~الغلام، أو العشيق في خدر الفتاة، فأجد من البلاء بهم، والغصص بمكانهم، ما لا يحتمل ~~مثله مثلي، وهم لا يعلمون - أحسن الله إليهم - أنهم وجميع من يدور به جدار مسجدهم ~~حسنة من حسنات الأدب الذين ينقمون منه ما ينقمون، ويد من أياديه البيضاء على هذا ~~المجتمع البشري. # فلولا الأدب ما استطاع أئمتهم المجتهدون فهم آيات الكتاب المنزل، ولا استنباط تلك ~~الأحكام التي دونوها لهم وتركوها بين أيديهم يستغلونها كما يستغل المالك ضيعته، ويعيشون ~~في ظلها عيش السعداء المترفين. ولولاه ما استطاع علماؤهم اللغويون أن يورثوهم ~~هذه العلوم اللغوية، التي يدرسون اليوم نحوها وتصريفها وبيانها ومعانيها في مجالس ~~علمهم، ويدلون بمكانهم منها على الناس جميعا. # كما ms006 لا يعلمون أن الأدب هو خير ما يستعين به متعلم على علم، وأن الذوق الأدبي ~~الذي يستفيده المتأدب من دراسة الأدب ومزاولته هو الميزان الذي يزن به ويحاول فهمه من ~~عبارات العلوم وأساليبها، والدليل الذي يتسمته ويترسم مواقع أقدامه في فهم ~~أصول الدين؛ ليكون مجتهدا إن استطاع، أو واقفا على منازع المجتهدين، واللسان الذي ~~يستعين به على الإفضاء بأدق أغراضه وأعمقها وأقصاها مكانا من قلبه، ليكون إنسانا ~~ناطقا، ومعلما نافعا. ولو أن هؤلاء الزارين على الأدب من علماء الدين وشيوخه - وهم ~~اليوم والحمد لله قليل، بل هم في طريق الفناء والانقراض - قد تعلقوا منه بما كان يتعلق ~~به أسلافهم وأئمتهم من قبل، لنالوا به في دينهم خيرا كثيرا، ولاستدفعوا به عن ~~أنفسهم في أمره شرا عظيما، فما زال الدين واضح المنهج قائم الحجة، وما زالت آيات ~~الكتاب ومتون الأحاديث سائغة هنيئة، لا يلحقها الريب ولا يحيط بها الشك، ولا تطير ~~بجنباتها الأوهام والظنون، حتى جهل علماء الدين الأدب، ففسدت أذواقهم، وضلت ~~أفهامهم، فكثر بينهم التأويل والتخريج، ووهت تلك العقدة الوثيقة بين الألفاظ والمعاني، ~~واسترخت عراها من أيديهم، فأصبح كل لفظ في نظرهم محتملا لكل معنى حتى ما يأبى ~~أحدهما على الآخر شيئا، وتهافت ذلك الحاجز الحصين الذي كان قائما بين الحقيقة ~~والمجاز، والحقيقة والخيال، فبغى بعض الكلم على بعض، وعاث كل منهما في تربة صاحبه ~~إقبالا وإدبارا، وجيئة وذهوبا، وصعودا ونزولا، فاستطاع الواغلون في الدين ~~والناصبون له أن يدخلوا عليه الأحاديث المنحولة الغريبة في أساليبها عن مناهج العرب ~~ومناحيهم ما لا يضبطه الحساب كثرة، فهلكت الأمة بين هذا وذاك هلكا لا تزال تتجرع ~~كأسه المريرة حتى اليوم. # فالحمد لله أولا وللأدب ثانيا على نجاتي منهم فيما كانوا يرومون بي، ويحاولون مني، ~~بل أحمد الله إليهم كذلك، فقد كفيت بهم - وبسوء رأيهم في الأدب ونقمتهم عليه - شر ~~من يدخل بيني وبين نفسي في المفاضلة بين شاعر وشاعر، وكاتب وكاتب، أو الموازنة بين ~~أسلوب وأسلوب، وديباجة وأخرى، فلم يكن لي عون على ms007 ذلك كله غير شعور نفسي، وخفوق قلبي ~~خفقة السرور أو الألم، إن مر بي ما أحب أو ما أكره من حسنات القول أو سيئاته، من حيث ~~لا أعرف سبيل ذلك ومأتاه، فكان شأني في ذلك شأن السامع الطروب، الذي تطربه نغمة ~~وتزعجه أخرى، فيطير بالأولى فرحا وبالثانية جزعا، وقد يكون ضعيف الإلمام بضروب ~~الإيقاع وقواعد النغم، فكنت لا أقرأ إلا ما أفهم، ولا أفهم إلا ما أشعر أنه قد خرج من ~~فم قائله خروج السهم من القوس، فإذا هو في كبد الرمية ولبها، فإن رأيت أن ~~المعنى قد قام دونه ستار من التراكيب المتعاظلة، والأساليب الملتوية، علمت أن القائل ~~إما ضعيف المادة اللغوية فهو يعجز عن الإفضاء بما في نفسه؛ لأنه لا يعرف كيف يفضي به، ~~وإما جاهل لم يستو له المعنى الذي يريده كل الاستواء، ولم يدر في جوانب نفسه حتى ~~يستقر في قرارة منها، فهو يتخيله تخيلا ويجمجمه ويهذي به هذيانا فلا سبيل له إلى ~~الإفصاح عنه، وإما داهية محتال قد علم أن المعنى الذي يجول في نفسه، ويشتمل عليه ~~خاطره تافه مرذول، وكان لا بد له أن ينفقه على الناس ويزخرفه لهم ويزوره في ~~أعينهم، فهو يكسوه أسلوبا غامضا؛ ليكدهم ويجهدهم في سبيله، حتى إذا ظفروا به بعد ~~ذلك خيل إليهم أنهم قد ظفروا بمعنى غريب، أو خاطر بديع، ووجدوا فيه - عند الوصول ~~إليه - من اللذة والمتعة ما يجد الظامئ في ضحضاح الماء الكدر إذا أبعد النجعة في ~~طلبه، ووصل إليه بعد الجهد والإشفاء. # وإما عاجز ضعيف القوة النفسية، قد علم أن ضعفاء الأفهام من الناس - وهم سواد الأمة ~~ودهماؤها - لا يرضون عن معنى من المعاني، ولا يستسنون قيمته، ولا يقيمون ~~له وزنا، إلا إذا جاءهم في جلدة من الألفاظ المتكرسة المتقبضة. وأنهم إذا ورد ~~عليهم أثمن المعاني وأغلاها، وأكرمها جوهرا، وأطيبها عنصرا، في ثوب من الأساليب ~~الرقيقة الشفافة، ذهب بهم الوهم إلى أنه ما جاءهم على هذه الصورة إلا لأنه ساقط ~~مبتذل، أو سوقي مطروق، فاحتقروه ms008 وازدروه، وكان يرى - لضعف حيلته وسقوط همته - ~~أن لا بد له من موافاة رغبتهم، وبلوغ رضاهم، والنزول على حكمهم، فتجمل لهم ~~باللكنة والعي، وتملقهم بالغموض والإبهام. # وإما أعجمي يظن أن اللغة العربية حروف وكلمات، وهو لا يعرف منها غيرهما، فينطق ~~بشيء هو أشبه الأشياء بما يترجمه بعض المترجمين من اللغات الأعجمية ترجمة حرفية، فإن ~~نعيت عليه غرابة أسلوبه واستعجامه والتواءه على الفهم، كان مبلغ ما ينضح به عن نفسه ~~أن المعاني العصرية والخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها الأكسية البدوية والأردية ~~العربية، كأنما هو يظن أن المعاني والخواطر خطط وأقسام، وبقاع وضياع، هذا للشرق ~~وهذا للغرب، وهذا للعرب وهذا للعجم. أما الحقيقة التي لا ريب فيها فهي أن الرجل لا ~~ينتزع تلك المعاني من قرارة نفسه، ولا يصور فيها صورة عقله، وإنما هو مترجم قد ~~عثر بتلك المعاني في اللغة الأعجمية التي يعرفها، لاصقة بأثوابها الأصلية، فلما أراد ~~أن يفضي بها إلى العرب - وكان غير مضطلع بلغتهم ولا متمكن من أساليبهم - عجز عن أن ~~ينزع عنها أثوابها اللاصقة بها، فنقلها إليهم كما هي إلا ما كان من تبديل حرف بحرف، أو ~~كلمة بأخرى، من حيث يظن أنه يهتف بشيء قام في نفسه، أو يفضي بخاطر من خواطر ~~قلبه. # وإما شحيح يأبى له لؤم نفسه وخبث فطرته أن يمنح الناس منحته سائغة هنيئة دون أن ~~يكدرها عليهم بالمطل والتسويف، والممانعة والمحاولة. والشح خلق إذا نزل منزله من ~~نفس صاحبه أقام من نفسه حارسا يقظا على كل حاسة من حواسه الباطنة والظاهرة، حتى ~~لا يجد فيه واجد مصطنعا، ولا يظفر منه معتصر ببلة، فيضن بعلمه كما يضن ~~بماله، ويقبض لسانه عن النطق، كما يقبض يده عن الإنفاق، ويصرد عطاءه تصريدا ليستديم ~~به حاجة الناس إليه، كما يجيع كلبه ليتبعه، ولعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على ~~العجزة والجاهلين، والمحتالين والكاذبين، والأشحاء والباخلين. # وكان أشعر الشعراء عندي وأكتب الكتاب - سواء في ذلك المتقدم والمتأخر، ~~والنابه والخامل - أوصفهم لحالات نفسه أو أثر مشاهد الكون فيها، وأقدرهم ms009 على تمثيل ذلك ~~وتصويره للناس تصويرا صحيحا، كأنما هو يعرضه على أنظارهم عرضا، أو يضعه في أيديهم ~~وضعا، فإن ظننت أن القائل كاذب فيما يقول، أو أنه يرسم صورة غير الصورة التي ~~تتلجلج في نفسه، أو أنه لغوي يفر من ضعف أسلوبه وفساد نظمه إلى أكمة من الألفاظ ~~الغريبة، والتراكيب المستوعرة يكمن وراءها، أو ناقل يتخذ الكتابة حقيبة يحشوها ~~بالمسائل العلمية أو الوقائع التاريخية حشوا، أو مترجم ينقل عن اللغة الأعجمية التي ~~يعرفها آراء علمائها وخيالات شعرائها، وكأنما هو صاحبها، أو شعرت أنه قد مر بخاطره ~~وهو ينطق بكلمته أن يكون بليغا فيها أو مبدعا ليعجب الناس منها، كان كل حظه ~~مني أن أعرف له قدره في العلم، ومنزلته من الذكاء والفهم إن أحسن فيما يقول، ولكنني ~~لا أعده كاتبا ولا شاعرا؛ لذلك كان أغزل الغزل عندي غزل العاشقين، وأفضل الرثاء رثاء ~~الثاكلين، وأشرف المدح مدح الشاكرين، وخير العظات عظات المخلصين، وأجمل البكاء بكاء ~~المنكوبين، وأحسن الهجاء هجاء الصادقين، وأبرع الوصف وصف الرائين المشاهدين. # ولا أدري ما الذي كان يعجبني في مطالعاتي من شعر الهموم والأحزان، ومواقف البؤس ~~والشقاء، وقصص المحزونين والمنكوبين خاصة، فقد كان يعجبني كل العجب ويبكيني أحر ~~البكاء وأشجاه شقاء المهلهل في الطلب بثأر أخيه، وشقاء امرئ القيس في الطلب بثأر أبيه، ~~وبكاء جليلة أخت جساس على زوجها وأخيها، وبكاء عدي بن زيد على نفسه في سجن النعمان، ~~وبكاء متمم بن نويرة على أخيه مالك حتى دمعت عينه العوراء، وبكاء ليلى بنت طريف على ~~أخيها الوليد، وهيام أم حكيم زوج عبيد الله بن العباس في المواقف والمواسم تنشد طفليها ~~الذبيحين، وبكاء الشريف على المناذرة في خرائب الحيرة، وبكاء أبي عبادة على الأكاسرة ~~في خرائب المدائن، وبكاء الرضي على بني هاشم، وبكاء العبلي على بني أمية، وبكاء ~~الرقاشي على بني برمك، وذل أبي فراس في أسره، والمعتمد بن عباد في سجنه، وبكاء ~~الوزير ابن زيدون على نفسه مرة وعلى ولادة أخرى، وبكاء ابن مناذر على عبد المجيد، ~~والبحتري ms010 على المتوكل، وابن اللبانة على ابن عباد، والتيمي على يزيد بن مزيد، ومروان بن ~~حفصة على معن بن زائدة، وجنون المجنون بليلاه، وجلوسه في جنبات الحي منفردا عاريا، ~~مذهوب اللب، مشترك العقل، يهذي ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب، ثم هيامه بعد ذلك مع ~~الوحش في البرية لا يأكل إلا ما ينبت فيها من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت ~~مناهلها، وراحته إلى الطريق يصعد مع مصعديه، وينحدر مع منحدريه، حتى هلك في أرض ~~مقشعرة مغبرة بين الصخور والأحجار. # وشقاء قيس لبنى بلبناه بعد أن طلقها برا بوالده ونزولا على حكمه، وذهاب الحب ~~به بعد ذلك كل مذهب، حتى هلك بين الوفاء للفضيلة والوفاء للحب، وموقف جميل بن معمر بين ~~يدي أبيه وهو يعتب عليه أشد العتب وأمره في استهتاره بحب بثينة، ومخاطرته بنفسه في ~~الإلمام بحبها فيقول: «يا أبت هل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن ~~يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي به عليه؟ والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من ~~قلبي، أو أزيل شخصها من عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاء بليت به ~~لحين قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو مت كمدا، وهذا جهدي ~~ومبلغ ما أقدر عليه.» # وبكاء النبي # صلى الله عليه وسلم # عندما سمع قيس بن عاصم يحدث عن نفسه أنه كان يئد بناته في ~~الجاهلية، وأن واحدة منهن ولدتها أمها وهو في سفر فدفعتها إلى أخوالها؛ ضنا بها ~~على الموت، وإشفاقا عليها، فلما عاد وسألها عن الحمل قالت له: إنها ولدت مولودا ~~ميتا، ثم مضت على ذلك سنون عدة حتى كبرت البنت ويفعت، فزارت أمها ذات يوم فرآها ~~عندها، فأعجب بجمالها وذكائها، وسألها عنها، فحدثته حديثها على وجهه ولم تكتمه شيئا ~~منه؛ طمعا في أن يضمها إليه ويمنحها رحمته وعطفه، فأمسك عنها أياما، ثم تغفل أمها ~~عنها ذات يوم وخرج بها إلى الصحراء حتى أبعد، فاحتفر ms011 لها حفرة وجعلها فيها، فجلعت ~~تقول: «يا أبت ما تريد أن تصنع بي؟ وما هذا الذي تفعل؟» وهو يهيل عليها التراب ولا ~~يلتفت إليها، وهي تئن وتقول: «أتاركي أنت يا أبت وحدي في هذا المكان ومنصرف عني؟» حتى ~~واراها وانقطع أنينها. # وبكاء الأعرابية التي مات منها ولدها في دار غربة فدفنته، ثم وقفت على قبره تودعه ~~وتقول: «والله يا بني لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأن لم يكن بين الحالين مدة ~~ألتذ بعيشك فيها، فأصبحت بعد الغضارة والنضارة، ورونق الحياة والتنسم بطيب روائحها تحت ~~أطباق الثرى، جسدا هامدا، ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا، اللهم إنك قد وهبته لي قرة ~~عين فلم تمتعني به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، ~~فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فارحم اللهم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته يوم تنكشف ~~الهنات والسوآت. وا ثكل الوالدات! ما أمض حرارة قلوبهن، وأقلق مضاجعهن، وأطول ~~ليلهن، وأقل أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، وأقربهن من الأحزان!» # وشقاء ذينك البائسين المنكوبين عروة بن حزام وعفراء بنت عقال، ومناصبة الدهر لهما ~~وانقطاع سبيله بهما، حتى أصبحت زوجا لغيره، وأصبح من بعدها هائما مختبلا، يرمي بنفسه ~~المرامي، ويقذف بها في فجاج الأرض ومخارمها، حتى بلغ منزلها ذات يوم، فتنكر حتى زارها ~~وهو يظن أن زوجها لا يعلم من أمره إلا أنه أحد الأضياف الغرباء، فلما علم أنه يعرف ~~حقيقة أمره، وأنه على ذلك لا يتهمه ولا يتنكر له عزم على الانصراف حياء منه، وقال لها: ~~«يا عفراء، أنت حظي من الدنيا وقد ذهبت فذهبت دنياي بذهابك، فما قيمة العيش من بعدك؟ ~~وقد أجمل هذا الرجل عشرتي واحتمل لي ما لا يحتمله أحد لأحد حتى استحييت منه، وإني ~~راحل من هذا المكان، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي!» وما زال يبكي وتبكي حتى انصرف، ~~فلما رحل نكس بعد صلاحه وتماسكه، وأصابه غشي وخفقان، فكان كلما أغمي عليه ألقي على ~~وجهه خمار لعفراء كانت زودته إياه، فيفيق حتى بلغ حيه، وأمسك عاما كاملا ms012 لا يسمع ~~منه سامع كلمة ولا أنة، حتى بلغ منه اليأس فسقط مريضا، فمر به بعض الناس فرآه ~~ملقى بجانب خبائه، فسأله عما به فوضع يده على صدره وقال: # كأن قطاة علقت بجناحها # على كبدي من شدة الخفقان # ثم شهق شهقة كانت نفسه فيها، فلما بلغ عفراء خبره قامت إلى زوجها، وقالت له: «قد ~~كان من خبر ابن عمي ما كان، وقد مات في وبسببي ولا بد أن أندبه وأقيم مأتما عليه.» ~~فقال: «افعلي.» فما زالت تندبه ثلاثا حتى ماتت في اليوم الرابع! # وشقاء سعد الوراق بحب عيسى النصراني حينما علم أن أهله قد بنوا له ديرا بنواحي ~~الرقة ليترهب فيه ويحتجب عن الناس، فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأحرق بيته وفارق ~~أهله وإخوانه، ولزم صحراء الدير عله يجد السبيل إلى الوصول إليه، فامتنع عليه ذلك بعدما ~~ذل للرهبان وتخضع لهم، وتأتي لهم بكل سبيل فلم يجده ذلك شيئا، فصار إلى الجنون ~~وخرق ثيابه وأصبح عريان هائما، لا شأن له إلا أن يقف بكل طائر يراه على شجرة ~~فيناشده الله أن يبلغ رسائله إلى عيسى، حتى رآه بعض الناس في بعض الأيام ميتا إلى جانب ~~الدير. # وأمثال ذلك من مواقف البؤس ومصارع الشقاء، كأنما كنت أرى أن الدموع مظهر الرحمة في ~~نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أن الحياة ~~موطن البؤس والشقاء، ومستقر الآلام والأحزان، وأن الباكين هم أصدق الناس حديثا ~~عنها، وتصويرا لها، فلما أحببت الصدق أحببت البكاء لأجله، أو كأنما كنت أرى أن بين ~~حياتي وحياة أولئك البائسين المنكوبين شبها قريبا وسببا متصلا، فأنست بهم وطربت ~~بنواحهم طرب المحب بنوح الحمائم، وبكاء الغمائم، أو كأنما كنت في حاجة إلى بعض قطرات من ~~الدمع أتفرج بها مما أنا فيه، فلما بكى الباكون وبكيت لبكائهم وجدت في مدامعهم شفاء ~~نفسي، وسكون لوعتي، أو كأنما كنت أرى أن جمال العالم كله في الشعر، وأن الشعر هو ما ~~تفجر من صدوع الأفئدة الكليمة فجرى من عيون ms013 الباكين مع مدامعهم، وصعد من صدورهم مع ~~زفراتهم. # تلك أيامي التي سعدت بها برهة من الدهر، ومر لي فيها أحسن ما مر لأحد، والتي لا ~~أزال أذكرها بعد مرور تلك الأعوام الطوال، فأكاد أشرق بدمعي لذكراها، ثم انثنيت فوجدت ~~يدي صفرا منها، وإذا أنا بين يدي هذا العالم المظلم المقشعر؛ عالم الحقيقة والألم، ~~فنظرت إليه نظر الغريب الحائر إلى بلد لا عهد له به ولا سكن له فيه، فرأيت مخازيه ~~وشروره وظلمة أجوائه، واغبرار سمائه، وقتال الناس بعضهم بعضا على الذرة والحبة، ~~والنسمة والهبوة، واتساع مسافة الخلف بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وسلطان القوة على ~~الحق، وغلبة الجهل على العلم، وإقفار القلوب من الرحمة، وجمود العيون عن البكاء، وعجز ~~الفقراء عن فتات موائد الأغنياء، وتمضغ الأغنياء بلحوم الفقراء. # ورأيت الترائي بالرذيلة حتى ادعاها لنفسه وأنحلها إياها من لا يتخلق بها طلبا لرضا ~~الناس عنه برضاه عنها، ورأيت البراءة من الفضيلة حتى فر بها صاحبها من وجوه الساخرين به ~~والناقمين عليه فرار العاري بسوأته، والموسوم بخزيته. # ورأيت الرجل والمرأة وقد سرا كل منهما ثوبه عن جسمه وألقاه بين يديه، ثم تقايضا ~~فلبست قباءه ولبس غلالتها، فأصبح امرأة لها من النساء التكسر والتبرد، وأصبحت رجلا ~~له من الرجال التوقح والتشطر. # ورأيت الدين - وهو دوحة السلام الخضراء التي يستظل بها الضاحون من لفحات الحياة ~~وزفراتها - قد استحال في أيدي الناس إلى سهام مسمومة يحاول كل منهم أن يصيب بها كبد ~~أخيه فلا يخطئها. # ورأيت ضلال الأسماء عن مسمياتها، وحيرة مسمياتها بينها، واضطراب الحدود والتعاريف عن ~~أماكنها ومواقفها، حتى دخل فيها ما لم يكن داخلا، وخرج منها ما لم يكن خارجا، ~~فسمي الشح اقتصادا، والكرم إسرافا، والحلم جبنا، والسماجة جرأة، ~~والسفاهة براعة، والفجور فتوة، والتبذل حرية. واشتبهت طرق الفضيلة ومسالكها على من ~~يريد ركوبها؛ لأنه يجد على رأس كل واحدة منها زعيما من زعماء الخديعة والكذب يصرفه ~~عنها إلى غيرها. # وكنت أرى أن الأدب حال قائمة بالنفس، تمنع صاحبها أن يقدم على شر أو ms014 يحدث ~~نفسه به، أو يكون عونا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوة من شهوات النفس أو نزوة من ~~نزواتها وجد في نفسه عند غشيانه ومخالطته من المضض والارتماض ما ينغص عليه عيشه، ويقلق ~~مضجعه، ويطيل سهده وألمه، فإذا هو صورة من صور الجوارح، وعرض من أعراض الجسم لا دخل ~~له في جوهر النفس، ولا علاقة بينه وبين الحس والوجدان. # فأكثر الناس عند الناس أدبا، وأقومهم خلقا، وأطهرهم نفسا، من لا يفي على شرط أن ~~يعد، ومن يكذب على أن يكون كذبه سائغا مهذبا، ومن يملأ صدره موجدة وحقدا على أن ~~يكون بساما ضحوك السن، ومن يسرق على أن يستطيع العبث بمواد القانون وخداع القضاة ~~عنها، ومن يبغض الناس جميعا بقلبه على أن يحبهم جميعا بلسانه، ومن يحفظ تلك المصطلحات ~~اللفظية، وتلك الصور الجافة من الحركات الجسمية التي تواضع عليها المتكلفون في الزيارة ~~والاستزارة، والهناء، والعزاء، والمؤاكلة والمنادمة، وأمثال ذلك مما يرجع العلم به ~~غالبا إلى صغر النفس وإسفافها أكثر مما يرجع إلى علومها وكمالها، فداخلني من ذلك هم ~~عظيم لم أستطع أن أملك نفسي معه، كأنما خيل إلي - لقرب عهدي بما أرى - أنني أرى ~~شيئا عجيبا، أو منظرا غريبا، أو كأنما كنت أحسب أن عالم الخيال الذي كنت فيه إنما ~~هو صورة صحيحة لعالم الحقيقة الذي أنتقل إليه، فأزعجني ما رأيت من هذا الاختلاف ~~العظيم بينهما، فأرسلت الكلمة إثر الكلمة كما يتنفس المتنفس أو يئن الحزين، فرأى ذلك ~~بعض الناس فسموا ما رأوه كلاما، ثم ما زالوا يستحسنون ما أقول ويغرونني بأمثاله، وما ~~زلت أطمع فيهم وأرجو أن أصيب ما في نفوسهم حتى رأيتني كاتبا. # ولقد كان لهذا الأدب الذي توليت نفسي به أثر باق عندي إلى هذه الساعة التي أكتب ~~فيها رسالتي هذه، فإني لا أحسن حتى اليوم أن أكتب كلمة يفضي بها إلي غيري، أو أعبر ~~عن معنى لا يقوم بنفسي، أو أبكي على من لا يحزنني فراقه، أو أندب من لا يفجعني موته، ~~أو أستنكر ما أستحسن ms015 ، أو أستحسن ما أستنكر. كما لا أستطيع أن أمر بمشهد من تلك ~~المشاهد التي تهيج في نفسي حزنا شديدا أو طربا كثيرا، فأملك نفسي عن محاولة ~~الإفضاء بما تركه عندي من خير أو شر، وما أعلم أني كتبت كلمة في شأن من الشئون إلا ~~وكان بعض تلك المشاهد منشؤها في قلبي، فقد كنت رجلا لا أحب الكذب ولا أحمل نفسي عليه ~~ما وجدت منه بدا، فأبغضت الكاذبين بغض الأرض للدم، فكان من همي أن أقاتلهم على ~~الصدق قتالا مستحرا حتى أصل بهم إلى إحدى الحسنيين: إما أن يكونوا صادقين، وإما أن ~~يعلم الناس أنهم كاذبون. # وكنت إنسانا بائسا لم يترك الدهر سهما من سهامه النافذة لم يرمني به، ولا جرعة من ~~كئوس مصائبه ورزاياه لم يجرعني إياها، فقد ذقت الذل أحيانا، والجوع أياما، والفقر ~~أعواما، ولقيت من بأساء الحياة وضرائها ما لم يلق بشر، فشعرت بمرارة الحياة في أفواه ~~المساكين، ورأيت مواقع سهام الدهر في أكباد البائسين والمنكوبين، فكان من همي أن ~~أبكي كل بائس، وأندب كل منكوب، وأطلب رحمة القوي للضعيف، والغني للفقير، والعزيز ~~للذليل. # وقدر لي فيما مر بي من أيام حياتي أن رأيت بعيني من وقفت بين يديه امرأة ذليلة ~~تبكي وتضرع إليه أن يرضخ لها بقليل من المال لتستعين به على ستر ما كشف ابنه من سوأة ~~ابنتها، فأبى ذلك عليها، وقال لها وهو يحسب أنه يعلم ما يقول: «أيتها المرأة لا حق ~~لابنتك عندي ولا عند ولدي، فلم يكن حظه منها فيما كان من أمرهما بأكبر من حظها منه!» ~~ورأيت من تزوج فتاة كان يمسك في نفسه لأهلها حقدا قديما، فما دنا منها ليلة البناء ~~بها حتى صدف عنها صارخا: «أيها الناس: إن الفتاة مريبة.» وكان كاذبا فيما يقول، ~~ولكن صدقه الناس، فانتقم لنفسه بذلك شر انتقام وأقذعه. # ورأيت من دخلت إليه امرأة من أولئك النساء المريبات تسأله بعض المعونة على أمرها، ~~فأمر بطردها ذهابا بنفسه أن تسوء بمكانها، وكان هو الذي أفسدها على نفسها ms016 ، فنزل بها ~~فسادها إلى هذه المنزلة من السقوط ثم الفقر، فلما جد الجد حاسبها على لقمة تتذوقها في ~~بيته، ولم يحاسب نفسه على عرض كان يأكله في بيتها أكلا، فكان بي منذ ذلك العهد أن ~~أنظر إلى المرأة بعين غير التي ينظر بها الناس إليها، وأن ألتمس لها من العذر - وإن ~~زلت بها قدم - ما لا يلتمسه لها أحد، وأن أنتصف لها من الرجل كلما وجدت السبيل ~~إلى ذلك، حتى يديل لها الله منه. # وكنت من شئون عيشي في حالة لا أستطيع معها أن أعتزل الناس الاعتزال كله، ولا أن ~~أختار لعشرتي من أشاء من خيارهم وذوي المروءة فيهم، فلبستهم على علاتهم، فما حفظ لي ~~صديق عهدا، ولا صان لي صاحب سرا، ولا استدنت مرة فنفس عني دائن، ولا دنت فوفى ~~لي مدين، ولا رد لي مستعير عارية، ولا شكر لي شاكر صنيعة، ولا فرج لي كربتي ~~مفرج إلا إذا استقطر ماء وجهي إلى القطرة الأخيرة منه؛ ليأخذ أكثر مما أعطى، ويسلب فوق ~~ما وهب. # ووجدت في طريق حياتي من خالطني مخالطة الزائر للمزور، حتى أمكنته الفرصة فسرق مالي ~~بعدما تحرم بطعامي وشرابي، ومن كان يتردد وجهه في وجهي فأكره أن أرده بالأمل الخائب، ~~فلما عجزت عن ذلك مرة أضمر لي في قلبه من الشر ما لا يضمر مثله الرجل إلا لمن يغلبه ~~على تراث أبيه وأمه، أو يخضب لحيته من دم مفرقه، ومن نصب لي وغري بمحادتي ~~ومماظتي؛ لأنه كان يحمل في رأسه فتكة لم يجد في طريقه من يحملها عنه ويستخذي له فيها ~~سواي. # ومن أخذ نفسه بالنيل مني والغض من شأني؛ لأنه كان يشكو الخمول والضعة، وكان لا بد له ~~من أن يكون نابها مذكورا، فاتفق له أن رأى عاتقي بين يديه فظن أنه أعلى العواتق ~~وأبعدها مذهبا في جو السماء، فعلاه ليشرف منه على الناس فيعرفوا مكانه، فوالله ما ~~تحلحلت ولا نبوت بقيا عليه وضنا به أن يسقط سقطة لا يئل منها. ومن كان لا يكبر ms017 شأني ~~إلا إذا اتقاني، فإذا أضاء ما بيني وبينه كنت في عينه أصغر منه في عين نفسه، ومن كان ~~يقبل ويدبر بإقبال الدهر علي وإدباره عني، ثم لا يستحيي من ذلك حتى أستحيي له منه، ~~فعركت بجنبي أكثر ما كرهت من ذلك، ولكنني لم أرض لنفسي أن أنزل في الغرارة والغفلة دون ~~المنزلة التي ينخدع فيها الغر الكريم، فأصبح رأيي في الناس غير رأيهم في أنفسهم ورأي ~~بعضهم في بعض، وخفت أن يصيب كثيرا من الضعفاء والمحدودين أمثالي مثل ما أصابني، فكان ~~من همي أن أنبش دفائنهم، خيرا كانت أو شرا، وأن أكشف أثوابهم عن أجسامهم، وأجسامهم ~~عن نفوسهم، حتى يتراءوا ويتكاشفوا فيتواقوا ويتحاجزوا، فلا يهنأ خادع بخدعته، ولا يبكي ~~مخدوع على نكبته، ولا يتخذ بعضهم حمرا يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم. # وكان منشئي في قوم بداة سذج، لا يبتغون بدينهم دينا، ولا بوطنهم وطنا، ثم ترامى ~~بي الأمر بعد ذلك وتصرفت بي في العيش شئون جمة، فخضعت لكثير من أحكام الدهر ~~وأقضيته، إلا أن أكون ملحدا في ديني، أو زاريا على وطني، فاستطعت - وقد غمر الناس ما ~~غمرهم من هذه المدنية الغربية - أن أجلس ناحية منها وأن أنظر إليها من مرقب عال، ~~وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر الرجل إلى الأمر نظرة طائرة حمقاء، فإما ~~أخذه كله وإما تركه كله، فرأيت حسناتها وسيئاتها، وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب ~~أن يأخذ منها الآخذ وما يترك التارك، فكان من همي أن أحمل الناس من أمرها على ما ~~أحمل عليه نفسي، وأن أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء تهالكهم لها، واستهتارهم بها، وسقوط ~~نفوسهم أمام رذائلها ومخازيها، وإلحادها وزندقتها، وشحها وقسوتها، وشرهها وحرصها، ~~وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه إذا حزبه الأمر في مناظرة ~~بينه وبين من يأخذه برذيلة من الرذائل، لا يجد بين يديه ما ينضح به عن نفسه إلا أن ~~يعتمد عليها في الاحتجاج على فعل ما فعل، أو ترك ما ترك، كأنما هي القانون الإلهي ms018 الذي ~~تثوب إليه العقول عند اختلاف الأنظار، واضطراب الأفهام، أو القانون المنطقي الذي توزن ~~به التصديقات والتصورات لمعرفة صوابها وخطئها وصحيحها وفاسدها، وحتى أصبح السيد في ~~منزله يستحيي من خادمة مطبخه الأوروبية أن تطلع منه على جهل ببعض عاداتها وعادات ~~قومها - حتى في لبس الرداء وخلع الحذاء - أكثر مما يستحيي من الله ومن الناس أن ~~يهجموا منه على أرذل الرذائل وأكبر الكبائر، وحتى أصبح تاريخ المشرق وتاريخ علمائه ~~وأدبائه وفلاسفته وشعرائه صورة من أقبح الصور وأسمجها في نظر كثير من الشرقيين الذين ~~أصبحوا يفخرون بجهل تاريخهم إن جهلوه، ويراءون بجهله إن علموه، وحتى قدر ذلك الغلام ~~الرومي خادم الحان أو القهوة منفردا على ما لم تقدر عليه الأمة جميعها مجتمعة، فحملها ~~على النزول إليه لتحدثه بلغته، قبل أن تحمله على الصعود إليها ليحدثها بلغتها، وهو إلى ~~أن يترضاها ويستدنيها أحوج منها إلى أن تزدلف إليه وتنزل على حكمه. # فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرا هاهنا ~~وهاهنا، قد شعر به قلبي ففاض به قلمي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي ~~عنها، ولو كان بي أن أكذبهم لكذبتهم فيما يرضيهم، وما أعلم أني أتخطاهم به وأنال به ~~الأثرة الخالدة في نفوسهم، ولو أردت ذلك منهم لما كان بيني وبين خاصتهم - إن أردت ~~الخاصة - إلا ثلاث كلمات: السخرية بالأديان، واحتقار تاريخ المشرق، والقول بتبرج المرأة ~~وسفورها، ولا كان بيني وبين عامتهم - إن أردت العامة - إلا ثلاث أخرى: سب الكفار، ~~وعبادة الأضرحة، والجمود على كل قديم. # وعندي أن الكاتب المسخر الذي لا شأن له إلا أن يكتب ما يفضي به الناس إليه، صانع ~~غير كاتب، ومترجم غير قائل، ولا فرق بينه وبين صائغ الذهب وثاقب اللؤلؤ، كلاهما ينظم ~~ما لا يملك، ويتصرف فيما لا شأن له فيه. # على أن خير ما ينتفع به الأديب من أدبه أن يترك يوم وداعه لهذه الدنيا صفحة يقرأ ~~فيها الناظرون في تاريخه من بعده من أبنائه وشيعته وذوي رحمه صورة نفسه، ومضطرب ~~آماله ms019 ، ومسرح أحلامه، فإذا كان كل شأنه في حياته أن يكون مرآة تتقلب فيها مختلفات ~~الصور، أو وفيعة تتمسح بها أعواد الأقلام، كان خسرانه عظيما، لا يقوم به كل ما يربح ~~الرابحون من مال أو يؤثلون من جاه، والتاريخ أضن من أن يحفظ بين دفتيه من مجد ~~الأدباء إلا مجد أولئك الذين يودعون نفوسهم صفحات كتبهم، ثم يموتون وقد تركوها نقية ~~بيضاء من بعدهم، وحياة الكاتب بحياة كتابته في نفوس قرائها، ولا تحيا كتابة كاتب ~~سيعلم الناس من أمره - بعد قليل - أنه يكذبهم عن نفسه وعن أنفسهم، وأنه رواغ متخلج ~~يأمرهم اليوم بما ينهاهم عنه غدا، ويرى في ساعة ما لا يرى في أخرى، وأنه يستبكي ولا ~~يبكي، ويسترحم ولا يرحم، ويحرك النفوس وهو ساكن، ويثير الثائرة وهو سالم؛ فيستريبون ~~به، ويحارون في مصادره وموارده، ثم يحملون أمره على شر حاليه، ثم ينقطع ما بينهم ~~وبينه. # والبيان ليس سلعة من السلع التي يتنقل بها تجارها من سوق إلى سوق، ومن حانوت إلى ~~آخر، ولكنه حركة طبيعية من حركات النفس تصدر عنها عفوا بلا تكلف ولا تعمل صدور ~~النور عن الشمس، والصدى عن الصوت، والأريج عن الزهر، وشعاع لامع يشرق في نفس الأديب ~~إشراق المصباح في زجاجته، وينبوع ثرار يتفجر في صدره ثم يفيض على أسلات قلمه، وهو ~~أمر وراء العلم واللغة، والمحفوظات والمقروءات، والقواعد والحدود، ولو أن أمرا من ~~ذلك كائن لكان أبرع الكتاب وأشعر الشعراء، أغزرهم مادة في العلم، أو أعلمهم بقواعد ~~اللغة، أو أجمعهم لمتونها، أو أحفظهم لفصيح القول ورائعه، أما العلم فأكثر المؤلفين ~~الذين تركوا بين أيدينا هذه الأسفار التي نقرؤها في الشريعة والحكمة والمنطق وغيرها ~~كانوا علماء، ما يتدافع في ذلك اثنان، وها قد مرت علينا وعلى ما تركوه بين أيدينا ~~القرون والحقب، وأكثرنا عاجز عن فهم أكثر ما كانوا يكتبون. وأما المحفوظات فما نعلم ~~أحدا أحفظ لكتاب الله من جماعة القراء، ولا أحفظ للحديث من الفقهاء، ولا أقل منهم ~~إلماما بالأدب، ولا أبعد منهم عنه مكانا ms020 . وأما اللغة فما عرفنا بين المتقدمين ~~والمتأخرين من رواتها وحفاظها، والمتوفرين على تدوينها وتحقيقها، والمنقطعين لدرس ~~قواعدها وفنونها، من عرفت له البراعة والتفوق في تحبير الرسائل، أو قرض الشعر، أو القوة ~~القلمية في التصنيف في غير ما أخذوا أنفسهم به، وكان الخليل بن أحمد إذا سئل عن نظم ~~الشعر قال: «يأباني جيده وآبى رديئه.» وكان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وأبو زيد ~~الأنصاري يحفظ نصفها، وأبو مالك الأعرابي يحفظها كلها، وكذلك كان شأن النضر بن ~~شميل، وأبي عبيدة، وابن دريد، والأزهري، والصاغاني، وابن فارس، وابن الأثير صاحب ~~«النهاية» والجوهري، والفيروزبادي، وأمثالهم من علماء اللغة والنحو، وما سمعنا لواحد ~~منهم في إحدى الصناعتين شيئا مذكورا، وقال أبو العباس المبرد في بعض أحاديثه: «لا ~~أحتاج إلى وصف نفسي، لعلم الناس بي أنه ليس أحد من الخافقين تختلج في نفسه مشكلة إلا ~~لقيني بها، وأعدني لها، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس، لا يخفى علي مشتبه من ~~الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، وربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو ~~التماس حاجة، فأجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه ~~بيد ولا لسان، ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل، فحاولت أن أكتب ~~إليه رقعة أشكره فيها وأعرض ببعض أموري، فاتبعت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما ~~أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عما في نفسي فينصرف لساني إلى غيره.» ا.ه. # بل لو شئت لقلت إنه ما أفسد على المتنبي وأبي تمام كثيرا من شعرهما، ولا على ~~المعري كثيرا من منظومه ومنثوره، ولا على الحريري مقاماته، ولا على ابن دريد ~~مقصورته، إلا غلبة اللغة عليهم واستهتارهم بها وشغفهم بتدوينها في كل ما يكتبون، فقد ~~كانوا هم وأمثالهم من حبائس اللغة وأنضائها في كثير من مواقفهم يؤلفون ويدونون، من ~~حيث يظنون أنهم ينظمون أو يكتبون، ولا تزال نفسي تشتمل على لوعة من الحزن لا تفارقها ~~حتى الموت، كلما ذكرت أن الأدب العربي كان يستطيع أن يكون خيرا مما ms021 كان لو أن ~~الله كتب للزوميات المعري النجاة من قبضة اللغة وأسر الالتزام. وإنك لا تكاد ترى ~~اليوم من شعراء هذا العصر وكتابه - الذين يأخذون بزمام هذا المجتمع العربي، ~~ويقيمون عالمه ويقعدونه بقوتهم القلمية في شئونه السياسية والاجتماعية والأدبية ~~كافة - من يعد من حفاظ اللغة العربية وثقاتها، أو من يسلم له مقال من مأخذ ~~لنحوي أو مغمز للغوي، وهم على ذلك عندي أدخل في باب البيان وألصق به وأمس به ~~رحما من أولئك الذين يستظهرون متون اللغة ويحفظون دقائقها، ويحيطون بمترادفها ~~ومتواردها، ويتباصرون بشاذها وغريبها، ويحملون في صدورهم ما دق وجل من مسائل نحوها ~~وتصريفها، فإذا عرض لهم غرض من الأغراض في أي شأن من شئون حياتهم، وأرادوا أنفسهم على ~~الإفضاء به أرتج عليهم فأغلقوا، أو تقعروا وتشدقوا، فكأنهم لم ينطقوا. والفرق بين ~~الأدباء واللغويين أن الأولين كاتبون، والآخرين مصححون، فمثلهما كمثل النساج ~~وعامله، هذا ينسج الثوب وهذا يلتقط زوائده ويمسح عنه زئبره، أو كمثل الشاعر ~~والعروضي، هذا ينظم الشعر وهذا يعرضه على تفاعيله وموازينه. # وليس البيان ذهاب كلمة ومجيء أخرى، ولا دخول ~~حرف وخروج آخر، وإنما هو النظم والنسق، والانسجام والاطراد، والماء والرونق، ~~واستقامة الغرض وتطبيق المفصل، والأخذ بالنفوس وامتلاك أزمة الهواء، فإن صح ذلك لامرئ ~~فهو الكاتب القدير، أو الشاعر الجليل، فإن زلت به قدم في وضع حرف مكان حرف، أو ~~غلبه على لسانه دخيل، أو خرج من يده أصيل، أو كان ممن يفوته العلم ببعض قواعد اللغة ~~أو بعض وجوه الاستعمال فيها، كان ذلك عيبا لاحقا بعلمه أو بحافظته، لا ببيانه ~~وفصاحته. ومتى صدر القائل في قوله عن سجية وطبع أصبح شأنه شبيها بشأن العرب الأولين، ~~وكان من شأنهم أن يسبقهم إلى كلامهم الخطأ اللفظي في بعض الأحيان، وكان السبب في ذلك - ~~كما يقول أبو على الفارسي - أنهم كانت تهجم بهم طباعهم على ما ينقطون به، فربما ~~استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد من حيث لا يشعرون. وكما أن الجسم لا يغير صورته ~~ولا يقلب سحنته أن ms022 تطير منه ذرة وتحل أخرى محلها لتمثلها، كذلك لا يغير صورة ~~الكلام ولا يذهب بنسقه خروج أصيل، أو دخول دخيل، ولقد قيل لأحد الكتاب الإنجليز: ~~«نراك كثير الإعجاب بالكاتب «كبلنغ» وهو رجل لحانة لا يحفل بقواعد اللغة!» فأجاب: ~~«إن سطرا واحدا مما يكتبه «كبلنغ» أثمن عندي من قوانين اللغة جميعها، وليس من الرأي ~~أن أحرم نفسي التمتع بأدبه إكراما لسواد عيون الغراماطيق الإنجليزي!» # وفضل الأدباء على اللغة في سيرورتها وذيوعها وتداولها وخلودها أكبر من فضل اللغويين ~~عليها في ذلك؛ لأنهم هم الذين يمهدون سبلها، ويعبدون طرقها، ويستدنون نافرها، ~~ويجمعون شاردها، وينظمون لآلئها نظم الثاقب لآلئه في السلك، فيأخذها الناس عنهم من أخصر ~~الطرق وأقربها، وأشهاها إلى النفس، وأعلقها بالقلب، وقليل من الناس من يأخذ مادته ~~اللغوية من معاجم اللغة، أو يكتسب ملكة الإعراب من كتب النحو والتصريف، وما كانت اللغة ~~عدوة للأدب ولا كان الأدب عدوا لها، بل هي أساسه وقوامه الذي يقوم به، ولكن ~~المشتغلين بها والمتوفرين على دراستها والمنقطعين لاستظهارها والنظر في دقائقها ~~والتعمق في أطوائها، لا يزال يغلب عليهم الولع بها والفناء فيها، حتى تصبح في نظرهم ~~مقصدا من المقاصد لا وسيلة من الوسائل. # وللبيان وسائل كثيرة غير وسيلة اللغة، فمن لا يأخذ نفسه بجميع وسائله لا يصل إليه، ~~والتربية العلمية كالتربية الجسمية، فكما أن الطفل لا ينمو جسمه، ولا ينشط ولا تتبسط ~~أعضاؤه، ولا تنتشر القوة في أعصابه إلا إذا نشأ في لهوه ولعبه، وقفزه ووثبه، كذلك ~~الكاتب لا تنمو ملكة الفصاحة في لسانه، ولا تأخذ مكانها من نفسه إلا إذا ملك الحرية في ~~التصرف والافتنان والذهاب في مذاهب القول ومناحيه كما يشاء وحيث يشاء، دون أن يسيطر ~~عليه في ذلك مسيطر إلا طبعه وسجيته. # واللغوي لا يزال يحوط نفسه بالحذر والخوف، والوساوس والبلابل، فإن مشى خيل إليه ~~أنه يمشي على رملة ميثاء، وإن تحرك خيل إليه أن تحت قدميه حفرة جوفاء، حتى ~~يقعد به خوفه ووسواسه عن الغاية التي يريد الوصول إليها، على أن الكاتب ms023 لا يبلغ مرتبة ~~الكتابة إلا إذا نظر إلى الألفاظ بالعين التي يجب أن ينظر بها إليها، فلم يتجاوز بها ~~منزلتها الطبيعية التي تنزلها من المعاني، وهي أن تكون خدما لها وخولا، وأثوابا ~~وظروفا، فإذا كتب تركها وشأنها وأغفل أمرها حتى تأتي بها المعاني وتقتادها طائعة ~~مرغمة، والمعاني هي جوهر الكلام ولبه، ومزاجه وقوامه، فما شغل الكاتب من همته بغيرها ~~أزرى بها حتى تفلت من يده، فيفلت من يده كل شيء. # وبعد، فالعلم والمحفوظات والمقروءات والمادة اللغوية، والقواعد النحوية، إنما هي ~~أعوان الكاتب على الكتابة ووسائله إليها، فالجاهل لا يكتب شيئا لأنه لا يعرف شيئا، ~~ومن لا يضطلع بأساليب العرب ومناحيها في منظومها ومنثورها سرت العجمة إلى لسانه، أو ~~غلبته على أمره، ومن قل محفوظه من المادة اللغوية قصرت يده عن تناول جميع ما يريد ~~تناوله من المعاني، ومن جهل قانون اللغة أغمض الأغراض وأبهمها، أو شوه جمال الألفاظ ~~وهجنها، ولكنها ليست هي جوهر الفصاحة، ولا حقيقة البيان، فأكثر القائمين عليها ~~والمضطلعين بها لا يكتبون ولا ينظمون، فإن فعلوا كان غاية إحسان المحسن منهم أن يكون ~~كصانع التماثيل الذي يصب في قالبه تمثالا سويا متناسب الأعضاء، مستوي الخلق، إلا ~~أنه لا روح فيه ولا جمال له؛ لأنه ينقصه بعد ذلك كله أمر، هو سر البيان ولبه، وهو ~~الذوق النفسي والفطرة السليمة، وأنى لهم ذلك وما دخلت الفلسفة أيا كان نوعها على ~~عمل من أعمال الفطرة إلا أفسدته، وما خالط التكلف عملا من أعمال الذوق إلا شوه ~~وجهه، وذهب بحسنه وروائه! # ولقد قرأت ما شئت من منثور العرب ومنظومها، في حاضرها وماضيها، قراءة المتثبت ~~المستبصر، فرأيت أن الأحاديث ثلاثة: حديث اللسان، وحديث العقل، وحديث القلب، فأما ~~حديث اللسان فهو تلك العبارات المنمقة، والجمل المزخرفة، أو تلك الكلمات الجامدة الجافة ~~التي لا يعني صاحبها منها سوى صورتها اللفظية، فإن كان لغويا تقعر وتشدق، ~~وتكلف وأغرب، حتى يأتيك بشيء خير ما يصفه به الواصف أنه متن مشوش من متون اللغة لا ~~فصول له ولا ms024 أبواب، وإن كان بديعيا جنس ورصع وقابل ووشع وزاوج، وافتن في ~~الإتيان بالكلمة مهملة كلها أو معجمة كلها، أو راوح بين الإهمال والإعجام، ~~فيخيل إليك وأنت تراه ينطق بما ينطق به كأنما هو يصنعه بيديه صنعا، أو يصفقه ~~تصفيقا، ثم لا يبالي بعد ذلك باستقامة المعنى في ذاته ولا بمقدار ما له من الأثر في ~~نفس السامع، وهذا الحديث هو أسقط الأحاديث الثلاثة وأدناها، وأجدرها أن ينظمه الناظم في ~~سلك الصناعات اليدوية، التي لا دخل للعقل ولا للفهم في شيء منها، وأن ينظم صاحبها في ~~سلك جماعة الصيادلة الذين لا شأن لهم إلا تحليل المواد وتركيبها، وجمعها وتفريقها، ~~والمزاوجة بين مقاديرها، والموازنة بين أثقالها، من حيث لا يكون لقوة التصور ولا لذكاء ~~القلب دخل في هذا أو ذاك. # وأما حديث العقل فهو تلك المعاني التي ينحتها الناحتون من أذهانهم نحتا، ويقتطعونها ~~منها اقتطاعا، ويذهبون فيها مذهب المعاياة والتحدي والتعمق والإغراب، ويسمونها تارة ~~تخييلا، وأخرى غلوا، وأخرى حسن تعليل، إلى كثير من أمثال هذه الأسماء والألقاب ~~التي تتفرق ما تتفرق ثم يجمعها شيء واحد هو الكذب والإحالة، وآية ما بينك وبينها ~~أنك إذا رأيتها شعرت بأنك ترى أمامك شيئا غريبا عن نفسك، وعن نفس صاحبه، وعن نفوس ~~الناس جميعا، وأن صاحبه لا يريد إلا أن يطرفك أو يضحكك أو يدهشك أو ~~يعجبك من ذكائه وفطنته، واقتداره على تصوير ما لا يتصور، وإيجاد ما لا يكون، وهو ~~أمر لا علاقة له بجوهر الشعر، ولا حقيقة الكتابة، وربما انعكس عليه حتى غرضه هذا فنفرك ~~وأكدك، وملأ قلبك غيظا وقبحا، كأن يقول: # لو لم تكن نية الجوزاء خدمته # لما رأيت عليها عقد منتطق # فإن الجوزاء لا تنتطق، ولو كان هذا الذي نراه يستدير بها نطاقا فهو شيء متصل ~~بها قبل أن يخلق الممدوح ويخلق آباؤه الأولون والآخرون إلى آدم وحواء، والكواكب ليست ~~أشخاصا أحياء يتخذ منها الناس خدما وخولا لأنفسهم، ولو كانت كذلك لاستحال عليها - ~~وهي من سكان السماء - أن تهبط إلى الأرض لتخدم ms025 سكانها، فقد كذب وأحال أربع مرات في بيت ~~واحد، ثم عجز بعد هذا كله أن يترك في نفس السامع صورة تمثل جلال ممدوحه، وعظم شأنه، ~~فهو في الحقيقة إنما يريد ببيته هذا أن يمتدح نفسه بالإبداع وقوة التخيل، لا أن ~~يمتدح ممدوحه برفعة الشأن وعلو المقام. # أو يقول: # ما به قتل أعاديه ولكن # يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب # فإن الذي يحمل في صدره قلبا رحيما مشفقا على الذئاب من الجوع، مستعظما أن ~~يخلفها ما عودها إياه من طعام وشراب، لا يمكن أن يكون هو نفسه ذئبا ضاريا يريق ~~دماء الناس ويمزق أحشاءهم ويقطع أوصالهم ليملأ بها بطون الوحش، ولا يوجد بين الأسباب ~~التي تحمل الناس على القتال سبب يشبه هذا السبب الذي ذكره، على أن المحسن لا يكون ~~محسنا إلا إذا وهب ما يهب من ماله، ومن خزائن بيته، فأما أن يقتل الناس تقتيلا ~~ويمثل بهم ثم ينعم بجثثهم على الجائعين والظماء من وحوش الأرض وذئابها، فذلك شيء هو ~~بالجنون أشبه منه بالإحسان. # ويقول: # لا يذوق الإغفاء إلا رجاء # أن يرى طيف مستميح رواحا # فإن النوم قوام الإنسان وعماد حياته، ولازم من لوازمه اللاصقة به، أراد ذلك أم لم ~~يرد، فإن كان لا بد من دخوله في باب الاختيار فإن من أبعد الأشياء عن التصور والفهم ~~أن يكون ما يحمل الإنسان على طلب النوم رجاؤه أن يرى فيه الأحلام والرؤى، فإن فعل فلا ~~يدخل في باب أغراضه وأمانيه أن ينام ليرى خيال جماعة المتسولين والمتأكلين، وهم ملء ~~الأرض وهباء الجو، وأرصاد الأعتاب وأعقاب الأبواب، لا تنفتح الأعين إلا عليهم، ولا ~~تمتلئ الأنظار إلا بهم، فهم لم يبلغوا في الضن بأنفسهم والعزف بها مبلغ من لا يراه ~~الرائي ولا يعثر به إلا إذا ألقى في طريقه حبائل الأحلام ليصطاده بها. # أو يقول: # لم يتخذ ولدا إلا مبالغة # في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا # فإن الأولاد لا يتخذون اتخاذا، وإنما ينعم الله بهم على من يشاء من خلقه ~~إنعاما، وأكثر ما ms026 تقذف به الأرحام من النسمات إنما هو ثمرة من ثمرات الحب يأتي ~~بها عفوا، لا نبتة من نبات الأرض يبذر الزارع بذورها ليستنبتها، والله تعالى غني ~~بربوبيته ووضوح آثارها عن الاستدلال عليها بنطفة يقذها قاذفها في بعض الأرحام، فإن كان ~~لا بد في إثبات ربوبيته من دليل يدل على مخالفته للحوادث في الصفات والأفعال، فالأدلة ~~على ذلك كثيرة لا يضبطها الحساب كثرة، وربما كان أهونها وأضعفها أنه لا يتخذ ولدا ~~وأنهم يتخذون، على أن المتخذين كثيرون قد ضاق بهم بطن الأرض وظهرها، فالمسألة مفروغ ~~منها قبل أن يخلق هذا الممدوح ويخلق ولده، فلا فضل له في الإتيان بشيء جديد. # أو يقول: # وما ريح الرياض لها ولكن # كساها دفنهم في الترب طيبا # فإن الأزهار التي تستمد حياتها ونماءها من جثث الموتى ورممهم لا يمكن أن تكون طيبة ~~الريح، على أن الأزهار مريحة قبل أن يدفن هؤلاء الموتى في قبورهم، فلم يزد في ~~كلمته هذه على أن أتى بخيال ضعيف مبتذل، هو أشبه الأشياء بخيال العامة الذين يرون أن ~~بعض الأزهار ما خلق إلا إكراما لبعض النبيين. أو يقول: # تتلف في اليوم بالهبات وفي السا # عة ما تجتنيه في سنتك # فقد أراد أن يصف ممدوحه بالكرم وصفا فوق ما يصف الناس، ويأتي في ذلك بما لم يأت به ~~غيره، فأنزله منزلة مجانين المسرفين الذين لا يحسنون الموازنة بين أرزاقهم ونفقاتهم، ~~ولو تقدمت هذه التهمة بهذه الصورة إلى قاض من قضاة المال لما كان له بد من الحجر ~~عليه، والقضاة يرضون في مثل هذه الأحكام بدون إنفاق دخل السنة جميعها في ساعة واحدة ~~أو يوم واحد. # أو يقول: # ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الممات # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا # عن الأكفان ثوب السافيات # فإن شيئا من ذلك لم يكن، فالقبر لا يضيق بأحد، والجو لا يكون قبرا، والريح ليست ~~كفنا، والرجل لا يزال مصلوبا غير مقبور، ولا يزال عاريا غير مدرج في كفن. # وأما حديث القلب فهو ذلك المنثور ms027 أو المنظوم الذي تسمعه، فتشعر أن صاحبه قد جلس ~~بجانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلى جليسه، أو ليصور لك ما لا تعرف من مشاهد ~~الكون، أو سرائر القلوب، أو ليفضي إليك بغرض من أغراضه نفسه، أو لينفس عنك كربة من ~~كرب نفسك، أو ليوافي رغبتك في الإفصاح عن معنى من المعاني الدقيقة، التي تعتلج في صدرك ~~ثم يتكاءدك الإفصاح عنها، من حيث لا يكون للصناعة اللفظية، ولا الفلسفة الذهنية دخل في ~~هذا أو ذاك، حتى ترى حجاب اللفظ قد رق بين يديك دون المعنى حتى يفنى كما تفنى ~~الكأس الصافية دون ما تشتمل عليه من الخمر، فإذا الخمر قائمة بغير إناء، أو كما ~~تفنى صفحة المرآة الصقيلة بين يدي الناظر فيها، فلا يرى إلا صورته ماثلة بين يديه، ~~ولا لوح هناك ولا زجاج، وهو أرقى الأحاديث الثلاثة وأشرفها، وهو الذي يريده المريدون ~~مهما اختلفت عباراتهم، وتنوعت أساليبهم من تعريف كلمة البيان. # ولقد كان من أكبر ما أعانني على أمري في كتابة رسائل النظرات أشياء أربعة أنا ~~ذاكرها لعل المتأدب يجد في شيء منها ما ينتفع به في أدبه: # أولها: # أني ما كنت أحتفل من بين تلك الأحاديث الثلاثة بحديث اللسان ولا حديث ~~العقل؛ أي أنني ما كنت أتكلف لفظا غير اللفظ الذي يقتاده المعنى ~~ويتطلبه، ولا أفتش عن معنى غير المعنى الطبيعي القائم في نفسي، بل ~~كنت أحدث الناس بقلمي كما أحدثهم بلساني، فإذا جلست إلى مكتبتي خيل ~~إلي أن بين يدي رجلا من عامة الناس مقبلا علي بوجهه، وأن من ~~أشهى الأشياء وآثرها في نفسي ألا أترك صغيرا ولا كبيرا مما يجول ~~بخاطري حتى أفضي به إليه، فلا أزال أتلمس الحيلة إلى ذلك، ولا أزال ~~أتأتى إليه بجميع الوسائل وألح في ذلك إلحاح المشفق المجد حتى أظن ~~أني قد بلغت من ذلك ما أريد، فلا أقيد نفسي بوضع مقدمة الموضوع في ~~أوله، ولا سرد البراهين على الصورة المنطقية المعروفة، ولا التزام ~~استعمال الكلمات الفنية التزاما مطردا إبقاء على ms028 نشاطه وإجمامه، ~~وإشفاقا عليه أن يمل ويسأم فينصرف عن سماع الحديث أو يسمعه فلا ~~ينتفع به. # وثانيها: # أني ما كنت أحمل نفسي على الكتابة حملا، ولا أجلس إلى مكتبي مطرقا ~~مفكرا ماذا أكتب اليوم، وأي الموضوعات أعجب وألذ وأشوق، وأيها أعلق ~~بالنفوس وألصق بالقلوب، بل كنت أرى فأفكر فأكتب، فأنشر ما أكتب فأرضي ~~الناس مرة وأسخطهم أخرى من حيث لا أتعمد سخطهم، ولا أتطلب ~~رضاهم. # وثالثها: # أني ما كنت أكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالا غير مرتكز ~~على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة من الخيال لا تأخذ من ~~نفس السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا، وأحسب أن السبب في ذلك ~~أن أكثر ما تشتمل عليه النفوس من العقائد والمذاهب، والآراء ~~والأخلاق، والخواطر والتصورات، إنما هو أثر من آثار الخيالات ~~الذهنية التي تتراءى في سماء الفكر، ثم لا تزال بها الأيام تكسوها ~~طبقة بعد طبقة من غبار القدم حتى تصبح حقيقة من الحقائق الثابتة في ~~الأذهان. وكما أن الحديد لا يفل إلا الحديد، واللون لا يذهب به ~~إلا لون غيره، فكذلك الخيال، لا يذهب به ولا يزعجه من مكانه إلا ~~الخيال. وللخيال الأثر الأعظم في تكوين هذا المجتمع الإنساني وتكييفه ~~بالصورة التي يريدها، فلولا خيال الشعر ما هاج الوجد في قلب العاشق، ~~ولولا خيال الشرف ما هلك الجندي في ساحة الحرب، ولولا خيال الذكرى ما ~~اخترعت المخترعات ولا ابتدعت المبتدعات، ولولا خيال الرحمة ما عطف ~~غني على فقير، ولا حنا كبير على صغير. كما كنت أعلم أن الخيال غير ~~المرتكز على الحقيقة إنما هو هبوة طائرة من هبوات الجو، لا تهبط ~~أرضا ولا تصعد إلى سماء. # ورابعها: # أني كنت أكتب للناس لا لأعجبهم، بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم: «أنت ~~أحسنت.» بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبت. والناس - كما قلت في بعض ~~رسائلي - خاصة وعامة؛ أما خاصتهم: فلا شأن لي معهم، ولا علاقة لي بهم، ~~ولا دخل لكلمة من كلماتي في شأن من شئونهم، فلا أفرح برضاهم ms029 ولا أجزع ~~لسخطهم؛ لأني لم أكتب لهم، ولم أتحدث معهم، ولو أشهدهم أمري، ولم ~~أحضرهم عملي، بل أنا أتجنب جهد المستطاع أن أستمع منهم شيئا مما يتعلق ~~بي من خير أو شر؛ لأني راض عن فطرتي وسجيتي في اللغة التي أكتب ~~بها، فلا أحب أن يكدرها علي مكدر، وعن آرائي ومذاهبي التي ~~أودعها رسائلي، فلا أحب أن يشككني فيها مشكك، ولم يهبني الله من قوة ~~الفراسة ما أستطيع به أن أميز بين مخلصهم ومشوبهم، فأصغي إلى الأول ~~لأستفيد علمه، وأعرض عن الثاني لأتقي غشه، فأنا أسير بينهم مسير ~~رجل بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ منها في ساعة معينة، ثم علم ~~أن على يمين الطريق التي يسلكها روضة تعتنق أغصانها، وتشتجر ~~أفنانها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده، وتعوي ذئابه، وتفح ~~أفاعيه وصلاله، فمضى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو عن غايته ~~بشهوات سمعه وبصره، ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع ~~المقعية والصلال الناشرة، فتعترض دون طريقه، وأما عامتهم فهم بين ذكي ~~قد وهبه الله من سلامة الفطرة وصفاء القلب ولين الوجدان ما يعده ~~لاستماع القول واتباع أحسنه، فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حيل ~~بينه وبين نفسه، فهو لا يرضى إلا عما يعجبه، ولا يسمع إلا ما يطربه، ~~فأكل أمره إلى الله، وأستلهمه صواب الرأي فيه، حتى يجعل الله له من بعد ~~عسر يسرا. # مصطفى لطفي المنفلوطي # | الغد # عرفت أني فكرت ليلة أمس فيما أكتب اليوم، وعرفت أني آخذ الساعة بقلمي بين أناملي ~~وأن بين يدي صحيفة بيضاء، تسود قليلا قليلا كلما أجريت القلم فيها، ولكني لا أعلم ~~هل يبلغ القلم مداه أو يكبو دون غايته؟ وهل أستطيع أن أتمم رسالتي هذه أو يعترض عارض ~~من عوارض الدهر في سبيلها لأني لا أعرف من شئون الغد شيئا، ولأن المستقبل بيد ~~الله؟ # عرفت أني لبست أثوابي في الصباح وأنها لا تزال فوق جسمي حتى الآن، ولكني لا أعلم هل ~~أخلعها بيدي أو تخلعها ms030 يد الغاسل؟ # الغد شبح مبهم يتراءى للناظر من مكان بعيد، فربما كان ملكا رحيما، وربما كان ~~شيطانا رجيما، بل ربما كان سحابة سوداء، إذا هبت عليها ريح باردة حللت أجزاءها وفرقت ~~ذراتها فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبقها وجود؟ # الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه، وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر ~~والجوهر، أو الموت الأحمر؟ # لقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأنظار، حتى لو أن إنسانا رفع قدمه ليضعها في ~~خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبة القصر، أم على حافة القبر؟ # الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر، وتتسقطه العقول، وتستدرجه ~~الأنظار، فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال! # كأني بالغد وهو كامن في مكمنه، رابض في مجثمه متلفع بفضل إزاره، ينظر إلى آمالنا ~~وأمانينا نظرات الهزء والسخرية، ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء، يقول في نفسه: لو ~~علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث، وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الوالد أنه يلد ~~للموت، ما جمع الجامع، ولا بنى الباني، ولا ولد الوالد! # ذلل الإنسان كل عقبة في هذا العالم، فاتخذ نفقا في الأرض، وصعد بسلم إلى السماء، ~~وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب من حديد وخيوط من نحاس، وانتقل بعقله إلى العالم ~~العلوي، فعاش في كواكبه، وعرف أغوارها وأنجادها، وسهولها وبطاحها، وعامرها وغامرها، ~~ورطبها ويابسها، ووضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة، والموازين لوزن كرة ~~الأرض إجمالا وتفصيلا، وغاص في البحار فعرف أعماقها، وفحص تربتها، وأزعج سكانها، ونبش ~~دفائنها، وسلبها كنوزها، وغلبها على لآلئها وجواهرها، ونفذ من بين الأحجار والآكام إلى ~~القرون الخالية، فرأى أصحابها وعرف كيف يعيشون، وأين يسكنون، وماذا يأكلون ويشربون، ~~وتسرب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة، فعرف النفوس وطبائعها، والعقول ~~ومذاهبها، والمدارك ومراكزها، حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى، واخترق بذكائه كل ~~حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزا مقهورا لا يجرؤ على فتحه ، بل ms031 لا ~~يجسر على قرعه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحدا. # أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلا لنرى ~~صفحة واحدة من صفحات وجهك المقنع، أو لا، فاقترب منا قليلا علنا نستطيع أن ~~نستشف صورتك من وراء هذا اللثام المسبل دوننا، فقد طارت قلوبنا شوقا إليك، وذابت ~~أكبادنا وجدا عليك؟ # أيها الغد! إن لنا آمالا كبارا وصغارا، وأماني حسانا وغير حسان، فحدثنا عن ~~آمالنا، أين مكانها منك؟ وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها؟ أأذللتها واحتقرتها، ~~أم كنت لها من المكرمين؟ # لا، لا! صن سرك في صدرك، وأبق لثامك على وجهك، ولا تحدثنا حديثا واحدا عن آمالنا ~~وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا، فإنما نحن أحياء بالآمال ~~وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة: # وليست حياة المرء إلا أمانيا # إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر # | الكأس الأولى # كان لي صديق أحبه وأحب منه سلامة قلبه، وصفاء سريرته، وصدقه ووفاءه في حالي بعده ~~وقربه، وغضبه وحلمه، وسخطه ورضاه، ففرق الدهر بيني وبينه فراق حياة لا فراق ممات، فأنا ~~اليوم أبكيه حيا أكثر مما كنت أبكيه لو كان ميتا، بل أنا لا أبكي إلا حياته، ولا ~~أتمنى إلا مماته، فهل سمعت بأعجب من هذه الخلة الغريبة في طبائع النفوس؟! # علقت حبالي بحباله حقبة من الزمان عرفته فيها وعرفني، ثم سلك سبيلا غير سبيله ~~فأنكرته وأنكرني حتى ما أمر بباله؛ لأن الكأس التي علق بها لم تدع في قلبه فراغا يسع ~~غيرها وغير العالقين بها، وربما كان يدفعني عن مخيلته دفعا إذا تراءيت فيها؛ لأنه إذا ~~ذكرني ذكر معي تلك الكلمات المرة التي كنت ألقاه بها في فاتحة حياته الجديدة، وما كان ~~له وهو يهيم في فضاء سعادته التي يتخيلها أن يكدر على نفسه بمثل هذه الذكرى صفاء ~~هذا الخيال. # ثم لم أعد أعلم من أمره بعد ذلك شيئا جديدا؛ لأن حياة المدمنين حياة متشابهة ~~متماثلة، لا فرق بين صبحها ومسائها، ms032 وأمسها وغدها، ذهاب إلى الحانات، فشراب فخمار، ~~فنوم، فذهاب ... كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا ~~يشغل الذهن، حتى إن بعض من ينام على دورة الرحى يستيقظ عند سكونها، وكان أحرى أن ~~يوقظه دورانها. # لذلك لم يشغل هذا المسكين محلا من قلبي إلا بعد أن سكنت دورته، وهدأت حركته، فلم ~~أعد أراه معربدا في الحانات، ولا مطرحا في مدارج الطرق، ولا معتقلا في أيدي ~~الشرط، هنالك سألت عنه فقيل لي إنه مريض، فلم أعجب من شيء كنت أعد له الأيام ~~والأعوام كما يعد الفلكي الساعات والدقائق لكسوف الشمس واصطدام الكواكب. # دخلت عليه أعوده فلم أجد عنده طبيبا ولا عائدا؛ لأنه فقير، والأطباء يظهرون الرحمة ~~بالفقراء ويبطنون حب الصفراء والبيضاء، والأصدقاء يخافون عدوى المرض وعدوى الفقر؛ فلا ~~يعودون المريض ولا يزورون الفقير. # دخلت منزله فلم أجد المنزل ولا صاحبه؛ لأني لم أجد فيه ذلك الروح العالي الذي كان ~~يرفرف بأجنحته في غرفه وقاعاته، ولم أر دخان المطبخ، ولم أسمع ضوضاء الخدم ولا بكاء ~~الأطفال ولا رنين الأجراس، فكأنني دخلت القبر أزور الميت، لا المنزل أعود ~~الحي! # ثم تقدمت نحو سرير المريض فكشفت كلته البالية عن خيال لم يبق منه إلا إهاب ~~لاصق بعظم ناحل، فقلت: «أيها الخيال الشاخص ببصره إلى السماء، قد كان لي في إهابك هذا ~~صديق محبوب فهل لك أن تدلني عليه؟» فبعد لأي ما حرك شفتيه وقال: «هل أسمع صوت ~~فلان؟» قلت: «نعم، مم تشكو؟» فزفر زفرة كادت تتساقط لها أضلاعه، وأجاب: «أشكو الكأس ~~الأولى.» قلت: «أي كأس تريد؟» قال: «أريد الكأس التي أودعتها مالي وعقلي وصحتي وشرفي، ~~وهأنذا اليوم أودعها حياتي.» قلت: «قد كنت نصحتك ووعظتك وأنذرتك بهذا المصير الذي صرت ~~إليه اليوم، فما أجديت عليك شيئا.» قال: «ما كنت تعلم حين نصحتني من غوائل هذا العيش ~~النكد أكثر مما كنت أعلم، ولكنني كنت شربت الكأس الأولى فخرج الأمر من يدي، كل كأس ~~شربتها جنتها علي الكأس الأولى، أما هي فلم يجنها ms033 علي غير ضعفي وقصور عقلي عن ~~إدراك خداع الأصدقاء والخلطاء. # لم تكن شهوة الشراب مركبة في الإنسان كبقية الشهوات فيعذر في الانقياد إليها كما ~~يعذر في الانقياد إلى غيرها من الشهوات الغريزية، فلا سلطان لها عليه إلا بعد أن يتناول ~~الكأس الأولى، فلم يتناولها؟ يتناولها لأن الخونة الكاذبين من خلانه وعشرائه خدعوه عن ~~نفسه في أمرها، ليستكملوا بانضمامه إليهم لذاتهم التي لا تتم إلا بقراع الكئوس وضوضاء ~~الاجتماع، ولو علمت كيف خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه، وأي ذريعة تذرعوا ~~بها إلى ذلك، لتحققت أنه أبله إلى النهاية من البلاهة، وضعيف إلى الغاية التي ليس ~~وراءها غاية. # أنا ذلك الأبله وذلك الضعيف، فاسمع كيف خدعني الأصدقاء وزينوا لي ما يزينه الشيطان ~~للإنسان، قالوا: «إن حياتك حياة هموم وأكدار، ولا دواء لهذه الأدواء إلا الشراب.» ~~وقالوا: «إن الشراب يزيد رونق الجسم ويبعث نشاطه، وإنه يفتق اللسان، ويعلم الإنسان ~~البيان، وإنه يشجع الجبان، ويبعث في القلب الجرأة والإقدام.» هذا ما سمعته فصدقته وخدعت ~~به؛ صدقت أن في الشراب أربع مزايا: السعادة والصحة والفصاحة والإقدام، فوجدت فيه أربع ~~رزايا: الفقر والمرض والسقوط والجنون. # غرهم من الصحة ذلك اللون الأحمر الذي يتركه الشراب وراءه في الأعضاء وهو يتغلغل في ~~الأحشاء، ومن الفصاحة الهذر والهذيان، وهجر القول وبذاءة اللسان، ومن الإقدام ~~العربدة التي لا تسكن إلا في غرفة السجن، ومن السعادة اللحظات القليلة التي يغشى فيها ~~على عقل الشارب فيعمى عن رؤية ما يحيط به من الأشياء كما هي، فتنعكس في نظره الحقائق ~~حتى يتخيل الشتم طرفة والصفع تحية فيضحكه من ذلك ما يضحك الأطفال ~~والممرورين. # أي سرور لمن يعيش في منزل لا يزور الابتسام ثغرا من ثغور ساكنيه؟! أي سرور لمن ~~يودعه أهله كل يوم في صباحه بالحسرات، ويستقبلونه في مسائه بالزفرات؟! أي سعادة لمن ~~يمشي دائما في طريقه متلويا متمعجا يتسرب في المنعطفات والأزقة، ويعوذ بألواذ ~~الجدر والأسوار فرارا من نظرات الجزار، وتهكمات العطار، وصرخات الخمار؟! # ولقد كنت أرى هؤلاء الأشقياء في ms034 فاتحة حياتي التعسة، فكان يمر بخاطري ما يمر بخاطر ~~أمثالي أنهم قتلى الإدمان لا قتلى الشراب، وكنت أقدر لنفسي القصد فيه، إن قدر لي ~~في أمره شيء حتى لا أبلغ مبلغهم ولا أنزل منزلتهم، فلما شربت أخطأ العد وضاع الحساب، ~~وفسد التدبير، واختلف التقدير، وغلبت على أمري كما يغلب على أمره كل مخدوع بمثل ما ~~خدعت به، ولولا الكأس الأولى ما هلكت ولا شكوت الذي شكوت، ولولاها ما عافني ~~الأصدقاء، ولا زهد في الأقرباء، فكن أنت وحدك صديق السراء والضراء.» # فعاهدته على ذلك، ثم تركته في حالة: # تصم السميع وتعمي البصير # ويسأل من مثلها العافية # | الدفين الصغير # الآن نفضت يدي من تراب قبرك يا بني وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ~~ساحة الحرب، لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها، وزفرة لا أستطيع تصعيدها. # ذلك لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك، فرزقني بك قبل أن ~~أسأله إياك، ثم استلبك مني قبل أن أستعفيه منك، قد أراد أن يتمم قضاءه في وأن ~~يجرعني الكأس حتى ثمالتها، فحرمني حتى دمعة أرسلها، أو زفرة أصعدها، حتى لا أجد في ~~هذه ولا تلك ما أتفرج به مما أنا فيه، فله الحمد راضيا وغاضبا، وله الثناء منعما ~~وسالبا، وله مني ما يشاء من الرضا بقضائه، والصبر على بلائه. # رأيتك يا بني في فراشك عليلا فجزعت، ثم خفت عليك الموت ففزعت، وكأنما كان ~~يخيل إلي أن الموت والحياة شأن من شئون الناس، وعمل من الأعمال التي تملكها ~~أيديهم، فاستشرت الطبيب في أمرك فكتب لي الدواء ووعدني بالشفاء، فجلست بجانبك أصب في ~~فمك ذلك السائل الأصفر قطرة قطرة، والقدر ينتزع من بين جنبيك الحياة قطعة قطعة، ~~حتى نظرت فإذا أنت في يدي جثة باردة لا حراك بها، وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي، ~~فعلمت أني قد ثكلتك، وأن الأمر أمر القضاء لا أمر الدواء. # سأنام يا بني بعد قليل على فراش مثل فراشك، وسيعالج مني المقدار ما عالج ms035 منك، ~~وأحسب أن آخر ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شئون الحياة وأطوارها وخطوبها ~~وأحداثها هو الندم العظيم الذي لا أزال أكابد ألمه على تلك الجرع المريرة التي كنت ~~أجرعك إياها بيدي، وأنت تجود بنفسك فيربد وجهك، وتختلج أعضاؤك، وتدمع عيناك، وما ~~لك يد فتستطيع أن تمدها إلي لتدفعني عنك، ولا لسان فتستطيع أن تشكو إلي مرارة ~~ما تذوق. # لقد كان خيرا لي ولك يا بني أن أكل إلى الله أمرك في شفائك ومرضك، وحياتك وموتك، ~~وألا يكون آخر عهدك بي يوم وداعك لهذه الدنيا تلك الآلام التي كنت أجشمك إياها، فلقد ~~أصبحت أعتقد أنني كنت عونا للقضاء عليك، وأن كأس المنية التي كان يحملها لك القدر في ~~يده، لم تكن أمر مذاقا في فمك من قارورة الدواء التي كنت أحملها لك في يدي. # ما أسمج وجه الحياة من بعدك يا بني! وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري! وما ~~أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه! فلقد كنت تطلع في أرجائه شمسا مشرقة ~~تضيء لي كل شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ~~ظلمات قبرك. # بكى الباكون والباكيات عليك ما شاءوا وتفجعوا، حتى إذا استنفدوا ماء شئونهم وضعفت ~~قواهم عن احتمال أكثر مما احتملوا، لجئوا إلى مضاجعهم فسكنوا إليها، ولم يبق ساهرا في ~~ظلمة هذا الليل وسكونه غير عينين قريحتين: عين أبيك الثاكل المسكين، وعين أخرى أنت ~~تعلمها. # لقد طال علي الليل حتى مللته، ولكنني لا أسأل الله أن ينفرج لي سواده عن بياض ~~النهار؛ لأن الفجيعة التي فجعتها بك يا بني لم تبق بين جنبي بقية أقوى بها على ~~رؤية أثر من آثار حياتك، فليت الليل باق حتى لا أرى وجه النهار! بل ليت النهار يضيء ~~فقد مللت هذا الظلام! # دفنتك اليوم يا بني ودفنت أخاك من قبلك، ودفنت من قبلكما أخويكما، فأنا في كل يوم ~~أستقبل زائرا جديدا، وأودع ضيفا راحلا، فيا لله لقلب قد لاقى ms036 فوق ما تلاقي ~~القلوب، واحتمل فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب! # لقد افتلذ كل منكم يا بني من كبدي فلذة، فأصبحت هذه الكبد الخرقاء مزقا ~~مبعثرة في زوايا القبور، ولم يبق لي منها إلا ذماء قليل لا أحسبه باقيا على الدهر، ~~ولا أحسب الدهر تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل. # لماذا ذهبتم يا بني بعدما جئتم؟ ولماذا جئتم إن كنتم تعلمون أنكم لا ~~تقيمون؟! # لولا مجيئكم ما أسفت على خلو يدي منكم؛ لأنني ما تعودت أن تمتد عيني إلى ما ليس في ~~يدي، ولو أنكم بقيتم بعدما جئتم ما تجرعت هذه الكأس المريرة في سبيلكم. # لقد كنت أرضى من الدهر في أمركم أن يتزحزح لي عن طريقي التي أسير فيها، وأن يزوي ~~وجهه عني فلا أراه ولا يراني، ولا يحسن إلي ولا يسيء، ولا يتقدم إلي بخير ولا ~~شر، ولا يتراءى لي مبتسما ولا مقطبا، ولا ضاحكا ولا باكيا لو أنه رضي مني بذلك، ~~ولكنه كان أذكى قلبا وأنفذ بصرا من أن يفوته العلم بأنني ما كنت أبكي على النعمة لو ~~لم تكن في يدي، وما كنت أجد مرارة فقدانها لو لم أذق حلاوة وجدانها، وكان لا بد له أن ~~يجري في سنة الشقاء التي أخذ على نفسه أمام الله أن يجريها بين عباده، فلما ~~عجز عن أن يدخل إلي من باب الطمع دخل إلي من باب الأمل، فهو يمنحني المنحة فأغتبط ~~بها حقبة من الدهر، حتى إذا علم أن بذرة الأمل التي غرسها في نفسي قد نمت وأزهرت، ~~وأنني قد استعذبت طعم النعمة التي آتاني، كر علي فانتزعها من يدي أنعم ما أكون ~~بها، كما تنتزع الكأس الباردة من يد الظامئ الهيمان، ليعظم وقع السهم في كبدي، ~~ويفدح سلب النعمة من يدي، ولولا ذلك ما نال مني منالا، ولا وجد إلي سبيلا. # يا بني إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في روضة من رياض الجنة، أو على شاطئ ~~غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر ms037 من قصورها، فاذكروني مثل ما أذكركم، وقفوا بين يدي ~~ربكم صفا واحدا كما يقف بين يديه المصلون، ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها ~~السائلون، وقولوا له: «اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا وكنا نحبه، وقد ~~فرقت الأيام بيننا وبينه، فهو لا يزال يلاقي من بعدنا من شقاء الحياة وبأسائها ما لا ~~طاقة له باحتماله، ولا نزال نجد بين جوانحنا من الوجد به والحنين إليه ما ينغص علينا ~~هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك بين سمعك وبصرك، وأنت أرحم بنا وبه من أن ~~تعذبنا عذابا كثيرا، فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا.» لا، بل لا تطلبوا منه ~~إلا أن يأتي بي إليكم، فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب ~~الله من دعائكم ما لم يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستار المسبل بيني وبينكم، فنلتقي كما ~~كنا. # | مناجاة القمر # أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه ~~النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه؟ وهذه النيرات حور ~~وولدان أم فص من ماس يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار أم مرآة صافية؟ ~~وهذه الهالة الدائرة بك إطار أم عين ثرة ثجاجة وهذه الأشعة جداول تتدفق أم ~~تنور مسجور؟ وهذه الكواكب أشرر يتألق؟ # أيها القمر المنير # إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في ~~نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سحب الهموم والأحزان؟! # أيها القمر المنير # إن بيني وبينك شبها واتصالا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في أرضي، كلانا يقطع ~~شوطه صامتا هادئا، منكسرا حزينا، لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد، وكلانا يبرز ~~لصاحبه في ظلمة الليل فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدا؛ لأنه يغتر ~~بابتسامة في ثغري وطلاقة في وجهي، ولو كشف له عن نفسي ورأى ما تنطوي عليه من الهموم ~~والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين ، ويراك ms038 الرائي فيحسبك مغتبطا مسرورا؛ لأنه ~~يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن عالمك لرآه عالما ~~خرابا، وكونا يبابا، لا تهب فيه ريح، ولا يتحرك شجر، ولا ينطق إنسان، ولا ~~يبغم حيوان. # أيها القمر المنير # كان لي حبيب يملأ نفسي نورا، وقلبي لذة وسرورا، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين ~~سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أن تحدثني عنه وتكشف لي عن مكان وجوده؟ ~~فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي. وهأنذا كأني أرى صورته في ~~مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي كما أبكي من أجله، فأزداد شوقا إليه وحزنا ~~عليه. # أيها القمر المنير # ما لي أراك تنحدر قليلا قليلا إلى الغروب كأنك تريد أن تفارقني، وما لي أرى نورك ~~الساطع قد أخذ في الانقباض شيئا فشيئا، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب ~~الأفق على رأسك؟ # قف قليلا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدا، فإني لا أعرف غيرك، ولا آنس ~~بمخلوق سواك. # آه! لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي! فمتى تنقضي وحشة النهار ~~ويقبل إلي أنس الظلام؟ # | أين الفضيلة؟ # قرأت في بعض الروايات أن فتى قضى حقبة من دهره مولعا بحب فتاة خيالية لم يرها ~~مرة واحدة في حياته، وإنما تخيل في ذهنه صورة ألفها من شتى المحاسن ومتفرقاتها في ~~صور البشر، فلما استقرت في مخيلته تجسمت في عينيه فرآها أحبها حبا ملك عليه قلبه ~~وحال بينه وبين نفسه، وذهب به كل مذهب، فأنشأ يفتش عنها بين سمع الأرض وبصرها أعواما ~~طوالا حتى وجدها. # لا أستطيع أن أكذب هذه القصة لأني أنا ذلك الفتى بعينه، لا فرق بيني وبينه إلا ~~أنه يسمي ضالته: الفتاة، وأسميها: «الفضيلة». وأنه فتش عنها فوجدها وفتشت عنها حتى ~~عييت بأمرها فما وجدت إليها سبيلا. # فتشت عن «الفضيلة» في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصا في أثواب بائع، وجدته ~~يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد، فعلمت أنه سارق للدينار الثاني، ولو وكل ~~إلي أمر ms039 القضاء ما هان علي أن أعاقب لصوص الدراهم وأغفل لصوص الدنانير ما دام كل ~~منهما يسلبني مالي ويتغفلني عنه. # أنا لا أنكر على التاجر ربحه، ولكن أنكر عليه أن يتناول منه أكثر من الجزاء الذي ~~يستحقه على جهد نفسه في جلب السلعة، وبذل راحته في صونها وإحرازها، وكل ما أعرف من ~~الفرق بين حلال المال وحرامه أن الأول بدل الجد والعمل، والثاني بدل الغش ~~والكذب. # فتشت عن «الفضيلة» في مجالس القضاء، فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على ~~ألا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه، هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي ~~الذي يجلس عليه مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم وإراحة ~~الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منازلها من الذنوب، فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه ~~لها ولا يحتفل بشأنها إلا إذا أشرق عليها الكوكب بسعده فمشت مع القانون في طريق واحد ~~مصادفة واتفاقا. فإذا اختلفت طريقهما بين يديه حكم بغير ما يعتقد، ونطق بغير ما يعلم، ~~ودان البريء وبرأ الجاني، فإذا عتب عليه في ذلك عاتب كانت معذرته إليه حكم القانون ~~عليه، كأنما يريد أن يجعل العقل أسير القانون، وما القانون إلا حسنة من حسنات العقل ~~وصنيعة من صنائعه. # فتشت عن «الفضيلة» في قصور الأغنياء، فرأيت الغني إما شحيحا أو متلافا؛ أما ~~الأول، فلو كان جارا لبيت فاطمة - رضي الله عنها - وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ~~ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه؛ ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه ~~أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان. وأما الثاني، فماله بين ثغر الحسناء، ~~وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور ~~الأغنياء؟! # فتشت عنها في مجالس السياسة، فرأيت أن المعاهدة والاتفاق والقاعدة والشرط ألفاظ ~~مترادفة معناها الكذب، ورأيت أن الملك في كرسي مملكته، كالحوذي في كرسي عربته، ~~لا فرق بينهما إلا أن هذا ينقض «تعريفته» وذاك ينقض معاهدته، ورأيت أن أعدى عدو ~~للإنسان الإنسان، ms040 وأن كل أمة قد أعدت في مخازنها ومستودعاتها وفي بطون قلاعها وعلى ~~ظهور سفنها وفوق متون طياراتها ما شاء الله أن تعده لأختها من عدد الموت وأفانين ~~العذاب، حتى إذا وقع بينهما الخلف على حد من الحدود أو لقب من الألقاب لبس الإنسان ~~فروة السبع، واتخذ له من تلك العدد الوحشية أظفارا كأظفاره وأنيابا كأنيابه، فشحذ ~~الأولى وكشر عن الأخرى، ثم هجم على ولد أبيه وأمه هجمة لا يعود منها إلا به أو بنفسه ~~التي بين جنبيه، وإنك لو سألت الجنديين المتقاتلين: ما خطبكما؟ وما شأنكما؟ وعلام ~~تقتتلان؟ وما هذه الموجدة التي تحملانها بين جنبيكما؟ ومتى ابتدأت الخصومة بينكما وعهدي ~~بكما أنكما ما تعارفتما إلا في الساعة التي اقتتلتما فيها؟ لعرفت أنهما مخدوعان عن ~~نفسيهما، وأنهما ما خرجا من ديارهما إلا ليضعا درة في تاج الملك، أو «نيشانا» على ~~صدر القائد. # فتشت عنها بين رجال الدين ورجال الصحف، فرأيت أنهما يتجران بالعقول في أسواق الجهل، ~~ورأيت كلا منهما قد ثغر له في كل رأس من رءوس البشر ثغرة ينحدر منها إلى العقول ~~فيفسدها، والقلوب فيقتلها ليتوسل بذلك إلى الذخائر فيسرقها، والخزائن فيسلبها، هذا باسم ~~السياسة وذاك باسم الدين. # فتشت عنها في كل مكان أعلم أنه تربتها وموطنها فلم أعثر بها، فليت شعري هل أجدها في ~~الحانات والمواخير، أو في مغارات اللصوص، أو بين جدران السجون؟! # سيقول كثير من الناس: «قد غلا الكاتب في حكمه وجاوز الحد في تقديره، فالفضيلة لا ~~تزال تجد في صدور كثير من الناس صدرا رحبا، وموردا عذبا.» وإني قائل لهم قبل أن ~~يقولوا كلمتهم: «إني لا أنكر وجود الفضيلة ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام ~~عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجما لامعا، ولا كوكبا ~~طالعا.» # كل الناس يدعي الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها ويرتدي رداءها ويعد لها ~~عدتها، من منظر يستهوي الأذكياء والأغبياء، ومظهر يخدع أسوأ الناس بالناس ظنا، ~~فمن لي بالوصول إليها في هذا الظلام الحالك ms041 والليل الأليل؟ # إن كان صحيحا ما يتحدث به الناس من سعادة الحياة وطيبها وغبطتها ونعيمها، فسعادتي ~~فيها أن أعثر في طريقي في يوم من أيام حياتي بصديق يصدقني الود وأصدقه، فيقنعه مني ~~ودي وإخلاصي، دون أن يتجاوز ذلك إلى ما وراءه من مآرب وأغراض، وأن يكون شريف النفس، فلا ~~يطمع في غير مطمع، شريف القلب فلا يحمل حقدا ولا يحفظ وترا، ولا يحدث نفسه في ~~خلوته بغير ما يحدث به الناس في محضره، شريف اللسان فلا يكذب ولا ينم ولا يلم ~~بعرض ولا ينطق بهجر، شريف الحب فلا يحب غير الفضيلة ولا يبغض غير الرذيلة. # هذه هي السعادة التي أتمناها ولكني لا أراها، إني لأرى الرياض الغناء تهفو أشجارها، ~~وترن أطيارها، وأرى جداول الماء تنساب بين أنوارها وأزهارها انسياب الأفاعي الرقطاء ~~في الرمال البيضاء، وأرى أنامل النسائم تعبث بمنثورات الأوراق عبث الهوى بألباب العشاق، ~~وأسمع ما بين صفير البلابل وخرير الجداول نغمات شجية تبلغ من نفس الإنسان ما لا تبلغ ~~أوتار العيدان، فلا يسرني منها منظر ولا يطربني مسمع؛ لأني لا أرى بين هذه المشاهد التي ~~أراها ضالتي التي أنشدها. # لقد سمج وجه الرذيلة في عيني، وثقل حديثها في مسمعي حتى أصبحت أتمنى أن أعيش بلا قلب، ~~فلا أشعر بخير الحياة وشرها، وسرورها وحزنها. # ولولا صغار يفقدن بفقدي طيب العيش ونعيمه لفررت من هذا العالم الناطق إلى ذلك ~~العالم الصامت، فأجد من الأنس به والسكون إليه ما وجده الذي يقول: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # | الغني والفقير # مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعا يده على بطنه، كأنما يشكو ألما، فرثيت لحاله ~~وسألته ما باله، فشكا إلي الجوع ففثأته عنه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من ~~أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته واضعا يده على بطنه، وأنه يشكو من الألم ما ~~يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به، فشكا إلي البطنة، فقلت: يا للعجب! لو ~~أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من ms042 الطعام ما شكا واحد منهما سقما ولا ألما، ~~لقد كان جديرا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويطفئ غلته، ولكنه كان ~~محبا لنفسه مغاليا بها، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صفحة الفقير، فعاقبه الله على ~~قسوته بالبطنة حتى لا يهنئ للظالم ظلمه، ولا يطيب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: ~~بطنة الغني انتقام لجوع الفقير. # ما ضنت السماء بمائها، ولا شحت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما ~~فزواهما عنه، واحتجنهما دونه فأصبح فقيرا معدما، شاكيا متظلما، غرماؤه المياسير ~~الأغنياء، لا الأرض والسماء. # ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس فأستطيع أن أتصور كما يتصورون حجة ~~الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال وأولى بامتلاكه من الضعفاء، إن كانت القوة ~~حجتهم عليهم فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم؟ وما ~~الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع، وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ~~ذلك المال من آبائهم قلنا لهم: إن كانت الأبوة علة الميراث فلم ورثتم آباءكم في ~~أموالهم ولم ترثوهم في مظالمهم؟ لقد كان آباؤكم أقوياء فاغتصبوا ذلك المال من الضعفاء، ~~وكان حقا عليهم أن يردوا إليهم ما اغتصبوا منهم، فإن كنتم لا بد ورثاءهم ~~فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه لا في الاستمرار على اغتصابه. # ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان! وما أقسى قلوبهم! ينام أحدهم ملء جفنيه على ~~فراشه الوثير، ولا يقلقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره وهو يرعد بردا، ويجلس أمام ~~مائدة حافلة بصنوف الطعام قديده وشوائه، حلوه ومره، ولا ينغص عليه شهوته علمه ~~أن بين أقربائه وذوي رحمه من تثب أحشاؤه شوقا إلى فتات تلك المائدة، ويسيل لعابه ~~تلهفا على فضلاتها؛ بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه، ولا يعقد الحياء لسانه، ~~فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما استعان به على عد ما تشتمل عليه ~~خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر وغرفه من الفرش والرياش، ليكسر قلبه وينغص عليه ~~عيشه ويبغض ms043 إليه حياته، وكأنه في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته يقول له: «أنا ~~سعيد لأني غني، وأنت شقي لأنك فقير.» # أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء، يستخدمونهم في مرافقهم وحاجاتهم كما ~~يستخدمون أدوات منازلهم، ويسخرونهم في مطالبهم كما يسخرون مراكبهم، ولولا أنهم يؤثرون ~~الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم، لامتصوا ~~دماءهم كما اختلسوا أرزاقهم ولحرموهم الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها. # لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنا؛ لأني لا أعتمد فضلا ~~صحيحا بين الإنسان والحيوان إلا بالإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة: رجل يحسن إلى غيره ~~ليتخذ إحسانه إليه سبيلا إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من ~~الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يحسن إلى غيره، وهو الشره ~~المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس ~~جميعا! ورجل لا يحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع ~~صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه فلا أعلم له مكانا، ولا أجد ~~إليه سبيلا، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتش عنه الفيلسوف اليوناني «ديوجين الكلبي» ~~حينما سئل ما يصنع بمصباحه - وكان يدور به في بياض النهار - فقال: «أفتش عن ~~إنسان!» # | مدينة السعادة # رأيت فيما يرى النائم أنني أمشي في برية جرداء قفر، قد انبسطت رمالها على سطحها ~~متجعدة تجعد الأمواج المتوثبة في القاموس المحيط، وكانت الشمس قد طفلت للإياب، فلم أر ~~في بطحائها ظلا غير ظلي المستطيل الذي رسمته يد الشمس فأخطأت في تصويره، كأنما حسبتني ~~آدم أبا البشر، فأوسعتني طولا، ورسمتني ميلا. # أنشأت أمشي لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا، وأنى يكون ذلك في صحراء قد تشابهت ~~مسالكها، وتشاكلت مذاهبها، وانفرج ما بين قاصيها ودانيها، حتى انحدرت الشمس إلى ~~مستقرها، وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى ~~وجدتني أحير من دمعة ms044 وجد في مقلة عاشق، يدفعها الحب ويمنعها الحياء، لا أعلم هل أنا ~~سر كامن في باطن الظلماء، أو حوت مضطرب في أعماق الماء؟ وأحيانا كان يخيل ~~إلي أني في منجم من مناجم الفحم، فأمد يدي أتلمس جدرانه مخافة أن أصطدم بواحد ~~منها، ولم أزل كذلك حتى شعرت بأن الظلام بدأ ينفض صبغته، وأن ذراته تتطاير هاهنا ~~وهاهنا، فإذا أنا بين يدي جبل عال كأنما هو جدار قائم يمسك السماء أن تقع على ~~الأرض، أو ملك جبار قد لبس من قرص الشمس التاج الأحمر، ومن شعاعها الرداء ~~الأصفر. # ولا تسل هنالك عما ألم بقلبي من الهم وعقلي من الخبال حينما رأيت أن صعود ~~السماء أقرب إلى الأمل من صعود هذا الجبل. وحرت بين الإقدام والإحجام، فلم أر بدا ~~من الاستسلام لمقدور الحمام، ثم رميت بطرفي فرأيت بين الصخور المبعثرة في سفح الجبل ~~صخرة بيضاء ناعمة الملمس، فاضطجعت عليها وأنا أتمثل بقول أبي العلاء: # ضجعة الموت رقدة يستريح ال # جسم فيها والعيش مثل السهاد # وما هي إلا غمضة الطرف حتى شعرت بأنها تتحرك قليلا قليلا، ثم نهضت ثم طارت، فكدت ~~أحسب أنه الموت قد نزل، وأنها الروح تصعد إلى الملأ الأعلى لولا أن فتحت عيني فرأيت ما ~~كنت أحسبه صخرة طائرا أشبه شيء بالنسر في خلقه والقبة في ضخامتها واستدارتها. ~~وما زال ذاهبا بي في أفق السماء، ثم رنق لحظة في الهواء، ثم هبط إلى قمة الجبل، ~~فأسرعت بالانحدار عنه، وهنالك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع ~~غلته، ويطفئ لوعته؛ لأنني رأيت السفح الثاني من الجانب الآخر ورأيت بهجة الحياة ~~وزهرة العمران. # رأيت على البعد خطوط الخضرة حول سطور الماء، ورأيت المنازل والقصور كأنها العصافير ~~السوداء، أو الحمائم البيضاء، وكأن ما ألم بنفسي من السرور أنساني ما ألم بجسمي من ~~النصب، فانحدرت إليها، فما بلغتها حتى رأيتني في مزرعة في وسطها بنية، قد وقف ~~على بابها شيخ هو أشبه الأشياء بما يتخيله فريق الخياليين من علماء الفلك في صور ms045 ~~سكان المريخ، فذعر مني كما يذعر الإنسان لرؤية الجان، وما كان الذي قام في نفسه مني ~~بأكثر مما قام في نفسي منه لولا أني ألفت الغرائب، وعجمت عود العجائب، فتقدمت إليه ~~وكأنما ألهمت لغته الغريبة، فحييته بها فحياني وهو يقول: «ما كنت أحسب أن الشمس ~~تطلع على مدينة غير هذه المدينة، أو أن في العالم إنسانا غير هذا الإنسان.» فما زلت ~~أحدثه وأستدنيه حتى أنس بي ودعاني إلى منزله وخلطني بنفسه وأهله، وقدم لي طعاما ~~شهيا، ومهد لي مرقدا وثيرا، وكان الليل قد أقبل للمرة الثانية من هجرتي هذه، فنمت ~~نوما هادئا مطمئنا، لا تروعني فيه خواطر الموت ولا وساوس الهلاك. # استيقظت أنا والشمس من مرقدينا على صوت تلك الأسرة الطاهرة الكريمة تصلي إلى الله ~~تعالى صلاة الخاشعين المتبتلين، وتدعو وهي مصطفة صفا واحدا أن ييسر الله لها ~~عسرها، ويسهل أمرها، ويصلح شأنها، ويمنحها معونته ونصره، فأخذ من نفسي منظرها هذا ~~مأخذا غريبا، فلم أر بدا من الانتظام في صفها، والدعاء بدعائها، والبكاء لبكائها، ~~وعجبت أن يكون مثل هذا الإيمان الخالص راسخا في نفوس أهل هذه المدينة، ولم يرسل إليها ~~رسول ولم ينزل عليها كتاب. فلما فرغنا من الصلاة التفت إلي صاحب البيت، فقلت له: ~~«أراكم تتعبدون، فمن تعبدون؟ وتصلون، فمن الذي تدعون؟» قال: «نعبد الله خالق هذه ~~الكائنات ومدبرها.» قلت: «هل رأيتموه حتى عرفتموه؟» قال: «نعم رأيناه في آثاره ~~ومصنوعاته، ورأيناه في السماء، والماء، والفلك الدائر، والنجم السائر، وفي أجنة ~~الحيوان، وبذور النبات، ورأيناه في أنفسنا وعقولنا وأرواحنا قبل ذلك.» قلت: «ولم ~~تعبدونه؟» قال: «شكرا له على نعمة الخلق والرزق، وإن أحدنا ليعنيه أن يشكر لصاحبه ~~نعمته إذا أحسن إليه بجرعة أو أنعم عليه بمضغة، فأحر به أن يشكر مانح المانحين، ~~والمحسن إلى المحسنين!» فقلت في نفسي: «لقد بلغ الرجل مرتبة الموحدين الصادقين الذين ~~يعبدون الله مخلصين له الدين، لا يرجون ثوابا، ولا يخافون عقابا.» # ثم سألته: «أين تذهبون بعد الموت؟» قال: «إلى النعيم المقيم، أو العذاب الأليم .» قلت: ms046 ~~«لعلك تريد الجنة والنار!» قال: «لا أفهم ما تقول، وإنما أعلم أن الإله الحكيم لا ~~يترك المحسن دون أن يجازيه خيرا على إحسانه، كما يأبى عدله أن يسوي بين المحسن ~~والمسيء.» قلت: «متى يكون المحسن محسنا والمسيء مسيئا؟» قال: «الإحسان عمل الخير، ~~والإساءة عمل الشر، لذلك لا ترى بيننا من يحدث نفسه بالإضرار بأخيه، أو من يقصر في ~~دفع الأذى عنه.» فقلت في نفسي: «ليت الفقهاء الذين ينفقون أعمارهم في الحيض والاستحاضة، ~~والمذي والودي، والحدث الأكبر والحدث الأصغر، وليت الكلاميين الذين يسهرون ~~الليالي ويقرحون المآقي في عينية الصفات وغيريتها، والجوهر والعرض، والحدوث ~~والقدم، والدور والتسلسل، وليت غلاة المتصوفة يعرفون من سر الدين وحكمته والغرض الذي ~~قام له ما يعرف هؤلاء البله الأغرار الذين لا يفهمون معنى الجنة والنار ولا يميزون ~~بين الدين والتين!» # فرغنا من الحديث وعرضت على الشيخ أن يزيرني المدينة، فانحدر بي إليها، فرأيت ~~شوارعها فسيحة منتظمة، ومنازلها متفرقة غير متلاصقة، وقد أحاط بكل منزل منها حديقة ~~زاهرة، ورأيت سكانها مكبين على أعمالهم، مجدين في شئونهم صغارا وكبارا، رجالا ~~ونساء، ما فيهم فقير يتسول، ولا متبطل يتثاءب ويتململ. وأغرب ما استهوى نظري أني ~~لم أر في تلك المدينة ذلك التفاوت الذي أعرفه في مدائننا بين الناس؛ في منازلهم ~~ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم وأزيائهم، كأن جميع سكانها سواء في حالة المعيشة ودرجة ~~الثروة، فسألت الشيخ: «ألا يوجد فيكم غني وفقير، وسيد ومسود؟» قال: «لا يا سيدي، ~~حسب الرجل منا بيت يأوي إليه، ومزرعة يستغلها، ودابة تحمل أثقاله، ثم لا شأن له بعد ~~هذا فيما سوى ذلك، لذلك لا يوجد فينا سيد ومسود؛ لأنه لا يوجد فينا غني وفقير.» قلت: ~~«لا بد أن يوجد بينكم العاجز عن العمل والكسول المتبطل!» قال: «أما الكسول فلا وجود ~~له بيننا؛ لأنه يعلم أنا لا نرحمه ولا نغفر له زلته في احتقار نعمة العقل والقوة ~~بتعطيلهما عن العمل، وأما العاجز فنحدب عليه ونحسن إليه، ولا نرى لأنفسنا في ذلك ~~فضلا؛ لأننا إنما نمنحه جزءا من ms047 القوة التي منحنا الله إياها لنعبده بها، ولا نرى في ~~وجوه العبادة أفضل من مواساة العاجزين ورحمة البائسين.» # وإنه ليحدثني بهذا الحديث إذ لاحت لنا بنية فخمة ضخمة تمتاز عن غيرها من البنى ~~بحسن نظامها، وجمال هندامها، فقلت للشيخ: «هل أرى قصر الملك؟» قال: «لا، ولكنه قصر ~~رجل شرير طماع قد خالف إرادة الله وحكمته فاحتجن دون عباده أرضهم ومالهم ليعلو عليهم ~~ويستأثر بالنعمة من دونهم، فغضب الله عليه، وقلب نعمته نقمة، ورخاءه شدة، فإنه ما ~~أراح رائحة العيش الرغد حتى أسلم نفسه إلى شهواتها وحملها فوق ما تحمل طبيعتها، فها ~~هو ذا اليوم يقاسي من آلام الأمراض وأنواع الأسقام ما بغض إليه العيش، وحبب إليه ~~الموت، لم يحمه قصره، ولم يغن عنه ماله، فهو عبرة المعتبرين، وموعظة السابلين.» فكبر ~~الرجل في ذرعي وعظم في عيني، وأكبرت فيه وفي أمته هذه الخلال الشريفة والأخلاق ~~العالية، وقلت في نفسي: «إن مدارسنا على ما تشتمل عليه دروسها من قواعد الحكمة وأصول ~~التربية وفنون الآداب، لتعجز عن أن تخرج للناس رجالا يستطيعون أن يساجلوا هؤلاء ~~القوم في أخلاقهم وفضائلهم!» # وأردت - على ذكر المدارس - أن أعرف مناهج التعليم عندهم، فقلت للشيخ: «هل لك أن ~~تزيرني مدرسة من مدارسكم؟» فعجب لسؤالي وقال: «ما المدرسة؟» فكان عجبي لجوابه أكثر من ~~عجبه لسؤالي، وقلت: «المدرسة مكان محدود يجتمع فيه صغار يتعلمون، وكبار يعلمون.» ~~قال: «ما الذي يتعلمه الصغار من الكبار؟» قلت: «ما يصلح شأنهم وينفعهم في معاشهم ~~ومعادهم.» قال: «وأي حاجة بنا إلى مثل هذا المجتمع الحاشد في مثل هذا المكان ~~المحدود؟! إننا يا سيدي أرحم بأبنائنا من أن نكل أمرهم إلى غيرنا، فنحن الذين نتولى ~~هذا الشأن منهم، فلا مدارس عندنا غير المصانع والمزارع نعلمهم فيها كيف يرمون البذور، ~~وكيف يستنبتونها، وكيف يصنعون آلات الزراعة، وكيف يستعملونها، وفيها نعلمهم كيف يبنون ~~منازلهم وينسجون ملابسهم ويعدون عددهم، وإنا لا نعرف علما غير العمل، ولا نعرف من ~~العمل غير ما نحفظ به قوام حياتنا، ونستعين به على عبادة ms048 ربنا.» قلت: «ألكم حاكم ~~يتولى أموركم؟» قال: «لنا حكم لا حاكم، وهو رجل قد وثقنا به وبفهمه واستقامة شأنه، ~~فاخترناه لفصل الخصومات إن عرض من ذلك عارض.» قلت: «أليس له جند وأعوان يؤيدونه ~~وينفذون أحكامه؟» قال: «نعم، كلنا جنده، وكلنا أعوانه على كل من يختلف عليه أو يتمرد ~~على حكمه، فقد وثقنا به وبعدله وكفى.» وقلت: «أليس له سجن يحبس فيه المجرمين؟» قال: ~~«لا، حسب المجرم عندنا عقوبة أن يتفق أهل المدينة على احتقاره والزراية به، وإن ~~أحدنا ليؤثر أن يتخطفه الطير، أو يسقط عليه كسف من السماء قبل أن يرى نفسه بغيضا ~~إلى قومه صغيرا في نفوسهم ذليلا في أعينهم، لا يرفعون إليه طرفا، ولا يقيمون له ~~وزنا.» # وما وصلنا من حديثنا إلى هذا الحد حتى كنا قد فرغنا من الطواف بالمدينة ووصلنا إلى ~~المنزل الذي خرجنا منه، فاستقبلنا أهلوه بالبشر والترحاب واستقبلوا شيخهم بالتقبيل ~~والعناق، فلم أر فيما رأيت من البيوت في مدن العالم وقراه بيتا أسعد حظا ولا أنعم ~~عيشا ولا أروح بالا من هذا البيت. # تلك مدينة السعادة التي يعيش أهلها سعداء لا يشكون هما لأنهم قانعون، ولا يمسكون في ~~أنفسهم حقدا لأنهم متساوون، ولا يستشعرون خوفا لأنهم آمنون. # تلك مدينة السعادة التي رأيتها، فأحببتها وأحببت العيش فيها لولا أن لله في خلقه ~~سنة لا تتبدل، وشأنا لا يتحول، فقد جاء الليل وأخذت مكاني من مرقدي في منزل الشيخ، ~~فلم أستيقظ حتى رأيتني في فراشي وفي منزلي، فلا السهل ولا الجبل، ولا الشيخ ولا ~~المزرعة، ولا المدينة ولا السعادة: # ولما نزلنا منزلا طله الندى # أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه # منى فتمنينا فكنت الأمانيا # | أيها المحزون # إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، ~~وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي، فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن ~~عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب. وإن كنت تعلم أخلاق ms049 الأيام في أخذها ~~وردها، وعطائها ومنعها، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة ~~فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر ~~وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء ومن ينام على بساط الغبراء، فخفض من حزنك، ~~وكفكف من دمعك، فما أنت بأول غرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بالبدعة الطريفة في ~~جريدة المصائب والأحزان. # أنت حزين؛ لأن نجما زاهرا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نورا، ~~وقلبك سرورا، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته فما وجدته، ولو أنك أجملت في ~~أملك لما غلوت في حزنك، ولو كنت أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقا خاطفا ما تظنه ~~نجما زاهرا، وهنالك لا يبهرك طلوعه فلا يفجعك أفوله. # أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها ونظر إليها نظرة المستريب ~~بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وإلا فقد أعد ~~لفراقها عدته من قبل. # لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى ~~ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة الفراق. # | إلى الدير # مسكين ذلك الفتى الذي رأيته صباح أمس منزويا في ركن من أركان أحد الأندية، وقد ~~ظللت جبينه الوضاح سحابة سوداء من الحزن، وانحنى على نفسه كأنما شعر بأن قلبه ~~يتمشى في صدره وأنه يحاول الفرار منه، فهو يعطف عليه ليمسكه بين جوانحه، ولو أنه أراد ~~بنفسه خيرا لتركه يمضي في سبيله حيث شاء، فبعدا لقلب لا يسكن عن الخفقان، ولا يفيق ~~من الهموم والأحزان! سألته: «ما بالك أيها الصديق؟» قال: «لا شيء.» قلت: «أنت تكتمني ما ~~في نفسك، ولو عرفتني ما كتمتني.» قال: «ما جهلتك مذ عرفتك، ولكني أعطيت الله عهدا مذ ~~خلقت ألا أشكو إلا إلى من أرجو عنده البرء، وما أنا براج عندك ولا عند أحد من الناس ~~برءا من دائي.» قلت: «هبني طبيبا، ms050 والطبيب وإن كان لا يشفي إلا نادرا فإنه يسكن ~~غالبا ويعزي دائما، فأنا إن عجزت عن معالجتك فلا أعجز عن تعزيتك، على أن الماء ~~إذا اشتد غليانه احتاج إلى التنفيس عنه، وإلا طار بالقدر طيران الهم ~~بالصدر.» # فأصغى إلى كلماتي واستخذى لها، وأنشأ يحدثني حديثا تمازجه العبرات، وتقطعه الزفرات، ~~ويقول: «زوجني أبي منذ سنين من زوجة جاهلة غبية لا تفهم من معنى الزواج إلا أن فيه ~~قضاء لبانتها، وترفيه عيشها، وإرضاء نفسها، وهو يحسب أنه قد أحسن إلي بسليلة المجد ~~وربيبة النعمة، ومالكة الدور، وساكنة القصور، أجل إنها ذات مال وفير، وخير كثير، ولكن ~~ذهب عليه - غفر الله له - أني ما كنت أريد أن أكون تاجرا أكسب مالا، بل زوجا أجد ~~بجانبي نفسا يؤنسني محضرها ويوحشني مغيبها، ومرآة صافية نقية أتراءى فيها ~~فتريني نفسي كما هي لا تكذبني في خير ولا شر. ~~إني أريد أن أجد في الزوجة التي أتزوجها صديقا في المرتبة العليا من مراتب الصداقة، ~~من لي به في امرأة تجهل حتى إرضاع طفلها ولبس ثوبها، على أن ثروتها ما كانت تقوم ~~بحاجتها، فقد كان لها خادمة لملابسها، وأخرى لشعرها، وأخرى لسريرها، وطابخة وغاسلة، ~~ومرضع وقهرمانة وخياطة خاصة بها، وطبيب لا يغب زيارتها ومؤنسات لا يفارقن ~~مجلسها، ولم تكن ممن أنعم الله عليهن بنعمة الجمال، فكانت تنفق ما يزيد على نصف دخلها ~~في الحسن المجلوب، والجمال المكذوب. وليتها كانت تغفل أمري وتتركني وشأني، فأستطيع ~~أن أتناساها وأعد نفسي من العزاب تخيلا وتقديرا، بل كانت تقيم من نفسها ومن هذا ~~الجحفل اللجب المحيط بها حرسا كحراس الليل، وجواسيس كجواسيس الإنكليز يراقبن مواقع ~~نظري ومواطئ قدمي، لتعلم أين مذهب قلبي ووجهة نفسي، فتغار علي من الكوكب إذا رأتني ~~أنظر إليه، وتكاد تمزق الثوب الذي أحبه وأتعشق لبسه، وتحسبها آهة الوجد أو دمعة الحب ~~إذا رأتني أتأوه من آلام عشرتها أو أبكي لعظم مصيبتي فيها، وما هي بغيرة الحب ولكنها ~~الأثرة قبحها الله وقبح كل ما تأتي به! # وأكثر ما كان ms051 يغيظني منها أنها ما كانت تفتح علي باب الحساب على اللفتات والخطوات ~~إلا في الساعة التي أريد أن أخلو فيها بنفسي أو بكتابي، فما أكاد أنتفع بواحد ~~منهما، فإن سكت أغضبها سكوتي، وإن نطقت أغضبها حديثي، وإن قرأت في كتابي ظنت أن ~~المؤلفين ما ألفوا الكتب إلا نكاية بالنساء؛ لكي يتخذها الرجال معتصما يعتصمون به من ~~محادثتهن ومسامرتهن، فكان الكتاب في نظرها أعدى أعدائها وأبغض الأشياء إليها. وجملة ~~القول: إنها ما كانت تستطيع أن تتصور إلا أن الله خلقها لتكون طفلة لاهية لاعبة في ~~جميع أطوار حياتها، وأنه ما خلقني إلا لأكون زينة مجلسها، ودمية قصرها، وأداة لهوها ~~ولعبها، فلا أقرأ ولا أكتب ولا أعطي نفسا حقا من حقوقها، ولا أبكر لمزاولة ~~أعمالي، ولا أسأم أحاديثها الطويلة المملة التي لا تشتمل إلا على نقد الأزياء، ~~واغتياب النساء، فإن وافيت رغبتها فذاك، وإلا استحالت في لحظة واحدة من إنسان ناطق ~~إلى وحش مفترس، فلا تعرف كلمة مؤلمة لا تسمعنيها، ولا تترك وسيلة من وسائل ~~التنغيص لا تهجم بها علي، فكنت بين ألم رضاها وعذاب غضبها في شقاء حبب إلي الموت ~~وبغض إلي وجه الحياة، وبعد فقد رأيت أن العيش معها مستحيل، فلم أر بدا من ~~فراقها، ففارقتها وما على وجه الأرض شيء أبغض إلي من المجد، ولا أسمج في نظري من ~~المال.» قلت: «ولكني لا أزال أراك حزينا بعد ذلك.» ~~قال: «نعم لأنني نفضت يدي من الزوجة الجاهلة، ورحت أفتش عن الزوجة المتعلمة، وقلت: ~~«ليكونن لي من الشأن في الزواج الثاني ما لم يكن لي في الزواج الأول بعدما صار إلي ~~الخيار، وبعد تلك التجربة وذاك الاختبار»، فهيأ لي الحظ جارا ملاصقا ما زلت أسمع مذ ~~حل في جواري أن في بيته فتاة جميلة ما زال يعنى بأمرها حتى خرجها وأدبها، ~~فأصبحت نابغة مدرستها وسيدة أترابها علما وفضلا وتهذيبا وأدبا، فما قنعت بالخبر ~~حتى خالطت أباها ثم خالطتها، فإذا المرأة الجديدة من جميع وجوهها، فوقعت من نفسي أحسن ~~موقع، وحلت مكانا ms052 لم يكن حل من قبل. # خطبت الفتاة إلى أبيها فما لبث أن أخطبني فامتلأ قلبي فرحا وسرورا، وخيل إلي ~~أنني أرى في سماء الآمال نجما لامعا يدنو مني قليلا قليلا، وسجلت أن الدهر أنشأ ~~يكفر بحسناته ما أسلف من سيئاته. فإني لكذلك - وقد أعددت للبناء بها عدته ولم يبق ~~بيني وبينه إلا يوم واحد - وإذا برسول البريد قد جاءني بهذا الكتاب، فهاكه فاقرأه، ~~فإن فيه بقية قصتي وسر نكبتي.» ثم ألقى إلي بغلاف معنون باسمه، فوجدت فيه بطاقة ~~تشتمل على رسم فتى حسن الصورة والهندام يخاصر فتاة جميلة، وقد ألقت برأسها على كتفه، ~~ووجدت مع البطاقة كتابا، فقرأت فيه ما يأتي: # علمت أنك خطبت فلانة إلى أبيها وأنك عما قليل ستكون زوجها، ولعمري لقد ~~كذبك نظرك، وخدعك من قال لك: إنك ستكون سعيدا بها! فإنها لن تكون لك بعد أن ~~صارت لغيرك، ولا يخلص حبك إلى قلبها بعد أن امتلأ بحب عاشقها، فاعدل عن رأيك ~~فيها، وانفض يدك منها، وإن أردت أن تعرف من هو ذلك العاشق وتتحقق صدق خبري ~~وإخلاصي إليك في نصيحتي، فانظر إلى الصورة المرسلة مع هذا الكتاب. # التوقيع # فما نظرت الصورة وقرأت الكتاب حتى عرفت كل شيء، فأحسست برعدة تتمشى في أعضائي، ~~وشعرت بسحابة سوداء قد غشت على نظري لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، إلا أنني تماسكت ~~قليلا، فأعدت إليه كتابه، وقلت له، وهو كل ما استطعت أن أقول: «ماذا يعنيك من أمر ~~فتاة فاجرة عاهرة بعدما انكشف لك سرها، وظهرت لك حقيقتها؟ ولو كنت في مكانك لعدلت عن ~~الحزن على فوتها إلى الاستغفار من حبها، وحمد ~~الله تعالى على ما ألهم من صواب الرأي فيها. أما إن سألتني عن رأيي في زواجك بعد ~~الآن، فإني لا أرى لك إلا أن تترهب وتتعزب، وأن تقول ما قاله «هملت» وقد زهد في ~~الزواج بعدما عرف حقيقة المرأة وأدرك خبيئة نفسها: «إلى الدير! إلى الدير».» # | الرحمة # سأكون في هذه المرة شاعرا بلا قافية ولا بحر؛ لأني أريد ms053 أن أخاطب القلب وجها ~~لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر. # إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها ~~سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزاءه وبلغت سويداءه، ~~ولا محراث للقلب غير الشعر. # أيها الرجل السعيد كن رحيما، أشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة بعينها. # ستقول: إني غير سعيد؛ لأن بين جنبي قلبا يلم به من الهم ما يلم بغيره من القلوب، ~~أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع واكس العاري وعز المحزون وفرج كربة المكروب ~~يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك ~~النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من ~~مهد الظلام، لقد بليت اللذات كلها ورثت حبالها وأصبحت أثقل على النفس من الحديث ~~المعاد، ولم يبق ما يعزي الإنسان عنها إلا لذة واحدة، هي لذة الإحسان. # إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب، ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع من رنات العود ~~في هزجه ورمله، وأعزب من نغمات «معبد» في الثقيل الأول. # أحسن إلى الفقراء والبائسين، وأعدك وعدا صادقا أنك ستمر في بعض لياليك على بعض ~~الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف ~~إنسان، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خيرا بما فعلت، فيدعو صاحبه ~~بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه ~~البيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى. # ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفئود فتبتسم سرورا ببكائك، واغتباطا ~~بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور ~~تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان. # إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق، وتصرخ بهدير الرعد، وإن ~~الأرض تئن بحفيف الريح، وتضج بأمواج البحر ، وما ms054 بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة ~~بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وحنينها. # إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء، والتي تشرح الصدور أشرف ~~من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ~~ومن يميت الحي! # إن الرحمة كلمة صغيرة، ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها ~~والشمس في حقيقتها. # إذا وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من ~~السعادة والهناء. # لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار، ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون ~~من المدامع، واطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو ~~لسان الصبح مداد الظلام. # لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه، ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعا، ~~بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مئونته، ~~ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة، فبغى بعضه على بعض، وغدر القوي بالضعيف، واحتجن دونه ~~رزقه، فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى ~~القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل. # الفرد هو المجتمع، وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنسانا؟ متى عرف ~~هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسه؟ فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا ~~انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس ~~مأخذ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع. # وجماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد، إلا ~~إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم، والشيطان الرجيم! # إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى ~~مشى متدفعا مندلثا لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا ~~وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراب في الضحك سخرية به وببذاذة ثوبه ~~ودمامة ms055 خلقه. وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب درتهم ويمتص ~~دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يطعمها ولا يسقيها ~~إلا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم ~~بيتا ليربح حجرا لفعل! وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار، وأين مستقره، وكيف ~~الطريق إليه، وما السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره، يبيت ليله حزينا ~~كئيبا؛ لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيله في يقظته، أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم ~~يقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة؛ ~~بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه، أو ليضري نفسه بالأذى؛ مخافة أن ينساه ~~عند الحاجة إليه، حتى لو لم يبق في العالم شخص غيره لكانت نفسه مذب عقاربه وغرض ~~سهامه! وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها، أو عن ~~أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبه رأيت حجرا ~~صلدا من أحجار الغرانيت لا يبض بقطرة من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة من ~~العظة. # فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدا من هؤلاء، فإنهم سباع مفترسة ~~وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم، أو تعترض طريقه، فربما بدا له أن يأكلك ~~فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك. # أيها الإنسان، ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع ~~غزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة. # ارحم المرأة الساقطة، لا تزين لها خلالها ولا تشتر منها عرضها، علها تعجز عن أن ~~تجد مساوما يساومها فيه فتعود به إلى كسر بيتها. # ارحم الزوجة أم ولدك، وقعيدة بيتك، ومرآة نفسك، وخادمة فراشك؛ لأنها ضعيفة، ولأن ~~الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك ms056 واعتماده عليك. # ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم ~~الظالمين. # ارحم الجاهل، لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا ~~تتخذ عقله متجرا تربح فيه ليكون من الخاسرين. # وارحم الحيوان؛ لأنه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا ~~يكاد يبين، ارحمه، وكذب من يقول: إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم، أقلها أنه يقبل ~~يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدا. # ارحم الطيور، لا تحبسها في الأقفاص، ودعها في فضائها تهيم حيث تشاء، وتقع حيث يطيب ~~لها التغريد والتنقير، إن الله وهب لها فضاء لا نهاية له، فلا تغتصبها حقها فتضعها ~~في محبس لا يسع مد جناحيها، أطلق سبيلها، وأطلق سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق ~~الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار، وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء ~~فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيار. # أيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء. # | رسالة الغفران # غفوت إغفاءة طويلة لا علم لي بمداها ولا بما ~~وقع لي فيها، ثم صحوت، فرأيت نفسي في صحراء مد البصر، مكتظة بأنواع من الخلق لا ~~أحصيهم عددا، فعلمت أني بعثت، وأنه يوم القيامة، فساورني من الهم ما ساورني حين ~~ذكرت أن مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وقلت: «من لي بالصبر على موقف يهلك فيه ~~صاحبه ظمأ وجوعا، ويحترق تحت أشعة شمس ليس بينه وبينها إلا قيد ظفر؟» فتماسكت بضعة ~~أشهر ثم لم أجد بعد ذلك إلى الصبر سبيلا، فزينت لي نفسي الكاذبة أن أذهب إلى رضوان ~~خازن الجنة، وكنت أحمل شهادة التوبة في يدي لأسترحمه وألتمس منه الإذن بالدخول قبل ~~انفضاض المحشر، فما زلت أرقيه بقصائد المدح المسومة باسمه كما كنت أرقي بأمثالها ~~أمثاله من عظماء العاجلة وسادتها، فما أبه لي ولا فهم كلمة مما أقول. فانصرفت عنه إلى ~~خازن آخر اسمه: زفر ، فكان ms057 شأني معه شأني مع صاحبه، إلا أنه كان أرق منه قلبا وألين ~~جانبا، فأشار علي بالذهاب إلى النبي الذي أتبعه، وأفهمني أن الأمر موكول إليه، ~~فعدت وبين جنبي من الحسرة والوجد ما الله عالم به، فبينا أنا أتخلل الصفوف وأزاحم ~~الوقوف. # إذ وقع بصري على حلقة من الناس تحيط بشيخ هرم، أنعمت النظر فيه فإذا هو الشيخ ~~أبو علي الفارسي النحوي، وإذا بالمحتفلين به جماعة من شعراء العرب، كلهم يخاصمه، ~~وكلهم ينقم عليه، هذا يقول له: «رويت بيتي على غير وجهه.» وذاك يقول: «أعربته على غير ~~ما أردت وذهبت.» فدفعني الفضول كما دفعهم إلى النزول في ميدانهم، فما فرغنا من الرفع ~~والنصب والزيادة والحذف حتى أدركت شؤم ما فعلت، وعلمت أن شهادة التوبة قد سقطت مني ~~في ذلك المعترك، فقلت: «قبح الله الشعر والإعراب، واللغة والأدب، إنهما شؤم ~~الآخرة والأولى!» # وقفت أحير من ضب في حمارة قيظ لا ~~أدري ما آخذ وما أدع، حتى رميت بطرفي فإذا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في لفيف من ~~العترة الطاهرة النبوية، فدلفت إليه وأبثثته أمري وأمر الشهادة المفقودة، فقال: «لا ~~عليك، ألك شاهد بالتوبة؟» فقلت: «نعم.» فنودي بشهودي فشهدوا بتوبتي، فقال: «تريث ~~قليلا حتى تمر فاطمة بنت محمد فنسألها في أمرك، فهي تمت إلى أبيها بما لا نمت ~~به.» وكانت ممن قسم لهم دخول الجنة قبل فصل القضاء، إلا أنها كانت تخرج كل حين ~~للتسليم على أبيها ثم تعود إلى مستقرها. فإنا لكذلك وإذا بمناد ينادي أن غضوا أبصاركم ~~يا أهل الموقف حتى تعبر فاطمة بنت محمد # صلى الله عليه وسلم # فهرعت إليها، فرأيتها راكبة مع ~~إخوتها وجواريها على أفراس من نور، وتقدم من وعدني بسؤالها في أمري فأنجز وعده، فقالت ~~لأخيها إبراهيم: «دونك الرجل!» فقال: «تعلق بركابي.» فتعلقت، فطارت الأفراس في الهواء ~~تقطع الأجيال، وتتخطى رءوس القرون حتى وافينا النبي # صلى الله عليه وسلم # واقفا لشهادة القضاء، ~~فقصت عليه فاطمة ما علمت من أمري، فراجع الديوان الأعظم فوجد اسمي في التائبين، ms058 فشفع ~~لي، فعدت في ركب فاطمة فرحا مستبشرا، وما كنت أقدر أن بين يدي عقبة ~~الصراط، فلما وافيته وجدتني لا أستمسك عليه لرقته، فأمرت فاطمة جارية من جواريها أن ~~تعبر معي، فأمسكت بيدي، فمشيت أترنح ذات اليمين وذات الشمال، وخفت السقوط، فقلت لها: ~~«احمليني زقفونة.» فقالت: «وما زقفونة؟» فقلت: «أما سمعت قول الجحجلول من أهل كفر ~~طاب: # صلحت حالتي إلى الخلف حتى # صرت أمشي إلى الورى زقفونة؟» # فقالت: «ما سمعت بزقفونة، ولا الجحجلول، ولا كفر طاب.» فقلت: «ألقي يدي فوق كتفيك ~~وأجعل بطني إلى ظهرك.» فحملتني وجازت بي الصراط كالبرق الخاطف حتى صرت إلى باب الجنة، ~~فرمت الدخول، فوقف رضوان في وجهي، وقال: «أين جوازك؟» فبعلت بالأمر، ثم رأيت في ~~دهليز الجنة شجرة صفصاف، فعالجته على أن يعطيني منها ورقة أعود بها إلى الموقف ~~لأستكتب عليها الجواز فأبى، فقلت وقد ملك الهم علي رشدي وصوابي: «أما والله لو أنك ~~حارس على أبواب الكرماء، أو خازن لخزائن الملوك والأمراء، لما وصل شاعر إلى درهم، ~~ولا سائل إلى سحتوت ولهلك الفقراء هما وحزنا!» فسمع إبراهيم عليه السلام حواري، ~~فجذبني جذبة حصلني بها في الجنة وصاحبي ينظر إلي شزرا، فدخلت فرأيت ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # رأيت أنهارا من الماء العذب أصفى من أديم السماء، وأصقل من مرآة الحسناء، تنصب ~~فيها جداول من الكوثر، إذا جرع الشارب منها جرعة جرع ماء الحياة، وأمن أن يذوق ~~كأس المنون مرة أخرى. ورأيت جداول تفيض بالراح فيضا، قد زينت حوافيها بأباريق من ~~العسجد، وكئوس من الزبرجد، فما نهلت منها نهلة حتى قلت: «لو كشف لأهل العاجلة ~~عما في هذه الخمرة من اللذة التي لا يشوبها كدر، والنشوة التي لا يعقبها خمار ما ~~باعوا قطرة منها بكل ما تشتمل عليه بابل وقطربل من البواطي والدنان، ولو نظر ~~الأقيشر الأسدي بعين الغيب إلى عسجد هذه الأباريق وزبرجد تلك الكئوس لخجل من نفسه ~~أن يقول: # أفنى تلادي وما جمعت من نشب # قرع ms059 القوازيز أفواه الأباريق # وفي تلك الأنهار آنية ترفرف فوق سطحها على صور الطيور، كالكراكي، والطواويس، والبط، ~~والعندليب، ينحدر من مناقيرها شراب أرق من السراب، وتسبح فيها أسماك من الذهب ~~والياقوت. # يعمن فيها بأوساط مجنحة # كالطير تنشر في جو خوافيها # ورأيت أنهارا من لبن وأنهارا من عسل لا يدرك الوهم كنهه إلا إذا أدرك ما ~~يمتص نحل الجنة من زهورها وأنوارها. # رأيت جميع تلك الأنهار مكبرة، ثم تمثلت في نظري مصغرة، فإذا هي سطور من ~~النور، وأحرف بيضاء في صحيفة خضراء، قرأتها فرأيتها: # مثل ~~الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرات ~~. # ظللت أمشي فما أكاد أخطو خطوة حتى أرى منظرا عجيبا ينسي السابق، ويشوق إلى اللاحق، ~~فوددت لو طويت لي الأرض طيا، فأتعجل النظر إلى ما غاب عني من الجنة وبدائعها، فما ~~أخذ هذا الخاطر مكانه من نفسي حتى رأيت بين يدي فرسا من الجوهر المتخير مسرجا ~~ملجما، فعلمت أني قد سعدت وأنها الأمنية التي كنت أتمناها، فعلوت ظهره وغمزته ~~غمزة خرج بها خروج الودق من السحاب، والسيف من القراب، وعلى ما جهدته لم يشك ~~إلي ما شكاه جواد عنترة إليه في قوله: # فازور من وقع القنا بلبانه # وشكا إلي بعبرة وتحمحم # أو ما شكاه جواد عمر بن أبي ربيعة إليه في قوله: # تشكى الكميت الجري لما جهدته # وبين لو يسطيع أن يتكلما # ذكرت أني وأنا في الدار الفانية كنت أسمع بذكر الذاهبين الأولين من الأدباء والشعراء ~~والرواة، فآسف على أن لم أكن في زمنهم أراهم وأحضر مجالسهم، فقلت: «ليت شعري ما فعل ~~الله بهم في هذه الدار؟! وهل سعدوا أو شقوا؟ وهل يقيض لي من رؤيتهم في دار البقاء ~~ما لم يقيض في دار الفناء؟» # ثم رميت بطرفي فإذا فارس يحضر فرسه في الهواء إحضارا حتى تقاربنا، فتماست ~~الركب واختلفت الأعناق، فقال: «انتسب.» فقلت: «فلان، ومن أنت ms060 يرحمك الله وقد فعل؟» ~~فقال: «عدي بن زيد العبادي.» فدهشت وقلت: «عدي بن زيد في الجنة بعد الزيغ والضلال؟!» ~~فقال: «أنا عيسوي، وأنت محمدي، وليس لصاحبك على أحد حجة إلا بعد ظهوره وبلوغ ~~دعوته.» فقلت: «لا نكران، ولكن كيف لم يقعد بك فسقك وشرابك؟ وأين استهتارك في ~~قولك: # بكر العاذلون في وضح الصب # ح يقولون لي: أما تستفيق؟ # ودعوا بالصبوح فجرا فجاءت # قينة في يمينها إبريق؟» # قال: «غفر الله لنا ما غفر لكم.» قلت: «هل لك علم بجماعة الشعراء والرواة، فقد تمنيت ~~على الله أن أراهم فكنت عنوان الكتاب وفاتحة الإجابة؟» # فقال: «اصحبني.» فطارت بنا الخيل، فقلت له: «هل آمن ألا يقذف بي هذا السابح على صخرة ~~من الزمرد أو هضبة من الياقوت فيكسر لي عضدا أو ساقا أو جمجمة؟» فتبسم وقال: «أين ~~يذهب بك؟ نحن في دار الخلود والبقاء!» # مررنا بروضة من رياض الجنة يخترقها غدير خمري على شاطئه جمع كثير، على سرر ~~متقابلين، أو على الأرائك متكئين، فهوى صاحبي بفرسه، فهويت هويه، وقلنا: # سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار # فرحبوا بنا وهشوا للقائنا وانتسبنا فتعارفنا، ثم أخذوا فيما كانوا ~~فيه، فإذا الأصمعي ينشد مروياته، وأبو عبيدة يسرد وقائع الحروب ومقاتل ~~الفرسان، وإذا سيبويه والكسائي متصافيان بعد أن وقع بينهما في مجلس البرامكة ما وقع، ~~وأحمد بن يحيى لا يضمر لمحمد بن زيد من الموجدة ما كان يضمر، وأخذت تهب من ناحية ~~النهر نفحة عطرية ذكرتني بقول الأعشى ميمون: # مثل ريح المسك ذاك ريحها # وعلى ذكر الأعشى ذكرت مصرعه وشقاءه، وقلت في نفسي: لولا أن قريشا صدته عن ~~الإسلام لكان اليوم بيننا في مجلسنا هذا، فسمعت هاتفا من ورائي يقول: «أنا بينكم وفي ~~مجلسكم.» فالتفت فإذا الأعشى ميمون، فلم أدر من أي مدخليه أعجب؟ أمن مدخله إلى ~~الجنة، أم من مدخله إلى نفسي وعلمه بما هجس في صدري؟! فعلمت أن أهل الجنة ملهمون. ثم ~~سألته: «كيف غفر لك؟» فقال: «سحبتني الزبانية إلى سقر، فرأيت في عرصات القيامة رجلا ms061 ~~يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، والناس يهتفون به من كل جانب: «الشفاعة يا محمد!» فأخذت ~~إخذهم وهتفت هتافهم، فأمر أن أدنو منه، فدنوت، فسألني: «ما حرمتك؟» فقلت: أنا ~~القائل: # ألا أيهذا السائلي أين يممت # فإن لها في أهل يثرب موعدا # فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من وجى حتى تلاقي محمدا # متى ما تناخي عند باب ابن هاشم # تراحى وتلقى من فواضله ندا # نبي يرى ما لا ترون وذكره # أغار لعمري في البلاد وأنجدا # فقال: «ما سمعتها منك قبل اليوم.» قلت: خدعني عنك الناس بعدما شددت راحلتي إليك، وكنت ~~رجلا أحب الشراب وخفتك عليه أن تفرق بيني وبينه.» فشفع لي، فدخلت الجنة على ألا ~~أذوق فيها الخمر، فقنعت بالرضاب عن الشراب، وبماء الثغر المنضود عن ماء العنقود.» ~~ورأيت بجانبه شابا ريق الشباب، فسألت عنه، فقيل لي: زهير بن أبي سلمى، فما كدت ~~أصدق أنه القائل: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # فقلت له: «بم غفر الله لك؟» فقال: «كنت في جاهليتي أترقب مبعث محمد وأتمنى البقاء ~~حتى أراه، فحال بيني وبينه الموت، فأوصيت به ابني كعبا وبجيرا، وكنت أومن ~~بالحساب فما نفعني شيء ما نفعني قولي: # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم # ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب ويدخر # ليوم الحساب أو يقدم فينقم» # وإلى جانب زهير عبيد بن الأبرص، فسألته عن مصير أمره، فقال: «كتب لي النار، فما زال ~~الناس يهتفون بقولي: # من يسأل الناس يحرموه # وسائل الله لا يخيب # والعذاب يخفف عني شيئا فشيئا، حتى خرجت ببركة هذا البيت من الجحيم إلى ~~النعيم.» # ذهبنا في الحديث كل مذهب، وذهب بعضنا إلى ارتشاف الخمر من النهر، في آنية الدر، ~~فانتشينا جميعا، فما أفقنا إلا على حفيف رف من إوز الجنة نزل بنا، ثم انتفض عن ~~كواعب أتراب يغنين بالمزاهر والآلات الثقيل والخفيف والهزج، فما أتين على الألحان ~~الثمانية حتى دارت بنا الأرض الفضاء، وحتى ملكنا من الطرب ما يستخف الحلوم ، ويطير ms062 ~~بالهموم، وقلنا: «لو علم جبلة بن الأيهم بما نحن فيه لقرع السن على أن باع ~~دينه بسرور محدود، وأنس معدود، ودف وعود.» # ذكرت جبلة، فذكرت لذكره النار وقوله تعالى: # فاطلع فرآه ~~في سواء الجحيم # فتمنيت أن أطلع فأرى المعذبين، كما رأيت ~~المنعمين، فألهمت الإذن، فأشرت لصاحبي فقام وقمت، وركبنا فرسينا فطارا بنا حتى ~~انتهينا إلى سور الجنة، فرأينا عنده من الداخل كوخا يسكنه شيخ زري الهيئة، فأشرفنا ~~عليه فقال: «لا تعجبوا لشأني، أنا الحطيئة، ووالله لولا أني صدقت مرة واحدة في ~~حياتي في قولي: # أرى لي وجها شوه الله خلقه # فقبح من وجه وقبح حامله # لما دخلت الجنة ولما أدركت كوخا ولا جحرا.» فتركناه واطلعنا فما رآنا أهل النار ~~حتى ضجوا بصوت واحد أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فرأينا ملوكا ~~وأكاسرة يتضاغون في السلاسل والأغلال ويقولون: # ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ~~، فيهتف بهم ~~هاتف: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير ~~. # ورأيت بجانبي امرأة تبينتها فإذا هي الخنساء تطلع مثلنا فترى رجلا كالجبل الأشم ~~على رأسه شعلة من النار، فتمتعض وتقول: «يا صخر هذا تأويل قولي فيك من قبل: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار» # ورأيت هناك كثيرا من أمثال: امرئ القيس، وعنترة، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، ~~ورأيت بشار بن برد تفتح عيناه بكلاليب من نار، وكلما اشتد به الألم رفس ~~إبليس برجله، وقال له: «ما كنت لأدخل النار لولا قولي فيك: # إبليس أفضل من أبيكم آدم # فتبينوا يا معشر الأشرار # النار عنصره وآدم طينة # والطين لا يسمو سمو النار» # وجزعنا من المنظر فهممنا بالرجوع، وإذا إبليس يهتف بنا: «يا أهل الجنة بلغوا عني ~~أباكم آدم أني لم أدخل النار بسببه حتى أخذت معي أكثر ولده وأفلاذ كبده، فلا يهنأ ~~كثيرا بمصيري.» فقلنا: «قبحه الله! لا يزال ينفس على آدم نعمته حتى اليوم.» فما كان ~~لنا هم بعد رجوعنا إلا ms063 لقاء أبينا عليه السلام، فلقيناه فبلغناه الرسالة، فقال: ~~«وا رحمتاه له! ما كان بينه وبين الإيمان إلا القليل فأرداه الحسد فكان من المهلكين.» ~~فقبلنا يده وانصرفنا إلى ما أعد الله لنا من ملك كبير، وجنة وحرير، وحور ~~وولدان، كأنهن الياقوت والمرجان، فحمدنا الله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله. # | عبرة الدهر # بنى فلان في روضة من رياض بساتينه الزاهرة قصرا فخما يتلألأ في تلك البقعة ~~الخضراء تلألؤ الكوكب المنير في البقعة الزرقاء، ويطاول بشرفاته الشماء أفلاك السماء، ~~كأنه نسر محلق في الفضاء، أو قرط معلق في أذن الجوزاء، وكأن شرفاته آذان ~~تفضي إليها النجوم بالأسرار، وطاقاته أبراج تنتقل فيها الشموس والأقمار. # شاده مرمرا وجلله كلسا # فللطير في ذراه وكور # ولم يدع ريشة لمصور ولا ليقة لرسام إلا أجراها في سقوفه وجدرانه، وطاقاته ~~وأركانه، حتى ليخيل إلى السالك بين أبهائه وحجراته ومحاريبه وعرصاته أنه ينتقل من ~~روضة تزهر بالورود الحمراء والأنوار البيضاء إلى بادية تسنح فيها الذئاب الغبراء، ~~والنمور الرقطاء، ومن ملعب تصيد فيه الظباء الأسود إلى غاب تصيد فيه الأسود الظباء. ~~وأنشأ في كبرى ساحاته وأوسع باحاته صهريجا من المرمر مستديرا يضم بين حاشيتيه ~~فوارة ينفر منها الماء صعدا كأنه سيف مجرد، أو سهم مسدد، فيخيل إلى الرائي ~~أن الأرض تثأر لنفسها من السماء، وتتقاضاها ما أراقت منها من الدماء، تلك تقاتلها ~~بالرجوم والشهب، وهذه تحاربها بالسهام والقضب. وغرس حول دائرة الصهريج دوائر من ~~شجرات مؤتلفات ومختلفات، وأغصان صنوان وغير صنوان، إذا رنحتها نسائم الأسحار ~~رقصت فوق بساط الأزهار وتحت ظلال الأثمار، فغنت على رقصها الأطيار غناء الأغاريد لا ~~غناء الأوتار، وادخر فيه لنعيمه وبلهنيته ما شاء الله أن يدخر من نضائد ومقاعد، ~~ووسائد ومساند، وفرش وعرش، وكلل وحجل، وتماثيل وتهاويل، وصحاف من ذهب كاللهب، ~~وأكواب من بلور كالنور، وأقفاص للحمائم والنسور، ومقاصير للسباع والنمور، وعربات ~~وسيارات، وجياد صافنات، ووصائف وولائد، تحيط بالمجالس والموائد، إحاطة القلائد بأعناق ~~الخرائد، وخدم حسان تتنقل في الغرف والقيعان تنقل الولدان ms064 في غرف الجنان. # في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب، غدافية الإهاب، أفاق صاحب القصر من غشيته، ~~فتحرك في سريره وفتح عينيه، فلم ير أمامه غير خادمه «بلال»، وهو خصي أسود من ذوي ~~الأسنان، رباه صغيرا وكفله كبيرا، وكان يجمع بين فضيلتي الذكاء والوفاء، فأشار إليه ~~إشارة الواله المتلهف أن يأتيه بجرعة ماء، فجاءه بها، فتساند على نفسه حتى شرب، وكأن ~~الماء قد حل عقدة لسانه، فسأله: «في أي ساعة من ساعات الليل نحن يا بلال؟» فأجابه: ~~«نحن في الهزيع الأخير يا سيدي.» فقال: «ألم تعد سيدتك إلى الآن؟» قال: «لا.» فامتعض ~~امتعاضا شديدا، وزفر زفرة كادت تخرق حجاب قلبه، ثم أنشأ يتكلم كأنما يحدث نفسه ~~ويقول: «إنها تعلم أني مريض، وأني في حاجة إلى من يسهر بجانبي ويتعهد أمري ويرفه عني ~~بعض ما أعالجه، وليس بين سكان القصر من هو أولى بي وأقوم علي منها، أين وفاؤها الذي ~~كانت تزعمه وتقسم لي بكل محرجة من الأيمان عليه؟ أين حبها الذي كانت تهتف به في ~~صباحها ومسائها وبكورها وأصائلها؟ أين النعيم الذي كنت أقلبها في أعطافه والعيش ~~الرغد الذي كنت أرشفها كئوسه؟ أإن علمت أني أصبحت بين حياة لا أرجوها وموت لا أجد ~~السبيل إليه، برمت بي واستثقلت ظلي واستبطأت أجلي واستطالت ضجعتي! فهي تفر من وجهي ~~كل ليلة إلى حيث تجد لذات العيش ومواطن السرور؟! آه من العيش ما أطوله! وآه من الموت ~~ما أثقله!» # وما زال يحدث نفسه بمثل هذه الأحاديث حتى هاج ساكنه واضطربت أعصابه، فعاودته ~~الحمى وغلى رأسه بنارها غليان القدر بمائها، فسقط على فراشه ساعة تجرع فيها من كأس ~~الموت جرعا مريرة، بيد أنه لشقائه لم يأت على الجرعة الأخيرة منها. # أفاق من غشيته مرة ثانية، فلم ير بجانبه تلك التي تسيل نفسه حسرات عليها، فسأل ~~الخادم: «ألا تعلم أين ذهبت سيدتك يا بلال؟» قال: «خير لك ألا تنتظرها يا مولاي، وألا ~~تلومها في بعدها عنك، فإن لها عند بعض الناس دينا فهي تخرج كل ms065 ليلة لتتقاضاه.» ~~قال: «ما عرفت قبل اليوم أن بينها وبين أحد من الناس شيئا من ذلك، ومتى كان يتقاضى ~~الدائن دينه في مثل هذه الساعة من الليل؟! وهل أعياها أن تجد من يقوم لها بذلك فهي ~~تتولاه بنفسها؟ وهلا فرغت من أمر دينها بعد اختلافها إليه سنة كاملة؟ قال: «إن ~~بينها وبين غريمها صكا مكتوبا أن يؤدي ما عليه من الدين أقساطا، في كل ليلة قسط، ~~على أن تتناوله بيدها وأن تكون مواعيد الوفاء أخريات الليالي.» قال: «ما سمعت في حياتي ~~بأغرب من هذا الدين ولا أعجب من هذا الصك! ومن هو غريمها؟» قال: «أنت يا سيدي.» فنظر ~~إليه نظرة الحائر المشدوه، وقال: «إني أكاد أجن لغرابة ما أسمع وأحسب أنك هاذ فيما ~~تقول أو هازئ.» فدنا منه الخادم وقال: «والله يا سيدي ما هزأت في حياتي ولا هذيت! ألا ~~تذكر تلك الليالي الطوال التي كنت تقضيها خارج المنزل بين شهوة تطلبها، وكأس تشربها، ~~وملاعب تحرر فيها أذيالك، ومراقص تهتك فيها أموالك، تاركا زوجتك في هذه الغرفة على هذا ~~السرير تشكو الوحشة، وتبكي الوحدة، وتتقلب على أحر من الجمر شوقا إليك، وحزنا ~~عليك، فلا تعود إليها إلا إذا شاب غراب الليل، وطار نسر الصباح؟ إنك سلبتها تلك ~~الليالي السالفة فأصبحت غريمها فيها، فهي تستردها منك اليوم ليلة ليلة حتى تأتي ~~عليها، ذلك هو دينها وهذا هو غريمها! ألا تذكر أنك كنت في لياليك هذه ربما تحبس ~~الزوجة عن زوجها وتملكها عليه، وهو واقف موقفك هذا في حسرتك هذه يبكي ما تبكي ويندب ~~ما تندب؟! ذلك الزوج هو الذي يتقاضاك اليوم حقه ويأبى إلا أن يأخذه عينا بعين ونقدا ~~بنقد، فهو يفجعك في زوجتك كما كنت تفجعه في زوجته، ويقض مضجعك كما كنت تقض ~~مضجعه، وأنا أعيذك بعدلك وإنصافك أن تكون من لواة الدين أو تكون من ~~الظالمين.» # قال: «حسبك يا بلال فقد بلغت مني، وإن لي في حاضري ما يشغلني عن ماضي فادع لي ~~ولدي.» قال: «لم يعد يا سيدي ms066 من الوجه الذي بعثته فيه حتى الآن.» قال: «لا أذكر أني ~~بعثته في وجه ما، وأين ذهب؟» قال: «ذهب إلى الحانة التي يختلف إليها، ولن يرجع منها ~~حتى يرتوي، ولن يرتوي حتى يعجز عن الرجوع. إنني طالما وقفت بين يديك يا مولاي ضارعا ~~إليك أن تحول بينه وبين خلطاء السوء وعشراء الشر حتى لا يفسدوه عليك، فكنت تعرض عني ~~إعراض من يرى أن تدليل الولد وترفيهه وإرخاء العنان له عنوان من عناوين العظمة، ~~ومظهر من مظاهر الأبهة والجلال، كنت أسألك أن تعلمه العلم وأن تهديه إلى طريق المدرسة ~~ليضل عن طريق الحانة، فكنت ترى أن الذي يحتاج إلى العلم من يرتزق به، وأن ولدك عن ~~ذلك من الأغنياء. فلا تشك من عمل يديك، ولا تبك من جناية نفسك عليك، فأنت الذي أرسلته ~~إلى الحانة، وأنت الذي أبقيته فيها إلى مثل هذه الساعة، وأنت الذي أبعدته عن فراشك أحوج ~~ما كنت إليه.» # وما وصل الخادم من حديثه إلى هذا الحد حتى نصل الليل من خضابه واشتعل المبيض في ~~مسوده، وإذا صوت الناعورة يرن في بستان القصر رنين الثكلى فقدت واحدها، فقال السيد: ~~«هات يدك يا بلال وخذ بيدي إلى جوار النافذة لأروح عن نفسي بعض ما ألم بها، أو ~~أودع إلى جانبها نسمات الحياة.» ثم اعتمد على يده حتى وصل إلى النافذة، فجلس على ~~كرسي مستطيل وألقى على البستان نظرة طويلة، فرأى البستاني وزوجته جالسين إلى ~~الناعورة وقد برقت بوارق السعادة من خلال أثوابهما البالية بريق الكواكب المنيرة من ~~خلال السحب المتقطعة، رآهما متحابين متعاطفين، لا يتعاتبان ولا يتشاحان، ولا ~~يشكوان هما ولا يندبان حظا، رآهما قويين نشيطين يجري دمهما في عروقهما صافيا ~~رائقا، وكأن كلا منهما يحاول أن يخرج من إهابه مرحا ونشاطا، رآهما راضيين بما قسم ~~الله لهما من خشونة الملبس وجشوبة المطعم، فلا يتشهيان ولا يتمنيان، ولا ينظران إلى ~~ذلك القصر الشامخ المطل عليهما نظرات الهم والحسرة. # سمعهما يتحدثان فأصغى إليهما فإذا البستاني يقول لزوجته: «والله لو وهب ms067 لي هذا ~~القصر برياضه وبساتينه، وآنيته وخرثيه على أن تكون لي تلك الزوجة الخائنة الغادرة ~~لفضلت العيش فوق صخرة في منقطع العمران على البقاء في مثل هذا المكان أقاسي تلك الهموم ~~والأحزان.» فقالت: «لا أحسب أن سيدنا ينجو من خطر هذا المرض، فقد مر به على حاله ~~تلك عام كامل وهو يزداد كل يوم ضعفا ونحولا.» قال: «لقد علمت أن الطبيب قد نفض ~~يده من الرجاء فيه وأضمر اليأس منه، ولا عجب في ذلك، فإنه ما زال يسرف على نفسه ويذهب ~~بها المذاهب كلها حتى قتلها.» قالت: «ما أشقاه! أكانت نفسه عدوة إليه فجنى عليها ~~هذا الشقاء، وذلك البلاء؟!» قال: «ما كان عدوا لنفسه ولا كانت نفسه عدوة إليه، ولكنه ~~كان جاهلا مغرورا، غره شبابه وماله، وعزه وجاهه، فظن أنه قد أخذ على الدهر ~~عهدا بالسلامة والبقاء، فانطلق في سبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى سقط في ~~الحفرة التي احتفرها لنفسه.» قالت: «أتعلم ماذا يكون حال هذا القصر من بعده؟» قال: «لا ~~أعلم إلا أنه سيكون لولده.» قالت: «ولكني أعلم أنه سيكون لفلان.» قال: «إن فلانا ليس ~~وريث السيد، بل صديقه.» قالت: «إنه ليس بصديق السيد، بل صديق السيدة، فهو خاطب زوجته ~~قبل وفاته، وزوجها بعد مماته!» # فما سمع السيد هذه الكلمات حتى اضطرب اضطرابا شديدا وسقط عن كرسيه وهو يقول: «أشهد ~~أني من الأشقياء.» وما زال في غشيته تلك حتى صحا صحوة الموت، وفتح عينيه فرأى بين يديه ~~هذا المنظر المحزن المؤلم: رأى ولده لاهيا بمحادثة فتاة من فتيات القصر، ورأى زوجته ~~تضاحك تربا من أترابها وتغمزها بطرفها أن قد حان حينه ودنا أجله، ورأى صديقه أو ~~ولي عهده يأمر في القصر وينهى، ويتصرف تصرف السيد المطاع، ورأى نفسه يعالج سكرات ~~الموت ويعد عدته للانتقال من القصر إلى القبر، وهنا سمع كأن هاتفا يهتف به من ~~السماء ويقول: «أيها الرجل، لو وفيت لزوجك لوفت لك، ولو أدبت ولدك لعناه أمرك، ~~ولو أحسنت اختيار صديقك ما خانك ، ولو ms068 رحمت نفسك ما خسرت حياتك.» فأغمض عينيه وهو يقول: ~~«فلتكن مشيئة الله.» # وهكذا فارق هذا المسكين حياته مفجوعا بزوجه وولده، وصديقه ونفسه، وبستانه ~~وقصره. # رب ركب قد أناخوا حولنا # يشربون الخمر بالماء الزلال # عصف الدهر بهم فانقرضوا # وكذاك الدهر حالا بعد حال # | أفسدك قومك # أيها المجرم الفاتك الذي يسلب الخزائن نفائسها، والأجسام أرواحها، لست أحمل عليك ~~من العتب فوق ما يحتمله ذنبك، ولا أنظر إليك بالعين التي نظر بها إليك القاضي الذي قسا ~~في حكمه عليك؛ لأني أعتقد أن لك شركاء في جريمتك، فلا بد لي من أن أنصفك وإن كنت لا ~~أستطيع أن أنفعك. # شريكك في الجريمة أبوك؛ لأنه لم يتعهدك بالتربية في صغرك، ولم يحل بينك وبين ~~مخالطة المجرمين، بل كثيرا ما كان يبخبخ لك إذا رآك هجمت على تربك وضربته، ~~ويصفق لك إذا رأى أنك تمكنت من اختلاس درهم من جيب أخيك أو اختطاف لقمة من يده، فهو ~~الذي غرس الجريمة في نفسك، وتعهدها بالسقيا حتى أينعت ونمت وأثمرت لك هذا الحبل ~~الذي أنت معلق به اليوم، وها هو ذا الآن يذرف عليك العبرات، ويصعد الزفرات، ولو عرف ~~أنها جريمته وأنها غرس يمينه لضحك مسرورا بغفلة الشرائع عنه، وسجد لله شكرا على أن لم ~~يكن حبلك في عنقه وجامعتك في يده. # شريكك في الجريمة هذا المجتمع الإنساني الفاسد الذي أغراك بها، ومهد لك السبيل ~~إليها، فقد كان يسميك شجاعا إذا قتلت، وذكيا فطنا إذا سرقت، وعالما إذا ~~احتلت، وعاقلا إذا خدعت، وكان يهابك هيبته للفاتحين، ويجلك إجلاله للفاضلين. ~~وكثيرا ما كنت تحب أن ترى وجهك في مرآته، فتراه وجها أبيض ناصعا، فتتمنى لو دام لك ~~هذا الجمال، ولو أنه كان يؤثر نصحك ويصدقك الحديث عن نفسك لمثل لك جريمتك في ~~نظرك بصورتها الشوهاء، وهنالك ربما وددت بجدع الأنف لو طواك بطن الأرض عنها، وحالت ~~المنية بينك وبينها. # شريكك في الجريمة حكومتك؛ لأنها كانت تعلم أن الجريمة هي الحلقة الأخيرة من ~~سلسلة كثيرة الحلقات، وكانت تراك تمسك بها ms069 حلقة حلقة، وتعلم ما سينتهي إليه أمرك، ~~فلا تضرب على يدك، ولا تعترض دون سبيلك، ولو أنها فعلت لما اجترمت، ولا وصلت إلى ~~ما إليه وصلت. # كانت حكومتك تستطيع أن تعلمك وتهذب نفسك، وأن تقفل بين يديك أبواب الحانات، وأن ~~تحول بينك وبين مخالطة الأشرار بإبعادهم عنك وتشريدهم في مجاهل الأرض ومخارمها، وأن ~~تعديك على قتيلك قبل أن يبلغ حقدك عليه مبلغه من نفسك، وأن تحسن تأديبك في الصغيرة ~~قبل أن تصل إلى الكبيرة، ولكنها أغفلت أمرك فنامت عنك نوما طويلا، حتى إذا فعلت فعلتك ~~استيقظت على صوت صراخ المقتول، وشمرت عن ساعدها لتمثل منظرا من مناظر الشجاعة ~~الكاذبة، فاستصرخت جندها، واستنصرت أسلحتها، وأعدت جذعها وجلادها، وكان ~~كل ما فعلت أنها أعدمتك حياتك. # هؤلاء شركاؤك في الجريمة، وأقسم لو كنت قاضيا لأعطيتك من العقوبة على قدر سهمك في ~~الجريمة، وجعلت تلك الجذوع قسمة بينك وبين شركائك، ولكنني لا أستطيع أن أنفعك ... فيا ~~أيها القتيل المظلوم، رحمة الله عليك! # | الصدق والكذب # يا صاحب النظرات # سمعت بالصدق وما وعد الله به الصادقين من حسن المثوبة وجزيل الأجر، وسمعت بالكذب وما ~~أعد الله للكاذبين من سوء العذاب وأليم العقاب، وقرأت ما كتبه حكماء الأمم من عهد آدم ~~إلى اليوم، وإجماعهم أن الصدق فضيلة الفضائل، والأصل الذي تتفرع عنه جميع الأخلاق ~~الشريفة والصفات الكريمة، وأنه ما تمسك به متمسك إلا كان النجاح في أعماله ألصق به ~~من ظله، وأعلق به من نفسه، سمعت هذا وقرأت هذا، فلم يبق في نفسي ريب في أن ما أنا ~~مرزوء به في حظي من الشقاء، وعيشي من الضنك، وحياتي من الهموم والأكدار، إنما جره إلى ~~شؤم الكذب، وأن ما كنت أتخيله قبل اليوم من أن هناك مواقف يكون فيها الكذب أنفع من ~~الصدق وأسلم عاقبة إنما هو ضرب من ضروب الوهم والباطل ونزغة من نزغات الشيطان، ~~فعاهدت الله ونفسي ألا أكذب ما حييت، وأعددت لذلك القسم العظيم عدته من شجاعة في ~~النفس وقوة في العزيمة، بعدما وجهت وجهي ms070 لله تعالى وسألته أن يمدني بمعونته ~~ونصره. # وهأنذا ذاكر لك مواقف الصدق التي وقفتها بعد ذلك العهد، وما رأيته من آثارها ~~ونتائجها: # الموقف الأول: # جلست في حانوتي فما وقف بي مساوم إلا صدقته القول في الثمن الذي ~~اشتريت به السلعة والربح الذي أريده لنفسي فيها، والذي لا أستطيع أن ~~أعد نفسي رابحا إذا تجاوزت عن بعضه فيأبى إلا الحطيطة، فآباها عليه، ~~فينصرف عني استثقالا للثمن واستعظاما لمقداره، وما هو إلا الربح الذي ~~اعتدت أن آخذه منه في مثل تلك الصفقة، إلا أنني كنت أكذب عليه في أصل ~~الثمن، فيصغر في نظره الربح الذي أربحه منه، فلما صدقته عنه أعظمه ~~وانصرف عني إلى سواي. ولم أزل على هذه الحال حتى أظلني الليل، ولم ~~يفتح الله علي بقوت يومي، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت في السوق ~~بالطمع والمغالاة، فأصبحت لا يطرق باب حانوتي طارق. # الموقف الثاني: # جلست في مجلس يتصدره شيخ من تجار العقول الضعيفة المعروفين ~~بمشايخ الطرق، وقد حف به جماعة من عبدته وسدنة هيكله، فسمعته ~~يشرح لهم معنى التوكل شرحا غريبا، يذهب فيه إلى أنه القعود عن العمل ~~وإلقاء حبل هذا الوجود على غاربه، والإعراض عن كل سعي يؤدي إلى أي ~~غاية، ويعتمد في هذيانه هذا على آيات يؤولها كما يشاء، وأحاديث لا ~~يستند في صحتها على مستند سوى أنه سمعها من شيخه أو قرأها في كتابه. ~~وأكثر ما كان يدور على لسانه حديث: «لو توكلتم على الله حق توكله ~~لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا.» فقلت له، وقد أخذ ~~الغيظ من نفسي مأخذه: «يا شيخ، أردت أن تحتج لنفسك فاحتججت عليها! ~~أتعمد إلى حديث يستدل به رواته على وجوب السعي والعمل فتستدل به على ~~البطالة والكسل؟! ألم تر أن الله سبحانه وتعالى ما ضمن للطير الرواح ~~بطانا إلا بعد أن أمرها بالغدو، وهي التي ترويها القطرة وتشبعها ~~الحبة، فكيف لا يأمر الإنسان بالسعي، وهو من لا تفنى مطالبه ولا ~~تنتهي رغباته؟! # أيها القوم، إنكم تقولون ms071 بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، إنكم عجزتم عن ~~العمل وأخلدتم إلى الكسل، وأردتم أن تقيموا لأنفسكم عذرا يدفع عنكم ~~هاتين الوصمتين، فسميتم ما أنتم فيه توكلا وما هو إلا العجز ~~الفاضح، والإسفاف الدنيء.» وهنا زفر الشيخ زفرة الغيظ، ونادى في قومه ~~أن أخرجوا هذا الزنديق الملحد من مجلسي! فتألبوا علي تألبهم ~~على قصعة الثريد وأوسعوني لطما وصفعا، ثم رموا بي خارج الباب، فما ~~بلغت منزلي حتى هلكت أو كدت، فما مررت بعد ذلك بطائفة من العامة إلا ~~رموني بالنظر الشزر، وعاذوا بالله من رؤيتي كما يعوذون به من الشيطان ~~الرجيم. # الموقف الثالث: # لا أكتمك يا سيدي أني كنت أبغض زوجتي بغضا يتصدع له القلب، غير ~~أني كنت أصانعها وأتودد إليها وأمنحها من لساني ما ليس له أثر في ~~قلبي؛ خداعا لها وإبقاء على ما تحتويه يدي من صبابة مال كانت لها، ~~فرأيت أن ذلك أكذب الكذب وأقبحه، فآليت على نفسي ألا أسدل بعد اليوم ~~أمام عينيها حجابا يحول بينها وبين سريرتي، فانقطع عن سمعها ذلك ~~السلسبيل العذب من كلمات الحب، فاستوحشت مني وأظلم ما بيني وبينها، ~~فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى انحل ذلك الوثاق، وختمت سورة الفراق ~~بآية الطلاق. # الموقف الرابع: # حضرت مجتمعا يضم بين حاشيتيه جماعة من الفضوليين الذين تضيق بهم ~~مذاهب القول، فيلجئون إلى الحديث عن الناس والمفاضلة بينهم، ويحاولون ~~أن ينبشوا دفائن صدورهم ويتغلغلوا بين أطواء سرائرهم، ويغالون في ذلك ~~مغالاة الكيميائي في تحليله وتركيبه، فرأيتهم يتناولون بألسنتهم ~~رجلا عظيما من أصحاب الآراء السياسية، لا أعتقد أن بين السالكين ~~مسلكه والآخذين إخذه من أخلص لأمته إخلاصه، أو وقف في المواقف ~~المشهودة موقفه، أو لاقى في ذلك السبيل من صدمات الدهر وضربات الأيام ~~ما لاقاه، سمعتهم يسمونه خائنا، فوالله لأن تقع السماء على الأرض ~~أحب إلي من أن يتهم البريء أو يجازى المحسن سوءا على إحسانه. ~~سمعت ما لم أملك نفسي معه، فقلت: «يا قوم، أتطالعون من كتاب الحرية ~~مائة صفحة ونيفا ثم لا تزالون عبيد ms072 الأوهام، أسرى الخيالات، سراعا ~~إلى كل داع، سعاة مع كل ساع، تنظرون بغير روية، وتحكمون بغير ~~علم؟! إنكم بعملكم هذا تزهدون المحسن في إحسانه، وتلقون الرعب في ~~قلب كل عامل يعمل لأجلكم، وتثبطون همة كل من يحدث نفسه بخدمتكم ~~وخدمة بلادكم. أليس مما يلقي في النفس اليأس من نجاحكم وصلاح حالكم أن ~~نراكم طعمة كل آكل، ولعبة كل عابث، يستهويكم الكاذب بالكلمات ~~التي تستهوي بها المرضعات أطفالهن، ثم يدعوكم إلى مناوأة الصادق، ~~فتمنحون الأول ودكم وإخلاصكم، والثاني بغضكم وموجدتكم؟!» خاطبتهم ~~بهذه الكلمات أريد بها خيرا لهم فأرادوا شرا بي، فما خلصت من بينهم ~~إلا وأنا ألمس رأسي بيدي لأعلم أين مكانها من عنقي. # الموقف الخامس: # قابلني في الطريق شاعر يحمل في يده طومارا كبيرا، وكنت ذاهبا ~~إلى موعد لا بد لي من الوفاء به، فعرض علي أن يسمعني قصيدة من ~~طريف شعره، وأنا أعلم الناس بطريفه وتليده، فاستعفيته بعد أن كاشفته ~~بأمري فأبى، فانتحيت به ناحية من الطريق، فأنشأ يترنم بالقصيدة بيتا ~~بيتا وأنا أشعر كأنما يجرعني السم قطرة قطرة، حتى تمنيت أن لو ~~ضربني بها ضربة واحدة يكون فيها انقضاء أجلي ليريحني من هذا العذاب ~~المتقطع والتمثيل الفظيع! وكلما أتى على بيت منها أقبل علي بوجهه، ~~وأطال النظر في وجهي، وحدق في عيني ليعلم كيف كان وقع شعره من نفسي، ~~فإذا رأى تقطيب وجهي ظنه تقطيب الشارب لارتشاف الكأس، فيستمر في شأنه ~~حتى أنشد نحو خمسين بيتا، ثم وقف وقال: «هذا هو الباب الأول من أبواب ~~القصيدة!» فقلت: «وكم عدد أبوابها يرحمك الله؟» قال: «عشرة ليس فيها ~~أصغر من أولها!» قلت: «أتأذن لي أن أقول لك يا سيدي: إن شعرك قبيح، ~~وأقبح منه طوله، وأقبح من هذا وذاك صوتك الأجش الخشن، وأقبح من الثلاثة ~~اعتقادك أني من سخافة الرأي وفساد الذوق بحيث يعجبني مثل هذا ~~الشعر البارد عجبا يسهل علي فوات الغرض الذي أريده، والذي ما خرجت ~~من منزلي إلا من أجله؟» فتلقاني بضربة بجمع يده في صدري ، فتلقيته ms073 ~~بمثلها، وما زالت أكفنا تأخذ مأخذها من خدودنا وأقفائنا حتى كلت، ~~فجردت عصاي وضربته في رأسه ضربة ما أردت بها - يعلم الله - إلا أن ~~أصيب مركز الشعر من مخه فأفسده عليه! فسقط مغشيا عليه، وسقطت ~~القصيدة من يده، فأسرعت إليها ومزقتها وأرحت نفسي منها وأرحت الناس من ~~مثل مصيبتي فيها. وكان الشرطي قد وصل إلينا فاحتملنا جميعا إلى ~~المخفر، ثم إلى السجن حيث أكتب إليك كتابي هذا. # فيا صاحب النظرات: أفتني في أمري وأنر ظلمة نفسي فقد أشكل علي الأمر ~~وأصبحت أسوأ الناس بالصدق ظنا، بعدما رأيت أني ما وقفت موقفه في حياتي إلا خمس مرات، ~~فكانت نتيجة ذلك إفلاسي، وخراب بيتي، واتهامي بالخيانة مرة والزندقة أخرى، ذلك إلى ما ~~أقاسيه اليوم في هذا السجن من أنواع الآلام وصنوف الأسقام.» # أيها السجين # كتبت إلي - مسح الله ما بك وألهمك صواب الرأي في حاليك - تشكو من جناية الصدق عليك ~~ما وقف بك موقف الشك في أمره، وكاد يزلق بك إلى الاعتقاد أنه رذيلة الرذائل لا فضيلة ~~الفضائل، وما كان لك أن تجعل لليأس هذا السبيل إلى نفسك، وأن يبلغ بك الجزع من نكبات ~~العيش وضربات الأيام مبلغا يذهب برشدك، ويطير بلبك، فما أنت أول صادق في الأرض، ولا ~~أول من لقي في سبيل الصدق شرا وكابد ضرا. # إنك لو فهمت معنى الفضيلة حق الفهم، وصبرت على مرارتها حق الصبر، لذقت من حلاوتها ما ~~تقطع دونه أعناق الرجال. # ليست الفضيلة وسيلة من وسائل العيش أو كسب المال، وإنما هي حالة من حالات النفس تسمو ~~بها إلى أرقى درجات الإنسانية وتبلغ بها غاية الكمال. # إن الذي يطلب الفضيلة ليستكثر بها ماله أو يرفه بها عيشه، يحتقرها ويزدريها؛ ~~لأنه لا يفرق بينها وبين سلعة التاجر وآلة الصانع. # ليس من صواب الرأي أن يجعل الإنسان حالة عيشه ميزانا يزن به أخلاقه، فإن اتسع عيشه ~~اطمأن إليها، وإن ضاق أساء الظن بها، فكم رأينا بين الفاضلين أشقياء، وبين الأرذلين ~~كثيرا من ذوي النعمة والثراء. # لا يستطيع ms074 الرجل الفاضل أن يبلغ غايته من عيشه إلا إذا استطاع أن ينزل من نفوس الناس ~~منازل الحب والإكرام، ولن يستطيع ذلك إلا إذا عاش بين قوم يعرفون الفضيلة ويعظمون ~~شأنها، ولن يكونوا كذلك إلا إذا كانوا فضلاء أو أشباه فضلاء. والسواد الأعظم الذي يمسك ~~بيده أسباب العيش، ويملك ينابيعه سواد أبله ساذج يبغض الصادق؛ لأنه يصادره في ميوله ~~وأهوائه، وينقم منه جهله وغباوته، ويحب الكاذب؛ لأنه لا يزال يزين له أمره حتى ~~يحبب إليه نفسه، فلا بد للصادق من صدر يسع هموم العيش وقلب يحتمل بغض القلوب؛ ~~ليبلغ غايته من إصلاح النفوس وتهذيبها، كما يبذل المجاهد حياته ودمه ليبلغ غايته من ~~الفوز والانتصار. # الصدق جنة حفت بالمكاره، فإن كان للصادق في جنة الصدق أرب فليحمل في سبيلها ما ~~حمله الأنبياء والمرسلون، والحكماء والقائمون بإصلاح المجتمع الإنساني، ودعاة المطالب ~~الدينية والسياسية. # كما أن الجود يفقر والإقدام قتال، وكما أن لكل فضيلة من الفضائل آفة من ~~الآفات ترفع درجتها وتبعد منازلها - إلا على الصابرين المخلصين - كذلك للصدق آفة من ~~مصادمة الكاذبين (وهم الأكثرون) للصادقين (وهم الأقلون). # أتريد أيها الرجل أن تسمى صادقا، وأن تنال أشرف لقب يستطيع أن يناله بشر، وأن ~~يوافيك المجد طائعا مذعنا دون أن تبذل في سبيله شيئا من مالك أو راحتك؟ # إنك إن أردت ذلك - أو قدرته في نفسك - تظلم الفضيلة ظلما بينا، وترخص قيمتها، ~~وتلقي بها في مدارج الطرق وتحت مواطئ النعال. # أيحزنك انصراف الأغبياء عن حانوتك، أو اتهامك بالزندقة والإلحاد، أو المروق والخيانة، ~~وترى أن ذلك كثير في سبيل بلوغك منزلة الصدق وإحرازك فضيلته، وأنت تعلم أن الفاضلين ~~قد بذلوا من قبلك أكثر مما بذلت في سبيل إحراز ما أحرزت، فما ندموا ولا حزنوا؟ # أيها السجين الشريف # هنيئا لك السجن الذي تكابده، وهنيئا لك البغض الذي تحملته، وهنيئا لك العيش ~~الذي تعالج هموهه! فوالله لأنت أرفع في نظري من كثير من أولئك الذين يعدهم الناس ~~سعداء، ويسمونهم عظماء. # لا تظلم الصدق ولا تكن سيئ الظن به، ms075 وكن أحرص الناس على ولائه ومودته، وإياك أن ~~يخدعك عنه خادع، واصبر قليلا يثمر لك غرسه، ويمتد عليك ظله، وهنالك تجد في نفسك من ~~اللذة والغبطة ما لو بذل فيه ذوو التيجان تيجانهم، وأرباب الكنوز كنوزهم، لما استطاعوا ~~إليه سبيلا. # | النظامون # ما لهؤلاء النظامين لا يهدءون ساعة واحدة عن صدع رءوسنا وجرح قلوبنا بهذه ~~الصواعق التي يمطرونها علينا كل يوم من سماء الصحف، حتى صرنا كلما فتحنا صحيفة ~~ورأينا في وسطها جدولا أبيض مستطيلا تخيلناه حية رقطاء، ففزعنا وألقينا الصحيفة ~~كما ألقاها الشاعر المتلمس لينجو بنفسه ويسلم بحياته! # من لي بالقلم العريض الذي يكتب به كتاب الصحف عناوين مقالاتهم في معرض التهويل ~~والتجسيم، فأكتب به إلى هؤلاء المساكين هذه الكلمة الآتية: # أيها القوم! إن علماء الضاد الذين عرفوا الشعر بأنه الكلام الموزون ~~المقفي لم يكونوا شعراء ولا أدباء، ولا يعرفون من الشعر أكثر من إعرابه وبنائه، ~~أو اشتقاقه وتصريفه، وإنما جروا في ذلك التعريف مجرى علماء العروض، الذين لا ~~مناص لهم من أن يقفوا في تعريف الشعر عند هذا القدر ما دام لا يتعلق لهم ~~غرض منه بغير أوزانه وقوافيه، وعلله وزحافاته. # لا تظنوا أن الشعر كما تظنون، وإلا لاستطاع كل قارئ، بل كل إنسان، أن ~~يكون شاعرا؛ لأنه لا يوجد في الناس من يعجزه تصور النغمة الموسيقية والتوقيع ~~عليها من أخصر طريق. # أيها القوم! ما الشعر إلا روح يودعها الله فطرة الإنسان من مبدأ نشأته، ولا ~~تزال كامنة فيه كمون النار في الزند، حتى إذا شدا فاضت على أسلات أقلامه كما ~~تفيض الكهرباء على أسلاكها، فمن أحس منكم بهذه الروح في نفسه فليعلم أنه ~~شاعر، أو لا، فليكف نفسه مئونة التخطيط والتسطير، وليصرفها إلى معاناة ~~ما يلائم طبعه ويناسب فطرته من أعمال الحياة، فوالله للمحراث في يد الفلاح ~~والقدوم في يد النجار والمسبر في يد الحداد أشرف وأنفع من القلم في يد ~~النظام. # فإن غم عليكم الأمر وأعجزكم أن تعلموا مكان الروح الشعري من نفوسكم، ~~فاعرضوا أنفسكم على من ms076 يرشدكم إليه ويدلكم عليه، حتى تكونوا على بينة من ~~أمركم. # | الحرية # استيقظت في فجر هذا اليوم على صوت هرة تموء بجانب فراشي، وتتسمح بي وتلح في ذلك ~~إلحاحا غريبا، فرابني أمرها وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة! فنهضت وأحضرت لها ~~طعاما، فعافته وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة! فأرشدتها إلى الماء، فلم تحفل به، ~~وأنشأت تنظر إلي نظرات تنطق بما تشتمل عليه نفسها من الآلام والأحزان، فأثر في ~~نفسي منظرها تأثيرا شديدا، حتى تمنيت أن لو كنت سليمان أفهم لغة الحيوان لأعرف ~~حاجتها وأفرج كربتها. وكان باب الغرفة مقفلا، فرأيت أنها تطيل النظر إليه وتتلصق بي ~~كلما رأتني أتجه إليه، فأدركت غرضها، وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه، ~~فما وقع نظرها على الفضاء ورأت وجه السماء حتى استحالت حالتها من حزن وهم إلى غبطة ~~وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها. فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في ~~أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول: ليت شعري! هل تفهم الهرة معنى الحرية، فهي تحزن ~~لفقدانها وتفرح بلقياها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها ~~وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرعها ورجاؤها وتمسحها ~~وإلحاحها إلا سعيا وراء بلوغها. # وهنا ذكرت أن كثيرا من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة ~~المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصص الجناح من ألم الأسر ~~وشقائه. بل ربما كان بينهم من لا يفكر في وجه الخلاص أو يلتمس السبيل إلى النجاة مما ~~هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن ويأنس به ويتلذذ بآلامه ~~وأسقامه. # من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ~~ميدانا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤما عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل ~~به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدا بحريته كما كان سعيدا بها قبل أن يصبح ذكيا ~~ناطقا؟ # يحلق الطير في الجو ، ويسبح ms077 السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش ~~الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه، ومحبس حكومته، من المهد إلى اللحد. # صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالا، وسماها تارة ناموسا وأخرى ~~قانونا ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام. # صنع له هذه الآلة المخيفة وتركه قلقا حذرا مروع القلب، مرتعد ~~الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجليه، وفلتات لسانه ~~وخطرات وهمه وخياله، لينجو من عقاب المستبد ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! ~~وويح له ما أشد حمقه! وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه، أو ~~سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟ # ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه ~~وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية ولا يذرف دمعة واحدة عليها. # لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من السلاسل ~~والقيود، لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرا له من ~~حياة لا يرى فيها شعاعا من أشعة الحرية، ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها. # كان في مبدأ خلقه يمشي عريانا، أو يلبس لباسا واسعا يشبه أن يكون ظلة تقيه ~~لفحة الرمضاء، أو هبة النكباء، فوضعوه في القماط كما يضعون الطفل، وكفنوه كما ~~يكفنون الموتى، وقالوا له: «هكذا نظام الأزياء.» # كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، ~~وملئوا قلبه خوفا من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، ~~وأن يتكلم أو يكتب إلا كما يريد الرئيس الديني أو الحاكم السياسي، وأن يقوم أو يقعد ~~أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات وتقاليدها. # لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرا مطلقا، لا يسيطر على ~~جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس. # الحرية شمس ms078 يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة حالكة، ~~يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر. # الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللعب المتحركة في ~~أيدي الأطفال بحركة صناعية. # ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا، أو طارئا غريبا، وإنما هي فطرته التي ~~فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور، ويتعلق بأغصان الأشجار. # إن الإنسان الذي يمد يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد، وإنما هو يطلب ~~حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق ~~عليه، ولا يد لأحد عنده. # | عبرة الهجرة # إن في أخلاق النبي # صلى الله عليه وسلم # وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية، ما ~~يغنيه عن كل خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو الهواء. # إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه وحلمه، وصبره واحتماله، وتواضعه ~~وإيثاره، وصدقه وإخلاصه، أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ~~ومشي الشجر، ولين الحجر؛ ذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى من ~~الشبه بينها وبين عرافة العرافين وكهانة الكهنة وسحر السحرة، فلولا صفاته النفسية ~~وغرائزه وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريد، ولا تركت المعجزات في نفوس العرب ذلك ~~الأثر المعروف، ذلك هو معنى قوله تعالى: # ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~. # كان النبي # صلى الله عليه وسلم # شجاع القلب، فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قوما مشركين، يعلم ~~أنهم غلاظ جفاة، شرسون متحمسون، يغضبون لدينهم غضبهم لأغراضهم، ويحبون آلهتهم كما ~~يحبون أبناءهم. # كان على ثقة من نجاح دعوته، فكان يقول لقريش أشد ما كانوا هزءا له وسخرية: «يا ~~معشر قريش، والله لا يأتي عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبوا ما أنتم له ~~كارهون.» # كان حليما، سمح الأخلاق، فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه ويزدرونه، ويشعثون منه ~~ويضعون التراب على رأسه، ويلقون على ظهره أمعاء الشاة وسلى الجزور ms079 وهو في صلاته، ~~بل كان يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.» # كان واسع الأمل، كبير الهمة، صلب النفس، لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله ~~فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل، فلم يبلغ الملل من نفسه، ولم يخلص اليأس إلى ~~قلبه، فكان يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا ~~الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.» # وما زال هذا شأنه حتى علم أن مكة لن تكون مبعث الدعوة ولا مطلع تلك الشمس المشرقة، ~~فهاجر إلى المدينة، فانتقل الإسلام بانتقاله من السكون إلى الحركة، ومن طور الخفاء ~~إلى طور الظهور. # لذلك كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام؛ لأنها أكبر مظهر من مظاهره، وكانت عيدا يحتفل ~~به المسلمون في كل عام؛ لأنها أجمل ذكرى للثبات على الحق والجهاد في سبيل الله. # لقد لقي # صلى الله عليه وسلم # في هجرته عناء كبيرا وشدة عظيمة، فإن قومه كانوا يكرهون مهاجرته، ~~لا ضنا به؛ بل مخافة أن يجد في دار هجرته من الأعوان والأنصار ما لم يجد بينهم، كأنما ~~كانوا يشعرون بأنه طالب حق، وأن طالب الحق لا بد أن يجد بين المحقين أعوانا ~~وأنصارا، فوضعوا عليه العيون والجواسيس، فخرج من بينهم ليلة الهجرة متنكرا، بعدما ترك ~~في فراشه ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ عبثا بهم وتضليلا لهم عن اللحاق به، ~~ومشى هو وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يتسلقان الصخور ويتسربان في الأغوار والكهوف، ~~ويلوذان بأكناف الشعاب والهضاب، حتى انقطع عنهما الطلب، وتم لهما ما أرادا بفضل الصبر ~~والثبات على الحق. # إن حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق ~~بأشرف الأخلاق والتحلي بأكرم الخصال، وأحسن مدرسة يجب أن يتعلموا فيها كيف يكون الصدق ~~في القول والإخلاص في العمل، والثبات على الرأي وسيلة إلى النجاح، وكيف يكون الجهاد في ~~سبيل الحق سببا في علوه على الباطل. # لا حاجة لنا بتاريخ حياة ms080 فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء الإفرنج، فلدينا في ~~تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل، والصبر والثبات، والحب والرحمة، والحكمة ~~والسياسة، والشرف الحقيقي، والإنسانية الكاملة، وهي حياة نبينا # صلى الله عليه وسلم # وحسبنا بها ~~وكفى. # | الإنصاف # إذا كان لك صديق تحبه وتواليه، ثم هجمت من أخلاقه على ما لم يحل في نظرك ولم يتفق ~~مع ما علمت من حاله وما اطرد عندك من أعماله، أو كان لك عدو تذم طباعه، وتنقم منه ~~شئونه، ثم برقت لك من جانب أخلاقه بارقة خير، فتحدثت بما قام في نفسك من مؤاخذة صديقك ~~على الهفوة التي ذممتها، وحمد عدوك على الخلة التي حمدتها، عدك الناس ~~متلونا، أو مخادعا، أو ذا وجهين، تمدح اليوم من تذم بالأمس، وتذم في ساعة ~~من تمدح في أخرى، وقالوا: إنك تظهر ما لا تضمر، وتخفي غير الذي تبدي. ولو أنصفوك ~~لأعجبوا بك وبصدقك، ولأكبروا سلامة قلبك من هوى النفس وضلالها، ولسموا ما بدا لهم منك ~~اعتدالا لا نفاقا، وإنصافا لا خداعا؛ لأنك لم تغل في حب صديقك غلو من يعميه ~~الهوى عن رؤية عيوبه، ولم تتمسك من صداقته بالسبب الضعيف، فعنيت بتعهد أخلاقه، ~~وتفقد خلاله، لإصلاح ما فسد من الأولى، واعوج من الأخرى. # إن صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك، وحلمك وجهلك، وصوابك وسقطك، ليس ممن ~~يغتبط بمودته، أو يوثق بصداقته؛ لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي تتراءى فيها، فتكشف ~~لك عن نفسك وتصدقك عن زينك وشينك، وحلوك ومرك، وهو إما جاهل متهور في ميوله ~~وأهوائه، فلا يرى غير ما تريد أن ترى نفسه لا ما يجب أن يراه، وإما منافق مخادع، قد ~~علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجرير الذيول عليها، فجاراك فيما تريد ليبلغ منك ما ~~يريد. # فهأنتذا ترى أن الناس يعكسون القضايا ويقلبون الحقائق فيسمون الصادق كاذبا، ~~والكاذب صادقا، ولكن الناس لا يعلمون. # | المدنية الغربية # سأودع في هذه النظرة الخيال والشعر وداع من يعلم أن الأمر أعظم شأنا وأجل خطرا من ~~أن يعبث ms081 فيه العابث بأمثال هذه الطرائف التي هي بالهزل أشبه منها بالجد، والتي إنما ~~يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه لا في موطن جده وعمله. # إن في أيدينا - معشر الكتاب - من نفوس هذه الأمة وديعة يجب علينا تعهدها ~~والاحتفاظ بها والحدب عليها، حتى نؤديها إلى أخلافنا من بعدنا، كما أداها إلينا أسلافنا ~~من قبلنا سالمة غير مأروضة، ولا متأكلة، فإن فعلنا فذاك، أو لا، فرحمة الله ~~على الصدق والوفاء، وسلام على الكتاب الأمناء! # الأمة المصرية أمة مسلمة شرقية، فيجب أن يبقى لها دينها وشرقيتها ما جرى نيلها في ~~أرضها، وذهبت أهرامها في سمائها، حتى تبدل الأرض غير الأرض والسموات. # إن خطوة واحدة يخطوها المصري إلى الغرب تدني إليه أجله، وتدنيه من مهوى سحيق ~~يقبر فيه قبرا لا حياة له من بعده إلى يوم يبعثون. # لا يستطيع المصري - وهو ذلك الضعيف المستسلم - أن يكون من المدنية الغربية - إن ~~داناها - إلا كالغربال من دقيق الخبز، يمسك خشاره ويفلت لبانه، أو الراووق من ~~الخمر يحتفظ بعقاره ويستهين برحيقه، فخير له أن يتجنبها وأن يفر منها فرار السليم ~~من الأجرب. # يريد المصري أن يقلد الغربي في نشاطه وخفته، فلا ينشط إلا في غدوته وروحته، ~~وقعدته وقومته، فإذا جد الجد وأراد نفسه أن يعمل عملا من الأعمال المحتاجة إلى ~~قليل من الصبر والجلد دب الملل إلى نفسه دبيب الصهباء في الأعضاء، والكرى بين ~~أهداب الجفون. # يريد أن يقلده في رفاهيته ونعمته، فلا يفهم منهما إلا أن الأولى التأنث في ~~الحركات، والثانية الاختلاف إلى الحانات. # يريد أن يقلده في الوطنية، فلا يأخذ منها إلا نعيقها ونعيبها، وضجيجها وصفيرها، فإذا ~~قيل له: هذه المقدمات فأين النتائج؟ أسلم رجليه إلى الرياح الأربع، واستن في فراره ~~استنان المهر الأرن، فإذا سمع صفير الصافر مات وجلا، وإذا رأى غير شيء ظنه ~~رجلا. # يريد أن يقلده في السياحة، فلا يزال يترقب فصل الصيف ترقب الأرض الميتة فصل الربيع، ~~حتى إذا حان حينه طار إلى مدن أوروبا طيران حمام الزاجل لا يبصر ms082 شيئا مما حوله، ولا ~~يلوي على شيء مما وراءه، حتى يقع على مجامع اللهو ومكامن الفجور وملاعب القمار، وهناك ~~يبذل من عقله وماله ما يعود من بعده فقير الرأس والجيب، لا يملك من الأول ما يقوده إلى ~~طريق السفينة التي تحمله في أوبته، ولا من الثاني أكثر من الجعالة التي يجتعلها منه ~~صاحب الجريدة ليكتب له بين حوادث صحيفته حادثة عودته موشاة بجمل الإجلال والاحترام، ~~مطرزة بوشائع الإكرام والإعظام. # يريد أن يقلده في العلم، فلا يعرف منه إلا كلمات يرددها بين شدقيه ترديدا لا ~~يلجأ فيه إلى ركن من العلم وثيق، ولا يعتصم به من جهل شائن. # يريد أن يقلده في الإحسان والبر، فيترك جيرانه وجاراته يطوون حنايا الضلوع على أمعاء ~~تلتهب فيها نار الجوع التهابا، حتى إذا سمع دعوة إلى اكتتاب في فاجعة نزلت في القطب ~~الشمالي، أو كارثة ألمت بسد يأجوج ومأجوج، سجل اسمه في فاتحة الكتاب، ورصد هبته في ~~مستهل جريدة الحساب. # يريد أن يقلده في تعليم المرأة وتربيتها، فيقنعه من علمها مقالة تكتبيها في جريدة ~~أو خطبة تخطبها في محفل، ومن تربيتها التفنن في الأزياء والمقدرة على سحر النفوس ~~واستلاب الألباب. # هذا شأنه في الفضائل الغربية، يأخذها صورة مشوهة وقضية معكوسة لا يعرف لها ~~مغزى ولا ينتحي بها مقصدا، ولا يذهب فيها إلى مذهب، فيكون مثله في ذلك كمثل جهلة ~~المتدينين الذين يقلدون السلف الصالح في تطهير الثياب وقلوبهم ملأى بالأقذار ~~والأكدار، ويجارونهم في أداء صور العبادات وإن كانوا لا ينتهون عن فحشاء ولا عن منكر، ~~أو كمثل الذين يتشبهون بعمر في ترقيع الثياب وإن كانوا أحرص على الدنيا من صيارفة ~~الإسرائيليين. # أما شأنه في رذائلها فإنه أقدر الناس على أخذها كما هي، فينتحر كما ينتحر الغربي، ~~ويلحد كما يلحد، ويستهتر في الفسوق استهتاره، ويترسم في الفجور آثاره. # إن في المصريين عيوبا جمة في أخلاقهم وطباعهم ومذاهبهم وعاداتهم، فإن كان لا بد ~~لنا من الدعوة إلى إصلاحها، فلندع إلى ذلك باسم المدنية الشرقية، لا باسم المدنية ms083 ~~الغربية. # إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب مثلا بحضارة بغداد وقرطبة، وثيبة وفينيقيا، لا ~~بباريس ورومة، وسويسرة ونيويورك، وإن دعوناهم إلى مكرمة، فلنتل عليهم آيات الكتب ~~المنزلة، وأقوال أنبياء الشرق وحكمائه، لا آيات رسو وباكون، ونيوتن وسبنسر، وإن ~~دعوناهم إلى حرب ففي تاريخ خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وموسى بن نصير، وصلاح ~~الدين، ما يغنينا عن تاريخ نابليون وولنجتون وواشنطن ونلسن وبلوخر، وفي وقائع القادسية ~~وعمورية وإفريقية والحروب الصليبية، ما يغنينا عن وقائع «واترلو» وترافلغار وأوسترليتز ~~والسبعين. # إن عارا على التاريخ المصري أن يعرف المسلم الشرقي في مصر من تاريخ بونابرت ما ~~لا يعرف من تاريخ عمرو بن العاص، ويحفظ من تاريخ الجمهورية الفرنسية ما لا يحفظ من ~~تاريخ الرسالة المحمدية، ومن مبادئ ديكارت وأبحاث دارون ما لا يحفظ من حكم الغزالي ~~وأبحاث ابن رشد، ويروي من الشعر لشكسبير وهوجو ما لا يروي للمتنبي والمعري. # لا مانع من أن يعرب لنا المعربون المفيد النافع من مؤلفات علماء الغرب، ~~والجيد الممتع من أدب كتابهم وشعرائهم، على أن ننظر إليه نظرة الباحث المنتقد لا ~~الضعيف المستسلم؛ فلا نأخذ كل قضية علمية قضية مسلمة، ولا نطرب لكل معنى أدبي ~~طربا متدفعا. ولا مانع من أن ينقل إلينا الناقلون شيئا من عادات الغربيين ~~ومصطلحاتهم في مدنيتهم، على أن ننظر إليه نظر من يريد التبسط في العلم بشئون العالم، ~~والتوسع في التجربة والاختبار، لا على أن نتقلدها وننتحلها ونتخذها قاعدتنا في ~~استحسان ما نستحسن من شئوننا، واستهجان ما نستهجن من عاداتنا. # وبعد، فليعلم كتاب هذه الأمة وقادتها، أنه ليس في عادات الغربيين وأخلاقهم ~~الشخصية الخاصة بهم ما نحسدهم عليه كثيرا، فلا يخدعوا أمتهم عن نفسها، ولا يفسدوا ~~عليها دينها وشرقيتها، ولا يزينوا لها هذه المدنية الغربية تزيينا يرزؤها في استقلالها ~~النفسي، بعدما رزأتها السياسة في استقلالها الشخصي. # | يوم الحساب # ساهرت الكوكب ليلة أمس حتى ملني ومللته، وضاق كل منا بصاحبه ذرعا، وقد وقف ~~الهم بيني وبين الكرى، أجذبه فيدفعه، وأدنيه فيبعده، حتى أسلس قياده، ms084 وسكن ~~جماحه. # لم تخالط جفني سنة الكرى حتى خيل إلي أني قد انتقلت من العالم الأول ~~إلى العالم الثاني، ورأيت كأني بعثت بعد الموت، وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد واحد ~~يحاسبون على أعمالهم، فألهمت أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب. # أنشأت أمشي مشية الحائر الذاهل، لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا، ولا أجد من يأخذ ~~بيدي ويدلني على نفسي، في هذا الموقف الذي ينشد فيه كل ذي نفس نفسه فلا يجد إليها ~~سبيلا، فطفقت أتصفح وجوه الواقفين، وأقلب النظر في الغادين والرائحين علني ~~أجد صديقا أستأنس به في وحدتي، وأستعين بمرافقته على وحشتي، فلا أرى إلا خلقا ~~غريبا، ومنظرا عجيبا، ووجوها ما رأيت لها في حياتي شبيها ولا شريبا، ولولا أني ~~أعلم أن الحساب خاص بالإنسان، لظننت أن الله يحاسب في هذا الموقف جميع أنواع ~~الحيوان! # هنالك - وقد بلغ اليأس والهم مبلغهما من نفسي - رأيت على البعد وجها يبتسم لي ويدنو ~~مني رويدا رويدا، فأرفلت نحوه حتى بلغته، فإذا صديقي «فلان» وإذا وجهه يتلألأ ~~تلألؤ الكوكب في علياء السماء، فسألته ما فعل الله به، فقال: «حاسبني حسابا يسيرا ثم ~~غفر لي، وهأنذا ذاهب إلى ما أعد الله لعباده الصالحين في جنته من النعيم المقيم.» فعجبت ~~لشأنه، وقلت في نفسي: «لقد هان أمر الحساب على كل عاص بعدما هان على هذا الذي كنت ~~أعرفه في أولاه لا يتقي مأثما، ولا يهاب منكرا، ولا يخرج من حان إلا إلى حان، ولا ~~يودع مجمعا من مجامع الفسق إلا على موعد من اللقاء.» فنظر إلي نظرة العاتب اللائم ~~وابتسم ابتسامة علمت منها أن الرجل قد ألم بما أضمرته في نفسي، فذكرت أن قد ~~كشف الغطاء في هذه الدار، وأن قد رفع الحجاب بين الناس، فلا سر ولا جهر، ~~ولا بطن ولا ظهر، ولا فرق بين حركات اللسان وخطرات الجنان، نظر إلي تلك النظرة، ~~وقال: «لا تعجب لأمر في هذه الدار، فكل ما فيها عجيب، واعلم أن الله حاسبني على كل ~~ما كنت أجترح ms085 من الإثم في الدار الأولى، إلا أنه وجد لي في جريدة حسناتي حسنة ذهبت ~~بجميع السيئات، ذلك أنه كان لي جار من ذوي النعمة والثراء والصلاح والخير والمروءة ~~والبر، نكبه دهره نكبة ذهبت بماله، فأهمني أمره وأزعجني أن أراه في مستقبل ~~الأيام بائسا معدما، يريق ماء وجهه على أعتاب الذين كان يسدي إليهم نعمته، وعلمت أني ~~إن عرضت عليه شيئا من مالي أخجلته وصغرت نفسه في عينه، فاحتلت على أن أدخل في بيته ~~خادما كانت في بيتي، وجعلت لها جعلا على أن تدس في كيس دراهمه كل ليلة خمسة ~~دنانير من حيث لا يشعر بمأتاها، ولا يقف على سرها، وما زال هذا شأني وشأنه لا يعلم من ~~أين يأتيه رزقه، ولا يشعر أحد من الناس باستحالة حاله، وذهاب ماله، حتى فرق الموت ~~بيني وبينه، فما نفعني عمل من أعمالي ما نفعني هذا العمل، وما كان الإحسان وحده سبب ~~سعادتي، بل كان سببها أنه أصاب الموضع وخلص من شائبة الرياء.» # فهنأته بنعمة الله عليه، وشكوت إليه وحشتي من الوحدة، وخوفي من المحاسبة، فقال: «أما ~~الوحشة فإني لن أفارقك حتى يأتي دورك، وأما الخوف فلا حيلة لي ولا لأحد من الناس في ~~نقض ما أبرم الله في شأنك.» فقلت: «أنت من السعداء، فهل تستطيع أن تشفع لي أو تطلب لي ~~شفاعة من ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء؟» قال: «لا تطلب المحال، ولا تصدق ~~كل ما يقال، فقد كنا مخدوعين في الدار الأولى بتلك الآمال الكاذبة التي كان يبيعها ~~منا تجار الدين بثمن غال، ولا يتقون الله في غشنا وخداعنا، وما الشفاعة إلا مظهر ~~من مظاهر الإكرام والتبجيل يختص به الله بعض عباده المقربين، فلا يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه، ولا يأذن بالشفاعة لأحد إلا إذا كان بين أعمال المشفوع له، أو في أعماق سريرته ~~ما يقتضي إيثاره بالمغفرة على غيره من العصاة والمذنبين، والله سبحانه وتعالى أجل من ~~العبث وأرفع من المحاباة.» # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى ms086 رأينا كوكبة من ملائكة العذاب تحيط برجل يساق ~~إلى النار، ورأينا في يد كل واحد منهم مقرعة من الحديد يقرع بها رأسه، وهو يصرخ ~~ويقول: «أهلكتني يا أبا حنيفة!» فسألت صاحبي: «ما ذنب ~~الرجل؟» فقال: «إنه كان في حياته يتخذ في أعماله ما ~~يسمونه «الحيل الشرعية»، فكان يهب ماله لأحد أولاده على نية استرداده قبل أن ~~يحول عليه الحول ليتخلص من فريضة الزكاة، ويطلق زوجته ثلاثا، ثم يأتي بمحلل ~~يحللها له فيعود إلى معاشرتها. وكان يرابي باسم الرهن؛ فإذا جاءه من يريد أن يقترض منه ~~مالا أبى أن يقرضه إلا إذا وضع في يده رهنا، فإذا وضع يده على ضيعته ألزمه أن ~~يستأجرها منه بمال كثير، يراعي فيه النسبة التي يراعيها المرابون بين الربح وأصل ~~المال. وكان إذا حلف لا يدخل بيتا دخله من نافذته، أو لا يأكل رغيفا أكله إلا لقمة ~~منه، فذنبه أنه كان يعمد إلى الأحكام الشرعية فينتزع منها حكمها وأسرارها، ثم يرفعها ~~إلى الله قشورا جوفاء؛ ليخدعه بها ويغشه فيها كما يفعل مع الأطفال والبله، ~~مستندا على تقليد أبي حنيفة أو غيره من كبار الأئمة، وأبو حنيفة أرفع قدرا وأهدى ~~بصيرة من أن يتخذ الله هزءا أو سخرية، وأن يكون ممن يهدمون الدين باسم ~~الدين.» # وما انقطع عنا صوت هذا الشقي حتى رأينا شقيا آخر ذا لحية طويلة كثة قد أحاط به ~~ملكان، وشدا عنقه بسبحة طويلة ذات حبات كبيرة، وقد أخذ كل منهما بطرف منها وهو ~~يهمهم بكلمات مبهمة، فيقرعه أحدهما على رأسه ويقول له: «أمكر وأنت في الحديد؟!» ~~فدنوت منه وأنعمت النظر في وجهه، فعرفته، فتراجعت ذعرا وخوفا، وقلت: «أيكون هذا من ~~أشقياء الآخرة، وقد كان بالأمس من أقطاب الأولى؟!» فقال لي صاحبي: «إن هذا الذي كنت ~~تحسبه في أولاه من الأقطاب كان أكبر تاجر من تجار الدين، وما هذه اللحية والسبحة ~~والهمهمة والدمدمة إلا حبائل كان ينصبها لاصطياد عقول الناس وأموالهم، ولكن الناس لا ~~يعلمون.» # وما زال المنصرفون من موقف القضاء يمرون بنا، ms087 هذا إلى جنته، وذاك إلى ناره، وأنا أسأل ~~عن شأن كل منهم واحدا فواحدا، فأرى سعيدا من كنت أحسبه شقيا، وشقيا من كنت ~~أحسبه سعيدا، فسجلت أن الله سبحانه وتعالى يحاسب الناس على قلوبهم لا على ~~جوارحهم، ويسألهم عن نياتهم، لا عن أفعالهم، وأن لا سعادة إلا الصدق، ولا شقاء إلا ~~الكذب. وعلمت أن الله لا يغفر من السيئات إلا ما كان هفوة من الهفوات يلم بها ~~صاحبها إلماما ثم يندم عليها. ورأيت أن أكبر ما يعاقب الله عليه جناية المرء على ~~أخيه بسفك دمه، أو هتك عرضه، أو سلب ماله، وأن أضعف الوسائل إلى الله ذلك الركوع ~~والسجود، والقيام والقعود، فلو أن امرأ قضى حياته بين ليل قائم، ونهار صائم، ثم ظلم ~~طفلا صغيرا في لقمة يختطفها من يده لاستحالت حسناته إلى سيئات، وما أغنى عنه ~~نسكه من الله شيئا. # وبينا أنا أحدث نفسي بهذا الحديث، وأقلب النظر في وجوه تلك المواعظ ~~والعبر، إذ قال لي صاحبي: «أتعرف هذين؟» وأشار إلى رجلين واقفين ناحية يتناجيان، ~~أحدهما شيخ جليل أبيض اللحية، وثانيهما كهل نحيف قد اختلط مبيضه بمسوده، فما هي ~~إلا النظرة الأولى حتى عرفت الرجلين العظيمين؛ رجل الإسلام «محمد عبده» ورجل المرأة ~~«قاسم أمين»، فقلت لصاحبي: «هل لك في أن ندنو منهما ونسترق نجواهما من حيث لا يشعران؟» ~~ففعلنا، فسمعنا الأول يقول للثاني: «ليتك يا قاسم أخذت برأيي وأحللت نصحي لك محلا من ~~نفسك! فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له ~~عدته من الأدب والدين، فجنى كتابك عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها ~~وتبذلها، وإراقة تلك البقية الصالحة التي كانت في وجهها من ماء الحياء.» فقال له صاحبه: ~~«إني أشرت عليها أن تتعلم قبل أن تسفر، وألا ترفع برقعها قبل أن تنسج لها برقعا ~~من الأدب والحياء.» قال: «ولكن قد فاتك ما كنت تنبأت لك به من أنها جاهلة لا تفهم هذا ~~التفصيل، وضعيفة لا تعبأ بهذا الاستثناء، فكنت كمن يعطي ms088 الجاهل سيفا ليقتل به غيره ~~فيقتل نفسه!» فقال له: «أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك: إنك قد وقعت في مثل ما وقعت ~~فيه من الخطأ، وإنك نصحتني بما لم تنتصح به؛ أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما ~~تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته؛ إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من ~~الآراء الدينية الصحيحة والأغراض الشريفة، فأرادوا غير ما أردت، وفهموا غير ما فهمت، ~~فأصبحوا ملحدين بعد أن كانوا مخرفين، وأنت تعلم أن دينا خرافيا خير من لا ~~دين، أولت لهم بعض آيات الكتاب، فاتخذوا التأويل قاعدة، حتى أولوا الملك ~~والشيطان والجنة والنار. وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها، وسفهت لهم رأيهم في الأخذ ~~بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة. وقلت لهم: إن الولي إله باطل، والله إله ~~حق، فأنكروا الألوهية حقها وباطلها.» فتهلل وجه الشيخ، وقال له: «ما زلت يا قاسم ~~في أخراك مثلك في دنياك، لا تضطرب في حجة، ولا تنام عن ثأر، يا قاسم لا تحمل ~~هما، ولا تخش شرا، وثق أن الله سيحاسبنا على نياتنا وسرائرنا، ويعفو عن ~~هفواتنا وسقطاتنا، إنا ما أردنا إلا الخير لأمتنا، وما قدرنا لها في مستقبلها إلا ~~ما تحتمله عقولنا، فإن كذبت فراستنا أو أخطأ تقديرنا؛ فذلك لأن المستقبل بيد ~~الله.» # وما وصلا من حديثهما إلى هذا الحد حتى تركا مكانهما وذهبا لشأنهما، فقلت لصاحبي: «هل ~~لك أن تريني الميزان والصراط، والجنة والنار؟ فإني ما زلت في شوق إلى رؤية تلك ~~الأشياء، ورؤية مواقعها منذ رأيتها في «خريطة الآخرة» التي رسمها الشعراني في بعض ~~كتبه.» قال: «أما الميزان فتقدير الأعمال والموازنة بين الحسنات والسيئات، وأما الصراط ~~فهو سبيل الإنسان إلى سعادته أو شقائه، وأما الجنة والنار فلا علم لي حتى الساعة ~~بهما.» # وبينا أنا كذلك إذ سمعت صوتا صارخا ما قرع سمعي في حياتي مثله يناديني باسمي، ~~فعلمت أن قد جاء دوري، فأدركني من الهول والرعب ما أيقظني من نومي، فاستيقظت فلم أر ~~حسابا ولا عقابا، ولا موقفا ولا ms089 محشرا، فعلمت أنها خيالات وأوهام، أو أضغاث ~~أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. # | الشعرة البيضاء # مررت صباح اليوم أمام المرآة فلمحت في رأسي شعرة بيضاء تلمع في تلك اللمة ~~السوداء لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء. # رأيت الشعرة البيضاء في فودي، فارتعت لمرآها، كأنما خيل إلي أنها سيف ~~جرده القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب ~~الأجل، أو يأس قاتل عرض دون الأمل، أو جذوة نار علقت بأهداب حياتي علوقها بالحطب ~~الجزل، ولا بد مهما ترفقت في مشيتها واتأدت في مسيرها من أن تبلغ مداها، أو ~~خيط من خيوط الكفن الذي تنسجه يد الدهر وتعده لباسا لجثتي عندما تجردها من لباسها ~~يد الغاسل. # أيتها الشعرة البيضاء! ما رأيت بياضا أشبه بالسواد من بياضك، ولا نورا أقرب إلى ~~الظلمة من نورك، لقد أبغضت من أجلك كل بياض حتى بياض القمر، وكل نور حتى نور ~~البصر، وأحببت فيك كل سواد حتى سواد الغربان، وكل ظلام حتى ظلام الوجدان. # أيتها الشعرة البيضاء! ليت شعري من أي نافذة خلصت إلى رأسي؟ وفي أي مسلك من ~~مسالك الدهر مشيت إلى فودي؟ # كيف طاب لك المقام في هذه الأرض الموحشة التي لا تجدين فيها أنيسا يسامرك، ولا ~~جليسا يساهرك؟ وكيف لم يرع قلبك لمنظر هذا الليل الفاحم؟ ولم يعش بصرك في هذا ~~الظلام القاتم؟ # أيتها الشعرة البيضاء! لقد عييت بأمرك، وبعلت بحملك، وأصبحت لا أعرف وجه الحيلة ~~في البعد عنك، والفرار من وجهك. # لا ينفعني معك أن أنزعك من مكانك لأنك لا تلبثين أن تعودي إليه، ولا ينقذني منك أن ~~أخضبك بالسواد لأنك لا تلبثين أن تنصلي، ولأني لا أحب أن أجمع على نفسي ~~بين مصيبتين: مصيبة الشيب، ومصيبة الكذب! # أيتها الشعرة البيضاء! يخيل إلي وأنا أنظر إليك أنك من ذوات الحيلة والدهاء ~~والكيد والخبث، وأنك تهمسين في آذان أخواتك السود اللواتي بجانبك، تحاولين إغراءهن ~~بالتشبه بك والتردي بردائك، وكأني بك وقد أشعلت في هذه البيئة الهادئة المطمئنة حربا ms090 ~~شعواء، وفتنة عمياء، يختلط فيها الرامح بالنابل والدارع بالحاسر، ويهلك فيها القاعد ~~والقائم، والمظلوم والظالم. # إن كان هذا مصيرك، فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة الزنج ~~مستكشفا فيصبح مستعمرا، ويدخل أرضها سلما، ويفارقها حربا، فأسأل الله لرأسي ~~العافية منك، ولأمة الزنج السلامة من صاحبك، فكلاكما مشئوم الطلعة في مقامه وارتحاله، ~~وكوكب النحس في وقوفه وتسياره. # أيتها الشعرة البيضاء! ما أنت؟ وما وفودك إلي؟ وما مكانك مني ومقامك عندي؟ إن ~~كنت ضيفا فأين استئذان الضيف وتلطفه وتجمله وتودده؟ وإن كنت نذيرا فأنا أعلم ~~من الموت وشأنه ما لا أحتاج معه إلى نذير، فلم يبق إلا أن تكوني أوقح الخلائق وجها، ~~وأصلبها خدا، وأنك قد نزلت من السماجة والفضول منزلة لا أرى لك فيها شبيها إلا تلك ~~الحية التي تلج كل جحر من أجحار الهوام والحشرات تعده جحرها، وتحسبه ~~بيتها. # أيبلغ بك الشأن - وأنت التي ضربوا الأمثال بدقتها وخفائها ويبعثون وراءها الملاقط ~~والمقاريض، فلا يكادون يعرفون السبيل إلى مدارجها ومكامنها - أن تملئي من الرعب قلبا ~~لا يروعه السيف المجرد، ولا السهم المسدد؟! # لا، لا، ما ذعرت ولا ارتعت، وما حزنت ولا بكيت، وإنما هي خطرة من خطرات الأمل ~~الكاذب، ولمحة من لمحات البرق الخالب. # أيتها الشعرة البيضاء، هل لك أن تتجاوزي عما أسأت به إليك في إطالة عتبك، واستثقال ~~ظلك؟ فلقد رجعت إلى نفسي، فعلمت أنك أكرم الخلائق عندي، وأعظمها في عيني. هنيئا ~~لك رأسي مصيفا ومرتبعا، وهنيئا لك فودي مرادا ومسرحا، فأنت رسول الموت ~~الذي ما زلت أطلبه مذ عرفته فلا أجد له سبيلا، ولا أعرف له رسولا. # ما الذي يحمله في صدره لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه فيحزن على ذهابه؟ ~~ولم يذق حلاوة الحياة فيجزع لمرارة الممات؟ ولم يستنشق نسمات السعادة غصنا رطبا فيأسى ~~عليها عودا يابسا. # ما الذي ينقمه منك من الشئون رجلا يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة ~~من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لحظات قليلة يكدرها ما ms091 يحيط بها من الهموم ~~والأحزان، كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة؟! # أليس كل ما أعده عليك من الذنوب أنك طليعة الموت؟ والموت هو الذي يخلصني من منظر ~~هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه ~~إلا لأفتحها على صديق يغدر بصديقه، وأخ يخون أخاه، وعشير يحدد أنيابه ليمضغ ~~عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته، وفقير يقترح على الدهر حتى بلغة الموت ~~فلا يظفر بأمنيته، وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك ~~وربوبيته، وقلوب تضطرم حقدا على غير طائل، ونفوس تتفانى قتلا على لون حائل، وظل ~~زائل، وغرض باطل، وعقول تتهالك وجدا على نار تحرقها، وأنياب تمزقها، وعيون ~~حائرة، في رءوس طائرة، تنظر ولا ترى شيئا مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها، ~~إن كان هذا هو ذنبك عندي، فاستكثري من ذنوبك فإني لك من الغافرين. # أيتها الشعرة البيضاء! مرحبا بك اليوم ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا القضاء ~~الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك، ومرحبا بتلك الغرفة التي أخلو فيها بربي وآنس ~~فيها بنفسي، من حيث لا أسمع حتى دوي المدافع، ولا أرى حتى غبار الوقائع. # أهلا بوافدة للشيب واحدة # وإن تراءت بشكل غير مودود # | الصياد # حدث أحد الأصدقاء قال: بينا أنا في منزلي صبيحة يوم إذ دخل علي رجل صياد يحمل ~~في شبكة فوق عاتقه سمكة كبيرة، فعرضها علي، فلم أساومه فيها، بل نقدته الثمن الذي ~~أراده، فأخذه شاكرا متهللا وقال: «هذه هي المرة الأولى التي أخذت فيها الثمن الذي ~~اقترحته، أحسن الله إليك كما أحسنت إلي، وجعلك سعيدا في نفسك كما جعلك سعيدا في ~~مالك.» فسررت بهذه الدعوة كثيرا، وطمعت أن تفتح لها أبواب السماء، وعجبت أن ~~يهتدي شيخ عامي إلى معرفة حقيقة لا يعرفها إلا القليل من الخاصة، وهي أن للسعادة ~~النفسية شأنا غير شأن السعادة المالية، فقلت له: «يا شيخ، وهل توجد سعادة غير سعادة ~~المال؟» فابتسم ابتسامة هادئة مؤثرة وقال: «لو كانت السعادة ms092 سعادة المال لكنت أنا أشقى ~~الناس؛ لأنني أفقر الناس!» # قلت: «هل تعد نفسك سعيدا؟» قال: «نعم، لأنني قانع برزقي، مغتبط بعيشي، لا أحزن ~~على فائت من العيش، ولا تذهب نفسي حسرة وراء مطمع من المطامع، فمن أي باب يخلص ~~الشقاء إلى قلبي؟» قلت: «أيها الرجل، أين يذهب بك وما أرى إلا أنك شيخ قد اختلس ~~عقله؟ كيف تعد نفسك سعيدا وأنت حاف غير منتعل، وعار إلا قليلا من الأسمال ~~البالية والأطمار السحيقة؟» قال: «إن كانت السعادة لذة النفس وراحتها، وكان الشقاء ~~ألمها وعناءها، فأنا سعيد لأني لا أجد في رثاثة ملبسي، ولا في خشونة عيشي ما يولد ~~لي ألما، أو يسبب لي هما، وإن كانت السعادة عندكم أمرا وراء ذلك، فأنا لا أفهمها ~~إلا كذلك.» # قلت: «ألا يحزنك النظر إلى الأغنياء في أثاثهم ورياشهم، وقصورهم ومراكبهم، ~~وخدمهم وخولهم، ومطعمهم ومشربهم؟ ألا يحزنك هذا الفرق العظيم بين حالتك وحالتهم؟» ~~قال: «إنما يصغر جميع هذه المناظر في نظري ويهونها عندي أني لا أجد أن أصحابها قد ~~نالوا من السعادة بوجدانها أكثر مما نلته بفقدانها، هذه المطاعم التي تذكرها إن كان ~~الغرض منها الامتلاء فأنا لا أذكر أني بت ليلة في حياتي جائعا، وإن كان الغرض منها ~~قضاء شهوة النفس، فأنا لا آكل إلا إذا جعت، فأجد لكل ما يدخل جوفي لذة لا أحسب أن ~~في شهوات الطعام لذة تفضلها. أما القصور فإن لدي كوخا صغيرا لا أشعر بأنه يضيق بي ~~وبزوجتي وولدي فأقرع السن على أن لم يكن قصرا كبيرا، وإن كان لا بد من إمتاع ~~النظر بالمناظر الجميلة، فحسبي أن أحمل شبكتي فوق كتفي كل مطلع فجر وأذهب بها إلى ~~شاطئ النهر، فأرى منظر السماء والماء، والأشعة البيضاء، والمروج الخضراء، فما هي إلا ~~لفتة الجيد حتى يطلع من ناحية الشرق قرص الشمس كأنه ترس من ذهب، أو قطعة من لهب، ~~فلا يبعد عن خط الأفق ميلا أو ميلين حتى ينثر فوق سطح النهر حليه المتكسر، أو ~~دره المتحدر، فإذا تجلى هذا ms093 المنظر في عيني يتخلله هدوء الطبيعة وسكونها، ملك ~~علي شعوري ووجداني، فاستغرقت فيه استغراق النائم في الأحلام اللذيذة حتى لا أحب أن ~~أعود إلى نفسي إلى يوم النشور، ولا أزال هكذا غارقا في لذتي حتى أشعر بجذبة قوية في ~~يدي فأنتبه، فإذا السمك في الشبكة يضطرب؛ وما اضطرابه إلا لأنه فارق الفضاء الذي كان ~~يهيم فيه مطلق السراح، وبات في المحبس الذي لا يجد فيه مراحا ولا مسرحا، فلا أجد ~~له شبيها في حالتيه إلا الفقراء والأغنياء، يمشي الفقير كما يشتهي، ويتنقل حيث يريد، ~~كأنما هو الطائر الذي لا يقع إلا حيث يطيب له التغريد والتنقير، ولولا أن تتخطاه ~~العيون وتنبو عنه النواظر ما طار في كل فضاء، ولا تنقل حيث يشاء، أما الغني فلا ~~يتحرك ولا يسكن إلا وعليه من الأحداق نطاق، ومن الأرصاد أغلال وأطواق، ولا يخرج من ~~منزله إلا إذا وقف أمام المرآة ساعة يؤلف فيها من حقيقته وخياله ناظرا ومنظورا، ثم ~~يطيل التفكر: هل يقع المنظور من الناظر موقعا حسنا؟ حتى إذا استوثق من نفسه بذلك ~~خرج إلى الناس يمشي بينهم مشية يحرص فيها على الشكل الذي استقر رأيه عليه، فلا يطلق ~~لجسمه الحرية في الحركة والالتفات؛ حتى لا يخرج بذلك من حكمها، ولا لفكره الحرية في ~~النظر والاعتبار بمشاهد الكون ومناظره؛ مخافة أن يغفل عن إشارات السلام ومظاهر ~~الإكرام. # فإذا أخذت من السمك كفاف يومي عدت به وبعته في الأسواق أو على أبواب المنازل، فإذا ~~أدبر النهار عدت إلى منزلي، فيعتنقني ولدي، وتبش زوجتي في وجهي، فإذا قضيت ~~بالسعي حق عيالي، وبالصلاة حق ربي، نمت في فراشي نومة هادئة مطمئنة، لا أحتاج معها ~~إلى ديباج وحرير، أو مهد وثير، فهل أستطيع أن أعد نفسي شقيا وأنا أروح الناس ~~بالا، وإن كنت أقلهم مالا؟ # لا فرق بيني وبين الغني إلا أن الناس لا ينهضون إجلالا لي إذا رأوني، ولا ~~يمدون أعناقهم نحوي إذا مررت بهم، وأهون به من فرق لا قيمة له عندي، ولا أثر له ms094 في ~~نفسي! وما يعنيني من أمرهم إن قاموا أو قعدوا، أو طاروا في الهواء، أو غاصوا في أعماق ~~الماء، ما دمت لا علاقة بيني وبينهم، وما دمت لا أنظر إليهم إلا بالعين التي ينظر بها ~~الإنسان إلى الصور المتحركة؟ # لا علاقة بيني وبين أحد في هذا العالم إلا تلك العلاقة التي بيني وبين ربي، فأنا ~~أعبده حق عبادته وأخلص في توحيده، فلا أعتقد ربوبية أحد سواه، ولا أكتمك يا سيدي أني ~~لا أستطيع الجمع بين توحيد الله والاعتراف بالعظمة لأحد من الناس، ولقد أخذ هذا اليقين ~~مكانه من قلبي حتى لو طلع علي الملك المتوج في مواكبه ومراكبه، وبطانته وجنده، ~~لما خفق له قلبي خفقة الرهبة والخشية، ولا شغل من نفسي مكانا أكثر مما يشغله ملك ~~التمثيل! # ولقد كان هذا اليقين أكبر سبب في عزائي وراحة نفسي من الهموم والأحزان، ما نزلت بي ~~ضائقة، ولا هبت علي عاصفة من عواصف هذا الكون إلا انتزعني من بين مخالبها ~~وهونها علي، حتى لا أكاد أشعر بوقعها، وكيف أتألم لمصاب أعلم أنه مقدور لا ~~مفر منه، وأنني مأجور عليه على قدر احتمالي إياه وسكوني إليه؟! # آمنت بالقضاء والقدر خيره وشره، وباليوم الآخر ثوابه وعقابه، فصغرت الدنيا في ~~عيني، وصغر شأنها عندي، حتى ما أفرح بخيرها، ولا أحزن لشرها، ولا أعول على شأن ~~من شئونها حتى شأن الحياة فيها، وأقسم ما خرجت مرة إلى شاطئ النهر حاملا شبكتي فوق ~~عاتقي إلا وقع الشك في نفسي: هل أعود إلى منزلي حاملا أم محمولا؟ ~~«ما العالم إلا بحر زاخر، وما الناس إلا أسماكه المائجة فيه، وما ريب المنون إلا ~~صياد يحمل شبكته كل يوم ويلقيها في ذلك البحر فتمسك ما تمسك، وتترك ما تترك، وما ينجو ~~من شبكته اليوم لا ينجو منها غدا، فكيف أغتبط بما لا أملك؟ أو أعتمد على غير معتمد؟ ~~إذن أنا أضل الناس عقلا وأضعفهم إيمانا.» # قال المحدث: فأكبرت الرجل في نفسي كل الإكبار، وأعجبت بصفاء ذهنه وذكاء قلبه، ~~وحسدته على قناعته ms095 واقتناعه بسعادة نفسه. # وقلت له: «يا شيخ، إن الناس جميعا يبكون على السعادة، ويفتشون عنها فلا يجدونها، ~~فاستقر رأيهم على أن الشقاء لازم من لوازم الحياة لا ينفك عنها، فكيف تعد ~~العالم سعيدا، وما هو إلا في شقاء؟» قال: «لا يا سيدي، إن الإنسان سعيد بفطرته، ~~وإنما هو الذي يجلب بنفسه الشقاء إلى نفسه، يشتد طمعه في المال فيتعذر عليه مطمعه، ~~فيطول بكاؤه وعناؤه. ويعتقد أن بلوغ الآمال في هذه الحياة حق من حقوقه، فإذا أخطأ ~~سهمه والتوى عليه غرضه أن وشكا شكاة المظلوم من الظالم، ويبالغ في حسن ظنه ~~بالأيام، فإذا غدرت به في محبوب لديه - من مال أو ولد - فاجأه من ذلك ما لم يكن ~~يقدر وقوعه، فناله من الهم والألم ما لم يكن ليناله لو خبر الدهر وقتل الأيام علما ~~وتجربة، وعرف أن جميع ما في يد الإنسان عارية مستردة، ووديعة موقوتة، وأن ~~هذا الامتلاك الذي يزعمه الناس لأنفسهم خدعة من خدع النفوس الضعيفة، ووهم من ~~أوهامها. # إن أكثر ما يصيب الناس من الشقوة من طريق الأخلاق الباطنة لا من طريق الوقائع ~~الظاهرة، فالحاسد يتألم كلما وقع نظره على محسود، والحقود يتألم كلما تذكر أنه عاجز ~~عن الانتقام من عدوه، والطماع يتألم كلما خاب أمله في مطمع، والشارب يتألم كلما أفاق ~~من سكره، والزاني يتألم كلما فاوضته في الإثم سريرته، والظالم يتألم كلما سمع ابتهال ~~المظلوم بالدعاء عليه أو حاق به ظلمه، وكذلك شأن الكاذب والنمام والمغتاب، وكل من ~~تشتمل نفسه على رذيلة من الرذائل. # من أراد أن يطلب السعادة فليطلبها بين جوانب النفس الفاضلة، وإلا فهو أشقى العالمين ~~وإن ملك ذخائر الأرض وخزائن السماء.» # قال الصديق: فما وصل الصياد من حديثه إلى هذا الحد حتى نهض قائما وتناول عصاه، وقال: ~~«أستودعك الله يا سيدي وأدعو لك الدعوة التي أحببتها لنفسك وأحببتها لك، وهي أن يجعلك ~~الله سعيدا في نفسك، كما جعلك سعيدا في مالك، والسلام عليك ورحمة الله.» # | الانتحار # في كل موسم من مواسم الامتحان المدرسي ms096 نسمع بكثير من حوادث الانتحار بين ~~المتخلفين من التلاميذ والراسبين، ولو ربي التلميذ تربية دينية لما هان عليه أن ~~يخسر سعادته الأخروية خسرانا مبينا؛ أسفا على أن لم ينل كل حظه من السعادة ~~الدنيوية. ولو ربي تربية أدبية لما احتقر حياته الثمينة وازدراها ولوى وجهه عنها؛ ~~لأنها لم تقدم إليه في لفافة الشهادة المدرسية. ولو أن أستاذه ملأ قلبه بنور ~~الإيمان ولقنه فيما يلقنه من قواعد الدين وأحكامه أن جناية المرء على نفسه أكبر ~~إثما عند الله وأعظم جرما من جنايته على غيره، لما خاطر بدينه في آخر ساعة من ساعات ~~حياته، وهي الساعة التي ينيب فيها العاصي إلى ربه ويستغفر فيها المذنب من ذنبه. ولو ~~أنه لقنه فيما يلقنه من دروس الأخلاق والآداب أن العلم صفة من صفات الكمال لا سلعة ~~من سلع التجارة، يجب أن يحفل به صاحبه من حيث ذاته، لا من حيث كونه وسيلة من وسائل ~~العيش، لما جرى على تلك القاعدة الفاسدة: «الشهادة بلا علم خير من العلم بلا شهادة.» ~~ولو أنه رباه على الاستقلال الذاتي، وعلمه أن الشرف في هذه الحياة على قدر ما يبذل ~~الإنسان من الجهد في خدمة الأمة أو المجتمع، سواء أكان في قصر الملك أم في دار الوزارة، ~~وفي حانوت التجارة أم في معمل الصناعة، لما أكبر مناصب الحكومة هذا الإكبار، ولا ~~احتفل بها احتفال من لا يرى للحياة معنى بدونها. ولو أنه نفث في روعه روح الشجاعة ~~النفسية وعوده الصبر والجلد في مواقف الشدة والبلاء لما جزع هذا الجزع الفاضح، ولا ~~جن هذا الجنون الذي خيل إليه أن عذاب النزع أهون من عذاب الهم. # الوالد والأستاذ والمجتمع في مصر عون على الناشئ، وآفة على عقله وأخلاقه ~~وآدابه. # أما الوالد فإنه يقول له وهو ذاهب به إلى المدرسة: «ستكون غدا يا بني حاكما ~~كهذا الحاكم، ووزيرا كهذا الوزير.» وكلما أراد أن يحثه على الاجتهاد في طلب العلم ~~ويخوفه عاقبة الخيبة في الامتحان صور له المستقبل المجرد من الوظيفة أقبح تصوير ms097 ~~وأشنعه، وربما أشار عليه بالانتحار من طرف خفي، فيقول له: «إذا لم تنجح في ~~الامتحان، فموتك أفضل من حياتك!» # وأما الأستاذ فإنه يضرب له من نفسه مثلا على وجوب احترام المنصب وإجلاله، وإنزاله ~~المنزلة الأولى بين أعمال المجتمع الإنساني، إذ يراه بعينه يتجرع مرارة الذل ويعاني من ~~كبرياء رؤسائه وقسوة المسيطرين عليه عناء شديدا، ويحتمل من ذلك ما لا يحتمله الرجل ~~الشريف حرصا على منصبه وإرعاء عليه، فكأنما يلقي عليه درسا عمليا موضوعه: «إن من ~~يخاطر بمنصبه يخاطر بحياته؛ لأن المنصب كل شيء في هذه الحياة!» # أما المجتمع فإنه يحترم الموظف الصغير أكثر مما يحترم العالم الكبير، ويطير إلى ~~تهنئته بإقبال المنصب عليه، وتعزيته عن إدباره عنه، كأن الكوكب لا يدور إلا في دائرة ~~المناصب نحوسا وسعودا، فإذا رأى الناشئ ذلك؛ أكبر الوظيفة أيما إكبار ولج ~~به الحرص عليها واللصوق بها، وكان سروره وحزنه على قدر قربها منه أو بعدها عنه، فإذا ~~وفق إليها لطم بأنفه قبة السماء، وداس بنعله رأس الجوزاء، وإن يئس منها قتل نفسه ~~وهو يتمثل بقول ذلك الشاعر الأحمق: # فإما الثريا وإما الثرى # أيها الناشئ، لقد جهل أبوك، وغشك أستاذك، وخدعك هذا المجتمع الفاسد، فكن أحسن حالا ~~منهم، واعلم أن شرف العلم أكبر من شرف المنصب، وأن المنصب ما كان شريفا إلا ~~لأنه حسنة من حسنات العلم وأثر من آثاره، فإن فاتك حظك منه فلا تحفل به، فهو أحقر من ~~أن تشتد في أثره، أو تبذل حياتك حزنا عليه، ولا تحسد أرباب المناصب على مناصبهم، ~~فإنما هم يخدعونك بزخرف من القول، وظاهر من النعمة، وبهرج من الابتسام، ووراء ذلك - ~~لو علمت - قلب يقطر دما، وفؤاد يضطرم لوعة وأسى. # خذ لنفسك حظها من العلم والأدب، ولا تحفل بعد ذلك بشيء، فقد ربحت كل شيء. # | الجمال # الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة، سواء أكان ذلك في الماديات أم في ~~المعقولات، وفي الحقائق أم الخيالات. # ما كان الوجه الجميل جميلا إلا للتناسب بين أجزائه، وما كان الصوت الجميل ms098 جميلا إلا ~~للتناسب بين نغماته، ولولا التناسب بين حبات العقد ما افتنت به الحسناء، ولولا التناسق ~~في أزهار الروض ما هامت به الشعراء. # ليس للتناسب قاعدة مطردة يستطيع الكاتب أن يبينها، فالتناسب في المرئيات غيره في ~~المسموعات، وفي الرسوم غيره في الخطوط، وفي الشئون العلمية غيره في القصائد الشعرية، ~~على أنه لا حاجة إلى بيانه ما دامت الأذواق السليمة تدرك بفطرتها ما يلائمها، فترتاح ~~إليه، وما لا يلائمها فتفر منه. # إن كثيرا من الناس يستحسنون الأنف الصغير في الوجه الكبير، والرأس الكبير في الجسم ~~الصغير، ولا يفرقون بين البرص في الجسم الأسود والخال في الخد الأبيض، ويطربون لنقيق ~~الضفادع كما يطربون لخرير الماء، ويفضلون أنغام النواعير على أنغام العيدان، ويعجبون ~~بشعر ابن الفارض، وابن معتوق، والبرعي، أكثر مما يعجبون بشعر أبي الطيب وأبي تمام ~~والبحتري، ويضحكون لما يبكي ويبكون مما يضحك ويرضون بما يغضب ويغضبون مما ~~يرضي. # أولئك هم أصحاب الأذواق المريضة، وأولئك هم الذين تصدر عنهم أفعالهم وأقوالهم مشوهة ~~غير متناسبة ولا متلائمة؛ لأنهم لم يدركوا سر الجمال فيصدر عنهم، ولم تألفه نفوسهم ~~فيصير غريزة من غرائزهم. # إن رأيت شاعرا يبتدئ قصائد التهنئة بالبكاء على الأطلال، ويودع القصائد الرثائية ~~النكات الهزلية، ويتغزل بممدوحه كما يتغزل بمعشوقه، أو متكلما يقتضب الأحاديث ~~اقتضابا، ويهزل في موضع الجد ويجد في موضع الهزل، أو صحفيا يضع العنوان الضخم للخبر ~~التافه، ويكتب مقدمة في السماء لموضوع في الأرض، أو حاكما يضع الندى في موضع السيف ~~والسيف في موضع الندى، أو ماشيا يتلوى في طريقه من رصيف إلى رصيف كأنما يرسم خطا ~~معرجا، أو لابسا في الشتاء غلالة الصيف وفي الصيف فروة الشتاء، فاعلم أن ذوقه ~~مريض، وأنه في حاجة إلى معالجة ذوقه، كحاجة المجنون إلا علاج عقله، والمريض إلى علاج ~~جسمه. # كما أنه ليس كل مجنون يرجى شفاؤه، ولا كل مريض يرجى إبلاله، كذلك ليس كل من فسد ~~ذوقه يرجى صلاحه، فإن رأيت من تؤمل في صلاحه خيرا، وتجد في نفسه استعدادا لتقويم ~~ذوقه، ms099 فعلاجه أن تحفه بأنواع الجمال، وتدأب على تنبيهه على متناسباته ومؤتلفاته، وإن ~~استطعت أن تعلمه فنا من الفنون الجميلة - كالشعر والتصوير والموسيقى - فافعل، ~~فإنها المقومات للأذواق، والغارسات في النفوس ملكات الجمال. # | الكذب # كذب اللسان من فضول كذب القلب، فلا تأمن الكاذب على ود، ولا تثق منه بعهد، ~~واهرب من وجهه الهرب كله، وأخوف ما أخاف عليك من خلطائك وسجرائك الرجل ~~الكاذب. # عرف الحكماء الكذب بأنه مخالفة الكلام للواقع، ولعلهم جاروا في هذا التعريف ~~الحقيقة العرفية، ولو شاءوا لأضافوا إلى كذب الأقوال كذب الأفعال. # لا فرق بين كذب الأقوال وكذب الأفعال في تضليل العقول والعبث بالأهواء وخذلان الحق ~~واستعلاء الباطل عليه، ولا فرق بين أن يكذب الرجل فيقول: إني ثقة أمين لا أخون ولا ~~أغدر فأقرضني مالا أؤده إليك، ثم لا يؤديه بعد ذلك، وأن يأتيك بسبحة يهمهم بها فتنطق ~~سبحته بما سكت عنه لسانه من دعوى الأمانة والوفاء، فيخدعك في الثانية كما خدعك في ~~الأولى. # لا، بل يستطيع كاذب الأفعال أن يخدعك ألف مرة قبل أن يخدعك كاذب الأقوال مرة واحدة؛ ~~لأنه لا يكتفي بقول الزور بلسانه حتى يقيم على قضيته بينة كاذبة من أحواله ~~وأطواره. # ليس الكذب شيئا يستهان به، فهو أس الشرور ورذيلة الرذائل، فكأنه أصل والرذائل فروع ~~له، بل هو الرذائل نفسها، وإنما يأتي في أشكال مختلفة ويتمثل في صور متنوعة. # المنافق كاذب لأن لسانه ينطق بغير ما في قلبه، والمتكبر كاذب لأنه يدعي لنفسه منزلة ~~غير منزلته، والفاسق كاذب لأنه كذب في دعوى الإيمان ونقض ما عاهد الله عليه، والنمام ~~كاذب لأنه لم يتق الله في فتنته، فيتحرى الصدق في نميمته، والمتملق كاذب لأن ظاهره ~~ينفعك وباطنه يلذعك. # لقد هان على الناس أمر الكذب حتى إنك لتجد الرجل الصادق فتعرض على الناس أمره ~~وتطرفهم بحديثه كأنك تعرض عجائب المخلوقات، وتتحدث بخوارق العادات! # فويل للرجل الصادق من حياة نكدة لا يجد فيها حقيقة مستقيمة! وويل له من صديق ~~يخون العهد، ورفيق يكذب الود، ومستشار غير أمين ، وجاهل ms100 يفشي السر، وعالم يحرف ~~الكلم عن مواضعه، وشيخ يدعي الولاية كذبا، وتاجر يغش في سلعته، ويحنث في أيمانه، ~~وصحفي يتجر بعقول الأحرار كما يتجر النخاس بالعبيد والإماء، ويكذب على نفسه وعلى ~~الله وعلى الناس في كل صباح ومساء! # | غرفة الأحزان # كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه أكثر مما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني منظره ~~ويؤنسني محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فسقه واستهتاره؛ لأني ~~ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق، فقد علمت من ذلك ما حسبي به ~~وكفى. # قضيت في صحبته عهدا طويلا ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئا، حتى سافرت من ~~القاهرة سفرا طويلا، فتراسلنا حينا ثم انقطعت عني كتبه، فرابني من أمره ما رابني، ثم ~~عدت فجعلت أكبر همي أن أراه، فطلبته في جميع المواطن التي كنت أعرفه فيها فلم أجده، ~~فذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه هجره من عهد بعيد، وأنهم لا يعرفون أين مذهبه، ~~فوقفت بين اليأس والرجاء برهة من الزمان، ثم شعرت كأن أولهما يغالب ثانيهما حتى غلبه، ~~فعلمت أن قد فقدت الرجل وأني لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا. # هنالك ذرفت من الوجد دموعا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من ~~الأوفياء، وأصبح غرضا من أغراض الأيام لا تخطئه سهامها، ولا تغبه آلامها. # بينا أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السرار إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا ~~الظلام المدلهم إلى زقاق موحش مهجور، يتخيل الناظر إليه في مثل تلك الساعة التي مررت ~~فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان، فشعرت كأن بحرا أسود يتدفق بين جبلين شامخين، ~~وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، وتقوم وتقعد، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزل من تلك ~~المنازل المهجورة أنة تتردد في جوف الليل، فأصغيت إليها فتلتها أختها، ثم أخواتها ~~فأثر في نفسي مسمعها تأثيرا شديدا، وقلت: «يا للعجب! كم يكتم هذا الليل في صدره من ~~أسرار البائسين وخفايا المحزونين!» ms101 وكنت قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزونا حتى ~~أقف أمامه وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إذا عجزت. # فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل حتى بلغته، فطرقت الباب طرقا خفيفا، فلم يفتح لي، ~~فطرقته أخرى طرقا شديدا ففتحت لي فتاة صغيرة لم تكد تسلخ العاشرة من عمرها، ~~فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها، فإذا هي في ثيابها الممزقة، كالبدر ~~وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: «هل عندكم مريض؟» فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط ~~قلبها، وقالت: «أدرك أبي أيها الرجل، فهو يعالج سكرات الموت!» ثم مشت أمامي فتبعتها حتى ~~وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم، فدخلتها، فخيل إلي أني قد انتقلت من عالم ~~الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه، ~~فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي، فوضعت يدي على ~~جبينه ففتح عينيه وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه قليلا قليلا، وقال بصوت خافت: ~~«أحمد الله تعالى فقد وجدت صديقي!» فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعا وقلقا، ~~وعلمت أني قد عثرت على ضالتي التي كنت أنشدها، وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق ~~الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزنا كان في قلبي كمينا، وبين ~~أضالعي دفينا. # فسألته ما باله، وما هذه الحالة التي صار إليها، وكأن أنسه بي أمد مصباح حياته ~~الضئيل بقليل من النور، فأشار إلي أنه يحب النهوض، فمددت يدي إليه فاعتمد عليها حتى ~~استوى جالسا، وأنشأ يقص علي هذه القصة: «منذ عشر سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتا ~~يسكن بجانبه جار لنا من أرباب الثراء والنعمة، وكان قصره يضم بين جناحيه فتاة ما ضمت ~~القصور أجنحتها على مثلها حسنا وبهاء، ورونقا وجمالا، فألم بنفسي من الوجد بها ما ~~لم أستطع معه صبرا، فما زلت بها أعالجها فتتمنع، وأستنزلها فتتعذر، وأتأتى إلي ~~قلبها بكل الوسائل فلا أصل إليه، حتى عثرت بمنفذ الوعد بالزواج فانحدرت منه إليها، ms102 فسكن ~~جماحها، وأسلس قيادها، فسلبتها قلبها وشرفها في يوم واحد. وما هي إلا أيام قلائل حتى ~~عرفت أن جنينا يضطرب في أحشائها فأسقط في يدي، وطفقت أرتئي بين أن أفي لها ~~بوعدها، أو أقطع حبل ودها، فآثرت أخراهما على أولاهما، وهجرت ذلك المنزل إلى المنزل ~~الذي كنت تزورني فيه أيها الصديق، ولم أعد أعلم بعد ذلك من أمرها شيئا. # مرت على تلك الحادثة أعوام طوال، وفي ذات يوم جاءني منها مع البريد هذا الكتاب.» ~~ومد يده تحت وسادته وأخرج كتابا باليا مصفرا فقرأت فيه ما يأتي: # لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهدا دارسا أو ودا قديما ما كتبت ~~سطرا، ولا خططت حرفا؛ لأني لا أعتقد أن عهدا مثل عهدك الغادر وودا مثل ~~ودك الكاذب، يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده. # إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي نارا تضطرم، وجنينا يضطرب، تلك للأسف ~~على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، فلم تبل بذلك وفررت مني حتى لا ~~تحمل نفسك مئونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت ~~مرسلها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف؟! لا بل لا أستطيع أن ~~أتصور أنك إنسان؛ لأنك ما تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوات ~~والوحوش الضارية إلا جمعتها في نفسك، وظهرت بها جميعا في مظهر واحد. # كذبت علي في دعواك أنك تحبني، وما كنت تحب إلا نفسك، وكل ما في الأمر أنك ~~رأيتني السبيل إلى إرضاء نفسك فمررت بي في طريقك إليها، ولولا ذلك ما طرقت لي ~~بابا، ولا رأيت لي وجها! # خنتني إذ عاهدتني على الزواج فأخلفت وعدك ذهابا بنفسك أن تتزوج امرأة ~~مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صورة نفسك وصنعة يدك، ولولاك ~~ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دفعتك جهدي حتى عييت بأمرك، فسقطت بين يديك سقوط ~~الطفل الصغير بين يدي الجبار الكبير. # سرقت عفتي، فأصبحت ذليلة النفس، حزينة القلب، أستثقل الحياة وأستبطئ الأجل، ms103 ~~وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أما لولد؟! ~~بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية إلا وهي خافضة رأسها، ~~مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها؛ خوفا من ~~عبث العابثين، وتهكم المتهكمين. # سلبتني راحتي؛ لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر ~~الذي كنت متمتعة فيه بعشرة أبي وأمي، تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة ~~وذلك العيش الرغد إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرق بابه ~~طارق، لأقضي فيه الصبابة الباقية من أيام حياتي. # قتلت أمي وأبي، فقد علمت أنهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزنا لفقدي ~~ويأسا من لقائي. # قتلتني لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك، وذلك الهم الطويل الذي ~~عالجته بسببك، قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي، فأصبحت في فراش الموت كالذبالة ~~المحترقة، وأحسب أن الله قد أجاب دعائي وأراد أن ينقلني من دار الموت والشقاء ~~إلى دار الحياة والهناء. # فأنت كاذب خادع، ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك بدون أن يأخذ لي ~~بحقي منك. # ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد بك عهدا، أو لأخطب إليك ودا، فقد عرفت ~~مكانك من نفسي، على أنني أصبحت على باب القبر وفي موقف وداع هذه الحياة خيرها ~~وشرها، سعادتها وشقائها، وإنما كتبت إليك لأن لك عندي وديعة، وهي فتاتك، فإن ~~كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك أبقى لك منها رحمة الأبوة فأقبل إليها وخذها ~~إليك حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها! # فما أتممت قراءة الكتاب حتى نظرت إليه فرأيت مدامعه تنحدر من مقلتيه، ~~فسألته: «ماذا تم بعد ذلك؟» قال: «إني ما قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في ~~أضالعي، وخيل لي أن صدري يحاول أن ينشق عن قلبي حزنا وجزعا، فأسرعت إلى منزلها ~~- وهو هذا المنزل الذي تراني فيه الآن - فرأيتها في هذه الغرفة على هذا السرير جثة ~~هامدة لا حراك بها، ورأيت فتاتها ms104 إلى جانبها تبكي بكاء مرا، فصعقت لهول ما رأيت، ~~وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية، وأساود ملتفة، هذا ينشب أظافره ~~وذاك يحدد أنيابه، فما أفقت حتى عاهدت الله ألا أبرح هذه الغرفة التي سميتها «غرفة ~~الأحزان» حتى أعيش فيها عيشها، ثم أموت موتها. # وهأنذا أموت اليوم راضيا مسرورا، فقد حدثني قلبي أن الله قد غفر لي سيئاتي بما ~~قاسيت من العناء، وكابدت من الشقاء.» # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى انعقد لسانه واصفر وجهه وسقط على فراشه، فأسلم ~~الروح وهو يقول: «ابنتي يا صديقي!» فلبثت بجانبه ساعة قضيت فيها ما يجب على الصديق ~~لصديقه، ثم كتبت إلى أصدقائه ومعارفه، فحضروا تشييع جنازته، وما رئي مثل اليوم أكثر ~~باكية وباكيا. # ولما حثونا الترب فوق ضريحه # جزعنا ولكن أي ساعة مجزع # ويعلم الله أني لأكتب قصته ولا أملك نفسي من البكاء والنشيج، ولا أنسى ما حييت نداءه ~~لي وهو يودع نسمات الحياة، وقوله: «ابنتي يا صديقي!» # فيا أقوياء القلوب من الرجال، رفقا بضعفاء النفوس من النساء! إنكم لا تعلمون حين ~~تخدعونهن عن شرفهن وعفتهن أي قلب تفجعون، وأي دم تسفكون! # | الشرف # لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء. # ما من عامل يعمل في هذه الحياة إلا وهو يطلب في عمله الشرف الذي يتصوره أو ~~يصوره له الناس، إلا أنه تارة يخطئ مكانه وتارة يصيبه. # يقتل القاتل وفي اعتقاده أن الشرف في أن ينتقم لنفسه أو عرضه بإراقة هذه الكمية من ~~الدم، ولا يبالي أن يسميه القانون بعد ذلك مجرما؛ لأن البيئة التي يعيش فيها لا توافق ~~على هذه التسمية، وهي في نظره أعدل من القانون حكما وأصدق قولا. # يفسق الفاسق وفي اعتقاده أنه قد نفض عن نفسه بعمله هذا غبار الخمول والبله الذي ~~يظلل الأعفاء والمستقيمين، وأنه استطاع أن يعمل عملا لا يقدم عليه إلا كل ذي ~~حذق وبراعة وشجاعة وإقدام. # يسرق السارق ويزور المزور ويخون الخائن، وفي اعتقاد كل منهم أن الشرف كل ~~الشرف في ms105 المال، وإن كان السبيل إليه دنيئا وسافلا، وأن للذهب رنينا تخفت بجانب ~~صوته أصوات المعترضين والناقدين شيئا فشيئا ثم تنقطع حتى لا يسمع بجانبه صوت ~~سواه. # هكذا يتصور الأدنياء أنهم شرفاء، وهكذا يطلبون الشرف ويخطئون مكانه، وما أفسد عليهم ~~تصورهم إلا الذين أحاطوا بهم من سجرائهم وخلطائهم وذوي جامعتهم، أولئك الذين يحتقرون ~~الموتور حتى يغسل الدم بالدم فيعظمونه، وينعون على الرجل المستقيم العفيف بلاهته ~~وخموله حتى يفجر ويستهتر فيبخبخون له ويقرظونه، ويكرمون صاحب الذهب ولو أن كل ~~دينار من دنانيره محجم من الدم، وأولئك الذين يسمون الفقير سافلا، وطيب القلب ~~مغفلا، وطاهر السريرة بليدا، والحليم عاجزا. # لا تعجب إن سمعت أن جماعة الأغنياء الجهلاء تنعكس في أدمغتهم صور الحقائق حتى تلبس ~~في نظرهم ثوبا غير ثوبها، وتتراءى في لون غير لونها، فإن بين الخاصة الذين نعتد ~~بعقولهم ونمتدح أفهامهم ومداركهم من لا يفرق بين الرذيلة والفضيلة، حتى إنه ليكاد ~~يفخر بالأولى ويستحيي من الأخرى. # لولا فساد التصور ما افتخر قائد الجيش بأنه قتل مائة ألف من النفوس البشرية في حرب ~~لا يدافع فيها عن فضيلة ولا يؤيد بها حقا من الحقوق الشرعية، ولولا فساد التصور ~~ما وضع المؤرخون اسم ذلك السفاح بجانب أسماء العلماء والحكماء والأطباء؛ خدمة ~~الإنسانية وحملة عرشها وأصحاب الأيادي البيضاء عليها، في سطر واحد من صحيفة ~~واحدة. ولولا فساد التصور ما جلس القاضي المرتشي فوق كرسي القضاء يفتل شاربيه، ~~ويصعر خديه، وينظر نظرات الاحتقار والازدراء إلى المتهم الواقف بين يديه موقف ~~الضراعة والذل، ولا ذنب له إلا أنه جاع وضاقت به مذاهب العيش فسرق درهما، ولا توهم - ~~وهو اللص الكبير - أنه أشرف من هذا اللص الصغير، ولو باتا عند قدريهما لوقفا معا في ~~موقف واحد أمام قاض عادل يحكم بإدانة الأول لأنه سرق مختارا ليرفه عيشه، وبراءة ~~الثاني لأنه سرق مضطرا لينقذ حياته من براثن الموت. # فمن شاء أن يهذب أخلاق الناس ويقوم اعوجاجها فليهذب تصوراتهم، وليقوم أفهامهم، ~~يوافه ما يريد من التهذيب والتقويم. # ليس من الرأي ms106 أن يشير المعلم على المتعلم أن يجعل هذا المجتمع الإنساني ~~ميزانا يزن به أعماله، أو مرآة يرى فيها حسناته وسيئاته، فالمجتمع الإنساني مصاب ~~بالسقم في فهمه، والاضطراب في تصوره، فلا عبرة بحكمه، ولا ثقة بوزنه وتقديره. # ليس من الرأي أن يرشد المعلم المتعلم إلى أن يطلب في حياته الشرف الاعتباري، ~~فليس كل ما يعتبره الناس شرفا هو في الحقيقة كذلك، ألا تراهم يعدون أشرف الشرف أن ~~يتناول الرجل من الملك قطعة من الفضة أو الذهب يحلي بها صدره؟ وربما كانوا يعلمون ~~أنه ابتاعها كما تبتاع المرأة من الصائغ حليتها. # لا شرف إلا الشرف الحقيقي، وهو الذي يناله الإنسان ببذل حياته أو ماله أو راحته في ~~خدمة المجتمع البشري جميعه، أو خدمة نوع من أنواعه. # فالعالم شريف؛ لأنه يجلو صدأ العقل الإنساني ويصقل مرآته. والمجاهد في سبيل الدفاع ~~عن وطنه شريف؛ لأنه يحمي مواطنيه غائلة الأعداء، ويقيهم عادية الفناء. والمحسن الذي ~~يضع الإحسان في موضعه شريف؛ لأنه يأخذ بأيدي الضعفاء، ويحيي أنفس البؤساء. والحاكم ~~العادل شريف؛ لأنه رسول العناية الإلهية إلى المظلومين، يمنعهم أن يبغي عليهم الظالمون. ~~وصاحب الأخلاق الكريمة شريف؛ لأنه يؤثر بكرم أخلاقه وجمال صفاته في عشرائه وخلطائه، ~~ويلقي عليهم بالقدوة الصالحة أفضل درس في الأخلاق والآداب. والصانع والزارع والتاجر ~~أشراف متى كانوا أمناء مستقيمين؛ لأنهم هم الذين يحملون على عواتقهم هذا المجتمع ~~البشري، وهم الذين يحتملون ما يحتملون من المئونة والمشقة في سبيله؛ حذرا عليه من ~~التهافت والسقوط. # فإن رأيت في نفسك أيها القارئ أنك واحد من هؤلاء فاعلم أنك شريف، وإلا فاسلك طريقهم ~~جهدك، فإن لم تبلغ غايته فأخذ القليل خير من ترك الكثير، فإن لم يكن هذا ولا ذاك ~~فلتبك على عقلك البواكي. # | الحب والزواج # قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب، وموضوعها أن كاتبها غاب عن بيروت ~~بضعة أعوام ثم عاد إليها بعد ذلك، فزار صديقا له من أثرياء الرجال ووجوههم ومن ذوي ~~الأخلاق الكريمة والأنفس العالية، فوجده حزينا كئيبا على غير ما يعهد ms107 من حاله قبل ~~ذلك، فاستفهم منه عن دخيلة أمره، فعرف أنه كان متزوجا من فتاة يحبها ويجلها ~~ويفديها بنفسه وماله، فلم تحفظ صنيعه ولم ترع عهده، وأنها فرت منه إلى عشيق لها رقيق ~~الحال، وضيع النسب. فاجتهد الكاتب أن يلقى تلك الفتاة ليعرف منها سر فرارها من بيت ~~زوجها، فلقيها في منزل عشيقها، فاعتذرت إليه عن فعلتها بأنها لا تحب زوجها؛ لأنه في ~~الأربعين من عمره وهي لم تبلغ العشرين، وقالت إنها جرت في ذلك على حكم الشرائع ~~الطبيعية، وإن خالفت الشرائع الدينية؛ لأن الأولى عادلة والثانية ظالمة. وقالت: إن ~~ما يسميه الناس بالزنى والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة؛ لأن أساسه الحب، وكل ما ~~كان أساسه الحب فهو طاهر شريف، وإن كان في أعين الناس عيبا وعارا. وقالت: ما الخيانة ~~ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تعاشر المرأة زوجا تكرهه معاشرتها من تحبه، ~~فيفترشها الأول كما يفترشها الثاني؛ لأنها لا تكون في حكم العقل ولا في نظر العدل زوجا ~~له ما دامت لا تحبه ولا تألف عشرته. وقالت: لو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها ~~لعرفوا أنها متفقة في هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية، وأنها ربما تعد المرأة في ~~بيت زوجها زانية، وفي بيت عشيقها طاهرة، إذا كانت تكره الأول وتحب الثاني! # هذا ملخص القصة على طولها، وأحسبها قصة موضوعة على نحو ما يضع الكتاب القصص ~~الخيالية لنشر رأي من الآراء، أو تأييد مذهب من المذاهب؛ لأن الكاتب أعذر تلك الفتاة ~~فيما فعلت واقتنع بصحة أقوالها وصحة مذهبها وأعداها على زوجها وحكم لها عليه. # وسواء أكانت القصة حقيقية أم خيالية، فالحق أقول: إن الكاتب أخطأ في وضعها، وما كنت ~~أحسب إلا أن مذهب الإباحية قد مضى وانقضى بانقضاء العصور المظلمة، حتى قرأت هذه القصة ~~منشورة باللغة العربية بين الأمة العربية، فنالني من الهم والحزن ما الله عالم ~~به. # قرأنا ما كتب الكاتبون في سبيل المرأة الساقطة، وهي التي هفت في حياتها هفوة دفعها ~~إليها دافع خداع أو سائق ms108 حاجة، ثم ثاب إليها رشدها وهداها، فقلنا: لا بأس ~~بغيرتهم على ذنب جسمته العادة وألبسته ثوبا أوسع من ثوبه، ولا بأس برحمتهم فتاة ~~مذنبة تحاول الرجوع إلى ربها، والتوبة من ذنبها، ويأبى المجتمع البشري إلا أن ~~يسد دونها أبواب السماء المفتحة للقائلين والمجرمين. # فأما وقد وصل الحد إلى تزيين الزنى للزانية، وتهوين إثمه عليها، وإغراء العفيفة ~~الصالحة بالتمرد على زوجها والخروج من طاعته كلما دعاها إلى ذلك داع من الهوى، فهذا ما ~~لا يطاق احتماله، ولا يستطاع قبوله! # إن فتاة الرواية لم تهف في جريمتها فقط كما يهفو غيرها من النساء؛ لأنها مقيمة في ~~منزل عشيقها من زمن بعيد، وقد عقدت عزمها على البقاء فيه ما دامت روحها باقية في ~~جسدها، ولم يسقها إلى ذلك سائق شهوة بشرية إن صح أن تكون الشهوة البشرية عذرا ~~يدفع مثلها إلى مثل ما صنعت؛ لأنها فرت من فراش زوجها، لا من وحشة خلوتها، ولا سائق ~~جوع؛ لأنها كانت أرق النساء عيشا، وأروحهن بالا، بل كانت على حالة من الرفاهية ~~والنعمة والتقلب في أعطاف العيش البارد لم تر مثلها من قبل ولا من بعد. إذن فهي ~~امرأة مجرمة لا يمنحها العدل من الرحمة ما منح المرأة الساقطة. # إن كانت هذه الفتاة عفيفة طاهرة كما يزعم الكاتب، فقد أخطأ علماء اللغة جميعا في ~~وضع كلمة الفساد في معاجمهم؛ لأنها لا مسمى لها في هذا العالم - عالم العفة والطهارة ~~والخير والصلاح - ولا يمكن أن يكون المراد منها فتاة المواخير؛ لأنها لم تترك وراءها ~~زوجا معذبا ناقما منكوبا، ولم تكن راضية تمام الرضا عن نفسها، ولا مغتبطة بعيشها ~~فتبلغ في حالها مبلغ «ورده الهاني». # كل الأزواج ذلك الرجل إلا قليلا، فإذا جاز لكل زوجة أن تفر من زوجها إلى ~~عشيقها كلما وقع في نفسها الضجر من معاشرة الأول، وبرقت لها بارقة الأنس من بين ثنايا ~~الثاني، فويل لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي والرابطة الزوجية بعد ~~اليوم ألف سلام! # أيها الكاتب، ليس في استطاعتي ولا ms109 في استطاعتك ولا في استطاعة أحد من الناس أن يوقف ~~دورة الفلك ويصد كر الغداة ومر العشي حتى لا يبلغ الأربعين من عمره فتراه زوجته غير ~~أهل لمعاشرتها إذا علمت أن في الناس من هو أصغر منه سنا وأكثر رشاقة وأنضر ~~شبابا. # إن الضجر والسآمة من الشيء المتكرر المتردد طبيعة من طبائع النوع الإنساني، فهو لا ~~يصبر على ثوب واحد أو طعام أو عشير واحد، وقد علم الله سبحانه وتعالى ذلك منه، وعلم ~~أن نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بني على رجل وامرأة تدوم عشرتهما، ويطول ~~ائتلافهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم بها قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن ~~يعتبرا هذا الرباط رباطا مقدسا حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما، وذهابهما ~~في أمر الزوجية مذهبهما في المطاعم والمشارب، من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل ~~غريب. # هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلا من الزواج ~~فقد خالف إرادة الله، وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة البيتية. # أي امرأة متزوجة بأجمل الرجال لا تحدث نفسها بالرغبة في استبداله بأجمل منه؟! ~~وأي رجل متزوج بأجمل النساء لا يتمنى أن يكون في منزله أجمل منها لولا هذا الرباط ~~المقدس؛ رباط الزوجية، فهو الذي يعالج أمثال هذه الأماني وتلك الهواجس، وهو الذي يعيد ~~إلى النفوس النزاعة سكونها وقرارها. # لا بأس أن يتثبت الرجل قبل عقد الزواج من وجود الصفة المحبوبة لديه في المرأة التي ~~يختارها لنفسه، ولا بأس أن تصنع المرأة صنيعه، ولكن لا على معنى أن يكون الحب الشهوي ~~هو قاعدة الزواج؛ يحيا بحياته ويموت بموته، فالقلوب متقلبة، والأهواء نزاعة، بل ~~بمعنى أن يكون كل منهما لصاحبه صديقا أكثر منه عشيقا، فالصداقة ينمو بالمودة ~~غرسها، ويمتد ظلها، أما الحب فظل يتنقل، وحال تتحول. # | الإسلام والمسيحية # ما عجبت لشيء في حياتي عجبي لهؤلاء الناس الذين يعجبون كثيرا مما كتبه اللورد كرومر ~~عن الإسلام، كأنما كانوا يتوقعون من رجل يدين بدين غير الإسلام ويضن ms110 به فوق ضنه ~~بنفسه وماله أن يعتقد الوحدانية، ويصدق الرسالة المحمدية، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ~~ويحج البيت ما استطاع إليه سبيلا! # إن اللورد كرومر يعتقد - كما يعتقد كل مسيحي متمسك بيسوعيته - أن الإسلام دين ~~موضوع، ابتدعه رجل عربي بدوي أمي ما قرأ في حياته صحيفة، ولا دخل مدرسة، ولا ~~سمع حكمة اليونان، ولا رأى مدنية الرومان، ولا تلقى شيئا من علوم الشرائع ~~والعمران. # هذا مبلغ معتقده فيه، فكيف يرى نفسه بين يديه أصغر من أن يناقشه ويناظره ويخطئه ~~فيما وضعه الناس من الشرائع والأحكام؟! وكيف يسمح لنفسه أن ينظر إليه بالعين التي ينظر ~~بها المسلم إليه من حيث كونه نبيا مرسلا موحى إليه من عند الله تعالى بكتاب كريم ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! أما ما نقرؤه أحيانا لبعض علماء الغرب ~~المسيحيين من وصف الدين الإسلامي بصفات جميلة أو مدح آرائه وأحكامه، فهي مكتوبة بأقلام ~~أقوام مؤرخين أدوا للتاريخ حق الأمانة والصدق، فلم يعبث التعصب الديني بكتاباتهم، ~~ولا تمشت الروح المسيحية في أقلامهم، ولا ريب في أن اللورد كرومر ليس واحدا منهم، ~~فإن من قرأ كتابه «مصر الحديثة» تخيل أنه يسمع صوت راهب في صومعته قد لبس قلنسوته ~~ومسوحه وعلق صليبه في زناره. # فهل يحق بعد ذلك لأحد من المسلمين أن يندهش أو يذهب به العجب كل مذهب إذا رأى في ~~كتاب اللورد كرومر ما يراه كل يوم في كتب المبشرين الإنجيليين وجرائدهم ومجلاتهم من ~~الطعن على الإسلام وعقائده وشرائعه؟! # بلغ التعصب الديني بجماعة المبشرين أن حكموا بوجود اللحن في القرآن بعد اعترافهم ~~بأنه كتاب عربي نطق به - على حسب معتقدهم - رجل هو في نظرهم أفصح العرب. وليست مسألة ~~الإعراب واللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيه مجال، وإنما الإعراب ما نطق به ~~العرب، واللحن ما لم ينطقوا به، فلو أنهم اصطلحوا على نصب الفاعل ورفع المفعول مثلا، ~~لكان رفع الأول ونصب الثاني لحنا، ولكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئا من هذه ~~المسلمات، واستدلوا على وجود ms111 اللحن في القرآن بقواعد النحو التي ما دونها علماؤه إلا ~~بعد أن نظروا في كلام العرب، وتتبعوا تراكيبه وأساليبه، وأكبر ما اعتمدوا عليه في ذلك ~~هو القرآن المجيد، فالقرآن حجة على النحاة وليست النحاة حجة على القرآن، فإذا وجد في ~~بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما يخالف قواعد النحاة حكمنا بأنهم ~~مقصرون في التتبع والاستقراء، على أنهم ما قصروا في شيء من ذلك، وما تركوا كثيرا ~~ولا قليلا ولا نادرا ولا شاذا إلا دونوه في كتبهم، فما في القرآن لحن، ولا ~~النحاة مقصرون، ولكن المبشرين جاهلون، فإذا كان التعصب الديني الأعمى أنطق ألسنتهم بمثل ~~هذه الخرافة المضحكة، فليس بغريب أن نسمع من هذا الرجل المتشبه بهم هذا الطعن على ~~الإسلام في نظاماته وأحكامه. # إنا لا ننازع اللورد كرومر، ولا أمثاله من الطاعنين على الإسلام في معتقدهم، ولكنا ~~نحب منهم ألا ينازعونا في معتقدنا، وأن يعطونا من الحرية في ذلك ما أعطوه ~~لأنفسهم. # يقول اللورد كرومر: «إن الدين الإسلامي دين جامد لا يتسع صدره للمدنية الإنسانية، ~~ولا يصلح للنظام الاجتماعي.» ويقول: «إن ما يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين ~~المسيحي.» ويستدل على الإسلام بالمسلمين، وعلى المسيحية بالمسيحيين. # في أي عصر أيها الفيلسوف التاريخي كانت الديانة المسيحية مبعث العلم والعرفان، ~~ومطلع أشعة المدنية والعمران؟ أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى الحروب الدموية بين ~~الأرثوذكس والكاثوليك تارة، وبين الكاثوليك والبروتستانت تارة أخرى بصورة وحشية ~~فظيعة اسود لها لباس الإنسانية، وبكت الأرض منها والسماء؟ أم في العصر الذي كانت ~~إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن الجاهل فلا يعلم إلا ما يعلمه إياه، ~~ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه؟ فما كان يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو ~~إيمان وبهيمية أو إنسانية، فيكاد يتخيل في نفسه أن له ذنبا متحركا وخيشوما طويلا، ~~وأنه يمشي على أربع إذا قال له: الكاهن أنت كلب، أو قال له: إنك لست بإنسان! أم في ~~العصر الذي كان يعتقد فيه المسيحي ms112 أن دخول الجمل في سم الخياط أقرب من دخول الغني ~~في ملكوت السموات؟ أم في العصر الذي كان يحرم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي أن ~~ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس، وأن يتلقى علما في مدرسة غير مدرسة الكنيسة؟ أم في ~~العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات الذنب فذعر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا ~~عرائض الشكوى فطردها من الجو فولت الأدبار؟ أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد ~~العباسي الساعة الدقاقة إلى الملك شارلمان، فلما رآها الشعب المسيحي وسمع صوتها ~~فر من وجهها ظنا منه أنها تشتمل على الجن والشياطين؟ أم في العصر الذي ألفت ~~فيه محكمة التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم، فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة ~~وأربعين ألفا بالقتل حرقا أو صلبا؟ أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب المسيحي فتاة ~~حسناء بعدما جرد لحمها عن عظمها؛ لأنها كانت تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة؟! # هذا الذي نعلمه أيها الفيلسوف التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية والعمران ~~في العصور المسيحية، ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا شأنها وهذا مبلغ ~~سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة؟ وإنما نريد أن نستدل بالمسيحيين على المسيحية ~~وإن لم نقف على حقيقتها، كما فعلت أنت في استدلالك بالمسلمين على الإسلام، وإن لم تعرف ~~حقيقته وجوهره، على أن استدلالنا صحيح واستدلالك باطل، فإن المدنية الحديثة ما دخلت ~~أوروبا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحل محلها، كالماء الذي لا يدخل الكأس إلا بعد ~~أن يطرد منها الهواء لأنه لا يتسع لهما، ولا يجمع بينهما، فإن كان قد بقي أثر من آثار ~~المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في أوروبا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ~~ورضيت بالإبقاء عليه، لا باعتبار أنه دين مقدس يجب إجلاله وإعظامه، بل باعتبار أنه ~~زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شرة النفوس ~~الجاهلة، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها، أو باعتبار ~~أنه أثر من آثارها ، ونتيجة ms113 من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه نحو ~~تسعة عشر قرنا كانت فيه أوروبا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل، فما ~~نفعتها مسيحيتها، ولا أغنى عنها «كهنوتها» ولا «إكليروسها». # أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد في ~~وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفا لكتف، ما ينكر من أمرها ولا تنكر من أمره شيئا، ~~فالمتعبد في مسجده، والفقيه في درسه، والمعرب في مكتبته، والرياضي في مدرسته، ~~والكيميائي في معمله، والقاضي في محكمته، والخطيب في محفله، والفلكي أمام ~~أسطرلابه، والكاتب بين محابره وأوراقه، إخوة متصافون، وأصدقاء متحابون، لا ~~يختصمون ولا يقتتلون، ولا يكفر بعضهم بعضا، ولا يبغي أحد منهم على أحد. # أيها الفيلسوف التاريخي، إن كان لا بد من الاستدلال بالأثر على المؤثر فالمدنية ~~الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس، والانحطاط الإسلامي اليوم ضربة من ضربات ~~المسيحية الأولى، وإليك البيان: # جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ~~ومعاشه، ودنياه وآخرته، وما يفيده منفردا، وما ينفعه مجتمعا. # هذب عقيدته بعدما أفسدها الشرك بالله، والإسفاف إلى عبادة التماثيل والأوثان، ~~وإحناء الرءوس بين أيدي رؤساء الأديان، أرشده إلى الإيمان بربوبية إله واحد لا يشرك ~~به شيئا، ثم أرشده إلى تسريح عقله ونظره في ملكوت السموات والأرض ليقف على حقائق الكون ~~وطبائعه، وليزداد إيمانا بوجود الإله وقدرته وكمال صنعه وتدبيره، وليكون اقتناعه بذلك ~~اقتناعا نفسيا قلبيا، فلا يكون آلة صماء في يد الأهواء تفعل به ما تشاء، ثم أرشده ~~إلى مواقف تذكره بربه، وتنبهه من غفلته، وتطرد الشرور والخواطر السيئة عن نفسه ~~كلما ابتغت إليها سبيلا؛ وهي مواقف العبادات، ثم أطلق له الحرية في القول والعمل، ولم ~~يمنعه إلا من الشرك بالله والإضرار بالناس، وعرفه قيمة نفسه بعدما كان يجهلها. ~~وعلمه أن الإنسانية لا فرق بين فقيرها وغنيها، ووضيعها ورفيعها، وضعيفها وقويها، ~~وأن الملك والسوقة، والشريف الهاشمي والعبد الزنجي، أمام الله والحق سواء. ~~وأن الأمر والنهي والتحليل والتحريم والنفع ms114 والضر والثواب والعقاب والرحمة ~~والغفران، بيد الله وحده لا ينازعه فيها منازع، ولا يملكها عليه أحد من الأنبياء ~~والمرسلين والملائكة المقربين. ثم نظر في أخلاقه فأرشده إلى محاسنها، وحال بينه وبين ~~رذائلها، حتى علمه آداب الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والكلام والسلام. ثم ~~دخل معه منزله فعلمه كيف يبر الابن أباه، ويرحم الوالد ولده، ويعطف الأخ على ~~أخيه، ويكرم الزوج زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، وكيف يكون التراحم والتواصل بين ~~الأقرباء وذوي الرحم. ثم نظر في شئونه الاجتماعية ففرض عليه الزكاة التي لو جمعت ووضعت ~~في مصارفها لما كان في الدنيا بائس ولا فقير، وندبه إلى الصدقة ومساعدة الأقوياء ~~للضعفاء، وعطف الأغنياء على الفقراء. ثم شرع له شرائع للمعاملة الدنيوية، ووضع له ~~قوانين البيع والشراء والرهن والهبة، والقرض والتجارة، والإجارة والمزارعة، والوقف ~~والوصية والميراث؛ ليعرف كل إنسان حقه فلا يغبن أحد أحدا، ثم قرر له عقوبات ~~دنيوية تمنعه أن يبغي بعضه على بعضه بشتم أو سب، أو قتل أو سرقة، أو انتهاك ~~حرمة، أو مجاهرة بمعصية، أو شروع في فتنة، أو خروج على أمير أو سلطان. ثم نظر في ~~شئونه السياسية، فقرر الخلافة وشروطها، والقضاء وصفاته، والإمارة وحدودها، وقرر كيف ~~يعامل المسلمون مخالفيهم في الدين - البعيدين عنهم، والنازحين إليهم - وذكر مواطن ~~القتال معهم، ومواضع المسالمة لهم. # وجملة القول: إن الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ترك ~~الإنسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده إلا مد يده إليه، وأنار له ~~مواقع أقدامه وأرشده إلى سواء السبيل. # طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء بلاد العرب فملأت الكون نورا وإشراقا، واختلف الناس ~~في شأنها ما بين معترف بها ومنكر وجودها، ولكنهم كانوا جميعا سواء في ~~الانتفاع بنورها، والاستنارة بضيائها، على تفاوت في تلك الاستنارة، وتنوع في ذلك ~~الانتفاع. # طلعت هذه الشمس المشرقة، فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوروبا من طريق إسبانيا وجنوب ~~إيتاليا وفرنسا، فأبصرها عدد قليل من أذكياء الغربيين؛ فانتبهوا من رقدتهم، واستيقظوا ~~من سباتهم ، ورأوا ms115 من جمال المذاهب الإسلامية وشرائع الكون ونظاماته وقواعد الحرية ~~والمساواة ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف والمجتمع ~~الشرقي اليقظ النابه، فقالوا: «أيمكن أن يعيش الإنسان على ظهر هذه المسكونة حرا لا ~~يستعبده ملك ولا يسترقه كاهن؟! # أيمكن أن يبيت الإنسان ليلة واحدة في حياته هادئا في مضجعه مطمئنا في رقدته، لا ~~يروعه دولاب العذاب ولا سيف الجلاد؟! أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام ~~العالم وطبائعه ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها؟! # أيمكن أن يطلع فجر المدنية الإسلامية على هذا المجتمع الغربي فيمحو ظلمته التي طال ~~عهدنا بها حتى عشيت أبصارنا، فما يكاد يرى بعضنا بعضا؟!» # كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي مشتها ~~أوروبا في طريق المدنية والعمران، بفضل الإسلام وشرائعه التي عرفها هؤلاء الأفراد من ~~مخالطة المسلمين في أوروبا ومطالعة كتبهم ومناظرة حضارتهم ومدنيتهم، ثم أخذوا ~~يعلمونها الناس سرا، ويبثونها في نفوس تلاميذهم شيئا فشيئا، ويلقون في ~~سبيل نشرها عناء شديدا، واستمر هذا النزاع بين العلم والجهل قرونا عديدة حتى انتهى ~~أمره بالثورة الفرنسية، فكانت هي القضاء الأخير على الوحشية السالفة، والهمجية ~~القديمة. # أيها الفيلسوف التاريخي، إنك لا بد تعلم ذلك حق العلم؛ لأنه أقل ما يجب على ~~المؤرخ أن يعلمه، كما تعلم أن المدنية الإسلامية إذا وسعت غيرها فأحر بها ~~أن تسع نفسها، ولكن التعصب الديني قد بلغ من نفسك مبلغه، فما كفاك أن أنكرت فضل ~~صاحب الفضل عليك حتى أنكرت عليه فضله على نفسه؟ # لا حاجة بي إلى أن أشرح لك المدنية الإسلامية، أو أسرد لك أسماء علمائها وحكمائها ~~ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة ~~والأخلاق والعمران. أو أعدد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في الشرق والغرب، أو أصف ~~لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة، وسعادتها وهناءها، وعزتها وسطوتها، فأنت تعرف ~~ذلك كله إن كنت مؤرخا كما تقول. # غير أني لا أنكر عليك ما لحق بالمسلمين في هذه القرون الأخيرة من الضعف والفتور، ~~وما أصاب ms116 جامعتهم من الوهن والانحلال، ولكن ليس السبب في ذلك الإسلام كما تتوهم، بل ~~المسيحية التي سرت عدواها إليهم على أيدي قوم من المسيحيين أو أشباه المسيحيين لبسوا ~~لباس الإسلام وتزيوا بزيه ودخلوا بلاده، وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، ~~وأمرائه الجهلاء، فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة تمكنوا به من نشر مذاهبهم السقيمة ~~وعقائدهم الخرافية بين المسلمين، حتى أفسدوا عليهم مذاهبهم وعقائدهم، وأوقعوا الفتنة ~~فيهم، وحالوا بينهم وبين الاستمداد من روح الإسلام وقوته، فكان من أمرهم بعد ذلك ما ~~كان. # كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر وعقيدة التوكل، ~~وتشييد الأضرحة وتجصيص القبور وتزيينها والترامي على أعتابها، والاهتمام بصور العبادات ~~وأشكالها دون حكمها وأسرارها، وإسناد النفع والضرر إلى رؤساء الدين، وأمثال ذلك، أثر ~~من آثار المسيحية الأولى وليس من الإسلام في شيء. # أيها الفيلسوف التاريخي، لا تقل إننا متعصبون تعصبا دينيا، فإنك قد أسأت إلينا ~~وإلى ديننا، فلم نر بدا من الذب عنا وعنه بما نعلم أنه حق وصواب، على أنه ~~لا عار علينا فيما نقول، وهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يدا واحدة على ~~الذود عن أنفسهم، والدفاع عن جامعتهم، وإعلاء شأن دينهم ونصرته حتى يكون الدين كله ~~لله؟ # إن كان رفضا حب آل محمد # فليشهد الثقلان أني رافضي # | أهناء أم عزاء؟ # فارق مصر على أثر الدستور العثماني كثير من فضلاء السوريين بعدما عمروا هذه ~~البلاد بفضائلهم ومآثرهم، وصيروها جنة زاخرة بالعلوم والآداب، ولقنوا المصريين ~~تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة، وبعدما كانوا فينا سفراء خير بين ~~المدنية الغربية والمدنية الشرقية، يأخذون من كمال الأولى ليتمموا ما نقص من الأخرى، ~~وبعدما علموا المصري كيف ينشط للعمل، وكيف يجد في سبيل العيش، وكيف يثبت ~~ويتجلد في معركة الحياة. # قضوا بيننا تلك البرهة من الزمان يحسنون إلينا فنسيء إليهم، ويعطفون علينا فنسميهم ~~تارة دخلاء وأخرى ثقلاء، كأنما كنا نحسب أنهم قوم من شذاذ الآفاق أو نفايات ~~الأمم، جاءوا إلينا يصادروننا في أرزاقنا، ويتطفلون على موائدنا. ولو أنصفناهم ms117 ~~لعرفناهم وعرفنا أن أكثرهم من بيوتات المجد والشرف، وإنما ضاقت بهم حكومة الاستبداد ~~ذرعا، وكذلك شأن كل حكومة مستبدة مع أحرار النفوس وأباة الضيم، فأحرجت صدورهم، ~~وضيقت عليهم مذاهبهم، ففروا من الظلم تاركين وراءهم شرفا ينعاهم، ومجدا يبكي عليهم، ~~ونزلوا بيننا ضيوفا كراما، وأساتذة كبارا، فما أحسنا ضيافتهم ولا شكرنا لهم ~~نعمتهم. # وبعد ... فقد مضى ذلك الزمن بخيره أو شره، وأصبحنا اليوم كلما ذكرناهم خفقت أفئدتنا ~~مخافة أن يلحق باقيهم بماضيهم، فلا نعلم أنشكر للدستور أن فرج عنهم كربتهم ~~وأمنهم على أنفسهم وردهم إلى أوطانهم؟ أم ننقم منه أن كان سببا في حرماننا ~~منهم بعد أنسنا بهم، واغتباطنا بحسن عشرتهم وجميل مودتهم؟ ولا ندري هل نحن بين يدي ~~هذا النظام العثماني الجديد في هناء أم عزاء؟ # فيا أيها القوم المودعون، والكرام الكاتبون: # اذكرونا مثل ذكرانا لكم # رب ذكرى قربت من نزحا # واذكروا صبا إذا غنى بكم # شرب الدمع وعاف القدحا # | الزوجتان # حدث أحد الأصدقاء قال: «سأقص عليك قصة ليست من خيالات الشعراء ولا أكاذيب ~~القصاصين. # أويت إلى مضجعي في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب، غدافية الإهاب، فما ~~استقبلت أول طليعة من طلائع النوم حتى قرع باب غرفتي، فتسمعت فإذا الخادم ~~يقول: «إن امرأة سيئة الحال بزة الثياب في زي المتسولات تلح في طلب ~~مقابلتك، وتقول إن لها عندك شأنا.» فقلت في نفسي: «لا شأن لي مع امرأة، وربما كانت ~~ذات حاجة، وكانت حاجتها إلي أكثر من حاجتي إلى النوم، على أن النوم لا يفوتني، فليل ~~الشتاء أطول من يوم القضاء.» فارتديت ردائي ونزلت، فإذا فتاة في ملاءة بالية وبرقع ~~خلق ينم بجمالها كما ينم السحاب المتقطع بضوء الشمس، وإذا هي ترعد وتضطرب ~~وتقول بصوت شجي: «أما في الناس أخو همة ومروءة يعين على الدهر الغادر، ويطفئ ~~هذه الجذوة التي تتأجج بين أضالعي بقطرة واحدة من الرحمة؟!» فقلت: «من أنت يرحمك ~~الله؟» قالت: «أنا فلانة زوج فلان.» فدهشت وغصصت بريقي حتى ما أجد بلة ~~أحرك بها لساني لهول ما سمعت ms118 وسوء ما رأيت، وقلت: «يا للعجب! زوجة فلان على ~~عظمه وعظمها، وجلاله وجلالها، تخرج في مثل هذه الساعة في مثل هذه الملابس؟!» ~~فسألتها: «ما شأنك يا سيدتي؟ ومم تبكين؟» قالت: «لا تحدث نفسك بريبة ولا تذهب بك ~~الظنون مذاهبها، فوالله ما جئت إليك تحت حجاب الليل إلا وأنت أوثق الناس عندي، وأرفعهم ~~في عيني، ولولا شدة أقلقت مضجعي وفرقت ما بين جفني والكرى ما خضت سواد الليل في ~~مثل هذه الساعة، ولا حملت في سبيلي إليك ما حملت.» قلت: «عهدي بسيدتي رخية البال، ناعمة ~~العيش، سعيدة الحظ بزوج عذب الأخلاق، كريم السجايا، لا يؤثر هوى نفسه على ~~هواك، ولا يعدل بك أحدا.» قالت: «إنك تقص علي حديث الأمس وقد مضى به الفلك ~~الدائر والكوكب السيار، فاسمع مني حديث اليوم: # إنك لا بد تعلم تاريخ زواجي منه منذ ثلاثة أعوام، وأن أبي لم يبتغ به ~~بدلا عن كثرة الخاطبين إليه من علية القوم وجلتهم، وأنا لا ألومه على ~~ذلك - رحمة الله عليه - فما أراد بي شرا ولا اعتمد أن يسيء الاختيار لي، ~~ولكنه كان رجلا أبيض السريرة طاهر القلب، فخدعه الخادعون عني، ومن ذا الذي لا ~~يخدع بشاب متعلم مهذب من ذوي المناصب الكبيرة والرتب العالية؟ وكيفما ~~كان الأمر، فقد تم عقد الزواج بيننا فاغتبطت به واغتبط بي برهة من الزمان، ~~حسبتها دائمة لا انقطاع لها حتى يفرق بيننا الموت. وكنت امرأة أجمع في نفسي ~~جميع ما يمت به النساء إلى الرجال، فما خنته، ولا ضقت ذرعا بأمره، ولا ~~قطبت في وجهه مرة، ولا أتلفت له مالا، ولا نقضت له عهدا؛ فجازاني سوءا ~~بالإحسان، وكفر بنعمة الله بعد الإيمان، وخان ودي، ونقض عهدي، لا لذنب ~~أتيته، أو وصمة يصمني بها، وكل ما في الأمر أنه رجل ملول، ولا تغضب يا ~~سيدي إن قلت لك: إن قلب الرجل متقلب متلون، يسرع إلى البغض كما يسرع إلى ~~الحب، وإن هذه المرأة التي تحتقرونها وتزدرونها وتضربون الأمثال بخفة عقلها ~~وضعف قلبها أوثق منه عقدا، ms119 وأمتن ودا، وأوفى عهدا، ولو وفى الزوج ~~لزوجته وفاءها له ما استطاع أن يفرق بين قلبيهما إلا ريب المنون. # قلت: «أنا لا أغضب لشيء إلا للإنسانية أن ينقض عهدها، ويخفر ذمامها، ثم ~~ماذا تم بعد ذلك؟» قالت: «مات أبي كما تعلم وخلف لي مالا أمكنت منه زوجي فأتلفه ~~بين الخمر والقمر، فكنت أغضي على هفواته رحمة به وشفقة عليه واستبقاء لوده، ~~حتى إذا صفرت يدي وأقفر ربعي أحسست منه مللا كان يدعوه إلى سوء عشرتي وتعذيب ~~جسمي ونفسي، وكان كثيرا ما يتهكم بي ويقول: «إني لا أحب المرأة الجاهلة التي لا ~~تفهمني ولا أفهمها.» وآونة كان يعرض بي قائلا: «إن الرجل السعيد هو الذي يرزق ~~زوجة متعلمة تقرأ له الجرائد والمجلات، وتفاوضه في المسائل الاجتماعية والسياسية.» بل ~~يتجاوز التعريض إلى التصريح، فيقول كلما دخل علي متأففا متذمرا: «ليت لي ~~زوجة كفلانة فإنها تحسن الرقص والغناء والتوقيع على البيان!» فكنت أشك في ~~سلامة عقله وأقول في نفسي: كيف يفضل الزوجة المتبذلة المستهترة على الحيية المحتشمة؟! ~~ووالله ما تمنيت مرة أن أكون على الصفة التي يحبها ويرضاها مع ما كنت أبذل في رضاه من ~~ذات اليد وذات النفس. # وبعد، فما زال الملل يدب في نفسه دبيب الصهباء في الأعضاء، حتى تحول إلى بغضاء ~~شديدة، فما كان يلحظني إلا شزرا، ولا يدخل المنزل إلا لتناول غرض أو قضاء حاجة، ~~فكنت أحتمل كل هذا بقلب صبور، وجنان وقور. ثم عرض له بعد ذلك أن نقل إلى ~~منصب أرقى من منصبه في بلد آخر، على ما تعلم، فسافر وحده وتركني في المنزل وحيدة لا ~~مؤنس لي غير طفلتي، فلبثت أترقب كتابا منه يدعوني فيه إلى اللحاق به، فما أرسل ~~كتابا ولا رسولا ولا نفقة. فاستكتبت إليه الكتاب بعد الكتاب فما أسلس قياده، ولا ~~طاوع عناده، فسافرت إليه مخاطرة بنفسي غير مبالية بغضبه؛ لأعلم غاية شأنه وشأني ~~معه، فما نزلت من القطار حتى قيض الله لي من وقفني على حقيقة أمره، وأعلمني أنه ~~تزوج من فتاة ms120 متعلمة تقرأ له الجرائد والروايات، وتفاوضه في المسائل الاجتماعية ~~والسياسية، وتحسن الرقص والغناء والتوقيع على «البيان» فداخلني من الهم ما الله به ~~عليم، وجزعت ولكن أي ساعة مجزع! ولا أظن إلا أن العدل الإلهي سيحاسبه على ~~كل قطرة من قطرات الدموع التي أرقتها في هذا السبيل حسابا غير يسير. # وكأنه شعر بمكاني، فجاء إلي يتهددني ويتوعدني، فتوسلت إليه ببكاء طفلته التي كنت ~~أحملها بين يدي، وذكرته بالعهود والمواثيق التي تعاقدنا عليها، وذهبت إلى استعطافه ~~كل مذهب، فكنت كأنني أخاطب ركودا صماء، أو أستنزل أبودا عصماء، ثم طردني وأمر من ~~حملني إلى المحطة، فعدت من حيث أتيت. # فما وصلت إلى المنزل حتى خلعت ملابسي، ولبست هذه الثياب، وجئتك متنكرة في ذمام ~~الليل؛ لأني وحيدة في هذا العالم لا قريب لي ولا حميم، ولأني أعلم كرمك وهمتك وما ~~بينك وبين ذلك الرجل من الود والاتصال؛ عسى أن ترى لي رأيا في التفريق بيني وبينه، ~~علني أجد في فضاء الحرية منفذا كسم الخياط أرتشف منه ما أتبلغ به أنا وطفلتي ~~حتى يبلغ الكتاب أجله.» # فأحزنني من أمر تلك الفتاة البائسة ما أحزنني، ووعدتها بالنظر في أمرها بعد أن خففت ~~كثيرا من أحزانها ولواعجها، فعادت إلى منزلها، وعدت إلى مضجعي أفكر في هذه الحادثة ~~الغريبة وقد اكتنفني همان: هم تلك البائسة التي لم أر في تاريخ شقاء النساء قلبا ~~أشقى من قلبها، ولا نجما أنحس من نجمها، وهم ذلك الصديق الذي ربحته سنين طوالا وخسرته ~~في ساعة واحدة، فقد كنت أغبط نفسي عليه، فأصبحت أعزيها عنه، وكنت أحسبه إنسانا، ~~فإذا هو ذئب عملس تستره الصورة البشرية، وتواريه البشاشة والابتسام.» # هذا ما قصه علي ذلك الصديق الكريم، ثم لم أعد أعلم بعد ذلك ما تم من أمره مع ~~تلك الفتاة المسكينة، ولا ما تم من أمرها مع زوجها، حتى جاءني منه أمس ذلك الكتاب بعد ~~مرور عام على تلك القصة الغريبة، وهذا نصه: # سيدي # يهمني كثيرا أن أرى بين كتب التهنئة التي ترد إلي كتابا ms121 منك؛ ~~لأسر بمشاركتك إياي في سروري وهنائي. # إنك لا بد تذكر تلك القصة التي كنت قصصتها عليك منذ عام في تلك الفتاة ~~البائسة التي خانها زوجها «فلان» وغدر بها وهجرها إلى أخرى غيرها، بعدما ~~جردها مما كانت تملك يدها، وما كان من أمر مجيئها عندي وبث شكواها ~~إلي. وربما كنت لا تعلم بما تم من أمرها بعد ذلك، فاعلم أنها دفعت زوجها إلى ~~موقف القضاء، فضاق بأمرها ذرعا فطلقها، وكنت أفكر في ذلك التاريخ في الزواج - ~~كما تعلم - من زوج صالحة أجد السعادة في العيش بجانبها، وما كنت لأجد زوجة ~~أشرف نفسا ولا أكرم جوهرا ولا أذكى قلبا منها، فتزوجتها، فأمتعت نفسي بخير ~~النساء، وأنقذت الإنسانية المعذبة من شقوتها وبلائها، وأبشرك أن الله قد ~~انتقم لهذه الفتاة المظلومة من ذلك الرجل الظالم انتقاما شديدا؛ فقد حدثني من ~~يعلم دخيلة أمره أنه يعاني اليوم من زوجه الجديدة الموت الأحمر، والشقاء ~~الأكبر، وأنها امرأة قد أخذت التربية الحديثة من نفسها مأخذا عظيما، ~~فحولتها إلى فتاة غريبة في جميع شئونها وأطوارها، والرجل شرقي بفطرته، أما ~~غربيته فهي متكلفة متعملة يدور بها لسانه ولا أثر لها في نفسه، فهو لا يزال ~~رجلا غيورا شريفا، ولا يزال يقاسي اليوم من تلك المرأة الخرقاء أضعاف ما ~~كانت تقاسيه منه أشرف النساء، والسلام. # | في سبيل الإحسان # الإحسان شيء جميل، وأجمل منه أن يحل محله ويصيب موضعه. # الإحسان في مصر كثير، ووصوله إلى مستحقيه وصاحب الحاجة إليه قليل، فلو أضاف المحسن ~~إلى إحسانه إصابة الموضع فيه لما سمع سامع في ظلمة الليل شكاة بائس ولا أنة ~~محزون. # ليس الإحسان هو العطاء كما يظن عامة الناس؛ فالعطاء قد يكون نفاقا ورياء، وقد ~~يكون أحبولة ينصبها المعطي لاصطياد النفوس وامتلاك الأعناق، وقد يكون رأس مال ~~يتجر فيه صاحبه ليبذل قليلا ويربح كثيرا. إنما الإحسان عاطفة كريمة من عواطف ~~النفس تتألم لمناظر البؤس ومصارع الشقاء، فلو أن جميع ما يبذله الناس من المال ~~ويسمونه إحسانا صادر عن تلك العاطفة الشريفة لما ms122 تجاوز محله ولا فارق موضعه. # فوضى الإحسان # الإحسان في مصر فوضى لا نظام له، يناله من لا يستحقه ويحرم منه مستحقه، فلا ~~بؤسا يرفع ولا فقرا يدفع، فمثله كمثل السحاب الذي يقول فيه أبو ~~العلاء: # ولو أن السحاب همى بعقل # لما أروى مع النخل القتادا # الإحسان في مصر أن يدخل صاحب المال ضريحا من أضرحة المقبورين فيضع في صندوق ~~النذور قبضة من الفضة أو الذهب، ربما يتناولها من هو أرغد منه عيشا وأنعم بالا، ~~أو يهدي ما يسميه نذرا من نعم وشاء إلى دفين في قبره قد شغله عن أكل اللحوم ~~والتفكه بها ذلك الدود الذي يأكل لحمه، والسوس الذي ينخر عظمه، وما أهدى شاته ولا ~~بقرته لو يعلم إلا إلى «ديوان الأوقاف»، وكان خيرا له أن يهديها إلى جاره الفقير ~~الذي يبيت ليله طاويا يتشهى ظلفا يمسك رمقه، أو عرقوبا يطفئ ~~لوعته. # وأعظم ما يتقرب به محسن إلى الله، ويحسب أنه بلغ من البر والمعروف غايتيهما، ~~أن ينفق بضعة آلاف من الدنانير في بناء مسجد للصلاة في بلد مملوء بالمساجد حافل ~~بالمعابد، وفي البلد كثير من البائسين وذوي الحاجات، ينشدون مواطن الصلات لا ~~أماكن الصلوات، أو يبني بنية ضخمة فخمة مرفوعة القباب، فسيحة الرحاب، مموهة ~~الجوانب والأركان، مذهبة السقوف والجدران، يسميها سبيلا، ولا يهولنك هذا ~~الاسم الضخم، فكل ما في الأمر أن السبيل مكان يشتمل على حوض من الماء ربما لا ~~يكون بينه وبين ماء النهر إلا بضع خطوات، على أن الماء كالهواء، ملء الأرض ~~والسماء. أو يقف الرقاع الواسعة من الأرض لتنفق غلتها على أقوام من ذوي ~~البطالة والجهالة؛ نظير انقطاعهم لتلاوة الآيات، وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب ~~والأوراد، وهو يحسب أنه أحسن إليهم، ولو عرف موضع الإحسان لأحسن إليهم بقطع هذا ~~الإحسان عنهم؛ علهم يتعلمون صناعة أو مهنة يرتزقون منها رزقا شريفا، فإن كان ~~يظن أنه يعمل في ذلك عملا يقربه إلى الله، فليعلم أن الله تعالى أجل من أن ~~يعبأ بعبادة قوم يتخذون عبادته سلما إلى طعام ms123 يطعمونه، أو درهم يتناولونه، أو ~~يفتح أبواب منزله لهؤلاء المحتالين المتلصصين الذين يسمونهم: مشايخ الطرق، ولو ~~أنصفوهم لسموهم: قطاع الطرق، ولا فرق بين الفريقين إلا أن هؤلاء يتسلحون ~~بالبنادق والعصي، وأولئك يتسلحون بالسبح والمساويك، ثم يسقطون على المنازل سقوط ~~الجراد على المزارع فلا يتركون صادحا ولا باغما، ولا خفا ولا حافرا، ولا شيئا ~~مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، إلا أتوا عليه. # أسوأ الإحسان # لم أر مالا أضيع ولا عملا أخيب ولا إحسانا أسوأ من الإحسان إلى هؤلاء ~~المتسولين الذين يطوفون الأرض ويقلبونها ظهرا على عقب، ويجثمون في مفارق الطرق ~~وزوايا الدروب وعلى أبواب الأضرحة والمزارات يصمون الأسماع بصريخهم، ويقذون ~~النواظر بمناظرهم المستبشعة، ويزاحمون بمناكبهم الفارس والراجل والجالس والقائم، ~~فلو أن نجما هوى إلى الأرض لهووا على أثره، أو طائرا طار إلى الجو ~~لكانوا قوادمه وخوافيه. # وإن شئت أن تعرف المتسول معرفة حقيقية؛ لتعرف هل يستحق عطفك وحنانك عليه، وهل ~~ما تسديه إليه من المعروف تسديه إلى صاحب حاجة، فاعلم أنه في الأعم الأغلب من ~~أحواله رجل لا زوجة له ولا ولد ينفق عليهما، ولا مسكن عنده يحتاج إلى مؤن ~~ومرافق، ولا شهوة له في مطعم أو مشرب أو ملبس. حتى لو علم أن الانقطاع عن ذلك ~~الخسيس من الطعام والقذر من الشراب يقعده عن السعي في سبيله لانقطع عنه، وهو لو ~~شاء أن يتزوج أو يتخذ له مأوى يأوي إليه لفعل، ولوجد في حرفته متسعا لذلك، ولكنه ~~الحرص قد أفسد قلبه وأمات نفسه، فهو يتوسل بأنواع الحيل وصنوف الكيد ليجمع مالا لا ~~فائدة له من جمعه، ولا نية له في إصلاح شأن نفسه به إذا اجتمع عنده منه ما يقوم له ~~بذلك، بل ليدفنه في باطن الأرض حتى يدفن معه، أو لينظمه في مرقعته حتى ~~يرثه الغاسل من بعده. ولقد يبلغ به الحرص الدنيء والشره السافل أن يحمل في سبيل ~~المال ما لا يستطيع مجاهد أن يحمل مثله في سبيل الله، فيتعمد قطع يده أو ساقه ms124 أو ~~إتلاف عينيه أو إحداهما ليستعطف القلوب عليه، وكثيرا ما يحسد صاحبه إذا رآه أفظع ~~منه شكلا أو أكثر تشويها. # كما يحكى أن شحاذا مقطوع الساق قد وضع مكانها أخرى من الخشب، تقابل مع ~~آخر كفيف البصر، فتنافسا في مصيبتيهما أيتهما أقذى للأعين وأوقع في النفس وأجلب ~~للرحمة، فقال الأول للثاني: «لقد وهبك الله نعمة العمى، ومنحك بسلب ناظريك ~~أفضل حبالة لاصطياد القلوب، واستفراغ الجيوب.» فقال له صاحبه: «وأين يبلغ العمى ~~من هذه الرجل الضخمة الثقيلة التي تجلب في كل عام وزنها ذهبا؟!» # إن أكبر جريمة يجرمها الإنسان إلى الإنسانية أن يساعد هؤلاء المتسولين بماله ~~على الاستمرار في هذه الخطة الدنيئة، فيغري كل من شعر في نفسه بالميل إلى ~~البطالة وإيثار الراحة بالسعي على آثارهم، والاحتراف بحرفتهم، فكأنه قطع من جسم ~~الإنسانية عضوا كاملا، لو لم يقطعه لكان عضوا عاملا، وكأنه هدم بعمله هذا جميع ~~تلك المساعي الشريفة، التي بذلها الأنبياء والحكماء قرونا عديدة لإصلاح المجتمع ~~الإنساني، وتهذيب أخلاقه وتخليصه من آفات الجمود والخمول، فهل رأيت معروفا أقبح من ~~هذا المعروف وإحسانا أسوأ من هذا الإحسان؟ # تنظيم الإحسان # ليست كمية المال التي ينفقها المحسنون في سبيل الإحسان مما يستهان به، فلو قال ~~قائل: إنها تبلغ في مصر وحدها كل عام مليونا من الذهب، لما أخطأ التقدير. # سألت رجلا من وجوه الريف المعروفين بالبر والإحسان عن كمية ما ينفقه كل عام في ~~هذا السبيل فأطلعني على جريدة حسابه، فرأيتها هكذا: # جنيه # 10 # ولائم لمشايخ الطرق # 60 # ليالي في مولد البيومي والعفيفي # 72 # مرتبات قراءة القرآن والدلائل والصلوات في مسجده ومنزله # 30 # هبات كبيرة للطائفين في البلاد الذين يستجدون باسم المجد ~~القديم والشرف الداثر # 18 # صدقات للمتسولين على تقدير خمسة قروش يوميا تقريبا # 10 # توضع في صناديق الأضرحة # 40 # ثمن خبز ولحم وملابس تفرق في المواسم الدينية # 240 # المجموع # فهذه أربعون ومائتا جنيه ينفقها في سبيل الإحسان رجل واحد من متوسطي الثروة في ~~عام واحد، في مصر مئات مثله، وعشرات يزيدون عليه، ms125 وآلاف يقلون عنه، فلا غرابة ~~في أن يقدر هذا النوع من الإحسان بمليون جنيه ينفقه منفقوه على غير شيء سوى ~~إغراء الكسلان بكسله، وحمل العامل على ترك عمله. وفي اعتقادي لو أن هذا المقدار ~~حل من الإنسان محله، وأصاب منه موضعه، وأنفق في سبيل الخيرات النافعة ووجوه البر ~~الحقيقية لارتقى بالأمة المصرية إلى ذروة الكمال، ولكان له الأثر الجليل في وصولها ~~إلى ما تتطلع إليه من هناء العيش وسعادة الحياة. # لذلك أقترح في تنظيم الإحسان اقتراحا نافعا، وأدعو الكاتبين الذين لا غرض لهم ~~من وراء الكتابات السياسية، ولا غاية لهم من الاشتغال بإثارة الخواطر وتهييجها، ~~وإغراء بعض الناس ببعض أن يساعدوني بأقلامهم على تحقيق ما أتمناه في هذا ~~المقترح المفيد: أقترح أن يقوم جماعة من سراة ~~الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي والبصيرة فيها بتأليف مجتمع في القاهرة يسمى: ~~«مجتمع الإحسان»، ويكون له في كل مدينة من مدائن الريف فرع تابع له. # أما أعماله التي أحب أن يقوم بها - بالاتحاد مع فروعه - فهي ثلاثة: ~~(1) # استخدام فريق من مهرة الكتاب وفصحاء الخطباء يقومون بتعليم أفراد ~~الأمة - بكل واسطة من وسائط النشر، وبكل وسيلة من وسائل التأثير - ~~معنى الإحسان، وما هو الغرض منه؟ وما هي أفضل وجوهه؟ وأي أنواعه أجمع ~~لخيري الدنيا والآخرة؟ ~~(2) # بذل الجهد في حمل الناس على اعتبار مجتمع الإحسان هذا بيت مال لهم، ~~أو وكالة عامة عنهم تتولى جمع الصدقات منهم، وتوزيعها على مستحقيها، ~~وحسبها أن تأخذ من كل فرد في كل عام مجموع ما يحسن به عادة في ذلك ~~العام، فلا يكون بعد ذلك مأخوذا بشيء من الإحسان أمام ربه وأمام أمته ~~أكثر مما قدمه لهذا المجتمع. ~~(3) # إنفاق ما يجتمع من المال على تربية اليتامى الذين لا كاسب لهم، ~~والقيام بأود العاجزين والعاجزات عن الكسب، وتفقد شئون الذين ~~نكبهم الدهر وتنكر لهم بعد العز والنعمة، وصيانة ماء وجوههم أن ~~تراق على تراب الأعتاب، والإنفاق على تعليم من يتوسم فيهم الذكاء ~~والفطنة ويرجى أن تنتفع بهم الأمة في مستقبلها من أبناء ms126 الفقراء، إلى ~~أمثال هذه الأعمال الخيرية الشريفة التي لا يتحقق الإحسان بدونها، ولا ~~ينصرف معناه إلا إليها. # أنا أعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن من يخطو الخطوة الأولى في سبيل هذا العمل ~~الجليل، ومن يضع الحجر الأول في بناء مجتمع الإحسان، هو أفضل عامل في الوجود ~~وأشرف إنسان. # | أدب المناظرة # أنا لا أقول إلا ما أعتقد، ولا أعتقد إلا ما أسمع صداه من جوانب نفسي، فربما خالفت ~~الناس أو بعض الناس في أشياء يعلمون منها غير ما أعلم، ومعذرتي إليهم في ذلك أن الحق ~~أولى بالمجاملة منهم، وأن في رأسي عقلا أجله عن أن أنزل به إلى أن يكون ~~سيقة للعقول، وريشة في مهاب الأغراض والأهواء. # فهل يجمل بعد ذلك بأحد من الناس أن يرميني بجارحة من القول، أو صاعقة من الغضب لأني ~~خالفت رأيه أو ذهبت غير مذهبه، أو أن يكون له من الحق في حملي على مذهبه أكثر مما ~~يكون لي من الحق في حمله على مذهبي؟ # لا بأس أن يؤيد الإنسان مذهبه بالحجة والبرهان، ولا بأس أن ينقض أدلة خصمه ويزيفها ~~بما يعتقد أنه مبطل لها، ولا ملامة عليه في أن يتذرع بكل ما يعرف من الوسائل ~~إلى نشر الحقيقة التي يعتقدها، إلا وسيلة واحدة لا أحبها له ولا أعتقد أنها تنفعه أو ~~تغني عنه شيئا، وهي وسيلة الشتم والسباب. # إن لإخلاص المتكلم تأثيرا عظيما في قوة حجته وحلول كلامه المحل الأعظم من ~~القلوب والأفهام، والشاتم يعلم الناس جميعا أنه غير مخلص فيما يقول، فعبثا ~~يحاول أن يحمل الناس على رأيه أو يقنعهم بصدقه وإن كان أصدق الصادقين. # أتدري لم يسب الإنسان مناظره؟ لأنه جاهل وعاجز معا. أما جهله؛ فلأنه يذهب ~~في واد غير وادي مناظره، وهو يظن أنه في واديه، ولأنه ينتقل من موضوع ~~المناظرة إلى النظر في شئون المناظر وأطواره، كأن كل مبحث عنده مبحث ~~«فسيولوجي». وأما عجزه؛ فلأنه لو عرف إلى مناظره سبيلا غير هذا السبيل لسلكه وكفى ~~نفسه مئونة ازدراء الناس إياه وحماها ms127 من الدخول في مأزق هو فيه من الخاسرين، ~~محقا كان أم مبطلا. # لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون الغرض من المناظرة شيئا غير خدمة الحقيقة ~~وتأييدها، وأحسب أن لو سلك الكتاب هذا المسلك في مباحثهم لاتفقوا على مسائل كثيرة ~~هم لا يزالون مختلفين فيها، وما اختلفوا فيها إلا لأنهم فيما بينهم مختلفون؛ يسمع أحدهم ~~الكلمة من صاحبه ويعتقد أنها كلمة حق لا ريب فيها، ولكنه يبغضه فيبغض الحق من أجله، ~~فينهض للرد عليه بحجج واهية وأساليب ضعيفة وإن كان هو قويا في ذاته؛ لأن القلم لا ~~يقوى إلا إذا استمد من القلب، فإذا عي بالحجج والبراهين لجأ إلى المراوغة ~~والمهاترة، فيقول لمناظره مثلا: إنك رجل جاهل لا يعتد بآرائك، أو إنك رجل مضطرب ~~الرأي لا ثبات لك؛ لأنك تقول اليوم غير ما قلت بالأمس، وهنالك يقول له الناس: «رويدا ~~لا تخلط في كلامك، ولا تراوغ في مناظرتك، ولا شأن لك بعلم صاحبك أو جهله، فإنه يقول ~~شيئا، فإن كان صحيحا فسلم به، أو باطلا فبين لنا أوجه بطلانه، وهبه قولا لا تعلم ~~قائله، ولا شأن لك باضطراب القائل وثباته، فربما كان بالأمس على رأي تبين له خطؤه ~~اليوم، والمرء يخطئ مرة ويصيب.» فإذا ضاق بمناظره وبالناس ذرعا فر إلى أدنى ~~الوسائل وأضعفها، فسب مناظره وشتمه وذهب في التمثيل به كل مذهب، فيسجل على ~~نفسه الفرار من تلك الحرب والانخذال في ذلك الميدان. # على أن أكثر الناس متفقون على ما يظنون أنهم مختلفون فيه، فإن لكل شيء جهتين؛ جهة ~~مدح وجهة ذم، فإما أن تتساويا أو تكبر إحداهما الأخرى، فإن كان الأول فلا معنى ~~للاختلاف، وإن كان الثاني وجب على المختلفين أن يعترف كل منهما لصاحبه ببعض الحق، ~~لا أن يكون كل منهما من سلسلة الخلاف في طرفها. # كان يقع بين ملك من الملوك ووزيره خلاف في مسائل كثيرة حتى يشتد النزاع، وحتى لا ~~يلين أحدهما لصاحبه في طرف مما يخالفه فيه. فحضر حوارهما أحد الحكماء في ليلة وهما ~~يتناظران ms128 في المرأة، يعلو بها الملك إلى مصاف الملائكة، ويهبط بها الوزير إلى ~~منزلة الشياطين، ويسرد كل منهما على مذهبه أدلته، فلما علا صوتهما واشتد لجاجهما ~~خرج ذلك الحكيم وغاب عن المجلس ساعة، ثم عاود وبين أثوابه لوح على أحد وجهيه ~~صورة فتاة حسناء، وعلى الآخر صورة عجوز شوهاء، فقطع عليهما حديثهما، وقال لهما: «أحب ~~أن أعرض عليكما هذه الصورة ليعطيني كل منكما رأيه فيها.» ثم عرض على الملك صورة الفتاة ~~الحسناء فامتدحها، ورجع إلى مكان الوزير وقد قلب اللوح خلسة من حيث لا يشعر واحد منهما ~~بما فعل، وعرض عليه صورة العجوز الشمطاء، فاستعاذ بالله من رؤيتها وأخذ يذمها ذما ~~قبيحا، فهاج غيظ الملك على الوزير وأخذ يرميه بالجهل وفساد الذوق، وقد ظن أنه يذم ~~الصورة التي رآها هو، فلما عادا إلى مثل ما كانا عليه من الخلاف الشديد تعرض لهما ~~الحكيم وأراهما اللوح من جهتيه؛ فسكن ثائرهما وضحكا كثيرا، ثم قال لهما: «هذا هو ~~الذي أنتما فيه منذ الليلة، وما أحضرت إليكما هذا اللوح إلا لأضربه لكما مثلا، لتعلما ~~أنكما متفقان في جميع ما كنتما تختلفان فيه لو أن كلا منكما ينظر إلى المسائل ~~المختلف فيها من جهتيها.» فشكرا له همته وأثنيا على فضله وحكمته، وانتفعا بحيلته ~~انتفاعا كثيرا، حتى ما كانا يختلفان بعد ذلك إلا قليلا. # | الإحسان في الزواج # ورد إلي في البريد هذا الكتاب بهذا التوقيع: # حضرة السيد الفاضل # ضمني وجماعة من الأصدقاء مجلس جرى فيه الحديث عن صديق لنا عرف امرأة من ~~البغايا، فأخذته الرأفة بها فتزوجها، وكان القوم ما بين مستحسن لهذا العمل ~~ومستهجن له، وطالت مدة الجدل بيننا ساعات ولم يستطع أحد الفريقين أن يقنع ~~الآخر برأيه، فاتفق رأينا جميعا على أن نكتب إليك بذلك؛ علك تلقي على هذا ~~الموضوع نظرة من نظراتك الصادقة، والسلام. # ف. س. # أيها السائل الكريم # إن كان باعث الرجل على الزواج بهذه البغي شهوة يريد قضاءها من امرأة يعشقها، ~~ولا يرى له سبيلا إلى طول استمتاعه بها والاستئثار بحظه ms129 منها إلا هذا السبيل - كما هو ~~شأن أكثر الذي يتزوجون من البغايا - فقد أخطأ خطأ جما؛ لأن من كان هذا شأنه لا يعنيه ~~إلا ذات نفسه، ولا يشغله من شئون تلك المرأة إلا الشأن الذي يرتبط بشهوته ويتعلق ~~بلذته؛ وآية ذلك أنه لا ينظر بعد اتصاله بها في إصلاح قلبها، ولا يحاول أن ينزع من بين ~~جنبيها ملكة الفساد الراسخة في نفسها، ولا يداخلها مداخلة المؤدب ~~المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر منها وتشمئز لها، بل لا ~~يكفيها مئونة العيش، ولا يرفهها ولا يقلبها في الرغد والنعمة إلا إذا شعر بأن في ~~قلبه بقية من الوجد والشغف بها، فإذا أقفر قلبه من حبها وعلم أن فراقها لا يهيج له ~~وجدا، ورجوعها إلى عيشها السالف لا يثير منه غيرة، فارقها فراقا هادئا مطمئنا ~~لا يمازجه حزن على فسادها، ولا يخالطه أسف على سقوطها، وهنالك تعود تلك المرأة إلى ~~عشها الذي طارت منه، وقد أمسكت بين جوانحها من الحقد والموجدة على معيشة الصلاح ~~والاستقامة ما الله عالم به. # فالرجل الذي يتزوج من البغي قضاء لشهوته وإيثارا للذته، لا ينفعها ولا ~~يحسن إليها؛ لأنه لا يهذب نفسها، ولا يفي لها بما عاهدها عليه من البقاء معها ~~والاستمرار على عشرتها، بل يسيء إليها بسوء تصرفه معها، فيبغض إليها الصلاح ~~ويحبب إليها الفساد، وعندي أنه في عمله هذا فاسق لا متزوج؛ لأنه لو لم ير أن ~~الزواج وسيلة من وسائل الاستئثار والتوسع في الاستمتاع ما سمى الأجر مهرا ولا ~~المتعة عقدا. # فإن كان حقا ما تقول من أن باعثه إلى ذلك الرحمة والرأفة والحنان والشفقة، فقد ~~أحسن كل الإحسان، ولا أحسب أن بين أعماله الصالحة عملا هو أفضل عند الله ذخرا ~~وأعظم أجرا من هذا العمل الصالح. # العرض أثمن من الحياة، فإن كان من يمنح الحياة فاقدها شريفا، فأشرف منه من ~~يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه. # ليت الرجال يتفقون جميعا على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة كل امرأة ساقها ~~فقرها ms130 وعدمها أو فقد عائلها إلى البغاء، بل ليتهم يتفقون على الزواج منهن قبل ~~أن تضيق بهن حلقات العيش فيسقطن. # لم لا يكون بابا من أبواب الإحسان أن يتفقد المحسنون من الرجال الفقيرات من النساء ~~فيتزوجوا منهن أو يزوجوهن من أولادهم وأقربائهم، وإن لم يكن من ذوات الجمال ~~أو ذوات النسب؟ لأنه إحسان، والإحسان لا يجمل إلا إذا أصاب موضعه من الشدة ومكانه من ~~الشقاء. # لو عرف المحسنون معنى الإحسان لعرفوا أن إنفاق الأموال على بناء التكايا ~~والزوايا، وتوزيعه على المستولين والمتكففين ووقفه على القارئين والذاكرين لا يدخر ~~لهم من المثوبة والأجر عند الله ما يدخره لهم الإحسان إلى النساء، بالعصمة من ~~البغاء. # البغاء للبغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل، فجدير به أن يغرم ما أتلف ~~ويصلح ما أفسد. # يهجم الرجل على المرأة ويعد لمهاجمتها ما شاء الله أن يعده من وعد كاذب، وقول ~~خالب، وسحر جاذب، حتى إذا خدعها عن نفسها وغلبها على أمرها وسلبها أثمن ما تملك يدها، ~~نفض يده منها وفارقها فراقا لا لقاء بينهما من بعده. # هنالك تجلس في كسر بيتها جلسة الكئيب الحزين مسبلة دمعها على خدها، مسندة ~~رأسها بكفها، تفلي أناملها التراب، لا تدري أين تذهب، ولا ماذا تصنع، ولا كيف ~~تعيش! # تطلب العيش عن طريق الزواج فلا تجد من يتزوجها؛ لأن الرجل يسميها ساقطة، وتطلبه من ~~طريق العمل فلا تجد ما تحسنه منه؛ لأن الرجل أهمل شأنها، فلم يعلمها من العلم ما تستعين ~~به على ضائقة العيش، وتطلبه من طريق التسول فلا تجده؛ لأن الرجل يؤثر أن يمنحها القنطار ~~حراما على أن يمنحها الدرهم حلالا، فلا تجد لها بدا من أن تطلبه من طريق ~~البغاء. # فهأنتذا ترى أن شقاء المرأة الساقطة رواية من الروايات المحزنة، وأن الرجل هو ~~الذي يمثل جميع أدوارها، ويظهر في كل فصل من فصولها، ومهما حال بيننا وبينه من ذلك ~~الستار المسبل، فإنا لا نزال نعتقد أن الرجل غريم المرأة، وأن حقا عليه أن ~~يؤدي دينه ويغرم أرش جنايته. ms131 # إن أبى الرجل أن يتزوج المرأة بغيا فليحل بينها وبين البغاء، ولا سبيل له ~~إلى ذلك إلا إذا اعتبر الزواج بابا من أبواب الإحسان؛ أي إنه يتزوجها لها أكثر مما ~~يتزوجها لنفسه، وأحق النساء بالإحسان أولئك اللواتي لم يرزقهن الله الجمال والمال ~~والحسب والنسب، فإن أبى إلا أن يتزوج المرأة السعيدة فليعلم أنه هو الذي أخذ ~~الشقية من يدها وساقها بنفسه إلى قرارة الشقاء، ورماها بيده في هوة الفسق ~~والبغاء. # | لا همجية في الإسلام # أيها المسلمون # إن كنتم تعتقدون أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المسيحيين إلا ليموتوا ذبحا ~~بالسيوف، وقصفا بالرماح، وحرقا بالنيران، فقد أسأتم بربكم ظنا، وأنكرتم عليه حكمته ~~في أفعاله، وتدبيره في شئونه وأعماله، وأنزلتموه منزلة العابث اللاعب الذي يبني البناء ~~ليهدمه، ويزرع الزرع ليحرقه، ويخيط الثوب ليمزقه، وينظم العقد ليبدده. # لم يزل الله سبحانه وتعالى مذ كان الإنسان نطفة في رحم أمه يتعهده بعطفه وحنانه، ~~ويمده برحمته وإحسانه، ويرسل إليه في ذلك السجن المظلم الهواء من منافذه، والغذاء من ~~مجاريه، ويذود عنه آفات الحياة وغوائلها: نطفة، فعلقة، فمضغة، فجنينا، فبشرا ~~سويا. # إن إلها هذا شأنه مع عبده وهذه رحمته به وإحسانه إليه، محال عليه أن يأمر بسلبه ~~الروح التي وهبه إياها، أو يرضى بسفك دمه الذي أمده به ليجري في شرايينه وعروقه، لا ~~بين تلال الرمال وفوق شعاف الجبال. # في أي كتاب من كتب الله، وفي أي سنة من سنن أنبيائه ورسله قرأتم جواز أن يعمد ~~الرجل إلى الرجل الآمن في سربه، القابع في كسر بيته، فينزع نفسه من بين جنبيه، ~~ويفجع فيه أهله وقومه؛ لأنه لا يدين بدينه، ولا يتقلد مذهبه؟ # لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه لأقفرت البلاد من ساكنيها، ~~وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم. # إن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة من سنن ~~الكون التي لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، حتى لو لم يبق على ظهر الأرض إلا رجل واحد ~~لجرد ms132 من نفسه رجلا آخر يخاصمه وينازعه # ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~. # إن الحياة في هذا العالم كالحرارة التي تنتج من التحاك بين جسمين مختلفين، ~~فمحاولة توحيد المذاهب والأديان محاولة للقضاء على هذا العالم وسلبه روحه ~~ونظامه. # أيها المسلمون، ليس ما كان يجري في صدر الإسلام من محاربة المسلمين المسيحيين ~~مرادا به التشفي والانتقام منهم، أو القضاء عليهم، وإنما كان لحماية الدعوة ~~الإسلامية أن يعترضها في طريقها معترض أو يحول بينها وبين انتشارها في مشارق الأرض ~~ومغاربها حائل؛ أي إن القتال كان ذودا ودفاعا لا تشفيا وانتقاما. # وآية ذلك أن السرية من الجيش ما كانت تخطو خطوة واحدة في سبيلها الذي تذهب إليه ~~حتى يصل إليها أمر الخليفة القائم ألا تزعج الرهبان في أديرتهم، والقسيسين في ~~صوامعهم، وألا تحارب إلا من يقاومها، ولا تقاتل إلا من يقف في سبيلها، ولقد كان ~~أحرى أن تسفك دماء رؤساء الدين المسيحي وتسلب أرواحهم لو أن غرض المسلمين من ~~قتال المسيحيين كان الانتقام منهم والقضاء عليهم. # لو أنكم قضيتم على كل من يتدين بدين غير دينكم حتى أصبحت رقعة الأرض خالصة ~~لكم لانقسمتم على أنفسكم مذاهب وشيعا، وتقاتلتم على مذاهبكم تقاتل أرباب الأديان على ~~أديانهم، وهكذا حتى لا يبقى على وجه الأرض مذهب ولا متمذهب. # أيها المسلمون، ما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه الهمجية والوحشية التي تزعمون ~~أنها الإسلام. # ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها، ثم يملؤها بعد ذلك حكمة ~~ورحمة ليعيش الناس في سعادة وهناء، وما هذه القطرات من الدماء التي أراقها في هذا ~~السبيل إلا بمثابة البضع العضوي الذي يتذرع به الطبيب إلى شفاء ~~المريض. # عذرتكم، لو أن هؤلاء الذين تريقون دماءهم في بلادكم كانوا ظالمين لكم في شأن من ~~شئون حياتكم، أو ذاهبين في معاشرتكم والكون معكم مذاهب سوء تخافون مغبتها وتخشون ~~عاقبتها، أما والقوم في ظلالكم والكون تحت أجنحتكم أضعف من أن يمدوا إليكم يد سوء أو ~~يبتدروكم ببادرة شر فلا عذر لكم. # عذرتكم ms133 بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب ~~قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في هذه الحياة أخذا ~~ولا ردا، والشيوخ الزاحفين إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله ~~فيهم. # أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا ~~محاربون. # من أي صخرة من الصخور أو هضبة من هضبات الجبال نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها ~~جوانحكم، والتي لا تروعها أنات الثكالى، ولا تحركها رنات الأيامى؟ # من أي نوع من أنواع الأحجار صيغت هذه العيون التي تستطيعون أن تروا بها منظر ~~الطفل الصغير والنار تأكل أطرافه وتتمشى في أحشائه وبين جوانحه، فتصرخ أمه، وأمه ~~عاجزة عن معونته؛ لأن النار لم تترك لها يدا تحركها، ولا قدما تمشي عليها؟! # لا أستطيع أن أهنئكم بهذا الظفر والانتصار؛ لأني أعتقد أن قتل الضعفاء جبن وعجز ~~ولؤم ودناءة، وأن سفك الدماء بغير ذنب ولا جريرة وحشية وهمجية أحرى أن ~~يعزى صاحبها فيها لا أن يهنأ بها. # أيها المسلمون، اقتلوا المسيحيين ما شئتم وشاءت لكم شراستكم ووحشيتكم، ولكن حذار أن ~~تذكروا اسم الله على هذه الذبائح البشرية، فالله سبحانه وتعالى أجل من أن يأمر بقتل ~~الأبرياء أو يرضى باستضعاف الضعفاء، فهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين. # | البخيل # سألني سائل: «ماذا يستفيد الإنسان من بخله حتى على نفسه؟ وأي غرض يرمي إليه من ذلك؟» ~~فأجبته بهذا الجواب: البخل إحدى الملكات النفسية، والملكة صفة راسخة في النفس تصدر ~~عنها آثارها عفوا بدون روية ولا اختيار، فكما لا يسأل المسرف عن سبب إسرافه، ~~والغاضب عن غايته من غضبه، والحاسد عن غرضه من حسده، كذلك لا يسأل البخيل عما ~~يستفيده من بخله وحرصه، فكثيرا ما تعرض لأرباب هذه الملكات عوارض تنزع بهم إلى ~~الرغبة عن التخلي عنها حينا، فلا يجدون إلى ذلك سبيلا، لمكان تلك الملكات من نفوسهم ~~ونزولها منها منزلة لا تزعجها الرغبات، ولا تزعزعها الإرادات. وربما عرض للبخيل ما ~~يدفعه إلى بذل شيء ms134 من ماله، فإذا وضع يده في كيسه وحاول القبض على شيء مما فيه، أحس ~~كأن تيارا كهربائيا قد سرى من نفسه إلى يده، فتشنجت أعصابها وأعيت أناملها على ~~الالتواء والانثناء، فأخرجها صفرا كما أدخلها، ووده أن لا يفعل لولا أن للغريزة قوة ~~فوق قوة الإرادة، وسلطانا تخضع له الرغبات وتنقاد إليه العقول، إلا إذا كان وراءها ~~وازع من القانون يزعها، فإنه يكسر شرتها أحيانا، وإن لم ينتزعها ~~انتزاعا. # ويحكى أن شحيحا تحركت في قلبه يوما الشفقة على ابنته الجائعة العارية، فأراد ~~نفسه على أن يبذل لها شيئا من ماله فتأبت عليه، فأذن لوكيله أن يختلس ~~لها من ماله ما يسد خلتها من حيث لا يعلمه بذلك، ولا يدعه ينتبه لشيء منه، ~~علما بأنه لا يستطيع أن يكون كما يريد. # فالوجه في السؤال أن يقال: ما هي الأسباب التي غرست ملكة البخل في نفس ~~البخيل؟ فيكون الجواب عن ذلك أن الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص البخلاء وأطوارهم ~~وأخلاقهم وتربيتهم، ونحن نذكر أهم تلك الأسباب من حيث ذاتها، بقطع النظر عن افتراق ما ~~يفترق منها واجتماع ما يجتمع: # الأول: ~~(الوراثة): وهي إن كانت سببا ضعيفا لما يعرض للأخلاق الموروثة ~~أحيانا من التغير والانقلاب، بمعاشرة المتصفين بأضدادها ~~والتأثر بمخالطتهم، إلا أنها كثيرا ما تنمو وتتجسم، إذا أغفلت ولم ~~يعترضها ما يسد سبيلها ويقف في طريق نمائها. # الثاني: ~~(التربية): إذا نشأ الطفل بين أهل أشحاء ولم يكن في فطرته ما يقاوم ~~سلطان التربية على نفسه، أخذ إخذهم في الحرص، وتخلق فيه ~~بأخلاقهم، كما يتخلق بها في العقائد والعادات من حيث لا يفكر في ~~استحسان أو استهجان، كأنما هي عدوى الأمراض التي تسري إلى الإنسان ~~من حيث لا يدري بها، ولا يشعر بسريانها. ويحكى أن رجلا دخل ~~منزلا يعرف أهله بالشح والحرص، فرأى طفلا صغيرا في يده ليمونة ~~صغيرة، فسأله إياها، فأجابه الطفل: «إن يدك لا تسعها!» # الثالث: ~~(سوء الظن بالله): ذلك أن المتدين إذا أخذت عقيدة القضاء ~~والقدر من نفسه مأخذها رسخ في قلبه الإيمان ms135 بأن لله سبحانه وتعالى ~~عينا ساهرة على عباده الضعفاء، فهو أرحم من أن يغفل شأنهم ~~ويكلهم إلى أنفسهم، ويسلمهم لصروف الليالي وعاديات الأيام، ~~فلا يلج به الحرص على الجمع، ولا يزعجه الخوف من البذل. وعلى العكس ~~منه ضعيف الإيمان ضعيف الثقة بواهب الأرزاق ومقسم الحظوظ والجدود؛ ~~فهو لسوء ظنه به لا يزال الخوف من الفقر نصب عينيه حتى يصير البخل ~~ملكة راسخة فيه. # الرابع: ~~(النكبات): كثيرا ما تحل بالإنسان نكبات تصهر قلبه وتزعج غريزته ~~عن مستقرها، ومن ذلك: النكبات التي يكون مرجعها قلة المال، كأن يقع ~~الرجل في خصومة يرى أنه لولا ضيق ذات يده لما وقع فيها، فلا يكون ~~له فكر بعد ذلك إلا في التوقي من الوقوع في أمثالها، فكلما ~~تمثلت له نكبته لج به الحرص وأغرق في المنع حتى يصير ذلك ~~غريزة فيه وخلقا له. ومن ذلك: جديد النعمة الذي ذاق مرارة الفقر ~~برهة من الزمان وتجسمت آلامه في نظره، فإنه مهما حسنت حاله ~~وأقبلت عليه الدنيا بوجهها وفاضت خزائنه بالذهب، لا تذهب من فمه تلك ~~المرارة ولا تضيع من ذاكرته آلامها، فلا يزال يملك قلبه وسواس ~~مقلق يتخيل ويريه ما لا يرى، كمن تمثل له خيال ~~الشيطان مرة في أبشع صورة وأفظع شكل، فهاله منظره، وذهب الخوف ~~الشديد برشده وطار بطائر عقله، فلا يزال يراه في كل مكان وزمان، وفي ~~حالتي الأمن والخوف، والوحشة والأنس. # الخامس اللؤم: # فإن النفس إذا خبثت طينتها ولؤم طبعها كان من أخص صفاتها ~~الحقد على الوجود بأجمعه، وبغض الخير للناس قاطبة، فكيف يمنحهم من ذات ~~يده ما يزيده ألما على ألم، وحسرة فوق حسرة، وهو لو استطاع أن ~~يكف عنهم سارية السماء ويعترض دونهم نابتة الأرض لفعل؟! # السادس سقوط الهمة: # إذا نشأ الإنسان عالي الهمة طموحا إلى المعالي محبا للذكر الحسن ~~والثناء الجميل، سهل عليه أن يبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيع ~~بذله من ذات يده أو ذات نفسه، وحب المجد أسال الذهب من خزائن ~~الأغنياء، وصير نفوس الشجعان نهبا ms136 مقسما بين شفرات السيوف وأسنة ~~الرماح؛ طلبا لسعادة الحياة بالذكر وسعادة الممات بالخلود، فمن لساقط ~~الهمة ضعيف النفس بدافع يدفعه إلى بذل المال على مكانته من قلبه ~~وامتزاج حبه به؟! أيدفعه حب الثناء وهو لا يشعر بلذته؟ أم خوف ~~المذمة وهو لا يتألم منها ولا يتذوق مرارتها؟ أم سعادة الحياة ~~وسعادة الممات، وهو لا يفهم للسعادة معنى غير ما فهمه الزبرقان ~~بن بدر حينما قنع على لسان الحطيئة من المكارم بلقمة يمضغها، ~~وحلة يلبسها؟ # السابع فساد المجتمع الإنساني: # ذلك أن كثيرا من الناس قد بلغ بهم حب المال والتعبد له أن صاروا ~~يعظمون صاحبه، لا لفائدة يرجونها أو خير يطمعون فيه؛ بل لأنه ذو ~~مال، وذو المال في نظرهم أحق الناس بالمحبة والإخلاص والإجلال ~~والإعظام، وإن لم يحصلوا منه على طائل، فلو أنهم عبدوا الله سبحانه ~~وتعالى بهذا النوع من العبادة ساعة واحدة لأصبحوا من عباده المقربين، ~~فمن ذا الذي لا يحب من البخلاء أن ينال هذه المنزلة في نفوس هؤلاء ~~المتملقين، وليس بينه وبينهم إلا الحرص الذي لا يتكلفه ولا يتعمل ~~له، والذي هو أشهى الأشياء وأكثرها ملاءمة لفطرته؛ ليزداد شرفا ~~وعزا كلما ازداد بالحرص ثراء ووفرا؟ ومن هنا قال أحد البخلاء ~~لأولاده: «يا بني، لأن يعلم الناس أن عند أحدكم مائة ألف ~~درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم!» وقال رجل لآخر: «يا ~~بخيل!» فقال له: «لا أحرمني الله بركة هذا الاسم؛ فإني لا أكون بخيلا ~~إلا إذا كنت غنيا، فسم لي المال ولقبني بما تشاء!» # هذه هي أهم الأسباب التي تألفت منها رذيلة البخل، فإن أغفلنا النظر إليها وسلمنا ~~للسائل صحة سؤاله عما يستفيده البخيل من بخله حتى على نفسه، وفرضنا البخيل مختارا ~~فيما يفعل غير مساق إلى هذا المورد الوبيل بسائق الغريزة الفاسدة، كان منال النجم ~~أقرب من تطبيق حاله على قاعدة من قواعد العقل؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب ~~فيه رغبات وشهوات مختلفة، بعضها نفسي والآخر جسدي، فهو لا يزال يتطلبها ما ms137 لم ~~يعجز عنها، فصاحب المال الكثير الذي يقنع بالشملة والمضغة، والجرعة والظلة، ~~ويحمل في كل لحظة أشد الآلام من مقاومة نزوات نفسه إلى ميولها ورغباتها، لا يمكن أن ~~يحمل حاله على محمل العجز؛ لأنه قادر، ولا على الزهد؛ لأنه ما زهد فيما لا ينفع ~~فيزهد فيما ينفع، ولا على الخوف من الفقر؛ لأن عنده من المال ما يفني الأعمار، ~~فهيهات أن يفنيه عمر واحد! ولا على الرغبة في سعادة الذرية؛ لأن محبة الأب لولده ~~لا يمكن أن تزيد على رغبته في أن يراه شريكا له في سعادته، فأما أن يشقى هو في ~~حياته ليسعد ولده بعد مماته فمما لا يقبله العقل، ولا يدخل في دائرة من دوائر ~~الفهم. فلم يبق لنا إلا أن نتوسل إلى علماء النفس أن يأذنوا لنا بالتوسع في تفسير ~~معنى الجنون حتى لا يكون مقصورا على المعربدين والهاذين، بل يكون شاملا للعابثين، ~~الذين لا يدرون ما يأخذون وما يتركون، والذين يجلبون لأنفسهم بإرادتهم واختيارهم آلاما ~~نفسية هي أشد ما يجلبه المجانين على أنفسهم بمناطحة الجدران، ومطاردة الصبيان. كما ~~نتوسل إلى علماء الشرائع أن يضعوا قانونا لاستخراج المال من خزائن المقترين، كما ~~وضعوا قانونا لحفظ المال في صناديق المبذرين؛ فإن تبذير المال يضر قوما وينفع ~~أقواما، أما حبسه فيضر صاحبه ويضر معه الناس أجمعين. # | البعوض والإنسان # جلست ليلة أمس إلى مكتبتي، وعلقت قلمي بين أصابعي، وأنشأت أفكر في الموضوع ~~الذي يجمل بي أن أكتب فيه. وتلك عادتي التي يعرفها عني كثير من خلطائي وعشرائي؛ أنني ~~لا أميل إلى الكتابة في بياض النهار، ولا أحب أن أخط حرفا على ما أحب وأرتضي إلا ~~في ظلام الليل وهدوئه. # ولا يظن المتفلسفون في اكتناه الحقائق والمولعون بالصناعة اللفظية، ~~والأنواع البديعية، أنني أريد بذلك مراعاة النظير بين سواد المداد وسواد الظلام، أو ~~أنني أترقب طلوع النجم لأتسلق أشعته إلى سماء الخيال، فكل ذلك لم يكن، وليس في الناس ~~من هو أدرى بدخيلة نفسي مني، وكل ما في المسألة أن هذه عادتي، ms138 وتلك حكايتي، ~~وكفى. # لم أكد أفرغ من التفكير في الموضوع حتى شعرت بطنين البعوض في أذني، ثم أحسست بلذعاته ~~في يدي، فتفرق من ذهني ما كان مجتمعا، وتجمع من همي ما كان مفترقا، ولم أر ~~بدا من إلقاء القلم وإعداد العدة لمقاومة هذا الزائر الثقيل. # طاردته بالمذبة فما أجدى ذلك نفعا؛ لأنه على الطيران أقوى من يميني على ~~المطاردة، وفتحت النوافذ لأخرج ما كان داخلا، فدخل ما كان خارجا، وحاولت ~~قتله فوجدته متفرقا، ولو كان مجتمعا في دائرة واحدة لهلك بضربة واحدة، ولم أر في ~~حياتي أمة ينفعها تفرقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض، فما أضعف هذا الإنسان! ~~وما أضل عقله في اغتراره بقوته، واعتداده بنفسه، واعتقاده أن في يده زمام الكائنات ~~يصرفها كيف يشاء، ويسيرها كما يهوى، وأنه لو أراد أن يذهب بنظام هذا الوجود ويأتي ~~له بنظام جديد، لما كان بينه وبين ذلك إلا أن يرسل أشعة عقله ويبتعث عزيمته، ويقتدح ~~فكرته! # يزعم ذلك وهو يعلم أنه أضعف من أن يحتال لنفسه في مدافعة أصغر الحيوان جسما وعقلا، ~~وأدناها قيمة وشأنا، بيد أنه يعلم ذلك بلسانه وفي فلتات وهمه، ولو علمه علما ~~يتغلغل في نفسه، ويتمثل في سويداء قلبه لكفكف من غلوائه، وخفض من كبريائه، ~~وعلم علم اليقين أن الإنسان العاقل والحيوان الملهم والنبات النامي والجماد ~~سواء بين يدي القوة الإلهية الكبرى التي لا ينفع معها حول ولا قوة. # علمت أني عييت بأمر هذه الحشرة الضئيلة فلذت بجانب الصبر، والصبر كما يعلم ~~إخواننا الصابرون حجة العاجز، وحيلة الضعيف، وأيسر ما يستطيع أن يدفع به دافع عن ~~نفسه ملامة اللائمين، وفضول المتطفلين، وقلت في نفسي: «لو كان البعوض يفهم ما أقول ~~لقصصت عليه قصتي، وشرحت له عذري، وسألته أن يمنحني ساعة واحدة أقوم فيها بكتابة ~~رسالتي هذه، ثم هو بعد ذلك في حل من جسمي ودمي ينزل منهما حيث يشاء، ويمتص منهما ما ~~يشاء، ولكنه ويا للأسف! لا يسمع شكاتي ولا يرحم ضراعتي، ولا يفهم معنى الرحمة، ولا ~~يعرف ms139 قيمة المروءة؛ لأنه ليس بإنسان.» # أحسب أن لدغات البعوض قد أخذت مأخذها من عقلي وفهمي، وأني قد بدأت أهذي هذيان ~~المحموم! فمن أين لي أن لو كان البعوض إنسانا كان يسمع شكاتي، ويكشف ظلامتي، أو ~~يفهم معنى الرحمة، ويعرف قيمة المروءة؟! ومتى كان الإنسان أحسن حالا من البعوض وأرحم ~~منه قلبا وأشرف غاية فأتمنى أن لو كان مكانه؟! بل من أين لي أن هذا الذي أحسبه ~~بعوضا ليس بإنسان تقمص البعوض وتمثل لي في جسمه الصغير وجناحه الرقيق؟! وأي ~~غرابة في أن أتخيل ذلك ما دام الإنسان والبعوض سواء في حب الشر والميل إلى الأذى؟! ~~وما دامت الصورة الجثمانية لا قيمة لها في جانب الأعراض الذاتية والصفات المقومة ~~للماهية. # أي قيمة لما يمتصه البعوض مجتمعا من جسم الإنسان في جانب ما يمتصه القاتل ~~منفردا من جسم المقتول؟! # إن البعوض في امتصاصه الدم من الجسم أقل من القاتل ضررا وأشرف غاية وأجمل ~~مقصدا؛ لأنه إن آذى الجسم فقد أبقى على الحياة، ولأنه يطلب عيشه، وهذا طريقه الطبيعي ~~لا يعرف سواه، ولا يستطيع أن يدير لنفسه غيره، ولو استطاع لعافت نفسه أن يكون كالإنسان ~~يتطوع للشر، ويتعبد بالضر. # إني وجدت بين الإنسان والبعوض شبها قريبا في صفات كثيرة أنا ذاكر لك طرفا منها ~~وتارك لفطنتك الباقي: البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله، فلا يزال يشرب حتى ~~يمتلئ فينفجر، فهو يطلب الحياة من طريق الموت، ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك، وهو ~~أشبه شيء بشارب الخمر، يتناول الكأس الأولى منها؛ لأنه يرى فيها وجه سروره وصورة ~~سعادته، فتطمعه الأولى في الثانية، والثانية في الثالثة، ثم لا يزال يلح بالشراب ~~على نفسه حتى يتلفها ويودي بها من حيث يظن أنه ينعشها ويجلب إليها سرورها ~~وهناءها. # البعوض سيئ التصرف في طلب العيش؛ لأنه لا يسقط على الجسم إلا بعد أن يدل على ~~نفسه بطنينه وضوضائه، فيأخذ الجالس منه حذره ويدفعه عن مطلبه أو يقتله قبل البلوغ ~~إليه، فمثله في ذلك مثل بعض الجهلة ms140 من أصحاب المطالب السياسية يطلبون المآرب ~~النافعة المفيدة لأنفسهم ولأمتهم، غير أنهم لا يكتمونها، ولا يحسنون الاحتفاظ بها في ~~صدورهم، ولا يبتغون الوسيلة إليها بين الصراخ والضجيج، ولا يمسكون بالحلقة الأولى من ~~سلسلتها حتى يملئوا الخافقين بذكرها، ويشهدوا الملأ الأعلى والأدنى عليها، ~~وهناك يدرك عدوهم مقاصدهم، فيعد لها عدتها، ويتلمس وجه الحيلة في إفسادها عليهم ~~هادئا ساكنا من حيث لا يشعرون. # البعوض خفيف في وطأته ثقيل في لذعته، فهو كذلك الصاحب الذي يسرك منظره، ويسوءك ~~مخبره، يلقاك بابتسامة هي العذب الزلال عذوبة وصفاء، والسحر الحلال جمالا وبهاء، ~~وبين جنبيه في مكان القلب صخرة لا تنفذها أشعة الحب، ولا يتسرب إليها ماء الوفاء، ~~يقول لك: إني أحبك؛ ليغلبك على قلبك، ويملك عليك نفسك، فإن تم له ما أراد سلبك مالك إن ~~كنت من ذوي المال، أو استخدم جاهك إن كنت من ذوي الجاه، فإن لم تكن هذا ولا ذاك أغراك ~~بالسير في طريق يسقط مروءتك ويثلم شرفك، فإن فاته ما يشفي به داء بطنته، لا ~~يفوته ما يطفئ به نار حقده وحسده. # لا يزال البعوض ملحا في مهاجمتي، فلا طاقة لي بكتابة سطر واحد أكثر مما كتبت، ~~والسلام. # | الجزع # يا صاحب النظرات # لي صديق سقط في امتحان «البكالوريا» هذه السنة، فأثر فيه ذلك السقوط تأثيرا ~~كبيرا، فهو لا ينفك باكيا متألما حتى أصبحنا نخاف عليه الجنون، وكلما عزيناه عن ~~مصابه يقول: «كيف أستطيع معاشرة إخواني ومعارفي؟ وكيف أستطيع مقابلة والدي وأهلي؟!» ~~فهل لك أيها السيد أن تعالج نفسه بنظرة من نظراتك التي طالما عالجت بها قلوب ~~المحزونين؟ # حقوقي # ليست المسألة مسألة صديقك وحده، بل مسألة الساقطين أجمعين، فإن المرء لا يكاد ~~يتناول نظره منهم في هذه الأيام إلا وجوها قد نسج الحزن عليها غبرة سوداء، وجفونا ~~تحار فيها مدامعها حيرة الزئبق الرجراج، حتى ليخيل إليك أن نازلة من نوازل ~~القضاء قد نزلت بهم فزلزلت أقدامهم، أو فاجعة من فواجع الدهر قد دارت عليهم دائرتها ~~فأثكلتهم ذخائر نفوسهم وجواهر عقولهم، وأقامت بينهم ms141 وبين سعادة العيش وهنائه سدا لا ~~تنفذه المعاول، ولا تنال من أيده الزلازل. # خفض عليك قليلا أيها الطالب، فالأمر أهون مما تظن وأصغر مما تقدر. واعلم - وما ~~أحسبك إلا عالما - أنك لم تسقط من قمة جبل شامخ إلى سفح متحجر فتبكي على شظية من ~~شظايا رأسك، أو دم مسفوح تدفق من بين لحييك. # إنك قد سعيت إلى غرض، فإن كنت هيأت له أسبابه وأعددت له عدته وبذلت له من ذات ~~نفسك ما يبذل مثله الباذلون في مثله، فقد أعذرت إلى الله وإلى الناس وإلى نفسك، فحري ~~بك ألا تحزن على مصاب لم يكن أثرا من آثار يديك، ولا جناية من جنايات نفسك عليك. ~~وإن كنت قصرت في تلمس أسبابه ومشيت في سبيله مشية الظالع المتقاعس، فما حزنك ~~على فوات غرض كان جديرا بك أن تترقب فواته قبل وقت فواته؟ وما بكاؤك على مصاب كان ~~خيرا لك أن تعلم وقوعه قبل يوم وقوعه؟ # ما لك تبكي بكاء الواثق بمواتاة الأيام ومطاوعة الأقدار؟! فهل تستطيع أن تبرز لنا ~~صورة العهد الذي أخذته على الدهر أن يكون لك كما تحب وتشتهي، وعلى الفلك ألا يدور إلا ~~بسعدك ولا يجري إلا بجدك، وعلى القلم ألا يكتب في لوحه إلا ما دللته عليه، وأوحيت ~~به إليه؟ # لا تجعل لليأس سبيلا إلى نفسك، فلعل الأمل يعوض عليك في غدك ما ~~خسرت في أمسك، وامض لشأنك ولا تلتفت إلى ما وراءك، فإن تم لك في ~~عامك المقبل من طلبتك ما أردت فذاك، أو لا، فما فقدت إذ فقدت إلا ورقة كان ~~كل ما تستفيده منها أن تشتري بها قيدا لرجلك، وغلا لعنقك، ثم ترتبط ~~في سجن من سجون الحكومة بجانب رئيس من الرؤساء المدلين بأنفسهم، يسومك من الذل ~~والخسف ما لا يحتمله الأسراء في سجون الآسرين. # إن اعتدادك بهذه الورقة هذا الاعتداد، وإكبارك إياها هذا الإكبار، دليل ~~على أنك كنت تريد أن تجعلها منتهى أملك وغاية همتك، وأنك لا ترى بعدها مزيدا من ~~الكمال لمستزيد. فإن صدقت ms142 فراستي فيك فاعلم أن الله قد خار لك في هذا ~~المصير وساق إليك من الخير ما لا تعرف السبيل إليه، إنه ما خيب رجاءك في هذا ~~الكمال الموهوم إلا لتطلب لنفسك كمالا معلوما، وما صرف عنك هذه الشهادة ~~المكتوبة في صفحات الأوراق إلا لتسعى وراء الشهادة المكتوبة في صفحات ~~القلوب. # إن كنت تبكي على الشرف فباب الشرف مفتوح بين يديك، لا شأن للحكومة فيه، ولا حاجب ~~لها عليه، وما هو إلا أن تجد في التزيد من العلم والمعرفة واستكمال ما ~~ينقصك من الفضائل النفسية، فإذا أنت شريف في نفسك وفي نفوس الخاصة من الناس، وإذا ~~أنت في منزلة يحسدك عليها كثير من أرباب الشهادات والمناصب، ولا حيا الله شرفا ~~يحيا بورقة ويموت بأخرى، ولا مجدا تأتي به قعدة وتذهب به قومة. وإن كنت ~~تبكي على العيش ففي أي كتاب من كتب الله المنزلة قرأت أن أرزاقه وقف ~~على الحاكمين، وحبائس على المستخدمين، وأنه لا ينفق درهما واحدا من خزائنه ~~إلا إذا جاءته «حولة» بتوقيع أمير، أو إشارة وزير؟ # أيها الطالب، قل لأبيك وأخيك وأهلك وأصدقائك ومعارفك بلا خجل ولا استحياء: إن ~~الذي وهب لي عقلي لم يسلبنيه، وإن الذي صور لي أعضائي لم يحل بيني ~~وبين الذهاب بها إلى ما خلقت له، وإن الذي خلقني سوف يهديني، فهو ~~الرزاق ذو القوة المتين. # | الاتحاد # ألمت بي كربة من تلك الكرب التي لا تزال تختلف إلي كما تختلف إلى ~~المحموم نوباته حينا بعد حين. # كربة ما كفاها أنها حبست قلمي عن الكتابة، وفكري عن الحركة حتى حالت بيني وبين ~~مطالعة الصحف، والإشراف على الأمة من نوافذها برهة من الزمان، ثم أدركتني رحمة ~~الله فاستفقت فإذا صخب ولجب وضجيج وضوضاء، وأصوات ملء الفضاء، وكظة الأرض ~~والسماء، فما هو إلا سؤال السائل وإجابة المجيب حتى عرفت كل شيء. # عرفت أن الأمة المصرية في موقف من أحرج مواقفها، ومسلك من أضل مسالكها، ~~وأنها بين ماضغي الأسد وفوق روق الظبي، وأن حوادث الدهر وعاديات الأيام قد ms143 ~~ملكت عليها سبيلها، والتفت حولها التفاف الحية بالعنق، وأحاطت بها إحاطة ~~الجامعة باليد والقيد بالرجل، فمثلها كمثل رجل أحاطت النار ببيته من كل ~~جانب وعلقت بسقوفه وجدرانه، ونوافذه وأبوابه، فما هو بناج إن أراد نجاء، ولا ~~بباق إن أراد بقاء. بل مثلها كمثل آخر ضل به سبيله واشتبهت عليه مسالكه، ~~في ليلة داجية مدلهمة قد غابت كواكبها واستسرت نجومه، فوقف وقفة الحائر ~~المضطرب، يسمع العواء والزئير، والفحيح والصفير، فلا يعلم أيقدم فيزداد ~~ضلالا؟ أم يحجم فلا يجد مجالا؟ أم يقف فيصبح فريسة المفترس ولقمة ~~المزدرد؟ # عرفت أن الأمة المصرية أصبحت لا تدري ما تريد ولا ما يراد بها، ولا تجد من ~~يرد إليها رشدها ولا من يمد يده إليها، ليأخذ بيدها في هذا الظلام الحالك ~~والليل المدلهم. # كثر رؤساؤها، وتعددت قادتها، وتنوعت مذاهبهم، واختلفت طرقهم، واستحكمت ~~حلقات البأس بينهم، فلم يتفقوا في شأن من شئون هذه الأمة على شيء إلا على ~~وضع حبل متين في عنقها قد أخذ كل منهم بطرف من طرفيه يجذبه إليه جذبة المستقتل ~~المستميت حتى بح صوتها، وضاق صدرها، وتعلقت أنفاسها، وجحظت مقلتاها، وجف ريقها، ~~وتحجر لسانها، وهم ينظرون إليها نظرة المداعب اللاعب، ولا أحسب أنهم تاركوها حتى ~~يفرقوا بين الرأس والجسد فراقا لا لقاء بينهما من بعده. # لو بعث أرسطو واضع علم المنطق من قبره، وأراد أن يضع لهذه الأمة حدا تاما ~~جامعا مانعا لما استطاع إلا أن يضع لها هذا الحد: «الأمة المصرية التي تصدق كل ~~ما يقال.» ولقد عرف منها كل أولئك اللاعبين بها والعابثين بميولها وأهوائها هذا الخلق ~~وتلك الطبيعة، وكانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد، فنفذوا من تلك الآذان اللينة إلى ~~تلك القلوب الطيبة، فما بلغوها حتى أخذوا يلعبون بها لعب الصبي بكرته، ~~ويتلقفونها واحدا بعد واحد، فهي لا ترتفع حتى تتناولها الصوالجة، ولا تستقر حتى ~~تدفعها الأقدام، كل يزعم أنه صديقها، وكل يزعم أنه يدلها على عدوها، والله يعلم ~~أنهم أعداؤها قبل الأعداء، وخصومها أكثر من الخصماء، وأن السماء بصواعقها ورجومها، ms144 ~~والأرض بزلازلها وبراكينها، أعجز من أن تبلغ منها ما بلغوه، أو تجني عليها ما جنوه! ~~فيا أيها الرؤساء والزعماء، أي خير تطلبون لهذه الأمة بعد أن فرقتموها شيعا، ~~وصيرتموها أحزابا، وقطعتم أوصالها ووشائجها، وألقيتم العداوة والبغضاء بين الرجل ~~وولده، والرجل وأخيه، والجار وجاره، والصديق وصديقه، حتى ركب كل فرد من أفرادها رأسه ~~ومضى لسبيله، وحتى تناكرت الوجوه، واستوحشت النفوس، وأصبحت ساحة البلد كساحة الحرب، لا ~~ترى فيها إلا نابا يقرع نابا، وعينا تنظر شزرا، وصدرا يغلي حقدا، وقلبا يخفق ~~خوفا وحذرا؟ # كل غرض تزعمون أنكم تسعون إليه لإبلاغ هذه الأمة أمنيتها من السعادة والهناء، لا قيمة ~~له بعدما أضعتم عليها غرضها من الاتحاد والائتلاف، بل لا سبيل لها إلى بلوغ غرض من ~~أغراضها إلا إذا كان الاتحاد قائدها إليه، ودليلها عليه. # ليس هذا التنافر بين أفراد الأمة والتفرق بين جماعاتها حالة من الحالات الطبيعية ~~التي لا بد منها ولا مناص عنها، أو حادثة من الحوادث السماوية التي تحتملها النفوس، ~~وتسكن إليها القلوب، وتطرف عليها العيون إجلالا للسماء، ورضاء للقضاء، وإنما هي صنعة ~~أيديكم، وجناية أقلامكم، ولو أنكم تركتم هذه الأمة وشأنها وخليتم بينها وبين فطرتها ما ~~كان يخطر لها ببال أن تتعادى وأن تتباغض، ولا كان يوجد بين أفرادها من تحدثه نفسه ~~بمقاطعة أخيه في سبيل صحيفة من الصحف أو حزب من الأحزاب. # عجز الاختلاف الديني بين عنصري الأمة المصرية عن أن يفرق بين أوصالها وأن يحل ~~جامعتها، وعجز الاختلاف الجنسي أن يؤثر في جامعتها تأثير أمثاله في أمثالها من ~~الجوامع الأخرى، فكان حريا أن يعجز الاختلاف السياسي عما عجز عنه الاختلاف ~~الديني والجنسي، لولا أنكم كبرتم ما صغر من هذا الاختلاف وعظمتم منه ما ~~حقر، وألححتم عليه إلحاحا شديدا حتى حولتموه إلى فتنة شنعاء وغارة شعواء. # أنا لا أطلب منكم رحمة بهذه الأمة ولا شفقة عليها، فإن قلوبا مثل قلوبكم التي تنطوي ~~عليها جوانحكم أقسى من أن ينفذ فيها سيف الضارب، أو قلم الكاتب، وإنما أريد أن أحدث ~~الأمة ms145 المصرية بكلمة، لا أريد منها أن تأخذها مني عفوا ولا أن تسلم بها قبل إنعام ~~نظرها فيها وعرضها على عقلها، فذلك ما لا أحبه لها، بل ذلك ما أنقمه منها. # أيها المصريون، إني لأكتب إليكم كلمتي هذه وليس على وجه الأرض، ولا تحت أديم السماء، ~~أمة أحب إلي منكم، وحسبكم من ذلك الحب أني أسمع بالكارثة تحل بكم والنازلة تنال ~~منكم، فيشغلني من أمركم ما لا يشغلني من أمر نفسي، وتجود عيني في سبيلكم بما لا تجود ~~بأكثر منه في أحرج مواقفها وأصعب مواطنها. # بهذا القلم الذي يستمد مداده من هذا القلب المخلص إليكم أدعوكم إلى الاتحاد ~~والائتلاف، وأن تتبايعوا بين يدي الله والوطن على الحب والود والصفاء والإخلاص، وألا ~~تجعلوا لهؤلاء المفسدين منفذا ينفذون منه إلى قلوبكم. فإن طاف بكم طائف من شياطينهم ~~فأعرضوا عنه وامضوا في سبيلكم، واحذروا أن تكونوا سيقة لرئيس أو لعبة في يد زعيم، ~~وليكن كل منكم زعيم نفسه، ومسترشد قلبه، فنفوسكم أرحب بكم، وقلوبكم أصدق في نصيحتكم، ~~فإن فعلتم ذلك نجوتم من ذل الانقياد وسلكتم سبيل الرشاد، وأصبحتم وإذا أنتم أمة واحدة ~~ترى رأيا واحدا، وتحس إحساسا واحدا. # واعلموا أن ما بينكم اليوم من الاختلاف في الرأي والاضطراب في المذهب، إنما هو وهم ~~من الأوهام الكاذبة، وخيال من الخيالات الباطلة، ولو رجعتم إلى أنفسكم وأصغيتم إلى ~~أصوات قلوبكم، لتبين لكم أنه لا يوجد فرد من أفرادكم إلا وهو أحرص من أخيه على حب ~~الوطن وإرادة الخير له. # سدد الله طريقكم، وأنار لكم سبيلكم، وأفاض عليكم من رحمته وإحسانه ما يفرج كربتكم، ~~ويكشف غمتكم، والسلام. # | النبوغ # من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها ~~وزنا، وأن ينظر إلى من هو فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق. ~~وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعليا خير ممن يخطئ في تقديرها متدليا، ~~فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أحواله وأطواره إلا ما يشاكل ~~منزلتها عنده، فتراه صغيرا في ms146 علمه، صغيرا في أدبه، صغيرا في مروءته وهمته، صغيرا ~~في ميوله وأهوائه، صغيرا في جميع شئونه وأعماله، فإن عظمت نفسه عظم في جانبها كل ~~ما كان صغيرا في جانب النفس الصغيرة. # ولقد سأل أحد الأئمة العظماء ولده، وكان نجيبا: «أي غاية تطلب في حياتك يا ~~بني؟ وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكون؟» فأجابه: «أحب أن أكون مثلك.» فقال: ~~«ويحك يا بني، لقد صغرت نفسك، وسقطت همتك، فلتبك على عقلك البواكي! لقد ~~قدرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب، فما زلت أجد ~~وأكدح حتى بلغت المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم من الشأو البعيد والمدى ~~المستحيل، فهل يسرك - وقد طلبت منزلتي - أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني ~~وبين علي؟» # كثيرا ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو الهمة، ~~فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعا، ويسمون الرجل إذا ترفع بنفسه عن ~~الدنايا وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبرا، وما التواضع إلا الأدب، ولا ~~الكبر إلا سوء الأدب؛ فالرجل الذي يلقاك متبسما متهللا، ويقبل عليك بوجهه ويصغي ~~إليك إذا حدثته، ويزورك مهنئا ومعزيا، ليس صغير ~~النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه فتواضع، والأدب أرفع ~~لشأنه فتأدب: # فتى عذب الروح لا من غضاضة # ولكن كبرا أن يقال: به كبر # فإن بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء ويترامى على أيديهم وأقدامهم ~~لثما وتقبيلا، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ويكثر من شتم ~~نفسه وتحقيرها ورميها بالجهل والغباوة ليكون متواضعا، ويبصبص برأسه بصبصة الكلب ~~بذنبه ليكون متأدبا، ويجلس في مدارج الطرق جلسة البائس المتسول، ويمشي ~~مشية الخائف المبلس، فاعلم أنه صغير النفس، ساقط الهمة، لا متواضع ولا ~~متأدب. # إن علو الهمة - إذا لم يخالطه كبر يزري به ويدعو صاحبه إلى التنطع وسوء ~~العشرة - كان أحسن ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، وليس في ms147 ~~الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم، ولأن حاجة الأمة إلى نبوغه أكثر من ~~حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون والمحترفون إلا حسنة من ~~حسناته، وأثر من آثاره، بل هو البحر الزاخر الذي تستقي منه الجداول ~~والغدران. # فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظرا يبعث في ~~قلبك الرهبة والهيبة، فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع ~~قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجن! وحذار أن يملك اليأس عليك قوتك ~~وشجاعتك فتستسلم استسلام العاجز الضعيف وتقول: من لي بسلم أصعد عليه إلى السماء ~~حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال؟ # يا طالب العلم أنت لا تحتاج - في بلوغك الغاية التي بلغها النابغون من قبلك - إلى ~~خلق غير خلقك، وجو غير جوك، وسماء وأرض غير سمائك وأرضك، وعقل وأداة غير ~~عقلك وأداتك، ولكنك في حاجة إلى نفس عالية كنفوسهم، وهمة عالية كهممهم، وأمل ~~أوسع من رقعة الأرض وأرحب من صدر الحليم، ولا يقعدن بك عن ذلك ما يهمس به حاسدوك في ~~خلواتهم من وصفك بالوقاحة أو بالسماجة، فنعم الخلق هي إن كانت السبيل إلى بلوغ الغاية، ~~فامض على وجهك ودعهم في غيهم يعمهون. # جناحان عظيمان يطير بهما المتعلم إلى سماء المجد والشرف: علو الهمة، والفهم ~~في العلم. أما علو الهمة فقد عرفته، وأما الفهم في العلم فإليك الكلمة الآتية: # العلم علمان: علم محفوظ، وعلم مفهوم؛ أما العلم المحفوظ فيستوي صاحبه فيه ~~مع الكتاب المرقوم، ولا فرق بين أن تسمع من الحافظ كلمة، أو تقرأ في الكتاب صفحة، فإن ~~أشكل عليك شيء مما تسمع فانظر إن نطق الكتاب بشرح مشكلاته، نطق الحافظ بتفسير ~~كلماته. # الحافظ يحفظ ما يسمع؛ لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين الذكي ~~والغبي، والنابه والأبله؛ لأن الحافظة ملكة مستقلة بنفسها عن بقية الملكات. وإنك ~~لترى الشيخ الفاني الذي لا يميز بين الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى ~~بكاء الطفل عليها، ms148 ويرتعد فرقا إذا سمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الشياطين، يسرد ~~لك من تواريخ شبيبته وكهولته ما لو دونته لكان تاريخا صحيحا ضخما مملوءا بالغرائب ~~والنوادر. قيل لأحد العلماء: «إن فلانا حفظ متن البخاري.» فقال: «لقد زادت نسخة في ~~البلد!» # ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ لأن من فهم معلوما ~~من المعلومات حق الفهم أشربته روحه، وخالط لحمه ودمه، ووصل من قلبه إلى ~~سويدائه، وكان إحدى غرائزه، فلا يرى له بدا من العمل به، رضي أم أبى. # لولا أن العلم الديني اليوم علم محفوظ لما وجدت في العلماء من يجمع بين اعتقاد ~~الوحدانية والتردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم أو في مقابرهم؛ يسألهم ~~المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين يحفظون قوله تعالى: # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا # من ~~يسند النفع والضرر إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه، ولا وجدت في الناس كثيرا ~~من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة النبوة والحكمة من مدح الفضائل وذم ~~الرذائل، ثم لا تجد فرقا بينهم وبين العامة في ارتكاب المنكرات والنفور من ~~الصالحات. # لو كان العلم المحفوظ علما - وهو على ما نشاهد ونعلم من سوء الأثر وقلة الجدوى - ما ~~ورد مدح العلم في كتاب ولا سنة، ولا قدسه كاتب أو ترنم بمدحه شاعر، فإذا سمعت ذكر ~~العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ، وإذا أردت أن تلقب بالعالم فلا تلقب ~~به من يحفظ بل من يفهم ما يحفظ. وآية فهم المعلوم تأثر العالم به وظهوره في ~~حركاته وسكناته، وترقرقه في شمائله ترقرق الصهباء في وجه شاربها. ولا تثق ~~بالحافظ فيما ينقل إليك، فربما مر بالمعلوم محرفا فأخذه على علاته. وأقبح ما ~~عرفنا من أطواره أنه يجمع في حافظته بين النقيض ونقيضه، والغث والثمين، والجيد ~~والزائف، فكأن ذاكرته حانوت عطار اختلطت فيها الأدوية الشافية بالعقاقير ~~السامة. # وجملة الأمر أن الحافظ البحت لا رأي له في مبحث فيسأل عن مذهب، ولا أثر ~~لمعلوماته في ms149 نفسه فيقتدى به، ولا ذوق له في الفهم فيعتمد على شرحه ~~وتأويله. # أما العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو الهمة ~~طار إلى المجد بجناحين، وكان له سبيل مختصر إلى منزلة العظماء ودرجة النابغين. والعلم ~~سلسلة طويلة طرفاها في يدي آدم أبي البشر وإسرافيل صاحب الصور، ومسائله حلقات ~~يصنع كل نابغة من نوابغ العلماء منها حلقة. ولن يبلغ المتعلم درجة النبوغ إلا ~~إذا وضع في العلم الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة. ولن ~~يسلس له ذلك إلا إذا كان علمه مفهوما لا محفوظا، ولا يكون مفهوما إلا إذا أخلص ~~المتعلم إليه، وتعبد له، وأنس به أنس العاشق بمعشوقه، ولم ينظر إليه نظر التاجر ~~لسلعته، والمحترف إلى حرفته. فالتاجر يجمع من السلع ما ينفق سوقه لا ما يغلو جوهره، ~~والمحترف لا يهمه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، أحسن أم أساء. # لا يزور العلم قلبا مشغولا بترقب المناصب، وحساب الرواتب، وسوق الآمال وراء ~~الأموال. كما لا يزور قلبا مقسما بين تصفيف الطرة، وصقل الغرة، وحسن ~~القوام، وجمال الهندام، وطول الهيام بالكأسين: كأس المدام وكأس الغرام. # | البائسات # زرت منذ أيام حاكم بلدة في منزله، فرأيت بين يديه فتاة في الثانية عشرة من ~~عمرها، بائسة عليلة، تشكو ألما في عنقها، وجرحا في ذراعها، وهما في نفسها، وتدير ~~في الحاضرين عيونا حائرة مضطربة كأنما ركبت على زئبق رجراج، فسألت: «ما شأنها؟» ~~فعلمت أن أهلها زوجوها - وهي في هذه السن وعلى هذه السذاجة - من رجل وحشي الخلق ~~والخلق، ثم زفوها إليه، فحاول أن يفترشها وهي على حالة لا تستطيع معها أن تلم ~~بفراش، فامتنعت عليه، فأراد اغتصابها فعجز؛ فضربها هذا الضرب الذي رأينا آثاره في ~~جسمها، ففرت منه إلى منزل أهلها، فنقموا منها هذا الإباء الذي سموه بلادة أو ~~غفلة، وأعادوها إلى منزل زوجها كما يعاد المجرم الفار من السجن إلى سجنه مرة أخرى. ~~وهنالك عاد زوجها إلى عادته معها، فعادت هي إلى فرارها، ms150 فعاد أهلها إلى قسوتهم ~~وجبروتهم. فلما أعياها الأمر خرجت إلى الطريق العامة هائمة على وجهها لا تعرف لها ~~مذهبا ولا مستقرا، حتى رفع إلى ذلك الحاكم شأنها بعد أيام، فآواها إلى منزله ~~ليخلصها من ذلك الموقف الذي كانت فيه بين ذراعي وجبهة الأسد. وما فرغ من هذه القصة حتى ~~رفعت إليه حادثة أخرى تشبه الحادثة الأولى من جميع وجوهها، إلا أن الزوج في هذه ~~المرة خدع زوجه عن نفسها وسقاها مخدرا فعقرها كما عقر شقي ثمود ناقته من ~~قبل. # إن المرأة المصرية شقية بائسة، ولا سبب لشقائها وبؤسها إلا جهلها وضعف ~~مداركها. # إنها لا تحسن عملا، ولا تعرف باب مرتزق، ولا تجد بين يديها سلعة تتجر بها ~~وتقتات منها إلا قلب الرجل، فإن استطاعت أن تمتلكه عاشت عيشا رغدا، أو لا، فلا مفر ~~لها من الشقاء من المهد إلى اللحد. # ودون امتلاكها هذا القلب القاسي المتحجر أهوال عظام، وعقبات لو كلف الرجل ~~على ما به من قوة وأيد وسعة حيلة أن يجتاز عقبة واحدة منها لسقط بين اليأس ~~والاستسلام. # متى بلغت الفتاة سن الزواج - سواء أكان ذلك على تقدير الطبيعة أو تقدير أولئك ~~الجهلاء؛ أولياء أمر تينك الفتاتين - استثقل أهلها ظلها وبرموا بها ~~وحاسبوها على المضغة والجرعة، والقومة والقعدة، ورأوا أنها عالة عليهم، وألا حق ~~لها في العيش في منزل لا يستفيد من عملها شيئا، وودوا لو طلع عليهم وجه الخاطب ~~يحمل في جبينه آية البشرى بالخلاص منها. # وإن قوما هذا مبلغ عقولهم من الفهم وقلوبهم من القسوة، وهذه منزلة فلذات أكبادهم ~~من نفوسهم، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفاوضوها في اختيار الزوج أو يحسنوا الاختيار ~~لها. # فإذا دخلت هذا المنزل الجديد الذي لا تعرفه ولا تعرف شأنا من شئون صاحبه، دخلت في ~~دور الجهاد العظيم بينها وبين قلب الرجل. # فإن كانت ذات جمال أو مال فقد استوثقت لنفسها وأمنت آلام الهجر وفجائع التطليق، ~~وإلا فهي تقاسي كل صباح ومساء في الحصول على الحسن المجلوب والجمال المصنوع آلاما ~~جثمانية ms151 تطفئ نور شبيبتها، وتذبل زهرة حياتها، وتلاقي في سبيل مصانعة الزوج ~~ومداراته - والبكاء في موضع الابتسام إن ابتسم، والابتسام في موضع البكاء إن بكى - ما ~~يجعل أخلاقها فضاء مملوءا بالكذب والكيد، والخبث والرياء. وهي على ذلك تنتظر من فم ~~زوجها في كل ساعة كلمة الطلاق كما ينتظر القاتل من فم قاضيه كلمة الإعدام. # ليست كلمة الإعدام من قبيل الاستعمال المجازي، فما أنس لا أنسى ليلة زرت فيها ~~صديقا لي فرأيت عند باب منزله امرأة بائسة، ليس وراء ما بها من الهم غاية، وكأنما هي ~~الخلال رقة وذبولا. ووراءها صبية ثلاثة يدورون حولها، ويجاذبونها طرف ردائها ~~فتسبل فضل مئزرها على مآقيها المقرحة رأفة بهم أن يلموا ببعض شأنها ~~فيبكوا لبكائها. فسألتها عن شأنها فأخبرتني أنها مطلقة من زوجها، وأن بيدها حكما من ~~المحكمة الشرعية بالنفقة لأولادها، وقد مر عليها زمن طويل و«الإدارة» تماطلها في ~~إنفاذه، فجاءت إلى هذا الصديق تستعين به على أمرها، ثم أخذت تشرح من حالها وحال أطفالها ~~في مقاساة الشدة، ومعالجة القوت، ما أسال شئوننا، وصعد زفراتنا، وأمسكنا له ~~أكبادنا خشية أن تصدعا. # فخففت أنا وصديقي شيئا من آلامها فانصرفت، وفي صباح تلك الليلة سمعنا أن ~~امرأة فقيرة ماتت بحمى دماغية، فسألنا عنها فعلمنا أنها صاحبتنا بالأمس، وأنها ماتت ~~شهيدة الزوجية الفاسدة. # أيها الرجل، إن كنت تعتقد أن المرأة إنسان مثلك وهبها الله مدارك مثل مداركك، ~~واستعدادا مثل استعدادك، فعلمها كيف تأكل لقمتها من حرفة غير هذه الحرفة ~~النكدة، وإلا فأحسن إليها وارحمها كما ترحم كلبك وشاتك. # إن كنت زوجا فلا تطردها من منزلك بعد أن تقضي مأربك منها، كما تصنع بنعلك ~~التي تلبسها. وإن كنت أبا فهذه فلذة كبدك فلا تضق بها ذرعا، ولا تلق بها في ~~حجر وحش ضار يأكل لحمها، ويمتص دمها، ثم يلقي إليك بعظامها. # ويا أيها المحسنون، والله لا أعرف لكم بابا في الإحسان تنفذون منه إلى عفو الله ~~ورحمته أوسع من باب الإحسان إلى المرأة. # افتحوا لها المكاتب، وابنوا لها المدارس، وعلموها ms152 من العلم ما يرفع همتها، ~~ويرقي آدابها، ومن الصناعة ما يناسب قوتها، وما يشبع جوعتها إن ~~نبا بها دهر أو تجهم لها حظ. # علموها لتجعلوا منها مدرسة يتعلم فيها أولادكم قبل المدرسة، وأدبوها ~~ليتربى في حجرها المستقبل العظيم للوطن الكريم. # | البيان # قال لي أحد الرؤساء ذات يوم: «إني لتأتيني أحيانا رقاع الاستعطاف فأكاد أهملها ~~لما تشتمل عليه من الأساليب المنفرة، لولا أن الله تعالى يلهمني نيات كاتبيها ~~وأين يذهبون، ولولا ذلك لكنت من الظالمين.» # ذلك ما يراه القارئ في كثير من المخطوطات التي يخطها اليوم كاتبوها في الصحف ~~ورقاع الشكوى والكتب الخاصة والمؤلفات العامة. # هزل في موضع الجد، وجد في موضع الهزل، وإسهاب في مكان الإيجاز، وإيجاز في ~~مكان الإسهاب، وجهل بفرق ما بين العتاب والتأنيب، والانتقام والتأديب، والاستعطاف ~~والاستخفاف، وقصور عن إدراك منازل الخطاب ومواقفه بين السوقة والأمراء، والعلماء ~~والجهلاء، حتى إن الكاتب ليقيم في الشوكة يشاكها مناحة لا يقيمها في الفاجعة ~~يفجع بها، ويكتب في الحوادث الصغار، ما يعجز عن كتابة مثله في الحوادث الكبار، ويخاطب ~~صديقه بما يخاطب به عدوه، ويناجي أجيره بمثل ما يناجي به أميره. # ذهب الناس في معنى البيان مذاهب متفرقة، واختلفوا في شأنه اختلافا كثيرا، ولا ~~أدري علام يختلفون، وأين يذهبون، وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه ~~وجوهها، ولا تتشعب مسالكها! # ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع ~~السامع تصويرا صحيحا، لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من تينك ~~الآفتين فهو العي والحصر. # جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب، فأغصوا ~~بها صدور كتاباتهم وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها، فإذا قدر ~~لك أن تقرأها وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا، وفؤادا جلدا، وجنانا يحتمل ما ~~حمل عليه من آفات الدهر ورزاياه، قرأت متنا مشوشا من متون اللغة، أو كتابا ~~مضطربا من كتب المترادفات. # وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول والتبسط في ms153 الحديث، واقعا ذلك من حال ~~الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ~~ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقتها، حتى تسف وتتبذل، وحتى ما تكاد ~~تسيغها الحلوق، ولا تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس، ~~وأن كتابتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في نفس الإنسان حينما يخلو ~~بنفسه، ويأنس بوحدته؛ فإني لا أكاد أرى بينهم من يضع فمه على أذن السامع وضعا محكما، ~~وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه وهواجس نفسه. # البيان صلة بين متكلم يفهم وسامع يفهم، فبمقدار تلك الصلة من القوة والضعف ~~تكون منزلة الكاتب من الرفعة والسقوط. فإن أردت أن تكون كاتبا فاجعل هذه القاعدة في ~~البيان قاعدتك، واحرص الحرص كله على ألا يخدعك عنها خادع فتسقط مع الساقطين. # ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغة العربية، ولا ~~أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا، قبل أن يطلع على أساليب العرب في ~~أوصافهم ونعوتهم، ومدحهم وهجوهم، ومحاوراتهم ومساجلاتهم، وقبل أن يعرف كيف كانوا ~~يعاتبون ويؤنبون، ويعظون وينصحون، ويتغزلون وينسبون، ويستعطفون ويسترحمون؟! ~~وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما ~~بين جوانحه، حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعه على صفحات قرطاسه. # إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ، وابن المقفع، والصاحب، والصابي، والهمذاني، والخوارزمي، ~~وأمثالهم من كتاب العربية الأولى، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف ~~والأسفار، فأشعر بما يشعر به المنتقل دفعة واحدة من غرفة محكمة نوافذها، مسبلة ~~ستورها، إلى جو يسيل قرا وصرا، ويترقرق ثلجا وبردا. # ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها، ولا هي بالعامية فأتفكه بهذيانها ~~ومجونها. # رأيت أكثر الكاتبين في هذا العصر بين رجلين: ~~رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف، وما يشاكلها في أساليبها من المؤلفات الحديثة ~~والروايات المترجمة، وربما كان كتاب تلك ms154 المخطوطات أحوج من قارئيها إلى الاستمداد ، ~~فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما ~~أخذها، فيدلي به آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر تشويها، وهكذا حتى لا يبقى فيها ~~من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي، ~~وطالب قصارى ما يأخذه عن أستاذه نحو اللغة وصرفها وبديعها وبيانها ورسمها وإملاؤها ~~ومفرداتها ومتونها ومؤتلفاتها ومختلفاتها وغير ذلك من آلاتها وأدواتها، أما روحها ~~وجوهرها فأكثر أساتذة البيان في المدارس علماء غير أدباء، وحاجة طالب اللغة إلى أستاذ ~~يفيض عليه روح اللغة ويوحي له بسرها ويفضي إليه بلبها وجوهرها أكثر من حاجته إلى ~~أستاذ يعلمه وسائلها وآلاتها. وعندي أن لا فرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان، ~~فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه، وحسنت آدابه، ~~كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين. # ولا يقذفن في روع القارئ أني أحاول استلاب فضل الفاضلين، أو أني أنكر على ~~فصحاء هذه اللغة ما وهبهم الله من نعمة البيان، فما هذا أردت، ولا إليه ذهبت، وإنما ~~أقول: إن عشرة من الكتاب المجيدين، وخمسة من الشعراء البارعين، قليل في بلد ~~يقولون عنه: إنه بلد اللغة العربية اليوم ومرعاها الخصيب. # وبعد، فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا مزاولة المنشآت العربية ~~منثورها ومنظومها، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج، ~~فإن رأيت أنك قد شغفت بها، وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها، وأن قد لذ لك ~~منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام، فاعلم أنك قد أخذت من ~~البيان بنصيب، فامض لشأنك ولا تلو على شيء مما وراءك حتى تبلغ من طلبتك ما ~~تريد. # ولا تحدثنك نفسك أني أحملك على مطالعة المنشآت العربية لأسلوب تسترقه، أو ~~تركيب تختلسه، فإني لا أحب أن تكون سارقا ولا مختلسا، على أنك إن ذهبت إلى ما ظننت ~~أني أذهب إليه في نصيحتك لم يكن دركك دركا، ولا ms155 بيانك بيانا، وكان كل ما أفدته ~~من ذلك أن تخرج للناس من البيان صورة مشوهة لا تناسب بين أجزائها، وبردة ~~مرقعة لا تشابه بين ألوانها، وإنما أريد أن تحصل لنفسك ملكة في البيان ~~راسخة، تصدر عنها آثارها بصورة واحدة، حتى لا يكون شأنك شأن أولئك الذين قد ~~علقت ذاكرتهم بطائفة من منثور العرب ومنظومها فقنعوا بها وظنوا أنهم قد بلغوا من ~~اللغة ما أرادوا، فإذا جد الجد وأرادوا أنفسهم على الإفصاح عن شيء من خلجات ~~نفوسهم رجعوا إلى تلك المحفوظات ونبشوا دفائنها، فإن وجدوا بينها ما يدل على المعنى ~~الذي يريدونه انتزعوه من مكانه انتزاعا، وحشروه في كتابتهم حشرا، وإلا فإما أن ~~يتبذلوا باستعمال التراكيب الساقطة المشنوعة، أو يهجروا تلك المعاني إلى أخرى غيرها لا ~~علاقة بينها وبين سابقاتها ولاحقاتها، فهم لا بد لهم من إحدى السوأتين: إما فساد ~~المعاني واضطرابها، أو هجنة التراكيب وبشاعتها. # فاحذر أن تكون واحدا منهم، أو أن تصدق ما يقولونه في تلمس العذر لأنفسهم، من ~~أن اللغة العربية أضيق من أن تتسع لجميع المعاني المستحدثة، وأنهم ما لجئوا إلى ~~التبذل في التراكيب إلا لاستحالة الترفع فيها، فاللغة العربية أرحب صدرا من أن ~~تضيق بهذه المعاني العامة المطروقة بعدما وسعت من دقائق العلوم ما لا قبل لغيرها ~~باحتماله، وقدرت من هواجس الصدور وأحاديث النفوس وسرائر القلوب على الذي عيت به ~~اللغات القادرات. # وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في ~~أرجائها، والتغلغل في أثنائها، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج ~~صدرا، ولا تشفي أواما. # وكل ما يعد عليها من الذنوب أنها لا تشتمل على أعلام لهذه الهنات ~~المستحدثة، وهو في مذهبي أقل الذنوب جرما، وأضعفها شأنا، ما دمنا نعرف وجه الحيلة ~~في علاجه بالاشتقاق إن وجدنا السبيل إليه، أو التعريب والوضع إن عجزنا عن الاشتقاق، ~~فالأمر أهون من أن نحار فيه، وأصغر من أن نقضي أعمارنا في الوقوف ببابه، والأخذ والرد ~~في شأنه، والمساجلة والمناظرة في اختيار ms156 أقرب الطرق إليه وأجداها عليه. # واعلم أنه لا بد لك من حسن الاختيار فيما تريد أن تزاوله من المنشآت العربية، فليس كل ~~متقدم ينفعك، ولا كل متأخر يضرك، ولا أحسبك إلا واقفا بين يدي هذا الأمر موقف الحيرة ~~والاضطراب؛ لأن حسن الاختيار طلبة تتعثر بين يديها الآمال، وتقطع دونها أعناق ~~الرجال. فالجأ في ذلك إلى فطاحل الأدباء الذين تعرف ويعرف الناس منهم ذوقا سليما، ~~وقريحة صافية، وملكة في الأدب، كأنها مصفاة الذهب، فإن فعلت وكنت ممن وهبهم الله ذكاء ~~وفطنة وقريحة خصبة لينة صالحة لنماء ما يلقى فيها من البذور الطيبة، عدت وبين ~~جنبيك ملكة في البيان زاهرة، يتناثر منها منثور الأدب ومنظومه تناثر الورود والأنوار ~~من حديقة الأزهار. # | السريرة # لو كشف للإنسان عن سريرة الإنسان لرأى منها ما يرى من غرائب هذا الكون وعجائبه، ~~أعمى أدركته رحمة الله بعد طول محنته فارتد بصيرا. # تتراءى لك السريرة في ظاهرها كأنها أديم السماء أو صفحة الماء، فإن بدا لك أن تكتنه ~~باطنها فإنك غير بالغ من ذلك مأربك إلا إذا استطعت أن تخترق السماء فترى ما وراءها ~~من بدائع الكائنات، وتغوص في أعماق الماء فتشاهد ما في باطنه من عجائب ~~المخلوقات. # يعجز المرء عن رؤية الهباء فيتريث ريثما تمج الشمس لعابها من نافذة غرفته، فإذا هو ~~مائج وضاء يروح ويغدو رواح السانحات، وغدو البارحات. ويعجز عن رؤية الجراثيم ~~فيستعين عليها بمنظار يصورها في نظره تصويرا يخيل إليه أنه يكاد يلمسها بيمينه، ~~ويعجز عن اكتناه السريرة فلا يجد إلى الوصول إليها سبيلا. # وقف آدم أمام باب السريرة يوم الشجرة يعالج فتحه، فاستعصى عليه، ثم وقف بنوه من ~~بعده موقفه فعجزوا عجزه، فلج بهم الشوق إليها لجاجا طار بعقولهم، وذهب بألبابهم، ~~فتراموا على أقدام المنجمين والعرافين لثما وتقبيلا، وابتدروا النصب ~~والتماثيل ركوعا وسجودا، وهاموا بزاجرات الطير والضوارب بالحصى هيام الإبل العطاش ~~بمنازل الماء، يطلبون ما وراء السريرة، والسريرة كنز مرصود لا تنجع فيه النفثات، ولا ~~تجدي معه العزائم والرقى. # إنك لترى الرجل يتلألأ ms157 جبينه تلألؤ الكوكب في جنح ليل مبرد، ويفتر ثغره عن ~~الأنوار افترار الأكمام عن الأزهار، فتحسده على نعمته وسعادته، وتتمنى أن لو منحك ~~الله ما منحه من هناء ورغد، وإن بين جنبيه - لو تعلم - هما يعتلج، وقلبا يدب ~~فيه اليأس دبيب الآجال في الأعمار، وكبدا مقروحة لو عرضها في سوق الهموم والأحزان ما ~~وجد من يبتاعها منه بأبخس الأثمان. # وإنك لترى الصديق فيعجبك منه حديثه الحلو وثغره المبتسم، ويروقك من وده كلفه ~~بك، وإعظامه لك، وإعجابه بشمائلك ومحاسنك، وتشيعه لآرائك ومذاهبك، ولو كشف لك ~~من نفسه ما كشف له منها لوددت أن لو استطعت أن تبتاع أقدام السليك ~~بجميع ما تملك يمينك، ففررت من وجهه فرارك من وجه الأسود السالخ، ووددت بجدع الأنف ألا ~~يصافح وجهك وجهه من بعدها حتى في جنة النعيم! # لولا ما أسدل الله دون السرائر من الحجب لبدلت الأرض غير الأرض، وكان للكون ~~نظام غير هذا النظام، وللتاريخ صفحات غير هذه الصفحات. # لو علم الجند أنهم لا يحاربون إلا ليضعوا «نيشانا» في صدر القائد أو جوهرة في تاج ~~الملك، وأنهم كثيرا ما يكونون مخدوعين في وقائعهم ومواقفهم بأشراك الوطنية وحبائل ~~الدين. لما دالت الدول ولا انتقلت التيجان، ولضعف ظهر الأرض عن حمل ما فوقه ~~من بني الإنسان. ولو علم جهلة المتدينين أن رؤساء الأديان كثيرا ما يشترون عقولهم ~~وأموالهم بالقليل التافه من هذه المدهشات الدينية والأحلام النفسانية، ويملئون قلوبهم ~~بالمخاوف والمزعجات ليبيعوهم الأمن والسلامة بثمن غال؛ لضعفت أصوات النواقيس، ~~وقصرت قامات المنائر، ولهلك أرباب الطيالس والقلانس جوعا وسغبا، ولأصبحت ~~حبات السبح أكسد في سوق الأديان من بعر النوق في سوق الأنعام. ولو علم ~~الابن أن أباه يحبه لما يرجو من منفعته في شيخوخته، وأنه لا يعجب إلا بنفسه في ~~إعجابه به وثنائه عليه، ولا يفخر إلا بقوة عقله وحسن تدبيره في فخره بذكائه ~~ونبوغه؛ لضعفت صلة الود بينه وبينه، ولما كانت بين حلقات الأنساب هذه الوشائج ~~وتلك الأواصر. ولو علمت الزوجة أن زوجها يحب منها جسمها ms158 أكثر مما يحب نفسها، وأنه ~~يتربص بها الدوائر ويعد ليومها الساعات والأيام؛ لما وثقت بوده، ولا ~~اطمأنت لعهده، ولما كان للمنازل سقوف تظل الأسرة والمهاد. # | زيد وعمرو # أراد داود باشا - أحد الوزراء السالفين في الدولة العثمانية - أن يتعلم العربية، ~~فأحضر أحد علمائها وأنشأ يتلقى عليه دروسها عهدا طويلا، فكانت نتيجة علمه ما ~~ستراه: # سأل شيخه يوما: «ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل يوم ~~ويقتله تقتيلا، ويبرح به هذا التبريح المؤلم؟ وهل بلغ عمرو من الذل والعجز ~~منزلة من يضعف عن الانتقام لنفسه، وضرب ضاربه ضربة تقضي عليه القضاء ~~الأخير؟!» # سأل شيخه هذا السؤال وهو يتحرق غيظا وحنقا ويضرب الأرض بقدميه، فأجابه الشيخ: ~~«ليس هناك ضارب ولا مضروب، وإنما هي أمثلة يأتي بها النحاة لتقريب القواعد من أذهان ~~المتعلمين.» فلم يعجبه هذا الجواب، وأكبر أن يعجز مثل هذا الشيخ عن معرفة الحقيقة في ~~هذه القضية، فغضب عليه وأمر بسجنه. ثم أرسل إلى نحوي آخر، فسأله كما سأل الأول، ~~فأجابه بنحو جوابه فسجنه كذلك. ثم ما زال يأتي بهم واحدا بعد واحد حتى امتلأت السجون ~~وأقفرت المدارس، وأصبحت هذه القضية المشئومة الشغل الشاغل له عن جميع قضايا الدولة ~~ومصالحها. ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد، فأمر بإحضارهم فحضروا، وقد علموا قبل ~~الوصول إليه ماذا يراد بهم. وكان رئيس هؤلاء العلماء بمكانة من الفضل والحذق والبصر ~~بموارد الأمور ومصادرها. فلما اجتمعوا في حضرة الوزير أعاد عليهم ذلك السؤال بعينه، ~~فأجابه الرئيس: «إن الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها من ~~العقوبة أكثر مما نال.» فانبسطت نفسه قليلا وبرقت أسارير وجهه وأقبل على محدثه ~~يسأله: «ما هي جنايته؟» فقال له: «إنه هجم على اسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو، ~~فسلط النحويون عليه زيدا يضربه كل يوم جزاء وقاحته وفضوله - يشير إلى ~~زيادة واو عمرو وإسقاط الواو الثانية من داود في الرسم.» فأعجب الوزير بهذا الجواب ~~كل الإعجاب، وقال لرئيس العلماء: «أنت أعلم من أقلته ms159 الغبراء، وأظلته ~~الخضراء، فاقترح علي ما تشاء.» فلم يقترح عليه سوى إطلاق سبيل العلماء المسجونين، ~~فأمر بإطلاقهم وأنعم عليهم وعلى علماء بغداد بالجوائز والصلات. # أحسن داود باشا في الأولى وأساء في الأخرى، ولو كنت مكانه لما أطلقت سبيل هؤلاء ~~النحاة من سجنهم حتى آخذ عليهم عهدا وثيقا أن يتركوا هذه الأمثلة البالية إلى أمثلة ~~جديدة مستطرفة تؤنس نفوس المتعلمين، وتذهب بوحشتهم، وتحول بينهم وبين النفور ~~من منظر هذه الحوادث الدموية بين زيد وعمرو، وخالد وبكر. # لا ينال المتعلم حظه من العلم إلا إذا استطاع تطبيقه على العمل، والانتفاع به في ~~مواضعه ومواطنه التي وضع لأجلها، ولن يستطيع ذلك إلا إذا استكثر له معلمه من الأمثلة ~~والشواهد الملائمة لقواعد ذلك العلم، وافتن له في إيرادها افتنانا يقرب إلى ذهنه ~~تلك الصلة بين العلم والعمل، ويسهل له الوصول إلى القدرة على تلك المطابقة. وإن ~~أكثر المتعلمين في مدرسة الأزهر أبعد الناس عن القدرة على المطابقة؛ لما حال بينهم ~~وبين ذلك من الوقوف عند المثل الواحد لكل قاعدة من قواعد العلم، فلو أنت أردت أحدهم ~~على أن يخرج في المنطق عن الحيوانية والناطقية، وفي النحو عن ضرب زيد عمرا وقتل ~~خالد بكرا، وفي البيان عن تشبيه زيد بالبدر، واستعارة الأظافر للمنية، وفي ~~الصرف عن فعلل وافعوعل؛ لوجدت في نفسه من الجهد والمشقة وفي لسانه من العي ~~والحصر ما يحزنك على أعوام طوال قضاها بين المحابر والدفاتر، ثم لم يحصل من بعدها ~~على طائل. # علام يتعلم الطالب النحو والصرف إن عجز عن أن يقرأ صحيحا في كل كتاب ~~وكل صحيفة؟! وعلام يتعلم علوم البلاغة إن عجز عن معرفة أسرار الكلام وأوجه ~~بلاغته، وفهم المراد من مختلفات أساليبه، وعن البيان بيانا فصيحا يضمنه ما يشاء ~~من أغراضه ومقاصده؟! وعلام يتعلم المنطق إن عجز عن التمييز بين فاسد القضايا ~~وصحيحها في كل مناحيه ومذاهبه، وإن لم يكن الموضوع الإنسان، ولا المحمول الحيوان ~~الناطق؟! # عجيب جدا أن يفهم الصانع الأمي أن العلم للعمل، فلا يتعلم النجارة إلا ms160 ~~ليصنع الأبواب والصناديق، والحدادة إلا ليصنع الأقفال والمفاتيح، وأن يجهل المتعلم ~~هذه القضية الضرورية، فلا يهمه من العلم إلا الاستكثار من المعلومات والقواعد وإن عجز ~~بعد ذلك عن التصرف فيها، والانتفاع بها في مواطنها. # ما دامت مدرسة الأزهر على هذه الحال من أسلوب التعليم العقيم، فليس بمقدور لها في ~~مستقبل الأيام أن ينبغ منها العلماء الذين تستطيع أن تنتفع بهم الأمة انتفاع أمثالها ~~بأمثالهم في مشارق الأرض ومغاربها، فويل للعلم من العلماء! # | أبو الشمقمق # إن كثيرا من الفقراء لم تمتد يد الفقر إلى رءوسهم كما امتدت إلى جيوبهم، فهم ~~يدركون كما يدرك الأغنياء ويفهمون كما يفهمون. وكما أن في أغنياء الجيوب فقراء ~~الرءوس، كذلك في فقراء الجيوب أغنياء الرءوس. # ولقد جلست في منزلي صبيحة يوم مع قوم من الماديين المستهترين الذين ملأ المال ~~فراغ أذهانهم حتى أنساهم كل شيء، وأنساهم أنفسهم قبل ذلك، فأخذوا يتجاذبون أسلاك ~~الحديث الذهبية، ما بين تاجر يعجب بصفقته الرابحة، وزارع يفخر بقلة ما أعطى وكثرة ~~ما أخذ، وآخر يعلل نفسه بكثرة الغلات وارتفاع الأسعار، والكل متفقون على أن ~~السعادة التي أظلتهم أجنحتها في هذا العهد الأخير - عهد العدل، عهد الحرية والمساواة، ~~عهد الترقي والعمران - هي أشبه شيء بسعادة المتقين في جنات النعيم. # كل هذا وأبو الشمقمق جالس ناحية يخزر طرفه، ويهز رأسه، ويصعد ~~أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من قلبه أنينا خفيا يكاد يسمع فيه السامع قول ~~الشاعر: # فيا لك بحرا لم أجد فيه مشربا # على أن غيري واجد فيه مسبحا # فما هو إلا أن قضوا لبانتهم من الكلام المملول والحديث المعاد حتى قاموا ~~يطيرون مع الآمال وراء الأموال، فأشرت إلى أبي الشمقمق أن يتخلف ففعل، فسألته: «ما ~~لك لم تشترك معنا فيما كنا فيه؟» فأجاب: «إني أكره الفضول في الحديث وقد فرق المقدار ~~بيني وبينكم في المال، فلا أشترك معكم في المقال.» فقلت: «ألا يعجبك يا أبا ~~الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة المصرية في العهد الأخير؟! وأنت ~~فرد من أفرادها، وجزء من أجزاء ms161 جسمها، فنهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة ~~كما تعلم هي الفرد المكرر والواحد الدائر، فأنت الأمة والأمة أنت.» فقال: «والله لا ~~أدري هل تكلمني بلسان الصوفية ولست بصوفي؟ أم بلغة الفلاسفة ولا أفهم للفلسفة ~~معنى؟ وكأنك تقصدني بالفرد المكرر والواحد الدائر، فإن كنت تريد أني فرد مكرر ~~كثير الأشباه والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في ~~مدارج الطرق ومعابر السبل، فقد أصبت وأحسنت. وإن كنت تريد معنى غير ذلك، فأنا لا ~~أفهم إلا كذلك، فهل لك أن تعفيني من هذه المعميات، وتزن كلامك على قدر عقلي، ~~وتحدثني فيما يتناوله سمعي وبصري؟» فقلت: «أنا لم أخرج بك عن المألوف المعروف، ولا أريد ~~إلا أن الأمة ليست في الخارج شيئا غير أفرادها، فإذا سعدت أو شقيت ~~فالسعداء والأشقياء أبناؤها، وحسبك أن ترى تقدم الأمة المصرية في ثروتها ~~وعمرانها وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها، فتسعد بسعادتها وتسر بسرورها.» ~~فقال: «إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة، ونصيبي من ذلك الارتقاء فلا أصدق سعادة ولا ~~أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة عن هوية سواي من ~~السعداء، ويدا تقصر عما يتناولونه، وبطنا لا يمتلئ بما يمتلئ به بطونهم، وما دمت لا ~~أرى واحدا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، وقميصي المخرق، ويقاسمني همي، ~~ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم، وأسر بسرورهم! وهيهات أن أفهم معنى قولك: ~~أنت الأمة والأمة أنت!» فقلت: «إن الغيث إذا نزل يسقي الخصيب والجديب، ~~والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت والحي.» فقال: كل سماء فيها هذا الغيث ~~إلا سماء مصر، فإني أراه: # كبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا # وموضع رجلي منه أسود مظلم # ما لي وللروض الذي لا أستنشق روحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكا ولا زائرا، ~~وهب أن الطرق مفروشة بالحرير والديباج لا بالحصى والمدر، فهل أبقى لي الدهر من حاسة ~~اللمس شيئا فأميز بين خشن الملمس وناعمه، ومعوج الأرض ومستقيمها. وهبني إذا مشيت ~~خضت في بحر مائج بأنوار الكهرباء، فهل يغني ذلك ms162 عني شيئا؟ وهل يكون نصيبي منه إلا ~~انكشاف سوأتي ورثاثتي لأعين الناظرين؟! ولقد حبب إلي الظلام حتى تمنيت دوامه ~~لألبس من ثوبه الطبيعي ما يكفيني مئونة الرتق والفتق، والتمزيق والترقيع. # وبعد، فما هو الارتقاء الذي تزعمه وتزعم أنه يعينني ويشملني؟ هل ترقت غرائز الإحسان ~~في نفوس المحسنين؟ وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء؟» فقلت: «نعم، أما ترى ~~الأموال التي يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية والتي ينفقها المحسنون على بناء ~~المدارس والمكاتب والمستشفيات؟» قال: «إن هذه التي تسميها مكارم لا يسميها ~~أصحابها إلا مغارم ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، والطمع ~~في الزخرف الباطل، والجاه الكاذب.» # ما لي وللمدارس والمستشفيات، وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي ~~إلا مرض الفاقة، فهل أجد في المدارس خبزا أو في المستشفيات دواء كذلك الدواء الذي ~~وصفه أحد الأطباء لرجل جائع دخل عليه وشكا إليه مرضا، فعرف سر مرضه، فأعطاه علبة وكتب ~~عليها يؤخذ منها عند اللزوم، فلما ذهب بها الفقير وفتحها وجد فيها عشرة دنانير؟ ~~«أنا رجل ضعيف البصر ضعيف القوة كما ترى، فلا قدرة لي على العمل، وعندي صبية صغار ~~ليس بينهم من يستطيع عملا أو يحسن صنعا، ولقد كان لي في الزمن الذي تذمونه ~~والعهد الذي تنقمون عليه منفسح عظيم في منازل المحسنين، ومورد نمير من ~~صدقاتهم وهباتهم، وظل ظليل من تحنن الأغنياء ورحمتهم بالفقراء ~~بالبائسين، أما اليوم فإني أبيت طاويا، وأصبح شاكيا، وأغدو راجيا، وأروح ~~يائسا.» # وهنا أرسل من جفنيه دمعة ليست بأول دمعة بلل بها رداءه، ولكنها أحر من ~~سابقاتها؛ لأنه لم يبك في غير خلوته غير هذه المرة، ثم نهض ومد يده إلي ~~مودعا، فمسحت بيميني دمعة واحدة من دموعه الكثيرات. # | دورة الفلك # أيها القصر، أين الكوكب الزاهر الذي كان يتنقل في أبراجك؟ أين النسر الطائر الذي ~~كان يحلق في أجوائك؟ أين الملك القادر الذي كان يطلع شمسا في صباحك، وبدرا في ~~مسائك؟ # أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك والقواد والجنود تخطر في عرصاتك؟ أين ms163 ~~الشفاه التي كانت تلثم ترابك، والأفواه التي كانت تقبل أعتابك، والرءوس التي كانت ~~تطرق لهيبتك، والقلوب التي كانت تخفق لروعتك؟ # أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء، ويهدر فتتلفت عيون السماء؟ أين ~~الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض، والإبرام ~~والنقض؟ # كيف استطاع الدهر أن يمد يده إلى شملك فيبدده، وجمعك فيفرقه، وسمائك ~~فيكور شموسها، وأرضك فيزعج أنيسها؟ # أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك؟ وكيف عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصد عن ~~نفسك عادية البلاء؟ # ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه # وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره # تحمل عنه ساكنوه وهتكت # على عجل أستاره وستائره # أيها السجن، حل بأرجائك اليوم ملك تضيق به الدنيا، فكيف وسعته؟ وتعجز عن ~~احتماله قلل الجبال الرواسي، فكيف احتملته؟ # رفقا به لا تزعجه ولا تحرج صدره، وضم جانحتيك عليه كما تضم على القلب حنايا ~~الضلوع، واعطف عليه عطف المرضعات على الرضيع، ارحم هذا الجلال الذاهب والعز الزائل، ~~والرأس الذي بيضته حوادث الدهور، والظهر الذي قوسته أيدي المقدور. # أيها الدهر، ألا تستطيع أن تنام عن هذا الإنسان لحظة واحدة؟ ألا تستطيع أن تسقيه كأس ~~السرور خالصة لا يمازجها كدر ولا يشوبها عناء؟ # إن كنت تريد أن تسلبه فلم أعطيته؟ وإن كنت تريد أن تعطيه فلم سلبته؟ كان خيرا له ~~ألا تعطيه حتى لا تفجعه في تلك العطية، وألا تسقيه كأس السرور حتى لا يتجرع ~~ذلك السم الذي أودعته تلك الكأس. # أيها الراحل المودع، كان ارتفاعك عظيما فوجب أن يكون سقوطك عظيما. # إنك ذقت حلاوة الحياة خالصة، فلما ذقت مرارتها جزعت وقطبت كما يجزع ويقطب ~~كل من ذاق من الشراب ما لا عهد له به، ولا قبل له باحتماله. # لا تأس على ما فاتك، فإنما كان وديعة من ودائع الدهر أعاركها برهة من ~~الزمان ثم استردها. # إنك لا تدري لعل الله أراد بك خيرا فمنحك قبل حلول أجلك فرصة من الزمان تخلو ~~فيها بنفسك، وتراجع فيها فهرس أعمالك، فإن رأيت خيرا اغتبطت، أو شرا ms164 ~~استغفرت. # قضى الله أن يقيم في كل حين لهذا العالم الغافل الراقد عبرة من العبر تزعجه من ~~رقدته، وتوقظه من غفلته، فكنت أنت عبرة هذا الدهر وموعظته. # من بات بعدك في ملك يسر به # فإنما بات بالأحلام مغرورا # | تأبين فولتير # في مثل هذا اليوم - منذ مائة عام - مات الرجل العظيم، مات الرجل الخالد، مات ~~فولتير. # ما مات فولتير حتى احدودب ظهره تحت أثقال السنين الطوال، وأثقال جلائل الأعمال، ~~وأثقال الأمانة العظمى التي عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها فحملها ~~وحده، وهي تهذيب السريرة الإنسانية، فهذبها فاستنارت فاستقام أمرها. # مات فولتير مرذولا محبوبا في آن واحد، يبغضه الماضي لأنه يجهله، ويحبه الحاضر ~~لأنه عرفه. # إن في هاتين العاطفتين - البغض والحب - سرا عظيما من أسرار المجد العظيم لذلك ~~الرجل العظيم. # كان وهو على سرير الموت محفوفا بعاطفتين مختلفتين شكلا متفقتين معنى؛ لأنهما جميعا ~~في سبيل مجده وفخاره، كان ينظر أمامه، فيسره منظر التبجيل والتعظيم من حاضره ~~ومستقبله، ويلتفت وراءه، فيطربه مشهد البغض والازدراء والحقد الذي يكنه الماضي في ~~صدره لأولئك الرجال البواسل الذين حاربوه فانتصروا عليه. # كان فولتير رجلا وأكبر من رجل، كان وحده أمة كاملة، إنه عاهد نفسه على إنجاز عمل ~~عظيم فأنجزه ولم يخلف وعده، وكأن الإرادة الإلهية المتجلية في الشرائع ~~تجليها في الطبائع، نثرت كنانة هذا المجتمع الإنساني وعجمت عيدانه، فوجدت ~~فولتير أصلبها عودا، فاختارته للقيام بالعمل الذي قام به فأتمه. # إنا أتينا هنا لفصل الخطاب في المسائل الاجتماعية، جئنا لنرفع شأن المدنية ونكرم ~~الفلسفة إكراما ينفعها ويفيدها، جئنا لنتلو على القرن الثامن عشر رأي القرن التاسع ~~عشر فيه، جئنا لنكرم المجاهدين والعاملين المخلصين، اجتمعنا لنمهد الطريق ~~للوحدة الإنسانية التي يسعى إليها العلماء والعاملون، والصناع المجدون. وجملة القول: ~~إنا ما اجتمعنا هنا إلا لنمجد العاطفة الشريفة السامية، عاطفة السلام العام. # إنا نمجد السلام حبا في المدنية وحرصا على رونقها وروائها؛ فإن السلام فضيلة ~~المدنية والحرب رذيلتها. # نحن في هذه الساعة العظيمة، في هذا الموقف الرهيب، نجثو على الركب ms165 ونعفر جباهنا ~~بين يدي الشريعة الأدبية ، ونقول للعالم الذي ينصت لسماع صوت فرنسا: «لا قوة إلا قوة ~~الضمير، ولا مجد إلا مجد الذكاء.» ذلك في سبيل العدل، وهذا في سبيل الحق. # لقد كان شأن المجتمع الإنساني قبل الثورة الفرنساوية على هذا المثال: الشعب في ~~المنزلة الدنيا، وفوق الشعب الدين والقضاء، هذا يمثله القضاة، وذاك يمثله ~~«الإكليروس» # أتدرون كيف كان الشعب؟ وكيف كان الدين؟ وكيف كان القضاء في ذلك العهد؟ كان الشعب ~~جهلا، والدين رياء، والقضاء ظلما. # إن كنتم في شك مما أقول، فإني أقص عليكم حادثتين من حوادث ذلك التاريخ أرى فيهما ~~غناء ومقتنعا: في 13 أكتوبر سنة 1761 وجد شاب مصلوبا في الطبقة الأرضية من ~~بيت في مدينة «طولوز» فهاج الشعب ولغط «الإكليروس» وبحث القضاة، فكانت النتيجة أن كان ~~الشاب منتحرا فسمي قتيلا، وكان والده بريئا فسمي قاتلا. # هكذا أراد الدين وأرادت مصلحته أن يهلك والد الفتى؛ لأنه كان بروتستانيا، ~~ولأنه كان يمنع فتاه أن يتدين بالكثلكة، إنها لجناية عظيمة جدا ينكرها الدين ~~ويحيلها العقل، ولكن هان عليهم أمرها ولم يحفلوا بالشريعتين: شريعة القلب وشريعة ~~العقل، فحكموا أن الشيخ الكبير قتل ولده الصغير. # هكذا قضى القضاء، وهكذا كانت النتيجة فاستمعوها: في شهر مارس سنة 1762 سيق إلى ~~الميدان العام شيخ أبيض الشعر - هو «جان كالاس» - ثم جرد من ثيابه وطرح على ~~دولاب العذاب، وشدت به أطرافه وترك رأسه متدليا. # ثلاثة رجال تلوثت أيديهم بدم القتيل، كاهن يحمل الصليب، وجلاد يحمل القضيب، وقاض ~~يحمل في صدره عهد القوم إليه بالتنكيل والتعذيب. # لم يكن الشيخ المسكين، وقد شق الخوف مرارته وتمشى قلبه في صدره، لينظر إلى ~~الصليب في يد الكاهن، بل إلى القضيب في يد الجلاد. # رفع الجلاد القضيب وضرب ذراع الشيخ ضربة كاسرة صاح على أثرها صيحة مؤلمة، ثم ~~أغمي عليه، فتقدم القاضي الرحيم وأمر له بالمنبهات فانتعش، فضربه الجلاد الضربة ~~الأخرى فوق الذراع الآخر، فعاد إلى صرخته وإغمائه، فعادوا إلى تنبيهه وإنعاشه، وهكذا ~~حتى تم لكل ذراع من ذراعيه ms166 ضربتان وصدعتان، فكأنما قتلوه قبل موته ثماني ~~مرات. # في الإغماء الثامن - بعد مرور ساعتين من العذب - تقدم الكاهن ومد إليه الصليب ~~ليقبله فحول وجهه عنه، وكذلك تبلغ القسوة الدينية من نفوس المتدينين، فأقبل الجلاد ~~وسدد إلى صدره الطرف الغليظ من القضيب الحديد وضربه ضربة ألصقت صدره بظهره، ~~فكانت القاضية. # على هذه الصورة مات «جان كالاس». # وما هي إلا أيام قلائل حتى عرف الناس أن الفتى مات منتحرا لا مقتولا، فحكموا ~~ببراءة الشيخ بعد أن نفذ سهم القضاء فيه، وماذا يعنيه بعد الموت أمات جانيا أم ~~بريئا؟ # أما الحادثة الأخرى فهي عبرة الشباب كما كانت الأولى موعظة الشيخوخة: بعد مضي ~~ثلاث سنين من تاريخ الحادثة الأولى، وجدوا في إيفيل - في ليلة عاصفة - صليبا عتيقا ~~أكل السوس أحشاءه حتى عاف البقاء فيه مطرحا فوق الجسر، بعد أن عاش فوق السور ~~ثلاثة قرون. # من ألقى به من أعلى السور؟ من أهانه؟ من ذا الذي دنس هذا الأثر المقدس؟ من ذا الذي ~~أجرم هذا الجرم العظيم؟ # ربما عصفت به ريح، أو عبث به عابر طريق، أو هوى به ضعف الشيخوخة وإعياء الهرم ... ~~لا لا، كل ذلك لم يكن؛ لأن الدين أبى إلا أن يوجد مجرما، هنالك أعلن مطران «إميان» ~~براءة من غفران الله ورحمته لكل مؤمن علم أو ظن أنه علم شيئا عن هذه الحادثة ~~فكتمه. # إن الحرمان في الكثلكة جريمة فظيعة قاتلة، متى أوحى به التعصب الذميم إلى ~~الجهل العظيم، كان هذا الحرمان سببا في أن القضاء عرف - أو ظن أنه عرف - أن ضابطين ~~اسم أحدهما: «لابار»، والآخر: «ديتالون»، مرا على جسر إيفيل في تلك الليلة المشئومة ~~يترنحان سكرا وينشدان نشيدا عسكريا، مرا بالجسر وأنشدا النشيد؛ فهما ~~المجرمان. وكانت المحكمة مقدس إيفيل، ولم تكن بأقل عدلا وإنصافا من مجلس ~~الكابيتول في طولوز، فأمرت بالقبض على الرجلين فاختفى ديتالون وقبض على لابار ~~وأسلم إلى القضاء، فاعترف بالنشيد وأنكر المرور على الجسر، فحكمت عليه محكمة إيفيل ~~بالإعدام، وأيد حكمها برلمان باريس، فدنت الساعة المخيفة الهائلة: ms167 لقد تفننوا في ~~تعذيب لابار وإرهاقه ليكشفوا عن سر فعلته، وعن شركائه في جريمته؛ أي جريمة ~~المرور على الجسر وإنشاد النشيد. # لقد عذبوه عذابا أليما، حتى إن الكاهن الذي جيء به ليسمع اعترافه أغمي ~~عليه حينما سمع قرقعة عظام ركبتيه. # مضى هذا اليوم وجاء اليوم الثاني وهو يوم 5 يونيو سنة 1766، وجيء بالشاب المظلوم ~~إلى ساحة إيفيل الكبرى حيث تشتعل نار العذاب وتضطرم اضطراما، فأسمعوه نص الحكم، ثم ~~بتروا يده، ثم استلوا لسانه بقابض من الحديد فاستأصلوه، ولكنهم رحموه بعد ذلك ~~فقطعوا رأسه وألقوا به في النار. # على هذه الصورة مات الشيفاليه دي لابار كما مات من قبله جان كالاس! # أحزنك هذا المنظر يا فولتير وآلم نفسك وملك عليك شعورك ووجدانك، فصحت صيحة ~~الرعب والجزع، فكانت تلك الصيحة الحجر الأول في بناء مجدك العظيم الخالد. # هنالك انبعثت نفسك إلى النزول في ميدان المجتمع الإنساني لتكف عادية ~~الظالمين، وتقلم أظفار الوحوش الضارية، وجلست في منصة القضاء لتحاكم الماضي ~~على جرائمه، وتنتصف منه للمستقبل، فانتصفت وانتصرت وكنت من المحسنين. # فيا أيها الرجل العظيم، طبت حيا وميتا. # حدثت تلك الحوادث التي ذكرتها على مشهد من المجتمع المهذب الراقي، وفي حياة ~~حافلة بالسعادة، مغتبطة بالهناء، يغدو إليها الإنسان لاهيا، وبروح ساهيا، لا يرفع ~~رأسه فيعلم ما فوقه، ولا يخفضها فيرى ما تحته. # حدث ذلك وأيام البلاط أعياد و«فرسايل» تتلألأ حسنا وبهاء، ورونقا وماء، وظرفاء ~~الشعراء مثل «سان أولاير» و«بوفلير» و«جنتيل برنار» لاهون بالغزل الرقيق والوصف ~~الجميل. # حدث ذلك وباريس تتجاهل ما يجري حولها، فاستطاع القضاء الظالم بمعونة القسوة الدينية ~~أن يمثل بالشيخ ذلك التمثيل الفظيع بذلك القضيب الحديد، وأن يستل لسان الفتى ~~لأنه أنشد الأناشيد. # كان المجتمع في ذلك التاريخ مؤلفا من قوى عظيمة هائلة، قوة البلاط، وقوة ~~الأشراف، وقوة المال، وقوة الشعب المائج المتدفع، وقوة الحكومة التي كانت أسدا على ~~الرعية ونعامة بين يدي الملك، تجثو أمامه خاضعة صاغرة، إلا أن جثيها كان على ~~جثة الشعب، وقوة الإكليروس المؤلف من الرياء الكاذب والتعصب ms168 الأعمى. # تقدم فولتير وحده وأثار حربا عوانا على هذا العالم المؤلف من تلك القوى ~~المختلفة المخيفة، ولم يره أكبر من أن ينخذل، ولم ير نفسه أصغر من أن ~~ينتصر. # أتدري ما كان سلاحه؟ ما كان له سلاح غير تلك الأداة التي تجاري العاصفة في هبوبها، ~~وتسبق الصاعقة في انقضاضها، ما كان له سلاح غير القلم، فبالقلم حارب وبالقلم ~~انتصر. # انتصر فولتير، بعد أن وقف وحده تلك المواقف المشهودة، فولتير أدار وحده رحى تلك ~~الحروب الهائلة: حرب العلم والجهل، والعدل والظلم، والعقل والهوى، والصلاح والفساد، ~~فتم على يديه الغلب للخير على الشر، وفاز فوزا مبينا. # كان فولتير قلبا وعقلا، كان له رقة الفتاة في غلالتها، وشدة الأسد في ~~لبدته. # فولتير محا الخرافات الدينية والعادات الفاسدة وأرغم أنف الكبرياء، وأذل عز ~~الرؤساء، ورفع السوقي إلى حيث لا يصل إليه ظلم القاضي وتنطع الكاهن. # علم ومدن وهذب، ولقي في سبيل ذلك من الشدائد والمحن والنفي والقهر ما ~~يكسر سورة النفس، فلم تنكسر سورته، ولم تفتر عزيمته، بل كان يلقى ~~الاستبداد بالسخرية، والغضب بالاستخفاف، والقوة القاهرة بالابتسامة المؤثرة. # أقف هنا قليلا إجلالا لابتسامة فولتير. # فولتير هو الابتسامة، والابتسامة هي فولتير. # أفضل مزايا الرجل الحكيم أن يملك نفسه عند الغضب، وكذلك كان فولتير. # كان عقله ميزان أعماله، فما غلبه حتى الغضب للحق. # كنت تراه عابسا مقطبا، فما هي إلا كرة الطرف حتى ترى فولتير الضاحك ~~المبتسم في مكان فولتير العابس المقطب. # يكاد يكون ابتسامه ضحكا لولا حزن الحكيم، وهم العاقل. كان ابتسامه كبارقة ~~السيف يرتاع لها الأعداء، ويرتاح لها الأولياء. # كان يبتسم للقوي فيخجله بتهكمه واستخفافه، وللضعيف فيسره بتحننه ~~وانعطافه. # فلنمجد تلك الابتسامة التي كانت أشعتها كأشعة الفجر تمحو الظلام وتبعث ~~الأنوار. # نعم الابتسام ابتسام أنار الطريق للعدل والحق والصلاح، وبدد ظلمات ~~التقليد! # إن ابتسامة فولتير أنشأت هذه الهيئة الاجتماعية، وزينتها بالإخاء والمودة ~~والحرية والمساواة، فنال العقل منزلته من الإجلال والإعظام، سواء أسكن القصر ~~الكبير أم الكوخ الحقير، ولبس المعلم تاج الملك فتصرف في العقائد ms169 الباطلة والعادات ~~الفاسدة والخرافات الدينية تصرف الحاكم القدير، ونشر السلام أجنحته البيضاء على ~~المجتمع الإنساني فقرت السيوف في الأغماد، وهدأت الدماء في العروق والأرواح في ~~الأجسام، وكل ذلك بفضل ابتسامة فولتير، ولسوف يأتي ذلك اليوم العظيم يوم الرحمة ~~بالضعفاء والعفو عن الخاطئين، فيبتسم فولتير في السماء ابتسامة تتلألأ بين ~~لألاء النجوم. # فلنمجد ابتسامة فولتير كل التمجيد، ولنكبرها كل الإكبار. هل كان فولتير يحلم ~~دائما فلا يستخف حلمه الغضب؟ كلا بل كان يغضب أحيانا في سبيل ~~الحق. # إن التوسط وحفظ الموازنة بين الأخلاق هو القانون العقلي للإنسان، حتى لا تهبط به ~~كفة وتعلو به أخرى، وحتى لا يهلك بين عاطفتي الحب والبغض، وإن الفلسفة هي ~~الاعتدال وإظهار الحقائق واضحة من مؤتلفات الأعمال والأقوال، ولكن أرى أن حب الحق ~~يجب أن يكون في مرتبة الغلو حتى تهب عاطفته هبوب العاصفة فتذهب بالأقذاء ~~والأقذار. # يعيش المرء بين سعادتين من حاضره ومستقبله، أما الأولى فيكفلها العدل، وأما الثانية ~~فيحرسها الرجاء والأمل؛ لذلك يحب الناس القاضي العادل، والكاهن الصالح؛ لأن الأول ~~صورة العدل، والثاني مثال الرجاء. فإذا انقلب العدل ظلما والأمل يأسا عافهما ~~الإنسان ولوى وجهه عنهما، وقال للقاضي: «لا أحب قانونك.» وللكاهن: «لا أعتقد ~~بدعتك.» وهناك يهب الفيلسوف الغيور غاضبا، فيحاكم القضاء أمام العدل، ~~والكهنوت أمام الله، وكذلك فعل فولتير فكان من المحسنين. # إن الرجل العظيم لا يظهر في المجتمع وحيدا إلا قليلا، وكلما كثر العظماء حوله ~~ارتفع شأنه وعلا ذكره، فهو كالشجرة تكون في نظر الناظر أطول في الغابة ~~الشجراء منها في التربة الجرداء؛ لأنها تكون في منبتها ومستقرها. وكان ~~فولتير في غابة من العقول الكبيرة - روسو، وديدرو، وبوفون، وبورماشه، ومونتسكيو - ~~أولئك القوم المفكرون هم الذين علموا الناس النظر في حقائق الأشياء والتفكر الموصل ~~إلى إتقان الأعمال، وعلموهم أن صلاح القلب أثر من آثار صلاح العقل، فأجادوا ~~وأفادوا. # مات أولئك القوم العظام وهوت من أفقها كواكبهم، ولقد كانوا في حياتهم جسدا ~~وروحا، أما الجسد فقد طواه القبر، وأما الروح فهي الثورة التي تركوها ms170 من ~~بعدهم. # أجل، إن الثورة روحهم الظاهر الساطع المتلألئ بحكمتهم ومبادئهم. # هم في الحقيقة أبطال الثورة المقدسة التي هي خاتمة الماضي وفاتحة المستقبل. # إنك تراهم بعين بصيرتك في كل مواقفها ووقائعها، إذا اخترقت أشعة العقل ~~حجاب المسببات ونفذت إلى الأسباب ترى في نور الثورة الساطع أن ديدرو كان ~~واقفا وراء دانتون، ورسو وراء روبسبير، وفولتير وراء ميرابو، ونجد أن أبطال الثورة ~~صنيعة أبطال الفلسفة. # إن الكلمة الأخيرة التي أنطق بها في هذا الموقف هي دعاء المجتمع البشري إلى ~~التقدم بهدوء وسكون وثبات ووقار. # قد وجد الحق ضالته التي كان ينشدها: وهي الإخاء الإنساني والتعارف النفسي، فمن ~~العبث أن تشغل القوة بعد ذلك مكانا من هذا المجتمع، فإن فعلت كان أليق الأسماء بها ~~الاستبداد. # إن المجتمع الإنساني أنكر على القوة حقها المزعوم وضاق صدره بجرائمها وآثامها، ~~فقاضاها بين يدي التمدين، ووضع بين يديه جريدة المتهمين من الرؤساء والزعماء، وأتى ~~بالتاريخ شاهدا على دعواه فقضى التمدين له عليها، وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا. # شف ثوب الرياء عما تحته، وظهرت الحقيقة بيضاء ناصعة لا غبار عليها، ولم ~~يصبح الأبطال والمجرمون في نظر الإنسان سواء. # لقد هدم التمدن تلك القاعدة الفاسدة، وهي أن الجرم العظيم أصغر من ~~الجرم الصغير، فأدرك الإنسان أن قتل الشعوب أكبر إثما وأعظم جريرة من قتل ~~الأفراد، واستكبر أن يعتبر الحرب مجدا وهو يعتبر السرقة عارا. وبالجملة عرف أن ~~الجريمة جريمة حيث حلت، وفي أي مظهر ظهرت، وأن القاتل لا يغني عنه من الله ~~شيئا أن يسمى القيصر أو يدعى الإمبراطور، ولا يخفى على الله من أمره شيء، ~~سواء ألبس تاج الملك أم قلنسوة الإعدام. # فلنصرخ بالحقيقة المقررة الواضحة، ولنحقر الحرب أشد الاحتقار. # إن الحرب المباركة لا أثر لها في الوجود. # إن منظر الدماء والأشلاء أفظع منظر. # لا يعقل أن يكون الشر طريق الخير، وأن يكون الموت وظيفة الحياة. # أيتها الأمهات الجالسات حولي، خففن من أحزانكن، فقد أوشكت يد الحرب أن تكف عن ~~اختلاس أفلاذ أكبادكن. # أن ms171 تشقى المرأة فتلد، ويغرس الزارع فيكسو الأرض بساطها الأخضر، ويجهد العامل ~~فيملأ الخزائن ذهبا وفضة، ويأتي الصانع بعجائب المصنوعات وغرائب المدهشات، حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وفاخرت السماء بنجومها وكواكبها، وذهبنا لرؤية معرضها العام، ~~وجدناه ساحة القتال! # لا، لا ... إنا لا نستطيع أن نخدع أنفسنا وننكر أن الساعة التي نحن فيها تشتمل على ~~بضع دقائق محزنة تكدر صفوها وتنتقص من سرورها. # لا تزال في مرآة السماء الصافية سحابة سوداء. # إن الشعب لم يقض كل أربه من السعادة؛ لأن الحرب لم تزل باقية. # فلنذكر عند ذكر ملوك الحرب فولتير، وجان جاك، وديدرو، ومونتسكيو، ملوك السلام، ~~ولنوجه وجهتنا إلى تلك الروح العالية، إلى تلك الحياة العظيمة، إلى ذلك الدفين المقدس، ~~إلى فولتير، ولنركع أمام قبره عسى أن يمدنا بروح منه ويهدينا إلى حظيرة السلام، فإنه ~~بعد مرور قرن على موته لم يزل في الأحياء الخالدين. # ولنقف في طريق الدماء المتدفقة لنقول للسفاكين بصوت عال: «كفى، كفى، إنها همجية! ~~إنها تشوه وجه المدنية الجميل.» # إن أسلافنا من الفلاسفة هم رسل الحق إلى البشر، فلنضرع إليهم في تذكارهم هذا أن ~~يتداركوا الفتنة قبل وقوعها، وينادوا أن الحياة ملك للإنسان، وعظيم عليه أن تسلب ~~منه، وأن التمتع بالحرية حق من حقوق العقول والأفكار. # إن النور لا أثر له بين أضواء القصور، فلنطلبه بين ظلمات القبور! # | العلماء والجهلاء # لا تحسبن أن الفلسفة الاصطلاحية مطلب من المطالب التي لا ترام، أو أن بين من ~~نسميهم العلماء ومن نسميهم الجهلاء، ذلك الفرق العظيم الذي يتصوره الناس عندما يريدون ~~التفريق بينهما وإنزالهما منازلهما، فالعلماء والجهلاء إن دققت النظر سواء، لا فرق ~~بينهما، إلا أن هؤلاء يعلمون المعلومات منظمة، وأولئك يعلمونها مبعثرة، وأن ~~هؤلاء يحسنون البيان عنها وأولئك لا يبينون. # ومن نظر إلى البصائر نظرا ثاقبا نافذا وجد أن المعاني الصحيحة والقضايا الكونية ~~المتعلقة بالخير والشر، والنفع والضر، والمسائل المنوطة بالإنسان في حياتيه ~~المادية والمعنوية، يشترك في العلم بها الناس جميعا، عامتهم وخاصتهم، كبارهم وصغارهم، ~~من نشأ منهم تحت سقوف ms172 الجامعات، ومن عاش تحت سقوف السموات؛ لأن العلم ينبوع يفوز من ~~الداخل، لا سيل يتدفق من الخارج، ولأن المعلومات كامنة في النفوس كمون النار في ~~الزند والقوة في المادة، وما وظيفة التعليم إلا استثارتها من مكامنها، وبعثها من ~~مراقدها. # وآية ذلك أنك لا تجد مثلا من أمثال العلماء التي يفخرون بها ويعدونها مظهر حكمتهم ~~وآية فلسفتهم إلا وترى في ألسنة العامة وشوارد أقوالها وأمثالها ما يرادفها ويشاكلها. ~~كما أنك لا تجد قاعدة من قواعد الحكمة، ولا قضية من قضايا الآداب والأخلاق التي ~~نعدها من ذخائر الأسفار ونفائس الأعلاق إلا وهي ملقاة تحت أقدام العامة، ومذالة ~~بين أيدي الجاهلين والأميين. # وعندي أنه لولا عجز العامة عن بيان ما يجول في خواطرهم، ويهجس في ضمائرهم من ~~المعلومات على صورة مرتبة منظمة؛ لما خيل إليهم أنهم يسمعون من الخاصة كلاما ~~عجيبا أو معنى غريبا. # وليست هذه الغبطة التي نراها تعلق بنفوسهم عندما يتلقون أحاديث الخاصة من أجل ~~أنهم علموا ما لم يكونوا يعلمون، أو أدركوا ما لا عهد لهم به من قبل؛ بل لأنهم عثروا ~~على من يترجم عن أفكارهم، ويجمع لهم شمل المعاني المبعثرة في أنحاء أدمغتهم، ولأنهم ~~وجدوا في أنفسهم لذة الأنس بأفكار تشابه أفكارهم، وآراء تشاكل آراءهم. # ولا أخشى بأسا إن قلت: إن علم العامة أفضل من علم الخاصة؛ لأنه علم خالص من ~~شائبة التكلف والتعمل، حتى إنك لتجد في بعض الأحايين بين معلومات الخاصة ومذاهبهم ~~وآرائهم ما يضحك الثكلى لغرابته وشذوذه، وما يترفع أضيق العامة ذهنا وأضعفهم فهما ~~أن يجعل له شأنا، أو يقيم له وزنا، ولأنه يعلق بالنفس ويتغلغل بين طياتها تغلغلا ~~تظهر آثاره على الجوارح. وكثيرا ما تجد بين الجهلاء من تعجبك استقامته، وبين العلماء ~~من يدهشك اعوجاجه، وإن كان صحيحا ما يقولون من أن العلم ما ينتفع به صاحبه، فكثير ~~من الجهلاء أعلم من كثير من العلماء. # فلا تبالغ في تقدير فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ولا تنظر إليهم نظرا يملأ قلبك ~~رهبة وهيبة، ولا تغل في ms173 احتقار الجهلاء وازدراء العامة والضعفاء، ولا تكن ممن ~~يقضون حياتهم أسرى العناوين وعبيد الألقاب. # وإن في اختفاء الحقائق الكونية وتنكرها، وضلال هذا العالم في مذاهبه ومراميه ~~وتفرقه مذاهب وشيعا، وركوب كل فريق رأسه، وهيامه على وجهه، ووقوف طلاب الحقيقة في كل ~~دهر وعصر في مفارق الطرق، ورءوس المسالك حيارى ينشدون فلا يجدون، ويجدون فلا يصلون، ~~لدليلا على أن الفلاسفة والحكماء والعلماء كلمات غير مفهومات، وأسماء بلا مسميات، ~~وأن حقائق الأشياء وأسرار الكائنات قد استأثر الله بعلمها، واحتجنها من دون ~~عباده، ولم يمنحهم منها إلا بلة تزيدهم وجدا كلما وجدوا بردها، وتملأ قلوبهم ~~شوقا كلما تذوقوا طعمها: # ضريبك في بني الدنيا كثير # وعز الله ربك من ضريب # وما العلماء والجهلاء إلا # قريب حين تنظر من قريب # | الرجل والمرأة # حضرة السيد المحترم # لا تعجب إن رأيت إعجابي بك ظاهرا في كل سطر من سطور كتابي هذا؛ فإنما أنا ~~أنطق بلسان كثير من العقلاء الذين يحبونك حبا جما، ويعتقدون أنك فريد في ~~أدبك، فريد في قلمك، فريد في تسامحك وتساهلك، لذلك أردنا أن نوجه إليك ~~السؤال الآتي راجين منك الإجابة عليه: لماذا نرى الهيئة الاجتماعية تحكم ~~على المرأة الفاسقة حكما صارما فتنبذها وتحتقرها، ولا تحكم بمثل هذا الحكم ~~على الرجل الفاسق مع أن جريمتهما واحدة؟ # هذا ما أردنا أن نسترشد برأيك فيه، والسلام. # سائل # يعتقد كثير من الناس أن الرجل والمرأة سواء في العقل والذكاء، وعندي أنهم أخطئوا ~~في الأولى وأصابوا في الأخرى. # تستطيع المرأة أن تجاري الرجل في سرعة الفهم وحضور البديهة، ولا تستطيع أن تجاريه ~~في الأناة والرفق والاستمساك وامتلاك هوى النفس والأخذ بفضيلة الصبر على ما تكره وعما ~~تحب. # تستطيع المرأة أن تدرك ما يدركه الرجل من الشئون والأطوار، وأن تستخرج كما يستخرج ~~المجهولات من المعلومات، ولكنها لا تستطيع أن تنتفع بمعلوماتها كما ينتفع؛ لأن بين ~~جنبيها نفسا غير نفسه، وهوى غير هواه، ولأن لها قلبا صغيرا لا يقوى على احتمال ما ~~يحتمله عقله الكبير. # يمشي الرجل وراء عقله فيهديه، ms174 وتمشي المرأة وراء قلبها فيضلها. فما وقفت معه في ~~موقف إلا سقطت بين يديه عجزا وضعفا؛ لأنه يعرف السبيل إلى قلبها، ولا تعرف السبيل ~~إلى عقله. # لا تعجب إن قلت لك: إن الذكاء غير العقل، فاللصوص والمحتالون والمزورون والكاذبون ~~والفاسقون والمنافقون أذكياء، وليس بينهم عاقل واحد؛ لأنهم يوردون أنفسهم موارد التلف ~~والهلاك من حيث لا يغني عنهم ذكاؤهم شيئا. وكثيرا ما يكون الذكاء الشديد داعية ~~الجنون، حتى إنك لا تكاد ترى ذكيا من الأذكياء إلا وترى له في شئونه وأطواره أحوالا ~~شاذة لا تنطبق على قانون من قوانين العقل ولا قاعدة من قواعد الطبيعة. # وعندي أن أكثر ما يصيب النوابغ والأذكياء من بؤس العيش وسوء الحال عائد إلى ضعف ~~في عقولهم، ونقص في تصوراتهم. وبعد، فالذكاء في رأس الإنسان كالسيف في يد الشجاع، ~~وكثيرا ما يضرب الشجاع رأس نفسه بسيفه إذا كان طائشا أهوج، لا يملك نفسه في موقف ~~من مواقف الحزن أو الغضب. # فماذا يغني المرأة ذكاؤها إذا لم يكن وراءه عقل يملكها ويصرفها، ويمسك بيدها أن ~~تعثر في جريانها واشتدادها بعقبة من عقبات هذه الحياة؟ # سيثقل هذا الحكم على نفوس النساء ونفوس الرجال الذين يجاملونهن، ولكن ماذا ~~أعمل وبين يدي برهان قاطع ليس في استطاعتهن أن ينازعنني فيه مع شدة ذكائهن، ولا في ~~استطاعة أنصارهن من الرجال أن ينقضوه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا! # لولا أن الرجل أعقل من المرأة ما كان له عليها هذا السلطان وذلك الغلب، ولا ~~استطاع أن يقودها وراءه كما يقاد الجنيب، ولا أن يملك عليها أمر فقرها وغناها، ~~وحبسها وإطلاقها، وحجابها وسفورها، ويستأثر من دونها بوضع القوانين والشرائع الخاصة بها ~~من حيث لا ترى في نفسها قوة لدفعها والخروج عليها. # القوي يملك على الضعيف بحكم الطبيعة كل شيء حتى نفسه وهواه، وكذلك كان شأن ~~الإنسان مع الحيوان وشأن الرجل مع المرأة. # الإنسان نوع من أنواع الحيوان، لم يكن في مبدأ خليقته خيرا منها في شأن من شئون ~~الحياة، ولكنه كان أوفر منها عقلا ms175 وأوسع حيلة، فما زال يطلب لنفسه الغاية التي تناسب ~~استعداده وفطرته حتى أصبح سيد الحيوان، فمدن المدن ومصر الأمصار وشاد وبنى، ~~وتأنق وترفه، ثم طرد صاحبه إلى تلال الرمال، ورءوس الجبال، يأكل بعضه بعضا. والرجل ~~أخو المرأة وقسيمها في الرحم والمهد، والأبوة والأمومة، والقومة والقعدة، والنومة ~~واليقظة، ولكنه وجد في نفسه فضلا من قوة العقل والتدبير عليها، وكان ظالما خشن النفس ~~قاسي القلب، فأبى إلا أن يأسرها ويغلبها على أمرها، ويملك عليها جسمها ونفسها، ~~فتم له ما أراد. # ملك عليها جسمها؛ لأنه حجبها عن النور والهواء فأذعنت، وملك عليها نفسها؛ لأنه ~~ألقى في روعها أن ذنبها في الفسق المشترك بينه وبينها أكبر من ذنبه، وأن جريمتها ~~ضعف جريمته فصدقت، وطلب منها أن تسلم إليه الأمر في تدبير شئونها والتصرف ~~بأموالها فسلمت، وأصبحت تنظر إلى هذه القوانين الجائرة التي وضعها لها، والاعتبارات ~~الفاسدة التي اعتبرها بالنسبة إليها - كما ينظر إليها هو - بعين الإجلال ~~والإعظام. # يخدع الرجل المرأة عن شرفها فيسلبها إياه، فإذا سقطت هاج المجتمع الإنساني عليها ~~وملأ قلبها هولا ورعبا، وأوسع نفسها تقريعا وتأنيبا من حيث لا تطير على الرجل ~~شرارة واحدة من هذه النار المتأججة؛ لأنه هو الذي وضع هذا القانون وتلك الشريعة، وما ~~كان له أن يقصر في مجاملة نفسه ومحاباتها؛ لأنه شره طماع محب لذاته، ولا أن ~~يعدل في القضاء في قضية غيره؛ لأنه ظالم جبار. # ولو كان للمرأة ما للرجل من قوة العقل لاستطاعت أن تحجبه في المنزل، وأن تتولى ~~شأنه، وأن تعبث بعقله، فتعظم جريمته وتصغر جريمتها في عينه، وأن تنفذ إلى قلبه ~~فتلعب به لعب الصبي بالكرة، وأن تحدثه فيصدق، وتأمره فيأتمر، وأن تسن له القوانين ~~الجائرة والشرائع الفاسدة فيؤمن بها إيمانه بالإله المعبود، كما صنع هو بها في جميع ذلك ~~فبلغ منها ما أراد. # لا أريد أن هذا الفرق في القوة العقلية بين الرجل والمرأة يمنحه هذا الحق في ظلمها ~~وغلبتها على حقها؛ بل أريد أن هذا الفرق هو سبب ذلك السلطان القاهر، ms176 والحكم ~~الجائر. # وجملة القول: إن حكم المجتمع الإنساني بإدانة المرأة الزانية وبراءة الرجل الزاني ~~حكم ظالم، ولو أنه أنصفهما لعرف فرق ما بينهما في القوة العقلية، فجعل عقاب الرجل ~~القوي المهاجم فوق عقاب المرأة الضعيفة المدافعة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لأن رجاله ظلمة ~~جائرون، ولأن نساءه ساذجات ضعيفات، يصدقن الرجال في أقوالهم، وينظرن إلى ~~المستحسنات والمستهجنات بأنظارهم، فإن أردنا أن تنال المرأة حقها من الرجل وأن تنتصف ~~منه، فليس سبيلها إلى ذلك المغالبة والمصارعة، فإنها أضعف منه جسما وعقلا، بل السبيل ~~إليه أن نعلمها العلم لتعرف كيف تستعطفه وتسترحمه، وكيف تحمله على إجلالها ~~وإعظامها، وأن نعلمه كذلك ليستطيع أن يكون شخصا كريما، وإنسانا ~~رحيما. # | الدعوة # ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيا إلى ترك ضلالة من ~~الضلالات إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها، ولا يخبو أوارها، حتى تهلك تلك ~~الضلالة أو يهلك دونها. # ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس ~~سلب الأجسام أرواحها بأقرب منالا من سلب النفوس غرائزها وميولها. # لا يضن الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وإنه ~~ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء ولا ~~تمزقت الأشلاء في مواقف الحروب البشرية من عهد آدم إلى اليوم، إلا حماية للمذاهب ~~وذودا عن العقائد. # لذلك كان الدعاة في كل أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزءوها في ذخائر ~~نفوسها، ويفجعوها في أعلاق قلوبها. # الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي ~~يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها. # الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين أو ~~ضالين أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون. # الدعاة الصادقون يعلمون أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # عاش بين أعدائه ساحرا كذابا، فلما ~~مات مات سيد المرسلين. وأن الغزالي عاش ms177 متهما بالكفر والإلحاد ومات حجة ~~الإسلام، وأن ابن رشد عاش ذليلا مهانا حتى كان الناس يبصقون عليه إذا رأوه، ومات ~~فيلسوف الشرق، فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياء وأمواتا. # سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنا، ولا تسمع ~~له قولا؟ إنه يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته، فيكون أجهل الناس وأحمق الناس. # هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألم بنفوس كثير من ~~العلماء فأسكت ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، ~~فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون؛ فجمدت ~~الأذهان وسكنت المدارك، وأصبحت العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه ~~الهواء. # الجهل غشاء سميك يغشى العقل، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدا ~~رويدا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه ~~انكشف له الغطاء فرأى النار نورا، والألم لذة وسرورا. # لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق في ميدان؛ لأن الحق وجود والباطل عدم، وإنما يصرعه ~~جهل العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه. # محال أن يهدم بناء الباطل فرد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون في عصور ~~متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرا، ~~والثالث آخر، وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر. # الجهلاء مرضى والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي ~~فرارا من إزعاج المريض، أو خوفا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبه وشتمه، فإنه سيكون ~~غدا أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه. # وبعد، فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبا إليها إلا إذا كان خائنا في ~~دعوته، سالكا سبيل الرياء والدهان في دعوته، وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها ~~إلا بعد أن تتجرع مرارة دوائه، وتشعر بحلاوة الشفاء بعد مرارة ذلك الدواء. # الدعاة في ms178 هذه الأمة كثيرون، ملء الفضاء، وكظة الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد ~~بينهم داع واحد؛ لأنه لا يوجد بينهم شجاع. # أصحاب الصحف، وكتاب الرسائل، والمؤلفون، وخطباء المجامع، وخطباء المنابر، كلهم يدعون ~~إلى الحق، وكلهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد ~~بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرا، أو يلاقي في طريقها شرا. # رأيت الدعاة في هذه الأمة أربعة: رجل يعرف الحق ويكتمه عجزا وجبنا، فهو ساكت ~~طول حياته، لا ينطق بخير ولا شر. ورجل يعرف الحق وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة ~~والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرا له لو صنع ~~ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المر في «برشامة» ليسهل تناوله ~~وازدراده. ورجل لا يعرف حقا ولا باطلا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء ~~في مسيرها، فيدعو إلى الخير والشر، والحق والباطل، والضار والنافع في موقف واحد، فكأنه ~~جواد امرئ القيس الذي يقول فيه: # مكر مفر مقبل مدبر معا # ورجل يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد، وهو أخبث الأربعة ~~وأكثرهم غائلة؛ لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة في ~~سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنه يوردها موارد التلف والهلاك باسم الهداية ~~والإرشاد. فليت شعري، من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها ~~وهداها؟! # ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلاءها! فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة ينيرون ~~لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري، ~~متى يتعلمون؟ ثم متى يرشدون؟! # | الجزء الثاني # | الحياة الذاتية # أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوسهم؛ أي إنهم لا يتحركون ولا ~~يسكنون ولا يأخذون ولا يدعون إلا لأن الناس هكذا يريدون. # حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنية مدخلة في حياة الناس، فلو فتش عنها ~~لا يجد لها أثرا إلا في عيون الناظرين، أو آذان السامعين، أو أفواه المتكلمين. # يتمثل لي ms179 أن الإنسان لو علم أن سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدا في هذا ~~العالم لا يجد بجانبه أذنا تسمع صوته، ولا عينا تنظر شكله، ولا لسانا يردد ذكره، ~~لآثر الموت على الحياة، عله يجد في عالم غير هذا العالم من آذان الملائكة، أو ~~عيون الجنة مقاعد يقتعدها، فيطيب له العيش فيها. # إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين، فأي مانع يمنعني من القول بأن ~~تلك الحياة التي نحسبها متكثرة في هذا العالم حياة واحدة يتفق جوهرها، وتتعدد ~~صورها كالبحر المائج نراه على البعد فنحسبه طرائق قددا، ونحسب كل موجة من أمواجه ~~قسما من أقسامه، فإذا دنونا منه لا نرى غيره، ولا نجد لموجة من أمواجه حيزا ثابتا، ~~ولا وصفا معينا. # لا حي في هذا العالم حياة حقيقية إلا ذلك الشاذ الغريب في شئونه وأطواره وآرائه ~~وأعماله، الذي كثيرا ما نسميه مجنونا، فإن رضينا عنه بعض الرضا في بعض الأحايين ~~سميناه فيلسوفا، ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولي شأن الإنسان وتغيير نظاماته ~~وقوانينه، وينتقل به من حال إلى حال بما يقلب من عاداته، ويحول من أفكاره. # أي قيمة لحياة امرئ لا عمل له فيها إلا معالجة نفسه، وتذليلها على الرضا بما يرضى ~~به الناس، فيأكل ما لا يشتهي، ويصدف نفسه عما تشتهي، ويسهر حيث لا يستعذب طعم ~~السهر، وينام حيث لا يطيب له المنام، ويلبس من اللباس ما يحرج صدره، أو يقصم ظهره، ~~ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه ويأكل أحشاءه، ويقف على ما يكره، ويمشي إلى ما لا يحب، ~~ويضحك لما يبكي، ويبكي لما يضحك، ويبتسم لعدوه، ويقطب في وجه صديقه، وينفق في ~~دراسة ما يسمونه علم آداب السلوك؛ أي علم الدهان والملق زمنا لو أنفق عشر ~~معشاره في دراسة علم من علوم الحقيقة، لكان نابغته المبرز فيه؛ حرصا على رضاء ~~الناس وازدلافا إلى قلوبهم. # ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركبة في غرائز الناس، فلو لم يذوقوها لما ~~طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها ms180 عليهم إلا كلف تاركيها برضاء شاربيها. وما كان ~~الترف خلقا من الأخلاق الطبيعية للإنسان، ولكن كلف المتقشفون برضاء المترفين ~~فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل من شقاء العيش وبلائه وأثقال الحياة ومؤنها ما ~~نغص عليهم عيشهم، وأفسد عليهم حياتهم، وإنك لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب، ~~ويعلم ما يأخذ وما يدع، يبيع منزله في نفقة المأتم، وأثاث منزله في نفقة العرس، فلا ~~تجد لفعله تأويلا إلا خوفه من سخط الناس واتقاءه مذمتهم، وكثيرا ما قتل الخوف من سخط ~~الناس والكلف برضاهم ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، فكم رأينا من ذكي يظل ~~طول حياته خاملا متلففا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه مخافة هزء ~~الناس وسخرهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط ~~الساخطين ونقمة الناقمين. # وما أعجبت برجل في حياتي إعجابي بأديب من أدباء هذه الأمة من الذين يملئون الصدور ~~والأسماع، يرمي بالرسالة من رسائله في الصحيفة من الصحف، ثم يمضي لسبيله قدما فلا ~~يمشي وراءها مشية المتسمع المتجسس ليعلم ما رأي الناس فيها، وما حديثهم عنها، ~~وهل سخطوا عليها أو رضوا بها؟! ولا يمشي متنقلا في المجامع والأندية سائلا عنها كل ~~غاد ورائح ليجد خيرا فيضحك ويستبشر، أو شرا فيبكى ويبتئس؛ بل كثيرا ما رأيته يسمع ~~حديث الناس عنه في حالي رضاهم وسخطهم ساكنا هادئا كأنما يحدثون غيره ويعنون سواه، ~~حتى كدت أتخيل ألا فرق عنده بين أحسنت وأجدت، وأسأت وأخطأت، بل ~~قلما رأيته - على كثرة لصوقي به وتفقدي مواقع سمعه وبصره - يقرأ ما تكتبه الصحف عنه، ~~وما تعلقه على آرائه في رسائله من مدح أو ذم، حتى كدت أحمل تلك الحالة الغريبة ~~من أمره على البله والغفلة، أو العظمة والكبرياء، لولا أني فاتحته مرة في ذلك ~~وسألته: «لم لا تحفل برأي الناس فيك؟ ولم لا تقرأ ما يكتبون عنك؟» # فأجاب: «إنني ما أقدمت على الكتابة للناس في إصلاح شئونهم، وتقويم معوجهم إلا بعد أن ~~عرفت أني أستطيع أن أنزل منهم ms181 منزلة المعلم من المتعلم. # والناس خاصة وعامة : أما خاصتهم فلا شأن لي معهم، ولا علاقة لي بهم، ولا دخل لكلمة ~~من كلماتي في شأن من شئونهم، فلا أفرح برضاهم ولا أجزع لسخطهم؛ لأني لم أكتب لهم، ولم ~~أتحدث معهم، ولم أشهدهم أمري، ولم أحضرهم عملي، بل أنا أتجنب جهد المستطيع ~~أن أستمع منهم كل ما يتعلق بي من خير أو شر؛ لأني راض عن فطرتي وسجيتي في اللغة ~~التي أكتب بها، فلا أحب أن يكدرها علي منهم مكدر، وعن آرائي ومذاهبي التي ~~أودعها رسائلي، فلا أحب أن يشككني فيها منهم مشكك، ولم يهبني الله من قوة الفراسة ما ~~أستطيع أن أميز به بين مخلصهم ومشوبهم فأصغي إلى الأول لأستفيد علمه، وأعرض عن ~~الثاني لأتقي غشه، فأنا أسير بينهم مسير رجل بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ ~~منها في ساعة محدودة، ثم علم أن على يمين الطريق الذي يسلكه روضة تعتنق أغصانها، ~~وتشتجر أفنانها، وتغرد أطيارها، وتتألق أزهارها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده، ~~وتعوي ذئابه، وتفح أفاعيه وصلاله، فمشى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو ~~عن غايته بشهوات سمعه وبصره، ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع ~~المقعية، والصلال الناشرة فتعترض دون طريقه. # وأما عامتهم فهم بين ذكي قد وهبه الله من سلامة الفطرة وصفاء القلب ولين الوجدان ما ~~يعده لاستماع القول واتباع أحسنه، فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حيل بينه وبين ~~نفسه فهو لا يرضى إلا عما يعجبه، ولا يسمع إلا ما يطربه، فأكل أمره إلى الله وأستلهمه ~~صواب الرأي فيه، حتى يجعل له من بعد عسر يسرا. فأنا أكتب لا لأعجب الناس، بل ~~لأنفعهم، ولا لأسمع منهم: «أنت أحسنت»؛ بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبت، فلو أن هذه ~~العشرة الملايين التي يحتضنها هذان الجبلان أجمعت أمرها على الإعجاب بي والرضاء ~~عني، ثم رأيت من بينها رجلا واحدا ينتفع بما أقول لكان الواحد المستفيد آثر في نفسي ~~من الملايين المعجبين. # أتدري ms182 لم عجز كتاب هذه الأمة عن إصلاحها ؟ لأنهم يظنون أنهم لا يزالون حتى اليوم ~~تلاميذ في المداس، وأنهم جالسون بين أيدي أساتذة اللغة يتلقون عنهم دروس البيان، فترى ~~الواحد منهم يكتب وهمه المالئ قلبه أن يعجب اللغويين، أو يروق المنشئين، أو يطرب ~~الأدباء، أو يضحك الظرفاء. ولا يدخل في باب أغراضه ومقاصده أن يتفقد المسلك الذي ~~يريد أن يسلكه إلى قلوب الناس الذين يقولون إنه يعظهم، أو ينصح لهم، أو يهذبهم، أو ~~يثقفهم؛ ليعلم كيف ينفذ إلى نفوسهم، وكيف يهجم على قلوبهم، وكيف يملك ناصية عقولهم، ~~فيعدل بها عن ضلالها إلى هداها، وعن فسادها إلى صلاحها، فمثله كمثل الفارس ~~الكذاب، الذي تراه كل يوم حاملا سيفه إلى الجوهري يرصع له قبضته، أو الحداد ~~ليشحذ له حده، أو الصيقل ليجلو له صفحته، ولا تراه يوما في ساحة الحرب ~~ضاربا به. # قد يكون الولع برضاء الناس، والخوف من سخطهم مذهبا من مذاهب الخير، وطريقا من طرق ~~الهداية للضال عنها لو أن الفضيلة هي الخلق المنتشر فيهم والغالب على أمرهم؛ بل لو ~~كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ذاتها من حيث هي لا من حيث ~~تشخصها في أفعال الناس وأقوالهم، فإذا استوثق منها، وعلم أنها قد خالطت قلبه، ~~وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانا يزن به أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال ~~الناس وأفعالهم، ثم لا يبالي بعد ذلك أرضوا عنه أم سخطوا عليه، أو أحبوه أم ~~أبغضوه، فإنما يبكي على الحب النساء. # | العبرات # كنت أغبط نفسي على التجلد والصبر، وأحسبني قادرا على الاستمساك في كل رزء ~~مهما جل شأنه وعظم وقعه، فلما مات مصطفى كامل علمت أن من الرزايا ما لا يطاق ~~تجرعه، ولا يستطاع احتماله. # كل يوم نرى الموت، ولا نزال نعد الموت غريبا، هيهات! لا غرابة في الموت، ولكن ~~الغريب موت الغريب. # كل يوم تمر بنا قوافل الموتى فلا نأبه لها، وأكبر نصيبها منا الحوقلة والاسترجاع، ~~فلما مرت قافلة مصطفى كامل، دهشنا وجزعنا؛ لأنه كان غريبا ms183 في حياته، فأحرى أن يكون ~~غريبا في مماته. # مات مصطفى كامل فعرفنا الموت، وما كنا نعرفه قبل ذلك؛ لأننا ما كنا نرى إلا أمواتا ~~ينقلون من ظهر الأرض إلى باطنها، أما مصطفى كامل فكان حيا حياة حقيقية، فكان ~~موته كذلك. # لا يحسب الكاتبون أنهم صنعوا شيئا إذا بذلوا لذلك الفقيد العظيم قطرة من الدمع، أو ~~قطرة من المداد، فإنه كان يبذل لهم ماء حياته قطرة قطرة حتى أفناه ومضى لسبيله، ~~فشتان ما بين صنيعهم وصنيعه! # أين قطرات الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم، أو قطرات المداد التي يرصع بها ~~الكتاب أقلامهم، من قطرات الحياة التي أراقها مصطفى كامل في سبيل وطنه وأمته؟! # كان مصطفى كامل سراجا كبير الشعلة، وكل سراج تكبر شعلته يفرغ زيته وشيكا، وتحترق ~~ذبالته فينطفئ نوره. # كان مصطفى كامل نشطا سريع الحركة، فقطع جسر الحياة في لحظة واحدة. # كان الوطنيون قبل اليوم يتكلمون، فلما جاء مصطفى كامل علمهم كيف يصيحون، فلما صاحوا ~~وأسمعوا عرفوا أن آذان السياسة لا يخترقها إلا الصوت الجهوري، ولولاه ما كانوا ~~يعرفون. # كان الوطنيون يحتقرون أنفسهم ويسيئون الظن بها، فلا يصدقون أن تربة مصر تنبت ~~أمثال فولتير وهوجو وغاريبالدي وواشنطون، فلما نبغ بينهم مصطفى كامل عرفوا أن تربة ~~مصر لا تختلف كثيرا عن تربة أوروبا لو تعهدها الزارعون. # كان لمصطفى كامل أنامل أشبه شيء بريشة الموسيقار يضرب بها على أوتار القلوب، وكأنما ~~كان بينه وبينها سلك كهربائي، فهي تتحرك بحركته، وتسكن بسكونه. # ما كان مصطفى كامل أذكى الناس، ولا أعلم الناس، ولا أعقل الناس، ولكنه كان أشجع ~~الناس، كان يفكر فيقتنع، فيصمم، فيمضي، فلا ينثني حتى الموت. كان يخطئ أحيانا في ~~اتخاذ الوسائل إلى آماله، ولكنه ما كان يتمهل كثيرا ليتبين أي طريق يأخذ، ولا ~~أي مسلك يسلك. مخافة أن تفتر همته بين الأخذ والرد، فيكون خطؤه في قعوده أكثر من ~~خطئه في جهاده. # كان له منافسون يرمونه بالخفة والطيش، ويقولون له: إنك مخطئ أو مضر، أو غير ~~محسن، أو غير عظيم، فما ms184 كان يصدق من ذلك شيئا، كأنما كان ينظر بعين الغيب إلى هذا ~~اليوم الذي اتفق فيه أصدقاؤه وأعداؤه وخصومه وأولياؤه أنه رجل عظيم. # ما كان مصطفى كامل من الأغنياء، ولا من بيت الملك، وما كان آمرا ولا ناهيا، ولا ~~رافعا ولا خافضا، ولكنه لقي من إجلال الناس لموته وإعظامهم لمصيبته ما لم يلق واحد ~~من هؤلاء، ولا فضل لهم في ذلك عليه، فهو الذي علمهم كيف يحترمون العقول، ~~ويجلون المناقب والمزايا. # فيا أيها القارئ الكريم، إن كان لك ولد تحب أن تجعله رجلا، فاجعل بين يديه حياة ~~مصطفى كامل ليتعلم منها الشجاعة والإقدام. # ويا أيها المصري، كن أحرص الناس على وطنيتك، ولا تبغ بها بدلا من عرض الدنيا ~~وزخرفها، فإنك إن فعلت كنت مصطفى كامل. # ويا أيها الإنسان، أقدم على عظائم الأمور ولا تلتفت يمنة ولا يسرة، واخترق بسيف ~~شجاعتك صفوف المعترضين والمنتقدين والمتهكمين، فإنهم سيعترفون بفضلك ويسمونك ~~عظيما، كما سموا مصطفى كامل. # ويا أيها الراحل المودع، إن بين جنبي لوعة تعتلج لفراقك لا أعرف سبيلا إلى ~~التعبير عنها إلا القلم. # هأنذا أعالج القلم علاجا شديدا على أن يسعفني بحاجتي، وهأنذا أقلبه ظهرا لبطن ~~وأكثر من استمداده وأضغط به على القرطاس ضغطا شديدا، فلا أراه يغني عني شيئا. # خطر لي أن الحزن في سويداء القلب، وأنه بعيد الغور لا تبلغ إليه هذه الأداة القصيرة ~~التي في يدي فاستبدلت بها أداة أطول منها، فكان حكمها حكم سابقتها. # إذن كيف أعبر عن وجدي عليك أيها الفقيد الكريم، وقد خرس القلم وعي اللسان؟! الآن عرفت ~~السبيل، ووصلت إلى ما أريد. # أنت الآن في عالم الأرواح وقد انكشف لك كل شيء من أسرار القلوب ودخائل الصدور، ولا ~~بد أن يكون قد انكشف لك ما يكن قلبي من الوجد عليك، فما حاجتي بعد ذلك إلى ترجمة ~~القلم أو تعبير اللسان. # أيها الراحل المودع: طبت حيا وميتا، خدمت أمتك في حياتك وبعد مماتك، ~~لولا حياتك ما نمت العاطفة الوطنية في نفوس المصريين، ولولا مماتك ما عرف ms185 العالم ~~بأجمعه أن الأمة المصرية - على اختلاف مشاربها ومذاهبها - تجمعها كلمة واحدة، وهي حب ~~الوطن، وحب رجاله العاملين. # | دمعة على الإسلام # كتب إلي كاتب من علماء الهند كتابا يقول فيه إنه اطلع على مؤلف ظهر حديثا ~~بلغة التاميل، وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس، موضوعه: تاريخ ~~حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر فضائله وكراماته، فرأى فيه من بين الصفات ~~والألقاب التي وصف بها السيد عبد القادر ولقب بها صفات وألقابا هي أجدر بمقام ~~الألوهية منها بمقام النبوة فضلا عن مقام الولاية، كقوله: «سيد السموات والأرض»، ~~و«النفاع الضرار»، و«المتصرف في الأكوان»، و«المطلع على أسرار الخليقة»، و«محيي ~~الموتى»، و«مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه»، و«أمره من أمر الله»، و«ماحي الذنوب»، ~~و«دافع البلاء»، و«الرافع الواضع»، و«صاحب الشريعة»، و«صاحب الوجود التام» إلى كثير من ~~أمثال هذه النعوت والألقاب. # ويقول الكاتب: إنه رأى في ذلك المؤلف فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن ~~يتكيف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني، يقول فيه: # أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا، ثم يصلي ركعتين بخضوع ~~واستحضار، ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة، وبعد السلام على صاحب الضريح ~~المعظم يقول: يا صاحب الثقلين، أغثني، وأمدني بقضاء حاجتي، ~~وتفريج كربتي، أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني ~~يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجة عبد القادر، ~~يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدك ومريدك ~~مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة.» ويقول الكاتب ~~أيضا: «إن في بلدة ناقور في الهند قبرا يسمى «شاه الحميد»، وهو أحد أولاد ~~السيد عبد القادر كما يزعمون، وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم ~~بين يدي الله، وإن في كل بلدة وقرية من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل ~~مزار السيد عبد القادر؛ فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، ~~والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه ، وينفقون من الأموال على ms186 خدمته ~~وسدنته وفي موالده وحفلاته ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا ~~أغنياء! # هذا ما كتبه إلي ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي ~~الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أبصر مما حولي شيئا حزنا وأسفا ~~على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، ~~وذهبوا به مذاهب لا عهد له بها، ولا قبل له باحتمالها. # أي عين يجمل بها أن تستبقي من شئونها قطرة لا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر، ~~منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر ميت؟! ربما كان بينهم من هو خير ~~منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته! # أي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجدا أو يطير ~~جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكا بالله، وأوسعهم ~~دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات؟! # لماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟ ولماذا يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة ~~وذلك الضغن؟ وعلام يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم ~~ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟ # يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم كأنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن ~~العقل فيجملون فيه ويقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف ~~من الآلهة، أكثرها جذوع أشجار، وجثت أموات، وقطع أحجار من حيث لا يشعرون! # كثيرا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرا وهو لا يشعر به، وكثيرا ما تشتمل نفسه على ~~عقيدة وهو لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلا لذلك أقرب من المسلمين الذين ~~يلجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، ~~فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: «إنا لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم إلى الله.» ~~كأنهم لا يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر مظهر من مظاهر الإله المعبود أن ~~يقف عباده بين يديه ضارعين إليه يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك ~~الأموات من حيث ms187 لا يشعرون. # جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة ~~والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رق العبودية، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا ~~يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل، وقد ترك ~~الإسلام - بسر عقيدة التوحيد - ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، ~~فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيرة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا ~~جاوز حده في سلطانه: «لا تغل في تقدير نفسك، ولا تخرج عن دائرتك، فإنما أنت عبد ~~مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله.» # هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم، وقد داخل عقيدتهم ما ~~داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى، فقد ذلت رقابهم، وخضعت رءوسهم، ~~وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة ~~الدنيا، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ~~ومواطنهم وديارهم فأصبحوا من الخاسرين. # والله، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة ~~وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من ~~مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون ~~يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني جل ~~جلاله: «أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات!» # إن الله أغير على نفسه من أن يسعد أقواما يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه ~~وراءهم ظهريا، فإذا نزلت بهم جائحة وألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن ~~يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه. # بمن أستغيث وبمن أستنجد؟ ومن الذي أدعو لهذه الملمة؟ أأدعو علماء مصر الذين ~~يتهافتون على يوم الكنسة تهافت الذباب على الشراب؟ أم علماء الآستانة، وهم الذين ~~قتلوا جمال الدين الأفغاني فيلسوف الإسلام، وأحيوا أبا الهدى الصيادي شيخ ~~الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم، وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى ~~البيت ms188 الحرام؟ أم علماء الهند، وبينهم مثل مؤلف ذلك الكتاب؟! # يا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها وقلنا: «إن ~~العامي أقصر نظرا وأضعف إدراكا من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في ~~النصب والتماثيل والأضرحة والقبور.» فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرءون ~~صفاته ونعوته وتفهمون معنى قوله تعالى: # لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله ~~، وقوله مخاطبا نبيه: # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~، ~~وقوله: # وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~؟ # إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: «كل خير في اتباع من سلف، ~~وكل شر في ابتداع من خلف.» فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون ~~قبرا أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أن أحدا منهم وقف عند قبر النبي # صلى الله عليه وسلم # أو قبر ~~أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟ وهل تعلمون أن الرفاعي ~~والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء ~~والمرسلين، والصحابة والتابعين؟ وهل تعلمون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # حينما نهى عن إقامة ~~الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ ~~وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ~~ويفسد عقيدة التوحيد. # والله ما جهلتم شيئا من هذا، ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ~~ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاص أمركم، وسلط عليكم أعداءكم، يسلبون أوطانكم، ويستعبدون ~~رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب. # | السياسة # حضرة السيد الفاضل # ما لك لا تكثر من الكتابة في الشئون السياسية إكثارك منها في الشئون الأخلاقية ~~والاجتماعية؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك وقد وسع كل شيء؟ فاكتب لنا في السياسة، ~~فأمتك تحب أن تراك سياسيا، والسلام. # أيها الكاتب # يعلم الله أني أبغض السياسة وأهلها بغضي للكذب والغش والخيانة والغدر. # أنا لا أحب أن أكون سياسيا؛ لأني لا أحب أن أكون جلادا. # لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين ، إلا أن هؤلاء يقتلون ms189 الأفراد، وأولئك يقتلون ~~الأمم. # هل السياسي إلا رجل عرفت أمته أنه لا يوجد بين أفرادها من هو أقسى منه قلبا، ولا ~~أكثر كيدا فنصبته للقضاء على الأمم الضعيفة وسلبها ما وهبها الله من الحسنات وأجزل ~~لها من الخيرات؟ # أليس أكبر السياسيين مقاما وأعظمهم فخرا وأسيرهم ذكرا ذلك الذي نقرأ ~~صفحات تاريخه فنرى حروفها من أشلاء القتلى، ونقطها من قطرات الدماء؟ # أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا كان كاذبا في أقواله وأفعاله، يبطن ما لا ~~يظهر، ويظهر ما لا يبطن، ويبسم في مواطن البكاء، ويبكي في مواطن الابتسام؟ # أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا عرف أن بين جنبيه قلبا متحجرا لا يقلقه ~~بؤس البائسين ولا تزعجه نكبات المنكوبين؟ # كثيرا ما يسرق السارق فإذا قضى مأربه رفع يده متضرعا إلى الله أن يرزقه المال ~~حلالا حتى لا يتناوله حراما، وكثيرا ما يقتل القاتل فإذا فرغ من أمره جلس بجانب ~~قتيله يبكي عليه بكاء الثكلى على وحيدها، أما السياسي فلا يرى يوما في حياته أسعد من ~~اليوم الذي يعلم فيه أن قد تم له تدبيره في إهلاك شعب وإفقار أمة، وآية ذلك أنه في ~~يوم انتصاره - كما يسميه هو - أو في يوم جنايته - كما أسميه أنا - يسمع هتاف الهاتفين ~~مطمئن القلب، مثلج الصدر، حتى ليخيل إليه أن الفضاء بأرضه وسمائه أضيق من أن ~~يسع قلبه الطائر المحلق فرحا وسرورا. # يقولون: «إن السياسة ليست علما من العلوم التي يتعلمها الإنسان في مدرسة أو يدرسها ~~في كتاب، وإنما هي مجموعة أفكار قانونها التجارب، وقاعدتها العمل.» أتدري ~~لماذا؟ # لأن العلماء أشرف من أن يدونوا المكايد والحيل في كتاب، والمدارس أجل من أن تجعل ~~بجانب دروس الأخلاق والآداب دروس الأكاذيب والأباطيل، وإلا فكل طائفة من طوائف ~~المعلومات المتشابهة تدخل بطبيعتها تحت قانون علم يؤلفها ويجمع بين أشتاتها. # هؤلاء هم السياسيون، وهذه هي أخلاقهم وغرائزهم في الأعم الأغلب من شئونهم وأطوارهم، ~~فهل تظن أيها الكاتب أن رجلا نصب نفسه لنصرة الحقيقة والأخذ بضبعي الفضيلة ~~لاستنقاذها من ms190 بين مخالب الرذيلة، ووقف قلمه على تهذيب النفوس وترقية الأخلاق، وملأ في ~~رسائله فضاء الأرض والسماء بكاء ونواحا على أمته ~~المسكينة المستضعفة - يستطيع أن يكون سياسيا أو ~~محبا للسياسيين؟ # | خداع العناوين # لقد جهل الذين قالوا: «إن الكتاب يعرف بعنوانه.» فإني لم أر بين كتب التاريخ أكذب ~~من كتاب «بدائع الزهور»، ولا أعذب من عنوانه، ولا بين كتب الأدب أسخف من كتاب «جواهر ~~الأدب»، ولا أرق من اسمه، كما لم أر بين الشعراء أعذب اسما وأحط شعرا من ابن ~~مليك، وابن النبيه، والشاب الظريف. # لقد كثر الاختلاف بين العناوين، وبين الكتب حتى كدنا نقول: «إن العناوين أدل على ~~نقائضها منها على مفهوماتها، وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها، وإن العنوان الكبير حيث ~~الكتاب الصغير، والكتاب الجليل حيث العنوان الضئيل.» # الأتقياء # لولا خداع العناوين ما سمينا صالحا تقيا كل من حرك سبحته وأطال لحيته ~~ووسع جبته وكور عمامته، ولقد نعلم أن وراء هذا العنوان الأبيض كتابا ~~أسود الصفحات، كثير السقطات، وأن تحت هذا الستر الحريري الرقيق نفسا سوداء مظلمة ~~لا ينفذ إليها شعاع من أشعة الرحمة، ولا تهب عليها نسمة من نسمات ~~الإحسان. # لن يؤمن المؤمن حتى يبذل في سبيل الله أو في سبيل الجماعة من ذات نفسه أو ذات يده ~~ما يشق على مثله الجود بمثله، أما الجود بالشفاه للهمهمة والأنامل للمسبحة فعمل ~~لا يتكلف صاحبه له أكثر مما يتكلف لتقليب ناظريه وتحريك هدبيه، وهل خلقت ~~الشفاه إلا للتحريك، والأنامل إلا للتقليب؟ # إن للإيمان مواقف يمتحن الله فيها عباده، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، ~~فإن بذل الضنين بماله ماله في مواقف الرحمة والشفقة، والشحيح بنفسه نفسه في ~~سبيل الذود عن حوضه، والذب عن عشيرته وقومه، وضعيف العزيمة ما يملك من ~~قوة وأيد في مغالبة شهوات النفس ومقاومة نزواتها، فذلك المؤمن الذي لا يشوب ~~إيمانه رياء ولا دهان، ولا يخالط يقينه خداع ولا كذب، أو لا، فأهون بهمهمته ~~ودمدمته، ومسواكه ومسبحته، وهو بعنوان المنافق الكاذب أحرى منه بعنوان التقي ~~الصالح # أحسب الناس أن يتركوا ms191 أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون ~~. # الوطنيون # كنا وكان الرجل لا يبلغ ما يشتهيه من رتبة الوطنية إلا إذا قام في أمته مقاما ~~محمودا يخاطر فيه بإحدى جوهرتيه، ليدفع عنها خطبا مقبلا، أو ينقذها من ~~بلاء محيط، فإما بلغ في هجرته الغاية التي يريدها، وإما هلك من دونها هلاكا لا ~~تؤلم نفسه صدمته ولا تمر بفمه غضاضته؛ لأنه مخلص، وحسب المخلص جزاء له على ~~إخلاصه أنه وفى دينه الذي كان يثقل ظهره وكفى، فأصبحنا وليس بين المرء وبين ~~نيل ألقاب الوطنية الأولى وشاراتها الفضلى إلا صرخة عالية يصرخها في أحد ~~المجامع، أو كلمة تافهة يكتبها في إحدى الصحف حتى تقام له الحفلات كما تقام لعظماء ~~الرجال، وتمد إليه الأصابع كما تمد للقواد الأبطال، وربما كانت صرخة ذلك ~~الصارخ جنة تمثلت في رأسه تمثل النهيق في رأس الحمار، فلما حان حينها عطس ~~بها في ذلك المجمع الذي صادفه في طريقه لينفس عن نفسه، ويفرج من ~~كربته. وربما كانت كلمة ذلك الكاتب نغمة من نغمات السؤال التي يترنم بها ~~المتسولون، أو رقية من رقى الممخرقين التي يهمهمون بها استنداء للأكف ~~واستدرارا لحسنات المحسنين. # أعجب ما يعجب له المرء في هذه الأمة أنها لا تصدق الرجل المستور إذا ادعى ~~على آخر بفلس أو سحتوت حتى تطالبه بالشهود العدول، والصكوك المؤكدة والأيمان ~~المحرجة، فإذا قام بين يديها من لا تعرف له عدلا في سيرته، ولا صدقا في قوله، ~~ولا إخلاصا في عمله، فادعى الوطنية لنفسه - والوطنية أثمن من الجوهر المنتقى ~~واللؤلؤ المكنون - حكمت له بصحة دعواه في قضيته حكم القضاة الظالمين بغير ~~بينة ولا يمين! # لولا خداع العناوين لوجدنا بين التجار الأمناء الذين يخدمون أمتهم بالصدق في ~~القول والأمانة في العمل، والموظفين الشرفاء الأعفاء الذين لا يحابون ولا ~~يصانعون، والحكام العادلين المخلصين لله وللأمة في السر والعلن، والزارعين ~~المستقيمين، والصناع المجدين، والأكارين المستضعفين، من هو أولى بلقب الوطنية ~~من أولئك الصارخين المتهوسين، والكاتبين المخادعين. # الأمجاد # يقولون: «إن الولد سر أبيه .» ويريدون بذلك أنه المرآة ms192 التي ترتسم فيها صورته، ~~والبذرة التي تكمن فيها حقيقته وماهيته. وعلى هذه القاعدة بنى البانون قاعدة المجد، ~~فأعظموا شأن الرجل الذي يمسك بطرف سلسلة في النسب يتصل أولها بعظيم من عظماء ~~النفوس، أو شريف من شرفاء الأخلاق. # ثم ما زال الناس يعبثون بعنوان الشرف ويتوسعون في معناه حتى نظموا في سلكه ~~الجبابرة الذين يسمونهم أمراء، والظلمة الذين يسمونهم ملوكا، والسفاحين الذين ~~يسمونهم قوادا، واللصوص الذين يسمونهم وجهاء، فساقهم الخطأ في فهم الشرف ~~إلى الخطأ في فهم المجد، فسموا ماجدا كل من ولد في فراش ملك وإن كان الحاكم ~~بأمر الله، أو أميرا وإن كان الحجاج، أو وزيرا وإن كان ابن الزيات، أو قائدا ~~وإن كان تيمورلنك، أو غنيا وإن كان قارون! # لا مجد إلا مجد العلم، ولا شرف إلا شرف التقوى، ولا عظمة إلا عظمة الآخذين بيد ~~الإنسانية البائسة رحمة بها وحنانا عليها. # أولئك هم الأمجاد، وأولئك الذين يفخر الفاخرون بالاتصال بهم والانتماء إليهم، ~~وأولئك هم المفلحون. # الأغنياء # لم أر بين جماعة المتسولين الذين يضربون في الأرض وراء لقمة يتبلغون بها أو ~~خرقة يتقون بخيوطها البالية ما يتقون من لفحة الرمضاء، وهبة النكباء، ولا ~~بين البؤساء الذين يحرقون فحمة الليل بكاء ونحيبا حول صغار كفراخ القطا ~~يتلوون في مضاجعهم من الجوع تلوي الأفاعي المضطربة فوق الرمال ~~الملتهبة، وتحت الشمس المحرقة، أسوأ حالا، ولا أنكد عيشا، ولا أكثر عناء، من ~~هؤلاء الفقراء الذين يسميهم الناس أغنياء. # يأكل الموسر الباخل كما يأكل الفقير، ويجلس كما يجلس، وينام كما ينام، ويتشهى ~~كما يتشهى، حتى لتكاد تثب أمعاؤه من جوفه، وتسيل أحشاؤه من فمه شوقا إلى ما ~~حرم على نفسه من شهوات العيش وملذاته، ويستن استنان الجواد الضامر في ~~ميدان السبق وراء الدرهم البعيد مناله حتى تنبهر أنفاسه، وتتخاذل ~~أوصاله، حتى لو تخيل أن نجوم السماء دنانير منثورة لطار إليها بغير جناح ~~فسقط هاويا، أو أن في بطن الأرض كنزا مذخورا لتمنى أن لو انفجر بركانها تحت ~~قدميه فابتلعه فأصبح من الهالكين. # الغني هو ms193 الغني بما في يده عما في أيدي الناس، والفقير هو الذي لا يقنعه في ~~هذه الحياة مقنع، ولا تقف به نفسه عند مطمع. # فانظر تحت أي عنوان من هذين العنوانين تضع البخلاء الموسرين! # المجرمون # حضرت مجلسا من مجالس الأحكام حكم فيه قاض مرتش على متهم سرق رغيفا، ~~فوضعت يميني على فمي؛ مخافة أن يخرج أمر نفسي من يدي فأهتف صارخا لما ألم بقلبي ~~من الرعب والفزع صرخة تدوي بها جوانب القاعة دوي الموج الثائر في البحر ~~الزاخر، قائلا: «مهلا، رويدا أيها الحاكم الظالم، فأنت إلى قاض عادل تقف بين ~~يديه أحوج منك إلى كرسي فخم تجلس عليه، ولو عدل القانون بينك وبين هذا الماثل ~~بين يديك لبت وأعلاكما الأسفل! # إنك ترتزق في كل شهر ثلاثين دينارا، فلم ترتش إلا لأنك شره طماع! وهذا ~~السارق لم يسرق ذلك الرغيف إلا لأنه جائع ملتاع، ولو ملك مما تملك ثلاثين درهما ~~ما فعل فعلته التي فعل، فأنت مجرم إلا أنك في وشاح شريف، وهو شريف إلا ~~أنه في شملة مجرم.» # فيا لله للحقيقة التي عبثت بها القوانين، ولعبت بعقول الناس فيها ~~العناوين! # رب نفس بين جدران السجون أطهر قلبا، وأنقى ردنا وأبيض عرضا من مثلها ~~بين جدران القصور، ورب طريدة من طرائد المجتمع الإنساني ساقها المقدر الذي ~~لا مفر من حكمه إلى وقفة فوق أعواد المشنقة كان أجدر بها ذلك المرابي الذي ينصب ~~حبالة ماله لخراب البيوت العامرة، وإطفاء النجوم الزاهرة، أو ذلك القائد الذي يسفك ~~في مواقفه دم مائة ألف أو يزيدون في غير سبيل سوى سبيل المجد المصنوع، والفخر ~~الموضوع، أو ذلك السياسي الذي يدبر المكيدة للحملة على أمة مستضعفة آمنة في ~~مرقدها سعيدة في نفسها، فيستعبد أحرارها، ويستذل أعزاءها، ثم يسلبها أثمن ما ~~تملك يمينها من حريتها واستقلالها، وسعادتها وهنائها. # المتمدينون # ليس بين المصري وبين أن يأخذ من إخوانه المصريين لقب الشاب العصري، أو الرجل ~~المتمدين إلا أن يصقل جبهته، ويصفف طرته، ويفتح فمه للابتسام المتصنع ، ~~ويقوس يده للسلام المتعمل، ms194 ويستكثر في حديثه من ذكر المدنية الغربية وشئونها، ~~وسرد أسماء نسائها ورجالها، وطرفها ونوادرها، ويستحسن ما تستحسنه، وإن كان البراز ~~والانتحار، ويستطرف ما تستطرفه وإن كان الزندقة والإلحاد، وربما زاد على ذلك شيئا ~~من العلم بفلسفة الميكروبات، ونظرية البالونات، ثم لا يحول بعد ذلك تمدينه بينه ~~وبين أن يكون فاسقا ينتهك الحرمات، أو مدمنا يترامى على أعتاب الحانات، أو أحمق ~~لا يصفح عن ذنب ولا يصانع في هفوة، ولا يعفو عن سيئة، أو سفيها يشتم حتى أميره ~~وسلطانه، ووالده وأستاذه، أو وقاح الوجه لا يستحيي لمكرمة ولا يغضي لمروءة، أو ~~شحيحا لا يشرك صاحبه في مطعم ولا مشرب، ولا يفتح بابه لضيف زائر أو ~~طارق حائر. # إن كان حقا ما يقولون من أن التمدين يصقل الطباع الخشنة، ويقوم ~~الألسنة المعوجة، ويهذب النفوس الجافية، ويوسع الصدور الحرجة، فكثير ممن ~~ندعوهم متمدينين متوحشون، وكثير ممن نسميهم همجيين مهذبون. # لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه ~~لما حركت يدا، ولا جردت قلما؛ لأني أعلم - كما يعلم الناس جميعا - أن طلب ~~المحال عثرة من عثرات النفوس، وضلة من ضلالات العقول، ولكنني أطلب مطلبا ~~واحدا لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره وإدراكه: أن ~~يهذبوا قليلا من هذه المصطلحات التي أنسوا بها، والعناوين التي جمدوا عليها، فلا ~~يسمون المنافق تقيا، ولا المخادع وطنيا، ولا المتمجد ماجدا، ولا البخيل ~~غنيا ولا المفلوك مجرما، ولا المتوحش متمدينا، حتى لا ينزع محسن عن إحسانه، ~~ولا يستمر مسيء في إساءته. # | الإغراق # بين الإغراق في المدح والإغراق في الذم تموت الحقيقة موتا لا حياة لها من بعده إلى ~~يوم يبعثون. # يسمع السامع أن زيدا ملك كريم، ثم يسمع أنه شيطان رجيم، فيخرج منه صفر اليدين، ~~لا يعلم أين مكانه من هذين الطرفين. # يقولون: «إن المشعوذين إذا أرادوا أن يسحروا أعين الناس وضعوا في سقف غرفة قطعة ~~من المغناطيس، وفي أرضها قطعة أخرى، ثم يتركون في الفضاء قطعة من الحديد ms195 لا تزال ~~تترجح بين هذين الجاذبين.» # هكذا تضطرب الحقيقة في أيدي المغرقين اضطراب الحديدة في أيدي المشعوذين. # الحقيقة بين الكاذب والكاذب، كالحبل بين الجاذب والجاذب، كلاهما ينتهي به الأمر إلى ~~الانقطاع. # لو علم الذي ينصب نفسه للموازنة بين الأشخاص أنه جالس على كرسي القضاء، وأن ~~الناس سيسألونه عما قال كما يسألون القاضي عما حكم، ما طاش سهمه في حكمه، ولا ركب متن ~~الغلو في تقديره. # كما أنه يجب على القاضي أن يقدر لكل جريمة ما يناسبها من العقوبة، كذلك يجب على ~~الكاتب أن يضع كل شخص في المنزلة التي وضعته فطرته فيها، وألا يعلو به فوق قدره، ~~ولا ينزل به دون منزلته. # ليس بين كتاب هذا العصر من لم يقرأ في التاريخ الماضي متناقضات الأحكام على ~~الأشخاص، وليس بينهم من لم يتمن أن يكون في موضع أولئك المؤرخين حتى لا يغلو ~~غلوهم، ولا يتطرف تطرفهم في أحكامهم. # أيها الكتاب المحزونون، لا يحزنكم ما كان، فقد مضى ذلك الزمن بخيره وشره، ولئن ~~فاتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الماضي فلن يفوتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الحاضر، كما أن ~~للماضي مستقبلا وهو حاضركم هذا، فسيكون لهذا الحاضر مستقبل يحاسبكم فيه رجاله ~~على هفواتكم في أحكامكم، كما تحاسبون اليوم رجال الماضي على غلوهم في أحكامهم ~~وتطرفهم في آرائهم. # إن من التناقض بين أقوالكم وأعمالكم أن تنقموا من المؤرخين المتقدمين ما أنتم ~~فاعلون، وتأخذوا عليهم ما أنتم به آخذون. # كل كاتب عندكم أكتب الكتاب، وكل شاعر أشعر الشعراء، وكل مؤلف أعلم ~~العلماء، وكل خطيب رئيس الأمة، وكل فقيه إمام الدين، فأين الفاضل والمفضول؟ وأين ~~الرئيس والمرءوس؟ وكيف يكون زيد اليوم أفضل من عمرو، ويكون عمرو غدا أفضل منه؟ وأين ~~ملكة التمييز التي وهبها الله لكم لتميزوا بها بين درجات الناس ومنازلهم؟ وهل بلغ ~~التفاوت بين عقولكم وأذواقكم أن يكون الرجل الواحد في نظر بعضكم خير الناس، وفي نظر ~~البعض الآخر شر الناس؟ # إني حبست الآن قلمي عن الكتابة لأتجرد عن نفسي ساعة من الزمان، فتخيلت ms196 كأني رجل ~~من رجال العصور الآتية، وأني ذهبت إلى دار من دور الكتب القديمة لأفتش فيها عن تاريخ ~~عظيم من عظماء عصركم، فقرأت ما كتبتموه عنه في مؤلفاتكم وصحفكم، فرأيته تارة عظيما ~~وأخرى حقيرا، ومرة شريفا ومرة وضيعا، ورأيته عالما وجاهلا، وذكيا وغبيا، ~~وعاقلا وممرورا في آن واحد، فخرجت أضل مما دخلت، لا أعرف من تاريخ الرجل أكثر ~~من أنه رجل؛ أي إنه ذكر بالغ من بني آدم. # أيها القوم، إنكم لا تستطيعون أن تكونوا رجالا عادلين في أحكامكم وآرائكم إلا إذا ~~أصلحتم نفوسكم قبل ذلك، وتعلمتم كيف تستطيعون أن تتجردوا عن أهوائكم وأغراضكم قبل أن ~~تمسكوا بأقلامكم. # أيها القوم، إن عجزتم عن أن تكونوا عادلين فكونوا راحمين، فارحموا أنفسكم وأعفوها من ~~الدخول في مأزق أنتم عاجزون عنه، فقد ضاقت صدورنا بهذه المتناقضات، وسئمت نفوسنا ~~تلك المبالغات. # | اللقيطة # مر عظيم من عظماء هذه المدينة بزقاق من أزقة الأحياء الوطنية في ليلة من ~~ليالي الشتاء ضرير نجمها، حالك ظلامها، فرأى تحت جدار متهدم فتاة صغيرة في ~~الرابعة عشرة من عمرها جالسة القرفصاء وقد وضعت رأسها بين ركبتيها ~~اتقاء للبرد الذي كان يعبث بها عبث النكباء بالعود، وليس في يدها ما تتقيه به ~~إلا أسمال تتراءى مزقها فوق جسمها العاري كأنها آثار السياط فوق أجسام المستعبدين ~~في عهود الاستبداد. # وقف الرجل أمام هذا المشهد المحزن المؤثر وقفة الكريم الذي تؤلمه مناظر البؤس، وتزعج ~~نفسه مواقف الشقاء، ثم تقدم نحوها وهز يدها برفق، فرفعت رأسها مرتاعة مذعورة، ~~وهمت بالفرار من يديه وهي تصيح: «لا أعود لا أعود!» فلم يزل يمسحها ويروضها حتى هدأ ~~روعها، وعاد إليها رشدها، وعلمت أنها ليست بين يدي الرجل الذي تخافه، فنظرت إليه نظرة ~~هادئة ساكنة لو أنها اتصلت بلسان ناطق وفم لحدثت عما وراءها من لواعج الأحزان، ~~وأفانين الأشجان. ~~- «ما اسمك أيتها الفتاة؟» ~~- «لا أعلم يا سيدي!» ~~- «بماذا ينادونك؟» ~~- «يدعونني اللقيطة.» ~~- «وهل أنت لقيطة كما يقولون؟!» ~~- «نعم يا سيدي؛ لأني لا أعرف لي أبا ولا أما في الأحياء ms197 ولا في الأموات، سوى رجل ~~يتولى شأني ويضمني في منزله، وكنت أحسبه أبي، فيمتلئ قلبي سرورا به وعطفا عليه، ~~فلما رأيت أنه يعذبني عذابا أليما ويحملني من آلام الحياة وأسقامها ما لا ~~يحمله الآباء أبناءهم علمت أني وحيدة في هذا العالم، وفهمت معنى الكلمة التي ~~يناديني بها، فألم بنفسي من الحزن والألم ما الله عالم به، وكنت كلما مشيت في ~~الطريق ورأيت فتاة صغيرة سألتها: «ألك أم؟» فتجيبني: «نعم»، ثم تقص علي من قصص ~~عطف أمها عليها ورأفتها بها ما يزيدني هما ويملأ قلبي يأسا، حتى كان يخيل إلي ~~أنني أذنبت قبل وجودي في هذا العالم ذنبا عاقبني الله عليه بهذا الوجود. بيد أني صبرت ~~على هذا الرجل، وعلى ما كان يكلفني به من التسول على قارعة الطريق إبقاء على نفسي، ~~وضنا بحياتي أن تغتالها غوائل الدهر. وكان كلما رأى حاجتي إليه وإلى مأواه اشتط في ~~ظلمي ولؤم في معاملتي، حتى صار يضربني ضربا مبرحا كلما عدت إليه عشاء بأقل ~~من الجعل الذي فرض علي جمعه في كل يوم. وما زلت أصابره برهة من الزمان حتى ~~جاءني هذه الليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فقد حاول أن يسلب من بين جنبي ~~جوهرة العفاف التي لم يبق في يدي ما يعزيني عما فقدته من هناء الحياة ونعيمها ~~سواها، فلم أر لي بدا من أن أفر من بين يديه متسللة تحت جنح الظلام من حيث ~~لا يشعر بمكاني، وما زلت أمشي على غير هدى لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا حتى أويت ~~إلى هذا الزقاق كما تراني، فهل لك يا سيدي أن تحسن إلي كما أحسن الله إليك، وأن ~~تبتاع لي رغيفا من الخبز أتبلغ به، فقد مر بي يومان لم أذق فيهما طعاما ولا ~~شرابا؟» # سمع الرجل من الفتاة هذه القصة المحزنة فما استقبلها إلا بدموع حارة تنحدر على خديه ~~انحدار العقد وهى سلكه، ثم أخذ بيدها ومشى بها صامتا واجما لا يكاد يستفيق ~~شهيقا وزفيرا حتى بلغ منزله، وهناك صنع بها ms198 صنع الكريم بأهله، وأبلغها من ~~دهرها ما لم تكن تمني نفسها بالوشل القليل منه، وما هي إلا أيام قلائل حتى ~~ظهرت في قصر ذلك الرجل العظيم فتاة جديدة من أجمل الفتيات وجها، وأكرمهن أخلاقا، ~~وأرقهن شمائل، وأكملهن آدابا، لا يعرف عنها من عرف صاحب القصر سوى أنها ابنة قريب ~~له مات عنها، وخلفها يتيمة، فكان إلى هذا القصر مصيرها. # وكان لصاحب القصر فتاة من الفتيات اللواتي ربين التربية الحديثة التي يسمونها ~~التربية العصرية، ويريدون منها «التربية الإفرنجية». فكان كل ما حصلت عليه من العلوم ~~والمعارف، الفنون الآتية: ~~(1) # الرطانة الأعجمية حتى مع خادمها الزنجي، وكلبها الرومي. ~~(2) # الولوع بمطالعة الروايات الغرامية. ~~(3) # البراعة في معرفة أي الأزياء أعلق بالقلوب وأجذب للنفوس. ~~(4) # الكبرياء والعظمة واحتقار كل مخلوق سواها حتى أبويها. ~~(5) # الأثرة وحب الذات حبا يملأ قلبها غيرة وحسدا، حتى إنها لا تستطيع ~~أن تسمع وصفا من أوصاف الحسن يوصف به سواها. # رأت هذه الفتاة الشريفة أن هذه الفتاة اللقيطة قد أصبحت تقاسمها قلب أبيها وقلوب ~~الزائرات من النساء بما وهبها الله من جمال الخلق وجمال الخلق، فأضمرت لها في ~~قلبها من البغض والموجدة ما يضمره أمثالها من اللواتي ربين ونهجن في سبل ~~الحياة منهجها، فكانت تتعمد إساءتها وازدراءها، وتغرى بتبكيتها وتأنيبها، والفتاة ~~لا تبالي بشيء من هذا وفاء لسيدها وولي نعمتها، وترفعا عن النزول إلى منزلة من ~~يغضب لمثل هذه الهنات الصغيرة، حتى حدثت ذات يوم هذه الحادثة: # دخل صاحب القصر قصره ليلة من الليالي، فبينا هو صاعد على سلم القصر إذ عثر ~~برقعة ملقاة فتناولها، فقرأ هذه الكلمة: # سيدتي # أنا منتظرك عند منتصف الليل في بستان القصر تحت شجرة السرو ~~المعهودة. # حبيبك # فما أتم الرجل قراءة البطاقة حتى دارت به الأرض الفضاء، وحتى لمس قلبه بيمينه ليعلم ~~أطار أم لا يزال في مكانه، ثم كأنه أراد أن يخفف ما ألم بنفسه من الحزن والقلق، فقال: ~~«لعل ذلك الموعد مع تلك الفتاة اللقيطة، ومن الظلم أن أتهم ابنتي قبل أن أعلم ~~الحقيقة.» فنظر في ms199 ساعته فإذا الساعة قريبة، فرجع أدراجه، وما زال يترفق في مشيته، ~~وينتقل في الحديقة من شجرة إلى شجرة، حتى وصل إلى شجرة اللقاء، فكمن وراءها ينتظر ما ~~خبأ له الدهر من حدثانه، وما أضمر له الغيب في طياته. # لم تكن الرسالة رسالة اللقيطة الوضيعة، بل رسالة السيدة الشريفة، وبينما كانت الثانية ~~واقفة في غرفتها أمام مرآتها، تختار لنفسها أجمل الأزياء وأليقها بمواقف اللقاء، كانت ~~الأولى نائمة في غرفتها نوما هادئا مطمئنا لا تزعجه زورة الطيف، ولا تروعه ~~أحلام الشباب، حتى سمعت وقع أقدام سيدها على سلم القصر فاسيقظت، ثم رابها ~~موقفه؛ فأشرفت عليه من حيث لا يشعر بمكانها فعرفت كل شيء، وعلمت أن سيدها سيقف ~~على سر ابنته الذي كانت تعالج كتمانه زمنا طويلا، وأنه لا بد قاتل نفسه في ذلك ~~الموقف حزنا ويأسا، فعناها من أمره ما عناها، ثم أطرقت برأسها لحظة تتلمس وجه ~~الحيلة في دفع هذه النازلة، وتطلب المخرج منها، ثم رفعت رأسها وقد قررت في نفسها ~~أمرا. # نزلت مسرعة من سلم القصر، فرأت الفتاة قد خرجت من باب القصر إلى ذلك الموعد ~~فأدركتها، وأمسكت بطرف ثوبها فارتاعت والتفتت إليها، وقالت لها: «ماذا تريدين مني؟ ~~أتتجسسين علي؟» قالت لها: «لا يا سيدتي.» وأفضت إليها بالقصة من مبدئها إلى منتهاها، ~~فأسقط في يدها، وعلمت أن أباها قد وقف على سرها، فقالت لها: «لا تزعجي ~~نفسك، فإن أباك لا يعلم أيتنا صاحبة الكتاب، فعودي إلى غرفتك وسأذهب إلى الموعد ~~مكانك، حتى إذا رآني هناك ذهب من نفسه ما كان يخالجها من الشك في أمرك.» # ثم استمرت أدراجها حتى وصلت إلى تلك الشجرة، وهنالك، برز الرجل من مكمنه واقترب ~~منها حتى عرفها، فحمد الله على سلامة شرفه وشرف ابنته، ثم قال لها: # أيتها الفتاة إني أحسنت إليك واستنقذتك من يد البؤس والشقاء، فأسأت ~~إلي بما فعلت حتى كدت أهلك الليلة حزنا وغما، وألصق بابنتي ذنبك، وأحمل ~~عليها عارك، فاخرجي من منزلي، فاللئيم ليس أهلا للإحسان! # فخرجت خائبة تتعثر في أذيالها ms200 حتى وصلت إلى شاطئ النهر، وهنالك أخرجت مذكرتها من ~~محفظتها وكتبت فيها آخر كلمة خطتها أناملها: # أحمد الله أني قدرت على مكافأة ذلك الرجل الذي أحسن إلي بستر عاره، وإزالة ~~همه وحزنه، وافتدائه بنفسي! # ثم ألقت بنفسها في النهر، وما هي إلا دورة أو دورتان حتى افترق ذانك الصديقان ~~الوفيان، جسمها وروحها، فطفا منهما ما طفا، ورسب ما رسب. # وفي صباح ذلك اليوم عثر الشرط بجثة الفتاة الشهيدة فعرفوها، وعادوا بها إلى منزل ~~سيدها، فبكاها بكاء كثيرا، وندم على ما أساء به إليها من طردها وإزعاجها، ثم أمر ~~بدفنها، ولم يبق في يده من آثارها غير حقيبتها التي حفظها في صندوقه دهرا ~~طويلا. # مرت الأيام تلو الأيام، وجاءت الحوادث إثر الحوادث، وظهر للرجل من أخلاق ابنته ~~وطباعها وتهتكها واستهتارها ما لم يكن يعرفه من قبل، حتى ضاق بأمرها ذرعا، وجلس في ~~غرفته في إحدى الليالي يفكر فيما ساق إليه الدهر من خطوبه ورزاياه، ثم ألم به الضجر، ~~فقام يقلب في صندوقه حتى عثر بتلك الحقيبة، ولم يكن قد فتحها حتى هذه الساعة. فإنه ~~ليقرأ فيها إذ عثر بتلك الكلمة التي كتبتها الفتاة على شاطئ النهر قبل موتها، فما أتى ~~على آخرها حتى عرف كل شيء فسقط مغشيا عليه يعالج من الحزن والهم ما يعالج المحتضر ~~من سكرات الموت. # فما استفاق من غشيته حتى صار يهذي هذيان المحموم، ولبث على هذا الحال بضعة أشهر يمرض ~~ثم يبل، ثم يمرض ثم يبل حتى أدركته رحمة الله فمرض مرضا لم ينقض إلا ~~بانقضاء أجله. # فيا أيها الوالد المجهول الذي قذف بتلك الفتاة البائسة في بحر هذا الوجود الزاخر، ~~أعلمت قبل أن تفعل فعلتك التي فعلت أنك ستبرز إلى هذا العالم فتاة تلاقي من شقائه ~~وآلامه ما لا قبل لها به، ولا لمخلوق من البشر باحتماله؟ # ويا أيها الآباء العظماء، إن كنتم تريدون أن تسلموا بناتكم إلى هذه المدنية الغربية ~~تتولى عنكم شأنهن، وتكفل لكم تربيتهن، فانتزعوا من بين جنوبكم قبل ذلك غرائز الشهامة ms201 ~~والعزة والأنفة، حتى إذا رزأكم الدهر فيهن وفجعكم في أعراضهن، وقفتم أمام تلك المشاهد ~~هادئين مطمئنين لا تتعذبون ولا تتألمون. # ويا أيها الناس جميعا، لا تحلفوا بعد اليوم بالأنساب والأحساب، ولا تفرقوا بين ~~تربية الأكواخ وتربية القصور، ولا تعتقدوا أن الفضيلة وقف على الأغنياء، وحبائس على ~~العظماء، فقد علمتم ما أضمر الدهر في صدره من رذائل الشرفاء، وفضائل اللقطاء. # | الصندوق # حضرة السيد الفاضل # يوجد في ضريح السيد البدوي صندوق توضع فيه النذور التي يبلغ مجموعها في العام ~~نحو ستة آلاف جنيه، فإذا فتح ذلك الصندوق يختص بعض الخلفاء بأخذ نحو الربع مما ~~فيه، والباقي يوزع على أصحاب الأنصبة الكثيرين الذين يعدون بالمئات، فهل ترون ~~أن هذه القسمة شرعية، مع أن الذين يأخذون الألوف أغنياء، والذين يأخذون الآحاد ~~فقراء؟! أفتنا أيها السيد الفاضل بما يوجبه الإنصاف والعدل الديني في هذه المسألة ~~التي أصبحت الشغل الشاغل لكثير من الناس. # ابن جلا # أيها السائل # أراك تسألني عن القسمة الشرعية في هذا المال، ~~كأنك تعتقد أنه ميراث شرعي، وأن لهؤلاء الذين تسميهم أصحاب الأنصبة من الحق في هذا ~~المال ما للوارثين من مال المورثين. # إن الذي أعلمه أن هذا الحق المزعوم حق موهوم، لا يستطيع أن يحمله الحامل على ~~وجه من الوجوه الشرعية؛ لأن الذين يضعون المال في ذلك الصندوق وأمثاله لا يريدون أن ~~يهبوه لأحد من سدنة ذلك الضريح أو خدمته أو أصحاب العلائق بالميت المدفون فيه، ولو أنهم ~~أرادوا ذلك لما كان بينهم وبين هؤلاء القوم حائل يمنعهم عن وضع ذلك المال في أيديهم. ~~ولكنهم لما تصوروا أن ذلك الميت حي في قبره يسمع نجواهم ويفهم حديثهم، ويلبي ~~دعاءهم، تجسم في نظرهم هذا الخيال، فأرادوا أن يعطوه جميع أحكام الأحياء، حتى في ~~حب المال وادخاره، فخيل إليهم أن الصندوق من الميت بمنزلة الكيس من الحي، فهم ~~يهبونه المال، ويضعونه في صندوقه؛ لأنهم يعجزون عن وضعه في يده! # أما كيفية تصرف الميت بهذا المال، والبحث عن مذاهبه ومراميه، فهو أمر لا يخطر على ms202 ~~بالهم، ولا يدخل في باب مقاصدهم وأغراضهم، فإن وجد بينهم من يعلم أن مرجع هذا المال ~~الذي يضعه في الصندوق إلى سدنة الضريح وخدمته وأشياع صاحبه، فعلمه هذا لا يستفاد ~~منه أنه يهبه لهم أو يمنحه إياهم؛ لأنهم لو أرادوه على أن يعطيهم ذلك المال، أو يعطيهم ~~بعضه ويستبقي لنفسه البعض الباقي لما وسعه ذلك، ولا رأى - إن فعله - أنه عمل عملا ~~صالحا، بل هو يعتقد أن أخذهم المال من الصندوق أمر لا علاقة له به، ولا شأن له فيه؛ ~~لأن المال قد خرج من يده إلى صاحب الضريح، وصاحب الضريح يتصرف في ماله كيف يشاء. # فهو في جميع حالاته وشئونه لا يهب هبة صحيحة، ولا يتصرف تصرفا شرعيا، ولا يضع ~~صدقة في موضعها، ولا يطرق بابا من أبواب البر والمعروف. # وعندي أن مثل هذا المال بعد أن خرج من يد صاحبه إلى غير يد وانقطعت ملكيته الأولى ~~من حيث لم تقم مقامها ملكية أخرى، يعتبر مالا مهملا لا صاحب له، ولا علاقة لأحد ~~به. # وأحسن الحالات الشرعية والعقلية في مثل هذا المال أن ينفق في مصارف الصدقات التي ~~اعتبرها الشارع واعتمدها وافتتحها بأداة الحصر التي تمنع غيرها من الاشتراك معها في ~~حكمها في قوله تعالى: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل ~~. # فإن كان بين هؤلاء القوم المتظلمين من قلة أنصبتهم في ذلك الصندوق ذو حاجة، فهو داخل ~~في قسمة من الآية الشريفة، فله الحق في ذلك المال من حيث كونه فقيرا معدما كعامة ~~فقراء المسلمين، لا من حيث أن له علاقة بصاحب الضريح تسوغ له أن يكون من ذوي ~~الأنصبة في صندوقه، فإن أمثال هذه العلاقات قد انقطعت بانقطاع الجاهلية الأولى، فلا ~~هياكل اليوم ولا سدنة، ولا وسطاء ولا شفعاء، ولا أقراط تعلق في آذان الأصنام، ~~ولا عقود تقلد بها أعناق الأوثان، ولا مال يوضع مع الموتى في قبورهم لينتفعوا به ~~عندما يبدو لهم القيام من مراقدهم. وإنما الناس ms203 جميعا سواء بين يدي الله سبحانه ~~وتعالى، لا فضل لأحد عنده على أحد إلا بالتقوى، ولا زلفى لأحد يزدلف بها إليه إلا ~~يقينه وإيمانه وبره وإحسانه. # ذلك ما أراه في هذه المسألة، وهذا ما أعتقده فيها، ولا أعلم إن كنت أرضيت الناس فيما ~~كتبت، أو أغضبت، وإنما أعلم أنني أرضيت ضميري وخالقي، وحسبي ذلك وكفى. # | الغناء العربي # الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان، فهو أفصح ~~الناطقين لسانا، وأوسعهم بيانا، وأسرعهم نفاذا إلى القلوب، وامتزاجا بالنفوس، ~~واستيلاء على العقول، وأخذا بمجامع الأفئدة. وبيان ذلك أن النطق ثلاث طبقات، ~~تختلف درجاتها باختلاف درجات الإبلاغ والتأثير فيها، فأدناها النثر، وأوسطها الشعر، ~~وأعلاها الغناء. فلو أن عاشقا برح به الهجر مثلا فأراد أن يبلغك ما في نفسه من ~~ذلك، فإن قال لك: «إني مهجور» فحسب، فقد أبلغك بعض ما في نفسه، وترك في قلبك من الأثر ~~بمقدار ما تحملته طبقة النثر من التأثير، وإن أنشدك قول الشاعر: # فوا كبدا من حب من لا يحبني # ومن زفرات ما لهن فناء # أو قول الآخر: # كأن قطاة علقت بجناحها # على كبدي من شدة الخفقان # فقد سلك بك طريق الخيال، وصور لك خواطر نفسه بصورة أوضح من الصورة الأولى، وترك في ~~نفسك أثرا أعظم من الأثر الأول، وإن رفع عقيرته - وكان يجيد التوقيع - يتغنى بقول ~~القائل: # وار حمتا للغريب بالبلد النا # زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فما انتفعوا # بالعيش من بعده ولا انتفعا # فقد صور لك قلبه كما هو، وألمسك مواقع الآلام ~~والأوجاع فيه، فبلغ بك التأثير منتهاه، وربما بكيت عند سماعه حزنا ورحمة، وما بكيت ~~إذ بكيت إلا لأن الغناء لم يبق بقية من خواطر هذه النفس القريحة إلا نطق بها لك ~~وأسمعك إياها. وكما أن الأبيات قيود المعاني كذلك الألحان قيود الأبيات، فلا يزال ~~المعنى مشردا هاهنا وهاهنا حتى يحتويه بيت من الشعر فيستقر في مكانه، ثم لا يزال ~~البيت يتجانف عن الآذان ذات اليمين وذات الشمال حتى يقوده الصوت ms204 الحسن، فإذا هو ~~مستودع في الصدور. # والغناء فن من الفنون الطبيعية تهتدي إليه ~~الأمم بالفطرة المترنمة في هدير الحمام وخرير المياه وحفيف الأشجار، فمن أبكاه الحمام ~~غرد تغريده كلما أراد البكاء، ومن أطربه صوت الناعورة رن رنينها ليطرب جمله أو ~~ناقته فينشطان للمسير. # وما زال هذا الفن متبديا ببداوة الأمة العربية لا يكاد يتخطى فيها حداء ~~الجمال، ومناغاة الأطفال، حتى إذا انتقلت من مضيق الحاجات إلى منفسح الكماليات توسعت ~~فيه، وزادت في أنغامه وضروبه، وتفننت في آلاته وأدواته. وكذلك كان شأن العرب في ~~جاهليتهم، ينظمون أشعارهم على نسب متوازية؛ فالبيت يوازن البيت في ترتيب الحركات ~~والسكنات وتعدادها، والشطر والتفعيلة يوازنان الشطر والتفعيلة كذلك. فكأنهم كانوا ~~يهيئون لأنفسهم بمذهبهم هذا في الشعر ألحانا موسيقية، غير أن معارفهم لم تكن تتسع ~~لأكثر من هذا النوع من الموسيقى، وهو نوع التناسب الشعري الذي هو قطرة من بحر هذا الفن ~~الزاخر. ثم استمر شأنهم على هذا حتى جاء الإسلام واختلطت الأمة العربية بالأمة الفارسية ~~التي كان لها من حضارتها وتمدينها متسع للبراعة في هذا الفن والتفنن في مناحيه ~~ومقاصده. # ووفد الكثير من مغني الفرس والروم موالي ~~في بيوت العرب، وفي أيديهم العيدان والطنابير والمعازف والمزامير يلحنون بها ~~أشعارهم الفارسية والرومية، فسمعها منهم العرب فاقتبسوها ولحنوا بها أشعارهم تلحينا ~~بذوا فيه أساتذتهم، وولدوا ألحانا وأنغاما لم يؤت بها من قبلهم، شأنهم في جميع ~~الفنون والصنائع التي كانوا يقتبسونها من الأمم المتمدينة المعاصرة لهم. وظهر فيهم ~~رجال أذكياء كان لهم الفضل الباهر في تقدم الغناء واتساعه، مثل: ابن سريج، ومخارق، ~~وطويس، وإبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق، وإبراهيم بن المهدي، ومعبد الذي طالما ضربت به ~~وبحسن صوته الأمثال على ألسنة فحول الشعراء، كقول أبي عبادة البحتري في وصف فرس كان ~~أهداه إليه أحد الأمراء: # هزج الصهيل كأن في نبراته # نغمات معبد في الثقيل الأول # والثقيل والخفيف الأول والثاني أسماء اصطلح عليها العرب، ومرجعها إلى حركات الأصابع ~~الخمسة في أوتار العود الخمسة شدة وضعفا، وما أحسن قول أبي العلاء ms205 المعري: # ولقد ذكرتك يا أميمة بعدما # نزل الدليل إلى التراب يسوفه # وهواك عندي كالغناء لأنه # حسن لدي ثقيله وخفيفه # وبالرغم من غضاضة الدين وغضارته في ذلك العهد - عهد الصدر الأول - وشدته في النهي ~~عن التلهي بالغناء والعزف والزمر وأمثالها، ونعيه على من يحترف بذلك أو يتخلقه، فقد ~~كان للمغنين الشأن الرفيع في مجالس الخلفاء والأمراء، والنصيب الأوفر من جوائزهم ~~وصلاتهم. ولا غرو في ذلك، فسلطان الوجدان عندهم فوق سلطان الأديان. ولقد بلغ من شأن ~~المغنين وإدلالهم على الخلفاء أن إسحاق الموصلي شتم إبراهيم بن المهدي في حضرة ~~أخيه الرشيد غير هياب ولا وجل، فما استطاع أخو الخليفة أن ينتصف لنفسه منه هيبة ~~وإجلالا! وكان ابن عائشة المغني لا يغني إلا لملك أو ولي عهد، حتى كان الخليفة إذا ~~أراد أن يختار من بين أبنائه من يعهد إليه بالأمر من بعده لا يكتب له بذلك عهدا، بل ~~يأذن لابن عائشة أن يغني عنده، فلا تطلع عليه الشمس حتى يفد الناس إليه يهنئونه بولاية ~~العهد، فإن دعاه إلى الغناء لديه أمير أو وزير وجد من قوة الدالة بنفسه ما يدفع به ~~الطلب عنه. ويروى أن ابن أبي عتيق - وهو من نعلم في شرف البيت وجلال المحل - رأى ~~ابن عائشة يوما وحلقه مخدوش فقال: «من فعل بك هذا؟» قال: «فلان»، وأشار إلى ~~ضاربه، فمضى ونزع ثيابه وعاد فجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ~~ضربا موجعا والرجل يصيح: «أي شيء صنعت؟ وما ذنبي إليك؟» وهو لا يجيبه حتى بلغ منه، ~~وأقبل الناس فحالوا بينه وبينه، وسألوه عن ذنبه، فقال: «إنه أراد أن يكسر مزمارا من ~~مزامير داود!» يريد أنه خنق ابن عائشة وخدشه في حلقه. # ومما يروى من حوادث تيهه وترفعه أنه خرج من عند الوليد بن عبد الملك وقد ~~غناه: # أبعدك معقلا أرجو وحصنا # قد اعيتني المعاقل والحصون # فأطربه، وأمر له بثلاثين ألف درهم وكثير من الثياب، فبينا هو يسير إذ نظر إليه رجل ~~من أهل وادي القرى كان ms206 يشتهي الغناء، فدنا من غلامه، وقال: «من هذا الراكب المختال؟» ~~قال: «ابن عائشة المغني.» فدنا منه، وقال: «جعلت فداءك! أنت ابن عائشة أم المؤمنين؟» ~~قال: «لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا فلا تكثر.» قال: «وما هذا الذي بين ~~يديك؟» قال: «غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته، فأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة.» ~~قال: «جعلت فداءك! هل تمن علي بأن تسمعني ما أسمعته إياه؟» فقال له: «ويلك! ~~أمثلي يكلم بمثل هذا في الطريق؟!» قال: «فما أصنع؟» قال: «الحقني إلى ~~المنزل.» يريد مخاتلته والنجاة منه، وحرك بغلة شقراء تحته لينقطع عنه، فعدا معه حتى ~~وافيا المنزل كفرسي رهان. ودخل ابن عائشة، فمكث طويلا طمعا في أن ينصرف فلم ~~يفعل، فلما أعياه قال لغلامه: «أدخله!» فلما دخل قال له: «من أين صبك الله علي؟!» ~~قال: «أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء.» قال له: «هل لك فيما هو أنفع لك ~~منه؟» قال: «وما ذاك؟!» قال: «مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك.» فقال له: ~~«جعلت فداءك! والله إن لي لبنية ما في أذنها - علم الله - حلقة من الورق، ~~وإن لي لزوجة ما عليها - يشهد الله - قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير ~~المؤمنين على خلتي وحاجتي لكان الصوت أعجب إلي منه!» وما زال به حتى رحمه ابن ~~عائشة وغناه الصوت بعد لأي، فطرب له الرجل طربا شديدا، وجعل يحرك رأسه وينطح به ~~الجدار حتى خيف أن يندق عنقه، ثم انصرف ولم يرزأه في ماله شيئا. # وفي هذا الحديث فوق الغرض الذي سقناه له ما يدل على أن الغناء العربي كان قريبا ~~إلى القلوب، وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار، فإذا لمسها رنت رنين الثكلى ~~المرزوءة في واحدها. وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ منه مختلفات الأنغام، ~~فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام. كما تبلغ منه نظرات الغرام فوق ما تبلغ من عقل شاربها ~~المدام. وكانت الأصوات عندهم تنسب إلى واضعيها ~~وتسمى بأسماء أصحابها - كما هو ms207 الشأن في الشعر - فيقال: صوت إسحاق، أو صوت معبد، ~~كما يقال: شعر مسلم أو بشار. وكان المغني أحرص على صوته من الكريم على عرضه، فإذا صنع ~~صوتا لا يسمح لأحد من المغنين بأخذه عنه حتى يغنيه مرارا وتعرف نسبته إليه، كما يفعل ~~اليوم المخترعون والصانعون من أخذ الامتيازات بمخترعاتهم ومصنوعاتهم. وكان لإسحاق ~~الموصلي القدرة الغريبة على مخاتلة المغنين عن أصواته، حتى صنع مرة صوتا وأراد الفحول ~~منهم أن يأخذوه بعدما سمعوه منه أكثر من سبعين مرة، فما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا. # وكانت مجالس الغناء عندهم تشبه أن تكون مجالس علم لدراسة هذا الفن وتهذيبه، فكان ~~أحدهم لا يحجم إن رأى في صوت صاحبه منتقدا أن يفجأه بالانتقاد ويبين له مواضع ~~الخطأ، مهما عظم شأن المجلس وشأن صاحبه. وكانت تقع بينهم المنافسات الشديدة في ذلك، كما ~~تقع بين العلماء في مجادلاتهم ومناظراتهم؛ مما يدل على أن الغناء العربي كان له عند ~~العرب صبغة جدية، فوق صبغة اللهو، وأن الغربيين في هذا العهد الأخير ليسوا بأعلم ~~بصناعة الغناء ولا أقوم على أمرها من العرب في ذلك العهد الأول. ولو أن العرب توسعوا ~~في فنونه وضروبه لبلغوا فيه الغاية التي لا غاية وراءها، ولكنهم كانوا قلما يحفلون ~~بإدخاله في الأغراض العالية، كالحروب ومواقف الفخر، وأمثال ذلك من المناحي والمقاصد إلا ~~قليلا. كما ورد في تاريخ الدولة العباسية أن أعداء البرامكة لما أرادوا الإيقاع بهم، ~~وعلموا أن سبيل الوشايات بهم إلى الرشيد سبيل وعر، دسوا له من القيان من يغنيه ~~بقول عمر بن أبي ربيعة: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # فحرك ذكر العجز والاستبداد ما كان كامنا في نفس الرشيد من شعوره بسلطان البرامكة ~~عليه واستبدادهم بالأمر من دونه، فقال عند تمام الصوت: «نعم، إني عاجز، إني عاجز!» ثم ~~كان من أمره معهم بعد ذلك ما كان. # ولقد مضى الصدر الأول من الإسلام وشأن فن الغناء العربي هذا الشأن العظيم، خصوصا في ms208 ~~أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية. ثم أخذت شمسه الباهرة تنحدر إلى الغروب ~~بانحدار اللغة العربية وشعرها، حتى أصبح في حضارة الأندلس قدودا وموشحات، بعد أن كان ~~قصائد ومقطعات، فكان لا يسمع أبناء العرب في ذلك العهد إلا قول المغني: # كحل الدجى يجري # من مقلة الفجر # على الصباح # ومعصم النهر # في حلل خضر # من البطاح # أو قوله: # كللي يا سحب تيجان الربى بالحلي # واجعلي سوارها منعطف الجدول # وليت الأمر وقف عند هذه الموشحات؛ فإنها وإن لم تكن شعرية اللفظ، فهي شعرية المعنى، ~~عالية الخيال، وهي على علاتها خير من شعر العامة الذين قضى عليهم فساد اللغة وانحطاطها ~~بانتهاجه والتغني به، كالزجل، والمواليا، والقوما، والدوبيت، وكان ويكون، وغير ذلك مما ~~يسمى في عهدنا هذا بالأدوار، والتواشيح، والأغصان، والمذاهب، وأمثالها. # فهل لجماعة المغنين في عصرنا أن يعفونا من «أحب جميل طبعه الدلال.» ومن «يا حلو صن ~~عهد ودادي الله يصونك.» ويأخذوا بنا في مسلك أشرف من هذا المسلك، ويعيدوا للغناء ~~العربي عهده الأول، كما صنع شعراء العصر برفيقه الشعر؛ فلقد كان الشعر والغناء أخوين ~~أليفين، رضيعي ثدي واحد، وضجيعي مهد واحد، ثم ضربهما الدهر بضرباته فافترقا، ~~فماذا علينا لو قصرنا مسافة البعد بينهما؟ وماذا على المغنين والشعراء في مصر لو عقدوا ~~بينهم عهدا أن يهذبوا أخلاق أمتهم ويرفعوا شأنها، ليكون لهم من الفضل في نهضتها ~~وارتقائها ما عجز عن دركه الفلاسفة والحكماء؟ فينظم الشاعر المقطعات الرقيقة العذبة ~~السائغة في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق، كالشجاعة، والشهامة، والشرف، وحب الوطن، ~~والاتحاد، والتزهيد في صغائر الأمور والترغيب في عظائمها، فيأخذها منه المغني ولا يتكلف ~~في تلحينها أكثر مما يتكلفه في تلحين سواها من الأدوار والمواويل، ثم يغنيها ~~في الناس غير مبال بما يفجؤه به ضعفاء النفوس من ~~العامة من الانتقاد الملازم لكل عمل شريف في مبدئه. وفي اعتقادي أن لهذه الطريقة من ~~الأثر الحسن في نفوس العامة وتهذيب أخلاقهم وطباعهم، وتقويم ألسنتهم وعقولهم، ما يخلد ~~للملحنين والمغنين أجمل ذكر في تاريخ عظماء الرجال. # | التوبة # علم ms209 فلان - وكان شابا من شبان الخلاعة واللهو، وقاضيا من قضاة المحاكم - أن ~~المنزل الذي يجاور منزله يشتمل على فتاة حسناء من ذوات الثراء والنعمة، والرفاهية ~~والرغد، فرنا إليها النظرة الأولى فتعلقها، فكررها أخرى، فبلغت منه، فتراسلا، ثم ~~تزاورا، ثم افترقا، وقد ختمت روايتهما بما تختم به كل رواية غرامية يمثلها أبناء ~~آدم وحواء على مسرح هذا الوجود. # عادت الفتاة إلى أهلها تحمل بين جانحتيها هما يضطرم في فؤادها، وجنينا يضطرب في ~~أحشائها، ولقد يكون لها إلى كتمان الأول سبيل، أما الثاني فسر مذاع، وحديث مشاع، إن ~~اتسعت له الصدور، لا تتسع له البطون، وإن ضن به اليوم لا يضن به الغد. # ذلك ما أسهر ليلها، وأقض مضجعها، وملك عليها وجدانها وشعورها، فلم تر لها ~~بدا من الفرار بنفسها والنجاة بحياتها. فعمدت إلى ليلة من الليالي الداجية، فلبستها ~~وتلفعت بردائها، ثم رمت بنفسها في بحرها الأسود، فما زالت أمواجها تتلقفها وتترامى ~~بها حتى قذفت بها إلى شاطئ الفجر، فإذا هي في غرفة صغيرة في أحد المنازل البالية، في ~~بعض الأحياء الخاملة، وإذا هي وحيدة في غرفتها، لا مؤنس لها إلا ذلك الهم المضطرم، وذلك ~~الجنين المضطرب. # كان لها أم تحنو عليها، وتتفقد شأنها، وتجزع لجزعها، وتبكي لبكائها، ففارقتها. وكان ~~لها أب لا هم له في حياته إلا أن يراها سعيدة في آمالها، مغتبطة بعيشها، فهجرت منزله. ~~وكان لها خدم يقمن عليها ويسهرن بجانبها، فأصبحت لا تسامر غير الوحدة، ولا تساهر غير ~~الوحشة. وكان لها شرف يؤنسها ويملأ قلبها غبطة وسرورا، ورأسها عظمة وافتخارا، ~~ففقدته. وكان لها أمل في زواج سعيد من زوج محبوب، فرزأتها الأيام في ~~أملها. # ذلك ما كانت تناجي نفسها به صباحها ومساءها، ~~بكورها وأصائلها، فإذا بدا لها أن تفكر في علة مصائبها وسبب أحزانها، علمت أنه ذلك ~~الفتى الذي وعدها أن يتزوجها فخدعها عن نفسها، ثم لم يف لها بعهده، فقذف بها وبكل ما ~~تملك يمينها إلى هذا المصير. # فلا يكاد يستقر ذلك الخاطر في فؤادها ويأخذ مكانه ms210 من نفسها حتى تشعر بجذوة نار ~~تتقد بين جنبيها من الحقد والموجدة على ذلك الفتى؛ لأنه قتلها، وعلى المجتمع ~~الإنساني؛ لأنه لا يعاقب القاتل على جرمه ولا يسلكه في سلسلة المجرمين. # وما هي إلا أيام قلائل حتى جاءها المخاض، فولدت وليدتها من حيث لا ترى بين يديها من ~~يأخذ بيدها أو يساعدها على خطبها غير عجوز من جاراتها ألمت بشأنها، فمشت إليها ~~وأعانتها على أمرها بضع ساعات، ثم فارقتها تكابد على فراش مرضها ما تكابد، وتعاني من ~~صروف دهرها ما تعاني. # ولقد ضاق صدرها ذرعا بهذا الضيف الجديد، وهو أحب المخلوقات إليها وأكثرهم قربا إلى ~~نفسها. فجلست ذات ليلة وقد حملت طفلتها النائمة على حجرها وأسندت رأسها إلى كفها، وظلت ~~تقول: # ليت أمي لم تلدني وليتني لم أكن شيئا! # لولا وجودي ما سعدت، ولولا سعادتي ما شقيت. # إن كان في العالم وجود أفضل منه العدم، فهو وجودي! # لقد كان لي قبل اليوم سبيل إلى النجاة من الحياة، أما اليوم وقد أصبحت أما فلا ~~سبيل. # أأقتل نفسي فأقتل طفلتي؟ أم أحيا بجانبها هذه الحياة المريرة؟ # لا أحسب الموت تاركي حتى يذهب بي إلى قبري، فماذا يكون حال طفلتي من بعدي؟! # إنها ستعيش من بعدي وتشقى في الحياة شقائي، لا لذنب جنته ولا لجريمة اجترمتها سوى ~~أنني أمها. # هل تعيشين أيتها الفتاة حتى تغفري لي ذنب أمومتي حينما تسمعين قصتي، وتفهمين ~~شكاتي؟ # لم يبق في يدي يا بنيتي من حلاي إلا قليل سأبيعه كما بعت سابقه، فكيف يكون شأني ~~وشأنك بعد اليوم؟ # محال أن أعود إلى أبي فأقص عليه قصتي؛ لأنه لم يبق لي مما يعزيني عن شقاء ~~العيش وبلائه إلا أن أهلي لا يعرفون شيئا من أمري، فهم يبكونني كما يبكون موتاهم ~~الأعزاء، ولأن يبكوا مماتي خير لي ولهم من أن يبكوا حياتي!» # وكذلك ظلت تلك البائسة تحدث نفسها تارة وطفلتها أخرى بمثل هذا الحديث المحزن حتى ~~غلبها صبرها على أمرها، فأرسلت من جفنيها قطرات حارة من الدموع هي كل ما ms211 يملك ~~الضعفاء، ويقدر عليه البؤساء. # دارت الأيام دورتها، وباعت الفتاة جميع ما تملك ~~يدها وما يحمل بدنها وما تشتمل عليه غرفتها من حلي وثياب وأثاث، ولم يبق لها إلا ~~قميصها الخلق وملاءتها وبرقعها، ولم يبق لطفلتها إلا ثياب باليات تنم عن جسمها ~~نميمة الوجه عن السريرة، فكانت تقضي ليلها شر قضاء، حتى إذا طار غراب الليل عن ~~مجثمه أسدلت برقعها على وجهها، وائتزرت بمئزرها، وأنشأت تطوف شوارع المدينة وتقطع ~~طرقها لا تبغي مقصدا ولا تريد غاية سوى الفرار بنفسها من همها، وهمها لا يزال يسايرها، ~~ويترسم مواقع أقدامها. # وأحسب أن عجوزا من عجائز المواخير رأتها، فألمت ببعض شأنها فاقتفت أثرها حتى ~~عادت إلى غرفتها، فوغلت عليها، ثم سألتها ما خطبها، فأنست بها، وكذلك يأنس المصدور ~~بنفثاته، والبائس بشكاته، فكشفت لها عن أمرها، وألقت إليها بخبيئة صدرها، ولم تترك ~~خبرا من أخبار نعيمها، ولا حادثا من حوادث بؤسها لم تحدثها به. فعرفت الفاجرة محنتها، ~~ورأت بعينها ذلك الماء من الحسن الذي يجول في أديم وجهها جولان الراح في زجاجتها، وعلمت ~~أنها إن أحرزتها في منزلها فقد أحرزت لنفسها غنى الدهر، وسعادة العمر. فلم ترسل إليها ~~عقاربها وتنفث في نفسها عزائمها ورقاها حتى غلبتها على أمرها وقادتها إلى منزلها، فما ~~هي إلا عشية أو ضحاها، حتى بلغت تلك الفتاة البائسة الغاية التي لا مفر لها ولا ~~لأمثالها من بلوغها. # عاشت تلك البائسة في منزلها الجديد عيشا أشقى من عيشها الأول في منزلها القديم؛ ~~لأنها ما كانت تستطيع أن تزدرد لقمتها التي هي كل ما حصلت عليه في دورها الثاني إلا إذا ~~بذلت راحتها وشردت نومها، وأحرقت دماغها بالسهر، وأحشاءها بالشراب, وصبرت على كل من ~~يسوقه إليها حظها من سباع الرجال وذئابهم على اختلاف طباعهم، وتنوع أخلاقهم؛ لأنها لم ~~تر لها بدا من ذلك، فاستسلمت استسلام اليائس الذي لم تترك له ضائقة العيش إلى الرجاء ~~سبيلا. # ولو أن الدهر وقف معها عند هذا الحد لألفت الشقاء ومرنت عليه، كما يألفه ~~ويمرن عليه كل ms212 من أصيب بمثل ما أصيبت به، ولكنه أبى إلا أن يسقيها الكأس الأخيرة من ~~كئوس شقائه، فساق إليها رجلا كان ينقم عليها شأنا من شئون شهواته ولذاته، فزعم أنها ~~سرقت كيس دراهمه في إحدى لياليه عندها. ورفع أمرها إلى القضاء، واستعان عليها ببعض ~~أترابها الساقطات اللواتي كن يحسدنها وينفسن عليها حسنها وبهاءها حتى ~~أدانها. # جاء يوم الفصل في أمرها، فسيقت إلى المحكمة، وفي يدها فتاتها، وقد بلغت السابعة ~~من عمرها، فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها بما يشاء ويشاء له قانونه أو ذمته، ~~حتى أتى دور الفتاة، فأدناها منه، فما وقع بصرها عليه حتى شدهت عن نفسها وألم بها ~~من الاضطراب والحيرة ما كاد يذهب برشدها؛ ذلك أنها عرفته، إنه ذلك الفتى الذي كان سبب ~~شقائها، وعلة بلائها. فنظرت إليه نظرة شزراء، ثم صرخت صرخة دوى بها المكان دويا وقالت: # رويدك يا مولانا القاضي، ليس لك أن تكون حكما في قضيتي، فكلانا سارق وكلانا ~~خائن، والخائن لا يقضي على الخائن، واللص لا يصلح أن يكون قاضيا بين ~~اللصوص! # فعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب، وغضب لهذه الجرأة العجيبة، وهم أن يدعو ~~الشرطي لإخراجها، فحسرت قناعها عن وجهها، فنظر إليها نظرة ألم فيها بكل شيء، ~~فشعر بالرعدة تتمشى في أعصابه، وسكن في كرسيه سكون المحتضر على سرير الموت. وعادت ~~الفتاة إلى إتمام حديثها فقالت: # أنا سارقة المال، وأنت سارق العرض، والعرض أثمن من المال، فأنت أكبر مني ~~جناية، وأعظم جرما. # إن الرجل الذي سرقت ماله يستطيع أن يعزي نفسه باسترداده أو الاعتياض عنه، ~~أما الفتاة التي سرقت عرضها فلا عزاء لها؛ لأن العرض الذاهب لا يعود. لولاك ~~لما سرقت ولا وصلت إلى ما إليه وصلت، فاترك كرسيك لغيرك، وقف بجانبي ~~ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة، أنت مدبرها وأنا المسخرة ~~فيها. # إن شريعة تعلم أننا شركاء في جريمة واحدة ثم تأتي بنا إلى هذا المكان، ~~فتقف أحدنا في أشرف المواقف وتقف الآخر في أدناها لشريعة ظالمة ، ~~ليس بينها وبين العدل ms213 نسب موصول، أو ذمام غير منقضب. # رأيتك حين دخلت إلى هذا المكان، وسمعت الحاجب يصرخ لمقدمك، ويستنهض الصفوف ~~للقيام لك، ورأيت نفسي حين دخلت والعيون تتخطاني والقلوب تقتحمني، فقلت: يا ~~للعجب! كم تكذب العناوين، وكم تخدع الألقاب، وكم يعيش هذا العالم في ضلالة ~~عمياء، وجهالة جهلاء! # بخ بخ لأولئك القوم الذين منحوك هذه الشهادة؛ شهادة العلم والفضل ~~والأخلاق والآداب! ومرحى مرحى لأولئك الذين أقعدوك هذا المقعد، ووضعوا بين يديك ~~هذا القانون، ووقفوا أمامك هذا الشرطي يأتمر بأمرك، وينفذ حكمك، وينزل على ~~هواك! # إن تحت هذه الثياب التي تلبسونها - معشر القضاة - نفوسا ليست بأقل من ~~نفوسنا شرا، ولا أخبث منها مذهبا، وربما لا يكون بيننا وبين الكثير منكم ~~فرق إلا العناوين والألقاب، والشمائل والأزياء. # أتيت بي إلى هنا لتحكم علي بالسجن كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من ~~الشقاء حتى أردت أن تجيء بلاحق لذلك السابق. # ألم أحسن إليك بساعة من ساعات السرور فترعاها؟ # ألم تك إنسانا فترثي لشقائي وبلائي؟ # إن لم تكن عندي وسيلة أمت بها إليك، فوسيلتي إليك ابنتك هذه، فهي الصلة ~~الباقية بيني وبينك. # فرفع القاضي رأسه، ونظر إلى ابنته الصغيرة نظرة شفقة ورحمة، وقد قرر في نفسه أن لا ~~بد له من أن ينصف تلك البائسة، وينتصف لها من نفسه. غير أنه أراد أن يخلص من هذا ~~الموقف خلوصا جميلا، فأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من الجنون، وأن لا بد من ~~إحالتها على الطبيب، فصدق الناس قوله. # ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه، وقلب غير قلبه، وما هي إلا أيام قلائل حتى هجر ~~القاضي منصبه بحجة المرض، وما زال يسعى سعيه حتى ضم إليه ابنته، واستخلص أمها من ~~قرارتها، وهاجر بها إلى بلد لا يعرفهما فيها أحد، فتزوج منها، وأنس بعشرتها، واحترف في ~~دار هجرته بحرفة لولا أن أدل عليه إذا ذكرتها لفعلت. ولا يزال حتى اليوم يكفر عن ~~سيئاته إلى زوجته بكل ما يستطيعه من صنوف العطف وألوان الإحسان ، حتى نسيا ما فات، ms214 ولم ~~يبق أمامهما إلا ما هو آت. # | الحسد # لو عرف المحسود ما للحاسد عنده من يد وما أسدى إليه من نعمة، لأنزله من نفسه منزلة ~~الأوفياء المخلصين، ولوقف بين يديه تلك الوقفة التي يقفها الشاكرون بين أيدي ~~المحسنين. # لا يزال صاحب النعمة ضالا عن نعمته لا يعرف لها شأنا ولا يقيم لها وزنا حتى ~~يدله الحاسد عليها بنكرانها، ويرشده إليها بتزييفها والغض منها، فهو الصديق في ثياب ~~العدو، والمحسن في صورة المسيء. # أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الحاسد، ينقم على محسوده نعم الله عليه، ويتمنى لو ~~لم تبق له واحدة منها، وهو لا يعلم أنه في هذه النقمة وفي تلك الأمنية قد أضاف إلى ~~نعم محسوده نعمة هي أفضل من كل ما في يديه. # وجه الحاسد ميزان النعمة ومقياسها، فإن أردت أن تزن نعمة وافتك فارم بخبرها في فؤاد ~~الحاسد، ثم خالسه نظرة خفية، فحيث ترى الكآبة والهم فهناك جمال النعمة ~~وسناؤها. # ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمة أصغر شأنا وأقل خطرا من ~~نعمة ليس لها حاسد، فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فقف بها في سبيل الحاسدين، وألقها ~~في طريق الناقمين، فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها فاعلم أنهم قد منحوك لقب «المحسد»، ~~فليهنأ عيشك، وليعذب موردك! # إن أردت أن تعرف أي الرجلين أفضل، فانظر إلى أكثرهما نقمة على صاحبه وكلفا بالغض ~~منه والنيل من عرضه، فاعلم أنه أصغرهما شأنا وأقلهما فضلا. # قد جعل الله لكل ذنب عقوبة آتية يتألم لها، فالشارب يتألم عند حلول مرضه، والمقامر ~~يوم نزول فقره، والسارق يوم زيارة سجنه. # أما الحاسد فعقوبته حاضرة لا تفارقه ساعة واحدة، إنه يتألم لمنظر النعمة كلما رآها، ~~والنعمة موجود من الموجودات الثابتة التي لا يلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر، ~~والتحول من موقف إلى موقف، فهيهات أن يفنى ألمه، أو ينقضي عذابه، حتى تقر عينه ~~التي تبصر، ويسكن قلبه الذي يخفق! # الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد ms215 أن يسلك الحاسد ~~سبيل المحسود ليبلغ مبلغه من تلك النعمة التي يحسده عليها. ولا أحسب أنه ينفق من وقته ~~وعمله في هذه السبيل أكثر مما ينفق من ذلك في الغض من شأن محسوده والنيل منه، فإن كان ~~يحسده على المال فلينظر أي طريق سلك إليه فيسلكه، وإن كان يحسده على العلم فليتعلم، ~~أو الأدب فليتأدب، فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ فراغ عمره بشئون ~~لولاها لقضاه بين الغيظ الفاتك والكمد القاتل. # | الوفاء # يا صاحب النظرات # تزوجت منذ سنة من زوجة صالحة، طيبة القلب والسريرة، فاغتبطت بعشرتها برهة من ~~الزمان، وفي هذه الأيام عرض لها رمد في عينيها فذهب ببصرها فأصبحت عمياء، وأصبحت ~~أعمى بجانبها، قد بدا لي أن أطلقها، وأتزوج من غيرها، فماذا ترى؟ # إنسان # أيها الإنسان لا تفعل، فإنك إن فعلت كان عليك إثم الخائنين، وجرم الغادرين. كن اليوم ~~أحرص على بقائها بجانبك منك قبل اليوم؛ حتى تستطيع أن تدخر لنفسك عند الله من المثوبة ~~والأجر ما يدخر لأمثالك من الصابرين المحسنين. # لا تقل: إنها عمياء، فلا خير لي فيها ولا غبطة لي بها، فإنك ستجد في نفسك من لذة ~~المروءة والإحسان والعطف والحنان ما يحسدك عليه الناعمون بالحور الحسان في مقاصير ~~الجنان. # اجلس إليها صباحك ومساءك، وحادثها محادثة الصديق، بل الزوج لزوجه، وتلطف بها جهدك، ~~وروح عن نفسها ما يساورها من الكروب والأحزان، وقل لها: لا تجزعي ولا تحزني، فإنما ~~أنا بصرك الذي به تبصرين، ويدك التي بها تبطشين. # أعيذك أيها الإنسان بالله ورحمته، والعهد وذمامه، أن تجعل لهذا الخاطر السيئ - خاطر ~~الطلاق أو الفراق - سبيلا إلى نفسك، فإنها لم تسئ فتسيء إليها، ولم تنقض عهدك ~~فتنقض عهدها، فإن كنت لا بد ثائرا لنفسك فاثأر لها من القدر إن استطعت إلى ذلك ~~سبيلا. # إن عجزا من الرجل وضعفا أن يغضب فيمد يده بالعقوبة إلى غير من أذنب إليه، ~~ويعتدي على من لم يعتد عليه. # إن لم يكن احتفاظك بزوجك وإبقاؤك عليها عدلا يسألك الله ms216 عنه، فليكن إحسانا تحاسبك ~~الإنسانية عليه. # إنك خسرت بصرها ولكنك ستربح قلبها، وحسب الإنسان من لذة العيش وهنائه في هذه الحياة ~~قلب يخفق بحبه، ولسان يهتف بذكره. # إنها أسعدتك برهة من الزمان، فليخفق قلبك حنانا عليها بقدر ما خفق سرورا ~~بها. # لا أحسب أنها كانت تاركتك، أو مغفلة أمرك لو أن هذا السهم الذي أصابها أصابك من ~~دونها، فاحرص الحرص كله على ألا تكون امرأة ضعيفة أسبق منك إلى فضلية الصدق ~~والوفاء. # إلى من تعهد بها بعد فراقك إياها؟ وأي موطن من المواطن هيأته لمقامها؟ وماذا أعددت ~~لها من الوسائل التي تستعين بها على شئون عيشها وتأنس بها في وحشتها ووحدتها؟! # كيف يهنأ لك عيش أو يغمض لك جفن إذا أظلك الليل فذكرتها، وذكرت أنها تقاسي في ~~وحدتها من الوحشة ما لا قبل لها باحتماله، وأنها ربما كانت تطلب جرعة ماء فلا تجد من ~~يقدمها إليها، أو كسرة خبز فلا تجد من يدلها عليها، أو ربما قامت من مضجعها في سكون ~~الليل وهدوئه تتلمس الطريق إلى حاجة من حاجاتها فأخطأ تقديرها فصدمها الجدار في جبينها ~~صدمة سال لها دمها حتى امتزج بدمعها! # أيها الإنسان، إن لم تكن عادلا ولا وفيا ولا محسنا، فارحم نفسك من هذا الخيال ~~الذي لا بد أن سيساورك ويفت في عضدك ويزعجك من مرقدك، فإن لم تكن هذا ولا ذاك، ~~فغيرك أخاطب؛ لأني لا أحسن إلا مخاطبة الإنسان. # إني محدثك عن صديق لي من كرام الناس وأوفيائهم، تزوج زوجة حسناء، فاغتبط بها ~~برهة من الزمان، ثم أصابها الدهر بمثل ما أصاب به زوجتك، ولم يترك لها من ذلك النور ~~الذاهب إلا مثل ما تترك الشمس من الشفق الأحمر في صفحة الأفق بعد غروبها. فلم يقنعه من ~~الوفاء لها أن استبقاها واستمسك بها، بل كان يحرص جهده على ألا تعلم أنه ينكر من أمرها ~~شيئا، حتى إنه كان يعتب عليها في بعض الأحايين في ذنوب ما كان له أن يؤاخذها بها إلا ~~من حيث كونها ناظرة مبصرة، ms217 يريد بذلك أن يلقي في نفسها أنه لا يعرف من قصة نظرها ~~شيئا، وأنه لا يرى فيها غير ما يراه الرجال من نسائهم المبصرات، رفقا بها وإبقاء على ~~ما تحب من الاعتداد بنفسها، والإدلال بمزاياها. # ولقد قرأت جملة صالحة من نوادر العرب في آدابهم ومكارمهم وأخلاقهم، ولطف وجدانهم، ~~فلم أر بينها نادرة أعلق بالقلوب، ولا أجمل أثرا في النفوس من قول أبي عيينة ~~الكاتب المعروف في عهد الدولة العباسية، وكان كفيف البصر: «اختلفت إلى القاضي أحمد بن ~~أبي داؤد أربعين سنة، فما سمعته يقول لغلامه عند تشييعي: خذ بيده يا غلام، بل يقول: ~~اخرج معه يا غلام.» # فإن كنت تريد أن يسجل لك من الوفاء في صفحات القلوب ما سجل لأحمد بن أبي داؤد ~~في صفحات التاريخ، فلا تطلق زوجتك، ولا تنقم منها أمرا قد خرج حكمه من يدها، وإن ~~أبيت إلا أن تأخذ لنفسك حظها من لذة العيش وهنائه، فاعلم أنه ما من لذة يلذ بها ~~الإنسان في حياته إلا ويشوبها الكدر، أو يعقبها الألم، إلا لذة الإحسان. # | خبايا الزوايا # جلس قاضي التحقيق أمس على كرسيه في غرفته، ووقف عن يمينه رجل من ذوي الأسنان قذر ~~الثوب، دميم المنظر، تسنح شعراته البيض في أكناف رأسه ولحيته سنوح الشرر الأبيض في ~~الدخان الأسود، وتتمشى في أديم وجهه صفرة مغبرة، من رآها علم أنها نسيج ذلك ~~الدخان، دخان الحشيشة الذي ينفثه من فيه في صباحه ومسائه، وغدوه ورواحه. ووقف عن يساره ~~صبية ستة نحل الأبدان، جوع الأكباد، لم يترك لهم الدهر - آكل البؤساء وشاربهم ~~- إلا هياكل من عظام تضطرب في رءوسها عيون لا تستقر في محاجرها إلا إذا استقر الزئبق ~~في قرار مكين. # نظر إليهم قاضي التحقيق نظرات تمازجها الرحمة، وتخالطها الشفقة، والقضاة لا يرحمون ~~ولا يشفقون لولا أن من المناظر مناظر تنال من القلوب القاسية، وتستهوي الأفئدة ~~المتحجرة. وأنشأ يسألهم واحدا بعد واحد ما شأنهم وما خطبهم وما مصيرهم. فكان جوابهم ~~جوابا واحدا خلاصته أن هذا النمر اللابس ملابس الإنسان ms218 رأى خلتهم من حيث يخفى ~~مكانها، فثغر فيها ثغرة انحدر منها إلى أغراضهم، فعبث بها ما شاء وشاء ~~العابثون. فكانوا في داره الضروع التي يحتلبها، حتى إذا استنفد درتها ألح على دمائها ~~فاستنزفها. وقالوا: إنه كان يديم مطال الجوع في بطونهم، فإذا علم أنهم هلكوا أو كادوا ~~طفق يعللهم باللقمة بعد اللقمة، والمضغة أثر المضغة، ويرمقهم العيش ترميقا لا إبقاء ~~عليهم، بل على ما كان يغتنمه من بسطة العيش من ورائهم. وزعموا أنه كان يريبه منهم في ~~بعض الأحيان تمردهم عليه واحتفاظهم بأعراضهم من دونه، فيدخل في أدمغتهم لصا من دخان ~~الحشيشة يسرق عقولهم، ويحل عقدة منعتهم، ويتركهم لا يدرون ما يأتون ولا ما ~~يدعون. # وما وصلوا من شكواهم إلى هذا الحد حتى سقط منهم اثنان بين يدي القاضي، فراعه من أمرهم ~~ما راعه، ثم علم أنه الجوع، فأمر لهم بخبز وأدم، فازدحموا عليه يتناهبونه ويزدردونه ~~ازدراد الوحش فريسته، وقد وقف ذلك الذئب المستأنس ينظر إليهم نظرة شزراء كتلك النظرة ~~التي يرمي بها الصائد صيده إذا أفلت من حبالته. # بذلك حدثني من رأى هذا المنظر بعينه، فارتعت لسماع حديثه الارتياع كله، وحسبت أنه ~~يحدثني عن حادثة وقعت في مبدأ الخليقة في مغارة من مغاور الجن، أو شعفة من ~~شعفات الجبال، وقلت له: «أتعلم أيها الرجل أنك تحدثني عن إنسان؟!» فقال: «لا تعجل، ~~فما حدثتك إلا عن رجل حمار لا يفارق وجهه سوأة حماره ليله ونهاره، وربما سرت ~~إليه تلك النتيجة من هذه المقدمة، فكيف بك لو علمت أن هذه الرذيلة لا يترفع عنها في ~~هذا البلد كثير من الأتقياء والصالحين والأساتذة والمعلمين؟! # إن بين جدران هذه البنى التي يسمونها المدارس وقائع لا يسر منظرها، ولا يروق ~~مخبرها، وحوداث لو تلاها التالون على مسمع الفلك الدائر، لوقف عن دورته! أو الجبل ~~الشامخ لصعق من دهشته! # إن بين هؤلاء الذين تراهم وقوفا في أشرف المواقف بعد مواقف الرسل، والذين تغضي ~~بين أيديهم العيون إجلالا وإكبارا، وتترامى على أيديهم الأفواه لثما وتقبيلا، ~~والذين ms219 أسلمت الأمة أمر بنيها إليهم، وأخذت عليهم ما شاء الله أن تأخذ من العهود ~~والمواثيق أن يكونوا لأولئك الأبناء آباء محسنين، وأوصياء راحمين - قوما لصوصا يسرقون ~~الأعراض، وخونة يعبثون بالأمانات، وقتلة يفتكون بأعراض تلاميذهم، فيوردونهم موارد ~~الحتف والهلاك، ويجعلون مصيرهم مصير أولئك الصبيان الذين فارقناهم في غرفة ~~التحقيق. # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد، حتى سري عن نفسي ما كنت أمسكه بين جنبي من ~~الموجدة على ذلك الرجل، وعلمت أن الجناية ليست جناية الحشاشين والحمارين، وإنما هي ~~جناية المربين، وجريرة المهذبين. # أساء الأب بإدخال ولده المدرسة، وكان خيرا له لو أدخله المزرعة حيث لا سقوف ولا ~~جدران، ولا خبايا ولا زوايا، ولا مكامن ولا مخادع، وحيث يجد النابت هناك من الطبيعة ~~الطاهرة أستاذا أمينا مستقيما، لا عاهرا ولا فاسقا، ولا خائنا ولا غادرا، وحيث ~~يرتشف من عرق جبينه نهلات باردات أصفى من المرآة وأطهر من الكوثر. # وأساء المعلم؛ لأنه هو الذي عمد إلى ذلك الصبي الطاهر فمزق عنه برقع عفافه وتصونه، ثم ~~قذف به في ذلك المزدحم الإنساني المائج بالشرور والآثام لا يحمل في يده سلاحا يحارب ~~به، ولا يعرف السبيل إلى جنة يدفع بها عن نفسه، فما له بد من العجز أمام ~~القادرين، والهزيمة بين أيدي المهاجمين. # وأساء الناس جميعا بإغفالهم أمر هؤلاء البؤساء، وإمساكهم القوت عنهم والمعونة لهم، ~~ولو أحسنوا إليهم لأنقذوهم من حياة كلها شقاء وبلاء، وعيب وعار. # ليست مسألة خبايا الزوايا أمرا يستهان به، فإننا نريد أن نعد لوطننا بعدنا رجالا ~~ذوي شجاعة وجرأة، وثبات وإقدام، من الذين إذا عظم الخطب كانوا حماة الديار، ~~وإذا اشتد البأس لا يولون الأدبار. # | الجامعة الإسلامية # أنا لا أحب أن أخدع نفسي عن نفسي، ولا أحب أن أخدع الناس عنها. # أنا مسلم قبل كل شيء، أي قبل أن أكون وطنيا أو سياسيا أو مجتمعا، بل قبل ~~أن أكون نسمة حية في هذا الوجود. # لو علمت أن مآرب هذه الدنيا وأغراضها لا تنال إلا بترك شعيرة من شعائر الدين أو ms220 ~~العبث بفريضة من فرائضه لعفتها واجتويتها، ونفضت يدي منها، وقلت لها كما قال ~~لها علي بن أبي طالب من قبل: «إليك عني، غري غيري، ما لي بك حاجة.» # لو لم يكن في الأمر إلا أن أخسر ديني فأربح دنياي أو أخسر دنياي فأربح ديني، لآثرت ~~أخراهما على أولاهما؛ لأني أعلم أني إن خسرت ديني، فقد خسرت كل شيء. # لو علمت أن الوطنية - وهي أفضل ما حمل امرؤ بين جنبيه من خلال الخير - تعترض دون ~~طريقي إلى آخرتي، أو تمتد حجابا بيني وبين ربي، لخرجت منها كما أخرج من ردائي، ثم خلصت ~~إلى شعفة من شعفات الجبال، أو صخرة في منقطع العمران أخلو فيها بنفسي من حيث لا أسمع ~~دعاء غير دعاء القلب، ولا نداء غير نداء الله، حتى يحين حيني، وينقضي أجلي. # ما أبغضت في حياتي شيئا بغضي للكذب والرياء، فإما أن أكون مسلما، فها هو ذا ~~الإسلام، وهذه شروطه وقيوده، وصفاته وطبائعه، أو لا، أبديت للناس صفحتي، وأعلنت لهم ~~أمرى، حتى يعلموا من أمر نفسي مثل ما أعلم منها. # أنا لا أحدث في ذلك عن نفسي خاصة، بل عن المسلم من حيث كونه مسلما؛ أي مصدقا ~~بالله ورسوله، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، معتقدا أن الحياة الدنيا معبر يعبره ~~إلى الحياة الأخرى، وأنه محاسب في أخراه حسابا غير يسير على ما فرط في أولاه، وأن ~~الله لا يقبل منه في موقف الحساب من المعاذير إلا ما رخص له فيه، أو رفع عنه ~~مئونته. فلا سبيل له إلا أن يلبس ثوب الإسلام معلما، لا خائفا ولا مترقبا، ~~ولا متنكرا ولا متكتما، ولا محتفلا بقول العيسوي أو الموسوي له: «أنت متعصب!» ولا ~~بقول الملحد أو الجاحد: «أنت مخرف!» فهو ليس متعصبا بل متمسكا، ولا مخرفا بل ~~مستيقنا. وأن يعترف به جهرة في جميع مواطنه ومواقفه، لا مستحييا ولا خجلا، ~~قد انقضى عهد الإسرار والإخفاء من تاريخ ذلك اليوم الذي أسلم فيه عمر بن الخطاب، فمشى ~~إلى المسجد الحرام حيث يجتمع كفار قريش، ms221 وأعلن فيه إسلامه بين هياجهم ونقمتهم، ثم مر ~~يقرع أبواب رؤسائهم بابا بابا، فإذا فتحوا له حدثهم عن إسلامه، فضربوا الباب في وجهه ~~غيظا وحنقا. # التمسك غير التعصب، والتهاون غير التسامح، فليس كل متمسك متعصبا؛ لأن التمسك محافظة ~~المرء على العمل بأوامر الدين ونواهيه، والتعصب بغضه لمخالفيه في دينه بغضا يحمله على ~~محاولة النكاية بهم، والعبث بما حقن الله من دمائهم، وصان من أعراضهم وأموالهم. وليس كل ~~متهاون متسامحا؛ لأن التهاون ترك المرء العمل بما فرض الدين عليه أن يفعل أو أن يترك، ~~والتسامح إغضاؤه عن خلف المخالفين له، بحيث لا يعد تلك الفروق الدينية التي بينه وبينهم ~~وسيلة إلى بغضهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في وجوهم. ولقد اعترضت ~~الآراء والمذاهب حلوها ومرها، ومعوجها ومستقيمها، فلم أر رأيا أضعف حجة ولا ~~أضل سبيلا من رأي الذي يقول: «إن الدين لا يجوز أن يتجاوز عتبة المسجد.» وكيف ~~يستطيع المسلم أن ينفرد بنفسه عن دينه في موطن من المواطن أو مذهب من المذاهب وهو ~~رفيق طيته ولصيق نفسه، في قيامه وقعوده، ويقظته ونومه، وانفراده واجتماعه؟ # ذلك أن المسلم لا يستطيع ألا يعطف على أخيه المسلم عطفا خاصا به فوق عطفه على ~~غيره من أفراد البشر؛ لأنه مأمور أن يكون منه بمنزلة اللبنة من اللبنة في البناء ~~الواحد؛ أي أن يكون عضدا له في شئون دينه ودنياه. # ولا يستطيع أن يسمع كلمة سوء يريد بها قائلها النيل من دينه والغض منه، دون أن يغضب ~~لها؛ لأنه من دينه على بينة، والغضب لا يزال رذيلة من الرذائل حتى يكون للحق، فهو ~~أفضل الفضائل. # ولا يستطيع أن يبيع أو يبتاع، ويقرض أو يقترض، وينطق أو يصمت، ويعاشر أو يقاطع، ~~ويوافق أو يخالف، إلا إذا نظر فيما أحل الدين من البيع وحرم من الربا، وفيما رخص ~~للمتكلم أن ينطق به وأوجب عليه أن يمسك عنه، وفيما شرع من معاشرة خيار الناس ومجانبة ~~شرارهم، وموافقة المحقين ومخالفة المبطلين. وهكذا حتى لا يخرج عنه ms222 في جميع شئونه ~~وحالاته، سواء أكان في المسجد أو البيعة، أو المنزل أو السوق، أو المجتمعات العامة، أو ~~الأندية الخاصة. # وكما لا يستطيع أن يخرج عن أحكام الدين في شيء من هذا، كذلك لا يستطيع أن يخرج عنها ~~في كيفية معاملة المخالفين له في الدين من الرأفة بهم، والعطف عليهم، والإحسان إليهم، ~~ما داموا موالين له، غير خارجين عليه، ولا مادين إليه يد سوء. # فلتنعموا أيها المسيحيون بالا ولتثلجوا صدورا، ولتعلموا أن المسلم لا ~~يستطيع أن يكون متعصبا ما دام متمسكا بدينه؛ لأن في تعصبه هدما لأعظم ركن من أركان ~~الدين الذي يتعصب له. # فإن رأيتم أنه يغضب لشتم دينه أو نبيه في صحيفة تنشر في بلاده، أو يضمر في قلبه ~~جزعا من العهد بشئون المسلمين الدينية إلى غير مسلم، فلا تقولوا إنه متعصب، وإنما هو ~~متمسك بدينه تمسككم بدينكم، ولا تطلبوا عنده أكثر مما تطلبون عند أنفسكم، وارحموه ولا ~~تعذبوه بإدماء قلبه، وإحراج صدره، فإنه يرحمكم ولا يعذبكم. # وإن خيل إليكم أن في المسلمين متعصبين فاعلموا أنهم متعصبو أقوال لا متعصبو ~~أفعال؛ أي إنهم يبغضون المسيحيين ولا يقاطعونهم، ويدعون عليهم بالهلاك ولا يمدون إليهم ~~يد سوء، ويسيئون الظن بهم وهم يستعينون بهم في جميع أعمالهم، سرها وجهرها، ويتمنون لهم ~~الخسران وهم يحمونهم مما يحمون منه أنفسهم وأولادهم. فهذا التعصب - لو تبينتم - مظهر ~~من مظاهر الحماقة والبله لا أثر له في نفوسهم، ولا علاقة بينه وبين تدينهم، ولا يمكن ~~بحال من الأحوال أن يشبه تعصب المعروفين بالتعصب من المسيحيين الذين يضمرون للمسلمين ~~في قلوبهم ما تصمت عنه ألسنتهم، وتنطق به أعمالهم، فترى الواحد منهم لا يبتاع حاجته إلا ~~من المسيحي إن كان مشتريا، ولا يستعين على عمله إلا بالمسيحي إن كان تاجرا أو صانعا، ~~ولا يوظف إلا المسيحي إن كان رئيسا في مصلحة، ولا يهتم إلا بالدفاع عن المسيحي إن ~~كان محاميا، ولا يرحم إلا المسيحي إن كان قاضيا. # إن المسيحي الذي يقول للمسلم: أنت متعصب ، قبل أن يرى في ms223 سيماء وجهه أثر العداوة ~~والبغضاء له، وإرادة الإيقاع به، لا يريد بكلمته هذه مصارحته برأيه فيه، بل خديعته عن ~~دينه والهجوم على قلبه، والتمكن من مجالسته على مائدة واحدة تختلط فيها الأيدي ~~والأفواه، ويخطئ فيها العد، ويضيع الحساب، فيتناول منها ما لذ وحلا ويترك له ما مر ~~وتفه. ولقد بلغ منه في كثير من الأحيان الغرض الذي أراده، فخدع كثير من المسلمين ~~عن دينهم، ونالت تلك المكيدة المدبرة من نفوسهم، وعظم عليهم أن يسموا متعصبين، ~~وكانوا لا يدركون فرق ما بين التمسك والتعصب، فتهاونوا في أمر دينهم وازدروه، واستحيوا ~~من اللصوق به، والأخذ بشعائره، فأصبح الواحد منهم لا يجرؤ أن يفتتح خطابه أو كتابه أو ~~طعامه بالبسملة، ولا يجرؤ على السلام أو رده بالصيغة المأثورة، ولا على إقامة الصلوات ~~في أوقاتها في مجتمع عام، ولا على الاعتذار عن ترك منكر من المنكرات بعذر الدين، بل ~~إن فيهم من يرائي بالفسق والضلال، كما يرائي الفساق والضلل بالصلاح والتقوى، ~~فيقيم الصلاة في بيته، ويزعم أنه تاركها، ويترك شرب الخمر تدينا، ويزعم أنه تاركها ~~توفيرا لماله أو خوفا على صحته؛ فرارا من تهمة التعصب، أي تهمة التدين، ولله الأمر ~~من قبل ومن بعد. # ولم أر في حياتي منظرا أبرد ولا أسمج من منظر المسلم الذي يجالس المسيحي في مجتمع ~~عام، فيقول له: «إني أحبك محبتي لنفسي؛ لأني أعتقد أن كلينا يعبد إلها واحدا، ويدين ~~بدين صحيح يأمر بفضائل الأعمال وينهى عن رذائلها.» وربما كان يضمر له في قلبه في تلك ~~الساعة من العداوة والبغضاء ما لو طارت شرارة منه لأحرقتهما جميعا وتركتهما رمادا ~~تذروه الرياح. وعندي أن الأفضل من هذا الرياء الكاذب والدهان المصنوع أن يقول له: ~~«إني أعتقد صحة ديني، فلا بد لي من أن أعتقد فساد غيره من الأديان؛ لأني لو كنت ~~معتقدا صحتها لتقلدتها وهجرت ديني لأجلها، وإني على ذلك لا أحمل لك في صدري ضغينة ~~ولا موجدة؛ لأني أعلم أنك إنسان، وديني لا يسوغ لي أن أبغض أحدا من ms224 الناس، غير أني ~~لا أسطيع أن أحبك محبتي لأخي المسلم؛ لأني إن أحببت الذي يساعدني على حفظ مالي أو ~~صيانة ولدي حبا جما، فأحرى بي أن أحب الذي يساعدني على حفظ ديني الذي هو أعز ~~علي من نفسي وولدي حبا لا حد له.» # إن المصانعة والمجاملة في الدين ليست سبيل الاتحاد والاتفاق كما يظن الذين يصانعون ~~ويجاملون، وما هي إلا الخداع والغش، وما علمنا أن أمة أسعدها الغش أو رفعها الخداع. ~~وها هي ذي الجرائد المسيحية والإسلامية في مصر يفتتح أكثرها كل يوم فصول العداوة ~~والبغضاء بعناوين المحبة والإخاء، فلم يف خيرها بشرها، ولا نفعها بضرها، بل السبيل إلى ~~ذلك أن يعلم المتدين علما صحيحا أن الاختلاف في الدين شيء، والتباغض فيه شيء آخر، ~~وأن الدين الذي يسوق العالم إلى الهلاك والفناء لا يمكن أن يكون دينا ~~إلهيا. # إن الإبهام والإغماض في التدين يقتل الدين في نفوس المتدينين قتلا لا حياة له من ~~بعده، فلا بد للمسلم من أن يكون مسلما في جميع حالاته وشئونه، وإسراره وإعلانه، فلا ~~يستحيي أن يلبس عمامته في باريس كما يلبسها في مصر. وأن يقيم الصلاة لوقتها في قصر ~~الفاتيكان كما يقيمها في مسجد قريته. وأن يترفع عن مجاراة الغربيين في عاداتهم التي ~~يرى أنها لا تلائم دينه، فلا يشرب نخب أحد من الناس وإن كان في مجلس الإمبراطور، ولا ~~يأكل لحم الخنزير وإن قدمه له بيده القيصر، ولا يحمل بساط الرحمة في جنازة ميت من ~~الأموات وإن كان بابا رومة، ولا يحمل سلاحه راكضا إلى مقاتلة أخيه المراكشي إن كان ~~جزائريا، أو المصري إن كان هنديا، ولو كان دون ذلك موته صبرا، وليعلم أن ذلك ~~سبيله الذي لا سبيل له غيره إلى العظمة التي يحب أن تكون له في نفوس مخالفيه في دينه أو ~~عاداته. وإن حاول مخادع أن يخدعه عن نفسه ويلقي في روعه أن اطراح المسلمين للدين ~~وسيلة تقدمهم، كما كان اطراحه وسيلة تقدم المسيحيين، فليذكر دائما كلمة ذلك الرجل ~~العظيم السيد ms225 جمال الدين الأفغاني في قوله: «ترك المسيحيون دينهم فتقدموا، وترك ~~المسلمون دينهم فتأخروا!» # الجامعة الإسلامية بالنسبة للمسلم هي الجامعة الكبرى التي يجب أن يمنحها بنات قلبه، ~~وجوهر لبه، قبل أن يمنح ذلك غيرها من الجوامع الأخرى، وما احتاج المسلمون إلى تلك ~~الجامعة في دور من أدوار حياتهم احتياجهم إليها في هذا العصر الذي أصبحوا فيه شتى ~~المسالك والمذاهب بين سمع الأرض وبصرها، وأصبحوا لا موطن لهم إلا تلك البقاع المبعثرة ~~في مشارق الأرض ومغاربها التي يعيشون فيها عيش الأذلاء المستضعفين، بين مهاجر يأكل ~~خبزهم، ومستعمر يشرب دمهم، ومبشر يفتنهم عن دينهم، أو ينغص عليهم عيشهم بمشاغبتهم ~~ومجادلتهم، والاستهزاء بعقائدهم وشعارهم، فإن لم يتعارفوا ويتعاقدوا على التعاون ~~والتناصر تعاقدا يأنسون به عند اشتداد الكربة، ويفزعون إليه من كلب الزمان وغدره، ~~كان آتيهم شرا من حاضرهم، كما كان حاضرهم شرا من ماضيهم. # أنا لا أريد بالجامعة الإسلامية أن يجتمع المسلمون على قتال المخالفين لهم في دينهم، ~~فقد مضى زمن القتل والقتال، بل أريد أنهم إن كانوا يحتفلون بالجامعة الجنسية أو الوطنية ~~مرة - لأنها وسيلة دنياهم - فأحرى بهم أن يحتفلوا بالجامعة الدينية ألف مرة؛ لأنها ~~وسيلة دنياهم وأخراهم، وللآخرة خير وأبقى. # | القمار # لا أستطيع أن أعتقد ما يسمونه الجنون الفرعي ويريدون منه جواز أن يكون الإنسان ~~مجنونا في بعض شئونه عاقلا في باقيها، وعندي أن الرجل إما أن يكون عاقلا أو ~~مجنونا، ولا ثالث لهما. # العقل قوة يقتدر بها المرء على الاستمساك في مزالق الشهوات وبين مهاب الأهواء، ~~فموقفه أمامها موقف واحد، فإما أن يغلبها جميعها أو يغلبه جميعها. # أما ما يراه الرائي أحيانا من استهتار الرجل في بعض الشهوات استهتارا يستهلك نفسه ~~ويستهوي عقله، وزهده في بعضها زهد الأعفاء المستمسكين؛ فذلك لأنه رغب في الأولى ~~فاسترسل وراء رغبته، ولم يدعه إلى الأخرى داع من خواطر قلبه ونزوات نفسه، ولو دعاه ~~لخف إليه ولباه، ولن يسمى الرجل زاهدا أو عفيفا إلا إذا أمسك نفسه عن شهوة تدعوه ~~إليها فيدافعها ، وتتلهب بين جنبيه فيطفئها. ms226 # لا تقل: إن السكير عاقل إن رأيته غير فاسق ولا عاهر، واعلم أنه لا يشتهي الفسق، ~~ولا تجذبه إليه جواذبه، ولو اشتهاه لوقف من المواخير موقفه من الحانات. ولا تقل: إن ~~الفاسق عاقل إن رأيته غير سارق ولا مختلس؛ فإنه لا يحب السرقة ولا الاختلاس، ولو أنه ~~أحبهما لكان في تسلق الدور والقصور أبرع منه في التسلل إلى مكامن الفسق والفجور. ولا ~~تقل: إن المقامر عاقل إن رأيته لا شاربا ولا فاسقا؛ فإن القمار قد استهلك ~~شهوته واستخلصها لنفسه، ولم يدع فيها فضله لسواها، ولولا ذلك لكان أكبر السارقين وأفسق ~~الفاسقين. # لو كنت من المصانعين الذين يزخرفون لأرباب الرذائل رذائلهم حتى يصوروها في نظرهم ~~فضائل بما يلبسونها من أثواب التأويل ويصبغونها من ألوان التعليل، لما استطعت أن أصانع ~~المقامر؛ لأن حاله من الجهل الفاضح والغباوة المستحكمة أبعد الحالات عن عذر المعتذرين، ~~وتأويل المتأولين. # أي عذر يعتذر به المعتذر عن رجل يريد أن يمشي في طريق الغنى، فيمشي في طريق ~~الفقر؟ والطريقان واضحان معلمان لا غموض فيهما ولا إبهام. # ما جلس المقامر إلى مائدة القمار إلا بعد أن استقر في نفسه أن الدرهم الذي في يده ~~سيتحول بعد برهة من الزمان إلى دينار يعود به إلى أهله فرحا مغتبطا، وأحسب أن ~~العقول العشرة مجتمعة ومتفرقة تعجز عن إدراك سر هذه العقيدة ومثارها. # إن كان يؤمل الربح لأنه رأى عن يمينه رجلا قد ربح، فلم لا يخاف الخسران لأنه رأى ~~عن يساره مائة خاسرين؟! وإن كان يضحكه منظر الربح لأنه رأى في بعض مواقفه أحد الرابحين ~~مبتسما، فلم لا يبكيه منظر أصدقائه ورفقائه الخاسرين وهم يتساقطون حواليه تساقط جنود ~~الحرب بين يدي القذائف؟ # ما أشبه المقامر الذي يطلب من الدينار الواحد مائة بالكيماوي الذي يطلب من ~~القصدير فضة، ومن النحاس ذهبا! كلاهما يتاجر بالأحلام في سوق الأوهام، فيربح ربحا ~~مقلوبا، ويكسب كسبا معكوسا، وما أشبههما جميعا بذلك الرجل الذي علم أن في صحراء ~~من صحاري إفريقية كنزا دفينا لا تعرف له بقعة، ms227 وليس عليه دليل، فحمل فأسه على كتفه ~~ومشى في تلك الصحراء يحفر الحفرة التي تستنفد قوته وتستهلك منته، وتبلغ من نفسه ما ~~لا يبلغ منها كر الغداة ومر العشي، حتى إذا بلغ مستقرها وعلم أنه لم يعثر بضالته تركها، ~~وبدأ يحفر غيرها بجانبها، فلا يكون نصيبه من الأخرى أوفر من نصيبه من الأولى، وهكذا حتى ~~أدركه الموت وهو في بعض تلك الحفر، فكان هو نفسه الكنز الدفين في تلك الصحراء، إلا أنه ~~كنز لا يطمع فيه طامع ولا يرغب فيه راغب! # إن كنت تسمع في حياتك باجتماع النقيضين وتلاقي الضدين، فاعلم أن المقامر في آن ~~واحد أجشع الناس وأزهد الناس؛ فلولا حبه المال لما هان عليه أن يبذل راحته وشرفه ~~وحياته في سبيله، ولولا زهده فيه لما أقدم باختياره على تبديده على مائدة القمار لا ~~لغاية يطلبها، ولا لمأرب يسعى إليه. # أنا لا أريد أن أنصح إلى المقامر بترك القمار؛ لأني أعتقد أن من يملك عقلا مثل ~~عقله وفهما مثل فهمه لا يستطيع أن يفهم كلمة مما أقول. من عجزت حوادث الدهر وعبر ~~الأيام عن أن ترد عليه ضالة عقله وتهديه السبيل إلى نفسه فلن تنفعه كلمة كاتب، ولا ~~موعظة خاطب. وإنما أريد أن أقول للذين لم يخطوا خطوة واحدة في هذا الطريق الوعر حتى ~~اليوم: «لا تقامروا جدا ولا هزلا، فإن هزل القمار يجر إلى جده، ولا تمروا ~~بمعاهد القمار، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا تصاحبوا المقامرين فإنهم لا ~~يرضون عنكم حتى تتخذوا ملتهم، فإن فعلتم خسرتم مالكم وشرفكم وعزيمتكم وحياتكم، ~~من حيث لا تجدون من رحمة القلوب ورأفتها ما يعوض عليكم ما خسرتم، فارحموا أنفسكم إن ~~كنتم راحمين، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. # | الأوصياء # مرض فلان مرض الموت، فلم يحفل بالمنية؛ لأنه اقتطف زهرة الحياة جميعها، ولأن ~~الثمانين قد ألحت عليه بصبحها ومسائها وليلها ونهارها، فلم تترك له خيطا من خيوط ~~الأمل ولا شعاعا من أشعة الرجاء، لولا أن بين يديه ولدا صغيرا ms228 في السابعة من عمره ~~قد ماتت أمه من عهد قريب، وللشيوخ الكبار إلى أبنائهم الصغار حنين الإبل إلى أعطانها، ~~فنظر إليه وهو يحوم حول فراشه نظرة طويلة لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع المنسجم، ثم ~~زفر زفرة شديدة خيل لرائيها أنها الزفرة الأخيرة، وأنشأ يقول: # أي بني، من لي بقلب يرعاك مثل قلبي، وعين تسهر عليك مثل عيني، وروح ~~ترفرف فوق رأسك مثل روحي، ونفس تضم جوانحها عليك مثل نفسي؟! # أي بني، كأني بركب الموت وقد نزل بي وحل بساحتي، وكأني به وقد احتملني ~~من فضاء القصر إلى مضيق القبر، ومن نور الحياة إلى ظلمة الموت، وكأني بك وقد ~~طفقت تنشدني فلا تجدني، وتفتش عني فلا تراني، ففزعت وارتعت، ثم صرخت فصعقت، ~~فلم تجد بجانبك من يمسح دمعك، ويخفف حزنك. # من لي بصديق أثق بوده وإخلاصه ورحمته وحنانه، فأكل إليه أمرك، وأعتمد ~~عليه في تأديبك وتخريجك وإبلاغك ما أرجو لك من السعادة في مستقبل دهرك؟ # فما أتم نجاءه حتى دخل عليه صديقه الوحيد الذي كان يأنس به ويستخلصه لنفسه، وقد سمع ~~آخر نجواه، فقال له: «هون عليك أيها الصديق، فأنا صديقك الذي تنشده، وأنا والد ولدك ~~من بعدك، وخليفتك بعد الله عليه.» ثم ترامى على فراشه يبكي لبكائه، وينشج لنشيجه. ~~فاستنار قلبه بنور الأمل، وقال: «أحمدك اللهم فقد رحمت ولدي، وحفظت بيتي.» # وما هي إلا أيام قلائل حتى كتب الشيخ كتاب الوصية بيده، ثم أجاب دعوة ربه تاركا في ~~يد ذلك الصديق الكريم مجده وشرفه وماله وولده. # اتخذ الشيخ ذلك الرجل صديقا له في العامين الأخيرين من أعوام حياته بعدما رآه يكثر ~~الاختلاف إليه ويطيل اللبث بجانبه، ويلازم الوقوف عند أمره ونهيه، ويخف لقضاء حاجاته ~~ولباناته. ذلك إلى ما كان يراه متجملا به من صلاح مملوء بالركعات والسجدات، ~~والتسبيحات المتواليات، وعفة حتى عن لقمة من الزاد يصيبها على مائدته، وتورع حتى ~~عن جرعة من الماء يتجرعها في حضرته، فاستخلصه لنفسه، وأنزله من قلبه المنزلة التي لا ~~يجاوره فيها غير ولده، وأصبح ms229 آثر الناس عنده، حتى لا يستطيع فراقه لحظه، ولا يصبر عنه ~~ساعة، إلى أن أحس باقتراب الأجل، فأوصاه بما أوصى، وعهد إليه بما عهد. # هذا تاريخ ذلك الصديق في حياة الشيخ، أما تاريخه بعد مماته، فسأسمعك منه ما ~~تهوي له الأفلاك عجبا وتخر له الجبال هدا. # لم تكن صلاته إلا رياء ونفاقا، وركوعه وسجوده إلا كيدا ودهانا، وعفته وزهادته إلا ~~حبالة نصبها ليعلق بها عقل الشيخ وقد علق، فيسلبه ماله وولده وقد فعل. وما كان ~~اختلافه إليه ولا تردده عليه إلا طمعا في هذا المصير الذي صار إليه، فلما علم أن قد ~~تم له من أمره ما أراد، أطلق يده في مال الصغير يعبث به عبث النكباء بالعود، ويبتاع به ~~لنفسه ما شاء الله أن يبتاع من قصور ودور وبساتين وضياع، فنبه ذكره بعدما كان ~~خاملا، ونبت ريشه بعدما كان عاريا، وأصبح صاحب السلطان المطلق في ذلك القصر يذل ~~من يشاء ويعز من يشاء. # أما شأنه مع الولد، فقد علم أنه سيبلغ عما قليل أشده، ويملك رشده، وأنه سيقطع عليه ~~لذته، ويقف له موقف المعترض سبيله، ويحاسبه على القليل والكثير والصغير والكبير، فلم ~~ير له بدا من أن يعد لذلك اليوم عدته، فعمد إلى الولد فقطعه عن المدرسة؛ لأنه لا ~~يحب أن ينشأ متعلما. ثم أغرى به من ساقه إلى مواطن الفسق ومجامع الشراب؛ لأنه لا يحب ~~أن ينشأ عاقلا، وما زال ينفق عليه وعلى الموكلين بإفساده من وراء حجاب، حتى ~~علق برأسه الشراب علوق السلاسل بالصدور، فأصبح بين الحانات والمواخير كالطائر بين ~~أغصان الأشجار لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا. # فكأنما وكل بعقله مقراضا يقرض له كل يوم منه قطعة حتى كاد يأتي عليه، فما بلغ ~~السن التي يرشد فيها القاصرون حتى استحال الوصي على القاصر قيما على المعتوه. ولم ~~يبذل في سبيل الوصول إلى ذلك أكثر من لقيمات ألقاها من فتات تلك المائدة إلى ~~المجلس الحسبي، فأدخله تلك الجنة الزاهرة بغير حساب ولا عقاب . # شرع الله شريعة الحجر ms230 على السفهاء والمعتوهين، وإقامة القوام عليهم رحمة بهم، ~~فاستحالت على يد المجالس الحسبية نقمة عليهم، وأصبح اللص الذي لا يحسن صناعة فتح ~~الأقفال، ويتقي مغبة تسلق الجدران قادرا على أن يسرق ما يشاء حينما يشاء تحت راية ~~هذه الشريعة المقلوبة من حيث يأمن الوقوف أمام محكمة الجنايات، وجر الأثقال في غيابات ~~السجون. وانتقلت الثروات العظيمة من أيدي أصحابها؛ مخافة أن يسرفوا فيها، إلى أيدي ~~آخرين يبددونها تبديدا، ويمزقون أديمها تمزيقا، من حيث لا يكون بينهم وبين المورث ~~صلة نسب أو وشيجة رحم، حتى أصبح السعي في جمع المال في هذا العصر وادخاره للوارثين ~~عملا من الأعمال الباطلة، وضربا من ضروب الجهل الفاضح، فمن لي إن أنا دبرت ~~المال وجمعته ألا يكون وارثي فيه من بعدي لصا من أولئك اللصوص الذين تمنحهم المجالس ~~الحسبية ما تمنعهم الشرائع الإلهية؟ ومن لي أن أعيش إلى أن أدرك ولدي فأتولى أمر ~~تربيته بنفسي قبل أن يظفر به في حداثته ظفر جارح من أظفار الأوصياء فيميت نفسه ويقتل ~~عقله ويفسد عليه شأن حياته، ويلبسه من الفضيحة والعار ما يقلق نفسي في عالمها، ويزعج ~~عظامي في مرقدها؟ # فلقد حدثني من قص علي تلك القصة الماضية أن ذلك الوصي لما علم أن قد تم له من ~~الحجر على ذلك الغلام ما أراد، عمد إلى تزويجه من فتاة حسناء من بنات الأشراف ما ~~كان يعنيه أن يزوجه منها لولا أن له في ذلك مأربا من المآرب الفاسدة. فما كادت تخلع ~~العروس خلعة عرسها حتى أنشأ يختلف إليها، ويكثر من زيارتها في الجناح الذي تسكنه في ~~القصر بما له عليها من حق الولايه والرعاية والنظر في شئونها ومرافقها. ثم ما زال ~~يختلها عن نفسها، ويزين لها ما يزينه الشيطان للإنسان حتى علقت بحبالته كما علق ~~بها غيرها من قبلها؛ ففركت زوجها، وبرمت به، فرابه من أمرها ما رابه، فرصدها حتى ~~عرف موطن سرها وموقع هواها، فشكا فلم يجد راحما، فكان يقضي كثيرا من لياليه في غرفة ~~من غرف القصر ms231 واجما مطرقا، مسلما رأسه إلى ركبتيه ودمعه إلى خديه، لا سمير له ولا ~~مؤنس إلا نغمات الضحكات التي كان يسمعها في غرفة زوجته، فتارة يثب وثبة الأسد، ~~فيثير في القصر ثائرة شعواء تضج لها جوانبه، فيتسارع إليه الخدم فيضربون على يده وفمه ~~بأمر سيدهم، وأخرى يعود إليه بلهه فينظر إلى هذه المناظر المؤلمة نظر الضاحك ~~اللاعب. # مرت على تلك الحوادث سنوات عديدة استأثر فيها ذلك الوصي بتلك الدائرة الواسعة، ~~وألح عليها بكلكله حتى اجتز وبرها، ثم استكشط جلدها، فلم يبق منها إلا ~~هيكل العظام. وعلم أن قامت قيامة الناس عليه، وأن قصته مع زوجة الغلام وماله قد ~~ملأت مسمع الخافقين، وأن نجمه الثاقب قد مال إلى الأفول، عمد إلى حيلة شيطانية ختم ~~بها تلك الرواية بمثل ما تختم به الروايات المحزنة. # تفتح للغلام بعد انقباضه، وابتسم إليه بعد تقطيبه، وابتاع له ما اقترحه عليه من ~~ثوب فاخر، ومركب فاره، ومزاهر وعيدان، وكئوس ودنان. ثم خلا به في ساعة من ساعات ~~نشوته وارتياحه، فقال له: «أيها الصديق قد آن أوان قيامك بشأنك وانفرادك بأمرك، ~~فاكتب إلى المجلس الحسبي رقعة تطلب فيها رفع الحجر عنك، واكتب توقيعك على ~~هذه الجريدة؛ جريدة الحساب.» فداخل الغلام من السرور والغبطة ما طار بلبه، فكتب ~~الأولى ووقع الأخرى، ثم أوعز الوصي إلى المجلس الحسبي بتلبية طلبه، فلباه وقضى ~~برفع الحجر عنه، فاستقبل الغلام تلك النعمة استقبال الظامئ كأس الشراب. وكان لا ~~بد له من أن يشرب حتى يبشم، ففتش بين يديه عن مال ينفقه، فلم يجده. وكان الرجل ~~قد وكل به عونا من أعوانه يداخله، ويتحين فرصة حاجته إلى المال فيمتحه، فكان يعطيه ~~باليمين، ويأخذ منه صك البيع باليسار. فما زال هذا يعطي وذاك يأخذ، حتى أصبح نصف تلك ~~الدائرة بعد عامين اثنين ملكا لعون الوصي اليوم، وللوصي غدا بثمن لا ~~يساوي عشر معشارها، بل بغير ثمن، وهل ابتاعها مبتاعها إلا بمالها وأنفق عليها إلا ~~ثمرتها؟! # هنالك قام الوصي وقعد ونادى في الناس بصوت يشبه صوت ms232 الحق، ونغمة تشاكل نغمة الصدق: ~~«أيها الناس قد كنت أنذرتكم بمصير هذا الغلام إن صار أمره إلى نفسه، فكذبتم قولي ~~وفندتم رأيي، وما زلتم تقولون كيت وكيت، حتى أحرجتم صدري ودفعتموني إلى ~~الغدر بذلك العهد الذي أخذه علي ذلك الصديق الكريم أن أتولى شأن ولده من بعده، ~~وألا أتخلى ساعة واحدة عن رعايته وتعهده، فكان ما كان مما تعلمون من تبديد ثروته ~~وتمزيقها، فها أنتم أولاء ترون بأعينكم شؤم رأيكم وجريرة سعيكم!» # ثم أعاد كرته على الغلام، وسعى سعيه في المجلس الحسبي، فأعاده سيرته الأولى، ~~ووضع في عنقه غلا لا فكاك له من بعده إلى يوم يبعثون. # ليت شعري! هل يعلم ذلك المقبور في لحده ما صنعت يد الحدثان بماله وولده، وأن المال قد ~~ورثه غير وارثه، واستأثر به غير صاحبه، وأن الولد قد أصبح - بعد ذلك الملك ~~الكبير، والجنة والحرير - يطلب المضغة فتعوزه، والجرعة فتتعذر عليه، وأنه يبيت ~~الليالي ذوات العدد مطرحا في زاوية من زوايا الحانات، لا وطاء غير أديم التراب، ~~ولا غطاء غير قطع السحاب؟! وهل أعد عدته للوقوف بين يدي الله في ذلك اليوم ~~المشهود، يوم تكشف الهنات، وتفضح العورات، فيمسك ولده بيمناه ووصيته بيسراه، ثم يناجي ~~ربه ويقول: «اللهم اعدني على هذا الكاذب الذي ختلني وخدعني وخفر ذمتي، وخاس ~~بعهدي وخان أمانتي، وأفسد وصيتي، وخذ لولدي بحقه من هذا الظالم الذي سرق ماله وهتك ~~عرضه، وعذب نفسه ونغص عيشه، فأنت أعدل الحاكمين وأرحم الراحمين!» # | العام الجديد # في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من منازل الحياة، ~~فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن نال منه الأين والكلال، ~~وأنضاه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين وثلاثمائة يوم. # هنالك يجتمع السفر في صعيد واحد، فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا، فيجدون أن ~~فلانا مات جوعا، وفلانا مات ظمأ، وآخر افترسه سبع، وآخر قتله لص، وآخر مات غيلة، ~~وآخر سقط عيا، وآخر طارت به قنبلة ، وآخر هوت به طيارة، ms233 وآخر اجتاحه بركان، وآخر تردى ~~عليه منجم، ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما دونوا فيها ماضيهم، ~~ثم يوازون بين هذا وذاك، فيجدون أن الحاضر شر من الماضي، وأن ميادين الحروب لا ~~تزال ملوثة بالدماء، ومصانع الموت لا تزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته، وأن ~~أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر، حتى ما يكاد أحد يتمنى أن تقع عينه على أحد، ~~وأن سحائب البغضاء لا تزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من أقصاه إلى ~~أقصاه شعوبا وقبائل، وأجناسا وأنواعا، ومذاهب وأديانا، ومنازل وأوطانا، فيبغض ~~الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه، فإن عرف أنه يوافقه أبغضه لأنه ينطق بغير لغته، فإن ~~نطق بها أبغضه لأنه لا يشاركه في وطنه، فإن كان مشاركا له أبغضه لأنه يزاحمه في حرفته ~~أو صناعته، فإن بعد عن طريقه أبغضه لأنه يخالفه في رأيه، فإن كان موافقا له أبغضه ~~لأنه لا يحاكيه في لونه. فإن لم يجد شيئا من هذا ولا ذاك أبغضه لأنه لا شخص سواه. كأن ~~قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير الصورة التي يراها كل يوم في مرآته، ~~فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم والموازنة بين حاضرهم وماضيهم، أضافوا إلى ~~سيئاتهم الماضية سيئة الغش والكذب، فتناسوا كل هذا، ووضع كل منهم يده في يد أخيه ~~مهنئا له بالعيد السعيد، داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة، ثم تنادوا للرحيل ~~ليستقبلوا المرحلة الآتية بعد قطع المرحلة الماضية. # علام يهنئ الناس بعضهم بعضا؟ وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء فيها ويغتبطوا ~~بقطع المراحل التي يقطعونها منها؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدق الحديث عما في ~~نفسه فيقول: إنه أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح؟ أو إنه رأى بارقا من ~~بوارق السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته ولم ير بجانبه مثل ما يرى في ~~الليلة البارقة من نجوم هاوية، ورعود قاصفة، وصواعق محرقة، وغيوم متلبدة؟ # بأي نعمة من النعم أو حسنة ms234 من الحسنات تمن الحياة على رجل ينتقل فيها من ظلمة ~~الرحم إلى ظلمة العيش إلى ظلمة القبر، كأنما هو يونان الذي التقمه الحوت فأصبح في ~~ظلمات بعضها فوق بعض؟ وأي صنيعة من الصنائع أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده ~~إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ساعة راحة وسلام يبل بها غلته ويثلج بها صدره فلا ~~يعرف لها مذهبا ولا يجد إليها سبيلا؟ إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة، ~~واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما أفقرته. وإن كان فقيرا عد الناس ~~فقره ذنبا جنته يداه، فتتناوله الأكف، وتتقاذفه الأرجل، وتتجاذبه الألسن حتى يموت ~~الموتة الكبرى. وإن كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به، ~~وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا كميت، ~~وأن يكتم سر علمه في صدره فلا يفضي به إلى لسان ولا قلم، أو يموت دون ذلك. وإن كان ~~جاهلا اتخذه العالمون مطية لا يزالون يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا ~~يرحمونها، ولا يرفقون بها، ولا يقيمون صلبها حتى يعقروها. وإن كان بخيلا ازدرته ~~القلوب، واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه، وبرزت له الأنياب، وانقبضت له السرائر، ~~والتهبت له الأنظار، وأرسلت إليه الأضغان ألسنة نيرانها حتى تحرقه. وإن كان كريما ~~محسنا عاش مترقبا في كل ساعة ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم، إما لأنه منحهم أولا ~~ثم منعهم آخرا، فهم يحاولون أن ينتقموا منه لأنه أذاقهم لقمة ناعمة ما كانوا يقدرون ~~لها في أنفسهم حسابا، فلما ذاقوها استعذبوها، فاستزادوا منها فلم يجدوا ما يريدون، ~~فتمتلئ صدورهم حقدا على تلك اليد التي هاجت بطنتهم، وأشعلت نارها ثم لم تطفئها. أو ~~لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يشعرون كأن المحسن يريد أن يشتري منهم نفسه بما ~~يسدي إليهم من إحسانه، فيتناولون من الإحسان لأنهم طماعون، ويطوون القلوب على الحقد ~~عليه والموجدة له؛ لأنهم كانوا يريدون أن يتمكنوا من عرضه ينالون منه كما يشاءون فحيل ~~بينهم وبين ذلك. # لا سعادة في ms235 هذه الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ~~ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس، واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف، فعرف ~~كل ذي حق حقه، وقنع كل بما في يده عما في يد غيره، فلا يحسد فقير غنيا، ولا ~~جاهل عالما. وأشعرت القلوب رحمة وحنانا على البؤساء والمنكوبين، فلا يهلك جائع بين ~~الطاعمين، ولا عار بين الكاسين. وامتلأت النفوس عزة وشرفا، فلا يبقى شيء من تلك ~~الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين أو باسم الوطنية أو باسم الإنسانية أو ~~باسم العلم، ولا نرى طبيبا يدعي علم ما لم يعلم ليسلب المريض روحه وماله، ولا ~~محاميا يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ما يسلب منه خصمه، ولا تاجرا يشتري بعشرة ~~ويبيع بمائة ثم ينكر بعد ذلك أنه لص سارق، ولا كاتبا يضرب الناس بعضهم ببعض حتى ~~تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند بالزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما. وما ~~دامت هذه المطالب أحلاما كاذبة وأماني باطلة فلا مطمع في سلام ولا أمان، ولا أمل ~~في سعادة ولا في هناء، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه ولا بين يومه وغده، ولا فرق بين ~~مغفلات أيامه ومعلمات أعياده، فليهنأ بالعيد من عرف من أيامه غير ما عرفت، وذاق من ~~نعمائه غير ما ذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ماضي أيامه، وسالف أعوامه. # | سحر البيان # رأيت في إحدى روايات شكسبير - وهي الرواية ~~المعروفة برواية «يوليوس قيصر» - موقفا لبطلين من أبطال الفصاحة، وفارسين من فرسان ~~البيان، قد وقف كل منهما من صاحبه موقف اللاعب من اللاعب، ووقف الشعب الروماني بينهما ~~موقف الكرة بين مضارب الأقدام، تعلو بها حينا وتسفل أحيانا، فلا تثبت صاعدة ولا ~~تستقر هابطة، فعلمت أن العامة عامة في كل عصر، والشعب شعب في كل مصر، وأن سواد ~~الأمة تحت صرح فرعون مثله تحت عرش قيصر، وأنه في رأس التاريخ اليسوعي مثله في ذنب ~~التاريخ المحمدي، تدنو به كلمة وتنأى به أخرى ، وتجذبه دمعة وتدفعه ابتسامة، ms236 وتطير ~~بلبه الشعريات والخيالات طيران الريح الهوجاء بذرات الهباء. # علم بروتس الشريف الروماني أن يوليوس قيصر قد استعبد الشعب الروماني وأذل نفسه ~~ذلا ملك عليه حواسه ومشاعره، حتى ما يكاد يشعر بمرارته، وكذلك الذل إذا نزل بالنفوس ~~سلبها كل شيء حتى الشعور بنزوله بها. وعلم أن حياة ذلك الشعب في موت ذلك القيصر، ~~فهان عليه أن يقتل صديقه وسيده افتداء لأمته، فطعنه طعنة نجلاء سلبته نفسه، فهاج ~~الشعب الروماني على القاتل وأعوانه هياج الأمواج المتدفعة على السفن المبعثرة في أكناف ~~الدأماء، فوقف الرجل خطيبا في وجه هذا الشعب المائج المحتدم حزنا على خلاصه من يد ~~قاتله وقفة المستبسل المستميت، وكان لا بد له في موقفه من أحد المصيرين: إما نصر ~~يعلو به إلى مدار الأفلاك، أو خذلان يهوي به إلى مقر الأسماك، ومن أحد المخرجين: إما ~~مخرجه مرفوعا على محفة الأبطال، أو محمولا على أعناق الرجال، فبعد لأي ما استطاع ~~بعض الناس أن يسكن ثائرة الثائرين ويستدرجهم إلى سماع دفاع القاتل عن نفسه، أو التفكه ~~بمنظر هذيانه وهو يتلمس في هذه الظلمة الحالكة المخرج من جرمه. # الخطبة # بروتس ~~(وهو على منبر الخطابة) ~~: ~~«أيها الرومانيون، أتعدونني بالصبر القليل على سماع ما أقول من حلو ~~الكلام ومره إكراما لموقفي وإكراما للعدل؟ # أنا لا أريد أن أخدعكم عن أنفسكم، ولا أن أعبث بعقولكم وأهوائكم، بل أريد ~~منكم أن تنظروا إلى قضيتي نظر المستيقظ الحذر الذي لا يعطي هوادة ولا ~~يسلس قيادا، ولا ينام عن شاردة ولا واردة؛ لأني لا أعتقد أن في زاوية ~~من زوايا قضيتي هذه كمينا أخاف أن تقع عليه العيون. # أيها الرومانيون، إن كان بينكم صديق لقيصر يحبه ويتهالك وجدا عليه ~~فليسمح لي أن أقول له: «أيها الصديق الكريم، إن بروتس قاتل قيصر كان يحبه ~~أكثر من حبك إياه.» # أيها القوم، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، فاعلموا أني ما ~~قتلت قيصر لأني كنت أبغضه، بل لأني كنت أحب رومة أكثر منه. # كان قيصر يحبني فأحببته، وكان شجاعا فاحترمته، ms237 ولكنه كان طماعا فقتلته، ~~ففي ساعة واحدة منحته دمعي وقلبي وخنجري. # أنا لا أصدق أن بينكم من يحزن لموت قيصر، فأنتم رومانيون، والروماني ~~لا يحب أن يعيش ذليلا. # من منكم يكره أن يكون رومانيا؟ من منكم يكره أن يكون حرا؟ من منكم ~~يحتقر نفسه؟ من منكم يزدري وطنه؟ إن كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم؛ لأنه ~~هو الذي يحق له أن يثأر لنفسه مني؛ لأني لم أسئ إلى أحد سواه.» # الشعب ~~: ~~«لا، لا، ليس فينا واحد من هؤلاء.» # بروتس ~~: ~~«إذن أنا لم أسئ إلى أحد منكم.» ~~(وما وصل بروتس من حديثه إلى هذا الحد حتى دخل أنطونيوس ~~صديق قيصر، ورأس الناقمين على قتلته، والطالبين بثأره هو وآخرون، ومعهم ~~جثة قيصر لتأبينه في هذا المجمع الحاشد، فاستأنف بروتس الكلام، ~~وقال): # ها هي ذي جثة قيصر، وها هو ذا صديقه أنطونيوس قد جاء ليؤبنه فاستمعوا ~~له، واعلموا أن قيصر المذنب غير قيصر الماجد، وقد سمعتم ما قيل عن الأول ~~فاسمعوا ما قيل عن الثاني، واسمحوا لي أن اقول كلمة أختم بها خطابي. # أيها الرومانيون، إن الخنجر الذي ذبحت به قيصر في سبيل رومة لا يزال ~~باقيا عندي لذبح بروتس في سبيل قيصر إذا أرادت رومة ذلك.» # تأثير الخطبة # الشعب ~~: ~~«ليحيا بروتس!» # أحد الناس ~~: ~~«أنا أقترح أن نحمله على الأكف والرءوس إلى بيته.» # آخر ~~: ~~«انصبوا له تمثالا.» # آخر ~~: ~~«امنحوه عرش قيصر.» # آخر ~~: ~~«إنه أفضل من قيصر.» # آخر ~~: ~~«إن قيصر كان ظالما.» # آخر ~~: ~~«إنه كان الظلم بعينه.» # آخر ~~: ~~«لتهنأ رومة بالخلاص منه.» # آخر ~~: ~~«ألا نسمع تأبين أنطونيوس؟» # آخر ~~: ~~«نعم نسمعه لأن بروتس أمر بذلك.» # وهنا خرج بروتس والقلوب طائرة حوله، والعيون حائمة عليه، وقد نال بتأثير خطابه من ~~نفوس الشعب الروماني ما أراد، ثم صعد أنطونيوس على منبر الخطابة، فهزأ الشعب ~~بموقفه، ولولا كلمة من بروتس ما ثبت في موقفه لحظة واحدة، ثم أنشد قصيدة التأبين ~~المشهورة التي هي آية الآيات في اللغة الإنكليزية فصاحة وبيانا، والتي لا يكاد ~~يوجد إنكليزي لا يحفظها ولا ms238 يمجدها تمجيد الأمم المتعبدة بآيات الكتب ~~المقدسة. # القصيدة # أنطونيوس ~~: ~~«أيها الرومانيون!» # أحد الناس ~~: ~~«اسمعوا ما يقوله أنطونيوس.» # آخر ~~: ~~«لا، لا نسمعه.» # أنطونيوس ~~: ~~«اسمعوني إكراما لبروتس.» # أحد الناس ~~: ~~«ماذا يقول هذا الرجل عن بروتس؟» # آخر ~~: ~~«لا يقول شيئا.» # آخر ~~: ~~«إذن نسمعه.» # أنطونيوس ~~: ~~«أيها الأصدقاء، أنا ما جئت هنا اليوم لأرثي قيصر، بل لأدفن ~~جثته. # أيها القوم، ما من أحد من الناس إلا وله في حياته أعمال حسنة وأخرى ~~سيئة، أما حسناته فتموت بموته، وأما سيئاته فتبقى من بعده خالدة إلى يوم ~~يبعثون. # كذلك كان قيصر في حياته ومماته، وحسناته وسيئاته. # أيها القوم، ما كنت لأستطيع أن أقف موقفي هذا بينكم ولا أن أقول كلمة مما ~~أريد أن أقول لولا أن بروتس قاتل قيصر أمرني بالوقوف، وأمرني بالكلام، ~~وها أنتم أولاء ترون أنني قد أطعته واستمعت له؛ لأنه رجل شريف. # أيها القوم، يقول الشريف بروتس: إن قيصر كان رجلا طماعا، وأنا لا ~~أستطيع أن أخالفه فيما يقول؛ لأنه رجل شريف. # أنا لا أستطيع أن أقول: إن قيصر كان رجلا قانعا عادلا أمينا؛ لأن ~~الشريف بروتس يقول غير هذا. # كل ما أستطيع أن أقوله: إن الفدية التي افتدى بها أعداؤنا أسراهم ~~الذين جاء بهم قيصر إلى رومة قد ملأت الخزانة العامة حتى فاضت بها. # كل ما أستطيع أن أقوله: إني رأيت قيصر بعيني يبكي لبكاء الفقراء، ويحزن ~~لحزنهم، ويبيت الليالي ذوات العدد ساهرا لا يغتمض له جفن حدبا بهم ~~وعطفا عليهم. # كل ما أستطيع أن أقوله: إني عرضت بنفسي تاج الملك على قيصر في لوبر كال ~~ثلاث مرات فأباه زهدا فيه وازدراء له. # كنت أستطيع أن أقول: إن الطمع لا يسكن قلبا مثل هذا القلب، ولا يخالط ~~فؤادا مثل هذا الفؤاد، لولا أن بروتس يقول: إن قيصر رجل طماع. وأنا ~~لا أستطيع مخالفته؛ لأنه رجل شريف. # أيها الرومانيون، إنكم أحببتم قيصر قبل اليوم حبا جما، فما الذي ~~يمنعكم اليوم من البكاء عليه؟ # إن لم تبكوه لصفاته الكريمة فابكوه لأنكم كنتم تحبونه، ابكوه لأنه ms239 كان ~~بالأمس ينطق الكلمة فتدوي في صدور العظماء دوي الرعد في آفاق السماء، ~~فأصبح اليوم مطرحا في ظل هذا الحائط لا يجد بين الناس من يأبه له، ولا من ~~ينظر إليه. # أيها العقل الإنساني، كيف حالت حالك وتغيرت آيتك؟! وكيف انتقلت من الصدور ~~الإنسية إلى الصدور الوحشية؟! وكيف ضللت سبيلك، وعميت عليك مذاهبك فحسبت ~~الخير شرا، والشر خيرا، واختلط عليك الأمر بين الحسنات والسيئات ~~والمكارم والجرائم؟ # أيها الرومانيون، عفوا إن هذيت بينكم، أو أسأت إليكم، واعلموا أن ~~الحزن قد قسم فؤادي قسمين: قسم على هذا المنبر، وقسم في ذلك ~~النعش. # أيها الأصدقاء، إن بين جنبي قلبا يخفق بحبكم والعطف عليكم والرأفة ~~بكم، ولولا مخافة أن تنفجر صدوركم حزنا وجزعا لقلت لكم: إن قيصر قتل ~~مظلوما. # إنني أعتقد أن بروتس ورفاقه قوم شرفاء عظماء؛ لذلك أحب أن أسيء إلى ~~نفسي وإلى قيصر وإليكم قبل أن أقول: إنهم أخطئوا في قتل قيصر فأسيء ~~إليهم.» ~~(وهنا أرسل أنطونيوس من جفنيه قطرات من الدموع). # الانقلاب # أحد الناس ~~(يقول لصاحبه) ~~: ~~«يلوح لي أن فيما يقول الرجل شيئا معقولا.» # آخر ~~: ~~«إنك إذا أنعمت النظر وجدت أن قيصر قد أسيء إليه.» # آخر ~~: ~~«لقد أثر في نفسي زهده في تاج الملك.» # آخر ~~: ~~«لقد أحزنني عليه أنه كان يبكي لبكاء الفقراء.» # آخر ~~: ~~«إن الذي يرثي لبؤس البؤساء لا يكون طماعا ولا ظالما ولا ~~قاسيا.» # آخر ~~: ~~«إذن فسيكون لمقتل قيصر شأن غير شأنه الأول.» # آخر ~~: ~~«لا بد من عقاب القاتل.» # آخر ~~(يقول لجليسه) ~~: ~~«انظر إلى أنطونيوس فقد بكى حتى احمرت مقلتاه!» # آخر ~~: ~~«ليس في رومة رجل أشرف من أنطونيوس.» # أنطونيوس ~~: ~~«أتأذنون لي بالنزول من المنبر لأقف قليلا بجانب جثة القتيل؟!» # الشعب ~~: ~~«نعم، نعم.» ~~(فنزل أنطونيوس ومشى حتى وصل إلى جثة قيصر وهو لا يزال في ~~ملابسه التى قتل فيها، ولا تزال طعنات الخناجر ظاهرة في قبائه، ثم قال): # أنطونيوس ~~: ~~«من كان يملك منكم دموعا فليدعها لهذا الموقف، فإني سأبكيكم في هذه ~~الساعة بكاء شديدا. # إنكم جميعا تعرفون هذا القباء، ولكنكم ms240 لا تعرفونه كما أعرفه أنا، أنا ~~أعلم أن قيصر لبسه أول مرة في مساء اليوم الذي انتصر فيه على «الدفى» ~~ذلك الانتصار الباهر الذي نالت به رومة فخرا عظيما.» ~~(ثم وضع يده على الثقوب التي في القباء وقال): ~~«في هذا القباء الشريف تمزقت جثة هذا الفاتح العظيم، في هذا الثقب طعنه ~~بروتس طعنته، ومن هذا الثقب أطل دم قيصر ليرى بعينه وجه الضارب، وأحسب ~~أن أفراد النوع الإنساني جميعهم قد مروا بخاطر قيصر فردا فردا قبل أن ~~يمر بخاطره بروتس. # عرف قيصر أن قاتله هو صديقه وصنيعة إحسانه، ففترت همته وعجز عن ~~المقاومة؛ لأن الطعنة التي أصابته في جسمه لم تكن أقل من الطعنة التي ~~أصابته في قلبه، ولم يكن منظر المدى والخناجر أبشع في نظره من منظر ~~الخيانة والغدر، هنالك عجز قيصر عن أن يقول شيئا غير الكلمة التي ودع ~~بها قاتله الوداع الأخير: وأنت أيضا يا بروتس؟! # وهنالك تحت تمثال بومباي وجد قيصر قتيلا، وقد لف وجهه بقبائه حتى لا ~~تتألم نفسه مرة ثانية بمنظر كفر النعمة ونكران الجميل، ها أنتم أولاء ~~تبكون على قيصر، فشكرا لكم على هذه الدموع الكريمة التي طهرتم بها ما ~~لوث به الخونة تربة الأرض من الدماء. # إنكم تبكون لمنظر قباء قيصر الممزق، فكيف بكم لو شاهدتم ما تمزق من ~~جثته؟!» ~~(ثم دنا وكشف القباء عن جسمه وقال): ~~«إن في كل جرح من هذه الجروح لسانا يشكو إليكم فاستمعوا له، فهو أنطق ~~من لسان الرثاء.» # أحد الناس ~~: ~~«يا له من منظر فظيع!» # آخر ~~: ~~«وا رحمتاه لقيصر!» # آخر ~~: ~~«إن يوما يقتل فيه قيصر ليوم شره مستطير.» # آخر ~~: ~~«يا للدناءة والسفالة!» # آخر ~~: ~~«يا للغدر والخيانة!» # آخر ~~: ~~«الانتقام! الانتقام!» # الشعب ~~(وهو يضج ضجيجا عظيما) ~~: ~~«أحرقوا القتلة! مزقوهم! لا تبقوا على أحد منهم!» # أنطونيوس ~~: ~~«مهلا! مهلا! أنا لا أريد أن أشعل بينكم فتنة عمياء، ولا أريد أن ~~تطالبوا القتلة بالدماء التي أراقوها، فإني لا أزال أعتقد أنهم قوم شرفاء، ~~وربما كانوا يعرفون أسبابا لقتله لا نعرفها، وإنما ms241 أريد أن أقول لكم: إن ~~قيصر كان يحبكم حبا جما، فهو يستحق رثاءكم له وبكاءكم عليه. # لولا أني أوثر الإبقاء عليكم، ولولا أني أحب تخفيف ما ألم بقلوبكم من ~~الحزن على فقيدكم، لتلوت عليكم وصيته لتعلموا أن الرجل كان يحبكم، ~~وأنه ما كان خليقا أن يقتل بينكم وفيكم عين تطرف وفؤاد يخفق.» # الشعب ~~: ~~«اقرأ الوصية.» # أنطونيوس ~~: ~~«إني أخاف على صدروكم أن تنفجر حزنا على القتيل الشهيد.» # الشعب ~~: ~~«نريد سماع الوصية.» # أنطونيوس ~~: ~~«إنه يعطي كل فرد من أفراد الرومان خمسة وسبعين فرنكا ويوصي بجميع ~~غاباته ومتنزهاته ورياضه لأمته.» # أحد الناس ~~: ~~«يا له من رجل كريم!» # آخر ~~: ~~«يا له من رجل شريف!» # آخر ~~: ~~«ويل للقتلة!» # آخر ~~: ~~«الثورة، الثورة!» # آخر ~~: ~~«سنحرق منزل بروتس ومنازل رفاقه.» ~~(ثم خرج الشعب يتدفق في شوارع رومة تدفق الأمواج الثائرة في ~~القاموس المحيط). # أنطونيوس ~~(في موقفه وحده) ~~: ~~«أيتها الفتنة العمياء، أيقظتك من مرقدك، فارفعي رأسك، وامضي في سبيلك، ~~واشتعلي حتى يحرق لسانك أديم السماء، وحتى لا تبقي على شيء مما ~~حواليك.» ~~(انتهى) # وهكذا استطاع أنطونيوس في موقف واحد أن يستعبد الشعب الروماني لنفسه، وما كاد ~~يخلص من استعباد قيصر ... وهكذا الأمم الضعيفة، لا مفر لها من العبودية لحملة ~~التيجان، أو حملة البيان! # | الكبرياء # حضرة السيد الفاضل # لي في البلدة التي أسكنها كرامة الحاكم؛ لأني أشغل وظيفة عالية فيها، وقد بدا ~~لي أن أختلف إلى المسجد لصلاة الجمعة، فاختلفت حتى فاجأني يوما من الأيام ما لم ~~يكن في الحسبان. # حدث أن صعلوكا يعرفني ويعرف مقامي تمادى في وقاحته وسوء أدبه حتى وقف بجانبي ~~في الصلاة، فاشمأزت نفسي من هذا الأمر كل الاشمئزاز، وحاولت أن أحتمله فلم أستطع، ~~وخفت إن طردته أن يؤاخذني الناس به، فهل تعرف مسوغا شرعيا يفرق بين درجات ~~الناس في مواقف الصلوات؟ # سائل # يا مولانا الحاكم # رحماك بهذا الصعلوك المفلوك الواقف بجانبك، لا تضن عليه بظلك الظليل أن يمتد إليه ~~فيقيه أشعة التصعلك الحارة ساعة من الزمان، ولا تحرمه نفحة من نفحات السعادة التي ~~تهب عليه ms242 من بين أردانك العطرة، علة يجد في تلك اللذة الخيالية ما يهون عليه مصابرة ~~البلاء، ومعاناة الشقاء، وأحسن كما أحسن الله إليك، إن الله يحب المحسنين. # ليفرخ روعك، وليثلج صدرك، واعلم أن هذا الفقير الصعلوك الواقف بجانبك لا يستطيع ~~مهما نال منه العدم وبرح به الشقاء أن يقتطع قطعة من سعادتك، أو يفتلذ فلذة من ~~شرفك، فسعادتك وشرفك كالمصباح تستنير منه المصابيح، ونوره نوره، وبهاؤه بهاؤه. # لا تظلم الرجل، ولا تقل إنه وقاح الوجه، أو سيئ الأدب، فإني أعلم بما أعرف من آمال ~~هؤلاء البؤساء وأمانيهم أنه ما وقف بجانبك إلا طمعا في دورة الفلك التي علت بك ~~وأنزلتك منازل العظماء أن تدور به دورتها بك، وأن تنزله منزلتك، فاغفر له جهله ~~وقصوره، فمثلك من يقيل العثرة ويستر الزلة! # إنك تريد مني أن أتلمس لك في أبواب الشريعة الإسلامية مسوغا يسوغ لك طرد هذا ~~الصعلوك المجترئ عليك من موقفه الذي اختاره لنفسه بجانبك، فاسمع ما ألقي عليك: إن ~~الذي وقفت بين يديه في مصلاك أجل شأنا وأعظم خطرا من أن يحفل بثوبك اللامع، ~~وجبينك الساطع، وردائك المطرز، وقميصك المحبر، وأن يعرف لك من الفضل والشرف أكثر مما ~~يعرف لصاحبك، فما كان له أن يأمرك أن تتقدمه، أو يأمره أن يقف منك موقف العبد من ~~السيد، والمحكوم من الحاكم. # إن للجمعة والجماعة فضائل كثيرة وحكما جمة أرادها الشارع منهما، وإنك لن تجد بين ~~هذه الحكم وتلك الفضائل حكمة أدق، ولا فضيلة أنفس من التواضع الذي يشعره العظيم ~~قلبه كلما رأى أنه قد وقف من الفقير في ذلك الموطن المقدس موقف الأخ من أخيه والنظير ~~من نظيره. # إن كنت تريد يا مولانا الحاكم من الاختلاف إلى المسجد ألا تترك للفقير موطنا من ~~المواطن يملك فيه الخيار لنفسه في مواقفه ومذاهبه حتى موقفه بين يدي ربه، فخير لك أن ~~تستصحب معك فريقا من شرطتك وأعوانك لتأمرهم في ذلك الفقير بما يرضيك من إقصائه أو ~~طرده أو التنكيل به كلما رأيته تمادى في وقاحته ms243 وسوء أدبه، فإن تم لك من ذلك ما أردت، ~~فاحذر أن يخدعك خادع عن نفسك، فيزين لك أن تنطق في موقفك هذا بآية العبودية بعدما نطقت ~~بكلمة الألوهية، حتى لا تجمع على نفسك بين رذيلتين: رذيلة الظلم ورذيلة الرياء. # فإن كنت تريد الصلاة للصلاة فاعلم أن الله لا يقبلها منك، ولا يجزل لك ثوابها حتى ~~تقف بين يديه موقف من ألمت بقلبه الخشية، وملكت عليه السكينة سمعه وبصره، فلم يعد ~~يبصر شيئا مما حوله، ولا يعلم إن كان واقفا في حضرة الملوك أو في زمرة ~~الصعاليك. # أيها العظماء # ليست العظمة التي تعرفونها لأنفسكم إلا منحة من منح الفقراء عليكم، وحسنة من ~~حسناتهم إليكم، فلولا تواضعهم بين أيديكم ما علوتم، ولولا تصاغرهم في حضراتكم ما ~~استكبرتم، فلا تجزوهم بالإحسان سوءا، ولا تجعلوا الكفر مكان الشكر تستدفعوا النقم ~~وتستديموا النعم. # أيها العظماء # ما هذه القصور التي تسكنونها، ولا هذه النعم التي ترفلون في أثوابها، ولا هذه الحاشية ~~التي تدلون بها إلا ألوانا وأصباغا لا علاقة بينها وبين نفوسكم، ولا دخل لها في جوهر ~~من جواهر أفئدتكم وقلوبكم، وما هي إلا أن تشرق عليها شمس الحقيقة فتذهب بها ذهابها ~~بألوان السحاب وأصباغ الثياب، فإذا أنتم عراة مجردون لا تشفع لكم إلا فضائلكم، ولا ~~تنفعكم إلا مواهبكم ومزاياكم. # أيها العظماء # لا عذر لكم في الكبرياء في جميع حالاتكم وشئونكم، فإن كنتم من أرباب الفضائل فحري ~~بالفاضل ألا يشوه وجه فضيلته برذيلة الكبرياء، أو لا، فما تحمل الأرض على ظهرها أسمج ~~وجها ولا أصلب خدا من جهلة المتكبرين، فانظروا أين تنزلون؟ وفي أي مقام ~~تقيمون؟ # | الانتحار # قرأت في الصحف أن رجلا من تجار المسلمين انتحر، لا لضيق يد، أو شدة مرض، أو بؤس ~~حال؛ بل لأنه حزن على وفاة صديق له، فقتل نفسه. # إن الرجل مؤمن يعتقد - ولا شك - بسوء عاقبة المنتحر، فكيف هان عليه وهو في آخر ~~يوم من أيام حياته أن يضم إلى خسارة دنياه خسارة آخرته، وهي العزاء الباقي عن كل ما ms244 ~~يلاقي المؤمن في حياته من شقاء وعناء؟ # إن الانتحار من حيث هو مبدأ فاسد، وعادة مستهجنة رمتنا بها المدنية الغربية فيما ~~رمتنا به من مفاسدها وآفاتها. # ولقد كنا نعجب قبل اليوم من تهالك المصريين على حب تقليد الغربيين حتى فيما يؤذيهم في ~~مالهم أو عرضهم وصحتهم، أو كنا إذا أردنا المبالغة في تمثيل هذا التهالك قلنا: يوشك أن ~~يقتل المصري نفسه بنفسه إذا علم أن ذلك عادة من العادات الغربية، فقد صار قريبا ما ~~كان بعيدا، وأصبح مألوفا ما كنا نعده مثلا من الأمثال. # الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن والخور، وما يصل إليه العقل من الاضطراب ~~والهوس. وأحسب ألا يقدم الإنسان على الانتحار وفي نفسه ذرة من العزم، أو في عقله لمحة ~~من الحزم. # حب النفس غريزة وضعها الله - سبحانه وتعالى - في نفس الإنسان لتكون ينبوع العمل، ~~ومبعث الحركة، ومطلع شمس المدنية والعمران. والمنتحر يبغض نفسه بأشد مما يبغض الإنسان ~~أعدى أعدائه، فهو شاذ في طبيعته، غريب في خلقه، معاند لإرادة الله تعالى في حياة ~~الكون وعمرانه، ومن كان هذا شأنه كان بلا قلب ولا عقل. # لا عذر لمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه من الهم ونفسه من الأسى، ومهما ألمت به ~~كوارث الدهر ونزلت به ضائقات العيش، فإن ما أقدم عليه أشد مما فر منه، وما خسره أضعاف ~~ما كسبه. # لو كان ذا عقل لعلم أن سكرات الموت تجمع في لحظة واحدة جميع ما تفرق من آلام ~~النفوس وشدائدها، وأن قضاء ساعة واحدة فيما أعد الله لقاتل نفسه من العذاب الأليم ~~الدائم أشد مما يلاقيه من مصائب الحياة وأرزائها لو يعمر ألف سنة. # ما أكثر هموم الدنيا وما أطول أحزانها! لا يفيق المرء فيها من هم إلا إلى هم، ولا ~~يرتاح من فاجعة إلا إلى مثلها، ولا يزال بنوها يترجحون ما بين صحة ومرض، وفقر ~~وغنى، وعز وذل، وسعادة وشقاء، فإذا صح لكل مهموم أن يكره حياته، وكل محزون أن ~~يقتل نفسه ، خلت الدنيا من أهلها، ms245 واستحال المقام فيها، بل استحال الوفود إليها، ~~وتبدلت سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. # ما سمي القاتل مجرما إلا لأنه قاسي القلب متحجر الفؤاد، وأقسى منه قاتل نفسه؛ ~~لأنه ليس بينه وبينها من الضغينة والموجدة ما بين القاتل والمقتول، فهو أجرم المجرمين، ~~وأفظع القاتلين. # يخدع المنتحر نفسه إن ظن أنه مقتنع بفضل الموت على الحياة، وأنه يفعل فعلته عن ~~روية وبصيرة، فإنه لا يكاد يضع قدمه في المأزق الأول من مآزق الموت حتى يثوب إليه ~~رشده وهداه، ويحاول التخلص مما وقع فيه لو وجد إلى ذلك سبيلا. # إن ألقى نفسه في الماء تخبط، ومد يده إلى من يرجو الخلاص على يده، وود لو يفتدي ~~نفسه بكل ما تمتلك يمينه. وإن أغلق على نفسه نوافذ غرفة مملوءة بغاز الفحم ود لو سقط ~~عليه سقف الغرفة ليستنشق نسمات الهواء، ولو عاش بعد ذلك كسير اليد والرجل، فاقد السمع ~~والبصر. # إن فكرة الانتحار نزغة من نزغات النفس، وخطرة من خطرات الشيطان. فمن حدثته نفسه ~~بقتل نفسه فليتمهل ريثما يتبين كيف يكون صبره على احتمال سكرات الموت وآلام النزع؟ ~~وكيف يكون حديث الناس عنه بعد موته؟ وهل يمكن أن يوجد بينهم عاذر له أو ساكت عن ~~ازدرائه واحتقاره ورميه بالعته والجنون؟! وليستحضر في مخيلته أشكال العذاب وألوان ~~العقاب التي أعدها الله في الدار الآخرة لأمثاله، ثم لينظر بعد ذلك: أيرتكب جريمة ~~الانتحار؟ لا أظنه بعد ذلك فاعلا إلا إذا كان وحشا في ثوب إنسان، أو بطلا من أبطال ~~البيمارستان. # | الحياة الشعرية # لولا الحياة الشعرية التي يحياها الناس أحيانا لسمج في نظرهم وجه الحياة الحسية، ~~ومر مذاقها في أفواهم، حتى ما يغتبط حي بنعمة العيش، ولا يكره ميت طلعة ~~الموت. # لذلك نرى كل حي يهرب من الحياة الحسية جد الهرب لاجئا إلى الحياة الشعرية من ~~أي باب من أبوابها؛ لأنه يرى في هذه ما لا يراه في تلك مما يريح فؤاده، ويثلج صدره، ~~وينفي عن نفسه السآمة والضجر من صنوف المناظر، وأفانين ms246 المشاهد، وغرائب المؤتلفات، ~~وعجائب المختلفات. # لولا حب الناس الحياة الشعرية لما وجد فيهم كثير من المولعين بتخدير أعصابهم، ~~كشاربي الخمر ومدخني الحشيشة والأفيون. وهي وإن كانت في نظرهم حياة سعادة يتخللها ~~شقاء، إلا أنها عندهم خير من حياة شقاء لا تتخللها سعادة. ولولا حب الحياة الشعرية ~~لما وجد في الناس هذا الجم الغفير من الشعراء المتخيلين، والمتصوفة ~~المتهوسين. # لا يجد السكير لذة العيش وهناءه إلا إذا أسلم نفسه إلى كأس الشراب، فنقله من هذا ~~العالم البسيط المحدود إلى عالم هائل غريب يرى فيه كل ما تشتهي نفسه أن يراه، فإن ~~كان قبيح الوجه مشوه الخلق تخيل أنه شرك الأبصار، وفتنة النظار، وأن القلوب ~~محلقة على جماله تحليق الأطيار على الأشجار. وإن كان وضيعا حقيرا لا يملك فلسا توهم ~~أنه جالس على كرسي الملك، والصولجان في يمينه والتاج فوق رأسه، واعتقد أن عبيد ~~الله عبيده، وجنود الحكومة جنوده، حتى الجندي الذي يسحبه على وجهه إلى السجن. وبالجملة ~~لا تقع عينه على ما يحزنه من المنظورات، ولا تسمع أذنه ما ينفره من المسموعات، حتى ~~ليرى الجمال الباهر في وجه العجوز الشمطاء، ويسمع في صوت الرعد القاصف ألحان ~~الغناء. # ولا يشعر الصوفي بنعيم الحياة إلا إذا جن الليل وأوى إلى معبده وخلا بنفسه، ~~فتخيل أن له أجنحة من النور كأجنحة الملائكة يطير بها في فضاء السماء، فيرى الجنة ~~والنار والعرش والكرسي، ويسمع صرير قلم القدرة في اللوح المحفوظ، ويقرأ في أم ~~الكتاب حديث ما كان وما يكون وما هو كائن! # ولا يستفيق الشاعر من هموم الدنيا وأكدارها ومصائبها وأحزانها إلا إذا جلس إلى مكتبه ~~وأمسك بيراعه، فطار به خياله بين الأزهار والأنوار، وتنقل به بين مسارح الأفلاك، ~~ومسابح الأسماك، ووقف به تارة على الطلول الدوارس يبكي أهلها النازحين وقطانها ~~المفارقين، وأخرى على القبور الدوائر يندب جسومها الباليات، وأعظمها النخرات. # ليس الأمل إلا بابا من أبواب الحياة الشعرية، ولا يمكن أن يوجد بين قلوب البشر قلب ~~لا يخفق بالآمال، فالأمل هو الحياة الشعرية العامة ms247 التي يشترك في العيش فيها جميع ~~الناس، أذكياء وأغبياء، فهماء وبلداء. والأمل هو السد المنيع الذي يعترض في سبيل ~~اليأس، ويقف دونه أن يتسرب إلى القلوب، ولو تسرب إليها لزهد الناس العيش في هذه ~~الحياة الحسية التي لا قيمة لها في أنظارهم، ولا لذة لها في نفوسهم، ولطلبوا الفرار ~~منها إلى الموت تسليا بالتغير والانتقال، وتلذذا بالتحول من حال إلى حال. # يقولون: «أشقى الناس في هذه الحياة العقلاء!» ويقولون: «ما لذة العيش إلا ~~للمجانين!» # أتدري لماذا؟ # لأن نصيب الأولين من الحياة الشعرية أضعف من نصيب الآخرين، وذلك أن عقل العاقل يحول ~~بينه وبين استمرار الطيران في فضاء الخيالات الذهنية، والمغالطات الشعرية، فلا يرى سوى ~~ما بين يديه من المحسوسات، ويمنعه علمه بأحوال الدنيا وشئونها ومعرفته أن الهموم ~~والأحزان لازمة من لوازمها لا تنفك عنها أن يؤمل منها ما ليس في طبيعتها من دوام ~~السعادة واستمرار السرور والهناء، فلا يطلب سعة العيش من وراء الأمل كبقية المؤملين، ~~ولا يتلذذ بتصديق ما لا يكون تلذذ المجانين. # والحق أقول: لولا الحياة الشعرية التي أحياها أحيانا في هذه النظرات، لأحببت - زهدا ~~في الحياة الحسية - أن تطلع الشمس من مغربها، ولو قامت القيامة بعد ذلك، ولتمنيت - ~~حبا في الانتقال من حال إلى حال - أن أنتقل ولو إلى رحمة الله. # | رباعيات الخيام # وقفت برباعيات الخيام كما يقف مسافر ضل به سبيله في فلوات الأرض ومجاهلها بواد ~~معشوشب زاهر في وسط فلاة جرداء عند منقطع العمران، فما خطوت فيه بضع خطوات حتى رأيت ~~ما شاء الله أن أرى من أنوار بيضاء، وورود حمراء، وألوان من النبات، مشتبهات وغير ~~مشتبهات، وغدران مسلسلة مطردة تتبسط في تلك الديباجة الخضراء تبسط الشهب في ~~الديباجة الزرقاء، وأسراب من الحمائم والعصافير والكراكي والبلابل تتطاير من فرع إلى ~~فرع، وتتناثر من غصن إلى غصن، وتجتمع لتفترق، وتفترق لتجتمع، وتقتتل مرة وتتلاثم ~~أخرى، وتصعد حتى تلامس بأجنحتها جلدة السماء، ثم تهبط فتقبل صفحة الماء، ولا تزال ~~تغرد في صعودها وهبوطها تغريدا مختلف النغمات متنوع ms248 اللهجات، فيتألف من ذلك الاختلاف ~~نغم بديع لا أعرف له شبيها إلا تلك الصورة الخيالية التي أتخيلها في نغم الحور الحسان ~~في فراديس الجنان. # فلم أزل أتقلب في أعطاف تلك الغلائل الخضراء، وأجر ذيول تلك الجداول البيضاء، ~~وأقلب في طرفي فلا أرى رائحا ولا غاديا، وأتسمع فلا أسمع هاتفا ولا داعيا. حتى ~~وقف بي الحظ على دوحة فرعاء، ماثلة على رأس بعض الجداول، قد اضطجع في ظلها على قطيفة ~~من ذلك العشب الناعم رجل هانئ باسم، يقرأ تارة سورة الجمال في وجه فتاة جالسة بين ~~يديه، ويقبل أخرى ثغر الكأس التي في يمينه، ويترنم فيما بين هذا وذاك بمقطوعات شعرية ~~بديعة، يمثل فيها جمال الطبيعة وهدوءها، وسعادة الوحدة وهناءها. ويطير بأجنحة خياله ~~في عالم بديع من عوالم الغيب، كأنما يريد أن يفر بنفسه من هذا العالم المملوء ~~بالآلام والأحزان، ويحاول أن يطارد كل خاطر من خاطرات الهموم التي تتطاير حول قلبه ~~ليستكمل لذته في العيش، ويتغلغل في أعماق المتعة بوحدته وكتابه، وكأسه وفتاته. # فإن مر بخاطره ذكر الملوك والأمراء وما ينعمون به من عز وسلطان ولذة واستمتاع ~~قال: «ما لي وللملك والسلطان، والحاشية والجند، والقصور الشماء، والجنان الفيحاء، ~~هنالك المحنة والشقاء، والفتنة الشعواء، والهموم والأرزاء، والدماء والأشلاء، والعويل ~~والبكاء، وهنا الراحة والسكون في ظلال الوحدة والانفراد، حيث لا سيد ولا مسود، ولا ~~عابد ولا معبود. وبين هذين الثغرين: ثغر الفتاة وثغر الكأس، وذينك الصديقين: هذا الكتاب ~~المفتوح، وذلك الغصن المطل، كان ما يقدر السعداء لأنفسهم من غبطة في الحياة ~~وهناء.» # وإن ذكر الآخرة وما أعد الله فيها من العذاب للمسرفين على أنفسهم قال: «إن من ~~العجز أن أبيع عاجل السعادة المعلوم بآجلها المجهول. أنا اليوم موجود، فلا بد أن ~~أستمتع بمتعة الوجود، أما الغد فلا علم لي به ولا بما قدر لي فيه، وعسير علي أن ~~أتصور أننا - معشر الأحياء - كنوز من الذهب تدفن اليوم في باطن الأرض، لينبش عنا ~~النابشون غدا.» # ثم يعود إلى نفسه مستغفرا الله من ذنبه ms249 في شكه وارتيابه فيقول: «اللهم إنك تعلم ~~أني ما كفرت بك مذ آمنت، ولا أضمرت لك في قلبي غير ما يضمر لك المؤمنون الموحدون، فاغفر ~~لي آثامي وذنوبي؛ فإني ما أذنبت عنادا لك ولا تمردا عليك، ولكنها الكأس غلبتني على ~~أمري، وحالت بيني وبين عقلي، وأنت أجل من أن تقاضيني كما يقاضي الدائن مدينه؛ لأنك ~~كريم، والكريم يرتجل المنحة ارتجالا ولا يقرضها قرضا، ويسبغ نعمته حتى على العصاة ~~والمذنبين.» # وأحيانا يستشعر قلبه الرحمة بالعباد فيبكي أحياءهم وأمواتهم، ويقول مخاطبا فتاته: ~~«رويدا أيتها الفتاة في خطواتك على هذه الأعشاب، فلعل جذورها تستمد حياتها من كبد ~~فتاة مثلك لها قلب مثل قلبك، ووجدان مثل وجدانك، وجمال ورواء مثل جمالك وروائك، ثم ~~ضرب الدهر ضرباته، فإذا أنت في غلالة هذه الأشعة البيضاء، وإذا هي في دجنة تلك الأعماق ~~السوداء، فارفقي بها، واسكبي هذه الفضلة من كأسك على تربتها علها تتسرب إلى نفسها ~~فتطفئ ذلك اللاعج الذي يتأجج بين جوانحها.» # ثم يتخيل أحيانا كأنه واقف أمام رجل خزاف يحرق آنيته في تنوره، فيقول له: ~~«رحمة أيها الخزاف بهذه الحمأة التي تقلبها في هذه النار، فقد كانت بالأمس إنسانا ~~مثلك، وستكون في مستقبل الأيام حمأة مثلها، وربما ساقك الدهر إلى يدي خزاف تحتاج ~~إلى رحمته ورفقه، فارفق بها اليوم يرفق بك خزافك غدا.» وآونة يلبس ثوب الواعظ ~~المنذر، فينعى على السعداء سعاداتهم ويذكرهم بما آلت إليه حال الملوك السالفين، ~~والأقيال الماضين، من خراب دورهم، وعمران قبورهم، وغروب شموسهم، واندثار آثارهم. ثم ~~ينتقل من ذلك إلى البكاء على نفسه، وترقب ذلك اليوم الذي تصوح فيه زهرته، وتنطفئ ~~جذوته، وتضعف منته، ويمحو نهار مشيبه ليل شبابه، فيزحف إلى قبره شيئا فشيئا حتى ~~يتردى فيه، فيعود كما كان سرا مكتوما في ضمائر الأقدار، وذرة هائمة في مجاهل ~~الأكوان. # وهكذا ما زال ينتقل من عبرة بليغة إلى عظة بديعة، ومن خيال جميل إلى تشبيه ~~رقيق، ومن وصف ناطق إلى تمثيل صادق، حتى أصبحت أعتقد أن هذه النفس التي تشتمل ms250 ~~عليها بردة هذا الشاعر الجليل مرآة صافية قد تمثل فيها هذا الكون بأرضه وسمائه، ~~وليله ونهاره، وناطقه وصامته، وصادحه وباغمه. وأن فخار الأعراب بمتنبيها ~~ومعريها، والفرنسة بلامرتينها وفيكتورها، والسكسون بشكسبيرها وملتونها، ~~والطليان بدانتيها، والألمان بجيتها، والرومان بفرجيلها، واليونان ~~بهوميرها، ومصر القديمة ببنتاؤورها، ومصر الحديثة بأحمدها، لا يقل عن فخار فارس ~~بخيامها. # | إلى تولستوي # قف ساعة واحدة نودعك فيها قبل أن ترحل لطيتك، وتتخذ السبيل إلى دار عزلتك، فقد ~~عشنا في كنفك - على ما بيننا وبينك من بعد الدار وشط المزار - عهدا طويلا كنا فيه ~~أصدقاءك وإن لم نرك، وأبناءك وإن كنا لنا آباء من دونك. وعزيز علينا أن تفارقنا قبل ~~أن نقضي حق عشرتك بدمعة واحدة نسفحها بين يديك في موقف الوداع. # حدثنا الناس، أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه، ~~فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيء حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه ~~إلى غاب تسمع زئير سباعه، أو دير تأنس برنة ناقوسه. وأسجلت ألا تعود إليه، ~~وأن تقطع كل سبيل بينك وبينه، فعذرناك ولم نعتب عليك، ولم نسمك جبانا ولا منهزما ~~ولا موليا ولا مدبرا؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبق في غمدك سيف، ولا فوق عاتقك ~~رمح، ولا في كنانتك سهم، والعدو كثير عدده، صعب مراسه، وافرة قوته، والشجاعة في غير ~~موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عاما أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في ~~زياله عناد. وهل كان يكون مصيرك إن أنت قاتلت حتى سقطت قتيلا في المعركة إلا مصير ~~الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قتلوا، فهدرت دماؤهم، واغتمضت عيونهم قبل أن يروا ~~منظرا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزون به أنفسهم عن أنفسهم، ~~ويروحون به ما يجدون بين جوانحهم من ألم النزع، وفي أفواههم من مرارات الموت. # ماذا لقيت من الدنيا؟ وماذا أفدت منها؟ وأين وقع علمك وفضلك، ولسانك وقلمك، وقوة ~~عارضتك ومضاء حجتك من آثام الناس وشرورهم وقسوة قلوبهم، وظلم ألسنتهم وأيديهم؟ # قلت للقيصر: ms251 «أيها الملك، إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق ~~عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكار في المزرعة، وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور ~~على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلله وسقطه، فكما أن صاحب المصنع ~~يسأل العامل هل وفى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي ~~وكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل؟ وهل عدلت بين الناس، فآسيت ~~بين قويهم وضعيفهم، وغنيهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟ وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي ~~هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته؟ وهل ~~أصممت أذنك عن سماع الملق والدهان، والمدح والثناء، فلم تفسد على الناس فضائلهم، ولم ~~تقتل عزة نفوسهم، ولم يذهب بهم الخوف من ظلمك أو الطمع في غفلتك مذهب التوسل إليك ~~بالكذب والنميمة والتجسس وذلة الأعناق وضرع الخدود؟ فإن وجدك الشعب عند ظنه، ورآك ~~أمينا على العهد الذي عهد به إليك أبقى عليك، وأبقى لك سلطانك، وعرف لك يدك عنده، ~~وأحسن إليك كما أحسنت إليه، أو لا، كان له معك شأن غير ذلك الشأن، ورأي غير ذلك ~~الرأي.» # فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من ~~يسمعه مثلها، فحقد عليك، ونقم منك، وأزعجك من مكانك، واستعان على مطاردتك بأولئك ~~الذين أذل نفوسهم وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل، ليعدهم لمقاتلة الحق ومصارعته ~~في أيام خوفه وقلقه. # وقلت للجبار الروسي: «ليس من العدل أن تملك وحدك - وأنت نائم في سريرك في قصرك ~~بين روضك ونسيمك، وظلك ومائك - هذه الأرض التي تضم بين أطرافها مليون فدان، ولا يملك ~~واحد من هؤلاء الملايين الذين يحرثونها، ويبذرون بذورها ويستنبتون نباتها، ويربون ~~ماشيتها، ويتقلبون بين حرها وبردها، وأجيجها وثلجها، شبرا واحدا فيها، فاعرف لهم ~~حقهم، وأحسن القسمة بينك وبينهم، وأشعر قلبك الخجل من منظر شقائهم في سبيل سعادتك، ~~وموتهم في سبيل حياتك ، واعلم أن الأرض لله ms252 يورثها من يشاء.» ثم لم تقنع بما بذلت له ~~من العظة والنصيحة حتى ضربت له مثلا من نفسك، فعمدت إلى أرضك، فجعلتها قسمة بينك وبين ~~القائمين عليها من الزارعين، ثم عمدت إلى فأسك فاعتقلتها، وماشيتك فأخذت بزمامها، وما ~~زلت حتى بلغت مزرعتك الصغيرة التي استبقيتها لنفسك فضربت مع الضاربين وخضت مع الخائضين، ~~لتعلم ذلك الجبار بيدك ما عجزت عنه بلسانك، فسخر منك ورثى لعقلك، وألف من حادثتك ~~رواية غريبة يروح بها عن قلبه في مجتمعات أنسه ولهوه ما يكابده من ألم السآمة ~~والضجر. # وقلت للكاهن: «إن المسيح عاش معذبا مضطهدا؛ لأنه لم يرض أن يقر الظالمين على ~~ظلمهم، وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبه، بل رفعه فوق رأسه غير مبال ~~بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل ~~أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته، والمترسم مواقع أقدامه في خطواته، فما هذه الجلسة ~~الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين؟! وما هذه اليد التي تضعها في أيديهم كأنك ~~تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك، وفي حمايتك وحماية الكتاب ~~المقدس؟! وما هذا السلطة التي تزعمها لنفسك أن تدخل الجنة من تشاء، وتخرج منها من ~~تشاء؟! وما هذه القصور التي تسكنها، والديباج الذي تلبسه، والعيش البارد الذي تنعم به ~~وأنت الراهب المتبتل الذي كتب على نفسه الانقطاع عن زخرف الدنيا ونعيمها إلى عبادة الله ~~والانكماش في طاعته؟!» # ذلك ما قلت للكاهن، فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان، وهو يعلم أنك لا تعترف له ~~بالقدرة على إعطاء أو منع، ولكنه أراد تشويه سمعتك والغض منك، وإغراء العامة بك، ~~وصرف القلوب عنك، فكان ذلك كل ما استفدت من نصيحتك وعظتك. # وأبكاك منظر المنفيين في سيبريا، وما يلاقون من صنوف العذاب ويعالجون من أنواع ~~الآلام، فصرخت صرخة دوى بها الملأ الأعلى والملأ الأدنى، وقلت: «أيها الناس، إن ~~الشر لا يدفع الشر، والأشقياء مرضى فعالجوهم ولا تنتقموا منهم، فالتربية الصالحة تمحو ~~الجرائم والانتقام يلهب ms253 نارها، واجعلوا مكان السجون مدارس، ومكان السجانين معلمين.» ~~فلم يسمع صرختك سامع، ولا بكى لبكائك باك، وما زال القضاة يحكمون، والجند يصادرون، ~~والسجانون يعذبون، والمسجونون يصرخون. # وأزعجك منظر الدماء المتدفقة في معارك الحروب، وبكاء النساء المعولات خلف أزواجهن ~~وأولادهن وأخواتهن، وهم سائرون إلى حرب لا يعرفون لها مصدرا ولا موردا، وقد حمل ~~بعضهم لبعض بين الجنوب ضغائن وسخائم لا سبب لها إلا ذلك الوهم الذي غرسه في قلوبهم ~~قساة السياسة، فتخليوا أنهم أعداء وهم أصدقاء، فتسلبوا من لباس الإنسانية، ولبسوا فراء ~~السباع، وتقلدوا أظفارها، وأنشب كل منهم ظفره في صدر أخيه كأنما يفتش عن قلبه، ~~فينتزعه من مكانه فيلوكه في فمه ثم يلفظه، ذلك القلب الذي لو شق عن سويدائه لوجد لنفسه ~~فيه مكانا عليا لولا جور السياسة وضلالها. # فما أغنى عنك بكاؤك وحنينك، ولا أجدى عويلك وأنينك، فالحرب لم تزل باقية، ومصانع ~~الموت لم يقنعها ما أعدت من المهلكات لمعارك الأرض، حتى أصبحت تعد مثلها لمعارك ~~السماء! # فهنيئا لك أيها الرجل العظيم ما اخترت لنفسك من تلك العزلة المطمئنة، فقد نجوت بها ~~من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت فيهلك غيظا، أو ينطق فيموت كيدا. # إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علما والظلمة نورا والسواد بياضا والبحر برا ~~والبر بحرا، وأن يتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء، ولكنه لا يستطيع أن يحيل ~~رذيلة المجتمع الإنساني فضيلة وفساده صلاحا. # ما دام الإنسان لا ينتهي عن ظلم الإنسان حتى يخافه، وما دام لا يحسن إليه إلا إذا ~~أراد أن يتخذه عبدا يعبده من دون الله، وما دام للأثرة هذا السلطان الأكبر على أفراد ~~المجتمع - من أكبر كباره إلى أصغر صغاره - فالإنسان اليوم هو بعينه إنسان الغابات ~~والأحراش بالأمس، لا فرق بينه وبينه إلا أنه اليوم قد آوى بشروره ومفاسده إلى بيت من ~~الزجاج يفعل فعلاته من ورائه، ولكن الزجاج شفاف كثوب الرياء. # | مقدمة «مختارات المنفلوطي» # عرفت حاجتك يا بني - أعزك الله - إلى كتاب يجمع لك من جيد ms254 منظوم العرب ومنثورها ~~في حاضرها وماضيها، وفي كل فن وغرض من فنونها وأغراضها ما تستعين باستظهاره، أو ترديد ~~النظر فيه على تهذيب بيانك وتقويم لسانك. وعلمت أنك لن تستطيع أن تجد طلبتك هذه في ~~مختار من مختارات المتقدمين، ولا في مجموعة من مجموعات المعاصرين. أما المتقدمون فهم ~~بين نحوي لا يعجبه من الكلام إلا ما يجد فيه مذاق شواهد العلم الذي يعالجه، ولا تسكن ~~نفسه إلا إلى البيت الذي يرى فيه عقدة يتفصح بحلها أو خطأة يتفكه بتأويلها، أو ~~نادرة من نوادر الإعراب والبناء يؤيد بها رأيا أو يساجل بها خصما. ولغوي مولع بما ~~يشتمل على الغريب النادر من مفردات اللغة وتراكيبها، فلا يكاد يعدل بشعر الجاهلية وما ~~جرى مجراه شعر طبقة من الطبقات، ولا يرى غير كلامهم كلاما، ولا مذهبهم مذهبا. وعصر ~~الجاهلية فيما أعتقد هو عصر الطفولة الشعرية؛ أي إن الشعر كان فيه بسيطا ساذجا لم ~~يهذبه العلم، ولم تصقله الحضارة، ولم تتصل به أشعة الخيال فتنير ظلمته، فهو وإن كان ~~أصدق الشعر وأجدره أن يكون صفحة صحيحة لتاريخ عصره، ولكن قلما يستفيد شاعر الحضارة من ~~أكثره أكثر من المادة اللغوية. وما الفرق بين شعر الجاهلية وشعر طبقة المحدثين ~~والمولدين من بعده إلا كالفرق في الموسيقي بين نغمات الحداة في أعقاب الإبل ونغمات ~~الضاربين على أوتار الأعواد والبرابط في عصر الحضارة الإسلامية. # وعندي أن للنزعة التاريخية سلطانا على نفوس المولعين بالشعر الجاهلي أكثر من ~~النزعة الفنية، فمثلهم كمثل المولعين بالعاديات الذين يؤثرون حجر الغرانيت على حجر ~~الماس، ويعجبهم منظر هرم خوفو أكثر مما يعجبهم منظر برج إيفل. وراوية همه في حياته أن ~~يدور بيده ليله ونهاره في زوايا رأسه عله يعثر ببيت لا يعرفه غيره منسوبا إلى قائل ~~لا يعرف نسبته إليه سواه، ثم لا يبالي بعد ذلك أحسن أم أساء، فهو بالمؤرخ أشبه منه ~~بالأديب. وأديب جمع ما جمعه لعصر غير عصرك وقوم غير قومك، وحال ومجتمع غير حالك ~~ومجتمعك، فإن أفادك قليله لا ينفعك كثيره، وأحسب ms255 أن ما جمعه من الشعر بالحماسة ووصف ~~الحروب وأسلحتها، ودمائها وغبارها وأشلائها، ووصف الإبل في مباركها والشاء في ~~حظائرها، والأبقار في مراتعها، هو آخر ما يحتاج المتأدب إلى النظر فيه في هذا العصر. ~~وبين مطيل قد خلط جيده برديئه، وغثه بسمينه، فلا تصل يدك إلى ما في منجمه من ذرات التبر ~~حتى تنبش عنها ما لا قبل لك باحتماله من حقائب الرمل. ومقصر يختص بالاختيار عصرا ~~دون عصر، أو فردا دون فرد، أو قوما دون قوم، أو بابا من أبواب البيان دون باب، ~~وهو يعلم أن المتأدب - شاعرا كان أو كاتبا - لا يكمل أدبه، ولا تصفو قريحته، ولا تلمع ~~صفحة بيانه، ولا تنحل عقدة لسانه إلا إذا تمهل في روض البيان، فاقتطف ألوان زهراته من ~~أنواع شجراته. # وأن الشاعر لا يغنيه المدح والهجاء عن البكاء والرثاء، ولا العتاب والود عن التشبيه ~~والوصف، ولا البكاء على المنازل والديار وفراق الأحبة وموت الموتى، عن البكاء على المجد ~~الضائع، والملك الساقط، والعرض المغلوب، والشرف المسلوب، كما لا يغنيه وصف السيف في ~~رونقه وبهائه، عن وصفه في حدته ومضائه، ولا وصف البدر في جماله وروائه، عن وصفه في ~~عزته وخيلائه، ولا تشبيه قوادم الحمامة عن تشبيه ذنب القطاة، ولا تصوير ذكاء الفيل ~~عن تمثيل إحساس النملة. # وأن الكاتب لا يبلغ مرتبة البيان، ولا يصل إلى منزلة القدرة على الإفصاح عن أغراضه ~~ومراميه في جميع مواقفه ومذاهبه، حتى يأخذ بأزمة القول جميعها، ويشتمل على أساليب ~~الكلام بأنواعه، ويعلم أن الكتابة في العلم غير الكتابة في الأدب، وأن للخطب أسلوبا ~~غير أسلوب الكتب، وأن لكل نوع من أنواع العلوم والفنون طريقا في الكتابة خاصا به لا ~~يفارقه إلى غيره، ولا يشركه فيه سواه، وأن الانتقاد غير الهجاء، والهجاء غير التهكم، ~~والتهكم غير التأنيب، والتأنيب غير الإنذار والتهديد. # وأما المعاصرون فهم إما تابع متأثر يعتمد في اختيار ما يختار على نباهة النابه، وفي ~~اطراح ما يطرح على خمول الخامل، ويعتبر التقدم في الزمن شافعا يشفع في إساءة ms256 ~~المسيء، والتأخر فيه ذنبا يذهب بإحسان المحسن. وإما خابط متقمم يعتمد في ~~الاختيار على يده لا على بصره، فيأخذ من كل كتاب صفحة، ومن كل ديوان ورقة، ثم ~~يعرض على الأنظار كتابا غريبا في اختلاف ألوانه، وتزايل أوصاله، جامعا بين معلقة ~~امرئ القيس وألفية ابن مالك في مكان، وبين مقامات البديع ومقامات السيوطي في مكان آخر. ~~وإما عالم أديب قد حال بينه وبين انتفاع المتأدبين بعلمه وفضله، وسلامة ذوقه وصفاء ~~قريحته، أنه يبالغ في سوء الظن بأفهامهم، ويذهب في تقدير مداركهم مذاهب ما كان لمثله أن ~~يذهب إلى مثلها، فتراه يعمد في اختيار ما يختار إلى ما يزعم أنه القريب إلى أذهانهم ~~اللاصق بقولهم غير الملتوي عليهم، ولا المتعثر بهم، فيتبذل كل التبذل، ويسف ~~كل الإسفاف، ويورد في كتابه من قطع الشعر وجمل النثر ما يشبه أن يكون مادة للطفل في ~~هجائه، لا مادة للأديب في بيانه. # وسبيل كتب المختارات التي يراد منها غرس ملكة البيان في نفس المتأدب غير سبيل كتب ~~العلم التي لا يراد منها غير حصول ما تشتمل عليه من قواعد العلوم ومسائلها في ذهن ~~المتعلم، ولن تستقر ملكة البيان في النفس حتى يقف المتأدب بطائفة من شريف القول - ~~منظومه ومنثوره - وقوف المتثبت المستبصر، الذي يرى المعنى بعيدا فيمشي إليه، أو نازحا ~~فيستدنيه، محلقا فيصعد إليه أو متغلغلا فيمشي في أحشائه حتى يصيب لبه، ولا يزال ~~يعالج ذلك علاجا شديدا ينضح له جبينه، وتنبهر له أنفاسه حتى تتكيف ملكته بالكيفية ~~التي يريدها. # وما أرى هذه النكبة العامة التي أصابت الناشئين في ملكاتهم الكتابية، وما رزئوا به ~~من نضوب مادتهم اللغوية والنزوع إلى تلك المنازع الأعجمية في التصور والتخيل، إلا ~~أثرا من آثار تلك المختارات التي يجمعها لهم الجامعون جمعا محفوفا بالحذر والاحتياط. ~~بل بما هو فوق ذلك من الخوف والوسواس، فيستكثرون لهم من أبواب الحكم والأخلاق، ~~والمواعظ والزهد، وأمثال ذلك مما لا يكاد يتراءى فيه قلب الشاعر، ولا تتجلى فيه نفس ~~الكاتب. ويفرون الفرار كله من كل ms257 ما يتعلق بوصف جمال الطبيعة، أو جمال الصناعة، أو ~~تصوير عواطف النفوس وخوالجها في الخير والشر والعرف والنكر، كأنما يحسبون أن كل ~~بيت غزل بيت ريبة، وكل قصيدة خمرية حانة شراب، وما سمعنا من قبل ولا نحسب أن ~~سيسمع السامعون من بعد أن متأدبا أفسده ديوان غزل، أو أغراه بالشراب وصف خمر، لا، ~~بل إنما يرد ذلك على من يرد عليه منهم من فساد الخلطاء أو ضلال المؤدبين. # أما الشعر المشتمل على وصف الجمال، والنثر المتضمن تصوير دقائق المعاني النفسية ~~والخواطر القلبية - ما دام بعيدا عن فاحش القول وهجره - فهو أعون الذرائع على تنمية ~~ملكة الفصاحة والبيان في نفس الناشئ؛ لذلك لم أر بدا من أن أستخير الله تعالى في أن ~~أجمع لك - يا بني - في هذا السفر من جيد المنظوم والمنثور ما أعلم أنه ألصق بك ~~وأدنى إليك، وأنفع لك في تثقيف عقلك وتقويم لسانك، وتحليل ما أسأرته الأيام من ~~العجمة في قلمك ولسانك، فهززت لك دوحة الأدب العربي هزة تناثرت فيها هذه ~~الثمرات الناضجة التي تراها بين يديك، ولم أترك من ورائي في جميع ما تصفحته من دواوين ~~الشعر، ومجاميع الأدب، وكتب المختارات إلا ما كان رديئا أو مشوبا بشيء من هجر ~~القول ومعيبه، أو بالغا من الشهرة والسيرورة منزلة لا يخطئها نظر الناظر، أو واقعا ~~في منزلة بين الجودة والرداءة. وقد جعلت قاعدتي في الاختيار جمال الأسلوب أولا، وجمال ~~المعنى ثانيا، فربما أختار ما حسن لفظه وتوسط معناه، وقد أختار ما توسط لفظه وسما ~~معناه. كما صنعت في بعض مختارات قسم المنثور من الباب الأول، وهو باب الفصاحة ~~والبيان. ولكنني لا أختار بحال ما كان معناه ساميا ونظمه فاسدا، أما الجيد فقاعدته ~~عندي ما يأتي: «كل كلام صحيح النظم والنسق إذا قرأه القارئ وجد في نفسه الأثر الذي ~~أراده الكاتب منه، من حيث لا يجد فيه مسحة تدل على أن صاحبه يحاول أن يكون فيه بليغا؛ ~~فهو بليغ.» # ولا أكتمك أني قد استجزت لنفسي ما استجازه لأنفسهم ms258 المختارون من قبلي، فتصرفت في ~~قليل من المختارات بعض التصرف بالتقديم والتأخير، والاختصار والتلخيص والحذف، وقد لقيت ~~في هذا السبيل - وفي كل سبيل سلكته - إلى جمع هذه المختارات عناء كثيرا لا أسألك يا ~~بني عليه أجرا سوى أن تنتصح بما أنصحك به في كلمتي هذه، وهي أنك لن تستطيع أن ~~تنتفع بهذه المختارات إلا بشروط ثلاثة؛ أولها: أن تملأ قلبك من الثقة بها والسكون ~~إليها حتى لا يصرفك عنها صارف، ولا يخدعك عنها خادع. وثانيها: أن تقف بها وقوف الدارس ~~المتعلم لا وقوف المتنزه المتفرج، فلا يمنعك فهم ما فهمته من معاودته وترديد النظر فيه ~~حتى ترشف فيه من الكأس ثمالتها، ولا ريبة تصعب عليك من مراجعته والاختلاف إليه ~~والتغلغل في أحشائه، فإنك لا بد ماخض زبدته ومصيب لبه. وثالثها: أن تحمي ~~نفسك النظر في هذه المخطوطات المختلفة التي تتجدد كل يوم أمام عينيك في أسفار هذا العصر ~~وصحفه، فإن التربية الكتابية مثل التربية الأخلاقية يسري فيها الداء ثم يعوز ~~الدواء، اللهم إلا ما كان من أمثال ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء الذين اخترت لهم ~~في هذا الكتاب في المعاني التي عرفوا بها وبرزوا فيها. فإن أخذت بنصيحتي وعنيت بها ~~العناية كلها، وكنت ممن رزقهم الله قريحة خصبة صالحة لنماء ما يغرس فيها من البذور ~~الصالحة، بلغت ما أردت لك إن شاء الله تعالى. # | وا رحمتاه! # في ذلك البلد القفر من تلك الصحراء المحرقة من هذا الإقليم القاحل طائفة من فقراء ~~المسلمين وضعفائهم، لا يملكون من الحول غير قلوب يملؤها اليقين بالله، والثقة به، ~~والاعتماد عليه، ولا من القوة غير ألسنة لا تزال تهتف في صباحها ومسائها وبكورها ~~وأصائلها بالدعاء إلى الله تعالى أن يتولى أمرهم، ويسدد خطواتهم، وييسر لهم السبيل ~~إلى الخلاص من ذلك العدو القاهر الذي نزل بهم في دار أمنهم وسكونهم نزول القضاء الذي ~~لا مرد له، ولا منتدح عنه، يريد أن يسلبهم ما أبقت يد الأيام في أيديهم من لقيمات ~~غير سائغة ، وجرعات غير هنيئة، وظل ms259 غير ظليل. # وا رحمتاه لجماعة المسلمين في طرابلس! إنهم عاجزون عن أن يعدوا لعدوهم الزاحف ~~عليهم بقنابله ورصاصه غير أجسام ستصبح في الغد أشلاء ممزقة تطؤها النعال وتدوسها ~~الحوافر، وقلوب لا تزال تدق حتى تسمع دقات المدافع والبنادق فتسكن، وأوراح ستطير في ~~علياء السماء طيران ذلك الدخان في أجواز الفضاء. # وا رحمتاه لهم! إنهم يستغثون فلا يجدون مغيثا، ويستصرخون فلا يسمعون مجيبا، قد ~~تقطعت بهم الأسباب، وأعوزتهم الوسائل وسدت في وجوههم السبل، فلم يبق لهم منها إلا ~~سبيل الموت، وفي الموت راحة البائسين والمنكوبين من شقاء الحياة وبلائها، لولا أنهم ~~يتركون من بعدهم بين يدي ذلك العدو الظالم أرامل ضعفاء، وأيتاما صغارا، وشيوخا ~~كبارا لا يعلمون ماذا أضمر لهم القدر في صدره من نعيم أو شقاء. # كأني أراهم وقد غلت في صدورهم حمية الدين والوطن، ودارت في رءوسهم سكرة العزة ~~العربية، فأبوا إلا أن يتقدموا إلى الموت الأحمر تقدم المستقتل المستبسل، الذي يعلم أن ~~باب الحياة الأبدية السعيدة لا يفتح إلا بين يدي الأرواح التي احتقرت أجسادها وازدرتها، ~~فتجردت من أثوابها الرثة البالية وألقتها من ورائها. وكأني أرى الرجل منهم وقد دخل ~~إلى بيته ليعد عدته، ويودع أهله الوداع الأخير، فبكت أمه وناحت زوجته، وصاح ولده، ~~فبكى لبكائهم، ورن لرنينهم، لا جزعا من الفراق؛ لأنه فراق يعزيه عنه لقاء الله ~~تعالى، ولا خشية من الموت؛ لأنه يعلم أن الحياة الذليلة أحقر من أن يضن صاحبها بروحه ~~في سبيل الله حرصا عليها، بل مخافة أن تستبد بأعراض بيته وحرماته تلك الأيدي الظالمة ~~التي لا ترحم صغيرا ولا تعطف على كبير، أو أن يهلكوا من بعده جوعا وفقرا؛ لأنه لم ~~يترك لهم قوتا يتبلغون به ولا عمادا يعتمدون عليه، فإذا علم أن موقفه بينهم موقف ~~جلل يكاد يغلب فيه على أمره حزنا وإشفاقا، نظر في زرقة السماء نظرة طويلة أرسل ~~فيها إلى حضرة ربه كل ما تهتف به نفسه القريحة من وجد ورحمة وبكاء وحنين، ثم ~~انفتل من بين أيديهم انفتالا، ومضى ms260 لسبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى يبلغ ساحة ~~الحرب، فلا يزال يقرع باب الحياة الأخرى حتى يفتح له. # هنالك تنوح النائحات، وتبكي الباكيات، وتطير النفوس وتصعق القلوب، وترن المنازل ~~والدور بالنحيب والتعديد، وهنالك ترى المرأة المسلمة المخبأة التي لم تر في حياتها وجه ~~الشمس إلا من كوة بيتها بارزة الوجه، عارية الرأس، حيرى مولهة هائمة في الطرق ~~والمذاهب، تسائل الغادين والرائحين ما فعل الله بولدها أو زوجها أو أخيها. فإما بقيت في ~~حيرتها بياض يومها وسواد ليلها، وإما عادت إلى بيتها بالثكل القاتل والحزن الدائم. ~~وترى الشيوخ الكبار، والأطفال الصغار والعاجزين والضعفاء لائذين بالتلال والآكام ~~يتقون بها صواعق الحرب وشهبها فلا تقيهم، أو عائذين بالمضايق والمنافذ يفرون إليها من ~~وجوه الخيل وسنابكها فلا تحميهم. وهنالك ترى أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم مجاهدين ~~أو فاتحين، أو قوادا عظاما أو سواسا كبارا يمشون بين بيوت المسلمين ومجامعهم ~~مشية الفرح المختال، وينظرون إلى أولئك القوم الذين سرقوا حريتهم واستقلالهم، ~~وانتهبوا أرواحهم وأموالهم نظر السيد إلى مولاه الذي ملك ولاءه بماله، واستعبده بفضله ~~وإحسانه. وربما رموا إليهم في تلك الساعة بلقيمات كتلك التي يلقيها سيد الكلب إلى ~~كلبه، أو صاحب الماشية إلى ماشيته؛ ليشهدوا العالم الإنساني بأجمعه على كرمهم ~~وسخائهم وعطفهم ورحمتهم، وأنهم ما سفكوا الدماء ولا قطعوا الأوصال ولا يتموا ~~الأطفال، ولا انتهكوا الحرمات، إلا خدمة للإنسانية العامة وإجلالا لشأنها. # لا أحسب أن مسلما دخل الإيمان قلبه، فملأه رحمة وإحسانا وعطفا وحنانا يستطيع أن ~~يتخذ لجنبه في ظلمة الليل مضجعا، أو يجد لنفسه في ضحوة النهار قرارا؛ حزنا على ~~هؤلاء المنكوبين الحائرين الذين يدورون بأعينهم في مشارق الأرض ومغاربها يتلمسون ~~ناصرا يعينهم على أمرهم، أو منجدا يدفع عنهم عادية البلاء، فلا يجدون إلا أمما ~~إسلامية قد أصابها مثل ما أصابهم من قبل، فهي تعجز عن النظر لنفسها فأحرى أن تعجز عن ~~النظر لغيرها. فلم يبق بين أيديهم من الأمل إلا تلك الرحمة التي يعتقدون أنها باقية ~~لهم في قلوب الأفراد من ms261 إخوانهم المسلمين أن يمدوهم بقليل من القوت يستعينون به ~~على جهاد عدوهم، ويعودون بما بقي منه على عيالهم الذين يتضورون جوعا من بعدهم. # أيها المسلمون # إنكم لن تجدوا بعد اليوم موقفا هو أقرب إلى الله، وأدنى إلى رحمته وإحسانه، وأجلب ~~لمغفرته ورضوانه من موقفكم بين هؤلاء الضعفاء المساكين تطعمون جائعهم، وتكسون عاريهم، ~~وتسلحون أعزلهم، وتعالجون جريحهم، وتخلفون قتيلهم في أهله وولده. # إنكم إن تحسنوا إليهم تحسنوا إلى أنفسكم، وإن تنقذوهم من كربتهم تنقذوا جامعتكم ~~وملتكم، فإن بينكم وبينهم لحمة أقوى من لحمة النسب، ووشيجة أوثق من وشيجة ~~القربى، وإنكم جميعا تصلون إلى قبلة واحدة، وتهتفون في الغداة والعشي بذكر واحد، ~~وتتوجهون بقلوبكم في نعمائكم وبأسائكم إلى إله واحد، وتقفون في بيت الله وحرمه بين ~~الركن والمقام موقفا واحدا. # أيها المسلمون # إنكم إن اجتمعتم اليوم لن تفترقوا غدا، وإن هديتم لرشدكم في موقفكم هذا لن تضلوا من ~~بعده، وإنكم إن قدمتم بين أيديكم هذا العمل الصالح أحسن الله جزاءكم وأعانكم على ~~أمركم، ووفى لكم بما وعدكم من نصره ومعونته، وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم. # | خطبة الحرب # يا أبطال برقة، وليوث طرابلس، وحماة الثغور، وذادة المعاقل والحصون، صبرا قليلا في ~~مجال الموت، فها هي ذي نجمة النصر تخفق في آفاق السماء، فاستنيروا بنورها واهتدوا ~~بهديها حتى يفتح الله عليكم. # إن الله وعدكم النصر، ووعدتموه الصبر، فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده. # لا تحدثوا أنفسكم بالفرار، فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عرض لا يجد له حاميا، ~~ودين يشكو إلى الله قوما أضاعوه، وأنصارا خذلوه. # إنكم لا تحاربون رجالا أشداء بل أشباحا تتراءى في ظلال الأساطيل، وخيالات تلوذ ~~بأكناف الأسوار والجدران، فاحملوا عليهم حملة صادقة تطير بما بقي من ألبابهم، فلا ~~يجدون لبنادقهم كفا ولأسيافهم ساعدا. # إنهم يطلبون الحياة وأنتم تطلبون الموت، ويطلبون القوت وتطلبون الشرف، ويطلبون غنيمة ~~يملئون بها فراغ بطونهم، وتطلبون جنة عرضها السموات والأرض، فلا تجزعوا من لقائهم، ~~فالموت لا يكون مر المذاق في أفواه المؤمنين. # إنكم تعتمدون على ms262 الله وتثقون بعدله ورحمته، فتقدموا إلى الموت غير شاكين ولا ~~مرتابين، فما كان الله ليخذلكم ويكلكم إلى أنفسكم وأنتم من القوم الصادقين. # إن هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل إلى شهب نارية حمراء تهوي ~~فوق رءوس أعدائكم فتحرقهم. وإن هذه الأنات المترددة في صدوركم ليست إلا أنفاس الدعاء ~~صاعدة إلى إله السماء أن يأخذ لكم بحقكم ويعديكم على عدوكم، والله سميع الدعاء. # إن أعدائكم قتلوا أطفالكم، وبقروا بطون نسائكم، وأخذوا بلحى شيوخكم الأجلاء فساقوهم ~~إلى حفائر الموت سوقا، فماذا تنتظرون بأنفسكم؟ # أجلبوا عليهم بخيلكم ورجلكم، واصدقوا حملتكم عليهم وجعجعوا بهم، واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم، واطلبوهم بكل سبيل، وتحت كل أرض وفوق كل سماء، وأزعجوهم حتى عن طعامهم ~~وشرابهم، ويقظتهم ومنامهم، فما أعذب الموت في سبيل تنغيص الظالمين! # احفروا لأنفسكم بسيوفكم قبورا، فالقبر الذي يحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر ~~النار. # لا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين، ولا الواسطة بين الطرفين، ولا العيش الذي هو بالموت ~~أشبه منه بالحياة، بل اطلبوا إما الحياة أبدا وإما الموت أبدا. # غدا يخفر أعداؤكم حرمة أرضكم ودياركم، ويملكون عليكم نساءكم وأولادكم، ويطئون بحوافر ~~خيولهم مساجدكم ومعابدكم، وينظمون في ثقوب آنافكم مقاود يقودونكم بها إلى مواقف الذل ~~والهوان كما تقاد الإبل المخشوشة إلى معاطنها، فافتدوا أنفسكم من هذا المصير المهين ~~بجولة تجولونها في سبيل الله ثم تموتون. # موت الجبان في حياته، وحياة الشجاع في موته، فموتوا لتعيشوا، فوالله ما عاش ذليل ولا ~~مات كريم. # إن هذه الأساطيل الرابضة على شواطئكم، والمدافع الفاغرة أفواهها إليكم، والبنادق ~~المسددة إلى صدوركم ونحوركم لا يمكن أن يتألف منها سور منيع يعترض سبيلكم في رحلتكم ~~من هذه الدار إلى تلك الدار، فسيروا في طريقكم إلى آخرتكم؛ فإن الأعداء إن ملكوا عليكم ~~طريق الحياة لا يملكون عليكم طريق الموت. # المستميت لا يموت، والمستقتل لا يقتل، ومن يهلك في الإدبار أكثر ممن يهلك في الإقدام، ~~فإن كنتم لا بد تطلبون الحياة فانتزعوها من بين ماضغي الموت. # إن كتاب التاريخ قد علقوا ms263 أقلامهم بين أناملهم، ووضعوا صحائفهم بين أيديهم، ~~وانتظروا ماذا تملون عليهم من حسنات أو سيئات. فأملوا عليهم من أعمالكم ما يترك في ~~نفوسهم مثل ذلك الأثر الذي تجدونه في نفوسكم عندما تقرءون تلك الصحائف البيضاء التي ~~سجلها التاريخ لأولئك الأبطال العظماء. # موتوا اليوم أعزاء قبل أن تموتوا غدا أذلاء. # موتوا قبل أن تطلبوا الموت فيعوزكم، وتنشدوه فيعجزكم. # موتوا اليوم شهداء في ساحة الحرب تكفنكم ثيابكم، وتغسلكم دماؤكم، وتصلي عليكم ملائكة ~~الرحمن، قبل أن يسبق قضاء الله فيكم، فيموت أحدكم فلا يجد بجانبه مسلما يصلي عليه صلاة ~~الجنازة، ثم يرافق نعشه إلى قبره حتى يودعه حفرته، ويخلي بينه وبين ربه. # إن الشيخين أبا بكر وعمر، والفارسين خالدا وعليا، والأسدين حمزة والزبير، ~~والفاتحين سعدا وأبا عبيدة، والمهاجرين طارق بن زياد وعقبة بن نافع، وجميع حماة ~~الإسلام وذادته السابقين الأولين المجاهدين الصابرين يشرفون عليكم اليوم من علياء ~~السماء لينظروا ماذا تصنعون بميراثهم الذي تركوه في أيديكم، فامضوا لسبيلكم، واهتكوا ~~بأسيافكم حجاب الموت القائم بينكم وبينهم، وقولوا لهم: «إنا بكم لاحقون، وإنا على ~~آثاركم لمهتدون.» # إن هذا اليوم له ما بعده، فلا تسلموا أعناقكم إلى أعدائكم، فإنكم إن فعلتم لن يعبد ~~الله بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا! # | الإنسانية العامة # الجامعة الإنسانية هي الجامعة الكلية العامة التي يلجأ إلى كنفها هذا المجتمع ~~الإنساني كلما أزمته أزمة، أو نزلت به نازلة، وهي المطلع الذي تشرق منه شمس ~~الرحمة الإلهية على هذا الكون فتنير ظلماءه، وتكشف غماءه. وهي الحكم العدل الذي يفصل ~~في قضايا المجتمعات البشرية حين تنفصم عروتها، ويدب دبيب العداوة والبغضاء بين أحيائها. ~~وهي السلطان المطلق الذي يجلس في كرسي عظمته وجلاله، فتخر له جميع الجباه سجدا، ~~وتبتدر يديه لثما وتقبيلا. # الجامعة الإنسانية هي الجامعة الجوهرية الثابتة التي رأت طينة آدم أولا، وسترى نفخة ~~إسرافيل آخرا، والتي تسير مع الإنسان حيث سار في بره وبحره، وسهله وحزنه، وحياته ~~وموته، وتدور معه حيث دار في إيمانه وكفره، وصلاحه وفساده، واستقامته واعوجاجه ، لا ~~يتغير لونها، ولا ms264 يتحول ظلها، ولا تستحيل مادتها، ولا تبلى جدتها على كرس الليالي ~~ومر الأيام. # ما من جامعة من الجوامع القومية أو الجنسية أو الدينية أو الأهلية إلا وهي تعتمد على ~~الجامعة الإنسانية في سيرها، وتستظل بظلها، وتهتدي بهديها، فالمجاهد الوطني يقول: «إني ~~أدافع عن وطني وأحمي حوزته، وأقوم على ثغوره وعوراته مقام الذائد المناضل؛ لأني أعتقد ~~أنني إن أغفلت ذلك وأغفله في وطني كل مضطلع بمثل ما أنا مضطلع به في وطني، تساقطت ~~الحوجز القائمة في وجه المطامع البشرية، فجرى سيلها متدفعا لا يقوم له شيء حتى يأتي ~~عليه.» والفاتح الديني يقول: «إني أعتقد أن الإنسانية لا تزال معذبة يأكل قويها ~~ضعيفها، ويغتال كبيرها صغيرها، ويستضعف حاكمها محكومها حتى تدين بالدين الذي أدين به، ~~فأنا إن حاربت البلاد وقاتلت العباد، فإنما أريد أن أخوض هذا البحر الأحمر من الدماء ~~لأصل إلى سفينة الإنسانية المشرفة على الغرق، فأستخلصها من يد الموت الذي ~~يساورها.» # هكذا يقول دعاة الدين، ودعاة الوطن، ودعاة كل جامعة، وهكذا يجب أن يقولوا، فإن لم ~~يفعلوا وأبوا إلا أن يغفلوا الجامعة الإنسانية في دعائهم إلى جوامعهم التي يدعون ~~إليها، فليعلموا أن الإنسانية ملاك كل شيء، فإذا ذهبت ذهب بذهابها كل ~~شيء. # ليس لساكن وطن من الأوطان، أو صاحب دين من الأديان أن يقول لغيره ممن يسكن وطنا غير ~~وطنه، أو يدين بدين غير دينه: «أنا غيرك، فيجب أن أكون عدوك!» لأن الإنسانية وحدة لا ~~تكثر فيها ولا غيرية، ولأن هذه الفروق التي بين الناس في آرائهم ومذاهبهم ~~ومواطن إقامتهم وألوان أجسادهم وأطوالهم وأعراضهم، إنما هي اعتبارات واصطلاحات، أو ~~مصادفات واتفاقات تعرض لجوهر الإنسانية بعد تكونه واستتمام خلقه، وتختلف عليه اختلاف ~~الأعراض على الأجسام. ففي كل بلد وفي كل يوم يستعجم العربي، ويستعرب الأعجمي، ويسلم ~~المسيحي، ويتهود الوثني، ويلحد المؤمن، ويؤمن الجاحد، ويستشرق المغربي، ويستغرب ~~المشرقي. ولو أشاء أن أقول لقلت: إنه لا يوجد فوق رقعة الأرض من لا يزال يمسك حتى اليوم ~~بطرف سلسلة ينتهي طرفها الآخر بوطن غير ms265 وطنه، ودين غير دينه، وأمة غير أمته. # إذا جاز لكل إقليم أن يتنكر لغيره جاز لكل بلد أن يتنكر لكل بلد، بل جاز لكل بيت أن ~~ينظر تلك النظرة الشزراء إلى البيت الذي يجاوره، بل جاز للأب أن يقول لولده، ~~وللولد أن يقول لأبيه: «إليك عني، لا تمد عينيك إلى شيء مما في يدي، ولا تطمع أن ~~أوثرك على نفسي بشيء مما اختصصتها به؛ لأنني غيرك، فيجب أن أكون عدوك!» وهنالك ~~تنحل كل عقدة، وتنفصم كل عروة، ويحمل كل إنسان لأخيه بين أضلاعه من لواعج البغض ~~والشحناء ما يرنق عيشه، ويطيل سهده، ويقلق مضجعه، ويحبب إليه صورة الموت، ويبغض ~~إليه وجه الحياة، وهنالك يصبح الإنسان أشبه شيء بذلك الإنسان الأول في وحشته وانفراده، ~~يقلب وجهه في صفحات السماء، ويفتش بيديه في طبقات الأرض، فلا يجد له في الوحشة مؤنسا ~~ولا على الهموم معينا. # الجامعة الإنسانية أقرب الجوامع إلى قلب الإنسان، وأعلقها بفؤاده وألصقها بنفسه؛ لأنه ~~يبكي لمصاب من لا يعرف، وإن كان ذلك المصاب تاريخا من التواريخ أو خيالا من الخيالات؛ ~~ولأنه لا يرى غريقا يتخبط في الماء، أو محروقا يتقلب في النار حتى تحدثه نفسه ~~بالمخاطرة في سبيله، فيقف موقف الحزين المتلهف إن كان ضعيفا، ويندفع اندفاع الشجاع ~~المستقتل إن كان قويا. ويسمع وهو بالمشرق حديث النكبات بالمغرب، فيخفق قلبه وتطير ~~نفسه؛ لأنه يعلم أن أولئك المنكوبين إخوانه في الإنسانية، وإن لم يكن بينه وبينهم ~~صلة في أمر سواها، ولولا أن ستارا من الجهل والعصبية يسبله كل يوم غلاة الوطنية ~~والدين أو تجارهما على قلوب الضعفاء والبسطاء، لما عاش منكوب في هذه الحياة بلا راحم، ~~ولا ضعيف بلا معين. # لا بأس بالوطنية ولا بأس بالحمية الدينية، ولا بأس بالعصبية لهما والذياد عنهما، ولكن ~~يجب أن يكون ذلك في سبيل الإنسانية وتحت ظلالها؛ أي أن تكون جميع دوائر المجتمعات باقية ~~في أماكنها دائرة حول نفسها، بحيث لا تخرج واحدة منها عن دائرة الإنسانية العامة التي ~~تضمها جميعا وتشتمل عليها. والوطنية ms266 لا تزال عملا من الأعمال الشريفة المقدسة حتى ~~تخرج عن حدود الإنسانية، فإذا هي خيالات باطلة وأوهام كاذبة، والدين لا يزال غريزة من ~~الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها، حتى يتمرد على الإنسانية ويعتزلها، فإذا هو ~~شعبة من شعب الجنون. # فإن كان لا بد للإنسان من أن يحارب أخاه أو يقاتله، فليحاربه مدافعا لا طاعنا، ~~وليقاتله مؤدبا لا منتقما، وليقف أمامه في كل ذلك موقف المحق المنصف والشفيق ~~الرحيم، فيدفنه قتيلا ويعالجه جريحا، ويكرمه أسيرا، ويخلفه على أهله وولده بأفضل ما ~~يخلف الرجل الكريم أخاه الشقيق، أو صديقه الحميم على ذريته من بعده، وليكن شأنه ~~معه شأن تلك الفئة المتحاربة التي وصفها الشاعر في قوله: # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها # تذكرت القربى ففاضت دموعها # | أدوار الشعر العربي # كانت العرب في جاهليتها أمة هائمة متبدية على الفطرة البيضاء النقية لا تعبث ~~الحضارة بجمالها، ولا تغبر المدنية في وجهها. تطلع الشمس في آفاقها فتتبسط على ~~سهولها وحزونها ونجادها ووهادها من حيث لا تعترض في سبيلها من المظلات سحب ولا من ~~السقوف حجب. وينبت نباتها حيث يجري ماؤها لا تعبث فيه الأيدي بتربيع ولا تدوير، ولا ~~تقويس ولا تعريج. ويجري ماؤها في سبيله متدفقا حيث ينساب به تسلسله واطراده، لا تلوي ~~به عن قصده الحفائر، ولا تتنصب في وجهه القناطر. ويهيم وحشها في جبالها، وطيرها في ~~أجوائها من حيث لا يحبس الأول عرين موصود، ولا الآخر قفص محدود. والشعر من وراء ~~ذلك كله مرآة صافية، تتمثل فيها تلك المناظر الفطرية على طبيعتها وجوهرها. # ينطق العربي بما يعلم، ويقول ما يفهم، ويصور ما يرى، ويحدث عما تمثل في نفسه ~~حديثا صادقا لا تكلف فيه ولا تعمل؛ لأن كل ما هو محيط به من هواء وماء، وأرض وسماء، ~~وطعام وشراب، ومرافق وأدوات، على الفطرة السليمة الخالصة، فأحرى أن يكون شعره ~~كذلك. # ذلك كان شأن الشعر العربي - والعرب على فطرتهم - وذلك معنى قولهم: «الشعر ديوان ~~العرب»؛ لأنه صورة حياتهم الاجتماعية والأدبية، وتمثال خواطرهم الحقيقة والخيالية، فإن ms267 ~~ظن ظان أن التماثيل والنصب، والمخطوطات والمنسوجات، والصور والتهاويل، وبقايا ~~الآثار وقطع الأحجار التي نراها في خرائب اليونان والرومان والفينيقيين والفراعنة أدل ~~على تواريخ أولئك الأقوام من الشعر العربي على تاريخ العرب، قلنا له: «ما من ديوان من ~~دواوين الأمم الماضية إلا وتحدث المؤرخون بعبث الأيدي به ولعبها بسطوره وسجلاته، أما ~~الديوان العربي فصورة صحيحة، وآية مقدسة لا تغيير فيها ولا تبديل.» # ثم جرت بعد ذلك جوار بالسعد والنحس، فانتقلت الأمة العربية من بداوتها إلى ~~حضارتها، وهاجر معها شعرها بهجرتها، فطلع جيش المولدين يحمل لواءه الشاعران المجيدان ~~بشار وأبو نواس، فطرقوا معاني لم تكن مطروقة، ونهجوا مناهج لم تكن معروفة، فقلنا: لا ~~بأس، فالشعر العربي أوسع من أن يضيق بحاجات أمته في جميع شئونها وحالاتها، حتى جاء أبو ~~تمام شيخ المحسنات اللفظية، فسلك - إلى أكثر معانيه البديعة - طريق اللفظ المصنوع ~~والأسلوب المزخرف، فثغر في الشعر العربي ثغرة ألح عليها السائرون على أثره من بعده ~~بأظفارهم وأنيابهم حتى صيروها بابا أفوه، لا يمنع ما وراءه ولا يدفع ما أمامه. فأصبح ~~الشعر على عهد ابن حجة، وابن الفارض، وابن مليك، والصفدي، والسراج، والجزار، والحلي، ~~وأمثالهم، أشبه شيء بتلك الآنية الفضية - أو الصينية - التي يضعها المترفون في زوايا ~~مجالسهم، وعلى أطراف موائدهم، ظهرا زاهيا، وبطنا خاويا، لا تشفي غلة، ولا تبض ~~بقطرة، ولا تسمن ولا تغني من جوع، ثم جاء على أثر هؤلاء من تدلى إلى منزلة أدون من هذه ~~المنزلة، فجاءوا بشيء هو أشبه الأشياء بتلك المقاييس والتفاعيل التي وضعها الخليل ~~ميزانا للشعر لا يروق لفظها، ولا يفهم معناها. # وعلى هذا المورد الوبيل وقف الشعر بضعة قرون وقفة لا يتزحزح عنها ولا يتحلحل، حتى ~~أنزل الله إليه من ملائكة البيان رسلا في هذا العهد الأخير أخذوا بيده، ونشروه من ~~قبره، ونفضوا عنه غباره، فأصبحنا نرى في أبراد الكثير منهم أجسام أبي نواس، وأبي عبادة، ~~وأبي تمام، والشريف، وبشار، لا فرق بينهم وبينهم، إلا أن هؤلاء مقلدون يتبعون الآثار ، ~~وأولئك مبتدعون يفترعون الأبكار. ms268 # | حوانيت الأعراض # أنا لا أستطيع أن أتصور الفرق بين رجل يمد يده إلى خزينة من خزائن بيتي فيسرق مالي، ~~وبين آخر يمد لسانه أو قلمه إلى شرفي فيستلبه. كلاهما مجرم فاتك، وكلاهما لص مغتال، ~~وإن كان أولهما في نظر القانون وفي نظر الناس أكبرهما إثما، وأسوأهما أثرا. # المال خادم من خدام الشرف، وحاجب من حجابه للوقوف على بابه، ولولا مكان الشرف ~~والكلف بصيانته والضن به أن يعبث بجوهره عابث، ما كان لامرئ في هذا المعدن الصامت ~~أرب أكثر من أن يقيم به صلبه ويمسك به حوباءه، فإن كان سارق المال مجرما من حيث كونه ~~هاتكا لذلك الستار المسبل دون الشرف، فجدير بمن يسرق الشرف نفسه أن يكون رأس الجانين ~~وأكبر المجرمين. # يكون للرجل من الصحفيين مثلا عند الرجل من كرام الناس وسراتهم وذوي السيرة الصالحة ~~فيهم، مأرب من المآرب التي لا يعرف لنفسه فيها حقا، ولا يمت إليها بسبب من ~~الأسباب الظاهرة أو الباطنة، فما هو إلا أن يمتنع عليه حتى يرميه بسهم جارح من ~~مريشات سهامه يصيب به مقتلا من شرفه، ولا ذنب له عنده إلا أنه لم يمكنه من ~~لحيته يلف عثنونها حول أصابعه، ثم يقوده بها إلى حيث شاء كما يقاد التيس إلى ~~مربعه. # يحب الرجل المجد حبا يملأ ما بين جوانحه، ويغري به حتى يصبح آثر في نفسه من نفسه ~~التي بين جنبيه، ويظل يقضي سواد لياليه يساهر الكوكب حتى ينحدر إلى مغربه، ويطوي بياض ~~نهاره بين شمس تحرق عارضيه، وحصباء تمزق قدميه، ويقيم بينه وبين شهوات نفسه ونزعات ~~قلبه حربا عوانا، يحمل في سبيلها ما لا يستطيع أن يحمله بشر كلفا به ووجدا عليه، ~~حتى إذا أمكنه المقدار منه، وبدأ ينهل أول نهلة من مورده البارد العذب، رآها ممزوجة ~~بذلك العلقم المر مما صبه له في إنائه ذلك المجرم الأثيم. # إن بين جدران بعض قاعات الصحف قوما مفاليك، قد دارت عيهم الأيام دورتها، وسلبتهم ~~المواهب التي يعيش بها أمثالهم ممن ولد مولدهم، ونشأ في تربيتهم، ms269 فضاقت بهم سبل ~~العيش التي ما كانت تضيق بهم لو أن الله أبقى لهم - بعد أن سلبهم فضيلة الفهم ~~والعلم - مزية العمل الصالح، والسيرة المستقيمة. فلما لم يجدوا بين أيديهم منفذا ~~ينفذون منه إلى القوت، فتحوا حوانيت للتجارة بأعراض الناس سموها صحفا، وأكثر مشتملات ~~حوانيتهم من تلك البضاعة: أعراض الأشراف والعظماء، وأرباب الجد والعمل الذين سبقوهم ~~إلى فردوس السعادة، وخلفوهم وراءهم يتأكلون غيظا؛ لحرمانهم مما قسم الله لهم، ~~فهم إن فتشت عنهم، وكشفت عن دخائل نفوسهم، علمت أن لا فرق بينهم وبين أولئك ~~الفوضويين الذين يدينون بقتل العظماء والأمراء، وأستغفر الله! فللفوضويين مبدأ منظم ~~يتقلدونه، ورأي في تلك الجرائم على ما به من خطل يتمذهبون به من حيث كونه عقيدة ~~ثابتة لا تجارة رابحة، بل هم كقطاع الطريق الذين يهاجمون الغادين والرائحين، ولا ذنب ~~لهم عندهم إلا أنهم مزودون وهم مقفرو الأيدي من الزاد. # ولقد كان يكون خطبهم سهلا ومصابهم محتملا لو أنهم صرحوا عن أنفسهم، وأبدوا للناس ~~صفحات وجوههم، وطلبوا قوتهم من طريق الكدية الواضحة البينة، ولكنهم مراءون ~~مخادعون يشتمون باسم الموعظة، ويقرضون الأعراض باسم النصيحة، ويتهمون الأبرياء باسم ~~الغيرة الدينية، ويملئون فضاء الأرض والسماء كذبا وابتداعا وتدليسا وتضليلا باسم ~~الوطنية، ووالله ما بهم من وطنية ولا دين، ولا عظة ولا نصيحة، ولكنهم قوم محدودون قد ~~بلغت الفلاكة من نفوسهم مبلغها، وضاقت بهم الأرض الفضاء على رحبها، فهم يروحون عن ~~نفوسهم بالنيل من شرف الشرفاء، وتنغيص لذة السعداء، ويطلبون قوتهم فيما بين ذلك من ~~يد تلك الفئة الساذجة من الأمة التي لا تستطيع أن تفرق بين أشراف الصحافة والدخلاء ~~فيها، وبين الكاتب الذي يكتب ليقوم معوجا، أو يصلح مختلا، أو يرفع بدعة ~~باطلة، أو يكشف حقيقة خافية، والآخر الذي يدور مع الدينار دورة الحرباء مع الشمس ~~صعودا وهبوطا، والذي لا يلذه شرب الماء، إلا ممزوجا بالدماء. ووالله ما أدري من الذي ~~أقامهم هذا المقام وعهد إليهم بهذا العهد؟! ومن الذي وكل إليهم النظر في شئون الناس ~~والفصل في قضاياهم ms270 والقيام على حسناتهم وسيئاتهم؟ إنهم ليسوا بالبررة الأتقاء الذين ~~يصلحون أن يكونوا أمثلة حسنة في منازلهم فيكونوا قدوة صالحة في أمتهم، ولا بالعلماء ~~الفضلاء فنهتدي بهداهم ونترسم مواقع أقدامهم، ولا بالصادقين المخلصين الذين يؤثرون ~~أمتهم على أنفسهم فنتعبد بإجلالهم وإعظامهم. بل ليس لواحد منهم فضل الصانع في مصنعه ~~ولا التاجر في حانوته، فضلا عن الوزير في كرسيه والأمير في عرشه، فيصلح أن يكون حكما ~~بينهم، وميزانا لحسناتهم وسيئاتهم، وعندي أن لو جمعت عيوب الناس جميعها في كفة ميزان ~~ووضعت في الكفة الأخرى عيوبهم الجامعة للسفاهة، والكذب، والنميمة والتجسس، وهتك ~~الأعراض، واتهام الأبرياء، واستهواء الضعفاء، لثقلت كفتهم أمام كفة الذين يزعمون ~~أنهم يقومون معوجهم، ويصلحون فاسدهم! # | الرثاء # ما أنس لا أنسى رجلا كان خير من لقيت من الرجال، وكان يعجبني منه أدبه وفضله ~~وعفته وحياؤه وشرف نفسه وطهارة قلبه، وأنه كان صبورا محتملا، تقرع الخطوب صفاة ~~قلبه، فترتد عنها نابية كما ترتد الكرة عن الحائط إذا قرعتها. # كان فقيرا لا يملك من هذه الدنيا أكثر مما يقيم صلبه، ويمسك حوباءه، ويستر سوءته، ~~فزوجه أبوه بابنة عم له ذات مال، لم يك مثلها في دمامتها وسوء خلقها وجفاء طبعها ~~ممن يطمع في مثله في جمال خلقه ولين حاشيته وانسجام طبعه، فكبرت نفسه عن مخالفة أبيه؛ ~~لأنه كان برا به مطيعا له، نازلا عند أمره ونهيه، وعن مجافاة زوجه واطراحها ~~والانقباض عنها؛ لأنه كريم الأخلاق واسع الصدر، رفيقا بالضعفاء والمنكوبين، فتزوجها ~~وفي نفسه من المضض والارتماض ما يلهب الجوانح، ويذيب لفائف القلوب. # وأذكر أني على طول معاشرتي له ولصوقي بنفسه ما سمعته ولا سمعت عنه أنه شكا إلى أحد ~~من الناس ما يواثب قلبه عند النظر إليها، أو إلى ما يدب من عقارب شرها إليه، ثقة منه ~~بالله ورحمته، وإيثارا لفضيلة الصبر، وسكونا إلى ما جرت به الأقلام في ألواح ~~المقادير، فكنت أرحم صمته وسكونه، وأبكي لجمود عينيه عن البكاء؛ لأني أعلم أن نيران ~~الأحزان لا يسكن اضطرامها، ولا يهدأ اعتلاجها إلا باطراد ms271 العبرات وتصاعد ~~الزفرات. # وكان كل ما ينعم به من لذائذ هذه الحياة وأنعمها أنه كان يسافر في كل شهر مرة أو ~~مرتين إلى صديق له في بلد ريفي ناء يقضي فيه يومين أو ثلاثة، ثم يعود وفي ثغره ~~ابتسامة تتلألأ تلألؤ نجمة الصبح عند انحدارها إلى الغروب، ثم لا تلبث أن تتلاشى، ولا ~~يلبث أن يعود إلى جموده الأول، لا يحزن فيبكي ولا يفرح فيبتسم، حتى يخيل للناظر ~~إليه أنه في عالم غير هذا العالم، لا يظله ليل ولا يضيئه نهار. # قضيت في صحبته على حاله تلك بضع سنين أعلم من آلام قلبه ما يحسب أني أجهله، فأكاتمه ~~ذلك العلم جهدي رفقا به وإجلالا وإشفاقا عليه، حتى زرته في منزله ذات يوم فرأيته ~~جاثما في مقعده الذي كان يقتعده من غرفته وقد أطرق إطراقا طويلا ذهب فيه عن نفسه، ~~فلم يشعر بخفق نعلي حتى أخذت مكاني، فرفع رأسه، فأدهشني من منظره اصفرار وجهه، وذبول ~~عينيه، وما كان يغشى جبينه من دخان تلك النار التي تشتعل بين جوانحه، ثم نظر إلي ~~نظرة طويلة لا عهد لي بمثلها من قبل، ثم قال بصوت خافت مضطرب: «أتعتقد أن الله ~~موجود؟» # فقلت: «نعم»؛ معالجا نفسي على كتمان ما كاد يذهب بلبي من تنكر حاله وغرابة ~~أمره. # فقال: «وتعتقد أنه عادل؟» # قلت: «نعم.» # قال: «وراحم؟» # قلت: «نعم.» # فبسط يده إلي فعل الضارع المستصرخ، وقال: هل لك أن تحدثني أيها الصديق عن نزول ~~الصواعق، وثورة البراكين، وطغيان البحور، وغرق السفن، وانتشار الأوباء، وفتك الأدواء، ~~ونكبات الفقر والجوع، وتلك العيون التي لا تزال منهلة بالبكاء، والضلوع التي لا تزال ~~ملتهبة بالآلام والأحزان؟ هل تعتقد أن ذلك كله عدل من الله ورحمة؟ # قلت: «نعم، إن الله يمتحن عباده ليعلم الذين صبروا، فيدخر لهم في دار نعيمه من ~~المثوبة والأجر أضعاف ما كانوا يقدرون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها.» # قال: «إن الله أكرم من أن يجعل الشر طريقا إلى الخير، وألا يحسن إلا بعد أن يسلف ~~الإساءة!» # قلت: «ذلك ms272 ما كتب على نفسه أن يجازي كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا ~~فشر.» # قال: «إنه قد كتب على نفسه الرحمة.» # قلت: «نعم، إنه أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء.» # قال: «حدثني إذن عن الولد الصغير الذي لم يخالط نفسه شر ولم يتسرب إلى قلبه كيد، ~~ما لي أراه مفترشا حجر أمه، وقد تولى الليل إلا أقله يتقلب على مثل شوك القتاد من ~~الآلام التي تساوره، فيثب تارة ويضطرب أخرى، ويصرخ صرخات تستمطر المدامع وتحول بين ~~الجنوب ومضاجعها؟! وما لي أرى أمه باكية مولهة مقرحة الجفون، منحلة الشعور موجعة ~~القلب، تفزع لفزعاته وتصرخ لصرخاته، وقد اختبل عقلها واضطرب أمرها، وعظم يأسها وفنيت ~~حيلتها، وقل مساعدها، وضعف ناصرها، فأنشأت تقلب وجهها في السماء ضارعة إلى الله تعالى ~~أن يأخذ بيدها، ويرحم نفسها برحمة ولدها، وبينا هي تنتظر صوت الإجابة يرن في أفق ~~السماء، إذ بها تسمع حشرجة الموت في صدر ولدها، وإذا به ينزع نزعا مؤلما يطير باللب، ~~ويذهب ببقية الصبر حتى تفيض نفسه، فماذا جنى هذا الولد الصغير حتى أصبح لا يستحق رحمة ~~من الله ولا رأفة؟!» # قلت: «وما يدريك؟ لعل الله أراد به خيرا فرحمه بالموت المعجل من حياة علم أنه سيلقى ~~فيها - كما تلقى أنت اليوم - عذابا أليما وشقاء ممضا.» # فنالت هذه الكلمة من نفسه وانتفض لها، ثم قال: «أحسنت يا صديقي، ليت الذين يشقون في ~~هذه الحياة يشعرون بصغر هذه الدنيا وحقارة شأنها، فيتمنون لو لم تلدهم أمهاتهم، ولم ~~يكتب لهم سطر واحد في ألواح المقادير. وبعد، فهل لك في سفرة معي إلى صديقي الريفي ~~نقضي عنده يوما واحدا ثم نعود، على أن تكون معي كما كان فتى موسى مع مولاه فلا تسألني ~~عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا؟» # فوافيت رغبته، وقبلت شرطه، ثم قام وقمت، وبودي لو ملكت الدنيا بحذافيرها لحظة واحدة ~~لأهبها لمن يكشف لي سر صديقي ويدلني على نكبته التي زعزعت نفسه وصهرت قلبه وملكت عليه ~~لبه وكادت تعبث بيقينه . وما هي إلا ساعات ms273 قلائل حتى كنا في المنزل الذي أردناه، وقد أظل ~~الليل بجناحيه، فقضينا واجب التحية والسلام، ثم خلا الصديق بصديقه خلوة طويلة لا أعلم ~~ما دار فيها بينهما، ثم خرجا إلي، فجلسنا ساعة نتحدث، ثم قمنا إلى فراشنا، فنمت نوما ~~متقطعا مملوءا بالوساوس والهواجس. فما انتصف الليل حتى شعرت أن صديقي يتحرك في ~~فراشه، وينظر إلي ليعلم أنائم أنا أم مستيقظ، فتناومت حتى رأيته قد قام من مكانه ~~يختلس الخطى حتى وصل إلى مشجب الملابس، فلبس أثوابه، ثم خرج من الغرفة، فخفق قلبي خفقة ~~الرعب والفزع، وقلت: «لا بد أن الرجل يريد بنفسه شرا، وإني أكون ألأم صديق إن أنا ~~تركته وشأنه!» فقمت على أثره أترسم خطواته، وأتتبع مخرجه ومدخله من مدرجة إلى أخرى حتى ~~بلغ ضاحية البلد، ثم استمر في شأنه حتى أطل على مقبرة واسعة قد جثمت قبورها في أرجائها ~~جثوم الآبال في مرابعها، فوقف هنيهة ثم مشى، فمشيت على أثره من حيث لا يشعر بمكاني ~~منه، ثم أنشأ يتصفح القبور قبرا قبرا، فخيل لي أنه شبح من أشباح الموتى يتنقل ~~في أرجاء تلك المقبرة، فملكني من الخوف والرعب ما كاد يحل عقدة لساني لولا إجلالي هذا ~~الموقف المرهب، وشعوري أنني واقف على أبواب تلك الدور التي سلب خوفها العاقلين عقولهم، ~~وأطار طائر الاغتماض عن أجفانهم، ونغص عليهم ما يتمنون أن ينعموا به من مطاعمهم ~~ومشاربهم، والتي يفد إليها كل يوم وفود البشر محمولين على أيدي آبائهم وأمهاتهم، ~~ليقدموهم بأنفسهم هدايا ثمينة إلى الدود، ثم يخلون بينهم وبينه يأكل لحومهم، ويمتص ~~دماءهم، ويتخذ من أحداق عيونهم، ومباسم ثغورهم مراتع يرتع فيها كما يشاء بلا رقبى ولا ~~حذر من حيث لا يملك مالك عن نفسه دفعا، ولا يعرف إلى نجاة سبيلا. # مرت بخاطري تلك الذكرى، فملكت علي نفسي حتى ذهلت عن موقفي، وأنستني الحيرة في أمر ~~نفسي الحيرة في أمر صديقي، وفيما ساقه إلى هذا الموطن، وأين يذهب، وماذا يريد، وعم ~~يفتش؟ ثم استفقت، فرأيته جاثيا فوق قبر من تلك ms274 القبور جثو العابد أمام معبده، فدلفت ~~إليه حتى دنوت منه، فسمعته يقول: # اللهم إنك تعلم أني ما كفرت بنعمتك، ولا خفرت ذمتك، ولا هتكت حرمة من حرمك، ~~ولا نزلت عند سخطك، ولا تبرمت بقضائك وقدرك، وأنك جازيتني فأحسنت جزائي، ~~ووهبتني تلك الفتاة، فكانت كل ما أفدت من نعيم هذه الحياة وهنائها، ثم لم تلبث ~~أن سلبتنيها وشيكا أشوق ما كنت إليها وإلى قضاء ساعات العمر بجانبها، فاغفر لي ~~جزعي وحزني، فكثير علي ألا أجزع ولا أحزن. # لقد تبدلت الأرض غير الأرض والسموات، وكأنما استحالت في نظري حقائق الأشياء، ~~فأصبحت لا أرى في النجمة لألاءها، ولا في الزهرة جمالها، ولا في السماء ~~صفاءها، ولا في البحر جلاله، فهل كانت فتاتي سر هذا الوجود حتى ذهبت فذهب ~~بذهابها كل شيء؟! # ذهبت بي الأيام كل مذهب، وجرعتني من كئوس الشقاء جرعا ما احتمل فم قبل فمي ~~مرارتها، فاغتفرت لها كل ذنوبها عندي؛ لأنها أسدت إلي صنيعة كانت هي العزاء ~~لي عن هموم الحياة وأحزانها، أما اليوم وقد صفرت منها يدي، وأقفر بفراقها ربعي، ~~وحالت تلك الصفائح بيني وبينها، فلا سلوى ولا عزاء. # من لي بضربة من ضربات الدهر تذهب بذاكرتي فلا أعود أذكر أيام حياتها ومقعدها ~~بجانبي، وابتسامها إلي واعتناقها إياي، وصوتها الرقيق وحديثها العذب، وصفاء ~~عينيها، وجمال وجهها، وقيامها وقعودها، وجيئتها وذهوبها، وضحكها وبكاءها، ~~ويقظتها ومنامها، وحزنها لفراقي وسرورها بلقائي؟! فإني كلما ذكرت ذلك شعرت كأن ~~قلبي المجموع قد استحال إلى أفلاذ صغيرة لا يلوي بعضها على بعض. # اللهم إني أعلم أن الدنيا ليست بدار قرار، فلا أمل في البقاء فيها والركون ~~إليها والاستمتاع بلذة الحياة فيها، وأنها الجسر الذي يمر به الأحياء إلى الدار ~~الأخرى، وقد أحسنت إلى كل عبد من عبيدك برفيق يكون عونا له على قطع تلك ~~الشقة، واختصصتني وحدي بالحرمان من ذلك المعين، فكيف أسير؟ وأين أذهب؟ ومن أين ~~أبتدئ؟ وإلى أين أنتهي؟ # اللهم إنك سلبتني كل شيء حتى الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم، ويطفئ ~~بها المحزونون ms275 لوعات قلوبهم، فأصبح الحزن يغلي بين جوانحي غليان الماء في قدر ~~محكمة الغطاء، فامنن علي بدمعة واحدة أبرد بها غليلي، ولا أحسب أنك ~~تمنعنيها، فالدموع هي الرحمة العامة التي كتبت على نفسك أن تعالج بها جراح ~~المنكوبين. # اللهم لا ريبة في عدلك، ولا ظنة في كرمك، ولا اعتراض على قضائك وقدرك، ولا ~~سخط في ابتلاك ومحنتك، ولكنك سلبتني عقلي بعدما سلبتني راحتي وهنائي وفتاتي، ~~فخرج أمر نفسي من يدي، وأصبحت لا أعرف لي مذهبا في هذه الأرض ولا ~~مضطربا. # اللهم إنك منعتني حظي من الحياة فلا تمنعني حظي من الموت، فاسترد إليك ~~عاريتك التي أعرتنيها، فقد عجزت عن احتمالها، وضقت ذرعا بأمرها، إنك بعبادك ~~رءوف رحيم. # وما أتم كلمته هذه حتى سقط على صفائح القبر مكبا على وجهه، فعلمت أن المرجل قد ~~انفجر، وأن الله قد اجتبى هذا الرجل لنفسه، واختار له ما عنده. فصرخت صرخة كانت ~~ثانية لصرخة أخرى بجانبي، فالتفت فإذا صديقه واقف ورائي، فدنونا منه معا وحركناه ~~فإذا هو ميت. فنقلناه إلى المنزل، وبتنا حول سريره نقضي حق صحبته تارة بالدموع وأخرى ~~بالخشوع، وهنالك قص علي صديقه قصته، وكشف لي عن ذلك السر الذي كان يكتمه عني، فحدثني ~~أنه قضى زمنا طويلا يشكو إلي ما يجد في نفسه من البغضاء لزوجته التي زوجه أبوه منها ~~على الرغم منه، فخفت عليه التلف حزنا وكمدا، فزوجته منذ عشر سنين بأختي سرا من حيث ~~لا يعلم أبوه؛ لأنه كان يخاف غضبه، ولا زوجته؛ لأنه كان يرحمها. فكان يزورنا في كل شهر ~~مرة أو مرتين حتى ماتت تلك الأخت رحمة الله عليها وتركت له هذه الفتاة، فما زال يزورها ~~كما كان يزور أمها، ويعزي بالثانية نفسه عن الأولى. فشغف بها شغفا بلغ به حد الجنون، ~~وكان كثيرا ما يقول لي: «إني أشعر أن حياتينا حياة واحدة، وأنا إما أن نعيش معا، ~~أو نموت معا.» وكأنه ألهم بما سيكون، فحمت الفتاة منذ ستة أيام، فما نشبت أن هصر ~~الموت غصنها النضير، ولم ms276 تسلخ ثماني حجج، فنعيتها إليه بكتاب أرسلته له، فجاء وجئت ~~معه، ثم كان بعد ذلك ما قدر الله أن يكون.» # دفنت صديقي بيدي، وألحدته بجانب تلك الصغيرة التي قطع جسر الحياة الطويل في لحظة ~~واحدة شوقا إليها ووجدا عليها. ثم عدت إلى بلدتي صفر اليد من ذلك الإنسان الذي كنت ~~مالئا منه يدي، والذي كنت أجله وأعظمه حيا، ولا أزال أبكيه وأذكره ميتا، وأتخذ ~~حياته الشريفة الحافلة بموقف الصبر والجلد والوفاء والكرم درسا أتعلمه، وأعلمه الناس ~~حتى يجمع الله بيني وبينه: # كفى حزنا بموتك ثم إني # نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات # وأنت اليوم أوعظ منك حيا # | الشعر # كتب إلي كاتب يقول: «عرفناك قبل اليوم شاعرا ما تكتب فقرة، ثم رأيناك بعد ذلك ~~كاتبا ما تنظم بيتا، فلم لم تكتب في عهدك الأول، ولم تنظم في عهدك الثاني؟» كأنما ظن ~~- عافاه الله - أني أكتب اليوم بقلم غير قلم الأمس، أو أهيم في واد غير ذلك الوادي، ~~وهل الشعر إلا نثارة من الدر ينظمها الناظم إن شاء شعرا، وينثرها الكاتب إن شاء ~~نثرا، أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، ~~وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، أو عالم من عوالم الخيال يطير فيه الطائر بقادمتين ~~من عروض وقافية، أو خافيتين من فقر وأسجاع. # الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ تعرض ~~للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره، لا علاقة بينها وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن ~~غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول، ويتغنى بما يردد ترويحا عن نفسه وتطريبا ~~لعاطفته، ما نظم ناظم شعرا ولا روى عروضي بحرا. # ما كان العربي في مبدأ عهده ينظم الشعر، ولا يعرف ما قوافيه وأعاريضه، وما علله ~~وزحافاته، ولكنه سمع أصوات النواعير، وحفيف أوراق الأشجار، وخرير الماء، وبكاء الحمائم، ~~فلذ له صوت تلك الطبيعة المترنمة، ولذ له أن يبكي لبكائها وينشج لنشيجها، وأن يكون ~~صداها الحاكي لرناتها ونغماتها، فإذا ms277 هو ينظم الشعر من حيث لا يفهم منه إلا أنه ذلك ~~الخيال الساري المتمثل في قريحته، المتردد بين شدقيه، ولا من أوزانه وضروبه إلا أنها ~~صورة من صوره، ولون من ألوانه. # ذلك منتهى نظر العربي إلى الشعر، وذلك ما دعاه إلى أن يسمي النبي الذي بعثه الله إليه ~~شاعرا، وهو يعلم كما يعلم غيره من الناس أنه ما قصد في حياته قصيدة، ولا رجز ~~أرجوزة، ولكنه سمع من كتاب الله وآياته المفصلات أبلغ الكلام وأفصحه وأعلقه بالنفوس، ~~وآخذه بالألباب، وأملكه للعواطف والوجدان، وأجمعه لصنوف التشبيهات البديعة والاستعارات ~~الدقيقة والمجازات الرائعة والكنايات المستطرفة، وأمثال تيك مما لا ينطق به الناطق في ~~أكثر مناحيه ومنازعه إلا عند ذهابه مذهب الخيال الشعري، فشبه له، فسمى ما سمعه شعرا، ~~وسمى الناطق به شاعرا، وما هو بشاعر ولا ساحر، ولا كاهن ولا مجنون. # ما كل موزون شعرا، ولا كل ناظم شاعرا، فالوزن ملكة تعلق بالنفس من طول ترديد ~~المنظوم، والتغني به مقطعا تقطيعا يوازن تفاعليه، فهو نغمة موسيقية ولحن خاص من ~~ألحان الغناء يتمثل في قول الملك الضليل: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # كما يتمثل في قول الخليل: «فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن.» ويتراءى في أوتار الحلق ~~الناطق، كما يتراءى في أوتار العود الصامت. # أما الشعر فأمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلي في جيد ~~الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغانية لا يحزنها عطل ~~جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم، كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير ~~منظوم ولا موزون. # ذلك هو الفرق بين الشعر والنظم، وهأنتذا ترى أن لا صلة بينهما إلا تلك الصلة ~~الاصطلاحية التي لا سبب لها إلا اعتياد الناس أنهم ينظمون ما يشعرون. وتلك الصلة هي ~~التي خلطت بينهما، وعمت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد ~~الشعراء، وألقت عليهم جميعا رداء واحدا لا يستطاع معه التمييز بينهما إلا للقليل من ~~الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ لبعض ms278 المعاصرين القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد ~~بيتا، ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر بقصيدة، وأصبحنا لا نكاد نجد بيننا ~~قارئا غير شاعر؛ لأنه لا يوجد في الناس شخص واحد يعجزه تصور تلك النغمة العروضية ~~وتصويرها حتى العامة والأميين. # ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر وافتنوا في ذلك افتنانا بعد به عن مكانه، ~~وعندي أن أفضل تعريف له أنه «تصوير ناطق»؛ لأن قاعدة الشعر المطردة هي التأثير، ~~وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة ~~أسلوبه وقوة خياله ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه، وتصوير ما ~~في نفسه للسامع تصويرا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه، ~~يبكي لبكائه ويضحك لضحكه، ويغضب لغضبه ويطرب لطربه، ويطير معه في ذلك الفضاء الواسع من ~~الخيال، فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها، وشموسها وأقمارها، ورياضها وأزهارها، وسهولها ~~وجبالها، وصادحها وباغمها، وناطقها وصامتها، من حيث لا ينقل إلى ذلك قدما، ولا يلاقي ~~في سبيله نصبا. # فإن سمع قول القائل: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيث العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا # حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظمأ زلالا # ألذ من المدامة للنديم # يصد الشمس أنى واجهتنا # فيحجبها ويأذن للنسيم # يروح حصاه حالية العذارى # فتلمس جانب العقد النظيم # خيل إليه أنه يخطر في ذلك الروض البليل، بين أنواره وأزهاره، خطران النسيم بين ظلاله ~~وأشجاره، وأنه يرى بعينه أولئك العذارى السانحات، وقد راعهن منظر الحصباء اللامع فوق ~~تلك الديباجة الخضراء، فتولهن وفزعن إلى جوانب عقودهن يلمسنها بأطراف بنانهن ~~يحسبن أن قد وهت، فانتثرت جواهرها في ذلك الروض الأريض. # وإن سمع قول الآخر: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا # بها أثر منهم جديد ودارس # حبست بها صحبي وجمعت شملهم # وإني على أمثال تلك لحابس # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا # ويوما له يوم الترحل خامس # تدار علينا الراح في عسجدية # حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها # مها تدريها بالقسي الفوارس # فللراح ما زرت ms279 عليه جيوبها # وللماء ما دارت عليه القلانس # تمثل له كأنه مر في ضاحية من ضواحي بغداد بدار موحشة، فسمع فيها أصوات قوم يلهون ~~ويقصفون ويقرعون الكئوس بأمثالها، فاقترب منها وأطل من خصاص بابها، فرأى أولئك القوم ~~مجتمعين حول دن من الخمر قد تكاملت سنه، وشيب الدهر فوديه ففصدوه، فسال ~~دمه الأحمر في كئوس من الذهب منقوشة نقوشا فارسية، قد استقرت في قرارتها صورة كسرى ~~فارس، ودارت في باطنها صور فرسانه متنكبي قسيهم، كأنما يطاردون بقر الوحش أمامهم، ورآهم ~~يملئون الكئوس إلى ما يوازي أعناق أولئك الفرسان، ثم يمزجونها بالماء إلى ما يغطي ~~رءوسهم، فتسلل من مكانه مغتبطا بمجمعهم، وبما هيئ لهم من الهناء والنعمة فيه، ثم مر ~~بتلك الدار بعد أيام، فرآها مقفرة من أهلها لا تسمع بها نغمة ولا نأمة، فدخلها، فلم ير ~~فيها إلا أعواد ريحان قد يبس أكثرها مبعثرة في جوانبها، وخطوطا كانت رسمتها زقاق ~~الخمر فوق تربتها في غدوها ورواحها بين أولئك الندماء، فانصرف حزينا مكتئبا يسمع صفير ~~الريح الضاربة في جوانبها، فيردد قول القائل: # رب ركب قد أناخوا حولنا # يشربون الخمر بالماء الزلال # عصف الدهر بهم فانقرضوا # وكذاك الدهر حالا بعد حال # وإن سمع قول الآخر: # ويوم كتنور الإماء سجرنه # وأوقدن فيه الجزل حتى تضرما # رميت بنفسي في أجيج سمومه # وبالعيس حتى بض منخرها دما # شعر كأن لهيب تلك الهاجرة يهب في وجهه، فيشيح عنه فرارا من لفحاته، ويكاد يبكي رحمة ~~لذلك الشبح المصهور الذي ملكت عليه تلك التنوفة الحمراء سبيله، وحالت بينه وبين نفسه، ~~فلا هو بصابر إن رام صبرا، ولا بناج إن أراد نجاء. # وإن سمع قول الآخر: # وارحمتا للغريب في البلد النا # زح ماذا بنفسه صنعا! # فارق أحبابه فما انتفعوا # بالعيش من بعده ولا انتفعا # هملت عيناه وجدا على ذلك الغريب الحائر، وتمنى أن لو رآه في بعض مذاهبه وعطف عليه ~~وآنس وحشته، وخفض لوعته، ثم أخذ بيده فأنزله من نفسه منزلا كريما، وأبدله أهلا بأهل ~~وجيرانا بجيران . # وإن سمع قول الآخر: ms280 # وإن الذي بيني وبين بني أبي # وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم # وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم # وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا # وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي # زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # ولا أحمل الحقد القديم عليهم # وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى # وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا # وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا # أكبر تلك المكرمة العظيمة وأجلها، ونظر إليها في علياء سمائها كما ينظر الفلكي إلى ~~كوكبه، وشعر كأن نورها قد لمع فامتد شعاعه إلى جوانب نفسه، فأضاءها. # ولا غرو أن يبلغ الشعر من نفسه هذا المبلغ! فلطالما كان للشعر السلطان الأكبر على ~~النفوس العظيمة، فقد نكب الرشيد البرامكة عندما دس له أعداؤهم ذاك المغني الذي غناه ~~هذا الصوت: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # وأمر السفاح بقتل وجوه بني أمية بعدما قربهم وأدناهم عندما دخل عليه سديف مولاه، ~~وأغراه في قوله: # لا تقيلن عبد شمس عثارا # واقطعن كل رقلة وغراس # أنزلوها بحيث أنزلها الله # بدار الهوان والإتعاس # خوفهم أظهر التودد فيهم # وبهم منكم كحز المواسي # أقصهم أيها الخليفة واحسم # عنك بالسيف شأفة الأرجاس # فلقد ساءني وساء سوائي # قربهم من نمارق وكراسي # بل عطف عمر بن الخطاب على الحطيئة وأطلقه من سجنه حين سمعه يقول: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ # حمر الحواصل لا ماء ولا شجر؟ # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة # فاغفر عليك سلام الله يا عمر # بل سمع النبي # صلى الله عليه وسلم # قول قتيلة بنت الحارث تعاتبه في قتله أخاها النضر بن الحارث ~~على رحمه منه، واتصال نسبه به: # أمحمد يا خير صنو كريمة # في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما # من الفتى وهو المغيظ المحنق # والنضر أقرب من أصبت وسيلة # وأحقهم إن ms281 كان عتق يعتق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # لله أرحام هناك تشقق! # فبكى وقال وهو من لا ظنة في عدله، ولا ريبة في حكمه: «لو سمعتها قبل اليوم ما ~~قتلته.» # لا مؤثر في نفس الإنسان غير الشعر، وما خضع الإنسان لشيء في جميع أدوار حياته إلا ~~للشعر، وللشعر الفضل الأول في نبوغ الإنسان وارتقائه وبلوغه هذا المبلغ من الكمال. ولقد ~~أحب الإنسان الشعر ناطقا وصامتا؛ أما الناطق فقد عرفته، وأما الصامت فالتماثيل التي ~~يراد بنصبها تمثيل حياة عظماء الرجال شعر، وهذه النغمات الموسيقية التي تصور خواطر ~~القلوب ووجداناتها، فتهيج عاطفة الحب في نفس العاشق وعاطفة الحماسة في نفس الجندي شعر، ~~وهدير الأمواج شعر؛ لأنه يمثل عظمة الجبارين، وظلام الليل شعر؛ لأنه يطلق دموع ~~الباكين، وحفيف أوراق الأشجار شعر؛ لأنه يمثل المناجاة في مواقف العشاق، وبكاء الحمائم ~~شعر؛ لأنه يمثل فجعة البين ولوعه الفراق. # تلك النغمات الشعرية التي نسمعها من فم الإنسان مرة، وفم الطبيعة مرة أخرى، هي التي ~~زخرفت لنا هذه الحياة وألبستها ذلك الثوب الناعم الأبيض من السعادة والهناء حتى ~~أحببناها وولعنا بها وحرصنا عليها، وأعددنا العدد للبقاء فيها والسكون إليها، فكتبنا ~~ودونا، وألفنا واخترعنا، وتعلمنا فعلمنا، وبنينا فشيدنا، وغرسنا فجنينا، وعملنا فربحنا، ~~واجتهدنا فأثرينا، وأملنا فسعينا، وسعينا فبلغنا، فكأن الشعر سر هذه الحياة وعلة هذا ~~الوجود، لا تطير إلينا الحقائق إلا على جناحيه، ولا يطيب لنا العيش إلا في جواره. ~~فلنمجد الشعراء كل التمجيد، ولنكبرهم كل الإكبار؛ فهم مشارق شموس الحكمة، وأفلاك كواكب ~~العلم والفضل، وهم الينابيع الصافية التي يترقرق ماؤها ثم يتسرب إلى الأفئدة والقلوب ~~فيملؤها سعادة وهناء. # | الشهيدتان # لم تغتمض عيناي ليلة أمس؛ لأنني بت أسمع في الدار اللاصقة لبيتي أنين امرأة متوجعة ~~تعالج هما ثقيلا، وتشكو مرضا أليما، وكان يخيل إلي أني لا أسمع بجانبها معللا ~~يعللها ولا جليسا يتوجع لها، فلما أصبح الصباح ذهبت إليها، فإذا قاعة صغيرة مظلمة ~~لا تكاد تشتمل على أكثر من سرير بال يتراءى فوقه شبح ماثل من أشباح الموتى، ms282 فترفقت ~~في مشيتي حتى دنوت منها، وكأنها شعرت بمكاني، فحركت شفتيها تطلب جرعة ماء، فأسعفتها ~~بها فاستفاقت قليلا، ثم تقدمت نحوها أسائلها عن خطبها، فأنشأت تقص علي قصتها بصوت ~~خافت متقطع كنت أكاد أنتزعه منها انتزاعا، وتقول: # زوجني أبي منذ سبع سنين من رجل مزواج مطلاق، لا يكاد يصبر على امرأة واحدة ~~عاما واحدا. ولو كان لفتاة أن تستبد بأمرها من دون أوليائها لأحسنت الاختيار ~~لنفسي. بل لو لم يكن في الأمر إلا أن أتبتل أو أصير إلى هذا المصير لكان لي في ~~الرهبانية رأي غير ما يراه فيها النساء. ولكنني عجزت، فأذعنت وزففت إليه، ~~فاستقبلني بأحسن ما يستقبل به الزوج الكريم أحظى نسائه عنده وأكرمهن عليه، فكان ~~يريبني من ذلك ما يريب الفريسة من ابتسامة الأسد، وكنت أنتظر يوم الفراق كما ~~ينتظر القاتل يوم القصاص. فما أفقت من صرعة النفاس حتى علمت أنه خطب، فتزوج ~~فبنى، وأني أصبحت في المنزل وحيدة لا مؤنس لي إلا طفلتي الصغيرة. فجزعت عند ~~الصدمة الأولى، ثم نزلت على حكم القضاء الذي لا أملك رده، ولا أعرف وجه الحيلة ~~فيه، واحتملت طفلتي إلى بيت أبي، فوجدته مريضا مشرفا، فبكى رحمة بي ~~واستغفرني من ذنبه إلي فغفرته له. وما هي إلا أيام قلائل، حتى مضى لسبيله ~~مفجوعا برزئي ورزئه، فعلمت أن الدهر قد سجل علي في جريدة الشقاء أياما ~~طوالا لا أعلم متى يكون انقضاؤها، ولا أدري ما الله صانع فيها! فظللت أستكتب ~~الناس الكتب إلى ذلك الرجل أسأله القوت فأستعين به على تربية طفلته، أو التسريح ~~عسى أن يبدلني الله خيرا منه زكاة وأقرب رحما، فضن بالأولى، واستعظم الأخرى، ~~فلم أر لي سبيلا غير سبيل العمل. فلبثت بضع سنين ساهرة الليل قائمة النهار ~~أستقطر الرزق من سم الخياط، فلا أكاد أبلغ منه الكفاف حتى بلغ مني الجهد. فدهيت ~~بمعضلة من الأدواء خرجت لها عن كل ما أملك من حيلة وذخيرة وكسوة وآنية، وأصبحت ~~لا أملك درهما أبتاع به قارورة الدواء ، ولا أجد مزقة أمسك ms283 بها قوائم هذا ~~السرير المضطرب. وما قنع الدهر مني بذلك حتى رماني بالداهية الدهياء التي يصغر ~~في جانبها كل عظيم من خطوبه ونكباته؛ فقد كتبت إلى والد الفتاة منذ شهر أصف ~~له حالتي، وأفضي إليه بذات نفسي، وأسأله أن يمدني وابنتي بقليل من القوت نمسك ~~به تلك الصبابة التي أبقتها خطوب الأيام ورزاياها من أعظمنا وجلودنا. # ولبثت أترقب رجع الكتاب كما يترقب الغريق سواد السفينة، فإني لجالسة في هذا ~~المقعد أعد على الدهر ذنوبه إلي وسيئاته عندي، فلا أفرغ من عقد إلا إلى عقد، ~~ولا أنتهي إلا حيث أبتدئ، وقد جلست طفلتي بين يدي أتطلع إلى وجهها الساطع في ~~ظلمات تلك الخطوب كما يتطلع الملاح في ظلماته إلى نجمة القطب، إذ هجم علي ذلك ~~الظالم الجبار فاختطف ابنتي من بين يدي من حيث لا أملك دفعا لما نابني، ولا ~~أجد ما أذود به عن نفسي إلا زفرات لا يسمعها سامع، وعبرات لا يرحمها راحم. ~~فشعرت كأن أسهم الدهر التي كانت تروغ هاهنا وهاهنا قد أصابت في هذه المرة ~~المقتل، فبت ليلتي تلك كما يجب أن تبيت امرأة بائسة معدمة فجعها الدهر في ~~نفسها بعد أن فجعها في زوجها وأبيها وولدها، فأصبحت لا تجد أمامها يدا تنبسط ~~إليها ولا عينا تبكي عليها. وقد مر بي بعد ذلك عشرون ليلة ونيفا لا يرقأ لي ~~دمع، ولا يهدأ بي مضجع، حتى إذا اختلست من يد الظلام نعسة تراءت لي الفتاة ~~كأنها في فراشها مريضة تهتف باسمي، وكأن أباها يوسعها ضربا وتعذيبا، وكأنني ~~أحاول أن أستنقذها فلا أجد إليها سبيلا. وهأنذا أشعر أن سحابة الموت السوداء ~~تغشي على بصري، وأنني مفارقة هذا العالم قبل أن أنظر إلى فتاتي نظرة أتزودها ~~في سفري إلى تلك الدار. # وما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى جرضت بريقها وحشرجت أنفاسها، وشطر بصرها، فجثوت ~~عند سريرها أدعو لها الله أن يعينها على أمرها ويمدها برحمته وإحسانه. فإني لكذلك - ~~وقد استغرقت في هذا المشهد الذي بين يدي استغراق العابد ms284 في هيكله - إذ رأيت في خلال ~~الدموع التي كانت تزدحم في عيني شبحا منتصبا عند باب الغرفة، فتأملته فإذا رجل يحمل ~~بين يديه فتاة صغيرة، فتقدمت إليه، فرأيته خاشعا مستكينا ينظر إلى تلك التي يحملها ~~نظرات الوجد والرحمة، ورأيت الفتاة كأنها خرقة بالية ملقاة لا يتحرك لها عضو، ولا ~~ينبض منها عرق، فقلت: «من أنت؟ وماذا تريد؟» قال: «أنا زوج هذه المرأة ووالد هذه ~~الفتاة.» قلت: «لعلك جئت تستغفر هذه البائسة المسكينة من ذنبك إليها في التفريق بينها ~~وبين ابنتها!» قال: «يا سيدي ما زالت الفتاة منذ فارقت أمها تبكي عليها بكاء مرا، ~~وتهتف باسمها في يقظتها ونومها، حتى سقطت مريضة لا ينفعها طب، ولا ينجح فيها دواء. ~~فلما رأيت أنها وصلت إلى الحالة التي تراها جئت بها إلى أمها أرجو أن تجد بين ذراعيها ~~شفاء من دائها.» قلت: «ذلك موكول إلى القضاء، ولا يعلم الغيب إلا الله.» ثم تقدمت نحو ~~الفتاة، فرأيتها تجود بنفسها، فاحتملتها برفق حتى وضعتها بين ذراعي أمها، فما هو إلا أن ~~هتفت الفتاة بأمها، والأم بفتاتها حتى فاضت نفساهما معا، كأنما كانتا من الردى على ~~ميعاد. # الآن، وقد عدت من دفن الشهيدتين وجلست لكتابة هذه السطور، أشعر أني لا أكاد أمسك قلمي ~~من الاضطراب، ولا مدمعي عن الانفجار حزنا على تلك البائسة المسكينة، لا بل حزنا على ~~جميع البائسات من النساء اللواتي يقتلهن الرجال كل يوم صبرا، من حيث لا يجدن راحما ~~يأخذ بأيديهن، ولا ثائرا يثأر لهن. # | الدعاء # وهو ملخص قصيدة لفيكتور هوجو (بتصرف) # قومي يا بنية إلى الصلاة، فقد نزل ستار الليل، ودب الشفق الأحمر في حاشية الأفق، ~~وأطلت عيون الكواكب من فروج السحب، وأجرى البدر المنير ليقته البيضاء على صفحة ~~النهر، ومسحت أيدي النسائم المبتلة بندى الليل عن أوراق الأشجار غبار النهار. # قومي يا بنية إلى الصلاة، فقد مات النهار، وماتت بموته الآلام والأحزان، والأحقاد ~~والأضغان، والمظالم والمآثم، ولم يبق من تلك الأعاصير والزوابع ما يعترض وفد الدعاء في ~~طريقه إلى أبواب ms285 السماء. # قومي يابنية إلى الصلاة، فقد أوى الناس إلى منازلهم، والطيور إلى وكناتها، والوحش إلى ~~أوجرته، وأخذت الطبيعة مكانها من مرقدها، ولم يبق من أصواتها إلا أنين الراحة المتمثل ~~في رنين هذه المركبة المقبلة في جوف الليل، وجؤار هذه السائمة العائدة من حقولها، وهدير ~~تلك الرياح الضاربة في ذوائب الأشجار ورءوس الأبراج. # قومي يا بنية إلى الصلاة، فقد جاءت الساعة التي يجثو فيها الأطفال حول أسرتهم حفاة ~~عراة الرءوس شواخص الأبصار، يطلبون الرحمة من الله تعالى لآبائهم وأمهاتهم وللناس ~~أجمعين، فترن أصواتهم في الملأ الأعلى رنين نغمات الموسيقى في أجواف الفضاء، فيرددها ~~الملائكة طائرين بها إلى عرش الرحمن، فإذا فرغوا من دعائهم، وقضوا حق الله عندهم وحقهم ~~عند أنفسهم، ذهبوا إلى مضاجعهم، وناموا نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام ~~الجميلة حول ثناياهم الباسمة، كما تتطاير أسراب النحل حول أحواض الأزهار. # قومي يا بنية إلى الصلاة واطلبي الرحمة لتلك التي التقطت ذرتك الأولى من عالمها، ثم ~~اتخذت لك من حنايا ضلوعها سريرا قبل سريرك، ومن أحشائها مهادك قبل مهادك، والتي قدم ~~لها الدهر كأسي شقائه ونعيمه، فشربت الأولى وآثرتك بالأخرى. # اطلبي لها الرحمة، فإنها كانت بيضاء القلب صافية النفس تحب من لا يحبها وترحم من لا ~~يرحمها، وتبتسم ابتسامة عذبة رائقة لا تمازجها ريبة، وتمد يدها إلى اجتناء كل ثمرة ~~إلا ثمرة الشجرة المنهي عنها. وكانت تقف أمام مسرح الحياة الحافل بالزخارف والتهاويل ~~وقفة المتريث المرتاب الذي يتهم سمعه وبصره، وتنظر إليه نظر الحكيم العاقل الذي يعلم ~~أن السعادة الكاذبة أمر مذاقا في الأفواه من الشقاء الصادق، وأن هؤلاء الذين ~~يضحكون سرورا بهذا الصور الخيالية لا يعلمون أنهم يبكون من حيث لا يشعرون، وأن أولئك ~~الجالسين حول مائدة الشهوات إنما يقامرون بأنفسهم، ولا بد أنهم خاسرون، فتغض بصرها، ~~وتشيح بوجهها، وتعود أدراجها بقلب غير مخدوع، وفؤاد غير مصدوع. # اذكري يا بنية أن تطلبي الرحمة لأبيك، كما تطلبينها لأمك، فهو أحوج إليها منها؛ لأن ~~الخطايا قد أثقلت ظهره ، فأصبح لا يستطيع أن ms286 يرفع رأسه إلى السماء، وغلت يده، فلا ~~يستطيع أن يمدها إلى الله بالدعاء. # إنني أشعر يا بنية حينما أسمع دعاءك لي كأنني أسمع صوت انفصام القيود عن قدمي، وكأن ~~سحابة سوداء تنقشع عن قلبي قليلا قليلا، وكأن جناحي المهيض قد نبت له ريش ناعم ~~جميل أحاول أن أطير به إلى أعالي السماء. # اطلبي الرحمة لجميع الآباء العائدين إلى منازلهم تحت ستار الظلام بدموع منهلة ~~وقلوب واجمة بعد أن سايروا الشمس من مشرقها إلى مغربها، فلم يجدوا ما يمسحون به دموع ~~أبنائهم حينما يعودون إليهم. # اطلبي الرحمة لجميع الأمهات الجالسات حول أسرة أبنائهن المرضى، وقد خفقت قلوبهن، ~~وحارت أبصارهن مخافة أن يذقن مرارة الثكل، والثكل كثير على قلوب الأمهات. # اطلبي الرحمة للبخيل الذي يجيع بطنه ويشبع صندوقه، والأحمق الذي يبتسم للمعان الحرير ~~في صدره، والذهب في أصابعه، والقاضي الذي يبرئ القاتل المتعمد، ويدين السارق المضطر، ~~والملك الذي يشعل نار الحرب في أمته ليطفئ نار غضبه، والظالم الذي لا يحاسب نفسه على ~~ليلة سوء يقضيها خارج بيته، ويحاسب زوجته على ابتسامة كرم تبسمها لغيره، وسائر البؤساء ~~الذين لا يشعرون ببؤسهم، والأشقياء الذين يظنون أنهم سعداء. # اطلبي الرحمة لأولئك الذين عمروا الأرض، وبنوا دورها، وشادوا قصورها، وزخرفوا سهولها ~~وجبالها وأغوارها وأنجادها، فجازتهم سوءا بما عملوا، وابتلعتهم في جوفها، فأصبحوا في ~~تلك الحفرة المظلمة المخيفة التي تختلط فيها الرءوس بالأقدام، والقوادم بالخوافي، ~~والنعال بالتيجان، والتي ينطوي فيها كل قديم تحت كل حديث انطواء اللجج المتراكبة في ~~البحر العميق، يتألمون ولا ينطقون، ويستصرخون فلا يجدون من يسمع نداءهم أو يلبي ~~دعاءهم. # اطلبي الرحمة لهم، فإن الدعاء الخالص يستحيل في أنظارهم إلى روضة من رياض الجنان تنبت ~~فوق أجداثهم، فتمد إليهم ظلالها، وتنثر بينهم أوراقها وأزهارها، واركعي فوق التربة التي ~~يئنون تحتها، واسقيها من دموعك قطرات باردة تبل غلتهم، وتطفئ جذوة الندم المتوقدة في ~~أحشائهم، إنهم إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون. # اطلبي الرحمة للأبرار والفجار، والعصاة والطائعين، والمؤمنين والملحدين، وكل دارجة ~~في الأرض، وكل سانحة ms287 في السماء، ولا تيأسي أن يستجيب الله دعاءك، فلكل بداية نهاية، ~~ولكل سائلة قرار، فكما أن النهر يتسرب إلى البحر، والطائر يقع على الغصن، والشمس ~~تجري لمستقرها، والنفس تصعد إلى عالمها، كذلك أبواب السماء مفتحة لخالص الدعاء. # | ليلة في التمثيل # من أراد أن يعرف الأخلاق العامة المصرية كما هي فليزر دار التمثيل العربي؛ فإنه يرى ~~هنالك ما تفرق من أخلاق هذه الأمة وغرائزها وميولها وأهوائها مجتمعا في بقعة ~~واحدة. # زرت تلك الدار ليلة أمس، وكثيرا ما أزورها؛ لأني أحب التمثيل حبا يكاد يساوي حبي ~~للشعر والموسيقى والجمال، فبدا لي أن أكون في تلك الليلة فيلسوفا أكثر مني متفرجا؛ أي ~~أن أكون متفرجا على المتفرجين، ومطلعا على المطلعين، فكانوا جميعا يشاهدون ملعبا ~~واحدا، وكنت أشاهد وحدي ألف ملعب لا يقل كل واحد منها عن ملعبهم غرابة ~~وإبداعا. # كان الزحام في هذه الليلة شديدا؛ لأن الأدباء يعجبهم من رواية روميو وجولييت ذلك ~~الأسلوب الفصيح، والترتيب البديع الذي انفرد به المرحوم الشيخ نجيب الحداد من بين كتاب ~~الروايات ومترجميها، ولأن العاشقين يهمهم منها أن يروا فيها مواقف العناء والشقاء التي ~~وقفها روميو وجولييت، ليتخذوا منها لأنفسهم تعزية عما يلاقونه في أمثال هذه المواقف من ~~عناء وشقاء، ولأن النساء يطربهن منها منظر جولييت وهي قتيلة مخضبة بدمها، ليجدن ~~السبيل إلى الشماتة بها، والسخرية بضعف حيلتها، وعجزها الذي كان سببا في حرمانها من ~~سعادتها وحياتها، فكأنهن يقلن لها: «لو كنا مكانك أيتها الفتاة الحمقاء، لما بذلنا ~~حياتنا في سبيل رجل لا يفوتنا حظنا من غيره إن فاتنا حظنا منه.» # وبالجملة، فقد كان أصحاب الأعراض المختلفة في هذه الرواية كثيرين جدا، وكانوا إذا ~~اشتركوا في هتاف أو تصفيق دوى لهم في أرجاء القاعة صوت يصدع الرءوس، ويؤثر في أعصاب ~~السمع تأثيرا سيئا، فكنت إذا شرع المغني في نشيد وترقب الناس النغمة الأخيرة بتشوق ~~وتلهف، ترقبتها بخوف وجزع؛ لأني لا أحب أن تكون آخر نغمة أسمعها في حياتي. # رأيت فيما رأيت في ذلك المعرض العام أن عامة ms288 المصريين يحبون التصفيق حبا جما ~~ويتهالكون وجدا عليه. # رأيت من كان يصفق حتى تحمر كفاه، وتكادا تبضان دما، ومن كان يضرب الأرض بقدميه حتى ~~يكاد يجمد الدم في عروقهما، رأيت ملكة التقليد آخذة من نفوسهم مأخذها؛ لأنهم ما كانوا ~~يصفقون في مواقف الاستحسان جميعا، بل كان يبتدئ أحدهم فيقلده الجالسون حوله، ثم يسري ~~التصفيق تدريجيا بين الجميع. ولقد رأيت من استغرق في الضحك حتى كاد يسقط عن كرسيه، ثم ~~سمعته يسأل بعد ذلك جليسه: «مم تضحكون؟» # ولقد كنت أحسب أنهم لا يصفقون إلا في مواطن الاستحسان كما هو الشأن في ذلك، فإذا هم ~~يصفقون لكل مشهد من المشاهد المؤثرة - مفرحا كان أو محزنا، هزلا أو جدا - فصفقوا ~~لمنظر جولييت وهي تتجرع السم، وصفقوا لمنظر روميو وهو يتحرق وجدا حينما فاجأه الخبر ~~بموتها. # أما النساء فملأن خدورهن ضحكا عندما سقط روميو قتيلا، ولا أعلم لذلك سببا إلا أن ~~تكون عداوة الجنسية، وحب الانتقام. # أما آداب الاستماع، فلا تسل عنها؛ لأنك لا ترى في جوابي ما يسرك، وأي منظر يروقك من ~~مجتمع ما اجتمع في مثل هذا المكان إلا للاستماع، ثم لا ترى بينه إلا مصفقا أو هاتفا ~~أو راكضا أو ضاحكا أو صارخا أو مصفرا أو ماضغا أو متكلما، وربما كان ذلك هينا لو ~~وقع بين الفصل والفصل، أو المنظر والمنظر، أو الجملة والجملة، ولكنه يقع مطردا حيثما ~~اتفق وكيفما بدا! # وبعد ... فقد استنتجت من منظر ذلك المعرض العام أن للجمهور المصري ثلاثة أخلاق هي ~~ألزم من ظله وألصق به من نفسه: يحب التقليد، ويحب الهزل، ولا يستطيع أن يصبر عن إظهار ~~ما تتأثر به نفسه من حزن وسرور لحظة واحدة. # | الكوخ والقصر # أنا إن كنت حاسدا أحدا على نعمة فإني أحسد صاحب الكوخ على كوخه قبل أن أحسد صاحب ~~القصر على قصره، ولولا أن للأوهام سلطانا على النفوس لما سجد الفقراء بين أيدي ~~الأغنياء ولا ورم أنف الأغنياء أن يتخذهم الفقراء أربابا من دون الله. # أنا لا أغبط الغني على ms289 غناه إلا في موطن واحد من مواطنه، فأغبطه إن رأيته يشبع ~~الجائع، ويواسي الفقير، ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أباه، ~~والأرملة التي فجعها القدر في عائلها، ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون، ثم أرثي له بعد ~~ذلك في جميع مواطنه الأخرى. # أرثي له إن رأيته يتربص بالفقير وقوع الضائقة به ليدخل عليه مدخل الشيطان من قلب ~~الإنسان، فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه باب الأمل. وأرثي له إن رأيته ~~يعتقد أن المال هو منتهى الكمال الإنساني، فيرغب عن الفضائل والكمالات؛ لأنه يظن أنه ~~قد كفي مئونة السعي إليها. وأرثي له وأبكي على عقله إن مشى الخيلاء، وطاول بعنقه ~~السماء، وسلم بإيماء الطرف، وإشارة الكف، ومشى في طريقه يخزر عينيه خزرا، ليرى هل سجد ~~الناس لمشيته، أو صعقوا من هيبته! وأرحمه الرحمة كلها إن عاش شحيحا مقترا على نفسه ~~وعياله، بغيضا إلى قومه وأهله، ينقمون عليه حياته، ويستبطئون أجله. # أما الفقير فهو عندي أسعد الناس عيشا، وأروحهم بالا، إلا إذا كان جاهلا ضعيفا ~~مخدوعا يملك الوهم عليه مشاعره، فيظن أن الغني أسعد منه حظا، وأرغد عيشا، وأثلج ~~صدرا، فيحسده على تلك السعادة التي يزعمها له، فيجلس في كسر بيته جلسة الكئيب ~~المحزون، يصعد الزفرة فالزفرة، ويرسل الدمعة إثر الدمعة، ولولا جهله وضعف قلبه لعلم أن ~~رب صاحب قصر باذخ يتمنى كوخ الفقير وعيشه، ويرى أن ذلك السراج من الزيت أسطع ~~ذبالا وأكثر لألاء من أنوار الشموع وباقات الكهرباء التي تأتلق بين يديه، وأن تلك ~~الحشية من الأديم أو الوبر أنعم ملمسا وألين مضجعا من وسائد الحرير ونضائد ~~الديباج. # لقد بلغ التسفل وضعف النفس بكثير من الناس أنهم يحفلون بشأن الأغنياء لأنهم أغنياء، ~~وإن كانوا لا ينالون منهم ما يبل غلة أو يسيغ غصة. وليت شعري إن كان لا بد لهم ~~من إجلال المال وإعظامه لذاته، فما لهم لا يقبلون أيدي الصيارفة، ولا ينهضون إجلالا ~~للكلاب المطوقة أعناقها بأطواق الذهب - وهم يعلمون ألا فرق بين هؤلاء ms290 وهؤلاء؟ # لو عامل الفقراء بخلاء الأغنياء بما يجب أن يعاملوا به لوجدوا أنفسهم في وحشة من ~~أنفسهم وأموالهم، ولشعروا أن بدرات الذهب أساود ملتفة على أرجلهم، وأغلال آخذة ~~بأعناقهم، ولعلموا أن الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب، وفي جلائل الأعمال لا في ~~أحمال المال. # فليعظم الناس الكرماء، وليحتقروا الأغنياء، وليعلموا أن الشرف شيء وراء الغني ~~والفقر، والسعادة أمر وراء الكوخ والقصر. # | على سرير الموت # مررت منذ سنوات على باب منزل في أحد أزقة القاهرة، فرأيت حوله مجتمعا حافلا تصطك ~~فيه الأقدام بالأقدام، وتمتزج فيه الأنفاس بالأنفاس، وقد تخلله قوم من رجال الشرطة، ~~وسمعت قائلا يقول: «قبح الله الانتحار!» وآخر يقول: «أحسبه شابا غريبا لأني لم أر ~~عينا تدمع عليه.» فعرفت مجمل القصة، وأن في هذا المنزل شابا غريبا منتحرا، وأن ~~هذا الحادث سبب هذا الاجتماع. # لم أقنع بالإجمال، فأحببت معرفة التفصيل، فحاولت الدخول إلى المنزل فما استطعت، ~~فتريثت حتى جاء ضابط أعرفه من ضباط البوليس، فدخلت معه. وهنالك رأيت على سرير الموت ~~شابا في نحو العشرين من عمره، رقيق الجسم، أصفر اللون، لم تستطع يد الموت أن تمحو كل ~~آثار جماله، بل بقيت منه بعد الموت بقية كتلك البقية من الرائحة العطرة التي يستنشقها ~~الإنسان في الزهرة الذابلة. # اهتم الضابط بملابسه، لعله يجد فيها ما يدل عليه أو على سبب انتحاره، واهتم الطبيب ~~بالميت ليعرف علة موته، وجلست بجانبه جلسة الكئيب المحزون أفكر في مصيبته، وأندب شبابه ~~وجماله، فلمحت حول السرير أوراقا منثورة، فجمعتها ووضعتها في محفظتي من حيث لا يشعر ~~الضابط ولا الطبيب. # قرر الطبيب أنه منتحر بشرب سائل سام، وقرر الضابط نقل جثته إلى المستشفى، فنقلت ~~وانفض الجمع المزدحم، ثم لم أعد أعلم بعد ذلك من أمره شيئا. # خلوت بنفسي والأوراق فنثرتها فرأيتها مجموعة خواطر عاشق تناول كأس الحب بيده، فارتشف ~~منها الجرعة الأولى فوجدها حلوة المذاق، فاستمر في شأنه يشرب ولا يرفع الكأس عن فمه، ~~فلم يشعر بالمرارة المتجددة في الجرعات الأخرى حتى أتى على ms291 آخر جرعة، فإذا هي السم ~~الناقع الذي قتله وذهب بحياته. # قرأت تلك المفكرات فبكيت بكاء رحمت نفسي منه، ثم طويتها وألقيت بها في بطون الأعوام ~~وبين ودائع الأيام. # وبينا أنا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في ملف صغير قد اصفر لونه لتقادم العهد ~~عليه كما يصفر الكفن حول الجثة البالية، فشعرت برعدة تتمشى في أعضائي حينما تخليت أنها ~~في هذا السفط شبح كاتبها في ذلك القبر. # ثم عدت إلى نفسي، فنشرتها للمرة الثانية، وأعدت قراءتها، فرأيت قلب العشق مرسوما ~~فيها رسما صحيحا في حالي سعادته وشقائه، وهأنذا أنشرها في الناس لتكون عبرة يعتبر ~~بها المخاطرون بقلوبهم في هذا السبيل، سبيل الحب القاتل. # 1 # رأيتها فأحببتها، وما كنت أعرف الحب من قبلها. # كان قلبي في ظلام حالك لا يرى حتى نفسه، فلما أشرق فيه الحب أشرقت فيه شمس ~~ساطعة منيرة، لها من الشمس نورها وجمالها، وليس لها منها حرارتها ولذعاتها. # كنت أشعر كأن قلبي في صحراء هذه الحياة وحيد موحش لا يعرف القلوب، أو يعرفها ثم ~~ينكرها. فلما أحببت رأيت بجانب قلبي قلبا لاصقا به يخفق لخفقانه ويتحرك بحركته، ~~فكنت أجد بين جوانحي من السرور والهناء واللذة والاغتباط ما لو قسم على القلوب ~~جميعها ما خالطها حزن ولا مسها ألم. # كنت أسمع باسم السعادة ولا أفهم معناها، غير أني كنت أسمعهم إذا ذكروها ذكروا ~~بجانبها القصر والحديقة، والفضة والذهب، والسلطة والجاه، والشهرة والصيت، فلما ~~أحببت اعتقدت ألا سعادة غير الحب، وأيقنت أن الناس جميعا يطلبون سعادة الأجسام ~~لا سعادة الأرواح، فمثلهم كمثل الدفين المكفن بالحرير والديباج، وباطنه مسرح الدود، ~~ومرتع الهوام والحشرات. # 2 # أحببتها قبل أن أعرفها، أو أعرف شأنا من شئونها سوى أنها تحبني، فكأني ما منحتها ~~قلبي إلا لأنها منحتني قلبها، وهو ثمن قليل في جانب هذه المنحة الغالية التي ما ~~كنت أحدث نفسي بها، ولا كانت تستطيع أن تمثلها في عيني خواطر الأماني، ولا سوانح ~~الأحلام. عشت دهرا طويلا بين أقوام لا يعنيهم أمري ، ولا يهمهم ms292 شأني، وذقت من ~~آلام الحياة وشقاء العيش ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، فسمعت من يسألني: كيف حالك؟ ~~ومن يقول لي: ما أشد جزعي لمصابك! ومن يتباكى رحمة بي وحنانا علي، ولكن لم أر ~~بجانبي عينا تدمع ولا قلبا يخفق. # رأيت من يحب جمالي كما يحب تمثالا متقن الصنع، ورأيت من يحب مالي كما يحبه في ~~كيسه أو خزانته، ورأيت من يعجب بحديثي كما يعجب برواية بديعة، ولكن لم أر في ~~حياتي من يحبني. # أما اليوم، فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي، والعين التي تدمع علي، ~~والنفس التي تحبني لا لشيء سواي، فقليل لها مني أن أمنحها حياتي، فكيف أبخل عليها ~~بقلبي؟ # 3 # خلوت بها للمرة الأولى، فحدثتني نفسي أن أمد يدي إلى يدها، فأضعها على صدري، ~~لأطفئ بها غلتي، فما لمستها حتى نظرت إلي نظرة العاتب اللائم، وقالت: كن رجلا في ~~حبك، واترك الطفولة لغيرك، إن كنت تحبني لنفسي، فهأنتذا قد ملكتها علي، وأحرزتها ~~دوني حتى لا أعرف لي فيها مأربا، وإن كنت تحبني لهذه الصورة الجثمانية، فما أضعف ~~همتك، وما أصغر نفسك! # أتذرف دمعك، وتسهر ليلك، وتذيب حبة قلبك من أجل عظمة تلمسها، أو جلدة ~~تلثمها؟! # أنت شريف في نفسك، فكن شريفا في حبك، واعلم أني ما أحببت غير نفسك فلا تحب غير ~~نفسي. # وما وصلت من حديثها إلى هذا الحد، حتى رأيتني قد صغرت في عين نفسي، وتمنيت أن لو ~~عجل إلي أجلي قبل أن يمر هذا الخاطر الفاسد في ذهني، ثم استوهبتها ذنبي فوهبته ~~لي، وما عدت من بعدها إلى مثلها. # 4 # الآن عرفت مبلغ عظتها، وفضل هدايتها، ومقدار ما يبلغه الحب الشريف من النفس، ~~فهأنذا أشعر كأن نفسي المرآة التي يغشاها الصدأ، وكأن الحب صيقل يصقلها، فيجلو ~~صفحتها شيئا فشيئا. # كنت أحمل بين جوانحي لأعدائي ضغنا وحقدا، فأصبحت لا أشعر بما كنت أشعر به من ~~قبل؛ لأن الحب ملك علي قلبي واستخلصه لنفسه، فلم يترك فيه مجالا لشيء ~~سواه. # كنت ضيق الصدر إن مسني ms293 ضر، سريع الغضب إن فاتني مأرب، فأصبحت فسيح رقعة الحلم، ~~لا يستفزني غضب، ولا يحرجني محرج؛ لأني قنعت بسعادة الحب، فأغفلت بجانبها جميع ~~أنواع السعادة. # كنت شديد القسوة، متحجر القلب، لا أعطف على بائس، ولا أحنو على ضعيف، فأصبحت ~~أشعر بالمصيبة أراها تصيب غيري، وأتألم لبؤس البائسين وحزن المحزونين؛ لأن الحب ~~أشرق في قلبي فملأه نورا، فارتفع ذلك الستار الذي كان مسبلا بينه وبين ~~القلوب. # وبالجملة كنت وحشا ضاريا أعيا العالمين رياضته، فصرت بين يدي الحب الشريف ~~إنسانا شريفا، وملكا كريما. # 5 # خرجت بها الليلة إلى شاطئ النهر، وكان الماء رائقا والسماء صافية، وفي كل منهما ~~نجوم وكواكب تتلألأ في صفحته، فاختلط علينا الأمر حتى ما نفرق بين الأصل والمرآة، ~~ولا ندري أين مكان الماء من مكان السماء. # فمشينا طويلا لا يكلم أحدنا صاحبه، كأن سكون الليل سرى إلى أفئدتنا، وملأ ما بين ~~جوانحنا، فأمسكنا عن الحديث هيبة وإجلالا. # وكنت أشعر في تلك الساعة بخفة في جسمي، وصفاء في نفسي حتى كان يخيل إلي أني ~~لو شئت أن أطير عن وجه الأرض لطرت بغير جناح، وأني أستطيع أن أخترق بنظري حجاب ~~السماء، وأنفذ إلى الملأ الأعلى، فأرى هنالك ما هو محجوب عن نظر الناس أجمعين. ~~وحتى صرت أتمنى أن يضل النجم سبيله فلا يهتدي إلى أفقه، وأن يتلفع الليل بردائه فلا ~~يعثر به فجره، وأن تستمر مشيتنا هذه ما ضل النجم، وما دام الظلام. فالتفت إليها ~~وسألتها هل تشعر بالسعادة التي أشعر بها؟ # قالت: لا؛ لأني أعرف من شئون الأيام وأطوارها غير ما تعرف؛ ولأني لا أنظر إلى ~~الدنيا بالعين التي تنظر بها إليها. # أنت سعيد بالأمل، وأنا شقية بالحقيقة الواقعة. # إنك سعيد؛ لأنك تظن أن سعادتك دائمة لا انقطاع لها، وأنا شقية لآني أتوقع في كل ~~ساعة زوالها وفناءها. # إن استطعت أن تقف الشمس في كبد السماء، وأن تحول بين الأرض ودورانها، وأن تمنع ~~الساكن أن يتحرك والمتحرك أن يسكن، فاضمن لنفسك استمرار السعادة وبقاءها. # وهنا أمسكت عن الكلام، ms294 وأطرقت برأسها طويلا، فرأيت مدامعها تنحدر من مقلتيها ~~كأنها عقد وهى سلكه، فانتثرت حباته، فبكيت لبكائها، وقلت: «لم تبكين؟» ~~قالت: «من خوف الفراق.» قلت: «فراق الحياة أو فراق الممات؟» قالت: «لا أريد فراق ~~الحياة، فليس في هذه الكائنات من ناطقها وصامتها ما يمنعني من الوصول إليك ما دام ~~يجمعني وإياك عالم واحد، أنا لا أخاف إلا فراق الموت.» قلت: «هل لك أن نتعاهد ~~أن نعيش معا ونموت معا؟» فتعاهدنا ثم عدنا على أعقابنا، والليل يشمر أذياله ~~للفرار من وجه النهار، ثم افترقنا على ميعاد، وذهب كل منا لسبيله. # 6 # ألا يستطيع هذا الدهر الغادر أن ينام ساعة واحدة عن هذا الإنسان؟ # ألا يستطيع أن يسقيه كأسا لا يخالطها كدر ولا يمازجها شقاء؟ # ألا يستطيع أن يمنعه السعادة ما دام يمنحها اليوم ليسلبها غدا؟ # إن الإنسان لا يعجز عن احتمال الشقاء الدائم، ولكنه يعجز عن احتمال السعادة ~~المسلوبة. # يقولون: إن الأمل حياة الإنسان، وما يقتل الإنسان إلا الأمل، فليتني ما سعدت؛ ~~لأنني ما شقيت إلا بسعادتي، وليتني ما أملت؛ لأن اليأس القاتل ما جاء إلا من ~~طريق الأمل الباطل، ماتت الفتاة التي كانت شمس حياتي، وأشعة آمالي، وينبوع سعادتي ~~وهنائي. # ماتت الفتاة التي كانت ملء الدنيا بهاء وجمالا، فمات بموتها كل حي في هذا ~~الوجود. # أرى الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، وأرى الطير صامتة لا تغرد، والغصون ~~ساكنة لا تتحرك، وأرى النجوم آفلة، والزهور ذابلة، والطبيعة واجمة حزينة لا يفتر ~~ثغرها، ولا يتلألأ جمالها، وأرى الدنيا كأنها عادت إلى عصرها الأول لا يسكنها ~~إنسان، ولا يخطر بها حيوان، وكأنني فيها آدمها يندب جنته، ويشكو وحدته. # أيها الدهر الغادر! إن غلبتني عليها فلن تغلبني على نفسي، لك أن تخرج من الدنيا ~~من تشاء، وليس لك أن ترد إليها من يخرج منها. # ويا أيتها النفس الهائمة في سمائها! لا تجزعي ولا تعجلي، فوالله لأفين بعهدك، ~~ولأذهبن عما قليل وحشتك، وليكونن عهدنا في مستقبلنا كعهدنا في ماضينا، فما تعارفنا ~~في العالم الأول إلا ms295 بأرواحنا، فلنكن كذلك في العالم الثاني. # | غدر المرأة # يقصون في القصص الخرافية أن حكيما من حكماء اليونان كان يحب زوجته حبا ملك عليه ~~عقله وقلبه. وأحاط به إحاطة الشعاع بالمصباح المتقد، وكان يمازج هناءه الحاضر شقاء ~~مستقبل يسوقه إلى نفسه الخوف من أن تدور الأيام دورتها فيموت، ويفلت من أشراكه ذلك ~~القلب الذي كان مغتبطا باعتلاقه إلى صائد آخر يعتلقه من بعده. وكان كلما أبث زوجته ~~سره، وشكا إليها ما يساور قلبه من ذلك الهم حنت عليه، وعللته بمعسول الأماني، وأقسمت له ~~بكل محرجة من الأيمان أنها لا تسترد هبة قلبها منه حيا وميتا، فكان يسكن إلى ذلك ~~سكون الجرح الذرب تحت ميزاب الماء البارد، ثم يعود إلى هواجسه ووساوسه. حتى مر في ~~بعض روحاته إلى منزله في ليلة من الليالي المقمرة بمقبرة المدينة، فبدا له أن يدخلها ~~ليروح عن نفسه هموم الموت بوقفة بين قبور الموت، وكثيرا ما يتداوى شارب الخمر بالخمر، ~~ويدفع الخوف الخائف إلى مبعث خوفه، ويلذ للجبان - وهو يرتعد فرقا - الإصغاء إلى حديث ~~الأفاعي وقصص الجان، فرأى في بعض مسالكه بين تلك القبور امرأة متسلبة جالسة أمام ~~قبر جديد لم يجف ترابه، وبيدها مروحة من الحرير الأبيض مطرزة بأسلاك الذهب تحركها ~~يمنة ويسرة، لتجفف بها بلل ذلك التراب. فعجب لشأنها، وتقدم إليها، فارتاعت لمرآه، ثم ~~أنست به حينما عرفته، فسألها ما شأنها، وما مقامها هنا، ومن هذا الدفين، وما الذي تفعل، ~~فأبت أن تجيبه عما سأل حتى تفرغ من شأنها. # فجلس إليها، وتناول منها المروحة، وظل يساعدها في عملها حتى جف التراب، فحدثته أن هذا ~~الدفين زوجها، وأنه دفن منذ ثلاثة أيام، وأنها منذ الصباح جالسة مجلسها هذا لتجفف تراب ~~قبره وفاء بيمين كانت أقسمتها له في مرض موته ألا تتزوج من غيره حتى يجف تراب قبره، ~~وأن هذه الليلة هي موعد بنائها بزوجها الثاني، فأبى لها وفاؤها لهذا الدفين الذي كان ~~يحبها ويحسن إليها أن تحنث بيمين كانت أقسمتها له، أو تخيس بما عاهدته عليه. ms296 ثم قالت ~~له: «هل لك يا سيدي أن تقبل هذا المروحة هدية مني إليك، وجزاء لك على حسن صنيعك معي؟» ~~فتقبلها منها شاكرا بعد أن هنأها بزواجها الجديد، ثم انصرف وليس وراء ما به من الهم ~~غاية. ومشى في طريقه مشية الرائح النشوان يحدث نفسه ويقول: إنه أحبها وأحسن إليها، فلما ~~مات جلست فوق قبره، لا لتبكيه ولا لتذكر عهده، بل لتتحلل من يمين الوفاء التي أقسمتها ~~له، فكأنما وهي جالسة أمام زوجها الأول تعد عدد الزواج من زوجها الثاني، وكأنما اتخذت ~~من صفائح قبره مرآة تصقل أمامها جبينها، وتصفف طرتها، وتلبس حليتها بين سمعه وبصره ~~للزفاف إلى غيره! # وما زال يحدث نفسه بمثل ذلك حتى رأى نفسه في منزله من حيث لا يشعر، ورأى زوجته ماثلة ~~أمامه مرتاعة لمنظره المحزن، فقال لها: «إن امرأة خائنة غادرة أهدت إلي هذه ~~المروحة، فقبلتها منها لأهديها إليك؛ لأنها أداة من أدوات الغدر والخيانة، وأنت أولى ~~بها مني.» ثم أنشأ يقص عليها قصة المرأة حتى أتى عليها، فغضبت وانتزعت المروحة من يده ~~ومزقتها، وأنشأت تسب تلك المرأة، وتنعى عليها غدرها وخيانتها، وتلقبها بأفحش الألقاب ~~وأقبحها، ثم قالت: «ألا يزال هذا الوسواس عالقا بصدرك ما دمت حيا؟ وهل تحسب أن امرأة ~~في العالم ترضى لنفسها بما رضيت به لنفسها تلك المرأة الغادرة؟» فقال لها: إنك أقسمت لي ~~ألا تتزوجي من بعدي، فهل تفين بعهدك؟» قالت: «نعم، ورماني الله بكل ما يرمي به الغادر ~~إن غدرت.» فاطمأن لقسمها، وعاد إلى راحته وسكونه. # مضى على ذلك عام، ثم مرض الرجل مرضا شديدا، فعالج نفسه، فلم يجد العلاج حتى أشرف، ~~فدعا زوجته، وذكرها بما عاهدته عليه، فادكرت، فما غربت شمس ذلك اليوم حتى غربت شمسه، ~~فأمرت أن يسجى في قاعته حتى يحتفل بدفنه في اليوم الثاني، ثم خلت بنفسها في غرفتها تبكي ~~عليه وتندبه، وإنها لكذلك إذ دخلت عليها الخادم وأخبرتها أن فتى من تلاميذ مولاها حضر ~~الساعة من بلدته لما سمع بأمر مرضه، وأنها حدثته حديث ms297 موته، فصعق في مكانه حزنا ~~ووجدا، ولا يزال عند باب المنزل مطرحا لا تدري ما تصنع في أمره! فأمرتها أن تذهب به ~~إلى غرفة الأضياف، وأن تتولى شأنه حتى يستفيق، ثم عادت إلى بكائها ونحيبها. فلما مر ~~الهزيع الثاني من الليل دخلت عليها الخادم مرة أخرى مرتاعة مولهة، وهي تقول: «رحمتك ~~وإحسانك يا سيدتي، فإن ضيفنا يعالج من آلامه وأوجاعه عذابا أليما، وقد حرت في أمره، ~~وما أحسبه إن أغفلنا أمره ساعة واحدة إلا هالكا.» فراعها الأمر، فقامت تتحامل على ~~نفسها حتى وصلت إلى غرفة المريض، فرأته مسجى على سريره والمصباح عند رأسه، فاقتربت منه ~~ونظرت في وجهه، فرأت أبدع سطر خطته يد القدرة الإلهية في لوح المقادير. فتخيلت أن ~~المصباح الذي أمامها قبس من ذلك النور المتلألئ في ذلك الوجه المنير، وتمثلت كأن أنينه ~~نغمة موسيقية محزنة ترن في جوف الليل البهيم. فأنساها الحزن على المريض المشرف الحزن ~~على الفقيد الهالك، وعناها أمره، فلم تترك وسيلة من وسائل العلاج إلا توسلت بها إليه ~~حتى استفاق. ونظر إلى طبيبته الراكعة بجانب سريره نظرة الشكر والثناء، ثم أنشأ يقص ~~عليها تاريخ حياته، فعرفت من أمره كل ما كان يهمها أن تعلمه، فعرفت مسقط رأسه، وصلته ~~بزوجها، وأنه فتى غريب في قومه لا أب له ولا أم ولا زوجة. # وهنا أطرقت برأسها ساعة طويلة عالجت فيها من هواجس النفس ونوازعها ما عالجت، ثم رفعت ~~رأسها وأمسكت بيده وقالت له: «إنك قد ثكلت أستاذك وأنا ثكلت زوجي، فأصبح همنا واحدا، ~~فهل لك أن تكون عونا لي وأن أكون عونا لك على هذا الدهر الذي لم يترك لنا مساعدا ولا ~~معينا؟» فألم بما في نفسها، فابتسم لها ابتسامة الحزن والمضض وقال لها: «من لي يا ~~سيدتي أن أكون عند ظنك بي، وهذا المرض الذي يساورني ولا يكاد يهدأ عني قد نغص علي ~~عيشي وأفسد علي حياتي، وقد أنذرني الطبيب باقتراب ساعة أجلي إلا أن تدركني رحمة الله، ~~فاطلبي سعادتك عند غيري، فأنت من بنات ms298 الوجود، وأنا من أبناء الخلود.» فقالت له: «إنك ~~ستعيش، وسأعالجك، ولو كان دواؤك بين سحري ونحري.» قال: «لا تصدقي يا سيدتي، فأنا عالم ~~بدوائي، وعالم بأني لا أجد السبيل إليه.» قالت: «وما دواؤك؟» فامتنع عليها هنيهة لا ~~يجيبها، فلما أعياه إلحاحها قال: «حدثني طبيبي أن شفائي في أكل دماغ ميت ليومه! ولقد ~~علمت أن ذلك يعجزني، فأسجلت ألا دواء لي ولا شفاء.» فارتعدت وشحب لونها، وأطرقت طويلا ~~ثم رفعت رأسها هادئة ساكنة، وقالت: «لا أزال أقول لك: إني سأعالجك، وإن كان دواؤك في ~~ذهاب نفسي.» ثم أمرته أن يأخذ قسطه من الراحة، وخرجت من الغرفة متسللة حتى وصلت إلى ~~غرفة سلاح زوجها، فأخذت منها فأسا، ثم مشت تختلس خطواتها اختلاسا حتى وصلت إلى غرفة ~~الميت، ففتحت الباب فدار على عقبه وصر صريرا مزعجا، فجمدت في مكانها، وقد امتلأ قلبها ~~رعبا وخوفا، وذهبت بها الظنون كل مذهب، ثم عادت إلى سكونها، فتقدمت لشأنها حتى دنت من ~~السرير، ورفعت الفأس، وما كادت تهوي بها حتى رأت الميت فاتحا عينيه ينظر إليها، فسقطت ~~الفأس من يدها، وسمعت حركة وراءها، فالتفتت، فرأت الضيف والخادم واقفين يتضاحكان، ~~ففهمت كل شيء. # وهنالك تقدم إليها زوجها وقال لها: «أليست المروحة في يد تلك المرأة الغادرة أجمل من ~~الفأس في يدك؟! أليست التي تجفف تراب قبر زوجها بعد دفنه أفضل من التي تكسر دماغه قبل ~~نعيه؟!» فصارت تنظر إليه نظرا غريبا، ثم شهقت شهقة كانت فيها نفسها. # | الضاد # إذا كان العرب الأولون يعبرون بالرأس عن مئين من الأعضاء والعظام، والأعصاب ~~والشرايين، فلم لا نعبر نحن بالضاد عن ثمانية وعشرين حرفا؟ ونحن عرب مثلهم، تجري في ~~عروقنا دماؤهم، كما تجري في عروقهم دماء آبائهم من قبل، فسهمنا في الضاد سهمهم، وحقنا ~~فيها حقهم، فلم يضعون الألفاظ للتفاهم والتخاطب ولا نضعها مثلهم لمثل ما وضعوا وحاجاتنا ~~أكثر من حاجاتهم، ومرافقنا أوفر عددا من مرافقهم وأوسع فصولا وأنواعا؟ # أين باديتهم الخلاء الجرداء المقفرة المصفرة إلا القليل من الخيام المبعثرة بين معاطن ms299 ~~الإبل، ومراتع الشاء، ومرابض الوحش، ومغاور الجن، من مدائننا الفاخرة الزاخرة الحافلة ~~بصنوف الموجودات، وأنواع الآلات والأدوات، وغرائب المصنوعات والمنسوجات، وأكثرها ~~مستحدث مستطرف لم تغبر في وجهه عواصف البادية، ولم تلوثه الإبل والأبقار بأبوالها ~~وأرواثها؟ # أليس من الظلم المبين والغبن الفاحش أن تضيق حاجاتهم عن لغتهم فيتفكهوا بوضع خمسمائة ~~اسم للأسد، وأربعمائة للداهية، وثلاثمائة للسيف، ومائتين للحية، وخمسين للناقة، وتضيق ~~لغتنا عن حاجاتنا، فلا نعرف لأداة واحدة من الآلاف المؤلفة من أدوات المعمل الواحد ~~اسما عربيا إلا قليلا من أمثال المسبر، والمبرد، والمنشار، والمسمار؟! # أيكون لسفينة البر - وهي لا تحمل إلا الرجل أو الرجل ورديفه - مائتا اسم، ومئين من ~~الأسماء لأعضائها وأوصالها ورحلها وكورها، ولا يكون لسفينة البحر، وهي المدينة المتنقلة ~~في الدأماء قليل من ذلك الحظ الكثير؟! # كان لعرب الجاهلية الأولى مؤتمر لغوي يعقدونه في كل عام بالحجاز بين نخلة والطائف ~~يجتمع فيه شعراؤهم وخطباؤهم، يتناشدون ويتساجلون ويتحاورون، ويعرضون أنفسهم على قضاة ~~من نوابغهم يوازنون بينهم، ويحكمون لمبرزهم على مقصرهم حكما لا يرد ولا يعارض. ولقد ~~شعروا بضرورة عقد هذا المؤتمر عندما أحسوا بتفرق لغتهم بين اليمن والشام، ونجد وتهامة؛ ~~لصعوبة التواصل في تلك البقاع، وبعد ما بين قاصيها ودانيها؛ فكان مطمح أنظارهم في ذلك ~~المجتمع توحيد لغاتهم، وجمع شتاتها والرجوع بها جميعها إلى لغة قريش التي هي أفصح ~~اللغات وأقربها مأخذا، وأسهلها مساغا وأحسنها بيانا. # أيقدر هؤلاء العجزة الضعفاء في جاهليتهم الأولى على ما نعجز عنه نحن؟! إننا إلى ~~مؤتمرهم أحوج منهم إليه؛ لأن تفرق اللغات في عصرهم لا يمكن أن يبلغ مبلغ تفرقها في ~~عصرنا بين لغات العامة المتباينة، ولغة العلماء، ولغة الدواوين، ولغة القصاصين، ولغة ~~الصحافيين. # إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللغات المتفرقة، فنحن في حاجة إلى ~~مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة جميعها، وشرح أوجه استعمالها ~~الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على العمل به، ومجتمع ~~دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة - سواء كانت أعيانا أو معاني - بطريق التعريب ms300 أو ~~النحت ، أو الاشتقاق الكبير أو الصغير، وآخر للإشراف على الأساليب العربية المستعملة، ~~وتهذيبها وتصفيتها من المبتذل الساقط والمستغلق النافر، والوقوف بها عند الحد الملائم ~~للعصر الحاضر ولأذهان المعاصرين، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء ومجازاة ~~المبرز منهم والمقصر، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # | سياحة في كتاب # أعجب ما أعرف من أمر نفسي أني أحب الجمال خيالا أكثر مما أحبه حقيقة، فيعجبني وصف ~~الروض أكثر مما يعجبني مرآه، ولا أطرب لمنظر الفتيات الجميلات طربي لمنظر القصائد ~~الغزليات، وأحب أن أسمع وصف المدن الجميلة، وأن أقرأ ما يكتبه الكاتبون عن رياضها ~~ومنازهها، وقصورها ودورها وسهولها وبطاحها، وأنهارها وجداولها، وميادينها وتماثيلها، ~~وأنديتها ومجامعها، ولا يهمني أن أراها، كأنني أريد أن أستديم لنفسي تلك اللذة ~~الخيالية، وأخاف أن تحول الحقيقة بيني وبينها، وأحسب أني لو كنت عاشقا لأصبحت أضحوكة ~~العاشقين، وأعجوبة الهازئين والساخرين، ويكون مثلي مثل ذلك الرجل الذي أحب امرأة ~~فاستزارها فمانعته حينا، ثم زارته، فلما رآها تركها وذهب لينام، فعجبت لشأنه وسألته ما ~~باله! فقال لها: «أريد أن أنام علني أرى طيفك في المنام!» # جاء يوم شم النسيم، فخرج الناس إليه يستقبلونه استقبال الجيش المدجج، للملك المتوج، ~~ويرحبون به ترحيب العشاق بيوم التلاق بعد طول الفراق، ويبسمون له ابتسام الرياض الزاهرة ~~للسحب الماطرة، وقد ذهبوا في شأنه المذاهب كلها، فمن صاعد إلى رءوس الجبال، وسارب في ~~سهول الرمال، وواقف موقف الإعجاب والإجلال، بين جمال الأنوار وأنوار الجمال، ومقلب ~~طرفه بين حسن الزهرات، وحسن الفتيات، لا يعلم أتشبه القامات الغصون، أم الغصون ~~القامات؟ # ذهب الناس في ذلك اليوم تلك المذاهب، وما كان لي أن أذهب مذهبهم؛ لأني لا أعجب بما ~~يعجبون، ولا أسر بما يسرون، فقبعت في كسر بيتي أبحث عن ضالة خيال أجد فيها من ~~السعادة والهناء ما يجده الهائمون بين ثغر الحسناء وثغر الصهباء، فلمحت بجانبي كتاب ~~بلاغة الغرب - وهو الكتاب الذي ترجمه بعض فضلاء الكتاب، وجمع فيه نفائس اللغة ~~الفرنسية، وزبدة ما جادت به قرائح كتابها وشعرائها - فقلت: ms301 «حسبي من الرياض هذه ~~الزهرات، ومن النسائم تلك النفحات.» # خطوت الخطوات الأولى من سياحتي في هذا الكتاب، فرأيتني واقفا تحت نافذة قصر اللوفر ~~في باريس، ورأيت الناس وقوفا في ذلك الميدان الفسيح، وقد ماج بعضهم في بعض حتى ضاقت ~~بهم رقعة الأرض، ورأيتهم يمدون أعناقهم إلى تلك النافذة، وينظرون إليها نظر المنجم في ~~الأسطرلاب، ويرقبون منها ما يرقب الروض من غادية السحاب. وإنهم لكذلك وإذا نابليون ~~الأول قد أطل من نافذة قصره كما يطل البدر من وراء الأفق، يحمل بين يديه طفله الصغير ~~كما يسميه الناس، وملك رومة كما يسميه أبوه، فضج الناس لمطلعه ضجيجا ملأ مسمع ~~الخافقين، وابتسموا لمرآه ابتساما أضاء ما بين المشرقين والمغربين. وهنا سمعت الشاعر ~~الكبير يخاطب ذلك الملك العظيم بصوت يشبه صوت البحر الزاخر قائلا له: رويدا أيها ~~الرجل المغرور بالتاج والسرير، والملك الكبير، والجيش الخاضع، والشعب الطائع، أنت تقدر ~~لطفلك في مستقبل الأيام ملكا كملكك، ومجدا كمجدك وعزا وسلطانا كعزك وسلطانك، غير ~~عالم بما تكتمه ضمائر الأيام من الحوادث العظام والخطوب الجسام، هل أخذت على الأيام ~~عهدا لنفسك فتأخذه لولدك؟ وهل وثقت بما في يدك فتثق بما في يد غيرك؟ # أيها الملك المغرور! إنك ستفارق عما قليل هذا القصر الكبير إلى ذلك الكوخ الحقير، ~~وسيحيط بك الجند في منفاك إحاطة الإخضاع والإذلال، لا إحاطة الإعظام والإجلال، وسيموت ~~ولدك محروما هذا العرش الذي هيأته له، بل محروما بضعة أشبار من تربة فرنسا، يضطجع ~~فيها ضجعة الموت. # أيها الملك المغرور! لا تقل: إن المستقبل لي، فإنما المستقبل لله. # تركت هذا الموقف الفخم الجليل، وقد امتلأت نفسي عبرة بمصائر الأيام، ومصارع الكرام، ~~وتقلبات الدهور ما بين رفع وخفض، وإبرام ونقض، ومشيت حتى وصلت إلى برية جرداء، ~~ودوية قفراء، لا يطرقها إنسان، ولا يدب بها حيوان، فلمحت على البعد رجلا يمشي على ~~شاطئ بحر فوق أرض رملية، يخدع ظاهرها ويقتل باطنها، ويدب الماء في أحشائها دبيب ~~الصهباء في الأعضاء، ويكمن في صدرها كمون الأسرار في صدور الأقدار. # فما ms302 هي إلا بضع خطوات، حتى رأيت الرجل المسكين، وقد غاصت قدماه في الرمل، فحاول ~~نزعهما فغاص إلى ركبتيه، فتحلحل فغاص إلى صدره، وما زال يساعد على نفسه بمنازعته ~~ومحاولته حتى لم يبق له فوق ظهر الأرض غير فم يصرخ بالنداء، وعين تذرف بالبكاء، ثم ما ~~لبثا أن غطاهما الرمل، فرفع يديه بالدعاء، فلم يجد من رحمة في الأرض ولا في ~~السماء. # وقفت بين يدي هذا المشهد المؤثر المحزن وقفة أرسلت فيها قطرات من الدموع على هذا ~~البائس المسكين، وقلت في نفسي: «إنني قد عجزت عن إسعاده في نكبته، ومعونته في شدته، فلا ~~أقل من أن أسعده بقليل من الزفرات، ووشل من العبرات.» # ثم فارقته ومشيت حتى بلغت منزل الشاعر «لا مارتين» فرأيته جالسا في غرفته، وليس معه ~~في منزله من يؤنسه غير كلبه، فسمعته يخاطبه، ويقول له: «أيها الكلب الأمين، قد هجرني ~~الناس وبقيت بجانبي، وخانني الأصدقاء ووفيت لي، فأنت في نظري أوفى الأوفياء، وأصدق ~~الأصدقاء، ولولا أنك كريم الأخلاق متواضع تأبى إلا أن تعرف لسيدك منزلته من السادة ~~عليك، وتحفظ له فضل ما أسدى من النعمة إليك، لأكبرت جلستك هذه عند عتبة الباب، ولأجلستك ~~بجانبي؛ لأنك صديقي ومؤنسي، ولأنك أحق بالإكرام من كثير من أولئك الذين يفترشون ~~الطنافس، ويتوسدون الوسائد، حسبي منك نظراتك التي تنظر بها إلي بود وإخلاص، كأنني ~~أشعر حينما أراك تحدق بي أنك تفتش عن سريرتي في أسرتي، وتقرأ في صفحة وجهي ما غاب عنك ~~من دخيلة أمري، وكأنني أسمعك تقول: «ما باله؟ وما شأنه؟ وما الذي يحزنه؟ وما الذي ~~يبكيه؟» حسبي منك ذلك، وهل يجد الإنسان من أوفى أصدقائه أكثر مما أجده في لفتاتك، ~~وألمحه في نظراتك من الاهتمام بأمري، والعناية بشأني، والحزن لحزني، والبكاء ~~لبكائي؟» # سمعت «لامارتين» يناجي كلبه بهذا النجاء الرقيق، فانسللت وذهبت لشأني، وأنا أقول في ~~نفسي: «إذا كان لامارتين، وهو أشعر شاعر في فرنسا - وفرنسا مهبط وحي الشعر - لم يجد ~~صديقا وفيا غير كلبه المقعي على عتبة غرفته، فأين يذهب سائر ms303 الشعراء؟ ومتى يجدون ~~الأصدقاء؟» # تركت منزل «لامارتين» وذهبت إلى منزل «دي موسيه» فرأيته معتزلا في غرفة من غرف ~~منزله يبكي بكاء مرا، ويزفر زفيرا تكاد تتقطع له أحشاؤه، فقلت: «ليت شعري ما أبكاه، ~~وما الذي دهاه؟!» فسمعته يترنم بقصيدة من قصائده يشرح فيها تاريخ وجده وهواه شرحا ~~مؤثرا مؤلما، حتى خيل إلي أن كل بيت من أبياتها جذوة نار ملتهبة، وسمعته يشكو فيها ~~خيانة حبيبته «جورج صاند» ويعالج نفسه على أن يسلوها، ويتناسى عهدها وذمامها، فلا يجد ~~إلى ذلك سبيلا، وما هو إلا أن أتم قصيدته حتى تغير لونه، وشخص بصره واضطرب اضطراب ~~الأغصان اليابسة بين أيدي الرياح العاصفة، ثم أخذ يهذي هذيان المحموم، ويخلط في كلامه ~~خلطا شديدا، فعلمت أن الرجل قد جن، وأن العالم الشعري قد فجع فيه، فمضيت ~~لسبيلي وأنا أسأل الله العافية، وأقول: «إن جمال المرأة أحقر من أن يقتل أوفر عقل، ~~وأعجز من أن يطفئ أكبر قريحة، ولكنها الأقدار تجري بحكمها علينا، وأمر الغيب سر ~~محجب.» # تركت منزل «دي موسيه» ومشيت في شارع من شوارع باريس، فرأيت شيخا رث الثياب زري ~~الهيئة، يمشي مشية هادئة مطمئنة، ويجر في رجليه نعلا بالية قد أطلت أصابعه من خروقها ~~كما تطل الحيات من أجحارها، فأتبعته نظري، فرأيته لا يرفع طرفه سكونا وإطراقا، ولا ~~يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا، فقلت في نفسي: «إن لهذا الرجل شأنا!» فمشيت ~~وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف، فلم يجد صاحب الحانوت في مكانه، فجلس على ~~الأرض ينتظره حتى يعود، فيخصف له نعله، فسألت بعض المارة عنه، فقال: «هذا كورني شاعر ~~فرنسا.» فأخذتني الدهشة، وملكني العجب حتى كاد يحول بيني وبين عقلي، فقلت في نفسي: ~~«ويح لكم معشر الناس، أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر على رجل يقلد أعناقكم الدر ~~والجوهر؟! أعجزتم عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه الغصون في تلك الجبهة التي تجود ~~عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم، وينعش نفوسكم؟!» ثم رجعت أدراجي، وأنا أقول: «كأن قضاء ms304 ~~حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء الأدباء من دهرهم ما يريدون، ولا يمنحهم من العيش ما ~~يشتهون!» # إن في جلسة «لامارتين» منفردا في منزله لا مؤنس له غير كلبه، وفي عزلة «دي موسيه» ~~في غرفته وخلوته ببكائه ونحيبه، وفي ضجعة «كورني» أمام حانوت الإسكاف، لآية للمتفكرين، ~~وعبرة للمعتبرين. # الآن عدت من سياحتي في ذلك الكتاب أشكر للكاتب ما كتب، وللمترجم ما ترجم، وأقول: «من ~~لي في كل يوم بسياحة مثل هذه السياحة في كتاب مثل هذا الكتاب؟» # | دمعة على الأدب # مات بالأمس إمام الشعر البارودي، وإمام النثر محمد عبده، فجزعنا ما جزعنا، وسكبنا ~~عليهما من الدموع ما سكبنا، ثم كفكفنا من تلك الدموع، وخفضنا من زفرات الضلوع، حينما ~~سمعنا قول القائل: إن في الباقي عزاء عن الفاني، وإن في الأبناء خلفا من الآباء، ~~ولقد كر على عهدهما الشهر بعد الشهر، والدهر إثر الدهر، والأدب جاث في مكمنه جاثم، لم ~~يبعث من مرقده بعدما قبرناه، ولم ينشر من قبره بعدما واريناه، فتساءلنا: أين الباقي ~~الذي يزعمون، والخلف الذي يذكرون؟ # أين فطاحل اللغة الأدبية لا السياسية، وأرباب الأقلام العربية لا الأعجمية؟ عذرنا ~~المويلحي الكبير واليازجي؛ لأنهما ماتا ولحقا بصاحبيهما، فهل مات شوقي، وحافظ والبكري، ~~والمويلحي الصغير؟ ما مات منهم أحد، وإنما كانت حياة الرجلين حياة الصناعتين، وكان ~~لوجودهما سر من الأسرار ينبعث في الألسنة فيطلقها، والأقلام فيجريها، وكانت منزلتهما ~~من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها وتضيء بأسرارها، ~~فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ~~ولفظ بلا معنى. # أما شوقي فقد طار في جو غير هذا الجو، وهام في واد غير ذلك الوادي، وما زالت تعبث ~~به الأنواء حتى أغرقته في شبر من الماء! وأما حافظ فقد انقضت حياته النثرية قبل انقضاء ~~البؤساء، أما حياته الشعرية، فلم يبق منها غير نظم المقالات السياسية من العام إلى ~~العام، وأين هذه القيثارة البسيطة ذات اللحن الواحد من ذلك العود الأجوف الرنان الذي ~~كنا ms305 نسمع منه مختلف الألحان وأفانين الأشجان؟ وأما البكري والمويلحي، فقد قضيا حق ~~التأليف هذا بصهاريجه، وذاك بفتراته، ثم لحقا بالسابقين، ومضيا على أثر الماضين. # أين سكانك لا أين لهم # أحجازا أوطنوها أم شآما؟ # أين الروضة الغناء التي كنا نتفيأ ظلالها، ونهصر أغصانها، ونقطف ما شئنا من ورودها ~~ورياحينها؟ وأين البلابل التي كانت تتنقل بين أشجارها، فتطرب بالأغاريد، وتستهوي ~~بالأناشيد؟ # فاسألنها واجعل بكاك جوابا # تجد الدمع سائلا ومجيبا # أنا لا أعجب لشيء عجبي لهؤلاء الأدباء، يحزنون فلا يبكون، ويطربون فلا يضحكون، ~~ويتألمون بلا أنين، ويعشقون بغير حنين. # أيطرب البلبل فيغرد، ويشجى الحمام فينوح، ويطرب الشاعر ويشجى الكاتب فلا ينطق لسانهما ~~ولا يهتز قلمهما؟! # لما أسن عمر بن أبي ربيعة ورأى أن الغزل والتصابي غير لائق بشيبه ووقاره عزم على ~~هجره، فما استطاع إلى ذلك سبيلا، وغلب على أمره كما يغلب المرء على غرائزه وسجاياه؛ ~~فاحتال لذلك بأن حلف ألا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة، فشكا إليه رجل حبا برح ~~به، فحن واهتاج، ونظم أبياتا في شأن الرجل ووجده، ثم أعتق عن كل بيت رقبة. # فهل نذر أدباؤنا ما نذر عمر بن أبي ربيعة، وهم في شرخ الشباب وإبان الفتوة؟ إن كانوا ~~فعلوا ذلك، فأسأل الله لهم قصة كقصة عمر تهيج أشجانهم فتحنث أيمانهم، والأمة كفيلة ~~لهم بوفاء النذور، وكفارات الأيمان: # وذو الشوق القديم وإن تعزى # مشوق حين يلقى العاشقينا # | الصحافة # يا صاحب النظرات # أنا عامل من العمال في دائرة من دوائر الحكومة أتناول منها في كل شهر عشرة ~~ذهبا، وقد أشار علي بعض الذين يعتقدون أنني صاحب قلم أن أستقيل من ذلك العمل ~~وأشتغل بالصحافة، وحجتهم في ذلك أن الصحافي يخدم أمته أكثر مما يخدمها غيره، وأنه ~~يربح من المال أكثر مما يربح سواه، وقد أوشكت أن أصغي لقولهم، وأعمل برأيهم، فماذا ~~ترى؟ # أشر علي برأيك، فقد أصبحت أعتقد أنك أعقل الكتاب وأكثرهم إخلاصا، ~~والسلام. # موظف # أيها الرجل، لا تفعل، فإنك إن فعلت خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك ms306 مستقبلك، فاحذر أن ~~يخدعك عنك خادع، واربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين! # إنك لن تستطيع أن تكون صحافيا رابحا إلا إذا كنت صحافيا كاذبا، فإن كانت منزلة ~~الأخلاق عندك دون منزلة المال فامض لشأنك. # أنت في مستقبل أمرك بين اثنتين: إما أن تكون صاحب الصحيفة، أو أحد المحررين ~~فيها. # فإن كنت الأول، فأنت بين خاصة لا يرضيهم إلا أن تصعد عندهم، وعامة لا يعجبهم إلا أن ~~تهبط إليهم، فإن صعدت إلى الأولين هلكت؛ لأن الخاصة هم الأقلون عددا والأقلون مالا. ~~وإن نزلت إلى الآخرين خسرت؛ لأن العامة يبغضون الحقيقة، ويبغضون لأجلها المحقين. وإن ~~وقفت في منزلة بينهما سخط الفريقان عليك وارتابا بك، وأقسما جهد أيمانهما أنك من ~~المرائين المتقلبين. وإن كنت الثاني، فسيبتليك الله برئيس يحرج صدرك بمقترحاته، ويجرح ~~قلبك بمؤاخذاته، ويطلب عندك من الرأي والفهم والأسلوب والنسق ما عند نفسه، وهيهات أن ~~يجد عندك ما يريد منك إلا إذا صح مذهب التقمص، واستطاعت نفس كل منكما أن تتسرب في أطواء ~~صاحبتها وتتلاشى فيها. # ذلك إلى ما يرزؤك به كل يوم من الوقوف بينك وبين عقلك، فيستكتبك ما يريد، ويحول بينك ~~وبين ما تريد، فكأنما يعمد إلى عقلك - وهو أثمن من الجوهر - فيبتاعه منك بلقيمات لا ~~تكاد تقيم بها صلبك، وكأنما إدارة الجريدة التي تعمل فيها آلة ميكانيكية أنت فيها عمود ~~يدور اضطرارا لا إنسان يتحرك اختيارا. # إن هؤلاء الكاتبين الذين تراهم جلوسا على مقاعدهم في إدارات الجرائد المصرية أسوأ ~~الناس حظا، وأعظمهم شقاء، يكتب أحدهم في الصباح ما يستحيي له في المساء، ويقول في ~~المساء ما يكتب غيره في الصباح، ويظل طول حياته كرة تتلقفها الأحزاب في أنديتها. ولقد ~~يكتب أحدهم الرسالة يذيب فيها دماغه، ويريق فيها عصارة مخه حتى إذا استوت له، وظن أن قد ~~بلغ من الإحسان غايته، رفعها إلى رئيسه، فما هو إلا أن يقرأها ويرى فيها مدح من لا يحب ~~أو نقد من لا يكره حتى يرمي بها وجهه، ويردها عليه ردا المبتاع على البائع ms307 سلعته، ~~فيعود بها باكيا مستعبرا، ولا يعلم إلا الله ما يلم بقلبه في تلك الساعة من الحزن على ~~حياة كلها نفاق ورياء، وذل وضرع، يتلمس فيها عقله فلا يجده؛ لأن الصحافة قد ملكته ~~عليه، وسلبته إياه، ويسائل عن فهمه وإدراكه فلا يهتدي إليهما، ولا يعرف لهما وجودا ~~خاصا بهما؛ لأنه أصبح لا ينطق إلا بلسان غيره، ولا يكتب إلا بقلم سواه. # لولا أن الله سبحانه وتعالى صنع لهؤلاء المحررين فرحمهم بتلك البساطة التي أودعها ~~عقول السواد الأعظم من هذه الأمة، لما وجدوا في الناس من يسمع لهم قولا، أو يعتمد لهم ~~رأيا. # من ذا الذي يحفل بفكرة يعلم أنها لم تخالط قلب الكاتب، ولم تمتزج بأجزاء نفسه، ولم ~~تلتئم مع ما يعرف له من أخلاقه وطباعه وميوله وأهوائه، وما هي إلا طريدة من طرائد ~~الحاجات، وصنيعة من صنائع الحوادث، تعرض ثم تزول كما تعرض وتزول نقائضها وأضدادها، ~~كالأمواج يأخذ بعضها برقاب بعض، وتحل أخراها محل أولاها؟ # من ذا الذي يحفل بفكرة كاتب يحرر في «المؤيد» اليوم، فينتقد «اللواء» وكاتبه، ويحرر ~~في «اللواء» غدا، فيذم «المؤيد» وصاحبه، حتى إذا صار إلى «الجريدة» ذم الجريدتين، ~~واستهجن الخطتين؟ # أنا لا ألوم المحررين على تقلبهم في المذاهب، واضطرابهم في الآراء، ولا ألوم أصحاب ~~الصحف على وقوفهم في حياتهم هذه المواقف التي ساقهم إليها العيش، ونزولهم تلك المنازل ~~التي ألقتهم فيها يد الحاجات، وإنما ألوم الأمة على استهانتها بأدبائها، واحتقارها ~~لكتابها، وأنها لا تقيم من الوزن لحملة المحابر والأقلام ما تقيمه لحملة المزامير ~~والعيدان، حتى إنك لترى الرجل الذي لا بأس بعقله ولبه وفهمه وإدراكه، يسهل عليه أن يمنح ~~مائة دينار لمغن واحد غنى له صوتا واحدا في ليلة واحدة، ولا يسهل عليه أن يمنح ~~مائة قرش لجمعية من جمعيات التأليف والنشر في كل عام، وتراه ينفق في العام على مسح ~~نعاله عشرة دنانير، ولا ينفق واحدا منها على مجموعة ثمينة مؤلفة من كتاب «التربية ~~الاستقلالية» و«روح الاجتماع» و«البؤساء» و«سر تقدم الإنجليز» و«تحرير المرأة» و«عيسى ms308 ~~بن هشام». # إني أتمنى على الله الغنى، لا لأني في حاجة إلى المال، فقد رزقني الله منه ما يغنيني ~~أن أطلب لنفسي من بعده مزيدا، بل لأجمع خمسة من كتاب هذه الأمة، وخمسة من شعرائها، ~~وعشرة من علمائها في منزل واحد، وأسبغ عليهم وعلى عيالهم من نعمة العيش، ونعمة المال ~~ما تثلج به صدورهم، وتطمئن به نفوسهم، ثم أقول لهم: «دونكم هذه الأمة فاكتبوا لها من ~~الرسائل، وانظموا لها من القريض، وألفوا لها من الكتب ما تعلمون أنه يأخذ بضبعيها، ~~ويطير بها من قرارة الجهل إلى سماء العلم، وكونوا فيما تأخذون به أنفسكم أحرارا غير ~~مقيدين، وطلقاء غير مأسورين، لا يزعجكم عن مكانكم مزعج، ولا يكدر صفاءكم مكدر، ولا ~~يعجلكم من أمركم معجل، ولا يصدنكم عن سبيلكم خوف من كساد بضاعتكم، أو حذر من هياج ~~الجاهلين عليكم.» ثم أعمد إلى نفثات أقلامهم، فأنثرها على رءوس الناس نثرا من حيث لا ~~أبتغي لها ثمنا، أو أطلب عليها أجرا غير ذلك الأجر الذي يدخره الله في دار جزائه ~~لعباده الصالحين. فليت شعري! هل يمنحني الله طلبتي، أو يلهم قوما من الأغنياء فكرتي؛ ~~فيتم للأمة على يد تلك الجمعية العلمية الأدبية الحرة في عملها المستقلة برأيها في عشرة ~~أعوام ما لا يتم لها على يد هؤلاء الصحافيين المقيدين، والمؤلفين المغلولين في عشرة ~~أعوام؟! # أمنية شغفت روحي بها زمنا # واليوم أحسبها أضغاث أحلام # أيها السائل، لا تحسد حملة الأقلام على صناعتهم، ولا يغرنك ما ترى لهم في نظر الأمة ~~أحيانا من مظاهر الإجلال والإعظام، وما يطرق آذانهم كل حين من أصوات التحبيذ ~~والاستحسان؛ فإنما هي صورة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقل: إنهم يخدمون الأمة، فلن ~~يخدم الأمة مثل الغني عنها الذي لا يبالي بها رضيت أم سخطت، قامت أم قعدت، ولا تقل: ~~إنهم يربحون، فإنما هم يستنبطون أرزاقهم من شق القلم، وشق القلم لا يجود بالرزق إلا إذا ~~جادت الصخرة بالماء الزلال. # | التماثيل # جاءني الكتاب الآتي من حضرة الكاتب الفاضل محرر ms309 جريدة «ثمرات الفنون» ببيروت، وقد ~~ناشدني الله أن أنشره بنصه، فلم أر بدا من تلبية طلبه، وها هو ذا: # سيدي المنشئ الفاضل # أحييك بتحية الإسلام، وأبثك الشكر والثناء على ما تزين به صدر «المؤيد» الأعز ~~من أبكار الأفكار، ونفائس الآثار، مما يتلقاه أبناء هذا الثغر بالارتياح ~~والابتهاج، حتى إننا حلينا جيد الثمرات بعدة من هاتيك الدراري اللامعات، فجزاك ~~الله عنا جزاء الخادم لأمته، المحب لوطنه، الغيور على دينه، وزادك همة ونشاطا ~~في هذا السبيل، سبيل الإصلاح والهداية. # ما كتبت إليك هذه الكلمات بقصد الإدلال على فضلك والاعتراف بخدمتك، فإن نفثات ~~قلمك تدل على أنك من ذوي الأخلاق الفاضلة، والنفوس الكبيرة الذين لا تغرهم ~~أمثال هذه الزخارف الباطلة، فضلا عن أنك غني بنفسك عن كل مدح وثناء، وإنما ~~كتبت إليك لألفت نظرك الكريم إلى أمر كان له عندنا أثر سيئ في نفوس المسلمين ~~قاطبة، وهو عزم المصريين على نصب تمثال لفقيد مصر مصطفى كامل باشا رحمه الله، ~~كأن إخواننا المصريين أصبحوا أغنياء عن كل مشروع علمي أو أدبي أو اجتماعي، ~~فلم يبق بين أيديهم ما ينفقون فيه أموالهم إلا أمثال هذه المشاريع التافهة، أو ~~كأنهم لا يعلمون أنها محرمة في دينهم - دين الإسلام - أو كأنه صار من المحتم ~~اللازم علينا أن نقلد الأوروبيين في كل ما يعملون شبرا بشبر، وذراعا بذراع، ~~حتى لو دخلوا - كما قال عليه الصلاة والسلام - جحر ضب لدخلناه، أو شربوا ~~نخبا لشربناه، أو صنعوا صنما لصنعناه، كل ذلك يدل أصرح دلالة على أن ~~الجمود ما برح مستحكما فينا؛ لأن التقليد الأعمى شأن العاجز الضعيف الذي لا ~~يدري بماذا فاقه القوي القادر، فهو يقلده في جميع حركاته وسكناته، ظنا منه ~~أنها سر قوته وقدرته. # لو أقام المصريون لكل عامل بينهم تمثالا لعادت مصر إلى عهدها الأول في زمن ~~الفراعنة حيث في كل بقعة هيكل وتمثال، وظني أن لو كان المرحوم مصطفى كامل باشا ~~حيا، لما رضي عن مشروع كهذا يمس الأمة المصرية في وطنيتها ودينها . # فناشدتك الله يا ms310 سيدي أن تنشر كلماتي هذه بنصها على صفحات المؤيد الأغر، فإن ~~اليراع عندنا مغلول، إلى درجة ألف معها الخمول، فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله! # محرر ثمرات الفنون # أحمد حسن طباره # هذا نص كتابه، وقد كتبت إليه الرد الآتي: # حضرة الكاتب الفاضل # قرأت كتابك، فهبت علي من بين سطوره نسمة شرقية، تمر بي الساعات والأيام، ~~والأشهر والأعوام في مصر أترقب هبوبها، فلا أجد إليها سبيلا. # كتبت إلي كلمة كان في استطاعتك أن تكتبها في جريدتك، ولكن حال بينك وبين ~~ذلك ظن قام في نفسك أن اللسان في مصر أطلق منه في بيروت، وأنك واجد في ~~بلدنا ما لا تجد في بلدك من حرية الفكر وسعة الصدر، وليتك تعلم يا سيدي أن ~~كلمتك هذه لم يستطع أن ينطق بها في مصر غير رجلين، فكان نصيب أحدهما السب، ~~والآخر الضرب. # ليتك تعلم ذلك، فلا تبالغ في حسن ظنك بحرية الأقلام في مصر؛ فإنها حرية ~~موهومة لا يغتر بها من يعرف حقيقة الحرية، ومن يعتبرها بنتائجها وآثارها لا ~~بزخارفها وتهاويلها. # نعم لا توجد في مصر شكائم في أفواه الناطقين، ولا جوامع في أيدي الكاتبين، ~~ولكن محكمة الرأي العام فيها محكمة وجدانية أكثر منها قانونية، فهي إما أن تبرئ ~~المتهم فتعلو به إلى مدار الأفلاك، أو تدينه فتهوي به إلى مقر الأسماك. # إن كثيرا من عقلاء الرجال في مصر يهابون التصريح بالحقائق التي يعلمون ~~أنها نافعة لأمتهم أكثر مما يهاب الكتاب في سوريا الشكائم والأغلال؛ ذلك لأن ~~الرأي العام هنا متهور في مذاهبه ومراميه، ظالم في أحكامه لم يخط إلى اليوم ~~الخطوة الأولى في احترام الآراء، وإجلال الأفكار وإنزالها المنازل التي ~~تستحقها. # إن منظر العقلاء في مصر منظر محزن مؤثر يبعث الرحمة، ويستمطر العبرة. ~~إنهم يعالجون من العامة فوق ما يعالج طبيب البيمارستان من مرضاه. إنهم يعانون ~~من مجاراة الجاهلين في جهالاتهم، وكتمان الحقائق التي تغلي في صدورهم غليان ~~الماء في المرجل، ما يرنق صفاء العيش، ويشوه وجه الحياة، إنهم في حيرة لا يجدون ms311 ~~إلى الخلاص منها سبيلا، إن نطقوا بكلمة إصلاح في الدين سماهم الجاهلون ~~كفارا، أو في السياسة سموهم خونة، وإن سكتوا أغضبوا الله وأغضبوا الحق، فهم ~~بين هذا وذاك كهارب من سبع مفترس لم يجد أمامه إلا الماء، فالهلاك إن أحجم، ~~والغرق إن أقدم. # ربما تقول: إن الصحافة في مصر تملك زمام الرأي العام، فكيف تعجز عن حبس ~~تيارة وكسر شرته وقيادته إلى رشده وهداه؟ # والجواب على ذلك أن الصحافة المصرية ناقصة نقصا كبيرا، ومشتملة على عيوب ~~ورذائل لو تجردت منها لبلغت الغاية التي تريدها من تعليم الشعب وتهذيبه، وتقويم ~~المعوج من ميوله ومذاهبه. # الكتاب في مصر ثلاثة: جاهل لا يميز بين ما ينفع أمته وما يضرها، وعاقل ~~يهاب مصادرة الرأي العام في مألوفاته ومعهوداته، فيسكت مغلوبا على أمره، ~~ومنافق يعرف الحقيقة ويعبث بها. فمن أي واحد من هؤلاء الثلاثة تستفيد الأمة ~~رشدها وهداها؟! # وأكبر هؤلاء الثلاثة جرما، وأشدهم ضررا، وأسوأهم أثرا، ذلك الكاتب المنافق ~~الذي هو أشبه شيء بالنائحة التي تسدل على وجهها نقابا تتباكى من ورائه ~~لتستبكي اللواتي يردن البكاء من النساء، وما في جفنها - يعلم الله - قطرة من ~~الدمع، ولا في قلبها لاعج من الحزن، ولكن هكذا قدر لها أن يجري رزقها من بين ~~العبرات والزفرات، وإن شئت فقل: إنه كشاعر القهوات يسرد على السامعين قصص ~~الوقائع والحروب بين الأبطال الخياليين حتى يثير عواطفهم، ويهيج أحقادهم، فإذا ~~قسمهم على أنفسهم وضرب بعضهم ببعض خلص من بينهم إلى منزله فرحا مغتبطا برنين ~~الدراهم في كيسه، وقد ترك وراءه أولئك البسطاء أسرى الهموم والأحزان، قتلى ~~الضغائن والأحقاد. # الكاتب العاقل يخدم عواطف الأمة بتنميتها وتهذيبها، وتحويل تيارها إلى الخطة ~~المثلى، أما الكاتب المنافق فإنه يستخدمها لنفسه وإن أفسدها على ~~أصحابها. # ولقد دخلت مرة على بعض الكتاب، فعتبت عليه أنه يكتب غير ما يعتقد، ويقول ~~غير ما يعلم، وقلت: «إن خطتك هذه مضرة بالأمة التي أنت أحد قادتها، وإنك قد ~~سلكت في مذهبك هذا سبيلا ما كنا نعرفه لك قبل اليوم، فقد ms312 عهدناك تصدع بالحق، ~~لا تبالي أغضب الناس أم رضوا، وتجهر به، وإن لم تجد أذنا واعية أو صدرا ~~رحيبا.» فأطرق طويلا ثم رفع رأسه، وأحسب أني رأيت قطرة من الدمع تترقرق في ~~عينيه، وقال: «والله ما سلكت هذا السبيل وأنا أعلم أن فيه رضا الله أو رضا ~~الحق، ولكني امرؤ لا أعرف لنفسي صناعة غير صناعة القلم - قبحها الله وقبح كل ~~ما تأتي به - وكنت أحسبني أستطيع أن أجمع فيها بين شرف النفس، ورغد العيش، فخاب ~~ما أملت، إذ رأيت نفسي كسفينة ماخرة في بحر زاخر من شعب قاصر يطلب مني ما ~~يلذه لا ما يفيده، ويتقاضاني ما يعجبه لا ما ينفعه، فطفقت أرتئي بين أن أرضي ~~الحقيقة فأهلك جوعا، أو أرضي الأمة فأعيش سعيدا، فغلبني حب الحياة على أمري، ~~فلم أر بدا من الدخول على الأمة من ذينك البابين المعروفين: باب الوطنية، ~~وباب الدين، فاصطنعتهما لنفسي بعدما كنت أصطنع نفسي لهما، فرغد عيشي، وحسن ~~حالي، وأصبحت لا يكدر علي صفائي غير الأسف على الحقيقة الضائعة.» # هذه الأمة المصرية أيها الكاتب الفاضل، وهذه صحافتها، وهذا مبلغ الرأي العام ~~فيها، وهذا موقف العقلاء بين يديه، فهل تظن بعد ذلك أن كاتبا يستطيع أن يقول ~~للأمة ما لا تهوى، أو يجرؤ على التصريح بحقيقة يعتقدها بين هذا الشعب الهائج، ~~وتلك الصحافة المتملقة؟ # إن كثيرا من عقلاء مصر ينكرون - كما تنكر أنت - نصب تمثال للمرحوم مصطفى ~~كامل باشا، لا لصفته الشخصية، فإنه ممن يستحقون الإجلال والإعظام؛ بل لأنه ~~مسلم شرقي والأمة التي تريد نصب تمثال له مسلمة شرقية كذلك، فإسلامها يحرم ~~عليها نصب التماثيل، وشرقيتها تنعى عليها هذا الإسفاف في تقليد الغربيين في ~~جميع عاداتهم ومألوفاتهم، في حين يترفعون عن الاعتراف باستحسان شيء من عاداتنا ~~وصفاتنا فضلا عن الأخذ بها أو محاكاتها. # إن نصب الغربيين التماثيل لنوابغ الرجال فلسفة تاريخية أرادوا بها تمثيل ~~التاريخ اليوناني القديم، وإنزال عظمائهم ونوابغهم منزلة الآلهة وأنصاف الآلهة ~~في ذلك التاريخ، أي إنها عادة منحوتة من الديانات الوثنية، ms313 فهل يجمل بنا معشر ~~المسلمين أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # هادم الأصنام وكاسر الأوثان، أن نحفل بعادة هذا ~~منشؤها، وتلك غايتها، وأن نستقبل بصدر رحب نصب التماثيل في بلد هي بقعة ~~الإسلام، وباب البيت الحرام، ومعهد الأزهر الشريف، ومدفن الصحابة والتابعين، ~~والأئمة المطهرين؟! # أيجمل بنا أن نتخذ هذه العادات الوثنية في عصر ندعو فيه إلى الإصلاح ~~الإسلامي، ونحارب العوائد الخرافية الداخلة في الدين لنرجع به إلى عصره الأول، ~~عصر السلف الصالح حيث لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله؟! # على أنه إن كان الغرض من نصب التمثال للرجل العظيم تخليد ذكره واستبقاء صورته ~~مرتسمة في أذهان الأجيال المستقبلة حتى لا تنساه، فإن جميع رجال الإسلام - من ~~علماء الدين إلى علماء الفنون - لا تزال محفوظة بين الجوانح مآثرهم ومفاخرهم، ~~مذكورة على الألسنة أسماؤهم وألقابهم، ولا نعرف لواحد منهم صورة مرسومة أو ~~تمثالا قائما. # إن كان في أعمال الرجل وآثاره ما يضمن له بقاء ذكره في صدور الأجيال، ومستقبل ~~القرون، فلا حاجة به إلى تمثال يخلد ذكره، أو لا، فمن المغالطة التاريخية ~~الاحتيال على بقاء ذكره بنصب تمثاله. # إن المسلمين لم يألفوا قبل اليوم أن يعتبروا نصب التمثال للرجل عنوان ~~عظمته، أو جائزة أدبية يكافأ بها على عمله، أي إنه لا يوجد فيهم من إذا رأى ~~تمثالا قائما يقول: «ليتني أنفع أمتي أو أخدم وطني فينصب لي بعد موتي تمثال ~~كهذا التمثال!» فإذن لا يمكن أن يكون نصب التماثيل في البلاد الإسلامية داعية ~~الجد والاجتهاد في الأعمال، أو باعثا على التشبه بعظماء الرجال. # إن للرجل العظيم بعد موته جلالا في القلوب لا يذهب به إلا نصب تمثاله على ~~قارعة الطريق تحت نظرات الرجال والنساء والأطفال، والأذكياء والأغبياء، ومن ~~يعرف قيمة الرجال، ومن يجهل فائدة التمثال، ومن لا يرى فرقا بينه وبين الصور ~~الخشبية المنصوبة في حوانيت التجار. # وغاية ما يستنتجه السواد الأعظم عند رؤية تمثال لأحد عظماء الرجال معرفة ~~صورته الظاهرية، وأنه طويل أو قصير، ونحيف أو بدين، وهي اعتبارات ms314 لا يعتد بها ~~في رجولة الرجل، ولا علاقة بينها وبين علمه وجهله، وذكائه وغباوته، وجبنه ~~وشجاعته، وإنما تظهر رجولة الرجل واضحة مفهومة حتى للبلداء والأغبياء في ثمرات ~~عقله، ونتائج أعماله، وفي مكرمة يخلدها، أو مدرسة يشيدها، أو كتب يؤلفها، أو ~~عقول يثقفها. # هذه - أيها الأخ الفاضل - آراء كثير من عقلاء المسلمين في مصر يتحدثون بها ~~في مجالسهم، ولا ينشرونها في الصحف مخافة أن تلتصق بهم تهمة الخيانة للوطن، وهي ~~الكلمة التي يتسلح بها الكتاب المنافقون في مصر ليحاربوا بها كل من خالفهم في ~~رأيهم أو نازعهم حرفتهم، كما كان يصنع رجال الإكليروس في العصور الوسطى في ~~استخدام تهمة الكفر للفتك بأعدائهم، والانتقام من خصومهم، والله أعلم بالخيانة ~~أين مكانها، وفي أي قلب مستقرها! # أحسن أثر يقام لفقيد الوطن أن تنشأ باسمه مدرسة تربي فيها الناشئة الحديثة ~~تحت رعاية الحزب الوطني - على ما كان يحب الفقيد أن يكون عليه النشء الحديث في ~~المعارف والأخلاق والآداب الدينية، والمذاهب الوطنية - وينتخب لها معلمون ~~متدينون مخلصون لله والوطن، يستطيعون أن يقدموا للأمة في كل عام رجالا، يكون ~~كل واحد منهم صورة حية من صورة الفقيد، وتمثالا أنفع من تماثيل البرنز ~~والأحجار. # هذا ما أراه، أكتبه إليك، وأملي ضعيف أن يحقق الله رجائي فيه، ولكنها ~~الحقيقة لا بد من الجهر بها، والسلام عليك ورحمة الله. # | مدرسة الغرام # كنت لا أسأل الله تعالى إلا تقدم هذه الأمة وارتقاءها، وبلوغها في المدنية مبلغا ~~يؤهلها لمجاراة الأمم الغربية في عظمتها وسلطانها، فأصبحت أسأله ألا يستجيب دعائي، وألا ~~ينيلها من تلك المدنية فوق ما أنالها. # أصبحت أعتقد أن مفاسد الأخلاق والمدنية الغربية شيئان متلازمان وأخوان متحابان، لا ~~افتراق لأحدهما عن صاحبه إلا إذا افترقت نشوة الخمر عن مرارتها، فكيف أتمناها لأمة هي ~~أعز علي من نفسي التي بين جنبي؟! # قرأت حوادث الانتحار في الغرب، فقلت: «قوم ضعفت قلوبهم عن احتمال حوادث الدهر ~~وأرزائه فلم يستطيعوا الوقوف بين يديها وقفة الشجاع المستقتل، ففروا من وجهه إلى حيث ~~يجدون الراحة الدائمة ms315 في كسور القبور، وما أكثر الجبناء في مواقف الحروب!» # قرأت حوادث المبارزة هناك، فقلت: «قوم عجزت يد المدنية الحاضرة أن تستل من بين ~~جنوبهم ما كانوا يعتقدونه في عهد الهمجية الماضية من أن العرض إناء إذا ألم به القذى ~~لا يغسله إلا الدم المسفوح، وكثيرا ما أوردت العقائد النفوس موارد الحتوف.» # قرأت حوادث عشاق الموتى الذين يتسللون تحت ستار الليل إلى المقابر، فينبشونها عن رفات ~~الفتيات المقبورات، شوقا إلى لثمة من خد يرشح صديده، أو رشفة من ثغر يتناثر دوده، ~~حتى إنه ليروقهم من منظر الساكنات تحت الرجام، فوق ما يروقهم من منظر المقصورات في ~~الخيام، وقرأت أن الحكومة طاردتهم عن أمنيتهم، وحالت بينهم وبين مواطن غرامهم، ومعاهد ~~عشقهم وهيامهم، فأرادوا أن يحتالوا على الإلمام بأولئك الموتى خيالا لما فاتهم الإلمام ~~بهم حقيقة، فأنشئوا لأنفسهم تحت الأرض قاعة كبرى كسوا حيطانها بالأستار السوداء، ~~ووضعوا في وسطها صندوقا من صناديق الموتى تنام فيه فتاة حية تتصنع الموت باصفرار ~~لونها، وإسبال جفونها، وسكون أعضائها، وتعليق أنفاسها! فإذا لج بأحدهم الشوق إلى قضاء ~~حاجة من فتاة ميتة نزل إلى تلك القاعة السوداء وعالج مخيلته على أن يتصورها قبرا ~~مظلما موحشا يضم بين أقطاره فتاة ميتة لا حراك بها، فيلم بها وهو يسمع نغمات ~~الأحزان من قيثارة أعدت وراء القاعة لتجسيم ذلك الخيال. # قرأت هذا، وقرأت أن من الناس ناسا في تلك الديار تجاوزوا ذلك الحد إلى الغرام ببعض ~~أنواع الحيوان، حتى إنهم نصبوا لأنفسهم مواخير خاصة يلمون فيها بالدجاج إلمام غيرهم ~~بالنساء البغايا، فقلت: «لا عجب في ذلك، وهل هو إلا فن من فنون الجنون التي لا يجد ~~المرء إلى حصرها سبيلا؟» # إن كنت أغتفر للمدنية الغربية كل ذنوبها، فإني لا أغتفر لها ذنبها في مدرسة الغرام ~~التي أنشأها قوم من الأمريكيين في وسط مدينة من مدن أمريكا ليعلموا فيها النساء ~~والرجال فنون الحب والمغازلة جهرة من حيث لا يرون في ذلك بأسا، ولا يجدون فيه ~~متلوما، وقد وضعوا لها هذا البرنامج الآتي: ms316 # يوم الأحد: # دروس استعدادية. # يوم الإثنين: # الغزل. # يوم الثلاثاء: # المطارحة. # يوم الأربعاء: # صناعة التقبيل والتجميش. # يوم الخميس: # فلسفة الدلال والتصبي. # يوم الجمعة: # انتقاء مواعيد اللقاء. # يوم السبت: # الامتحان. # هذه هي المدرسة الغرامية، وهذا نظامها، فهل سمعت في حياتك أن أمة من الأمم المتوحشة ~~التي يسمونها بالأمم البهيمية - إشارة إلى ما بينها وبين البهائم من الشبه في حب ~~الشهوات، والاستهتار فيها - بلغت في تهتكها وفساد أخلاقها مبلغ تلك الأمة التي يقولون ~~عنها: إنها زهرة المدنية الحديثة وتاجها المرصع؟ # لماذا نسمي قبائل الزنوج قبائل متوحشة، ونحن نعلم فيما نعلم من أخلاقهم أنهم لا ~~يتركون عزابهم ينامون وسط البيوت مخافة أن يكون لهم سبيل إلى مخالطة النساء، فيأخذونهم ~~جميعا إلى مكان خاص بهم خارج القرية، يبيتون فيه فوق هضبة مرتفعة، ينثرون حولها ~~ترابا معبدا، حتى إذا أراد أحدهم أن يختلس من ظلام الليل غرة نم أثره عليه؟ ~~كما نعلم أنهم يخيطون فروج العذارى من نسائهم حتى لا يحدث أحد من الرجال نفسه بقرع ذلك ~~الباب إلا مالكه وصاحب الحق فيه! ولماذا نسمي الأمة الأمريكية أمة متمدينة، وها هي ذي ~~تفتح المواخير باسم المدارس حتى لا تكون في نفس أحد من الناس غضاضة في دخولها، والأخذ ~~بنصيبه من لذائذها وشهواتها؟ # إن كان توحش الأولين لإغراقهم في صون الأعراض، فالآخرون أكثر منهم توحشا لإغراقهم في ~~هتكها وابتذالها، ولإغراق في الخير خير من الإغراق في الشر. # فيا أيها الزنجي المسكين، لقد ظلمك من سماك متوحشا، ويا أيها الأمريكي المتوحش، لقد ~~كذبك من سماك متمدينا. # أيها الزنجي الأسود، إن كنت أسود اللون، فالفضيلة أشرف عنصرا من أن تتنزل لاعتبار ~~السواد ذنبا تنفر منه وتأبى أن تأوي إليه، وإن كنت جاهلا، فهل استفاد صاحبك من علمه ~~إلا إمتاع نفسه بشهواتها ولذائذها، والتفنن في فجور الحياة وفسوقها تفننا لا أحسبك تحن ~~إليه، أو تتقطع نفسك حسرات عليه، وإن كنت عاريا، فربما لبست من الفضيلة ثوبا يحسدك ~~عليه لو يعقل ذاك الذي يفخر عليك بخزه وديباجه، ودمقسه وحريره: # ولو بتما ms317 عند قدريكما # لبت وأعلاكما الأسفل # | أمس واليوم # مثلنا، ومثل آبائنا الأولين من قبل طلوع شمس هذا التمدين الحديث ومن بعده، كمثل رجل ~~ضل به طريقه في ليلة ليلاء غدافية الإهاب، حالكة الجلباب، قد تجسد ظلامها حتى كاد ~~يلمس بالراح، فانقلب جوهرا بعد إذ هو عرض، فأصبح كأنما هو فحم سائل، أو مداد ~~جامد، فأنشأ هذا الضال المسكين يخبط في ذلك الديجور ترفعه النجاد وتخفضه الوهاد، لا يرى ~~علما فيهتدي به، ولا يتنور نجما فيعتمد في سراه عليه. # وإنه لكذلك، وقد استوت في نظره الجهات الست، فسماؤه أرض، وأرضه سماء، ووراءه أمام ~~وأمامه وراء، وإذا بقرن الشمس قد نجم في جبهة الأفق، وأفرغ في ناظره المملوء بالظلمة ~~قطرات ملتهبة من ذائب أشعته المتلألئة، فعشى بعد أن كان بصيرا، فما أغنى عنه ذلك ~~الضياء شيئا، وما زال في ضلاله القديم إلى أن زال ضلال الظلام، وهذا ضلال الضياء، وهو ~~شر الضلالين، وأقتل الداءين، فإن ضلال الظلام يتخلله بريق الأمل في الضياء، فأما وقد ~~أصبح الدواء داء فلا أمل في الشفاء: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # ذلك مثلنا ومثل آبائنا من قبلنا بين يدي هذه المدنية الجديدة التي همى سيلها على هذا ~~العالم الإنساني، فرأى الغرب تربة طيبة صالحة فسقاها، فاهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج ~~بهيج، ورأى الشرق تربة صامتة متحجرة قد نجم فيها كثير من الأعشاب الضعيفة والجذور ~~الفاسدة، فأما ما تحجر منها فلم تغن عنه السقيا شيئا، وأما ما اخضر وترعرع فقد نما ~~فاسدا كأصله، وكان خيرا له لو ذهب ذلك الفيضان به وبجذوره. # أي إن المدنية الحديثة تمشت في صدر الغرب بقدم متثاقلة، فما خفق لها قلبه ولا ~~اضطرب، ثم وضعت يدها في أيدي الغربيين، فصعدت بهم إلى سمائها خطوة خطوة - كما يعود ~~الطفل الصغير على المشي - وما أعجلتهم عن أمرهم كما أعجلتنا، فبلغوا ما أرادوا وهوينا ~~إلى أعمق مما كنا، كالحجر الثقيل يرمى به في الجو، فإذا ارتد ارتد إلى حفرة يدفن نفسه ~~فيها. ms318 # أي إن الغربيين أحسوا فنهضوا، فجدوا، فأثروا، فتمتعوا بثمرات أعمالهم، ونحن أغفلنا ~~جميع هذه المقدمات، ووثبنا إلى الغاية وثبا فسقطنا. # فمهما كان نصيب آبائنا من الجهل، وانفراج المسافة بينهم وبين هذه المدنية الحاضرة، ~~فقد كانوا على علاتهم أسعد منا حالا وأروح بالا، وأهنأ عيشا وأسد خطوات في سبل ~~الحياة، وكانت المعيشة فيهم اجتماعية أكثر منها أفرادية، فكانت الأسرة الواحدة أشبه ~~شيء بالمملكة الدستورية المنظمة، يدبرها عقل واحد في جسوم كثيرة متفقة في الرأي، ~~والدين والمذهب، والأخلاق والعادات، تجتمع حول المائدة كما تجتمع في نادي المسامرة، ~~وتتلاقى في قاعة الصلاة كما تتلاقى في ساحة المتنزه، يحبون الله ولا يختلفون إلا في ~~الطريق إلى رضاه، ويحبون الوطن ولا يختلفون إلا في الطريق إلى خدمته، ويحترمون عاداتهم ~~وأخلاقهم، ولغاتهم المكونة لهيئتهم الاجتماعية، ويفرون من العادات والمشارب الغربية ~~عنهم فرارهم من الأسد، مخافة أن يرق هذا الحاجز القائم بينهم وبين الأمم الأخرى فتنحل ~~جامعتهم، فتهدأ حميتهم، فتموت نفوسهم، فإذا هم ميتون، ثم لا يبعثون. # وكان بين الصغار في الأسرة والكبار فيها معاهدة رحمة واحترام، يحترم الصغير الكبير، ~~فيكبر عمله وإرادته ومذهبه، فإذا أنزل نفسه منه هذه المنزلة أصبح بحكم الطبيعة مرآة له ~~تنطبع فيها تلك الأعمال والإرادات والمشارب، حتى إذا أصبح الصغير كبيرا وجد من صغيره ~~ما وجد منه كبيره، فلا تزال سلسلة التوارث في العائلة متصلة اتصالا تعيا به الحوادث، ~~وتكبو دونه عاديات الليالي. # ويرحم الكبير الصغير، فلا يألوه نصحا في حاضره ومستقبله، ولا يفتأ يطلب عنده ما عند ~~نفسه حتى يتم بينهما التناسخ، فإذا هو هو، حتى إذا قضى الله فيه قضاءه لا تفقد الأسرة ~~بفقده شيئا. # فمن لنا اليوم بتلك السعادة التي أثكلتنا إياها المدنية الغربية يوم أظلتنا بعلومها ~~ومعارفها، ومخترعاتها الخالبة، وزخارفها اللامعة الباطلة، فانقلبت المعيشة البيتية ~~الاجتماعية أفرادية محضة، فالأخوان متناكران، والزوجان متنافران، والولد شقي بأبيه، ~~والأب شقي بولده، وكأن ساحة المنزل ساحة الحرب، لا ترى فيها غير وجوه مقطبة، ونفوس ~~منقبضة، وأشلاء فوق أشلاء، ودماء إثر دماء، وشقاء ms319 ليس يعدله شقاء! # ومن كان في شك من هذه الحقائق، فإني أكله إلى جداول القضايا في المحاكم، فإن لم ير ~~أن أكثر المخاصمات فيها - خصوصا المدنية منها - واقعة بين الأقارب وذوي الرحم، فله ~~حكمه ما شاء. # وإن أبيت إلا أن تتمثل لك الحقيقة بأكمل وجوهها، فاسمع قصة رجل مصري كان ذا ثروة ~~متوسطة، عاشرت آباءه أجيالا متعددة، فما كانت تضيق بهم، وما كانوا يضيقون بها، وكان له ~~ثلاثة أولاد و«امرأة جديدة» متعلمة تعرف كل شيء إلا واجباتها وواجبات منزلها وزوجها ~~وأولادها، وليتها جهلت كل شيء غير هذا، فتكون قد علمت كل شيء! وتحب مطالعة الروايات ~~الغرامية حبا ملك عليها مشاعرها وخوالجها، فربما عرض لها المهم من الأمر، فلا تخف له ~~قبل فراغها من الفصل الذي تطالعه، وتحب التمثيل، فتقضي ليلها في مشاهدته، ونهارها في ~~سرد وقائعه ومشاهده على أخدانها وأترابها، وربما كانت تهمس في آذانهن أن ليتها ترى ~~«روميو» فتكون له «جولييت»، وتبغض الحجاب بغض الحرائر للسفور، فيومها نصفان نصف للخروج، ~~ونصف للتهيؤ له، فهي خارج المنزل من مطلع الشمس إلى مغربها. بنى بها زوجها بعد وفاة ~~زوجته الأولى، فلم يغتبط بها غير عام واحد، ثم ضرب الدهر ضرباته، فإذا بينهما عيشة لا ~~أظن أن الجحيم أشد نكالا منها. # أما أولاده، فأدخلهم مدارس مختلفة تعلموا فيها لغات مختلفة: الإنجليزية، والفرنسية، ~~والألمانية، ثم تخرجوا هذا إنجليزي بفظاظته وخشونته، وهذا فرنسي بخلاعته واستهتاره، ~~وذاك ألماني بخيلائه وكبريائه، وجمعيهم متفرنجون مشربا ومذهبا، ومطعما وملبسا ~~ومسكنا، وما فيهم من تفرنج همة وعملا. # خرجوا من المداس بلا دين ولا وطن، أما الدين، فلأن أكبر مدارسنا - حتى الأهلية منها - ~~مادية محضة، لا تعلق للدين بشأن من شئونها، والدين خلق، شأنه كبقية الأخلاق لا يرسخ في ~~النفس إلا بتكرر الصور الدينية، وتداولها عهدا طويلا، فإن بعد عهدها به أغفلته ~~وأنكرته. وكذلك كان شأن هؤلاء الأولاد المساكين، فقست قلوبهم، وجمدت نفوسهم، وفقدوا ~~بفقد دينهم أطيب عزاء يستروحه الإنسان في هذه الحياة المملوءة بالمصائب، الحافلة ~~بالكوارث والهموم. # والإنسان مهما ms320 طال حوله، وكثر طوله، واتسعت مذاهب قوته، فليس ببالغ من هذا الدهر ~~المعاند ما يريد، لولا زهرة الأمل التي يتعهدها الدين بالسقيا في قلب المؤمن، فيستروح ~~منها ما يروح عن قلبه، ويسري عن نفسه، ويقينه أن هناك حولا أكبر من حوله، وطولا أعظم ~~من طوله، وإلها قادرا يقرب إليه ما يريد مما ضاق به ذرعه، وقصرت عنه قوته. # وأما الوطن، فلأن المدارس عندنا تديرها من وراء ستار أيد أجنبية تربي التلاميذ لها ~~لا لأوطانهم. # فكنت ترى منزل الرجل كأنما هو مجمع من مجامع السفراء، عثماني متمسك بعثمانيته، ~~وإنجليزي يهتف ليله ونهاره بأن دولة الإنجليز سيدة البحار، وأن الشمس لا تغيب عن ~~أملاكها، وفرنسي يعبد فرنسا، ويسبح بحمدها، ويصفها بأنها أمة العدل والرحمة، وأن ~~أسعد المستعمرات مستعمراتها، وألماني يستظهر خطب الإمبراطور غليوم، وينجم أن ~~المستقبل لألمانيا يوم يمحى اسم إنجلترا وفرنسا من مصورات الجغرافيا. وكثيرا ما يقع ~~بين المتفرنس والمتألمن النزاع الطويل في شأن الألزاس واللورين، وبين المتألمن ~~والمتجلنز الشقاق العظيم في واقعة واترلو، وأي القائدين كان له الغلب والفضل في كسر ~~نابليون، بلوخر أو والنغتون! ولا يتفقون إلا في الساعة التي يذكرون فيها أمتهم، فإنهم ~~يمثلونها لأنفسهم وللناس أقبح تمثيل، ويلبسونها ورجالها - قديما وحديثا - أثواب ~~المراقع المضحكة غير مستحيين من أنفسهم ولا من الناس، ولا مبالين بالأدمع المنهلة من ~~عيني والدهم الجالس ناحية يندبهم، ويندب نفسه معهم. فبئس الاختلاف حين يختلفون، ولا ~~حبذا الاتفاق يوم يتفقون! # وهكذا انحلت الجامعة في هذا المنزل، وتفرق أفراد تلك العائلة أيما تفرق، وانقسموا على ~~أنفسهم كل الانقسام. فلا يصطحبون في متنزه، ولا يجتمعون لصلاة، ولا يتصادفون في سمر، ~~ولا يتفقون في شأن من شئونهم البيتية، حتى أصبح لكل منهم من المأكل والمشرب والملبس، ~~وجميع مرافق الحياة، ما يطالبه به خلقه المباين خلق أخيه أو أبيه. # فأنى لهم التعاضد الذي كان لآبائهم من قبل في خوض غمرات الحياة؟! وأنى لوطنهم أن ~~يسعد بهم بعد عجزهم عن إسعاد أنفسهم، والمنزل قوام الأمة ، تسعد بسعادته، وتشقى ~~بشقائه؟! ms321 # وأي شأن لهذه المعلومات المتكثرة التي حشروها إلى أذهانهم، وهل أفادوا بها إلا هذرا ~~في المنطق، وثرثرة في اللسان، وشغلا للأذهان لا يغني عن سعادة الحياة وهنائها ~~فتيلا؟ # ولو عقلوا لعلموا أن المخترعات الحديثة والمكتشفات الجديدة، والعلوم العصرية إنما ~~هي خدم وحاشية بين يدي السعادة، والسعادة هي اللذة الباطنية التي يحس بها الإنسان عند ~~أداء الواجب عليه لنفسه وعشيرته ووطنه ودينه، فما لم تكن مقدمة لهذه النتيجة كان ~~وجودها أشبه شيء بالعدم. # ولو عقلوا لعلموا أن الغربيين إنما يحفلون بجميع العلوم العصرية حتى علوم الأخلاق ~~والآداب والدين باعتبار أنها وسائل مادية يتوصل بها إلى تحصيل مرافق الحياة المحصلة ~~لرفاهية العيش وسعادة الحال، ولا اعتبار عندهم لذواتها وأعيانها. فهم يعلمون للعمل، ~~ويخترعون للمتاجرة، ويكتشفون للربح، ومن ظن غير ذلك فقد ضل ضلالا مبينا. # ولو عقلوا لعلموا أن ذلك العلم القليل الذي كان يعلمه آباؤنا - ونسميه نحن جهلا ~~وهمجية - هو خير من علمنا الكثير المستفيض الذي نساجلهم به، وننعى عليهم تاريخهم من ~~أجله؛ لأنهم كانوا بقليلهم هذا يعملون ما نعجز عنه بكثيرنا. # أجل إنهم كانوا يجهلون عدد أقسام الأرض، وأن مصر في أفريقيا، وسوريا في آسيا. ~~ولكنهم كانوا يعلمون أن وطنهم حيثما حل من أقسام الأرض محبوب لديهم، وأن أبناء ~~وطنهم إخوة لهم يسعدون معا ويشقون معا، وأن سعادتهم في استقلالهم، وشقاءهم في ~~امتداد اليد الأجنبية إليهم. وكانوا يجهلون الفرق بين المملكة والإمبراطورية ~~والجمهورية، ولكنهم كانوا يعلمون أن صاحب الأمر فيهم - كيفما كان لقبه - يجب طاعته ~~والالتفاف حوله؛ للذود عنه وعن سلطته التي هي سلطتهم وقوتهم. وكانوا يعتقدون كثيرا من ~~الخرافات والأوهام، وأن هناك أرواحا خيرية وشرية تنفع وتضر. وكانوا يتمسحون ~~بالمعابد والمشاهد، ويذعنون لرؤساء الأديان تحنثا وتعبدا، ورأيي أن دينا خرافيا ~~وهميا خير من لا دين؛ لأن لهذه المعبودات الوهمية في نفوس المتعبدين سلطانا قاهرا ~~على نفوسهم يقاوم أهواء الشر فيها، ويطهرها من كثير من الرذائل التي تعيا بها القوانين ~~الشرعية والوضعية؛ كالخيانة والكذب، والحقد والحسد، وسفك الدماء، واغتيال الأموال، وغير ms322 ~~ذلك من الشرور الإنسانية التي لا تنزجر النفس عنها ما لم يكن منها لها زاجر، والتي فشت ~~اليوم بين أكثر المتعلمين الذين أخذوا العلم مجردا عن التربية الصحيحة، كأكثر ~~المتعلمين في مصر. # ولقد كان آباؤنا على علاتهم يعتمدون في أكثر عقودهم - من بيع وشراء، وهبة وقرض ~~ورهن - على صدق ألسنتهم ووفاء قلوبهم، فكان الرجل يأمن أن يقرض صاحبه الآلاف المؤلفة ~~من الذهب بلا كتابة صك ولا شهادة شاهد، فأصبحنا نكتب الصكوك ونستشهد الشهود على الدانق ~~والسحتوت، والويل ثم الويل لصاحب الحق إذا ضاع صكه، أو أنكر شهوده، وكثيرا ما ~~يفعلون! # وجملة الحال أنهم كانوا يجهلون أكثر ما نعلم، ولكن لم يجن عليهم جهلهم أكثر مما جنى ~~علينا علمنا! وكانوا محرومين أكثر ما ننعم به اليوم من مساكن زاخرة، ومراكب فاخرة، ~~وملابس زاهية، ومناظر زاهرة، وفرش وثيرة، وآنية صقيلة، وأدوات للمأكل والمشرب ثمينة، ~~ولكنهم لم يكونوا محرومين في أنفسهم وفي خطرات عقولهم شيئا من هذا كله؛ لأنهم ألفوا ~~معيشتهم البسيطة كما ألفنا نحن هذه المعيشة المركبة، فنحن وهم سواء في الرضا بحالتينا، ~~إلا أن معيشتنا يكدرها الفقر والإفلاس الآجل أو العاجل، ومعيشتهم لم يكن يكدرها من ذلك ~~شيء. # وها هي ذي دفاتر المصارف وبيوت الأموال مكتظة بديون الفلاحين التي كانوا في غنى عنها ~~لولا المدنية الحاضرة التي قلبت الكماليات في نظرهم إلى حاجات، فبنوا القصور، وشادوا ~~الدور، وما شادوا - لو يعلمون - إلا قبورا دفنوا فيها راحتهم وهناءهم ومستقبلهم، ~~ومستقبل ذريتهم من بعده؛ فإن هؤلاء الأولاد المساكين بعد أن خرجوا من المدارس بلا دين ~~ولا وطن، أرادوا ألا يبقوا في قوس الحرية منزعا، فأطلقوا لأنفسهم العنان في سبيل ~~الشهوات واللذائذ، فكانوا يسهرون الليل بين رنين الكاسات، وغزل الغانيات، ثم ينامون ~~النهار بين التمطي والثؤباء حتى نبت بهم وظائفهم التي هي كل ما حصلوا عليه من علومهم ~~ومعارفهم فأبعدتهم عنها، فأصبحوا كلا على أبيهم وعلى الناس، لم ينفعهم عملهم، ولم ~~تغن عنهم شهاداتهم بعد أن نفخت الكبرياء في صدورهم فأبوا أن يتنزلوا للاحتراف ms323 بما يقوم ~~معاشهم، كما يفعل أولئك القوم الذين أنضوا ركائب حياتهم في طريق تقليدهم، وباعوا في سوق ~~التشبه بهم كل ما تملك أيمانهم وقلوبهم، وبعد أن ملكت الشهوات قيادهم، فما وجدوا في ~~أنفسهم متسعا لسواها، فأغروا بثروة أبيهم يأخذون منها بالحق تارة وبالباطل تارات، وقد ~~كانوا قلصوا ظلالها أولا بنفقات دراستهم، وثانيا بابتياع ما حسن لفظه وقبح معناه من ~~السلع الإفرنجية التي تفني خزائن روكفلر وروتشيلد قبل الوصول إلى إشباع بطون تجارها، ~~فنضب معينها، ولم يبق منها حتى الذماء، فتبدل ذلك النعيم شقاء، وتلك السعادة ~~والرفاهية فقرا وعدما. # أما الوالد فقضى شهيد العلوم والمعارف، والمخترعات والمستحدثات، وأما الأولاد فاغتالت ~~أحدهم يد الزهري، وكانت لأمثاله من المغتالين، واحتوى الآخر فراش السل حيث لا زائر ~~ولا طبيب، وافترش الثالث تراب السجن على أثر جناية دفعه إليها العوز والحاجة، وفرت ~~المرأة الجديدة إلى معرض الأعراض حيث يبتاعها الشقاء بثمن بخس، وهو فيها من ~~الزاهدين. # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # هذه قصة منزل من منازلنا، وكل المنازل بيننا ذلك المنزل إلا ما رحم الله، فلو أن ~~باكيا بكى على ما آلت إليه حالة هذه الأسرة الشقية، فهو إنما يبكي أسرا متعددة، وأمة ~~كاملة. # لقد لامني عند القبور على البكا # رفيقي لتذراف الدموع السوافك # فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى # دعوني فهذا كله قبر مالك # وجملة القول: إن للحاضر سيئات فوق الماضي، فلا خير في العصرين، ولكن ويلا أخف من ~~ويلين، والأمم لا تسعد بمعرفة الخير والشر، فالخير والشر معروفان حتى لأمة النمل، وإنما ~~سعادتها في معرفة خير الخيرين وشر الشرين، ولئن دام هذا الحال واطرد المقياس، فالغد ~~شر من اليوم، كما كان اليوم شرا من الأمس. # | المرقص # إن كان حقا ما يقولون من أن الكاتب لا يجمل به أن يصف مشهدا من المشاهد، أو يحدث ~~عن موقف من المواقف إلا إذا رآه بنفسه واضطلع به وأحاط علما بحقيقته، فقد أسقط في ~~يدي، وارتقيت في هذه النظرة مرتقى ms324 صعبا، واستحال علي أن أكتب في هذا الموقف الذي ~~أحاول الكتابة فيه سطرا واحدا؛ لأني لا أعرف من تقويم «الأزبكية» أكثر من أنها بقعة ~~واقعة بين بساط الغبراء وقبة السماء. # ولولا أن الله أعانني بصديق من أصدقائي زار المرقص مرة واحدة في حياته ووصف لي ~~المشهد الآتي من مشاهده لنفضت يدي منه نفض المودع يده من تراب الميت، فرارا من تهكم ~~المتهكمين، وسخرية الساخرين! # حدث ذلك الصديق قال: «ذهبت ذات ليلة إلى مرقص من مراقص الأزبكية، فرأيت على بابه ~~جنديا يتمشى في عرصته مشية هادئة مطمئنة، فذعرت لمرآه، وتراجعت قليلا قليلا، وكدت ~~أعتقد أنني أخطأت الطريق إلى المرقص، وأنني بين يدي دار من دور الحكومة يحرسها حاجبها، ~~لولا أنني لم أر في وجوه الداخلين ذلك الخوف والاضطراب، والذل والانكسار الذي اعتدت أن ~~أراه في وجوه الشاكين والمتظلمين. # وقفت ساعة أتردد بين الإقدام والإحجام حتى لمس كتفي لامس، فالتفت ورائي، فإذا ~~صديق من أصدقائي يسألني: «ما وقوفك هاهنا؟» فقلت له ما قاله أبو العيناء لصاحبه حينما ~~سأله عن سبب بكوره: «أراك تشاركني في الفعل وتفردني بالعجب!» قال: «أنا أفتش عن ابن ~~عمي.» قلت: «وأنا أفتش عنك.» فابتسم ابتسامة المتهكم، وقال: «هيا بنا ندخل قبل أن تمتد ~~سلسلة التفتيش إلى حيث لا تنتهي حلقاتها!» وأمسك بيدي حتى جاز بي باب المرقص، فسألته: ~~«ما هذا الجندي الواقف أمام الباب؟» قال: «كيف ذهب عليك أن حكومتنا قد أصبحت اليوم ~~حكومة مدنية مادية، لا أدبية ولا دينية، فتساوت في نظرها «المصالح» والمراقص، واختلط ~~عليها الأمر بين مواقف القضاء، ومعاهد البغاء، فأصبح الجندي يحمي أبواب العاهرات، كما ~~يحمي أبواب النظارات، ويقف أمام البارات موقفه أمام الإدارات. # وإن العين لا تكاد تملك مدامعها سحا وتذرافا كلما أبصرت هذا الجندي الشريف ~~واقفا هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف لا قراع السيوف، ويرى حمرة الصهباء لا حمرة ~~الدماء، ويحمي الفسق والفجور لا القلاع والثغور، وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي ~~تضن بجنديها أن يشتمه شاتم أو يلمسه لامس، ms325 فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة ~~والحمية، والعزة والنخوة، ثم لا تضن به أن تؤجره نائحة في الجنائز، أو قوادا في ~~المراقص، وهو هو بعينه الذي يمثلها في وقفاته، وينوب عنها في غدواته وروحاته!» وهذا ما ~~كان يحدثني به ذلك الصديق، وهو سائر بي إلي قاعة المرقص حتى وصلت إليها فماذا ~~رأيت؟ # إن كنت لم تسمع في حياتك أن فدانا واحدا من الأرض يبتلع في جوفه ستة ملايين من ~~الأفدنة فاعلم أنه المرقص الذي يأكل وحده جميع ما تنبته تربة مصر من الخيرات والبركات، ~~فكأنه العين التي تسع الفضاء بأرضه وسمائه، أو القلب الذي يحمل في سويدائه علم ما كان ~~وما يكون. # رأيت الدنانير ذائبة في الكئوس، والعقول جامدة في الرءوس، والحبائل منصوبة لاستلاب ~~الجيوب، والسهام مسددة لاصطياد القلوب، ورأيت من كنت أحسبه أوفر الناس عقلا وأذكاهم ~~قلبا ومن كنت أراه فأغضي بين يديه إجلالا وإكبارا واقعا في حبالة بغي تقيمه ~~وتقعده، وتطويه وتنشره، وتعبت به عبث الطفلة بلعبتها، وهو في غير هذا المكان قيصر الروم ~~عزة وفخارا، وكسرى فارس أنفة واستكبارا! # رأيت من يزعم أن الله قد وهبه عقلا تخترق أشعته حجب الغيب، وعلما تتساوى أمامه ~~المادة وما وراءها، ومن لا يزال يتمثل صبحه ومساءه بقول الشاعر: # وعلمت حتى ما أسائل واحدا # عن حرف واحدة لكي أزدادها # يجهل بديهية من البديهيات التي يشترك في فهمها الأذكياء والأغبياء، والعلماء ~~والجهلاء. # رأيته يجلس في المرقص، فتمر به البغي، فما هي إلا لمحة طرف، أو غمزة كف، حتى تحدثه ~~نفسه أنه قد وقع من نفسها، وملأ فراغ قلبها، فيدعوها إليه فتجلس بجانبه، فما هي إلا ~~ابتسامة خالبة، وكلمة كاذبة، حتى يقسم بكل محرجة من الأيمان، أن نفسه صادقة فيما ~~حدثته، وأن الفتاة علقت بحبه علوقا لا نجاة لها من بعده إلى يوم يبعثون. # هنالك يبذل لها ما تشاء من نفسه وشرفه وماله، ويرى أن ذلك قليل في جانب ما تبذل له ~~من دقائق تقضيها بين يديه، وابتسامات تجود بها عليه. # لقد ms326 كذبتك نفسك أيها الرجل، فها هي ذي المرآة بجانبك، فهل ترى فيها منظرا رائعا أو ~~جمالا ساطعا يأسر أقسى النساء قلبا وأعصاهن عنانا؟ # إن الفتاة التي أسمعتك كلمة الحب قد أسمعتها قبلك - وستسمعها بعدك - كل صاحب جيب ~~مثل جيبك، وعقل مثل عقلك. # إن كنت في شك مما أقول، فأمسك عن فتح الزجاجات لحظة قصيرة، ثم انظر بعد ذلك أين ~~مكانك من نفسها، وموقعك من قلبها؟ فإن لم تمطر عليك سحائب اللعنات، وتجعلك غرضا لسهام ~~التهكمات، فأنت أصدق الصادقين، وأنا أكذب الكاذبين! # رأيت هنالك كل حاسة من الحواس قد لبست منظارا يكبر المنظورات، ويضاعف المسموعات، ~~تغني المغنية بصوت مضطرب النغمات، بارد الترجيعات، ثقيل الحركات والسكنات، فتمتلئ أرجاء ~~القاعة بالآهات، وتدوي فيها الصيحات المزعجات، وتطل العجوز الدردبيس على الناس بوجه ~~مغضن، وجفن مقرح، وسن بارز، وخد غائر، فتطير حولها القلوب، وتتحلب لها الأفواه، ~~وتترامى تحت أقدامها الوجوه! فقلت في نفسي: «أهذا هو المرقص الذي تخرب فيه البيوت ~~العامرة، وتذبل فيه الرياض الزاهرة؟! أهذا هو الذي تتدفق فيه الأموال الغزار تدفق ~~الأنهار في البحار، وتقبر فيه نفوس الكرام، قبل أن تقبر تحت الرغام؟! والله لا يبلغ ~~العدو منا بخيله ورجله، وأساطيله وقنابله، ولا تبلغ السماء منا بصواعقها ورجومها، ~~ولا الأرض بزلازلها وبراكينها، ما يبلغ منا المرقص ببغاياه!» # قال المحدث: «والحق أقول إني دخلت المرقص وأنا أحسب أني أنفس عن نفسي كربة، فرأيت ما ~~زاد نفسي هما، وملأ قلبي غيظا، فقلت لصاحبي: «هل لك في القيام؟» فقام وقمت، وأنا ~~أقول: والله ما أدري ما ترك هذا المكان للبيمارستان!» # | البعث # هي قصة خيالية الغرض منها تمثيل أبي العلاء المعري في أخلاقه وآرائه، لم يكتب منها ~~غير هذه الأيام الثلاثة، وقد نشر في الذيل من كلام أبي العلاء عند المناسبات ما يميز ~~بين الحقائق التاريخية والتصورات الخيالية. # اليوم الأول # نبا بي مضجعي ليلة لهم نزل بي، والهم رسول من رسل الشر ينزل بأهداب العيون، ~~فلا يزال يسعى حتى يوقظ الفتنة بين أشياعها ، فظللت أساهر الكوكب حتى ms327 ملني ومللته، ~~وضاق كل منا بصاحبه ذرعا، فلما تقضى الليل إلا أقله، ولم يبق إلا أن تنفرج لمة ~~الظلام عن جبين الصباح، سمعت طارقا يدق الباب دقا ضعيفا ما كدت أتبينه لولا هدوء ~~الليل وسكونه، فقلت: «من الطارق؟» قال: «غريب حائر ضل به سبيله في هذه الرقعة ~~السوداء، وأعوزه المأوى يطلب كريما يعتمد عليه، ومضجعا يأوي إليه، وقد أعد لمن ~~يسدي إليه تلك النعمة ذخيرة صالحة من شكر لا يبلى ودعاء لا يخيب.» فأعجبت بعابر ~~سبيل يمر بعفو لسانه من فصيح القول وصحيحه ما يعيا على جهد المتكلفين، وتزويق ~~المزورين، وقلت في نفسي: «ما لهذا الرجل بد من شأن!» وفتحت الباب، فإذا شيخ ~~كنتي من حملة أعباء الدهر، قصير القامة، ناحل الجسم، زري الهيئة، قد نيف على ~~الثمانين من عمره، فخيل إلي أن ظهره المحدودب قوس، وأن عصاه التي يعتمد عليها ~~وتر قد شد إلى تلك القوس، وأنه قد أعد من هذه وتلك سلاحا يذود به عن نفسه عادية ~~المنون، فلما شعر بمكاني رفع رأسه إلى ورماني بنظرة خلت أنها نفذت إلى موضع الأسرار ~~من قلبي، وأحاطت بما بين قمة رأسي وأخمص قدمي. فرأيت وجها أسمر اللون قد انتثرت في ~~أكنافه حفائر الجدري، وأسارير تنطوي تارة على عبر القرون وحوادث الدهور، وتنفرج ~~أخرى عن أنوار الصلاح والتقوى، ولحية بيضاء إلا أنها شعثاء، وعينين كبيرتين ~~مستديرتين ينبعث منهما نور ساطع خفاق لا يراه الرائي حتى يطرق له إجلالا ~~وإعظاما، وسحنة غريبة لا عهد لي بمثلها في حمراء الأمم وسودائها. وأحسب أن لو كان ~~بين يدي مثال من صور الناس في القرون الغابرة لنسبتها فمشيت إليه مشية الهائب ~~الوجل، وقلت: «على الرحب والسعة يا سيدي، لقد حللت بمنزل أنت صاحبه، وولي الأمر ~~فيه.» ثم قدمت إليه يدي، فمشى معي يتوكأ ويتحامل ويهمس بهذه الكلمة: # ما أوسع الموت يستريح به الجس # م المعنى ويخفت اللجب # حتى وصلنا إلى غرفة الأضياف، فأعاد النظر إلي، وقال: «اذهب لشأنك فأنا في حاجة ~~إلى الانفراد بنفسي.» فتركته ms328 وذهبت إلى غرفة منامي، وقد أخذ منظر الرجل مكانا من ~~قلبي، وشغلني من أمره ما كاد ينسيني هموم نفسي، فلم أزل أقلب النظر في حاله وأذهب ~~المذاهب في استبطان سره حتى أخذ عيني نوم ثقيل لم أستيقظ منه إلا في صفرة ~~الأصيل. # سألت الخادم عن الضيف، فعلمت أنه أخذ حظه من المطعم والمشرب، والمضجع والمستحم، ~~وأنه لا يزال في مصلاه، فهبطت إليه في خلوته أهيب ما أكون له. فرأيته جالسا إلى ~~قبلته يقلب وجهه في السماء، ويكرر هذا الدعاء: «اللهم لا راد لقضائك، ولا سخط على ~~بلائك، أمرت فأطعنا، وابتليت فرضينا، فأمطرنا غيث إحسانك، وأذقنا برد رحمتك، ~~وألهمنا جميل صبرك، وثبت قلوبنا على طاعتك، فلا عون إلا بك، ولا ملجأ إلا إليك، إنك ~~أرحم الراحمين، وأعدل الحاكمين.» # ثم أطرق بعد ذلك إطراقا طويلا خلت أنه وصل فيه إلى مقام التجريد، وأن الذي ~~أراه بين يدي جسد هامد قد أسري بروحه إلى الملأ الأعلى، فجعلت أختلس الخطى إليه ~~حتى صاقبته، فرفع رأسه إلي ذاهلا، وقال: «أنت هنا؟» قلت: «نعم.» قال: «في أي سنة ~~نحن من تاريخ الهجرة؟» فعجبت لسؤاله، وقلت: «في السنة التاسعة والعشرين بعد ~~الثلاثمائة والألف.» قال: «ما اسم هذا المصر الذي تعمرونه؟» قلت: «القاهرة المعزية» ~~قال: أفي هذه الأمة كثير مثلك؟» قلت: «لم أفهم ما تريد يا سيدي!» قال: «لقد استفتحت ~~هذه الأبواب التي تليك فلم أجد من ورائها إلا ضعيفا لا يلبث أن يراني حتى يرعد مني ~~فرقا، فيوصد بابه في وجهي، أو ضنينا يرى بؤسي وشكاتي فيزوي ما بين حاجبيه ثم ~~ينصرف عني، أو أعجميا لا يفهم ما أقول، ولا أفهم ما يقول.» قلت: «ما في هذه الحلة ~~التي تراها أعجمي.» قال: «إنهم خاطبوني بلحن لا أعرفه، وإن شئت أعدته عليك كما ~~سمعته.» ثم أخذ يسرد علي الكلمات العامية التي سمعها من الناس في طريقه إلي ~~سردا متواصلا كما تسرد الببغاء كلماتها، فقلت: «إنك قد أعدت يا سيدي بذكائك هذا ~~عهد أبي العلاء المعري، فإنهم يتحدثون عنه ms329 أنه كان إذا سمع أعجميا يتكلم حفظ ~~كلامه بدون أن يفهم معناه.» فما سمع كلمتي هذه حتى اضطرب جسمه وانكفأ لونه، ورأرأ ~~بمقلتيه، وزحف إلي حتى اصطكت ركبتانا، فعجبت لأمره، وما رأيت من استحالة حاله. ثم ~~قال لي: «من هو هذا المعري الذي حدثوك عنه؟» قلت: «رجل من علماء الأمة العربية ~~وشعرائها، عاش في القرن الرابع والخامس من الهجرة، نقرأ سيرته في كتب التاريخ ~~والأدب، ونعجب بفهمه وعلمه وذكائه كل الإعجاب.» قال: «وما ظنكم به؟» قلت: «إن ~~الناس في أمره مختلفون، ومن يرفضه أكثر ممن يتشيع له.» قال: «ومن أيهم أنت؟» قلت: ~~«ممن يتشيع له، فقد قرأت كتبه قراءة مستثبت مستبصر، فما شككت في مذهبه ودينه.» ~~قال: «أكنت تؤثر أن تكون في عصره أو أن يكون في عصرك حتى تراه؟» قلت: «ما أعدل بهذه ~~الأمنية غيرها.» قال: «قد بلغك الله طلبتك.» قلت: «لم أفهم يا سيدي شيئا مما ~~تقول!» قال: «أكاتم أنت علي سري؟» قلت: «نعم.» قال: «أتقسم؟» قلت: «إن للوفاء ~~عندي حرمة مثل حرمة القسم، ولو كنت متهما نفسي لأقسمت.» # قال: «الآن عرفتك، أنا أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري» فما قرعت هذه ~~الكلمة مسمعي حتى أسقط في يدي، وعلمت أني قد هلكت، وكان أول ما كان مني أن التفت ~~ناحية الباب لأرى هل أجد السبيل إلى الهرب إن عرض لي من هذا المجنون عارض سوء. ~~وكأنه ألم بما في نفسي فقال: «لا ألومك على ما ظننت، فقد قدرت قبل أن ألقي إليك ~~كلمتي هذه أنها بالغة منك ما بلغت، فهل تؤمن بالله؟» قلت: «نعم.» قال: «وتؤمن ~~بالبعث؟» قلت: «نعم.» قال: «وما يريبك من رجل أماته الله ثم بعثه بعد موته؟» قلت: ~~«ذلك يوم يبعثون.» قال: «هبها قصة إبراهيم إذ قال له ربه: # فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا # وبعد فوالله يا بني ما كفرت مذ آمنت، ولا كذبت مذ عرفت أن الصدق منجاة من النار، ms330 ~~ولا استرد الله مني نعمة العقل بعدما منحني إياها، ولو كذبت الناس جميعا ما كذبتك؛ ~~فقد أسلفت إلي من أياديك ما لا أحتاج بعده إلى كذبة أتنفق بها عليك، أو أزدلف ~~بها إليك، وإني قاص عليك قصتي، فأصغ لها ولك بعد ذلك حكمك.» فسري عني قليلا ما ~~كان ألم بنفسي من القلق، فأقبلت عليه بوجهي فأنشأ يقول: # لا أزال يا بني حتى الساعة أشعر بمرارة الحساب في فمي، فقد حوسبت حسابا ~~غير يسير على الكبير والصغير، والدقيق والجليل، والقومة والقعدة، والخطرة ~~واللمحة، وكل ما وجدته حاضرا بين يدي في صحائفي، فكادت حسناتي تكافئ في ~~الميزان سيئاتي، لولا تلك الكلمات التي كنت أرددها في حياتي الأولى في ~~تزهيد الناس في النسل والزواج، فقد دخلت بها في زمرة المفسدين الذين تنكروا ~~لإرادة الله وأغفلوا حكمته في خلق النوع البشري، وطال حسابي عليها وحجاجي ~~فيها، وكان لا بد من العقاب، ففزعت إلى الروح الشريفة المحمدية مستشفعا ~~بها لا أريد رد القضاء ولكن أريد اللطف فيه، فتعلق محمد # صلى الله عليه وسلم # بقوائم ~~العرش الإلهي وقال: # اللهم إنك تعلم أن عبدك هذا عاش في تلك الدار كارها لها، ~~متبرما بها، متسخطا عليها، حابسا نفسه في كسر بيته فرارا من ~~أهلها، يترقب فراقها في جميع آنائه وفيناته، حتى لو رأى الشمس ~~طالعة لتمنى ألا يرى مغربها، ولو رآها غاربة لتمنى ألا يرى مشرقها، ~~وقضى قضاؤك الذي لا مرد له ولا محيص عنه أن تعاقبه على ما اجترح من ~~السيئات في دار العمل، فأسألك بقلمك النوراني الذي تمحو به في لوحك ~~ما تشاء وتثبت، أن تقي جسمه - الذي طهره في الحياة الدنيا بالزهد ~~في شهواتها ولذائذها، والصبر على آلامها وأهوالها - من عذاب النار، ~~وأن تجعل عذاب قلبه فداء عذاب جسمه، فعاقبه بإرجاعه إلى تلك الدار ~~التي كانت جحيمه ومستقر عذابه، وحسبه من العقاب أن يلقى فيها آخرا ~~ما لقي فيها أولا، إنك بعبادك لطيف خبير. # فقبل الله شفاعة نبيه، وقضى أن أعود إلى الدار الأولى لأقضي ms331 فيها الأيام ~~بعدد ما قضيت فيها من السنين، وقد علم سبحانه وتعالى أني كنت العهد الأول ~~أحمده على العمى كما يحمده غيري على البصر، فرد إلي بصري لتنفذ مشيئته في ~~عقابي وتعذيبي، فله الحمد على سرائه وضرائه. # هذه قصتي قصصتها عليك، وهذا أول يوم من الأيام التي سأقضيها في داركم ~~هذه، فاكتم علي أمري حتى ينقضي أجلي، وكن لي خير معين على هموم الحياة ~~وبأسائها، فقد اغتبطت بك مذ رأيتك، وعلمت أن الله ما قيضك لي إلا وهو ~~يريد أن يخفف عني العذاب مرة أخرى. # فما أتم قصته حتى ابتدرت يديه لثما وتقبيلا، وعلمت أني قد أحرزت في بيتي كنزا ~~لا أعدل به كنوز الأرض ظاهرها وباطنها، وشعرت بما أضاء بين جوانحي من سرور ما كان ~~يكدره علي إلا خوف انقضائه. # ثم ما زلنا نتحدث حتى كادت تحترق فحمة الليل، فوضعت يدي في يده وعاهدته على كتمان ~~سره، ثم ودعته وتركته في خلوته على أن نلتقي غدا. # اليوم الثاني # ما كنت أجهل قبل اليوم رأي الشيخ في الطعام وما يحب منه وما يكره، ولكنني ظننت ~~أنه بعث بطبيعة غير طبيعته، ورأي غير رأيه، فقدمت إليه في طعام العشاء دجاجات ~~ربلات كنت أعددتهن للضيفان من قبل، فلما أخذ بصره المائدة صار ينظر إليها مرة ~~وإلي أخرى، ثم قال: «ما اسم هذا الطعام الذي تقدمه إلي؟» قلت: «إنهن دجاجات لم ~~يكن للخادم الصغرى عندي شأن غير رعايتهن والقيام عليهن والحدب بهن، فكانت تؤثرهن ~~بأفضل ما نؤثرها به طعام وشراب، وتنزلهن من نفسها منزلة الواحد من أمه حتى امتلأن ~~واكتنزن واستدرن للذبح، وكنت أبقي عليهن كلما طرقني طارق إبقاء على الفتاة أن ~~ينفجر صدرها حزنا على أترابها الصغيرات، أما اليوم فلم أر من ذلك بدا فذبحتهن ~~إكراما لك، فسال من دموع الفتاة عليهن أكثر مما سال من دمائهن!» # فوجم الشيخ ثم أطرق إطراقا طويلا سمعته يهينم فيه بهذه الكلمات: «وا رحمتاه! ~~ألا تزال هذه المدى موكلة بهذه الأعناق؟ ألا يزال الحيوان الناطق ينكر ms332 على الحيوان ~~الصامت حتى حسه ووجدانه، ويأبى إلا أن ينظمه في سلك الجمادات الصم؛ لأنه صامت لا ~~ينطق، وأخرس لا يبين؟! وربما كان زقاء الديك، وقوقأة الدجاجة، وصرصرة البازي، وهديل ~~الحمام، وزقزقة العصفور، وثغاء الشاة، ومواء الهرة، وخوار الثور، وحنين النيب، ~~بكاء بغير دموع، وشكوى بغير لسان، وربما كان يكتم ذلك الذبيح في نفسه من الوجد ~~والبرحاء ما لو استطاع أن يبين عنه لأبكى العيون دماء، وفجر الصخر عيونا!» # ثم رفع رأسه إلي وقال: «أما سمعت الدجاجات يقلن لك شيئا عندما أردت ذبحهن؟» ~~قلت: «لا يا مولاي، ومتى قلن للناس شيئا فيقلن لي؟!» فنظر إلي نظرة شزراء لا ~~أنسى سهمها الواقع في قلبي ما حييت، ثم قال: «أما لو أن الله منح ذابح الدجاجة من ~~نور البصيرة ما منحه من نور البصر لسمعها تقول له: مهلا! رويدا أيها القاتل ~~السفاك! لا تدن مني، ولا تمدد يدك إلي، فلا شأن لك معي، ولا ترة لك عندي! # أنا صاحبة الحق المطلق في حياتي، وأنا لا أريد أن أموت، ولا رغبة لي في فراق ~~الحياة؛ لأن ورائي أفراخا صغارا هن إلى حياتي أحوج منك إلى مماتي، وليس من الرأي ~~أن أكل أمرهن إليك من بعدي؛ لأنك شره طماع، لا يشبع بطنك، ولا تهدأ ~~مديتك. # أنت لا تملك أن تعطيني الحياة، فلا تملك أن تسلبني إياها. # كل ما تستطيع أن تمن به علي أنك كنت تطعمني وتسقيني، فهل تعلم أنك ما كنت ~~تطعمني إلا فتات مائدتك، ولا تسقيني إلا غسالة يديك، وأنك ما كنت تصنع ذلك رحمة بي ~~ولا إحسانا إلي، بل لتهيئ لنفسك ما يسد شهوتها ويطفئ لوعتها، وهل تعلم أنك أنت ~~الذي سجنتني في أقفاصك، وحلت بيني وبين رزق الله أطعمه أنى ذهبت، وأين حللت من حيث ~~لا يساومني فيه مساوم، ولا يحاسبني عليه محاسب؟ # أمن أجل تلك الخشارة القذرة والجرعة الكدرة تسلبني حياتي وتفجع بي أفراخي، ولا ~~ذنب لي ولا لهن عندك إلا أنا كنا زينة بيتك ولعبة أطفالك، وحماة آلك ms333 من بنات الأرض ~~وهوامها ورسل الفجر المنير إليك؟ # لا تظلم السبع بعد اليوم، ولا تنقم منه وحشيته وافتراسه، فكلاكما وحش، وكلاكما ~~مفترس، لا فرق بينك وبينه إلا أنه لا يحسن الذبح والطبخ كما تحسن، فهو يبقر البطون ~~بأظافره وأنت تفري الأوداج بمداك، لا بل إن جريمتك أكبر من جريمته، وعذرك أضعف من ~~عذره؛ لأنه يفترس ليشبع بطنه، وأنت تفترس لترفه نفسك، ولأنه يعجز عن الاحتيال ~~لقوته، وأنت على ذلك من القادرين. # استضعفتني فبرزت إلي، فهل برزت لشبل الأسد أو ديسم الدب، أو فرعل الضبع، أو حرش ~~الحية، أو هيثم النسر، أو ناهض العقاب؟ # ما أخبثك أيها الإنسان عاجزا! وما أظلمك قادرا! وما أشقاك بنفسك وأشقى العالمين ~~بشقائك! # ذلك ما كان يسمعه الذابح من ذبيحته لو أن الله وهبه أذنا كالآذان وبصيرة ~~كالبصائر، ولكن الناس لا يعلمون. # هيه يا صاحب الدجاجات! حدثني عنك، ألم يكن ~~لك في جميع ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها منادح لإكرامي ~~والقيام بحقي، وأنت تعلم أنني رجل سلخت في دنياكم هذه من حياتي الأولى أربعين سنة ~~ونيفا لم أذق فيها لحم الحيوان، ولا ثماره، ولا نتاجه، فحميت نفسي حتى عسل النحل ~~وبيض الدجاج وألبان ذوات الأثداء، وأقنعتها بالبلسن طعاما، والبلس حلوى لأني كنت ~~أعلم أن النبات طعامي الذي لا يلائمني غيره ولا يشبهني سواه، وأن لحم الحيوان ~~إنما خلق للشفاه الغليظة والأنياب العريضة، والأظفار الحادة، والجلود المزأبرة، ~~والأعضاء المتوثبة والهامات الضخمة. وكنت أرى أن أكلة اللحوم إنما يخادعون أنفسهم ~~فيها، ويجترونها إلى طبائعهم اجترارا؛ لأنهم لا يأكلونها إلا إذا عالجوها بالطبخ ~~والصف والتقديد، والشي والقلي، ومزجوها بالخضر والتوابل والأباريز والأقزاح مزجا ~~يكاد يخرج بها عن جوهرها إلى جوهر النبات. حتى إذا نزل بهم عارض مرض نزعوا عنها، ~~وبرئوا إلى الله منها، وفزعوا إلى النبات في طعامهم وشرابهم وعقاقيرهم، كأنما ~~يطلبون شفاءهم في الرجوع إلى غذائهم الطبيعي الذي خلقوا له. # وأعجب ما كنت أعجب له من أمرهم أنهم كانوا ينكرون علي رأيي في ترك ms334 ذلك الطعام، ~~ويمعنون في مساءلتي عنه، وحجاجي فيه، وحملي عليه، ويلحون في ذلك إلحاحا شديدا حتى ~~ظننت أنهم قاتلي من دونه، كأنما يزعمون في ضوضائهم هذه أنهم إنما يأكلون لحم ~~الحيوان باسم الشريعة الدينية لا باسم القرم والجعم، أو أن الله تعالى أنزل عليهم ~~قرآنا ألا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، ولا يقبل منهم صرفا ولا عدلا إلا إذا ~~قدموا عليه ببطون بجر مكتظة بلحوم الحيوان تتقدم بين أيديهم في منصرفهم من ~~الحساب، لتفتح لهم أبواب الجنان! وكأنهم فرغوا من أداء ما افترض الله عليهم أن ~~يؤدوه، وترك ما أمرهم أن يتركوه، فلم يبق بين أيديهم من أبواب العبادة إلا باب ~~التورع عن أكل اللحم؛ مخافة أن ينقلب المباح بإعراضهم عنه حراما، كما ترك النبي # صلى الله عليه وسلم # صلاة التراويح بعد أدائها؛ مخافة أن تنقلب سنتها باستمراره عليها ~~فريضة. # وأحسب أن لو كنت فيهم من أكلة السحت أو الميتة والدم ولحم الخنزير، أو أموال ~~الناس بالباطل، لأوسعوا لي في صدورهم من العذر ما لم يوسعوا في ترك مباح، ما تركته ~~نقمة على الشريعة، أو تبرما بها، أو تمردا عليها. ولكنني كنت امرءا جزوعا، ~~يزعجني منظر الشرائح الحيوانية على مائدتي؛ لأنه يذكرني بمنظر الذبيحة وارتياعها ~~وولهها بين حبل الذابح وسكينه. وكنت فقيرا بائسا لا أملك في كل عام من الرزق إلا ~~عشرين دينارا ونيفا لا يتسع مثلها لمثل ما يتسع له عيش الناعمين المترفين، وما ~~كنت أجد السبيل إلى غيرها إلا من طريق الكدية والتكفف؛ أي بقبول صلات الأمراء ~~وصدقات المحسنين، وقد علم الله من شأني أنني رجل لو علمت أني إن أذلت ما صان الله ~~من ماء وجهي على عتبة أمير أو قدم وزير أمطرت السماء علي ذهبا واستحالت الحصباء ~~تحت قدمي درا ما فعلت؛ ضنا بنفسي على هذا الموقف المستوبل، وإيثارا للرضاء ~~بقضاء الله وقدره في قسمة أرزاقه بين عباده. # فلم أر خيرا من ترك طعام لو اشتهيته لما قدرت عليه، ولو قدرت عليه لما اشتهيته ~~من حيث ms335 لا يكون للتحريم والتحليل ولا للإيمان والزندقة في ذلك مدخل. # وما زال المتورعون من السلف الصالح يتركون ما هو لهم حلال مطلق من لذائذ هذه ~~الحياة وشهواتها، ويجزعون من ملامسته والدنو منه جزعهم من اجتراح السيئات وانتهاك ~~الحرمات، فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يجيع نفسه من غير عوز، وكانت عائشة رضي الله عنها ~~تقول: «إن رسول الله لم يمتلئ قط شبعا، وربما بكيت رحمة له مما أرى به من ~~الجوع، فأمسح بطنه بيدي، وأقول: «نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما ~~يقويك!» فيقول: «يا عائشة، إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد ~~من هذا فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم».» وكان يقول: ~~«شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة.» وعلا عمر رضي الله عنه ولده عبد الله بن عمر ~~بالدرة، إذ دخل عليه فرآه يجمع في طعامه بين الثريد والشواء. وكان بعض الصالحين يعد ~~الجمع بين الخبز والملح شهوة فيتجنبها، وكان بعضهم يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم ~~يأكله قائلا: «كسرة وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء.» ومنهم من لم يأتدم قط في ~~حياته لا بالجوذاب والكباب، ولا بالخل والزيت. # فهل كان واحد من هؤلاء بطرا بنعمة الله أو محرما ما حلل الله؟ لا، فما كل ~~من أبغض حلالا حرمه، ولا كل من أحب حراما حلله، فقد اعتقد صاحب أبي حنيفة بحل ~~النبيذ، فلما أريد عليه قال: «لو قطعت إربا إربا ما حرمته، ولو قطعت إربا ~~إربا ما شربته.» وعلم النبي # صلى الله عليه وسلم # بحل الطلاق، ثم قال: «أبغض الحلال إلى الله ~~الطلاق.» بل لو تبينت لعلمت أن قاعدة التحريم والتحليل في الشرائع الدينية مصادرة ~~النفوس في ميولها وشهواتها، والنفوس لا تنفر إلا مما حل لها، ولا تشتهي إلا ما حرم ~~عليها. # فويل لي من هؤلاء الناس! شركتهم في دنياهم فقالوا: شره طماع، وصدفت لهم عنها ~~فقالوا: زنديق ملحد فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.» # وما ms336 وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى بلغ منه الجهد أو كاد فتفصد جبينه عرقا، ~~واستسر حديثه حتى ما يكاد يبين، فرثيت له مما به، وأمرت برفع المائدة من بين يديه، ~~وقدمت له مقترحه من الطعام. فلبثنا نأكل صامتين حتى فرغنا، فأردت أن أرفه عليه ما ~~ألم به من الهم، فقلت له: «يا مولاي إن للحيوان اليوم شأنا غير ذلك الشأن الذي ~~تعرفه من قبل، فقد ذهب كثير من الناس مذهب الرفق به والإحسان إليه، واجتمع في كل ~~مدينة من مدن العالم قوم من الراحمين المحسنين، يأخذون أنفسهم بمناظرة المدارج ~~والسبل والأسواق العامة، فإذا وجدوا من يحمل على دابته فوق ما تحتمل، أو يسوطها ~~سوطا عنيفا، رفعوا إلى الحاكم أمره. أو رأوا حيوانا هزيلا أو مهيضا حملوه إلى ~~مكان خاص بمعالجة أمراض الحيوان، فعالجوه إن وجدوا إلى الرجاء فيه سبيلا، وإلا ~~قتلوه رحمة به وإشفاقا عليه.» # قال: «لقد أحسنوا في الأولى وأساءوا في الأخرى، ومن لهم بعلم ما استتر وراء حجب ~~الغيب من كوامن الأقدار في تحديد الآجال، وها نحن أولاء نرى كل يوم مريضا يبل ~~بعد إشرافه، وبكاء الباكيات حوله، وصحيحا يخترم في اجتماع قوته واستكمال فتوته ~~وغليان ماء الشباب في وجهه كما تخترم الثمرة الغضة من غصنها الناضر، فهلا وكلوه ~~إلى منيته تأتيه هادئة مطمئنة حيث يسوقها القدر إليه؟! # ما أحسب هؤلاء الراحمين الذين تحدثني عنهم إلا مرائين مصانعين، وما هذه الرحمة ~~التي ينتحلونها لأنفسهم إلا حبالة من الحبائل نصبوها لاصطياد العقول واختتال ~~النفوس، ولا أنهم أرادوا بما فعلوا إلا أن يقول الناس عنهم: إنهم رحموا الحيوان ~~فأحرى أن يرحموا الإنسان، فمثلهم كمثل المرائين في الدين الذين يتورعون عن ~~التمرة حلالا تذرعا إلى البدرة حراما. # يا بني آدم دعوا النوق في مراحها، والشاء في زروبها، والوحش في كناسه، والضب في ~~جحره، والذئب في وجاره، والقطا في أفاحيصه، ولا تزعجوا العصافير في أعشاشها، ولا ~~الحمام عن محاضنها، ولا اليعاسيب عن خلاياها، ولا الأسماك عن مسارحها ، وجنبوها ~~فخاخكم وشباككم وقتركم ms337 وزباكم ومداكم وشفاركم؛ فإن لها نفوسا كنفوسكم، ووجدانا ~~كوجدانكم، ورجاء في الحياة كرجائكم، واعلموا أن الله تعالى ما أغرى بعضكم ببعض، ~~ولا سلط قويكم على ضعيفكم، ولا أجرى هذه الينابيع من الدماء بين أحيائكم إلا بعد أن ~~ضريتم بهذه اللحوم ضراء السباع بفرائسها، وقطعتم إلى المتعة ما شئتم من الحلاقيم ~~والغلاصم والأوداج والأباهر، فارحموها ترحموا أنفسكم، واعصموا دماءها يعصم الله ~~دماءكم، إنكم إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون.» # ثم سكت بعد ذلك سكوت المجهد المتعب، وكان الظلام قد أظلنا بجناحيه، فشعرت أن ~~سنة من النوم قد رنقت في عينيه، فانسللت من بين يديه وتركته في مضجعه على أن ~~ألقاه غدا. # اليوم الثالث # أصبحت في اليوم الثالث، فإذا الشيخ قد فارق خلوته إلى حديقة المنزل فافترش ~~ترابها، وتوسد أعشابها، وأنشأ يردد النظر بين أزهارها وأنوارها، ويبسم للعصافير ~~تنتقل بين أنجمها وأشجارها، ويصغي إلى سرار الحديث بين حصبائها ومائها، فعرفت ~~المدخل إلى قلبه، والوسيلة إلى سروره وغبطته، فاقترحت عليه البروز إلى ضاحية البلد، ~~ليرفه عن نفسه ما ألم بها من الحزن والألم، فخرجنا يتوكأ على يدي مرة وعلى عصاه ~~أخرى، حتى وصلنا إلى واد أفيح يهتز بصنوف الأشجار، وأفانين الأزهار، ويتراءى في ~~ألوان من النبات مشتبهات وغير مشتبهات، من هائج وعميم، وبارض وجميم وكروم ~~وأعناب، وسنابل وأعشاب. وتفيض أرجاؤه بالجداول والغدران، والقنا والخلجان، مطردات ~~ومنعطفات، ومجتمعات ومفترقات. يفضي أولاها إلى أخراها، ويتصل أقصاها بأدناها، ويعطف ~~كبيرها على صغيرها، وقويها على ضعيفها، فكأنها صلال رقشاء قد فرت من حر الظهيرة ~~إلى هذا الروض الأريض تبترد بين روابيه وأكماته، ومصاعده ومنحدراته. فهي تنقبض ~~وتنبسط، وتنساب وتتمعج، وتقبل وتدبر، وتقوم وتقعد، وتتواثب وتتراجع، وتتواصل ثم ~~تتقاطع. وكأن حفيف أوراقه، وخرير مائه، وغريد أطياره، وضجيج نواعيره، وعجيج سائمته، ~~أنغام مختلفات يتألف من مجموعها لحن بديع يسمعه السامع، فيخيل إليه أنه هابط من ~~أبواب السماء. أو أن سكان الألمب فوق عروشهم يغنون، وسكان الأرض بين أيديهم ~~يستمعون. # هنالك وقف الشيخ أمام هذا المشهد المؤثر وقفة الحائر المشدوه، ms338 وقد ملكت عليه ~~مشاعره، وحيل بينه وبين نفسه، فجمد في مكانه كأنه نصب من الأنصاب، ووقفت وراءه ~~أعجب لجموده وسكونه حتى فنيت كما فني في مشهده الذي بين يديه، فلم أرجع إلى نفسي ~~حتى سمعته يقول: # للمليك المذكرات عبيد # وكذاك المؤنثات إماء # فالهلال المنيف والبدر والفر # قد والصبح والثرى والماء # والثريا والشمس والنار والنث # رة والأرض والضحى والسماء # هذه كلها لربك ما عا # بك في قول ذلك الحكماء # ثم التفت إلي وقال: «كل الناس يطلبون الحقيقة وكلهم عاجزون عنها؛ لأنهم ~~يطلبونها من صحائف التاريخ، والمؤرخون يصانعون ويدهنون، أو من أفواه الفقهاء، ~~والفقهاء تجار يرتزقون لا هداة يرشدون، أو من خطرات عقولهم، وقد أفسدها عليهم ~~القائلون والكاتبون، والحقيقة موجودة ولكنهم لا يعرفونها؛ لأنهم لا يعرفون الطريق ~~إليها.» قلت: «وأين تجدها؟» # قال: «في هذه الأودية الفيحاء، تحت تلك القبة الزرقاء، بين ذلك الظل ~~والماء. # هنا يرى الإنسان ربه في الغريسة يلقي بها غارسها في التربة، فإذا هي نبتة زاهرة ~~مستوية على سوقها تعجب الزراع. ويراه في الحبة الدقيقة في الصرة المستديرة في ~~النواة الصغيرة، التي لا تلبث أن تأخذ مكانها من مغرسها، حتى تصير نخلة سحوقا ~~تملأ الأرض خيرا بجذوعها وسعفها، وجريدها وقنواتها، وعثاكيلها وطلعها وبلحها ~~وبسرها. ويراه في الكواكب الماثلة في السماء، والأسماك السابحة في الماء، والأجواء ~~المملوءة بالهواء، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، فيمتلئ قلبه يقينا صافيا ~~رائقا لا تعبث به المناظرات، ولا تشوه جماله المجادلات، ولا يحتاج بعده إلى متكلم ~~يعلمه النظر، ولا فقيه يلقنه الجدل، فلا دليل على الله غيره، ولا هادي إليه ~~سواه. # هنا يرى الإنسان السائمة تأكل العشب، والعشب يأكل التراب، والتراب يأكل السائمة، ~~فيستحيل الجماد نباتا، والنبات حيوانا، والحيوان جمادا، فيعلم أن المواليد ~~الثلاثة مادة واحدة تتلون ذراتها، وتتشكل جواهرها. ويعلم أن هذا الإنسان الفاخر ~~بنفسه، والمدل بعظمته واقتداره ربما كان بالأمس صفيحة ملقاة على جانب قبر، وربما ~~يكون في الغداة جلدة بالية في ذؤابة نعل. # هنا يرى الإنسان الأرض الصلفاء يمر بها الماء ms339 وتلقى فيها البذور، فلا تلبث الشمس ~~أن تجفف ماءها والريح أن تعصف بذورها، فيعلم أن الحقائق الدينية لا يمكن أن تستقر ~~في قلوب الأشرار إلى أن تبلغ شغافها، وأن الناس ما اختلفوا إلا لأنهم جاحدون، ولا ~~اقتتلوا إلا لأنهم ملحدون. # هنا يرى الإنسان الشمس طالعة من مشرقها مصفرة اللون، متقاربة الخطوات؛ مخافة أن ~~تطير إليها رشاشة سوداء من مآثم هذا العلم ومخازيه، ثم لا تلبث أن تأخذ مكانها من ~~كبد السماء حتى تنحدر إلى مغربها هاربة، فتنغمس في ماء البحر قبل غروبها لتغسل عن ~~جرمها الأبيض المشرق ما ألم به من تلك الأدران والأوحال. ويرى الليل مقبلا يقطب ~~وجهه ويزوي ما بين حاجبيه ويربد شيئا فشيئا حتى يسود غضبا على هذا المجتمع ~~البشري، فيما يقترفه تحت ستاره من المفاسد والشرور، ولا يزال مادا يديه بالدعاء ~~إلى الله تعالى أن يعجل أوبته إلى مستقره حتى يستجيب له ويداول بينه وبين النهار. ~~ويرى الكواكب قد كمنت وراء ستر الظلام ثم أطلت بعيونها على هذا العالم الأرضي ~~مرغمة، لتنفس عن رفيقها الليل بعض ما خالط قلبه من الهم والكمد، فلا تلبث أجفانها ~~أن تطرف انغلاقا وانفتاحا؛ مخافة أن يصيبها سهم نافذ من سهام الأشرار التي ~~تتطاير يمنة ويسرة، وصعودا وهبوطا، فلا يقوم لها شيء إلا أتت عليه. # هنا يرى الإنسان الحقيقة في هذا العالم عارية الجسم، ويسمع صوتها واضح النبرات من ~~حيث لا يحجب بصره تكلف المتكلفين، ولا خداع الخادعين، ولا يصد سمعه قرع النواقيس ~~ولا صياح المؤذنين.» # فقلت: «حسبك يا مولاي، فقد نال منك أجيج هذه الرمضاء، وإني أرى في رأس هذا الوادي ~~رجلا أحسبه فلاح هذه الأرض، فامض بنا إليه عله ييسر لنا ظلة نفيء إليها، وجرعة ~~باردة نفثأ بها هذه الصارة.» فمشينا إليه حتى بلغناه، فرأيناه مكبا على تربته ~~يفلحها ويقلب عاليها سافلها، وقد شرست يده وشثنت قدماه وزأبر صدره، وأفرغ قرص الشمس ~~في رأسه جعبة سهام، فتصبب عرقا حتى سالت منه على قدميه قطرات كقطرات البخار تسيل ~~على جوانب ms340 القدر المضطرم. فحييناه بتحية حيا بأحسن منها، وأفضينا إليه بطلبتنا، ~~فأشار بيده إلى كوخه، وكان منه على كثب. فإذا عريش من عيدان القصب مسجج قد ارتفع ~~فوقه سقف من جذوع الأشجار، واعتمد على أسيطينة من اللبن الأسود، وامتدت أمامه ~~صفة مستطيلة، واستدار به نؤي يمنع عنه مسيل الماء، فدخلناه فلم نر فيه إلا رثة ~~من المتاع لا تكاد تزيد على جوالق للخبز اليبيس، وخلقان من القمص والأبراد، وقدر ~~وأثفية، وجرة مملوءة ماء، وحشية بالية مفككة، تضطرب في جوفها حشوة من الليف ~~اضطراب الجنين في جوف الحامل، فشربنا حتى ارتوينا، وأخذنا من تلك الحشية مضجعنا. ~~وما زلنا على حالنا تلك سكوتا لا نتكلم حتى جاء الرجل وقد مال ميزان النهار يقزل ~~في مشيته، ويحمل فأسه على عاتقه، ويجر وراءه ولدين صغيرين له بين الثامنة والعاشرة. ~~فجلس وجلس ولداه بين يديه، وأنشأ يلقي إلينا معاذيره، ويتوجع لعجزه عن إكرامنا ~~وإسعافنا بما نحب، فعذرناه، ثم جرى بينه وبين الشيخ الحديث الآتي، وكنت أترجم ~~بينهما لأنهما لا يكادان يتفاهمان: # الشيخ ~~: ~~«من يملك هذه الأرض؟» # الفلاح ~~: ~~«هي لسيدي ومولاي - أطال الله بقاءه وأتم عليه نعمته - صاحب هذا القصر ~~الذي تراه.» وأشار إلى قصر فخيم يرفرف بأجنحته في هذه البقعة الخضراء، ~~رفرفة الحمامة البيضاء في القبة الزرقاء. # الشيخ ~~: ~~«أراك تدعو له وتتمنى له الخير والسعادة، فلعلك سعيد بجواره مغتبط بمكانك ~~منه، ولعله يمدك ببره وإحسانه ويغدق عليك من نعمته ما يطلق لسانك بحمده ~~والثناء عليه!» # الفلاح ~~: ~~«حسبي من سيدي أن أرى وجهه مرة في كل يوم أو يومين ممتطيا فرسه الدهماء ~~في ركب من أصحابه وحاشيته مارا بهذه الأجمات الملتفة يتنزه ويتروح، ~~ويطارد الثعالب والذئاب مطاردة الشجاع المستقتل، ثم يعود إلى قصره مسرورا ~~مغتبطا بمصبحه وممساه.» # الشيخ ~~: ~~«إنما أسألك عن أياديه عندك، وصنائعه لديك، لا عن منازهه وطرائده وملذاته ~~وشهواته.» # الفلاح ~~: ~~«وهل يوجد في باب النعم، جليلها ودقيقها، نعمة أجل قدرا وأسنى قيمة من ~~أن أكون عبدا مملوكا لسيد كهذا السيد رفيع الجاه جليل القدر واسع ms341 النعمة، ~~تطأطئ بين يديه رءوس العظماء ويختلف إلى حضرته كبار الأمراء؟» # الشيخ ~~: ~~«أيها الرجل ما عن هذا أسألك، أسألك: هل يسلم عليك سيدك هذا إذا مر ~~ببابك، أو يخلو بك أحيانا ليتعرف همك، وما تهتف به نفسك من رغباتك ~~وحاجاتك؟» # الفلاح ~~: ~~«الحق أقول يا سيدي إني ما سمعت في حياتي بأعجب من سؤالك هذا، ومتى كان ~~السيد يخاطب عبده إلا بالأمر والنهي، أو يرفع إليه طرفه إلا بالنظر الشزر، ~~أو يلامس بيده جسمه إلا للتأديب والتهذيب؟ ولقد تمر بي وبعيالي الليالي ~~ذوات العدد ولا نكاد نجد من الخبز المخشوشب ما يملأ بطوننا، فلا أجد في ~~نفسي من الحزن والألم ما أجد من نسيان سيدي إياي بضعة أيام أو إغفاله أمري ~~ونهيي وزجري وتأديبي. وقد أعد لي - حفظه الله وأمتعني بدوام رعايته وعنايته ~~- عصيا غلاظا يتعهدني بها من حين إلى حين كلما نسيت أمرا من أوامره، ~~أو قصرت في رعاية غرض من أغراضه، فأغتبط بذلك الاغتباط كله؛ لأني أعلم أني ~~منه على ذكر، وأني قد نزلت من نفسه منزلة من لا يهون عليه إغفاله واطراحه ~~وإلقاء حبله على غاربه.» # الشيخ ~~: ~~«وأين أم هذين الولدين؟» # الفلاح ~~: ~~«ماتت - رحمها الله - في سبيل خدمة سيدها، فقد كنا يوما نمتح على حافة ~~بئر، فزلقت أقدامنا وانبت بنا الحبل فسقطنا، أما هي فاستأثر الله بها، ~~وأما أنا فانكسرت رجلي وقدر الله لي الحياة، فما أسفت على شيء أسفي على أن ~~لم أكن قد لحقت بها، فأكون قد هلكت في سبيل خدمة سيدي كما هلكت ليترحم ~~علي كما ترحم عليها، ويأمر بدفني في مقبرة أجداده كما أمر ~~بدفنها.» # الشيخ ~~: ~~«ربما كنت قانعا من إحسان سيدك إليك وعطفه عليك، بما تعود به على نفسك ~~وعيالك من غلة هذه الأرض وثمراتها!» # الفلاح ~~: ~~«لا والله يا مولاي ما أعلمني نازعت سيدي نعمته وسعادته في قفيز بر، ~~أو حفنة تمر، إلا أن تسقط بين يدي تمرة أعلم أنه لا يأبه لها، فتكون قسمة ~~بيني وبين ولدي، أو أحتطب من أطراف هذا ms342 الوادي بضعة أعواد من الحطب أشعلها ~~تحت قدري، وأستغفر الله مما سهوت عنه أو أخطأت فيه.» # وهنا رأيت أبا العلاء كأنما يحاول أن يكاتمني دمعة تترجح في مقلتيه، فأشرت إليه ~~بالقيام فقمنا، ومشينا صامتين لا ينطق ولا أنطق حتى بلغنا المنزل، وقد نزل ستر ~~الظلام فقلت: «أرجو يا مولاي أن أكون قد بلغت ما أردت لك في مخرجك هذا من السرور ~~والغبطة!» قال: «ما نغص علي يومي إلا منظر ذلك الرجل الأبله المسكين في صغر نفسه، ~~وسقوط همته، وذلة جانبه، وما أحسب إلا أن الظلم قد ألح على نفسه حتى قتلها، ~~وسلبها حسها ووجدانها، فأصبح لا يعرف لنفسه حياة ذاتية مستقلة عن حياة ذلك الإنسان ~~الذي يسميه سيده، فهو لا يفرح إلا لفرحه، ولا يغتبط إلا باغتباطه، ويرضيه منه كل ~~شيء حتى سوء مجازاته إياه على إخلاصه إليه، وتعبده له بضربه وتعذيبه وتقتير ~~الرزق عليه، وكذلك يفعل الظلم في نفوس المستضعفين.» # ثم تركني وانحدر إلى مخدعه وهو يهتف بهذه الكلمات: # يحسن مرأى لبني آدم # وكلهم في الذوق لا يعذب # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تظلم الناس ولا تكذب # | الرسائل # كتاب في التقاضي # أنا إن سألتك حاجتي - أعزك الله - وبسطت إليك يد رجائي فقد طرقت باب المكارم، ~~واستمطرت غيث المراحم، ورجوت واحد الدهر همة وحزما، ونادرة الوجود كرما وفضلا، فإن ~~أنجزتها فليست أولى الهمم، ولا واحدة النعم، فلكم سبقت إلي منك أياد تخرس دونها ~~ألسنة الشكر، وتضيق بها جرائد الحصر. # ولقد مثلت - أيدك الله - بين أن أستشفع إليك بذوي الجاه عندك، والزلفى لديك، وبين أن ~~أكل ذاك إلى كرمك وفضلك، وما طبعت عليه نفسك الشريفة من خلال الخير، وسجايا البر، ~~فرأيت أن الثانية بك أحرى، وبفضلك أجدر، والسلام. # كتابة مقاطعة # أتاني كتابك وقد أبللت من مرض حبك، وصحوت من رقدة طال علي الغيب فيها حتى خفت أن ~~تتصل برقدة الموت، فلم ترعني روائعك، ولا أجدى عندي اعتذارك، ولا أخذ حديثك من قلبي ~~مأخذه من قبل. ولم أر بين سطورك ذلك النور ms343 الذي كان يملأ عيني روعة، وقلبي هيبة، ~~فالحمد لله الذي أدالني منك، وأعتقني من رقك، وكشف لي من مكنونك ما كشف غشاء الهوى عن ~~بصري، فجفت الدموع التي طالما أذلتها بين يديك، وقرت العين التي كنت أساهر بها الكوكب ~~شوقا إليك، ولم يبق في خاطري من ذكرك إلا كما بقي في قلوب الناس من الوفاء. والحب ~~شجرة يغرسها الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائه وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف ~~ظلالها، وترن أطيارها، حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت. ولقد عالجت هذا القلب الشموس ~~في الرجوع إلى سالف عهدك، وسابق ودك، فجمح جموح المهر الأرن، وركب رأسه إلى حيث لا ~~مطمع في أوبته. وله العتبى فيما فعل؛ فقد ملكني قياده برهة من الزمان فأسأت عشرته، ~~وخفرت ذمته، وأرغمت معطسه، وركبت به في سبيلك أخشن مركب، وأنهلته من جفائك وكبريائك شر ~~منهل، فما هو إلا أن أمكنته الغرة فانطلق انطلاق السجين من سجنه، والطائر من قفصه، فلا ~~أوبة حتى يئوب القارظان، ويبلى الجديدان: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد # إليه بوجه آخر الدهر تقبل # كتاب تهكم # علمت أن ساسانيا طرق بابك بالأمس، وما زال يكيد لك ويماحلك، ويتغلغل في مواضع ~~الضعف من قلبك، حتى خدعك عن نفسك، واقتطف زهرة من روضة مالك، وراح يفتر عن ثغر باسم، ~~ورحت تقرع سن نادم. فما هذا الخلق الغريب الذي تخلقته؟ وما هذا المذهب الجديد الذي ~~اعتنقته؟ ومتى أقامك آدم وصيا على أولاده من بعده، تكسو عاريهم، وتشبع جائعهم؟ على ~~أن الفقراء في الدنيا قد ضاقت بهم خزائن الأرض والسماء، فكيف تسعهم خزائنك؟ وهل بين ~~الدرهم الذي أعطيت، والدراهم التي أبقيت إلا حرف واحد؟ فليت شعري من أين دهيت؟ ومن أي ~~باب نفذ هذا الشيطان إلى قلبك؟! وإن أخوف ما أخاف عليك أن تكون أتيت من باب تلك ~~الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، فإن كانت هي فالخطب عظيم، والبلاء جسيم؛ فإنك ~~حيثما ذهبت وأني حللت لا تقع عينك إلا على يد شلاء، ورجل ms344 بتراء، وعين عمياء، وصورة ~~شوهاء، وثوب مخرق، وشلو ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من أديم، فإن لم ~~تفارق الرحمة قلبك فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين، ثم لا تجد ~~لك راحما ولا معينا، فارحم نفسك قبل أن ترحم سواك، ولا تنس أن تردد في صباحك ومسائك، ~~وفي مستأنف خطواتك، وفي أعقاب صلواتك، كلمة ابن الزيات: «الرحمة خور في ~~الطبيعة.» # وعلمت أنك دعيت إلى وليمة فلان فتحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، فطرت إليها، ثم وقعت ~~على خبزها وشوائها وفاكهتها وحلوائها مثلج الصدر، ثابت القدم، ساكن القلب، طيب النفس، ~~كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة ومرارة العمر، وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت ما ~~في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ليأكلك غدا. فمن لك بالنجاة من مضيفك إذا جاءك يوما ~~يتقاضاك دينه، وقد حفت به كوكبة من خلانه وصحبه، فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في ~~صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت. وأعجب من ذلك أنك ما ~~برحت الوليمة حتى أخذ المغني مجلسه فسمعت وطربت، ومن طرب شرب، ومن شرب وهب، ومن وهب ~~خرب. ولقد كان لك في انزوائك واعتزالك، واكتفائك بقرصك وزيتك، وخلوتك بصندوقك في كسر ~~بيتك، من حيث لا تزور ولا تزار، منادح عن هذه اللقمة التي أسهرت ليلك، وأقضت مضجعك، ~~وأقعدتك على مثل روق الظبي خفية وحذارا. فإياك والعود إلى مثلها يطل غمك، ويسود ~~عيشك، والسلام. # كتاب يأس # كتابي إلى سيدي ومولاي، والنفس بين جنة من الأمل تغن أشجارها، وترن أطيارها، ~~وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، وهاجرة من اليأس تتلظى نارها، ويعتلج أوارها، وتحول ~~بين الجفون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف فيتمشى بين الأضالع مشية ~~الطائر الحذر، ثم يدركه الأمن فيقر في مستقره، قرار الماء في نهاية منحدره. وحالي كحال ~~هذه الدنيا، تضطرب ما بين فرح وهم، وسرور وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر، أذكر الله ~~ورحمته وإحسانه ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذكراه وجه ms345 الحياة الناضر، وثغرها ~~البارق، وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك. ثم أذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام ~~وما أعدت في طياتها لبنيها من عثرات في الخطوات، ونكبات في الغدوات والروحات، وما ~~أخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها، والقلوب وأمانيها، فألمس صدري ~~بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا، فليت الله ~~يصنع لي فيمطر علي قطرة واحدة من غيوث رحمته وإحسانه أبل بها غلتي، وأطفئ بها ~~لوعتي، أو ليت القدر ينشب أظافره بين سحري ونحري نشوبا لا يستبقي بعده عرقا ~~نابضا، ولا نفسا مترددا، فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف لا هو حي ~~فيرجى، ولا ميت فيبكى. # يقولون: «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!» وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة القضاء، ~~وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، والخوف من الجوع، ~~والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل الباطل! وما ليلة نابغية ~~ضرير نجمها، حالك ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق الظبي خيفة وحذارا، فوق أرض ~~تعرف جنانها، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، ~~وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، بأسوأ في نفسه أثرا من رجاء كاذب يتردد بين جنبيه، ~~تردد الغصة بين لحييه، لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها. # قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، أن أراها ~~ساربة في مساربها، سارحة في مسارحها، تتناول رزقها رغدا من بوارق المصادفات، ومفاجآت ~~المقادير، لا يعنيها الأسف على فائت من العيش، ولا يقلقها الطمع في آت من الرزق، قد ~~قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب، فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، ~~وسعدها ونحسها، ونعيمها وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي ~~أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها! # فمن لي بهذا العيش من عيش مثلي فيه كمثل رجل عثرت به قدمه فسقط في جوف بئر بعيد ~~غورها، ناء مكانها، فما زال يتخبط ويضطرب، ويهب ويثب، ms346 حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها، ~~ثم تلمس أخرى غيرها، فما وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره ~~على الأولى فسقط، فخاف الغرق فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغ رأس البئر ~~فينجو من الموت، ولا هو بالغ قرارة الماء فينجو من الشقاء. # ارم بطرفك حيث شئت من الناس، هل تبصر إلا صريعا صرعه أمله، أو قتيلا قتله رجاؤه، ~~أو صديقا يشكو غدر صديق كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب عليه، أو باكيا ~~يبكي وليدا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ساعيا دائبا وراء غاية ~~يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ~~ساهرا متململا لولا أمله أن تنيله الأيام ما يشتهيه من هواه ما بات ليلة شاكيا ~~باكيا، داعيا مناجيا، لا تراه إلا عين السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء. # هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعا، وأفارق عشيرتي وصحبتي، ~~ويراعي ومحبرتي؛ علني أجد في البعد عن مثارات الأماني ومباعث الآمال راحة اليأس، ~~فاليأس خير دواء لأمراض الرجاء. # فهأنذا قابع في كسر بيتي، لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، أتخيل البيت ~~قبرا، والثوب كفنا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم، لأعالج نفسي على نسيان الحياة ~~وأمانيها الباطلة ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك، ~~والسلام. # | الكلمات # الجرائد # لا أرى الصحف في مصر إلا ناديا من أندية القمار، ولا هؤلاء الكتاب إلا جماعة من ~~اللاعبين قد وضعوا رءوس المصريين على مائدة اللعب، كما توضع الأكر على طاولة ~~«البليار» ثم داروا حولها يلعبون بها ويتدافعونها، فيكسبها في الصباح «زيد» ويخسرها ~~في المساء «عمرو» وربما لا يأتي آخر الليل حتى يدور النحس دورته عليهم جميعا، ~~فيخسرها الكل ويكسبها صاحب النادي. # عبد الحميد # حضرت منذ أشهر قلائل تمثيل رواية في مسرح عربي اختتمها جوق التمثيل بنشيد ~~للسلطان عبد الحميد يصفه فيه ناظمه بالعدل ms347 والرحمة، والرفق والإحسان، ويدعو له ~~بسلامة عرشه، وطول بقائه. فما سمع الناس اسمه حتى هتفوا له هتافا يصم المسامع، ~~وصفقوا له تصفيقا كاد يضم أضلاع «المرسح» بعضها إلى بعض. وحضرت ليلة أمس منظرا من ~~مناظر الصور المتحركة، فرأيتهم يمثلون ذلك السلطان بعينه رجلا ظالما سفاحا، ضعيف ~~الهمة، ساقط النفس، زمن المروءة، جبانا مستطارا. ورأيتهم قد عمدوا إلى صورته ~~فجعلوها مواطئ أقدامهم، ومضارب سيوفهم، فما رأى الناس هذا المنظر حتى راق في ~~أعينهم، وابتهجوا لمرآه ابتهاجا ملأ فضاء صدورهم، فتمشى في أعصاب أدمغتهم، حتى ~~وصل إلى أعصاب أيديهم، فصفقوا له تصفيقا شديدا بتلك الأكف التي رأيتهم يصفقون بها ~~في مسرح التمثيل. # أنا لا أعلم إن كان عبد الحميد ظالما أو عادلا، كريما أو لئيما، شريفا أو ~~وضيعا، وإنما أعلم أنني سأموت قبل أن أقف على حقيقة تاريخية في أمره ما دام ~~الناس عامتهم وخاصتهم، كتابهم وشعراؤهم، علماؤهم وجهلاؤهم، هم الناس الذين يقول ~~فيهم القائل: # والناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل # الشهرة # لا يمكن أن تكون الشهرة بحال من الأحوال ميزانا للفضل في مصر، خصوصا في عالم ~~الأدب، ولن يجري الفضل والذكر في ميدان واحد إلا إذا سلم السباق من كيد العابث ~~وخدعة الأريب، وأنى لنا ذلك، وفي شعراء مصر من يغتصب الشهرة اغتصابا ويلصقها بنفسه ~~إلصاقا، وينزع إليها بوسائل لو عرفها الناس لأنزلوه منزلته، وألبسوه حلته، بينما ~~ترى الآخر قد قنع من أدبه بلذة نفسه، وإمتاع وجدانه، فلا يترنم بقصائده في ~~المنتديات والمجامع، ولا يبتاع من الصحف الأسماء والألقاب، ولا يستخدم الكتاب ~~لإطرائه والإشادة بذكره، ولا يتمم ما يجده في النقص في أدبه بالغض من أدب غيره. ~~فترى للأول في هذا البلد الساذج دويا كدوي الرعد، وترى الآخر مطرحا مجفوا لا ~~يؤبه له، والدر في الصدف أغلى قيمة وأرفع قدرا من جميع ما على وجه الأرض من ألواح ~~البلور، وإن كان ملء العيون حسنا وبهاء، ورونقا وماء. # فكاهة # حدثني بعض الأصدقاء أنه دخل في أيام الحرب ms348 الروسية اليابانية حانوت حلاق معروف ~~بالثرثرة أكثر من أفراد طائفته، ليحلق له رأسه، وكان عنده جماعة من زائريه، فأجلسه ~~على كرسي أمام مرآة، وأمسك بالموسى وأنشأ يحلق له رأسه حلقا غريبا لا عهد له ~~بمثله من قبل، فكان يحلق بقعة ويترك إلى جانبها أخرى مستطيلة أو مستديرة، وأخرى ~~مثلثة أو مربعة حتى ريع الرجل وظن أن الحلاق قد أصابه مس من الجنون، فارتعش بين ~~يديه، وخاف أن يمتد به جنونه إلى ما لا تحمد عقباه، واعتقل لسانه، فما يستطيع أن ~~يسأله عن سر عمله هذا. # فما انتهى الحلاق من أشكاله الهندسية، ورسومه الجغرافية حتى التفت إلى جلسائه ~~وقال لهم كأنه يتمم حديثا سابقا بينه وبينهم: «لأجل فض النزاع بيننا ها قد رسمت ~~لكم خريطة الحرب الروسية اليابانية في رأس الزبون، هنا طوكيو، وهنا بور أرثر، وهنا ~~انكسر كروباتكين، وهنا انتصر أوياما، وفي هذا الخط مر الأسطول الروسي، وفي هذه ~~البقعة تلاقى الأسطولان.» # وهنا أخذ يتكلم بحدة وحماسة عن شجاعة اليابانيين وبسالتهم، ثم أردف كلامه ~~بقوله: «وفي هذه البقعة ضرب اليابانيون الروس الضربة القاضية.» وضرب بجمع يده أم ~~رأس الزبون، فقام صارخا يولول ويهرول مكشوف الرأس يلعن السياسة والسياسيين، والروس ~~واليابانيين، والناس أجمعين! # لا أعلم إن كان المحدث هازلا أو مجدا، وإنما أعلم أنه قد أجاد التمثيل. # الأقسام # لا أعرف فرقا بين حنث الحانث في يمينه، وكذب الكاذب في حديثه، كلاهما ضعيف ~~المنة، وكلاهما ساقط الهمة. وكما لا يستطيع الكاذب أن يكون صادقا، كذلك لا يستطيع ~~الحانث أن يكون بارا، وناقض العهد أن يكون وفيا. فخداع من المتكلم أن يزعم أن ~~لأحاديثه من الشأن في مواقف الأقسام ما ليس لها في غير تلك المواقف، وأنه يتحرج في ~~الحنث ما لا يتحرج في الكذب؛ فإن من يستصغر جرم الكذب لا يستكبر من بعده ~~جرما. # الدين # أيها الناشئ، إن من الناس قوما قد ضعفت نفوسهم عن احتمال ثقل الدين، وسلطان ~~أمره ونهيه، فخرجوا عليه ونبذوا طاعته. ثم علموا أن الناس سيأخذون عليهم ضعفهم ms349 ~~وعجزهم، فلم يجدوا معذرة يعتذرون بها إليهم غير دعوى إنكار الدين استثقالا ~~وتبرما، لا تقلدا وتمذهبا، وما هم بمنكريه ولا جاحديه. فاعلم أن الله سيبتليك ~~بهم، وأنهم سيزينون لك إنكار ما يزعمون أنهم ينكرونه، وسيخيلون إليك أنك لن تستطيع ~~أن تبلغ ما تريد من هذه المدنية الحاضرة، وأن تنال الحظوة الباسقة في نفوس أصحابها ~~إلا إذا تنكرت لدينك وتسلبت منه، وخفرت ذمته. فاحرص الحرص كله على أن لا يعلق بنفسك ~~عالق من هذه الخيالات الباطلة. واعلم أنك إلى نفسك أحوج منك إلى الناس، وأن ~~الناس لا يغنون عنك من الله شيئا إن أنت آثرت مرضاتهم على مرضاته، وأن هذه ~~الحياة الحافلة بصنوف الشقاء وأنواع الآلام، والتي لا يفيق المرء فيها من غمرة إلا ~~إلى غمرة، ولا يئل من عثرة إلا إلى عثرة، لا يعين عليها إلا عقيدة راسخة يلوذ ~~بها الحائر كلما عثرت خطواته، وتداركت عثراته، ويستروح من أعطافها رائحة الجنة كلما ~~ضاق ذرعه باحتمال جحيم العذاب. # الحقيقة # قال لي بعض الناس: «إن قوما يغرقون في مدحك فهلا زجرتهم؟» فقلت له: «إن ~~آخرين قد أغرقوا في ذمي فلم أصنع شيئا فدع الأكاذيب يقرع بعضها بعضا، فربما ~~استطارت من تلك المعركة شرارة تضيء للناس مكان جوهرة الحقيقة المذالة تحت الأقدام ~~فيلتقطونها.» # الانتقاد # بين نقد المؤلفات هنا ونقدها هناك فرقان: أحدهما يتعلق بالناقد، والآخر يتعلق ~~بأثر النقد في الأذهان، أما الأول؛ فهو أن الناقد هنالك ينتقد الكتاب من حيث ~~ذاته، فلو لم يكن للكتاب صاحب لانتقده، وهنا ينتقده باعتبار شخص مؤلفه؛ أي إنه لا ~~ينتقد الكتاب، بل صاحب الكتاب في كتابه. وأما الثاني وهو أثر طبيعي للأول؛ فهو أن ~~للانتقاد هناك أثرا ظاهرا في الكتاب من حيث رواجه وكساده، وشهرته وخموله، فكما ~~يقول المنتقد يقول الناس بقوله، وهنا يمر الانتقاد بالأذهان مرا، فلا يبقى من ~~آثاره فيها إلا أثر واحد، وهو أن الكتاب جليل القدر، سني القيمة، ولولا ذلك ما ~~احتفل بأمره محتفل؛ لذلك رأيت كثيرا من عقلاء الأدباء لا يرضون عن ms350 أنفسهم في هذا ~~البلد إلا إذا انتقد الناقدون مؤلفاتهم. بل رأيت من يتوسل إلى أحد الناقدين أن ~~ينتقد مؤلفه. بل رأيت من يبلغ به الأمر أن ينتقد كتابه بنفسه بتوقيع منحول. أولئك ~~الذين يعرفون قيمة المنتقدين عندنا، وأثر انتقاداتهم في نفوسنا. أما الذين يغضبهم ~~الانتقاد ويحرج صدورهم، فهم الذين لا يعرفون من هذا ولا ذاك شيئا. # الحزم # إن الدرهم الذي تمنحه لمن لا يستحقه، يخرج من يدك فلا تجده في اليوم الذي ترى ~~فيه أمامك من يستحقه، وإن الدينار الذي تعطيه الشارب ليشتري به كأسا يقتل بها ~~نفسه، لا يتيسر لك أن تعطيه الفقير العائل ليشتري به رغيفا يسد به جوعة ~~ولده. # الألم # إن في كثير من الآلام التي نعالجها لذائذ ومسرات يدركها من عرف أن الإنسان ~~بطبيعته غافل عما يهدده من مصائب هذه الحياة وأرزائها، وأن الآلام الضعيفة التي ~~تناله من العثرات الصغيرة، نذر تأتيه من عالم الغيب لتحذره من الآلام الشديدة التي ~~تناله من السقطات الكبيرة. # الغفران # ليس الحقد واحتمال الضغينة غريزة من الغرائز اللازمة للإنسان، فإن الرجل قد يصفح ~~عن سيئات الأطفال؛ لأنهم لا يملكون الخيار لأنفسهم، ويذكر لأصحاب السيئات من الموتى ~~حسناتهم؛ لأن الزمن الذي ذهب بهم ذهب بخيرهم وشرهم، فلم لا نغتفر ذنوب أولئك الذين ~~ما أذنبوا إلا بعد حرب مستعرة قامت بين عقولهم وقلوبهم، ثم سقطوا على أثرها صرعى ~~لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا. # الدعوى # إن أردت أن تكون في الأمة الجاهلة كل شيء فادع لنفسك كل شيء، تنل بقولك ~~في الزمن القصير ما لا ينال غيرك بفعله في الزمن الطويل، فإن الكاذب لا يزال يكذب ~~حتى يصدقه الناس، ثم لا يزال يكذب حتى يصدق نفسه! # الدين والوطن # من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرا ~~فاجرا، فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر، وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، ~~فمن لم يحرص عليها فأحر به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران. # الحلم # إذا ms351 توردك متورد بكلمة سوء فلا تبتئس بها، فإنك في موقفك هذا بين اثنتين، إما ~~أن يكون الرجل صادقا فيما يقول أو كاذبا، فإن كانت الأولى فاحمد الله تعالى على ~~أن قيض لك من أرشدك إلى عيبك، وكشف لك عن خبيئة نفسك، وإن كانت الأخرى فاربأ ~~بنفسك أن تكون من الجاهلين الذين يتوهمون أن في استطاعة الأكاذيب أن تبقى طويلا ~~على ظهر الأرض. # الأدب # لا تكافئ السفيه على سفهه بمثله، فإنك إن فعلت قضيت له على نفسك، وأصبحت شريكه ~~في الخلة التي تزعم أنك تنقمها عليه، فإن كنت لا بد منتقما، فليكن مثلك مثل ~~الأحنف بن قيس، إذ جاءه رجل قد جعل له بعض الناس جعلا على أن يغضبه، فما زال يسبه ~~ويشتمه ويلح في ذلك إلحاحا محرجا، والأحنف ساكت لا يقول شيئا حتى ضاق بالرجل ~~أمره، فانقلب إلى قومه باكيا نادبا يأكل أصبعه أكلا ويقول: «والله ما سكت عني ~~إلا لهواني عليه!» # الأخلاق # مثل المتعلم غير المتأدب كمثل شجرة عارية لا تورق ولا تثمر، قد انتصبت للناس في ~~ملتقى الطرق تعترض الرائح وتصد سبيل الغادي، فلا الناس بظلها يستظلون، ولا هم من ~~شرها ناجون. # الاعتدال # بين الجبن والتهور منزلة هي الشجاعة والإقدام، وبين البخل والإسراف منزلة هي ~~الكرم، وبين العفو والانتقام منزلة هي العقوبة، وبين العجز والجهل منزلة هي الحكمة، ~~فليكن من أفضل ما تأخذ به نفسك التريث والتثبت عند النظر في الفرق بين مشتبه ~~الفضائل والرذائل، واعلم أنك لا تزال كريما حتى تنفق مالك في غير موضعه فإذا أنت ~~مسرف، وأنك لا تزال حليما حتى تغضب للباطل فإذا أنت جهول، وأنك لا تزال جبانا ~~حتى تقاتل عن عرضك وشرفك فإذا أنت شجاع. وأن كل الناس يعرفون الفضائل والرذائل ~~ويفهمون معانيها، أما إدراك الفروق بين مشتبهاتها ونظائرها فتلك رتبة العقلاء ~~الأذكياء. # البر # ربما كان لك من أبويك، أو من ذوي رحمك ممن تولوا شأنك في مفتتح عمرك من لم ~~تساعده شئون دهره، أو عصور نشأته على أن ينال حظا من ms352 العلم والمعرفة مثل ما نلت، ~~فإياك أن يدعوك ذلك إلى تسفيهه أو تجبيهه، أو السخرية به، أو الإدلال عليه! فإنك ~~إن فعلت خسرت من الأدب أضعاف ما كسبت من العلم. على أنه ربما كان لكبيرك هذا - ~~الذي عققته وظلمته وكفرت بفضل نعمته عليك - من العلم بتجارب الحياة ومقاتلها، ~~وموارد الأمور ومصادرها ما يبهر علمك الذي تعتد به، وتدل بمكانك منه عليه، وهنالك ~~تكون قد خسرت فوق خسران أدبك، ما كان خليقا بك أن تتلقاه بين يديه من علوم ~~التجارب، التي ليست علوم الدراسة بالإضافة إليها إلا كالنقطة من البحر، والمدرة من ~~القفر. # الرأي العام # ليس إجماع ألف، أو عشرة آلاف، أو مائة ألف متأثرين بشعور واحد مستمدين من روح ~~واحدة على رأي من الآراء، دليلا على صحة ذلك الرأي؛ لأنه قد يكون رأي فرد واحد ~~تأثر به الباقون تقليدا وعدوى، ورأي الواحد مترجح بين الخطأ والصواب. # الزعامة # لا يشترط في قيادة الجموع أن يكون القائد مفرطا في الذكاء أو العقل أو الدهاء، ~~بل يكفيه من ذلك كله شيء من العلم بأذواق أتباعه وميولهم، وسبل الوصول إلى قلوبهم، ~~لا يزيد على علم التاجر بأذواق زبائنه ورغباتهم. # الاستقلال # لا سبيل للإنسان إلى الخلاص من الاندفاع في تيار الجماعات وضلالها - مهما كان ~~ذكيا أو مفكرا - إلا إذا حبس نفسه عن الانضمام إليها، أو كان له من عزيمة الرأي، ~~وقوة النفس ما يمكنه من تربية نفسه على التجرد حتى يصير طبيعة له، فيحضرها شاهدا ~~كغائب، ومجتمعا كمنفرد. # روح الاجتماع # ليس حب الجماعة لبعض الناس وبغضهم لآخرين دليلا على رفعة من يحبون وضعة من ~~يبغضون، وليست جرائمهم التي يقترفونها باسم الشعور الذي يشتركون فيه دليلا على أن ~~من يقتلون يستحق القتل، أو من يشتمون يستحق الشتم، أو من يحتقرون يستحق الاحتقار، ~~بل كثيرا ما تكون الحقيقة على العكس من ذلك عندما يكون قائد تلك الجماعة من أشرار ~~الناس وأدنيائهم. # الاندفاع # ليس انضمام فرد من أذكياء الناس وعقلائهم إلى جماعة من الجماعات دليلا على فضل ~~تلك ms353 الجماعة، أو شرف مقاصدها، أو صحة مبادئها؛ لأنه لا يجتاز عتبة مجتمعها إلا بعد ~~أن يخلع عقله ومواهبه مع ردائه وعصاه خارج بابه. # الشقاء # السبب في شقاء الإنسان أنه دائما يزهد في سعادة يومه، ويلهو عنها بما يتطلع إليه ~~من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرا من يومه. فهو لا ينفك شقيا ~~في حاضره وماضيه! # اللفظ والمعنى # لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي الذين يفرقون في ~~أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة الآخر؛ فيقولون: ~~«ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها رديئة!» أو «ما أبدع معاني هذه القطعة ~~وإن كان أسلوبها قبيحا!» كأنما يخيل إليهم أن اللفظ وعاء، وأن المعنى سائل من ~~السوائل يملأ ذلك الوعاء، فتارة يكون خمرا، وتارة يكون خلا، ويكون حينا صافيا، ~~وأخرى كدرا، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها، ~~فكما لا يجوز أن نقول: «ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها! ولا ما أعذب الخمرة وأمر ~~نشوتها!» كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال، والمعنى بالقبح أو نعكس ذلك. وليعلم ~~الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيان مستقل بنفسه، فجماله جمال معناه، وقبحه قبحه، ~~وأن القطع الأدبية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها، ~~وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة ~~المضطربة تشتمل على معان شريفة عالية، كاذبون في زعمهم أو واهمون. # | الجزء الثالث # | البيان # أعرف أديبا من أفضل الأدباء في هذا البلد، المضطلعين باللغة وفنونها، الحافظين ~~للكثير الممتع من منظومها ومنثورها، إلا أنه لا يكتب كلمة في صحيفة ولا ينشر في الناس ~~كتابا، إلا أعجم كتابته وأبهمها، وتعمل فيها تعملا يأخذ على القارئ عقله وفهمه، فلا ~~يدري أي سبيل يأخذ بين مسالكها وشعابها، وكنت أحسبها غريزة من غرائزه الغالبة عليه، ~~الآخذة من نفسه مأخذ الطبيعة الثابتة، والملكة الراسخة، فلا سبيل له إلى التخلص ~~منها، والنزوع عنها. حتى اطلعت له عند بعض ms354 أصدقائه على كتاب صغير كان قد أرسله إليه في ~~بعض الشئون الخاصة وكتبه بتلك اللغة السهلة البسيطة التي يسمونها اللغة ~~العادية، فأعجبت بأسلوبه في كتابه هذا إعجابا كثيرا، ورأيت أنه أبلغ ما قرأت له في ~~حياتي من كتب ورسائل، وعلمت أن الرجل فصيح بفطرته، قادر على الإبانة عن أغراضه ~~ومراميه كأفضل ما يقتدر مقتدر على ذلك، إلا أنه يتكلف الركة والتعقيد في كتابته ~~تكلفا، ويأخذ نفسه أخذا على ذلك. ولو أنه أرسل نفسه على سجيتها فكتب جميع رسائله ~~ومؤلفاته بتلك اللغة الجميلة العذبة التي كتب بها كتابه هذا، لكان من أعظم الكتاب ~~شأنا وأكثرهم نفعا، وأرفعهم صوتا في عالم الكتابة والأدب، ولكن هكذا قدر له أن ~~يقضي بنفسه على نفسه. # وقرأت منذ أيام لأحد الشعراء المتكلفين ديوان شعر فلم أفهم منه غير خطبته النثرية ~~ولم يعجبني فيه سواها، وما أحسبها أفلتت من يده، ولا جاءت على هذه الصورة من الجودة ~~والحسن إلا لأنه أغفل العناية بها والتدقيق في وضعها، فأرسلها عفو الخاطر إرسال من يعلم ~~أنه إنما يسأل عن الإجادة في الشعر، لا عن البراعة في النثر، وأن الناس سيغتفرون له ~~ضعف الكاتب أمام قوة الشاعر، غير عالم أنه كاتب من أفصح الكتاب وأبينهم، ولو شاء ~~لكان شاعرا من أقدر الشعراء وأفضلهم، وأنه ما أحسن إلا حيث ظن الإساءة، ولا أساء إلا ~~حيث ظن الإحسان. # ووالله لا أدري ما الذي يستفيده هؤلاء الأدباء من سلوكهم هذا المسلك الوعر الخشن في ~~أساليبهم الكتابية والشعرية، وتكلف الإغراب والتعقيد فيها، وهم يعلمون أنهم إنما ~~يكتبون للناس لا لأنفسهم، وأن الناس - خصوصا في هذا العصر؛ عصر المدنية والعمل ~~والحركة والنشاط - أضن بأنفسهم وبأوقاتهم من أن يقفوا الوقفات الطوال أمام بيت من ~~الشعر يعالجون فهمه، أو سطر من النثر يعانون كسر صخور ألفاظه عن كوامن معانيه، ولم لا ~~يؤثر أحدهم إن كان يكتب للمنفعة العامة أن يستكثر من سواد المنتفعين بعلمه وفضله، أو ~~للشهرة والذكر، أن ينتشر له ما يريد من ذلك بين جميع طبقات ms355 الأمة عامتها وخاصتها، ~~علمائها وجهلائها. وهل الشعر والكتابة إلا أحاديث سائرة يحادث بها الشعراء والكتاب ~~الناس ليفضوا إليهم بخواطر أفكارهم، وسوانح آرائهم، وخلجات نفوسهم، وهل يعني المتحدث ~~في حديثه شيء سوى أن يعي عنه الناس ما يقول، وأن يجد بين يديه سامعا مصغيا، ومقبلا ~~محتفلا؟ # وأي فرق بين أن يجلس الرجل إلى جمع من أصدقائه ليقص عليهم بعض القصص، أو يفضي إليهم ~~ببعض الآراء، فيتلطف في تفهيمهم، وإيصال معانيه إلى نفوسهم، ويفتن في اجتذاب ميولهم ~~وعواطفهم، وبين أن يجلس إلى مكتبه ليبعث إليهم بهذه الأحاديث نفسها من طريق القلم، ولم ~~لا يعنيه في الأخرى ما يعنيه في الأولى؟ # ليس البيان ميدانا يتبارى فيه اللغويون والحفاظ أيهم أكثر مادة في اللغة، وأوسع ~~اطلاعا على مفرداتها وتراكيبها، وأقدر على استظهار نوادرها وشواذها، ومترادفها ~~ومتواردها، ولا متحفا لصور الأساليب وأنواع التراكيب، ولا مخزنا لأحمال المجازات ~~والاستعارات، وحقائب الشواهد والأمثال، فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره، إنما ~~يعنى بها المؤلفون والمدونون وأصحاب القواميس والمعاجم، وواضعو كتب المترادفات، ومصنفو ~~فقه اللغة وتاريخ أدبها، أما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس تصويرا صادقا ~~يمثله في ذهن السامع كأنه يراه ويلمسه لا يزيد على ذلك شيئا. فإن عجز الشاعر أو الكاتب ~~- مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه - عن أن يصل بسامعه إلى هذه الغاية فهو إن شئت ~~أعلم العلماء، أو أفضل الفضلاء، أو أذكى الأذكياء، ولكنه ليس بالشاعر ولا ~~بالكاتب. # ما أشبه الجمود اللغوي في هذه البيئة العربية بالجمود الديني! وما أشبه نتيجة الأول ~~بنتيجة الآخر! # لم يزل علماء الدين يتشددون فيه ويتنطعون، ويقتطون من هضبته الشماء صخورا صماء ~~يضعونها عقبة في سبيل المدنية والحضارة؛ حتى صيروه عبئا ثقيلا على كواهل الناس ~~وعواتقهم، فمله الكثير منهم، وبرموا به، وأخذوا يطلبون لأنفسهم الحياة الطيبة من طريق ~~غير طريقه، ولو أنهم لانوا به مع الزمان وصروفه، وتمشوا بأوامره ونواهيه مع شئون ~~المجتمع وأحواله، لاستطاع الناس أن يجمعوا بين الأخذ بأسباب دينهم، والأخذ بأسباب ~~دنياهم. # ولم يزل ms356 جماعة اللغويين وعبدة الألفاظ والصور يتشددون في اللغة ويتحذلقون، ويتشبثون ~~بالأساليب القديمة والتراكيب الوحشية، ويغالون في محاكاتها واحتذائها، ويأبون على الناس ~~إلا أن يجمدوا معهم حيث جمدوا، وينزلون على حكمهم فيما أرادوا، ويحاسبون الكاتبين ~~والناطقين حسابا شديدا على الكلمة الغريبة والمعنى المبتكر، ويقيمون المناحات السوداء ~~على كل تشبيه لم تعرفه العرب، وكل خيال لم يمر بأذهانهم، حتى ملهم الناس وملوا اللغة ~~معهم، فتمردوا عليهم وخلعوا طاعتهم، وطلبوا لأنفسهم الحرية اللغوية التامة في جميع ~~مواقفهم وعلائقهم، فسقطوا في اللغة العامية في أحاديثهم، وشبه العامية في كتاباتهم، ~~وكادت تنقطع الصلة بين الأمة ولغتها، لولا أن تداركها الله برحمته، فقيض لها هذا الفريق ~~العامل المستنير من شعراء العصر وكتابه الذين عرفوا سر البيان وأدركوا كنهه، فاتخذوا ~~لأنفسهم في مناحيهم الشعرية والكتابية أسلوبا وسطا معتدلا جمعوا فيه بين المحافظة ~~على اللغة وأوضاعها وأساليبها، وبين تمثيل روح العصر وتصوير صورة الحياة. ولولاهم لبقيت ~~اللغة في أيدي الجامدين فماتت، أو غلبت عليها العامية فاستحالت. ~~••• # قال لي أحد الأدباء المتكلفين في معرض الاعتذار عن نفسه وقد عتبت عليه في هذا ~~المنهج الخشن الوعر الذي ينهجه في أسلوبه: أنت تعلم أن الناس في هذا البلد قد ألفوا ~~من طريق خطأ الحس أن ينظروا بعين الإجلال والإعظام إلى كل أسلوب شعري أو كتابي معقد ~~غامض، وإن تفهت معانيه وهانت أغراضه، وبعين الازدراء والاحتقار إلى الأساليب السهلة ~~البسيطة، وإن اشتملت على أشرف الأغراض وأبرع المعاني؛ أي إنهم لا يرون السهولة ~~والانسجام حتى يتوهموا التفاهة والسفولة، ولا يرون الركاكة والمعاظلة حتى يظنوا الحذق ~~والبراعة وسمو المعاني وشرفها، وهي حالة طبيعية في جميع النفوس البشرية أن تزدري ~~المبذول لها، وتستسني قيمة الممنوع عنها. وليس هذا شأنهم مع أدباء العصر الحاضر فحسب، ~~بل مع أدباء كل عصر وجيل؛ فهم يسمون البحتري وأبا نواس، والشريف الرضي وأمثالهم شعراء ~~الألفاظ، ويسمون المتنبي، والمعري، وابن الرومي، وأشباههم شعراء المعاني وليس بين ~~الأولين والآخرين فرق في جودة المعاني وشرفها، إلا أن الأولين أمطروها على الناس ~~وبعثروها تحت ms357 أقدامهم فهانت عليهم، وضن بها الآخرون ووعروا سبيلها فعظمت في أعينهم، ~~وجلت في صدورهم. قال: ولقد عرضت السلعتين في سوق الأدب، فكتبت أتفه المعاني وأدونها ~~في أخشن الأساليب وأوعرها فنفقت في تلك السوق نفاقا عظيما، وكثر المعجبون بها ~~والمكبرون لها. وكتبت أشرف المعاني وأبرعها في ألطف الأساليب وأعذبها، فما أبه لها ~~إلا القليل من الناس، وربما لم يأبه لها أحد، فلم أر بدا من أن أنتهج لنفسي في ~~الكتابة الخطة التي أعلم أنها أجدر بي وأجدى علي. # فعجبت لرأيه هذا عجبا شديدا، وقلت له: أما هذا الذي تذكره فإني لا أعرفه إلا لفئة ~~قليلة من القراء فاسدة الذوق، لا يعبأ بها عابئ، وليس هذا رأي جمهور المتأدبين، بل ولا ~~رأي العامة من أبناء هذه اللغة. وهب أن الأمر كما تقول، فالأدب ليس سلعة من السلع ~~التجارية لا هم لصاحبها سوى أن يحتال لنفاقها في سوقها. إنما الأدب فن شريف يجب أن ~~يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص غيرهم من المشتغلين ببقية الفنون ~~لفنونهم. والأدباء هم قادة الجماهير وزعماؤهم، فلا يجمل بهم أن ينقادوا للجماهير ~~وينزلوا على حكمهم في جهالاتهم وفساد تصوراتهم. ولم أزل به حتى أذعن للرأي الذي رأيته ~~له، فحمدت الله على ذلك ~~••• # ليس من الرأي ولا من المعقول أن ينظم الشعراء ويكتب الكتاب الرسائل في هذا العصر - ~~عصر الحضارة والمدنية - وبين هذا الجمهور الذي لا يعرف أكثر من العامية إلا قليلا ~~باللغة التي كان ينظم بها امرؤ القيس، وطرفة، والقطامي، والخطفي، ورؤبة، والعجاج، ويكتب ~~بها الحجاج، وزياد، وعبد الملك بن مروان، والجاحظ، والمعري، في عصور العربية الأولى، ~~فليس عصرنا كعصرهم، ولا جمهورنا كجمهورهم، وأحسب لو أنهم نشروا اليوم من أجداثهم لما ~~كان لهم بد من أن ينزلوا إلى عالمنا الذي نعيش فيه ليخاطبونا بما نفهم، أو يعودوا إلى ~~مراقدهم من حيث جاءوا. # ليست الأساليب اللغوية دينا يجب أن نتمسك به ونحرص عليه حرص النفس على الحياة، إنما ~~هي أداة للفهم وطريق إليه، لا تزيد على ms358 ذلك ولا تنقص شيئا. # يجب أن نحافظ على اللغة باتباع قوانينها والتمسك بأوضاعها ومميزاتها الخاصة بها، ثم ~~نكون أحرارا بعد ذلك في التصور والتخيل واختيار الأسلوب الذي نريد. # يجب أن يشف اللفظ عن المعنى شفوف الكأس الصافية عن الشراب، حتى لا يرى الرائي بين ~~يديه سوى عقل الكاتب ونفس الشاعر، وحتى لا يكون للمادة اللفظية شأن عنده أكثر مما يكون ~~للمرآة من الشأن في تمثيل الصور والمخائل. # يجب أن يتمثل المعنى في ذهن المتكلم قبل أن يتمثل اللفظ، حتى إذا حسن الأول أفاض على ~~الثاني جماله ورونقه، فاللفظ لا يجمل حتى يجمل المعنى، بل لا مفهوم للفظ الجميل إلا ~~المعنى الجميل. # لو لم يكن للفصاحة قانون يرجع إليه من يريد معرفتها، ومقياس تقاس عليه، لوجب أن يكون ~~قانونها العقلي أن يترك القائل في نفس السامع الأثر الذي يريده. فإن عجز عن ذلك فلا أقل ~~من أن يصور له المعنى القائم في نفسه. فإن لم يكن هذا ولا ذاك فاحتراف أية حرفة من ~~الحرف - مهما صغر قدرها واتضع شأنها - أعود بالنفع على الأمة وأجدى عليها من حرفة ~~القلم. # لا يبك شاعر بعد اليوم ولا كاتب سقوط حظه في الأمة، ولا يقضي حياته ناعيا عليها ~~جهلها وقصورها كلما رآها منقبضة عنه غير حافلة به ولا مصغية إليه، فالأمة قد ارتقت ~~واستنارت، وأصبحت طماحة متطلعة، لا يقنعها من قلم الشاعر أن يرن على صفحة القرطاس ~~بدون أن يطربها ويملك عواطفها، ولا من قلم الكاتب أن يسود بياض الصحف بدون أن يثير ~~لها أذهانها، ويغذي عقولها ومداركها، فإن كان لا بد باكيا فليبك على نفسه، ولينع ~~عجزه وقصوره، وليعلم أنه لو استطاع أن يكتب للأمة ما تفهم لاستطاعت الأمة أن تفهم عنه ~~ما يقول. # إنني لا ألوم على الركاكة والفهاهة الأغبياء الذين أظلمت أذهانهم، فأظلمت أقلامهم - ~~وظلمة القلم أثر من آثار ظلمة العقل - ولا الجاهلين الذين لم يدرسوا قوانين اللغة ولم ~~يمارسوا أدبها، ولم يتشبعوا بروح منظومها ومنثورها، ولا العاجزين الذين غلبتهم إحدى ~~اللغات ms359 الأعجمية على أمرهم فأصبحوا إذا ترجموا ترجموا ترجمة حرفية ليس فيها مميز ~~واحد من مميزات العربية، ولا خاصة من خواصها، وإذا كتبوا كتبوا بأسلوب عربي الحروف ~~أعجمي كل شيء بعد ذلك. فهؤلاء جميعا لا حول لنا فيهم ولا حيلة، لأنهم لا يستطيعون أن ~~يكونوا غير ذلك، إنما ألوم المتأدبين القادرين الذين عرفوا اللغة واطلعوا على أدبها، ~~وفهموا سر فصاحتها. وأنقم منهم عدولهم عن المحجة في البيان إلى الجمجمة ~~والغمغمة فيه، وأنعي عليهم نقص القادرين على التمام. # | الناشئ الفقير # لي ولد وحيد في السابعة من عمره لا أستطيع على حبي إياه وافتتاني به أن أتركه من ~~بعدي غنيا؛ لأني فقير، وما أنا بآسف على ذلك ولا مبتئس، لأني أرجو - بفضل الله ~~وعونه ورحمته وإحسانه - أن أترك له ثروة من العقل والأدب، هي عندي خير ألف مرة من ثروة ~~الفضة والذهب. # أحب أن ينشأ معتمدا على نفسه في تحصيل رزقه وتكوين حياته لا على أي شيء آخر، حتى ~~على الثروة التي يتركها له أبوه، ومن نشأ هذا المنشأ وألف ألا يأكل إلا من الخبز ~~الذي يصنعه بيده نشأ عزوفا عفيفا مترفعا لا يتطلع إلى ما في يد غيره، ولا يستعذب طعم ~~الصدقة والإحسان. # أحب أن ينشأ رجلا، ولا سبيل إلى الرجولة إلا من ناحية العمل. وقلما يعمل العامل إلا ~~بسائق من الضرورة، ودافع من الحاجة، وفرق بين الغني الذي يعمل لتنمية ثروته وتعظيم ~~شأنها شرها وفضولا، وبين الفقير الذي يعمل لتحصيل قوته، وتقويم أود حياته. # أحب أن يعيش فردا من أفراد هذا المجتمع الهائل المعترك في ميدان الحياة، يصارع العيش ~~ويغالبه، ويزاحم العاملين بمنكبيه، ويفكر ويتروى، ويجرب ويختبر، ويقارن الأمور بأشباهها ~~ونظائرها، ويستنتج نتائج الأشياء من مقدماتها، ويعثر مرة وينهض أخرى، ويخطئ ويصيب ~~أحيانا، فمن لا يخطئ لا يصيب، ومن لا يعثر لا ينهض، حتى تستقيم له شئون حياته. # ذلك خير له من أن يجلس في شرفة من شرف قصره مطلا على العاملين والمجاهدين يمتع ~~نظره بمرآهم كأنما يشاهد رواية تمثيلية في ms360 أحد ملاعب التمثيل. # أحب أن يمر بجميع الطبقات، ويخالط جميع الناس، ويذوق مرارة العيش، ويشاهد بعينيه بؤس ~~البؤساء، وشقاء الأشقياء، ويسمع بأذنه أنات المتألمين، وزفرات المتوجعين؛ ليشكر الله ~~على نعمته إن كان خيرا منهم، ويشاركهم في همومهم وآلامهم إن كان حظه في الحياة مثل ~~حظهم، ولتنمو في نفسه عاطفة الرفق والرحمة، فيعطف على الفقير عطف الأخ على الأخ، ويرحم ~~المسكين رحمة الحميم للحميم. # أما الغني الذي لم يذق طعم الفقر في حياته فقلما يشعر بآلام الناس ومصائبهم، أو يعطف ~~على بأسائهم وضرائهم. فإن حاول يوما أن يمد يده بالمعونة إلى بائس أو منكوب، فعل ذلك ~~متفضلا ممتنا لا راحما ولا متألما. # والألم هو الينبوع الذي تتفجر منه جميع عواطف الخير والإحسان في الأرض، وهو الصلة ~~الكبرى بين أفراد المجتمع الإنساني، والجامعة الوحيدة التي تجمع بين طبقاته وأجناسه، بل ~~معنى الإنسانية وروحها وجوهرها، فمن حرمه حرم كل فضيلة من فضائل النفس، وكل ~~مكرمة من مكرماتها، وأصبح بالصخرة الصلدة أشبه منه بالإنسان الناطق. # أحب أن يجوع ليجد لذة الشبع، ويظمأ ليستعذب طعم الري، ويتعب ليشعر ببرد الراحة، ويسهر ~~لينام ملء جفونه؛ أي إنني أحب له السعادة الحقيقة التي لا سعادة في الدنيا ~~سواها. # وما السعادة في الدنيا إلا لمحات كلمحات البرق تخفق حينا بعد حين في ظلمات الشقاء، ~~فمن لا يرى تلك الظلمات لا يراها. وأشقى الأشقياء أولئك المترفون الناعمون الذين ~~يوافيهم الدهر بجميع لذائذهم ومشتهياتهم، فلا يزالون يمعنون فيها ويتقلبون في جنباتها ~~حتى يستنفدوها، فيستولي على عقولهم مرض السآمة والضجر، فيتألمون من الراحة أكثر مما ~~يتألم التعب من التعب، ويقاسون من عذاب الوجود أكثر مما يقاسي المحروم من عذاب ~~الحرمان، وقد تدفعهم تلك الحالة إلى الإلمام بمشتهيات غريبة لا تتفق مع الطبيعة ~~البشرية، ولا تدخل تحت حكمها تفريجا لكربتهم، وتنفيسا عن أنفسهم. وما هؤلاء المساكين ~~الذين نراهم سهارى طوال لياليهم في ملاعب القمار ومجالس الشراب ومواقف الرهان إلا جماعة ~~الفارين من سجون السآمة والملل، يعالجون الداء بالداء ، ويفرون من الموت إلى ms361 ~~الموت. # أحب أن يكون غنيا بالمعنى الحقيقي لا بالمعنى الاصطلاحي؛ أي أن يكون مستغنيا بنفسه ~~عن غيره لا كثير المال والثراء. وما سمي المال غنى إلا باعتبار أنه وسيلة إلى ~~الغنى وطريق إليه، وهو اعتبار خطأ، ما في ذلك ريب؛ فإن أكثر الناس فقرا إلى المال ~~وأشدهم ولعا بإحرازه وأعظمهم مخاطرة بكرامتهم وفضائل نفوسهم في سبيله هم الأغنياء، ~~أصحاب المال والثراء، وإن كان في الدنيا شيء يسمى قناعة واعتدالا فهو في جانب ~~الفقراء المقلين أكثر منه في جانب الأغنياء المكثرين. ولا يزال المرء يعتبر المال ~~وسيلة إلى الحياة وذريعة من ذرائعها حتى يكثر في يده، فإذا هو في نظره الحياة نفسها، ~~يجمعه ولا يدري ماذا يريد منه، ويعبده وهو لا يرجو ثوابه ولا يخشى عقابه، ويستكثر منه ~~وهو على ثقة من نفسه بأنه لا ينتفع بقليله فضلا عن كثيره. وإذا بلغ المرء في حالته ~~العقلية إلى درجة أن تنقلب في نظره حقائق الكون وتتغير نواميسه، فيرى الرءوس أذنابا ~~والأذناب رءوسا، والوسائل غايات والغايات وسائل، فقل على عقله السلام. # لا أكره أن ينشأ ولدي غنيا، ولا أحب أن أعرضه لمخاطر الفقر وآفاته، ولكني أخاف عليه ~~الغنى أكثر مما أخاف عليه الفقر. # أخاف عليه أن يعتد بالمال اعتدادا كثيرا، ويقدره فوق قدره، ويعتبره الكمال الإنساني ~~كله، فلا يهتم بإصلاح أخلاقه وتهذيب نفسه، وألا يجد من حوله من عشرائه وخلطائه مرآة ~~يرى فيها هناته وعيوبه؛ لأن عشراء الأغنياء متملقون مداهنون، يطوون سيئاتهم ويزخرفون ~~حسناتهم. # أخاف عليه أن تستحيل نفسه إلى نفس مادية جامدة، لا تفهم من شئون الحياة غير المادة، ~~ولا تعنى بشيء سواها، فيصبح رجلا قاسيا صلبا، ميت النفس والعواطف، لا يرحم بائسا، ~~ولا يعطف على منكوب، ولا يرثي لأمة ولا يبكي على وطن، ولا يشترك في شأن من الشئون ~~العامة خيرها وشرها، ولا يعنيه - ما دام راضيا عن نفسه مغتبطا بحظه - أسقطت السماء ~~على الأرض أم بقيت في مكانها. # أخاف عليه أن يحتقر العلوم والآداب، ويزدري المواهب والعقول والفضائل والمزايا، فيصبح ms362 ~~عار أمته وشنارها، ووصمتها الخالدة التي لا تزول، ومن أشرب قلبه حب المال ونزل من نفسه ~~إلى قرارتها، لا يحترم غيره، ولا يقيم إلا لأربابه وزنا، ويخيل إليه أن من عداهم من ~~الناس لا قيمة لهم في الحياة، بل لا حق لهم في الوجود. # أخاف عليه إن تزوج أن يأبى الزواج إلا من غنية يرى أنها هي التي تليق بمقامه ومنزلته، ~~ومن اشترط الغنى في زوجة قلما تنزع نفسه إلى اشتراط شيء سواه، فيسقط في زواجه سقطة ~~يشقى بها طول حياته من حيث لا ينفعه ماله ولا جاهه. # أخاف عليه إن ولد ألا يجد بين أوقاته ساعة فراغ يتولى فيها النظر في تهذيب ولده ~~وتربيته، فيتركه صغيرا في أيدي الخدم، وكبيرا في أيدي عشراء السوء، فيصبح نكبته ~~الكبرى في حياته، وعاره الدائم بعد مماته. # أخاف عليه أن يقضي أيامه ولياليه مروعا مذعورا، خافق القلب، مستطار الفؤاد تقتله ~~الخسارة إن خسر، ويصعقه فوت الربح إن فاته، ويطير بنومه وهدوئه هبوط الأسعار، ونزول ~~الأسهم، وتقلبات الأسواق، وخسران القضايا، ومنازعات الخصوم، والآفات السماوية، والجوائح ~~الأرضية. # وما حزن الفقير الذي أنفق آخر درهم بيده من حيث لا يعرف له طريقا إلى سواه على نفسه ~~وعلى مستقبله، بأشد من حزن الغني الشحيح على الدرهم الذي نقص من مليونه، أو الذي كان ~~يؤمل أن يتمم به مليونه فلم يتح له. # وما ليلة البائس المسكين الذي يتصايح أولاده من حوله جوعا ولا يجد ما يسد به رمقهم، ~~بأطول من ليلة الغني الذي يسقط إليه الخبر بأن سلعة من سلعه قد نفقت، أو أن سهما من ~~أسهمه قد نزل. # وحدثني من رأى بعينه من جن وهو واقف ينظر إلى قصر من قصوره يحترق. وسمعت كثيرا ~~من حوادث المنتحرين والمصعوقين على أثر النكبات المالية والخسائر التجارية التي لا ~~تفقرهم ولا تصل بهم إلى درجة الإملاق، وكل أثرها عندهم أنها تنقلهم إلى منزلة في الغنى ~~أدنى من منزلتهم الأولى. # أخاف عليه أن يصبح واحدا من أولئك الوارثين المستهترين الذين لا ms363 عمل لهم في حياتهم ~~سوى هدم حياتهم بأيديهم، وهدم ما ترك لهم آباؤهم وأجدادهم من مال وجاه، فأندب حظي في ~~قبري وأقرع السن على أن لم أكن فارقت هذه الحياة لا مال لي فيها ولا ولد. # ولا أزال أذكر حتى الساعة أنني مررت بأحد شوارع القاهرة من بضع سنين، فرأيت في مكان ~~واحد منه منظرين مختلفين: رأيت غلاما من الوارثين جالسا بإحدى الحانات يمرح في ~~نعمائه، وآخر من المتشردين نائما تحت الرصيف على مقربة منه يضطرب في بأسائه. أما ~~الأول فقد كان جالسا بين مائدتي شراب وقمار، تسلب الأولى عقله والأخرى ماله، وقد أحاط ~~به جماعة من الخلعاء الماكرين يلعبون بعقله لعب الغلمان بالكرة في ميدانها، يضحكون ~~لنكاته، ويؤمنون على أقواله، ويصدقون أكاذيبه، ويتحركون بحركته، ويسكنون بسكونه، وهو ~~يقهقه بينهم قهقهة المجانين، ويصيح صياح الثعالب. وأما الثاني فقد كان عاريا إلا ~~قليلا يفتح إحدى عينيه من حين إلى حين كلما رنت في أذنه ضحكات هؤلاء السكارى ~~وضوضاؤهم، ويضم ركبتيه إلى صدره كلما أحس صوت مركبة مارة بجانبه، وقد يبسط كفه أحيانا ~~وهو مغتمض إن خيل إليه أن يدا تمتد إليه بالإحسان، ولا يد هناك ولا إحسان. # رأيت هذين المنظرين الغريبين المتناقضين، فثارت في نفسي في تلك الساعة عاطفتان ~~مختلفتان، عاطفة البغض والاحتقار للأول، وعاطفة الرحمة والشفقة على الثاني. وقلت في ~~نفسي: لو كان لي ولد وكان لا بد له من أن يكون أحد هذين الغلامين: إما الوارث الجالس ~~فوق الرصيف ينثر الذهب نثرا، أو المتشرد النائم تحته يسأل الناس لقمة فلا يجدها، ~~لفضلت أن أراه بين فئة المتشردين، على أن أراه بين فئة الوارثين؛ لأني أرجو له في ~~الأولى أن يجد بين الراحمين راحما يحسن إليه ويستنقذه من شقائه، ويأخذ بيده في طريق ~~الحياة الطيبة الصالحة، أما في الثانية فإني لا أرجو له شيئا. # إن للرحمة طيشا كطيش القسوة والشدة، وأطيش الراحمين ذلك الذي يستنفد أيام حياته في ~~جمع الثروة لأولاده دائبا ليله ونهاره لا يهدأ ولا يفتر، من حيث ms364 يغفل النظر في شأن ~~تربيتهم وتعليمهم ضنا بهم أن يزعج نفوسهم بشيء من تكليف الحياة وأعبائها، فإذا ذهب ~~لسبيله وخلى بينهم وبين ذلك المال الذي جمعه لهم لا يكون لهم من الشأن فيه أكثر مما ~~يكون لجماعة الحمالين في الأثقال التي يحملونها من مكان إلى آخر، فهم ينقلونه من ~~خزائنه شيئا فشيئا إلى خزائن الخمارين والمرابين والعاهرين حتى ينفد، فإذا فرغوا منه ~~جلسوا في عرصاتهم المقفرة جلسة الباكي الحزين، صفر الأكف، فارغي الجيوب، مطرقي الرءوس، ~~لا حول لهم ولا حيلة، قد أضاعوا حياتهم وحياة آبائهم وأجدادهم، وعدموا في عام واحد أو ~~عامين قرنا كاملا مجيدا من أعلاه إلى أسفله، ولا يعلم إلا الله ماذا يكون شأنهم بعد ~~ذلك. # ولو أن أباهم كان يرحمهم رحمة حقيقية ويشفق عليهم إشفاقا صحيحا لرحمهم من هذا ~~المصير المحزن، وضن بهم على هذا التراث المشئوم. # يقولون: إن الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات، وأنا أقول: إننا إذا ~~استطعنا أن نفهم الجريمة بمعناها الحقيقي، وألا ننخدع بصور الألفاظ وألوانها، علمنا ~~أن للأغنياء جرائم كجرائم الفقراء بل أشد منها خطرا وأعظم هولا. فإن كان بين ~~الفقراء اللصوص والقتلة والشطار والعيارون وقاطعو الطرق، فبين الأغنياء المحتالون، ~~والمزورون، والمغتصبون، والخائنون، والمداهنون، والممالئون، وأصحاب المعامل والشركات ~~الذين يغذون أجسامهم بدماء عمالهم، والتجار الذين يسرقون من الأمة في يوم واحد باسم ~~الحرية التجارية ما لا يسرقه منها جميع لصوص البلد وعياروه في شهر كامل، والقوام ~~والأوصياء الذين يرثون التركات من دون وارثيها، ويأكلون أموال اليتامى والمعتوهين باسم ~~صيانتها والمحافظة عليها، والسماسرة الذين يغتالون الأسواق بأجمعها، والمرابون الذين ~~يختلسون الثروات بأكملها، والسياسيون الذين يسرقون الممالك بحذافيرها. # على أن جرائم اللصوصية والسرقة والقتل ليست جرائم الفقر، بل جرائم الغنى، فلولا شح ~~الأغنياء بأموالهم وكلبهم عليها وحيازتها عن الفقراء، لما وجد في الأرض قاتل ولا ~~سارق ولا قاطع طريق. ولا يسرق السارق، ولا يسلب السالب، ولا يلص اللص، إلا جزءا ~~من حقه الذي كان يجب أن يكون له لو كان للمال زكاة، وللرحمة ms365 سبيل إلى الأفئدة ~~والقلوب. # ليفتح الأغنياء المدارس، وليبنوا الملاجئ، ولينشئوا المصانع والمعامل للعاطلين ~~والمتشردين، وليتعهدوا المنكوبين والساقطين في ميادين الحياة العامة بالمساعدة ~~والمعونة، فإن وجدوا بعد ذلك لصوصا أو قتلة أو مجرمين فليتهموا الفقر ولينعوا عليه ~~جرائمه وآثامه. # لا أريد أن أقول: إن الغنى علة فساد الأخلاق، وإن الفقر علة صلاحها، ولكن الذي ~~أستطيع أن أقوله عن تجربة واستقراء: إني رأيت كثيرا من أبناء الفقراء ناجحين، ولم أر ~~إلا قليلا من أبناء الأغنياء عاملين. # إن العلوم والمعارف، والمخترعات والمكتشفات، والمدنية الحديثة بأجمعها، حسنة من ~~حسنات الفقر، وثمرة من ثمراته، وما المداد الذي كتبت به المصنفات، ودونت به الآثار إلا ~~دموع البؤس والفاقة، وما الآراء السامية والأفكار الناضجة التي رفعت شأن المدنية ~~الحديثة إلى مستواها الحاضر إلا أبخرة الأدمغة المحترقة بنيران الهموم والأحزان، وما ~~انفجرت ينابيع الخيالات الشعرية والتصورات الفنية إلا من صدوع القلوب الكسيرة، والأفئدة ~~الحزينة، وما أشرقت شموس الذكاء والعقل في مشارق الأرض ومغاربها إلا من ظلمات الأكواخ ~~الحقيرة، والزوايا المهجورة، وما نبغ النابغون من فلاسفة وعلماء، وحكماء وأدباء، إلا في ~~مهود الفقر، وحجور الإملاق، ولولا الفقر ما كان الغنى، ولولا الشقاء ما وجدت ~~السعادة. # إن المجتمع الإنساني اليوم ميدان حرب يعترك فيه الناس ويقتتلون، لا يرحم أحد ~~أحدا، ولا يلوي مقبل على مدبر، يعدون ويسرعون، ويتصادمون ويتخبطون، ويأخذ بعضهم ~~بتلابيب بعض، كأنهم هاربون من معركة، أو مفلتون من مارستان، ودماء الشرف والفضيلة تسيل ~~على أقدامهم، وتموج موج البحر الزاخر يغرق فيه من يغرق وينجو من ينجو. # أتدرون لم سقطت الهيئة الاجتماعية هذا السقوط الهائل الذي لم تصل إلى مثله في دور من ~~أدوار حياتها الماضية؟ ولم هذا الجنون الاجتماعي الثائر في أدمغة الناس خاصتهم وعامتهم، ~~علمائهم وجهلائهم؟ ولم هذه الحروب القائمة، والثورات الدائمة، والقتال المستحر بين ~~البشر جماعات وأفرادا، وقبائل وشعوبا، وممالك ودولا؟ # لا سبب لذلك سوى شيء واحد: هو أن الناس يعتقدون اعتقادا خطأ أن المال معيار ~~السعادة وميزانها الذي توزن به، فهم يسعون إليه، لا من ms366 أجل الجمع والادخار، كما يجب أن ~~يكون، بل من أجل القوت وكفاف العيش، والمال في العالم كمية محدودة لا تكفي لملء جميع ~~الخزائن وتهدئة كافة المطامع، فهم يتناهبون به ويتصارعون من حوله كما تتصارع الكلاب حول ~~الجيف الملقاة، ويسمون عملهم هذا تنازع الحياة، أو تنازع البقاء، وما هو بالتنازع ولا ~~التناظر، إنما هو التفاني والتناحر، والدم السائل، والعدوان الدائم، والشقاء ~~الخالد. # والعلاج الوحيد لهذه الحال المخيفة المزعجة أن يفهم الناس ألا صلة بين المال وبين ~~السعادة، وأن الإفراط في الطلب شقاء، كالتقصير فيه، وأن سعادة العيش وهناءه وراحة ~~النفس وسكونها لا تأتي إلا من طريق واحد، وهو الاعتدال. ~~••• # الآن أستطيع غير خاش لوما ولا عتبا أن أقضي للناشئ الفقير على الناشئ الغني قضاء ~~لا مجاملة فيه ولا محاباة، ومن ذا الذي يجامل الفقراء ويحابيهم؟! وأن أقول للناشئ ~~الفقير: صبرا يا بني وعزاء، فإنك لم تخلق إلا للعمل، فاعمل واجتهد، ولا تعتمد في ~~حياتك إلا على نفسك، ولا تحصد غير الذي زرعته يدك، فإن لم تجد معلما يعلمك فعلم نفسك، ~~والزمن خير مؤدب ومهذب، وإن ضاقت بك المدارس فادرس في مدرسة الكون، ففيها علوم الحياة ~~بأجمعها، وإن كنت ممن لا يعدون وظائف الحكومة ومناصبها غنما عظيما كما يعدها القعدة ~~العاجزون، فها هو ذا فضاء الأرض أمامك فامش فيه، وفتش عن قوتك كما تفتش عنه الطيور ~~القواطع التي ليس لها مثل عقلك وفطنتك، وحيلتك وقوتك، فإن الله لم يخلقك في هذا العالم ~~ولم يبرزك إلى هذا الوجود لتموت فيه جوعا أو تهلك ظمأ، ولا تصدق ما يقولونه لك من أن ~~الناشئ الغني أسعد منك حالا، وأوفر حظا، وإن راقك منظره وأعجبك ظاهره، فلكل نفس ~~همومها وآلامها، وهموم الفقر على شدتها أقل هموم الحياة وأهونها. # وحسبك من السعادة في الدنيا ضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف، وأن تعمل بيدك فترى ~~بعينيك ثمرات أعمالك تنمو بين يديك وتترعرع، فتغتبط بمرآها اغتباط الزارع بمنظر الخضرة ~~والنماء في الأرض التي فلحها بيده ، وتعهدها بنفسه، وسقاها من ms367 عرق جبينه. # | قتيلة الجوع # قرأت في بعض الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا على جثة امرأة في جبل المقطم، ~~فظنوها قتيلة أو منتحرة، حتى حضر الطبيب ففحص أمرها وقرر أنها ماتت جوعا. # تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء في مصر، وهذا أول يوم سجلت فيه يد ~~الدهر في جريدة مصائبنا ورزايانا هذا الشقاء الجديد. # لم تمت هذه المسكينة في مفازة منقطعة أو بيداء مجهل فنفزع في أمرها إلى قضاء الله ~~وقدره كما نفعل في جميع حوادث الكون التي لا حول لنا فيها ولا حيلة، بل ماتت بين سمع ~~الناس وبصرهم، وفي ملتقى غاديهم برائحهم، ولا بد أنها مرت قبل موتها بكثير من المنازل ~~تطرقها فلم تسمع مجيبا، ووقفت في طريق كثير من الناس تسألهم المعونة على أمرها فلم ~~تجد من يمد إليها يده بلقمة تسد بها جوعتها، فما أقسى قلب الإنسان، وما أبعد الرحمة من ~~فؤاده، وما أقدره على الوقوف موقف الثبات والصبر أمام مشاهد البؤس ومواقف ~~الشقاء! # لم ذهبت هذه البائسة المسكينة إلى جبل المقطم في ساعتها الأخيرة؟ لعلها ظنت أن الصخر ~~ألين قلبا من الإنسان فذهبت إليه تبثه شكواها، أو أن الوحش أقرب منه رحمة فجاءته ~~تستجديه فضلة طعامه، وأحسب لو أن الصخر فهم شكواها لأشكاها، ولو أن الوحش ألم ~~بسريرة نفسها لرثى لها وحنا عليها؛ لأني لا أعرف مخلوقا على وجه الأرض يستطيع أن يملك ~~نفسه ودموعه أمام مشهد الجوع وعذابه غير الإنسان. # ألم يلتق بها أحد في طريقها فيرى صفرة وجهها، وترقرق مدامعها، وذبول جسمها، فيعلم ~~أنها جائعة فيرحمها؟! # ألم يكن لها جار يسمع أنينها في جوف الليل، ويرى غدوها ورواحها حائرة ملتاعة في طلب ~~القوت فيكفيها أمره؟! # أأقفرت البلاد من الخبز والقوت، فلا يوجد بين أفراد الأمة جميعها من أصحاب قصورها إلى ~~سكان أكواخها رجل واحد يملك رغيفا واحدا زائدا عن حاجته فيتصدق به عليها؟ # اللهم لا هذا ولا ذاك، فالمال والحمد لله كثير، والخبز أكثر منه ، ومواضع الخلات ~~والحاجات بادية ms368 مكشوفة يراها الراءون ويسمع صداها السامعون، ولكن الأمة التي ألفت ألا ~~تبذل معروفها إلا في مواقف المفاخرة والمكاثرة، والتي لا تفهم من معنى الإحسان إلا أنه ~~الغل الثقيل الذي يوضع في رقاب الفقراء لاستعبادهم واسترقاقهم، لا يمكن أن ينشأ فيها ~~محسن مخلص يحمل بين جنبيه قلبا رحيما. # لقد كان الإحسان في مصر كثيرا في عصر الاكتتابات والحفلات، وفي العهد الذي كانت تسجل ~~فيه حسنات المحسنين على صفحات الجرائد تسجيلا يشهده ثلاثة عشر مليونا من النفوس، أما ~~اليوم وقد أصبح كل امرئ موكولا إلى نفسه، ومسئولا أمام ربه وضميره أن يتفقد جيرته ~~وأصدقاءه وذوي رحمه، ويتلمس مواضع خلاتهم وحاجاتهم ليسدها، فها هم أولاء الفقراء ~~يموتون جوعا بين كثبان الرمال وفوق شعاف الجبال من حيث لا راحم ولا معين. # لقد كان في استطاعة تلك المرأة المسكينة أن تسرق رغيفا تتبلغ به، أو درهما تبتاع به ~~رغيفا، فلم تفعل، وكان في استطاعتها أن تعرض عرضها في تلك السوق التي يعرض فيها ~~الفتيات الجائعات أعراضهن، فلم تفعل، لأنها امرأة شريفة تفضل أن تموت بحسرتها على أن ~~تعيش بعارها، فما أعظم جريمة الأمة التي لا يموت فيها جوعا غير شرفائها ~~وأعفائها! # | الأدب الكاذب # كنا وكان الأدب حالا قائمة بالنفس تمنع صاحبها أن يقدم على شر، أو يحدث نفسه به، أو ~~يكون عونا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوة من شهوات النفس، أو نزوة من نزوات ~~العقل، وجد في نفسه عند غشيانه من المضض والارتماض ما ينغصه عليه ويكدر صفوه وهناءه. ثم ~~أصبحنا وإذا الأدب صور ورسوم، وحركات وسكنات، وإشارات والتفاتات، لا دخل لها في جوهر ~~النفس، ولا علاقة لها بشعورها ووجدانها؛ فأحسن الناس عند الناس أدبا وأكرمهم خلقا ~~وأشرفهم مذهبا من يكذب، على أن يكون كذبه سائغا مهذبا، ومن يخلف الوعد على أن يحسن ~~الاعتذار عن إخلافه، ومن يبغض الناس جميعا بقلبه على أن يحبهم جميعا بلسانه، ومن ~~يقترف ما شاء من الجرائم والذنوب على أن يحسن التخلص من نتائجها وآثارها . وأفضل من ~~هؤلاء جميعا ms369 عندهم أولئك الذين برعوا في فن «الآداب العالية»؛ أي فن الرياء والنفاق، ~~وتفوقوا في استظهار تلك الصور الجامدة التي تواضع عليها جماعة «الظرفاء» في التحية ~~والسلام، واللقاء والفراق، والزيارة والاستزارة، والمجالسة والمنادمة، وأمثال ذلك مما ~~يرجع العلم به غالبا إلى صغر النفس وإسفافها أكثر مما يرجع إلى أدبها وكمالها. فكأن ~~الناس لا يستنكرون من السيئة إلا لونها، فإذا جاءتهم في ثوب غير ثوبها أنسوا بها وسكنوا ~~إليها. ولا يعجبهم من الحسنة إلا صورتها، فإذا لم تأتهم في الصورة التي تعجبهم وتروقهم ~~عافوها وزهدوا فيها؛ أي إنهم يفضلون اليد الناعمة التي تحمل خنجرا على اليد الخشنة ~~التي تحمل بدرة، ويؤثرون كأس البلور المملوءة سما على كأس الخزف المملوءة ماء ~~زلالا. # ولقد سمعت بأذني من أخذ يعد لرجل من أصدقائه من السيئات ما لو وزع على الخلق جميعا ~~للوث صحائفهم، ثم ختم كلامه بقوله: وإني على ذلك أحبه وأجله لأنه رجل «ظريف»! وأغرب من ~~ذلك كله أنهم وضعوا قوانين أدبية للمغازلة والمعاقرة والمقامرة، كأن جميع هذه الأشياء ~~فضائل لا شك فيها، وكأن الرذيلة وحدها هي الخروج عن تلك القوانين التي وضعت لها. وما ~~عهدنا ببعيد بذلك القاضي المصري الذي أجمع الناس في مصر منذ أيام على احتقاره وازدرائه، ~~لا لأنه لعب القمار؛ بل لأنه تلاعب بأوراق اللعب في أحد أندية القمار، وسموه لصا ~~دنيئا، والقمار لصوصية من أساسه إلى ذروته. ~~••• # أعرف في هذا البلد رجلين يجمعهما عمل واحد، ومركز واحد: أحدهما خير الناس، والآخر شر ~~الناس، وإن كان الناس لا يرون رأيي فيهما. # أما الأول فهو رجل قد أخذ نفسه منذ نشأته بمطالعة كتب الأخلاق والآداب ومزاولتها ليله ~~ونهاره، فقرأ فيها فصول الصدق والأمانة والعفة والزهد، والسماحة والنجدة والمروءة ~~والكرم، وقصص السمحاء والأجواد والرحماء والمؤثرين على أنفسهم، وافتتن بتلك الفضائل ~~افتتانا شديدا، ثم دخل غمار المجتمع بعد ذلك وقد استقر في نفسه أن الناس قد عرفوا من ~~الأدب مثل ما عرف، وفهموا من معناه مثل ما فهم، وأخذوا منه بمثل الذي أخذ. ms370 فغضب في وجه ~~الأشرار، وابتسم في وجه الأخيار، والأولون أكثر عددا، وأعظم سلطة وجاها، فسمي عند ~~الفريقين شرسا متوحشا. وامتدح إحسان المحسن، وذم إساءة المسيء، والمحسنون في الدنيا ~~قليلون، فسمي وقحا بذيئا - حتى بين المحسنين - وبذل معروفه للعاجز الخامل، ومنعه ~~القادر النابه، فلم يشعر بمعروفه أحد، فسمي بخيلا، واعتبر الناس بقيمهم الأدبية، لا ~~بمقاديرهم الدنيوية، فلقي الأغنياء والأشراف بمثل ما يلقى به العامة والدهماء، فسمي ~~متكبرا. وقال لمن جاءه يساومه في ذمته: إني أحبك ولكني أحب الحق أكثر منك، فكثر أعداؤه ~~وقل أصدقاؤه. # أما الثاني فأقل سيئاته أنه لا يفي بوعد يعده، ولكنه يحسن الاعتذار عن إخلاف الوعود، ~~فلا يسميه أحد مخلافا. وما رآه الناس في يوم من أيامه عاطفا على بائس أو منكوب، ولكنه ~~يبكي لمصاب البائسين والمنكوبين، ويستبكي لهم؛ فعد من الأجواد السمحاء. وكثيرا ما أكل ~~أموال اليتامى وأساء الوصاية عليهم، ولكنه لا يزال يمسح رءوسهم، ويحتضنهم إلى صدره في ~~المجامع والمشاهد، كأرحم الرحماء وأشفق المشفقين؛ فسمي الوصي الرحيم. ولا يفتأ ليله ~~ونهاره ينال من أعراض الناس ويستنزل من أقدارهم، إلا أنه يخلط جده بالهزل، ومرارته ~~بالحلاوة، فلم يعرف الناس عنه شيئا سوى أنه الماجن الظريف. # ذلك هو الأدب الذي أصبح في هذا العصر رأيا عاما يشترك فيه خاصة الناس وعامتهم، ~~وعقلاؤهم وجهلاؤهم، ويعلمه الوالد ولده والأستاذ تلميذه، ويقتتلون اقتتالا شديدا على ~~انتحاله والتجمل به، كما يقتتلون على أعز الأشياء وأنفسها، حتى تبدلت الصور، وانعكست ~~الحقائق، وأصبح الرجل المخلص أحرج الناس بصدقه وإخلاصه صدرا، وأضلهم بهما سبيلا، لا ~~يدري أيكذب فيسخط ربه ويرضي الكاذبين؟ أم يصدق فيرضي نفسه ويسخط الناس أجمعين؟ ولا يعلم ~~أيهجر هذا العالم إلى عزلة منقطعة يقضي فيها بقية أيام حياته غريبا شريدا؟ أم يبرز ~~للعيون فيموت هما وكمدا؟ # يجب أن يكون أدب النفس أساس أدب الجوارح، وأن يكون أدب الجوارح تابعا له وأثرا من ~~آثاره، فإن أبى الناس إلا أن يجعلوا أدب الحركات والسكنات أساس صلاتهم وعلائقهم، وميزان ~~قيمهم وأقدارهم ، فليعترفوا أن العالم كله ms371 مسرح تمثيلي، وأنهم لا يؤدون فيه غير وظيفة ~~الممثلين الكاذبين. # | إيفون الصغيرة # مترجمة # ماتت وكأنها لم تمت، ليس على وجهها أثر واحد من آثار الآلام التي قاستها في مرضها، ~~يحسبها الرائي نائمة نوما هادئا لذيذا، ويخيل إليه أنه يسمع صوت أنفاسها المترددة، ~~ويرى هبوط صدرها وارتفاعه. # أين صفرة الموت ونحوله؟ أين آلام النزع وشدائده؟ أين الغضون التي خلفتها الأوجاع فوق ~~جبينها، والدوائر الزرقاء التي رسمتها حول جفنيها؟ # لقد مات كل ذلك بموتها، فعاد لها رونقها وبهاؤها، وأصبحت كأنما قد خلقت الساعة ولما ~~تنبعث الروح في جسدها. # بهذا الوجه الجميل المشرق كانت جالسة منذ أيام قلائل أمام المدفأة باسمة مطمئنة ~~تلاعب هرتها، وبهذا الفم الأرجواني القاني كانت تغني أمام قفص عصفورها أنشودة السعادة ~~والحياة، وبهاتين اليدين البيضاوين اللينتين كانت تقطف أزهار الربيع وتقدمها هدية إلى ~~أبيها الشيخ، أما اليوم فقد انقضى ذلك كله؛ لأن حياتها قد انقضت. # آخر كلمة نطقت بها قبل موتها: «سأموت الساعة فائتوني بعصفوري أودعه!» فأتوها بقفص ~~عصفورها وعلقوه بقائم سريرها، فظلت تنظر إليه باسمه متطلقة، وظل العصفور يلعب ويغرد ~~تغريدا شجيا، وهو لا يعلم أنه ينشد فوق رأسها أنشودة الموت. # وهنا وقف الشيخ الذي تبناها بجانب فراشها واجما حزينا، مشرد اللب، ذاهل العقل، ~~ومد يده إلى يدها الضعيفة الواهية التي كانت بالأمس عكاز شيخوخته، وسند حياته، فأخذها ~~ووضعها على صدره، كأنما يريد أن يمد حياتها بتلك البقية الباقية في قلبه من الحياة ~~لتعيش من بعده ولو ساعة واحدة حتى لا يراها تموت بين يديه. وظل على حاله تلك هنيهة، ثم ~~التفت فجأة إلى أصدقائه وقال لهم: ها هي ذي الحرارة قد بدأت تدب في جسمها شيئا فشيئا، ~~فنظروا إليه آسفين محزونين، ثم نكسوا أبصارهم، وأسبلوا مدامعهم، فظل يدير بينهم عيونا ~~حائرة، ويتنقل بنظراته هاهنا وهاهنا، كأنما يسألهم المعونة على أمره، ومن ذا الذي يعين ~~على القدر، أو يعترض سهم المنية القاتل دون رميته؟ # وما هي إلا لحظة حتى شعر أن يدها تجذب يده ، فانتفض وحنا عليها، فطوقته ms372 بذراعيها ~~الضعيفتين وضمته ضمة كانت فيها نفسها. # إنا لله وإنا إليه راجعون، ماتت إيفون الصغيرة! ماتت الطفلة الوديعة الجميلة! ماتت ~~الفتاة الرزينة الصابرة! في سبيل الله نجم تلألأ في سماء الحياة لحظة ثم هوى، وغصن ~~أزهر في روض المنى ساعة ثم ذوى، وقدح من البلور لم تكد تلمسه الشفاه حتى انكسر، وعقد ~~من اللؤلؤ لم ينتظم في سمطه حتى انتثر. # هذه الغرف التي طالما أنارتها بابتساماتها حتى في الساعة التي تختفي فيها جميع ~~الابتسامات، والحديقة التي كانت تقضي فيها كل يوم بضع ساعات من ليلها أو نهارها تلاعب ~~أطيارها، وتقطف أزهارها، وتتعهد أشجارها، والمماشي التي كانت تخطر على حصبائها فيصيرها ~~شعاع خديها ياقوتا ومرجانا، قد خلت جميعها منها، وهيهات أن يسعدها الحظ برؤيتها بعد ~~اليوم. # كانت إيفون جميلة الخلق، طيبة النفس، نقية الضمير، تحب الأحياء جميعهم، ناطقهم ~~وصامتهم، فلا تبذل من ودها لهرتها المريضة أقل مما تبذل منه لأبيها الشيخ العجوز. ولا ~~تتودد إلى الشيوخ الفانين أصدقاء أبيها وسجرائه أكثر مما تتودد إلى وافد غريب يهبط ~~قريتها للمرة الأولى في حياته. وما علموها قط اختلفت مع فتى أو فتاة من تلاميذ ~~مدرستها؛ لأنها كانت تستهوي الطيب منهم بلطفها وأدبها، والخبيث بعفوها وصفحها. # وهي وإن لم تكن تعلم أنها لقيطة فإن من كان ينظر في عينيها ويرى ذبولهما وانكسارهما ~~ولمعانهما الذي يشبه لمعان الدمع الرقراق، يخيل إليه أنها قد ألهمت ما كتمه الناس عنها، ~~وأنها كانت تعلم أنها لا تعيش في بيت أبيها بوصاية جدها كما كانوا يقولون لها، بل في ~~بيت محسن كريم لا يعرف من تاريخها ولا من أمر ميلادها شيئا. وكانت لا تزال تتراءى بين ~~شفتيها ابتسامة حلوة هي الرقية التي كانت تفتح بها أقفال القلوب، ثم تنزل فيما تشاء ~~منها المنزلة التي تريدها. ولم تكن ابتسامتها ابتسامة التصنع والتكلف التي يرثها أكثر ~~الفتيات عن أمهاتهن، بل ابتسامة الحب والإخلاص والحنو والعطف. # لذلك عجل الموت إليها؛ لأن سكان السماء لا يستطيعون أن يعيشوا طويلا على ظهر ~~الأرض. # دقت ms373 أجراس الكنيسة تنعاها فلم تسمعها، ولو سمعتها لاهتزت لها في سريرها؛ شوقا ولهفة ~~كما كان شأنها في حياتها. ثم جاءت ساعة الدفن فحملوها على أيديهم ومشوا بها حتى وصلوا ~~إلى الكنيسة فوضعوا نعشها في ركن من أركانها، ثم اجتمعوا حولها يودعونها الوداع ~~الأخير. فبكاها الشيوخ الذين كانوا يحبونها ويأنسون بها، والفتيان والفتيات من تلاميذ ~~مدرستها، والنساء اللواتي كن يحببنها من أجل حبها أبناءهن. وبكاها أكثر من هؤلاء جميعا ~~ذلك الشيخ المسكين؛ لأنها كانت كل دنياه، فخسرها في ساعة واحدة. # وظل كثير من الوقوف يردد ذكراها، فيقول أحدهم: طالما رأيتها في هذا الركن نفسه ~~جالسة وحدها وبيدها الكتاب المقدس تتلو آياته. ويقول الآخر: لقد دخلت الكنيسة ليلة ~~فرأيتها هائمة وحدها في الظلام الحالك تحت هذه الأقبية، فعجبت لصلاحها وتقواها. وتقول ~~امرأة: لقد عثرت ابنتي يوما من الأيام في منصرفها من مدرستها ببعض الأحجار عثرة برحت ~~بها، فاحتملتها على ظهرها حتى جاءت بها إلى المنزل. وتقول أخرى: لقد كنت أراها تمر كل ~~يوم بجارتنا فلانة المسكينة فتعطيها رغيفا من طعامها، ثم تستمر أدراجها إلى ~~مدرستها. # وهكذا ظل كل منهم يذكر ما يعرف عنها حتى حانت ساعة الدفن، فعلت الأصوات بالبكاء، ثم ~~غيبوها في قبرها وحثوا عليها التراب، وكان الليل قد أظل المكان بجناحيه وساد فيه ~~سكون موحش رهيب، فانصرفوا مطرقين واجمين يقولون: # وا رحمتاه لها، لقد خرجت من الدنيا غريبة كما وفدت إليها. # | الملاعب الهزلية # كنت آليت على نفسي منذ أعلنت هذه الحرب - قبحها الله وقبح كل ما تأتي به - ألا أكتب ~~كلمة في صحيفة سيارة في شأن من الشئون العامة خيرها وشرها حتى ينقضي أجلها. وأن ~~أترك هذا القلم هادئا مطمئنا في مرقده مدرجا في ذلك الكفن الأبيض الرقيق المنسوج من ~~خيط العنكبوت، حتى يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه أن ينبعث كما يريد لا كما يراد منه. ~~ولكن نازلا نزل بهذا المجتمع المصري منذ عام أو عامين لم أحفل به في مبدئه ولم ألق ~~له بالا ، وعددته في النوازل الصغيرة ms374 المترددة التي لا تلبث غيومها أن تنعقد في سماء ~~البلد حتى تهب عليها نسمة من نسمات الروح الإلهي فتنقشع، ولكن ها قد مضى العام والعامان ~~وهو باق في مكانه لا يتحول ولا يتحلحل، بل تزداد قدمه على الأيام ثباتا ورسوخا، ~~وأحسبه سيبقى في مستقبل أيامه أضعاف ما بقي في ماضيها إن لم نثر عليه - معشر ~~الكتاب - حربا شعواء تهز جدرانه هزا، وتدكه دكا، وتلحق أعاليه بأسافله. # لذلك كتبت هذه الكلمة غير مبال بتلك الألية التي كنت آليتها، فلعل أصدقائي من ~~أفاضل الكتاب يساعدونني في هذا الشأن الذي إن عجزنا عنه اليوم فما نحن بقادرين عليه ~~غدا. # نزلت بالأمة المصرية نازلة تلك المقاذر العامة التي يسمونها الملاعب الهزلية، وما هي ~~في شيء من الهزل ولا الجد، ولا علاقة لها بالتمثيل والتصوير، ولا بأي فن من الفنون ~~الأدبية، فأقبل عليها الناس إقبالا عظيما، وأغرموا بها غراما شديدا. فليقبلوا عليها ~~ما شاءوا، وليفتتنوا بها ما أرادوا، ولكن فريقا واحدا من الأمة هو الذي نضن به على ~~تلك المواطن الساقطة أن تطأها قدمه، أو تظلل سماؤها رأسه، لأنا نضن به على كل منقصة في ~~العالم تزري به، أو تنال من كرامته. # ذلك الفريق المضنون به وبكرامته هو أنتم معشر الطلبة المصريين إخوتنا وأبناءنا، ~~وعنوان مجدنا وشرفنا، وصورة وجودنا وحياتنا، ومناط أمانينا وآمالنا. فائذنوا لكاتب من ~~كتابكم، وصديق من أصدقائكم، أن يحادثكم قليلا في هذا الشأن كما يحادث الأب ولده، أو ~~الأخ أخاه، لا قاسيا ولا متجبرا، بل عاتبا متلطفا. وأمله عظيم أن ينتهي الحديث بينه ~~وبينكم على ما يحب لكم، وما يعتقد أنكم تحبون لأنفسكم. # الحق أقول: إن الحياء يكاد يعقد لساني بين أيديكم فلا أدري كيف أحدثكم، ولا ماذا ~~أقول لكم؟ # أأعظكم في أمر أنتم تعلمون من نتائجه وآثاره وسوء عقباه مثل ما أعلم؟ أو أدعوكم إلى ~~اجتناب سيئة لا أحسب أن بين كباركم وصغاركم من يجهل أنها السيئة العظمى التي لم ترزأ ~~الأمة بمثلها في حاضر تاريخها أو ماضيه؟ أو أقول لكم: ms375 إن هذه الأماكن التي تطؤها ~~أقدامكم إنما هي مقابر المجد والشرف، ومدافن الفضائل والأخلاق، ومصارع الأعراض ~~والحرمات؟ وهل غاب ذلك عن علم أحد منكم فأعلمكم منه ما لا تعلمون؟! # لا يجهل أحد منكم شيئا مما أقول، ولكنه الشباب ما زال يغري الضعيف العاجز عن احتمال ~~سلطانه وسيطرته بالإقدام على تلك المخاطر المهلكة، فيمضي إليها قدما، لا يجهل مكان ~~الخطر منها، ولكنه يعجز عن مغالبة نفسه ومناورتها حتى يتردى فيها، وربما كان هذا هو كل ~~الفرق بيني وبينكم. # إنني لا أرى في هذه المجامع التي تفتتنون بها وتتهافتون عليها حسنة تغتفر سيئة، أو ~~جمالا يفي بقبح، أو خيرا يعزي عن شر، فتمثيلها سخيف بارد لا يستطيع من أوتي حظا ~~قليلا من سلامة الذوق أن يصبر نفسه ساعة واحدة على النظر إليه، وملحها ثقيلة ~~مستبشعة، لو نطق بها ناطق في مجتمع من المجتمعات الخاصة ثم قلب نظره في وجوه الجالسين ~~حوله لرأى في ابتسامات السخرية المترقرقة في شفاههم ما يذيبه حياء وخجلا، وأناشيدها ~~سوقية مبتذلة في موضوعها، وصورة أدائها لا يطرب لمثلها إلا أصحاب الأذواق العامية ~~الخشنة الذين يطربون لنشيد الأذكار وطبول الزار وتعداد النائحات وضجيج الباعة في ~~الأسواق، فماذا بقي فيها من وجوه الحسن بعد ذلك؟ # بقي فيها الهزء والسخرية بالطبقات الشريفة العاملة في الأمة كالفلاحين آبائنا وأولياء ~~نعمتنا، والشيوخ حفظة ديننا وأئمة لغتنا، والمحامين والأطباء والمعلمين أفاضل الأمة ~~وعيونها، وغيرهم من طبقات الأمة كالصناع والخدم والأكارين وأمثالهم. # بل بقي ما هو شر من هذا جميعه، وهو تمثيل الشهوات البدنية والنفسية بجميع ألوانها ~~وضروبها على مشهد من رجالنا ونسائنا وأطفالنا، وتصويرها بتلك الصورة القبيحة التي ترخى ~~على مثلها الستور، وتقام من حولها الدعائم والجدران. # فلو أن غريبا وفد إلى هذا البلد وهو لا يعلم من شأنه شيئا، فذهب إلى مكان من تلك ~~الأمكنة ليرى في مرآته صورة الأمة ممثلة في مسارحها الوطنية، لقضى عليها للنظرة الأولى ~~بأنها أحط الأمم وأدناها. ذلك إلى ما يسمعه فيها من ألفاظ السب والشتم، وجمل الفحش ms376 ~~والهجر التي لا يطرق أذنه مثلها في موقف من مواقف حياته، أو مشهد من مشاهدها، إلا إذا ~~قدر له أن يتغلغل بنفسه يوما من الأيام في تلك الأحياء العامة الساقطة حتى يصل إلى ~~«عرب اليسار» أو «عشش الترجمان» فيسمعها هناك في مشاجرات القرادين ومهاترات ~~الشحاذين. # ولقد قال لي أحد الأصدقاء الظرفاء مرة: إن شتائم «أم شولح» قد انتقلت إلى بيتي ولا ~~أعرف كيف انتقلت إليه، فإني أسمع الكثير منها منذ أيام يتردد في أفواه الأطفال هازلين، ~~وفي أفواه الخدم جادين. # أتدرون أيها الأصدقاء من هم أولئك الذين يسمون أنفسهم ممثلين، ويسمون ما يهذون به في ~~مسارحهم روايات، والذين يدعونكم - معشر المتعلمين الراقين - إلى حضور مجامعهم باسم ~~الآداب والفنون؟ # لو أن جماعة من الزامرين وآخرين من الطبالين وآخرين من القرادين، وجماعات غيرهم من ~~الرمالين والمداحين، والصفاعين والبهلوانية، والحواة والرقاة، وبقية السائلين المستجدين ~~الذين يمرون بأبواب المنازل كل يوم ضاجين صارخين فلا نلقي لهم بالا، ولا نعيرهم أذنا ~~- اتفقوا فيما بينهم على أن يكونوا جماعة واحدة تعمل يدا واحدة في مكان واحد، لكانوا ~~هم بعينهم جوق كشكش، والبربري، وشرفنطح، لا فرق بينهم وبينهم سوى أن أولئك يقفون ~~بأبوابنا ضارعين مبتهلين يقنعون باللقمة، ويجتزئون بالشربة، وهؤلاء يأبون إلا أن نقف ~~على أبوابهم ونتعلق بأستارها فلا يفتح لنا حجابهم إلا إذا دفعنا الإتاوة المضروبة ~~علينا. # وألطف كلمة سمعتها في هذا الشأن قول بعض المفكرين: «كان الشر مفرقا في أنحاء البلد ~~فجمعه كشكش في مكان واحد.» # فهل تسمح لكم نفوسكم أيها الأصدقاء - وأنتم عيون الأمة اليقظة، وعقولها المفكرة - أن ~~تنخدعوا بألاعيب هؤلاء الخبثاء المحتالين فترفعوها بأيديكم إلى هذه المرتبة العالية ~~التي لم يخلقوا لها، ولا يمتون إليها بسبب من أسباب العلم أو الذكاء أو الشرف أو الخلق؟ ~~وها هم أولاء نوابغ الممثلين في أمتكم أشقياء بائسون لا يكادون يجدون بين ظهرانيكم ما ~~يقيمون به أود عيشهم، أو يعينهم على ما هم بسبيله من خدمة الفن والقيام عليه. # من الذي يذهب لمشاهدة التمثيل الجدي الشريف في ms377 مسارح أبيض ورشدي وعكاشة وأمثالهم إن ~~كنتم أنتم لا تذهبون إليها؟ # ومن هو أولى بها من بعدكم إن قطعتم صلتكم بها؟ # أيعجبكم ألا يرى الزائر لتلك المسارح الشريفة حين يزورها غير العامة والسوقة ~~والأميين والجاهلين، فإذا فتش عنكم في مكان آخر غيرها رآكم مزدحمين في مراقص كشكش ~~والبربري وشرفنطح وأمثالها راضين عن مقامكم فيها، مغتبطين بسفاسفها وهذياناتها؟! # ألا تخشون أن يستنتج مستنتج منهم بعد ذلك وقد راعه هذان المشهدان الغريبان - مشهدكم ~~في الأجواق الهزلية الساقطة، ومشهد العامة والسوقة في الأجواق الجدية الشريفة - أن ~~الأمة المصرية أمة غريبة الشأن، يفسدها العلم ويصلحها الجهل؟ أو أن يتطرف متطرف منهم في ~~رأيه فيقول: ليت الأمة عاشت جاهلة عمياء، موفورا لها حظها من الأخلاق والآداب؛ فذلك خير ~~لها من علم يهوي بها في مهواة الشقاء والعار. # لقد رأيت في حياتي صنوف الحيل والكيد، وضروب السماحة والوقاحة، فلم أر بين المحتالين ~~والمتوقحين من هو أعظم كيدا ولا أسمج وجها من هؤلاء القوم. # إنهم يحاولون دائما أن يلبسوا مفاسدهم وشرورهم ثوب الفضيلة والجد، وهو وإن كان ~~ثوبا شفافا ينم عما وراءه، إلا أنه يكفيهم للذود عن أنفسهم في موقف الجدل والمناظرة، ~~كما يكفي البرقع الشفاف المرأة المتهتكة للدخول في سلك المخدرات المتحجبات. # يمثلون الفلاح أقبح تمثيل، ولا يتركون مفسدة من المفاسد ولا رذيلة من الرذائل إلا ~~ويلصقونها به. وينشدون مختلف الأناشيد في السخرية بشكله، والهزء بصفاته وأعماله، ثم لا ~~يخجلون أن يقولوا بعد ذلك في بعض تلك الأناشيد: «ما دام بلادنا زراعية، حبوا الفلاح إن ~~كنتوا تحبوا وطنكم.» # وينتقدون في رواياتهم فساد الرجال وخلاعة النساء، وينقمون على المصري تبديد أمواله في ~~سبيل شهواته. وليس للنساء في مسارحهم عمل سوى إغراء الشبان وإغوائهم وإفساد عقولهم ~~وابتزاز أموالهم في الساعة التي تمثل فيها هذه الروايات وتلقى هذه الأقوال! # ويهدمون اللغة العربية هدما بهذه اللهجة العامية الساقطة التي يكتبون بها رواياتهم، ~~وينظمون بها أناشيدهم، وينشرونها في كل مكان، ويفسدون بها الملكات اللغوية في أذهان ~~المتعلمين . ثم يزعمون بعد ذلك ms378 أنهم أنصار اللغة العربية وحماتها، فيقولون بتلك اللهجة ~~العامية الساقطة: «مالها لغتنا العربية، آل همجية، يادي المصيبة يادي العار، فشر دي لغة ~~المدنية، اتمسكوا بها صغار وكبار.» # ولا يستحيون أن يجمعوا في نشيد واحد من رواية واحدة بين قولهم: «دا أنا أبيع هدومي ~~عشان بوسة، من خدك القشطة يا ملبن، يا حلوة زي البسبوسة، يا مهلبية تمام وأحسن.» وبين ~~قوله: «مصر يحميك ربك، ما تشوفي إلا أيام سعدك»؛ أي أنهم يصفعون الأمة على وجهها هذه ~~الصفعات المؤلمة ثم يحاولون أن يترضوها بعد ذلك بترديد كلمات «الوطنية» و«حب وطنك» و«مت ~~في سبيل الأوطان» وأمثالها من الكلمات العذبة الجميلة التي لا معني لها في أفواههم إلا ~~أنهم يعتقدون أن المصريين قد بلغوا من الغفلة والبله مبلغا لا يبلغه أطفال المكاتب ~~ولا سكان المارستانات. # لا أرى لكم - معشر الطلبة المصريين - أمام هذه النازلة العظمى التي نزلت بنا إلا أن ~~ينتدب فريق من عقلائكم نفسه لنصيحة إخوانه بالامتناع عن الذهاب إلى تلك الملاعب، وشرح ~~مضارها وسيئاتها لهم، فإن امتناع فريق منكم يؤثر على فريق آخر، وهكذا حتى يصبح في عرفكم ~~جميعا أن الدخول إلى تلك الأماكن عار يخجل مرتكبه من الظهور به بين أصدقائه ~~ومعارفه. # نحن في حالة نحتاج فيها إلى أن يعلم الناس عنا في كل مكان أننا أمة أخلاق وآداب. ~~وأن في نفوس أفرادنا من الصفات والمزايا ما يرفعنا إلى مصاف الأمم العظيمة، ومقياس ~~عظمة الأمم عند العالم إنما هو بصفاتها ومزاياها قبل أن يكون بأي شيء غير ذلك. فإن فات ~~آباءنا أن يورثونا خلق العظمة والإباء في عهدهم، فلنتخلق به نحن لنورثه أبناءنا من ~~بعدنا. # إنكم لا تذهبون في الحقيقة إلى هذه الأماكن وحدكم، بل يذهب إليها معكم إخوانكم ~~وأخواتكم، وبقية أفراد أسركم؛ لأنكم تقصون عليهم عند عودتكم منها ما شاهدتم، وتروون لهم ~~ما سمعتم، فكأن سكان البلد جميعا رجالا ونساء، كبارا وصغارا، يجتمعون في هذه البؤر ~~الفاسدة في ساعة واحدة. فهل يستطيع متصور أن يتصور خطرا على الأمة وعلى أخلاقها ms379 ~~وآدابها أعظم من هذا الخطر؟ # إنني لا أدعوكم إلى الامتناع عن الإلمام بهذه المقاذر العامة من أجل أنفسكم فقط، بل ~~من أجل إخوتكم وأخواتكم اليوم، ومن أجل أبنائكم وأحفادكم غدا، ومن أجل مستقبل الأمة ~~المصرية كلها، الذي أعتقد أنه أمانة في أيديكم، ووديعة موكولة إلى كرم نفوسكم، وشرف ~~ضمائركم. # اهدموا هذه الأماكن هدما بالإعراض عنها واحتقارها، ثم قفوا بعد على أطلالها البالية ~~هاتفين صائحين صياح الظافر المنتصر قائلين: ها قد نجت الأمة من خطر عظيم، وها نحن أولاء ~~قد قمنا جميعا بالواجب علينا لوطننا. # | الشيخ علي يوسف # هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ في الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل للكتاب. # أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل - الذي كان ملء الأفئدة والصدور، وملء الأسماع ~~والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء - جثة ضاوية نحيلة، مدرجة في كفن، ملحدة في مهوى ~~من باطن الأرض سحيق؟ # ما أعظم الفرق بين الحياة والموت! تغرب الشمس فلا تلبث أن تطلع من مشرقها، وتتراكم ~~السحب فوقها فلا تلبث أن تنفرج عنها حينما تهب عليها الرياح الباردة، وتعرى الأشجار عن ~~أوراقها ثم تعود إلى جمالها مخضرة حينما تهب عليها نسمات الربيع، وينام الأحياء في ~~مضاجعهم حتى إذا طلع عليهم الكوكب النهاري وعبثت أشعته بأهداب جفونهم، قاموا من مراقدهم ~~وذهبوا في سبلهم التي خلقوا لها، ويموت الميت فلا ينتظره منتظر، ولا يؤمل أوبته آمل، ~~فكأن ما صار إليه «العدم الذي لم يسبقه وجود». # اللهم إنا نعلم أن الموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجريها بين عبادك ليست ~~سهاما طائشة، ولا نياقا عشواء، وأن ورود الحياة لا يمكن أن تنبت إلا في التربة ~~التي نبتت فيها أشواك الموت، ولكننا لا نستطيع أن نملك عيوننا من البكاء، ولا قلوبنا من ~~الجزع إذا فارقنا عزيز علينا؛ لأن ساحة الصبر التي منحتنا أضيق من أن تسع نازلة البلاء ~~الذي ابتليتنا، فاغفر اللهم لنا جزعنا وبكاءنا على الهلكى والذاهبين. # اللهم إنك تعلم أنا نسير من حياتنا هذه في صحراء محرقة لا نجد فيها ظلا ms380 نستظل به، ~~ولا أكمة نأوي إليها، وأن الصديق الذي نعثر به في طريق حياتنا هو بمنزلة الدوحة ~~الخضراء التي ننتهي إليها في تلك الصحراء بعد الأين والكلال، وطول السير والسرى، ~~فنترامى في ظلالها الوارفة هانئين مغتبطين، فإذا هبت ريح عاصفة على تلك الدوحة ~~فاقتلعتها من جذورها وطارت بها في جو السماء، وأصبحنا من بعدها ضاحين بارزين فإنا لا ~~نجد بدا من البكاء والجزع؛ لأن من الشقاء ما لا يستطاع احتماله ولا يطاق تجرع ~~كأسه. # لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي كنا نتنوره من ~~حين إلى حين في هذه السماء المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة ~~الخضراء التي كنا نلوذ بظلالها من لفحات هذه الحياة وزفراتها. فنحن إن بكيناه فإنما ~~نبكي الأمل الذاهب، والسعادة الراحلة، والحياة الطيبة، ومن هو الأولى بالتفجع والبكاء ~~من سعادتنا وآمالنا! # ما كنا نرجو لهذه الأمة غير هذين الرجلين: ميت الأمس الشيخ محمد عبده، وميت اليوم ~~الشيخ علي يوسف، فقد كانا لها طودين شامخين رابضين على أكنافها. يمسكها الأول أن تزل ~~بها مزالق المدنية الخالبة فيذهب دينها، ويمسكها الثاني أن تطير بها أحلام السياسة ~~الكاذبة فتذهب جامعتها. واليوم لا نرجو لها من بعدهما أحدا، فويل للأمة في دينها، وويل ~~لها في جامعتها. # العلماء والخطباء والكتاب في هذه الأمة كثير، ولكن الرجال قليل. # إنما ينفع الأمة ويضطلع بخطوبها ويحمل أعباءها على عاتقه، الرجل الذي يشعر من نفسه ~~بأنه ينزل منها منزلة رئيس الأسرة من أسرته التي يعلم أنه مأخوذ بالقيام عليها والسعي ~~لها، فيقوم لها بكل ما تريد، ويسعى لها سعي الكادح المجد، ويرحم صغيرها، ويحنو على ~~كبيرها، ويحتمل مغارمها، ويغتفر عبث أطفالها وجهل شيوخها. ويرى لها في كل شأن من شئونها ~~خيرا مما ترى لنفسها، أرضاها ذلك أم أغضبها، من حيث لا يمن عليها بذلك، ولا يطلب عندها ~~جزاء ولا أجرا. بل من حيث لا تعلم ما يلاقي بينه وبين نفسه من آلام الحياة، وما يعالج ~~من شدائدها في ms381 سبيلها. # وكذلك كان شأن الشيخ علي يوسف في أمته، فقد مات بموته آخر من بقي لها من ~~الرجال. # لقد كان الذين يعرفونه أقل من الذين يجهلونه؛ لأن الذين ينظرون ببصائرهم أقل من الذين ~~ينظرون بأبصارهم، ولأن الحقيقة الكامنة في سويداء قلبه كانت أعمق مكانا، وأدق مسلكا، ~~من أن تتناولها النظرة الطائرة، ولأنه كان مخلصا متحنثا، يعمل في سره أكثر مما يعمل ~~في علانيته، ثم لا يدل بنفسه في كلتا الحالتين على نفسه. # رأيته في حادثة الأزهر - في تلك الأيام التي كان يظن فيها كثير من الناس أنه حرب على ~~الأزهر والأزهريين - يقضي كثيرا من لياليه مترددا على أبواب القائمين بالأمر ضارعا ~~إليهم أن ينيلوا هؤلاء القوم مطالبهم أو بعض مطالبهم، قائلا عنهم ما كان يقوله النبي # صلى الله عليه وسلم # عن فئة حنين: «اللهم إن تهلك هذه الفئة فلن تعبد بعد اليوم على ظهر الأرض ~~أبدا.» فلا يقف في سبيله إلا حماقة أولئك الذين كان يظن المساكين أنهم أصدقاؤهم وهم ~~أعدى أعدائهم. # ورأيته يضم إلى كنفه كثيرا من أصدقائه الذين نبا بهم الدهر بعد سقوط دولة «عبد ~~الحميد» وتنكر لهم الناس جميعا، خصوصا أولئك الذين كانوا يزدلفون إليهم أيام إقبالهم، ~~ويمرغون وجوههم على أعتاب قصورهم، وكان يلاقي في سبيل ذلك من عتب العاتبين عليه ولوم ~~اللائمين له ما لا يستطاع احتماله، فلم يبال بشيء من ذلك. # ورأيت كثيرا من أعدائه الذين كانوا في بعض أيام حياتهم حربا عليه وشقاء له يعودون ~~إلى حظيرته واحدا بعد آخر يستغفرونه، فيجلس إليهم ويتحدث معهم حديث المودة والإخاء، ~~كأنما كانوا معه على ميعاد. # وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدا ولا واجدا، ولا منتقما، ولا طالبا بثأر، ~~ولا ذائدا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد، وأن قد أصبح ~~عرضه وشرفه على خطر. ولم أر سائلا دخل إليه يشكو حاجة من الحاج صادقا كان فيها أم ~~كاذبا، ويسأله المعونة عليها من ماله أو جاهه إلا أعانه عليها ما ms382 وجد إلى ذلك سبيلا، ~~رحمة وإشفاقا، لا رياء ونفاقا. وكان يرى الرأي ويرى الناس جميعا غيره فلا يثنيه ~~عنه ثان حتى ينحدر ستر الغيب عن وجه المستقبل، فإذا هو مصيب والناس جميعا ~~مخطئون. # ففي سبيل الله يا علي ما فقدنا بفقدك، وفي ذمة الله وجواره تلك الروح الطيبة الطاهرة ~~التي عاشت ما عاشت في هذه الدنيا سرا كامنا بين أحناء ضلوعك، لا يكتنهها ولا يستشف ~~باطنها إلا قليل من الناس. فما رآها الناس جميعا رأي العين إلا وهي طائرة في جو ~~السماء إلى ربها. وكذلك شأن هذه الأمة البائسة المحدودة، لا ترى رجالها ولا تعرف مكانهم ~~ولا تشعر بعظمتهم إلا وهم ذاهبون إلى قبورهم حيث تنقطع الصلة بينها وبينهم. فمثلها ~~ومثلهم كمثل صاحب الدار الذي يجهل أن في أرضها كنزا مخبوءا، حتى إذا باعها ممن ~~يستخرج ذلك الكنز منها جلس إلى ظل حائطها يبكي بكاء البائس المحزون. # لقد كنت يا علي مثل الحقيقة ينتفع الناس بوجودها ولا يفهمونها. بل كنت أفضل من ~~الحقيقة؛ لأن الحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، أما أنت فكنت تخدم أصدقاءك وأعداءك. ~~أما الأولون؛ فلأنك كنت تحسن إليهم بجاهك أو بمالك أو برأيك. وأما الآخرون؛ فقد كانوا ~~يقتاتون من تلك القطرات من الدماء التي كانوا يستقطرونها من عرضك وشرفك، فويل للفريقين ~~معا من بعدك! وكنت القطب الذي تدور حوله رحى الأقلام في هذا البلد، فقد كانت وظيفة ~~الكتاب أن يشرحوا آراءك، أو يفسروا كلماتك، أو يكتنهوا مقاصدك، أو يوافقوك أو يخالفوك، ~~أو يمدحوك أو يذموك. فإن كتبوا في شأن من الشئون غير هذا فتروا واستبردوا. فواضيعة ~~الأقلام، وما أضيق مذاهب الكتاب بعد رحيلك! وكنت العصمة التي تعتصم بها الأمة في مواقف ~~بؤسها وشقائها، ومواطن خطوبها وكروبها، وما أحسب إلا أن الدهر مدخر لها من ذلك في ~~مستقبل أيامها أكثر مما ادخر لها في ماضيها، فما أكثر شقاءها وبلاءها بعد اليوم! # أيها الراحل الكريم: لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب بها هذا ~~الحزن الذي ms383 أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام كما يبلى الكفن لولا قدر أبعدني عن ~~موطنك في آخر أيام حياتك، فأحرمني جلسة أجلسها بجانب سريرك أسمع فيها آخر كلمة من ~~كلماتك، وأرى آخر نظرة من نظراتك. وحال بيني وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ~~ببعض ما خطوت لي في حياتك من الخطوات الواسعات، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف ~~فيها على تربتك أول دمعة يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يوما فسأبكي حرماني ~~وداعك أياما طوالا حتى يجمع الله بيني وبينك. # | العظمة # إن رأيت شاعرا من الشعراء، أو عالما من العلماء، أو نبيلا في قومه، أو داعيا في ~~أمته، قد انقسم الناس في النظر إليه وفي تقدير منزلته انقساما عظيما، وانفرجت مسافة ~~الخلف بينهم في شأنه، فافتتن بحبه قوم حتى رفعوه إلى رتبة الملك، ودان ببغضه آخرون ~~حتى هبطوا به إلى منزلة الشيطان، فاعلم أنه رجل عظيم. # العظمة أمر وراء العلم والشعر، والإمارة والوزارة، والثروة والجاه؛ فالعلماء ~~والشعراء والنبلاء كثيرون، والعظماء منهم قليلون، وإنما هي قوة روحية موهوبة غير ~~مكتسبة تملأ نفس صاحبها شعورا بأنه رجل غريب في نفسه ومزاج عقله ونزعات أفكاره ~~وأساليب تفكيره غير مطبوع على غرار الرجال، ولا مقدود على مثالهم، ولا داخل في كلية من ~~كليتهم العامة، فإذا نزلت نفسه من نفسه هذه المنزلة أصبح لا ينظر إلى شيء من الأشياء ~~بعين غير عينه، ولا يسمع بأذن غير أذنه، ولا يمشي في طريق غير الطريق التي مهدها بيده ~~لنفسه، ولا يجعل لعقل من العقول مهما عظم شأنه وشأن صاحبه سلطانا عليه في رأي أو فكر ~~أو مشايعة لمذهب أو مناصبة لطريقة، بل يرى - لشدة ثقته بنفسه وعلمه بضعف ثقة الناس ~~بنفوسهم - أن حقا على الناس جميعا أن يستقيدوا له، وينزلوا على حكمه ويترسموا ~~مواقع أقدامه في مذاهبه ومراميه، فترى جميع أعماله وآثاره غريبة نادرة بين آثار الناس ~~وأعمالهم، تبهر العيون، وتدهش الأنظار، وتملأ القلوب هيبة وروعة. فإن كان شاعرا كان ~~مبتكرا في معانيه أو طريقته، ms384 أو كاتبا أخذ على النفوس مشاعرها وأهواءها، أو فقيها ~~هدم من المذاهب قديما وبنى جديدا، أو ملكا شغل من صفحات التاريخ ما لم يشغله ملك ~~سواه، أو وزيرا ساس أمته بسياسة جديدة لا عهد لهم بمثلها من قبل، أو قائدا ضرب ~~الضربة البكر التي ترن في مسمع الجوزاء. # تلك هي العظمة، وهذا هو الرجل، ومن كان هذا شأنه كان فتنة الناس في خلواتهم ~~ومجتمعاتهم، ومعترك أنظارهم وأفهامهم، ومثار الخلف والشقاق بينهم في استكناه أمره، ~~وتقدير منزلته. فيعجب به الذين فطروا على الإعجاب بكل غريب والافتتان بكل جديد، حتى ~~ينتقل بهم الإعجاب به إلى الافتتان بأقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، والإغراق في حبه، ~~والمشايعة له، والسير بعجائبه وغرائبه في كل صقع وناد. فيقع ذلك من نفوس مناظريه ~~وحاسديه والمتمردين على عبقريته ونبوغه موقعا غير جميل، فلا يجدون لهم بدا من ~~مقابلة الإغراق في حبه بالإغراق في بغضه، على قاعدة المشادة والمعاندة. وهناك تحتدم ~~المعركة الهائلة بين أنصاره وخصومه، فيهاجمه هؤلاء يحاولون استلاب عظمته منه، ويناضل ~~عنه أولئك يريدون استبقاءها في يده، وهو واقف بينهم يدير أنظاره فيهم هانئا مغتبطا، ~~لا يحزن ولا يبتئس؛ لأنه يعلم أن جميع هذه الأصوات الصارخة الصاخبة حوله إنما هي ~~أبواق شهرته وعظمته. # لا أريد أن أقول: إن الرجل العظيم مصيب في كل ما يرى وما يفعل، وما ينتهج لنفسه ~~وللناس من المناهج والخطط. فربما كان من هو أضعف منه قوة وأخمل ذكرا أسد منه رأيا ~~وأصدق نظرا، وإنما أريد أن أقول: إن أحدا من الناس لا يستطيع أن يشغل أقلام الكتاب، ~~وعقول المفكرين، وألسنة الناطقين، وقلوب المحبين والمبغضين، إلا الرجل العظيم. # أحب عليا قوم حتى كفروا بحبه، وأبغضه آخرون حتى كفروا ببغضه. وسمى بعض الناس أبا ~~بكر وعمر شيخي المسلمين، وأنكر بعضهم صحبتهما وإخلاصهما. وعاش محيي الدين بن العربي بين ~~فئة تراه قطب الأولياء، وأخرى تراه شيخ الملحدين. واغتبط فريق من المسلمين بابن رشد ~~فسموه فيلسوف الإسلام، ونقم عليه فريق فملئوا وجهه بصاقا في المسجد الجامع. وسمى ms385 قوم ~~صاحب كتاب «الإحياء» حجة الإسلام، ومزق آخرون كتابه ونثروه في مهاب الرياح. وعاش المعري ~~بين رضا الراضين عنه ونقمة الناقمين عليه، يلثم الأولون مواطئ نعاله، ويسحبه الآخرون ~~على وجهه في الطرقات العامة. وشرب سقراط كأس السم بين أفواه باسمة شماتة به، وعيون ~~دامعة حزنا عليه. وجرت الأقلام بمدح المتنبي تارة فإذا هو سيد الشعراء، وبذمه أخرى ~~فإذا هو أكبر المتكلفين. ورفع قوم شكسبير إلى مرتبة الكمال الإنساني، فقالوا: نابغة ~~الدهر، وهبط به آخرون إلى أدنى منازل الخسة والدناءة، فقالوا: المنتحل الكذاب. وافتتن ~~المفتتنون بنابليون الأول فعلوا به إلى رتبة الأنبياء، وتنكر له خصومه وأعداؤه ~~فسلكوه في سلك الحمقى والممرورين. وذاق كل من لوثر وكالفين وغليليو وفولتير ونيتشه ~~وتولستوي كأسي الحب والبغض في حياته وبعد مماته إلى القطرة الأخيرة منهما. وما انقسم ~~الناس في هذا البلد في هذا العصر في شأن رجل من الرجال انقسامهم في شأن جمال الدين، ~~ومحمد عبده، وسعد زغلول، ومصطفى كامل، وعلي يوسف، وقاسم أمين. # وما كان واحد من هؤلاء في المنزلة التي يرفعه إليها المغرقون في حبه، أو ينزل به ~~الغالون في بغضه، ولكنهم كانوا قوما عظماء فانقسم الناس في شأنهم، وذهبوا في أمرهم هذه ~~المذاهب البعيدة المترامية، ولا ينقسم الناس هذا الانقسام العظيم إلا في شأن الرجل ~~العظيم. # ليس معنى الوجود في الحياة أن يتخذ المرء لنفسه فيها نفقا يتصل أوله بباب مهده وآخره ~~بباب لحده، ثم ينزلق فيه انزلاقا من حيث لا تراه عين ولا تسمع دبيبه أذن حتى يبلغ ~~نهايته - كما تفعل الهوام والحشرات والزاحفات على بطونها من بنات الأرض - وإنما الوجود ~~قرع الأسماع، واجتذاب الأنظار، وتحريك أوتار القلوب، واستثارة الألسنة الصامتة، وتحريك ~~الأقلام الراقدة، وتأريث نار الحب في نفوس الأخيار، وجمرة البغض في قلوب الأشرار. ~~فعظماء الرجال أطول الناس أعمارا وإن قصرت حياتهم، وأعظمهم حظا في الوجود وإن قلت ~~على ظهر الأرض أيامهم. # العظمة كالحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، ويحمل أحجار هيكلها على رءوسهم هادموها ~~وبناتها ، فحيث ترى سواد الأعداء فهناك سواد ms386 الأصدقاء، وحيث ترى الفريقين مجتمعين في ~~صعيد واحد فاعلم أن العظمة ماثلة على عرشها العظيم فوق أعناقهم جميعا. # العظمة قصر مشيد مرفوع على ساريتين منحوتتين من حب الناس وبغضائهم، فلا يزال ذلك ~~القصر ثابتا في مكانه لا يتزعزع ولا يتحلحل ما بقيتا في مكانهما، فإذا سقطت إحداهما ~~عجزت الأخرى عن الاستقلال به فسقطت بجانب أختها، فسقط هو بسقوطهما. # لا يعجبنك أن يتفق الناس جميعا على حبك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على حب الرجل الضعيف ~~المهين الذي يتجرد لهم من نفسه وعقله ورأيه ومشاعره، ثم يقعي على ذنبه تحت أقدامهم ~~إقعاء الكلب الذليل، يضربونه فيصطبر لهم، ويعبثون به فيبصبص بذنبه طلبا لرضاهم، ~~ويهتفون به فيقترب، ويزجرونه فيزدجر. # ولا يعجبنك أن يتفقوا على بغضك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على بغض الخبثاء الأشرار الذين ~~لا يحبون أحدا من الناس فلا يحبهم من الناس أحد. # وليعجبنك أن يختلفوا في شأنك، وينقسموا في أمرك، ويذهبوا في النظر إليك وتقدير منزلتك ~~كل مذهب، فتلك آية العظمة، وذلك شأن الرجل العظيم. # كن القائد الذي تعترك الجيوش حوله من بين ذائد عنه وعاد عليه، ولا تكن الجندي الذي ~~يسفك دمه ليسقي به دوحة العظمة التي ينعم في ظلالها القائد العظيم. # كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولا تكن الريح التي تختلف ~~إلى آذان الناس بأصوات الناطقين من حيث لا يأبهون لها، ولا يعرفون لها يدها. # كن النبتة النضرة التي تعتلج ذرات الأرض في سبيل نضرتها ونمائها، ولا تكن الذرة التي ~~تطؤها الأقدام، وتدوسها الحوافر والأخفاف. # كن زعيم الناس إن استطعت، فإن عجزت فكن زعيم نفسك، ولا تطلب العظمة من طريق التشيع ~~للعظماء والتلصق بهم، أو مناصبتهم العداء والوقوف في وجههم، فإن فعلت كنت التابع الذليل ~~وكانوا الزعماء الأعزاء # | الانتقاد # سألني بعض الأصدقاء عن رأيي في الانتقاد وشروطه وحدوده، وآدابه وواجباته. ورأيي فيه ~~ألا شروط له ولا حدود، ولا آداب ولا واجبات، وأن لكل كاتب أو قائل الحق في انتقاد ما ~~يشاء من الكلام، مصيبا ms387 كان أم مخطئا، محقا أم مبطلا، صادقا أم كاذبا، مخلصا أم ~~غير مخلص؛ لأن الانتقاد نوع من أنواع الاستحسان والاستهجان، وهما حالتان طبيعيتان ~~للإنسان لا تفارقانه من صرخة الوضع، إلى أنة النزع. وكل ما هو طبيعي فهو حق لا ريبة فيه ~~ولا مراء، فإن أصاب الناقد في نقده فقد أحسن إلى نفسه وإلى الناس، وإن أخطأ فسيجد من ~~الناس من يدله على موضع الخطأ فيه، ويرشده إلى مكان الصواب منه، فلا يزال يتعثر بين ~~الصواب والخطأ، حتى يستقيم له الصواب كله. # فإن أبينا عليه أن ينتقد إلا إذا كان كفئا في علمه ومخلصا في عمله - كما يشترط عليه ~~ذلك أكثر الناس - فقد أبينا عليه أن يخط سطرا واحدا في الانتقاد، وقضينا على ذهنه ~~بالجمود والموت؛ لأننا لا نعرف لهاتين الصفتين حدودا معينة واضحة، فكل منتقد يزعمهما ~~لنفسه، وكل منتقد عليه يجرد منتقده منهما، ومتى سمح الدهر لعامل من العاملين ~~بالإخلاص الكامل في عمله فيسمح به لجماعة المنتقدين! # على أن المنتقد الناقم لا تمنعه نقمته من أن يكون مصيبا في بعض ما يقول؛ لأنه لم ~~يأخذ على نفسه عهدا أن يختلق جميع المآخذ التي يأخذها، وألا يكتب إلا الباطل والمحال، ~~وإنما هو رجل عياب بالحق وبالباطل، فهو يفتش عن السيئات الموجودة حتى يفرغ منها فيلجأ ~~إلى السيئات المختلقة. ولقد كتب أول انتقاد في التاريخ بمداد الضغينة والحقد، فقد كانت ~~توجد في عصور اليونان القديمة طائفة من الشعراء يجوبون البلاد ويتغنون بالقصائد ~~الحماسية والأناشيد الوطنية في الأسواق والمجتمعات، وبين أيدي الأمراء والعظماء، ~~فيكرمهم الناس ويجلونهم إجلالا عظيما، ويجزلون لهم العطايا والهبات، فنفس عليهم ~~مكانتهم هذه جماعة من معاصريهم من الذين لا يطوفون طوافهم، ولا يحظون عند الملوك ~~والعظماء حظوتهم، فأخذوا يعيبونهم، ويكتبون الكتب في انتقاد حركاتهم وأصواتهم، ومعاني ~~أشعارهم وأساليبها. وكان هذا أول عهد العالم بالانتقاد، والفضل في ذلك للضغينة والحقد، ~~فلرذيلة الحقد الفضل الأول في وجود الانتقاد وبزوغ شمسه المنيرة. # كذلك لا يمنع الجاهل جهله من أن يكون رأيه في استحسان ms388 الكلام واستهجانه رأيا صائبا، ~~لا بل ربما كان شعوره بحسن الكلام وقبحه - متى رزق حظا من سلامة الذوق واستقامة الفهم ~~- أصح من رأي الأديب المتكلف الذي يتعمل الانتقاد تعملا، ويتعمق تعمقا كثيرا في ~~التفتيش عن حسنات الكلام وسيئاته حتى يضل عنهما، ورب ابتسامة أو تقطيبة يمران بوجه ~~السامع العامي عفوا أنفع للأديب حين يراهما وأعون له على معرفة مكان الحسنة والسيئة من ~~كلامه من مجلد ضخم يكتبه عالم مضطلع بالأدب واللغة في نقد شعره أو نثره. وإذا كان من ~~الواجب على كل شاعر أو كاتب أن ينظم أو يكتب للأمة جميعها، أو خاصتها وعامتها، فلم لا ~~يكون من حق كل فرد من أفرادها - متعلما كان أو جاهلا - أن يدلي برأيه في استحسان ما ~~يستحسن من كلامه، واستهجان ما يستهجن منه؟ # وهل رفع العظماء من رجال الأدب إلى مواقف عظمتهم وسجل لهم أسماءهم في صحائف المجد، ~~إلا منزلتهم التي نزلوها من نفوس السواد الأعظم من الأمة، والمكانة التي نالوها بين ~~عامتها ودهمائها؟ # وبعد، فلا يتبرم بالانتقاد ولا يضيق به ذرعا إلا الغبي الأبله الذي لا يبالي أن ~~يقف الناس على سيئاته فيما بينهم وبين أنفسهم، ويزعجه كل الإزعاج أن يتحدثوا بها في ~~مجامعهم، ولا فرق بين وقوفهم عليها وحديثهم عنها. أو الجبان المستطار الذي يخاف من ~~الوهم، ويفرق من رؤية الأشباح، ولو رجع إلى أناته ورويته لعلم أن النقد إن كان ~~صوابا فقد دله على عيوب نفسه فاتقاها، أو خطأ فلا خوف على سمعته ومكانته منه؛ لأن ~~الناس ليسوا عبيد الناقدين ولا أسراهم، يأمرونهم بالباطل فيذعنون، ويدعونهم إلى المحال ~~فيتبعون. ولئن استطاع أحد أن يخدع أحدا في كل شأن من الشئون فإنه لا يستطيع أن يخدعه ~~في شعور نفسه بجمال الكلام أو قبحه. ولو أن الأصمعي، وأبا عبيدة، وأبا زيد، والجاحظ، ~~والقالي، وقدامة، وابن قتيبة، والآمدي، وأبا هلال، والجرجاني، بعثوا في هذا العصر من ~~مراقدهم وتكلفوا أن يذموا قصيدة يحبها الناس من شعر شوقي مثلا لما كرهوها، أو يمدحوا ~~مقالة يستثقلها ms389 الناس من نثر «فلان» لما أحبوها، فالحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل ~~إليها، فهي تختفي حينا أو تتنكر، أو تتراءى في ثوب غير ثوبها، ولكنها لا تنمحي ولا ~~تزول. # فلتنطق ألسنة الناقدين بما شاءت، ولتتسع لها صدور المنتقدين ما استطاعت، فقد حرمنا ~~الحرية في كل شأن من شئون حياتنا، فلا أقل من أن نتمتع بحرية النظر والتفكير. # | يوم العيد # أفضل ما سمعت في باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة وقفت ليلة عيد من الأعياد ~~بحانوت تماثيل في باريس يطرقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار، فوقع ~~نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في حسنه وجماله، فابتهجت بمرآه ابتهاجا ~~عظيما؛ لا لأنها غريرة بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال ~~الصغار، بل لأنها كانت تنظر إليه بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها ينتظر عودتها ~~إليه بلعبة العيد كما وعدته. فأخذت تساوم صاحب الحانون فيه ساعة، والرجل يغالي به ~~مغالاة شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه، وأنها لا تستطيع العودة ~~بدونه، فساقتها الضرورة التي لا يقدرها إلا من حمل بين جنبيه قلبا كقلب الأم، وفؤادا ~~مستطارا كفؤادها، إلى أن تمد يدها خفية إلى التمثال فتسرقه من حيث تظن أن الرجل لا ~~يراها ولا يشعر بمكانها. # ثم رجعت أدراجها وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين مختلفتين: خفقة الخوف من عاقبة ~~فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التي ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها. وكان ~~صاحب الحانوت من اليقظة وحدة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته، فما برحت ~~مكانها حتى تبعها يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها. ثم تركها وشأنها وذهب إلى مخفر ~~الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها، وصعدوا جميعا إلى الغرفة التي تسكنها، ففاجأها ~~وهي جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور. فهجم ~~الجنديان على الأم فاعتقلاها، وهجم الرجل على الولد فانتزع التمثال من يده، فصرخ الولد ~~صرخة عظيمة لا على التمثال الذي ms390 انتزع منه، بل على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت أول ~~كلمة نطق بها وهو جاث بين يدي الرجل: رحماك بأمي يا مولاي، وظل يبكي بكاء شديدا. فجمد ~~الرجل أمام هذا المنظر المؤثر، وأطرق إطراقا طويلا، وإنه لكذلك إذ دقت أجراس الكنائس ~~مؤذنة بإشراق فجر العيد، فانتفض انتفاضة شديدة وصعب عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة ~~المسكينة حزينة منكوبة في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، فالتفت إلى الجنديين ~~وقال لهما: أظن أني أخطأت في اتهام هذه المرأة، فإني لا أبيع هذا النوع من التماثيل. ~~فانصرفا لشأنهما، والتفت هو إلى الولد فاستغفره ذنبه إليه وإلى أمه، ثم مشى إلى الأم ~~فاعتذر إليها عن خشونته وشدته. فشكرت له فضله ومروءته، وجبينها يرفض عرقا حياء من ~~فعلتها، ولم يفارقهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد وأهنأ مما كانا ~~يظنان. # لا تأتي ليلة العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان: نجم سعود، ونجم نحوس. أما ~~الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل، ولأولادهم اللعب والتماثيل، ~~ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب، ثم ناموا ليلتهم نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه ~~الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء. وأما الثاني ~~فللأشقياء الذين يبيتون ليلتهم على مثل جمر الغضى يئنون في فراشهم أنينا يتصدع له ~~القلب، ويذوب له الصخر؛ حزنا على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم ~~وبأعينهم ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون بها أندادهم، ولعب جميلة يزينون ~~بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها. # فهل لأولئك السعداء أن يمدوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البر والمعروف، ويفيضوا عليهم في ~~ذلك اليوم النزر القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما ~~سجل لصاحب حانوت التماثيل؟ # إن رجلا يؤمن بالله ورسله، وآياته وكتبه، ويحمل بين جنبيه قلبا يخفق بالرحمة ~~والحنان، لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء، ولا قلبه من الخفقان، عندما يرى في العيد - ~~في طريقه إلى معبده، أو منصرفه من زياراته - طفلة ms391 مسكينة بالية الثوب، كاسفة البال، ~~دامعة العين، تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلا من أترابها وصواحبها أن تقع ~~أنظارهن على بؤسها وفقرها، ورثاثة ثوبها، وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن. فلا ~~يجد بدا من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنو عليها، وعلى بؤسها ومتربتها؛ لأنه يعلم ~~أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي ~~يشعر بها في أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها. # حسب البؤساء من محن الدهر وأرزائه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم ~~وشقائهم، فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين. # | من الشيوخ إلى الشبان # لا نستطيع أن ننكر عليكم معشر الأبناء أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا، وأبعد همة، ~~وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشاحبة المعروقة لا تستطيع أن تصل إلى ما تصل ~~إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع تصوراتكم وآمالكم التي تتلون ~~بها شبوبيتكم أكثر حدة وحرارة، وأبعد غورا وعمقا من آرائنا وتصوراتنا. ولكن الذي ~~ننكره عليكم، ونعتب عليكم فيه أشد العتب هو زرايتكم علينا واحتقاركم لنا، ورميكم إيانا ~~بالجمود مرة والخرف أخرى كلما اختلفنا معكم في شأن من الشئون. كما أننا ننعى عليكم ~~كبرياءكم وخيلاءكم واعتدادكم بأنفسكم هذا الاعتداد العظيم الذي يخيل إليكم معه أن هذه ~~الألوان الجملية التي تتلون بها حياتكم الحاضرة إنما هي خاصة بكم، ووقف عليكم، لم تمر ~~بعصر غير عصركم، ولم يزه بها شباب غير شبابكم، وأنكم أنتم أصحاب الفضل الأول في ~~ابتكارها، وافتراع عذرتها. ولو أنكم استطعتم أن تحملوا أنفسكم على الروية والأناة، وأن ~~تنتقلوا بأنظاركم من الحاضر إلى الماضي - وإن لم يكن ذلك من طبيعة الشباب ولا من خصائصه ~~- لعلمتم أن هذا العهد الذي يمر بكم اليوم، والذي تفاخروننا به، وتدلون علينا بأحلامه ~~وأمانيه، وتصوراته وخيالاته، قد مر بنا مثله في زماننا. فقد كان لنا شباب مثل شبابكم ~~نتصور فيه ms392 كما تتصورون، ونفكر كما تفكرون، ونردد في أنفسنا وأحاديثنا وعلى أسلات ~~أقلامنا جميع هذه الآراء والأفكار التي ترددونها اليوم. حتى انطوى ذلك العهد وزالت ~~معالمه، وهدأت على أثره تلك الثورة النفسية الهادئة التي كانت تعترك بين جوانحنا، ~~ودخلنا غمار الحياة الحقيقية؛ حياة الجد والعمل، والنظر والتأمل، والخبرة والتجربة. ~~فاستطعنا أن نرجع إلى نفوسنا، ونثوب إلى رشدنا، وأن نهبط بهدوء وسكون إلى أعماق قلوبنا، ~~ونستعرض تلك الآراء والأفكار، والأحلام والآمال بإمعان وتدقيق. فاستطعنا أن نميز صالحها ~~من فاسدها، وصادقها من كاذبها، ومعقولها من موهومها، وأن نقلب الأشياء على جميع وجوهها، ~~ونرى وجوه الحسن فيها ووجوه القبح، ونوازن بين هذه وتلك. فأخذنا بما أربت حسناته على ~~سيئاته، فلا فضل لكم في الحقيقة في هذا الذي تزعمون أن لكم الفضل فيه وحدكم من دون ~~الناس جميعا، إنما الفضل للشباب ومزاجه وطبيعته وحدته، ولا علاقة للعلم والجهل والذكاء ~~والغباوة والتقدم والتأخر بشيء من ذلك. # وللشباب خصائص كثيرة وصفات متعددة، وأخص صفاته قصر النظر، وسرعة الحكم، والعجز عن ~~إحكام الصلة بين أدوار الزمان الثلاثة: ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فهو لا يستطيع أن يتصور ~~تصورا ثابتا متينا أن الماضي أساس الحاضر ومنبع وجوده، لا يشرق إلا من مطلعه، ولا ~~ينبت إلا من تربته، وأن المستقبل بيد الطبيعة القاسية وقوانينها الصارمة. وليس أقرب ~~إليه من أن يتصور أن في استطاعته أن يمحو بيده في لحظة واحدة وجه الكون بأرضه وسمائه، ~~ثم يخلقه خلقا جديدا على الصورة التي يريدها ويتصورها، وأن في إمكانه أن يحيل الترب ~~أمواها والأمواه تربا. وأن يحجب بيده وجه الشمس فلا ينبعث لها شعاع إلا بإرادته، وأن ~~يرغمها متى أراد أن تمزق حجاب الليل وتبرز في سمائه، ولا يزال يتخبط في أمثال هذه ~~التصورات والأحلام التي لا فائدة فيها ولا نتيجة لها، حتى تطلع في رأسه أول طليعة من ~~طلائع الشيخوخة فتهدأ ثورته، وتفتر حدته، ثم لا يلبث أن يسقط جاثيا بين يدي القوة ~~الإلهية والقوى الطبيعية معترفا بعجزه وقصوره وفراغ يده من كل حول ms393 وقوة هاتفا: إن ~~للكون إلها لا أستطيع محادته، وللطبيعة سنة لا أستطيع تبديلها. # كنا نفكر كثيرا في شأن المرأة كما تفكرون اليوم، ولا نجد حديثا ألذ ولا أطرب من ~~الحديث عنها. وكنا لشدة إعجابنا بها، واهتمامنا العظيم بترفيهها وتدليلها، والوقوع من ~~نفسها موقعا جميلا، ندافع عنها ضد أنفسنا، ونطلب لها من النفوذ والسيطرة علينا أكثر ~~مما تطلبه لنفسها. ونتمنى بجدع الأنف لو أننا رأيناها متمتعة بالحرية إلى أقصى حدودها، ~~فتتبرج كما تشاء، وتسفر كما تريد، وتجلس إلى الرجل جنبا لجنب في المجتمعات العامة ~~والخاصة بدون أن يعارضها معارض، أو يكدر عليها صفوها مكدر. بل كنا نذهب في مجاملتها ~~ومحاسنتها إلى أكثر من ذلك؛ فكنا نغتفر لها سيئاتها الأدبية ونسميها سقطات - أي هفوات ~~فردية لا أهمية لها - ونغريها بمحاسبة زوجها حسابا شديدا على خيانته لها، ومقابلة ~~فعلاته بمثلها؛ لأننا كنا نقرر لها مبدأ المساواة بينها وبينه، ونقول لها: ليس من العدل ~~أن يغضب الزوج من خيانة زوجته إذا كان هو يخونها. وكنا نظن أن هذه الآراء آراء حقيقية ~~راسخة في نفوسنا، صادرة من أعماق قلوبنا، ثم علمنا بعد ذلك أننا كنا مخدوعين فيها، ~~وأنها آراء الشباب وخواطره، وأحلامه وتصوراته، ولا يثقل على الشباب في ريعانه شيء مثل ~~ذلك الحجاب المسبل على وجه المرأة، وذلك الجدار القائم بينها وبينه. # وكنا نبتهج بكل جديد كما تبتهجون، وننفر من كل قديم كما تنفرون. ونعد الأول آية ~~الآيات مهما سخف واستبرد، والثاني نكبة النكبات مهما غلت قيمته ونفس قدره، لا لأننا ~~وازنا بينهما، وفاضلنا بين مزاياهما فحكمنا عليهما؛ بل لأننا كنا قريبي عهد بزمن ~~الطفولة، والطفل سريع الملل، كثير السآمة، لا يصبر على لعبته أكثر من يوم واحد ثم يملها ~~فيكسرها ويستبدل منها غيرها. # وكنا مولعين بالتقليد ولعكم به، لا نكاد نعرف لأنفسنا صورة خاصة ترتكز عليها ~~أعمالنا في الحياة، بل كانت تمر بنا جميعا الصور على اختلاف أنواعها وألوانها فنلتقطها ~~بأسرع مما يلتقط «الفيلم» صوره كأن فضاء حياتنا معمل لتجاريب الحياة ~~واختباراتها. # وكان العارف ms394 منا بلغة أجنبية لا يلبث أن يفتتن بها وبأصحابها افتتانا شديدا ربما ~~حمله على احتقار لغته وتاريخها، فيترفع عن ذكر رجالها وعظمائها في أحاديثه واستشهاداته، ~~ويسخر منهم كلما جرى ذكرهم على لسان أحد غيره، لا لأنه يفهمهم أو يفهم غيرهم؛ بل لأنه ~~كان بسيطا غريرا يحتقر كل ما في يده، ويستعظم كل ما في يد غيره. # ولم نعرف إلا بعد زوال ذلك العهد أننا كنا مخطئين في جميع هذه التصورات والأفكار، ~~وأنها لم تكن عقائدها راسخة في نفوسنا، بل أشباحا وصورا تتراءى في سماء حياتنا، ~~فنعجب بها، ونستطير فرحا وسرورا بجمال منظرها، وبهجة ألوانها، فأصبحنا معتدلين في ~~آرائنا، متئدين في أحكامنا، نحب حرية المرأة، ولكنا نكره فسقها وفجورها، ونأخذ مواد ~~المدنية والحضارة من الأمم المتمدينة، ولكنا لا نقلدها، ونحب أدب الغربيين ونعجب ~~بأدبائهم وعلمائهم، ولكنا لا نحتقر من أجل ذلك رجالنا وتاريخنا. # نحن لا نطلب منكم - معشر الأبناء - وأنتم في ثورة الشباب ونشوته أن تكونوا معتدلين في ~~أحكامكم وتصوراتكم، أو هادئين في مطامعكم وآمالكم، فليس من الرأي أن نطلب عندكم ما لم ~~نكن نطلبه عند أنفسنا. ولكن أمرا واحدا كنا نحرص عليه في عهدنا أشد الحرص، هو الذي ~~نطلب إليكم أن تحرصوا عليه مثلنا، وتضنوا به ضننا. # كنا نعتقد مثلكم أننا خير من آبائنا وأجدادنا، وأوسع منهم علما وأقوى إدراكا، ~~وربما اعتقدنا في الكثير منهم - كما تعتقدون فينا اليوم - أنهم جاهلون أو مخرفون، أو ~~متأخرون أو جامدون، إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوة وكرامتها، ~~فلا نلقبهم من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها، ولا نذكرهم في حضورهم أو غيبتهم بكلمة ~~سوء تنغص عليهم ما قدر لهم أن يقضوه بيننا من أيام حياتهم. وكان شأننا معهم في برهم ~~وإكرامهم واحترام عقائدهم ومذاهبهم - مع اتساع مسافة الخلف بيننا وبينهم - شأن خالد بن ~~عبد الله القسري أمير العراق؛ إذ كان مسيحيا فأسلم وحسن إسلامه، وكان أبوه لا يزال ~~على دينه، فطلب إليه أن يبني له بيعة في قصره ms395 يقوم فيها بأداء واجباته الدينية، فبناها ~~له كما أراد، ولم ينع عليه شأنا من شئونه طول أيام حياته حتى ذهب إلى ربه. # ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا. واذكروا ~~أن سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتي علينا، وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم ~~وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا وفي شيخوختنا، فنحن آباؤكم ~~الذين ولدناكم، وأساتذتكم الذين ربيناكم، ومن أكبر العار عليكم وعلى تاريخكم أن تسبوا ~~أساتذتكم وآباءكم وأن ترموهم في وجوههم بالجهل والجمود، وما هم بجاهلين ولا جامدين، ~~ولكنهم شيوخ عاجزون. # | الموتى # مترجمة # دقت أجراس المساء تنعى اليوم الراحل، وتندب جماله الزائل، وأخذت قطعان الماشية تعود ~~من مراعيها إلى حظائرها، ومشى وراءها رعاتها يهشون عليها بعصيهم، لا يريدون بها شرا ~~ولا أذى؛ لأنهم يحبونها ويرحمونها، بل يخافون عليها الضلال، فهم يهدونها الطريق. ومد ~~الظلام رواقه الأسود على جسم الطبيعة المنبسطة كأنما ظن أنها تنام كما ينام البشر، فهو ~~يقيها برد الليل وغائلته. وساد سكون رهيب في تلك الأنحاء، فلا يسمع إلا صوت البلبل يشكر ~~للقمر ما أهدى إلى جناحيه من أشعة متلألئة، ونعيب البوم يمد صوته بالشكوى إلى الله ~~تعالى في سمائه، وما شكاته إلا أن بني آدم يطئون أرضه، وينتهكون حرمة خرباته المقدسة، ~~وهنالك تحت ظلال الأشجار الضخمة اليابسة رقد أسلاف سكان تلك المزرعة تحت أعماق الأرض ~~رقدة طويلة، بل أكثر من طويلة؛ لأنها لا نهاية لها، فلا نسمات الصباح الباردة، ولا ~~تغريد الطيور الصادحة، ولا صياح الديكة، ولا رنين الأجراس، ولا هتاف الرعاة، يوقظهم من ~~رقدتهم هذه. # أسفي عليهم، لقد أمسوا ولا نيران توقد في أكواخهم، ولا زوجات صالحات يذهبن ويجئن في ~~تهيئة طعام عشائهم، ولا صبية صغارا يستقبلونهم عند عودتهم ليقبلوهم ويستقبلوا قبلاتهم. ~~أولئك الرقود الهامدون كانوا بالأمس أشداء أقوياء، تمد السنابل أعناقها خاضعة لمناجلهم، ~~ويئن ظهر الأرض وبطنها تحت وطأة محاريثهم، وترعد جذوع الأشجار الضخمة فرقا من ضربات ~~فئوسهم. # أولئك الوجوم الصامتون كانوا بالأمس ms396 فرحين مستبشرين، يرقصون ويغنون، ويجدون السعادة ~~والبهجة في كل ما يحيط بهم، فيطربون لوقع حوافر ماشيتهم على الحصباء، كأنما يسمعون ~~قيثارة مطربة، ويجدون في ضجعتهم فوق الأعشاب اليابسة الراحة التي يجدها أصحاب الأسرة ~~فوق مهادهم الوثير، ويشعرون في تناولهم اللقمة الجافة السوداء بعد الجوع باللذة التي ~~يشعر بها الأغنياء في تناولهم ألوان الطعام الشهي على موائدهم، ويغترفون بأكفهم الماء ~~من الأنهر والخلجان، فيلتذون بارتشافه كأنما يتناولون صافية الصهباء في كئوس البلور ~~والذهب. # أولئك الخاملون المغمورون الذين لم تنصب لهم التماثيل، ولم ترفع فوق قبورهم القباب، ~~كانوا في حياتهم شرفاء عظماء؛ لأنهم كانوا متحابين متآخين، لا يحسد فقيرهم غنيهم، ولا ~~يبغي قويهم على ضعيفهم، ولا يحقدون ولا يغدرون، ولا يخافون شيئا حتى الموت، ولا يعبدون ~~إلها إلا الله. # كذلك كانوا بالأمس، واليوم طواهم الرمس، فرحمة الله عليهم يوم كانوا على ظهر الأرض، ~~وبعدما أصبحوا في بطنها. # فليجث فوق رمال هذه القبور المبعثرة، وبين أحجارها المتهدمة المتساقطة، أرباب ~~المطامع في الحياة، وطلاب المجد والعظمة خاشعين مستكينين، خافضي رءوسهم إجلالا ~~وإعظاما. وليمسكوا قليلا عن الإدلال بعزهم وجاههم، والمكاثرة بفضتهم وذهبهم، وليخفوا ~~في أعماق نفوسهم ابتسامات الهزء والسخرية المترقرقة على شفاههم. وليعلموا أن طريق ~~المجد والعظمة التي يسيرون فيها - وإن كانت مخضرة جميلة، مفروشة بالأعشاب، محفوفة ~~بالأزهار الأريجة - فإنها تؤدي في نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه هؤلاء ~~المقبورون. # أيها الناعمون في عيشهم، المدلون بعزهم وجاههم، المفتخرون بقوتهم وجمالهم، لا تحتقروا ~~هؤلاء المقبورين المساكين إن رأيتم أجداثهم مشعثة بالية، وقبابهم متهدمة خاوية، ولم ~~تروا أسماءهم منقوشة بأجمل الألوان وأزهارها على صفائح قبورهم، وأصغوا قليلا تسمعوا ~~آيات مدحهم والثناء عليهم ترددها الجداول والغدران، والحقول والمروج، والطيور المغردة ~~فوق أعالي الأشجار، والسوائم الحائمة على ضفاف الأنهار. فهم أصحاب اليد التي رصعت التاج ~~للملك، وصنعت السيف للقائد، ونسجت المسوح للراهب، وبنت القصور للأمراء، وصاغت الحلي ~~للأميرات، وغرست العشب للسائمة، ووضعت الحب للطائر، وهيأت للأحياء جميعهم - ناطقهم ~~وصامتهم - طعامهم وشرابهم، ودثارهم ومهادهم. # أيها القوم العظماء، لا تخلد ms397 التماثيل المنصوبة غير ذكرى ناحتيها، ولا تطمس السطور ~~الذهبية المنقوشة فوق صفائح القبور سطور السيئات التي يخطها التاريخ في صفحاته، ولا ~~تسمع آذان الموت الصماء نغمات الملق المترددة في أناشيد الرثاء. # رب يد تحت هذه الأرض لو أتيح لها الحظ في حياتها لكانت يد العازف الذي يشنف الآذان، ~~أو يد البطل الذي يهز العروش ويزعزع التيجان، أو يد الشاعر الذي يثير الأشجان ويبعث إلى ~~القلوب السرور والأحزان. ورب قلب في هذه الحفائر المظلمة لو عاش في جو غير هذا الجو، ~~وعالم غير هذا العالم، لكان قلب ملك عظيم مملوء بالآمال العظام، والأماني الجسام، أو ~~قلب زعيم جريء يحاسب الظالمين على ظلمهم، ويذود النوم عن أجفانهم، أو قلب نائب كبير ~~يستهوي ببلاغته القلوب، ويسترعي الأسماع فتدوي له بالتصفيق قاعة مجلس النواب. # كم من لؤلؤة لم تعثر يد الغواص بها فظلت دفينة بين صدفتيها! وكم من زهرة أريجة لم ~~تكد تتفتح حتى هبت عليها رياح الصحراء المحرقة فأذبلتها! وكم من ماسة وضاءة عجز ~~المعدنون عن استخراجها من معدنها فانطفأ نورها في منجم الفحم المظلم! وكم من قريحة ~~وقادة لم تصقلها العلوم والتجاريب فعاشت مغفلة مهملة حتى انطفأت شعلتها، ولو أنها ~~صقلتها لغيرت وجه الكون، وبدلت الأرض غير الأرض! نعم كان بين هؤلاء القرويين المقبورين ~~من كان له قلب كقلب «همبدن»، إلا أن التاريخ لا يعرفه، ومن كان له لسان كلسان «ملتن»، ~~إلا أنه لم ينصب له تمثال، ومن كانت له همة كهمة «كرومويل»، إلا أنه لم يقد الجيوش. ~~ولكنهم عاشوا في هذه الفلوات المنقطعة عن العلم والحضارة فدفن الجهل مواهبهم، وأخمد ~~الفقر نار ذكائهم وفهمهم، فمروا بهذا الدنيا ولم يشعر بهم أحد، ثم ماتوا ولم يذكرهم ~~أحد. # هنيئا لهم جهلهم وخمولهم، فلو أنهم كانوا عظماء لقضوا أيام حياتهم يسفكون الدماء، ~~ويمزقون الأشلاء، ويغتالون حقوق الضعفاء سعيا وراء أغراضهم ومطامعهم، لا بل إنهم كانوا ~~عظماء ولكنهم بريئون من آثام العظمة وجرائمها. # رحمة الله عليهم، لقد ذهبوا ولم يبق لهم من بعدهم مما يدل ms398 عليهم سوى حجر قديم ملقى ~~في طريق مقبرتهم قد كتب عليه بخط سقيم هذا البيت البسيط من الشعر: # أيها المار في هذا المكان احترم تربته # ولا تطأ بقدميك رفات الموتى # هذا كل ما طعموا فيه من شئون الحياة بعد موتهم، لم يطلبوا تمثالا يقام لهم، ولا قبة ~~ترفع فوق أضرحتهم، ولا صفحة خاصة من صفحات التاريخ تخلد فيها أعمالهم، بل لم يطلبوا ~~طاقة زهر تؤنس مضجعهم، ولا قطرة غيث تبل ثراهم، فما كان أقنعهم وأزهدهم! # | الزهرة الذابلة # ورد إلي من صاحب التوقيع الكتاب الآتي: # أنا تلميذ في السابعة عشرة من عمري، حصلت على شهادة الدراسة الابتدائية، ثم ~~تقدمت لامتحان الكفاءة فلم أفلح، غير أني عزمت على الكد للعام المقبل، وما دريت ~~ما يخفي الغيب في سره حتى فوجئت بمرض «الحمى» العضال الذي ضعضعني، وما كدت أشفى ~~منه بعد مدة حتى أصابني «الصمم» الكامل. فضاعت بذلك آمالي، وأظلمت الأرض في ~~وجهي، فرأيت أن أستغيث بك لعلك تسدي إلي جميلا بكلمة تعزية من عندك، وأنا ~~أحق الناس بالعزاء، والسلام. # 6 يناير 1914 # ر. م. # لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني، فهو فوق ما يحتمل المتحمل ويطيق الجلد ~~الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، ولكان شأني معك شأن أولئك الهازلين ~~العابثين الخادعين من المعزين الذين يختلفون ليلهم ونهارهم إلى منازل المنكوبين ~~والمرزوئين ليقولوا للثاكل ولده: «لقد قدمت بين يديك شفيعا يشفع لك يوم حسابك بين يدي ~~ربك.» وللباكي أباه: «ما مات من خلف مثلك.» وللباكي أخاه: «إن في الباقي عزاء عن ~~الماضي.» وللباكية زوجها: «الشباب غض والرجال كثير.» وللفاقد بصره: «حسبك مما فقدت من ~~نور بصرك ما أبقى الله لك من نور بصيرتك.» وللمحتضر المشرف: «إن في لقاء ربك عوضا عن ~~لقاء الدنيا.» ولمن حلت به نكبة مثل نكبتك: «لقد كفاك الله بما ابتلاك سماع أقوال ~~الكذب وكلمات السوء.» كأنما هم يحسبون أن الفواجع والرزايا صفقات تجارية إذا قاس فيها ~~المرء ربحه بخسرانه ووازن بين دخله وخرجه هان عليه ms399 هذا لذاك، واغتفر ما فات لما هو آت، ~~ولا يعلمون أن الحزن على الذاهب المفقود إنما هو زفرة من زفرات الحب، أو نفثة من ~~نفثات الوفاء، ولا دخل للحساب والمعاوضة في شيء من ذلك، وأن أقسى الآباء قلبا وأصلبهم ~~فؤادا لو ساومه مساوم في فلذة كبده ووضع تحت قدميه خزائن الأرض والسماء لكان رأيه في ~~ذلك رأي ابن الرومي في قوله: # وما سرني أن بعته بثوابه # ولو أنه التخليد في جنة الخلد # وأن الأم تبكي وحيدها كما تبكي عاشر عشرة من أولادها، والصديق يبكي فراق صديقه وإن ~~كثر أصدقاؤه في كل محلة يحل بها، والزوجة تبكي زوجها وإن كان تحت كل نافذة من نوافذ ~~منزلها خطيب يترقبها، وأن البائس المسكين الذي يعيش من دنياه في مثل جحر الضب ضنكا ~~وبؤسا يضن بحياته الضن كله إذا أحس بوشك فراقها وإن علم أنه سينتقل منها إلى جنة ~~عرضها السموات والأرض. فهم في الحقيقة يسخرون من مصائب الناس وأرزائهم، ويؤلمون نفوسهم ~~فوق ألمها باحتقار أحزانهم وازدرائها وتصغير شأنها في أعينهم، ويلقون في نفوسهم اليأس ~~من أن يجدوا بجانب قلوبهم قلوبا تحس بإحساسها، وتشعر بشعورها، من حيث يظنون أنهم ~~يخففون عنهم آلامهم ويأخذونهم بنسيانها. # وأعوذ بالله أن أكون يا بني من الكاذبين في تعزيتك، أو الغاشين لك فيها، ولو أردت ~~نفسي على ذلك لما استطعت. وكيف يستطيع أن يعزيك عن مصابك من لا يستطيع أن يعزي نفسه عن ~~مصابه فيك، فلقد ترك كتابك هذا بين جنبي لوعة من الحزن لا أحسب أنها دون لوعتك التي ~~تعتلج بين جنبيك من الحزن على نفسك، حتى صرت كأني أنا الذي ابتليت بما ابتليت به، وكأن ~~الذي أصابك من البلاء قد أصابني من دونك. فلقد انقطع عنك بفقد سمعك أيها البائس المسكين ~~كل ما كان بينك وبين الناس جميعا من سبب وصلة، فأصبحت وأنت في دار الأنس والاجتماع، ~~وبين ضوضاء الحياة وضجيجها، كأنك تعيش من وحشتك وكآبتك في مدينة متحجرة من مدن ~~التاريخ القديم ، لا تأنس فيها بأحد ms400 ولا يأنس بك فيها أحد، ولا ترى بين يديك إلا نصبا ~~ماثلة، وتماثيل جامدة. # تحسب العين أنهم جد أحيا # ء لهم بينهم إشارة خرس # ولا يرفه عن نفسك في ساعة من ساعات ضيقك وضجرك نغمة غناء، ولا رنة حداء، ولا خرير ~~نهر، ولا تغريد طير، ولا حفيف شجر، ولا رفيف ريح، ولا ثغاء شاة، ولا نقيق ضفدع، ~~ولا صرير جندب. سواء لديك ليلك ونهارك، وصبحك ومساؤك، ويقظتك ومنامك، فإن فررت من ~~وحشتك هذه إلى مجتمع من المجتمعات العامة فجلست إلى الناس ساعة تتفرج فيها مما بك، لا ~~تسمع شيئا مما يقولون، ولا يعنيهم أن يسمعوا شيئا مما تقول. فإن قلبت نظرك في وجوههم ~~لتتسقط حرفا من حروفهم، أو تتفهم حركة من حركات شفاههم، أو إشارة من إشارات أيديهم، ~~أنكروا عليك نظراتك، وسخروا منك فيما بينهم وبين أنفسهم. لا بل ربما صارحوك بكلمتهم ~~التي يضمرونها في أنفسهم، ورموا بها في وجهك من حيث لا تعلم. فإن رأوا منك أنك تقتضب ~~الأحاديث اقتضابا، وتذهب منها في أودية غير أوديتهم، وأنك تحدثهم فلا تحسن تقدير صوتك ~~على مقياس أسماعهم؛ فتعلو به عليها أو تنزل به دونها، وأنك تبتسم في موضع التقطيب وتقطب ~~في موضع الابتسام، أصبحوا ينظرون إليك بتلك العين التي ينظرون بها إلى الأطفال الصغار، ~~والبله الأغرار. فإن ألممت بسر نظرتهم هذه إليك ألم بك من الحزن والهم ما لا طاقة لك ~~باحتماله، وأصبحت ترتاب بكل نظرة تتجه إليك، وكل ابتسامة تتراءى لك، واعتادك سوء الظن ~~بكل جالس يجلس إليك من أصدقائك وعشرائك، بل من أبويك وأهليك، فلا يكاد يسلم لك صديق، ~~أو يصفو لك حميم. # فإن فررت من الناس نجاة بنفسك من لؤمهم وقسوتهم، فررت إلى خلوة موحشة قاتمة تتراءى ~~لك فيها خيالات الذكرى المؤلمة كلما وازنت بين حاضرك وماضيك، وقارنت بين ما كنت ترجو ~~لنفسك في أيامك الأولى، وما انتهى إليه أمرك في أيامك الأخرى، فلا تنفعك خلوة، ولا ~~يؤنسك اجتماع. # وأخوف ما أخاف عليك إن استمر بك هذا الشأن ms401 - ولا أسأل الله دوامه - وظللت تنطق ولا ~~تسمع، وتقول ولا تفهم ما يقال، أن تصبح في يوم من أيامك لا سامعا ولا ناطقا، فالسماع ~~مادة النطق التي يستمد منها قوته وحياته، ومن لا يسمع لا يحسن النطق، ومن لا ينطق لا ~~يحسن التفكير. # وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب وابتسامة لامعة في ثغر الآمال، ~~وفجر مشرق في سماء الحياة، أن تصعد على هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ربا الحياة، فلا ~~تلبث إلا قليلا حتى يمر بك فارس الدهر فيختطفك من مكانك ثم لا يعدو بك إلا قليلا حتى ~~يلقيك على هذه الصخور الصماء. # فوا رحمتاه لك يا بني مما بك اليوم، ومما يستقبلك به الدهر غدا! فأسأل الله تعالى لك ~~أن يرفع عنك محنتك، أو يمنحك عينا ثرة من الدمع لا ينضب معينها، تسكب منها صباح كل ~~يوم ومساءه سجلا على فؤادك الملتاع فتبرد غلته، وتفثأ لوعته، فالدموع هي الرحمة ~~العامة التي يلجأ إليها المنكوبون والمحزونون يوم لا يجدون لأنفسهم في مذهب من مذاهب ~~الأرض، ولا في سبيل من سبل السماء ناصرا ولا معينا، والسلام عليك - من الراثي لك، ~~الباكي عليك - ورحمة الله. # | الوجهاء # جرى بيني وبين أحد الوجهاء المصريين الحديث الآتي: # الكاتب ~~: # ما هذه الطبقة التي تكسو وجهك فتحجب منه ما يحجب صفحة السماء، من السحب ~~السوداء؟ # الوجيه ~~: # إن بين جنبي هما يعتلج، وكمدا يذهب باللب ويطير بشظايا القلب، ونارا من ~~الحزن متأججة مضطرمة، دخانها هذا الذي تراه. # الكاتب ~~: # أحق ما تقول وأنت الرجل السعيد بحظه المغتبط بعيشه، قصر غمدان، وخورنق ~~النعمان، وحور وولدان، وظل ظليل، ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب موج التنور ~~باللهب، ذلك إلى ما أسبغ الله عليك من صحة البدن وسلامة الحواس! وأمدك به من ~~الجاه العريض، والكلمة النافذة والشفاعة المقبولة؟ فليت شعري ما شكاتك بعد ~~ذلك؟ # الوجيه ~~: # أشكو الفقر الباطن في الغنى الظاهر، والشقاء المقبل في السعد المدبر، وإني ~~لأرى في السماء غمامة دكناء توشك أن تنفجر بالصاعقة الكبرى، والكارثة ~~العظمى. ms402 # الكاتب ~~: # ما كنت أحسب أن الشقاء يمر لك ببال بعدما أعطاك الدهر عهدا مكتوبا بتلك ~~الأحرف الذهبية؛ ألا يسدد سهمه إليك، ولا يدور دورته عليك. # الوجيه ~~: # متى كان للدهر عهد يوثق به أو ذمام يعتمد عليه؟ فالناس في يده كالكرة ذات ~~الألوان في يد الصبي، يديرها فترى الأسود في مكان الأبيض، والأبيض في موضع ~~الأسود، وكذلك بقية الألوان تعلو أسافلها وتسفل أعاليها، ودورة السعود والنحوس ~~أسرع في عمر الدهر من لمح الطرف، ولفتة الجيد. # الكاتب ~~: # هل لك أن تحدثني من أي منفذ نفذ الدهر إليك، وما عهدتك شاربا ولا عاهرا، ~~ولا مقامرا ولا مستهترا؟ وما للدهر مدخل يتسرب منه إلى خزائن الأغنياء غير ~~هذا المدخل! # الوجيه ~~: # أين يذهب بك أيها الصديق؟ وهل يؤتى الأغنياء في هذا البلد إلا من طريق المجد ~~الباطل والسمعة الكاذبة؟ وهل يكب العظماء على وجوههم، ويلصق بالرغام معاطسهم ~~إلا الشغف بنظرة الأمير، ولفتة الوزير، وزورة المدير؟ وأنت تعلم أن رجلا ~~مثلي لا يمكن أن يكون له مطمع في المجد الصحيح، فلست بصاحب علم فأفخر به، ولا ~~صاحب قلم فأمت بما يمت به أصحاب الأقلام من خدمة المجتمع الإنساني ~~وتهذيبه، فلم يبق أمامي غير هذا المجد الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام ~~والعمال، ولا سبيل إليه إلا ببذل ثمن غال تقصر عنه خزائن قارون وكنوز ركفلر، ~~وقد أنفقت فوق الطاقة ووراء الفاقة في بناء القصور نزلا للحكام، وغرس البساتين ~~منازه لهم، وإعداد الفرش والآنية لمآدبهم وولائمهم، فلما نضب معين الذهب، وعيت ~~الأرض أن تثمر فوق ما تثمر، لجأت إلى مصرف من المصارف المالية فأثقلني ~~بالديون، وأرهقني بالطلب، ففزعت منه إلى آخر ثم إلى آخر، فكنت كناقش الشوكة ~~بالشوكة، أو غاسل الدم بالدم. ولو كشف لك من أمري ما كشف لي منه لعلمت أن جميع ~~ما كنت أملك من أطيان وعقار، ودور وقصور لم يبق لي منه إلا تلك الأرقام ~~السوداء المسطورة في جرائد الصيارف، وهأنذا اليوم طريد المصارف والغرماء، وغريم ~~القضاءين: قضاء الأرض ، وقضاء السماء. # وذلك كل ms403 ما يستفيد الوجيه من وجاهته، قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، فلا ~~تحسد الوجيه على مظهره الكاذب وزخرفه الباطل، ولا تنفس عليه بؤسه الكامن وشقاءه ~~الخفي، فهو أتعس خلق الله وأكثرهم هما وأثقلهم مئونة، وأخسرهم حاضرا ~~ومستقبلا؛ يكون عنده من الضياع أو العمائر جملة لا تثمر له من المال أكثر مما ~~يسع ترفيه نفسه وتربية أولاده وصلة رحمه فيسميه الناس وجيها. والوجاهة كلمة ~~صغيرة معناها في نظر الناس كبير، كانمأ هي عندهم من جوامع الكلم. فالوجيه في ~~اصطلاحهم هو الرجل الذي يمد لكل غريب نزل بلده مائدة، ويسبغ العطاء على كل عابر ~~سبيل مر بحيه. ويشترك في جميع الجرائد والمجلات وإن كان أميا لا يقرأ ولا ~~يكتب. ويبتاع تذاكر حفلات الجمعيات الخيرية على اختلاف ألوانها وأشكالها وإن ~~كان لا ينتفع بواحدة منها. ويشترك في جمعية الرفق بالحيوان، وجمعيات الرفق ~~بالإنسان، ويبتاع المؤلفات الحديثة التي يكلفه المدير أو المأمور بابتياعها وإن ~~كانت في علم الأرتماطيقي أو علم المنطق وكان هو عمدة أو شيخ بلد، ولا تتم شروط ~~الوجاهة عنده فيأخذ منها بالحظ الأوفر إلا إذا بذل للحكومة المعونة الكبرى في ~~مشاريعه من بناء المستشفيات والمدارس والكتاتيب وأمثال ذلك، مما تضربه الحكومة ~~علينا ضرب الجزية على أهل الذمة في سالف الأزمان، والتي لا فرق بينها وبين خراج ~~الأطيان وعشور النخيل وعوائد الأملاك. # الكاتب ~~: # إنها تبرعات ومبرات لا إجبار فيها ولا إلزام، فالحكومة لا تشهر عليكم سلاحا، ~~ولا تعد لكم سجنا، وكل ما في الأمر أن رجالها يخطبون فيكم ويدعونكم إلى هذه ~~الأعمال الصالحة بالحكمة والموعظة الحسنة. # الوجيه ~~: # لا أزال أكرر القول: إن رجال الحكومة يضربون علينا ضرائب ليست في شرع ولا ~~قانون، والوجيه في الحقيقة كالعبد في اصطلاح علماء التوحيد، مجبور باطنا مختار ~~ظاهرا. أما الظاهر: فهو ما ترونه من إقامة المحافل وخطابة الخطباء، والتلطف في ~~الطلب، وشكر المحسن على إحسانه. وأما الباطن: فهو أن الوجيه منا - كما علمت - ~~مفلس من جميع أنواع المجد إلا مجد الزلفى عند الحكام، والحكام يعرفون ms404 ذلك منه ~~فيدخلون عليه من بابه، ولا يفتحون له باب القربى منهم إلا على مقدار ما يفتح من ~~أبواب خزائنه لهم، فمنا من يزوره المدير أو المفتش؛ لأنه وهاب الآلاف، أو ~~المأمور؛ لأنه من أصحاب المئات، ومن لا يزوره أحد منهم ولا ينهض له إذا أقبل، ~~ولا يشيعه إذا انصرف؛ لأنه لا يلبي دعوة، ولا يحضر مجمعا، ولا يكتب رقما في ~~قائمة اكتتاب، فلا يلبث أن يسلس قياده، ويصحب عناده. هذا هو الاستبداد الخفي ~~الذي ترغم الحكومة به أنف الوجهاء من غير أن تشهر عليهم سلاحا أو تعد لهم ~~سجنا، ولكنها تبلغ به في شهر واحد ما كانت تعجز عنه حكومة السجن والكرباج ~~و«الوير كور» و«البطانطا» والعوائد الشخصية في عدة أعوام. ولقد راجعت صحيفة ~~حسابي في هذا العام - عام الأزمة والجدب - فوجدت أني دفعت خراج الأطيان مرتين، ~~ولا أعلم كم أدفعه في السنة الآتية. # الكاتب ~~: # هب أن الأمر صحيح كما تقول، فالحكومة لا تودع هذا المال خزائنها، ولا تقضي به ~~غرضا من أغراضها الخاصة، وإنما تنفقه فيما ينفع الأمة في تربيتها وتهذيبها، ~~وتقدمها وارتقائها. # الوجيه ~~: # ذلك ما يجب أن تنفق عليه الحكومة من خزائنها التي تملأ من أموال الأمة لهذه ~~الأغراض التي نذكرها، ولكنها تضن بمال هي في حاجة إليه لإصلاح السودان وبناء ~~العمائر وتشييد القصور، وترقية كبار الموظفين، خصوصا الأجانب منهم، وإقرار ~~عيون السياح الأوروبيين بالمناظر البهيجة والمشاهد الجميلة، فلا ترى لها بدا ~~من حمل تلك الحمالات على أعناقنا بلا رحمة ولا شفقة ولا نظر إلى ما نتكبده في ~~هذا السبيل مما يذيب الشحم، ويعرق العظم، وليتها كانت تتدرج في الطلب وتهادن ~~فيه فتدارك في ذلك سياسة الحكومات السالفة المعروفة باستبدادها وإرهاقها، فقد ~~حكي عن أحد رؤسائها أنه علم أن أحد المديرين سلب أهالي مديريته المال دفعة ~~واحدة، وأنهم ضاقوا به ذرعا، فأحضره في مجلسه وأمر أن تنزع من لحيته شعرات ~~متفرقة، فما أبه لذلك ولا احتفل، ثم أمر أن تنتزع من رأسه خصلة من الشعر مرة ~~واحدة فصرخ ms405 وتألم، فقال له: هكذا يجب أن يكون أخذ الأموال من الرعية، متفرقا ~~تحتمله، لا مجتمعا تتألم له. # الكاتب ~~: # حسبك من ذلك ثواب الله وأجره على إحسانك وبذلك المال في سبيله، ~~وللآخرة خير وأبقى. # الوجيه ~~: # من أين يأتيني الثواب والأجر؟ وهل يثاب المرء إلا على قدر نيته وإخلاصه في ~~عمله؟ وإني أعترف لك عني وعن جميع الوجهاء أمثالي بما عرفت من أحوالهم، ومارست ~~من طباعهم، أننا لا نريد من بذل ما نبذل إلا رضا الحاكم والتودد إليه، وموافاة ~~رغبته لاستكمال أسباب الوجاهة مرة، وقضاء المآرب والحاجات أخرى. ووالله لقد ~~أفسد علينا هؤلاء القوم بخطتهم هذه غرائزانا وسجايانا، وعودونا من الرياء في ~~الإحسان والنفاق في المعاملة خطة قست معها قلوبنا، واستحجرت أفئدتنا، حتى إن ~~أحدنا لا يكاد يحسن بالدرهم الواحد إلى جاره البائس الفقير إلا أمام قاض فطن ~~وشهود عدول. وحتى زهد فينا الفقراء، ولوت المساكين وجوهها عن أبوابنا، وجفانا ~~ذوو الرحم والأقرباء، وأصبحت قصورنا في نظرهم قبورا يستدرون لها الرحمات، لا ~~مناهل يرجون منها الصدقات، وأقفرت «مضايفنا» إلا من عربدة المطربشين، ورطانة ~~المبرنطين، فمن أين لثواب الله أن يعرف طريقنا عافاك الله؟ # الكاتب ~~: # أتغضبك كلمة الحق إن قلتها لك أيها الصديق؟ # الوجيه ~~: # قل ما تشاء فقد ملأ الهم ما بين جوانحي فاستحجر قلبي حتى ما يغضبني حق ولا ~~باطل. # الكاتب ~~: # أعجب ما رأيت من أمرك في حديثك معي أنك تعرف الحق وتتنكر له كأنك لا تعرفه، ~~وتمد يدك إلى الصواب حتى تكاد تلمسه ثم تعجز عنه، فقد زعمت أن مجد القربى من ~~أولياء الأمر باطل، ولقد أصبت فيما تقول، فما شأنك به؟ وما نهوضك إليه؟ وما لك ~~واللصوق بأمر أنت تعلم قلة جدواه، وسوء مغبته؟ ولقد كان لك طريق مختصر إلى ~~المجد الصحيح والشرف الصميم، لو كنت أكبر منك همة، وأصح رأيا، وأقوى عزيمة. ~~فمجد الكرم ليس بأقل شأنا من مجد السيف والقلم، ولا أرى أنك كنت تنفق في سبيله ~~إلا بعض ما أنفقت في هذا المجد الكاذب، وما كان يصيبك ms406 في الأول من الشقاء ما ~~أصابك في الثاني؛ فالكريم معان على أمره، مبارك له في عيشه متى صح له معنى ~~الكرم، وكانت الرحمة غريزة من غرائزه تسوقه إلى تفقد الضعفاء ومواساة الفقراء، ~~من حيث لا يبتغي على ذلك أجرا سوى ما وعد الله به المحسنين من حسن المثوبة ~~والأجر، ورفع الذكرى في الآخرة والأولى. ولكنكم بخلتم بأموال الأمة عليها ~~واحتجنتموها من دونها، وأبت لكم همتكم الضعيفة أن يكون لكم - كما لأمثالكم في ~~الأمم الأخرى - آثار في بناء المدارس والملاجئ والمستشفيات تسمى بأسمائكم، ~~وتسجل في صحيفة أعمالكم، فتنالون بها ما تريدون من مجد الدنيا والآخرة، فعاقبكم ~~الله على ذلك بأن سلط عليكم من يعبث بعقولكم، ويلعب بأهوائكم، ويرغمكم على ~~الإحسان إرغاما، من حيث له الغنم وعليكم الغرم، فلا ذكرا حصلتم ولا مالا ~~حفظتم، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون. # | جرجي زيدان # لا أعلم أين تذهب نفس الإنسان بعد موته، ولا أين مكانها الذي تستقر فيه بعد فراق ~~جسدها، ولا ما هي الصلة التي تبقى بين المرء وبين حياته الأولى بعد رحيله عنها? فإن كان ~~صحيحا ما يقولون من أن ساكن القبور يستطيع أن يجد بين صخورها ورجامها منفذا يشرف منه ~~على هذه الدار فيسره ما ترك وراءه فيها من ذكر جميل، وثناء عاطر، وسيرة صالحة، ~~ومجد باق، فإن نصيب جرجي زيدان اليوم من الهناء والغبطة بما ترك في حياته الأولى من ~~جليل الآثار، وصالح الأعمال، أوفر الأنصبة وأجزلها. # ما أنعم الله على عبده نعمة أسنى قيمة، ولا أغلى جوهرا، ولا أحسن أثرا من نعمة ~~اليقين بالجزاء الصالح على العمل الطيب، فهو يعتقد أنه مجزي على عمله، مكافأ به، ~~مؤمنا كان أم ملحدا، معترفا بنعيم الآخرة أم منكرا له. فإن كان الأول ساقه إلى ~~العمل الصالح شغفه بجنة الخلد وحورها وولدانها، ولؤلئها ومرجانها، وروحها وريحانها، وإن ~~كان الثاني ساقه إليه شغفه بالذكر الجميل، والسيرة الصالحة، والحياة الباقية في ألسنة ~~الأجيال وبطون التواريخ، ولولا هاتان الجنتان - جنة المؤمنين وجنة الملحدين - ما ms407 جد في ~~هذه الحياة جاد، ولا عمل فيها عامل. # إن ميدان الحياة أضيق من أن يسع بين غايتيه العمل الصالح والجزاء عليه معا، وكيف ~~يسعهما والمرء لا يكاد يفرغ في حياته من عمله الذي يتوقع عليه الجزاء قبل أن تنطفئ ~~ذبالة حياته، وتحترق فحمة شبابه، حيث تموت في قلبه لذة العظمة، وتنضب في فؤاده شهوة ~~المجد، فإن فرغ منه قبل ذلك لا يترك له حساده ومنافسوه ساعة من ساعات فراغه يستطيع أن ~~يسكن فيها إلى نفسه ليستشعر برد الراحة ولذة الجزاء، فلا بد أن يكون للجزاء حياة أخرى ~~غير هذه الحياة، إما حياة الأجر، أو حياة الذكر. # مات جرجي زيدان فنحن نبكيه جميعا، أما هو فيبتسم لبكائنا ويرى في تفجعنا عليه ~~والتياعنا لفراقه منظرا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه الدموع التي ~~نرسلها وراء نعشه أو نمطرها فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة بحبه وإعظامه، والاعتراف ~~بفضله، والثناء على عمله، وأنها المداد الإلهي النوراني الذي تكتب به في صحيفة تاريخه ~~البيضاء آيات مجده الخالد، وعظمته الباقية، وذلك ما كان يريد أن يكون. # مات جرجي زيدان فبكاه صديقه؛ لأنه كان يحمد وده وإخاءه، وبكاه جاره؛ لأنه كان يجد في ~~جواره لذة الأنس وجمال العشرة، وبكاه معتفيه؛ لأنه كان ينتفع بماله، وبكاه صنعيته؛ لأنه ~~كان ينتفع بجاهه، وبكاه قارئ كتبه؛ لأنه كان يجد فيها من غزارة المادة وجمال الأسلوب ~~وسهولة التناول ما لا يجد في غيرها، وبكاه قارئ رواياته؛ لأنه كان يجد في خيالها وبراعة ~~تصوراتها عونا له على هموم الحياة وآلامها، أما أنا فبكيته لأمر فوق ذلك كله. # تطلع الشمس صباح كل يوم من مشرقها على هذه الكائنات؛ ناطقها وصامتها، ساكنها ~~ومتحركها، جامدها وسائلها، فتستمد جميع ذراتها منها مادة حياتها التي تقومها، أو صورتها ~~التي تتشكل بها، وتأخذ منها الأغراس نماءها، والأزهار ألوانها، والنار حرارتها، ~~والأجسام الحية قوتها، والأجسام الجامدة صورتها، والأجواء طهارتها ونقاءها، والآفاق ~~جمالها وبهاءها، وكذلك كان جرجي زيدان في سماء هذه البلد. # كان بطلا من أبطال ms408 الجد والعمل، والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجلات، ويؤلف أفضل ~~الكتب، وينشئ أجمل الروايات، ويناقش ويناضل، ويبحث وينقب، ويستنتج ويستنبط، ويجيب ~~السائل ويفيد الطالب في آن واحد، لا يشغله شأن من تلك الشئون عن غيره، ولا يشكو مللا ~~ولا ضجرا، ولا يستشعر خورا ولا فتورا، فكان القدوة الحسنة بين فريق المستنيرين من ~~المصريين، يتعلمون منه أن قليلا من العلم يتعهده صاحبه بالتربية والتغذية ثم يقوم على ~~نشره وإذاعته بين الناس أنفع له ولأمته من العلم الكثير والعمل القليل. # ولو شئت أن أقول لقلت: إن جرحي زيدان كان رئيس البعثة العلمية السورية التي وفدت ~~إلى مصر في أواخر القرن الماضي فغيرت وجه العالم المصري تغييرا كليا، وغرست في ~~صحرائه القاحلة المجدبة أغراس الجد والعمل، والشجاعة والإقدام، والهمة والاستقلال، ~~وعلمت أبناءه كيف يؤلفون ويترجمون، وينشئون الجرائد والمجلات، وكيف يتخذون من هذا العمل ~~الشريف صناعة يقومون بها حياتهم المادية وحياة أمتهم الأدبية، ويتقون بها مذلة الوقوف ~~على أبواب الدواوين صباح مساء يتكففون رؤساءها ويسألونهم أن يتخذوهم عبيدا لهم ~~يخدمونهم على موائد عزهم وسعادتهم التي يجلسون عليها، فإما عطفوا عليهم فألقوا إليهم ~~بالنزر الخسيس من فتات تلك الموائد، وإما طردوهم منها كما يطردون الكلاب ~~العاوية. # وكان شريف النفس، بعيد الهمة، متجملا بصفات المؤرخ الحقيقي الذي لا يتشيع ولا يتحيز، ~~ولا يداهن ولا يجامل، ولا يترك لعقيدته الدينية مجالا للعبث بجوهر التاريخ وحقائقه، ~~فكتب - وهو المسيحي الأرثوذكسي - تاريخ الإسلام في كتبه ورواياته كتابة العالم المحقق ~~الذي لا يكتم الحسنة إذا رآها، ولا يشمت بالسيئة إذا عثر بها، فاجتمع بين يديه في مجلس ~~علمه من أبناء الأمة الإسلامية خاصتها وعامتها، عربها وعجمها، جمع لم يجلس مثله بين ~~يدي عالم من علماء الإسلام ولا مؤرخ من مؤرخيه في هذا العصر، فأقام بهذا العمل العظيم ~~لهذا الدين القويم حجته أمام أولئك المتعصبين من الأوروبيين الذين لا يثقون في خبر من ~~أخباره ولا في بحث من أبحاثه بحديث شيعته وأبنائه. وكان في تسامحه هذا القدوة الصالحة ~~للمؤرخ، يتعلم منه كيف ms409 يكتب التاريخ بلسان التاريخ لا بلسان الدين، والمثل الأعلى ~~للعالم يتعلم منه كيف يستطيع أن يتجرد من عواطفه وميول نفسه وخواطر قلبه أمام الأمانة ~~للعلم والوفاء بحقه. # وكان مستقيما في عمله، أمينا في علائقه، لا يكذب ولا يتلون، ولا يخيس بعهده، ولا ~~ينكث وعده، ولا يكسو بضاعته لونا غير لونها ليزخرفها على الناس ويجملها في عيونهم، ~~فتعلم منه العاملون أن الكذب في المعاملة ليس شرطا من شروط الربح، ولا سببا من ~~أسباب النجاح. # وكان واسع الصدر، فسيح رقعة الحلم، وقف له في طريق حياته - كما وقف لغيره من قبله ومن ~~بعده - فريق المقاطعين في هذا البلد الذين لا ينطقون، ولا يسكتون عن مقاطعة الناطقين، ~~فلبسوا ثوب الانتقاد ليشتموه، وكمنوا وراء أكمة الدين ليرموه فيصموه، وقالوا: إنه شوه ~~وجه التاريخ الإسلامي، وعبث بحقائقه، ولم يسألوه من أين نقل؟ ولا كيف استند؟ بل سألوه ~~لم لم يكتبه كما كتبوا، ويستنج منه مثل ما استنتجوا؟ كأنما لم يكفهم منه أن يروه بينهم ~~مسيحيا متسامحا حتى أرادوا منه أن يكون مسلما متعصبا، يكتب التاريخ بلسان الدين كما ~~يكتبون، وينهج فيه كما ينهجون، فلما لم يجدوه حيث أرادوا رموه بسوء القصد في عمله، وخبث ~~النية في مذهبه، ولم يستطيعوا أن يروضوا أنفسهم الجامحة على أن يقولوا: إن الرجل ~~باحث مستنتج، يخطئ مرة ويصيب أخرى. أو يقولوا: إن له في تاريخ الإسلام حسنات تصغر ~~بجانبها سيئاته فيه فلنغتفر هذه لتلك. وما أحسب أن أحدا منهم كان يعتقد شيئا مما ~~يقول، ولكنهم كانوا يرون أن الدين سلعة تباع وتشترى، وأن سلعته ملك لهم ووقف ~~عليهم، لا يجب أن تعرض في حانوت غير حانوتهم، وكانوا يظنون أن الرجل تاجر مثلهم يريد ~~أن يفتح في سوقهم الحانوت التي يخافونها، فاستوحشوا منه وأنكروا مكانه، واستثقلوا ظله، ~~وقالوا مرة: إنه مسيحي لا يؤمن على الإسلام ولا على تاريخه، كأنما ظنوا أنه ينقل حوادث ~~التاريخ ووقائعه من توراة موسى أو إنجيل عيسى، وقالوا أخرى: إنه سوري دخيل وفد على هذا ~~البلد مسترزقا ms410 أو متجرا، فما هو بمخلص ولا بأمين، وفاتهم - عفا الله عنهم - أنه إن ~~كان ضيفا، فليس من أدب الضيافة ولا من خلال المروءة والكرم أن يمن المضيف على ضيفه ~~بيده عنده، وأن يعد عليه لقيماته التي يطعمها على مائدته، وإن كان تاجرا فقد باعهم ~~بهذا النزر الخسيس من متاع الدنيا وزخرفها جوهر عقله، وينبوع ذكائه، ومادة حياته، فما ~~كانوا من الخاسرين، ولا كان من الرابحين. # ووالله ما أدري كيف تتسع صدروهم للخمار الرومي واللص الإيطالي وللفاجر الأرمني أن ~~يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانا يسلب فيه عقولهم، أو مقمرا يسرق ~~فيه أموالهم، أو ماخورا يهتك فيه أعراضهم، فلا يطاردونه ولا يحاربونه، ولا يسمونه ~~دخيلا ولا واغلا، ثم يضيقون ذرعا بالعالم السوري أو العراقي أو المغربي ينزل أرضهم ~~نزول الديمة الوطفاء بالصحراء المحرقة، فيعلمهم العلم، ويهذب نفوس أبنائهم، ويثقف عقول ~~ناشئتهم، ويبعث في نفوس ضعاف العزائم منهم روح الهمة والنشاط، والشجاعة ~~والإقدام. # ذلك هو شقاء الأمم، وهذا جواب السائلين عن أسباب سقوطها وانحطاطها. # لم يضق الرجل ذرعا بهذا كله، بل كان شأنه معهم أن كان يعتب عليهم، ولا يشتمهم، ~~وينبههم إلى أدب المناظرة وواجباتها ولا يؤنبهم، ويدعوهم إلى اتخاذ كلمة الحق سواء بينه ~~وبينهم، ولا يمكر بهم. حتى انقلب عنهم يحمل لواء الفضيلة والحلم، وإن كان مخطئا، ~~وانقلبوا عنه يحملون فوق ظهورهم رذيلة التعصب والجهل وسوء الخلق وضيق العطن وإن كانوا ~~مصيبين. # ولقد وضع بخطته هذه في مناظرة خصومه ومجادلتهم أول حجر في بناء الأخلاق الفاضلة في ~~هذه الأمة، فتعلم منه كثير من أدباء هذا البلد وعلمائه كيف يستطيعون أن يتناظروا ولا ~~يتشاتموا، وأن يتعاونوا على الحقيقة المبهمة فيكشفوا الغطاء عن وجهها دون أن يريقوا في ~~معاركهم قطرة واحدة من دم الفضيلة والشرف. فإن تم لهذه الأمة في مستقبل حياتها حظها من ~~شرف الأخلاق وعلو الهمة ونبالة المقصد في جميع شئونها وأغراضها، فلتذكر دائما أن جرجي ~~زيدان كان أحد الذين أسسوا في أرضها هذه الدولة الفاضلة، ms411 دولة الآداب والأخلاق. # نحن لا تعوزنا المؤلفات ولا المترجمات، فالمؤلفون والمترجمون والحمد لله كثيرون، ~~وإنما الذي يعوزنا روح عالية تخفق في سماء هذه الأمة خفوق النجم في سمائه، وتشرق في ~~نفوس أبنائها إشراق الشمس في دارتها؛ فتبعث العزيمة في قلب العاجز، والشجاعة في فؤاد ~~الجبان، وتقوم من الأخلاق معوجها، وتصلح من الآداب فاسدها، وتثبت من العقول مضطربها، ~~وتعلم كل صغير وكبير وقوي وضعيف أن قيمة المرء في حياته أداء واجبه للإنسانية ~~أولا، ولأمته ثانيا، ولنفسه أخيرا. وأن الحب سعادة الإنسان، والبغض شقاؤه وبلاؤه. ~~وأن الفرق بين الدين الخالص والدين المشوب أن الأول يتسع صدره لكل شيء حتى لمخالفيه ~~ومحاربيه، وأن الثاني يضيق صدره بكل شيء حتى بنفسه، وأن الله تعالى أوسع رحمة وأعلى ~~حكمة من أن يسد في وجوه عباده كل طريق للوصول إليه إلا طريق السيف والنار. وأن هذه ~~الأحقاد الدنيئة التي تلتهب في صدور الناس التهابا لا تؤججها في صدروهم الأديان نفسها، ~~بل رؤساء الأديان الذين يستخدمونها ويستثمرونها، ويتجرون بها في أسواق الغباوة والجهل. ~~وأن الذين يقدسون هذه الأحقاد ويباركونها ويعتبرونها جزءا من ماهية الدين ومقوما من ~~مقوماته، إنما يقولون من حيث لا يشعرون: إن الإلحاد في العالم، والفوضى الدينية فيه، ~~وعبادة الشمس والقمر، والترب والحجر، أنفع للمجتمع الإنساني وأحسن عليه عائدة من عبادة ~~الإله المعبود. # ولقد كان جرجي زيدان روحا من تلك الأرواح العالية تمنيناها برهة من الزمان حتى ~~وجدناها، فلم ننعم بها إلا قليلا ثم فقدناها أحوج ما كنا إليها؛ فذلك ما يبكينا عليه ~~ويحزننا على فراقه. ~~••• # الكاتب كالمصور، كلاهما ناقل، وكلاهما حاك، إلا أن الأول ينقل مشاعر النفس إلى ~~النفس، والثاني ينقل مشاهد الحس إلى الحس. # وكما أن ميزان الفضل في التصوير أن تكون الصورة والأصل كالشيء الواحد، كذلك ميزان ~~الفضل في الكتابة أن يكون المكتوب في الطرس خيال المكنون في النفس. # بهذه العين التي لا أزال أنظر بها دائما إلى الكتابة والكتاب، وأوازن بها بين ~~أقدارهم ومنازلهم، كنت أقرأ ذلك الأسلوب العذب البديع الذي ms412 كان يكتب به المرحوم جرجي ~~زيدان كتبه ورواياته، فأتخيله مرآة نقية صافية قد ارتسمت فيها صورة نفسه جلية واضحة ~~لا غموض فيها ولا إبهام. # وقليلا ما كنت أجد في نفسي هذا الشعور عند النظر في كتابة كاتب سواه؛ لأن الكاتب إن ~~استطاع أن ينال ثناء الناس وإعجابهم ببلاغة لفظه، أو براعة معناه، أو سعة خياله، أو قوة ~~حجته، فإنه لا يستطيع أن ينال الثقة من نفوسهم إلا إذا كان من الصادقين ~~المخلصين. # كنت أرى عذوبة نفسه في عذوبة لفظه، وطهارة قلبه في طهارة لسانه، وصفاء ذهنه في وضوح ~~أغراضه ومراميه، وجمال ذوقه في جمال ملاحظاته واستنتاجاته، وكان خير ما يعجبني منه ~~ترفعه عن مجاراة المتكبرين من الكتاب في كبريائهم، ونزوله في كثير من مواقفه إلى ~~منازل العامة ليحدثهم بما يفهمونه؛ لأنه كان من كتاب المعاني لا من كتاب ~~الألفاظ، ولأنه كان يؤثر أن يتعلم عنه الجاهلون على أن يرضى عنه المتحذلقون. # وإن كان الرجل هو الأسلوب كما يقولون، فلا أعلم أن أحدا في هذا البلد كان أولى ~~بوصف الكاتب من المرحوم جرجي زيدان، فوا رحمتاه له، ووأسفا عليه! # | احترام المرأة # نعم إن الرجال قوامون على النساء كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز، ولكن المرأة ~~عماد الرجل، وملاك أمره، وسر حياته، من صرخة الوضع، إلى أنة النزع. # لا يستطيع الأب أن يحمل بين جانحتيه لطفله الصغير عواطف الأم، فهي التي تحوطه ~~بعنايتها ورعايتها، وتبسط عليه جناح رحمتها ورأفتها، وتسكب قلبها في قلبه حتى يستحيلا ~~إلى قلب واحد يخفق خفوقا واحدا ويشعر بشعور واحد، وهي التي تسهر عليه ليلها، وتكلؤه ~~نهارها، وتحتمل جميع آلام الحياة وأرزائها في سبيله، غير شاكية ولا متبرمة، بل تزداد ~~شغفا به، وإيثارا له، وضنا بحياته، بمقدار ما تبذل من الجهود في سبيل تربيته، ولو ~~شئت أن أقول لقلت: إن سر الحياة الإنسانية وينبوع وجودها، وكوكبها الأعلى الذي تبعث ~~منه جميع أشعتها، ينحصر في كلمة واحدة: «قلب الأم». # لا يستطيع الرجل أن يكون رجلا حتى يجد إلى ms413 جانبه زوجة تبعث في نفسه روح الشجاعة ~~والهمة، وتغرس في قلبه كبرياء التبعة وعظمتها. وحسب المرء أن يعلم أنه سيد، وأن له ~~رعية كبيرة أو صغيرة تضع ثقتها فيه، وتستظل بظل حمايته ورعايته، وتعتمد في شئون ~~حياتها عليه، حتى يشعر بحاجته إلى استكمال جميع صفات السيد ومزاياه في نفسه. فلا يزال ~~يعالج ذلك من نفسه ويأخذها به أخذا حتى يتم له ما يريد. وما نصح الرجل بالجد في عمله، ~~والاستقامة في شئون حياته، وسلوك الجادة في سيره، ولا هداه إلى التدبير ومزاياه، ~~والاقتصاد وفوائده، والسعي وثمراته، ولا دفع به في طريق المغامرة والمخاطرة، والدأب ~~والمثابرة، مثل دموع الزوجة المنهلة، ويدها الضارعة المبسوطة. # ولا يستطيع الشيخ الفاني أن يجد في أخريات أيامه في قلب ولده الفتى من الحنان والعطف ~~والحب والإيثار ما يجد في قلب ابنته الفتاة؛ فهي التي تمنحه يدها عكازا لشيخوخته، ~~وقلبها مستودعا لأسراره وهواجس نفسه، وهي التي تسهر بجانب سرير مرضه ليلها كله تتسمع ~~أنفاسه، وتصغي إلى أناته، وتحرص الحرص كله على أن تفهم من حركات يديه ونظرات عينيه ~~حاجاته وأغراضه. فإذا نزل به قضاء الله كانت هي من دون ورثته جميعا الوارثة الوحيدة ~~التي تعد موته نكبة عظيمة، لا يهونها عليها ولا يخفف من لوعتها في نفسها أنه قد ترك من ~~بعده ميراثا عظيما. وكثيرا ما سمع السامعون في بيت الميت قبل أن يجف تراب قبره أصوات ~~أولاده يتجادلون، ويشتجرون في الساعة التي يجتمع فيها بناته ونساؤه في حجراتهن نائحات ~~باكيات. # وجملة القول أن الحياة مسرات وأحزان. أما مسراتها فنحن مدينون بها للمرأة؛ لأنها ~~مصدرها وينبوعها الذي تتدفق منه. وأما أحزانها فالمرأة هي التي تتولى تحويلها إلى ~~مسرات، أو ترويحها عن نفوس أصحابها على الأقل، فكأننا مدينون للمرأة بحياتنا ~~كلها. # وأستطيع أن أقول - وأنا على ثقة مما أقول: إن الأطفال الذين استطاعوا في هذا العالم ~~أن يعيشوا سعداء معنيا بهم وبتربيتهم وتخريجهم على أيدي أمهاتهم بعد موت آبائهم، ~~أضعاف الذين نالوا هذا الحظ على أيدي آبائهم بعد ms414 فقد أمهاتهم، وللرحمة الأموية الفضل ~~العظيم في ذلك. # فليت شعري هل شكرنا للمرأة تلك النعمة التي أسدتها إلينا وجازيناها بها خيرا؟ لا لا؛ ~~لأننا إن منحناها شيئا من عواطف قلوبنا وخوالج نفوسنا، فإننا لا نمنحها أكثر من عواطف ~~الحب والود، ونضن عليها كل الضن بعاطفة الاحترام والإجلال، وهي إلى نهلة واحدة من ~~نهلات الإجلال والإعظام أحوج منها إلى شؤبوب متدفق من الحب والغرام. # قد نحنو عليها ونرحمها، ولكنها رحمة السيد بالعبد لا رحمة الصديق بالصديق. وقد نصفها ~~بالعفة والطهارة، ومعنى ذلك عندنا أنها عفة الخدر والخباء، لا عفة النفس والضمير. وقد ~~نهتم بتعليمها وتخريجها ولكن لا باعتبار أنها إنسان كامل لها الحق في الوصول إلى ذروة ~~الإنسانية التي تريدها، والتمتع بجميع صفاتها وخصائصها؛ بل لنعهد إليها بوظيفة المربية ~~أو الخادم أو الممرضة، أو لنتخذ منها ملهاة لأنفسنا، ونديما لسمرنا، ومؤنسا لوحشتنا؛ ~~أي إننا ننظر إليها بالعين التي ننظر بها إلى حيواناتنا المنزلية المستأنسة، لا نسدي ~~إليها من النعم ولا نخلع عليها من الحلل إلا ما ينعكس منظره على مرآة نفوسنا فيملؤها ~~غبطة وسرورا. # إنها لا تريد شيئا من ذلك، إنها لا تريد أن تكون سرية الرجل ولا حظيته، ولا ~~أداة لهوه ولعبه، بل صديقته وشريكة حياته. # إنها تفهم معنى الحياة كما يفهمها الرجل، فيجب أن يكون حظها منها مثل حظه. # إنها لم تخلق من أجل الرجل، بل من أجل نفسها، فيجب أن يحترمها الرجل لذاتها لا ~~لنفسه. # يجب أن ينفس عنها قليلا من ضائقة سجنها لتفهم أن لها كيانا مستقلا، وحياة ذاتية، ~~وأنها مسئولة عن ذنوبها وآثامها أمام نفسها وضميرها، لا أمام الرجل. # يجب أن تعيش في جو الحرية الفسيح، وتستروح رائحته الأريجة، ليستيقظ ضميرها الذي أخمده ~~السجن والاعتقال من رقدته، ويتولى بنفسه محاسبتها على جميع أعمالها ومراقبة حركاتها ~~وسكناتها، فهو أعظم سلطانا وأقوى يدا من جميع الوازعين والمسيطرين. # يجب أن نحترمها لتتعود احترام نفسها، ومن احترم نفسه كان أبعد الناس عن الزلات ~~والسقطات . # لا يمكن أن تكون العبودية مصدرا ms415 للفضيلة، ولا مدرسة لتربية النفوس على الأخلاق ~~الفاضلة والصفات الكريمة، إلا إذا صح أن يكون الظلام مصدرا للنور، والموت علة للحياة، ~~والعدم سلما إلى الوجود. # كما لا أريد أن تتخلع المرأة وتستهتر، وتهيم على وجهها في مجتمعات الرجال وأنديتهم، ~~وتمزق حجاب الصيانة والعفة المسبل عليها، كذلك لا أحب أن تكون جارية مستعبدة للرجل، ~~يملك عليها كل مادة من مواد حياتها، ويأخذ عليها كل طريق حتى طريق النظر ~~والتفكير. # وبعد، فإما أن تكون المرأة مساوية للرجل في عقله وإدراكه أو أقل منه. فإن كانت ~~الأولى فليعاشرها معاشرة الصديق للصديق والنظير للنظير، وإن كانت الأخرى فليكن شأنه ~~معها شأن المعلم مع تلميذه والوالد مع ولده؛ أي إنه يعلمها ويدربها، ويأخذ بيدها حتى ~~يرفعها إلى مستواه الذي هو فيه، ليستطيع أن يجد منها الصديق الوفي، والعشير الكريم. ~~والمعلم لا يستعبد تلميذه ولا يستذله، والأب لا يحتقر ابنه ولا يزدريه. # | الانتقام # مترجمة # 1 # قضى المسيو «كابريني» برهة طويلة من أيام حياته سعيدا مغتبطا بزوجة جميلة ~~وثروة صالحة وخلق طيب شريف يحببه إلى الناس جميعا. ثم نكبه الدهر نكبة عظيمة ~~ذهبت بماله وبزوجته، فبكاهما ما شاء الله أن يفعل، ثم بلى حزنه كما تبلى جميع ~~الأحزان في قلوب الناس، ولم يجد بدا من أن يعيش لابنته «إيلين» ليتولى تربيتها ~~وإسعادها. # فالتحق بمصرف من المصارف المالية بمرتب قليل، ثم لم يزل يجد ويجتهد في خدمة ~~العمل الذي وكل إليه حتى أصبح بعد مدة قصيرة وكيلا لذلك المصرف. فكان يعمل فيه ~~سحابة نهاره ثم يعود ليلا إلى منزله فيرى ابنته منهوكة مضعضعة لكثرة ما كانت تبذل ~~من الجهد في خدمة المنزل ومناظرة شئونه. فرأى أن يتزوج ليخفف عنها بعض متاعبها ~~وآلامها، ففعل. وكان سيئ الحظ في اختياره، فتزوج من امرأة فاسدة خليعة، لا هم ~~لها في حياتها سوى ترفيه عيشها، وتدليل نفسها، والتقلب بين أعطاف شهواتها ولذائذها. ~~فلم ينتفع منها بشيء، بل زادت همومه وآلامه وأثقال عيشه. ولكن ماذا يعمل وقد وضعت ~~السلسة في عنقه وانتهى الأمر، ms416 وأصبحت ابنته - بعد أن كانت سيدة بيتها وأميرة نفسها ~~- أسيرة في يد امرأة قاسية داهية، تسومها أنواع الخسف وألوان العذاب. فكانت تحتمل ~~ذلك كله بصبر وجلد، وكانت تكتمه أباها كتمانا شديدا ضنا براحته وسكونه. بل ~~كانت تكتم عنه علائق زوجته وصلاتها بمعارفها وأصدقائها، رحمة به وإشفاقا ~~عليه. # وكثيرا ما كان يعود إلى منزله في بعض لياليه حاملا بعض دفاتر المصرف في يده ~~ليتمم فيها العمل الذي أعجله الوقت عن إتمامه هناك. فيجلس إلى مكتبه ساهرا ليله، ~~مكبا على عمله، ذائدا النوم عن عينيه حتى يغلبه على أمره، فينام في مكانه والقلم ~~معلق بين أصابعه في الساعة التي تكون فيها زوجته بين جمع من أصدقائها وعشرائها في ~~بعض الملاعب أو الحانات راقصة لاهية، عابثة بجميع الفضائل الإنسانية. فإذا ~~استيقظت ابنته أثناء الليل ورأته على هذه الحالة مشت إليه برفق وهدوء، وجلست على ~~كرسي أمامه، واجتذبت إليها الدفتر الذي بين يديه وأتمت فيه العمل من حيث قطعه. ثم ~~توقظه بعد ذلك لينام في فراشه، فيشكر لها يدها ومعونتها، ثم يسألها سؤال الممتعض ~~المتمرمر: ألم تعد فلانة حتى الآن؟ فتجيبه أن لا، فيذهب إلى سريره حاملا بين جنبيه ~~من الهم والألم ما الله به عليم. # وجملة القول أن الرجل كان شقيا منحوسا، يسير من شئون حياته في ظلمة داجية ~~لا ينتهي بصره فيها إلى مدى، ولا يرى في سمائها نجما يتنوره إلا ذلك النجم الضئيل ~~الذي كان يلمع من حين إلى حين في جبين ابنته الراحمة الشفوقة، فيتنفس أمامه تنفس ~~الراحة، ويأذن لفمه أن يبتسم في ضوئه ابتسامة الغبطة والسرور. # فإنه لجالس ذات يوم في غرفة مكتبه من المصرف إذ دعاه إليه مديره وأعطاه ورقة ~~مالية، قيمتها خمسة آلاف فرنك ليودعها الخزينة، ويسجلها في دفاتر المصرف. فتناولها ~~منه وعاد بها إلى غرفته، ووضعها على مكتبه، وتناول الدفتر ليقيدها، فما أمسك القلم ~~بيده حتى دخل عليه بواب المصرف وقال له: إن فتاة من هيئتها كيت وكيت واقفة ~~بالباب تسأل عنك، وهي تكتم اسمها، وتأبى ms417 الدخول إلى هنا. فاضطرب اضطرابا شديدا، ~~ومر بخاطره أنها ابنته، وأن حادثا عظيما حدث بالمنزل دعاها إلى الحضور إليه في ~~المصرف وما حضرت إليه قبل اليوم. فترك كل شيء في مكانه وخرج مسرعا ليراها، فإذا ~~هي بعينها واقفة بجانب الجدار وقفة الحياء والخجل، وإذا بيدها كتاب تحمله إليه من ~~زوجته، فاختطفه منها وقرأه، فإذا هي تقول له فيه: إنها تريد أن يرسل إليها في هذه ~~الساعة أربعة آلاف فرنك لتبتاع بها حلية جميلة رأتها في بعض المخازن، وإنها إن ~~فاتها أن تبتاعها اليوم فربما لا تجدها غدا. فانفرجت شفتاه عن ابتسامة الغيظ ~~والألم، وأخذ ابنته ناحية وقال لها: بلغيها أنني لا أملك هذا المبلغ اليوم ولا ~~غدا، ولا أستطيع ذلك العام كله. ثم ألقى عليها نظرة العاتب لحضورها إليه في ~~المصرف، وكان لا يحب ذلك منها، فأطرقت برأسها، ولم تقل شيئا؛ لأنها لا تستطيع أن ~~تقول له: إن زوجته هي التي أرغمتها على ذلك، فتزيد همومه هما جديدا، ثم عادت ~~أدراجها. # وكان بين عمال المصرف عامل سيئ الأخلاق، فاسد النفس والضمير، ما زال مذ دخل هذا ~~المكان يرصد الغفلة من مديره أو وكيله، عله يتوصل إلى اختلاس شيء من المال. فدخل ~~غرفة الوكيل في اللحظة التي خرج فيها لمقابلة ابنته ليقدم إليه بعض الأوراق فلم ~~يجده، ولمح الورقة المالية التي تركها على المكتب، فحدثته نفسه باختلاسها، فدار ~~بنظره هاهنا وهاهنا ثم انقض عليها ووضعها في جيبه، وخرج متسللا لم يشعر أحد ~~بدخوله ولا بخروجه، وما هي إلا لحظة حتى عاد المسيو «كابريني» وفي يده الكتاب الذي ~~أرسلته إليه زوجته فمزقه وألقى به في السلة، ثم ألقى نظره على المكتب فلم ير ~~الورقة المالية حيث تركها، فذعر ذعرا شديدا، وأخذ يفتش عنها في كل مكان فلم ~~يجدها، فاشتد حزنه وهمه، وأخذ يسأل العمال والخدم عمن دخل غرفته في غيابه فلم يعترف ~~له بذلك أحد. فظل يصرخ صرخات عظيمة تقيم المصرف وتقعده، فسمع المدير الضوضاء، ~~فحضر ليرى ماذا حدث، فأفضى إليه الرجل ms418 بالقصة كما هي لم يكتمه منها شيئا، إلا أنه ~~لم يشأ أن يخبره بموضوع الرسالة التي جاءت بها ابنته ضنا بأسراره البيتية أن ~~يعلمها أحد غيره. فارتاب به الرجل، وما كان يعتد عليه بسيئة قبل اليوم، ولا يعرف ~~له ماضيا مريبا، ولكنه كان يعلم أنه فقير مقل، فظن به الظنون. # وقديما كان الفقر ينبوع التهم، ومثار الشكوك والريب، وتركه مكانه وخرج إلى ~~العمال والخدم يحادثهم في هذه الشأن عله يصل إلى معرفة الحقيقة، فأخبره البواب ~~أن الفتاة التي حضرت إليه كانت تحمل في يدها كتابا، وأنه أخذها جانبا وأسر ~~إليها حديثا لم يسمع منه شيئا، فازداد شكه وارتيابه، وعاد إليه فوجده واقفا في ~~مكانه مذهولا يقلب كفيه. فلم يقل له شيئا، وأخذ يدور بعينيه في أنحاء الغرفة ~~ويقلب بيده الأوراق عله يعثر بذلك الكتاب الذي أخبره به البواب فلم يجده، فألقى ~~نظره على السلة فرأى تلك المزق الصغيرة فجمعها فإذا هي الكتاب الذي يريده. فقرأه ثم ~~ألقى على الرجل نظرة شزراء وقال له: إني أتهمك يا مسيو كابريني بأنك اختلست تلك ~~الورقة وأرسلتها إلى زوجتك مع ابنتك لتبتاع بها الحلية الجميلة التي أعجبتها، فدهش ~~الرجل دهشة عظيمة، وورد عليه ما طار بلبه وأخذ عليه أنفاسه، فصمت لحظة، وبعد ~~لأي ما استطاع أن يقول له: نعم إنها أرسلت إلي هذا الكتاب ولكنني لم أحفل به، ~~ولم أرسل إليها شيئا، بل رددتها ردا فبيحا؛ لأنني رجل فقير لا أملك هذا ~~المقدار، ولأنني رجل شريف لا أختلسه. فلم يحفل المسيو «لورين» بدفاعه ولم يرث ~~لضراعته واسترحامه، ولم يلبث أن رفع أمره إلى القضاء. فما أتى آخر النهار حتى كان ~~الرجل في السجن، وكانت ابنته المسكينة في حال من الهم والحزن تستثير الأشجان، ~~وتستذرف العبرات. أما زوجته فلم يكن يهمها في تلك الساعة شيء سوى السعي للحصول على ~~ثمن الحلية الجميلة من طريق غير هذا الطريق. # لم ينفع الرجل دفاعه عن نفسه، ولا دفاع ابنته عنه، ولا شهادة الذين شهدوا بشرفه ~~واستقامته من جيرانه ms419 وأصدقائه؛ لأن القضاة لا يستطيعون أن يصدقوا أن رجلا عظيما ~~سريا مثل المسيو «لورين» صاحب المصرف المشهور يكذب أو يلفق، أو يخطئ في فراسته ~~وتقديره، وأن رجلا فقيرا مقلا مثل المسيو كابريني يتعفف عن اختلاس المال الذي ~~يقع تحت يده متى وجد السبيل إلى ذلك. وكثيرا ما ساقت أمثال هذه الأقيسة الفاسدة ~~والنظرات الطائشة الحمقاء الأبرياء والأشراف إلى أعماق السجون، وقضت عليهم وعلى ~~أهليهم القضاء الأخير، كما قضت على هذا الرجل المسكين اليوم. فإن قاضي التحقيق لم ~~يلبث أن سمع شهادة خصمه عليه وعرف قصة الكتاب الذي أرسلته إليه زوجته حتى اقتنع ~~بإجرامه وأحاله إلى محكمة الجنايات. # فاستطير عقل «إيلين» وجن جنونها فلم تجد بدا من أن تذهب إلى المسيو لورين ~~لتستعطفه لأبيها، وتضرع إليه أن يساعدها على خلاصه، فذهبت إليه في منزله فاستأذنت ~~عليه فأذن لها فدخلت، فدهش دهشة عظيمة حين رأى أمامه فتاة جميلة بارعة، بل آية من ~~آيات الحسن والجمال، لا عيب فيها إلا أنها نحيلة صفراء متضعضعة. وقد يكون الضعف ~~والفتور عند بعض الناس حلية من حلي الجمال، فافتتن بها حين رآها، إلا أنه أخطأ في ~~الحكم عليها كما أخطأ من قبل في الحكم على أبيها، فظن أنه يستطيع أن يستثمر لنفسه ~~ضرورتها وحاجتها، فأخذ يحدثها في الشأن الذي جاءت من أجله، ثم ذهب معها في الحديث ~~مذاهب أخرى لم تفهم غرضه منها إلا بعد حين؛ لأنها لم تألف سماع مثلها قبل اليوم، ~~فأخذ وجهها يربد شيئا فشيئا، ثم انتفضت انتفاضة الليث في غيله، وألقت عليه ~~نظرة هائلة لو ألقتها على رجل غيره لصعق في مكانه. ولكنه كان رجلا وقاحا ~~متبلدا فلم يحفل بنظرتها، وتقدم نحوها وحاول أن يغلبها على أمرها، فدافعت عن نفسها ~~دفاعا شديدا حتى عجزت، فأرادت الفرار من بين يديه فاعترض طريقها، فدارت بنظرها في ~~أنحاء الغرفة تتلمس سبيلا إلى الخلاص، فوقع نظرها على مسدس كان فوق مائدته، ~~فاختطفته لتهدده به، فانطلقت منه رصاصة خطأ فأصابته في ذراعه ، فصرخ صرخة عظيمة، ~~وما هي ms420 إلا لحظات قلائل حتى قبض عليها، وسيقت إلى السجن بتهمة أنها دخلت على المسيو ~~«لورين» في منزله لتسأله أن يساعدها على تبرئة والدها فلم يحفل بها؛ فأخرجت مسدسا ~~كانت تخفيه في طي ردائها، وأطلقته عليه لتقتله، فلم تصبه إلا في ذراعه. # وقد كان في استطاعه المسيو لورين أن يعترف بالحقيقة التي يعرفها حق المعرفة فلم ~~يفعل، ولو فعل لما ضره ذلك شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى حكمت عليها محكمة ~~الجنايات بالسجن خمس سنين، وكانت قد حكمت على أبيها قبل ذلك بالسجن عامين. # 2 # دخلت «إيلين» سجن النساء لتقضي فيه المدة المقدرة لها، ووضعت في غرفة واحدة مع ~~امرأة عجوز ساقطة، قضت جزءا عظيما من حياتها في هذا المكان المظلم القاتم، حتى ~~ألفته وجمدت نفسها عليه، فلم تعد تحفل بشيء في هذا العالم، ولا تفكر إلا في الساعة ~~التي يقدم فيها إليها الطعام فتلتهمه التهاما، وهي تضحك وتتغنى كأنما هي سعيدة ~~هانئة، وكأنها أبعد الناس عن الهموم والأحزان. فذعرت إيلين حين رأتها ذعرا شديدا، ~~وتسللت إلى زاوية من زوايا الغرفة فقبعت فيها، واستسلمت لهمومها وأحزانها، ولم تدع ~~قطرة من الدموع في عينها إلا ذرفتها، وأبت أن تتناول الطعام الذي قدمه إليها ~~السجان، فوضعه بين يديها وتركها وشأنها. فبكت ما شاء الله أن تفعل حتى هدأ بعض ما ~~بها، فعمدت إلى كتاب صغير من كتب الأخلاق كانت لا تزال تحمله في جيبها ما تفارقه، ~~فأخرجته وأخذت تتلهى بتقليب صفحاته، فكان أول ما وقع نظرها عليه من كلماته هذه ~~الكلمة «العفو أشد أنواع الانتقام.» فانتفضت عند قراءتها انتفاضا شديدا، وعلق ~~نظرها بها ما ينتقل عنها، وأخذت تراجع الحوادث التي مرت بها وتستعرضها واحدة بعد ~~أخرى، وتفكر في المظالم التي نالتها ونالت أباها، وما اقترفا ذنبا، ولا جنيا على ~~أحد حتى أوردتهما هذا المورد من الشقاء. فشعرت بدبيب الشر في نفسها للمرة الأولى ~~في حياتها، وظلت تقول في نفسها: إن الذين مرت على ألسنتهم أمثال هذه الكلمات إنما ~~كانوا يعيشون في عصر ms421 غير هذا العصر، وبين ناس غير هؤلاء الناس، ولو أنهم عاشوا ~~بيننا لكان لهم في العالم وأهليه رأي غير هذا الرأي، ولما اجترءوا على المجازفة ~~بتدوين هذه الأفكار في كتبهم؛ لأن العفو لا يكون انتقاما إلا من أصحاب الضمائر ~~الطيبة الطاهرة التي يقلقها الذنب ويخجلها العفو والتي تصدر عنها سيئاتها زلات ~~وهفوات، أما الضمائر القاسية المتحجرة التي لا تعبأ بشيء، ولا تخجل من شيء، فلا ~~يزيدها العفو والصفح إلا تمردا وطغيانا. # وإنها لذاهبة هذه المذاهب الغريبة في تصوراتها وخيالاتها إذ دنت منها جارتها ~~العجوز تختلس الخطى اختلاسا حتى وقفت وراءها ونظرت في الصفحة التي تنظر فيها، فوقع ~~نظرها على تلك الكلمة التي تنعم النظر فيها، فقهقهت ضاحكة بصوت عال غريب، فارتعدت ~~«إيلين» والتفتت وراءها صارخة: ماذا تريدين يا سيدتي؟ قالت: لا تخافي يا بنيتي ولا ~~تراعي، فما أنا بمجنونة كما ظننت وكما يظن سكان هذه الدار، ولكني رأيتك مستغرقة في ~~هذا الكتاب لا ترفعين نظرك عنه فجئت لأقول لك: دعي الكتب وشأنها لا تحفلي بها، ولا ~~تعولي علي شيء فيها، فإن أصحابها الذين وضعوها غرباء عن هذا العالم لا يفهمون من ~~شئونه شيئا إلا كما نفهم نحن من شئون عالم الجن أو سكان المريخ، بل هم قوم معتوهون ~~ممرورون، قضوا أيام حياتهم في معتزلاتهم الخاصة المظلمة التي لا توجد فيها نافذة ~~واحدة تشرف على العالم وما فيه، فملوا وسئموا، وأرادوا أن يروحوا عن أنفسهم ويتلهوا ~~بما يسري عنهم مللهم وسآمتهم، فأخذوا يدونون هذه المبادئ التي انتزعوها من جوانب ~~أدمغتهم لا من طبيعة المجتمع الذي يحيط بهم، ويقررون الآراء التي يستحسنونها ~~ويعجبون بها، لا التي تتفق مع طبيعة الكون وخصائصه، فهم ينصحون المجرم أن يقلع عن ~~إجرامه، ثم يخيل إليهم أنه قد أقلع ونزع، فيطلبون إلى من أجرم إليه أن يعفو عنه، ~~قائلين له: «إن العفو أشد أنواع الانتقام.» كأن الفضيلة عندهم هي الحالة الأساسية ~~للنفوس، وكأن الإجرام عرض من أعراضها الطارئة عليها، لا تلبث أن تهب عليه نسمة من ~~نسمات ms422 العظة والاعتبار حتى تذهب به. فما أسخف عقولهم، وما أقصر أنظارهم، وما أبعدهم ~~عن فهم حقائق الحياة وطبائع النفوس! دعي الكتب يا بنيتي لا تنظري فيها، وانزعي عنك ~~همومك وأحزانك، وكلي الطعام الذي يقدم إليك هانئة مغتبطة لا تلوين على شيء مما ~~وراءك، فسيأتي قريبا أو بعيدا ذلك اليوم الذي يفتح لك فيه هذا الباب الموصد دونك، ~~فتخرجين إلى الانتقام من الرجل الذي أساء إليك وساقك إلى هذا المكان، وتنالين منه ~~فوق ما نال منك، كما سأفعل أنا يوم خروجي بالرجل الذي ساءني وأفسد علي حياتي، ~~فليس العفو أشد أنواع الانتقام كما يقولون، بل الانتقام أعظم ملاذ الحياة. # فهدأت نفس «إيلين» قليلا، واستطاعت أن تتناول شيئا من الطعام الذي قدم إليها، ~~إلا أنها كانت إذا جاء الليل رأت أباها في منامها يقاسي أنواع العذاب وصنوف الآلام ~~في سجنه، فتصبح باكية نادبة، لا يهون عليها آلامها بعض التهوين إلا ثرثرة تلك ~~العجوز وهذيانها. حتى نامت ذات ليلة فرأته ميتا على سرير من أسرة مستشفى السجن، ~~تحيط بجثته شمعتان مضيئتان، فاستيقظت فزعة مذعورة تبكي وتنتحب، وما هي إلا هنيهة ~~حتى دخل عليها السجان يدعوها لمقابلة مدير السجن، فذهبت إليه، فأبلغها أن أباها ~~توفي الليلة في المستشفى، فصعقت صعقة كادت تذهب بنفسها، ثم استفاقت فإذا هي في ~~غرفة سجنها. فإذا هي أشد عباد الله بؤسا، وأعظمهم شقاء. # 3 # قضت «إيلين» سنواتها الخمس في سجنها ثم خرجت فمشت معها رفيقتها العجوز تشيعها إلى ~~الباب وتقول لها: لا تنسي يا بنيتي أن تنتقمي من عدوك الذي أساء إليك، وتنكلي به ~~تنكيلا عظيما، وسأتبعك على الأثر عما قريب لأنتقم من عدوي مثلك، وهل لمثلي ومثلك ~~في هذه الحياة الشقية البائسة عزاء غير عزاء الانتقام؟ # فودعتها وانصرفت، لا تعلم أين تذهب، ولا أي طريق تسلك، بل لا تعلم أين تجد قوت ~~يومها، أو المضجع الذي تأوي إليه سواد ليلتها، فقد انقطعت صلتها بالعالم كله بعد ~~موت أبويها، وطبع على جبينها «المجرمة» التي خرجت به من سجنها. # ولم ms423 تزل سائرة عدة ساعات حتى شعرت بالتعب والنصب، وأحست بالجوع يعبث بأحشائها، ~~فحدثتها نفسها بالانتحار فرارا من الألم، وزهدا في الحياة وظلت تترجح ساعة بين ~~الأنس بهذا الخاطر والنفور منه حتى غلبها على أمرها، فأخذت طريقها إلى النهر، وكانت ~~الليلة داجية مكفهرة، تلمع بروقها، وتهطل غيومها، وتدمدم رعودها، وتعصف رياحها، ~~فاستمرت أدراجها حتى إذا لم يبق بينها وبين النهر إلا بضع خطوات سمعت قعقعة مركبة ~~مقبلة نحوها من بعد يمزق نور مصباحيها المشتعلين أحشاء الظلمات، فتريثت هنيهة في ~~مكانها حتى مرت المركبة بها فإذا المسيو «لورين» جالسا بين بضع فتيات خليعات ~~يعابثهن ويداعبهن، ويقهقه قهقهة عالية ترن في أجواز الفضاء، فاختبأت وراء بعض ~~الأشجار حتى مر، ثم برزت من مخبئها تحدث نفسها وتقول: ها هو ذا المجرم سعيد في ~~حياته، مغتبط بحظه، يتقلب في أعطاف العيش الناعم لا ينغص عليه عيشه منغص، ولا يكدر ~~حياته مكدر، وهأنذا البريئة الطاهرة التي لم ألوث يدي في حياتي بجريمة، ولم أقترف ~~بيني وبين ضميري إثما، أهيم في هذا الوادي الفسيح على وجهي، لا أعرف لي ملجأ، ولا ~~مأوى، ولا أعرف سبيلا للعيش ولا مذهبا، ولو عرفت لما استطعت أن أنتفع بمعرفتي؛ ~~لأنني عند الناس مجرمة قاتلة، ومن ذا الذي يأمن على نفسه أن يتصل بالقتلة المجرمين ~~أو يعطف على بأسائهم وضرائهم؟ # لا لا، لا بد أن أعيش، ولا أبد أن أنتقم، وما دامت الشرائع الإلهية والقوانين ~~الوضعية قد عجزت عن أن تنتصف للناس من الناس فلينتصف الناس بأنفسهم لأنفسهم. # وانحدرت من طريق النهر إلى طريق المدينة، وقد ودعت في تلك اللحظة جميع خواطر ~~الخير التي ملأت فضاء نفسها طول حياتها، وخلعت ذلك الثوب الجميل المتلألئ الذي ~~لبسته مذ برزت إلى الوجود حتى اليوم - ثوب الشرف والكرامة والطهارة والأدب - ~~واستحالت نفسها الطاهرة الكريمة إلى نفس أخرى غيرها لا صلة لها بها، فلم ينحدر ~~برقع الظلام عن وجه الصباح حتى رآها الناس مع أحد العمال المريبين هادئة ساكنة، ~~باسمة متطلقة، لم يبق في وجهها من ms424 دم الحياء إلا قطرات، قد أخذ لونها يستحيل ~~شيئا فشيئا إلى لون البياض لتلحق بأخواتها. # 4 # وكذلك هوت تلك الفتاة المسكينة البائسة في تلك الهوة التي حفرها المجتمع الإنساني ~~لأمثالها من الفتيات البائسات، فظلت تنتقل من يد إلى يد، ومن مضجع إلى مضجع، وكأن ~~الحظ الذي فارقها وتجهم لها في حياة الطهارة والعفة أقبل عليها بوجهه الباسم ~~المتهلل في حياة السقوط والفساد، فما هي إلا أيام قلائل حتى طلعت في سماء باريس ~~نجما ساطعا متلألئا تنير كل أفق تشرق فيه، وتعطر كل أرض تخطر بأرجائها، وتعبث ~~بألباب الرجال عبث النسائم بأوراق الأشجار. # فإنها لجالسة ذات ليلة في مقصورة من مقاصير بعض الملاعب التمثيلية في جمع من ~~أصدقائها المفتتنين بها، إذ وقع نظرها على خصمها المسيو «لورين» جالسا في المقصورة ~~المقابلة لها مع إحدى خليلاته، فانتفضت حين رأته، وثارت في نفسها ثائرة الغيظ ~~والحنق، وظلت تردد النظر في وجهه طويلا، فلمحها وهي تنظر إليه، فأعجبه منظرها ~~البارع الجميل، إلا أنه لم يعرفها، فقد تغير كل شيء فيها حتى ملامحها وشمائلها. ~~فما انتهى الفصل الأول من الرواية حتى نهض من مكانه مسرعا وذهب يرود حول مقصورتها ~~حتى التقى بأحد أصدقائه في دهليز المقاصير فسأله عنها، فأخبره أنها السيدة «لوسي» ~~المارسيلية الحسناء، أجمل فتاة وفدت إلى باريس في هذا العام. فتوسل إليه أن يقدمه ~~إليها ففعل، فأحسنت ملتقاه، وقد أضمرت له في نفسها شر ما يضمر عدو لعدوه، وأقبلت ~~عليه تحدثه وتتلطف به، وتمد له الحبالة التي اعتادت أن تمدها كل يوم لأمثاله، فما ~~لبثت أن وقعت من نفسه، وملكت عليه جميع مشاعره، ثم رفع الستار فاستأذنها إلى ~~مقصورته، وقد حلت من قلبه محلا لم يحله أحد قبلها. # وفي صباح اليوم الثاني أرسل إليها مع بعض رسله باقة جميلة من الزهر قد دس بين ~~أوراقها عقدا بديعا من اللؤلؤ الثمين، فابتهجت به حين رأته، لا لأنها في حاجة إلى ~~العقود والدمالج؛ بل لأنها علمت أنها قد وضعت يدها على الزمام الذي تقوده به ms425 إلى ~~الهلاك. ثم زارها على الأثر وخر جاثيا تحت قدميها مقدما لها قلبه وحياته، وكل ما ~~تملك يده؛ أي إنه جثا تحت قدمي تلك الفتاة البائسة المسكينة التي جثت تحت قدميه منذ ~~سنوات تسأله أن يساعدها على فكاك أبيها من سجنه وتضرع إليه أن يغفر له ذنبه إليه، ~~إن كان يعتقد أنه مذنب، فلم يفعل، ولو أنه فعل لابتاع بثمن قليل لا يوازي ربع ثمن ~~العقد الذي قدمه الآن إليها قلبا طاهرا نقيا، لم تلوثه الذنوب والآثام، ولم ~~تعبث به الأهواء والشهوات، وعاش عيشا طاهرا شريفا مع خير الزوجات وأفضلهن خلقا ~~وخلقا. ولكن هكذا قدر لهؤلاء المساكين الضعفاء أن يضنوا بالنزر اليسير من ~~أموالهم على ابتياع القلوب الشريفة الطاهرة، حتى إذا لوثتها الذنوب والآثام وأصبحت ~~نهبا مقسما في أيدي الشهوات، بذلوا في سبيل الوصول إليها جميع ما تملك أيديهم، ~~حتى شرفهم وحياتهم، فقد ابتاع المسيو «لورين» لخليلته الجديدة قصرا جميلا أثثته ~~أثاثا حسنا، ونزل على حكمها في كل ما تريد وتشتهي، حتى أنفق عليها في عام واحد كل ~~ما تملك يمينه، ثم اضطر أن يعبث بودائع الناس المودعة في مصرفه، فمشى في ذلك المزلق ~~المنحدر مدى بعيدا أشرف منه على الخطر العظيم. # ثم حدث بعد ذلك أن فتحت سوق للإحسان في باريس، وكانت «لوسي» إحدى النساء اللواتي ~~وقع عليهن الاختيار لبيع الأزهار فيها، وكان تجار تلك السوق أجمل نساء باريس على ~~الإطلاق، فجلست في حانوتها المعد لها، وقد أمسكت بيدها زهرة تعرضها للبيع، وتعد من ~~يبتاعها منها أن يتناولها بفمه من فمها، فازدحم حولها كثير من الأغنياء يتزايدون ~~في ثمن تلك الزهرة، حتى برز رجل من بينهم اسمه الكونت «مارسيال» فعرض فيها خمسمائة ~~فرنك، فقالت: لا أبيعها إلا بألف، فأمسك الكونت، وأمسك الناس جميعا، وإنهم لكذلك ~~إذ بالمسيو «لورين» يتقدم بهدوء وسكون وفي يده ورقة بألف فرنك، فوضعها بين يدي ~~لوسي، وقال لها: لا يبتاع منك زهرتك يا سيدتي أحد سواي، فوضعتها بين ثناياها، ~~فتناولها منها بفمه بأسلوب رقيق حسده ms426 عليه مزاحموه جميعا، وخاصة الكونت مارسيال، ~~فقد انصرف من موقفه هذا وهو يقول: ما رأيت في حياتي صاحب مصرف يذهب في حياته هذا ~~المذهب من البذخ والإسراف، ويبعثر المال بلا حيطة ولا حذر كهذا الرجل، وما أحسب ~~أن ثروته الخاصة تتسع لكل هذا، فلا بد أن يكون لصا دنيئا يسرق ودائع الناس ~~ويبددها، فويل للمساهمين في مصرفه، ورحمة الله على أموالهم جميعا. وكان يتكلم بصوت ~~عال يسمعه الناس جميعهم، وليس بين الأحاديث حديث أسير ولا أذيع من حديث السوء! ~~فمشت كلماته في المجتمعات العامة والخاصة، فاضطرب لها المساهمون وأصحاب الودائع ~~اضطرابا عظيما، ووصل الخبر إلى أعضاء مجلس إدارة المصرف، فهالهم الأمر، وأشفقوا ~~على سمعة مصرفهم أن تنال منها هذه الأراجيف فيسقط سقطة لا قيام من بعدها، فقرروا ~~الاجتماع في يوم معين لمراجعة حسابه، وتفقد أمواله. # فلما علم ذلك المسيو «لورين» أخذ يزور في الصكوك، ويعبث بدفاتر الحساب. طلبا ~~للخلاص من التبعة، فلم يجده ذلك شيئا، فقد فهم مجلس الإدارة كل شيء، فلم ير ~~بدا من أن يرفع الأمر إلى القضاء، ففعل. والمسيو «لورين» مستغرق في شهواته ~~ولذاته، جاث ليله ونهاره تحت قدمي خليلته، لا يشعر بشيء مما يجري حوله. لولا أن ~~أحد أصدقائه من المحامين وقف على جلية الخبر فزاره في منزله ليخبره به فلم يجده، ~~فذهب إلى منزل «لوسي» فوجده، فأخبره أن الأمر قد صدر بالقبض عليه، وأنه إن لم ~~يبادر بالسفر في الحال فقد هلك إلى الأبد. فأشار إلى «لوسي» أن تعد له حقيبة ~~ملابسه، وأن تهيئ نفسها للسفر معه، وهو أعظم الناس ثقة بها، وبحبها وإخلاصها، ~~فتظاهرت بالإذعان لأمره والرثاء له، ولكنها لم تلبث أن خرجت من الغرفة حتى هرعت إلى ~~غرفة «التليفون» وبلغت رئيس الشرطة خبر عزمه على الهرب، وأشارت عليه بإرسال من يقبض ~~عليه في الحال. # ثم أمرت الخدم بإغلاق الأبواب والوقوف في وجهه إن أراد الفرار، ثم عادت إليه، ~~فسألها: هل أعددت كل شيء؟ فنظرت إليه نظرة غريبة لم يفهم معناها، ثم انفجرت ~~ضاحكة ms427 بصوت عال، فدهش وسألها ما بالها، قالت: لا شيء سوى أنك ستبقى سجينا هنا ~~حتى يأتي رئيس الشرطة للقبض عليك، ثم ألقت عليه نظرة مخيفة هائلة، فعجب لأمرها، ~~ولم يعلم أمازحة هي، أم نزل بها عارض من عوارض الجنون، ووثب من مكانه مسرعا ودنا ~~منها وقال لها: ماذا عرض لك يا لوسي؟ فقد طلبت إليك أن تهيئي نفسك للسفر معي، فهل ~~فعلت؟ لقد دنت الساعة، ولسنا الآن في موقف مزاح وأخاف أن تفاجئنا الشرطة الساعة ~~فتفوت الفرصة، فضحكت ضحكة أخرى، وقالت: قد بلغت رئيس الشرطة أنك عازم على السفر، ~~وأشرت عليه أن يبادر بإرسال الجنود ليقبضوا عليك، وأمرت الخدم بإغلاق الأبواب حتى ~~لا تتمكن من الهرب قبل حضورهم. فجن جنونه، وقد بدأ الريب يدب في نفسه، وإن لم ~~يفهم لما يرى سببا، فركض إلى الباب ليتحقق الأمر بنفسه، فوجده مغلقا، فأمرها أن ~~تفتحه، فأبت، فهجم علها هجمة شديدة وهو يصيح: أين المفتاح أيتها العاهرة؟ فقالت: ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت أبي بالأمس؟ فلم يفهم معنى كلمتها، ووقف في مكانه ذاهلا ~~يقول لها: لم أفهم من أمرك شيئا، ماذا تريدين؟ ومن هو أبوك؟ قالت: هو المسيو ~~«كابريني» - وكيل مصرفك بالأمس - الذي اتهمته ظلما وعدوانا بالسرقة، وأنت تعلم ~~أنه رجل شريف مستقيم لو علم أن شرب الماء يفسد مروءته ما شربه، فكانت نهاية أمره ~~أن مات في سجنه ميتة الأشقياء البؤساء، لا يعوده من أهله عائد، ولا يحتضنه إلى ~~صدره في ساعة نزعه محتضن، ولا يوجد بجانب مضجعه من يسمع منه وصيته الأخيرة. # فاصفر وجه «لورين» وظل جسمه يرتعد ارتعادا شديدا وأخذ يحدق النظر في وجهها، ~~ويتراجع شيئا فشيئا، ويقول بصوت مضطرب متقطع: إذن أنت لست ... فقاطعته وقالت: نعم ~~لست حبيبتك «لوسي» كما تعتقد، بل عدوتك «إيلين» التي تريد أن تنتقم منك لفجيعتها في ~~أبيها وفي نفسها، أنا إيلين التي جثت تحت قدميك منذ سبعة أعوام تسألك أن ترحم أباها ~~وترحمها، فأبيت إلا أن تساومها في عرضها، فلما ضنت به عليك أردت ms428 النكاية بها ~~فاتهمتها بتهمة القتل كذبا وافتراء كما صنعت بأبيها من قبلها، فصدق القضاة ~~الأغبياء دعواك، فحكموا عليها بالسجن خمس سنوات، كابدت فيها من صنوف العذاب وأنواع ~~الآلام ما لا يستطيع أن يحتمله بشر. ثم خرجت من سجنها مصفرة اليد من كل شيء، من ~~بيتها وأهلها وكرامتها وشرفها، وكل ما تملك يدها من القوت الذي تقيم به صلبها بياض ~~يومها وسواد ليلتها. وكان لا بد لها من المغامرة بنفسها في إحدى الهوتين: إما هوة ~~الموت لترتاح من هموم الحياة وآلامها، أو هوة الفساد لتنتقم لنفسها من عدوها الذي ~~نكبها، وأفسد عليها حياتها، فآثرت الانتقام على الموت؛ لأن نفسها الطاهرة الطيبة قد ~~استحالت إلى نفس شريرة حاقدة لا تريد أن تسمح لعدوها أن يبني سعادته على أنقاض ~~شقائها، وأن يفلت من العقوبة التي هي النتيجة الطبيعية للذنوب والآثام، وها هي ذي ~~قد انتقمت لنفسها، وروحت عنها همومها وآلامها. # فنكس رأسه مليا ثم رفعه وقال: إذن ما أحببتني قط يا لوسي؟ قالت: نعم، بل ما ~~اتصلت بك إلا لأسوقك إلى هذا المصير الذي صرت إليه اليوم، أنت الآن متألم جدا، بل ~~لا يوجد في العالم كله ألم مثل الألم الذي يعتلج في أعماق نفسك: لأنك فقدت في يوم ~~واحد شرفك وكرامتك، ومالك وحريتك، وموضوع حبك، ووجهة آمالك في حياتك، وهذا ما كنت ~~أريده وأرجوه، وهذه هي الساعة الوحيدة التي شعرت فيها بلذة العيش وهنائه من بين ~~ساعات حياتي. # فنظر إليها نظرة منكسرة دامعة وقال لها: ما كنت لأحفل بخسران شيء في الحياة لو ~~أنني ربحتك يا لوسي، أما وقد أصبحت يدي صفرا منك فلا خير في العيش من بعدك، ثم ~~تهافت على مقعد بجانبه وانفجر باكيا ما تهدأ دموعه، ولا يفتر نشيجه، حتى حضر الجند ~~فاعتقلوه، وساقوه إلى سجنه وهو صامت واجم لا يرفع طرفه، ولا يلتفت وراءه، وإيلين ~~تشيعه بنظرات السرور والاغتباط حتى انقطع أثره. # 5 # نعم، إن الانتقام لذيذ جدا كما يقولون، ولكنه اللذة التي يعقبها الندم ~~والأسف، وتأتي على ms429 أثرها الحسرات والآلام، وما استطاع منتقم قط أن يزن عمله بميزان ~~العدل والحكمة فتهدأ نفسه ويستريح ضميره بعد فراغه من انتقامه كما تبدأ نفس القاضي ~~العادل بعد صدور حكمه بالعقوبة التي يراها، والفرق بينهما أن القاضي يصدر في رأيه ~~عن نفس هادئة مطمئنة، قادرة على الروية والأناة والمقارنة والمقابلة، والوزن ~~والتقدير، والمنتقم يصدر في عمله عن روح هائجة محتدمة لا هم لها إلا أن تلتهم ~~وتستأصل، وتأتي على كل ما تستطيع الإتيان عليه. فهو يقضي قضاءه لا ليعاقب المجرم ~~على جريمته، ولا ليدفع عن المجتمع شروره وآثامه، بل ليجرح نفسه ويؤلمها، وينال منها ~~أقصى ما يرى أنه كاف لشفاء حقده وإطفاء غلته، فيجازي على الشتم بالضرب، وعلى الضرب ~~بالقتل، وعلى القتل بالتشويه والتمثيل. ولا يأبى أن يأخذ البريء بذنب المجرم، ~~والجار بذنب الجار، فالانتقام جريمة كيفما كان الباعث عليه، والدافع له، وكل جريمة ~~تترك في نفس صاحبها نصيبا من الألم والحسرة بمقدارها، ما من ذلك بد، ولقد صدق الذي ~~يقول: إن العفو مرارة ساعة، ثم النعيم إلى الأبد، وإن الانتقام لذة ساعة، ثم ~~الشقاء الدائم الذي لا يفنى. # عادت «إيلين» إلى غرفتها بعد ذهاب «لورين»، وكان الليل قد أظلها، فجلست تراجع ~~فهرس حياتها الماضية، وتقلب صفحاتها صفحة صفحة، فشعرت بدبيب السآمة والملل في ~~نفسها، وخيل إليها أنها ستعيش بعد اليوم عيشة تافهة مملولة لا طعم لها، ولا لذة ~~فيها، ورأت كأن سحابة سوداء من شقاء الحياة وبؤسها تدنو منها شيئا فشيئا، وأخذت ~~تسائل نفسها: هل أصابت فيما فعلت أم أخطأت؟ وهل سعدت بالانتقام أم شقيت؟ وهل كان ~~خيرا لها أن تلقي بنفسها في عباب الماء عندما فكرت في ذلك يوم خروجها من سجنها، أم ~~تعيش لتضحي بعرضها وكرامتها في سبيل انتقامها؟ وهل خرجت من المعركة التي خاضتها ~~ظافرة تمام الظفر، أم نالها من الخسران فيها ما يذهب ببهاء ذلك الانتصار الذي ~~انتصرته؟ # ولم تزل تسائل نفسها هذه الأسئلة فلا تسمع جوابا يرضيها، حتى مضى الليل إلا ~~أقله، فحاولت أن تأوي ms430 إلى مضجعها فلم تستطع، وأن تسري عن نفسها بعض همومها فأعجزها ~~ما أرادت، فلم تنقض دولة الظلام حتى كانت قد حكمت بنفسها أنها مجرمة آثمة، وأنها ~~لم تستفد من كل ما عملت سوى أنها باعت عرضها بأبخس الأثمان وأدناها، وأنها لم تسئ ~~إلى الرجل الذي أرادت الانتقام منه بقدر ما أساءت إلى نفسها فقررت الالتحاق بأحد ~~المستشفيات الخيرية لتكفر عن ذنبها بخدمة المرضى ومواساتهم طول حياتها، حتى يوافيها ~~أجلها. # 6 # دخلت المستشفي، وأخلصت إلى الله في عملها، فسهرت على المرضى وأحسنت مواساتهم، ~~وبذلت في ذلك الجهد ما يعجز غيرها عنه، حتى أصبحت مضرب المثل في صلاحها وتقواها، ~~ورحمتها وإحسانها. # وكانت المحكمة قد حكمت على المسيو «لورين» بالسجن عامين، فلقي في سجنه من المتاعب ~~والآلام ما لا طاقة لمثله باحتماله، فسقط مريضا لا يحفل به أحد، ولا يواسيه مواس، ~~حتى اشتد به المرض، وأشرف على الهلاك، فنقلوه إلى المستشفى الذي كانت تعمل فيه ~~«إيلين» فعرفته حين رأته برغم تغير صورته، واستحالة حالته، فلم تستطع أن تملك ~~عينيها من البكاء، وأخذت نفسها بتمريضه والعناية به، وظلت على ذلك عدة أيام وهو ~~ذاهل مستغرق لا يشعر بشيء مما حوله، حتى استفاق في ليلة من الليالي فرآها واقفة ~~بجانب سريره تمد إليه يدها بالدواء، فظل يحدق النظر في وجهها طويلا حتى عرفها، ~~فتناهض من مكانه، وأكب على يدها يقبلها، ويسألها العفو عن ذنبه إليها، فازداد ~~نشيجها وبكاؤها، وقالت له: إنني أنا التي أسأت إليك، وأنا التي أطلب منك العفو ~~والصفح، وكأن حياتها الجديدة التي انتقلت إليها قد أنستها حياتها الأولى وأكاذيبها ~~وأباطيلها، فلم يبق في قلبها أثر للبغض والموجدة، وأصبحت سريرتها بيضاء نقية لا ~~تجول فيها غير خواطر الخير والإحسان، ولا تنطوي إلا على حب الإنسانية وحب ~~الله. # وهكذا ظلت تعالج هذا المسكين بإخلاص لا تضمر مثله الأم لواحدها، وتقوم على خدمته ~~ليلها ونهارها، ما تهدأ ولا تفتر، ولكن الداء كان قد تمكن منه، فلم يغن عنه العلاج ~~شيئا، وما هي إلا أيام قلائل ms431 حتى حضره الموت، فجلست بجانبه تعزيه وتواسيه، وتلقي ~~في روعه أن الله قد غفر له جميع سيئاته في حياته بما كابد فيها من العلل ~~والأسقام، والهموم والآلام، وأن جوار الله في دار جزائه خير له من جوار هذه ~~الحياة الباطلة الفانية، حتى أسلم روحه بين ذراعيها. # وفي صباح اليوم الثاني رآها الناس سائرة بهدوء وسكون في طريق الدير، وقد لبست ~~مسوحها وسوادها، وعلقت صليبها على صدرها، حتى بلغته، ففتح بين يديها بابه العظيم ~~الذي لا يخرج منه داخله إلى الأبد، فدخلته، وكان هذا آخر عهدها بالعالم وما ~~فيه. # | الخطبة الصامتة # لما بلغ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير نعي أخيه مصعب بن الزبير أمير العراق، صعد ~~المنبر فجلس عليه، ثم سكت، فجعل لونه يحمر مرة، ويصفر أخرى، فقال رجل من قريش لآخر ~~بجانبه: ما له لا يتكلم فوالله إنه للخطيب اللبيب؟! فقال له الرجل: لعله يريد أن ~~يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ذلك عليه، وهو غير ملوم إن جزع. # ووقف ليلة أمس سعد باشا زغلول في حفلة تأبين أخيه فتحي باشا زغلول، وأراد يقول كلمة ~~قصيرة يشكر فيها القائمين بتلك الحفلة، فاختنق صوته بالبكاء وأرتج عليه، وهو الرجل ~~الجلد الصبور الذي ما جزع في حياته قط، والخطيب المفوه الذي ما أرتج عليه مرة في أصعب ~~المواقف وأحرجها، وأذهبها بالعقول والألباب، فما أشبه هذا البطل الباكي، بذلك البطل ~~الجازع. # وكذلك عظماء الرجال يضنون بدموعهم على نكبات الدهر وأرزائه أنفة وإباء، حتى إذا ~~نزلت بهم كارثة من الكوارث التي لا أمر فيها إلا الله وحده لا يستحيون أن يقفوا بين ~~يديه باذلين من شئونهم ما كانوا يضنون به من قبل. # على أن البكاء الذي حال بين سعد باشا وبين كلمته التي أرادها، لم يحل بينه وبين أن ~~يكون أفصح القائلين في ذلك الموقف وأنطقهم، فقد خطب الخطباء وأنشد الشعراء من قبله ~~ساعتين كاملتين، فكان كل ما كان لكلماتهم من الأثر في النفوس أن كان السامعون يتهامسون ~~فيما بينهم بالإعجاب بفصاحة الفصيح، أو ms432 نباهة المؤرخ، أو بلاغة الشاعر، أو إبداع المبدع ~~في معانيه، أو إحسان المحسن في إلقائه، حتى وقف هو وأرسل من جفنيه تلك الدمعة الحارة ~~فبكى الناس جميعا لبكائه كبارا وصغارا، شيوخا وشبانا، وكان مشهدا مؤثرا لم نر ~~مثله في حفلة تأبين قبل اليوم، فكان لتلك الخطبة القصيرة الصامتة المتفجرة من قلب ~~مصدوع مكلوم من الأثر في النفوس ما لم يكن لتلك الخطب الناطقة الطوال. # ليس الذي يبكي صديقا كان يأنس بحديثه، أو عالما كان ينتفع بعلمه، أو كريما كان ~~يستظل بظلال مروءته وكرمه، كمثل الذي يبكي شظية قد طارت من شظايا قلبه. # | اللفظ والمعنى # لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي أولئك الذين يفرقون في ~~أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة الآخر، فيقولون: ما ~~أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها ساقطة مرذولة! أو ما أبدع هذه القطعة لولا ~~أن أسلوبها قبيح مضطرب! كأنما يخيل إليهم أن اللفظ وعاء، وأن المعنى سائل من ~~السوائل يملأ ذلك الوعاء، فتارة يكون خمرا، وتارة يكون خلا، ويكون حينا صافيا وأخرى ~~كدرا، والوعاء باق على صورته لا يتغير، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس ~~بشعاعها، والخمر بنشوتها، فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها، ولا ما ~~أعذب الخمرة وأمر نشوتها، كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال، والمعنى بالقبح، أو نعكس ~~ذلك، فليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيان مستقل، ولا حيز خاص، فجماله جمال معناه، ~~وقبحه قبحه، وأن القطع الأدبية الشعرية أو النثرية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف ~~بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة ~~الركيكة المضطربة تشتمل على معان شريفة عالية كاذبون في زعمهم أو واهمون. # لا يضطرب اللفظ إلا لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ولا يغمض إلا لأن معناه غامض في ~~نفسه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام، ولا المتأثر عن التأثير، ولا المقتنع عن ~~الإقناع، وما البيان ms433 إلا المرآة التي ترتسم فيها صورة النفس، فحيث تكون جميلة فهو جميل، ~~أو قبيحة فهو قبيح، أو مضيئة فهو مضيء، أو مظلمة فهو مظلم، فإذا استطعنا أن نتصور مرآة ~~تكذب في تمثيل الصورة الماثلة أمامها، استطعنا أن نتصور بيانا يختلف في وصفه عن وصف ~~نفس صاحبه. # يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة: # ولما قضينا من منى كل حاجة # ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على حدب المهارى رحالنا # ولم يعلم الغادي الذي هو رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا # وسالت بأعناق المطي الأباطح # إنها جميلة الأسلوب، ولكنها تافهة المعنى، لا تشتمل على أكثر من الوصف والتصوير، ~~كأنهم لا يعلمون أن التصوير نفسه أجمل المعاني وأبدعها، بل هو رأس المعاني وسيدها، ~~والغاية الأخيرة منها، وقد رسم الشاعر في كلمته هذه صورة واضحة للحجيج في حلهم ~~ومرتحلهم، يسمعها السامع بأذنيه وكأنه يراها بعينيه، فقد أتى بأجمل الأساليب. # وإن وصفا قصيرا لحركة صغيرة من حركات النفس كقول الشريف: # وتلفتت عيني فمذ خفيت # عني الطلول تلفت القلب # لخير ألف مرة من قصيدة طويلة مملوءة بالمعاني الغريبة، والخواطر المبتكرة، لا تمثل ~~الحقيقة، ولا تلتئم مع النفس ومزاجها، كقصيدة المتنبي التي مطلعها «أيطمع في الخيمة ~~العذل» # ويقولون أيضا عن هذا البيت: # أنى يكون أبا البرية آدم # وأبوك والثقلان أنت محمد # إنه قبيح اللفظ ولكنه جميل المعنى، وهم واهمون فيما يقولون، فإن ذلك المعنى الجميل ~~الذي يتوهمونه ليس معنى هذا البيت، بل المعنى الذي خطر على أذهانهم وانبعث في أفئدتهم ~~عند سماعه، فألصقوه به إلصاقا، وتوهموه له توهما، أما البيت نفسه فلا معنى له مطلقا، ~~وهذا شأن جميع المعاني الذي يتوهمها متوهموها عند سماع بيت مستغلق، أو كلمة غامضة، ~~فهي بأن تكون معاني السامعين أولى من أن تكون معاني القائلين. # إذا سمعت بيتا من الشعر فأطربك، أو أحزنك، أو أقنعك، أو أرضاك، أو هاجك وأنت ساكن، ~~أو هدأ روعك وأنت ثائر، أو ترك أي أثر من الآثار في نفسك، كما تترك النغمة الموسيقية ms434 ~~أثرها في نفس سامعها، فاعلم أنه من بيوت المعاني، وأن هذا الذي تركه في نفسك من الأثر ~~إنما هو روحه ومعناه، وإن مررت ببيت آخر فاستغلق عليك فهمه وثقل عليك ظله وشعرت بجمود ~~نفسك أمامه، وخيل إليك أنك بين يدي جثة هامدة لا روح فيها، فاعلم أنه لا معنى له، ولا ~~حياة فيه، فإن وجدت صاحبه واقفا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة ~~المتكاثفة نورا متوهجا يكمن في طياتها، فكذبه، وفر بنفسك وأدبك منه فرارا لا عودة ~~لك من بعده. # هذا هو الميزان الذي يجب أن تزن به الكلام، ونصيحتي إليك ألا تصدق تعريفا واحدا من ~~تلك التعريفات المتعددة المتناقضة التي يضعها واضعوها من الأدباء لأشعارهم خاصة، ~~ويزعمون أنها للشعر عامة، واجعل شعور نفسك هو الميزان الذي تزن به ما تسمع، فكما أنك ~~لا تعتمد على تعريف من تعريفات الجمال، ولا تلجأ إلى قانون من قوانينه عند وقوع نظرك ~~على وجه امرأة لمعرفة درجتها من الحسن، كذلك لا تعتمد في استحسان ما تستحسن من الكلام ~~واستهجان ما تستهجن منه إلا على شعور نفسك وإلهام حسك. ~~••• # الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء، ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف، وحسن التصوير، وتمثيل ~~الحقيقة، واكتناه أسرار الكون، وتحليل مشاعر النفس، وأمثال ذلك من الأغراض والمقاصد، ~~على أن تكون تلك النغمة الموسيقية أساسها، والروح السارية فيها، ليتحقق الفرق بين الشعر ~~والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها وهدوئها، وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس ~~برناته ونغماته، وأهازيجه ونبراته. # نظم الشعراء الشعر من عصر الجاهلية الأولى إلى اليوم، فمات جميع ما نظموا ولم يبق ~~منه إلا البيت الموسيقي الرنان الذي لو لم يغنه مغنيه لغنى وحده، وسيموت شعر جميع ~~الشعراء في هذا العصر ولا يبقى منه في المستقبل إلا كما بقي من الماضي في ~~الحاضر. # | الآداب العامة # يتحدث كثير من الناس عن فئة من الشبان المصريين المتعلمين قد ظهروا في هذه الأيام، ~~واتخذوا لأنفسهم في حياتهم العامة طريقا غير الطريق اللائقة بهم وبكرامتهم وبمنزلة ms435 ~~العلم الذي يزاولونه، فأصبحوا متبذلين في شهواتهم، مستهترين في ميولهم وأهوائهم، ~~ينتهكون حرمات الأعراض ما شاءوا وشاءت لهم نزعاتهم، ويعبثون بها في كل مكان عبث الفاتك ~~الجريء الذي لا يخاف مغبة، ولا يخشى عارا، وأهول ما يتحدثون به عنهم في هذا الشأن ~~أنهم يغررون الطالبات الصغيرات اللواتي لا يزلن يختلفن إلى مدارسهن، أو اللواتي انقطعن ~~عنها منذ عهد قريب إلى منازلهن، وينصبون لهن صنوف الحبائل وأنواع الأشراك لاصطيادهن ~~وإسقاطهن في هوة الإثم والعار، وهذا ما أريد أن أتكلم عنه قليلا. # أصحيح ما يقولون عنكم أيها الفتيان التعسون أنكم تتخذون صلة العلم - التي هي أشرف ~~الصلات وأكرمها - صلة فساد بينكم وبين أولئك الفتيات الضعيفات، وأن الحبالة التي ~~تنصبونها لهن لاصطيادهن إنما هي حبالة القلم الذي هو أفضل أداة للخير، وأعظم وسيلة ~~للفضيلة، وخير واسطة للأدب والكمال؟ # أصحيح ما يقولون عنكم أنكم تكتبون إليهن ليكتبن إليكم، وتهدون إليهن صوركم ليهدين ~~إليكم مثلها، فإذا امتلأت حقائبكم وجيوبكم بصورهن ورسائلهن أخذتم تنشرونها في كل مكان ~~وتعرضونها في كل معرض، وأخذ بعضكم يفاخر بعضا بكثرة ما يملك منها، أو بجماله ورونقه، ~~كما يفخر المرء بأفضل المزايا وأشرف الخصال؟ # أصحيح أنكم تقفون لهن بكل طريق، وتأخذون عليهن كل سبيل، وتضايقونهن في مغداهن ~~ومراحهن، وحيث ذهبن إلى عمل، أو خرجن لزيارة، أو برزن في مجتمع، فإذا عجزتم عنهن في ~~الطريق أرسلتم وراءهن الرسل في منازلهن يخادعنهن ويخاتلنهن، وربما توسلتم إليهن ~~بأخواتكم وبنات أعمامكم ليسفرن بينكم وبينهن، ويداخلنهن مداخلة الأصدقاء حتى يجتذبنهن ~~إلى منازلكم؟ # أصحيح أنكم تقضون أكثر لياليكم مكبين على كتابة رسائل الغرام، وأكثر أيامكم حائمين ~~حول المنازل تنتظرون خدمها الذين اصطنعتموهم ليحملوا رسائلكم إلى ساكنيها، وربما جلستم ~~على أبوابها بجانب البوابين والحوذيين ترقبون نوافذها وكواها علها تنفرج لكم عمن ~~تحبون؟ # أصحيح أنكم أصبحتم لا تقنعون في أمر أولئك الفتيات البائسات اللواتي يقعن في مخالبكم ~~بإفساد أخلاقهن حتى تسجلوا عليهن ذلك الفساد تسجيلا موقعا عليه بتوقيعاتهن، مستشهدا ~~عليه بصورهن وخطوطهن، لتملكوا عليهن أمرهن بعد ذلك، وتحولوا بينهن ms436 وبين التفلت من ~~أيديكم، والحياة بعيدا عنكم، في جو غير جوكم، وجوار غير جواركم، عذارى أو ~~متزوجات؟ # أصحيح أنكم لا تكتفون بإفساد نفوسهن وضمائرهن، حتى تفسدوا عليهن عقولهن وصحتهن، ~~فتشركوهن معكم في شرب الخمر وتناول المخدرات سائلها وجامدها، فلا تلبث أن تنتهي حياتهن ~~بما تنتهي به حياة النساء الساقطات اللواتي يلفظن أنفاسهن الأخيرة في أقبية الحانات أو ~~بين جدران المواخير؟ # أصحيح أنكم فقدتم في تلك السبيل التي تسلكونها خلق الرجولة والشهامة، فأصبحتم ~~تتجملون للنساء بأخلاق النساء، وتزدلفون إليهن بمثل صفاتهن وشمائلهن، وأصبح الرجل منكم ~~لا هم له في حياته إلا أن يتجمل في ملبسه، ويتكسر في مشيته، ويرقق من صوته، ويلون ~~ابتساماته ونظراته بألوان التضعضع والفتور، ويقضي الساعات الطوال أمام مرآته متعهدا ~~شعره بالترجيل، وبشرته بالتنضير، وثناياه بالصقل والجلاء، حتى صار ذلك عادة من عاداتكم ~~التي لا تنفك عنكم، وحتى سرى التأنث من أجسامكم إلى نفوسكم، فلم يبق فيكم من صفات ~~الرجولة وأخلاقها غير الأسماء والألقاب؟ # إن كان حقا ما يقولون كله أو بعضه فرحمة الله عليكم أيها الفتيان المساكين، وسلام ~~على الفضيلة والشرف سلام من لا يرجو عودة، ولا ينتظر إيابا. # إن هذه الفتاة التي تحتقرونها اليوم وتزدرونها وتعبثون ما شئتم بنفسها وضميرها، ~~إنما هي في الغد أم أولادكم، وعماد منازلكم، ومستودع أعراضكم ومروءاتكم، فانظروا كيف ~~يكون شأنكم معها غدا، وكيف يكون مستقبل أولادكم وأنفسكم على يدها. # أين تجدون الزوجات الصالحات في مستقبل حياتكم إن أنتم أفسدتم الفتيات اليوم؟ وفي أي ~~جو يعيش أولادكم ويستنشقون نسمات الحياة الطاهرة إن أنتم لوثتم الأجواء جميعها ~~وملأتموها سموما وأكدارا؟ # لا تتكون أخلاق الفتاة في عهد طفولتها أو في عهد شيخوختها، بل في عهد شبابها، فإذا ~~سلم لها ذلك العهد فقد سلم لها كل عهد بعد ذلك، فدعوها تجتز هذه المرحلة الوحيدة من ~~مراحل حياتها شريفة طاهرة، تجدوا فيها بعد قليل من الزمن خير زوجة للزوج، وخير أم ~~للولد، وخير سيدة للمنزل. # لا تعجلوا عليها وانتظروا بها قليلا لتستطيعوا أن تجدوها غدا زوجة ms437 طاهرة شريفة في ~~منازلكم، بدلا من أن تجدوها فتاة ساقطة مزدراة مطرحة على أعتاب المواخير ~~والحانات. # لا تزعموا بعد اليوم أنكم عاجزون عن العثور بزوجات صالحات شريفات يحفظن لكم ~~أعراضكم، ويحرسن سعادتكم وسعادة منزلكم، فتلك جناية أنفسكم عليكم، وثمرة ما غرست ~~أيديكم، ولو أنكم حفظتم لهن ماضيهن لحفظن لكم حاضركم ومستقبلكم، ولكنكم أفسدتموهن، ~~وقتلتم نفوسهن، ففقدتموهن عند حاجتكم إليهن. # إنني لا أفرغ في أمركم إلى القانون، فالقانون في هذا البلد مدني لا أدبي، ولا إلى ~~الحكومة، فالحكومة مشغولة بشأن نفسها عن شأن غيرها، ولا إلى الدين، فقد ضعف شأنه في ~~نفوسكم حتى هان أمره عليكم، ولا آبائكم وأولياء أموركم، فقد عجزوا عنكم، وأصبحوا يبكون ~~مع الباكين عليكم. بل أفزع في أمركم إلى ضمائركم التي هي الأمل الباقي لنا بعد فقد جميع ~~آمالنا فيكم، فأصغوا إلى صوتها ساعة تسمعوا منها هذا الرجاء الذي نرفعه إليكم، وصوت ~~الضمير أقوى من كل صوت في العالم. # أصغوا إليه تسمعوه يقول لكم: إن هؤلاء الفتيات اللواتي لا تستحيون أن تمدوا إليهن ~~أعينكم وأيديكم إنما هن أخواتكم الحميمات، يجمعكم وإياهن أب واحد وهو النيل، وأم واحدة ~~وهي البلد، وشرف الأخوة هو الملجأ الأمين لأعراض الأخوات وشرفهن. # يجب ألا يفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن يفتح لزوجها، لتستطيع أن تعيش معه ~~سعيدة هانئة لا ينغصها ذكرى الماضي، ولا تختلط في مخيلتها الصور والألوان، ولا أعرف ~~فتاة في هذا البلد بدأت حياتها بغرام قط فاستطاعت أن تتمتع بعده بحب شريف. # ولا أزال أذكر حتى اليوم حادثة ذلك الفتى الذي أهدت إليه حبيبته رسمها موقعا ~~بتوقيعها، فلما تزوجت - وكان لا يحب ذلك منها - أراد الانتقام منها فقطع رأس الصورة ~~ووضعها على جسم عار بتلك الطريقة الفنية المعروفة، ثم أرسلها مع كتاب وشاية إلى زوجها ~~ليلة عرسها، فما لبثت أن خسرت في لحظة واحدة سمعتها وسعادتها. # وحدثني من أثق به أن كثيرا من الفتيات الفاسدات لا يتزوجن إلا بعد أن يأخذن على ~~أنفسهن عهدا أمام أخلائهن أن يكن ms438 لهم بعد الزواج؛ أي بعد أن يصبحن مطلقات من قيود ~~العذرة وروابطها. وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة من رجل إلا وردت عليه ليلة البناء ~~بها أو في صبيحتها كتب الوشاية بها من الأشخاص الذين اتصلت بهم، وأخلصت إليهم، فانتهى ~~أمرها في حياتها الجديدة بالشقاء والعار. # نحن في حاجة إلى أن نعلم بناتنا؛ لأننا لا نريد أن يعشن جاهلات متأخرات، فتنحوا عن ~~طريقهن أيها الغواة المفسدون ليستطعن أن يختلفن إلى مدارسهن آمنات مطمئنات على نفوسهن ~~وأعراضهن، ولا تزعجوهن بفضولكم وإسفافكم، فإننا لم نبعث بهن في تلك السبيل ليفسدن شرفهن ~~وعفتهن، بل ليضفن إلى فضيلة الأدب والكمال فضيلة العلم والمعرفة. # أفسحوا الطريق لهن، وأفسحوا للعاملة الخارجة في طلب رزقها، والأرامل المسترزقة ~~لبنيها، والفقيرة العاجزة عن قضاء حاجتها إلا بنفسها، والذاهبة لصلة رحمها، والسائرة ~~لزيارة قبر فقيدها، ولا تكونوا حجر عثرة في سبيل حرية المرأة في ذهابها وجيئتها ~~واضطرابها في مذاهب الأرض سعيا وراء رزقها، وقضاء مصالحها، فإن أبيتم عليها ذلك ~~فاعترفوا أنكم أعداؤها القساة المتوحشون؛ لأنكم تأبون عليها إلا إحدى الخطتين ~~القاتلتين: إما الجهل الدائم، أو السقوط العظيم. # الفضيلة الفضيلة أيها القوم! فهي العزاء الوحيد لهذه الأمة المسكينة عن جميع آلامها ~~ومصائبها، والأمل الباقي لها إن ضاعت - لا قدر الله - جميع آمالها وأمانيها. والشرف ~~الشرف! فربما جاء يوم ندير فيه أعيننا من حولنا فلا نجد مما تملك أيدينا شيئا ~~سواه. # | المؤتمر الإسلامي # سرني منظر ذلك الرجل العظيم، والداعي الكريم، وهو قادم إلى مصر يجتاز التخوم، ويتخطى ~~البلدان، ويطوي الغبراء طي الكواكب الخضراء، يقوده الأمل، ويسوقه الرجاء، وبين جنبيه ~~همه عالية، ونفس كبيرة، وقلب مشيع، وفؤاد في الأفئدة كالنسر في الطيور، يحلق في جو ~~الإسلام تحليق من يحاول أن يظلله بجناحيه. # سرني منظره، وإن لم أره، وهو قائم بين جماعة المسلمين يحاول أن يرأب صدعهم، ويلم ~~شعثهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويدعو إلى الله تعالى دعوة النبوة الأولى، إلا ~~أن تلك عربية تدعو الأعجمية، وهذه أعجمية تدعو العربية الفصحى. # هنا ذكرت ms439 الإسلام ومجده، والإسلام وجنده، والإسلام ودولته، والإسلام وصولته، وذكرت ~~أبا بكر وهو يقاتل أهل الردة ويقول: والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه. وذكرت ~~عمر وهو واقف في مرابض المدينة في حمارة القيظ يستقبل شبحا أسود يرفعه الآل ~~ويخفضه، ويطويه الأديم وينشره، حتى اقترب منه فتبينه فإذا هو أعرابي قادم من سواد ~~العراق، فجعل يسايره وهو راجل والأعرابي راكب لا يعرفه، ويسأله ما فعل الله بسعد وجنده، ~~فيحدثه القادم عن فتح القادسية والمدائن، وما أفاء الله به على المسلمين من عرش كسرى ~~وذخائره، وتراث مرازبته ودهاقينه، وعمر لاه عن نفسه سرورا بما سمع، وفرحا بما تم. ~~وذكرت صلاح الدين وهو يقود الجحفل اللجب والجيش العرمرم، إلى حيث يستنقذ الثغور، ~~ويستخلص الأمصار، ويخوض جمرة الحرب المتأججة ليفتدي بنفسه أجساما إن لم تلتهمها ~~النيران فكأن قد. وذكرت محمدا الفاتح وهو يلعب بكرة الأرض لعب الصبي بكرته، ويخترق ~~بسفائن البحر رمال القفر، حتى نزل بالقسطنطينية نزول القضاء من السماء، وسجد في معبد ~~«أيا صوفيا» سجدة الشكر لله على نعمته وحسن توفيقه. وذكرت صقر قريش وقد طار من الشرق ~~إلى الغرب فأنشأ وحده دولة خضعت لها أفريقيا وبعض أوروبا. وذكرت مع أبطال الحرب أبطال ~~السلم، فذكرت عمر بن عبد العزيز وعدله، والمأمون وفضله، والغزالي وحكمته، وابن رشد ~~وفلسفته، ومعاوية وسياسته، وعبد الملك وكياسته. وذكرت مدارس بغداد، وبخارى، ~~والإسكندرية، والقاهرة، وغرناطة، وأشبيلية، وقرطبة. وذكرت مترجمي كتب إقليدس وبطليموس ~~وأرسطو، وواضعي علوم الجبر والمقابلة والكيمياء. وذكرت مخترعي البندول والبوصلة «بيت ~~الإبرة» والساعة الدقاقة التي أهداها الرشيد إلى «شارلمان» ملك فرنسا، ففزع منها ~~سامعوها فزعا شديدا وسموها شيطانا رجيما، أو آلة سحرية، أو مكيدة عربية ... إلى ~~كثير من أمثال هذه الآثار العربية، والمفاخر الإسلامية. # ثم ذكرت الإسلام إذ ضربه الدهر بضرباته ورماه بنكباته، أصبح أثرا من الآثار، وخبرا ~~من الأخبار، وعليلا حار فيه أطباؤه، ومله عواده، وظل مترجحا بين داهيتين، ومضطربا ~~بين غايتين، إما أن يموت موتة أبدية وبالله العياذ، أو يحيا حياة مادية، لا حياة ~~أدبية ms440 ، وينهض جامعة تجارية، لا جامعة دينية، ما دامت المادة قاعدة الحكومات، وما دامت ~~الحكومات عدوة الأديان، وما دامت الأديان لا تستطيع التحليق إلا في فضاء من الحرية لا ~~ينتهي البصر فيه إلى مدى؛ لذلك أحزنني عند سماع خطبة الخطيب ما يحزن الأشيب من ذكرى ~~الشباب إذا عثر بين أوراقه البالية على رسائل الحب، وأناشيد الغرام، وأمضني ما يمض ~~العاشق المفارق إذا مر بالآثار وأطلال الديار فرأى النؤي والأحجار، وموقد النار، ومجال ~~الخيول، ومجر الذيول، فذكر ما كان ناسيا، وهاج من وجده ما كان كامنا، فبكى ~~واستعبر. # وود بجدع الأنف لو عاد عهدها # وعاد له فيها مصيف ومربع # ليست الجاهلية الأولى بأحوج إلى الإصلاح الديني من الجاهلية الأخرى، بل ربما كانت هذه ~~أحوج من تلك إليه. # كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتقربها إلى الله زلفى، وجاهليتنا تعبد الأحجار ~~والأشجار، والأحياء والأموات، والأبواب والكوى، والقواعد والأساطين تبركا، أو تقربا، ~~لفظان مترادفان، مختلفان لفظا متفقان معنى، ومن ظن غير ذلك فقد خدع نفسه. # كانت الجاهلية الأولى متفرقة قبائل وشعوبا، وجاهليتنا متفرقة منازل وبيوتا، بل ~~آحادا وأفرادا، فلا تراحم ولا تواصل، ولا تعارف ولا تعاطف حتى بين الأخ وأخيه، والأب ~~وبنيه. # كانت جاهليتهم تسفك الدماء في طلاب الأوتار، وجاهليتنا تسفكها في سبيل السرقات وقضاء ~~الشهوات، وكان أفظع ما في جرائمهم وأد البنات، فصار أخف ما في جرائمنا الانتحار، وكان ~~بعضهم يبغي على بعض بسرقة ماله، أو استياق ماشيته، ففعلنا مثل ما فعلوا، وفوق ما ~~فعلوا، ثم فضلناهم بعد ذلك بتزوير الأوراق، وتحريف الصكوك، وتقليد الأختام، والبراعة في ~~النصب والاحتيال، يكاد يستوي في ذلك العالم والجاهل، والشريف الهاشمي والفلاح ~~القروي. # وليتنا إذ أخذنا جاهليتهم أخذناها كما هي رذائل وفضائل فيهون على المصلحين أمرها، ~~ولكنا أسأنا الاختيار، فلنا خرافاتهم الدينية وأدواؤهم الاجتماعية، وليس لنا كرمهم ~~ووفاؤهم، وغيرتهم وحميتهم، وعزتهم ومنعتهم، فكيف لا يكون الأمر خطيرا؟ وكيف لا تكون ~~الجاهلية الأخرى أحوج إلى دعوة كدعوة النبوة من الجاهلية الأولى؟ # نبئني عن الإسلام أين مستقره ومكانه؟ وأين مسلكه ms441 ومضطربه؟ وفي أي موطن من المواطن ~~حل، ومعهد من المعاهد نزل؟ أفي الحانات والمواخير التي يغص بها الفضاء، وتئن منها ~~الأرض والسماء، والتي ينتهك فيها المسلمون حرمات دينهم بلا خجل ولا حياء، كأنما هم ~~يشربون الماء الزلال، ويغشون البضع الحلال؟ ولقد هان عليهم أمر نفسهم حتى لو وجدوا ~~بينهم من يرى التقية في عمله، أو الاحتشام في أمره، سموه جبانا جامدا، أو متكلفا ~~باردا، كل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة الإسلامية، والمعاهد الدينية، والقضاءين ~~الشرعي والنظامي؟ # أم في حوانيت الباعة حيث الغش الفاضح والغبن الفاحش مزخرفا بالأقوال الكاذبة ~~والأيمان الباطلة؟ # أم في مجالس الأحكام حيث للدينار الأحمر السلطان الأكبر على سلطان العدل وسلطان الذمة ~~وسلطان الشرائع، اللهم إلا ما كان من تلك الألواح المكتوبة فيها «العدل أساس الملك.» أو ~~«وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»؟ # أم في المساجد حيث يعتقد المصلون أنه لو كان بين الصلاة والصلاة مائة عام، وكانت تلك ~~الأعوام مملوءة بالآثام والجرائم، والمفاسد والمظالم لكفت تلك الحركات - التي يسمونها ~~صلوات، ويحسبونها حسنات - لغفران تلك السيئات؟ # أم في معاهد الدين حيث يتلقى المتعلمون الدين جسما بلا روح، وعلما بلا عمل، كأنما ~~يتلهون بدراسة إحدى الشرائع الداثرة، أو أحد الأديان الغابرة، وحيث يتلقون كشكولا ~~عجيبا وخلقا غريبا من الأكاذيب والترهات، فلا تكاد تسمع من أفواههم إلا حديثا ~~موضوعا، أو قولا مصنوعا، أو خرافة تاريخية، أو بدعة دينية، وحيث يقضون حياتهم في ~~المناظرات والمجادلات، والتحاسد والتباغض، والتقاطع والتدابر، وهي بعينها الأخلاق ~~والرذائل التي ما جاءت الأديان إلا لمحاربتها والقضاء عليها، فهم يهدمون من حيث يظنون ~~أنهم يبنون، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ # أم في مجالس المتصوفة حيث الألعاب الجمبازية، والحركات البهلوانية والسرقات باسم ~~العادات، وانتهاك الحرمات بعنوان البركات؟ # إن أراد المصلحون لأنفسهم نجاحا، وللإسلام صلاحا، فليبدءوا عملهم بتهذيب العقائد ~~الدينية، وتربية النشء الحديث تربية إسلامية لا تربية مادية؛ أي أنهم يدخلون إلى ~~الإصلاح من باب الدين لا من باب الفلسفة، حتى يجمعوا للمسلمين بين صلاح حالهم ومآلهم، ~~ودنياهم ms442 وآخرتهم، وحتى يكون الدين هو الزاجر والمؤدب، والمعلم والمهذب، فالإسلام وإن ~~كان دين العقل والفطرة، والتهذيب والإصلاح، إلا أن الخطر كل الخطر على المسلمين أن يكون ~~في نظرهم تابعا للعقل، وأن يكون العقل هو الحكم بينهم وبينه. والخير كل الخير في أن ~~يكون الدين حاكما والعقل مفسرا ومبينا. فإذا تم ذلك للمصلحين بالرفق والأناة والحكمة ~~والسياسة فقد تم لهم كل شيء، وتم للمسلمين ما يريدونه من الجامعتين الدينية والسياسية، ~~كما تم لهم ذلك في العهد الأول من هذا الباب نفسه، وفي هذه الجادة المستقيمة، فهل ~~يستطيع دعاة الإصلاح في الجاهلية الحاضرة أن يكونوا كدعاته في الجاهلية الأولى؟ وهل ~~يستطيعون أن يخلصوا لله في عملهم جادين مثابرين، لا تأخذهم فيه هوادة، ولا عنه سنة، ~~وألا يرى أحدهم لنفسه على أخيه فضلا إلا بالإيمان والتقوى، وأن يرى كل منهم نفسه ~~بمنزلة المجاهد في سبيل الله، يتحمل الأذى ويستسهل الوعر، ويحتمل الكريهة، ولا يجعل ~~لليأس إلى قلبه سبيلا، ولا للهوان على نفسه سلطانا؟ # هل يستطيع المصلحون أن يكونوا كذلك ليصلحوا في الآخرين ما أصلح المصلحون في الأولين؟ ~~«لست أدري ولا المنجم يدري»: # لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى # ولا زاجرات الطير ما الله فاعل # | في أكواخ الفقراء # مترجمة # مضى الليل إلا قليلا والظلام مخيم على الكون بأجمعه، والكواكب متلفعة بأردية السحب، ~~ما يستشف منها الناظر بصيصا ولا قبسا، والفضاء بحر خضم مترامي الأرجاء إلا أنه ~~ساكن الصفحة، هادئ النأمة، يقصر فيه قاب العين، وتضل في تيهه أشعة النظر حتى عن نفسها. ~~والغيوث منهلة متواصلة، تهمي بقوة واحدة وقوام واحد، لا تغزر ولا ترق، ولا تضطرب ~~خيوطها، ولا تختلف نغمتها كأنما هي شباك ممتدة بين السماء والأرض. وكوخ السماك «فيليب» ~~جاثم في مجثمه بين الأكواخ المحيطة به، لا يرى فيه الداخل غير مصباح ضئيل تجاهد ذبالته ~~جهادا شديدا في تمزيق قطع الظلام المتكاثفة حولها، وغير مجمرة هامدة قد خبت نارها إلا ~~بقايا جمرات شاحبات قد التفت بأكفانها البيضاء، وأخذت طريقها في مدرجة الفناء. # وقد يرى ms443 الناظر على ضوء ذلك المصباح الضئيل بضع شبكات معلقة بالجدران كأنها الأشباح ~~الماثلة، ومنضدة عارية قد نشرت فوقها بضعة آنية نحاسية تلمع لمعانا ضعيفا في ذلك ~~الحندس كأنها عيون الجنادب، فإذا دار الواقف بنظره حوله رأى حشية مبسوطة على الأرض قد ~~اضطجع فوقها ثلاثة أطفال متلاصقين آخذ بعضهم بأعناق بعض، كما تتآخذ الأفراخ في ~~أعشاشها، وكما يضم الخوف الضلوع بعضها إلى بعض. وعلى مقربة من فراشهم امرأة صفراء ~~شاحبة جاثية على ركبتيها تصلي وتبتهل وتدعو الله تعالى بصوت خافت متهافت أن يرد لها ~~زوجها سالما، وكان قد خرج كعادته لصيد السمك من البحر فلم يعد حتى الساعة. # وإنها لكذلك إذ هبت الزوبعة هبوبا عظيما، فاهتزت لها جوانب الكوخ اهتزازا شديدا، ~~وأن لوقعها الأطفال في لفائفهم، فطار قلبها فزعا ورعبا، وخيل إليها أن هدير ~~الأمواج، ودمدمة الرعود، وزفيف الرياح، وقعقعة السقوف والجدران إنما هي نذر السوء ~~تنذرها بمصير زوجها المسكين في أعماق ذلك الأوقيانوس العظيم. فظلت تردد بينها وبين ~~نفسها: رب إني بائسة مسكينة، لا سند لي ولا عضد، وإن هؤلاء الأطفال الصغار عاجزون لا ~~يستطيعون أن يقوتوا أنفسهم، ولا أن يعتمدوا على حولهم وحيلتهم في شئون حياتهم، فاحفظ لي ~~ولهم حياة ذلك الرجل المسكين الذي أسلم أمره إليك، وأودع حياته بين يديك، وخرج في طلب ~~الرزق من ساحتك ليعود به على هذه الأسرة الفقيرة المعدمة فلم يعد حتى الساعة، ولا ندري ~~ما فعلت به يد الأقدار. # ما أعظم بؤسنا وشقاءنا نساء الصيادين وأولادهم! # إنهم يتركوننا وحدنا في هذه الأكواخ الموحشة، ويذهبون لطلب العيش في ذلك التيه المائي ~~العظيم الذي لا نهاية لعمقه، ولا حد لاتساعه، ولا عاصم من مخاطره. ويحاولون انتزاع ~~أرزاقهم من بين ماضغي تلك الأمواج الثائرة الفاغرة أفواهها كالذئاب الجائعة، تحاول ~~التهام كل ما يدنو منها. ولعل القدر الذي نخشاه عليهم في هذه الساعة قد نزل بهم، فلم ~~تغن عنهم شيئا تلك الرقائق الخشبية المتلاصقة التي يسمونها زوارق، ولعلهم لبثوا ساعات ~~طوالا يصارعون الأمواج وتصارعهم حتى غلبتهم على ms444 أمرهم، فداروا بأعينهم حولهم ليفتشوا ~~عن زوارقهم المنقلبة فلم يروا منها إلا بقاياها المتطايرة في مهاب الرياح، فحاولوا أن ~~يسبحوا إليها فأفلتت من أيديهم، فنال منهم العياء، فهووا إلى ذلك القاع العميق ليصبحوا ~~فيه طعاما للأسماك التي كانوا يظنون منذ ساعة أنها ستصبح طعاما لهم. # هنالك يأتينا نعيهم فنبكي ونندب، ونهرع إلى الشاطئ والهين مدلهين، ونقف أمام ذلك ~~العالم المجهول الغامض صائحين أن رد إلينا أيها الوحش المفترس بعولتنا وأولادنا، وأفلاذ ~~أكبادنا، أو تكشف عن نفسك قليلا علنا نرى جثثهم في قاعك العميق، فلا نسمع ملبيا ولا ~~مجيبا. # وهنا هدأت الزوبعة قليلا، وخفتت أصوات الرياح، فسكن بعض ما بها، ونهضت من مكانها ~~فتناولت المصباح وفتحت باب الكوخ وقلبت وجهها في السماء لترى كم بقي بينها وبين الصباح. ~~وكان الظلام لم يزل حالكا والمطر لم يزل منهلا، فمدت يدها بالمصباح أمامها لترى هل من ~~مقبل يتقدم، أو شبح يتحرك، فلم يقع نوره إلا على كوخ بعيد منفرد لا نور فيه ولا حركة. ~~فتذكرت حينما وقع نظرها عليه أنه كوخ تلك الأرملة المسكينة «جانت» التي مات زوجها ~~غريقا منذ بضعة أشهر وخلف لها أطفالا صغارا تقاسي الآلام الشداد والأهوال العظام في ~~تدبير عيشهم، وتقويم أودهم، فمر بخاطرها أن تزورها وتتعرف حالها؛ لأنها كانت تعلم أنها ~~مريضة مدنفة، وأنها كابدت ليلة أمس من دائها عناء عظيما، وأقرب ما تكون النفوس إلى ~~النفوس إذا جمعتها في صعيد واحد هموم الحياة وآلامها. فأخذت طريقها إلى ذلك الكوخ حتى ~~بلغته، فوقفت على بابه وقرعته مرارا فلم يرد عليها أحد، فدفعته ففتح، فدخلت رافعة ~~مصباحها أمامها فأنار لها ما حولها، فرأت بين يديها ما أرعد فرائصها، واستوقف دقات ~~قلبها، وأمسك الدم عن جريانه في عروقها. # رأت الكوخ يهتز ويضطرب في أيدي الرياح المتناوحة، ورأت مياه الأمطار تسيل من سقفه ~~الواهي الأخرق فتبلل كل شيء فيه، ورأت فراشا قذرا من القش قد رقدت فوقه الأرملة ~~«جانت» رقدة ساكنة جامدة لا حس فيها ولا حركة. فدنت منها ولمستها بيدها ms445 ، فإذا هي ~~ميتة، وإذا قطرات من الماء تتحدر من السقف على جبينها ورأسها وغطائها البالي الممزق. ~~فوقفت أمام هذا المنظر المخيف المرعب ذاهلة مشدوهة، ثم صاحت: هذه نهاية الفقراء على ~~ظهر الأرض، وهذا مصيرهم الذي يصيرون إليه بعد جهادهم في سبيل الحياة زمنا طويلا، إنهم ~~يعيشون في هذا العالم مجهولين مغمورين لا يعرفهم أحد، ثم يخرجون منه متسللين متلاوذين ~~لا يشعر بخروجهم حتى أهلوهم وذوو أرحامهم. # ما يدريني ألا يكون مصيري ومصير أولادي غدا هذا المصير الذي أراه الآن، وقد لا تدخل ~~علي في تلك الساعة جارة من جاراتي تراني وترثي لحالي كما أرثي الآن لحال هؤلاء ~~المساكين؟ # ثم خلعت رداءها فأسبلته على جثة الميتة، ودارت بمصباحها في أنحاء الغرفة فرأت طفليها ~~الصغيرين نائمين على فراشهما وجها لوجه، وعلى ثغر كل منهما ابتسامة صغيرة، كأن شبح ~~الموت الهائم حول مضجعهما لا يخيفهما، ولا يزعج سكونهما. ورأت رداء أمهما - وكانت تعرفه ~~قبل اليوم - مسبلا عليهما، فخيل إليها أنها ترى منظر تلك المرأة المسكينة قبل ساعة أو ~~ساعتين وهي تعالج في فراشها سكرات الموت، ثم تلتفت من حين إلى حين إلى طفليها النائمين، ~~والمطر يتساقط عليهما والبرد يعبث بأعضائهما، فتشفق عليهما، وترثي لهما، حتى ضاقت بها ~~ساحة الصبر، فخلعت عنها رداءها - وهي أحوج ما تكون إليه - وألقته عليهما، ثم ألقت ~~بنفسها على فراشها وأسلمت روحها. # وقفت «ماري» أمام هذه المناظر المؤلمة، والريح تئن أنين الوالهين المتسلبين، والموج ~~يعج عجيج أجراس الموت، وقطرات الماء تنحدر من جبين الميتة إلى خديها الشاحبين كأنما هي ~~تذرف دموع الحزن على فراق ولديها. وكان الفجر قد أخذ يمسح عن وجهه صبغة الظلام، ويرسل ~~بعض أشعته في جوانب الكوخ، فأطفأت «ماري» المصباح الذي بيدها ووضعته جانبا، ثم جثت ~~بجانب الميتة وصلت لها ما شاء الله أن تفعل، ثم نهضت ومشت إلى مكان الطفلين وحملتهما ~~برفق وسكون، ومشت بهما حتى بلغت كوخها، فأضجعتهما بجانب طفليها، وأسبلت عليهم جميعا ~~رداء واحدا. # ثم جلست بجانبهم تقول بينها وبين نفسها: لا أدري ms446 أأصبت فيما فعلت أم أخطأت؟ وإنما ~~أدري أن المرأة التي أودع الله قلبها شعور الأمومة وإحساسها لا تستطيع أن ترى طفلين ~~طريحين على فراشهما في كوخ عار من كل شيء إلا من جثة أمهما، فتتركهما وشأنهما دون أن ~~تعلم ما مصيرهما بعد ذلك. # إن المنظر الذي رأيته ما كان يسمح لي بالتفكير في نتيجة العمل الذي أعمله، فإن تبين ~~لي بعد ذلك أنني مخطئة فليس معنى هذا أني كنت أستطيع تجنب الوقوع في هذا الخطأ؛ لأن ~~قلبي من لحم ودم، لا من فولاذ وصوان. # نعم إن زوجي فقير، وإن طفلي معدمان بائسان لا يكادان يشبعان من الخبز، وإن ~~عناءنا في تربية أربعة أطفال سيكون ضعف عنائنا في تربية طفلين، ولكن لا يجوز لنا - ~~ضنا براحة أنفسنا - أن نترك طفلين صغيرين يموتان - على مرأى منا ومسمع - بردا ~~وجوعا. # ذلك ما سأقوله لزوجي عند رجوعه، وما أحسبه قاسيا ولا متوحشا فينكر علي فعلتي هذه، ~~ويأمرني بإلقائهما خارج الباب. # ثم وقفت عن الكلام فجأة؛ لأنها سمعت صرير الباب وهو يدور على عقبه، فارتعدت، ثم علمت ~~أنها الريح، فأطرقت برأسها ساعة ذهبت فيها بتصوراتها وأفكارها كل مذهب، فبكت وضحكت، ~~وغضبت ورضيت، وأملت ويئست، ورحمت وقست، وحمدت فعلتها، وندمت عليها، وأحسنت الظن بزوجها، ~~وأساءته به. وظل فؤادها نهبا مقسما في يد الهموم والأفكار حتى شعرت بسواد يتقدم ~~نحوها، فاستطير قلبها خوفا ورعبا، وانتبهت فإذا زوجها داخل يحمل شبكته على ظهره ~~والماء يقطر منها، فنهضت وعانقته، ثم ألقت نظرها على وجهه فأنكرت شحوبه وتضعضعه كما ~~أنكر ذلك منها حين رآها. وسألته كيف كان حظه الليلة، وماذا كان شأنه مع العاصفة؟ فألقى ~~بشباكه وقصبه على الأرض وظل يقول لها: أما الليلة فكانت مزعجة جدا لم أر في حياتي ~~مثلها، وأما الصيد فها هي ذي يدي صفر منه كما ترين، ولولا رحمة الله بي وبكم لهلكت، وما ~~أنا بآسف على شيء ما دمت أراكم بخير ... وكيف حال الولدين؟ فارتعشت وقالت: هما بخير، ~~قال: ما لي أراك شاحبة صفراء ms447 ؟ وكيف قضيت ليلتك؟ فأطرقت برأسها وقالت: قضيتها في خياطة ~~قميصين للولدين، وكنت كلما سمعت صوت العاصفة وهدير الأمواج خفت عليك، أما الآن فقد زال ~~كل شيء والحمد الله. ثم نظرت إليه وبين شفتيها كلمة تحاول أن تنطق بها فلا تستطيع، ثم ~~استنصرت جلدها وقوتها وقالت: وشيء آخر أحزنني جدا، قال: وما هو؟ قالت: قد علمت ~~الساعة قبل رجوعك بقليل أن جارتنا «جانت» قد لبت دعوة ربها، وأن ولديها الصغيرين ~~قد أصبحا وحيدين في هذا العالم لا عائل لهما. # فاضطرب عند سماع هذه الكلمة، ونهض من مكانه وتمشى قليلا ثم ألقى بقبعته المبللة ~~بالماء على سريره، وظل يعبث بشعر رأسه، فيشده حينا، ويمسحه أخرى، وهي تتبعه بنظراتها ~~لتفحص صورة نفسه المرتسمة على وجهه، ثم جلس على المائدة القائمة في وسط الكوخ، وظل يقول ~~بينه وبين نفسه بصوت ضعيف متهدج: رب، إني وإن كنت رجلا جاهلا فدما لا أستطيع أن أفهم ~~حكمتك في حرمان هذين الولدين البائسين من أمهما، إلا أنني معترف بوجود تلك الحكمة لا ~~أنكرها، ولا بد أن الذين يعلمون أكثر مما أعلم يفهمون من شئونك وتصرفاتك فوق ما ~~أفهم! # نعم، إنني فقير مسكين أعيش تحت رحمة المصادفات والاتفاقات، وربما مر علي وعلى ~~أولادي أيام لم نجد فيها ما نأتدم به، ولكن ماذا أصنع وقلبي يتألم لحال هذين اليتيمين ~~الصغيرين أكثر مما يتألم من الجوع والسغب؟ # ثم التفت إلى زوجته وقال لها: إنني متألم جدا يا ماري، ويخيل إلي أن روح تلك ~~المرأة المسكينة واقفة الآن أمام هذا الباب تقرعه وتضرع إلينا أن نأخذ ولديها إلينا، ~~ونكفلهما من بعدها، ولكن كيف العمل يا إلهي؟ فقالت: إني أكاد أسمع هذا الصوت الذي تسمعه ~~يا فيليب! وإن ألمي عظيم كألمك، فصمت هنيهة ثم انتفض انتفاضة شديدة ودنا منها وقال ~~لها: ألم يمت لنا طفلان في العامين الماضيين يا ماري؟ قالت: بلى. قال: ماذا كنا نصنع لو ~~أنهما بقيا حيين حتى اليوم؟ قالت: لا شيء سوى أننا نفزع إلى الله في أمرهما. قال ms448 : ~~فلنفزع إلى الله في أمر هذين الطفلين اليتيمين، وكأن ولدينا لا يزالان حيين حتى اليوم، ~~أو كأنهما بعثا من قبرهما بعد موتهما. # اذهبي إليهما يا ماري وأحضريهما، فربما استيقظا بعد هنيهة من نومهما فرأيا منظر ~~أمهما الميتة في فراشها فماتا خوفا ورعبا. # اذهبي إليهما واحمليهما برفق وهدوء بدون أن توقظيهما وأضجعيهما على فراش ولدينا، ~~فسيكون منظرهم جميعا جميلا جدا حينما يستيقظون من نومهم وينظر بعضهم في وجوه بعض، ~~وحرام علي النبيذ واللحم بعد اليوم لأستطيع أن أقوم بنفقة هذه الأسرة الكبيرة التي ~~أصبحت سيدها وعائلها، اذهبي يا ماري وثقي أن الله سيملأ علينا بيتنا خبزا وفحما ~~ببركة هؤلاء الأطفال الطاهرين. # فتهلل وجهها بشرا وسرورا، ونهضت من مكانها ومشت إلى مضجع الأطفال فرفعت عنهم ~~الغطاء، ونظرت إلى زوجها صامتة لا تقول شيئا، فما وقع نظر «فيليب» على هذا المنظر ~~الغريب حتى استطير فرحا وسرورا، وهرع إلى زوجته واحتضنها إلى صدره وقال لها: ما أشرف ~~قلبك يا ماري! # يا سكان القصور: ليتكم من سكان الأكواخ، لتستطيعوا أن تكونوا من الراحمين ~~المحسنين. # | الضمير # أتدري ما هو الخلق عندي؟ # هو شعور المرء أنه مسئول أمام ضميره عما يجب أن يفعل. # لذلك لا أسمي الكريم كريما حتى تستوي عنده صدقة السر وصدقة العلانية، ولا العفيف ~~عفيفا حتى يعف في حالة الأمن كما يعف في حالة الخوف، ولا الصادق صادقا حتى يصدق في ~~أفعاله صدقه في أقواله، ولا الرحيم رحيما حتى يبكي قلبه قبل أن تبكي عيناه، ولا ~~المتواضع متواضعا حتى يكون رأيه في نفسه أقل من رأي الناس فيه. # التخلق غير الخلق، وأكثر الذين نسميهم فاضلين متخلقون بخلق الفضيلة، لا فاضلون؛ لأنهم ~~إنما يلبسون هذا الثوب مصانعة للناس، أو خوفا منهم، أو طمعا فيهم. فإن ارتقوا عن ذلك ~~قليلا لبسوه طمعا في الجنة التي أعدها الله للمحسنين، أو خوفا من النار التي أعدها ~~الله للمسيئين. # أما الذي يفعل الحسنة لأنها حسنة، أو يتقي السيئة لأنها سيئة، فذلك من لا نعرف له ~~وجودا، أو لا نعرف ms449 له مكانا. # لا ينفع المرء أن يكون زاجره عن الشر خوفه من عذاب النار؛ لأنه لا يعدم أن يجد بين ~~الزعماء الدينيين من يلبس له الشر لباس الخير فيمشى في طريق الرذيلة، وهو يحسب أنه يمشى ~~في طريق الفضيلة، أو خوفه من القانون؛ لأن القوانين شرائع سياسية وضعت لحماية الحكومات ~~لا لحماية الآداب، أو خوفه من الناس؛ لأن الناس لا ينفرون من الرذائل، بل ينفرون مما ~~يضر بهم - رذائل كان أم فضائل - وإنما ينفعه أن يكون ضميره هو قائده الذي يهتدي به، ~~ومناره الذي يستنير بنوره في طريق حياته. # وما زالت الأخلاق بخير حتى خذلها الضمير وتخلى عنها، وتولت قيادتها العادات ~~والمصطلحات، والقواعد والأنظمة، ففسد أمرها، واضطرب حبلها، واستحالت إلى صور ورسوم، ~~وأكاذيب وألاعيب. فرأينا الحاكم الذي يقف بين يدي الله ليؤدي صلاته وأسواط جلاديه تمزق ~~على مرأى منه ومسمع جسم رجل مسكين لا ذنب له عنده إلا أنه يملك صبابة من المال يريد ~~أن يسلبه إياها، والأمير الذي يتقرب إلى الله ببناء مسجد قد هدم في سبيله ألف بيت من ~~بيوت المسلمين، والفقيه الذي يتورع عن تدخين غليونه في مجلس القرآن، ولا يتورع عن ~~مخالفة القرآن نفسه من فاتحته إلى خاتمته، والغني الذي يسمع أنين جاره في جوف الليل من ~~الجوع فلا يرق له ولا يحفل به، فإذا أصبح الصباح ذهب إلى ضريح من أضرحة الأولياء، ووضع ~~في صندوق النذور بدرة من الذهب قد ينتفع بها من لا حاجة به إليها، والمومس التي تتصدق ~~بنفسها ليلة في كل عام على روح بعض الأولياء عندها أنها قد كفرت بذلك عن سيئاتها طول ~~العام. # إلى كثير من أمثال هذه النقائض التي يزعم أصحابها ويزعم لهم كثير من الناس أنهم من ~~ذوي الأخلاق الفاضلة، والسيرة المستقيمة. # الخلق هو الدمعة التي تترقرق في عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر ~~البؤس، أو مشهد من مشاهد الشقاء. # هو القلق الذي يساور قلب الكريم ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه رد سائلا ms450 ~~محتاجا، أو أساء إلى ضعيف مسكين. # هو الحمرة التي تلبس وجه الحيي خجلا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع رده، ولا ~~يستطيع مد يد المعونة إليه. # هو اللجلجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة ربما دفعته إليها ضرورة ~~من ضرورات الحياة. # هو الشرر الذي ينبعث من عيني الغيور حينما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو ~~بكرامته. # هو الصرخة التي يصرخها الأبي في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه، أو ممالأة ~~عدوه. # الخلق هو أداء الواجب لذاته، بقطع النظر عما يترتب عليه من النتائج، فمن أراد أن يعلم ~~الناس مكارم الأخلاق فليحي ضمائرهم، وليبث في نفوسهم الشعور بحب الفضيلة، والنفور من ~~الرذيلة بأية وسيلة شاء، ومن أي طريق أراد، فليست الفضيلة طائفة من المحفوظات تحشى ~~بها الأذهان، بل ملكات تصدر عنها آثارها صدور الشعاع عن الكوكب، والأريج عن ~~الزهر. # | الماضي والحاضر # عندي أن الفضيلة والرذيلة كالجمال والقبح أمران اعتباريان، يختلفان باختلاف الأمكنة ~~والأزمنة، فكما أن الجمال في أمة قد يكون قبحا في أمة أخرى، كذلك الفضيلة في عصر، ~~قد تكون رذيلة في عصر آخر. # ليست الفضائل والرذائل أسماء توقيفية كأسماء الله تعالى لا يمكن تغييرها ولا تبديلها، ~~وليست الفضيلة فضيلة إلا لأنها طريق السعادة في الحياة، ولا الرذيلة رذيلة إلا لأنها ~~طريق الشقاء فيها، فحيث تكون السعادة في صفة فهي الفضيلة، وإن كانت صفه اللؤم، وحيث ~~يكون الشقاء في صفة فهي الرذيلة، وإن كانت صفة الكرم. # اعتاد علماء الأخلاق في كل زمان وفي كل مكان من عهد آدم إلى اليوم، أن ينشروا لنا في ~~كل كتاب يؤلفونه أو رسالة يدونونها جدولين ثابتين لا ينتقلان ولا يتحلحلان، يكتبون على ~~رأس أحدهما عنوان «الفضائل»، وتحته كلمات الشجاعة والكرم والأمانة والوفاء والعفة ~~والمروءة والصدق والعدل والرحمة، وعلى رأس ثانيهما عنوان «الرذائل»، وتحته كلمات الجبن ~~والبخل والخيانة والغدر والطمع والكذب والظلم والقسوة، وأرى أنه قد آن لهم يعلموا أن ~~الناس اليوم غيرهم بالأمس، وأن أساليب الحياة الحاضرة غير أساليب الحياة ms451 الماضية، ~~وأن كثيرا من الصفات التي كانت في عهد البداوة والسذاجة رذائل يحتويها الناس ~~ويتبرمون بها، ويستثقلون مكانها، قد أصبحت في هذا العصر عصر المدنية المادية المؤسسة ~~على المنافع والمصالح، حالة واقعة مقررة في نظام المجتمع البشري، وأسسا ثابتة تبنى ~~عليها جميع أعماله وشئونه. فلا بد للناس منها، ولا غنى لهم عنها، ولا مندوحة لهم إن ~~أرادوا أن يخوضوا معترك الحياة مع خائضيه من أن يتعلموها تعلما نظاميا، ويدرسوها مع ~~ما يدرسون من علوم الحياة التي يتوقف عليها نظام عيشهم ويتألف منها شأن سعادتهم ~~وهنائهم. ~~••• # كان الكرم فضيلة يوم كان الناس يحفظون الجميل لصاحبه، ويعرفون له يده التي أسداها ~~إليهم، فإذا هوى به كرمه في هوة من هوى الفقر لا يعدم أن يجد من بين الذين أحسن إليهم ~~أو عظم في نفوسهم شأن إحسانه، من يمد إليه يد المعونة ليستنقذه من شقائه، أو يرفهه ~~عليه. أما اليوم وقد أنكر الناس الجميل، واستثقلوا حمله على عواتقهم، بل أصبحوا يشمتون ~~بصاحبه يوم تزل به قدمه، ويصبون على رأسه جميع ما في كتب المترادفات من أسماء الجنون ~~وألقابه، فليس الكرم فضيلة، وليس من الرأي الدعاء له، والحض عليه. # وكانت الرحمة فضيلة يوم كان الناس صادقين في أحاديثهم عن أنفسهم فلا يعترف بالبؤس إلا ~~البائس، ولا يلبس القديم إلا من عجز عن لبس الجديد. أما اليوم وقد ذلت النفوس وسفلت ~~المروءات، فلبس ثوب الفقر غير الفقير، وانتحل البؤس غير البائس، وأصبح نصف الناس كسالى ~~متبطلين لا عمل لهم إلا اللجوء إلى ظلال القلوب الرحيمة يعتصرونها ويحتلبون درتها حتى ~~تجف جفاف الحشف البالي، فالرحمة هي الفقر العاجل، والخسران المبين. # وكانت الشجاعة فضيلة يوم كان الناس ينصرون الشجاع ويؤازرونه، ويتبعون خطواته في ~~طريقه التي يذهب فيها، فلا يتخلون عنه ولا يخذلونه حتى يتم له الظفر الذي يريد، أما ~~اليوم وقد فترت همم الناس، ووهت عزائمهم، وماتت في نفوسهم الحفائظ والغير، ووكل كل ~~أمره إلى صاحبه، فإن رأوه قائما بدعوة وطنية أو اجتماعية أغروه بالمضي فيها، ثم ms452 وقفوا ~~على كثب ينظرون ماذا يفعل، فإن ظفر هتفوا له، وانحدروا إليه يقاسمونه الغنيمة التي ~~غنمها، وإن فشل خذلوه، وتنكروا له، فالشجاعة جنون لا يجد صاحبها من ورائها إلا التهلكة ~~والشقاء. # وكانت القناعة فضيلة يوم كان الفضل هو الميزان الذي يزن به الناس أقدار الناس ~~وقيمهم، ويوم كان الفقر مفخرة للشريف إذا عفت يده، وعزفت نفسه، والغنى معرة للدنيء ~~إذا سفلت مساعيه وأغراضه. أما اليوم وقد مات كل مجد في العالم إلا المجد المالي، وأصبح ~~الناس يتعارفون بأزيائهم ومظاهرهم، قبل أن يتعارفوا بصفاتهم وأعمالهم، فالقناعة ذل ~~الحياة وعارها، وبؤسها الدائم، وشقاؤها الطويل. # وكان الغضب رذيلة يوم كان الناس يعرفون فضيلة الحلم ويقدرونها قدرها، ويطأطئون ~~رءوسهم إجلالا لصاحبها. أما وقد أصبح الناس أشرارا يحملون شرورهم على كواهلهم، ~~ويدورون بها في كل مكان يطلبون لها رأسا يصبونها عليه، ولا يعجبهم مثل الرأس الضعيف ~~المتهالك الذي لا يحسن الذياد عن نفسه، فلا خير في الحلم، والخير كل الخير في ~~الغضب. # الحياة معترك أبطاله الأشرار، وأسلحتهم الرذائل، فمن لم يحاربهم بمثل سلاحهم هلك عند ~~الصدمة الأولى. # يجب أن يكون الناس جميعا إما فضلاء ليسعدوا بفضيلتهم، أو أدنياء ليتقي بعضهم بأس ~~بعض، أما أن يتقلد سوادهم سلاح الرذيلة، والنزر القليل منهم سلاح الفضيلة، وهو أضعف ~~السلاحين وأوهاهما، فليس لذلك إلا معنى واحد؛ هو أن يهلك أشراف الناس وفضلاؤهم في سبيل ~~حياة أدنيائهم وأنذالهم. # إن الدعاء إلى البر والإحسان، والرحمة والشفقة، والعدل والإنصاف، والصدق والإخلاص ~~في هذا العصر، إنما هو حبالة ينصبها الأقوياء الماكرون للضعفاء الساذجين ليخدعوهم بها ~~عن مائدة الحياة التي يجلسون عليها، فيستأثرون بها من دونهم، فلا يدعو الداعي إلى الكرم ~~إلا لينتقل ما في جيوب الناس إلى جيبه، ولا إلى العفو إلا ليصيب بشره من يشاء دون أن ~~يناله من الشر شيء، ولا إلى القناعة إلا ليقلل من سواد المزاحمين له على أغراض الحياة ~~ومطامعها، ولا إلى الصدق إلا ليتمتع وحده بثمرات الكذب ومزاياه. # كلنا يكذب، فلم يعيب بعضنا بعضا بالكذب والتلفيق؟ وكلنا ms453 يبسم لعدوه وصديقه ابتسامة ~~واحدة، فلم نستنكر الرياء والمصانعة؟ وكلنا يطمع في أن تكون له وحده جميع خيرات الأرض ~~وثمراتها، فلم نستفظع الطمع والجشع؟ وكلنا يتربص بصاحبه الغفلة ليختله عما في يده، فلم ~~نشكو من الظلم والإرهاق؟ # إننا لا نفعل ذلك إلا لأنا نريد أن نستخدم الفضيلة في أعراضنا ومآربنا كما كان يستخدم ~~رجال الدين الدين في الأعصر الماضية. # يجب أن يتعلم الطفل من أول يوم يجلس فيه أمام مكتب مدرسته أن الموجود في الحياة غير ~~الموجود في الكتب، وأن قصص الفضائل التي يقرءونها ونوادر المروءات والكرم والإيثار، ~~وأحاديث الشهامة والشجاعة وعزة النفس وإبائها، إنما هي روايات تاريخية قد مضت وانقضى ~~عهدها، حتى لا يصبح ناقما على العالم يوم ينكشف له وجهه، ويرى سوآته وعوراته، وحتى لا ~~يضيع عليه عمره بين التجارب والاختبارات. # وليت الذين يعرفون من شئون الرذائل ودخائلها فوق ما أعلم يضعون للناشئ كتابا ~~مدرسيا على نمط كتب التاريخ يوضحون لهم فيه كيف يكذب التاجر، ويغش الصانع، ويلفق ~~المحامي، ويدجل الطبيب، ويختلس المرابي، ويرائى الفقيه، ويصانع السياسي، ويتقلب ~~الصحافي، ثم يقولون له: هذه هي الحياة، وهذا هو ما يجري فيها، فإن أردتها على علاتها ~~فذاك، أو لا، فدونك مغارة موحشة في قمة من قمم الجبال فعش فيها وحيدا بعيدا عن ~~العالم وما فيه، وكل مما تأكل حشرات الأرض، واشرب مما تشرب منه، حتى يوافيك ~~أجلك. # الشر لا يقاوم إلا بالشر، والظلم لا يدفع إلا بالظلم، وحامل السيف لا يغمده في غمده ~~إلا أمام حامل سيف مثله، والسيل الجارف لا يقف عن جريانه إلا إذا وجد في وجهه سدا ~~يعترض طريقه، والظالم لا يظلم إلا إذا وجد بين يديه ضعيفا، والمحتال لا يحتال إلا إذا ~~وجد أمامه غبيا، والناس لا يتحامون ولا يتحاجزون ولا يأمن بعضهم بأس بعض إلا إذا ~~برزوا جميعا في ميدان واحد يتقلدون سلاحا واحدا من نوع واحد. # من أراد الفضيلة للفضيلة فسبيلها المقدس الشريف معروف لا ريبة فيه، فليسلكه كما ~~يشاء، ومن أرادها على أن ms454 تكون وسيلة من وسائل العيش في عصر مثل هذا العصر، وناس مثل ~~هؤلاء الناس، فليعلم أنه قد أخطأ الطريق، وأضل السبيل. # ما أجمل الفضيلة وما أعذب مذاقها وما أجمل العيش في ظلالها، لولا أن شرور الأشرار ~~وويلاتهم قد حالت بيننا وبينها، فرحمة الله عليها، وواأسفا على أيامها وعهودها! # | الشيخوخة المتمردة # حدث منذ عهد قريب أن أحد الوجهاء الريفيين كان يختلف إلى أسرة كريمة ليخطب إليها ~~فتاة من فتياتها لابنه، ثم اتفق له أن وقع نظره على تلك الفتاة عرضا فشغف بها حبا ~~وخطبها لنفسه، فلم ير أهلها مانعا من أن يزوجوها منه على تقدم سنه وإدبار أمره؛ لأنه ~~أكثر من ابنه مالا، وأوسع جاها وسلطانا، فكانت نتيجة ذلك أن هجر الابن منزل أبيه ~~هجرة لا رجعة له من بعدها؛ لأنه كان يحب الفتاة حبا جما، وأصاب الفتاة ذهول شديد ~~لا يزال ملازما لها حتى اليوم، وأصبح الشيخ حزينا بائسا؛ لأنه أصبح بلا زوجة ولا ~~ولد. # سمعت بهذه الحادثة فتألمت لها كثيرا، ثم قرأت حادثة أخرى وقعت في فرنسا في العام ~~الماضي سأقصها عليك لتوازن بين الحادثتين كما وازنت، وتستنتج منهما ما استنتجت. # فجعت سيدة اسمها «مارجريت بونفيل» بوفاة زوجها وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها، ~~وكانت امرأة بارعة الجمال، رائعة الحسن، لا يراها الرائي حتى يخيل إليه أنها الكوكب ~~المشبوب رونقا وبهاء، وأنها لا تزال في مستهل العقد الثالث من عمرها. فاستوحشت لوفاة ~~زوجها استيحاشا شديدا، وبدأت تختلف إلى بعض الأندية العامة علها تروح عن نفسها ~~وحشتها وكآبتها، فاتصلت هناك بفتى من نبلاء الفتيان أعجبها منه جمال صورته وعذوبة ~~أخلاقه وحلاوة سمره ورقة آدابه، فأحبته وافتتنت به. وأضمرت في نفسها أن تتذرع بكل ما ~~تعرف من الوسائل للزواج منه، وإن كان أصغر منها سنا بنحو عشر سنين، فلم تزل تتودد ~~إليه، وتستدني قلبه، حتى نزلت من نفسه المنزلة التي تريدها. وكانت إذا جلست إليه للحديث ~~معه يرد على لسانها كثيرا ذكر ابنتها التي خلفتها من زوجها المتوفى، فكان يخيل إليه ms455 أن ~~تلك الابنة طفلة في الخامسة أو السادسة من عمرها، حتى زارها في منزلها يوما من الأيام ~~فحمل معه لطفلتها هدية من اللعب التي يحبها الأطفال ويطربون لها، فلما وقع نظر مرجريت ~~عليه وعلى ما يحمل ضحكت وقالت: ما هذا الذي تحمل؟ قال: إنها هدية لماري أريد أن أقدمها ~~إليها، وأين هي؟ فأرادت العبث به وقالت له: إنك تجدها في الجهة الشرقية من الحديقة على ~~شاطئ الجدول، فاذهب إليها وقدم لها هديتك بنفسك. # فذهب حيث أشارت، فراعه أنه لم يجد أمامه طفلة في السادسة من عمرها كما كان يظن، بل ~~فتاة كاعبا رائعة الجمال في السادسة عشرة، فوقف أمامها موقف الحائر الذاهل لا يدري ~~ماذا يفعل، ولا ماذا يقول، حتى رنت من ورائه ضحكة مرجريت، وكانت قد تبعته من حيث لا ~~يشعر، فارفض جبينه عرقا، وتقدمت مرجريت نحو ابنتها وقالت لها: أقدم لك يا ماري صديقي ~~جورج الذي حضر اليوم ليهديك حصانا خشبيا جميلا، فهل تحسنين ركوب الخيل الخشبية؟ ~~فابتسمت ماري وفهمت القصة، فأثر في نفسها خجل جورج وارتباكه، فمشت إليه ووضعت يدها في ~~يده وقالت له: أشكر لك هديتك يا سيدي، وأتقبلها منك باغتباط وسرور، وأعدك أني سأحفظها ~~لك عندي تذكارا دائما لا أنساه، فسري عنه ما لحقه من الخجل، وجلسوا جميعا يتحدثون ~~ويسمرون، ومر لهم أطيب يوم مر لأحد حتى أظلهم الليل، فاستأذن جورج وعاد إلى ~~منزله. # وأصبح بعد ذلك يختلف إلى منزل مرجريت لا من أجل الأم وحدها، بل من أجل الأم والبنت، ~~حتى حضر صباح أحد الأيام، وكانت الأم قد خرجت لبعض شأنها، فوجد ماري وحدها، فشعر في ~~نفسه بشيء من الارتياح لم يكن يشعر بمثله من قبل، وكأنه كان يتمنى أن يجدها خالية ~~فوجدها، وكانت جالسة على شاطئ الجدول في المكان الذي رآها فيه أول ما رآها، فجلسا معا ~~يتحدثان حديثا طويلا ذهبا فيه مذاهب مختلفة، حتى أشرفا على ذلك المورد العذب من حديث ~~الحب، فورداه، فإذا كل منهما يضمر لصاحبه من الوجد فوق ما ms456 تضمر الأفئدة والقلوب. وإنهما ~~لمضطجعان وجها لوجه على ذلك البساط الأخضر الجميل ضجعة يتمنى المصور أن يراها ~~فيرسمها؛ فيرسم صورة السعادة الكاملة التي يفتش عنها الناس جميعا فلا يجدونها، إذ وقفت ~~بهما الأم من حيث لا يشعران، فرابها منظرهما، وخيل إليها أنهما يتحدثان في شأن غير ~~الشأن الذي يأخذان فيه عادة أمامها، فأصغت إليهما، فألمت بطرف من حديثهما، فدارت بها ~~الأرض الفضاء دورة كادت تصعق فيها، وتمثل لها أن صرح حياتها الشامخ العظيم قد خر بين ~~يديها دفعة واحدة، فثارت من حولها عبرة قائمة حجبت عن عينيها كل شيء فاملست من ~~مكانها املاسا، ومشت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى غرفتها فتهافتت على فراشها وبكت ~~ما شاء الله أن تفعل حتى هدأ بعض ما بها. فمسحت عبرتها بيدها فإذا المرآة أمامها، وإذا ~~شعرات بيض سانحات في رأسها تهتف بها أن انقضى عصر شبابك أو كاد، وقد خطوت الخطوات ~~الأولى إلى شيخوختك، فأخلي مكانك لابنتك، فهي أولى به منك، وحسبك من السعادة أن تفرحي ~~لفرحها، وتهنئي لهنائها. واعلمي أن للطبيعة حكما قاسيا لا يختلف عليه مختلف ولا ~~يتمرد عليه متمرد إلا هلك. ومرت بها على حالتها تلك ساعة كانت عواطف قلبها ونوازعه ~~تعترك فيها اعتراكا، وكان يميل بها الميزان نحو نفسها مرة، فتثور ثائرتها، وتأبى إلا ~~أن تتمتع بالحياة الطيبة كما يتمتع بها أمثالها، ونحو ابنتها أخرى، فتلين عريكتها، ~~ويسلس قيادها وتقول في نفسها: إنها أولى به مني؛ لأنه خلق لها وخلقت له حتى غلبت نزعة ~~الخير فيها على نزعة الشر، فخرجت من غرفتها باسمة متطلقة حتى وصلت إلى مكانهما، فرأتهما ~~مستغرقين في شأنهما الذي كانا فيه لا يشعران بشيء مما حولهما، فصاحت بهما: أأنتما هنا ~~يا ولدي؟! فاضطربا إذ رأياها فابتسمت لهما ووضعت يدها على أيديهما وعادت بهما إلى ~~غرفتها، وجلست تتحدث إليهما حديثا طويلا انتهى بعقد الخطبة بينهما. وما هي إلا أشهر ~~قلائل حتى زفت إليه. وولدت لهما بعد عام واحد طفلة كان نصيبها ذلك الحصان الخشبي ~~الذي أهداه ms457 أبوها لأمها منذ عامين حين ظن أنها طفلة في السادسة من عمرها. # وكانت قد بقيت بقية من مرارة الألم في أعماق قلب مرجريت لم تزل تتضاءل شيئا فشيئا ~~حتى رن في أذنها يوما من الأيام صوت حفيدتها تدعوها «جدتي» فكان هذا آخر عهدها ~~بها. # وكذلك استطاعت مرجريت أن تعيش بعد ذلك سعيدة هانئة في ظل سعادة ابنتها ~~وهنائها. # ذلك ما فعل الرجل في السبعين من عمره، وهو يخطو إلى القبر خطوات حثيثة، وهذا ما فعلت ~~المرأة وهي نصف لا إلى الشيخوخة ولا إلى الشباب، فجوزي هو على تمرده على الطبيعة ~~وخروجه عن سنتها شر الجزاء، وجوزيت هي على تعقلها ورزانتها وتأدبها بأدب الحياة أحسن ~~الجزاء. # | عجائز بوشنج # القاعدة المطردة في هذا البلد أن الرجل إذا ابتسم له دهره من الأيام فنقله من أرض ~~الخصاصة والفقر إلى سماء الثروة والغنى، بنى بينه وبين ماضيه سدا محكما لا تنال منه ~~المعاول، ولا تعصف به العواصف، ثم ألقى وراء ذلك السد جميع متعلقات ذلك الماضي، زيه ~~وهيأته ولغته، ولهجته، ومناخه ومسكنه، وعاداته وأخلاقه، وأصحابه وعشراءه، وجميع صلاته ~~وعلائقه، ولو استطاع أن يلقي بالأثرين الوحيدين الباقيين له: صورته واسمه لفعل. # يريد أنه قد أصبح إنسانا غير ذلك الإنسان الأول، لا صلة له به، ولا شأن له معه، وأنه ~~قد خلق خلقا جديدا. # إنها لخلة رديئة جدا ما رأيت في الخلال أقبح منها. # إنه يفعل ذلك؛ لأنه يعتقد أن الفقر عيب وعار، والفقر ليس بعيب ولا عار. فإن كان لا ~~بد له أن يرى ذلك فليعلم أنه قد قضى على أبويه وأهله وعشيرته وأصدقائه، بل على السواد ~~الأعظم من أمته، بل على نفسه أيضا؛ لأنه قضى عصر شبابه - والشباب هو الحياة من مبدئها ~~إلى منتهاها - في الفقر والخصاصة، والعدم والإقلال. # ولا أدري ماذا يكون شأنه غدا إذا استرد الدهر هبته منه؟ وكثيرا ما يسترد الدهر ~~هباته وعطاياه، بل لا يكاد يهب هبة، أو يمنح منحة حتى يستردها. عذرته في ثوبه الذي ~~خلعه، وقلت: قد لبس ms458 لكل حالة لبوسها، وفي داره التي هجرها، وقلت: لا بد أن يكون هناك ~~فرق بين حياة السعة وحياة الضيق، وفي لهجته التي غيرها؛ لأنه يعيش في قوم غير القوم ~~الذين كان يعيش فيهم، وفي خده الذي صعره وصدره الذي أبرزه، وأنفه الذي شمخ به؛ لأن ~~للثروة طغيانا كطغيان الشراب، لا سبيل إلى دفعه والخلاص منه. ولكنني لا أستطيع بحال ~~من الأحوال أن أعذره في زوجه التي طلقها واستبدل بها سواها. # إنها رفيقة حياته، وعشيرة صباه، وشريكته في سرائه وضرائه، ويسره وعسره، وشبعه وجوعه، ~~وريه وظمئه، وأحسب أنها كانت إذا خلت بنفسها وخلا لها وجه السماء بسطت يديها بالدعاء ~~إلى الله تعالى أن يبدل عسره يسرا، وضيقه سعة، وشدته رخاء، فليس من الرأي ولا من ~~الوفاء أن يخلعها فيما يخلع من أثوابه وأرديته، وأن يلقيها وراء ذلك السد كما يلقي نعله ~~وأداته. # إنها شاركته في شدته فيجب أن تشاركه في رخائه، واحتملته والدهر مدبر عنه، فيجب أن ~~يحتملها والدهر مقبل عليه، وأقرضته الصبر على عشرته، فيجب أن يوفيها الصبر على عشرتها ~~إن كان يرى أنها عبء ثقيل عليه. # أيريد أن يتمنى النساء جميعا لأزواجهن دوام الفقر والفاقة حتى لا يستبدلوا بهن يوم ~~يجدون السبيل إلى ذلك؟ # إنهن يتمنين ذلك فعلا، بل يسعين له سعيهن؛ لأنهن يجدن الأمان على أنفسهن في ضاحية ~~الفقر أكثر مما يجدنه في ظلال الغنى، فيا للفظاعة والهول! ويا للمعيشة النكدة المريرة! ~~ويا للشقاء الذي يهدد الحياة الزوجية وينذرها بالمحو والفناء! # حدثني من أثق به أنه دعي إلى وليمة أقامها أحد أولئك الحديثي النعمة، فلما قضوا ~~ليلتهم وانصرفوا لفت نظرهم منظر امرأة بائسة واقفة تحت جدار البيت تتحدث إلى بعض الناس ~~وتقول لهم: إنها سيدة هذا البيت بالأمس، وإن زوجها طلقها وطردها هي وطفلها الصغير في ~~اليوم الذي أنعم الله فيه عليه بنعمة الغنى، وليته صنع بها ما يصنع الكريم بأهله فكفاها ~~مئونة العيش، وحماها عادية الشقاء، بل تركها في قريتها وحيدة منقطعة، لا يعود عليها ~~بقليل من ms459 المال ولا بكثير، ولا ذنب لها ولا لولدها عنده سوى أنه أصبح ذا زوجة جديدة ~~وولد جديد. وقالت: إنها تحاول منذ ساعتين أن تدخل المنزل لتقابله وتسأله المعونة ~~والمساعدة فيمنعها الخدم. # إنه لموقف مؤلم جدا أن تقف امرأة على باب البيت الذي كانت سيدته بالأمس موقف ~~السائل المتكفف، فلا تجد من يمنحها ما يمنح السائلين المتكففين. # لا يجد المرء لذة الطعام إلا إذا ذكر الجوع، ولا لذة الماء إلا إذا ذكر الظمأ، ولا ~~لذة السعادة إلا إذا تمثل أمام عينيه عهد الشقاء، فما أحوجه إذا انتقل من عذاب الفقر ~~إلى نعيم الغنى إلى أصدقاء عهده الأول وعشرائه، ليجلس إليهم من حين إلى حين، ويتحدث ~~معهم عن ماضيه وحاضره، فيشعر بلذة الانتقال من حال إلى حال. وما أحوجه إلى زوجه التي ~~قضى معها عهد شقائه أن تبقى معه في عهد سعادته ليرى في مرآة وجهها صورتيه القديمة ~~والحديثة، فيعلم حين يقارن بينهما أن فضل الله عليه كان عظيما. # وتعجبني كثيرا قصة خالد بن برمك جد البرامكة، وكان رجلا أعجميا من قرية من قرى ~~فارس اسمها «بوشنج»، وفد إلى بغداد وحظي عند الخليفة، فولاه الوزارة، فلما ركب في ~~الموكب الذي اعتاد أن يركب فيه الوزراء يوم العهد إليهم بذلك المنصب العظيم، وقف الناس ~~له صفوفا على جانبي الطريق، وأطل عليه النساء من نوافذ الدور والقصور، وهو مطرق واجم، ~~فقال له أحد أصدقائه وكان يسير بجانبه: ألا ترى هؤلاء النساء الجميلات المشرفات عليك من ~~نوافذ قصورهن؟ قال: نعم أراهن، ولكنني كنت أفضل أن أرى بدلا منهن عجائز ~~«بوشنج». # أي أنه كان يتمنى أن العيون التي رأته بالأمس وهو وضيع، تراه اليوم وهو ~~رفيع. # | الأجواء # ما زلت مذ حدثت تلك الحادثة الكبرى التي رجف لها قلب مصر، وسالت لها دموع الفضيلة ~~حزنا وأسى، وتحدث المتحدثون عن أولئك الفتيات الساقطات اللواتي يعشن في تلك السجون ~~العميقة التي يسمونها بيوتا عيش البؤس والفاقة، أعجب لهن ولأمرهن، وأقول في نفسي: ليت ~~شعري لم يرضين لأنفسهن هذه الحياة ms460 الشقية النكدة التي لا يجدن فيها علالة من العيش ~~يتعللن بها عما فقدن من شرفهن وكرامتهن، ولم يصطبرن على ظلم ذلك الرجل الجبار الذي ~~يستبد بهن، ويستأثر بجميع شئونهن ومصالحهن، ويسوقهن بين يديه سوق الراعي ماشيته؟ ولم لا ~~يهربن من وجهه ويذهبن في مذاهب الأرض حيث شئن يطلبن لأنفسهن الحياة في جو مطلق؟ ~~والأجواء الحرة المطلقة كثيرة، وأسباب العيش فيها متنوعة، وما على وجه الأرض جو أسوأ ~~من جوهن الذي يعشن فيه فيخفن أن يصرن إليه. ولم أصدق ما يقوله بعض الناس في تأويل ~~ذلك من أن ذلك الرجل الجبار قد ضرب حولهن نطاقا من بأسه وقوته فلا سبيل لهن إلى ~~اختراقه، ففي البلد حكومة نظامية لا تسمح بقيام حكومة أخرى بجانبها. أو أنه وضع في ~~أعناقهن أغلالا من الديون وليس في وسعهن أن يبرحن مكانهن حتى يؤدينها، فإن من لا يبالي ~~بحق الله ولا حق عرضه لا يبالي بحقوق الناس. ولم أزل في حيرتي هذه حتى قرأت بالأمس قصة ~~وقفت منها على سر هذا الخلق الغريب في النساء، فأنا أروي لك خلاصتها لتقف منها على مثل ~~ما وقفت. ~~••• # توفيت زوج أحد الدوقات العظام في فرنسا فحزن عليها حزنا شديدا؛ لأنها كانت أحب إليه ~~من نفسه التي بين جنبيه. فكان يروح عن نفسه بالاختلاف إلى الأندية الخاصة والعامة حتى ~~ملها وسئمها. فمر بخاطره يوما من الأيام أن يزور حي «مونمارتر»، وهو القرارة التي تنصب ~~فيها جميع قاذورات باريس الاجتماعية وفضلاتها، فظل سائرا بمركبته يستطرق من زقاق إلى ~~زقاق ومن معبر إلى معبر حتى وقف بباب خان في زقاق مظلم مهجور سمع من داخله ضوضاء ~~عظيمة تكاد تتصدع لها أركانه، فانحدر إليه وأطل من بابه فوقع نظره على طوائف كثيرة من ~~الصناع والعمال والغوغاء والمتبطلين والمتشردين وأشباه اللصوص والمجرمين، ما بين قائم ~~وقاعد، وصائح وهاتف، وممسك قدحه بيده يجرع منه الجرعات الكبار ويصرخ صراخ المجانين، ~~ولابط بالأرض قد بلغ منه السكر مبلغه فكبه على وجهه، وراقص يوقع حركات قدميه على نغمة ms461 ~~شبابة ينفخ فيها آخر. وقد عقدت الأبخرة المتصاعدة في سماء الحان سحبا متكاثفة يرى ~~الرائي من خلالها بعد لأي مائدة خشبية مستديرة في وسط المكان ترقص عليها فتاة ~~بائسة عارية الثياب إلا قليلا، وتنثر على الناس نثارات من الورق الرقيق الملون، ~~والناس من حولها طائرون بها فرحا، يداورونها، ويعابثونها، ويخاطبونها بأقبح ما خاطب به ~~أحد أحدا. وربما مد بعضهم إليهم يده فجذبها من ثوبها جذبا شديدا حتى يكاد يزلقها من ~~مكانها، أو دفعها في صدرها بعصاه فآلمها، وهي تبتسم مرة وتقطب أخرى. فلم يدر الرجل أهو ~~في مارستان من مارستانات المجانين، أم في حظيرة من حظائر الوحوش الضارية، ولكنه رأى ~~على كل حال منظرا غريبا لم ير مثله قط، وسكن إليه، وكذلك الملول، يعجبه كل ما يطرد ~~عن نفسه عادية الملل ولو كان منظر الجحيم. فانتبذ في الحال مكانا قصيا، وجلس إلى ~~مائدة منفردة، وألقى نظره على تلك الفتاة الراقصة فإذا هي رائعة الجمال، إلا أنه جمال ~~مبعثر مذال، كما يعثر العاثر باللؤلؤة الثمينة بين القمامات المجتمعة. فلا زال ناظرا ~~إليها لا يقلع حتى فرغت من رقصتها، ونزلت تدور بعينها علها تجد من يدعوها إلى لقمة ~~تسد جوعتها، أو كأس تبل بها غلتها، حتى مرت على مقربة من الدوق، فدعاها للجلوس معه، ~~فاستطيرت فرحا وسرورا؛ لأنها لم تر قبل اليوم زائرا مثله في فخامة هيئته، وجلال ~~منظره. # وأخذ يتحدث إليها ويسائلها عن نفسها، فعلم أنها تكابد أشد ما كابد امرؤ قط في حياته ~~من بؤس وشقاء، وقد سمع في صوتها نغمة تختلف بعض الاختلاف عن تلك النغمة الفاجرة ~~الوقحة التي يسمعها السامعون من أفواه النساء الفاجرات، فوقع في نفسه أنه إن أنقذ تلك ~~الفتاة المسكينة المتألمة من بؤسها وشقائها فقد أحسن إليها وإلى الإنسانية إحسانا ~~عظيما. فسألها ألها بأحد من الناس صلة من زواج أو مخالة؟ فأطرقت برأسها وأجابت أن ~~لا، فعرض عليها رأيه الذي رآه لها، فاستطارت به فرحا وسرورا، وما هي إلا ساعة أو بعض ~~ساعة حتى كانت ms462 بجانبه في مركبته بها فسار إلى منزله. # وهناك تغير من شأنها كل شيء، فأصبحت تلك الفتاة البائسة المسكينة الضاوية الصفراء ~~ذات الأسمال البالية، والقبعة القذرة، والحذاء المرقع، سيدة فخمة يتلألأ وجهها بنور ~~العزة والكرامة، وتسيل على أعطافها مخائل النعمة والرفاهية، حتى ظن كثير من الناس أنها ~~من ذوات الشأن في الحياة، وأن الدوق يوشك أن يتزوج منها. # وكان الدوق يعيش وحده في قصره لا يعاشر إلا خدمه، ولا يختلف إليه إلا القليل من ~~أصدقائه من حين إلى حين؛ لأنه كان منقطعا لا زوج له ولا ولد، ولا قريب ولا نسيب، فكانت ~~«مارسيل» ملهاته التي يتلهى بها في وحدته، وأنسه الذي يأنس به في وحشته. وكانت هي ~~سيدة المنزل والآمرة الناهية فيه، لا ينازعها في ذلك منازع. وظل الأمر بينهما على ذلك ~~شهورا عدة. # وكانا يخرجان أصيل كل يوم في مركبتهما إلى ضاحية المدينة يرتاضان في غاباتها ~~وبساتينها ساعة أو ساعتين ثم يعودان، فإنهما لعائدان ليلة من الليالي من متنزههما إذ ~~مرت بهما المركبة على مقربة من حي «مونمارتر» فاقترحت عليه «مارسيل» أن يمرا بذلك الحي ~~ليلهوا بمناظره الغريبة، ومشاهده العجيبة، فأذعن لرغبتها. وظلا سائرين يخترقان شوارعه ~~وأزقته حتى بلغا الحان الذي وجدها فيه، فطلبت إليه أن يأذن لها بدخوله لترى ما حل ~~بأصحابه وزائريه من بعدها، فلم ير في ذلك بأسا، ودخل معها، فوجداه على هيئته التي ~~تركاه عليها. واتجها إلى بعض الموائد المنفردة فجلسا إليها، فما وقع نظر الناس على ~~مارسيل حتى هاجوا هياجا عظيما، وهتفوا لها هتافا شديدا، وأقبلوا عليها يحيونها ~~ويعتنقونها، وهي تبسم لهم، وتعطف عليهم، وتطرب لنغمات أحاديثهم الوحشية المزعجة، ثم لم ~~يلبثوا أن جذبوها من مكانها، وأصعدوها إلى المائدة لترقص لهم، فكأنما ثارت في نفسها ~~ثائرة الطرب القديم، فرقصت وافتنت في رقصها ما شاءت، حتى أتمت دورها، ثم نزلت وودعتهم ~~وداعا لطيفا وانصرفت هي والدوق. # وهنا بدأت تشعر بملل شديد من حياتها الحاضرة التي تحياها في قصر الدوق، حتى أصبح ~~يخيل إليها أن هذا القصر ms463 الذي تعيش فيه إنما هو سجن، وأن هذا الرجل الذي يحبها ~~ويكرمها وينزل على حكمها في جميع ما تحب وتشتهي إنما هو سجانها، وأن هذا السكون الذي ~~يحيط بها إنما هو سكون الموت الذي يخيم في فضاء القبور. فكانت إذا خلت بنفسها تراءى لها ~~في فضاء خيالها منظر الحان ومنظر زائريه، وموقفها فوق المائدة الخشبية بين جماعة ~~الأشرار والغوغاء وهم يجاذبونها ثوبها، ويشدون يدها، ويصبون عليها فضلات كئوسهم، فتطرب ~~لتلك الحياة الهائجة الثائرة، وتحن إليها حنين العاشق المفارق. ولم تزل هذه الفكرة تنمو ~~في نفسها شيئا فشيئا حتى أخذت مكانها من قلبها، فعزمت على الفرار بنفسها والعودة إلى ~~عيشتها الأولى، فنهضت من فراشها ذات ليلة والقصر ساكن هادئ قد هجع كل من فيه، فخلعت ~~أثوابها وحلاها وألقتها على بعض المقاعد، وارتدت بدلا منها أثوابها الأولى التي جاءت ~~بها، وكانت لا تزال ملقاة في بعض الغرف، وتسللت من باب القصر من حيث لا يشعر أحد ~~بمكانها، وأخذت سبيلها إلى حي مونمارتر. # وهكذا قضي عليها أن تشقى، بل هي التي قضت بنفسها على نفسها. # ولقد كان أسف الرجل عظيما جدا حينما تفقدها في صباح اليوم الثاني فلم يجدها، ~~خصوصا عندما رأى ثيابها وحلاها ملقاة على بعض المقاعد وعلم أنها هي التي آثرت الفرار ~~واختارته لنفسها، فبكاها كثيرا، وعادت له وحشته التي كان يعالجها من قبل. # ومر على ذلك عام وبعض عام، وبينما هو مقبل على قصره في ليلة من الليالي إذ لمح على ~~عتبة الباب امرأة مسكينة تئن وتتوجع، وتحاول أن تمد يدها إلى حلقة الباب لتطرقه فلا ~~تستطيع، فدنا منها ليتبينها فإذا هي مارسيل، أو هي شبح متهافت باق منها. فلما أحست ~~به مدت ذراعيها إليه وقالت له بصوت خافت ضعيف: اغفر لي ذنبي يا مولاي! فدهش لمنظرها ~~دهشة شديدة، ورق لحالتها، فأمر الخدم بحملها إلى القصر، فحملوها إلى غرفتها التي كانت ~~تنام فيها، وهي في حالة من البؤس والشقاء تذيب الأكباد، وتستذرف الدموع. ثم جلس إليها ~~يسائلها عن شأنها، فقالت ms464 : إنها مريضة مدنفة منذ شهور عدة، وإنها قد عجزت عن أن تجد ~~سبيلا إلى علاجها من دائها لفقرها وفاقتها، فما زال المرض يأخذ منها مأخذه حتى مزق ~~صدرها تمزيقا، فلم تجد بدا من أن تأتي إليه لتستغفره من ذنبها وتسأله أن يعينها على ~~أمرها؛ لأنها لا تعرف في الدنيا لها راحما سواه. فسألها لم فرت من قصره، وما الذي ~~كانت تنقمه منه؟ فقالت: لا أعلم، وإنما هو قدر قدره الله ولا حيلة لامرئ فيما قدره ~~وقضاه. فسألها أين كانت تعيش بعد فرارها، قالت: في المكان الذي أنقذتني منه، فأبيت ~~لشقوتي وبلائي إلا أن أعود إليه لتنفذ في إرادة الله. فرثى لحالها، وأمر باستدعاء ~~الطبيب لينظر في أمرها، فلم يستطع الطبيب أن يصنع شيئا؛ لأنه جاء بعد فوات الأوان، وما ~~أصبح الصباح حتى صعدت روحها إلى خالقها، وخلفت للدوق حسرة فوق حسرته الأولى بوفاة ~~زوجته، فلم ينتفع بحياته طويلا بعد ذلك. # لكل جو من الأجواء رائحة خاصة به يألفها أصحابه ويستنيمون إليها. فحولوا أيها ~~الرجال بين نسائكم وبين تلك الأجواء الخبيثة، ولا تقولوا إنهن سيجزعن منها ويهجرنها حين ~~يستنشقن رائحتها، فالرائحة الخبيثة لا يتألم منها إلا البعيد عنها. # | الفتاة والبيت # الكلمة التي قرظ بها المرحوم مصطفى لطفي المنفلوطي كتاب «الفتاة والبيت»: # حضرة صديقي الكاتب الفاضل أنطوان أفندي الجميل # أهديت إلي كتابك «الفتاة والبيت» فأهديته إلى ابنتي؛ لأنه مكتوب لها ~~ولأترابها من الفتيات الناشئات، وربما كانت وكن أقدر مني ومن الرجال جميعا ~~على فهم مزيته، وتقدير منزلته، فلما قرأته عادت إلي تقول أنني لم أهد ~~إليها في حياتها خيرا من هذا الكتاب. # سامحها الله، فقد كان فيما أهديت إليها كتاب «النظرات» فقد فضلته على كتاب ~~أبيها، ولكن ما لها وللنظرات وأمثالها من كتب الكليات العامة والخيالات ~~السائرة، فهي فتاة على باب المستقبل يهمها أن تعرف أسباب الحياة المنظمة التي ~~لا تستطيع فتاة في هذا العصر أن تعيش بدونها، والتي عجز أبواها عن أن يرشداها ~~إليها؛ لأنهما بقية من بقايا العصر الماضي، عصر ms465 المصادفات والاتفاقات، ولا ~~يزال عصرهما لاصقا بهما حتى اليوم، ويعنيها أن تعلم كيف تنسج من أخلاقها ~~وآدابها ثوبا يغنيها جماله عن الجمال، وتعيش من عقلها وحكمتها في ثروة تقوم ~~لها مقام ثروة المال، وكيف تدبر القليل من الرزق وتنتفع به - إن قدر لها أن ~~تعيش عيش المقلين - وتحسن التصرف في الكثير منه وتبقي عليه - إن قدر لها حظ ~~المكثرين - وكيف تكون شمسا مشرقة في أفق بيتها تضيء نفوس جميع ساكنيه، من ~~زوجها إلى خادمتها، فتسعد بهم ويسعدون بها، وكيف تتولى أمر نفسها بيدها حتى لا ~~يخدعها الخدم عن مالها - إن كانت ذات خدم - أو تستغني عن معونتهم إن عجزت عن ~~اتخاذهم، وكيف تستنبط من ثقب الإبرة - في اليوم الذي تفقد فيه عائلها ومعينها - ~~قطرات من الرزق تقيم بها أودها، وتصون بها ماء وجهها؟ # وكتابك - يا سيدي - هو الجواب عن جميع ما تطلبه، وتسائل نفسها عنه، فلا غرو ~~إن أعجبها وأطربها، ولا عجب إن فضلته على كل كتاب حتى كتاب أبيها. # أشكر لك يا أنطوان تلك اليد البيضاء التي أسديتها إلي وإلى أمتك، وأنصح ~~لجميع الآباء والأمهات أن يجعلوا كتابك هذا خير هدية يقدمونها إلى فتياتهم، وأن ~~يأخذوهن بتلاوته مع كتب صلواتهن في مطلع كل شمس ومغربها، فما أحرزت الفتاة في ~~بيتها خيرا من كتاب «الفتاة والبيت». # | الأربعون # الآن وصلت إلى قمة هرم الحياة، والآن بدأت أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيع ~~أن أهبط بهدوء وسكون حتى أصل إلى السفح بسلام، أو أعثر في طريقي عثرة تهوي بي إلى ~~المصرع الأخير هويا. # سلام عليك أيها الماضي الجميل، لقد كنت ميدانا فسيحا للآمال والأحلام، وكنا نطير ~~في أجوائك البديعة الطلقة غادين رائحين طيران الحمائم البيضاء في آفاق السماء، لا نشكو ~~ولا نتألم، ولا نضجر ولا نسأم، بل نعتقد أن في العالم هموما وآلاما. وكان كل شيء في ~~نظرنا جميلا حتى الحاجة والفاقة، واحتمال أعباء الحياة وأثقالها، كان كل منظر من ~~مناظرك قد لبس ثوبا قشيبا من نسيج الزهر الأبيض، فأصبح ms466 فتنة الأنظار، وشرك ~~الألباب! # وكان يخيل إلينا ان هذا الزورق الجميل الذي ينحدر بنا في بحيرتك الصافية الرائقة ~~سيستمر في طريقه مطردا متدفعا لا يعترضه معترض، ولا يلوي به عن طريقه لاو إلى ما لا ~~نهاية لاطراده وتدفعه. # وكان كل ما نعالج فيك من آلام وهموم أن يكون لنا مأربان من مآرب الحياة، فنظفر ~~بأحدهما ويفوتنا الآخر، أو غرضان من أغراضها، فنصل إلى القريب ونبيت دون البعيد. # وكان كل ما يستذرف الدمع من أعيننا هجر حبيب أو طلعة رقيب، أو أرق ليلة أو ضجر ~~ساعة، أو نظرة شزر يلقيها علينا بغيض، أو نفثة شر يرمينا بها حقود، ثم لا تلبث مسراتنا ~~ومباهجنا أن تطرد تلك الآلام أمامها كما يطرد النهر المتدفق الأقذار والأكدار بين يديه، ~~وتسلم لنا الحياة سائغة لا كدر فيها ولا تنغيص. # سلام عليك أيها الشباب الذاهب، سلام على دوحتك الفينانة الغناء، التي كنا نمرح في ~~ظلالها مرح الظباء الغفر في رملتها الوعثاء، ننظر إلى السماء فيخيل إلينا أنها مغدى ~~ومراح لنا، وإلى الآفاق البعيدة فيخيل إلينا أنها مجرى سوابقنا ومجر رماحنا، فكأن ~~العالم كله مملكتنا الواسعة العظيمة التي نسيطر عليها ونتصرف في أي أقطارها ~~شئنا. # أبكيك يا عهد الشباب، لا لأنني تمتعت فيك براح أو غزل، ولا لأني ركبت مطيتك إلى لهو ~~أو لعب، ولا لأني ذقت فيك العيش بارد الهواء كما يذوقه الناعمون المترفون، بل لأنك كنت ~~الشباب وكفى! # أبكيك لأني كنت أرى في سمائك نجم الأمل لامعا متلألئا يؤنسني منظره ويطربني لألاؤه، ~~وينفذ إلى أعماق قلبي شعاعه المتوهج الملتهب، فلما ذهبت ذهب بذهابك، فأصبح منظر تلك ~~السماء منظر فلاة موحشة مظلمة لا يضيئها كوكب ولا يلمع فيها شعاع. # أجل، لم أتمتع فيك بمتعة من المتع، ولا بلذة من الملاذ، ولا نلت في عهدك مأربا من ~~مآرب المجد أو الجاه، ولكني كنت أؤمل وأرجو، وبذلك الأمل كنت أعيش، وتحت ظلال ذلك ~~الرجاء كنت أهنأ وأنعم. # أما اليوم - وقد بدأت أنحدر من قمة الحياة إلى جانبها الآخر ms467 - فقد احتجب عني كل شيء، ~~ولم يبق بين يدي مما أفكر فيه إلا أن أعد عدتي لتلك الساعة الرهيبة التي أنحدر فيها ~~إلى قبري. # مضي عهد الشباب وبدأت أختلف إلى الأطباء الثلاثة: طبيب العيون، وطبيب المعدة، وطبيب ~~الأسنان، وتقاربت خطواتي فأصبح فرسخي ميلا، وباعي ذراعا، ونعى الناعون إلي كثيرا من ~~أصحابي وأترابي؛ أي إنهم نعوا إلي نفسي، ورأيت أصدقائي الذين نشأت معهم في طريقي ~~فأنكرت استحالة حالهم، واغبرار وجوههم، وتحمر خدودهم، وابيضاض شعورهم، فعلمت أنني ~~أولهم، وأنهم ينكرون مني ما أنكر منهم. ودعا لي الداعون بالقوة والنشاط، وطول البقاء، ~~وحسن الختام؛ أي إن قوتي في هبوط، ونشاطي في اضمحلال، وسلامتي في خطر، وحياتي على وشك ~~الانحدار إلى مغربها. # ومررت بمجامع الشبان الحافلة بالقوة والنشاط والمرح والسرور فخيل إلي أنني غريب ~~عنهم، لا صلة لي بهم ولا شأن لي معهم، وأنني أعيش في عالم غير العالم الذي يعيشون فيه. ~~وانتقلت من النظر في شأن نفسي وشأن مستقبلي إلى النظر في شأن أولادي وشأن مستقبلهم؛ لأن ~~مستقبلي أصبح ماضيا، وغدا أصبح أمس لا رجعة له إلى الأبد. وسمعت كلمة «الجد» يهتف بها ~~أحفادي الصغار، فلم أنكرها ولم أبتئس كأنني معترف أنها الكلمة التي يجب أن أسمعها. ~~ونصحني الناصحون بالاقتصاد والتدبير إبقاء على مصلحة أولادي الفقراء، كأنهم يقولون لي: ~~إنك موشك أن ترحل فأعد لمن وراءك من أهلك وبنيك ما يغنيهم عنك يوم يفقدون وجهك. وهدأت ~~نفسي بعد ثورتها وجماحها، فأصبحت سمحا كريما، عفوا غفورا، لا أبغض أحدا، ولا أحقد ~~على أحد، ولا أقابل ذنبا بعقوبة، ولا إساءة بمثلها، كأنني أقول في نفسي: ما لي وللعالم ~~ولما يحويه من خير وشر وأنا مفارقه وشيكا، إن لم يكن اليوم فغدا؟ وأخذت أتحدث عن ~~الماضي أكثر مما أتحدث عن الحاضر، لا لأن الأول أجمل من الثاني؛ بل لأن الشبيبة أجمل من ~~الشيخوخة. وذكرت الجلسة البسيطة التي كنت أجلسها أيام الطلب في غرفتي العادية الصغيرة ~~بين زملائي الفقراء البسطاء، فبكيتها ورثيتها ولم تنسني إياها جلستي اليوم ms468 في منزلي ~~الأنيق الجميل بين خير الناس أدبا وفضلا ومجدا وشرفا؛ لأن الأولى كانت في سماء ~~الأحلام الحلوة اللذيذة، أما الثانية ففي أرض الحقيقة المرة المؤلمة. # وكنت أنعم في صباي بكثير من الملاذ الوهمية الكاذبة، فكنت أجد في نفسي غبطة عظمى ~~حينما أجلس لمطالعة قصة ألف ليلة وليلة، أو سيرة سيف بن ذي يزن، أو حروب عنترة، أو ~~وقائع أبي زيد، أو أساطير الجن والشياطين. وحين آوي إلى مضجعي فأرى في منامي رؤى بديعة ~~يجتمع لي فيها جميع ما أحب وأشتهي من مطامع الحياة ومآربها، وملاذ العيش ومباهجه. وحين ~~أختلف إلى مقابر الصالحين ومزارات الأولياء وأقف موقف الضراعة أمام حلقات أبوابهم، ~~فأشعر بسكينة في قلبي يبعثها الأمل ويزجيها الرجاء. والآن وقد حرمت ذلك كله منذ ~~الساعة التي عرفت فيها أن أساطير الأولين أكاذيب وأباطيل، وأن الرؤى والأحلام هوس ~~وجنون، وأن الأولياء والصالحين - أحياء أكانوا أم أمواتا - في شاغل بأنفسهم عن ~~غيرهم لا يستطيعون نفعا ولا ضرا؛ أي إنني شقيت حين علمت، وكنت سعيدا قبل أن أعلم. ~~وكان كل ما أفكر فيه أن أشيد لي بيتا جميلا أعيش فيه عيش السعداء الآمنين في مدينة ~~الأحياء، فأصبحت وكل ما أفكر فيه الآن أن أبني لي قبرا بسيطا يضم رفاتي في مدينة ~~الأموات. وكنت أدهش لبلاغة البليغ، وذلاقة الخطيب، وبراعة الشاعر، وقدرة الكاتب الصائغ، ~~ونبوغ المبتكر، وأطرب لكل عظيم وجليل مما أرى ومما أسمع، فأصبحت لا أدهش لشيء ولا أعجب ~~من شيء؛ لأن مرآة نفسي قد صدئت فلا ينطبع فيها غير الكوكب الفخم العظيم، وأين ذلك ~~الكوكب فيما يقع عليه نظري من كواكب السماء ونجومها؟ # ما أنا بآسف على الموت يوم يأتيني، فالموت غاية كل حي، ولكنني أرى أمامي عالما ~~مجهولا لا أعلم ما يكون حظي منه، وأترك ورائي أطفالا صغارا لا أعلم كيف يعيشون من ~~بعدي، ولولا ما أمامي ومن ورائي ما باليت أسقطت على الموت أم سقط الموت علي؟! # ليكن ما أراده الله، أما ما أمامي فالله يعلم أني ما ألممت ms469 في حياتي بمعصية إلا ~~وترددت فيها قبل الإلمام بها، ثم ندمت عليها بعد وقوعها، ولا شككت يوما من الأيام في ~~آيات الله وكتبه، ولا في ملائكته ورسله، ولا في قضائه وقدره، ولا أذعنت لسلطان غير ~~سلطانه، ولا لعظمة غير عظمته، وما أحسب أنه يحاسبني حسابا عسيرا على ما فرطت في جنبه ~~بعد ذلك. وأما من ورائي فالله الذي يتولى السائمة في مرتعها، والقطاة في أفحوصها، ~~والعصفور في عشه، والفرخ في وكره، سيتولى هؤلاء الأطفال المساكين وسيبسط عليهم ظل ~~رحمته وإحسانه. # وداعا يا عهد الشباب، فقد ودعت بوداعك الحياة، وما الحياة إلا تلك الخفقات التي ~~يخفقها القلب في مطلع العمر، فإذا هدأت فقد هدأ كل شيء وانقضى كل شيء! # أيا عهد الشباب وكنت تندى # على أفياء سرحتك السلام ms470