######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011400 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي (المتوفى: 1343هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1343 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النظرات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011400 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11400 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11400 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1402هـ- 1982م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # ذلك بذوقه غير مستعين بمعلم ولا مرشد، وقد ذكر ذلك عن نفسه في مقدمة ~~كتابه النظرات حين سئل كيف يكتب رسائله، فزعم أنه ما استطاع أن يكتب تلك ~~الرسائل التي يعلمونها بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون له الفضل فيه، ~~إلا لأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء. ولأنه عمد إلى كتب ~~الأدب فأكثر القراءة فيها، وأحب الأدب حبا جما ملأ ما بين جوانحه، فلم تكن ~~ساعة من الساعات أحب إليه ولا آثر عنده من ساعة يخلو فيها بنفسه، ويمسك ~~عليه بابه، ثم يسلم نفسه إلى كتابه، فيخيل إليه كأنه قد انتقل من هذا ~~العالم الذي هو فيه إلى عالم آخر من عوالم التاريخ الغابر، فيشاهد بعينيه ~~تلك العصور الجميلة عصور العربية الأولى، ويرى العرب في عصور بداوتهم ~~وحضارتهم وألوان حياتهم. وزعم في تلك ### | المقدمة # أنه كان لا يحول بينه وبين تلك السعادة التي كان يلقاها في مطالعة هذه ~~الكتب إلا بعض شيوخه الذين لا يرون رأيه فيها، وهم لا يعلمون أنهم حسنة من ~~حسنات الأدب هم وجميع ما يدور به جدار # PageV01P002 # مسجدهم. وأخذ بعد ذلك يفند أثر الأدب في العلوم اللغوية والدينية وغيرها ~~بحيث استنفذ من النظرات ما يقرب من أربعين صفحة. # كان ابن ثلاث عشرة سنة حين دخل الأزهر، واتصل وهو فيه بالإمام الشيخ محمد ~~عبده وتتلمذ عليه في سنيه الأخيرة، وتلقى عنه دروسه العلمية والدينية التي ~~كان يلقيها الشيخ على الطلبة، وذكروا عنه أنه كان من أنجب تلاميذه، فأحبه ~~محمد عبده وأصبح المنفلوطي من أخص أصدقائه، وكان الشيخ يجله ويعجب به ~~كثيرا، وحين أخذ بعض علماء الأزهر يقاومون الإمام محمد عبده وطرقه في تعليم ~~الدين، والتفسير انبرى المنفلوطي يدافع عنه وينقذهم وينقذ طرقهم، ولما توفي ~~الشيخ الإمام حزن عليه المنفلوطي حزنا عظيما ورثاه وانقطع عن الأزهر دون أن ~~يحصل على شهادة العالمية منه، وعاد إلى بلده منفلوط فعاش فيها بضع سنين ~~مشتغلا بأعماله الخاصة. # ثم بدأ في سنة 1907 بمراسلة جريدة المؤيد برسائله ms001 التي كان ينشرها ~~أسبوعيا تحت عنوان # PageV01P003 # الأسبوعيات ثم تحت عنوان النظرات، فكانت هذه الرسائل مبدأ شهرته؛ وذلك ~~لجودة إنشائها وبلاغة أسلوبها, واستمر ينشرها نحو عامين. # ومع أن الصحافة هي التي فتحت له أبواب الشهرة, وعرفت القراء بأسلوبه ~~الشيق وأدبه الرفيع, فإنه لم يكن راضيا عنها ولا عن أصحابها. وقد ترك عمله ~~فيها كما سنرى. # وقبل أن يطبع الجزء الثاني من نظراته ورد إليه كتاب من أديب يعمل في ~~دائرة من دوائر الحكومة, ويتناول معاشا لا بأس به, ويذكر له صاحبنا في هذا ~~الكتاب عن نفسه أن رفاقه يقدرون أدبه، وقد أشاروا عليه أن يستقيل ويشتغل ~~بالصحافة، وهو يلتمس منه أن يشير عليه بما يرى. فكان في جوابه إليه ما يدل ~~على نقمته الشديدة على الصحافة -قال: "أيها الرجل لا تفعل! فإنك إن فعلت ~~خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك مستقبلك، فاحذر أن يخدعك عنك خادع واربأ بنفسك ~~أن تكون من الجاهلين". وحمل في رسالته إليه التي نشرها في النظرات حملة ~~شديدة # PageV01P004 # على أرباب الصحف. وأبدى شفقته وعطفه على أولئك المحررين الذي يكتبون في ~~إدراة الجرائد وتنقضي حياتهم في ذل وضرع ونفاق ورياء إرضاء لمديري الصحف ~~وأصحابها، وعاد باللائمة أخيرا على الأمة التي استهانت بالأدباء، ورمتهم ~~مقيدين بين أيدي أصحاب الصحف السياسيين. # وفي سنة 1909 اختارته وزارة المعارف العمومية لوظيفة "محرر عربي" وكان ~~ذلك في عهد وزارة الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول باشا، وكان سعد من ~~أصدقائه والمعجبين به. ثم انتقل بعد ذلك إلى "وزارة الحقانية" # وبعدها إلى الجمعية التشريعية، ثم إلى قلم "السكرتارية" في الديوان ~~الملكي. # وكان في جميع أدوار حياته مثال الجرأة والإخلاص في العمل والصدق والأمانة ~~والخلق العظيم. # وعين أخيرا في إحدى وظائف البرلمان المصري وظل فيها إلى أن استأثر الله ~~به. # ويجب أن نذكر أنه في أول أدوار حياته حين كان يكتب في الصحافة تصدى لنقد ~~بعض رجال السياسة # PageV01P005 # "وكان مذهبه السياسي سعديا ولازم هذا المذهب في جميع أدوار حياته، ولما ~~نفي سعد باشا كتب عدة مقالات ms002 دافع فيها عنه وحلل فيها بطولته وعظمته. # وقد ضمت هذه المقالات إلى الجزء الثالث من كتاب النظرات"1. # ومن مواقفه السياسية المشهورة أنه نقم مرة على الخديوي عباس، فنظم قصيدته ~~الشهيرة التي مطلعها: # قدوم ولكن لا أقول سعيد ... وملك وإن طال المدى سيبيد # ونشرها في جريدة الصاعقة فحجزت نسخ الجريدة، وصورت وحبس واضطهد. وزاد ذلك ~~في شهرته ومقامه. وزعم سليم سركيس أنه تعاظم شوق الناس للاطلاع عليها، ولم ~~يكن سبيل إلى إعادة نشرها فعمد سركيس نفسه إلى الحيلة، وسأل الشيخ عثمان ~~الموصلي أن يشطرها تشطيرا في جريدة المشير جاعلا الأصل بين قوسين وقال: ~~فأدركت غايتي ونجوت من نقمة الحكومة. هذا في الوقت الذي كان شوقي فيه شاعر ~~PageV01P006 # الخديوي يزوره في قصره ويجالسه في حديقة القصر حيث كان للخديوي رغبة فيما ~~يروون في العمل في الحديقة، وكانت بيده مظلة ناولها لشوقي ليستظل بها من ~~أذى الشمس، فقال شوقي. # عباس مولاي أهداني مظلته ... يظلل الله عباسا ويرعاه # مالي وللشمس أخشى حر هاجرها ... من كان في ظله فالشمس تخشاه # ولكنه كان مقربا للبلاط في آخر حياته في عهد الملك فؤاد حيث عمل كاتبا في ~~قلم السكرتارية في الديوان الملكي كما ذكرنا. # ولم يعش طويلا فقد وافاه أجله رحمه الله يوم الخميس في 12 "حزيران" ~~"يونيه" سنة 1924 "10 ذي الحجة 1342" في اليوم نفسه الذي جرت فيه محاولة ~~لاغتيال زعيم الوفد المرحوم سعد زغلول باشا، وجرح فشغل أكثر الناس بتلك ~~الحادثة عن الالتفات إلى مأتمه كما يجب، ويقال أن سعد نفسه لما علم بوفاته ~~جزع عليه جزعا شديدا وبكى. ولم يفت الشاعرين # PageV01P007 # الكبيرين في مصر شوقي وحافظ حين رثياه في حفلات المآتم التي أقيمت له أن ~~يشيرا إلى هذا التصادف الغريب، فقال شوقي في حفلة نادي الحقوق في حديقة ~~الأزبكية، من قصيدة من أربعين بيتا: # اخترت يوم الهول يوم وداع ... ونعاك في عصف الرياح الناعي # هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم ... جرح الرئيس منافذ الأسماع # من مات في فزع القيامة لم يجد ... قدما تشيع أو حفاوة ms003 ساع # ما ضر لو صبرت ركابك ساعة ... كيف الوقوف إذا أهاب الداعي # خل الجنائز عنك لا تحفل بها ... ليس الغرور لميت بمتاع # سر في لواء العبقرية وانتظم ... شتى المواكب فيه والاتباع # وقال حافظ: # مت والناس في مصابك في "م" ... شغل بجرح الرئيس حامي الحماة # PageV01P008 # شغلوا عن أديبهم بمنجيهم "م" ... فلم يسمعوا نداء النعاة # وافاقوا بعد النجاة فألفوا ... منزل الفضل مقفر العرصات # قد بكاك الرئيس وهو جريح ... ودموع الرئيس كالرحمات # وانبرى الشعراء من كل الأقطار العربية ينظمون المراثي في تأبينه في ~~العراق والشام ولبنان ومصر، بحيث زادت القصائد التي قيلت في رثائه عن ~~الثلاثين هذا عدا الرسائل والخطب التي قيلت في حفلات التأبين المختلفة في ~~أندية بيروت والشام ومصر وفي المجامع العلمية وغيرها. # أما مؤلفاته فهي كتاب "النظرات" وهو مجموعة رسائل اختارها مما كتبه في ~~جريدة المؤيد، وغيرها من الصحف والمجلات، ومما كتبه من الرسائل ولم ينشر، ~~وما نظمه من المقطعات والقصائد. وهو في ثلاثة أجزاء ظهر الأول منها في ~~طبعته الأولى سنة 1910 وفي مقدمته ترجمة لحياته بقلم حافظ عوض استعنا بها # PageV01P009 ### | المقدمة # يسألني كثير من الناس كشأنهم في سؤال الكتاب والشعراء، كيف أكتب رسائلي؟ ~~كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسلكها إليها فيسلكوا معي، وخير لهم ~~ألا يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا ~~مقيدين في الكتابة بطريقتي أو طريقة أحد من الكتاب غيري، وليعلموا إن كانوا ~~يعتقدون لي شيئا من الفضل في هذا الأمر أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك ~~الرسائل التي يعلمونها بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيها ~~إلا لأني استطعت أن أتلفت من قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني في ذلك شيء ~~ما نفعني ضعف ذاكرتي، والتواؤها علي وعجزها عن أن تمسك إلا قليلا من ~~المقروءات التي كانت تمر بي، فلقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء ~~الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره ~~وروعة حسنه، ms004 ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به ~~حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني، أو تقويم لساني، أو تكثير مادة علمي ~~باللغة والأدب، بل كل ما كان من # PageV01P003 # أمري أنني كنت امرأ أحب الجمال وأفتتن به، كلما رأيته في صورة الإنسان، ~~أو مطلع بدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو قمم الجبال، ~~أو سفوح التلال، أو شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نغمة الغناء، أو ~~رنة الحذاء، أو مجتمع الأطيار، أو منتثر الأزهار، أو رقة الحس، أو عذوبة ~~النفس، أو بيت الشعر، أو قطعة النثر، فكنت أمر بروض البيان مرا، فإذا لاحت ~~لي زهرة جميلة بين أزهاره تتألق في غصن زاهر بين أغصانة، وقفت بين يديها ~~وقفة المعجب بها الحاني عليها المستهتر بحسن تكوينها، وإشراق منظرها من حيث ~~لا أريد اقتطافها أو إزعاجها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد علقت بنفسي ~~صورتها إلى أخرى غيرها، وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفس تطير سرورا به، ~~وتسيل وجدا عليه، وما هو إلا أن درت ببعض تلك الرياض بعض دورات، ووقفت على ~~أزهارها بعض وقفات، حتى شعرت أن قد بدلت بنفسي نفسا غيرها، وأن بين جنبي ~~حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فأصبحت أرى الأشياء بعين غير التي كنت ~~أراها بها. وأرى فيها من المعاني الغريبة المؤثرة ما يملأ العين حسنا، ~~والنفس بهجة، فقد كنت أرى الناس فرأيت نفوسهم، وأرى الجمال فرأيت لبه # PageV01P004 # وجوهره، وأرى الخير فرأيت حسنه، وأرى الشر فرأيت قبحه، وأرى النعماء ~~فرأيت ابتساماتها، وأرى البأساء فرأيت مدامعها، وأرى العيون فرأيت الحر ~~السحر الكامن في محاجرها، وأرى الثغور فرأيت الخمر المترقرقة بين ثناياها، ~~وكنت أرى الشمس فرأيت خيوطها الفضية الهفافة بين السماء والأرض، وأرى القمر ~~فرأيت شعاعه كأنما يهم أن ينبسط حتى يفيض عن جوانبه فيضا، وأرى الفجر فرأيت ~~بياضه وهو يدب في تجاليد1 الظلام دبيب المشيب في تجاليد الشباب، وأرى ~~النجوم فرأيت عيونها الذهبية تطل على ms005 الكون من فروج قميص الليل، وأرى الليل ~~فرأيته، وهو يهوي بأجنحته السوداء إلى الأرض هوى الكرى إلى الأجفان، وكنت ~~أسمع خرير المياة فسمعت مناجاتها، وحفيف الأوراق ففهمت نغماتها، وتغريد ~~الأطيار فعرفت لغاتها، فأحببت الأدب حبا جما ملأ ما بين جانحتي، فلم تكن ~~ساعة من الساعات أحب إلي ولا آثر عندي من ساعة أخلو فيها بنفسي، وأمسك علي ~~بابي ثم أسلم نفسي إلى كتابي فيخيل إلي كأني قد انتقلت من هذا العالم الذي ~~أنا فيه إلى عالم آخر من عوالم التاريخ الغابر، فأشاهد بعيني تلك العصور ~~الجميلة عصور العربية الأولى، وأرى العرب PageV01P005 # في جاهليتها بين خيامها وأخبيتها، وأطنابها وأعوادها، وإبلها وشائها، ~~وشيحها وقيصومها، وأرى مساجلاتها ومنافراتها، وحبها وغرامها، وعفتها ~~ووفاءها، وصبرها وبلاءها، وحداءها وغناءها، وأسواق شعرائها، ومواقف ~~خطبائها، وفقرها وإقلالها، وشحوب وجوهها، وسمرة ألوانها، وضوى أجسامها، ~~وترددها في بيدائها بين حمارة1 القيظ وصبارة2 البرد، وتنقلها من صحراء إلى ~~ريف، ومن مشتى إلى مصيف، ومن نجد إلى وهد، ومن شرف إلى غور، وانتجاعها ~~مواقع الغيث، ومنابت العشب، وقناعتها من الطعام بأحفان التمر، وقعاب اللبن ~~وأصوع الشعير، فإذا جد الجد أكلت القد3 واشتوت الجلد، وتبلغت بالضب ~~واليربوع وعراقيب الآبال وأظلاف الأبقار، واكتفاءها من اللباس بأكسية ~~الكرابيس وأردية الأشعار، وقمص الأوبار، فإذا أعوزها ذلك لبست الظل، ~~وافترشت الرمل، غير ناقمة ولا ساخطة ولا متبرمة بقضاء الله وقدره في قسمه ~~أزراقه بين عباده ولا باكية حظها من رخاء العيش ولينه، ثم أراها بعد ذلك ~~وقد أنعم الله عليها بنعمة المدينة الإسلامية، فأرى رغد عيشها، ولين ~~طعامها، واعشوشاب جانبها، وعذوبة مواردها ومصادرها، وسرورها PageV01P006 # وغبطتها بما أفاء الله عليها من ذخائر الفرس وأعلاق الروم، وامتلاء ~~قصورها باللؤلؤ المنظوم من القيان، واللؤلؤ المنثور من الولدان، وأرى مجالس ~~غنائها، ومجامع أنسها، ومسارح لهوها، ومجالات سبقها، وملاعب جيادها، ومذاهب ~~طرائدها، ومواقف حجها، وازدحام شعرائها على أبواب أمرائها، وجوائز أمرائها ~~في أيدي شعرائها، وانطلاق ألسنتها بوصف ما تشاء من الأعواد والبرابط ~~والمعازف والمزاهر والأقداح والدنان والموائد، والصحف وألوان الطعام حلوه ~~وحامضه، ms006 وأصناف الشراب حلاله وحرامه، والطيور المحلقة في الأجواء، والسفن ~~الذاهبة في الدأماء1، والرياض الخضراء، والغابات الشجراء، والقصور ~~وتماثيلها، والبحيرات وأسماكها، والأنهار وشواطئها، والأزهار ونفحاتها، ~~والغيوث قطراتها، ودبيب الحب في القلب، والغناء في السمع، والصهباء في ~~الأعضاء، وخلجة الشك، ولمحة الفكر، وبارقة المنى، ثم لا أشاء أن أرى بين ~~هذا وذاك خلقا عذبا، أو أدبا غضا، أو حبا وفيا، أو مجونا مستظرفا، أو حوارا ~~مستلمحا، إلا وجدته، ولا أن أسمع ما تهتف به العاتق في خدرها، وما يحدو به ~~الحادي في أعقاب إبله، وما يتغنى به العاشق، وما يهذي به الشارب ~~PageV01P007 # وما يترنم به الشادي، وما يساجل به الماتح1 إلا سمعته، ولا أن أعلم ما ~~يهجس في نفس المحب إذا اشتمل عليه ليله، والحائر إذا ضل به سبيله، والثاكل ~~إذا فجعت بواحدها، والموتور إذا حيل بينه وبين واتره، والكريم إذا لاح له ~~منظر من مناظر البؤس والشقاء، والغريب في دار غربته، والسجين بين جدران ~~سجنه، والخائف إذا وقف بين الرضا والغضب، والمقدم للقتل إذا وقف بين الرجاء ~~واليأس، والبائس إذا أعوزه القوت، واليائس إذا أعوزه الموت، والعزيز إذا ~~ذل، والمشرف إذا هوى، والشريف إذا عبث بشرفه عابث، والغيور إذا لمس عرضه ~~لامس، إلا علمته، ولا أن أعرف خلق الدهر في تنقله بالناس ما بين رفع وخفض، ~~وجدة وفقر، ونعيم وبؤس، وإقبال وإدبار، ولا أثر يده السوداء في خراب ~~القصور، وخلاء الدور، وإقفار المغاني، وتصويح الرياض، إلا عرفته، فكنت أجد ~~في نفسي من اللذة والغبطة بذلك كله ما لا يقوم به عندي كل ما ينعم به ~~الناعمون من رغد في العيش ورخاء حتى ظننت أن الله سبحانه وتعالى قد صنع لي ~~في هذا الأمر، وأنه لما علم أنه لم يكتب لي في لوح مقاديره ما كتب للسعداء، ~~والمجدودين من عباده من مال أو جاه أعيش PageV01P008 # في ظله، وأنعم بثمرته، زخرف لي هذا الجمال الخيالي البريء من الريبة ~~والإثم وزوره1 لي تزويرا بديعا، ووضع لي فيه من الملاذ والمحاسن مالم يضع ~~لغيري رحمة ms007 بي، وإرعاء علي أن أهلك أو يهلك لبي بين اليأس القاتل، والرجاء ~~الكاذب، وهكذا لا أزال محلقا في هذا الجو البديع من الخيال أضحك مرة، ~~وأكتئب أخرى، وأتغنى حينا وأبكي أحيانا، حتى يرميني الباب ببعض الطارقين أو ~~يستعيد إلى نفسي مستعيد. # ولم يكن حولي لذلك العهد ممن يستعين بمثلهم مثلي على الأدب أحد؛ لأنني ~~كنت أعيش في مفتتح عهدي به، ولم أكن زاهيت إذ ذاك الثالثة عشرة من عمري بين ~~أشياخ أزهريين من الطراز القديم لا يرون رأيي فيه، ولا يتعلقون منه بما ~~أتعلق، فكانوا يرون أن التوفر عليه أو الألمام به عمل من أعمال البطالة ~~والعبث، وفتنة من فتن الشيطان، فكان الذين يتولون أمري منهم لا يزالون ~~يحولون بيني وبينه كما يحول الأب بين ولده وبين ما يعرض له من فتن الهوى ~~ونزغات الصبوة ضنا بي يزعمون أن أنفق ساعة من ساعات دراستي بين لهو الحياة ~~ولعبها، فكنت لا أستطيع أن ألم بكتابي إلا في الساعة التي آمن فيها على ~~نفسي أن يلموا PageV01P009 # بأمري وقليلا ما كنت أجدها، وكثيرا ما كانوا يهجمون مني على ما لا يحبون، ~~فإذا عثروا في حقيبتي أو تحت وسادتي أو بين لفائف ثوبي على ديوان شعر أو ~~كتاب أدب خيل إليهم أنهم قد ظفروا بالدينار في حقيبة السارق، أو الزجاجة في ~~جيب الغلام، أو العشيق في خدر الفتاة، فأجد من البلاء بهم، والغصص بمكانهم، ~~ما لا يحتمل مثله مثلي، وهم لا يعلمون أحسن الله إليهم أنهم وجميع من يدور ~~به جدار مسجدهم حسنة من حسنات الأدب الذي ينقمون منه ما ينقمون، ويد من ~~أياديه البيضاء على هذا المجتمع البشري، فلولا الأدب ما استطاع أئمتهم ~~المجتهدون فهم آيات الكتاب المنزل، ولا استنباط تلك الأحكام التي دونوها ~~لهم وتركوها بين أيديهم يستغلونها كما يستغل المالك ضيعته، ويعيشون في ظلها ~~عيش السعداء المترفين، ولولاه ما استطاع علماؤهم اللغويون أن يورثوهم هذه ~~العلوم اللغوية التي يدرسون اليوم نحوها وتصريفها وبيانها ومعانيها في ~~مجالس علمهم، ويدلون بمكانهم منها على ms008 الناس جميعا، كما لا يعلمون أن الأدب ~~هو خير ما يستعين به متعلم على علم، وأن الذوق الأدبي الذي يستفيده المتأدب ~~من دراسة الأدب ومزاولته هو الميزان الذي يزن به ما يحاول فهمه من عبارات ~~العلوم وأساليبها، والدليل الذي يتسمته # PageV01P010 # ويترسم مواقع أقدامه في فهم أصول الدين؛ ليكون مجتهدا أن استطاع أو واقفا ~~على منازع المجتهدين، واللسان الذي يستعين به على الإفضاء بأدق أغراضه ~~وأعمقها وأقصاها مكانا من قلبه ليكون إنسانا ناطقا، ومعلما نافعا، ولو أن ~~هؤلاء الزارين على الأدب من علماء الدين وشيوخه وهم اليوم والحمد لله قليل ~~بل هم في طريق الفناء والانقراض قد تعلقوا منه بما كان يتعلق به أسلافهم ~~وأئمتهم من قبل لنالوا به في دينهم خيرا كثيرا، ولا ستدفعوا به عن أنفسهم ~~في أمره شرا عظيما، فما زال الدين واضح المنهج قائم الحجة، وما زالت آيات ~~الكتاب ومتون الأحاديث سائغة هنيئة لا يلحقها الريب ولا يحيط بها الشك، ولا ~~تطير بجنباتها الأوهام والظنون حتى جهل علماء الدين الأدب ففسدت أذواقهم، ~~وضلت أفهامهم، فكثر بينهم التأويل والتخريج، ووهت تلك العقدة الوثيقة بين ~~الألفاظ والمعاني، واسترخت عراها من أيديهم، فأصبح كل لفظ في نظرهم محتملا ~~لكل معنى حتى ما يأبى أحدهما على الأخر شيئا، وتهافت ذلك الحاجز الحصين ~~الذي كان قائما بين الحقيقة والمجاز، والحقيقة والخيال، فبغى بعض الكلم على ~~بعض وعاث كل منهما في تربة صاحبه إقبالا وإدبارا، وجيئة وذهوبا، وصعودا ~~ونزولا، فاستطاع الواغلون في الدين والناصبون له أن يدخلوا # PageV01P011 # عليه من الأحاديث المنحولة الغريبة في أساليبها عن منهاج العرب ومناحيهم ~~مالا يضبطه الحساب كثرة، فهلكت الأمة بين هذا وذاك هلكا لا تزال تتجرع كأسه ~~المريرة حتى اليوم. # فالحمد لله أولا، وللأدب ثانيا على نجاتي منهم فيما كانوا يرومون بي، ~~ويحاولون مني، بل أحمد الله إليهم كذلك فقد كفيت بهم وبسوء رأيهم في الأدب ~~ونقمتهم عليه شر من يدخل بيني وبين نفسي في المفاضلة بين شاعر وشاعر، وكاتب ~~وكاتب، أو الموازنة بين أسلوب وأسلوب، وديباجة وأخرى، ms009 فلم يكن لي عون على ~~ذلك كله غير شعور نفسي، وخفوق قلبي خفقة السرور أو الألم إن مر بي ما أحب ~~أو ما أكره من حسنات القول أو سيئاته من حيث لا أعرف سبيل ذلك ولا مأتاه، ~~فكان شأني في ذلك شأن السامع الطروب الذي تطربه نغمة وتزعجه أخرى، فيطير ~~بالأولى فرحا، وبالثانية جزعا، ولقد يكون ضعيف الإلمام بضروب الإيقاع ~~وقواعد النغم، فكنت لا أقرأ إلا ما أفهم، ولا أفهم إلا ما أشعر أنه قد خرج ~~من فم قائله خروج السهم من القوس، فإذا هو في كبد الرمية ولبها، فإن رأيت ~~أن المعنى قد قام دونه ستار من التراكيب المتعاظلة، والأساليب الملتوية، ~~علمت أن القائل إما ضعيف المادة اللغوية، فهو يعجز عن الإفضاء بما في نفسه # PageV01P012 # لأنه لا يعرف كيف يفضي به، وإما جاهل لم يستو له المعنى الذي يريده كل ~~الاستواء، ولم يدر في جوانب نفسه حتى يستقر في قراره منها، فهو يتخيله ~~تخيلا، ويجمجمه ويهذي به هذيانا فلا سبيل له إلا الإفصاح عنه، وإما داهية ~~محتال قد علم أن المعنى الذي يجول في نفسه، ويشتمل عليه خاطره تافه مرذول، ~~وكان لا بد له أن ينفقه1 على الناس ويزخرفه لهم ويزوره2 في أعينهم، فهو ~~يكسوه أسلوبا غامضا؛ ليكدهم ويجهدهم في سبيله حتى إذا ظفروا به بعد ذلك، ~~خيل إليهم أنهم قد ظفروا بمعنى غريب، أو خاطر بديع، ووجدوا فيه عند الوصوص ~~إليه من اللذة والمتعة ما يجد الظامئ في ضحضاح3 الماء الكدر إذا أبعد ~~النجعة في طلبه، ووصل إليه بعد الجهد والإشفاء، وإما عاجز ضعيف القوة ~~النفسية قد علم أن ضعفاء الافهام من الناس، وهم سواد الأمة، ودهماؤها لا ~~يرضون عن معنى من المعاني، ولا يستسنون4 قيمته، ولا يقيمون له وزنا إلا إذا ~~جاءهم في جلدة من الألفاظ المتكرسة المتقبضة، وأنهم إذا ورد عليهم أثمن ~~المعاني وأغلاها، PageV01P013 # وأكرمها جوهرا، وأطيبها عنصرا، في ثوب من الأساليب الرقيقة الشفافة ذهب ~~بهم الوهم إلى أنه ما جاءهم على هذه الصورة إلا لأنه ms010 ساقط مبتذل، أو سوقي ~~مطروق، فاحتقره وازدروه، وكان يرى لضعف حيلته وسقوط همته أن لا بد له من ~~موافاة رغبتهم، وبلوغ رضاهم، والنزول على حكمهم، فتجمل لهم باللكنة والعي، ~~وتملقهم بالغموض والإبهام، وإما أعجمي يظن أن اللغة العربية حروف وكلمات، ~~وهو لا يعرف منها غيرهما، فينطق بشيء هو أشبه الأشياء بما يترجمه بعض ~~المترجمين من اللغات الأعجمية ترجمة حرفية، فإن نعيت عليه غرابة أسلوبه ~~واستعجامه والتواءه على الفهم كان مبلغ ما ينضح به عن نفسه أن المعاني ~~العصرية والخيالات الحديثة لا يستطاع إلباسها إلا كيسة البدوية، والأردية ~~العربية، كإنما هو يظن أن المعاني والخواطر خطط وأقسام، وبقاع وضياع، هذا ~~للشرق وهذا للغرب، وهذا للعرب وهذا للعجم، أما الحقيقة التي لا ريب فيها ~~فهي أن الرجل لا ينتزع تلك المعاني من قرارة نفسه، ولا يصور فيها صورة ~~عقله، وإنما هو مترجم قد عثر بتلك المعاني في اللغة الأعجمية التي يعرفها ~~لاصقة بأثوابها الأصلية، فلما أراد أن يفضي بها إلى العرب، وكان غير مضطلع ~~بلغتهم، ولا متمكن من أساليبهم عجز عن أن ينزع عنها # PageV01P014 # أثوابها اللاصقة بها، فنقلها إليهم كما هي إلا ما كان من تبديل حرف بحرف ~~أو كلمة بأخرى من حيث يظن أنه يهتف بشيء قام في نفسه أو يفضي بخاطر من ~~خواطر قلبه، وإما شحيح يأبى له لؤم نفسه، وخبث فطرته أن يمنح الناس منحته ~~سائغة هنيئة دون أن يكدرها عليهم بالمظل والتسويف والممانعة والمحاولة. ~~والشح خلق إذا نزل منزله من نفس صاحبه أقام من نفسه حارسا يقظا على كل حاسة ~~من حواسه الباطنة، والظاهرة حتى لا يجد فيه واجد مصطنعا، ولا يظفر منه ~~معتصر ببلة، فيضن بعلمه، كما يضن بماله، ويقبض لسانه عن النطق، كما يقبض ~~يده عن الإنفاق، ويصرد1 عطاءه تصريدا ليستديم به حاجة الناس إليه، كما يجيع ~~كلبه ليتبعه، ولعنه الله والملائكة والناس أجمعين، على العجزة والجاهلين، ~~والمحتالين والكاذبين، والأشحاء والباخلين. # وكان أشعر الشعراء عندي، وأكتب الكتاب سواء في ذلك المتقدم والمتأخر ~~والنابه والخامل أوصفهم لحالات ms011 نفسه أو أثر مشاهد الكون فيها، وأقدرهم على ~~تمثيل ذلك، وتصويره للناس تصويرا صحيحا كأنما هو يعرضه على أنظارهم عرضا، ~~أو يضعه في أيديهم وضعا، فإن ظننت أن القائل كاذب فيما يقول، أو ~~PageV01P015 # أنه يرسم صورة غير الصورة التي تتلجلج في نفسه، أو أنه لغوي يفر من ضعف ~~أسلوبه، وفساد نظمه إلى أكمة من الألفاظ الغريبة والتراكيب المستوعرة يكمن ~~وراءها، أو ناقل يتخذ الكتابة حقيبة يحشوها بالمسائل العلمية أو الوقائع ~~التاريخية حشوا، أو مترجم ينقل عن اللغة الأعجمية التي يعرفها آراء علمائها ~~وخيالات شعرائها، وكأنما هو صاحبها، أو شعرت أنه قد مر بخاطره، وهو ينطق ~~بكلمته أن يكون بليغا فيها أو مبدعا ليعجب الناس منها، كان لكل حظه مني أن ~~أعرف له قدره في العلم، ومنزلته من الذكاء والفهم، إن أحسن فيما يقول، ~~ولكنني لا أعده كاتبا ولا شاعرا؛ لذلك كان أغزل الغزل عندي غزل العاشقين، ~~وأفضل الرثاء رثاء الثاكلين، وأشرف المدح مدح الشاكرين، وخير العظات عظات ~~المخلصين، وأجمل البكاء بكاء المنكوبين، وأحسن الهجاء هجاء الصادقين، وأبرع ~~الوصف وصف الرائين المشاهدين. # ولا أدري ما الذي كان يعجبني في مطالعاتي من شعر الهموم والأحزان، ومواقف ~~البؤس والشقاء وقصص المحزونين والمنكوبين خاصة، فقد كان يعجبني كل العجب ~~ويبكيني أحر البكاء، وأشجاه شقاء المهلهل في الطلب بثأر أخيه، وشقاء # PageV01P016 # امرئ القيس في الطلب بثأر أبيه، وبكاء جليلة أخت جساس على زوجها وأخيها، ~~وبكاء عدي بن زيد على نفسه في سجن النعمان، وبكاء متمم بن نويرة على أخيه ~~مالك حتى دمعت عينه العوراء، وبكاء ليلى بنت طريف على أخيها الوليد، وهيام ~~أم حكيم زوج عبيد الله بن العباس في المواقف والمواسم تنشد طفليها ~~الذبيحين، وبكاء الشريف على المناذرة في خرائب الحيرة، وبكاء أبي عبادة على ~~الأكاسرة في خرائب المدائن، وبكاء الرضى على بني هاشم، وبكاء العبلي على ~~بني أمية، وبكاء الرقاشي على بني برمك، وذل أبي فراس في أسره، والمعتمد بن ~~عباد في سجنه، وبكاء الوزير ابن زيدون على نفسه مرة وعلى ولادة أخرى، ms012 وبكاء ~~ابن مناذر على عبد المجيد، والبحتري على المتوكل، وابن اللبانة على ابن ~~عباد، والتيمي على يزيد بن مزيد، ومروان بن حفصة على معن بن زائدة، وجنون ~~المجنون بليلاه وجلوسه في جنبات الحي منفردا عاريا مذهوب اللب مشترك العقل ~~يهذي، ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب، ثم هيامه بعد ذلك مع الوحش في البرية ~~لا يأكل إلا ما ينبت فيها من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت ~~مناهلها، وراحته إلى الطريق يصدع مع مصعديه، وينحدر مع منحدريه، حتى هلك في ~~أرض مقشعرة # PageV01P017 # مغبرة بين الصخور والأحجار، وشقاء قيس لبنى بلبناه بعد أن طلقها برا ~~بوالده، ونزولا على حكمه، وذهاب الحب به بعد ذلك كل مذهب، حتى هلك بين ~~الوفاء للفضيلة والوفاء للحب، وموقف جميل بن معمر بين يدي أبيه، وهو يعتب ~~عليه أشد العتب، وأمره في استهتاره بحب بثينة ومخاطرته بنفسه في الألمام ~~بحبها فيقول: يا أبت هل رأيت قبلي أحد أقدر أن يدفع عن قلبه هواه أو ملك أن ~~يسلى نفسه أو استطاع أن يدفع ما قضي به عليه، والله لو قدرت أن أمحود ذكرها ~~من قلبي أو أزيل شخصها من عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاء ~~بيت به لحين قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به، ولو مت ~~كمدا وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه، وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند ما ~~سمع قيس بن عاصم يحدث عن نفسه أنه كان يئد بناته في الجاهلية، وأن واحدة ~~منهن ولدتها أمها، وهو في سفر فدفعتها إلى أخوالها ضنا بها على الموت ~~واشفاقا عليها، فلما عاد وسألها عن الحمل، قالت له: إنها ولدت مولودا ميتا، ~~ثم مضت على ذلك سنون عدة حتى كبرت البنت، ويفعت فزارت أمها ذات يوم فرآها ~~عندها، فأعجب بجمالها وعقلها وذكائها، وسألها عنها فحدثته حديثها على وجهه، ~~ولم يكتمه شيئا منه طعما في أن يضمها إليه ويمنحها رحمته وعطفه # PageV01P018 # فأمسك عنها أياما ثم تغفل أمها عنها ms013 ذات يوم، وخرج بها إلى الصحراء حتى ~~أبعد فاحتفر لها حفرة، وجعلها فيها فجعلت تقول: يا أبت ما تريد أن تصنع بي؟ ~~وما هذا الذي تفعل؟ وهو يهيل عليها التراب، ولا يلتفت إليها وهي تئن وتقول: ~~أتاركي أنت يا أبت وحدي في هذا المكان، ومنصرف عني؟ حتى واراها وانقطع ~~أنينها، وبكاء الأعرابية التي مات منها ولدها في دار غربة، فدفنته ثم وقفت ~~على قبره تودعه، وتقول: والله يا بني لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأن ~~لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها، فأصبحت بعد الغضارة والنضارة ~~ورونق الحياة والتنسم بطيب روائحها تحت أطباق الثرى جسدا هامدا ورفاتا ~~سحيقا، وصعيدا جزرا، اللهم إنك قد وهبته لي قرة عين فلم تمتعني به كثيرا، ~~بل سلبتنيه وشيكا، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدقت وعدك، ~~ورضيت قضاءك، فارحم الله غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تنكشف الهنات ~~والسوآت، واثكل الوالدات ما أمض حرارة قلوبهن، وأقلق مضاجعهن، وأطول ليلهن، ~~وأقل أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، وأقربهن من الأحزان، وشقاء ~~ذينك البائسينالمنكوبين عروة بن حزام وعفراء بنت عقال ومناصبة الدهر لهما # PageV01P019 # وانقطاع سبيله بهما حتى أصبحت زوجا لغيره وأصبح من بعدها هائما مختبلا ~~يرمى بنفسه المرامي ويقذف بها في فجاج الأرض ومخارمها حتى بلغ منزلها ذات ~~يوم فتنكر حتى زارها وهو يظن أن زوجها لا يعلم من أمره إلا أنه أحد الأضياف ~~الغرباء، فلما علم أنه يعرف حقيقة أمره وأنه على ذلك لا يتهمه ولا يتنكر له ~~عزم على الانصراف حياء منه، وقال لها يا عفراء أنت حظي من الدنيا وقد ذهبت ~~فذهبت دنياي بذهابك فما قيمة العيش من بعدك، وقد أجمل هذا الرجل عشرتي ~~واحتمل لي ما لا يحتمله أحد لأحد حتى استحييت منه، وإني راحل من هذا ~~المكان، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي، وما زال يبكي، وتبكي حتى انصرف، ~~فلما رحل نكس بعد صلاحه وتماسكه وأصابه غشى وخفقان فكان كلما أغمى عليه ~~ألقى على وجهه خمارا لعفراء كانت زودته إياه، ms014 فيفيق حتى بلغ حيه، وأمسك ~~عاما كاملا لا يسمع منه سامع كلمة، ولا أنة حتى بلغ منه اليأس فسقط مريضا، ~~فمر به بعض الناس فرآه ملقى بجانب خبائه فسأله هما به فوضع يده على صدره، ~~وقال: # كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان # ثم شهق شهقة كان نفسه فيها، فلما بلغ عفراء خبره قامت إلى زوجها وقالت ~~له، قد كان من خبر ابن عمي ما كان وقد مات # PageV01P020 # في وبسببي، ولا بد أن أندبه وأقيم مأتما عليه، فقال افعلي، فما زالت ~~تندبه ثلاثا حتى ماتت في اليوم الرابع، وشقاء سعد الوراق بحب عيسى النصراني ~~حينما علم أن أهله قد بنوا له ديرا بنواحي الرقة؛ ليترهب فيه ويحتجب عن ~~الناس فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأحرق بيته وفارق أهله وأخوانه ولزم ~~صحراء الدير عله يجد السبيل إلى الوصول إليهن، فامتنع عليه ذلك بعد ما ذل ~~للرهبان وتخضع لهم، وتأتي لهم بكل سبيل فلم يجده ذلك شيئا، فصار إلى الجنون ~~وخرق ثيابه وأصبح عريان هائما لا شأن له إلا أن يقف بكل طائر يراه على ~~شجرة، فيناشده الله أن يبلغ رسائله إلى عيسى حتى رآه بعض الناس في بعض ~~الأيام ميتا إلى جانب الدير، وأمثال ذلك من مواقف البؤس ومصارع الشقاء، ~~كأنما كنت أرى أن الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أن الدموع مظهر الرحمة في ~~نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أن ~~الحياة موطن البؤس والشقاء، ومستقر الآلام والأحزان، وأن الباكين هم أصدق ~~الناس حديثا عنها، وتصويرا لها، فلما أحببت الصدق أحببت البكاء لأجله، أو ~~كأنما كنت أرى أن بين حياتي وحياة أولئك البائسين المنكوبين شبها قريبا ~~وسببا متصلا، فأنست بهم وطربت بنواحهم طرب المحب بنوح الحمائم، وبكاء # PageV01P021 # الغمائم، أو كأنما كنت في حاجة إلى بعض قطرات من الدمع أتفرج بها مما أنا ~~فيه، فلما بكى الباكون وبكيت لبكائهم وجدت في مدامعهم شفاء نفسي، وسكون ~~لوعتي، أو كأنما كنت أرى أن جمال العالم ms015 كله في الشعر، وأن الشعر هو ما ~~تفجر من صدوع الأفئدة الكليمة، فجرى من عيون الباكين مع مدامعهم، وصعد من ~~صدورهم مع زفراتهم. # تلك أيامي التي سعدت بها برهة من الدهر، ومر لي فيها أحسن ما مر لأحد، ~~والتي لا أزال أذكرها بعد مرور تلك الأعوام الطوال، فأكاد أشرق بدمعي ~~لذكراها، ثم انثنيت فوجدت يدي صفرا منها، وإذا أنا بين يدي هذا العالم ~~المظلم المقشعر عالم الحقيقة، والألم فنظرت إليه نظر الغريب الحائر إلى بلد ~~لا عهد له به، ولا سكن له فيه فرأيت مخازيه وشروره وظلمة أجوائه، واغبرار ~~سمائه، وقتال الناس بعضهم بعضا على الذرة والحبة، والنسمة والهبوة1، واتساع ~~مسافة الخلف بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وسلطان القوة على الحق، وغلبة ~~الجهل على العلم، واقفار القلوب من الرحمة، وجمود العيون عن البكاء، وعجز ~~الفقراء عن فتات موائد الأغنياء، وتمضغ الأغنياء بلحوم PageV01P022 # الفقراء، ورأيت الترائي بالرذيلة حتى ادعاها لنفسه، وأنحلها إياها من لا ~~يتخلق بها طلبا لرضى الناس عنه برضاه عنها، ورأيت البراءة من الفضيلة حتى ~~فر بها صاحبها من وجوه الساخرين به، والناقمين عليه فرار العاري بسوأته، ~~والموسوم بخزيته، ورأيت الرجل والمرأة وقد سرا1 كل منهما ثوبه عن جسمه ~~وألقاه بين يديه، ثم تقايضا فلبست قباءه، وليس غلالتها فأصبح امرأة لها من ~~النساء التكسر والتبرد، وأصبحت رجلا من الرجال والتوقح والتشطر2 ورأيت ~~الدين وهو دوحة السلام الخضراء التي يستظل بها الضاحون3 من لفحات الحياة، ~~وزفراتها قد استحال في أيدي الناس إلى سهام مسمومة يحاول كل منهم أن يصيب ~~بها كبد أخيه فلا يخطئها، ورأيت ضلال الأسماء عن مسمياتها، وحيرة مسمياتها ~~بينها، واضطراب الحدود والتعاريف عن أماكنها ومواقفها حتى دخل فيها مالم ~~يكن داخلا، وخرج منها مالم يكن خارجا، فسمى الشح اقتصادا والكرم إسرافا ~~والحلم جبنا، والسماجة جرأة والسفاهة براعة، والفجور فتوة والتبذل حرية، ~~واشتبهت طرق الفضيلة ومسالكها على من يريد ركوبها PageV01P023 # لأنه يجد على رأس كل واحدة منها زعيما من زعماء الخديعة، والكذب يصرفه ~~عنها إلى غيرها، وكنت أرى ms016 أن الأدب حال قائمة بالنفس تمنع صاحبها أن يقدم ~~على شر أو يحدث نفسه به، أو يكون عونا لفاعليه عليه، فان ساقته إليه شهوة ~~من شهوات النفس أو نزوة من نزواتها وجد في نفسه عند غشيانه ومخالطته من ~~المضض والارتماض ما ينغص عليه عيشه، ويقلق مضجعه، ويطيل سهده وألمه، فإذا ~~هو صورة من صور الجوارح وعرض من أعراض الجسم لا دخل له في جوهر النفس، ولا ~~علاقة بينه وبين الحس والوجدان، فأكثر الناس عند الناس أدبا، وأقومهم خلقا، ~~وأطهرهم نفسا، من لا يفي على شرط أن يعد، ومن يكذب على أن يكون كذبه سائغا ~~مهذبا، ومن يملأ صدره موجدة وحقدا على أن يكون بساما ضحوك السن، ومن يسرق ~~على أن يستطيع العبث بمواد القانون وخداع القضاة عنها، ومن يبغض الناس ~~جميعا بقلبه، على أن يحبهم جميعا بلسانه، ومن يحفظ تلك المصطلحات اللفظية، ~~وتلك الصور الجافة من الحركات الجسمية التي تواضع عليها المتكلفون في ~~الزيارة والاستزارة والهناء والعزاء والمؤاكلة والمنادمة، وأمثال ذلك مما ~~يرجع العلم به غالبا إلى صغر النفس وإسفافها، أكثر مما يرجع إلى علوها ~~وكمالها، # PageV01P024 # فداخلني من ذلك هم عظيم لم أستطيع أن أملك نفسي معه كأنما خيل إلي لقرب ~~عهدي بما أرى أنني أرى شيئا عجيبا، أو منظرا غريبا، أو كأنما كنت أحسب أن ~~عالم الخيال الذي كنت فيه إنما هو صورة صحيحة لعالم الحقيقة الذي أنتقل ~~إليه، فأزعجني ما رأيت من هذا الاختلاف العظيم بينهما، فأرسلت الكلمة إثر ~~الكلمة كما يتنفس المتنفس أو يئن الحزين، فرأى ذلك بعض الناس فسموا ما رأوه ~~كلاما، ثم ما زالوا يستحسنون ما أقول ويغرونني بأمثاله، وما زلت أطمع فيهم ~~وأرجو أن أصيب ما في نفوسهم حتى رأيتني كاتبا. # ولقد كان لهذا الأدب الذي توليت نفسي به أثر باق عندي إلى هذه الساعة ~~التي أكتب فيها رسالتي هذه، فإني لا أحسن حتى اليوم أن أكتب كلمة يفضي بها ~~إلى غيري، أو أعبر عن معنى لا يقوم بنفسي، أو أبكي على من لا ms017 يحزنني فراقه، ~~أو أندب من لا يفجعني موته، أو أستنكر ما أستحسن، أو أستحسن ما أستنكر، كما ~~لا أستطيع أن أمر بمشهد من تلك المشاهد التي تهيج في نفسي حزنا شديدا، أو ~~طربا كثيرا، فأملك نفسي عن محاولة الإفضاء بما تركه عندي من خير أو شر، وما ~~أعلم أني كتبت كلمة في شأن من الشؤون إلا وكان # PageV01P025 # بعض تلك المشاهد منشأها في قلبي، فقد كنت رجلا لا أحب الكذب، ولا أحمل ~~نفسي عليه ما وجدت منه بدا، فأبغضت الكاذبين بغض الأرض للدم، فكان من همي ~~أن أقاتلهم على الصدق قتالا مستحرا حتى أصل بهم إلى إحدى الحسنيين، إما أن ~~يكونوا صادقين، وإما أن يعلم الناس أنهم كاذبون، وكنت إنسانا بائسا لم يترك ~~الدهر سهما من سهامه النافذة لم يرمني به، ولا جرعة من كؤوس مصائبه ورزاياه ~~لم يجرعني إياها، فقد ذقت الذل أحيانا، والجوع أياما، والفقر أعواما، ولقيت ~~من بأساء الحياة وضرائها مالم يلق بشر، فشعرت بمرارة الحياة في أفواه ~~المساكين، ورأيت مواقع سهام الدهر في أكباد البائسين والمنكوبين، فكان من ~~همي أن أبكي كل بائس، وأندب كل منكوب، وأطلب رحمة القوي للضعيف، والغني ~~للفقير، والعزيز للذليل، وقدر لي فيما مر بي من أيام حياتي أن رأيت بعيني ~~من وقفت بين يديه امرأة ذليلة تبكي وتضرع إليه أن يرضخ لها بقليل من المال؛ ~~لتستعين به على ستر ما كشف ابنه من سوأة ابنتها، فأبى ذلك عليها، وقال لها ~~وهو يحسب أنه يعلم ما يقول: أيتها المرأة لا حق لابنتك عندي، ولا عند ولدي ~~فلم يكن حظه منها فيها كان من أمرهما بأكبر من حظها منه: ورأيت من تزوج # PageV01P026 # فتاة كان يمسك في نفسه لأهلها حقدا قديما فما دنا منها ليلة البناء بها ~~حتى صدف عنها صارخا: أيها الناس إن الفتاة مريبة: وكان كاذبا فيما يقول، ~~ولكن صدقه الناس، فانتقم لنفسه بذلك شر انتقام وأقذعه، ورأيت من دخلت إليه ~~امرأة من أولئك النساء المريبات تسأله بعض المعونة على أمرها، فأمر بطردها ms018 ~~ذهابا بنفسه أن تسوء سمعته بمكانها، وكان هو الذي أفسدها على نفسها، فنزل ~~بها فسادها إلى هذه المنزلة من السقوط ثم الفقر، فلما جد الجد حاسبها على ~~لقمة تتذوقها في بيته، ولم يحاسب نفسه على عرض كان يأكله في بيتها أكلا، ~~فكان بي منذ ذلك العهد أن أنظر إلى المرأة بعين غير التي ينظر بها الناس ~~إليها، وأن ألمس لها من العذر، وإن زلت بها قدم مالا يلتمسه لها أحد، وأن ~~أنتصف لها من الرجل كلما وجدت السبيل إلى ذلك حتى يديل لها الله منه، وكنت ~~من شؤون عيشي في حالة لا أستطيع معها أن أعتزل الناس الاعتزال كله، ولا أن ~~أختار لعشرتي من أشاء من خيارهم وذوي المروءة فيهم، فلبستهم على علاتهم فما ~~حفظ لي صديق عهدا، ولا صان لي صاحب سرا، ولا استدنت مرة فنفس عني دائن، ولا ~~دنت فوفى لي مدين، ولا رد ليمستعير عارية، ولا شكر لي شاكر صنيعة، ولا فرج ~~لي كربتي # PageV01P027 # مفرج إلا إذا استقطر ماء وجهي إلى القطرة الأخيرة منه؛ ليأخذ أكثر مما ~~أعطى، ويسلب فوق ما وهب، ووجدت في طريق حياتي من خالطني مخالطة الزائر ~~للمزور حتى أمكنته الفرصة، فسرق مالي بعد ما تحرم بطعامي وشرابي، ومن كان ~~يتردد وجهه في وجهي، فأكره أن أرده بالأمل الخائب، فلما عجزت عن ذلك مرة ~~أضمر لي في قلبه من الشر ما لا يضمر مثله الرجل إلا لمن يغلبه على تراث ~~أبيه وأمه، أو يخضب لحيته من دم مفرقه، ومن نصب1 لي وغري بمحادتي ومماظتي2 ~~لأنه كان يحمل في رأسه فتكة لم يجد في طريقه من يحملها عنه، ويستخذي له ~~فيها سواي، ومن أخذ نفسه بالنيل مني والغض من شأني؛ لأنه كان يشكو الخمول ~~والضعة، وكان لا بد له من أن يكون نابها مذكورا، فاتفق له أن رأي عاتقي بين ~~يديه فظن أنه أعلى العواتق وأبعدها مذهبا في جو السماء فعلاه ليشرف منه على ~~الناس، فيعرفوا مكانه، فوالله ما تحلحلت ولا نبوت به بقيا عليه، ms019 وضنا به أن ~~يسقط سقطة لا يئل منها، ومن كان لا يكبر شأني إلا إذ اتقاني فإذا أضاء ما ~~بيني وبينه كنت في عينه أصغر منه PageV01P028 # في عين نفسه، ومن كان يقبل ويدبر بإقبال الدهر علي، وإدباره عني، ثم لا ~~يستحي أن يستكثر من ذلك حتى أستحي له منه، فعركت بجنبي1 أكثر ما كرهت من ~~ذلك، ولكنني لم أرض لنفسي أن أنزل في الغرارة والغفلة دون المنزلة التي ~~ينخدع فيها الغر الكريم، فأصبح رأيي في الناس غير رأيهم في أنفسهم، ورأى ~~بعضهم في بعض، وخفت أن يصيب كثيرا من الضعفاء والمحدودين2 أمثالي مثل ما ~~أصابني، فكان من همي أن أنبش دفائنهم خيرا كان أو شرا، وأن أكشف أثوابهم عن ~~أجسامهم، وأجسامهم عن نفوسهم، حتى يتراءوا ويتكاشفوا فيتواقوا ويتحاجزوا، ~~فلا يهنأ خادع بخدعته، ولا يبكي مخدوع على نكبته، ولا يتخذ بعضهم بعضا حمرا ~~يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم، وكان منشيء في قوم بداة سذج لا يبتغون ~~بدينهم دينا، ولا بوطنهم وطنا، ثم ترامى بي الأمر بعد ذلك، وتصرفت بي في ~~العيش شؤون جمة # فخضعت لكثير من أحكام الدهر، وأقضيته إلا أن أكون ملحدا في ديني، أو ~~زاريا على وطني، فاستطعت، وقد غمر الناس ما غمرهم من هذه المدينة الغربية ~~أن أجلس ناحية PageV01P029 # منها، وأن أنظر إليها من مرقب عال، وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر ~~الرجل إلى الأمر نظرة طائرة حمقاء، فإما أخذه كله، وإما تركه كله، فرأيت ~~حسناتها وسيئاتها، وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب أن يأخذ منها الآخذ، ~~وما يرتك التارك، فكان من همي أن أحمل الناس من أمرها على ما أحمل عليه ~~نفسي، وأن أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء تهالكهم لها، واستهتارهم بها، ~~وسقوط نفوسهم أمام رذائلها ومخازيها، وإلحادها وزندقتها، وشحها وقسوتها، ~~وشرهها وحرصها، وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه ~~إذا حزبه1 الأمر في مناظرة بينه وبين من يأخذه برذيلة من الرذائل لا يجد ~~بين يديه، وما ينضح به عن نفسه إلا أن يعتمد ms020 عليها في الاحتجاج على فعل ما ~~فعل، أو ترك ما ترك، كأنما هي القانون الإلهي الذي تثوب إليه العقول عند ~~اختلاف الأنظار، واضطراب الأفهام، أو القانون المنطقي الذي توزن به ~~التصديقات والتصورات لمعرفة صوابها وخطئها وصحيحها وفاسدها، وحتى أصبح ~~السيد في منزله يستحي من خادمة مطبخه الأوروبية أن تطلع منه على جهل ببعض ~~عاداتها وعادات قومها حتى لبس الرداء، وخلع الحذاء، PageV01P030 # أكثر مما يستحي من الله، ومن الناس أن يهجموا منه على أرذل الرذائل، ~~وأكبر الكبائر، وحتى أصبح تاريخ المشرق وتاريخ علمائه وأدبائه، وفلاسفته ~~وشعرائه صورة من أقبح الصور، وأسمجها في نظر كثير من الشرقيين الذي أصبحوا ~~يفخرون بجهل تاريخهم إن جهلوه، ويراؤون بجهله إن علموه، وحتى قدر ذلك ~~الغلام الرومي خادم الحان أو القهوة منفردا على مالم تقدر عليه الأمة ~~جميعها مجتمعة، فحملها على النزول إليه لتحدثه بلغته، قبل أن تحمله على ~~الصعود إليها ليحدثها بلغتها، وهو إلى أن يترضاها ويستدنيها أحوج منها إلى ~~أن تزدلف إليه، وتنزل على حكمه. # فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرا ههنا وههنا قد شعر به قلبي، ففاض ~~به قلمي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي عنها، ولو كان بي أن ~~أكذبهم لكذبتهم فيما يرضيهم، وما أعلم أني أتحظاهم به، وأنال به الأثرة ~~الخالدة في نفوسهم، ولو أردت ذلك منهم لما كان بيني وبين خاصتهم إن أردت ~~الخاصة إلا ثلاث كلمات، السخرية بالأديان، واحتقار تاريخ المشرق، والقول ~~بتبرج المرأة وسفورها، ولا كان بيني وبين عامتهم إن أردت العامة إلا ثلاثا ~~أخرى، سب الكفار، وعبادة الأضرحة، والجمود على كل قديم. # PageV01P031 # وعندي أن الكاتب المسخر الذي لا شأن له إلا أن يكتب ما يفضي به الناس ~~إليه صانع غير كاتب، ومترجم غير قائل، لا فرق بينه وبين صائغ الذهب وثاقب ~~اللؤلؤ، كلاهما ينظم ما لا يملك، ويتصرف فيما لا شأن له فيه، على أن خير ما ~~ينتفع به الأديب من أدبه أن يترك يوم وداعه لهذه الدنيا صفحة يقرأ فيها ~~الناظرون ms021 في تاريخه من بعده من أبنائه وشيعته وذوي رحمه صورة نفسه، ومضطرب ~~آماله، ومسرح أحلامه، فإذا كان كل شأنه في حياته أن يكون مرآة تتقلب فيها ~~مختلفات الصور أو وفيعة1 تتمسح بها أعواد الأقلام كان خسرانه عظيما لا يقوم ~~به كل ما يربح الرابحون من مال أو يؤثلون من جاه، والتاريخ أضن من أن يحفظ ~~بين دفتيه من مجد الأدباء إلا مجد أولئك الذي يودعون نفوسهم صفحات كتبهم، ~~ثم يموتون وقد تركوها نقية بيضاء من بعدهم، وحياة الكاتب بحياة كتابته في ~~نفوس قرائها، ولا تحيا كتابة كاتب سيعلم الناس من أمره بعد قليل أنه يكذبهم ~~عن نفسه وعن أنفسهم، وأنه رواغ متخلج2 يأمرهم اليوم بما ينهاهم عنه غدا، ~~ويرى في ساعة ما لا يرى في أخرى، PageV01P032 # وأنه يستبكى ولا يبكي، ويسترحم ولا يرحم، ويحرك النفوس وهو ساكن، ويثير ~~الثائرة وهو سالم، فيستريبون به، ويحارون في مصادره وموارده، ثم يحملون ~~أمره على شر حاليه، ثم ينقطع ما بينهم وبينه، والبيان ليس سلعة من السلع ~~التي يتنقل بها تجارها من سوق إلى سوق، ومن حانوت إلى آخر، ولكنه حركة ~~طبيعية من حركات النفس تصدر عنها عفوا بلا تكلف، ولا تعمل صدور النور عن ~~الشمس، والصدى عن الصوت، والأريج عن الزهر، وشعاع لامع يشرق في نفس الأديب ~~إشراق المصباح في زجاجته، وينبوع ثرار يتفجر في صدره، ثم يفيض على أسلات ~~قلمه، وهو أمر وراء العلم واللغة والمحفوظات والمقروءات والقواعد والحدود, ~~ولو أن أمرا من ذلك كائن لكان أبرع الكتاب، وأشعر الشعراء أغزرهم مادة في ~~العلم أو أعلمهم بقواعد اللغة أو أجمعهم لمتونها أو أحفظهم لفصيح القول ~~ورائعه، أما العلم فأكثر المؤلفين الذين تركوا بين أيدينا هذه الأسفار التي ~~نقرأها في الشريعة والحكمة والمنطق وغيرها كانوا علماء ما يتدافع في ذلك ~~اثنان، وها قد مرت علينا وعلى ما تركوه بين أيدينا القرون والحقب، وأكثرنا ~~عاجز عن فهم أكثر ما كانوا يكتبون، وأما المحفوظات فما نعلم أحدا أحفظ ~~لكتاب # PageV01P033 # الله من جماعة القراء، ولا أحفظ ms022 للحديث من الفقهاء، ولا أقل منهم إلماما ~~بالأدب، ولا أبعد منهم عنه مكانا، وأما اللغة فما عرفنا بين المتقدمين ~~والمتأخرين من رواتها وحفاظها والمتوفرين على تدوينها وتحقيقها والمنقطعين ~~لدرس قواعدها، وفنونها من عرفت له البراعة والتفوق في تحبير الرسائل أو قرض ~~الشعر أو القوة القلمية في التصنيف في غير ما أخذوا أنفسهم به، وكان الخليل ~~بن أحمد إذا سئل عن نظم الشعر قال: يأباني جيده وآبى رديئه، وكان الأصمعي ~~يحفظ ثلث اللغة، وأبو زيد الأنصاري يحفظ نصفها وأبو مالك الأعرابي يحفظها ~~كلها، وكذلك كان شأن النضر بن شميل وأبي عبيدة وابن دريد والأزهري ~~والصاغاني وابن فارس وابن الاثير صاحب النهاية، والجوهري والفيروزبادي، ~~وأمثالهم من علماء اللغة والنحو، وما سمعنا لواحد منهم في إحدى الصناعتين ~~شيئا مذكورا، وقال أبو العباس المبرد في بعض أحاديثه: لا أحتاج إلى وصف ~~نفسي مشكلة إلا لقيني بها، وأعدني لها فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس لا ~~يخفى علي مشتبه من الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، وربما ~~احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة فاجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني ~~ثم # PageV01P034 # لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان، ولقد بلغني أن عبيد الله بن ~~سليمان ذكرني بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض ~~أموري، فأتبعت نفسي يوما في ذلك، فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول ~~الإفصاح عما في نفسي، فينصرف لساني إلى غيره اه بل لو شئت لقلت إنه ما أفسد ~~على المتنبي وأبي تمام كثيرا من شعرهما، ولا على المعري كثيرا من منظومه ~~ومنثوره، ولا على الحريري مقاماته، ولا على ابن دريد مقصورته إلا غلبة ~~اللغة عليهم واستهتارهم بها، وشغفهم بتدوينها في كل ما يكتبون، فقد كانوا ~~هم وأمثالهم من حبائس اللغة وأنضائها في كثير من مواقفهم يؤلفون ويدونون، ~~من حيث يظنون أنهم ينظمون أو يكتبون، ولا تزال نفسي تشتمل على لوعة من ~~الحزن لا تفارقها حتى الموت، كلما ذكرت أن الأدب العربي كان يستطيع أن يكون ms023 ~~خيرا مما كان لو أن الله كتب للزوميات المعري النجاة من قبضة اللغة وأسر ~~الالتزام، وإنك لا تكاد ترى اليوم من شعراء هذا العصر، وكتابه الذين يأخذون ~~بزمام هذا المجتمع العربي ويقيمون عالمه، ويقعدونه بقوتهم القلمية في شؤونه ~~السياسية والاجتماعية والأدبية كافة من يعد من حفاظ اللغة العربية، وثقاتها ~~أو من يسلم له مقال من مأخذ لنحوي أو مغمز # PageV01P035 # للغوي، وهم على ذلك عندي أدخل في باب البيان، وألصق به، وأمس به رحما من ~~أولئك الذين يستظهرون متون اللغة، ويحفظون دقائقها، ويحيطون بمترادفها ~~ومتواردها ويتباصرون بشاذها وغريبها ويحملون في صدورهم ما دق وجل من مسائل ~~نحوها وتصريفها، فإذا عرض لهم غرض من الأغراض في أي شأن من شؤون حياتهم، ~~وأرادوا أنفسهم على الإفضاء به ارتج عليهم فأغلقوا، أو تقعروا وتشدقوا، ~~فكأنهم لم ينطقوا، والفرق بين الأدباء واللغويين أن الأولين كاتبون، ~~والآخرين مصححون، فمثلهما كمثل النساج وعامله، هذا ينسج الثوب، وهذا يلتقط ~~زوائده ويمسح عنه زئبره1 أو كمثل الشاعر والعروضي، هذا ينظم الشعر وهذا ~~يعرضه على تفاعيله وموازينه، وليس البيان ذهاب كلمة، ومجيء أخرى، ولا دخول ~~حرف وخروج آخر، وإنما هو النظم والنسق والانسجام، والإطراد والماء والرونق ~~واستقامة الغرض وتطبيق المفصل، والأخذ بالنفوس، وامتلاك أزمة الهواء، فإن ~~صح ذلك لامرئ، فهو الكاتب القدير، أو الشاعر الجليل، فإن زلت به قدم في وضع ~~حرف مكان حرف، أو غلبه على لسانه دخيل، أو خرج من يده أصيل، أو كان ممن ~~يفوته العلم ببعض القواعد PageV01P036 # اللغة أو بعض وجوه الاستعمال فيها، كان ذلك عيبا لاحقا بعلمه أو بحافظته، ~~لا ببيانه وفصاحته، ومتى صدر القائل في قوله عن سجية وطبع أصبح شأنه شبيها ~~بشأن العرب الأولين، وكان من شأنهم أن يسبقهم إلى كلامهم الخطأ اللفظي في ~~بعض الأحيان، وكان السبب في ذلك كما يقول أبو علي الفارسي: أنهم كانت تهجم ~~بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء، فزاغوا به عن القصد من ~~حيث لا يشعرون، وكما أن الجسم لا يغير صورته، ولا يقلب ms024 سحنته أن تطير منه ~~ذرة، وتحل أخرى محلها لتمثلها كذلك لا يغير صورة الكلام، ولا يذهب بنسقه ~~خروج أصيل، أو دخول دخيل، ولقد قيل لأحد الكتاب الإنكليز نراك كثير الإعجاب ~~بالكاتب "كبلنغ" وهو رجل لحانة لا يحفل بقواعد اللغة، فأجاب أن سطرا واحدا ~~مما يكتبه "كبلنغ" أثمن عندي من قوانين اللغة جميعها، وليس من الرأي أن ~~أحرم نفسي التمتع بأدبه إكراما لسواد عيون الغراماطيق1 الإنكليزي، وفضل ~~الأدباء على اللغة في سيرورتها وذيوعها وتداولها وخلودها أكبر من فضل ~~اللغويين عليها في ذلك؛ لأنهم هم الذين يمهدون سبلها، ويعبدون2 طرقها، ~~ويستدنون نافرها، ويجمعون شاردها، PageV01P037 # وينظمون لآلئها، نظم الثاقب لآلئه في السلك، فيأخذها الناس عنهم من أخصر ~~الطرق وأقربها، وأشهاها إلى النفس، وأعلقها بالقلب، وقليل من الناس من يأخذ ~~مادته اللغوية من معاجم اللغة أو يكتسب ملكة الإعراب من كتب النحو ~~والتصريف، وما كانت اللغة عدوة للأدب، ولا كان الأدب عدوا لها، بل هي أساسه ~~وقوامه الذي يقوم به، ولكن المشتغلين بها، والمتوفرين على دراستها، ~~والمنقطعين لاستظهارها، والنظر في دقائقها، والتعمق في أطوائها، لا يزال ~~يغلب عليهم الولع بها، والفناء فيها، حتى تصبح في نظرهم مقصدا من المقاصد، ~~لا وسيلة من الوسائل، وللبيان وسائل كثيرة غير وسيلة اللغة، فمن لا يأخذ ~~نفسه بجميع وسائله لا يصل إليه والتربية العلمية كالتربية الجسمية، فكما أن ~~الطفل لا ينمو جسمه، ولا ينشط ولا تتبسط أعضاؤه، ولا تنتشر القوة في ~~أعصابه، إلا إذا نشأ في لهوه ولعبه، وقفزه ووثبه، كذلك الكاتب لا تنمو ملكة ~~الفصاحة على لسانه، ولا تأخذ مكانها من نفسه، إلا إذا ملك الحرية في التصرف ~~والافتتان والذهاب في مذاهب القول، ومناحيه كما يشاء وحيث يشاء، دون أن ~~يسيطر عليه في ذلك مسيطر إلا طبعة وسجيته، واللغوي لا يزال يحوط نفسه ~~بالحذر والخوف، والوساوس والبلابل، # PageV01P038 # فإن مشى خيل إليه أنه يمشي على رملة ميثاء، وإن تحرك خيل إليه أن تحت ~~قدميه حفرة جوفاء، حتى يقعد به خوفه ووسواسه عن الغاية التي يريد الوصول ~~إليها، على ms025 أن الكاتب لا يبلغ مرتبة الكتابة إلا إذا نظر إلى الألفاظ ~~بالعين التي يجب أن ينظر بها إليها، فلم يتجاوز بها منزلتها الطبيعية التي ~~تنزلها من المعاني، وهي أن تكون خدما لها وخولا، وأثوابا وظروفا، فإذا كتب ~~تركها وشأنها، وأغفل أمرها حتى تأتي بها المعاني وتقتادها طائعة مرغمة، ~~والمعاني هي جوهر الكلام ولبه، ومزاجه وقوامه، فما شغل الكاتب من همته ~~بغيرها أزرى بها حتى تفلت من يده، فيفلت من يده كل شيء. # وبعد فالعلم والمحفوظات والمقروآت والمادة اللغوية، والقواعد النحوية، ~~إنما هي أعوان الكاتب على الكتابة ووسائله إليها، فالجاهل لا يكتب شيئا؛ ~~لأنه لا يعرف شيئا، ومن لا يضطلع بأساليب العرب ومناحيها في منظومها ~~ومنثورها سرت العجمة إلى لسانه، أو غلبته العامية على أمره، ومن قل محفوظه ~~من المادة اللغوية قصرت يده عن تناول جميع ما يريد تناوله من المعاني، ومن ~~جهل قانون اللغة أغمض الأغراض وأبهمها، أو شوه جمال الألفاظ وهجنها، ولكن ~~ليست هي جوهر الفصاحة، ولا # PageV01P039 # حقيقة البيان، فأكثر القائمين عليها، والمضطلعين بها، لا يكتبون ولا ~~ينظمون، فإن فعلوا كان غاية إحسان المحسن منهم أن يكون كصانع التماثيل الذي ~~يصب في قالبه تمثالا سويا متناسب الأعضاء، مستوي الخلق، إلا أنه لا روح فيه ~~ولا جمال له؛ لأنه ينقصهم بعد ذلك كله أمر هو سر البيان ولبه، وهو الذوق ~~النفسي والفطرة السليمة، وأنى لهم ذلك وما دخلت الفلسفة أيا كان نوعها على ~~عمل من أعمال الفطرة إلا أفسدته، وما خالط التكلف عملا من أعمال الذوق إلا ~~شوه وجهه، وذهب بحسنه وروائه. # ولقد قرأت ما شئت من منثور العرب، ومنظومها، في حاضرها وماضيها، قراءة ~~المتثبت المستبصر، فرأيت أن الأحاديث ثلاثة، حديث اللسان، وحديث العقل، ~~وحديث القلب. # فأما حديث اللسان، فهو تلك العبارات المنمقة، والجمل المزخرفة، أو تلك ~~الكلمات الجامدة الجافة التي لا يعني صاحبها منها سوى صورتها اللفظية، فإن ~~كان لغويا تقعر وتشدق، وتكلف وأغرب، حتى يأتيك بشيء خير ما يصفه به الواصف ~~أنه متن مشوش من متون اللغة لا ms026 فصول له ولا أبواب، وإن كان بديعيا جنس ورصع ~~وقابل ووشع وزواج وافتن في الإتيان بالكلمة مهملة كلها أو معجمة كلها، أو ~~راوح بين الإهمال والإعجام # PageV01P040 # فيخيل إليك، وأنت تراه ينطق بما ينطق به كأنما هو يصنعه بيديه صنعا، أو ~~يصففه تصفيفا، ثم لا يبالي بعد ذلك باستقامة المعنى في ذاته ولا بمقدار ~~ماله من الأثر في نفس السامع، وهذا الحديث هو أسقط الأحاديث الثلاثة ~~وأدناها وأجدرها أن ينظمه الناظم في سلك الصناعة اليدوية التي لا دخل ~~للعقل، ولا للفهم في شيء منها، وأن ينظم صاحبها في سلك جماعة الصيادلة ~~الذين لا شأن لهم إلا تحليل المواد وتركيبها، وجمعها وتفريقها، والمزاوجة ~~بين مقاديرها، والموازنة بين أثقالها، من حيث لا يكون لقوة التصور، ولا ~~لذكاء القلب، دخل في هذا أو ذاك. # وأما حديث العقل، فهو تلك المعاني التي ينحتها الناحتون من أذهانهم نحتا، ~~ويقتطعونها من اقتطاعها، ويذهبون فيها مذهب المعاياة، والتحدي والتعمق ~~والأغراب، ويسمونها تارة تخييلا، وأخرى غلوا، وأخرى حسن تعليل إلى كثير من ~~أمثال هذه الأسماء والألقاب التي تتفرق ما تتفرق، ثم يجمعها شيء واحد هو ~~الكذب والإحالة، وآية ما بينك وبينها أنك إذا رأيتها شعرت بأنك ترى أمامك ~~شيئا غريبا عن نفسك، وعن نفس صاحبه، وعن نفوس الناس جميعا، وأن صاحبه لا ~~يريد منه إلا أن # PageV01P041 # يطرفك أو يضحكك أو يدهشك أو يعجبك من ذكائه وفطنته، واقتداره على تصوير ~~ما لا يتصور، وإيجاد ما لا يكون، وهو أمر لا علاقة له بجوهر الشعر، ولا ~~حقيقة الكتابة، وربما انعكس عليه حتى غرضه هذا فنفرك وأكدك، وملأ قلبك غيظا ~~وقيحا كأن يقول: # لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق # فإن الجوزاء لا تنتطق، ولو كان هذا الذي نراه يستدير بها نطاقا، فهو شيء ~~متصل بها قبل أن يخلق للمدوح، ويخلق أباؤه الأولون والآخرون إلى آدم وحواء، ~~والكواكب ليست أشخاصا أحياء يتخذ منها الناس خدما وخولا لأنفسهم، ولو كانت ~~كذلك لاستحال عليها، وهي من سكان السماء أن تهبط ms027 إلى الأرض لتخدم سكانها، ~~فقد كذب وأحال أربع مرات في بيت واحد، ثم عجز بعد هذا كله أن يترك في نفس ~~السامع صورة تمثل جلال ممدوحه، وعظم شأنه، فهو في الحقيقة إنما يريد ببيته ~~هذا أن يمتدح نفسه بالإبداع وقوة التخيل، لا أن يمتدح ممدوحه برفعه الشأن ~~وعلو المقام. # أو يقول: # ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب # PageV01P042 # فإن الذي يحمل في صدره قلبا رحيما، مشفقا على الذئاب من الجوع، مستعظما ~~أن يخلفها ما عودها إياه من طعام وشراب لا يمكن أن يكون هو نفسه ذئبا ضاريا ~~يريق دماء الناس، ويمزق أحشاءهم، ويقطع أوصالهم؛ ليملأ بها بطون الوحش، ولا ~~يوجد بين الأسباب التي تحمل الناس على القتال سبب يشبه هذا السبب الذي ~~ذكره، على أن المحسن لا يكون محسنا إلا إذا وهب ما يهب من ماله، ومن خزائن ~~بيته، فأما أن يقتل الناس تقتيلا، ويمثل بهم ثم ينعم بجثثهم على الجائعين ~~والظماء من وحوش الأرض وذئابها فذلك شيء هو بالجنون أشبه منه بالإحسان. # أو يقول: # لا يذوق الاغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا # فإن النوم قوام الإنسان وعماد حياته، ولازم من لوازمه اللاصقة به، أراد ~~ذلك أم لم يرد، فإن كان لا بد من دخوله في باب الاختيار، فإن من أبعد ~~الأشياء عن التصور والفهم أن يكون ما يحمل الإنسان على طلب النوم رجاؤه أن ~~يرى فيه الأحلام والرؤى، فإن فعل فلا يدخل في باب أغراضه وأمانيه أن ينام ~~ليرى خيال جماعة المتسولين والمتأكلين، وهم ملء الأرض وهباء الجو، وأرصاد ~~الأعتاب، وأعقاب الأبواب، لا تنفتح الأعين # PageV01P043 # إلا عليهم، ولا تمتلئ الأنظار إلا بهم، فهم لم يبلغوا في الضن بأنفسهم ~~والعزف بها مبلغ من لا يراه الرائي ولا يعثر به إلا إذا ألقى في طريقة ~~حبائل الأحلام ليصطاده بها. # أو يقول: # لم يتخذ ولدا إلا مبالغة ... في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا # فإن الأولاد لا يتخذون اتخاذا، وإنما ينعم الله بهم على من يشاء من ms028 خلقه ~~إنعاما، وأكثر ما تقذف به الأرحام من النسمات إنما هو ثمرة من ثمرات الحب ~~يأتي بها عفوا، لا نبتة من نبات الأرض يبذر الزراع بذورها ليستنبتها، والله ~~تعالى غني بربوبيته، ووضوح آثارها عن الاستدلال عليها بنطفة يقذفها قاذفها ~~في بعض الأرحام، فإن كان لا بد في إثبات ربوبيته من دليل يدل على مخالفته ~~للحوادث في الصفات والأفعال فالأدلة على ذلك كثيرة لا يضبطها الحساب كثرة، ~~وربما كان أهونها، وأضعفها أنه لا يتخذ ولدا وأنهم يتخذون، على أن المتخذين ~~كثيرون قد ضاق بهم بطن الأرض وظهرها، فالمسألة مفروغ منها قبل أن يخلق هذا ~~الممدوح، ويخلق وله فلا فضل له في الإتيان بشيء جديد. # أو يقول: # وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا # PageV01P044 # فإن الأزهار التي تستمد حياتها ونماءها من جثث الموتى ورممهم لا يمكن أن ~~تكون طيبة الريح، على أن الأزهار مريحة قبل أن يدفن هؤلاء الموتى في ~~قبورهم، فلم يزد في كلمته هذه على أن أتى بخيال ضعيف مبتذل هو أشبه الأشياء ~~بخيال العامة الذين يرون أن بعض الأزهار ما خلق إلا إكراما لبعض النبيين. # أو يقال: # تتلف في اليوم بالهبات وفي السا ... عة ما تجتنيه في سنتك # فقد أراد أن يصف ممدوحه بالكرم وصفا فوق ما يصف الناس، ويأتي في ذلك بما ~~لم يأت به غيره، فأنزله منزلة مجانين المسرفين الذين لا يحسنون الموازنة ~~بين أرزاقهم ونفقاتهم، ولو تقدمت هذه التهمة بهذه الصورة إلى قاض من قضاة ~~المال لما كان له بد من الحجر عليه، والقضاة يرضون في مثل هذه الأحكام بدون ~~إنفاق، دخل السنة جميعها في ساعة واحدة أو يوم واحد. # أو يقول: # ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب السافيات # فإن شيئا من ذلك لم يكن، فالقبر لا يضيق بأحد، والجو # PageV01P045 # لا يكون قبرا، والريح ليست كفنا، والرجل لا يزال مصلوبا غير مقبور، ولا ~~يزال عاريا غير مدرج في كفن. # وأما حديث ms029 القلب فهو ذلك المنثور أو المنظوم الذي تسمعه، فتشعر أن صاحبه ~~قد جلس بجانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلى جليسه، أو ليصور لك ما لا ~~تعرف من مشاهد الكون، أو سرائر القلوب، أو ليفضي إليك بغرض من أغراض نفسه، ~~أو لينفس عنك كربة من كرب نفسك، # أو ليوافي رغبتك في الإفصاح عن معنى من المعاني الدقيقة التي تعتلج في ~~صدرك, ثم يتكاءدك الإفصاح عنها، من حيث لا يكون للصناعة اللفظية، ولا ~~الفلسفة الذهنية، دخل في هذا أو ذاك، حتى ترى حجاب اللفظ قد رق بين يديك ~~دون المعنى حتى يفنى كما تفنى الكأس الصافية دون ما تشتمل عليه من الخمر، ~~فإذا الخمر قائمة بغير إناء، أو كما تفنى صفحة المرآة الصقيلة بين يدي ~~الناظر فيها، فلا يرى إلا صورته ماثلة بين يديه، ولا لوح هناك ولا زجاج، ~~وهو أرقى الأحاديث الثلاثة وأشرفها، وهو الذي يريده المريدون مهما اختلفت ~~عباراتهم، وتنوعت أساليبهم، من تعريف كلمة البيان. # ولقد كان من أكبر ما أعانني على أمري في كتابة رسائل # PageV01P046 # النظرات أشياء أربعة أنا ذاكرها لعل المتأدب يجد في شيء منها ما ينتفع به ~~في أدبه: # "أولها" أني ما كنت أحتفل من بين تلك الأحاديث الثلاثة بحديث اللسان ولا ~~حديث العقل، أي: إنني ما كنت أتكلف لفظا غير اللفظ الذي يقتاده المعنى ~~ويتطلبه، ولا أفتش عن معنى غير المعنى الطبيعي القائم في نفسي، بل كنت أحدث ~~الناس بقلمي كما أحدثهم بلساني، فإذا جلست إلى مكتبتي خيل إلي أن بين يدي ~~رجلا من عامة الناس مقبلا علي بوجهه، وأن من أشهى الأشياء وآثرها في نفسي ~~أن لا أترك صغيرا ولا كبيرا مما يجول بخاطري حتى أفضي به إليه، فلا أزال ~~أتلمس الحيلة إلى ذلك, ولا أزال أتأتى إليه بجميع الوسائل وألح في ذلك ~~إلحاح المشفق المجد حتى أظن أني قد بلغت من ذلك ما أريد، فلا أقيد نفسي ~~بوضع مقدمة الموضوع في أوله، ولا سرد البراهين على الصورة المنطقية ~~المعروفة، ولا التزام استعمال الكلمات ms030 الفنية التزاما مطردا إبقاء على ~~نشاطه وإجمامه وإشفاقا عليه أن يمل ويسأم فينصرف عن سماع الحديث أو يسمعه ~~فلا ينتفع به. # "وثانيها" أني ما كنت أحمل نفسي على الكتابة حملا، ولا أجلس إلى مكتبتي ~~مطرقا مفكرا: ماذا أكتب اليوم، # PageV01P047 # وأي الموضوعات أعجب وأغرب، وألذ وأشوق، وأيها أعلق بالنفوس، وألصق ~~بالقلوب؟ بل كنت أرى فأفكر فأكتب فأنشر ما أكتب فأرضي الناس مرة وأسخطهم ~~أخرى من حيث لا أتعمد سخطهم، ولا أتطلب رضاهم. # "وثالثها" أني ما كنت أكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالا غير مرتكز ~~على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة من الخيال لا تأخذ من نفس ~~السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا، وأحسب أن السبب في ذلك أن أكثر ما ~~تشتمل عليه النفوس من العقائد والمذاهب، والآراء والأخلاق، والخواطر ~~والتصورات، إنما هو أثر من آثار الخيالات الذهنية التي تتراءى في سماء ~~الفكر، ثم لا تزال بها الأيام تكسوها طبقة بعد طبقة من غبار القدم حتى تصبح ~~حقيقة من الحقائق الثابتة في الأذهان، وكما أن الحديد لا يفل إلا الحديد، ~~واللون لا يذهب به إلا لون غيره، كذلك الخيال لا يذهب به ولا يزعجه من ~~مكانه إلا الخيال، وللخيال الأثر الأعظم في تكوين هذا المجتمع الإنساني ~~وتكييفه بالصورة التي يريدها، فلولا خيال الشعر ما هاج الوجد في قلب ~~العاشق، ولولا خيال الشرف ما هلك الجندي في ساحة الحرب، ولولا خيال الذكرى ~~ما اخترعت # PageV01P048 # المخترعات، ولا ابتدعت المبتدعات، ولولا خيال الرحمة ما عطف غني على ~~فقير، ولا حنا كبير على صغير، كما كنت أعلم أن الخيال غير المرتكز على ~~الحقيقة إنما هو هبوة طائرة من هبوات الجو لا تهبط أرضا، ولا تصعد إلى ~~سماء. # "ورابعها" أني كنت أكتب للناس لا لأعجبهم، بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم ~~أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبت، والناس كما قلت في بعض رسائلي ~~خاصة وعامة: أما خاصتهم فلا شأن لي معهم، ولا علاقة لي بهم، ولا دخل لكلمة ~~من كلماتي في ms031 شأن من شئونهم، فلا أفرح برضاهم، ولا أجزع لسخطهم؛ لأني لم ~~أكتب لهم، ولم أتحدث معهم، ولم أشهدهم أمري، ولم أحضرهم عملي، بل أنا أتجنب ~~جهد المستطاع أن أستمع منهم شيئا مما يتعلق بي من خير أو شر؛ لأني راض عن ~~فطرتي وسجيتي في اللغة التي أكتب بها فلا أحب أن يكدرها علي مكدر، وعن ~~آرائي ومذاهبي التي أودعها رسائلي فلا أحب أن يشككني فيها مشكك، ولم يهبني ~~الله من قوة الفراسة ما أستطيع به أن أميز بين مخلصهم ومشوبهم، فأصغي إلى ~~الأول لأستفيد علمه، وأعرض عن الثاني لأتقي غشه، فأنا أسير بينهم مسير رجل ~~بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ منها في # PageV01P049 # ساعة معينة، ثم علم أن على يمين الطريق التي يسلكها روضة تعتنق أغصانها، ~~وتشتجر أفنانها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده، وتعوي ذئابه، وتفح أفاعيه ~~وصلاله، فمضى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو عن غايته بشهوات سمعه ~~وبصره، ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع المقعية، والصلال ~~الناشرة، فتعترض دون طريقه: وأما عامتهم فهم بين ذكي قد وهبه الله من سلامة ~~الفطرة، وصفاء القلب، ولين الوجدان، ما يعده لاستماع القول واتباع أحسنه، ~~فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حيل بينه وبين نفسه فهو لا يرضى إلا عما ~~يعجبه، ولا يسمع إلا ما يطربه، فأكل أمره إلى الله، وأستلهمه صواب الرأي ~~فيه، حتى يجعل الله له من بعد عسرا يسرا، # مصطفى لطفي المنفلوطي # PageV01P050 ### | الغد # عرفت أني فكرت ليلة أمس فيما أكتب اليوم وعرفت أني آخذ الساعة بقلمي بين ~~أناملي, وأن بين يدي صحيفة بيضاء تسود قليلا قليلا كلما أجريت القلم فيها, ~~ولكن لا أعلم هل يبلغ القلم مداه أو يكبو1 دون غايته، وهل أستطيع أن أتمم ~~رسالتي هذه أو يعترض عارض من عوارض الدهر في سبيلها؟ لأني لا أعرف من شئون ~~الغد شيئا؛ ولأن المستقبل بيد الله. # عرفت أني لبست أثوابي في الصباح وأنها لا تزال فوق جسمي حتى الآن, ولكني ~~لا ms032 أعلم هل أخلعها بيدي أو تخلعها يد الغاسل. # الغد شبح مبهم يتراءى للناظر من مكان بعيد فربما كان ملكا رحيما، وربما ~~كان شيطانا رجيما، بل ربما كان سحابة سوداء إذا هبت عليها ريح باردة حللت ~~أجزاءها وفرقت ذراتها فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبقها وجود ~~PageV01P051 # الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه1، وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في ~~جوفه الدرر والجواهر، أو الموت الأحمر. # لقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأنظار, حتى لو أن إنسانا رفع قدمه ~~ليضعها في خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبة القصر، أم على حافة ~~القب؟ # الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتتسقطه2 العقول ~~وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء ~~الزلال. # كأنى بالغد وهو كامن في مكمنه رابض في مجثمه3 متلفع بفضل إزاره ينظر إلى ~~آمالنا وأمانينا نظرات الهزء والسخرية, ويبتسم ابتسامات الاستخفاف ~~والازدراء، يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث وهذا الباني ~~أنه يبني للخراب وهذا الوالد أنه يلد للموت ما جمع الجامع ولا بنى الباني ~~ولا ولد الوالد. # ذلل الإنسان كل عقبة في هذا العالم فاتخذ نفقا في الأرض وصعد بسلم إلى ~~السماء، وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب4 من حديد وخيوط من نحاس، وانتقل ~~بعقله إلى العالم العلوى PageV01P052 # فعاش في كوكبه وعرف أغوارها وأنجادها، وسهولها وبطاحها، وعامرها وغامرها، ~~ورطبها ويابسها، ووضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة ~~والموازين لوزن كرة الأرض إجمالا وتفصيلا، وغاص في البحار فعرف أعماقها ~~وفحص تربتها, وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها ~~وجواهرها، ونفذ من بين الأحجار والآ كام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها ~~وعرف كيف يعيشون، وأين يسكنون، وماذا يأكلون ويشربون، وتسرب من منافذ ~~الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها، والعقول ~~ومذاهبها، والمدارك ومراكزها، حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى، واخترق ~~بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد ms033 عاجزا مقهورا لا ~~يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على ~~غيبه أحدا. # أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلا ~~لنرى صفحة1 واحدة من صفحات وجهك المقنع, أو لا فاقترب منا قليلا علنا ~~نستطيع أن نستشف صورتك PageV01P053 # من وراء هذا اللثام المسبل دوننا فقد كارت قلوبنا شوقا إليك، وذابت ~~أكبادنا وجدا عليك. # أيها الغد، إن لنا آمالا كبارا وصغارا، وأماني حسانا وغير حسان، فحدثنا ~~عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها، أأذلتها ~~واحتقرتها، أم كنت لها من المكرمين. # لا لا. صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجهك ولا تحدثنا حديثا واحدا عن ~~آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن ~~أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة: # وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر # PageV01P054 ### | الكاس الأولى # كان لي صديق أحبه وأحب منه سلامة قلبه وصفاء سريرته وصدقة ووفاءه في حالي ~~بعده وقربه، وغضبه وحلمه، وسخطه ورضاه، ففرق الدهر بيني وبينه فراق حياة لا ~~فراق ممات، فأنا اليوم أبكيه حيا أكثر مما كنت أبكيه لو كان ميتا، بل أنا ~~لا أبكي إلا حياته، ولا أتمنى إلا مماته، فهل سمعت بأعجب من هذه الخلة ~~الغريبة في طبائع النفوس. # علقت حبالي بحباله حقبة من الزمان عرفته فيها، وعرفني ثم سلك سبيلا غير ~~سبيله، فأنكرته وأنكرني حتى ما أمر بباله؛ لأن الكأس التي علق بها لم تدع ~~في قلبه فراغا يسع غيرها وغير العالقين بها، وربما كان يدفعني عن مخيلته ~~دفعا إذا تراءيت فيها؛ لانه إذا ذكرني ذكر معي تلك الكلمات المرة التي كنت ~~ألقاه بها في فتحة حياته الجديدة، وما كان له، وهو يهيم في فضاء سعادته ~~التي يتخيلها أن يكدر على نفسه بمثل هذه الذكرى صفاء هذا الخيال، ثم لم أعد ~~أعلم من أمره بعد ذلك شيئا جديدا؛ لأن حياة # PageV01P055 # المدمنين حياة ms034 متشابهة متماثلة لا فرق بين صبحها ومسائها، وأمسها وغدها، ~~ذهاب إلى الحانات فشراب، فخمار1 فنوم فذهاب، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين ~~طرفاها، والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن حتى أن بعض من ينام ~~على دورة الرحى يستيقظ عند سكونها، وكان أحرى أن يوقظه دورانها. # لذلك لم يشغل هذا المسكين محلا من قلبي إلا بعد أن سكنت دورته، وهدأت ~~حركته، فلم أعد أراه معربدا في الحانات، ولا مطرحا في مدارج الطرق، ولا ~~معتقلا في أيدي الشرط2 هنالك سألت عنه فقيل لي إنه مريض فلم أعجب من شيء ~~كنت أعد له الأيام والأعوام كما يعد الفلكي الساعات والدقائق لكسوف الشمس، ~~واصطدام الكواكب. # دخلت عليه أعوده فلم أجد عنده طبيبا، ولا عائدا لأنه فقير، والأطباء ~~يظهرون الرحمة بالفقراء، ويبطنون # حب الصفراء والبيضاء، والأصدقاء يخافون عدوى المرض وعدوى الفقر، فلا ~~يعودون المريض، ولا يزورون الفقير. PageV01P056 # دخلت منزله فلم أجد المنزل ولا صاحبه؛ لأني لم أجد فيه ذلك الروح العالي ~~الذي كان يرفرف بأجنحته في غرفة وقاعاته، ولم أر دخان المطبخ ولم أسمع ~~ضوضاء الخدم، ولا بكاء الاطفال ولا رنين الأجراس، فكأنني دخلت القبر أزور ~~الميت لا المنزل أعود الحي. # ثم تقدمت نحو سرير المريض فكشف كلته البالية عن خيال لم يبق منه إلا ~~إهاب1 لاصق بعظم ناحل، فقلت: أيها الخيال الشاخص ببصره إلى السماء قد كان ~~لي في إهابك هذا صديق محبوب، فهل لك أن تدلني عليه. فبعد لأي ما2 حرك شفتيه ~~وقال، هل أسمع صوت فلان، قلت نعم مم تشكو، فزفر زفرة كادت تتساقط لها ~~أضلاعه وأجاب، أشكو الكأس الأولى، قلت: أي كأس تريد، قال: أريد الكأس التي ~~أدوعتها مالي وعقلي وصحتي وشرفي، وها أنا ذا اليوم أودعها حياتي، قلت قد ~~كنت نصحتك ووعظتك وأنذرتك بهذا المصير الذي صرت إليه اليوم، فما أجديت عليك ~~شيئا، قال ما كنت تعلم حين نصحتني من غوائل هذا العيش النكد أكثر مما كنت ~~أعلم، ولكنني كنت PageV01P057 # شربت الكأس الأولى فخرج الأمر من يدي. كل كأس ms035 شربتها جنتها على الكأس ~~الأولى. أما هي فلم يجنها على غير ضعفي وقصور عقلي على إدراك خداع الأصدقاء ~~والخلطاء. # لم تكن شهوة الشراب مركبة في الإنسان كبقية الشهوات فيعذر في الانقياد ~~إليها كما يعذر في الانقياد إلى غيرها من الشهوات الغريزية، فلا سلطان لها ~~عليه إلا بعد أن يتناول الكأس الأولى، فلم يتناولها؟ يتناولها لأن الخونة ~~الكاذبين من خلانه وعشرائه خدعوه عن نفسه في أمرها؛ ليستكملوا بانضمامه ~~إليهم لذتهم التي لا تتم إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع، ولو علمت كيف ~~خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه، وأي ذريعة تذرعوا بها إلى ذلك ~~لتحققت أنه أبله إلى النهاية من البلاهة، وضعيف إلى الغاية التي ليس وراءها ~~غاية. # أنا ذلك الأبله، وذلك الضعيف، فاسمع كيف خدعني الأصدقاء وزينوا لي ما ~~يزينه الشيطان للإنسان. # قالوا إن حياتك حياة هموم وأكدار، ولا دواء لهذا الأدواء إلا الشراب، ~~وقالوا إن الشراب يزيد رونق الجسم ويبعث نشاطه، وأنه يفتق اللسان، ويعلم ~~الإنسان البيان، وأنه يشجع الجبان، ويبعث في القلب الجرأة والإقدام. هذا ما ~~سمعته # PageV01P058 # فصدقته وخدعته به، صدقت أن في الشراب أربع مزايا: السعادة والصحة ~~والفصاحة والإقدام. فوجدت فيه أربع رزايا: الفقر والمرض والسقوط والجنون. # غرهم من الصحة ذلك اللون الأحمر الذي يتركه الشراب وراءه في الأعضاء، وهو ~~يتغلغل في الأحشاء، ومن الفصاحة الهذر والهذيان، وهجر1 القول وبذاءة ~~اللسان، ومن الإقدام العربدة التي لا تسكن إلا في غرفة السجن، ومن السعادة ~~اللحظات القليلة التي يغشى فيها على عقله الشارب، فيعمى عن رؤية ما يحيط به ~~من الأشياء كما هي فتنعكس في نظره الحقائق حتى يتخيل الشتم طرفة2 والصفع ~~تحية فيضحكه من ذلك ما يضحك الأطفال والممرورين3. # أي سرور لمن يعيش في منزل لا يزور الابتسام ثغرا من ثغور ساكنيه، أي سرور ~~لمن يودعه أهله كل يوم في صباحه بالحسرات، ويستقبلونه في مسائه بالزفرات، ~~أي سعادة لمن يمشي دائما في طريقه متلويا متمعجا4 يتسرب في المنعطفات ~~والأزقة، ويعوذ بألواذ5 الجدر والأسوار فرارا من نظرات PageV01P059 # الجزار، وتهكمات ms036 العطار، وصرخات الخمار. # ولقد كنت أرى هؤلاء الأشقياء في فاتحة حياتي التعسة فكان يمر بخاطري ما ~~يمر بخاطر أمثالي أنهم قتلى الإدمان لا قتلى الشراب، وكنت أقدر لنفسي القصد ~~فيه إن قدر لي في أمره شيء حتى لا أبلغ مبلغهم ولا أنزل منزلتهم، فلما شربت ~~أخطأ العد وضاع الحساب، وفسد التدبير، واختلف التقدير، وغلبت على أمري كما ~~يغلب على أمره كما يغلب على أمره كل مخدوع بمثل ما خدعت به، ولولا الكأس ~~الأولى ما هلكت، ولا شكوت الذي شكوت، ولولاها ما عافني الأصدقاء، ولا زهد ~~في الأقرباء، فكن أنت وحدك صديق السراء والضراء. # فعاهدته على ذلك ثم تركته في حالة. # تصم السميع وتعمى البصير ... ويسأل من مثلها العافيه # PageV01P060 ### | الدفين الصغير # الآن نفضت يدي من تراب قبرك يا بني وعدت إلى منزلي كما يعود القائد ~~المنكسر من ساحة الحرب لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها، وزفرة لا ~~أستطيع تصعيدها. # ذلك لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك، فرزقني بك ~~قبل أن أسأله إياك، ثم استلبك مني قبل أن أستعفيه منك، قد أراد أن يتمم ~~فضاءه في، وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها فحرمني حتى دمعة أرسلها، أو زفرة ~~أصعدها، حتى # لا أجد في هذه، ولا تلك ما أتفرج به مما أنا فيه، فله الحمد راضيا ~~وغاضبا، وله الثناء منعما وسالبا، وله مني ما يشاء من الرضى بقضائه، والصبر ~~على بلائه. # رأيتك يا بني في فراشك عليلا فجزعت، ثم خفت عليك الموت ففزعت، وكأنما كان ~~يخيل إلي أن الموت والحياة شأن من شؤون الناس، وعمل من الأعمال التي تملكها ~~أيديهم فاستشرت الطبيب في أمرك فكتب لي الدواء، ووعدني بالشفاء، فجلست # PageV01P061 # بجانبك أصب في فمك ذلك السائل الأصفر قطرة قطرة، والقدر ينتزع من بين ~~جنبيك الحياة قطعة قطعة، حتى نظرت فإذا أنت بين يدي جثة باردة لا حراك بها، ~~وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي، فعلمت أني قد ثكلتك، وأن الأمر أمر ~~القضاء، لا أمر الدواء. # سأنام ms037 يا بني بعد قليل على فراش مثل فراشك، وسيعالج مني المقدار وما عالج ~~منك، وأحسب أن آخر ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شؤون الحياة ~~وأطوارها، وخطوبها وأحداثها، هو الندم العظيم الذي لا أزال أكابد ألمه على ~~تلك الجرع المريرة التي كنت أجرعك إياها بيدي، وأنت تجود بنفسك فيربد وجهك، ~~وتختلج أعضاؤك، وتدمع عيناك، وما لك يد فتستطيع أن تمدها إلي لتدفعني عنك، ~~ولا لسان فتستطيع أن تشكو إلى مرارة ما تذوق. # لقد كان خيرا لي ولك يا بني أن أكل إلى الله أمرك في شفائك ومرضك، وحياتك ~~وموتك، وألا يكون آخر عهدك بي يوم وداعك لهذه الدنيا تلك الآلام التي كنت ~~أجشمك إياها، فلقد أصبحت أعتقد أنني كنت عونا للقضاء عليك، وأن كأس المنية ~~التي كان يحملها لك القدر في يده لم تكن أمر مذاقا في فمك من قارورة الدواء ~~التي كنت أحملها لك في يدي # PageV01P062 # ما أسمج وجه الحياة من بعدك يا بني، وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري، ~~وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه، فلقد كنت تطلع في أرجائه ~~شمسا مشرقة تضيء لي كل شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ~~ترى عينك الآن في ظلمات قبرك. # بكى الباكون والباكيات عليك ما شاءوا، وتفجعوا ما تفجعوا، حتى إذا ~~استنفدوا ماء شئونهم، وضعفت قواهم عن احتمال أكثر مما احتملوا، لجئوا إلى ~~مضاجعهم فسكنوا إليها، ولم يبق ساهرا في ظلمة هذه الليل وسكونه غير عينين ~~قريحتين، عين أبيك الثاكل المسكين، وعين أخرى أنت تعلمها. # لقد طال علي الليل حتى مللته، ولكنني لا أسأل الله أن ينفرج لي سواده عن ~~بياض النهار؛ لأن الفجيعة التي فجعتها بك يا بني لم تبق بين جنبي بقية أقوى ~~بها على رؤية أثر من آثار حياتك، فليت الليل باق حتى لا أرى وجه النهار، بل ~~ليت النهار يضيء فقد مللت هذا الظلام. # دفنتك اليوم يا بني، ودفنت أخاك من قبلك، ودفنت من قبلكما أخويكما، ms038 فأنا ~~في كل يوم أستقبل زائرا جديدا، وأودع ضيفا راحلا، فيا لله لقلب قد لاقى فوق ~~ما تلاقي القلوب، واحتمل # PageV01P063 # فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب. # لقد افتلذ كل منكم يا بني من كبدي فلذة، فأصبحت هذه الكبد الخرقاء مزقا ~~مبعثرة في زوايا القبور، ولم يبق لي منها إلا ذماء قليل لا أحسبه باقيا على ~~الدهر، ولا أحسب الدهر تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل. # لما ذهبتم يا بني بعد ما جئتم؟ ولماذا جئتم أن كنتم تعلمون أنكم لا ~~تقيمون؟ # لولا مجيئكم ما أسفت على خلو يدي منكم؛ لأنني ما تعودت أن تمتد عيني إلى ~~ما ليس في يدي، ولو أنكم بقيتم بعدما جئتم ما تجرعت هذه الكأس المريرة في ~~سبيلكم. # لقد كنت أرضى من الدهر في أمركم أن يتزحزح لي عن طريقي التي أسير فيها، ~~وأن يزوي وجهه عني فلا أراه ولا يراني، ولا يحسن إلي ولا يسيء، ولا يتقدم ~~إلي بخير ولا شر، ولا يتراءى لي مبتسما، ولا مقطبا، ولا ضاحكا ولا باكيا، ~~لو أنه رضى مني بذلك، ولكنه كان أذكى قلبا، وأنفذ بصرا، من أن يفوته العلم ~~بأنني ما كنت أبكي على النعمة لو لم تكن في يدي، وما كنت أجد مرارة ~~فقدانها، لو لم أذق حلاوة وجدانها، وكان لا بد له أن يجري في سنة الشقاء ~~الذي أخذ على نفسه أمام الله # PageV01P064 # أن يجريها بين عباده، فلما عجز عن أن يدخل إلى من باب الطمع، دخل إلي من ~~باب الأمل، فهو يمنحني المنحة فاغتبط بها حقبة من الدهر حتى إذا علم أن ~~بذرة الأمل التي غرسها في نفسي قد نمت وأزهرت، وأنني قد استعذبت طعم النعمة ~~التي آتاني كر علي فانتزعها من يدي أنعم ما أكون بها كما تنتزع الكأس ~~الباردة من يد الظامئ الهيمان، ليعظم وقوع السهم في كبدي، ويفدح سلب النعمة ~~من يدي، ولولا ذلك ما نال مني منالا، ولا وجد إلي سبيلا. # يا بني إن قدر الله لكم أن ms039 تتلاقوا في روضة من رياض الجنة، أو على شاطئ ~~غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر من قصورها، فاذكروني مثل ما أذكركم، ~~وقفوا بين يدي ربكم صفا واحدا كما يقف بين يديه المصلون، ومدوا إليه أكفكم ~~الصغيرة كما يمدها السائلون، وقولوا له: اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل ~~المسكين كان يحبنا، وكنا نحبه وقد فرقت الأيام بيننا وبينه فهو لا يزال ~~يلاقي من بعدنا من شقاء الحياة وبأسائها مالا طاقة له باحتماله، ولا نزال ~~نجد بين جوانحنا من الوجد به، والحنين إليه، ما ينغص علينا هناء هذه النعمة ~~التي ننعم بها في جوارك # PageV01P065 # بين سمعك وبصرك، وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذابا كثيرا، فإما أن ~~تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا: لا بل لا تطلبوا منه ألا أن يأتي بي إليكم، ~~فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب الله من ~~دعائكم ما لم يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستار المسبل بيني وبينكم، فنلتقي ~~كما كنا. # PageV01P066 ### | مناجاة القمر # أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، ~~وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، ~~وهذه النيرات حور وولدان، أم فص من ماس يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتم ~~صيغ من الأنوار، أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار، أم عين ثرة ~~من الماء، وهذه الأشعة جداول تتدفق، أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر ~~يتألق. # أيها القمر المنير: # إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك ~~أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سحب الهموم والأحزان. # أيها القمر المنير: # إن بيني وبينك شبها واتصالا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في الأرض، ~~كلانا يقطع شوطه صامتا هادئا منكسرا حزينا، # PageV01P067 # لا يلوي على أحد، ولا يلوى عليه أحد، وكلانا يبرز لصاحبه في ظلمة الليل ~~فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدا لأنه يغتر بابتسامة في ثغري، ~~وطلاقة في وجهي، ولو كشف ms040 له عن نفسي، ورأى ما تنطوي عليه من الهموم ~~والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطا ~~مسرورا؛ لأنه يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن ~~عالمك لرآه عالما خرابا، وكونا يبابا، لا تهب فيه ريح، ولا يتحرك شجر، ولا ~~ينطق إنسان، ولا يبغم حيوان. # أيها القمر المنير: # كان لي حبيب يملأ نفسي نورا، وقلبي لذة وسرورا، وطالما كنت أناجيه ~~ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أن تحدثني عنه ~~وتكشف لي عن مكان وجوده، فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ~~ويرجوك رجائي، وهائنذا كأني أرى صورته في مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي ~~كما أبكي من أجله، فأزداد شوقا إليه، وحزنا عليه. # أيها القمر المنير: # ما لي أراك تنحدر قليلا قليلا إلى الغروب كأنك تريد أن # PageV01P068 # تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئا فشيئا، وما هذا ~~السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك. # قف قليلا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدا، فإني لا أعرف غيرك، ~~ولا آنس بمخلوق سواك. # آه لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي، فمتى تنقضي وحشة ~~النهار، ويقبل إلي أنس الظلام. # PageV01P069 ### | أين الفضيلة # قرأت في بعض الروايات أن فتى قضى حقبة من دهره مولعا بحب فتاة خيالية لم ~~يرها مرة واحدة في حياته، وإنما تخيل في ذهنه صورة ألفها من شتى المحاسن ~~ومتفرقاتها في صور البشر، فلما استقرت في مخيلته تجسمت في عينيه فرآها ~~فأحبها حبا ملك عليه قلبه، وحال بينه وبين نفسه وذهب به كل مذهب، فأنشأ ~~يفتش عنها بين سمع الأرض وبصرها أعواما طوالا حتى وجدها. # لا أستطيع أن أكذب هذه القصة لأني أنا ذلك الفتى بعينه لا فرق بيني وبينه ~~إلا أنه يسمي ضالته الفتاة، وأسميها الفضيلة وأنه فتش عنها فوجدها، وفتشت ~~عنها حتى عييت بأمرها فما وجدت إليها سبيلا. # فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصا في أثواب ms041 بائع، ~~وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد، فعلمت أنه سارق للدينار الثاني، ~~ولو وكل إلي أمر القضاء ما هان على أن أعاقب لصوص الدراهم، وأغفل لصوص ~~الدنانير # PageV01P070 # ما دام كل منهما يسلبني مالي ويتغفلني عنه. # أنا لا أنكر على التاجر ربحه، ولكن أنكر عليه أن يتناول منه أكثر من ~~الجزاء الذي يستحقه على جهد نفسه في جلب السلعة وبذل راحته في صونها ~~وإحرازها، وكل ما أعرف من الفرق بين حلال المال وحرامه أن الأول بدل الجد ~~والعمل، والثاني بدل الغش والكذب. # فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء، فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص ~~كله على أن لا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من ~~منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه؛ مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم ~~والضرب على يد الظالم، وإراحة الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منازلها من ~~الذنوب، فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه1 لها ولا يحتفل بشأنها إلا إذا أشرق ~~عليها الكوكب بسعده، فمشت مع القانون في طريق واحد مصادفة واتفاقا، فإذا ~~اختلف طريقهما بين يديه حكم بغير ما يعتقد، ونطق بغير ما يعلم ودان البريء ~~وبرأ الجاني، فإذا عتب عليه في ذلك عاتب كانت معذرته إليه حكم القانون ~~عليه، كأنما يريد أن يجعل العقل أسير القانون PageV01P071 # وما القانون إلا حسنة من حسنات العقل وصنيعة من صنائعه، فتشت عن الفضيلة ~~في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحا أو متلافا، أما الأول فلو كان جارا ~~لبيت فاطمة -رضي الله عنها- وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من ~~الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه أشعة ~~الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان، وأما الثاني فما له بين ثغر ~~الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور ~~الأغنياء. # فتشت عنها في مجالس السياسة؛ فرأيت أن المعاهدة والاتفاق والقاعدة والشرط ~~ألفاظ مترادفة معناها الكذب، ورأيت أن الملك في كرسي مملكته، كالحوذي في ~~كرسي ms042 عربته، لا فرق بينهما إلا أن هذا ينقض "تعريفته"، وذاك ينقض معاهدته، ~~ورأيت أن أعدى عدو للإنسان الإنسان، وأن كل أمة قد أعدت في مخازنها ~~ومستودعاتها، وفي بطون قلاعها وعلى ظهور سفنها، وفوق متون طياراتها ما شاء ~~الله أن تعده لاختها من عدد الموت وأفانين العذاب، حتى إذا وقع بينهما ~~الخلف على حد من الحدود أو لقب من الألقاب لبس الإنسان فروة السبع، واتخذ ~~له من تلك العدد الوحشية أظفارا كأظفاره وأنيابا كأنيابه فشحذ # PageV01P072 # الأولى وكشر عن الأخرى، ثم هجم على ولد أبيه وأمه هجمة لا يعود منها إلا ~~به أو بنفسه التي جنبيه، وإنك لو سألت الجنديين المتقاتلين ما خطبكما، وما ~~شأنكما وعلام تقتتلان، وما هذه الموجدة التي تحملانها بين جنبيكما، ومتى ~~ابتدأت الخصومة بينكما وعهدي بكما أنكما ما تعارفتما إلا في الساعة التي ~~اقتتلتما فيها لعرفت أنهما مخدوعان عن نفسيهما، وأنهما ما خرجا من ديارهما ~~ليضعا درة في تاج الملك أو "نيشانا" على صدر القائد. # فتشت عنها بين رجال الدين ورجال الصحف؛ فرأيت أنهما يتجران بالعقول في ~~أسواق الجهل، ورأيت كلا منهما قد ثغر له في كل رأس من رؤوس البشر ثغرة ~~ينحدر منها إلى العقول فيفسدها والقلوب فيقتلها؛ ليتوسل بذلك إلى الذخائر ~~فيسرقها والخزائن فيسلبها، هذا باسم السياسة وذاك باسم الدين. # فتشت عنها في كل مكان أعلم أنه تربتها وموطنها فلم أعثر بها فليت شعري هل ~~أجدها في الحانات والمواخير أو في مغارات اللصوص أو بين جدران السجون. # سيقول كثير من الناس قد غلا الكاتب في حكمه، وجاوز الحد في تقديره، ~~فالفضيلة لا تزال تجد في صدور كثير من الناس صدرا رحبا، وموردا عذبا، وإني ~~قائل لهم قبل أن يقولوا كلمتهم: # PageV01P073 # إني لا أنكر وجود الفضيلة، ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام ~~عيني سحابة سوداء، أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجما لامعا، ~~ولا كوكبا طالعا. # كل الناس يدعي الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها ويرتدي رداءها ويعد ~~لها عدتها من منظر يستهوي ms043 الأذكياء والأغبياء ومظهر يخدع أسوأ الناس بالناس ~~ظنا، فمن لي بالوصول اليها في هذا الظلام الحالك والليل الأليل. # إن كان صحيحا ما يتحدث به الناس من سعادة الحياة وطيبها وغبطتها ونعيمها ~~فسعادتي فيها أن أعثر في طريقي في يوم من أيام حياتي بصديق يصدقني الود، ~~وأصدقه فيقنعه مني ودي وإخلاصي دون أن يتحاوز ذلك إلى ما وراءه من مآرب ~~وأغراض أن يكون شريف النفس، فلا يطمع في غير مطمع شريف القلب فلا يحمل حقدا ~~ولا يحفظ وترا، ولا يحدث نفسه في خلوته بغير ما يحدث به الناس في محضره ~~شريف اللسان، فلا يكذب ولا ينم ولا يلم بعرض، ولا ينطق بهجر1 شريف الحب، ~~فلا يحب غير الفضيلة، ولا يبغض غير الرذيلة. # هذه هي السعادة التي أتمناها ولكني لا أراها. PageV01P074 # إني لأرى الرياض الغناء تهفو أشجارها، وترن أطيارها، وأرى جداول الماء ~~تنساب بين أنوارها وأزهارها انسياب الأفاعي الرقطاء، في الرمال البيضاء، ~~وأرى أنامل النسائم تعبث بمنثورات الأوراق، عبث الهوى بألباب العشاق، وأسمع ~~ما بين صفير البلابل، وخرير الجداول، نغمات شجية تبلغ من نفس الإنسان، ما ~~لا تبلغ أوتار العيدان، فلا يسرني منها منظر ولا يطربني مسمع، لأني لا أرى ~~بين هذه المشاهد التي أراها ضالتي التي أنشدها. # لقد سمج وجه الرذيلة في عيني وثقل حديثها في مسمعي حتى أصبحت أتمنى أن ~~أعيش بلا قلب؛ فلا أشعر بخير الحياة وشرها، وسرورها وحزنها. # ولولا بنيات صغار يفقدن بفقدي طيب العيش ونعيمه لفررت من هذا العالم ~~الناطق إلى ذلك العالم الصامت؛ فأجد من الأنس به والسكون إليه ما وجده الذي ~~يقول: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير # PageV01P075 ### | الغني والفقير # مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعا يده على بطنه كأنما يشكو ألما ~~فرثيت لحاله وسألته ما باله فشكا إلى الجوع ففثأته1 عنه ثم تركته، وذهبت ~~إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة فأدهشني أني رأيته واضعا يده ~~على بطنه، وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته ms044 عما به ~~فشكا إلى البطنة فقلت يا للعجب: لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من ~~الطعام ما شكا واحد منهما سقما، ولا ألما، لقد كان جديرا به أن يتناول من ~~الطعام ما يشبع جوعته. ويطفئ غلته، ولكنه كان محبا لنفسه مغاليا بها فضم ~~إلى مائدته ما اختلسه من صفحة الفقير، فعاقبه الله على قسوته بالبطنة حتى ~~لا يهنئ للظالم ظلمه، ولا يطيب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة ~~الغني انتقام لجوع الفقير: # ما ضنت السماء بمائها، ولا شحت الأرض بنباتها، ولكن PageV01P076 # حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما1 واحتجنهما2 دونه فأصبح فقيرا معدما. ~~شاكيا متظلما. غرماؤه المياسير الأغنياء، لا الأرض والسماء. # ليتني أملك ذلك العقل التي يملكه هؤلاء الناس، فأستطيع أن أتصور كما ~~يتصورون حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال، وأولى بامتلاكه من ~~الضعفاء، إن كانت القوة حجتهم عليهم، فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم ~~كما ملكوا سلب أموالهم، وما الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد ~~الجائع، وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ذلك المال من آبائهم، قلنا لهم: إن كانت ~~الأبوة علة الميراث، فلم ورثتم آباءكم في أموالهم، ولم ترثوهم في مظالمهم، ~~فلقد كان آباؤكم في أموالهم، ولم ترثوهم في مظالمهم، فلقد كان آباؤكم ~~أقوياء؛ فاغتصبوا ذلك المال من الضعفاء، وكان حقا عليهم أن يردوا إليهم ما ~~اغتصبوا منهم، فإن كنتم لا بد ورثاءهم فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه، لا ~~في الاستمرار على اغتصابه. # ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان، وما أقسى قلوبهم، ينام أحدهم ملء جفنيه ~~على فراشة الوثير ولا يقلقه في مضجعه أنه PageV01P077 # يسمع أنين جاره وهو يرعد بردا، ويجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام ~~قديده وشوائه حلوه ومره، ولا ينغص عليه شهوته علمه أن بين أقربائه وذوي ~~رحمه من تثب أحشاؤه شوقا إلى فتات تلك المائدة، ويسيل لعابه تلفها على ~~فضلاتها، بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه، ولا يعقد الحياء لسانه، ~~فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث ms045 نعمته، وربما استعان به على عد ما تشتمل ~~عليه خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر، وغرفه من الفراش والرياش ليكسر ~~قلبه وينغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته، وكأنه في كل كلمة من كلماته وحركة ~~من حركاته يقول له: أنا سعيد لأني غني وأنت شقي لأنك فقير: # أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء يستخدمونهم في مرافقهم ~~وحاجاتهم كما يستخدمون أدوات منازلهم ويسخرونهم في مطالبهم كما يسخرون ~~مراكبهم، ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم ~~لهم وسجودهم بين أيديهم لامتصوا دماءهم كما اختلسوا أرزاقهم، ولحرموهم ~~الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها. # لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنا؛ لأني لا أعتمد فصلا ~~صحيحا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، # PageV01P078 # وإني أرى الناس ثلاثة، رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلا إلى ~~الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه ~~يستبعد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه، ولا يحسن إلى غيره، وهو الشرة ~~المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله ~~الناس جميعا، ورجل لا يحسن إلى نفسه، ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي ~~يجيع بطنه ليشبع صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه، ~~فلا أعلم له مكانا ولا أجد إليه سبيلا، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتش عنه ~~الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه، وكان يدور به ~~في بياض النهار، فقال: افتش عن إنسان. # PageV01P079 ### | مدينة السعادة # رأيت فيما يرى النائم أنني أمشي في برية جرداء قفر قد انبسطت، ومالها على ~~سطحها متجعدة تجعد الأمواج المتوثبة في القاموس1 المحيط. وكانت الشمس قد ~~طفلت2 للإياب فلم أر في بطحائها ظلا غير ظلي المستطيل الذي رسمته يد الشمس، ~~فأخطأت في تصويره كأنما حسبتني آدم أبا البشر3 فأوسعتني طولا، ورسمتني ~~ميلا. # أنشأت أمشي لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا، وأنى يكون ذلك في صحراء قد ~~تشابهت مسالكها وتشاكلت مذاهبها، وانفرج ما ms046 بين قاصيها ودانيها، حتى انحدرت ~~الشمس إلى مستقرها، وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته ~~السوداء في الأفق حتى وجدتني أحير من دمعة وجد في مقلة عاشق، يدفعها الحب ~~ويمنعها الحياء، لا أعلم هل أنا سر كامن في باطن الظلماء، PageV01P080 # أو حوت مضطرب في أعماق الماء، وأحيانا كان يخيل إلي أني في منجم من مناجم ~~الفحم، فأمد يدي أتلمس جدرانه مخافة أن أصطدم بواحد منها، ولم أزل كذلك حتى ~~شعرت بأن الظلام بدأ ينفض صبغته وأن ذراته تتطاير ههنا وههنا، فإذا أن بين ~~يدي جبال عال كأنما هو جدار قائم يمسك السماء أن تقع على الأرض، أو ملك ~~جبار قد لبس من قرص الشمس التاج الأحمر، ومن شعاعها الرداء الأصفر. # ولا تسل هنالك عما ألم بقلبي من الهم، وعقلي من الخيال حينما رأيت أن ~~صعود السماء أقرب إلى الأمل ومن صعود هذا الجبل، وحرت بين الإقدام ~~والإحجام، فلم أر بدا من الاستسلام، لمقدور الحمام، ثم رميت بطرفي فرأيت ~~بين الصخور المبعثرة في سفح الجبل صخرة بيضاء ناعمة الملمس، فاضطجعت عليها ~~وأنا أتمثل بقول أبي العلاء: # ضجعة الموت رقدة يستريح ال ... جسم فيها والعيش مثل السهاد # وما هي إلا غمضة الطرف حتى شعرت بأنها تتحرك قليلا قليلا نهضت، ثم طارت ~~فكدت أحسب أنه الموت قد نزل، وأنها الروح تصعد إلى الملأ الأعلى لولا أن ~~فتحت عيني فرأيت ما كنت # PageV01P081 # أحسبه صخرة طائرا أشبه شيء بالنسر في خلقه، والقبة في ضخامتها ~~واستدارتها، وما زال ذاهبا بي في أفق السماء، ثم رنق لحظة في الهواء ثم هبط ~~إلى قمة الجبل، فأسرعت بالانحدار عنه، وهنالك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل ~~يتسرب إلى قلبي فينقع غلته، ويطفئ لوعته؛ لأنني رأيت السفح الثاني من ~~الجانب الآخر، ورأيت بهجة الحياة وزهرة العمران. # رأيت على البعد خطوط الخضرة حول سطور الماء، ورأيت المنازل والقصور كأنها ~~العصافير السوداء، أو الحمائم البيضاء، وكأن ما ألم بنفسي من السرور أنساني ~~ما ألم بجسمي من النصب، فانحدرت إليها فما بلغتها ms047 حتى رأيتني في مزرعة في ~~وسطها بنية قد وقف على بابها شيخ هو أشبه الأشياء بما يتخيله فريق ~~الخياليين من علماء الفلك في صور سكان المريخ، فذعر مني كما يذعر الإنسان، ~~لرؤية الجان، وما كان الذي قام في نفسه مني بأكثر مما قام في نفسي منه لولا ~~أني ألفت الغرائب، وعجمت عود العجائب، فتقدمت إليه، وكأنما ألهمت لغته ~~الغريبة فحييته بها فحياني، وهو يقول: ما كنت أحسب أن الشمس تطلع على مدينة ~~غير هذه المدينة، أو أن في العالم إنسانا غير هذا الإنسان، فما زلت أحدثه ~~وأستدنيه حتى أنس بي ودعاني إلى منزله وخلطني بنفسه وأهله # PageV01P082 # وقدم لي طعاما شهيا ومهد لي مرقدا وثيرا1 وكان الليل قد أقبل للمرة ~~الثانية من هجرتي هذه، فنمت نوما هادئا مطمئنا لا تروعني فيه خواطر الموت، ~~ولا وساوس الهلاك. # استيقظت أنا والشمس من مرقدينا على صوت تلك الأسرة الطاهرة الكريمة تصلي ~~إلى الله تعالى صلاة الخاشعين المتبتلين، وتدعو وهي مصطفة صفا واحدا أن ~~ييسر الله لها عسرها، ويسهل أمرها، ويصلح شأنها، ويمنحها معونته ونصره، ~~فأخذ من نفسي منظرها هذا مأخذا غريبا فلم أر بدا من الانتظام في صفها، ~~والدعاء بدعائها، والبكاء لبكائها، وعجبت أن يكون مثل هذا الإيمان الخالص ~~راسخا في نفوس أهل هذه المدينة، ولم يرسل إليها رسول، ولم ينزل عليها كتاب، ~~فلما فرغنا من الصلاة التفت إلى صاحب البيت، فقلت له أراكم تتعبدون فمن ~~تعبدون، وتصلون فمن الذي تدعون، قال نعبد الله خالق هذه الكائنات ومدبرها، ~~قلت هل رأيتموه حتى عرفتموه، قال نعم رأيناه في آثاره ومصنوعاته، ورأيناه ~~في السماء والماء، والفلك الدائر، والنجم السائر، وفي أجنة الحيوان، وبذور ~~النبات، ورأيناه في أنفسنا وعقولنا وأرواحنا قبل ذلك، قلت ولم تعبدونه، قال ~~PageV01P083 # شكرا له على نعمة الخلق والرزق، وإن أحدنا ليعنيه أن يشكر لصاحبه نعمته ~~إذا أحسن إليه بجرعة أو أنعم عليه بمضغة فأحر به أن يشكر مانح المانحين، ~~والمحسن إلى المحسنين، فقلت في نفسي لقد بلغ الرجل مرتبة الموحدين الصادقين ~~الذين يعبدون ms048 الله مخلصين له الدين لا يرجون ثوابا، ولا يخافون عقابا، ثم ~~سألته أين تذهبون بعد الموت، قال إلى النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، قلت ~~لعلك تريد الجنة والنار، قال لا أفهم ما تقول، وإنما أعلم أن الإله الحكيم ~~لا يترك المحسن دون أن يجازيه خيرا على إحسانه كما يأبى عدله أن يسوي بين ~~المحسن والمسيء، قلت متى يكون المحسن محسنا والمسيء مسيئا، قال الإحسان عمل ~~الخير، والإساءة عمل الشر؛ لذلك لا ترى بيننا من يحدث نفسه بالإضرار بأخيه ~~أو من يقصر في دفع الأذى عنه، فقلت في نفسي ليت الفقهاء الذين ينفقون ~~أعمارهم في الحيض والاستحاضة والمذي والودي1 والحدث الأكبر والحدث الأصغر، ~~وليت الكلاميين الذين يسهرون الليالي ويقرحون المآقي في عينية الصفات ~~وغيريتها والجوهر والعرض والحدوث والقدم والدور والتسلسل، وليت المتصوفة ~~الذين يحاولون أن ينازعوا الله في مشيئته ويجاذبوه PageV01P084 # قدرته ويغالبوه على أمره ونهيه ويزاحموه في لوحه وقلمه يعرفون من سر ~~الدين وحكمته والغرض الذي قام له ما يعرف هؤلاء البله الأغرار الذين لا ~~يفهمون معنى الجنة والنار، ولا يميزون بين الدين والتين. # فرغنا من الحديث، وعرضت على الشيخ أن يزيرني المدينة، فانحدر بي إليها ~~فرأيت شوارعها فسيحة منتظمة ومنازلها متفرقة غير متلاصقة، وقد أحاط بكل ~~منزل منها حديقة زاهرة، ورأيت سكانها مكبين على أعمالهم مجدين في شئونهم ~~صغارا وكبارا، رجالا ونساء، ما فيهم فقير يتسول، ولا متبطل يتثاءب ويتململ. ~~وأغرب ما استهوى نظري أني لم أر في تلك المدينة ذلك التفاوت الذي أعرفه في ~~مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم وأزيائهم كأن ~~جميع سكانها سواء في حالة المعيشة، ودرجة الثروة فسألت الشيخ ألا يوجد فيكم ~~غني وفقير وسيد ومسود، قال لا يا سيدي، حسب الرجل منا بيت يأوي إليه ومزرعة ~~يستغلها ودابة تحمل أثقاله، ثم لا شأن له بعد هذا فيما سوى ذلك؛ لذلك لا ~~يوجد فينا سيد ومسود؛ لأنه لا يوجد فينا غني وفقير، قلت لا بد أن يوجد ~~بينكم العاجز عن العمل والكسول المتبطل، قال ms049 أما الكسول فلا وجود له بيننا # PageV01P085 # لأنه يعلم أنا لا نرحمه، ولا نغفر له زلته في احتقار نعمة العقل والقوة ~~بتعطيلهما عن العمل، وأما العاجز فنحدب عليه، ونحسن إليه، ولا ترى لأنفسنا ~~في ذلك فضلا؛ لأننا إنما نمنحه جزءا من القوة التي منحنا إياها لنعبده بها، ~~ولا نرى في وجوده العبادة أفضل من مواساة العاجزين، ورحمة البائسين. # وإنه ليحدثني بهذا الحديث إذ لاحت لنا بنية فخمة ضخمة تمتاز عن غيرها من ~~البنى بحسن نظامها، وجمال هندامها، فقلت للشيخ هل أرى قصر الملك؟ قال لا ~~ولكنه قصر رجل شرير طماع قد خالف إرادة الله، وحكمته فاحتجن1 دون عبادة ~~أرضهم ومالهم ليعلو عليهم ويستأثر بالنعمة من دونهم، فغضب الله عليه، وقلب ~~نعمته نقمة، ورخاءه شدة، فإنه ما أراح2 رائحة العيش الرغد حتى أسلم نفسه ~~إلى شهواتها، وحملها فوق ما تحمل طبيعتها، فها هو ذا اليوم يقاسي من آلام ~~الأمراض وأنواع الأسقام ما بغض إليه العيش، وحبب إليه الموت، لم يحمه قصره، ~~ولم يغن عنه ماله، فهو عبرة المعتبرين، وموعظة السابلين3 فكبر الرجل في ~~ذرعي4 وعظم في عيني، وأكبرت فيه وفي أمته هذه الخلال PageV01P086 # الشريفة والأخلاق العالية، وقلت في نفسي إن مدارسنا على ما تشتمل عليه ~~دروسها من قواعد الحكمة وأصول التربية وفنون الآداب لتعجز عن أن تخرج للناس ~~رجالا يستطيعون أن يساجلوا هؤلاء القوم في أخلاقهم وفضائلهم، وأردت على ذكر ~~المدارس أن أعرف مناهج التعليم عندهم فقلت للشيخ: هل لك أن تزيرني مدرسة من ~~مدارسكم، فعجب لسؤالي وقال ما المدرسة، فكان عجبي لجوابه أكثر من عجبه ~~لسؤالي، وقلت المدرسة مكان محدود يجتمع فيه صغار يتعلمون، وكبار يعلمون، ~~قال ما الذي يتعلمه الصغار من الكبار، قلت ما يصلح شأنهم وينفعهم في معاشهم ~~ومعادهم، قال: وأي حاجة بنا إلى مثل هذا المجمع الحاشد في مثل هذا المكان ~~المحدود، إننا يا سيدي أرحم بأبنائنا من أن نكل أمرهم إلى غيرنا فنحن الذين ~~نتولى هذا الشأن منهم، فلا مدارس عندنا غير المصانع والمزارع نعلمهم فيها ~~كيف ms050 يرمون البذور، وكيف يستنبتونها، وكيف يصنعون آلات الزراعة وكيف ~~يستعملونها، وفيها نعلمهم كيف يبنون منازلهم وينسحبون ملابسهم ويعدون ~~عددهم، وإنا لا نعرف علما غير العمل، ولا نعرف من العمل غير ما نحفظ به ~~قوام حياتنا، ونستعين به على عبادة ربنا، قلت ألكم حاكم يتولى أموركم، قال ~~لنا حكم لا حاكم # PageV01P087 # وهو رجل قد وثقنا به وبفهمه واستقامة شأنه، فاخترناه لفضل الخصومات إن ~~عرض من ذلك عارض، قلت أليس له جند وأعوان يؤيدونه وينفذون أحكامه، قال: نعم ~~كلنا جنده، وكلنا أعوانه على كل من يختلف عليه أو يتمرد على حكمه فقد وثقنا ~~به وبعدله وكفى، قلت أليس له سجن يحبس فيه المجرمين، قال لا، حسب المجرم ~~عندنا عقوبة أن يتفق أهل المدينة على احتقاره والزراية به، وإن أحدنا ليؤثر ~~أن يتخطفه الطير أو يسقط عليه كسف1 من السماء قبل أن يرى نفسه بغيضا إلى ~~قومه صغيرا في نفوسهم ذليلا في أعينهم لا يرفعون إليه طرفا، ولا يقيمون له ~~وزنا. # وما وصلنا من حديثنا إلى هذا الحد حتى كنا قد فرغنا من الطواف بالمدينة، ~~ووصلنا إلى المنزل الذي خرجنا منه فاستقبلنا أهلوه بالبشر والترحاب، ~~واستقبلوا شيخهم بالتقبيل والعناق، فلم أر فيما رأيت من البيوت في مدن ~~العالم، وقراه بيتا أسعد حظا ولا أنعم عيشا ولا أروح بالا من هذا البيت. # تلك مدينة السعادة التي يعيش أهلها سعداء، لا يشكون هما PageV01P088 # لأنهم قانعون، ولا يمسكون في أنفسهم حقدا لأنهم متساوون، ولا يستشعرون ~~خوفا لأنهم آمنون. # تلك المدينة السعادة التي رأيتها فأحببتها، وأحببت العيش فيها لولا أن ~~الله في خلقه سنة لا تتبدل، وشأنا لا يتحول، فقد جاء الليل وأخذت مكاني من ~~مرقدي في منزل الشيخ فلم أستيقظ حتى رأيتني في فراشي في منزلي، فلا السهل ~~ولا الجبل، ولا الشيخ ولا المزرعة، ولا المدينة ولا السعادة # ولما نزلنا منزلا طله1 الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا PageV01P089 ### | أيها المحزون # إن كنت تعلم أنك قد أخذت على ms051 الدهر عهدا أن يكون لك كما تريد في جميع ~~شؤونك وأطوارك وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي فجدير بك أن تطلق ~~لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب، وإن كنت ~~تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنعها، وأنها لا تنام عن منحة ~~تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع ~~أبناء آدم سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء، ~~ومن ينام على بساط الغبراء، فخفض من حزنك، وكفكف من دمعك، فما أنت بأول غرض ~~أصابه سهم الزمان، وما مصابك بالبدعة الطريفة في جريدة المصائب والأحزان. # أنت حزين لأن نجما زاهرا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ ~~عينيك نورا، وقلبك سرورا، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته، فما وجدته، ولو ~~أنك أجملت في # PageV01P090 # أملك، لما غلوت في حزنك، ولو كنت أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقا ~~خاطفا، ما تظنه نجما زاهرا، وهنا لك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله. # أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظرة ~~المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وإلا ~~فقد أعد لفراقها عدته من قبل. # لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق ~~بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة ~~الفراق. # PageV01P091 # إلى الدير: # مسكين ذلك الفتى الذي رأيته صباح أمس منزويا في ركن من أركان أحد ~~الأندية، وقد ظللت جبينه الوضاح سحابة سوداء من الحزن، وانحنى على نفسه ~~كأنما شعر بأن قلبه يتمشى في صدره، وأنه يحاول الفرار منه فهو يعطف عليه ~~ليمسكه بين جوانحه، ولو أنه أراد بنفسه خيرا لتركه يمضي في سبيله حيث شاء، ~~فبعدا لقلب لا يسكن عن الخفقان، ولا يفيق من الهموم والأحزان. # سألته ما بالك أيها الصديق، قال: لا شيء، قلت أن تكتمني ما ms052 في نفسك ولو ~~عرفتني ما كتمتني، قال ما جهلتك مذ عرفتك، ولكنني أعطيت الله عهدا مذ خلقت ~~ألا أشكو إلا إلى من أرجو عنده البرء، وما أنا براج عندك، ولا عند أحد من ~~الناس براء من دائي، قلت: هبني طبيبا والطبيب وإن كان لا يشفي إلا نادر ~~فإنه يسكن غالبا، ويعزي دائما، فأنا إن عجزت عن معالجتك، فلا أعجز عن ~~تعزيتك، على أن الماء إذا اشتد غليانه احتاج إلى التنفيس عنه، وإلا طار ~~بالقدر، طيران الهم بالصدر. # PageV01P092 # فأصغي إلى كلماتي واستخذي لها، وأنشأ يحدثني حديثا تمازجه العبرات، ~~وتقطعه الزفرات، ويقول: زوجني أبي منذ سنين من زوجة جاهلة غبية لا تفهم ~~معنى الزواج إلا أن فيه قضاء لبانتها، وترفيه عيشها، وإرضاء نفسها، وهو ~~يحسب أنه قد أحسن إلي بسليلة المجد وربيبة النعمة ومالكة الدور، وساكنة ~~القصور، أجل إنها ذات مال وفير، وخير كثير، ولكن ذهب عليه غفر الله له أني ~~ما كنت أريد أن أكون تاجرا أكسب مالا بل زوجا أجد بجانبي نفسا يؤنسني ~~محضرها ويوحشني مغيبها، ومرآة صافية نقية أتراءى فيها، فتريني نفسي كما هي ~~لا تكذبني في خير ولا شر، إني أريد أن أجد في الزوجة التي أتزوجها صديقا في ~~المرتبة العليا من مراتب الصداقة، ومن لي به في امرأة تجهل حتى إرضاع طفلها ~~ولبس ثوبها، على أن ثروتها ما كانت تقوم بحاجتها فقد كان لها خادمة ~~لملابسها، وأخرى لشعرها، وأخرى لسريرها وطابخة وغاسلة ومرضع وقهرمانة ~~وخياطة خاصة بها وطبيب لا يغب1 زيارتها ومؤنسات لا يفارقن مجلسها، ولم تكن ~~ممن أنعم الله عليهن بنعمة الجمال، فكانت تنفق ما يزيد على نصف دخلها ~~PageV01P093 # في الحسن المجلوب، والجمال المكذوب، وليتها كانت تغفل أمري وتتركني وشأني ~~فأستطيع أن أتناساها، وأعد نفسي من العزاب تخيلا وتقديرا، بل كانت تقيم من ~~نفسها، ومن هذا الجحفل اللجب1 المحيط بها حراسا كحراس الليل، وجواسيس ~~كجواسيس الإنكليز يراقبن مواقع نظري ومواطئ قدمي لتعلم أين مذهب قلبي، ~~ووجهة نفسي فتغار علي من الكوكب إذا رأتني أنظر إليه، وتكاد ms053 تمزق الثوب ~~الذي أحبه وأتعشق لبسه، وتحسبها آهة الوجد أو دمعة الحب إذا رأتني أتأوه من ~~آلام عشرتها أو أبكي لعظم مصيبتي فيها، وما هي بغيرة الحب ولكنها الأثرة2 ~~قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، وأكثر ما كان يغيظني منها أنها ما كانت ~~تفتح علي باب الحساب على اللفتات والخطوات إلا في الساعة التي أريد أن أخلو ~~فيها بنفسي أو بكتابي فما أكاد أنتفع بواحد منهما، فإن سكت أغضبها سكوتي، ~~وإن نطقت أغضبها حديثي، وإن قرأت في كتابي ظنت أن المؤلفين ما ألفوا الكتب ~~إلا نكاية بالنساء لكي يتخذها الرجال معتصما يعتصمون به من محادثتهن ~~ومسامرتهن، فكان الكتاب في نظرها أعدى أعدائها وأبغض PageV01P094 # الأشياء إليها، وجملة القول إنها ما كانت تستطيع أن تتصور إلا أن الله ~~خلقها لتكون طفلة لاهية لاعبة في جميع أطوار حياتها، وأنه ما خلقني إلا ~~لأكون زينة مجلسها، ودمية1 قصرها، وأداة لهوها ولعبها، فلا أقرأ ولا أكتب، ~~ولا أعطي نفسي حقا من حقوقها ولا أبكر لمزاولة أعمالي ولا أسأم أحاديثها ~~الطويلة المملة التي لا تشتمل إلا على نقد الأزياء، واغتياب النساء، فإن ~~وافيت رغبتها فذاك، وإلا استحالت في لحظة واحدة من إنسان ناطق إلى وحش ~~مفترس، فلا تعرف كلمة مؤلمة لا تسمعنيها ولا تترك وسيلة من وسائل التنغيص ~~لا تهجم بها علي، فكنت بين ألم رضاها وعذاب غضبها في شقاء حبب إلي الموت ~~وبغض إلى وجه الحياة، وبعد فقد رأيت أن العيش معها مستحيل فلم أرى بدا من ~~فراقها ففارقتها، وما على وجه الأرض شيء أبغض إلي من المجد ولا أسمج في ~~نظري من المال، قلت ولكنني لا أزال أراك حزينا بعد ذلك، قال نعم لأنني نفضت ~~يدي من الزوجة الجاهلة، ورحت أفتش عن الزوجة المتعلمة وقلت ليكونن لي من ~~الشأن في الزواج الثاني ما لم يكن لي في الزواج الأول بعد ما صار إلي ~~الخيار، وبعد PageV01P095 # تلك التجربة وذاك الاختبار، فهيأ لي الحظ جارا ملاصقا ما زلت أسمع مذ حل ~~في جواري أن في ms054 بيته فتاة جميلة، ما زال يعنى بأمرها حتى خرجها1 وأدبها ~~فأصبحت نابغة مدرستها وسيدة أترابها علما وفضلا وتهذيبا وأدبا فما قنعت ~~بالخبر حتى خالطت أباها ثم خالطتها فإذا المرأة الجديدة من جميع وجوهها ~~فوقعت في نفسي أحسن موقع وحلت مكانا لم يكن حل من قبل. # خطبت الفتاة إلى أبيها فما لبث أن أخطبني2 فامتلأ قلبي فرحا وسرورا وخيل ~~إلي أنني أرى في سماء الآمال نجما لامعا يدنو مني قليلا قليلا وسجلت أن ~~الدهر أنشأ يكفر بحسناته، ما أسلف من سيئاته، فإني لكذلك، وقد أعددت للبناء ~~بها عدته ولم يبق بيني وبينه إلا يوم واحد، وإذا برسول البريد قد جاءني ~~بهذا الكتاب. فهاكه فاقرأه فإن فيه بقية قصتي وسر نكبتي، ثم ألقى إلي بغلاف ~~معنون باسمه، فوجدت فيه بطاقة تشتمل على رسم فتى حسن الصورة والهندام يخاصر ~~فتاة جميلة، وقد ألقت برأسها على كتفه ووجدت مع البطاقة كتابا، فقرأت فيه ~~ما يأتي: PageV01P096 # "علمت أنك خطبت فلانة إلى أبيها، وأنك عما قليل ستكون زوجها، ولعمري لقد ~~كذبك نظرك وخدعك من قال لك إنك ستكون سعيدا بها، فإنها لن تكون لك بعد أن ~~صارت لغيرك ولا يخلص حبك إلى قلبها بعد أن امتلأ بحب عاشقها، فاعدل عن رأيك ~~فيها، وانفض يدك منها، وإن أردت أن تعرف من هو ذلك العاشق، وتتحقق صدق خبري ~~وإخلاصي إليك في نصيحتي فانظر إلى الصورة المرسلة مع هذا الكتاب" التوقيع # فما نظرت الصورة، وقرأت الكتاب حتى عرفت كل شيء فأحسست برعدة تتمشى في ~~أعضائي وشعرت بسحابة سوداء قد غشت على نظري لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، ~~إلا أنني تماسكت قليلا فأعدت إليه كتابه، وقلت له وهو كل ما استطعت أن ~~أقول: ماذا يعنيك من أمر فتاة فاجرة عاهر بعد ما انكشف لك سرها، وظهرت لك ~~حقيقتها، ولو كنت في مكانك لعدلت عن الحزن على فوتها إلى الاستغفار من ~~حبها، وحمد الله على ما ألهم من صواب الرأي فيها، أما إن سألتني عن رأيي في ~~زواجك بعد الآن، ms055 فإني لا أرى لك إلا أن تترهب وتتعزب1 وأن تقول ما قاله ~~"هملت" وقد زهد في الزواج بعد ما عرف حقيقة المرأة، وأدرك خبيئة نفسها "إلى ~~الدير، إلى الدير". PageV01P097 ### | الرحمة # سأكون في هذه المرة شاعرا بلا قافية ولا بحر؛ لأني أريد أن أخاطب القلب ~~وجها لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر. # إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها ~~سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزاء، وبلغت ~~سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر. # أيها الرجل السعيد كن رحميا، أشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة بعينها. # ستقول إني غير سعيد لأن بين جنبي قلبا يلم به من الهم ما يلم بغيره من ~~القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع، واكس العاري وعز المحزون ~~وفرج كربة المكروب يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك ~~وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا # PageV01P098 # إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام. # لقد بليت اللذات كلها ورثت حبالها، وأصبحت أثقل على النفس من الحديث ~~المعاد، ولم يبق ما يعزي الإنسان عنها إلا لذة واحدة هي لذة الإحسان. # إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع من رنات ~~العود في هزجه ورمله1 وأعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول2. # أحسن إلى الفقراء والبائسين وأعدك وعدا صادقا أنك ستمر في بعض لياليك على ~~بعض الأحياء الخاملة، فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك ~~أكرم مخلوق وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله ~~خيرا بما فعلت فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس ~~وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه البيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ~~ذكروا في الملأ الأعلى. # ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود2 فنبتسم PageV01P099 # سرورا ببكائك، واغتباطا بدموعك؛ لأن الدموع التي ms056 تنحدر على خديك في مثل ~~هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان. # إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير ~~الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء ~~وأنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها ~~وحنينها. # إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء. # والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، ~~وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي. # إن الرحمة كلمة صغيرة، ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس ~~في منظرها والشمس في حقيقتها. # إذا وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم، وجد المجتمع ~~ضالته من السعادة والهناء. # لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت ~~الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في # PageV01P100 # المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد ~~الظلام. # لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه، ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت ~~فيه جوعا، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض، وتحت ظلال ~~السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض ~~وغدر القوي بالضعيف، واحتجن دونه رزقه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه ~~وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل. # الفرد هو المجتمع، وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان ~~إنسانا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة، وأشعرها نفسه فخفق قلبه لخفقان ~~القلوب، وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد ~~عنها، واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ ~~الوحش المنقطع. # وجماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان ~~واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم، والشيطان الرجيم. # PageV01P101 # إن الناس من تكون عنده ms057 المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى ~~مشى متدفعا مندلثا1 لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، ~~وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراب في الضحك سخرية به، ~~وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف ~~كيف يحتلب درتهم2 ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته ~~وبقراته، لا يقربها ولا يطعمها ولا يسقيها إلا لما يترقب من الريح في ~~الإتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتا؛ ليربح حجر لفعل، وإن ~~من الناس من لا حديث له إلا الدينار، وأين مستقره وكيف الطريق إليه، وما ~~السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره، يبيت ليله حزينا كئيبا ~~لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم ~~يقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع ~~عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضري3 ~~PageV01P102 # نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه، حتى لو لم يبق في العالم ~~شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن ~~أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة ~~لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجرا صلدا من أحجار الغرانيت ~~لا يبض1 بقطرة من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة من العظة. # فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدا من هؤلاء، فإنهم سباع ~~مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقه، فربما بدا ~~له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك. # أيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية ~~صغار، ودموع غزار، إرحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل ~~الموت على الحياة. # إرحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها، ولا تشتر منها ms058 عرضها علها تعجز ~~عن أن تجد مساوما يساومها فيه، فتعود به إلى كسر بيتها. PageV01P103 # ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك، ومرآة نفسك وخادمة فراشك؛ لأنها ضعيفة ~~ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك، واعتماده عليك. # ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته ~~فكنت أظلم الظالمين. # ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل ~~والظلم، ولا تتخذ عقله متجرا تربح فيه ليكون من الخاسرين. # ارحم الحيوان؛ لأنه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ~~ويتوجع ولا يكاد يبين، ارحمه وكذب من يقول إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم ~~أقلها أنه يقبل يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدا. # ارحم الطيور لا تحبسها في الأقفاص ودعها في فضائها تهيم حيث تشاء، وتقع ~~حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إن الله وهبها فضاء لا نهاية له فلا ~~تغتصبها حقها، فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها، أطلق سبيلها، وأطلق سمعك ~~وبصرك وراءها؛ لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار ~~وترى # PageV01P104 # منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك ~~الدائر والكوكب السيار. # أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، ~~وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. # PageV01P105 ### | رسالة الغفران # 1: # غفوت إغفاءة طويلة لا علم لي بمداها ولا بما وقع لي فيها، ثم صحوت فرأيت ~~نفسي في صحراء مد البصر مكتظة2 بأنواع من الخلق لا أحصيهم عددا، فعلمت أني ~~بعثت وأنه يوم القيامة فساورني3 من الهم ما ساورني حيث ذكرت أن مقداره ألف ~~سنة من سنى القيامة، وقلت من لي بالصبر على موقف يهلك فيه صاحبه ظمأ وجوعا، ~~ويحترق تحت أشعة شمس ليس بينه وبينها إلا قيد ظفر، فتماسكت بضعة أشهر ثم لم ~~أجد بعد ذلك إلى الصبر سبيلا، فزينت لي نفسي الكاذبة أن أذهب إلى رضوان ~~خازن الجنة، وكنت أحمل شهادة التوبة في يدي لأسترحمه، وألتمس ms059 منه الإذن ~~بالدخول قبل انفضاض المحشر فما زلت أرقيه بقصائد المدح المسومة4 باسمه كما ~~كنت أرقى بأمثالها أمثاله من عظماء PageV01P106 # العاجلة وساداتها فما أبه1 لي ولا فهم كلمة مما أقول، فانصرفت عنه إلى ~~خازن آخر اسمه زفر فكان شأني معه شأني مع صاحبه إلا أنه كان أرق منه قلبا ~~وألين جانبا، فأشار علي بالذهاب إلى النبي الذي أتبعه وأفهمني أن الأمر ~~موكول إليه فعدت وبين جنبي من الحسرة والوجد ما الله عالم به، فبينا أنا ~~أتخلل الصفوف، وأزاحم الوقوف، إذ وقع بصري على حلقة من الناس تحيط بشيخ هرم ~~أنعمت النظر فيه، فإذا هو الشيخ أبو علي الفارسي النحوي، وإذا بالمحتفلين ~~به جماعة من شعراء العرب كلهم يخاصمه، وكلهم ينقم عليه، هذا يقول له رويت ~~بيتي على غير وجهه، وذاك يقول أعربته على غير ما أردت وذهبت، فدفعني الفضول ~~كما دفعهم إلى النزول في ميدانهم فما فرغنا من الرفع والنصب والزيادة ~~والحذف حتى أدركت شؤم ما فعلت وعلمت أن شهادة التوبة قد سقطت مني في ذلك ~~المعترك، فقلت قبح الله الشعر والإعراب، واللغة والآداب، إنهما شؤم الآخرة ~~والأولى. # وقفت أحير من ضب في حمارة2 قيظ لا أدري ما آخذ وما أدع حتى رميت بطرفي، ~~فإذا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب PageV01P107 # في لفيف من العترة الطاهرة النبوية فدلفت1 إليه وأبثثته2 أمري وأمر ~~الشهادة المفقودة، فقال: لا عليك ألك شاهد بالتوبة، فقلت نعم، فنودي بشهودي ~~فشهدوا بتوبتي، فقال تريث3 قليلا حتى تمر فاطمة بنت محمد فنسألها في أمرك، ~~فهي تمت إلى أبيها بما لا تمت به4 وكانت ممن قسم لهم دخول الجنة قبل فصل ~~القضاء إلا إنها كانت تخرج كل حين للتسليم على أبيها، ثم تعود إلى مستقرها، ~~فإنا لكذلك وإذا بمناد ينادي أن غضوا أبصاركم يا أهل الموقف حتى تعبر فاطمة ~~بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- فهرعت إليها فرأيتها راكبة مع إخواتها ~~وجواريها على أفراس من نور، وتقدم من وعدني بسؤالها في أمري، فأنجز وعده، ~~فقالت لأخيها إبراهيم دونك الرجل، ms060 فقال: تعلق بركابي فتعلقت فطارت الأفراس ~~في الهواء تقطع الأجيال وتتخطى رءوس القرون حتى وافينا النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- واقفا للشهادة القضاء فقصت عليه فاطمة ما علمت من أمري، فراجع ~~الديوان الأعظم فوجد اسمي في التائبين فشفع لي فعدت في ركب فاطمة فرحا ~~مستبشرا، وما كنت أقدر أن بين يدي PageV01P108 # عقبة الصراط فلما وافيته وجدتني لا أستمسك عليه لرقته، فأمرت فاطمة جارية ~~من جواريها أن تعبر معي فأمسكن بيدي فمشيت أترنح ذات اليمين وذات الشمال، ~~وخفت السقوط فقلت لها احمليني زقفونة، فقالت وما زقفونة، فقلت أما سمعت قول ~~الجحجلول من أهل كفر طاب # صلحت حالتي إلى الخلف حتى ... صرت أمشي إلى الورى زقفونه # فقالت ما سمعت بزقفونة، ولا الجحجلول، ولا كفر طاب، فقلت ألقي يدي فوق ~~كتفيك، وأجعل بطني إلى ظهرك فحملتني، وجازت بي الصراط كالبرق الخاطف حتى ~~صرت إلى باب الجنة، فرمت الدخول فوقف رضوان في وجهي وقال أين جوازك1 فبعلت2 ~~بالأمر ثم رأيت في دهليز الجنة شجرة صفصاف فعالجته على أن يعطيني ورقة أعود ~~بها إلى الموقف لا ستكتب عليها الجواز فأبى، فقلت وقد ملك الهم علي رشدي ~~وصوابي أما والله لو أنك حارس على أبواب الكرماء، أو خازن لخزائن الملوك ~~والأمراء، لما وصل شاعر إلى درهم ولا سائل إلى سحتوت3 PageV01P109 # ولهلك الفقراء هما وحزنا، فسمع إبراهيم عليه السلام حواري1 فجذبني جذبة ~~حصلني بها في الجنة، وصاحبي ينظر إلي شزرا، فدخلت فرأيت ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر رأيت أنهارا من الماء العذب أصفى من أديم ~~السماء، وأصقل من مرآة الحسناء، تنصب فيها جداول من الكوثر إذا جرع الشارب ~~منها جرعة جرع ماء الحياة، وأمن أن يذوق كأس المنون مرة أخرى، ورأيت جداول ~~تفيض بالراح فيضا قد زينت حواقيها بأباريق من العسجد، وكؤوس من الزبرجد، ~~فما نهلت منها نهلة حتى قلت لو كشف لأهل العاجلة عما في هذه الخمرة من ~~اللذة التي لا يشوبها كدر، والنشوة التي لا يعقبها خمار2 ما باعوا ms061 قطرة ~~منها بكل ما تشتمل عليه بابل وقطربل3 من البواطي4 والدنان، ولو نظر الأقيشر ~~الأسدي بعين الغيب إلى عسجد هذه الأباريق، وزبرجد تلك الكؤوس لخجل من نفسه ~~أن يقول: # أفنى تلادي وما جمعت من نشب ... قرع القوازيز5 أفواه الأباريق ~~PageV01P110 # وفي تلك الأنهار آنية ترفرف فوق سطحها على صور الطيور كالكراكي والطواويس ~~والبط والعندليب ينحدر من مناقيرها شراب، أرق من السراب، وتسبح فيها أسماك ~~من الذهب والياقوت # يعمن فيها بأوساط مجنحة1 ... كالطير تنشر في جو خوافيها # ورأيت أنهارا من لبن وأنهارا من عسل لا يدرك الوهم كهنه إلا إذا أدرك ما ~~يمتص نحل الجنة من زهورها وأنوارها. # رأيت جميع تلك الأنهار مكبرة ثم تمثلت في نظري مصغرة، فإذا هي سطور، من ~~النور، وأحرف بيضاء، في صحيفة خضراء، قرأتها فرأيتها "مثل الجنة التي وعد ~~المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات". # ظللت أمشي فيما أكاد أخطو خطوة حتى أرى منظرا عجيبا ينسي السابق، ويشوق ~~إلى اللاحق، فوددت لو طويت لي الأرض طيا، فأتعجل النظر إلى ما غاب من الجنة ~~وبدائعها، فما أخذ هذا الخاطر مكانه من نفسي حتى رأيت بين يدي فرسا من ~~الجوهر المتخير مسرجا ملجما فعلمت أني قد سعدت وأنها PageV01P111 # الأمنية التي كنت أتمناها فعلوت ظهره، وغمزته غمزة خرج بها خروج الودق1 ~~من السحاب، والسيف من القراب2، وعلى ما جهدته لم يشك إلي ما شكاه جواد ~~عنترة إليه في قوله: # فأزور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبر وتحمحم # أو ما شكاه جواد عمر بن أبي ربيعة إليه في قوله: # تشكي الكميت الجري لما جهدته ... وبين لو يستطيع أن يتكلما # ذكرت أني وأنا في الدار الفانية كنت أسمع بذكر الذاهبين الأولين من ~~الأدباء والشعراء والرواة، فآسف على أن لم أكن في زمنهم أراهم وأحضر ~~مجالسهم، فقلت ليت شعري ما فعل الله بهم في هذه الدار، وهل سعدوا أو شقوا، ~~وهل ms062 يقيض لي من رؤيتهم في دار البقاء، ما لم يقيض في دار الفناء. # ثم رميت بطرفي فإذا فارس يحضر فرسه3 في الهواء إحضارا حتى تقاربنا فتماست ~~الركب، واختلفت الأعناق، فقال: انتسب، فقلت فلان ومن أنت يرحمك الله، وقد ~~فعل، فقال عدي بن زيد العابدي فدهشت، وقلت عدي بن زيد في الجنة بعد الزيغ ~~والضلال، فقال أنا عيسوي، وأنت محمدي، وليس لصاحبك على PageV01P112 # أحد حجة إلا بعد ظهوره وبلوغ دعوته، فقلت لا نكران، ولكن كيف لم يقعد بك ~~فسقك وشرابك وأين استهتارك في قولك: # بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق # ودعوا بالصبوح فجرا فجاءت ... قينة في يمينها أبريق # قال غفر الله لنا ما غفر لكم، قلت هل لك علم بجماعة الشعراء والرواة فقد ~~تمنيت على الله أن أراهم، فكنت عنوان الكتاب وفاتحة الإجابة، فقال: اصحبني ~~فطارت بنا الخيل، فقلت له هل آمن ألا يقذف بي هذا السابح على صخرة من ~~الزمرد أو هضبة من الياقوت، فيكسر لي عضدا أو ساقا أو جمجمة، فتبسم وقال ~~أين يذهب بك نحن في دار الخلود والبقاء. # مررنا بروضة من رياض الجنة يخترقها غدير خمري على شاطئه جمع كثير على سرر ~~متقابلين، أو على الأرائك متكئين، فهوى صاحبي بفرسه فهويت هوية، وقلنا سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، فرحبوا بنا، وهشوا للقائنا وانتسبنا ~~فتعارفنا، ثم أخذوا فيما كانوا فيه فإذا الأصمعي ينشد مروياته وأبو عبيدة ~~يسرد وقائع الحروب ومقاتل الفرسان، وإذا سيبويه والكسائي متصافيان بعد أن ~~وقع بينهما في مجلس البرامكة ما وقع وأحمد # PageV01P113 # ابن يحيى لا يضمر لمحمد بن زيد من الموجدة ما كان يضمر، وأخذت تهب من ~~ناحية النهر نفحة عطرية ذكرتني بقول الأعشى ميمون: "مثل ريح المسك ذاك ~~ريحها" وعلى ذكر الأعشى ذكرت مصرعه وشقاءه، وقلت في نفس لولا أن قريشا صدته ~~عن الإسلام لكان اليوم بيننا في مجلسنا هذا، فسمعت هاتفا من ورائي أنا ~~بينكم وفي مجلسكم، فالتفت فإذا الأعشى ميمون فلم أدر أي مدخليه1 أعجب، أمن ms063 ~~مدخله إلى الجنة أم من مدخله إلى نفسي، وعلمه بما هجس في صدري، فعلمت أن ~~أهل الجنة ملهمون، ثم سألته كيف غفر لك، فقال سحبتني الزبانية إلى سقر، ~~فرأيت في عرصات القيامة رجلا يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، والناس يهتفون به من ~~كل جانب الشفاعة يا محمد، فأخذت إخذهم، وهتفت هتافهم فأمر أن أدنو منه ~~فدنوت، فسألني ما حرمتك فقلت أنا القائل: # ألا أيهذا السائلي أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقى محمدا # متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقى من فواضله ندا # نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا PageV01P114 # فقال ما سمعتها منك قبل اليوم، قلت خدعني عنك الناس بعد ما شددت راحلتي ~~إليك، وكنت رجلا أحب الشراب وخفتك عليه أن تفرق بيني وبينه، فشفع لي فدخلت ~~الجنة على ألا أذوق فيها الخمر فقنعت بالرضاب، عن الشراب، وبماء الثغر ~~المنضود، عن ماء العنقود، ورأيت بجانبه شابا ريق الشباب فسألت عنه، فقيل لي ~~زهير بن أبي سلمة فما كدت أصدق أنه القائل: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # فقلت: له بم غفر الله لك؟ فقال: كنت في جاهليتي أترقب مبعث محمد، وأتمنى ~~البقاء حتى أراه فحال بيني وبينه الموت، فأوصيت به ابني كعبا وبجيرا، وكنت ~~أومن بالحساب فما نفعني شيء ما نفعني قولي: # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب ويدخر ... ليوم الحساب أو يقدم فينقم # وإلى جانب زهير عبيد الأبرص، فسألته عن مصير أمره # PageV01P115 # فقال كتبت لي النار فما زال الناس يهتفون بقولي: # من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب # والعذاب يخفف عني شيئا فشيئا حتى خرجت ببركة هذا البيت من الجحيم، إلى ~~النعيم. # ذهبنا في الحديث كل مذهب، وذهب بعضنا إلى ارتشاف الخمر، من النهر، في ~~آنية الدر، فانتشينا جميعا فما أفقنا إلا على حفيف رف1 من ms064 إوز الجنة نزل ~~بنا ثم انتفض عن كواعب أتراب، يغنين بالمزاهر والآلات الثقيل والخفيف ~~والهزج، فما أتين على الألحان الثمانية حتى دارت بنا الأرض الفضاء، وحتى ~~ملكنا من الطرب ما يستخف الحلوم، ويطير بالهموم، وقلنا لو علم جبلة بن ~~الأيهم بما نحن فيه لقرع السن على أن باع دينه بسرور محدود، وأنس معدود، ~~ودف وعود، ذكرت جبلة فذكرت لذكره النار وقوله تعالى: {فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم} فتمنيت أن أطلع فأرى المعذبين كما رأيت المنعمين، فألهمت الإذن ~~فأشرت لصاحبي فقام وقمت، وركبنا فرسينا فطارتا بنا حتى انتهينا إلى سور ~~الجنة، فرأينا عنده من الداخل كوخا يسكنه شيخ زري الهيئة، فأشرفنا عليه ~~فقال: PageV01P116 # لا تعجبوا لشأني أنا الحطيئة، ووالله لولا أني صدقت مرة واحدة في حياتي ~~في قولي: # أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله # لما دخلت الجنة، ولما أدركت كوخا ولا جحرا، فتركناه واطلعنا فما رآنا أهل ~~النار حتى ضجوا بصوت واحد أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، ~~فرأينا ملوكا وأكاسرة يتضاغون1 في السلاسل والأغلال، ويقولون: {ربنا أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} فيهتف بهم هاتف: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} . # ورأيت بجانبي امرأة تبينتها فإذا هي الخنساء تطلع مثلنا، فترى رجل كالجبل ~~الأشم على رأسه شعلة من النار، فتمتعض وتقول يا صخر هذا تأويل قولي فيك من ~~قبل: # وان صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # ورأيت هناك كثيرا من أمثال امرئ القيس وعنترة وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن ~~العبد، ورأيت بشار بن برد تفتح عيناه بكلاليب من نار، وكلما اشتد به الألم ~~رفس إبليس برجله، وقال له: ما كنت لأدخل النار لولا قوي فيك. PageV01P117 ### | عبرة الدهر # بنى فلان في روضة من رياض بساتينه الزاهرة قصرا فخما يتلألأ في تلك ~~البقعة الخضراء، تلألؤ الكوكب المنير في البقعة الزرقاء، ويطاول بشرفاته ~~الشماء، أفلاك السماء، كأنه نسر محلق في الفضاء، أو قرط ms065 معلق في أذن ~~الجوزاء، وكأن شرفاته آذان تفضي إليها النجوم بالأسرار، وطاقاته أبراج ~~تنتقل فيها الشموس والأقمار. # شاده مرمرا وجلله كلسا1 ... فللطير في ذراه وكور # ولم يدع ريشه لمصور ولا ليقة2 لرسام إلا أجراها في سقوفه وجدرانه، ~~وطاقاته وأركانه، حتى ليخيل إلى السالك بين أبهائه3 وحجراته، ومحاربيه ~~وعرصاته4، أنه ينتقل من روضة تزهر بالورود الحمراء، والأنوار البيضاء، إلى ~~بادية تسنح PageV01P119 # فيها الذئاب الغبراء، والنمور الرقطاء، ومن ملعب تصيد فيه الظباء الأسود ~~إلى غاب تصيد فيه الأسود الظباء، وأنشأ في كبرى ساحاته، وأوسع باحاته، ~~صهريجا من المرمر مستديران يضم بين حاشيته فوارة ينفر منها الماء صعدا كأنه ~~سيف مجرد، أو سهم مسدد، فيخيل إلى الرائي أن الأرض تثأر لنفسها من السماء، ~~وتتقاضاها ما أراقت منها من الدماء، تلك تقاتلها بالرجوم والشهب، وهذه ~~تحاربها بالسهام والقضب، وغرس حول دائرة الصهريج دوائر من شجرات، مؤتلفات ~~ومختلفات، وأغصان، صنوان وغير صنوان، إذا رنحتها نسائم الأسحار، رقصت فوق ~~بساط الأزهار، وتحت ظلال الأثمار، فغنت على رقصها الأطيار، غناء الأغاريد ~~لا غناء الأوتار، وادخر فيه لنعيمه وبلهنيته1 ما شاء الله أن يدخر من ~~نضائد2 ومقاعد، ووسائد ومساند، وفرش وعرش، وكلل3 وحجل4، وتماثيل وتهاويل5، ~~وصحاف من ذهب، كاللهب، وأكواب من بلور، كالنور، وأقفاص للحمائم والنسور، ~~ومقاصير للسباع والنمور، PageV01P120 # وعربات وسيارات، وجياد صافنات، ووصائف وولائد، تحيط بالمجالس والموائد، ~~إحاطة القلائد، بأعناق الخرائد، وخدم حسان، تنتقل في الغرف والقيعان، تنقل ~~الولدان، في غرف الجنان. # في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب، غدافية1 الإهاب، أفاق صاحب القصر ~~من غشيته فتحرك في سريره وفتح عينيه فلم ير أمامه غير خادمه "بلال" وهو خصي ~~أسود من ذوي الأسنان رباه صغيرا وكفله كبيرا, وكان يجمع بين فضيلتي الذكاء ~~والوفاء فأشار إليه إشارة الواله المتلهف أن يأتيه بجرعة ماء فجاءه بها ~~فتساند على نفسه حتى شرب, وكأن الماء قد حل عقدة لسانه فسأله: في أي ساعة ~~من ساعات الليل نحن يا بلال؟ فأجابه: نحن في الهزيع الأخير يا سيدي، فقال: ~~ألم تعد سيدتك إلى ms066 الآن، قال: لا، فامتعض امتعاضا شديدا وزفر زفرة كادت ~~تخترق حجاب قلبه, ثم أنشأ يتكلم كأنما يحدث نفسه ويقول: إنها تعلم أني مريض ~~وأني في حاجة إلى من يسهر بجانبي ويتعهد أمري ويرفه2 عني بعض ما أعالجه, ~~وليس بين سكان القصر من هو أولى بي وأقوم علي منها، أين وفاؤها الذي كانت ~~تزعمه وتقسم لي بكل محرجة من PageV01P121 # الإيمان عليه، أين حبها الذي كانت تهتف به في صباحها ومسائها وبكورها ~~وأصائلها، أين النعيم الذي كنت أقلبها في أعطافه والعيش الرغد الذي كنت ~~أرشفها كئوسه، أأن علمت أني أصبحت بين حياة لا أرجوها وموت لا أجد السبيل ~~إليه برمت1 بي واستثقلت ظلي واستبطأت أجلي واستطالت ضجعتي فهي تفر من وجهي ~~كل ليلة إلى حيث تجد لذات العيش ومواطن السرور، آه من العيش ما أطوله، وآه ~~من الموت ما أثقله. # وما زال يحدث نفسه بمثل هذه الأحاديث حتى هاج ساكنه, واضطربت أعصابه ~~فعاودته الحمى وغلى رأسه بنارها غليان القدر بمائها, فسقط على فراشه ساعة ~~تجرع فيها من كأس الموت جرعا مريرة بيد أنه لشقائه لم يأت على الجرعة ~~الأخيرة منها. # أفاق من غشيته مرة ثانية فلم ير بجانبه تلك التي تسيل نفسه حسرات عليها ~~فسأل الخادم ألا تعلم أين ذهبت سيدتك يا بلال؟، قال: خير لك ألا تنتظرها يا ~~مولاي وألا تلومها في بعدها عنك, فإن لها عند بعض الناس دينا فهي تخرج كل ~~ليلة لتتقاضاه، قال: ما عرفت قبل اليوم أن بينها وبين أحد من الناس شيئا من ~~PageV01P122 # وذلك، ومتى كان يتقاضى الدائن دينه في مثل هذه الساعة من الليل، وهل ~~أعياها أن تجد من يقوم لها بذلك فهي تتولاه بنفسها، وهلا فرغت من أمر دينها ~~بعد اختلافها إليه سنة كاملة، قال: إن بينها وبين غريمها صكا مكتوبا أن ~~يؤدي ما عليه من الدين أقساطا في كل ليلة قسط على أن تتناوله بيدها وأن ~~تكون مواعيد الوفاء أخريات الليال، قال: ما سمعت في حياتي بأغرب من هذا ~~الدين ولا أعجب من ms067 هذا الصك, ومن هو غريمها؟ قال: أنت سيدي، فنظر إليه نظرة ~~الحائر المشدوه1 وقال: إني أكاد أجن لغرابة ما أسمع, وأحسب أنك هاذ فيما ~~تقول أو هازئ، فدنا منه الخادم وقال: والله يا سيدي ما هزأت في حياتي ولا ~~هذيت، ألا تذكر تلك الليالي الطوال التي كنت تقضيها خارج المنزل بين شهوة ~~تطلبها، وكأس تشربها، وملاعب تجرر فيها أذيالك، ومراقص تهتك فيها أموالك، ~~تاركا زوجتك في هذه الغرفة على هذا السرير تشكو الوحشة، وتبكي الوحدة، ~~وتتقلب على أحر من الجمر شوقا إليك، وحزنا عليك، فلا تعود إليها إلا إذا ~~شاب غراب الليل، وطار نسر الصباح، إنك سلبتها تلك الليالي السالفة فأصبحت ~~غريمها فيها فهي تستردها منك اليوم ليلة ليلة حتى تأتي PageV01P123 # عليها، ذلك هو دينها وهذا عو غريمها، ألا تذكر أنك كنت في لياليك هذه ~~ربما تحبس الزوجة عن زوجها وتملكها عليه وهو واقف موقفك هذا في حسرتك هذه ~~يبكي ما تبكي, ويندب ما تندب، ذلك الزوج هو الذي يتقاضاك اليوم حقه ويأبى ~~ألا أن يأخذ عينا بعين ونقدا بنقد، فهو يفجعك في زوجتك كما كنت تفجعه في ~~زوجته, ويقض1 مضجعك كما كنت تقض مضجعه، وأنا أعيذك بعدلك وإنصافك أن تكون ~~من لواة الدين أو تكون من الظالمين. # قال: حسبك يا بلال فقد بلغت مني وإن لي في حاضري ما يشغلني عن ماضي فادع ~~لي ولدي، قال: لم يعد يا سيدي من الوجه التي بعثته فيه حتى الآن، قال: لا ~~أذكر أني بعثته في وجه ما, وأين ذهب؟ قال: ذهب إلى الحانة التي يختلف ~~إليها, ولن يرجع منها حتى يرتوي ولن يرتوي حتى يعجز عن الرجوع، إنني طالما ~~وقفت بين يديك يا مولاي ضارعا إليك أن تحول بينه وبين خلطاء السوء وعشراء ~~الشر حتى لا يفسدوه عليك فكنت تعرض عني إعراض من يرى أن تدليل الولد ~~وترفيهه2 وإرخاء العنان له عنوان من عناوين العظمة ومظهر PageV01P124 # من مظاهر الأبهة والجلال، كنت أسألك أن تعلمه العلم وأن تهديه إلى طريق ~~المدرسة ليضل ms068 عن طريق الحانة, فكنت ترى أن الذي يحتاج إلى العلم من يرتزق ~~به, وأن ولدك عن ذلك من الأغنياء، فلا تشك من عمل يديك، ولا تبك من جناية ~~نفسك عليك، فأنت الذي أرسلته إلى الحانة وأنت الذي أبقيته فيها إلى مثل هذه ~~الساعة, وأنت الذي أبعدته عن فراشك أحوج ما كنت إليه. # وما وصل الخادم من حديثه إلى هذا الحد حتى نصل الليل من خضابه واشتعل ~~المبيض في مسوده وإذا صوت الناعورة يرن في بستان القصر رنين الثكلى فقدت ~~واحدها، فقال السيد: هات يدك يا بلال وخذ بيدي إلى جوار النافذة لأروح عن ~~نفسي بعض ما ألم بها أو أودع إلى جانبها نسمات الحياة، ثم اعتمد على يده ~~حتى وصل إلى النافذة فجلس على كرسي مستطيل وألقى على البستان نظرة طويلة ~~فرأى البستاني وزوجه جالسين إلى الناعورة وقد برقت بوارق السعادة من خلال ~~أثوابهما البالية بريق الكواكب المنيرة من خلال السحب المتقطعة، رآهما ~~متحابين متعاطفين لا يتعاتبان ولا يتشاحان1 ولا يشكوان ولا يندبان حظا، ~~PageV01P125 # رآهما قويين نشيطين يجري دمهما في عروقهما صافيا رائقا وكأن كلا منهما ~~يحاول أن يخرج من إهابه1 مرحا ونشاطا، رآهما راضيين بما قسم الله لهما من ~~خشونة الملبس وجشوبة2 المطعم فلا يتشهيان ولا يتمنيان ولا ينظران إلى ذلك ~~القصر الشامخ المطل عليهما نظرات الهم والحسرة، سمعهما يتحدثان فأصغى ~~إليهما فإذا البستاني يقول لزوجه: والله لو وهب لي هذا القصر برياضه ~~وبساتينه، وآنيته وخرثيه3، على أن تكون لي تلك الزوجة الخائنة الغادرة ~~لفضلت العيش فوق صخرة في منقطع العمران، على البقاء في مثل هذا المكان، ~~أقاسي تلك الهموم والأحزان، فقالت: لا أحسب أن سيدنا ينجو من خطر هذا المرض ~~فقد مر به على حاله تلك عام كامل وهو يزداد كل يوم ضعفا ونحولا، قال: قد ~~علمت أن الطبيب قد نفض يده من الرجاء فيه, وأضمر اليأس منه ولا عجب في ذلك ~~فإنه ما زال يسرف على نفسه ويذهب بها المذاهب كلها حتى قتلها، قالت: ما ~~أشقاه أكانت ms069 نفسه عدوة إليه فجنى عليها هذا الشقاء، وذلك البلاء، قال: ما ~~كان عدوا لنفسه ولا كانت نفسه عدوة إليه ولكنه كان جاهلا PageV01P126 # مغرورا غره شبابه وماله وعزه وجاهه فظن أنه قد أخذ على الدهر عهدا ~~بالسلامة والبقاء فانطلق في سبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى سقط في ~~الحفرة التي احتفرها لنفسه، قالت: أتعلم ماذا يكون حال هذا القصر من بعده، ~~قال: لا أعلم إلا أنه سيكون لولده، قالت: ولكني أعلم أنه سيكون لفلان، قال: ~~إن فلانا ليس وريث السيد بل صديقه، قالت: إنه ليس بصديق السيد بل صديق ~~السيدة، فهو خاطب زوجته قبل وفاته، وزوجها بعد مماته. # فما سمع السيد هذه الكلمات حتى اضطرب اضطرابا شديدا وسقط عن كرسيه وهو ~~يقول: أشهد أني من الأشقياء, وما زال في غشيته تلك حتى صحا صحوة الموت وفتح ~~عينيه فرأى بين يديه هذا المنظر المحزن المؤلم. # رأى ولده لاهيا بمحادثة فتاة من فتيات القصر، ورأى زوجته تضاحك تربا من ~~أترابها وتغمزها بطرفها أن قد حان حينه ودنا أجله، ورأى صديقه أو ولي عهده ~~يأمر في القصر وينهى ويتصرف تصرف السيد المطاع، ورأى نفسه يعالج سكرات ~~الموت ويعد عدته للانتقال من القصر إلى القبر، وهنا سمع كأن هاتفا يهتف به ~~من السماء ويقول: أيها الرجل، لو وفيت لزوجك # PageV01P127 ### | أفسدك قومك # أيها المجرم الفاتك الذي يسلب الخزائن نفائسها، والأجسام أرواحها، لست ~~أحمل عليك من العتب فوق ما يحتمله ذنبك, ولا أنظر إليك بالعين التي نظر بها ~~إليك القاضي الذي قسا في حكمه عليك؛ لأني أعتقد أن لك شركاء في جريمتك فلا ~~بد لي من أن أنصفك وإن كنت لا أستطيع أن أنفعك. # شريكك في الجريمة أبوك؛ لأنه لم يتعهدك بالتربية في صغرك ولم يحل بينك ~~وبين مخالطة المجرمين, بل كثيرا ما كان يبخبخ1 لك إذا رآك هجمت على تربك ~~وضربته, ويصفق لك إذا رأى أنك تمكنت من اختلاس درهم من جيب أخيك أو اختطاف ~~لقمة من يده، فهو الذي غرس الجريمة في نفسك ms070 وتعهدها بالسقيا حتى أينعت ونمت ~~وأثمرت لك هذا الحبل الذي أنت معلق به اليوم، وها هو ذا الآن يذرف عليك ~~العبرات، ويصعد الزفرات، PageV01P129 # ولو عرف أنها جريمته وأنها غرس يمينه لضحك مسرورا بغفلة الشرائع عنه, ~~وسجد لله شكرا على أن لم يكن حبلك في عنقه وجامعتك1 في يده. # شريكك في الجريمة هذا المجتمع الإنساني الفاسد الذي أغراك بها، ومهد لك ~~السبيل إليها، فقد كان يسميك شجاعا إذا قتلت، وذكيا فطنا إذا سرقت، وعالما ~~إذا احتلت، وعاقلا إذا خدعت، وكان يهابك هيبته للفاتحين، ويجلك إجلاله ~~للفاضلين، وكثيرا ما كنت تحب أن ترى وجهك في مرآته فتراه وجها أبيض ناصعا ~~فتتمنى لو دام لك هذا الجمال، ولو أنه كان يؤثر نصحك ويصدقك الحديث عن نفسك ~~لمثل لك جريمتك في نظرك بصورتها الشوهاء، وهنالك ربما وددت بجدع الأنف لو ~~طواك بطن الأرض عنها، وحالت المنية بينك وبينها. # شريكك في الجريمة حكومتك؛ لأنها كانت تعلم أن الجريمة هي الحلقة الأخيرة ~~من سلسلة كثيرة الحلقات وكانت تراك تمسك بها حلقة حلقة وتعلم ما سينتهي ~~إليه أمرك فلا تضرب على يدك PageV01P130 # ولا تعترض دون سبيلك، ولو أنها فعلت لما اجترمت، ولا وصلت إلى ما إليه ~~وصلت. # كانت حكومتك تستطيع أن تعلمك وتهذب نفسك, وأن تقفل بين يديك أبواب ~~الحانات, وأن تحول بينك وبين مخالطة الأشرار بإبعادهم عنك وتشريدهم في ~~مجاهل الأرض ومخارمها, وأن تعديك1 على قتيلك قبل أن يبلغ حقدك عليه مبلغه ~~من نفسك وأن تحسن تأديبك في الصغيرة، قبل أن تصل إلى الكبيرة، ولكنها أغفلت ~~أمرك فنامت عنك نوما طويلا حتى إذا فعلت فعلتك استيقظت على صوت صراخ ~~المقتول وشمرت عن ساعدها لتمثل منظرا من مناظر الشجاعة الكاذبة، فاستصرخت ~~جندها واستنصرت أسلحتها وأعدت جذعها وجلادها, وكان ما فعلت أنها أعدمتك ~~حياتها. # هؤلاء شركاؤك في الجريمة, وأقسم لو كنت قاضيا لأعطيتك من العقوبة على قدر ~~سهمك في الجريمة, وجعلت تلك الجذوع قسمة بينك وبين شركائك, ولكنني لا ~~أستطيع أن أنفعك، فيا أيها القتيل المظلوم رحمة الله ms071 عليك. PageV01P131 ### | الصدق والكذب # يا صاحب النظرات: # سمعت بالصدق وما وعد الله به الصادقين من حسن المثوية وجزيل الأجر، وسمعت ~~بالكذب وما أعد الله للكاذبين من سوء العذاب، وأليم العقاب، وقرأت ما كتبه ~~حكماء الأمم من عهد آدم إلى اليوم, وإجماعهم أن الصدق فضيلة الفضائل والأصل ~~الذي تتفرع عنه جميع الأخلاق الشريفة والصفات الكريمة, وأنه ما تمسك به ~~متمسك إلا كان النجاح في أعماله ألصق به من ظله، وأعلق به من نفسه، سمعت ~~هذا وقرأت هذا فلم يبق في نفسي ريب في أن ما أنا مرزوء به في حظي من الشقاء ~~وعيشي من الضنك وحياتي من الهموم والأكدار إنما جره إلى شؤم الكذب, وأن ما ~~كنت أتخيله قبل اليوم من أن هناك مواقف يكون فيها الكذب أنفع من الصدق ~~وأسلم عاقبة إنما هو ضرب من ضروب الوهم الباطل ونزغة من نزغات الشيطان، # PageV01P132 # فعاهدت الله ونفسي ألا أكذب ما حييت, وأعددت لذلك القسم العظيم عدته من ~~شجاعة في النفس وقوة في العزيمة بعد ما وجهت وجهي لله تعالى, وسألته أن ~~يمدني بمعونته ونصره. # وهاأنذا ذاكر لك مواقف الصدق التي وقفتها بعد ذلك العهد, وما رأيته من ~~آثارها ونتائجها. # الموقف الأول: جلست في حانوتي فما وقف بي مساوم إلا صدقته القول في الثمن ~~الذي اشتريت به السلعة والربح الذي أريده لنفسي فيها, والذي لا أستطيع أن ~~أعد نفسي رابحا إذا تجاوزت عن بعضه, فيأبى الا الحطيطة1 فآباها عليه فينصرف ~~عني استثقالا للثمن واستعظاما لمقداره, وما هو إلا الربح الذي اعتدت أن ~~آخذه منه في مثل تلك الصفقة, إلا أنني كنت أكذب عليه في أصل الثمن فيصغره ~~في نظره الربح الذي أربحه منه فلما صدقته عنه أعظمه وانصرف عني إلى سواي، ~~ولم أزل على هذه الحال حتى أظلني الليل ولم يفتح الله علي بقوت يومي، وما ~~هي إلا أيام قلائل حتى عرفت في السوق بالطمع والمغالاة, فأصبحت لا يطرق باب ~~حانوتي طارق. PageV01P133 # الموقف الثاني: جلست في مجلس يتصدره شيخ من تجار العقول الضعيفة ~~المعروفين ms072 بمشايخ الطرق, وقد حف به جماعة من عبدته وسدنة1 هيكله, فسمعته ~~يشرح لهم معنى التوكل شرحا غريبا يذهب فيه إلى أنه القعود عن العمل وإلقاء ~~حبل هذا الوجود على غاربه, والإعراض عن كل سعي يؤدي إلى أي غاية، ويعتمد في ~~هذيانه هذا على آيات يؤولها كما يشاء وأحاديث لا يستند في صحتها على مستند ~~سوى أنه سمعها من شيخه أو قرأها في كتابه، وأكثر ما كان يدور على لسانه ~~حديث: $"لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا"2, فقلت له وقد أخذ الغيظ من نفسي مأخذه: يا شيخ أردت أن تحتج ~~لنفسك فاحتججت عليها، أتعمد إلى حديث يستدل به رواته على وجوب السعي ~~والعمل، فتستدل به على البطالة والكسل، ألم تر أن الله سبحانه وتعالى ما ~~ضمن للطير الرواح بطانا إلا بعد أن أمرها بالغدو وهي التي ترويها القطرة، ~~وتشبعها الحبة، فكيف لا يأمر الإنسان بالسعي وهو من لا تفنى مطالبه، ولا ~~تنتهي رغباته، PageV01P134 # أيها القوم، إنكم تقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، إنكم عجزتم عن ~~العمل، وأخلدتم إلى الكسل، وأردتم أن تقيموا لأنفسكم عذرا يدفع عنكم هاتين ~~الوصمتين فسميتم ما أنتم فيه توكلا, وما هو إلا العجز الفاضح، والإسفاف ~~الدنيء، وهنا زفر الشيخ زفرة الغيظ ونادى في قومه أن أخرجوا هذا الزنديق ~~الملحد من مجلسي, فتألبوا علي تألبهم على قصعة الثريد وأوسعوني لطما وصفعا, ~~ثم رموا بي خارج الباب فما بلغت منزلي حتى هلكت أو كدت، فما مررت بعد ذلك ~~بطائفة من العامة إلا رموني بالنظر الشزر وعاذوا بالله من رؤيتي كما يعوذون ~~به من الشيطان الرجيم. # الموقف الثالث: لا أكتمك يا سيدي أني كنت أبغض زوجتي بغضا يتصدع له ~~القلب, غير أني كنت أصانعها وأتودد إليها, وأمنحها من لساني ما ليس له أثر ~~في قلبي خداعا لها, وإبقاء على ما تحتويه يدي من صبابة مال كانت لها، فرأيت ~~أن ذلك أكذب الكذب وأقبحه فآليت على نفسي ألا أسدل بعد اليوم أمام عينها ms073 ~~حجابا يحول بينها وبين سريرتي، فانقطع عن سمعها ذلك السلسبيل العذب، من ~~كلمات الحب، فاستوحشت مني # PageV01P135 # وأظلم ما بيني وبينها فما هي ألا عشية أو ضحاها حتى انحل ذلك الوثاق، ~~وختمت سورة الفراق، بآية الطلاق. # الموقف الرابع: حضرت مجتمعا يضم بين حاشيتيه جماعة من الفضوليين, الذين ~~تضيق بهم مذاهب القول فيلجئون إلى الحديث عن الناس والمفاضلة بينهم, ~~ويحاولون أن ينبشوا دفائن صدورهم ويتغلغلوا بين أطواء1 سرائرهم ويغالون في ~~ذلك مغالاة الكيمائي في تحليله وتركيبه, فرأيتهم يتناولون بألسنتهم رجلا ~~عظيما من أصحاب الأراء السياسية لا أعتقد أن بين السالكين مسلكه والآخذين ~~إخذه من أخلص لأمته إخلاصه, أو وقف في المواقف المشهودة موقفه, أو لاقى في ~~ذلك السبيل من صدمات الدهر وضربات الأيام ما لاقاه، سمعتهم يسمونه خائنا ~~فوالله لأن تقع السماء على الأرض أحب إلي من أن يتهم البريء أو يجازي ~~المحسن سوءا على إحسانه، سمعت ما لم أملك نفسي معه فقلت: يا قوم أتطالعون ~~من كتاب الحرية مائة صفحة ونيفا2 ثم لا تزالون عبيد الأوهام, أسرى الخيالات ~~سراعا إلى كل داع، سعاة مع كل ساع، تنظرون بغير روية وتحكمون بغير علم، ~~إنكم PageV01P136 # بعملكم هذا تزهدون المحسن في إحسانه, وتلقون الرعب في قلب كل عامل يعمل ~~لأجلكم, وتثبطون همة كل من يحدث نفسه بخدمتكم وخدمة بلادكم, أليس مما يلقي ~~في النفس اليأس من نجاحكم وصلاح حالكم أن نراكم طعمة كل آكل، ولعبة كل ~~عابث، يستهويكم الكاذب بالكلمات التي تستهوي بها المرضعات أطفالهن, ثم ~~يدعوكم إلى مناوأة الصادق فتمنحون الأول ودكم وإخلاصكم، والثاني بغضكم ~~وموجدتكم، خاطبتهم بهذه الكلمات أريد بها خيرا لهم فأرادوا شرا بي فما خلصت ~~من بينهم إلا وأنا ألمس رأسي بيدي لأعلم أين مكانها من عنقي. # الموقف الخامس: قابلني في الطريق شاعر يحمل في يده طومارا1 كبيرا وكنت ~~ذاهبا إلى موعد لا بد لي من الوفاء به فعرض علي أن يسمعني قصيدة من طريف ~~شعره وأنا أعلم الناس بطريفه وتليده, فاستعفيته بعد أن كاشفته بأمري فأبى, ~~فانتحيت به تاحية ms074 من الطريق فأنشأ يترنم بالقصيدة بيتا بيتا وأنا أشعر ~~كأنما يجرعني السم قطرة قطرة حتى تمنيت أن لو ضربني بها ضربة واحدة يكون ~~فيها انقضاء أجلي؛ ليريحني من هذا العذاب PageV01P137 # المتقطع والتمثيل الفظيع، وكلما أتى على بيت منها أقبل علي بوجهه, وأطال ~~النظر في وجهي وحدق في عيني؛ ليعلم كيف كان وقع شعره من نفسي, فإذا رأى ~~تقطيب وجهي ظنه تقطيب الشارب لارتشاف الكأس فيستمر في شأنه حتى أنشذ نحو ~~خمسين بيتا، ثم وقف وقال: هذا هو الباب الأول من أبواب القصيدة، فقلت: وكم ~~عدد أبوابها يرحمك الله؟ قال: عشرة ليس فيها أصغر من أولها، قلت: أتأذن لي ~~أن أقول لك يا سيدي أن شعرك قبيح وأقبح منه طوله, وأقبح من هذا وذاك صوتك ~~الأجش الخشن, وأقبح من الثلاثة اعتقادك أني من سخافة الرأي وفساد الذوق ~~بحيث يعجبني مثل هذا الشعر البارد, عجبا يسهل علي فوات الغرض الذي أريده ~~والذي ما خرجت من منزلي إلا من أجله، فتلقاني بضربة يجمع يده1 في صدري ~~فتلقيته بمثلها, وما زالت أكفنا تأخذ مأخذها من خدودنا وأقفائنا حتى كلت ~~فجردت عصاي وضربته في رأسه ضربة ما أردت بها يعلم الله إلا أن أصيب مركز ~~الشعر من مخه فأفسده عليه، فسقط مغشيا عليه وسقطت القصيدة من يده فأسرعت ~~إليها ومزقتها وأرحت PageV01P138 # نفسي منها وأرحت الناس من مثل مصيبتي فيها، وكان الشرطي قد وصل إلينا ~~فاحتملنا جميعا إلى المخفر, ثم إلى السجن حيث أكتب إليك كتابي هذا. # فيا صاحب النظرات أفتني في أمري وأنر ظلمة نفسي فقد أشكل علي الأمر ~~وأصبحت أسوأ الناس بالصدق ظنا بعدما رأيت أني ما وقفت موقفه في حياتي إلا ~~خمس مرات, فكانت نتيجة ذلك إفلاسي وخراب بيتي واتهامي بالخيانة مرة ~~والزندقة أخرى، ذلك إلى ما أقاسيه اليوم في هذا السجن من أنواع الآلام، ~~وصنوف الأسقام. # أيها السجين: # كتبت إلي مسح الله ما بك وألهمك صواب الرأي في حاليك, تشكو من جناية ~~الصدق عليك ما وقف بك موقف الشك في أمره, وكاد ms075 يزلق بك إلى الاعتقاد أنه ~~رذيلة الرذائل، لا فضيلة الفضائل، وما كان لك أن تجعل لليأس هذا السبيل إلى ~~نفسك وأن يبلغ بك الجزع من نكبات العيش وضربات الأيام مبلغا يذهب برشدك، ~~ويطير بلبك، فما أنت أول صادق في الأرض ولا أول من لقي في سبيل الصدق شرا ~~وكابد ضرا # PageV01P139 # إنك لو فهمت معنى الفضيلة حق الفهم وصبرت على مرارتها حق الصبر لذقت من ~~حلاوتها ما تقطع دونه أعناق الرجال. # ليست الفضيلة وسيلة من وسائل العيش أو كسب المال, وإنما هي حالة من حالات ~~النفس تسمو بها إلى أرقى درجات الإنسانية وتبلغ بها غاية الكمال. # إن الذي يطلب الفضيلة ليستكثر بها ماله أو يرفه بها عيشه يحتقرها ~~ويزدريها؛ لأنه لا يفرق بينها وبين سلعة التاجر وآلة الصانع. # ليس من صواب الرأي أن يجعل الإنسان حالة عيشه ميزانا يزن به أخلاقه فإن ~~اتسع عيشه اطمأن إليها, وإن ضاق أساء الظن بها, فكم رأينا بين الفاضلين ~~أشقياء، وبين الأرذلين كثيرا من ذوي النعمة والثراء. # لا يستطيع الرجل الفاضل أن يبلغ غايته من عيشه إلا إذا استطاع أن ينزل من ~~نفوس الناس منازل الحب والإكرام، ولن يستطيع ذلك إلا إذا عاش بين قوم ~~يعرفون الفضيلة ويعظمون شأنها، ولن يكونوا كذلك إلا إذا كانوا فضلاء أو ~~أشباه فضلاء، والسواد الأعظم الذي يمسك بيده أسباب العيش ويملك ينابيعه ~~سواد أبله ساذج يبغض الصادق؛ لأنه # PageV01P140 # يصادره في ميوله وأهوائه وينقم منه جهله وغباوته، ويحب الكاذب؛ لأنه لا ~~يزال يزين له أمره حتى يحبب إليه نفسه، فلا بد للصادق من صدر يسع هموم ~~العيش وقلب يحتمل بغض القلوب ليبلغ غايته من إصلاح النفوس وتهذيبها كما ~~يبذل المجاهد حياته ودمه ليبلغ غايته من الفوز والانتصار. # الصدق جنة حفت بالمكاره, فإن كان للصادق في جنة الصدق أرب فليحمل في ~~سبيلها ما حمله الأنبياء والمرسلون والحكماء والقائمون بإصلاح المجتمع ~~الإنساني ودعاة المطالب الدينية والسياسية. # كما أن الجود يفقر والإقدام قتال, وكما أن لكل فضيلة من الفضائل آفة من ~~الآفات, ترفع ms076 درجتها وتبعد منازلها إلا على الصابرين المخلصين، كذلك للصدق ~~آفة من مصادمة الكاذبين وهم الأكثرون، للصادقين وهم الأقلون. # أتريد أيها الرجل أن تسمى صادقا وأن تنال أشرف لقب يستطيع أن يناله بشر, ~~وأن # يوافيك المجد طائعا مذعنا دون أن تبذل في سبيله شيئا من مالك أو راحتك. # إنك إن أردت ذلك أو قدرته في نفسك تظلم الفضيلة # PageV01P141 # ظلما بينا وترخص قيمتها وتلق بها في مدارج الطرق وتحت مواطئ النعال. # أيحزنك انصراف الأغبياء عن حانوتك, أو اتهامك بالزندقة والإلحاد أو ~~المروق والخيانة, وترى أن ذلك كثير في سبيل بلوغك منزلة الصدق وإحرازك ~~فضيلته، وأنت تعلم أن الفاضلين قد بذلوا من قبلك أكثر مما بذلت، في سبيل ~~إحراز ما أحرزت، فما ندموا ولا حزنوا. # أيها السجين الشريف, هنيئا لك السجن الذي تكابده، وهنيئا لك البغض الذي ~~تحتمله، وهنيئا لك العيش الذي تعالج همومه، فوالله لأنت أرفع في نظري من ~~كثير من أولئك الذين يعدهم الناس سعداء، ويسمونهم عظماء. # لا تظلم الصدق ولا تكن سيئ الظن به, وكن أحرص الناس على ولائه ومودته، ~~وإياك أن يخدعك عنه خادع، واصبر قليلا يثمر لك غرسه، ويمتد عليك ظله، ~~وهنالك تجد في نفسك من اللذة والغبطة ما لو بذل فيه ذوو التيجان تيجانهم، ~~وأرباب الكنوز كنوزهم، لما استطاعوا إليه سبيلا. # PageV01P142 ### | النظامون # ما لهؤلاء النظامين لا يهدءون ساعة واحدة عن صدع رءوسنا, وجرح قلوبنا ~~بهذه الصواعق التي يمطرونها علينا كل يوم من سماء الصحف حتى صرنا كلما ~~فتحنا صحيفة, ورأينا في وسطها جدولا أبيض مستطيلا تخيلناه حية رقطاء, ~~ففزعنا وألقينا الصحيفة كما ألقاها الشاعر المتلمس لينجو بنفسه ويسلم ~~بحياته. # من لي بالقلم العريض الذي يكتب به كتاب الصحف عناوين مقالاتهم في معرض ~~التهويل والتجسيم فأكتب به إلى هؤلاء المساكين هذه الكلمة الآتية: # أيها القوم، إن علماء الضاد الذين عرفوا الشعر بأنه: الكلام الموزون ~~المقفى لم يكونوا شعراء ولا أدباء ولا يعرفون من الشعر أكثر من إعرابه ~~وبنائه أو اشتقاقه وتصريفه, وإنما جروا في ذلك التعريف مجرى علماء ms077 العروض ~~الذين لا مناص لهم من أن يقفوا في تعريف الشعر عند هذا القدر ما دام لا ~~يتعلق لهم غرض منه بغير أوزانه وقوافيه، # وعلله وزحافاته. # PageV01P143 # لا تظنوا أن الشعر كما تظنون, وإلا لاستطاع كل قارئ بل كل إنسان أن يكون ~~شاعرا؛ لأنه لا يوجد في الناس من يعجزه تصور النغمة الموسيقية والتوقيع ~~عليها من أخصر طريق. # أيها القوم، ما الشعر إلا روح يودعها الله فطرة الإنسان من مبدأ نشأته ~~ولا تزال كامنة فيه كمون النار في الزند, حتى إذا شدا1 فاضت على أسلات ~~أقلامه2 كما تفيض الكهرباء على أسلاكها، فمن أحس منكم بهذه الروح في نفسه ~~فليعلم أنه شاعر أو لا فليكف نفسه مئونة التخطيط والتسطير, وليصرفها إلى ~~معاناة ما يلائم طبعه ويناسب فطرته من أعمال الحياة، فوالله للمحراث في يد ~~الفلاح والقدوم في يد النجار, والمسبر في يد الحداد أشرف وأنفع من القلم في ~~يد النظام. # فإن غم عليكم الأمر وأعجزكم أن تعلموا مكان الروح الشعري من نفوسكم ~~فأعرضوا أنفسكم على من يرشدكم إليكم, ويدلكم عليكم حتى تكونوا على بينة من ~~أمركم. PageV01P144 ### | الحرية # استيقظت في فجر هذا اليوم على صوت هرة تموء1 بجانب فراشي وتتمسح بي, وتلح ~~في ذلك إلحاحا غريبا, فرابني أمرها وأهمني همها, وقلت: لعلها جائعة فنهضت ~~وأحضرت لها طعاما فعافته وانصرفت عنه, فقلت: لعلها ظمآنة فأرشدتها إلى ~~الماء فلم تحفل به, وأنشأت تنظر إلي نظرات تنطق بما تشتمل عليه نفسها من ~~الآلام والأحزان, فأثر في نفسي منظرها تأثيرا شديدا حتى تمنيت أن لو كنت ~~سليمان، أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة ~~مقفلا فرأيت أنها تطيل النظر إليه وتتلصق بي كلما رأتني أتجه إليه, فأدركت ~~غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه فما وقع نظرها على ~~الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهم إلى غبطة وسرور ~~وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي PageV01P145 # وأسلمت رأسي إلى يدي وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة وأعجبت لشأنها وأقول: ms078 ~~ليت شعري هل تفهم الهرة معنى الحرية, فهي تحزن لفقدانها وتفرح بلقياها، ~~أجل؛ إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن ~~الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا ~~سعيا وراء بلوغها. # وهنا ذكرت أن كثيرا من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر ~~به الهرة المحبوسة في الغرفة, والوحش المعتقل في القفص والطير المقصص ~~الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من لا يفكر في وجه الخلاص, ~~أو يلتمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء ~~في هذا السجن ويأنس به ويتلذذ بالآمه وأسقامه. # من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها أن يكون الحيوان الأعجم ~~أوسع ميدانا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤما عليه وعلى ~~سعادته، وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدا بحريته كما كان ~~سعيدا بها قبل أن يصبح ذكيا ناطقا. # يحلق الطير في الجو, ويسبح السمك في البحر, ويهيم الوحش # PageV01P146 # في الأودية والجبال, ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه ومحبس ~~حكومته من المهد إلى اللحد. # صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالا وسماها تارة ناموسا ~~وأخرى قانونا؛ ليظلمه باسم العدل ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس ~~والنظام. # صنع له هذه الآلة المخيفة, وتركه قلقا حذرا مروع القلب مرتعد الفرائض, ~~يقيم من نفسه على نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجيله وفلتات لسانه ~~وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما ~~أكثر جهله، وويح له ما أشد حمقه، وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب ~~الذي يعالجه, أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه. # ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته بل جنايته الكبرى عليه أنه ~~أفسد عليه وجدانه فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية ولا يذرف دمعة واحدة ~~عليها. # لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله ~~من ms079 السلاسل والقيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، ~~وكان ذلك خيرا له من حياة لا يرى فيها شعاعا من أشعة الحرية ولا تخلص إليه ~~نسمة من نسماتها. # PageV01P147 # كان في مبدأ خلقه يمشي عريانا أو يلبس لباسا واسعا يشبه أن يكون ظلة تقيه ~~لفحة الرمضاء، أو هبة النكباء، فوضعوه في القماط كما يضعون الطفل, وكفنوه ~~كما يكفنون الموتى, وقالوا له هكذا نظام الأزياء. # كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه, وما يلتئم مع طبيعته, فحالوا بينه ~~وبين ذلك, وملئوا قلبه خوفا من المرض أو الموت وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا ~~كما يريد الطبيب, وأن يتكلم أو يكتب إلا كما يريد الرئيس الديني أو الحاكم ~~السياسي, وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي ~~به قوانين العادات والتقاليد. # لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرا مطلقا, لا ~~يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس. # الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة ~~حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر. # الحرية هي الحياة ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللعب ~~المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية. # PageV01P148 # ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا، أو طارئا غريبا، وإنما هي ~~فطرته التي فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور، ويتعلق بأغصان الأشجار. # إن الإنسان الذي يمد يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد, وإنما هو ~~يطلب حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة ~~لمخلوق عليه ولا يد لأحد عنده. # PageV01P149 ### | عبرة الهجرة # إن في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها ~~نفس بشرية ما يغنيه عن كل خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو ~~الهواء. # إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه وحلمه، وصبره واحتماله، وتواضعه ~~وإيثاره، وصدقه وإخلاصه، أكثر مما كان يبهرهم من ms080 معجزات تسبيح الحصى ~~وانشقاق القمر، ومشى الشجر، ولين الحجر؛ ذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ~~ما كان يريبهم في الأخرى من الشبه بينها وبين عرافة العرافين وكهانة الكهنة ~~وسحرة السحرة، فلولا صفاته النفسية وغرائزة وكمالاته ما نهضت له الخوارق ~~بكل ما يريد، ولا تركت المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر المعروف، ذلك هو ~~معنى قوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} . # كان النبي -صلى الله عليه وسلم- شجاع القلب فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد ~~قوما مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاة شرسون # PageV01P150 # متحمسون يغضبون لدينهم غضبهم لأعراضهم ويحبون آلهتهم كما يحبون أبناءهم. # كان على ثقة من نجاح دعوته فكان يقول لقريش أشد ما كانوا هزءا وسخرية: ~~"يا معشر قريش والله لا يأتي عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبوا ~~ما أنتم له كارهون". # كان حليما سمح الأخلاق, فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه ويزدرونه ويشعثون1 ~~منه ويضعون التراب على رأسه ويلقون على ظهره أمعاء الشاة وسلى2 الجزور وهو ~~في صلاته بل كان يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون". # كان واسع الأمل كبير الهمة صلب النفس لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى ~~الله, فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل فلم يبلغ الملل من نفسه ولم يخلص ~~اليأس إلى قلبه فكان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ~~على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". # وما زال هذا شأنه حتى علم أن مكة لن تكون مبعث الدعوة ولا مطلع تلك الشمس ~~المشرقة فهاجر إلى المدينة فانتقل الإسلام PageV01P151 # بانتقاله من السكون إلى الحركة ومن طور الخفاء إلى طور الظهور. # لذلك كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام؛ لأنها أكبر مظهر من مظاهره وكانت ~~عيدا يحتفل به المسلمون في كل عام؛ لأنها أجمل ذكرى للثبات على الحق ~~والجهاد في سبيل الله. # لقد لقى -صلى الله عليه وسلم- في هجرته عناء كبيرا وشدة عظيمة, فإن قومه ~~كانوا يكرهون مهاجرته لا ضنا به ms081 بل مخافة أن يجد في دار هجرته الأعوان ~~والأنصار ما لم يجد بينهم, كأنما كانوا يشعرون بأنه طالب حق وأن طالب الحق ~~لا بد أن يجد بين المحقين أعوانا وأنصارا، فوضعوا عليه العيون والجواسيس ~~فخرج من بينهم ليلة الهجرة متنكرا بعد ما ترك في فراشه ابن عمه علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه عبثا بهم وتضليلا لهم عن اللحاق به, ومشى هو وصاحبه أبو ~~بكر رضي الله عنه يتسلقان الصخور ويتسربان في الأغوار والكهوف ويلوذان ~~بأكناف الشعاب والهضاب حتى انقطع عنهم الطلب, وتم لهما ما أرادا بفضل الصبر ~~والثبات على الحق. # إن حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون ~~للوصول إلى التخلق بأشرف الأخلاق والتحلي بأكرم الخصال وأحسن مدرسة يجب أن ~~يتعلموا فيها كيف # PageV01P152 # يكون الصدق في القول والإخلاص في العمل والثبات على الرأي وسيلة إلى ~~النجاح, وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سببا في علوه على الباطل. # لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء ~~الإفرنج، فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل والصبر والثبات ~~والحب والرحمة والحكمة والسياسة والشرف الحقيقي والإنسانية الكاملة وهي ~~حياة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وحسبنا بها وكفى. # PageV01P153 ### | الإنصاف: # إذا كان لك صديق تحبه وتواليه ثم هجمت من أخلاقه على ما لم يحل في نظرك, ~~ولم يتفق مع ما علمت من حاله، وما أطرد عندك من أعماله، أو كان لك عدو تذم ~~طباعه، وتنقم منه شئونه، ثم برقت لك من جانب أخلاقه بارقة خير فتحدثت بما ~~قام في نفسك من مؤاخذة صديقك على الهفوة التي ذممتها، وحمد عدوك على الخلة ~~التي حمدتها، عدك الناس متلونا أو مخادعا أو ذا وجهين تمدح اليوم من تذم ~~بالأمس وتذم في ساعة من تمدح في أخرى, وقالوا: إنك تظهر ما لا تضمر وتخفي ~~غير الذي تبدي، ولو أنصفوك لأعجبوا بك وبصدقك، ولأكبروا سلامة قلبك من هوى ~~النفس وضلالها، ولسموا ما بدا لهم منك اعتدالا لا نفاقا، وإنصافا لا خداعا؛ ~~لأنك لم ms082 تغل في حب صديقك غلو من يعميه الهوى عن رؤية عيوبه ولم تتمسك من ~~صداقته بالسبب الضعيف فعنيت بتعهد أخلاقه، وتفقد خلاله، لإصلاح ما فسد من ~~الأولى، واعوج من الأخرى. # PageV01P154 # إن صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك، وحلمك وجهلك، وصوابك وسقطك، ~~ليس ممن يغتبط بمودته، أو يوثق بصداقته؛ لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي ~~تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك وتصدقك عن زينك وشينك، وحلوك ومرك، وهو إما ~~جاهل متهور في ميوله وأهوائه فلا يرى غير ما تريد أن ترى نفسه لا ما يجب أن ~~تراه، وإما منافق مخادع قد علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجرير الذيول ~~عليها فجاراك فيما تريد، ليبلغ منك ما يريد. # فها أنت ترى أن الناس يعكسون القضايا ويقلبون الحقائق فيسمون الصادق ~~كاذبا، والكاذب صادقا، ولكن الناس لا يعلمون. # PageV01P155 ### | المدنية الغربية # سأودع في هذه النظرة الخيال والشعر وداع من يعلم أن الأمر أعظم شأنا وأجل ~~خطرا من أن يعبث فيه العابث بأمثال هذه الطرائف, التي هي بالهزل أشبه منها ~~بالجد والتي إنما يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه، لا في مواطن جده ~~وعمله. # إن في أيدينا معشر الكتاب من نفوس هذه الأمة وديعة يجب علينا تعهدها, ~~والاحتفاظ بها والحدب عليها حتى نؤديها إلى أخلافنا من بعدنا كما أداها ~~إلينا أسلافنا من قبلنا سالمة غير مأروضة1 ولا متأكلة، فإن فعلنا فذاك، أو ~~لا فرحمة الله على الصدق والوفاء، وسلام على الكتاب الأمناء. # الأمة المصرية أمة مسلمة شرقية, فيجب أن يبقى لها دينها وشرقيتها ما جرى ~~نيلها في أرضها، وذهبت إهرامها في سمائها، حتى تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموات. # إن خطوة واحدة يخطوها المصري إلى الغرب تدني إليه PageV01P156 # أجله وتدنيه من مهوى سحيق يقبر فيه قبرا لا حياة له من بعده إلى يوم ~~يبعثون. # لا يستطيع المصري وهو ذلك الضعيف المستسلم أن يكون من المدنية الغربية إن ~~داناها إلا كالغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره، ويفلت لبابه، أو الراووق1 ~~من الخمر يحتفظ ms083 بعقاره، ويستهين برحيقه، فخير له أن يتجنبها وأن يفر منها ~~فرار السليم من الأجرب. # يريد المصري أن يقلد الغربي في نشاطه وخفته فلا ينشط إلا في غدوته ~~وروحته، وقعدته وقومته، فإذا جد الجد وأراد نفسه على أن يعمل عملا من ~~الأعمال المحتاجة إلى قليل من الصبر والجلد دب الملل إلى نفسه دبيب الصهباء ~~في الأعضاء، والكرى بين أهداب الجفون. # يريد أن يقلده في رفاهيته، ونعمته فلا يفهم منهما إلا أن الأولى التأنث ~~في الحركات، والثانية الاختلاف إلى الحانات. # يريد أن يقلده في الوطنية فلا يأخذ منها إلا نعيقها ونعيبها وضجيجها ~~وصفيرها، فإذا قيل له هذه المقدمات فأين النتائج أسلم رجليه إلى الرياح ~~الأربع واستن في فراره استنان المهر PageV01P157 # الأرن1، فإذا سمع صفير الصافر مات وجلا، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلا. # يريد أن يقلده في السياحة فلا يزال يترقب فصل الصيف ترقب الأرض الميتة ~~فصل الربيع, حتى إذا حان حينه طار إلى مدن أوربا طيران حمام الزاجل لا يبصر ~~شيئا مما حوله، ولا يلوي على شيء مما وراءه، حتى يقع على مجامع اللهو ~~ومكامن الفجور وملاعب القمار، وهناك يبذل من عقله وماله ما يعود من بعده ~~فقير الرأس والجيب، لا يملك من الأول ما يقوده إلى طريق السفينة التي تحمله ~~في أوبته، ولا من الثاني أكثر من الجعالة التي يجتعلها منه صاحب الجريدة ~~ليكتب له بين حوادث صحيفته، حادثة عودته، موشاة بجمل الإجلال والاحترام، ~~مطرزة بوشائع الإكرام والإعظام. # يريد أن يقلده في العلم فلا يعرف منه إلا كلمات يرددها بين شدقيه ترديدا ~~لا يلجأ فيه إلى ركن من العلم وثيق، ولا يعتصم به من جهل شائن. # يريد أن يقلده في الإحسان والبر فيترك جيرانه وجاراته يطوون حنايا الضلوع ~~على أمعاء تلتهب فيها نار الجوع التهابا حتى PageV01P158 # إذا سمع دعوة إلى اكتتاب في فاجعة نزلت في القطب الشمالي أو كارثة ألمت ~~بسد يأجوج ومأجوج سجل اسمه في فاتحة الكتاب، ورصد هبته في مستهل جريدة ~~الحساب. # يريد أن يقلده في تعليم المرأة ms084 وتربيتها فيقنعه من علمها مقالة تكتبها في ~~جريدة أو خطبة تخطبها في محفل ومن تربيتها التفنن في الأزياء والمقدرة على ~~سحر النفوس واستلاب الألباب. # هذا شأنه في الفضائل الغربية يأخذها صورة مشوهة وقضية معكوسة لا يعرف لها ~~مغزى ولا ينتحي بها مقصدا ولا يذهب فيها إلى مذهب، فيكون مثله في ذلك كمثل ~~جهلة المتدينين الذين يقلدون السلف الصالح في تطهير الثياب وقلوبهم ملأى ~~بالأقذار والأكدار، ويجارونهم في آداء صور العبادات وإن كانوا لا ينتهون عن ~~فحشاء ولا عن منكر، أو كمثل الذي يتشبهون بعمر في ترقيع الثياب وإن كانوا ~~أحرص على الدنيا من صيارفة الإسرائيليين. # أما شأنه في رذائلها فإنه أقدر الناس على أخذها كما هي فينتحر كما ينتحر ~~الغربي ويلحد كما يلحد ويستهتر في الفسوق استهتاره، ويترسم في الفجور ~~آثاره. # إن في المصريين عيوبا جمة في أخلاقهم وطباعهم ومذاهبهم # PageV01P159 # وعاداتهم فإن كان لا بد لنا من الدعوة إلى إصلاحها فلندع إلى ذلك باسم ~~المدنية الشرقية، لا باسم المدنية الغربية. # إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب لهم مثلا بحضارة بغداد وقرطبة وثيبة ~~وفينيقيا لا بباريس ورومة وسويسرة ونيويورك، وإن دعوناهم إلى مكرمة فلنتل ~~عليهم آيات الكتب المنزلة وأقوال أنبياء الشرق وحكمائه لا آيات رسو وباكون ~~ونيوتن وسبنسر، وإن دعوناهم إلى حرب ففي تاريخ خالد بن الوليد وسعد بن أبي ~~وقاص وموسى بن نصير وصلاح الدين ما يغنينا عن تاريخ نابليون وولنجتون ~~وواشنطون ونلسن وبلوخر، وفي وقائع القادسية وعمورية وأفريقية والحروب ~~الصليبية ما يغنينا عن وقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتز والسبعين. # إن عارا على التاريخ المصري أن يعرف المسلم الشرقي في مصر من تاريخ ~~بونابرت ما لا يعرف من تاريخ عمرو بن العاص، ويحفظ من تاريخ الجمهورية ~~الفرنسية، ما لا يحفظ من تاريخ الرسالة المحمدية، ومن مبادئ ديكارت وأبحاث ~~درون ما لا يحفظ من حكم الغزالي وأبحاث ابن رشد، ويروى من الشعر لشكسبير ~~وهوجو ما لا يروى للمتنبي والمعري. # لا مانع من أن يعرب لنا المعربون المفيد النافع من مؤلفات # PageV01P160 # علماء الغرب والجيد ms085 الممتع من أدب كتابهم وشعرائهم على أن ننظر إليه نظر ~~الباحث المنتقد لا الضعيف المستسلم، فلا نأخذ كل قضية علمية قضية مسلمة ولا ~~نطرب لكل معنى أدبي طربا متدفعا، ولا مانع من أن ينقل إلينا الناقلون شيئا ~~من عادات الغربيين ومصطلحاتهم في مدنيتهم على أن ننظر إليه نظر من يريد ~~التبسط في العلم بشئون العالم والتوسع في التجربة والاختبار لا على أن ~~نتقلدها وننتحلها ونتخذها قاعدتنا في استحسان ما نستحسن من شئوننا، ~~واستهجان ما نستهجن من عاداتنا. # وبعد فليعلم كتاب هذه الأمة وقادتها أنه ليس في عادات الغربيين وأخلاقهم ~~الشخصية الخاصة بهم ما نحسدهم عليه كثيرا، فلا يخدعوا أمتهم عن نفسها ولا ~~يفسدوا عليها دينها وشرقيتها ولا يزينوا لها هذه المدنية الغربية تزيينا ~~يرزؤها في استقلالها النفسي، بعد ما رزأتها السياسة في استقلالها الشخصي. # PageV01P161 ### | يوم الحساب # ساهرت الكوكب ليلة أمس حتى ملني ومللته, وضاق كل منا بصاحبه ذرعا وقد وقف ~~الهم بيني وبين الكرى أجذبه فيدفعه، وأدنيه فيبعده، حتى أسلس قياده، وسكن ~~جماحه. # لم تخالط جفني سنة الكرى حتى خيل إلي أني قد انتقلت من العالم الأول إلى ~~العالم الثاني ورأيت كأني بعثت بعد الموت وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد ~~واحد يحاسبون على أعمالهم, فألهمت أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب. # أنشأت أمشي مشية الحائر الذاهل لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا ولا أجد من ~~يأخذ بيدي ويدلني على نفسي في هذا الموقف الذي ينشد فيه كل ذي نفس نفسه فلا ~~يجد إليها سبيلا، فطفقت أتصفح وجوه الواقفين، وأقلب النظر في الغادين ~~والرائحين، علني أجد صديقا أستأنس به في وحدتي، وأستعين بمرافقته على ~~وحشتي، فلا أرى إلا خلقا غريبا، ومنظرا عجيبا، ووجوها ما رأيت لها في حياتي ~~شبيها ولا ضريبا، ولولا أني أعلم # PageV01P162 # أن الحساب خاص بالإنسان، لظننت أن الله يحاسب في هذا الموقف جميع أنواع ~~الحيوان. # هنالك وقد بلغ اليأس والهم مبلغهما من نفسي رأيت على البعد وجها يبتسم لي ~~ويدنو مني رويدا رويدا, فأرقلت نحوه حتى بلغته ms086 فإذا صديقي "فلان" وإذا وجهه ~~يتلألأ تلألؤ الكوكب في علياء السماء، فسألته ما فعل الله به؟ فقال: حاسبني ~~حسابا يسيرا ثم غفر لي، وها أنذا ذاهب إلى ما أعد الله لعباده الصالحين في ~~جنته من النعيم المقيم، فعجبت لشأنه وقلت في نفسي لقد هان أمر الحساب على ~~كل عاص بعد ما هان على هذا الذي كنت أعرفه في أولاه لا يتقي مأثما، ولا ~~يهاب منكرا، ولا يخرج من حان إلا إلى حان، ولا يودع مجمعا من مجامع الفسق ~~إلا على موعد من اللقاء، فنظر إلي نظرة العاتب اللائم وابتسم ابتسامة علمت ~~منها أن الرجل قد ألم بما أضمرته في نفسي فذكرت أن قد كشف الغطاء في هذه ~~الدار, وأن قد رفع الحجاب بين الناس فلا سر ولا جهر، ولا بطن ولا ظهر، ولا ~~فرق بين حركات اللسان، وخطرات الجنان، نظر إلي تلك النظرة وقال: لا تعجب ~~لأمر في هذه الدار فكل ما فيها عجيب، واعلم أن الله حاسبني على كل ما كنت ~~أجترح من الإثم في الدار الأولى، إلا أنه وجد # PageV01P163 # لي في جريدة حسناتي حسنة ذهبت بجميع السيئات، ذلك أنه كان لي جار من ذوي ~~النعمة والثراء والصلاح والخير والمروءة والبر نكبه دهره نكبة ذهبت بماله ~~فأهمني أمره وأزعجني أن أراه في مستقبل الأيام بائسا معدما يريق ماء وجهه ~~على أعتاب الذين كان يسدي إليهم نعمته، وعلمت أني إن عرضت عليه شيئا من ~~مالي أخجلته وصغرت نفسه في عينه فاحتلت على أن أدخل في بيته خادما كانت في ~~بيتي وجعلت لها جعلا على أن تدس في كيس دراهمه كل ليلة خمسة دنانير من حيث ~~لا يشعر بمأتاها، ولا يقف على سرها، وما زال هذا شأني وشأنه لا يعلم من أين ~~يأتيه رزقه ولا يشعر أحد من الناس باستحالة حاله، وذهاب ماله، حتى فرق ~~الموت بيني وبينه، فما نفعني عمل من أعمالي ما نفعني هذا العمل، وما كان ~~الإحسان وحده سبب سعادتي بل كان سببها أنه أصاب الموضع وخلص من ms087 شائبة ~~الرياء، فهنأته بنعمة الله عليه وشكوت إليه وحشتي من الوحدة وخوفي من ~~المحاسبة، فقال: أما الوحشة فإني لن أفارقك حتى يأتي دورك، وأما الخوف فلا ~~حيلة لي ولا لأحد من الناس في نقض ما أبرم الله في شأنك، فقلت: أنت من ~~السعداء فهل تستطيع أن تشفع لي أو تطلب لي شفاعة من ولي من الأولياء، أو ~~نبي من الأنبياء، قال: لا تطلب # PageV01P164 # المحال، ولا تصدق كل ما يقال، فقد كنا مخدوعين في الدار الأولى بتلك ~~الآمال الكاذبة التي كان يبيعها منا تجار الدين بثمن غال, ولا يتقون الله ~~في غشنا وخداعنا، وما الشفاعة إلا مظهر من مظاهر الإكرام والتبجيل به الله ~~بعض عباده المقربين، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن بالشفاعة لأحد ~~إلا إذا كان بين أعمال المشفوع له, أو في أعماق سريرته ما يقتضي إثاره ~~بالمغفرة على غيره من العصاة والمذنبين، والله سبحانه وتعالى أجل من العبث ~~وأرفع من المحاباه. # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى رأينا كوكبة من ملائكة العذاب تحيط ~~برجل يساق إلى النار, ورأينا في يد كل واحد منهم مقرعة من الحديد يقرع بها ~~رأسه وهو يصرخ ويقول: "أهلكتني يا أبا حنيفة" فسألت صاحبي ما ذنب الرجل، ~~فقال: إنه كان في حياته يتخذ في أعماله ما يسمونه "الحيل الشرعية" فكان يهب ~~ماله لأحد أولاده على نية استرداده قبل أن يحول عليه الحول ليتخلص من فريضة ~~الزكاة، ويطلق زوجته ثلاثا ثم يأتي بمحلل يحللها له فيعود إلى معاشرتها، ~~وكان يرابي باسم الرهن فإذا جاءه من يريد أن يقترض منه مالا أبى أن يقرضه ~~إلا إذا وضع في يده رهنا فإذا وضع يده على ضيعته ألزمه أن يستأجرها # PageV01P165 # منه بمال كثير يراعي فيه النسبة التي يراعيها المرابون بين الربح وأصل ~~المال، وكان إذا حلف لا يدخل بيتا دخله من نافذته، أو لا يأكل رغيفا أكله ~~إلا لقمة منه، فذنبه أنه كان يعمد إلى الأحكام الشرعية فينتزع منها حكمها ~~وأسرارها ثم يرفعها إلى الله ms088 قشورا جوفاء ليخدعه بها ويغشه فيها كما يفعل ~~مع الأطفال والبله مستندا على تقليد أبي حنيفة أو غيره من كبار الأئمة, ~~وأبو حنيفة أرفع قدرا وأهدى بصيرة من أن يتخذ الله هزأ أو سخرية وأن يكون ~~ممن يهدمون الدين باسم الدين. # وما انقطع عنا صوت هذا الشقي حتى رأينا شقيا آخر ذا لحية طويلة كثة قد ~~أحاط به ملكان وشدا عنقه بسبحة طويلة ذات حبات كبيرة, وقد أخذ كل منهما ~~بطرف منها وهو يهمهم بكلمات مبهمة فيقرعه أحدهما على رأسه ويقول له: "أمكر ~~وأنت في الحديد" فدنوت منه وأنعمت النظر في وجهه فعرفته, فتراجعت ذعرا ~~وخوفا وقلت: أيكون هذا من أشقياء الآخرة وقد كان بالأمس من أقطاب الأولى، ~~فقال لي صاحبي: إن هذا الذي كنت تحسبه في أولاه من الأقطاب كان أكبر تاجر ~~من تجار الدين، وما هذه اللحية والسبحة والهمهمة والدمدمة إلا حبائل كان ~~ينصبها لاصطياد عقول الناس وأموالهم ولكن الناس لا يعلمون # PageV01P166 # وما زال المنصرفون من موقف القضاء يمرون بنا هذا إلى جنته وذاك إلى ناره ~~وأنا أسأل عن شأن كل منهم واحدا فواحدا فأرى سعيدا من كنت أحسبه شقيا، ~~وشقيا من كنت أحسبه سعيدا، فسجلت أن الله سبحانه وتعالى يحاسب الناس على ~~قلوبهم، لا على جوارحهم، ويسألهم عن نياتهم، لا عن أفعالهم، وأن لا سعادة ~~إلا الصدق، ولا شقاء إلا الكذب، وعلمت أن الله لا يغفر من السيئات إلا ما ~~كان هفوة من الهفوات يلم بها صاحبها إلماما ثم يندم عليها، ورأيت أن أكبر ~~ما يعاقب الله عليه جناية المرء على أخيه بسفك دمه أو هتك عرضه أو سلب ~~ماله، وأن أضعف الوسائل إلى الله ذلك الركوع والسجود، والقيام والقعود، فلو ~~أن امرأ قضى حياته بين ليل قائم، ونهار صائم، ثم ظلم طفلا صغيرا في لقمة ~~يختطفها من يده لاستحالت حسناته إلى سيئات، وما أغني عنه نسكه من الله ~~شيئا. # وبينا أنا أحدث نفسي بهذا الحديث وأقلب النظر في وجوه تلك المواعظ والعبر ~~إذا قال لي صاحبي: ms089 أتعرف هذين، وأشار إلى رجلين واقفين ناحية يتناجيان، ~~أحدهما شيخ جليل أبيض اللحية، وثانيهما كهل نحيف قد اختلط مبيضه بمسوده، ~~فما هي إلا النظرة الأولى حتى عرفت الرجلين العظيمين، رجل الإسلام "محمد ~~عبده" # PageV01P167 # ورجل المرأة "قاسم أمين"، فقلت لصاحبي: هل لك في أن ندنو منهما ونسترق ~~نجواهما من حيث لا يشعران، ففعلنا فسمعنا الأول يقول للثاني: ليتك يا قاسم ~~أخذت برأيي وأحللت نصحي لك محلا من نفسك، فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة ~~المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له عدته من الأدب والدين فجنى كتابك ~~عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها وتبذلها وإراقة تلك البقية الصالحة ~~التي كانت في وجهها من ماء الحياء، فقال له صاحبه: إني أشرت عليها أن تتعلم ~~قبل أن تسفر وأن لا ترفع برقعها قبل أن تنسج لها برقعا من الأدب والحياء، ~~قال له: ولكن قد فاتك ما كنت تنبأت لك به من أنها جاهلة لا تفهم هذا ~~التفصيل, وضعيفة لا تعبأ بهذا الاستثناء، فكنت كمن يعطي الجاهل سيفا ليقتل ~~به غيره فيقتل نفسه، فقال له: أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك إنك قد وقعت في ~~مثل ما وقعت فيه من الخطأ, وأنك نصحتني بما لم لم تنتصح به، أنا أردت أن ~~أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول, وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك ~~فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة والأغراض ~~الشريفة فأرادوا غير ما أردت وفهموا غير ما فهمت، فأصبحوا ملحدين، بعد أن ~~كانوا مخرفين، # PageV01P168 # وأنت تعلم أن دينا خرافيا خير من لا دين، أولت لهم بعض آيات الكتاب ~~فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم ~~حكم العبادات وأسرارها، وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، ~~فتركوها جملة واحدة، وقلت لهم: إن الولي إله باطل، والله إله حق، فأنكروا ~~الألوهية حقها وباطلها، فتهلل وجه الشيخ وقال له: ما زلت يا قاسم في أخراك، ~~مثل في دنياك، لا تضطرب في حجة، ولا تنام ms090 عن ثأر، يا قاسم لا تحمل هما، ولا ~~تخش شرا، وثق أن الله سيحاسبنا على نياتنا وسرائرنا، ويعفو عن هفواتنا ~~وسقطاتنا، إنا ما أردنا إلا الخير لأمتنا، وما قدرنا لها في مستقبلها إلا ~~ما تحتمله عقولنا، فإن كذبت فراستنا أو أخطأ تقديرنا فذلك؛ لأن المستقبل ~~بيد الله. # وما وصلا من حديثهما إلى هذا الحد حتى تركا مكانهما وذهبا لشأنهما، فقلت ~~لصاحبي: هل لك أن تريني الميزان والصراط والجنة والنار فإني ما زلت في شوق ~~إلى رؤية تلك الأشياء, ورؤية مواقعها منذ رأيتها في "خريطة الآخرة" التي ~~رسمها الشعراني في بعض كتبه؟ قال: أما الميزان فتقدير الأعمال والموازنة ~~بين الحسنات # PageV01P169 # والسيئات، وأما الصراط فهو سبيل الإنسان إلى سعادته أو شقائه، وأما الجنة ~~والنار فلا علم لي حتى الساعة بهما. # وبينا أنا كذلك إذ سمعت صوتا صارخا ما قرع سمعي في حياتي مثله يناديني ~~باسمي فعلمت أن قد جاء دوري فأدركني من الهول والرعب ما أيقظني من نومي، ~~فاستيقظت فلم أر حسابا ولا عقابا، ولا موقفا ولا محشرا، فعلمت أنها خيالات ~~وأوهام، أو أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. # PageV01P170 ### | الشعرة البيضاء # مررت صباح اليوم أمام المرآة فلمحت في رأسي شعرة بيضاء، تلمع في تلك ~~اللمة السوداء، لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء. # رأيت الشعرة البيضاء في فودي1 فارتعت لمرآها كأنما خيل إلي أنها سيف جرده ~~القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب ~~الأجل، أو يأس قاتل عرض دون الأمل، أو جذوة نار علقت بأهداب حياتي علوقها ~~بالحطب الجزل, ولا بد مهما ترفقت في مشيتها واتأدت في مسيرها من أن تبلغ ~~مداها، أو خيط من خيوط الكفن الذي تنسجه يد الدهر وتعده لباسا لجثتي عندما ~~تجردها من لباسها يد الغاسل. # أيتها الشعرة البيضاء: ما رأيت بياضا أشبه بالسواد من PageV01P171 # بياضك، ولا نورا أقرب إلى الظلمة من نورك, لقد أبغضت من أجلك كل بياض حتى ~~بياض القمر، وكل نور حتى نور البصر، وأحببت فيك كل سواد ms091 حتى سواد الغربان، ~~وكل ظلام حتى ظلام الوجدان. # أيتها الشعرة البيضاء: ليت شعري من أي نافذة خلصت إلى رأسي، وفي أي مسلك ~~من مسالك الدهر مشيت إلى فودي. # كيف طاب لك المقام في هذه الأرض الموحشة التي لا تجدين فيها أنيسا ~~يسامرك، ولا جليسا يساهرك، وكيف لم يرع قلبك لمنظر هذا الليل الفاحم، ولم ~~يعش بصرك في هذا الظلام القاتم. # أيتها الشعرة البيضاء: لقد عييت بأمرك، وبعلت1 بحملك، وأصبحت لا أعرف وجه ~~الحيلة في البعد عنك، والفرار من وجهك. # لا ينفعني معك أن أنزعك من مكانك؛ لأنك لا تلبثين أن تعودي إليه، ولا ~~ينقذني منك أن أخضبك بالسواد؛ لأنك لا تلبثين أن تنصلي2؛ ولأني لا أحب أن ~~أجمع على نفسي بين PageV01P172 # مصيبتين، مصيبة الشيب، ومصيبة الكذب. # أيتها الشعرة البيضاء: يخيل إلي وأنا أنظر إليك أنك من ذوات الحيلة ~~والدهاء والكيد والخبث، وأنك تهمسين في آذان أخواتك السود اللواتي بجانبك ~~تحاولين إغراءهن بالتشبه بك والتردي بردائك، وكأني بك وقد أشعلت في هذه ~~البيئة الهادئة المطمئنة حربا شعواء، وفتنة عمياء، يختلط فيها الرامح ~~بالنابل1 والدارع بالحاسر2، ويهلك فيها القاعد والقائم، والمظلوم والظالم. # إن كان هذا مصيرك فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة ~~الزنج مستكشفا فيصبح مستعمرا، ويدخل أرضها سلما، ويفارقها حربا، فأسأل الله ~~لرأسي العافية منك، ولأمة الزنج السلامة من صاحبك، فكلاكما مشئوم الطلعة في ~~مقامه وارتحاله، وكوكب النحس في وقوفه وتسياره. # أيتها الشعرة البيضاء: ما أنت، وما وفودك إلي، وما مكانك مني، وما مقامك ~~عندي، إن كنت ضيفا فأين استئذان الضيف وتلطفه، وتجمله وتودده، وإن كنت ~~نذيرا فأنا أعلم PageV01P173 # من الموت وشأنه ما لا أحتاج معه إلى نذير، فلم يبق إلا أن تكوني أوقح ~~الخلائق وجها، وأصلبها خدا، وأنك قد نزلت من السماحة والفضول منزلة لا أرى ~~لك فيها شبيها إلا تلك الحية التي تلج كل جحر من أجحار الهوام والحشرات ~~تعده جحرها، وتحسبه بيتها. # أيبلغ بك الشأن وأنت التي يضربون الأمثال بدقتها وخفائها ويبعثون وراءها ~~الملاقط والمقاريض ms092 فلا يكادون يعرفون السبيل إلى مدارجها ومكامنها أن تملئي ~~من الرعب قلبا لا يروعه السيف المجرد، ولا السهم المسدد. # لا لا، ما ذعرت ولا ارتعت، وما حزنت ولا بكيت، وإنما هي خطرة من خطرات ~~الأمل الكاذب، ولمحة من لمحات البرق الخالب. # أيتها الشعرة البيضاء: هل لك أن تتجاوزي عما أسأت به إليك في إطالة عتبك، ~~واستثقال ظلك، فلقد رجعت إلى نفسي فعلمت أنك أكرم الخلائق عندي، وأعظمها في ~~عيني، هنيئا لك رأسي مصيفا ومرتبعا، وهنيئا لك فودي مرادا ومسرحا، فأنت ~~رسول الموت الذي ما زلت أطلبه مذ عرفته، فلا أجد له سبيلا، ولا أعرف له ~~رسولا # PageV01P174 # ما الذي يحمله في صدره لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه، فيحزن ~~على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة، فيجزع لمرارة الممات، ولم يستنشق نسمات ~~السعادة غصنا رطبا، فيأسى عليها عودا يابسا. # ما الذي ينقمه منك من الشئون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب ~~النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لحظات قليلة, يكدرها ما ~~يحيط بها من الهموم والأحزان كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة. # أليس كل ما أعده عليك من الذنوب أنك طليعة الموت, والموت هو الذي يخلصني ~~من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، ~~الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر بصديقه، وأخ يخون أخاه، ~~وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته، وفقير ~~يقترح على الدهر حتى بلغه الموت فلا يظفر بأمنيته، وملك لا يفرق بين رعيته ~~وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته، وقلوب تضطرم حقدا على غير ~~طائل، ونفوس تتفانى قتلا على لون حائل، وظل زائل، وغرض باطل، وعقول تتهالك ~~وجدا على نار تحرقها، وأنياب تمزقها، وعيون حائرة، في رءوس # PageV01P175 # طائرة، تنظر ولا ترى شيئا مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها، إن ~~كان هذا هو ذنبك عندي فاستكثري من ذنوبك فإني لك من الغافرين. # أيتها الشعرة البيضاء: مرحبا بك اليوم ms093 ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا ~~القضاء الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك، ومرحبا بتلك الغرفة التي أخلو ~~فيها بربي وآنس فيها بنفسي، من حيث لا أسمع حتى دوي المدافع، ولا أرى حتى ~~غبار الوقائع. # أهلا بوافدة للشيب واحدة ... وإن تراءت بشكل غير مودود # PageV01P176 ### | الصياد # حدث أحد الأصدقاء قال: بينا أنا في منزلي صبيحة يوم إذ دخل علي رجل صياد ~~يحمل في شبكة فوق عاتقه سمكة كبيرة, فعرضها علي فلم أساومه فيها بل نقدته ~~الثمن الذي أراده فأخذه شاكرا متهللا وقال: هذه هي المرة الأولى التي أخذت ~~فيها الثمن الذي اقترحته، أحسن الله إليك كما أحسنت إلي وجعلك سعيدا في ~~نفسك، كما جعلك سعيدا في مالك، فسررت بهذه الدعوة كثيرا وطمعت أن تفتح لها ~~أبواب السماء، وعجبت أن يهتدي شيخ عامي إلى معرفة حقيقة لا يعرفها إلا ~~القليل من الخاصة، وهي أن للسعادة النفسية شأنا غير شأن السعادة المالية، ~~فقلت له: يا شيخ وهل توجد سعادة غير سعادة المال؟، فابتسم ابتسامة هادئة ~~مؤثرة وقال: لو كانت السعادة سعادة المال لكنت أنا أشقى الناس؛ لأنني أفقر ~~الناس، قلت: وهل تعد نفسك سعيدا؟ قال: نعم؛ لأنني قانع برزقي مغتبط بعيشي ~~لا أحزن على فائت من العيش # PageV01P177 # ولا تذهب نفسي حسرة وراء مطمع من المطامع فمن أي باب يخلص الشقاء إلى ~~قلبي، قلت: أيها الرجل أين يذهب بك وما أرى إلا أنك شيخ قد اختلس عقله، ~~وكيف تعد نفسك سعيدا وأنت حاف غير منتعل وعار إلا قليلا من الأسمال البالية ~~والأطمار السحيقة، قال: إن كانت السعادة لذة النفس وراحتها، وكان الشقاء ~~ألمها وعناءها، فأنا سعيد؛ لأني لا أجد في رثاثة ملبسي ولا في خشونة عيشي ~~ما يولد لي ألما، أو يسبب لي هما، وإن كانت السعادة عندكم أمرا وراء ذلك، ~~فأنا لا أفهمها إلا كذلك، قلت: ألا يحزنك النظر إلى الأغنياء في أثاثهم ~~ورياشهم، وقصورهم ومراكبهم، وخدمهم وخولهم، ومطعمهم ومشربهم، ألا يحزنك هذا ~~الفرق العظيم بين حالتك وحالتهم، قال: إنما يصغر جميع هذه المناظر ms094 في نظري ~~ويهونها عندي أني لا أجد أن أصحابها قد نالوا من السعادة بوجدانها، أكثر ~~مما نلته بفقدانها. # هذه المطاعم التي تذكرها إن كان الغرض منها الامتلاء فأنا لا أذكر أني بت ~~ليلة في حياتي جائعا، وإن كان الغرض منها قضاء شهوة النفس فأنا لا آكل إلا ~~إذا جعت فأجد كل ما يدخل جوفي لذة لا أحسب أن في شهوات الطعام لذة تفضلها، ~~أما القصور فإن لدي كوخا صغيرا لا أشعر بأنه يضيق بي وبزوجتي # PageV01P178 # وولدي فأقرع السن على أن لم يكن قصرا كبيرا، وإن كان لا بد من إمتاع ~~النظر بالمناظر الجميلة فحسبي أن أحمل شبكتي فوق كتفي كل مطلع فجر وأذهب ~~بها إلى شاطئ النهر فأرى منظر السماء والماء، والأشعة البيضاء، والمروج ~~الخضراء، فما هي إلا لفته الجيد حتى يطلع من ناحية الشرق قرص الشمس كأنه ~~ترس من ذهب، أو قطعة من لهب، فلا يبعد عن خط الأفق ميلا أو ميلين حتى ينثر ~~فوق سطح النهر حليه المتكسر، أو دره المتحدر، فإذا تجلى هذا المنظر في عيني ~~يتخلله سكون الطبيعة وهدوؤها ملك على شعوري ووجداني فاستغرقت فيه استغراق ~~النائم في الأحلام اللذيذة حتى لا أحب أن أعود إلى نفسي إلى يوم النشور، ~~ولا أزال هكذا غارقا في لذتي حتى أشعر بجذبة قوية في يدي فأنتبه فإذا السمك ~~في الشبكة يضطرب، وما اضطرابه؛ إلا لأنه فارق الفضاء الذي كان يهيم فيه ~~مطلق السراح وبات في المحبس الذي لا يجد فيه مراحا ولا مسرحا، فلا أجد له ~~شبيها في حالتيه إلا الفقراء والأغنياء، يمشي الفقير كما يشتهي ويتنقل حيث ~~يريد كأنما هو الطائر الذي لا يقع إلا حيث يطيب له التغريد والتنقير، ولولا ~~أن تتخطاه العيون وتنبو عنه النواظر ما كار في كل فضاء، ولا تنقل حيث يشاء، ~~أما الغني فلا يتحرك # PageV01P179 # ولا يسكن إلا وعليه من الأحداق نطاق، ومن الأرصاد أغلال وأطواق، ولا يخرج ~~من منزله إلا إذا وقف أمام المرآة ساعة يؤلف فيها من حقيقته وخياله ناظر ~~ومنظورا ms095 ثم يطيل التفكير هل يقع المنظور من الناظر موقعا حسنا، حتى إذا ~~استوثق من نفسه بذلك خرج إلى الناس يمشي بينهم مشية يحرص فيها على الشكل ~~الذي استقر رأيه عليه فلا يطلق لجسمه الحرية في الحركة والالتفات حتى لا ~~يخرج بذلك من حكمها ولا لفكره الحرية في النظر والاعتبار بمشاهد الكون ~~ومناظره مخافة أن يغفل عن إشارات السلام، ومظاهر الإكرام. # فإذا أخذت من السمك كفاف يومي عدت به وبعته في الأسواق أو على أبواب ~~المنازل، فإذا أدبر النهار وعدت إلى منزلي فيعتنقني ولدي وتبش زوجتي في ~~وجهي، فإذا قضيت بالسعي حق عيالي وبالصلاة حق ربي نمت في فراشي نومة هادئة ~~مطمئنة لا أحتاج معها إلى ديباج وحرير، أو مهد وثير، فهل استطيع أن أعد ~~نفسي شقيا وأنا أروح الناس بالا، وإن كنت أقلهم مالا. # لا فرق بيني وبين الغني إلا أن الناس لا ينهضون إجلالا لي إذا رأوني، ولا ~~يمدون أعناقهم نحوي إذا مررت بهم، وأهون # PageV01P180 # به من فرق لا قيمة له عندي ولا أثر له في نفسي، وما يعنيني من أمرهم إن ~~قاموا أو قعدوا، أو طاروا في الهواء، أو غاصوا في أعماق الماء، ما دمت لا ~~علاقة بيني وبينهم، وما دمت لا أنظر إليهم إلا بالعين التي ينظر بها ~~الإنسان إلى الصور المتحركة. # لا علاقة بيني وبين أحد في هذا العالم إلا تلك العلاقة التي بيني وبين ~~ربي، فأنا أعبده حتى عبادته وأخلص في توحيدة فلا أعتقد ربوبية أحد سواه، ~~ولا أكتمك يا سيدي أني لا أستطيع الجمع بين توحيد الله والاعتراف بالعظمة ~~لأحد من الناس، ولقد أخذ هذا اليقين مكانه من قلبي حتى لو طلع علي الملك ~~المتوج في مواكبه وكواكبه، وبطانته وجنده، لما خفق له قلبي خفقة الرهبة ~~والخشية، ولا شغل من نفسي مكانا أكثر مما يشغله ملك التمثيل. # ولقد كان هذا اليقين أكبر سبب في عزائي وراحة نفسي من الهموم والأحزان، ~~فما نزلت بي ضائقة ولا هبت علي عاصفة من عواصف هذا الكون إلا انتزعني ms096 من ~~بين مخالبها وهونها علي حتى لا أكاد أشعر بوقعها، وكيف أتألم لمصاب أعلم ~~أنه مقدور لا مفر منه وأنني مأجور عليه على قدر احتمالي إياه وسكوني إليه. # PageV01P181 # آمنت بالقضاء والقدر خيره وشره، وباليوم الآخر ثوابه وعقابه، فصغرت ~~الدنيا في عيني وصغر شأنها عندي حتى ما أفرح بخيرها، ولا أحزن لشرها، ولا ~~أعول على شأن من شئونها حتى شأن الحياة فيها، وأقسم ما خرجت مرة إلى شاطئ ~~النهر حاملا شبكتي فوق عاتقي إلا وقع الشك في نفسي هل أعود إلى منزلي حاملا ~~أم محمولا. # ما العالم إلا بحر زاخر، وما الناس إلا أسماكه المائجة فيه، وما ريب ~~المنون إلا صياد يحمل شبكته كل يوم ويلقيها في ذلك البحر فتمسك ما تمسك، ~~وتترك ما تترك، وما ينجو من شبكته اليوم لا ينجو منها غدا، فكيف أغتبط بما ~~لا أملك، أو أعتمد علي غير معتمد، إذا أنا أضل الناس عقلا وأضعفهم إيمانا. # قال المحدث: فأكبرت الرجل في نفسي كل الإكبار وأعجبت بصفاء ذهنه وذكاء ~~قلبه وحسدته على قناعته واقتناعه بسعادة نفسه وقلت له: يا شيخ إن الناس ~~جميعا يبكون على السعادة ويفتشون عنها فلا يجدونها فاستقر رأيهم على أن ~~الشقاء لازم من لوازم الحياة لا ينفك عنها، فكيف تعد العالم سعيدا وما هو ~~إلا في شقاء، قال: لا يا سيدي، إن الإنسان سعيد بفطرته وإنما هو الذي يجلب ~~بنفسه الشقاء إلى نفسه، يشتد طمعه في المال فيتعذر # PageV01P182 # عليه مطمعه فيطول بكاؤه وعناؤه، ويعتقد أن بلوغ الآمال في هذه الحياة حق ~~من حقوقه فإذا أخطأ سهمه والتوى عليه غرضه أن وشكى شكاة المظلوم من الظالم، ~~ويبالغ في حسن ظنه بالأيام فإذا غدرت به في محبوب لديه من مال أو ولد فاجأه ~~من ذلك ما لم يكن يقدر وقوعه, فناله من الهم والألم ما لم يكن ليناله لو ~~خبر الدهر وقتل الأيام علما وتجربة وعرف أن جميع ما في يد الإنسان عارية ~~مستردة، ووديعة موقوتة، وأن هذا الامتلاك الذي يزعمه الناس لأنفسهم خدعة من ms097 ~~خدع النفوس الضعيفة ووهم من أوهامها. # إن أكثر ما يصيب الناس من الشقوة من طريق الأخلاق الباطنة، لا من طريق ~~الوقائع الظاهرة، فالحاسد يتألم كلما وقع نظره على محسود، والحقود يتألم ~~كلما تذكر أنه عاجز عن الانتقام من عدوه، والطماع يتألم كلما خاب أمله في ~~مطمع، والشارب يتألم كلما أفاق من سكره، والزاني يتألم كلما فاوضته في ~~الإثم سريرته، والظالم يتألم كلما سمع ابتهال المظلوم بالدعاء عليه أو حاق ~~به ظلمه، وكذلك شأن الكاذب والنمام والمغتاب وكل من تشتمل نفسه على رذيلة ~~من الرذائل # PageV01P183 # من أراد أن يطلب السعادة فليطلبها بين جوانب النفس الفاضلة، وإلا فهو ~~أشقى العالمين وإن ملك ذخائر الأرض وخزائن السماء. # قال الصديق: فما وصل الصياد من حديثه إلى هذا الحد حتى نهض قائما وتناول ~~عصاه وقال: أستودعك الله يا سيدي وأدعو لك الدعوة التي أحببتها لنفسك ~~وأحببتها لك، وهي أن يجعلك الله سعيدا في نفسك، كما جعلك سعيدا في مالك، ~~والسلام عليك ورحمة الله. # PageV01P184 ### | الانتحار # في كل موسم من مواسم الامتحان المدرسي نسمع بكثير من حوادث الانتحار بين ~~المتخلفين من التلاميذ والراسبين، ولو ربي التلميذ تربية دينية لما هان ~~عليه أن يخسر سعادته الأخروية خسرانا مبينا أسفا على أن لم ينل كل حظه من ~~السعادة الدنيوية, ولو ربي تربية أدبية لما احتقر حياته الثمينة وازدراها ~~ولو وجهه عنها؛ لأنها لم تقدم إليه في لفافة الشهادة المدرسية، ولو أن ~~أستاذه ملأ قلبه بنور الإيمان ولقنه فيما يلقنه من قواعد الدين وأحكامه أن ~~جناية المرء على نفسه أكبر إثما عند الله وأعظم جرما من جنايته على غيره ~~لما خاطر بدينه في آخر ساعة من ساعات حياته، وهي الساعة التي ينيب فيها ~~العاصي إلى ربه ويستغفر فيها المذنب من ذنبه، ولو أنه لقنه فيما يلقنه من # دروس الأخلاق والآداب أن العلم صفة من صفات الكمال لا سلعة من سلع ~~التجارة يجب أن يحفل به صاحبه من حيث ذاته لا من # PageV01P185 # حيث كونه وسيلة من وسائل العيش لما جرى على ms098 تلك القاعدة الفاسدة "الشهادة ~~بلا علم خير من العلم بلا شهادة"، ولو أنه رباه على الاستقلال الذاتي وعلمه ~~أن الشرف في هذه الحياة على قدر ما يبذل الإنسان من الجهد في خدمة الأمة أو ~~المجتمع سواء أكان في قصر الملك أم في دار الوزارة، وفي حانوت التجارة، أم ~~في معمل الصناعة، لما أكبر مناصب الحكومة هذا الإكبار ولا احتفل بها احتفال ~~من لا يرى للحياة معنى بدونها، ولو أنه نفث في روعه روح الشجاعة النفسية ~~وعوده الصبر والجلد في مواقف الشدة والبلاء لما جزع هذا الجزع الفاضح ولا ~~جن هذا الجنون الذي خيل إليه أن عذاب النزع أهون من عذاب الهم. # الوالد والأستاذ والمجتمع في مصر عون على الناشئ المتعلم وآفة على عقله ~~وأخلاقه وآدابه. # أما الوالد فإنه يقول له وهو ذاهب به إلى المدرسة: ستكون غدا يا بني ~~حاكما كهذا الحاكم ووزيرا كهذا الوزير، وكلما أراد أن يحثه على الاجتهاد في ~~طلب العلم ويخوفه عاقبة الخيبة في الامتحان صور له المستقبل المجرد من ~~الوظيفة أقبح تصوير وأشنعه، وربما أشار عليه بالانتحار من طرف خفي فيقول ~~له: إذا لم تنجح في الامتحان فموتك أفضل من حياتك، وأما الأستاذ فإنه يضرب # PageV01P186 # له من نفسه مثلا على وجوب احترام المنصب وإجلاله وإنزاله المنزلة الأولى ~~بين أعمال المجتمع الإنساني إذ يراه بعينه يتجرع مرارة الذل ويعاني من ~~كبرياء رؤسائه وقسوة المسيطرين عليه عناء شديدا ويحتمل من ذلك ما لا يحتمله ~~الرجل الشريف حرصا على منصبه وإرعاء عليه، فكأنما يتلقى عنه درسا عمليا ~~موضوعه "إن من يخاطر بمنصبه يخاطر بحياته؛ لأن المنصب كل شيء في هذه ~~الحياة" أما المجتمع فإنه يحترم الموظف الصغير، أكثر مما يحترم العالم ~~الكبير، ويطير إلى تهنئته بإقبال المنصب عليه وتعزيته عن إدباره عنه, كأن ~~الكوكب لا يدور إلا في دائرة المناصب نحوسا وسعودا، فإذا رأى الناشئ ذلك ~~أكبر الوظيفة أيما إكبار ولج به الحرص عليها، واللصوق بها، وكان سروره ~~وحزنه على قدر قربها منه أو بعدها عنه، فإذا وفق ms099 إليها لطم بأنفه قبة ~~السماء، وداس بنعله رأس الجوزاء، وإن يئس منها قتل نفسه وهو يتمثل بقول ذلك ~~الشاعر الأحمق: # فإما الثريا وإما الثرى # أيها الناشئ: لقد جهل أبوك وغشك أستاذك وخدعك هذا المجتمع الفاسد فكن ~~أحسن حالا منهم, واعلم أن شرف العلم أكبر من شرف المنصب وأن المنصب ما كان ~~شريفا؛ إلا لأنه حسنة من حسنات العلم وأثر من آثاره، فإن فاتك حظك منه # PageV01P187 # فلا تحفل به فهو أحقر من أن تشتد في أثره أو تبذل حياتك حزنا عليه، ولا ~~تحسد أرباب المناصب على مناصبهم فإنما هم يخدعونك بزخرف من القول وظاهر من ~~النعمة وبهرج من الابتسام، ووراء ذلك لو علمت قلب يقطر دماء وفؤاد يضطرم ~~لوعة وأسى. # خذ لنفسك حظها من العلم والأدب، ولا تحفل بعد ذلك بشيء، فقد ربحت كل شيء. # PageV01P188 ### | الجمال # الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة سواء أكان ذلك في الماديات ~~أم في المعقولات، وفي الحقائق أم الخيالات. # ما كان الوجه الجميل جميلا إلا للتناسب بين أجزائه، وما كان الصوت الجميل ~~جميلا إلا لتناسب بين نغماته، ولولا التناسب بين حبات العقد ما افتتنت به ~~الحسناء، ولولا التناسق في أزهار الروض ما هامت به الشعراء. # ليس للتناسب قاعدة مطردة يستطيع الكاتب أن يبينها، فالتناسب في المرئيات، ~~غيره في المسموعات، وفي الرسوم غيره في الخطوط، وفي الشئون العلمية، غيره ~~في القصائد الشعرية، على أنه لا حاجة إلى بيانه ما دامت الأذواق السليمة ~~تدرك بفطرتها ما يلائمها فترتاح إليه وما لا يلائمها فتنفر منه. # إن كثيرا من الناس يستحسنون الأنف الصغير في الوجه الكبير، والرأس الكبير ~~في الجسم الصغير، ولا يفرقون بين البرص في الجسم الأسود، والخال في الخد ~~الأبيض، ويطربون # PageV01P189 # لنقيق الضفادع كما يطربون لخرير الماء، ويفضلون أنغام النواعير على أنغام ~~العيدان، ويعجبون بشعر ابن الفارض وابن معتوق والبرعي أكثر مما يعجبون بشعر ~~أبي الطيب وأبي تمام والبحتري، ويضحكون لما يبكي ويبكون مما يضحك، ويرضون ~~بما يغضب ويغضبون مما يرضي. # أولئك هم أصحاب الأذواق المريضة، وأولئك ms100 هم الذي تصدر عنهم أفعالهم ~~وأقوالهم مشوهة غير متناسبة ولا متلائمة؛ لأنهم لم يدركوا سر الجمال فيصدر ~~عنهم، ولم تألفه نفوسهم فيصير غريزة من غرائزهم. # إن رأيت شاعرا يبتدئ قصائد التهنئة بالبكاء على الأطلال، ويودع القصائد ~~الرثائية، النكات الهزلية، ويتغزل بممدوحه، كما يتغزل بمعشوقه، أو متكلما ~~يقتضب الأحاديث اقتضابا ويهزل في موضع الجد ويحد في موضع الهزل، أو صحفيا ~~يضع العنوان الضخم للخبر التافه، ويكتب مقدمة في السماء لموضوع في الأرض، ~~أو حاكما يضع الندى في موضع السيف والسيف في موضع الندى، أو ماشيا يتلوى في ~~طريقه من رصيف إلى رصيف كأنما يرسم خطا متعرجا، أو لابسا في الشتاء غلالة ~~الصيف وفي الصيف فروة الشتاء، فاعلم أن ذوقه مريض وأنه في حاجة إلى معالجة # PageV01P190 # ذوقه، كحاجة المجنون إلى علاج عقله، والمريض إلى علاجه جسمه. # كما أنه ليس كل مجنون يرجى شفاؤه، ولا كل مريض يرجى إبلاله، كذلك ليس كل ~~من فسد ذوقه يرجى صلاحه، فإن رأيت من تؤمل في صلاحه خيرا وتجد في نفسه ~~استعدادا لتقويم ذوقه فعلاجه أن تحفه بأنواع الجمال وتدأب على تنبيهه على ~~متناسباته ومؤتلفاته، وإن استطعت أن تعلمه فنا من الفنون الجميلة كالشعر ~~والتصوير والموسيقى فأفعل فإنها المقومات للأذواق، والغارسات في النفوس ~~ملكات الجمال. # PageV01P191 ### | الكذب # كذب اللسان من فضول كذب القلب، فلا تأمن الكاذب على ود، ولا تثق منه ~~بعهد، واهرب من وجهه الهرب كله، وأخوف ما أخاف عليك من خلطائك وسجرائك ~~الرجل الكاذب. # عرف الحكماء الكذب بأنه مخالفة الكلام للواقع ولعلهم جاروا في هذا ~~التعريف الحقيقة العرفية ولو شاءوا لأضافوا إلى كذب الأقوال كذب الأفعال. # لا فرق بين كذب الأقوال وكذب الأفعال في تضليل العقول والعبث بالأهواء ~~وخذلان الحق واستعلاء الباطل عليه، ولا فرق بين أن يكذب الرجل فيقول إني ~~ثقة أمين لا أخون ولا أغدر فأقرضني مالا أؤده إليك ثم لا يؤديه بعد ذلك، ~~وأن يأتيك بسبحة يهمهم بها فتنطق سبحته بما سكت عنه لسانه من دعوى الأمانة ~~والوفاء فيخدعك في الثانية كما خدعك ms101 في الأولى، لا بل يستطيع كاذب الأفعال ~~أن يخدعك ألف مرة قبل أن يخدعك كاذب الأقوال مرة واحدة؛ لأنه لا يكتفي بقول ~~الزور # PageV01P192 # بلسانه حتى يقيم على قضيته بينة كاذبة من أحواله وأطواره. # ليس الكذب شيئا يستهان به فهو أس الشرور ورذيلة الرذائل فكأنه أصل ~~والرذائل فروع له، بل هو الرذائل نفسها وإنما يأتي في أشكال مختلفة ويتمثل ~~في صور متنوعة. # المنافق كاذب؛ لأن لسانه ينطق بغير ما في قلبه، والمتكبر كاذب؛ لأنه يدعي ~~لنفسه منزله غير منزلته، والفاسق كاذب؛ لأنه كذب في دعوى الإيمان ونقض ما ~~عاهد الله عليه، والنمام كاذب؛ لأنه لم يتق الله في فتنته، فيتحرى الصدق في ~~نميمته، والمتملق كاذب؛ لأن ظاهره ينفعك وباطنه يلذعك. # لقد هان على الناس أمر الكذب حتى إنك لتجد الرجل الصادق فتعرض على الناس ~~أمره وتظرفهم بحديثه كأنك تعرض عجائب المخلوقات، وتتحدث بخوارق العادات. # فويل للرجل الصادق من حياة نكدة لا يجد فيها حقيقة مستقيمة، وويل له من ~~صديق يخون العهد، ورفيق يكذب الود، ومستشار غير أمين، وجاهل يفشي السر، ~~وعالم يحرف الكلم عن مواضعه، وشيخ يدعي الولاية كذبا، وتاجر يغش في سلعته، ~~ويحنث في أيمانه، وصحفي يتجر بعقول الأحرار كما يتجر النخاس بالعبيد ~~والإماء، ويكذب على نفسه وعلى الله وعلى الناس في كل صباح ومساء، # PageV01P193 ### | غرفة الأحزان # كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه، أكثر مما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني ~~منظره ويؤنسني محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فسقه ~~واستهتاره؛ لأني ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق فقد ~~علمت من ذلك ما حسبي به وكفى. # قضيت في صحبته عهدا طويلا ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئا حتى ~~سافرت من القاهرة سفرا طويلا فتراسلنا حينا, ثم انقطعت عني كتبه فرابني من ~~أمره ما رابني, ثم عدت فجعلت أكبر همي أن أراه فطلبته في جميع المواطن التي ~~كنت أعرفه فيها فلم أجده، فذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه هجره من ms102 عهد ~~بعيد وأنهم لا يعرفون أين مذهبه، فوقفت بين اليأس والرجاء برهة من الزمان، ~~ثم شعرت كأن أولهما يغالب ثانيهما حتى غلبه، فعلمت أن قد فقدت الرجل وأني ~~لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا # PageV01P194 # هنالك ذرفت من الوجد دموعا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ~~ربعه من الأوفياء، وأصبح غرضا من أغراض الأيام لا تخطئه سهامها، ولا تغبه ~~آلامها1. # بينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السرار2 إذ دفعني الجهل ~~بالطريق في هذا الظلام المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يتخيل الناظر إليه في ~~مثل تلك الساعة التي مررت فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان، فشعرت كأن ~~بحرا أسود يتدفق بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، وتقوم ~~وتقعد، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزل من تلك المنازل المهجورة أنة تردد ~~في جوف الليل, فأصغيت إليها فتلتها أختها ثم أخواتها فأثر في نفسي مسمعها ~~تأثيرا شديدا وقلت يا للعجب، كم يكتم هذا الليل في صدره من أسرار البائسين، ~~وخفايا المحزونين، وكنت قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزونا حتى أقف ~~أمامه وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إذا عجزت، فتلمست الطريق إلى ذلك ~~المنزل حتى بلغته فطرقت الباب طرقا خفيفا فلم يفتح لي فطرقته أخرى طرقا ~~شديدا ففتحت لي فتاة صغيرة لم تكد تسلخ العاشرة من عمرها فتأملتها على ضوء ~~المصباح الضئيل PageV01P195 # الذي كان في يدها فإذا هي في ثيابها الممزقة، كالبدر وراء الغيوم ~~المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض، فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها, ~~وقالت: أدرك أبي أيها الرجل فهو يعالج سكرات الموت. ثم مشت أمامي فتبعتها ~~حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم فدخلتها فخيل إلي أني قد انتقلت من ~~عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر والمريض ميت، فدنوت منه حتى ~~صرت بجانبه فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج ~~الخشبي، فوضعت يدي على جبينه ففتح عينيه وأطال النظر في وجهي, ms103 ثم فتح شفتيه ~~قليلا قليلا وقال بصوت خافت: "أحمد الله فقد وجدت صديقي" فشعرت كأن قلبي ~~يتمشى في صدري جزعا وقلقا وعلمت أني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشدها وكنت ~~أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي ~~مرآها حزنا كان في قلبي كمينا، وبين أضالعي دفينا، فسألته ما باله وما هذه ~~الحالة التي صار إليها، وكأن أنسه بي أمد مصباح حياته الضئيل بقليل من ~~النور فأشار إلي أنه يحب النهوض, فمددت يدي إليه فاعتمد عليها حتى استوى ~~جالسا وأنشأ يقص علي هذه القصة: # منذ عشر سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتا يسكن بجانبه # PageV01P196 # جار لنا من أرباب الثراء والنعمة، وكان قصره يضم بين جناحيه فتاة ما ضمت ~~القصور أجنحتها على مثلها حسنا وبهاء، ورونقا وجمالا، فألم بنفسي من الوجد ~~بها ما لم أستطع معه صبرا، فما زلت بها أعالجها فتمتنع وأستنزلها فتتعذر ~~وأتأتى إلى قلبها بكل الوسائل فلا أصل إليه حتى عثرت بمنفذ الوعد بالزواج ~~فانحدرت منه إليها، فسكن جماحها، وأسلس قيادها، فسلبتها قلبها وشرفها في ~~يوم واحد، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت أن جنينا يضطرب في أحشائها فأسقط ~~في يدي وطفقت أرتئي بين أن أفي لها بوعدها، أو أقطع حبل ودها، فآثرت ~~أخراهما على أولاهما وهجرت ذلك المنزل إلى المنزل الذي كنت تزورني فيه أيها ~~الصديق، ولم أعد أعلم بعد ذلك من أمرها شيئا. # مرت على تلك الحادثة أعوام طوال وفي ذات يوم جاءني منها مع البريد هذا ~~الكتاب ومد يده تحت وسادته وأخرج كتابا باليا مصفرا فقرأت فيه ما يأتي: # لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهدا دارسا أو ودا قديما ما كتبت سطرا، ولا ~~خططت حرفا؛ لأني لا أعتقد أن عهدا مثل عهدك الغادر، وودا مثل ودك الكاذب، ~~يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده, # PageV01P197 # إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي نارا تضطرم، وجنينا يضطرب، تلك للأسف ~~على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، ms104 فلم تبل بذلك وفررت مني حتى لا تحمل ~~نفسك مئونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت مرسلها، ~~فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف، لا بل لا أستطيع أن أتصور أنك ~~إنسان؛ لأنك تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوات والوحوش ~~الضارية إلا جمعتها في نفسك وظهرت بها جميعها في مظهر واحد. # كذبت علي في دعواك أنك تحبني وما كنت تحب إلا نفسك، وكل ما في الأمر أنك ~~رأيتني السبيل إلى إرضاء نفسك فمررت بي في طريقك إليها، ولولا ذلك ما طرقت ~~لي بابا، ولا رأيت لي وجها. # خنتني إذ عاهدتني على الزواج فأخلفت وعدك ذهابا بنفسك أن تتزوج امرأة ~~مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صورة نفسك، وصنعة يدك، ~~ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دفعتك جهدي حتى عييت بأمرك فسقط بين ~~يديك سقوط الطفل الصغير، بين يدي الجبار الكبير, سرقت عفتي، فأصبحت ذليلة ~~النفس حزينة القلب أستثقل # PageV01P198 # الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة ~~لرجل ولا أما لولد, بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات ~~البشرية إلا وهي خافضة رأسها، مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد ~~أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفا من عبث العابثين، وتهكم المتهكمين. # سلبتني راحتي؛ لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر ~~الذي كنت متمتعة فيه بعشرة أبي وأمي, تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة وذلك ~~العيش الرغد إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرق بابه طارق ~~لأقضي فيه الصبابة الباقية من أيام حياتي. # قتلت أمي وأبي فقد علمت أنهما ماتا وما أحسب موتهما إلا حزنا لفقدي، ~~ويأسا من لقائي. # قتلتني؛ لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك، وذلك الهم الطويل الذي ~~عالجته بسببك، قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي فأصبحت في فراش الموت ~~كالذبالة المحترقة، وأحسب أن الله قد صنع لي وأجاب دعائي وأراد أن ms105 ينقلني ~~من دار الموت والشقاء، إلى دار الحياة والهناء. # فأنت كاذب خادع، ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك # PageV01P199 # بدون أن يأخذ لي بحقي منك. # ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد بك عهدا، أو لأخطب إليك ودا، فقد عرفت ~~مكانك من نفسي، على أنني أصبحت على باب القبر وفي موقف وداع هذه الحياة ~~خيرها وشرها، سعادتها وشقائها، وإنما كتبت إليك؛ لأن لك عندي وديعة وهي ~~فتاتك، فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك أبقى لك منها رحمة الأبوة فأقبل ~~إليها وخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها. # فما أتممت قراءة الكتاب حتى نظرت إليه فرأيت مدامعه تتحدر من مقلتيه ~~فسألته ماذا تم بعد ذلك؟ قال: إني ما قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة ~~تتمشى في أضالعي وخيل لي أن صدري يحاول أن ينشق عن قلبي حزنا وجزعا, فأسرعت ~~إلى منزلها وهو هذا المنزل الذي تراني فيه الآن فرأيتها في هذه الغرفة على ~~هذا السرير جثة هامدة لا حراك بها، ورأيت فتاتها إلى جانبها تبكي بكاء مرا ~~فصعقت لهول ما رأيت وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية، وأساود ~~ملتفة، هذا ينشب أظافره وذاك يحدد أنيابه، فما أفقت حتى عاهدت الله ألا ~~أبرح هذه # PageV01P200 # الغرفة التي سميتها "غرفة الأحزان" حتى أعيش فيها عيشتها ثم أموت موتها. # وها أنذا أموت اليوم راضيا مسرورا فقد حدثني قلبي أن الله قد غفر لي ~~سيئاتي بما قاسيت من العناء، وكابدت من الشقاء. # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى انعقد لسانه واصفر وجهه وسقط على ~~فراشه فأسلم الروح وهو يقول: ابنتي يا صديقي. فلبثت بجانبه ساعة قضيت فيها ~~ما يجب على الصديق لصديقه, ثم كتبت إلى أصدقائه ومعارفه فحضروا تشييع ~~جنازته وما رئي مثل اليوم أكثر باكية وباكيا. # ولما حثونا الترب فوق ضريحه ... جزعنا ولكن أي ساعة مجزع # ويعلم الله أني لأكتب قصته ولا أملك نفسي من البكاء والنشيج ولا أنسى ما ~~حييت نداءه لي وهو يودع ms106 نسمات الحياة وقوله: "ابنتي يا صديقي". # فيا أقوياء القلوب من الرجال، رفقا بضعفاء النفوس من النساء، إنكم لا ~~تعلمون حيت تخدعونهن عن شرفهن وعفتهن أي قلب تفجعون، وأي دم تسفكون. # PageV01P201 ### | الشرف # لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء. # ما من عامل يعمل في هذه الحياة إلا وهو يطلب في عمله الشرف الذي يتصوره ~~أو يصوره له الناس، إلا أنه تارة يخطئ مكانه وتارة يصيب. # يقتل القاتل وفي اعتقاده أن الشرف في أن ينتقم لنفسه أو عرضه بإراقة هذه ~~الكمية من الدم، ولا يبالي أن يسميه القانون بعد ذلك مجرما؛ لأن البيئة ~~التي يعيش فيها لا توافق على هذه التسمية وهي في نظره أعدل من القانون ~~حكما، وأصدق قولا. # يفسق الفاسق وفي اعتقاده أنه قد نفض عن نفسه بعمله هذا غبار الخمول ~~والبله الذي يظلل الأعفاء والمستقيمين، وأنه استطاع أن يعمل عملا لا يقدم ~~عليه إلا كل ذي حذق وبراعة وشجاعة وإقدام. # يسرق السارق ويزور المزور ويخون الخائن وفي اعتقاد كل منهم أن الشرق كل ~~الشرف في المال وإن كان السبيل إليه دنيئا وسافلا، # PageV01P202 # وأن للذهب رنينا تخفت بجانب صوته أصوات المعترضين والناقدين شيئا فشيئا ~~ثم تنقطع حتى لا يسمع بجانبه صوت سواه # هكذا يتصور الأدنياء أنهم شرفاء، وهكذا يطلبون الشرف ويخطئون مكانه، وما ~~أفسد عليهم تصورهم إلا الذين أحاطوا بهم من سجرائهم وخلطائهم وذوي جامعتهم، ~~أولئك الذين يحتقرون الموتور حتى يغسل الدم بالدم فيعظمونه، وينعون على ~~الرجل المستقيم العفيف بلاهته وخموله حتى يفجر ويستهتر فيبخبخون له ~~ويقرظونه، ويكرمون صاحب الذهب, ولو أن كل دينار من دنانيره محجم من الدم، ~~وأولئك الذين يسمون الفقير سافلا، وطيب القلب مغفلا، وطاهر السريرة بليدا، ~~والحليم عاجزا. # لا تعجب إن سمعت أن جماعة الأغنياء الجهلاء تنعكس في أدمغتهم صور الحقائق ~~حتى تلبس في نظرهم ثوبا غير ثوبها، وتتراءى في لون غير لونها، فإن بين ~~الخاصة الذين نعتد بعقولهم ونمتدح أفهامهم ومداركهم من لا يفرق بين الرذيلة ~~والفضيلة، حتى إنه ليكاد يفخر بالأولى ويستحيي من ms107 الأخرى. # لولا فساد التصور ما افتخر قائد الجيش بأنه قتل مائة ألف من النفوس ~~البشرية في حرب لا يدافع فيها عن فضيلة, ولا يؤيد بها حقا من الحقوق ~~الشرعية، ولولا فساد التصور ما وضع المؤرخون # PageV01P203 # اسم ذلك السفاح بجانب أسماء العلماء والحكماء والأطباء خدمة الإنسانية ~~وحملة عرشها وأصحاب الأيادي البيضاء عليها في سطر واحد من صحيفة واحدة، ~~ولولا فساد التصور ما جلس القاضي المرتشي فوق كرسي القضاء يفتل شاربيه، ~~ويصعر خديه، وينظر نظرات الاحتقار والازدراء إلى المتهم الواقف بين يديه ~~موقف الضراعة والذل، ولا ذنب له إلا أنه جاع وضاقت به مذاهب العيش فسرق ~~درهما، ولا توهم وهو اللص الكبير، أنه أشرف من هذا اللص الصغير، ولو باتا ~~عند قدريهما لوقفا معا في موقف واحد أمام قاض عادل يحكم بإدانة الأول؛ لأنه ~~سرق مختارا ليرفه عيشه، وبراءة الثاني؛ لأنه سرق مضطرا لينقذ حياته من ~~براثن الموت. # فمن شاء أن يهذب أخلاق الناس ويقوم اعوجاجها فليهذب تصوراتهم، وليقوم ~~أفهامهم، يوافه ما يريد من التهذيب والتقويم. # ليس من الرأي أن يشير المعلم على المتعلم أن يجعل هذا المجتمع الإنساني ~~ميزانا يزن به أعماله، أو مرآة يرى فيها حسناته وسيئاته، فالمجتمع الإنساني ~~مصاب بالسقم في فهمه، والاضطراب في تصوره، فلا عبرة بحكمه، ولا ثقة بوزنه ~~وتقديره. # ليس من الرأي أن يرشد المعلم إلى أن يطلب في # PageV01P204 # حياته الشرف الاعتباري، فليس كل ما يعتبره الناس شرفا هو في الحقيقة ~~كذلك. # ألا تراهم يعدون أشرف الشرف أن يتناول الرجل من الملك قطعة من الفضة أو ~~الذهب يحلي بها صدره، وربما كانوا يعلمون أنه ابتاعها بماله كما تبتاع ~~المرأة من الصائغ حليتها. # لا شرف إلا الشرف الحقيقي وهو الذي يناله الانسان ببذل حياته أو ماله أو ~~راحته في خدمة المجتمع البشري جميعه أو خدمة نوع من أنواعه. # فالعالم شريف؛ لأنه يجلو صدأ العقل الإنساني ويصقل مرآته، والمجاهد في ~~سبيل الدفاع عن وطنه شريف؛ لأنه يحمي مواطنيه غائلة الأعداء، ويقيهم عادية ~~الفناء، والمحسن الذي يضع الإحسان في ms108 موضعه شريف؛ لأنه يأخذ بأيدي الضعفاء، ~~ويحيي أنفس البؤساء، والحاكم العادل شريف؛ لأنه رسول العناية الإلهية إلى ~~المظلومين يمنعهم أن يبغي عليهم الظالمون، وصاحب الأخلاق الكريمة شريف؛ ~~لأنه يؤثر بكرم أخلاقه وجمال صفاته في عشرائه وخلطائه، ويلقي عليهم بالقدوة ~~الصالحة أفضل درس في الأخلاق والآداب، والصانع والزارع والتاجر أشراف متى ~~كانوا أمناء مستقيمين؛ لأنهم هم الذيني يحملون على عواتقهم هذا # PageV01P205 # المجتمع البشري وهم الذين يحتملون ما يحتملون من المئونة والمشتقة في ~~سبيله حذرا عليه من التهافت والسقوط. # فإن رأيت في نفسك أيها القارئ أنك واحد من هؤلاء علم أنك شريف وإلا فاسلك ~~طريقهم جهدك، فإن لم تبلغ غايته فأخذ القليل خير من ترك الكثير، فإن لم يكن ~~هذا ولا ذاك فلتبك على عقلك البواكي. # PageV01P206 ### | الحب والزواج # قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب, وموضوعها أن كاتبها غاب عن ~~بيروت بضعة أعوام ثم عاد إليها بعد ذلك فزار صديقا له من أسرياء الرجال ~~ووجوههم ومن ذوي الأخلاق الكريمة والأنفس العالية فوجده حزينا كئيبا على ~~غير ما يعهد من حاله قبل ذلك، فاستفهم منه عن دخيلة أمره فعرف أنه كان ~~متزوجا من فتاة يحبها ويجلها ويفديها بنفسه وماله فلم تحفظ صنيعه ولم ترع ~~عهده وأنها فرت منه إلى عشيق لها رقيق الحال وضيع النسب، فاجتهد الكاتب أن ~~يلقى تلك الفتاة ليعرف منها سر فرارها من بيت زوجها فلقيها في منزل عشيقها ~~فاعتذرت إليه عن فعلتها بأنها لا تحب زوجها؛ لأنه في الأربعين من عمره وهي ~~لم تبلغ العشرين، وقالت إنها جرت في ذلك على حكم الشرائع الطبيعية وإن ~~خالفت الشرائع الدينية؛ لأن الأولى عادلة والثانية ظالمة، وقالت: إن ما ~~يسميه الناس بالزنا والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة؛ لأن أساسه الحب، ~~وكل # PageV01P207 # ما كان أساسه الحب فهو طاهر شريف، وإن كان في أعين الناس عيبا وعارا، ~~وقالت: ما الخيانة ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تعاشر المرأة ~~زوجا تكرهه معاشرتها من تحبه فيفترشها الأول كما يفترشها الثاني؛ لأنها لا ms109 ~~تكون في حكم العقل ولا في نظر العدل زوجا له ما دامت لا تحبه ولا تألف ~~عشرته، وقالت: لو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها لعرفوا أنها متفقة في ~~هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية, وأنها ربما تعد المرأة في بيت زوجها ~~زانية، وفي بيت عشيقها طارهة، إذا كانت تكره الأول وتحب الثاني. # هذا ملخص القصة على طولها وأحسبها قصة موضوعة على نحو ما يضع الكتاب ~~القصص الخيالية لنشر رأي من الآراء أو تأييد مذهب من المذاهب؛ لأن الكاتب ~~أعذر1 تلك الفتاة فيما فعلت, واقتنع بصحة أقوالها وصحة مذهبها وأعداها على ~~زوجها2 وحكم لها عليه. # وسواء أكانت القصة حقيقية أم خيالية فالحق أقول: إن الكاتب أخطأ في ~~وضعها, وما كنت أحسب إلا أن مذهب PageV01P208 # الإباحية1 قد مضى وانقضى بانقضاء العصور المظلمة حتى قرأت هذه القصة ~~منشورة باللغة العربية بين الأمة العربية فنالني من الهم والحزن ما الله ~~عالم به. # قرأنا ما كتب الكاتبون في سبيل المرأة الساقطة, وهي التي هفت في حياتها ~~هفوة دفعها إليها دافع خداع أو سائق حاجة ثم ثاب إليها رشدها وهداها فقلنا ~~لا بأس بغيرتهم على ذنب جسمته العادة وألبسته ثوبا أوسع من ثوبه، ولا بأس ~~برحمتهم فتاة مذنبة تحاول الرجوع إلى ربها، والتوبة من ذنبها، ويأبى ~~المجتمع البشري إلا أن يسددونها أبواب السماء المفتحة للقاتلين والمجرمين. # فأما وقد وصل الحد إلى تزيين الزنا للزانية وتهوين إثمه عليها وإغراء ~~العفيفة الصالحة بالتمرد على زوجها والخروج من طاعته كلما دعاها إلى ذلك ~~داع من الهوى فهذا ما لا يطاق احتماله، ولا يستطاع قبوله. # إن فتاة الرواية لم تهف في جريمتها فقط كما يهفو غيرها من النساء؛ لأنها ~~مقيمة في منزل عشيقها من زمن بعيد, وقد عقدت عزمها على البقاء فيه ما دامت ~~روحها باقية في جسدها، ولم يسقها إلى ذلك سائق شهوة بشرية إن صح أن تكون ~~الشهوة البشرية PageV01P209 # عذرا يدفع مثلها إلى مثل ما صنعت؛ لأنها فرت من فراش زوجها، لا من وحشة ~~خلوتها، ولا سائق جوع؛ لأنها ms110 كانت أرق النساء عيشا، وأروحهن بالا، بل كانت ~~على حالة من الرفاهية والنعمة والتقلب في أعطاف العيش البارد لم تر مثلها ~~من قبل ولا من بعد، إذن فهي امرأة مجرمة لا يمنحها العدل من الرحمة ما منح ~~المرأة الساقطة. # إن كانت هذه الفتاة عفيفة طاهرة كما يزعم الكاتب فقد أخطأ علماء اللغة ~~جميعا في وضع كلمة الفساد في معاجمهم؛ لأنها لا مسمى لها في هذا العالم ~~عالم العفة والطهارة والخير والصلاح، ولا يمكن أن يكون المراد منها فتاة ~~المواخير؛ لأنها لم تترك وراءها زوجا معذبا ناقما منكوبا ولم تكن راضية ~~تمام الرضى عن نفسها, ولا مغتبطة بعيشها فتبلغ في حالها مبلغ "ورده ~~الهاني". # كل الأزواج ذلك الرجل إلا قليلا، فإذا جاز لكل زوجة أن تفر من زوجها إلى ~~عشيقها كلما وقع في نفسها الضجر من معاشرة الأول, وبرقت لها بارقة الأنس من ~~بين ثنايا الثاني فويل لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي ~~والرابطة الزوجية بعد اليوم ألف سلام. # أيها الكاتب: ليس في استطاعتي ولا في استطاعتك ولا # PageV01P210 # في استطاعة أحد من الناس أن يقف دورة الفلك ويصد كر الغداة ومر العشى حتى ~~لا يبلغ الأربعين من عمره فتراه زوجته غير أهل لمعاشرتها إذا علمت أن في ~~الناس من هو أصغر منه سنا وأكثر رشاقة وأنضر شبابا. # إن الضجر والسآمة من الشيء المتكرر المتردد طبيعة من طبائع النوع ~~الإنساني فهو لا يصبر على ثوب واحد أو طعام واحد أو عشير واحد، وقد علم ~~الله سبحانه وتعالى ذلك منه, وعلم أن نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بني على ~~رجل وامرأة تدوم عشرتهما، ويطول ائتلافهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم ~~بها قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن يعتبرا هذا الرباط رباطا مقدسا ~~حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما, وذهابهما في أمر الزوجية ~~مذهبهما في المطاعم والمشارب من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل غريب. # هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلا ~~من ms111 الزواج فقد خالف إرادة الله وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة ~~البيتية. # أي امرأة متزوجة بأجمل الرجال لا تحدث نفسها بالرغبة في استبداله بأجمل ~~منه، وأي رجل متزوح بأجمل النساء # PageV01P211 # لا يتمنى أن يكون في منزله أجمل منها, لولا هذا الرباط المقدس رباط ~~الزوجية، فهو الذي يعالج أمثال هذه الأماني وتلك الهواجس, وهو الذي يعيد ~~إلى النفوس النزاعة سكونها وقرارها. # لا بأس أن يتثبت الرجل قبل عقد الزواج من وجود الصفة المحبوبة لدية في ~~المرأة التي يختارها لنفسه، ولا بأس أن تصنع المرأة صنيعه، ولكن لا على ~~معنى أن يكون الحب الشهوي هو قاعدة الزواج يحيا بحياته، ويموت بموته، ~~فالقلوب متقلبة والأهواء نزاعة، بل بمعنى أن يكون كل منهما لصاحبه صديقا، ~~أكثر منه عشيقا، فالصداقة ينمو بالمودة غرسها، ويمتد ظلها، أما الحب فظل ~~يتنقل، وحال تتحول. # PageV01P212 ### | الاسلام والمسيحية # ما عجبت لشيء في حياتي عجبي لهؤلاء الناس الذين يعجبون كثيرا مما كتبه ~~اللورد كرومر عن الإسلام, كأنما كانوا يتوقعون من رجل يدين بدين غير دين ~~الإسلام ويضن به فوق ضنه بنفسه وماله أن يعتقد الوحدانية، ويصدق الرسالة ~~المحمدية، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة, ويحج البيت ما استطاع إليه سبيلا. # إن اللورد كرومر يعتقد كما يعتقد كل مسيحي متمسك بيسوعيته أن الإسلام دين ~~موضوع ابتدعه رجل عربي بدوي أمي ما قرأ في حياته صحيفة، ولا دخل مدرسة، ولا ~~سمع حكمة اليونان، ولا رأى مدنية الرومان، ولا تلقى شيئا من علوم الشرائع ~~والعمران. # هذا مبلغ معتقده فيه فكيف يرى نفسه بين يديه أصغر من أن يناقشه ويناظره ~~ويخطئه فيما وضعه للناس من الشرائع والأحكام، وكيف يسمح لنفسه أن ينظر إليه ~~بالعين التي ينظر بها المسلم إليه من حيث كونه نبيا مرسلا موحى إليه من عند ~~الله # PageV01P213 # تعالى بكتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما ما نقرؤه ~~أحيانا لبعض علماء الغرب المسيحيين من وصف الدين الإسلامي بصفات جميلة أو ~~مدح آرائه وأحكامه فهي مكتبوة بأقلام أقوام مؤرخين أدوا ms112 للتاريخ حق الأمانة ~~والصدق فلم يعبث التعصب الديني بكتاباتهم، ولا تمشت الروح المسيحية في ~~أقلامهم، ولا ريب في أن اللورد كرومر ليس واحد منهم، فإن من قرأ كتابه "مصر ~~الحديثة" تخيل أنه يسمع صوت راهب في صومعته قد لبس قلنسوته ومسوحه وعلق ~~صليبه في زناره. # فهل يحق بعد ذلك لأحد من المسلمين أن يندهش أو يذهب به العجب كل مذهب إذا ~~رأى في كتاب اللورد كرومر ما يراه كل يوم في كتب المبشرين الإنجيليين ~~وجرائدهم ومجلاتهم من الطعن على الإسلام وعقائده وشرائعه. # بلغ التعصب الديني بجماعة المبشرين أن حكموا بوجود اللحن في القرآن بعد ~~اعترافهم بأنه كتاب عربي, نطق به على حسب معتقدهم رجل هو في نظرهم أفصح ~~العرب، وليست مسألة الإعراب واللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيه ~~مجال، وإنما الإعراب ما نطق به العرب واللحن ما لم ينطقوا به، فلو أنهم ~~اصطلحوا على نصب الفاعل ورفع المفعول مثلا لكان رفع الأول # PageV01P214 # ونصب الثاني لحنا، ولكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئا من هذه المسلمات, ~~واستدلوا على وجود اللحن في القرآن بقواعد النحو التي ما دونها علماؤه إلا ~~بعد أن نظروا في كلام العرب وتتبعوا تراكيبه وأساليبه، وأكبر ما اعتمدوا ~~عليه في ذلك هو القرآن المجيد، فالقرآن حجة على النحاة وليست النحاة حجة ~~على القرآن، فإذا وجد في بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما ~~يخالف قواعد النحاة حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع والاستقراء، على أنهم ما ~~قصروا في شيء من ذلك, وما تركوا كثيرا ولا قليلا ولا نادرا ولا شاذا إلا ~~دونوه في كتبهم، فما في القرآن لحن، ولا النحاة مقصرون، ولكن المبشرين ~~جاهلون، فإذا كان التعصب الديني الأعمى أنطق ألسنتهم بمثل هذه الخرافة ~~المضحكة فليس بغريب أن نسمع من هذا الرجل المتشبه بهم هذا الطعن على ~~الإسلام في نظاماته وأحكامه. # إنا لا ننازع اللورد كرومر ولا أمثاله من الطاعنين على الإسلام في ~~معتقدهم, ولكن نحب منهم ألا ينازعوننا في معتقدنا وأن يعطونا من الحرية في ~~ذلك ms113 ما أعطوه لأنفسهم. # يقول اللورد كرومر: إن الدين الإسلامي دين جامد لا يتسع صدره للمدنية ~~الإنسانية, ولا يصلح للنظام الاجتماعي. ويقول: إن # PageV01P215 # ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي ويستدل على الإسلام ~~بالمسلمين، وعلى المسيحية بالمسيحيين. # في أي عصر أيها الفيلسوف التاريخي كانت الديانة المسيحية مبعث العلم ~~والعرفان، ومطلع أشعة المدنية والعمران، أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى ~~الحروب الدموية بين الأرثوذكس والكاثوليك تارة وبين الكاثوليك والبروتستانت ~~تارة أخرى بصورة وحشية فظيعة اسود لها لباس الإنسانية, وبكت الأرض منها ~~والسماء، أم في العصر الذي كانت إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن ~~الجاهل فلا يعلم إلا ما يعلمه إياه، ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه، فما كان ~~يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو إيمان، وبهيمية أو إنسانية، ~~فيكاد يتخيل في نفسه أن له ذنبا متحركا وخيشوما طويلا وأنه يمشي على أربع ~~إذا قال له الكاهن: أنت كلب أو قال له: إنك لست بإنسان، أم في العصر الذي ~~كان يعتقد فيه المسيحي أن دخول الجمل في سم الخياط أقرب من دخول الغني في ~~ملكوت السموات، أم في العصر الذي كان يحرم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي ~~أن ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس وأن يتلقى علما في مدرسة غير مدرسة ~~الكنيسة، أم في العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات # PageV01P216 # الذنب فذغر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى فطردها من ~~الجو فولت الأدبار، أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد العباسي الساعة ~~الدقاقة إلى الملك شارلمان فلما رآها الشعب المسيحي وسمع صوتها فر من وجهها ~~ظنا منه أنها تشتمل على الجن والشياطين، أم في العصر الذي ألفت فيه محكمة ~~التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة ~~وأربعين ألفا بالقتل حرقا أو صلبا، أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب ~~المسيحي فتاة حسناء بعد ما جرد لحمها عن عظمها؛ لأنها كانت تشتغل بعلوم ~~الرياضة والحكمة. # هذا الذي نعلمه أيها الفيلسوف ms114 التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية ~~والعمران في العصور المسيحية، ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا ~~شأنها وهذا مبلغ سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة، وإنما نريد أن نستدل ~~بالمسيحيين على المسيحية وإن لم نقف على حقيقتها، كما فعلت أنت في استدلالك ~~بالمسلمين على الإسلام وإن لم تعرف حقيقته وجوهره، على أن استدلالنا صحيح ~~واستدلالك باطل، فإن المدنية الحديثة ما دخلت أوربا إلا بعد أن زحزحت ~~المسيحية منها لتحل محلها كالماء الذي لا يدخل الكأس إلا بعد أن يطرد منه ~~الهواء؛ لأنه لا يتسع لهما، ولا يجمع # PageV01P217 # بينهما، فإن كان قد بقي أثر من آثار المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة ~~في أوروبا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ورضيت بالإبقاء عليه، لا ~~باعتبار أنه دين مقدس يجب إجلاله وإعظامه، بل باعتبار أنه زاجر من الزواجر ~~النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شرة النفوس الجاهلة، فلا ~~علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها أو باعتبار أنه ~~أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت ~~عنه نحو تسعة عشر قرنا كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية ~~والوحشية والجهل، فما نفعتها مسيحيتها، ولا أغنى عنه "كهنوتها" ولا ~~"إكليروسها". # أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد ~~في وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفا لكتف ما ينكر من أمرها ولا تنكر من ~~أمره شيئا، فالمتعبد في مسجده، والفقيه في درسه، والمعرب في مكتبته، ~~والرياضي في مدرسته، والكيمائي في معمله، والقاضي في محكمته، والخطيب في ~~محفله، والفلكي أمام إسطرلابه، والكاتب بين محابره وأوراقه، إخوة متصافون؛ ~~وأصدقاء متحابون، لا يختصمون # PageV01P218 # ولا يقتتلون، ولا يكفر بعضهم بعضا، ولا يبغي أحد منهم على أحد. # أيها الفيلسوف التاريخي: إن كان لا بد من الاستدلال بالأثر على المؤثر ~~فالمدنية الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس, والانحطاط الإسلامي ~~اليوم ضربة من ضربات المسيحية الأولى، وإليك ms115 البيان: # جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه، ~~ودنياه وآخرته، وما يفيده منفردا، وما ينفعه مجتمعا. # هذب عقيدته بعدما أفسدها الشرك بالله والإسفاف إلى عبادة التماثيل ~~والأوثان وإحناء الرءوس بين أيدي رؤساء الأديان, وأرشده إلى الإيمان ~~بربوبية إله واحد لا يشرك به شيئا، ثم أرشده إلى تسريح عقله ونظره في ملكوت ~~السموات والأرض ليقف على حقائق الكون وطبائعه، وليزداد إيمانا بوجود الإله ~~وقدرته وكمال تدبيره، وليكون اقتناعه بذلك اقتناعا نفسيا قلبيا فلا يكون ~~آلة صماء، في يد الأهواء، تفعل به ما تشاء، ثم أرشده إلى مواقف تذكره بربه، ~~وتنبهه من غفلته، وتطرد الشرور والخواطر السيئة عن نفسه كلما ابتغت إليها ~~سبيلا وهي مواقف العبادات، ثم أطلق له الحرية في القول والعمل ولم يمنعه ~~إلا من الشرك بالله والإضرار # PageV01P219 # بالناس، وعرفه قيمة نفسه بعد ما كان يجهلها, وعلمه أن الإنسانية لا فرق ~~بين فقيرها وغنيها، ووضيعها ورفيعها، وضعيفها وقويها، وأن الملك والسوقة ~~والشريف الهاشمي، والعبد الزنجي، أمام الله والحق سواء، وأن الأمر والنهي ~~والتحليل والتحريم والنفع والضر والثواب والعقاب والرحمة والغفران بيد الله ~~وحده لا ينازعه فيها منازع، ولا يملكها عليه أحد من الأنبياء والمرسلين ~~والملائكة المقربين، ثم نظر في أخلاقه فأرشده إلى محاسنها، وحال بينه وبين ~~رذائلها، حتى علمه آداب الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والكلام ~~والسلام، ثم دخل معه منزله فعلمه كيف يبر الابن أباه، ويرحم الوالد ولده، ~~ويعطف الأخ على أخيه، ويكرم الزوج زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، وكيف يكون ~~التراحم والتواصل بين الأقرباء وذوي الرحم، ثم نظر في شئونه الاجتماعية ~~ففرض عليه الزكاة التي لو جمعت ووضعت في مصارفها لما كان في الدنيا بائس ~~ولا فقير، وندبه إلى الصدقة ومساعدة الأقوياء للضعفاء، وعطف الأغنياء على ~~الفقراء، ثم شرع له شرائع للمعاملة الدنيوية ووضع له قوانين البيع والشراء ~~والرهن والهبة والقرض والتجارة والإجارة والمزارعة والوقف والوصية والميراث ~~ليعرف كل إنسان فلا يغبن أحد أحدا، # PageV01P220 # ثم قرر له عقوبات دنيوية تمنعه أن يبغي بعضه على ms116 بعض بشتم أو سب أو قتل ~~أو سرقة أو انتهاك حرمة أو مجاهرة بمعصية أو شروع في فتنة أو خروج على أمير ~~أو سلطان، ثم نظر في شئونه السياسة فقرر الخلافة وشروطها، والقضاء وصفاته، ~~والإمارة وحدودها، وقرر كيف يعامل المسلمون مخالفيهم في الدين البعيدين ~~عنهم، والنازحين إليهم، وذكر مواطن القتال معهم، ومواضع المسالمة لهم. # وجملة القول إن الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ~~ترك الانسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده إلا مد يده ~~إليه وأنار له مواقع أقدامه وأرشده إلى سواء السبيل. # طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء بلاد العرب فملأت الكون نورا وإشراقا ~~واختلف الناس في شأنها ما بين معترف بها ومنكر وجودها، ولكنهم كانوا جميعا ~~سواء في الانتفاع بنورها، والاستنارة بضيائها، على تفاوت في تلك الاستنارة، ~~وتنوع في ذلك الانتفاع. # طلعت هذه الشمس المشرقة فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوروبا من طريق أسبانيا ~~وجنوب إيطاليا وفرنسا فأبصرها عدد # PageV01P221 # قليل من أذكياء الغربيين فانتبهوا من رقدتهم، واستيقظوا من سباتهم، ورأوا ~~من جمال المذاهب الإسلامية وشرائع الكون ونظاماته وقواعد الحرية والمساواة ~~ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف والمجتمع ~~الشرقي اليقظ النابه، فقالوا أيمكن أن يعيش الإنسان على ظهر هذه المسكونة ~~حرا لا يستعبده ملك ولا يسترقه كاهن، أيمكن أن يبيت الإنسان ليلة واحدة في ~~حياته هادئا في مضجعه مطمئنا في رقدته لا يروعه دولاب العذاب ولا سيف ~~الجلاد، أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام العالم وطبائعه ~~ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها، أيمكن أن يطلع فجر المدنية الاسلامية على ~~هذا المجتمع الغربي فيمحو ظلمته التي طال عهدنا بها حتى عشيت أبصارنا فما ~~يكاد يرى بعضنا بعضا. # كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي ~~مشتها أوروبا في طريق المدنية والعمران بفضل الإسلام وشرائعه التي عرفها ~~هؤلاء الأفراد من مخالطة المسلمين في أوروبا, ومطالعة كتبهم ومناظرة ~~حضارتهم ومدنيتهم، ثم أخذوا يعلمونها الناس سرا ويبثونها ms117 في نفوس تلاميذهم ~~شيئا فشيئا ويلقون في سبيل نشرها عناء شديدا، واستمر هذا النزاع بين # PageV01P222 # العلم والجهل قرونا عديدة حتى انتهى أمره بالثورة الفرنسية, فكانت هي ~~القضاء الأخير على الوحشية السالفة، والهمجية القديمة. # أيها الفيلسوف التاريخي: إنك لا بد تعلم ذلك حق العلم؛ لأنه أقل ما يجب ~~على المؤرخ أن يعلمه كما تعلم أن المدنية الإسلامية إذا وسعت غيرها فأحر ~~بها أن تسع نفسها، ولكن التعصب الديني قد بلغ من نفسك مبلغه فما كفاك أن ~~أنكرت فضل صاحب الفضل عليك حتى أنكرت عليه فضله على نفسه. # لا حاجة بي إلى أن أشرح لك المدنية الإسلامية أو أسرد لك أسماء علمائها ~~وحكمائها ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن ~~والطب والحكمة والأخلاق والعمران, أو أعدد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في ~~الشرق والغرب أو أصف لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة، وسعادتها ~~وهناءها، وعزتها وسطوتها، فأنت تعرف ذلك كله إن كنت مؤرخا كما تقول. # غير أني لا أنكر عليك ما لحق بالمسلمين في هذه القرون الأخيرة من الضعف ~~والفتور، وما أصاب جامعتهم من الوهن # PageV01P223 # والانحلال، ولكن ليس السبب في ذلك الإسلام كما تتوهم بل المسيحية التي ~~سرت عدواها إليهم على أيدي قوم من المسيحيين, أو أشباه المسيحيين لبسوا ~~لباس الإسلام وتزيوا بزيه ودخلوا بلاده وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، ~~وأمرائه الجهلاء، فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة تمكنوا به من نشر مذاهبهم ~~السقيمة وعقائدهم الخرافية بين المسلمين حتى أفسدوا عليهم مذاهبهم وعقائدهم ~~وأوقعوا الفتنة فيهم وحالوا بينهم وبين الاستمداد من روح الإسلام وقوته ~~فكان من أمرهم بعد ذلك ما كان. # كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر وعقيدة ~~التوكل وتشييد الأضرحة وتجصيص القبور وتزيينها والترامي على أعتابها ~~والاهتمام بصور العبادات وأشكالها دون حكمها وأسرارها, وإسناد النفع والضرر ~~إلى رؤساء الدين وأمثال ذلك أثر من آثار المسيحية الأولى وليس من الإسلام ~~في شيء. # أيها الفيلسوف التاريخي: لا تقل إننا متعصبون تعصبا دينيا فإنك قد أسأت ~~إلينا وإلى ديننا فلم ms118 نر بدا من الذب عنا وعنه بما نعلم أنه حق وصواب، على ~~أنه لا عار علينا فيما تقول، # PageV01P224 # وهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يدا واحدة على الذود عن أنفسهم، ~~والدفاع عن جامعتهم، وإعلاء شأن دينهم ونصرته حتى يكون الدين كله لله. # إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي # PageV01P225 ### | أهناء أم عزاء # فارق مصر على أثر الدستور العثماني كثير من فضلاء السوريين بعدما عمروا ~~هذه البلاد بفضائلهم ومآثرهم وصيروها جنة زاخرة بالعلوم والآداب ولقنوا ~~المصريين تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة، وبعدما ما ~~كانوا فينا سفراء خير بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية، يأخذون من ~~كمال الأولى ليتمموا ما نقص من الأخرى، وبعدما علموا المصري كيف ينشط في ~~العمل, وكيف يجد ويجتهد في سبيل العيش, وكيف يثبت ويتجلد في معركة الحياة. # قضوا بيننا تلك البرهة من الزمان يحسنون إلينا فنسيء إليهم, ويعطفون ~~علينا فنسميهم تارة دخلاء، وأخرى ثقلاء، كإنما كنا نحسب أنهم قوم من شذاذ ~~الآفاق أو نفايات الأمم جاءوا إلينا يصادروننا في أرزاقنا، ويتطفلون على ~~موائدنا، ولو أنصفناهم لعرفناهم وعرفنا أن أكثرهم من بيوتات المجد والشرف, ~~وإنما ضاقت بهم حكومة الاستبداد ذرعا وكذلك شأن كل حكومة # PageV01P226 # مستبدة مع أحرار النفوس وأباة الضيم فأحرجت صدورهم، وضيقت عليهم مذاهبهم، ~~ففروا من الظلم تاركين وراءهم شرفا ينعيهم، ومجدا يبكي عليهم، ونزلوا بيننا ~~ضيوفا كراما، وأساتذة كبارا، فما أحسنا ضيافتهم ولا شكرنا لهم نعمتهم. # وبعد فقد مضى ذلك الزمن بخيره أو شره وأصبحنا اليوم كلما ذكرناهم خفقت ~~أفئدتنا مخافة أن يلحق باقيهم بماضيهم فلا نعلم أنشكر للدستور أن فرج عنهم ~~كربتهم، وأمنهم على أنفسهم، وردهم إلى أوطانهم، أم ننتقم منه أن كان سببا ~~في حرماننا منهم بعد أنسنا بهم، واغتباطنا بحسن عشرتهم، وجميل مودتهم، ولا ~~ندري هل نحن بين يدي هذا النظام العثماني الجديد في هناء أم في عزاء. # فيأيها القوم المودعون، والكرام الكاتبون. # اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا # واذكروا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع ms119 وعاف القدحا # PageV01P227 ### | الزوجتان # حدث أحد الأصدقاء قال: سأقص عليك قصة لسيت من خيالات الشعراء ولا أكاذيب ~~القصاصين. # أويت إلى مضجعي في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب, غدافية الإهاب، ~~فما استقبلت أول طليعة من طلائع النوم حتى قرع باب غرفتي فتسمعت فإذا ~~الخادم تقول: إن امرأة سيئة الحال بذة الثياب في زي المتسولات تلح في طلب ~~مقابلتك وتقول إن لها عندك شأنا، فقلت في نفسي لا شأن لي مع امرأة, وربما ~~كانت ذات حاجة وكانت حاجتها إلي أكثر من حاجتي إلى النوم، على أن النوم لا ~~يفوتني، فليل الشتاء أطول من يوم القضاء، فارتديت ردائي ونزلت فإذا فتاة في ~~ملاءة بالية وبرقع خلق ينم بجمالها كما ينم السحاب المتقطع بضوء الشمس، ~~وإذا هي ترعد وتضطرب وتقول بصوت شجي: أما في الناس أخو همة ومروءة يعين على ~~الدهر الغادر ويطفئ هذه الجذوة التي تأجج بين أضعالي بقطرة واحدة من ~~الرحمة، فقلت: من أنت # PageV01P228 # يرحمك الله؟ قالت: أنا فلانة زوج فلان، فدهشت وغصصت بريقي حتى ما أجد بلة ~~أحرك بها لساني لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، وقلت يا للعجب، زوجة فلان على ~~عظمه وعظمها، وجلاله وجلالها، تخرج في مثل هذه الساعة في مثل هذه الملابس، ~~فسألتها ما شأنك يا سيدتي ومم تبكين؟ قالت: لا تحدث نفسك بريبة ولا تذهب بك ~~الظنون مذاهبها, فوالله ما جئت إليك تحت حجاب الليل إلا وأنت أوثق الناس ~~عندي، وأرفعهم في عيني، ولولا شدة أقلقت مضجعي وفرقت ما بين جفني والكرى ما ~~خضت سواد الليل في مثل هذه الساعة, ولا حملت في سبيلي إليك ما حملت، قلت: ~~عهدي بسيدتي رخية البال ناعمة العيش سعيدة الحظ بزوج عذب الأخلاق كريم ~~السجايا لا يؤثر هوى نفسه على هواك ولا يعدل بك أحدا، قالت: إنك تقص علي ~~حديث الأمس وقد مضى به الفلك الدائر، والكوكب السيار، فاسمع مني حديث ~~اليوم. # إنك لا بد تعلم تاريخ زواجي منه منذ ثلاثة أعوام, وأن أبي لم يبتغ به ~~بدلا على كثرة الخاطبين ms120 إليه من علية القوم وجلتهم, وأنا لا ألومه على ذلك ~~رحمة الله عليه فما أراد بي شرا ولا اعتمد أن يسيء الاختيار لي, ولكنه كان ~~رجلا أبيض السريرة طاهر # PageV01P229 # القلب فخدعه الخادعون عني، ومن ذا الذي لا يخدع بشاب متعلم مهذب من ذوي ~~المناصب الكبيرة والرتب العالية، وكيفما كان الأمر فقد تم عقد الزواج بيننا ~~فاعتبطت به واعتبط بي برهة من الزمان حسبتها دائمة لا انقطاع لها حتى يفرق ~~بيننا الموت، وكنت امرأة أجمع في نفسي جميع ما يمت به النساء إلى الرجال ~~فما خنته ولا ضقت ذرعا بأمره ولا قطبت في وجهه مرة ولا أتلفت له مالا ولا ~~نقضت له عهدا, فجازاني سوءا بالإحسان، وكفر بنعمة الله بعد الإيمان، وخان ~~ودي، ونقض عهدي، لا لذنب أتيته، أو وصمة يصمني بها، وكل ما في الأمر أنه ~~رجل ملول، ولا تغضب يا سيدي إن قلت لك إن قلب الرجل متقلب متلون يسرع إلى ~~البغض كما يسرع إلى الحب، وإن هذه المرأة التي تحتقرونها وتزدرونها وتضربون ~~الأمثال بخفة عقلها وضعف قلبها أوثق منه عقدا، وأمتن ودا، وأوفى عهدا، ولو ~~وفى الزوج لزوجته وفاءها له ما استطاع أن يفرق بين قلبيهما إلا ريب المنون، ~~قلت: أنا لا أغضب لشي إلا للإنسانية أن ينقض عهدها، ويخفر ذمامها، ثم ماذا ~~تم بعد ذلك، قالت: مات أبي كما تعلم وخلف لي مالا أمكنت منه زوجي فأتلفه ~~بين الخمر والقمر، فكنت أغضي على هفواته رحمة به وشفقة عليه واستبقاء لوده, # PageV01P230 # حتى إذا صفرت يدي وأقفر ربعي أحسست منه مللا كان يدعوه إلى سوء عشرتي ~~وتعذيب جسمي ونفسي، وكان كثيرا ما يتهكم بي ويقول: إني لا أحب المرأة ~~الجاهلة التي لا تفهمني ولا أفهمها، وآونة كان يعرض بي قائلا: إن الرجل ~~السعيد هو الذي يرزق زوجة متعلمة تقرأ له الجرائد والمجلات، وتفاوضه في ~~المسائل الاجتماعية والسياسية، بل يتجاوز التعريض إلى التصريح فيقول كلما ~~دخل علي متأففا متذمرا: ليت لي زوجة كفلانة فإنها تحسن الرقص والغناء ~~والتوقيع على "البيان" ms121 فكنت أشك في سلامة عقلة, وأقول في نفسي كيف يفضل ~~الزوجة المتبذلة المستهترة على الحبيبة المحتشمة، ووالله ما تمنيت مرة أن ~~أكون على الصفة التي يحبها ويرضها مع ما كنت أبذل في رضاه من ذات اليد وذات ~~النفس، وبعد فما زال الملل يدب في نفسه دبيب الصهباء، في الأعضاء، حتى تحول ~~إلى بغضاء شديدة، فما كان يلحظني إلا شزرا ولا يدخل المنزل إلا لتناول غرض ~~أو قضاء حاجة، فكنت أحتمل كل هذا بقلب صبور، وجنان وقور، ثم عرض له بعد ذلك ~~أن نقل إلى منصب أرقى من منصبه في بلد آخر على ما تعلم فسافر وحده وتركني ~~في المنزل وحيدة لا مؤنس لي غير طفلتي فلبثت أترقب كتابا منه يدعوني فيه ~~إلى اللحاق به فما أرسل كتابا # PageV01P231 # ولا رسولا ولا نفقة، فاستكتبت إليه الكتاب بعد الكتاب فما أسلس قياده، ~~ولا طاوع عناده، فسافرت إليه مخاطرة بنفسي غير مبالية بغضبه لأعلم غاية ~~شأنه وشأني معه، فما نزلت من القطار حتى قيض الله لي من وقفني على حقيقة ~~أمره وأعلمني أنه تزوج من فتاة متعلمة تقرأ له الجرائد والروايات وتفاوضه ~~في المسائل الاجتماعية والسياسية وتحسن الرقص والغناء والتوقيع على ~~"البيان"، فداخلني من الهم ما الله به عليم، وجزعت ولكن أي ساعة مجزع، ولا ~~أظن إلا أن العدل الإلهي سيحاسبه على كل قطرة من قطرات الدموع التي أرقتها ~~في هذا السبيل حسابا غير يسير. # وكأنه شعر بمكاني فجاء إلي يتهددني ويتوعدني فتوسلت إليه ببكاء طفلته ~~التي كنت أحملها بين يدي وذكرته بالعهود والمواثيق التي تعاقدنا عليها, ~~وذهبت إلى استعطافه كل مذهب فكنت كأنني أخاطب ركودا صماء1، أو أستنزل أبودا ~~عصماء2، ثم طردني وأمر من حملني إلى المحطة فعدت من حيث أتيت PageV01P232 # فما وصلت إلى المنزل حتى خلعت ملابسي ولبست هذه الثياب, وجئتك متنكرة في ~~ذمام الليل؛ لأني وحيدة في هذا العالم لا قريب لي ولا حميم؛ ولأني أعلم ~~كرمك وهمتك وما بينك وبين ذلك الرجل من الود والاتصال عسى أن ترى لي رأيا ms122 ~~في التفريق بيني وبينه علني أجد في فضاء الحرية منفذا كسم الخياط أرتشف منه ~~ما أتبلغ به أنا وطفلتي حتى يبلغ الكتاب أجله. # فأحزنني من أمر تلك الفتاة البائسة ما أحزنني ووعدتها بالنظر في أمرها ~~بعد أن خفضت كثيرا من أحزانها ولواعجها، فعادت إلى منزلها وعدت إلى مضجعي ~~أفكر في هذه الحادثة الغريبة وقد اكتنفني همان: هم تلك البائسة التي لم أر ~~في تاريخ شقاء النساء قلبا أشقى من قلبها، ولا نجما أنحس من نجمها، وهم ذلك ~~الصديق الذي ربحته سنين طوالا وخسرته في ساعة واحدة, فقد كنت أغبط نفسي ~~عليه فأصبحت أعزيها عنه، وكنت أحسبه إنسانا فإذا هو ذئب عملس1 تسترة الصورة ~~البشرية وتواريه البشاشة والابتسام. # هذا ما قصه علي ذلك الصديق الكريم: ثم لم أعد أعلم بعد ذلك ما تم من أمره ~~مع تلك الفتاة المسكينة ولا ما تم من أمرها PageV01P233 # مع زوجها حتى جاءني منه أمس ذلك الكتاب بعد مرور عام على تلك القصة ~~الغريبة، وهذا نصه: # سيدي. # يهمني كثيرا أن أرى بين كتب التهنئة التي ترد إلي كتابا منك لأسر ~~بمشاركتك إياي في سروري وهنائي. # إنك لا بد تذكر تلك القصة التي كنت قصصتها عليك منذ عام في شأن تلك ~~الفتاة البائسة التي خانها زوجها "فلان" وغدر بها وهجرها إلى أخرى غيرها ~~بعدما جردها مما كانت تملك يدها وما كان من أمر مجيئها عندي وبث شكواها ~~إلي، وربما كنت لا تعلم بما تم من أمرها بعد ذلك, فاعلم أنها دفعت زوجها ~~إلى موقف القضاء فضاق بأمرها ذرعا فطلقها وكنت أفكر في ذلك التاريخ في ~~الزواج كما تعلم من زوج صالحة أجد السعادة في العيش بجانبها وما كنت لأجد ~~زوجة أشرف نفسا ولا أكرم جوهرا ولا أذكى قلبا منها، فتزوجتها فأمتعت نفسي ~~بخير النساء، وأنقذت الإنسانية المعذبة من شقوتها وبلائها، وأبشرك أن الله ~~قد انتقم لهذه الفتاة المظلومة من ذلك الرجل الظالم انتقاما شديدا، فقد ~~حدثني من يعلم دخيلة أمره أنه يعاني اليوم من زوجه الجديدة الموت ms123 الأحمر، ~~والشقاء الأكبر، وأنها # PageV01P234 # امرأة قد أخذت التربية الحديثة من نفسها مأخذا عظيما فحولتها إلى فتاة ~~غربية في جميع شئونها وأطوارها، والرجل شرقي بفطرته، أما غربيته فهي متكلفة ~~متعملة يدور بها لسانه ولا أثر لها في نفسه، فهو لا يزال رجلا غيورا شريفا، ~~ولا يزال يقاسي اليوم من تلك المرأة الخرقاء، أضعاف ما كانت تقاسيه منه ~~أشرف النساء، والسلام. # PageV01P235 ### | في سبيل الإحسان # الإحسان شيء جميل وأجمل منه أن يحل محله، ويصيب موضعه. # الإحسان في مصر كثير، ووصوله إلى مستحقه وصاحب الحاجة إليه قليل، فلو ~~أضاف المحسن إلى إحسانه إصابة الموضع فيه لما سمع سامع في ظلمة الليل شكاة ~~بائس ولا أنة محزون. # ليس الإحسان هو العطاء كما يظن عامة الناس، فالعطاء قد يكون نفاقا ورياء، ~~وقد يكون أحبولة ينصبها المعطي لاصطياد النفوس وامتلاك الأعناق، وقد يكون ~~رأس مال يتجر فيه صاحبه ليبذل قليلا ويربح كثيرا. # إنما الإحسان عاطفة كريمة من عواطف النفس تتألم لمناظر البؤس ومصارع ~~الشقاء، فلو أن جميع ما يبذله الناس من المال ويسمونه إحسانا صادر عن تلك ~~العاطفة الشريفة لما تجاوز محله ولا فارق موضعه. # PageV01P236 # فوضى الإحسان: # الإحسان في مصر فوضى لا نظام له، يناله من لا يستحقه ويحرم منه مستحقه، ~~فلا بؤسا يرفع، ولا فقرا يدفع، فمثله كمثل السحاب الذي يقول فيه أبو ~~العلاء: # ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا1 # الإحسان في مصر أن يدخل صاحب المال ضريحا من أضرحة المقبورين فيضع في ~~صندوق النذور قبضة من الفضة أو الذهب ربما يتناولها من هو أرغد منه عيشا ~~وأنعم بالا، أو يهدي ما يسميه نذرا من نعم وشاء إلى دفين في قبره قد شغله ~~عن أكل اللحوم والتفكه بها ذلك الدود الذي يأكل لحمه، والسوس الذي ينخر ~~عظمه، وما أهدى شاته ولا بقرته لو يعلم إلا إلى "ديوان الأوقاف" وكان خيرا ~~له أن يهديها إلى جاره الفقير الذي يبيت ليله طاويا يتشهى ظلفا2 يمسك رمقه، ~~أو عرقوبا يطفئ لوعته. # وأعظم ما يتقرب به ms124 محسننا إلى الله ويحسب أنه بلغ من البر والمعروف ~~غايتيهما أن ينفق بضعة آلاف من الدنانير في بناء مسجد للصلاة في بلد مملوء ~~بالمساجد، حافل بالمعابد، وفي البلد كثير من البائسين وذوي الحاجات، ينشدون ~~مواطن PageV01P237 # الصلات، لا أماكن الصلوات، أو يبني بنية ضخمة فخمة مرفوعة القباب، فسيحة ~~الرحاب، مموهة الجوانب والأركان، مذهبة السقوف والجدران، يسميها سبيلا، ولا ~~يهولنك هذا الاسم الضخم فكل ما في الأمر أن السبيل مكان يشتمل على حوض من ~~الماء ربما لا يكون بينه وبين ماء النهر إلا بضع خطوات، على أن الماء ~~كالهواء، ملء الأرض والسماء، أو يقف الرقاع الواسعة من الأرض لتنفق غلتها ~~على أقوام من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الآيات، وترديد ~~الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، وهو يحسب أنه أحسن إليهم، ولو عرف موضع ~~الإحسان لأحسن إليهم بقطع هذا الإحسان عنهم علهم يتعلمون صناعة أو مهنة ~~يرتزقون منها رزقا شريفا، فإن كان يظن أنه يعمل في ذلك عملا يقربه إلى الله ~~فليعلم أن الله تعالى أجل من أن يعبأ بعبادة قوم يتخذون عبادته سلما إلى ~~طعام يطعمونه، أو درهم يتناولونه، أو يفتح أبواب منزله لهؤلاء المحتالين ~~المتلصصين الذين يسمونهم مشايخ الطرق، ولو أنصفوهم لسموهم قطاع الطرق، ولا ~~فرق بين الفريقين إلا أن هؤلاء يتسلحون بالبنادق والعصي، وأولئك يتسلحون ~~بالسبح والمساويك، ثم يسقطون على المنازل سقوط الجراد على المزارع # PageV01P238 # فلا يتركون صادحا ولا باغما، ولا خفا ولا حافرا، ولا شيئا مما تنبت الأرض ~~من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها إلا أتوا عليه. # أسوأ الإحسان: # لم أر مالا أضيع ولا عملا أخيب ولا إحسانا أسوأ من الإحسان إلى هؤلاء ~~المتسولين الذين يطوفون الأرض ويقلبونها ظهرا على عقب ويجثمون في مفارق ~~الطرق وزوايا الدروب وعلى أبواب الأضرحة والمزارات يصمون الأسماع بصريخهم، ~~ويقذون النواظر بمناظرهم المستبشعة، ويزاحمون بمناكبهم الفارس والراجل ~~والجالس والقائم، فلو أن نجما هوى إلى الأرض لهووا على أثره, أو طائرا طار ~~إلى الجو لكانوا قوادمه وخوافيه. # وإن شئت أن تعرف المتسول معرفة حقيقية لتعرف ms125 هل يستحق عطفك وحنانك عليه, ~~وهل ما تسديه إليه من المعروف تسديه إلى صاحب حاجة, فاعلم أنه في الأعم ~~الأغلب من أحواله رجل لا زوجة له ولا ولد ينفق عليهما ولا مسكن عنده يحتاج ~~إلى مؤن ومرافق ولا شهوة له في مطعم أو مشرب أو ملبس حتى لو علم أن ~~الانقطاع عن ذلك الخسيس من الطعام والقذر من الشراب لا يقعده عن السعي في ~~سبيله لانقطع عنه، وهو لو # PageV01P239 # شاء أن يتزوج أو يتخذ له مأوى يأوي إليه لفعل, ولوجد في حرفته متسعا ~~لذلك، ولكنه الحرص قد أفسد قلبه وأمات نفسه، فهو يتوسل بأنواع الحيل وصنوف ~~الكيد ليجمع مالا لا فائدة له من جمعه ولا نية له في إصلاح شأن نفسه به إذا ~~اجتمع عنده منه ما يقوم له بذلك, بل ليدفنه في باطن الأرض حتى يدفن معه, أو ~~لينظمه في سلك مرقعته حتى يرثه الغاسل من بعده. ولقد يبلغ به الحرص الدنيء ~~والشره السافل أن يحمل في سبيل المال ما لا يستطيع مجاهد أن يحمل مثله في ~~سبيل الله فيتعمد قطع يده أو ساقه أو إتلاف عينيه أو إحداهما ليستعطف ~~القلوب عليه، وكثيرا ما يحسد صاحبه إذا رآه أفظع منه شكلا أو أكثر تشويها ~~كما يحكي أن شحاذا مقطوع الساق قد وضع مكانها أخرى من الخشب تقابل مع آخر ~~كفيف البصر فتنافسا في مصيبتيهما أيتهما أقذى للأعين وأوقع في النفس وأجلب ~~للرحمة، فقال الأول للثاني: لقد وهبك الله نعمة العمى ومنحك بسلب ناظريك ~~أفضل حبالة لاصطياد القلوب، واستفراغ الجيوب، فقال له صاحبه: وأين يبلغ ~~العمى من هذه الرجل الضخمة الثقيلة التي تجلب في كل عام وزنها ذهبا. # إن أكبر جريمة يجرمها الإنسان إلى الإنسانية أن يساعد # PageV01P240 # هؤلاء المتسولين بماله على الاستمرار في هذه الخطة الدنيئة فيغري كل من ~~شعر في نفسه بالميل إلى البطالة وإيثار الراحة بالسعي على آثارهم، ~~والاحتراف بحرفتهم، فكأنه قطع من جسم الإنسانية عضوا كاملا، لو لم يقطعه ~~لكان عضوا عاملا، وكأنه هدم بعمله هذا جميع ms126 تلك المساعي الشريفة التي بذلها ~~الأنبياء والحكماء قرونا عديدة لإصلاح المجتمع الإنساني وتهذيب أخلاقه ~~وتخليصه من آفات الجمود والخمول، فهل رأيت معروفا أقبح من هذا المعروف ~~وإحسانا أسوأ من هذا الإحسان. # تنظيم الاحسان: # ليست كمية المال التي ينفقها المحسنون في سبيل الإحسان مما يستهان به فلو ~~قال قائل إنها تبلغ في مصر وحدها كل عام مليونا من الذهب لما أخطأ التقدير. # سألت رجلا من وجوه الريف المعروفين بالبر والإحسان عن كمية ما ينفقه كل ~~عام في هذا السبيل فأطلعني على جريدة حسابه فرأيتها هكذا. # جنية # 10 ولائم لمشايخ الطرق. # 60 ليالي في مولد البيومي والعفيفي. # PageV01P241 # 72 مرتبات قراءة القرآن والدلائل والصلوات في مسجده ومنزله. # 30 هبات كبيرة للطائفين في البلاد الذين يستجدون باسم المجد القديم ~~والشرف الداثر. # 18 صدقات للمتسولين على تقدير خمسة قروش يوميا تقريبا. # 10 توضع في صناديق الأضرحة. # 40 ثمن خبز ولحم وملابس تفرق في المواسم الدينية. # 240 المجموع # فهذه أربعون ومائتا جنية ينفقها في سبيل الإحسان رجل واحد من متوسطي ~~الثروة في عام واحد، وفي مصر مئات مثله وعشرات يزيدون عليه وآلاف يقلون ~~عنه، فلا غرابة في أن يقدر هذا النوع من الإحسان بمليون جنية ينفقه منفقوه ~~على غير شيء سوى إغراء الكسلان بكسله، وحمل العامل على ترك عمله، وفي ~~اعتقادي لو أن هذا المقدار حل من الإحسان محله، وأصاب منه موضعه، وأنفق في ~~سبيل الخيرات النافعة ووجوه البر الحقيقية لارتقى بالأمة المصرية إلى ذروة ~~الكمال، ولكان له الأثر الجليل في وصولها إلى ما تتطلع إليه من هناء العيش ~~وسعادة الحياة. # لذلك أقترح في تنظيم الإحسان اقتراحا نافعا, وأدعو الكاتبين # PageV01P242 # الذين لا غرض لهم من وراء الكتابات السياسية ولا غاية لهم من الاشتغال ~~بإثارة الخواطر وتهييجها وإغراء بعض الناس ببعض أن يساعدوني بأقلامهم على ~~تحقيق ما أتمناه في هذا المقترح المفيد. # أقترح أن يقوم جماعة من سراة الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي والبصيرة فيها ~~بتأليف مجتمع في القاهرة يسمى "مجتمع الإحسان" ويكون له في كل مدينة من ms127 ~~مدائن الريف فرع تابع له. # أما أعماله التي أحب أن يقوم بها بالاتحاد مع فروعه فهي ثلاثة: # أ- استخدام فريق من مهرة الكتاب وفصحاء الخطباء يقومون بتعليم أفراد ~~الأمة بكل واسطة من وسائط النشر, وبكل وسيلة من وسائل التأثير معنى ~~الإحسان، وما هو الغرض منه، وما هي أفضل وجوهه، وأي أنواعه أجمع لخيري ~~الدنيا والأخرة. # ب- بذل الجهد في حمل الناس على اعتبار مجتمع الإحسان هذا بيت مال لهم أو ~~وكالة عامة عنهم تتولى جمع الصدقات منهم وتوزيعها على مستحقيها، وحسبها أن ~~تأخذ من كل فرد في كل عام مجموع ما يحسن به عادة في ذلك العام, فلا يكون ~~بعد ذلك # PageV01P243 # مأخوذا بشيء من الإحسان أمام ربه, وأمام أمته أكثر مما قدمه لهذا ~~المجتمع. # ج- إنفاق ما يجتمع من المال على تربية اليتامى الذين لا كاسب لهم, ~~والقيام بأود العاجزين والعاجزات عن الكسب وتفقد شئون الذين نكبهم الدهر ~~وتنكر لهم بعد العز والنعمة, وصيانة ماء وجوههم أن تراق على تراب الأعتاب, ~~والإنفاق على تعليم من يتوسم فيهم الذكاء والفطنه ويرجي أن تنتفع بهم الأمة ~~في مستقبلها من أبناء الفقراء، إلى أمثال هذه الأعمال الخيرية الشريفة التي ~~لا يتحقق الإحسان بدونها، ولا ينصرف معناه إلا إليها. # أنا أعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن من يخطو الخطوة الأولى في سبيل هذا ~~العمل الجليل ومن يضع الحجر الأول في بناء مجتمع الإحسان، هو أفضل عامل في ~~الوجود وأشرف إنسان. # PageV01P244 ### | أدب المناظرة # أنا لا أقول إلا ما أعتقد ولا أعتقد إلا ما أسمع صداه من جوانب نفسي ~~فربما خالفت الناس أو بعض الناس في أشياء يعلمون منها غير ما أعلم، ومعذرتي ~~إليهم في ذلك أن ألحق أولى بالمجاملة منهم وأن في رأسي عقلا أجله عن أن ~~أنزل به إلى أن يكون سيقة1 للعقول وريشة في مهاب الأغراض والأهواء. # فهل يجمل بعد ذلك بأحد من الناس أن يرميني بجارحة من القول أو صاعقة من ~~الغضب؛ لأني خالفت رأيه أو ذهبت غير مذهبه أو أن يكون له من الحق ms128 في حملي ~~على مذهبه أكثر مما يكون لي من الحق في حمله على مذهبي. # لا بأس أن يؤيد الإنسان مذهبه بالحجة والبرهان، ولا بأس أن ينقض أدلة ~~خصمه ويزيفها بما يعتقد أنه مبطل لها، ولا ملامة عليه في أن يتذرع بكل ما ~~يعرف من الوسائل إلى نشر الحقيقة التي يعتقدها إلا وسيلة واحدة لا أحبها له ~~ولا أعتقد PageV01P245 # أنها تنفعه أو تغني عنه شيئا، وهي وسيلة الشتم والسباب. # إن لإخلاص المتكلم تأثيرا عظيما في قوة حجته وحلول كلامه المحل الأعظم من ~~القلوب والأفهام، والشاتم يعلم الناس جميعا أنه غير مخلص فيما يقول، فعبثا ~~يحاول أن يحمل الناس على رأيه أو يقنعهم بصدقه وإن كان أصدق الصادقين. # أتدري لم يسب الإنسان مناظره؛ لأنه جاهل وعاجز معا، أما جهله؛ فلأنه يذهب ~~في واد غير وادي مناظره وهو يظن أنه في واديه؛ ولأنه ينتقل من موضوع ~~المناظرة إلى النظر في شئون المناظر وأطواره كأن كل مبحث عنده مبحث ~~"فسيولوجي"، وأما عجزه؛ فلأنه لو عرف إلى مناظره سبيلا غير هذا السبيل ~~لسلكه وكفى نفسه مئونة ازدراء الناس إياه, وحماها من الدخول في مأزق هو فيه ~~من الخاسرين محقا كان أم مبطلا. # لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون الغرض من المناظرة شيئا غير خدمة ~~الحقيقة وتأييدها، وأحسب أن لو سلك الكتاب هذا المسلك في مباحثهم لاتفقوا ~~على مسائل كثيرة هم لا يزالون مختلفين فيها، وما اختلفوا فيها؛ إلا لأنهم ~~فيما بينهم مختلفون، يسمع أحدهم الكلمة من صاحبه ويعتقد أنها كلمة حق لا ~~ريب فيها, ولكنه يبغضه فيبغض الحق من أجله فينهض للرد عليه بحجج # PageV01P246 # واهية وأساليب ضعيفة وإن كان هو قويا في ذاته؛ لأن القلم لا يقوى إلا إذا ~~استمد من القلب فإذا عي بالحجج والبراهين لجأ إلى المراوغة والمهاترة، ~~فيقول لمناظرة مثلا إنك رجل جاهل لا يعتد بآرائك أو إنك رجل مضطرب الرأي لا ~~ثبات لك؛ لأنك تقول اليوم غير ما قلت بالأمس، وهنالك يقول له الناس رويدا ~~لا تخلط في كلامك، ولا ms129 تراوغ في مناظرتك، ولا شأن لك بعلم صاحبك أو جهله، ~~فإنه يقول شيئا فإن كان صحيحا فسلم به أو باطلا فبين لنا أوجه بطلانه، وهبه ~~قولا لا تعلم قائله، ولا شأن لك باضطراب القائل وثباته، فربما كان بالأمس ~~على رأي تبين له خطؤه اليوم، والمرء يخطئ مرة ويصيب، فإذا ضاق بمناظره ~~وبالناس ذرعا فر إلى أدنى الوسائل وأضعفها فسب مناظره وشتمه وذهب في ~~التمثيل به كل مذهب فيسجل على نفسه الفرار من تلك الحرب والانخذال في ذلك ~~الميدان. # على أن أكثر الناس متفقون على ما يظنون أنهم مختلفون فيه، فإن لكل شيء ~~جهتين، جهة مدح وجهه ذم، فأما أن تتساويا أو تكبر إحداهما الأخرى، فإن كان ~~الأول فلا معنى للاختلاف؛ وإن كان الثاني وجب على المختلفين أن يعترف كل # PageV01P247 # منهما لصاحبه ببعض الحق لا أن يكون كل منهما من سلسلة الخلاف في طرفها. # كان يقع بين ملك من الملوك ووزيره خلاف في مسائل كثيرة حتى يشتد النزاع, ~~وحتى لا يلين أحدهما لصاحبه في طرف مما يخالفه فيه، فحضر حوارهما أحد ~~الحكماء في ليلة وهما يتناظران في المرأة، يعلو بها الملك إلى مصاف ~~الملائكة، ويهبط بها الوزير إلى منزلة الشياطين، ويسرد كل منهما على مذهبه ~~أدلته، فلما علا صوتهما واشتد لجاجهما خرج ذلك الحكيم وغاب عن المجلس ساعة, ~~ثم عاد وبين أثوابه لوح على أحد وجهيه صورة فتاة حسناء وعلى الآخر صورة ~~عجوز شوهاء، فقطع عليهما حديثهما وقال لهما: أحب أن أعرض عليكما هذه ~~الصورة، ليعطيني كل منكما رأيه فيها، ثم عرض على الملك صورة الفتاة الحسناء ~~فامتدحها ورجع إلى مكان الوزير وقد قلب اللوح خلسة من حيث لا يشعر واحد ~~منهما بما يفعل وعرض عليه صورة العجوز الشمطاء فاستعاذ بالله من رؤيتها ~~وأخذ يذمها ذما قبيحا، فهاج غيظ الملك على الوزير وأخذ يرميه بالجهل وفساد ~~الذوق وقد ظن أنه يذم الصورة التي رآها هو, فلما عاد إلى مثل ما كانا عليه ~~من الخلاف الشديد تعرض لهما الحكيم وأراهما اللوح من ms130 جهتيه فسكن ثائرهما ~~وضحكا # PageV01P248 # كثيرا، ثم قال لهما: هذا هو الذي أنتم فيه منذ الليلة، وما أحضرت إليكم ~~هذا اللوح إلا لأضربه لكما مثلا لتعلما أنكما متفقان في جميع ما كنتما ~~تختلفان فيه لو أن كلا منكما ينظر إلى المسائل المختلف فيها من جهتيها، ~~فشكرا له همته وأثنيا على فضله وحكمته، وانتفعا بحيلته انتفاعا كثيرا حتى ~~ما كانا يختلفان بعد ذلك إلا قليلا. # PageV01P249 ### | الإحسان في الزواج # ورد إلي في البريد هذا الكتاب بهذا التوقيع # حضرة السيد الفاضل # ضمني وجماعة من الأصدقاء مجلس جرى فيه الحديث عن صديق لنا عرف امرأة من ~~البغايا فأخذته الرأفة بها فتزوجها, وكان القوم ما بين مستحسن لهذا العمل ~~ومستهجن له, وطالت مدة الجدل بيننا ساعات ولم يستطع أحد الفريقين أن يقنع ~~الآخر برأيه فاتفق رأينا جميعا على أن نكتب إليك بذلك علك تلقي على هذا ~~الموضوع نظرة من نظراتك الصادقة والسلام. # ف. س # أيها السائل الكريم # إن كان باعث الرجل على الزواج بهذه البغي شهوة يريد قضاءها من امرأة ~~يعشقها, ولا يرى له سبيلا إلى طول استمتاعه بها والاستئثار بحظه منها إلا ~~هذا السبيل كما هو شأن أكثر الذين يتزوجون من البغايا فقد أخطأ خطأ جما؛ ~~لأن من كان هذا شأنه # PageV01P250 # لا يعنيه إلا ذات نفسه ولا يشغله من شئون تلك المرأة إلا الشأن الذي ~~يرتبط بشهوته، ويتعلق بلذته، وآية ذلك أنه لا ينظر بعد اتصاله بها في إصلاح ~~قلبها، ولا يحاول أن ينزع من بين جنبيها ملكة الفساد الراسخة في نفسها، ولا ~~يداخلها مداخلة المؤدب المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر ~~منها وتشمئز لها، بل لا يكفيها مئونة العيش ولا يرفهها ولا يقلبها في الرغد ~~والنعمة إلا إذا شعر بأن في قلبه بقية من الوجد والشغف بها، فإذا أقفر قلبه ~~من حبها وعلم أن فراقها لا يهيج له وجدا، ورجوعها إلى عيشها السالف لا يثير ~~منه غيرة، فارقها فراقا هادئا مطمئنا لا يمازجه حزن على فسادها، ولا يخالطه ~~أسف على سقوطها، ms131 وهنالك تعود تلك المرأة إلى عشها الذي طارت منه, وقد أمسكت ~~بين جوانحها من الحقد والموجدة على معيشة الصلاح والاستقامة ما الله عالم ~~به. # فالرجل الذي يتزوج من البغي قضاء لشهوته وإيثارا للذته، لا ينفعها ولا ~~يحسن إليها؛ لأنه لا يهذب نفسها، ولا يفي لها بما عاهدها عليه من البقاء ~~معها، والاستمرار على عشرتها، بل يسيء إليها بسوء تصرفه معها فيبغض إليها ~~الصلاح ويحبب إليها الفساد، وعندي أنه في عمله هذا فاسق لا متزوج؛ لأنه لو ~~لم ير أن الزواج # PageV01P251 # وسيلة من وسائل الاستئثار والتوسع في الاستمتاع ما سعى الأجر مهرا ولا ~~المتعة عقدا. # فإن كان حقا ما تقول من أن باعثه إلى ذلك الرحمة والرأفة والحنان والشفقة ~~فقد أحسن كل الإحسان، ولا أحسب أن بين أعماله الصالحة عملا هو أفضل عند ~~الله ذخرا، وأعظم أجرا، من هذا العمل الصالح. # العرض أثمن من الحياة فإن كان من يمنح الحياة فاقدها شريفا فأشرف منه من ~~يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه. # ليت الرجال يتفقون جميعا على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة كل امرأة ~~ساقها فقرها وعدمها أو فقد عائلها إلى البغاء، بل ليتهم يتفقون على الزواج ~~منهن قبل أن تضيق بهن حلقات العيش فيسقطن. # لم لا يكون بابا من أبواب الإحسان أن يتفقد المحسنون من الرجال الفقيرات ~~من النساء فيتزوجوا منهن أو يزوجوهن من أولادهم وأقربائهم, وإن لم يكن من ~~ذات الجمال أو ذوات النسب؛ لأنه إحسان والإحسان لا يجمل إلا إذا أصاب موضعه ~~من الشدة ومكانه من الشقاء. # لو عرف المحسنون معنى الإحسان لعرفوا أن إنفاق الأموال # PageV01P252 # على بناء التكايا والزوايا وتوزيعه على المتسولين والمتكففين ووقفه على ~~القارئين والذاكرين لا يدخر لهم من المثوبة والأجر عند الله ما يدخره لهم ~~الإحسان إلى النساء، بالعصمة من البغاء. # البغاء للبغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل، فجدير به أن يغرم ما أتلف ~~ويصلح ما أفسد. # يهجم الرجل على المرأة ويعد لمهاجمتها ما شاء الله أن يعده من وعد كاذب، ~~وقول خالب، ms132 وسحر جاذب، حتى إذا خدعها عن نفسها، وغلبها على أمرها، وسلبها ~~أثمن ما تملك يدها، نفض يده منها وفارقها فراقا لا لقاء بينهما من بعده. # هنالك تجلس في كسر بيتها جلسة الكئيب الحزين مسبلة دمعها على خدها، مسندة ~~رأسها بكفها، تفلي أناملها التراب، لا تدري أين تذهب، ولا ماذا تصنع، ولا ~~كيف تعيش. # تطلب العيش من طريق الزواج فلا تجد من يتزوجها؛ لأن الرجل يسميها ساقطة، ~~وتطلبه من طريق العمل فلا تجد ما تحسنه منه؛ لأن الرجل أهمل شأنها فلم ~~يعلمها من العلم ما تستعين به على ضائقة العيش، وتطلبه من طريق التسول فلا ~~تجده؛ لأن الرجل يؤثر أن يمنحها القنطار حراما، على أن يمنحها الدرهم ~~حلالا، فلا تجد لها بدا من أن تطلبه من طريق البغاء. # PageV01P253 # فها أنت ذا ترى أن شقاء المرأة الساقطة رواية من الروايات المحزنة، وأن ~~الرجل هو الذي يمثل جميع أدوارها، ويظهر في كل فصل من فصولها، ومهما حال ~~بيننا وبينه من ذلك الستار المسبل فإنا لا نزال نعتقد أن الرجل غريم ~~المرأة, وأن حقا عليه أن يؤدي دينه ويغرم أرش1 جنايته. # إن أبى الرجل أن يتزوج المرأة بغيا فليحل بينها وبين البغاء، ولا سبيل له ~~إلى ذلك إلا إذا اعتبر الزواج بابا من أبواب الإحسان، أي: إنه يتزوجها لها ~~أكثر مما يتزوجها لنفسه، وأحق النساء بالإحسان أولئك اللواتي لم يرزقهن ~~الله الجمال والمال، والحسب والنسب، فإن أبى إلا أن يتزوج المرأة السعيدة، ~~فليعلم أنه هو الذي أخذ الشقية من يدها، وساقها بنفسه إلى قرارة الشقاء ~~ورماها بيده في هوة الفسق والبغاء. PageV01P254 ### | لا همجية في الإسلام # 1: # أيها المسلمون: إن كنتم تعتقدون أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المسيحيين ~~إلا ليموتوا ذبحا بالسيوف، وقصفا بالرماح، وحرقا بالنيران، فقد أسأتم بربكم ~~ظنا، وأنكرتم عليه حكمته في أفعاله، وتدبيره في شئونه وأعماله، وأنزلتموه ~~منزلة العابث اللاعب الذي يبني البناء ليهدمه، ويزرع الزرع ليحرقه، ويخيط ~~الثوب ليمزقه، وينظم العقد ليبدده. # لم يزل الله سبحانه وتعالى مذ كان الإنسان نطفة ms133 في رحم أمه يتعهده بعطفه ~~وحنانه، ويمده برحمته وإحسانه، ويرسل إليه في ذلك السجن المظلم الهواء من ~~منافذه، والغذاء من مجاريه، ويذود عنه آفات الحياة وغوائلها نطفة فعلقة ~~فمضغة فجنينا فبشرا سويا. # إن إلها هذا شأنه مع عبده وهذه رحمته به وإحسانه إليه PageV01P255 # محال عليه أن يأمر بسلبه الروح التي وهبه إياها أو يرضى بسفك دمه الذي ~~أمده به ليجري في شرايينه وعروقه، لا بين تلال الرمال، وفوق شعاف الجبال. # في أي كتاب من كتب الله وفي أي سنة من سنن أنبيائه ورسله قرأتم جواز أن ~~يعمد الرجل إلى الرجل الآمن في سربه، القابع في كسر بيته، فينزع نفسه من ~~بين جنبيه، ويفجه فيه أهله وقومه؛ لأنه لا يدين بدينه، ولا يتقلد مذهبه. # لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه لأقفرت البلاد من ~~ساكنيها وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم. # أن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة ~~من سنن الكون التي لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، حتى لو لم يبق على ظهر ~~الأرض إلا رجل واحد لجرد من نفسه رجلا آخر يخاصمه وينازعه، {ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة} . # إن الحياة في هذا العالم كالحرارة التي تنتج من التحاك بين جسمين ~~مختلفين، فمحاولة توحيد المذاهب والأديان محاولة القضاء على هذا العالم ~~وسلبه روحه ونظامه. # PageV01P256 # أيها المسلمون: ليس ما كان يجري في صدر الإسلام من محاربة المسلمين ~~المسيحيين مرادا به التشفي والانتقام منهم، أو القضاء عليهم، وإنما كان ~~لحماية الدعوة الإسلامية أن يعترضها في طريقها معترض أو يحول بينها وبين ~~انتشارها في مشارق الأرض ومغاربها حائل، أي: إن القتال كان ذودا ودفاعا، لا ~~تشفيا وانتقاما. # وآية ذلك أن السرية من الجيش ما كانت تخطو خطوة واحدة في سبيلها الذي ~~تذهب إليه حتى يصل إليها أمر الخليفة القائم أن لا تزعج الرهبان في ~~أديرتهم، والقسيسين في صوامعهم، وأن لا تحارب إلا من يقاومها، ولا تقاتل ~~إلا من يقف في سبيلها، ولقد ms134 كان أحرى أن تسفك دماء رؤساء الدين المسيحي ~~وتسلب أرواحهم لو أن غرض المسلمين من قتال المسيحيين كان الانتقام منهم ~~والقضاء عليهم. # لو أنكم قضيتم على كل من يتدين بدين غير دينكم حتى أصبحت رقعة الأرض ~~خالصة لكم لانقسمتم على أنفسكم مذاهب وشيعا وتقاتلتم على مذاهبكم تقاتل ~~أرباب الأديان على أديانهم، وهكذا حتى لا يبقى على وجه الأرض مذهب ولا ~~متمذهب. # أيها المسلمون: ما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه # PageV01P257 # الهمجية والوحشية التي تزعمون أنها الإسلام. # ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها ثم يملؤها بعد ذلك ~~حكمة ورحمة ليعيش الناس في سعادة وهناء، وما هذه القطرات من الدماء التي ~~أراقها في هذا السبيل إلا بمثابة البضع العضوي الذي يتذرع به الطبيب إلى ~~شفاء المريض. # عذرتكم لو أن هؤلاء الذين تريقون دماءهم في بلادكم كانوا ظالمين لكم في ~~شأن من شئون حياتكم، أو ذاهبين في معاشرتكم والكون معكم مذاهب سوء تخافون ~~مغبتها، وتخشون عاقبتها، أما والقوم في ظلالكم والكون تحت أجنحتكم أضعف من ~~أن يمدوا إليكم يد سوء أو يبتدروكم ببادرة شر فلا عذر لكم. # عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا ~~مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في هذه ~~الحياة أخذا ولا ردا، والشيوخ الزاحفين إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم ~~وتتعجلوا قضاء الله فيهم. # أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا ~~محاربون. # من أي صخرة من الصخور أو هضبة من هضبات الجبال # PageV01P258 # نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم والتي لا تروعها أنات الثكالى، ~~ولا تحركها رنات الأيامى. # من أي نوع من أنواع الأحجار صيغت هذه العيون التي تستطيعون أن تروا بها ~~منظر الطفل الصغير والنار تأكل أطرافه وتتمشى في أحشائه وبين جوانحه فتصرخ ~~أمه وأمه عاجزة عن معونته؛ لأن النار لم تترك لها يدا تحركها، ولا قدما ~~تمشي عليها. # لا أستطيع أن أهنئكم بهذا الظفر والانتصار؛ لأني ms135 أعتقد أن قتل الضعفاء ~~جبن وعجز، ولؤم ودناءة، وأن سفك الدماء بغير ذنب ولا جريرة وحشية وهمجية ~~أحرى أن يعزى صاحبها فيها، لا أن يهنأ بها. # أيها المسلمون: أقتلوا المسيحيين ما شئتم وشاءت لكم شراستكم ووحشيتكم، ~~ولكن حذار أن تذكروا اسم الله على هذه الذبائح البشرية فالله سبحانه وتعالى ~~أجل من أن يأمر بقتل الأبرياء، أو يرضى باستضعاف الضعفاء، فهو أحكم ~~الحاكمين، وأرحم الراحمين. # PageV01P259 ### | البخيل # سألني سائل ماذا يستفيد الإنسان من بخله حتى على نفسه, وأي غرض يرمى إليه ~~من # ذلك؟ فأجبته بهذا الجواب: # البخل إحدى الملكات النفسية، والملكة صفة راسخة في النفس تصدر عنها ~~آثارها عفوا بدون روية ولا اختيار، فكما لا يسئل المسرف عن سبب إسرافه، ~~والغاضب عن غايته من غضبه، والحاسد عن غرضه من حسده، كذلك لا يسئل البخيل ~~عما يستفيده من بخله وحرصه، فكثيرا ما تعرض لأرباب هذه الملكات عوارض تنزع ~~بهم إلى الرغبة عن التخلي عنها حينا فلا يجدون إلى ذلك سبيلا لمكان تلك ~~الملكات من نفوسهم ونزولها منها منزلة لا تزعجها الرغبات، ولا تزعزعها ~~الإرادات، وربما عرض للبخيل ما يدفعه إلى بذل شيء من ماله فإذا وضع يده في ~~كيسه وحاول القبض على شيء مما فيه أحس كأن تيارا كهربائيا قد سرى من نفسه ~~إلى يده فتشنجت أعصابها وأعيت أناملها على الالتواء والانثناء فأخرجها صفرا ~~كما أدخلها وبوده أن لا يفعل # PageV01P260 # لولا أن للغريزة قوة فوق قوة الإرادة وسلطانا تخضع له الرغبات وتنقاد ~~إليه العقول إلا إذا كان وراءها وازع من القانون يزعها فإنه يكسر شرتها ~~أحيانا، وإن لم ينتزعها انتزاعا. # ويحكى أن شحيحا تحركت في قلبه يوما الشفقة على ابنته الجائعة العارية ~~فأراد نفسه على أن يبذل لها شيئا من ماله, فتأبت عليه فأذن لوكيله أن يختلس ~~لها من ماله ما يسد خلتها من حيث لا يعلمه بذلك ولا يدعه ينتبه لشيء منه ~~علما بأنه لايستطيع أن يكون كما يريد. # فالوجه في السؤال أن يقال ما هي الأسباب التي غرست ملكة البخل في ms136 نفس ~~البخيل؟ فيكون الجواب عن ذلك: أن الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص البخلاء, ~~وأطوارهم وأخلاقهم وتربيتهم، ونحن نذكر أهم تلك الأسباب من حيث ذاتها بقطع ~~النظر عن افتراق ما يفترق منها واجتماع ما يجتمع. # الأول -الوراثة- وهي وإن كانت سببا ضعيفا لما يعرض للأخلاق الموروثة ~~أحيانا من التغير والانقلاب بمعاشرة المتصفين بأضدادها والتأثر بمخالطتهم ~~إلا أنها كثيرا ما تنمو ووتجسم إذا أغفلت, ولم يعترضها ما يسد سبيلها ويقف ~~في طريق نمائها. # الثاني -التربية- إذا نشأ الطفل بين أهل أشحاء ولم # PageV01P261 # يكن في فطرته ما يقاوم سلطان التربية على نفسه أخذ أخذهم في الحرص وتخلق ~~فيه بأخلاقهم كما يتخلق بها في العقائد والعادات من حيث لا يفكر في استحسان ~~أو استهجان, كأنما هي عدوى الأمراض التي تسري إلى الإنسان من حيث لا يدري ~~بها ولا يشعر بسريانها، ويحكى أن رجلا دخل منزلا يعرف أهله بالشح والحرص, ~~فرأى طفلا صغيرا في يده ليمونة صغيرة فسأله إياها فأجابه الطفل: "إن يدك لا ~~تسعها". # الثالث –سوء الظن بالله- ذلك أن المتدين إذا أخذت عقيدة القضاء والقدر من ~~نفسه مأخذها رسخ في قلبه الإيمان بأن لله سبحانه وتعالى عينا ساهرة على ~~عباده الضعفاء, فهو أرحم من أن يغفل شأنهم ويكلهم إلى أنفسهم ويسلمهم لصروف ~~الليالي وعاديات الأيام، فلا يلج به الحرص على الجمع، ولا يزعجه الخوف من ~~البذل، وعلى العكس منه ضعيف الإيمان ضعيف الثقة بواهب الأرزاق ومقسم الحظوظ ~~والجدود, فهو لسوء ظنه به لا يزال الخوف من الفقر نصب عينيه حتى يصير البخل ~~ملكة راسخة فيه. # الرابع -النكبات- كثيرا ما تحل بالإنسان نكبات تصهر قلبه وتزعج غريزته عن ~~مستقرها، ومن ذلك النكبات # PageV01P262 # التي يكون مرجعها قلة المال, كأن يقع الرجل في خصومة يرى أنه لولا ضيق ~~ذات يده لما وقع فيها, فلا يكون له فكر بعد ذلك إلا في التوقي من الوقوع في ~~أمثالها، فكلما تمثلت له نكبته لج به الحرص وأغرق في المنع حتى يصير ذلك ~~غريزة فيه وخلقا له، ومن ذلك جديد النعمة الذي ذاق مرارة الفقر ms137 برهة من ~~الزمان, وتجسمت آلامه في نظره فإنه مهما حسنت حاله وأقبلت عليه الدنيا ~~بوجهها وفاضت خزائنه بالذهب لا تذهب من فمه تلك المرارة, ولا تضيع من ~~ذاكرته آلامها, فلا يزال يملك قلبه وسواس مقلق يخيل إليه ما لا يتخيل ويريه ~~ما لا يرى, كمن تمثل له خيال الشيطان مرة في أبشع صورة وأفظع شكل فهاله ~~منظره وذهب الخوف الشديد برشده وطار بطائر عقله فلا يزال يراه في كل مكان ~~وزمان، وفي حالتي الأمن والخوف، والوحشة والأنس. # الخامس -اللؤم- فإن النفس إذا خبثت طينتها ولؤم طبعها كان من أخص صفاتها ~~الحقد على الوجود بأجمعه وبغض الخير للناس قاطبة, فكيف يمنحهم من ذات يده ~~ما يزيده ألما على ألم وحسرة فوق حسرة، وهو لو استطاع أن يكف عنهم سارية ~~السماء ويعترض دونهم نابتة الأرض لفعل. # السادس -سقوط الهمة- إذا نشأ الإنسان عالي الهمة # PageV01P263 # طموحا إلى المعالي محبا للذكر الحسن والثناء الجميل سهل عليه أن يبذل في ~~سبيل ذلك كل ما يستطيع بذله من ذات يده أو ذات نفسه، وحب المجد أسال الذهب ~~من خزائن الأغنياء، وصبر نفوس الشجعان نهبا مقسما بين شفرات السيوف وأسنة ~~الرماح طلبا لسعادة الحياة بالذكر وسعادة الممات بالخلود، فمن لساقط الهمة ~~ضعيف النفس بدافع يدفعه إلى بذل المال على مكانته من قلبه وامتزاج حبه به، ~~أيدفعه حب الثناء وهو لا يشعر بلذته، أم خوف المذمة وهو لا يتألم منها ولا ~~يتذوق مرارتها، أم سعادة الحياة وسعادة الممات، وهو لا يفهم للسعادة معنى ~~غير ما فهمه الزبرقان بن بدر حينما قنع على لسان الحطيئة من المكارم بلقمة ~~يمضغها، وحلة يلبسها. # السابع -فساد المجتمع الإنساني- ذلك أن كثيرا من الناس قد بلغ بهم حب ~~المال والتعبد له أن صاروا يعظمون صاحبه لا لفائدة يرجونها أو خير يطمعون ~~فيه؛ بل لأنه ذو مال وذو المال في نظرهم أحق الناس بالمحبة والإخلاص ~~والإجلال والإعظام وإن لم يحصلوا منه على طائل، فلو أنهم عبدوا الله سبحانه ~~وتعالى بهذا النوع من العبادة ساعة واحدة لأصبحوا من ms138 عباده المقربين، فمن ~~ذا الذي لا يحب من البخلاء أن ينال هذه المنزلة في نفوس هؤلاء # PageV01P264 # المتملقين وليس بينه وبينها إلا الحرص الذي لا يتكلفه ولا يتعمل له والذي ~~هو أشهى الأشياء إليه وأكثرها ملاءممة لفطرته ليزداد شرفا وعزا، كلما ازداد ~~بالحرص ثراء ووفرا، ومن هنا قال أحد البخلاء لأولاده: يا بني لأن يعلم ~~الناس أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، ~~وقال رجل لآخر: يا بخيل، فقال له: لا أحرمني الله بركة هذا الاسم فإني لا ~~أكون بخيلا إلا إذا كنت غنيا فسم لي المال ولقبني بما تشاء. # هذه هي أهم الأسباب التي تألفت منها رذيلة البخل فإن أغفلنا النظر إليها, ~~وسلمنا للسائل صحة سؤاله عما يستفيده البخيل من بخله حتى على نفسه, وفرضنا ~~البخيل مختارا فيما يفعل غير مساق إلى هذا المورد الوبيل بسائق الغريزة ~~الفاسدة كان منال النجم أقرب من تطبيق حاله على قاعدة من قواعد العقل؛ لأن ~~الله تعالى خلق الإنسان وركب فيه رغبات وشهوات مختلفة بعضها نفسي والآخر ~~جسدي، فهو لا يزال يتطلبها ما لم يعجز عنها، فصاحب المال الكثير الذي يقنع ~~بالشملة والمضغة، والجرعة والظلة، ويحمل في كل لحظة أشد الآلام من مقاومة ~~نزوات نفسه إلى ميولها ورغباتها، لا يمكن أن يحمل حاله على محمل العجز؛ ~~لأنه قادر، ولا على الزهد؛ لأنه ما زهد فيما لا ينفع فيزهد فيما ينفع، ولا ~~على # PageV01P265 # الخوف من الفقر؛ لأن عنده من المال ما يفني الأعمار, فهيهات أن يفنيه عمر ~~واحد، ولا على الرغبة في سعادة الذرية؛ لأن محبة الأب لولده لا يمكن أن ~~تزيد على رغبته في أن يراه شريكا له في سعادته، فأما أن يشقى هو في حياته، ~~ليسعد ولده بعد مماته، فمما لا يقبله العقل، ولا يدخل في دائرة من دوائر ~~الفهم، فلم يبق لنا إلا أن نتوسل إلى علماء النفس أن يأذنوا لنا بالتوسع في ~~تفسير معنى الجنون حتى لا يكون مقصورا على المعربدين والهاذين، بل يكون ms139 ~~شاملا للعابثين، الذين لا يدرون ما يأخذون وما يتركون، والذين يجلبون ~~لأنفسهم بإرادتهم واختيارهم آلاما نفسية هي أشد مما يجلبه المجانين على ~~أنفسهم بمناطحة الجدران، ومطاردة الصبيان، كما نتوسل إلى علماء الشرائع أن ~~يضعوا قانونا لاستخراج المال من خزائن المقترين، كما وضعوا قانونا لحفظ ~~المال في صناديق المبذرين، فإن تبذير المال يضر قوما وينفع أقواما، أما ~~حبسه فيضر صاحبه ويضر معه الناس أجمعين. # PageV01P266 ### | البعوض # جلست ليلة أمس إلى مكتبتي وعلقت قلمي بين أصابعي وأنشأت أفكر في الموضوع ~~الذي يجمل بي أن أكتب فيه، وتلك عادتي التي يعرفها عني كثير من خلطائي ~~وعشرائي أنني لا أميل إلى الكتابة في بياض النهار ولا أحب أن أخط حرفا على ~~ما أحب وأرتضي إلا في ظلام الليل وهدوئه. # ولا يظن المتفلسفون في اكتناه القائق والمولعون بالصناعة اللفظية، ~~والأنواع البديعة، أنني أريد بذلك مراعاة النظير بين سواد المداد وسواد ~~الظلام، أو أنني أترقب طلوع النجم لأتسلق أشعته إلى سماء الخيال، فكل ذلك ~~لم يكن، وليس في الناس من هو أدرى بدخيلة نفسي مني، وكل ما في المسألة أن ~~هذه عادتي، وتلك حكايتي، وكفى. # لم أكد أفرغ من التفكير في الموضوع حتى شعرت بطنين البعوض في أذني, ثم ~~أحسست بلذعاته في يدي فتفرق من ذهني ما كان مجتمعا، وتجمع من همي ما كان ~~مفترقا، ولم أرد بدا من # PageV01P267 # إلقاء القلم وإعداد العدة لمقاومة هذا الزائر الثقيل. # طاردته بالمذبة فما أجدى ذلك نفعا؛ لأنه على الطيران أقوى من يميني على ~~المطاردة، وفتحت النوافذ لأخرج ما كان داخلا، فدخل ما كان خارجا، وحاولت ~~قتله فوجدته متفرقا، ولو كان مجتمعا في دائرة واحدة لهلك بضربة واحدة، ولم ~~أر في حياتي أمة ينفعها تفرقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض، فما أضعف ~~هذا الإنسان وما أضل عقله في اغتراره بقوته، واعتداده بنفسه، واعتقاده أن ~~في يده زمام الكائنات يصرفها كيف يشاء، ويسيرها كما يهوى، وأنه لو أراد أن ~~يذهب بنظام هذا الوجود ويأتي له بنظام جديد لما كان بينه وبين ذلك ms140 إلا أن ~~يرسل أشعة عقله ويبتعث عزيمته، ويقتدح فكرته. # يزعم ذلك وهو يعلم أنه أضعف من أن يحتال لنفسه في مدافعة أصغر الحيوان ~~جسما وعقلا، وأدناها قيمة وشأنا، بيد أنه يعلم ذلك بلسانه وفي فلتات وهمه، ~~ولو علمه علما يتغلغل في نفسه، ويتمثل في سويداء قلبه لكفكف من غلوائه، ~~وخفض من كبريائه، وعلم علم اليقين أن الإنسان العاقل والحيوان الملهم ~~والنبات النامي والجماد الجامد سواء بين يدي القوة الإلهية الكبرى التي لا ~~ينفع معها حول ولا قوة. # PageV01P268 # علمت أني عييت بأمر هذا الحيوان فلذت بجانب الصبر، والصبر كما يعلم ~~إخواننا الصابرون حجة العاجز، وحيلة الضعيف، وأيسر ما يستطيع أن يدفع به ~~دافع عن نفسه ملامة اللائمين، وفضول المتطفلين، وقلت في نفسي لو كان البعوض ~~يفهم ما أقول لقصصت عليه قصتي، وشرحت له عذري، وسألته أن يمنحني ساعة واحدة ~~أقوم فيها بكتابة رسالتي هذه ثم هو بعد ذلك في حل من جسمي ودمي ينزل منهما ~~حيث يشاء، ويمتص منهما ما يشاء، ولكنه ويا للأسف لا يسمع شكاتي, ولا يرحم ~~ضراعتي ولا يفهم معنى الرحمة, ولا يعرف قيمة المروءة؛ لأنه ليس بإنسان. # أحسب أن لذعات البعوض قد أخذت مأخذها من عقلي وفهمي, وأني قد بدأت أهذي ~~هذيان المحموم فمن أين لي أن لو كان البعوض إنسانا كان يسمع شكاتي، ويكشف ~~ظلامتي، أو يفهم معنى الرحمة، ويعرف قيمة المروءة، ومتى كان الإنسان أحسن ~~حالا من البعوض, وأرحم منه قلبا وأشرف غاية, فأتمنى أن لو كان مكانه، بل من ~~أين لي أن هذا الذي أحسبه بعوضا ليس بإنسان تقمص البعوض وتمثل لي في جسمه ~~الصغير وجناحه الرقيق، وأي غرابة في أن أتخيل ذلك ما دام الإنسان والبعوض ~~سواء في حب الشر والميل إلى الأذى، وما دامت الصورة الجثمانية لا قيمة لها ~~في جانب # PageV01P269 # الأعراض الذاتية والصفات المقومة للماهية. # أي قيمة لما يمتصه البعوض مجتمعا من جسم الإنسان في جانب ما يمتصه القاتل ~~منفردا من جسم المقتول. # إن البعوض في امتصاصه الدم من الجسم أقل ms141 من القاتل ضررا وأشرف غاية وأجمل ~~مقصدا؛ لأنه إن آذى الجسم فقد أبقى على الحياة؛ ولأنه يطلب عيشه وهذا طريقه ~~الطبيعي الذي لا يعرف سواه، ولا يستطيع أن يدبر لنفسه غيره، ولو استطاع ~~لعافت نفسه أن يكون كالإنسان يتطوع للشر، ويتعبد بالضر. # إني وجدت بين الإنسان والبعوض شبها قريبا في صفات كثيرة, أنا ذاكر لك ~~طرفا منها وتارك لفطنتك الباقي. # البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله، لا يزال يشرب حتى يمتلئ ~~فينفجر، فهو يطلب الحياة من طريق الموت، ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك، ~~وهو أشبه شيء بشارب الخمر يتناول الكأس الأولى منه؛ لأنه يرى فيها وجه ~~سروره وصورة سعادته، فتطمعه الأولى في الثانية، والثانية من الثالثة، ثم لا ~~يزال يلح بالشراب على نفسه حتى يتلفها ويودي بها من حيث يظن أنه ينعشها, ~~ويجلب إليها سرورها وهناءها. # PageV01P270 # البعوض سيئ التصرف في طلب العيش؛ لأنه لا يسقط على الجسم إلا بعد أن يدل ~~على نفسه بطنينه وضوضائه، فيأخذ الجالس منه حذره ويدفعه عن مطلبه أو يقتله ~~قبل البلوغ إليه، فمثله في ذلك مثل بعض الجهلة من أصحاب المطالب السياسية ~~يطلبون المآرب النافعة المفيدة لأنفسهم ولأمتهم, غير أنهم لا يكتمونها ولا ~~يحسنون الاحتفاظ بها في صدورهم ولا يبتغون الوسيلة إليها إلا بين الصراخ ~~والضجيج، ولا يمسكون بالحلقة الأولى من سلسلتها حتى يملئوا الخافقين ~~بذكرها، ويشهدوا الملأ الأعلى والأدنى عليها، وهناك يدرك عدوهم مقاصدهم ~~فيعد لها عدتها ويتلمس وجه الحيلة في إفسادها عليهم هادئا ساكنا من حيث لا ~~يشعرون. # البعوض خفيف في وطأته، ثقيل في لذعته، فهو كذلك الصاحب الذي يسرك منظره، ~~ويسوءك مخبره، يلقاك بابتسامة هي العذب الزلال، عذوبة وصفاء، والسحر ~~الحلال، جمال وبهاء، وبين جنبيه في مكان القلب صخرة لا تنفذها أشعة الحب، ~~ولا يتسرب إليها ماء الوفاء، يقول لك: إني أحبك؛ ليغلبك على قلبك، ويملك ~~عليك نفسك، فإن تم له ما أراد سلبك مالك إن كنت من ذوي المال، أو استخدم ~~جاهك إن كنت من ذوي الجاه، # PageV01P271 # فإن ms142 لم تكن هذا ولا ذاك أغراك بالسير في طريق يسقط مروءتك ويثلم شرفك، ~~فإن فاته ما يشفي به داء بطنته، لا يفوته ما يطفئ به نار حقده وحسده. # لا يزال البعوض ملحا في مهاجمتي، فلا طاقة لي بكتابة سطر واحد أكثر مما ~~كتبت والسلام. # PageV01P272 ### | الجزع # يا صاحب النظرات # لي صديق سقط في امتحان "البكالوريا" هذه السنة فأثر فيه ذلك السقوط ~~تأثيرا كبيرا, فهو لا ينفك باكيا متألما حتى أصبحنا نخاف عليه الجنون، ~~وكلما عزيناه عن مصابه يقول: كيف أستطيع معاشرة إخواني ومعارفي, وكيف ~~أستطيع مقابلة والدي وأهلي؟ فهل لك أيها السيد أن تعالج نفسه بنظرة من ~~نظراتك التي طالما عالجت بها القلوب المحزونين؟ # حقوقي # ليست المسألة مسألة صديقك وحده بل مسألة الساقطين أجمعين، فإن المرء لا ~~يكاد يتناول نظره منهم في هذه الأيام إلا وجوها قد نسج الحزن عليها غبرة ~~سوداء، وجفونا تحار فيها مدامعها حيرة الزئبق الرجراج، حتى ليخيل إليك أن ~~نازلة من نوازل القضاء قد نزلت بهم فزلزلت أقدامهم، أو فاجعة من فواجع ~~الدهر قد دارت عليهم دائرتها فأثكلتهم ذخائر نفوسهم، وجواهر عقولهم، وأقامت # PageV01P273 # بينهم وبين سعادة العيش وهنائه سدا لا تنفذه المعاول، ولا تنال من أيده ~~الزلازل. # خفض عليك قليلا أيها الطالب فالأمر أهون مما تظن وأصغر مما تقدر، واعلم ~~وما أحسبك إلا عالما أنك لم تسقط من قمة جبل شامخ إلى سفح متحجر فتبكي على ~~شظية طارت من شظايا رأسك، أو دم مسفوح تدفق من بين لحييك. # إنك قد سعيت إلى غرض فإن كنت هيأت له أسبابه، وأعددت له عدته، وبذلت له ~~من ذات نفسك ما يبذل مثله الباذلون في مثله، فقد أعذرت إلى الله وإلى الناس ~~وإلى نفسك, فحري بك أن لا تحزن على مصاب لم يكن أثرا من آثار يديك، ولا ~~جناية من جنايات نفسك عليك، وإن كنت قصرت في تلمس أسبابه، ومشيت في سبيله ~~مشية الظالع المتقاعس، فما حزنك على فوات غرض كان جديرا بك أن تترقب فواته ~~قبل وقت فواته؟ وما بكاؤك ms143 على مصاب كان خيرا لك أن تعلم وقوعه قبل يوم ~~وقوعه؟ ما لك تبكي بكاء الواثق بمواتاة الأيام ومطاوعة الأقدار, فهل تستطيع ~~أن تبرز لنا صورة العهد الذي أخذته على الدهر أن يكون لك كما تحب وتشتهي ~~وعلى الفلك أن لا يدور إلا بسعدك، ولا # PageV01P274 # يجري إلا بجدك، وعلى القلم أن لا يكتب في لوحه إلا ما دللته عليه، وأوحيت ~~به إليه. # لا تجعل لليأس سبيلا إلى نفسك, فلعل الأمل يعوض عليك في غدك ما خسرت في ~~أمسك، وامض لشأنك ولا تلتفت إلى ما وراءك، فإن تم لك في عامك المقبل من ~~طلبتك ما أردت فذاك، أو لا فما فقدت إذ فقدت الا ورقة كان كل ما تستفيده ~~منها أن تشتري بها قيدا لرجلك، وغلا لعنقك، ثم ترتبط في سجن من سجون ~~الحكومة بجانب رئيس من الرؤساء المدلين بأنفسهم يسومك من الذل والخسف ما لا ~~يحتمله الأسراء في سجون الآسرين. # إن اعتدادك بهذه الورقة هذا الاعتداد وإكبارك إياها هذا الإكبار دليل على ~~أنك كنت تريد أن تجعلها منتهى أملك وغاية همتك، وأنك لا ترى بعدها مزيدا من ~~الكمال لمستزيد، فإن صدقت فراستي فيك فاعلم أن الله قد خار لك في هذا ~~المصير وساق إليك من الخير ما لا تعرف السبيل إليه، إنه ما خيب رجاءك في ~~هذا الكمال الموهوم إلا لتطلب لنفسك كمالا معلوما، وما صرف عنك هذه الشهادة ~~المكتوبة في صفحات الأوراق إلا لتسعى وراء الشهادة المكتوبة في صفحات ~~القلوب. # إن كنت تبكي على الشرف فباب الشرف مفتوح بين يديك # PageV01P275 # لا شأن للحكومة فيه ولا حاجب لها عليه، وما هو إلا أن تجد في التزيد من ~~العلم والمعرفة واستكمال ما ينقصك من الفضائل النفسية, فإذا أنت شريف في ~~نفسك وفي نفس الخاصة من الناس, وإذا أنت في منزلة يحسدك عليها كثير من ~~أرباب الشهادات والمناصب، ولا حيا الله شرفا يحيا بورقة ويموت بأخرى، ولا ~~مجدا تأتى به قعدة وتذهب به قومة، وإن كنت تبكي على العيش ففي أي كتاب ms144 من ~~كتب الله المنزلة قرأت أن أرزاقه وقف على الحاكمين، وحبائس على المستخدمين، ~~وأنه لا ينفق درهما واحدا من خزائنه إلا إذا جاءته "حوالة" بتوقيع أمير، أو ~~إشارة وزير. # أيها الطالب: قل لأبيك وأخيك وأهلك وأصدقائك ومعارفك بلا خجل ولا استحياء ~~أن الذي وهبني عقلي يسلبنيه، وأن الذي صور لي أعضائي لم يحل بيني وبين ~~الذهاب بها إلى ما خلقت له، وأن الذي خلقني سوف يهديني فهو الرزاق ذو القوة ~~المتين. # PageV01P276 ### | الاتحاد # ألمت بي كربة من تلك الكرب التي لا تزال تختلف إلي كما تختلف إلى المحموم ~~نوباته حينا بعد حين. # كربة ما كفاها أنها حبست قلمي عن الكتابة وفكري عن الحركة حتى حالت بيني ~~وبين مطالعة الصحف والإشراف على الأمة من نوافذها برهة من الزمان، ثم ~~أدركتني رحمة الله فاستفقت فإذا صخب ولجب، وضجيج وضوضاء، وأصوات ملء ~~الفضاء، وكظة الأرض والسماء، فما هو إلا سؤال السائل وإجابة المجيب حتى ~~عرفت كل شيء. # عرفت أن الأمة المصرية في موقف من أحرج مواقفها، ومسلك من أضل مسالكها، ~~وأنها بين ماضغي الأسد وفوق روق الظبي، وأن حوادث الدهر وعاديات الأيام قد ~~ملكت عليها سبيلها والتفت حولها التفاف الحية بالعنق وأحاطت بها إحاطة ~~الجامعة باليد والقيد بالرجل، فمثلها كمثل رجل أحاطت النار ببيته من كل ~~جانب وعلقت بسقوفه وجدرانه، ونوافذه وأبوابه، فما # PageV01P277 # هو بناج إن أراد نجاء، ولا بباق إن أراد بقاء، بل مثلها كمثل آخر ضل به ~~سبيله، واشتبهت عليه مسالكه، في ليلة داجية مدلهمة قد غابت كواكبها، ~~واستسرت نجومها، فوقف وقفة الحائر المضطرب يسمع العواء والزئير، والفحيح ~~والصفير، فلا يعلم أيقدم فيزداد ضلالا، أم يحجم فلا يجد مجالا، أم يقف ~~فيصبح فريسة المفترس ولقمة المزدرد. # عرفت أن الأمة المصرية أصبحت لا تدري ما تريد، ولا ما يراد بها، ولا تجد ~~من يرد إليها رشدها، ولا من يمد يده إليها، ليأخذ بيدها في هذا الظلام ~~الحالك، والليل المدلهم. # كثر رؤساؤها، وتعددت قادتها، وتنوعت مذاهبهم، واختلفت طرقهم، واستحكمت ~~حلقات البأس بينهم فلم يتفقوا ms145 في شأن من شئون هذه الأمة على شيء إلا على ~~وضع حبل متين في عنقها, قد أخذ كل منهم بطرف من طرفيه يجذبه إليه جذبة ~~المستقتل المستميت حتى بح صوتها، وضاق صدرها، وتعلقت أنفاسها، وجحظت ~~مقلتاها، وجف ريقها، وتحجر لسانها، وهم ينظرون إليها نظرة المداعب اللاعب، ~~ولا أحسب أنهم تاركوها حتى يفرقوا بين الرأس والجسد فراقا لا لقاء بينهما ~~من بعده. # PageV01P278 # لو بعث أرسطو واضع علم المنطق من قبره وأراد أن يضع لهذه الأمة حدا تاما ~~جامعا مانعا لما استطاع إلا أن يضع لها هذا الحد "الأمة المصرية هي التي ~~تصدق كل ما يقال"، ولقد عرف منها كل أولئك اللاعبين بها والعابثين بميولها ~~وأهوائها هذا الخلق وتلك الطبيعة, وكانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد فنفذوا ~~من تلك الآذان اللينة إلى تلك القلوب الطيبة, فما بلغوها حتى أخذوا يلعبون ~~بها لعب الصبي بكرته، ويتلقفونها واحدا بعد واحد، فهي لا ترتفع حتى ~~تتناولها الصوالجة، ولا تستقر حتى تدفعها الأقدام، كل يزعم أنه صديقها، وكل ~~يزعم أنه يدلها على عدوها، والله يعلم أنهم أعداؤها قبل الأعداء، وخصومها ~~أكثر من الخصماء، وأن السماء بصواعقها ورجومها، والأرض بزلزالها وبراكينها، ~~أعجز من أن تبلغ منها ما بلغوه، أو تجني عليها ما جنوه. # فيأيها الرؤساء والزعماء: أي خير تطلبون لهذه الأمة بعد أن فرقتموها ~~شيعا، وصيرتموها أحزابا، وقطعتم أوصالها ووشائجها وألقيتم العداوة والبغضاء ~~بين الرجل وولده، والرجل وأخيه، والجار وجاره، والصديق وصديقه، حتى ركب كل ~~فرد من أفرادها رأسه ومضى لسبيله، وحتى تناكرت الوجوه، واستوحشت النفوس، ~~وأصبحت ساحة البلد كساحة الحرب، لا ترى فيها إلا # PageV01P279 # نابا يقرع نابا، وعينا تنظر شزرا وصدرا يغلي حقدا، وقلبا يخفق خوفا ~~وحذرا. # كل غرض تزعمون أنكم تسعون إليه لإبلاغ هذه الأمة أمنيتها من السعادة ~~والهناء، لا قيمة له بعد ما أضعتم عليها غرضها من الاتحاد والائتلاف، بل لا ~~سبيل لها إلى بلوغ غرض من أغراضها إلا إذا كان الاتحاد قائدها إليه، ~~ودليلها عليه. # ليس هذا التنافر بين أفراد الأمة والتفرق بين جماعاتها ms146 حالة من الحالات ~~الطبيعية التي لا بد منها، ولا مناص عنها، أو حادثة من الحوادث السماوية ~~التي تحتملها النفوس، وتسكن إليها القلوب، وتطرف عليها العيون إجلالا ~~للسماء، ورضاء للقضاء، وإنما هي صنعة أيديكم، وجناية أقلامكم، ولو أنكم ~~تركتم هذه الأمة وشأنها، وخليتم بينها وبين فطرتها، ما كان يخطر لها ببال ~~أن تتعادى وأن تتباغض ولا كان يوجد بين أفرادها من تحدثه نفسه بمقاطعة أخيه ~~في سبيل صحيفة من الصحف أو حزب من الأحزاب. # عجز الاختلاف الديني بين عنصري الأمة المصرية عن أن يفرق بين أوصالها، ~~وأن يحل جامعتها، وعجز الاختلاف الجنسي أن يؤثر في جامعتها تأثير أمثاله في ~~أمثالها من الجوامع الأخرى، فكان حريا أن يعجز الاختلاف السياسي، عما عجز ~~عنه الاختلاف # PageV01P280 # الديني والجنسي، لولا أنكم كبرتم ما صغر من هذا الاختلاف وعظمتم منه ما ~~حقر، وألححتم عليه إلحاحا شديدا حتى حولتموه إلى فتنة شنعاء، وغارة شعواء. # أنا لا أطلب منكم رحمة بهذه الأمة ولا شفقة عليها، فإن قلوبا مثل قلوبكم ~~التي تنطوي عليها جوانحكم أقسى من أن ينفذ فيها سيف الضارب، أو قلم الكاتب، ~~وإنما أريد أن أحدث الأمة المصرية بكلمة لا أريد منها أن تأخذها مني عفوا, ~~ولا أن تسلم بها قبل إنعام نظرها فيها، وعرضها على عقلها، فذلك ما لا أحبه ~~لها، بل ذلك ما أنقمه منها. # أيها المصريون، إني لأكتب إليكم كلمتي هذه وليس على وجه الأرض ولا تحت ~~أديم السماء أمة أحب إلي منكم، وحسبكم من ذلك الحب أني أسمع بالكارثة تحل ~~بكم، والنازلة تنال منكم، فيشغلني من أمركم ما لا يشغلني من أمر نفسي، ~~وتجود عيني في سبيلكم بما لا تجود بأكثر منه في أحرج مواقفها، وأصعب ~~مواطنها. # بهذا القلم الذي يستمد مداده من هذا القلب المخلص إليكم أدعوكم إلى ~~الاتحاد والائتلاف وأن تتبايعوا بين يدي الله والوطن على الحب والود ~~والصفاء والإخلاص, وأن لا تجعلوا لهؤلاء المفسدين # PageV01P281 # منفذا ينفذون منه إلى قلوبكم، فإن طاف بكم طائف من شياطينهم فأعرضوا عنه ~~وامضوا في سبيلكم، ms147 واحذروا أن تكونوا سيقة لرئيس أو لعبة في يد زعيم, وليكن ~~كل منكم زعيم نفسه، ومسترشد قلبه، فنفوسكم أرحم بكم، وقلوبكم أصدق في ~~نصيحتكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من ذل الانقياد، وسلكتم سبيل الرشاد، وأصبحتم ~~وإذا أنتم أمة واحدة ترى رأيا واحدا وتحس إحساسا واحدا. # واعلموا أن ما بينكم اليوم من الاختلاف في الرأي والاضطراب في المذهب ~~إنما هو وهم من الأوهام الكاذبة، وخيال من الخيالات الباطلة، ولو رجعتم إلى ~~أنفسكم وأصغيتم إلى أصوات قلوبكم، لتبين لكم أنه لا يوجد فرد من أفرادكم ~~إلا وهو أحرص من أخيه على حب الوطن وإرادة الخير له. # سدد الله طريقكم، وأنار لكم سبيلكم، وأفاض عليكم من رحمته وإحسانه ما ~~يفرج كربتكم، ويكشف غمتكم والسلام. # PageV01P282 ### | النبوغ # من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزنا، وأن ينظر إلى من هو ~~فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في ~~تقدير قيمته مستعليا، خير ممن يخطئ في تقديرها متدليا، فإن الرجل إذا صغرت ~~نفسه في عين نفسه يأبى لها من أحواله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده، ~~فتراه صغيرا في علمه، صغيرا في أدبه، صغيرا في مروءته وهمته، صغيرا في ~~ميوله وأهوائه، صغيرا في جميع شئونه وأعماله، فإن عظمت نفسه عظم في جانبها ~~كل ما كان صغيرا في جانب النفس الصغيرة. # ولقد سأل أحد الأئمة العظماء ولده وكان نجيبا, أي غاية تطلب في حياتك يا ~~بني، وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكونه؟ فأجابه: أحب أن أكون مثلك، ~~فقال: ويحك يا بني لقد صغرت نفسك، وسقطت همتك، فلتبك على عقلك البواكي، لقد ~~قدرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب # PageV01P283 # فما زلت أجد وأكدح حتى بلغت المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم ~~من الشأو البعيد والمدى المستحيل، فهل يسرك وقد طلبت منزلتي أن يكون ما ~~بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين علي. # كثيرا ما يخطئ الناس في التفريق بين ms148 التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو ~~الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعا، ويسمون الرجل إذا ترفع ~~بنفسه عن الدنايا وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبرا، وما ~~التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب، فالرجل الذي يلقاك متبسما ~~متهللا، ويقبل عليك بوجهه ويصغي إليك إذا حدثته، ويزورك مهنئا ومعزيا، ليس ~~صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه ~~فتواضع، والأدب أرفع لشأنه فتأدب. # فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يقال به كبر # فإن بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء ويترامى على أيديهم ~~وأقدامهم لثما وتقبيلا، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ~~ويكثر من شتم نفسه # PageV01P284 # وتحقيرها ورميها بالجهل والغباوة ليكون متواضعا، ويبصبص برأسه بصبصة ~~الكلب بذنبه ليكون متأدبا، ويجلس في مدارج الطرق جلسة البائس المتسول، ~~ويمشي مشية الخائف المبلس، فاعلم أنه صغير النفس ساقط الهمة لا متواضع ولا ~~متأدب. # إن علو الهمة ساقط إذا لم يخالطه كبر يزري به ويدعو صاحبه إلى التنطع ~~وسوء العشرة كان أحسن ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، ~~وليس في الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم؛ لأن حاجة الأمة إلى ~~نبوغه أكثر من حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون ~~والمحترفون إلا حسنة من حسناته، وأثر من آثاره، بل هو البحر الزاخر الذي ~~تستقي منه الجداول والغدران. # فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظرا ~~يبعث في قلبك الرهبة والهيبة فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار ~~حينما يسمع قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجن، وحذار أن يملك ~~اليأس عليك قوتك وشجاعتك فتستسلم استسلام العاجز الضعيف, وتقول من لي بسلم ~~أصعد عليها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال. # PageV01P285 # يا طالب العلم أنت لا تحتاج في بلوغك الغاية التي بلغها النابغون من قبلك ~~إلى خلق غير خلقك، وجو غير ms149 جوك، وسماء وأرض غير سمائك وأرضك، وعقل وأداة ~~غير عقلك وأداتك، ولكنك في حاجة إلى نفس عالية كنفوسهم، وهمة عالية كهممهم، ~~وأمل أوسع من رقعة الأرض وأرحب من صدر الحليم، ولا يقعدن بك عن ذلك ما يهمس ~~به حاسدوك في خلواتهم من وصفك بالوقاحة أو بالسماجة، فنعم الخلق هي إن كانت ~~السبيل إلى بلوغ الغاية، فامض على وجهك ودعهم في غيهم يعمهون. # جناحان عظيمان يطير بهما المتعلم إلى سماء المجد والشرف، علو الهمة، ~~والفهم في العلم، أما علو الهمة فقد عرفته، وأما الفهم في العلم فإليك ~~الكلمة الآتية: # العلم علمان، علم محفوظ وعلم مفهوم، أما العلم المحفوظ فيستوي صاحبه فيه ~~مع الكتاب المرقوم، ولا فرق بين أن تسمع من الحافظ كلمة، أو تقرأ في الكتاب ~~صفحة، فإن أشكل عليك شيء مما تسمع فانظر إن نطق الكتاب بشرح مشكلاته، نطق ~~الحافظ بتفسير كلماته. # الحافظ يحفظ ما يسمع؛ لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين ~~الذكي والغبي والنابه والأبله؛ لأن الحافظة ملكة # PageV01P286 # مستقلة بنفسها عن بقية الملكات، وإنك لترى الشيخ الفاني الذي لا يميز بين ~~الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى بكاء الطفل عليها، ويرتعد فرقا إذا ~~سمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الشياطين، يسرد لك من تواريخ شبيبته وكهولته ~~ما لو دونته لكان تاريخا صحيحا ضخما مملوءا بالغرائب والنوادر، وقيل لأحد ~~العلماء إن فلانا حفظ متن البخاري فقال: لقد زادت نسخة في البلد. # ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ لأن من فهم معلوما ~~من المعلومات حق الفهم أشربته روحه، وخالط لحمه ودمه، ووصل من قلبه إلى ~~سويدائه، وكان إحدى غرائزه لا يرى له بدا من العمل به رضي أم أبى. # لولا أن العلم الديني اليوم علم محفوظ لما وجدت في العلماء من يجمع بين ~~اعتقاد الوحدانية والتردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم أو في ~~مقابرهم يسألهم المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين ~~يحفظون قوله تعالى {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} من ms150 يسند النفع والضرر ~~إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه، ولا وجدت في الناس كثيرا من ضعفاء ~~العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة النبوة والحكمة من مدح الفضائل وذم ~~الرذائل، ثم لا تجد فرقا بينهم وبين العامة # PageV01P287 # في ارتكاب المنكرات، والنفور من الصالحات. # لو كان العلم المحفوظ علما وهو على ما نشاهد ونعلم من سوء الأثر وقلة ~~الجدوى ما ورد مدح العلم في كتاب ولا سنة ولا قدسه كاتب أو ترنم بمدحه ~~شاعر، فإذا سمعت ذكر العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ، وإذا أردت ~~أن تلقب بالعالم فلا تلقب به من يحفظ بل من يفهم ما يحفظ، وآية فهم المعلوم ~~تأثر العالم به, وظهوره في حركاته وسكناته وترقرقه في شمائله ترقرق الصهباء ~~في وجه شاربها، ولا تثق بالحافظ فيما ينقل إليك فربما مر بالمعلوم محرقا ~~فأخذه على علاته، وأقبح ما عرفنا من أطواره أنه يجمع في حافظته بين النقيض ~~ونقيضه، والغث والثمين، والجيد والزائف, فكأن ذاكرته حانوت عطار اختلطت ~~فيها الأدوية الشافية بالعقاقير السامة. # وجملة الأمر أن الحافظ البحت لا رأي له في مبحث فيسأل عن مذهب، ولا أثر ~~لمعلوماته في نفسه فيقتدى به، ولا ذوق له في الفهم فيعتمد على شرحه ~~وتأويله. # أما العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو ~~الهمة طار إلى المجد بجناحين، وكان له سبيل مختصر إلى منزلة العظماء ودرجة ~~النابغين، والعلم سلسلة طويلة طرفاها في يدي آدم # PageV01P288 # أبي البشر وإسرافيل صاحب الصور1، ومسائله حلقات يصنع كل نابغة من نوابغ ~~العلماء منها حلقة، ولن يبلغ المتعلم درجة النبوغ إلا إذا وضع في العلم ~~الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة، ولن يسلس ~~له ذلك إلا إذا كان علمه مفهوما لا محفوظا، ولا يكون مفهوما إلا إذا أخلص ~~المتعلم إليه، وتعبد له، وأنس به أنس العاشق بمعشوقه، ولم ينظر إليه نظر ~~التاجر لسلعته، والمحترف إلى حرفته، فالتاجر يجمع من السلع ما ينفق سوقه، ~~لا ما يغلو ms151 جوهره، والمحترف لا يهمه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، ~~أحسن أم أساء. # لا يزور العلم قلبا مشغولا بترقب المناصب، وحساب الرواتب، وسوق الآمال ~~وراء الأموال، كما لا يزور قلبا مقسما بين تصفيف الطرة، وصقل الغرة، وحسن ~~القوام، وجمال الهندام، وطول الهيام، بالكأسين: كأس المدام، وكأس الغرام. ~~PageV01P289 ### | البائسات # زرت منذ أيام حاكم بلدة في منزله فرأيت بين يديه فتاة في الثانية عشرة من ~~عمرها بائسة عليلة تشكو ألما في عنقها، وجرحا في ذراعها، وهما في نفسها، ~~وتدير في الحاضرين عيونا حائرة مضطربة كأنما ركبت على زئبق رجراج، فسألت ما ~~شأنها فعلمت أن أهلها زوجوها وهي في هذه السن وعلى هذه السذاجة من رجل وحشي ~~الخلق والخلق, ثم زفوها إليه فحاول أن يفترشها وهي على حالة لا تستطيع معها ~~أن تلم بفراش فامتنعت عليه فأراد اغتصابها فعجز, فضربها هذا الضرب الذي ~~رأينا آثاره في جسمها ففرت منه إلى منزل أهلها فنقموا منها هذا الإباء الذي ~~سموه بلادة أو غفلة, وأعادوها إلى منزل زوجها كما يعاد المجرم الفار من ~~السجن إلى سجنه مرة أخرى، وهنالك عاد زوجها إلى عادته معها فعادت هي إلى ~~فرارها فعاد أهلها إلى قسوتهم وجبروتهم، فلما أعياها الأمر خرجت إلى الطريق ~~العامة هائمة على وجهها لا تعرف لها مذهبا ولا مستقرا حتى رفع إلى ذلك ~~الحاكم شأنها بعد أيام # PageV01P290 # فآواها إلى منزله ليخلصها من ذلك الموقف الذي كانت فيه بين ذراعي وجبهة ~~الأسد، وما فرغ من هذه القصة حتى رفعت إليه حادثة أخرى تشبه الحادثة الأولى ~~من جميع وجوهها إلا أن الزوج في هذه المرة خدع زوجه عن نفسها وسقاها مخدرا ~~فعقرها كما عقر شقي ثمود ناقته من قبل. # إن المرأة المصرية شقية بائسة ولا سبب لشقائها وبؤسها إلا جهلها وضعف ~~مداركها. # إنها لا تحسن عملا ولا تعرف باب مرتزق ولا تجد بين يديها سلعة تتجر بها ~~وتقتات منها إلا قلب رجل، فإن استطاعت أن تمتلكه عاشت عيشا رغدا، أو لا فلا ~~مفر لها من الشقاء من ms152 المهد إلى اللحد. # ودون امتلاكها هذا القلب القاسي المتحجر أهوال عظام وعقبات لو كلف الرجل ~~على ما به من قوة وأيد وسعة حيلة أن يجتاز عقبة واحدة منها لسقط بين اليأس ~~والاستسلام. # متى بلغت الفتاة سن الزواج سواء أكان ذلك على تقدير الطبيعة أو تقدير ~~أولئك الجهلاء أولياء أمر تينك الفتاتين استثقل أهلها ظلها وبرموا بها ~~وحاسبوها على المضغة والجرعة، والقومة والقعدة، ورأوا أنها عالة عليهم، وأن ~~لا حق لها في العيش في # PageV01P291 # منزل لا يستفيد من عملها شيئا، وودوا لو طلع عليهم وجه الخاطب يحمل في ~~جبينه آية البشرى بالخلاص منها. # وإن قوما هذا مبلغ عقولهم من الفهم وقلوبهم من القسوة وهذه منزلة فلذات ~~أكبادهم من نفوسهم لا يمكن بحال من الأحوال أن يفاوضوها في اختيار الزوج أو ~~يحسنوا الاختيار لها. # فإن دخلت هذا المنزل الجديد الذي لا تعرفه ولا تعرف شأنا من شئون صاحبه ~~دخلت في دور الجهاد العظيم بينها وبين قلب الرجل. # فإن كانت ذات جمال أو مال فقد استوثقت لنفسها, وأمنت آلام الهجر وفجائع ~~التطليق، وإلا فهي تقاسي كل صباح ومساء في الحصول على الحسن المجلوب، ~~والجمال المصنوع، آلاما جثمانية تطفئ نور شبيبتها, وتذبل زهرة حياتها، ~~وتلاقي في سبيل مصانعة الزوج ومداراته والبكاء في موضع الابتسام إن ابتسم، ~~والابتسام في موضع البكاء إن بكى، ما يجعل أخلاقها فضاء مملوءا بالكذب ~~والكيد، والخبث والرياء، وهي على ذلك تنتظر من فم زوجها في كل ساعة كلمة ~~الطلاق، كما ينتظر القاتل من فم قاضيه كلمة الإعدام. # ليست كلمة الإعدام من قبيل الاستعمال المجازي فما أنس # PageV01P292 # لا أنسى ليلة زرت فيها صديقا لي فرأيت عند باب منزله امرأة بائسة ليس ~~وراء ما بها من الهم غاية، وكأنما هي الخلال رقة وذبولا، ووراءها صبية ثلاث ~~يدورون حولها، ويجاذبونها طرف ردائها، فتسبل فضل مئزرها على مآقيها المقرحة ~~رأفة بهم أن يلموا ببعض شأنها فيبكوا لبكائها، فسألتها عن شأنها فأخبرتني ~~أنها مطلقة من زوجها, وأن بيدها حكما من المحكمة الشرعية بالنفقة لأولادها ~~وقد ms153 مر عليها زمن طويل و"الإدارة" تماطلها في إنفاذه، فجاءت إلى هذا الصديق ~~تستعين به على أمرها، ثم أخذت تشرح من حالها وحال أطفالها في مقاساة الشدة ~~ومعالجة القوت، ما أسال شئوننا، وصعد زفراتنا، وأمسكنا له أكبادنا خشية أن ~~تصدعا. # فخففت أنا وصديقي شيئا من آلامها فانصرفت، وفي صباح تلك الليلة سمعنا أن ~~امرأة فقيرة ماتت بحمى دماغية فسألنا عنها فعلمنا أنها صاحبتنا بالأمس, ~~وأنها ماتت شهيدة الزوجية الفاسدة. # أيها الرجل، إن كنت تعتقد أن المرأة إنسان مثلك وهبها الله مدارك مثل ~~مداركك، واستعدادا مثل استعدادك، فعلمها كيف تأكل لقمتها من حرفة غير هذه ~~الحرفة النكدة، وإلا فأحسن إليها وارحمها كما ترحم كلبك وشاتك. # PageV01P293 # إن كنت زوجا فلا تطردها من منزلك بعد أن تقضي مأربك منها كما تصنع بنعلك ~~التي تلبسها، وإن كنت أبا فهذه فلذة كبدك لا تضق بها ذرعا ولا تلق بها في ~~حجر وحش ضار يأكل لحمها، ويمتص دمها، ثم يلقي إليك بعظامها. # ويا أيها المحسنون، والله لا أعرف لكم بابا في الإحسان تنفذون منه إلى ~~عفو الله ورحمته أوسع من باب الإحسان إلى المرأة. # افتحوا لها المكاتب، وابنوا لها المدارس, وعلموها من العلم ما يرفع ~~همتها، ويرقي آدابها، ومن الصناعة ما يناسب قوتها, وما يشبع جوعتها، إن نبا ~~بها دهر، أو تجهم لها حظ. # علموها لتجعلوا منها مدرسة يتعلم فيها أولادكم قبل المدرسة، وأدبوها ~~ليتربى في حجرها المستقبل العظيم، للوطن الكريم. # PageV01P294 ### | البيان # قال لي أحد الرؤساء ذات يوم: "إني لتأتيني أحيانا رقاع الاستعطاف فأكاد ~~أهملها لما تشتمل عليه من الأساليب المنفرة لولا أن الله تعالى يلهمني نيات ~~كاتبيها وأين يذهبون، ولولا ذلك لكنت من الظالمين". # ذلك ما يراه القارئ في كثير من المخطوطات التي يخطها اليوم كاتبوها في ~~الصحف ورقاع الشكوى والكتب الخاصة والمؤلفات العامة. # هزل في موضع الجد، وجد في موضع الهزل، وإسهاب في مكان الإيجاز، وإيجاز في ~~مكان الإسهاب، وجهل بفرق ما بين العتاب والتأنيب، والانتقام والتأديب، ~~والاستعطاف والاستخفاف، وقصور عن إدراك منازل الخطاب ومواقفه ms154 بين السوقة ~~والأمراء، والعلماء والجهلاء، حتى إن الكاتب ليقيم في الشوكة يشاكها، مناحة ~~لا يقيمها في الفاجعة يفجع بها، ويكتب في الحوادث الصغار، ما يعجز عن كتابة ~~مثله في الحوادث # PageV01P295 # الكبار، ويخاطب صديقه بما يخاطب به عدوه، ويناجي أجيره، بمثل ما يناجي به ~~أميره. # ذهب الناس في معنى البيان مذاهب متفرقة واختلفوا في شأنه اختلافا كثيرا ~~ولا أدري علام يختلفون، وأين يذهبون، وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة ~~لا تشتبه وجوهها، ولا تتشعب مسالكها. # ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس وتصويره في نظر القارئ ~~أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من ~~تينك الآفتين فهو العي والحصر. # جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا ~~بها صدور كتاباتهم وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها، فإذا ~~قدر لك أن تقرأها وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا، وفؤاد جلدا، وجنانا يحتمل ~~ما حمل عليه من آفات الدهر ورزاياه، قرأت متنا مشوشا من متون اللغة، أو ~~كتابا مضطربا من كتب المترادفات. # وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول والتبسط في الحديث واقعا ذلك من ~~حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة ~~بجرتها، ويتمطقون بها # PageV01P296 # تمطق الشفاه بريقتها، حتى تسف، وتتبذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا ~~تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس، ~~وأن كتابتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج من نفس الإنسان حينما ~~يخلو بنفسه، ويأنس بوحدته، فإني لا أكاد أرى بينهم من يضع فمه على أذن ~~السامع وضعا محكما، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه، وهواجس ~~نفسه. # البيان صلة بين متكلم يفهم، وسامع يفهم، فبمقدار تلك الصلة من القوة ~~والضعف تكون منزلة الكاتب من الرفعة والسقوط، فإن أردت أن تكون كاتبا فاجعل ~~هذه القاعدة في البيان قاعدتك، واحرص الحرص كله على ms155 أن لا يخدعك عنها خادع ~~فتسقط مع الساقطين. # ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغة ~~العربية، ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على ~~أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم، ومدحهم وهجوهم، ومحاوراتهم ومساجلاتهم، ~~وقبل # PageV01P297 # أن يعرف كيف كانوا يعاتبون ويؤنبون، ويعظون وينصحون، ويتغزلون وينسبون، ~~ويستعطفون ويسترحمون، وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك ~~الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جوانحه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب ~~يراعه على صفحات قرطاسه. # إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب الصابي والهمذاني ~~والخارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى, ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون ~~في هذه الصحف والأسفار فأشعر بما يشعر به المنتقل دفعة واحدة من غرفة محكمة ~~نوافذها، مسبلة ستورها، إلى جو يسيل قرا وصرا، ويترقرق ثلجا وبردا. # ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها، ولا هي بالعامية فأتفكه ~~بهذيانها ومجونها. # رأيت أكثر الكاتبين في هذا العصر بين رجلين، رجل يستمد روح كتابته من ~~مطالعة الصحف وما يشاكلها في أساليبها من المؤلفات الحديثة والروايات ~~المترجمة، وربما كان كتاب تلك المخطوطات أحوج من قارئيها إلى الاستمداد، ~~فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما ~~أخذها فيدلي به آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر # PageV01P298 # تشويها، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال ~~البالية بعد كر الغداة ومر العشي، وطالب قصارى ما يأخذ عن أستاذه نحو اللغة ~~وصرفها وبديعها وبيانها ورسمها وإملاؤها ومفرداتها ومتونها ومؤتلفاتها ~~ومختلفاتها وغير ذلك من آلاتها وأدواتها، أما روحها وجوهرها فأكثر أساتذة ~~البيان في المدارس علماء غير أدباء، وحاجة طالب اللغة إلى أستاذ يفيض عليه ~~روح اللغة ويوحي له بسرها، ويفضي إليه بلبها وجوهرها، أكثر من حاجته إلى ~~أستاذ يعلمه وسائلها وآلاتها، وعندي أن لا فرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ ~~البيان، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ ms156 كملت أخلاقه، وحسنت ~~آدابه، كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين. # ولا يقذفن في روع القارئ أني أحاول استلاب فضل الفاضلين أو أني أنكر على ~~فصحاء هذه اللغة ما وهبهم الله من نعمة البيان، فما هذا أردت، ولا إليه ~~ذهبت، وإنما أقول إن عشرة من الكتاب المجيدين، وخمسة من الشعراء البارعين، ~~قليل في بلد يقولون عنه إنه بلد اللغة العربية اليوم ومرعاها الخصيب. # PageV01P299 # وبعد فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا مزاولة ~~المنشئات العربية منثورها ومنظومها, والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا ~~وقوف المتنزه المتفرج، فإن رأيت أنك قد شغفت بها، وكلفت بمعاودتها ~~والاختلاف إليها، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة ~~الظلام، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب فامض لشأنك ولا تلو على شيء مما ~~رواءك حتى تبلغ من طلبتك ما تريد. # ولا تحدثنك نفسك أني أحملك على مطالعة المنشئات العربية لأسلوب تسترقه، ~~أو تركيب تختلسه، فإني لا أحب أن تكون سارقا ولا مختلسا، على أنك إن ذهبت ~~إلى ما ظننت أني أذهب إليه في نصيحتك لم يكن دركك دركا، ولا بيانك بيانا، ~~وكان كل ما أفدته1 من ذلك أن تخرج للناس من الباين صورة مشوهة لا تناسب بين ~~أجزائها، وبردة مرقعة لا تشابه بين ألوانها، وإنما أريد أن تحصل لنفسك ملكة ~~في البيان راسخة تصدر عنها آثارها بصورة واحدة حتى لا يكون شأنك شأن أولئك ~~الذين قد علقت ذاكرتهم بطائفة من منثور العرب ومنظومها فقنعوا بها, وظنوا ~~أنهم قد بلغوا من اللغة ما أرادوا، PageV01P300 # فإذا جد الجد وأرادوا أنفسهم على الإفصاح عن شيء من خلجات نفوسهم رجعوا ~~إلى تلك المحفوظات ونبشوا دفائنها، فإن وجدوا بينها ما يدل على المعنى الذي ~~يريدونه انتزعوه من مكانه انتزاعا، وحشروه في كتابتهم حشرا، وإلا فإما أن ~~يتبذلوا باستعمال التراكيب الساقطة المشنوعة، أو يهجروا تلك المعاني إلى ~~أخرى غيرها لا علاقة بينها وبين سابقاتها ولاحقاتها، فهم لا بد لهم من ms157 إحدى ~~السوأتين، إما فساد المعاني واضطرابها، أو هجنة التراكيب وبشاعتها. # فاحذر أن تكون واحدا منهم أو أن تصدق ما يقولونه في تلمس العذر لأنفسهم ~~من أن اللغة العربية أضيق من أن تتسع لجميع المعاني المستحدثة، وأنهم ما ~~لجئوا إلى التبذل في التراكيب إلا لاستحالة الترفع فيها، فاللغة العربية ~~أرحب صدرا من أن تضيق بهذه المعاني العامة المطروقة بعدما وسعت من دقائق ~~العلوم ما لا قبل لغيرها باحتماله وقدرت من هواجس الصدور وأحاديث النفوس ~~وسرائر القلوب على الذي عيت به اللغات القادرات. # وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن ~~الاضطراب في أرجائها، والتغلغل في أثنائها، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة ~~التي لا تثلج صدرا، ولا تشفي أواما # PageV01P301 # وكل ما يعد عليها من الذنوب أنها لا تشتمل على أعلام لهذه الهنات ~~المستحدثة, وهو في مذهبي أقل الذنوب جرما، وأضعفها شأنا، ما دمنا نعرف وجه ~~الحيلة في علاجه بالاشتقاق إن وجدنا السبيل إليه، أو التعريب والوضع إن ~~عجزنا عن الاشتقاق، فالأمر أهون من أن نحار فيه، وأصغر من أن نقضي أعمارنا ~~في الوقوف ببابه، والأخذ والرد في شأنه، والمساجلة والمناظرة في اختيار ~~أقرب الطرق إليه، وأجداها عليه. # واعلم أنه لا بد لك من حسن الاختيار فيما تريد أن تزاوله من المنشئات ~~العربية فليس كل متقدم ينفعك، ولا كل متأخر يضرك، ولا أحسبك إلا واقفا بين ~~يدي هذا الأمر موقف الحيرة والاضطراب؛ لأن حسن الاختيار طلبة تتعثر بين ~~يديها الآمال، وتقطع دونها أعناق الرجال، فالجأ في ذلك إلى فطاحل الأدباء ~~الذين تعرف ويعرف الناس منهم ذوقا سليما، وقريحة صافية، وملكة في الأدب، ~~كأنها مصفاة الذهب، فإن فعلت وكنت ممن وهبهم الله ذكاء وفطنة وقريحة خصبة ~~لينة صالحة لنماء ما يلقى فيها من البذور الطيبة عدت وبين جنبيك ملكة في ~~البيان زاهرة يتناثر منها منثور الأدب ومنظومه تناثر الورود والأنوار، من ~~حديقة الأزهار. # PageV01P302 ### | السريرة # لو كشف للإنسان عن سريرة الإنسان لرأى منها ما يرى من غرائب هذا الكون ~~وعجائبه ms158 أعمى أدركته رحمة الله بعد طول محنته فارتد بصيرا. # تتراءى لك السريرة في ظاهرها كأنها أديم السماء، أو صفحة الماء، فإن بدا ~~لك أن تكتنه باطنها فإنك غير بالغ من ذلك مأربك إلا إذا استطعت أن تخترق ~~السماء فترى ما وراءها من بدائع الكائنات، وتغوص في أعماق الماء فتشاهد ما ~~في باطنه من عجائب المخلوقات. # يعجز المرء عن رؤية الهباء فيتريث ريثما تمج الشمس لعابها من نافذة غرفته ~~فإذا هو مائج وضاء يروح ويغدو رواح السانحات، وغدو البارحات، ويعجز عن رؤية ~~الجراثيم فيستعين عليها بمنظار يصورها في نظره تصويرا يخيل إليه أنه يكاد ~~يلمسها بيمينه، ويعجز عن اكتناه السريرة فلا يجد إلى الوصول إليها سبيلا. # وقف آدم أمام باب السريرة يوم الشجرة يعالج فتحه فاستعصى # PageV01P303 # عليه، ثم وقف بنوه من بعده موقفه فعجزوا عجزه، فلج بهم الشوق إليها لجاجا ~~طار بعقولهم، وذهب بألبابهم، فتراموا على أقدام المنجمين والعرافين لثما ~~وتقبيلا، وابتدروا النصب والتماثيل ركوعا وسجودا، وهاموا بزاجرات الطير ~~والضوارب بالحصى هيام الإبل العطاش بمنازل الماء يطلبون ما وراء السريرة, ~~والسريرة كنز مرصود لا تنجع فيه النفثات، ولا تجدي معه العزائم والرقي. # إنك لترى الرجل يتلألأ جبينه تلألؤ الكوكب في جنح ليل مبرد، ويفتر ثغره ~~عن الأنوار، افترار الأكمام عن الأزهار، فتحسده على نعمته وسعادته، وتتمنى ~~أن لو منحك الله ما منحه من هناء ورغد، وإن بين جنبيه لو تعلم هما يعتلج، ~~وقلبا يدب فيه اليأس دبيب الآجال في الأعمار، وكبدا مقروحة لو عرضها في سوق ~~الهموم والأحزان، ما وجد من يبتاعها منه بأبخس الأثمان. # وإنك لترى الصديق فيعجبك منه حديثه الحلو وثغره المبتسم، ويروقك من وده ~~كلفه بك، وإعظامه لك، وإعجابه بشمائلك ومحاسنك، وتشيعه لآرائك ومذاهبك، ولو ~~كشف لك من نفسه ما كشف له منها لوددت أن لو استطعت أن تبتاع أقدام السليك1 ~~بجميع ما تملك يمينك ففرت من وجهه فرارك PageV01P304 # من وجه الأسود السالخ1 ووددت بجدع الأنف أن لا يصافح وجهك وجهه من بعدها ~~حتى في جنة النعيم. # لولا ms159 ما أسدل الله دون السرائر من الحجب لبدلت الأرض غير الأرض، وكان ~~للكون نظام غير هذا النظام، وللتاريخ صفحات غير هذه الصفحات. # لو علم الجند أنهم لا يحاربون إلا ليضعوا "نيشانا" في صدر القائد، أو ~~جوهرة في تاج الملك، وأنهم كثيرا ما يكونون مخدوعين في وقائعهم ومواقفهم ~~بأشراك الوطنية وحبائل الدين، لما دالت الدول ولا انتقلت التيجان، ولضعف ~~ظهر الأرض عن حمل ما فوقه من بني الإنسان، ولو علم جهلة المتدينين أن رؤساء ~~الأديان كثيرا ما يشترون عقولهم وأموالهم بالقليل التافة من هذه المدهشات ~~الدينية، والأحلام النفسانية، ويملئون قلوبهم بالمخاوف والمزعجات ليبيعوهم ~~الأمن والسلامة بثمن غال لضعفت أصوات النواقيس، وقصرت قامات المنائر، ولهلك ~~أرباب الطيالس والقلانس جوعا وسغبا، ولأصبحت حبات السبح أكسد في سوق ~~الأديان من بعر النوق في سوق الأنعام، ولو علم الابن أن أباه يحبه لما ~~يرجوه من منفعته في شيخوخته، وأنه لا يعجب إلا PageV01P305 # بنفسه في إعجابه وثنائه عليه، ولا يفخر إلا بقوة عقله وحسن تدبيره في ~~فخره بذكائه ونبوغه، لضعفت صلة الود بينه وبينه، ولما كانت بين حلقات ~~الأنساب هذه الوشائج وتلك الأواصر، ولو علمت الزوجة أن زوجها يحب منها ~~جسمها أكثر مما يحب نفسها، وأنه يتربص بها الدوائر ويعد ليومها الساعات ~~والأيام، لما وثقت بوده، ولا اطمأنت لعهده، ولما كان للمنازل سقوف تظل ~~الأسرة والمهاد. # PageV01P306 ### | زيد وعمرو # أراد داود باشا أحد الوزراء السالفين في الدولة العثمانية أن يتعلم اللغة ~~العربية فأحضر أحد علمائها, وأنشأ يتلقى عليه دروسها عهدا طويلا فكانت ~~نتيجة علمه ما ستراه. # سأل شيخه يوما ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل ~~يوم ويقتله تقتيلا ويبرح به هذا التبريح المؤلم, وهل بلغ عمرو من الذل ~~والعجز منزلة من يضعف عن الانتقام لنفسه، وضرب ضاربه ضربة تقضي عليه القضاء ~~الأخير؟ # سأل شيخه هذا السؤال وهو يتحرق غيظا وحنقا ويضرب الأرض بقدميه, فأجابه ~~الشيخ: ليس هناك ضارب ولا مضروب، وإنما هي أمثلة يأتي بها النحاة لتقريب ~~القواعد من أذهان المتعلمين، ms160 فلم يعجبه هذا الجواب, وأكبر أن يعجز مثل هذا ~~الشيخ عن معرفة الحقيقة في هذه القضية فغضب عليه وأمر بسجنه، ثم أرسل إلى ~~نحوي آخر فسأله كما سأل الأول فأجابه بنحو جوابه فسجنه كذلك، ثم ما زال ~~يأتي بهم واحدا بعد واحد حتى امتلأت # PageV01P307 # السجون وأقفرت المدارس وأصبحت هذه القضية المشئومة الشغل الشاغل له عن ~~جميع قضايا الدولة ومصالحها، ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد فأمر ~~بإحضارهم فحضروا وقد علموا قبل الوصول إليه ماذا يراد بهم، وكان رئيس هؤلاء ~~العلماء بمكانة من الفضل والحذق والبصر بموارد الأمور ومصادرها، فلما ~~اجتمعوا في حضرة الوزير أعاد عليهم ذلك السؤال بعينه, فأجابه الرئيس: إن ~~الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها من العقوبة أكثر ~~مما نال، فانبسطت نفسه قليلا وبرقت أسارير وجهه, وأقبل على محدثه يسأله: ما ~~هي جنايته؟ فقال له: إنه هجم على اسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو فسلط ~~النحويون عليه زيدا يضربه كل يوم جزاء وقاحته وفضوله "يشير إلى زيادة واو ~~عمرو وإسقاط الواو الثانية من داود في الرسم" فأعجب الوزير بهذا الجواب كل ~~الإعجاب، وقال لرئيس العلماء: أنت أعلم من أقلته الغبراء، وأظلته الخضراء، ~~فاقترح علي ما تشاء، فلم يقترح عليه سوى إطلاق سبيل العلماء المسجونين، ~~فأمر بإطلاقهم وأنعم عليهم وعلى علماء بغداد بالجوائز والصلات. # أحسن داود باشا في الأولى وأساء في الأخرى، ولو كنت مكانه لما أطلقت سبيل ~~هؤلاء النحاة من سجنهم حتى آخذ عليهم # PageV01P308 # عهدا وثيقا أن يتركوا هذه الأمثلة البالية إلى أمثلة جديدة مستطرفة تؤنس ~~نفوس المتعلمين وتذهب بوحشتهم وتحول بينهم وبين النفور من منظر هذه الحوادث ~~الدموية بين زيد وعمرو، وخالد وبكر. # لا ينال المتعلم حظه من العلم إلا إذا استطاع تطبيقه على العمل والانتفاع ~~به في مواضعه ومواطنه التي وضع لأجلها، ولن يستطيع ذلك إلا إذا استكثر له ~~معلمه من الأمثلة والشواهد الملائمة لقواعد ذلك العلم, وافتن له في إيرادها ~~افتنانا يقرب إلى ذهنه تلك الصلة بين العلم والعمل ويسهل ms161 له الوصول إلى ~~القدرة على تلك المطابقة، وإن أكثر المتعلمين في مدرسة الأزهر أبعد الناس ~~عن القدرة على المطابقة لما حال بينهم وبين ذلك من الوقوف عند المثل الواحد ~~لكل قاعدة من قواعد العلم، فلو أنك أردت أحدهم على أن يخرج في المنطق عن ~~الحيوانية والناطقية، وفي النحو عن ضرب زيد عمرا وقتل خالد بكرا، وفي ~~البيان عن تشبيه زيد بالبدر واستعارة الأظافر للمنية، وفي الصرف عن فعلل ~~وافعوعل، لوجدت في نفسه من الجهد والمشقة وفي لسانه من العي والحصر ما ~~يحزنك على أعوام طوال قضاها بين المحابر والدفاتر، ثم لم يحصل من بعدها على ~~طائل. # PageV01P309 # علام يتعلم الطالب النحو والصرف إن عجز عن أن يقرأ صحيحا في كل كتاب وكل ~~صحيفة، وعلام يتعلم علوم البلاغة إن عجز عن معرفة أسرار الكلام وأوجه ~~بلاغته وفهم المراد من مختلفات أساليبه وعن البيان بيانا فصيحا يضمنه ما ~~يشاء من أغراضه ومقاصده، وعلام يتعلم المنطق إن عجز عن التمييز بين فاسد ~~القضايا وصحيحها في كل مناحيه ومذاهبه، وإن لم يكن الموضوع الإنسان، ولا ~~المحمول الحيوان الناطق. # عجيب جدا أن يفهم الصانع الأمي أن العلم للعمل فلا يتعلم النجارة إلا ~~ليصنع الأبواب والصناديق، والحدادة إلا ليصنع الأقفال والمفاتيح، وأن يجهل ~~المتعلم هذه القضية الضرورية, فلا يهمه من العلم إلا الاستكثار من ~~المعلومات والقواعد, وإن عجز بعد ذلك عن التصرف فيها، والانتفاع بها في ~~مواطنها. # ما دامت مدرسة الأزهر على هذه الحال من أسلوب التعليم العقيم فليس بمقدور ~~لها في مستقبل الأيام أن ينبغ منها العلماء الذين تستطيع أن تنتفع بهم ~~الأمة انتفاع أمثالها بأمثالهم في مشارق الأرض ومغاربها، فويل للعلم من ~~العلماء. # PageV01P310 ### | أبو الشمقمق # 1: # إن كثيرا من الفقراء لم تمتد يد الفقر إلى رءوسهم، كما امتدت إلى جيوبهم، ~~فهم يدركون كما يدرك الأغنياء، ويفهمون كما يفهمون، وكما أن في أغنياء ~~الجيوب فقراء الرءوس، كذلك في فقراء الجيوب أغنياء الرءوس. # ولقد جلست في منزلي صبيحة يوم مع قوم من الماديين المستهترين الذين ملأ ~~المال فراغ ms162 أذهانهم حتى أنساهم كل شيء وأنساهم أنفسهم قبل ذلك، فأخذوا ~~يتجاذبون أسلاك الأحاديث الذهبية ما بين تاجر يعجب بصفقته الرابحة، وزارع ~~يفخر بقلة ما أعطى وكثرة ما أخذ، وآخر يعلل نفسه بكثرة الغلات وارتفاع ~~الأسعار، والكل متفقون على أن السعادة التي أظلتهم أجنحتها في هذا العهد ~~الأخير عهد العدل عهد الحرية والمساواة عهد الترقي والعمران, هي أشبه شيء ~~بسعادة المتقين في جنات النعيم. # كل هذا وأبو الشمقمق جالس ناحية يخزر طرفه، ويهز PageV01P311 # رأسه، ويصعد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من قلبه أنينا خفيا يكاد يسمع ~~فيه السامع قول الشاعر: # فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... على أن غيري واجد فيه مسبحا # فما هو إلا أن قضوا لبانتهم من الكلام المملول والحديث المعاد حتى قاموا ~~يطيرون مع الآمال، وراء الأموال، فأشرت إلى أبي الشمقمق أن يتخلف ففعل ~~فسألته: ما لك لم تشترك معنا فيما كنا فيه؟ فأجاب: إني أكره الفضول في ~~الحديث, وقد فرق المقدار بيني وبينكم في المال، فلا أشترك معكم في المقال، ~~فقلت: ألا يعجبك يا أبا الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة ~~المصرية في العهد الأخير, وأنت فرد من أفرادها، وجزء من أجزاء جسمها، ~~فنهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة كما تعلم هي الفرد المكرر والواحد ~~الدائر، فأنت الأمة والأمة أنت، فقال: والله لا أدري هل تكلمني بلسان ~~الصوفية ولست بصوفي، أم بلغة الفلاسفة ولا أفهم للفلسفة معنى، وكأنك تقصدني ~~بالفرد المكرر والواحد الدائر، فإن كنت تريد أني فرد مكرر كثير الأشباه ~~والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق ~~ومعابر السبل، فقد أصبت وأحسنت، وإن كنت تريد معنى غير ذلك، فأنا # PageV01P312 # لا أفهم إلا كذلك، فهل لك أن تعفيني من هذه المعميات, وتزن كلامك على قدر ~~عقلي وتحدثني فيما يتناوله سمعي وبصري. فقلت: أنا لم أخرج بك عن المألوف ~~المعروف، ولا أريد إلا أن الأمة ليست في الخارج شيئا غير أفرادها فإذا سعدت ~~أو شقيت فالسعداء والأشقياء أبناؤها، وحسبك أن ترى تقدم ms163 الأمة المصرية في ~~ثروتها وعمرانها، وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها، فتسعد بسعادتها ~~وتسر بسرورها، فقال: إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة ونصيبي من ذلك ~~الارتقاء فلا أصدق سعادة ولا أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة ~~من هوية سواي من السعداء، ويدا تقصر عما يتناولونه، وبطنا لا يمتلئ بما ~~تمتلئ به بطونهم، وما دمت لا أرى واحدا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، ~~وقميصي المخرق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم، ~~وأسر بسرورهم، وهيهات أن أفهم معنى قولك: أنت الأمة والأمة أنت، فقلت: إن ~~الغيث إذا نزل يسقي الخصيب والجديب، والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت ~~والحي، فقال: كل سماء فيها هذا الغيث إلا سماء مصر، فإني أراه؛ # كبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم # PageV01P313 # ما لي وللروض الذي لا أستنشق روحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكا ~~ولا زائرا، وهب أن الطرق مفروشة بالحرير والديباج لا بالحصى والمدر فهل ~~أبقى لي الدهر من حاسة اللمس شيئا فأميز بين خشن الملمس وناعمه، ومعوج ~~الأرض ومستقيمها، وهبني إذا مشيت خضت في بحر مائج بأنوار الكهرباء فهل يغني ~~ذلك عني شيئا، وهل يكون نصيبي منه إلا انكشاف سوءتي ورثاثتي لأعين ~~الناظرين، ولقد حبب إلي الظلام حتى تمنيت دوامه لألبس من ثوبه الطبيعي ما ~~يكفيني مئونة الرتق والفتق، والتمزيق والترقيع، وبعد فما هو الارتقاء الذي ~~تزعمه وتزعم أنه يعنيني ويشملني، هل ترقت غرائز الإحسان في نفوس المحسنين، ~~وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء، فقلت: نعم، أما ترى الأموال التي ~~يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية, والتي ينفقها المحسنون على بناء ~~المدارس والمكاتب والمستشفيات. فقال: إن هذه التي تسميها مكارم، لا يسميها ~~أصحابها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، ~~والطمع في الزخرف الباطل، والجاه الكاذب. # ما لي وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي ~~إلا مرض الفاقة، فهل أجد في المدارس # PageV01P314 # خبزا أو في المستشفيات دواء كذلك الدواء الذي ms164 وصفه أحد الأطباء الكرماء ~~لرجل جائع دخل عليه وشكا إليه مرضا فعرف سر مرضه فأعطاه علبة وكتب عليها ~~"يؤخذ منها عند اللزوم" فلما ذهب بها الفقير وفتحها وجد فيها عشرة دنانير. # أنا رجل ضعيف البصر ضعيف القوة كما ترى، فلا قدرة لي على العمل، وعندي ~~صبية صغار ليس بينهم من يستطيع عملا أو يحسن صنعا، ولقد كان لي في الزمن ~~الذي تذمونه، والعهد الذي تنقمون عليه، منفسح عظيم في منازل المحسنين، ~~ومورد نمير من صدقاتهم وهباتهم، وظل ظليل من تحنن الأغنياء ورحمتهم ~~بالفقراء البائسين، أما اليوم فإني أبيت طاويا، وأصبح شاكيا، وأغدو راجيا، ~~وأروح يائسا. # وهنا أرسل من جفنيه دمعة ليست بأول دمعة بلل بها رداءه, ولكنها أحر من ~~سابقاتها؛ لأنه لم يبك في غير خلوته غير هذه المرة, ثم نهض ومد يده إلي ~~مودعا فمسحت بيميني دمعة واحدة من دموعه الكثيرات. # PageV01P315 ### | دورة الفلك # 1: # أيها القصر: أين الكوكب الزاهر الذي كان يتنقل في أبراجك، أين النسر ~~الطائر الذي كان يحلق في أجوائك، أين الملك القادر الذي كان يطلع شمسا في ~~صباحك، وبدرا في مسائك. # أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك، والقواد والجنود تخطر في عرصاتك، ~~أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، والأفواه التي كانت تقبل أعتابك، والرءوس ~~التي كانت تطرق لهيبتك، والقلوب التي كانت تخفق لروعتك. # أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء. ويهدر فتتلفت عيون السماء، ~~أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض، ~~والإبرام والنقض. # كيف استطاع الدهر أن يمد يده إلى شملك فيبدده، وجمعك فيفرقه، وسمائك ~~فيكور شموسها، وأرضك فيزعج أنيسها. # أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك، وكيف PageV01P316 # عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصد عن نفسك عادية البلاء # ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره # تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره وستائره # أيها السجن: حل بأرجائك اليوم ملك تضيق به الدنيا فكيف وسعته، وتعجز عن ~~احتماله قلل الجبال الرواسي فكيف احتملته. # رفقا به لا تزعجه ولا تحرج صدره، ms165 وضم جانحتيك عليه كما تضم على القلب ~~حنايا الضلوع، واعطف عليه عطف المرضعات على الرضيع، ارحم هذا الجلال ~~الذاهب، والعز الزائل، والرأس الذي بيضته حوادث الدهور، والظهر الذي قوسته ~~أيدي المقدور. # أيها الدهر: ألا تستطيع أن تنام عن هذا الإنسان لحظة واحدة، ألا تستطيع ~~أن تسقيه كأس السرور خالصة لا يمازجها كدر ولا يشوبها عناء. # إن كنت تريد أن تسلبه فلم أعطيته، وإن كنت تريد أن تعطيه فلم سلبته، كان ~~خيرا له أن لا تعطيه حتى لا تفجعه في تلك العطية, وأن لا تسقيه كأس السرور ~~حتى لا يتجرع ذلك السم الذي أودعته تلك الكأس # PageV01P317 # أيها الراحل المودع: كان ارتفاعك عظيما فوجب أن يكون سقوطك عظيما. # إنك ذقت حلاوة الحياة خالصة فلما ذقت مرارتها جزعت وقطبت كما يجزع ويقطب ~~كل من ذاق من الشراب ما لا عهد له به، ولا قبل له باحتماله. # لا تأس على ما فاتك فإنما كان وديعة من ودائع الدهر أعاركها برهة من ~~الزمان ثم استردها. # إنك لا تدري لعل الله أراد بك خيرا فمنحك قبل حلول أجلك فرصة من الزمان ~~تخلو فيها بنفسك، وتراجع فيها فهرس أعمالك، فإن رأيت خيرا اغتبطت، أو شرا ~~استغفرت. # قضى الله أن يقيم في كل حين لهذا العالم الغافل الراقد عبرة من العبر ~~تزعجه من رقدته، وتوقظه من غفلته، فكنت أنت عبرة هذا الدهر وموعظته. # من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا # PageV01P318 ### | تأبين فولتير # 1: # في مثل هذا اليوم، منذ مائة عام, مات الرجل العظيم، مات الرجل الخالد، ~~مات فولتير. # ما مات فولتير حتى احدودب ظهره تحت أثقال السنين الطوال، وأثقال جلائل ~~الأعمال، وأثقال الأمانة العظمى التي عرضت على السموات والأرض فأبين أن ~~يحملنها فحملها وحده، وهي تهذيب السريرة الإنسانية فهذبها فاستنارت فاستقام ~~أمرها. # مات فولتير مرذولا محبوبا في آن واحد، يبغضه الماضي؛ لأنه يجهله، ويحبه ~~الحاضر؛ لأنه عرفه. # إن في هاتين العاطفتين، البغض والحب، سرا عظيما من أسرار المجد العظيم، ~~لذلك الرجل العظيم. # كان وهو على ms166 سرير الموت محفوفا بعاطفتين مختلفتين شكلا، متفقتين معنى؛ ~~لأنهما جميعا في سبيل مجده وفخاره، كان ينظر PageV01P319 # أمامه، فيسره منظر التبجيل والتعظيم من حاضره ومستقبله، ويلتفت وراءه ~~فيطربه مشهد البغض والازدراء والحقد الذي يكنه الماضي في صدره لأولئك ~~الرجال البواسل الذين حاربوه فانتصروا عليه. # كان فولتير رجلا وأكبر من رجل، كان وحده أمة كاملة، إنه عاهد نفسه على ~~إنجاز عمل عظيم فأنجزه ولم يخلف وعده، وكأن الإرادة الإلهية المتجلية في ~~الشرائع، تجليها في الطبائع، نثرت كنانة هذا المجتمع الإنساني وعجمت عيدانه ~~فوجدت فولتير أصلبها عودا فاختارته للقيام بالعمل الذي قام به فأتمه. # إنا أتينا هنا لفصل الخطاب في المسائل الاجتماعية، جئنا لنرفع شأن ~~المدنية ونكرم الفلسفة إكراما ينفعها ويفيدها، جئنا لنتلو على القرن الثامن ~~عشر رأي القرن التاسع عشر فيه، جئنا لنكرم المجاهدين، والعاملين المخلصين، ~~اجتمعنا لنمهد الطريق للوحدة الإنسانية التي يسعى إليها العلماء والعاملون، ~~والصناع المجدون، وجملة القول إنا ما اجتمعنا هنا إلا لنمجد العاطفة ~~الشريفة السامية عاطفة السلام العام. # إنا نمجد السلام حبا في المدنية وحرصا على رونقها وروائها، فإن السلام ~~فضيلة المدنية والحرب رذيلتها. # PageV01P320 # نحن في هذه الساعة العظيمة، في هذا الموقف الرهيب، نجثو على الركب ونعفر ~~جباهنا بين يدي الشريعة الأدبية ونقول للعالم الذي ينصت لسماع صوت فرنسا ~~"لا قوة إلا قوة الضمير ولا مجد إلا مجد الذكاء" ذلك في سبيل العدل، وهذا ~~في سبيل الحق. # لقد كان شأن المجتمع الإنساني قبل الثورة الفرنساوية على هذا المثال، ~~الشعب في المنزلة الدنيا، وفوق الشعب الدين والقضاء، هذا يمثله القضاة، ~~وذاك يمثله "الإكليروس". # أتدرون كيف كان الشعب، وكيف كان الدين، وكيف كان القضاء في ذلك العهد؟ ~~كان الشعب جهلا، والدين رياء، والقضاء ظلما. # إن كنتم في شك مما أقول فإني أقص عليكم حادثتين من حوادث ذلك التاريخ, ~~أرى فيهما غناء ومقتنعا: # في 13 أكتوبر سنة 1761 وجد شاب مصلوبا في الطبقة الأرضية من بيت في مدينة ~~"طولوز" فهاج الشعب ولغط "الإكليروس" وبحث القضاة، فكانت النتيجة أن كان ~~الشاب منتحرا ms167 فسمي قتيلا، وكان والده بريئا فسمي قاتلا. # هكذا أراد الدين وأرادت مصلحته أن يهلك والد الفتى # PageV01P321 # لأنه كان بروتستانيا؛ ولأنه كان يمنع فتاه أن يتدين بالكثلكة، إنها ~~لجناية عظيمة جدا ينكرها الدين ويحيلها العقل، ولكن هان عليهم أمرهم ولم ~~يحفلوا بالشريعتين شريعة القلب وشريعة العقل، فحكموا أن الشيخ الكبير، قتل ~~ولده الصغير. # هكذا قضى القضاء وهكذا كانت النتيجة فاستمعوها. # في شهر مارس سنة 1762 سيق إلى الميدان العام شيخ أبيض الشعر هو "جان ~~كالاس" ثم جرد من ثيابه وطرح على دولاب العذاب وشدت به أطرافه وترك رأسه ~~متدليا. # ثلاثة رجال تلوثت أيديهم بدم القتيل، كاهن يحمل الصليب، وجلاد يحمل ~~القضيب، وقاض يحمل في صدره عهد القوم إليه بالتنكيل والتعذيب. # لم يكن الشيخ المسكين وقد شق الخوف مرارته وتمشى قلبه في صدره لينظر إلى ~~الصليب في يد الكاهن بل إلى القضيب في يد الجلاد. # رفع الجلاد القضيب وضرب ذراع الشيخ ضربة كاسرة صاح على أثرها صيحة مؤلمة, ~~ثم أغمي عليه فتقدم القاضي الرحيم وأمر له بالمنبهات فانتعش فضربه الجلاد ~~الضربة الأخرى فوق الذراع الآخر فعاد إلى صرخته وإغمائه، فعادوا إلى تنبيهه ~~وإنعاشه، # PageV01P322 # وهكذا حتى تم لكل ذراع من ذراعيه ضربتان وصدعتان، فكأنما قتلوه قبل موته ~~ثماني مرات. # في الإغماء الثامن بعد مرور ساعتين من العذاب تقدم الكاهن ومد إليه ~~الصليب ليقبله فحول وجهه عنه، وكذلك تبلغ القسوة الدينية من نفوس ~~المتدينين، فأقبل الجلاد وسدد إلى صدره الطرف الغليظ من القضيب الحديد ~~وضربه ضربة ألصقت صدره بظهره فكانت القاضية. # على هذه الصورة مات "جان كالاس". # وما هي إلا أيام قلائل حتى عرف الناس أن الفتى مات منتحرا مقتولا، فحكموا ~~ببراءة الشيخ بعد أن نفذ سهم القضاء فيه، وماذا يعنيه بعد الموت أمات جانيا ~~أم بريئا. # أما الحادثة الأخرى فهي عبرة الشباب كما كانت الأولى موعظة الشيخوخة. # بعد مضي ثلاث سنين من تاريخ الحادثة الأولى وجدوا في "إيفيل" في ليلة ~~عاصفة صليبا عتيقا أكل السوس أحشاءه حتى عاف البقاء فيه, مطرحا فوق الجسر ms168 ~~بعد أن عاش فوق السور ثلاثة قرون. # من ألقى به من أعلى السور، من أهانه، من ذا الذي دنس # PageV01P323 # هذا الأثر المقدس، من ذا الذي أجرم هذا الجرم العظيم. # ربما عصفت به ريح، أو عبث به عابر طريق، أو هوى به ضعف الشيخوخة وإعياء ~~الهرم، لا لا، كل ذلك لم يكن؛ لأن الدين أبى إلا أن يوجد مجرما، هنالك أعلن ~~مطران "إميان" براءة من غفران الله ورحمته لكل مؤمن علم أو ظن أنه علم شيئا ~~عن هذه الحادثة فكتمه. # إن الحرمان في الكثلكة جريمة فظيعة قاتلة متى أوخى به التعصب الذميم، إلى ~~الجهل العظيم، كان هذا الحرمان سببا في أن القضاء عرف أو ظن أنه عرف أن ~~ضابطين اسم أحدهما "لابار" والآخر "ديتالون" مرا على جسر "إيفيل" في تلك ~~الليلة المشئومة يترنحان سكرا وينشدان نشيدا عسكريا، مرا بالجسر وأنشدا ~~النشيد فهما المجرمان، وكانت المحكمة مقدس "إيفيل" ولم تكن بأقل عدلا ~~وإنصافا من مجلس "الكابيتول" في "طولوز" فأمرت بالقبض على الرجلين فاختفى ~~ديتالون وقبض على لابار وأسلم إلى القضاء، فاعترف بالنشيد وأنكر المرور على ~~الجسر فحكمت عليه محكمة إيفيل بالإعدام وأيد حكمها برلمان باريس فدنت ~~الساعة المخيفة الهائلة. # لقد تفننوا في تعذيب لابار وإرهاقه ليكشفوا عن سر # PageV01P324 # فعلته، وعن شركائه في جريمته، أي: جريمة المرور على الجسر وإنشاد النشيد. # لقد عذبوه عذابا أليما حتى إن الكاهن الذي جيء به ليسمع اعترافه أغمي ~~عليه حينما سمع قرقعة عظام ركبتيه. # مضى هذا اليوم وجاء اليوم الثاني وهو يوم 5 يونيه سنة 1766 وجيء بالشاب ~~المظلوم إلى ساحة "إيفيل" الكبرى حيث تشتعل نار العذاب وتضطرم اضطراما ~~فأسمعوه نص الحكم ثم بتروا يده ثم استلوا لسانه بقابض من الحديد فاستأصلوه، ~~ولكنهم رحموه بعد ذلك فقطعوا رأسه وألقوا بها في النار. # على هذه الصورة مات "الشيفاليه دي لابار" كما مات من قبله "جان لا كاس". # أحزنك هذا المنظر يا فولتير وآلم نفسك وملك عليك شعورك ووجدانك فصحت صيحة ~~الرعب والجزع فكانت تلك الصيحة الحجر الأول في ms169 بناء مجدك العظيم الخالد. # هنالك انبعثت نفسك إلى النزول في ميدان المجتمع الإنساني لتكف عادية ~~الظالمين وتقلم أظفار الوحوش الضارية، وجلست في منصة القضاء لتحاكم الماضي ~~على جرائمه وتنتصف منه للمستقبل فانتصفت وانتصرت وكنت من المحسنين. # PageV01P325 # فيا أيها الرجل العظيم: طبت حيا وميتا. # حدثت تلك الحوادث التي ذكرتها على مشهد من المجتمع المهذب الراقي وفي ~~حياة حافلة بالسعادة مغتبطة بالهناء يغدو إليها الإنسان لاهيا، ويروح ~~ساهيا، لا يرفع رأسه فيعلم ما فوقه، ولا يخفضها فيرى ما تحته. # حدث ذلك وأيام البلاط أعيادو "فرسايل" تتلألأ حسنا وبهاء، ورونقا وماء، ~~وظرفاء الشعراء مثل "سان اولاير" و"بوفلير" و"جنتيل برنار" لاهون بالغزل ~~الرقيق والوصف الجميل. # حدث ذلك وباريس تتجاهل ما يجري حولها, فاستطاع القضاء الظالم بمعونة ~~القسوة الدينية أن يمثل بالشيخ ذلك التمثيل الفظيع بذلك القضيب الحديد، وأن ~~يستل لسان الفتى؛ لأنه أنشد الأناشيد. # كان المجتمع في ذلك التاريخ مؤلفا من قوى عظيمة هائلة، قوة البلاط، وقوة ~~الأشراف، وقوة المال، وقوة الشعب المائج المتدفع، وقوة الحكومة التي كانت ~~أسدا على الرعية ونعامة بين يدي الملك تجثو أمامه خاضعة صاغرة إلا أن جثيها ~~كان على # PageV01P326 # جثة الشعب، وقوة "الإكليروس" المؤلف من الرياء الكاذب والتعصب الأعمى. # تقدم فولتير وحده وأثار حربا عوانا على هذا العالم المؤلف من تلك القوى ~~المختلفة المخيفة, ولم يره أكبر من أن ينخذل، ولم ير نفسه أصغر من أن ~~ينتصر. # أتدري ما كان سلاحه، ما كان له سلاح غير تلك الأداة التي تجاري العاصفة ~~في هبوبها، وتسبق الصاعقة في انقضاضها، ما كان له سلاح غير القلم، فبالقلم ~~حارب وبالقلم انتصر. # انتصر فولتير، فولتير وقف وحده تلك المواقف المشهودة، فولتير أدار وحده ~~رحى تلك الحروب الهائلة، حرب العلم والجهل، والعدل والظلم، والعقل والهوى، ~~والصلاح والفساد، فتم على يديه الغلب للخير على الشر وفاز فوزا مبينا. # كان فولتير قلبا وعقلا، كان له رقة الفتاة في غلالتها1 وشدة الأسد في ~~لبدته. # فولتير محى الخرافات الدينية والعادات الفاسدة، وأرغم أنف الكبرياء، وأذل ~~عز الرؤساء، ورفع السوقي ms170 إلى حيث لا يصل إليه ظلم القاضي وتنطع الكاهن ~~PageV01P327 # علم ومدن وهذب ولقي في سبيل ذلك من الشدائد والمحن والنفي والقهر ما يكسر ~~سورة النفس فلم تنكسر سورته ولم تفتر عزيمته، بل كان يلقى الاستبداد ~~بالسخرية، والغضب بالاستخفاف، والقوة القاهرة، بالابتسامة المؤثرة. # أقف هنا قليلا إجلالا لابتسامة فولتير. # فولتير هو الابتسامة، والابتسامة هي فولتير. # أفضل مزايا الرجل الحكيم أن يملك نفسه عند الغضب وكذلك كان فولتير. # كان عقله ميزان أعماله، فما غلبه حتى الغضب للحق. # كنت تراه عابسا مقطبا فما هي إلا كرة الطرف حتى ترى فولتير الضاحك ~~المبتسم في مكان فولتير العابس المقطب. # يكاد يكون ابتسامه ضحكا لولا حزن الحكيم وهم العاقل كان ابتسامه كبارقة ~~السيف يرتاع لها الأعداء، ويرتاح لها الأولياء. # كان يبتسم للقوي فيخجله بتهكمه واستخفافه، وللضعيف فيسره بتحننه ~~وانعطافه. # فلنمجد تلك الابتسامة التي كانت أشعتها كأشعة الفجر تمحو الظلام وتبعث ~~الأنوار. # PageV01P328 # نعم الابتسام ابتسام أنار الطريق للعدل والحق والصلاح وبدد ظلمات ~~التقليد. # إن ابتسامة فولتير أنشأت هذه الهيئة الاجتماعية وزينتها بالإخاء والمودة ~~والحرية والمساواة، فنال العقل منزلته من الإجلال والإعظام، سواء أسكن ~~القصر الكبير، أم الكوخ الحقير، ولبس المعلم تاج الملك فتصرف في العقائد ~~الباطلة والعادات الفاسدة والخرافات الدينية تصرف الحاكم القدير، ونشر ~~السلام أجنحته البيضاء على المجتمع الإنساني فقرت السيوف في الأغماد، وهدأت ~~الدماء في العروق والأرواح في الأجسام، كل ذلك بفضل ابتسامة فولتير، ولسوف ~~يأتي ذلك اليوم العظيم يوم الرحمة بالضعفاء والعفو عن الخاطئين فيبتسم ~~فولتير في السماء ابتسامة تتلألأ بين لألاء النجوم. # فلنمجد ابتسامة فولتير كل التمجيد، ولنكبرها كل الإكبار. # هل كان فولتير يحلم دائما فلا يستخف حلمه الغضب، كلا بل كان يغضب أحيانا ~~في سبيل الحق. # إن التوسط وحفظ الموازنة بين الأخلاق هو القانون العقلي للإنسان حتى لا ~~تهبط به كفة وتعلو به أخرى، وحتى لا يهلك بين عاطفتي الحب والبغض، وإن ~~الفلسفة هي الاعتدال وإظهار # PageV01P329 # الحقائق واضحة بين مؤتلفات الأعمال والأقوال، ولكن أرى أن حب الحق يجب أن ~~يكون في مرتبة ms171 الغلو حتى تهب عاطفته هبوب العاصفة فتذهب بالأقذاء والأقذار. # يعيش المرء بين سعادتين من حاضره ومستقبله، أما الأولى فيكفلها العدل، ~~وأما الثانية فيحرسها الرجال والأمل، لذلك يحب الناس القاضي العادل، ~~والكاهن الصالح؛ لأن الأول صورة العدل، والثاني مثال الرجاء، فإذا انقلب ~~العدل ظلما، والأمل يأسا، عافهما الإنسان ولوى وجهه عنهما، وقال للقاضي: ~~"لا أحب قانونك" وللكاهن "لا أعتقد بدعتك" وهناك يهب الفيلسوف الغيور غاضبا ~~فيحاكم القضاء أمام العدل والكهنوت أمام الله، وكذلك فعل فولتير فكان من ~~المحسنين. # إن الرجل العظيم لا يظهر في المجتمع وحيدا إلا قليلا، وكلما كثر العظماء ~~حوله ارتفع شأنه وعلا ذكره، فهو كالشجرة تكون في نظر الناظر أطول في الغابة ~~الشجراء منها في التربة الجرداء؛ لأنها تكون في منبتها ومستقرها، وكان ~~فولتير في غابة من العقول الكبيرة، روسو وديدرو وبوفون وبومارشه ومونتسكيو، ~~أولئك القوم المفكرون هم الذين علموا الناس النظر في حقائق الأشياء والتفكر ~~الموصل إلى إتقان الأعمال، وعلموهم # PageV01P330 # أن صلاح القلب أثر من آثار صلاح العقل فأجادوا وأفادوا. # مات أولئك القوم العظام وهوت من أفقها كواكبهم، ولقد كانوا في حياتهم ~~جسدا وروحا، أما الجسد فقد طواه القبر، وأما الروح فهي الثورة التي تركوها ~~من بعدهم. # أجل، إن الثورة روحهم والمظهر الساطع المتلألئ بحكمتهم ومبادئهم. # هم في الحقيقة أبطال الثورة المقدسة التي هي خاتمة الماضي وفاتحة ~~المستقبل. # إنك تراهم بعين بصيرتك في كل مواقفها ووقائعها، إذا اخترقت أشعة العقل ~~حجاب المسببات ونفذت إلى الأسباب نرى في نور الثورة الساطع أن ديدرو كان ~~واقفا وراء دانتون وروسو وراء روبسبير وفولتير وراء ميرابو ونجد أن أبطال ~~الثورة صنيعة أبطال الفلسفة1. # إن الكلمة الأخيرة التي أنطق بها في هذا الموقف هي دعاء المجتمع البشري ~~إلى التقدم بهدوء وسكون وثبات ووقار. # قد وجد الحق ضالته التي كان ينشدها وهي الإخاء الإنساني والتعارف النفسي، ~~فمن العبث أن تشغل القوة بعد ذلك مكانا من PageV01P331 # هذا المجتمع، فإن فعلت كان أليق الأسماء بها الاستبداد. # إن المجتمع الإنساني أنكر على القوة حقها المزعوم وضاق ms172 صدره بجرائمها ~~وآثامها فقاضاها بين يدي التمدين, ووضع بين يديه جريدة المتهمين من الرؤساء ~~والزعماء وأتى بالتاريخ شاهدا على دعواه, فقضى التمدين له عليها وجاء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. # شف ثوب الرياء عما تحته, وظهرت الحقيقة بيضاء ناصعة لا غبار عليها فأصبح ~~الأبطال والمجرمون في نظر الإنسان سواء. # هدم التمدن تلك القاعدة الفاسدة، وهي أن الجرم العظيم أصغر من الجرم ~~الصغير، فأدرك الإنسان أن قتل الشعوب أكبر إثما وأعظم جريرة من قتل ~~الأفراد، واستكبر أن يعتبر الحرب مجدا وهو يعتبر السرقة عارا، وبالجملة عرف ~~أن الجريمة جريمة حيث حلت، وفي أي مظهر ظهرت، وأن القاتل لا يغني عنه من ~~الله شيئا يسمى القيصر أو يدعى الإمبراطور، ولا يخفى على الله من أمره شيء ~~سواء ألبس تاج الملك أم قلنسوة الإعدام. # فلنصرح بالحقيقة المقررة الواضحة، ولنحتقر الحرب أشد الاحتقار. # إن الحرب المباركة لا أثر لها في الوجود. # PageV01P332 # إن منظر الدماء والأشلاء أفظع منظر. # لا يعقل أن يكون الشر طريق الخير، وأن يكون الموت وظيفة الحياة. # أيتها الأمهات الجالسات حولي، خففن من أحزانكن فقد أوشكت يد الحرب أن تكف ~~عن اختلاس أفلاذ أكبادكن. # أتشقى المرأة فتلد، ويغرس الزارع فيكسو الأرض بساطها الأخضر، ويجهد ~~العامل فيملأ الخزائن ذهبا وفضة، ويأتي الصانع بعجائب المصنوعات، وغرائب ~~المدهشات، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وفاخرت السماء بنجومها وكواكبها، ~~وذهبنا لرؤية معرضها العام وجدناه ساحة القتال. # لا لا: إنا لا نستطيع أن نخدع أنفسنا وننكر أن الساعة التي نحن فيها ~~تشتمل على بضع دقائق محزنة تكدر صفوها وتنتقص من سرورها. # لا تزال في مرآة السماء الصافية سحابة سوداء. # إن الشعب لم يقض كل أربه من السعادة؛ لأن الحرب لم تزل باقية. # فلنذكر عند ذكر ملوك الحرب فولتير وجان جاك وديدرو ومونتسكيو ملوك ~~السلام، ولنوجه وجهتنا إلى تلك الروح # PageV01P333 # العالية، إلى تلك الحياة العظيمة، إلى ذلك الدفين المقدس، إلى فولتير، ~~ولنركع أمام قبره عسى أن يمدنا بروح منه ويهدينا إلى حظيرة السلام، فإنه ~~بعد مرور قرن ms173 على موته لم يزل في الأحياء الخالدين. # ولنقف في طريق الدماء المتدفقة لنقول للسفاكين بصوت عال: كفى كفى، إنها ~~همجية، إنها تشوه وجه المدنية الجميل. # إن أسلافنا من الفلاسفة هم رسل الحق إلى البشر، فلنضرع إليهم، في تذكارهم ~~هذا أن يتداركوا الفتنة قبل وقوعها، وينادوا أن الحياة ملك للإنسان، وعظيم ~~عليه أن تسلب منه، وأن التمتع بالحرية حق من حقوق العقول والأفكار. # إن النور لا أثر له بين أضواء القصور، فلنطلبه بين ظلمات القبور. # PageV01P334 ### | العلماء والجهلاء # لا تحسبن أن الفلسفة الاصطلاحية مطلب من المطالب التي لا ترام، أو أن بين ~~من نسميهم العلماء ومن نسميهم الجهلاء ذلك الفرق العظيم الذي يتصوره الناس ~~عند ما يريدون التفريق بينهما، وإنزالهما منازلهما، فالعلماء والجهلاء إن ~~دققت النظر سواء، لا فرق بينهما إلا أن هؤلاء يعلمون المعلومات منظمة، ~~وأولئك يعلمونها مبعثرة، وأن هؤلاء يحسنون البيان عنها وأولئك لا يبينون. # ومن نظر إلى البصائر نظرا ثاقبا نافذا وجد أن المعاني الصحيحة والقضايا ~~الكونية المتعلقة بالخير والشر، والنفع والضر، والمسائل المنوطة بالإنسان ~~في حياتيه المادية والمعنوية يشترك في العلم بها الناس جميعا عامتهم ~~وخاصتهم، كبارهم وصغارهم، من نشأ منهم تحت سقوف الجامعات، ومن عاش تحت سقوف ~~السموات؛ لأن العلم ينبوع يفور من الداخل، لا سيل يتدفق من الخارج؛ ولأن ~~المعلومات كامنة في النفوس كمون النار في الزند والقوة في # PageV01P335 # المادة، وما وظيفة التعليم إلا استثارتها من مكامنها، وبعثها من مراقدها. # وآية ذلك أنك لا تجد مثلا من أمثال العلماء التي يفخرون بها ويعدونها ~~مظهر حكمتهم، وآية فلسفتهم، إلا وترى في ألسنة العامة وشوارد أقوالها ~~وأمثالها ما يرادفها ويشاكلها، كما أنك لا تجد قاعدة من قواعد الحكمة ولا ~~قضية من قضايا الآداب والأخلاق التي نعدها من ذخائر الأسفار ونفائس الأعلاق ~~إلا وهي ملقاة تحت أقدام العامة، ومذالة بين أيدي الجاهلين والأميين. # وعندي أنه لولا عجز العامة عن بيان ما يجول في خواطرهم ويهجس في ضمائرهم ~~من المعلومات على صورة مرتبة منظمة لما تخيل إليهم أنهم يسمعون من ms174 الخاصة ~~كلاما عجيبا، أو معنى غريبا. # وليست هذه الغبطة التي نراها تعلق بنفوسهم عندما يتلقون أحاديث الخاصة من ~~أجل أنهم علموا ما لم يكونوا يعلمون، أو أدركوا ما لا عهد لهم به من قبل؛ ~~بل لأنهم عثروا على من يترجم عن أفكارهم، ويجمع لهم شمل المعاني المبعثرة ~~في أنحاء أدمغتهم؛ ولأنهم وجدوا في أنفسهم لذة الأنس بأفكار تشابه أفكارهم، ~~وآراء تشاكل آراءهم. # ولا أخشى بأسا إن قلت إن علم العامة أفضل من علم # PageV01P336 # الخاصة؛ لأنه علم خالص من شائبة التكلف والتعمل، حتى إنك لتجد في بعض ~~الأحايين بين معلومات الخاصة ومذاهبهم وآرائهم ما يضحك الثكلى لغرابته ~~وشذوذه, وما يترفع أضيق العامة ذهنا وأضعفهم فهما أن يجعل له شأنا، أو يقيم ~~له وزنا؛ ولأنه يعلق بالنفس ويتغلغل بين طياتها تغلغلا تظهر آثاره على ~~الجوارح، وكثيرا ما تجد بين الجهلاء من تعجبك استقامته، وبين العلماء من ~~يدهشك اعوجاجه، وإن كان صحيحا ما يقولون من أن العلم ما ينتفع به صاحبه، ~~فكثير من الجهلاء، أعلم من كثير من العلماء. # فلا تبالغ في تقدير فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ولا تنظر إليهم نظرا ~~يملأ قلبك رهبة وهيبة، ولا تغل في احتقار الجهلاء، وازدراء العامة ~~والضعفاء، ولا تكن ممن يقضون حياتهم أسرى العناوين وعبيد الألقاب. # وإن في اختفاء الحقائق الكونية وتنكرها وضلال هذا العالم في مذاهبه ~~ومراميه وتفرقه مذاهب وشيعا, وركوب كل فريق رأسه وهيامه على وجهه, ووقوف ~~طلاب الحقيقة في كل دهر وعصر في مفارق الطرق ورءوس المسالك حيارى ينشدون ~~فلا يجدون، ويجدون فلا يصلون، لدليلا على أن الفلاسفة والحكماء والعلماء ~~كلمات غير مفهومات، وأسماء بلا مسميات، # PageV01P337 # وأن حقائق الأشياء وأسرار الكائنات قد استأثر الله بعلمها، واحتجنها من ~~دون عباده، ولم يمنحهم منها إلا بلة تزيدهم وجدا كلما وجدوا بردها، وتملأ ~~قلوبهم شوقا كلما تذوقوا طعمها. # ضريبك في بني الدنيا كثير ... وعز الله ربك من ضريب # وما العلماء والجهلاء إلا ... قريب حين تنظر من قريب # PageV01P338 ### | الرجل والمرأة # حضرة السيد المحترم # لا تعجب إن رأيت إعجابي ms175 بك ظاهرا في كل سطر من سطور كتابي هذا, فإنما أنا ~~انطق بلسان كثير من العقلاء الذين يحبونك حبا جما, ويعتقدون أنك فريد في ~~أدبك، فريد في قلمك، فريد في تسامحك وتساهلك؛ لذلك أردنا أن نوجه إليك ~~السؤال الآتي راجين منك الإجابة عليه. # لماذا نرى الهيئة الاجتماعية تحكم على المرأة الفاسقة حكما صارما فتنبذها ~~وتحتقرها ولا تحكم بمثل هذا الحكم على الرجل الفاسق مع أن جريمتهما واحدة؟ # هذا ما أردنا أن نسترشد برأيك فيه والسلام. # سائل # يعتقد كثير من الناس أن الرجل والمرأة سواء في العقل والذكاء، وعندي أنهم ~~أخطئوا في الأولى وأصابوا في الأخرى. # تستطيع المرأة أن تجاري الرجل في سرعة الفهم وحضور # PageV01P339 # البديهة ولا تستطيع أن تجاريه في الأناة والرفق والاستمساك, وامتلاك هوى ~~النفس والأخذ بفضيلة الصبر على ما تكره وعن ما تحب. # تستطيع المرأة أن تدرك ما يدركه الرجل من الشئون والأطوار وأن تستخرج كما ~~يستخرج المجهولات من المعلومات، ولكنها لا تستطيع أن تنتفع بمعلوماتها كما ~~ينتفع؛ لأن بين جنبيها نفسا غير نفسه، وهوى غير هواه؛ ولأن لها قلبا صغيرا ~~لا يقوى على احتمال ما يحتمله عقله الكبير. # يمشي الرجل وراء عقله فيهديه، وتمشي المرأة وراء قلبها فيضلها، فما وقفت ~~معه في موقف إلا سقطت بين يديه عجزا وضعفا؛ لأنه يعرف السبيل إلى قلبها، ~~ولا تعرف السبيل إلى عقله. # لا تعجب إن قلت لك إن الذكاء غير العقل، فاللصوص والمحتالون والمزورون ~~والكاذبون والفاسقون والمنافقون أذكياء وليس بينهم عاقل واحد؛ لأنهم يوردون ~~أنفسهم موارد التلف والهلاك من حيث لا يغني عنهم ذكاؤهم شيئا، وكثيرا ما ~~يكون الذكاء الشديد داعية الجنون، حتى إنك لا تكاد ترى ذكيا من الأذكياء ~~إلا وترى له في شئونه وأطواره أحوالا شاذة, لا تنطبق على قانون من قوانين ~~العقل ولا قاعدة من قواعد الطبيعة، # PageV01P340 # وعندي أن أكثر ما يصيب النوابغ والأذكياء من بؤس العيش وسوء الحال عائد ~~إلى ضعف في عقولهم، ونقص في تصوراتهم، وبعد فالذكاء في رأس الإنسان كالسيف ~~في يد الشجاع، وكثيرا ms176 ما يضرب الشجاع رأس نفسه بسيفه إذا كان طائشا أهوج لا ~~يملك نفسه في موقف من مواقف الحزن أو الغضب. # فماذا يغني المرأة ذكاؤها إذا لم يكن وراءه عقل يملكها ويصرفها ويمسك ~~بيدها أن تعثر في جريانها واشتدادها بعقبة من عقبات هذه الحياة. # سيثقل هذا الحكم على نفوس النساء ونفوس الرجال الذين يجاملونهن، ولكن ~~ماذا أعمل وبين يدي برهان قاطع ليس في استطاعتهن أن ينازعنني فيه مع شدة ~~ذكائهن، ولا في استطاعة أنصارهن من الرجال أن ينقضوه ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا. # لولا أن الرجل أعقل من المرأة ما كان له عليها هذا السلطان وذلك الغلب, ~~ولا استطاع أن يقودها وراءه كما يقاد الجنيب1, ولا أن يملك عليها أمر فقرها ~~وغناها وحبسها وإطلاقها وحجابها وسفورها, ويستأثر من دونها بوضع القوانين ~~والشرائع الخاصة بها PageV01P341 # من حيث لا ترى في نفسها قوة لدفعها والخروج عليها. # القوي يملك على الضعيف بحكم الطبيعة كل شيء حتى نفسه وهواه، وكذلك كان ~~شأن الإنسان مع الحيوان وشأن الرجل مع المرأة. # الإنسان نوع من أنواع الحيوان لم يكن في مبدأ خليقته خيرا منها في شأن من ~~شئون الحياة، ولكنه كان أوفر منها عقلا وأوسع حيلة، فما زال يطلب لنفسه ~~الغاية التي تناسب استعداده وفطرته حتى أصبح سيد الحيوان، فمدن المدن ومصر ~~الأمصار وشاد وبنى وتأنق وترفه, ثم طرد صاحبه إلى تلال الرمال، ورءوس ~~الجبال، يأكل بعضه بعضا، والرجل أخو المرأة وقسيمها في الرحم والمهد، ~~والأبوة والأمومة، والقومة والقعدة، والنومة واليقظة، ولكنه وجد في نفسه ~~فضلا من قوة العقل والتدبير عليها, وكان ظالما خشن النفس قاسي القلب فأبى ~~إلا أن يأسرها ويغلبها على أمرها, ويملك عليها جسمها ونفسها فتم له ما ~~أراد. # ملك عليها جسمها؛ لأنه حجبها عن النور والهواء فأذعنت، وملك عليها نفسها؛ ~~لأنه ألقى في روعها أن ذنبها في الفسق المشترك بينه وبينها أكبر من ذنبه، ~~وإن جريمتها ضعف جريمته فصدقت، وطلب منها أن تسلم إليه الأمر في تدبير ~~شئونها والتصرف بأموالها # PageV01P342 # فسلمت، وأصبحت تنظر إلى ms177 هذه القوانين الجائرة التي وضعها لها, ~~والاعتبارات الفاسدة التي اعتبرها بالنسبة إليها كما ينظر إليها هو بعين ~~الإجلال والإعظام. # يخدع الرجل المرأة عن شرفها فيسلبها إياه، فإذا سقطت هاج المجتمع ~~الإنساني عليها وملأ قلبها هولا ورعبا وأوسع نفسها تقريعا وتأنيبا من حيث ~~لا تطير على الرجل شرارة واحدة من هذه النار المتأججة؛ لأنه هو الذي وضع ~~هذا القانون وشرع تلك الشريعة، وما كان له أن يقصر في مجاملة نفسه ~~ومحاباتها؛ لأنه شره طماع محب لذاته، ولا أن يعدل في القضاء في قضية غيره؛ ~~لأنه ظالم جبار. # ولو كان للمرأة ما للرجل من قوة العقل لاستطاعت أن تحجبه في المنزل وأن ~~تتولى شأنه وأن تعبث بعقله فتعظم جريمته وتصغر جريمتها في عينه, وأن تنفذ ~~إلى قلبه فتلعب به لعب الصبي بالكرة, وأن تحدثه فيصدق وتأمره فيأتمر, وأن ~~تسن له القوانين الجائرة والشرائع الفاسدة فيؤمن بها إيمانه بالإله المعبود ~~كما صنع هو بها في جميع ذلك فبلغ منها ما أراد. # لا أريد أن هذا الفرق في القوة العقلية بين الرجل والمرأة يمنحه هذا الحق ~~في ظلمها وغلبتها على حقها، بل أريد أن هذا # PageV01P343 # الفرق هو سبب ذلك السلطان القاهر، والحكم الجائر. # وجملة القول أن حكم المجتمع الإنساني بإدانة المرأة الزانية وبراءة الرجل ~~الزاني حكم ظالم، ولو أنه أنصفهما لعرف فرق ما بينهما في القوة العقلية, ~~فجعل عقاب الرجل القوي المهاجم فوق عقاب المرأة الضعيفة المدافعة، ولكنه لم ~~يفعل ذلك؛ لأن رجاله ظلمة جائرون؛ ولأن نساءه ساذجات ضعيفات، يصدقن الرجال ~~في أقوالهم وينظرن إلى المستحسنات والمستهجنات بأنظارهم، فإن أردنا أن تنال ~~المرأة حقها من الرجل وأن تنتصف منه فليس سبيلها إلى ذلك المغالبة ~~والمصارعة، فإنها أضعف منه جسما وعقلا، بل السبيل إليه أن نعلمها العلم ~~لتعرف كيف تستعطفه وتسترحمه وكيف تحمله على إجلالها وإعظامها، وأن نعلمه ~~كذلك ليستطيع أن يكون شخصا كريما، وإنسانا رحيما. # PageV01P344 ### | الدعوة # ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيا إلى ترك ضلالة ~~من الضلالات إلا وقد ms178 آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها ولا يخبو أوارها حتى تهلك ~~تلك الضلالة أو يهلك دونها. # ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، ~~وليس سلب الأجسام أرواحها بأقرب منالا من سلب النفوس غرائزها وميولها. # لا يضن الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنه بما تنطوي عليه جوانحه من ~~المعتقدات، وإنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما ~~سالت الدماء ولا تمزقت الأشلاء في مواقف الحروب البشرية من عهد آدم إلى ~~اليوم إلا حماية للمذاهب وذودا عن العقائد. # لذلك كان الدعاة في كل أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزءوها في ~~ذخائر نفوسها، ويفجعوها في أعلاق قلوبها. # الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة وقلوب صابرة على احتمال # PageV01P345 # المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة حتى يبلغوا الغاية التي ~~يريدونها أو يموتوا في طريقها. # الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ~~ملحدين أو ضالين أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون. # الدعاة الصادقون يعلمون أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- عاش بين أعدائه ~~ساحرا كذابا فلما مات مات سيد المرسلين، وأن الغزالي عاش متهما بالكفر ~~والإلحاد ومات حجة الإسلام، وأن ابن رشد عاش ذليلا مهانا حتى كان الناس ~~يبصقون عليه إذا رأوه ومات فيلسوف الشرق، فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء ~~العظماء أحياء وأمواتا. # سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنا، ولا ~~تسمع له قولا، إنه يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته فيكون أجهل الناس وأحمق ~~الناس. # هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألم ~~بنفوس كثير من العلماء فأسكت ألسنتهم عن قول الحق وحبس نفوسهم عن الانطلاق ~~في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما ~~يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان وسكنت المدارك وأصبحت # PageV01P346 # العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه الهواء. # الجهل غشاء ms179 سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججه تلامس ذلك الغشاء فتحرقه ~~رويدا رويدا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها ما دام الغشاء بينه وبينها، ~~حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء فرأى النار نورا، والألم لذة وسرورا. # لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق في ميدان؛ لأن الحق وجود والباطل عدم، ~~وإنما يصرعه جهل العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، ~~والدعاء إليه. # محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد ~~متعددون في عصور متعددة فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض ~~الثاني منه حجرا والثالث آخر وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر. # الجهلاء مرضى والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي ~~فرارا من إزعاج المريض أو خوفا من صياحه وعويله أو اتقاء لسبه وشتمه، فإنه ~~سيكون غدا أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه. # وبعد فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبا إليها إلا إذا كان ~~خائنا في دعوته سالكا سبيل الرياء والدهان في دعوته، # PageV01P347 # وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها إلا بعد أن تتجرع مرارة دوائه، ~~وتشعر بحلاوة الشفاء، بعد مرارة ذلك الدواء. # الدعاء في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة1 الأرض والسماء، ولكن لا ~~يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنه لا يوجد بينهم شجاع. # أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء المجامع وخطباء المنابر كلهم ~~يدعون إلى الحق وكلهم يعظون وينصحون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ~~ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرا، أو يلاقي في ~~طريقها شرا. # رأيت الدعاة في هذه الأمة أربعة، رجل يعرف الحق ويكتمه عجزا وجبنا، فهو ~~ساكت طول حياته لا ينطق بخير ولا شر، ورجل يعرف الحق وينطق به، ولكنه يجهل ~~طريق الحكمة والسياسة في دعوته فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان ~~خيرا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المر في "برشامة" ~~ليسهل تناوله وازدراده، ورجل لا يعرف حقا ولا باطلا، فهو يخبط ms180 في دعوته خبط ~~الناقة العشواء في مسيرها, فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل والضار ~~والنافع في موقف واحد، PageV01P348 # فكأنه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه: # مكر مفر مقبل مدبر معا # ورجل يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد، وهو أخبث ~~الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا ~~أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنه يوردها موارد التلف ~~والهلاك باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة ~~تستفيد الأمة رشدها وهداها. # ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلاءها، فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة ~~ينيرون لهم طريق الدعوة, ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، ~~فليت شعري متى يتعلمون، ثم متى يرشدون. # تم الجزء الأول من النظرات # PageV01P349 ### | فهرست الجزء الأول من النظرات # صفحة # أتاريخ حياة المنفلوطي # أ-1 تقديم بقلم د. جبرائيل جبور # 3 المقدمة # 51 الغد # 55 الكأس الأولى # 61 الدفين الصغير # 67 مناجاة القمر # 70 أين الفضيلة # 76 الغني والفقير # 80 مدينة السعادة # 90 أيها المحزون # 92 إلى الدبر # 98 الرحمة # 106 رسالة الغفران # 119 عبرة الدهر # 129 أفسدك قومك # 132 الصدق والكذب # 143 النظامون # 145 الحرية # 150 عبرة الهجرة # 154 الإنصاف # 156 المدنية الغربية # 162 يوم الحساب # 171 الشعرة البيضاء # 177 الصياد # 185 الانتحار # 189 الجمال # 192 الكذب # 194 غرفة الأحزان # 202 الترف # 207 الحب والزواج # 213 الإسلام والمسيحية # 226 أهناء أم عزاء # 228 الزوجتان # 236 في سبيل الإحسان # 245 أدب المناظرة # 250 الإحسان في الزواج # 255 لا همجية في الإسلام # 260 البخيل # 267 البعوض # PageV01P350 # صفحة # 273 الجزع # 277 الاتحاد # 283 النبوغ # 290 البائسات # 295 البيان # 303 السريرة # 307 زيد وعمرو # 311 أبو الشمقمق # 316 دورة الفلك # 319 تأبين فولتير # 335 العلماء والجهلاء # 339 الرجل والمرأة # 345 الدعوة # "تمت الفهرست" # PageV01P351 ### | المجلد الثاني ### | الحياة الذاتية # ... # الحياة الذاتية: # أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوسهم، أي: إنهم لا ~~يتحركون ولا يسكنون ms181 ولا يأخذون ولا يدعون، إلا لأن الناس هكذا يريدون. # حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنية مدخلة في حياة الناس، فلو فتش ~~عنها لا يجد لها أثرا إلا في عيون الناظرين، أو آذان السامعين، أو أفواه ~~المتكلمين. # يتمثل لي أن الإنسان لو علم أن سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدا في هذا ~~العالم لا يجد بجانبه أذنا تسمع صوته, ولا عينا تنظر شكله, ولا لسانا يردد ~~ذكره لآثر الموت على الحياة عله يجد في عالم غير هذا العالم من آذان ~~الملائكة أو عيون الجنة مقاعد يقتعدها, فيطيب له العيش فيها. # إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين, فأي مانع يمنعني من ~~القول بأن تلك الحياة التي نحسبها متكثرة في هذا العالم حياة واحدة يتفق ~~جوهرها, وتتعدد صورها كالبحر المائج # PageV02P003 # نراه على البعد فنحسبه طرائق قددا, ونحسب كل موجة من أمواجه قسما من ~~أقسامه, فإذا دنونا منه لا نرى غيره, ولا نجد لموجة من أمواجه حيزا ثابتا, ~~ولا وصفا معينا. # لا حي في هذا العالم حياة حقيقية إلا ذلك الشاذ الغريب في شئونه وأطواره ~~وآرائه وأعماله, الذي كثيرا ما نسميه مجنونا, فإن رضينا عنه بعض الرضى في ~~بعض الأحايين سميناه فيلسوفا ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولى شأن ~~الإنسان وتغيير نظاماته وقوانينه, وينتقل به من حال إلى حال بما يقلب من ~~عاداته ويحول من أفكاره. # أي قيمة لحياة امرئ لا عمل له فيها إلا معالجة نفسه وتذليلها على الرضى ~~بما يرضى به الناس, فيأكل ما لا يشتهي ويصدف نفسه عما تشتهي, ويسهر حيث لا ~~يستعذب طعم السهر وينام حيث لا يطيب له المنام ويلبس من اللباس ما يحرج ~~صدره أو يقصم ظهره, ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه ويأكل أحشاءه, ويقف على ~~ما يكره ويمشي إلى ما لا يحب, ويضحك لما يبكي ويبكي لما يضحك, ويبتسم لعدوه ~~ويقطب في وجه صديقه, وينفق في دراسة ما يسمونه علم آداب السلوك أي: علم ~~الدهان والملق, زمنا لو أنفق ms182 عشر معشاره في دراسة علم من علوم الحقيقة لكان # PageV02P004 # نابغته المبرز فيه حرصا على رضاء الناس, وازدلافا إلى قلوبهم. # ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركبة في غرائز الناس، فلو لم ~~يذوقوها لما طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها عليهم إلا كلف تاركيها برضاء ~~شاربيها، وما كان الترف خلقا من الأخلاق الطبيعية للإنسان ولكن كلف ~~المتقشفون برضاء المترفين فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل من شقاء العيش ~~وبلائه وأثقال الحياة ومؤنها ما نغص عليهم عيشهم وأفسد عليهم حياتهم، وإنك ~~لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب ويعلم ما يأخذ وما يدع يبيع منزله في ~~نفقة المأتم وأثاث منزله في نفقة العرس, فلا تجد لفعله تأويلا إلا خوفه من ~~سخط الناس واتقاءه مذمتهم، وكثيرا ما قتل الخوف من سخط الناس والكلف برضاهم ~~ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، فكم رأينا من ذكي يظل طول حياته خاملا ~~متلففا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه؛ مخافة هزء الناس ~~وسخرهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط ~~الساخطين, ونقمة الناقمين. # وما أعجبت برجل في حياتي إعجابي بأديب من أدباء هذه الأمة من الذين ~~يملئون الصدور والأسماع, يرمي بالرسالة من رسائله في الصحيفة من الصحف ثم ~~يمضي لسبيله قدما فلا يمشي # PageV02P005 # وراءها مشية المتسمع المتجسس ليعلم ما رأي الناس فيها وما حديثهم عنها, ~~وهل سخطوا عليها أو رضوا بها, ولا يمشي متنقلا في المجامع والأندية مسائلا ~~عنها كل غاد ورائح ليجد خيرا فيضحك ويستبشر، أو شرا فيبكي ويبتئس، بل كثيرا ~~ما رأيته يسمع حديث الناس عنه في حالي رضاهم وسخطهم ساكنا هادئا كأنما ~~يحدثون غيره ويعنون سواه، حتى كدت أتخيل أن لا فرق عنده بين أحسنت وأجدت، ~~وأسأت وأخطأت، بل قلما رأيته على كثرة لصوقي به وتفقدي مواقع سمعه وبصره ~~يقرأ ما تكتبه الصحف عنه وما تعلقه على آرائه في رسائله من مدح أو ذم حتى ~~كدت أحمل تلك الحال الغريبة من أمره على البله والغفلة, أو العظمة ~~والكبرياء ms183 لولا أني فاتحته مرة في ذلك وسألته: لم لا تحفل برأي الناس فيك؟ ~~ولم لا تقرأ ما يكتبون عنك؟ فأجاب: إنني ما أقدمت على الكتابة للناس في ~~إصلاح شئونهم وتقويم معوجهم إلا بعد أن عرفت أني أستطيع أن أنزل منهم منزلة ~~المعلم من المتعلم، والناس خاصة وعامة، أما خاصتهم فلا شأن لي معهم ولا ~~علاقة لي بهم ولا دخل لكلمة من كلماتي في شأن من شئونهم, فلا أفرح برضاهم ~~ولا أجزع لسخطهم؛ لأني لم أكتب لهم ولم أتحدث معهم ولم أشهدهم أمري ولم ~~أحضرهم # PageV02P006 # عملي، بل أنا أتجنب جهد المستطيع أن أستمع منهم كل ما يتعلق بي من خير أو ~~شر؛ لأني راض عن فطرتي وسجيتي في اللغة التي أكتب بها, فلا أحب أن يكدرها ~~علي منهم مكدر وعن آرائي ومذاهبي التي أودعها رسائلي, فلا أحب أن يشككني ~~فيها منهم مشكك، ولم يهبني الله من قوة الفراسة ما أستطيع أن أميز به بين ~~مخلصهم ومشوبهم, فأصغي إلى الأول لأستفيد علمه, وأعرض عن الثاني لأتقي غشه، ~~فأنا أسير بينهم مسير رجل بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ منها في ساعة ~~محدودة, ثم علم أن على يمين الطريق الذي يسلكه روضة تعتنق أغصانها وتشتجر ~~أفنانها وتغرد أطيارها وتتألق أزهارها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده ~~وتعوي ذئابه وتفح أفاعيه وصلاله, فمشى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو عن ~~غايته بشهوات سمعه وبصره, ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع ~~المقعية والصلال الناشرة فتعترض دون طريقه، وأما عامتهم فهم بين ذكي قد ~~وهبه الله من سلامة الفطرة وصفاء القلب ولين الوجدان ما يعده لاستماع القول ~~واتباع أحسنه فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حيل بينه وبين نفسه فهو لا ~~يرضى إلا عما يعجبه ولا يسمع إلا ما يطربه فأكل أمره إلى الله وأستلهمه ~~صواب الرأي فيه حتى يجعل # PageV02P007 # له من بعد عسر يسرا، فأنا أكتب لا لأعجب الناس بل لأنفعهم، ولا لأسمع ~~منهم أنت أحسنت بل لأجد ms184 في نفوسهم أثرا مما كتبت، فلو أن هذه العشرة ~~الملايين التي يحتضنها هذان الجبلان أجمعت أمرها على الإعجاب بي والرضاء ~~عني ثم رأيت من بينها رجلا واحدا ينتفع بما أقول لكان الواحد المستفيد آثر ~~في نفسي من الملايين المعجبين، أتدري لم عجز كتاب هذه الأمة عن إصلاحها؟ ~~لأنهم يظنون أنهم لا يزالون حتى اليوم تلاميذ في المدارس, وأنهم جالسون بين ~~أيدي أساتذة اللغة يتلقون عنهم دروس البيان، فترى الواحد منهم يكتب وهمه ~~المالئ قلبه أن يعجب اللغويين، أو يروق المنشئين، أو يطرب الأدباء، أو يضحك ~~الظرفاء، ولا يدخل في باب أغراضه ومقاصده أن يتفقد المسلك الذي يريد أن ~~يسلكه إلى قلوب الناس الذين يقول: إنه يعظهم أو ينصح لهم أو يهذبهم أو ~~يثقفهم؛ ليعلم كيف ينفذ إلى نفوسهم وكيف يهجم على قلوبهم وكيف يملك ناصية ~~عقولهم, فيعدل بها عن ضلالها إلى هداها، وعن فسادها إلى صلاحها، فمثله كمثل ~~الفارس الكذاب الذي تراه كل يوم حاملا سيفه إلى الجوهري يرصع له قبضته, أو ~~الحداد ليشحذ له حده, أو الصيقل ليجلو به صفحته, ولا تراه يوما في ساحة ~~الحرب ضاربا به. # PageV02P008 # قد يكون الولع برضاء الناس والخوف من سخطهم مذهبا من مذاهب الخير, وطريقا ~~من طرق الهداية للضال عنها لو أن الفضيلة هي الخلق المنتشر فيهم والغالب ~~على أمرهم، بل لو كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ~~ذاتها من حيث هي, لا من حيث تشخصها في أفعال الناس وأقوالهم، فإذا استوثق ~~منها وعلم أنها قد خالطت قلبه وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانا يزن به ~~أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال الناس وأفعالهم, ثم لا يبالي بعد ذلك ~~أرضوا عنه أو سخطوا عليه, أو أحبوه أو أبغضوه, فإنما يبكي على الحب النساء. # PageV02P009 ### | العبرات # كنت أغبط نفسي على التجلد والصبر, وأحسبني قادرا على الاستمساك في كل رزء ~~مهما جل شأنه وعظم وقعه، فلما مات مصطفى كامل علمت أن من الرزايا ما لا ~~يطاق تجرعه، ولا يستطاع احتماله. # كل يوم ms185 نرى الموت ولا نزال نعد الموت غريبا، هيهات لا غرابة في الموت، ~~ولكن الغريب موت الغريب. # كل يوم تمر بنا قوافل الموتى فلا نأبه لها، وأكبر نصيبها منا الحوقلة ~~والاسترجاع، فلما مرت قافلة مصطفى كامل دهشنا وجزعنا؛ لأنه كان غريبا في ~~حياته، فأحرى أن يكون غريبا في مماته. # مات مصطفى كامل فعرفنا الموت وما كنا نعرفه قبل ذلك؛ لأننا ما كنا نرى ~~إلا أمواتا ينقلون من ظهر الأرض إلى بطنها، أما مصطفى كامل فكان حيا حياة ~~حقيقية, فكان موته كذلك. # لا يحسب الكاتبون أنهم صنعوا شيئا إذا بذلوا لذلك الفقيد # PageV02P010 # العظيم قطرة من الدمع أو قطرة من المداد، فإنه كان يبذل لهم ماء حياته ~~قطرة قطرة حتى أفناه ومضى لسبيله، فشتان ما بين صنيعهم وصنيعه. # أين قطرات الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم، أو قطرات المداد التي ~~يرصع بها الكتاب أقلامهم، من قطرات الحياة التي أراقها مصطفى كامل في سبيل ~~وطنه وأمته؟! # كان مصطفى كامل سراجا كبير الشعلة، وكل سراج تكبر شعلته يفرغ زيته وشيكا ~~وتحترق ذبالته, فينطفئ نوره. # كان مصطفى كامل نشطا سريع الحركة, فقطع جسر الحياة في لحظة واحدة. # كان الوطنيون قبل اليوم يتكلمون، فلما جاء مصطفى كامل علمهم كيف يصيحون، ~~فلما صاحوا وأسمعوا عرفوا أن آذان السياسة لا يخترقها إلا الصوت الجهوري, ~~ولولاه ما كانوا يعرفون. # كان الوطنيون يحتقرون أنفسهم ويسيئون الظن بها, فلا يصدقون أن تربة مصر ~~تنبت أمثال فولتير وهوجو وغاريبالدي وواشنطون، فلما نبغ بينهم مصطفى كامل ~~عرفوا أن تربة مصر لا تختلف كثيرا عن تربة أوروبا لو تعهدها الزارعون. # كان لمصطفى كامل أنامل أشبه شيء بريشة الموسيقار يضرب # PageV02P011 # بها على أوتار القلوب، وكأنما كان بينه وبينها سلك كهربائي, فهي تتحرك ~~بحركته وتسكن بسكونه. # ما كان مصطفى كامل أذكى الناس ولا أعلم الناس ولا أعقل الناس, ولكنه كان ~~أشجع الناس. # كان يفكر فيقتنع فيصمم فيمضي, فلا ينثني حتى الموت. # كان يخطئ أحيانا في اتخاذ الوسائل إلى آماله، ولكنه ما كان يتمهل كثيرا ~~ليتبين أي طريق ms186 يأخذ, ولا أي مسلك يسلك مخافة أن تفتر همته بين الأخذ ~~والرد, فيكون خطؤه في قعوده أكثر من خطئه في جهاده. # كان له منافسون يرمونه بالخفة والطيش، ويقولون له: إنك مخطئ أو مضر أو ~~غير محسن أو غير عظيم، فما كان يصدق من ذلك شيئا، كأنما كان ينظر بعين ~~الغيب إلى هذا اليوم الذي اتفق فيه أصدقاؤه وأعداؤه, وخصومه وأولياؤه أنه ~~رجل عظيم. # ما كان مصطفى كامل من الأغنياء ولا من بيت الملك، وما كان آمرا ولا ~~ناهيا، ولا رافعا ولا خافضا، ولكنه لقي من إجلال الناس لموته وإعظامهم ~~لمصيبته ما لم يلق واحد من هؤلاء، ولا فضل لهم في ذلك عليه، فهو الذي علمهم ~~كيف يحترمون العقول ويجلون المناقب والمزايا. # PageV02P012 # فيأيها القارئ الكريم: إن كان لك ولد تحب أن تجعله رجلا, فاجعل بين يديه ~~حياة مصطفى كامل؛ ليتعلم منها الشجاعة والإقدام. # ويأيها المصري: كن أحرص الناس على وطنيتك، ولا تبغ بها بدلا من عرض ~~الدنيا وزخرفها؛ فإنك إن فعلت كنت مصطفى كامل. # ويأيها الإنسان: أقدم على عظائم الأمور ولا تلتفت يمنة ولا يسرة, واخترق ~~بسيف شجاعتك صفوف المعترضين والمنتقدين والمتهكمين، فإنهم سيعترفون بفضلك ~~ويسمونك عظيما كما سموا مصطفى كامل. # ويأيها الراحل المودع: إن بين جنبي لوعة تعتلج لفراقك, لا أعرف سبيلا إلى ~~التعبير عنها إلا القلم. # ها أنذا أعالج القلم علاجا شديدا على أن يسعفني بحاجتي, وها أنذا أقلبه ~~ظهرا لبطن وأكثر من استمداده وأضغط به على القرطاس ضغطا شديدا, فلا أراه ~~يغني عني شيئا. # خطر لي أن الحزن في سويداء القلب, وأنه بعيد الغور لا تبلغ إليه هذه ~~الأداة القصيرة التي في يدي فاستبدلت منها أداة أطول منها, فكان حكمها حكم ~~سابقتها. # PageV02P013 # إذن كيف أعبر عن وجدي عليك أيها الفقيد الكريم، وقد خرس القلم وعي ~~اللسان؟! الآن عرفت السبيل, ووصلت إلى ما أريد. # أنت الآن في عالم الأرواح وقد انكشف لك كل شيء من أسرار القلوب ودخائل ~~الصدور، ولا بد أن يكون قد انكشف لك ما يكن قلبي ms187 من الوجد عليك، فما حاجتي ~~بعد ذلك إلى ترجمة القلم أو تعبير اللسان. # أيها الراحل المودع: طبت حيا وميتا، خدمت أمتك في حياتك وبعد مماتك، لولا ~~حياتك ما نمت العاطفة الوطنية في نفوس المصريين، ولولا مماتك ما عرف العالم ~~بأجمعه أن الأمة المصرية على اختلاف مشاربها ومذاهبها تجمعها كلمة واحدة، ~~وهي حب الوطن وحب رجاله العاملين. # PageV02P014 ### | دمعة على الإسلام # كتب إلي كاتب من علماء الهند كتابا يقول فيه: إنه اطلع على مؤلف ظهر ~~حديثا بلغة "التأميل" وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب ~~مدارس، موضوعه تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر فضائله وكراماته, ~~فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها السيد عبد القادر ولقبه بها ~~صفات وألقابا هي أجدر بمقام الألوهية منها بمقام النبوة, فضلا عن مقام ~~الولاية كقوله: "سيد السموات والأرض" و"النفاع الضرار" و"المتصرف في ~~الأكوان" و"المطلع على أسرار الخليقة" و"محيي الموتى" و"مبرئ الأعمى ~~والأبرص والأكمه" و"أمره من أمر الله" و"ماحي الذنوب" و"دافع البلاء" ~~و"الرافع الواضع" و"صاحب الشريعة" و"صاحب الوجود التام" إلى كثير من أمثال ~~هذه النعوت, والألقاب. # ويقول الكاتب: إنه رأى في ذلك المؤلف فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي ~~يجب أن يتكيف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني, يقول فيه: # PageV02P015 # "أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا, ثم يصلي ركعتين بخشوع ~~واستحضار, ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة, وبعد السلام على صاحب الضريح ~~المعظم يقول: # "يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي، وتفريج كربتي". # "أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا ~~سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجه عبد القادر". # "يا حضرة الغوث الصمداني, يا سيدي عبد القادر الجيلاني عبدك ومريدك مظلوم ~~عاجز, محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة"". # ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة "ناقور" في الهند قبرا يسمى "شاه الحميد" ~~وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون, وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك ~~القبر سجودهم ms188 بين يدي الله، وإن في كل بلدة وقرية من بلدان الهند وقراها ~~مزارا يمثل مزار السيد عبد القادر, فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون ~~في تلك البلاد, والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من ~~الأموال على خدمته وسدنته وفي موالده وحفلاته # PageV02P016 # ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا أغنياء. # هذا ما كتبه إلي ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى ~~دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني, فما أبصر مما حولي شيئا حزنا ~~وأسفا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه ~~بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا عهد له بها، ولا قبل له باحتمالها. # أي عين يجمل بها أن تستبقي من شئونها قطرة لا تريقها أمام هذا المنظر ~~المؤثر؛ منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر ميت ربما كان بينهم ~~من هو خير منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته! # أي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجدا أو يطير ~~جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكا بالله، ~~وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات. # لماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟! ولماذا يحملون لهم في صدورهم ~~تلك الموجدة وذلك الضغن؟! وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا ~~من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟! # PageV02P017 # يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة, ولكنهم كأنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد ~~وبعده عن العقل, فيجملون فيه يقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد، أما ~~المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار ~~من حيث لا يشعرون. # كثيرا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرا وهو لا يشعر به، وكثيرا ما تشتمل ~~نفسه على عقيدة وهو لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلا لذلك أقرب من ~~المسلمين الذين يلجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم ~~تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم ms189 ~~وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم لا يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر ~~مظهر من مظاهر الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين إليه يلتمسون ~~إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون. # جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ويغرس في قلوبهم الشرف ~~والعزة والأنفة والحمية, وليعتق رقابهم من رق العبودية فلا يذل صغيرهم ~~لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق ~~والعدل، وقد # PageV02P018 # ترك الإسلام بسر عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في ~~العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيره, يضربون على يد الظالم ~~إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه: لا تغل في تقدير نفسك، ~~ولا تخرج عن دائرتك؛ فإنما أنت عبد مخلوق، لا رب معبود، واعلم أنه لا إله ~~إلا الله. # هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أما اليوم وقد داخل ~~عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى فقد ذلت رقابهم، ~~وخفقت رءوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف واستناموا إلى ~~المنزلة الدنيا, فوجد أعداؤهم السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم, وملكوا ~~عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم فأصبحوا من الخاسرين. # والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من ~~سعادة الحياة وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة ~~التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من ~~رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما ~~يقفون بين يدي الله, ويقولون للأول كما يقول للثاني -جل جلاله: # PageV02P019 # "أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات". # إن الله أغير على نفسه من أن يسعد أقواما يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه ~~وراءهم ظهريا، فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن ~~يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه. # بمن أستغيث وبمن أستنجد ومن الذي أدعو لهذه الملمة، أأدعو علماء مصر وهم ms190 ~~الذين يتهافتون على يوم "الكنسة"1 تهافت الذباب على الشراب، أم علماء ~~الأستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني فيلسوف الإسلام وأحيوا أبا ~~الهدى الصيادي شيخ الطريقة الرفاعية، أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى ~~قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام، أم علماء الهند وبينهم مثل مؤلف ~~ذلك الكتاب؟! # يا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: ~~إن العامي أقصر نظرا وأضعف إدراكا من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة ~~في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب ~~الله, وتقرءون صفاته ونعوته, وتفهمون معنى قوله تعالى: {قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله} وقوله PageV02P020 # مخاطبا نبيه: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} , وقوله: {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} ؟! # إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: "كل خير في اتباع من سلف، ~~وكل شر في ابتداع من خلف" فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبرا أو ~~يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أن أحدا منهم وقف عند قبر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟! وهل ~~تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة ~~إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟! وهل تعلمون أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ~~ولعبا أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟! وأي فرق بين الصور ~~والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك, ويفسد عقيدة ~~التوحيد؟! # والله ما جهلتم شيئا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة, فعاقبكم ~~الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون ~~أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب. # PageV02P021 ### | السياسة # حضرة السيد الفاضل # ما لك لا تكثر من الكتابة في الشئون السياسية إكثارك منها في الشئون ~~الأخلاقية والاجتماعية؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك وقد وسع كل شيء؟ فاكتب لنا ~~في السياسة, فأمتك تحب ms191 أن تراك سياسيا والسلام فلان. # أيها الكاتب: # يعلم الله أني أبغض السياسة وأهلها بغضي للكذب والغش والخيانة والغدر. # أنا لا أحب أن أكون سياسيا؛ لأني لا أحب أن أكون جلادا. # لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد, ~~وأولئك يقتلون الأمم. # هل السياسي إلا رجل عرفت أمته أنه لا يوجد بين أفرادها من هو أقسى منه ~~قلبا، ولا أكثر كيدا؛ فنصبته # PageV02P022 # للقضاء على الأمم الضعيفة وسلبها ما وهبها الله من الحسنات، وأجزل لها من ~~الخيرات. # أليس أكبر السياسيين مقاما وأعظمهم فخرا وأسيرهم ذكرا ذلك الذي نقرأ ~~صفحات تاريخه, فنرى حروفها من أشلاء القتلى, ونقطها من قطرات الدماء. # أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا كان كاذبا في أقواله وأفعاله، يبطن ~~ما لا يظهر، ويظهر ما لا يبطن، ويبتسم في مواطن البكاء، ويبكي في مواطن ~~الابتسام. # أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا عرف أن بين جنبيه قلبا متحجرا لا ~~يقلقه بؤس البائسين، ولا تزعجه نكبات المنكوبين. # كثيرا ما يسرق السارق, فإذا قضى مأربه رفع يده متضرعا إلى الله أن يرزقه ~~المال حلالا حتى لا يتناوله حراما، وكثيرا ما يقتل القاتل فإذا فرغ من أمره ~~جلس بجانب قتيله يبكي عليه بكاء الثكلى على وحيدها، أما السياسي فلا يرى ~~يوما في حياته أسعد من اليوم الذي يعلم فيه أن قد تم له تدبيره في إهلاك ~~شعب وإفقار أمة، وآية ذلك أنه في يوم انتصاره كما يسميه هو أو في يوم ~~جنايته كما أسميه أنا يسمع هتاف الهاتفين مطمئن القلب # PageV02P023 # مثلج الصدر، حتى ليخيل إليه أن الفضاء بأرضه وسمائه أضيق من أن يسع قلبه ~~الطائر المحلق فرحا وسرورا. # يقولون: إن السياسة ليست علما من العلوم التي يتعلمها الإنسان في مدرسة ~~أو يدرسها في كتاب، وإنما هي مجموعة أفكار قانونها التجارب وقاعدتها العمل، ~~أتدري لماذا؟ # لأن العلماء أشرف من أن يدونوا المكايد والحيل في كتاب، والمدارس أجل من ~~أن تجعل بجانب دروس الأخلاق والآداب دروس الأكاذيب والأباطيل، وإلا فكل ~~طائفة من ms192 طوائف المعلومات المتشابهة تدخل بطبيعتها تحت قانون عام يؤلفها, ~~ويجمع بين أشتاتها. # هؤلاء هم السياسيون وهذه هي أخلاقهم وغرائزهم في الأعم الأغلب من شئونهم ~~وأطوارهم، فهل تظن أيها الكاتب أن رجلا نصب نفسه لنصرة الحقيقة والأخذ ~~بضبعي الفضيلة لاستنقاذها من بين مخالب الرذيلة, ووقف قلمه على تهذيب ~~النفوس وترقية الخلاق, وملأ في رسائله فضاء الأرض والسماء بكاء ونواحا على ~~أمته المسكينة المستضعفة, يستطيع أن يكون سياسيا أو محبا للسياسيين؟! # PageV02P024 ### | خداع العناوين # لقد جهل الذين قالوا: إن الكتاب يعرف بعنوانه، فإني لم أر بين كتب ~~التاريخ أكذب من كتاب بدائع الزهور ولا أعذب من عنوانه، ولا بين كتب الأدب ~~أسخف من كتاب جواهر الأدب ولا أرق من اسمه، كما لم أر بين الشعراء أعذب ~~اسما وأحط شعرا من ابن مليك وابن النبيه والشاب الظريف. # لقد كثر الاختلاف بين العناوين وبين الكتب حتى كدنا نقول: إن العناوين ~~أدل على نقائضها منها على مفهوماتها، وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها، وإن ~~العنوان الكبير حيث الكتاب الصغير، والكتاب الجليل حيث العنوان الضئيل. # الأتقياء: # لولا خداع العناوين ما سمينا صالحا تقيا كل من حرك سبحته، وأطال لحيته، ~~ووسع جبته، وكور عمامته، ولقد نعلم أن وراء هذا العنوان الأبيض كتابا أسود ~~الصفحات، كثير السقطات، وأن تحت هذا الستر الحريري الرقيق نفسا سوداء # PageV02P025 # مظلمة لا ينفذ إليها شعاع من أشعة الرحمة، ولا تهب عليها نسمة من نسمات ~~الإحسان. # لن يؤمن المؤمن حتى يبذل في سبيل الله أو في سبيل الجماعة من ذات نفسه أو ~~ذات يده ما يشق على مثله الجود بمثله، أما الجود بالشفاه للهمهمة، والأنامل ~~للمسبحة، فعمل لا يتكلف صاحبه له أكثر مما يتكلف لتقليب ناظريه، وتحريك ~~هدبيه، وهل خلقت الشفاه إلا للتحريك، والأنامل إلا للتقليب؟ # إن للإيمان مواقف يمتحن الله فيها عباده ليعلم الذين صدقوا ويعلم ~~الكاذبين، فإن بذل الضنين بماله ماله في مواقف الرحمة والشفقة، والشحيح ~~بنفسه نفسه في سبيل الذود عن حوضه، والذب عن عشيرته وقومه، وضعيف العزيمة ~~ما يملك من قوة وأيد في ms193 مغالبة شهوات النفس ومقاومة نزواتها، فذلك المؤمن ~~الذي لا يشوب إيمانه رياء ولا دهان، ولا يخالط يقينه خداع ولا كذب، أو لا ~~فأهون بهمهمته ودمدمته، ومسواكه ومسبحته، وهو بعنوان المنافق الكاذب أحرى ~~منه بعنوان التقي الصالح {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون} . # PageV02P026 # الوطنيون: # كنا وكان الرجل لا يبلغ ما يشتهيه من رتبة الوطنية إلا إذا قام في أمته ~~مقاما محمودا يخاطر فيه بإحدى جوهرتيه ليدفع عنها خطبا مقبلا أو ينقذها من ~~بلاء محيط، فإما بلغ في هجرته الغاية التي يريدها، وإما هلك من دونها هلاكا ~~لا تؤلم نفسه صدمته، ولا تمر بفمه غضاضته؛ لأنه مخلص، وحسب المخلص جزاء له ~~على إخلاصه أنه وفى دينه الذي كان يثقل ظهره وكفى، فأصبحنا وليس بين المرء ~~وبين نيل ألقاب الوطنية الأولى, وشاراتها الفضلى إلا صرخة عالية يصرخها في ~~أحد المجامع, أو كلمة تافهة يكتبها في إحدى الصحف حتى تقام له الحفلات كما ~~تقام لعظماء الرجال، وتمد إليه الأصابع كما تمد للقواد الأبطال، وربما كانت ~~صرخة ذلك الصارخ جنة تمثلت في رأسه تمثل النهيق في رأس الحمار، فلما حان ~~حينها عطس بها في ذلك المجمع الذي صادفه في طريقه لينفس عن نفسه، ويفرج من ~~كربته، وربما كانت كلمة ذلك الكاتب نغمة من نغمات السؤال التي يترنم بها ~~المتسولون، أو رقية من رقى الممخرقين التي يهمهمون بها استنداء للأكف, ~~واستدرارا لحسنات المحسنين. # أعجب ما يعجب له المرء في هذه الأمة أنها لا تصدق الرجل # PageV02P027 # المستور إذا ادعى على آخر بفلس أو سحتوت حتى تطالبه بالشهود العدول ~~والصكوك المؤكدة والأيمان المحرجة، فإذا قام بين يديها من لا تعرف له عدلا ~~في سيرته، ولا صدقا في قوله، ولا إخلاصا في عمله، فادعى الوطنية لنفسه، ~~والوطنية أثمن من الجوهر المنتقى واللؤلؤ المكنون، حكمت له بصحة دعواه في ~~قضيته حكم القضاة الظالمين, بغير بينة ولا يمين. # لولا خداع العناوين لوجدنا بين التجار الأمناء الذين يخدمون أمتهم بالصدق ~~في القول والأمانة في العمل، والموظفين الشرفاء الأعفاء ms194 الذين لا يحابون ~~ولا يصانعون، والحكام العادلين المخلصين لله وللأمة في السر والعلن، ~~والزارعين المستقيمين، والصناع المجدين، والأكارين المستضعفين، من هو أولى ~~بلقب الوطنية من أولئك الصارخين المتهوسين، والكاتبين المخادعين. # الأمجاد: # يقولون: إن الولد سر أبيه, ويريدون بذلك أنه المرآة التي ترتسم فيها ~~صورته والبذرة التي تكمن فيها حقيقته وماهيته، وعلى هذه القاعدة بنى ~~البانون قاعدة المجد, فأعظموا شأن الرجل الذي يمسك بطرف سلسلة في النسب ~~يتصل أولها بعظيم من عظماء النفوس، أو شريف من شرفاء الأخلاق. # PageV02P028 # ثم ما زال الناس يعبثون بعنوان الشرف ويتوسعون في معناه حتى نظموا في ~~سلكه الجبابرة الذين يسمونهم أمراء، والظلمة الذين يسمونهم ملوكا، ~~والسفاحين الذين يسمونهم قوادا، واللصوص الذين يسمونهم وجهاء، فساقهم الخطأ ~~في فهم الشرف إلى الخطأ في فهم المجد، فسموا ماجدا كل من ولد في فراش ملك ~~وإن كان الحاكم بأمر الله، أو أمير وإن كان الحجاج، أو وزير وإن كان ابن ~~الزيات، أو قائد وإن كان تيمورلنك، أو غني وإن كان قارون. # لا مجد إلا مجد العلم، ولا شرف إلا شرف التقوى، ولا عظمة إلا عظمة ~~الآخذين بيد الإنسانية البائسة رحمة بها, وحنانا عليها. # أولئك هم الأمجاد، وأولئك الذين يفخر الفاخرون بالاتصال بهم والانتماء ~~إليهم، وأولئك هم المفلحون. # الأغنياء: # لم أر بين جماعة المتسولين الذين يضربون في الأرض وراء لقمة يتبلغون بها ~~أو خرقة يتقون بخيوطها البالية ما يتقون من لفحة الرمضاء، وهبة النكباء، ~~ولا بين البؤساء الذين يحرقون فحمة الليل بكاء ونحيبا حول صغار كفراخ القطا ~~يتلوون في # PageV02P029 # مضاجعهم من الجوع تلوي الأفاعي المضطربة فوق الرمال الملتهبة، وتحت الشمس ~~المحرقة، أسوأ حالا، ولا أنكد عيشا، ولا أكثر عناء، من هؤلاء الفقراء الذين ~~يسميهم الناس أغنياء. # يأكل الموسر الباخل كما يأكل الفقير ويجلس كما يجلس وينام كما ينام ~~ويتشهى كما يتشهى حتى لتكاد تثب أمعاؤه من جوفه وتسيل أحشاؤه من فمه شوقا ~~إلى ما حرم على نفسه من شهوات العيش وملذاته، ويستن1 استنان الجواد الضامر ~~في ميدان السبق وراء الدرهم البعيد ms195 مناله حتى تنبهر أنفاسه، وتتخاذل ~~أوصاله، حتى لو تخيل أن نجوم السماء دنانير منثورة لطار إليها بغير جناح ~~فسقط هاويا, أو أن في بطن الأرض كنزا مذخورا لتمنى أن لو انفجر بركانها تحت ~~قدميه فابتلعه, فأصبح من الهالكين. # الغني هو الغني بما في يده عما في أيدي الناس، والفقير هو الذي لا يقنعه ~~في هذه الحياة مقنع، ولا تقف به نفسه عند مطمع, فانظر تحت أي عنوان من هذين ~~العنوانين تضع البخلاء الموسرين. # المجرمون: # حضرت مجلسا من مجالس الأحكام حكم فيه قاض مرتش على متهم سرق رغيفا، فوضعت ~~يميني على فمي مخافة أن يخرج أمر PageV02P030 # نفسي من يدي, فأهتف صارخا لما ألم بقلبي من الرعب والفزع صرخة تدوي بها ~~جوانب القاعة دوي الموج الثائر في البحر الزاخر، قائلا: مهلا رويدا أيها ~~الحاكم الظالم، فأنت إلى قاض عادل تقف بين يديه أحوج منك إلى كرسي فخم تجلس ~~عليه، ولو عدل القانون بينك وبين هذا الماثل بين يديك لبت وأعلاكما الأسفل. # إنك ترتزق في كل شهر ثلاثين دينارا فلم ترتش إلا لأنك شره طماع، وهذا ~~السارق لم يسرق ذلك الرغيف إلا لأنه جائع ملتاع، ولو ملك مما تملك ثلاثين ~~درهما ما فعل فعلته التي فعل، فأنت مجرم إلا أنك في وشاح شريف، وهو شريف ~~إلا أنه في شملة مجرم. # فيا لله للحقيقة التي عبثت بها القوانين، ولعبت بعقول الناس فيها ~~العناوين. # رب نفس بين جدران السجون أطهر قلبا وأنقى ردنا وأبيض عرضا من مثلها بين ~~جدران القصور، ورب طريدة من طرائد المجتمع الإنساني ساقها المقدار الذي لا ~~مفر من حكمه إلى وقفة فوق أعواد المشنقة كان أجدر بها ذلك المرابي الذي ~~ينصب حبالة ماله لخراب البيوت العامرة، وإطفاء النجوم الزاهرة، أو ذلك ~~القائد الذي يسفك في مواقفه دم مائة ألف أو يزيدون في # PageV02P031 # غير سبيل سوى سبيل المجد المصنوع، والفخر الموضوع، أو ذلك السياسي الذي ~~يدبر المكيدة للحملة على أمة مستضعفة آمنة في مرقدها، سعيدة في نفسها، ~~فيستعبد أحرارها، ويستذل أعزاءها، ثم ms196 يسلبها أثمن ما تملك يمينها من حريتها ~~واستقلالها، وسعادتها وهنائها. # المتمدينون: # ليس بين المصري وبين أن يأخذ من إخوانه المصريين لقب الشاب العصري أو ~~الرجل المتمدين إلا أن يصقل جبهته، ويصفف طرته، ويفتح فمه للابتسام ~~المتصنع، ويقوس يده للسلام المتعمل، ويستكثر في حديثه من ذكر المدنية ~~الغربية وشئونها، وسرد أسماء نسائها ورجالها، وطرفها ونوادرها، ويستحسن ما ~~تستحسنه وإن كان البراز والانتحار، ويستطرف ما تستطرفه وإن كان الزندقة ~~والإلحاد، وربما زاد على ذلك شيئا من العلم بفلسفة الميكروبات، ونظرية ~~البالونات، ثم لا يحول بعد ذلك تمدينه بينه وبين أن يكون فاسقا ينتهك ~~الحرمات، أو مدمنا يترامى على أعتاب الحانات، أو أحمق لا يصفح عن ذنب، ولا ~~يصانع في هفوة، ولا يعفو عن سيئة، أو سفيها يشتم حتى أميره وسلطانه، ووالده ~~وأستاذه، أو وقاح الوجه لا يستحيي لمكرمة # PageV02P032 # ولا يغضي لمروءة، أو شحيحا لا يشرك صاحبه في مطعم ولا مشرب، ولا يفتح ~~بابه لضيف زائر، أو طارق حائر. # إن كان حقا ما يقولون من أن التمدين يصقل الطباع الخشنة، ويقوم الألسنة ~~المعوجة، ويهذب النفوس الجافية، ويوسع الصدور الحرجة، فكثير ممن ندعوهم ~~متمدينين متوحشون، وكثير ممن نسميهم همجيين مهذبون. # لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره ~~وآثامه لما حركت يدا، ولا جردت قلما؛ لأني أعلم كما يعلم الناس جميعا أن ~~طلب المحال عثرة من عثرات النفوس، وضلة من ضلالات العقول، ولكنني أطلب ~~مطلبا واحدا لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره ~~وإدراكه، أن يهذبوا قليلا من هذه المصطلحات التي أنسوا بها، والعناوين التي ~~جمدوا عليها. فلا يسمون المنافق تقيا، ولا المخادع وطنيا، ولا المتمجد ~~ماجدا، ولا البخيل غنيا، ولا المفلوك مجرما، ولا المتوحش متمدينا، حتى لا ~~ينزع محسن عن إحسانه، ولا يستمر مسيء في إساءته. # PageV02P033 ### | الإغراق # بين الإغراق في المدح, والإغراق في الذم تموت الحقيقة موتا لا حياة لها ~~من بعده إلى يوم يبعثون. # يسمع السامع أن زيدا ملك كريم، ثم يسمع أنه ms197 شيطان رجيم، فيخرج منه صفر ~~اليدين، لا يعلم أين مكانه من هذين الطرفين. # يقولون: إن المشعوذين إذا أرادوا أن يسحروا أعين الناس وضعوا في سقف غرفة ~~قطعة من المغناطيس وفي أرضها قطعة أخرى، ثم يتركون في الفضاء قطعة من ~~الحديد لا تزال تترجح بين هذين الجاذبين. # هكذا تضطرب الحقيقة في أيدي المغرقين، اضطراب الحديدة في أيدي المشعوذين. # الحقيقة بين الكاذب والكاذب، كالحبل بين الجاذب والجاذب، كلاهما ينتهي به ~~الأمر إلى الانقطاع. # لو علم الذي ينصب نفسه للموازنة بين الأشخاص أنه جالس # PageV02P034 # على كرسي القضاء, وأن الناس سيسألونه عما قال كما يسألون القاضي عما حكم، ~~ما طاش سهمه في حكمه، ولا ركب متن الغلو في تقديره. # كما أنه يجب على القاضي أن يقدر لكل جريمة ما يناسبها من العقوبة، كذلك ~~يجب على الكاتب أن يضع كل شخص في المنزلة التي وضعته فطرته فيها، وأن لا ~~يعلو به فوق قدره ولا ينزل به دون منزلته. # ليس بين كتاب هذا العصر من لم يقرأ في التاريخ الماضي متناقضات الأحكام ~~على الأشخاص، وليس بينهم من لم يتمن أن يكون في موضع أولئك المؤرخين حتى لا ~~يغلو غلوهم، ولا يتطرف تطرفهم في أحكامهم. # أيها الكتاب المحزونون: لا يحزنكم ما كان؛ فقد مضى ذلك الزمن بخيره وشره، ~~ولئن فاتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الماضي فلن يفوتكم أن تكونوا مؤرخي العصر ~~الحاضر، وكما أن للماضي مستقبلا وهو حاضركم هذا، فسيكون لهذا الحاضر مستقبل ~~يحاسبكم فيه رجاله على هفواتكم في أحكامكم، كما تحاسبون اليوم رجال الماضي ~~على غلوهم في أحكامهم، وتطرفهم في آرائهم. # إن من التناقض بين أقوالكم وأعمالكم أن تنقموا من # PageV02P035 # المؤرخين المتقدمين ما أنتم فاعلون، وتأخذوا عليهم ما أنتم به آخذون. # كل كاتب عندكم أكتب الكتاب، وكل شاعر أشعر الشعراء، وكل مؤلف أعلم ~~العلماء، وكل خطيب رئيس الأمة، وكل فقيه إمام الدين، فأين الفاضل والمفضول، ~~وأين الرئيس والمرءوس؟ وكيف يكون زيد اليوم أفضل من عمرو، ويكون عمرو غدا ~~أفضل منه؟ وأين ملكة التمييز التي وهبها الله ms198 لكم لتميزوا بها بين درجات ~~الناس ومنازلهم؟ وهل بلغ التفاوت بين عقولكم وأذواقكم أن يكون الرجل الواحد ~~في نظر بعضكم خير الناس، وفي نظر البعض الآخر شر الناس؟ # إني حبست الآن قلمي عن الكتابة؛ لأتجرد عن نفسي ساعة من الزمان, فتخيلت ~~كأني رجل من رجال العصور الآتية، وأني ذهبت إلى دار من دور الكتب القديمة ~~لأفتش فيها عن تاريخ عظيم من عظماء عصركم, فقرأت ما كتبتموه عنه في ~~مؤلفاتكم وصحفكم, فرأيته تارة عظيما وأخرى حقيرا، ومرة شريفا ومرة وضيعا، ~~ورأيته عالما وجاهلا وذكيا وغبيا وعاقلا وممرورا1 في آن واحد، فخرجت أضل ~~مما دخلت، لا أعرف من تاريخ PageV02P036 # الرجل أكثر من أنه رجل، أي: إنه ذكر بالغ من بني آدم. # أيها القوم: إنكم لا تستطيعون أن تكونوا رجالا عادلين في أحكامكم وآرائكم ~~إلا إذا أصلحتم نفوسكم قبل ذلك, وتعلمتم كيف تستطيعون أن تتجردوا عن ~~أهوائكم وأغراضكم قبل أن تمسكوا بأقلامكم. # أيها القوم: إن عجزتم عن أن تكونوا عادلين، فكونوا راحمين، فارحموا ~~أنفسكم وأعفوها من الدخول في مأزق أنتم عاجزون عنه، فقد ضاقت صدورنا بهذه ~~المتناقضات، وسئمت نفوسنا تلك المبالغات. # PageV02P037 ### | اللقيطة # مر عظيم من عظماء هذه المدينة بزقاق من أزقة الأحياء الوطنية في ليلة من ~~ليالي الشتاء ضرير نجمها، حالك ظلامها، فرأى تحت جدار متهدم فتاة صغيرة في ~~الرابعة عشرة من عمرها جالسة القرفصاء1 وقد وضعت رأسها بين ركبتيها اتقاء ~~للبرد الذي كان يعبث بها عبث النكباء بالعود، وليس في يدها ما تتقيه به إلا ~~أسمال تتراءى مزقها2 فوق جسمها العاري, كأنها آثار السياط فوق أجسام ~~المستعبدين في عهود الاستبداد. # وقف الرجل أمام هذا المشهد المحزن المؤثر وقفة الكريم الذي تؤلمه مناظر ~~البؤس وتزعج نفسه مواقف الشقاء، ثم تقدم نحوها وهز يدها برفق فرفعت رأسها ~~مرتاعة مذعورة, وهمت بالفرار من بين يديه وهي تصيح: "لا أعود, لا أعود" فلم ~~يزل يمسحها3 ويروضها حتى هدأ روعها وعاد إليها رشدها, وعلمت PageV02P038 # أنها ليست بين يدي الرجل الذي تخافه, فنظرت إليه نظرة هادئة ساكنة لو ms199 ~~أنها اتصلت بلسان ناطق وفم لحدثت عما وراءها من لواعج الأحزان، وأفانين ~~الأشجان. # - ما اسمك أيتها الفتاة؟ # - لا أعلم يا سيدي. # - بماذا ينادونك؟ # - يدعونني اللقيطة. # - وهل أنت لقيطة كما يقولون؟ # - نعم يا سيدي؛ لأني لا أعرف لي أبا ولا أما في الأحياء ولا في الأموات ~~سوى رجل يتولى شأني ويضمني في منزله، وكنت أحسبه أبي فيمتلئ قلبي سرورا به ~~وعطفا عليه، فلما رأيت أنه يعذبني عذابا أليما ويحملني من آلام الحياة ~~وأسقامها ما لا يحمله الآباء أبناءهم, علمت أني وحيدة في هذا العالم وفهمت ~~معنى الكلمة التي يناديني بها، فألم بنفسي من الحزن والألم ما الله عالم ~~به، وكنت كلما مشيت في الطريق ورأيت فتاة صغيرة سألتها: ألك أم؟ فتجيبني: ~~نعم، ثم تقص علي من قصص عطف أمها عليها ورأفتها بها ما يزيدني هما، ويملأ ~~قلبي يأسا، حتى كان يخيل إلي أنني أذنبت قبل وجودي في هذا العالم ذنبا ~~عاقبني الله عليه # PageV02P039 # بهذا الوجود، بيد أني صبرت على هذا الرجل وعلى ما كان يكلفني به من ~~التسول على قارعة الطريق؛ إبقاء على نفسي وضنا بحياتي أن تغتالها غوائل ~~الدهر، وكان كلما رأى حاجتي إليه وإلى مأواه اشتط في ظلمي ولؤم في معاملتي، ~~حتى صار يضربني ضربا مبرحا كلما عدت إليه عشاء بأقل من الجعل الذي فرض علي ~~جمعه في كل يوم، وما زلت أصابره برهة من الزمان حتى جاءني هذه الليلة ~~بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فقد حاول أن يسلب من بين جنبي جوهرة العفاف ~~التي لم يبق في يدي ما يعزيني عما فقدته من هناء الحياة ونعيمها سواها، فلم ~~أر لي بدا من أن أفر من بين يديه متسللة تحت جنح الظلام من حيث لا يشعر ~~بمكاني، وما زلت أمشي على غير هدى لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا حتى أويت ~~إلى هذا الزقاق كما تراني، فهل لك يا سيدي أن تحسن إلي كما أحسن الله إليك، ~~وأن تبتاع لي رغيفا من الخبز أتبلغ به، فقد مر بي يومان لم ms200 أذق فيهما طعاما ~~ولا شرابا؟ # سمع الرجل من الفتاة هذه القصة المحزنة فما استقبلها إلا بدموع حارة ~~تنحدر على خديه انحدار العقد وهى سلكة، ثم أخذ بيدها ومشى بها صامتا واجما ~~لا يكاد يستفيق شهيقا وزفيرا حتى بلغ منزله، وهنالك صنع بها صنع الكريم ~~بأهله، وأبلغها من # PageV02P040 # دهرها ما لم تكن تمني نفسها بالوشل القليل منه، وما هي إلا أيام قلائل ~~حتى ظهرت في قصر ذلك الرجل العظيم فتاة جديدة من أجمل الفتيات وجها وأكرمهن ~~أخلاقا وأرقهن شمائل وأكملهن آدبا، يعرفها كل من عرف صاحب القصر أنها ابنة ~~قريب له مات عنها وخلفها يتيمة, فكان إلى هذا القصر مصيرها. # وكان لصاحب القصر فتاة من الفتيات اللواتي ربين التربية الحديثة التي ~~يسمونها "التربية العصرية" ويريدون منها التربية الإفرنجية، فكان كل ما ~~حصلت عليه من العلوم والمعارف, الفنون الآتية: ### | 1- # الرطانة الأعجمية حتى مع خادمها الزنجي، وكلبها الرومي. ### | 2- # الولوع بمطالعة الروايات الغرامية. ### | 3- # البراعة في معرفة أي الأزياء أعلق بالقلوب, وأجذب للنفوس. ### | 4- # الكبرياء والعظمة, واحتقار كل مخلوق سواها حتى أبويها. ### | 5- # الأثرة وحب الذات حبا يملأ قلبها غيرة وحسدا, حتى إنها لا تستطيع أن تسمع ~~وصفا من أوصاف الحسن يوصف به سواها. # PageV02P041 # رأت هذه الفتاة الشريفة أن هذه الفتاة اللقيطة قد أصبحت تقاسمها قلب ~~أبيها وقلوب الزائرات من النساء بما وهبها الله من جمال الخلق وجمال الخلق، ~~فأضمرت لها في قلبها من البغض والموجدة ما يضمره أمثالها من اللواتي ربين ~~تربيتها ونهجن في سبل الحياة منهجها، فكانت تتعمد إساءتها وازدراءها وتغرى ~~بتبكيتها وتأنيبها، والفتاة لا تبالي بشيء من هذا وفاء لسيدها وولي نعمتها، ~~وترفعا عن النزول إلى منزلة من يغضب لمثل الهنات الصغيرة حتى حدثت ذات يوم ~~هذه الحادثة: # دخل صاحب القصر قصره ليلة من الليالي, فبينا هو صاعد على سلم القصر إذ ~~عثر برقعة ملقاة فتناولها, فقرأ فيها هذه الكلمة: # سيدتي: # أنا منتظرك عند منتصف الليل في بستان القصر تحت شجرة السرو المعهودة. ~~حبيبك. # فما أتم الرجل قراءة البطاقة حتى دارت به الأرض الفضاء, ms201 وحتى لمس قلبه ~~بيمينه ليعلم أطار أم لا يزال في مكانه، ثم كأنه أراد أن يخفف ما ألم بنفسه ~~من الحزن والقلق فقال: لعل ذلك الموعد مع تلك الفتاة اللقيطة، ومن الظلم أن ~~أتهم ابنتي قبل أن أعلم الحقيقة، فنظر في ساعته فإذا الساعة قريبة فرجع ~~أدراجه وما زال # PageV02P042 # يترفق في مشيته ويتنقل في الحديقة من شجرة إلى شجرة حتى وصل إلى شجرة ~~اللقاء، فكمن وراءها ينتظر ما خبأ له الدهر من حدثانه، وما أضمر له الغيب ~~في طياته. # لم تكن الرسالة رسالة اللقيطة الوضيعة بل رسالة السيدة الشريفة، وبينما ~~كانت الثانية واقفة في غرفتها أمام مرآتها تختار لنفسها أجمل الأزياء ~~وأليقها بمواقف اللقاء, كانت الأولى نائمة في غرفتها نوما هادئا مطمئنا لا ~~تزعجه زورة الطيف ولا تروعه أحلام الشباب، حتى سمعت وقع أقدام سيدها على ~~سلم القصر فاستيقظت, ثم رابها موقفه فأشرفت عليه من حيث لا يشعر بمكانها ~~فعرفت كل شيء, وعلمت أن سيدها سيقف على سر ابنته الذي كانت تعالج كتمانه ~~زمنا طويلا وأنه لا بد قاتل نفسه في ذلك الموقف حزنا ويأسا، فعناها من أمره ~~ما عناها ثم أطرقت برأسها لحظة تتلمس وجه الحيلة في دفع هذه النازلة وتطلب ~~المخرج منها, ثم رفعت رأسها وقد قررت في نفسها أمرا. # نزلت مسرعة من سلم القصر فرأت الفتاة قد خرجت من باب القصر إلى ذلك ~~الموعد, فأدركتها وأمسكت بطرف ثوبها فارتاعت والتفتت إليها وقالت لها: ماذا ~~تريدين مني؟ أتتجسسين علي؟ قالت لها: لا يا سيدتي، وأفضت إليها بالقصة من ~~مبدئها إلى # PageV02P043 # منتهاها، فأسقط في يدها وعلمت أن أباها قد وقف على سرها فقالت لها: لا ~~تزعجي نفسك فإن أباك لا يعلم أيتنا صاحبة الكتاب, فعودي إلى غرفتك وسأذهب ~~إلى الموعد, مكانك حتى إذا رآني هناك ذهب من نفسه ما كان يخالجها من الشك ~~في أمرك. # ثم استمرت أدراجها حتى وصلت إلى تلك الشجرة, وهنالك برز الرجل من مكمنه ~~واقترب منها حتى عرفها, فحمد الله على سلامة شرفه وشرف ابنته ms202 ثم قال لها: ~~أيتها الفتاة, إني أحسنت إليك واستنقذتك من يد البؤس والشقاء فأسأت إلي بما ~~فعلت حتى كدت أهلك الليلة حزنا وغما, وألصق بابنتي ذنبك وأحمل عليها عارك, ~~فاخرجي من منزلي, فاللئيم ليس أهلا للإحسان. # فخرجت خائبة تتعثر في أذيالها حتى وصلت إلى شاطئ النهر, وهنالك أخرجت ~~مذكرتها من محفظتها وكتبت فيها آخر كلمة خطتها أناملها: # "أحمد الله أني قدرت على مكافأة ذلك الرجل الذي أحسن إلي بستر عاره, ~~وإزالة همه وحزنه, وافتدائه بنفسي". # ثم ألقت بنفسها في النهر، وما هي إلا دورة أو دورتان حتى # PageV02P044 # افترق ذانك الصديقان الوفيان، جسمها وروحها، فطفا منهما ما طفا ورسب ما ~~رسب. # وفي صباح ذلك اليوم عثر الشرط بجثة الفتاة الشهيدة, فعرفوها وعادوا بها ~~إلى منزل سيدها فبكاها بكاء كثيرا, وندم على ما أساء به إليها من طردها ~~وإزعاجها, ثم أمر بدفنها ولم يبق في يده من آثارها غير حقيبتها التي حفظها ~~في صندوقه دهرا طويلا. # مرت الأيام تلو الأيام وجاءت الحوادث إثر الحوادث, وظهر للرجل من أخلاق ~~ابنته وطباعها وتهتكها واستهتارها ما لم يكن يعرفه من قبل, حتى ضاق بأمرها ~~ذرعا وجلس في غرفته في إحدى الليالي يفكر فيما ساق إليه الدهر من خطوبه ~~ورزاياه، ثم ألم به الضجر فقام يقلب في صندوقه حتى عثر بتلك الحقيبة ولم ~~يكن قد فتحها حتى هذه الساعة، فإنه ليقرأ فيها إذ عثر بتلك الكلمة التي ~~كتبتها الفتاة على شاطئ النهر قبل موتها, فما أتى على آخرها حتى عرف كل ~~شيء، فسقط مغشيا عليه يعالج من الحزن والهم ما يعالج المحتضر من سكرات ~~الموت. # فما استفاق من غشيته حتى صار يهذي هذيان المحموم, ولبث على هذا الحال ~~بضعة أشهر يمرض ثم يبل, ثم يمرض ثم يبل, حتى أدركته رحمة الله فمرض مرضا لم ~~ينقض إلا بانقضاء أجله. # PageV02P045 # فيأيها الوالد المجهول الذي قذف بتلك الفتاة البائسة في بحر هذا الوجود ~~الزاخر: أعلمت قبل أن تفعل فعلتك التي فعلت أنك ستبرز إلى هذا العالم فتاة ~~تلاقي من ms203 شقائه وآلامه ما لا قبل لها, ولا لمخلوق من البشر باحتماله. # ويأيها الآباء العظماء: إن كنتم تريدون أن تسلموا بناتكم إلى هذه المدنية ~~الغربية تتولى عنكم شأنهن وتكفل لكم تربيتهن, فانتزعوا من بين جنوبكم قبل ~~ذلك غرائز الشهامة والعزة والأنفة، حتى إذا رزأكم الدهر فيهن وفجعكم في ~~أعراضهن, وقفتم أمام تلك المشاهد هادئين مطمئنين، لا تتعذبون ولا تتألمون. # ويأيها الناس جميعا: لا تحفلوا بعد اليوم بالأنساب والأحساب، ولا تفرقوا ~~بين تربية الأكواخ وتربية القصور، ولا تعتقدوا أن الفضيلة وقف على ~~الأغنياء، وحبائس على العظماء، فقد علمتم ما أضمر الدهر في صدره من رذائل ~~الشرفاء، وفضائل اللقطاء. # PageV02P046 ### | الصندوق # حضرة السيد الفاضل: # يوجد في ضريح السيد البدوي صندوق توضع فيه النذور التي يبلغ مجموعها في ~~العالم نحو ستة آلاف جنيه, فإذا فتح ذلك الصندق يختص بعض الخلفاء بأخذ نحو ~~الربع مما فيه والباقي يوزع على أصحاب الأنصبة الكثيرين الذين يعدون ~~بالمئات، فهل ترون أن هذه القسمة شرعية مع أن الذين يأخذون الألوف أغنياء، ~~والذين يأخذون الآحاد الفقراء؟ أفتنا أيها السيد الفاضل بما يوجبه الإنصاف ~~والعدل الديني في هذه المسألة التي أصبحت الشغل الشاغل للكثير من الناس. ~~ابن جلا. # أيها السائل: # أراك تسألني عن القسمة الشرعية في هذا المال كأنك تعتقد أنه ميراث شرعي, ~~وأن لهؤلاء الذين تسميهم أصحاب الأنصبة من الحق في هذا المال ما للوارثين ~~من مال المورثين. # إن الذي أعلمه أن هذا الحق المزعوم حق موهوم لا يستطيع # PageV02P047 # أن يحمله الحامل على وجه من الوجوه الشرعية؛ لأن الذين يضعون المال في ~~ذلك الصندوق وأمثاله لا يريدون أن يهبوه لأحد من سدنة ذلك الضريح أو خدمته ~~أو أصحاب العلائق بالميت المدفون فيه، ولو أنهم أرادوا ذلك لما كان بينهم ~~وبين هؤلاء القوم حائل يمنعهم عن وضع ذلك المال في أيديهم، ولكنهم لما ~~تصوروا أن ذلك الميت حي في قبره يسمع نجواهم ويفهم حديثهم ويلبي دعاءهم ~~تجسم في نظرهم هذا الخيال, فأرادوا أن يعطوه جميع أحكام الأحياء حتى في حب ~~المال وادخاره، ms204 فخيل إليهم أن الصندوق من الميت بمنزلة الكيس من الحي، فهم ~~يهبونه المال ويضعونه في صندوقه؛ لأنهم يعجزون عن وضعه في يده. # أما كيفية تصرف الميت بهذا المال والبحث عن مذاهبه ومراميه فهو أمر لا ~~يخطر على بالهم, ولا يدخل في باب مقاصدهم وأغراضهم. # فإن وجد بينهم من يعلم أن مرجع هذا المال الذي يضعه في الصندوق إلى سدنة ~~الضريح وخدمته وأشياع صاحبه, فعلمه هذا لا يستفاد منه أنه يهبه لهم أو ~~يمنحه إياهم؛ لأنهم لو أرادوه على أن يعطيهم ذلك المال أو يعطيهم بعضه ~~ويستبقي لنفسه البعض الباقي لما وسعه ذلك, ولا رأى إن فعله أنه عمل عملا ~~صالحا. # PageV02P048 # بل هو يعتقد أن أخذهم المال من الصندوق أمر لا علاقة له به ولا شأن له ~~فيه؛ لأن المال قد خرج من يده إلى صاحب الضريح, وصاحب الضريح يتصرف في ماله ~~كيف يشاء. # فهو في جميع حالاته وشئونه لا يهب هبة صحيحة, ولا يتصرف تصرفا شرعيا, ولا ~~يضع صدقة في موضعها, ولا يطرق بابا من أبواب البر والمعروف. # وعندي أن مثل هذا المال بعد أن خرج من يد صاحبه إلى غير يد, وانقطعت ~~ملكيته الأولى من حيث لم تقم مقامها ملكية أخرى يعتبر مالا مهملا لا صاحب ~~له, ولا علاقة لأحد به. # وأحسن الحالات الشرعية والعقلية في مثل هذا المال أن ينفق في مصارف ~~الصدقات التي اعتبرها الشارع واعتمدها, وافتتحها بأداة الحصر التي تمنع ~~غيرها من الاشتراك معها في حكمها في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل} . # فإن كان بين هؤلاء القوم المتظلمين من قلة أنصبتهم في ذلك الصندوق ذو ~~حاجة, فهو داخل في قسمه من الآية الشريفة، فله # PageV02P049 ### | الغناء العربي # الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان، ~~فهو أفصح الناطقين لسانا، وأوسعهم بيانا، وأسرعهم نفاذا إلى القلوب ~~وامتزاجا بالنفوس واستيلاء على العقول وأخذا بمجامع الأفئدة، وبيان ذلك أن ~~النطق ثلاث طبقات تختلف درجاتها ms205 باختلاف درجات الإبلاغ والتأثير فيها، ~~فأدناها النثر، وأوسطها الشعر، وأعلاها الغناء، فلو أن عاشقا برح به الهجر ~~مثلا فأراد أن يبلغك ما في نفسه من ذلك فإن قال لك: إني مهجور فحسب, فقد ~~أبلغك بعض ما في نفسه وترك في قلبك من الأثر بمقدار ما تحتمله طبقة النثر ~~من التأثير، وإن أنشدك قول الشاعر: # فوا كبدا من حب من لا يحبني ... ومن زفرات ما لهن فناء # أو قول الآخر: # كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان # فقد سلك بك طريق الخيال وصور لك خواطر نفسه بصورة أوضح من الصورة الأولى, ~~وترك في نفسك أثرا أعظم من الأثر الأول، # PageV02P051 # وإن رفع عقيرته, وكان يجيد التوقيع يتغنى بقول القائل: # وارحمتا للغريب بالبلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا # فقد صور لك قلبه كما هو وألمسك مواقع الآلام والأوجاع فيه, فبلغ بك ~~التأثير منتهاه, وربما بكيت عند سماعه حزنا ورحمة، وما بكيت إذ بكيت إلا ~~لأن الغناء لم يبق بقية من خواطر هذه النفس القريحة إلا نطق بها لك وأسمعك ~~إياها، وكما أن الأبيات قيود المعاني كذلك الألحان قيود الأبيات، فلا يزال ~~المعنى مشردا ههنا وههنا حتى يحتويه بيت من الشعر فيستقر في مكانه، ثم لا ~~يزال البيت يتجانف عن الآذان ذات اليمين وذات الشمال حتى يقوده الصوت ~~الحسن, فإذا هو مستودع في الصدور. # والغناء فن من الفنون الطبيعية تهتدي إليه الأمم بالفطرة المترنمة في ~~هدير الحمام وخرير المياه وحفيف الأشجار، فمن أبكاه الحمام غرد تغريده كلما ~~أراد البكاء، ومن أطربه صوت الناعورة رن رنينها ليطرب جمله أو ناقته ~~فينشطان للمسير، وما زال هذا الفن متبديا ببداوة الأمة العربية لا يكاد ~~يتخطى فيها حداء الجمال، ومناغاة الأطفال، حتى إذا انتقلت من مضيق الحاجيات ~~إلى منفسح الكماليات توسعت فيه, وزادت في أنغامه # PageV02P052 # وضروبه وتفننت في آلاته وأدواته. وكذلك كان شأن العرب في جاهليتهم ينظمون ~~أشعارهم على نسب متوازية، فالبيت يوازن البيت في ترتيب الحركات ms206 والسكنات ~~وتعدادها، والشطر والتفعيلة يوازنان الشطر والتفعيلة كذلك، فكأنهم كانوا ~~يهيئون لأنفسهم بمذهبهم هذا في الشعر ألحانا موسيقية، غير أن معارفهم لم ~~تكن تتسع لأكثر من هذا النوع من الموسيقى، وهو نوع التناسب الشعري الذي هو ~~قطرة من بحر هذا الفن الزاخر، ثم استمر شأنهم على هذا حتى جاء الإسلام ~~واختلطت الأمة العربية بالأمة الفارسية التي كان لها من حضارتها وتمدينها ~~متسع للبراعة في هذا الفن والتفنن في مناحيه ومقاصده، ووفد الكثير من مغني ~~الفرس والروم موالي في بيوت العرب, وفي أيديهم العيدان والطنابير والمعازف ~~والمزامير يلحنون بها أشعارهم الفارسية والرومية، فسمعها منهم العرب ~~فاقتبسوها ولحنوا بها أشعارهم تلحينا بذوا فيه أساتذتهم, وولدوا ألحانا ~~وأنغاما لم يؤت بها من قبلهم شأنهم في جميع الفنون والصنائع التي كانوا ~~يقتبسونها من الأمم المتمدينة المعاصرة لهم، وظهر فيهم رجال أذكياء كان لهم ~~الفضل الباهر في تقدم الغناء واتساعه مثل ابن سريج، ومخارق، وطويس، ~~وإبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق، وإبراهيم بن المهدي، # PageV02P053 # ومعبد الذي طالما ضربت به وبحسن صوته الأمثال على ألسنة فحول الشعراء ~~كقول أبي عبادة البحتري في وصف فرس كان أهداه إليه أحد الأمراء: # هزج الصهيل كأن في نبراته ... نغمات معبد في الثقيل الأول # والثقيل والخفيف الأول والثاني أسماء اصطلح عليها العرب, ومرجعها إلى ~~حركات الأصابع الخمسة في أوتار العود الخمسة شدة وضعفا، وما أحسن قول أبي ~~العلاء المعري: # ولقد ذكرتك يا أميمة بعدما ... نزل الدليل إلى التراب يسوفه1 # وهواك عندي كالغناء لأنه ... حسن لدي ثقيله وخفيفه # وبالرغم من غضاضة الدين وغضارته في ذلك العهد عهد الصدر الأول, وشدته في ~~النهي عن التلهي بالغناء والعزف والزمر وأمثالها ونعيه على من يحترف بذلك ~~أو يتخلقه, فقد كان للمغنين الشأن الرفيع في مجالس الخلفاء والأمراء ~~والنصيب الأوفر من جوائزهم وصلاتهم، ولا غرو في ذلك، فسلطان الوجدان فوق ~~سلطان الأديان، ولقد بلغ من شأن المغنين وإدلالهم على الخلفاء أن إسحاق ~~الموصلي شتم إبراهيم بن المهدي في حضرة أخيه PageV02P054 # الرشيد غير هياب ولا وجل, فما استطاع أخو ms207 الخليفة أن ينتصف لنفسه منه ~~هيبة وإجلالا، وكان ابن عائشة المغني لا يغني إلا لملك أو ولي عهد حتى كان ~~الخليفة إذا أراد أن يختار من بين أبنائه من يعهد إليه بالأمر من بعده لا ~~يكتب له بذلك عهدا بل يأذن لابن عائشة أن يغني عنده, فلا تطلع عليه الشمس ~~حتى يفد الناس إليه يهنئونه بولاية العهد، فإن دعاه إلى الغناء لديه أمير ~~أو وزير ووجد من قوة الدالة بنفسه ما يدفع به الطلب عنه، ويروى أن ابن أبي ~~عتيق وهو من نعلم في شرف البيت وجلال المحل رأى ابن عائشة يوما وحلقه مخدوش ~~فقال: من فعل بك هذا؟ قال: فلان، وأشار إلى ضاربه، فمضى ونزع ثيابه وعاد ~~فجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه1 وجعل يضربه ضربا موجعا, والرجل ~~يصيح: أي شيء صنعت؟ وما ذنبي إليك؟ وهو لا يجيبه حتى بلغ منه، وأقبل الناس ~~فحالوا بينه وبينه وسألوه عن ذنبه، فقال: إنه أراد أن يكسر مزمارا من ~~مزامير داود، يريد أنه خنق ابن عائشة وخدشه في حلقه. ومما يروى من حوادث ~~تيهه وترفعه أنه خرج من عند الوليد بن عبد الملك وقد غناه: # أبعدك معقلا أرجو وحصنا ... قد أعيتني المعاقل والحصون PageV02P055 # فأطربه وأمر له بثلاثين ألف درهم وكثير من الثياب, فبينا هو يسير إذ نظر ~~إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء, فدنا من غلامه وقال: من هذا ~~الراكب المختال؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه وقال: جعلت فداءك, أنت ~~ابن عائشة أم المومنين؟ قال: لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمي وحسبك هذا فلا ~~تكثر، قال: وما هذا الذي بين يديك؟ قال: غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته, ~~فأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة، قال: جعلت فداءك, هل تمن علي بأن تسمعني ~~ما أسمعته ياه؟ فقال له: ويلك أمثلي يكلم بمثل هذا في الطريق! قال: فما ~~أصنع؟ قال: الحقني إلى المنزل، يريد مخاتلته والنجاة منه، وحرك بغلة شقراء ~~تحته لينقطع عنه, فعدا معه حتى وافيا المنزل كفرسي ms208 رهان، ودخل ابن عائشة ~~فمكت طويلا طمعا في أن ينصرف فلم يفعل، فلما أعياه قال لغلامه: أدخله، فلما ~~دخل قال له: من أين صبك الله علي؟ قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي ~~هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال: وما ذاك؟ قال: مائتا ~~دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، فقال له: جعلت فداءك, والله إن لي ~~لبنية ما في أذنها -علم الله- حلقة من الورق1, وإن لي زوجة PageV02P056 # ما عليها -يشهد الله- قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين ~~على خلتي وحاجتي لكان الصوت أعجب إلي منه، وما زال به حتى رحمه ابن عائشة, ~~وغناه الصوت بعد لأي1 فطرب له الرجل طربا شديدا وجعل يحرك رأسه, وينطح بها ~~الجدار حتى خيف أن يندق عنقه، ثم انصرف ولم يرزأه في ماله شيئا. # وفي هذا الحديث فوق الغرض الذي سقناه له ما يدل على أن الغناء العربي كان ~~قريبا إلى القلوب وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار، فإذا لمسها رنت ~~رنن الثكلى المرزوءة في واحدها، وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ ~~منه مختلفات الأنغام، فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام، كما تبلغ منه نظرات ~~الغرام، فوق ما تبلغ من عقل شاربها المدام. # وكانت الأصوات عندهم تنسب إلى واضعيها وتسمى بأسماء أصحابها كما هو الشأن ~~في الشعر، فيقال: صوت إسحاق أو معبد كما يقال: شعر مسلم أو بشار، وكان ~~المغني أحرص على صوته من الكريم على عرضه، فإذا صنع صوتا لا يسمح لأحد من ~~المغنين بأخذه عنه حتى يغنيه مرارا وتعرف نسبته إليه كما يفعل اليوم ~~المخترعون والصانعون من أخذ الامتيازات بمخترعاتهم PageV02P057 # ومصنوعاتهم، وكان لإسحاق الموصلي القدرة الغريبة على مخاتلة المغنين عن ~~أصواته، حتى صنع مرة صوتا وأراد الفحول منهم أن يأخذوه بعدما سمعوه منه ~~أكثر من سبعين مرة, فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وكانت مجالس الغناء عندهم ~~تشبه أن تكون مجالس علم لدراسة هذا الفن وتهذيبه، فكان أحدهم لا يحجم إن ms209 ~~رأى في صوت صاحبه منتقدا أن يفجأه بالانتقاد ويبين له مواضع الخطأ مهما عظم ~~شأن المجلس وشأن صاحبه، وكانت تقع بينهم المنافسات الشديدة في ذلك كما تقع ~~بين العلماء في مجادلاتهم ومناظراتهم مما يدل على أن الغناء العربي كان له ~~عند العرب صبغة جدية فوق صبغة اللهو, وأن الغربيين في هذا العهد الأخير ~~ليسوا بأعلم بصناعة الغناء ولا أقوم على أمرها من العرب في ذلك العهد ~~الأول، ولو أن العرب توسعوا في فنونه وضروبه لبلغوا فيه الغاية التي لا ~~غاية وراءها، ولكنهم كانوا قلما يحفلون بإدخاله في الأغراض العالية كالحروب ~~ومواقف الفخر وأمثال ذلك من المناحي والمقاصد إلا قليلا، كما ورد في تاريخ ~~الدولة العباسية أن أعداء البرامكة لما أرادوا الإيقاع بهم وعلموا أن سبيل ~~الوشايات بهم إلى الرشيد سبيل وعر دسوا له من القيان من يغنيه بقول عمر بن ~~أبي ربيعة: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد # PageV02P058 # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # فحرك ذكر العجز والاستبداد ما كان كامنا في نفس الرشيد من شعوره بسلطان ~~البرامكة عليه واستبدادهم بالأمر من دونه، فقال عند تمام الصوت: "نعم إني ~~عاجز، إني عاجز" ثم كان من أمره معهم بعد ذلك ما كان، ولقد مضى الصدر الأول ~~من الإسلام وشأن فن الغناء العربي هذا الشأن العظيم خصوصا في أواخر الدولة ~~الأموية وأوائل الدولة العباسية، ثم أخذت شمسه الباهرة تنحدر إلى الغروب ~~بانحدار اللغة العربية وشعرها حتى أصبح في حضارة الاندلس قدودا وموشحات، ~~بعد أن كان قصائد ومقطعات، فكان لا يسمع أبناء العرب في ذلك العهد إلا قول ~~المغني: "كحل الدجى يجري، من مقلة الفجر، على الصباح، ومعصم النهر، في حلل ~~خضر، من البطاح" أو قوله: "كللي، يا سحب تيجان الربا، بالحلى، واجعلي، ~~سوارها منعطف الجدول" وليت الأمر وقف عند هذه الموشحات, فإنها وإن لم تكن ~~شعرية اللفظ فهي شعرية المعنى عالية الخيال، وهي على علاتها خير من شعر ~~العامة الذي قضى عليهم فساد اللغة وانحطاطها بانتهاجه والتغني ms210 به كالزجل ~~والمواليا والقوما والدوبيت وكان ويكون وغير ذلك مما يسمى في عهدنا هذا ~~بالأدوار والتواشيح والأغصان والمذاهب وأمثالها. # PageV02P059 # فهل لجماعة المغنين في عصرنا أن يعفونا من "أحب جميل طبعه الدلال" ومن ~~"يا حلو صن عهد ودادي الله يصونك" ويأخذوا بنا في مسلك أشرف من هذا المسلك, ~~ويعيدوا للغناء العربي عهده الأول كما صنع شعراء العصر برفيقه الشعر، فلقد ~~كان الشعر والغناء أخوين أليفين، رضيعي ثدي وضجيعي مهد، ثم ضربهما الدهر ~~بضرباته فافترقا، فماذا علينا لو قصرنا مسافة البعد بينهما، وماذا على ~~المغنين والشعراء في مصر لو عقدوا بينهم عهدا أن يهذبوا أخلاق أمتهم ~~ويرفعوا شأنها ليكون لهم من الفضل في نهضتها وارتقائها ما عجز عن دركه ~~الفلاسفة والحكماء، فينظم الشاعر المقطعات الرقيقة العذبة السائغة في فضائل ~~الأعمال ومكارم الأخلاق كالشجاعة والشهامة والشرف وحب الوطن والاتحاد ~~والتزهيد في صغائر الأمور والترغيب في عزائمها, فيأخذها منه المغني ولا ~~يتكلف في تلحينها أكثر مما يتكلفه في تلحين سواها من الأدوار والمواويل ثم ~~يغنيها في الناس غير مبال بما يفجؤه به ضعفاء النفوس من العامة من الانتقاد ~~الملازم لكل عمل شريف في مبدئه. وفي اعتقادي أن لهذه الطريقة من الأثر ~~الحسن في نفوس العامة وتهذيب أخلاقهم وطباعهم وتقويم ألسنتهم وعقولهم ما ~~يخلد للملحنين والمغنين أجمل ذكر في تاريخ عظماء الرجال. # PageV02P060 ### | التوبة # علم فلان وكان شابا من شبان الخلاعة واللهو, وقاضيا من قضاة المحاكم أن ~~المنزل الذي يجاور منزله يشتمل على فتاة حسناء من ذوات الثراء والنعمة ~~والرفاهية والرغد, فرنا إليها النظرة الأولى فتعلقها فكررها أخرى فبلغت ~~منه, فتراسلا ثم تزاورا ثم افترقا, وقد ختمت روايتهما بما تختم به كل رواية ~~غرامية يمثلها أبناء آدم وحواء على مسرح هذا الوجود. # عادت الفتاة إلى أهلها تحمل بين جانحتيها هما يضطرم في فؤادها، وجنينا ~~يضطرب في أحشائها، ولقد يكون لها إلى كتمان الأول سبيل، أما الثاني فسر ~~مذاع، وحديث مشاع، إن اتسعت له الصدور لا تتسع له البطون، وإن ضن به اليوم ~~لا يضن به الغد. ms211 # ذلك ما أسهر ليلها، وأقض مضجعها، وملك عليها وجدانها وشعورها، فلم تر لها ~~بدا من الفرار بنفسها والنجاة بحياتها، فعمدت إلى ليلة من الليالي الداجية ~~فلبستها وتلفعت بردائها ثم رمت # PageV02P061 # بنفسها في بحرها الأسود, فما زالت أمواجها تتلقفها وتترامى بها حتى قذفت ~~بها إلى شاطئ الفجر، فإذا هي في غرفة صغيرة في أحد المنازل البالية، في بعض ~~الأحياء الخاملة، وإذ هي وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها إلا ذلك الهم ~~المضطرم، وذلك الجنين المضطرب. # كان لها أم تحنو عليها وتتفقد شأنها وتجزع لجزعها وتبكي لبكائها ~~ففارقتها، وكان لها أب لا هم له في حياته إلا أن يراها سعيدة في آمالها، ~~مغتبطة بعيشها، فهجرت منزله، وكان لها خدم يقمن عليها ويسهرن بجانبها ~~فأصبحت لا تسامر غير الوحدة، ولا تساهر غير الوحشة، وكان لها شرف يؤنسها ~~ويملأ قلبها غبطة وسرورا ورأسها عظمة وافتخارا ففقدته، وكان لها أمل في ~~زواج سعيد من زوج محبوب, فرزأتها الأيام في أملها. # ذلك ما كانت تناجي نفسها به صباحها ومساءها، بكورها وأصائلها، فإذا بدا ~~لها أن تفكر في علة مصائبها وسبب أحزانها علمت أنه ذلك الفتى الذي وعدها أن ~~يتزوجها فخدعها عن نفسها ثم لم يف لها بعهده, فقذف بها وبكل ما تملك يمينها ~~إلى هذا المصير. # فلا يكاد يستقر ذلك الخاطر في فؤادها ويأخذ مكانه من نفسها حتى تشعر ~~بجذوة نار تتقد بين جنبيها من الحقد والموجدة على ذلك الفتى لأنه قتلها، ~~وعلى المجتمع الإنساني لأنه لا يعاقب القاتل # PageV02P062 # على جرمه ولا يسلكه في سلسلة المجرمين. # وما هي إلا أيام قلائل حتى جاءها المخاض, فولدت وليدتها من حيث لا ترى ~~بين يديها من يأخذ بيدها أو يساعدها على خطبها غير عجوز من جاراتها ألمت ~~بشأنها, فمشت إليها وأعانتها على أمرها بضع ساعات, ثم فارقتها تكابد على ~~فراش مرضها ما تكابد، وتعاني من صروف دهرها ما تعاني. # ولقد ضاق صدرها ذرعا بهذا الضيف الجديد وهو أحب المخلوقات إليها, وأكثرهم ~~قربا إلى نفسها, فجلست ذات ليلة وقد حملت ms212 طفلتها النائمة على حجرها وأسندت ~~رأسها إلى كفها وظلت تقول: # ليت أمي لم تلدني, وليتني لم أكن شيئا. # لولا وجودي ما سعدت، ولولا سعادتي ما شقيت. # إن كان في العالم وجود أفضل منه العدم فهو وجودي. # لقد كان لي قبل اليوم سبيل إلى النجاة من الحياة، أما اليوم وقد أصبحت ~~أما فلا سبيل. # أأقتل نفسي فأقتل طفلتي؟! أم أحيا بجانبها هذه الحياة المريرة؟! # لا أحسب الموت تاركي حتى يذهب بي إلى قبري, فماذا يكون حال طفلتي من ~~بعدي؟ # إنها ستعيش من بعدي وتشقى في الحياة شقائي لا لذنب جنته, ولا لجريمة ~~اجترمتها سوى أنني أمها. # PageV02P063 # هل تعيشين أيتها الفتاة حتى تغفري لي ذنب أمومتي حينما تسمعين قصتي، ~~وتفهمين شكاتي؟ # لم يبق في يدي يا بنيتي من حلاي إلا قليل سأبيعه كما بعت سابقه, فكيف ~~يكون شأني وشأنك بعد اليوم؟ # محال أن أعود إلى أبي فأقص عليه قصتي؛ لأنه لم يبق لي مما يعزيني عن شقاء ~~العيش وبلائه إلا أن أهلي لا يعرفون شيئا من أمري، فهم يبكونني كما يبكون ~~موتاهم الأعزاء, ولأن يبكوا مماتي خير لي ولهم من أن يبكوا حياتي. # وكذلك ظلت تلك البائسة تحدث نفسها تارة وطفلتها أخرى بمثل هذا الحديث ~~المحزن حتى غلبها صبرها على أمرها، فأرسلت من جفنيها قطرات حارة من الدموع ~~هي كل ما يملك الضعفاء، ويقدر عليه البؤساء. # دارت الأيام دورتها وباعت الفتاة جميع ما تملك يدها وما يحمل بدنها وما ~~تشتمل عليه غرفتها من حلى وثياب وأثاث، ولم يبق لها إلا قمصها الخلقان ~~وملاءتها وبرقعها، ولم يبق لطفلتها إلا ثياب باليات تنم عن جسمها نميمة ~~الوجه عن السريرة، فكانت تقضي ليلها شر قضاء حتى إذا طار غراب الليل عن ~~مجثمه أسدلت برقعها على وجهها وأتزرت بمئزرها وأنشأت تطوف شوارع المدينة # PageV02P064 # وتقطع طرقها لا تبغي مقصدا ولا تريد غاية سوى الفرار بنفسها من همها ~~وهمها لا يزال يسايرها، ويترسم مواقع أقدامها. # وأحسب أن عجوزا من عجائز المواخير رأتها فألمت ببعض شأنها فاقتفت أثرها ~~حتى ms213 عادت إلى غرفتها فوغلت عليها ثم سألتها ما خطبها فأنست بها, وكذلك يأنس ~~المصدور بنفثاته، والبائس بشكاته، فكشفت لها عن أمرها، وألقت إليها بخبيئة ~~صدرها، ولم تترك خبرا من أخبار نعيمها، ولا حادثا من حوادث بؤسها لم تحدثها ~~به، فعرفت الفاجرة محنتها ورأت بعينها ذلك الماء من الحسن الذي يجول في ~~أديم وجهها جولان الراح في زجاجتها، وعلمت أنها إن أحرزتها في منزلها فقد ~~أحرزت لنفسها غنى الدهر، وسعادة العمر، فلم ترسل إليها عقاربها وتنفث في ~~نفسها عزائمها ورقاها حتى غلبتها على أمرها وقادتها إلى منزلها، فما هي إلا ~~عشية أو ضحاها حتى بلغت تلك الفتاة البائسة الغاية التي لا مفر لها, ولا ~~لأمثالها من بلوغها. # عاشت تلك البائسة في منزلها الجديد عيشا أشقى من عيشها الأول في منزلها ~~القديم؛ لأنها ما كانت تستطيع أن تزدرد لقمتها التي هي كل ما حصلت عليه في ~~دورها الثاني إلا إذا بذلت # PageV02P065 # راحتها وشردت نومها وأحرقت دماغها بالسهر وأحشاءها بالشراب وصبرت على كل ~~ما يسوقه إليها حظها من سباع الرجال وذئابهم على اختلاف طباعهم، وتنوع ~~أخلاقهم؛ لأنها لم تر لها بدا من ذلك, فاستسلمت استسلام اليائس الذي لم ~~تترك له ضائقة العيش إلى الرجاء سبيلا. # ولو أن الدهر وقف معها عند هذا الحد لألفت الشقاء ومرنت عليه كما يألفه ~~ويمرن عليه كل من أصيب بمثل ما أصيبت به، ولكنه أبى إلا أن يسقيها الكأس ~~الأخيرة من كئوس شقائه، فساق إليها رجلا كان ينقم عليها شأنا من شئون ~~شهواته ولذاته, فزعم أنها سرقت كيس دراهمه في إحدى لياليه عندها ورفع أمرها ~~إلى القضاء, واستعان عليها ببعض أترابها الساقطات اللواتي كن يحسدنها ~~وينفسن عليها حسنها وبهاءها حتى أدانها. # جاء يوم الفصل في أمرها فسيقت إلى المحكمة وفي يدها فتاتها وقد بلغت ~~السابعة من عمرها, فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها بما يشاء ويشاء ~~له قانونه, أو ذمته حتى أتى دور الفتاة فأدناها منه، فما وقع بصرها عليه ~~حتى شدهت عن نفسها وألم بها من ms214 الاضطراب والحيرة ما كاد يذهب برشدها، ذلك ~~أنها عرفته وعرفت أنه ذلك الفتى الذي كان سبب شقائها، وعلة بلائها، # PageV02P066 # فنظرت إليه نظرة شزراء ثم صرخت صرخة دوى بها المكان دويا, وقالت: # رويدك يا مولانا القاضي، ليس لك أن تكون حكما في قضيتي، فكلانا سارق ~~وكلانا خائن، والخائن لا يقضي على الخائن، واللص لا يصلح أن يكون قاضيا بين ~~اللصوص. # فعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب, وغضب لهذه الجرأة العجيبة وهم ~~أن يدعو الشرطي لإخراجها, فحسرت قناعها عن وجهها فنظر إليها نظرة ألم فيها ~~بكل شيء، فشعر بالرعدة تتمشى في أعصابه وسكن في كرسيه سكون المحتضر على ~~سرير الموت، وعادت الفتاة إلى إتمام حديثها فقالت: # أنا سارقة المال وأنت سارق العرض، والعرض أثمن من المال، فأنت أكبر مني ~~جناية وأعظم جرما. # إن الرجل الذي سرقت ماله يستطيع أن يعزي نفسه باسترداده أو الاعتياض عنه، ~~أما الفتاة التي سرقت عرضها فلا عزاء لها؛ لأن العرض الذاهب لا يعود. # لولاك لما سرقت، ولا وصلت إلى ما إليه وصلت، فاترك كرسيك لغيرك وقف ~~بجانبي ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة أنت مدبرها, وأنا المسخرة ~~فيها. # PageV02P067 # إن شريعة تعلم أننا شركاء في جريمة واحدة ثم تأتي بنا إلى هذا المكان ~~فتقف أحدنا في أشرف المواقف, وتقف الآخر في أدناها لشريعة ظالمة, ليس بينها ~~وبين العدل نسب موصول أو ذمام غير منقضب. # رأيتك حين دخلت إلى هذا المكان وسمعت الحاجب يصرخ لمقدمك، ويستنهض الصفوف ~~للقيام لك، ورأيت نفسي حين دخلت والعيون تتخطاني والقلوب تقتحمني فقلت: يا ~~للعجب، كم تكذب العناوين وكم تخدع الألقاب؟ وكم يعيش هذا العالم في ضلالة ~~عمياء، وجهالة جهلاء؟ # بخ بخ لأولئك القوم الذين منحوك هذه الشهادة, شهادة العلم والفضل ~~والأخلاق والآداب، ومرحى مرحى لأولئك الذين أقعدوك هذا المقعد ووضعوا بين ~~يديك هذا القانون ووقفوا أمامك هذا الشرطي, يأتمر بأمرك وينفذ حكمك وينزل ~~على هواك. # إن تحت هذه الثياب التي تلبسونها -معشر القضاة- نفوسا ليست بأقل من ~~نفوسنا شرا ولا أخبث منها مذهبا، وربما ms215 لا يكون بيننا وبين الكثير منكم فرق ~~إلا العناوين والألقاب، والشمائل والأزياء. # PageV02P068 # أتيت بي إلى هنا لتحكم علي بالسجن, كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من الشقاء ~~حتى أردت أن تجيء بلاحق لذلك السابق. # ألم أحسن إليك بساعة من ساعات السرور فترعاها؟ # ألم تك إنسانا فترثي لشقائي وبلائي؟ # إن لم تكن عندي وسيلة أمت بها إليك فوسيلتي إليك ابنتك هذه؛ فهي الصلة ~~الباقية بيني وبينك. # فرفع القاضي رأسه ونظر إلى ابنته الصغيرة نظرة شفقة ورحمة، وقد قرر في ~~نفسه أن لا بد له من أن ينصف تلك البائسة وينتصف لها من نفسه، غير أنه أراد ~~أن يخلص من هذا الموقف خلوصا جميلا, فأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من ~~الجنون وأن لا بد من إحالتها على الطبيب, فصدق الناس قوله. # ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه، وقلب غير قلبه، وما هي إلا أيام قلائل ~~حتى هجر القاضي منصبه بحجة المرض، وما زال يسعى سعيه حتى ضم إليه ابنته ~~واستخلص أمها من قرارتها وهاجر بها إلى بلد لا يعرفهما فيها أحد، فتزوج ~~منها وأنس بعشرتها واحترف في دار هجرته بحرفة لولا أن أدل عليه إذا ذكرتها ~~لفعلت، ولا يزال حتى اليوم يكفر عن سيئاته إلى زوجته بكل ما يستطيعه من ~~صنوف العطف وألوان الإحسان، حتى نسيا ما فات، ولم يبق أمامهما إلا ما هو ~~آت. # PageV02P069 ### | الحسد # لو عرف المحسود ما للحاسد عنده من يد وما أسدى إليه من نعمة لأنزله من ~~نفسه منزلة الأوفياء المخلصين، ولوقف بين يديه تلك الوقفة التي يقفها ~~الشاكرون بين أيدي المحسنين. # لا يزال صاحب النعمة ضالا عن نعمته لا يعرف لها شأنا، ولا يقيم لها وزنا، ~~حتى يدله الحاسد عليها بنكرانها، ويرشده إليها بتزييفها والغض منها، فهو ~~الصديق في ثياب العدو والمحسن في صورة المسيء. # أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الحاسد، ينقم على حسوده نعم الله عليه ويتمنى ~~لو لم تبق له واحدة منها وهو لا يعلم أنه في هذه النقمة وفي تلك ms216 الأمنية قد ~~أضاف إلى نعم محسوده نعمة هي أفضل من كل ما في يديه. # وجه الحاسد ميزان النعمة ومقياسها، فإن أردت أن تزن نعمة وافتك فارم ~~بخبرها في فؤاد الحاسد ثم خالسه نظرة خفية, فحيث ترى الكآبة والهم فهناك ~~جمال النعمة وسناؤها. # PageV02P070 # ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمة أصغر شأنا وأقل خطرا من ~~نعمة ليس لها حاسد، فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فقف بها في سبيل ~~الحاسدين، وألقها في طريق الناقمين، فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها فاعلم ~~أنهم قد منحوك لقب "المحسد" فليهنأ عيشك، وليعذب موردك. # إن أردت أن تعرف أي الرجلين أفضل، فانظر إلى أكثرهما نقمة على صاحبه ~~وكلفا بالغض منه والنيل من عرضه, فاعلم أنه أصغرهما شأنا وأقلهما فضلا. # قد جعل الله لكل ذنب عقوبة آتية يتألم لها، فالشارب يتألم عند حلول مرضه، ~~والمقامر يوم نزول فقره، والسارق يوم زيارة سجنه. # أما الحاسد فعقوبته حاضرة, لا تفارقه ساعة واحدة. # إنه يتألم لمنظر النعمة كلما رآها، والنعمة موجود من الموجودات الثابتة ~~التي لا يلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر والتحول من موقف إلى موقف، ~~فهيهات أن يفنى ألمه أو ينقضي عذابه، حتى تقر عينه التي تبصر، ويسكن قلبه ~~الذي يخفق. # الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن ~~يسلك الحاسد سبيل المحسود ليبلغ مبلغه # PageV02P071 # من تلك النعمة التي يحسده عليها، ولا أحسب أنه ينفق من وقته وعمله في هذه ~~السبيل أكثر مما ينفق من ذلك في الغض من شأن محسوده والنيل منه، فإن كان ~~يحسده على المال فلينظر أي طريق سلك إليه فليسلكه، وإن كان يحسده على العلم ~~فليتعلم، أو الأدب فليتأدب، فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ ~~فراغ عمره بشئون لولاها لقضاه بين الغيظ الفاتك، والكمد القاتل. # PageV02P072 ### | الوفاء # يا صاحب النظرات: # تزوجت منذ سنة من زوجة صالحة طيبة القلب والسريرة, فاغتبطت بعشرتها برهة ~~من الزمان، وفي هذه الأيام عرض لها رمد في عينيها ms217 فذهب ببصرها, فأصبحت ~~عمياء وأصبحت أعمى بجانبها، وقد بدا لي أن أطلقها وأتزوج من غيرها فماذا ~~ترى؟ # إنسان. # أيها الإنسان: لا تفعل؛ فإنك إن فعلت كان عليك إثم الخائنين وجرم ~~الغادرين، كن اليوم أحرص على بقائها بجانبك منك قبل اليوم، حتى تستطيع أن ~~تدخر لنفسك عند الله من المثوبة والأجر ما يدخر أمثالك من الصابرين ~~المحسنين. # لا تقل: إنها عمياء فلا خير لي فيها ولا غبطة لي بها، فإنك ستجد في نفسك ~~من لذة المروءة والإحسان، والعطف والحنان، ما يحسدك عليه الناعمون بالحور ~~الحسان، في مقاصير الجنان. # اجلس إليها صباحك ومساءك, وحادثها محادثة الصديق # PageV02P073 # لصديقه، بل الزوج لزوجه، وتلطف بها جهدك، وروح عن نفسها ما يساورها من ~~الكروب والأحزان، وقل لها: لا تجزعي ولا تحزني, فإنما أنا بصرك الذي به ~~تبصرين، ويدك التي بها تبطشين. # أعيذك أيها الإنسان بالله ورحمته، والعهد وذمامه، أن تجعل لهذا الخاطر ~~السيئ خاطر الطلاق أو الفراق سبيلا إلى نفسك، فإنها لم تسئ إليك فتسئ ~~إليها، ولم تنقض عهدك فتنقض عهدها، فإن كنت لا بد ثائرا لنفسك فاثأر لها من ~~القدر إن استطعت إلى ذلك سبيلا. # إن عجزا من الرجل وضعفا أن يغضب فيمد يده بالعقوبة إلى غير من أذنب إليه، ~~ويعتدي على من لم يعتد عليه. # إن لم يكن احتفاظك بزوجك وإبقاؤك عليها عدلا يسألك الله عنه، فليكن ~~إحسانا تحاسبك الإنسانية عليه. # إنك خسرت بصرها ولكن ستربح قلبها, وحسب الإنسان من لذة العيش وهنائه في ~~هذه الحياة قلب يخفق بحبه، ولسان يهتف بذكره. # إنها أسعدتك برهة من الزمان, فليخفق قلبك حنانا عليها بقدر ما خفق سرورا ~~بها. # PageV02P074 # لا أحسب أنها كانت تاركتك أو مغفلة أمرك لو أن هذا السهم الذي أصابها ~~أصابك من دونها، فاحرص الحرص كله على أن لا تكون امرأة ضعيفة أسبق منك إلى ~~فضيلة الصدق والوفاء. # إلى من تعهد بها بعد فراقك إياها؟ وأي موطن من المواطن هيأته لمقامها؟ ~~وماذا أعددت لها من الوسائل التي تستعين بها على شئون عيشها، وتأنس بها ms218 في ~~وحشتها ووحدتها؟ # كيف يهنأ لك عيش أو يغمض لك جفن إذا أظلك الليل فذكرتها وذكرت أنها تقاسي ~~في وحدتها من الوحشة ما لا قبل لها باحتماله، وأنها ربما كانت تطلب جرعة ~~ماء فلا تجد من يقدمها إليها، أو كسرة خبز فلا تجد من يدلها عليها، أو ربما ~~قامت من مضجعها في سكون الليل وهدوئه تتلمس الطريق إلى حاجة من حاجها فأخطأ ~~تقديرها, فصدمها الجدار في جبينها صدمة سال لها دمها حتى امتزج بدمعها. # أيها الإنسان: إن لم تكن عادلا ولا وفيا ولا محسنا, فارحم نفسك من هذا ~~الخيال الذي لا بد أن سيساورك ويفت في عضدك ويزعجك من مرقدك، فإن لم تكن ~~هذا ولا ذاك فغيرك أخاطب؛ لأني لا أحسن إلا مخاطبة الإنسان. # إني محدثك عن صديق لي من كرام الناس وأوفيائهم تزوج # PageV02P075 # زوجة حسناء فاغتبط بها برهة من الزمان, ثم أصابها الدهر بمثل ما أصاب به ~~زوجتك ولم يترك لها من ذلك النور الذاهب إلا مثل ما تترك الشمس من الشفق ~~الأحمر في صفحة الأفق بعد غروبها، فلم يقنعه من الوفاء لها أن استبقاها ~~واستمسك بها, بل كان يحرص جهده على أن لا تعلم أنه ينكر من أمرها شيئا، حتى ~~إنه كان يعتب عليها في بعض الأحايين في ذنوب ما كان له أن يؤاخذها بها إلا ~~من حيث كونها ناظرة مبصرة، يريد بذلك أن يلقي في نفسها أنه لا يعرف من قصة ~~نظرها شيئا، وأنه لا يرى فيها غير ما يراه الرجال من نسائهم المبصرات؛ رفقا ~~بها وإبقاء على ما ربما تحب أن تحاوله من الاعتداد بنفسها, والإدلال ~~بمزاياها. # ولقد قرأت جملة صالحة من نوادر العرب في آدابهم ومكارمهم وأخلاقهم ولطف ~~وجدانهم, فلم أر بينها نادرة أعلق بالقلوب ولا أجمل أثرا في النفوس من قول ~~أبي عيينة الكاتب المعروف في عهد الدولة العباسية, وكان كفيف البصر "اختلفت ~~إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد أربعين سنة, فما سمعته مرة يقول لغلامه عند ~~تشييعي: خذ بيده يا غلام، بل يقول: ms219 اخرج معه يا غلام". # فإن كنت تريد أن يسجل لك من الوفاء في صفحات القلوب # PageV02P076 # ما سجل لأحمد بن أبي دؤاد في صفحات التاريخ فلا تطلق زوجتك, ولا تنقم ~~منها أمرا قد خرج حكمه من يدها، وإن أبيت إلا أن تأخذ لنفسك حظها من لذة ~~العيش وهنائه فاعلم أنه ما من لذة يلذ بها الإنسان في حياته إلا ويشوبها ~~الكدر أو يعقبها الألم، إلا لذة الإحسان. # PageV02P077 ### | خبايا الزوايا # جلس قاضي التحقيق أمس على كرسيه في غرفته ووقف عن يمينه رجل من ذوي ~~الأسنان1 قذر الثوب دميم المنظر تسنح شعراته البيض في أكناف رأسه ولحيته ~~سنوح الشرر الأبيض، في الدخان الأسود، وتتمشى في أديم وجهه صفرة مغبرة من ~~رآها علم أنها نسيج ذلك الدخان دخان الحشيشة الذي ينفثه من فيه في صباحه ~~ومسائه، وغدوه ورواحه، ووقف عن يساره صبية ستة نحل الأبدان جوع الأكباد لم ~~يترك لهم الدهر آكل البؤساء وشاربهم إلا هياكل من عظام تضطرب في رءوسها ~~عيون لا تستقر في محاجرها إلا إذا استقر الزئبق في قرار مكين. # نظر إليهم قاضي التحقيق نظرات تمازجها الرحمة، وتخالطها الشفقة، والقضاة ~~لا يرحمون ولا يشفقون لولا أن من المناظر مناظر تنال من القلوب القاسية، ~~وتستهوي الأفئدة المتحجرة، PageV02P078 # وأنشأ يسألهم واحدا بعد واحد ما شأنهم وما خطبهم وما مصيرهم، فكان جوابهم ~~جوابا واحدا خلاصته أن هذا النمر اللابس ملابس الإنسان رأى خلتهم1 من حيث ~~يخفى مكانها فثغر2 فيها ثغرة انحدر منها إلى أعراضهم فعبث بها ما شاء وشاء ~~العابثون، فكانوا في داره الضروع التي يحتلبها حتى إذا استنفد درتها3 ألح ~~على دمائها فاستنزفها، وقالوا: إنه كان يديم مطال الجوع في بطونهم فإذا علم ~~أنهم هلكوا أو كادوا طفق يعللهم باللقمة بعد اللقمة، والمضغة أثر المضغة، ~~ويرمقهم4 العيش ترميقا لا إبقاء عليهم بل على ما كان يغتنمه من بسطة العيش ~~من ورائهم، وزعموا أنه كان يريبه منهم في بعض الأحيان تمردهم عليه ~~واحتفاظهم بأعراضهم من دونه, فيدخل في أدمغتهم لصا من دخان الحشيشة يسرق ms220 ~~عقولهم، ويحل عقدة منعتهم، ويتركهم لا يدرون ما يأتون ولا ما يدعون. # وما وصلوا من شكواهم إلى هذا الحد حتى سقط منهم اثنان بين يدي القاضي, ~~فراعه من أمرهم ما راعه ثم علم أنه الجوع, فأمر لهم بخبز وأدم, فازدحموا ~~عليه يتناهبونه ويزدردونه ازدراد الوحش PageV02P079 # فريسته، وقد وقف ذلك الذئب المستأنس ينظر إليهم نظرة شزراء, كتلك النظرة ~~التي يرمي بها الصائد صيده إذا أفلت من حبالته. # بذلك حدثني من رأى هذا المنظر بعينه, فارتعت لسماع حديثه الارتياع كله ~~وحسبت أنه يحدثني عن حادثة وقعت في مبدأ الخليقة في مغارة من مغاور الجن أو ~~شعفة1 من شعفات الجبال، وقلت له: أتعلم أيها الرجل أنك تحدثني عن إنسان؟ ~~فقال: لا تعجل فما حدثتك إلا عن رجل حمار لا يفارق وجهه سوءة حماره ليله ~~ونهاره، وربما سرت إليه تلك النتيجة من هذه المقدمة، فكيف بك لو علمت أن ~~هذه الرذيلة لا يترفع عنها في هذا البلد كثير من الأتقياء والصالحين، ~~والأساتذة والمعلمين؟ # إن بين جدران هذه البنى التي يسمونها المدارس وقائع لا يسر منظرها، ولا ~~يروق مخبرها، وحوادث لو تلاها التالون على مسمع الفلك الدائر لوقف عن ~~دورته، أو الجبل الشامخ لصعق من دهشته. # إن بين هؤلاء الذين تراهم وقوفا في أشرف المواقف بعد مواقف الرسل والذين ~~تغضي بين أيديهم العيون إجلالا وإكبارا، وتترامى على أيديهم الأفواه لثما ~~وتقبيلا، والذين أسلمت الأمة PageV02P080 # أمر بنيها إليهم وأخذت عليهم ما شاء الله أن تأخذ من العهود والمواثيق أن ~~يكونوا لأولئك الأبناء آباء محسنين، وأوصياء راحمين، قوما لصوصا يسرقون ~~الأعراض، وخونة يعبثون بالأمانات، وقتلة يفتكون بأعراض تلاميذهم فيوردونهم ~~موارد الحتف والهلاك، ويجعلون مصيرهم مصير أولئك الصبيان الذين فارقناهم في ~~غرفة التحقيق. # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى سري عن نفسي ما كنت أمسكه بين جنبي من ~~الموجدة على ذلك الرجل، وعلمت أن الجناية ليست جناية الحشاشين والحمارين، ~~وإنما هي جناية المربين، وجريرة المهذبين. # أساء الأب بإدخال ولده المدرسة، وكان خيرا له لو أدخله المزرعة ms221 حيث لا ~~سقوف ولا جدران، ولا خبايا ولا زوايا، ولا مكامن ولا مخادع، وحيث يجد ~~النابت هناك من الطبيعة الطاهرة أستاذا أمينا مستقيما، لا عاهرا ولا فاسقا، ~~ولا خائنا ولا غادرا، وحيث يرتشف من عرق جبينه نهلات باردات أصفى من المرآة ~~وأطهر من الكوثر. # وأساء المعلم لأنه هو الذي عمد إلى ذلك الصبي الطاهر فمزق # PageV02P081 # عنه برقع عفافه وتصونه، ثم قذف به في ذلك المزدحم الإنساني المائج ~~بالشرور والآثام, لا يحمل في يده سلاحا يحارب به، ولا يعرف السبيل إلى جنة ~~يدفع بها عن نفسه، فما له بد من العجز أمام القادرين، والهزيمة بين أيدي ~~المهاجمين. # وأساء الناس جميعا بإغفالهم أمر هؤلاء البؤساء وإمساكهم القوت عنهم ~~والمعونة لهم، ولو أحسنوا إليهم لأنقذوهم من حياة كلها شقاء وبلاء، وعيب ~~وعار. # ليست مسألة خبايا الزوايا أمرا يستهان به، فإننا نريد أن نعد لوطننا من ~~بعدنا رجالا ذوي شجاعة وجرأة، وثبات وإقدام، من الذين إذا عظم الخطب كانوا ~~حماة الديار، وإذا اشتد البأس لا يولون الأدبار. # PageV02P082 ### | الجامعة الإسلامية # أنا لا أحب أن أخدع نفسي عن نفسي، ولا أحب أن أخدع الناس عنها. # أنا مسلم قبل كل شيء، أي: قبل أن أكون وطنيا أو سياسيا أو مجتمعا، بل قبل ~~أن أكون نسمة حية في هذا الوجود. # لو علمت أن مآرب هذه الدنيا وأغراضها لا تنال إلا بترك شعيرة من شعائر ~~الدين أو العبث بفريضة من فرائضه لعفتها واجتويتها, ونفضت يدي منها وقلت ~~لها كما قال لها علي بن أبي طالب من قبل: إليك عني, غري غيري, ما لي بك ~~حاجة. # لو لم يكن في الأمر إلا أن أخسر ديني فأربح دنياي، أو أخسر دنياي فأربح ~~ديني، لآثرت أخراهما على أولاهما؛ لأني أعلم أني إن خسرت ديني فقد خسرت كل ~~شيء. # لو علمت أن الوطنية وهي أفضل ما حمل امرؤ بين جنبيه من خلال الخير تعترض ~~دون طريقي إلى آخرتي، أو تمتد حجابا بيني وبين ربي، لخرجت منها كما أخرج من ~~ردائي، ثم خلصت # PageV02P083 # إلى ms222 شعفة من شعفات الجبال أو صخرة في منقطع العمران أخلو فيها بنفسي من ~~حيث لا أسمع دعاء غير دعاء القلب، ولا نداء غير نداء الله، حتى يحين حيني، ~~وينقضي أجلي. # ما أبغضت في حياتي شيئا بغضي للكذب والرياء، فإما أن أكون مسلما، فها هو ~~ذا الإسلام، وهذه شروطه وقيوده, وصفاته وطبائعه، أولا أبديت للناس صفحتي، ~~وأعلنت لهم أمري، حتى يعلموا من أمر نفسي مثل ما أعلم منها؟! # أنا لا أحدث في ذلك عن نفسي خاصة بل عن المسلم من حيث كونه مسلما، أي: ~~مصدقا بالله ورسوله، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، معتقدا أن الحياة الدنيا ~~معبر يعبره إلى الحياة الأخرى، وأنه محاسب في أخراه حسابا غير يسير على ما ~~فرط في أولاه، وأن الله لا يقبل منه في موقف الحساب من المعاذير إلا ما رخص ~~له فيه أو رفع عنه مئونته، فلا سبيل له إلا أن يلبس ثوب الإسلام معلما، لا ~~خائفا ولا مترقبا، ولا متنكرا ولا متكتما، ولا محتفلا بقول العيسوي أو ~~الموسوي له: أنت متعصب، ولا بقول الملحد أو الجاحد: أنت مخرف، فهو ليس ~~متعصبا بل متمسكا، ولا مخرفا بل مستيقنا، وأن يعترف به جهرة في جميع مواطنه ~~ومواقفه لا مستحييا ولا خجلا، فقد انقضى عهد # PageV02P084 # الإسرار والإخفاء من تاريخ ذلك اليوم الذي أسلم فيه عمر بن الخطاب فمشى ~~إلى المسجد الحرام حيث يجتمع كفار قريش, وأعلن فيه إسلامه بين هياجهم ~~ونقمتهم، ثم مر يقرع أبواب رؤسائهم بابا بابا فإذا فتحوا له حدثهم عن ~~إسلامه, فضربوا الباب في وجهه غيظا وحنقا. # التمسك غير التعصب، والتهاون غير التسامح، فليس كل متمسك متعصبا؛ لأن ~~التمسك محافظة المرء على العمل بأوامر الدين ونواهيه، والتعصب بغضه ~~لمخالفيه في دينه بغضا يحمله على محاولة النكاية بهم، والعبث بما حقن الله ~~من دمائهم، وصان من أعراضهم وأموالهم، وليس كل متهاون متسامحا؛ لأن التهاون ~~ترك المرء العمل بما فرض الدين عليه أن يفعل أو أن يترك، والتسامح إغضاؤه ~~عن خلف المخالفين له، بحيث لا يعد تلك ms223 الفروق الدينية التي بينه وبينهم ~~وسيلة إلى بغضهم أو مناضلتهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في ~~وجوههم. # ولقد اعترضت الآراء والمذاهب حلوها ومرها، ومعوجها ومستقيمها، فلم أر ~~رأيا أضعف حجة ولا أضل سبيلا من رأي الذي يقول: إن الدين لا يجوز أن يتجاوز ~~عتبة المسجد، وكيف يستطيع المسلم أن ينفرد بنفسه عن دينه في موطن من ~~المواطن، # PageV02P085 # أو مذهب من المذاهب، وهو رفيق طيته، ولصيق نفسه، في قيامه وقعوده، ويقظته ~~ونومه، وانفراده واجتماعه. # ذلك أن المسلم لا يستطيع أن لا يعطف على أخيه المسلم عطفا خاصا به فوق ~~عطفه على غيره من أفراد البشر؛ لأنه مأمور أن يكون منه بمنزلة اللبنة من ~~اللبنة في البناء الواحد، أي: أن يكون عضدا له في شئون دينه ودنياه. # ولا يستطيع أن يسمع كلمة سوء يريد بها قائلها النيل من دينه والغض منه ~~دون أن يغضب لها؛ لأنه من دينه على بينة، والغضب لا يزال رذيلة من الرذائل ~~حتى يكون للحق فهو أفضل الفضائل. # ولا يستطيع أن يبيع أو يبتاع، ويقرض أو يقترض، وينطق أو يصمت، ويعاشر أو ~~يقاطع، ويوافق أو يخالف، إلا إذا نظر فيما أحل الدين من البيع وحرم من ~~الربا، وفيما رخص للمتكلم أن ينطق به وأوجب عليه أن يمسك عنه، وفيما شرع من ~~معاشرة خيار الناس ومجانبة شرارهم، وموافقة المحقين ومخالفة المبطلين، ~~وهكذا حتى لا يخرج عنه في جميع شئونه وحالاته، سواء أكان في المسجد أو ~~البيعة أو المنزل أو السوق أو المجتمعات العامة أو الأندية الخاصة. # PageV02P086 # وكما لا يستطيع أن يخرج عن أحكام الدين في شيء من هذا, كذلك لا يستطيع أن ~~يخرج عنها في كيفية معاملة المخالفين له في الدين من الرأفة بهم، والعطف ~~عليهم، والإحسان إليهم، ما داموا موالين له غير خارجين عليه، ولا مادين ~~إليه يد سوء. # فلتنعموا أيها المسيحيون بالا، ولتثلجوا صدورا، ولتعلموا أن المسلم لا ~~يستطيع أن يكون متعصبا ما دام متمسكا بدينه؛ لأن في تعصبه هدما لأعظم ركن ~~من أركان ms224 الدين الذي يتعصب له. # فإن رأيتم أنه يغضب لشتم دينه أو نبيه في صحيفة تنشر في بلاده، أو يضمر ~~في قلبه جزعا من العهد بشئون المسلمين الدينية إلى غير مسلم، فلا تقولوا: ~~إنه متعصب، وإنما هو متمسك بدينه تمسككم بدينكم، ولا تطلبوا عنده أكثر مما ~~تطلبون عند أنفسكم، وارحموه ولا تعذبوه بإدماء قلبه، وإحراج صدره، فإنه ~~يرحمكم ولا يعذبكم. # وإن خيل إليكم أن في المسلمين متعصبين, فاعلموا أنهم متعصبو أقوال لا ~~متعصبو أفعال، أي: إنهم يبغضون المسيحيين ولا يقاطعونهم، ويدعون عليهم ~~بالهلاك ولا يمدون إليهم يد سوء، ويسيئون الظن بهم وهم يستعينون بهم في ~~جميع أعمالهم سرها وجهرها، ويتمنون لهم الخسران وهم يحمونهم مما يحمون منه # PageV02P087 # أنفسهم وأولادهم، فهذا التعصب -لو تبينتم- مظهر من مظاهر الحماقة والبله ~~لا أثر له في نفوسهم، ولا علاقة بينه وبين تدينهم، ولا يمكن بحال من ~~الأحوال أن يشبه تعصب المعروفين بالتعصب من المسيحيين الذين يضمرون ~~للمسلمين في قلوبهم ما تصمت عنه ألسنتهم، وتنطق به أعمالهم، فترى الواحد ~~منهم لا يبتاع حاجته إلا من المسيحي إن كان مشتريا، ولا يستعين على عمله ~~إلا بالمسيحي إن كان تاجرا أو صانعا، ولا يوظف إلا المسيحي إن كان رئيسا في ~~مصلحة، ولا يهتم إلا بالدفاع عن المسيحي إن كان محاميا، ولا يرحم إلا ~~المسيحي إن كان قاضيا. # إن المسيحي الذي يقول للمسلم: أنت متعصب قبل أن يرى في سيماء وجهه أثر ~~العداوة والبغضاء له وإرادة الايقاع به, لا يريد بكلمته هذه مصاحبته برأيه ~~فيه، بل خديعته عن دينه والهجوم على قلبه، والتمكن من مجالسته على مائدة ~~واحدة تختلط فيها الأيدي والأفواه، ويخطئ فيها العد ويضيع الحساب، فيتناول ~~منها ما لذ وحلا ويترك له ما مر وتفه، ولقد بلغ منه في كثير من الأحيان ~~الغرض الذي أراده فخدع كثير من المسلمين عن دينهم، ونالت تلك المكيدة ~~المدبرة من نفوسهم، وعظم عليهم أن يسموا متعصبين وكانوا لا يدركون فرق ما ~~بين التمسك والتعصب, فتهاونوا في أمر # PageV02P088 # دينهم وازدروه، واستحيوا من اللصوق ms225 به، والأخذ بشعائره، فأصبح الواحد ~~منهم لا يجرؤ أن يفتتح خطابه أو كتابه أو طعامه بالبسملة، ولا يجرؤ على ~~السلام أو رده بالصيغة المأثورة، ولا على إقامة الصلوات في أوقاتها في ~~مجتمع عام، ولا على الاعتذار عن ترك منكر من المنكرات بعذر الدين، بل إن ~~فيهم من يرائي بالفسق والضلال كما يرائي الفساق والضلل بالصلاح والتقوى، ~~فيقيم الصلاة في بيته ويزعم أنه تاركها، ويترك شرب الخمر تدينا ويزعم أنه ~~تاركها توفيرا لماله أو خوفا على صحته، فرارا من تهمة التعصب، أي: تهمة ~~التدين، ولله الأمر من قبل ومن بعد. # ولم أر في حياتي منظرا أبرد ولا أسمج من منظر المسلم الذي يجالس المسيحي ~~في مجتمع عام فيقول له: إني أحبك محبتي لنفسي؛ لأني أعتقد أن كلينا يعبد ~~إلها واحدا ويدين بدين صحيح يأمر بفضائل الأعمال وينهى عن رذائلها، وربما ~~كان يضمر له في قلبه في تلك الساعة من العداوة والبغضاء ما لو طارت شرارة ~~منه لأحرقتهما جميعا وتركتهما رمادا تذروه الرياح، وعندي أن الأفضل من هذا ~~الرياء الكاذب والدهان المصنوع أن يقول له: إني أعتقد صحة ديني, فلا بد لي ~~من أن أعتقد فساد غيره من # PageV02P089 # الأديان؛ لأني لو كنت معتقدا صحتها لتقلدتها وهجرت ديني لأجلها، وإني على ~~ذلك لا أحمل لك في صدري ضغينة ولا موجدة لأني أعلم أنك إنسان، وديني لا ~~يسوغ لي أن أبغض أحدا من الناس، غير أني لا أستطيع أن أحبك محبتي لأخي ~~المسلم؛ لأني إن أحببت الذي يساعدني على حفظ مالي أو صيانة ولدي حبا جما ~~فأحرى بي أن أحب الذي يساعدني على حفظ ديني الذي هو أعز علي من نفسي, وولدي ~~حبا لا حد له. # إن المصانعة والمجاملة في الدين ليست سبيل الاتحاد والاتفاق كما يظن ~~الذين يصانعون ويجاملون، وما هي إلا الخداع والغش، وما علمنا أن أمة أسعدها ~~الغش أو رفعها الخداع، وها هي ذي الجرائد المسيحية والإسلامية في مصر يفتتح ~~أكثرها كل يوم فصول العداوة والبغضاء بعناوين المحبة والإخاء، فلم يف ms226 خيرها ~~بشرها، ولا نفعها بضرها، بل السبيل إلى ذلك أن يعلم المتدين علما صحيحا أن ~~الاختلاف في الدين شيء والتباغض فيه شيء آخر، وأن الدين الذي يسوق العالم ~~إلى الهلاك والفناء لا يمكن أن يكون دينا إلهيا. # إن الإبهام والإغماض في التدين يقتل الدين في نفوس المتدينين قتلا لا ~~حياة له من بعده، فلا بد للمسلم من أن يكون # PageV02P090 # مسلما في جميع حالاته وشئونه، وإسراره وإعلانه، فلا يستحيي أن يلبس ~~عمامته في باريس كما يلبسها في مصر، وأن يقيم الصلاة لوقتها في قصر ~~الفاتيكان كما يقيمها في مسجد قريته، وأن يترفع عن مجاراة الغربيين في ~~عاداتهم التي يرى أنها لا تلائم دينه، فلا يشرب نخب أحد من الناس وإن كان ~~في مجلس الإمبراطور، ولا يأكل لحم الخنزير وإن قدمه له بيده القيصر، ولا ~~يحمل بساط الرحمة في جنازة ميت من الأموات وإن كان بابا روما، ولا يحمل ~~سلاحه راكضا إلى مقاتلة أخيه المراكشي إن كان جزائريا، أو المصري إن كان ~~هنديا، ولو كان دون ذلك موته صبرا، وليعلم أن ذلك سبيله الذي لا سبيل له ~~غيره إلى العظمة التي يحب أن تكون له في نفوس مخالفيه في دينه أو عاداته، ~~وإن حاول مخادع أن يخدعه عن نفسه ويلقي في روعه أن اطراح المسلمين للدين ~~وسيلة تقدمهم كما كان اطراحه وسيلة تقدم المسيحيين, فليذكر دائما كلمة ذلك ~~الرجل العظيم السيد جمال الدين الأفغاني في قوله: "ترك المسيحيون دينهم ~~فتقدموا، وترك المسلمون دينهم فتأخروا". # الجامعة الإسلامية بالنسبة للمسلم هي الجامعة الكبرى التي يجب أن يمنحها ~~بنات قلبه وجوهر لبه، قبل أن يمنح ذلك غيرها # PageV02P091 # من الجوامع الأخرى، وما احتاج المسلمون إلى تلك الجامعة في دور من أدوار ~~حياتهم احتياجهم إليها في هذا العصر الذي أصبحوا فيه شتى المسالك والمذاهب ~~بين سمع الأرض وبصرها، وأصبحوا لا موطن لهم إلا تلك البقاع المبعثرة في ~~مشارق الأرض ومغاربها التي يعيشون فيها عيش الأذلاء المستضعفين، بين مهاجر ~~يأكل خبزهم, ومستعمر يشرب دمهم، ومبشر يفتنهم عن دينهم، ms227 أو ينغص عليهم ~~عيشهم بمشاغبتهم ومجادلتهم، والاستهزاء بعقائدهم وشعائرهم، فإن لم يتعارفوا ~~ويتعاقدوا على التعاون والتناصر تعاقدا يأنسون به عند اشتداد الكربة، ~~ويفزعون إليه من كلب الزمان وغدره، كان آتيهم شرا من حاضرهم، كما كان ~~حاضرهم شرا من ماضيهم. # أنا لا أريد بالجامعة الإسلامية أن يجتمع المسلمون على قتال المخالفين ~~لهم في دينهم، فقد مضى زمن القتل والقتال، بل أريد أنهم إن كانوا يحتفلون ~~بالجامعة الجنسية أو الوطنية مرة لأنها وسيلة دنياهم، فأحرى بهم أن يحتفلوا ~~بالجامعة الدينية ألف مرة؛ لأنها وسيلة دنياهم وأخراهم، وللآخرة خير وأبقى. # PageV02P092 ### | القمار # لا أستطيع أن أعتقد ما يسمونه الجنون الفرعي ويريدون منه جواز أن يكون ~~الإنسان مجنونا في بعض شئونه عاقلا في باقيها، وعندي أن الرجل إما أن يكون ~~عاقلا أو مجنونا ولا ثالث لهما. # العقل قوة يقتدر بها المرء على الاستمساك في مزالق الشهوات وبين مهاب ~~الأهواء, فموقفه أمامها موقف واحد، فإما أن يغلبها جميعها أو يغلبه جميعها. # أما ما يراه الرائي أحيانا من استهتار الرجل في بعض الشهوات استهتارا ~~يستهلك نفسه ويستهوي عقله, وزهده في بعضها زهد الأعفاء المستمسكين فذلك ~~لأنه رغب في الأولى فاسترسل وراء رغبته ولم يدعه إلى الأخرى داع من خواطر ~~قلبه ونزوات نفسه، ولو دعاه لخف إليه ولباه، ولن يسمى الرجل زاهدا أو عفيفا ~~إلا إذا أمسك نفسه عن شهوة تدعوه إليها فيدافعها, وتتلهب بين جنبيه ~~فيطفئها. # لا تقل: إن السكير عاقل إن رأيته غير فاسق ولا عاهر, واعلم # PageV02P093 # أنه لا يشتهي الفسق ولا تجذبه إليه جواذبه، ولو اشتهاه لوقف من المواخير ~~موقفه من الحانات، ولا تقل: إن الفاسق عاقل إن رأيته غير سارق ولا مختلس, ~~فإنه لا يحب السرقة ولا الاختلاس، ولو أنه أحبهما لكان في تسلق الدور ~~والقصور أبرع منه في التسلل إلى مكامن الفسق والفجور، ولا تقل: إن المقامر ~~عاقل إن رأيته لا شاربا ولا فاسقا, فإن القمار قد استهلك شهوته واستخلصها ~~لنفسه ولم يدع فيها فضلة لسواها، ولولا ذلك لكان أكبر السارقين وأفسق ~~الفاسقين. ms228 # لو كنت من المصانعين الذين يزخرفون لأرباب الرذائل رذائلهم حتى يصوروها ~~في نظرهم فضائل بما يلبسونها من أثواب التأويل، ويصبغونها من ألوان ~~التعليل، لما استطعت أن أصانع المقامر؛ لأن حاله من الجهل الفاضح والغباوة ~~المستحكمة أبعد الحالات عن عذر المعتذرين، وتأويل المتأولين. # أي عذر يعتذر به المعتذر عن رجل يريد أن يمشي في طريق الغنى فيمشي في ~~طريق الفقر, والطريقان واضحان معلمان لا غموض فيهما, ولا إبهام. # ما جلس المقامر إلى مائدة القمار إلا بعد أن استقر في نفسه أن الدرهم ~~الذي في يده سيتحول بعد برهة من الزمان إلى دينار # PageV02P094 # يعود به إلى أهله فرحا مغتبطا، وأحسب أن العقول العشرة مجتمعة ومتفرقة ~~تعجز عن إدراك سر هذه العقيدة ومثارها. # إن كان يؤمل الربح لأنه رأى عن يمينه رجلا قد ربح فلم لا يخاف الخسران ~~لأنه رأى عن يساره مائة خاسرين؟ وإن كان يضحكه منظر الربح لأنه رأى في بعض ~~مواقفه أحد الرابحين مبتسما, فلم لا يبكيه منظر أصدقائه ورفقائه الخاسرين ~~وهم يتساقطون حواليه تساقط جنود الحرب بين يدي القذائف؟ # ما أشبه المقامر الذي يطلب من الدينار الواحد مائة بالكيماوي الذي يطلب ~~من القصدير فضة ومن النحاس ذهبا، كلاهما يتاجر بالأحلام في سوق الأوهام، ~~فيربح ربحا مقلوبا، ويكسب كسبا معكوسا، وما أشبههما جميعا بذلك الرجل الذي ~~علم أن في صحراء من صحارى إفريقيا كنزا دفينا لا تعرف له بقعة وليس عليه ~~دليل, فحمل فأسه على كتفه ومشى في تلك الصحراء يحفر الحفرة التي تستنفد ~~قوته وتستهلك منته، وتبلغ من نفسه ما لا يبلغ منها كر الغداة ومر العشي حتى ~~إذا بلغ مستقرها وعلم أنه لم يعثر بضالته تركها وبدأ يحفر غيرها بجانبها, ~~فلا يكون نصيبه من الأخرى أوفر من نصيبه من الأولى, وهكذا حتى أدركه الموت ~~وهو في بعض تلك الحفر فكان هو نفسه الكنز الدفين # PageV02P095 # في تلك الصحراء إلا أنه كنز لا يطمع فيه طامع، ولا يرغب فيه راغب. # إن كنت لم تسمع في حياتك باجتماع النقيضين وتلاقي الضدين, ms229 فاعلم أن ~~المقامر في آن واحد أجشع الناس وأزهد الناس، فلولا حبه المال لما هان عليه ~~أن يبذل راحته وشرفه وحياته في سبيله، ولولا زهده فيه لما أقدم باختياره ~~على تبديده على مائدة القمار لا لغاية يطلبها, ولا لمأرب يسعى إليه. # أنا لا أريد أن أنصح إلى المقامر بترك القمار؛ لأني أعتقد أن من يملك ~~عقلا مثل عقله, وفهما مثل فهمه لا يستطيع أن يفهم كلمة مما أقول، ومن عجزت ~~حوادث الدهر وعبر الأيام عن أن ترد عليه ضالة عقله وتهديه السبيل إلى نفسه ~~فلن تنفعه كلمة كاتب ولا موعظة خاطب، وإنما أريد أن أقول للذين لم يخطوا ~~خطوة واحدة في هذا الطريق الوعر حتى اليوم: لا تقامروا جدا ولا هزلا فإن ~~هزل القمار يجر إلى جده, ولا تمروا بمعاهد القمار فإن من حام حول الحمى ~~يوشك أن يقع فيه, ولا تصاحبوا المقامرين فإنهم لا يرضون عنكم حتى تتخذوا ~~ملتهم, فإن فعلتم خسرتم مالكم وشرفكم وعزيمتكم وحياتكم من حيث لا تجدون من ~~رحمة القلوب ورأفتها ما يعوض عليكم ما خسرتم، فارحموا أنفسكم إن كنتم ~~راحمين، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. # PageV02P096 ### | الأوصياء # مرض فلان مرض الموت فلم يحفل بالمنية؛ لأنه اقتطف زهرة الحياة جميعها, ~~ولأن الثمانين قد ألحت عليه بصبحها ومسائها وليلها ونهارها, فلم تترك له ~~خيطا من خيوط الأمل ولا شعاعا من أشعة الرجاء لولا أن بين يديه ولدا صغيرا ~~في السابعة من عمره قد ماتت أمه من عهد قريب، وللشيوخ الكبار إلى أبنائهم ~~الصغار حنين الإبل إلى أعطانها، فنظر إليه وهو يحوم حول فراشه نظرة طويلة ~~لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع المنسجم, ثم زفر زفرة شديدة خيل لرائيها أنها ~~الزفرة الأخيرة, وأنشأ يقول: # أي بني، من لي بقلب يرعاك مثل قلبي، وعين تسهر عليك مثل عيني، وروح ترفرف ~~فوق رأسك مثل روحي، ونفس تضم جوانحها عليك مثل نفسي؟ # أي بني، كأني بركب الموت وقد نزل بي وحل بساحتي، وكأني به وقد احتملني من ~~فضاء القصر إلى مضيق القبر، ومن ms230 # PageV02P097 # نور الحياة إلى ظلمة الموت، وكأني بك وقد طفقت تنشدني فلا تجدني, وتفتش ~~عني فلا تراني, ففزعت وارتعت ثم صرخت فصعقت, فلم تجد بجانبك من يمسح دمعك ~~ويخفف حزنك. # من لي بصديق أثق بوده وإخلاصه ورحمته وحنانه, فأكل إليه أمرك وأعتمد عليه ~~في تأديبك وتخريجك وإبلاغك ما أرجو لك من السعادة في مستقبل دهرك؟ # فما أتم نجاءه حتى دخل عليه صديقه الوحيد الذي كان يأنس به ويستخلصه ~~لنفسه, وقد سمع آخر نجواه فقال له: هون عليك أيها الصديق, فأنا صديقك الذي ~~تنشده وأنا والد ولدك من بعدك وخليفتك بعد الله عليه، ثم ترامى على فراشه ~~يبكي لبكائه وينشج لنشيجه, فاستنار قلبه بنور الأمل وقال: أحمدك اللهم, فقد ~~رحمت ولدي وحفظت بيتي. # وما هي إلا أيام قلائل حتى كتب الشيخ كتاب الوصية بيده, ثم أجاب دعوة ربه ~~تاركا في يد ذلك الصديق الكريم مجده وشرفه وماله وولده. # اتخذ الشيخ ذلك الرجل صديقا له في العامين الأخيرين من أعوام حياته بعدما ~~رآه يكثر الاختلاف إليه ويطيل اللبث بجانبه, ويلازم الوقوف عند أمره ونهيه, ~~ويخف لقضاء حاجاته ولباناته، # PageV02P098 # ذلك إلى ما كان يراه متجملا به من صلاح مملوء بالركعات والسجدات، ~~والتسبيحات المتواليات، وعفة حتى عن لقمة من الزاد يصيبها على مائدته، ~~وتورع حتى عن جرعة من الماء يتجرعها في حضرته، فاستخلصه لنفسه وأنزله من ~~قلبه المنزلة التي لا يجاوره فيها غير ولده, وأصبح آثر الناس عنده حتى ما ~~يستطيع فراقه لحظة ولا يصبر عنه ساعة إلى أن أحس باقتراب الأجل, فأوصاه بما ~~أوصى وعهد إليه بما عهد. # هذا تاريخ ذلك الصديق في حياة الشيخ، أما تاريخه بعد مماته فسأسمعك منه ~~ما تهوي له الأفلاك عجبا وتخر له الجبال هدا. # لم تكن صلاته إلا رياء ونفاقا وركوعه وسجوده إلا كيدا ودهانا وعفته ~~وزهادته إلا حبالة نصبها ليعلق بها عقل الشيخ وقد علق، فيسلبه ماله وولده ~~وقد فعل، وما كان اختلافه إليه ولا تردده عليه إلا طمعا في هذا المصير الذي ~~صار إليه، فلما علم ms231 أن قد تم له من أمره ما أراد أطلق يده في مال الصغير ~~يعبث به عبث النكباء بالعود ويبتاع به لنفسه ما شاء الله أن يبتاع من قصور ~~ودور وبساتين وضياع, فنبه ذكره بعدما كان خاملا، ونبت ريشه بعدما كان ~~عاريا، وأصبح صاحب السلطان المطلق في ذلك القصر يذل من يشاء, ويعز من يشاء. # PageV02P099 # أما شأنه مع الولد فقد علم أنه سيبلغ عما قليل أشده ويملك رشده, وأنه ~~سيقطع عليه لذته ويقف له موقف المعترض سبيله ويحاسبه على القليل والكثير ~~والصغير والكبير, فلم ير له بدا من أن يعد لذلك اليوم عدته, فعمد إلى الولد ~~فقطعه عن المدرسة لأنه لا يحب أن ينشأ متعلما، ثم أغرى به من ساقه إلى ~~مواطن الفسق ومجامع الشراب لأنه لا يحب أن ينشأ عاقلا، وما زال ينفق عليه ~~وعلى الموكلين بإفساده من وراء حجاب حتى علق برأسه الشراب علوق السلال ~~بالصدور, فأصبح بين الحانات والمواخير كالطائر بين أغصان الأشجار, لا يرسل ~~الساق إلا ممسكا ساقا. # فكأنما وكل بعقله مقراضا يقرض له في كل يوم منه قطعة حتى كاد يأتي عليه، ~~فما بلغ السن التي يرشد فيها القاصرون حتى استحال الوصي على القاصر قيما ~~على المعتوه, ولم يبذل في سبيل الوصول إلى ذلك أكثر من لقيمات ألقاها من ~~فتات تلك المائدة إلى المجلس الحسبي, فأدخله تلك الجنة الزاهرة بغير حساب ~~ولا عقاب. # شرع الله شريعة الحجر على السفهاء والمعتوهين وإقامة القوام عليهم رحمة ~~بهم, فاستحالت على يد المجالس الحسبية نقمة عليهم # PageV02P100 # وأصبح اللص الذي لا يحسن صناعة فتح الأقفال ويتقي مغبة تسلق الجدران, ~~قادرا على أن يسرق ما يشاء حينما يشاء تحت راية هذه الشريعة المقلوبة من ~~حيث يأمن الوقوف أمام محكمة الجنايات وجر الأثقال في غيابات السجون, ~~وانتقلت الثروات العظيمة من أيدي أصحابها مخافة أن يسرفوا فيها إلى أيدي ~~آخرين يبددونها تبديدا ويمزقون أديمها تمزيقا من حيث لا يكون بينهم وبين ~~المورث صلة نسب أو وشيجة رحم حتى أصبح السعي في جمع المال في ms232 هذا العصر ~~وادخاره للوارثين عملا من الأعمال الباطلة وضربا من ضروب الجهل الفاضح، فمن ~~لي إن أنا دبرت المال وجمعته ألا يكون وارثي فيه من بعدي لصا من أولئك ~~اللصوص الذين تمنحهم المجالس الحسبية ما تمنعهم الشرائع الإلهية، ومن لي أن ~~أعيش إلى أن أدرك ولدي فأتولى أمر تربيته بنفسي قبل أن يظفر به في حداثته ~~ظفر جارح من أظفار الأوصياء, فيميت نفسه ويقتل عقله ويفسد عليه شأن حياته ~~ويلبسه من الفضيحة والعار ما يقلق نفسي في عالمها, ويزعج عظامي في مرقدها. # فلقد حدثني من قص علي تلك القصة الماضية أن ذلك الوصي لما علم أن قد تم ~~له من الحجر على ذلك الغلام ما أراد عمد إلى تزويجه من فتاة حسناء من بنات ~~الأشراف ما كان يعنيه أن # PageV02P101 # يزوجه منها لولا أن له في ذلك مأربا من المآرب الفاسدة, فما كادت تخلع ~~العروس خلعة عرسها حتى أنشأ يختلف إليها ويكثر ازديارها في الجناح الذي ~~تسكنه من القصر بما له عليها من حق الولاية والرعاية والنظر في شئونها ~~ومرافقها، ثم ما زال يختلها عن نفسها ويزين لها ما يزينه الشيطان للإنسان ~~حتى علقت بحبالته كما علق بها غيرها من قبلها, ففركت زوجها وبرمت به فرابه ~~من أمرها ما رابه, فرصدها حتى عرف موطن سرها وموقع هواها فشكا فلم يجد ~~سامعا, ثم بكى فلم يجد راحما, فكان يقضي كثيرا من لياليه في غرفة من غرف ~~القصر واجما مطرقا مسلما رأسه إلى ركبتيه ودمعه إلى خديه, لا سمير له ولا ~~مؤنس إلا نغمات الضحكات التي كان يسمعها في غرفة زوجته, فتارة يثب وثبة ~~الأسد فيثير في القصر ثائرة شعواء تضج لها جوانبه, فيتسارع إليه الخدم ~~فيضربون على يده وفمه بأمر سيدهم, وأخرى يعود إليه بلهه فينظر إلى هذه ~~المناظر المؤلمة نظر الضاحك اللاعب. # مرت على تلك الحوادث سنوات عديدة استأثر فيها ذلك الوصي بتلك الدائرة ~~الواسعة, وألح عليها بكلكله حتى اجتز وبرها, ثم استكشط جلدها فلم يبق منها ~~إلا هيكل العظام, وعلم ms233 أن قد قامت قيامة الناس عليه وأن قصته مع زوجة ~~الغلام وماله قد # PageV02P102 # ملأت مسمع الخافقين, وأن نجمه الثاقب قد مال إلى الأفول, عمد إلى حيلة ~~شيطانية ختم بها تلك الرواية بمثل ما تختم به الروايات المحزنة. # تفتح للغلام بعد انقباضه وابتسم إليه بعد تقطيبه, وابتاع له ما اقترحه ~~عليه من ثوب فاخر ومركب فاره ومزاهر وعيدان وكئوس ودنان، ثم خلا به في ساعة ~~من ساعات نشوته وارتياحه فقال له: أيها الصديق قد آن أوان قيامك بشأنك ~~وانفرادك بأمرك, فاكتب إلى المجلس الحسبي رقعة تطلب فيها رفع الحجر عنك, ~~واكتب توقيعك على هذه الجريدة جريدة الحساب, فداخل الغلام من السرور ~~والغبطة ما طار بلبه, فكتب الأولى ووقع الأخرى, ثم أوعز الوصي إلى المجلس ~~الحسبي بتلبية طلبه فلباه وقضى برفع الحجر عنه, فاستقبل الغلام تلك النعمة ~~استقبال الظامئ كأس الشراب وكان لا بد له من أن يشرب حتى يبشم, ففتش بين ~~يديه عن مال ينفقه فلم يجده وكان الرجل قد وكل به عونا من أعوانه يداخله ~~ويتحين فرصة حاجته إلى المال فيمنحه, فكان يعطيه المال باليمين ويأخذ منه ~~صك البيع باليسار, فما زال هذا يعطي وذاك يأخذ حتى أصبح نصف تلك الدائرة ~~بعد عامين اثنين ملكا لعون الوصي وللوصي غدا بثمن لا يساوي عشر معشارها, بل # PageV02P103 # بغير ثمن, وهل ابتاعها مبتاعها إلا بمالها وأنفق عليها إلا ثمرتها؟ # هنالك قام الوصي وقعد ونادى في الناس بصوت يشبه صوت الحق ونغمة تشاكل ~~نغمة الصدق: أيها الناس, قد كنت أنذرتكم بمصير هذا الغلام إن صار أمره إلى ~~نفسه فكذبتم قولي, وفندتم رأيي وما زلتم تقولون كيت وكيت حتى أحرجتم صدري, ~~ودفعتموني إلى الغدر بذلك العهد الذي أخذه علي ذلك الصديق الكريم أن أتولى ~~شأن ولده من بعده, وألا أتخلى ساعة واحدة عن رعايته وتعهده, فكان ما كان ~~مما تعلمون من تبديد ثروته وتمزيقها, فها أنتم ترون بأعينكم شؤم رأيكم ~~وجريرة سعيكم. # ثم أعاد كرته على الغلام وسعى سعيه في المجلس الحسبي, فأعاده سيرته ~~الأولى ms234 ووضع في عنقه غلا لا فكاك له من بعده إلى يوم يبعثون. # ليت شعري هل يعلم ذلك المقبور في لحده ما صنعت يد الحدثان بماله وولده, ~~وأن المال قد ورثه غير وارثه واستأثر به غير صاحبه, وأن الولد قد أصبح بعد ~~ذلك الملك الكبير، والجنة والحرير، يطلب المضغة فتعوزه والجرعة فتتعذر ~~عليه، وأنه يبيت الليالي ذوات العدد مطرحا في زواية من زوايا الحانات لا ~~وطاء غير أديم التراب، ولا غطاء غير قطع السحاب، وهل أعد # PageV02P104 # عدته للوقوف بين يدي الله في ذلك اليوم المشهود, يوم تكشف الهنات وتفضح ~~العورات، فيمسك ولده بيمناه ووصيه بيسراه ثم يناجي ربه ويقول: اللهم اعدني ~~على هذا الكاذب الذي ختلني وخدعني وخفر ذمتي وخاس بعهدي وخان أمانتي وأفسد ~~وصيتي, وخذ لولدي بحقه من هذا الظالم الذي سرق ماله وهتك عرضه وعذب نفسه ~~ونغص عيشه, فأنت أعدل الحاكمين وأرحم الراحمين. # PageV02P105 ### | العام الجديد # في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من ~~منازل الحياة, فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن ~~نال منه الأين والكلال, وأنضاه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين ~~وثلاثمائة يوم. # هنالك يجتمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا, فيجدون أن ~~فلانا مات جوعا وفلانا مات ظمأ وآخر افترسه سبع وآخر قتله لص وآخر مات غيلة ~~وآخر سقط عيا وآخر طارت به قنبلة وآخر هوت به طيارة وآخر اجتاحه بركان وآخر ~~تردى عليه منجم، ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما ~~دونوا فيها ماضيهم، ثم يوازنون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شر من ~~الماضي, وأن ميادين الحروب لا تزال ملوثة بالدماء ومصانع الموت لا تزال ~~تفتن في عدده وتستكثر من أدواته, وأن أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر ~~حتى ما يكاد أحد يتمنى أن تقع عينه على أحد, وأن # PageV02P106 # سحائب البغضاء لا تزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من ~~أدناه إلى أقصاه شعوبا وقبائل وأجناسا وأنواعا ومذاهب ms235 وأديانا ومنازل ~~وأوطانا, فيبغض الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه, فإن عرف أنه يوافقه أبغضه ~~لأنه يخالفه في دينه, فإن وافقه في هذه أبغضه لأنه ينطق بغير لغته, فإن نطق ~~بها أبغضه لأنه لا يشاركه في وطنه، فإن كان مشاركا له أبغضه لأنه يزاحمه في ~~حرفته أو صناعته, فإن بعد عن طريقه أبغضه لأنه يخالفه في رأيه, فإن كان ~~موافقا له أبغضه لأنه لا يحاكيه في لونه, فإن لم يجد شيئا من هذا ولا ذاك ~~أبغضه لأنه شحص سواه، كأن قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير ~~الصورة التي يراها كل يوم في مرآته، فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم ~~والموازنة بين حاضرهم وماضيهم أضافوا إلى سيئاتهم الماضية سيئة الغش ~~والكذب, فتناسوا كل هذا ووضع كل منهم يده في يد أخيه مهنئا له بالعيد ~~السعيد, داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة ثم تنادوا للرحيل ليستقبلوا ~~المرحلة الآتية بعد قطع المرحلة الماضية. # علام يهنئ الناس بعضهم بعضا؟ وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء ~~فيها ويغتبطوا بقطع المراحل التي يقطعونها # PageV02P107 # منها؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدق الحديث عما في نفسه فيقول: إنه ~~أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح, أو إنه رأى بارقا من بوارق ~~السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته, ولم ير بجانبه مثل ما يرى في ~~الليلة البارقة من نجوم هاوية ورعود قاصفة وصواعق محرقة وغيوم متلبدة؟ # بأي نعمة من النعم أو حسنة من الحسنات تمن الحياة على رجل يتنقل فيها من ~~ظلمة الرحم إلى ظلمة العيش ومن ظلمة العيش إلى ظلمة القبر كأنما هو يونان ~~الذي التقمه الحوت, فأصبح في ظلمات بعضها فوق بعض؟ وأي صنيعة من الصنائع ~~أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ~~ساعة راحة وسلام يبل بها غلته, ويثلج بها صدره فلا يعرف لها مذهبا ولا يجد ~~إليها سبيلا؟ إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة واصطلحت عليه الأيدي ms236 ~~الناهبة، فإما قتلته وإما أفقرته، وإن كان فقيرا عد الناس فقره ذنبا جنته ~~يداه, فتتناوله الأكف وتتقاذفه الأرجل وتتجاذبه الألسن حتى يموت الموتة ~~الكبرى، وإن كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به, ~~وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا ~~كميت، وأن يكتم سر علمه # PageV02P108 # في صدره فلا يفضي به إلى لسان ولا قلم أو يموت دون ذلك، وإن كان جاهلا ~~اتخذه العالمون مطية لا يزالون يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا ~~يرحمونها ولا يرفقون بها ولا يقيمون صلبها حتى يعقروها، وإن كان بخيلا ~~ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه وبرزت له الأنياب وانقبضت ~~له الأسرة والتهبت له الأنظار وأرسلت إليه الأضغان ألسنة نيرانها حتى ~~تحرقه، وإن كان كريما محسنا عاش مترقبا في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر ~~الذين أحسن إليهم، إما لأنه منحهم أولا ثم منعهم آخرا فهم يحاولون أن ~~ينتقموا منه؛ لأنه أذاقهم لقمة ناعمة ما كانوا يقدرون لها في أنفسهم حسابا, ~~فلما ذاقوها استعذبوها فاستزادوا منها فلم يجدوا ما يريدون, فتمتلئ صدورهم ~~حقدا على تلك اليد التي هاجت بطنتهم وأشعلت نارها ثم لم تطفئها، أو لأنهم ~~من أصحاب النفوس الشريرة الذين يشعرون كأن المحسن يريد أن يشتري منهم نفسه ~~بما يسدي إليهم من إحسانه, فيتناولون منه الإحسان لأنهم طماعون ويطوون ~~القلوب على الحقد عليه والموجدة له؛ لأنهم كانوا يريدون أن يتمكنوا من عرضه ~~ينالون منه كما يشاءون, فحيل بينهم وبين ذلك. # لا سعادة في هذه الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء # PageV02P109 # على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس ~~واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف فعرف كل ذي حق حقه, وقنع كل بما في يده ~~عما في يد غيره, فلا يحسد فقير غنيا ولا جاهل عالما, وأشعرت القلوب رحمة ~~وحنانا على البؤساء والمنكوبين, فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عار بين ~~الكاسين, وامتلأت النفوس عزة وشرفا, فلا يبقى شيء من تلك الحبائل ms237 المنصوبة ~~لاغتيال أموال الناس باسم الدين أو باسم الوطنية أو باسم الإنسانية أو باسم ~~العلم ولا نرى طبيبا يدعي علم ما لم يعلم ليسلب المريض روحه وماله, ولا ~~محاميا يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ما يسلب منه خصمه, ولا تاجرا ~~يشتري بعشرة ويبيع بمائة ثم ينكر بعد ذلك أنه لص سارق, ولا كاتبا يضرب ~~الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند بالزند ~~ليظفر بالشرر المتطاير منهما، وما دامت هذه المطالب أحلاما كاذبة وأماني ~~باطلة فلا مطمع في سلام ولا أمان ولا أمل في سعادة ولا في هناء، ولا فرق ~~بين أمس الدهر ويومه، ولا بين يومه وغده، ولا فرق بين مغفلات أيامه ومعلمات ~~أعياده، فليهنأ بالعيد من عرف من أيامه غير ما عرفت، وذاق من نعمائه غير ما ~~ذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ماضي أيامه وسالف أعوامه. # PageV02P110 ### | سحر البيان # رأيت في إحدى روايات شكسبير وهي الرواية المعروفة برواية "يوليوس قيصر" ~~موقفا لبطلين من أبطال الفصاحة, وفارسين من فرسان البيان قد وقف كل منهما ~~من صاحبه موقف اللاعب من اللاعب, ووقف الشعب الروماني بينهما موقف الكرة ~~بين مضارب الأقدام تعلو بها حينا وتسفل أحيانا فلا تثبت صاعدة ولا تستقر ~~هابطة فعلمت أن العامة عامة في كل عصر، والشعب شعب في كل مصر، وأن سواد ~~الأمة تحت صرح فرعون مثله تحت عرش قيصر، وأنه في رأس التاريخ اليسوعي مثله ~~في ذنب التاريخ المحمدي، تدنو به كلمة وتنأى به أخرى، وتجذبه دمعة وتدفعه ~~ابتسامة، وتطير بلبه الشعريات والخيالات طيران الريح الهوجاء بذرات الهباء. # علم بروتس الشريف الروماني أن يوليوس قيصر قد استعبد الشعب الروماني, ~~وأذل نفسه ذلا ملك عليه حواسه ومشاعره حتى ما يكاد يشعر بمرارته، وكذلك ~~الذل إذا نزل بالنفوس سلبها # PageV02P111 # كل شيء حتى الشعور بنزوله بها، وعلم أن حياة ذلك الشعب في موت ذلك القيصر ~~فهان عليه أن يقتل صديقه وسيده افتداء لأمته, فطعنه طعنة نجلاء سلبته نفسه ~~فهاج الشعب الروماني على القاتل وأعوانه ms238 هياج الأمواج المتدافعة على السفن ~~المبعثرة في أكناف الدأماء، فوقف الرجل خطيبا في وجه هذا الشعب المائج ~~المحتدم حزنا على خلاصه من يد قاتله وقفة المستبسل المستميت، وكان لا بد له ~~في موقفه من أحد المصيرين؛ إما نصر يعلو به إلى مدار الأفلاك، أو خذلان ~~يهوي به إلى مقر الأسماك، ومن أحد المخرجين؛ إما مخرجه مرفوعا على محفة ~~الأبطال، أو محمولا على أعناق الرجال، فبعد لأي ما استطاع بعض الناس أن ~~يسكن ثائرة الثائرين ويستدرجهم إلى سماع دفاع القاتل عن نفسه أو التفكه ~~بمنظر هذيانه وهو يتلمس في هذه الظلمة الحالكة المخرج من جرمه. # الخطبة: # بروتس "وهو على منبر الخطابة": أيها الرومانيون، أتعدونني بالصبر القليل ~~على سماع ما أقول من حلو الكلام, ومره إكراما لموقفي, وإكراما للعدل؟ # أنا لا أريد أن أخدعكم عن أنفسكم, ولا أن أعبث بعقولكم # PageV02P112 # وأهوائكم, بل أريد منكم أن تنظروا إلى قضيتي نظر المستيقظ الحذر الذي لا ~~يعطي هوادة ولا يسلس قيادا ولا ينام عن شاردة ولا واردة؛ لأني لا أعتقد أن ~~في زاوية من زوايا قضيتي هذه كمينا أخاف أن تقع عليه العيون. # أيها الرومانيون، إن كان بينكم صديق لقيصر يحبه, ويتهالك وجدا عليه ~~فليسمح لي أن أقول له: أيها الصديق الكريم، إن بروتس قاتل قيصر كان يحبه ~~أكثر من حبك إياه. # أيها القوم، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، فأعلموا أني ما قتلت ~~قيصر لأني كنت أبغضه, بل لأني كنت أحب روما أكثر منه. # كان قيصر يحبني فأحببته، وكان شجاعا فاحترمته، ولكنه كان طماعا فقتلته، ~~ففي ساعة واحدة منحته دمعي وقلبي وخنجري. # أنا لا أصدق أن بينكم من يحزن لموت قيصر, فأنتم رومانيون والروماني لا ~~يحب أن يعيش ذليلا. # من منكم يكره أن يكون رومانيا؟ من منكم يكره أن يكون حرا؟ من منكم يحتقر ~~نفسه؟ من منكم يزدري وطنه؟ إن كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم؛ لأنه هو ~~الذي يحق له أن # PageV02P113 # يثأر لنفسه مني؛ لأني لم أسئ إلى أحد سواه. # الشعب: لا، ms239 لا، ليس فينا واحد من هؤلاء. # بروتس: إذن أنا لم أسئ إلى أحد منكم. # وما وصل بروتس من حديثه إلى هذا الحد حتى دخل أنطونيوس صديق قيصر ورأس ~~الناقمين على قتلته والطالبين بثأره هو وآخرون, ومعهم جثة قيصر لتأبينه في ~~هذا المجمع الحاشد, فاستأنف بروتس الكلام وقال: # بروتس: ها هي جثة قيصر وها هو صديقه أنطونيوس قد جاء ليؤبنه فاستمعوا له، ~~واعلموا أن قيصر المذنب غير قيصر الماجد، وقد سمعتم ما قيل عن الأول ~~فاسمعوا ما قيل عن الثاني، واسمحوا لي أن أقول كلمة أختم بها خطابي. # أيها الرومانيون، إن الخنجر الذي ذبحت به قيصر في سبيل روما لا يزال ~~باقيا عندي لذبح بروتس في سبيل قيصر إذا أرادت روما ذلك. # تأثير الخطبة: # الشعب: ليحي بروتس. # أحد الناس: أنا أقترح أن نحمله على الأكف والرءوس إلى بيته. # PageV02P114 # آخر: انصبوا له تمثالا. # آخر: امنحوه عرش قيصر. # آخر: إنه أفضل من قيصر. # آخر: إن قيصر كان ظالما. # آخر: إنه كان الظلم بعينه. # آخر: لتهنأ روما بالخلاص منه. # آخر: ألا نسمع تأبين أنطونيوس؟ # آخر: نعم نسمعه؛ لأن بروتس أمر بذلك. # وهنا خرج بروتس والقلوب طائرة حوله, والعيون حائمة عليه وقد نال بتأثير ~~خطابه من نفوس الشعب الروماني ما أراد، ثم صعد أنطونيوس على منبر الخطابة, ~~فهزأ الشعب بموقفه ولولا كلمة من بروتس ما ثبت في موقفه لحظة واحدة، ثم ~~أنشد قصيدة التأبين المشهورة التي هي آية الآيات في اللغة الإنجليزية فصاحة ~~وبيانا, والتي يكاد لا يوجد إنجليزي لا يحفظها ولا يمجدها تمجيد الأمم ~~المتعبدة آيات الكتب المقدسة. # القصيدة: # أنطونيوس: أيها الرومانيون. # أحد الناس: اسمعوا ما يقوله أنطونيوس. # PageV02P115 # آخر: لا، لا نسمعه. # أنطونيوس: اسمعوني إكراما لبروتس. # أحد الناس: ماذا يقول هذا الرجل عن بروتس؟ # آخر: لا يقول شيئا. # آخر: إذن نسمعه. # أنطونيوس: أيها الأصدقاء، أنا ما جئت هنا اليوم لأرثي قيصر بل لأدفن ~~جثته. # أيها القوم، ما من أحد من الناس إلا وله في حياته أعمال حسنة, وأخرى ~~سيئة. # أما حسناته فتموت بموته, وأما ms240 سيئاته فتبقى من بعده خالدة إلى يوم ~~يبعثون. # كذلك كان قيصر في حياته ومماته، وحسناته وسيئاته. # أيها القوم، ما كنت لأستطيع أن أقف موقفي هذا بينكم ولا أن أقول كلمة مما ~~أريد أن أقول لولا أن بروتس قاتل قيصر أمرني بالوقوف وأمرني بالكلام, وها ~~أنتم ترون أنني قد أطعته واستمعت له؛ لأنه رجل شريف. # أيها القوم، يقول الشريف بروتس: إن قيصر كان رجلا طماعا وأنا لا أستطيع ~~أن أخالفه فيما يقول؛ لأنه رجل شريف. # PageV02P116 # أنا لا أستطيع أن أقول: إن قيصر كان رجلا قانعا عادلا أمينا؛ لأن الشريف ~~بروتس يقول غير هذا. # كل ما أستطيع أن أقوله, إن الفدية التي افتدى بها أعداؤنا أسراهم الذين ~~جاء بهم قيصر إلى روما قد ملأت الخزانة العامة حتى فاضت بها. # كل ما أستطيع أن أقوله, إني رأيت قيصر بعيني يبكي لبكاء الفقراء ويحزن ~~لحزنهم, ويبيت الليالي ذوات العدد ساهرا لا يغتمض له جفن حدبا بهم, وعطفا ~~عليهم. # كل ما أستطيع أن أقوله, إني عرضت بنفسي تاج الملك على قيصر في لوبركال ~~ثلاث مرات فأباه زهدا فيه, وازدراء له. # كنت أستطيع أن أقول: إن الطمع لا يسكن قلبا مثل هذا القلب, ولا يخالط ~~فؤادا مثل هذا الفؤاد لولا أن بروتس يقول: إن قيصر رجل طماع, وأنا لا ~~أستطيع مخالفته لأنه رجل شريف. # أيها الرومانيون، إنكم أحببتم قيصر قبل اليوم حبا جما, فما الذي يمنعكم ~~اليوم من البكاء عليه؟ # إن لم تبكوه لصفاته الكريمة فابكوه لأنكم كنتم تحبونه، ابكوه لأنه كان ~~بالأمس ينطق الكلمة فتدوي في صدور العظماء دوي الرعد في آفاق السماء، فأصبح ~~اليوم مطرحا # PageV02P117 # في ظل هذا الحائط, لا يجد بين الناس من يأبه له ولا من ينظر إليه. # أيها العقل الإنساني، كيف حالت حالك وتغيرت آيتك؟ وكيف انتقلت من الصدور ~~الإنسية إلى الصدور الوحشية؟ وكيف ضللت سبيلك وعميت عليك مذاهبك فحسبت ~~الخير شرا، والشر خيرا، واختلط عليك الأمر بين الحسنات والسيئات, والمكارم ~~والجرائم؟ # أيها الرومانيون، عفوا إن هذيت بينكم أو أسأت إليكم، ms241 واعلموا أن الحزن قد ~~قسم فؤادي قسمين: قسم على هذا المنبر، وقسم في ذلك النعش. # أيها الأصدقاء، إن بين جنبي قلبا يخفق بحبكم والعطف عليكم والرأفة بكم, ~~ولولا مخافة أن تنفجر صدوركم حزنا وجزعا لقلت لكم: إن قيصر قتل مظلوما. # إنني أعتقد أن بروتس ورفاقه قوم شرفاء عظماء؛ لذلك أحب أن أسيء إلى نفسي ~~وإلى قيصر وإليكم قبل أن أقول: إنهم أخطئوا في قتل قيصر, فأسيء إليهم. # "وهنا أرسل أنطونيوس من جفنيه قطرات من الدموع". # الانقلاب: # أحد الناس "يقول لصاحبه": يلوح لي أن فيما يقول الرجل شيئا معقولا. # PageV02P118 # آخر: إنك إذا أنعمت النظر وجدت أن قيصر قد أسيء إليه. # آخر: لقد أثر في نفسي زهده في تاج الملك. # آخر: لقد أحزنني عليه أنه كان يبكي لبكاء الفقراء. # آخر: إن الذي يرثي لبؤس البؤساء لا يكون طماعا, ولا ظالما, ولا قاسيا. # آخر: إذن فسيكون لمقتل قيصر شأن غير شأنه الأول. # آخر: لا بد من عقاب القاتل. # آخر "يقول لجليسه": انظر إلى أنطونيوس, فقد بكى حتى احمرت مقلتاه. # آخر: ليس في روما رجل أشرف من أنطونيوس. # أنطونيوس: أتأذنون لي بالنزول من المنبر لأقف قليلا بجانب جثة القتيل؟ # الشعب: نعم نعم. # "فنزل أنطونيوس ومشى حتى وصل إلى جثة قيصر وهو لا يزال في ملابسه التي ~~قتل فيها, ولا تزال طعنات الخناجر ظاهرة في قبائه ثم قال" # أنطونيوس: من كان يملك منكم دموعا فليعدها لهذا # PageV02P119 # الموقف, فإني سأبكيكم في هذه الساعة بكاء شديدا. # إنكم جميعا تعرفون هذا القباء ولكنكم لا تعرفونه كما أعرفه أنا، أنا أعلم ~~أن قيصر لبسه أول مرة في مساء اليوم الذي انتصر فيه على "الذفي" ذلك ~~الانتصار الباهر الذي نالت به روما فخرا عظيما. # "ثم وضع يده على الثقوب التي في القباء وقال" # في هذا القباء الشريف تمزقت جثة هذا الفاتح العظيم. # في هذا الثقب طعنه بروتس طعنته, ومن هذا الثقب أطل دم قيصر ليرى بعينه ~~وجه الضارب، وأحسب أن أفراد هذا النوع الإنساني جميعهم قد مروا بخاطر قيصر ~~فردا ms242 فردا قبل أن يمر بخاطره بروتس. # عرف قيصر أن قاتله هو صديقه وصنيعة إحسانه, ففترت همته وعجز عن المقاومة ~~لأن الطعنة التي أصابته في جسمه لم تكن أقل من الطعنة التي أصابته في قلبه، ~~ولم يكن منظر المدى والخناجر أبشع في نظره من منظر الخيانة والغدر، هنالك ~~عجز قيصر عن أن يقول شيئا غير الكلمة التي ودع بها قاتله الوداع الأخير: ~~"وأنت أيضا يا بروتس! ". # وهنالك تحت تمثال بومباي وجد قيصر قتيلا وقد لف وجهه # PageV02P120 # بقبائه حتى لا تتألم نفسه مرة ثانية بمنظر كفر النعمة, ونكران الجميل. # ها أنتم تبكون على قيصر, فشكرا لكم على هذه الدموع الكريمة التي طهرتم ~~بها ما لوث به الخونة تربة الأرض من الدماء. # إنكم تبكون لمنظر قباء قيصر الممزق, فكيف بكم لو شاهدتم ما تمزق من جثته. # "ثم دنا وكشف القباء عن جسمه, وقال" # إن في كل جرح من هذه الجروح لسانا يشكو إليكم فاستمعوا له, فهو أنطق من ~~لسان الرثاء. # أحد الناس: يا له من منظر فظيع. # آخر: وا رحمتاه لقيصر. # آخر: إن يوما يقتل فيه قيصر ليوم شره مستطير. # آخر: يا للدناءة والسفالة. # آخر: يا للغدر والخيانة. # آخر: الانتقام الانتقام. # الشعب "وهو يضج ضجيجا عظيما": أحرقوا القتلة، مزقوهم، لا تبقوا على أحد ~~منهم. # أنطونيوس: مهلا مهلا, أنا لا أريد أن أشعل بينكم فتنة # PageV02P121 # عمياء، ولا أريد أن تطالبوا القتلة بالدماء التي أراقوها, فإني لا أزال ~~أعتقد أنهم قوم شرفاء وربما كانوا يعرفون أسبابا لقتله لا نعرفها, وإنما ~~أريد أن أقول لكم: إن قيصر كان يحبكم حبا جما, فهو يستحق رثاءكم له, ~~وبكاءكم عليه. # لولا أني أوثر الإبقاء عليكم, ولولا أني أحب تخفيف ما ألم بقلوبكم من ~~الحزن على فقيدكم لتلوت عليكم وصيته لتعلموا أن الرجل كان يحبكم, وأنه ما ~~كان خليقا أن يقتل بينكم وفيكم عين تطرف وفؤاد يخفق. # الشعب: اقرأ الوصية. # أنطونيوس: إني أخاف على صدوركم أن تنفجر حزنا على القتيل الشهيد. # الشعب: نريد سماع الوصية. # أنطونيوس: إنه يعطي كل فرد ms243 من أفراد الرومان خمسة وسبعين فرنكا, ويوصي ~~بجميع غاباته ومنتزهاته ورياضه لأمته. # أحد الناس: يا له من رجل كريم. # آخر: يا له من رجل شريف. # آخر: ويل للقتلة. # آخر: الثورة، الثورة. # PageV02P122 # آخر: سنحرق منزل بروتس ومنازل رفاقه. # ثم خرج الشعب يتدفق في شوارع روما تدفق الأمواج الثائرة في القاموس ~~المحيط. # أنطونيوس "في موقفه وحده": أيتها الفتنة العمياء, قد أيقظتك من مرقدك ~~فارفعي رأسك وامضي في سبيلك واشتعلي حتى يحرق لسانك أديم السماء, وحتى لا ~~تبقي على شيء مما حواليك ا. ه. # وهكذا استطاع أنطونيوس في موقف واحد أن يستعبد الشعب الروماني لنفسه وما ~~كاد يخلص من استعباد قيصر، وهكذا الأمم الضعيفة لا مفر لها من العبودية ~~لحملة التيجان، أو حملة البيان. # PageV02P123 ### | الكبرياء # حضرة السيد الفاضل: # لي في البلدة التي أسكنها كرامة الحاكم؛ لأني أشغل وظيفة عالية فيها وقد ~~بدا لي أن أختلف إلى المسجد لصلاة الجمعة, فاختلفت حتى فاجأني يوما من ~~الأيام ما لم يكن في الحسبان. # حدث أن صعلوكا يعرفني, ويعرف مقامي تمادى في وقاحته وسوء أدبه حتى وقف ~~بجانبي في الصلاة فاشمأزت نفسي من هذا الأمر كل الاشمئزاز, وحاولت أن ~~أحتمله فلم أستطع, وخفت إن طردته أن يؤاخذني الناس به, فهل تعرف مسوغا ~~شرعيا يفرق بين درجات الناس في مواقف الصلوات؟ "سائل". # يا مولانا الحاكم: # رحماك بهذا الصعلوك المفلوك الواقف بجانبك، لا تضن عليه بظلك الظليل أن ~~يمتد إليه, فيقيه أشعة التصعلك الحارة ساعة من الزمان, ولا تحرمه نفحة من ~~نفحات السعادة التي تهب عليه من بين أردانك العطرة عله يجد في تلك اللذة ~~الخيالية # PageV02P124 # ما يهون عليه مصابرة البلاء، ومعاناة الشقاء، وأحسن كما أحسن الله إليك, ~~إن الله يحب المحسنين. # ليفرخ روعك وليثلج صدرك, واعلم أن هذا الفقير الصعلوك الواقف بجانبك لا ~~يستطيع مهما نال منه العدم, وبرح به الشقاء أن يقتطع قطعة من سعادتك أو ~~يفتلذ فلذة من شرفك، فسعادتك وشرفك كالمصباح تستنير منه المصابيح, ونوره ~~نوره وبهاؤه بهاؤه. # لا تظلم الرجل ولا تقل: إنه وقاح ms244 الوجه أو سيئ الأدب؛ فإني أعلم بما أعرف ~~من آمال هؤلاء البؤساء وأمانيهم أنه ما وقف بجانبك إلا طمعا في دورة الفلك ~~التي علت بك, وأنزلتك منازل العظماء أن تدور به دورتها بك, وأن تنزله ~~منزلتك, فاغفر له جهله وقصوره, فمثلك من يقيل العثرة ويستر الزلة. # إنك تريد مني أن أتلمس لك في أبواب الشريعة الإسلامية مسوغا يسوغ لك طرد ~~هذا الصعلوك المجترئ عليك من موقفه الذي اختاره لنفسه بجانبك, فاسمع ما ~~ألقي عليك: # إن الذي وقفت بين يديه في مصلاك أجل شأنا وأعظم خطرا من أن يحفل بثوبك ~~اللامع وجبينك الساطع وردائك المطرز وقميصك المحبر, وأن يعرف لك من الفضل ~~والشرف # PageV02P125 # أكثر مما يعرف لصاحبك, فما كان له أن يأمرك أن تتقدمه, أو يأمره أن يقف ~~منك موقف العبد من السيد والمحكوم من الحاكم. # إن للجمعة والجماعة فضائل كثيرة وحكما جمة أرادها الشارع منها، وإنك لن ~~تجد بين هذه الحكم وتلك الفضائل حكمة أدق, ولا فضيلة أنفس من التواضع الذي ~~يشعره العظيم قلبه كلما رأى أنه قد وقف من الفقير في ذلك الموطن المقدس ~~موقف الأخ من أخيه, والنظير من نظيره. # إن كنت تريد يا مولانا الحاكم من الاختلاف إلى المسجد ألا تترك للفقير ~~موطنا من المواطن يملك فيه الخيار لنفسه في مواقفه, ومذاهبه حتى موقفه بين ~~يدي ربه فخير لك أن تستصحب معك فريقا من شرطتك وأعوانك لتأمرهم في ذلك ~~الفقير بما يرضيك من إقصائه أو طرده أو التنكيل به كلما رأيته تمادى في ~~وقاحته وسوء أدبه، فإن تم لك من ذلك ما أردت فاحذر أن يخدعك خادع عن نفسك, ~~فيزين لك أن تنطق في موقفك هذا بآية العبودية بعدما نطقت بكلمة الألوهية ~~حتى لا تجمع على نفسك بين رذيلتين: رذيلة الظلم, ورذيلة الرياء. # فإن كنت تريد الصلاة للصلاة, فاعلم أن الله لا يقبلها منك, ولا يجزل لك ~~ثوابها حتى تقف بين يديه موقف من ألمت بقلبه # PageV02P126 # الخشية, وملكت عليه السكينة سمعه وبصره فلم يعد يبصر شيئا مما ms245 حوله, ولا ~~يعلم إن كان واقفا في حضرة الملوك، أو في زمرة الصعاليك. # أيها العظماء: # ليست العظمة التي تعرفونها لأنفسكم إلا منحة من منح الفقراء عليكم, وحسنة ~~من حسناتهم إليكم, فلولا تواضعهم بين أيديكم ما علوتم، ولولا تصاغرهم في ~~حضراتكم ما استكبرتم، فلا تجزوهم بالإحسان سواء ولا تجعلوا الكفر مكان ~~الشكر تستدفعوا النقم, وتستديموا النعم. # أيها العظماء: # ما هذه القصور التي تسكنونها, ولا هذه النعم التي ترفلون في أثوابها, ولا ~~هذه الحاشية التي تدلون بها إلا ألوان وأصباغ لا علاقة بينها وبين نفوسكم, ~~ولا دخل لها في جوهر من جواهر أفئدتكم وقلوبكم, وما هي إلا أن تشرق عليها ~~شمس الحقيقة فتذهب بها ذهابها بألوان السحاب، وأصباغ الثياب، فإذا أنتم ~~عراة مجردون لا تشفع لكم إلا فضائلكم، ولا تنفعكم إلا مواهبكم ومزاياكم. # أيها العظماء: # لا عذر لكم في الكبرياء في جميع حالاتكم وشئونكم، فإن # PageV02P127 # كنتم من أرباب الفضائل, فحري بالفاضل أن لا يشوه وجه فضيلته برذيلة ~~الكبرياء، أو لا فما تحمل الأرض على ظهرها أسمج وجها, ولا أصلب خدا من جهلة ~~المتكبرين، فانظروا أين تنزلون، وفي أي مقام تقيمون! # PageV02P128 ### | الانتحار # قرأت في الصحف أن رجلا من تجار المسلمين انتحر لا لضيق يد أو شدة مرض أو ~~بؤس حال, بل لأنه حزن على وفاة صديق له, فقتل نفسه. # إن الرجل مؤمن يعتقد ولا شك بسوء عاقبة المنتحر, فكيف هان عليه وهو في ~~آخر يوم من أيام حياته أن يضم إلى خسارة دنياه خسارة آخرته, وهي العزاء ~~الباقي عن كل ما يلاقي المؤمن في حياته من شقاء وعناء. # إن الانتحار من حيث هو مبدأ فاسد, وعادة مستهجنة رمتنا بها المدنية ~~الغربية فيما رمتنا به من مفاسدها وآفاتها. # ولقد كنا نعجب قبل اليوم من تهالك المصريين على حب تقليد الغربيين حتى ~~فيما يؤذيهم في مالهم أو عرضهم وصحتهم, أو كنا إذا أردنا المبالغة في تمثيل ~~هذا التهالك قلنا: يوشك أن يقتل المصري نفسه بنفسه إذا علم أن ذلك عادة من ~~العادات الغربية # PageV02P129 # فقد صار ms246 قريبا ما كان بعيدا, وأصبح مألوفا ما كنا نعده مثلا من الأمثال. # الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن والخور, وما يصل إليه العقل ~~من الاضطراب والهوس, وأحسب ألا يقدم الإنسان على الانتحار وفي نفسه ذرة من ~~العزم، أو في عقله لمحة من الحزم. # حب النفس غريزة وضعها الله سبحانه وتعالى في نفس الإنسان لتكون ينبوع ~~العمل ومبعث الحركة ومطلع شمس المدنية والعمران، والمنتحر يبغض نفسه بأشد ~~مما يبغض الإنسان أعدى أعدائه، فهو شاذ في طبيعته, غريب في خلقه, معاند ~~لإرادة الله تعالى في حياة الكون وعمرانه، ومن كان هذا شأنه كان بلا قلب ~~ولا عقل. # لا عذر للمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه من الهم ونفسه من الأسى, ~~ومهما ألمت به كوارث الدهر ونزلت به ضائقات العيش؛ فإن ما أقدم عليه أشد ~~مما فر منه, وما خسره أضعاف ما كسبه. # لو كان ذا عقل لعلم أن سكرات الموت تجمع في لحظة واحدة جميع ما تفرق من ~~آلام النفوس وشدائدها, وأن قضاء ساعة واحدة فيما أعد الله لقاتل نفسه من ~~العذاب الأليم الدائم أشد # PageV02P130 # مما يلاقيه من مصائب الحياة, وأرزائها لو يعمر ألف سنة. # ما أكثر هموم الدنيا وما أطول أحزانها، لا يفيق المرء فيها من هم إلا إلى ~~هم ولا يرتاح من فاجعة إلا إلى مثلها, ولا يزال بنوها يترجحون ما بين صحة ~~ومرض وفقر وغنى وعز وذل وسعادة وشقاء، فإذا صح لكل مهموم أن يكره حياته وكل ~~محزون أن يقتل نفسه خلت الدنيا من أهلها واستحال المقام فيها, بل استحال ~~الوفود إليها وتبدلت سنة الله في خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلا. # ما سمي القاتل مجرما إلا لأنه قاسي القلب متحجر الفؤاد، وأقسى منه قاتل ~~نفسه لأنه ليس بينه وبينها من الضغينة والموجدة ما بين القاتل والمقتول, ~~فهو أجرم المجرمين وأفظع القاتلين. # يخدع المنتحر نفسه إن ظن أنه مقتنع بفضل الموت على الحياة, وأنه يفعل ~~فعلته عن روية وبصيرة فإنه لا يكاد يضع قدمه في المأزق الأول ms247 من مآزق الموت ~~حتى يثوب إليه رشده وهداه, ويحاول التخلص مما وقع فيه لو وجد إلى ذلك ~~سبيلا. # إن ألقى نفسه في الماء تخبط ومد يده إلى من يرجو الخلاص على يده, وود لو ~~يفتدى نفسه بكل ما تملك يمينه، وإن أغلق على نفسه نوافذ غرفة مملوءة بغاز ~~الفحم ود لو سقط عليه سقف # PageV02P131 # الغرفة ليستنشق نسمات الهواء, ولو عاش بعد ذلك كسير اليد والرجل, فاقد ~~السمع والبصر. # إن فكرة الانتحار نزغة من نزغات النفس وخطرة من خطرات الشيطان, فمن حدثته ~~نفسه بقتل نفسه فليتمهل ريثما يتبين كيف يكون صبره على احتمال سكرات الموت ~~وآلام النزع, وكيف يكون حديث الناس عنه بعد موته, وهل يمكن أن يوجد بينهم ~~عاذر له أو ساكت عن ازدرائه واحتقاره ورميه بالعته والجنون، وليستحضر في ~~مخيلته أشكال العذاب وألوان العقاب التي أعدها الله في الدار الآخرة ~~لأمثاله, ثم لينظر أيرتكب جريمة الانتحار؟ لا أظنه بعد ذلك فاعلا إلا إذا ~~كان وحشا في ثوب إنسان، أو بطلا من أبطال البيمارستان. # PageV02P132 ### | الحياة الشعرية # لولا الحياة الشعرية التي يحياها الناس أحيانا لسمج في نظرهم وجه الحياة ~~الحسية, ومر مذاقها في أفواههم حتى ما يغتبط حي بنعمة العيش, ولا يكره ميت ~~طلعة الموت. # لذلك نرى كل حي يهرب من الحياة الحسية جد الهرب لاجئا إلى الحياة الشعرية ~~من أي باب من أبوابها؛ لأنه يرى في هذه ما لا يراه في تلك, مما يريح فؤاده ~~ويثلج صدره وينفي عن نفسه السآمة والضجر من صنوف المناظر, وأفانين المشاهد, ~~وغرائب المؤتلفات, وعجائب المختلفات. # لولا حب الناس الحياة الشعرية لما وجد فيهم كثير من المولعين بتخدير ~~أعصابهم كشاربي الخمر ومدخني الحشيشة والأفيون، وهي وإن كانت في نظرهم حياة ~~سعادة يتخللها شقاء، إلا أنها عندهم خير من حياة شقاء لا تتخللها سعادة، ~~ولولا حب الحياة الشعرية لما وجد في الناس هذا الجم الغفير من الشعراء ~~المتخيلين، والمتصوفة المتهوسين. # PageV02P133 # لا يجد السكير لذة العيش وهناءه إلا إذا أسلم نفسه إلى كأس الشراب فنقله ~~من هذا ms248 العالم البسيط المحدود إلى عالم هائل غريب, يرى فيه كل ما تشتهي ~~نفسه أن يراه، فإن كان قبيح الوجه مشوه الخلق تخيل أنه شرك الأبصار، وفتنة ~~النظار، وأن القلوب محلقة على جماله تحليق الأطيار على الأشجار، وإن كان ~~وضيعا حقيرا لا يملك فلسا توهم أنه جالس على كرسي الملك والصولجان في يمينه ~~والتاج فوق رأسه واعتقد أن عبيد الله عبيده, وجنود الحكومة جنوده، حتى ~~الجندي الذي يسحبه على وجهه إلى السجن. وبالجملة لا تقع عينه على ما يحزنه ~~من المنظورات، ولا تسمع أذنه ما ينفره من المسموعات، حتى ليرى الجمال ~~الباهر في وجه العجوز الشمطاء، ويسمع في صوت الرعد القاصف ألحان الغناء. # ولا يشعر الصوفي بنعيم الحياة إلا إذا جن الليل وأوى إلى معبده وخلا ~~بنفسه, فتخيل أن له أجنحة من النور كأجنحة الملائكة يطير بها في فضاء ~~السماء, فيرى الجنة والنار والعرش والكرسي ويسمع صرير قلم القدرة في اللوح ~~المحفوظ, ويقرأ في أم الكتاب حديث ما كان وما يكون وما هو كائن. # ولا يستفيق الشاعر من هموم الدنيا وأكدارها ومصائبها # PageV02P134 # وأحزانها إلا إذا جلس إلى مكتبه وأمسك بيراعه, فطار به خياله بين الأزهار ~~والأنوار، وتنقل به بين مسارح الأفلاك ومسابح الأسماك، ووقف به تارة على ~~الطلول الدوارس يبكي أهلها النازحين وقطانها المفارقين، وأخرى على القبور ~~الدوائر يندب جسومها الباليات، وأعظمها النخرات. # ليس الأمل إلا بابا من أبواب الحياة الشعرية, ولا يمكن أن يوجد بين قلوب ~~البشر قلب لا يخفق بالآمال، فالأمل هو الحياة الشعرية العامة التي يشترك في ~~العيش فيها جميع الناس أذكياء وأغبياء، فهماء وبلداء، والأمل هو السد ~~المنيع الذي يعترض في سبيل اليأس ويقف دونه أن يتسرب إلى القلوب، ولو تسرب ~~إليها لزهد الناس العيش في هذه الحياة الحسية التي لا قيمة لها في أنظارهم, ~~ولا لذة لها في نفوسهم, ولطلبوا الفرار منها إلى الموت تسليا بالتغير ~~والانتقال، وتلذذا بالتحول من حال إلى حال. # يقولون: أشقى الناس في هذه الحياة العقلاء, ويقولون: ما لذة العيش إلا ~~للمجانين. ms249 # أتدري لماذا؟ # لأن نصيب الأولين من الحياة الشعرية أضعف من نصيب # PageV02P135 # الآخرين، وذلك أن عقل العاقل يحول بينه وبين استمرار الطيران في فضاء ~~الخيالات الذهنية # والمغالطات الشعرية، فلا يرى سوى ما بين يديه من المحسوسات، ويمنعه علمه ~~بأحوال الدنيا وشئونها ومعرفته أن الهموم والأحزان لازمة من لوازمها لا ~~تنفك عنها أن يؤمل منها ما ليس في طبيعتها من دوام السعادة, واستمرار ~~السرور والهناء، فلا يطلب سعة العيش من وراء الأمل كبقية المؤملين، ولا ~~يتلذذ بتصديق ما لا يكون تلذذ المجانين. # والحق أقول: لولا الحياة الشعرية التي أحياها أحيانا في هذه النظرات ~~لأحببت زهدا في الحياة الحسية أن تطلع الشمس من مغربها ولو قامت القيامة ~~بعد ذلك، ولتمنيت حبا في الانتقال من حال إلى حال أن أنتقل ولو إلى رحمة ~~الله. # PageV02P136 ### | رباعيات الخيام # وقفت برباعيات عمر الخيام1 كما يقف مسافر ضل به سبيله في فلوات الأرض ~~ومجاهلها بواد معشوشب زاهر في وسط فلاة جرداء عند منقطع العمران، فما خطوت ~~فيه بعض خطوات حتى رأيت ما شاء الله أن أرى من أنوار بيضاء، وورود حمراء، ~~وألوان من النبات مشتبهات وغير مشتبهات، وغدران مسلسلة مطردة تتبسط في تلك ~~الديباجة الخضراء، تبسط الشهب الثاقبة في الديباجة الزرقاء، وأسراب من ~~الحمام والعصافير والكراكي والبلابل تتطاير من فرع إلى فرع، وتتناثر من غصن ~~إلى غصن وتجتمع لتفترق وتفترق لتجتمع، وتقتتل مرة وتتلاثم أخرى، وتصعد حتى ~~تلامس بأجنحتها جلدة السماء، ثم تهبط فتقبل صفحة الماء، ولا تزال تغرد في ~~صعودها وهبوطها تغريدا مختلف النغمات PageV02P137 # متنوع اللهجات، فيتألف من ذلك الاختلاف نغم بديع لا أعرف له شبيها إلا ~~تلك الصورة الخيالية التي أتخيلها في نغم الحور الحسان، في فراديس الجنان. # فلم أزل أتقلب في أعطاف تلك الغلائل الخضراء، وأجر ذيول تلك الجداول ~~البيضاء، وأقلب طرفي فلا أرى رائحا ولا غاديا، وأتسمع فلا أسمع هاتفا ولا ~~داعيا، حتى وقف بي الحظ على دوحة فرعاء، ماثلة على رأس بعض الجداول، قد ~~اضطجع في ظلها على قطيفة من ذلك العشب الناعم، ms250 رجل هانئ باسم، يقرأ تارة ~~سورة الجمال في وجه فتاة جالسة بين يديه، ويقبل أخرى ثغر الكأس التي في ~~يمينه، ويترنم فيما بين هذا وذاك بمقطوعات شعرية بديعة، يمثل فيها جمال ~~الطبيعة وهدوءها، وسعادة الوحدة وهناءها، ويطير بأجنحة خياله في عالم بديع ~~من عوالم الغيب كأنما يريد أن يفر بنفسه من هذا العالم المملوء بالآلام ~~والأحزان, ويحاول أن يطارد كل خاطر من خاطرات الهموم التي تتطاير حول قلبه ~~ليستكمل لذته في العيش، ويتغلغل في أعماق المتعة بوحدته وكتابه، وكأسه ~~وفتاته. # فإن مر بخاطره ذكر الملوك والأمراء وما ينعمون به من عز وسلطان ولذة ~~واستمتاع قال: ما لي وللملك والسلطان، # PageV02P138 # والحاشية والجند والقصور الشماء، والجنان الفيحاء، هنالك المحنة والشقاء، ~~والفتنة الشعواء، والهموم والأرزاء، والدماء والأشلاء، والعويل والبكاء، ~~وهنا الراحة والسكون في ظلال الوحدة والانفراد، حيث لا سيد ولا مسود، ولا ~~عابد ولا معبود، وبين هذين الثغرين ثغر الفتاة وثغر الكأس، وذينك الصديقين، ~~هذا الكتاب المفتوح وذلك الغصن المطل، كل ما يقدر السعداء لأنفسهم من غبطة ~~في الحياة وهناء. # وإن ذكر الآخرة وما أعد الله فيها من العذاب للمسرفين على أنفسهم قال: إن ~~من العجز أن أبيع عاجل السعادة المعلوم بآجلها المجهول، أنا اليوم موجود ~~فلا بد أن أستمتع بمتعة الوجود، أما الغد فلا علم لي به ولا بما قدر لي ~~فيه، وعسير علي أن أتصور أننا معشر الأحياء كنوز من الذهب ندفن اليوم في ~~باطن الأرض لينبش عنا النابشون غدا. # ثم يعود إلى نفسه مستغفرا الله من ذنبه في شكه وارتيابه, فيقول: اللهم ~~إنك تعلم أني ما كفرت بك منذ آمنت، ولا أضمرت لك في قلبي غير ما يضمر لك ~~المؤمنون الموحدون، فاغفر لي آثامي وذنوبي، فإني ما أذنبت عنادا لك ولا ~~تمردا عليك، ولكنها الكأس غلبتني على أمري، وحالت بيني وبين عقلي، # PageV02P139 # وأنت أجل من أن تقاضيني كما يقاضي الدائن مدينه؛ لأنك كريم والكريم يرتجل ~~المنحة ارتجالا، ولا يقرضها قرضا، ويسبغ نعمته حتى على العصاة والمذنبين. # وأحيانا يستشعر قلبه الرحمة ms251 بالعباد, فيبكي أحياءهم وأمواتهم ويقول ~~مخاطبا فتاته: رويدا أيتها الفتاة في خطواتك على هذه الأعشاب, فلعل جذورها ~~تستمد حياتها من كبد فتاة مثلك كان لها قلب مثل قلبك، ووجدان مثل وجدانك، ~~وجمال ورواء مثل جمالك وروائك، ثم ضرب الدهر ضرباته فإذا أنت في غلالة هذه ~~الأشعة البيضاء، وإذا هي في دجنة تلك الأعماق السوداء، فارفقي بها واسكبي ~~هذه الفضلة من كأسك على تربتها, علها تتسرب إلى نفسها فتطفئ ذلك اللاعج ~~الذي يتأجج بين جوانحها. # ثم يتخيل أحيانا كأنه واقف أمام رجل خزاف يحرق آنيته في تنوره فيقول له: ~~رحمة أيها الخزاف بهذه الحمأة التي تقلبها في هذه النار, فقد كانت بالأمس ~~إنسانا مثلك، وستكون في مستقبل الأيام حمأة مثلها, وربما ساقك الدهر إلى ~~يدي خزاف تحتاج إلى رحمته ورفقه، فارفق بها اليوم يرفق بك خزافك غدا. # وآونة يلبس ثوب الواعظ المنذر, فينعي على السعداء سعاداتهم ويذكرهم بما ~~آلت إليه حال الملوك السالفين، والأقيال الماضين، # PageV02P140 # من خراب دورهم، وعمران قبورهم، وغروب شموسهم واندثار آثارهم. # ثم ينتقل من ذلك إلى البكاء على نفسه وترقب ذلك اليوم الذي تصوح فيه ~~زهرته، وتنطفئ جذوته، وتضعف منته، ويمحو نهار مشيبه ليل شبابه؛ فيزحف إلى ~~قبره شيئا فشيئا حتى يتردى فيه، فيعود كما كان سرا مكتوما في ضمائر ~~الأقدار، وذرة هائمة في مجاهل الأكوان. # وهكذا ما زال يتنقل من عبرة بليغة إلى عظمة بديعة, ومن خيال جميل إلى ~~تشبيه رقيق، ومن وصف ناطق إلى تمثيل صادق، حتى أصبحت أعتقد أن هذه النفس ~~التي تشتمل عليها بردة هذا الشاعر الجليل مرآة صافية قد تمثل فيها هذا ~~الكون بأرضه وسمائه، وليله ونهاره، وناطقه وصامته، وصادحه وباغمه، وأن فخار ~~الأعراب بمتنبيها ومعريها، والفرنسة بلامرتينها وفيكتورها، والسكسون ~~بشكسبيرها وملتونها, والطليان بدانتيها، والألمان بجيتها، والرومان ~~بفرجيلها، واليونان بهوميرها، ومصر القديمة ببنتاءورها، ومصر الحديثة ~~بأحمدها، لا يقل عن فخار فارس بخيامها. # PageV02P141 ### | إلى تولستوي # 1: # قف ساعة واحدة نودعك فيها قبل أن ترحل لطيتك، وتتخذ السبيل إلى دار ~~عزلتك، فقد عشنا في كنفك على ms252 ما بيننا وبينك من بعد الدار وشط المزار، عهدا ~~طويلا كنا فيه أصدقاءك وإن لم نرك، وأبناءك وإن كنا لنا آباء من دونك، ~~وعزيز علينا أن تفارقنا قبل أن نقضي حق عشرتك بدمعة واحدة نسفحها بين يديك ~~في موقف الوداع. # حدثنا الناس عنك أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعا بعد أن أعجزك إصلاحه ~~وتقويمه فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيء حتى زوجك وولدك، ~~ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه، وأسجلت ~~أن لا تعود إليه وأن تقطع كل سبيل بينك وبينه، PageV02P142 # فعذرناك ولم نعتب عليك ولم نسمك جبانا ولا منهزما ولا مواليا ولا مدبرا؛ ~~لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبق في غمدك سيف ولا فوق عاتقك رمح ولا في كنانتك ~~سهم، والعدو كثير عدده صعب مراسه وافرة قوته، والشجاعة في غير موطنها جنون، ~~والوقوف أكثر من ثمانين عاما أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله ~~عناد، وهل كان يكون مصيرك إن أنت قاتلت حتى سقطت قتيلا في المعركة إلا مصير ~~الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قتلوا, فهدرت دماؤهم واغتمضت عيونهم قبل ~~أن يروا منظرا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزون به ~~أنفسهم عن أنفسهم, ويروحون به ما يجدون بين جوانحهم من ألم النزع, وفي ~~أفواههم من مرارات الموت؟ # ماذا لقيت من الدنيا, وماذا أفدت منها, وأين وقع علمك وفضلك ولسانك وقلمك ~~وقوة عارضتك ومضاء حجتك من آثام الناس وشرورهم وقسوة قلوبهم وظلم ألسنتهم ~~وأيديهم؟ # قلت للقيصر: أيها الملك, إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في ~~مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكار في المزرعة وذلك العامل في ~~المصنع, كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلله ~~وسقطه، فكما # PageV02P143 # أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب ~~هل قمت بحماية القانون الذي وكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ~~ولا تأويل، وهل عدلت بين ms253 الناس فآسيت بين قويهم وضعيفهم، وغنيهم وفقيرهم، ~~وقريبهم وبعيدهم، وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا ~~للبغض سلطانا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته، وهل أصممت أذنك عن ~~سماع الملق والدهان والمدح والثناء فلم تفسد على الناس فضائلهم، ولم تقتل ~~عزة نفوسهم، ولم يذهب بهم الخوف من ظلمك أو الطمع في غفلتك مذهب التوسل ~~إليك بالكذب والنميمة والتجسس وذلة الأعناق وضرع الخدود، فإن وجدك الشعب ~~عند ظنه ورآك أمينا على العهد الذي عهد به إليك أبقى عليك وأبقى لك سلطانك ~~وعرف لك يدك عنده وأحسن إليك كما أحسنت إليه، أو لا كان له معك شأن غير ذلك ~~الشأن ورأي غير ذلك الرأي. # فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير ~~الذي يعاشره من يسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان ~~على مطاردتك بأولئك الذين أذل نفوسهم وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل ~~ليعدهم # PageV02P144 # لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفه, وقلقه. # وقلت للجبار الروسي: ليس من العدل أن تملك وحدك وأنت نائم في سريرك في ~~قصرك بين روضك ونسيمك، وظلك ومائك، هذه الأرض التي تضم بين أطرافها مليون ~~فدان، ولا يملك واحد من هؤلاء الملايين الذين يحرثونها ويبذرون بذورها ~~ويستنبتون نباتها، ويربون ماشيتها، ويتقلبون بين حرها وبردها، وأجيجها ~~وثلجها، شبرا واحدا فيها، فاعرف لهم حقهم وأحسن القسمة بينك وبينهم وأشعر ~~قلبك الخجل من منظر شقائهم في سبيل سعادتك، وموتهم في سبيل حياتك، واعلم أن ~~الأرض لله يورثها من يشاء، ثم لم تقنع بما بذلت له من العظة والنصيحة حتى ~~ضربت له مثلا من نفسك, فعمدت إلى أرضك فجعلتها قسمة بينك وبين القائمين ~~عليها من الزارعين، ثم عمدت إلى فأسك فاعتقلتها وماشيتك فأخذت بزمامها, وما ~~زلت حتى بلغت مزرعتك الصغيرة التي استبقيتها لنفسك فضربت مع الضاربين, وخضت ~~مع الخائضين لتعلم ذلك الجبار بيدك ما عجزت عنه بلسانك، فسخر منك ورثى ~~لعقلك وألف من حادثتك رواية غريبة يروح ms254 بها عن قلبه في مجتمعات أنسه ولهوه ~~ما يكابده من ألم السآمة والضجر # PageV02P145 # وقلت للكاهن: إن المسيح عاش معذبا مضطهدا؛ لأنه لم يرض أن يقر الظالمين ~~على ظلمهم وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبه, بل رفعه فوق ~~رأسه غير مبال بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، ~~وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته والمترسم ~~مواقع أقدامه في خطواته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش ~~الظالمين، وما هذه اليد التي تضعها في أيديهم كأنك تأخذ عليهم العهود ~~والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس، وما ~~هذه السلطة التي تزعمها لنفسك أن تدخل الجنة من تشاء وتخرج منها من تشاء، ~~وما هذه القصور التي تسكنها والديباج الذي تلبسه والعيش البارد الذي تنعم ~~به وأنت الراهب المتبتل الذي كتب على نفسه الانقطاع عن زخرف الدنيا, ~~ونعيمها إلى عبادة الله والانكماش في طاعته. # ذلك ما قلت للكاهن, فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان وهو يعلم أنك ~~لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع, ولكنه أراد تشويه سمعتك والغض منك ~~وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك, فكان ذلك كل ما استفدت من نصيحتك وعظتك # PageV02P146 # وأبكاك منظر المنفيين في سيبريا وما يلاقون من صنوف العذاب ويعالجون من ~~أنواع الآلام, فصرخت صرخة دوى بها الملأ الأعلى والملأ الأدنى وقلت: أيها ~~الناس, إن الشر لا يدفع الشر، والأشقياء مرضى فعالجوهم ولا تنتقموا منهم, ~~فالتربية الصالحة تمحو الجرائم والانتقام يلهب نارها، واجعلوا مكان السجون ~~مدارس ومكان السجانين معلمين، فلم يسمع صرختك سامع، ولا بكى لبكائك باك، ~~وما زال القضاة يحكمون، والجند يصادرون، والسجانون يعذبون، والمسجونون ~~يصرخون. # وأزعجك منظر الدماء المتدفقة في معارك الحروب وبكاء النساء المعولات خلف ~~أزواجهن وأولادهن وإخوتهن وهم سائرون إلى حرب لا يعرفون لها مصدرا ولا ~~موردا, وقد حمل بعضهم لبعض بين الجنوب ضغائن وسخائم لا سبب لها إلا ذلك ~~الوهم الذي غرسه في قلوبهم قساة السياسة، ms255 فتخيلوا أنهم أعداء وهم أصدقاء، ~~فتسلبوا من لباس الإنسانية ولبسوا فراء السباع وتقلدوا أظفارها وأنشب كل ~~منهم ظفره في صدر أخيه كأنما يفتش عن قلبه, فينتزعه من مكانه فيلوكه في فمه ~~ثم يلفظه، ذلك القلب الذي لو شق عن سويدائه لوجد لنفسه فيه مكانا عليا لولا ~~جور السياسة وضلالها. # PageV02P147 # فما أغنى عنك بكاؤك وحنينك، ولا أجدى عويلك وأنينك؛ فالحرب لم تزل باقية ~~ومصانع الموت لم يقنعها ما أعدت من المهلكات لمعارك الأرض, حتى أصبحت تعد ~~مثلها لمعارك السماء. # فهنيئا لك أيها الرجل العظيم ما اخترت لنفسك من تلك العزلة المطمئنة, فقد ~~نجوت بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت فيهلك غيظا, أو ينطق ~~فيموت كيدا. # إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علما والظلمة نورا والسواد بياضا والبحر ~~برا والبر بحرا, وأن يتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء, ولكنه لا ~~يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنساني فضيلة وفساده صلاحا. # ما دام الإنسان لا ينتهي عن ظلم الإنسان حتى يخافه, وما دام لا يحسن إليه ~~إلا إذا أراد أن يتخذه عبدا يعبده من دون الله, وما دام للأثرة هذا السلطان ~~الأكبر على أفراد المجتمع من أكبر كباره إلى أصغر صغاره, فالإنسان اليوم هو ~~بعينه إنسان الغابات والأحراش بالأمس, لا فرق بينه وبينه إلا أنه اليوم قد ~~أوى بشروره ومفاسده إلى بيت من الزجاج يفعل فعلاته من ورائه, ولكن الزجاج ~~شفاف كثوب الرياء. # PageV02P148 ### | مقدمة مختارات المنفلوطي # عرفت حاجتك يا بني أعزك الله إلى كتاب1 يجمع لك من جيد منظوم العرب ~~ومنثورها في حاضرها وماضيها, وفي كل فن وغرض من فنونها وأغراضها ما تستعين ~~باستظهاره أو ترديد النظر فيه على تهذيب بيانك وتقويم لسانك, وعلمت أنك لن ~~تستطيع أن تجد طلبتك هذه في مختار من مختارات المتقدمين، ولا في مجموعة من ~~مجموعات المعاصرين، أما المتقدمون فهم بين نحوي لا يعجبه من الكلام إلا ما ~~يجد فيه مذاق شواهد العلم الذي يعالجه, ولا تسكن نفسه إلا إلى البيت الذي ~~يرى ms256 فيه عقدة يتفصح بحلها أو خطأة يتفكه بتأويلها أو نادرة من نوادر ~~الإعراب والبناء يؤيد بها رأيا أو يساجل بها خصما, ولغوي مولع بما يشتمل ~~على الغريب النادر من مفردات اللغة وتراكيبها, فلا يكاد يعدل بشعر الجاهلية ~~وما جرى مجراه شعر طبقة من الطبقات ولا يرى PageV02P149 # غير كلامهم كلاما ولا مذهبهم مذهبا، وعصر الجاهلية فيما أعتقد هو عصر ~~الطفولة الشعرية أي: إن الشعر كان فيه بسيطا ساذجا لم يهذبه العلم ولم ~~تصقله الحضارة ولم تصل به أشعة الخيال, فتنير ظلمته، فهو وإن كان أصدق ~~الشعر وأجدره أن يكون صفحة صحيحة لتاريخ عصره ولكن قلما يستفيد شاعر ~~الحضارة من أكثره أكثر من المادة اللغوية، وما الفرق بين شعر الجاهلية وشعر ~~طبقة المحدثين والمولدين من بعده إلا كالفرق في الموسيقى بين نغمات الحداة ~~في أعقاب الإبل, ونغمات الضاربين على أوتار الأعواد والبرابط في عصر ~~الحضارة الإسلامية، وعندي أن للنزعة التاريخية سلطانا على نفوس المولعين ~~بالشعر الجاهلي أكثر من النزعة الفنية, فمثلهم كمثل المولعين بالعاديات ~~الذين يؤثرون حجر الجرانيت على حجر الماس, ويعجبهم منظر هرم خوفو أكثر مما ~~يعجبهم منظر برج إيفل، وراوية همه في حياته أن يدور بيده ليله ونهاره في ~~زوايا رأسه عله يعثر ببيت لا يعرفه غيره منسوبا إلى قائل لا يعرف نسبته ~~إليه سواه, ثم لا يبالي بعد ذلك أحسن أم أساء، فهو بالمؤرخ أشبه منه ~~بالأديب، وأديب جمع ما جمعه لعصر غير عصرك وقوم غير قومك وحال ومجتمع غير ~~حالك ومجتمعك, فإن أفادك قليله لا ينفعك كثيره، وأحسب أن ما جمعه # PageV02P150 # من الشعر بالحماسة ووصف الحروب وأسلحتها ودمائها وغبارها وأشلائها ووصف ~~الإبل في مباركها والشاء في حظائرها والأبقار في مراتعها هو آخر ما يحتاج ~~المتأدب إلى النظر فيه في هذا العصر، وبين مطيل قد خلط جيده برديئه وغثه ~~بسمينه فلا تصل يدك إلى ما في منجمه من ذرات التبر حتى تنبش عنها ما لا قبل ~~لك باحتماله من حقائب الرمل, ومقصر يختص بالاختيار عصرا دون عصر أو فردا ms257 ~~دون فرد أو قوما دون قوم أو بابا من أبواب البيان دون باب, وهو يعلم أن ~~المتأدب شاعرا كان أو كاتبا لا يكمل أدبه ولا تصفو قريحته ولا تلمع صفحة ~~بيانه ولا تنحل عقده لسانه إلا إذا تمهل في روض البيان, فاقتطف ألوان ~~زهراته من أنواع شجراته، وأن الشاعر لا يغنيه المدح والهجاء عن البكاء ~~والرثاء، ولا العتاب والود عن التشبيه والوصف، ولا البكاء على المنازل ~~والديار وفراق الأحبة وموت الموتى عن البكاء على المجد الضائع، والملك ~~الساقط، والعرض المغلوب، والشرف المسلوب، كما لا يغنيه وصف السيف في رونقه ~~وبهائه عن وصفه في حدته ومضائه، ولا وصف البدر في جماله وروائه عن وصفه في ~~عزته وخيلائه، ولا تشبيه قوادم الحمامة عن تشبيه ذنب القطاة، ولا تصوير ~~ذكاء الفيل عن تمثيل إحساس النملة، وأن الكاتب لا يبلغ # PageV02P151 # مرتبة البيان ولا يصل إلى منزلة القدرة على الإفصاح عن أغراضه ومراميه في ~~جميع مواقفه ومذاهبه حتى يأخذ بأزمة القول جميعها ويشتمل على أساليب الكلام ~~بأنواعه, ويعلم أن الكتابة في العلم غير الكتابة في الأدب, وأن للخطب ~~أسلوبا غير أسلوب الكتب, وأن لكل نوع من أنواع العلوم والفنون طريقا في ~~الكتابة خاصا به لا يفارقه إلى غيره ولا يشركه فيه سواء, وأن الانتقاد غير ~~الهجاء والهجاء غير التهكم والتهكم غير التأنيب والتأنيب غير الإنذار ~~والتهديد، وأما المعاصرون فهم إما تابع متأثر يعتمد في اختيار ما يختار على ~~نباهة النابه وفي اطراح ما يطرح على خمول الخامل, ويعتبر التقدم في الزمن ~~شافعا يشفع في إساءة المسيء والتأخر فيه ذنبا يذهب بإحسان المحسن، وإما ~~خابط متقمم يعتمد في الاختيار على يده لا على بصره, فيأخذ من كل كتاب صفحة ~~ومن كل ديوان ورقة ثم يعرض على الأنظار كتابا غريبا في اختلاف ألوانه ~~وتزايل أوصاله, جامعا بين معلقة امرئ القيس وألفية ابن مالك في مكان وبين ~~مقامات البديع ومقامات السيوطي في مكان آخر، وإما عالم أديب قد حال بينه ~~وبين انتفاع المتأدبين بعلمه وفضله وسلامة ذوقه وصفاء ms258 قريحته أنه يبالغ في ~~سوء الظن بأفهامهم, ويذهب في تقدير مداركهم مذاهب ما كان # PageV02P152 # لمثله أن يذهب إلى مثلها فتراه يعمد في اختيار ما يختار إلى ما يزعم أنه ~~القريب إلى أذهانهم اللاصق بعقولهم غير الملتوي عليهم ولا المتعثر بهم, ~~فيتبذل كل التبذل ويسف كل الإسفاف ويورد في كتابه من قطع الشعر وجمل النثر ~~ما يشبه أن يكون مادة للطفل في هجائه، لا مادة للأديب في بيانه، وسبيل كتب ~~المختارات التي يراد منها غرس ملكة البيان في نفس المتأدب غير سبيل كتب ~~العلم التي لا يراد منها غير حصول ما تشتمل عليه من قواعد العلوم ومسائلها ~~في ذهن المتعلم، ولن تستقر ملكة البيان في النفس حتى يقف المتأدب بطائفة من ~~شريف القول, منظومه ومنثوره وقوف المستثبت المستبصر الذي يرى المعنى بعيدا ~~فيمشي إليه أو نازحا فيستدنيه أو محلقا فيصعد إليه أو متغلغلا فيتمشى في ~~أحشائه حتى يصيب لبه ولا يزال يعالج ذلك علاجا شديدا ينضح له جبينه وتنبهر ~~له أنفاسه حتى تتكيف ملكته بالكيفية التي يريدها، وما أرى هذه النكبة ~~العامة التي أصابت الناشئين في ملكاتهم الكتابية وما رزئوا به من نضوب ~~مادتهم اللغوية والنزوع إلى تلك المنازع الأعجمية في التصور والتخيل إلا ~~أثرا من آثار تلك المختارات التي يجمعها لهم الجامعون جمعا # PageV02P153 # محفوفا بالحذر والاحتياط, بل بما هو فوق ذلك من الخوف والوسواس فيستكثرون ~~لهم من أبواب الحكم والأخلاق والمواعظ والزهد وأمثال ذلك مما لا يكاد ~~يتراءى فيه قلب الشاعر, ولا تتجلى فيه نفس الكاتب ويفرون الفرار كله من كل ~~ما يتعلق بوصف جمال الطبيعة أو جمال الصناعة أو تصوير عواطف النفوس ~~وخوالجها في الخير والشر والعرف والنكر, كأنما يحسبون أن كل بيت غزل بيت ~~ريبة وكل قصيدة خمرية حانة شراب، وما سمعنا من قبل ولا نحسب أن سيسمع ~~السامعون من بعد أن متأدبا أفسده ديوان غزل أو أغراه بالشراب وصف خمر, لا ~~بل إنما يرد ذلك على من يرد عليه منهم من فساد الخلطاء, أو ضلال المؤدبين. # أما ms259 الشعر المشتمل على وصف الجمال, والنثر المتضمن تصوير دقائق المعاني ~~النفسية والخواطر القلبية ما دام بعيدا عن فاحش القول وهجره, فهو أعون ~~الذرائع على تنمية ملكة الفصاحة والبيان في نفس الناشئ؛ لذلك لم أر بدا من ~~أن أستخير الله تعالى في أن أجمع لك يا بني في هذا السفر من جيد المنظوم, ~~والمنثور ما أعلم أنه ألصق بك وأدنى إليك وأنفع لك في تثقيف عقلك وتقويم ~~لسانك وتحليل ما أسأرته الأيام من العجمة في قلمك ولسانك, فهززت لك دوحة ~~الأدب العربي هزة تناثرت فيها هذه الثمرات # PageV02P154 # الناضجة التي تراها بين يديك ولم أترك من ورائي في جميع ما تصفحته من ~~دواوين الشعر ومجاميع الأدب وكتب المختارات إلا ما كان رديئا, أو مشوبا ~~بشيء من هجر القول ومعيبه, أو بالغا من الشهرة والسيرورة منزلة لا يخطئها ~~نظر الناظر, أو واقعا في منزلة بين الجودة والرداءة، وقد جعلت قاعدتي في ~~الاختيار جمال الأسلوب أولا وجمال المعنى ثانيا, فربما أختار ما حسن لفظه ~~وتوسط معناه, وقد أختار ما توسط لفظه وسما معناه كما صنعت في بعض مختارات ~~قسم المنثور من الباب الأول وهو باب الفصاحة والبيان, ولكنني لا أختار بحال ~~ما كان معناه ساميا ونظمه فاسدا، أما الجيد فقاعدته عندي ما يأتي: "كل كلام ~~صحيح النظم والنسق إذا قرأه القارئ وجد في نفسه الأثر الذي أراده الكاتب ~~منه, من حيث لا يجد فيه مسحة تدل على أن صاحبه يحاول أن يكون فيه بليغا, ~~فهو بليغ" ولا أكتمك أني قد استجزت لنفسي ما استجازه لأنفسهم المختارون من ~~قبلي فتصرفت في قليل من المختارات بعض التصرف بالتقديم والتأخير والاختصار ~~والتلخيص والحذف، وقد لقيت في هذا السبيل وفي كل سبيل سلكته إلى جمع هذه ~~المختارات عناء كثيرا لا أسألك يا بني عليه أجرا سوى أن تنتصح بما أنصحك به ~~في كلمتي هذه، وهي أنك لن تستطيع # PageV02P155 # أن تنتفع بهذه المختارات إلا بشروط ثلاثة: أولها: أن تملأ قلبك من الثقة ~~بها, والسكون إليها حتى لا يصرفك عنها ms260 صارف ولا يخدعك عنها خادع، وثانيها: ~~أن تقف بها وقوف الدارس المتعلم لا وقوف المتنزه المتفرج فلا يمنعك فهم ما ~~فهمته من معاودته وترديد النظر فيه حتى ترشف فيه من الكأس ثمالتها ولا تصعب ~~ما تصعب عليك من مراجعته والاختلاف إليه والتغلغل في أحشائه فإنك لا بد ~~ماخض زبدته ومصيب لبه, وثالثها: أن تحمي نفسك النظر في هذه المخطوطات ~~المختلفة التي تتجدد كل يوم أمام عينيك في أسفار هذا العصر وصحفه؛ فإن ~~التربية الكتابية مثل التربية الأخلاقية يسري فيها الداء ثم يعوز الدواء، ~~اللهم إلا ما كان من أمثال ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء الذين اخترت لهم ~~في هذا الكتاب في المعاني التي عرفوا بها وبرزوا فيها، فإن أخذت بنصيحتي ~~وعنيت بها العناية كلها وكنت ممن رزقهم الله قريحة خصبة صالحة لنماء ما ~~يغرس فيها من البذور الصالحة, بلغت ما أردت لك إن شاء الله تعالى. # PageV02P156 ### | وارحمتاه # في ذلك البلد القفر من تلك الصحراء المحرقة من هذا الإقليم القاحل طائفة ~~من فقراء المسلمين وضعفائهم, لا يملكون من الحول غير قلوب يملؤها اليقين ~~بالله والثقة به والاعتماد عليه, ولا من القوة غير ألسنة لا تزال تهتف في ~~صباحها ومسائها وبكورها وأصائلها بالدعاء إلى الله تعالى أن يتولى أمرهم ~~ويسدد خطواتهم وييسر لهم السبيل إلى الخلاص من ذلك العدو القاهر الذي نزل ~~بهم في دار أمنهم وسكونهم نزول القضاء الذي لا مرد له, ولا منتدح عنه, يريد ~~أن يسلبهم ما أبقت يد الأيام في أيديهم من لقيمات غير سائغة, وجرعات غير ~~هنيئة, وظل غير ظليل. # وا رحمتاه لجماعة المسلمين في طرابلس, إنهم عاجزون عن أن يعدوا لعدوهم ~~الزاحف عليهم بقنابله ورصاصه غير أجسام ستصبح في الغد أشلاء ممزقة, تطؤها ~~النعال وتدوسها الحوافر، وقلوب لا تزال تدق حتى تسمع دقات المدافع والبنادق ~~فتسكن، وأرواح ستطير في علياء السماء طيران ذلك الدخان في أجواز الفضاء # PageV02P157 # وا رحمتاه لهم, إنهم يستغيثون فلا يجدون مغيثا, ويستصرخون فلا يسمعون ~~مجيبا، قد تقطعت بهم الأسباب وأعوزتهم الوسائل وسدت ms261 في وجوههم السبل فلم ~~يبق لهم منها إلا سبيل الموت، وفي الموت راحة البائسين والمنكوبين من شقاء ~~الحياة وبلائها, لولا أنهم يتركون من بعدهم بين يدي ذلك العدو الظالم أرامل ~~ضعفاء، وأيتاما صغارا, وشيوخا كبارا لا يعلمون ماذا أضمر لهم القدر في صدره ~~من نعيم أو شقاء. # كأني أراهم وقد غلت في صدورهم حمية الدين والوطن, ودارت في رءوسهم سكرة ~~العزة العربية, فأبوا إلا أن يتقدموا إلى الموت الأحمر تقدم المستقتل ~~المستبسل, الذي يعلم أن باب الحياة الأبدية السعيدة لا يفتح إلا بين يدي ~~الأرواح التي احتقرت أجسادها وازدرتها فتجردت من أثوابها الرثة البالية ~~وألقتها من ورائها، وكأني أرى الرجل منهم وقد دخل إلى بيته ليعد عدته, ~~ويودع أهله الوداع الأخير فبكت أمه وناحت زوجته وصاح ولده, فبكى لبكائهم ~~ورن لرنينهم لا جزعا من الفراق لأنه فراق يعزيه عنه لقاء الله تعالى, ولا ~~خشية من الموت لأنه يعلم أن الحياة الذليلة أحقر من أن يضن صاحبها بروحه في ~~سبيل الله حرصا عليها، بل مخافة أن تستبد بأعراض بيته وحرماته تلك الأيدي ~~الظالمة # PageV02P158 # التي لا ترحم صغيرا ولا تعطف على كبير, أو أن يهلكوا من بعده جوعا وفقرا؛ ~~لأنه لم يترك لهم قوتا يتبلغون به ولا عمادا يعتمدون عليه، فإذا علم أن ~~موقفه بينهم موقف جلل يكاد يغلب فيه على أمره حزنا وإشفاقا نظر في وجه ~~السماء نظرة طويلة, أرسل فيها إلى حضرة ربه كل ما تهتف به نفسه القريحة من ~~وجد ورحمة وبكاء وحنين, ثم انفتل من بين أيديهم انفتالا ومضى لسبيله لا ~~يلوي على شيء مما وراءه حتى يبلغ ساحة الحرب, فلا يزال يقرع باب الحياة ~~الأخرى حتى يفتح له. # هنالك تنوح النائحات وتبكي الباكيات وتطير النفوس وتصعق القلوب وترن ~~المنازل والدور بالنحيب والتعداد، وهنالك ترى المرأة المسلمة المخبأة التي ~~لم تر في حياتها وجه الشمس إلا من كوة بيتها برزة الوجه عارية الرأس حيرى ~~مولهة هائمة في الطرق والمذاهب, تسائل الغادين والرائحين ما فعل الله ~~بولدها أو زوجها ms262 أو أخيها، فإما بقيت في حيرتها بياض يومها وسواد ليلها، ~~وإما عادت إلى بيتها بالثكل القاتل والحزن الدائم، وترى الشيوخ الكبار ~~والأطفال الصغار والعاجزين والضعفاء لائذين بالتلال والآكام, يتقون بها ~~صواعق الحرب وشهبها فلا تقيهم، أو عائذين بالمضايق والمنافذ يفرون إليها من ~~وجوه الخيل # PageV02P159 # وسنابكها فلا تحميهم، وهنالك ترى أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم مجاهدين ~~أو فاتحين أو قوادا عظاما أو سواسا كبارا يمشون بين بيوت المسلمين ومجامعهم ~~مشية الفرح المختال, وينظرون إلى أولئك القوم الذين سرقوا حريتهم ~~واستقلالهم, وانتهبوا أرواحهم وأموالهم نظر السيد إلى مولاه الذي ملك ولاءه ~~بماله واستعبده بفضله وإحسانه، وربما رموا إليهم في تلك الساعة بلقيمات ~~كتلك التي يلقيها سيد الكلب إلى كلبه, أو صاحب الماشية إلى ماشيته ليشهدوا ~~العالم الإنساني بأجمعه على كرمهم وسخائهم وعطفهم ورحمتهم, وأنهم ما سفكوا ~~الدماء ولا قطعوا الأوصال ولا يتموا الأطفال ولا انتهكوا الحرمات إلا خدمة ~~للإنسانية العامة, وإجلالا لشأنها. # لا أحسب أن مسلما دخل الإيمان قلبه فملأه رحمة وإحسانا وعطفا وحنانا ~~يستطيع أن يتخذ لجنبه في ظلمة الليل مضجعا, أو يجد لنفسه في ضحوة النهار ~~قرارا حزنا على هؤلاء المنكوبين الحائرين الذين يدورون بأعينهم في مشارق ~~الأرض, ومغاربها يتلمسون ناصرا يعينهم على أمرهم, أو منجدا يدفع عنهم عادية ~~البلاء فلا يجدون إلا أمما إسلامية قد أصابها مثل ما أصابهم من قبل, فهي ~~تعجز عن النظر لنفسها فأحرى أن تعجز عن النظر لغيرها, فلم يبق بين أيديهم ~~من الأمل إلا تلك الرحمة التي يعتقدون # PageV02P160 # أنها باقية لهم في قلوب الأفراد من إخوانهم المسلمين أن يمدوهم بقليل من ~~القوت, يستعينون به على جهاد عدوهم, ويعودون بما بقي منه على عيالهم الذين ~~يتضورون جوعا من بعدهم. # أيها المسلمون: # إنكم لن تجدوا بعد اليوم موقفا هو أقرب إلى الله, وأدنى إلى رحمته ~~وإحسانه, وأجلب لمغفرته ورضوانه من موقفكم بين هؤلاء الضعفاء المساكين؛ ~~تطعمون جائعهم وتكسون عاريهم وتسلحون أعزلهم وتعالجون جريحهم وتخلفون ~~قتيلهم في أهله وولده. # إنكم إن تحسنوا إليهم تحسنوا إلى أنفسكم, وإن ms263 تنقذوهم من كربتهم تنقذوا ~~جامعتكم وملتكم, فإن بينكم وبينهم لحمة أقوى من لحمة النسب ووشيجة أوثق من ~~وشيجة القربى, وإنكم جميعا تصلون إلى قبلة واحدة, وتهتفون في الغداة والعشي ~~بذكر واحد, وتتوجهون بقلوبكم في نعمائكم وبأسائكم إلى إله واحد, وتقفون في ~~بيت الله وحرمه بين الركن والمقام موقفا واحدا. # أيها المسلمون: # إنكم إن اجتمعتم اليوم لن تفترقوا غدا, وإن هديتم لرشدكم في موقفكم هذا ~~لن تضلوا من بعده, وإنكم إن قدمتم بين أيديكم هذا العمل الصالح أحسن الله ~~جزاءكم, وأعانكم على أمركم, ووفى لكم بما وعدكم من نصره ومعونته, وإن ~~تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. # PageV02P161 ### | خطبة الحرب # يا أبطال برقة وليوث طرابلس وحماة الثغور وذادة المعاقل والحصون, صبرا ~~قليلا في مجال الموت, فها هي نجمة النصر تخفق في آفاق السماء, فاستنيروا ~~بنورها واهتدوا بهديها, حتى يفتح الله عليكم. # إن الله وعدكم النصر ووعدتموه الصبر, فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده. # لا تحدثوا أنفسكم بالفرار؛ فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عرض لا يجد ~~له حاميا، ودين يشكو إلى الله قوما أضاعوه، وأنصارا خذلوه. # إنكم لا تحاربون رجالا أشداء, بل أشباحا تتراءى في ظلال الأساطيل وخيالات ~~تلوذ بأكناف الأسوار والجدران, فاحملوا عليهم حملة صادقة تطير بما بقي من ~~ألبابهم, فلا يجدون لبنادقهم كفا ولأسيافهم ساعدا. # إنهم يطلبون الحياة وأنتم تطلبون الموت، ويطلبون القوت # PageV02P162 # وتطلبون الشرف، ويطلبون غنيمة يملئون بها فراغ بطونهم وتطلبون جنة عرضها ~~السموات والأرض، فلا تجزعوا من لقائهم؛ فالموت لا يكون مر المذاق في أفواه ~~المؤمنين. # إنكم تعتمدون على الله, وتثقون بعدله ورحمته فتقدموا إلى الموت غير ~~شاكين, ولا مرتابين, فما كان الله ليخذلكم ويكلكم إلى أنفسكم وأنتم من ~~القوم الصادقين. # إن هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل إلى شهب نارية ~~حمراء تهوي فوق رءوس أعدائكم فتحرقهم، وإن هذه الأنات المترددة في صدوركم ~~ليست إلا أنفاس الدعاء صاعدة إلى إله السماء أن يأخذ لكم بحقكم ويعديكم على ~~عدوكم، والله سميع الدعاء. # إن أعداءكم قتلوا أطفالكم وبقروا ms264 بطون نسائكم، وأخذوا بلحى شيوخكم ~~الأجلاء فساقوهم إلى حفائر الموت سوقا, فماذا تنتظرون بأنفسكم؟! # أجلبوا عليهم بخيلكم ورجلكم, واصدقوا حملتكم عليهم وجعجعوا بهم واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم واطلبوهم بكل سبيل وتحت كل أرض وفوق كل سماء, وأزعجوهم حتى عن ~~طعامهم وشرابهم ويقظتهم ومنامهم, فما أعذب الموت في سبيل تنغيص الظالمين. # PageV02P163 # احفروا لأنفسكم بسيوفكم قبورا, فالقبر الذي يحفر بالسيف لا يكون حفرة من ~~حفر النار. # لا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين، ولا الواسطة بين الطرفين، ولا العيش ~~الذي هو بالموت أشبه منه بالحياة, بل اطلبوا إما الحياة أبدا وإما الموت ~~أبدا. # غدا يخفر أعداؤكم حرمة أرضكم ودياركم, ويملكون عليكم نساءكم وأولادكم, ~~ويطئون بحوافر خيولهم مساجدكم ومعابدكم, وينظمون في ثقوب آنافكم مقاود ~~يقودونكم بها إلى مواقف الذل والهوان كما تقاد الإبل المخشوشة إلى معاطنها, ~~فافتدوا أنفسكم من هذا المصير المهين بجولة تجولونها في سبيل الله ثم ~~تموتون. # موت الجبان في حياته وحياة الشجاع في موته, فموتوا لتعيشوا؛ فوالله ما ~~عاش ذليل ولا مات كريم. # إن هذه الأساطيل الرابضة على شواطئكم, والمدافع الفاغرة أفواهها إليكم, ~~والبنادق المسددة إلى صدوركم ونحوركم لا يمكن أن يتألف منها سور منيع يعترض ~~سبيلكم في رحلتكم من هذه الدار إلى تلك الدار، فسيروا في طريقكم إلى ~~آخرتكم؛ فإن الأعداء إن ملكوا عليكم طريق الحياة لا يملكون عليكم طريق ~~الموت. # المستميت لا يموت والمستقتل لا يقتل, ومن يهلك في الإدبار # PageV02P164 # أكثر ممن يهلك في الإقدام, فإن كنتم لا بد تطلبون الحياة فانتزعوها من ~~بين ماضغي الموت. # إن كتاب التاريخ قد علقوا أقلامهم بين أناملهم, ووضعوا صحائفهم بين ~~أيديهم, وانتظروا ماذا تملون عليهم من حسنات أو سيئات, فأملوا عليهم من ~~أعمالكم ما يترك في نفوسهم مثل ذلك الأثر الذي تجدونه في نفوسكم عندما ~~تقرءون تلك الصحائف البيضاء التي سجلها التاريخ لأولئك الأبطال العظماء. # موتوا اليوم أعزاء قبل أن تموتوا غدا أذلاء. # موتوا قبل أن تطلبوا الموت فيعوزكم, وتنشدوه فيعجزكم. # موتوا اليوم شهداء في ساحة الحرب تكفنكم ثيابكم, وتغسلكم دماؤكم, وتصل ~~عليكم ملائكة ms265 الرحمن قبل أن يسبق قضاء الله فيكم, فيموت أحدكم فلا يجد ~~بجانبه مسلما يصلي عليه صلاة الجنازة, ثم يرافق نعشه إلى قبره حتى يودعه ~~حفرته, ويخلي بينه وبين ربه. # إن الشيخين أبا بكر وعمر والفارسين خالدا وعليا والأسدين حمزة والزبير ~~والفاتحين سعدا وأبا عبيدة والمهاجرين طارق بن زياد وعقبة بن نافع وجميع ~~حماة الإسلام وذادته السابقين الأولين, المجاهدين الصابرين, يشرفون عليكم ~~اليوم من علياء السماء؛ لينظروا # PageV02P165 # ماذا تصنعون بميراثهم الذي تركوه في أيديكم, فامضوا لسبيلكم واهتكوا ~~بأسيافكم حجاب الموت القائم بينكم وبينهم, وقولوا لهم: إنا بكم لاحقون، ~~وإنا على آثاركم لمهتدون. # إن هذا اليوم له ما بعده, فلا تسلموا أعناقكم إلى أعدائكم؛ فإنكم إن ~~فعلتم لن يعبد الله بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا. # PageV02P166 ### | الإنسانية العامة # الجامعة الإنسانية هي الجامعة الكلية العامة التي يلجأ إلى كنفها هذا ~~المجتمع الإنساني كلما أزمته أزمة أو نزلت به نازلة, وهي المطلع الذي تشرق ~~منه شمس الرحمة الإلهية على هذا الكون فتنير ظلماءه، وتكشف غماءه، وهي ~~الحكم العدل الذي يفصل في قضايا المجتمعات البشرية حين تنفصم عروتها ويدب ~~دبيب العداوة والبغضاء بين أحيائها، وهي السلطان المطلق الذي يجلس في كرسي ~~عظمته وجلاله, فتخر له جميع الجباه سجدا, وتبتدر يديه لثما وتقبيلا. # الجامعة الإنسانية هي الجامعة الجوهرية الثابتة التي رأت طينة آدم أولا ~~وسترى نفخة إسرافيل آخرا والتي تسير مع الإنسان حيث سار في بره وبحره وسهله ~~وحزنه وحياته وموته, وتدور معه حيث دار في إيمانه وكفره وصلاحه وفساده ~~واستقامته واعوجاجه, لا يتغير لونها ولا يتحول ظلها ولا تستحيل مادتها ولا ~~تبلى جدتها على كر الليالي, ومر الأيام. # PageV02P167 # ما من جامعة من الجوامع القومية أو الجنسية أو الدينية أو الأهلية إلا ~~وهي تعتمد على الجامعة الإنسانية في سيرها وتستظل بظلها وتهتدي بهديها، ~~فالمجاهد الوطني يقول: إني أدافع عن وطني وأحمي حوزته وأقوم على ثغوره ~~وعوراته مقام الذائد المناضل؛ لأني أعتقد أنني إن أغفلت ذلك وأغفله في وطنه ~~كل مضطلع بمثل ما أنا مضطلع به في ms266 وطني تساقطت الحواجز القائمة في وجه ~~المطامع البشرية فجرى سيلها متدفعا لا يقوم له شيء حتى يأتي عليه، والفاتح ~~الديني يقول: إني أعتقد أن الإنسانية لا تزال معذبة يأكل قويها ضعيفها, ~~ويغتال كبيرها صغيرها, ويستضعف حاكمها محكومها حتى تدين بالدين الذي أدين ~~به، فأنا إن حاربت البلاد وقاتلت العباد فإنما أريد أن أخوض هذا البحر ~~الأحمر من الدماء لأصل إلى سفينة الإنسانية المشرفة على الغرق, فأستخلصها ~~من يد الموت الذي يساورها. # هكذا يقول دعاة الدين ودعاة الوطن ودعاة كل جامعة, وهكذا يجب أن يقولوا, ~~فإن لم يفعلوا وأبوا إلا أن يغفلوا الجامعة الإنسانية في دعائهم إلى ~~جوامعهم التي يدعون إليها فليعلموا أن الإنسانية ملاك كل شيء, فإذا ذهبت ~~ذهب بذهابها كل شيء. # ليس لساكن وطن من الأوطان أو صاحب دين من الأديان # PageV02P168 # أن يقول لغيره ممن يسكن وطنا غير وطنه, أو يدين بدين غير دينه: أنا غيرك, ~~فيجب أن أكون عدوك لأن الإنسانية وحدة لا تكثر فيها ولا غيرية, ولأن هذه ~~الفروق التي بين الناس في آرائهم ومذاهبهم ومواطن إقامتهم وألوان أجسادهم ~~وأطوالهم وأعراضهم إنما هي اعتبارات واصطلاحات, أو مصادفات واتفاقات تعرض ~~لجوهر الإنسانية بعد تكونه واستتمام خلقه وتختلف عليه اختلاف الأعراض على ~~الأجسام, ففي كل بلد وفي كل يوم يستعجم العربي ويستعرب الأعجمي ويسلم ~~المسيحي ويتهود الوثني ويلحد المؤمن ويؤمن الجاحد ويستشرق المغربي ويستغرب ~~المشرقي، ولو أشاء أن أقول لقلت: إنه لا يوجد فوق رقعة الأرض من لا يزال ~~يمسك حتى اليوم بطرف سلسلة ينتهي طرفها الآخر بوطن غير وطنه, ودين غير ~~دينه, وأمة غير أمته. # إذا جاز لكل إقليم أن يتنكر لغيره جاز لكل بلد أن يتنكر لكل بلد, بل جاز ~~لكل بيت أن ينظر تلك النظرة الشزراء إلى البيت الذي يجاوره, بل جاز للأب أن ~~يقول لولده وللولد أن يقول لأبيه: إليك عني, لا تمد عينيك إلى شيء مما في ~~يدي, ولا تطمع أن أوثرك على نفسي بشيء مما اختصصتها به؛ لأنني غيرك فيجب # PageV02P169 # أن أكون عدوك، ms267 وهنالك تنحل كل عقدة وتنفصم كل عروة, ويحمل كل إنسان لأخيه ~~بين أضلاعه من لواعج البغض والشحناء ما يرنق عيشه ويطيل سهده ويقلق مضجعه ~~ويحبب إليه صورة الموت ويبغض إليه وجه الحياة, وهنالك يصبح الإنسان أشبه ~~شيء بذلك الإنسان الأول في وحشته وانفراده يقلب وجهه في صفحات السماء, ~~ويفتش بيديه في طبقات الأرض, فلا يجد له في الوحشة مؤنسا, ولا على الهموم ~~معينا. # الجامعة الإنسانية أقرب الجوامع إلى قلب الإنسان وأعلقها بفؤاده وألصقها ~~بنفسه؛ لأنه يبكي لمصاب من لا يعرف وإن كان ذلك المصاب تاريخا من التواريخ, ~~أو خيالا من الخيالات, ولأنه لا يرى غريقا يتخبط في الماء, أو حريقا يتقلب ~~في النار حتى تحدثه نفسه بالمخاطرة في سبيله فيقف موقف الحزين المتلهف إن ~~كان ضعيفا ويندفع اندفاع الشجاع المستقتل إن كان قويا, ويسمع وهو بالمشرق ~~حديث النكبات بالمغرب فيخفق قلبه وتطير نفسه؛ لأنه يعلم أن أولئك المنكوبين ~~إخوانه في الإنسانية وإن لم يكن بينه وبينهم صلة في أمر سواها، ولولا أن ~~ستارا من الجهل والعصبية يسبله كل يوم غلاة الوطنية والدين, أو تجارهما على ~~قلوب الضعفاء والبسطاء, لما عاش منكوب في هذه الحياة # PageV02P170 # بلا راحم, ولا ضعيف بلا معين. # لا بأس بالوطنية ولا بأس بالحمية الدينية ولا بأس بالعصبية لهما والذياد ~~عنهما, ولكن يجب أن يكون ذلك في سبيل الإنسانية وتحت ظلالها, أي: أن تكون ~~جميع دوائر المجتمعات باقية في أماكنها, دائرة حول نفسها بحيث لا تخرج ~~واحدة منها عن دائرة الإنسانية العامة التي تضمها جميعا وتشتمل عليها، ~~والوطنية لا تزال عملا من الأعمال الشريفة المقدسة حتى تخرج عن حدود ~~الإنسانية فإذا هي خيالات باطلة وأوهام كاذبة، والدين لا يزال غريزة من ~~الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها حتى يتمرد على الإنسانية, ويعتزلها ~~فإذا هو شعبة من شعب الجنون. # فإن كان لا بد للإنسان من أن يحارب أخاه أو يقاتله فليحاربه مدافعا لا ~~طاعنا, وليقاتله مؤدبا لا منتقما, وليقف أمامه في كل ذلك موقف المحق المنصف ~~والشفيق الرحيم, فيدفنه ms268 قتيلا ويعالجه جريحا ويكرمه أسيرا ويخلفه على أهله ~~وولده بأفضل ما يخلف الرجل الكريم أخاه الشقيق أو صديقه الحميم على ذريته ~~من بعده، وليكن شأنه معه شأن تلك الفئة المتحاربة التي وصفها الشاعر في ~~قوله: # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # PageV02P171 ### | أدوار الشعر العربي # كانت العرب في جاهليتها أمة هائمة متبدية على الفطرة البيضاء النقية لا ~~تعبث الحضارة بجمالها، ولا تغبر المدنية في وجهها، تطلع الشمس في آفاقها ~~فتتبسط على سهولها وحزونها ونجادها ووهادها من حيث لا تعترض في سبيلها من ~~المظلات سحب، ولا من السقوف حجب، وينبت نباتها حيث يجري ماؤها لا تعبث فيه ~~الأيدي بتربيع ولا تدوير ولا تقويس ولا تعريج, ويجري ماؤها في سبيله متدفقا ~~حيث ينساب به تسلسله واطراده لا تلوي به عن قصده الحفائر، ولا تتنصب في ~~وجهه القناطر، ويهيم وحشها في جبالها وطيرها في أجوائها من حيث لا يحبس ~~الأول عرين موصود، ولا الآخر قفص محدود، والشعر من وراء ذلك كله مرآة صافية ~~تتمثل فيها تلك المناظر الفطرية على طبيعتها وجوهرها. # ينطق العربي بما يعلم ويقول ما يفهم, ويصور ما يرى ويحدث عما تمثل في ~~نفسه حديثا صادقا لا تكلف فيه ولا تعمل؛ لأن كل # PageV02P172 # ما هو محيط به من هواء وماء وأرض وسماء وطعام وشراب ومرافق وأدوات على ~~الفطرة السليمة الخالصة, فأحرى أن يكون شعره كذلك. # ذلك كان شأن الشعر العربي والعرب على فطرتهم, وذلك معنى قولهم: الشعر ~~ديوان العرب؛ لأنه صورة حياتهم الاجتماعية والأدبية وتمثال خواطرهم ~~الحقيقية والخيالية, فإن ظن ظان أن التماثيل والنصب والمخطوطات والمنسوجات ~~والصور والتهاويل وبقايا الآثار وقطع الأحجار التي نراها في خرائب اليونان ~~والرومان والفينيقيين والفراعنة أدل على تواريخ أولئك الأقوام من الشعر ~~العربي على تاريخ العرب قلنا له: ما من ديوان من دواوين الأمم الماضية إلا ~~وتحدث المؤرخون بعبث الأيدي به ولعبها بسطوره وسجلاته, أما الديوان العربي ~~فصورة صحيحة وآية مقدسة لا تغيير فيها ولا تبديل. # ثم جرت بعد ذلك جوار بالسعد والنحس, فانتقلت ms269 الأمة العربية من بداوتها ~~إلى حضارتها وهاجر معها شعرها بهجرتها, فطلع جيش المولدين يحمل لواءه ~~الشاعران الجليلان بشار وأبو نواس, فطرقوا معاني لم تكن مطروقة ونهجوا ~~مناهج لم تكن معروفة فقلنا: لا بأس, فالشعر العربي أوسع من أن يضيق بحاجات ~~أمته في جميع شئونها وحالاتها حتى جاء أبو تمام شيخ المحسنات اللفظية, فسلك # PageV02P173 # إلى أكثر معانيه البديعة طريق اللفظ المصنوع والأسلوب المزخرف, فثغر في ~~الشعر العربي ثغرة ألح عليها السائرون على أثره من بعده بأظفارهم, وأنيابهم ~~حتى صيروها بابا أفوه لا يمنع ما وراءه, ولا يدفع ما أمامه, فأصبح الشعر ~~على عهد ابن حجة وابن الفارض وابن مليك والصفدي والسراج والجزار والحلي ~~وأمثالهم أشبه شيء بتلك الآنية الفضية أو الصينية التي يضعها المترفون في ~~زوايا مجالسهم وعلى أطراف موائدهم ظهرا زاهيا وبطنا خاويا, لا تشفي غلة ولا ~~تبض بقطرة ولا تسمن ولا تغني من جوع، ثم جاء على أثر هؤلاء من تدلى إلى ~~منزلة أدون من هذه المنزلة, فجاءوا بشيء هو أشبه الأشياء بتلك المقاييس ~~والتفاعيل التي وضعها الخليل ميزانا للشعر, لا يروق لفظها ولا يفهم معناها. # وعلى هذا المورد الوبيل وقف الشعر بضعة قرون وقفة لا يتزحزح عنها, ولا ~~يتحلحل حتى أنزل الله إليه من ملائكة البيان رسلا في هذا العهد الأخير, ~~أخذوا بيده ونشروه من قبره, ونفضوا عنه غباره فأصبحنا نرى في أبراد الكثير ~~منهم أجسام أبي نواس وأبي عبادة وأبي تمام والشريف وبشار, لا فرق بينهم ~~وبينهم إلا أن هؤلاء مقلدون يتبعون الآثار، وأولئك مبتدعون يفترعون ~~الأبكار. # PageV02P174 ### | حوانيت الأعراض # أنا لا أستطيع أن أتصور الفرق بين رجل يمد يده إلى خزينة من خزائن بيتي ~~فيسرق مالي, وبين آخر يمد لسانه أو قلمه إلى شرفي فيستلبه، كلاهما مجرم ~~فاتك وكلاهما لص مغتال، وإن كان أولهما في نظر القانون وفي نظر الناس ~~أكبرهما إثما, وأسوأهما أثرا. # المال خادم من خدام الشرف وحاجب من حجابه الوقوف على بابه، ولولا مكان ~~الشرف والكلف بصيانته والضن به أن يعبث بجوهره عابث ما ms270 كان لامرئ في هذا ~~المعدن الصامت أرب أكثر من أن يقيم به صلبه ويمسك به حوباءه، فإن كان سارق ~~المال مجرما من حيث كونه هاتكا لذلك الستار المسبل دون الشرف, فجدير بمن ~~يسرق الشرف نفسه أن يكون رأس الجانين، وأكبر المجرمين. # يكون للرجل من الصحفيين مثلا عند الرجل من كرام الناس وسراتهم وذوي ~~السيرة الصالحة فيهم مأرب من المآرب التي لا يعرف لنفسه فيها حقا, ولا يمت ~~إليها بسبب من الأسباب # PageV02P175 # الظاهرة أو الباطنة, فما هو إلا أن يمتنع عليه حتى يرميه بسهم جارح من ~~مريشات سهامه يصيب به مقتلا من شرفه، ولا ذنب له عنده إلا أنه لم يمكنه من ~~لحيته يلف عثنونها حول أصابعه, ثم يقوده بها إلى حيث شاء كما يقاد التيس ~~إلى مربعه. # يحب الرجل المجد حبا يملأ ما بين جوانحه ويغري به حتى يصبح آثر في نفسه ~~من نفسه التي بين جنبيه، ويظل يقضي سواد لياليه يساهر الكوكب حتى ينحدر إلى ~~مغربه، ويطوي بياض نهاره بين شمس تحرق عارضيه، وحصباء تمزق قدميه، ويقيم ~~بينه وبين شهوات نفسه ونزعات قلبه حربا عوانا يحمل في سبيلها ما لا يستطيع ~~أن يحمله بشر كلفا به ووجدا عليه، وحتى إذا أمكنه المقدار منه وبدأ ينهل ~~أول نهلة من مورده البارد العذب رآها ممزوجة بذلك العلقم المر مما صبه له ~~في إنائه ذلك المجرم الأثيم. # إن بين جدران بعض قاعات الصحف قوما مفاليك قد دارت عليهم الأيام دورتها, ~~وسلبتهم المواهب التي يعيش بها أمثالهم ممن ولد مولدهم, ونشأ في تربتهم ~~فضاقت بهم سبل العيش التي ما كان تضيق بهم لو أن الله أبقى لهم بعد أن ~~سلبهم فضيلة الفهم والعلم مزية العمل الصالح والسيرة المستقيمة، فلما لم ~~يجدوا بين أيديهم منفذا ينفذون منه إلى القوت, فتحوا حوانيت للتجارة # PageV02P176 # بأعراض الناس سموها صحفا, وأكثر مشتملات حوانيتهم من تلك البضاعة أعراض ~~الأشراف والعظماء وأرباب الجد والعمل الذين سبقوهم إلى فردوس السعادة, ~~وخلفوهم وراءهم يتأكلون غيظا لحرمانهم مما قسم الله لهم، فهم إن ms271 فتشت عنهم ~~وكشفت عن دخائل نفوسهم علمت أن لا فرق بينهم وبين أولئك الفوضويين الذين ~~يدينون بقتل العظماء والأمراء، وأستغفر الله فللفوضويين مبدأ منظم يتقلدونه ~~ورأي في تلك الجرائم على ما به من خطل يتمذهبون به من حيث كونه عقيدة ثابتة ~~لا تجارة رابحة، بل هم كقطاع الطريق الذين يهاجمون الغادين والرائحين ولا ~~ذنب لهم عندهم إلا أنهم مزودون, وهم مقفرو الأيدي من الزاد. # ولقد كان يكون خطبهم سهلا ومصابهم محتملا لو أنهم صرحوا عن أنفسهم وأبدوا ~~للناس صفحات وجوههم, وطلبوا قوتهم من طريق الكدية الواضحة البينة، ولكنهم ~~مراءون مخادعون يشتمون باسم الموعظة ويقرضون الأعراض باسم النصيحة ويتهمون ~~الأبرياء باسم الغيرة الدينية ويملئون فضاء الأرض والسماء كذبا وابتداعا ~~وتدليسا وتضليلا باسم الوطنية، ووالله ما بهم من وطنية ولا دين ولا عظة ولا ~~نصيحة ولكنهم قوم محدودون قد بلغت # PageV02P177 # الفلاكة من نفوسهم مبلغها وضاقت بهم الأرض الفضاء على رحبها, فهم يروحون ~~عن نفوسهم بالنيل من شرف الشرفاء وتنغيص لذة السعداء، ويطلبون قوتهم فيما ~~بين ذلك من يد تلك الفئة الساذجة من الأمة التي لا تستطيع أن تفرق بين ~~أشراف الصحافة والدخلاء فيها, وبين الكاتب الذي يكتب ليقوم معوجا أو يصلح ~~مختلا أو يرفع بدعة باطلة أو يكشف حقيقة خافية, والآخر الذي يدور مع ~~الدينار دورة الحرباء مع الشمس صعودا وهبوطا, والذي لا يلذه شرب الماء إلا ~~ممزوجا بالدماء، ووالله ما أدري من الذي أقامهم هذا المقام وعهد إليهم بهذا ~~العهد, ومن الذي وكل إليهم النظر في شئون الناس والفصل في قضاياهم والقيام ~~على حسناتهم وسيئاتهم وما هم البررة الأتقياء الذين يصلحون أن يكونوا أمثلة ~~حسنة في منازلهم فيكونوا قدوة صالحة في أمتهم، ولا بالعلماء الفضلاء فنهتدي ~~بهداهم ونترسم مواقع أقدامهم، ولا بالصادقين المخلصين الذين يؤثرون أمتهم ~~على أنفسهم فنتعبد بإجلالهم وإعظامهم، بل ليس لواحد منهم فضل الصانع في ~~مصنعه ولا التاجر في حانوته, فضلا عن الوزير في كرسيه والأمير في عرشه, ~~فيصلح أن يكون حكما بينهم وميزانا لحسناتهم وسيئاتهم، وعندي أن ms272 لو جمعت ~~عيوب الناس جميعها # PageV02P178 # في كفة ميزان ووضعت في الكفة الأخرى عيوبهم الجامعة للسفاهة والكذب ~~والنميمة التجسس وهتك الأعراض واتهام الأبرياء واستهواء الضعفاء, لثقلت ~~كفتهم أمام كفة الذين يزعمون أنهم يقومون معوجهم, ويصلحون فاسدهم. # PageV02P179 ### | الرثاء # ما أنسى لا أنسى رجلا كان خير من لقيت من الرجال, وكان يعجبني منه أدبه ~~وفضله وعفته وحياؤه وشرف نفسه وطهارة قلبه, وأنه كان صبورا محتملا تقرع ~~الخطوب صفاة قلبه فترتد عنها نابية كما ترتد الكرة عن الحائط إذا قرعتها. # كان فقيرا لا يملك من هذه الدنيا أكثر مما يقيم صلبه ويمسك حوباءه ويستر ~~سوءته, فزوجه أبوه بابنة عم له ذات مال لم يك مثلها في دمامتها وسوء خلقها ~~وجفاء طبعها ممن يطمع في مثله في جمال خلقه ولين حاشيته وانسجام طبعه، ~~فكبرت نفسه عن مخالفة أبيه؛ لأنه كان برا به مطيعا له نازلا عند أمره ونهيه ~~وعن مجافاة زوجه واطراحها والانقباض عنها؛ لأنه كان كريم الأخلاق واسع ~~الصدر رفيقا بالضعفاء والمنكوبين، فتزوجها وفي نفسه من المضض والارتماض ما ~~يلهب الجوانح, ويذيب لفائف القلوب. # وأذكر أني على طول معاشرتي له ولصوقي بنفسه ما سمعته, ولا # PageV02P180 # سمعت عنه أنه شكا إلى أحد من الناس ما يواثب قلبه عند النظر إليها أو إلى ~~ما يدب من عقارب شرها إليه ثقة منه بالله ورحمته, وإيثارا لفضيلة الصبر, ~~وسكوتا إلى ما جرت به الأقلام في ألواح المقادير، فكنت أرحم صمته وسكونه ~~وأبكي لجمود عينيه عن البكاء؛ لأني أعلم أن نيران الأحزان لا يسكن اضطرامها ~~ولا يهدأ اعتلاجها إلا باطراد العبرات، وتصاعد الزفرات. # وكان كل ما ينعم به من لذائذ هذه الحياة وأنعمها أنه كان يسافر في كل شهر ~~مرة أو مرتين إلى صديق له في بلد ريفي ناء, يقضي فيه يومين أو ثلاثة ثم ~~يعود وفي ثغره ابتسامة تتلألأ تلؤلؤ نجمة الصبح عند انحدارها إلى الغروب, ~~ثم لا تلبث أن تتلاشى ولا يلبث أن يعود إلى جموده الأول لا يحزن فيبكي ولا ~~يفرح فيبتسم، حتى يخيل للناظر إليه ms273 أنه في عالم غير هذا العالم لا يظله ~~ليل, ولا يضيئه نهار. # قضيت في صحبته على حاله تلك بضع سنين أعلم من آلام قلبه ما يحسب أني ~~أجهله فأكاتمه ذلك العلم جهدي رفقا به وإجلالا له وإشفاقا عليه، حتى زرته ~~في منزله ذات يوم فرأيته جاثما في مقعده الذي كان يقتعده من غرفته, وقد ~~أطرق إطراقا طويلا ذهب فيه عن نفسه, فلم يشعر بخفق نعلي حتى أخذت # PageV02P181 # مكاني فرفع رأسه فأدهشني من منظره اصفرار وجهه وذبول عينيه, وما كان يغشى ~~جبينه من دخان تلك النار التي تشتعل بين جوانحه, ثم نظر إلي نظرة طويلة لا ~~عهد لي بمثلها من قبل, ثم قال بصوت خافت مضطرب: # أتعتقد أن الله موجود؟ # فقلت: نعم، معالجا نفسي على كتمان ما كاد يذهب بلبي من تنكر حاله وغرابة ~~أمره. # فقال: وتعتقد أنه عادل؟ # قلت: نعم. # قال: وراحم؟ # قلت: نعم. # فبسط يده إلي فعل الضارع المستصرخ وقال: # هل لك أن تحدثني أيها الصديق عن نزول الصواعق وثورة البراكين وطغيان ~~البحور وغرق السفن وانتشار الأوباء وفتك الأدواء ونكبات الفقر والجوع وتلك ~~العيون التي لا تزال منهلة بالبكاء، والضلوع التي لا تزال ملتهبة بالآلام ~~والأحزان؟ هل تعتقد أن ذلك كله عدل من الله ورحمة؟ # قلت: نعم, إن الله يمتحن عباده ليعلم الذين صبروا فيدخر لهم # PageV02P182 # في دار نعيمه من المثوبة والأجر أضعاف ما كانوا يقدرون لأنفسهم من سعادة ~~الحياة وهنائها. # قال: إن الله أكرم من أن يجعل الشر طريقا إلى الخير, وأن لا يحسن إلا بعد ~~أن يسلف الإساءة. # قلت: ذلك ما كتب على نفسه أن يجازى كل عامل بعمله, إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر. # قال: إنه قد كتب على نفسه الرحمة. # قلت: نعم, إنه أكرم الكرماء وأرحم الرحماء. # قال: حدثني إذا عن الولد الصغير الذي لم يخالط نفسه شر ولم يتسرب إلى ~~قلبه كيد، ما لي أراه مفترشا حجر أمه وقد تولى الليل إلا أقله يتقلب على ~~مثل شوك القتاد من الآلام التي تساوره, فيثب تارة ms274 ويضطرب أخرى ويصرخ صرخات ~~تستمطر المدامع وتحول بين الجنوب ومضاجعها؟ وما لي أرى أمه باكية مولهة ~~مقرحة الجفون منحلة الشعور موجعة القلب, تفزع لفزعاته وتصرخ لصرخاته, وقد ~~اختبل عقلها واضطرب أمرها وعظم يأسها وفنيت حيلتها وقل مساعدها وضعف ~~ناصرها, فأنشأت تقلب وجهها في السماء ضارعة إلى الله تعالى أن يأخذ بيدها ~~ويرحم نفسها برحمة ولدها، وبينا هي تنتظر صوت الإجابة يرن في أفق # PageV02P183 # السماء إذا بها تسمع حشرجة الموت في صدر ولدها, وإذا به ينزع نزعا مؤلما ~~يطير باللب ويذهب ببقية الصبر حتى تفيض نفسه، فماذا جنى هذا الولد الصغير ~~حتى أصبح لا يستحق رحمة من الله, ولا رأفة؟ # قلت: وما يدريك لعل الله أراد به خيرا, فرحمه بالموت المعجل من حياة علم ~~أنه سيلقى فيها كما تلقى أنت اليوم عذابا أليما, وشقاء ممضا. # فنالت هذه الكلمة من نفسه وانتفض لها ثم قال: أحسنت يا صديقي، ليت الذين ~~يشقون في هذه الحياة يشعرون بصغر هذه الدنيا وحقارة شأنها, فيتمنون لو لم ~~تلدهم أمهاتهم, ولم يكتب لهم سطر واحد في ألواح المقادير، وبعد فهل لك في ~~سفرة معي إلى صديقي الريفي نقضي عنده يوما واحدا, ثم نعود على أن تكون معي ~~كما كان فتى موسى مع مولاه {فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ؟ # فوافيت رغبته وقبلت شرطه, ثم قام وقمت وبودي لو ملكت الدنيا بحذافيرها ~~لحظة واحدة لأهبها لمن يكشف لي سر صديقي ويدلني على نكبته التي زعزعت نفسه ~~وصهرت قلبه وملكت عليه لبه وكادت تعبث بيقينه، وما هي إلا ساعات قلائل حتى # PageV02P184 # كنا في المنزل الذي أردناه وقد أظل الليل بجناحيه فقضينا واجب التحية ~~والسلام, ثم خلا الصديق بصديقه خلوة طويلة لا أعلم ما دار فيها بينهما ثم ~~خرجا إلي فجلسنا ساعة نتحدث ثم قمنا إلى فراشنا فنمت نوما متقطعا مملوءا ~~بالوساوس والهواجس, فما انتصف الليل حتى شعرت أن صديقي يتحرك في فراشه ~~وينظر إلي ليعلم أنائم أنا أم مستيقظ, فتناومت حتى رأيته قد قام من مكانه ms275 ~~يختلس الخطا حتى وصل إلى مشجب الملابس فلبس أثوابه ثم خرج من الغرفة, فخفق ~~قلبي خفقة الرعب والفزع وقلت: لا بد أن الرجل يريد بنفسه شرا، وإني أكون ~~ألأم صديق إن أنا تركته وشأنه، فقمت على أثره أترسم خطواته وأتتبع مخرجه ~~ومدخله من مدرجة إلى أخرى حتى بلغ ضاحية البلد ثم استمر في شأنه حتى أطل ~~على مقبرة واسعة قد جثمت قبورها في أرجائها جثوم الآبال في مرابعها, فوقف ~~هنيهة ثم مشى فمشيت على أثره من حيث لا يشعر بمكاني منه ثم أنشأ يتصفح ~~القبور قبرا قبرا فخيل لي أنه شبح من أشباح الموتى يتنقل في أرجاء تلك ~~المقبرة, فملكني من الخوف والرعب ما كاد يحل عقدة لساني لولا إجلالي هذا ~~الموقف المرهب, وشعوري أنني واقف على # PageV02P185 # أبواب تلك الدور التي سلب خوفها العاقلين عقولهم وأطار طائر الاغتماض عن ~~أجفانهم ونغص عليهم ما يتمنون أن ينعموا به من مطاعمهم ومشاربهم والتي يفد ~~إليها كل يوم وفود البشر محمولين على أيدي آبائهم وأمهاتهم ليقدموهم ~~بأنفسهم هدايا ثمينة إلى الدود, ثم يخلون بينهم وبينه يأكل لحومهم ويمتص ~~دماءهم ويتخذ من أحداق عيونهم ومباسم ثغورهم مراتع يرتع فيها كما يشاء بلا ~~رقبى ولا حذر من حيث لا يملك مالك عن نفسه دفعا, ولا يعرف إلى نجاة سبيلا. # مرت بخاطري تلك الذكرى فملكت علي نفسي حتى ذهلت عن موقفي وأنستني الحيرة ~~في أمر نفسي الحيرة في أمر صديقي وفيما ساقه إلى هذا الموطن, وأين يذهب ~~وماذا يريد وعم يفتش، ثم استفقت فرأيته جاثيا فوق قبر من تلك القبور جثو ~~العابد أمام معبده, فدلفت إليه حتى دنوت منه فسمعته يقول: # اللهم إنك تعلم أني ما كفرت بنعمتك ولا خفرت ذمتك ولا هتكت حرمة من حرمك ~~ولا نزلت عند سخطك ولا تبرمت بقضائك وقدرك, وأنك جازيتني فأحسنت جزائي ~~ووهبتني تلك الفتاة فكانت كل ما أفدت من نعيم هذه الحياة وهنائها, ثم لم ~~تلبث أن سلبتنيها وشيكا أشوق ما كنت إليها وإلى قضاء # PageV02P186 # ساعات العمر بجانبها, فاغفر ms276 لي جزعي وحزني, فكثير علي أن لا أجزع ولا ~~أحزن. # لقد تبدلت الأرض غير الأرض والسموات, وكأنما استحالت في نظري حقائق ~~الأشياء فأصبحت لا أرى في النجمة لألاءها ولا في الزهرة جمالها ولا في ~~السماء صفاءها ولا في البحر جلاله, فهل كانت فتاتي سر هذا الوجود حتى ذهبت, ~~فذهب بذهابها كل شيء؟ # ذهبت بي الأيام كل مذهب وجرعتني من كئوس الشقاء جرعا ما احتمل فم قبل فمي ~~مرارتها, فاغتفرت لها كل ذنوبها عندي؛ لأنها أسدت إلي صنيعة كانت هي العزاء ~~لي عن هموم الحياة وأحزانها، أما اليوم وقد صفرت منها يدي وأقفر بفراقها ~~ربعى وحالت تلك الصفائح بيني وبينها, فلا سلوى ولا عزاء. # من لي بضربة من ضربات الدهر تذهب بذاكرتي, فلا أعود أذكر أيام حياتها ~~ومقعدها بجانبي وابتسامها إلي واعتناقها إياي وصوتها الرقيق وحديثها العذب ~~وصفاء عينيها وجمال وجهها وقيامها وقعودها وجيئتها وذهوبها وضحكها وبكاءها ~~ويقظتها ومنامها وحزنها لفراقي وسرورها بلقائي, فإني كلما ذكرت ذلك شعرت ~~كأن قلبي المجموع قد استحال إلى أفلاذ صغيرة # PageV02P187 # لا يلوي بعضها على بعض. # اللهم إني أعلم أن الدنيا ليست بدار قرار, فلا أمل في البقاء فيها ~~والركون إليها والاستمتاع بلذة الحياة فيها, وأنها الجسر الذي يمر به ~~الأحياء إلى الدار الأخرى وقد أحسنت إلى كل عبد من عبيدك برفيق يكون عونا ~~له على قطع تلك الشقة واختصصتني وحدي بالحرمان من ذلك المعين, فكيف أسير ~~وأين أذهب ومن أين أبتدئ وإلى أين أنتهي؟ # اللهم إنك سلبتني كل شيء حتى الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم ويطفئ ~~بها المحزونون لوعات قلوبهم, فأصبح الحزن يغلي بين جوانحي غليان الماء في ~~قدر محكمة الغطاء, فامنن علي بدمعة واحدة أبرد بها غليلي, ولا أحسب أنك ~~تمنعنيها فالدموع هي الرحمة العامة التي كتبت على نفسك أن تعالج بها جراح ~~المنكوبين. # اللهم لا ريبة في عدلك ولا ظنة في كرمك ولا اعتراض على قضائك وقدرك ولا ~~سخط في ابتلائك ومحنتك, ولكنك سلبتني عقلي بعدما سلبتني راحتي وهنائي ~~وفتاتي, فخرج أمر ms277 نفسي من يدي وأصبحت لا أعرف لي مذهبا في هذه الأرض, ولا ~~مضطربا. # اللهم إنك منعتني حظي من الحياة فلا تمنعني حظي من الموت, فاسترد إليك ~~عاريتك التي أعرتنيها فقد عجزت عن احتمالها # PageV02P188 # وضقت ذرعا بأمرها, إنك بعبادك رءوف رحيم. # وما أتم كلمته هذه حتى سقط على صفائح القبر مكبا على وجهه, فعلمت أن ~~المرجل قد انفجر وأن الله قد اجتبى هذا الرجل لنفسه واختار له ما عنده, ~~فصرخت صرخة كانت ثانية لصرخة أخرى بجانبي, فالتفت فإذا صديقه واقف ورائي ~~فدنونا منه معا وحركناه فإذا هو ميت، فنقلناه إلى المنزل وبتنا حول سريره ~~نقضي حق صحبته تارة بالدموع وأخرى بالخشوع، وهنالك قص علي صديقه قصته وكشف ~~لي عن ذلك السر الذي كان يكتمه عني؛ فحدثني أنه قضى زمنا طويلا يشكو إليه ~~ما يجد في نفسه من البغضاء لزوجته التي زوجه أبوه منها على الرغم منه فخفت ~~عليه التلف حزنا وكمدا, فزوجته منذ عشر سنين بأختي سرا من حيث لا يعلم ~~أبوه؛ لأنه كان يخاف غضبه ولا زوجته؛ لأنه كان يرحمها، فكان يزورها في كل ~~شهر مرة أو مرتين حتى ماتت تلك الأخت رحمة الله عليها وتركت له هذه الفتاة, ~~فما زال يزورها كما كان يزور أمها ويعزي بالثانية نفسه عن الأولى، فشغف بها ~~شغفا بلغ به حد الجنون, وكان كثيرا ما يقول لي: إني أشعر أن حياتينا حياة ~~واحدة وأنا إما أن نعيش معا أو نموت معا، وكأنه ألهم بما سيكون, فحمت ~~الفتاة منذ ستة أيام فما نشبت أن هصر # PageV02P189 # الموت غصنها النضير ولم تسلخ ثماني حجج فنعيتها إليه بكتاب أرسلته له, ~~فجاء وجئت معه, ثم كان بعد ذلك ما قدر الله أن يكون. # دفنت صديقي بيدي وألحدته بجانب تلك الصغيرة التي قطع جسر الحياة الطويل ~~في لحظة واحدة شوقا إليها ووجدا عليها، ثم عدت إلى بلدتي صفر اليد من ذلك ~~الإنسان الذي كنت مالئا منه يدي, والذي كنت أجله وأعظمه حيا ولا أزال أبكيه ~~وأذكره ميتا, وأتخذ حياته الشريفة ms278 الحافلة بمواقف الصبر والجلد والوفاء ~~والكرم درسا أتعلمه وأعلمه الناس حتى يجمع الله بيني وبينه: # كفى حزنا بموتك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا # PageV02P190 ### | الشعر # كتب إلي كاتب يقول: عرفناك قبل اليوم شاعرا ما تكتب فقرة ثم رأيناك بعد ~~ذلك كاتبا ما تنظم بيتا، فلم لم تكتب في عهدك الأول، ولم تنظم في عهدك ~~الثاني، كأنما ظن عافاه الله أني أكتب اليوم بقلم غير قلم الأمس, أو أهيم ~~في واد غير ذلك الوادي، وهل الشعر إلا نثارة1 من الدر ينظمها الناظم إن شاء ~~شعرا، وينثرها الكاتب إن شاء نثرا، أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها ~~السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، ~~أو عالم من عوالم الخيال يطير فيه الطائر بقادمتين2 من عروض وقافية، أو ~~خافيتين3 من فقر وأسجاع؟ # الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر PageV02P191 # إلا ألوان وأصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره, لا علاقة ~~بينها وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول ~~ويتغنى بما يردد ترويحا عن نفسه, وتطريبا لعاطفته ما نظم ناظم شعرا، ولا ~~روى عروضي بحرا. # ما كان العربي في مبدأ عهده ينظم الشعر ولا يعرف ما قوافيه وأعاريضه، وما ~~علله وزحافاته، ولكنه سمع أصوات النواعير وحفيف أوراق الأشجار وخرير الماء ~~وبكاء الحمائم فلذ له صوت تلك الطبيعة المترنمة, ولذ له أن يبكي لبكائها، ~~وينشج لنشيجها، وأن يكون صداها الحاكي لرناتها ونغماتها، فإذا هو ينظم ~~الشعر من حيث لا يفهم منه إلا أنه ذلك الخيال الساري المتمثل في قريحته ~~المتردد بين شدقيه، ولا من أوزانه وضروبه إلا أنها صورة من صوره, ولون من ~~ألوانه. # ذلك منتهى نظر العربي إلى الشعر, وذلك ما دعاه إلى أن يسمي النبي الذي ~~بعثه الله إليه شاعرا وهو يعلم كما يعلم غيره من الناس أنه ما قصد في حياته ~~قصيدة, ولا رجز أرجوزة, ولكنه ms279 سمع من كتاب الله وآياته المفصلات أبلغ ~~الكلام وأفصحه وأعلقه بالنفوس وآخذه بالألباب وأملكه للعواطف والوجدان ~~وأجمعه # PageV02P192 # لصنوف التشبيهات البديعة والاستعارات الدقيقة والمجازات الرائعة ~~والكنايات المستطرفة وأمثال تيك مما لا ينطق به الناطق في أكثر مناحيه ~~ومنازعه إلا عند ذهابه مذهب الخيال الشعري فشبه له, فسمى ما سمعه شعرا وسمى ~~الناطق به شاعرا, وما هو بشاعر ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون. # ما كل موزون شعرا ولا كل ناظم شاعرا, فالوزن ملكة تعلق بالنفس من طول ~~ترديد المنظوم والتغني به مقطعا تقطيعا يوازن تفاعيله فهو نغمة موسيقية, ~~ولحن خاص من ألحان الغناء يتمثل في قول الملك الضليل1: # "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" # كما يتمثل في قول الخليل: "فعولن مفاعلين فعولن مفاعلن" ويتراءى في أوتار ~~الحلق الناطق كما يتراءى في أوتار العود الصامت. # أما الشعر فأمر وراء الأنغام والأوزان, وما النظم بالإضافة إليه إلا ~~كالحلى في جيد الغانية الحسناء, أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن ~~الغانية لا يحزنها عطل جيدها والديباج لا يزري به أنه غير معلم, كذلك الشعر ~~لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون. # ذلك هو الفرق بين الشعر والنظم, وها أنت ترى أن لا صلة PageV02P193 # بينهما إلا تلك الصلة الاصطلاحية التي لا سبب لها إلا اعتياد الناس أنهم ~~ينظمون ما يشعرون، وتلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمت على كثير من الناس ~~أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعا رداء ~~واحدا لا يستطاع معه التمييز بينهما إلا للقليل من الناقدين المستبصرين، ~~فأصبحنا نقرأ لبعض المعاصرين القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتا, ونتصفح ~~الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر بقصيدة وأصبحنا لا نكاد نجد بيننا قارئا ~~غير شاعر؛ لأنه لا يوجد في الناس شخص واحد يعجزه تصور تلك النغمة العروضية, ~~وتصويرها حتى العامة والأميين. # ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر وافتنوا في ذلك افتنانا بعد به عن ~~مكانه، وعندي أن أفضل تعريف له أنه "تصوير ناطق" لأن قاعدة الشعر ms280 المطردة ~~هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن ~~الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك ~~الستار المسبل دون قلبه, وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرا يكاد يراه بعينه ~~ويلمسه ببنانه, فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب ~~لغضبه ويطرب لطربه ويطير # PageV02P194 # معه في ذلك الفضاء الواسع من الخيال, فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها ~~وشموسها وأقمارها ورياضها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها1 ~~وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدما، ولا يلاقي في سبيله نصبا. # فإن سمع قول القائل: # وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم # يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم # يروع حصاه حالية2 العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم # خيل إليه أنه يخطر في ذلك الروض البليل بين أنواره وأزهاره، خطران النسيم ~~بين ظلاله وأشجاره، وأنه يرى بعينه أولئك العذارى السانحات وقد راعهن منظر ~~الحصباء اللامع فوق تلك الديباجة الخضراء, فتولهن وفزعن إلى جوانب عقودهن ~~يلمسنها بأطراف بنانهن, يحسبن أن قد وهت فانتثرت جواهرها في ذلك الروض ~~الأريض. PageV02P195 # وإن سمع قول الآخر: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # حبست بها صحبي وجمعت شملهم ... وإني على أمثال تلك لحابس # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس # تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها1 بالقسي الفوارس # فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللمآء ما دارت عليه القلانس # تمثل له كأنه مر في ضاحية من ضواحي بغداد بدار موحشة, فسمع فيها أصوات ~~قوم يلهون ويقصفون2 ويقرعون الكئوس بأمثالها, فاقترب منها وأطل من خصاص3 ~~بابها فرأى أولئك القوم مجتمعين حول دن من الخمر قد تكاملت سنه وشيب الدهر ~~فوديه4, ففصدوه فسال دمه الأحمر في كئوس من الذهب منقوشة نقوشا فارسية قد ~~استقرت في قرارتها صورة كسرى فارس, ms281 ودارت في باطنها صور فرسانه متنكبي ~~قسيهم كأنما يطاردون بقر الوحش أمامهم ورآهم يملئون الكئوس إلى ما يوازي ~~PageV02P196 # أعناق أولئك الفرسان, ثم يمزجونها بالماء إلى ما يغطي رءوسهم، فتسلل من ~~مكانه مغتبطا بمجمعهم وبما هيئ لهم من الهناء والنعمة فيه، ثم مر بتلك ~~الدار بعد أيام فرآها مقفرة من أهلها لا تسمع بها نغمة ولا نأمة1, فدخلها ~~فلم ير فيها إلا أعواد ريحان قد يبس أكثرها مبعثرة في جوانبها وخطوطا كانت ~~رسمتها زقاق الخمر فوق تربتها في غدوها ورواحها بين أولئك الندماء، فانصرف ~~حزينا مكتئبا يسمع صفير الريح الضاربة في جوانبها, فيردد قول القائل: # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالا بعد حال # وإن سمع قول الآخر: # ويوم كتنور الإماء سجرنه2 ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضر ما # رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بض منخرها دما # شعر كأن لهيب تلك الهاجرة يهب في وجهه, فيشيح عنه فرارا من لفحاته, ويكاد ~~يبكي رحمة لذلك الشبح المصهور الذي ملكت عليه تلك التنوفة الحمراء سبيله ~~وحالت بينه وبين PageV02P197 # نفسه, فلا هو بصابر إن رام صبرا, ولا بناج إن أراد نجاء. # وإن سمع قول الآخر: # وا رحمتا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا # هملت عيناه وجدا على ذلك الغريب الحائر, وتمنى أن لو رآه في بعض مذاهبه ~~وعطف عليه وآنس وحشته، وخفض لوعته، ثم أخذ بيده فأنزله من نفسه منزلا كريما ~~وأبدله أهلا بأهل وجيرانا بجيران. # وإن سمع قول الآخر: # وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا # وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن تتابع لي ms282 غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا # أكبر تلك المكرمة العظيمة وأجلها ونظر إليها في علياء سمائها كما ينظر ~~الفلكي إلى كوكبه, وشعر كأن نورها قد لمع فامتد # PageV02P198 # شعاعه إلى جوانب نفسه فأضاءها. # ولا غرو أن يبلغ الشعر من نفسه هذا المبلغ, فلطالما كان للشعر السلطان ~~الأكبر على النفوس العظيمة فقد نكب الرشيد البرامكة عندما دس له أعداؤهم ~~ذلك المغني الذي غناه هذا الصوت: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # وأمر السفاح بقتل وجوه بني أمية بعدما قربهم وأدناهم عندما دخل عليه سديف ~~مولاه, وأغراه بهم في قوله: # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة1 وغراس # أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والاتعاس # خوفهم أظهر التودد فيهم ... وبهم منكم كحز المواسي # أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس # فلقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي # بل عطف عمر بن الخطاب على الحطيئة, وأطلقه من سجنه حين سمعه يقول: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر PageV02P199 # بل سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قول قتيلة بنت الحارث تعاتبه في قتله ~~أخاها النضر بن الحارث على رحمه منه, واتصال نسبه به: # أمحمد يا خير صنو كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # فبكى وقال هو من لا ظنة1 في عدله ولا ريبة في حكمه: "لو سمعتها قبل اليوم ~~ما قتلته". # لا مؤثر في نفس الإنسان غير الشعر، وما خضع الإنسان لشيء في جميع أدوار ~~حياته إلا للشعر، وللشعر الفضل الأول في نبوغ الإنسان وارتقائه وبلوغه هذا ~~المبلغ من الكمال، ولقد أحب الإنسان ms283 الشعر ناطقا وصامتا، أما الناطق فقد ~~عرفته، وأما الصامت فالتماثيل التي يراد بنصبها تمثيل حياة عظماء الرجال ~~شعر، وهذه النغمات الموسيقية التي تصور خواطر القلوب ووجداناتها فتهيج ~~عاطفة الحب في نفس العاشق وعاطفة الحماسة في نفس الجندي شعر، وهدير الأمواج ~~شعر لأنه يمثل عظمة الجبارين، وظلام الليل شعر لأنه PageV02P200 # يطلق دموع الباكين، وحفيف أوراق الأشجار شعر لأنه يمثل المناجاة في مواقف ~~العشاق، وبكاء الحمائم شعر لأنه يمثل فجعة البين ولوعة الفراق، تلك النغمات ~~الشعرية التي نسمعها من فم الإنسان مرة وفم الطبيعة أخرى هي التي زخرفت لنا ~~هذه الحياة وألبستها ذلك الثوب الناعم الأبيض من السعادة والهناء حتى ~~أحببناها, وولعنا بها وحرصنا عليها, وأعددنا العدد للبقاء فيها والسكون ~~إليها, فكتبنا ودونا وألفنا واخترعنا، وتعلمنا فعلمنا، وبنينا فشيدنا، ~~وغرسنا فجنينا، وعملنا فربحنا، واجتهدنا فأثرينا، وأملنا فسعينا، وسعينا ~~فبلغنا، فكأن الشعر سر هذه الحياة وعلة هذا الوجود، لا تطير إلينا الحقائق ~~إلا على جناحيه، ولا يطيب لنا العيش إلا في جواره، فلنمجد الشعراء كل ~~التمجيد ولنكبرهم كل الإكبار، فهم مشارق شموس الحكمة، وأفلاك كواكب العلم ~~والفضل، وهم الينابيع الصافية التي يترقرق ماؤها ثم يتسرب إلى الأفئدة, ~~والقلوب فيملؤها وسعادة وهناء. # PageV02P201 ### | الشهيدتان # لم تغتمض عيناي ليلة أمس؛ لأنني بت أسمع في الدار اللاصقة لبيتي أنين ~~امرأة متوجعة تعالج هما ثقيلا وتشكو مرضا أليما, وكان يخيل إلي أني لا أسمع ~~بجانبها معللا يعللها, ولا جليسا يتوجع لها فلما أصبح الصباح ذهبت إليها ~~فإذا قاعة صغيرة مظلمة تكاد لا تشتمل على أكثر من سرير بال يتراءى فوقه شبح ~~ماثل من أشباح الموتى, فترفقت في مشيتي حتى دنوت منها وكأنها شعرت بمكاني, ~~فحركت شفتيها تطلب جرعة ماء فأسعفتها بها, فاستفاقت قليلا ثم تقدمت نحوها ~~أسائلها عن خطبها فأنشأت تقص علي قصتها بصوت خافت متقطع, كنت أكاد أنتزعه ~~منها انتزاعا وتقول: # زوجني أبي منذ سبع سنين من رجل مزواج مطلاق لا يكاد يصبر على امرأة واحدة ~~عاما واحدا, ولو كان لفتاة أن تستبد بأمرها من دون أوليائها ms284 لأحسنت ~~الاختيار لنفسي, بل لو لم يكن في الأمر إلا أن أتبتل أو أصير إلى هذا ~~المصير لكان لي في الرهبانية رأي غير ما يراه فيها النساء، ولكنني عجزت ~~فأذعنت # PageV02P202 # وزففت إليه, فاستقبلني بأحسن ما يستقبل به الزوج الكريم أحظى نسائه عنده ~~وأكرمهن عليه، فكان يريبني من ذلك ما يريب الفريسة من ابتسامة الأسد وكنت ~~أنتظر يوم الفراق كما ينتظر القاتل يوم القصاص، فما أفقت من صرعة النفاس ~~حتى علمت أنه خطب فتزوج فبنى وأني أصبحت في المنزل وحيدة لا مؤنس لي إلا ~~طفلتي الصغيرة, فجزعت عند الصدمة الأولى ثم نزلت على حكم القضاء الذي لا ~~أملك رده ولا أعرف وجه الحيلة فيه، واحتملت طفلتي إلى بيت أبي فوجدته مريضا ~~مشرفا, فبكى رحمة بي واستغفرني من ذنبه إلي فغفرته له، وما هي إلا أيام ~~قلائل حتى مضى لسبيله مفجوعا برزئي ورزئه, فعلمت أن الدهر قد سجل علي في ~~جريدة الشقاء أياما طوالا لا أعلم متى يكون انقضاؤها, ولا أدري ما الله ~~صانع فيها، فظللت أستكتب الناس الكتب إلى ذلك الرجل أسأله القوت لأستعين به ~~على تربية طفلته أو التسريح عسى أن يبدلني الله خيرا منه زكاة وأقرب رحما, ~~فضن بالأولى واستعظم الأخرى, فلم أر لي سبيلا غير سبيل العمل, فلبثت بضع ~~سنين ساهرة الليل قائمة النهار, أستقطر الرزق من سم الخياط فلا أكاد أبلغ ~~منه الكفاف حتى بلغ مني الجهد, فدهيت بمعضلة من الأدواء خرجت لها عن كل ما ~~أملك من # PageV02P203 # حلية وذخيرة وكسوة وآنية وأصبحت لا أملك درهما أبتاع به قارورة الدواء, ~~ولا أجد مزقة أمسك بها قوائم هذا السرير المضطرب، وما قنع الدهر مني بذلك ~~حتى رماني بالداهية الدهياء التي يصغر في جانبها كل عظيم من خطوبه ونكباته، ~~فقد كتبت إلى والد الفتاة منذ شهر أصف له حالتي وأفضي إليه بذات نفسي, ~~وأسأله أن يمدني وابنتي بقليل من القوت نمسك به تلك الصبابة التي أبقتها ~~خطوب الأيام ورزاياها من أعظمنا وجلودنا, ولبثت أترقب رجع الكتاب كما يترقب ~~الغريق ms285 سواد السفينة, فإني لجالسة في هذا المقعد أعد على الدهر ذنوبه إلي ~~وسيئاته عندي فلا أفرغ من عقد إلا إلى عقد, ولا أنتهي إلا إلى حيث أبتدئ ~~وقد جلست طفلتي بين يدي أتطلع إلى وجهها الساطع في ظلمات تلك الخطوب كما ~~يتطلع الملاح في ظلماته إلى نجمة القطب إذا هجم علي ذلك الظالم الجبار ~~فاختطف ابنتي من بين يدي من حيث لا أملك دفعا لما نابني, ولا أجد ما أذود ~~به عن نفسي إلا زفرات لا يسمعها سامع وعبرات لا يرحمها راحم، فشعرت كأن ~~أسهم الدهر التي كانت تروغ ههنا وههنا قد أصابت في هذه المرة المقتل, فبت ~~ليلتي تلك كما يجب أن تبيت امرأة بائسة معدمة فجعها الدهر في نفسها بعد أن ~~فجعها في زوجها وأبيها وولدها, فأصبحت لا تجد أمامها يدا تنبسط # PageV02P204 # إليها ولا عينا تبكي عليها، وقد مر بي بعد ذلك نيف وعشرون ليلة لا يرقأ ~~لي دمع ولا يهدأ بي مضجع، حتى إذا اختلست من يد الظلام نعسة تراءت لي ~~الفتاة كأنها في فراشها مريضة تهتف باسمي, وكأن أباها يوسعها ضربا وتعذيبا ~~وكأنني أحاول أن أستنقذها فلا أجد إليها سبيلا، وها أنا ذا أشعر أن سحابة ~~الموت السوداء تغشي على بصري, وأنني مفارقة هذا العالم قبل أن أنظر إلى ~~فتاتي نظرة أتزودها في سفري إلى تلك الدار. # وما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى جرضت بريقها وحشرجت أنفاسها وشطر ~~بصرها فجثوت عند سريرها أدعو لها الله أن يعينها على أمرها, ويمدها برحمته ~~وإحسانه، فإني لكذلك وقد استغرقت في هذا المشهد الذي بين يدي استغراق ~~العابد في هيكله إذ رأيت في خلال الدموع التي كانت تزدحم في عيني شبحا ~~منتصبا عند باب الغرفة, فتأملته فإذا رجل يحمل بين يديه فتاة صغيرة فتقدمت ~~إليه فرأيته خاشعا مستكينا ينظر إلى تلك التي يحملها نظرات الوجد والرحمة, ~~ورأيت الفتاة كأنها خرقة بالية ملقاة لا يتحرك لها عضو, ولا ينبض منها عرق ~~فقلت: من أنت وماذا تريد؟ قال: أنا زوج ms286 هذه المرأة ووالد هذه الفتاة، قلت: ~~لعلك جئت تستغفر هذه البائسة المسكينة من ذنبك إليها في التفريق # PageV02P205 # بينها وبين ابنتها، قال: يا سيدي, ما زالت الفتاة منذ فارقت أمها تبكي ~~عليها بكاء مرا, وتهتف باسمها في يقظتها ونومها حتى سقطت مريضة لا ينفعها ~~طب ولا ينجع فيها دواء، فلما رأيت أنها وصلت إلى الحالة التي تراها جئت بها ~~إلى أمها, أرجو أن تجد بين ذراعيها شفاء من دائها، قلت: ذلك موكول إلى ~~القضاء ولا يعلم الغيب إلا الله، ثم تقدمت نحو الفتاة فرأيتها تجود بنفسها ~~فاحتملتها برفق حتى وضعتها بين ذراعي أمها, فما هو إلا أن هتفت الفتاة ~~بأمها والأم بفتاتها حتى فاضت نفساهما معا, كأنما كانتا من الردى على ~~ميعاد. # الآن وقد عدت من دفن الشهيدتين وجلست لكتابة هذه السطور, أشعر أني لا ~~أكاد أمسك قلمي من الاضطراب, ولا مدمعي عن الانفجار حزنا على تلك البائسة ~~المسكينة, لا بل حزنا على جميع البائسات من النساء اللواتي يقتلهن الرجال ~~كل يوم صبرا من حيث لا يجدن راحما يأخذ بأيديهن، ولا ثائرا يثأر لهن. # PageV02P206 ### | الدعاء # وهو ملخص قصيدة لفيكتور هيجو بتصرف. # قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد نزل ستار الليل ودب الشفق الأحمر في حاشية ~~الأفق, وأطلت عيون الكواكب من فروج السحب, وأجرى البدر المنير ليقته الفضية ~~البيضاء على صفحة النهر, ومسحت أيدي النسائم المبتلة بندى الليل عن أوراق ~~الأشجار غبار النهار. # قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد مات النهار وماتت بموته الآلام والأحزان, ~~والأحقاد والأضغان, والمظالم والمآثم, ولم يبق من تلك الأعاصير والزوابع ما ~~يعترض وفد الدعاء، في طريقه إلى أبواب السماء. # قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد أوى الناس إلى منازلهم والطيور إلى وكناتها ~~والوحش إلى أوجرته, وأخذت الطبيعة مكانها من مرقدها ولم يبق من أصواتها إلا ~~أنين الراحة المتمثل في رنين هذه المركبة المقبلة في جوف الليل, وجؤار هذه ~~السائمة العائدة # PageV02P207 # من حقولها, وهدير تلك الرياح الضاربة في ذوائب الأشجار ورءوس الأبراج. # قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد ms287 جاءت الساعة التي يجثو فيها الأطفال حول ~~أسرتهم حفاة الأقدام عراة الرءوس شواخص الأبصار يطلبون الرحمة من الله ~~تعالى لآبائهم وأمهاتهم وللناس أجمعين, فترن أصواتهم في الملأ الأعلى رنين ~~نغمات الموسيقى في أجواف الفضاء, فيرددها الملائكة طائرين بها إلى عرش ~~الرحمن، فإذا فرغوا من دعائهم وقضوا حق الله عندهم وحقهم عند أنفسهم ذهبوا ~~إلى مضاجعهم, وناموا نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول ~~ثناياهم الباسمة كما تتطاير أسراب النحل حول أحواض الأزهار. # قومي يا بنية إلى الصلاة, واطلبي الرحمة لتلك التي التقطت ذرتك الأولى من ~~عالمها ثم اتخذت لك من حنايا ضلوعها سريرا قبل سريرك, ومن أحشائها مهادا ~~قبل مهادك, والتي قدم لها الدهر كأسي شقائه ونعيمه, فشربت الأولى وآثرتك ~~بالأخرى. # اطلبي لها الرحمة؛ فإنها كانت بيضاء القلب صافية النفس, تحب من لا يحبها ~~وترحم من لا يرحمها, وتبتسم ابتسامة عذبة رائقة لا تمازجها ريبة, وتمد يدها ~~إلى اجتناء كل ثمرة إلا ثمرة الشجرة # PageV02P208 # المنهي عنها، وكانت تقف أمام مسرح الحياة الحافل بالزخارف والتهاويل وقفة ~~المتريث المرتاب الذي يتهم سمعه وبصره, وتنظر إليه نظر الحكيم العاقل الذي ~~يعلم أن السعادة الكاذبة أمر مذاقا في الأفواه من الشقاء الصادق، وأن هؤلاء ~~الذين يضحكون سرورا بهذه الصورة الخيالية لا يعلمون أنهم يبكون من حيث لا ~~يشعرون، وأن أولئك الجالسين حول مائدة الشهوات إنما يقامرون بأنفسهم ولا بد ~~أنهم خاسرون، فتغض بصرها وتشيح بوجهها وتعود أدراجها بقلب غير مخدوع، وفؤاد ~~غير مصدوع. # اذكري يا بنية أن تطلبي الرحمة لأبيك كما تطلبينها لأمك, فهو أحوج إليها ~~منها؛ لأن الخطايا قد أثقلت ظهره فأصبح لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء، ~~وغلت يده فلا يستطيع أن يمدها إلى الله بالدعاء. # إنني أشعر يا بنية حينما أسمع دعاءك لي كأنني أسمع صوت انفصام القيود عن ~~قدمي, وكأن سحابة سوداء تنقشع عن قلبي قليلا قليلا, وكأن جناحي المهيض قد ~~نبت له ريش ناعم جميل أحاول أن أطير به إلى أعالي السماء. # اطلبي الرحمة لجميع الآباء العائدين ms288 إلى منازلهم تحت ستار الظلام # PageV02P209 # بدموع منهلة وقلوب واجمة بعد أن سايروا الشمس من مشرقها إلى مغربها, فلم ~~يجدوا ما يمسحون به دموع أبنائهم حينما يعودون إليهم. # اطلبي الرحمة لجميع الأمهات الجالسات حول أسرة أبنائهن المرضى, وقد خفقت ~~قلوبهن وحارت أبصارهن مخافة أن يذقن مرارة الثكل, والثكل كثير على قلوب ~~الأمهات. # اطلبي الرحمة للبخيل الذي يجيع بطنه ويشبع صندوقه, والأحمق الذي يبتسم ~~للمعان الحرير في صدره والذهب في أصابعه, والقاضي الذي يبرئ القاتل المتعمد ~~ويدين السارق المضطر, والملك الذي يشعل نار الحرب في أمته ليطفئ نار غضبه, ~~والظالم الذي لا يحاسب نفسه على ليلة سوء يقضيها خارج بيته ويحاسب زوجته ~~على ابتسامة كرم تبسمها لغيره وسائر البؤساء الذين لا يشعرون ببؤسهم ~~والأشقياء الذين يظنون أنهم سعداء. # اطلبي الرحمة لأولئك الذين عمروا الأرض وبنوا دورها وشادوا قصورها ~~وزخرفوا سهولها وجبالها وأغوارها وأنجادها, فجازتهم سوءا بما عملوا ~~وابتلعتهم في جوفها, فأصبحوا في تلك الحفرة المظلمة المخيفة التي تختلط ~~فيها الرءوس بالأقدام والقوادم بالخوافي والنعال بالتيجان, والتي ينطوي ~~فيها كل قديم تحت كل حديث انطواء اللجج المتراكبة في البحر العميق يتألمون ~~ولا ينطقون # PageV02P210 # ويستصرخون فلا يجدون من يسمع نداءهم, أو يلبي دعاءهم. # اطلبي الرحمة لهم, فإن الدعاء الخالص يستحيل في أنظارهم إلى روضة من رياض ~~الجنان تنبت فوق أجداثهم, فتمد إليهم ظلالها وتنثر بينهم أوراقها وأزهارها, ~~واركعي فوق التربة التي يئنون تحتها, واسقيها من دموعك قطرات باردة تبل ~~غلتهم وتطفئ جذوة الندم المتوقدة في أحشائهم؛ إنهم إلى الرحمة محتاجون، ~~وإلى الله راغبون. # اطلبي الرحمة للأبرار والفجار, والعصاة والطائعين, والمؤمنين والملحدين, ~~وكل دارجة في الأرض وكل سانحة في السماء, ولا تيأسي أن يستجيب الله دعاءك؛ ~~فلكل بداية نهاية ولكل سائلة قرار، فكما أن النهر يتسرب إلى البحر والطائر ~~يقع على الغصن والشمس تجري لمستقرها والنفس تصعد إلى عالمها كذلك أبواب ~~السماء، مفتحة لخالص الدعاء. # PageV02P211 ### | ليلة في التمثيل # من أراد أن يعرف الأخلاق العامة المصرية كما هي فليزر دار التمثيل ~~العربي؛ فإنه يرى هنالك ما ms289 تفرق من أخلاق هذه الأمة وغرائزها وميولها ~~وأهوائها مجتمعا في بقعة واحدة. # زرت تلك الدار ليلة أمس وكثيرا ما أزورها؛ لأني أحب التمثيل حبا يكاد ~~يساوي حبي للشعر والموسيقى والجمال، فبدا لي أن أكون في تلك الليلة فيلسوفا ~~أكثر مني متفرجا، أي أن أكون متفرجا على المتفرجين، ومطلعا على المطلعين، ~~فكانوا جميعا يشاهدون ملعبا واحدا وكنت أشاهد وحدي ألف ملعب, لا يقل كل ~~واحد منها عن ملعبهم غرابة وإبداعا. # كان الزحام في تلك الليلة شديدا؛ لأن الأدباء يعجبهم من رواية روميو ~~وجوليت ذلك الأسلوب الفصيح والترتيب البديع الذي انفرد به المرحوم الشيخ ~~نجيب الحداد من بين كتاب الروايات ومترجميها، ولأن العاشقين يهمهم منها أن ~~يروا فيها مواقف العناء والشقاء التي وقفها روميو وجوليت ليتخذوا منها ~~لأنفسهم # PageV02P212 # تعزية عما يلاقونه في أمثال هذه المواقف من عناء وشقاء، ولأن النساء ~~يطربهن منها منظر جوليت وهي قتيلة مخضبة بدمها ليجدن السبيل إلى الشماتة ~~بها, والسخرية بضعف حيلتها وعجزها الذي كان سببا في حرمانها من سعادتها ~~وحياتها، فكأنهن يقلن لها: لو كنا مكانك أيتها الفتاة الحمقاء لما بذلنا ~~حياتنا في سبيل رجل لا يفوتنا حظنا من غيره إن فاتنا حظنا منه. # وبالجملة: فقد كان أصحاب الأغراض المختلفة في هذه الرواية كثيرين جدا, ~~وكانوا إذا اشتركوا في هتاف أو تصفيق دوى لهم في أرجاء القاعة صوت يصدع ~~الرءوس ويؤثر في أعصاب السمع تأثيرا سيئا، فكنت إذا شرع المغني في نشيد ~~وترقب الناس النغمة الأخيرة بتشوق وتلهف ترقبتها بخوف وجزع؛ لأني لا أحب أن ~~تكون آخر نغمة أسمعها في حياتي. # رأيت فيما رأيت في ذلك المعرض العام أن عامة المصريين يحبون التصفيق حبا ~~جما, ويتهالكون وجدا عليه. # رأيت من كان يصفق حتى تحمر كفاه وتكادا تبضان دما, ومن كان يضرب الأرض ~~بقدميه حتى يكاد يجمد الدم في عروقهما. # رأيت ملكة التقليد آخذة من نفوسهم مأخذها؛ لأنهم # PageV02P213 # ما كانوا يصفقون في مواقف الاستحسان جميعا بل كان يبتدئ أحدهم فيقلده ~~الجالسون حوله, ثم يسري التصفيق تدريجيا بين الجميع، ms290 ولقد رأيت من استغرق ~~في الضحك حتى كاد يسقط عن كرسيه ثم سمعته يسأل بعد ذلك جليسه: مم تضحكون؟ # ولقد كنت أحسب أنهم لا يصفقون إلا في مواطن الاستحسان كما هو الشأن في ~~ذلك, فإذا هم يصفقون لكل مشهد من المشاهد المؤثرة مفرحا كان أو محزنا, هزلا ~~أو جدا, فصفقوا لمنظر جوليت وهي تتجرع السم, وصفقوا لمنظر روميو وهو يتحرق ~~وجدا حينما فاجأه الخبر بموتها. # أما النساء فملأن خدورهن ضحكا عندما سقط روميو قتيلا, ولا أعلم لذلك سببا ~~إلا أن تكون عداوة الجنسية وحب الانتقام. # أما آداب الاستماع فلا تسل عنها؛ لأنك لا ترى في جوابي ما يسرك، وأي منظر ~~يروقك من مجتمع ما اجتمع في مثل هذا المكان إلا للاستماع ثم لا ترى بينه ~~إلا مصفقا أو هاتفا أو راكضا أو ضاحكا أو صارخا أو مصفرا أو ماضغا أو ~~متكلما، وكان يكون ذلك هينا لو وقع بين الفصل والفصل أو المنظر والمنظر أو ~~الجملة والجملة, ولكنه يقع مطردا حيثما اتفق, وكيفما بدا. # PageV02P214 # وبعد, فقد استنتجت من منظر ذلك المعرض العام أن للجمهور المصري ثلاثة ~~أخلاق هي ألزم من ظله وألصق به من نفسه: يحب التقليد ويحب الهزل ولا يستطيع ~~أن يصبر عن إظهار ما تتأثر به نفسه من حزن, وسرور لحظة واحدة. # PageV02P215 ### | الكوخ والقصر # أنا إن كنت حاسدا أحدا على نعمة فإني أحسد صاحب الكوخ على كوخه قبل أن ~~أحسد صاحب القصر على قصره، ولولا أن للأوهام سلطانا على النفوس لما سجد ~~الفقراء بين أيدي الأغنياء، ولا ورم أنف الأغنياء أن يتخذهم الفقراء أربابا ~~من دون الله. # أنا لا أغبط الغني على غناه إلا في موطن واحد من مواطنه, فأغبطه إن رأيته ~~يشبع الجائع ويواسي الفقير ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه ~~الدهر أباه والأرملة التي فجعها القدر في عائلها ويمسح بيده دمعة البائس ~~والمحزون؛ ثم أرثي له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى. # أرثي له إن رأيته يتربص بالفقير وقوع الضائقة به ليدخل عليه مدخل الشيطان ms291 ~~من قلب الإنسان, فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه باب الأمل، ~~وأرثي له إن رأيته يعتقد أن المال هو منتهى الكمال الإنساني, فيرغب عن ~~الفضائل # PageV02P216 # والكمالات؛ لأنه يظن أنه قد كفي مئونة السعي إليها، وأرثي له وأبكي على ~~عقله إن مشى الخيلاء، وطاول بعنقه السماء، وسلم بإيماء الطرف وإشاره الكف، ~~ومشى في طريقه يخزر عينيه خزرا ليرى هل سجد الناس لمشيته، أو صعقوا من ~~هيبته، وأرحمه الرحمة كلها إن عاش شحيحا مقترا على نفسه وعياله, بغيضا إلى ~~قومه وأهله, ينقمون عليه حياته ويستبطئون أجله. # أما الفقير فهو عندي أسعد الناس عيشا, وأروحهم بالا إلا إذا كان جاهلا ~~ضعيفا مخدوعا يملك الوهم عليه مشاعره, فيظن أن الغني أسعد منه حظا وأرغد ~~عيشا وأثلج صدرا, فيحسده على تلك السعادة التي يزعمها له, فيجلس في كسر ~~بيته جلسة الكئيب المحزون يصعد الزفرة فالزفرة، ويرسل الدمعة أثر الدمعة، ~~ولولا جهله وضعف قلبه لعلم أن رب صاحب قصر باذخ يتمنى كوخ الفقير وعيشه, ~~ويرى أن ذلك السراج من الزيت أسطع ذبالا وأكثر لألاء من أنوار الشموع ~~وباقات الكهرباء التي تأتلق بين يديه, وأن تلك الحشية من الأديم أو الوبر ~~أنعم ملمسا وألين مضجعا من وسائد الحرير, ونضائد الديباج. # لقد بلغ التسفل وضعف النفس بكثير من الناس أنهم # PageV02P217 # يحفلون بشأن الأغنياء؛ لأنهم أغنياء وإن كانوا لا ينالون منهم ما يبل غلة ~~أو يسيغ غصة، وليت شعري إن كان لا بد لهم من إجلال المال, وإعظامه لذاته ~~فما لهم لا يقبلون أيدي الصيارفة ولا ينهضون إجلالا للكلاب المطوقة أعناقها ~~بأطواق الذهب, وهم يعلمون ألا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. # لو عامل الفقراء بخلاء الأغنياء بما يجب أن يعاملوا به, لوجدوا أنفسهم في ~~وحشة من أنفسهم وأموالهم، ولشعروا أن بدرات الذهب أساود ملتفة على أرجلهم ~~وأغلال آخذة بأعناقهم, ولعلموا أن الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب، ~~وفي جلائل الأعمال لا في أحمال المال. # فليعظم الناس الكرماء وليحتقروا الأغنياء، وليعلموا أن الشرف شيء وراء ~~الغنى ms292 والفقر، والسعادة أمر وراء الكوخ والقصر. # PageV02P218 ### | حول سير الموت # ... # حول سرير الموت: # مررت منذ سنوات على باب منزل في أحد أزقة القاهرة, فرأيت حوله مجتمعا ~~حافلا تصطك فيه الأقدام بالأقدام وتمتزج فيه الأنفاس بالأنفاس, وقد تخلله ~~قوم من رجال الشرطة وسمعت قائلا يقول: "قبح الله الانتحار" وآخر يقول: ~~"أحسبه شابا غريبا؛ لأني لم أر عينا تدمع عليه" فعرفت مجمل القصة, وأن في ~~هذا المنزل شابا غريبا منتحرا, وأن هذا الحادث سبب هذا الاجتماع. # لم أقنع بالإجمال فأحببت معرفة التفصيل, فحاولت الدخول إلى المنزل فما ~~استطعت فتريثت حتى جاء ضابط أعرفه من ضباط البوليس فدخلت معه. # وهناك رأيت على سرير الموت شابا في نحو العشرين من عمره, رقيق الجسم أصفر ~~اللون, لم تستطع يد الموت أن تمحو كل آثار جماله, بل بقيت منه بعد الموت ~~بقية كتلك البقية من الرائحة العطرة التي يستنشقها الإنسان في الزهرة ~~الذابلة. # اهتم الضابط بملابسه لعله يجد فيها ما يدل عليه أو على # PageV02P219 # سبب انتحاره, واهتم الطبيب بالميت ليعرف علة موته, وجلست بجانبه جلسة ~~الكئيب المحزون أفكر في مصيبته وأندب شبابه وجماله, فلمحت حول السرير ~~أوراقا منثورة فجمعتها, ووضعتها في محفظتي من حيث لا يشعر الضابط ولا ~~الطبيب. # قرر الطبيب أنه منتحر بشرب سائل سام, وقرر الضابط نقل جثته إلى المستشفى, ~~فنقلت وانفض الجمع المزدحم ثم لم أعد أعلم بعد ذلك من أمره شيئا. # خلوت بنفسي والأوراق فنثرتها فرأيتها مجموعة خواطر عاشق تناول كأس الحب ~~بيده, فارتشف منها الجرعة الأولى فوجدها حلوة المذاق, فاستمر في شأنه يشرب ~~ولا يرفع الكأس عن فمه فلم يشعر بالمرارة المتجددة في الجرعات الأخرى حتى ~~أتى على آخر جرعة, فإذا هي السم الناقع الذي قتله وذهب بحياته. # قرأت تلك المفكرات فبكيت بكاء رحمت نفسي منه, ثم طويتها وألقيت بها في ~~بطون الأعوام وبين ودائع الأيام. # وبينا أنا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في ملف صغير قد اصفر لونه ~~لتقادم العهد عليه كما يصفر الكفن حول الجثة البالية, فشعرت برعدة ms293 تتمشى في ~~أعضائي حينما تخليت أنها في هذا السفط شبح كاتبها في ذلك القبر. # PageV02P220 # ثم عدت إلى نفسي فنشرتها للمرة الثانية, وأعدت قراءتها فرأيت قلب العاشق ~~مرسوما فيها رسما صحيحا في حالي سعادته وشقائه، وها أنا أنشرها في الناس ~~لتكون عبرة يعتبر بها المخاطرون بقلوبهم في هذا السبيل, سبيل الحب القاتل. ### | 1- # رأيتها فأحببتها وما كنت أعرف الحب من قبلها. # كان قلبي في ظلام حالك لا يرى حتى نفسه, فلما أشرق فيه الحب أشرقت فيه ~~شمس ساطعة منيرة لها من الشمس نورها وجمالها, وليس لها منها حرارتها ~~ولذعاتها. # كنت أشعر كأن قلبي في صحراء هذه الحياة وحيد موحش لا يعرف القلوب أو ~~يعرفها ثم ينكرها، فلما أحببت رأيت بجانب قلبي قلبا لاصقا به يخفق لخفقانه, ~~ويتحرك بحركته فكنت أجد بين جوانحي من السرور والهناء, واللذة والاغتباط ما ~~لو قسم على القلوب جميعها ما خالطها حزن ولا مسها ألم. # كنت أسمع باسم السعادة, ولا أفهم معناها غير أني كنت أسمعهم إذا ذكروها ~~ذكروا بجانبها القصر والحديقة والفضة والذهب والسلطة والجاه والشهرة ~~والصيت، فلما أحببت اعتقدت ألا سعادة غير الحب, وأيقنت أن الناس جميعا ~~يطلبون سعادة # PageV02P221 # الأجسام لا سعادة الأرواح، فمثلهم كمثل الدفين المكفن بالحرير والديباج, ~~وباطنه مسرح الدود ومرتع الهوام والحشرات. ### | 2- # أحببتها قبل أن أعرفها, أو أعرف شأنا من شئونها سوى أنها تحبني فكأني ما ~~منحتها قلبي إلا لأنها منحتني قلبها وهو ثمن قليل في جانب هذه المنحة ~~الغالية التي ما كنت أحدث نفسي بها, ولا كانت تستطيع أن تمثلها في عيني ~~خواطر الأماني, ولا سوانح الأحلام. # عشت دهرا طويلا بين أقوام لا يعنيهم أمري ولا يهمهم شأني, وذقت من آلام ~~الحياة وشقاء العيش ما لا يستطيع أن يتحمله بشر, فسمعت من يسألني: كيف حالك ~~ومن يقول لي: ما أشد جزعي لمصابك ومن يتباكى رحمة بي وحنانا علي, ولكن لم ~~أر بجانبي عينا تدمع ولا قلبا يخفق. # رأيت من يحب جمالي كما يحب تمثالا متقن الصنع, ورأيت من يحب مالي كما ~~يحبه ms294 في كيسه أو خزانته, ورأيت من يعجب بحديثي كما يعجب برواية بديعة, ولكن ~~لم أر في حياتي من يحبني. # أما اليوم, فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي, والعين التي تدمع ~~علي, والنفس التي تحبني لا لشيء سواي، فقليل لها # PageV02P222 # مني أن أمنحها حياتي, فكيف أبخل عليها بقلبي؟! ### | 3- # خلوت بها للمرة الأولى, فحدثتني نفسي أن أمد يدي إلى يدها فأضعها على ~~صدري لأطفئ بها غلتي, فما لمستها حتى نظرت إلي نظرة العاتب اللائم، وقالت: ~~كن رجلا في حبك, واترك الطفولة لغيرك. # إن كنت تحبني لنفسي فها أنت قد ملكتها علي وأحرزتها دوني حتى لا أعرف لي ~~فيها مأربا, وإن كنت تحبني لهذه الصورة الجثمانية فما أضعف همتك, وما أصغر ~~نفسك. # أتذرف دمعك وتسهر ليلك وتذيب حبة قلبك من أجل عظمة تلمسها, أو جلدة ~~تلثمها. # أنت شريف في نفسك فكن شريفا في حبك، واعلم أني ما أحببت غير نفسك فلا تحب ~~غير نفسي. # ما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى رأيتني قد صغرت في عين نفسي, وتمنيت ~~أن لو عجل إلي أجلي قبل أن يمر هذا الخاطر الفاسد في ذهني, ثم استوهبتها ~~ذنبي فوهبته لي وما عدت من بعدها إلى مثلها. # PageV02P223 ### | 4- # الآن عرفت مبلغ عظتها وفضل هدايتها ومقدار ما يبلغه الحب الشريف من ~~النفس، فها أنا أشعر كأن نفسي المرآة التي يغشاها الصدأ, وكأن الحب صيقل ~~يصقلها فيجلو صفحتها شيئا فشيئا. # كنت أحمل بين جوانحي لأعدائي ضغنا وحقدا, فأصبحت لا أشعر بما كنت أشعر به ~~من قبل؛ لأن الحب ملك علي قلبي, واستخلصه لنفسه فلم يترك فيه مجالا لشيء ~~سواه. # كنت ضيق الصدر إن مسني ضر سريع الغضب, إن فاتني مأرب فأصبحت فسيح رقعة ~~الحلم لا يستفزني غضب ولا يحرجني محرج؛ لأني قنعت بسعادة الحب فأغفلت ~~بجانبها جميع أنواع السعادة. # كنت شديد القسوة متحجر القلب, لا أعطف على بائس ولا أحنو على ضعيف, ~~فأصبحت أشعر بالمصيبة أراها تصيب غيري وأتألم لبؤس البائسين وحزن ~~المحزونين؛ لأن الحب أشرق في قلبي فملأه ms295 نورا, فارتفع ذلك الستار الذي كان ~~مسبلا بينه وبين القلوب. # وبالجملة كنت وحشا ضاريا أعيا العالمين رياضته, فصرت بين يدي الحب الشريف ~~إنسانا شريفا, وملكا كريما. # PageV02P224 ### | 5- # خرجت بها الليلة إلى شاطئ النهر وكان الماء رائقا والسماء صافية, وفي كل ~~منهما نجوم وكواكب تتلألأ في صفحته, فاختلط علينا الأمر حتى ما نفرق بين ~~الأصل والمرآة, ولا ندري أين مكان الماء من مكان السماء. # فمشينا طويلا لا يكلم أحدنا صاحبه كأن سكون الليل سرى إلى أفئدتنا, وملأ ~~ما بين جوانحنا فأمسكنا عن الحديث هيبة وإجلالا. # وكنت أشعر في تلك الساعة بخفة في جسمي, وصفاء في نفسي حتى كان يخيل إلي ~~أني لو شئت أن أطير عن وجه الأرض لطرت بغير جناح, وأني أستطيع أن أخترق ~~بنظري حجاب السماء وأنفذ إلى الملأ الأعلى, فأرى هنالك ما هو محجوب عن نظر ~~الناس أجمعين، وحتى صرت أتمنى أن يضل النجم سبيله فلا يهتدي إلى أفقه, وأن ~~يتلفع الليل بردائه فلا يعثر به فجره, وأن تستمر مشيتنا هذه ما ضل النجم ~~وما دام الظلام. # فالتفت إليها وسألتها: هل تشعر بالسعادة التي أشعر بها؟ قالت: لا؛ لأني ~~أعرف من شئون الأيام وأطوارها غير # PageV02P225 # ما تعرف، ولأني لا أنظر إلى الدنيا بالعين التي تنظر بها إليها. # أنت سعيد بالأمل, وأنا شقية بالحقيقة الواقعة. # إنك سعيد لأنك تظن أن سعادتك دائمة لا انقطاع لها، وأنا شقية لأني أتوقع ~~في كل ساعة زوالها وفناءها. # إن استطعت أن تقف الشمس في كبد السماء, وأن تحول بين الأرض ودورانها, وأن ~~تمنع الساكن أن يتحرك والمتحرك أن يسكن فاضمن لنفسك استمرار السعادة ~~وبقاءها. # وهنا أمسكت عن الكلام وأطرقت برأسها طويلا, فرأيت مدامعها تنحدر من ~~مقلتيها كأن عقدا وهي سلكه, فانتثرت حباته فبكيت لبكائها وقلت: لم تبكين؟ ~~قالت: من خوف الفراق، قلت: فراق الحياة أو فراق الممات؟ قالت: لا أريد فراق ~~الحياة, فليس في هذه الكائنات من ناطقها وصامتها ما يمنعني من الوصول إليك ~~ما دام يجمعني وإياك عالم واحد، أنا لا أخاف إلا ms296 فراق الموت، قلت: هل لك أن ~~نتعاهد أن نعيش معا ونموت معا؟ فتعاهدنا ثم عدنا على أعقابنا والليل يشمر ~~أذياله للفرار من وجه النهار، ثم افترقنا على ميعاد وذهب كل منا لسبيله. # PageV02P226 ### | 6- # ألا يستطيع هذا الدهر الغادر أن ينام ساعة واحدة عن هذا الإنسان؟ # ألا يستطيع أن يسقيه كأسا لا يخالطها كدر, ولا يمازجها شقاء؟ # ألا يستطيع أن يمنعه السعادة ما دام يمنحها اليوم ليسلبها غدا؟ # إن الإنسان لا يعجز عن احتمال الشقاء الدائم, ولكنه يعجز عن احتمال ~~السعادة المسلوبة. # يقولون: إن الأمل حياة الإنسان وما يقتل الإنسان إلا الأمل, فليتني ما ~~سعدت لأنني ما شقيت إلا بسعادتي، وليتني ما أملت لأن اليأس القاتل ما جاء ~~إلا من طريق الأمل الباطل. # ماتت الفتاة التي كانت شمس حياتي وأشعة آمالي وينبوع سعادتي وهنائي. # ماتت الفتاة التي كانت ملء الدنيا جمالا وبهاء, فمات بموتها كل حي في هذا ~~الوجود. # أرى الأرض غير الأرض والسماء غير السماء, وأرى الطير صامتة لا تغرد ~~والغصون ساكنة لا تتحرك, وأرى النجوم آفلة والزهور ذابلة والطبيعة واجمة ~~حزينة لا يفتر ثغرها ولا يتلألأ جمالها, وأرى الدنيا كأنها عادت إلى عصرها ~~الأول لا يسكنها # PageV02P227 # إنسان، ولا يخطر بها حيوان، وكأنني فيها آدمها يندب جنته, ويشكو وحدته. # أيها الدهر الغادر, إن غلبتني عليها فلن تغلبني على نفسي، لك أن تخرج من ~~الدنيا من تشاء وليس لك أن ترد إليها من يخرج منها. # ويأيتها النفس الهائمة في سمائها لا تجزعي ولا تعجلي؛ فوالله لأفين بعهدك ~~ولأذهبن عما قليل وحشتك, وليكونن عهدنا في مستقبلنا كعهدنا في ماضينا، فما ~~تعارفنا في العالم الأول إلا بأرواحنا، فلنكن كذلك في العالم الثاني. # PageV02P228 ### | غدر المرأة # يقصون في القصص الخرافية أن حكيما من حكماء اليونان كان يحب زوجته حبا ~~ملك عليه عقله وقلبه, وأحاط به إحاطة الشعاع بالمصباح المتقد، وكان يمازج ~~هناءه الحاضر شقاء مستقبل يسوقه إلى نفسه الخوف من أن تدور الأيام دورتها ~~فيموت, ويفلت من أشراكه ذلك القلب الذي كان مغتبطا باعتلاقه إلى صائد ms297 آخر ~~يعتلقه من بعده، وكان كلما أبث زوجته سره وشكا إليها ما يساور قلبه من ذلك ~~الهم حنت عليه, وعللته بمعسول الأماني, وأقسمت له بكل محرجة من الأيمان ~~أنها لا تسترد هبة قلبها منه حيا وميتا, فكان يسكن إلى ذلك سكون الجرح ~~الذرب تحت ميزاب الماء البارد ثم يعود إلى هواجسه ووساوسه، حتى مر في بعض ~~روحاته إلى منزله في ليلة من الليالي المقمرة بمقبرة المدينة, فبدا له أن ~~يدخلها ليروح عن نفسه هموم الموت بوقفة بين قبور الموتى، وكثيرا ما يتداوى ~~شارب الخمر بالخمر ويدفع الخوف الخائف إلى مبعث خوفه, ويلذ للجبان وهو ~~يرتعد فرقا الإصغاء إلى حديث الأفاعي # PageV02P229 # وقصص الجان، فرأى في بعض مسالكه بين تلك القبور امرأة متسلبة جالسة أمام ~~قبر جديد لم يجف ترابه, وبيدها مروحة من الحرير الأبيض مطرزة بأسلاك الذهب ~~تحركها يمنة ويسرة لتجفف بها بلل ذلك التراب، فعجب لشأنها وتقدم إليها ~~فارتاعت لمرآه, ثم أنست به حينما عرفته فسألها: ما شأنها وما مقامها هنا؟ ~~ومن هذا الدفين وما الذي تفعل؟ فأبت أن تجيبه عما سأل حتى تفرغ من شأنها, ~~فجلس إليها وتناول منها المروحة وظل يساعدها في عملها حتى جف التراب, ~~فحدثته أن هذا الدفين زوجها وأنه دفن منذ ثلاثة أيام وأنها منذ الصباح ~~جالسة مجلسها هذا لتجفف تراب قبره وفاء بيمين كانت أقسمتها له في مرض موته ~~أن لا تتزوج من غيره حتى يجف تراب قبره, وأن هذه الليلة هي موعد بنائها ~~بزوجها الثاني, فأبى لها وفاؤها لهذا الدفين الذي كان يحبها ويحسن إليها أن ~~تحنث بيمين أقسمتها له أو تخيس بما عاهدته عليه، ثم قالت له: هل لك يا سيدي ~~أن تقبل هذه المروحة هدية مني إليك, وجزاء لك على حسن صنيعك معي؟ فتقبلها ~~منها شاكرا بعد أن هنأها بزواجها الجديد, ثم انصرف وليس وراء ما به من الهم ~~غاية، ومشى في طريقه مشية الرائح النشوان يحدث نفسه ويقول: إنه أحبها وأحسن # PageV02P230 # إليها, فلما مات جلست فوق قبره لا لتبكيه ولا ms298 لتذكر عهده, بل لتتحلل من ~~يمين الوفاء التي أقسمتها له؛ فكأنها وهي جالسة أمام زوجها الأول تعد عدد ~~الزواج من زوجها الثاني، وكأنما اتخذت من صفائح قبره مرآة تصقل أمامها ~~جبينها, وتصفف طرتها, وتلبس حليتها بين سمعه وبصره للزفاف إلى غيره. # وما زال يحدث نفسه بمثل ذلك حتى رأى نفسه في منزله من حيث لا يشعر, ورأى ~~زوجته ماثلة أمامه مرتاعة لمنظره المحزن فقال لها: إن امرأة خائنة غادرة ~~أهدت إلي هذه المروحة فقبلتها منها لأهديها إليك؛ لأنها أداة من أدوات ~~الغدر والخيانة وأنت أولى بها مني، ثم أنشأ يقص عليها قصة المرأة حتى أتى ~~عليها فغضبت وانتزعت المروحة من يده ومزقتها, وأنشأت تسب تلك المرأة وتنعي ~~عليها غدرها وخيانتها وتلقبها بأفحش الألقاب وأقبحها، ثم قالت: ألا يزال ~~هذا الوسواس عالقا بصدرك ما دمت حيا؟ وهل تحسب أن امرأة في العالم ترضى ~~لنفسها بما رضيت به لنفسها تلك المرأة الغادرة؟ فقال لها: إنك أقسمت لي ألا ~~تتزوجي من بعدي, فهل تفين بعهدك؟ قالت: نعم ورماني الله بكل ما يرمى به ~~الغادر إن أنا غدرت، فاطمأن لقسمها وعاد إلى راحته وسكونه. # مضى على ذلك عام, ثم مرض الرجل مرضا شديدا فعالج # PageV02P231 # نفسه فلم يجد العلاج حتى أشرف, فدعا زوجته وذكرها بما عاهدته عليه, ~~فادكرت فما غربت شمس ذلك اليوم حتى غربت شمسه، فأمرت أن يسجى في قاعته حتى ~~يحتفل بدفنه في اليوم الثاني ثم خلت بنفسها في غرفتها تبكي عليه وتندبه، ~~وإنها لكذلك إذ دخلت عليها الخادم وأخبرتها أن فتى من تلاميذ مولاها حضر ~~الساعة من بلدته لما سمع بأمر مرضه, وإنها حدثته حديث موته فصعق في مكانه ~~حزنا ووجدا ولا يزال عند باب المنزل مطرحا لا تدري ما تصنع في أمره، ~~فأمرتها أن تذهب به إلى غرفة الأضياف وأن تتولى شأنه حتى يستفيق، ثم عادت ~~إلى بكائها ونحيبها، فلما مر الهزيع الثاني من الليل دخلت عليها الخادم مرة ~~أخرى مرتاعة مولهة وهي تقول: رحمتك وإحسانك يا سيدتي, فإن ضيفنا يعالج ms299 من ~~آلامه وأوجاعه عذابا أليما, وقد حرت في أمره وما أحسبه إن أغفلنا أمره ساعة ~~واحدة إلا هالكا، فراعها الأمر فقامت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى غرفة ~~المريض, فرأته مسجى على سريره والمصباح عند رأسه, فاقتربت منه ونظرت في ~~وجهه, فرأت أبدع سطر خطته يد القدرة الإلهية في لوح المقادير, فتخيلت أن ~~المصباح الذي أمامها قبس من ذلك النور المتلألئ في ذلك الوجه المنير, ~~وتمثلت كأن أنينه نغمة موسيقية # PageV02P232 # محزنة ترن في جوف الليل البهيم، فأنساها الحزن على المريض المشرف الحزن ~~على الفقيد الهالك وعناها أمره فلم تترك وسيلة من وسائل العلاج إلا توسلت ~~بها إليه حتى استفاق, ونظر إلى طبيبته الراكعة بجانب سريره نظرة الشكر ~~والثناء، ثم أنشأ يقص عليها تاريخ حياته فعرفت من أمره كل ما كان يهمها أن ~~تعلمه، فعرفت مسقط رأسه وصلته بزوجها وأنه فتى غريب في قومه لا أب له ولا ~~أم ولا زوجة، وهنا أطرقت برأسها ساعة طويلة عالجت فيها من هواجس النفس ~~ونوازعها ما عالجت، ثم رفعت رأسها وأمسكت بيده وقالت له: إنك قد ثكلت ~~أستاذك وأنا ثكلت زوجي فأصبح همنا واحدا, فهل لك أن تكون عونا لي وأن أكون ~~عونا لك على هذا الدهر الذي لم يترك لنا مساعدا ولا معينا؟ فألم بما في ~~نفسها, فابتسم لها ابتسامة الحزن والمضض وقال لها: من لي يا سيدتي أن أكون ~~عند ظنك بي وهذا المرض الذي يساورني, ولا يكاد يهدأ عني قد نغص علي عيشي ~~وأفسد علي حياتي, وقد أنذرني الطبيب باقتراب ساعة أجلي إلا أن تدركني رحمة ~~الله، فاطلبي سعادتك عند غيري فأنت من بنات الوجود وأنا من أبناء الخلود، ~~فقالت له: إنك ستعيش وسأعالجك ولو كان دواؤك بين سحري ونحري، قال: لا تصدقي ~~يا سيدتي, فأنا عالم بدوائي وعالم # PageV02P233 # بأني لا أجد السبيل إليه، قالت: وما دواؤك؟ فامتنع عليها هنيهة لا ~~يجيبها, فلما أعياه إلحاحها قال: حدثني طبيبي أن شفائي في أكل دماغ ميت ~~ليومه، ولقد علمت أن ذلك يعجزني فأسجلت ms300 أن لا دواء لي ولا شفاء، فارتعدت ~~وشحب لونها وأطرقت طويلا ثم رفعت رأسها هادئة ساكنة وقالت: لا أزال أقول ~~لك: إني سأعالجك وإن كان دواؤك في ذهاب نفسي، ثم أمرته أن يأخذ قسطه من ~~الراحة وخرجت من الغرفة متسللة حتى وصلت إلى غرفة سلاح زوجها, فأخذت منها ~~فأسا ثم مشت تختلس خطواتها اختلاسا حتى وصلت إلى غرفة الميت, ففتحت الباب ~~فدار على عقبه وصر صريرا مزعجا, فجمدت في مكانها وقد امتلأ قلبها رعبا ~~وخوفا وذهبت بها الظنون كل مذهب، ثم عادت إلى سكونها فتقدمت لشأنها حتى دنت ~~من السرير ورفعت الفأس وما كادت تهوي بها حتى رأت الميت فاتحا عينيه ينظر ~~إليها, فسقطت الفأس من يدها وسمعت حركة وراءها, فالتفتت فرأت الضيف والخادم ~~واقفين يتضاحكان, ففهمت كل شيء. # وهنالك تقدم إليها زوجها وقال لها: أليست المروحة في يد تلك المرأة ~~الغادرة أجمل من الفأس في يدك؟ أليست التي تجفف تراب قبر زوجها بعد دفنه ~~أفضل من التي تكسر دماغه قبل نعيه؟ فصارت تنظر إليه نظرا غريبا, ثم شهقت ~~شهقة كانت فيها نفسها. # PageV02P234 ### | الضاد # إذا كان العرب الأولون يعبرون بالرأس عن مئين من الأعضاء والعظام ~~والأعصاب والشرايين, فلم لا نعبر نحن بالضاد عن ثمانية وعشرين حرفا1 ونحن ~~عرب مثلهم تجري في عروقنا دماؤهم كما تجري في عروقهم دماء آبائهم من قبل، ~~فسهمنا في الضاد سهمهم وحقنا فيها حقهم، فلم يضعون الألفاظ للتفاهم ~~والتخاطب ولا نضعها مثلهم لمثل ما وضعوا، وحاجاتنا أكثر من حاجاتهم ~~ومرافقنا أوفر عددا من مرافقهم وأوسع فصولا وأنواعا؟ # أين باديتهم الخلاء الجرداء المقفرة المصفرة إلا القليل من الخيام ~~المبعثرة بين معاطن الإبل ومراتع الشاء ومرابض الوحش ومغاور الجن من ~~مدائننا الفاخرة الزاخرة الحافلة بصنوف الموجودات، وأنواع الآلات والأدوات، ~~وغرائب المصنوعات والمنسوجات، وأكثرها مستحدث مستطرف لم تغبر في وجهه ~~PageV02P235 # عواصف البادية ولم تلوثه الإبل, والأبقار بأبوالها وأرواثها. # أليس من الظلم المبين والغبن الفاحش أن تضيق حاجاتهم عن لغتهم فيتفكهوا ~~بوضع خمسمائة اسم للأسد وأربعمائة للداهية وثلاثمائة للسيف ومائتين ms301 للحية ~~وخمسين للناقة، وتضيق لغتنا عن حاجاتنا فلا نعرف لأداة واحدة من الآلاف ~~المؤلفة من أدوات المعمل الواحد اسما عربيا إلا قليلا من أمثال المسبر ~~والمبرد والمنشار والمسمار. # أيكون لسفينة البر وهي لا تحمل إلا الرجل أو الرجل ورديفه مائتا اسم لها ~~ومئين من الأسماء لأعضائها وأوصالها ورحلها وكورها, ولا يكون لسفينة البحر ~~وهي المدينة المتنقلة في الدأماء قليل من ذلك الحظ الكثير. # كان لعرب الجاهلية الأولى مؤتمر لغوي يعقدونه في كل عام بالحجاز بين نخلة ~~والطائف يجتمع فيه شعراؤهم وخطباؤهم يتناشدون ويتساجلون ويتحاورون ويعرضون ~~أنفسهم على قضاة من نوابغهم يوازنون بينهم, ويحكمون لمبرزهم على مقصرهم ~~حكما لا يرد ولا يعارض، ولقد شعروا بضرورة عقد هذا المؤتمر عندما أحسوا ~~بتفرق لغتهم بين اليمن والشام ونجد وتهامة لصعوبة التواصل في تلك البقاع ~~وبعد ما بين قاصيها ودانيها، فكان مطمح أنظارهم في ذلك المجتمع توحيد ~~لغاتهم وجمع شتاتها # PageV02P236 # والرجوع بها جميعها إلى لغة قريش التي هي أفصح اللغات وأقربها مأخذا ~~وأسهلها مساغا وأحسنها بيانا. # أيقدر هؤلاء العجزة الضعفاء في جاهليتهم الأولى على ما نعجز عنه نحن؟ ~~ونحن إلى مؤتمرهم أحوج منهم إليه؛ لأن تفرق اللغات في عصرهم لا يمكن أن ~~يبلغ مبلغ تفرقها في عصرنا بين لغات العامة المتباينة ولغة العلماء ولغة ~~الدواوين ولغة القصاصين ولغة الصحافيين. # إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللغات المتفرقة فنحن في حاجة ~~إلى مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة جميعها وشرح أوجه ~~استعمالها الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على ~~العمل به، ومجتمع دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة سواء كانت أعيانا أو ~~معاني بطريق التعريب أو النحت أو الاشتقاق الكبير أو الصغير، وآخر للإشراف ~~على الأساليب العربية المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتذل الساقط ~~والمستغلق النافر والوقوف بها عند الحد الملائم للعصر الحاضر ولأذهان ~~المعاصرين، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء, ومجازاة المبرز ~~منهم والمقصر إن خير فخير، وإن شرا فشر. # PageV02P237 ### | سياحة في كتاب # أعجب ما أعرف من أمر نفسي أني ms302 أحب الجمال خيالا أكثر مما أحبه حقيقة, ~~فيعجبني وصف الروض أكثر مما يعجبني مرآه ولا أطرب لمنظر الفتيات الجميلات ~~طربي لمنظر القصائد الغزليات، وأحب أن أسمع وصف المدن الجميلة وأن أقرأ ما ~~يكتبه الكاتبون عن رياضها ومنازلها وقصورها ودورها وسهولها وبطاحها ~~وأنهارها وجداولها وميادينها وتماثيلها وأنديتها ومجامعها ولا يهمني أن ~~أراها، كأنني أريد أن أستديم لنفسي تلك اللذة الخيالية وأخاف أن تحول ~~الحقيقة بيني وبينها، وأحسب أني لو كنت عاشقا لأصبحت أضحوكة العاشقين ~~وأعجوبة الهازئين والساخرين، وكان يكون مثلي مثل ذلك الرجل الذي أحب امرأة ~~فاستزارها فمانعته حينا ثم زارته, فلما رآها تركها وذهب لينام, فعجبت لشأنه ~~وسألته: ما باله؟ فقال لها: أريد أن أنام علني أرى طيفك في المنام. # PageV02P238 # جاء يوم شم النسيم فخرج الناس إليه يستقبلونه استقبال الجيش المدجج، ~~للملك المتوج، ويرحبون به ترحيب العشاق، بيوم التلاق، بعد طول الفراق، ~~ويبسمون له ابتسام الرياض الزاهرة، للسحب الماطرة، وقد ذهبوا في شأنه ~~المذاهب كلها؛ فمن صاعد إلى رءوس الجبال، وسارب في سهول الرمال، وواقف موقف ~~الإعجاب والإجلال، بين جمال الأنوار وأنوار الجمال، ومقلب طرفه بين حسن ~~الزهرات، وحسن الفتيات، ولا يعلم أتشبه القامات الغصون أم الغصون القامات. # ذهب الناس في ذلك اليوم تلك المذاهب وما كان لي أن أذهب مذهبهم؛ لأني لا ~~أعجب بما يعجبون، ولا أسر بما يسرون، فقبعت في كسر بيتي أبحث عن ضالة خيال ~~أجد فيها من السعادة والهناء ما يجده الهائمون بين ثغر الحسناء وثغر ~~الصهباء، فلمحت بجانبي كتاب بلاغة الغرب وهو الكتاب الذي ترجمه بعض فضلاء ~~الكتاب, وجمع فيه نفائس اللغة الفرنسية وزبدة ما جادت به قرائح كتابها ~~وشعرائها فقلت: حسبي من الرياض هذه الزهرات، ومن النسائم تلك النفحات. # خطوت الخطوات الأولى من سياحتي في هذا الكتاب فرأيتني واقفا تحت نافذة ~~قصر اللوفر في باريس, ورأيت الناس # PageV02P239 # وقوفا في ذلك الميدان الفسيح وقد ماج بعضهم في بعض، حتى ضاقت بهم رقعة ~~الأرض، ورأيتهم يمدون أعناقهم إلى تلك النافذة وينظرون إليها نظر المنجم في ~~الأسطرلاب، ms303 ويرقبون منها ما يرقب الروض من غادية السحاب، وإنهم لكذلك وإذا ~~نابليون الأول قد أطل من نافذة قصره كما يطل البدر من وراء الأفق يحمل بين ~~يديه طفله الصغير كما يسميه الناس وملك روما كما يسميه أبوه, فضج الناس ~~لمطلعه ضجيجا ملأ مسمع الخافقين، وابتسموا لمرآه ابتساما أضاء ما بين ~~المشرقين والمغربين، وهنا سمعت الشاعر الكبير1 يخاطب ذلك الملك العظيم بصوت ~~يشبه صوت البحر الزاخر قائلا له: # رويدا أيها الرجل المغرور بالتاج والسرير، والملك الكبير، والجيش الخاضع، ~~والشعب الطائع، أنت تقدر لطفلك في مستقبل الأيام ملكا كملكك، ومجدا كمجدك، ~~وعزا وسلطانا كعزك وسلطانك، غير عالم بما تكتمه ضمائر الأيام، من الحوادث ~~العظام، والخطوب الجسام، هل أخذت على الأيام عهدا لنفسك فتأخذه لولدك؟ وهل ~~وثقت بما في يدك فتثق بما في يد غيرك؟ # أيها الملك المغرور، إنك ستفارق عما قليل هذا القصر الكبير، PageV02P240 # إلى ذلك الكوخ الحقير، وسيحيط بك الجند في منفاك إحاطة الإخضاع والإذلال ~~لا إحاطة الإعظام والإجلال، وسيموت ولدك محروما هذا العرش الذي هيأته له بل ~~محروما بضعة أشبار من تربة فرنسا يضطجع فيها ضجعة الموت. # أيها الملك المغرور، لا تقل: إن المستقبل لي فإنما المستقبل لله، تركت ~~هذا الموقف الفخم الجليل وقد امتلأت نفسي عبرة بمصائر الأيام، ومصارع ~~الكرام، وتقلبات الدهور ما بين رفع وخفض، وإبرام ونقض، ومشيت حتى وصلت إلى ~~برية جرداء، ودوية قفراء، لا يطرقها إنسان، ولا يدب بها حيوان، فلمحت على ~~البعد رجلا يمشي عى شاطئ بحر فوق أرض رملية يخدع ظاهرها، ويقتل باطنها، ~~ويدب الماء في أحشائها دبيب الصهباء في الأعضاء، ويكمن في صدرها كمون ~~الأسرار في صدور الأقدار. # فما هي إلا بضع خطوات حتى رأيت الرجل المسكين, وقد غاصت قدماه في الرمل ~~فحاول نزعهما فغاص إلى ركبتيه, فتحلحل فغاص إلى صدره، وما زال يساعد على ~~نفسه بمنازعته ومحاولته حتى لم يبق له فوق الأرض غير فم يصرخ بالنداء، وعين # PageV02P241 # تذرف بالبكاء، ثم ما لبثا أن غطاهما الرمل فرفع يديه بالدعاء، فلم يجد من ms304 ~~رحمة في الأرض ولا في السماء. # وقفت بين يدي هذا المشهد المؤثر المحزن وقفة أرسلت فيها قطرات من الدموع ~~على هذا البائس المسكين, وقلت في نفسي: إنني قد عجزت عن إسعاده في نكبته، ~~ومعونته في شدته, فلا أقل من أن أسعده بقليل من الزفرات, ووشل من العبرات. # ثم فارقته ومشيت حتى بلغت منزل الشاعر لامارتين, فرأيته جالسا في غرفته ~~وليس معه في منزله من يؤنسه غير كلبه, فسمعته يخاطبه ويقول له: # أيها الكلب الأمين، قد هجرني الناس وبقيت بجانبي، وخانني الأصدقاء ووفيت ~~لي، فأنت في نظري أوفى الأوفياء، وأصدق الأصدقاء، ولولا أنك كريم الأخلاق ~~متواضع تأبى إلا أن تعرف لسيدك منزلته من السيادة عليك وتحفظ له فضل ما ~~أسدى من النعمة إليك لأكبرت جلستك هذه عند عتبة الباب ولأجلستك بجانبي؛ ~~لأنك صديقي ومؤنسي، ولأنك أحق بالإكرام من كثير من أولئك الذين يفترشون ~~الطنافس ويتوسدون الوسائد، حسبي منك نظراتك التي تنظر بها إلي بود وإخلاص ~~وكأنني أشعر حينما أراك تحدق بي أنك تفتش عن سريرتي في أسرتي، وتقرأ في ~~صفحة # PageV02P242 # وجهي ما غاب عنك من دخيلة أمري، وكأنني أسمعك تقول: ما باله وما شأنه؟ ~~وما الذي يحزنه وما الذي يبكيه؟ حسبي منك ذلك، وهل يجد الإنسان من أوفى ~~أصدقائه أكثر مما أجده في لفتاتك وألمحه في نظراتك من الاهتمام بأمري ~~والعناية بشأني والحزن لحزني والبكاء لبكائي؟ # سمعت لامارتين يناجي كلبه بهذا النجاء الرقيق, فانسللت وذهبت لشأني وأنا ~~أقول في نفسي: إذا كان لامارتين وهو أشعر شاعر في فرنسا وفرنسا مهبط وحي ~~الشعر, لم يجد له صديقا وفيا غير كلبه المقعى على عتبة غرفته, فأين يذهب ~~سائر الشعراء, ومتى يجدون الأصدقاء؟ # تركت منزل لامارتين وذهبت إلى منزل دي موسيه, فرأيته معتزلا في غرفة من ~~غرف منزله يبكي بكاء مرا ويزفر زفيرا تكاد تتقطع له أحشاؤه فقلت: ليت شعري ~~ما أبكاه، وما الذي دهاه، فسمعته يترنم بقصيدة من قصائده يشرح فيها تاريخ ~~وجده, وهواه شرحا مؤثرا مؤلما حتى خيل إلي أن كل بيت ms305 من أبياتها جذوة نار ~~ملتهبة وسمعته يشكو فيها من خيانة حبيبته "جورج صاند" ويعالج نفسه على أن ~~يسلوها ويتناسى عهدها وذمامها فلا يجد إلى ذلك سبيلا، وما هو إلا أن أتم ~~قصيدته حتى تغير لونه وشخص # PageV02P243 # بصره واضطرب اضطراب الأغصان اليابسة، بين أيدي الرياح العاصفة، ثم أخذ ~~يهذي هذيان المحموم ويخلط في كلامه خلطا شديدا, فعلمت أن الرجل قد جن وأن ~~العالم الشعري قد فجع فيه، فمضيت لسبيلي وأنا أسأل الله العافية وأقول: إن ~~جمال المرأة أحقر من أن يقتل أوفر عقل وأعجز من أن يطفئ أكبر قريحة, ولكنها ~~الأقدار تجري بحكمها علينا, وأمر الغيب سر محجب. # تركت منزل دي موسيه ومشيت في شارع من شوارع باريس, فرأيت شيخا رث الثياب ~~زري الهيئة يمشي مشية هادئة مطمئنة ويجر في رجليه نعلا بالية قد أطلت ~~أصابعه من خروقها كما تطل الحيات من أحجارها, فأتبعته نظري فرأيته لا يرفع ~~طرفه سكونا وإطراقا ولا يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا, فقلت في نفسي: ~~إن لهذا الرجل شأنا فمشيت وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف فلم ~~يجد صاحب الحانوت في مكانه فجلس على الأرض ينتظره حتى يعود فيخصف له نعله, ~~فسألت بعض المارة عنه فقال: هذا "كورني" شاعر فرنسا, فأخذتني الدهشة وملكني ~~العجب حتى كاد يحول بيني وبين عقلي, فقلت في نفسي: ويح لكم معشر الناس، ~~أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر على رجل يقلد أعناقكم الدر والجوهر؟! أعجزتم ~~عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه # PageV02P244 # الغصون عن تلك الجبهة التي تجود عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم، وينعش ~~نفوسكم، ثم رجعت أدراجي وأنا أقول: كأن قضاء حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء ~~الأدباء من دهرهم ما يريدون، ولا يمنحهم من العيش ما يشتهون. # إن في جلسة لامارتين منفردا في منزله لا مؤنس له غير كلبه, وفي عزلة دي ~~موسيه في غرفته وخلوته ببكائه ونحيبه, وفي ضجعة كورني أمام حانوت الإسكاف ~~لآية للمتفكرين، وعبرة للمعتبرين. # الآن عدت من سياحتي في ذلك ms306 الكتاب أشكر للكاتب ما كتب, وللمترجم ما ترجم ~~وأقول: من لي في كل يوم بسياحة مثل هذه السياحة في كتاب مثل هذا الكتاب؟ # PageV02P245 ### | دمعة على الأدب # مات بالأمس إمام الشعر البارودي, وإمام النثر محمد عبده فجزعنا ما جزعنا، ~~وسكبنا عليهما من الدموع ما سكبنا، ثم كفكفنا من تلك الدموع، وخفضنا من ~~زفرات الضلوع، حينما سمعنا قول القائل: إن في الباقي عزاء عن الفاني، وإن ~~في الأبناء خلفا من الآباء، ولقد كر على عهدهما الشهر بعد الشهر، والدهر ~~أثر الدهر، والأدب جاث في مكمنه جاثم، لم يبعث من مرقده بعدما قبرناه، ولم ~~ينشر من قبره بعدما واريناه، فتساءلنا: أين الباقي الذين يزعمون، والخلف ~~الذين يذكرون؟ # أين فطاحل اللغة الأدبية لا السياسية، وأرباب الأقلام العربية لا ~~الأعجمية؟! # عذرنا المويلحي الكبير واليازجي؛ لأنهما ماتا ولحقا بصاحبيهما, فهل مات ~~شوقي وحافظ والبكري والمويلحي الصغير؟! # ما مات منهم أحد، وإنما كانت حياة الرجلين حياة الصناعتين, وكان لوجودهما ~~سر من الأسرار ينبعث في الألسنة فيطلقها، # PageV02P246 # والأقلام فيجريها، وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح ~~الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها ~~وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ ~~بلا معنى. # أما شوقي فقد طار في جو غير هذا الجو، وهام في واد غير ذلك الوادي، وما ~~زالت تعبث به الأنواء، حتى أغرقته فى شبر من الماء، وأما حافظ فقد انقضت ~~حياته النثرية قبل انقضاء البؤساء1.أما حياته الشعرية فلم يبق منها غير نظم ~~المقالات السياسية من العام إلى العام، وأين هذه القيثارة البسيطة ذات ~~اللحن الواحد من ذلك العود الأجوف الرنان الذي كنا نسمع منه مختلف الألحان، ~~وأفانين الأشجان، وأما البكري والمويلحي فقد قضيا حق التأليف هذا بصهاريجه2 ~~وذاك بفتراته3 ثم لحقا بالسابقين، ومضيا على أثر الماضين: # أين سكانك لا أين لهم ... أحجازا أوطنوها أم شآما # أين الروضة الغناء التي كنا نتفيأ ظلالها، ونصهر أغصانها، ونقطف ما شئنا ~~من ورودها ورياحينها؟ وأين البلابل التي كانت PageV02P247 # تتنقل بين أشجارها ms307 فتطرب بالأغاريد، وتستهوي بالأناشيد: # فاسألنها واجعل بكاك جوابا ... تجد الدمع سائلا ومجيبا # أنا لا أعجب لشيء عجبي لهولاء الأدباء؛ يحزنون فلا يبكون، ويطربون فلا ~~يضحكون، ويتألمون بلا أنين، ويعشقون بغير حنين. # أيطرب البلبل فيغرد, ويشجى الحمام فينوح, ويطرب الشاعر ويشجى الكاتب فلا ~~ينطق لسانهما, ولا يهتز قلمهما؟ # لما أسن عمر بن أبي ربيعة ورأى أن الغزل والتصابي غير لائق بشيبه ووقاره ~~عزم على هجره فما استطاع إلى ذلك سبيلا, وغلب على أمره كما يغلب المرء على ~~غرائزه وسجاياه، فاحتال لذلك بأن حلف ألا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق ~~رقبة, فشكا إليه رجل حبا برح به, فحن واهتاج ونظم أبياتا في شأن الرجل ~~ووجده, ثم أعتق عن كل بيت رقبة. # فهل نذر أدباؤنا ما نذر عمر بن أبي ربيعة وهم في شرخ الشباب وإبان ~~الفتوة؟ إن كانوا فعلوا ذلك فأسأل الله لهم قصة كقصة عمر تهيج أشجانهم ~~فتحنث أيمانهم، والأمة كفيلة لهم بوفاء النذور وكفارات الأيمان: # وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا # PageV02P248 ### | الصحافة # يا صاحب النظرات: # أنا عامل من العمال في دائرة من دوائر الحكومة أتناول منها في كل شهر ~~عشرة ذهبا، وقد أشار علي بعض الذين يعتقدون أنني صاحب قلم أن أستقيل من ذلك ~~العمل وأشتغل بالصحافة، وحجتهم في ذلك أن الصحافي يخدم أمته أكثر مما ~~يخدمها غيره، وأنه يربح من المال أكثر مما يربح سواه، وقد أوشكت أن أصغي ~~لقولهم وأعمل برأيهم, فماذا ترى؟ # أشر علي برأيك؛ فقد أصبحت أعتقد أنك أعقل الكتاب وأكثرهم إخلاصا, ~~والسلام، # موظف. # أيها الرجل لا تفعل؛ فإنك إن فعلت خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك مستقبلك، ~~فاحذر أن يخدعك عنك خادع واربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين. # إنك لن تستطيع أن تكون صحافيا رابحا إلا إذا كنت # PageV02P249 # صحافيا كاذبا، فإن كانت منزلة الأخلاق عندك دون منزلة المال فامض لشأنك. # أنت في مستقبل أمرك بين اثنتين؛ إما أن تكون صاحب الصحيفة أو أحد ~~المحررين فيها. # فإن كنت الأول فأنت بين خاصة ms308 لا يرضيهم إلا أن تصعد عندهم، وعامة لا ~~يعجبهم إلا أن تهبط إليهم، فإن صعدت إلى الأولين هلكت؛ لأن الخاصة هم ~~الأقلون عددا والأقلون مالا، وإن نزلت إلى الآخرين خسرت؛ لأن العامة يبغضون ~~الحقيقة ويبغضون لأجلها المحقين، وإن وقفت في منزلة بينهما سخط الفريقان ~~عليك وارتابا بك، وأقسما جهد أيمانهما أنك من المرائين المتقلبين، وإن كنت ~~الثاني فسيبتليك الله برئيس يحرج صدرك بمقترحاته، ويجرح قلبك بمؤاخذاته، ~~ويطلب عندك من الرأي والفهم والأسلوب والنسق ما عند نفسه، وهيهات أن يجد ~~عندك ما يريد منك إلا إذا صح مذهب التقمص واستطاعت نفس كل منكما أن تتسرب ~~في أطواء صاحبتها, وتتلاشى فيها. # ذلك إلى ما يرزؤك به كل يوم من الوقوف بينك وبين عقلك، فيستكتبك ما يريد، ~~ويحول بينك وبين ما تريد، فكأنما يعمد إلى عقلك وهو أثمن من الجوهر فيبتاعه ~~منك بلقيمات # PageV02P250 # لا تكاد تقيم بها صلبك، وكأنما إدارة الجريدة التي تعمل فيها آلة ~~ميكانيكية أنت فيه عمود يدور اضطرارا، لا إنسان يتحرك اختيارا. # إن هؤلاء الكاتبين الذين تراهم جلوسا على مقاعدهم في إدارات الجرائد ~~المصرية أسوأ الناس حظا وأعظمهم شقاء، يكتب أحدهم في الصباح ما يستحيي له ~~في المساء, ويقول في المساء ما يكتب غيره في الصباح، ويظل طول حياته كرة ~~تتلقفها الأحزاب في أنديتها، والجرائد في إداراتها، ولقد يكتب أحدهم ~~الرسالة يذيب فيها دماغه ويريق فيها عصارة مخه حتى إذا استوت له, وظن أن قد ~~بلغ من الإحسان غايته رفعها إلى رئيسه فما هو إلا أن يقرأها ويرى فيها مدح ~~من لا يحب, أو نقد ما لا يكره حتى يرمي بها وجهه ويردها عليه رد المبتاع ~~على البائع سلعته فيعود بها باكيا مستعبرا، ولا يعلم إلا الله ما يلم بقلبه ~~في تلك الساعة من الحزن على حياة كلها نفاق ورياء، وذل وضرع، يتلمس فيها ~~عقله فلا يجده؛ لأن الصحافة قد ملكته عليه وسلبته إياه، ويسائل عن فهمه ~~وإدراكه فلا يهتدي إليهما ولا يعرف لهما وجودا خاصا بهما؛ لأنه أصبح لا ms309 ~~ينطق إلا بلسان غيره، ولا يكتب إلا بقلم سواه. # لولا أن الله سبحانه وتعالى صنع لهؤلاء المحررين فرحمهم بتلك البساطة ~~التي أودعها عقول السواد الأعظم من هذه الأمة # PageV02P251 # لما وجدوا في الناس من يسمع لهم قولا, أو يعتمد لهم رأيا. # من ذا الذي يحفل بفكرة يعلم أنها لم تخالط قلب الكاتب ولم تمتزج بأجزاء ~~نفسه ولم تلتئم مع ما يعرف له من أخلاقه وطباعه وميوله وأهوائه، وما هي إلا ~~طريدة من طرائد الحاجات، وصنيعة من صنائع الحوادث، تعرض ثم تزول كما تعرض ~~وتزول نقائضها وأضدادها، كالأمواج يأخذ بعضها برقاب بعض وتحل أخراها محل ~~أولاها. # من ذا الذي يحفل بفكرة كاتب يحرر في المؤيد اليوم فينتقد اللواء وكاتبه، ~~ويحرر في اللواء غدا فيذم المؤيد وصاحبه، حتى إذا صار إلى "الجريدة" ذم ~~الجريدتين، واستهجن الخطتين. # أنا لا ألوم المحررين على تقلبهم في المذاهب واضطرابهم في الآراء، ولا ~~ألوم أصحاب الصحف على وقوفهم في حياتهم هذه المواقف التي ساقهم إليها العيش ~~ونزولهم تلك المنازل التي ألقتهم فيها يد الحاجات، وإنما ألوم الأمة على ~~استهانتها بأدبائها، واحتقارها لكتابها، وأنها لا تقيم من الوزن لحملة ~~المحابر والأقلام ما تقيمه لحملة المزامير والعيدان، حتى إنك لترى الرجل ~~الذي لا بأس بعقله ولبه وفهمه وإدراكه يسهل عليه أن يمنح مائة دينار لمغن ~~واحد غنى له صوتا واحدا في ليلة واحدة, ولا يسهل عليه أن يمنح مائة # PageV02P252 # قرش لجمعية من جمعيات التأليف والنشر في كل عام، وتراه ينفق في العام على ~~مسح نعاله عشرة دنانير ولا ينفق واحدا منها على مجموعة ثمينة مؤلفة من كتاب ~~"التربية الاستقلالية" و"روح الاجتماع" و"البؤساء" و"سر تقدم الإنجليز" ~~و"تحرير المرأة" و"عيسى بن هشام". # إني أتمنى على الله الغنى لا لأني في حاجة إلى المال فقد رزقني الله منه ~~ما لا يعنيني أن أطلب لنفسي من بعده مزيدا، بل لأجمع خمسة من كتاب هذه ~~الأمة وخمسة من شعرائها وعشرة من علمائها في منزل واحد وأسبغ عليهم وعلى ~~عيالهم من نعمة العيش ونعمة المال ما ms310 تثلج به صدورهم وتطمئن به نفوسهم، ثم ~~أقول لهم: دونكم هذه الأمة, فاكتبوا لها من الرسائل وانظموا لها من القريض ~~وألفوا لها من الكتب ما تعلمون أنه يأخذ بضبعيها ويطير بها من قرارة الجهل ~~إلى سماء العلم، وكونوا فيما تأخذون به أنفسكم أحرارا غير مقيدين، وطلقاء ~~غير مأسورين، لا يزعجكم عن مكانكم مزعج، ولا يكدر صفاءكم مكدر، ولا يعجلكم ~~عن أمركم معجل، ولا يصدنكم عن سبيلكم خوف من كساد بضاعتكم، أو حذر من هياج ~~الجاهلين عليكم، ثم أعمد إلى نفثات أقلامهم فأنثرها على رءوس الناس نثرا من ~~حيث لا أبتغي لها ثمنا وأطلب عليها أجرا غير ذلك الأجر الذي يدخره الله في ~~دار جزائه لعباده الصالحين. # PageV02P253 # فليت شعري هل يمنحني الله طلبتي، أو يلهم قوما من الأغنياء فكرتي، فيتم ~~للأمة على يد تلك الجمعية العلمية الأدبية الحرة في عملها, المستقلة برأيها ~~في عشرة أعوام ما لا يتم لها على يد هؤلاء الصحافيين المقيدين, والمؤلفين ~~المغلولين في عشرة أعوام: # أمنية شغفت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # أيها السائل، لا تحسد حملة الأقلام على صناعتهم، ولا يغرنك ما ترى لهم في ~~نظر الأمة أحيانا من مظاهر الإجلال والإعظام، وما يطرق آذانهم كل حين من ~~أصوات التحبيذ والاستحسان، فإنما هي صورة ظاهرة لا تسمن ولا تغني من جوع، ~~ولا تقل: إنهم يخدمون الأمة, فلن يخدم الأمة مثل الغني عنها الذي لا يبالي ~~بها رضيت أم سخطت، قامت أم قعدت، ولا تقل: إنهم يربحون، فإنما هم يستنبطون ~~أرزاقهم من شق القلم، وشق القلم لا يجود بالرزق إلا إذا جادت الصخرة بالماء ~~الزلال. # PageV02P254 ### | التماثيل # جاءني الكتاب الآتي من حضرة الكاتب الفاضل محرر جريدة ثمرات الفنون ~~ببيروت, وقد ناشدني الله أن أنشره بنصه فلم أر بدا من تلبية طلبه, وها هو: # سيدي المنشئ الفاضل: # أحييك بتحية الإسلام، وأبثك الشكر والثناء على ما تزين به صدر المؤيد ~~الأغر من أبكار الأفكار ونفائس الآثار، مما يتلقاه أبناء هذا الثغر ~~بالارتياح والابتهاج حتى إننا حلينا جيد الثمرات، ms311 بعدة من هاتيك الدراري ~~اللامعات، فجزاك الله عنا جزاء الخادم لأمته، المحب لوطنه، الغيور على ~~دينه، وزادك همة ونشاطا في هذا السبيل سبيل الإصلاح والهداية. # ما كتبت إليك هذه الكلمات بقصد الإدلال على فضلك, والاعتراف بخدمتك فإن ~~نفثات قلمك تدل على أنك من ذوي الأخلاق الفاضلة والنفوس الكبيرة الذين لا ~~تغرهم أمثال هذه الزخارف الباطلة, فضلا عن أنك غني بنفسك عن كل مدح وثناء # PageV02P255 # وإنما كتبت إليك لألفت نظرك الكريم إلى أمر كان له عندنا أثر سيئ في نفوس ~~المسلمين قاطبة, وهو عزم المصريين على نصب تمثال لفقيد مصر مصطفى كامل باشا ~~رحمه الله، كأن إخواننا المصريين أصبحوا أغنياء عن كل مشروع علمي أو أدبي ~~أو اجتماعي فلم يبق بين أيديهم ما ينفقون فيه أموالهم إلا أمثال هذه ~~المشاريع التافهة، أو كأنهم لا يعلمون أنها محرمة في دينهم دين الإسلام، أو ~~كأنه صار من المحتم اللازم علينا أن نقلد الأوروبيين في كل ما يعملون, شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع، حتى "لو دخلوا -كما قال عليه الصلاة والسلام- جحر ضب ~~لدخلناه" أو شربوا نخبا لشربناه، أو صنعوا صنما لصنعناه، كل ذلك يدل أصرح ~~دلالة على أن الجمود ما برح مستحكما فينا؛ لأن التقليد الأعمى شأن العاجز ~~الضعيف الذي لا يدري بماذا فاقه القوي القادر, فهو يقلده في جميع حركاته ~~وسكناته ظنا منه أنها سر قوته وقدرته. # لو أقام المصريون لكل عامل بينهم تمثالا لعادت مصر إلى عهدها الأول في ~~زمن الفراعنة حيث في كل بقعة هيكل وتمثال، وظني أن لو كان المرحوم مصطفى ~~كامل باشا حيا لما رضي عن مشروع كهذا يمس الأمة المصرية في وطنيتها ودينها. # فناشدتك الله يا سيدي أن تنشر كلماتي هذه بنصها على # PageV02P256 # صفحات المؤيد الأغر, فإن اليراع عندنا مغلول، إلى درجة ألف معها الخمول، ~~فلا حول ولا قوة إلا بالله, محرر ثمرات الفنون # أحمد حسن طبارة # هذا نص كتابه, وقد كتبت إليه الرد الآتي: # حضرة الكاتب الفاضل: # قرأت كتابك فهبت علي من بين سطوره نسمة شرقية تمر بي ms312 الساعات والأيام ~~والأشهر والأعوام في مصر أترقب هبوبها, فلا أجد إليها سبيلا. # كتبت إلي كلمة كان في استطاعتك أن تكتبها في جريدتك, ولكن حال بينك وبين ~~ذلك ظن قام في نفسك أن اللسان في مصر أطلق منه في بيروت, وأنك واجد في ~~بلدنا ما لا تجد في بلدك من حرية الفكر وسعة الصدر، وليتك تعلم يا سيدي أن ~~كلمتك هذه لم يستطع أن ينطق بها في مصر غير رجلين، فكان نصيب أحدهما السب ~~والآخر الضرب. # ليتك تعلم ذلك فلا تبالغ في حسن ظنك بحرية الأقلام في مصر, فإنها حرية ~~موهومة لا يغتر بها من يعرف حقيقة الحرية ومن يعتبرها بنتائجها وآثارها، لا ~~بزخارفها وتهاويلها. # PageV02P257 # نعم لا توجد في مصر شكائم في أفواه الناطقين، ولا جوامع في أيدي ~~الكاتبين، ولكن محكمة الرأي العام فيها محكمة وجدانية أكثر منها قانونية، ~~فهي إما أن تبرئ المتهم فتعلو به إلى مدار الأفلاك، أو تدينه فتهوي به إلى ~~مقر الأسماك. # إن كثيرا من عقلاء الرجال في مصر يهابون التصريح بالحقائق التي يعلمون ~~أنها نافعة لأمتهم أكثر مما يهاب الكتاب في سوريا الشكائم والأغلال؛ ذلك ~~لأن الرأي العام هنا متهور في مذاهبه ومراميه, ظالم في أحكامه لم يخط إلى ~~اليوم الخطوة الأولى في احترام الآراء وإجلال الأفكار وإنزالها المنازل ~~التي تستحقها. # إن منظر العقلاء في مصر منظر محزن مؤثر يبعث الرحمة، ويستمطر العبرة، ~~إنهم يعالجون من العامة فوق ما يعالج طبيب البيمارستان من مرضاه، إنهم ~~يعانون من مجاراة الجاهلين في جهالاتهم وكتمان الحقائق التي تغلي في صدورهم ~~غليان الماء في المرجل ما يرنق صفاء العيش ويشوه وجه الحياة، إنهم في حيرة ~~لا يجدون إلى الخلاص منها سبيلا، إن نطقوا بكلمة إصلاح في الدين سماهم ~~الجاهلون كفارا، أو في السياسة سموهم خونة، وإن سكتوا أغضبوا الله وأغضبوا ~~الحق، فهم بين هذا وذاك كهارب من سبع مفترس لم يجد أمامه إلا الماء، ~~فالهلاك إن أحجم، والغرق إن أقدم. # PageV02P258 # ربما تقول: إن الصحافة في مصر تملك زمام الرأي العام, ms313 فكيف تعجز عن حبس ~~تياره وكسر شرته وقيادته إلى رشده وهداه؟ # والجواب على ذلك أن الصحافة المصرية ناقصة نقصا كبيرا, مشتملة على عيوب ~~ورذائل لو تجردت منها لبلغت الغاية التي تريدها من تعليم الشعب وتهذيبه ~~وتقويم المعوج من ميوله ومذاهبه. # الكتاب في مصر ثلاثة: جاهل لا يميز بين ما ينفع أمته وما يضرها، وعاقل ~~يهاب مصادرة الرأي العام في مألوفاته ومعهوداته، فيسكت مغلوبا على أمره، ~~ومنافق يعرف الحقيقة ويعبث بها، فمن أي واحد من هؤلاء الثلاثة تستفيد الأمة ~~رشدها وهداها؟! # وأكبر هؤلاء الثلاثة جرما، وأشدهم ضررا، وأسوؤهم أثرا، ذلك الكاتب ~~المنافق الذي هو أشبه شيء بالنائحة التي تسدل على وجهها نقابا تتباكى من ~~ورائه لتستبكي اللواتي يردن البكاء من النساء، وما في جفنها -يعلم الله- ~~قطرة من الدمع، ولا في قلبها لاعج من الحزن، ولكن هكذا قدر لها أن يجري ~~رزقها من بين العبرات والزفرات، وإن شئت فقل: إنه كشاعر القهوات يسرد على ~~السامعين قصص الوقائع والحروب بين الأبطال الخياليين حتى يثير عواطفهم، ~~ويهيج أحقادهم، فإذا قسمهم على أنفسهم وضرب # PageV02P259 # بعضهم ببعض خلص من بينهم إلى منزله فرحا مغتبطا برنين الدراهم في كيسه, ~~وقد ترك وراءه أولئك البسطاء أسرى الهموم والأحزان، قتلى الضغائن والأحقاد. # الكاتب العاقل يخدم عواطف الأمة بتنميتها وتهذيبها وتحويل تيارها إلى ~~الخطة المثلى، أما الكاتب المنافق فإنه يستخدمها لنفسه وإن أفسدها على ~~أصحابها. # ولقد دخلت مرة على بعض الكتاب فعتبت عليه أنه يكتب غير ما يعتقد ويقول ~~غير ما يعلم، وقلت: إن خطتك هذه مضرة بالأمة التي أنت أحد قادتها، وإنك قد ~~سلكت في مذهبك هذا سبيلا ما كنا نعرفه لك قبل اليوم، فقد عهدناك تصدع بالحق ~~لا تبالي أغضب الناس أم رضوا، وتجهر به وإن لم تجد أذنا واعية أو صدرا ~~رحيبا، فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وأحسب أني رأيت قطرة من الدمع تترقرق في ~~عينيه وقال: والله ما سلكت هذا السبيل وأنا أعلم أن فيه رضى الله أو رضى ~~الحق, ولكني امرؤ لا أعرف لنفسي صناعة ms314 غير صناعة القلم, قبحها الله وقبح كل ~~ما تأتي به, وكنت أحسبني أستطيع أن أجمع فيها بين شرف النفس ورغد العيش ~~فخاب ما أملت، إذ رأيت نفسي كسفينة ماخرة في بحر زاخر من شعب قاصر يطلب مني ~~ما يلذه لا ما يفيده، ويتقاضاني # PageV02P260 # ما يعجبه لا ما ينفعه، فطفقت أرتئي بين أن أرضي الحقيقة فأهلك جوعا أو ~~أرضي الأمة فأعيش سعيدا، فغلبني حب الحياة على أمري، فلم أر بدا من الدخول ~~على الأمة من ذينك البابين المعروفين؛ باب الوطنية وباب الدين، فاصطنعتهما ~~لنفسي بعدما كنت أصطنع نفسي لهما، فرغد عيشي وحسن حالي وأصبحت لا يكدر علي ~~صفائي غير الأسف على الحقيقة الضائعة. # هذه الأمة المصرية أيها الكاتب الفاضل، وهذه صحافتها، وهذا مبلغ الرأي ~~العام فيها، وهذا موقف العقلاء بين يديه، فهل تظن بعد ذلك أن كاتبا يستطيع ~~أن يقول للأمة ما لا تهوى، أو يجرؤ على التصريح بحقيقة يعتقدها بين هذا ~~الشعب الهائج, وتلك الصحافة المتملقة. # إن كثيرا من عقلاء مصر ينكرون كما تنكر أنت نصب تمثال للمرحوم مصطفى كامل ~~باشا لا لصفته الشخصية, فإنه ممن يستحقون الإجلال والإعظام، بل لأنه مسلم ~~شرقي، والأمة التي تريد نصب تمثال له مسلمة شرقية كذلك، فإسلامها يحرم ~~عليها نصب التماثيل وشرقيتها تنعى عليها هذا الإسفاف في تقليد الغربيين في ~~جميع عاداتهم ومألوفاتهم, بينما هم يترفعون على الاعتراف باستحسان شيء من ~~عاداتنا وصفاتنا, فضلا عن الأخذ بها أو محاكاتها، # PageV02P261 # إن نصب الغربيين التماثيل لنوابغ الرجال فلسفة تاريخية أرادوا بها تمثيل ~~التاريخ اليوناني القديم, وإنزال عظمائهم ونوابغهم منزلة الآلهة وأنصاف ~~الآلهة في ذلك التاريخ، أي: إنها عادة منحوتة من الديانات الوثنية، فهل ~~يجمل بنا معشر المسلمين أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- هادم الأصنام وكاسر ~~الأوثان، أن نحفل بعادة هذا منشؤها وتلك غايتها، وأن نستقبل بصدر رحب نصب ~~التماثيل في بلد هي بقعة الإسلام، وباب البيت الحرام، ومعهد الأزهر الشريف، ~~ومدفن الصحابة والتابعين والأئمة المطهرين. # أيجمل بنا أن نتخذ هذه العادات الوثنية في عصر ندعو فيه ms315 إلى الإصلاح ~~الإسلامي ونحارب العوائد الخرافية الداخلة في الدين لنرجع به إلى عصره ~~الأول عصر السلف الصالح حيث لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله؟! # على أنه إن كان الغرض من نصب التمثال للرجل العظيم تخليد ذكره واستبقاء ~~صورته مرتسمة في أذهان الأجيال المستقبلة حتى لا تنساه, فإن جميع رجال ~~الإسلام من علماء الدين إلى علماء الفنون لا تزال محفوظة بين الجوانح ~~مآثرهم ومفاخرهم، مذكورة على الألسنة أسماؤهم وألقابهم، ولا نعرف لواحد ~~منهم صورة مرسومة أو تمثالا قائما. # PageV02P262 # إن كان في أعمال الرجل وآثاره ما يضمن له بقاء ذكره في صدور الأجيال ~~ومستقبل القرون فلا حاجة به إلى تمثال يخلد ذكره، أو لا، فمن المغالطة ~~التاريخية الاحتيال على بقاء ذكره بنصب تمثاله. # إن المسلمين لم يألفوا قبل اليوم أن يعتبروا نصب التمثال للرجل عنوان ~~عظمته أو جائزة أدبية يكافأ بها على عمله، أي: إنه لا يوجد فيهم من إذا رأى ~~تمثالا قائما يقول: ليتني أنفع أمتي أو أخدم وطني فينصب لي بعد موتي تمثال ~~كهذا التمثال، فإذا لا يمكن أن يكون نصب التماثيل في البلاد الإسلامية ~~داعية الجد والاجتهاد في الأعمال، أو باعثا على التشبه بعظماء الرجال. # إن للرجل العظيم بعد موته جلالا في القلوب لا يذهب به إلا نصب تمثاله على ~~قارعة الطريق تحت نظرات الرجال والنساء والأطفال والأذكياء والأغبياء ومن ~~يعرف قيمة الرجال ومن يجهل فائدة التمثال ومن لا يرى فرقا بينه وبين الصور ~~الخشبية المنصوبة في حوانيت التجار. # وغاية ما يستنتجه السواد الأعظم عند رؤية تمثال لأحد عظماء الرجال معرفة ~~صورته الظاهرية, وأنه طويل أو قصير ونحيف أو بدين، وهي اعتبارات لا يعتد ~~بها في رجولة الرجل ولا علاقة بينها وبين علمه وجهله، وذكائه وغباوته، ~~وجبنه وشجاعته، وإنما # PageV02P263 # تظهر رجولة الرجل واضحة مفهومة حتى للبلداء والأغبياء في ثمرات عقله، ~~ونتائج أعماله، وفي مكرمة يخلدها، أو مدرسة يشيدها, أو كتب يؤلفها, أو عقول ~~يثقفها. # هذه أيها الأخ الفاضل آراء كثير من عقلاء المسلمين في مصر, يتحدثون بها ms316 ~~في مجالسهم ولا ينشرونها في الصحف مخافة أن تلتصق بهم تهمة الخيانة للوطن, ~~وهي الكلمة التي يتسلح بها الكتاب المنافقون في مصر ليحاربوا بها كل من ~~خالفهم في رأيهم أو نازعهم حرفتهم كما كان يصنع رجال الأكليروس في العصور ~~الوسطى في استخدام تهمة الكفر للفتك بأعدائهم والانتقام من خصومهم, والله ~~أعلم بالخيانة أين مكانها, وفي أي قلب مستقرها. # أحسن أثر يقام لفقيد الوطن أن تنشأ باسمه مدرسة تربي فيها الناشئة ~~الحديثة تحت رعاية الحزب الوطني على ما كان يحب الفقيد أن يكون عليه النشء ~~الحديث في المعارف والأخلاق والآداب الدينية والمذاهب الوطنية, وينتخب لها ~~معلمون متدينون مخلصون لله والوطن يستطيعون أن يقدموا للأمة في كل عام ~~رجالا يكون كل واحد منهم صورة حية من صورة الفقيد, وتمثالا أنفع من تماثيل ~~البرنز والأحجار. # هذا ما أراه أكتبه إليك, وأملي ضعيف أن يحقق الله رجائي فيه، ولكنها ~~الحقيقة لا بد من الجهر بها والسلام عليك ورحمة الله. # PageV02P264 ### | مدرسة الغرام # كنت لا أسأل الله تعالى إلا تقدم هذه الأمة وارتقاءها وبلوغها في المدنية ~~مبلغا يؤهلها لمجاراة الأمم الغربية في عظمتها وسلطانها, فأصبحت أسأله ألا ~~يستجيب دعائي وألا ينيلها من تلك المدنية فوق ما أنالها. # أصبحت أعتقد أن مفاسد الأخلاق والمدنية الغربية شيئان متلازمان، وأخوان ~~متحابان، لا افتراق لأحدهما عن صاحبه إلا إذا افترقت نشوة الخمر عن ~~مرارتها، فكيف أتمناها لأمة هي أعز علي من نفسي التي بين جنبي. # قرأت حوادث الانتحار في الغرب فقلت: قوم ضعفت قلوبهم عن احتمال حوادث ~~الدهر وأرزائه, فلم يستطيعوا الوقوف بين يديها وقفة الشجاع المستقتل, ففروا ~~من وجهه إلى حيث يجدون الراحة الدائمة في كسور القبور، وما أكثر الجبناء في ~~مواقف الحروب. # قرأت حوادث المبارزة هناك فقلت: قوم عجزت يد المدنية الحاضرة أن تستل من ~~بين جنوبهم ما كانوا يعتقدونه في عهد الهمجية # PageV02P265 # الماضية من أن العرض إناء إذا ألم به القذى لا يغسله إلا الدم المسفوح، ~~وكثيرا ما أوردت العقائد النفوس موارد الحتوف. # قرأت حوادث عشاق الموتى ms317 الذين يتسللون تحت ستار الليل إلى المقابر ~~فينبشونها عن رفات الفتيات المقبورات، شوقا إلى لثمة من خد يرشح صديده، أو ~~رشفة من ثغر يتناثر دوده، حتى إنه ليروقهم من منظر الساكنات تحت الرجام، ~~فوق ما يروقهم من منظر المقصورات في الخيام، وقرأت أن الحكومة طاردتهم عن ~~أمنيتهم، وحالت بينهم وبين مواطن غرامهم ومعاهد عشقهم وهيامهم، فأرادوا أن ~~يحتالوا على الإلمام بأولئك الموتى خيالا لما فاتهم الإلمام بهم حقيقة, ~~فأنشئوا لأنفسهم تحت الأرض قاعة كبرى كسوا حيطانها بالأستار السوداء ووضعوا ~~في وسطها صندوقا من صناديق الموتى تنام فيه فتاة حية تتصنع الموت باصفرار ~~لونها، وإسبال جفونها، وسكون أعضائها، وتعليق أنفاسها، فإذا لج بأحدهم ~~الشوق إلى قضاء حاجة من فتاة ميتة نزل إلى تلك القاعة السوداء وعالج مخيلته ~~على أن يتصورها قبرا مظلما موحشا يضم بين أقطاره فتاة ميتة لا حراك بها, ~~فيلم بها وهو يسمع نغمات الأحزان من قيثارة أعدت وراء القاعة لتجسيم ذلك ~~الخيال. # قرأت هذا, وقرأت أن من الناس ناسا في تلك الديار # PageV02P266 # تجاوزوا ذلك الحد إلى الغرام ببعض أنواع الحيوان, حتى إنهم نصبوا لأنفسهم ~~مواخير خاصة يلمون فيها بالدجاج إلمام غيرهم بالنساء البغايا، فقلت: لا عجب ~~في ذلك, وهل هو إلا فن من فنون الجنون التي لا يجد المرء إلى حصرها سبيلا. # إن كنت أغتفر للمدنية الغربية كل ذنوبها, فإني لا أغتفر لها ذنبها في ~~مدرسة الغرام التي أنشأها قوم من الأمريكيين في وسط مدينة من مدن أمريكا؛ ~~ليعلموا فيها النساء والرجال فنون الحب والمغازلة جهرة من حيث لا يرون في ~~ذلك بأسا, ولا يجدون فيه متلوما، وقد وضعوا لها هذا البرنامج الآتي: # يوم الأحد-دروس استعدادية. # يوم الاثنين-الغزل. # يوم الثلاثاء-المطارحة. # يوم الأربعاء-صناعة التقبيل والتجميش. # يوم الخميس-فلسفة الدلال والتصبي. # يوم الجمعة-انتقاء مواعيد اللقاء. # يوم السبت-الامتحان. # هذه هي المدرسة الغرامية وهذا نظامها, فهل سمعت في حياتك أن أمة من الأمم ~~المتوحشة, التي يسمونها بالأمم البهيمية إشارة إلى ما بينها وبين البهائم ~~من الشبه في حب الشهوات والاستهتار فيها, # PageV02P267 # بلغت في ms318 تهتكها وفساد أخلاقها مبلغ تلك الأمة التي يقولون عنها: إنها ~~زهرة المدنية الحديثة, وتاجها المرصع. # لماذا نسمي قبائل الزنوج قبائل متوحشة ونحن نعلم فيما نعلم من أخلاقهم ~~أنهم لا يتركون عزابهم ينامون وسط البيوت مخافة أن يكون لهم سبيل إلى ~~مخالطة النساء, فيأخذونهم جميعا إلى مكان خاص بهم خارج القرية يبيتون فيه ~~فوق هضبة مرتفعة ينثرون حولها ترابا معبدا، حتى إذا أراد أحدهم أن يختلس من ~~ظلام الليل غرة نم أثره عليه، كما نعلم أنهم يخيطون فروج العذارى من نسائهم ~~حتى لا يحدث أحد من الرجال نفسه بقرع ذلك الباب إلا مالكه وصاحب الحق فيه، ~~ولماذا نسمي الأمة الأمريكية أمة متمدينة وها هي تفتح المواخير باسم ~~المدارس حتى لا تكون في نفس أحد من الناس غضاضة في دخولها والأخذ بنصيبه من ~~لذائذها وشهواتها؟ # إن كان توحش الأولين لإغراقهم في صون الأعراض, فالآخرون أكثر منهم توحشا ~~لإغراقهم في هتكها وابتذالها، والإغراق في الخير خير من الإغراق في الشر. # فيا أيها الزنجي المسكين، لقد ظلمك من سماك متوحشا, ويا أيها الأمريكي ~~المتوحش لقد كذبك من سماك متمدينا. # PageV02P268 # أيها الزنجي الأسود، إن كنت أسود اللون فالفضيلة أشرف عنصرا من أن تتنزل ~~لاعتبار السواد ذنبا تنفر منه وتأبى أن تأوي إليه، وإن كنت جاهلا فهل ~~استفاد صاحبك من علمه إلا إمتاع نفسه بشهواتها ولذائذها والتفنن في فجور ~~الحياة وفسوقها تفننا لا أحسبك تحن إليه، أو تتقطع نفسك حسرات عليه، وإن ~~كنت عاريا فربما لبست من الفضيلة ثوبا يحسدك عليه لو يعقل ذاك الذي يفخر ~~عليك بخزه وديباجه، ودمقسه وحريره: # ولو بتما عند قدريكما ... لبت وأعلاكما الأسفل1 PageV02P269 ### | أمس واليوم # مثلنا ومثل آبائنا الأولين من قبل طلوع شمس هذا التمدين الحديث ومن بعده ~~كمثل رجل ضل به طريقه في ليلة ليلاء غدافية الإهاب، حالكة الجلباب، قد تجسد ~~ظلامها حتى كاد يلمس بالراح، فانقلب جوهرا بعد إذ هو عرض، فأصبح كأنما هو ~~فحم سائل، أو مداد جامد، فأنشأ هذا الضال المسكين يخبط في ذلك الديجور ~~ترفعه النجاد، ms319 وتخفضه الوهاد، لا يرى علما فيهتدي به، ولا يتنور نجما ~~فيعتمد في سراه عليه. # وإنه لكذلك وقد استوت في نظره الجهات الست؛ فسماؤه أرض وأرضه سماء، ~~ووراءه أمام وأمامه وراء، وإذا بقرن الشمس قد نجم في جبهة الأفق وأفرغ في ~~ناظره المملوء بالظلمة قطرات ملتهبة من ذائب أشعته المتلألئة فعشي بعد أن ~~كان بصيرا، فما أغنى عنه ذلك الضياء شيئا، وما زال في ضلاله القديم إلا أن ~~ذلك ضلال الظلام، وهذا ظلال الضياء، وهو شر الضلالين وأقتل الداءين، فإن ~~ضلال الظلام يتخلله بريق الأمل في الضياء، # PageV02P270 # فأما وقد أصبح الدواء داء, فلا أمل في الشفاء: # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري # ذلك مثلنا ومثل آبائنا من قبلنا بين يدي هذه المدنية الجديدة التي همى ~~سيلها على هذا العالم الإنساني, فرأى الغرب تربة طيبة صالحة فسقاها فاهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ورأى الشرق تربة صامتة متحجرة قد نجم فيها ~~كثير من الأعشاب الضعيفة والجذور الفاسدة، فأما ما تحجر منها فلم تغن عنه ~~السقيا شيئا، وأما ما اخضر وترعرع فقد نما فاسدا كأصله، وكان خيرا له لو ~~ذهب ذلك الفيضان به وبجذوره. # أي: إن المدنية الحديثة تمشت في صدر الغرب بقدم متثاقلة فما خفق لها قلبه ~~ولا اضطرب، ثم وضعت يدها في أيدي الغربيين فصعدت بهم إلى سمائها خطوة خطوة ~~كما يعود الطفل الصغير على المشي, وما أعجلتهم عن أمرهم كما أعجلتنا, ~~فبلغوا ما أرادوا وهوينا إلى أعمق مما كنا كالحجر الثقيل يرمى به في الجو, ~~فإذا ارتد ارتد إلى حفرة يدفن نفسه فيها. # أي: إن الغربيين أحسوا فنهضوا فجدوا, فأثروا فتمتعوا بثمرات أعمالهم، ~~ونحن أغفلنا جميع هذه المقدمات ووثبنا إلى الغابة وثبا فسقطنا. # PageV02P271 # فمهما كان نصيب آبائنا من الجهل وانفراج المسافة بينهم وبين هذه المدنية ~~الحاضرة, فقد كانوا على علاتهم أسعد منا حالا وأروح بالا وأهنأ عيشا وأسد ~~خطوات في سبل الحياة، وكانت المعيشة فيهم اجتماعية أكثر منها أفرادية، ~~فكانت الأسرة الواحدة أشبه شيء بالمملكة الدستورية ms320 المنظمة يدبرها عقل واحد ~~في جسوم كثيرة متفقة في الرأي والدين والمذهب والأخلاق والعادات، تجتمع حول ~~المائدة كما تجتمع في نادي المسامرة, وتتلاقى في قاعة الصلاة كما تتلاقى في ~~ساحة المتنزة، يحبون الله ولا يختلفون إلا في الطريق إلى رضاه، ويحبون ~~الوطن ولا يختلفون إلا في الطريق إلى خدمته، ويحترمون عاداتهم وأخلاقهم ~~ولغاتهم المكونة لهيئتهم الاجتماعية ويفرون من العادات والمشارب الغريبة ~~عنهم فرارهم من الأسد مخافة أن يرق هذا الحاجز القائم بينهم وبين الأمم ~~الأخرى, فتنحل جامعتهم فتهدأ حميتهم فتموت نفوسهم, فإذا هم ميتون ثم لا ~~يبعثون. # وكان بين الصغار في العائلة والكبار فيها معاهدة رحمة واحترام، يحترم ~~الصغير الكبير فيكبر عمله وإرادته ومذهبه، فإذا أنزل نفسه منه هذه المنزلة ~~أصبح بحكم الطبيعة مرآة له تنطبع فيها تلك الأعمال والإرادات والمشارب، حتى ~~إذا أصبح الصغير كبيرا وجد # PageV02P272 # من صغيره ما وجد منه كبيره، فلا تزال سلسلة التوارث في العائلة متصلة ~~اتصالا تعيا به الحوادث, وتكبو دونه عاديات الليال. # ويرحم الكبير الصغير فلا يألوه نصحا في حاضره ومستقبله، ولا يفتأ يطلب ~~عنده ما عند نفسه حتى يتم بينهما التناسخ فإذا هو هو حتى إذا قضى الله فيه ~~قضاءه لا تفقد الأسرة بفقده شيئا. # فمن لنا اليوم بتلك السعادة التي أثكلتنا إياها المدنية الغربية يوم ~~أظلتنا بعلومها ومعارفها ومخترعاتها الحالية، وزخارفها اللامعة الباطلة، ~~فانقلبت المعيشة البيتية الاجتماعية أفرادية محضة، فالأخوان متناكران، ~~والزوجان متنافران، والولد شقي بأبيه، والابن شقي بولده، وكأن ساحة المنزل ~~ساحة الحرب، لا ترى فيها غير وجوه مقطبة، ونفوس منقبضة، وأشلاء فوق أشلاء، ~~ودماء أثر دماء، وشقاء ليس يعدله شقاء. # ومن كان في شك من هذه الحقائق, فإني أكله إلى جداول القضايا في المحاكم, ~~فإن لم ير أن أكثر المخاصمات فيها خصوصا المدنية منها واقعة بين الأقارب ~~وذوي الرحم فله حكمه ما شاء. # وإن أبيت إلا أن تتمثل لك الحقيقة بأكمل وجوهها فاسمع # PageV02P273 # قصة رجل مصري كان ذا ثروة متوسطة عاشرت آباءه أجيالا متعددة, فما كانت ~~تضيق بهم وما كانوا ms321 يضيقون بها، وكان له ثلاثة أولاد و"امرأة جديدة" متعلمة ~~تعرف كل شيء إلا واجباتها وواجبات منزلها وزوجها وأولادها، وليتها جهلت كل ~~شيء غير هذا فتكون قد علمت كل شيء، وتحب مطالعة الروايات الغرامية حبا ملك ~~عليها مشاعرها وخوالجها, فربما عرض لها المهم من الأمر فلا تخف له قبل ~~فراغها من الفصل الذي تطالعه، وتحب التمثيل فتقضي ليلها في مشاهدته ونهارها ~~في سرد وقائعه ومشاهده على أخدانها وأترابها, وربما كانت تهمس في آذانهن أن ~~ليتها ترى "روميو" فتكون له "جوليت"1، وتبغض الحجاب بغض الحرائر للسفور, ~~فيومها نصفان: نصف للخروج ونصف للتهيؤ له، فهي خارج المنزل من مطلع الشمس ~~إلى مغربها، بنى بها زوجها بعد وفاة زوجه الأولى فلم يغتبط بها غير عام ~~واحد ثم ضرب الدهر ضرباته, فإذا بينهما عيشة لا أظن أن الجحيم أشد نكالا ~~منها. # أما أولاده فأدخلهم مدارس مختلفة تعلموا فيها لغات مختلفة؛ الإنجليزية ~~والفرنسية والألمانية، ثم تخرجوا, هذا إنجليزي بفظاظته وخشونته، وهذا فرنسي ~~بخلاعته واستهتاره، PageV02P274 # وذلك ألماني بخيلائه وكبريائه، وجميعهم متفرنجون مشربا ومذهبا, ومطعما ~~وملبسا ومسكنا, وما فيهم من تفرنج همة وعملا. # خرجوا من المدارس بلا دين ولا وطن، أما الدين فلأن أكثر مدارسنا حتى ~~الأهلية منها مادية محضة, لا تعلق للدين بشأن من شئونها، والدين خلق شأنه ~~كبقية الأخلاق لا يرسخ في النفس إلا بتكرر الصور الدينية وتداولها عليه ~~عهدا طويلا، فإن بعد عهدها به أغفلته وأنكرته، وكذلك كان شأن هؤلاء الأولاد ~~المساكين؛ فقست قلوبهم وجمدت نفوسهم وفقدوا بفقد دينهم أطيب عزاء يستروحه ~~الإنسان في هذه الحياة المملوءة بالمصائب الحافلة بالكوارث, والهموم. # والإنسان مهما طال حوله وكثر طوله, واتسعت مذاهب قوته فليس ببالغ من هذا ~~الدهر المعاند ما يريد لولا زهرة الأمل التي يتعهدها الدين بالسقيا في قلب ~~المؤمن, فيستروح منها ما يروح عن قلبه ويسري عن نفسه, ويقينه أن هناك حولا ~~أكبر من حوله، وطولا أعظم من طوله، وإلها قادرا يقرب إليه ما يريد مما ضاق ~~به ذرعه، وقصرت عنه قوته. # وأما الوطن؛ فلأن المدارس ms322 عندنا تديرها من وراء ستار أيد أجنبية تربي ~~التلاميد لها لا لأوطانهم. # PageV02P275 # فكنت ترى منزل الرجل كأنما هو مجمع من مجامع السفراء: عثماني متمسك ~~بعثمانيته، وإنجليزي يهتف ليله ونهاره بأن دولة الإنجليز سيدة البحار وأن ~~الشمس لا تغيب عن أملاكها، وفرنسي يعبد فرنسا ويسبح بحمدها ويصفها بأنها ~~أمة العدل والرحمة وأن أسعد المستعمرات مستعمراتها، وألماني يستظهر خطب ~~الإمبراطور غليوم وينجم أن المستقبل لألمانيا يوم يمحى اسم إنجلترا وفرنسا ~~من مصورات الجغرافيا، وكثيرا ما يقع بين المتفرنس والمتألمن النزاع الطويل ~~في شأن الألزاس واللورين وبين المتألمن والمتجلنز الشقاق العظيم في واقعة ~~واترلو وأي القائدين كان له الغلب والفضل في كسر نابليون بلوخر أو ~~والنجتون، ولا يتفقون إلا في الساعة التي يذكرون فيها أمتهم فإنهم يمثلونها ~~لأنفسهم وللناس أقبح تمثيل, ويلبسونها ورجالها قديما وحديثا أثواب المرافع ~~المضحكة غير مستحيين من أنفسهم ولا من الناس, ولا مبالين بالأدمع المنهلة ~~من عيني والدهم الجالس ناحية يندبهم, ويندب نفسه معهم، فبئس الاختلاف حين ~~يختلفون، ولا حبذا الاتفاق يوم يتفقون. # وهكذا انحلت الجامعة في هذا المنزل وتفرق أفراد تلك العائلة أيما تفرق, ~~وانقسموا على أنفسهم كل الانقسام, فلا يصطحبون في # PageV02P276 # متنزه ولا يجتمعون لصلاة ولا يتصافون في سمر ولا يتفقون في شأن من شئونهم ~~البيتية حتى أصبح لكل منهم من المأكل والمشرب والملبس وجميع مرافق الحياة ~~ما يطالبه به خلقه المباين خلق أخيه أو أبيه. # فأنى لهم التعاضد الذي كان لآبائهم من قبل في خوض غمرات الحياة؟ وأنى ~~لوطنهم أن يسعد بهم بعد عجزهم عن إسعاد أنفسهم، والمنزل قوام الأمة تسعد ~~بسعادته وتشقى بشقائه؟ # وأي شأن لهذه المعلومات المتكثرة التي حشروها إلى أذهانهم؟ وهل أفادوا1 ~~بها إلا هذرا في المنطق وثرثرة في اللسان وشغلا للأذهان لا يغني عن سعادة ~~الحياة, وهنائها فتيلا؟ # ولو عقلوا لعلموا أن المخترعات الحديثة والمكتشفات الجديدة والعلوم ~~العصرية إنما هي خدم وحاشية بين يدي السعادة، والسعادة هي اللذة الباطنية ~~التي يحس بها الإنسان عند أداء الواجب عليه لنفسه وعشيرته ووطنه ودينه، فما ms323 ~~لم تكن مقدمة لهذه النتيجة كان وجودها أشبه شيء بالعدم. # ولو عقلوا لعلموا أن الغربيين إنما يحفلون بجميع العلوم العصرية, حتى ~~علوم الأخلاق والآداب والدين باعتبار أنها وسائل مادية PageV02P277 # يتوصل بها إلى تحصيل مرافق الحياة المحصلة لرفاهية العيش وسعادة الحال، ~~ولا اعتبار عندهم لذواتها وأعيانها، فهم يعلمون للعمل ويخترعون للمتاجرة ~~ويكتشفون للربح، ومن ظن غير ذلك فقد ضل ضلالا مبينا. # ولو عقلوا لعلموا أن ذلك العلم القليل الذي كان يعلمه آباؤنا ونسميه نحن ~~جهلا وهمجية هو خير من علمنا الكثير المستفيض الذي نساجلهم به, وننعي عليهم ~~تاريخهم من أجله؛ لأنهم كانوا بقليلهم هذا يعملون ما نعجز عنه نحن بكثيرنا. # أجل, إنهم كانوا يجهلون عدد أقسام الأرض وأن مصر في إفريقيا وسوريا في ~~آسيا, ولكنهم كانوا يعلمون أن وطنهم حيثما حل من أقسام الأرض محبوب لديهم، ~~وأن أبناء وطنهم إخوة لهم يسعدون معا ويشقون معا، وأن سعادتهم في استقلالهم ~~وشقاءهم في امتداد اليد الأجنبية إليهم، وكانوا يجهلون الفرق بين المملكة ~~والإمبراطورية والجمهورية، ولكنهم كانوا يعلمون أن صاحب الأمر فيهم كيفما ~~كان لقبه يجب طاعته والالتفاف حوله للذود عنه وعن سلطته التي هي سلطتهم ~~وقوتهم، وكانوا يعتقدون كثيرا من الخرافات والأوهام وأن هناك أرواحا خيرية ~~وشرية تنفع وتضر, وكانوا يتمسحون بالمعابد والمشاهد ويذعنون لرؤساء # PageV02P278 # الأديان تحنثا وتعبدا، ورأيي أن دينا خرافيا وهميا خير من لا دين؛ لأن ~~لهذه المعبودات الوهمية في نفوس المتعبدين لها سلطانا قاهرا على نفوسهم ~~يقاوم أهواء الشر فيها, ويطهرها من كثير من الرذائل التي تعيا بها القوانين ~~الشرعية والوضعية كالخيانة والكذب والحقد والحسد وسفك الدماء واغتيال ~~الأموال, وغير ذلك من الشرور الإنسانية التي لا تنزجر النفس عنها ما لم يكن ~~منها لها زاجر والتي فشت اليوم بين أكثر المتعلمين الذين أخذوا العلم مجردا ~~عن التربية الصحيحة, كأكثر المتعلمين في مصر. # ولقد كان آباؤنا على علاتهم يعتمدون في أكثر عقودهم من بيع وشراء وهبة ~~وقرض ورهن على صدق ألسنتهم ووفاء قلوبهم, فكان الرجل يأمن أن يقرض صاحبه ~~الآلاف المؤلفة ms324 من الذهب بلا كتابة صك ولا شهادة شاهد، فأصبحنا نكتب الصكوك ~~ونستشهد الشهود على الدانق والسحتوت، والويل ثم الويل لصاحب الحق إذا ضاع ~~صكه أو أنكر شهوده وكثيرا ما يفعلون. # وجملة الحال أنهم كانوا يجهلون أكثر ما نعلم، ولكن لم يجن عليهم جهلهم ~~أكثر مما جنى علينا علمنا، وكانوا محرومين أكثر ما ننعم به اليوم من مساكن ~~زاخرة، ومراكب فاخرة، # PageV02P279 # وملابس زاهية، ومناظر زاهرة، وفرش وثيرة، وآنية صقيلة، وأدوات للمأكل ~~والمشرب ثمينة، ولكنهم لم يكونوا محرومين في أنفسهم وفي خطرات عقولهم شيئا ~~من هذا كله؛ لأنهم ألفوا معيشتهم البسيطة كما ألفنا نحن هذه المعيشة ~~المركبة، فنحن وهم سواء في الرضى بحالتينا، إلا أن معيشتنا يكدرها الفقر ~~والإفلاس الآجل أو العاجل، ومعيشتهم لم يكن يكدرها من ذلك شيء، وها هي ~~دفاتر الصرف وبيوت الأموال مكتظة بديون الفلاحين التي كانوا في غنى عنها ~~لولا المدنية الحاضرة التي قلبت الكماليات في نظرهم إلى حاجيات، فبنوا ~~القصور، وشادوا الدور، وما شادوا لو يعلمون إلا قبورا دفنوا فيها راحتهم ~~وهناءهم ومستقبلهم ومستقبل ذريتهم من بعدهم، فإن هؤلاء الأولاد المساكين ~~بعد أن خرجوا من المدارس بلا دين, ولا وطن أرادوا أن لا يبقوا في قوس ~~الحرية منزعا فأطلقوا لأنفسهم العنان في سبيل الشهوات واللذائذ, فكانوا ~~يسهرون الليل بين رنين الكاسات، وغزل الغانيات، ثم ينامون النهار بين ~~التمطي والثؤباء حتى نبت بهم وظائفهم التي هي كل ما حصلوا عليه من علومهم ~~ومعارفهم فأبعدتهم عنها, فأصبحوا كلا على أبيهم وعلى الناس لم ينفعهم علمهم ~~ولم تغن عنهم شهاداتهم بعد أن نفخت الكبرياء # PageV02P280 # في صدورهم, فأبوا أن يتنزلوا للاحتراف بما يقوم معاشهم كما يفعل أولئك ~~القوم الذين أنضوا ركائب حياتهم في طريق تقليدهم, وباعوا في سوق التشبه بهم ~~كل ما تملك أيمانهم وقلوبهم وبعد أن ملكت الشهوات قيادهم فما وجدوا في ~~أنفسهم متسعا لسواها, فأغروا بثروة أبيهم يأخذون منها بالحق تارة وبالباطل ~~تارات, وقد كانوا قلصوا ظلالها أولا بنفقات دراستهم وثانيا بابتياع ما حسن ~~لفظه وقبح معناه من السلع ms325 الإفرنجية التي تفني خزائن روكفلر وروتشيلد, قبل ~~الوصول إلى إشباع بطون تجارها فنضب معينها ولم يبق منها حتى الذماء1، فتبدل ~~ذلك النعيم شقاء وتلك السعادة والرفاهية فقرا وعدما، أما الوالد فقضى شهيد ~~العلوم والمعارف والمخترعات والمستحدثات، وأما الأولاد فاغتالت أحدهم يد ~~الزهري وكانت لأمثاله من المغتالين، واحتوى الآخر فراش السل حيث لا زائر ~~ولا طبيب، وافترش الثالث تراب السجن على أثر جناية دفعه إليها العوز ~~والحاجة، وفرت المرأة الجديدة إلى معرض الأعراض حيث يبتاعها الشقاء بثمن ~~بخس, وهو فيها من الزاهدين. PageV02P281 # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # هذه قصة منزل من منازلنا وكل المنازل بيننا ذلك المنزل إلا ما رحم الله، ~~فلو أن باكيا بكى على ما آلت عليه حالة هذه الأسرة الشقية فهو إنما يبكي ~~أسرا متعددة وأمة كاملة: # لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك # فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك1 # وجملة القول أن للحاضر سيئات فوق سيئات الماضي فلا خير في العصرين، ولكن ~~ويلا أخف من ويلين، والأمم لا تسعد بمعرفة الخير والشر، فالخير والشر ~~معروفان حتى لأمة النمل، وإنما سعادتها في معرفة خير الخيرين وشر الشرين، ~~ولئن دام هذا الحال واطرد المقياس فالغد شر من اليوم, كما كان اليوم شرا من ~~الأمس. PageV02P282 ### | المرقص # إن كان حقا ما يقولون من أن الكاتب لا يجمل به أن يصف مشهدا من المشاهد ~~أو يحدث عن موقف من المواقف إلا إذا رآه بنفسه واضطلع به وأحاط علما ~~بحقيقته, فقد أسقط في يدي وارتقيت في هذه النظرة مرتقى صعبا واستحال علي أن ~~أكتب في هذا الموقف الذي أحاول الكتابة فيه سطرا واحدا؛ لأني لا أعرف من ~~تقويم "الأزبكية" أكثر من أنها بقعة واقعة بين بساط الغبراء، وقبة السماء. # ولولا أن الله أعانني بصديق من أصدقائي زار المرقص مرة واحدة في حياته, ~~ووصف لي المشهد الآتي من مشاهده, لنفضت يدي منه نفض المودع يده من تراب ~~الميت فرارا ms326 من تهكم المتهكمين، وسخرية الساخرين. # حدث ذلك الصديق قال: ذهبت ذات ليلة إلى مرقص من مراقص الأزبكية, فرأيت ~~على بابه جنديا يتمشى في عرصته مشية هادئة مطمئنة, فذعرت لمرآه وتراجعت ~~قليلا قليلا وكدت أعتقد # PageV02P283 # أنني أخطأت الطريق إلى المرقص, وأنني بين يدي دار من دور الحكومة يحرسها ~~حاجبها لولا أنني لم أر في وجوه الداخلين ذلك الخوف والاضطراب والذل ~~والانكسار الذي اعتدت أن أراه في وجوه الشاكين والمتظلمين. # ووقفت ساعة أتردد بين الإقدام والإحجام حتى لمس كتفي لامس فالتفت ورائي, ~~فإذا صديق من أصدقائي يسألني: ما وقوفك ههنا؟ فقلت له ما قاله أبو العيناء ~~لصاحبه حينما سأله عن سبب بكوره: "أراك تشاركني في الفعل وتفردني بالعجب"، ~~قال: أنا أفتش عن ابن عمي، قلت: وأنا أفتش عنك، فابتسم ابتسامة المتهكم ~~وقال: هيا بنا ندخل قبل أن تمتد سلسلة التفتيش إلى حيث لا تنتهي حلقاتها، ~~وأمسك بيدي حتى جاز بي باب المرقص فسألته: ما هذا الجندي الواقف أمام ~~الباب؟ قال: كيف ذهب عليك أن حكومتنا قد أصبحت اليوم حكومة مدنية مادية، لا ~~أدبية ولا دينية، فتساوت في نظرها "المصالح" والمراقص, واختلط عليها الأمر ~~بين مواقف القضاء ومعاهد البغاء، فأصبح الجندي يحمي أبواب العاهرات كما ~~يحمي أبواب النظارات، ويقف أمام البارات موقفه أمام الإدارات؟! # وإن العين لا تكاد تملك مدامعها سحا وتذرافا كلما أبصرت # PageV02P284 # هذا الجندي الشريف واقفا هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف لا قراع ~~السيوف، ويرى حمرة الصهباء لا حمرة الدماء، ويحمي الفسق والفجور لا القلاع ~~والثغور، وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي تضن بجنديها أن يشتمه شاتم ~~أو يلمسه لامس فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة والحمية والعزة ~~والنخوة, ثم لا تضن به أن تؤجره نائحة في الجنائز أو قوادا في المراقص، وهو ~~هو بعينه الذي يمثلها في وقفاته، وينوب عنها في غدواته وروحاته! # هذا ما كان يحدثني به ذلك الصديق وهو سائر بي إلى قاعة المرقص حتى وصلت ~~إليها, فماذا رأيت؟ # إن كنت لم تسمع في حياتك ms327 أن فدانا واحدا من الأرض يبتلع في جوفه ستة ~~ملايين من الأفدنة فاعلم أنه المرقص الذي يأكل وحده جميع ما تنبته تربة مصر ~~من الخيرات والبركات، فكأنه العين التي تسع الفضاء بأرضه وسمائه، أو القلب ~~الذي يحمل في سويدائه علم ما كان وما يكون. # رأيت الدنانير ذائبة في الكئوس، والعقول جامدة في الرءوس، والحبائل ~~منصوبة لاستلاب الجيوب، والسهام مسددة لاصطياد القلوب، ورأيت من كنت أحسبه ~~أوفر الناس عقلا # PageV02P285 # وأذكاهم قلبا ومن كنت أراه فأغضي بين يديه إجلالا وإكبارا واقعا في حبالة ~~بغي تقيمه وتقعده، وتطويه وتنشره، وتعبث به عبث الطفلة بلعبتها، وهو في غير ~~هذا المكان قيصر الروم عزة وفخارا، وكسرى فارس أنفة واستكبارا. # رأيت من يزعم أن الله قد وهبه عقلا تخترق أشعته حجب الغيب, وعلما تتساوى ~~أمامه المادة وما وراءها, ومن لا يزال يتمثل صبحه ومساءه بقول الشاعر: # وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها # يجهل بديهيا من البديهيات التي يشترك في فهمها الأذكياء والأغبياء، ~~والعلماء والجهلاء. # رأيته يجلس في المرقص فتمر به البغي فما هي إلا لمحة طرف, أو غمزة كف، ~~حتى تحدثه نفسه أنه قد وقع من نفسها، وملأ فراغ قلبها، فيدعوها إليه فتجلس ~~بجانبه فما هي إلا ابتسامة خالبة، وكلمة كاذبة، حتى يقسم بكل محرجة من ~~الأيمان أن نفسه صادقة فيما حدثته، وأن الفتاة قد علقت بحبه علوقا لا نجاة ~~لها من بعده إلى يوم يبعثون. # هنالك يبذل لها ما تشاء من نفسه وشرفه وماله، ويرى أن ذلك قليل في جانب ~~ما تبذل له من دقائق تقضيها بين يديه، وابتسامات تجود بها عليه. # PageV02P286 # لقد كذبتك نفسك أيها الرجل, فها هي المرآة بجانبك فهل ترى فيها منظرا ~~رائعا، أو جمالا ساطعا، يأسر أقسى النساء قلبا، وأعصاهن عنانا؟ # إن الفتاة التي أسمعتك كلمة الحب قد أسمعتها قبلك وستسمعها بعدك كل صاحب ~~جيب مثل جيبك، وعقل مثل عقلك. # إن كنت في شك مما أقول, فأمسك عن فتح الزجاجات لحظة قصيرة, ثم انظر بعد ~~ذلك أين ms328 مكانك من نفسها، وموقعك من قلبها، فإن لم تمطر عليك سحائب اللعنات، ~~وتجعلك غرضا لسهام التهكمات، فأنت أصدق الصادقين، وأنا أكذب الكاذبين. # رأيت هنالك كل حاسة من الحواس قد لبست منظارا يكبر المنظورات، ويضاعف ~~المسموعات، تغني المغنية بصوت مضطرب النغمات، بارد الترجيعات، ثقيل الحركات ~~والسكنات، فتمتلئ أرجاء القاعة بالآهات، وتدوي فيها الصيحات المزعجات، وتطل ~~العجوز الدردبيس على الناس بوجه مغضن، وجفن مقرح، وسن بارز، وخد غائر، ~~فتطير حولها القلوب، وتتحلب لها الأفواه، وتترامى تحت أقدامها الوجوه, فقلت ~~في نفسي: أهذا هو المرقص الذي تخرب فيه البيوت العامرة، وتذبل فيه الرياض ~~الزاهرة؟! # أهذا هو الذي تتدفق فيه الأموال الغزار، تدفق الأنهار # PageV02P287 # في البحار، وتقبر فيه نفوس الكرام قبل أن تقبر تحت الرغام، والله لا يبلغ ~~العدو منا بخيله ورجله، وأساطيله وقنابله، ولا تبلغ السماء منا بصواعقها ~~ورجومها، ولا الأرض بزلازلها وبراكينها، ما يبلغ منا المرقص ببغاياه. # قال المحدث: والحق أقول: إني دخلت المرقص وأنا أحسب أني أنفس عن نفسي ~~كربة, فرأيت ما زاد نفسي هما، وملأ قلبي غيظا، فقلت لصاحبي: هل لك في ~~القيام؟ فقام وقمت وأنا أقول: والله ما أدري ما ترك هذا المكان ~~للبيمارستان. # PageV02P288 ### | البعث # هي قصة خيالية, الغرض منها تمثيل أبي العلاء المعري في أخلاقه وآرائه لم ~~يكتب منها غير هذه الأيام الثلاثة، وقد نشر في الذيل من كلام أبي العلاء ~~عند المناسبات ما يميز بين الحقائق التاريخية والتصورات الخيالية. # "اليوم الأول": # نبا بي مضجعي ليلة لهم نزل بي والهم رسول من رسل الشر ينزل بأهداب ~~العيون, فلا يزال يسعى سعيه حتى يوقظ الفتنة بين أشياعها، فظللت أساهر ~~الكوكب حتى ملني ومللته وضاق كل منا بصاحبه ذرعا، فلما تقضى الليل إلا أقله ~~ولم يبق إلا أن تنفرج لمة الظلام عن جبين الصباح سمعت طارقا يدق الباب دقا ~~ضعيفا ما كدت أتبينه لولا هدوء الليل وسكونه، فقلت: من الطارق؟ قال: غريب ~~حائر ضل به سبيله في هذه الرقعة السوداء, وأعوزه المأوى يطلب كريما يعتمد ~~عليه، ومضجعا يأوي إليه، وقد ms329 أعد لمن يسدي إليه تلك النعمة ذخيرة صالحة من ~~شكر لا يبلى ودعاء لا يخيب، فأعجبت بعابر سبيل يمر بعفو # PageV02P289 # لسانه من فصيح القول وصحيحه ما يعيا على جهد المتكلفين، وتزويق ~~المزورين1، وقلت في نفسي: ما لهذا الرجل بد من شأت وفتحت الباب فإذا شيخ ~~كنتي2 من حملة أعباء الدهر, قصير القامة ناحل الجسم زري الهيئة قد نيف على ~~الثمانين من عمره, فخيل إلي أن ظهره المحدودب قوس وأن عصاه التي يعتمد ~~عليها وتر قد شد إلى تلك القوس, وأنه قد أعد من هذه وتلك سلاحا يذود به عن ~~نفسه عادية المنون3، فلما شعر بمكاني رفع رأسه إلي ورماني بنظرة خلت أنها ~~نفذت إلى موضع الأسرار من قلبي وأحاطت بما بين قمة رأسي وأخمص قدمي, فرأيت ~~وجها أسمر اللون قد انتثرت في أكنافه حفائر الجدري4 وأسارير PageV02P290 # تنطوي تارة على عبر القرون وحوادث الدهور وتنفرج أخرى عن أنوار الصلاح ~~والتقوى، ولحية بيضاء إلا أنها شعثاء، وعينين كبيرتين مستديرتين ينبعث ~~منهما نور ساطع خفاق لا يراه الرائي حتى يطرق له إجلالا وإعظاما، وسحنة ~~غريبة لا عهد لي بمثلها في حمراء الأمم وسودائها وأحسب أن لو كان بين يدي ~~مثال من صور الناس في القرون الغابرة لنسبتها1, فمشيت إليه مشية الهائب ~~الوجل وقلت: على الرحب والسعة يا سيدي, لقد حللت بمنزل أنت صاحبه وولي ~~الأمر فيه، ثم قدمت إليه يدي فمشى معي يتوكأ, ويتحامل ويهمس بهذه الكلمة: # ما أوسع الموت يستريح به الجس ... م المعنى ويخفت اللجب # حتى وصلنا إلى غرفة الأضياف, فأعاد النظر إلي وقال: اذهب لشأنك فأنا في ~~حاجة إلى الانفراد بنفسي، فتركته وذهبت إلى غرفة منامي وقد أخذ منظر الرجل ~~مكانا من قلبي وشغلني من أمره ما كاد ينسيني هموم نفسي, فلم أزل أقلب النظر ~~في حاله وأذهب المذاهب في استبطان سره حتى أخذ عيني نوم ثقيل لم أستيقظ منه ~~إلا في صفرة الأصيل. # سألت الخادم عن الضيف, فعلمت أنه أخذ حظه من المطعم PageV02P291 # والمشرب والمضجع والمستحم وأنه لا يزال ms330 في مصلاه, فهبطت إليه في خلوته ~~أهيب ما أكون له, فرأيته جالسا إلى قبلته يقلب وجهه في السماء، ويكرر هذا ~~الدعاء: # "اللهم لا راد لقضائك، ولا سخط على بلائك، أمرت فأطعنا وابتليت فرضينا، ~~فأمطرنا غيث إحسانك, وأذقنا برد رحمتك، وألهمنا جميل صبرك، وثبت قلوبنا على ~~طاعتك، فلا عون إلا بك، ولا ملجأ إلا إليك، إنك أرحم الراحمين وأعدل ~~الحاكمين"1. # ثم أطرق بعد ذلك إطراقا طويلا خلت أنه وصل فيه إلى مقام التجريد, وأن ~~الذي أراه بين يدي جسد هامد قد أسرى بروحه إلى الملأ الأعلى, فجعلت أختلس ~~الخطا إليه حتى صاقبته، فرفع رأسه إلي ذاهلا، وقال: أنت هنا؟ قلت: نعم، ~~قال: في أي سنة نحن من تاريخ الهجرة؟ فعجبت لسؤاله وقلت: في السنة ~~PageV02P292 # التاسعة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف، قال: ما اسم هذا المصر الذي ~~تعمرونه؟ قلت: القاهرة المعزية، قال: أفي هذه الأمة كثير مثلك؟ قلت: لم ~~أفهم ما تريد يا سيدي، قال: لقد استفتحت هذه الأبواب التي تليك فلم أجد من ~~ورائها إلا ضعيفا لا يلبث أن يراني حتى يرعد مني فرقا فيوصد بابه في وجهي، ~~أو ضنينا يرى بؤسي وشكاتي فيزوي ما بين حاجبيه ثم ينصرف عني، أو أعجميا لا ~~يفهم ما أقول ولا أفهم ما يقول، قلت: ما في هذه الحلة التي تراها أعجمي ~~قال: إنهم خاطبوني بلحن لا أعرفه وإن شئت أعدته عليك كما سمعته، ثم أخذ ~~يسرد علي الكلمات العامية التي سمعها من الناس في طريقه إلي سردا متواصلا ~~كما تسرد الببغاء كلماتها، فقلت: إنك قد أعدت يا سيدي بذكائك هذا عهد أبي ~~العلاء المعري, فإنهم يتحدثون عنه أنه كان إذا سمع أعجميا يتكلم حفظ كلامه ~~بدون أن يفهم معناه1 فما سمع كلمتي هذه حتى اضطرب جسمه وانكفأ لونه2 ورأرأ ~~بمقلتيه3 وزحف إلي حتى اصطكت ركبتانا، فعجبت لأمره وما رأيت من استحالة ~~حاله، ثم قال لي: من هو هذا المعري الذي حدثوك عنه؟ قلت: رجل PageV02P293 # من علماء الأمة العربية وشعرائها, عاش في القرن الرابع والخامس من ms331 ~~الهجرة, نقرأ سيرته في كتب التاريخ والأدب ونعجب بفهمه وعلمه وذكائه كل ~~الإعجاب، قال: وما ظنكم به؟ قلت: إن الناس في أمره مختلفون، ومن يرفضه أكثر ~~ممن يتشيع له، قال: ومن أيهم أنت؟ قلت: ممن يتشيع له، فقد قرأت كتبه قراءة ~~مستثبت مستبصر فما شككت في مذهبه ودينه، قال: أكنت تؤثر أن تكون في عصره أو ~~أن يكون في عصرك حتى تراه؟ قلت: ما أعدل بهذه الأمنية غيرها، قال: قد بلغك ~~الله طلبتك، قلت: لم أفهم يا سيدي شيئا مما تقول، قال: أكاتم أنت علي سري؟ ~~قلت: نعم، قال: أتقسم؟ قلت: إن للوفاء عندي حرمة مثل حرمة القسم ولو كنت ~~متهما نفسي لأقسمت، قال: الآن عرفتك, أنا أحمد بن عبد الله بن سليمان ~~التنوخي المعري، فما قرعت هذه الكلمة مسمعي حتى أسقط في يدي وعلمت أني قد ~~هلكت، وكان أول ما كان مني أن التفت ناحية الباب لأرى هل أجد السبيل إلى ~~الهرب إن عرض لي من هذا المجنون عارض سوء، وكأنه ألم بما في نفسي فقال: لا ~~ألومك على ما ظننت فقد قدرت قبل أن ألقي إليك كلمتي هذه أنها بالغة منك ما ~~بلغت فهل تؤمن بالله؟ قلت: نعم، قال: وتؤمن بالبعث؟ قلت: نعم، قال: وما ~~يريبك من رجل # PageV02P294 # أماته الله ثم بعثه بعد موته؟ قلت: ذلك يوم يبعثون، قال: هبها قصة ~~إبراهيم إذ قال له ربه: {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا} وبعد, فوالله يا بني ما كفرت مذ آمنت, ولا ~~كذبت مذ عرفت أن الصدق منجاة من النار, ولا استرد الله مني نعمة العقل ~~بعدما منحني إياها ولو كذبت الناس جميعا ما كذبتك, فقد أسلفت إلي من أياديك ~~ما لا أحتاج بعده إلى كذبة أتنفق بها عليك، أو أزدلف بها إليك، وإني قاص ~~عليك قصتي فأصخ لها ولك بعد ذلك حكمك، فسري عني قليلا ما كان ألم بنفسي من ~~القلق, فأقبلت عليه بوجهي فأنشأ يقول: # لا ms332 أزال يا بني حتى الساعة أشعر بمرارة الحساب في فمي, فقد حوسبت حسابا ~~غير يسير على الكبير والصغير والدقيق والجليل والقومة والقعدة والخطرة ~~واللمحة وكل ما وجدته حاضرا بين يدي في صحائفي, فكادت حسناتي تكافئ في ~~الميزان سيئاتي لولا تلك الكلمات التي كنت أرددها في حياتي الأولى في تزهيد ~~الناس في النسل والزواج1, فقد دخلت بها في زمرة المفسدين PageV02P295 # الذين تنكروا لإرادة الله وأغفلوا حكمته في خلق النوع البشري, وطال حسابي ~~عليها وحجاجي فيها, وكان لا بد من العقاب ففزعت PageV02P296 # إلى الروح الشريفة المحمدية مستشفعا بها لا أريد رد القضاء, ولكن أريد ~~اللطف فيه، فتعلق محمد -صلى الله عليه وسلم- بقوائم العرش الإلهي وقال: # "اللهم إنك تعلم أن عبدك هذا عاش في تلك الدار كارها لها متبرما بها, ~~متسخطا عليها حابسا نفسه في كسر بيته فرارا من أهلها, يترقب فراقها في جميع ~~آنائه وفيناته حتى لو رأى الشمس طالعة لتمنى ألا يرى مغربها ولو رآها غاربة ~~لتمنى ألا يرى مشرقها، وقد قضى قضاؤك الذي لا مرد له ولا محيص عنه أن ~~تعاقبه على ما اجترح من السيئات في دار العمل, فأسألك بقلمك النوراني الذي ~~تمحو به في لوحك ما تشاء وتثبت أن تقي جسمه الذي طهره في الحياة الدنيا ~~بالزهد في شهواتها ولذائذها والصبر على آلامها PageV02P297 # وأهوالها من عذاب النار1, وأن تجعل عذاب قلبه فداء عذاب جسمه, فعاقبه ~~بإرجاعه إلى تلك الدار التي كانت جحيمه ومستقر عذابه، وحسبه من العقاب أن ~~يلقى فيها آخرا ما لقي فيها أولا, إنك بعبادك لطيف خبير". # فقبل الله شفاعة نبيه, وقضى أن أعود إلى الدار الأولى لأقضي فيها من ~~الأيام بعدد ما قضيت فيها من السنين, وقد علم سبحانه وتعالى أني كنت في ~~العهد الأول أحمده على العمى كما يحمده غيري على البصر, فرد إلي بصري لتنفذ ~~مشيئته في عقابي وتعذيبي, فله الحمد على سرائه وضرائه. # هذه قصتي قصصتها عليك, وهذا أول يوم من الأيام التي سأقضيها في داركم ~~هذه, فاكتم علي أمري حتى ينقضي ms333 أجلي, وكن لي خير معين على هموم الحياة ~~وبأسائها, فقد اغتبطت بك مذ رأيتك وعلمت أن الله ما قيضك لي إلا وهو يريد ~~أن يخفف PageV02P298 # عني العذاب مرة أخرى. # فما أتم قصته حتى ابتدرت يديه لثما وتقبيلا, وعلمت أني قد أحرزت في بيتي ~~كنزا لا أعدل به كنوز الأرض ظاهرها وباطنها, وشعرت بما أضاء بين جوانحي من ~~سرور ما كان يكدره علي إلا خوف انقضائه. # ثم ما زلنا نتحدث حتى كادت تحترق فحمة الليل, فوضعت يدي في يده وعاهدته ~~على كتمان سره, ثم ودعته وتركته في خلوته على أن نلتقي غدا. # "اليوم الثاني": # ما كنت أجهل قبل اليوم رأي الشيخ في الطعام وما يحب منه وما يكره, ولكنني ~~ظننت أنه بعث بطبيعة غير طبيعته ورأي غير رأيه فقدمت إليه في طعام العشاء ~~دجاجات ربلات1 كنت أعددتهن للضيفان من قبل، فلما أخذ بصره المائدة صار ينظر ~~إليها مرة وإلي أخرى ثم قال: ما اسم هذا الطعام الذي تقدمه إلي؟ قلت: إنهن ~~دجاجات لم يكن للخادم الصغرى عندي PageV02P299 # شأن غير رعايتهن والقيام عليهن والحدب بهن، فكانت تؤثرهن بأفضل ما نؤثرها ~~به من طعام وشراب, وتنزلهن من نفسها منزلة الواحد من أمه حتى امتلأن ~~واكتنزن1 واستدرن للذبح، وكنت أبقي عليهن كلما طرقني طارق إبقاء على الفتاة ~~أن ينفجر صدرها حزنا على أترابها الصغيرات، أما اليوم فلم أر من ذلك بدا ~~فذبحتهن إكراما لك, فسال من دموع الفتاة عليهن أكثر مما سال من دمائهن. # فوجم الشيخ, ثم أطرق إطراقا طويلا سمعته يهينم2 فيه بهذه الكلمات: # وا رحمتاه، ألا تزال هذه المدى موكلة بهذه الأعناق، ألا يزال الحيوان ~~الناطق ينكر على الحيوان الصامت حتى حسه ووجدانه ويأبى إلا أن ينظمه في سلك ~~الجمادات الصم؛ لأنه صامت لا ينطق وأخرس لا يبين3, ربما كان زقاء الديك ~~وقوقأة الدجاجة وصرصرة البازي وهديل الحمام وزقزقة العصفور وثغاء ~~PageV02P300 # الشاة ومواء الهرة وخوار الثور وحنين النيب1 بكاء بغير دموع وشكوى بغير ~~لسان، وربما كان يكتم ذلك الذبيح في نفسه من ms334 الوجد والبرحاء ما لو استطاع ~~أن يبين عنه لأبكى العيون دماء, وفجر الصخر عيونا. # ثم رفع رأسه إلي وقال: أما سمعت الدجاجات يقلن لك شيئا عندما أردت ذبحهن؟ ~~قلت: لا يا مولاي ومتى قلن للناس شيئا فيقلن لي، فنظر إلي نظرة شزراء لا ~~أنسى سهمها الواقع في قلبي ما حييت ثم قال: أما لو أن الله منح ذابح ~~الدجاجة من نور البصيرة ما منحه من نور البصر لسمعها تقول له: # مهلا رويدا أيها القاتل السفاك, لا تدن مني ولا تمدد يدك إلي, فلا شأن لك ~~معي ولا ترة2 لك عندي. # أنا صاحبة الحق المطلق في حياتي وأنا لا أريد أن أموت ولا رغبة لي في ~~فراق الحياة؛ لأن ورائي أفراخا صغارا هن إلى حياتي أحوج منك إلى مماتي, ~~وليس من الرأي أن أكل أمرهن إليك من بعدي؛ لأنك شره طماع, لا يشبع بطنك ولا ~~تهدأ مديتك. # أنت لا تملك أن تعطيني الحياة فلا تملك أن تسلبني إياها PageV02P301 # كل ما تستطيع أن تمن به علي أنك كنت تطعمني وتسقيني فهل تعلم أنك ما كنت ~~تطعمني إلا فتات مائدتك ولا تسقيني إلا غسالة يديك, وأنك ما كنت تصنع ذلك ~~رحمة بي ولا إحسانا إلي, بل لتهيئ لنفسك ما يسد شهوتها ويطفئ لوعتها، وهل ~~تعلم أنك أنت الذي سجنتني في أقفاصك وحلت بيني وبين رزق الله أطعمه أنى ~~ذهبت وأين حللت من حيث لا يساومني فيه مساوم, ولا يحاسبني عليه محاسب! # أمن أجل تلك الخشارة1 القذرة والجرعة الكدرة تسلبني حياتي, وتفجع بي ~~أفراخي ولا ذنب لي ولا لهن عندك إلا أنا كنا زينة بيتك, ولعبة أطفالك, ~~وحماة آلك من بنات الأرض2 وهوامها, ورسل الفجر المنير إليك. # لا تظلم السبع بعد اليوم ولا تنقم منه وحشيته وافتراسه؛ فكلاكما وحش ~~وكلاكما مفترس لا فرق بينك وبينه إلا أنه لا يحسن الذبح والطبخ كما تحسن, ~~فهو يبقر البطون بأظافره وأنت تفري الأوداج بمداك، لا بل إن جريمتك أكبر من ~~جريمته وعذرك أضعف من عذره؛ لأنه يفترس ms335 ليشبع بطنه PageV02P302 # وأنت تفترس لترفه نفسك, ولأنه يعجز عن الاحتيال لقوته وأنت على ذلك من ~~القادرين1. # استضعفتني فبرزت إلي, فهلا برزت لشبل الأسد أو ديسم الدب أو فرعل الضبع ~~أو حرش الحية أو هيثم النسر أو ناهض العقاب2؟ # ما أخبثك أيها الإنسان عاجزا وما أظلمك قادرا, وما أشقاك بنفسك وأشقى ~~العالمين بشقائك. # ذلك ما كان يسمعه الذابح من ذبيحته لو أن الله وهبه أذنا كالآذان وبصيرة ~~كالبصائر, ولكن الناس لا يعلمون. # هيه يا صاحب الدجاجات, حدثني عنك ألم يكن لك في جميع ما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها منادح لإكرامى والقيام بحقي, وأنت تعلم ~~أنني رجل سلخت في دنياكم هذه من حياتي الأولى نيفا وأربعين سنة لم أذق فيها ~~لحم PageV02P303 # الحيوان ولا ثماره ولا نتاجه, فحميت نفسي حتى عسل النحل وبيض الدجاج ~~وألبان ذوات الأثداء وأقنعتها بالبلسن طعاما والبلس حلوى1؛ لأني كنت أعلم ~~أن النبات طعامي الذي لا يلائمني غيره ولا يشبهني سواه, وأن لحم الحيوان ~~إنما خلق للشفاه الغليظة والأنياب العريضة والأظفار الحادة والجلود ~~المزأبرة2 والأعضاء المتوثبة والهامات الضخمة، وكنت أرى أن أكلة اللحوم ~~إنما يخادعون أنفسهم فيها ويجترونها إلى طبائعهم اجترارا؛ لأنهم لا ~~يأكلونها إلا إذا عالجوها بالطبخ والصف3 والتقديد والشي والقلي ومزجوها ~~بالخضر والتوابل والأبازير والأقزاح4 مزجا يكاد يخرج بها عن جوهرها إلى ~~جوهر النبات حتى إذا نزل بهم عارض مرض نزعوا عنها وبرئوا إلى الله منها, ~~وفزعوا إلى النبات في طعامهم وشرابهم وعقاقيرهم كأنما يطلبون شفاءهم في ~~الرجوع إلى غذائهم الطبيعي الذي خلقوا له. PageV02P304 # وأعجب ما كنت أعجب له من أمرهم أنهم كانوا ينكرون علي رأيي في ترك ذلك ~~الطعام ويمعنون في مساءلتي عنه وحجاجي فيه وحملي عليه, ويلحون في ذلك ~~إلحاحا شديدا حتى ظننت أنهم قاتلي من دونه1 كأنما يزعمون في ضوضائهم هذه ~~أنهم إنما يأكلون لحم الحيوان باسم الشريعة الدينية لا باسم القرم والجعم2, ~~أو أن الله تعالى أنزل عليهم قرآنا ألا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ولا يقبل ~~منهم صرفا ms336 ولا عدلا إلا إذا قدموا عليه ببطون بجر3 مكتظة بلحوم الحيوان ~~تتقدم بين أيديهم في منصرفهم من الحساب لتفتح لهم أبواب الجنان، وكأنهم ~~فرغوا من أداء ما افترض الله عليهم أن يؤدوه وترك ما أمرهم أن يتركوه, فلم ~~يبق PageV02P305 # بين أيديهم من أبواب العبادة إلا باب التورع عن أكل اللحم مخافة أن ينقلب ~~المباح بإعراضهم عنه حراما كما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة ~~التراويح بعد أدائها مخافة أن تنقلب سنتها باستمراره عليها فريضة1. # وأحسب أن لو كنت فيهم من أكلة السحت أو الميتة والدم ولحم الخنزير أو ~~أموال الناس بالباطل لأوسعوا لي في صدورهم من العذر ما لم يوسعوا في ترك ~~مباح ما تركته نقمة على الشريعة أو تبرما بها أو تمردا عليها, ولكنني كنت ~~امرأ جزوعا يزعجني منظر الشرائح الحيوانية على مائدتي؛ لأنه يذكرني بمنظر ~~الذبيحة وارتياعها وولهها بين حبل الذابح وسكينه وكنت فقيرا بائسا لا أملك ~~في كل عام من الرزق إلا نيفا وعشرين دينارا, لا يتسع مثلها لمثل ما يتسع له ~~عيش الناعمين المترفين2 وما كنت PageV02P306 # أجد السبيل إلى غيرها إلا من طريق الكدية والتكفف, أي: بقبول صلات ~~الأمراء وصدقات المحسنين، وقد علم الله من شأني أنني رجل لو علمت أني إن ~~أذلت ما صان الله من ماء وجهي على عتبة أمير أو قدم وزير أمطرت السماء علي ~~ذهبا, واستحالت الحصباء تحت قدمي درا ما فعلت ضنا بنفسي على هذا الموقف ~~المستوبل, وإيثارا للرضاء بقضاء الله وقدره في قسمة أرزاقه بين عباده1. ~~PageV02P307 # فلم أر خيرا من ترك طعام لو اشتهيته لما قدرت عليه, ولو قدرت عليه لما ~~اشتهيته من حيث لا يكون للتحريم والتحليل, ولا للإيمان والزندقة في ذلك ~~مدخل. # وما زال المتورعون من السلف الصالح يتركون ما هو لهم حلال مطلق من لذائذ ~~هذه الحياة وشهواتها ويجزعون من ملامسته والدنو منه جزعهم من اجتراح ~~السيئات وانتهاك الحرمات، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجيع نفسه من ~~غير عوز, وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: إن رسول ms337 الله لم يمتلئ قط ~~شبعا, وربما بكيت رحمة له مما أرى به من الجوع, فأمسح بطنه بيدي وأقول: ~~نفسي لك الفداء, لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك، فيقول: "يا عائشة ~~إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا, فمضوا على ~~حالهم فقدموا على PageV02P308 # ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم" وكان يقول: "شرار أمتي الذين يأكلون مخ ~~الحنطة"1 وعلا عمر -رضي الله عنه- ولده عبد الله بن عمر بالدرة2 إذ دخل ~~عليه فرآه يجمع في طعامه بين الثريد والشواء, وكان بعض الصالحين يعد الجمع ~~بين الخبز والملح شهوة فيتجنبها، وكان بعضهم يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم ~~يأكله قائلا كسرة وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء، ومنهم من لم يأتدم في ~~حياته لا بالجوذاب3 والكباب ولا بالخل والزيت. # فهل كان واحد من هؤلاء بطرا بنعمة الله أو محرما ما حلل الله؟ لا فما كل ~~من أبغض حلالا حرمه ولا كل من أحب حراما حلله فقد اعتقد صاحب أبي حنيفة بحل ~~النبيذ, فلما أريد عليه قال: لو قطعت إربا إربا ما حرمته، ولو قطعت إربا ~~إربا ما شربته، وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بحل الطلاق ثم قال: "أبغض ~~الحلال إلى الله الطلاق" بل لو تبينت لعلمت أن قاعدة التحريم والتحليل في ~~الشرائع الدينية مصادرة النفوس في ميولها PageV02P309 # وشهواتها والنفوس لا تنفر إلا مما حل لها, ولا تشتهي إلا ما حرم عليها. # فويل لي من هؤلاء الناس شركتهم في دنياهم فقالوا: شره طماع, وصدفت لهم ~~عنها فقالوا: زنديق ملحد, فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون1. # وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى بلغ منه الجهد أو كاد فتفصد جبينه ~~عرقا واستسر حديثه حتى ما يكاد يبين, فرثيت له مما به وأمرت برفع المائدة ~~من بين يديه, وقدمت له مقترحه من الطعام فلبثنا نأكل صامتين حتى فرغنا ~~فأردت أن أرفه عليه ما ألم به من الهم فقلت له: يا مولاي إن للحيوان اليوم ~~شأنا غير ذلك الشأن ms338 الذي تعرفه له من قبل, فقد ذهب كثير من الناس مذهب ~~الرفق به والإحسان إليه واجتمع في كل مدينة من مدن العالم قوم من الراحمين ~~المحسنين يأخذون أنفسهم بمناظرة المدارج والسبل والأسواق العامة, فإذا ~~وجدوا من يحمل على دابته فوق ما تحتمل أو يسوطها سوطا عنيفا2 رفعوا إلى ~~PageV02P310 # الحاكم أمره أو رأوا حيوانا هزيلا أو مهيضا1 حملوه إلى مكان خاص بمعالجة ~~أمراض الحيوان, فعالجوه إن وجدوا إلى الرجاء فيه سبيلا وإلا قتلوه رحمة به, ~~وإشفاقا عليه. # قال: لقد أحسنوا في الأولى وأساءوا في الأخرى ومن لهم بعلم ما استتر وراء ~~حجب الغيب من كوامن الأقدار في تحديد الآجال، وها نحن نرى في كل يوم مريضا ~~يئل بعد إشرافه وبكاء الباكيات حوله وصحيحا يخترم في اجتماع قوته واستكمال ~~فتوته وغليان ماء الشباب في وجهه كما تخترم الثمرة الغضة من غصنها الناضر, ~~فهلا وكلوه إلى منيته تأتيه هادئة مطمئنة حيث يسوقها القدر إليه2. # ما أحسب هؤلاء الراحمين الذين تحدثني عنهم إلا مرائين مصانعين, ولا هذه ~~الرحمة التي ينتحلونها لأنفسهم إلا حبالة من الحبائل نصبوها لاصطياد العقول ~~واختتال النفوس, ولا أنهم أرادوا بما فعلوا إلا أن يقول الناس عنهم: إنهم ~~رحموا الحيوان فأحرى أن يرحموا الإنسان، فمثلهم كمثل المرائين في الدين ~~الذين يتورعون عن PageV02P311 # التمرة حلالا تذرعا إلى البدرة حراما. # يا بني آدم دعوا النوق في مراحها والشاء في زروبها والوحش في كناسه والضب ~~في جحره والذئب في وجاره والقطا في أفاحيصه, ولا تزعجوا العصافير في ~~أعشاشها ولا الحمام عن محاضنها ولا اليعاسيب عن خلاياها ولا الأسماك عن ~~مسارحها1, وجنبوها فخاخكم وشباككم وقتركم وزباكم2 ومداكم وشفاركم, فإن لها ~~نفوسا كنفوسكم ووجدانا كوجدانكم ورجاء في الحياة كرجائكم, واعلموا أن الله ~~تعالى ما أغرى بعضكم ببعض ولا سلط قويكم على ضعيفكم ولا أجرى هذه الينابيع ~~من الدماء بين أحيائكم إلا بعد أن ضريتم3 بهذه اللحوم ضراء السباع ~~بفرائسها, وقطعتم إلى المتعة بها ما شئتم من الحلاقيم والغلاصم والأوداج ~~والأباهر4 فارحموها ترحموا أنفسكم واعصموا دماءها يعصم ms339 الله دماءكم، إنكم ~~PageV02P312 # إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون1. PageV02P313 # ثم سكت بعد ذلك سكوت المجهد المتعب, وكان الظلام قد أظلنا بجناحيه فشعرت ~~أن سنة من النوم قد رنقت1 في عينيه, فانسللت من بين يديه وتركته في مضجعه ~~على أن ألقاه غدا. # "اليوم الثالث": # أصبحت في اليوم الثالث فإذا الشيخ قد فارق خلوته إلى حديقة المنزل فافترش ~~ترابها، وتوسد أعشابها، وأنشأ يردد النظر بين أزهارها وأنوارها، ويبسم ~~للعصافير تتنقل بين أنجمها2 وأشجارها، ويصغي إلى سرار الحديث بين حصبائها ~~ومائها؛ فعرفت المدخل إلى قلبه والوسيلة إلى سروره وغبطته, فاقترحت عليه ~~البروز إلى ضاحية البلد ليرفه عن نفسه ما ألم بها من الحزن والألم, فخرجنا ~~يتوكأ على يدي مرة وعلى عصاه أخرى حتى وصلنا إلى واد أفيح يهتز بصنوف ~~الأشجار وأفانين الأزهار، ويتراءى في ألوان من النبات، مشتبهات وغير ~~مشتبهات، من هائج PageV02P314 # وعميم، وبارض وجميم1, وكروم وأعناب، وسنابل وأعشاب، وتفيض أرجاؤه ~~بالجداول والغدران، والقنى والخلجان، مطردات ومنعطفات، ومجتمعات ومفترقات، ~~يفضي أولاها إلى أخراها، ويتصل أقصاها بأدناها، ويعطف كبيرها على صغيرها، ~~وقويها على ضعيفها، فكأنها صلال رقشاء قد فرت من حر الظهيرة إلى هذا الروض ~~الأريض تبترد بين روابيه وأكماته، ومصاعده ومنحدراته، فهي تنقبض وتنبسط، ~~وتنساب وتتمعج2، وتقبل وتدبر، وتقوم وتقعد، وتتواثب وتتراجع، وتتواصل ثم ~~تتقاطع، وكأن حفيف أوراقه وخرير مائه وتغريد أطياره وضجيج نواعيره وعجيج ~~سائمته أنغام مختلفات يتألف من مجموعها لحن بديع يسمعه السامع, فيخيل إليه ~~أنه هابط من أبواب السماء، أو أن سكان الألمب3 فوق عروشهم يغنون، وسكان ~~الأرض بين أيديهم يستمعون. PageV02P315 # هنالك وقف الشيخ أمام هذا المشهد المؤثر وقفة الحائر المشدوه، وقد ملكت ~~عليه مشاعره وحيل بينه وبين نفسه, فجمد في مكانه كأنه نصب من الأنصاب, ~~ووقفت وراءه أعجب لجموده وسكونه حتى فنيت كما فني في مشهده الذي بين يديه, ~~فلم أرجع إلى نفسي حتى سمعته يقول: # للمليك المذكرات عبيد ... وكذاك المؤنثات إماء # فالهلال المنيف والبدر والفر ... قد والصبح والثرى والماء # والثريا والشمس والنار والنث ... رة والأرض والضحى والسماء # هذه ms340 كلها لربك ما عا ... بك في قول ذلك الحكماء # ثم التفت إلي وقال: كل الناس يطلبون الحقيقة وكلهم عاجزون عنها؛ لأنهم ~~يطلبونها من صحائف التاريخ والمؤرخون يصانعون ويدهنون، أو من أفواه الفقهاء ~~والفقهاء تجار يرتزقون، لا هداة يرشدون، أو من خطرات عقولهم وقد أفسدها ~~عليهم القائلون والكاتبون1, والحقيقة موجودة ولكنهم لا يعرفونها؛ لأنهم ~~PageV02P316 # لا يعرفون الطريق إليها، قلت: وأين تجدها؟ قال: في هذه الأودية الفيحاء، ~~تحت تلك القبة الزرقاء، بين ذلك الظل والماء. # هنا يرى الإنسان ربه في الغريسة, يلقي بها غارسها في التربة فإذا هي نبتة ~~زاهرة مستوية على سوقها تعجب الزراع، ويراه في الحبة الدقيقة في الصرة ~~المستديرة في النواة الصغيرة التي لا تلبث أن تأخذ مكانها من مغرسها حتى ~~تصير نخلة سحوقا, تملأ الأرض خيرا بجذوعها وسعفها وجريدها وقنواتها ~~وعثاكيلها وطلعها وبلحها وبسرها، ويراه في الكواكب الماثلة في السماء، ~~والأسماك PageV02P317 # السابحة في الماء، والأجواء المملوءة بالهواء، والليل إذا يغشى، والنهار ~~إذا تجلى، فيمتلئ قلبه يقينا صافيا رائقا لا تعبث به المناظرات، ولا تشوه ~~جماله المجادلات، ولا يحتاج بعده إلى متكلم يعلمه النظر، ولا فقيه يلقنه ~~الجدل، فلا دليل على الله غيره، ولا هادي إليه سواه1. PageV02P318 # هنا يرى الإنسان السائمة تأكل العشب, والعشب يأكل التراب, والتراب يأكل ~~السائمة فيستحيل الجماد نباتا والنبات حيوانا والحيوان جمادا, فيعلم أن ~~المواليد الثلاثة مادة واحدة تتلون ذراتها وتتشكل جواهرها, ويعلم أن هذا ~~الإنسان الفاخر بنفسه والمدل بعظمته واقتداره ربما كان بالأمس صفيحة1 ملقاة ~~على جانب قبر، وربما يكون في الغد جلدة بالية في ذؤابة2 نعل3 PageV02P319 # هنا يرى الإنسان الأرض الصلفاء يمر بها الماء وتلقى فيها البذور, فلا ~~تلبث الشمس أن تجفف ماءها والريح أن تعصف ببذورها, فيعلم أن الحقائق ~~الدينية لا يمكن أن تستقر في قلوب الأشرار إلى أن تبلغ شغافها, وأن الناس ~~ما اختلفوا إلا لأنهم جاحدون، ولا اقتتلوا إلا لأنهم ملحدون. # هنا يرى الإنسان الشمس طالعة من مشرقها مصفرة اللون, متقاربة الخطوات ~~مخافة أن تطير إليها رشاشة سوداء من مآثم ms341 هذا العالم ومخازيه, ثم لا تلبث ~~أن تأخذ مكانها من كبد السماء حتى تنحدر إلى مغربها هاربة, فتنغمس في ماء ~~البحر قبل غروبها لتغسل عن جرمها الأبيض المشرق ما ألم به من تلك الأدران ~~والأوحال، ويرى الليل مقبلا يقطب وجهه ويزوي ما بين حاجبيه ويربد شيئا ~~فشيئا حتى يسود غضبا على هذا المجتمع البشري فيما يقترفه تحت ستاره من ~~المفاسد والشرور، ولا يزال مادا يديه بالدعاء إلى الله تعالى أن يعجل أوبته ~~إلى مستقره حتى يستجيب له ويداول بينه وبين النهار، ويرى الكواكب قد كمنت ~~وراء ستر الظلام ثم أطلت بعيونها على هذا العالم الأرضي مرغمة لتنفس عن ~~رفيقها الليل بعض ما خالط قلبه من الهم والكمد, فلا تلبث أجفانها أن تطرف ~~انغلاقا وانفتاحا مخافة أن # PageV02P320 # يصيبها سهم نافذ من سهام الأشرار التي تتطاير يمنة ويسرة وصعودا وهبوطا, ~~فلا يقوم لها شيء إلا أتت عليه. # هنا يرى الإنسان الحقيقة في هذا العالم عارية الجسم, ويسمع صوتها واضح ~~النبرات من حيث لا يحجب بصره تكلف المتكلفين، ولا خداع الخادعين، ولا يصد ~~سمعه قرع النواقيس ولا صياح المؤذنين. # فقلت: حسبك يا مولاي فقد نال منك أجيج هذه الرمضاء, وإني أرى في رأس هذا ~~الوادي رجلا أحسبه فلاح هذه الأرض, فامض بنا إليه عله ييسر لنا ظلة نفيء ~~إليها, وجرعة باردة نفثأ بها هذه الصارة1، فمشينا إليه حتى بلغناه فرأيناه ~~مكبا على تربته يفلحها ويقلب عاليها سافلها وقد شرست يده وشثنت قدماه وزأبر ~~صدره2، وأفرغ قرص الشمس في رأسه جعبة سهامه فتصبب عرقا حتى سالت منه على ~~قدميه قطرات كقطرات البخار تسيل على جوانب القدر المضطرم, فحييناه بتحية ~~حيا بأحسن منها, وأفضينا إليه بطلبتنا فأشار بيده إلى كوخه وكان منه على ~~PageV02P321 # كثب فإذا عريش من عيدان القصب مسجج1 قد ارتفع فوقه سقف من جذوع الأشجار, ~~واعتمد على أسيطينة2 من اللبن الأسود وامتدت أمامه صفة مستطيلة واستدار به ~~نؤي يمنع عنه مسيل الماء, فدخلناه فلم نر فيه إلا رثة3 من المتاع لا تكاد ~~تزيد ms342 على جوالق للخبز اليبيس وخلقان من القمص والأبراد وقدر وأثفية وجرة ~~مملوءة ماء وحشية4 بالية مفككة تضطرب في جوفها حشوة من الليف اضطراب الجنين ~~في جوف الحامل، فشربنا حتى ارتوينا وأخذنا من تلك الحشية مضجعنا وما زلنا ~~على حالنا تلك سكوتا لا نتكلم حتى جاء الرجل وقد مال ميزان النهار يقزل5 في ~~مشيته ويحمل فأسه على عاتقه ويجر وراءه ولدين صغيرين له بين الثامنة ~~والعاشرة, فجلس وجلس ولداه بين يديه وأنشأ يلقي إلينا معاذيره ويتوجع لعجزه ~~عن إكرامنا وإسعافنا بما نحب, فعذرناه ثم جرى بينه وبين الشيخ الحديث ~~الآتي، وكنت أترجم بينهما لأنهما لا يكادان يتفاهمان: PageV02P322 # الشيخ: من يملك هذه الأرض؟ # الفلاح: هي لسيدي ومولاي أطال الله بقاءه وأتم عليه نعمته صاحب هذا القصر ~~الذي تراه، وأشار إلى قصر فخم يرفرف بأجنحته في هذه البقعة الخضراء، رفرفة ~~الحمامة البيضاء، في القبة الزرقاء. # الشيخ: أراك تدعو له وتتمنى له الخير والسعادة, فلعلك سعيد بجواره مغتبط ~~بمكانك منه, ولعله يمدك ببره وإحسانه ويغدق عليك من نعمته ما يطلق لسانك ~~بحمده والثناء عليه. # الفلاح: حسبي من سيدي أن أرى وجهه مرة في كل يوم أو يومين, ممتطيا فرسه ~~الدهماء في ركب من أصحابه وحاشيته, مارا بهذه الأجمات الملتفة يتنزه ~~ويتروح, ويطارد الثعالب والذئاب مطاردة الشجاع المستقتل, ثم يعود إلى قصره ~~مسرورا مغتبطا بمصبحه وممساه. # الشيخ: إنما أسألك عن أياديه عندك, وصنائعه لديك لا عن منازهه وطرائده ~~وملذاته وشهواته. # الفلاح: وهل يوجد في باب النعم جليلها ودقيقها نعمة أجل قدرا وأسنى قيمة ~~من أن أكون عبدا مملوكا لسيد كهذا السيد رفيع الجاه جليل القدر واسع ~~النعمة, تطأطئ بين يديه # PageV02P323 # رءوس العظماء ويختلف إلى حضرته كبار الأمراء؟ # الشيخ: أيها الرجل ما عن هذا أسألك, إنما أسألك: هل يسلم عليك سيدك هذا ~~إذا مر ببابك أو يخلو بك أحيانا ليتعرف همك, وما تهتف به نفسك من رغباتك ~~وحاجاتك؟ # الفلاح: الحق أقول, يا سيدي إني ما سمعت في حياتي بأعجب من سؤالك هذا، ~~ومتى كان السيد يخاطب ms343 عبده إلا بالأمر والنهي, أو يرفع إليه طرفه إلا ~~بالنظر الشزر, أو يلامس بيده جسمه إلا للتأديب والتهذيب، ولقد تمر بي ~~وبعيالي الليالي ذوات العدد ولا نكاد نجد من الخبز المخشوشب ما يملأ بطوننا ~~فلا أجد في نفسي من الحزن والألم ما أجد من نسيان سيدي إياي بضعة أيام أو ~~إغفاله أمري ونهيي وزجري وتأديبي، وقد أعد لي حفظه الله وأمتعني بدوام ~~رعايته وعنايته عصيا غلاظا يتعهدني بها من حين إلى حين كلما نسيت أمرا من ~~أوامره, أو قصرت في رعاية غرض من أغراضه فأغتبط بذلك الاغتباط كله؛ لأني ~~أعلم أني منه على ذكر1 وأني قد نزلت من نفسه منزلة من لا يهون عليه إغفاله ~~واطراحه وإلقاء حبله على غاربه. # الشيخ: وأين أم هذين الولدين؟ PageV02P324 # الفلاح: ماتت رحمها الله في سبيل خدمة سيدها؛ فقد كنا يوما نمتح1 على ~~حافة بئر فزلقت أقدامنا وانبت بنا الحبل فسقطنا، أما هي فاستأثر الله بها ~~وأما أنا فانكسرت رجلي وقدر الله لي الحياة, فما أسفت على شيء أسفي على أن ~~لم أكن قد لحقت بها فأكون قد هلكت في سبيل خدمة سيدي كما هلكت؛ ليترحم علي ~~كما ترحم عليها, ويأمر بدفني في مقبرة أجداده كما أمر بدفنها. # الشيخ: ربما كنت قانعا من إحسان سيدك إليك, وعطفه عليك بما تعود به على ~~نفسك وعيالك من غلة هذه الأرض وثمراتها. # الفلاح: لا والله يا مولاي, ما أعلمني نازعت سيدي نعمته وسعادته في قفيز ~~بر أو حفنة تمر، إلا أن تسقط بين يدي تمرة أعلم أنه لا يأبه لها فتكون قسمة ~~بيني وبين ولدي, أو أحتطب من أطراف هذا الوادي بضعة أعواد من الحطب أشعلها ~~تحت قدري, وأستغفر الله مما سهوت عنه أو أخطأت فيه. # وهنا رأيت أبا العلاء كأنما يحاول أن يكاتمني دمعة تترجح في مقلتيه, ~~فأشرت إليه بالقيام فقمنا ومشينا صامتين لا ينطق ولا أنطق حتى بلغنا ~~المنزل, وقد نزل ستر الظلام فقلت: أرجو يا مولاي PageV02P325 # أن أكون قد بلغت ما أردت لك في مخرجك ms344 هذا من السرور والغبطة، قال: ما نغص ~~علي يومي إلا منظر ذلك الرجل الأبله المسكين في صغر نفسه وسقوط همته وذلة ~~جانبه، وما أحسب إلا أن الظلم قد ألح على نفسه حتى قتلها وسلبها حسها ~~ووجدانها, فأصبح لا يعرف لنفسه حياة ذاتية مستقلة عن حياة ذلك الإنسان الذي ~~يسميه سيده1, فهو لا يفرح إلا لفرحه ولا يغتبط إلا باغتباطه ويرضيه منه كل ~~شيء حتى سوء مجازاته إياه على إخلاصه إليه, وتعبده له بضربه وتعذيبه وتقتير ~~الرزق عليه, وكذلك يفعل الظلم في نفوس المستضعفين. # ثم تركني وانحدر إلى مخدعه, وهو يهتف بهذه الكلمات: # يحسن مرأى لبني آدم ... وكلهم في الذوق لا يعذب # أفضل من أفضلهم صخرة ... لا تظلم الناس ولا تكذب PageV02P326 ### | الرسائل ### | كتاب في التقاضي # أنا إن سألتك حاجتي أعزك الله وبسطت إليك يد رجائي فقد طرقت باب المكارم، ~~واستمطرت غيث المراحم، ورجوت واحد الدهر همة وحزما، ونادرة الوجود كرما ~~وفضلا، فإن أنجزتها فليست أولى الهمم، ولا واحدة النعم، فلكم سبقت إلي منك ~~أياد تخرس دونها ألسنة الشكر، وتضيق بها جرائد الحصر، ولقد مثلت أيدك الله ~~بين أن أستشفع إليك بذوي الجاه عندك، والزلفى لديك، وبين أن أكل ذلك إلى ~~كرمك وفضلك، وما طبعت عليه نفسك الشريفة من خلال الخير، وسجايا البر، فرأيت ~~أن الثانية بك أحرى، وبفضلك أجدر، السلام. # PageV02P327 ### | كتاب مقاطعة # أتاني كتابك وقد أبللت من مرض حبك وصحوت من رقدة طال علي الغيب فيها, حتى ~~خفت أن تتصل برقدة الموت، فلم ترعني روائعك1، ولا أجدى عندي اعتذارك، ولا ~~أخذ حديثك من قلبي مأخذه من قبل، ولم أر بين سطورك ذلك النور الذي كان يملأ ~~عيني روعة2، وقلبي هيبة، فالحمد لله الذي أدالني منك، وأعتقني من رقك، وكشف ~~لي من مكنونك ما كشف غشاء الهوى عن بصري، فجفت الدموع التي طالما أذلتها3 ~~بين يديك، وقرت العين التي كنت أساهر بها الكوكب شوقا إليك، ولم يبق في ~~خاطري من ذكرك إلا كما بقي في قلوب الناس من الوفاء، والحب شجرة يغرسها ms345 ~~الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائه وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف4 ~~ظلالها، وترن أطيارها، حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت، ولقد عالجت هذا ~~القلب الشموس5في الرجوع إلى سالف عهدك، وسابق ودك، فجمح جموح المهر الأرن6، ~~وركب رأسه إلى حيث لا مطمع في أوبته، وله العتبى فيما فعل، فقد ملكني قياده ~~برهة من الزمان فأسأت عشرته، وخفرت ذمته، وأرغمت معطسه، وركبت به في سبيلك ~~أخشن مركب، وأنهلته من جفائك وكبريائك شر منهل، فما هو إلا أن أمكنته الغرة ~~فانطلق انطلاق السجين من سجنه، والطائر من قفصه، فلا أوبة حتى يئوب ~~القارظان، ويبلى الجديدان: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل ~~PageV02P328 ### | كتاب تهكم # علمت أن ساسانيا1 طرق بابك بالأمس، وما زال يكيد لك ويماحلك، ويتغلغل في ~~مواضع الضعف من قلبك، حتى خدعك عن نفسك، واقتطف زهرة من روضة مالك؛ وراح ~~يفتر عن ثغر باسم، ورحت تقرع سن نادم، فما هذا الخلق الغريب الذي تخلقته، ~~وما هذا المذهب الجديد الذي اعتنقته؛ ومتى أقامك آدم وصيا على أولاده من ~~بعده، تكسو عاريهم، وتشبع جائعهم، على أن الفقراء في الدنيا كثير قد ضاقت ~~بهم خزائن الأرض والسماء فكيف تسعهم خزائنك، وهل بين الدرهم الذي أعطيت، ~~والدراهم التي أبقيت، إلا حرف واحد2، فليت PageV02P329 # شعري من أين دهيت، ومن أي باب نفذ هذا الشيطان إلى قلبك، وإن أخوف ما ~~أخاف عليك أن تكون أتيت من باب تلك الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، ~~فإن كانت هي فالخطب عظيم، والبلاء جسيم؛ فإنك حيثما ذهبت، وأنى حللت، لا ~~تقع عينك إلا على يد شلاء، ورجل بتراء، وعين عمياء، وصورة شوهاء، وثوب ~~مخرق، وشلو ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من أديم، فإن لم تفارق ~~الرحمة قلبك، فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين، ثم ~~لا تجد لك راحما ولا معينا، فارحم نفسك قبل أن ترحم سواك، ولا تنس أن تردد ~~في صباحك ومسائك، وفي مستأنف خطواتك، وفي أعقاب صلواتك، كلمة ms346 ابن الزيات: ~~"الرحمة خور في الطبيعة". # وعلمت أنك دعيت إلى وليمة فلان فتحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، فطرت ~~إليها، ثم وقعت على خبزها وشوائها، وفاكهتها وحلوائها، مثلج الصدر، ثابت ~~القدم، ساكن القلب، طيب النفس، كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة ومرارة العمر، ~~وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت ما في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ~~ليأكلك غدا، فمن لك بالنجاة من مضيفك إذا جاءك يوما يتقاضاك دينه وقد حفت ~~به # PageV02P330 # كوكبة من خلانه وصحبه، فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين ~~لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت، وأعجب من ذلك أنك ما برحت ~~الوليمة حتى أخذ المغني مجلسه فسمعت وطربت، ومن طرب شرب، ومن شرب وهب، ومن ~~وهب خرب، ولقد كان لك في انزوائك واعتزالك، واكتفائك بقرصك وزيتك، وخلوتك ~~بصندوقك في كسر بيتك، من حيث لا تزور ولا تزار, منادح عن هذه اللقمة التي ~~أسهرت ليلك، وأقضت مضجعك، وأقعدتك على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فإياك ~~والعود إلى مثلها يطل غمك، ويسود عيشك، والسلام. # PageV02P331 ### | كتاب يأس # كتابي إلى سيدي ومولاي والنفس بين جنة من الأمل تغن أشحارها، وترن ~~أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، وهاجرة من اليأس تتلظى نارها، ~~ويعتلج أوارها، وتحول بين الجفون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط ~~به الخوف فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر, ثم يدركه الأمن فيقر في ~~مستقره قرار الماء في نهاية منحدره، وحالي كحال هذه الدنيا تضطرب ما بين ~~فرح وهم، وسرور # PageV02P331 # وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر، أذكر الله ورحمته وإحسانه، ورأفته وحنانه، ~~فيشرق لي من خلال ذكراه وجه الحياة الناضر، وثغرها البارق، وجمالها الساطع، ~~وبشرها الضاحك، ثم أذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في ~~طياتها لبنيها من عثرات، في الخطوات، ونكبات، في الغدوات والروحات، وما ~~أخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها، والقلوب وأمانيها، ~~فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية ~~أن تصدعا، ms347 فليت الله يصنع لي فيمطر علي قطرة واحدة من غيوث رحمته وإحسانه ~~أبل بها غلتي، وأطفئ بها لوعتي، أو ليت القدر ينشب أظافره بين سحري1 ونحري ~~نشوبا لا يستبقي بعده عرقا نابضا، ولا نفسا مترددا، فيستخلصني من موقف أنا ~~فيه كالمريض المشرف, لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى. # يقولون: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة ~~القضاء، وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، ~~والخوف من الجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل ~~الباطل، PageV02P332 # وما ليلة نابغية ضرير نجمها، حالك ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق ~~الظبى خيفة وحذارا، فوق أرض تعزف جنانها1، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، ~~وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، ~~بأسوأ في نفسه أثرا من رجاء كاذب يتردد بين جنبيه، تردد الغصة بين لحييه، ~~لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها. # قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، ~~أن أراها ساربة في مساربها، سارحة في مسارحها، تتناول رزقها رغدا من بوارق ~~المصادفات، ومفاجآت المقادير، لا يعنيها الأسف على فائت من العيش، ولا ~~يقلقها الطمع في آت من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب2، ~~فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، وسعدها ونحسها، ونعيمها ~~وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي أسقطت على ~~الموت أم سقط الموت عليها. # فمن لي بهذا العيش من عيش مثلي فيه كمثل رجل عثرت به قدمه, فسقط في جوف ~~بئر بعيد غورها، ناء مكانها، فما زال يتخبط PageV02P333 # ويضطرب، ويهب ويثب، حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها ثم تلمس أخرى غيرها فما ~~وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره على الأولى ~~فسقط فخاف الغرق, فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغ رأس البئر ~~فينجو من الموت، ولا هو بالغ قرارة الماء، فينجو من الشقاء. # ارم بطرفك حيث شئت من الناس, هل تبصر ms348 إلا صريعا صرعه أمله، أو قتيلا قتله ~~رجاؤه، أو صديقا يشكو غدر صديق كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب ~~عليه، أو باكيا يبكي وليدا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ~~ساعيا دائبا وراء غاية يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا ~~يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ساهرا متململا لولا أمله أن تنيله الأيام ما ~~يشتهيه من هواه ما بات ليله شاكيا باكيا، داعيا مناجيا، لا تراه إلا عين ~~السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء. # هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعا وأفارق ~~عشيرتي وصحبتي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني ~~ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير دواء, لأمراض الرجاء. # PageV02P334 # فها أنذا قابع في كسر بيتي لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، ~~أتخيل البيت قبرا، والثوب كفنا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج ~~نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ ~~الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك, والسلام. # PageV02P335 ### | الكلمات # الجرائد: # لا أرى الصحف في مصر إلا ناديا من أندية القمار, ولا هؤلاء الكتاب إلا ~~جماعة من اللاعبين قد وضعوا رءوس المصريين على مائدة اللعب كما توضع الأكر ~~على طاولة "البليار"، ثم داروا حولها يلعبون بها ويتدافعونها فيكسبها في ~~الصباح "زيد"، ويخسرها في المساء "عمرو"، وربما لا يأتي آخر الليل حتى يدور ~~النحس دورته عليهم جميعا، فيخسرها الكل ويكسبها صاحب النادي. # عبد الحميد: # حضرت منذ أشهر قلائل تمثيل رواية في مسرح عربي, اختتمها جوق التمثيل ~~بنشيد للسلطان عبد الحميد يصفه فيه ناظمه بالعدل والرحمة, والرفق والإحسان ~~ويدعو له بسلامة عرشه، وطول بقائه، فما سمع الناس اسمه حتى هتفوا له هتافا ~~يصم المسامع وصفقوا له تصفيقا كاد يضم أضلاع المسرح بعضها إلى بعض، # PageV02P336 # وحضرت ليلة أمس منظرا من مناظر الصور المتحركة, فرأيتهم يمثلون ذلك ~~السلطان بعينه رجلا ظالما سفاحا ضعيف الهمة ساقط النفس زمن المروءة جبانا ~~مستطارا، ورأيتهم قد عمدوا إلى ms349 صورته فجعلوها مواطئ أقدامهم، ومضارب ~~سيوفهم، فما رأى الناس هذا المنظر حتى راق في أعينهم وابتهجوا لمرآه ~~ابتهاجا ملأ فضاء صدورهم، فتمشى في أعصاب أدمغتهم، حتى وصل إلى أعصاب ~~أيديهم، فصفقوا له تصفيقا شديدا بتلك الأكف التي رأيتهم يصفقون بها في مسرح ~~التمثيل. # أنا لا أعلم إن كان عبد الحميد ظالما أو عادلا، كريما أو لئيما، شريفا أو ~~وضيعا، وإنما أعلم أنني سأموت قبل أن أقف على حقيقة تاريخية في أمره ما دام ~~الناس عامتهم وخاصتهم, كتابهم وشعراؤهم, علماؤهم وجهلاؤهم، هم الناس الذين ~~يقول فيهم القائل: # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل # الشهرة: # لا يمكن أن تكون الشهرة بحال من الأحوال ميزانا للفضل في مصر خصوصا في ~~عالم الأدب، ولن يجري الفضل والذكر في ميدان واحد إلا إذا سلم السباق من ~~كيد العابث # PageV02P337 # وخدعة الأريب، وأنى لنا ذلك وفي شعراء مصر من يغتصب الشهرة اغتصابا ~~ويلصقها بنفسه إلصاقا وينزع إليها بوسائل لو عرفها الناس لأنزلوه منزلته، ~~وألبسوه حلته، بينما ترى الآخر قد قنع من أدبه بلذة نفسه، وإمتاع جدانه، ~~فلا يترنم بقصائده في المنتديات والمجامع، ولا يبتاع من الصحف الأسماء ~~والألقاب، ولا يستخدم الكتاب لإطرائه والإشادة بذكره، ولا يتمم ما يجده من ~~النقص في أدبه بالغض من أدب غيره، فترى للأول في هذا البلد الساذج دويا ~~كدوي الرعد، وترى الآخر مطرحا مجفوا لا يؤبه له، والدر في الصدف أغلى قيمة ~~وأرفع قدرا من جميع ما على وجه الأرض من ألواح البلور، وإن كان ملأ العيون ~~حسنا وبهاء، ورونقا وماء. # فكاهة: # حدثني بعض الأصدقاء أنه دخل في أيام الحرب الروسية اليابانية حانوت حلاق ~~معروف بالثرثرة أكثر من أفراد طائفته ليحلق له رأسه، وكان عنده جماعة من ~~زائريه, فأجلسه على كرسي أمام مرآة وأمسك بالموسى وأنشأ يحلق له رأسا حلقا ~~غريبا لا عهد له بمثله من قبل، فكان يحلق بقعة ويترك إلى جانبها أخرى ~~مستطيلة أو مستديرة وأخرى مثلثة أو مربعة حتى ريع الرجل # PageV02P338 # وظن أن الحلاق ms350 قد أصابه مس من الجنون، فارتعش بين يديه وخاف أن يمتد به ~~جنونه إلى ما لا تحمد عقباه، واعتقل لسانه فما يستطيع أن يسأله عن سر عمله ~~هذا. # فما انتهى الحلاق من أشكاله الهندسية ورسومه الجغرافية حتى التفت إلى ~~جلسائه وقال لهم كأنه يتمم حديثا سابقا بينه وبينهم: لأجل فض النزاع بيننا ~~ها قد رسمت لكم خريطة الحرب الروسية اليابانية في رأس "الزبون" هنا طوكيو، ~~وهنا بور أرثر، وهنا انكسر كروباتكين، وهنا انتصر أوياما، وفي هذا الخط مر ~~الأسطول الروسي، وفي هذه البقعة تلاقى الأسطولان، وهنا أخذ يتكلم بحدة ~~وحماسة عن شجاعة اليابان وبسالتهم, ثم أردف كلامه بقوله: "وفي هذه البقعة ~~ضرب اليابانيون الروس الضربة القاضية" وضرب بجمع يده أم رأس الزبون، فقام ~~صارخا يولول ويهرول مكشوف الرأس يلعن السياسة والسياسيين، والروس ~~واليابانيين، والناس أجمعين. # لا أعلم إن كان المحدث هازلا أو مجدا، وإنما أعلم أنه قد أجاد التمثيل. # PageV02P339 # الأقسام: # لا أعرف فرقا بين حنث الحانث في يمينه، وكذب الكاذب في حديثه، كلاهما ~~ضعيف المنة، وكلاهما ساقط الهمة، وكما لا يستطيع الكاذب أن يكون صادقا كذلك ~~لا يستطيع الحانث أن يكون بارا، وناقض العهد أن يكون وفيا، فخداع من ~~المتكلم أن يزعم أن لأحاديثه من الشأن في مواقف الأقسام ما ليس لها في غير ~~تلك المواقف، وأنه يتحرج في الحنث ما لا يتحرج في الكذب، فإن من يستصغر جرم ~~الكذب لا يستكبر من بعده جرما. # الدين: # أيها الناشئ: إن من الناس قوما قد ضعفت نفوسهم عن احتمال ثقل الدين ~~وسلطان أمره ونهيه, فخرجوا عليه ونبذوا طاعته، ثم علموا أن الناس سيأخذون ~~عليهم ضعفهم وعجزهم فلم يجدوا معذرة يعتذرون بها إليهم غير دعوى إنكار ~~الدين وجحوده استثقالا وتبرما لا تقلدا وتمذهبا وما هم بمنكريه ولا جاحديه، ~~فاعلم أن الله سيبتليك بهم وأنهم سيزينون لك إنكار ما يزعمون أنهم ينكرونه ~~وسيخيلون إليك أنك لن تستطيع أن تبلغ ما تريد من هذه المدنية الحاضرة وأن ~~تنال الخطوة الباسقة في نفوس أصحابها إلا إذا ms351 تنكرت لدينك وتسلبت منه وخفرت ~~ذمته، فاحرص # PageV02P340 # الحرص كله على أن لا يعلق بنفسه عالق من هذه الخيالات الباطلة، واعلم أنك ~~إلى نفسك أحوج منك إلى الناس, وأن الناس لا يغنون عنك من الله شيئا إن أنت ~~آثرت مرضاتهم على مرضاته, وأن هذه الحياة الحافلة بصنوف الشقاء وأنواع ~~الآلام والتي لا يفيق المرء فيها من غمرة إلا إلى غمرة، ولا يئل من عثرة ~~إلا إلى عثرة، لا يعين عليها إلا عقيدة راسخة يلوذ بها الحائر كلما عثرت ~~خطواته، وتداركت عثراته، ويستروح من أعطافها رائحة الجنة كلما ضاق ذرعه ~~باحتمال جحيم العذاب. # الحقيقة: # قال لي بعض الناس: إن قوما يغرقون في مدحك فهلا زجرتهم، فقلت له: إن ~~آخرين قد أغرقوا في ذمي فلم أصنع شيئا، فدع الأكاذيب يقرع بعضها بعضا, ~~فربما استطارت من تلك المعركة شرارة تضيء للناس مكان جوهرة الحقيقة المذالة ~~تحت الأقدام فيلتقطونها. # الانتقاد: # بين نقد المؤلفات هنا ونقدها هناك فرقان؛ أحدهما يتعلق بالناقد والآخر ~~يتعلق بأثر النقد في الأذهان، أما الأول فهو أن الناقد هناك ينتقد الكتاب ~~من حيث ذاته، فلو لم يكن للكتاب # PageV02P341 # صاحب لانتقده، وهنا ينتقده باعتبار شخص مؤلفه، أي: إنه لا ينتقد الكتاب، ~~بل صاحب الكتاب في كتابه، وأما الثاني وهو أثر طبيعي للأول, فهو أن ~~للانتقاد هناك أثرا ظاهرا في الكتاب من حيث رواجه وكساده، وشهرته وخموله، ~~فكما يقول المنتقد يقول الناس بقوله، وهنا يمر الانتقاد بالأذهان مرا فلا ~~يبقى من آثاره فيها إلا أثر واحد، وهو أن الكتاب جليل القدر سني القيمة ~~ولولا ذلك ما احتفل بأمره محتفل؛ لذلك رأيت كثيرا من عقلاء الأدباء لا ~~يرضون عن أنفسهم في هذا البلد إلا إذا انتقد الناقدون مؤلفاتهم، بل رأيت من ~~يتوسل إلى أحد الناقدين أن ينتقد مؤلفه، بل رأيت من يبلغ به الأمر أن ينتقد ~~كتابه بنفسه بتوقيع منحول، أولئك الذين يعرفون قيمة المنتقدين عندنا وأثر ~~انتقاداتهم في نفوسنا، أما الذين يغضبهم الانتقاد ويحرج صدورهم فهم الذين ~~لا يعرفون من هذا ولا ذاك شيئا. ms352 # الحزم: # إن الدرهم الذي تمنحه لمن لا يستحقه يخرج من يدك فلا تجده في اليوم الذي ~~ترى فيه أمامك من يستحقه، وإن الدينار الذي تعطيه للشارب ليشتري به كأسا ~~يقتل بها نفسه لا يتيسر لك أن تعطيه للفقير العائل ليشتري به رغيفا يسد به ~~جوعة ولده. # PageV02P342 # الألم: # إن في كثير من الآلام التي نعالجها لذائذ ومسرات يدركها من عرف أن ~~الإنسان بطبيعته غافل عما يهدده من مصائب هذه الحياة وأرزائها, وأن الآلام ~~الضعيفة التي تناله من العثرات الصغيرة نذر تأتيه من عالم الغيب؛ لتحذره من ~~الآلام الشديدة التي تناله من السقطات الكبيرة. # الغفران: # ليس الحقد واحتمال الضغينة غريزة من الغرائز اللازمة للإنسان, فإن الرجل ~~قد يصفح عن سيئات الأطفال؛ لأنهم لا يملكون الخيار لأنفسهم, ويذكر لأصحاب ~~السيئات من الموتى حسناتهم؛ لأن الزمن الذي ذهب بهم ذهب بخيرهم وشرهم, فلم ~~لا نغتفر ذنوب أولئك الذين ما أذنبوا إلا بعد حرب مستعرة قامت بين عقولهم ~~وقلوبهم ثم سقطوا على أثرها صرعى لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا؟ # الدعوى: # إن أردت أن تكون في الأمة الجاهلة كل شيء فادع لنفسك كل شيء، تنل بقولك ~~في الزمن القصير ما لا ينال غيرك بفعله في # PageV02P343 # الزمن الطويل، فإن الكاذب لا يزال يكذب حتى يصدقه الناس ثم لا يزال يكذب ~~حتى يصدق نفسه. # الدين والوطن: # من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية ~~غادرا فاجرا فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر، وإن الفضيلة للإنسان ~~أفضل الأوطان، فمن لم يحرص عليها فأحرى به ألا يحرص على وطن السقوف ~~والجدران. # الحلم: # إذا توردك متورد بكلمة سوء فلا تبتئس بها، فإنك في موقفك هذا بين اثنتين، ~~إما أن يكون الرجل صادقا فيما يقول أو كاذبا، فإن كانت الأولى فاحمد الله ~~تعالى على أن قيض لك من أرشدك إلى عيبك وكشف لك عن خبيئة نفسك, وإن كانت ~~الأخرى فاربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين الذين يتوهمون أن في استطاعة ~~الأكاذيب ms353 أن تبقى طويلا على ظهر الأرض. # الأدب: # لا تكافئ السفيه على سفهه بمثله؛ فإنك إن فعلت قضيت له على نفسك, وأصبحت ~~شريكه في الخلة التي تزعم أنك تنقمها عليه، # PageV02P344 # فإن كنت لا بد منتقما فليكن مثلك مثل الأحنف بن قيس؛ إذ جاءه رجل قد جعل ~~له بعض الناس جعلا على أن يغضبه, فما زال يسبه ويشتمه ويلح في ذلك إلحاحا ~~محرجا والأحنف ساكت لا يقول شيئا, حتى ضاق بالرجل أمره فانقلب إلى قومه ~~باكيا نادبا يأكل أصبعه أكلا ويقول: والله ما سكت عني إلا لهواني عليه. # الأخلاق: # مثل المتعلم غير المتأدب كمثل شجرة عارية لا تورق, ولا تثمر قد انتصبت ~~للناس في ملتقى الطريق تعترض الرائح وتصد سبيل الغادي, فلا الناس بظلها ~~يستظلون، ولا هم من شرها ناجون. # الاعتدال: # بين الجبن والتهور منزلة هي الشجاعة والإقدام، وبين البخل والإسراف منزلة ~~هي الكرم، وبين العفو والانتقام منزلة هي العقوبة، وبين العجز والجهل منزلة ~~هي الحكمة، فليكن من أفضل ما تأخذ به نفسك التريث والتثبت عند النظر في ~~الفرق بين مشتبه الفضائل والرذائل، واعلم أنك لا تزال كريما حتى تنفق مالك ~~في غير موضعه فإذا أنت مسرف، وأنك لا تزال حليما حتى تغضب للباطل فإذا أنت ~~جهول، وأنك لا تزال جبانا حتى تقاتل عن عرضك # PageV02P345 # وشرفك فإذا أنت شجاع، وأن كل الناس يعرفون الفضائل والرذائل ويفهمون ~~معانيها، أما إدراك الفروق بين مشتبهاتها ونظائرها فتلك رتبة العقلاء ~~الأذكياء. # البر: # ربما كان لك من أبويك أو من ذوي رحمك ممن تولوا شأنك في مفتتح عمرك من لم ~~تساعده شئون دهره أو عصور نشأته على أن ينال حظا من العلم والمعرفة مثل ما ~~نلت، فإياك أن يدعوك ذلك إلى تسفيهه أو تجبيهه أو السخرية به أو الإدلال ~~بنفسك عليه؛ فإنك إن فعلت خسرت من الأدب أضعاف ما كسبت من العلم، على أنه ~~ربما كان لكبيرك هذا الذي عققته وظلمته وكفرت بفضل نعمته عليك من العلم ~~بتجارب الحياة ومقاتلها وموارد الأمور ومصادرها ما يبهر علمك الذي ms354 تعتد به ~~وتدل بمكانك منه عليه، وهنالك تكون قد خسرت فوق خسران أدبك ما كان خليقا بك ~~أن تتلقاه بين يديه من علوم التجارب التي ليست علوم الدراسة بالإضافة إليها ~~إلا كالنقطة من البحر، والمدرة من القفر. # الرأي العام: # ليس إجماع ألف أو عشرة آلاف أو مائة ألف متأثرين # PageV02P346 # بشعور واحد مستمدين من روح واحدة على رأي من الآراء, دليلا على صحة ذلك ~~الرأي؛ لأنه قد يكون رأي فرد واحد تأثر به الباقون تقليدا وعدوى، ورأي ~~الواحد مترجح بين الخطأ والصواب. # الزعامة: # لا يشترط في قيادة الجموع أن يكون القائد مفرطا في الذكاء أو العقل أو ~~الدهاء، بل يكفيه من ذلك كله شيء من العلم بأذواق أتباعه وميولهم وسبل ~~الوصول إلى قلوبهم, لا يزيد على علم التاجر بأذواق زبائنه ورغباتهم. # الاستقلال: # لا سبيل للإنسان إلى الخلاص من الاندفاع في تيار الجماعات وضلالها مهما ~~كان ذكيا أو مفكرا إلا إذا حبس نفسه عن الانضمام إليها, أو كان له من عزيمة ~~الرأي وقوة النفس ما يمكنه من تربية نفسه على التجرد حتى يصير طبيعة له, ~~فيحضرها شاهدا كغائب ومجتمعا كمنفرد. # روح الاجتماع: # ليس حب الجماعة لبعض الناس وبغضهم لآخرين دليلا على رفعة من يحبون وضعة ~~من يبغضون، وليست جرائمهم التي يقترفونها باسم الشعور الذي يشتركون فيه ~~دليلا على أن من يقتلون # PageV02P347 # يستحق القتل أو من يشتمون يستحق الشتم أو من يحتقرون يستحق الاحتقار، بل ~~كثيرا ما تكون الحقيقة على العكس من ذلك عندما يكون قائد تلك الجماعة من ~~أشرار الناس, وأدنيائهم. # الاندفاع: # ليس انضمام فرد من أذكياء الناس وعقلائهم إلى جماعة من الجماعات دليلا ~~على فضل تلك الجماعة أو شرف مقاصدها أو صحة مبادئها؛ لأنه لا يجتاز عتبة ~~مجتمعها إلا بعد أن يخلع عقله ومواهبه مع ردائه وعصاه خارج بابه. # الشقاء: # السبب في شقاء الإنسان أنه دائما يزهد في سعادة يومه ويلهو عنها بما ~~يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرا من يومه، ~~فهو لا ينفك ms355 شقيا في حاضره وماضيه. # اللفظ والمعنى: # لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي الذين ~~يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى, ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة ~~الآخر فيقولون: ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها رديئة, أو ما ~~أبدع معاني هذه القطعة وإن كان أسلوبها قبيحا كأنما يخيل إليهم أن اللفظ # PageV02P348 # وعاء وأن المعنى سائل من السوائل يملأ ذلك الوعاء, فتارة يكون خمرا وتارة ~~يكون خلا ويكون حينا صافيا وأخرى كدرا, وما علموا أنهما متحدان ممتزجان ~~امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها, فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس ~~وأقبح شعاعها, ولا ما أعذب الخمرة وأمر نشوتها كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ ~~بالجمال والمعنى بالقبح أو نعكس ذلك. وليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ ~~كيان مستقل بنفسه, فجماله جمال معناه وقبحه قبحه, وأن القطع الأدبية التي ~~نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها, وأن الذين يزعمون من ~~الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معان ~~شريفة عالية كاذبون في زعمهم أو واهمون. # "تم الجزء الثاني من النظرات" # PageV02P349 ### | فهرست الجزء الثاني من النظرات # صفحة # 3 الحياة الذاتية # 10 العبرات # 15 دمعة على الإسلام # 22 السياسة # 25 خداع العناوين # 34 الإغراق # 38 اللقيطة # 47 الصندوق # 51 الغناء العربي # 61 التوبة # 70 الحسد # 73 الوفاء # 78 خبايا الزوايا # 83 الجامعة الإسلامية # 93 القمار # 97 الأوصياء # 106 العام الجديد # 111 سحر البيان # 124 الكبرياء # 129 الانتحار # 133 الحياة الشعرية # 137 رباعيات الخيام # 142 إلى تولستوي # 149 مقدمة مختارات المنفلوطي # 157 وا رحمتاه # 162 خطبة الحرب # 167 الإنسانية العامة # 172 أدوار الشعر العربي # 175 حوانيت الأعراض # 180 الرثاء # 191 الشعر # 202 الشهيدتان # 207 الدعاء # 212 ليلة في التمثيل # 216 الكوخ والقصر # 219 حول سرير الموت # 229 غدر المرأة # 235 الضاد # PageV02P350 # صفحة # 238 سياحة في كتاب # 246 دمعة على الأدب # 249 الصحافة # 255 التماثيل # 265 مدرسة الغرام # 270 أمس واليوم # 283 المرقص # 289 ms356 البعث # 327 "الرسائل" # 327 كتاب في التقاضي # 327 كتاب مقاطعة # 329 كتاب تهكم # 331 كتاب يأس # 336 "الكلمات" # 336 الجرائد # 336 عبد الحميد # 337 الشهرة # 338 فكاهة # 340 الأقسام # 340 الدين # 341 الحقيقة # 341 الانتقاد # 342 الحزم # 343 الألم # 343 الغفران # 343 الدعوى # 344 الدين والوطن # 344 الحلم # 344 الأدب # 345 الأخلاق # 345 الاعتدال # 346 البر # 346 الرأي العام # 347 الزعامة # 347 الاستقلال الفكري # 347 روح الاجتماع # 348 الاندفاع # 348 الشقاء # 348 اللفظ والمعنى # "تم الفهرست" # PageV02P351 ### | المجلد الثالث ### | البيان # ... # البيان: # عرفت فيما مضى من الأيام أديبا كان من أكبر أدباء هذا البلد المضطلعين ~~باللغة وفنونها، الحافظين للكثير الممتع من منظومها ومنثورها، وكان لا يكتب ~~كلمة في صحيفة ولا ينشر في الناس كتابا إلا أعجم كتابته وأبهمها وتعمل فيها ~~تعملا يأخذ على القارئ عقله وفهمه فلا يدري أي سبيل يأخذ بين مسالكها ~~وشعابها، وكنت أحسبها غريزة من غرائزه الغالبة عليه الآخذة التخلص منها ~~والنزوع عنها حتى اطلعت له عند بعض أصدقائه على كتاب صغير كان قد أرسله ~~إليه في بعض الشئون الخاصة به وكتبه بتلك اللغة السهلة البسيطة التي ~~يسمونها اللغة العادية، فأعجبت بأسلوبه في كتابه هذا إعجابا كثيرا ورأيت ~~أنه أبلغ ما قرأت له في حياتى من كتب ورسائل، وعلمت أن الرجل فصيح بفطرته ~~قادر على الإبانة عن أغراضه ومراميه كأفضل ما يقتدر مقتدر على ذلك إلا أنه ~~يتكلف الركة والتعقيد في كتابته # PageV03P003 # تكلفا ويأخذ نفسه بهما أخذا، ولو أنه أرسل نفسه على سجيتها فكتب جميع ~~رسائله ومؤلفاته بتلك اللغة الجميلة العذبة التي كتب بها كتابه هذا لكان من ~~أعظم الكتاب شأنا وأكثرهم نفعا وأرفعهم صوتا في عالم الكتابة والأدب، ولكن ~~هكذا قدر له أن يقضي بنفسه على نفسه حتى مات رحمة الله عليه فماتت بموته ~~نفثاته وآثاره. # وقرأت منذ أيام لأحد الشعراء المتكلفين ديوان شعر فلم أفهم منه غير خطبته ~~النثرية ولم يعجبني فيه سواها، وما أحسبها أفلتت من يده ولا جاءت على هذه ~~الصورة من الجودة والحسن إلا ms357 لأنه أغفل العناية بها والتدقيق في وضعها ~~فأرسلها عفو الخاطر إرسال من يعلم أنه إنما يسئل عن الإجادة في الشعر لا في ~~النثر، وأن الناس سيتغفرون له ضعف الكاتب أمام قوة الشاعر، غير عالم أنه ~~كاتب أفصح الكتاب وأبينهم، ولو شاء لكان شاعرا من أقدر الشعراء وأفضلهم، ~~وأنه ما أحسن إلا حيث ظن الإساءة ولا أساء إلا حيث ظن الإحسان. # ووالله ما أدري ما الذي يستفيده هؤلاء الكتاب والشعراء من سلوكهم هذا ~~المسلك الوعر الخشن في أساليبهم الكتابية والشعرية وتكلف الإغراب والتعقيد ~~فيها وهم يعلمون أنهم إنما يكتبون لا لأنفسهم وإن الناس خصوصا في مثل هذا ~~العصر # PageV03P004 # عصر المدنية والعمل والحركة والنشاط أضن بأنفسهم وبأوقاتهم من أن يقفوا ~~الوقفات الطوال أمام بيت من الشعر يعالجون فهمه أو شطر من النثر يعانون كسر ~~صخور ألفاظه عن كوامن معانيه، ولم لا يؤثر أحدهم إن كان يكتب للمنفعة ~~العامة أن يستكثر من سواد المنتفعين بعلمه وفضله أو للشهرة والذكر أن ينتشر ~~له ما يريد من ذلك بين جميع طبقات الأمة عامتها وخاصتها جاهلها وعالمها، ~~وهل الشعر والكتابة إلا أحاديث سائرة يحادث بها الشعراء والكتاب الناس ~~ليفضوا إليهم بخواطر أفكارهم وسوانح آرائهم وخلجات نفوسهم؟ وهل يعني ~~المتحدث في حديثه شيء سوى أن يعي عنه الناس ما يقول وأن يجد بين يديه سامعا ~~مصغيا ومقبلا محتفلا: وأي فرق بين أن يجلس الرجل إلى جمع من أصدقائه ليقص ~~عليهم بعض القصص أو يفضي إليهم ببعض الآراء فيتلطف في تفهيمهم وإيصال ~~معانيه إلى نفوسهم ويفتن في اجتذاب ميولهم وعواطفهم وبين أن يجلس إلى مكتبه ~~ليبعث إليهم بهذه الأحاديث نفسها من طريق القلم، ولم لا يعنيه في الأخرى ما ~~يعنيه في الأولى. # ليس البيان ميدانا يتبارى فيه اللغويون والحفاظ أيهم أكثر مادة في اللغة ~~وأوسع اطلاعا على مفرداتها وتركيبها وأقدر على # PageV03P005 # استظهار نوادرها وشواذها ومترادفاتها ومتوارداتها، ولا متحفا لصور ~~الأساليب وأنواع التراكيب، ولا مخزنا لحقائب المجازات والاستعارات، وغياب ~~الشواهد والأمثال، فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره إنما ms358 يعنى بها ~~المؤلفون والمدونون وأصحاب القواميس والمعاجم وواضعو كتب المترادفات ومصنفو ~~تواريخ اللغة وتواريخ آدابها، أما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس ~~تصويرا صادقا يمثله في ذهن السامع كأنه يراه ويلمسه لا يزيد على ذلك شيئا، ~~فإن عجز الشاعر أو الكاتب مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه عن أن يصل ~~بسامعه إلى هذه الغاية، فهو إن شئت أعلم العلماء، أو أفضل الفضلاء، أو أذكى ~~الأذكياء، ولكنه ليس بالشاعر ولا بالكاتب. # ما أشبه الجمود اللغوي في هذه البيئة العربية بالجمود الديني، وما أشبه ~~نتيجة الأول بنتيجة الآخر، لم يزل علماء الدين يتشددون فيه ويتنطعون ~~ويقتطعون من هضبته الشماء صخورا صماء يضعونها عثرة في سبيل المدنية ~~والحضارة حتى صيروه عبئا ثقيلا على كواهل الناس وأعناقهم فمله الكثير منهم ~~وبرموا به وأخذوا يطلبون لأنفسهم الحياة الطيبة من طريق غير طريقه، ولو ~~أنهم لانوا به مع الزمان وصروفه وتمشوا بأوامره ونواهيه مع شئون # PageV03P006 # المجتمع وأحواله لاستطاع الناس أن يجمعوا بين الأخذ بأسباب دينهم والأخذ ~~بأسباب دنياهم، ولم يزل جماعة اللغويين وعبدة الألفاظ والصور يتشددون في ~~اللغة ويتحذلقون، ويتشبثون بالأساليب القديمة والتراكيب الوحشية ويغالون في ~~محاكاتها واحتذائها، ويأبون على الناس إلا أن يجمدوا معهم حيث جمدوا، ~~وينزلوا على حكمهم فيما أرادوا، ويحاسبون الكاتبين والناطقين حسابا شديدا ~~على الكلمة الغريبة والمعنى المبتكر ويقيمون المناحات الشعواء على كل تشبيه ~~لم تعرفه العرب وكل خيال لم يمر بأذهانهم حتى ملهم الناس وملوا اللغة معهم ~~فتمردوا عليهم وخلعوا طاعتهم وطلبوا لأنفسهم الحرية اللغوية التامة في جميع ~~مواقفهم وعلائقهم فسقطوا في اللغة العامية في أحاديثهم وشبه العامية في ~~كتاباتهم، وكادت تنقطع الصلة بين الأمة ولغتها لولا أن تداركها الله برحمته ~~فقيض لها هذا الفريق العامل المستنير من شعراء العصر وكتابه الذين عرفوا سر ~~البيان وأدركوا أسلوبا وسطا معتدلا جمعوا فيه بين المحافظة على اللغة ~~وأوضاعها وأساليبها وبين تمثيل روح العصر وتصوير أسرار الحياة، ولولاهم ~~لبقيت اللغة في أيدي الجامدين فماتت، أو غلبت عليها العامية فاستحالت # PageV03P007 # قال لي أحد ms359 المتكلفين في معرض الاعتذار عن نفسه وقد عتبت عليه في هذا ~~المنهج الخشن الوعر الذي ينهجه في أسلوبه: # أنت تعلم أن الناس في هذا البلد قد ألفوا من طريق خطأ الحس أن ينظروا ~~بعين الإجلال والإعظام إلى كل أسلوب شعري أو كتابي معقد غامض وأن تفهت ~~معانيه وهانت أغراضه، وبعين الإزدراء والاحتقار إلى الأساليب السهلة ~~البسيطة وأن اشتملت على أشرف الأغراض وأبرع المعاني، أي أنهم لا يرون ~~السهولة والانسجام حتى يتوهموا التفاهة والسفولة ولا يرون الركاكة ~~والمعاظلة حتى يظنوا الحذق والبراعة وسمو المعاني وشرفها، وهي حالة طبيعية ~~في جميع النفوس البشرية أن تزدري المبذول لها وتستثنى قيمة الممنوع عنها، ~~وليس هذا شأنهم مع أدباء العصر الحاضر فحسب بل مع أدباء كل عصر وجيل، فهم ~~يسمون البحتري وأبا نواس والشريف الرضي وأمثالهم شعراء الألفاظ، ويسمون ~~المتنبي والمعري وابن الرومي وأشباهم شعراء المعاني، وليس بين الأولين ~~والآخرين فرق في جودة المعاني وشرفها إلا أن الأولين أمطروها على الناس ~~وبعثروها تحت أقدامهم فهانت عليهم، وضن لها الآخرون ووعروا سبيلها فعظمت في ~~أعينهم وجلت في صدورهم، قال ولقد عرضت السلعتين في سوق الأدب فكتبت أتفه ~~المعاني # PageV03P008 # وأدونها في أخشن الأساليب وأوعرها فنفقت في تلك السوق نفاقا عظيما، وكثر ~~المعجبون بها والمكبرون لها، وكتبت أشرف المعاني وأبرعها في ألطف الأساليب ~~وأعذبها فما أبه لها إلا القليل من الناس وربما لم يأبه لها أحد، فلم أربد ~~من أن أنتهج لنفسي في الكتابة الخطة التي أعلم أنها أجدر بي وأجدى بي وأدرى ~~علي. # فعجبت لرأيه هذا عجبا شديدا وقلت له أما هذا الذي تذكره فإني لا أعرفه ~~إلا لفئة قليلة من المشتغلين بالأدب فاسدة الذوق لا يعبأ بها عابي، وليس ~~هذا رأي جمهور المتأدبين بل ولا رأي العامة من أبناء هذه اللغة، وهب أن ~~الأمر كما تقول فالأدب ليس سلعة من السلع التجارية لاهم لصاحبها سوى أن ~~يحتال لنفاقها في سوقها، إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون ~~بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص المشتغلين ms360 ببقية الفنون لفنونهم، ~~والأدباء هم قادرة الجماهير وزعماؤهم فلا يحمل بهم أن ينقادوا للجماهير ~~وينزلوا على حكمهم في جهالاتهم وفساد تصوراتهم، وما زلت به حتى أذعن للرأي ~~الذي رأيته له فحمدت الله على ذلك # PageV03P009 # ليس من الرأي ولا من المعقول أن ينظم الشعراء الشعر ويكتب الكتاب الرسائل ~~في هذا العصر عصر الحضارة والمدنية وبين هذا الجمهور الذي لا يعرف أكثر من ~~العامية إلا قليلا باللغة التي كان ينظم بها امرؤ القيس وطرفة والقطامي ~~والخطفى ورؤبة والعجاج ويكتب بها الحجاج وزياد وعبد الملك بن مروان والجاحظ ~~والمعري في عصور العربية الأولي، فليس عصرنا كعصرهم ولا جمهورنا كجمهورهم، ~~وأحسب لو أنهم بعتوا اليوم من أجداثهم لما كان لهم بد من أن ينزلوا إلى ~~عالمنا الذي نعيش فيه ليخاطبونا بما نفهم أو يعودوا إلى مراقدهم من حيث ~~جاءوا. # ليست الأساليب اللغوية دينا يجب أن نتمسك به ونحرص عليه حرص النفس على ~~الحياة، إنما هي أداة للفهم وطريق إليه لا تزيد على ذلك ولا تنقص شيئا. # يجب أن نحافظ على اللغة باتباع قوانينها والتمسك بأوضاعها ومميزاتها ~~الخاصة بما ثم نكون أحررا بعد ذلك في التصور والتخيل واختيار الأسلوب الذي ~~نريد. # يجب أن يشف اللفظ عن المعنى شفوف الكأس الصافية عن الشراب حتى لا يرى ~~الرائي بين يديه سوى عقل الكاتب ونفس الشاعر وحتى لا يكون للمادة اللفظية ~~شأن عنده أكثر # PageV03P010 # مما يكون للمرآة من الشأن في تمثيل الصور والمخائل. # يجب أن يتمثل المعنى في ذهن المتكلم قبل أن يتمثل اللفظ حتى إذا حسن ~~الأول أفاض على الثاني جماله ورونقه، فاللفظ لا يجمل حتى يجعل المعنى، بل ~~لا مفهوم للفظ الجميل إلا المعنى الجميل. # لو لم يكن للفصاحة قانون يرجع إليه من يريد معرفتها ومقياس تقاس عليه ~~لوجب أن يكون قانونها العقلي أن يترك القائل في نفس السامع الأثر الذي ~~يريده، فإن عجز عن ذلك فلا أقل من أن يصور له المعنى القائم في نفسه، فإن ~~لم يكن هذا ولا ذاك فاحتراف أي حرفة من ms361 الحرف مهما صغر قدرها واتضح شأنها ~~أعود بالنفع على الأمة وأجدى عليها من حرفة القلم. # لا يبك شاعر بعد اليوم ولا كاتب سقوط حظه في الأمة ولا يقض حياته ناعيا ~~عليها جهلها وقصورها كلما رآها منقبضة عنه غير حافلة به ولا متطلعة لا ~~يقنعها من قلم الشاعر أن يرن على صفحة القرطاس دون أن يطربها ويملك ~~عواطفها، ولا من قلم الكاتب أن يسود وجه الصحف دون أن ينير لها أذهانها ~~ويغذي عقولها ومداركها، فإن كان لا بد باكيا فليبك على نفسه ولينع عجزه ~~وقصوره، وليعلم أنه لو استطاع أن يكتب للأمة ما تفهم # PageV03P011 # لاستطاعت الأمة أن تفهم عنه ما يقول. # إنني لا ألوم على الركاكة والفهامة الأغبياء الذين أظلمت أذهانهم فأظلمت ~~أقلامهم وظلمة القلم أثر من آثار ظلمة العقل، ولا الجاهلين الذين لم يدرسوا ~~قوانين اللغة ولم يمارسوا أدبها ولم يتشبعوا بروح منظومها ومنثورها، ولا ~~العاجزين الذين غلبتهم إحدى اللغات الأجنبية على أمرهم قبل الإلمام بشيء من ~~أدب لغتهم فأصبحوا إذا ترجموا ترجموا ترجمة حرفية ليس فيها مميز واحد من ~~مميزات العربية ولا خاصة من خواصها وإذا كتبوا كتبوا بأسلوب عربي الحروف ~~أعجمي كل شيء بعد ذلك، فهؤلاء جميعا لا حول لنا فيهم ولا حيلة؛ لأنهم لا ~~يستطيعون أن يكونوا غير ذلك، إنما ألوم المتأدبين القادرين الذين عرفوا ~~اللغة واطلعوا على أدبها وفهموا سر فصاحتها وأنقم منهم عدولهم عن المحجة ~~البيضاء في البيان إلى الجمجمة والغمغمة فيه وأنعى عليهم نقص القادرين على ~~التمام. # PageV03P012 ### | الناشئ الفقي ر # 1: # لي ولد وحيد في السابعة من عمره لا أستطيع على حبي إياه وافتتاني به أن ~~أتركه من بعدى غنيا لأني فقير، وما أنا بآسف على ذلك ولا مبتئس؛ لأني أرجو ~~بفضل الله وعونه، ورحمته وإحسانه، أن أترك له ثروة من العقل والأدب، هي ~~عندي خير ألف مرة من ثروة الفضة والذهب. # أحب أن ينشأ معتمدا على نفسه في تحصيل رزقه، وتكوين حياته، لا على أي شيء ~~آخر حتى على الثروة التي يتركها له أبوه، ms362 ومن نشأ هذا المنشأ، وألف ألا ~~يأكل إلا من الخبز الذي يصنعه بيده نشأ عزوفا عيوفا مترفعا لا يتطلع إلى ما ~~في يد غيره، ولا يستعذب طعم الصدقة والإحسان. # أحب أن ينشأ رجلا، ولا سبيل إلى الرجولة إلا من ناحية العمل، وقلما يعمل ~~العامل إلا بسائق من الضرورة ودافع من PageV03P013 # الحاجة، وفرق بين الغني الذي يعمل لتنمية ثروته وتعظيم شأنها شرها ~~وفضولا، وبين الفقير الذي يعمل لتحصيل قوته، وتقويم أود حياته. # أحب أن يعيش فردا من أفراد هذا المجتمع الهائل المعترك في ميدان الحياة، ~~يصارع العيش ويغالبه، ويزاحم العاملين بمنكبيه، ويفكر ويتروى، ويجرب ~~ويختبر، ويقارن الأمور بأشباهها ونظائرها، ويستنتج نتائج الأشياء من ~~مقدماتها، ويعثر مرة، وينهض أخرى، ويخطئ حينا ويصيب أحيانا، فمن لا يخطئ لا ~~يصيب، ومن لا يعثر لا ينهض، حتى تستقيم له شئون حياته. # ذلك خير له من أن يجلس في شرفة من شرف قصره مطلا على العاملين والمجاهدين ~~يمتع نظره بمرآهم كأنما يشاهد رواية تمثيلية في أحد ملاعب التمثيل. # أحب أن يمر بجميع الطبقات ويخالط جميع الناس ويذوق مرارة العيش ويشاهد ~~بعينيه بؤس البؤساء، وشقاء الأشقياء، ويسمع بأذنه أنات المتألمين، وزفرات ~~المتوجعين، ليشكر الله على نعمته إن كان خيرا منهم، ويشاركهم في همومهم ~~وآلامهم إن كان حظه في الحياة مثل حظهم، ولتنمو في نفسه عاطفة الرفق ~~والرحمة، فيعطف على الفقير عطف الأخ على الأخ، ويرحم المسكين رحمة الحميم ~~للحميم. # PageV03P014 # أما الغني الذي لم يذق طعم الفقر في حياته فقلما يشعر بآلام الناس ~~ومصائبهم، أو يعطف على بأسائهم وضرائهم، فإن حاول يوما أن يمد يده بالمعونة ~~إلى بائس أو منكوب، فعل ذلك متفضلا ممتنا، لا راحما ولا متألما. # والأمل هو الينبوع الذي تتفجر منه جميع عواطف الخير والإحسان في الأرض، ~~وهو الصلة الكبرى بين أفراد المجتمع الإنساني، والجامعة الوحيدة التي تجمع ~~بين طبقاته وأجناسه، بل هو معنى الإنسانية وروحها وجوهرها، فمن حرمه حرم كل ~~فضيلة من فضائل النفس، وكل مكرمة من مكرماتها، وأصبح بالصخرة الصلدة الصماء ~~أشبه منه ms363 بالإنسان الناطق. # أحب أن يجوع ليجد لذة الشبع، ويظمأ ليستعذب طعم الري، ويتعب ليشعر ببرد ~~الراحة، ويسهر لينام ملء جفونه، أي أنني أحب له السعادة الحقيقية التي لا ~~سعادة في الدنيا سواها. # وما السعادة في الدنيا إلا لمحات كلمحات البرق حينا بعد حين في ظلمات ~~الشقاء، فمن لا يرى تلك الظلمات لا يراها، وأشقى الأشقياء أولئك المترفون ~~الناعمون الذين يوافيهم الدهر بجميع لذائذهم ومشتهياتهم، فلا يزالون يمعنون ~~فيها ويتقلبون في جنباتها حتى يستنفدوها، فيستولى على عقولهم مرض السآمة # PageV03P015 # والضجر، فيتألمون من الراحة أكثر مما يتألم التعب من التعب، ويقاسون من ~~عذاب الوجود أكثر مما يقاسى المحروم من عذاب الحرمان، وقد تدفعهم تلك ~~الحالة إلى الإلمام بمشتهيات غريبة لا تتفق مع الطبيعة البشرية ولا تدخل ~~تحت حكمها، تفريجا لكربتهم، وتنفيسا عن أنفسهم، وما هؤلاء المساكين الذين ~~نراهم سهارى طوال لياليهم في ملاعب القمار ومجالس الشراب ومواقف الرهان إلا ~~جماعة الفارين من سجون السآمة والملل، يعالجون الداء بالداء، ويفرون من ~~الموت إلى الموت. # أحب أن يكون غنيا بالمعنى الحقيقي، لا بالمعنى الاصطلاحي، أي أن يكون ~~مستغنيا بنفسه عن غيره، لا كثير المال والثراء، وما سمي المال غني إلا ~~باعتبار أنه وسيلة إلى الغني وطريق إليه، وهو اعتبار خطأ ما في ذلك ريب، ~~فإن أكثر الناس فقرا إلى المال وأشدهم طعما في إحرازه وأعظمهم مخاطرة ~~بكرامتهم وفضائل نفوسهم في سبيله هم الأغنياء أصحاب المال والثراء، وإن كان ~~في الدنيا شيء يسمى قناعة واعتدالا فهو من جانب الفقراء المقلين، أكثر منه ~~في جانب الأغنياء المكثرين، ولا يزال المرء يعتبر المال وسيلة إلى الحياة ~~وذريعة من ذرائعها حتى يكثر في يده فإذا هو في نظره الحياة نفسها، يجمعه ~~ولا يدرى ماذا يريد منه، ويعبده # PageV03P016 # وهو لا يرجو ثوابه، ولا يخشى عقابه، ويستكثر منه وهو على ثقة من نفسه ~~بأنه لا ينتفع بقليله، فضلا عن كثيره، وإذا بلغ المرء في حالته العقلية إلى ~~درجة أن تنقلب في نظره حقائق الكون وتتغير نواميسه فيرى الرءوس أذنابا ~~والأذناب ms364 رءوسا، والوسائل غايات، والغايات وسائل، فقل على عقله السلام. # لا أكره أن ينشأ ولدى غنيا ولا أحب أن أعرضه لمخاطر الفقر وآفاقه، ولكني ~~أخاف عليه الغنى أكثر مما أخاف عليه الفقر. # أخاف عليه أن يعتد بالمال اعتدادا كثيرا، وبقدره فوق قدره، ويعتبره ~~الكمال الإنساني كله، فلا يهتم بإصلاح أخلاقه وتهذيب نفسه وألا يجد من حوله ~~من أصدقائه ومعارفه مرآة يرى فيها هناته وعيوبه؛ لأن عشراء الأغنياء ~~متملقون مداهنون يطوون سيئاتهم، ويزخرفون حسناتهم. # أخاف عليه أن تستحيل نفسه إلى نفس مادية جامدة لا تفهم من شئون الحياة ~~غير المادة ولا تعنى بشيء سواها، فيصبح رجلا قاسيا صلبا ميت النفس والعواطف ~~لا يرحم بائسا، ولا يعطف على منكوب، ولا يرثي لأمة، ولا يبكى على وطن، ولا ~~يشترك في شأن من شئون العالم العامة خيرها وشرها، ولا يعنيه ما دام # PageV03P017 # راضيا عن نفسه مغتبطا بحظه أسقطت السماء على الأرض أم بقيت في مكانها. # أخاف عليه أن يحتقر العلوم والفنون والآداب ويزدري المواهب والعقول ~~والفضائل والمزايا، فيصبح عار أمته وشنارها، ووصمتها الخالدة التي لا تزول، ~~ومن أشرب قلبه حب المال ونزل من نفسه إلى قرارتها لا يحترم غيره ولا يقيم ~~إلا لأربابه وزنا، ويخيل إليه أن من عداهم من الناس لا قيمة لهم في الحياة ~~بل لا حق لهم في الوجود. # أخاف عليه إن تزوج أن يأبى الزواج إلا من غنية يرى أنها هي التي تليق ~~بمقامه ومنزلته، ومن اشترط الغنى في زوجة قلما يستطيع أن يشترط شيئا سواه، ~~فيسقط في زواجه سقطة يشقى بها طول حياته من حيث لا ينفعه ماله ولا جاهه. # أخاف عليه إن ولد ألا يجد بين أوقاته ساعة فراغ يتولى فيها النظر في ~~تهذيب ولده وتربيته، فيتركه صغيرا في أيدي الخدم وكبيرا في أيدي عشراء ~~السوء، فيصبح نكبته الكبرى في حياته، وعاره الدائم بعد مماته. # أخاف عليه أن يقضى أيامه ولياليه خائفا مذعورا مروع القلب مستطار الفؤاد ~~تقتله الخسارة إن خسر، ويصعقه فوت الربح # PageV03P018 # إن فاته، ويطير بنومه وهدوئه ms365 ويذهب براحته وسكونه هبوط الأسعار، ونزول ~~الأسهم، وتقلبات الأسواق، وخسران القضايا، ومنازعات الخصوم، والآفات ~~السماوية، والجوائح الأرضية. # وما حزن الفقير الذي أنفق آخر درهم بيده من حيث لا يعرف له طريقا إلى ~~سواه على نفسه وعلى مستقبله بأشد من حزن الغني الشحيح على الدرهم الذي نقص ~~من مليونه، أو الذي كان يؤمل أن يتمم به مليونه فلم يتح له. # وما ليلة البائس المسكين الذي يتصايح أولاده من حوله جوعا ولا يجد ما يسد ~~به رمقهم بأطول من ليلة الغني الذي يسقط إليه الخبر بأن سلعة قد نفقت، أو ~~أن سهما من أسهمه قد نزل. # ولقد رأيت بعيني من جن وهو واقف ينظر إلى قصر من قصوره يحترق، وسمعت ~~كثيرا من حوادث المنتحرين والمصعوقين على أثر النكبات المالية والخسائر ~~التجارية التي لا تفقرهم ولا تصل بهم إلى درجة الإملاق، وكل أثرها عندهم ~~أنها تنقلهم إلى منزلة في الغنى أدنى من منزلتهم الأولى. # أخاف عليه أن يصبح واحدا من أولئك الوارثين المستهترين الذين لا عمل لهم ~~في حياتهم سوى هدم حياتهم بأيديهم وهدم # PageV03P019 # ما ترك لهم آباؤهم وأجدادهم من مال وجاه، فأندب حظي في قبري وأقرع السن ~~على أن أكن فارقت هذه الحياة ولا مال لي فيها ولا ولد. # وما أزال أذكر حتى الساعة أنني مررت بأحد شوارع القاهرة من بضع سنين ~~فرأيت في مكان واحد منه منظرين مختلفين متناقضين، رأيت غلاما من الوارثين ~~جالسا بإحدى الحانات يمرح في نعمائه، وآخر من المتشردين نائما تحت الرصيف ~~على مقربة منه يضطرب في بأسائه، أما الأول فقد كان جالسا بين مائدتي شارب ~~وقمار، تسلب الأولى عقله والأخرى ماله، وقد أحاط به جماعة من الخلعاء ~~الماكرين يلعبون بعقله لعب الغلمان بالكرة في ميادينها، يضحكون لنكاته، ~~ويؤمنون على أقواله، ويصدقون أكاذيبه، ويتحركون بحركته، ويسكنون بسكونه، ~~وهو يقهقه بينهم قهقهة المجانين ويصيح صياح الثعالب، أما الثاني فقد كان ~~عاريا إلا قليلا، يفتح إحدى عينيه من حين إلى حين كما رنت في أذنه ضحكات ~~هؤلاء السكارى وضوضاؤهم، ويضم ms366 ركبتيه إلى صدره كلما أحس بصوت مركبة مارة ~~بجانبه، وقد يبسط كفه أحيانا وهو مغمض إن خيل إليه أن يدا تمتد إليه ~~بالإحسان، ولا يد هناك ولا إحسان. # PageV03P020 # رأيت هذين المنظرين الغربيين المتباينين فثارت في نفسي في تلك الساعة ~~عاطفتان مختلفتان، عاطفة البغض والاحتقار للأول، وعاطفة الرحمة والشفقة على ~~الثاني، وقلت في نفسي: لو كان لي ولد وكان لا بد له من أن يكون أحد هذين ~~الغلامين، إما الوارث الجالس فوق الرصيف ينثر الذهب نثرا، أو المتشرد ~~النائم من تحته يسأل الناس لقمة فلا يجدها، لفضلت أن أراه بين فئة ~~المتشردين، على أن أراه بين جماعة الوارثين، لأني أرجو له في الأولى أن يجد ~~بين الراحمين راحما يحسن إليه ويستنقذه من شقائه ويأخذ بيده في طريق الحياة ~~الطيبة الصالحة، أما في الثانية فإني لا أرجو له شيئا. # إن للرحمة طيشا كطيش القسوة والشدة، وأطيش الراحمين ذلك الذي يستنفد أيام ~~حياته في جمع الثروة لأولاده دائبا ليله ونهاره لا يهدأ ولا يفتر من حيث ~~يغفل النظر في شأن تربيتهم وتعليمهم ضنا بهم أن يزعج نفوسهم بشيء من تكاليف ~~الحياة وأثقالها، فإذا ذهب لسبيله وخلى بينهم وبين ذلك المال الذي جمعه لهم ~~لا يكون لهم من الشأن فيه أكثر مما يكون لجماعة الحمالين في الأثقال التي ~~يحملونها من مكان إلى آخر، فهم ينقلونه من خزائنه شيئا فشيئا إلى خزائن ~~الخمارين والمرابين # PageV03P021 # والماهرين حتى ينتهى، فإذا فرغوا منه جلسوا في عرصاتهم المقفرة جلسة ~~الباكي الحزين، صفر الأكف، فارغي الجيوب، مطرقي الرءوس، لا حول لهم ولا ~~حيلة، قد أضاعوا حياتهم وحياة آبائهم وأجدادهم، وهدموا في عام واحد أو ~~عامين قرنا كاملا مجيدا من أعلاه إلى أسفله، ولا يعلم إلا الله ماذا يكون ~~شأنهم بعد ذلك. # ولو أن أباهم كان يرحمهم رحمة حقيقية ويشفق عليهم إشفاقا صحيحا لرحمهم من ~~هذا المصير المحزن وضن بهم على هذا الميراث المشئوم. # يقولون: إن الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات، وأنا أقول ~~إننا إذا استطعنا أن نفهم الجريمة ms367 بمعناها الحقيقي وأن لا ننخدع بصور ~~الألفاظ وألوانها فإن للأغنياء جرائم كجرائم الفقراء بل أشد منها خطرا ~~وأعظم هولا، فإن كان بين الفقراء اللصوص والقتلة والعيارون وقاطعو الطريق، ~~فبين الأغنياء المحتالون والمزورون والمغتصبون والخائنون والمداهنون ~~والممالئون وأصحاب المعامل والشركات الذين يغذون أجسامهم بدماء عمالهم، ~~والتجار الذين يسرقون من الأمة في شهر واحد باسم الحرية التجارية مالا ~~يسرقه منها جميع لصوص البلد وعياروه # PageV03P022 # في سنة كاملة، والقوام والأصياء الذين يرثون التركات من دون وارثيها، ~~ويأكلون أموال اليتامى والمعتوهين باسم صيانتها والمحافظة عليها، والسماسرة ~~الذين يغتالون الأسواق بأجمعها، والمرابون الذين يختلسون الثروات بأكملها، ~~والسياسيون الذين يسرقون الممالك بحذافيرها. # على أن الجرائم اللصوصية والسرقة والقتل ليست جرائم الفقر بل جرائم ~~الغنى، فلولا شح الأغنياء بأموالهم وكلبهم عليها وحيازتها عن الفقراء لما ~~وجد في الأرض قاتل ولا سارق ولا قاطع طريق، ولا يسرق السارق ولا ينهب ~~الناهب ولا يلص اللص إلا جزءا من حقه الذي كان يجب أن يكون له لو كان للمال ~~زكاة وللرحمة سبيل إلى الأفئدة والقلوب. # ليفتح الأغنياء المدارس وليبنوا الملاجئ ولينشئوا المصانع والمعامل ~~للعاطلين والمتشردين وليتعهدوا المنكوبين والساقطين في ميدان الحياة ~~بالمساعدة والمعونة، فإن وجدوا بعد ذلك لصوصا أو قتلة أو مجرمين فليتهموا ~~الفقر ولينعوا عليه جرائمه وآثامه. # لا أريد أن أقول: إن الغنى علة فساد الأخلاق، وأن الفقر علة صلاحها، ولكن ~~الذي أستطيع أن أقوله عن تجربة واستقراء: # PageV03P023 # إني رأيت كثيرا من أبناء ناجحين، ولم أر إلا قليلا من أبناء الأغنياء ~~عاملين. # إن العلوم والمعارف والمخترعات والمكتشفات، والمدنية الحديثة بأجمعها ~~حسنة من حسنات الفقر، وثمرة من ثمراته، وما المداد الذي كتبت به المصنفات ~~ودونت به الآثاء إلا دموع البؤس والفاقة، وما الآراء السامية والأفكار ~~الناضجة التي رفعت شأن المدنية الحديثة إلى مستواها الحاضر إلا أبخرة ~~الأدمغة المحترفة بنيران الهموم والأحزان، وما انفجرت ينابيع الخيالات ~~الشعرية، والتصورات الفنية، إلا من صدوع القلوب الكبيرة، والأفئدة الحزينة، ~~وما أشرقت شموس الذكاء والعقل في مشارق الأرض ومغاربها إلا من ظلمات إلا ~~كواخ الحقيرة ms368 والزوايا المهجورة، وما نبغ النابغون من فلاسفة وعلماء وحكماء ~~وأدباء إلا في مهود الفقر وحجور الإملاق، ولولا الفقر ما كان الغني، ولولا ~~الشقاء ما وجدت السعادة. # إن المجتمع الإنساني اليوم ميدان حرب يعترك فيه الناس ويقتتلون، لا يرحم ~~أحد أحدا، ولا يلوى مقبل على مدبر، يعدون ويسرعون، ويتصادمون ويتخبطون، ~~ويأخذ بعضهم # PageV03P024 # بتلابيب بعض، كأنهم هاربون من معركة، أو مفلتون من مارستان، ودماء الشرف ~~والفضيلة تسيل على أقدامهم، وتموج موج البحر الزاخر، يغرق فيه من يغرق، ~~وينجو من ينجو. # أتدرون لم سقطت الهيئة الاجتماعية هذا السقوط الهائل الذي لم تصل إلى ~~مثله في دور من أدوار حياتها الماضية؟ ولم هذا الجنون الاجتماعي الثائر في ~~أدمغة الناس خاصتهم وعامتهم، علمائهم وجهلائهم؟ ولم هذه الحروب القائمة، ~~والثورات الدائمة، والنزاع المستمر بين البشر جماعات وأفرادا، وقبائل ~~وشعوبا، وممالك ودولا؟. # لا سبب لذلك سوى شيء واحد، وهو أن الناس يعتقدون اعتقادا خطأ أن المال ~~أساس السعادة وميزانها الذي توزن به، فهم يسعون إليه لا من أجل القوت وكفاف ~~العيش كما يجب أن يكون، بل من أجل الجمع والادخار، والمال في العالم كمية ~~محدودة لا تكفى لملء جميع الخزائن وتهدئة كافة المطامع، فهم يتخاطفونه ~~ويتناهبونه ويتصارعون من حوله كما تتصارع الكلاب حول الجيف المطرحة، ~~ويسمعون عملهم هذا تنازع الحياة أو تنازع البقاء، وما هو بالتنازع ولا ~~التناظر، إنما هو العراك والتناحر، والدم السائل، والعدوان الدائم، والشقاء ~~الخالد. # PageV03P025 # والعلاج الوحيد لهذه الحال المخيفة المزعجة أن يفهم الناس أن لا صلة بين ~~المال وبين السعادة، وأن الإفراط في الطلب شقاء كالتقصير فيه، وأن سعادة ~~العيش وهناء وراحة النفس وسكونها لا تأتي إلا من طريق واحد، وهو الاعتدال. # الآن أستطيع غير خاش لوما ولا عتبا أن أقضي للناشئ الفقير على الناشئ ~~الغني قضاء لا مجاملة فيه ولا محاباة، ومن ذا الذي يجامل الفقراء ويحابيهم؟ ~~وأن أقول للناشئ الفقير: صبرا يا بني وعزاء؛ فإنك لم تخلق إلا العمل، فاعمل ~~واجتهد، ولا تعتمد في حياتك إلا على نفسك، ولا تحصد غير ms369 الذي زرعته يدك، ~~فإن لم تجد معلما يعلمك فعلم نفسك، والزمن خير مؤدب ومهذب، وإن ضاقت بك ~~المدارس فادرس في مدرسة الكون ففيها علوم الحياة بأجمعها، وإن كنت ممن لا ~~يعدون وظائف الحكومة ومناصبها غنما عظيما كما يعدها القعدة العاجزون، فها ~~هو ذا فضاء الأرض أمامك فامش فيه وفتش عن قوتك كما تفتش عنه الطيور ~~والقواطع التي ليس لها مثل عقلك وفطنتك، وحيلتك وقوتك، فإن الله لم يخلقك ~~في هذا العالم ولم يبرزك إلى هذا الوجود لتموت فيه جوعا أو تهلك ظمأ، ولا ~~تصدق ما يقولونه # PageV03P026 # لك من أن الناشئ الغني أسعد منك حالا أو أوفر حظا وإن راقك منظره وأعجبك ~~ظاهرة، فلكل نفس همومها وآلامها، وهموم الفقر على شدتها أقل هموم الحياة ~~وأهونها. # وحسبك من السعادة في الدنيا ضمير نقي ونفس هادئة وقلب شريف، وأن تعمل ~~بيدك وتترعرع فتغتبط بمرآها اغتباط الزارع بمنظر الخضرة والنماء في الأرض ~~التي فلحها بيده وتعهدها بنفسه وسقاها من عرق جبينه. # PageV03P027 ### | قتيلة الجوع # قرأت في بعض الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل ~~المقطم فظنوها قتيلة أو منتحرة حتى حضر الطبيب ففحص أمرها وقرر أنها ماتت ~~جوعا. # تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء في مصر وهذا أول يوم سجلت ~~فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا ورزايانا هذا الشقاء الجديد. # لم تمت هذه المرأة المسكينة في مفازة منقطعة أو بيداء مجهل فنفزع في ~~أمرها إلى قضاء الله وقدره كما نفعل في جميع حوادث الكون التي لا حول لنا ~~فيها ولا حيلة بل ماتت بين سمع الناس وبصرهم وفي ملتقى غاديهم برائحهم، ولا ~~بد أنها مرت قبل موتها بكثير من المنازل تطرقها فلم تسمع مجيبا ووقفت في ~~طريق كثير من الناس تسألهم المعونة على أمرها فلم تجد من يمد إليها يده ~~بلقمة واحدة تسد بها جوعتها، فما أقسى قلب إنسان، وما أبعد الرحمة من ~~فؤاده، وما أقدره على الوقوف موقف الثبات والصبر أمام مشاهد البؤس ومواقف ~~الشقاء. # PageV03P028 # لم ذهبت ms370 هذه البائسة المسكينة إلى جبل المقطم في ساعتها الأخيرة؟ لعلها ~~ظنت أن الصخر ألين قلبا من الإنسان فذهبت إليه تبثه شكواها، أو أن الوحش ~~أقرب منه رحمة فجاءته تستمنحه فضلة طعامه، وأحسب لو أن الصخر فهم شكواها ~~لأشكاها1 ولو أن الوحش ألم بسريرة نفسها لرثى لها وحنا عليها؛ لأني لا أعرف ~~مخلوقا على وجه الأرض يستطيع أن يملك نفسه ودموعه أمام مشهد الجوع وعذابه ~~غير الإنسان. # ألم يلتق بها أحد في طريقها فيرى صفرة وجهها وترقرق مدامعها وذبول جسمها ~~فيعلم أنها جائعة فيرحمها! # ألم يكن لها جار يسمع أنينها في جوف الليل ويرى غدوها ورواحها حائرة ~~ملتاعة في طلب القوت فيكفيها أمره! # أأقفرت البلاد من الخبز والقوت فلا يوجد بين أفراد الأمة جميعها من أصحاب ~~قصورها إلى سكان أكواخها رجل واحد يملك رغيفا واحدا زائدا عن حاجته فيتصدق ~~به عليها! # اللهم لا هذا ولا ذاك، فالمال والحمد لله كثير والخبز أكثر منه ومواضع ~~الخلات والحاجات بادية مكشوفة يراها الراءون ويسمع صداها السامعون ولكن ~~الأمة التي ألفت ألا تبذل PageV03P029 # معروفها إلا في مواقف المفاخرة والمكاثرة والتي لا تفهم معنى الإحسان إلا ~~أنه الغل الثقيل الذي يوضع في رقاب الفقراء لاستبعادهم واسترقاقهم لا يمكن ~~أن ينشأ فيها محسن مخلص يحمل بين جنبيه قلبا رحيما. # لقد كان الإحسان في مصر كثيرا في عصر الاكتتابات والحفلات وفي العهد الذي ~~كانت تسجل فيه حسنات المحسنين على صفحات الصحف تسجيلا يشهده ثلاثة عشر ~~مليونا من الشهود، أما اليوم وقد أصبح كل امرئ موكولا إلى نفسه ومسئولا ~~أمام ربه وضميره أن يتفقد جيرته وأصدقاءه وذوي رحمه ويتلمس مواضع خلاتهم ~~وحاجاتهم ليسدها، فهاهم الفقراء يموتون جوعا بين تلال الرمال وفوق شعاف ~~الجبال من حيث لا راحم ولا معين. # لقد كان في استطاعة تلك المرأة المسكينة أن تسرق رغيفا تتبلغ به أو درهما ~~تبتاع به رغيفا فلم تفعل، وكان في استطاعتها أن تعرض عرضها في تلك السوق ~~التي يعرض فيها أعراضهن الفتيات الساقطات فلم تفعل؛ لأنها امرأة شريفة تفضل ms371 ~~أن تموت بحسرتها على أن تعيش بعارها، فما أعظم جريمة الأمة التي لا يموت ~~فيها جوعا غير شرفائها وأعفائها. # PageV03P030 ### | الأدب الكاذب # كنا وكان الأدب حالا قائمة بالنفس صاحبها أن يقدم على شر أو يحدث نفسه به ~~أو يكون عونا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوة من شهوات النفس أو نزوة من ~~نزوات العقل وجد نفسه عند غشياته من المضض والامتعاض ما ينغصه عليه ويكدر ~~صفوه وهناءه، ثم أصبحنا وإذا الأدب صور ورسوم وحركات وسكنات وإشارات ~~والتفاتات لا دخل لها في جوهر النفس ولا علاقة لها بشعورها ووجدانها، فأحسن ~~الناس عند الناس أدبا وأكرمهم خلقا وأشرفهم مذهبا من يكذب على أن يكون كذبه ~~سائغا مهذبا، ومن يخلف الوعد على أن يحسن الاعتذار عن إخلافه، ومن يبغض ~~الناس جميعا بقلبه على أن يحبهم جميعا بلسانه، ومن يقترف ما شاء من الجرائم ~~والذنوب على أن يتخلص من نتائجها وآثارها، وأفضل عندهم من هؤلاء جميعا ~~أولئك الذين برعوا في فن "الآداب العالية" أي فن الرياء والنفاق وتفوقوا في ~~استظهار تلك الصور الجامدة التي تواضع عليها جماعة # PageV03P031 # "الظرفاء" في التحية والسلام واللقاء والفراق والزيارة والاستزارة ~~والمجالسة والمنادمة وأمثال ذلك مما يرجع العلم به غالبا إلى صغر النفس ~~وإسفافها أكثر مما يرجع إلى أدبها وكمالها، فكان الناس لا يستنكرون من ~~السيئة إلا لونها فإذا جاءتهم في ثوب غير ثوبها أنسوا بها وسكنوا إليها ولا ~~يعجبهم من الحسنة إلا صورتها فإذا لم تأتهم من الصورة التي تعجبهم وتروقهم ~~عافوها وزهدوا فيها، أي أنهم يفضلون اليد الناعمة التي تحمل خنجرا على اليد ~~الخشنة التي تحمل بدرة، ويؤثرون كاس البللور المملوءة سما على كاس الخزف ~~المملوءة ماء زلالا ولقد سمعت بأذني من أخذ يعد لرجل من أصدقائه من السيئات ~~ما لو وزع على الخلق جميعا للوث صحائفهم ثم ختم كلامه بقوله: وإني على ذلك ~~أحبه وأجله؛ لأنه رجل "ظريف" وأغرب من ذلك كله أنهم وضعوا قوانين أدبية ~~للمغازلة والمعاقرة والمقامرة كأن جميع هذه الأشياء فضائل لا شك فيها وكانت ms372 ~~الرذيلة وحدها هي الخروج عن تلك القوانين التي وضعت لها، وما عهدنا ببعيد ~~بذلك القاضي المصري الذي أجمع الناس في مصر على احتقاره وازدرائه حينما ~~علموا أنه تلاعب بأوراق اللعب في أحد أندية القمار وسموه لصا دنيئا والقمار ~~لصوصية من أساسه إلى ذروته. # PageV03P032 # أعرف في هذا البلد رجلين يجمعهما عمل واحد ومركز واحد، أحدهما خير الناس ~~والآخر شر الناس، وإن كان الناس لا يرون رأي فيهما. # أما الأول فهو رجل قد أخذ نفسه منذ نشأته بمطالعة كتب الأخلاق والآداب ~~ومزاولتها ليله ونهاره فقرأ فيها فصول الصدق والأمانة والعفة والزهد ~~والسماحة والنجدة والمروءة والكرم وقصص السمحاء والأجواد والرحماء ~~والمؤثرين وافتتن بتلك الفضائل افتتانا شديدا ثم دخل غمار المجتمع بعد ذلك ~~وقد استقر في نفسه أن الناس قد عرفوا من الأدب مثل ما عرف وفهموا من معناه ~~مثل ما فهم وأخذوا منه بمثل الذي أخذ فغضب في وجه الأشرار وابتسم في وجه ~~الأخيار، والأولون أكثر عددا وأعظم سلطة وجاها، فسمي عند الفريقين شرسا ~~متوحشا، وامتدح إحسان المحسن، وذم إساءة المسيء، والمحسنون في الدنيا ~~قليلون، فسمي وقحا بذيئا حتى بين المحسنين، وبذل معروفه للعاجز الخامل ~~ومنعه القادر النابه فلم يشعر بمعروفه أحد، فسمي بخيلا، واعتبر الناس ~~بقيمهم الأدبية لا بمقاديرهم الدنيوية فلقي الأغنياء والأشراف بمثل ما يلقى ~~به العامة والدهماء فسمي متكبرا، وقال لمن جاءه # PageV03P033 # يساومه في ذمته إني أحبك ولكني أحب الحق أكثر منك فكثر أعداؤه وقل ~~أصدقاؤه. # أما الثاني فأقل سيئاته أنه لا يفي بوعده يعده ولكنه يحسن الاعتذار عن ~~إخلاف الوعود، فلا يسميه أحد مخلافا، وما رآه الناس في يوم من يوم من أيامه ~~عاطفا على بائس أو منكوب ولكنه يبكى لمصاب البائسين والمنكوبين ويستبكى ~~الناس لهم، فعد من الأجواد السمحاء، وكثيرا ما أكل أموال اليتامى وأساء ~~الوصاية عليهم ولكنه لا يزال يسمح رءوسهم ويحتضنهم إلى صدره في المجامع ~~والمشاهد كأرحم الرحماء وأشفق المشفقين، فسمي الوصي الرحيم، ولا يفتأ ليله ~~ونهاره ينال من أعراض الناس ويستنزل من أقدارهم إلا أنه ms373 يخلط جده بالهزل ~~ومرارته بالحلاوة فلم يعرف الناس عنه شيئا سوى أنه الماجن الظريف. # ذلك هو الأدب الذي أصبح في هذا العصور رأيا عاما يشترك فيه خاصة الناس ~~وعامتهم وعقلاؤهم وجهلاؤهم ويعلمه الوالد ولده والأستاذ تلميذه ويقتتل ~~الناس اقتتالا شديدا على انتحاله والتجمل به كما يقتتلون على أعز الأشياء ~~وأنفسها حتى تبدلت الصور وانعكست الحقائق وأصبح الرجل الصادق المخلص أحرج ~~الناس بصدقه وإخلاصه صدرا وأضلهم بهما سبيلا، لا يدرى أيكذب # PageV03P034 # فيسخط ربه ويرضي الكاذبين، أم يصدق فيرضي نفسه ويسخط الناس أجمعين، ولا ~~يعلم أيهجر هذا العالم إلى عزلة منقطعة يقضي فيها بقية أيام حياته غريبا ~~شريدا، أم يبرز للعيون فيموت هما وكمدا. # يجب أن يكون أدب النفس أساس أدب الجوارح، وأن يكون أدب الجوارح تابعا له ~~وأثرا من آثاره، فإن أبى الناس إلا أن يجعلوا أدب الحركات والسكنات أساس ~~أعمالهم وعلائقهم وميزان قيمهم وأقدارهم فليعلموا أن العالم كله قد استحال ~~إلى مسرح تمثيل وأنهم لا يؤدون فيه غير وظيفة الممثلين الكاذبين. # PageV03P035 ### | إيفون الصغيرة # 1: # "مترجمة" # ماتت وكأنها لم تمت، ليس على وجهها أثر واحد من آثار الآلام التي قاستها ~~في مرضها، يحسبها الرائي نائمة نوما هادئا لذيذا ويخيل إليه أنه يسمع صوت ~~أنفاسها المترددة، ويرى هبوط صدرها وارتفاعه. # أين صفرة الموت ونحوله، أين آلام النزع وشدائده، أين الغضون التي خلفتها ~~الأوجاع فوق جبينها، والخطوط الزرقاء التي رسمتها حول جفنيها. PageV03P036 # لقد مات كل ذلك بموتها فعاد لها رونقها وبهاؤها، وأصبحت كأنما قد خلقت ~~الساعة ولما تنبعث الروح في جسدها. # بهذا الوجه الجميل المشرق كانت جالسة منذ أيام قلائل أمام المدفأة باسمة ~~مطمئنة تلاعب هرتها، وبهذا الفم الأرجواني القاني كانت تغني أمام قفص ~~عصفورها أنشودة السعادة والحياة وبهاتين اليدين البيضاوين اللينتين كانت ~~تقطف أزهار الربيع وتقدمها هدية إلى أبيها الشيخ. # أما اليوم فقد انقضى ذلك كله؛ لأن حياتها قد انقضت. # آخر كلمة نطقت بها قبل موتها: "سأموت الساعة فأتوني بعصفوري أودعه" ~~فأتوها بقفص عصفورها وعلقوه بقائم سريرها فظلت تنظر إليه باسمة متطلقة، وظل ms374 ~~العصفور يلعب ويغرد تغريدا شجيا، وهو لا يعلم أنه ينشد فوق رأسها أنشودة ~~الموت. # وهنا وقف الشيخ الذي تبناها بجانب فراشها واجما حزينا مشرد اللب ذاهل ~~العقل ومد يده إلى يدها الضعيفة الواهية التي كانت بالأمس عكاز شيخوخته ~~وسند حياته, فأخذها ووضعها على صدره كأنما يريد أن يمد حياتها بتلك البقية ~~الباقية في قلبه من الحياة لتعيش من بعده ولو ساعة واحدة, حتى لا يراها ~~تموت بين يديه، وظل على حالته تلك هنيهة ثم التفت فجأة إلى # PageV03P037 # أصدقائه وقال لهم: ها هي الحرارة قد بدأت تدب في جسمها شيئا فشيئا، ~~فنظروا إليه آسفين محزونين، ثم نكسوا أبصارهم وأسلبوا مدامعهم، فظل يريد ~~بينهم عيونا حائرة وينتقل بنظراته ههنا وههنا كأنما يسألهم المعونة على ~~أمره، ومن ذا يعين على القدر أو يعترض سهم المنية القاتل دون رميته: # وما هي إلا لحظة قصيرة حتى شعر أن يدها تجذب يده فانتفض وحنا عليها ~~فطوقته بذراعيها الضعيفتين وضمته ضمة كانت فيها نفسها. # إنا لله وإنا إليه راجعون: ماتت إيفون الصغيرة، ماتت الطفلة الوديعة ~~الجميلة، ماتت الفتاة الرزينة الصابرة، في سبيل الله نجم تلألأ في سماء ~~الحياة لحظة ثم هوى، وغصن أزهر في روض المنى ساعة ثم ذوى، وقدح من البلور ~~لم تكد تلمسه الشفاه حتى انكسر، وعقد من اللؤلؤ لم ينتظم في سمطه حتى ~~انتثر. # هذه الغرف التي طالما أنارتها بابتساماتها حتى في الساعة التي تختفي فيها ~~جميع الابتسامات، والحديقة التي كانت تقضي فيها كل يوم بضع ساعات من ليلها ~~أو نهارها تلاعب أطيارها وتقطف أزهارها وتتعهد أشجارها، والمماشي التي كانت ~~تخطر على حصبائها فيصيرها شعاع خديها ياقوتا ومرجانا، قد خلت جميعها منها، # PageV03P038 # وهيهات أن يسعدها الحظ برؤيتها بعد اليوم. # كانت إيفون جميلة الخلق طيبة النفس نقية الضمير تحب الأحياء جميعهم ~~ناطقهم وصامتهم، فلا تبذل من ودها لهرتها المريضة أقل مما تبذل منه لأبيها ~~الشيخ العجوز، ولا تتودد إلى الشيوخ الفانين أصدقاء أبيها وجلسائه أكثر مما ~~تتودد إلى وافد غريب يهبط قريتها للمرة الأولى في ms375 حياته، وما علموها قط ~~اختلفت مع فتى أو فتاة من تلاميذ مدرستها؛ لأنها كانت تستهوي الطيب منهم ~~بلطفها وأدبها، والخبيث بعفوها وصفحها، وهي وإن لم تكن تعلم أنها لقيطة ~~ولكن من كان ينظر في عينيها ويرى ذبولهما وانكسارهما ولمعانهما الذي يشبه ~~لمعان الدمع الرقراق يخيل إليه أنها قد ألهمت ما كتمه الناس عنها وإنها ~~كانت تعلم أنها لا تعيش في بيت أبيها بوصاية جدها كما كانوا يقولون لها بل ~~في بيت محسن كريم لا يعرف من تاريخها ولا من أمر ميلادها شيئا، وكانت لا ~~تزال تتراءى بين شفتيها ابتسامة حلوة هي الرقية التي كانت تفتح بها أقفال ~~القلوب ثم تنزل فيما تشاء منها المنزلة التي تريدها، ولم تكن ابتسامتها ~~ابتسامة التصنع والتكلف التي يرثها أكثر الفتيات عن أمهاتهن، بل ابتسامة ~~الحب والاخلاص والحنو والعطف. # لذلك عجل الموت إليها؛ لأن سكان السماء لا يستطيعون أن # PageV03P039 # يعيشوا على ظهر الأرض زمنا طويلا. # دقت أجراس الكنيسة تنعاها فلم تسمعها، ولو سمعتها لاهتزت لها في سريرها ~~شوقا ولهفة كما كان شأنها في حيلتها، ثم جاءت ساعة الدفن فحملوها على ~~أيديهم ومشوا بها حتى وصلوا إلى الكنيسة فوضعوا نعشها في ركن من أركانها ثم ~~اجتمعوا حولها يودعونها الوداع الأخير، فبكاها الشيوخ الذين كانوا يحبونها ~~ويأنسون بها والفتيان والفتيات من تلاميذ مدرستها، والنساء اللواتي كن ~~يحببنها من أجل حبها أبناءهن، وبكاها أكثر من هؤلاء جميعا ذلك الشيخ العجوز ~~المسكين؛ لأنها كانت كل دنياه فخسرها في ساعة واحدة. # وظل كثير من الوقوف يرددن ذكراها فيقول أحدهم: طالما رأيتها في هذا الركن ~~نفسه جالسة وحدها وبيدها الكتاب المقدس تتلو آياته، ويقول الآخر: لقد دخلت ~~الكنيسة ليلة فرأيتها هائمة وحدها في الظلام الحالك تحت هذه الأقبية فعجبت ~~لصلاحها وتقواها، وتقول امرأة: لقد عثرت ابنتي يوما من الأيام في منصرفها ~~من مدرستها ببعض الأحجار عثرة برحت بها فاحتملتها على ظهرها حتى جاءت بها ~~إلى المنزل، وتقول أخرى لقد كنت أراها تمر كل يوم بجارتنا فلانة المسكينة ~~فتعطيها رغيفا # PageV03P040 # من طعامها ms376 ثم تستمر أدراجها إلى مدرستها. # وهكذا ظل كل منهم يذكر ما يعرف عنها حتى حانت ساعة الدفن فعلت الأصوات ~~بالبكاء ثم غيبوها في قبرها وحثوا عليها التراب، وكان الليل قد أظل المكان ~~بجناحيه وساد فيه سكون موحش رهيب فانصرفوا مطرقين واجمين يقولون: "وارحمتاه ~~لها لقد خرجت من الدنيا غريبة كما وفدت إليها". # PageV03P041 ### | الملاعب الهزلية # كنت آليت على نفسي مذ أعلنت هذه الحرب قبحها الله وقبح كل ما تأتي به ألا ~~أكتب كلمة في صحيفة سيارة في أي شأن من الشئون العامة خيرها وشرها حتى ~~ينقضى أجلها وأن أترك هذا القلم في مرقده هادئا مطمئنا مدرجا في ذلك الكفن ~~الأبيض الرقيق المنسوج من خيط العنكبوت حتى يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه ~~أن ينبعث كما يريد لا كما يراد منه، ولكن نازلا عظيما نزل بهذا المجتمع ~~المصري منذ عامين أو ثلاثة لم أحفل به في مبدئه ولم ألق له بالا وعددته في ~~النوازل الصغيرة المترددة التي لا تلبث غيومها أن تنعقد في سماء البلد حتى ~~تهب عليها نسمة من نسمات الروح الإلهي فتنقشع، ولكن ها قد مضى العام ~~والعامان والثلاثة وهو باق في مكانه لا يتحول ولا يتحلحل بل تزداد قدمه على ~~الأيام ثباتا ورسوخا، وأحسبه سيبقى في مستقبل أيامه أضعاف ما بقى في ماضيها ~~إن لم نثر عليه معشر الكتاب حربا شعواء تهز جدرانه هزا وتدكها دكا وتلحق ~~أعاليها بأسافلها. # PageV03P042 # لذلك كتبت هذه الكلمة غير مبال بتلك الألية التي كنت آليتها فلعل أصدقائي ~~من أفاضل الكتاب يساعدونني في هذا الشأن الذي إن عجزنا عنه اليوم فما نحن ~~بقادرين عليه غدا. # نزلت بالأمة المصرية نازلة تلك المقاذر العامة التي يسمونها الملاعب ~~الهزلية وما هي في شيء من الهزل ولا الجد ولا علاقة لها بالتمثيل والتصوير ~~ولا بأي فن من الفنون الأدبية فأقبل عليها الناس إقبالا عظيما، وأغرموا بها ~~غراما شديدا، فليقبلوا عليها ما شاءوا، وليفتتنوا بها ما أرادوا، ولكن ~~فريقا واحدا من الأمة هو الذي نضن به على تلك المواطن الساقطة ms377 أن تطأها ~~قدمه، أو يظلل رأسه سماؤها؛ لأنا نضن به على كل منقصة في العالم تزري به أو ~~تنال من كرامته. # ذلك الفريق المضنون به وبكرامته هو أنتم معشر الطلبة المصريين أخوتنا ~~وأبناءنا، وعنوان مجدنا وشرفنا وصورة وجودنا وحياتنا، ومناط آمالنا ~~وأمانينا، فائذوا لكاتب من كتابكم وصديق من أصدقائكم أن يحادثكم قليلا في ~~هذا الشأن كما يحادث الأب ولده أو الأخ لا قاسيا ولا متجبرا بل عاتبا ~~متلطفا، وأمله عظيم أن ينتهي الحديث بينه وبينكم على ما يحب لكم وما يعتقد ~~أنكم تحبون لأنفسكم. # PageV03P043 # الحق أقول, إن الحياء يكاد يعقد لساني بين أيديكم, فلا أدري كيف أحدثكم، ~~ولا ماذا أقول لكم؟ # أأعظكم في أمر أنتم تعلمون من نتائجه وآثاره وسوء عقباه مثل ما أعلم، أو ~~أدعوكم إلى اجتناب سيئة لا أحسب أن بين كباركم وصغاركم من يجهل أنها السيئة ~~العظمى التي لم ترزأ الأمة بمثلها في حاضر تاريخها أو ماضيه، أو أقول لكم: ~~إن هذه الأماكن التي تطؤها أقدامكم إنما هي مقابر المجد والشرف, ومدافن ~~الفضائل والأخلاق، ومصارع الأعراض والحرمات، وهل غاب علم ذلك عن أحد منكم ~~فأعلمكم منه ما لا تعلمون؟ # لا يجهل أحد منكم شيئا مما أقول، ولكنه الشباب ما زال يغري الضعيف الذي ~~لا يقوى على احتمال سلطانه وسيطرته بالإقدام على تلك المخاطر المهلكة فيمضي ~~إليها قدما لا يجهل مكان الخطر منها, ولكنه يعجز عن مغالبة نفسه ومثاورتها ~~حتى يتردى فيها وربما كان هذا هو كل الفرق بيني وبينكم. # إنني لا أرى في هذه المجامع التي تفتتنون بها, وتتهافتون عليها حسنة ~~تغتفر سيئة أو جمالا يفي بقبح أو خيرا يعزي عن شر، فتمثيلها سخيف بارد لا ~~يستطيع من أوتي حظا قليلا من الذوق الأدبي أن يصبر نفسه ساعة واحدة على ~~النظر إليه، وملحها # PageV03P044 # ثقيلة مستبشعة لو نطق بها ناطق في مجتمع من المجتمعات الخاصة ثم قلب نظره ~~في وجوه الجالسين من حوله لرأى في ابتسامات السخرية المترقرقة في شفاههم ما ~~يذيبه حياء وخجلا، وأناشيدها سوقية مبتذلة في ms378 موضوعها وصورة أدائها لا يطرب ~~لمثلها إلا أصحاب الأذواق العامية الخشنة الذين يطربون لنشيد الأذكار وطبول ~~الزار وتعداد النائحات في المآتم والمناحات، فماذا بقي فيها من وجوه الحسن ~~بعد ذلك؟ # بقي فيها الهزء والسخرية بالطبقات الشريفة العاملة في الأمة كالفلاحين ~~آبائنا وأولياء نعمتنا والشيوخ حفظة ديننا وأئمة لغتنا والمحامين والأطباء ~~والمعلمين أفاضل الأمة وعيونها وغيرهم من طبقات الأمة كالصناع والعمال ~~والأكارين والباعة والمسترزقين. # بل بقي ما هو شر من هذا جميعه، وهو تمثيل الشهوات البدنية والنفسية بجميع ~~ألوانها وضروبها على مشهد من رجالنا ونسائنا وأطفالنا, وتصويرها بتلك ~~الصورة القبيحة التي ترخى على مثلها الستور وتقام من حولها الدعائم ~~والجدران. # فلو أن غريبا وفد إلى هذا البلد وهو لا يعلم من شأنه شيئا, فذهب إلى مكان ~~من تلك الأمكنة ليرى في مرآته صورة الأمة ممثلة في مسارحها الوطنية لقضى ~~عليها للنظرة الأولى بأنها أحط الأمم وأدناها. # PageV03P045 # ذلك إلى ما يسمعه السامع فيها من ألفاظ السب والشتم وجمل الفحش والهجر ~~التي لا يطرق أذنه مثلها في أي موقف من مواقف حياته أو مشهد من مشاهدها إلا ~~إذا قدر له أن يتغلغل بنفسه يوما من الأيام في تلك الأحياء العامية الساقطة ~~حتى يصل إلى "عرب اليسار" أو "عشش الترجمان" فيسمعها هناك في مشاجرات ~~القرادين, ومهاترات الشحاذين. # ولقد قال لي أحد الأصدقاء الظرفاء مرة: إن شتائم "أم شولح" قد انتقلت إلى ~~بيتي ولا أعرف كيف انتقلت إليه، فإني أسمع الكثير منها يتردد في أفواه ~~الأطفال هازلين، وفي أفواه الخدم جادين. # أتدرون أيها الأصدقاء من هم أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم ممثلين، ~~ويسمون ما يهذون به على مسارحهم روايات، والذين يدعونكم معشر المتعلمين ~~الراقين إلى حضور مجامعهم باسم الآداب والفنون؟ # لو أن جماعة من الزامرين وآخرين من الطبالين وآخرين من القرادين وجماعات ~~غيرهم من الرمالين والمداحين والصفاعين والبهلوانية والحواة والرقاة وبقية ~~السائلين المستجدين الذين يمرون بأبواب منازلنا كل يوم ضاجين صارخين فلا ~~نلقي لهم بالا, ولا نعيرهم أذنا اتفقوا فيما بينهم على أن يكونوا جماعة ms379 ~~واحدة تعمل # PageV03P046 # يدا واحدة في مكان واحد لكانوا هم بعينهم جوق كشكش والبربري وشرفنطح لا ~~فرق بينهم وبينهم سوى أن أولئك يقفون بأبوابنا ضارعين مبتهلين يقنعون ~~باللقمة ويجتزئون بالشربة, وهؤلاء يأبون إلا أن نقف على أبوابهم ونتعلق ~~بأستارها فلا يفتح لنا حجابهم إلا إذا دفعنا الإتاوة المضروبة علينا. # وألطف كلمة سمعتها في هذا الشأن قول بعض المفكرين: "كان الشر مفرقا في ~~أنحاء البلد, فجمعه الريحاني في مكان واحد". # فهل تسمح لكم نفوسكم أيها الأصدقاء, وأنتم عيون الأمة اليقظة وعقولها ~~المفكرة أن تنخدعوا بألاعيب هؤلاء الخبثاء المحتالين فترفعوهم بأيديكم إلى ~~هذه المرتبة العالية التي لم يخلقوا لها, ولم يمتوا إليها بسبب من أسباب ~~العلم أو الذكاء أو الشرف أو الخلق، وها هم نوابغ الممثلين في أمتكم أشقياء ~~بؤساء لا يكاد يجد أكثرهم بين ظهرانيكم ما يقيمون به أود عيشهم, أو يعينهم ~~على ما هم بسبيله من خدمة الفن والقيام عليه؟ # من ذا الذي يذهب لمشاهدة التمثيل الجدي في مسارح أبيض ورشدي وعكاشة ~~وأمثالهم إن كنتم أنتم لا تذهبون إليها؟ ومن هو أولى بها من بعدكم إن قطعتم ~~صلتكم بها؟ # أيعجبكم ألا يرى الزائر لتلك المسارح الشريفة حين # PageV03P047 # يزورها غير العامة والسوقة والأميين والجاهلين, فإذا فتش عنكم في مكان ~~آخر غيرها رآكم مزدحمين في مراقص كشكش والبربري وشرفنطح, راضين عن مقامكم ~~فيها, مغتبطين بسفاسفها وهذياناتها؟ # ألا تخشون أن يستنتج مستنتج منهم بعد ذلك وقد راعه هذان المشهدان ~~الغريبان -مشهدكم في الأجواق الهزلية الساقطة ومشهد العامة والسوقة في ~~الأجواق الجدية الشريفة- أن الأمة المصرية أمة غريبة الشأن يفسدها العلم ~~ويصلحها الجهل، أو أن يتطرف متطرف منهم في رأيه فيقول: ليت الأمة عاشت ~~جاهلة عمياء موفورا لها حظها من الأخلاق والآداب, فذلك خير لها من علم يهوي ~~بها في مهواة الشقاء والعار. # لقد رأيت في حياتي صنوف الحيل والكيد وضروب السماجة والوقاحة, فلم أر بين ~~المحتالين والمتوقحين من هو أعظم كيدا, ولا أسمج وجها من هؤلاء القوم. # إنهم يحاولون دائما أن يلبسوا مفاسدهم وشرورهم ثوب ms380 الفضيلة والجد, وهو ~~وإن كان ثوبا شفافا ينم عما وراءه إلا أنه يكفيهم للذود عن أنفسهم في مواقف ~~الجدل والمناظرة كما يكفي البرقع الشفاف المرأة المتهتكة للدخول في سلك ~~المتحجبات. # PageV03P048 # يمثلون الفلاح أقبح تمثيل ولا يتركون مفسدة من المفاسد, ولا رذيلة من ~~الرذائل إلا ويلصقونها به، وينشدون مختلف الأناشيد في السخرية به والهزء ~~بصفاته وأعماله, ثم لا يخجلون أن يقولوا بعد ذلك في بعض تلك الأناشيد: "ما ~~دام بلادنا زراعية، حبوا الفلاح إن كنتوا تحبو وطنكم". # وينتقدون في رواياتهم فساد الرجال وخلاعة النساء, وينقمون على المصري ~~تبديد أمواله في سبيل شهواته وليس للنساء في مسارحهم عمل سوى إغراء الشبان ~~وإغوائهم وإفساد عقولهم وابتزاز أموالهم, خصوصا في الساعة التي تمثل فيها ~~هذه الروايات. # ويهدمون اللغة العربية هدما بهذه اللغة العامية الساقطة التي يكتبون بها ~~رواياتهم وينظمون بها أناشيدهم وينشرونها في كل مكان ويفسدون بها الملكات ~~اللغوية في أذهان المتعلمين, ثم يزعمون بعد ذلك أنهم أنصار اللغة العربية ~~وحماتها, فيقولون بتلك اللهجة العامية الساقطة: "ما لها لغتنا العربيه، آل ~~همجيه، يا دي المصيبه يا دي العار، فشر دي لغة المدنيه، اتمسكوا بها صغار ~~وكبار". # ولا يستحيون أن يجمعوا في نشيد واحد من رواية واحدة # PageV03P049 # بين قولهم: "دانا أبيع هدومي عشان بوسه، من خدك القشطه يا ملبن، يا حلوة ~~زي البسبوسه، يا مهلبيه تمام واحسن" وبين قولهم: "مصر يحميك ربك، ما تشوفي ~~إلا أيام سعدك" أي: إنهم يصفعون الأمة على وجهها هذه الصفعات المؤلمة, ثم ~~يحاولون أن يترضوها بعد ذلك بترديد كلمات "الوطنية" و"حب وطنك" و"مت في ~~سبيل الأوطان" وأمثالها من الكلمات العذبة الجميلة التي لا معنى لها في ~~أفواههم, إلا أنهم يعتقدون أن المصريين قد بلغوا من الغفلة والبله مبلغا لا ~~يبلغه أطفال المكاتب, ولا سكان المارستانات. # لا أرى لكم معشر الطلبة المصريين أمام هذه النازلة العظمى التي نزلت بنا ~~إلا أن ينتدب فريق من عقلائكم نفسه لنصيحة إخوانه بالامتناع عن الذهاب إلى ~~تلك الملاعب وشرح مضارها وسيئاتها لهم، فإن امتناع فريق ms381 منكم يؤثر على فريق ~~آخر, وهكذا حتى يصبح في عرفكم جميعا أن الدخول إلى تلك الأماكن عار يخجل ~~مرتكبه من الظهور به بين أصدقائه, ومعارفه. # نحن في حالة نحتاج فيها إلى أن يعلم الناس عنا في كل مكان أننا أمة أخلاق ~~وآداب, وأن في نفوس أفرادنا من الصفات والمزايا ما يرفعنا إلى مصاف الأمم ~~العظيمة، ومقياس عظمة الأمم في نظر العالم إنما هو بصفاتها ومزاياها قبل أن ~~يكون بأي شيء غير # PageV03P050 # ذلك، فإن فات آباءنا أن يورثونا خلق العظمة والإباء في عهدهم, فلنتخلق به ~~نحن لنورثه أبناءنا من بعدنا. # إنكم لا تذهبون في الحقيقة إلى هذه الأماكن وحدكم, بل يذهب إليها معكم ~~إخوتكم وأخواتكم وبقية أفراد أسركم؛ لأنكم تقصون عليهم عند عودتكم منها ما ~~شاهدتم وتروون لهم ما سمعتم، فكأن سكان البلد جميعا رجالا ونساء, كبارا ~~وصغارا يجتمعون في هذه البؤر الفاسدة في ساعة واحدة، فهل يستطيع أن يتصور ~~متصور خطرا على الأمة وعلى أخلاقها وآدابها أعظم من هذا الخطر؟! # إنني لا أدعوكم إلى الامتناع عن الإلمام بهذه المقاذر العامة من أجل ~~أنفسكم فقط, بل من أجل إخوتكم وأخواتكم اليوم، ومن أجل أبنائكم وأحفادكم ~~غدا، ومن أجل مستقبل الأمة المصرية كلها الذي أعتقد أنه أمانة في أيديكم, ~~ووديعة موكولة إلى كرم نفوسكم, وشرف ضمائركم. # اهدموا هذه الأماكن هدما بالإعراض عنها واحتقارها وازدرائها, ثم قفوا بعد ~~ذلك على أطلالها البالية هاتفين, صائحين صياح الظافر المنتصر, قائلين: ها ~~قد نجت الأمة من خطر عظيم, وها نحن قد قمنا جميعا بالواجب علينا. # PageV03P051 ### | الشيخ علي يوسف: # هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل ~~للكتاب. # أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل الذي كان ملء الأفئدة والصدور, وملء ~~الأسماع والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء، جثة نحيلة ضئيلة مدرجة في كفن, ~~ملحدة في مهوى من باطن الأرض سحيق؟! # ما أعظم الفرق بين الحياة والموت! تغرب الشمس فلا تلبث أن تطلع من ~~مشرقها، وتتراكم السحب من دونها فلا تلبث أن تنفرج عنها حينما تهب ms382 عليها ~~الرياح الباردة، وتعرى الأشجار عن أوراقها ثم تعود إلى جمالها مخضرة نضرة ~~حينما تهب عليها نسمات الربيع، وينام الأحياء في مضاجعهم حتى إذا طلع عليهم ~~الكوكب النهاري وعبثت أشعته بأهداب جفونهم, قاموا من مراقدهم وذهبوا في ~~سبلهم التي خلقوا لها، ويموت الميت فلا ينتظره منتظر، ولا يؤمل أوبته آمل، ~~فكأن ما صار إليه العدم الذي لم يسبقه وجود. # PageV03P052 # اللهم إنا نعلم أن الموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجريها بين عبادك ~~ليست سهاما طائشة ولا نياقا عشواء، وأن زهرة الحياة لا يمكن أن تنبت إلا في ~~التربة التي نبتت فيها أشواك الموت، ولكننا لا نستطيع أن نملك عيوننا من ~~البكاء ولا قلوبنا من الجزع إذا فارقنا عزيز علينا؛ لأن ساحة الصبر التي ~~منحتنا أضيق من أن تسع نازلة البلاء الذي ابتليتنا، فاغفر اللهم لنا حنيننا ~~وبكاءنا على الهلكى والذاهبين. # اللهم إنك تعلم أنا نسير من حياتنا هذه في صحراء محرقة ملتهبة لا نجد ~~فيها ظلا نستظل به ولا أكمة نأوي إليها, وأن الصديق الذي نعثر به في حياتنا ~~هو بمنزلة الدوحة الخضراء التي ننتهي إليها في تلك الصحراء بعد الأين ~~والكلال وطول السير والسرى, فنترامى في ظلالها الوارفة ناعمين هادئين، فإذا ~~هبت ريح عاصفة على تلك الدوحة فاقتلعتها من جذورها وطارت بها في جو السماء, ~~وأصبحنا من بعدها ضاحين بارزين, فإنا لا نجد بدا من البكاء والجزع؛ لأن من ~~الشقاء ما لا يستطاع احتماله ولا يطاق تجرع كأسه. # لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي ~~كنا نتنوره من حين إلى حين في هذه السماء # PageV03P053 # المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة الخضراء التي كنا ~~نلوذ بظلالها من لفحات هذه الحياة وزفراتها، فنحن إن بكيناه فإنما نبكي ~~الأمل الذاهب والسعادة الراحلة والحياة الطيبة، ومن هو أولى بالتفجع ~~والبكاء من سعادتنا وآمالنا! # ما كنا نرجو لهذه الأمة غير هذين الرجلين؛ ميت الأمس الشيخ محمد عبده، ~~وميت اليوم الشيخ علي يوسف، فقد كانا لها طودين ms383 شامخين رابضين على أكنافها، ~~يمسكها الأول أن تزل بها مزالق المدنية الخالبة فيذهب دينها، ويمسكها ~~الثاني أن تطير بها أحلام السياسة الكاذبة فتذهب جامعتها، واليوم لا نرجو ~~لها من بعدهما أحدا، فويل للأمة في دينها، وويل لها في جامعتها. # العلماء والخطباء والكتاب في هذه الأمة كثير، ولكن الرجال قليل. # إنما ينفع الأمة ويضطلع بخطوبها ويحمل أعباءها على عاتقه الرجل الذي يشعر ~~من نفسه بأنه ينزل منها منزلة رئيس الأسرة من أسرته التي يعلم أنه مأخوذ ~~بالقيام عليها والسعي لها, فيقوم لها بكل ما تريد ويسعى لها سعي الكادح ~~المجد, ويرحم صغيرها ويحنو على كبيرها, ويحتمل مغارمها ويغتفر عبث أطفالها ~~وجهل شيوخها, ويرى لها في كل شأن من شئونها خيرا مما ترى لنفسها، أرضاها # PageV03P054 # ذلك أم أغضبها، من حيث لا يمن عليها بذلك ولا يطلب عندها جزاء ولا أجرا، ~~بل من حيث لا تعلم ما يلاقي بينه وبين نفسه من آلام الحياة, وما يعالج من ~~شدائدها في سبيلها. # وكذلك كان شأن الشيخ علي يوسف في أمته، فقد مات بموته آخر من بقي لها من ~~الرجال. # لقد كان الذين يعرفونه أقل من الذين يجهلونه؛ لأن الذين ينظرون ببصائرهم ~~أقل من الذين ينظرون بأبصارهم، ولأن الحقيقة الكامنة في سويداء قلبه كانت ~~أعمق مكانا وأدق مسلكا من أن تتناولها النظرة الأولى، ولأنه كان مخلصا ~~متحنثا يعمل في سره أكثر مما يعمل في علانيته، ثم لا يدل بنفسه في كلتا ~~الحالتين على نفسه. # رأيته في حادثة الأزهر في تلك الأيام التي كان يظن فيها كثير من الناس ~~أنه حرب على الأزهر والأزهريين, يقضي كثيرا من لياليه مترددا على أبواب ~~القائمين بالأمر, ضارعا إليهم أن ينيلوا هؤلاء القوم مطالبهم أو بعض ما ~~يريدون, قائلا عنهم ما كان يقوله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فئة حنين: ~~$"اللهم إن تهلك هذه الفئة, فلن تعبد بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا" فلا ~~يقف في سبيله إلا حماقة أولئك الذين كان يظن هؤلاء المساكين أنهم أصدقاؤهم, ~~وهم أعدى أعدائهم. # PageV03P055 # ورأيته ms384 يضم إلى كنفه كثيرا من أصدقائه الذين نبا بهم الدهر بعد سقوط دولة ~~عبد الحميد, وتنكر لهم الناس جميعا خصوصا أولئك الذين كانوا يزدلفون إليهم ~~أيام إقبالهم, ويمسحون وجوههم على أعتاب قصورهم، وكان يلاقي في سبيل ذلك من ~~عتب العاتبين عليه ولوم اللائمين له ما لا يستطاع احتماله، فلم يبال بشيء ~~من ذلك. # ورأيت كثيرا من أعدائه الذين كانوا في بعض أيام حياتهم حربا عليه وشقاء ~~له يعودون إلى حظيرته واحدا بعد واحد يستغفرونه فيجلس إليهم, ويتحدث معهم ~~حديث المودة والإخاء كأنما كانوا معه على ميعاد. # وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدا ولا واجدا، ولا منتقما ولا طالبا ~~بثأر ولا ذائدا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد, وأن ~~قد أصبح عرضه وشرفه على خطر، ولم أر سائلا دخل إليه يشكو حاجة من الحاج ~~صادقا كان فيها أم كاذبا, ويسأله المعونة عليها من ماله أو جاهه إلا أعانه ~~عليها ما وجد إلى ذلك سبيلا، رحمة وإشفاقا، لا رياء ونفاقا، وكان يرى الرأي ~~ويرى الناس جميعا غيره فلا يثنيه عنه ثان حتى ينحدر ستر الغيب عن وجه ~~المستقبل, فإذا هو مصيب وإذا الناس جميعا مخطئون. # ففي سبيل الله يا علي ما فقدنا بفقدك، وفي ذمة الله وجواره # PageV03P056 # تلك الروح الطيبة الطاهرة التي عاشت ما عاشت في هذه الدنيا سرا كامنا بين ~~أحناء ضلوعك, لا يدركه ولا يكتنه باطنها إلا قليل من الناس، فما رآها الناس ~~جميعا رأي العين إلا وهي طائرة في جو السماء إلى ربها، وكذلك شأن هذه الأمة ~~البائسة المحدودة لا ترى رجالها ولا تعرف مكانهم ولا تشعر بعظمتهم إلا وهم ~~ذاهبون إلى قبورهم حيث تنقطع الصلة بينها وبينهم، فمثلنا ومثلهم كمثل صاحب ~~الدار الذي يجهل أن في أرضها كنزا مخبوءا حتى إذا باعها ممن يستخرج ذلك ~~الكنز منها جلس إلى ظل حائطها, يبكي بكاء البائس المحزون. # لقد كنت يا علي مثل الحقيقة ينتفع الناس بوجودها ولا يفهمونها، بل كنت ~~أفضل من ms385 الحقيقة؛ لأن الحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، أما أنت فكنت تخدم ~~أصدقاءك وأعداءك، أما الأولون فلأنك كنت تحسن إليهم بجاهك أو بمالك أو ~~برأيك، وأما الآخرون فقد كانوا يقتاتون من تلك القطرات من الدماء التي ~~كانوا يستقطرونها من عرضك وشرفك، فويل للفريقين معا من بعدك، وكنت القطب ~~الذي تدور حوله رحى الأقلام في هذا البلد، فقد كانت وظيفة الكتاب أن يشرحوا ~~آراءك أو يفسروا كلماتك أو يكتنهوا مقاصدك أو يوافقوك أو يخالفوك أو يمدحوك # PageV03P057 # أو يذموك، فإن كتبوا في شأن من الشئون غير هذا فتروا واستبردوا، فوا ضيعة ~~الأقلام وما أضيق مذاهب الكتاب بعد رحيلك، وكنت العصمة التي تعتصم بها ~~الأمة في مواقف بؤسها وشقائها، ومواطن خطوبها وكروبها، وما أحسب إلا أن ~~الدهر يدخر لها من ذلك في مستقبل أيامها أكثر مما ادخر لها في ماضيها، فما ~~أكثر شقاءها وبلاءها بعد اليوم. # أيها الراحل الكريم, لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب ~~بها هذا الحزن الذي أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام كما يبلى الكفن, ~~لولا قدر أبعدني عن موطنك في آخر أيام حياتك فأحرمني جلسة أجلسها بجانب ~~سريرك أسمع فيها آخر كلمة من كلماتك, وأرى آخر نظرة من نظراتك, وحال بيني ~~وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ببعض ما مشيت لي من الخطوات في ~~حياتك، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف فيها على تربتك أول دمعة ~~يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يوما فسأبكي حرماني وداعك أياما طوالا ~~حتى يجمع الله بيني وبينك. # PageV03P058 ### | العظمة # إن رأيت شاعرا من الشعراء أو عالما من العلماء أو نبيلا في قومه أو داعيا ~~في أمته قد انقسم الناس في النظر إليه وتقدير منزلته انقساما عظيما, ~~وانفرجت مسافة الخلف بينهم في شأنه فافتتن بحبه قوم حتى رفعوه إلى رتبة ~~الملك, ودان ببغضه آخرون حتى هبطوا به إلى منزلة الشيطان, فاعلم أنه رجل ~~عظيم. # العظمة أمر وراء العلم والشعر والإمارة والوزارة والثروة والجاه، ~~فالعلماء والشعراء والنبلاء كثيرون والعظماء منهم ms386 قليلون، وإنما هي قوة ~~روحية موهوبة غير مكتسبة تملأ نفس صاحبها شعورا بأنه رجل غريب في نفسه ~~ومزاج عقله ونزعات أفكاره وأساليب تفكيره, غير مطبوع على غرار الرجال ولا ~~مقدود على مثالهم ولا داخل في كلية من كلياتهم العامة، فإذا نزلت نفسه من ~~نفسه هذه المنزلة أصبح لا ينظر إلى شيء من الأشياء بعين غير عينه, ولا يسمع ~~بأذن غير أذنه, ولا يمشي في طريق غير الطريق التي مهدها بيده لنفسه, ولا ~~يجعل لعقل من العقول مهما عظم شأنه # PageV03P059 # وشأن صاحبه سلطانا عليه في رأي أو فكر أو مشايعة لمذهب أو مناصبة لطريقة, ~~بل يرى لشدة ثقته بنفسه وعلمه بضعف ثقة الناس بنفوسهم أن حقا على الناس ~~جميعا أن يستقيدوا له وينزلوا على حكمه ويترسموا مواقع أقدامه في مذاهبه ~~ومراميه, فترى جميع أعماله وآثاره غريبة نادرة بين آثار الناس وأعمالهم، ~~تبهر العيون وتدهش الأنظار وتملأ القلوب هيبة وروعة، فإن كان شاعرا كان ~~مبتكرا في معانيه أو طريقته، أو كاتبا أخذ على النفوس مشاعرها وأهواءها، أو ~~فقيها هدم من المذاهب قديما وبنى جديدا، أو ملكا شغل من صفحات التاريخ ما ~~لم يشغله ملك سواه، أو وزيرا ساس أمته بسياسة جديدة لا عهد لهم بمثلها، أو ~~قائدا ضرب الضربة البكر التي تردد الآفاق صداها. # تلك هي العظمة، وهذا هو الرجل، ومن كان هذا شأنه كان فتنة الناس في ~~خلواتهم ومجتمعاتهم ومعترك أنظارهم وأفهامهم ومثار الخلف والشقاق فيما ~~بينهم في استكناه أمره وتقدير منزلته؛ فيعجب به الذين فطروا على الإعجاب ~~بكل غريب, والافتتان بكل جديد حتى ينتقل بهم الإعجاب به إلى الافتتان ~~بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته, والإغراق في حبه والمشايعة له والسير ~~بعجائبه وغرائبه في كل صقع وناد، فيقع ذلك من نفوس مناظريه وحاسديه ~~والمتمردين # PageV03P060 # على عبقريته ونبوغه موقعا غير جميل, فلا يجدون لهم بدا من مقابلة الإغراق ~~في حبه بالإغراق في بغضه على قاعدة المشادة والمعاندة، وهنالك تحتدم ~~المعركة الهائلة بين أنصاره وخصومه فيهاجمه هؤلاء يحاولون استلاب عظمته ~~منه, ويناضل عنه أولئك ms387 يريدون استبقاءها في يده وهو واقف بينهم يدير أنظاره ~~فيهم, هانئا مغتبطا لا يحزن ولا يبتئس؛ لأنه يعلم أن جميع هذه الأصوات ~~الصارخة المختلطة حوله إنما هي أبواق شهرته وعظمته. # لا أريد أن أقول: إن الرجل العظيم مصيب في كل ما يرى وما يفعل وما ينتهج ~~لنفسه وللناس من سبل الحياة, فربما كان من هو أضعف منه قوة وأخمل ذكرا أسد ~~منه رأيا وأصدق نظرا، وإنما أريد أن أقول: إن أحدا من الناس لا يستطيع أن ~~يشغل أقلام الكتاب وعقول المفكرين وألسنة الناطقين وقلوب المحبين والمبغضين ~~إلا الرجل العظيم. # أحب عليا قوم حتى كفروا بحبه وأبغضه آخرون حتى كفروا ببغضه، وسمى بعض ~~الناس أبا بكر وعمر شيخي المسلمين وأنكر بعضهم صحبتهما وإخلاصهما، وعاش ~~محيي الدين بن العربي بين فئة تراه قطب الأولياء وأخرى تراه شيخ الملحدين، ~~واغتبط فريق من المسلمين بابن رشد فسموه فيلسوف الإسلام ونقم # PageV03P061 # عليه فريق فملئوا وجهه بصاقا في المسجد الجامع، وسمى قوم صاحب كتاب ~~الإحياء حجة الإسلام ومزق آخرون كتابه ونثروه في مهاب الريح، وعاش المعري ~~بين رضا الراضين عنه ونقمة الناقمين عليه، يلثم الأولون مواطئ قدميه ويسحبه ~~الآخرون على وجهه في الطرقات العامة، وشرب سقراط كأس السم بين أفواه باسمة ~~شماتة به وعيون دامعة حزنا عليه، وجرت الأقلام بمدح المتنبي تارة فإذا هو ~~سيد الشعراء وبذمه أخرى فإذا هو أكبر المتكلفين، ورفع قوم شكسبير إلى مرتبة ~~الكمال الإنساني فقالوا: نابغة الدهر وهبط به آخرون إلى أدنى منازل الخسة ~~والدناءة فقالوا: المنتحل الكذاب، وافتتن المفتتنون بنابليون الأول فعلوا ~~به إلى رتبة الأنبياء، وتنكر له خصومه وأعداؤه فسلكوه في سلك الحمقى ~~والممرورين، وذاق كل من لوثر وكالفين وجليلو وفولتير ونيتشه وتولستوي كأسي ~~الحب والبغض في حياته وبعد مماته إلى القطرة الأخيرة منهما، وما انقسم ~~الناس في هذا البلد في هذا العصر في شأن رجل من الرجال انقسامهم في شأن ~~جمال الدين ومحمد عبده وسعد زغلول ومصطفى كامل وقاسم أمين. # وما كان واحد من هؤلاء جميعا بالمنزلة التي ms388 يرفعه إليها المغرقون في حبه، ~~أو ينزل به إليها الغالون في بغضه، ولكنهم كانوا # PageV03P062 # قوما عظماء, فانقسم الناس في شأنهم وذهبوا في أمرهم هذه المذاهب البعيدة ~~المترامية، ولا ينقسم الناس هذا الانقسام العظيم إلا في شأن الرجل العظيم. # ليس معنى الوجود في الحياة أن يتخذ المرء لنفسه فيها نفقا يتصل أوله بباب ~~مهده, وآخر بباب لحده ثم ينزلق فيه انزلاقا من حيث لا تراه عين ولا تسمع ~~دبيبه أذن حتى يبلغ نهايته كما تفعل الهوام والحشرات والزاحفات على بطونها ~~من بنات الأرض، وإنما الوجود قرع الأسماع واجتذاب الأنظار وتحريك أوتار ~~القلوب واستثارة الألسنة الصامتة وتحريك الأقلام الراكدة وتأريث نار الحب ~~في نفوس الأخيار وجمرة البغض في قلوب الأشرار، فعظماء الرجال أطول الناس ~~أعمارا وإن قصرت حياتهم، وأعظمهم حظا في الوجود وإن قلت على ظهر الأرض ~~أيامهم. # العظمة كالحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، ويحمل أحجار هيكلها على ~~رءوسهم هادموها وبناتها، فحيث ترى سواد الأعداء فهناك سواد الأصدقاء، وحيث ~~ترى الفريقين مجتمعين في صعيد واحد فاعلم أن العظمة ماثلة على عرشها العظيم ~~فوق أعناقهم جميعا. # العظمة قصر مشيد مرفوع على سارتين منحوتتين من حب # PageV03P063 # الناس وبغضائهم، فلا يزال ذلك القصر ثابتا في مكانه لا يتزعزع ولا يتحلحل ~~ما بقيتا في مكانهما، فإذا سقطت إحداهما عجزت الأخرى عن الاستقلال به فسقطت ~~بجانب أختها؛ فسقط هو بسقوطهما. # لا يعجبنك أن يتفق الناس جميعا على حبك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على حب ~~الرجل الضعيف المهين الذي يتجرد لهم من نفسه وعقله ورأيه ومشاعره, ثم يقعي ~~على ذنبه تحت أقدامهم إقعاء الكلب الذليل يضربونه فيصطبر لهم, ويعبثون به ~~فيبصبص بذنبه طلبا لرضاهم، ويهتفون به فيقترب، ويزجرونه فيزدجر. # ولا يعجبنك أن يتفقوا على بغضك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على بغض الخبثاء ~~الأشرار الذين لا يحبون أحدا من الناس, فلا يحبهم من الناس أحد. # وليعجبنك أن يختلفوا في شأنك وينقسموا في أمرك ويذهبوا في النظر إليك ~~وتقدير منزلتك كل مذهب، فتلك آية العظمة وذلك شأن الرجل العظيم. # كن القائد ms389 الذي تعترك الجيوش حوله من بين ذائد عنه وعاد عليه، ولا تكن ~~الجندي الذي يسفك دمه ليسقي به دوحة العظمة التي ينعم في ظلالها القائد ~~العظيم. # كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض # PageV03P064 # ومغاربها، ولا تكن الريح التي تختلف إلى آذان الناس بأصوات الناطقين من ~~حيث لا يأبهون لها, ولا يعرفون لها يدها عندهم. # كن النبتة النضرة التي تعتلج ذرات الأرض في سبيل نضرتها ونمائها، ولا تكن ~~الذرة التي تطؤها الأقدام، وتدوسها الحوافر والأخفاف. # كن زعيم الناس إن استطعت، فإن عجزت فكن زعيم نفسك، ولا تطلب العظمة من ~~طريق التشيع للعظماء والتلصق بهم أو مناصبتهم العداء والوقوف في وجههم، فإن ~~فعلت كنت التابع الذليل، وكانوا الزعماء الأعزاء. # PageV03P065 ### | حرية الانتقاد # سألني بعض الأصدقاء عن رأيي في الانتقاد وشروطه وحدوده وآدابه وواجباته، ~~ورأيي فيه ألا شروط له ولا حدود ولا آداب ولا واجبات، وأن لكل كاتب أو قائل ~~الحق في نقد ما يشاء من الكلام، مصيبا كان أم مخطئا، محقا أم مبطلا، صادقا ~~أم كاذبا، مخلصا أم غير مخلص؛ لأن النقد نوع من أنواع الاستحسان ~~والاستهجان، وهما حالتان طبيعيتان للإنسان لا تنفكان عنه من صرخة الوضع إلى ~~أنة النزع، وكل ما هو طبيعي فهو حق لا ريبة فيه ولا مراء، فإن أصاب الناقد ~~في نقده فقد أحسن إلى نفسه وإلى الناس، وإن أخطأ فسيجد من الناس من يدله ~~على موضع الخطأ فيه ويرشده إلى مكان الصواب منه، فلا يزال يتعثر بين الصواب ~~والخطأ حتى يستقيم له الصواب كله. # فإن أبينا عليه أن ينتقد إلا إذا كان كفؤا في علمه, ومخلصا في عمله كما ~~يشترط عليه ذلك أكثر الناس فقد أبينا عليه أن يخط سطرا واحدا في الانتقاد، ~~وقضينا على ذهنه بالجمود والموت، # PageV03P066 # لأنا لا نعرف لهاتين الصفتين حدودا معينة واضحة، فكل ناقد يزعمهما لنفسه، ~~وكل منتقد عليه يجرد ناقده منهما، ومتى سمح الدهر لعامل من العاملين ~~بالإخلاص المجرد في عمله فيسمح به لجماعة الناقدين! # على أن الناقد الناقم لا تمنعه ms390 نقمته من أن يكون مصيبا في بعض ما يقول؛ ~~لأنه لم يأخذ على نفسه عهدا أن يختلق جميع المآخذ التي يأخذها وألا يكتب ~~إلا الباطل والمحال، وإنما هو رجل عياب بالحق وبالباطل فهو يفتش عن السيئات ~~الموجودة حتى يفرغ منها فيلجأ إلى السيئات المختلفة، ولقد كتب أول نقد في ~~التاريخ بمداد الضغينة والحقد، فقد كانت توجد في عهد اليونان القديم طائفة ~~من الشعراء يجوبون البلاد, ويتغنون بالقصائد الحماسية والأناشيد الوطنية في ~~الأسواق والمجتمعات وبين أيدي الأمراء والعظماء, فيكرمهم الناس ويجلونهم ~~إجلالا عظيما ويجزلون لهم العطايا والهبات فنفس عليهم مكانتهم هذه جماعة من ~~معاصريهم من الذين لا يطوفون في البلاد طوافهم، ولا يحظون عند الملوك ~~والعظماء حظوتهم، فأخذوا يعيبونهم ويكتبون الكتب في نقد حركاتهم وأصواتهم ~~ومعاني أشعارهم وأساليبها، وكان هذا أول عهد العالم بالنقد، والفضل في ذلك ~~للضغينة والحقد، فلرذيلة الحقد # PageV03P067 # الفضل الأول في وجود الانتقاد, وبزوغ شمسه المنيرة. # كذلك لا يمنع الجاهل جهله من أن يكون رأيه في مثل هذا الموضع رأيا صائبا، ~~لا بل ربما كان شعوره بحسن الكلام وقبحه -متى رزق حظا من سلامة الذوق ~~واستقامة الفهم- أصح من رأي الأديب المتكلف الذي يتعمل النقد تعملا، ويتعمق ~~التعمق كله في التفتيش عن حسنات الكلام وسيئاته حتى يضل عنها، ورب ابتسامة ~~أو تقطيبة يمران بوجه السامع العامي عفوا أنفع للأديب حين يراهما وأعون له ~~على معرفة مكان الحسنة والسيئة من كلامه من مجلد ضخم يكتبه عالم مضطلع ~~بالأدب واللغة في نقد شعره أو نثره، وإذا كان من الواجب على كل شاعر أو ~~كاتب أن ينظم أو يكتب للأمة جميعها خاصتها وعامتها, فلم لا يكون من حق كل ~~فرد من أفرادها متعلما كان أو جاهلا أن يدلي برأيه في استحسان ما يستحسن من ~~كلامه, واستهجان ما يستهجن منه؟ # وهل رفع العظماء من رجال الأدب إلى مواقف عظمتهم وسجل لهم أسماءهم في صحف ~~المجد إلا منزلتهم التي نزلوها من نفوس السواد الأعظم من الأمة, والمكانة ~~التي نالوها بين عامتها ودهمائها؟ # وبعد, فلا ms391 يتبرم بالنقد ولا يضيق به ذرعا إلا الغبي الأبله الذي لا يبالي ~~أن يفهم الناس سيئاته بينهم وبين أنفسهم، ويزعجه كل الإزعاج # PageV03P068 # أن يتحدثوا بها في مجامعهم، ولا فرق بين فهمهم إياها وحديثهم عنها، أو ~~الجبان المستطار الذي يخاف من الوهم ويفرق من رؤية الأشباح، ولو رجع إلى ~~أناته ورويته لعلم أن النقد إن كان صوابا فقد دله على عيوب نفسه فاتقاها، ~~أو خطأ فلا خوف على سمعته ومكانته منه؛ لأن الناس ليسوا عبيد الناقدين ولا ~~أسراهم، يأمرونهم بالباطل فيذعنون، ويدعونهم إلى المحال فيتبعون، ولئن ~~استطاع أحد أن يخدع أحدا في كل شيء فإنه لا يستطيع أن يخدعه في شعور نفسه ~~بجمال الكلام أو قبحه، ولو أن الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد والمبرد والجاحظ ~~والقالي وقدامة وابن قتيبة والآمدي وأبا هلال والجرجاني بعثوا في هذا العصر ~~من مراقدهم, وتكلفوا أن يذموا قصيدة يحبها الناس من شعر شوقي مثلا لما ~~كرهوها، أو يمدحوا مقالة يستثقلها الناس من نثر "فلان" لما أحبوها، ~~فالحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل إليها، فهي تختفي حينا أو تتنكر أو ~~تتراءى في ثوب غير ثوبها, ولكنها لا تنمحي ولا تزول. # فلتنطلق ألسنة الناقدين بما شاءت، ولتتسع لها صدور المنتقدين ما استطاعت، ~~فقد حرمنا الحرية في كل شأن من شئون حياتنا فلا أقل من أن نتمتع بحرية ~~النظر والتفكير. # PageV03P069 ### | يوم العيد # أفضل ما سمعت في باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة في باريس وقفت ليلة ~~عيد من الأعياد بحانوت تماثيل يطرقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب ~~لأطفالهم الصغار, فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في ~~حسنه وجماله, فابتهجت بمرآه ابتهاجا عظيما لا لأنها غريرة بلهاء يستفزها من ~~تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال الصغار, بل لأنها كانت تنظر إليه ~~بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها, ينتظر عودتها إليه بلعبة العيد ~~كما وعدته، فأخذت تساوم صاحب الحانوت فيه ساعة والرجل يغالي به مغالاة ~~شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه ms392 وأنها لا تستطيع العودة ~~بدونه, فساقتها الضرورة التي لا يقدرها قدرها إلا من حمل بين جنبيه قلبا ~~كقلب الأم وفؤادا مستطارا كفؤادها, إلى أن تمد يدها خفية إلى التمثال ~~فتسرقه من حيث تظن أن الرجل لا يراها ولا يشعر بمكانها، ثم رجعت أدراجها ~~وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين # PageV03P070 # مختلفتين، خفقة الخوف من عاقبة فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة ~~التي ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها، وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحدة ~~النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته, فما برحت مكانها حتى تبعها ~~يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وشأنها وذهب إلى مخفر الشرطة ~~فجاء منه بجنديين للقبض عليها, وصعدوا جميعا إلى الغرفة التي تسكنها ~~ففاجئوها جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة ~~والسرور، فهجم الجنديان على الأم فاعتقلاها وهجم الرجل على الولد فانتزع ~~التمثال من يده, فصرح الولد صرخة عظمى لا على التمثال الذي انتزع منه بل ~~على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت أول كلمة نطق بها وهو جاث بين يدي الرجل: ~~رحمتك بأمي يا مولاي، وظل يبكي بكاء شديدا، فجمد الرجل أمام هذا المنظر ~~المؤثر وأطرق إطراقا طويلا, وإنه لكذلك إذ دقت أجراس الكنائس مؤذنة بإشراق ~~فجر العيد, فانتفض انتفاضة شديدة وعظم عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة ~~حزينة منكوبة في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، فالتفت إلى الجنديين ~~وقال لهما: إني أخطأت في اتهام هذه المرأة, فإني لا أبيع هذا النوع من ~~التماثيل، فانصرفا لشأنهما، والتفت هو إلى الولد فاستغفره ذنبه إليه وإلى ~~أمه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر # PageV03P071 # إليها عن خشونته وشدته، فشكرت له فضله ومروءته وجبينها يرفض عرقا حياء من ~~فعلتها، ولم يفارقهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد, وأهنأ ~~مما كانا يظنان. # لا تأتي ليلة العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان؛ نجم سعود ونجم ~~نحوس، أما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل ~~ولأولادهم اللعب والتماثيل ولأضيافهم ألوان المطاعم ms393 والمشارب, ثم ناموا ~~ليلتهم نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير ~~الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ~~ليلتهم على مثل جمر الغضى يئنون في فراشهم أنينا يتصدع له القلب, ويذوب له ~~الصخر حزنا على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم أو بأعينهم ~~ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون به أندادهم، ولعب جميلة ~~يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها. # فهل لأولئك السعداء أن يمدوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البر والمعروف, ~~ويفيضوا عليهم في ذلك اليوم السعيد النزر القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا ~~لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما سجل لصاحب حانوت التماثيل! # PageV03P072 # إن رجلا يؤمن بالله ورسله وآياته وكتبه ويحمل بين جنبيه قلبا يخفق ~~بالرحمة والحنان لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء, ولا قلبه من الخفقان ~~عندما يرى في يوم العيد في طريقه إلى معبده أو منصرفه من زياراته طفلة ~~مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار ~~والجدران خجلا من أترابها وأندادها أن تقع أنظارهن على بؤسها وفقرها ورثاثة ~~ثوبها وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن, فلا يجد بدا من أن يدفع عن ~~نفسه ذلك الألم بالحنو عليها وعلى بؤسها ومتربتها؛ لأنه يعلم أن جميع ما ~~اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي ~~يشعر بها في أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها. # حسب البؤساء من محن الدهر وصروفه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن ~~مظلم من بؤسهم وشقائهم, فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة في كل ~~عام مرة أو مرتين. # PageV03P073 ### | من الشيوخ إلى الشبان # لا نستطيع أن ننكر عليكم معشر الأبناء أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا وأبعد ~~همة وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشاحبة المعروقة لا تستطيع أن ~~تصل إلى ما تصل إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع ~~تصوراتكم وآمالكم التي تتلون ms394 بها شبوبيتكم أكثر حدة وحرارة وأبعد غورا ~~وعمقا من آرائنا وتصوراتنا، ولكن الذي ننكره عليكم ونعتب عليكم فيه أشد ~~العتب هو زرايتكم علينا واحتقاركم لنا ورميكم إيانا بالجمود مرة والخرف ~~أخرى كلما اختلفنا معكم في شأن من الشئون، كما أننا ننعى عليكم كبرياءكم ~~وخيلاءكم واعتدادكم بأنفسكم ذلك الاعتداد العظيم الذي يخيل إليكم معه أن ~~هذه الألوان الجميلة التي تتلون بها حياتكم الحاضرة إنما هي خاصة بكم ووقف ~~عليكم، لم تمر بعصر غير عصركم، ولم يزه بها شباب غير شبابكم، وأنكم أنتم ~~أصحاب الفضل الأول في ابتكارها وافتراع عذرتها، ولو أنكم استطعتم أن تحملوا ~~أنفسكم على الروية والأناة # PageV03P074 # وأن تنتقلوا بأنظاركم من الحاضر إلى الماضي وإن لم يكن ذلك من طبيعة ~~الشباب ولا من طبيعته لعلمتم أن هذا العهد الذي يمر بكم اليوم والذي ~~تفاخروننا به وتدلون علينا بأحلامه وأمانيه وتصوراته وخيالاته قد مر بنا ~~مثله في زماننا، فقد كان لنا شباب مثل شبابكم نتصور فيه كما تتصورن، ونفكر ~~كما تفكرون، ونردد في أنفسنا وأحاديثنا وكتاباتنا جميع هذه الآراء والأفكار ~~التي ترددونها اليوم حتى انطوى ذلك العهد وزالت معالمه وهدأت على أثره تلك ~~الثورة النفسية الهائلة التي كانت تعترك بين جوانحنا, ودخلنا غمار الحياة ~~الحقيقية حياة الجد والعمل والنظر والتأمل والخبرة والتجربة, فاستطعنا أن ~~نرجع إلى نفوسنا، ونثوب إلى شدنا, وأن نهبط بهدوء وسكون إلى أعماق قلوبنا ~~ونستعرض تلك الآراء والأفكار والأحلام والآمال بإمعان وتدقيق, فاستطعنا أن ~~نميز صالحها من فاسدها، وصادقها من كاذبها، ومعقولها من موهومها، وأن نقلب ~~الأشياء على جميع وجوهها ونرى وجوه الحسن فيها ووجوه القبح ونوازن بين هذه ~~وتلك، فأخذنا بما أربت حسناته على سيئاته، وأطرحنا ما زادت سيئاته على ~~حسناته، فلا فضل لكم في الحقيقة في هذا الذي تزعمون أن لكم الفضل فيه وحدكم ~~من دون الناس جميعا، إنما الفضل للشباب ومزاجه وطبيعته وحدته، # PageV03P075 # ولا علاقة للعلم والجهل والذكاء والغباوة والتقدم والتأخر بشيء من ذلك، ~~وللشباب خصائص كثيرة وصفات متعددة، وأخص صفاته: قصر النظر وسرعة الحكم ms395 ~~والعجز عن إحكام الصلة بين أدوار الزمن الثلاثة: ماضيه وحاضره ومستقبله، ~~فهو لا يستطيع أن يتصور تصورا ثابتا متينا أن الماضي أساس الحاضر ومنبع ~~وجوده، لا يشرق إلا من مطلعه، ولا ينبت إلا في تربته، وأن المستقبل بيد ~~الطبيعة القاسية وقوانينها الصارمة؛ وليس أقرب إليه من أن يتصور أن في ~~استطاعته أن يمحو بيده في لحظة واحدة وجه الكون بأرضه وسمائه ثم يخلقه خلقا ~~جديدا على الصورة التي يريدها ويتصورها، وأن في إمكانه أن يحيل التراب ~~أمواها والأمواه ترابا, وأن يحجب بيده وجه الشمس فلا ينبعث لها شعاع إلا ~~بإرادته, وأن يرغمها متى أراد أن تمزق حجاب الليل وتبرز في سمائه، ولا يزال ~~يتخبط في أمثال هذه التصورات والأحلام التي لا فائدة فيها ولا نتيجة لها ~~حتى تطلع عليه أول طليعة من طلائع الشيخوخة فتهدأ ثورته، وتفتر حدته، ثم لا ~~يلبث أن يسقط جاثيا بين يدي القوة الإلهية والقوى الطبيعية, معترفا بعجزه ~~وقصوره وفراغ يده من كل حول وقوة, هاتفا: إن للكون إلها لا أستطيع محادته, ~~وللطبيعة سنة لا أستطيع تبديلها. # PageV03P076 # كنا نفكر كثيرا في شأن المرأة كما تفكرون اليوم، ولا نجد حديثا ألذ ولا ~~أطرب من الحديث عنها، وكنا لشدة إعجابنا بها واهتمامنا العظيم بإرضائها ~~وتدليلها والوقوع من نفسها موقعا جميلا ندافع عنها ضد أنفسنا, ونطلب لها من ~~النفوذ والسيطرة علينا أكثر مما تطلبه لنفسها, ونتمنى بجدع الأنف لو أننا ~~رأيناها متمتعة بالحرية إلى أقصى حدودها, فتتبرج كيف تشاء، وتسفر كما تريد، ~~وتجلس إلى الرجل جنبا لجنب في المجتمعات العامة والخاصة دون أن يعارضها ~~معارض، أو يكدر عليها صفوها مكدر، بل كنا نذهب في مجاملتها ومحاسنتها إلى ~~أكثر من ذلك، فكنا نغتفر لها سيئاتها الأدبية ونسميها سقطات أي: هفوات ~~فردية لا أهمية لها, ونغريها بمحاسبة زوجها حسابا شديدا على خيانته لها ~~ومقابلة فعلاته بمثلها؛ لأننا كنا نقرر لها مبدأ المساواة بينها وبينه ~~ونقول لها: ليس من العدل أن يغضب الزوج من خيانة زوجته إذا كان هو يخونها، ~~وكنا نظن ms396 أن هذه الآراء آراء حقيقية راسخة في نفوسنا صادرة من أعماق ~~قلوبنا, ثم علمنا بعد ذلك أننا كنا مخدوعين في أمرها وأنها آراء الشباب ~~وخواطره وألاعيبه ودعاباته وأحلامه وتصوراته، ولا يثقل على الشاب في مفتتح ~~حياته شيء مثل ذلك الحجاب المسبل على وجه المرأة # PageV03P077 # وذلك الجدار القائم بينها وبينه. # وكنا نبتهج بكل جديد كما تبتهجون، وننفر من كل قديم كما تنفرون، ونعد ~~الأول آية الآيات مهما سخف واستبرد، والثاني نكبة النكبات مهما غلت قيمته ~~وعظم قدره، لا لأننا وازنا بينهما وفاضلنا بين مزاياهما فحكمنا عليهما، بل ~~لأننا كنا قريبي عهد بزمن الطفولة, والطفل سريع الملل كثير السآمة لا يصبر ~~على لعبته أكثر من يوم واحد حتى يملها فيكسرها, ويستبدل منها غيرها. # وكنا مولعين بالتقليد ولعكم به لا نكاد نعرف لأنفسنا صورة خاصة ترتكز ~~عليها أعمالنا في الحياة، بل كانت تمر بنا جميع الصور على اختلاف أنواعها ~~وألوانها, فنلتقطها بأسرع مما يلتقط "القلم" صوره كأن فضاء حياتنا معمل ~~لتجاريب الحياة واختباراتها. # وكان العارف منا بلغة أجنبية لا يلبث أن يفتتن بها وبأصحابها افتتانا ~~شديدا بما حمله على احتقار لغته وتاريخها، فيرتفع عن ذكر رجالها وعظمائها ~~في أحاديثه واستشهاداته ويسخر منهم كلما جرى ذكرهم على لسان أحد غيره, لا ~~لأنه يفهمهم أو يفهم غيرهم, بل لأنه كان بسيطا غريرا يحتقر كل ما في يده ~~ويستعظم كل ما في يد غيره. # ولم نعرف إلا بعد زوال ذلك العهد أننا كنا مخطئين في جميع هذه التصورات ~~والأفكار, وأنها لم تكن عقائد راسخة في نفوسنا # PageV03P078 # بل أشباحا وصورا تتراءى في سماء حياتنا, فنعجب بها ونستطير فرحا وسرورا ~~بجمال منظرها وبهجة ألوانها, فأصبحنا معتدلين في آرائنا متئدين في أحكامنا، ~~نحب حرية المرأة ولكنا نكره فسقها وفجورها، ونأخذ مواد المدنية والرقي من ~~الأمم المتمدينة ولكنا لا نقلدها، ونحب أدب الغربيين وعلمهم ونعجب بأدبائهم ~~وعلمائهم, ولكنا لا نحتقر من أجل ذلك رجالنا وتاريخنا. # نحن لا نطلب منكم معشر الأبناء وأنتم في ثورة الشباب ونشوته أن تكونوا ~~معتدلين متئدين ms397 في أحكامكم وتصوراتكم, أو هادئين في مطامعكم وآمالكم فليس ~~من الرأي أن نطلب عندكم ما لم نكن نطلبه عند أنفسنا، ولكن أمرا واحدا كنا ~~نحرص عليه في عهدنا أشد الحرص هو الذي نطلب إليكم أن تحرصوا عليه مثلنا, ~~وتضنوا به ضننا: # كنا نعتقد مثلكم أننا خير من آبائنا وأجدادنا وأوسع منهم علما وأقوى ~~إدراكا, وربما اعتقدنا في الكثير منهم كما تعتقدون فينا اليوم أنهم جاهلون ~~أو مخرفون أو متأخرون أو جامدون إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم ~~منزلة الأبوة وكرامتها، فلا نلقبهم بلقب من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها, ~~ولا نذكرهم في حضورهم أو غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدر لهم أن يقضوه ~~بيننا من # PageV03P079 # أيام حياتهم، وكان شأننا معهم في برهم وإكرامهم واحترام عقائدهم ومذاهبهم ~~مع اتساع مسافة الخلف بيننا وبينهم شأن خالد بن عبد الله القسري أمير ~~العراق إذ كان مسيحيا فأسلم وحسن إسلامه، وكان أبوه لا يزال على دينه فطلب ~~إليه أن يبني له بيعة في قصره يقوم فيها بأداء واجباته الدينية, فبناها له ~~كما أراد ولم ينع عليه شأنا من شئونه طول أيام حياته حتى ذهب إلى ربه. # ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا ~~وأجدادنا، واذكروا أن سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون ~~فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله ~~فينا أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله ~~فينا وفي شيخوختنا, فنحن آباؤكم الذين ولدناكم، وأساتذتكم الذين ربيناكم، ~~ومن أكبر العار عليكم وعلى تاريخكم أن تسبوا أساتذتكم وآباءكم, وأن ترموهم ~~في وجوههم بالجهل والجمود وما هم بجاهلين ولا جامدين، ولكنهم شيوخ عاجزون. # PageV03P080 ### | الموتى # "مترجمة" # دقت أجراس المساء تنعى اليوم الراحل، وتندب جماله الزائل، وأخذت قطعان ~~الماشية تعود من مراعيها إلى حظائرها، ومشى وراءها رعاتها يهشون عليها ~~بعصيهم لا يريدون بها شرا ولا أذى لأنهم يحبونها وتحبهم, بل يخافون عليها ~~الضلال, فهم يهدونها ms398 الطريق، ومد الظلام رواقه الأسود على جسم الطبيعة ~~المنبسطة كأنما ظن أنها تنام كما ينام البشر, فهو يقيها برد الليل وغائلته، ~~وساد سكون رهيب في تلك الأنحاء فلا يسمع إلا صوت البلبل يشكر للقمر ما أهدي ~~إلى جناحيه من أشعة متلألئة, ونعيب اليوم يمد صوته بالشكوى إلى الله تعالى ~~في سمائه، وما شكاته إلا أن بعض السائحين يطئون أرضه وينتهكون حرمة خرباته ~~المقدسة، وهنالك تحت ظلال الأشجار الضخمة اليابسة رقد أسلاف سكان تلك ~~المزرعة تحت أعماق الأرض رقدة طويلة, بل أكثر من # PageV03P081 # طويلة لأنها لا نهاية لها، فلا نسمات الصباح الباردة، ولا تغريد الطيور ~~الصادحة، ولا صياح الديكة، ولا رنين الأجراس، ولا هتاف الرعاة، يوقظهم من ~~رقدتهم هذه. # أسفي عليهم, لقد أمسوا ولا نيران توقد في أكواخهم، ولا زوجات صالحات ~~يذهبن يجئن في تهيئة طعام عشائهم، ولا صبية صغارا يستقبلونهم عند عودتهم ~~ليقبلوهم ويستقبلوا قبلاتهم، أولئك الرقود الهامدون كانوا بالأمس أشداء ~~أقوياء، تمد السنابل أعناقها خاضعة لمناجلهم، ويئن ظهر الأرض وبطنها تحت ~~وطأة محاريثهم، وترتعد جذوع الأشجار الضخمة فرقا من ضربات فئوسهم. # أولئك الوجوم الصامتون كانوا بالأمس فرحين مستبشرين يرقصون ويغنون ويجدون ~~السعادة في كل شيء يحيط بهم، فيطربون لوقع حوافر ماشيتهم على الحصباء كأنما ~~يسمعون قيثارة مطربة، ويجدون في ضجعتهم فوق الأعشاب اليابسة الراحة التي ~~يجدها أصحاب الأسرة فوق مهادهم الوثير، ويشعرون في تناولهم اللقمة الجافة ~~السوداء بعد الجوع باللذة التي يشعر بها الأغنياء عند تناولهم ألوان الطعام ~~الشهي حول موائدهم، ويغترفون بأكفهم الماء من الأنهر والخلجان فيتلذذون ~~بارتشافه كأنما يتناولون صافية # PageV03P082 # الصهباء في كئوس البلور والذهب. # أولئك الخاملون المغمورون الذين لم تنصب لهم التماثيل، ولم ترفع فوق ~~قبورهم القباب كانوا في حياتهم شرفاء عظماء؛ لأنهم كانوا متحابين متآخين، ~~لا يحسد فقيرهم غنيهم ولا يبغي قويهم على ضعيفهم، ولا يحقدون ولا يغدرون، ~~ولا يخافون شيئا حتى الموت ولا يعبدون إلها إلا الله. # كذلك كانوا بالأمس، واليوم طواهم الرمس، فرحمة الله عليهم يوم كانوا على ~~ظهر الأرض وبعدما أصبحوا في ms399 بطنها. # فليجث فوق رمال هذه القبور المبعثرة وبين صفائحها المتهدمة المتساقطة ~~أرباب المطامع في الحياة وطلاب المجد والعظمة, خاشعين مستكينين خافضي ~~رءوسهم إجلالا وإعظاما، وليمسكوا قليلا عن الإدلال بعزهم وجاههم والمكاثرة ~~بفضتهم وذهبهم، وليخفوا في أعماق نفوسهم ابتسامات الهزء والسخرية المترقرقة ~~على شفاههم، وليعلموا أن طريق المجد والعظمة التي يسيرون فيها وإن كانت ~~مخضرة جميلة مفروشة بالأعشاب محفوفة بالأزهار الأريجة, فإنها تؤدي في ~~نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه هؤلاء المقبورون. # أيها الناعمون في عيشهم، المدلون بعزهم وجاههم، المفتخرون بقوتهم ~~وجمالهم، لا تحتقروا هؤلاء المقبورين المساكين إن رأيتم # PageV03P083 # أجداثهم مشعثة بالية وقبابهم متهدمة خاوية، ولم تروا أسماءهم منقوشة ~~بأجمل الألوان وأزهاها على صفائح قبورهم، وأصغوا قليلا تسمعوا آيات مدحهم ~~والثناء عليهم ترددها الجداول والغدران والحقول والمروج والطيور المغردة ~~فوق أعالي الأشجار، والسوائم الهائمة على ضفاف الأنهار، فهم أصحاب اليد ~~التي رصعت التاج للملك وصنعت السيف للقائد ونسجت المسوح للراهب وبنت القصور ~~للأمراء وصاغت الحلى للأميرات وغرست العشب للسائمة ووضعت الحب للطائر وهيأت ~~للأحياء جميعهم ناطقهم وصامتهم طعامهم وشرابهم, ودثارهم ومهادهم. # أيها القوم العظماء: لا تخلد التماثيل المنصوبة غير ذكرى ناحتيها, ولا ~~تطمس السطور الذهبية المنقوشة فوق صفائح القبور سطور السيئات التي يخطها ~~التاريخ في صفحاته، ولا تسمع آذان الموت الصماء نغمات الملق المترددة في ~~أناشيد الرثاء. # رب يد تحت هذه الأرض لو أتيح لها الحظ في حياتها لكانت يد العازف الذي ~~يشنف الآذان، أو يد البطل الذي يهز العروش ويزعزع التيجان، أو يد الشاعر ~~الذي يثير الأشجان ويبعث إلى القلوب السرور والأحزان، ورب قلب في هذه ~~الحفائر المظلمة لو عاش في جو غير هذا الجو, وعالم غير هذا العالم لكان قلب ~~ملك # PageV03P084 # عظيم مملوءا بالآمال العظام، والأماني الجسام، أو قلب زعيم جريء يحاسب ~~الظالمين على ظلمهم، ويذود النوم عن أجفانهم، أو قلب نائب كبير يستهوي ~~ببلاغته القلوب ويسترعي الأسماع، فتدوي له بالتصفيق قاعة مجلس النواب أو ~~قاعة مجلس الشيوخ. # كم من لؤلؤة لم تعثر يد الغواص بها فظلت دفينة ms400 بين صدفتيها، وكم من زهرة ~~أريجة لم تتفتح حتى هبت عليها رياح الصحراء المحرقة فأذبلتها، وكم من ماسة ~~وضاءة عجز المعدنون عن استخلاصها من معدنها فانطفأ نورها في منجم الفجم ~~المظلم، وكم من قريحة وقادة لم تصقلها العلوم والتجاريب فعاشت مغفلة مهملة ~~حتى انطفأت، ولو أنها صقلتها لغيرت وجه الكون وبدلت الأرض غير الأرض. # نعم, كان بين هؤلاء القرويين المقبورين من كان له قلب كقلب "همبدن" إلا ~~أن التاريخ لا يعرفه، ومن كان له لسان كلسان "ملتن" إلا أنه لم ينصب له ~~تمثال، ومن كانت له همة كهمة "كرومويل" إلا أنه لم يقد الجيوش، ولكنهم ~~عاشوا في هذه الفلوات المنقطعة عن العلم والحضارة, فدفن الجهل مواهبهم، ~~وأخمد الفقر نار ذكائهم وفهمهم، فمروا بهذه الدنيا لم يشعر بهم أحد، ثم ~~ماتوا ولم يذكرهم أحد. # هنيئا لهم جهلهم وخمولهم، فلو أنهم كانوا عظماء لقضوا أيام # PageV03P085 # حياتهم يسفكون الدماء ويمزقون الأشلاء ويغتالون حقوق الضعفاء؛ سعيا وراء ~~أغراضهم ومطامعهم، لا بل إنهم كانوا عظماء ولكنهم بريئون من آثام العظمة ~~وجرائمها. # رحمة الله عليهم, لقد ذهبوا ولم يبق لهم من بعدهم مما يدل عليهم سوى حجر ~~قديم ملقى في طريق مقبرتهم, قد كتب عليه بخط سقيم هذا البيت البسيط من ~~الشعر: # أيها المار في هذا المكان احترم تربته ... ولا تطأ بقدميك رفات الموتى # هذا كل ما طمعوا فيه من شئون الحياة بعد موتهم، لم يطلبوا تمثالا يقام ~~لهم، ولا قبة ترفع فوق أضرحتهم، ولا صفحة من صفحات التاريخ تخلد فيها ~~أعمالهم، بل لم يطلبوا طاقة زهر تؤنس مضجعهم، ولا قطرة غيث تبل ثراهم، فما ~~كان أقنعهم وأزهدهم. # PageV03P086 ### | الزهرة الذابلة # ورد إلي من حضرة صاحب التوقيع الكتاب الآتي: # أنا تلميد في السابعة عشرة من عمري تحصلت على شهادة الدراسة الابتدائية ~~ثم تقدمت لامتحان الكفاءة فلم أفلح, غير أني عزمت على الكد للعام المقبل ~~وما دريت ما يخفي الغيب في سره حتى فوجئت بمرض "الحمى" العضال الذي ضعضعني, ~~وما كدت أشفى منه بعد مدة حتى أصابني "الصمم" ms401 الكامل فضاعت بذلك آمالي ~~وأظلمت الأرض في وجهي, فرأيت أن أستغيث بك لعلك تسدي إلي جميلك بكلمة تعزية ~~من عندك, وأنا أحق الناس بالعزاء والسلام. # 6 يناير سنة 1914 ر. م # لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني, فهو فوق ما يحتمل المتحمل ويطيق ~~الجلد الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، ولكان شأني معك شأن ~~أولئك الهازلين العابثين من المعزين الذين يختلفون ليلهم ونهارهم إلى منازل ~~المنكوبين والمرزوئين # PageV03P087 # ليقولوا للثاكل ولده: "لقد قدمت بين يديك شفيعا يشفع لك يوم حسابك بين ~~يدي ربك" وللباكي أباه: "ما مات من خلف مثلك" وللباكي أخاه: "إن في الباقي ~~عزاء عن الماضي" وللباكية زوجها: "الشباب غض والرجال كثير" وللفاقد بصره: ~~"حسبك مما فقدت من نور بصرك ما أبقى الله لك من نور بصيرتك" وللمحتضر ~~المشرف: "إن في لقاء الله عوضا عن لقاء الدنيا" ولمن حلت به نكبة مثل ~~نكبتك: "لقد كفاك الله بما ابتلاك سماع أقوال الكذب, وكلمات السوء" كأنما ~~هم يحسبون أن الفواجع والرزايا صفقات تجارية إذا قاس فيها المرء ربحه ~~بخسرانه ووازن بين دخله وخرجه هان عليه هذا لذاك، واغتفر ما فات لما هو آت، ~~ولا يعلمون أن الحزن على الذاهب المفقود إنما هو زفرة من زفرات الحب أو ~~نفثة من نفثات الوفاء, ولا دخل للحساب والمعاوضة في شيء من ذلك، وأن أقسى ~~الآباء قلبا وأصلبهم فؤادا لو ساومه مساوم في فلذة كبده, ووضع تحت قدميه ~~خزائن الأرض والسماء لكان رأيه في ذلك رأي ابن الرومي في قوله: # وما سرني أن بعته بثوابه ... ولو أنه التخليد في جنة الخلد # وأن الأم تبكي وحيدها كما تبكي عاشر عشرة من أولادها، والصديق يبكي فراق ~~صديقه وإن كثر أصدقاؤه في كل محلة يحل # PageV03P088 # بها, والزوجة تبكي زوجها وإن كان تحت كل نافذة من نوافذ منزلها خطيب ~~يترقبها، وأن البائس المسكين الذي يعيش من دنياه في مثل جحر الضب ضنكا ~~وبؤسا يضن بحياته الضن كله إذا أحس بفراقها وإن علم أنه سينتقل منها ms402 إلى ~~جنة عرضها السموات والأرض، فهم في الحقيقة يسخرون من مصائب الناس وأرزائهم ~~ويؤلمون نفوسهم فوق ألمها باحتقار أحزانهم وازدرائها وتصغير شأنها في ~~أعينهم, ويلقون في نفوسهم اليأس من أن يجدوا بجانب قلوبهم قلوبا تحس ~~بإحساسها, وتشعر بشعورها من حيث يظنون أنهم يخففون آلامهم ويأخذونهم ~~بنسيانها. # وأعوذ بالله أن أكون يا بني من الكاذبين في تعزيتك أو الغاشين لك فيها، ~~ولو أردت نفسي على ذلك لما استطعت، وكيف يستطيع أن يعزيك عن مصابك من لا ~~يستطيع أن يعزي نفسه عن مصابه فيك، فلقد ترك كتابك هذا بين جنبي لوعة من ~~الحزن, لا أحسب أنها دون لوعتك التي تعتلج بين جنبيك من الحزن على نفسك، ~~حتى صرت كأني ابتليت بما ابتليت به وكأن الذي أصابك من البلاء قد أصابني من ~~دونك، فلقد انقطع عنك بفقد سمعك أيها البائس المسكين كل ما كان بينك وبين # PageV03P089 # الناس جميعا من سبب وصلة، فأصبحت وأنت في دار الأنس والاجتماع وبين ضوضاء ~~الحياة وضجيجها كأنك تعيش من وحشتك وكآبتك في مدينة متحجرة من مدن التاريخ ~~القديم, لا تأنس فيها بأحد ولا يأنس بك فيها أحد، ولا ترى بين يديك إلا ~~نصبا مائلة وتماثيل جامدة: # تحسب العين أنهم جد أحياء ... لهم بينهم إشارة خرس # ولا يرفه عن نفسك في ساعة من ساعات ضيقك وضجرك نغمة غناء، ولا رنة حداء، ~~ولا خرير نهر، ولا تغريد طير، ولا حفيف شجر، ولا زفيف ريح، ولا ثغاء شاة، ~~ولا نقيق ضفدع، ولا صرير جندب، سواء لديك ليلك ونهارك، وصبحك ومساؤك، ~~ويقظتك ومنامك، فإن فررت من وحشتك هذه إلى مجتمع من مجتمعات العامة, فجلست ~~إلى الناس ساعة تتفرج1 فيها مما بك لا تسمع شيئا مما يقولون ولا يعنيهم أن ~~يسمعوا شيئا مما تقول، فإن قلبت نظرك في وجوههم لتتسقط حرفا أو كلمة من ~~حركات شفاههم أو إشارات أيديهم أنكروا عليك نظراتك وسخروا منك في أنفسهم، ~~لا بل ربما صارحوك بكلمتهم التي يضمرونها في أنفسهم من حيث لا تعلم، فإن ~~رأوا منك ذلك ms403 ورأوا أنك تقتضب PageV03P090 # الأحاديث بينهم اقتضابا وتذهب منها في أودية غير أوديتهم, وأنك تحدثهم ~~فلا تحسن تقدير صوتك على مقياس أسماعهم فتعلو به عليها أو تنزل به دونها, ~~وأنك تبتسم في موضع التقطيب وتقطب في موضع الابتسام, أصبحوا ينظرون إليك ~~بتلك العين التي ينظرون بها إلى الأطفال الصغار والبله الأغرار، فإن ألممت ~~بسر نظرتهم هذه إليك ألم بك من الحزن والهم ما لا طاقة لمثلك في سنك وضعف ~~منتك باحتمال مثله, وأصبحت ترتاب بكل نظرة تتجه إليك وكل ابتسامة تتراءى لك ~~واعتادك سوء الظن بكل جالس يجلس إليك من أصدقائك وأقربائك وذوي رحمك، بل من ~~أبويك وإخوتك، فلا يكاد يسلم لك صديق أو يصفو لك حميم. # فإن فررت من الناس نجاة بنفسك من لؤمهم وقسوتهم فررت إلى خلوة موحشة ~~قاتمة تتراءى لك فيها خيالات الذكرى المؤلمة كلما وازنت بين حاضرك وماضيك, ~~وقارنت بين ما كنت ترجو لنفسك في أيامك الأولى وما انتهى إليك أمرك في ~~أيامك الأخرى، فلا تنفعك خلوة، ولا يؤنسك اجتماع. # وأخوف ما أخاف عليك إن استمر بك هذا الشأن -ولا أسأل الله لك دوامه- ~~وظللت تنطق ولا تسمع، وتقول ولا تفهم ما يقال، أن تصبح في يوم من أيامك لا ~~سامعا ولا ناطقا، # PageV03P091 # فالسماع مادة النطق التي يستمد منها قوته وحياته، ومن لا يسمع لا يحسن ~~النطق، ومن لا ينطق لا يحسن التفكير. # وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب, وابتسامة لامعة في ثغر ~~الآمال, وفجر مشرق في سماء الحياة أن تعلو هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ~~ربا الحياة, فلا تلبث فيها إلا قليلا حتى يمر بك فارس الدهر فيختطفك من ~~مكانك, ثم يعدو بك عدو الظليم المذعور حتى يلقيك على هذه الصخرة الصماء. # فوا رحمتاه لك يا بني مما بك اليوم ومما يستقبلك به الدهر غدا، فأسأل ~~الله تعالى لك أن يرفع عنك محنتك، أو يمنحك عينا ثرة من الدمع لا ينضب ~~معينها، تسكب منها صباح كل يوم ومساءه سجلا على فؤادك الملتاع فتبرد ms404 غلته، ~~وتفثأ لوعته، فالدموع هي الرحمة العامة التي يلجأ إليها المنكوبون ~~والمحزونون يوم لا يجدون لأنفسهم في مذهب من مذاهب الأرض, ولا في شعب من ~~شعاب السماء ناصرا ولا معينا, والسلام عليك من الرائي لك الباكي عليك ورحمة ~~الله. # PageV03P092 ### | الوجهاء # جرى بيني وبين أحد الوجهاء المصريين الحديث الآتي: # الكاتب: ما هذه الطبقة التي تكسو وجهك, فتحجب منه ما يحجب صفحة السماء من ~~السحب السوداء؟ # الوجيه: إن بين جنبي هما يعتلج، وكمدا يذهب باللب ويطير بشظايا القلب، ~~ونارا من الحزن متأججة مضطرمة دخانها هذا الذي تراه. # الكاتب: أحق ما تقول وأنت الرجل السعيد بحظه، المغتبط بعيشه؛ قصر غمدان، ~~وخورنق النعمان، وحور وولدان، وظل ظليل، ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب، ~~موج التنور باللهب، ذلك إلى ما أسبغ الله عليك من صحة البدن، وسلامة ~~الحواس، وأمدك به من الجاه العريض، والكلمة النافذة، والشفاعة المقبولة، ~~فليت شعري ما شكاتك بعد ذلك؟ # الوجيه: أشكو الفقر الباطن في الغنى الظاهر، والشقاء المقبل في السعد ~~المدبر، وإني لأرى في السماء غمامة دكناء توشك # PageV03P093 # أن تنفجر بالصاعقة الكبرى، والكارثة العظمى. # الكاتب: ما كنت أحسب أن الشقاء يمر لك ببال بعدما أعطاك الدهر عهدا ~~مكتوبا بتلك الأحرف الذهبية ألا يسدد سهمه إليك، ولا يدور دورته عليك. # الوجيه: متى كان للدهر عهد يوثق به أو ذمام يعتمد عليه، فالناس في يده ~~كالكرة ذات الألوان في يد الصبي يديرها فترى الأسود في مكان الأبيض والأبيض ~~في موضع الأسود, وكذلك بقية الألوان تعلو أسافلها وتسفل أعاليها، ودورة ~~السعود والنحوس أسرع في عمر الدهر من لمح الطرف، ولفتة الجيد. # الكاتب: هل لك أن تحدثني من أي منفذ نفذ الدهر إليك وما عهدتك شاربا ولا ~~عاهرا، ولا مقامرا ولا مستهترا، وما للدهر مدخل يتسرب منه إلى خزائن ~~الأغنياء غير هذا المدخل؟ # الوجيه: أين يذهب بك أيها الصديق، وهل يؤتى الأغنياء في هذا البلد إلا من ~~طريق المجد الباطل والسمعة الكاذبة، وهل يكب العظماء على وجوههم ويلصق ~~بالرغام معاطسهم إلا الشغف بنظرة الأمير، ولفتة الوزير، ms405 وزورة المدير، وأنت ~~تعلم أن رجلا مثلي لا يمكن أن يكون له مطمع في المجد الصحيح، فلست بصاحب ~~علم فأفخر به، ولا صاحب قلم فأمت بما يمت به أصحاب # PageV03P094 # الأقلام من خدمة المجتمع الإنساني وتهذيبه، فلم يبق أمامي غير هذا المجد ~~الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام والعمال، ولا سبيل إليه إلا ببذل ثمن غال ~~تقصر عنه خزائن قارون وكنوز ركفلر، وقد أنفقت فوق الطاقة ووراء الفاقة في ~~بناء القصور نزلا للحكام، وغرس البساتين منازه لهم، وإعداد الفرش والآنية ~~الثمينة لمآدبهم وولائمهم، فلما نضب معين الذهب وعيت الأرض أن تثمر فوق ما ~~تثمر لجأت إلى مصرف من المصارف فأثقلني بالديون وأرهقني بالطلب، ففزعت منه ~~إلى آخر، ثم إلى آخر، فكنت كناقش الشوكة بالشوكة، أو غاسل الدم بالدم، ولو ~~كشف لك من أمري ما كشف لي منه لعلمت أن جميع ما كنت أملك من أطيان وعقار، ~~ودور وقصور، لم يبق لي منه إلا تلك الخطوط السوداء المسطورة في جرائد ~~الصبارف، وها أنا ذا اليوم طريد المصارف والغرماء، وغريم القضاءين؛ قضاء ~~الأرض وقضاء السماء. # ذلك كل ما يستفيد الوجيه من وجاهته, قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، فلا ~~تحسد الوجيه على مظهره الكاذب وزخرفه الباطل، ولا تنفس عليه بؤسه الكامن ~~وشقاءه الخفي، فهو أتعس خلق الله وأكثرهم هما وأثقلهم مئونة وأخسرهم حاضرا ~~ومستقبلا، يكون عنده من الضياع أو الدور جملة لا تثمر له من المال أكثر مما ~~يسع ترفيه # PageV03P095 # نفسه وتربية أولاده وصلة رحمه, فيسميه الناس وجيها، والوجاهة كلمة صغيرة ~~معناها في نظر الناس كبير كأنما هي عندهم من جوامع الكلم، فالوجيه في ~~اصطلاحهم هو الرجل الذي يمد لكل غريب نزل بلدته مائدة، ويرضخ بالعطاء لكل ~~عابر سبيل مر بحيه، ويشرك في جميع الجرائد والمجلات وإن كان أميا لا يقرأ ~~ولا يكتب، ويبتاع تذاكر حفلات جميع الجمعيات الخيرية على اختلاف مذاهبها ~~وأنواعها وإن كان لا ينتفع بواحدة منها، ويشترك في جمعية الرفق بالحيوان، ~~وجمعيات الرفق بالإنسان، ويبتاع المؤلفات الحديثة التي يكلفه ms406 المدير أو ~~المأمور بابتياعها وإن كان عمدة أو شيخ البلد وكان الكتاب في علم الفلسفة، ~~ولا تتم شروط الوجاهة عنده فيأخذ منها بالحظ الأوفر إلا إذا بذل للحكومة ~~المعونة الكبرى في مشاريعها من بناء المستشفيات والمدارس والكتاتيب, وأمثال ~~تلك الضرائب التي تضربها الحكومة علينا ضرب الجزية على أهل الذمة في سالف ~~الأزمان، والتي لا فرق بينها وبين خراج الأطيان وعشور النخيل وعوائد ~~الأملاك. # الكاتب: إنها تبرعات ومبرات لا إجبار فيها ولا إلزام، فالحكومة لا تشهر ~~عليكم سلاحا، ولا تعد لكم سجنا، وكل ما في الأمر أن رجالها يخطبون فيكم ~~ويدعونكم إلى هذه الأعمال # PageV03P096 # الصالحة بالحكمة والموعظة الحسنة. # الوجيه: لا أزال أكرر القول, أن رجال الحكومة يضربون علينا ضرائب ليست في ~~شرع ولا قانون، والوجيه في الحقيقة كالعبد في اصطلاح علماء التوحيد مجبور ~~باطنا مختار ظاهرا، أما الظاهر فهو ما ترونه من إقامة المحافل وخطابة ~~الخطباء والتلطف في الطلب وشكر المحسن على إحسانه، وأما الباطن فهو أن ~~الوجيه منا كما علمت مفلس من جميع أنواع المجد إلا مجد الزلفى عند الحكام، ~~والحكام يعرفون ذلك منه فيدخلون عليه من بابه ولا يفتحون له باب القربى ~~منهم إلا على مقدار ما يفتح من أبواب خزائنه بين أيديهم، فمنا من يزوره ~~المدير أو المفتش لأنه وهاب الآلاف، أو المأمور لأنه من أصحاب المئات، ومن ~~لا يزوره أحد منهم ولا ينهض له إذا أقبل ولا يشيعه إذا انصرف لأنه لا يلبي ~~دعوة ولا يحضر مجمعا ولا يكتب رقما في قائمة اكتتاب، فلا يلبث أن يسلس ~~قياده، ويصحب عناده، هذا هو الاستبداد الخفي الذي ترغم الحكومة به أنف ~~الوجهاء من غير أن تشهر عليهم سلاحا أو تعد لهم سجنا، ولكنها تبلغ به في ~~شهر ما كانت تعجز عنه حكومة السجن والكرباج و"الويركو" و"البطانطا" # PageV03P097 # والعوائد الشخصية في عام، ولقد راجعت صحيفة حسابي في هذا العام عام ~~الأزمة والجدب, فوجدت أني دفعت خراج الأطيان مرة أخرى. # الكاتب: هب أن الأمر صحيح كما تقول, فالحكومة لا تودع هذا المال ms407 خزائنها, ~~ولا تقضي به أغراضها, وإنما تنفقه فيما ينفع الأمة في تربيتها وتهذيبها ~~وتقدمها وارتقائها. # الوجيه: ذلك ما يجب أن تنفق عليه الحكومة من خزائنها التي تملؤها من ~~أموال الأمة لهذه الأغراض التي تذكرها، ولكنها تضن بمال هي في حاجة إليه ~~لإصلاح السودان وبناء العمائر وتشييد القصور وترقية كبار الموظفين خصوصا ~~الأجانب منهم وإقرار عيون السياح الأوروبيين بالمناظر البهجة والآثار ~~الجميلة, فلا ترى لها بدا من حمل تلك الحمالات على أعناقنا بلا رحمة ولا ~~شفقة, ولا نظر إلى ما نتكبده في هذا السبيل مما يذيب الشحم، ويعرق العظم، ~~وليتها كانت تتدرج في الطلب وترتشف المال ارتشافا ولا تعبه عبا, فتدرك في ~~ذلك سياسة الحكومات السالفة المعروفة باستبدادها وإرهاقها، فقد حكي عن أحد ~~رؤسائها أنه علم أن أحد المديرين سلب أهالي مديريته المال دفعة واحدة وأنهم ~~ضاقوا به ذرعا فأحضره في مجلسه, وأمر أن تنزع من لحيته # PageV03P098 # شعرات متفرقة فما أبه لذلك ولا احتفل به, ثم أمر أن تنتزع من رأسه خصلة ~~من الشعر مرة واحدة فصرخ وتألم، فقال له: هكذا يجب أن يكون أخذ الأموال من ~~الرعية متفرقا تحتمله، لا مجتمعا تتألم له. # الكاتب: حسبك من ذلك ثواب الله وأجره على إحسانك, وبذلك المال في سبيله ~~وللآخرة خير وأبقى. # الوجيه: من أين يأتيني الثواب والأجر, وهل يثاب المرء إلا على نيته ~~وإخلاصه في عمله، وإني أعترف لك عني وعن جميع الوجهاء أمثالي بما عرفت من ~~أحوالهم، ومارست من طباعهم، أننا لا نريد من بذل ما نبذل إلا رضا الحاكم ~~والتودد إليه وموافاة رغبته لاستكمال أسباب الوجاهة مرة وقضاء المآرب ~~والحاجات أخرى، ووالله لقد أفسد علينا هؤلاء القوم بخطتهم هذه غرائزنا ~~وسجايانا وعودونا من الرياء في الإحسان والنفاق في المعاملة خطة قست معها ~~قلوبنا، واستحجرت أفئدتنا، حتى إن أحدنا لا يكاد يحسن بالدرهم الواحد إلى ~~جاره الفقير البائس إلا أمام قاض فطن وشهود عدول، وحتى زهد فينا الفقراء ~~ولوت المساكين وجوهها عن أبوابنا، وجفانا ذوو الرحم والأقرباء، وأصبحت ~~قصورنا في نظرهم ms408 قبورا يستدرون لها الرحمات، لا يرجون منها # PageV03P099 # الصدقات، وأقفرت "مضايفنا" إلا من عربدة المطربشين ورطانة المبرنطين، فمن ~~أين لثواب الله أن يعرف طريقنا عافاك الله؟ # الكاتب: أتغضبك كلمة الحق إن قلتها لك أيها الصديق؟ # الوجيه: قل ما تشاء, فقد ملأ الهم ما بين جوانحي فاستحجر قلبي حتى ما ~~يغضبني حق ولا باطل. # الكاتب: أعجب ما رأيت من أمرك في حديثك معي أنك تعرف الحق وتتنكر له كأنك ~~لا تعرفه، وتمد يدك إلى الصواب ثم تعجز عنه، فقد زعمت أن مجد القربى من ~~أولياء الأمر مجد باطل، ولقد أصبت فيما تقول, فما شأنك به وما نهوضك إليه ~~ومالك واللصوق بأمر أنت تعلم قلة جدواه وسوء مغبته، ولقد كان لك طريق مختصر ~~إلى المجد الصحيح لو كنت أكبر منك همة, وأصح رأيا, وأقوى عزيمة، فمجد الكرم ~~ليس بأقل شأنا من مجد السيف والقلم، ولا أرى أنك كنت تنفق في سبيله إلا بعض ~~ما أنفقت في هذا المجد الكاذب، وما كان يصيبك في الأول من الشقاء ما أصابك ~~في الثاني، فالكريم معان على أمره, مبارك له في عيشه متى صح له معنى الكرم ~~وكانت الرحمة غريزة من غرائزه تسوقه إلى تفقد الضعفاء، ومواساة الفقراء، من ~~حيث لا يبتغي على ذلك أجرا سوى ما وعد الله به المحسنين من # PageV03P100 # حسن المثوبة والأجر ورفع الذكر في الآخرة والأولى، ولكنكم بخلتم بأموال ~~الأمة عليها واحتجنتموها دونها, وأبت لكم همتكم الضعيفة أن يكون لكم كما ~~لأمثالكم من أغنياء الأمم الأخرى آثار في بناء المدارس والملاجئ ~~والمستشفيات تسمى بأسمائكم وتعد من أعمالكم، فتنالون بها ما تريدون من مجد ~~الدنيا والآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بأن سلط عليكم من يعبث بعقولكم، ~~ويلعب بأهوائكم، ويرغمكم على الإحسان إرغاما من حيث يكون له الغنم وعليكم ~~الغرم، فلا ذكرا حصلتم، ولا مالا حفظتم، {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما ~~كانوا يكسبون} . # PageV03P101 ### | جرجي زيدان: # لا أعلم أين تذهب نفس الإنسان بعد موته، ولا أين مكانها الذي تستقر فيه ~~بعد فراق جسدها، ولا ما ms409 هي الصلة التي تبقي بين المرء وبين الحياة الدنيا ~~بعد رحيله عنها، فإن كان صحيحا ما يقولون من أن ساكن القبور يستطيع أن يجد ~~بين صخورها وصفائحها منفذا يشرف منه على هذه الدار فيسره ما ترك وراءه فيها ~~من ذكر جميل وثناء عاطر وسيرة صالحة ومجد باق فإن نصيب جرجي زيدان اليوم من ~~الهناء والغبطة بما ترك في حياته الأولى من جليل الآثار, وصالح الأعمال ~~أوفر الأنصبة وأجزلها. # ما أنعم الله على عبده نعمة أسنى قيمة ولا أغلى جوهرا ولا أحسن أثرا من ~~نعمة الاعتقاد بالجزاء الصالح على العمل الطيب، فهو يعتقد أنه مجزى على ~~عمله مكافأ به, مؤمنا كان أو ملحدا, معترفا بنعيم الآخرة أو منكرا له، فإن ~~كان الأول ساقه إلى العمل الصالح شغفه بجنة الخلد وحورها وولدانها، ولؤلئها ~~ومرجانها، وروحها وريحانها، وإن كان الثاني ساقه إليه شغفه بالذكر الجميل ~~والسيرة # PageV03P102 # الصالحة والحياة الباقية في ألسنة الأجيال وبطون التواريخ، ولولا هاتان ~~الجنتان جنة المؤمنين وجنة الملحدين ما جد في هذه الحياة جاد, ولا عمل فيها ~~عامل. # إن ميدان الحياة الدنيا أضيق من أن يسع بين غايتيه العمل الصالح والجزاء ~~عليه معا، وكيف يسعهما والمرء لا يكاد يفرغ في حياته من عمله الذي يتوقع ~~عليه الجزاء قبل أن تنطفئ ذبالة حياته وتحترق فحمة شبابه حيث تموت في قلبه ~~لذة العظمة وتنضب في فؤاده شهوة المجد, فإن فرغ منه قبل ذلك لا يترك له ~~حساده ومنافسوه ساعة من ساعات فراغه يستطيع أن يسكن فيها إلى نفسه ليستشعر ~~برد الراحة ولذة الجزاء، فلا بد أن يكون للجزاء حياة أخرى غير هذه الحياة، ~~إما حياة الأجر، أو حياة الذكر. # مات جرجي زيدان فنحن نبكيه جميعا، أما هو فيبتسم لبكائنا ويرى في تفجعنا ~~عليه والتياعنا لفراقه منظرا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه ~~الدموع التي ترسلها أجفاننا وراء نعشه أو فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة ~~بحبه وإعظامه والاعتراف بفضله والثناء على عمله، وأنها المدد الإلهي ~~النوراني الذي تكتب به في ms410 صحيفة تاريخه البيضاء آيات مجده الخالد وعظمته ~~الباقية، وذلك ما كان يريد أن يكون. # PageV03P103 # مات جرجي زيدان فبكاه صديقه؛ لأنه كان يحمد وده وإخاءه، وبكاه جاره لأنه ~~كان يجد في جواره لذة الأنس وجمال العشرة, وبكاء معتفيه لأنه كان ينتفع ~~بماله، وبكاه صنيعته لأنه كان ينتفع بجاهه، وبكاه قارئ كتبه لأنه كان يجد ~~فيها من غزارة المادة وجمال الأسلوب وسهولة التناول ما لا يجد السبيل إليه ~~في غيرها، وبكاه قارئ رواياته لأنه كان يجد في خيالها وبراعة تصوراتها عونا ~~له على هموم الحياة وأزرائها، أما أنا فبكيته لأمر فوق ذلك كله. # تطلع الشمس صباح كل يوم من مشرقها على هذه الكائنات؛ ناطقها وصامتها, ~~ساكنها ومتحركها, جامدها وسائلها, فتستمد جميع ذراتها منها مادة حياتها ~~التي تقومها أو صورتها التي تتشكل بها، وتأخذ منها النباتات نماءها ~~والأزهار ألوانها والنار حرارتها والأجسام الحية قوتها والأجسام الجامدة ~~صورتها والأجواء طهارتها ونقاءها، والآفاق جمالها وبهاءها، وكذلك كان جرجي ~~زيدان في سماء هذا البلد. # كان بطلا من أبطال الجد والعمل والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجلات ويؤلف ~~أفضل الكتب وينشئ أجمل الروايات, ويناقش ويناضل ويبحث وينقب ويستنتج ~~ويستنبط, ويجيب السائل ويفيد الطالب في آن واحد، لا يشغله أمر من تلك ~~الأمور عن أمر غيره، ولا يشكو مللا ولا ضجرا ولا يحس بخور ولا فتور، # PageV03P104 # فكان القدوة الحسنة بين فريق المستنيرين من المصريين، يتعلمون منه أن ~~قليلا من العلم يتعهده صاحبه بالتربية والتنمية ثم يقوم على نشره وإذاعته ~~بين الناس, أنفع له ولأمته من العلم الكثير والعمل القليل. # ولو شئت أن أقول لقلت: إن جرجي زيدان كان رئيس البعثة العلمية السورية ~~التي وفدت إلى مصر في أواخر القرن الماضي, فغيرت وجه العالم المصري تغييرا ~~كليا, وغرست في صحرائه القاحلة المجدبة أغراس الجد والعمل والشجاعة ~~والإقدام والهمة والاستقلال، وعلمت أبناءه كيف يؤلفون ويترجمون وينشئون ~~الجرائد والمجلات وكيف يتخذون من هذا العمل الشريف صناعة يقومون بها حياتهم ~~المادية وحياة أمتهم الأدبية، ويتقون بها مذلة الوقوف على أبواب الدواوين ~~صباح مساء ms411 يتكففون رؤساءها, ويسألونهم أن يتخذوهم عبيدا لهم يخدمونهم على ~~موائد عزهم وسعادتهم التي يجلسون عليها، فإما عطفوا عليهم فألقوا إليهم ~~بالنزر القليل الخسيس من فتات تلك الموائد, وإما طردوهم منها كما يطردون ~~الكلاب الجرباء. # وكان شريف النفس بعيد الهمة, متجملا بصفات المؤرخ الحقيقي الذي لا يتعصب ~~ولا يتحيز ولا يداهن ولا يجامل ولا يترك # PageV03P105 # لعقيدته الدينية مجالا للعبث بجوهر التاريخ وحقائقه، فكتب وهو المسيحي ~~الأرثوذكسي تاريخ الإسلام في كتبه ورواياته كتابة العالم المحقق الذي لا ~~يكتم الحسنة إذا رآها، ولا يشمت بالسيئة إذا عثر بها، فاجتمع بين يديه في ~~مجلس علمه من أبناء الأمة الإسلامية, خواصها وعوامها عربها وعجمها جمع لم ~~يجلس مثله بين يدي عالم من عالم الإسلام, ولا مؤرخ من مؤرخيه في هذا العصر، ~~فأقام بهذا العمل العظيم لهذا الدين القويم حجته أمام أولئك المتعصبين من ~~الأوروبيين الذين لا يثقون في خبر من أخباره ولا في بحث من أبحاثه بحديث ~~شيعته وأبنائه، وكان في تسامحه هذا القدوة الصالحة للمؤرخ يتعلم منه كيف ~~يكتب التاريخ بلسان التاريخ لا بلسان الدين والمثل الأعلى للعالم, يتعلم ~~منه كيف يستطيع أن يتجرد من عواطفه وميول نفسه وخواطر قلبه أمام الأمانة ~~للعلم, والوفاء بحقه. # وكان مستقيما في عمله أمينا في علائقه, لا يكذب ولا يتلون ولا يخيس بعهده ~~ولا ينكث وعده, ولا يكسو بضاعته لونا غير لونها ليزخرفها على الناس ويجملها ~~في عيونهم، فتعلم منه العاملون أن الكذب في المعاملة ليس شرطا من شروط ~~الربح, ولا سببا من أسباب النجاح. # وكان واسع الصدر فسيح رقعة الحلم, وقف له في طريق # PageV03P106 # حياته كما وقف لغيره من قبله ومن بعده فريق المقاطعين في هذا البلد الذين ~~لا ينطقون, ولا يسكتون عن مقاطعة الناطقين, فلبسوا ثوب الانتقاد ليشتموه، ~~وكمنوا وراء أكمة الدين ليرموه فيصموه، وقالوا: إنه شوه وجه التاريخ ~~الإسلامي وعبث بحقائقه، ولم يسألوه من أين نقل ولا كيف استند، بل سألوه لم ~~لم يكتب كما كتبوا، ويستنتج مثلما استنتجوا، كأنما لم يكفهم منه أن يروه ms412 ~~بينهم مسيحيا متسامحا حتى أرادوا منه أن يكون مسلما متعصبا يكتب التاريخ ~~بلسان الدين كما يكتبون، وينهج فيه كما ينهجون، فلما لم يجدوه حيث أرادوا ~~رموه بسوء القصد في عمله وخبث النية في مذهبه ولم يستطيعوا أن يروضوا ~~أنفسهم الجامحة على أن يقولوا: إن الرجل باحث مستنتج يخطئ مرة ويصيب أخرى، ~~أو يقولوا: إن له في تاريخ الإسلام حسنات تصغر بجانبها سيئاته فيه فلنغتفر ~~هذه لتلك، وما أحسب أن واحدا منهم يعتقد شيئا مما يقول، ولكنهم كانوا يرون ~~أن الدين سلعة تباع وتشترى وأن سلعته ملك لهم ووقف عليهم, لا يجب أن تعرض ~~في حانوت غير حانوتهم، وكانوا يظنون أن الرجل تاجر مثلهم يريد أن يفتح ~~بجانب حانوتهم الحانوت التي يخافونها فاستوحشوا منه وأنكروا مكانه ~~واستثقلوا ظله، وقالوا مرة: إنه مسيحي لا يؤمن على الإسلام, ولا على تاريخه ~~كأنما ظنوا # PageV03P107 # أنه ينقل حوادث التاريخ ووقائعه من العهد القديم أو العهد الجديد، وقالوا ~~أخرى: إنه سوري دخيل, وفد إلى هذا البلد مسترزقا أو متجرا فما هو بمخلص ولا ~~بأمين، وفاتهم عفا الله عنهم أنه إن كان ضيفا فليس من أدب الضيافة ولا من ~~خلال المروءة والكرم أن يمن المضيف على ضيفه بيده عنده وأن يعد عليه ~~لقيماته التي يطعمها على مائدته، وإن كان تاجرا فقد باعهم بهذا النزر ~~الخسيس من متاع الدنيا وزخرفها جوهر عقله وينبوع ذكائه ومادة حياته، فما ~~كانوا من الخاسرين، ولا كان من الرابحين. # ووالله ما أدري كيف تتسع صدورهم للخمار الرومي واللص الإيطالي والقواد ~~الأرمني أن يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانة يسلب فيها ~~عقولهم, أو مقمرا يسرق فيه أموالهم, أو ماخورا يهتك فيه أعراضهم فلا ~~يطاردونه ولا يحاربونه ولا يسمونه دخيلا ولا واغلا, ثم يضيقون ذرعا بالعالم ~~الشرقي ينزل أرضهم نزول الديمة الوطفاء بالصحراء المحرقة فيعلمهم العلم ~~ويهذب نفوس أبنائهم ويثقف عقول ناشئتهم ويبعث في نفوس ضعاف العزائم منهم ~~روح الهمة والنشاط والشجاعة والإقدام. # ذلك هو شقاء الأمم، وهذا جواب السائلين ms413 عن أسباب سقوطها وانحطاطها. # PageV03P108 # لم يضق الرجل ذرعا بهذا كله, بل كان شأنه معهم أن كان يعتب عليهم ولا ~~يشتمهم، وينبههم إلى أدب المناظرة وواجباتها ولا يؤنبهم، ويدعوهم إلى اتخاذ ~~كلمة الحق سواء بينه وبينهم ولا يمكر بهم، حتى انقلب عنهم يحمل لواء ~~الفضيلة والحلم وإن كان مخطئا، وانقلبوا عنه يحملون فوق ظهورهم رذيلة ~~التعصب والجهل وسوء الخلق وضيق العطن, وإن كانوا مصيبين. # ولقد وضع بخطته هذه في مناظرة خصومه ومجادلتهم أول حجر في بناء الأخلاق ~~الفاضلة في هذه الأمة, فتعلم منه كثير من أدباء هذا البلد وعلمائه كيف ~~يستطيعون أن يتناظروا ولا يتشاتموا, وأن يتعاونوا على الحقيقة المبهمة ~~فيكشفوا الغطاء عن وجهها دون أن يريقوا في معاركهم قطرة واحدة من دم ~~الفضيلة والشرف، فإن تم لهذه الأمة في مستقبل حياتها حظها من شرف الأخلاق ~~وعلو الهمة ونبالة المقصد في جميع شئونها وأغراضها فلتتذكر دائما أن جرجي ~~زيدان كان أحد الذين أسسوا في أرضها هذه الدولة الفاضلة, دولة الآداب ~~والأخلاق. # نحن لا تعوزنا المؤلفات ولا المترجمات، فالمؤلفون والمترجمون والحمد لله ~~كثيرون، وإنما الذي يعوزنا روح عالية تخفق في سماء هذه الأمة خفوق النجم ~~الزاهر في سمائه, وتشرق في نفوس أبنائها # PageV03P109 # إشراق الشمس في دارتها, فتبعث العزيمة في قلب العاجر والشجاعة في فؤاد ~~الجبان، وتقوم من الأخلاق معوجها، وتصلح من الآداب فاسدها، وتثبت من العقول ~~مضطربها، وتعلم كل صغير وكبير وقوي وضعيف أن قيمة المرء في حياته أداء ~~واجبه للإنسانية أولا ولأمته ثانيا ولنفسه أخيرا، وأن الحب سعادة الإنسان ~~والبغض شقاؤه وبلاؤه، وأن الفرق بين الدين الخالص والدين المشوب أن الأول ~~يتسع صدره لكل شيء حتى لمخالفيه ومحاربيه، وأن الثاني يضيق صدره بكل شيء ~~حتى بنفسه، وأن الله تعالى أوسع رحمة وأعلى حكمة من أن يسد في وجوه عباده ~~كل طريق للوصول إليه إلا طريق السيف والنار، وأن هذه الأحقاد الدنيئة التي ~~تلتهب في صدور الناس التهابا لا تؤججها في صدورهم الأديان نفسها بل رؤساء ~~الأديان الذين يستخدمونها, ويتجرون بها في ms414 أسواق الغباوة والجهل، وأن الذين ~~يقدسون هذه الأحقاد ويباركونها ويعتبرونها جزءا من ماهية الدين ومقوما من ~~مقوماته إنما يقولون من حيث لا يشعرون: إن الإلحاد في العالم والفوضى ~~الدينية فيه وعبادة الشمس والقمر والتراب والحجر أنفع للمجتمع الإنساني, ~~وأحسن عليه عائدة من عبادة الإله المعبود. # ولقد كان جرجي زيدان روحا من تلك الأرواح العالية # PageV03P110 # تمنيناها برهة من الزمان حتى وجدناها فلم ننعم بها إلا قليلا, ثم فقدناها ~~أحوج ما كنا إليها, فذلك ما يبكينا عليه ويحزننا على فراقه. # الكاتب كالمصور كلاهما ناقل وكلاهما حاك، إلا أن الأول ينقل مشاعر النفس ~~إلى النفس، والثاني ينقل مشاهد الحس إلى الحس. # وكما أن ميزان الفضل في التصوير أن تكون الصورة والأصل كالشيء الواحد، ~~كذلك ميزان الفضل في الكتابة أن يكون المكتوب في الطرس، خيال المكنون في ~~النفس. # بهذه العين التي لا أزال أنظر بها دائما إلى الكتابة والكتاب, وأوازن بها ~~بين أقدارهم ومنازلهم كنت أقرأ ذلك الأسلوب العذب البديع الذي كان يكتب به ~~المرحوم جرجي زيدان كتبه ورواياته, فأتخيله مرآة نقية صافية قد ارتسمت فيها ~~صورة نفس الكاتب جلية واضحة, لا غموض فيها ولا إبهام. # وقليلا ما كنت أجد في نفسي هذا الشعور عند النظر في كتابة كاتب سواه؛ لأن ~~الكاتب إن استطاع أن ينال ثناء الناس وإعجابهم ببلاغة لفظه أو براعة معناه ~~أو سعة خيالة أو قوة حجته # PageV03P111 # فإنه لا يستطيع أن ينال الثقة من نفوسهم إلا إذا كان من الصادقين ~~المخلصين. # كنت أرى عذوبة نفسه في عذوبة لفظه، وطهارة قلبه في طهارة لسانه، وصفاء ~~ذهنه في وضوح أغراضه ومراميه، وجمال ذوقه في جمال ملاحظاته واستنتاجاته، ~~وكان خير ما يعجبني منه ترفعه عن مجاراة المتكبرين من الكتاب في كبريائهم, ~~ونزوله في كثير من مواقفه إلى منازل العامة ليحدثهم بما يفهمون؛ لأنه كان ~~من كتاب المعاني لا من كتاب الألفاظ، ولأنه كان يؤثر أن يتعلم عنه ~~الجاهلون، على أن يرضى عنه المتحذلقون. # وإن كان الرجل هو الأسلوب كما يقولون, فلا أعلم أحدا في ms415 هذا البلد كان ~~أولى بوصف الكاتب من المرحوم جرجي زيدان, فوا رحمتاه له ووا أسفا عليه. # PageV03P112 ### | احترام المرأة # نعم, إن الرجال قوامون على النساء كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز, ~~ولكن المرأة عماد الرجل وملاك أمره وسر حياته من صرخة الوضع إلى أنة النزع. # لا يستطيع الأب أن يحمل بين جانحتيه لطفله الصغير عواطف الأم، فهي التي ~~تحوطه بعنايتها ورعايتها، وتظلله بجناح رحمتها وشفقتها، وتسكب قلبها في ~~قلبه حتى يستحيلا إلى قلب واحد يخفق خفوقا واحدا ويشعر بشعور واحد، وهي ~~التي تسهر عليه ليلها وتكلؤه نهارها وتحتمل جميع آلام الحياة وأرزائها في ~~سبيله غير شاكية ولا متبرمة, بل تزداد شغفا به وإيثارا له وضنا بحياته ~~بمقدار ما تبذل من الجهود في سبيل تربيته، ولو شئت أن أقول لقلت: إن سر ~~الحياة الإنسانية وينبوع وجودها وكوكبها الأعلى الذي تنبعث منه جميع أشعتها ~~ينحصر في كلمة واحدة "قلب الأم". # PageV03P113 # ولا يستطيع الرجل أن يكون رجلا تام الرجولة حتى يجد إلى جانبه زوجة تبعث ~~في نفسه روح الشهامة والهمة وتغرس في قلبه كبرياء المسئولية وعظمتها، وحسب ~~المرء أن يعلم أنه سيد وأن له رعية كبيرة أو صغيرة تضع ثقتها فيه وتستظل ~~بظل حمايته ورعايته وتعتمد في شئون حياتها عليه حتى يشعر بحاجته إلى ~~استكمال جميع صفات السيد ومزاياه في نفسه، فلا يزال يعالج ذلك ويأخذ نفسه ~~به حتى يتم له، وما نصح الرجل بالجد في عمله والاستقامة في شئون حياته ~~وسلوك الجادة في سيره ولا هداه إلى التدبير ومزاياه والاقتصاد وفوائده ~~والسعي وثمراته، ولا دفع به في طريق المغامرة والمخاطرة والدأب والمثابرة ~~مثل دموع الزوجة المنهلة, ويدها الضارعة المبسوطة. # ولا يستطيع الشيخ الفاني في أخريات أيامه أن يجد في قلب ولده الفتى من ~~الحنان والعطف والحب والإيثار ما يجد من ذلك في قلب ابنته الفتاة، فهي التي ~~تمنحه يدها عكازا لشيخوخته وقلبها مستودعا لأسراره وهواجس نفسه، وهي التي ~~تسهر بجانب سرير مرضه ليلها كله تتسمع أنفاسه وتصغي إلى أناته وتحرص الحرص ~~كله ms416 على أن تفهم من رعشات يديه ونظرات عينيه حاجاته وأغراضه، فإذا نزل ستار ~~الموت بينها وبينه كانت هي من دون أهله جميعا # PageV03P114 # الوارثة الوحيدة التي تعد موته نكبة عظمى لا يهونها عليها ولا يخفف من ~~لوعتها في نفسها أنه قد ترك من بعده ميراثا عظيما، وكثيرا ما سمع السامعون ~~في بيت الميت قبل أن يجف تراب قبره أصوات أولاده يتجادلون, ويشتجرون في ~~الساعة التي يجتمع فيها بناته ونساؤه في حجراتهن نائحات باكيات. # وجملة القول أن الحياة مسرات وأحزان، أما مسراتها فنحن مدينون بها ~~للمرأة؛ لأنها مصدرها وينبوعها الذي تتدفق منه، وأما أحزانها فالمرأة هي ~~التي تتولى تحويلها إلى مسرات أو ترويحها عن نفوس أصحابها على الأقل، فنحن ~~مدينون للمرأة بحياتنا كلها. # وأستطيع أن أقول وأنا على ثقة مما أقول: إن الأطفال الذين استطاعوا في ~~هذا العالم أن يعيشوا سعداء معنيا بهم وبتربيتهم وتخريجهم على أيدي أمهاتهم ~~الأرامل الضعيفات, أضعاف الأطفال الذين نالوا هذا الحظ على أيدي آبائهم ~~الأقوياء الأثرياء بعد فقد أمهاتهم، وللرحمة الأمية الفضل العظيم في ذلك. # فليت شعري هل شكرنا للمرأة تلك النعمة التي أسدتها إلينا, وجازيناها بها ~~خيرا؟! # لا؛ لأننا إن منحناها شيئا من عواطف قلوبنا ومشاعر # PageV03P115 # نفوسنا فإننا لا نمنحها أكثر من عواطف الحب والود، ونضن عليها كل الضن ~~بعاطفة الاحترام والإجلال، وهي إلى نهلة واحدة من موارد الإجلال والإعظام ~~أحوج منها إلى شؤبوب متدفق من سماء الحب والغرام. # قد نحنو عليها ونرحمها، ولكنها رحمة السيد بالعبد لا رحمة الصديق ~~بالصديق، وقد نصفها بالعفة والطهارة، ومعنى ذلك عندنا أنها عفة الخدر ~~والخباء لا عفة النفس والضمير، وقد نهتم بتعليمها وتخريجها لا باعتبار أنها ~~إنسان كامل لها الحق في الوصول إلى ذروة الإنسانية التي تريدها, وفي التمتع ~~بجميع صفاتها وخصائصها، بل لنعهد إليها بوظيفة المربية أو الخادم أو ~~الممرضة, أو لنتخذ منها ملهاة لأنفسنا ونديما لسمرنا ومؤنسا لوحشتنا، أي: ~~إننا ننظر إليها بالعين التي ننظر بها إلى حيواناتنا المنزلية المستأنسة، ~~لا نسدي إليها من النعم, ولا نخلع ms417 عليها من الحلل إلا ما ينعكس منظره على ~~مرآة نفوسنا, فيملؤها غبطة وسرورا. # إنها لا تريد شيئا من ذلك، إنها لا تريد أن تكون سرية الرجل ولا حظيته ~~ولا أداة لهوه ولعبه, بل صديقته وشريكة حياته. # إنها تفهم معنى الحرية كما يفهمها الرجل, فيجب أن يكون حظها منها مثل ~~حظه. # PageV03P116 # إنها لم تخلق من أجل الرجل بل من أجل نفسها، فيجب أن يحترمها الرجل ~~لذاتها لا لنفسه. # يجب أن ننفس عنها قليلا من ضائقة سجنها؛ لتفهم أن لها كيانا مستقلا وحياة ~~ذاتية, وأنها مسئولة عن ذنوبها وآثامها أمام نفسها وضميرها, لا أمام الرجل. # يجب أن تعيش في جو الحرية وتستروح رائحته المنعشة الأريجة ليستيقظ ضميرها ~~الذي أخمده السجن والاعتقال من رقدته, ويتولى بنفسه محاسبتها على جميع ~~أعمالها ومراقبة حركاتها وسكناتها، فهو أعظم سلطانا وأقوى يدا من جميع ~~الوازعين والمسيطرين. # يجب أن نحترمها لتتعود احترام نفسها، ومن احترم نفسه فهو أبعد الناس عن ~~الزلات والسقطات. # لا يمكن أن تكون العبودية مصدرا للفضيلة ولا مدرسة لتربية النفوس على ~~الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة إلا إذا صح أن يكون الظلام مصدرا للنور ~~والموت علة في الحياة والعدم سلما إلى الوجود. # كما لا أريد أن تتخلع المرأة وتستهتر وتهيم على رأسها في مجتمعات الرجال ~~وأنديتهم, وتمزق حجاب الصيانة والعفة المسبل # PageV03P117 # عليها وهو المعنى الذي يفهمه البسطاء من العامة عادة من كلمة الحرية عند ~~إضافتها إلى المرأة، كذلك لا أحب أن تكون مستعمرة ذليلة يسلبها مستعمرها كل ~~مادة من مواد حياتها, ويأخذ عليها كل طريق حتى طريق النظر والتفكير. # وبعد, فإما أن تكون المرأة مساوية للرجل في عقله وإدراكه أو أقل منه، فإن ~~كانت الأولى فليعاشرها معاشرة الصديق للصديق والنظير للنظير، وإن كانت ~~الأخرى فليكن شأنه معها شأن المعلم مع تلميذه والأب مع ابنه، أي: إنه ~~يعلمها ويدربها ويأخذ بيدها حتى يرفعها إلى مستواه الذي هو فيه أو ما يقرب ~~منه؛ ليستطيع أن يجد منها الصديق الوفي والعشير الكريم، والمعلم لا يستعبد ~~تلميذه ولا يستذله، والأب ms418 لا يحتقر ابنه ولا يزدريه. # PageV03P118 ### | الانتقام # "مترجمة" ### | 1- # قضى المسيو "كابريني" برهة طويلة من أيام حياته سعيدا مغتبطا بزوجة جميلة ~~وثروة صالحة وخلق طيب شريف يحببه إلى الناس جميعا، ثم نكبه الدهر نكبة عظمى ~~ذهبت بماله وبزوجته، فبكاهما ما شاء الله أن يفعل، ثم بلي حزنه كما تبلى ~~جميع الأحزان في قلوب الناس، ولم يجد بدا من أن يعيش لابنته "إيلين" ليتولى ~~تربيتها وإسعادها، فالتحق بمصرف من المصارف المالية بمرتب قليل, ثم لم يزل ~~يبذل جهده في خدمة العمل الذي وكل إليه حتى أصبح بعد مدة قصيرة وكيلا لذلك ~~المصرف، فكان يعمل فيه سحابة نهاره ثم يعود ليلا إلى منزله فيرى ابنته ~~منهوكة متضعضعة لكثرة ما كانت تبذل من الجهد قي خدمة المنزل ومناظرة شئونه، ~~فرأى أن يتزوج ليخفف عنها بعض متاعبها وآلامها ففعل وكان سيئ الحظ في ~~اختياره, فتزوج من امرأة فاسدة خليعة لا هم لها في حياتها # PageV03P119 # سوى ترفيه عيشها وتدليل نفسها والتقلب بين أعطاف شهواتها ولذائذها، فلم ~~ينتفع منها بشيء بل زادت همومه وآلامه وأثقال عيشه، ولكن ماذا يعمل وقد ~~وضعت السلسلة في عنقه وانتهى الأمر، وأصبحت ابنته بعد أن كانت سيدة بيتها ~~وأميرة نفسها أسيرة في يد امرأة قاسية داهية تسومها أنواع الخسف وصنوف ~~العذاب، فكانت تحتمل ذلك كله بصبر وجلد، وكانت تكتمه أباها كتمانا شديدا ~~ضنا براحته وسكونه، بل كانت تكتم عنه علائق زوجته وصلاتها بمعارفها ~~وأصدقائها؛ رحمة به وإشفاقا عليه. # وكثيرا ما كان يعود إلى منزله في بعض لياليه حاملا بعض دفاتر المصرف في ~~يده ليتمم فيها العمل الذي أعجله الوقت عن إتمامه هناك, فيجلس إلى مكتبه ~~ساهرا ليله مكبا على عمله ذائدا النوم عن عينيه حتى يغلبه على أمره, فينام ~~في مكانه والقلم معلق بين أصابعه في الساعة التي تكون فيها زوجته بين جمع ~~من أصدقائها وصديقاتها, في بعض الملاعب أو الحانات أو المجتمعات الخاصة ~~راقصة لاهية عابثة بجميع الفضائل الإنسانية، فإذا استيقظت ابنته أثناء ~~الليل ورأته على هذه الحالة مشت إليه برفق وهدوء, ms419 وجلست على كرسي أمامه ~~واجتذبت إليها الدفتر الذي بين يديه وأتمت فيه العمل من حيث قطعه، ثم توقظه ~~بعد ذلك لينام في فراشه, فيشكر # PageV03P120 # لها يدها ومعونتها، ثم يسألها سؤال المتمرمر الممتعض: ألم تعد فلانة حتى ~~الآن؟! فتجيبه بالصمت أن لا، فيذهب إلى سريره حاملا بين جنبيه من الهم ~~والألم ما الله به عليم. # وجملة القول أن الرجل كان شقيا منحوسا، يسير من شئون حياته في ظلمة داجية ~~لا ينتهي بصره فيها إلى مدى، ولا يرى في سمائها نجما واحدا يتنوره إلا ذلك ~~النجم الضئيل الذي كان يلمع من حين إلى حين في جبين ابنته الراحمة الشفوقة، ~~فيتنفس أمامه تنفس الراحة ويأذن لفمه أن يبتسم في ضوئه ابتسامة الغبطة ~~والسرور. # فإنه لجالس ذات يوم في غرفة مكتبه من المصرف, إذ دعاه إليه مديره وسلم له ~~ورقة مالية قيمتها خمسة آلاف فرنك ليودعها الخزينة ويسجلها في دفاتر ~~المصرف، فتناولها منه وعاد بها إلى غرفته ووضعها على مكتبه وتناول الدفتر ~~ليقيدها، فما أمسك القلم بيده حتى دخل عليه بواب المصرف وقال له: إن فتاة ~~من هيئتها كيت وكيت واقفة بالباب تسأل عنك, وهي تكتم اسمها وتأبى الدخول, ~~فاضطرب اضطرابا شديدا ومر بخاطره أنها ابنته وأن حادثا عظيما حدث بالمنزل ~~دعاها إلى الحضور إليه، ولم يكن من شأنها أن تحضر # PageV03P121 # إليه في المصرف قبل اليوم، فترك كل شيء في مكانه وخرج مسرعا ليراها فإذا ~~هي بعينها واقفة تحت جدار المصرف وقفة الحياء والخجل, وإذا بيدها كتاب ~~تحمله إليه من زوجته, فاختطفه منها وقرأه فإذا هي تقول له فيه: إنها تريد ~~أن يرسل إليها في هذه الساعة خمسة آلاف فرنك لتبتاع بها حلة جميلة رأتها في ~~حانوت بعض تجار الملابس, وأنها إن فاتها أن تبتاعها اليوم فربما لا تجدها ~~غدا، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة الغيظ والألم وأخذ ابنته ناحية وقال لها: ~~بلغيها أنني لا أملك هذا المبلغ اليوم ولا غدا, وربما لا أستطيع ذلك العام ~~كله، ثم ألقى عليها نظرة العاتب لحضورها إليه في ms420 المصرف وكان لا يحب ذلك ~~منها، فأطرقت برأسها ولم تقل شيئا؛ لأنها لا تستطيع أن تقول له: إن زوجته ~~هي التي أرغمتها على ذلك فتزيد همومه هما جديدا، ثم عادت أدراجها. # وكان بين عمال المصرف عامل سيئ الأخلاق, فاسد النفس والضمير, ما زال مذ ~~دخل هذا المكان يرصد الغفلة من مديره أو وكيله عله يتوصل إلى اختلاس شيء من ~~المال لنفسه, فدخل غرفة الوكيل في اللحظة التي خرج فيها لمقابلة ابنته ~~ليقدم إليه بعض الأوراق, فلم يجده ولمح الورقة المالية التي تركها على ~~المكتب فحدثته نفسه باختلاسها, فدار بنظره ههنا وههنا ثم انقض عليها ووضعها # PageV03P122 # في جيبه ثم خرج متسللا لم يشعر أحد بدخوله ولا بخروجه، وما هي إلا لحظة ~~حتى عاد المسيو "كابريني" وفي يده الكتاب الذي أرسلته إليه زوجته, فمزقه ~~بعض مزق وألقى به في سلته، ثم ألقى نظره على المكتب فلم ير الورقة المالية ~~حيث تركها, فذعر ذعرا شديدا وأخذ يفتش عنها في كل مكان فلم يجدها؛ فاشتد ~~حزنه وهمه وأخذ يسأل العمال والخدم عمن دخل غرفته في غيابه فلم يعترف له ~~بذلك أحد ولم يشهد به أحد على أحد، فظل يصرخ صرخات عظيمة تقيم المصرف ~~وتقعده فسمع المدير الضوضاء فحضر ليرى ماذا حدث, فأفضى إليه الرجل بالقصة ~~كما هي لم يكتمه منها شيئا إلا أنه لم يشأ أن يخبره بموضوع الرسالة التي ~~جاءت فيها ابنته ضنا بأسراره البيتية أن يعلمها أحد غيره، فارتاب به الرجل ~~بينه وبين نفسه ولم يكن يعتد عليه بسيئة قبل اليوم ولا يعرف له ماضيا ~~مريبا, ولكنه كان يعلم أنه فقير مقل, فظن به الظنون، وقديما كان الفقر ~~ينبوع التهم ومثار الشكوك والريب، ثم تركه في غرفته وخرج إلى العمال والخدم ~~يحادثهم في هذا الشأن عله يصل إلى معرفة الحقيقة, فأخبره البواب أن الفتاة ~~التي حضرت إليه كانت تحمل في يدها كتابا, وأنه أخذها جانبا وأسر إليها ~~حديثا لم يسمع منه شيئا، فازداد شكه وارتيابه وعاد إليه فوجده واقفا في ~~مكانه # PageV03P123 # مذهولا ms421 يقلب كفيه, فلم يقل له شيئا وأخذ يدور بعينيه في أنحاء الغرفة ~~ويقلب بيده الأوراق عله يعثر بذلك الكتاب الذي أخبر به البواب فلم يجده، ~~فألقى نظره على السلة فرأى تلك المزق فجمعها فإذا هي الكتاب الذي يريده, ~~فقرأه ثم ألقى على الرجل نظرة شزراء وقال له: إني أتهمك يا مسيو "كابريني" ~~بأنك اختلست تلك الورقة وأرسلتها إلى زوجتك مع ابنتك لتبتاع بها الحلة ~~الجميلة التي أعجبتها، فدهش الرجل دهشة شديدة وورد عليه من الأمر ما طار ~~بلبه وأخذ عليه أنفاسه، فصمت لحظة وبعد لأي استطاع أن يقول له: نعم, إنها ~~أرسلت إلي هذا الكتاب ولكنني لم أحفل به ولم أرسل إليها شيئا, بل رددتها ~~ردا قبيحا لأنني رجل فقير لا أملك هذا المقدار، ولأنني رجل شريف لا أختلسه، ~~فلم يحفل المسيو "لورين" بدفاعه ولم يرث لضراعته واسترحامه، ولم يلبث أن ~~رفع أمره إلى النيابة, فما أتى آخر النهار حتى كان الرجل في السجن وكانت ~~ابنته المسكينة في حال من الهم والحزن تستثير الأشجان وتستذرف العبرات، أما ~~زوجته فلم يكن يهمها في ذلك الموقف شيء سوى السعي للحصول على ثمن الحلة ~~الجميلة من طريق غير هذا الطريق. # لم ينفع الرجل دفاعه عن نفسه, ولا دفاع ابنته عنه, ولا شهادة الذين شهدوا ~~بشرفه واستقامته من جيرانه وأصدقائه؛ لأن المحققين # PageV03P124 # لا يستطيعون أن يصدقوا أن رجلا عظيما سريا مثل المسيو "لورين" صاحب ~~المصرف المشهور يكذب أو يلفق أو يخطئ في فراسته وتقديره، وأن رجلا فقيرا ~~مقلا مثل المسيو "كابريني" يتعفف عن اختلاس المال الذي يقع تحت يده متى وجد ~~السبيل إلى ذلك، وكثيرا ما ساقت أمثال هذه الأقيسة الفاسدة والنظرات ~~الطائشة الحمقاء الأبرياء والأشراف إلى أعماق السجون, وقضت عليهم وعلى ~~عائلاتهم القضاء الأخير كما قضت على هذا الرجل المسكين اليوم، فإن قاضي ~~التحقيق لم يلبث أن سمع شهادة خصمه عليه وعرف قصة الكتاب الذي أرسلته إليه ~~زوجته حتى اقتنع بإجرامه, وأحاله على محكمة الجنايات. # فاستطير عقل "إيلين" وجن جنونها, فلم تجد بدا ms422 من أن تذهب إلى المسيو ~~"لورين" لتستعطفه لأبيها وتضرع إليه أن يساعدها على تبرئته، فذهبت إليه في ~~منزله فاستأذنت عليه ثم دخلت, فدهش دهشة عظمى حين رأى أمامه فتاة رشيقة ~~جميلة, بل هي آية من آيات الحسن والجمال لا عيب فيها إلا أنها نحيلة صفراء ~~متضعضعة وقد يكون الضعف عند بعض الناس حلية من حلى الجمال، فافتتن بها حين ~~رآها إلا أنه أخطأ في الحكم عليها كما أخطأ من قبل في الحكم على أبيها، فظن ~~أنه يستطيع أن يستثمر لنفسه # PageV03P125 # ضرورتها وحاجتها، فأخذ يحدثها في الشأن الذي جاءت من أجله, ثم ذهب معها ~~في الحديث مذاهب أخرى لم تفهم غرضه منها إلا بعد حين؛ لأنها لم تألف سماع ~~مثلها قبل اليوم، فأخذ وجهها يربد شيئا فشيئا ثم انتفضت انتفاضة الليث في ~~غيله وألقت عليه نظرة هائلة لو ألقتها على رجل غيره لصعق في مكانه, ولكنه ~~كان رجلا وقاحا متبلدا فلم يحفل بنظرتها وتقدم نحوها وحاول أن يغلبها على ~~أمرها فدافعت عن نفسها دفاعا شديدا حتى عجزت, فأرادت الفرار من بين يديه ~~فاعترض طريقها فدارت بنظرها في أنحاء الغرفة تتلمس سبيلا إلى الخلاص, فوقع ~~نظرها على مسدس كان فوق مائدته فاختطفته لتهدده به, فانطلقت منه رصاصة خطأ ~~فأصابته في ذراعه فصرخ صرخة عظمى، وما هي إلا لحظات قلائل حتى قبض عليها ~~وسيقت إلى السجن بتهمة أنها دخلت على المسيو "لورين" في منزله لتسأله أن ~~يساعدها على تبرئة والدها فلم يحفل بها, فأخرجت مسدسا كانت تخفيه في طي ~~ردائها وأطلقته عليه تريد قتله, فلم تصبه إلا في ذراعه. # وقد كان في استطاعة المسيو "لورين" أن يعترف بالحقيقة التي يعرفها حق ~~المعرفة فلم يفعل، ولو فعل لما ضره ذلك شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى ~~حكمت عليها محكمة الجنايات بالسجن خمس سنين، وكانت قد حكمت على أبيها قبل ~~ذلك بالسجن عامين. # PageV03P126 ### | 2- # دخلت "إيلين" سجن النساء لتقضي فيه المدة المقررة لها, ووضعت في غرفة مع ~~امرأة عجوز ساقطة قضت جزءا عظيما من حياتها ms423 في هذا المكان المظلم القاتم ~~حتى ألفته, وجمدت نفسها عليه فلم تعد تحفل بشيء في هذا العالم ولا تفكر إلا ~~في الساعة التي يقدم فيها إليها الطعام فتلتهمه التهاما بشره ولهفة وهي ~~تضحك وتتغنى كأنما هي أبعد الناس عن الهموم والأحزان، فذعرت "إيلين" حين ~~رأتها ذعرا شديدا وانسلت إلى زاوية من زوايا الغرفة فقبعت فيها واستسلمت ~~لهمومها وأحزانها، ولم تدع قطرة من الدمع في عينيها إلا ذرفتها وأبت أن ~~تتناول الطعام الذي قدمه إليها السجان فوضعه بين يديها وتركها وشأنها، فبكت ~~ما شاء الله أن تفعل حتى هدأ بعض ما بها, فعمدت إلى كتاب صغير من كتب ~~الأخلاق كانت لا تزال تحمله في جيبها ما تفارقه فأخرجته وأخذت تتلهى بتقليب ~~صفحاته, فكان أول ما وقع نظرها عليه من كلماته هذه الكلمة: "العفو أشد ~~أنواع الانتقام" فانتفضت عند قراءتها انتفاضا شديدا وعلق نظرها بها ما ~~ينتقل عنها، وأخذت تراجع الحوادث التي مرت بها وتستعرضها واحدة بعد أخرى ~~وتفكر في المظالم التي نالتها ونالت أباها, وما اقترفا ذنبا ولا # PageV03P127 # جنيا على أحد حتى أوردتهما هذا المورد من الشقاء، فشعرت بدبيب الشر في ~~نفسها للمرة الأولى في حياتها وظلت تقول في نفسها: إن الذين مرت على ~~ألسنتهم أمثال هذه الكلمات إنما كانوا يعيشون في عصر غير هذا العصر وبين ~~أناس غير هؤلاء الناس، ولو أنهم عاشوا بيننا لكان لهم في العالم وأهليه رأي ~~غير هذا الرأي, ولما اجترءوا على المجازفة بتدوين هذه الأفكار في كتبهم؛ ~~لأن العفو لا يكون انتقاما إلا من أصحاب الضمائر الطيبة الطاهرة التي ~~يقلقها الذنب, ويخجلها العفو والتي تصدر عنها سيئاتها زلات وهفوات، أما ~~الضمائر القاسية المتحجرة التي لا تعبأ بشيء ولا تخجل من شيء فلا يزيدها ~~العفو والصفح إلا تمردا وطغيانا. # وإنها لذاهبة هذه المذاهب المختلفة من خواطرها وأفكارها إذ دنت منها ~~جارتها العجوز تختلس الخطا إليها اختلاسا حتى وقفت وراءها ونظرت في الصفحة ~~التي تنظر فيها, فوقع نظرها على تلك الكلمة التي كانت تنعم النظر فيها, ~~فقهقهت ms424 ضاحكة بصوت عال غريب, فارتعدت "إيلين" والتفتت وراءها صارخة: ماذا ~~تريدين يا سيدتي؟ قالت: لا تخافي يا بنيتي ولا تراعي, فما أنا بمجنونة كما ~~ظننت وكما يظن سكان هذه الدار, ولكنني رأيتك مستغرقة في هذا الكتاب لا ~~ترفعين نظرك عنه فجئت لأقول لك: دعي الكتب # PageV03P128 # وشأنها, لا تحفلي بها ولا تعولي على شيء مما فيها؛ فإن أصحابها الذين ~~وضعوها غرباء عن هذا العالم لا يفهمون من شئونه شيئا إلا كما نفهم نحن من ~~شئون عالم الجن أو سكان المريخ، بل هم قوم معتوهون ممرورون قضوا أيام ~~حياتهم في معتزلاتهم الخاصة المملة, التي لا توجد فيها نافذة واحدة تشرف ~~على العالم وما فيه, فملوا وسئموا وأرادوا أن يروحوا عن أنفسهم ويتلهوا بما ~~يسري عنهم مللهم وسآمتهم، فأخذوا يدونون هذه المبادئ التي انتزعوها من ~~جوانب أدمغتهم، لا من طبيعة المجتمع الذي يحيط بهم، ويقررون الآراء التي ~~يستحسنونها ويعجبون بها لا التي تتفق مع طبيعة الكون ومزاجه، فهم ينصحون ~~المجرم أن يقلع عن إجرامه, ثم يخيل إليهم أنه قد أقلع ونزع فيطلبون إلى من ~~أجرم إليه أن يعفو عنه قائلين له: "إن العفو أشد أنواع الانتقام" كأن ~~الفضيلة عندهم هي الحالة الأساسية للنفوس، وكأن الإجرام عرض من أعراضها ~~الطارئة عليها, لا تلبث أن تهب عليه نسمة من نسمات العظة والاعتبار حتى ~~تذهب به، فما أسخف عقولهم وما أقصر أنظارهم وما أبعدهم عن فهم حقائق الحياة ~~وطبائع النفوس، دعي الكتب يا بنيتي لا تنظري فيها، وانزعي عنك همومك ~~وأحزانك، وكلي الطعام الذي # PageV03P129 # يقدم إليك هانئة مغتبطة, لا تلوي على شيء مما وراءك، فسيأتي قريبا أو ~~بعيدا ذلك اليوم الذي يفتح لك فيه هذا الباب الموصد دونك, فتخرجين إلى ~~الانتقام من الرجل الذي أساء إليك وساقك إلى هذا المكان, وتنالين منه فوق ~~ما نال منك كما سأفعل أنا يوم خروجي بالرجل الذي ساءني وأفسد علي حياتي، ~~فليس العفو أشد أنواع الانتقام كما يقولون بل الانتقام أعظم ملذات الحياة. # فهدأت نفس "إيلين" قليلا واستطاعت أن تتناول ms425 شيئا من الطعام الذي قدم ~~إليها، إلا أنها كانت إذا جاء الليل رأت أباها في منامها يقاسي أنواع ~~العذاب وصنوف الآلام في سجنه, فتصبح باكية نادبة لا يهون عليها آلامها بعض ~~التهوين إلا ثرثرة تلك العجوز وهذيانها, حتى نامت ذات ليلة فرأته ميتا على ~~سرير من أسرة مستشفى السجن تحيط بجثته شمعتان مشتعلتان, فاستيقظت فزعة ~~مذعورة تبكي وتنتحب، وما هي إلا هنيهة حتى دخل عليها السجان يدعوها لمقابلة ~~مدير السجن, فذهبت إليه فأبلغها أن أباها توفي الليلة في المستشفى؛ فصعقت ~~صعقة كادت تذهب بنفسها، ثم استفاقت فإذا هي في غرفة سجنها وإذا هي أشد عباد ~~الله بؤسا وأعظمهم شقاء. # PageV03P130 ### | 3- # قضت "إيلين" سنواتها الخمس في سجنها ثم خرجت ورفيقتها العجوز تشيعها إلى ~~الباب وتقول لها: لا تنسي يا بنيتي أن تنتقمي من عدوك الذي أساء إليك ~~وتنكلي به تنكيلا عظيما، وسأتبعك على الأثر عما قريب لأنتقم من عدوي مثلك، ~~وهل لمثلي ومثلك في هذه الحياة الشقية البائسة لذة غير لذة الانتقام؟! # فودعتها وانصرفت لا تعلم أين تذهب, ولا أي طريق تسلك، بل لا تعلم أين تجد ~~قوت يومها أو المضجع الذي تأوي إليه سواد ليلتها, فقد انقطعت صلتها بالعالم ~~كله بعد موت أبويها, ووسم جبينها بلقب "المجرمة" الذي خرجت به من سجنها. # ولم تزل سائرة ساعات طويلة حتى شعرت بالتعب وأحست بالجوع يعبث بأحشائها, ~~فحدثتها نفسها بالانتحار فرارا من الألم وزهدا في الحياة, وظلت تترجح ساعة ~~بين الأنس بهذا الخاطر والنفور منه حتى غلبها على أمرها, فأخذت طريقها إلى ~~النهر وكانت الليلة داجية مكفهرة تلمع بروقها وتهطل غيومها وتدمدم رعودها ~~وتعصف رياحها, فاستمرت أدراجها حتى إذا لم يبق بينها وبين النهر إلا بضع ~~خطوات سمعت قعقعة مركبة مقبلة نحوها من # PageV03P131 # بعيد يمزق نور مصباحيها المشتعلين أحشاء الظلمات, فتريثت هنيهة في مكانها ~~حتى مرت المركبة بها فإذا المسيو "لورين" جالسا بين بضع فتيات خليعات, ~~يعابثهن ويداعبهن ويقهقه قهقهة عالية ترن في أجواء الفضاء, فاختبأت وراء ~~شجرة حتى مر ثم برزت من مخبئها ms426 تحدث نفسها وتقول: ها هو المجرم سعيد في ~~حياته, مغتبط بعيشة, يتقلب في أعطاف العيش الناعم لا ينغص عليه عيشه منغص ~~ولا يكدر حياته مكدر، وها أنا ذا البريئة الطاهرة التي لم ألوث يدي في ~~حياتي بجريمة ولم أقترف بيني وبين ضميري إثما, أهيم في هذا الوادي الفسيح ~~على وجهي لا أعرف لي ملجأ ولا مأوى، ولا أعرف سبيلا للعيش ولا مذهبا، ولو ~~عرفت لما استطعت أن أنتفع بمعرفتي؛ لأنني مجرمة قاتلة، ومن ذا يأمن على ~~نفسه أن يتصل بالقتلة المجرمين أو يعطف على بأسائهم وضرئهم؟! # لا لا، لا بد أن أعيش ولا بد أن أنتقم، وما دامت الشرائع الإلهية ~~والقوانين الوضعية قد عجزت عن أن تنتصف للناس من الناس, فلينتصف الناس ~~بأنفسهم لأنفسهم. # وانحدرت من طريق النهر إلى طريق المدينة, وقد ودعت في تلك اللحظة جميع ~~خواطر الخير التي ملأت فضاء نفسها طول # PageV03P132 # بعيد يمزق نور مصباحيها المشتعلين أحشاء الظلمات, فتريثت هنيهة في مكانها ~~حتى مرت المركبة بها فإذا المسيو "لورين" جالسا بين بضع فتيات خليعات, ~~يعابثهن ويداعبهن ويقهقه قهقهة عالية ترن في أجواء الفضاء, فاختبأت وراء ~~شجرة حتى مر ثم برزت من مخبئها تحدث نفسها وتقول: ها هو المجرم سعيد في ~~حياته, مغتبط بعيشة, يتقلب في أعطاف العيش الناعم لا ينغص عليه عيشه منغص ~~ولا يكدر حياته مكدر، وها أنا ذا البريئة الطاهرة التي لم ألوث يدي في ~~حياتي بجريمة ولم أقترف بيني وبين ضميري إثما, أهيم في هذا الوادي الفسيح ~~على وجهي لا أعرف لي ملجأ ولا مأوى، ولا أعرف سبيلا للعيش ولا مذهبا، ولو ~~عرفت لما استطعت أن أنتفع بمعرفتي؛ لأنني مجرمة قاتلة، ومن ذا يأمن على ~~نفسه أن يتصل بالقتلة المجرمين أو يعطف على بأسائهم وضرئهم؟! # لا لا، لا بد أن أعيش ولا بد أن أنتقم، وما دامت الشرائع الإلهية ~~والقوانين الوضعية قد عجزت عن أن تنتصف للناس من الناس, فلينتصف الناس ~~بأنفسهم لأنفسهم. # وانحدرت من طريق النهر إلى طريق المدينة, وقد ودعت في تلك ms427 اللحظة جميع ~~خواطر الخير التي ملأت فضاء نفسها طول # PageV03P133 # فإنها لجالسة ذات ليلة في مقصورة من مقاصير بعض الملاعب التمثيلية في جمع ~~من أصدقائها المستهترين بها إذ وقع نظرها على خصمها المسيو "لورين" جالسا ~~في المقصورة المقابلة لها مع إحدى خليلاته, فانتفضت حين رأته وثارت في ~~نفسها ثائرة الغيظ والحنق, وظلت تردد النظر في وجهه طويلا فلمحها وهي تنظر ~~إليه, فأعجبه منظرها البارع الجميل إلا أنه لم يعرفها؛ فقد تغير كل شيء ~~فيها حتى ملامحها وشمائلها، فما انتهى الفصل الأول من الرواية حتى نهض من ~~مكانه مسرعا وذهب يرود حول مقصورتها حتى التقى بأحد أصدقائه وأصدقائها في ~~دهليز المقاصير فسأله عنها, فأخبره أنها السيدة "لوسي" المارسيلية, أجمل ~~فتاة وفدت إلى باريس في هذا العام، فتوسل إليه أن يقدمه إليها ففعل فأحسنت ~~ملتقاه, وقد أضمرت له في نفسها شر ما يضمر عدو لعدوه, وأقبلت عليه تحدثة ~~وتلطف به وتمد له الحبالة التي اعتادت أن تمدها كل يوم لأمثاله، فما لبثت ~~أن وقعت من نفسه وملكت عليه جميع مشاعره، ثم رفع الستار فاستأذنها وعاد إلى ~~مقصورته وقد حلت من قلبه محلا لم يحله أحد من قبلها. # وفي صباح اليوم الثاني أرسل إليها مع بعض رسله طاقة جميلة من الزهر, قد ~~دس بين أوراقها عقدا بديعا من اللؤلؤ الثمين # PageV03P134 # فابتهجت به حين رأته, لا لأنها في حاجة إلى العقود والدمالج, بل لأنها ~~علمت أنها قد وضعت يدها على الزمام الذي تقوده به إلى الهلاك، ثم زارها على ~~الأثر وخر جاثيا تحت قدميها مقدما لها قلبه وحياته وكل ما تملك يده، أي: ~~إنه جثا تحت قدمي تلك الفتاة المسكينة التي جثت تحت قدميه منذ سنوات تسأله ~~أن يساعدها على فكاك أبيها من سجنه وتضرع إليه أن يغفر له ذنبه إليه إن كان ~~يعتقد أنه مذنب فلم يفعل، ولو أنه فعل لابتاع بثمن قليل لا يوازي ربع ثمن ~~العقد الذي يقدمه الآن إليها قلبا طاهرا نقيا لم تلوثه الذنوب والآثام ولم ~~تعبث به الأهواء والشهوات, ms428 وعاش عيشا طاهرا شريفا مع خير الزوجات وأفضلهن ~~خلقا وخلقا، ولكن هكذا قدر لهؤلاء القوم الضعفاء أن يضنوا بالنزر اليسير من ~~أموالهم على ابتياع القلوب الشريفة الطاهرة، فإذا لوثتها الذنوب والآثام ~~وأصبحت نهبا مقسما في أيدي الشهوات بذلوا في سبيل الوصول إليها جميع ما ~~تملك أيديهم حتى شرفهم وحياتهم، فقد ابتاع المسيو "لورين" لخليلته الجديدة ~~قصرا جميلا أثثه أثاثا حسنا ونزل على حكمها في كل ما تريد وتشتهي حتى أنفق ~~عليها في عام واحد كل ما تملك يمينه، ثم اضطر أن يعبث بودائع الناس # PageV03P135 # المودعة في مصرفه, فمشى في ذلك المزلق المنحدر مدى بعيدا أشرف منه على ~~الخطر العظيم. # وحدث أن فتحت سوق للحسان في باريس وكانت "لوسي" إحدى النساء اللواتي وقع ~~عليهن الاختيار لبيع الأزهار فيها، وكان تجار تلك السوق أجمل نساء باريس ~~على الإطلاق، فجلست في حانوتها المعد لها وقد أمسكت بيدها زهرة جميلة ~~تعرضها للبيع وتعد من يبتاعها منها أن يتناولها بفمه من فمها، فازدحم حولها ~~كثير من الأغنياء يتزايدون في ثمن تلك الزهرة حتى برز رجل من بينهم اسمه ~~"الكونت مارسيال" فعرض فيها خمسمائة فرانك، فقالت: لا أبيعها إلا بألف، ~~فأمسك "الكونت" وأمسك الناس جميعا، وإنهم لكذلك إذ بالمسيو "لورين" يتقدم ~~بهدوء وسكون وفي يده ورقة بألف فرنك فوضعها بين يدي "لوسي" وقال لها: لا ~~يبتاع منك زهرتك يا سيدتي أحد سواي، فوضعتها بين ثناياها فتناولها منها ~~بفمه بأسلوب رقيق حسده عليه مزاحموه جميعا وخاصة "الكونت مارسيال"، فقد ~~انصرف من موقفه هذا وهو يقول: ما رأيت في حياتي صاحب مصرف يذهب في حياته ~~هذا المذهب من البذخ والإسراف, ويبعثر المال بلا حيطة ولا حذر كهذا الرجل، ~~وما أحسب أن ثروته الخاصة تتسع لكل هذا, فلا بد أن يكون لصا دنيئا يسرق ~~ودائع الناس ويبددها، فويل # PageV03P136 # للمساهمين في مصرفه ورحمة الله على أموالهم جميعا، وكان يتكلم بصوت عال ~~يسمعه الناس جميعهم، وليس بين الأحاديث حديث أسير ولا أذيع من حدوث السوء، ~~فمشت كلماته في المجتمعات العامة والخاصة ms429 فاضطرب لها المساهمون وأصحاب ~~الودائع اضطرابا عظيما, ووصل الخبر إلى أعضاء مجلس إدارة المصرف فهالهم ~~الأمر, وأشفقوا على سمعة مصرفهم أن تنال منها هذه الأراجيف فيسقط سقطة لا ~~قيام له من بعدها, فقرروا الاجتماع في يوم معين لمراجعة حسابه وتفقد ~~أمواله، فلما علم ذلك المسيو "لورين" أخذ يزور في السندات, ويعبث بدفاتر ~~الحساب طلبا للخلاص من التبعة فلم يجده ذلك شيئا، فقد فهم مجلس الإدارة كل ~~شيء فلم ير بدا من أن يرفع الأمر إلى القضاء ففعل والمسيو "لورين" مستغرق ~~في شهواته ولذاته جاث ليله ونهاره تحت قدمي خليلته لا يشعر بشيء مما يجري ~~حوله, لولا أن أحد أصدقائه من المحامين وقف على الخبر فزاره في منزله ~~ليخبره به فلم يجده, فذهب إلى منزل "لوسي" فوجده فأخبره أن الأمر قد صدر ~~بالقبض عليه, وأنه إن لم يبادر بالسفر في الحال فقد هلك إلى الأبد، فأشار ~~إلى "لوسي" أن تعد له حقيبة ملابسه وأن تهيئ نفسها للسفر معه وهو أعظم ~~الناس ثقة بها وبحبها وإخلاصها، فتظاهرت بالإذعان لأمره والرثاء # PageV03P137 # لحاله ولكنها لم تلبث أن خرجت من الغرفة حتى هرعت إلى غرفة "التليفون" ~~وبلغت رئيس الشرطة خبر عزمه على الهرب وأشارت عليه بإرسال من يقبض عليه في ~~الحال، ثم أمرت الخدم بغلق الأبواب والوقوف في وجهه إن أراد الفرار، ثم ~~عادت إليه فسألها هل أعدت كل شيء؟ فنظرت إليه نظرة غريبة لم يفهم معناها, ~~ثم انفجرت ضاحكة بصوت عال فدهش وسألها ما بالها؟ فقالت: لا شيء سوى أنك ~~ستبقى سجينا هنا حتى يأتي رئيس الشرطة للقبض عليك، ثم ألقت عليه نظرة مخيفة ~~هائلة فعجب لأمرها ولم يعلم أمازحة هي أم نزل بها عارض من عوارض الجنون، ~~ونهض من مكانه مسرعا ودنا منها وقال لها: ماذا عرض لك يا "لوسي" فقد طلبت ~~إليك أن تهيئي نفسك للسفر معي, فهل فعلت؟ فقد أزف الوقت ولسنا الآن في موقف ~~مزاح، وأخاف أن تفاجئنا الشرطة الساعة فتفوت الفرصة، فضحكت ضحكة أخرى ~~وقالت: قد بلغت رئيس الشرطة ms430 أنك عازم على السفر وأشرت عليه أن يبادر بإرسال ~~الجنود إليك، وقد أمرت الخدم بغلق الأبواب دونك حتى لا تتمكن من الهرب قبل ~~حضورهم، فجن جنونه وقد بدأ الريب يدب في نفسه وإن لم يفهم لما يرى سببا, ~~فركض إلى الباب ليتحقق الأمر بنفسه فوجده مغلقا, فأمرها أن تفتحه # PageV03P138 # فأبت, فهجم عليها هجمة شديدة وهو يصيح: أين المفتاح أيتها العاهر؟ فقالت: ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت أبي بالأمس؟ فلم يفهم معنى كلمتها ووقف في مكانه ~~ذاهلا يقول لها: لم أفهم من أمرك شيئا, ماذا تريدين؟ ومن هو أبوك؟ قالت: هو ~~المسيو "كابريني" وكيل مصرفك بالأمس الذي اتهمته ظلما وعدوانا بالسرقة وأنت ~~تعلم أنه رجل شريف مستقيم, لو علم أن شرب الماء يفسد مروءته ما شربه, فكانت ~~نهاية أمره أن مات في سجنه ميتة الأشقياء البؤساء, لا يعوده من أهله عائد، ~~ولا يحتضنه إلى صدره في ساعته الأخيرة محتضن، ولا يوجد بجانب مضجعه من يسمع ~~منه آخر كلماته. # فاصفر وجه "لورين" وظل جسمه يرتعد ارتعادا شديدا, وأخذ يحدق النظر في ~~وجهها ويتراجع شيئا فشيئا ويقول بصوت مضطرب متقطع: إذن أنت لست ... فقاطعته ~~وقالت: نعم لست حبيبتك "لوسي" كما تعتقد, بل عدوتك "إيلين" التي تريد أن ~~تنتقم منك لفجيعتها في أبيها وفي نفسها، أنا "إيلين" التي جثت تحت قدميك ~~منذ ستة أعوام تسألك أن ترحم أباها وترحمها فأبيت إلا أن تساومها في عرضها, ~~فلما ضنت به عليك أردت النكاية بها فاتهمتها بتهمة القتل كذبا وافتراء كما ~~صنعت بأبيها من # PageV03P139 # قبلها فصدق القضاة الأغبياء دعواك, فحكموا عليها بالسجن خمس سنوات كابدت ~~فيها من صنوف العذاب وأنواع الآلام ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، ثم خرجت من ~~سجنها مصفرة اليد من كل شيء في العالم، من بيتها وأهلها وكرامتها وشرفها ~~وكل ما تملك يدها، حتى من القوت الذي تقيم به صلبها بياض يومها وسواد ~~ليلها، وكان لا بد لها من المغامرة بنفسها في إحدى الهوتين، إما هوة الموت ~~لترتاح من هموم الحياة وآلامها، أو ms431 هوة الفساد لتنتقم لنفسها من عدوها الذي ~~نكبها وأفسد عليها حياتها، فآثرت الانتقام على الموت؛ لأن نفسها الطاهرة ~~الطيبة قد استحالت إلى نفس شريرة حاقدة لا تريد أن تسمح لعدوها أن يبني ~~سعادته على أنقاض شقائها, وأن يفلت من العقوبة التي هي النتيجة الطبيعية ~~لجميع الذنوب والآثام، وها هي قد انتقمت لنفسها وروحت عنها همومها وآلامها. # فنكس رأسه مليا ثم رفعه وقال: إذا ما أحببتني قط يا "لوسي"؟ قالت: نعم، ~~بل ما اتصلت بك إلا لأسوقك إلى هذا المصير الذي صرت إليه اليوم، أنت الآن ~~متألم جدا، بل لا يوجد في العالم كله ألم مثل الألم الذي يعتلج في أعماق ~~نفسك؛ لأنك فقدت في يوم واحد شرفك وكرامتك ومالك وحريتك وموضوع حبك ووجهة ~~آمالك في حياتك، وهذا ما كنت أريده وأرجوه، وهذه # PageV03P140 # هي الساعة الوحيدة التي شعرت فيها بلذة العيش, وهنائه من بين جميع ساعات ~~حياتي. # فنظر إليها نظرة متضعضعة دامعة وقال: ما كنت لأحفل بخسران شيء في الحياة ~~لو أنني ربحتك يا "لوسي" أما وقد أصبحت يدي صفرا منك فلا خير في العيش من ~~بعدك، ثم تهافت على مقعد بجانبه وانفجر باكيا ما تهدأ دموعه ولا يفتر نشيجه ~~حتى حضر الجند فاعتقلوه وساقوه إلى سجنه, وهو صامت واجم لا يرفع طرفه ولا ~~يلتفت وراءه, و"إيلين" تشيعه بنظرات السرور والاغتباط حتى انقطع أثره. ### | 5- # نعم, إن الانتقام لذيذ جدا كما يقولون، ولكنه اللذة التي يعقبها الندم ~~والأسف وتأتي على أثرها الحسرات والآلام، وما استطاع منتقم قط أن يزن عمله ~~بميزان العدل والحكمة فتهدأ نفسه ويستريح ضميره بعد فراغه من انتقامه كما ~~تهدأ نفس القاضي العادل بعد صدور حكمه بالعقوبة التي يراها، والفرق بينهما ~~أن القاضي يصدر في رأيه عن نفس هادئة مطمئنة مستمسكة قادرة على الروية ~~والأناة والمقارنة والمقابلة والوزن والتقدير، والمنتقم # PageV03P141 # يصدر في عمله عن روح هائجة محتدمة لا هم لها إلا أن تلتهم وتستأصل وتأتي ~~على كل ما تستطيع الإتيان عليه، فهو يقضي قضاءه لا ليعاقب المجرم على ~~جريمته، ms432 ولا ليدفع عن المجتمع شروره وآثامه، بل ليجرح نفسه ويؤلمها وينال ~~منها أقصى ما يرى أنه كاف لشفاء حقده وإطفاء غلته، فيجازي على الشتم ~~بالضرب، وعلى الضرب بالقتل، وعلى القتل بالتشويه والتمثيل، ولا يأبى أن ~~يأخذ البريء بذنب المجرم، والجار بذنب الجار، فالانتقام جريمة كيفما كان ~~الباعث عليه والدافع له، وكل جريمة تترك في نفس صاحبها نصيبا من الألم ~~والحسرة بمقدارها، ما من ذلك بد، ولقد صدق الذي يقول: إن العفو مرارة ساعة ~~ثم السعادة إلى الأبد، وإن الانتقام لذة ساعة ثم الشقاء الدائم الذي لا ~~يفنى. # عادت "إيلين" إلى غرفتها بعد ذهاب "لورين" وكان الليل قد أظلها, فجلست ~~تراجع فهرس حياتها الماضية وتقلب صفحاتها صفحة صفحة, فشعرت بدبيب السآمة ~~والملل في نفسها, وخيل إليها أنها ستعيش بعد اليوم عيشة تافهة مملولة لا ~~طعم لها ولا لذة فيها، ورأت كأن سحابة سوداء من شقاء الحياة وبؤسها تدنو ~~منها شيئا فشيئا، وأخذت تسائل نفسها: هل أصابت فيما فعلت أم أخطأت؟ وهل ~~سعدت بالانتقام أم شقيت؟ وهل كان خيرا لها أن تلقي # PageV03P142 # بنفسها في عباب الماء عندما فكرت في ذلك يوم خروجها من سجنها, أم تعيش ~~لتضحي عرضها وشرفها وكرامتها في سبيل انتقامها؟ وهل خرجت من المعركة التي ~~خاضتها ظافرة تمام الظفر, أم نالها من الخسران فيها ما يذهب ببهاء ذلك ~~الانتصار الذي انتصرته؟ # ولم تزل تسائل نفسها هذه الأسئلة فلا تسمع جوابا يرضيها حتى مضى الليل ~~إلا أقله, فحاولت أن تأوي إلى مضجعها فلم تستطع وأن تسري عن نفسها بعض ~~همومها فأعجزها ما أرادت، فلم تنقض دولة الظلام حتى كانت قد حكمت بنفسها ~~على نفسها أنها مجرمة آثمة، وأنها لم تستفد شيئا من كل ما عملت سوى أنها ~~باعت عرضها بأبخس الأثمان وأدناها، وأنها لم تسئ إلى الرجل الذي أرادت ~~الانتقام منه بقدر ما أساءت إلى نفسها، فعزمت على الالتحاق بأحد المستشفيات ~~الخيرية لتكفر عن ذنبها بخدمة المرضى, ومواساتهم طول حياتها حتى يوافيها ~~أجلها. ### | 6- # دخلت المستشفى وأخلصت إلى الله في عملها, ms433 فسهرت على المرضى وأحسنت ~~مواساتهم وبذلت في ذلك من الجهد ما يعجز # PageV03P143 # غيرها عنه, حتى أصبحت مضرب المثل في صلاحها وتقواها ورحمتها وإحسانها. # وكانت المحكمة قد حكمت على المسيو "لورين" بالسجن عامين, فلقي في سجنه من ~~المتاعب والآلام ما لا طاقة لمثله باحتماله, فسقط مريضا لا يحفل به أحد ولا ~~يواسيه مواس حتى اشتد به المرض وأشرف على الهلاك, فنقلوه إلى المستشفى التي ~~كانت تمرض فيها "إيلين" فعرفته حين رأته رغم تغير صورته واستحالة حالته, ~~فلم تستطع أن تملك عينيها من البكاء ثم حنت عليه وأخذت نفسها بتمريضه ~~والعناية به, وهو ذاهل مستغرق لا يشعر بشيء مما حوله حتى استفاق في بعض ~~الأيام, فرآها واقفة بجانب سريره تمد إليه يدها بالدواء, فظل يحدق النظر في ~~وجهها طويلا حتى عرفها فتناهض من مكانه, وأكب على يدها يقبلها ويسألها ~~العفو عن ذنبه إليها, فازداد نشيجها وبكاؤها وقالت له: إنني أنا التي أسأت ~~إليك وأنا التي أطلب منك العفو والصفح، وكأن حياتها الجديدة التي انتقلت ~~إليها حياة الصلاح والبر قد أنستها حياتها الأولى وأكاذيبها وأباطيلها, فلم ~~يبق في قلبها أثر للبغض ولا للحقد، وأصبحت سريرتها سريرة بيضاء نقية لا ~~تجول فيها غير خواطر الخير والإحسان, ولا تنطوي على غير حب الإنسانية وحب ~~الله. # PageV03P144 # وكذلك ظلت تعالج هذا المسكين بإخلاص لا تضمر مثله الأم لواحدها وتقوم على ~~خدمته ليلها ونهارها, ما تهدأ ولا تفتر, ولكن الداء كان قد تمكن منه فلم ~~يغن عنه العلاج شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى حضره الموت فجلست بجانبه ~~تعزيه وتواسيه وتلقي في نفسه أن الله قد غفر له جميع سيئاته في حياته بما ~~كابد فيها من العلل والأسقام والهموم والآلام، وأن جوار الله في دار جزائه ~~خير له من جوار هذه الحياة الباطلة الفانية, حتى أسلم روحه بين ذراعيها. # وفي صباح اليوم الثاني رآها الناس سائرة بهدوء وسكون في طريق الدير, وقد ~~لبست مسوحها وسوادها وعلقت صليبها على صدرها حتى بلغته, ففتح بين يديها ~~بابه العظيم الذي ms434 لا يخرج منه داخله إلى الأبد فدخلته, وكان ذلك آخر عهدها ~~بالعالم وما فيه. # PageV03P145 ### | الخطبة الصامتة # لما بلغ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير نعي أخيه مصعب بن الزبير أمير ~~العراق, صعد المنبر فجلس عليه ثم سكت فجعل لونه يحمر مرة ويصفر أخرى, فقال ~~رجل من قريش لآخر بجانبه: ما له لا يتكلم, فوالله إنه للخطيب اللبيب؟! فقال ~~له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ذلك عليه, وغير ملوم إن ~~جزع. # ووقف ليلة أمس سعد باشا زغلول في حفلة تأبين أخيه فتحي باشا زغلول وأراد ~~أن يقول كلمة قصيرة يشكر فيها القائمين بتلك الحفلة, فاختنق بالبكاء وارتج ~~عليه وهو الرجل الجلد الشجاع الذي ما جزع في حياته قط, والخطيب المفوه الذي ~~ما ارتج عليه مرة في أصعب المواقف وأحرجها وأذهبها بالعقول والألباب، فما ~~أشبه هذا البطل الباكي بذلك البطل الجازع. # وكذلك عظماء الرجال يضنون بدموعهم على نكبات الدهر وأرزائه أنفة وإباء, ~~حتى إذا نزلت بهم كارثة من الكوارث التي # PageV03P146 # لا أمر فيها إلا لله وحده, لا يستحيون أن يقفوا بين يديه باذلين من ~~شئونهم ما كانوا يضنون به من قبل. # على أن البكاء الذي حال بين سعد باشا وبين كلمته التي أرادها لم يحل بينه ~~وبين أن يكون أفصح القائلين في ذلك الموقف وأنطقهم، فقد خطب الخطباء وأنشد ~~الشعراء من قبله ساعتين كاملتين فكان كل ما كان لكلماتهم من الأثر في ~~النفوس أن كان السامعون يتهامسون فيما بينهم بالإعجاب بفصاحة الفصيح أو ~~نباهة المؤرخ أو بلاغة الشاعر أو إبداع المبدع في معانيه أو إحسان المحسن ~~في إلقائه, حتى وقف هو وأرسل من جفنيه تلك الدمعة الحارة, فبكى الناس جميعا ~~لبكائه؛ كبارا وصغارا, شيوخا وشبانا, وكان مشهدا مؤثرا لم نر مثله في حفلة ~~تأبين قبل اليوم، فكان لتلك الخطبة القصيرة الصامتة المتفجرة من قلب مصدوع ~~مكلوم من الأثر في النفوس ما لم يكن لتلك الخطب الناطقة الطوال. # ليس الذي يبكي صديقا كان يأنس بحديثة, أو عالما كان ينتفع ms435 بعلمه, أو ~~كريما كان يستظل بظلال مروءته وكرمه كمثل الذي يبكي شظية طارت من شظايا ~~قلبه. # PageV03P147 ### | اللفظ والمعنى # لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي أولئك القوم ~~الذين يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلا منهما بصفة تختلف ~~عن صفة الآخر، فيقولون: ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها ساقطة ~~مرذولة، أو ما أبدع معاني هذه القطعة لولا أن أسلوبها قبيح مضطرب، كأنما ~~يخيل إليهم أن اللفظ وعاء, وأن المعنى سائل من السوائل يملأ ذلك الوعاء، ~~فتارة يكون خمرا، وتارة يكون خلا، ويكون حينا صافيا، وأخرى كدرا، والوعاء ~~باق على صورته لا يتغير، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس ~~بشعاعها والخمر بنشوتها، فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس وأقبح ~~شعاعها، ولا ما أعذب الخمرة وأمر نشوتها، كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ ~~بالجمال والمعنى بالقبح، أو نعكس ذلك، فليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ ~~كيان مستقل بنفسه، فجماله جمال معناه وقبحه قبحه، وأن القطع الأدبية التي ~~نصف أسلوبها بالجمال إنما # PageV03P148 # نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن ~~أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معان شريفة عالية كاذبون في ~~زعمهم, أو واهمون. # لا يضطرب اللفظ إلا لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ولا يغمض إلا لأن ~~معناه غامض في نفسه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام، ولا المتأثر عن ~~التأثير، ولا المقتنع عن الإقناع، وما البيان إلا المرآة التي ترتسم فيها ~~صورة النفس، فحيث تكون النفس جميلة فهو جميل، أو قبيحة فهو قبيح، أو مضيئة ~~فهو مضيء، أو مظلمة فهو مظلم، فإذا استطعنا أن نتصور مرآة تكذب في تمثيل ~~الصورة الماثلة أمامها، استطعنا أن نتصور بيانا يختلف في وصفه عن وصف نفس ~~صاحبه. # يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم يعلم الغادي الذي هو ms436 رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح # PageV03P149 # إنها جميلة الأسلوب ولكنها تافهة المعنى مرذولته, لا تشتمل على أكثر من ~~الوصف والتصوير, كأنهم لا يعلمون أن التصوير نفسه من أجمل المعاني وأبدعها، ~~بل هو رأس المعاني وسيدها والغاية الأخيرة منها، وقد رسم الشاعر في كلمته ~~هذه صورة واضحة ناطقة للحجيج في حلهم, ومرتحلهم يسمعها السامع بأذنه وكأنه ~~يراها بعينيه، فقد أتى بأجمل المعاني في أجمل الأساليب. # وإن وصفا قصيرا لحركة صغيرة من حركات النفس كقول الشريف: # وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب # لخير ألف مرة من قصيدة طويلة مملوءة بالمعاني الغريبة والخواطر المبتكرة ~~التي لا تمثل الحقيقة, ولا تلتئم مع النفس ومزاجها كقصيدة المتنبي التي ~~مطلعها: # "أيطمع في الخيمة العذل". # ويقولون أيضا عن هذا البيت: # أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد # إنه قبيح اللفظ ولكنه جميل المعنى، وهم واهمون فيما يقولون؛ فإن ذلك ~~المعنى الجميل الذي يتوهمونه ليس معنى هذا البيت، بل المعنى الذي خطر على ~~أذهانهم وانبعث في أفئدتهم عند سماعه، فألصقوه به إلصاقا وتوهموه له توهما، ~~أما البيت نفسه فلا معنى له # PageV03P150 # مطلقا، وهذا شأن جميع المعاني التي يتوهمها متوهموها عند سماع بيت مستغلق ~~أو كلمة غامضة، فهي بأن تكون معاني السامعين، أولى من أن تكون معاني ~~القائلين. # إذا سمعت بيتا من السعر فأطربك أو أحزنك أو أقنعك أو أرضاك أو هاجك وأنت ~~ساكن، أو هدأ روعك وأنت ثائر، أو ترك أي أثر من الآثار في نفسك كما تترك ~~النغمة الموسيقية أثرها في نفس سامعها، فاعلم أنه من بيوت المعاني، وأن هذا ~~الذي تركه في نفسك من الأثر هو روحه ومعناه، وإن مررت ببيت آخر فاستغلق ~~عليك فهمه وثقل عليك ظله وشعرت بجمود نفسك أمامه, وخيل إليك أنك بين يدي ~~جثة هامدة لا روح فيها, فاعلم أنه لا معنى له ولا حياة فيه، فإن وجدت صاحبه ~~واقفا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة المتكاثفة نورا ~~متوهجا يكمن في ms437 طياتها فكذبه وفر بنفسك وأدبك وذوقك منه فرارا لا عودة لك ~~من بعده. # هذا هو الميزان الذي يجب أن تزن به الكلام، ونصيحتي إليك ألا تصدق تعريفا ~~واحدا من تلك التعريفات المتعددة المتناقضة التي يضعها واضعوها من الأدباء ~~لأشعارهم خاصة لا للشعر عامة، واجعل شعور نفسك هو الميزان الذي تزن به ما ~~تسمع، # PageV03P151 # فكما أنك لا تعتمد على تعريف من تعريفات الجمال ولا تلجأ إلى قانون من ~~قوانينه عند وقوع نظرك على وجه امرأة لمعرفة درجتها من الحسن، كذلك لا ~~تعتمد في استحسان ما تستحسن من الكلام واستهجان ما تستهجن إلا على شعور ~~نفسك, وإلهام حسك. # الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء, ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف وحسن التصوير ~~وتمثيل الحقيقة واستخراج أسرار الكون وتحليل مشاعر النفس وأمثال ذلك من ~~الأغراض والمقاصد على أن تكون تلك النغمة الموسيقية أساسها والروح السارية ~~فيها ليتحقق الفرق بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها ~~وهدوئها وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس برناته ونغماته وأهازيجه ~~ونبراته. # نظم الشعراء الشعر من عهد الجاهلية إلى اليوم فمات جميع ما نظموا, ولم ~~يبق منه إلا البيت الموسيقي الرنان الذي لو لم يغنه مغنيه لغنى وحده، ~~وسيموت شعر جميع الشعراء في هذا العصر ولا يبقى منه في المستقبل إلا كما ~~بقي من الماضي في الحاضر. # PageV03P152 ### | الآداب العامة # يتحدث كثير من الناس عن فئة من المصريين المتعلمين قد ظهروا في هذه ~~الأيام واتخذوا لأنفسهم في حياتهم العامة طريقا غير الطريق اللائقة بهم ~~وبكرامتهم وبمنزلة العلم وشرفه, فأصبحوا متبذلين في شهواتهم، مستهترين في ~~ميولهم، ينتهكون حرمات الأعراض ما شاءوا وشاءت لهم نزعاتهم وأهواؤهم، ~~ويعبثون بها في كل مكان عبث الفاتك الجريء الذي لا يخاف مغبة ولا يخشى ~~عارا، وأهول ما يتحدثون به عنهم في هذا الشأن أنهم يغرون الفتيات الطالبات ~~اللواتي لا يزلن يختلفن إلى مدارسهن أو اللواتي انقطعن عنها منذ عهد قريب ~~إلى منازلهن, وينصبون لهن صنوف الحبائل وأنواع الأشراك لاصطيادهن وإسقاطهن ~~في هوة الإثم والعار، وهذا ما أريد ms438 أن أتكلم عنه قليلا. # أصحيح ما يقولون عنكم أيها الفتيان التعسون, أنكم تتخذون صلة العلم التي ~~هي أشرف الصلات وأكرمها صلة فساد بينكم وبين أولئك الفتيات الضعيفات، وأن ~~الحبالة التي تنصبونها لهن # PageV03P153 # لاصطيادهن إنما هي حبالة القلم الذي هو أفضل أداة للخير, وأعظم وسيلة ~~للفضيلة, وخير واسطة للأدب والكمال؟ # أصحيح ما يقولون عنكم, أنكم تكتبون إليهن ليكتبن إليكم, وتهدون إليهن ~~صوركم ليهدين إليكم مثلها, فإذا امتلأت حقائبكم وجيوبكم بصورهن ورسائلهن ~~أخذتم تنشرونها في كل مكان, وتعرضونها في كل معرض, وأخذ بعضكم يفاخر بعضا ~~بكثرة ما يملك منها أو جماله أو رونقه كما يفخر المرء بأفضل المزايا وأشرف ~~الخصال؟ # أصحيح أنكم تقفون لهن بكل طريق وتأخذون عليهن كل سبيل وتضايقونهن في ~~مغداهن ومراحهن وحيث ذهبن إلى عمل، أو خرجن لزيارة، أو برزن في مجتمع، فإذا ~~عجزتم عنهن في الطريق أرسلتم وراءهن الرسل في منازلهن يخادعنهن ويخاتلنهن، ~~وربما توسلتم إليهن بأخواتكم وبنات أعمامكم ليسفرن بينكم وبينهن ويداخلنهن ~~مداخلة الأصدقاء حتى يجتذبنهن إلى منازلكم؟ # أصحيح أنكم تقضون أكثر لياليكم مكبين على كتابة رسائل الغرام وتهذيبها ~~وتنقيحها, وأكثر أيامكم حوما حول المنازل تنتظرون خدمها الذين اصطنعتموهم ~~لأنفسكم ليحملوا رسائلكم إلى ساكنيها, أو جلوسا على أبوابها بجانب البوابين ~~والحوذيين ترقبون # PageV03P154 # نوافذها وكواها علها تنفرج لكم عمن تحبون؟ # أصحيح أنكم أصبحتم لا تقنعون في أمر أولئك الفتيات البائسات اللواتي يقعن ~~في مخالبكم بإفساد أخلاقهن حتى تسجلوا عليهن ذلك الفساد تسجيلا موقعا عليه ~~بتوقيعاتهن, مستشهدا عليه بصورهن وخطوطهن لتملكوا عليهن أمرهن بعد ذلك, ~~وتحولوا بينهن وبين التفلت من أيديكم والحياة بعيدا عنكم في جو غير جوكم, ~~وجوار غير جواركم, عذارى أو متزوجات؟ # أصحيح أنكم لا تكتفون بإفساد نفوسهن وضمائرهن حتى تفسدوا عليهن عقولهن ~~وصحتهن, فتشركوهن معكم في شرب الخمر وتناول المخدرات سائلها وجامدها, فلا ~~تلبث أن تنتهي حياتهن بما تنتهي به حياة جميع النساء الساقطات اللواتي ~~يلفظن أنفاسهن الأخيرة في أقبية الحانات, أو بين جدران المواخير؟ # أصحيح أنكم فقدتم في تلك السبيل التي تسلكونها خلق الرجولة والشهامة, ms439 ~~فأصبحتم تتجملون للنساء بأخلاق النساء وتزدلفون إليهن بمثل صفاتهن ~~وشمائلهن, وأصبح الرجل منكم لا هم له في حياته إلا أن يتجمل في ملبسه ~~ويتكسر في مشيته ويرقق من صوته ويلون ابتساماته ونظراته بألوان التضعضع ~~والفتور, ويقضي الساعات الطوال أمام مرآته متعهدا شعره # PageV03P155 # بالترجيل وبشرته بالتنضير وثناياه بالصقل والجلاء حتى صار ذلك عادة من ~~عاداتكم التي لا تنفك عنكم, وحتى سرى التأنث من أجسامكم إلى نفوسكم فلم يبق ~~فيكم من صفات الرجولة وأخلاقها غير الأسماء والألقاب؟ # إن كان حقا ما يقولون كله أو بعضه, فرحمة الله عليكم أيها الفتيان ~~المساكين وسلام على الفضيلة والشرف سلام من لا يرجو عودة, ولا ينتظر إيابا. # إن هذه الفتاة التي تحتقرونها اليوم وتزدرونها, وتعبثون ما شئتم بنفسها ~~وضميرها إنما هي في الغد أم أولادكم وعماد منازلكم ومستودع أعراضكم ~~ومروءاتكم، فانظروا كيف يكون شأنكم معها غدا وكيف يكون مستقبل أولادكم على ~~يدها. # أين تجدون الزوجات الصالحات في مستقبل حياتكم إن أنتم أفسدتم الفتيات ~~اليوم؟ وفي أي جو يعيش أولادكم ويستنشقون نسمات الحياة الطاهرة إن أنتم ~~لوثتم الأجواء جميعها وملأتموها سموما وأكدارا؟ # لا تتكون أخلاق الفتاة تكونا صحيحا في طفولتها أو كهولتها أو شيخوختها، ~~بل في عهد شبابها، فإذا سلم لها ذلك العهد سلم لها كل عهد بعد ذلك، فدعوها ~~تجتز هذه المرحلة الوعرة من مراحل # PageV03P156 # حياتها شريفة طاهرة, تجدوا فيها بعد قليل من الزمان خير زوجة للزوج, وخير ~~أم للولد, وخير سيدة للمنزل. # لا تعجلوا عليها, وانتظروا بها قليلا لتستطيعوا أن تجدوها غدا زوجة طاهرة ~~شريفة في منازلكم بدلا من أن تجدوها فتاة ساقطة مزدراة مطرحة على أعتاب ~~المواخير والحانات. # لا تزعموا بعد اليوم أنكم عاجزون عن العثور بزوجات صالحات شريفات يحفظن ~~لكم أعراضكم, ويحرسن سعادتكم وسعادة منازلكم, فتلك جناية أنفسكم عليكم، ~~وثمرة ما غرست أيديكم، ولو أنكم حفظتم لهن ماضيهن لحفظن لكم حاضركم ~~ومستقبلكم، ولكنكم أفسدتموهن وقتلتم نفوسهن، ففقدتموهن عند حاجتكم إليهن. # إنني لا أفزع في أمركم إلى القانون؛ فالقانون في هذا البلد مدني لا ms440 أدبي، ~~ولا إلى الحكومة؛ فالحكومة مشغولة بشأن نفسها عن شأن غيرها، ولا إلى الدين ~~فقد ضعف شأنه في نفوسكم حتى هان أمره عليكم، ولا إلى آبائكم وأولياء ~~أموركم؛ فقد عجزوا عنكم وأصبحوا يبكون مع الباكين عليكم، بل أفزع في أمركم ~~إلى ضمائركم التي هي الأمل الباقي لنا بعد فقد جميع آمالنا فيكم، فأصغوا ~~إلى صوتها ساعة تسمعوا منها هذا الرجاء الذي نرفعه إليكم، # PageV03P157 # وصوت الضمير أقوى من كل صوت في العالم. # أصغوا إليه تسمعوه يقول لكم: "إن هؤلاء الفتيات اللواتي لا تستحيون أن ~~تمدوا إليهن أعينكم وأيديكم إنما هن أخواتكم الحميمات يجمعكم وإياهن أب ~~واحد وهو النيل, وأم واحدة وهي البلد، وشرف الإخوة هو الملجأ الأمين لأعراض ~~الأخوات". # يجب أن ينفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن ينفتح لزوجها؛ لتستطيع أن ~~تعيش معه سعيدة هانئة لا ينغصها ذكرى الماضي, ولا تختلط في مخيلتها الصور ~~والألوان, ولا أعرف فتاة في هذا البلد بدأت حياتها بغرام قط, فاستطاعت أن ~~تتمتع بعده بحب شريف. # ولا أزال أذكر حتى اليوم حادثة ذلك الفتى الذي أهدت إليه حبيبته رسمها ~~موقعا عليه بتوقيعها, فلما تزوجت وكان لا يحب منها ذلك أراد الانتقام منها ~~فقطع رأس الصورة ووضعها على جسم عار بتلك الطريقة الفنية المعروفة ثم ~~أرسلها مع كتاب وشاية إلى زوجها ليلة عرسها, فما لبثت أن خسرت في لحظة ~~واحدة سمعتها وسعادتها. # وحدثني من أثق به أن كثيرا من الفتيات الفاسدات لا يتزوجن إلا بعد أن ~~يأخذن على أنفسهن عهدا أمام أصدقائهن على # PageV03P158 # أن يكن لهم بعد الزواج، أي: بعد أن يصبحن مطلقات من قيود العذرة ~~وروابطها، وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة من رجل إلا وردت عليه ليلة ~~البناء بها أو صبيحتها كتب الوشاية بها والسعاية من الأشخاص الذين أحبتهم, ~~وأخلصت إليهم, فانتهى أمرها في حياتها الجديدة بالشقاء والعار. # نحن في حاجة إلى أن نعلم بناتنا؛ لأننا لا نريد أن يعشن جاهلات متأخرات، ~~فتنحوا عن طريقهن أيها الغواة المفسدون ليستطعن أن يختلفن إلى مدارسهن ms441 ~~آمنات مطمئنات على أنفسهن وأعراضهن، ولا تزعجوهن بفضولكم وإسفافكم؛ فإننا ~~لم نبعث بهن في تلك السبيل ليفسدن شرفهن وعفتهن، بل ليضفن إلى فضيلة الأدب ~~والكمال فضيلة العقل والعلم. # أفسحوا الطريق لهن وللعاملة الخارجة في طلب رزقها، والأرملة المسترزقة ~~لبنيها، والفقيرة العاجزة عن قضاء حاجتها إلا بنفسها، والذاهبة لصلة رحمها، ~~والسائرة لزيارة قبر فقيدها، ولا تكونوا حجر عثرة في سبيل حرية المرأة ~~وعملها واضطرابها في مذاهب الأرض سعيا وراء رزقها وقضاء حقوقها، فإن أبيتم ~~عليها ذلك فاعترفوا أنكم أعداؤها الألداء المتوحشون؛ لأنكم تأبون # PageV03P159 # عليها إلا إحدى الخطتين القاتلتين؛ إما الجهل الدائم أو السقوط العظيم. # الفضيلة الفضيلة أيها القوم! فهي العزاء الوحيد لهذه الأمة المسكينة عن ~~جميع آلامها ومصائبها، والأمل الباقي لها إن ضاعت -لا قدر الله- جميع ~~آمالها وأمانيها، والشرف الشرف! فربما جاء يوم لا يبقى لنا فيه شيء سواه. # PageV03P160 ### | المؤتمر الإسلامي # سرني منظر ذلك الرجل1 العظيم والداعي الكريم وهو قادم إلى مصر يتخطى ~~البلدان ويطوي الغبراء طي الكواكب الخضراء، يقوده الأمل ويسوقه الرجاء، ~~وبين جنبيه همة عالية ونفس كبيرة وقلب مشيع وفؤاد في الأفئدة كالنسر في ~~الطير، يحلق في جو الإسلام تحليق من يحاول أن يظلله بجناحيه. # سرني منظره -وإن لم أره- وهو قائم بين جماعة المسلمين يحاول أن يرأب ~~صدعهم، ويلم شعثهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويدعو إلى الله تعالى ~~دعوة النبوة الأولى، إلا أن تلك عربية تدعو الأعجمية، وهذه أعجمية تدعو ~~العربية الفصحى. # هنا ذكرت الإسلام ومجده، والإسلام وجنده، والإسلام ودولته، والإسلام ~~وصولته، وذكرت أبا بكر وهو يقاتل أهل PageV03P161 # الردة ويقول: والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه، وذكرت عمر وهو ~~واقف في مرابض المدينة في حمارة القيظ يستقبل شبحا أسود يرفعه الآل ويخفضه، ~~ويبديه الأديم ويخفيه، حتى اقترب منه فتبينه, فإذا هو أعرابي قادم من سواد ~~العراق, فجعل يسايره وهو راجل والأعرابي راكب لا يعرفه، وجعل يسأله ما فعل ~~الله بسعد وجنده؟ فيحدثه القادم عن فتح القادسية والمدائن، وما أفاء الله ~~به على المسلمين من عرش كسرى وذخائره ms442 وتراث مرازبته ودهاقينه، وعمره لاه عن ~~نفسه سرورا بما سمع, وفرحا بما تم. # وذكرت صلاح الدين وهو يقود الجحفل اللجب، والجيش العرمرم، إلى حيث يستنقذ ~~الثغور ويستخلص الأمصار، ويخوض جمرة الحرب المتأججة ليفتدي بنفسه أجساما إن ~~لم تلتهمها النيران فكأن قد، وذكرت محمدا الفاتح وهو يلعب بكرة الأرض لعب ~~الصبي بكرته، ويخترق بسفائن البحر رمال القفر، حتى نزل بالقسطنطينية نزول ~~القضاء من السماء، وسجد في معبد آيا صوفيا سجدة الشكر لله على نعمته وحسن ~~توفيقه، وذكرت صقر قريش وقد طار بمفرده من الشرق إلى الغرب، فأنشأ وحده ~~دولة خضعت لها إفريقيا وبعض أوروبا، وذكرت مع أبطال # PageV03P162 # الحرب أبطال السلم، فذكرت عمر بن عبد العزيز وعدله، والمأمون وفضله، ~~والغزالي وحكمته، وابن رشد وفلسفته، ومعاوية وسياسته، وعبد الملك وكياسته، ~~وذكرت مدارس بغداد وبخارى والإسكندرية والقاهرة وغرناطة وإشبيلية وقرطبة، ~~وذكرت مترجمي كتب أقليدس وبطليموس وأرسطو، وواضعي علوم الجبر والمقابلة ~~والكيمياء، وذكرت مخترعي البندول والبوصلة "بيت الإبرة" والساعة الدقاقة ~~التي أهداها الرشيد إلى شارلكان ملك فرنسا, ففزع منها سامعوها فزعا شديدا ~~وسموها شيطانا رجيما أو آلة سحرية أو مكيدة عربية، إلى كثير من أمثال هذه ~~الآثار العربية والمفاخر الإسلامية. # ثم ذكرت الإسلام إذ ضربه الدهر بضرباته ورماه بنكباته فأصبح أثرا من ~~الآثار، أو خبرا من الأخبار، وعليلا حار فيه أطباؤه، ومله عواده، وظل ~~متراوحا بين داهيتين، ومترجحا بين غايتين، إما أن يموت موتة أبدية وبالله ~~العياذ، أو يحيا حياة مادية لا حياة أدبية، وينهض جامعة تجارية لا جامعة ~~إسلامية، ما دامت المادة قاعدة الحكومات، وما دامت الحكومات عدوة الأديان، ~~وما دامت الأديان لا تبلغ غايتها إلا في فضاء من الحرية لا يبلغ البصر ~~أطرافه؛ لذلك أحزنني عند سماع خطبة الخطيب # PageV03P163 # ما يحزن الأشيب من ذكرى الشباب إذا عثر بين أوراقه البالية على رسائل ~~الحب وأناشيد الغرام، وأمضني ما يمض العاشق المفارق، إذا مر بالآثار، ~~وأطلال الديار، فرأى النؤي والأحجار، وموقد النار، ومجال الخيول، ومجر ~~الذيول، فذكر ما كان ناسيا، وهاج من وجده ما كان ms443 كامنا، فبكى واستعبر: # وود بجدع الأنف لو عاد عهدها ... وعاد له فيها مصيف ومربع # PageV03P164 ### | الجاهليتان # ليست الجاهلية الأولى بأحوج إلى الإصلاح الديني من الجاهلية الأخرى، بل ~~ربما كانت هذه أحوج من تلك إليه. # كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتقربها إلى الله زلفى، وجاهليتنا ~~تعبد الأحجار والأشجار، والأحياء والأموات، والأبواب والكوى، والقواعد ~~والأعمدة، تبركا أو تقربا، لفظان مترادفان، مختلفان لفظا، متفقان معنى، ومن ~~ظن غير ذلك فقد خدع نفسه. # كانت الجاهلية الأولى متفرقة قبائل وشعوبا، وجاهليتنا متفرقة منازل ~~وبيوتا، بل آحادا وأفرادا، فلا تراحم ولا تواصل، ولا تعارف ولا تعاطف، حتى ~~بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه. # كانت جاهليتهم تسفك الدماء في طلاب الأوتار، وجاهليتنا تسفكها في سبيل ~~السرقات وقضاء الشهوات، وكان أفظع ما في جرائمهم وأد البنات، فصار أخف ما ~~في جرائمنا الانتحار، وكان بعضهم يبغي على بعض بسرقة ماله، أو استياق ~~ماشيته، ففعلنا مثل ما فعلوا وفوق ما فعلوا، ثم فضلناهم بعد ذلك بتزوير ~~الأوراق # PageV03P165 # وتحريف الصكوك وتقليد الأختام والبراعة في النصب والاحتيال، يكاد يستوي ~~في ذلك العالم والجاهل والشريف الهاشمي والفلاح القروي. # وليتنا إذ أخذنا جاهليتهم أخذناها كما هي رذائل وفضائل فيهون على ~~المصلحين أمرها, ولكنا أسأنا الاختيار، فلنا خرافاتهم الدينية وأدواؤهم ~~الاجتماعية، وليس لنا كرمهم ووفاؤهم، وغيرتهم وحميتهم، وعزتهم ومنعتهم، ~~فكيف لا يكون الأمر خطيرا، وكيف لا تكون الجاهلية الأخرى أحوج إلى دعوة ~~كدعوة النبوة من الجاهلية الأولى. # نبئني عن الإسلام أين مستقره ومكانه، وأين مسلكه ومضطربه، وفي أي موطن من ~~المواطن حل ومعهد من المعاهد نزل، أفي الحانات والمواخير التي يغص بها ~~الفضاء، وتئن منها الأرض والسماء، والتي ينتهك فيها المسلمون حرمات دينهم ~~بلا خجل ولا حياء، كأنما هم يشربون الماء الزلال، ويغشون البضع الحلال، ~~ولقد هان عليهم أمر أنفسهم حتى لو وجدوا بينهم من يرى البقيا في عمله أو ~~التجمل في أمره سموه جبانا جامدا، أو متكلفا باردا، كل ذلك على مرأى ومسمع ~~من الحكومة الإسلامية والمعاهد الدينية والقضاءين الشرعي والنظامي؟ # PageV03P166 # أم في حوانيت الباعة حيث ms444 الغش الفاضح والغبن الفاحش، مزخرفا بالأقوال ~~الكاذبة، والأيمان الباطلة؟ # أم في مجالس الأحكام حيث للدينار الأحمر السلطان الأكبر على سلطان العدل ~~وسلطان الذمة وسلطان الشرائع، اللهم إلا ما كان من تلك الألواح المكتوب ~~فيها: "العدل أساس الملك" أو {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} ؟ # أم في المساجد حيث يعتقد المصلون أنه لو كانت الفترة بين الصلاتين مائة ~~عام وكانت تلك الأعوام مملوءة بالآثام والجرائم، والمفاسد والمظالم، لكفت ~~تلك الحركات التي يسمونها صلوات، ويحسبونها حسنات، لغفران تلك السيئات؟ # أم في معاهد الدين حيث يتلقى المتعلمون الدين جسما بلا روح، وعلما بلا ~~عمل، كأنما يتلهون بدراسة إحدى الشرائع الداثرة، أو أحد الأديان الغابرة، ~~وحيث يتلقون كشكولا عجيبا وخلقا غريبا من الأكاذيب والترهات، فلا تكاد تسمع ~~من أفواههم إلا حديثا موضوعا، أو قولا مصنوعا، أو خرافة تاريخية، أو بدعة ~~دينية، وحيث يقضون حياتهم في المناظرات والمجادلات، والتحاسد والتباغض، ~~والتقاطع والتدابر، وهي بعينها الأخلاق والرذائل التي ما جاءت الأديان إلا ~~لمحاربتها والقضاء عليها، فهم يهدمون من حيث # PageV03P167 # يظنون أنهم يبنون، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ # أم في مجالس المتصوفة حيث الألعاب الجمبازية، والحركات البهلوانية، ~~والسرقات باسم العادات، وانتهاك الحرمات بعنوان البركات؟ # إن أراد المصلحون لأنفسهم نجاحا, وللإسلام صلاحا فليبدءوا عملهم بتهذيب ~~العقائد الدينية وتربية النشء الحديث تربية إسلامية لا تربية مادية، أي: ~~إنهم يدخلون إلى الإصلاح من باب الدين لا من باب الفلسفة، حتى يجمعوا ~~للمسلمين بين صلاح حالهم ومآلهم، ودنياهم وآخرتهم، وحتى يكون الدين هو ~~الزاجر والمؤدب، والمعلم والمهذب، والإسلام وإن كان دين العقل والفطرة ~~والتهذيب والإصلاح إلا أن الخطر كل الخطر على المسلمين أن يكون في نظرهم ~~تابعا للعقل, وأن يكون العقل هو الحكم بينهم وبينه، والخير كل الخير في أن ~~يكون الدين حاكما، والعقل مفسرا ومبينا، فإذا تم ذلك للمصلحين بالرفق ~~والأناة، والحكمة والسياسة، فقد تم لهم كل شيء، وتم للمسلمين ما يريدونه من ~~الجامعتين الدينية والسياسية، كما تم لهم ذلك في العهد الأول من هذا الباب ~~نفسه وفي هذا ms445 الطريق المستقيم، فهل يستطيع # PageV03P168 # دعاة الإصلاح في الجاهلية الأخرى أن يكونوا كدعاته في الجاهلية الأولى؟ ~~وهل يستطيعون أن يخلصوا لله في عملهم جادين مثابرين, لا تأخذهم فيه هوادة ~~ولا عنه سنة, وأن لا يرى أحدهم لنفسه على أخيه فضلا إلا بالإيمان والتقوى, ~~وأن يرى كل منهم نفسه بمنزلة المجاهد في سبيل الله يتحمل الأذى ويستسهل ~~الوعر ويحتمل الكريهة لا يجعل لليأس إلى قلبه سبيلا, ولا للهوان على نفسه ~~سلطانا؟ # هل يستطيع المصلحون أن يكونوا كذلك ليصلحوا في الآخرين ما أصلح المصلحون ~~في الأولين؟ # "لست أدري, ولا المنجم يدري". # لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل # PageV03P169 ### | في أكواخ الفقراء # مترجمة # مضى الليل إلا قليلا والظلام مخيم على الكون بأجمعه والكواكب ملتفعة ~~بأردية السحب ما يستشف منها الناظر بصيصا ولا قبسا، والفضاء بحر خضم مترامي ~~الأرجاء إلا أنه ساكن الصفحة، جامد الحركة، يقصر فيه قاب العين، وتضل في ~~تيهه أشعة النظر حتى عن نفسها، والغيوث منهلة متواصلة تهمي بقوة واحدة ~~وقوام واحد، لا تغزر ولا ترق، ولا تلتف خيوطها ولا تختلف نغمتها، كأنما هي ~~شباك, ممتدة بين السماء والأرض، وكوخ السماك "فيليب" جاثم في مجثمه بين ~~الأكواخ المحيطة به لا يرى فيه الداخل غير مصباح ضئيل تجاهد ذبالته جهادا ~~شديدا في تمزيق قطع الظلام المتكاثفة حولها، ومجمرة هامدة قد خبت نارها إلا ~~بقايا جمرات شاحبات قد التفت بأكفانها البيضاء، وأخذت طريقها في مدرجة ~~الفناء، وقد يرى # PageV03P170 # الناظر على ضوء ذلك المصباح الضئيل بضع شباك ومذاود معلقة بالجدران كأنها ~~الأشباح الماثلة، ومنضدة عارية قد نشرت فوقها بضعة أوان نحاسية تلمع لمعانا ~~ضعيفا في ذلك الحندس كأنها عيون الجنادب، فإذا دار الواقف بنظره حوله رأى ~~حشية مطرحة على الأرض قد اضطجع فوقها ثلاثة أطفال متلاصقين آخذ بعضهم ~~بأعناق بعض كما تتآخذ الأفراخ في أعشاشها، وكما يضم الخوف الضلوع إلى ~~الضلوع، وعلى مقربة من فراشهم امرأة صفراء شاحبة جاثية على ركبتيها تصلي ~~وتبتهل وتدعو الله تعالى بصوت خافت متهافت أن يرد ms446 لها زوجها سالما وكان قد ~~خرج كعادته لصيد السمك من البحر, فلم يعد حتى الساعة. # وإنها لكذلك إذ هبت الزوبعة هبوبا عظيما, فاهتزت لها جوانب الكوخ اهتزازا ~~شديدا وأن لوقعها الأطفال في لفائف أغطيتهم فطار قلبها فزعا ورعبا، وخيل ~~إليها أن هدير الأمواج ودمدمة الرعود وزفيف الرياح وقعقعة السقوف والجدران ~~إنما هي نذر السوء تنذرها بمصير زوجها المسكين في أعماق ذلك الأوقياس ~~العظيم، فظلت تردد بينها وبين نفسها: رب إني بائسة مسكينة لا سند لي ولا ~~عضد، وإن هؤلاء الأطفال الصغار عاجزون لا يستطيعون أن يقوتوا أنفسهم, ولا ~~أن يعتمدوا على # PageV03P171 # حولهم وحيلتهم في شئون حياتهم، فاحفظ لي ولهم حياة ذلك الرجل المسكين ~~الذي أسلم أمره إليك، وأودع حياته بين يديك، وخرج في طلب الرزق من عندك ~~ليعود به على هذه الأسرة الفقيرة المعدمة, فلم يعد حتى الساعة، ولا ندري ما ~~فعلت به يد الأقدار. # ما أعظم بؤسنا وشقاءنا نساء الصيادين وأولادهم! # إنهم يتركوننا وحدنا في هذه الأكواخ الموحشة ويذهبون لطلب العيش في ذلك ~~التيه العظيم الذي لا نهاية لعمقه ولا حد لاتساعه ولا عاصم من مخاطره، ~~ويحاولون انتزاع رزقهم من بين ماضغي تلك الأمواج الموثبة الفاغرة أفواهها ~~كالذئاب الجائعة تحاول التهام كل ما يدنو منها، ولعل القدر الذي نخشاه ~~عليهم في هذه الساعة قد نزل بهم فلم تغن عنهم شيئا تلك الألواح الخشبية ~~الرقيقة التي يسمونها زوارق، ولعلهم لبثوا ساعات طوالا يصارعون الأمواج ~~وتصارعهم حتى غلبتهم على أمرهم فداروا بأعينهم من حولهم ليفتشوا عن زوارقهم ~~المنقلبة فلم يروا منها إلا بقاياها المتطايرة في أيدي الرياح, فحاولوا أن ~~يسبحوا إليها فأفلتت من أيديهم, فنال منهم العياء فهووا إلى ذلك القاع ~~العميق ليصبحوا فيه طعاما للأسماك التي كانوا يظنون منذ ساعة أنها ستصبح ~~طعاما لهم، # PageV03P172 # هنالك يأتينا نعيهم فنبكي ونندب ونهرع إلى الشاطئ والهين مدلهين, ونقف ~~أمام ذلك العالم المجهول الغامض صائحين أن رد إلينا أيها الوحش المفترس ~~بعولتنا وأولادنا وأفلاذ أكبادنا, أو تكشف عن نفسك قليلا علنا نرى جثثهم في ms447 ~~قاعك، فلا نسمع ملبيا ولا مجيبا. # وهنا هدأت الزوبعة قليلا وخفتت أصوات الرياح, فسكن بعض ما بها ونهضت من ~~مكانها فتناولت المصباح, وفتحت باب الكوخ وقلبت وجهها في أفق السماء لترى ~~كم بقي بينها وبين الصباح، وكان الظلام لم يزل حالكا والمطر لم يزل متدفعا, ~~فمدت يدها بالمصباح أمامها لترى هل من مقبل يتقدم أو شبح يتحرك, فلم يقع ~~نوره إلا على كوخ بعيد منفرد لا نور فيه ولا حركة, فتذكرت حينما وقع عليه ~~نظرها أنه كوخ تلك الأرملة المسكينة "جانت" التي مات زوجها غريقا منذ بضعة ~~شهور وخلف لها أطفالا صغارا تقاسي الآلام الشداد والأهوال العظام في تدبير ~~عيشهم وتقويم أودهم، فمر بخاطرها أن تزورها وتتعرف حالها؛ لأنها كانت تعلم ~~أنها مريضة مدنفة, وأنها كابدت ليلة أمس من دائها عناء عظيما، وأقرب ما ~~تكون النفوس إلى النفوس إذا جمعتها في صعيد واحد هموم الحياة وآلامها، ~~فأخذت طريقها # PageV03P173 # إلى ذلك الكوخ حتى بلغته, فوقفت على بابه وقرعته مرارا كثيرة فلم يرد ~~عليها أحد, فدفعته ففتح فدخلت رافعة مصباحها بيدها فأنار لها ما حولها, ~~فرأت بين يديها للنظرة الأولى ما أرعد فرائصها, واستوقف دقات قلبها, وأمسك ~~الدم عن جريانه في عروقها. # رأت الكوخ يهتز ويضطرب في أيدي الرياح المتناوحة, ورأت مياه الأمطار تسيل ~~من سقفه الواهي الأخرق فتبلل كل شيء فيه، ورأت فراشا قذرا من القش قد رقدت ~~فوقه الأرملة "جانت" رقدة ساكنة جامدة لا حس فيها ولا حركة، فدنت منها فإذا ~~هي ميتة، وإذا قطرات من الماء تنحدر على جبينها ورأسها وغطائها البالي ~~الممزق، فوقفت أمام هذا المنظر المخيف المرعب ذاهلة مشدوهة, ثم صاحت: # هذه نهاية الفقراء على ظهر الأرض، وهذا مصيرهم الذي يصيرون إليه بعد ~~جهادهم في سبيل الحياة زمنا طويلا. # إنهم يعيشون في هذا العالم مجهولين مغمورين لا يعرفهم أحد, ثم يخرجون منه ~~متسللين متلاوذين لا يشعر بخروجهم أحد حتى أهلوهم وذوو أرحامهم. # ما يدريني أن لا يكون مصيري ومصير أولادي غدا هذا المصير الذي أراه الآن، ~~وقد ms448 لا تدخل علينا في تلك الساعة # PageV03P174 # جارة مثلي ترانا, وترثي لحالنا كما أرثي الآن لحال هؤلاء المساكين. # ثم خلعت رداءها فأسبلته على جثة الميتة ودارت بمصباحها في أنحاء الغرفة, ~~فرأت طفليها الصغيرين نائمين على فراشهما وجها لوجه, وعلى ثغر كل منهما ~~ابتسامة صغيرة كأن شبح الموت الهائم حول مضجعهما لا يخيفهما ولا يزعج ~~سكونهما, ورأت رداء أمهما وكانت تعرفه قبل اليوم مسبلا على جسمهما, فخيل ~~إليها أنها ترى منظر تلك المرأة المسكينة قبل ساعة أو ساعتين وهي تعالج في ~~فراشها سكرات الموت ثم تلتفت من حين إلى حين إلى طفليها النائمين, والمطر ~~يتساقط عليهما والبرد يعبث بأعضائهما فتشفق عليهما وترثي لهما حتى ضاقت بها ~~ساحة الصبر, فخلعت عنها رداءها وهي أحوج ما تكون إليه وألقته عليهما, ثم ~~ألقت بنفسها على فراشها وأسلمت روحها. # وقفت ماري أمام هذه المناظر المؤلمة والريح تئن أنين الوالهين المتسلبين ~~والموج يعج عجيج أجراس الموت وقطرات الماء تنحدر من جبين الميتة إلى خديها ~~الشاحبين كأنما هي تذرف دموع الحزن على فراق ولديها، وكان الفجر قد أخذ ~~يمسح عن وجهه صبغة الظلام ويرسل بعض أشعته في جوانب الكوخ, فأطفأت المصباح ~~الذي بيدها ووضعته جانبا, ثم جثت بجانب الميتة وصلت # PageV03P175 # لها ما شاء الله أن تفعل, ثم نهضت ومشت إلى مكان الطفلين وانحنت عليهما ~~وحملتهما برفق وسكون وسارت بهما حتى بلغت كوخها, فوضعتهما بجانب طفليها ~~وأسبلت عليهم جميعا رداء واحدا. # ثم جلست بجانبهم تقول بينها وبين نفسها: لا أدري أأصبت فيما فعلت أم ~~أخطأت؟ وإنما أدري أن المرأة التي أودع الله قلبها شعور الأمومة ورحمتها لا ~~تستطيع أن ترى طفلين طريحين على فراشهما في كوخ عار من كل شيء إلا من جثة ~~أمهما ثم تتركهما وشأنهما دون أن تعلم ما مصيرهما بعد ذلك. # إن المنظر الذي رأيته ما كان لا يسمح لي بالتفكير في نتيجة العمل الذي ~~أعمله، فإن تبين لي بعد ذلك أني مخطئة، فليس معنى هذا أني كنت أستطيع تجنب ~~الوقوع في هذا الخطأ؛ لأن قلبي ms449 من لحم ودم لا من فولاذ وصوان. # نعم, إن زوجي فقير وإن طفلي معدمان لا يكادان يشبعان من الخبز, وإن ~~عناءنا في تربية أربعة أطفال سيكون ضعف عنائنا في تربية طفلين، ولكن لا ~~يجوز لنا ضنا براحة أنفسنا أن نترك طفلين صغيرين يموتان على مرأى منا, ~~ومسمع بردا وجوعا. # ذلك ما سأقوله لزوجي عند رجوعه، وما أحسبه قاسيا ولا متوحشا فينقم علي ~~فعلتي هذه ويأمرني بإلقائهما خارج الباب. # PageV03P176 # ثم وقفت عن الكلام فجأة؛ لأنها سمعت صرير الباب وهو يدور على عقبه ~~فارتعدت ثم علمت أنها الريح, فأطرقت برأسها ساعة ذهبت فيها بتصوراتها ~~وأفكارها كل مذهب, فبكت وضحكت، وغضبت ورضيت، وأملت ويئست، ورحمت وقست، ~~وحمدت فعلتها وندمت عليها, وأحسنت الظن بزوجها وأساءته به، وظل فؤادها نهبا ~~مقسما في يد الهموم والأفكار حتى شعرت بسواد يتقدم نحوها فاستطير قلبها ~~خوفا ورعبا وانتبهت, فإذا زوجها داخل يحمل شبكته وأعواده على ظهره والماء ~~يقطر منها, فنهضت إليه وعانقته ثم ألقت نظرها على وجهه فأنكرت شحوبه ~~وتضعضعه كما أنكر ذلك من وجهها حين رآها, وسألته: كيف كان حظه الليلة؟ ~~وماذا كان شأنه مع العاصفة؟ فألقى بشباكه وقصبه على الأرض وظل يقول: أما ~~الليلة فكانت مزعجة جدا لم أر في حياتي مثلها، وأما الصيد فها هي يدي صفر ~~منه كما ترين، ولولا رحمة الله بي وبكم لهلكت، وما أنا بآسف على شيء ما دمت ~~أراكم بخير، كيف حال الولدين؟ فارتعشت وقالت: هما بخير، قال: ما لي أراك ~~شاحبة صفراء؟ وكيف قضيت ليلتك؟ فأطرقت برأسها وقالت: قضيتها في خياطة ~~قميصين للولدين، وكنت كلما سمعت # PageV03P177 # صوت العاصفة وهدير الأمواج خفت عليك، أما الآن فقد زال كل شيء والحمد ~~لله، ثم نظرت إليه وبين شفتيها كلمة تحاول أن تنطق بها فلا تستطيع، ثم ~~استنصرت جلدها وقوتها وقالت: وشيء آخر أحزنني جدا، قال: وما هو؟ قالت: قد ~~علمت الساعة قبل رجوعك بقليل أن جارتنا "جانت" توفيت, وأن ولديها الصغيرين ~~قد أصبحا وحيدين في هذا العالم, لا عائل لهما. # فاضطرب عند ms450 سماع هذه الكلمة ونهض من مكانه وتمشى قليلا, ثم ألقى بقبعته ~~المبللة بالماء على سريره وظل يعبث بشعر رأسه فيشده أحيانا, ويمسحه أخرى ~~وهي تتبعه بنظراتها لتقرأ صورة نفسه على وجهه، ثم جلس على المنضدة الممتدة ~~في وسط الكوخ وظل يقول بينه وبين نفسه بصوت ضعيف متهدج: # رب, إني وإن كنت رجلا جاهلا فدما وليس في استطاعتي أن أفهم حكمتك في ~~حرمان هذين الولدين البائسين من أمهما, إلا أنني لا أستطيع أن أنكر ~~وجودهما، ولعل الذين يعلمون أكثر مما أعلم يفهمون من شئونك وتصرفاتك أكثر ~~مما أفهم. # نعم, إنني فقير مسكين, أعيش تحت رحمة المصادفات والاتفاقات, وربما مر علي ~~وعلى أولادي عدة أيام لا نجد # PageV03P178 # فيها ما نأتدم به, ولكن ماذا أصنع وقلبي يتألم لحال هذين اليتيمين ~~الصغيرين أكثر مما يتألم من الجوع والسغب؟ # ثم التفت إلى زوجته, وقال لها: إنني متألم جدا يا مدلين, ويخيل إلي أن ~~روح تلك المرأة المسكينة واقفة الآن أمام هذا الباب تقرعه وتضرع إلينا أن ~~نأخذ ولديها إلينا, ونكفلهما من بعدها، ولكن كيف العمل يا إلهي؟ # فقالت: إني أكاد أسمع هذا الصوت الذي تسمعه يا فيليب, وإن ألمي عظيم ~~كألمك. # فصمت هنيهة ثم انتفض انتفاضة شديدة ودنا منها وقال لها: ألم يمت لنا ~~طفلان في العامين الماضيين يا مدلين؟ قالت: بلى، قال: ماذا كنا نصنع لو ~~أنهما بقيا حيين حتى اليوم؟ قالت: لا شيء سوى أننا نفزع إلى الله في ~~أمرهما، قال: فلنفزع إلى الله في أمر هذين الطفلين اليتيمين وكأن ولدينا ~~بقيا حيين حتى اليوم، أو كأنهما بعثا من قبرهما بعد موتهما. # اذهبي إليهما يا مدلين وأحضريهما؛ فربما استيقظا بعد هنيهة من نومهما ~~فرأيا منظر أمهما الميتة في فراشها, فماتا خوفا ورعبا. # اذهبي إليهما واحمليهما برفق وهدوء دون أن توقظيهما # PageV03P179 # وأضجعيهما على فراش ولدينا, فسيكون منظرهم جميعا غريبا جدا حينما ~~يستيقظون من نومهم وينظر بعضهم في وجوه بعض، وحرام علي النبيذ واللحم بعد ~~اليوم حتى أستطيع أن أقوم بنفقة هذه الأسرة الكبيرة التي ms451 أصبحت سيدها ~~وعائلها، اذهبي يا مادلين وثقي أن الله سيملأ علينا بيتنا خبزا وفحما ببركة ~~هؤلاء الأطفال الطاهرين. # فتهلل وجهها بشرا وسرورا, ونهضت من مكانها ومشت إلى مضجع الأطفال فرفعت ~~عنهم الغطاء, ونظرت إلى زوجها صامتة لا تقول شيئا, فما وقع نظر "فيليب" على ~~هذا المنظر الغريب حتى استطير فرحا وسرورا, وهرع إلى زوجته واحتضنها إلى ~~صدره وقال لها: ما أشرف قلبك يا مادلين! # "يا سكان القصور" # ليتكم من سكان الأكواخ؛ لتستطيعوا أن تكونوا من المحسنين. # PageV03P180 ### | الشيخ محمد عبده بين العلماء # ما قام عظيم من العظماء في أمة جاهلة متأخرة يحاول إصلاح ما فسد من أمرها ~~وعلاج ما عضل من دائها والأخذ بضبعيها والإنافة بها على اليفاع والنهوض بها ~~من أرض الجمود والموت إلى سماء الحركة والحياة إلا انقسم أفرادها في شأنه ~~قسمين ضرورة انقسامهم إلى أغبياء وأذكياء؛ ففريق وهو الأكثر عددا وجهلا ~~والأقل إدراكا وفهما أطفأ الله نور عقله وأقام بين بصيرته وبين الحق حجابا ~~كثيفا من الجهل والجمود يعترض نفاذها ويسد سبيلها, فلا يزال نائما فوق ~~قديمه نوم الشحيح على ماله كلما سمع نأمة غريبة وأحس نبأة لم يعرفها من قبل ~~فزع قلبه وطار لبه وصاح صياح الممرور المختبل "قديمي قديمي" فلا يزال قديمه ~~هذا قيدا في رجليه يمنعهما من الحركة والانطلاق, وسدا في أذنيه يحجب عنهما ~~نداء الحق وغشاوة في عينيه لا يرى من دونها غير الظلام المتكاثف # PageV03P181 # وسلاحا في يديه يحارب به ذلك المصلح الذي يريد به خيرا مما يريد بنفسه, ~~وأنى له بعد أن نال منه قديمه ما نال أن يرى ويسمع فيعلم ما هذا الذي يدعى ~~إليه أخير هو أم شر، وفريق آخر وهو الأقل عددا والأوفر ذكاء وعقلا يدعى إلى ~~الحق فيجيب ويقاد إلى الخير فيتبع, لم تفسده عصبية ولم تقعد به هجمية ولم ~~تضق به بصيرته أن يتبين عند بزوغ فجر الدعوة بياض الحق من سواد الباطل، ~~أولئك هم أعوان المصلح وأنصاره لا يزال الحرب سجالا بينهم وبين أعدائه, حتى ~~يصنع الله ms452 لهم فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. # وعظيم الأمة الإسلامية ومصلحها اليوم هو سيد العلماء وواحد الأتقياء ~~الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وما من الله على هذه الأمة ~~في كثير من قرونها الماضية كما من عليها به اليوم ولا ابتلي عظيم من ~~العظماء في أمته كما ابتلي في هذه الأمة هذا الرجل العظيم الذي نظر إليها ~~نظر الطبيب الحاذق إلى عليله، فرأى بعد ما بين سابقها ولاحقها وانقطاع ما ~~بين حاضرها وماضيها, فعلم أن داءها داء دوي وبلاءها بلاء عظيم, ورأى أجزاء ~~جسمها تتحلل إلى ذرات ثم تتلاشى, ورأى صفرة الموت تجول في وجهها وأغربة ~~الفناء تحلق فوق رأسها # PageV03P182 # وقد أوشكت أن تملأ الفضاء نعيبا، فلم يكد يملك نفسه من البكاء على أمة ~~ضربها الدهر بضرباته, ورماها وهي محلقة في سماء عزها ومجدها بسهم نفذ ما ~~بين جنبيها فهوت من مدار الأجرام إلى مقر الرغام، تشكو فلا تجد مشتكى، ~~وتستغيث فلا ترى مغيثا ولا معينا، فراعه من أمرها ما راعه وكاد ينقطع خيط ~~الرجاء في قلبه لولا أن وهبه الله نفسا قوية وعزيمة ثابتة وجنانا لا تحوم ~~حوله الأوهام ولا تأخذ منه نكبات الأيام، وأودع ما بين جنبيه قلبا مصوغا من ~~الشفقة والرحمة، فنظر في حال هذه الأمة البائسة نظر العاقل البصير وتلمس ~~موضع دائها وسبب سقوطها, فوجد أن داء أدوائها وعلة عللها إغفالها أمر دينها ~~الذي عرفه سابقوها وعلقوا بحبله فكان سر ارتقائهم وتقدمهم وعلوهم فوق علياء ~~الأكاسرة والقياصرة وامتداد فتوحاتهم في قليل من السنين إلى ما لم تمتد ~~إليه يد من قبل، وأهملته هي فودعها مجدها وفارقها عزها ووصلت إلى حيث تضرب ~~بذلتها الأمثال وحيث أصبحت أكلة الآكلين، ونهبة الطامعين، وعلم -حفظه الله- ~~أنه إن صلح لها دينها صلح لها كل شيء من آخرتها وأولاها, فأخذ نفسه بالدعوة ~~إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة, مخلصا لله في عمله مستعينا بحوله ~~وقوته مصدقا وعده في قوله سبحانه وتعالى: # PageV03P183 # {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقوله تعالى: {إن ms453 تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم} . # هذا هو الشيخ محمد عبده وهذه هي مقاصده ومذاهبه, فما الذي تنقمون منه ~~أيها العلماء الأعلام كما يلقبكم غوغاؤكم أو كما تلقبون أنفسكم؟ وما هذه ~~الضجة التي سددتم بها منافذ الفضاء؟ وما هذه الثائرة التي طمستم بها وجه ~~السماء؟ وما هذه النار التي تتأجج في صدوركم من البغضاء؟ ومتى كان عهدكم ~~بلعن فرعون وهامان فتلعنوا رجلا هو أصدقكم إيمانا وأثبتكم يقينا وأكرمكم ~~خلقا وأعلاكم همة وأشرفكم نفسا وأعفكم لسانا ويدا وخيركم لنفسه وللناس؟ ~~أنسيتم يوم "هانوتو" يوم وقف أمامه وقوف الشجاع المستبسل يذود عن دينه ~~ودينكم ويناضل دونه حتى قهر قرينه وأطفأ فتنة كادت تحترق في نار شبهاتها ~~ألوف من المسلمين وأنتم صامتون مستسلمون لا تحيرون جوابا؟ أنسيتم كتابه ~~الإسلام والنصرانية الذي انتصف به للإسلام من أعدائه فرضي به الله ~~والمسلمون، وخرست به ألسنة الجاحدين المتخرصين؟ أنسيتم رسالة التوحيد التي ~~أظهر فيها الدين الحنيفي جوهرا خالصا ممحصا من شوائب البدع والخرافات التي ~~شوهتم بها وجهه أنتم وأمثالكم فلما رآها مسيحي أوروبي قال: "إن كان الإسلام ~~كما وصفه الشيخ # PageV03P184 # محمد عبده في رسالته, فأنا مسلم منذ اليوم لولا أني أخاف أن يكون الرجل ~~قد خدعنا ببلاغته" فقد عرف المسيحي الأعجمي من شأن الرسالة ما لم تعرفوا، ~~وأدرك من فضل صاحبها ما لم تدركوا، ومن قابل بين هذه القصة وقصة رسالة الرد ~~على هانوتو يوم ذهب ناشرها بنسخ منها ليقدمها إلى مشيخة الأزهر, فأبت ~~قبولها بحجة أن كاتبها قد أثم باهتمامه بشأن الرد على رجل من القوم ~~الكافرين رأى منظرا عجيبا ونادرة من أغرب النوادر ما رأى قبلها الراءون ولا ~~سجل مثلها في تواريخ الماضين، أنسيتم مقامه فيكم سنين عدة يعلمكم أخلاق ~~العلماء وما يجب عليهم في عفة أيديهم وطهارة أنفسهم والعلو بأنفسهم عن ~~مواطن الذل والضيم والنبو بها عن مظان الشبه والريب ويرشدكم كيف تؤدون ~~وظيفتكم التي عهد الله بها إليكم والتي هي أوسع ميدانا وأفسح مجالا من ~~جلستكم جلسة الذليل الضارع وراء أعمدتكم الحجرية, تختلفون ms454 إليها صباح مساء ~~حتى تموتوا فتموت معكم آثاركم وأعمالكم, فلا أنتم في دنياكم تذكرون, ولا ~~أنتم في أخراكم تؤجرون، ولو أراد الله بكم خيرا لوفقكم إلى اتباع سبيله ~~والاهتداء بهديه والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه, فهي ملاك السعادة ومناط ~~العزة وملتقى # PageV03P185 # خيري الدنيا والدين، ولكنها الأقدار يسعد بها أقوام ويشقى بها آخرون, ~~{ومن يضلل الله فما له من هاد} . # إنكم والله ما تنقمون منه زيغا في عقيدة ولا سعيا في فساد كما تزعمون, ~~ولا يعنيكم حرم الربا أم حل, ثبتت الشفاعة أم لم تثبت, قام الدين أم قعد, ~~فنحن أدرى منكم بكم وأعلم بمنزلة الدين والفضيلة من نفوسكم وإنما عز عليكم ~~أن تروا بجانبكم رجلا نبت في تربتكم ودرج من عشكم واستقى من وردكم الذي منه ~~استقيتم ثم ما لبثت الأيام أن دارت دورتها, فإذا هو شمس تتلألأ في سماء ~~المجد والشرف بما وهبه الله من علم واسع وبصيرة نافذة تكاد تخترق حجب الغيب ~~ونفس سماوية محصتها الفضيلة فلم تعلق بها الرذائل, ولا طارت حوله المفاسد ~~والأطماع, وذكر بعيد تردده الأقطار وتتهاداه الأمصار، وجلال تطأطئ له ~~الهامات وتغضي من مهابته الأبصار، وحب مبرح تنعقد عليه قلوب الملايين من ~~المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا أنتم لا تزالون في أرض خمولكم ~~لاصقين بها لصوق الجسد بصدوركم، فثقل جواره عليكم، وألهب منظره نار الغل ~~والحقد في أفئدتكم، حتى لوددتم لو افتديتم أنفسكم من جواره بجوار مالك في ~~الجحيم, وقد فعلتم. # PageV03P186 ### | عواطف البنين # أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الإنسان الذي يغضب الغضب كله إذا أحس أن ~~مخادعا يخدعه في شأن من شئونه, وهو يخدع نفسه بنفسه في جميع ساعاته ~~ولحظاته. # حضرت تمثيل رواية عواطف البنين في دار التمثيل العربي, وعرفت أن الشيخ ~~سلامة ليس هو الكونت دي موراي وأن الممثلة "ميليا" ليست الكونتس زوجته, ~~وأنها لم تطرد من منزلها ولم تتهم في عرضها ولم يمر بخاطرها الحزن على هجر ~~زوجها أو فراق ابنتها، وعرفت أن الممثلة "متيل" ليست قتاتهما، وأن الهم لم ~~يقسم ms455 فؤادها شطرين شطرا لأبيها وشطرا لأمها, ولكنني خدعت نفسي ورثيت لمصاب ~~تلك الأسرة الكريمة وحزنت لحزنها حزنا لم أملك معه دموعي التي طالما غلبتها ~~في أحرج المواقف على أمرها, حتى غلبتني في أهون المواقف على أمري. # إن نفسي أعز علي من كل شيء في هذه الحياة، فهيهات أن أخدعها أو أصور لها ~~من الوهم شبحا يحزنها أو خيالا يبكيها، # PageV03P187 # وإنما خدعني هؤلاء الممثلون البارعون, فقد طاروا بي في فضاء الخيال وما ~~زالوا يأخذون على نظري حتى محوا صورهم الحقيقية من ذاكرتي, فلم أر أمامي ~~غير زوج حزين وزوجة مظلومة وفتاة تبكي على أبويها بكاء الحزين إثر الحزين. # الممثل البارع هو الذي يستطيع أن يتجرد من نفسه, وأن يتقمص شخصا غير شخصه ~~حتى يكاد ينكره عارفوه، وكذلك كان شأن هؤلاء الممثلين في رواية عواطف ~~البنين، فقد أجاد كل منهم تمثيل دوره المحزن المؤثر وبلغ من الإحسان الغاية ~~التي لا غاية وراءها، حتى رأيت العيون شاخصة والأنفاس معلقة والدموع مرسلة, ~~وحتى خيل إلي أني أسمع خفقان القلوب بين الجوانح. # أما الرواية فإنها تشتمل على عبر كثيرة, أذكر منها ما يأتي: ### | 1- # لا يستطيع أن يبلغ الإنسان منزلة الوفاء إلا إذا لقي في هذا السبيل شقاء ~~كثيرا, وعذابا أليما. ### | 2- # المرائي يبني بيته على شفير هار, فلا يكون بينه وبين الانهيار إلا أن تهب ~~عليه بعض العواصف المجتاحة. ### | 3- # إن الذي يلد ولدا في غير مهده يجني عليه جناية كبرى؛ لأنه يرمي به في بحر ~~زاخر لا يقوى على السباحة فيه, ولا يرى حوله من يمد له يدا لنجاته, أو يسوق ~~إليه # PageV03P188 # زورقا لخلاصه؛ لأنه لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، فهو إما أن يعيش طريد ~~الهلاك، أو يموت فريسة الأسماك. ### | 4- # لو علمت المرأة أن ساعات السرور التي تقضيها مع عشيقها ستنقلب في مستقبل ~~الأيام أعوام حزن عليها وعلى عشيرتها, لما سئمت الوحدة في مضجعها, ولا ~~استوحشت لانفرادها في غرفتها, ولا لذ لها أن تطلب هذا الإنس الكاذب والسرور ~~الموهوم. # هذه عبرة الرواية, وهذا مبلغ تأثيرها ms456 في النفوس، فشكرا للكاتب ما كتب ~~وللمعرب ما عرب وللممثل ما مثل. # PageV03P189 ### | الرشوة # كان المرحوم الشيخ محمد عبده يقرأ في مسجد الأزهر درسا عنوانه التفسير, ~~وحقيقته البحث في كل ما يتعلق بالمرء في حياتيه الآخرة والأولى، فكان الرجل ~~في ذلك الدرس مفسرا للقرآن وراويا للحديث ومعلما وواعظا, بل كان كل ما ~~يستطيع امرؤ أن يكون. # ولقد حدثنا فيما كان يرويه لنا في دروسه من وقائعه ومشاهده أنه ركب ~~القطار في إحدى لياليه كعادته إلى بلدته "عين شمس" فلم يستقر به المقام في ~~مجلسه من القطار حتى وقف أمامه شيخ معمم ملتح فسأله ماذا يريد فقال له: أنا ~~يا سيدي من طلاب الامتحان في الأزهر وقد جئتك أطلب إليك أن تساعدني عليه، ~~قال: إن كنت تريد أن أساعدك بمنع الظلم عنك فاعلم أني لا أترك يدا تمتد ~~إليك بظلم، قال: يا سيدي, أنا رجل فقير وإنك لن تجد أحدا هو أحق بالإحسان ~~مني، قال: لو كنت طالب إحسان لما منعتك شيئا مما أقدر عليه, ولكنك على ما ~~أظن # PageV03P190 # تريد مني أمرا جللا ليس في استطاعتي أن أمنحك إياه, ولو استطعت ما تركت ~~أحدا يمكنك منه، إنك تريد أن أكون شاهد زور في قضيتك هذه وما كانت شهادة ~~الزور في وجه من وجوهها حسنة من الحسنات، إن في الأزهر خمسمائة طالب مثلك ~~يتقدمون للامتحان، فإن منحتك الشهادة من دونهم فأين العدل، وإن منحتكم ~~جميعا فأين الامتحان. # وما وصل الشيخ من حديثه إلى هذا الحد حتى وصل القطار إلى المحطة, فنزل ~~وترك الرجل مكانه فما مشى إلا قليلا حتى شعر بمشيته وراءه, فالتفت إليه ~~وقال له: إنك قد فهمت كل ما يمكنني أن أقوله لك وكفى، فاقترب منه وقال له: ~~إن معي هدية يا سيدى أريد أن أقدمها إليك وأن تتفضل بقبولها، ففهم الشيخ ~~غرضه وأراد العبث به فقال: كم تريد أن تعطيني؟ قال: ثلاثين جنيها، قال: ذلك ~~قليل، قال: سأعطيك ثلاثين أخرى عن صاحب لي يريد منك ما أريده, ورجاؤنا إليك ~~يا ms457 مولاي ألا تقسو علينا؛ فنحن قوم فقراء وأنت من القوم المحسنين، وهنا غضب ~~الشيخ غضبته المعروفة ونظر إلى الرجل شزرا وقال: يا شيخ إنني إن احتملت منك ~~كل شيء, فإنني لا أستطيع أن أحتمل من طالب من طلبة الشريعة الإسلامية أن ~~يسمي الرشوة وفساد الذمة إحسانا وكرما، ثم حمل عليه بعصاه وضربه # PageV03P191 # ضربة ولى من بعدها على عقبه إلى حيث لا مطمع في أوبته. # قص علينا الشيخ -رحمه الله- هذه القصة في درسه, ولم يذكر لنا من شأن ~~الرجل ولا من صفاته ما يدل عليه، ثم أطرق برأسه واستمر على ذلك ساعة خيل ~~لنا فيها أنه يكاتمنا دمعة تترقرق في عينيه, ثم رفع رأسه وأنشأ يتكلم بنغمة ~~محزنة مؤثرة ما تركت في مكامن المحاجر دمعة إلا أسالتها وقال: # لقد خضت غمرات هذه الحياة وما بلغت العشرين, وها أنا قد نيفت اليوم على ~~الخمسين ولا أعلم أني طمعت في يوم من أيام حياتي في شيء مما زواه الله عني, ~~كما لا أعلم أني نظرت إلى زخرف هذه الحياة وزبرجها نظر المتشهي المتمني ~~الذي يشتد في أثرها عدوا ويقتل نفسه وراءها صبرا، ولقد مرت بي في كثير من ~~أيامي الماضية ساعات كان لي فيها من الدالة على أصحاب هذا المصر وأربابه ~~وذوي الجاه والسلطان فيه ما يملأ بيتي فضة وذهبا, ورحابي عبيدا وخولا لو ~~ابتغيت السبيل إلى ذلك، فعافت كل ذلك نفسي ولا أكتمكم أني كنت أعالج من ~~مجاهدة هذه الشهوات ومدافعتها ما يجب أن يعالجه كل من نشأ منشئي بين قوم ~~شرهين طامعين، وكنت أحسب أن قد انتشر لي بين الناس من الذكر بالعفة والشرف ~~وإباء النفس ما يثلج به صدري # PageV03P192 # وتطمئن إليه نفسي، فلما رأيت من حال هذا الرجل أمس ما رأيت علمت أنه لا ~~يزال يوجد في الناس من يظن بي ظن السوء, ويتوهم أني من سفلة الناس وجهلائهم ~~الذين لا يطلبون الوظائف إلا ليرتشوا, ولا يرتشون إلا ليظلموا. # لقد مرت على هذه القصة سنون عدة, والله يعلم أني أصبحت ms458 لا أسمع بواقعة من ~~وقائع الرشا التي اسودت بها رقعة الارض, واحمر لها وجه السماء إلا ذكرتها ~~فأجم وجوم الحزين المتألم, وأتماسك تماسك المتجلد المتثبت إبقاء على مدامعي ~~أن يستثيرها الحزن فيرسلها, ولله الأمر من قبل ومن بعد. # PageV03P193 ### | القضية المصرية من مايو 1921 إلى مارس سنة 1922 ### | العاصفة # ... # القضية المصرية: من مايو سنة 1921 إلى مارس سنة 1922 # العاصفة: # إن قلبي يرتعد خوفا وفرقا، أسمع قعقعة في جوف السماء فهل هي نذير العاصفة ~~التي يريد الله أن يرسلها علينا؟ أرى الوجوه شاحبة والعيون حائرة والجباه ~~عابسة, فهل شعر الناس بويل مقبل انقبضت له صدورهم, واقشعرت له جلودهم؟ # ما هذا المنظر المرعب المخيف؟ ما هذه الضوضاء المرتفعة بالمجادلات ~~والمناقشات في المجتمعات العامة والخاصة؟ ومن هم هؤلاء الذين يتصارعون ~~ويتجاذبون ويبغي بعضهم على بعض؟ إن كانوا مصريين فويل لمصر وأهلها ومستقبل ~~الحياة فيها بعد اليوم، كذلك كان شأن الأمم البائدة في أدوار سقوطها ~~واضمحلالها, وفي ساعة وقوفها على حافة الهوة العميقة. # لقد ظننت في ساعة من ساعات حياتي أنني قد أمنت على مصر أبد الدهر, وكان ~~قلبي يستطير فرحا وسرورا كلما سمعت تلك "الجوقة" الموسيقية الجميلة تتغنى ~~في أرجائها بنغمة واحدة وتوقيع واحد، وكنت أصغي إليها بسرور واغتباط إصغاء ~~العاشق الولهان إلى تغريد الحمائم المترنمة فوق أفنانها، ثم ما لبثت أن ~~شعرت # PageV03P196 # أن النغمة قد اختلفت، والتوقيع قد اضطرب، فذعرت وارتعبت ورفعت رأسي فإذا ~~أنا في "بيزنطية" وإذا الناس جميعا في كنيسة أيا صوفيا يتناقشون ويتجادلون ~~جدالا شديدا في مسألة الطبيعة والطبيعتين, وأبواب المدينة تقعقع تحت ضربات ~~معاول العدو, فلا يسمعون لها صوتا. # كنا جميعا وكان الشمل منتظما، وكان كل ما يعزينا عن بؤسنا وشقائنا منظر ~~تلك الوحدة الجميلة التي كنا نشرف على روضتها الزاهرة الغناء من نوافذ ~~سجننا فتهون علينا همومنا وآلامنا، ولم يكن منظر في العالم أجمل ولا أبدع ~~من منظر تلك الدموع الرقراقة التي كانت تتلألأ في عيوننا جميعا؛ لأنها كانت ~~في الحقيقة دموع السرور والاغتباط باتحادنا واتفاقنا, ووحدة ms459 كلمتنا وقوة ~~جامعتنا. # لا تزال العاصفة تدوي وتعصف، ولا يزال البناء يضطرب ويهتز، فليت شعري هل ~~يتماسك ويعود إلى سكونه واستقراره؟ أم قدر له السقوط كما قدر لأمثاله من ~~البنى في عهود التاريخ الغابرة؟ # ها هو ذا سعد يمسك البناء بيده أن يتداعى ويتهدم, ولكنه قد تعب جدا ونال ~~منه الجهد والنصب لأن الحمل ثقيل, ولأن الهادمين من خصومه المصريين معتزون ~~بالقوة الخارجية وقوتهم لا تفنى، فهل تستطيع الأمة أن تمد يدها إليه وتعينه ~~على عمله الشاق؟ # PageV03P197 # هنالك قوتان هائلتان جدا؛ قوة العدو الخارج مستترة، وقوة العدو الداخل ~~ظاهرة، وهما تعملان معا بنظام واحد وفكرة واحدة لغرض واحد، هو أن تسلمنا ~~أخراهما لأولاهما، فلنتقدم نحوهما بقوة أعظم من قوتهما شأنا وأكبر خطرا وهي ~~قوة العقيدة الراسخة والإيمان الثابت والثقة بالنفس والأمل الواسع والثبات ~~على المبدأ نظفر بهما ونقض عليهما, فلا يبقي لهما عين ولا أثر. # إن الساسة الإنجليز يريدون أن يمزقوا شمل وحدتنا الوطنية التي بذلنا في ~~سبيلها الشيء الكثير من ذات أنفسنا, وذات أيدينا ليستثمروا شقاءنا وآلامنا, ~~فهل نسمح لهم بذلك؟! # لا، فقد أصبحت الأمة غير الأمة والعقول غير العقول والأفهام غير الأفهام، ~~وليست هذه النهضة التي نهضناها اليوم ترديدا لأصوات القائلين، أو تقليدا ~~لحركات الناهضين، أو فصلا تمثيليا، أو لعبة بهلوانية، وإنما هي عقيدة راسخة ~~في النفس رسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، فليطلبوا لهم مرتزقا غير هذا ~~المرتزق، في سوق غير هذه السوق، فما نحن بسلع تباع وتشرى، ولا بمأدبة عامة ~~يهوي إليها الغادون والرائحون. # إننا لم نجاهد يوم جاهدنا من أجلهم، بل من أجل وطننا، ولم نغنم في ~~معاركنا التي أدرناها هذه الوحدة الشريفة لنضعها يوم # PageV03P198 # نظفر بها في أيديهم يمزقون شملها, ويشوهون صورتها, ويلعبون بها لعب ~~الصوالج بالأكر. # محال أن نسمح لهم بها طائعين مختارين، فهي حياتنا وروحنا وأثمن ما تملك ~~أيدينا وخير ما استفدنا من جهادنا، بل كل ما استفدناه منه, وسنذود عنها ذود ~~الأم الرءوم عن واحدها، والعذراء العفيفة عن عرضها، وسنبذل في سبيل ms460 ~~استبقائها في أيدينا فوق ما بذلنا في سبيل الحصول عليها. # ليس من السهل علينا ولا مما تحتمله أطواقنا أن يتحدث الناس عنا -وقد ~~بدءوا يتحدثون- أن تلك النهضة التي نهضناها إنما كانت رواية تمثيلية، خلبنا ~~بها عقول المتفرجين ساعة من الزمان، حتى إذا نزل الستار عليها إذا الوجوه ~~الوجوه والصور الصور، وإذا الداء القديم والمرض العضال. # إن الشرق لم يشق بالجهل ولا بالضعف كما يقولون، فلطالما عاش الضعفاء ~~والجهلاء أحرارا مستقلين بفضل اتحادهم وقوة جامعتهم، بل لأنه يوجد في كل ~~شعب من شعوبه أقوام أمثال هؤلاء الأقوام الذين ابتلينا بهم في مصر, خبثاء ~~الأغراض والمقاصد موتى العواطف والمشاعر، لا يتألمون إلا لأنفسهم، ولا ~~يبكون إلا على نقص في أموالهم وثمراتهم. # PageV03P199 # والشعب المصري أول شعب شرقي نهض نهضة سياسية في هذا العصر ثم مشت الشعوب ~~الشرقية بعد ذلك على أثره، فيجب أن يكون أول شعب يعرف كيف يمحق الدسيسة ~~الكامنة بين أحشائه لتتعلم منه الشعوب الأخرى كيف تمحق الدسائس الكامنة بين ~~أحشائها فيعود بالفخرين، ويلبس التاجين. # إنا لا نريد أن نحارب المنشقين والخارجين، فالقوة التي لا قبل لنا بها من ~~ورائهم تحميهم، ولا أن نجادلهم، فإن لهم تحت جلدة وجوههم ذخيرة من السماجة ~~والصفاقة كافية لإنكار أن الأرض أرض والسماء سماء, وأن هناك فرقا بين لون ~~الليل ولون النهار، بل نريد أن نقي أنفسنا شر دسائسهم ومكائدهم ولا سبيل ~~لنا إلى ذلك إلا إذا أعرضنا عنهم وصنا أنظارنا عن رؤية وجوههم، وأسماعنا عن ~~سماع أصواتهم، كما يتعوذ المتعوذ من الشيطان الرجيم، فإن فعلنا فقد انتصرنا ~~انتصارا عظيما لم نوفق إلى مثله في جميع أدوار تاريخنا من عهد "سيزستريس" ~~حتى اليوم، وإلا فما خلق الله في العالم خلقا أهون على الله, وعلى الناس ~~منا. # PageV03P200 ### | حكم القوة # اكتبوا يا أنصار سعد عرائض الثقة به عشرات ومئات وألوفا وعشرات الألوف, ~~فإن ذلك لا يجديكم نفعا ولا يغني عنكم شيئا؛ لأن القوة أصدرت حكمها بأنكم ~~من أنصار الحكومة وأوليائها. ألفوا الوفود العظيمة من جميع مدنكم وقراكم ms461 ~~وعزبكم وكفوركم حتى يبلغ مجموع عددها ثلاثة عشر مليونا وتسعمائة وتسعة ~~وتسعين ألفا, فأنتم جميعا حمقى لا قيمة لكم، ولا عبرة برأيكم، ولا يوجد ~~فيكم عاقل ولا رشيد غير تلك الألف الواحدة التي تخلفت عنكم، وانفصلت عن ~~صفوفكم. # املئوا الأرض صراخا وعويلا بالشكوى من الافتيات عليكم في أمركم الخاص بكم ~~وبمستقبل حياتكم وحياة أولادكم وأحفادكم, فإن رجلا فضوليا من رجالكم لا شأن ~~له ولا قيمة هو الذي عبث بعقولكم وأغراكم بهذا السخط والغضب والصراخ ~~والعويل، ولو أنه ترككم وشأنكم لاستحال بكاؤكم ضحكا وابتهاجا، وخوفكم ~~وقلقكم سكونا وارتياحا، ولأسلمتم بلدكم إلى أعدائكم راضين مغتبطين. # PageV03P201 # اجمعوا جموعكم الهائلة في أي مكان تريدون, واهتفوا بجميع ما يمر بخواطركم ~~من أمانيكم الوطنية ورغباتكم القومية حتى تبح أصواتكم, وتنشق حلوقكم فأنتم ~~في نظر الساسة الإنجليز لصوص مجرمون ما خرجتم مخرجكم هذا إلا لسرقة ~~الحوانيت ونقب الجدران واختطاف الأمتعة من أيدي المارة وتكدير صفاء الناس ~~والإخلال بالأمن العام. # لا تتركوا وسيلة من الوسائل تعلمون أنها تعبر عن مشاعركم وخوالج نفوسكم ~~إلا واتخذوها وتذرعوا بها, فهي جميعها مظاهر كاذبة ومناظر تمثيلية؛ لأن ~~القوة قد حكمت بذلك، وحكم القوة هو الحكم العادل الشريف الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # هذا هو ما يجري الآن في جو مصر، وهذا ما سيجري في جوها غدا ما بقيت ~~الوزارة في مركزها, أو خلفتها وزارة مثلها. # اقتطعت السياسة الإنجليزية قطعة صغيرة من الضعفاء عن الوفد والأمة وسمتها ~~"الأمة" بعد أن عجزت عن ذلك عامين كاملين، فهي تتعهدها بالعناية والرعاية ~~وتحوطها بالصور والتهاويل تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها, وتصقل في كل يوم ~~صفحتها وتجلوها ليكون لها بريق يخطف الأبصار ويختلب الأنظار, تفعل # PageV03P202 # ذلك كله لتتخذها تكأة تتكئ عليها في الثقة بالمفاوضين الرسميين اليوم ~~والتصديق على المعاهدة المنتظرة غدا، وما هي إلا رواية واحدة تعرض فصولها ~~على مسرح التمثيل فصلا فصلا, حتى ينزل الستار على الفصل الأخير منها. # أما الأمة نفسها فهي في نظر الصحف الإنجليزية أقلية ضعيفة جدا أو مجموعة ms462 ~~خاملة بلهاء لا عقل لها ولا فكر، فإن نطقت فنطقها مصطنع، وإن بكت فبكاؤها ~~مكذوب، وإن احتجت فاحتجاجها عصيان، وإن صاحت فصياحها ثورة، وإن صمتت فصمتها ~~تسليم وإذعان، وإن رفضت أن توقع على صك شقائها فلا قيمة لرفضها أو قبولها؛ ~~لأن الأمة شيء سواها. # آه ماذا نعمل، لقد بحت أصواتنا وحفيت أقدامنا ونضبت محابرنا وجفت أقلامنا ~~في سبيل الشكوى من هذا الحال, فلم نجد راحما ولا معينا حتى من أبناء وطننا ~~الذين يفهمون لغتنا ويدركون شعورنا ويحسنون قراءة البؤس والألم المسطور على ~~جباهنا، كأن العالم كله ألب علينا وكأن قد سدت من دوننا أبواب السماء فلا ~~تصعد شكوى, ولا ينفذ دعاء. # ولقد كنا نستطيع أن نحمل أنفسنا على الرضا بما قدره الله لنا في مستقبل ~~حياتنا لو أن ذلك الذي يراد بنا لا يجري # PageV03P203 # باسمنا ولا يطبع بطابعنا, فتستمر حجتنا قائمة ما دامت الأرض أرضنا ~~والسماء سماء، ولكن من لنا بالراحة وهدوء النفس واستقرارها, وها هي وفود ~~الثقة بالحكومة تفد إليها من جميع أنحاء البلاد، وها هي عرائض تأييدها ~~ونصرها تملأ دفاترها وسجلاتها, ولا يعلم غيرنا طريقة التوقيع عليها. # وعدتنا الوزارة بالنزول على رأينا في مبدأ تأليفها فلم تفعل، فاقترحنا ~~عليها إشراك وفدنا معنا في العمل فاعتذرت، فطلبنا منها التخلي عن مركزها ~~فأبت، فسألناها عقد الجمعية الوطنية لأخذ رأيها في اختيار المفاوضين ~~الرسميين فامتنعت، فسألناها أن تذهب للمفاوضة باسمها لا باسمنا وألا تجعل ~~ثقتنا بها أساس مفاوضتها فرفضت. # لقد سدت السبل علينا جميعها، وانقطع الرجاء بنا، ولم يبق بين أيدينا إلا ~~رجاء واحد هو أن نمد يد الضراعة إلى إخواننا الخارجين علينا من أعضاء الوفد ~~وغيرهم, قائلين لهم: الرحمة الرحمة أيها الأصدقاء بأنفسكم وبأمتكم, فنحن ~~جميعا أبناء وطن واحد, تقلنا أرض واحدة وتظلنا سماء واحدة, فعودوا إلى ~~صفوفنا وضعوا أيديكم في أيدينا, فلا سبيل لعدونا أن ينال منا قلامة ظفر إن ~~أنتم عدتم إلينا، ولا يوجد # PageV03P204 # شيء في العالم كله يحول بينه وبين إهلاكنا جميعا إن بقيتم خارجين علينا. # تعالوا ms463 إلينا لنسعد معا إن قدرت لنا السعادة في مستقبل حياتنا أو نشقى ~~معا إن كانت الأخرى، بل لنعيش سعداء في كلتا الحالتين، فلا سعادة في الدنيا ~~غير سعادة الحب والسلام، ولا شقاء غير شقاء الانقسام والانشقاق. # إننا لا نتهمكم بخيانة ولا ممالأة؛ لأن الدم المصري لا يحمل بين كراته ~~كرة اللؤم والغدر, ولكنا نعتقد أنكم مخدوعون وأنكم ما أتيتم من ناحية ~~الخيانة والممالأة بل من ناحية السذاجة والبساطة وضعف القلب وغرارة النفس ~~والثقة العمياء بوعود أولئك القوم الذين ما صدقوا في وعد من وعودهم مرة ~~واحدة، ولا عجزوا عن أن يجدوا من يصدقهم في كل مرة يكذبون فيها، فالوعود ~~سلعتهم التي يتجرون فيها، والخلف ربحهم الذي يربحونه منها. # ولو أنكم روأتم في الأمر قليلا ونظرتم إلى المسألة بعيونكم لا بعيونهم, ~~لعلمتم أن لا استقلال هناك ولا شبه استقلال ولا شيء مما يعدوننا به ~~ويمنوننا، وكل ما في الأمر أنهم يريدون وضع الحماية الرومانية موضع الحماية ~~الإنجليزية، وهي التي كان يبسطها الرومان # PageV03P205 # في تاريخهم القديم على الأمم الضعيفة باسم المحالفة والمعاهدة، أي: إنهم ~~يريدون أن نصدق لهم على الحماية التي بسطوها علينا في سنة 1914 بعد أن ~~عجزوا عن ذلك سبعة أعوام، ونحن لا نريد أن يكون حظنا معهم حظ ذلك الرجل ~~الذي انتزع منه بعض المغتصبين آنية فضية فذهب إليه ليستردها منه, وهدده ~~برفع أمره إلى الشرطة إن لم يفعل، فقال له: لا أعطيك إياها حتى تكتب لي صكا ~~بأن الآنية هدية منك إلي حتى آمن غدرك بي فيما بعد، فكتب له الصك الذي أراد ~~وأعطاه إياه، فاحتفظ بالصك ولم يعطه الآنية. # تعالوا أيها الأصدقاء إلى صفوفنا, ولا تصدقوا أن أعداءنا يعطوننا متفرقين ~~ما يعطوننا مجتمعين، فإن كان لا بد لنا من أن نستمر في مفاوضتهم وكان قد ~~بقي لنا شيء من الأمل فيهم فلنذهب إليهم جميعا صفا واحدا تحت قيادة قائد ~~واحد نلقي إليه قيادنا، ونمنحه نصرنا وتأييدنا، فإن نجحنا فذاك، وإلا ~~فحسبنا من الفخر والشرف أننا أول أمة ms464 شرقية قد نجت من حبائل المستعمرين, ~~ومكائدهم. # سيكتب التاريخ صفحاته غدا, والتاريخ لا يجامل ولا يحابي ولا يقبل هوادة ~~ولا عذرا, ولا يصدق كلمة واحدة من هذه # PageV03P206 # الكلمات التي تعتذرون بها اليوم عن أنفسكم، ولا يستطيع أن يكتب إلا أن ~~الأمة المصرية كانت يدا واحدة وقوة واحدة، ولم يكن بينها وبين نجاحها في ~~قضيتها إلا أيام قلائل فخرجتم من صفوفها فانتقض عليها أمرها وأفلت النصر من ~~يدها، فاحذروا أن يكتب التاريخ عنكم هذه الكلمة المخزية، واتقوا يوما يفتح ~~فيه أولادكم وأحفادكم هذه الصحيفة السوداء من تاريخكم فيطرقون حياء وخجلا ~~حينما يرون أن هذه الأسماء التي يقرءونها إنما هي أسماء آبائهم وأجدادهم. # PageV03P207 ### | إلى خصوم سعد باشا ### | 1- # سعد باشا خصم السياسة الإنجليزية في مصر وعدوها الألد ما في ذلك شك ولا ~~ريب، فجميع خصومه السياسيين من المصريين أصدقاء لتلك السياسة وأعوان لها ~~على أمتهم. # هذا الذي أستطيع أن أفهمه ويفهمه الناس جميعا، ولا فرق عندي بين أن توضع ~~في عنقي جامعة أقاد بها إلى دار المارستان لأقضي فيها بقية أيام حياتي, ~~وبين أن أفهم غير ذلك. # فاشتموا يا خصوم سعد سعدا ما شئتم، وتفننوا في النيل من كرامته ما أردتم، ~~فلا معنى لذلك عندنا إلا أنكم آلة صماء في يد السياسة الإنجليزية، تتولون ~~بالنيابة عنها زحزحة العقبة الكبرى التي تعترض طريقها وتعرقل مساعيها، وتقف ~~سدا حائلا دون تنفيذ تلك الفكرة الجهنمية الهائلة، فكرة تسجيل الحماية ~~الإنجليزية على مصر، واحلفوا بالله جهد أيمانكم أنكم وطنيون مخلصون ما خلق ~~الله بين أرضه وسمائه خلقا أطهر قلبا ولا أنقى سريرة ولا أنبل مقصدا منكم، ~~وأنكم لا تريدون بما تفعلون إلا خير الوطن وأهله، وهناء الأمة وسعادتها، ~~فليس # PageV03P208 # بمغن عنكم عندنا شيئا؛ لأن الوطني لا يحارب الوطني ولا يبتغي له الغوائل، ~~ولا ينصب الحبائل لهدمه وإسقاطه. # دعوى الوطنية كلمة بسيطة تصدر من الفم بسهولة، كما يتنفس المتنفس ويتنهد ~~المتنهد، وقد نطق بها جميع الناس في مصر حتى "سكينة" مجرمة الإسكندرية، فقد ~~زعمت أنها إنما كانت تخدم ms465 الوطن بقتل النساء العاهرات ليعتبر بمصرعهن ~~الحرائر الشريفات, فلا يسقطن في مثل ما سقطن فيه، فهي دعوى محتاجة دائما ~~إلى برهان، وبرهانها الوحيد الذي نستطيع أن نتعقله بلا تكلف ولا تعمل ولا ~~فلسفة ولا حذلقة هو مجافاة السياسة الإنجليزية والانحراف عنها والتجهم لها ~~وسلوك كل طريق غير طريقها، وما دمتم متفقين معها في اعتبار سعد باشا خصما ~~سياسيا خطرا يجب هدمه وإسقاطه, فأنتم أعوانها وأنصارها ومحال أن تكونوا ~~أعواننا وأنصارنا. # السياسة الإنجليزية تخنق الحرية السياسية في مصر, وتضرب على أيدي ~~الكاتبين وألسنة الناطقين وعقول المفكرين، وتأبى إلا أن تسوق الناس جميعا ~~في طريق السياسة التي ترضاها لنفسها، وسعد باشا يحتج كل يوم على ذلك ويصرخ ~~الصرخات المزعجات التي ترتجف # PageV03P209 # لها جوانب الأرض وتهتز لها أركان السماء، وأنتم سكوت صامتون، لا تحتجون ~~ولا تغضبون، فهو الوطني المخلص من دونكم. # بيننا وبينكم أمر واحد إن أنتم فعلتموه نلتم ما شئتم من حبنا ورضانا ~~وإكرامنا وإجلالنا، ونزلتم من نفوسنا المنزلة التي ينزلها الوطنيون ~~المخلصون، هو أن تعقدوا اجتماعا عاما تكتبون فيه احتجاجا شديد اللهجة إلى ~~الحكومة الإنجليزية على بقاء الأحكام العرفية في مصر حتى اليوم، وعلى ~~القوانين الاستثنائية وقانون المطبوعات، وتقييد حرية الخطابة والكتابة، ~~ومنع المظاهرات السلمية والاجتماعات السياسية، واعتبار الوطنية جريمة تعاقب ~~عليها المحاكم العسكرية والنظامية، ثم تختمون احتجاجكم بهذه الكلمة: "إنا ~~لا نقبل مفاوضة سياسية تجري بين فريقين؛ أحدهما سجين في سجن مظلم ضيق لا ~~يستطيع التنفس فيه ولا الحركة، والآخر سجان قاس مستبد يجرد على رأسه سيف ~~القوة والقهر, ويملي عليه ما يريد ويشتهي". # هذا هو البرهان الوحيد الذي تستطيعون أن تقنعونا من طريقه بوطنيتكم ~~وإخلاصكم لأمتكم ووطنكم، وأنكم قوم أحرار أباة متشبعون بروح العدل والشرف. # فإن لم تفعلوا فأذنوا لنا -ولنا العذر الواسع في ذلك- # PageV03P210 # أن نعتبركم أعداءنا وأعداء حريتنا واستقلالنا، وأن نتمسك بالإخلاص للرجل ~~الذي يذود عنا, ويجاهد في سبيلنا, ويحارب ظالمينا. # أتدرون متى نتخلى عن سعد باشا ونخذله ونرتاب في صدقه وإخلاصه؟ يوم ترضى ~~عنه السياسة الإنجليزية، وتذود ms466 عنه الصحف الإنجليزية, وتثني عليه الدوائر ~~الإنجليزية، وتدافع عنه القوة الإنجليزية، وتستحيل نفسه إلى نفس إنجليزية ~~يحس بإحساسها ويشعر بشعورها، ويتحرك بحركتها، ويسكن بسكونها، ويوم تضمه ~~الحكومة الإنجليزية إلى صدرها، وتحنو عليه حنو الوالدة المشفقة على طفلها ~~الصغير، معتقدة أن حياتها في حياته، وموتها في موته، وما دام سعد باشا ~~باقيا في صفوفنا لم يفارقنا ولم يتخل عنا، فمن الخبل والسفاهة وسقوط النفس ~~أن نفارقه ونتخلى عنه، فإن عجز عن أن ينفعنا بشيء في قضيتنا فلا أقل من أن ~~يشفي غليلنا بتنغيص ظالمينا، ولا شيء في العالم ألذ للنفوس ولا أشهى إليها ~~من تنغيص الظالمين. # ليست الفضيحة أيها القوم أن يعلم أعضاء مجلس النواب الإنجليزي أن رجال ~~الإدارة المصرية لا إرادة لهم أمام السلطة الإنجليزية وسيطرتها كما تقولون، ~~فليس في العالم كله لا في إنجلترا ولا في غيرها من بلاد العالم من يجهل ذلك ~~أو يستنكره، إنما الفضيحة الكبرى # PageV03P211 # أن يعلم الناس عنا أن السياسة الإنجليزية قد استطاعت أن تضحك على ذقون ~~فئة من عظماء المصريين ووجوههم، وتتخذ منهم عصا حديدية تضرب بها الوحدة ~~المصرية وتمزقها، وأن جماعة من الذين كانوا يعبدون سعدا بالأمس ويقدسونه قد ~~أصبحوا اليوم يشتمونه وينالون من كرامته لا لشيء سوى أنهم يدورون مع القوة ~~حيث دارت، ويسيرون وراء المصلحة حيث سارت. # أنتم تعلمون أن اليد الإنجليزية الخفية هي التي تدير شئون مصر السياسية ~~والإدارية والقضائية منذ أربعين عاما، وتقهر رجال حكومتها من وزرائها إلى ~~خفرائها على تنفيذ أوامرها والخضوع لسياستها، ولم يطرأ حتى اليوم طارئ جديد ~~يغير هذا النظام ويبدله، ولولا ذلك ما شكونا ولا تألمنا ولا نهضنا لطلب ~~الحرية والاستقلال، بل ولا سافرت البعثة الرسمية في المهمة التي سافرت ~~فيها، وتعلمون أن تلك اليد القاهرة هي التي تولت أمر اغتصاب الثقة بالوزارة ~~الحاضرة, وقهرت رجال الإدارة على الاشتراك معها فيها تمهيدا للاتفاق ~~المنتظر الذي تريد أن تلبسه صورة الرضا والاختيار من أساسه إلى ذروته، كما ~~هو شأنها في سياستها دائما، وكما هي قاعدتها التي ms467 تجري عليها في جميع ~~أعمالها. # PageV03P212 # فدفاعكم عن رجال الإدارة في هذه المسألة إنما هو دفاع عن السياسة ~~الإنجليزية نفسها وتبرئة لذمتها من سوء النية والقصد في إدارة الشئون ~~المصرية ومساعدة لها على أن تجري في مسألة الانتخابات المقبلة للجمعية ~~الوطنية على مثال الطريقة التي جرت عليها بالأمس في مسألة العمال ~~المتطوعين، من حيث لا تعلق بها تهمة، ولا يتجه إليها لوم ولا عتاب، فأنتم ~~لم تغضبوا لرجال الإدارة ولا لسمعة مصر والمصريين كما تزعمون، بل تخافون أن ~~تفشل السياسة الإنجليزية في تنفيذ المعاهدة المنتظرة فتتخلى القوة عنكم ~~فتصبحوا أمام الأمة وجها لوجه, وما أضمرتم بين جوانحكم من البغضاء لسعد ~~باشا لأنه أهان رجال الإدارة أو جرح عواطفهم, بل لأنه الزعيم الوطني الوحيد ~~الذي يستطيع أن يفسد كل سياسة خبيثة يراد بها اغتصاب رضا المصريين ~~واستخذاؤهم لتلك الكارثة العظمى التي تسمونها استقلالا لا شك فيه، ونسميها ~~حماية لا ريب فيها. # ماذا تنقمون من سعد باشا أيها القوم، وأي جناية جناها عليكم في أنفسكم أو ~~في أمتكم فتحملوا له بين جوانحكم هذه الموجدة وهذا البغضاء؟! # ليس سعد باشا هو الذي اغتصب بلادكم واستأسر أوطانكم وأذل أعناقكم وأرغم ~~أنوفكم وخنق الحرية السياسية # PageV03P213 # في مجامعكم العامة, ومجالسكم الخاصة فما يستطيع أن ينطق ناطق, ولا أن ~~يكتب كاتب إلا إيماء وتعريضا. # ليس سعد باشا هو الذي لعب بعقول فريق من أعضاء الوفد, وأغراهم بالانفصال ~~عن الجامعة الوطنية والخروج عليها ليتوصل بذلك إلى تمزيق شمل الأمة وتفريق ~~وحدتها، وليس هو الذي استثمر بدسائسه ومكائده طمع الطامعين وجبن الجبناء ~~وغباوة الأغبياء ليستعين بهم على خراب وطنه, ودماره. # ليس سعد باشا خصمكم، بل خصومكم أولئك الذين يغرونكم به ويسلطونكم عليه؛ ~~لأنهم يعلمون أن الأمة لا تفلح بغير زعيم، وأن لا زعيم فيها يعنى عناءه ~~ويسد مكانه، فإن ظفروا به فقد ظفروا بالأمة جميعها وحلوا العقدة التي عجزوا ~~عن حلها أربعين عاما، فحولوا سهامكم إلى خصومكم، ووجهوا ضرباتكم إلى المرقب ~~الذي تتساقط منه السهام عليكم. # ارحموا أمتكم ولا تثيروا ms468 حفيظتها بإهانة زعيمها ونصيرها الباقي لها بعد ~~تخلي جميع أنصارها وأعوانها عنها، ولا تنتهزوا فرصة ضعفها وعجزها فتدفعوها ~~إلى إحدى السوءتين، إما الغضب الذي ليس من مصلحتها، وإما الذل الذي فوق ~~طاقتها، واذكروا # PageV03P214 # كيف يكون شأنكم غدا أمام أنفسكم وأمام ضمائركم إن تمت لأعدائكم الغاية ~~التي يرومونها من مصر على أيديكم، لا قدر الله ولا سمح، بل كيف يكون بكاؤكم ~~وعويلكم على وطنكم وبلادكم حينما تستيقظون من رقدتكم, وتستفيقون من سكرتكم, ~~فتعلمون أن العدو قد اقتحم البلد وأنكم أنتم الذين فتحتم له أبوابه ~~بأيديكم. # PageV03P215 # إلى خصوم سعد باشا: ### | 2- # والله لا ندري ما هي دالتكم علينا وصنيعتكم عندنا ونعمتكم التي قلدتم بها ~~أعناقنا فتطلبوا إلينا كل يوم في خطبكم وبياناتكم ورسائلكم وكل ما تهتف به ~~ألسنتكم وأقلامكم أن ننفض من حول سعد باشا ونلتف من حولكم، ونخذله وننصركم، ~~ونفارق طاعته إلى طاعتكم! # لسعد باشا على الأمة ثلاث أياد لا نستطيع أن ننساها مدى الدهر: أنه أسس ~~الوحدة المصرية التي عجزت عنها القرون الثلاثة عشر الماضية، وأنه نقل ~~الفكرة الوطنية من دور الأماني والأحلام إلى دور الجد والعمل، وأنه نشر ~~الدعوة الوطنية في أنحاء العالم كله حتى وجدت فيه مسألة تسمى "المسألة ~~المصرية" إن لم تتحقق فيها الآمال اليوم فغدا، فماذا قدمتم أنتم إلينا من ~~الخدم وقلدتم به أعناقنا من المنن؟! # هبونا كما تزعموننا قوما سذجا بسطاء طائشي العقول # PageV03P216 # والأحلام لا نستطيع أن نعيش بغير معبود نعبده ونخنع له، أليس من الطبيعي ~~والمعقول أن نفضل عبادة الشمس التي نرى نورها ونشعر بحرارتها ونتمتع ~~بضيائها على عبادة الحشرات التي لا نكاد نشعر بوجودها، ولا نرى لها فائدة ~~في شئون حياتنا؟ # من أنتم أيها القوم، وأي شأن لكم عندنا، وما هي الصلة النفسية التي تجمع ~~بيننا وبينكم، وأين مواقفكم التي وقفتموها في خدمة قضيتنا، وأين صحائفكم ~~التي شغلتموها من تاريخ بلادنا، وما الذي يغرنا بكم ويبهرنا من شئونكم ~~لنعبدكم ونستسلم إليكم ونضع في أيديكم قيادنا وقياد حاضرنا ومستقبلنا؟ # إنا نعرفكم جميعا بأشخاصكم وأعيانكم, ونعرف ms469 جميع ميولكم وأهوائكم والجهة ~~التي تتجهون إليها دائما في شئون حياتكم، والسياسة التي تظاهرونها ~~وتمالئونها مذ برزتم إلى الوجود حتى اليوم، ونعرف أنكم ذلك الفريق الذي ~~يعثر به المستعمر دائما في كل أمة يريد القضاء عليها فيستعين به على أغراضه ~~ومآربه لا أكثر من ذلك ولا أقل، فكيف تطمعون في أن نتخذكم زعماء لنا في ~~سياستنا، بل كيف تطمعون في أن نعدكم مصريين تشتركون معنا في شعورنا ~~وإحساسنا. # PageV03P217 # سعد باشا يبني الوحدة الوطنية وأنتم تهدمونها، سعد باشا يحارب خصومنا ~~ويناوئهم وأنتم توالونهم وتظاهرونهم، سعد باشا يبكي دما يوم يستشهد شهيد ~~منا في سبيل وطنه وأنتم تشمتون به وتفرحون وتقولون: هذا جزاء المخاطرة ~~والمجازفة، سعد باشا يثير الثائرة كل يوم على الأحكام العرفية والقوانين ~~الاستثنائية وأنتم ترضون عنها, بل تؤيدونها, بل تشتركون في وضع موادها، سعد ~~باشا يريد أن تتطهر الإدارة المصرية من رذائل الكذب والنفاق والظلم ~~والإرهاق وأنتم تغرونها بارتكاب هذه الرذائل جميعها وتمالئونها عليها ~~وتغضبون وتصخبون كلما شعرتم أن يدا من الأيدي تحاول زحزحة الستار عنها، سعد ~~باشا يصيح في جميع مواقفه ومشاهده يجب أن يكون الشعب حرا مطلقا يختار لنفسه ~~السياسة التي يريدها وأنتم تصيحون يجب أن يساق الشعب إلى السياسة التي تراد ~~منه؛ لأنه شعب جاهل منحط لا يفهم مصلحته ولا يستطيع تقديرها، سعد باشا ~~يصادق الأحرار من أعضاء مجلس النواب الإنجليزي ليستعين بهم على حكومتهم ~~الاستعمارية وأنتم تصادقون أعضاء تلك الحكومة أنفسهم لتستعينوا بهم على ~~استعباد أمتكم وإرهاقها، سعد باشا يربي الأمة على الفضيلة وشرف الخلق ويبث ~~فيها روح الهمة والعزيمة والأنفة والصدق # PageV03P218 # والصراحة والشرف والإباء, وأنتم تفسدون أخلاقهم وتمزقون أديم آدابها, ~~وتطلبون من القاضي أن يحكم بغير ما يعتقد, ومن الشاهد أن يشهد بغير ما ~~يعلم, ومن الفقيه أن يفتي بما يخالف أحكام دينه وقواعده, ومن الموظف أن ~~يعتمد في رقيه وتقدمه على المداهنة والمداجاة لا على الكفاءة والعمل, ومن ~~التلميذ أن يطرق إلى نجاحه في الامتحان باب "التأييد" والتوقيع لا باب الجد ~~والاجتهاد، ومن ms470 الفلاح أن يبيع ذمته وضميره برتبة أو لقب أو قضاء مصلحة ~~مالية, ومن الكاتب أن يحول قلمه الذي وضعته الأمة في يده ليدافع به عنها ~~ويذود عن مصلحتها إلى سهم رائش مسموم يصيب به صميم قلبها، ومن الأمة كلها ~~أن تتجرد من شخصيتها وهويتها وتتحول إلى قطيع من الأغنام يسير به كل راع في ~~الطريق التي يريدها. # سعد باشا يقول فيصدق وما عرفنا له كذبة قط مذ عرفناه واتصلنا به حتى ~~اليوم، وأنتم تطلعون علينا كل يوم بأكذوبة جديدة لا ينتهي العجب منها حتى ~~تتبعها أختها, حتى سقطتم من أعيننا سقطة لم تسقطها طائفة من قبلكم، وحتى ~~قال عنكم بعض أصحاب الرأي من الشيوخ المحنكين: إنكم قد أفسدتم # PageV03P219 # من أخلاق الأمة في بضعة شهور فوق ما أفسد الاحتلال الإنجليزي منها في ~~أربعين عاما. # فهل من أجل هذا ننفض من حول سعد باشا ونلتف من حولكم، ونخذله وننصركم، ~~وننزع عن رأسه تاج الزعامة لنضعه فوق رءوسكم؟! # إنكم إذن تريدون أن تقرروا أن أرض مصر قد استحالت إلى دار مارستان كبرى ~~يعيش فيها أربعة عشر مليونا من المخبولين, وأن تشهدوا العالم كله على أننا ~~أمة بلهاء ممرورة لا تستحق استقلالا كاملا ولا ناقصا, بل لا تستحق البقاء ~~في هذا الوجود. # ليس لنا أيها القوم زعيم نعبده ونخنع له غير المبدأ، وما ولينا سعدا باشا ~~زعامتنا إلا لأنه ينزل على إرادتنا، وإرادتنا أن لا ينزل على إرادتكم، ولا ~~يأخذ برأيكم، ولا يسير في أي طريق يعلم أنكم تسيرون فيها، وما دام هذا شأنه ~~فمحال أن نغدر به ونخفر ذمته، ومحال أن نخلي بينكم وبينه ونسمح لكم بشفاء ~~غليلكم منه ونحن شهود نسمع ونرى. # عجبا لكم, فيكم العالم والمستنير والفيلسوف والكهل المجرب والشيخ المحنك, ~~فكيف فاتكم جميعا أن تفهموا أن للطبيعة سنة # PageV03P220 # لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، وأن تحويل أمة مستنيرة ذكية عددها أربعة ~~عشر مليونا من الحياة إلى الموت في بضعة شهور ليس بالأمر السهل الهين، وأن ~~نقل الزعامة من يد إلى يد ms471 ليس من الأشياء الخاضعة لقانون الحول والقوة, بل ~~لقانون الانتخاب الطبيعي الذي تخضع له الجمعية البشرية منذ أشرقت عليها شمس ~~الحياة حتى اليوم، وأن توجيه النفس الإنسانية من شعور إلى ضده لا يأتي من ~~طريق القوة والقهر, بل من طريق الحجة والإقناع أو من طريق الاستدراج ~~والاستهواء على الأقل. # ما أشد غروركم بأنفسكم أيها القوم! وما أشد احتقاركم لأمتكم! أما غروركم ~~بأنفسكم فلأنكم ظننتم أنكم بإلقاء بعض الخطب وكتابة بعض الرسائل وتدبير بعض ~~المكائد وإنفاق بعض الأموال تستطيعون تحويل الأمة المصرية بأجمعها من حب ~~سعد إلى بغضه، ومن الثقة به إلى الثقة بغيره، ومن التمسك والتشدد في ~~المطالب الوطنية إلى القناعة والتهاون فيها، ومن سوء الظن بالسياسة ~~الإنجليزية إلى حسن الظن بها، ومن السخط على مشروع ملنر إلى الرضا عنه ~~والاغتباط به، بدون استناد إلى حجة ولا برهان، كأن ما تفضون به إلى الناس ~~آيات منزلة لا يأتيها الباطل من بين # PageV03P221 # يديها ولا من خلفها، وما طمع صاحب الآيات المنزلة نفسه -جل جلاله- أن ~~يؤمن الناس بآياته ويذعنوا لها دون أن يدعمها بالحجة والبرهان، وأما ~~احتقاركم لأمتكم فهو اعتقادكم أنها أمة بسيطة ساذجة تأتي بها كلمة وتذهب ~~بها كلمة وتعلو بها فكرة وتهبط بها أخرى، وكأنما أنتم تقولون في أنفسكم: إن ~~الروح الوطنية التي تختلج في صدرها إنما هي روح صناعية غرستها الحوادث ~~والظروف, فلم لا تنتزعها الحوادث والظروف، وإن الوحدة الوطنية التي تربط ~~بين أجزائها إنما هي وحدة كاذبة موهومة فلم لا نبددها ونمزق شملها، وإن ~~المنزلة التي نالها سعد باشا فيها إنما نالها بالسفسطة والثرثرة فلم لا ~~نسلط عليها السفسطة والثرثرة لتذهبا بها، وما دام هذا مقدار عقلها وتصورها ~~فمن السهل علينا أن نعدها بأننا نحن الذين سننيلها جميع آمالها ومطالبها ~~لتطمئن إلينا حتى إذا حان وقت الوفاء بوعدنا قدمنا لها القيد الحديدي الذي ~~أعددناه لها, وسميناه خلخالا ذهبيا فتصدق وتغتبط وتستطير فرحا وسرورا. # إن كان هذا هو ما تضمرون في أنفسكم, وما أحسبكم تضمرون غيره, فوالله ما ~~احتقر ms472 أحد في العالم هذه الأمة احتقاركم لها ولا رأى شعب من الشعوب فيها ~~حتى الشعب الذي # PageV03P222 # يستعبدها ويستذلها هذا الرأي الذي ترونه، واسمحوا لي أن أقول لكم بعد ~~ذلك: إنه ما دامت أفكاركم وآراؤكم في المجتمع وشئونه والأمم وطبائعها ~~والنفوس ومشاعرها لا يمكن أن تتجاوز هذا القدر الذي وصلت إليه, فليس بينكم ~~رجل واحد يستطيع أن يكون زعيما لأمة أو زعيما لقرية أو زعيما لنفسه. # PageV03P223 # إلى خصوم سعد باشا: ### | 3- # إن كنتم تريدون أن تجردوا سيف القوة والقهر على رءوسنا لتستلوا من بين ~~أشداقنا كلمات الحمد لكم والثناء عليكم, والاعتراف بأنكم أصدق الناس وطنية ~~وأشدهم إخلاصا وأعدلهم حكما وأسدهم رأيا وأبعدهم نظرا, وأنكم خير من يتولى ~~قيادة المسألة المصرية حتى يبلغ بها الغاية المرجوة لها, فلكم ما شئتم وفوق ~~ما شئتم، ولا عار علينا في ذلك؛ ففينا الضعيف والعاجز والمضطر وصاحب ~~الحاجة، ومن قبلكم عالجت محكمة التفتيش في أسبانيا من أهليها مثل ما ~~تعالجون منا اليوم فنطق الموحد بكلمة التثليث، ولبس صاحب العمامة القلنسوة، ~~وعلق حامل المصحف الصليب، ومن قبل ذلك أرغم كثير من أمراء الإسلام العلماء ~~والفقهاء على اتباع المذاهب والنحل التي ينتحلونها, فلم يجدوا بدا من ~~الإذعان لهم والنزول على حكمهم، غير أن لنا عندكم رجاء واحدا لا نضرع إليكم ~~في شيء سواه، وهو أن تعترفوا بالطريقة التي حملتمونا بها على الإذعان ~~والتسليم وألا تكذبوا علينا فتنشروا # PageV03P224 # في الناس أنكم أقنعتمونا فاقتنعنا، وأقمتم لنا الحجة فسلمنا، وأننا آمنا ~~بكم طائعين مختارين، فتلك النكبة العظمى والرزيئة الكبرى التي لا قبل لنا ~~باحتمالها، وخير لنا أن يتحدث الناس عنا أننا ضعفنا وجبنا بين أيديكم فلم ~~نستطع إلا النزول على حكمكم, والتسليم لكم بما تريدون من أن يقولوا عنا: ~~إننا انخدعنا بكم, وصدقنا أكاذيبكم. # لا نطيق أن يتحدث الناس عنا أننا صدقنا أن أصدقاء الحماية بالأمس أعداؤها ~~اليوم، وأن الذين أغمدوا في صدورنا تلك الخناجر المسمومة قد تحولوا اليوم ~~إلى أطباء راحمين يحاولون انتزاعها منا، وأن الفارين من صفوف الجيش الوطني ~~إلى ms473 صفوف جيش العدو ليحاربونا معه ويعينوه علينا وطنيون مخلصون، وأن الذين ~~يرمون الأمة بالجهل والغباوة والانقياد إلى زعمائها انقياد القطيع لراعيه ~~بلا تصور ولا إدراك أصدقاء لها, يعطفون عليها ويتمنون لها الخير والسعادة، ~~وأن اتفاق السياستين سياسة الحكومة المصرية وسياسة الحكومة الإنجليزية في ~~الأقوال والأفعال والشعور والإحساس والميول والرغبات والأساليب والتصورات ~~من باب توارد الخواطر # PageV03P225 # ووقوع الحافر على الحافر كما يقول البلاغيون، وأن الديموقراطية الصحيحة ~~هي أن تخضع أكثرية الأمة العظمى لأقليتها الضئيلة المتهالكة, فإن لم تفعل ~~فهي المنقسمة والمنشقة والمنحرفة عن سواء السبيل، وأن الزعيم الوطني يجب أن ~~يكون رجلا مجردا من صفات البطولة والنبوغ والشخصية القوية والذكاء الخارق ~~ليصلح لزعامة الأمة وقيادتها، وأنه كان من الواجب على سعد باشا كلما برز ~~إليه رجل من الرجال وقال له: تنح لي عن زعامة الأمة وقيادتها لأتولاها من ~~دونك وأمدني فوق ذلك بقوتك ونفوذك وثقتك لأستطيع أن أنزل من نفوس الأمة ~~المنزلة التي تنزلها, وأتمتع بحبها واحترامها بدلا منك وجب عليه أن يفعل ~~ذلك, فإن أبى فهو مستبد جبار لا تقع تبعة انقسام الأمة وتفرقها إلا على ~~رأسه ولا يؤخذ بها أحد سواه، وأن المفاوض الذي لا يمثل إلا فئة قليلة من ~~الشعب لا تجرؤ أن ترفع صوتها إلا بين جدران الحصون وتحت ظلال السيوف أعظم ~~قوة وأكبر نفوذا وأثبت قدما وأقدر على استنزال مفاوضه على حكمه من الزعيم ~~الذي يمثل أربعة عشر مليونا يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه، وأن المستر سوان ~~وزملاءه القائلين بنظرية استقلال الأمة وحريتها وحقها المطلق في تقرير ~~مصيرها قوم استعماريون محافظون, تجب مقاطعتهم ومجافاتهم وطردهم # PageV03P226 # وإهانتهم، وأن اللورد ملنر منظم الحماية الإنجليزية في مصر ومسجلها عليها ~~رجل حر شريف متسامح تجب مواصلته ومفاوضته والحفاوة به، وأن وفود جماعة من ~~أعضاء مجلس النواب الإنجليزي إلى مصر كما يفد إليها السياح الأوروبيون في ~~كل يوم للاطلاع على الحالة السياسية العامة فيها تداخل في شئوننا الداخلية ~~يجب الغضب له والأنفة منه، أما صدور أمر من السلطة العسكرية الإنجليزية ~~بمنع رجل ms474 مصري صميم من الانتقال من بلد إلى بلد فهو سائغ مقبول لا رائحة ~~فيه للتداخل مطلقا, ولا خطر منه على استقلال الإدارة المصرية وحريتها، وأن ~~الواجب علينا أن نصبر ونتريث وأن لا نسيء الظن بأعدائنا قبل أن نرى منهم ~~عين الغدر، وأن نسمح لهم بالزحف علينا، ثم باجتياز العقبات التي تعترضهم في ~~طريقهم إلينا, ثم باحتلال القلاع والحصون المشرفة علينا، ثم بتوجيه فوهات ~~مدافعهم إلى منازلنا وبيوتنا، فإذا شرعوا في إلقاء القنابل وقذفها علمنا ~~أنهم يريدون السوء بنا فحاربناهم وقاومناهم، وأن سعدا باشا زعيم الأمة ~~ورئيسها المفدى وموضوع حبها واحترامها وإجلالها وإعظامها ظمآن إلى الرئاسة ~~يتلهف شوقا إليها ويتهالك وجدا عليها، أما عدلي باشا فهو رجل زاهد فيها قال ~~لها ما يحتمل أن يشاك شوكة في سبيلها. # PageV03P227 # لا نطيق أن يتحدث الناس عنا أننا صدقناكم في شيء من هذا كله, ولو أننا ~~فعلنا لوضعنا في أيديكم مستندا قويا هو أقوى في دلالته على غباوتنا وجهلنا ~~من جميع المستندات التي جمعتموها حتى اليوم لتكون في يد السياسة الإنجليزية ~~أسلحة تحتج بها علينا, وتدفع بها في صدور الذين يزعمون أننا أمة عاقلة ~~رشيدة, نستطيع أن نحكم أنفسنا بأنفسنا. # اصنعوا بنا ما شئتم، وافتنوا في ظلمنا وإرهاقنا ما أردتم، وخذوا من عرائض ~~الثقة والتأييد ما تملئون به غرف وزارة الخارجية الإنجليزية من أرضها إلى ~~سمائها، فتلك إرادة الله التي لا محيص عنها، ولكن إياكم أن تزعموا أننا ~~أعطيناكم من قلوبنا ما أعطيناكم من ألسنتنا، فذلك ما نغضب له كل الغضب وما ~~يملأ صدورنا غيظا وحنقا. # نقسم لكم بالله أننا ما رأينا في حياتنا ولا في تاريخنا الحاضر أو الغابر ~~أطمع ولا أشره منكم! ألم يكفكم مساعدة الدهر لكم ونزوله على حكمكم, وأن ~~القوة الحربية من ورائكم تمدكم بكل ما تقترحون من سلاح وعدة، وأن في ~~استطاعتكم متى شئتم أن تقهرونا على كل ما تريدون دون أن يحاسبكم عليه محاسب ~~أو يراقبكم مراقب حتى أردتم أن تجمعوا إلى متعة الظلم الوحشي الذي تنعمون ~~به ms475 متعة السمعة الحسنة, والذكرى الطيبة! # PageV03P228 # تريدون أن تظلموا فيسمي الناس ظلمكم عدلا، وأن تقتلوا فيقبل المقتول ~~أيديكم اعترافا بفضلكم، وأن تختلسوا الثقة من الناس اختلاسا فيشكر لكم ~~هؤلاء الناس تفضلكم بقبول الهدية التي قدموها إليكم، وأن تضعوا الأغلال ~~الثقيلة في عنق الأمة فترقص فرحا وسرورا بالعقود اللؤلؤية الجميلة التي ~~قلدتم بها جيدها، وأن تملئوا الجو هواء ثقيلا خانقا فيستنشقه الناس هواء ~~طلقا عليلا، وأن تضعوا على قرص الشمس حجابا كثيفا حتى ما ينبعث منها شعاع ~~واحد, فيبتهج الناظرون بمنظر نورها المتلألئ الساطع. # لقد رمتم مراما لم يرمه أحد من قبلكم، وبلغتم في الأنانية والذاتية ~~الغاية التي لا غاية وراءها، فآه لو استطعتم أن تفهموا وتيسر لكم أن تعلموا ~~أن المستحيل لا يمكن أن يكون ممكنا, والممكن لا يمكن أن يكون مستحيلا, وألا ~~وجود لشيء في العالم غير الحقيقة المجردة! # آه لو فهمتم أن هذه الأمة التي تحتقرونها وتزدرونها وتصفونها بالجهل ~~والغباوة والغرارة والبساطة أمة عظيمة جدا لا مثيل لها بين الأمم في سلامة ~~فطرتها وذكاء قلبها ودقة شعورها وإحساسها وسمو خصائصها ومزاياها, وأن عيبها ~~الوحيد الذي لا عيب فيها سواه # PageV03P229 # أنكم من أبنائها وسلائلها وأنكم العقبة الكئود التي لا تزال تعثر بها ~~كلما حاولت المضي في طريقها والسعي إلى الغاية التي هيأتها الأقدار لها، ~~ولولاكم ولولا أنكم اليد التي يضربها العدو بها والقنطرة التي يجتازها ~~إليها لما استطاع أن يلمس شعرة من رأسها, ولا أن يخطو خطوة في أرضها, فمتى ~~نفرغ منكم! ومتى يحكم الله بيننا وبينكم! # لا عذر لكم بعد اليوم، فقد قلتم كل شيء وفعلتم كل شيء، واستنفدتم جميع ما ~~وهبكم الله من القوى العقلية والمادية ستة شهور كاملة في سبيل إسقاط سعد ~~باشا فلم تسقطوه, وفي حمل الأمة على التهاون في حقها فلم تستطيعوا، فماذا ~~تنتظرون؟ # أمصممون أنتم على الاستمرار في خطتكم هذه إلى النهاية؟ أعازمون على أن ~~تعتبروا الأمة كمية مهملة لا حساب لها، وأن تؤلفوا من هذه الفئة البسيطة ~~المسكينة جمعية وطنية تزعمون أنها الأمة ms476 بأجمعها لتصدق لكم على المشروع ~~الإنجليزي المنتظر؟ # إن كان هذا هو ما تريدون وما أحسبكم تريدون غير هذا, فاعلموا أن للأمة ~~شأنها المستقل عن شأنكم وشأن مشروعكم وجمعيتكم، وأن ما تعملونه لا ينفعكم ~~ولا ينفع أصدقاءكم، ولا يغني عنكم ولا عنهم شيئا. # PageV03P230 # إلى خصوم سعد باشا: ### | 4- # أتدرون ماذا فعلتم بالأمس في أسيوط وماذا كنتم تريدون أن تفعلوا في كل ~~بلد ينزله سعد باشا في رحلته لو وجدتم إلى ذلك سبيلا؟ # إنكم قد وقعتم بأنفسكم على صك اعترافكم بعجزكم وقصوركم وفراغ أيديكم من ~~كل حول وقوة، وإن هذا منتهى ما في وسعكم وكل ما تملك أيمانكم. # أبعد ستة شهور كاملة تكتبون وتخطبون وتدسون وتكيدون وتلفقون وتكذبون ~~وتصادرون حرية الألسنة والأقلام والنظر والتفكير، وتنثرون ذهب المعز، ~~وتجردون سيفه في كل بقعة وأرض؛ لتكوين حزب سياسي عظيم يعضد الإنجليز في ~~سياستهم، ويعين الوزارة على البقاء في مركزها، ويقارع حزب سعد باشا مقارعة ~~البطل للبطل، ينكشف الستار عنكم، # PageV03P231 # فإذا أنتم رؤساء عصابات، وإذا الحزب الذي كونتموه فئة من اللصوص المجرمين ~~حملة الهراوات والنبابيت، وسكان الأحراش والغابات، يستطيع كل إنسان يأمن ~~جانب الحكومة ويملأ يده منها وإن كان أجبن الجبناء، وأضعف الضعفاء، أن ~~يستعين بمثلهم على مثل ما استعنتم بهم عليه؟ # أهذا هو الحزب السياسي العظيم الذي هيأتموه للفصل في القضية المصرية، ~~ورشحتموه لعضوية الجمعية الوطنية التي تتولى البت في حاضر مصر ومستقبلها؟ # أهذا هو الحزب المفكر العامل الذي يمشي إلى أغراضه السياسية بخطوات هادئة ~~رزينة يعجز عن مثلها الجمهور الأهوج المستطار, الذي تنعون عليه كل يوم طيشه ~~وخفته وجهله ورعونته؟ # أما إني لو كنت مكان رئيس الوزارة الذي تزعمون أنكم حماته ودعاته، وأنصار ~~سياسته، وعماد وزارته، لأحسنت تأديبكم على غشكم إياي وخديعتكم لي، حينما ~~زعمتم أنكم رؤساء مطاعون في عشائركم وقبائلكم، وأن في استطاعتكم تكوين حزب ~~سياسي قوي يغمر بقوته وعظمته ونبله وشرفه حزب "الرعاع" الذي كونه سعد باشا, ~~فإذا أنتم لا شيء، وإذا الحزب # PageV03P232 # الشريف النبيل الذي كونتموه وسميتموه باسمي، ونسبتموه لي، جماعة ms477 من قطاع ~~الطرق يترفع عن الاتصال بهم عمدة قرية صغيرة، فضلا عن رئيس حكومة عظيمة! # ما هكذا تساق الأمم أيها البلهاء، ولا هكذا تقاد الشعوب، ولا بمثل هذه ~~الأساليب توجه الأفكار إلى الخطط السياسية، وما سمعنا قط إلا في عرفكم ~~واصطلاحكم أن النبابيت والعصي والخناجر والبنادق وسيلة من وسائل التأثير ~~والإقناع! # حاربوا الرجل بالألسنة والأقلام كما يحاربكم، وقارعوه بالحجة والبرهان ~~كما يقارعكم، وحاجوه بالصراحة والصدق والنبل والشرف كما يحاجكم، فإن أمكنكم ~~ذلك فذاك، وإلا فلا تلجئوا إلى الضربة الخائنة الغادرة التي يلجأ إليها ~~المبارز الجبان حينما يعجز عن الثبات أمام خصمه، ويشعر بتفوقه عليه. # ما أقساكم وما أغلظ أكبادكم! أمن أجل تقديم مستند بسيط للسياسة ~~الإنجليزية تعتمد عليه في إثبات أن الرجل الذي يفاوضونه اليوم يمثل الأمة ~~المصرية أو أكثريتها، وأن الاتفاق # PageV03P233 # الذي يعقدونه معه كيفما كان شأنه اتفاق سائغ مشروع, ومن أجل أن يتيسر ~~لوكيل وزارة الخارجية الإنجليزية أن يصرح في مجلس النواب بوجود فتنة في مصر ~~بين حزب زغلول باشا وحزب الحكومة تسفكون دماء أبناء وطنكم, وتقترفون أكبر ~~جريمة تعاقب عليها الشرائع السماوية والأرضية، وتلبسون أنفسكم وأبناءكم ~~وذراريكم العار الذي لا يبلى أبد الدهر! # أليس لكم أولاد تخافون أن ينتقم الله منكم فيهم, ونساء تخشون أن يذرفن ~~الدموع غدا على فلذات أكبادهن بما أذرفتم من دموع أولئك الثكالى المساكين ~~اللواتي فجعتموهن في أولادهن وفلذات أكبادهن؟! # أين هم أولئك العدليون الذين تتحدثون عنهم وتحاولون إقناع السياسة ~~الإنجليزية بوجودهم؟ وفي أي أرض يقطنون وتحت أي سماء يعيشون؟! # أمن أجل بضع شراذم من الضعفاء المخدوعين، وآخرين من المتملقين المداهنين ~~الذين يوجد مثلهم في كل أمة وشعب, والذين يطيرون مع القوة حيث طارت ويقعون ~~معها حيث وقعت ويعضدون كل حكومة حتى حكومة نيرون, تزعمون أن الأمة منقسمة ~~على نفسها, وأنها فريقان: سعديون # وعدليون؟! # PageV03P234 # لم يتكون حزب سياسي في مصر لعدلي باشا والناس لا يعرفون من أمر الرجل ~~شيئا سوى أن السياسة الإنجليزية اختارته لرئاسة الوزارة والمفاوضة في ~~المسألة المصرية، فإن ذكر ذاكر ms478 منهم شيئا من ماضيه لا يذكر له سوى أنه كان ~~عضوا مهما في وزارة الحماية التي ضربت على مصر في سنة 1914, وأنه أول رجل ~~ثغر في جنح الظلام ذلك السد المتين الذي أقامته مصر لمقاطعة لجنة ملنر، ~~وأنه أول رئيس وزارة اجترأت على مفاوضة الإنجليز في المسألة المصرية رغم ~~إرادة الأمة, وإرادة وكلائها. # لم يتكون حزب سياسي لعدلي باشا يتشيع له ويحتد في مناصرته وتأييده ويحمل ~~النبابيت والعصي لمحاربة خصومه قبل أن يحرك يدا أو لسانا في القضية ~~المصرية, وقبل أن يعلم الناس ما هو صانع فيها غدا, أيفي بالوعد الذي وعدهم ~~إياه أم تحول الحوائل بينه وبين الوفاء؟ وهل الثقة إلا نتيجة طبيعية للعمل ~~والإحسان فيه؟ # لم يتنكر الناس لسعد باشا ويتحولون من مسالمين له إلى محاربين؟ هل خان ~~الأمانة التي عهدوا بها إليه؟ أم قصر في المطالبة بحقهم، والتعبير عن ~~آمالهم وأمانيهم، أم وعدهم بالنزول على # PageV03P235 # رغبتهم فقادهم بالسيف والنار إلى النزول على رغبته, أم حول الحرب التي ~~كانت بينهم وبين أعدائهم إلى حرب بينهم وبين أنفسهم؟ أم وضع الكمائم في ~~أفواههم فلا ينطقون، والأغلال في أيديهم فلا يتحركون، أم نغص عليهم حياتهم ~~الاجتماعية، وحول ابتساماتهم إلى دموع، ومسراتهم إلى أحزان وآلام، وآمالهم ~~في الحياة السعيدة إلى يأس وكمد؟ # ألم يصدروا قرارهم الإجماعي في أمره يوم احتفلوا بقدومه من أوروبا ~~احتفالا لم يظفر به ملك متوج ولا فاتح كبير، فأي الأحداث أحدث بعد ذلك ~~فيتنكروا له، ويضمروا له البغضاء بين جوانحهم؟ # ألم يزل يهتف بالاستقلال التام لبلاده كما كان يهتف به من قبل؟ # ألم يزل يقارع الأعداء الغاصبين في حاضره, كما كان يقارعهم في ماضيه؟ # ألم يحاولوا خداعه والعبث بضميره واستنزاله عن صلابته وعناده في التمسك ~~بحقوق بلاده, فلم يغتر ولم ينخدع, وآثر أن يستهدف لهذه الحرب الهائلة التي ~~يثيرها عليه أعداؤه وأنصار أعدائه من بني وطنه على أن يفرط في ذرة واحدة من ~~حقوق الوطن المقدسة؟ # PageV03P236 # ألم يكن في استطاعته أن يقبل رئاسة الوزارة حينما عرضوها عليه ms479 ليتمتع ~~برؤية رجال الإدارة الذين يتنافسون اليوم في الإساءة إليه, والنيل من ~~كرامته وهم وقوف على بابه يتلقون أوامره, ويطيرون بها في كل مشرق ومغرب, ~~فلم يفعل وفضل أن يكون فردا من أفراد أمته واقفا بجانبها, يتلقى معها ~~اضطهادات الحكومة ونكاياتها, ويشرب معها بالكأس التي تشرب منها على أن يكون ~~آلة في يد السياسة الإنجليزية لقتلها وخنق حريتها؟ # أمن أجل هذا يبغضه الناس ويتنكرون له, ولا يقنعون منه بذلك دون أن يحملوا ~~له الهراوات والعصي ليمنعوه من النزول ببلادهم؟ # هل تنازلوا عن مطالبهم الوطنية ونفضوا أيديهم منها, فهم ينكرون عليه ~~تمسكه بها وتشدده فيها؟ # هل صفت مياه الود بينهم وبين الإنجليز، وحل الحب والوئام بينهما محل ~~البغضاء والشحناء، فهم لا يريدون منه أن يكدر عليهم هذا الصفاء؟ # هل كانوا يجاملون فيه "عدلي باشا" يوم أجلوه وأعظموه, وأحلوه ذلك المحل ~~الأعظم من نفوسهم، فلما تنكر له الرجل # PageV03P237 # وجافاه تنكروا له معه, وغضبوا لغضبته؟ # هل كانت وطنيتهم نوبة من نوبات الجنون كما كان يشيع عنهم أعداؤهم, فلما ~~استفاقوا رأوا أن ينتقموا من ذلك الإنسان الذي أثار في نفوسهم تلك العاطفة, ~~وأجج نارها في صدورهم؟ # اللهم لا هذا ولا ذاك، وكل ما في المسألة أن الوزارة تريد البقاء في ~~مركزها، ولا يمكنها البقاء فيه إلا إذا نفذت المشروع الإنجليزي المنتظر، ~~ولا سبيل لها إلى ذلك إلا إذا فضت الأمة من حول سعد باشا وحملتها على ~~الالتفاف حولها وتأييد سياستها، وقد عجزت عن أن تصل إلى ذلك فهي تزعمه ~~وتدعيه, وتمثل هذه الرواية الغريبة التي هي أشبه الأشياء بقصة ذلك الرجل ~~الذي أراد أن يتوسل إلى قلب حبيبته بعمل من أعمال البطولة التي يحبها ~~النساء ويمنحن الرجال عطفهن من أجلها، كأن ينجيها من غرق أو ينقذها من هوة ~~أو يخلصها من أيدي اللصوص, وهو أعجز الناس عن ذلك فاستأجر جماعة من الغوغاء ~~واتفق معهم على تمثيل رواية خلاصتها أنهم يكمنون لها في طريق مرورها تحت ~~جنح الظلام حتى إذا مرت بعربتها هجموا عليها, وتظاهروا ms480 بأنهم يريدون قتلها ~~وسلبها, فيمر هو في تلك الساعة # PageV03P238 # كأنه سائر في طريقه مصادفة واتفاقا, فيهجم عليهم هجمة شديدة تلقي الرعب ~~في قلوبهم, ويطلق عليهم مسدسه المحشو بالرصاص الكاذب, فيخافون منه ويفرون ~~من بين يديه فرار الجؤذر من بين يدي الأسد الرئبال، وقد مثل الرواية كما ~~وضعها وكاد ينجح في تمثيلها لولا أن الفتاة كانت ذكية الفؤاد, فقرأت على ~~وجهه حين دنا منها آية التصنع والتكلف فلم تحفل به, ولم تقدم له كلمة شكر ~~على بطولته وشجاعته, وسارت في طريقها وهي تغرب في الضحك عليه وعلى غرابة ~~تصوراته. # هذه هي المسألة لا أكثر من ذلك ولا أقل. # ما أجرأكم أيها القوم على الله, وعلى الناس أجمعين! # أتكذبون على أربعة عشر مليونا من النفوس أحياء يرزقون, يقولون لكم ~~بألسنتهم وأقلامهم وبجميع ما يعرفون من الطرق والوسائل أنهم أنصار سعد باشا ~~وأعداء السياسة الإنجليزية, فتقولون لهم لا بل أنتم أنصار عدلي باشا ~~وأصدقاء السياسة الإنجليزية؟ # أيسيل النيل وشاطئاه بالهاتفين للرجل والمرحبين به والخائضين عباب الماء ~~إلى سفينته, مخاطرين بأنفسهم علهم يرون وجهه, أو يسمعون صوته حتى احتجتم في ~~دفعهم وردهم إلى ضرب # PageV03P239 # الرصاص وإعمال السيوف ثم تقولون بعد ذلك: إن البلاد تكره سعدا باشا ولا ~~تطيق رؤيته، أترون بأعينكم لمعان السيوف في أيدي رجال البوليس, وتسمعون ~~بآذانكم طلقات بنادقهم, وتشاهدون مطاردتهم الناس وهدمهم الزينات ووضعهم ~~العقبات ثم تقولون بعد ذلك: إن الإدارة كانت على الحياد, وإن حزب عدلي باشا ~~القوي العظيم في أسيوط هو الذي أرغمها على منع سعد باشا من النزول إلى ~~البر؟ # دعونا من سياسة الدسائس والمكائد والمواربة والمداجاة والتلفيق والتأويل؛ ~~فهي سياسة عقيمة لا تصلح تربة مصر الطيبة الطاهرة لإنباتها واستثمارها، ~~ودعونا من أساليب المكر والدهاء والخبث والرياء ومن قتل القتيل والسير وراء ~~نعشه، وخنق الحرية والبكاء عليها، والإخلال بالأمن العام باسم حفظه ~~وصيانته، وانتهاك حرمات الناس باسم حمايتها والذود عنها، وأمثال ذلك من ~~الأساليب العتيقة البالية التي ذهبت وانقضى عصرها بانقضاء عصور الجهالة ~~والسذاجة، وخذوا بنا في الحقائق ms481 المجردة الواضحة التي لا لبس فيها, ولا ~~إبهام. # ارفعوا الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية, ودعوا الناس أحرارا ~~يفكرون كيف يريدون ويقولون ما يشاءون مما لا يخرج # PageV03P240 # عن دائرة القانون والنظام، نصدق أنكم قوم أحرار تقدسون الحرية, وتجلون ~~شأنها. # تزحزحوا قليلا عن تلك الحائط الأجنبية التي تسندون إليها ظهوركم وتستظلون ~~بظلها وتضربون تحت حمايتها، وليكن النضال بيننا وبينكم وجها لوجه، نصدق ~~أنكم أصحاب رأي وعقيدة، وأنكم إنما تعملون بما توحيه إليكم آراؤكم ~~وأفكاركم. # أشيروا على الوزارة بقطع المفاوضات, وقولوا لها: إن الأمة غير راضية عنها ~~ولا عن نتيجتها، نصدق أنكم تنزلون على إرادة الأمة ورغبتها, وأنكم تحترمون ~~إجماعها وتنزلون على حكمها. # اعترفوا بالحقيقة الواقعة التي تعلمونها وتعلمون أن الناس جميعا ~~يعلمونها، وهي أن حزب الحكومة في مصر حزب مصنوع موضوع لو نفس عنه الخناق ~~قليلا, وتخلى عنه العاملان المهمان ذهب "المعز" وسيفه لحظة واحدة لطار في ~~أجواز الفضاء, ولما بقي منه في مكانه إلا أفراد قلائل لا يتجاوز عددهم عدد ~~أصابع اليد أو اليدين, وإن مصر لا يوجد فيها إلا حزب واحد تطارده الحكومة ~~وعمالها وأنصارها, نصدق أنكم قوم صادقون مخلصون لا تقولون إلا ما تعتقدون. # PageV03P241 # هذه هي السبيل الوحيدة لما تطلبون إلينا من الثقة بكم والاعتماد عليكم, ~~واحترام آرائكم وأفكاركم وإجلال مقاصدكم وغاياتكم, فإن فعلتم فأنتم إخواننا ~~وأصدقاؤنا وأكرم الناس علينا, وإلا فقد علمتم رأينا فيكم وما نحن بظالمين ~~ولا عادين, ونسأل الله لكم الهداية والتوفيق. # PageV03P242 # إلى خصوم سعد باشا: ### | 5- # لو أنكم أيها المنشقون بقيتم تحت لواء زعيمكم لم تفارقوه, ولم تنتقضوا ~~عليه إن لم يكن ذلك من أجله فمن أجل كرامة الأمة وشرفها والإبقاء على ~~وحدتها وجامعتها، ولو أنكم إذ أبيتم إلا أن تفارقوه فارقتموه بهدوء وسكون, ~~لم تثيروا الثائرة عليه, ولم تطعنوا خلقه وشرفه وكرامته تلك الطعنات ~~الداميات التي لا يحتمل وقعها في فؤاده أحقر الناس وأصغرهم في عين نفسه ~~شأنا، ولو أنكم يا أعضاء الوزارة بدلا من أن ترسلوا "رشدي باشا" إليه يوم ~~استعصى عليكم أمره ليؤذنه بالحرب ms482 وليقول له: إننا قد قررنا رفض شروطك ~~وإغفال أمرك واطراحك والاستقلال بالعمل من دونك رغم أنفك وأنف الأمة التي ~~تعتز بها أرسلتموه إلى دار الوكالة البريطانية ليقول لصاحبها: إننا قد ~~عجزنا عن إقناع سعد باشا بالتنازل عن شروطه التي اشترطها للمفاوضة وليس # PageV03P243 # في استطاعتنا وهو زعيم الأمة وقائدها وقلبها الخفاق أن نخاطر بمجافاته ~~ومناوأته إلا إذا قررنا المخاطرة بوحدة الأمة وجامعتها, وذلك ما لا نرضاه ~~لأنفسنا وما يأباه علينا شرفنا وإخلاصنا, فها هي وزارتكم فخذوها إليكم فهي ~~ونحن وكل ما تملك أيدينا فداء لأمتنا ووطننا، ولو أنكم إذ أبيتم إلا البقاء ~~في مراكزكم وإلا أن تذهبوا إلى المفاوضة رغم إرادة الأمة وإرادة زعيمها ~~ذهبتم باسمكم وحدكم دون أن تفتحوا باب العرائض والوفود, وتداخلوا الأمة في ~~شأن الثقة والتأييد, فإن عدتم لها بالنجاح شكرت لكم فضلكم وأولتكم ودها ~~وثقتها, وإلا فلا يعنيها من فشلكم وإخفاقكم شيء. # لو أن ذلك كله كان لبقيت الأمة طول حياتها في موقفها الجليل العظيم الذي ~~وقفته في أعوامها الثلاثة الماضية موقف الاتحاد والتضامن والقوة والبأس ~~والعزة والشرف, ولظلت سائرة في طريق جهادها الوطني تحت قيادة زعيمها حتى ~~تصل إلى الغاية التي رسمتها لنفسها, أو تموت من دونها. # فأنتم يا خصوم سعد باشا وخصوم الأمة جميعها المسئولون عن ذلك الشمل ~~المبدد, والأديم الممزق, والجامعة التي تشوه وجهها وزال رونقها وبهاؤها, ~~وعن حوادث الإسكندرية وطنطا وأسيوط وجرجا, وجميع المظالم التي نزلت ~~بالوطنيين الأبرياء في الأشهر # PageV03P244 # السبعة الماضية من قتل وسجن وإعدام وتشريد وتعذيب واضطهاد, وعن تلك ~~النهاية المحزنة الأليمة التي انتهت بها المفاوضة الأخيرة، فاعترفوا بذلك ~~ولا تكتموه الناس عسى أن تجدوا لكم في زوايا بعض القلوب مكانا للرحمة بكم ~~والإشفاق عليكم, ولا تحاولوا إلقاء التبعة على غيركم فتضموا إلى جرائمكم ~~الماضية جريمة العناد والإصرار. # من الذي عهد إليكم بالاشتغال بقضية مصر السياسية، وأين هو المؤتمر الوطني ~~أو الهيئة النيابية أو الجمعية الوطنية التي عهدت إليكم بذلك واختارتكم ~~له؟! ومتى كانت الشئون السياسية ميدانا للتجارب والاختبارات ينزل فيه ms483 كل من ~~أراد أن يجرب حذقه ومهارته؟! # إن الأمة لم توكل في قضيتها غير رجل واحد قد اختار بضعة أفراد منكم فيمن ~~اختاره من أصدقائه ومعارفه للاستعانة بهم على عمله, ثم لم يحمد أمرهم حين ~~أحس منهم الغدر به وبالقضية المصرية فعزلهم وعزلتهم الأمة معه, فما هذا ~~التشبث البارد بعضوية الوفد والوكالة عن الأمة والنطق باسمها والمفاوضة ~~عنها والأمة لا تعرفكم ولا تفهمكم, ولا صلة نفسية بينها وبينكم ولم تعتقد ~~في وقت من أوقاتها أنكم وكلاؤها أو نوابها أو أمناؤها على سياستها # PageV03P245 # حتى أوردتموها بإلحاحكم وفضولكم وسوء سياستكم هذا المورد الوبيل. # لا تلوموا سعدا باشا على فشلكم وإخفاقكم ولوموا أنفسكم، فقد أبلى الرجل ~~البلاء العظيم في نصحكم وتحذيركم, وتنبأ لكم بكل ما وقع لكم اليوم كأنما ~~كان يطالع صحيفة من صحائف الغيب فلم تكترثوا له, ولم تحفلوا بنصحه. # قال لكم: إن المفاوض الإنجليزي لا يحفل ولا يعبأ إلا بمفاوض يعتقد أنه ~~يمثل أمته, وينطق بلسانها نطقا حقيقيا لا تمثيليا, فاتهمتموه بحب الرئاسة ~~والسعي وراء الشخصيات ورميتموه بسوء النية والقصد. # وقال لكم: إن الإنجليز لا يريدون بفتح باب المفاوضة معكم إلا الاستعانة ~~بكم على تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها, وهي القوة الوحيدة التي تملكها ولا ~~تملك غيرها, وألا خير يرجى من هؤلاء القوم لكم ولا لغيركم, فثرتم في وجهه ~~وسمحتم لأنفسكم أن تسيئوا الظن به ولا تسيئوه بالإنجليز. # وقال لكم: احذروا أن تخطوا خطوة واحدة في طريق المفاوضة قبل أن تستوثقوا ~~لأنفسكم بمرسوم سلطاني يحدد موضوع المفاوضة, ويكون أساسا لها فأنكرتم ذلك ~~عليه, وزعمتم أن # PageV03P246 # في أيديكم من الوعود المؤكدة, والأقسام المغلظة ما يغنيكم عن هذا ~~الاحتياط والاستيثاق. # وقال لكم: إن الإنجليز يخافون أكثر مما يستحيون, وإنهم لا يعرفون في ~~السياسة مودة ولا إخاء, وإنهم لا يريدون من استبدال مفاوض بمفاوض إلا الهرب ~~من شدة الأول والطمع في لين الثاني, فسفهتم رأيه وزعمتم أنهم قوم ذوو أخلاق ~~كريمة وآداب عالية وعواطف شريفة وأمزجة رقيقة, وأنهم يمنحون الصديق الذي ~~يحاسنهم أضعاف ما ms484 يمنحون العدو الذي يخاشنهم. # وقال لكم في نهاية الأمر: لا إرادة لي ولا لكم فيما تقضي به الأمة وما ~~تراه في شأني وشأنكم, فلنتحاكم إليها ولننزل جميعا على حكمها, فأكبرتم ذلك ~~منه وسميتموه رجلا ثائرا متمردا لا يخضع لقانون, ولا نظام. # قال لكم كل شيء، وحذركم من كل شيء، فلم تلومونه اليوم وتلقون تبعة ~~إخفاقكم عليه ولم يملأ بغضه صدوركم حتى يصرفكم عن الالتفات إلى عدوكم ~~الحقيقي الذي لعب بكم وعبث بعقولكم, وكون منكم جيشا جرارا لمحاربة أمتكم ~~وتنغيص عيشها وتكدير صفائها حتى إذا قضى حاجته منكم وفرغ من تمزيق شمل ~~الأمة وصدع وحدتها على أيديكم أدار وجهه عنكم, ونبذكم نبذ النواة # PageV03P247 # بلا رحمة ولا شفقة، وهذا هو المعنى الحقيقي للمفاوضة التي أجراها على ~~أيديكم, وهذا هو كل الغرض المقصود منها. # ليسأل عدلي باشا اللورد ملنر عن هذه النتيجة المحزنة التي انتهى إليها ~~أمره، فهو الذي خدعه وغشه ومناه الأماني الكاذبة ووقف به على رأس ذلك ~~الطريق الجميل الذي ظن أنه ينتهي به إلى زعامة الأمة وقيادتها، ثم لم يلبث ~~أن خذله وتخلى عنه، بل استقال من وظيفته حتى لا يتقيد بالوعد الذي وعده ~~إياه. # ليسأل المنشقون "عدلي باشا" عن السقطة الأدبية العظمى التي هوت بهم من ~~سماء العزة والشرف إلى حضيض المهانة والضعة, فهو الذي زين لهم الانشقاق على ~~زعيمهم والخلاف عليه, وأغراهم باتخاذ خطة في السياسة غير خطته, ففعلوا فكان ~~ذلك عاقبة أمرهم وخاتمة مطافهم. # ليسأل الوزاريون جميعا المنشقين والوزراء عن خيبة الأمل التي لحقت بهم ~~والصدمة الكبرى التي اصطدمتها آمالهم وأمانيهم, فهم الذين خلبوهم واستهووهم ~~وأطمعوهم في الجوائز والمنح والوظائف والرتب يوم يتم لهم الانتصار على ~~أيديهم, فلا هم أدركوا ما أملوا، ولا هم بقوا في صفوف أمتهم يعملون معها, ~~ويجاهدون في سبيلها. # PageV03P248 # ليسأل كل منكم صاحبه عن نكبته التي نزلت به, ولا تسألوا سعدا باشا عن شيء ~~ولا تلوموه في أمر, بل اشكروا له فضله عليكم ويده عندكم، فلولاه ولولا ~~جهاده ومعارضته ووقوفه في وجهكم ووجه ms485 مشروعكم وقفة الأسد الهصور, لتمت على ~~يدكم الجريمة الكبرى، جريمة تسليم البلد إلى أعدائه، ولسجل التاريخ عليكم ~~في صحائفه أنكم أصحاب تلك الجريمة ومقترفوها. # أفهمتم الآن أن سعدا باشا أصدق منكم نظرا وأعلى رأيا وأنفذ بصيرة في ~~بواطن الأشياء، وأنه ما كان يعارضكم يوم عارضكم حبا في الرئاسة أو سعيا ~~وراء الشخصيات كما كنتم تزعمون، بل حرصا على مصلحة البلد وضنا بخلاصه ~~وإنقاذه. # أفهمتم الآن أنه لو كان نزل على رأيكم وخضع لأوهامكم وأحلامكم, وهذا هو ~~ذنبه الوحيد الذي تأخذونه به, لدفن معكم في الهوة التي دفنتم فيها اليوم, ~~ولم يبق في الأمة من بعده صوت صارخ ينادي بحريتها واستقلالها. # أفهمتم الآن أنه لا يوجد بينكم رجل سياسي واحد يكتنه بواطن السياسة ~~ويستشف أعماقها، ويدير معركتها الإدارة الكافلة بفوز الأمة وانتصارها, أو ~~بإنقاذها من خطر الوقوع # PageV03P249 # في ربقة الأسر على الأقل، وأنه لو تم على يدكم إسقاط سعد باشا كما كنتم ~~تريدون لطال حزنكم وبكاؤكم يوم تطلبون غيره ليقوم مقامه, ويملأ فراغه فلا ~~تجدون. # ماذا كان يظن أعضاء بعثتكم بأنفسهم يوم ذهبوا للمفاوضة على الصورة التي ~~ذهبوا عليها، وكيف كانوا يتصورون أن المفاوض الإنجليزي يعطيهم الاستقلال ~~تاما أو ناقصا وقد تقدموا إليه بيد فارغة من كل قوة يستطيع المفاوض أن ~~يعتمد عليها في مقارعة خصمه, واستنزاله على حكمه؟ # لا يستطيعون أن يقولوا له: إن الأمة قوية مسلحة تستطيع أن تنتصف لنفسها ~~بنفسها إن لم تنصفوها؛ لأنه يعلم كما يعلمون أنها ضعيفة عزلاء لا تحمل من ~~الأسلحة أكثر من عصي "الساحل" ونبابيت "الحواتكة" ولا أن يقولوا: إنها ~~متحدة يدا واحدة وقد يكون الاتحاد قوة تقوم مقام القوة المادية؛ لأنهم ~~قدموا إليه قبل ذلك الوثائق والمستندات الدالة على أنها منقسمة على نفسها, ~~وأنها فريقان: سعديون وعدليون, يقتتلون في كل مكان يلتقون فيه كما كان يفعل ~~البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا والمسلمون والوثنيون في الهند، ولا أن ~~يقولوا له: إنها متشددة في مطالبها الوطنية لا تقبل فيها مساومة ولا ~~مهاونة؛ لأنهم قالوا له وأقسموا ms486 على ما قالوا: # PageV03P250 # إن أكثريتها قد انفضت من حول سعد باشا والتفت من حولهم، أي: إنها قد ~~تحولت من خطة التشدد والتطرف إلى خطة القناعة والاعتدال، ولا أن يقولوا له: ~~إنها راقية متمدينة تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها؛ لأنه يعلم كيف حصلوا على ~~عرائض الثقة التي قدموها إليه وماذا صنعوا بأمتهم في سبيلها، فماذا يعنيه ~~من أمرهم بعد ذلك؟ # لا رعاكم الله أيها القوم، ولا رعى يوما اتصلنا بكم فيه، فقد أفسدتم ~~علينا كل شأن من شئون حياتنا، وهدمتم بحمقكم وخرقكم وسوء رأيكم في لحظة ~~واحدة ذلك البناء الفخم الجميل الذي قضينا في بنائه ثلاثة أعوام كاملة، ولم ~~تقنعوا منا بذلك حتى جئتم اليوم تمنون علينا بأن بعثتكم قد قطعت المفاوضات, ~~وأن لها ولكم الحق في الافتخار بذلك. # مرحى مرحى! ألم تكن المفاوضات مقطوعة من قبل اليوم على يد سعد باشا! فهل ~~كان غرض البعثة من ذهابها أن تقطعها مرة أخرى حتى إذا تم لها ذلك عادت تفخر ~~بنفسها وتفخرون بها, وتدعون الناس إلى الاحتفال بها عند قدومها! # تريدون أن نحتفل بها لنجدد بذلك عصر الجاهلية الأولى, أيام ضراعة الشعوب ~~وذلها ومهانتها واستخذائها وتقبيلها يد ضاربها حين يضربها وشرب نخب انتصاره ~~عليها؟ # PageV03P251 # تريدون أن نحتفل بها ليتحدث الناس عنا أننا قد رضينا بجميع المظالم التي ~~نزلت بنا وأغضينا جفوننا على قذاها، وغفرناها لها لأتفه الأسباب وأهونها, ~~فيطمع فينا كل طامع ويعبث بحقوقنا كل عابث؟! # أتريدون أن نحتفل بها لتبرز لنا كل يوم هيئة جديدة تفتح باب المفاوضة في ~~القضية المصرية ثم تقفله لتتمتع بكلمات الثناء عليها، ومشهد الاحتفال بها، ~~ونحن فيما بين هذا وذاك هلكى ضائعون؟! # أتريدون أن نحتفل بها قبل أن نعلم هل نفضت يدها من المفاوضة إلى الأبد, ~~أو أنها قطعتها اليوم لتصلها غدا، وهل صرفت النظر عن عرض مشروع كرزن على ~~الأمة أم تريد عرضه من طريق غير طريقها، وهل الوزارة مصممة على الاستقالة ~~أم تريد البقاء في مركزها أم تريد أن تنحل لتتألف مرة ثانية بصورة ms487 أخرى غير ~~صورتها؛ ليبقى لنا شقاؤنا وبلاؤنا الذي نحن فيه مدى الدهر، وهل برئنا من ~~دائها تمام البرء أم لا تزال بقية منه كامنة في أعماق صدورنا, لا نعلم ما ~~الله صانع بها؟! # وبعد, فأين هي المفاوضة التي تزعمون أنها قامت بها, أو أنها قطعتها أو ~~وصلتها؟! # إنها لم تفعل شيئا سوى أنها تقدمت لأداء الامتحان أمام اللورد # PageV03P252 # كرزن في القدرة على حمل مشروعه إلى الأمة, وتنفيذه فيها فأخفقت, فعادت ~~أدراجها. # فهل هذا هو الفخر الذي تزعمونه لها وتنحلونها إياه, وتريدون حملنا ~~بالأساليب الإدارية المعهودة على الاحتفال بها من أجله؟! # إن كان تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها والاستعانة بالقوة الأجنبية على ~~إخضاعها وإذلالها وسفك الدماء البريئة في الساحات والشوارع, وزج الوطنيين ~~المخلصين أفواجا أفواجا في أعماق السجون, وابتياع الذمم والضمائر ومحاولة ~~إفساد الأخلاق القومية في جميع الدوائر والهيئات حتى في المدارس والمعابد ~~والمحاكم, والتفريق بين الوالد وولده والأخ وأخيه والصديق وصديقه والزوج ~~وزوجه, وإفساد سياسة الأمة عليها وإطماع أعدائها فيها, والهبوط بالمفاوضات ~~بعد ذلك كله, وبعد تضحية جميع هذه الضحايا من مشروع ملنر إلى مشروع كرزن ~~مجدا وفخرا يستحق أصحابه الإجلال والإعظام والاحتفاء والاحتفال فرحمة الله ~~على الفضيلة, وليبك الباكون عليها وعلى مصيرها المحزن الأليم. # كونوا أيها القوم كيفما شئتم وأضمروا لنا من النيات ما أردتم, ورتبوا لنا ~~في أذهانكم كل يوم مكيدة جديدة ودسيسة مبتكرة, فمحال أن تنالوا منا منالا ~~أو تصلوا من طريقنا إلى غاية، فسنبني # PageV03P253 # بعون الله وإسعاده كل ما هدمتم ونصلح كل ما أفسدتم، وسنعيد إلى بين ~~حظيرتنا جميع إخواننا الذين أفسدتموهم علينا, واختطفتموهم من صفوفنا, لا ~~نضعف ولا نفتر ولا نهن ولا نيأس، فما خلقت الأمم إلا للجهاد، ولا لذة ~~للحياة إلا بالعمل، حتى يأتي عليكم ذلك اليوم الذي تقتنعون فيه تمام ~~الإقناع بأن في الأمة رأيا عاما جديا, لا يسمح لرأس معوج يريد أن يرتفع على ~~حسابها وحساب ظلمها, وإساءتها بالبروز من مكمنه وأن لا قوة في مصر غير قوة ~~الشعب, ولا حكم فيها ms488 إلا حكمه. # PageV03P254 ### | عبرة الدهر # الآن أمنت على مصر أبد الدهر، وأيقنت أن الباطل ظل زائل لا ثبات له، وأن ~~الحق صخرة عاتية لا تزعزعها العواصف ولا تعبث بها عاديات الأيام. # فقد مرت في غضون الأشهر الفائتة ساعات أعترف أني خفت فيها على الحق أن ~~يغتاله الباطل ويصرعه عندما أشرفت على ذاك الميدان الواسع الفسيح -ميدان ~~المعركة السياسية المصرية- ورأيت ذلك الجيش اللجب العرمرم جيش الباطل زاحفا ~~بخيله ورجله, وفي مقدمته القوة الإنجليزية بمدافعها وطياراتها وصواعقها ~~ورجومها, وفي مؤخرته القوة المصرية ببنادقها وسيوفها وسياطها وعصيها, وفي ~~جناحيه الوزارة يحيط بها أنصارها وصنائعها وذوو الحاجة إليها والمنشقون ~~يحيط بهم خدمهم وفلاحوهم, وأجراؤهم وأهلوهم, وذوو أرحامهم, وفيما بين هذا ~~وذلك الكتاب الكاذبون والخطباء الخادعون والدعاة الخبثاء والجواسيس الدهاة ~~والأحكام العرفية والمجالس العسكرية والقوانين الاستثنائية والأكاذيب # PageV03P255 # والأراجيف والصور والتهاويل وكل ما يمكن أن يسمى قوة يهجم بها هاجم على ~~خصمه ليسلبه في آن واحد قوة جسمه وقوة قلبه وقوة يقينه، وقد ذهبت لذلك ~~الجيش في آفاق السماء جلجلة كجلجلة الرعد القاصف, وانتشر له في جميع ~~الأنحاء بريق يخطف الأبصار ويعشى الأنظار، فالتفت إلى الجانب الآخر من ~~الميدان فرأيت سعدا باشا واقفا في مكانه أعزل لا سلاح معه ولا يحيط به إلا ~~سواد الأمة الأعزل مثله, فانبعثت من صدري صرخة الرعب والخوف, وأيقنت أن ~~الرجل هالك هو وأمته ما في ذلك ريب ولا شك، ثم هجم ذلك الجيش العظيم هجمته ~~الكبرى التي لم يسمع بمثلها في تاريخ هجوم الأقوياء على الضعفاء والتي ~~استمرت سبعة شهور كاملة لا تهدأ ولا تفتر, فثبت الزعيم في مكانه ثباتا ~~غريبا مدهشا وكأنما استحال إلى كرة فولاذية ملساء تتساقط عليها السهام ثم ~~تنزلق عنها, وربما أصابت جسمه بعض الجرحات, ولكن لم يستطع سهم واحد أن ينفذ ~~إلى قلبه, وثبتت الأمة بثباته فلم تهن ولم تضعف، ولم تعبأ ولم تحتفل، ولم ~~تأخذ بلبها الصور والتهاويل، ولم تنل من نفسها الأكاذيب والأراجيف، ولم ~~تعبث بعقيدتها الألسنة الخالبة والأقلام الخادعة، وها هي الأيام قد ms489 أخذت ~~تدور دورتها, فانقلب الجيش المهاجم مدافعا والجيش المدافع مهاجما, ولله في ~~خلقه شئون # PageV03P256 # أنظر إليهم ها هم يتقهقرون، وإن كانوا لا يزالون يضربون، ها هي ألسنة ~~خطبائهم تتلجلج في أفواههم، وأقلام كتابهم تضطرب في أيديهم، ها هي وجوههم ~~قد علتها غبرة الموت وقلوبهم تتنزى بين جوانحهم تنزي الكرة في أيدي ~~ضاربيها، ها هي أصواتهم قد مازجها أنين محزن كأنين المحتضر، وصرخاتهم قد ~~استحالت إلى عواء كعواء الذئاب، ها هم يخلطون ويهذون ويسبون ويشتمون ~~ويصخبون ويحتدمون، أي: إنهم يلجئون إلى السلاح الأخير الذي يلجأ إليه ~~المقهور في ساعته الأخيرة، ها هم يخافون من كل شيء حتى من خطبة يخطبها ~~أزهري في مسجد, أو كلمة يلقيها طالب في متنزه، أو صرخة صرخها صارخ في محفل، ~~ومن همس الهامس في أذن أخيه، ونظرة الناظر في وجه صاحبه، ومن قدوم جماعة من ~~أعضاء مجلس النواب الإنجليزي الأحرار إلى مصر لا يملكون إلا قليلا من الحول ~~والقوة، ومن سفر الزعيم من بلد إلى بلد لا يحمل إلا قلبه, ولا يملك إلا ~~لسانه. # ما بالهم؟! وما الذي دهاهم؟! ومم يخافون والقوة في أيديهم, والأيام ~~مواتية لهم، والدهر نازل على حكمهم؟! نعم، ولكنهم مبطلون، والباطل لا قوة ~~له وإن اجتمعت في يده جميع القوى، # PageV03P257 # تلك عبرة الدهر التي يجب أن يعتبر بها أولادنا وأحفادنا من بعدنا. # فلتقرءوا يا أبناء الأجيال المقبلة هذه الصفحة المجيدة من تاريخ حياتنا؛ ~~لتعلموا أن رجلا واحدا من أبناء أمتكم تمسك بالحق فاستطاع أن يثبت أمام ~~أقوى قوة في العالم، وأن ثباته أنقذ مصر من أعظم نكبة كان يدخرها لها الدهر ~~في طيات تصاريفه، ولتحنوا رءوسكم أمام هذه الذكرى المجيدة إجلالا لها ~~وإعظاما لشأنها، ولتجعلوها مثلكم الأعلى في مستقبل حياتكم، وعبرتكم البليغة ~~التي تغنيكم عن جميع العظات والعبر. # الآن أمنت على مصر أبد الدهر، فما في العالم قوة تستطيع أن تهاجمها أعظم ~~من هذه القوة، وليس في الإمكان أن تحل بساحتها نكبة أهول من هذه النكبة، ~~وما أحسب إلا أن الله تعالى ms490 قد أراد أن يبلوها ويختبرها فامتحنها بهذه ~~المحنة الفادحة؛ ليرى كيف يكون صبرها واحتمالها، وقوة يقينها وإيمانها، ~~فيمنحها من حسن الجزاء على قدر ما تبذل من حسن البلاء، وقد أبلت بلاء لم ~~يبله أحد من قبلها، فلتنتظر الجزاء الأوفى، والمثوبة العظمى، ولتهنأ منذ ~~اليوم بالمستقبل الباهر السعيد. # PageV03P258 ### | إلى أعدائنا ### | 1- # نعم, إنكم أقوياء جدا، بل لا توجد قوة في العالم توازي قوتكم، ولكننا على ~~ضعفنا وخلو أيدينا من السلاح والعدة أقوى منكم؛ لأنكم حاربتمونا بسلاح ~~الخديعة والمكر الذي ألفتم أن تنتصروا به على الشعوب الشرقية قرونا عدة ~~فانهزمتم أمامنا، واستطاع هذا الشعب الشرقي الصغير حديث العهد بالسياسة ~~وأساليبها وألاعيبها ومناوراتها أن يدرك خبايا مقاصدكم ومراميكم، وأن يمزق ~~عن وجوهكم ذلك الستر الكثيف الذي كان يجللها، وأن يقول لكم بصوته العالي ~~المرتفع: لا أقبل الخدع والألاعيب، فإما الاستقلال تاما صريحا لا ريبة فيه، ~~أو لا شيء. # إننا أقوى منكم لأنكم لم تستطيعوا أن تخدعونا عن أنفسنا، ولا أن ~~تستنزلونا عن عقيدتنا ويقيننا، أما تلك القوة الميكانيكية التي تهرعون بها ~~في شوارع البلاد وأزقتها، وتملئون بها وجه الأرض وجو السماء، فهي مما لا ~~يفخر به الفاخر ولا يدل به المدل؛ لأنها # PageV03P259 # شيء، والصفات النفسية والمزايا العقلية شيء آخر. # هل استطعتم بعد مقامكم بيننا أربعين عاما أن تصطنعوا رجلا واحدا من بين ~~هذه الملايين الكثيرة, يحبكم ويخلص لكم؟ # هل استطعتم بعد أن سقط ذلك البرقع الكثيف عن وجوهكم, وبدت للناس صفحتكم ~~أن تجدوا ثمانية أشخاص يؤلفون لكم الوزارة التي تريدونها لتستعينوا بها على ~~تنفيذ مشروعكم؟ # هل تستطيعون أن تزعموا أنكم على ثقة تامة بإخلاص شخص واحد من هؤلاء ~~الموظفين الكثيرين الذين قضى عليهم سوء حظهم أن يعملوا معكم، ويخضعوا ~~لسلطتكم، حتى الذين غمرتموهم منهم بالنعم، وملأتم عليهم ديارهم رغدا وهناء؟ # هل تستطيعون أن تبتاعوا بأموالكم الكثيرة التي لا حد لها قلما مصريا ~~صميما يتولى نشر دعوتكم، وتأييد سياستكم، كما تفعلون في كل مكان حتى في ~~أوروبا وأمريكا؟ # إذن أنتم ضعفاء ونحن أقوياء، ولنا أن ms491 نفخر بهذه القوة التي نعتمد فيها ~~على شرف أخلاقنا، وعزة نفوسنا، ومتانة عقيدتنا، وشدة إخلاصنا لوطننا، وليس ~~لكم أن تفخروا بتلك القوة التي تعتمدون فيها على السيف والنار كما كان يفعل ~~الهون في أوروبا والمغول في آسيا؛ لأنها أقرب إلى صفات الوحشية وغرائزها، ~~منها إلى روح المدنية ومزاجها. # PageV03P260 # نعم, إنكم اعتقلتم سعدا باشا، ولكن بعد أن صرع زعماءكم وقادتكم في ميدان ~~السياسة، وأفسد عليكم تلك المؤامرة العظمى التي كانوا يريدون بها اعتقال ~~مصر واستعبادها إلى الأبد، فقد صودر سعد باشا واعتقل، ولكن مصر قد نجت. # في استطاعتكم أن تصبغوا وجه مصر بالدماء، وأن تملئوا بطنها بالأشلاء، ~~ولكن ليس في استطاعتكم أن تتقوا نظرات الاحتقار والازدراء التي نلقيها ~~عليكم حين نراكم، ولا أن تطفئوا نار الحقد والموجدة التي تنبعث من ألسنتنا ~~وصدورنا إلى وجوهكم، ولا أن تنالوا منالا من تلك العقيدة الراسخة في ~~قلوبنا، وهي أنكم أضعف الضعفاء وإن كنتم أقوى الأقوياء، وأن هذه القوة التي ~~تعتمدون عليها وتدلون بها ليست قوة السياسة ولا قوة الفكرة ولا قوة ~~التدبير، وإنما هي قوة الشر والغضب. # اقتلونا ولكن بأيديكم لا بأيدينا، ألفوا الوزارة ولكن من رجالكم لا من ~~رجالنا، املكوا علينا كل شيء إلا قلوبنا وأفئدتنا، احكمونا باسم الأحكام ~~العرفية والأساليب العسكرية، لا باسم القوانين الشرعية والأحكام السماوية ~~والأرضية، افتخروا بأنكم قمعتم الحركة المصرية وأنكم أخفتم الناس ~~وأرهبتموهم، ولكن لا تفخروا بأنكم حللتم مشكلة مصر إلى الأبد. # PageV03P261 # إنكم لا تحاربوننا من أجل احتلال البلاد فأنتم محتلوها، ولا من أجل ~~الاستيلاء على مواردها وأرزاقها فهي جميعها تحت سلطتكم وسيطرتكم، ولا من ~~أجل إطفاء الثورة وقمعها، فالأمة التي لا سلاح لها لا ثورة فيها، ولكنكم ~~تحاربوننا من أجل إرغامنا على الاعتراف بمركزكم الشرعي في مصر، وما دمتم لم ~~تصلوا إلى هذه الغاية بعد بذلكم ما وهبكم الله من دهاء سياسي وحيلة عقلية ~~في هذا السبيل، فنحن المنتصرون وأنتم المنخذلون. # PageV03P262 # إلى أعدائنا: ### | 2- # ماذا جنى الرجل عليكم فتنفوه إلى أقصى بقعة من بقاع الأرض, وما هو بثائر ms492 ~~ولا محارب ولا عرف له الناس موقفا يدعو فيه بدعوة الجاهلية الأولى, أو ينطق ~~فيه بكلمة الدم التي ينطق بها الثائرون في كل شعب وأمة ليستثيروا بها حفائظ ~~النفوس, ويدفعوا بها الرجال إلى مواطن الموت؟! # أين هو الجيش الذي قاده لمحاربتكم، وأين هي الجموع التي سلحها وزحف بها ~~عليكم، وأين هي الثورة التي أشعل نارها، أو الفتنة التي أحيا مواتها، ~~فتعاقبوه هذا العقاب الشديد الذي اعتدتم أن تعاقبوا به زعماء الثورات وقواد ~~المؤامرات؟! لا بل إنكم ما عاقبتم زعماء أعدائكم الذين رووا الأرض بدمائكم، ~~وغطوا وجهها بأشلائكم، ونالوا منكم أشد ما ينال محارب من محاربه بمثل هذا ~~العقاب المؤلم الشديد، وقد كنتم تزعمون ويزعم كثير من الناس لكم أنكم أمة ~~العدل والقانون، وأن الشمس لا تطلع في مدار # PageV03P263 # من مداراتها على محكمة مثل محكمتكم، وقضاة مثل قضاتكم، وميزان قسط وإنصاف ~~مثل ميزان قسطكم وإنصافكم. # إن الرجل لم يكن جبانا ولا رعديدا، ولا من المغرقين في حب حياتهم أو ~~الضانين بها على مواقف المجد والشرف، ولو شاء أن يشعل نار الثورة في كل ~~مكان وأن يقود الرجال إلى موطن الموت لفعل، ولكنه لم يفعل ولا فكر في شيء ~~من ذلك، لأنه من فريق الدعاة لا من فريق الثوار، ولأنه رجل عاقل حكيم لا ~~يخطو الخطوة الواحدة حتى يقدر لها موضعها، وكانت لهجته الدائمة التي لا ~~تفارقه في جميع مواقفه ومشاهده الدعوة إلى السكون والهدوء والعمل في دائرة ~~القانون والنظام والمطالبة بالحقوق الوطنية بالطرق المشروعة السائغة، أي: ~~إنه كان رجل حجة وبرهان لا رجل نزال وطعان، فلماذا لم تعرفوا له هذا الشعور ~~الطيب الشريف الذي كانت تشتمل عليه سريرة نفسه؟ ولم لم تحترموا فيه تلك ~~العاطفة الطاهرة الكريمة التي كانت تتدفق بين جنبيه شرفا ونبلا، وتسيل رحمة ~~وإحسانا؟ # إنكم أقوياء جدا، وما نازعكم في ذلك منازع، وها هي جيوشكم وأساطيلكم ~~وأسلحتكم ودباباتكم وطياراتكم تملأ البحار والقفار، السهول والجبال، ~~والتهائم والنجود، والشوارع والأزقة، # PageV03P264 # والأجواء والآفاق، فماذا عليكم لو أنكم تركتم الرجل في مكانه ms493 هادئا ~~مطمئنا لا تهيجونه ولا تزعجونه، حتى إذا أثار عليكم الثائرة التي تخشونها ~~لجأتم إلى قوتكم فقمعتموها كما تفعلون اليوم وقد قامت لكم الحجة عليه, ~~واعتصمتم في أمره باليقين الذي تطمئن إليه نفوسكم، وتنقطع به حجج المؤاخذين ~~لكم والناقمين عليكم، وإن كانت الأخرى كفيتم أنفسكم وكفيتمونا معكم هذا ~~الشر المستطير بيننا وبينكم، وحقنتم تلك الدماء التي سالت في بطاح الأرض ~~بلا جريرة, ولا سبب! # نؤكد لكم يا قوم أن الأمة المصرية لم تكن آلة في يد سعد باشا يصرفها كيف ~~يشاء كما وهمتم, أو كما أوهمكم ذلك الضعفاء منا، وأن روح الوطنية المنتشرة ~~فيها ليست روحا صناعية كاذبة يحييها وجوده ويميتها نفيه، وأن نفيه إلى أقصى ~~بقعة من بقاع الأرض بل الذهاب به إلى مصير أعظم ويلا وهولا من هذا المصير ~~لا يحل عقدة واحدة من عقد المسألة المصرية، ولا يغير وجها واحدا من وجوهها، ~~ولا ينتقل بها خطوة من مكانها، أي: إنه لا يسمح للمستوزرين بتأليف الوزارة ~~التي يريدونها، ولا براحتهم وهدوئهم فيها إن هم ألفوها، ولا يفسح لأولئك ~~القوم الذين تسمونهم المعتدلين ونسميهم المساكين، مجالا أوسع من المجال ~~الذي يضطربون # PageV03P265 # فيه، ولا يفتح في جدار الوطنية ثغرة صغيرة تتمكن مكيدة المشروع الكرزوني ~~أو الملنري من الانحدار منها، وأنكم لم تستفيدوا من كل ما عملتم شيئا سوى ~~أنكم ظلمتم الرجل وبؤتم بإثمه، لا أكثر من ذلك ولا أقل. # ماذا جنى سعد باشا عليكم سوى أنه كان يطالبكم بحقه وحق بلاده بالحجة ~~والبرهان، ولا يوجد في تاريخ من تواريخ الأمم القديمة أو الحديثة قانون ~~متمدين أو متوحش يعتبر هذا العمل جريمة يعاقب عليها صاحبها بإزعاجه من ~~مأمنه, وإقصائه عن أرضه, ووضع ذلك السد المنيع بينه وبين جمال الحياة ~~ورونقها. # لم تنتزعونه من سرير نومه قبل أن تنبعث الطير من وكناتها, وتطيرون به إلى ~~ذلك المنفى القصي البعيد الذي لا يعلم إلا الله ما يكون مصيره فيه, وما هو ~~بقاتل ولا سارق ولا مختلس ولا داع إلى ضلالة ولا قائم بفتنة ms494 ولا طالب شيئا ~~سوى أن يعيش هو وقومه أحرارا كما تعيش الطيور في أجوائها, والسوائم في ~~مراتعها, والأسماك في دأمائها؟ # لم لم ترحموا شيخوخته ومرضه وأنه رجل أعزل ضعيف, لا يملك من القوى غير ~~لسانه الذي يذود به عن وطنه وقومه؟ # PageV03P266 # ومتى كانت الألسنة والأقلام جيوشا وجحافل تنازلها الجيوش والجحافل؟! # لم لم تحاجوه وتقنعوه بحقكم الذي تزعمونه لأنفسكم بدلا من أن تقولوا له: ~~"إما السكوت وإما النفي"؟! # ما أغرب شأنكم أيها القوم وما أعجب تصوراتكم! أفيما بين يوم وليلة ~~تنقلبون معنا من أصدقاء أوفياء تجالسوننا على منضدة واحدة لتفاوضونا على ~~قاعدة الحرية والمساواة والود والإخاء إلى أعداء حاقدين واجدين تسفكون ~~دماءنا وتمزقون أشلاءنا, وتشردون زعماءنا تحت كل نجم وكوكب وموقفنا موقفنا ~~لم يتغير ولم يتبدل سوى أننا وقفنا لحظة أمام المشروع الذي قدمتموه إلينا ~~ننعم النظر فيه, هل هو استقلال حقيقي كما تقولون أم شيء غير ذلك تسمونه ~~استقلالا؟ # نقسم لكم بالله لقد جعلتمونا نرتاب فيكم، وفي كل ما تطلع عليه شمسكم، ~~وتفيء عليه ظلالكم، وفي الريح التي تهب من أرضكم، والماء الذي ينحدر من ~~بحركم، بل وفي العلم الذي تشتمل عليه كتبكم، والمحور الذي تدور عليه ~~مدنيتكم، ولقد مرت بنا أيام كنا لا نتمنى على الله فيها شيئا سوى أن نصل في ~~المدنية إلى الذروة التي وصلتم إليها، فقد أصبحنا ولا أبغض إلينا من التشبه ~~بكم، # PageV03P267 # والتخلق بأخلاقكم، والسير على آثاركم، مخافة أن تصبح مدنيتنا في مستقبل ~~أيامها مدنية وحشية, لا عهد فيها ولا ذمام. # سنأكل الشيح والقيصوم إن عز الطعام إلا من أيديكم، ونلبس الجلود والفراء ~~إن أقفرت الأرض إلا من مصانعكم، ونشرب الملح الأجاج إن أبى العذب الزلال أن ~~ينبع إلا في أرضكم، ونعيش في الظلمة الداجية إن أبت الشمس أن تشرق إلا من ~~آفاقكم، وسنخلع عن أرضنا ثوب الخصوبة والجمال ونلبسها ثوب القحط والجدب ~~لنقطع سبيل مطامعكم فيها، ونكدر عليكم صفاء العيش بين ظلالها وأمواهها، غير ~~شاكين ولا متبرمين، فلا خير في نعمة يكدرها الذل، وبعدا ms495 لماء لا يشربه ~~شاربه إلا ممزوجا بدم. # إن في السماء إلها، وإن في الأرض عدلا، وإن العناية الإلهية التي تضم إلى ~~أجنحتها ضعف الضعيف وبؤس البائس ومظلمة المظلوم أرحم من أن لا تحفل بهذه ~~الدموع التي تذرفها الأمة؛ حزنا على شيخها الشهيد المظلوم. # رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... غمامة هذا العارض المتألق # PageV03P268 ### | إلى سعد باشا: في منفاه # في الساعة التي نزلت فيها إلى قاع السفينة "نوراليا" لتفارق هذا العالم ~~كله إلى جزائر "سيشيل" صعد خصومك إلى كراسي مناصبهم فرحين متهللين يهنئ ~~بعضهم بعضا، ويبسم بعضهم إلى بعض، ولا أعلم هل تلك الحمرة الخفيفة التي ~~جالت في وجوههم في تلك الساعة كانت خالصة كلها للسرور والغبطة، أم كان ~~يمازجها شيء للخجل والحياء، ولعلها كانت الثانية، فإني من لا يعتقد أن ~~الضمير الإنساني إذا جمد ينتهي به جموده إلى الموت. # أنت سجين وهم مطلقون، أنت معذب وهم ناعمون، أنت مستوحش منفرد في قفرة ~~جرداء لا أنيس لك فيها ولا سمير إلا بضعة أفراد مثلك مستوحشين منفردين, وهم ~~مؤتنسون بالعيش في قصورهم وبساتينهم وملاعبهم ومسارحهم بين نسائهم وأولادهم ~~وصحبهم وخلانهم، أنت مكتئب حزين يتقاسم قلبك همان؛ هم نفسك وهم قومك، وهم ~~فرحون متهللون، يطفرون ويمرحون، # PageV03P269 # ويطيرون بأجنحة سرورهم وحبورهم في كل جو وافق، لا يخالط نفسهم هم واحد. # ولكن هل أنت على ذلك شقي؟ وهل هم على ذلك سعداء؟ # لا, لقد كان لهم أمنية؛ أن تغيب عنهم فيغيب عنهم اسمك وذكرك، وضوضاؤك ~~وجلبتك، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فالنفوس ثائرة، والقلوب واجدة، والهتاف ~~باسمك يملأ الآفاق والأجواء، والدعاء بثأرك يلاحقهم في كل مكان يسيرون فيه، ~~وعيون الحقد والبغضاء تضرب حولهم نطاقا ناريا لا سبيل لهم إلى التفلت منه ~~والخروج من دائرته، فأنت الحر الطليق، وهم الأسراء المسجونون، ولكنهم ~~يتجلدون ويصابرون. # أنت تعيش من فضيلتك وشرفك، ومن رضاك عن نفسك واغتباطك بأداء واجبك، ومن ~~راحة ضميرك واستقراره، وهدوء نفسك وسكونها، في أرحب من رقعة الأرض وأفسح من ~~ديباجة السماء، وهم يعيشون من وخزات ms496 ضمائرهم، وقلق نفوسهم، ووساوس صدورهم، ~~وخوفهم على تلك اللقيمات الملفوظات التي هي كل ما ظفروا به من حياتهم أن ~~تهب عليها عاصفة من العواصف, فتطير بها وتطير بهم معها، ومن شبحك الهائل ~~المخيف الذي لا يفارق مضاجعهم، ولا يبرح يقظتهم ومنامهم، # PageV03P270 # ولا يزال يتمثل لهم في طعامهم الذي يطعمون، وشرابهم الذي يشربون، وفي ~~جميع ما تمتد إليه عيونهم، وتتصل به أسماعهم، في أضيق من كفة الحابل, وأضنك ~~من عيش السجين. # لا سجن في الدنيا غير سجن النفس، ولا حرية فيها غير حريتها، وليست سعادة ~~المرء بمقدار ما يحيط بجسمه من الفضاء، بل بمقدار ما يحيط بنفسه منه. # فما سجنك الذي تعيش في جوه الموحش المكتئب, وبين جدرانه المتقاربة ~~المتدانية بمانعك من أن تطير بنفسك العالية الخفاقة فيما تشاء من الآفاق ~~والأجواء، وأن تتمتع برؤية هياكل مجدك وعظمتك المقامة لك على ضفاف النيل من ~~طيبة إلى الإسكندرية، وأن تسمع دقات القلوب الخافقة بحبك، وأحاديث النفوس ~~الهاتفة بذكرك. # وما فضاؤهم الرحب الفسيح الذي يحيط بهم بمجد عليهم شيئا إذا حاولوا ~~الحركة والاضطراب فيه؛ لأنهم يعلمون أنهم يعيشون في أمة قد وتروها وآسفوها، ~~وغرسوا الحقد والبغضاء في صدورها، فهم على قوتهم وبأسهم، وعلى ضعفها ~~وتجردها من كل سلاح وعدة، يخشونها ويخافونها، ولا يطيقون أن يحتملوا ~~نظراتها النارية التي تلفح وجوههم، ولا صرخاتها الدموية التي تدوي # PageV03P271 # في آذانهم، فهم دائما فارون مطاردون كأنهم بعض المجرمين، لا عمل لهم في ~~حياتهم سوى أن يسائلوا أنفسهم: أين يعيشون؟ وكيف يعيشون؟ # إنهم لم يريدوا مطاردة جسمك بل نفسك، ونفسك باقية في مكانها لم تبرحه، ~~ولم يعتقلوك من أجلك، بل من أجل القضاء على الروح الوطنية من بعدك، والروح ~~الوطنية نامية زاهرة تضرب أعراقها في أعماق القلوب، وتهفو ذوائبها في آفاق ~~السماء، ولم ينقموا عليك حياتك ولا وجودك، بل وقوفك في وجه متعتهم بمناصبهم ~~التي هي كيان حياتهم وقوام أمرهم، والتي لا سبيل لهم إلى العيش إلا في ~~ظلها، ولا الحياة إلا في دائرتها، ومناصبهم منغصة مهددة هي ms497 هامة اليوم أو ~~غد. # فهم لم يفقدوا إلا وجهك، ولم ينالوا إلا من جسمك، ولم يحصلوا في أيديهم ~~من كل ما عملوا إلا على إثم الجريمة وعارها. # آه يا سيدي لو تيسر لك أن تراهم لرأيت قوما معذبين متألمين, حائرين ~~ذاهلين, لا يهنئون في نوم ولا يقظة، ولا يهدءون في سكون ولا حركة، قد ضاقت ~~بهم الحيل، وتشعبت بهم السبل، وانتشرت عليهم الآراء والأفكار، لا يعلمون ~~ماذا يأخذون وماذا يتركون، لا عمل لهم في حياتهم سوى # PageV03P272 # أن يسائلوا أنفسهم ليلهم ونهارهم: ألا يستطيع هؤلاء الناس أن يرضوا منهم ~~بدون عودتك، وعودتك موتهم الأحمر وشقاؤهم الأكبر؟ # ينثرون الذهب على الناس نثرا ليتألفوهم ويستدنوهم, فيلتقطونه وهم ~~يلعنونهم؛ لأنه مالهم قد أخذوه منهم ثم نثروه عليهم. # يوزعون الرتب والنياشين على الخاملين والمغمورين ليكونوا أعوانهم ~~وأنصارهم بدل الأعوان والأنصار، فيمنحونهم من ألسنتهم ووجوههم ما لا ~~يمنحونهم من قلوبهم وأفئدتهم؛ لأن الحب لا يشترى بالأسماء والألقاب. # يخلعون الوظائف الكبرى والمناصب الخطيرة على صغار الموظفين وأحداثهم ~~ليخلبوهم ويبهروا عقولهم, فلا يصنعون لهم شيئا سوى أن يجاملوهم في مجالسهم ~~ببعض ما يحبون، فإذا خرجوا من عندهم خرجوا هازئين بهم ساخرين. # يبتاعون أقلام فقراء الكتاب وضعفائهم ليكتبوا لهم ما يحط من شأنك ويرفع ~~من شأنهم, فيفعلون كارهين متبرمين؛ لأن القلم لا يجد لذة المراح والجولان ~~إلا في ميدان الصدق والاعتقاد. # PageV03P273 # يصيحون في الناس بلهجة الخبثاء الماكرين: أبشروا أيها الناس, فقد جئناكم ~~بالاستقلال الذي هو خير لكم من سعد, فيجيبونهم بهدوء وسكون: لو كان صحيحا ~~ما تقولون, لكان سعد أول من يتمتع به لأنه صاحبه. # يحلفون لهم بالله جهد أيمانهم أنهم لا يريدون بهم إلا خيرا, ولا يضمرون ~~لهم إلا ما يحبون فيقولون لهم: ولماذا إذن نفيتم سعدا؟ # يحاولون بكل ما يعرفون من الوسائل أن يفصلوا بين قضيتك وقضية مصر, فكأنما ~~يحاولون الفصل بين الشمس وشعاعها, والنار وحرارتها، والمقدمة ونتيجتها. # يصخبون أخيرا ويحتدمون ويقولون: إن التشبث بعودة سعد مسألة شخصية، ~~فتتجاوب الأصداء من كل ناحية: هبوا أن الأمر كما ms498 تقولون، وهل تشبثكم ~~بمناصبكم وعضكم عليها بالنواجذ ومخاطرتكم بكل شيء في سبيلها مسألة غير ~~شخصية؟! # فأنت يا مولاي قذى عيونهم، وغصة حياتهم، وشغل قلوبهم وأفئدتهم، والحجة ~~القائمة عليهم أحسنوا أم أساءوا، أعطوا أم منعوا، نفعوا أم أضروا. # ولقد تحدثهم نفوسهم أحيانا بالتخلي عن تلك المناصب # PageV03P274 # الشقية وتوديعها إلى الأبد سآمة وضجرا، وضيقا وحصرا، ولكن يحول بينهم ~~وبين ذلك علمهم أن الأوان قد فات، وأن الأمة لا تغفر لهم ذنوبهم، ولا تقيل ~~لهم عثراتهم، وأنهم لا يستطيعون أن يجدوا في فضاء الأرض ذات الطول والعرض ~~ظل حصاة يلجئون إليه من نقمة الأمة وغضبها، فلا يجدون لهم بدا من أن ~~يستمروا قابعين وراء تلك الأكمة التي تحميهم وتذود عنهم، وربما كانوا يبكون ~~وراءها دما. # فمثلهم كمثل الفارة من بيت أبيها إلى بيت خليلها، يلحقها الندم، وتضيق ~~بها ساحة العيش، فتود لو رجعت إلى بيتها الأول، ولكنها لا تستطيع. # وكأنهم بحماتهم وقد ملوهم وسئموهم، وضجروا بمكانهم؛ لأنهم ما منحوهم هذه ~~المناصب حبا وإيثارا، أو منة وفضلا، بل ليمهدوا لهم السبيل إلى ذلك الاتفاق ~~الذي يريدونه، ويقوموا لهم بوظيفة تحويل شعور الأمة إلى سياستهم، واقتيادها ~~إلى حظيرتهم، من طريق الكيد والدهاء، لا من طريق القوة والعنف، وقد عجزوا ~~عن ذلك، فلم يبق لهم سبيل إلى البقاء. # وكذلك ينتقم الله لك منهم يا مولاي انتقاما تهتز له أقطار # PageV03P275 # الأرض، وتضطرب له أكناف السماء، وكذلك يسجل لهم التاريخ في صفحاته من ~~العار والشنار ما سجل لأمثالهم من الخارجين المارقين. # مولاي! # لا الشمس الطالعة من مشرقها صفراء كالذهب تنشر الأضواء في الآفاق, وتعابث ~~بأشعتها اللامعة المتلألئة ذوائب الأشجار وقمم الجبال ورءوس الهضاب, وتبعث ~~الأزهار من أكمامها والطيور من أوكارها. # ولا البدر السائر في سمائه بعظمته وجلاله بين حاشية من كواكبه ونجومه، ~~يمسح بليقته الفضية جبين السماء، ويمزق حجب الظلام عن وجه الغبراء. # ولا الربيع المقبل في أثواب زهوره ورياحينه، ومطارف غدرانه وجداوله، يوشي ~~بساط الأرض بأبدع الألوان وأبهاها، ويملأ الفضاء الرحب بأطيب الروائح ~~وأعبقها. # ولا الطيور الصادحة ms499 على أفنانها توقع نغماتها على خرير الماء, وتترجم في ~~توقيعها عن شجو النفوس وحنينها، وخفقان القلوب وأنينها. # ولا أحلام الحياة اللذيذة المنبعثة في النفوس انبعاث الراح في الأجسام، ~~تحيي مواتها، وتثتثير نشوتها، وتهز أعطافها، # PageV03P276 # وتذيقها حلاوة المنى, ولذة الأمل. # ولا الدنيا وجمالها، ولا الأرض وبهجتها، ولا السماء وزينتها، ولا البحار ~~وروعتها، ولا المروج وخضرتها، ولا الأزهار ونضرتها، بقادرة على أن تنسينا ~~أيامك الغر البواسم التي كانت غرر الدهر وحجوله، وزينة الدنيا وبهجتها، ولا ~~بمستطيعة أن تنزع من بين قلوبنا مرارة الحسرة على فراقك، واللهف إلى لقائك، ~~فمتى يجمع الله بيننا وبينك! # لا أوحشت دارك من شمسها ... ولا خلا غابك من أسده # PageV03P277 ### | منتخبات من شعر المؤلف # ... # وصف القلم: # يا يراعي لولا يد لك عندي ... عفت نظمي في وصفك الأشعارا # يا يراع الأديب لولاك ما أص ... بح حظ الأديب يشكو العثارا # غير أني أحنو عليك وإن لم ... تك عونا في النائبات وجارا # أنت نعم المعين في الدهر لولا ... أن للدهر همة لا تجارى # يتجلى في النفس شمس نهار ... في دجى الليل تبعث الأنوارا # جمع الله فيه بين نقيضي ... ن فكان الظلام منه نهارا # فهو حينا نار تلظى وحينا ... جنة الخلد تنثر الأزهارا # PageV03P280 # وتراه ورقاء1 تندب شجوا ... وتراه رقطاء2 تنفث نارا # وتراه مغنيا إن شدا حر ... ك بين الجوانح الأوتارا # وتراه مصورا يرسم الحس ... ن ويغري برسمه الأبصارا # فتخال القرطاس صفحة خد ... وتخال المداد فيه عذارا # هو جسر تمشي القلوب عليه ... لتلاقي بين القلوب قرارا # صامت تسمع العوالم منه ... أي صوت يناهض الأقدارا # فهو كالكهرباء غامضة الكن ... ه وتبدو بين الورى آثارا # كم أثار اليراع خطبا كمينا ... وأمات اليراع خطبا مثارا PageV03P281 # قطرات من بين شقيه سالت ... فأسالت من الدما أنهارا # كان غصنا فصار عودا ولكن ... لم يزل بعد يحمل الأثمارا # كان يستمطر السماء فحال ال ... أمر فاستمطر العقول الغزارا # يسعد الناس باليراع ويلقى ... ربه ذلة به وصغارا # وا شقاء الأديب هل وتر1 الده ... ر فلا زال طالبا منه ثارا # أرفيق المحراث يحيا سعيدا ms500 ... ورفيق اليراع يقضي افتقارا # ما جنى ذلك الشقاء ولكن ... قد أراد القضاء أمرا فصارا # ليس للنسر من جناح إذا لم ... يجد النسر في الفضاء مطارا PageV03P282 # حاسبوه على الذكاء وقالوا ... حسبه صيته البعيد فخارا # أوهموه أن الذكاء ثراء ... فمضى يسحب الذيول اغترارا # يحسب النقد للقصيدة نقدا ... ويرى البيت في القصيدة دارا # ليس بدعا من هائم في خيال ... أن يرى كل أصفر دينارا # إن بين المداد والحظ عهدا ... وذماما لا يلتوي وجوارا # فاللبيب اللبيب من ودع الطر ... س وولى من اليراع فرارا # على لسان عامل فقير: # زاحفت أيامي وزاحفنني ... دهرا فلم تنكل ولم أنكل1 PageV03P283 # لا عزمها واه ولا عزمتي ... تصادم الجندل بالجندل # رمت فلم تبق على مفصل ... لكنها طاشت عن المقتل # وليتها أصمت1 فما أبتغي ... من عيشها إن أنا لم أقتل # لا خير في الصبر على غمرة ... لا يأمل الصابر أن تنجلي # صبرت في البأساء صبر الذي ... قيد إلى القتل فلم يحفل # لا فضل في الصبر لمستسلم ... عي عن الفعل فلم يفعل # عشرون عاما لم تحل حالتي ... ما أشبه الآخر بالأول # أغدو إلى المعمل في شملة2 ... خرقاء لم تكس ولم تشمل PageV03P284 # كأنها برقع مصرية ... لا تحجب الوجه عن المجتلي # تنم عن جسمي كما نم عن ... نفسي غزير المدمع المرسل # يميل بي الهم مميل النقا ... بين جنوب الريح والشمأل # فمن رآني ظن بي نشوة ... أجل بكأس الحزن لا السلسل # أقضي نهاري مقبلا مدبرا ... كأنني الآلة في المعمل # وصاحب المعمل لا يرتضي ... مني بغير الفادح المثقل # فإن شكوت النزر1 من أجره ... برح بي شتما ولم يجمل # حتى إذا عدت إلى منزلي ... وجدت سوء العيش في المنزل # أرى أيامي يشتكين الطوى ... إلى يتامى جوع نحل PageV03P285 # أبيت والأجفان في سهدها ... كأنما شدت إلى يذبل1 # بين صغار سهد في الدجى ... يذرون دمع الثاكل المرمل # بين ضعيف الخطو لم يعتمد ... وشاخص في المهد لم يحول2 # يدعون أما تتلظى أسى ... حذار يوم الحادث المثكل # ووالدا عي بإسعافهم ... في العيش عي الفارس الأعزل # ما زال ريب الدهر ينتابني ... بالمعضل الفادح ms501 فالمعضل # حتى رماني بالتي لم تدع ... إلا بقايا الروح في هيكل3 # فها أنا اليوم طريح الضنى ... وليس غير الصبر من معقل PageV03P286 # في لفحة الرمضاء لا أتقي ... وهبة النكباء لا أصطلي1 # هذا هو البؤس فهل من فتى ... تم له في البؤس ما تم لي # وقال ينعى على جماعة الفوضويين مذهبهم في قتل الملوك, ويشير إلى حادثة ~~الفوضوي الذي وضع منذ سنوات قنبلة في طريق الفونس الثالث عشر ملك أسبانيا ~~وهو عائد من الكنيسة مع عروسه في يوم حفلة قرانه, فأصابت القنبلة خيل ~~المركبة وقتلت بعض الحاشية, ونجا الملك وعروسه وقبض على الفوضوي فقتل: # أيها الفاتك الأثيم رويدا ... كل يوم تكيد للتاج كيدا # لا أرى التاج في البرية إلا ... فلكا دائرا وأخذا وردا # يتخطى الرءوس رأسا فرأسا ... ماشيا في العصور عهدا فعهدا PageV03P287 # فمحال أن يهدم المرء صرحا ... أعجز الدهر بأسه أن يهدا # عبثا تقتل الملوك وعذرا ... لك فيهم لو كنت تحمل حقدا # آفة العقل أن يرى الحمد ذما ... ويرى الخطة الدنيئة حمدا # لا يبالي بالموت من عرف المو ... ت ومن لا يرى من الموت بدا # غير أن الآجال فينا حدود ... كل حي تراه يطلب حدا # أي جفن أجريت منه دموعا ... كان لولاك في السماكين بعدا # أي روع أسكنته في فؤاد ... كان في فادح الحوادث جلدا # ما بكى الفونس خشية بل غراما ... ودموع الغرام أشرف قصدا # إن قلب الجبان يخفق رعبا ... غير قلب المحب يخفق وجدا # PageV03P288 # كان بين الحياة والموت شبر ... بدل النحس في مجاريه سعدا # فرأينا القتيل يعمر قصرا ... وغريم القتيل يعمر لحدا # أنت تقضي والله يقضي بعدل ... في البرايا والله أكبر أيدا1 # جمرة أطفأ القضاء لظاها ... فغدا جمرها سلاما وبردا # إن للمالك الكريم قلوبا ... وقفت بينه وبينك سدا # فافتدته فكن خير فداء ... لمليك وكان نعم المفدى # في الوجديات: # سقاها وحيا تربها وابل القطر ... وإن أصبحت قفراء في مهمه قفر # طواها البلى طي الشباب رداءه ... وليس لما يطوي الجديدان2 من نشر ~~PageV03P289 # مرابض آساد ومأوى أراقم ... تجاور في قيعانها الغيل بالجحر1 # يكاد يضل ms502 النجم في عرصاتها2 ... ويزور عن ظلمائها البدر من ذعر # لقد فعلت أيدي السوافي بنؤيها3 ... وأحجارها ما يفعل الدهر بالحر # وقفت بها في وحشة الليل وقفة ... أثار شجاها كامن الوجد في صدري # ذكرت بها العهد القديم الذي مضى ... ولم يبق منه غير بال من الذكر # وعيشا حسبناه من الحسن روضة ... كساها الحيا منه أفانين من زهر # فأنشأت أبكي والأسى يتبع الأسى ... إلى أن رأيت الصخر يبكي إلى الصخر # وما حيلة المحزون إلا لواعج ... تفيض بها الأحشاء أو عبرة تجري ~~PageV03P290 # وما أنس م الأشياء لا أنس ليلة ... جلاها الدجى قمراء في ساحة القصر # كأن النجوم في أديم سمائها ... سفائن فوضى سابحات على نهر # كأن الثريا في الدجنة طرة1 ... مرصعة الأطراف باللؤلؤ النثر # كأن سهيلا حاسد كلما رأى ... أخا نعمة يرميه بالنظر الشزر2 # كأن السها3 حق تعرض باطل ... إليه فألقى دونه مسبل الستر # كأن الدجى فحم سرى في سواده ... من الفجر نار فاستحال إلى جمر # كأن نسيم الفجر في الجو خاطر ... من الشعر يجري في فضاء من الفكر # وفي القصر بين الظل والماء غادة ... تميس بلا سكر وتنأى بلا كبر ~~PageV03P291 # تريك عيونا ناطقات صوامتا ... فما شئت من خمر وما شئت من سحر # لهوت بها حتى قضى الليل نحبه ... وأدرجه المقدار في كفن الفجر # لعمرك ما راحت بلبي صبابة ... ولا نازعتني مهجتي سورة1 الخمر # ولا هاجني وجد ولا رسم منزل ... عفاء ولكن هكذا سنة الشعر # ومن كان ذا نفس كنفسي قريحة ... من الهم لا يعنى بوصل ولا هجر # كأني ولم أسلخ2 ثلاثين حجة ... ولم يجر يوما خاطر الشيب في شعري # أخو مائة يمشي الهوينا كأنه ... إذا ما مشى في السهل في جبل وعر # إذا شاب قلب المرء شاب رجاؤه ... وشاب هواه وهو في ضحوة العمر ~~PageV03P292 # حييت بآمالي قلما كذبنني ... قنعت فلم أحفل بقل ولا كثر # وأصبحت لا أرجو سوى الجرعة التي ... أذوق إذا ما ذقتها راحة القبر # وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر # جزى الله عني اليأس خيرا فإنه ms503 ... كفاني ما ألقى من الأمل المر # وراض جماحي للزمان وحكمه ... بما شاء من عدل وما شاء من جور # فما أنا إن ساء الزمان بساخط ... ولا أنا إن سر الزمان بمغتر # وقال في شأن غني من الأغنياء غلبته المدنية الحديثة على بساطته الطبيعية, ~~فابتنى قصرا فخما كان سببا في فساد حاله, وسوء مصيره: # يا صاحب القصر الذي شاده ... فاستنفد المذخور من وجده1 # أقمته كالطود في هضبة ... ترد عادي الدهر عن قصده PageV03P293 # أزرته الأبراج في جوها ... فانتظم الأنجم في عقده # أطلعت فيه كوكبا دانيا ... أغنى عن الشاسع في بعده # قلصت ظل الليل عنه وما ... رعيت حق الله في مده # أنشأت روضا زاهرا حوله ... يعطر الكون شذا نده # ورحت بالرتبة في صدره ... تدل دل الملك في جنده # كأنما الرتبة كل الذي ... ينيله الكوكب من سعده # هب أنه اللوفر1 في حسنه ... أو قصر بوكنهام2 في جده # وهبك روكفيلر3 تحوي الذي ... يضلل الحاسب في عده # فالمال إن أجهده ربه ... فالفقر والعدم مدى جهده PageV03P294 # والمال كالطائر إن هومت ... حراسه طار إلى فنده1 # والمجد للمال وكل الذي ... تراه من مجد فمن مجده # هذا شهاب ساطع مشرق ... والليلة الليلاء من بعده # بنيت للبنك فأغنيته ... بجدك المبذول عن جده # بنيت ما لو قدروا قدره ... لقيل هذا الميت في لحده # وأدت فيه الأمل المرتجى ... حيا ولم تأس على وأده # أغمدت فيه صارما طالما ... تثلم الدهر على حده # واريت فيه ولدا ليته ... قضى قرير العين في مهده PageV03P295 # وليته ما شب في زخرف ... يبكي يد الدهر على رغده # فليس من يأسى على مطلب ... ناء كمن يأسى على فقده # غدرت بالبيت الذي بثك ال ... ود فلم تبق على وده # هدمته والمجد ظل له ... فما بقاء الظل من بعده # لكنت من كوخك في نعمة ... تذيب قلب الدهر من حقده # وكان ينتابك مسترفدا ... من بت محتاجا إلى رفده # فاليوم لا القصر كما ترتجي ... منه ولا الكوخ على عهده # واليوم رب القصر يذري دما ... من جفنه آنا ومن كبده # يدعو إليه الموت من بعد ما ... نالت ms504 يد الأيام من أيده # PageV03P296 # واسود ذاك الجون من جلده ... وابيض ذاك الجون من فوده1 # هل يعلم الشرقي أن الردى ... سر بصدر الدهر لم يبده # وأنه يفجؤنا بالأسى ... يوما خروج السيف من غمده # وأن هذا الدهر في هزله ... يغر بالكاذب من وعده # فهزله أنفذ من جده ... ورهوه أسرع من وخده2 # ويح لمصر ولأبنائها ... مما يريغ3 الدهر من كده # نعيش بالهم ونرضى به ... عيشا ونقضي العمر في نقده # كشارب الكأس يرى عابسا ... منه ولا يقوى على رده PageV03P297 # فإن لمحنا بارقا خاطفا ... لا نسمع القاصف من رعده # نسرع خوض البحر في جزره ... وجزره ينبئ عن مده # والكل ظمآن يرى صادرا ... وما قضى الإربة من ورده # وقال في الحكم: # إذا ما سفيه نالني منه نائل ... من الذم لم يحرج بموقفه صدري # أعود إلى نفسي فإن كان صادقا ... عتبت على نفسي وأصلحت من أمري # وإلا فما ذنبي إلى الناس إن طغى ... هواها فما ترضى بخير ولا شر # وقال يهنئ الشيخ محمد عبده بعودته من إحدى رحلاته في أوروبا: # راح يباري النجم في جده ... وعاد كالسيف إلى غمده # رأى السرى والسهد مهر العلا ... فجد وارتاح إلى سهده # PageV03P298 # لا يبصر الخطب جليلا ولا ... تلوي به الأهوال عن قصده # مسدد العزم إذا ما مضى ... يحار صرف الدهر في رده # كالسيف يجلوه القراع1 ولا ... يأخذ ضرب الهام من حده # كان لمصر بعد توديعه ... صبابة الصادي إلى ورده # واليوم قد عاد لها كل ما ... ترجو من النعمة في عوده # وافتر عنه ثغرها مثلما ... يفتر ثغر الروض عن ورده # بدا وقد حفت به هيبة ... كأنما عثمان في برده # ما فيه من عيب سوى أنه ... يحسده الناس على مجده # ما حيلة الحساد في نعمة ... أسبغها الله على عبده PageV03P299 # وقال في حادثة عربية وقعت بين أسماء بنت أبي بكر الصديق وولدها أمير ~~المؤمنين عبد الله بن الزبير حينما حاصره الحجاج في مكة حتى أحرجه, ثم عرض ~~عليه التسليم فاستشار أمه, فأشارت عليه بالاستقتال, فقاتل حتى قتل: # إن أسماء في الورى خير أنثى ... صنعت ms505 في الوداع خير صنيع # جاءها ابن الزبير يسحب درعا ... تحت درع منسوجة من نجيع1 # قال يا أم قد عييت بأمري ... بين أسر مر وقتل فظيع # خانني الصحب والزمان فما لي ... صاحب غير سيفي المطبوع # وأرى نجمي الذي لاح قبلا ... غاب غني ولم يعد لطلوع # بذل القوم لي الأمان فما لي ... غيره إن قبلته من شفيع # فأجابت والجفن قفر كأن لم ... يك من قبل موطنا للدموع PageV03P300 # واستحالت تلك الدموع بخارا ... صاعدا من فؤادها المصدوع # لا تسلم إلا الحياة وإلا ... هيكلا شأنه وشأن الجذوع # إن موتا في ساحة الحرب خير ... لك من عيش ذلة وخضوع # إن يكن قد أضاعك الناس فاصبر ... وتثبت فالله غير مضيع # مت هماما كما حييت هماما ... واحي في ذكرك المجيد الرفيع # ليس بين الحياة والموت إلا ... كرة في سواد تلك الجموع # ثم قامت تضمه لوداع ... هائل ليس بعده من رجوع # لمست درعه فقالت لعهدي ... بك يابن الزبير غير جزوع # إن بأس القضاء في الناس بأس ... لا يبالي ببأس تلك الدروع # PageV03P301 # فنضاها عنه وفر إلى المو ... ت بدرع من الفخار منيع # وأتى أمه النعي فجادت ... بعد لأي بدمعها الممنوع # وقال في الشيب: # ضحكات الشيب في الشعر ... لم تدع في العيش من وطر # هن رسل الموت سانحة ... قبله والموت في الأثر # يا بياض الشيب ما صنعت ... يدك العسراء بالطرر # أنت ليل الحادثات وإن ... كنت نور الصبح في النظر # ليت سوداء الشباب مضت ... بسواد القلب والبصر # فالصبا كل الحياة فإن ... مر مرت غبطة العمر # وقال على سبيل الفكاهة في شأن كلب اسمه "بيل" وفي لسيده, فطوقه طوقا من ~~الذهب وأوصى له بخمسة آلاف دينار: # PageV03P302 # ليهنك يا "بيل" الجلال وعزة ... يكاد لها القلب الكسير يطير # ملكت على الزهد الألوف وكلنا ... إلى قطرة مما ملكت فقير # إذا كان هذا الطوق كالتاج قيمة ... فأنت بألقاب الملوك جدير # وما المال إلا آية الجاه في الورى ... فحيث تراه فالمقام خطير # ولو كان بين الجاه والفضل لحمة ... لزالت عروش جمة وقصور # فيا بيل لا تجزع فرب متوج ms506 ... شبيهك إلا منبر وسرير # وما أنت في جهل المقادير آية ... فمثلك بين الناطقين كثير # لئن فاتك النطق الفصيح كما ترى ... فسهمك من نطق الفؤاد وفير # وفيت بعهد للصديق وما وفى ... بعهد صديق جرول1 وجرير PageV03P303 # فعش صامتا واقنع بحظك واغتبط ... فما النطق إلا آفة وشرور # ضلال يرى الإنسان فضلا لنفسه ... وساعده في المكرمات قصير # وما المرء إلا صدقه ووفاؤه ... وكل كبير بعد ذاك صغير # وماذا يفيد المرء حسن بيانه ... إذا عي بالنطق الفصيح ضمير # مدحتك يا بيل لأني شاعر ... وأنت على حسن الجزاء قدير # ولو كنت تدري ما أقول لقمت لي ... بما لم يقم للمادحين أمير # PageV03P304 # في الوجديات: # جرى الدمع حتى ليس في الجفن مدمع ... وقاسيت حتى ليس في الصبر مطمع # وما أنا من يبكي ولكنه الهوى ... يريد من الأسد الخضوع فتخضع # فلله قلبي ما أجل اصطباره ... وأثبته والسيف بالسيف يقرع # ولله قلبي ما أقل احتماله ... إذا ما نأى عنه الحبيب المودع # إذا لاح لي سيف من الخطب رعته ... وإن لاح لي سيف من اللحظ أجزع # وأقتاد ليث الغاب والليث مخدر ... ويقتادني الظبي الغرير فأتبع # وليل أضل الفجر فيه طريقه ... فلم يدر لما ضل من أين يطلع # PageV03P305 # سهرت به أرعى الكواكب والكرى ... عصي على الأجفان والدمع طيع # أود لو ان الطيف من بزورة ... وكيف يزور الطيف من ليس يهجع # لقد عشت دهرا ناعم البال خاليا ... من الهم لا أشكو ولا أتوجع # أروح ولي في معهد الغي مربع ... وأغدو ولي في مسرح اللهو مرتع # فما زلت أبغي الحب حتى وجدته ... فلما أردت القرب كان التمنع # فلم يبق لي عن ذلك الحب مهرب ... ولم يبق لي في ذلك القرب مطمع # كأني في جو الصبابة ريشة ... بأيدي السوافي ما لها الدهر موقع # كأني في بحر الهيام سفينة ... أحاط بها موج الردى المتدفع # PageV03P306 # كأني في بيداء دهماء مجهل ... تضل رخاء في دجاها وزعزع # فلا أنا فيها واجد من يدلني ... ولا نجمها يبدو ولا البرق يلمع # فمهلا رويدا أيها اللائم الذي ... يجرعني في لومه ما يجرع ms507 # نصحت فلم أسمع وقلت فلم أطع ... فما نصح حب لا يطيع ويسمع # فيا حب هذا القول لو كان مجديا ... ويا نعم ذاك النصح لو كان ينفع # قضى الله ألا رأى في الحب لامرئ ... وذاك قضاء نافذ ليس يدفع # مررت على الدار التي خف أهلها ... وطال بلاها فهي قفراء بلقع # معاهد كانت آهلات وكان لي ... مصيف تقضى في رباها ومربع # PageV03P307 # فيا ليت شعري هل يعودن عيشنا ... بمعهدها والشمل بالشمل يجمع # فتقضى لبانات وتطفى لواعج ... وتبرد أكباد وتنضب أدمع # فما أنس م الأشياء لا أنس ليلة ... تجشمت فيها الهول والهول مفزع # ولا مؤنس إلا ظلام ووحدة ... ولا مسعد إلا فؤاد مروع # ولا صاحب إلا المطية حولها ... ذئاب تعادي في الفلاة وأضبع # ولا عين إلا النجم ينظر باهتا ... ويعجب لي ماذا بنفسي أصنع # إذا ما تشكت من كلال مطيتي ... وقد كلمتها ألسن السوط تسرع # أسير بها سير السحاب كأنني ... بأذرعها عرض الفدافد أذرع # PageV03P308 # إلى أن تنورت الخيام ولاح لي ... ضياء بدا من جانب الخدر يسطع # فأقدمت نحو الحي والحي هاجع ... وخضت سواد القوم والقوم صرع # ولا عهد لي من قبل أين خباؤها ... ولكن هداني نشرها المتضوع # فبت وباتت يعلم الله لم يكن ... سوى أذن تصغي وعين تمتع # نخال دوي الريح في الجو واشيا ... بنا وضياء البرق عينا فنفزع # ولا عين إلا خوفنا وارتياعنا ... ولا ناظر يرنو ولا أذن تسمع # وأعذب ورد راق ما كان نيله ... عزيزا وأحلى القرب قرب ممنع # فكانت برغم الدهر أحسن ليلة ... رأيت بعمري بل هي العمر أجمع # PageV03P309 # وما راعنا إلا هدير حمامة ... على فنن عند الصباح ترجع # فقمت ولم تعلق بذيلي ريبة ... ولا كان إلا ما يشاء الترفع # وودعتها والحزن يغلب صبرنا ... وأحشاؤنا من حسرة تتقطع # فقالت أهذا آخر العهد بيننا ... وهل لتلاقينا معاد ومرجع # فقلت ثقي يا فوز بالله إنها ... "سحابة صيف عن قليل تقشع" # وسرت وقلبي في الخيام مخلف ... ولي نحو قلبي والخيام تطلع # حنانيك رفقا أيها الدهر واتئد ... فحسبي ما ألقى وما أتجرع # ورحماك بي فالسيل ms508 قد بلغ الزبى ... ولم يبق في قوس التصبر منزع # PageV03P310 # على أنني أصبحت لا متخوفا ... بلاء ولا إن نالني الرزء أجزع # فقد اعتصمت بالصبر نفسي وفوضت ... إلى الله ما يعطي الزمان ويمنع # PageV03P311 # بول وفرجيني: # يا بني القفر سلاما عاطرا ... من بني الدنيا عليكم وثناء # وسقى العارض من أكواخكم ... معهد الصدق ومهد الأتقياء # كنتم خير بني الدنيا ومن ... سعدوا فيها وماتوا سعداء # عشتم من فقركم في غبطة ... ومن القلة في عيش رخاء # لا خصام لا مراء بينكم ... لا خداع لا نفاق لا رياء # خلق بر وقلب طاهر ... مثل كأس الخمر معنى وصفاء # PageV03P312 # ووفاء ثبت الحب به ... وثبات الحب في الناس الوفاء # أصبحت قصتكم معتبرا ... في البرايا وعزاء البؤساء # يجتلي الناظر فيها حكمة ... لم يسطرها يراع الحكماء # حكم لم تقرءوا في كتبها ... غير أن طالعتمو صحف الفضاء # وكتاب الكون فيه صحف ... يقرأ الحكمة فيها العقلاء # إن عيش المرء في وحدته ... خير عيش كافل خير هناء # فالورى شر وهم دائم ... وشقاء لا يدانيه شقاء # PageV03P313 # وفقير لغني حاسد ... وغني يستذل الفقراء # وقوي لضعيف ظالم ... وضعيف من قوي في عناء # في فضاء الأرض منأى عنهم ... ونجاء منهم أي نجاء # إن عيش المرء فيهم ذلة ... وحياة الذل والموت سواء # ليت "فرجيني" أطاعت "بولسا" ... وأنالته مناه في البقاء # ورثت للأدمع اللاتي جرت ... من عيون ما درت كيف البكاء # لم يكن من رأيها فرقته ... ساعة لكنه رأى القضاء # فارقته لم تكن عالمة ... أن يوم الملتقى يوم اللقاء # PageV03P314 # ما "لفرجيني" وباريس أما # ... كان في القفر عن الدنيا غناء # إن هذا المال كأس مزجت ... قطرة الخمرة فيه بدماء # لا ينال المرء منه جرعة ... لم يكن في طيها داء عياء # عرضوا المجد عليها باهرا ... يدهش الألباب حسنا ورواء # وأروها زخرف الدنيا وما ... راق فيها من نعيم وثراء # فأبته وأبى الحب لها ... نقض ما أبرمه عهد الإخاء # ودعاها الشوق للقفر وما ... ضم من خير إليه وهناء # فغدت أهواؤها طائرة ... بجناح الشوق يزجيها الرجاء # PageV03P315 # يأمل الإنسان ما يأمله ... وقضاء الله في الكون وراء # ما ms509 لهذا الجو أمسى قاتما ... ينذر الناس بويل وبلاء # ما لهذا البحر أضحى مائجا ... كبناء شامخ فوق بناء # وكأن الفلك في أمواجه ... ريشة تحملها كف الهواء # ولفرجيني يد مبسوطة ... بدعاء حين لا يجدي دعاء # لهفي والماء يطفو فوقه ... هيكل الحسن وتمثال الضياء # زهرة في الروض كانت غضة ... تملأ الدنيا جمالا وبهاء # PageV03P316 # من يراها لا يراها خلقت ... مثل خلق الناس من طين وماء # ظنت البحر سماء فهوت ... لتباري فيه أملاك السماء # هكذا الدنيا وهذا منتهى ... كل حي ما لحي من بقاء # PageV03P317 ### | فهرست الجزء الثالث من النظرات # صفحة # 3 البيان # 13 الناشئ الفقير # 28 قتيلة الجوع # 31 الأدب الكاذب # 36 إيفون الصغيرة # 42 الملاعب الهزلية # 52 الشيخ علي يوسف # 59 العظمة # 66 حرية الانتقاد # 70 يوم العيد # 74 من الشيوخ إلى الشبان # 81 الموتى # 87 الزهرة الذابلة # 93 الوجهاء # 102 جرجي زيدان # 113 احترام المرأة # 119 الانتقام # 146 الخطبة الصامتة # 148 اللفظ والمعنى # 153 الآداب العامة # 161 المؤتمر الإسلامي # 165 الجاهليتان # 170 في أكواخ الفقراء # 181 الشيخ محمد عبده # 187 عواطف البنين # 190 الرشوة # 195 "القضية المصرية" # 195 من مايو سنة 1921 إلى مارس سنة 1922 # 196 العاصفة # 201 حكم القوة # 208، 216، 224، 231، 243 إلى خصوم سعد باشا # 255 عبرة الدهر # 259 إلى أعدائنا # 263 إلى أعدائنا # 269 إلى سعد باشا في منفاه # 279 "منتخبات من شعر المؤلف" # 280 وصف القلم # 283 على لسان عامل فقير # 287 الفوضويون # 289 في الوجديات # 293 القصر والكوخ # 298 في الحكم # 298 تهنئة # 300 أسماء # 302 الشيب # 302 الكلب بيل # 305 في الوجديات # 312 بول وفرجين PageV03P319 ms510