######OpenITI# #META# URI: 1342MustafaLutfiManfaluti.Shacir.Hindawi27916469 #META# Tags: novels #META# ID: 27916469 #META# Title: الشاعر #META# AuthorID: 93803841 #META# Author: مصطفى لطفي المنفلوطي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرواية‏ # أشخاص الرواية‏ # 1 - حانة بوروجونيا‏ # 2 - المتشاعرون‏ # 3 - حرفة الأدب‏ # 4 - الميدان‏ # 5 - بعد خمسة عشر عاما‏ # إهداء الرواية‏ # أشخاص الرواية‏ # 1 - حانة بوروجونيا‏ # 2 - المتشاعرون‏ # 3 - حرفة الأدب‏ # 4 - الميدان‏ # 5 - بعد خمسة عشر عاما‏ # | الشاعر # | الشاعر # تعريب # مصطفى لطفي المنفلوطي # | إهداء الرواية # إلى الشعراء # مؤلف هذه الرواية شاعر، وبطلها شاعر، وأكثر أشخاصها شعراء، وموضوعها الشعر والأدب، ~~وعبرتها أن النفس الشعرية هي أجمل شيء في العالم، وأبدع صورة رسمتها ريشة المصور ~~الأعظم في لوح الكائنات، وأنها هي التي يهيم بها الهائمون، ويتوله المتولهون، حين ~~يظنون أنهم يعشقون الصور ويستهيمون بمحاسن الوجوه. # لذلك أقدمها هدية إلى الشعراء، فهم رجالها وأبطالها وأصحاب الشأن فيها، ولا أطلب ~~عندهم جزاء عليها أكثر من أن أراهم جميعا في حياتهم الأدبية والاجتماعية سيرانو دي ~~بيرجراك. # أول مايو سنة 1921 # مصطفى لطفي المنفلوطي # | المقدمة # أطلعني حضرة الصديق الكريم الدكتور محمد عبد السلام الجندي على هذه الرواية التي عربها ~~عن اللغة الفرنسية تعريبا حرفيا، حافظ فيه على الأصل محافظة دقيقة، وطلب إلي أن ~~أهذب عبارتها ليقدمها إلى فرقة تمثيلية تقوم بتمثيلها ففعلت، واستطعت في أثناء ذلك أن ~~أقرأ الرواية قراءة دقيقة، وأن أستشف أغراضها ومغازيها التي أراد المؤلف أن يضمنها ~~إياها، فأعجبني منها الشيء الكثير، وأفضل ما أعجبني منها أنها صورت التضحية تصويرا ~~بديعا، وهي الفضيلة التي أعتقد أنها مصدر جميع الفضائل الإنسانية ونقطة دائرتها، فرأيت أن ~~أحولها من القالب التمثيلي إلى القالب القصصي؛ ليستطيع القارئ أن يراها على صفحات ~~القرطاس كما يستطيع المشاهد أن يراها على مسرح التمثيل. # وقد حافظت على روح الأصل بتمامه، وقيدت نفسي به تقييدا شديدا، فلم أتجوز إلا في ~~حذف بعض جمل لا أهمية لها، وزيادة بعض عبارات اضطرتني إليها ضرورة النقل والتحويل، واتساق ~~الأغراض والمقاصد، بدون إخلال بالأصل أو خروج عن دائرته، فمن قرأ التعريب قرأ الأصل ~~الفرنسي بعينه، إلا ما كان من الفرق بين بلاغة القلمين ومقدرة الكاتبين، وما لا بد من ~~عروضه على كل منقول من لغة ms001 إلى أخرى، وخاصة إذا قيد المعرب نفسه، وحبس قلمه عن ~~التصرف والافتنان. # مصطفى لطفي المنفلوطي # | أشخاص الرواية # سيرانو دي بيرجراك # شاعر فرنسي من شعراء القرن السابع عشر، نشأ غريبا في أطواره وأخلاقه، منفردا ~~بصفات قل أن تجتمع لأحد من معاصريه؛ فكان جامعا بين الشجاعة إلى درجة التهور، ~~والخجل إلى درجة الضعف؛ وبين القسوة إلى معاقبة أعدائه على أصغر الهفوات، والرقة إلى ~~البكاء على بؤس البائسين من أصدقائه وأبناء حرفته، وكان كريما متلافا، لا يبقي ~~على شيء مما في يده، وعفيفا لا يمد يده إلى مخلوق كائنا من كان، وصريحا لا ~~يتردد لحظة واحدة في مجابهة صاحب العيب بعيبه كيفما كان شأنه، وكيفما كانت النتيجة ~~المترتبة على ذلك، فكان عدو الكاذبين والمرائين، والمغرورين، والسفلة والمتملقين، ~~أي إنه كان عدوا للهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها تقريبا، كما كانت عدوة له ~~كذلك، لا تهدأ عن مشاكسته ومناوأته وابتغاء الغوائل به. # ولم يكن له من الأصدقاء إلا أفراد قلائل جدا، هم الذين يفهمون حقيقة نفسه وجوهرها، ~~ويقدرونه قدره وقدر صفاته الكريمة التي كان يتصف بها. # وكان الخلق الغالب عليه من بين جميع أخلاقه خلق العزة والأنفة، فكان شديد ~~الاحتفاظ بكرامته، والضن بعرضه أن ينال منهما نائل، أو يعبث بهما عابث، وكان لا ~~يرى في أكثر أوقاته إلا مبارزا أو مناضلا، أو ثائرا أو مهتاجا، أو واضعا يده على ~~مقبض سيفه، أو ملقيا قفازه على وجه خصمه، شأن الفوارس الأبطال في ذلك ~~العصر. # وكانت بليته العظمى في حياته، ومنبع شقائه وبلائه أنه كان دميم الوجه، كبير الأنف ~~جدا إلى درجة تلفت النظر وتستثير الدهشة، وكان يعلم ذلك من نفسه حق العلم، ويتألم ~~بسببه تألما كثيرا؛ لأنه كان عاشقا لابنة عمه «روكسان» الشهيرة بجمالها النادر، ~~وذكائها الخارق، وكان يعتقد أن المرأة مهما سمت أخلاقها وجلت صفاتها لا يمكن ~~أن تقع في أحبولة غرامية غير أحبولة الجمال، ولا تعنى بحسن غير حسن الوجوه ~~والصور، فكان - وهو أشجع الناس وأجرؤهم وأعظمهم مخاطرة وإقداما - لا يجسر أن ~~يفاتح حبيبته ms002 هذه في شأن حبه، حياء من نفسه وخجلا. # فكان أنفه سبب شقائه من جهتين؛ أنه وقف عقبة بينه وبين غرامه، وأنه كان ~~المنفذ العظيم الذي ينحدر منه أعداؤه وخصومه إلى السخرية به والتهكم عليه، وهو لا ~~يطيق ذلك ولا يحتمله، فكان النزاع بينه وبينهم دائبا لا ينقطع، وكان لا ينتهي غالبا ~~إلا بمبارزة يخرج منها في الغالب فائزا منتصرا، ولكن كان كثير الخصوم ~~والأعداء. # وكان جنديا في فصيلة شبان الحرس من الجيش الفرنسي، وكان أفراد تلك الفصيلة ~~جميعهم من الجاسكونيين مثله، وهم قوم معروفون بخشونة الأخلاق ووعورتها، وبكثرة التبجح ~~والادعاء والغرور والكذب، ولهم مع ذلك فضيلة الشجاعة والصبر، والقناعة والشرف وعزة ~~النفس، وكان سيرانو متصفا بحسناتهم، مترفعا عن سيئاتهم، فكان له في نفوسهم أسمى ~~منزلة من الإجلال والإعظام، وكانوا يحبونه حبا شديدا ويذعنون لرأيه، ويستطرفون ~~أحاديثه ودعاباته، ويفاخرون به وبنبوغه وشجاعته، وجراءته وصراحته، كما كان يفخر بهم ~~وبعصبيتهم، وكان من أسوأ الشعراء حظا في حياته، فقد قضى عمره كله خاملا مغمورا؛ ~~يجهل الدهماء قدره لأنهم لا يفهمونه، وينكر الأدباء فضله لأنهم يبغضونه ~~ويجدون عليه وينقمون منه خشونته وشدته في مؤاخذتهم ونقدهم، فلم يكن يحفل بذلك ~~كثيرا؛ لأنه كان مخلصا لا يهمه إلا أن يكون عظيما في عين نفسه ثم لا يبالي بعد ذلك ~~بما يكون. # وكثيرا ما كان ينظم الرواية الجليلة ذات المغزى العظيم والأسلوب الرائق، فلا ~~يفكر في إهدائها إلى أحد من العظماء - ليتوسل بذلك إلى نشرها وترويجها، وحمل الفرق ~~التمثيلية على تمثيلها - كما كان يفعل الشعراء في عصره، أنفة وإباء، وضنا بنفسه أن ~~يقف موقف الذل والضراعة على أي باب من الأبواب كيفما كان شأنه، وربما سرق بعض ~~الروائيين قطعا من رواياته فضمنوها رواياتهم وانتفعوا بها، فلا يغضبه ذلك ولا ~~يزعجه، وكل ما كان يفكر فيه أو يسأل عنه في هذا الموقف: ماذا كان وقع تلك القطعة في ~~نفوس الجماهير حينما سمعوها؟ # ولقد أخلص في حبه لابنة عمه «روكسان» إخلاصا لم يسمع بمثله في تاريخ الحب، فأحبها ~~وهي ms003 لا تعلم بحبه، وتألم في سبيل ذلك الحب ألما شديدا، وهي لا تشعر بألمه، وأحبت غيره ~~فلم يحقد ولم ينتقم، بل كان أكبر عون لها في غرامها الذي اختارته لنفسها، ولم يلبث أن ~~اتخذ حبيبها الذي آثرته صديقا له، وأخلص في مودته إخلاصا عظيما، وأعانه على استمرار ~~صلته بها، وبقاء حبه في قلبها؛ لأنه ما كان يهمه شيء في العالم سوى أن يراها سعيدة في ~~حياتها، مغتبطة بعيشها، وهذا كل حظه في الحياة. # ولم يزل هذا شأنه طول حياته، حتى خرج من دنياه، ولم تعلم روكسان بسريرة نفسه إلا في ~~الساعة الأخيرة التي لا يغني عندها العلم شيئا. # روكسان # ابنة عم سيرانو دي بيرجراك، وهي فتاة شريفة متعلمة، وافرة الفضل والذكاء، عالية ~~الهمة، عفيفة الذيل، مولعة بالشعر والأدب؛ إلا أنها كانت تذهب في ذوقها الأدبي مذهب ~~النساء المتحذلقات في ذلك العصر، أي إنها كانت كثيرة التكلف في أحاديثها وإشاراتها، ~~وكان لا يعجبها من الكلام إلا ذلك النوع الذي يسمونه بالصناعة اللفظية، ولا من ~~المعاني إلا تلك الخيالات الطائرة الهائمة على وجهها التي لا أساس لها في الحياة، ولا ~~وجود لها في فطرة النفس وطبيعتها. # وقد نشأت يتيمة منقطعة، لا أهل لها ولا أقرباء إلا ابن عمها سيرانو، إلا أنها كانت ~~تعيش عيشا رغدا هنيئا بفضل الثروة الواسعة التي ورثتها عن أبويها، فأحبها كثير من ~~النبلاء والأشراف، وعرضوا عليها الزواج فلم تحفل بهم، وأحبها «الكونت دي جيش» - وهو أحد ~~قواد الجيش الفرنسي، وكان متزوجا بابنة أخت الكردينال دي ريشلييه ~~- فأراد أن يستخدم نفوذه وجاهه في حملها على الزواج ~~من فتى من أشياعه اسمه الفيكونت فالفير، على الطريقة المعروفة في ذلك العهد عند الملوك ~~والنبلاء، فدفعته عنها برفق وحكمة، خوفا على نفسها منه، وظلت تماطله زمنا طويلا، ~~حتى أحبها البارون كرستيان دي نوفييت، فأحبته وأخلصت له إخلاصا عظيما، ولم يكن في ~~الحقيقة متصفا بصفات الفطنة والذكاء والنبوغ التي كانت تظنها مجتمعة فيه، لولا الحيلة ~~الغريبة التي احتالها عليها سيرانو حتى أوهمها ذلك، ms004 وهنا نكتة الرواية وبيت قصيدها، ثم ~~تزوجت منه بعد ذلك زواجا سريا، ولكنها لم تكد تضع شفتها على الكأس حتى انتزعت ~~منها، وكان هذا آخر عهدها بسعادة الحياة وهنائها. # كرستيان دي نوفييت # نبيل من نبلاء الريف، وفد إلى باريس ليلتحق بفرقة الحرس من الجيش الفرنسي - كما كانت ~~عادة الأشراف في ذلك العهد - وهي الفرقة التي كان يعمل فيها سيرانو، وكان فتى جميل ~~الصورة، شريف النفس، طيب القلب، إلا أنه كان أقرب إلى البلادة منه إلى الذكاء؛ فوقع ~~نظره على روكسان في حانة بوروجونيا، فأحبها وأحبته على البعد، وكان قد علم من أمرها ~~أنها فتاة قديرة متفوقة، ذكية الفؤاد، غزيرة العلم، قوية الإرادة، لا يعجبها من الرجال ~~إلا الأذكياء المتفوقون، فهاب الدنو منها، ومفاتحتها في شأن حبه، وخشي أن يسقط من ~~عينها سقطة لا قيام له من بعدها، ولم يزل هذا شأنه حتى أدركه سيرانو، واحتال له تلك ~~الحيلة الغريبة المدهشة، التي جعلت روكسان تعتقد أنها قد أحبت أذكى الناس وأسماهم ~~عقلا، وأبعدهم غورا، وأطلقهم لسانا، وأبلغهم قلما، لا يريد بذلك إلا سعادتها ~~وهناءها، وهو يتهالك بينه وبين نفسه غما وكمدا؛ لأنه وهو ظامئ هيمان يقدم الكأس ~~بيده للشاربين ولا يذوق منها قطرة واحدة. # الكونت دي جيش # أحد قواد الجيش الفرنسي، وهو من أصل جاسكوني كسيرانو وروكسان، إلا أنه كان يذهب في ~~حياته مذهبا غير مذهب أبناء جلدته الجاسكونيين، في قناعتهم وخشونتهم وبساطة عيشهم، بل ~~كان رجلا واسع المطامع، شغوفا بالمعالي، متطلعا إلى المناصب العليا والمراتب الكبرى، ~~وقد تم له ما أراد من ذلك بجده واجتهاده، فأصبح قائدا من قواد الجيش الفرنسي، وصهرا ~~للكردينال دي ريشلييه. # وقد رأى روكسان في طريقه مرة فشغف بها شغفا عظيما، وأراد أن يضمها إليه من طريق ~~تزويجها من أحد صنائعه، فاحتالت للخروج من ذلك المأزق بحيلة لطيفة جدا، وتزوجت من ~~الرجل الذي أحبته بمعونة ابن عمها سيرانو، فعاداها الكونت من أجل ذلك، وانتقم منها ومن ~~زوجها ومن سيرانو انتقاما هائلا. # لينيير # شاعر مسكين من أصدقاء ms005 سيرانو، نظم قصيدة طويلة هجا بها الكونت دي جيش، وعرض ~~فيها بقصته مع روكسان، وفضح جريمته التي أراد أن يقترفها معها، فحقد عليه الكونت حقدا ~~شديدا، ودس كمينا مؤلفا من مائة رجل ليقتلوه عند رجوعه إلى منزله ليلا، لولا أن ~~أدركه سيرانو، وأعانه على أعدائه فنجا. # لبريه # أحد أصدقاء سيرانو المخلصين، وكان ينصحه دائما بالهدوء والسكينة، وينعى عليه شدته ~~وصرامته في أخلاقه وطباعه، وينصح له باتخاذ خطة في الحياة تناسب البيئة التي يعيش ~~فيها، رحمة بنفسه، وإبقاء على راحته وسكونه، فلا يحفل بنصحه؛ لأن له رأيا في الحياة ~~غير رأيه ومذهبا غير مذهبه، ولم يكن اختلافهما هذا في المشرب والخطة مانعا لهما من ~~الصداقة والإخلاص، ووفاء كل منهما لصاحبه، حتى ما كانا يستطيعان الافتراق ساعة ~~واحدة. # مونفلوري # أحد الممثلين في حانة بوروجونيا، وكان مشهورا بحسن إلقائه لرواية «كلوريز» تأليف ~~الروائي الشهير «بارو»، وكان سيرانو يبغضه، ويستثقل حركاته التمثيلية، وينقم عليه ~~إعجابه بنفسه على قبحه ودمامته، ويأخذ عليه كثرة ترديده نظره أثناء التمثيل في مخادع ~~السيدات، يحاول افتتانهن واجتذاب قلوبهن، وقد رآه مرة ينظر إلى روكسان نظرة مريبة، ~~فتعلل عليه ببعض العلل، وأمره أن ينقطع عن التمثيل شهرا كاملا، فحاول الامتناع عليه ~~وعصيان أمره، فأنزله من المسرح بالقوة وطرده برغم دفاع الكثيرين من الأشراف والنبلاء ~~عنه، وخاصة الكونت دي جيش. # راجنو # طباخ مشهور، يبيع في حانوته الكبير أفخر أنواع المطاعم، من شواء وفطائر وحلوى، وكان ~~محبا للشعر والأدب والتمثيل، عطوفا على البؤساء من الشعراء والممثلين، وكان يستقبلهم ~~في حانوته استقبالا حافلا، ويقدم لهم على حسابه ما يقترحون من طعام وشراب، وكان كل ~~حظه منهم أن يجلس إليهم، ويسمع محاوراتهم الأدبية، ويلتقط ما يتناثر حولهم من ~~مسودات أشعارهم وفصولهم، ويسمعهم ما ينظمه من الشعر الضعيف التافه، فيتظاهرون ~~باستحسانه والإعجاب به، إبقاء على مودته، حتى أدركته حرفة الأدب فأفلس وأغلق حانوته، ~~فأعانه سيرانو على شئون حياته - وكان من أكبر أنصاره والمتشيعين له - ولكن الحظ كان قد ~~فارقه، فلم ينجح في عمل من الأعمال ms006 التي اشتغل بها، وظل البؤس ملازما له طول ~~حياته. # ليز # زوجة راجنو، وهي امرأة فاسدة الأخلاق خبيثة النفس، كانت تهزأ بزوجها وتسخر منه، ~~وتنعى عليه اشتغاله بالشعر والأدب واهتمامه بالشعراء والأدباء وعنايته بهم، وكانت ~~تفضل أن تقدم هي بنفسها الحانوت كله لضابط من ضباط الجيش تعجب به، على أن يقدم ~~زوجها راجنو لقمة واحدة منه لأديب من الأدباء، ولما رأت تضعضع حاله وانتكاث أمره، ~~فرت مع أحد ضباط الجيش، ولم يرها بعد ذلك. # كاربون دي كاستل # قائد فصيلة شبان الحرس، وكان كل أفرادها من الجاسكونيين، وهو جاسكوني مثلهم، فكان ~~يحبهم حبا شديدا، ويعطف عليهم، وكان يعتمد في أعماله على سيرانو، ويعده خير ~~جنوده، والتاريخ يذكر له دفاعه العظيم بفصيلته في ميدان أراس عن الموقع الذي اختار جيش ~~العدو مهاجمته، حتى تم النصر للراية الفرنسية على الراية الإسبانية. # الفصل الأول # | حانة بوروجونيا # في ليلة من ليالي سنة 1640، بدأ الناس يفدون إلى حانة بوروجونيا في باريس، لمشاهدة ~~رواية «كلوريز» - وهي إحدى روايات الشاعر المشهور «بلتازار بارو» - ولم يكن للتمثيل في ~~ذلك العصر دور خاصة به، وإنما كانوا يمثلون في الحانات أو المطاعم الكبيرة، على مسارح ~~خاصة يعدونها لذلك. # وكان جمهور المشاهدين في تلك الليلة - كما هو شأنهم في جميع الليالي - خليطا من العمال ~~والجنود، واللصوص والخدم، والأشراف والعلماء والكتاب، وأعضاء المجمع العلمي الفرنسي، قد ~~اختلط بعضهم ببعض، وجلس أخيارهم بجانب أشرارهم، فبينما العلماء يتناقشون في مباحثهم ~~العلمية والأدباء يتحدثون في شئونهم الأدبية، إذا فريق من الخدم قد ألصقوا شمعة بالأرض، ~~واستداروا من حولها حلقة واسعة، وأخذوا يقامرون بالمال الذي سرقوه من أسيادهم في ساعات ~~لهوهم واستهتارهم، وآخرون من أبناء الأشراف قد تماسكوا بأيديهم، وظلوا يدورون حول أنفسهم ~~راقصين مترنحين، وآخرون من الغوغاء يأكلون ويقصفون ويتسابون ويتلاكمون، ويجئرون بأصوات ~~عالية متنوعة كأنهم في سوق من أسواق المزايدة، وجماعة من الجند يتلهون بالمبارزة ~~والملاكمة، لا يبالون من يطئون بأقدامهم، أو يصيبون بشفرات سيوفهم، وفئة من الصعاليك قد ~~اصطفوا صفا واحدا بين يدي لص من ms007 دهاة اللصوص ومناكيرهم، يعلمهم كيف يسرقون الساعات من ~~الصدور، ويمزقون الجيوب عن الأكياس، وكيف يتغفلون صاحب المعطف عن معطفه، والقبعة عن ~~قبعته، والعصا عن عصاه، كأنه قائد يدرب جنوده على الحركات العسكرية، وفتى من المتأنقين ~~المتظرفين يطارد فتاة المقصف من ركن إلى ركن يحاول إمساكها والعبث بها، وهي تتمنع ~~عليه، وتتأبى تأبيا أشبه بالإغراء منه بالامتناع، وجندي من جنود الحرس قد تغفل ~~البواب عند دخوله واملس من يده دون أن يدفع إليه شيئا، والبواب يطارده ويلاحيه ويأخذ ~~بتلابيبه، فيجادل عن نفسه بأنه حارس الملك، وحراس الملك أحرار يدخلون من الأمكنة ما ~~يشاءون، وزمرة من المتأدبين قد انتبذوا ناحية من القاعة، وأخذوا يندبون الأدب وحظه وشقاء ~~أهليه وبلاءهم، ويقول بعضهم لبعض: أليس من مصائب الدهر ورزاياه أن يقف موقف الممثل بين هذا ~~الجمهور الساقط أمثال «مونفلوري» و«بلروز» و«بويريه» و«جودليه»، وأن تمثل على مثل هذا ~~المسرح الحقير المتبذل روايات أكابر الشعراء الروائيين أمثال «روترو» و«كورني» ~~و«بارو»؟ # ولم يكن يضيء تلك القاعة على كبرها واتساعها إلا بضعة مصابيح ضئيلة، تتراءى تلك الجماهير ~~على نورها كأنها الأشباح المتحركة، أو الأرواح الهائمة، وقد يسمع السامع فيها من حين إلى ~~حين في وسط هذه الضوضاء صوت فتاة المقصف، وهي تصيح خلف مقصفها بصوتها الرقيق الرنان: ~~«اللبن»، «الحلوى»، «عصير البرتقال»، «عصير الرمان»، «الشواء»، «الفطير»، «النبيذ»، أو ~~صوت شيخ هرم يسب ويحتدم ويضرب الأرض بقدميه، وهو عاري الرأس منقلب السحنة؛ لأن أحد ~~الجالسين في الطبقة العليا من الملعب قد أرسل على شعر رأسه المستعار شصا فاجتذبه به، وظل ~~معلقا في الفضاء على مرأى من الجماهير الضاحكين، أو صارخا متألما قد وضع يده على عينه ~~وظل يصيح: وا غوثاه! وا ويلتاه! لأن بعض المتفرجين صوب إليها حصاة صغيرة أو نواة فأصابها ~~بها، إلى أمثال ذلك من صراخ الصارخين، وهتاف الهاتفين من جميع جوانب القاعة: أشعلوا ~~الأنوار، ارفعوا الستار. # ولم يزل هذا شأنهم حتى دقت الساعة العاشرة من الليل، وقرب ميعاد التمثيل، فدخل جماعة من ~~الأشراف المتأنقين يجررون أذيالهم، ويشمخون ms008 بأنوفهم، ويتأففون لضعف الأنوار وضوضاء ~~الجماهير ، ويصيحون: الطريق الطريق أيها الصعاليك، فتنفرج الصفوف لهم انفراجا، حتى بلغوا ~~مكان المسرح فصعدوا عليه، وجلسوا فيه على مقاعد متفرقة في أنحائه جلسة باردة وقحة لا ~~أدب فيها ولا احتشام، وكانت المقاصير في ذلك التاريخ خاصة بالنساء، لا يجلس فيها غيرهن، إلا ~~مقصورة واحدة بجانب المسرح كان يجلس فيها الكردينال إذا حضر، أو من ينزل منزلته من عظماء ~~المملكة ووجوهها. # طاهي الشعراء # جلس في ركن من أركان القاعة في تلك الساعة شخصان منفردان، أحدهما الشاعر «لينيير»، ~~وهو رجل بائس مسكين، مغرم بالشراب ومعاقرته، لا تكاد تفارق يده الكأس ليله ونهاره، ~~وثانيهما البارون «كرستيان دي نوفييت»، وهو فتى من أشراف الريف، جميل الطلعة، حسن الزي ~~والثياب، إلا أن هندامه على الطراز القديم، حضر من «تورين» إلى باريس منذ عشرين يوما ~~ليلتحق بفرقة الحرس من الجيش الفرنسي، فلم يدخلها إلى صباح اليوم. فقال الشاعر للبارون: ~~إن صاحبتك لم تحضر حتى الساعة، وها هي ذي مقصورتها التي أشرت لي إليها لا تزال خالية، ~~وقد اشتد ظمئي، فأذن لي بالذهاب إلى إحدى الحانات القريبة لأتناول قليلا من الشراب ثم ~~أعود إليك، فاضطرب كرستيان وتشبث بثوبه وقال له: إنك إن ذهبت لن تعود يا لينيير، وأنا ~~في أشد الحاجة إليك، فإني أريد أن أعرف من هي؟ وما منبت دوحتها؟ وربما بدا لي أن ~~أزورها الليلة في مقصورتها، وأتعرف إليها، وليس في استطاعتي أن أقدم على ذلك وحدي، فأنت ~~تعلم أنني رجل جندي ساذج، حديث عهد بهذا البلد وأهليه وآدابه ومصطلحاته، ويخيل ~~إلي - وإن لم أكن قد حادثتها أو جلست إليها - أنها فتاة ذكية متوقدة، بارعة في ~~أساليب الحديث ومناهجه، وأخاف إن أنا لقيتها وحدي أن أضعف أمامها وأضطرب، أو أرتبك في ~~حركة من الحركات بين يديها، فأسقط من عينيها سقطة لا مقيل لي منها أبد الدهر، فابق معي ~~وكن عونا لي عليها لتتم بذلك يدك عندي. # وهنا مرت فتاة المقصف حاملة على يدها صينية بيضاء، وهي تتغنى بصوتها الرقيق ms009 الشجي، ~~فناداها لينيير فدنت منه، فسألها عما عندها، فظلت تسرد عليه أسماء فطائرها وقدائدها ~~وأشربتها وحلواها، وهو لا يأبه لشيء من ذلك، حتى ذكرت له نبيذ «بوردو» فتهلل وجهه ~~وتحلب فوه، وطلب إليها أن تأتيه بالجيد منه، فأتت له بما أراد، فملأ كأسه، ~~وبدأ يشرب ويتغنى، وما هي إلا لحظة حتى قال لكرستيان: الآن أستطيع أن أبقى معك قليلا ~~أيها الصديق الكريم. # وفي تلك اللحظة دخل القاعة رجل قصير، ضخم الجثة غريب الهيئة، في ملابس الطهاة ~~وشمائلهم، فصرخ الجماهير حين رأوه: راجنو! راجنو! فلم يأبه لهم، ولم يلتفت إليهم، ~~واندفع مسرعا إلى لينيير، وقال له بصوت متهدج مضطرب دون أن يحييه أو يحيي ~~جليسه: ألم تر صديقنا سيرانو يا لينيير؟ قال: لا، وما لي أراك مضطربا هكذا، كأنك ~~هارب من معركة أو مأخوذ بجريمة؟ قال: ما أحسب إلا أنه سيحدث الليلة في هذه القاعة ~~حادث عظيم لا يعلم إلا الله كيف تكون عاقبته! فانزعج لينيير، وقال: أي حادث تريد؟ ~~قال: قد علمت الساعة أن سيرانو كان وجد على الممثل مونفلوري منذ أيام في شأن من ~~الشئون لا أعلمه، فحكم عليه بأن ينقطع عن التمثيل شهرا كاملا، وهدده بالموت إن هو ~~خالف أمره، وكنت أظن أن الرجل قد أذعن لهذا الحكم ضنا بنفسه وبحياته، ولكنني رأيته ~~الساعة واقفا في حجرة الممثلين، يترنم بقطعة تمثيلية، وأظن أنه سيقوم بتمثيل دوره الذي ~~اعتاد أن يمثله في رواية «كلوريز» وهو دور «فيدين»، فإن فعل فقد وقعت الكارثة العظمى ~~التي لا حيلة لنا ولا لأحد من الناس في دفعها، وسيرانو كما تعلم رجل مخاطر جريء، لا ~~يبالي بعواقب الأمور، ولا يفكر في نتائجها! فقهقه لينيير ضاحكا وقال: يا له من قاض ~~غريب! ويا له من حكم عجيب! هدئ روعك يا صديقي، فالأمر أهون مما تظن، فربما لا يحضر ~~سيرانو، أو لا يمثل مونفلوري، فلا يقع شيء من المكروه الذي تتوقعه، ثم التفت إلى ~~مرستيان وقال له: أقدم إليك المسيو راجنو، طاهي الشعراء والممثلين، وهو اللقب ms010 الذي ~~اختاره لنفسه، وعرف به بين الناس جميعا؛ لأنه صديقهم المخلص الذي يحبهم ويكرمهم ~~ويذود عنهم، ويفتح لهم باب مطعمه على مصراعيه يأكلون منه ما يشتهون، ويشربون ما ~~يقترحون، لا يتقاضاهم على ذلك أجرا سوى قصيدة من الشعر يملونها عليه، أو قطعة تمثيلية ~~يمثلونها بين يديه، أي أنه يملأ لهم أفواههم طعاما فيملئون له أذنيه كلاما، والأذن ~~كما تعلم ليست طريقا إلى المعدة كالفم، وهو فوق ذلك شاعر متفنن مطبوع، ينظم أكثر شعره ~~في وصف فطائره وحلواه! فانحنى راجنو بين يدي كرستيان وقال: نعم يا سيدي، إنني صديق ~~الشعراء والممثلين، بل عبدهم ومولاهم، وصنيعة فضلهم وإحسانهم، وإن ساعة أقضيها في ~~حضرتهم أسمع طرائف أشعارهم، وبدائع فصولهم لهي عندي ساعة الحياة التي لا أعدل بها ساعة ~~غيرها، فشكر له كرستيان فضله وأدبه، وأثنى خيرا على شرف عواطفه واكتمال مروءته، وما هي ~~إلا كرة الطرف حتى عاد إلى راجنو قلقه واضطرابه، وأخذ يدور بعينيه في الجماهير يفتش ~~عن سيرانو، فقال له لينيير: إنه لم يحضر حتى الآن، وها هو ذا الوقاد قد بدأ في إشعال ~~المصابيح، وها هو ذا الستار قد أوشك أن يرتفع، وما أظنه حاضرا بعد ذلك. # سيرانو # وكان رجل من الأشراف اسمه المركيز دي جيجي جالسا على مقربة منهم يسمع حديثهم وينصت ~~لحوارهم، فوضع يده على كتف راجنو، فالتفت راجنو إليه. فقال له: أتستطيع أن تخبرنى من هو ~~سيرانو هذا الذي تتحدثون عنه؟ فهز راجنو رأسه كالمستغرب، وقال له: إني لأعجب لأمرك يا ~~سيدي، فهي أول مرة سمعت فيها أن إنسانا في العالم لا يعرف السيد سيرانو! قال: إني أعرف ~~عنه شيئا قليلا، وأريد أن أعلم أنبيل هو أم صعلوك؟ قال: إن كنت تريد من النبل شيئا ~~غير الشرائط والأوسمة والذهب والفضة والحرير والديباج، فهو أنبل النبلاء وأشرفهم؛ لأنه ~~جندي شجاع، جريء في مواقفه ومشاهده، صادق في قوله وفعله، لا يحابي ولا يجامل، ~~ولا يتذلل ولا يتزلف، ولا يخضع في شأن من شئون حياته إلا للحق الذي يعبده ويدين ms011 له، ~~ولو عرفته يا سيدي لعرفت أفضل الناس خلقا، وأشرفهم نفسا، وأطيبهم قلبا، وأشدهم ~~عطفا على البؤساء والمنكوبين، وهو فوق ذلك شاعر مجيد، وعالم فاضل، وناقد بارع، أما ~~شكله فمن أغرب الأشكال وأعجبها، حتى لو أراد مصورنا العظيم «فيليب دي شامبيني» أن ~~يرسمه كما هو لعجز عن ذلك أو كاد، فإن الناظر إليه ليعجب كل العجب لمنظر قبعته ~~المحلاة بالريشات الثلاث، وردائه الملون الجميل، وقبائه الواسع المسدس الأطراف، ~~الذي يرفع مؤخره بطرف سيفه، ثم يمشي به مختالا كأنه طاووس يجر ذنبه وراءه، وله ~~أنف هائل جدا، لا يراه الرائي حتى يذعر ويرتاع، ويقف أمامه مدهوشا منذهلا، يعجب ~~لصاحبه كيف استطاع أن يحمله في رقعة وجهه، وكيف لا يلتمس السبيل إلى الخلاص منه، أما هو ~~فراض عنه كل الرضا، لا يشعر بثقله، ولا يفكر في الخلاص منه بحال من الأحوال، والويل ~~كل الويل لمن يرفع نظره إليه، أو تختلج شفتاه بابتسامة العجب منه أو السخرية به، ~~فإن رأسه يطير بضربة واحدة من حد سيفه. فقال له المركيز: كيفما كان الأمر فإنني ~~أستطيع أن أقول لك - وأنا على ثقة مما أقول، إنه أعجز من أن يمنع مونفلوري عن التمثيل؛ ~~بل هو لا يحضر الحفلة الليلة فرارا من وعيده الكاذب. فقال راجنو: وأنا أراهن على حضوره ~~بدجاجة مشوية من مطعم «راجنو» الشهير، ولا أرزؤك دانقا واحدا إن أنا ربحت الرهان! ثم ~~أدار ظهره إليه، وجلس يتحدث إلى لينيير وكرستيان. # وإنه لكذلك إذ لمح رجلا مقبلا على البعد. فقال لصاحبه: ها هو ذا المسيو «لبريه» ~~صديق السيد سيرانو الحميم، فأذنا لي بالذهاب إليه، لعلي أستطيع أن أعلم من شأنه ~~شيئا، ثم تركهما وذهب إليه، فرآه يقلب نظره في الجماهير، ويلتفت يمنة ويسرة، ~~فقال له: لعلك تفتش عن سيرانو أيها الصديق؟ قال: نعم، وإني قلق من أجله جدا. قال: قد ~~فتشت عنه قبلك فلم أجده، ثم انتحى به ناحية من القاعة، وجلسا معا يتحدثان. # روكسان # وهنا ظهرت روكسان في مقصورتها، فضج الجمهور حين رآها ضجيج ms012 السرور والابتهاج، وصاح ~~أحد الأشراف الجالسين على المسرح: آه يا إلهي! إن جمالها فوق ما يتصور العقل البشري! ~~وقال آخر: إنها زهرة تبتسم في أشعة الشمس، وقال آخر: إنها روضة يانعة يحمل النسيم ~~رياها العطر إلى القلوب فينعشها، وكان كرستيان مشغولا بأداء ثمن الشراب الذي ~~شربه لينيير، فلم ينتبه إليها؛ ثم التفت فرآها، فارتعد واصفر وجهه وأخذ بيد لينيير وقال ~~له: ها هي ذي، فقل لي من هي؟ إنني خائف جدا يا صديقي، فضع يدك على قلبي فما أحسب إلا ~~أنه يحاول الفرار من مكانه رهبة وجزعا، حدثني عنها واذكر لي كل ما تعلم من أمرها، ~~وارفق بي في حديثك، حتى لا تقضي على الأمل الوحيد الباقي لي من حياتي. # فقهقه لينيير ضاحكا وقال له: بخ بخ لك يا كرستيان! لقد أحسنت الاختيار لنفسك كل ~~الإحسان، وما أحببت إلا أجمل فتاة في فرنسا، فإن كان صحيحا ما تقول من أنها تمنحك من ~~ودها مثل ما تمنحها، وأنها تنظر إليك بمثل العين التي تنظر بها إليها، فأنت أحسن ~~الناس حظا، وأسعدهم طالعا، إنها السيدة مادلين روبان، الشهيرة بروكسان، وهي فتاة ~~عذراء يتيمة، لا أهل لها ولا أقرباء سوى ابن عمها سيرانو دي بيرجراك، الذي كانوا ~~يتحدثون عنه الآن، وهي على فرط جمالها وكثرة محاسنها، عفيفة طاهرة الذيل، عاقلة ~~رزينة، تجلس إلى أذكياء الرجال وتحادثهم، وتفتتن بتصوراتهم وأفكارهم، وتخوض معهم في كل ~~شأن من شئون الحياة حتى شأن الحب، ولكنها لا تأذن لأحد أن يحبها أو أن يعبث بقلبها، ~~فإن حاول ذلك منهم محاول دافعته عنها برقة وأدب، ورفق وحكمة، فسلم لها شرفها وكرمها، ~~ولا عيب فيها إلا أنها من فريق الأديبات المتحذلقات اللواتي أفسد الأدباء المتحذلقون ~~أذواقهن الأدبية، فذهبن مذهب التكلف والتعمل في أحاديثهن وحوارهن، فلا ينطقن ~~بكلمة صريحة خالية من التشابيه والمجازات والإشارات والكنايات، ولا يواجهن المعاني التي ~~يردن الإفضاء بها إلى السامعين مواجهة، بل يدرن حولها دورات كثيرة حتى يصلن إليها، ~~فإذا أردن أن يقلن في أحاديثهن العادية: أشرقت ms013 الشمس، قلن: «ذر قرن الغزالة»، ~~أو أقبل الليل، قلن: «هجم جيش الظلام» أو: طلعت النجوم، قلن: «تجلت عروس الزنج في ~~قلائدها الدرية»، أو: ها هو ذا الكرسي فاجلس عليه، قلن: «ها هو ذا الكرسي يفتح ~~ذراعيه لاستقبالك فتفضل بإلقاء نفسك بين أحضانه»، أي إنهن لا يعجبهن من الألفاظ إلا ~~المتكلف المصنوع، ولا من المعاني إلا المجلوب المختصر، ولا من الشعراء والكتاب إلا ~~المتكلفون المتشدقون في أساليبهم وتصوراتهم، وهي سعيدة في عيشها، مغتبطة بحياتها، لا ~~ينغص عليها صفوها غير هذا الرجل الهمجي المتوحش الذي تراه واقفا بجانبها الآن. # فالتفت كرستيان، فرأى رجلا رشيقا متأنقا حسن الزي والهندام، متشحا بوشاح ~~حريري أزرق، متقلدا سيفا عسكريا مرصعا، قد أسند ذراعه إلى ظهر كرسيها كأنه ~~يحتضنها، وظل يحادثها بصوت منخفض كأنه يسارها ويناجيها؛ فقال له وهو يرتجف غيظا ~~وحنقا: من هذا الرجل؟ وكان لينيير قد ثقل، وبدأ يتمتم ويتلعثم. فقال بنغمة الفأفأة: ~~إنه الكونت دي جيش، أحد قواد الجيش الفرنسي، وصهر الكردينال دي ريشلييه وزير فرنسا ~~العظيم، وقد أحب روكسان وأغرم بها غراما شديدا، ولما رأى أن لا سبيل له إليها من طريق ~~المخالة؛ لأنها شريفة مترفعة، ولا من طريق الزواج؛ لأنه متزوج بابنة أخت ~~الكردينال، أراد أن يزوجها من رجل ساقط من أشياعه، لا تحبه ولا تأبه له اسمه ~~الفيكونت «فالفير»، طمعا في أن ينال منها من طريقه ما لم ينل من طريق آخر، فهالها ~~الأمر وتعاظمها، وأبت أن تذعن لرأيه أو تنزل على حكمه، ولكنه لا يزال يلح عليها ~~ويضايقها، وهي تدافعه عنها بلطف وأدب، وحذر واحتياط، وأخاف إن استمرت هذه الحال أن ~~ينتهي بها الأمر إلى الخضوع والإذعان؛ لأن الرجل قوي جريء مدل بمكانه من قيادة ~~الجيش، وبحظوته عند الكردينال، وليس في أنحاء المملكة جميعها من يجرؤ على التفكير في ~~مشادته أو الخلاف عليه، ولقد أثرت هذه الحادثة في نفسي تأثيرا شديدا، وأشفقت على ~~تلك الفتاة المسكينة أن يستبد بها وبمستقبلها رجل حائر متوحش كهذا الرجل، فنظمت ~~قصيدة رنانة شرحت فيها ms014 قصته معها، وهجوته فيها هجاء مرا لا أحسب أنه يغتفره لي مدى ~~الدهر، وإن شئت أن تسمع هذه القصيدة فهاكها. # وكان الشراب قد نال منه أقصى مناله، فنهض قائما على قدميه، وأخذ يصوب إلى الكونت ~~نظرة هائلة مخيفة، ورفع الكأس بيده، وحاول أن يتغنى بقصيدته، فأسكته كرستيان وقال له: ~~لا تفعل فإني ذاهب. قال: إلى أين؟ قال: أفتش عن فالفير. قال: ماذا تريد منه؟ قال: ~~أقتله! قال: إني أخاف عليك منه؛ لأنه أقوى منك وربما قتلك. قال: لا أبالي بالموت في ~~سبيلها. قال: انظر، ها هي ذي تنظر إليك، وتحدق فيك تحديقا شديدا، فلا يشغلك شاغل ~~عنها، أما أنا فإني ذاهب لشأني، فإن أصدقائي ينتظرونني في الحان، ولا خير لي في ~~الكأس من دونهم، فأذن لي بالذهاب، فأذن له فانصرف، وظل هو شاخصا إلى مقصورة روكسان، ~~يبادلها نظرات الحب والشغف، ويفضي إليها من طريق الصمت والسكون بما عجز عن الإفضاء به ~~من طريق الكلام. # وكان الكونت دي جيش قد نزل من مقصورتها، ومشى في القاعة يحف به جمع عظيم من حاشيته ~~وأصدقائه، يتملقونه ويداهنونه، وحساده ومنافسوه من نبلاء القوم وأشرافهم يتغامزون ~~فيما بينهم، ويرمونه بنظرات الحقد والحرد، ويسمونه القائد المغرور مرة، والجاسكوني ~~الكذاب أخرى، حتى إذا مر بين أيديهم نهضوا له إعظاما وإجلالا، وانحنوا بين يديه ~~وداروا به يصانعونه ويماسحونه، حتى بلغ مكان المسرح، فصعد إليه هو وأتباعه، وجلس على ~~كرسيه المعد له، ثم التفت حوله وقال: أين الفيكونت فالفير؟ فأجابه: هأنذا يا سيدي. ~~قال: تعال بجانبي لأحدثك قليلا. # وكان كرستيان واقفا مكانه ينظر إليه على البعد نظرات الحقد والموجدة، فما سمع اسم ~~فالفير حتى ثار ثائره، وغلى دمه في رأسه، وعلم أنه قد وجد خصمه، فوثب من مكانه ~~وثبة قوية، وصاح: ها قد عرفته، وسألطمه بقفازي على وجهه لطمة هائلة! ووضع يده في ~~جيبه ليخرج قفازه منه، فدهش حين عثرت يده فيه بيد أخرى غريبة، فقبض عليها بشدة والتفت ~~وراءه، فإذا لص قبيح المنظر، زري الهيئة، يحاول سرقته، فصاح ms015 فيه: من أنت؟ وماذا ~~تريد؟ فتضعضع الرجل واستخزى، واستطير عقله خوفا ورعبا، ثم ما لبث أن عاد إلى نفسه ~~واستجمع قواه، وقال له: عفوا يا سيدي، فإني ما أردت سرقتك، وإنما هو تمرين بسيط، فقد ~~تلقيت الساعة أول درس من دروس اللصوصية على أستاذي «بوار»، وقد بعثني إليك كما بعث ~~غيري إلى غيرك، لا لنسرقكم أو نحول بينكم وبين أموالكم، بل لنستوثق من أنفسنا أننا قد ~~حذقنا دروسنا واستظهرناها، فاعف عني واغتفر لي هذه الزلة، واعلم أن في صدري سرا ~~هائلا جدا ينفعك نفعا عظيما إن أفضي به إليك، وهو خير لك مني ألف مرة! فضحك ~~كرستيان طويلا، وقال: أي سر تريد؟ قال: إن صديقك الذي كان جالسا معك منذ ~~هنيهة - وقد نسيت اسمه الآن - هو في الساعة الأخيرة من ساعات حياته، وإن لم تسرع ~~إلى نجدته! قال: أتريد لينيير؟ قال: نعم، فدهش كرستيان، وقال: لم أفهم ما تريد. قال: ~~إنه كان قد هجا منذ أيام عظيما من عظماء هذا البلد بقصيدة مقذعة، فحقدها عليه ~~حقدا شديدا، ورأى أن ينتقم لنفسه منه، فأعد له مائة رجل يكمنون له الليلة في جنح ~~الظلام عند باب «نيل»، في طريقه إلى منزله ليقتلوه، وأنا أحد أولئك الرجال، فاخرج الآن ~~واطلبه في الحانات التي يجلس فيها، وهي المضغط الذهبي، والتفاحة الخشبية، والحزام ~~الممزق، والمشاعل، والأقماع الثلاثة، واترك له بطاقة في كل واحدة منها لتنذره بهذا ~~الخطر الداهم. قال: ومن هو ذلك العظيم الذي دبر له هذه المكيدة؟ قال ذلك سر المهنة ~~لا أستطيع أن أبوح به! فضحك كرستيان وقال: لا حاجة بي إليك فقد عرفته، ثم خلى سبيله ~~فذهب لشأنه، والتفت هو إلى مقصورة روكسان، فرآها متلفتة إليه لا تكاد ترفع نظرها عنه، ~~فألقى عليها نظرة حزينة، وقال في نفسه: وا أسفاه! لا بد لي أن أتركها الآن، ثم ألقى ~~على الفيكونت نظرة ملتهبة، وقال: وأن أتركه أيضا؛ لأني أريد إنقاذ لينيير، ثم ~~ترك الملعب وانصرف ليفتش عن صديقه في تلك الحانات الخمس. # البطل ms016 # بدأ الموسيقيون يوقعون على نغماتهم الرقيقة الشجية، وسكنت الجماهير تنتظر رفع الستار، ~~فهمس لبريه في أذن راجنو: ترى هل يظهر مونفلوري على المسرح الآن؟ قال: نعم، ما من ذلك ~~بد؛ لأنه صاحب الدور الأول في الرواية، ولأنه قد علم أن سيرانو لا يحضر بعد الآن، ~~وأظن أني قد خسرت الرهان! قال: فليكن، فقد كنت أتوقع من حضوره شرا عظيما. # وهنا دق الجرس ثلاث دقات ثم ارتفع الستار، فظهر مونفلوري على المسرح لابسا ملابس ~~راع، وعلى رأسه قبعة محلاة بالورود مائلة إلى أذنه، وفي يده أرغول طويل ينفخ ~~فيه، فصفق له الجمهور تصفيقا كثيرا، فشكرهم بإيماءة رأسه، ثم أنشأ يمثل دور فيدين، ~~ويتغنى بهذه القطعة: # هنيئا للذين يبتعدون عن قصور الملوك جهدهم، بل يعتزلون العالم ~~بأسره، ويفرون منه إلى مكان ناء في منقطع العمران، لا يرون فيه غير ~~وجه الطبيعة الجميل ... # وهنا رن صوت عظيم في جوانب القاعة يقول: «ألم أحرم عليك التمثيل ~~شهرا كاملا يا مونفلوري؟» # فدهش الجمهور، وجمد مونفلوري في مكانه، والتفت الناس يمنة ويسرة يفتشون عن صاحب ~~الصوت أين مكانه، ووقف النساء في المقاصير ينظرن ماذا جرى، وهمس راجنو في أذن لبريه، قد ~~ربحت الرهان يا صديقي، فها هو ذا سيرانو قد حضر. فقال لبريه: ليته لم يحضر، وليتك خسرت ~~كل شيء! وما هي إلا لحظة حتى ظهر سيرانو يتخطى الرقاب، ويدفع المقاعد بين يديه دفعا، ~~ويزمجر زمجرة الرعد، حتى وصل إلى كرسي أمام المسرح فاعتلاه، وهز عصاه الطويلة في ~~وجه الممثل وقال له: اترك المسرح حالا يا أحقر الممثلين، وإلا فأنت أعلم بما يكون، ~~فسخط جمهور من الناس سخطا شديدا، وضجوا من كل ناحية: مثل يا مونفلوري، مثل ولا ~~تخف، فتشجع مونفلوري وعاد إلى التغني بقطعته: «هنيئا للذين يبتعدون عن قصور الملوك ~~جهدهم، بل يعتزلون العالم بأسره ...» فقاطعه سيرانو وصاح وهو يزأر زئير الليث: كأنك ~~تأبى أيها الغبي الأحمق إلا أن أجعل ظهرك مزرعة لعصاي هذه، فاترك المسرح حالا، فقد ~~أوشكت أن أغضب. فاحتدم الجمهور غيظا، وأخذوا ms017 يصيحون: صه أيها المجنون، مثل يا ~~مونفلوري، إنه فضول غريب، إنها سماجة نادرة، فعاد إلى الممثل هدوءه وسكونه، وعاد إلى ~~التغني بقطعته: «هنيئا للذين ...» فما نطق بأول حرف ~~منها حتى وثب سيرانو من كرسيه الذي كان واقفا عليه إلى أقرب كرسي إلى المسرح، وهز ~~عصاه في وجهه وصاح: لا تمثل أيها الدب الهائل ولا تنطق بحرف واحد، فإن فعلت ~~ضربتك بعصاي هذه على وجهك ضربة لا تعرف من بعدها أين مكان أنفك منك، قد أمرتك وليس في ~~العالم قوة تستطيع أن تعترض أمري، فطاش عقل مونفلوري وتلجلج لسانه، والتفت إلى الأشراف ~~الجالسين على المسرح من حوله وقال: النجدة يا سادتي! فنظر أحدهم إلى سيرانو نظرة عظمة ~~وكبرياء، وقال له: كفى هذيانا أيها الفضولي الثرثار، فقد أزعجتنا بضوضائك، وكدرت ~~صفونا، والتفت آخر إلى الممثل وقال له: مثل يا رجل ولا تحفل بشيء فأنا أحميك، وقال ~~آخر: لقد تجاوز الحد هذا الوقح حتى كاد يفرغ صبرنا. # فاتجه إليهم سيرانو وأنشأ يخاطبهم بهدوء وسكون، ويقول: يجب على حضرات السادة الأشراف ~~أن يلزموا أماكنهم ويحافظوا على حيدتهم، فإني أشعر أن عصاي تتلهف شوقا إلى ~~التهام شرائطهم وأوسمتهم. # فانتفض الأشراف غيظا وتناهضوا للقيام، وهاج الجمهور هياجا شديدا، وأحاط جمع عظيم ~~منهم بكرسي سيرانو وأخذوا يصيحون في وجهه ويولولون، ويقلدون أصوات الحيوان: كالديك ~~والهر والكلب والحمار، فاستدار نحوهم سيرانو وألقى عليهم نظرة هائلة مخيفة ~~فتراجعوا قليلا، إلا أنهم ظلوا مستمرين في هياجهم وضوضائهم، وأخذوا يغنون بصوت واحد ~~أنشودة هزلية يقولون فيها: «برغمك يا سيرانو ستمثل رواية كلوريز، برغمك يا ~~سيرانو سيمثل مونفلوري!» يكررونها مرارا، فاستدار إليهم ثانية وزمجر في وجوههم، وصرخ ~~فيهم صرخة هائلة، وقال: ألا تستطيعون أيها السفلة الأوغاد أن تتركوا سيفي هادئا في ~~غمده ساعة واحدة؟ لا أحب أن أسمع منكم هذه الأنشودة مرة أخرى، وإلا حطمتكم جميعا! ~~فقال له أحدهم: إنك لست بشمشون الجبار الذي ضرب جمعا عظيما من الناس بفك كلب ~~فقتلهم، فالتفت إليه وقال: أستطيع أن أكون مثله لو أنك أعرتني ms018 فكك يا هذا! ثم التفت ~~إلى مونفلوري، فرآه لا يزال واقفا في مكانه. فقال: يا للعجب! إنه لم ينفذ أمري ~~حتى الآن، إنه يأبى إلا أن أجعل هذا المسرح مائدة أشرح عليها لحمه تشريحا، فعاد ~~مونفلوري إلى استنجاده واستصراخه، وظل يقول: النجدة النجدة! الغوث الغوث! فازداد غضب ~~الجمهور وهياجهم، وأحاطوا بكرسي سيرانو من كل ناحية، وأخذوا يهددونه وينذرونه بالويل ~~والثبور، وعادوا إلى الترنم بأنشودتهم الأولى، وتقليد أصوات الحيوان، فاستدار إليهم ~~فجأة، ثم وثب من كرسيه إلى الأرض، وتقدم نحوهم بعصاه، فتقهقروا بين يديه، حتى اتسعت ~~الدائرة من حوله اتساعا عظيما، فصاح فيهم: إني آمركم جميعا أن تسكتوا، لا ينطق أحد ~~منكم بحرف واحد بعد الآن، إني أعرف صور وجوهكم جميعها، فليس في استطاعة واحد منكم أن ~~يفلت من يدي، من ذا الذي يريد أن يكون أول ناطق ليكون أول قتيل؟ ثم مر بهم يتصفح ~~وجوههم واحدا فواحدا ويقول: من ذا الذي يريد؟ أأنت أيها الفتى؟ أم أنت أيها الكهل؟ أم ~~أنت أيها الشيخ الهرم؟ من منكم يحب أن يكون اسمه أول اسم في جريدة الأموات؟ لم يجبني ~~أحد بحرف واحد! ما سكوتكم؟ أجبنتم؟ ما لكم تفرون من وجهي؟ قلدوا أصوات الحيوان، غنوا ~~الأنشودة الباردة! أرى صمتا عميقا وسكونا سائدا، لا حركة ولا إشارة! أظنهم قد ماتوا ~~من شدة الخوف، الآن أستطيع أن أستمر في عملي! ثم اتجه إلى المسرح، وأنشأ يقول بصوت ~~خشن أجش: أيها الأشراف، أيها الغوغاء، أيها الرجال، أيتها النساء، لا أريد أن أرى ~~على جسم المسرح هذا الدمل القذر الخبيث، فإن لم ينفجر من نفسه فجرته بهذا المبضع ~~القاتل، ولا أحب أن يعترض أحد منكم إرادتي، أو أخذت البريء بذنب المجرم، والجار بذنب ~~الجار! ثم وضع يده على مقبض سيفه، وقد استحالت صورته إلى صورة وحش هائل قد كشر عن ~~أنيابه للفتك بكل من يدنو منه. # فسكن الجمهور سكونا عميقا لا نأمة فيه ولا حركة. فقال مونفلوري بصوت خافت ~~متقطع: إنك بإهانتك إياي يا سيدي قد أهنت ms019 الإلهة «تالي»! فقال: لا شأن لك بتلك الإلهة ~~أيها الأحمق المأفون؛ لأنها إلهة التمثيل لا إلهة السخافات، ولو أنها شاهدت موقفك هذا ~~وأنت تمثل بهذا الجسم الضخم الغليظ، وهذه الحركات الباردة الثقيلة، لتناولت مني عصاي ~~هذه، وضربتك بها على أحقر عضو في جسمك، وهأنذا أصفق ثلاث مرات، وعند التصفيقة الثالثة ~~لا بد أن تتلاشى من المسرح يا رأس الثور، أسمعت؟ فحاول مونفلوري أن يتكلم، فصفق سيرانو ~~التصفيقة الأولى، فطار قلب الممثل فرقا ورعبا، وظل يقلب نظره في الجماهير، فلم يجد ~~بينهم معينا ولا ناصرا، فأنشأ يقول بصوت مرتعد: سادتي! سادتي! أيرضيكم أن أهان في ~~حضرتكم، وأن يهان الفن على مرأى منكم ومسمع؟! فصفق سيرانو التصفيقة الثانية، فاشتد ~~اهتمام الجماهير، وتطاولت أعناقهم، وتحولوا من الهياج والغضب إلى الاهتمام بمعرفة ~~النتيجة، وأخذ بعضهم يهمس في أذن بعض بأمثال هذه الكلمات: سيبقى، سيخرج، سيجبن، سيقاوم، ~~لا يستطيع البقاء، لا يليق به الفرار، فحاول مونفلوري أن يقول شيئا آخر، ولكنه سمع ~~التصفيقة الثالثة، فاختفى من المسرح كأنما غاص في مهوى عميق! # فهتف الجمهور لسيرانو هتافا عظيما، إلا بضعة أفراد قلائل، لا، بل أخذ الكثير منهم ~~يسب الممثل ويشتمه ويسخر منه، وجلس سيرانو على كرسيه جلسة الفائز المنتصر، فتقدم نحوه ~~فتى من المتفرجين وقال له: أتأذن لي يا سيدي أن أسألك: ما السبب في بغضك مونفلوري؟ ~~فصمت سيرانو لحظة، ثم ألقى عليه نظرة باسمة هادئة وقال له: عندي لذلك سببان: أولهما ~~قبح تمثيله ورداءة حركاته، وأنه يغني الشعر العذب الرقيق بصوت مأخوذ مختنق فيفسده على ~~صاحبه، وينغصه على الناس، أما السبب الثاني فهو سري الخاص الذي لا يمكنني أن أبوح به ~~لأحد، فتقدم نحوه فتى آخر وقال له: ولكنك حرمتنا على كل حال مشاهدة رواية «كلوريز»، ~~وما كنا نؤثر ذلك ولا نرضاه! قال: أظن أني لم أحرمك شيئا نفيسا أيها الفتى، فإن ~~نظم «بارو» كنثره: كلاهما بارد غث لا يساوي شيئا؛ ولذلك قد كفيتكم وكفيت نفسي ~~مئونة سماع روايته السخيفة غير آسف عليها! فصاحت فتاة ms020 في المقاصير: من ذا الذي يعيب ~~شاعرنا بارو؟ أيستطيع أحد أن يجرؤ على ذلك؟ وتكلمت فتيات أخريات بمثل كلامها، فرفع ~~سيرانو نظره إلى المقاصير، وأنشأ يخاطبهن ويقول: لكن يا سيداتي أن تكن جميلات ~~رائعات كما تشأن، ولكن أن تختلبن الألباب، وتستلبن العقول بحسنكن ودلالكن، ~~ولكن أن تبتسمن الابتسامات اللامعة البديعة التي تضيء بنورها ظلمات هذه الحياة، ~~ولكن أن تبعثن السعادة والغبطة والسرور والبهجة في نفوس الناس جميعا، فيحيوا بفضلكن ~~في هذا العالم حياة المسرة والهناء، ولكن أن توحين روح الشعر إلى الشعراء، وتملينها ~~عليهم بسحركن وفتنتكن فيستطيعوا أن يطيروا بأجنحتهم في أجواء السموات العلا، ~~ويشرقوا منها على الدنيا ومن فيها شموسا وأقمارا، لكن كل هذا ولكن ليس ~~لكن أن تجلسن في محكمة الشعر لتحكمن في قضية الشعراء! # وكان «بلروز» صاحب الحان واقفا على مقربة منه. فقال له: وما رأيك يا سيدي في المال ~~الذي خسرته الليلة بسببك؟ قال: هذه هي الكلمة الوحيدة المعقولة التي سمعتها الليلة في ~~هذا المكان، ثم ضرب يده في جيبه، وأخرج منه كيسا مملوءا فضة، ورمى به إليه، فتهلل ~~«بلروز» فرحا وابتهاجا، وقال له: بمثل هذا الثمن آذن لك يا سيدي بالحضور كل ليلة، ~~وبتعطيل ما تشاء من الروايات! ثم التفت إلى المتفرجين وقال لهم: قد انتهى التمثيل يا ~~سادتي، فهيا جميعا إلى الباب لتستردوا نقودكم. # الأنفيات # وهنا تقدم رجل زري الهيئة قذر المنظر، تلوح على وجهه سمات المهانة والضعة، ~~ممزوجة بالوقاحة والسماجة، وقال له بصوت خشن أجش: لا يقف موقفك هذا يا سيدي ولا يجرؤ ~~على مثل ما جرؤت عليه إلا أحد رجلين: إما عظيم، أو صنيعة رجل عظيم، فهل لك أن تخبرني ~~من هو مولاك الذي أنت صنيعته؟ فعجب سيرانو لأمره، وظل يردد نظره فيه ساعة، ثم قال له: ~~ما أنا بصنيعة أحد أيها الرجل. قال: أليس لك سيد يحميك ويرعاك؟ قال: لا! قال: ألا ~~تلجأ في ساعات شدتك وحرجك إلى نبيل من نبلاء هذا البلد أو أمير من أمرائه يسبل عليك ~~ستر حمايته؟ ms021 قال: قلت لك: «لا» مرتين، فهل ترى حتما لازما أن أقولها لك مائة مرة ~~لتفهمها؟ ثم وضع يده على مقبض سيفه، وقال: ليس لي حام ولا سيد غير هذا! فقال: إذن لا ~~تطلع عليك شمس الغد حتى تكون قد شددت رحلك وتزودت زادك، وغادرت باريس إلى بلد ناء ~~لا رجعة لك منه أبد الدهر! قال: لماذا؟ قال: لأن مونفلوري الذي أهنته الليلة، صنيعة ~~رجل عظيم هو الدوق «دي كندال»، وذراع هذا الرجل طويلة جدا تتناول أبعد الأشياء، ولو ~~كانت في قرن الشمس. قال: ولكنها ليست أطول من ذراعي حين أصلها بسيفي! قال: إنك لا ~~تستطيع أن تزعم في نفسك أنك ... فقاطعه سيرانو وصاح: أستطيع أن أزعم كل شيء أيها الفضولي ~~الثرثار، فاغرب عن وجهي، واطلب لنفسك طريق الخلاص مني! فظل الرجل جامدا مكانه يحدق ~~فيه تحديقا شديدا، لا يطرف ولا يتحرك، فانفجر سيرانو غيظا، وانقض عليه وأخذ ~~بتلابيبه وقال له: اخرج من هنا حالا أو حدثني ما لي أراك تنظر إلى أنفي هذه النظرة ~~المريبة؟ فصعق الرجل في مكانه، وظل يرتعد بين يديه، وكان يعلم الناس جميعا أن سيرانو ~~لا يغضب لشيء من الأشياء غضبه لأنفه، ولا ينتقم لشيء انتقامه له، وقال: أنا يا سيدي! ~~قال: نعم أنت، فما الذي تراه غريبا فيه؟ قال: إنك واهم يا سيدي، فإنني - وأقسم لك - ~~ما فكرت قط في شيء مما تقول. قال: أتراه رخوا متهدلا كخرطوم الفيل؟ قال: لا يا سيدي. ~~قال: أو محدودبا كمنقار البومة؟ قال: لا يا سيدي. قال: أويخيل إليك أن أرنبته دمل ~~كبير يزعجك منظره؟ قال: أبدا يا سيدي، وما فكرت في ذلك قط. # قال: أويتراءى لك أن الذباب يمشي متزلقا فوق تضاريسه؟ # قال: لا يا سيدي، لم يخطر ببالي شيء من ذلك، وأقسم لك. # قال: أتراه أعجوبة من أعاجيب الدهر أو فلتة من فلتات الطبيعة؟ # قال: لا يا سيدي، لا هذا ولا ذاك. قال: أترى لونه مضرا بالنظر، أو وضعه خارجا عن ~~الحد، أو شكله مخالفا للآداب العامة؟ ms022 قال: آه يا إلهي! إنني لم أسمح لنفسي بالنظر ~~إليه مطلقا. قال: ولم لا تسمح لنفسك بالنظر إليه، أتشمئز منه؟ قال: أبدا يا سيدي ~~وأقسم لك. قال: أهو في نظرك كبير جدا إلى هذا الحد؟ قال: لا، بل صغير جدا لا أكاد ~~أشعر به. قال: أتهزأ بي أيها الرجل؟ قال: عفوا يا سيدي فإني لا أدري ما أقول. قال: وهل ~~تظن أيها الغبي الأحمق أن الأنف الصغير مفخرة من المفاخر التي يعتز بها صاحبها؟ نعم ~~إن أنفي كبير جدا؛ لا يكبره أنف في هذا البلد، وذلك ما أفخر به كل الفخر؛ لأن الأنف ~~الكبير عنوان الكرم والشرف، والشجاعة والشمم، وأنا ذلك الذي اجتمعت له هذه الصفات ~~جميعها، أما الوجه الكروي الأملس المجرد من هذا العنوان الشريف - كوجهك هذا - فلا ~~يستحق غير اللطم، ولطمه على وجهه لطمة هائلة، ثم وكزه برجله، ففر الرجل هاربا من ~~بين يديه وهو يصيح: النجدة النجدة! فعاد سيرانو إلى مكانه، وجلس على كرسيه مفتخرا ~~معتزا، وظل يقول: هذا إنذار مني لجميع الفضوليين الثرثارين الذين يحاولون أن يهزءوا ~~بهذا الموضع الناتئ في وجهي ألا يفعلوا، فإن حدثتهم نفوسهم بشيء من ذلك - سواء ~~أكانوا من الغوغاء أم من النبلاء - فليعلموا أنني لا أسمح لهم بالفرار من يدي كما سمحت ~~لهذا الجبان الرعديد، قبل أن أغرس ذباب سيفي في سويداء قلوبهم. # فانتفض الأشراف غيظا وثاروا من أماكنهم، وقال الكونت دي جيش: يخيل إلي أن الرجل ~~قد بدأ يضايقنا، ثم انحدر من المسرح تتبعه حاشيته، حتى دنا من سيرانو، والتفت إلى ~~أصحابه وقال لهم: ألا يوجد بينكم من يصلح لمقارعة هذا الرجل؟ فقال الكونت فالفير: أنا ~~صاحبه يا سيدي فانتظر قليلا، فإني سأفوق إليه سهما لا قبل له بالنجاة منه، ثم تقدم ~~نحو سيرانو وهو جالس على كرسيه جلسة العظمة والكبرياء، وظل يردد النظر في وجهه طويلا، ~~ثم قال له: إن أنفك أيها الرجل قبيح جدا! فرفع سيرانو نظره إليه بهدوء وسكون، ثم ~~قهقه قهقهة طويلة، وقال: ثم ماذا؟ قال: ms023 لا شيء سوى أن أقول لك مرة أخرى: إن أنفك ~~أعجوبة من أعاجيب الزمان! فنهض سيرانو عن كرسيه متثاقلا، وتقدم نحوه خطوة، وألقى ~~عليه نظرة من تلكم النظرات الهائلة التي اعتاد أن يصرع بها خصومه حين يلقيها عليهم، ~~وقال له: ثم ماذا؟ فاضطرب الفيكونت وشعر بدبيب الخوف في قلبه، وقال: لا شيء! قال: أهذا ~~هو السهم القاتل الذي أردت أن ترميني به؟ لقد كنت أظن أنك أذكى من ذلك، فازداد اضطراب ~~الفيكونت وقال: وماذا تريد؟ قال: أريد أن أقول لك: إن مجال القول في الآناف ذو سعة، ~~ولو كان عندك ذرة واحدة من الفطنة والذكاء، أو أن لك بعض العلم بأساليب الخطاب ~~ومناهجه، لاستطعت أن تقول لي في هذا الموضوع شيئا كثيرا، كأن تقول لي مثلا بلهجة ~~«المتنطعين»: لو كان لي أيها الرجل أنف مثل أنفك هذا لأرحت نفسي والعالم منه بضربة ~~واحدة من حد سيفي. # وبلهجة «المتلطفين»: حبذا لو صنعت يا سيدي لأنفك هذا كأسا خاصة به، فإني أراه ~~يشرب معك من كأسك التي تشرب منها. # وبأسلوب «الواصفين»: ما أرى أنفك إلا صخرة عاتية، أو قمة عالية، أو هضبة مشرفة، أو ~~روشنا مطلا، أو رأسا ناتئا، أو لسانا ممتدا. # وبنغمة «الفضوليين»: ما هذا الشيء الناتئ في وجهك يا سيدي؟ أمحارة مستطيلة، أم دواة ~~للكتابة، أم صندوق للأمواس، أو علبة للمقاريض؟ # وبلهجة «الماجنين»: أبلغ بك غرامك بالطيور يا سيدي أن تبني لها في وجهك برجا خاصا ~~بها؛ لتقع عليه كلما قطعت شوطا من أشواطها؟ # وبأسلوب «المداهنين»: هنيئا لك يا سيدي هذا القصر الفخم الذي بنيته لنفسك على هذه ~~الربوة البديعة. # وباللهجة الشعرية: أأنفك القيثارة التي توقع عليها إلهة الشعر أنغامها ~~الشجية؟ # وبروح السذاجة: في أي ساعة تفتح أبواب هذا الهيكل يا سيدي الحارس؟ # وبالبساطة الريفية: ما هذا يا سيدي، أأنف ضخم، أم لفتة كبيرة، أم شمامة ~~صغيرة؟ # وباللهجة العسكرية: صوب هذا المدفع نحو فرقة الفرسان أيها الجندي. # وباللغة المالية: أتريد أن تضع أنفك هذا في «اليانصيب»؟ إنه يكون بلا شك ms024 النمرة ~~الكبرى! # وباللغة التمثيلية: أهذا هو الأنف الذي أفسد تخطيط وجه صاحبه فسادا عظيما؟ يا له من ~~مجرم أثيم، ومعتد زنيم! # ويمكنك أن تقول لي «متعجرفا»: ألا تخاف أيها الرجل وأنت تنفث دخان لفافتك من هذه ~~المدخنة الضخمة أن يصيح الناس حين يرونك: الحريق الحريق! # و«متأدبا»: لقد أخل هذا النتوء البارز في وجهك يا سيدي بتوازن جسمك فاحترس من ~~السقوط. # و«متأنقا»: ألا يجمل بك يا سيدي أن تضع لأنفك هذا مظلة خاصة به حتى لا يتغير لونه ~~من تأثير حرارة الشمس؟ # و«متحذلقا»: إن الحيوان الضخم الذي سماه الفيلسوف أرستوفان «تيتلخر تيفيلو جملوس» ~~هو الحيوان الوحيد، الذي يمكنه أن يحمل في وجهه كمية من اللحم توازن الكمية التي تحملها ~~في وجهك. # و«مازحا»: ما أجمله مشجبا لتعليق القلانس والطيالس! # و«مغاليا»: ليس في استطاعة أي ريح مهما اشتد هبوبها أن تجلب لأنفك الزكام، غير ريح ~~السموم! # و«متهكما»: ما أجمله إعلانا لو وضع على واجهة حانوت من حوانيت الروائح ~~العطرية! # و«متفجعا»: ما البحر الأحمر إلا الدم الذي فصد من أنفك! # ذلك ما كان يجب أن تقوله لي لو كان في رأسك ذرة واحدة من الفطنة والذكاء، على أنك ~~لو استطعت لحال بينك وبين ذلك الخوف والرعب؛ لأنك تعلم أنني إن سمحت لنفسي بالسخرية من ~~نفسي أحيانا، فإنني لا أسمح لأحد بالسخرية مني مطلقا، فلقد جمعت في نفسك بين الغباوة ~~والجهل، والجبن والخور، حتى لأحسب أنك لا تحسن هجاء كلمة في اللغة غير كلمة الحماقة، ~~ولا تحمل في رأسك معنى غير معناها! # فجن الكونت دي جيش غيظا، وقال للفيكونت: من رأيي أن نترك هذا المجنون وشأنه، ~~فإننا ممتحنون الليلة برجل لا بد أن يكون قد أفلت الساعة من يد حارس المارستان. فقال ~~الفيكونت: إن الذي يغيظني ويؤلمني أن تصدر أمثال هذه الكلمات المملوءة كبرا وعظمة من ~~حقير مفلوك لا يملك من متاع الدنيا شيئا، حتى قفازا في يده، ولا يحمل على ثوبه أي ~~علامة من علامات الشرف! فارتعش سيرانو غيظا، ولكنه تجلد واستمسك، وأنشأ يقول ms025 بصوت هادئ ~~رزين: نعم أعترف لك يا سيدي بأنني رجل فقير مفلوك، لا أملك من متاع الدنيا شيئا، ~~وأنني لا أحمل على صدري أي هنة من تلك الهنات التي تسمونها شارات الشرف، ولكن ~~ائذن لي أن أقول لك كلمة واحدة، ثم أنت وشأنك بعد ذلك: إنني لا أحفل يا سيدي بالصور ~~والرسوم والأزياء والألوان، ولا يعنيني جمال الصورة وحسنها، ولا برقشة الثياب ونمنمتها، ~~وحسبي من الجمال أنني رجل شريف مستقيم، لا أكذب ولا أتلون، ولا أداهن ولا أتملق، ~~وأن نفسي نقية بيضاء غير ملوثة بأدران الرذائل والمفاسد، فلئن فاتني الوجه الجميل، ~~والثوب المفوف، والوسام اللامع، والجوهر الساطع، فلم يفتني شرف المبدأ، ولا عزة ~~النفس، ولا إباء الضيم، ولا نقاء الضمير. # إن الجبهة العالية يا سيدي لا تحتاج إلى تاج يزينها، وإن الصدر المملوء بالشرف ~~والفضيلة لا يحتاج إلى وسام يتلألأ فوقه، فليفخر الفاخرون بما شاءوا من فضتهم وذهبهم، ~~وألقابهم ومناصبهم، أما أنا فحسبي من الفخر أنني أستطيع أن أمشي بين الناس برأس عال، ~~وجبهة مرتفعة، ونفس مطمئنة، وثوب نقي أبيض، لم تعلق به ذرة من غبار العار، ولم تلوثه ~~شائبة من شوائب السفالة والدناءة، لا أهاب شيئا، ولا أغضي لشيء ولا أخجل من ~~شيء. # نعم، إنني لا أملك قفازا في يدي كما تقول، ولكن أتدري ما السبب في ذلك؟ السبب فيه ~~أنني قطعت جميع قفازاتي على وجوه السفهاء والفضوليين الذين يعترضون طريقي مثلك، ~~عقابا لهم على وقاحتهم وفضولهم، ولم يكن باقيا لي منها حتى ليلة أمس إلا زوج عتيق ~~جدا، احتجت إليه في موقف كموقفي هذا معك، فرميت به وجه أحد السفهاء، فلصق بخده، ~~فتركته وانصرفت. # فجن الفيكونت غيظا، وأخذ يهذي ويقول: صعلوك، بائس، وقح، حقير، سافل! فانحنى ~~سيرانو بين يديه رافعا قبعته عن رأسه وقال له: تشرفت بمعرفة اسمك يا سيدي، أما أنا ~~فاسمي سيرانو سافينيان هركيل دي بيرجراك الجاسكوني! # فصاح الفيكونت: صه أيها النذل الساقط! # فجمد سيرانو لحظة، ثم انحنى على نفسه وأخذ يتلوى ويصيح، كأنما أصيب بألم ms026 شديد في بعض ~~أعضائه، فظن الفيكونت أن قد عرض له عارض مميت، فحنا عليه وقال له: ماذا أصابك؟ فلم ~~يجب، وظل يصيح ويتأوه. فقال له: ما شكاتك أيها المسكين؟ قال: خدر شديد يؤلمني ~~جدا. قال: في قدمك؟ قال: لا. قال: في فخذك؟ قال: لا. قال: إذن في ذراعك؟ قال: ليته ~~كان كذلك. قال: قل لي في أي مكان هو؟ قال: في سيفي! فدهش الفيكونت وقال: ماذا تريد؟ ~~قال: لقد طال لبثه في غمده زمنا طويلا، فأصابه هذا التنميل الشديد، ولا علاج له غير ~~الامتشاق! # المبارزة الشعرية # ففطن الفيكونت لما أراد، وعلم أنها المبارزة ما من ذلك بد، فتشجع وقال: ~~فليكن ما تريد! قال: أتعلم أنني سأضربك ضربة غريبة لم ير الراءون مثلها؟ قال: خيال ~~شاعر كذاب. قال: إن الشاعر لا يكذب، ولكنه يقول ما لا يفهمه الأغبياء فيظنونه كاذبا، ~~وفي استطاعتي أن أرتجل في أثناء القتال الذي يدور بيني وبينك موشحا لا أقول فيه شيئا ~~إلا فعلته، وسيكون مركبا من خمس قطع، يبتدئ أولها بابتداء المبارزة، وينتهي آخرها ~~بانتهائها، أي بانتهاء حياتك يا فيكونت! فصاح الفيكونت: كذبت، وإنك لأعجز من ذلك! قال: ~~لم أكذب في حياتي قط، وها هو ذا عنوان موشحي الجديد. # وأخذ يلقي العنوان مادا به صوته، كأنما يمثل على مسرح، ويقول: «موشح القتال الذي ~~دار بين السيد سيرانو دي بيرجراك، وبين صعلوك من الصعاليك المتنبلين اسمه الفيكونت ~~فالفير، في حانة بوروجونيا.» # ثم جرد سيفه، وبدأ يقاتل ويلقي موشحه، ويوقع ضرباته على نغماته ويقول: # إنني أرمي بهدوء قبعتي، وأخلع عن منكبي ردائي، ثم أجرد من غمده سيفي، ثم ~~أتقدم نحوك رشيقا كسيلادون، وشجاعا كإسكاريوس، ولا بد أني في المقطع الأخير ~~أصيب! ~~••• # وكان جديرا بك أن تضن بنفسك على الموت، إن الموت لا بد آت إليك، لا أدري ~~أين أضع ذباب سيفي من جسمك؟ أو جنبك تحت ثديك؟ أم في قلبك تحت وسامك؟ وعلى ~~كل حال ففي المقطع الأخير أصيب! ~~••• # ترسك يرن تحت ضربات سيفي، ذباب سيفي يلتهب التهابا، ms027 قلبك يخفق من الرعب ~~والخوف، فرائصك ترتعد وتضطرب، فلا بد أني في المقطع الأخير أصيب! ~~••• # هأنتذا قد بدأت تتقهقر؛ لأنني قد أفسدت عليك الضربة الوحيدة التي تعرفها، ~~أوسعت لك المجال فاغتررت وهجمت، فلم تلبث أن فشلت وخذلت، ويل لك من المستقبل ~~المظلم؛ فإني في المقطع الأخير أصيب! ~~••• # اسأل الله رحمته وإحسانه، فها هو ذا الموت يرفرف فوق رأسك، قد سددت عليك ~~جميع الأبواب، ولم تبق لك حيلة في دفع القضاء، قد وعدت ولا بد أن أفي بوعدي، ~~أنني في الكلمة الأخيرة من المقطع الأخير أصيب! # وهنا ضربه ضربة هائلة اخترقت صدره، فسقط يترنح من وقع الضربة، وضجت القاعة ~~بالتصفيق والتهليل، وأحاط القوم بسيرانو يباركونه ويمسحونه، وأخذت النساء تنثر عليه ~~الورود والأزهار، وكانت روكسان أكثرهن اهتماما بالمبارزة وأشدهن سرورا ~~بنتيجتها. # وظل الجماهير يصيحون بأصوات مختلفة: ما أشجعه! ما أشعره! إنه بطل عظيم، حادث بديع، ~~منظر جميل، شاعر وبطل معا، لا يقول إلا ما يفعل، وقد أصابه في الكلمة الأخيرة من ~~المقطع الأخير كما قال. # وتقدم نحوه السيد دارتنيان رئيس حراس الملك، ومد إليه يده وقال له: ائذن لي يا سيدي ~~أن أشكرك وأصافحك، وأقول لك: إنك أفضل مبارز رأيته في حياتي! فلم يزد سيرانو على أن ~~ألقى عليه نظرة هادئة ساكنة، ومد يده إليه فصافحه بسكون، ثم أخذ الناس ينصرفون من ~~القاعة تباعا، وكان الممثل مونفلوري لا يزال واقفا في الطريق العام، فظلوا يسبونه ~~ويشتمونه كلما مروا به، ويعيرونه بالجبن والفرار، حتى إذا لم يبق في الحانة أحد قال ~~لبريه لسيرانو: هل لك في أن نتخلف هنا قليلا أيها الصديق؛ لأني أريد أن أتحدث إليك في ~~بعض الشئون؟ فقال سيرانو لصاحب الحانة: أتأذن لنا أن نبقى هنا هنيهة أنا وصديقي ~~لبريه؟ قال: نعم كما تشاء يا سيدي، وسأخرج أنا وجماعة الممثلين لنتناول طعام العشاء ~~ونتنزه قليلا، ثم نعود بعد ساعة لتهيئة الرواية المقبلة، وصاح بالخدم: أغلقوا الأبواب ~~وأبقوا الأنوار كما هي حتى نعود، ثم انصرف هو وسائر الممثلين. # سريرة سيرانو # قال ms028 لبريه لسيرانو: وأنت، ألا تريد أن تتعشى أيضا؟ قال: لا. قال: لماذا؟ قال: لأني ~~لا أملك نقودا! فقهقه لبريه ضاحكا، فدهش سيرانو والتفت إليه وقال له: مم تضحك؟ قال: ~~تذكرت ذلك الموقف الجميل وأنت تخرج كيسك من جيبك وترمي به بكل قواك إلى بلروز وتقول له: ~~خذ هذا أيها الرجل فهو لك. قال: ألا ترى أنها كانت حركة بديعة؟ قال: نعم، ولكنها لا ~~تغني عن العشاء شيئا، ولا أدري ماذا تصنع بعد اليوم وأنت لا تزال في الأسبوع الأول من ~~الشهر، ولا أحسب أن أباك يرسل إليك النفقة الشهرية مرة أخرى. # وكانت فتاة المقصف واقفة على مقربة تسمع حديثهما دون أن ينتبها إليها، فتحركت حركة ~~مسموعة، فالتفت إليها سيرانو، فمشت نحوه ووضعت يدها على كتفه، وألقت عليه نظرة عطف ~~وحنو لو أنها ألقتها على وجه غير وجهه لظنها الناس لجمالها ورقتها نظرة حب وغرام، ~~وقالت له: أنت ضيفي الليلة يا سيدي، وها هو ذا الطعام بين يديك، فادن من المائدة، ~~وتناول منها ما تشاء. فقال: شكرا لك يا صديقتي، وبالرغم من أن عظمتي الجاسكونية لا ~~تسمح لي أن أمد يدي لتناول أي شيء من أي إنسان، فإني ألبي دعوتك إبقاء على صداقتك ~~وودك! ثم تقدم نحو المائدة، وتناول ثلاث حبات من العنب، وقرصا صغيرا، وكأسا من ~~الماء، وقال: هذا يكفيني. قالت له: خذ شيئا آخر. قال: لا حاجة بي إلى شيء بعد ذلك إلا ~~إلى قبلة من يدك الجميلة، فاسمحي لي بها! وتناول يدها فقبلها، ووجهها يتلهب حياء ~~وخجلا، ثم وضع الطعام بين يديه، وهو يتمتم بصوت ضعيف ويقول: «لقمة صغيرة لا تملأ معدة ~~طفل، وثلاث حبات من العنب لا تملأ الفم، آه ما أشد جوعي!» # ثم التفت إلى لبريه، وقال له: ماذا كنت تريد أن تقول لي يا لبريه؟ تكلم فإني مصغ ~~إليك. قال: كنت أريد أن أقول لك: إن هؤلاء الطائشين المغرورين الذين لا حديث لهم ليلهم ~~ونهارهم إلا حديث الطعن والضرب والمغالبة والمصارعة سيفسدون عليك عقلك ، ويهدمون ms029 نظام ~~حياتك، ولو أنك جريت معهم في هذا المضمار طويلا لكانت عاقبتك أوخم العواقب وأردأها، سل ~~العقلاء أصحاب العقول الراجحة، والآراء المستحصدة ماذا كان وقع حادث الليلة في ~~نفوسهم، وخاصة في نفس رجل عاقل كيس كنيافة الكردينال؟ فقال له وكان قد انتهى من ~~طعامه: أكان الكردينال هنا؟ قال: نعم، ولا بد أن يكون رأيه فيك سيئا جدا. قال: لا، ~~بالعكس؛ لأنه شاعر، والشاعر يعجبه دائما أن يرى بعينيه منظر سقوط رواية ينظمها شاعر ~~آخر. قال: ولكنك قد اتخذت لك الليلة أعداء كثيرين لا أدري ماذا يكون شأنك معهم غدا. ~~قال: كم تظنهم على وجه التقريب؟ قال: أربعين غير النساء. قال: اذكر لي بعضهم مثلا. ~~قال: مونفلوري، دي جيش، دي جيجي، فالفير، باور مؤلف الرواية، الممثلون، أعضاء المجمع ~~العلمي ... قال: كفى كفى، قد فهمت، إنها نتيجة جميلة جدا، كنت أظن أن أعدائي أصغر شأنا ~~من ذلك! فعجب لبريه لأمره، وقال له: أعترف لك يا سيرانو أنني قد عييت بأمرك إعياء ~~شديدا، وأصبحت لا أدري إلى أين تصل بك هذه الحالة الغريبة، وتلك الأساليب الشاذة، ولا ~~أفهم ما هي حقيقة رأيك في الحياة؟ ولا ما هي خطتك التي انتهجتها لنفسك فيها؟ فأطرق ~~سيرانو لحظة ثم رفع رأسه وقال له: اسمع يا لبريه إن الخطط في الحياة كثيرة جدا، ~~ومتشعبة تشعبا يحار فيه العقل، ولقد ضللت في مسالكها برهة من الزمان لا أعرف ماذا ~~آخذ منها، وماذا أدع، حتى اهتديت أخيرا إلى أبسطها وأسهلها. قال: وما هو؟ قال: هو أن ~~أكون موضع الإعجاب في كل شيء ومن كل إنسان. قال: فليكن ما تريد، ولكن على شرط أن تكون ~~أفعالك أشبه بأفعال العقلاء منها بأفعال المجانين. قال: لا أستطيع أن أعرف الحد الفاصل ~~بين العقل والجنون. # قال: هل لك أن تخبرني لم تضمر في نفسك هذا البغض الشديد لمونفلوري، وما أذكر أن الرجل ~~أساء إليك في حياته قط؟ قال: أبغضه لأنه - وهو ذلك العتل البطين الذي لا تستطيع يده ~~أن تصل إلى سرته - يظن ms030 نفسه رشيقا جميلا يستطيع أن يخلب قلوب النساء، ويستهوي ألبابهن ~~بخفته ورشاقته، فإذا وقف في المسرح للتمثيل ألقى عليهن في مقاصيرهن نظرات كنظرات ~~الضفادع، بصورة تعافها الأنفس، وتندى لها الوجوه، ولقد أضمرت له في نفسي تلك الموجدة ~~منذ الليلة التي رأيته يجترئ فيها على أن يوجه إليها نظراته الخنفسائية البشعة، فلقد ~~خيل إلي في تلك الساعة أن دودة قذرة سوداء قد دبت من مكانها إلى وردة نضرة ~~ناعمة فلصقت بها، فأزعجني هذا المنظر المؤلم إزعاجا شديدا، ولم أر بدا من معاقبته ~~على جهله وغباوته، فحكمت عليه بالانقطاع عن التمثيل شهرا كاملا. فقال لبريه: ومن هي ~~تلك التي تريد؟ ويخيل إلي أنك عاشق يا سيرانو، فابتسم ابتسامة الممتعض المتألم، ~~ثم تنفس تنفسة طويلة كادت تتساقط لها جوانب نفسه، وقال: نعم يا لبريه! إنني أحب ~~حبا قاتلا لا بد أن يسوقني إلى القبر. # قال: وهل يمكنني أن أعرف من هي تلك التي تحبها؟ فإنك لم تحدثني عنها قبل اليوم. قال: ~~أي فائدة لي من ذكرها وهي لا تحبني؟ قال: وكيف عرفت ذلك، هل فاتحتها في شيء؟ قال: وكيف ~~يمكنني أن أفاتحها وأنا أعلم أن هذا الأنف البشع القبيح الذي أحمله يتقدمني حيثما ~~ذهبت، وأنى سلكت، فلا يسمح لي بالطمع في قلب امرأة قبيحة شوهاء فضلا عن جميلة ~~حسناء. قال: ألا يمكنني أن أعرف من هي؟ قال: إذا عرفت أن سيرانو لا يمكن أن يحب إلا ~~أجمل امرأة في العالم أمكنك أن تعرف من هي؟ فصمت لبريه هنيهة وهو يفكر حتى عجز، ~~فقال: لم أستطع أن أفهم شيئا، فهل لك أن تصفها لي؟ # قال: أما هذه فنعم، هي الخطر العظيم الذي يحيط بالمرء من جميع نواحيه فلا يعرف له ~~سبيلا إلى الخلاص منه، هي المغناطيس الجذاب الذي يستهوي قلب الناظر إليه وعقله، وجميع ~~حواسه ومشاعره، هي الوردة النضرة الناعمة التي تكمن حية الحب السامة بين أوراقها، ~~من رأى ابتساماتها رأى الكمال الإنساني كله، ومن رأى نظراتها رأى الدعة واللطف والرقة ~~والعذوبة، وجميع معاني ms031 الحياة الطيبة اللذيذة في كل حركة من حركاتها، وإشارة من ~~إشاراتها، ولفتة من لفتاتها، إنها شمس تضيء الكون وتنير ظلماته، ليس في استطاعة ~~«الزهرة» ربة الجمال، وهي جالسة فوق علياء عرشها العظيم أن تضارعها في بهائها ~~وجلالها، ولا في استطاعة «ديانا» إلهة الحب حين تسير بخفة ورشاقة وسط الرياض الناضرة أن ~~تحاكيها في مشيتها، وهي سائرة على قدميها الصغيرتين في مماشي بستانها. فقال لبريه: حسبك ~~يا سيرانو، فإنك تحب ابنة عمك روكسان، ولكن لا أدري لم لا تفضي إليها بذات نفسك ما دمت ~~تمت إليها بصلة القربى التي بينك وبينها؟ قال: ذلك ما أعجز عنه يا صديقي، فإنني ~~رجل بائس مسكين، قضى الله علي أن أعيش في هذا العالم بلا أمل ولا رجاء، تأمل في ~~وجهي قليلا، وانظر: هل يستطيع صاحب مثل هذا الوجهه البشع الدميم أن يحيا في العالم ~~حياة الحب والغرام؟ أو أن يكون له أمل في اختلاب الأفئدة واجتذاب القلوب؟ لقد تمر بي ~~في بعض أيامي ساعات أشعر فيها بحاجة قلبي إلى تلك الحياة الحلوة اللذيذة التي يحياها ~~الناس جميعا، حياة الحب والغرام، فأدخل إحدى الحدائق العامة، وأمشي بين رياضها ~~وأزهارها، وأتنسم روائحها وأنفاسها، فأنسى نفسي، ويخيل إلي أني أسبح في جو رائق ~~صاف من العواطف والوجدانات، فإذا رأيت في ضوء أشعة القمر الفضية امرأة جميلة تمشي ~~وحدها خيل إلي أني أستطيع أن أكون رفيقها الآخذ بذراعها، وإذا رأيت فتى وفتاة ~~سائرين على مهل يتهامسان ويتناجيان، وتتموج أنوار الحب بينهما خيل إلي أن بجانبي ~~رفيقة حسناء ترفرف علي وعليها هذه الأجنحة البيضاء التي ترفرف عليهما، ثم أستسلم ~~لهذا التصورات والأفكار، وأستغرق فيها ساعة طويلة، حتى إذا وقع نظري فجأة على خيال وجهي ~~في حائط الحديقة في ضوء القمر، عدت إلى صوابي وأفقت من غيبوبتي، ورجعت أدراجي إلى منزلي ~~وبي من الحزن ما الله به عليم! # ثم نكس رأسه مليا وصمت صمتا عميقا كأنما يعالج في نفسه ألما ممضا، فحنا ~~عليه لبريه وقال له: رحمة بنفسك يا صديقي! ms032 فرفع رأسه وقال: نعم، إن آلامي عظيمة جدا ~~لا يحتملها بشر، فليت الله إذ خلقني على هذه الصورة الدميمة البشعة لم يخلق لي قلبا ~~خفاقا، أو ليته إذ خلق لي هذا القلب الخفاق خلق له أجنحة يستطيع أن يطير بها في جو ~~الحب كما تطير القلوب الخوافق، أما الآن فإنني أشعر أني وحيد في هذه الدنيا، لا سند لي ~~فيها ولا عضد، ولا أنيس ولا عشير، ولا زوجة ولا ولد! # ثم عاد إلى إطراقه مرة أخرى، وأخذ يبكي ويذرف دموعا غزارا في صمت وسكون، فانزعج ~~لبريه وأخذ بيده وقال له: أتبكي يا سيرانو؟ فانتفض ورفع رأسه وقال: لا يا لبريه، إن ~~البكاء قبيح بمثلي، ولا يوجد في العالم منظر أقبح ولا أسمج من منظر الدمعة الجميلة، ~~وهي سائلة على مثل هذا الأنف الضخم الطويل، لا شيء في العالم أبدع ولا أرق ولا أجمل من ~~الدموع، وإني أضن بها أن أهينها، وأكدر صفوها وأشوه جمالها. فتأثر لبريه لمنظره ~~تأثرا شديدا، وكاد يبكي لبكائه، ولكنه تجلد واستمسك وقال له: لا تحزن يا صديقي ولا ~~تستسلم لهذه الأوهام، فما الحب في الدنيا إلا حظوظ وجدود، وقد يأتيك عفوا ما تظن ~~أنه أبعد الأشياء منالا منك. قال: لا، أنت مخطئ يا لبريه، فإنه لا يجوز لي أن أطمع في ~~حب «كليوباترة» إلا إذا كنت «قيصر»، ولا في حب «بيرنيس» إلا إذا كنت، «تيتوس». # وقال: إن الله قد وهبك من العقل والذكاء والصفات الكريمة النادرة ما يقوم لك مقام ~~الجمال، ألم تر تلك الفتاة بائعة الحلوى، وهي تنظر إليك نظرات الحب والشغف على أثر ~~تلك المبارزة الغريبة، التي انتصرت فيها على الفيكونت الليلة؟ كذلك كان شأن روكسان، فقد ~~شاهدتها وهي تتبع حركاتك أثناء المبارزة باهتمام عظيم، وقلقها عليك ظاهر في اضطراب ~~أعضائها، واكفهرار وجهها، حتى إذا انتصرت على خصمك كانت هي أعظم الناس سرورا بانتصارك، ~~فانتعش سيرانو وهدأت نفسه قليلا، وقال: أصحيح ما تقول يا لبريه؟ قال: نعم، ولا بد أن ~~تكون تلك الحادثة قد ms033 تركت في قلبها أثرا عظيما، فانتهز هذه الفرصة وفاتحها في شأن ~~حبك. قال: أخاف أن تسخر مني، وهو الأمر الذي أخشاه أكثر من كل شيء في العالم. # وهنا ظهرت وصيفة روكسان داخلة من الباب الكبير، ولم تزل سائرة حتى وقفت أمام ~~سيرانو، فدهش لرؤيتها دهشة عظيمة، وخفق قلبه خفقا متداركا، وقال: آه يا إلهي! إنها ~~وصيفتها! وظل يرتعد ويضطرب، فانحنت الوصيفة بين يديه محيية وقالت له: إن سيدتي ~~روكسان تسأل ابن عمها البطل الشجاع سيرانو دي بيرجراك: متى يمكنها أن تراه غدا على ~~انفراد؛ لتحادثه في بعض الشئون؟ وأين يكون مكان الاجتماع؟ فازداد اضطرابه وارتعاده، ~~وقال: تراني أنا؟ قالت: نعم، في المكان الذي تريده، وفي الساعة التي تراها. قال: آه يا ~~إلهي! كيف يمكنني أن أصدق ذلك؟ قالت: إنها ستذهب غدا عند تفتح زهرات الصباح لسماع ~~خطبة الوعظ في كنيسة «سان روك»، ففي أي مكان تحب أن تقابلها بعد خروجها من الكنيسة؟ ~~فأرتج عليه وظل يهمهم ويتمتم، وانتشر عليه رأيه فلم يعرف ماذا يقول. فقالت له: ما ~~لي أراك مضطربا هكذا؟ أسرع بالجواب فإنها تنتظرني. فقال بصوت خافت متقطع: إني ~~أنتظرها في الساعة السابعة من صباح الغد في مطعم راجنو. قالت: وأين مكان هذا المطعم؟ ~~قال: في رأس شارع سان أنريه. قالت: سأبلغها ذلك، وانحنت ثانية بين يديه وانصرفت، فظل ~~شاخصا ببصره إلى السماء كالذاهل المشدوه، وهو يردد بينه وبين نفسه: آه يا إلهي! ~~كيف يمكنني أن أصدق ذلك؟ إنها أرسلت إلي وصيفتها تسألني أن أقابلها على انفراد، ~~فليت شعري ماذا تريد أن تقول لي؟ فقال له لبريه: تريد أن تقول لك: إنها تحبك، ما في ذلك ~~ريب، ولقد تنبأت لك بذلك من قبل فلم تصدقني. قال: كيفما كان الأمر فحسبي منها أني خطرت ~~ببالها، وأنها تعلم أن في العالم إنسانا اسمه سيرانو! قال: ما أحسبك إلا راضيا عن ~~نفسك الآن، ولا بد أن تكون قد هدأت تلك الثورة التي كانت قائمة في نفسك. قال: لا، ما ~~هدأت ولا فترت، ms034 بل أصبحت ثائرا جدا، وأشعر أن قوتي قد ازدادت أضعافا مضاعفة، فلو ~~لقيت الآن جيشا كامل العدة والعدد لقهرته وحدي، ويخيل إلي أن بين جنبي عشرة ~~قلوب، وأن في منطقتي عشرة سيوف أستطيع أن أقاتل بها جميعا في آن واحد، ولا ~~يكفيني أن أحارب الأقزام والضاوين والجبناء، كذلك المسخ الذي حاربته الليلة، بل لا بد ~~لي من جبابرة وعمالقة أفخر بقتالهم والفلج عليهم. # باب نيل # وكان يتكلم بصوت عال رنان، ويصرخ صرخات هائلة مزعجة تدوي بها أرجاء القاعة، ~~كأنما خيل إليه أنه في ميدان حرب، وأنه يقاتل أولئك العمالقة والجبابرة الذين ~~ذكرهم. # وكان الممثلون قد عادوا من نزهتهم، وأخذوا يهيئون على المسرح الرواية المقبلة، ~~فأزعجهم صوت سيرانو وهو يصرخ، فصاح به أحدهم: ألا تزال باقيا هنا حتى الآن يا سيرانو؟ ~~لقد أزعجتنا بضوضائك وصخبك، فاهدأ قليلا لنستطيع أن نأخذ في عملنا، فابتسم سيرانو ~~وقال: عفوا يا سادتي، فسأترك لكم المكان مسرورا مغتبطا، وهم بالخروج، فما راعه ~~إلا جماعة من الجنود والضباط قد دخلوا الحانة يحيطون برجل يترنح سكرا، فتأمله ~~فإذا هو لينيير، فهرع إليه مذعورا وقال: ما بك يا صديقي؟ قال بلهجة متثاقلة: خذ هذه ~~الورقة واقرأها، فإنها تنذرني بأن مائة رجل يكمنون لي الليلة في طريقي إلى منزلي عند ~~«باب نيل»؛ ليقتلوني بسبب تلك القصيدة التي تعلمها، فأذن لي بالذهاب إلى منزلك لأنام ~~فيه الليلة، فأطرق سيرانو هنيهة، وهو يهمهم قائلا: مائة رجل على رجل واحد؟ ما ~~أجبنهم وأسفل نفوسهم! ثم رفع رأسه، وألقى على لينيير نظرة عالية مترفعة، وقال له ~~بهدوء وسكون: لينيير! إنك ستنام الليلة في بيتك! فلم يفهم غرضه، وقال له وهو يترنح ~~ويتمطق: ولكنك تعلم يا سيدي أنني رجل ضعيف مسكين، لا أقوى على مقاتلة هر، فمن ~~لي بلقاء مائة رجل وحدي؟ قال: إنني أنا الذي سألقاهم وأنا الذي سأقاتلهم، فخذ المصباح ~~من يد البواب وسر أمامي، وأقسم لك أنك ستنام الليلة في بيتك، وأنني سأمهد لك فراشك ~~بيدي، لقد كنت أتمنى منذ هنيهة أن ms035 أقاتل جيشا كامل العدة والعدد، وها هو ذا الجيش ~~الذي كنت أتمناه قد وافاني وحده، إنني في هذه الليلة بل في هذه الساعة على الأخص، لا ~~يجمل بي أن أقاتل أقل من هذا العدد! فتقدم نحوه لبريه، ووضع يده على كتفه وأسر في ~~أذنه: ألا يستطيع هذا الرجل أن ينام الليلة في غير بيته؟ وهل ترى من اللازم الحتم أن ~~تخاطر بنفسك دفاعا عن مثل هذا الأبله المأفون! # وكان الممثلون قد نزلوا من المسرح، وأقبلوا يشاهدون الحادثة، فوضع سيرانو يده على كتف ~~لبريه، وقال له وهو يبتسم ابتساما هادئا لطيفا: إن هذا السكير الذي لا يفيق، بل ~~الزق الذي لا ينفد، هو أرق الناس قلبا، وأجملهم حسا، وأشرفهم شعورا، رأيته مرة ~~وقد خرج من الكنيسة يوم الأحد، فرأى المرأة التي يحبها تتناول بيدها اللطيفة قليلا من ~~الماء المقدس، فظل يرقبها حتى انصرفت، فهجم على الحوض الذي وضعت يدها فيه - وما على وجه ~~الأرض شيء أبغض إليه من الماء القراح - فما زال يكرع منه حتى أتى عليه، فصاحت إحدى ~~الممثلات: ما أجمل هذه الحادثة، وما أرق هذا الشعور! فالتفت إليها سيرانو وقال لها: ~~أليس كذلك أيتها الفتاة؟ قالت: وا رحمتاه لهذا الرجل المسكين! كيف يسمح مائة رجل ~~لأنفسهم أن يتفقوا عليه؟ ألا تعلم ما السبب في ذلك يا سيدي؟ فلم يجبها سيرانو، والتفت ~~إلى جماعة الجند الذين دخلوا مع لينيير، وقال لهم: هأنذا ذاهب إلى المعركة الليلية، ~~فإن شئتم أن تكونوا معي فأنتم وشأنكم، غير أن لي عليكم شرطا واحدا فقط، هو أنكم مهما ~~رأيتم من الخطر المحدق بي فلا يتقدم أحد منكم لمساعدتي، وليكن مكانكم مني مكان مراسلي ~~الصحف ومندوبيها في المعارك: يشاهدونها ولا يقربونها. فقالت الممثلة: هل تأذن لي يا ~~سيدي أن أذهب معكم حيث تذهبون؟ قال: نعم آذن لك، ولكل من أراد الذهاب منكم، فصاح ~~الممثلون والموسيقيون جميعا: كلنا نذهب معك، فابتهج سيرانو وتهلل وجهه، وقال: يا له ~~من موكب شائق بديع! ثم جرد سيفه من غمده وضرب ms036 به الهواء، وصاح صيحة القائد في جنده: ~~ليتقدم الضباط، ثم الجند، ثم الممثلون، ثم الممثلات، ثم الموسيقيون وهم يعزفون ~~بألحانهم الحماسية، وليأخذ كل منكم في يده شمعة أو مصباحا، أما أنا فإني قائدكم ~~العام، وها هي ذي الريشة التي ناولتني إياها يد المجد والفخار ترفرف فوق قبعتي! # فأخذوا يصطفون كما أمرهم وهم يمجنون ويضحكون، كأنهم ذاهبون إلى مرقص، وهنا التفت ~~سيرانو إلى الممثلة التي أعجبتها قصة لينيير، وقال لها: قد كنت سألتني أيتها الفتاة منذ ~~هنيهة لم يتفق مائة رجل على رجل واحد مسكين؟ فأقول لك جوابا على ذلك: إنهم ما ~~فعلوا ذلك من أجله، بل من أجلي؛ لأنهم يعلمون أني صديقه الذي لا يخذله، ثم أمر البواب ~~أن يفتح الباب الكبير على مصراعيه ففعل، فتجلى أمامه منظر باريس العام في ضوء القمر ~~الساطع، فوقف هنيهة يتأمل هذا المنظر البديع ويقول: آه! لقد طلع البدر وتلألأت ~~أشعته، فاختفت باريس المظلمة، وحلت محلها باريس المنيرة، ها هي ذي النجوم اللامعة تسطع ~~في سمائها، وها هي ذي أشعة القمر تسيل على منحدرات سطوحها، وها هو ذا نهر السين يرتجف ~~تحت أبخرته البيضاء ارتجاف المرآة السحرية. # إن الطبيعة تهيئ لنا ميدانا جميلا للقتال الرهيب، فهيا بنا جميعا إلى «باب ~~نيل». # ثم مشى، فمشى الجميع وراءه ينقلون خطواتهم على نغم الموسيقى. # الفصل الثاني # | المتشاعرون # فتح راجنو طاهي الشعراء والممثلين مطعمه مبكرا كعادته، والطيور لا تزال جاثمة في ~~أوكارها، فجلس بين يدي منضدته ينظم على ضوء المصباح قطعة شعرية في وصف «اللوزينج»، ~~فكان يكب على أوراقه مرة ليقيد ما حضره من الأبيات، ويرفع عينيه إلى السماء أخرى ليستمد ~~من إلهة الشعر روحها، ويستلهمها وحيها، ولم يزل على ذلك ساعة حتى بدأت الشمس ترسل أشعتها ~~الأولى من خلال النوافذ والكوى، ودوت في المطبخ جلبة العمال وضوضاؤهم، وصلصلة الآنية ~~والقدور، فألقى قلمه واعتدل في جلسته وتأوه آهة طويلة، ثم قال مخاطبا إلهة الشعر: وداعا ~~أيتها الإلهة القوية القادرة، قد انقضى الليل وانقضى سكونه وهدوءه، وجاء النهار بجلبته ms037 ~~وضوضائه، فدعيني الآن، واذهبي لشأنك غير مقلية ولا مجتواة، وموعدنا الليلة ~~القابلة. # ثم مشى إلى المطبخ، فرأى في مدخله إناء من النحاس الأصفر قد ألقت الشمس عليه أشعتها ~~الصفراء، فاشتد وميضه ولألاؤه، فوقف أمامه لحظة يتأمله ويقول: ها هي ذي الشمس قد استطاعت ~~أن تصنع ما لا يصنعه الكيميائي الماهر، فقد حولت النحاس الأصفر بشعاع واحد من أشعتها ~~إلى عسجد وهاج، ثم قال: ما أجمل هذا المعنى وأبدعه! لا بد لي من تقييده حتى لا يفلت من ~~يدي إذا احتجت إليه، وأخرج دفتره من جيبه فقيده. # ثم وقف بأحد الغلمان وهو يشق بمدية في يده رغيفا إلى شقين. فقال له: لقد أخطأت ~~القسمة أيها الغلام؟ فالمصراعان غير متوازنين، ورأى آخر يشوي في نصل واحد ديكا كبيرا ~~وعصفورا صغيرا. فقال له: إنها طريقة الشاعر «مالرب» وهي لا تعجبني، فإما أن يكون البيت ~~تاما كله، أو مجزوءا كله. # ومر بطباخ يطبخ مرقا في قدر، فتناول الملعقة وأدارها فيه ثم قال له: ما أرق هذا ~~الحساء! إنه كالشعر المهلهل، وأنا لا يعجبني إلا الجزل المتين. # ووقف أحد العمال بين يديه وسأله: كم قيراطا تحب أن يكون ارتفاع قبة الفالوذج اليوم؟ قال: ~~ثلاثة تفاعيل! # وتقدم بين يديه آخر حاملا على يديه صينية مغطاة بنسيج رقيق، وقال له: لقد اخترعت اليوم ~~هذا الشكل يا سيدي، فلعله يعجبك، ثم رفع النسيج، فإذا قيثارة مصنوعة من الحلوى مغشاة ~~بدقيق السكر الأبيض، فتهلل وجهه فرحا وصاح: فكرة شعرية جميلة لم يسبقك إليها أحد، وقد ~~أعفيتك اليوم من العمل مكافأة لك على حسن تصورك وسمو خيالك، فاذهب لشأنك وخذ هذه القطعة ~~الفضية واشرب بها نخب الفنون الجميلة. # دواوين الشعراء # ولم يزل يطوف بالعمال ويخاطبهم بهذا الأسلوب المضحك الغريب، وهم يتغامزون عليه ~~ويتضاحكون من ورائه، حتى خرج فمشى إلى قاعة الطعام، فرأى زوجته «ليز» تصفف على المائدة ~~أنواع الحلوى والفطائر والقدائد والرشارش والرقائق، وقد اتخذت أوعيتها وأكياسها من ~~صحائف الكتب الأدبية ودواوين الشعراء التي كانت تبتاعها من الوراقين لهذا الغرض، ms038 فألقى ~~على الأكياس نظرة حزينة مكتئبة، وقال: أهكذا تصنعين بدواوين أصدقائي الشعراء ~~المجيدين! لقد كنت أتمنى أن أرى وجه الموت قبل أن أرى تلك الأعلاق النفيسة والجواهر ~~المنتقاة أوعية للفطائر والحلوى في حوانيت الطهاة والحلويين؛ فوا رحمتاه للأدب! ووا ~~أسفا عليه وعلى عهده الزاهر النضير! فألقت عليه نظرة ازدراء واحتقار، وقالت له: إننا ~~ما أردنا إهانة دواوين أصدقائك ولا الزراية بها، ولكننا علمنا أنها لم تخلق إلا ~~للعثة والأرضة، وأن شعاع الشمس لن يصل إلى مكامنها أبد الدهر، فأردنا أن نحتال ~~على الناس في أمرها، فنشرناها من قبورها وقدمناها إليهم لفائف للفطائر والحلوى، علهم ~~يلمحونها عرضا فيقرءونها، فليشكر لنا أصدقاؤك منتنا عليهم ويدنا عندهم! فاحتدم ~~راجنو غيظا وقال لها: أيتها النملة الضعيفة، لا تهيني الثور العظيم فيصرعك بحافره ~~صرعة لا قيامة لك من بعدها! فقالت: لعنة الله عليك وعلى جميع ثيرانك من عهد هومير إلى ~~عهدك وتركته وانصرفت. # وما هي إلا هنيهة حتى دخل المطعم غلام صغير يطلب قرصا من الحلوى، فتناول راجنو ~~أحد الأكياس وتأمله قبل أن يعطيه إياه، فوقع نظره على هذه الكلمة: «ولما فارق عولس ~~بينيلوب ...» فأعاده إلى مكانه، وقال: شعر بديع لا أستطيع أن أسمح به، وتناول كيسا آخر ~~فقرأ عليه هذا العنوان: «إلى أبولون». فقال: ولا هذا، ووضعه في مكانه، وتناول كيسا ~~ثالثا فقرأ عليه: «إلى فيلبس». فقال: ولا هذا أيضا، وأراد أن يعيده إلى مكانه، ~~فالتفتت إليه زوجته فخافها وأعطاه الغلام فأخذه وانصرف. # ولم يلبث أن تغفل زوجته وعدا وراء الغلام حتى أدركه في الطريق، فضرع إليه أن ~~يرد له الكيس فارغا، فأبى الغلام إلا إذا أخذ في مقابله قرصا آخر أو أخذ القرص بلا ~~ثمن، فرد إليه راجنو الثمن وعاد بالصحيفة فرحا مغتبطا يمسح عنها الدهن، الذي ~~غمرها ويضمها إلى صدره ويترنم بأبياتها! # الموعد # وإنه لكذلك إذ فتح الباب فجأة ودخل سيرانو وهو مصفر الوجه شاحب اللون على أثر تلك ~~المعركة الليلية، التي دارت بينه وبين أعداء لينيير، فسأل راجنو: كم الساعة الآن؟ ms039 قال: ~~السادسة يا سيدي، وقدم له كرسيا فجلس عليه، ثم وقف بين يديه متأدبا متخشعا وقال له: ~~أهنئك يا سيدي بانتصارك العظيم الذي انتصرته ليلة أمس، فلقد كانت تلك المعركة أجمل ~~معركة حضرتها في حياتي، وسيمر بي زمن طويل قبل أن أنساها وأنسى حسنها وجمالها، ~~فالتفت إليه سيرانو وقال: أي معركة تريد؟ قال: معركة «بوروجونيا». قال: لعلك تريد ~~المبارزة؟ قال: نعم، أريد تلك المبارزة الغريبة التي ألفت فيها بين نغمات سيفك ونغمات ~~شعرك تأليفا بديعا كأحسن ما يصنع الموسيقار الماهر، وارتجلت فيها ذلك الموشح الجميل ~~الذي لم يسبقك إليه شاعر من قبلك، كأن إلهة الشعر كانت مرفرفة فوق رأسك تمدك بروحها ~~وقوتها. فقالت ليز وهي تشير إلى زوجها: نعم يا سيدي، إنه ما زال يلهج بتلك الحادثة مذ ~~رآها حتى الساعة، لا يفارق خيالها يقظته ولا منامه، حتى ليخيل إلي أنه قد أصابه مس ~~من الشيطان. فقال راجنو: نعم، إنها لم تفارق خيالي قط، وما حسدت أحدا في حياتي على ~~موقف من المواقف حسدي إياك على موقفك هذا، ثم مد يده إلى المائدة وتناول مدية طويلة ~~وأخذ يلوح بها في الهواء مقبلا مدبرا، متقاصرا متطاولا، كأنما يمثل تلك المبارزة، ~~ويترنم في أثناء تمثيله بهذا الشطر: «وفي المقطع الأخير أصيب، وفي المقطع الأخير أصيب» ~~ثم يقول: ما أجمل هذه النغمة! وما أبلغ هذا الشعر! وما أمتن تلك القافية! وسيرانو ينظر ~~إليه مدهوشا مستغربا، حتى فرغ من تمثيله. فقال له: كم الساعة الآن يا راجنو؟ قال: ~~ست وعشرون دقيقة يا سيدي. فقال في نفسه: لم يبق على السابعة إلا القليل. # ثم وقف وأخذ يتمشى في أرجاء القاعة ذهابا وجيئة، فمر بليز وهي واقفة بجانب المائدة، ~~فلمحت في يده جرحا داميا. فقالت له: ماذا أصابك يا سيدي؟ وما هذا الجرح الذي في يدك؟ ~~قال: خدش بسيط لا أهمية له. فقالت: يخيل إلي أنك كنت في معركة. قال: لا. قالت: أخاف ~~أن تكون كاذبا. قال: هل رأيت أنفي يضطرب؟ تلك هي العلامة الوحيدة للكذب ms040 في مذهبي، ثم ~~التفت إليها وإلى راجنو وقال لهما: إنني أنتظر بعض الناس هنا، وأحب أن أكون معه على ~~انفراد، فاتركا لي القاعة الآن، فلم يبق على حضوره إلا القليل. قال راجنو: ولكن ماذا ~~أصنع بشعرائي يا سيدي وهم على وشك الحضور الآن؟ قال: لا بأس أن يحضروا، على شرط أن ~~تؤذنهم بالانصراف أو بالتحول إلى غرفة أخرى عندما أشير إليك، ثم سأله: كم الساعة الآن؟ ~~قال: ست وثلاثون دقيقة. قال: أعطني قلما وقرطاسا، فإني أريد أن أكتب، فجاءه بما ~~أراد، فجلس على منضدة راجنو، وأمسك بالقلم وأنشأ يقول بينه وبين نفسه: ليس في استطاعتي ~~أن أفاتحها في شيء مما أحب أن أفاتحها فيه، فخير لي أن أكتب لها كتابا أقدمه إليها ~~بنفسي عند حضورها، ثم أتركها وأنصرف لشأني لتقرأه وحدها، وأطرق برأسه هنيهة، ثم ~~تنفس نفسا طويلا وقال: آه! لقد كنت أظن أنني شجاع جريء لا أهاب الإقدام على أي خطر ~~من الأخطار مهما كان شأنه، فإذا أنا جبان عاجز لا حول لي فيما يعرض لي من الخطوب ولا ~~حيلة، ويخيل إلي أن الموت أهون علي من أن أقف أمامها وجها لوجه، وأفضي إليها بشيء ~~مما يجيش به صدري. # ثم أكب على المنضدة وحاول أن يكتب شيئا، فازدحمت الأفكار في رأسه، وانتشرت عليه ~~خيالاته وتصوراته، فلم يستطع أن يكتب حرفا واحدا، فألقى القلم من يده وقال: قبح ~~الله التكلف والتعمل لولا أنها تلميذة «المدرسة القديمة»، وأنها من فريق المتأنقين ~~المتشدقين المفتتنين بالصور والأساليب، لما وجد قلمي في طريقه ما يعترضه دون الوصول إلى ~~الغاية التي يريدها، فالكتاب مسطور في صدري بأكمله، وليس بيني وبينه - إن أردته - إلا ~~أن أضع قلبي بجانبي وأستمليه ما يشعر به، فيمليه علي ببساطة ووضوح، ثم تناول القلم ~~مرة أخرى وشرع في الكتابة، فإذا صوت غليظ أجش يقعقع ناحية الباب: «صباح الخير يا ~~ليز»، فرفع سيرانو رأسه، فإذا ضابط ضخم الجثة، هائل الخلقة، ذو شاربين كثيفين ~~مستطيلين، فسأل راجنو: من الرجل؟ فقال: إنه ضابط من ms041 ضباط الجيش الفرنسي يسمي نفسه ~~«الرجل الهائل»، وهو كما يزعم بطل من الأبطال المغاوير الذين لم يسمح الدهر بمثلهم في ~~جيش من جيوش العالم، وهو صديق زوجتي ليز، ولا يأتي هنا إلا لزيارتها، فألقى سيرانو على ~~الضابط نظرة حادة، ثم عاد إلى شأنه واستمر يكتب كتابه ويهمهم بينه وبين نفسه من حين إلى ~~حين بأمثال هذه الكلمات: «أحبك حبا يعجز القلم عن بيانه؛ لأن القلم مادة من مواد ~~العالم الأرضي، والحب روح من أرواح الملأ الأعلى»، «لا يرى الناس من عينيك الجميلتين ~~سوى صفائهما ورونقهما، أما أنا فإني أستشف من ورائهما نفسك الجميلة العذبة المملوءة ~~رقة وشعورا، فإذا قال الناس: ما أجمل عينيها وأحلاهما! قلت: ما أجمل نفسها المترقرقة ~~في عينيها وما أصفى أديمها!» «إنني أعيش في هذا العالم عيش اليائس القانط، واليأس يقتل ~~الفضائل في النفوس ويميتها، فأحييني بالأمل واخلقي مني إنسانا جديدا تتخذي عندي - ~~بل عند العالم أجمع - يدا لا أنساها لك أبد الدهر، وفي اعتقادي أن ليس بيني وبين أن ~~أكون إنسانا نافعا في المجتمع - بل نعمة على الدنيا بأجمعها - إلا أن تسبلي علي ~~ستر حمايتك ورعايتك». # بؤس الأدباء # وظل مستغرقا في تصوراته وأفكاره التي كان يرسمها على قرطاسه، كما يرسم المصور ~~منظرا بديعا من مناظر الطبيعة على لوحه كما يراه، لا يزخرف ولا يوشي، ولا يبتدع ولا ~~يبتكر، فلم ينتبه إلى جماعة الشعراء حين دخلوا الحانوت هاتفين مهللين وهم في ملابسهم ~~الزرية الغبراء، ونعالهم البالية، وقبعاتهم الممزقة. فقالت «ليز» لزوجها - وأشارت ~~إليهم: ها هم أولاء صعاليكك وقاذوراتك يا راجنو! فلم يعبأ بها وقام لاستقبالهم والترحيب ~~بهم، فعانقوه وحيوه، ودعوه بالزميل، والرصيف، والصديق، وبكل ما يحب من الألقاب والنعوت، ~~وهو فرح مغتبط، فوقف زعيمهم وسط القاعة وأخذ يتشمم بأنفه ويقول: ما أذكى رائحة بلاطك ~~يا ملك الطهاة والشوائين! فانحنى راجنو بين يديه شاكرا وقال: ما أسعد الساعة التي ~~أراكم فيها أيها الأصدقاء الأوفياء! ثم أشار لهم إلى المائدة، فوقفوا حولها وضربوا ~~بأعينهم في أنحائها، وظلوا يأكلون ويقصفون ms042 ويمزحون ويمجنون، فيقول أحدهم ويشير إلى ~~قطعة من الحلوى ذات رأس مسنم: إن هذه القطعة لم تحسن وضع قلنسوتها على رأسها، ~~فلا بد من معاقبتها! فيقول له الآخر: وبم تعاقبها؟ فيقول: بهشم رأسها، ثم يتناولها ~~فيهشمها كلها رأسا وجسدا، وينظر آخر إلى قطعة أخرى محشوة بالقشدة، ويضغطها فتبرز ~~قشدتها البيضاء، فيقول: ما أجملها! كأنها ثغر ضاحك فلا بد لي من تقبيله! ثم يدنيها من ~~فمه ليقبلها فيأكلها، ويقول آخر وهو ينظر إلى قيثارة الحلوى التي صنعها ذلك العامل في ~~الصباح وأجازه راجنو عليها: كانت القيثارة قبل اليوم غذاء الأرواح، أما اليوم فهي غذاء ~~الأجسام! ثم ينقض عليها فيأكلها، وراجنو واقف أمامهم يبتسم ويتهلل، ويقول في نفسه: ~~ما أجمل هذه المعاني وأبدعها! يأبى الشاعر إلا أن يكون شاعرا في كل موقف وفي كل ~~مقام. # ثم قال: هل تأذنون لي أيها السادة أن أنشد بين أيديكم قصيدتي الجديدة التي نظمتها في ~~وصف «اللوزينج» وسميتها باسمه؟ فصاحوا جميعا: نعم، نعم، ولا بد أن تكون قصيدة ~~جميلة جدا؛ لأن عنوانها جميل جدا! فاغتره مدحهم وثناؤهم، فرفع عقيرته وأخذ ينشد ~~قصيدته ويرجع في إنشادها ترجيعا مضحكا، وهم لاهون عنه بشأنهم لا يعبئون به، ولا ~~يلتفتون إليه إلا في الفينة بعد الفينة. فقال له الرجل الهائل: ألا تراهم يا راجنو وهم ~~يلتهمون حلواك وأنت لاه عنهم بألحانك وأغانيك؟ فمشى نحوه وانحنى عليه وألقى في أذنه ~~هذه الكلمات: إنني أراهم أيها الغبي الأبله، ولكنني أغض الطرف عنهم رحمة بهم وإشفاقا ~~عليهم، فهم قوم بؤساء معدمون، قلما يرون وجه الطعام الشهي إلا في حانوتي، وأظنك ~~لا تجهل أن ضيوفي أولى بالتجلة والإكرام من ضيوف زوجتي! وكانا على مقربة من مكان ~~سيرانو، فانتبه لكلماته الأخيرة، فرفع رأسه وقال له: ادن مني يا راجنو، فدنا منه فقال ~~له: إنك تعجبني جدا أيها الرجل، فالشعراء في هذا العالم كالشجرة الوارفة في ~~المهمه القفر، يفيء إلى ظلها الغادون والرائحون، وهي وحدها التي تحتمل حر ~~الهاجرة ولظاها، فرحمة الله ورضوانه على من يحسن ms043 إليهم ويتصدق عليهم. # ثم عاد راجنو إلى شأنه الذي هو فيه، وظل الشعراء يأكلون ويقصفون، ويبتاعون ما شاءوا ~~من فطائر راجنو وحلواه بطرفهم الأدبية وملحهم النادرة، حتى فتح الباب ودخل عليهم أحد ~~زملائهم، وكان قد تخلف عنهم قليلا، فهللوا حين رأوه، وصاحوا بصوت واحد: لقد تأخرت ~~أيها الصديق! قال: قد حال بيني وبين اللحاق بكم ازدحام الناس ازدحاما شديدا عند «باب ~~نيل». قالوا: وهل حدث شيء هناك؟ قال: نعم، كان ازدحامهم على ثمانية قتلى وجدوهم هناك ~~مضرجين بدمائهم، ولا يعلم أحد كيف قتلوا، ولا من جنى عليهم هذه الجناية الفظيعة! ~~فانتبه سيرانو للحديث واعتدل في جلسته، وقال في نفسه: يا للعجب! كنت أظنهم سبعة فقط، ~~إذن قد ربحنا واحدا آخر. فقال راجنو للمتكلم: وما ظن الناس بهذه الحادثة؟ قال: يقول ~~بعضهم: إن رجلا واحدا هو الذي قام بمفرده بمقاتلة هؤلاء اللصوص، وكانوا مائة أو ~~يزيدون، فانتصر عليهم جميعا وفرق شملهم، وقتل منهم هذا العدد الكثير، ولقد رأينا العصي ~~والخناجر والمدى التي كانت مع أفراد تلك العصابة مبعثرة ههنا وههنا، وظل الناس ~~يلتقطون القبعات التي طارت عن رءوس المنهزمين، من باب نيل إلى النهر، فمشى راجنو إلى ~~سيرانو وقال له: أسامع أنت هذا الحديث يا سيدي؟ قال: نعم. قال: فما ظنك ببطل هذه ~~الواقعة، فرفع رأسه إليه وقال: لا أعرفه، فهرعت ليز إلى صديقها «الرجل الهائل» تسأله: ~~وأنت يا سيدي؟ فابتسم وفتل شاربيه وغمز بعينيه وقال: أظنني أعرفه. # وكان سيرانو قد أتم كتابه وأراد أن يوقع عليه، ثم توقف وقال: لا لزوم للتوقيع؛ لأنني ~~سأقدمه إليها بنفسي، ثم طواه ووضعه في صدره، ونهض قائما على قدميه، وهتف براجنو فأسرع ~~إليه، فسأله: كم الساعة الآن؟ قال: ست وخمسون دقيقة. فقال في نفسه: لم يبق إلا عشر ~~دقائق، وأخذ يتمشى في القاعة ذهابا وجيئة، وكانت ليز وصديقها الضابط جالسين على ~~انفراد في أحد أركان القاعة، فخيل لسيرانو أنه رأى بينهما شيئا مريبا، فدنا منهما ~~ووضع يده على كتف المرأة وقال لها: يخيل إلي ms044 أيتها السيدة أن هذا البطل الجالس ~~بجانبك يدبر خطة للهجوم على حصنك! فانتفضت وتظاهرت بالغضب، وقالت له: ماذا تقول يا ~~سيدي؟ إن نظرة واحدة مني تكفي لهزيمة من يحاول ذلك. قال: ولكني أرى عينيك ذابلتين ~~متضعضعتين تلوح عليهما علائم الانكسار! فاضطربت وحاولت أن تقول شيئا فخانها صوتها، ~~فصمتت. فقال لها: أيتها الفتاة، إن راجنو يعجبني جدا؛ لذلك لا أسمح لأحد أن يعبث ~~بشرفه أمامي! ثم التفت إلى الضابط فنظر إليه نظرة شزراء، وقال: ولقد سمع من كانت له ~~أذنان! أليس كذلك أيها «الرجل الهائل»؟ # ثم تركهما واستمر في سبيله، فهمست «ليز» في أذن صديقها تقول له: إنك تدهشني جدا يا ~~صديقي، ولا أعلم سببا لسكوتك وصمتك، حتى ليخيل إلي أنك تخافه وتخشاه، قل له كلمة ~~تؤلمه وتكسر من شرته، أو اسخر من أنفه على الأقل، فإنه موضع الضعف منه، فنظر إليها ~~ذاهلا مشدوها وقد سرت في جسمه رعدة شديدة، وقال: أنفه؟ لا، لا، ما لنا وللسخرية ~~بمصائب الناس وأرزائهم؟ ثم تسلل من مكانه وخرج من القاعة فتبعته، وكانت الساعة قد أشرفت ~~على السابعة، فصاح سيرانو: قد جاء الميعاد يا راجنو، فهتف راجنو بشعرائه: هيا بنا ~~أيها الأصدقاء إلى الحجرة الثانية، فتباطئوا وتلكئوا؛ فظل يدفعهم بيديه وهم يتخطفون ~~الحلوى ويتناهبونها، حتى أدخلهم الحجرة وأغلق بابها عليهم، ووقف سيرانو على مقربة من ~~باب المطعم ينتظر قدوم روكسان ويقول في نفسه: لا أعطيها الكتاب إلا إذا رأيت في وجهها ~~بارقة أمل. # اللقاء # وهنا سمع حفيف ثوب مقبل، فخفق قلبه خفقانا شديدا، ثم فتح الباب ودخلت روكسان ~~ووراءها وصيفتها، وهي تخطر في مشيتها تلك الخطرة البديعة التي عرفت بها، وافتتن بها ~~الناس من أجلها، وقد أسبلت قناعها على وجهها، فحيته، فحياها تحية محتشمة تترجح بين ~~الأدب والكبرياء، وأشار لها إلى كرسي قد أعده لها فجلست عليه، ثم تركها وذهب إلى ~~الوصيفة، وكانت واقفة على عتبة الباب تقلب نظراتها في صنوف الأطعمة المنتشرة على ~~المائدة. فقال لها بلهجة المازح المداعب: أشرهة أنت أيتها الفتاة ؟ قالت: ms045 نعم يا سيدي، ~~فمشى إلى المائدة، وتناول كيسين من أكياس الحلوى وقال لها: هاك قصيدتين بديعتين ~~للشاعر العظيم «بنسراد»، فخذيهما، فلم تفهم ما يريد، وقالت: وماذا أصنع بهما؟ قال: قد ~~اتخذتهما «ليز» كما اتخذت غيرهما من قصائد الشعراء المجيدين أكياسا للحلوى وأوعية ~~للفطائر، فخديهما واجلسي خارج الباب، فإنك ستجدين فيهما من ألوان الحلوى ما تشتهين، ~~ولا تعودي إلا بعد أن تشبعي، فتلألأ وجهها فرحا وسرورا، وتناولت الكيسين وعادت ~~أدراجها. # ورجع سيرانو إلى روكسان، فوقف بين يديها حاسر الرأس، وقال لها: لقد أسديت إلي يا ~~سيدتي بزيارتك هذه نعمة لا أنساها لك مدى الدهر، وإني أفتخر بهذه الثقة التي ~~أوليتنيها، وأنتظر بكل شوق سماع ما تريدين أن تفضي به إلي، فحسرت قناعها عن وجهها، ~~فأضاء ضوء القمر الساطع في الدجنة الحالكة، وقالت له: شكرا لك يا ابن عمي، إنك قد ~~أحسنت إلي ليلة أمس إحسانا عظيما بقتلك ذلك الفتى الوقح الجريء، الذي حاول أن يعبث ~~بك ويستهين بكرامتك، فغضبت لنفسك غضبة الأبي الأنوف، ولم ترم مكانك حتى غسلت ~~بدمه أثر الإهانة التي لحقت بك، أتعرف هذا الفتى يا سيرانو؟ قال: لا يا سيدتي. قالت: ~~أبارزته دون أن تعرف اسمه؟ قال: نعم. قالت: إنه الفيكونت «فالفير» الذي أراد أحد ~~المغرمين بي من عظماء هذا البلد - وهو الكونت دي جيش - أن يزوجني منه على الرغم ~~مني زواجا لا أعرف كيف أسميه؟ قال: زواجا اسميا! فأطرقت برأسها حياء وخجلا، ~~وقالت: نعم. فقال لها: ما أفظع ما تقولين! لقد أصبحت الآن راضيا عن نفسي كل الرضا ~~في تلك الخطة التي انتهجتها معه، والتي انتهت بانتهاء حياته، بعد ما علمت أنني إنما كنت ~~أقاتل في سبيلك لا في سبيل نفسي، وأذود عن عينيك الجميلتين لا عن أنفي، فاستضحكت وأشارت ~~له إلى كرسي بجانبها، فجلس عليه صامتا ساكنا ينتظر ما تقول. # وساد السكون بينهما هنيهة، ثم أقبلت عليه وقالت له: كنت أريد أن أقول لك كلمة ~~أخرى يا سيرانو، فهل تسمح لي بها؟ قال: نعم، أسمح لك ms046 بكل شيء، فقولي ما تشائين. قالت: ~~أتذكر تلك الأيام الماضية التي قضيناها معا ونحن صغيران في «بيرجراك»، في تلك المروج ~~الخضراء على ضفاف البحيرة؟ فانتعشت نفسه وخفق قلبه خفقانا شديدا، وقال: نعم يا ابنة ~~عمي، أيام كنت تأتين هناك مع أبويك لقضاء فصل الصيف في كل عام. قالت: إني أذكر تلك ~~الأوقات الجميلة كأنها حاضرة بين يدي، وأذكر تلك الأعواد الشائكة التي كنت تقتطعها ~~بيديك من أشجار الغاب، وتتخذ منها أسيافا صغيرة تلعب بها في الهواء، كأنك تبارز ~~أشباحا خفية تتراءى لك. قال: نعم، أذكر ذلك ولا أنساه، وأذكر أنك كنت تجمعين أعواد ~~الذرة من الحقل، ثم تجلسين على ضفة البحيرة لتتخذي من خيوطها شعورا ذهبية لعرائسك ~~الجميلة. قالت: نعم، ما كان أجمل تلك الأيام! وما كان أسعد ساعاتها! وما كان أحلى مذاق ~~العيش فيها! لقد كان يخيل إلي في ذلك الوقت أني صاحبة السلطان المطلق عليك، وأنك ~~تحبني حبا شديدا، وتهتم بشأني اهتماما عظيما، بل تأتمر بأمري في كل ما أشير به ~~عليك، وتنزل عند جميع رغباتي وآمالي، وأظن أني كنت جميلة في ذلك الحين، أليس كذلك؟ ~~فازداد خفقان قلبه، وخيل إليه أنه يرى بين شفتيها ظل تلك الكلمة العذبة التي ~~يتلهف شوقا إلى سماعها من فمها، فرفع رأسه ونظر إليها نظرة باسمة عذبة، وقال: نعم ~~يا سيدتي، كما أنت الآن! قالت: وكنت كثير الشغف بتسلق الأشجار الشائكة والمخاطرة ~~بنفسك في ذلك مخاطرة عظيمة، فكنت إذا أصابك جرح في يدك هرعت إليك وعطفت عليك عطف الأم ~~الرءوم على ولدها، وأخذت يدك بين يدي هكذا، ومدت يدها إلى يده فجذبتها إليها، فوقع ~~نظرها على ذلك الجرح الدامي الذي أصابه في معركة الليل، فدهشت وقالت: ما هذا يا سيرانو؟ ~~ثم ابتسمت وقالت: ألا تزال تتسلق الأشجار حتى الآن! فضحك وقال: نعم، لا أزال أحب اللعب ~~حتى الآن، ولقد لعبت ليلة أمس لعبة شيطانية عند «باب نيل»، سفكت فيها من دم أعدائي فوق ~~ما سفكوا من دمي أضعافا مضاعفة. # ثم حاول أن ms047 يسترد يده، فأمسكت بها وقالت له: لا، بل لا بد أن تدعها لي الآن حتى أرى ~~الجرح وأسبره كما كنت أفعل في عهد طفولتي، وأعالجه بالطريقة التي كنت أعالج بها ~~جروحك من قبل، ثم أخرجت منديلها من صدرها، وغمست طرفه في قدح من الماء، وظلت تمسح به ~~الجرح برفق وتؤدة، وتقول له: هكذا كنت أعالج جروحك التي كانت تصيبك من تسلق الأشجار ~~الشائكة في عهد طفولتك الأولى، وهو يرتعد بين يديها ويضطرب من تأثير ملامسة جسمها ~~لجسمه، ويقول: نعم يا روكسان، إنها رحمة لا تكون إلا في قلوب الأمهات. قالت له: قل لي: ~~كم كان عدد أعدائك الذين قاتلتهم في تلك المعركة؟ قال: مائة أو يزيدون. قالت: مائة! يا ~~للشجاعة النادرة! قال: وربما كنت لا تعلمين أنها المرة الثانية التي قاتلت فيها من أجلك ~~في ليلة واحدة! قالت: من أجلي؟ لم أفهم ما تريد. قال: نعم؛ لأنني إنما كنت أدافع عن ~~ذلك الشاعر المسكين الذي انتصر لك، وذاد عنك ومثل بخصمك أقبح تمثيل في قصيدته التي ~~هجاه بها، فحقدها عليه ودس له هؤلاء الرعاع ليقتلوه في جنح الظلام. قالت: ما أعظم ~~شكري لك يا ابن عمي! وما أكبر شأن تلك النعمة التي أسديتها إلي! حدثني حديث الواقعة ~~من مبدئها إلى منتهاها، فلا بد أن تكون واقعة غريبة جدا لم يسطر التاريخ مثلها. ~~قال: سأحدثك عنها فيما بعد، أما الآن فحدثيني أنت عن ذلك الأمر الذي جئتني من أجله، ~~والذي لم تجرئي على أن تفاتحيني فيه حتى الآن. قالت وهي لا تزال آخذة بيده تمسحها ~~وتستغثها: أما وقد ألقينا نظرة على ماضينا الجميل، وجددنا عهد تلك الذكرى ~~القديمة، وعلمنا أن الصلة التي بيننا صلة وثيقة محكمة لا تنال منها يد الدهر، ولا ~~تأخذ منها عاديات الأيام، فاسمح لي أن أفضي إليك بسري، وأن أقول لك بصراحة: إنني ~~عاشقة يا سيرانو! فتلألأ وجهه وانتعشت نفسه، ومشت رعدة خفيفة في أجزاء جسمه، وكاد ~~منظره ينم عما في نفسه، لولا تجلده واستمساكه، وقال لها: ms048 ومن هو هذا الإنسان السعيد ~~الذي يتمتع بنعمة حبك؟ قالت: إنه لا يعلم شيئا مما أضمره له في قلبي حتى الآن، ولم أفض ~~إليه بسريرة نفسي حتى الساعة، وسيكون سروره عظيما جدا حينما يعلم أن الفتاة التي ~~يحبها ويموت وجدا بها تضمر له بين جوانحها من الوجد فوق ما يضمر لها! فازداد سروره ~~وانتعاشه، وقال: ألا تستطيعين أن تقولي لي من هو يا روكسان؟ قالت: سأصفه لك لتكون أول ~~ناطق باسمه: هو شاب خجول شديد الحياء، يحبني حبا يملك عليه كل حواسه ومشاعره، ~~ولكنه يكتم سره في صدره. قال: وكيف وقفت على سريرة نفسه؟ قالت: عرفتها من ارتجاف ~~شفتيه، واكفهرار وجهه، وتدله نظراته كلما رآني. قال: ثم ماذا؟ قالت: وهو ذكي ~~نبيه، تلوح على وجهه علائم التفوق والنبوغ، فأطرق برأسه حياء، وحاول أن يجتذب يده من ~~يدها، وكانت قد انتهت من تضميدها. فقالت له: دعها لي الآن، فهي لا تزال ملتهبة بالحمى، ~~فتركها لها وهو يقول في نفسه: ما أسعدني وأعظم هنائي! # واستمرت في حديثها تقول: وهو فوق ذلك شجاع مقدام، شريف النفس، عالي الهمة، يأبى ~~الضيم ويأنف الذل، ولا يبيت على ضيم يراد به. قال: هيه؟ قالت: وهو جندي في فصيلة ~~شبان الحرس، أي في فصيلتك يا سيرانو؛ فهمهم بين شفتيه: لم يبق في الأمر ريب. قالت: ~~أما صورته فهي أجمل صورة خلقها الله في العالم! فصعق عند سماع هذه الكلمة التي ذهبت ~~بجميع آماله وأحلامه، وتأوه آهة شديدة كادت تخرج فيها نفسه، فعجبت لأمره وقالت له: ~~ماذا أصابك يا سيرانو؟ فتراجع إلى نفسه سريعا، واستجمع من قواه في تلك اللحظة ما يعجز ~~أشجع الرجال وأصبرهم عن استجماعه فيها، وقال: لا شيء، لقد أحسست بوخز في يدي من تأثير ~~الحمى، وقد ذهب الآن كل شيء، وصمت لحظة، ثم قال: نعم قد ذهب كل شيء، فتحدثي فإني مصغ ~~إليك. قالت: لقد أحببت هذا الفتى حبا ملك علي عواطفي واستغرق مشاعري، ولا عهد لي به ~~إلا منذ أيام قلائل، كنت أراه ms049 فيها يختلف إلى قاعة التمثيل، فيجلس منفردا وحده، فأنظر ~~إليه من بعيد؛ وقد جئتك الآن أتحدث إليك في شأنه، فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه إليها ~~وقال لها بصوت ساكن هادئ: ألم تتحدثي إليه قبل اليوم؟ قالت: لم نتخاطب إلا بالعيون. ~~قال: وكيف عرفت جميع هذه الصفات التي ذكرتها فيه وما حادثته ولا جلست إليه؟ قالت: ~~سمعتها منذ أيام تحت أشجار الزيزفون في الميدان الملكي في مجتمع العجائز الفضوليات، لا ~~حرمنا الله ثرثرتهن وفضولهن! قال: وهل هو من فرقة الشبان؟ قالت: نعم، شبان الحرس قال: ~~أعترف لك يا سيدتي أنني قد عجزت عن معرفة اسمه، فقولي من هو؟ قالت: هو «البارون كرستيان ~~دي نوفييت» قال: لا أذكر أني سمعت بهذا الاسم قبل اليوم. قالت: إنه لم يدخل الفرقة إلا ~~في هذا الصباح، تحت قيادة «كاربون دي كاستل جالو». # فصمت هنيهة، ثم نظر إليها نظرة عطف وحنو وقال لها: ولكن يخيل إلي يا ~~روكسان أنك تخاطرين بقلبك في هذا الحب مخاطرة عظيمة لا تدرين ما عاقبتها، وأنك تلقين ~~بنفسك في هوة لا تعرفين السبيل إلى الخلاص منها، وكانت الوصيفة قد فرغت من طعامها ~~في هذه اللحظة، فدفعت الباب وأطلت برأسها وقالت: قد أكلت كل شيء يا سيدي، فماذا أصنع؟ ~~فالتفت إليها وقال: حسبك ذلك، فاقرئي ما على الأكياس من الأشعار، ولا تعودي إلا إذا ~~دعوتك، فانصرفت وعاد هو إلى إتمام حديثه فقال: أنت يا ابنة عمي فتاة رقيقة الشعور، ~~ذكية الفؤاد، لا يعجبك إلا التفوق والنبوغ، ولا تأنس نفسك إلا بالذكاء الخارق والفطنة ~~النادرة، فماذا يكون شأنك غدا لو أن ذلك الفتى الذي أحببته واصطفيته لنفسك كان ~~بليدا، أو عييا، أو ضعيف الذهن، أو خامل الفكر؟ قالت: لا يمكن أن يكون كذلك! قال: ~~لماذا؟ قالت: لأن منظر شعره الذي يشبه في صفرته ولمعانه منظر شعر أبطال «أورفيه»، يدل ~~على نبوغه وذكائه! قال: ربما كان جميل الشعر بديع الصورة، ولكنه بليد الذهن، ضيق ~~العطن. قالت: لا أظن ذلك، بل يخيل إلي - وإن لم ms050 أجلس إليه ولم أسمع حديثه - أنه ~~أرق الناس حديثا، وأعذبهم سمرا، وأفصحهم لسانا، وأغزرهم بيانا. فقال في نفسه: ~~نعم، كل الألفاظ جميلة ما دام الفم الذي ينطق بها جميلا، ثم قال لها: ولكن ماذا تصنعين ~~لو تبين لك أنه جاهل أحمق؟ قالت: إذن أموت هما وكمدا. قال: هذا الذي أخاف عليك ~~منه. # وصمت هنيهة وهو يردد بينه وبين نفسه: وا رحمتاه لها! إنها على شفا الهاوية، ثم ~~قال لها: وفي أي شأن من شئونه تريدين أن تتحدثي إلي؟ قالت: قد علمت بالأمس أمرا ~~أحزنني جدا وأقلق مضجعي، فلم أطعم الغمض ساعة واحدة. قال: وما هو؟ قالت: علمت أن ~~جنود فصيلتكم جميعهم من الجاسكونيين الجفاة، وأنهم لا يحبون أن يدخل فصيلتهم غريب ~~عنهم، فإذا دخل ناوءوه وشاكسوه حتى يخرجوه! وربما تعللوا عليه العلل فبارزوه وقتلوه، ~~ففطن لغرضها، وقال: نعم إنهم يفعلون ذلك، ولهم الحق فيما يفعلون، وخاصة إذا كان هذا ~~الواغل عليهم أحد أولئك الأغبياء الجهلاء الذين ينتظمون في سلك الفرقة من طريق الشفاعات ~~والوصايات، لا من طريق الكفاءة والاستحقاق. قالت: ذلك ما جئتك من أجله، فقد أعجبني ~~موقفك الشريف الذي وقفته ليلة أمس أمام ذلك الفتى الوقح البذيء الذي حاول أن يهزأ بك، ~~وينال من كرامتك، وامتلأ قلبي ثقة بما كنت لا أزال أعرفه لك طول حياتك من الشجاعة ~~والحمية، وعلو الهمة وإباء الضيم، فأتيت إليك أسألك أن تتولى كرستيان بحمايتك. # فصمت سيرانو لحظة ذهبت نفسه فيها كل مذهب، وتمثلت له روكسان في صورتين مختلفتين، ~~وقد وقفت إحداهما بجانب الأخرى: صورة امرأة عاشقة مستهترة تريد أن تسخره في غرض ~~من أغراضها الغرامية، وتطلب إليه أن يضع يده في تلك اليد التي قتلته، وأتلفت عليه نفسه، ~~وأن يكون صديقا لذلك الفتى الذي حرمه سعادته وهناءه وقطع عليه سبيل حياته، ووقف عقبة ~~بينه وبين آماله وأمانيه، وصورة امرأة مسكينة ضعيفة من أقربائه وذوي رحمه، قد نزلت بها ~~نكبة من النكبات العظام، ففزعت إليه فيها تسأله أن يعينها عليها، ثقة منها بفضله ~~وكرمه، ms051 وهمته ومروءته، وهي لا تعلم من شئون قلبه شيئا، ولا تدري أن هذا الذي تفزع إليه ~~فيه إنما هي نفسه التي بين جنبيه، وحياته التي لا يملك في يده حياة غيرها! # ثم ما لبث أن رأى الصورة الأولى تتضاءل في نظره وتتصاغر حتى تلاشت واضمحلت، وظلت ~~الثانية ثابتة في مكانها بارزة واضحة، تنظر إليه نظرة الضراعة والاسترحام، وتبسط إليه ~~يد الرجاء والأمل، فالتفت إليها وقد هبت من بين أردانه رائحة الكرم، وقال لها بصوت ~~قوي رنان لا تتخلله رنة الحزن، ولا تمازجه نغمة اليأس: «كوني مطمئنة يا روكسان، فإني ~~سأتولى حمايته!» وما علم أنه قد نطق في نطقه بهذه الكلمة بحكم الموت على نفسه. # فقالت له: شكرا لك يا ابن عمي، فسأعتمد على وعدك ما حييت. قال: اعتمدي ما شئت. ~~قالت: وكن صديقه الوفي الذي يأخذ بيده في جميع شدائده ومخاطره. قال: بل أصدق ~~أصدقائه. قالت: وحل بينه وبين التعرض لأخطار المبارزات والمشاجرات. قال: إنه لن ~~يبارز أبدا. قالت: أتقسم لي؟ قال: لا؛ لأني ما تعودت الكذب، فتلألأ وجهها فرحا ~~وسرورا وقالت: الآن يمكنني أن أنصرف آمنة مطمئنة، شاكرة لك فضلك الذي لا أنساه ~~أبدا، ثم تناولت برقعها فألقته على وجهها وهي تقول: إنك لم تتمم لي حديث الواقعة ~~التي جرحت فيها، فحدثني عنها قليلا، يا للعجب! مائة رجل كانوا ضدك؟ إنك كفء لكل ~~عظيمة يا ابن العم! لا تنس أن تقول له: أن يكتب إلي اليوم كتابا، حدثني حديث ~~الواقعة يا صديقي، مائة رجل؟ يا للشجاعة النادرة؟ إن كرستيان لا يعلم أني أحبه حتى ~~الساعة، فكن أول من يحمل إليه هذه البشرى، وقل لي: كيف استطعت أن تلقى وحدك هذا العدد ~~الكثير، أو قل لي ذلك فيما بعد؛ لأنني تأخرت كثيرا، ولا بد لي من الذهاب الآن! # ثم نهضت ومدت إليه يدها، فقبلها. فقالت: إلى اللقاء يا ابن العم، إني أنتظر من ~~كرستيان كتابا اليوم، ثم انصرفت. # فوقف على عتبة الباب يشيعها بنظراته، حتى غابت عن عينيه، ثم عاد ms052 يترنح هما ~~وحزنا، حتى وصل إلى كرسيه فتهافت عليه وهو يقول: إنها تعجب لشجاعتي في تلك المعركة، ~~وأنا في هذه الساعة أشجع مني في كل موقف وقفته في حياتي! # وكان راجنو قد أحس بخروج روكسان، فأطل من باب الحجرة، فرأى سيرانو جالسا جلسته ~~تلك، فصاح به: أيمكننا الرجوع الآن يا سيدي؟ قال: نعم، فأشار إلى أصدقائه الشعراء، ~~فدخلوا جميعا، ودخل في تلك الساعة نفسها من باب المطعم «كاربون دي كاستل جالو»، قائد ~~فرقة الحرس، وهو يهدر بصوت كالرعد: قد عرفنا كل شيء يا سيرانو، وإني أهنئك من صميم ~~قلبي بذلك النجاح العظيم الذي أحرزته ليلة أمس على أعدائك المائة! فنهض سيرانو ~~متضعضعا، وانحنى بين يدي قائده وقال: شكرا لك يا سيدي. فقال: ما لي أراك شاحبا ~~مصفرا؟ وما هذه الغبرة السوداء المنتشرة على وجهك؟ يخيل إلي أنك قد لقيت في تلك ~~المعركة عناء عظيما! قال: نعم يا سيدي. قال: إن ورائي ثلاثين جنديا من أبناء فرقتك ~~قد اجتمعوا في تلك الحانة المقابلة لهذا المطعم، وهم يريدون تهنئتك والاحتفال بانتصارك، ~~فاذهب إليهم وقابلهم، ثم قال: لا، بل لا بد أن يأتوا هم إليك بأنفسهم ليهنئوك، تكرمة ~~لك وإعظاما لشأنك، ثم وقف على عتبة باب المطعم، وصاح بأعلى صوته: أيها الأصدقاء، إن ~~البطل لا يستطيع الحضور إليكم؛ لأنه تعب قليلا فاحضروا أنتم إليه، وما هي إلا ~~هنيهة حتى أقبل الجنود الثلاثون يزلزلون الأرض بخفق نعالهم وصلصلة أسلحتهم، ~~ويطمطمون بلغتهم الجاسكونية: سانديوس - ميل ديوس - كاب ديوس - مور ديوس - بوكاب ديوس، ~~ثم دخلوا، ففزع راجنو عند رؤيتهم، لما هاله من طول قاماتهم وضخامة أجسامهم، وقال لهم: ~~أكلكم أيها السادة جاسكونيون؟ فأجابوا جميعا بصوت واحد: نعم، كلنا، ثم اندفعوا نحو ~~سيرانو يقبلونه ويعانقونه، ويهزون يده ويهتفون: ليحي البطل، لتحي جاسكوينا، ليحي ~~الجيش، وهو يتململ في نفسه ويتبرم؛ ولكنه كان يبتسم في وجوههم ويستقبل تهانئهم له ~~بالشكر والارتياح. # وكان خبر تلك المعركة قد انتشر في أنحاء باريس جميعها، فوفد جمهور عظيم من الناس ~~إلى المطعم ، يتقدمهم ms053 «لبريه» صديق سيرانو، وهم يصيحون: ليحي البطل، لتحي فرنسا، ثم ~~دخلوا جميعا يركضون ويتدافعون، ويحطمون كل شيء بين أيديهم، وراجنو واقف مكانه ~~يتأمل هذا المنظر الغريب بسرور وارتياح، ويقول: وا طرباه! ها هو ذا الفن يتوج اليوم ~~في مطعمي! حتى بلغوا مكان سيرانو، فداروا به يهنئونه ويقبلونه، وكلهم يناديه: أيها ~~الأخ، أيها الصديق، أيها الزميل، فيقول في نفسه: وا عجبا لكم أيها الناس! لم يكن لي ~~بالأمس بينكم صديق، واليوم كلكم أصدقائي! # ووقفت في تلك الساعة مركبة فخمة أمام باب المطعم، ونزل منها ثلاثة من الأشراف، ~~فدخلوا الحانوت، وظلوا يدفعون الناس أمامهم دفعا حتى دنوا من سيرانو، فوضع أحدهم يده ~~في يده وشد عليها بقوة، وقال له: آه لو كنت تدري يا صديقي مقدار سروري بك وبنجاحك! ~~فالتفت إليه سيرانو غاضبا، وقال له: ما أنا بصديقك يا سيدي؛ لأنني ما عرفتك قبل اليوم! ~~وقال له الآخر: إن بعض السيدات ينتظرنك في مركبتهن أمام الباب ليهنئنك بانتصارك، فلو ~~تفضلت بمرافقتي إليهن لأقدمك لهن! فقال له: وكيف تسمح لنفسك يا سيدي أن تقدمني إلى ~~غيرك قبل أن تقدم نفسك إلي؟ وقدم إليه الثالث كأسا من الخمر وقال له: اشرب معي يا ~~سيدي نخب بأسك وشجاعتك، فالتفت إليه وقال له: يخيل إلي يا سيدي أنك أشجع مني؛ لأنك ~~قدمت إلي شيئا قبل أن تعلم ما رأيي فيه، ثم دفع الكأس عنه بقوة فهراقها، وجاءه أحد ~~مراسلي الصحف وقد أمسك بيمينه قلما وبيسراه قرطاسا، وقال له: قص علي حديث واقعتك ~~أيها الفارس البطل لأنشره في جريدتي، فنظر إليه شزرا وقال له: إنني لم أقاتل من أجلك ~~يا سيدي، ولا من أجل جريدتك، بل من أجل صديقي لينيير، فتململ لبريه من خشونته وجفائه، ~~وكان جالسا على مقربة منه، فجذبه من ثوبه وقال له همسا: ما الذي أصابك يا سيرانو؟ ~~وما هذه الخشونة التي تستقبل بها أصدقاءك الذين يهنئونك ويمجدونك؟ فقال له: لا تصدق كل ~~ما تراه يا لبريه، فليس لي في العالم صديق سواك . # وإنهم ms054 لكذلك إذ ساد السكون وانقطعت الضوضاء، وانفرج الجمهور صفين متقابلين خاشعين ~~مستكينين، وإذا الكونت دي جيش القائد الفرنسي العظيم قد أقبل يجرر أذياله، ويسدد أنفه ~~إلى كبد السماء عظمة وخيلاء، ووراءه كثير من الأشراف ورجال الجيش، حتى توسط القاعة، ~~فوقف ونادى: أين سيرانو؟ فالتفت سيرانو فرآه، فدهش وقال في نفسه: لعله جاء أيضا ~~ليهنئني، ولئن فعل لتكونن أعجوبة الأعاجيب، ثم أجابه وهو واقف مكانه لا يتحرك ولا ~~يحتفل: هأنذا يا سيدي. قال: أقدم إليك تهنئتي الخاصة، وأبلغك أن جناب القائد العام ~~المارشال «دي جاسيون» قد أمرني أن أبلغك تهنئته لك، وثناءه عليك، وإعجابه بك، واغتباطه ~~بعملك العظيم الذي قمت به ليلة أمس، وأضفت به إلى سجل الشجاعة الفرنسية صفحة من أشرف ~~الصفحات وأمجدها، ولقد كان في شك من صحة الخبر، لولا أن أقسم له بعض الضباط الذين صحبوك ~~ليلة أمس إلى «باب نيل» أنهم شاهدوا الحادثة بأعينهم، فرفع سيرانو نظره إلى الكونت ~~بهدوء وسكون، وقال له: لا شك أن للمرشال قدما راسخة في الفنون الحربية وأساليبها، ~~ومثله من يقدر أقدار الرجال، فبلغه شكري، فدهش الناس لجوابه الخشن الجافي، وطاش عقل ~~لبريه حتى كاد يتفجر غيظا وحنقا، إلا أنه تماسك وتجلد وهمس في أذنه: إن هذا لا ~~يليق بك مطلقا، قل له كلمة أجمل من هذه ردا على تحيته، واستقبل الصنيعة بمثلها، ~~فصمت سيرانو هنيهة، ثم قال له بصوت خافت: دعني يا لبريه فإنني لا أطيق أن أشكر ~~رجلا جاء لتهنئتي بانتصاري عليه! فقال له: يخيل إلي أنك متألم يا صديقي، فانتفض ~~سيرانو وقال: أنا! لا، أتظن أنني أتألم أمام أحد مهما برح بي الهم وأمضني، أو أسمح ~~لعدو من أعدائي أن يشمت بي ويرى بعينيه منظر بؤسي وشقائي؟ انتظر قليلا فسوف ترى، وكان ~~الكونت قد جلس على كرسيه المعد له جلسة العظمة والكبرياء؛ فالتفت إلى سيرانو وقال له ~~بنغمة الساخر الهازئ: إن تاريخك يا مسيو سيرانو حافل بالحوادث والوقائع، ويخيل إلي ~~أنني رأيتك في فرقة هؤلاء الجاسكونيين الشياطين، أليس كذلك؟ ms055 فصاح الجاسكونيون جميعا: ~~نعم هو في فرقتنا، ولنا بذلك الفخر العظيم، فالتفت الكونت إليهم، وقلب نظره في وجوههم ~~وهم وقوف بجانب قائدهم «كاربون دي كاستل جالو»، وقال: أكل هؤلاء الذين تلوح عليهم ~~مخايل العظمة الكاذبة جاسكونيون؟ فهتف كاربون بسيرانو وقال له: تفضل أيها البطل ~~الباسل بتقديم فرقتي بالنيابة عني إلى حضرة القائد العظيم. # فمشى سيرانو نحو الكونت خطوتين، وأخذ يقدم إليه الفرقة بموشح بديع ارتجله في ~~الحال، وضمنه الثناء عليهم والتنويه بفضلهم والإشادة بذكرهم حتى أتمه، فأعجب الكونت ~~ببداهته وحضور ذهنه، وقال في نفسه: إن اصطناع شاعر مجيد كهذا الشاعر مفخرة عظمى لمن ~~يصطنعه، وليس من الرأي أن يفلت مثله من أيدينا، ثم استدناه منه وقال له: أتحب أن تكون ~~لي يا سيرانو؟ فانتفض وقال: لا يا سيدي، ولا لأي إنسان! قال: إن خالي الكردينال ~~«ريشلييه» كثير الإعجاب بك وبأدبك، ويحب أن يراك، فإن شئت قدمتك إليه، ولقد قيل لي: إنك ~~نظمت منذ عامين رواية تمثيلية جميلة لم توفق إلى تمثيلها حتى اليوم، فلو أنك ذهبت بها ~~إليه، ورفعتها له لعرف لك فضلك فيها، وأحسن جزاءك عليها، كما أحسن من قبلك إلى غيرك من ~~الكتاب والشعراء، فهمس لبريه في أذن سيرانو: لقد آن لروايتك «أجريبين» أن تمثل ~~فليهنئك ذلك، فلم يلتفت إليه سيرانو، وقال للكونت بنغمة الساخر المتهكم: أحق ما ~~تقول يا سيدي؟ قال: نعم، والرجل كما تعلم أديب بارع، راسخ القدم في النقد الأدبي، ~~وسينظر في روايتك هذه نظر الناقد البصير، وربما أجرى فيها قلم تهذيبه وتنقيحه، فجاءت ~~آية الآيات في حسنها وجمالها. فاكفهر وجه سيرانو وتفصد جبينه عرقا، وقال للكونت: ذلك ~~مستحيل يا سيدي، وإن دمي ليجمد في عروقي عندما أتخيل أن إنسانا في العالم يحدث نفسه ~~بتغيير حرف واحد من قصيدة من قصائدي، وما أنا في حاجة إلى الاستعانة على أدبي بأحد ~~من الناس كائنا من كان! قال: ولكنك تعلم أنه إذا أعجبه بيت من الشعر دفع ثمنه غاليا، ~~قال: نعم، أعلم ذلك، ولكنه لا يستطيع أن ms056 يبذل فيه ثمنا مثل الذي بذلته؛ لأنني إنما ~~أسكب فيه دم قلبي حارا، ودم القلب أغلى قيمة من الفضة والذهب. قال: إنك أبي ~~النفس يا سيرانو. قال: نعم، وقد كان جديرا بك أن تفهم ذلك من قبل. # وهنا دخل رجل يحمل على يديه قبعات كثيرة قذرة، كان قد وجدها في ميدان المعركة عند ~~«باب نيل»، من آثار الفارين والمنهزمين، فألقاها بين يدي سيرانو، وقال له: ها هي ذي ~~أسلاب المعركة التي تركتها احتقارا لها وازدراء بها، قد حملتها إليك؛ لا لأنها تستحق ~~عنايتك والتفاتك؛ بل لأنها دليل قاطع على جبن أعدائك ونذالتهم، فضحك الجمهور طويلا ~~وظلوا يهتفون: قبعات الهاربين! قبعات الهاربين! وقال سيرانو وهو ينظر خلسة إلى وجه ~~الكونت: ليت شعري من هو ذلك الجبان النذل الذي جرد مثل هذا الجيش السافل ليحارب به ~~شاعرا مسكينا؟ ما أحسبه الآن إلا خزيان نادما، يتمنى أن لو انفجرت الأرض تحت قدميه، ~~فهوى في أعماقها أبد الآبدين! فصاح الجمهور من كل ناحية: لا شك في ذلك، فارتعد الكونت ~~غيظا، واربد وجهه، وصاح بصوت أجش كهزيم الرعد: ماذا تقولون؟ أنا الذي جرد هذا الجيش ~~السافل كما تقولون؛ لأنني أردت تأديب ذلك الرجل الوقح البذيء، ولا يتولى تأديب سافل ~~دنيء مثله إلا سفلة أدنياء، فقهقه سيرانو ضاحكا، وأخذ يجمع القبعات بحد سيفه، ثم ~~دفعها تحت قدمي الكونت وقال له: إذن يمكنني يا سيدي أن أكلفك برد هذه القبعات إلى ~~أصدقائك. # فثار الكونت من مكانه غاضبا، ونظر إلى سيرانو نظرة ملتهبة ينبعث الشرر من جوانبها، ~~وقال له: هل قرأت أيها الرجل «دون كيشوت»؟ قال: نعم، قرأته وأنا حاسر الرأس إعجابا ~~بذلك البطل الشريف. قال: أتذكر من قصصه قصة الطواحين الهوائية؟ فانحنى سيرانو وقال: ~~نعم، «في الباب الثالث عشر». قال: ما رأيك فيمن يحاول مهاجمة تلك الطواحين أو اعتراض ~~سبيلها؟ ففطن سيرانو لما أراد، وقال: ما كنت أظن أن أعدائي طواحين هوائية تذهب مع كل ~~ريح. قال: إنها تمد أذراعها الطويلة لتتناول بها من يجسر على مقاومتها ms057 وتقذف به في ~~الهوة العميقة. قال: أو الكوكب العالي! فصاح الكونت: مركبتي وخدمي! فابتدر الأشراف ~~تنفيذ أمره، وظلوا يتراكضون ويتدافعون كأنهم بعض الخدم، وما هي إلا لحظات حتى حضرت ~~المركبة، فخرج الكونت وخرج بخروجه جميع الأشراف والنبلاء، من حضر منهم معه، ومن حضر قبل ~~ذلك، لا يحيون سيرانو ولا يدنون منه، ولا يرفعون أنظارهم إليه - مصانعة للكونت ~~ومداهنة - فمشى وراءهم سيرانو يشيعهم إلى الباب، وهو يقول لهم: ماذا دهاكم يا أصدقائي؟ ~~ما لكم تعرضون عني وتفرون مني؟ ما لكم لا تودعون البطل الذي جئتم الساعة لتهنئته ~~وتكريمه؟ # وما زال يشيعهم بأمثال هذه الكلمات حتى ركبوا جميعا مركباتهم وانصرفوا، فعاد إلى ~~مكانه الأول وهتف بلبريه، فلباه فاستدناه منه واحتضنه إلى صدره وقال له: ألم أقل لك ~~أيها الصديق: إنه ليس لي في العالم صديق سواك؟ # نفس الشاعر # نكس لبريه رأسه مليا، ثم نظر إلى سيرانو نظرة حزينة مكتئبة، وقال له: قل لي ~~أيها الصديق: ماذا أعددت لنفسك من الوسائل غدا للخلاص من هذه الهوة العميقة التي قذفت ~~بنفسك فيها؟ واسمح لي أن أقول لك: إنك قد جننت جنونا لا أدري كيف يتركونك بعده خارج ~~المارستان، أليس كل ما تستطيع الذود به عن نفسك في سلوك هذه الخطة العسراء أن تقول لي - ~~كما تقول كل يوم: إنك تحب أن تعيش حرا مستقلا في حياتك، لا يسيطر عليك أي مسيطر ~~من القيود والتقاليد؟ فليكن لك ما تريد، ولكن هل تستطيع أن تنكر أنك مغال متطرف؟ إنني ~~لا أطلب إليك شيئا سوى أن تعترف لي بذلك، فابتسم سيرانو وقال له: إن كان هذا هو كل ما ~~يرضيك فإني أعترف لك به، فتهلل لبريه فرحا وقال له: آه! لقد اعترفت أيها الصديق، ~~فلزمتك الحجة التي لا قبل لك بدفعها. قال: إنني لا أنكر يا لبريه أنني رجل مغال متطرف ~~كما تقول، ولكن في سبيل المبدأ والفكرة، والتطرف قبيح في كل شيء إلا في هذا السبيل، ~~قال: ولكنك في حاجة إلى شيء من حسن السياسة وسعة ms058 الصدر، ولين الجانب؛ لتستطيع أن تصل ~~إلى المجد الذي تحبه وتتعشقه. # فاستوى سيرانو في مكانه جالسا، وقد ظللت جبينه سحابة سوداء من الهم، واستحالت ~~صورته إلى صورة مريعة مخيفة، وقال: ماذا تريد مني يا لبريه؟ وما هي الخطة التي تحب أن ~~ترسمها لي لأنفذ من طريقها إلى المجد الذي تتحدث عنه، وتزعم أنني أتعشقه وأصبو ~~إليه؟ # أتريد أن أعتمد في حياتي على غيري، وأن أضع زمام نفسي في يد عظيم من العظماء أو ~~نبيل من النبلاء يصطنعني ويجتبيني ويكفيني مئونة عيشي، ويحمل عني هموم الحياة ~~وأثقالها، فيكون مثلي مثل شجرة «اللبلاب»، لا عمل لها في حياتها سوى أن تلتف بأحد ~~الجذوع تلعق قشرته، وتمتص مادة حياته، بدلا من أن تعتمد في حياتها على نفسها؟ ذلك ما ~~لا يكون. # أتريد أن أحمل نفسي على عاتقي كما يحمل الدلال سلعته، وأدور بها في الأسواق مناديا ~~عليها: من منكم أيها الأغنياء والأثرياء والوزراء والعظماء، وأصحاب الجاه والسلطان ~~يبتاع نفسا بذمتها وضميرها وعواطفها، ومشاعرها بلقمة عيش وجرعة ماء؟ # أتريد أن أنصب نفسي سخرية في الأندية الخاصة والمجتمعات العامة، ألعب كما يلعب ~~القرد، وأنطق كما تنطق الببغاء، وأتلون كما تتلون الحرباء رجاء أن أجد التفاتة من عيني ~~أمير، أو أرى ابتسامة على شفتي وزير؟ # أتريد أن تستحيل قامتي إلى قوس من كثرة الانحناء! وأن تتهدل أجفاني من كثرة الإطراق ~~والإغضاء، وأن تجتمع فوق ركبتي طبقة سميكة من كثرة السجود والجثي بين يدي ~~العظماء؟ # أتريد أن يكون لي لسانان: لسان كاذب أمدح به ذلك الذي اصطنعني واجتباني، ولسان ~~أعدد به عيوبه وسيئاته؟ وأن يكون لي وجهان: وجه راض عنه؛ لأنه يذود عني ويحميني، ~~ووجه ساخط عليه لأنه يستعبدني ويسترقني؟ # أتريد أن أقضي حياتي كلها واقفا وسط دائرة واحدة أثب فيها وأطفر، وأتطاول بعنقي ~~ليتوهم الناس أني طويل، وما أنا بطويل؟ أو أن أتخذ لي بوقا ضخما فيه ليتوهم ~~السامعون أني جهوري الصوت، وما أنا إلا نافخ في بوق؟ # أتريد أن أسير سفينة شعري في العالم بأذرع ms059 العظماء والكبراء بدلا من المجاذيف التي ~~أنحتها بفأسي، وبشعور «الدوقات» الغانيات بدلا من الأشرعة التي أنسجها بيدي، ~~وبتنهدات الأميرات العاشقات بدلا من الرياح الجارية التي يسخرها الله لي؟ أتريد أن ~~أجعل حياتي الأدبية تحت رحمة المقرظين والناقدين، والراضين والساخطين، فإن شاءوا ~~رفعوني إلى علياء السماء، وإن شاءوا هووا بي إلى أعماق الجحيم؟ # ذلك ما لا يكون، والموت أهون علي من ذلك. # أريد أن أعيش حرا مستقلا، لا أخشى أحدا، ولا أهاب شيئا، لا يعنيني تهديد ~~الجرائد التجارية الساقطة، ولا يفرحني أن تنشر الصحف الكبيرة اسمي بالأحرف الضخمة في ~~أكبر أنهارها، ولا أبالي أتداول الناس قصائدي وتدارسوها، ورنت نغماتها في أرجاء ~~المسارح أم بقيت في كسر خزانتي أقرؤها بنفسي لنفسي، وأتغنى بها في ساعات وحشتي ~~وخلوتي! # أريد أن أعيش حرا مطلقا، أضحك كما أشاء وأبكي كما أريد، وأحتفظ بنظري سليما، ~~وصوتي رنانا، وخطواتي منتظمة، ورأسي مرتفعا، وقولي صريحا، أنظم الشعر في الساعة ~~التي أختارها، وفي الشأن الذي أريده، فإن أعجبني ما ورد علي منه فذاك، وإلا تركته غير ~~آسف عليه، وأخذت في نظم غيره، بدلا من أن أتوسل إلى الطابعين أن ينشروه، والأدباء أن ~~يقرظوه، والممثلين أن يمثلوه، والعظماء أن ينوهوا به، ويرفعوا من شأنه. # أحب ألا أنظم من الشعر إلا ما يجود به خاطري، وألا أنظم إلا بالطريقة التي ~~أريدها أنا، لا التي يريدها الناس لي، وألا أمتع نظري إلا بمنظر الأزهار التي أغرسها ~~بيدي في حديقتي، فإن قدر الله لي منزلة في الحياة فلن أكون مدينا بها لأحد غيري، ولن ~~يكون فخرها عائدا إلا علي وحدي، ولا أسمح لأحد من الناس - كائنا من كان - أن ~~يرفعني، بل لا بد لي من أن أرفع نفسي بنفسي. # أريد أن أعيش حرا طليقا، أناضل من أشاء، وأجادل من أشاء، وأنتقد من أشاء، وأن أقول ~~كلمتي الخير والشر للأخيار والأشرار في وجوههم، لا متملقا أولئك، ولا خاشيا ~~هؤلاء. # إن العبد المقيد بقيود الإحسان والنعم، لا يمكن أن يكون حرا طليقا، فليعفني الناس ~~من ms060 أياديهم وصنائعهم؛ لأني لا أحب أن أكون عبدا لهم، ولا أسيرا في أيديهم. # وآخر ما أقول لك: إني أفضل أن أعيش ممقوتا مرذولا عند الناس على أن أعيش ذليلا ~~مستعبدا لهم، ولا أحب أن أرتفع ارتفاع الزيزفون والسرو إذا كانت اليد التي ترفعني ~~غير يدي، وحسبي من الرفعة والشرف أن أنال منها نصيبي الذي قسم لي قدر ما تسمح به قوتي ~~ومواهبي، لا أزيد على ذلك شيئا. # فقال له لبريه: عش بنفسك وحيدا كما شئت، ولكن لا تكن عدوا للجميع. # قال: ربما أكون مغاليا في ذلك، ولكن ما دعاني إلى المغالاة في المعاداة إلا مغالاة ~~معشر المتكلفين، والمتعملين في المصادقة والموالاة، وتصنعهم في اجتذاب الخلان ~~والأصدقاء، وما بغض إلي التواد والتحاب إلا بغضي لتلك الابتسامات الباردة ~~الثقيلة التي تنفرج عنها شفاههم كلما قابلوا صديقا أو عدوا، شريفا أو وضيعا، ~~كريما أو لئيما، حتى أصبحت لا أحب شيئا في العالم حبي لبغض الناس إياي، ولا أكره ~~شيئا كرهي لحبهم لي، وتوددهم إلي. # هذا هو عيبي الوحيد الذي لا أعرف لنفسي عيبا سواه، ولكنه عيب يعجبني جدا ويلذ لي ~~كثيرا، وإنك لا تستطع أن تدرك مقدار ما أجده من اللذة والغبطة في نفسي عندما أسير في ~~طريقي فأراه مملوءا بنظرات البغض، ملتهبا بنيران الحقد، وأرى نفسي محاطا بنطاق ~~محكم من قلوب الساخطين والناقمين. # أما الشتائم التي أسمعها، واللعنات التي تصوب إلي، فهي أشبه الأشياء عندي بذلك ~~البرد المتساقط الذي يتناثر من الجو على ردائي، ثم ينزلق عنه إلى الأرض فأدوسه ~~بقدمي. # إن الصداقة الباردة المتفككة التي يسعى وراءها الناس أشبه شيء بالياقة الإيطالية ~~اللينة، التي تتهدل حول العنق، فيتهدل العنق معها، فهي وإن كانت لينة مريحة إلا أنها ~~رخوة مهلهلة ليست لها مسكة ولا قوام. # أما العداوة فهي الدرع الفولاذية الصلبة التي تدور بالجسم فتحفظ كيانه وقوته، وتمنعه ~~عن أن يضعف أو أن يخور، وكل عدو جديد هو حلقة جديدة في تلك الدرع القوية ~~المتينة. # فقال لبريه: إنني لم أرك في حياتي ms061 راضيا عن البغض مثل اليوم، وإن نفسي تحدثني بأن ~~كارثة من الكوارث العظيمة قد نزلت بك فأثارت هذه الخواطر في نفسك. # فاضطرب سيرانو وخفت صوته، وهدأت تلك الزوبعة التي كانت ثائرة في نفسه، وقال: ماذا ~~تقول يا لبريه؟ قال: أظن أنك قد عرفت منها عندما قابلتها أنها لا تحبك، فأنت ناقم على ~~الحب، راض عن البغض، فنكس رأسه وصمت صمتا طويلا لا يقول فيه شيئا، ففهم لبريه كل ~~شيء. # المعركة النفسية # وفي هذه اللحظة دخل المطعم البارون كرستيان يختال في حلته الجميلة، ورونقه الشائق ~~البديع، ورأى أبناء فرقته مجتمعين، فتقدم لتحيتهم فلم يعبئوا به، وحاول أن يداخلهم ~~ويتحبب إليهم كما هو شأن أبناء الفرقة الواحدة عندما يجتمعون في مكان واحد، فانقبضوا ~~عنه، وتسللوا من جواره، فلم ير بدا من أن ينتبذ مكانا قصيا، ويجلس فيه وحده، فلم ~~يقنعهم ذلك منه حتى أرادوا إزعاجه وإقلاقه، وكان من شأنهم - كما حدثت روكسان عنهم - ~~أنهم لا يحبون أن يدخل فرقتهم غريب عنهم، عصبية لأنفسهم، واحتفاظا بجامعتهم، ~~والجنوبيون في فرنسا ينظرون دائما إلى الشماليين بعين البغض والازدراء، ويسمون ترفهم ~~ونعومتهم ضعفا وجبنا، فمشى أحدهم إلى سيرانو وقال له وهو يغمز كرستيان بعينه: قد كنت ~~وعدتنا يا سيدي منذ هنيهة أن تقص علينا حديث الواقعة التي انتصرت فيها ليلة أمس على ~~أعدائك الشماليين الجبناء، فحدثنا ذلك الحديث الآن؛ ليكون درسا تهذيبيا لهذا الفتى ~~الشمالي المتأنث، وأشار إلى كرستيان، فانتفض كرستيان غضبا، والتفت إلى المتكلم وقال ~~له: ماذا تقول؟ وكان سيرانو مشتغلا بمحادثة صديقه لبريه، وكان يفضي إليه بشأنه مع ~~روكسان، فلم يشعر بشيء مما حوله، فتركه الفتى ومشى إلى كرستيان، فوقف أمامه وقال له: ~~عندي نصيحة لك أيها السيد أحب أن أقدمها إليك؛ لتنتفع بها في مستقبل حياتك معنا، فألقى ~~عليه كرستيان نظرة ازدراء واحتقار، وأشاح بوجهه عنه. فقال له الفتى: أترى هذا الرجل ذا ~~الأنف الكبير والسحنة المخيفة الجالس هناك؟ إن ههنا كلمة لا يجوز لأحد النطق بها أمامه ~~مطلقا، كما لا يجوز النطق ms062 بكلمة الحبل في بيت المشنوق، وأحب أن لا يفوتك العلم بها ~~ضنا بحياتك، فعجب كرستيان لأمره، ورفع رأسه إليه وقال: أي كلمة تريد؟ قال انظر إلى ~~وجهي تفهم معناها، فإنني لا أستطيع النطق بها، ثم وضع أصبعه على أنفه وهو يتلفت ويتحذر. ~~فقال له: أتريد كلمة الأن ...؟ فقاطعه الفتى وقال: صه! إياك أن تتمها فيسمعها فيكون ~~فيها هلاكك، فلم يرفع كرستيان طرفه إليه أنفة وكبرياء، فتقدم نحوه فتى آخر وقال له: ~~ولا بد لك أن تعلم أيضا أن أحدا من الناس لا يحدث نفسه بمناوأة هذا الرجل أو مخاشنته، ~~إلا إذا كان من رأيه أن يلاقي حتفه قبل نهاية أجله، ثم وقف به آخر وقال له: احذر الحذر ~~كله من أن تنطق على مسمع منه بهذه الكلمة أو ما يشبهها، لا تصريحا ولا تلميحا، ولا ~~كناية ولا تعريضا، فقد قتل في الأسبوع الماضي رجلا أخنف؛ لأنه ظنه يتخانف هزءا به ~~وسخرية، وقتل آخر منذ يومين؛ لأنه أخرج منديله من جيبه وأدناه من أنفه! # وهكذا ظلوا يتقدمون نحوه واحدا بعد آخر، ينذرونه ويتوعدونه، ويهمسون في أذنه ~~بكلمات مختلفة، ويشيرون بين يديه بإشارات غريبة، تهويلا عليه وإرهابا له، وهو صامت ~~ساكن، لا يرفع طرفه إليهم، حتى برم بهم، فنهض من مكانه بهدوء وسكون، ومشى إلى ~~«كاربون دي كاستل» قائد الفرقة وهو جالس على كرسيه، فوقف بين يديه وقال له: ماذا يصنع ~~الإنسان يا سيدي القائد إذا رمت به المقادير بين جماعة من الجنوبيين الوقحاء، وهم لا ~~يزالون يشاكسونه ويناوئونه، ويستثيرون غيظه وحفيظته بسفاهتهم ووقاحتهم؟ فأجابه القائد ~~ببساطة غير محتفل به ولا مكترث: يبرهن لهم على أنه، وإن كان شماليا فهو شجاع ~~مثلهم، فانحنى كرستيان بين يديه، وقال: سأفعل ما أشرت به يا سيدي، وعاد إلى مكانه ~~الأول. # وكان سيرانو قد فرغ من حديثه مع لبريه واعتدل في جلسته، فهرع إليه الجنود من كل ناحية ~~وأحاطوا به، وقالوا: الحديث يا سيرانو، فاتجه إليهم وأنشأ يقص عليهم قصته، ويقول: # تقدمت نحوهم وحدي منفردا ، وكان ms063 القمر يلمع في قبة السماء لمعان القطعة ~~الفضية في رمال الصحراء؛ ثم لم يلبث أن غشيته سحابة دكناء، فصار الظلام ~~حالكا مدلهما، لا يستطيع المرء أن يرى فيه أبعد من ... # فقاطعه كرستيان وقال: «أنفه.» # فدهش القوم، واصفر وجه سيرانو وتهالك في نفسه، ثم صرخ بصوت كهزيم الرعد قائلا: من ~~هذا الرجل؟ وهم بالهجوم عليه ليفتك به. فقال له أحد الجنود: هو رجل شمالي دخل ~~فرقتنا صباح هذا اليوم، فجمد سيرانو في مكانه ذاهلا، ومر بخاطره كلمح البصر حديث ~~روكسان. فقال: صباح هذا اليوم! وما اسمه؟ قال: يزعم أن اسمه البارون كرستيان دي نوفييت، ~~فتضعضع سيرانو وتخاذل، وشعر أن نفسه تتسرب من بين جنبيه، وقال: آه، إنه هو، ثم استحالت ~~صورته إلى صورة مرعبة مخيفة، وظلت أطرافه ترتجف ارتجافا شديدا، فتهافت على كرسي ~~بجانبه، وصمت صمتا عميقا لا حس فيه ولا حركة، ثم أخذ يعود إلى نفسه شيئا فشيئا حتى ~~هدأ، فألقى نظرة على الجنود المحيطين به، وقال لهم: ماذا كنت أقول لكم؟ آه لقد تذكرت، ~~كنت أقول: إن الظلام في تلك الساعة كان حالكا جدا، حتى إن المرء لا يستطيع أن ينظر ~~إلى أبعد مما تحت قدميه. # وتوقف عن إتمام كلامه؛ لأنه تذكر مقاطعة كرستيان إياه عند وصوله إلى هذه الكلمة، ~~فوثب من مكانه وثبة النمر الجائع، وهجم عليه هجمة ما كان عند الحاضرين ريب في أنها ~~تحمل في طياتها الموت الأحمر، وهو يطمطم بلهجته الجاسكونية مورديوس - ميل ديوس، ولكنه ~~لم يبلغ مكانه حتى جمد أمامه جمود التمثال فوق قاعدته، وظل يزفر زفيرا متتابعا، ثم ~~تراجع بهدوء وسكون إلى مكانه الأول، والقوم يتبعونه بأنظارهم ويعجبون لأمره، ويقولون ~~في أنفسهم: ما له يقدم ثم يحجم! وما الذي يبدو له فيتراجع بعد اندفاعه! # وما هي إلا هنيهة حتى هدأ وسكن، وعاد إلى حديثه يقول: وكنت أعلم أنني مقدم على ~~خطر من أعظم الأخطار، وأنني إنما أحارب في الحقيقة رجلا عظيم الجاه والسلطان، لو شاء ~~أن يسحقني بقدمه كما يسحق السائر النملة الدارجة ms064 في طريقه لفعل، بل لو شاء أن يضعني بين ~~... # فقاطعه كرستيان وقال: «منخريه.» # فاهتز سيرانو في كرسيه يمنة ويسرة، وغلى دمه في رأسه غليان الماء في مرجله، ولكنه ~~لم يتوقف، بل استمر في حديثه يقول: ... بين شدقيه لما حال بينه وبين ذلك حائل؛ لأنه ~~صهر الكردينال، والكردينال هو كل شيء في فرنسا، ومرت بي ساعة ضعف كنت أقول فيها ~~لنفسي - وهنا نظر إلى كرستيان كأنه يخاطبه - إنك قد عرضت نفسك أيها الرجل المسكين ~~بتهورك وجنونك للهلاك الذي لا بد لك منه، ووضعت أصبعك بين الشجرة ولحائها، وليس بكثير ~~على رجل قاس مستبد كهذا الرجل أن يرغم ... # فقاطعه كرستيان وقال: «أنفك.» # فتصامم سيرانو، وكأنه لم يسمع شيئا، وقال: ... إرادتك على ما يريد، ولكنني تجلدت ~~واستمسكت، ولم أعبأ بهذه الاعتبارات جميعها، وقلت في نفسي: سر أيها الجاسكوني الحر، ~~وامض في سبيلك قدما، لا تحفل بشيء مما يعترض طريقك، وقم بواجبك الذي حملت عبئه ~~وعاهدت نفسك عليه، كما يفعل الحر الشريف، وبينا أنا أفكر في ذلك، إذ لمحت شقيا من ~~أولئك الأشقياء يهيئ لي في هذا الظلام الحالك المدلهم ضربة قوية، فما هو إلا أن ~~لمحتها حتى رغت منها بأسرع من ضربة السيف، فأفسدتها عليه، ولكنني لم ألبث أن وجدت ~~نفسي في الحال وجها لوجه ... # فقاطعه كرستيان وقال: «أو أنفا لأنف.» # فزأر سيرانو زئيرا مخيفا، ووضع يده على مقبض سيفه وصاح: «يا لصواعق السماء ~~ورجومها!» # فذعر القوم وأيقنوا بالشر، وأتلعوا إليه أعناقهم لينظروا ماذا يفعل، فلم يفعل شيئا، ~~بل استمر في حديثه يقول: وجدت نفسي أمام مائة من الغوغاء الساقطين، تنم ثيابهم ~~البالية وأزياؤهم القبيحة عن حقارتهم وسفالتهم، وتتصاعد من أردانهم القذرة روائح كريهة ~~تملأ ... فقاطعة كرستيان وقال: «الأنف.» # فانفجرت شفتاه عن مثل ما تنفرج عنه شفتا الليث، ولكنه لم يلتفت إليه، واستمر يقول: ~~تملأ الجو وتزهق النفس، فلم أتردد لحظة واحدة في الهجوم عليهم، ففتكت باثنين منهم، ثم ~~أتبعتهما بثالث، وإذا بأحدهم يصوب إلي سهما ... # فقاطعه كرستيان وقال: «أنفيا.» # فلم يستطع على ms065 ذلك صبرا، وهب من مكانه هبوب العاصفة، وصرخ صرخة عظيمة: اخرجوا من ~~هنا جميعكم ودعوني مع هذا الرجل وحدي! # ففروا من وجهه جميعا يستبقون الباب ويتراكضون، ويهمس كل منهم في أذن صاحبه: إنها ~~وثبة الأسد ما في ذلك ريب، وراجنو يقلب كفيه حزنا وأسفا، ~~ويقول: وا أسفا عليك أيها الفتى المسكين! ما أحسبها ~~إلا لمحة الطرف حتى أراك قطعا متناثرة على مائدتي. # فلما خلا المكان بسيرانو وصاحبه، ظلا يتناظران ساعة في صمت وسكون، لا يفوهان بحرف ~~واحد، وكرستيان ينتظر وقوع الكارثة، ويتأهب لها تأهب الجريء المقدام، ثم ما لبث أن رأى ~~سيرانو يتقدم نحوه رويدا رويدا حتى وقف أمامه، ووضع يده على عاتقه، فارتعد كرستيان ~~ارتعادا خفيفا، وبينا هو ينتظر عاصفة من الشر تهب عليه، إذ سمعه يناديه بنغمة لطيفة ~~هادئة، ويقول له: سيدي كرستيان؟ فرفع طرفه إليه، فرآه باسما متطلقا، فعجب لأمره وقال ~~له: ماذا تريد يا سيدي؟ قال: أريد أن أعانقك وأقبلك أيها الصديق، فتعال إلي، فظل ~~كرستيان ينظر إليه نظرا حائرا متضعضعا، لا يفهم من أمره شيئا. فقال له سيرانو: تعال ~~إلي وقبلني فإني أخوها، وقد بعثتني برسالة إليك فاستمعها، فازدادت حيرة كرستيان، ~~ولم يفهم ما يريد، وقال له: أخو من يا سيدي؟ قال: أخو الفتاة التي تحبها. قال: أي فتاة ~~تريد؟ قال: روكسان! أأنت أخوها؟ وظل يقلب نظره في وجهه كأنه يفتش عن وجه الشبه بين ~~الأخوين فلا يجده، ففطن سيرانو لغرضه وقال: أخوها تقريبا، أي ابن عمها، فتلألأ وجه ~~كرستيان سرورا، وقال: وهل حدثتك عني؟ قال: نعم. قال: وهل أخبرتك أنها تحبني؟ قال: ~~ربما، فازداد سروره واغتباطه وقال له: ما أجمل هذه البشرى التي جئتني بها يا سيدي! وما ~~أعظم شكري لك! فابتسم سيرانو وقال: ما أغرب عواطف النفوس، وما أسرع تقلباتها! فقال: ~~اعف عني يا سيدي فقد أسأت إليك. قال: وما رأيك في تلك الأنفيات التي رميتني بها منذ ~~هنيهة؟ قال: إنني أستردها جميعها وأجثو تحت قدميك معتذرا عنها، معتمدا على كرمك ~~وإحسانك ! # قال: ms066 الآن أستطيع أن أقول لك: إنها اعترفت لي بأنها تحبك حبا شديدا وشريفا، ~~وتضمر لك في قلبها من الوجد مثل ما تضمر لها، وقد كلفتني أن أقول لك: إنها تنتظر ~~منك اليوم كتابا. قال: وا أسفاه يا سيدي، ذلك ما لا أستطيعه. قال: ولم؟ قال: لأنني ~~رجل عاطل من جميع المواهب والمزايا، لا أملك حلية من حلي الدنيا غير حلية الصمت، ~~فإن عطلت منها هلكت وافتضحت! قال: عجبا لك، ألا تستطيع أن تكتب كتابا؟ قال: لا؛ لأني ~~عيي بليد! قال: إنك مغال جدا، وحسبك من الذكاء أنك تعرف مقدار نفسك، على أن ~~أسلوبك في مقاطعتي ومغايظتي يدل على أنك لم تحرم فضيلة الشجاعة والذكاء! # قال: أستطيع أحيانا أن أكون شجاعا إذا كان الحديث بيني وبين رجل، أما المرأة فإني ~~أضعف الناس منة بين يديها. قال: ولكنك جميل، والجمال قوة يستمد منها اللسان فصاحته ~~وبيانه. قال: لا أنكر أن لنظراتي تأثيرا خاصا على النساء، وأنني ما مررت بهن إلا ~~استثرت بجمالي إعجابهن ودهشتهن، ولكنني أذوب حياء وخجلا إذا جلست إليهن أو جمع ~~الحديث بيني وبينهن، وربما استطعت في بعض الأحيان أن أتحدث إليهن في بعض الشئون ~~العامة التي لا يتحامى فيها أحد أحدا، حتى إذا وصلنا إلى حديث الحب كان الموت الأحمر ~~أهون علي من أن أنطق بحرف واحد فيه! قال: إني لأعجب لأمرك جدا يا كرستيان، ويخيل ~~إلي أنني لو كان لي مثل حظك في الجمال لأحسنت الكلام في الحب. قال: ويخيل لي أنا ~~أيضا أنني لو كان لي مثل حظك في الفصاحة لاستطعت الكلام فيه. قال: ليتني أستطيع إذا ~~جلست إلى النساء أن أستثير بجمالي إعجابهن ودهشتهن. قال: وليتني أستطيع إذا جلست ~~إليهن أن أسترعي ببياني أسماعهن. # وصمت كرستيان لحظة، ثم قال: ولقد حدثوني عنها أنها فتاة ذكية متفوقة، تتعشق في ~~الرجال الذكاء والفطنة قبل أن تتعشق فيهم الحسن والجمال، فماذا يكون شأني معها إذا ~~كتبت إليها كتابا، فقرأته فلم تر بين سطوره إلا عيا وركاكة وضعفا واضطرابا ؟ فقال ms067 ~~وهو يصعد نظره في وجهه ويصوبه، ويعجب بجماله ووضاءته: يخيل إلي يا كرستيان أنك ~~لو أعرتني جمالك، أو لو أني أعرتك لساني، لتألف منا إنسان تام المواهب والمزايا! ~~قال: نعم، ما في ذلك ريب. قال: ألا تتمنى أن تكون ذلك الإنسان؟ قال: نعم، أتمنى أن ~~أكونه؛ ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ قال: إن في استطاعتي أن أنفخ فيك روح الفصاحة وأنفث في ~~صدرك سحرها، فإذا أنت أجمل الناس وأذكاهم معا! قال: لا أستطيع أن أتصور ذلك إلا إذا ~~زعمت أنك من الساحرين. قال: ما في الأمر سحر ولا مخرقة، حدثني عن نفسك أولا، هل ~~تعجز عن حفظ ما يلقى إليك من الجمل والكلمات، وإن لم تفهم معناه؟ قال: لا، فإن ذاكرتي ~~قوية جدا، ولكنها كذاكرة الببغاء: تنقل ولا تعقل مما تنقل شيئا، وأظن أني قد فهمت ~~غرضك الآن، وإني لأعجب أشد العجب من اهتمامك بهذا الأمر الاهتمام الشديد، ومن إلحاحك في ~~تلمس الوسائل للوصول إليه هذا الإلحاح كله، كأنه شأن من شئونك الخاصة التي ~~تعنيك. # قال: سأفضي إليك بسر المسألة، فاستمع لما أقول: إن روكسان ابنة عمي وصديقتي، ورفيقة ~~صباي وطفولتي، ليس لها في العالم من صديق ولا معين سواي، ويهمني جدا أن أراها ~~سعيدة في حياتها، هانئة في عيشها، لا يكدر عليها مكدر من عوادي ونكبات الأيام، ~~ولا أكتمك أني أخاف عليها الخوف كله أن تحل بها في هذا الحب الذي اختارته لنفسها نكبة ~~من النكبات العظام، أو فاجعة من الفواجع الجسام تقضي عليها وعلى آمالها، وما أحسبك ~~تتمنى لها إلا ما أتمناه، أو تضمر لها في نفسك إلا العطف الذي أضمره لها، خصوصا أن ~~الصلة التي بينكما ستتحول طبعا إلى عشرة زوجية طويلة، لا يقطع حبلها إلا الموت؛ لذلك ~~أردت أن نتعاقد يدا واحدة على إسعادها وترفيه عيشها، وحماية ذلك الحب في قلبها، ~~وحراسته من أن تغشاه غاشية من وساوس اليأس أو خيبة الأمل، أنت بحسنك وجمالك، وأنا ~~بفصاحتي وبياني، تسمع صوتي ولكن من فمك، وتحس بروحي ، ولكن ms068 في جسمك، وتشرب عواطفي ولكن ~~من كأسك، وتطرب لنغماتي ولكن من قيثارتك، أي إنني أتقمص في جسمك، وأتسرب بين حنايا ~~ضلوعك، وأكمن في قرارة نفسك، فنستحيل - نحن الاثنين - إلى شخص واحد، أو تصبح أنت كل ~~شيء، وأصبح أنا لا شيء، وما دامت سعادتها في الحياة تتوقف على أن ترى بجانبها إنسانا ~~يجمع في نفسه بين موهبتي الفصاحة والجمال، فليتألف مني ومنك ذلك الإنسان الذي تريده ~~وتتمناه، ولا تقل: إننا نخدعها بذلك أو نغترها، فإنا لا نريد بما نفعل إلا سعادتها ~~وهناءها، هذا هو الغرض الذي أرمي إليه، ولا أرمي لغرض سواه. # فارتجف كرستيان وقال: إنك تخيفني جدا يا سيرانو، ويخيل إلي أن عقلي يحاول الفرار ~~مني دهشة وعجبا، فإنك تقترح علي أمرا ما سمعت بمثله في حياتي! قال: إنك مغال يا ~~كرستيان، والمسألة بسيطة جدا، ألم تقل لي منذ هنيهة إنك تخاف إن جالستها أو تحدثت ~~إليها أن تملك وتجتويك فتموت عواطف الحب في قلبها، فما الذي يريبك مني وأنا لا أريد ~~إلا ما تريد؟ ولا أرمي إلا إلى بقاء عاطفة الحب حية في قلبها نامية، فتتمتع أنت بعطف ~~الفتاة التي تحبها، وأتمتع أنا بسعادة الصديقة التي أجلها وأحترمها وأحرص على راحتها ~~وهدوئها. قال: وهل تشعر في نفسك أنك سعيد بذلك؟ فانتفض سيرانو انتفاضة خفيفة لم يشعر ~~بها كرستيان، وقال بصوت خافت: سعيد! وصمت لحظة، ثم قال بصوت متهدج مرتعش: نعم سأكون ~~سعيدا يا كرستيان؛ لأنني شاعر، والشاعر ممثل بفطرته؛ يلذ له دائما أن يلبس ثوبا ~~غير ثوبه، ويتراءى في صورة غير صورته، فيمثل دور المجنون وهو عاقل، ودور الشجاع وهو ~~جبان، ودور السعيد وهو شقي، ودور العاشق الولهان، وما في قلبه ذرة واحدة من الحب ~~والغرام، فاسمح لي أن أمثل دور العاشق الولهان، فهو الدور الذي يلذ لي تمثيله أكثر من ~~غيره، وكن أنت المسرح الذي أمثله عليه، وأخطر في أرجائه جيئة وذهوبا، كن اللسان ~~وأنا الفكر، كن الجسم وأنا الروح، كن الجمال وأنا العقل، كن الزهرة وأنا العطر، ms069 كن ~~العين وأنا النور المنبعث منها، كن القلب وأنا حبته الكامنة فيه، فلا تكتب إليها إلا ~~ما أمليه عليك، ولا تحدثها إلا بما ألقنك إياه، وليكن ذلك سرا بيني وبينك لا تعرفه ~~روكسان ولا يعرفه أحد من الناس. # فهدأ كرستيان وسري عنه، واستقر في نفسه أن الرجل صادق فيما يقول، ولكنه لو استطاع ~~أن يفهم الحقيقة كما يفهمها بقية الناس لأدرك أن سيرانو عاشق مثله لتلك الفتاة التي ~~يحبها، وأنه لما أخفق في حبه وساء حظه فيه، وعجز عن أن يفضي إلى حبيبته بذات نفسه ~~وسريرة قلبه وجها لوجه، أراد أن يتخذ منه بوقا يهتف في جوفه بأناته وزفراته؛ لتصل ~~إلى آذانها فتسمعها من حيث لا تراه ولا تشعر بمكانه، لا يرجو من وراء ذلك غرضا ولا ~~غاية سوى أن يرفه عن نفسه بعض همومها وآلامها بالمناجاة والشكوى، كما يرفه ~~المريض عن نفسه آلامه وأوجاعه بترديد الأنات وتصعيد الزفرات! # فقال له كرستيان: ولكن ما العمل في الكتاب الذي قلت لي إنها تريد أن أرسله إليها ~~اليوم؟ فمد سيرانو يده إلى صدره، وأخرج تلك الرسالة التي كان يريد أن يقدمها إليها في ~~الصباح فلم يفعل، وأعطاه إياها وقال له: ابعث إليها بهذه الرسالة، فهي تامة لا ينقصها ~~غير التوقيع، فدهش كرستيان وعاودته وساوسه وهواجسه، وقال له: وهل كتبتها من أجلي؟ ~~وما الذي دعاك إلى ذلك؟ قال: لم أكتبها من أجلك، ولا من أجل أحد من الناس، ولكننا معشر ~~الشعراء لا تخلو جيوبنا غالبا من أمثال هذه الرسائل الغرامية الخيالية، فإننا - وإن ~~كنا محرومين سعادة الحب وهناءه - نتخيل أحيانا صورا وهمية لا وجود لها في الخارج، ~~نخاطبها ونناجيها كما يناجي المحب محبوبه؛ لنستطيع إمداد الفن الذي نشتغل به بحقائق ~~الحياة وصورها، ولقد أودعت هذه الرسالة جميع ما يمكن المحب المفتتن أن يضمره في نفسه من ~~لواعج الحب وخوالج الغرام، ولقد كانت أناتي وزفراتي قبل اليوم طائرة هائمة في أجواز ~~الفضاء، لا تجد لها مستقرا ولا مهبطا، أما الآن فقد وجدت على يدك ms070 المستقر الذي ~~تتطلبه وتسعى إليه، وستقرأ روكسان هذه الرسالة بعد ساعة، وسترى أنها الصورة الحقيقية ~~لعواطفك وشعورك لا ينقصها شيء، حتى روح الإخلاص وجوهره. قال: ألا نحتاج لتغيير شيء ~~فيها؟ قال: لا. قال: أخاف أن ترتاب بها. قال: كن على ثقة من أنها ستعتقد حين تقرؤها ~~أنها ما كتبت إلا لها، وأنها هي التي أوحت بها إلى نفس كاتبها! # فتناول كرستيان الرسالة طائرا بها فرحا، وترامى على عنق سيرانو يقبله ويلثمه ~~ويضمه إلى صدره ويقول: آه يا صديقي الكريم! ما أعظم شكري لك واغتباطي بصحبتك! وظل على ~~ذلك هنيهة، وكان القوم وقوفا أمام باب المطعم، ينتظرون إذن سيرانو لهم بالرجوع، ~~وهم يسمعون ضوضاء الحديث بينه وبين صاحبه، فيتوهمون أنه الجدال العنيف والخصام الشديد، ~~حتى شعروا بذلك السكون الذي ساد بينهما، فريعوا وخيل إليهم أنه سكون الموت، فدفع ~~راجنو الباب قليلا وأطل من فجوته فرأى هذا المنظر، فذعر وخيل إليه الرعب الذي ~~لحقه أنه يرى منظر الموت، وأن كرستيان صريع بين يدي سيرانو، فظل يرتجف ارتجافا ~~شديدا، فهمس القوم في أذنه: ماذا ترى؟ قال: دعوني، فإني لا أجرؤ على النظر وأكاد أموت ~~خوفا ورعبا! فدفعوا الباب جميعا ودخلوا، ففهموا الحقيقة التي ما كانوا يتصورونها ~~ولا يقدرونها في أنفسهم، ورأوا أن ذلك الصراع الذي كانوا يتوهمونه بين خصمين متباغضين، ~~إنما هو عناق طويل بين صديقين مخلصين، فدهشوا دهشة كبيرة، وظل بعضهم يهمس في أذن بعض: ~~إنه يعانقه ويلتزمه كأنه أصدق أصدقائه، وقال «كاربون دي كاستل»: أحمد الله تعالى فإن ~~شيطاننا قد اهتدى، وصاح آخر: عجبا لك يا سيرانو! لقد أصبحت مسيحيا تقيا: إذا ضربك ~~أحد على أحد منخريك أدرت له الآخر، فلم يغضب سيرانو هذه المرة، ولم يكترث، بل ابتسم له ~~وتطلق. # وكان بين الداخلين «الرجل الهائل» صديق «ليز»، فأطمعه هذا الموقف في حلم سيرانو، ~~وقال في نفسه: لقد فقد الرجل حميته وانطفأت شعلة حماسته، وأظن أني أستطيع أن أتكلم عن ~~أنفه الآن باطمئنان، ثم أشار إلى ليز فاقتربت منه. فقال لها: ms071 سأريك الآن منظرا من ~~أبدع المناظر وأبهجها، وأخذ يدور في أنحاء القاعة ويتنشق الهواء بصوت عال كأنما يشعر ~~برائحة غريبة، حتى دنا من سيرانو فلمس كتفه، وقال له: ما هذه الرائحة الغريبة يا سيدي؟ ~~فصمت سيرانو ولم يقل شيئا، فأدنى وجهه من وجهه، وأطال النظر إلى أنفه، وقال له: قل لي ~~ما هذه الرائحة الغريبة المنتشرة في هذا الجو؟ فإنك تستطيع أن تفهمها أكثر مني! فما أتم ~~كلمته حتى لطمه سيرانو على وجهه لطمة هائلة رنت في أرجاء القاعة، وقال: رائحة الذعر ~~أيها الجبان! فصفق القوم تصفيقا شديدا، وأغربوا في الضحك جميعا، حتى «ليز»! # الفصل الثالث # | حرفة الأدب # منزل روكسان منزل جميل أنيق، تمتد أمام بابه شرفة عالية بديعة، قائمة على ساريتين ~~ضخمتين، تتسلق فوقهما أغصان شجرة ياسمين مغروسة أمام الباب حتى تصل إلى الشرفة، فتنتشر في ~~أنحائها، ويقابل هذا المنزل منزل آخر يشبهه في شكله ورونقه، ولا يختلف عنه بشيء سوى أن ~~حلقة بابه ملففة بقطعة من نسيج كأنها أصبع مجروحة مضمدة، وبين المنزلين ميدان واسع ~~يتوسطه مقعد مستطيل من الرخام، جلست عليه وصيفة روكسان وراجنو الشواء يتحدثان، فمسح ~~راجنو دمعة كانت تترقرق في عينيه، وقال لها: ولقد حزنت كثيرا لفرارها مع ذلك الضابط ~~الخبيث، وبكيت ما شاء الله أن أفعل؛ لأنها كانت سلوة حياتي، ومعينتي على أمري، وما هي إلا ~~أيام قلائل حتى تكشف الغطاء عن ذلك الإفلاس العظيم الذي كان كامنا في حسابي، والذي كنت ~~أستره بجدي وجدها، وتراكمت علي الديون، وعجزت عن الوفاء، فلم أر بدا من الانتحار، ~~فخلوت في حانوتي ليلة أمس، وألقيت آخية في عنقي، وما هو إلا أن صعدت على الكرسي، ووضعت ~~قدمي على حافته لأدفعه من تحتي، حتى دخل سيرانو، فهاله الأمر وتعاظمه، وفهم للنظرة الأولى ~~كل شيء، فابتدر الحبل فقطعه بسيفه وقال: ماذا أصابك أيها المسكين؟ فنفضت له جملة حالي ~~وبثثته همي، فأشفق علي، وجذبني من يدي حتى جاء بي إلى هنا، وقص على روكسان قصتي، وقال ~~لها: إن راجنو صديقنا، ms072 وصاحب اليد البيضاء علينا وعلى الأدباء جميعا شعرائهم وكتابهم، ~~وهو وإن لم يكن من نوابغ الشعراء المجيدين، فهو أديب متفنن، محسن إلى رجال الشعر والأدب، ~~ضنين بهم وبكرامتهم، فلم أحفل كثيرا بتلك الغمزة التي غمزنيها في حديثه، وما زال بها حتى ~~استثار عطفها وشفقتها، فبكت رحمة بي واستدنتني إليها، وواستني ببعض الكلمات الطيبة، ثم ~~عهدت إلي بهذا الشأن الذي أقوم به في منزلها كما تعلمين. فاستعبرت الوصيفة باكية وقالت: ~~لقد كان يخيل إلي يا راجنو أنك سعيد الطالع في أعمالك، وأنك تربح كثيرا، فما الذي ~~دهاك وجر عليك هذا البلاء؟ قال: حرفة الأدب يا سيدتي، فقد كنت أحب رجال الشعر، وكانت ~~ليز تحب رجال السيف، فلم يزل «مارس» يأكل ما يشاء، ثم يلقي ما تبقى منه إلى «أبولون» ~~حتى نزل بي ما ترين. # فرثت الوصيفة لحاله، وظلت تلاطفه وتواسيه حتى هدأ وسكن، ثم نهضت من مكانها واتجهت جهة ~~الشرفة وظلت تنادي: سيدتي روكسان، أسرعي فقد دنا ميعاد المحاضرة، فأجابتها سيدتها من داخل ~~البيت: هأنذي آتية فانتظري قليلا. فقال لها راجنو: أية محاضرة تريدين؟ قالت: سيحضر الساعة ~~إلى منزل «كلومير» - وأشارت إلى ذلك المنزل المقابل لمنزل سيدتها - رجل من العلماء ~~الباحثين، اسمه «ألكاندر»؛ ليلقي محاضرة عن الحب، وقد دعيت سيدتي لاستماعها، وسأذهب معها ~~بالطبع، فضحك راجنو وقال: ما سمعت قبل اليوم أن الحب فن من الفنون التي تلقى فيها ~~المحاضرات. قالت وهي تبتسم: ليس في الفنون ما هو أحق بالمحاضرات من الحب! # وهنا سمعا صوت قيثارة آتية من بعيد فالتفتا وراءهما، فإذا سيرانو مقبل ووراءه غلامان ~~صغيران يحمل كل منهما في يده قيثارة يوقع عليها، وهو ينهرهما ويتغيظ عليهما كأنهما طالبان ~~بين يدي مؤدبهما، ويقول لهما: قد أمرتكما أيها البليدان أن تثلثا النغمات، وأنتما تأبيان ~~إلا تثنيتها. فقال له راجنو: بخ بخ يا سيرانو! متى كان عهدك بمعرفة المثالث والمثاني! ~~قال: عهدي بها منذ ذلك اليوم الذي جثوت فيه بين يدي جاصندي الموسيقي العظيم، وما أنا إلا ~~تلميذه وخريج مدرسته ، ثم ms073 التفت إلى أحد الغلامين وانتزع منه قيثارته، واستقبل شرفة روكسان، ~~وأخذ يغني هذه القطعة: «قد جئت أسلم على ياسمينك، وأقدم تحياتي لورودك، وألثم بخضوع ~~وخشوع أوراق زنابقك البيضاء ...» فسمعت روكسان صوته، فخرجت إلى الشرفة فرأته. فقالت: هأنذي ~~قادمة يا سيرانو، وكانت قد فرغت من زينتها ولباسها، فنزلت فحيته وقالت له: ما هذا المنظر ~~الغريب! ومن هذان الغلامان الصغيران؟ قال: هما ولدان موسيقيان قد ربحتهما اليوم في رهان، ~~فضحكت وقالت: أي رهان؟ قال: قد جادلت اليوم «داسوسي» في مسألة نحوية موضوعها: «الفرق بين ~~لا، وبلى»، واشتد بيننا اللجاج ساعة، فاستحمق وأشار إلى هذين الغلامين - وكانا واقفين بين ~~يديه - وقال لي: سأراجع المسألة الآن في مظانها من الكتب، وليكونن هذان الغلامان طوع أمرك ~~ليلة كاملة تذهب بهما حيث تشاء، ويغنيانك ما تريد، إن كان الفوز لك فيه، ثم قام إلى ~~خزانة كتبه فراجع المسألة، فكان الحق في جانبي، فأخذت الغلامين وسرت بهما يغنيانني ~~ويأتمران بأمري في كل ما أقترحه عليهما من الضروب والألحان حتى وصلنا إلى هنا. قالت: وهل ~~أنت راض عنهما؟ قال: إنهما يجيدان بعض الإجادة، وقد طربت لنغماتهما ساعة ثم سئمتها، ولا ~~أدري ماذا أصنع بهما الآن، وأحسب أني لا أستطيع احتمالهما حتى مطلع الفجر. وصمت هنيهة ثم ~~ابتسم، والتفت إليهما وقال لهما: أتعرفان منزل مونفلوري الممثل البطين؟ قالا: نعم. قال: ~~اذهبا إليه وقفا تحت نافذة مخدعه الذي ينام فيه، واضربا لحنا طويلا مزعجا مضطرب النغمات ~~يذهب براحته وسكونه، ويملأ صدره غيظا وحنقا، ثم عودا إلي بعد ذلك. # فانحنى الغلامان بين يديه وانصرفا، فالتفت سيرانو إلى روكسان وقال لها: قد جئت أسأل سيدتي ~~كما أسألها كل ليلة: ما رأيها في حبيبها كرستيان؟ ألا تزال تراه إنسانا كاملا خاليا من ~~العيوب والهنات حتى الآن؟ قالت: نعم، ما في ذلك ريب، فلقد جمع الله له بين فضيلتي الجمال ~~الباهر والذكاء النادر، وقلما اجتمعا لإنسان سواه. قال: أترين أنه ذكي إلى هذا الحد؟ ~~قالت: نعم، بل أذكى من كل من عرفت في حياتي، ms074 حتى أنت يا سيرانو! فاغتبط سيرانو في نفسه ~~اغتباطا عظيما، ولكنه تظاهر بالتبرم والاستياء، وهز رأسه كالمرتاب وقال: ربما! قالت: ولقد ~~بلغ من الذكاء والفطنة تلك المنزلة التي يتكلم فيها المرء بأشياء غريبة مدهشة يظنها السامع ~~لأول وهلة أنها لا شيء، والحقيقة أنها كل شيء، ولقد يضعف نور ذكائه أحيانا ويشرد ذهنه حتى ~~يخيل إلي أنه عيي أو غبي، ولكنه متى عاد إلى نفسه صاغ بلباقة ومهارة تلك الجواهر ~~البديعة، التي لم أر مثلها في حياتي! قال: وهل يحسن الكلام عن القلب؟ قالت: إنه لا يقنع ~~بالكلام عنه حتى يحلله تحليلا دقيقا. قال: وما رأيك في كتابته؟ قالت: إنه يكتب أحسن مما ~~يتكلم، وكأن أسلوبه الماء النمير المترقرق على بياض الحصباء، وما أجمل كلمته التي يقول ~~فيها: «خذي من قلبي ما شئت، فسيبقى لي منه ما يكفيني»، ألا ترى أنه معنى بديع؟ قال: لا بأس ~~به. قالت: واسمع هذه الجملة أيضا وقل لي ما رأيك فيها: «إن كان لا بد لك من أن تحتفظي ~~بقلبي لديك فأعيريني قلبك بدلا منه، فإني في حاجة إليه لاحتمال ما ألاقيه في سبيلك من ~~الآلام والأوجاع!» فقال وهو يكاد يطير في نفسه فرحا: إنه يناقض نفسه بنفسه، وأحيانا ~~يغالي، وأحيانا يكون غير وفي! ولا أدري ماذا يريد بقلبه، فتململت روكسان وقالت: إنك ~~تضايقني كثيرا يا سيرانو، وما أحسبك إلا غيورا، فانتفض سيرانو وخيل إليه أنها قد ألمت ~~بسريرة نفسه: فظل ناظرا إليها ذاهلا لا يدري ماذا يقول، حتى قالت له: وكذلك أنتم - معشر ~~الشعراء - لا يطيق أحدكم أن يسمع كلمة ثناء على رفيقه! فهدأ روعه وعلم أين ذهبت في حديثها، ~~ثم قالت له: واسمع هذه الجملة أيضا فهي غاية الغايات في قوتها ومتانتها: «لو كان في ~~استطاعتي أن أرسم قبلاتي على صفحات قرطاسي، لقرأت كتابي بشفتيك بدلا من عينيك!» ما رأيك في ~~هذه أيضا؟ هل تستطيع أن تجد فيها مأخذا؟ قال: لا أنكر أنها جميلة بديعة، لولا ركة في بعض ~~أجزائها، فاربد وجهها غيظا ms075 وقالت له: إنك عنيد يا سيرانو، فاسمع هذه القطعة أيضا، فهي ~~خير من جميع ما مضى، فقاطعها وقال لها: وهل بلغ الاهتمام بأمره أن تستظهري كلماته وتعيها ~~في صدرك؟ قالت: نعم. قال: ما يطمع كاتب من الكتاب في منزلة أعظم من هذه يا سيدتي. قالت: ~~إنه نابغة عظيم ما في ذلك ريب، فاحمر وجهه خجلا كأنما خيل إليه أنها قد ألمت بسريرة ~~قلبه، وأنها إنما تعنيه بكلامها، وقال: إنك تغالين يا روكسان. # وإنهما لكذلك إذا أقبلت الوصيفة مسرعة وقالت: قد جاء الكونت دي جيش، فاضطربت روكسان ~~وقالت لسيرانو: لا أحب أن يراك هذا الرجل عندي، فأنت صديق كرستيان، وأخاف إن رآك هنا أن ~~يدرك سر غرامي فيفجعني فيه، فادخل المنزل ولا تظهر له حتى ينصرف لشأنه. قال: سأفعل كل ما ~~يرضيك يا روكسان، ودخل المنزل ودخلت الوصيفة وبقية الخدم وراءه. # دهاء المرأة # أقبل الكونت دي جيش، فرأى روكسان واقفة وحدها في مكانها، فانحنى بين يديها وحياها ~~وقال لها: قد جئتك اليوم يا سيدتي مودعا، وربما كان الوداع الأخير! قالت: أمسافر أنت؟ ~~قال: نعم، قد صدر الأمر إلى الجيش بالسفر إلى «أراس» بعد بضع ساعات لنخلصها من يد ~~العدو، ويظهر لي أن نبأ سفري لم يؤثر عليك أقل تأثير. قالت: لا تظن ذلك يا سيدي ~~الكونت. قال: أما أنا فإني حزين لفراقك حزنا شديدا، ولا أدري ما الله صانع بي بعد ~~اليوم؟ هل كتب لي في لوح مقاديره أن أراك مرة أخرى؟ أم هو الفراق الدائم الذي لا لقاء ~~من بعده؟ وأطرق برأسه حزينا مكتئبا، ثم قال لها: وهل علمت أن الملك قد عهد إلي ~~برئاسة أركان حرب الجيش؟ قالت: ما كنت أعلم ذلك من قبل، وإنه لنجاح باهر يا سيدي ~~الكونت، فلله درك! قال: أي إنني أصبحت صاحب السلطان المطلق على الجيش بأجمعه بعد ~~القائد العام، وفي استطاعتي أن أنتقم لنفسي في ميدان المعركة من جميع أعدائي وخصومي، ~~خصوصا ذلك الرجل الوقح الجريء ابن عمك سيرانو، وأن أحاسبه حسابا غير ms076 يسير على جرائمه ~~وآثامه. # فذعرت روكسان وخفق قلبها خفقا شديدا، لا خوفا على سيرانو، بل على كرستيان؛ لأنها ~~فهمت من كلامه أن فرقة شبان الحرس ستسافر مع بقية فرق الجيش. فقالت له: أتذهب فرقة ~~شبان الحرس إلى الحرب؟ قال: نعم، كما تسافر جميع الفرق، فاصفر وجهها وتخاذلت أعضاؤها، ~~ومدت يدها إلى المقعد فاعتمدت عليه، وهي تقول بصوت خافت متهافت: آه يا كرستيان! فعجب ~~الكونت لأمرها وسألها ما بالها؟ قالت: إن هذا السفر يحزنني جدا، خصوصا عندما أتصور ~~أن الشخص الذي يهمني أمره أكثر من كل إنسان في العالم يخوض تلك المعامع المهلكة، التي ~~يرفرف عليها طائر الموت، ولا أعلم هل أراه بعد اليوم أم هذا آخر العهد به؟ فافتر ~~ثغره، وتهلل وجهه بشرا وحبورا، وخيل إليه أنها إنما تعنيه بكلامها، وأنه هو الشخص ~~الذي يشغلها ويعنيها، والذي تخشى عليه أن تلم به تلك الكارثة العظمى. فقال لها: ما ~~كنت أعلم يا روكسان قبل اليوم أنك تضمرين لي في نفسك هذا الحب كله. # فصمتت لحظة، ثم التفتت إليه وقالت: وهل أنت مصمم على الانتقام من سيرانو؟ قال: نعم، ~~إلا إذا كنت تكرهين ذلك. قالت: لا، بل لا أريد غير ذلك! قال: هذا ما أعتقد، ثم قال: ألا ~~يزال هذا الرجل يختلف إلى منزلك حتى اليوم؟ قالت: لا، إنه لا يزورني إلا نادرا جدا، ~~وليته لا يفعل، ولولا صلة القربى التي بيني وبينه ما أذنته بزيارتي! قال: قد حدثوني عنه ~~أنه منصرف في هذه الأيام إلى مرافقة جندي نبيل من الحرس الطارئين، ويقولون: إنه لا ~~يكاد يفارقه ليله ولا نهاره. قالت: ومن هو هذا الجندي النبيل؟ قال: قد نسيت اسمه الآن، ~~وهو كما وصفوه لي: فتى طويل القامة، مشرق الوجه، أصفر الشعر، تلوح على محياه مخايل العز ~~والنعمة، وتلمع في صفحة وجهه بارقة خفيفة من الجمال؛ ولكنه عيي بليد، ولا أفهم حتى ~~الآن ما هي الصلة التي بينهما؟ # فصمتت روكسان صمتا طويلا ذهبت نفسها فيه كل مذهب، ثم التفتت إليه بغتة ، وقالت ms077 له ~~وهي تبتسم ابتسامة غريبة لا يفهم معناها إلا من فهم سريرة المرأة، واضطلع بغرائزها ~~وسجاياها، وقالت له: أتظن يا سيدي الكونت أنك تكون قد انتقمت لنفسك منه إذا عرضته ~~لنار الحرب التي يحبها ويعبدها، ولا يقترح شيئا سوى أن يصطلي بها ويخوض غمارها؟ هذه هي ~~المرة الأولى التي رأيتك فيها تنظر في أمر من الأمور نظر الغرارة والسذاجة! قال: آه! ~~لقد فاتني أن أتنبه إلى ذلك، فما العمل؟ قالت: عاقبه بحرمانه من أمنيته التي يتمناها، ~~فذلك أقتل له من القتل، وأنكى له من الموت، فليسافر الجيش بأجمعه وليتخلف هو وحده، بل ~~لتتخلف معه فرقته جميعا، فإنها كما علمت مؤلفة من أشرار متمردين يذهبون مذهبه في ~~أخلاقه وطباعه، ويساعدونه في كل جرائمه وآثامه، ولتكن حجتك في ذلك إن شئت: أن باريس ~~في حاجة إلى فرقة من الجيش تتخلف فيها للدفاع عنها وقت الحاجة، وأنك قد اخترت لها هذه ~~الفرقة للدفاع عنها، وهكذا يموت الرجل هما وكمدا، وتتمزق أحشاؤه غيظا وحنقا، ويغرب ~~نجم شهرته غروبا لا طلوع له من بعده، فيصبح بطل الطرق والشوارع، لا بطل الحروب ~~والمعامع! # فابتهج الكونت ولمعت أسارير وجهه، ووضع يده على كتفها وقال لها: لله درك يا سيدتي! ~~لقد صدق من قال: «لا يحسن الانتقام من الرجل مثل المرأة!» # ثم حنا عليها وقال لها: إذن أنت تحبينني يا روكسان! فنظرت إليه نظرة باسمة متلألئة، ~~وأطرقت برأسها ولم تقل شيئا، ففسر ابتسامتها التفسير الذي أراده، وابتسامة المرأة لفظ ~~مشترك يحتمل جميع المعاني وضروبها، من الحب القاتل إلى البغض العميق، ثم قال لها: ذلك ~~ما كنت أقدره يا روكسان مذ عرفتك حتى اليوم، فلم يخطئ ظني، ثم أخرج من جيبه كتبا ~~مغلفة، معنونة بعناوين فرق الجيش، فأمر نظره عليها إمرارا، حتى عثر بكتاب فرقة شبان ~~الحرس، ففصله عن بقية الكتب ووضعه في صدره وهو يقول: ما أشد دهاءك يا روكسان، وما أوسع ~~حيلتك! نعم إن مزاج الرجل حربي متوقد، فلا يقتله ولا يفت في عضده، ولا يلصق أنفه ms078 ~~بالرغام غير حرمانه من ميدان الحرب، وتركه في شوارع باريس يتسكع فيها تسكع العاطلين ~~المتبلدين، ثم نظر إليها باسما وقال لها: أهذا شأنك دائما يا روكسان: أن تكيدي للناس ~~أمثال هذه المكايد؟ فابتسمت، وقالت: لا، بل لا أفعل ذلك إلا عند الضرورة. # فأطرق برأسه وصمت طويلا، وقد أخذت شفتاه تختلجان وترتجفان، كأنما تحدثه نفسه بشيء ~~يحاول أن يقوله لها فلا يستطيعه، ثم تشجع وقال: بقيت لي كلمة أحب أن أقولها لك يا ~~سيدتي، فهل تسمحين لي بها؟ قالت: قل ما تشاء فأنا مصغية إليك. قال: إنني أحببتك يا ~~روكسان من عهد بعيد كما تعلمين، وكان كل أملي في حياتي أن أعيش بجانبك عيش القانع بك ~~عن جميع متع الحياة ولذائذها، فحالت بيني وبينك الحوائل التي تعلمينها، وقد كنت أظن ~~أنني سلوتك وغنيت عنك بغيرك، ونفضت يدي أبد الدهر منك، ثم ما لبثت أن علمت أنني واهم ~~فيما ظننت، وأن ذلك الداء القديم لا يزال كامنا بين أنحاء ضلوعي، فسمج في نظري وجه ~~الحياة، ومر في فمي مذاقها، وأصبحت حائرا قلقا لا يهدأ لي روع ولا يستقر بي مضجع، ~~ولا أدري حين أراك وأرى ابتساماتك اللامعة المضيئة، ونظراتك العذبة الجميلة، هل تضمرين ~~لي في قلبك من الحب مثل ما أضمر؟ أو أنها المصانعة والمجاملة ومجازاة الود بالود ~~والرجاء بالتأميل؟ وما زال هذا الشك يساورني ليلي ونهاري حتى رأيت الآن بعيني تلك ~~الرجفة الشديدة التي سرت في أعضائك عندما أنبأتك نبأ سفري، فعلمت أنك تحبينني، وما كشف ~~أسرار الحب، ولا هتك الستر عن مخابئه ومكامنه مثل مواقف الوداع! وهأنذا الآن على وشك ~~السفر ولا أعلم هل هو فراق وشيك أم هو السفر الدائم الذي لا رجعة من بعده؟ فأسألك أن ~~تزوديني بقليل من الزاد أستعين به على مشقة السفر ووحشة الطريق، حتى إذا دنت الساعة ~~الأخيرة تمثلت صورته في ذهني فهانت علي آلام الموت، فإن سمحت به فائذني لي أن أتخلف ~~الليلة عن السفر مع الجيش، على ألا تطلع شمس الغد حتى ms079 أكون قد امتطيت جوادي، ولحقت به ~~في المكان الذي وصل إليه. # فارتجفت روكسان وقالت: ولكن ماذا يقول الناس إذا رأوا رئيس أركان حرب الجيش قد تخلف ~~عن جيشه، وبقي في باريس لغرض من أغراضه الغرامية؟ # قال: ذلك ما لم يفتني النظر فيه والحيطة له، يوجد بالقرب من هذا المكان دير في شارع ~~أورليان، أسسه رئيس الكابوشان الأب «أتاناس» وله قانون غريب، يقضي بألا يطأ أرضه أحد ~~من الناس سوى رهبانه وقساوسته، وأنا وإن لم أكن راهبا ولا قسيسا ولكنني صهر ~~الكردينال ريشلييه رئيس الكهنوت الأعظم، ولا شك أن الذين يخافونه ويخشون صولته لا ~~يستطيعون أن يرفضوا نزولي بديرهم بضع ساعات، بل ليس في استطاعتهم إن أردت أن يمتنعوا ~~عن أن يخبئوني تحت قلانسهم، أو في ثنايا طيالسهم أو فروج أكمامهم؛ لأنها واسعة جدا ~~لا تضيق بمثلي؛ وهأنذا ذاهب الآن إلى ذلك الدير المقدس لأكمن فيه بضع ساعات، حتى إذا ~~انتصف الليل لبست قناعي، وجئتك متنكرا في جنح الظلام، فلا يشعر أحد بمقدمي ولا ~~منصرفي. # فاستطير عقل روكسان وجن جنونها، ودهمها من الأمر ما لا تعرف وجه الحيلة فيه، ولا طريق ~~المخرج منه، ثم ما لبثت أن رجعت إلى نفسها، وملكت زمام عواطفها، وقالت له بهدوء وسكون: ~~إن مجدك وعظمتك يا مولاي يأبيان عليك ذلك الإباء كله، ولئن استطعت أن تكاتم الناس أمرك، ~~فإنك لا تستطيع أن تكاتمه نفسك أو تخادع فيه ضميرك. # إن فرنسا تطالب بطرد العدو عن أرضها واستنقاذها من يده القاهرة المسيطرة، فليكن هذا ~~هو كل ما تفكر فيه، ولا يشغلك عنه شاغل من شهوات نفسك ولذائذها، ولا تسمح لأحد من ~~الناس أن يتحدث عنك، لا بل لا تسمح لنفسك أن تحاسبك على ليلة قضيتها لاهيا ناعما في ~~بيت امرأة تحبها، و«أراس» باكية حزينة تضطرب بين يدي قاهرها اضطراب الحمامة الوديعة في ~~مخالب الصقر الجارح، وتصرخ صرخات مؤلمات أنت أول يا مولاي من يسمعها ويضطرب شعوره ~~لها. # سر يا سيدي على رأس جيشك، وكن نجمه الذي يهتدي به ms080 في ظلماته، وملجأه الذي يأوي إليه ~~في شدته، واعلم أنك لن تستطيع أن تنزل منزلة الحب والكرامة في نفوس الذين يحبونك إلا ~~إذا كانت فرنسا أحب إليك منهم، بل من نفسك التي بين جنبيك. # فاستخزى لكلماتها وتضعضع، وقال لها: إذن أنت تحبينني يا روكسان؟ قالت: كيف لا أحب من ~~صميم فؤادي من خفق قلبي خفقة الحزن والألم جزعا لفراقه، وإشفاقا على حياته؟ فصاح: وا ~~طرباه! وا فرحتاه! سأنزل على حكمك في كل ما تريدين، وسأسافر الساعة طوعا لأمرك؛ ~~فاذكريني دائما ولا تنسيني. قالت: لا أستطيع أن أنساك أبدا! فتناول يدها وقبلها، ~~وانحنى بين يديها وانصرف. # وكانت روجينا وصيفة روكسان مختبئة وراء سارية الشرفة تسمع حديثهما وتفهم مغزاه، فما ~~أبعد الكونت إلا قليلا حتى برزت من مخبئها، وهي تغرب في الضحك وتقول: ما أشد حزني ~~لحزنك يا سيدتي! فضحكت روكسان وقالت لها: اكتمي كل شيء عن سيرانو، فإنه لا يغفر لي أبد ~~الدهر حرماني إياه من الحرب، فوا رحمتاه له! ثم هتفت به، فخرج من المنزل وهو يقول: ما ~~أكثر الذين يحبونك يا روكسان! قالت: نعم، ولكنني لا أحب إلا واحدا منهم! ثم قالت له: ~~قد دعيت الليلة إلى هذا المنزل - وأشارت إلى منزل كلومير المقابل لمنزلها - لسماع ~~المحاضرة التي يلقيها «ألكاندر» عن الحب، فأذن لي بالذهاب وابق أنت هنا، فإذا جاء ~~كرستيان فقل له ينتظرني حتى أعود. قال: سأفعل إن شاء الله، ولكنك لم تخبريني كعادتك ~~في أي موضع من مواضيع الحب تحبين أن يتحدث كرستيان الليلة إليك؟ قالت: لقد كان حديثنا ~~بالأمس عن «موقف الوداع»، فليكن حديثنا الليلة عن «النظرة الأولى»، لا بل عن «الغيرة»، ~~لا بل عن «الأمل الضائع»، لا بل اتركه على سجيته، لا تحدد له موضوعا خاصا حتى لا ~~يستعد، فإنني أريد أن أختبر بديهته كما اختبرت رويته من قبل، فقل له يحدثني عن «الحب» ~~وكفى. ثم حيته وانصرفت، وتبعتها وصيفتها. # وكان كرستيان مقبلا في تلك اللحظة، فسمع آخر كلماتها. فقال: ما الرأي يا سيرانو؟ ~~قال: ms081 عد بنا إلى المنزل لمذاكرة الدرس الجديد، وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى نكون ~~قد فرغنا وعدنا قبل عودتها، فصمت كرستيان هنيهة، ثم رفع رأسه وقال: لا، لا أريد ~~الليلة دروسا ولا مذاكرة، فإني أذوب شوقا لرؤيتها! قال: ولكنك لا تعرف كيف تحادثها؟ ~~قال: دعني وشأني فقد شببت عن الطوق وتجاوزت تلك السن التي يعجز فيها المرء عن أن ينطق ~~إلا بما يلقنه إياه أبواه وأظآره. فقال: إنك تخاطر بنفسك مخاطرة عظيمة. قال: فليكن ما ~~أراد الله، فقد استحييت من نفسي لكثرة ما مثلت من هذا الدور الشائن المعيب، دور الآلة ~~الموسيقية التي يوقع عليها ضاربها، فتنبعث منها نغماتها المطربة دون أن تشعر بنفسها ~~وبما ينبعث منها، على أنني قد استفدت من دروسك الماضية ما يسمح لي بمحادثتها ومذاكرتها ~~والإفاضة معها في كل شأن من الشئون التي أريدها، وما أنا بغبي إلى الدرجة التي تتصورها، ~~فسأكلمها بنفسي، وسأشرح لها جميع عواطفي التي تختلج في صدري، وما أحسبها تطالبني بأكثر ~~من ذلك! قال: وهل أنت على ثقة من نفسك؟ قال: كيفما كان الأمر فقد تجاوزت الصلة التي ~~بيني وبينها حد الذرائع والوسائل، إلى الخالص المتين الذي تغتفر معه الهفوات، وتستحيل ~~فيه السيئات إلى حسنات، ولئن عجزت عن أن أحدثها بلساني فسأحدثها بلسان القبلات ~~واللثمات. # وهنا سمع صوت روكسان، وهي خارجة من منزل «كلومير» في جمع عظيم من النساء. فقال سيرانو ~~لكرستيان: قد فات الأوان فأذن لي بالذهاب، فذعر كرستيان واستطير عقله، وقال: بل ابق معي ~~يا صديقي! قال: لا، فقد أصبحت غنيا بنفسك عني! وتركه وانصرف. # ولكنه لم يبعد إلا قليلا حتى عاد متسللا من حيث لا يشعر به أحد، واختبأ وراء حائط ~~الحديقة يتسمع حديثهما. # الشرفة # قالت روكسان لكرستيان - وقد جلسا معا على المقعد الرخامي في وسط الساحة: لم أدرك من ~~المحاضرة الغرامية التي ألقيت في منزل «كلومير» إلا ختامها، فلم أستفد منه شيئا، ~~فحدثني أنت عن الحب وأطلق لنفسك العنان فيه ما شئت، وها هو ذا الليل ms082 قد أظلنا بسكونه ~~وهدوئه، وها هي ذي باريس قد أوت جميعها إلى مضجعها، فتحدث فإني مصغية ~~إليك. # فارتجف كرستيان ارتجاف الطالب الضعيف في موقف الامتحان، ولكنه لم ير له بدا من أن ~~يتكلم، فانثنى إليها وقال لها: أحبك يا روكسان! وصمت فقالت له: وأنا أحبك أيضا يا ~~كرستيان، ثم ماذا؟ فلم يفتح الله عليه بكلمة أخرى؛ فعاد إلى نغمته الأولى وقال لها: ~~أحبك يا روكسان حبا جما، وسكت. فقالت له: هذا هو النسيج فوشه وطرزه، فازداد ~~ارتباكه واضطرابه، وقال: آه ما أشد حبي لك يا روكسان! قالت: ما شككت في ذلك قط، ولكني ~~أريد أن تقول لي كيف تحبني؟ قال: أحبك حبا ما أحبه أحد من قبلي أحدا. قالت: صور لي ~~عواطفك وشعورك. قال: ليتك تضمرين لي في قلبك من الحب مثل ما أضمر لك. قالت: إنك تقدم لي ~~من اللبن مخيضه وأنا لا أريد إلا زبدته، قل كيف تحبني؟ قال: أحبك حبا يعجز لساني عن ~~التعبير عنه؛ لأنه فوق طاقتي. قالت: ولكنني أريد أن تعبر لي عنه وأن تلمس بيدك أوتار ~~قلبي، وتملك علي عواطفي وشعوري. قال: آه لو استطعت أن ألثم جيدك الفضي الجميل! ~~فجزعت وانحرفت عنه قليلا، وقالت: كرستيان، إنك قد جننت! قال: ما أشوقني إلى لثمة من ~~فيك أبرد بها غليلي! فنهضت قائمة وقالت: إنك تضايقني الليلة كثيرا يا سيدي! وأرادت ~~الذهاب، فأمسك بثوبها وقال: عفوا يا روكسان فإن ذنبي عظيم، وما زال يضرع إليها ~~بنظراته المنكسرة حتى هدأت وجلست. فقال لها: آه لو تعلمين كم أحبك! قالت: أهذا كل ما ~~عندك؟ وأرادت النهوض مرة أخرى، فأمسك بيدها وقد طار صوابه والتاث عليه أمره وظل يقول ~~لها: لا، لا تغضبي يا روكسان فإنني لا أحبك! فضحكت وقالت له: ذلك خير لي، فانتبه إلى ~~هفوته وقال: لا تصدقي ما قلت لك فإني أردت أن أقولك لك: إنني لا أحبك فقط، بل أعبدك ~~وأدين بك، فتململت وقالت: لقد ضاق صدري! قال: أعترف لك بأني قد أصبحت بليدا لا ms083 أفهم ~~شيئا. قالت: ذلك ما يحزنني كثيرا، فالبلادة عندي والدمامة سواء، فاذهب الآن واجمع ~~شتات ذهنك ثم عد إلي الليلة الآتية، ونهضت قائمة: فتشبث بها وقال: انتظري قليلا ~~فإنني سأقول لك شيئا جميلا، انتظري يا روكسان فإنني أريد أن أقول لك. # فقاطعته وقالت: تريد أن تقول لي: إنك تحبني وتعبدني، وتموت وجدا بي؛ فلقد عرفت ذلك ~~ولا أريد أن أسمع منه شيئا فاذهب لشأنك فقد ضقت بك ذرعا. # ثم تركته ودخلت المنزل، فجن جنونه وظل واقفا مكانه يتحرق ويتغيظ، ويقول: آه! ذلك ~~ما كنت أخافه، أين أنت يا سيرانو؟ فما أتم كلمته حتى رأى سيرانو مقبلا عليه يبتسم ~~ابتسامة المتهكم، ويقول له: أهنئك بالنجاح العظيم الذي أحرزته يا كرستيان! فانتفض وقال: ~~أنت هنا؟ ثم ترامى بين ذراعيه وقال: الرحمة يا صديقي، فإني أكاد أموت غما! قال: وما ~~الحيلة بعد الذي كان؟ لقد انقضى كل شيء فلا سبيل إلى الرجوع! قال: إن لم تر لي الساعة ~~رأيا قتلت نفسي؛ إنني لا أستطيع أن أنصرف من هنا وهي واجدة علي، فارحمني واتخذها ~~عندي يدا لا أنساها لك مدى الدهر! # فصمت سيرانو وهو يعالج في نفسه ألما ممضا لا تستشف مكانه من أعماق قلبه غير عين ~~واحدة، وهي عين الله تعالى؛ ثم قال له: ها هو ذا الظلام حالك لا يلمع فيه نجم، وها هي ~~ذي الطريق مقفرة لا يطرقها طارق؛ فاستمع لما ألقي عليك. فاستطير كرستيان فرحا، ~~وتناول يده فقبلها وقال: آه يا سيدي، يخيل إلي أنك قد رأيت لي رأيا. قال: نعم إن ~~ائتمرت بما آمرك به. قال: ما عصيت لك أمرا قبل اليوم. قال: قف هنا أمام الشرفة، وسأقف ~~أنا من تحتها على قيد خطوة منك من حيث تراك روكسان ولا تراني، ثم نادها فإذا أشرفت عليك ~~فسألقنك همسا ما يجب أن تقوله لها. # وإنهما لكذلك إذ أقبل الغلامان الموسيقيان اللذان كان أرسلهما سيرانو لإزعاج مونفلوري ~~في مرقده. فقال لهما: أفعلتما ما أمرتكما به؟ قالا: نعم، ما زلنا نضرب اللحن ms084 المضطرب ~~المشوش زمنا طويلا، حتى طاش عقله وجن جنونه، فأطل من النافذة وظل يشتمنا ويسبنا ~~ويستعدي رجال الشرطة علينا حتى انصرفنا. قال: أحسنتما، فارجعا الآن وقفا على رأس هذا ~~الشارع، وليكمن كل منكما وراء سارية من سواريه، وارقبا الطريق، فإذا رأيتما سوادا ~~مقبلا فاضربا لحنا قصيرا. فقالا له: أي نوع من الألحان تريد أن نضرب؟ قال: اضربا ~~لحنا محزنا إن كان القادم رجلا، ومفرحا إن كان امرأة، فعاد الغلامان أدراجهما ووقفا ~~حيث أمرهما، ودفع سيرانو كرستيان وأقامه أمام الشرفة، ووقف هو من تحتها على مقربة منه، ~~وقال له: نادها واخفض صوتك ما استطعت، فاتجه كرستيان إلى النافذة ونادى: روكسان! ~~روكسان! فما لبثت أن فتحت الباب الموصل إلى الشرفة وخرجت إليها وقالت: من يناديني؟ ~~قال: أنا. قالت: ومن «أنا»؟ قال: كرستيان. قالت: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أكلمك. قالت: ~~ذلك مستحيل؛ لأنك لا تحسن الكلام! قال: أضرع إليك. قالت: إنك لا تحبني، ولو كان في ~~قلبك ذرة واحدة من الحب لأحسنت الكلام فيه. قال وسيرانو يلقنه: يا لله! إنها تتهمني ~~بأنني قد سلوتها في الساعة التي أتجرع فيها كأس الموت وجدا بها! # وكانت قد همت بالدخول، فاستوقفتها هذه الكلمة وقالت: وكيف تحبني؟ قال: قد اتخذ طفل ~~الحب من نفسي الجائشة المضطربة أرجوحة لينة يلهو فيها ويلعب، وينمو ويترعرع، حتى إذا ~~شب وأيفع وبلغ أشده، عقها وغدر بها وجازاها شر الجزاء على صنيعها، وقسا عليها القسوة ~~التي يقسوها الطفل على عصفوره الضعيف المسكين. # فأصغت إليه، وشعرت أن في حديثه روحا جديدة لم تكن فيه من قبل. فقالت له: ولم لم ~~تخنقه في مهده قبل أن يشب ويترعرع؟ قال: ما كنت أستطيع ذلك؛ لأنه ولد جبارا قويا ~~متنمرا، حتى إنه استطاع وهو لا يزال يلعب في أرجوحته أن يصارع شيطان الكبرياء في حتى ~~صرعه وألقاه جثة هامدة بين يديه. # فاتكأت روكسان على حافة شرفتها، وقد أطربتها هذه النغمة الجديدة، وقالت: ما أشد سواد ~~هذا الظلام! إنني لا أتبين موقفك جيدا يا كرستيان، ولكنني ms085 أشعر أن كلامك ينير لي ~~مكانك، فتكلم فإنك تطربني كثيرا، ولكن ما لي أرى نغمة حديثك تصدر عنك متقطعة، كأنما ~~قد أصبت بالنقرس في مخيلتك، وكان عهدي بك قبل الآن طلق اللسان متدفقا كالسيل ~~المنهمر! فذعر سيرانو وخاف أن ينكشف الأمر، فجذب كرستيان إلى ما تحت الشرفة، ووقف هو في ~~مكانه، وانثنى إليه وأسر في أذنه: قد أصبح الموقف حرجا جدا فاصمت أنت، وسأتكلم أنا ~~عنك بصوت يشبه صوتك، ثم أنشأ يجيب روكسان على سؤالها مقلدا صوت كرستيان، ويقول: ذلك ~~لأن كلماتي تتخبط في هذا الظلام الحالك أثناء صعودها باحثة عن أذنك الصغيرة جدا، فلا ~~يستقيم مسيرها! قالت: ولم لا تضطرب كلماتي في هبوطها اضطراب كلماتك في عروجها؟ قال: ~~لأنها تنحدر إلى قلبي مباشرة، وقلبي رحب واسع فلا تضل طريقها، على أن كلماتي صاعدة ~~وكلماتك منحدرة، والنزول أسهل من الصعود. قالت: ما أبدع هذا المعنى! ويخيل إلي الآن ~~أن كلماتك قد انتظم مسيرها، فإنها تصل إلى أذني بأسرع من ذي قبل! قال: ذلك لأنها ألفت ~~هذه الحركة وحذقتها، فصمتت لحظة، ثم دارت بعينيها في الفضاء وقالت: حقيقة إنني أتكلم من ~~علو شاهق. قال: إذن فاحترسي، فإن كلمة واحدة قاسية تلقينها علي من موقفك هذا ~~كافية لقتلي! فاستضحكت وقالت: لا تخف يا كرستيان، فإني آتية إليك لأحدثك وجها لوجه، ~~قال: لا تفعلي، بل ابقي في مكانك. قالت: لم؟ قال: لأن هذا الموقف جميل جدا، يعجبني ~~ويطربني، فلنتحدث كما نحن كأننا روحان هائمتان في أجواز الفضاء، تفتش كل منهما عن ~~صاحبتها فلا تكاد تعثر بها، دعينا نتحدث كما نحن وبيننا هذا الموج المتلاطم من الدجنة ~~الحالكة، لا ترين مني إلا سواد معطفي المسبل علي، ولا أرى منك إلا بياض ثوبك الصيفي ~~الجميل، فأنت تمثلين الكوكب الساطع في سمائه، وأنا أمثل الظلام المخيم على سطح ~~الغبراء! # إن لهذا الموقف الشعري الجميل في هذه الساعة الساكنة من الليل أعظم الفضل في صفاء ~~ذهني، وانتعاش ويقظة قلبي وانطلاق لساني من حبيسته وجموده، فكوني كما أنت ms086 ولأكن كما ~~أنا، لا تشعرين مني بغير خفقان قلبي، ولا أشعر منك بغير أشعة جمالك، أناجيك كأنني أناجي ~~الله في علياء سمائه، وتصغين إلى نجائي إصغاء الملائكة الأبرار إلى أنات البائسين ~~وزفراتهم على ظهر الأرض! # وكان قد غلبه الموقف على أمره واستلهاه حسنها، وجمالها واستغرق شعوره ووجدانه، فنسي ~~أنه يتكلم بلسان غيره، فأطلق لنفسه عنانها، وأصبح يحدثها بنغمة غريبة لا هي نغمته ولا ~~هي نغمة كرستيان، بل نغمة النفس الوالهة المعذبة المتألمة، فنالت من نفسها منالا ~~عظيما، وقالت له: إنك تحدثني الآن يا كرستيان بلهجة غير لهجتك حتى ليخيل إلي ~~أنك قد تبدلت من نفسك نفسا أخرى غيرها! قال: نعم؛ لأن كلامي قبل الآن لم يكن صادرا من ~~أعماق قلبي؛ لأنني إنما كنت أحدثك بلسان ... # وكان يريد أن يقول: «كرستيان» فاستدرك هفوته، وقال: بلسان الدهشة والحيرة والاضطراب، ~~الذي يلم بكل من يجرؤ على أن يقف موقفي هذا بين يديك، أما الآن فنفسي هادئة، وجأشي ~~ساكن، وروحي مطمئنة، حتى ليخيل إلي أنني أناجيك للمرة الأولى في حياتي! # قالت: صدقت، ويخيل إلي أنا أيضا أنك تتكلم بصوت غير صوتك الأول. قال: نعم؛ ~~لأنني استطعت في هذا السكون السائد والظلام الحالك الذي يحجبني عن العيون أن أكون أنا ~~نفسي، وأنا أناجيك من طريقي لا من طريق ... # وأراد أن يقول: «غيري» فشعر بهفوته وحاول أن يصلحها فلم يستطع، فتلعثم وتلجلج. فقالت ~~له: طريق من؟ قال: عفوا يا روكسان إن شرد لبي واضطرب جناني بين يديك، فقد سحرني ~~وملك علي عقلي هذا الموقف الجديد الذي لم أقفه مرة في حياتي. # فعجبت لأمره وقالت: جديد؟ قال: نعم جديد؛ لأنه أول موقف استطعت فيه أن أكون صريحا في ~~كلامي، حرا في أفكاري، جريئا في حديثي، أطلق العنان لنفسي فتهيم، وتنبعث حيث تشاء، ~~لا يحول بينها وبين الغاية التي تريدها حائل. قالت: وهل لم يكن ذلك شأنك من قبل؟ قال: ~~لا؛ لأن خوفي من هزئك بي، وسخريتك مني كان يزعجني جدا، ويملأ قلبي رعبا وخوفا! ~~فدهشت وقالت: سخريتي؟ ms087 ولماذا؟ قال: تسخرين من تطرفي واندفاعي وتبسطي في الإفضاء ~~بمكنونات نفسي، فقد كان قلبي دائما متسربلا بسربال عقلي، والعقل سربال ضاغط لا ~~يطيقه القلب، وكنت كلما هممت أن أترك السبيل لعواطفي أن تفيض، وتنساب حيث تشاء أدركني ~~الحياء والخجل، فتلومت واحتشمت ووقفت دون الغاية التي أريدها، ولا ألبث أن أتطلع ~~إلى الكوكب النائي في سمائه، وأخطو الخطوات الأولى إليه لتناوله واستنزاله من فلكه، حتى ~~أشعر بالخجل من نفسي، فأعود أدراجي قانعا من حظي بزهرة صغيرة أجدها في طريقي من ~~زهرات حديقة السماء فأقتطفها. قالت: إن الزهرة جميلة أحيانا. قال: ولكنني لا أريد ~~الليلة ولا أقنع بها. قالت: إنك ما كلمتني قط يا كرستيان بمثل هذه اللهجة البسيطة التي ~~تكلمني بها الآن. قال: نعم، وليتنا نستطيع دائما أن نحتقر في مواقف الحب توافه الأشياء ~~وحثالاتها، وأن نترك التأنق والتجمل في صلاتنا وعلائقنا، ونطلق العنان لأنفسنا لتعبر ~~عن مشاعرها وعواطفها بالصورة التي تريدها، بدلا من أن نقيدها بتلك القيود الثقيلة التي ~~تحبسها في محبس ضيق لا سبيل لها إلى التفلت منه. # فلنطرح بعيدا عنا هذه الكأس الذهبية الصغيرة، التي نتعاطى بها شرابنا قطرة قطرة، فلا ~~نكاد نشعر بلذة ما نتعاطاه، ولنندفع معا إلى ذلك الغدير المترع المتدفق، فنجثو على ~~ضفته ونكرع من مائه العذب حتى نرتوي. # البلاغة # قالت: ولكنني أحب البلاغة يا كرستيان. قال: إني أجل هذا الليل الساكن الهادئ، ~~وهذا الموقف الجليل المهيب، وهذه النفحات العطرية المترقرقة، وهذه القبة الجوفاء ~~المرصعة بمصابيحها اللامعة، أن أهينها بهذا الشيء الذي يسمونه البلاغة، أو أن يكون ~~حديثي معك بتلك اللغة التي يتفكه بها العشاق الكاذبون في رسائلهم الغرامية، فلنتحدث ~~بما توحيه إلينا ضمائرنا، لا بما توحيه إلينا دواوين الشعراء ورسائل الكتاب، ولنهدم ~~تلك الحواجز المادية القائمة بين نفسينا حتى تتلامسا وتتماسا، وتستحيلا إلى نفس ~~واحدة، فإنني أخشى إن نحن ظلننا نشتغل زمنا طويلا بهذه التجارب الكيميائية أن تتبخر ~~عواطفنا، وتتلاشى في أجواز الفضاء، وأن يكون فيما نظنه كل شيء القضاء على كل ~~شيء. # قالت: ms088 ولكن البلاغة جميلة جدا. قال: وأنا أكرهها في الحب، وأرى أن من أكبر الجرائم ~~وأفظعها أن نشتغل عن أنفسنا ومطارح آمالنا ومسارح عواطفنا بإدارة هذه المعركة اللفظية ~~التي لا طائل تحتها، وأن تكون تلك المحاولات التي لا فائدة منها هي غاية مقصدنا من ~~الحب، ومنتهى أملنا منه، والثمرة الأخيرة التي نجنيها من حياتنا. # إننا ما اجتمعنا هنا لنرى كيف نتحدث، بل لنتحدث ونتناجى، وما وقفنا هذا الموقف ~~الجليل المهيب بين أحضان هذه الطبيعة الحلوة العذبة؛ لنشتغل بتهذيب اللغة وابتكار ~~الأساليب واختراع المعاني، ولا ليقول كل منا لصاحبه: ما أبلغك! وما أسمى خيالك، وما ~~أبدع تصوراتك وأفكارك! ولا لنتدارس البلاغة وأصولها وقوانينها، ولا لنتحدى الشعراء ~~والكتاب في أساليبهم ومناهجهم، بل ليسكب كل منا نفسه في نفس صاحبه فإذا هما نفس ~~واحدة، تشعران بشعور واحد، وتحسان إحساسا واحدا، حتى لو استطعنا أن نصل إلى هذه ~~الغاية، ونحن سكوت لا نتكلم ولا ننبس بحرف واحد فعلنا. # هذه هي البلاغة وهذه هي حقيقتها، أما الإغراق في التخيل، والمبالغة في الوصف، وخلق ~~الصور والأساليب التي لا وجود لها في الخارج، ولا أساس لها في الذهن، وابتكار المعاني ~~الغريبة التي تنبعث شرارتها من شعلة الذكاء، ولا تتفجر من ينبوع القلب، فهي وإن كانت ~~جميلة محبوبة تستلهي الخاطر وتستوقف الناظر، لكنها ليست من البلاغة في شيء. # نريد أن نفارق هذا العالم المملوء بالأكاذيب والأباطيل، والصور والتهاويل، إلى أفق ~~طاهر نقي، صاف مترقرق، نتكاشف فيه ونتراءى، ويتحدث كل منا إلى صاحبه بلغة تشبه ~~في جمالها وحسنها، وبساطتها وطهارتها، ورقتها وعذوبتها، ذلك الأفق الجميل الذي نسبح ~~فيه، ونطير في أجوائه؛ فيكون مثلنا مثل الكوكبين الهائمين في أجواز الفضاء، يتحادثان ~~بلسان الضوء، ويتناجيان بلغة الأثير. # قالت: وماذا تقول لي لو أردت أن تحدثني بتلك اللغة؟ قال: ألقي إليك بكل ما يخطر ~~ببالي من الكلمات مبعثرا غير منتظم ولا مرتب، كما تتناثر أوراق الزهر عن أغصانها، ~~فأقول لك مثلا: أحبك يا روكسان حب العابد معبوده، لا أستطيع أن أصبر عنك لحظة ms089 واحدة، ~~أصبحت على وشك الجنون بك، وربما أكون قد جننت من حيث لا أدري، كأن قلبي معبد وكأن اسمك ~~ناقوسه، فإذا وقع نظري عليك ارتعدت وارتجفت، فرن اسمك في قلبي رنين الناقوس في ~~المعبد، قد احتملت فيك فوق ما يستطيع أن يحتمله بشر، فما شكوت ولا تألمت، أحببت فيك كل ~~شيء، وأحببت من أجلك كل شيء، أحببت فيك حتى كبرياءك، وأحببت من أجلك حتى شقائي، يخيل ~~إلي أن الشمس على جدار قصرك أجمل منها على جدران القصور الأخرى، وأن الروض الذي ~~تخطرين فيه أبدع رياض الدنيا والآخرة، لا أستطيع أن أنساك أو أنسى حالة من حالاتك أو ~~حركة من حركاتك مهما طال عليها الزمن، رأيتك صباح الأحد الماضي، وأنت خارجة من بيتك وقد ~~غيرت نظام شعرك الذي أعرفه لك، فأصبح لامعا متألقا يدور بوجهك دورة الهالة بالقمر، ~~فبهرني هذا المنظر، وارتسم في شبكة عيني، فأصبحت أراه في كل ما يقع عليه نظري من ~~المنظورات، كما يرى الناظر إلى ضوء الشمس هالة بيضاء في كل ما يتناوله بصره من ~~الأشياء، وسمعتك منذ أيام تضحكين، فما غرد طائر على فنن ولا رنت قطرات الغيث على ~~صفحات الماء، ولا مرت النسائم بين خمائل الأشجار، إلا خيل إلي أنني أسمع رنين تلك ~~الضحكة في كل ما أسمع من هذه الألحان. # وهنا اضطربت روكسان، واشتد خفوق قلبها، وقالت بصوت خافت متهدج: «نعم، هذا هو ~~الحب.» # قال: نعم، هو الحب الذي غالب قلبي حتى غلبه واتخذه أسيرا عنده، وهو حب شرس غيور، ~~يتوقد حدة وحرارة، وإنه على ذلك متواضع بسيط، خال من الأثرة وحب النفس، إنني لا ~~أستطيع أن أخلص لنفسي يا روكسان كما أخلص لك، إنني في سبيل هنائك أجود بهنائي كله وإن ~~لم تشعري بذلك، حسبي من الدنيا أن أسمع من بعيد رنين ضحكاتك، فأعلم أنك سعيدة مغتبطة، ~~وأن ما ضحيت به لك من سعادتي وهنائي كان هو السبب في هناء عيشك وراحة نفسك، كل ~~نظرة من نظراتك تثير في فضيلة جديدة كانت كامنة ms090 بين أطواء قلبي لا أهتدي إلى ~~مكانها، وتبث في نفسي خلق الشجاعة والإقدام، مم أخاف إن كنت راضية عني، وبم أعتبط ~~إن كنت ساخطة علي؟ وهل الدنيا شيء سواك في إقبالها وإدبارها؟! # قالت: ما أعذب كلامك يا كرستيان! إن قلبي يخفق له خفقانا شديدا. # قال: أرأيت الآن كيف أن الكلمات الصادرة من القلب بلا تكلف ولا تصنع، لا يستطيع ~~حائل أن يحول بينها وبين قلب سامعها؟ ألا تلمسين بيدك نفسي الحزينة، وهي صاعدة إليك في ~~هذا الظلام الحالك؟ ألا تسمعين خفقان قلبي وهو يرن في جوف هذا الليل البهيم؟ آه! ما ~~أحلى هذه الساعة وما أجملها! إنها الساعة الوحيدة التي ذقت فيها حلاوة السمر والمناجاة، ~~ما كنت أصدق أن أقف يوما من الأيام هذا الموقف العظيم بين يديك: أتكلم وتسمعين، ~~وأبثك ما في نفسي وتنصتين، ولم يبق لي من أرب في الحياة بعد اليوم، فليأت الموت ~~إلي فقد بلغت جميع أماني وآمالي، ها هي ذي يدك ترتجف الآن من تأثير كلماتي كما ترجف ~~الورقة الخضراء بين النسمات المتناوحة، ولقد نم عليك غصن الياسمين الذي تمسكين، فقد ~~مشت فيه تلك الرجفة حتى وصلت إلى يدي! # ثم انحنى على طرف الغصن في يده فلثمه في صمت وسكون. # فقالت روكسان: نعم، إنني أرتجف وأبكي؛ وما بلغ امرؤ مني في حياته ما بلغت مني، ولقد ~~سحرني حديثك وملك علي لبي حتى أصبحت أشعر أنني قد أصبحت ملك يدك، ولا شأن لي في ~~أمر نفسي. # قال: فليأت الموت إلي إذن، فقد بلغت من حياتي ما كنت أرجو وأتمني، وليهنني أنني ~~أنا الذي قدمت إليك بيدي تلك الكأس التي أسكرتك وأخذت بلبك، فلم يبق لي مما أتمناه ~~غير شيء واحد. قالت: ما هو؟ # وهنا نطق كرستيان وهو في مكانه تحت الشرفة بعد هذا الصمت الطويل، وقال: ~~«قبلة!» # فذعر سيرانو وقال له بصوت خافت: لقد تسرعت في الطلب! قال: لا، إنها الآن ذاهلة ~~مسحورة، فلأنتهز هذه الفرصة التي لا تواتيني في كل حين. # فقالت روكسان : ماذا قلت؟ ms091 فقال كرستيان: «أريد قبلة.» # فوكزه سيرانو برجله، وقال: اسكت يا كرستيان، فسمعت روكسان كلمته. فقالت له: مع من ~~تتحدث؟ وهل كرستيان شخص سواك؟ قال: أتحدث مع نفسي، فقد ندمت على تطرفي واندفاعي في هذا ~~المقترح الذي اقترحته، وقلت لنفسي: اسكت يا كرستيان، فحسبك منها أنها أصغت إليك، وسمعت ~~صوت قلبك، وأذرفت من أجلك دمعة من دموعها الغالية، فلا تطمع فيما وراء ذلك! # وهنا رن صوت قيثارتي الغلامين من بعد. فقال كرستيان على لسان سيرانو: ادخلي الآن ~~يا روكسان، فإني أسمع صوت قادم، ثم عودي إلي بعد قليل. # فدخلت روكسان غرفتها وأقفلت باب نافذتها، وأصغى سيرانو إلى الصوت، فسمع في آن واحد ~~لحنين مختلفين: لحنا مفرحا، وآخر محزنا. فقال: يا للعجب! إن القادم ليس برجل ولا ~~امرأة، فلا بد أن يكون قسيسا! # وما أتم حتى أقبل قسيس شيخ وبيده مصباح ضئيل، وجعل يمر بأبواب المنازل بابا ~~بابا ويدني مصباحه منها ليتبينها، كأنه يفتش عن منزل يقصده، فتقدم نحوه سيرانو وقال ~~له: إنك تعيد لنا أيها الشيخ عهد ديوجين، فهل تفتش عن منزل السيدة مادلين روبان الشهيرة ~~بروكسان، فانبرى له كرستيان وهو يقول في نفسه: إن الرجل يضايقنا في مثل هذه الساعة، ولم ~~ننته من أمر القبلة! وأمسك بيده وأشار له إلى جهة بعيدة، وقال له: هناك أيها الشيخ، ~~هناك، فسر أمامك لا تعطف يمنة ولا يسرة حتى تجد المنزل الذي تريده! فشكر له الشيخ ~~فضله وعاد أدراجه. فقال كرستيان لسيرانو: لا أستطيع أن أبرح هذا المكان حتى أنال القبلة ~~التي أريدها! قال: لا تعجل يا صديقي، فستوافيكما سريعا تلك اللحظة السحرية العجيبة، ~~لحظة الذهول والاستغراق التي تثملان فيها بخمرة الحب، وتذهلان فيها عن نفسيكما، فإذا ~~شفتاكما ذاهبتان وحدهما كل منهما إلى صاحبتها حتى تتلامسا، وصمت لحظة ثم قال في نفسه: ~~ما دامت تلك اللحظة آتية لا ريب فيها فخير لي أن أكون صاحب الفضل فيها، ثم قال له: ~~نادها يا كرستيان، فستنال منها القبلة التي تريدها: فناداها، ففتحت النافذة ، وخرجت إلى ms092 ~~الشرفة وهي تقول: أباق أنت يا كرستيان حتى الآن؟ فقال كرستيان على لسان سيرانو: لقد ~~جاء الساعة هنا كاهن شيخ يسأل عن منزلك، فلم تعجبني زيارته في مثل هذا الوقت، فأضللته ~~عن الطريق وأظن أن في يده كتابا، فذعرت روكسان واضطربت مخافة أن يكون الكونت دي جيش قد ~~أخلف وعده، وتخلف عن السفر واختبأ في الدير، وأن يكون هذا الكاهن رسوله، ولكنها ما لبثت ~~أن سرت عن نفسها، وأنساها موقف الغرام كل شيء عداه، وقالت: أظن أننا كنا نتكلم عن ... ~~وتلعثم لسانها؛ فقال كرستيان: عن القبلة، وما لك لا تجسرين على النطق بها كأنها تحرق ~~شفتيك؟ فإذا كان هذا شأنك مع لفظها، فكيف يكون شأنك مع معناها؟ تجلدي يا روكسان ولا ~~تجزعي، فلقد تحولت منذ هنيهة من الدعابة إلى الاضطراب، ومنه إلى الخفقان، ومنه ~~إلى التنهد، ومنه إلى البكاء؛ وليس بين الدموع والقبلة إلا رجفة. # القبلة # فارتعدت روكسان وقالت: لا أمنحك إياها حتى تصفها لي! قال: هي الميثاق الذي يعطى عن ~~قرب، والوعد الصادق الذي لا ريبة فيه، والاعتراف بالحقيقة الواقعة، والنقطة المرقومة ~~تحت باء الحب، والسر العميق الذي يصل إلى القلب من طريق الفم، واللحظة الأبدية التي ~~يقصر زمنها وتدوم حلاوتها، واتفاق الخاطرين على معنى واحد، والطريق المختصر لاستنشاق ~~رائحة القلب، وتذوق طعم النفس على الشفاه، لها دوي النحل في صوتها، ومذاق العسل في ~~حلاوتها، وعبير الأزهار في رائحتها! # فاضطربت روكسان وقالت: حسبك يا كرستيان! فقال: إن القبلة شريفة يا سيدتي، حتى إن ملكة ~~فرنسا لم تبخل بها على نبيل من نبلاء الإنجليز، وكلاهما شريف وعظيم. قالت: اسكت ولا ~~تزد. قال: أنت الملكة التي أعبدها، وأدين لها أكبر مما دانت فرنسا لملكتها، وأنا اللورد ~~بوكانجهام في صدقه وإخلاصه وألمه وحزنه. قالت: وفي جماله أيضا! # فانتفض سيرانو وشعر بوخزة الألم في قلبه، وقال: نعم، وفي جماله، ولقد كنت لذلك ~~ناسيا. فقالت له: اصعد أيها السعيد المجدود لاقتطاف تلك الزهرة التي لا نظير ~~لها! # فأخذ سيرانو بيد كرستيان، وقال له بصوت ms093 خافت: اصعد وتناول القبلة التي تريدها، فجبن ~~وتلكأ وقال: ما أشد خجلي وحيائي! قال: اصعد أيها الحيوان، وتناول القبلة التي لا ~~يستحقها منها غير شفتيك الورديتين! ثم دفعه بيده، فتسلق أغصان الياسمين حتى بلغ مكان ~~روكسان على الشرفة، فألقت رأسها الجميل على عاتقه، فاحتضنها إليه ورسم على شفتيها تلك ~~القبلة التي لها دوي النحل في صوتها، ومذاق العسل في حلاوتها، وعبير الأزهار في ~~رائحتها، وسيرانو واضع يده على قلبه يتلوى في مكانه تلوي الملسوع، ويتأوه آهات خفيات ~~مضمرات؛ ولكنه ما لبث أن ارعوى وتجمل، ولجأ إلى سلوته التي اعتاد أن يلجأ إليها كلما ~~عظمت آلامه وهمومه، وأخذ يعزي نفسه، ويقول: يا مأدبة الحب العظيمة التي أنا صاحبها ~~ومحييها، هنيئا للذين يذوقون طعامك، ويتناولون ثمارك، ويرتشفون كئوسك، أما أنا فحسبي ~~منك هذا الفتات الذي يتناثر علي من مائدتك، فإن روكسان لا تقبل شفتي كرستيان، بل ~~تقبل عليهما كلماتي التي ألقيتها في أذنها وسحرتها بها! # وهنا رن صوت قيثارتي الغلامين بلحنين مختلفين: لحن مفرح وآخر محزن، فسألت ~~روكسان: ما هذا؟ فقال لها كرستيان: لعله سيرانو يتمشى في الطريق مع غلاميه الموسيقيين، ~~فانفتل سيرانو من تحت الشرفة إلى موقف الغلامين فحدثهما قليلا ثم أشار إليهما ~~بالانصراف، ومشى يترنح في مشيته كأنه شارب ثمل، ويتغنى ببعض الألحان كأنه قادم الساعة، ~~فما وقع نظره على كرستيان حتى تظاهر بالدهشة، وقال له: أباق أنت هنا يا كرستيان حتى ~~الآن؟ قال له بصوت عال تسمعه روكسان: نعم، أحدث روكسان وتحدثني، وإلى أين أنت ذاهب؟ ~~قال: لقد مللت هذين الغلامين وسئمت ألحانهما وتعبت من طول المسير، فعزمت على الرواح إلى ~~المنزل. فأشرفت عليه روكسان عندما سمعت صوته وقالت له: انتظرني يا سيرانو فإني قادمة ~~إليك، وأقفلت باب الشرفة، وفي هذه اللحظة أقبل الكاهن بمصباحه وهو يحدث نفسه ويقول: ما ~~زلت على رأيي الأول، فإن المنزل هنا في هذا الميدان! # وهنا ظهرت روكسان على عتبة بابها يتبعها كرستيان وراجنو، فلما رأت الكاهن ذعرت ~~واضطربت، فتقدم نحوها وحياها ومد يده ms094 إليها بكتاب. فقالت له: ما هذا؟ قال: كتاب بعثني ~~به إليك السيد الصالح التقي الكونت دي جيش، صهر سيدنا ومولانا صاحب القداسة الكردينال ~~دي ريشلييه، من دير القديس «أتاناس»، ولا بد أن يكون مشتملا على غرض من الأغراض ~~الشريفة المقدسة، أو مكرمة من المكارم العليا، فاقرئيه، فتناولته وقرأت فيه على ~~مصباح راجنو وهو صامتة، هذه الكلمات: # سيدتي # الطبول تدق، وقد أعد الجيش عدته للرحيل، والجميع يظنون أني في مقدمته؛ ~~ولكنني تخلفت وعصيت أمرك؛ لأنني لم أستطع السفر دون أن أتزود منك بذلك الزاد ~~القليل الذي سألتك إياه؛ فاغتفري لي ذنبي، فإنني ما أذنبت إلا في سبيلك، وهأنذا ~~قادم إليك بعد قليل، فمهدي لي سبيل زيارتك، إن ثغرك قد ابتسم لي اليوم ~~ابتساما جميلا، ولا أحب أن أفارقك قبل أن أراه مرة أخرى يبتسم لي تلك ~~الابتسامة البديعة المؤثرة، وقد بعثت إليك بكتابي هذا مع قسيس أبله لا يفهم من ~~شئون الحياة شيئا سوى إقامة الصلوات، وتعزية المحتضرين، ومباركة المتزوجين، ~~فلا يعنيك من أمره شيء. # دي جيش # وهنا برقت عيناها ببارق غريب، والتفتت إلى الكاهن وقالت له: اسمع يا أبت نص ~~الكتاب، فهو بمثابة أمر صادر إليك، وأخذت تقرأ بصوت عال ما لا وجود له إلا في ~~مخيلتها، وتقول: # سيدتي # يجب عليك إطاعة أمر قداسة الكردينال، وهو يأمرك أن تتزوجي الليلة سرا من ~~البارون كرستيان دي نوفييت، وأنا وإن كنت أعلم أنك غير راضية عن هذا الزواج، ~~وأنك لا تحبين هذا الفتى ولا تجدين في نفسك ارتياحا لمعاشرته، فإنني أرى لك أن ~~تخضعي لأمر الكاهن الأعظم وتذعني لرغبته، فالخير كل الخير فيما يراه ويشير به، ~~فاصبري على قضاء الله وقدره، وانتظري حسن المثوبة منه والجزاء الأوفى. # وقد بعثت إليك بكاهن من أفضل الكهان وأتقاهم وأحفظهم للأسرار؛ ليقوم بعقد ~~هذا الزواج السري بينكما في منزلك، فاقرئي عليه كتابي هذا وبلغيه أمري، وكوني ~~على ثقة من إخلاصي لك واحترامي الدائم لمقامك الكريم. # دي جيش # ثم طوت الكتاب وهي تتظاهر بالأسف والحزن ، وتقول: آه! ms095 ما أسوأ حظي وأعظم شقائي! # ثم همست في أذن كرستيان قائلة له: ألا ترى أنني أحسن قراءة الرسائل؟ قال: اسكتي، ~~فإنني أكاد أموت فرحا! # أما الكاهن فقد تهلل وجهه وانبسطت أساريره، وظل يقول: له الله من سيد نبيل كريم! ما ~~خاب ظني فيه وفي حسن مقاصده وشرف أغراضه! ثم رفع المصباح إلى وجه سيرانو وقال له: لعلك ~~الزوج يا سيدي؟ فامتقع لون سيرانو، وأشاح بوجهه عنه، فتقدم نحوه كرستيان وقال: لا، بل ~~أنا يا سيدي! فأدنى المصباح من وجهه، فرأى وجها جميلا مشرقا، فظل يهز رأسه كالمرتاب، ~~ثم التفت إلى روكسان وقال لها: يخيل إلي يا سيدتي أن مصيبتك في هذا الزواج ليست عظيمة ~~كما تتوهمين! فارتعدت وخفق قلبها خفقا شديدا، مخافة أن يكون قد فهم شيئا، ثم ما لبثت ~~أن عرفت وجه الحيلة في ذلك، ففتحت الكتاب بلهفة وقالت: لقد فاتني يا أبت أن أقرأ عليك ~~الحاشية التي كتبها الكونت في كتابه، وهي تتعلق بديركم المقدس فاستمعها، وقرأت ما يأتي: # ويأمرك صاحب القداسة أيضا أن تتبرعي للدير من مالك الخاص بعشرة آلاف فرانك، ~~فائتمري بأمره، وادخريها يدا عند الله صالحة. # فتلألأ وجه الكاهن واستطير فرحا وسرورا، ولم يبق لتلك الريبة التي خالجته أثر في ~~نفسه، وقال لها: لا مناص لك يا بنيتي من الإذعان لأمر صاحب القداسة، والله يتولاك ~~برعايته. فقالت: سأذعن لأمره وأمرك يا أبت، ثم هتفت براجنو، فأمرته أن يمشي أمامهم ~~بمصباحه ففعل، فدخلوا المنزل جميعا، وتراجعت روكسان قليلا قبل دخولها، فجذبت سيرانو ~~من يده وأسرت في أذنه قائلة: أما أنت فابق هنا حتى يأتي الكونت فامنعه من الدخول ودافعه ~~بكل حيلة، وترفق في الأمر ما استطعت حتى يتم عقد الزواج. فقال: سأفعل ما يرضيك يا ~~روكسان، فكوني مطمئنة، فتركته ولحقت بالقوم، وبقي هو وحده يفكر في الطريقة التي يمنع ~~بها الكونت من الدخول إذا جاء. # سياحة في القمر # وما هي إلا هنيهة حتى رأى شبح الكونت مقبلا من بعيد، فخلع سيفه والتف بمعطفه ~~وأنزل قبعته على ms096 عينيه، وتسلق شجرة الياسمين وكمن بين أغصانها، وأقبل الكونت واضعا ~~على وجهه نقابا أسود وهو يتلمس الطريق في هذا الظلام الحالك، ويقول: ليت شعري أين ~~ذهب ذلك الكاهن المنحوس؟ وماذا صنع بالرسالة التي بعثته بها؟ لا بد أن يكون قد بلغها ~~روكسان وانصرف لشأنه، ولا بد أنها تنتظرني الساعة داخل المنزل! # واتجه جهة الباب، فما دنا منه حتى سقط جسم عظيم بين يديه سقطة هائلة دوت بها جوانب ~~الميدان، كأنما هو هابط من علياء السماء؛ فتأمله، فإذا هو رجل متلفع ملثم، فذعر ~~وتراجع وقال: من هذا؟ فتقدم نحوه سيرانو بخطوات بطيئة متثاقلة، وقال له بنغمة أشبه ~~بنغمة الحالم المستغرق: كم الساعة الآن أيها الإنسان؟ فقال له: من أنت؟ قال: أنا رجل ~~من سكان كوكب القمر، سقطت منه من زمن لا أعلم مقداره، هل هو يوم أو ساعة أو دقيقة أو ~~عام أو أعوام؛ لأن صدمة السقوط أذهلتني عن نفسي فلم أفق إلا في هذه اللحظة، ولا أعلم ~~هل سقطت في كوكب الأرض أم في كوكب آخر غيره، فقل لي أين أنا؟ وفي أي عام وفي أي يوم وفي ~~أي ساعة؟ فعلم الكونت أنه مجنون أو ثمل، فأراد ملاينته ومداورته. فقال له: اسمح لي ~~بالمرور أولا وسأخبرك فيما بعد عما تريد. قال: يخيل إلي أنك تظنني معتوها أو ~~مخبولا، فاعلم أنني لا أحدثك عن خيال، بل عن حقيقة لا ريب فيها، وأنني قد سقطت من ~~كوكب القمر سقوطا اضطراريا لم أملك فيه الخيار لنفسي، فظللت أتخبط بين الكواكب ~~والنجوم والمذنبات والشهب، حتى وقعت في هذا المكان الذي أجهله ولا أعلم أين موقعه من ~~العالم! # ثم رفع نظره إلى وجه الكونت وصرخ صرخة هائلة، فزع لها الرجل وتراجع بضع خطوات، وظل ~~يسأله: ما بالك؟ فقال: دلني سواد وجهك وظلمته على أنني قد سقطت في خط الاستواء بين ~~قبائل الزنوج! فوا أسفاه! ووا سوء حظاه! فلمس الكونت وجهه بيده، وكان قد ذهل عن نقابه، ~~فحسره عنه وقال له: لا تخف، إنما هو نقاب ms097 أسود كنت أسدلته على وجهي لبعض الأسباب ~~الخاصة، فهدأ سيرانو قليلا وقال له: عفوا يا سيدي، إذن أنا في فينيسيا أو فينا، فقل ~~لي: في أي المدينتين أنا؟ فضجر الكونت، وقال له: سواء أكنت في هذه أم في تلك فدعني ~~أمر، فإن إحدى السيدات تنتظرني! فقال: آه! لقد فهمت الآن، لا بد أن أكون في باريس بلد ~~الوعود والمقابلات، والأسياد والسيدات، فالحمد لله على ذلك! ومد يده إلى ردائه وظل ~~يمسحه كأنما ينفض الغبار عنه، ثم وقف متأدبا وأحنى رأسه بين يديه وقال له: اغفر لي يا ~~سيدي مقابلتي إياك بهذه الملابس الرثة المغبرة، فقد كان سقوطي مع الزوبعة الأخيرة، ~~فانتشر غبار الأثير على ملابسي، وامتلأت عيناي بذرات الضوء، وعلقت بنعلي بضع ريشات من ~~ريش «النسر الطائر»، ثم مد يده إلى نعله كأنما يتناول ريشة عالقة بها، وظل ينفخها في ~~الهواء. # فازداد غيظ الكونت وعظم ضجره، وقال له: تنح عن طريقي يا سيدي، فإني أريد الدخول، ~~وظل يدفعه أمامه حتى بلغا الباب، فترامى سيرانو على الأرض ومد ساقه في مدخل الباب ~~وكشف عنها، وقال له: انظر يا سيدي إلى ساقي، فقد عضني فيها «الدب الأكبر» عضة مؤلمة ~~لا يزال أثرها باقيا حتى الآن، ولقد وقع لي ذلك في الساعة التي كان يطاردني فيها ~~«السمك الرامح» برمحه المثلث الأسنة، وما أفلت من مخالب الدب حتى سقطت فوق ~~حمة العقرب، فلدغتني في ساقي الثانية، وانظر ها هو ذا أثرها، ومد ساقه الثانية ~~أيضا، فاستحال على الكونت المرور، ثم قال له: وأؤكد لك يا سيدي أنني لو عصرت أنفي الآن ~~لجرى منه سيل دافق يغمر هذا الميدان جميعه، أتدري لماذا؟ قال: لا؛ لأني سقطت بعد ذلك ~~في نهر «المجرة» فظللت أسبح فيه حتى أعياني الجهد، ولولا أن «الدب الأصغر» مد يده ~~إلي فأنقذني لما نجوت، واعلم أنه لم يفعل ذلك تكرمة منه وتفضلا، بل كان يريد أن ~~يعضني أيضا كما عضني أخوه من قبله، فعجز عن ذلك؛ لأن أسنانه صغيرة جدا كأنها حبب ms098 ~~الكأس، فاستطعت الإفلات منه، وانحدرت إلى «القيثارة» فاخترمتها وعلقت يدي بوتر من ~~أوتارها فانقطع، وظل معي حتى الآن، وسأريكه إذا أردت، ومد يده إلى جيبه كأنما يريد أن ~~يخرجه، ثم قال: لا لزوم لذلك الآن، فقد عزمت على أن أؤلف كتابا أسميه «سياحة في القمر» ~~أدون فيه هذه الرحلة جميعها، وسأرصع دفتيه بالشهب الصغيرة التي اصطدتها في ~~معطفي من غابات السماء! # فاشتد جزع الكونت ونفد صبره، وقال له: ثم ماذا؟ قال: أظن أنك تريد أن تعرف الآن شيئا ~~من أخبار سكان ذلك الكوكب، الذي عشت فيه حقبة من الزمان ... فقاطعه الكونت وقال: لا، ~~لا أريد أن أعرف شيئا، فدعني أمر، فإن بيني وبين أصحاب هذا المنزل ميعادا لا بد لي ~~من الوفاء به! قال: ولكنك وقد عرفت كيف نزلت من السماء لا بد لك أن تعرف كيف صعدت ~~إليها، إنني صعدت إليها بطريقة عجيبة جدا، أنا الذي اخترعتها وابتكرتها، فلم ألجأ إلى ~~النسر البليد كما فعل «رجيومونتانوس»، ولا إلى الحمامة البلهاء كما فعل «أركيتاس» ~~... # وكان دي جيش مولعا بعض الولع بعلم الفلك ولوع الكثير من الأشراف والنبلاء، الذين ~~يزاولون بعض الفنون تجملا وتلهيا بدون أن يدركوا من أسرارها شيئا. فقال في نفسه: ~~إن الرجل وإن كان مجنونا فهو واسع الاطلاع غزير المادة، واستهواه حديثه فبدأ ينصت له، ~~واستمر سيرانو يقول: ... ولم أقلد أحدا من الطيارين الذين سبقوني، بل خطرت على بالي ~~ست طرق لاختراق أطباق السموات لم تخطر على بال أحد من فحول علم الفلك ونوابغه، فدهش ~~الكونت وقال: ست طرق؟ قال: نعم، هل تعدني أن تصغي إلي حتى أسردها عليك جميعها؟ قال: ~~نعم أعدك بذلك، فتكلم وأوجز. قال: تعال إذن معي إلى هذا المقعد لنجلس عليه قليلا، ~~فقد انتفض علي جرحي الذي في ساقي! # ثم جذبه من ردائه فأجلسه بجانبه وظل يقول له: # أولها: # أن أتجرد من ثيابي وأدير حول جسمي بضع قارورات بلورية ملأى ~~بقطر الندى، ثم أقف تحت الشمس فتمد إلي خيوط أشعتها فتجذبني إليها ، ~~كما هو ms099 شأنها في امتصاص الأبخرة والأنداء حين تشرق عليها. # وثانيها: # أن أعمد إلى صندوق كبير، فأفرغه من الهواء بواسطة حرارة المرايا ~~المضلعة، ثم أملؤه بالأهوية المتصاعدة، وأجلس فيه فيصعد إلى ~~العلا. # وثالثها: # أن أصنع جرادة من الصلب ذات أذرع كبيرة، وأضع في جوفها بارودا ~~ملتهبا، ثم أمتطيها، فكلما فرقع البارود اندفعت صاعدة في جو ~~السماء. # ورابعها: # أن أملأ «بالونا» بالدخان، والدخان كما تعلم يطلب العلا دائما، ~~فأركبه فيصعد بي حيث أشاء. # وخامسها: # أن أدهن نفسي بنخاع الثور، فإذا دنا كوكب «فيبيه» أي القمر، من ~~الأرض - وهو كما تعلم مولع بامتصاص هذا الدهن - امتصني معه. # وسادسها: # أن أركب لوحا من الحديد وأمسك بيدي قطعة من المغناطيس وأقذفها في ~~الهواء، والمغناطيس كما تعلم يجذب الحديد، فإذا سقطت تلقفتها وقذفتها ~~مرة أخرى، وهكذا حتى أصل إلى غايتي! # فأعجب الكونت بذكائه وفطنته، وقال له: حسبك ذلك، وائذن لي بالذهاب، وتأهب للقيام، ~~فانزعج سيرانو وتشبث بردائه، وقال له: ولكن فاتك يا سيدي أن تسألني عن الطريقة التي ~~اخترتها من بين تلك الطرق، واعتمدت عليها في هذه الرحلة القمرية؟ قال: قل لي وأسرع، ~~قال: لم أختر واحدة منها، بل اخترت طريقة سابعة هي أغرب الجميع وأعجبها! قال: قل ما ~~هي وعجل؟ قال: أراهن أنك لا تعرفها، ولو فكرت فيها ثلاثة أيام! فضاق صدر الكونت وقال: ~~أعترف لك أني عاجز عن معرفتها، فقل لي ما هي فقد ضقت بك ذرعا، وثار من مكانه غاضبا، ~~فوثب سيرانو واعترض سبيله وقال له: ها هي ذي فاستمعها، ثم مد ذراعيه إلى الأمام وظل ~~يلوح بهما في الهواء كما يفعل السابح على سطح الماء ويقول: هو، هو، هو! فدهش ~~الكونت وقال: ما هذا؟ قال: الموج المتلاطم. قال: لا أفهم ما تريده. قال: المد والجزر. ~~قال: لا أفهم شيئا، فقل ماذا تريد؟ قال: بما أني أعلم أن القمر هو السبب في حركة المد ~~والجزر، فقد نمت على ضفة النهر ساعة المد حتى غمرني الماء، وظللت منتظرا ساعة الجزر، ~~وما هي إلا لحظات حتى ms100 دنا القمر من اللجة فجذبها وجذبني معها، ولم أزل صاعدا أخترق ~~حجب السماء حجابا حجابا حتى، ومد صوته بها طويلا. فقال له الكونت بضجر شديد: حتى ~~ماذا؟ وكان سيرانو قد سمع جلبة القوم وهم مقبلون من داخل المنزل، فعلم أن الأمر قد ~~انتهى. فقال له: حتى تمت حفلة القران! # وألقى عنه رداءه ورفع قبعته عن رأسه، فظهر وجهه وفي مقدمته ذلك الأنف الضخم ~~العظيم، فانتفض الكونت، وقال: سيرانو! ثم التفت وراءه فرأى العروسين مقبلين في ملابس ~~عرسهما، وأمامهما الشموع، ووراءهما القسيس والخدم، ففهم كل شيء، وصاح: ماذا أرى؟ يخيل ~~إلي أني جننت! وأخذ يدور بعينيه ههنا وههنا كالذاهل المخبول، ثم مشى نحو روكسان ~~فانحنى بين يديها وقال له: لله درك يا سيدتي! إنك من أمهر الماكرات! ثم التفت إلى ~~سيرانو وقال له: أقدم إليك تهنئتني أيها المخترع العظيم على تفوقك ونبوغك، وسيكون ~~مؤلفك الجليل أعظم مؤلف نافع للمجتمع، ولا تنس أن ترصع دفتيه بتلك الشهب الذهبية ~~التي اصطدتها في معطفك من غابات السماء! قال: سأفعل إن شاء الله يا سيدي، وسأقدم الكتاب ~~إليك تذكارا لهذه المهزلة البديعة! # فأعرض عنه والتفت إلى القسيس، وقال له متهكما: لقد أديت الرسالة أيها الشيخ أحسن ~~تأدية فلك الشكر على ذلك! فلم يفهم القسيس غرضه وقال له: لعلك راض عني يا مولاي! قال: ~~نعم كل الرضا! ثم أخذ يخطو في تلك الساحة خطوات واسعة سريعة، ثم وقف ورفع رأسه بعظمة ~~وخيلاء، وقد لبس وجهه تلك السحنة العسكرية القاسية، ونظر إلى روكسان نظرة جامدة ~~مخيفة، وقال لها بصوت قاس شديد: ودعي زوجك يا سيدتي! فذعرت واصفر لونها، وقالت: ~~لماذا؟ قال: لأن فرقة الحرس ستسافر الآن مع بقية فرق الجيش! وأخرج من ثنايا قميصه ذلك ~~الكتاب الذي كان قد فصله عن بقية الكتب منذ ساعة، ونادى كرستيان بصوت هائل رنان، ~~فلباه ووقف بين يديه. فقال له: خذ هذا الكتاب وسلمه بنفسك إلى قائد فرقتك! فقالت ~~روكسان: ولكنك كنت وعدتني أن تتخلف هذه الفرقة! فقاطعها وقال لها: قد ms101 غيرت رأيي عندما ~~علمت أنك إنما كنت تكيدين لي لا لابن عمك سيرانو، فصمتت وقد نال من نفسها منالا ~~شديدا، وملأ قلبها حزنا وشجنا أنها لم تكد تلمس بفمها شفة الكأس حتى انتزعت من ~~يدها، ثم ترامت بين ذراعي زوجها، وظلت تقبله وتبكي بكاء مرا، فضمها إلى صدره وظل ~~يبكي لبكائها، فصاح الكونت: حسبكما ذلك فأمامكما ليلة الزفاف، ولعلها قريبة جدا! ثم ~~تركهما وانصرف ليصدر بعض أوامره إلى الجيش، وهو يرمي سيرانو بنظرات هائلة لو رمى بها ~~أحدا غيره لصعق لها، على أن سيرانو كان في شاغل عنه بما كان يعالجه في أعماق نفسه من ~~الألم الممض عند رؤية تلك القبلات الجميلة المتبادلة بين هذين العاشقين الجميلين، وظل ~~يقول في نفسه: يا له من سعيد! ويا لي من شقي! كلانا يحبها، وكلانا يموت وجدا بها؛ ~~ولكنه استطاع - لأنه جميل - أن يلثمها ويقبلها؛ ولم أستطع - لأني دميم - أن أنال منها ~~شيئا في حياتي أكثر من أن أقبل طرف الغصن الذي كانت واضعة يدها على طرفه الآخر من ~~حيث لا تدري، وها هو ذا الآن يضمها إلى صدره ضمة الوداع، ويتزود منها الزاد الذي ~~يعينه على سفره الطويل وشقته البعيدة، أما أنا فكل زادي منها هذه الدمعة التي تترقرق ~~في عيني، ولا أستطيع إرسالها مخافة أن تراها! # وهنا دقت طبول الجيش مؤذنة بالرحيل، فدنا منها سيرانو وقال لكرستيان: حسبك ذلك الآن ~~فهيا بنا، فلم ينتبه كرستيان إليه، واستمر في شأنه، فظل يجذبه من يده ويقول: هيا بنا ~~فقد دقت طبول الرحيل. فقال: أمهلني قليلا يا سيرانو، فإنك لا تعلم ما يصنع الفراق ~~بقلوب العاشقين! قال: أعلم ذلك حق العلم فهيا بنا، فالتفتت إليه روكسان، وقالت له: إني ~~أكل إليك أمره يا سيرانو، فعدني ألا يهدد حياته شيء! قال: سأجتهد إن شاء الله ~~تعالى، قالت: وعدني أن يكون حذرا متيقظا. قال: سأحاول ذلك. قالت: وألا يتألم من ~~البرد والصقيع في تلك الأجواء الثلجية الباردة! قال: سأفعل ما في وسعي. قالت: وأن يكون ~~لي ms102 وفيا مخلصا. قال: أظنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك. قالت: وأن يكتب لي دائما. ~~قال: أما هذه فأعدك بها! # الفصل الرابع # | الميدان # بدأ الفجر يرسل أشعته الأولى إلى جوانب الميدان، وكانت فرقة الحرس نائمة في سفح تل ~~مرتفع يحميها ويحمي مواقعها؛ وكانت قد مرت على الجنود ثلاثة أيام لم يذوقوا طعاما، ولم ~~يتبلغوا بشيء، حتى ساءت حالهم، وشحبت ألوانهم، وخارت قواهم، فاستيقظ أحدهم وهو ~~يتضور جوعا، ويقول: آه! ما أشد ألمي! فاستيقظ بعض رفاقه على صوت أنينه وظلوا يتضورون ~~مثله، فشعر قائدهم بحركتهم، وكان واقفا على قمة التل ليله كله يتولى حراسة الموقع بنفسه، ~~فانحدر إليهم وقلب نظره في وجوههم، ثم قال لهم: ناموا يا أولادي فالنهار لا يزال بعيدا! ~~فقال له أحدهم: وكيف لنا بالنوم، وقد أقلق الجوع مضاجعنا، وحال بيننا وبين الغمض؟ فنكس رأسه ~~وصمت، وقد أضمر بين جنبيه لوعة لا يعلم إلا الله مكانها من أعماق نفسه. # وإنهم لكذلك إذ سمعوا من ناحية العدو بضع طلقات نارية، فثاروا جميعا وابتدروا سيوفهم ~~فجردوها من أغمادها، فصاح فيهم «لبريه»: هدئوا روعكم يا إخواني والبثوا في أماكنكم، فإن ~~سيرانو قد عاد من رحلته التي اعتاد أن يرحلها سحر كل ليلة، وأظن أن الأعداء قد لمحوا ~~شبحه من بعيد فأطلقوا عليه بعض المقذوفات، وأرجو ألا يكون قد أصابه منها شيء! فسكن جأشهم ~~وعادوا إلى مضاجعهم، وما هي إلا هنيهة حتى ظهر سيرانو على قمة التل، فهرع إليه صديقه ~~لبريه متلهفا وقال له: هل جرحت؟ قال: لا؛ لأنهم يخطئونني دائما! قال: ولكني أخاف عليك إن ~~أخطئوك اليوم أن يصيبوك غدا. قال: وماذا أصنع، وقد وعدتها عنه أن يكتب إليها كثيرا، ولا ~~بد لي من الوفاء بعهدي! قال: إنك لم تخبرني حتى الآن عن الطريقة التي اتخذتها للتنكر ~~والتواري عن عيون الأعداء وأرصادهم قال: لقد اهتديت من زمن إلى مسلك خفي وراء هذا الجبل، ~~لا تناله أنظارهم، ولا تمتد إليه خواطرهم، فأنا أسلكه برفق وحذر حتى أصل إلى الموضع الذي ~~أجد فيه ms103 من يتولى توصيل الكتاب إلى روكسان. قال: إذن يمكنك أن تأتينا كل ليلة بشيء من ~~القوت نسد به جوعتنا. قال: ليتني أستطيع ذلك، بل ليتني أستطيع أن أقوت نفسي، إننا جئنا ~~هنا لنحاصر الأعداء في أراس، فأصبحنا محصورين خارجها، وقد أحاط بنا جيش العدو من كل جانب، ~~وأخذ علينا شعاب الأرض، فلا سبيل لنا إلى أي شيء حتى إلى القوت! وأطرق برأسه هنيهة ثم ~~قال: ولقد وقفت الليلة أثناء عودتي على حركة في جيش العدو هائلة جدا، ويخيل إلي أن ~~الغد يحمل في طياته أعظم حادثة مرت بنا في هذا الميدان، فإما نجا الجيش الفرنسي من مخالب ~~الجوع، أو هلك من أوله إلى آخره! # فاصفر وجه لبريه وقال له: قل لي ماذا رأيت؟ قال: لا أستطيع؛ لأني لست على يقين، فدعني ~~وشأني وأستودعك الله. قال: إلي أين؟ قال: إلى خيمتي لأكتب إلى روكسان رسالة الغد، وربما ~~كانت الرسالة الأخيرة! # ثم مشى إلى خيمته ولبريه يتبعه بنظراته الحزينة الدامعة ويقول: وا رحمتاه لك أيها البائس ~~المسكين! # الوطن # نشرت الشمس رايتها البيضاء في آفاق السماء، فاستيقظ الجنود من نومهم يتألمون من الجوع ~~ويترنحون ضعفا وإعياء، فتقدم نحوهم قائدهم، وحاول أن يعزيهم ويهون عليهم آلامهم، ~~وهو إلى التعزية والتهوين أحوج منهم، فلم يأبهوا له، وأخذوا يرمونه بنظرات السخط ~~والغضب، فأمرهم أن يتقلدوا أسلحتهم ويأخذوا أهبتهم، فأعرضوا عنه ولم يحفلوا له، ومشى ~~بعضهم إلى بعض يتهامسون ويتغامزون، ومرت بأفواههم كلمة «الثورة»، وهي الكلمة الهائلة ~~التي تأتي دائما في ترتيب قاموس الحياة بعد كلمة الجوع! # فانتفض القائد واستطير رعبا وفزعا، وهرع إلى خيمة سيرانو فهتف به، فلباه. فقال ~~له: أدرك الجنود يا سيرانو، فقد نال منهم اليأس أو كاد، حتى نطقوا بكلمة الثورة ~~المخيفة! فخرج إليهم سيرانو، وأخذ يخطو بينهم خطوات هادئة مطمئنة، ويسارقهم من حين ~~إلى حين نظرات العتب والتأنيب، حتى سكنوا وهدءوا، وغضوا أبصارهم حياء منه وخجلا، ثم ~~أخذ يمازحهم ويداعبهم ويفتن في مفاكهتهم ومطايبتهم، حتى سرى عنهم بعض ما بهم ، ~~فقال له ms104 أحدهم: أما في هموم الحياة وآلامها ما يشغلك عن الفكاهة يا سيرانو؟ قال: لا، ~~ولو أن لامرئ أن يختار لنفسه الميتة التي يريدها لاخترت لنفسي أن أموت في ليلة صافية ~~الأديم متلألئة النجوم تحت قبة السماء، بأجمل سلاح وهو السيف، وفي أجمل بقعة وهي ~~الميدان، وأن يكون آخر ما أنطق به ملحة لطيفة يتحرك بها فمي في الساعة التي يلمس فيها ~~ذباب السيف قلبي. # ثم هتف: يا «برتراندو»، فلباه جندي شيخ قد أوفى على الستين من عمره. فقال له: ~~أخرج نايك من كيسك، وغن لهؤلاء الأطفال الشرهين تلك الأغنية الجاسكونية، التي ~~تذكرهم ببلادهم ومعاهد طفولتهم ومغاني صباهم، فأخذ الرجل يغنيها ويجيد في توقيعها، ~~وسيرانو يغني معه، فأطرق الجنود برءوسهم وقد تمثلت لهم بلادهم كأنها حاضرة بين أيديهم، ~~يرون جبالها ووديانها وغاباتها وأحراشها، ويرون الرعاة السمر بقلانسهم الحمراء ~~يسوقون أمامهم قطعان البقر والأغنام، والفتيات الجميلات في أثوابهن القصيرة حاملات ~~جرارهن على رءوسهن وهن ذاهبات إلى الغدران أو صادرات عنها، فأخذت مدامعهم تتحدر على ~~خدودهم، فيمسحونها بأطراف أرديتهم في صمت وسكون. # فقال القائد لسيرانو: إنك تهيج أشجانهم وتستثير آلامهم بهذه الذكرى. قال: فليبكوا ~~وليتألموا، علهم يتلهون قليلا عن آلام الجوع التي يكابدونها، وليت جميع آلامهم ~~تنتقل من أمعائهم إلى قلوبهم فيستريحوا! قال: إني أخاف على حميتهم أن تفتر وتتضعضع، ~~قال: لا يخفك ذلك يا سيدي، فإن بكاءهم على وطنهم الصغير لا ينسيهم واجبهم لوطنهم ~~الكبير، وإن أردت أن تكون على بينة من ذلك فانظر ماذا أصنع، ثم أشار إشارة خفية إلى ~~حامل الطبل أن يدق طبله دقة الهجوم، ففعل، فانتفض الجنود من أماكنهم وثاروا إلى ~~أسلحتهم يتقلدونها. فقال للقائد: انظر يا سيدي إلى هؤلاء الأطفال الباكين كيف استحالوا ~~في لحظة واحدة إلى ليوث كواسر، عندما سمعوا نداء وطنهم! ثم التفت إليهم فهدأ روعهم ~~وقال: لا عدمتكم فرنسا يا أبناء جاسكونيا! # وإنهم لكذلك إذ هتف الحارس القائم على رأس التل باسم الكونت دي جيش رئيس أركان ~~الحرب، فما سمع الجنود اسمه حتى وجموا ms105 وامتعضوا، وانتشر على وجوههم الألم ~~والانقباض، وأخذ بعضهم يقول لبعض: ما أثقل ظله! ما أسمج وجهه! إنه فاسد الذوق، يلبس ~~الشفوف الرقيقة فوق الدرع، ويلبس الحذاء اللامع في ميدان الحرب؛ ما أكثر تملقه! إنه ~~لم ينجح في حياته إلا من طريق المداهنة، حسبه أنه صهر ذلك الرجل الذي يأكل في اليوم ~~أربع أكلات في الوقت الذي لا نكاد نظفر فيه بأكلة واحدة في الأربعة أيام! فانتهرهم ~~قائدهم «كاربون دي كاستل»، وقد سمع حديثهم، وقال لهم: ولكن لا تنسوا أنه جاسكوني مثلكم، ~~فقال له أحدهم: نعم، ولكنه جاسكوني عاقل، وما خلق الجاسكوني إلا ليكون مجنونا! فقال ~~سيرانو: نصيحتي إليكم يا إخواني أن تتجلدوا أمامه، وتكتموا في أعماق نفوسكم همومكم ~~وآلامكم، ولا تسمحوا له بالشماتة بكم، أما أنا فسأجلس هناك قليلا على هذه الصخرة لأقرأ ~~شيئا في كتاب «دي كارت»، حتى ينصرف ذلك الرجل لشأنه، فأسرعوا بمسح آثار الدموع من ~~خدودهم، واستداروا حلقات صغيرة، وأخذوا يلعبون الورق، ويتضاحكون كأنهم لا يشكون هما ~~ولا ألما، فدخل الكونت دي جيش متجهم الوجه مكفهر الجبين، وكان قد سمع آخر حديثهم، وقرأ ~~على وجوههم ما يضمرون له من البغضاء بين جوانحهم، فصاح فيهم: لقد سمعت بأذني بعض ما ~~تقولون أيها الأشقياء، فعلمت أنكم لا تتركون فرصة تمر بكم دون أن تتناولوني بألسنتكم، ~~وتنالوا مني، فتسموني تارة متملقا، وأخرى منافقا، وتعيبوا علي حسن هندامي ونظافة ~~ملبسي، كأنما ترون أن الجاسكوني لا يكون صحيح النسب إلا إذا تصعلك وتشعث، وأصبح من ~~البائسين المفلوكين. # وكان يتكلم والجنود مقبلون على ألعابهم يتشاغلون بها كأنهم لا يسمعون ما يقول. فقال ~~لهم وهو يشير إلى قائدهم: ولقد كنت أريد أن آمر قائدكم بمعاقبتكم، ولكنني ... # فقاطعه القائد وقال له: لو أنك فعلت ذلك يا سيدي لما أذعنت لأمرك! # فاصفر وجه الكونت وقال: ولماذا؟ قال: لأنني دفعت للقيادة العامة ضريبة الرئاسة، ~~وهي تجعلني صاحب السلطان المطلق على فرقتي، لا ينازعني فيها منازع ولا أخضع في أمرها ~~لإرادة غير إرادتي، وبعد، فليس من الرأي أن ms106 يحاسب القائد جنوده على الحب والبغض والرضا ~~والسخط، أو أن يطلب إليهم شيئا سوى الطاعة والإذعان لأوامره ونواهيه! # فوجم الكونت ولم يستطع أن يقول شيئا، ولكنه التفت إلى الجنود وقال لهم: إني أحتقركم ~~جميعا أيها السفهاء الثرثارون، وأحتقر مطاعنكم ومغامزكم؛ لأنني أعرف مكانة نفسي، كما ~~أن الناس جميعا يعرفونها، وأعلم أنني جندي شريف مقدام لا أبالي بالمخاطر التي ~~تعترضني في طريقي، وقد رأيتم جميعا موقفي العظيم في «بابوم» الليلة الماضية، وهجومي ~~بنفسي ثلاث مرات على رجال الكونت «دي بكوا»، حتى ألجأتهم إلى الهزيمة التي ~~تعرفونها. # وكان سيرانو لا يزال مكبا على كتابه يقرأ فيه؛ فقال له وهو مطرق برأسه لا يرفعه: ~~وما رأيك في وشاحك الأبيض يا سيدي؟ فدهش الكونت واصفر وجهه وقال له: ومن أين لك علم ~~ذلك؟ نعم، وقع لي ليلة أمس أنني بينما كنت أجول في أنحاء الميدان لأجمع رجالي استعدادا ~~للهجوم الثالث، إذ لمحت فصيلة صغيرة من فصائل جيش العدو تتقهقر على مقربة مني، فطمعت ~~فيها واندفعت وراءها اندفاع اليائس المستقتل لا ألوي على شيء مما ورائي، فما هو إلا أن ~~أدركتها وأعملت سيفي في ساقتها، حتى رأيتني بعد قليل وسط خطوط جيش العدو الأكبر، وإذا ~~الخطر محدق بي من كل جانب فخفت الأسر، لا من أجل نفسي بل من أجل الجيش الذي أقوده ~~وأدير حركاته، وكان الظلام حالكا جدا فلا ينم علي شيء سوى ردائي الأبيض، فأسرعت ~~بإلقائه إلى الأرض لأستطيع أن أتوارى عن عيون الأعداء، فيخفى عليهم مكاني، ثم انسللت من ~~بينهم، وغادرت صفوفهم آمنا مطمئنا، وما هو إلا أن بلغت مأمني حتى جمعت رجالي وكررت ~~عليهم كرة هائلة، فكانت الواقعة الثالثة التي أحرزنا فيها ذلك النصر العظيم، فماذا ~~تقولون في هذه الحيلة الغريبة؟ وكان الجنود لا يزالون مكبين على ألعابهم لا يرفعون إليه ~~أنظارهم، يستمعون القصة وكأنهم لا يسمعونها، حتى انتهى منها، فأمسكوا عن اللعب وشخصوا ~~بأبصارهم إلى سيرانو ليروا ماذا يقول. فقال له: إن هنري الرابع يا سيدي ما كان يرضى ~~لنفسه ms107 - مهما كان الخطر المحدق به عظيما - أن يتنازل عن ريشته البيضاء لأعدائه! فتهلل ~~الجنود فرحا وانبسطت أساريرهم وعادوا إلى جلبتهم وضوضائهم. فقال له الكونت: ذلك لا ~~يعنيني، إنما الذي يعنيني أنني قد حقنت دمي، واستبقيت حياتي لوطني، وسلبت العدو يوما ~~كان يريد أن يعده من أيام مجده وفخاره. قال: أما الفكرة فبديعة جدا لا أرتاب ~~فيها، ولكن الذي أعلمه أن الجندي ما خلق إلا ليموت، فمن العار أن يخسر هذا الشرف بأي ~~ثمن كان، وأقسم لك يا سيدي أنني لو كنت حاضرا معك في تلك الساعة ما هان علي أن أرى ~~وشاحك العظيم في يد أعدائك دون أن أقاتل عنه حتى أفتديه ولو بحياتي. قال: قسم ضائع لا ~~قيمة له؛ لأنك لم تكن معي! قال: بل كنت معك يا سيدي، وقاتلت عن وشاحك حتى استنقذته من ~~يد أعدائك، وها هو ذا. # ومد يده إلى جيبه فاستخرج منه الوشاح وألقى به بين يديه، فاربد وجه الكونت وانتفض ~~غيظا، وألقى على سيرانو وعلى الجنود نظرة شزراء ملتهبة، وقال لهم: أتدرون ماذا أصنع ~~الآن بهذا الوشاح؟ قالوا: لا. قال: سألوح به في الجو تلويحا لا يسركم ولا يهنؤكم، ~~وصعد إلى التل ولوح به ثلاث مرات في الهواء، والجنود يعجبون لأمره ولا يدرون ماذا ~~يريد، ثم نزل وهو يقول: أما وقد انقضى كل شيء، فسأفضي إليكم بسر من أسرار الحرب ما زلت ~~أكتمه في صدري حتى حان وقته، فاستمعوه: لقد اتفقت منذ أيام مع جاسوس من جواسيس العدو ~~على أن يكون عونا لي على قومه فيما أريد، وأن يكون مخلصا لي مؤتمرا بأمري ... فقاطعه ~~سيرانو وقال له: ولكنك تصطنع رجلا خائنا يا مولاي. قال: ومن أصطنع إن لم أصطنع ~~الخائنين؟ فهو يدلني على مقاتل قومه وعوراتهم ومكامن أسرارهم، من حيث لا يدلهم على ~~شيء إلا على ما أريد أن يدلهم عليه، أي إنه يخدعهم ويضللهم من حيث يظنون أنه ينصحهم ~~ويصدقهم، وقد جمع قائدنا العام مجلسه الحربي صباح أمس، ونظر في كارثة الجوع التي ms108 نزلت ~~بنا، فاستقر الرأي على أن يسافر هو بنفسه خلسة على رأس فرقتين من فرق الجيش إلى ~~«أورلنس»؛ ليجلب منها المئونة والذخيرة، فسافر من حيث لا يشعر العدو بمكانه، وترك بقية ~~الجيش هدفا للهجوم العام. فقال له كاربون: أخاف أن يعلم العدو بذلك فيكون الخطب ~~عظيما، قال: قد علم فعلا وهو يتأهب منذ الأمس لمهاجمتنا! فهمس سيرانو في أذن لبريه: ~~ذلك ما حدثتك عنه صباح اليوم، واستمر الكونت يقول: وقد بعثوا جاسوسهم هذا ليتفقد لهم ~~خطوط جيشنا، ويدلهم على أضعف نقطة فيها ليهاجموها، فاتفقت معه على أن يدلهم على النقطة ~~التي أريدها وأعطيه الإشارة منها، مضمرا في نفسي أن أغريهم بالهجوم على أقوى فرقة في ~~الجيش؛ لتستطيع مشاغلتهم ومطاولتهم زمنا طويلا حتى يتمكن قائدنا من العودة بجيشه إلى ~~مركزه آمنا سالما، ولما كانت فرقتكم هي أقوى فرق الجيش وأمضاها عزما، وأصلبها عودا، ~~فقد رأيت أن أجعلها هدف ذلك الهجوم، وإن كنت أعلم أنها ستموت عن آخرها، وقد كنت أمرت ~~ذلك الجاسوس أن يقف وراء هذا التل؛ لينتظر إشارتي فيذهب بها، وهأنتم أولاء ترون أنني قد ~~أعطيته إياها بخفقة ذلك الوشاح، فاستعدوا للموت، فقد انقضى كل شيء. # فقال له سيرانو: أهذا كل انتقامك يا سيدي؟ إنك قد أحسنت إلينا من حيث أردت إساءتنا، ~~فالجاسكوني لا يخاف الموت، بل يخاف الحياة مع الذل والعار! قال: ما شككت في شجاعتك قط ~~يا سيرانو، فإن من يقاتل مائة رجل وحده فيغلبهم لا يبالي بخطر مهما عظم شأنه! ثم ~~التفت إلى الجنود وقال لهم: لا أكتمكم أنني كنت أستطيع أن أختار لاستقبال هذه النازلة ~~فرقة أقل شجاعة من فرقتكم، لو أنني أحببتكم ورضيت عنكم وحمدت عشرتكم وسيرتكم، أما الآن ~~فقد استطعت بعمل واحد أن أؤدي واجبي وأشفي غليلي! فقال له سيرانو: وشيء آخر يا ~~سيدي. قال: وما هو؟ فمشى نحوه خطوة وأسر في أذنه: أن تترمل روكسان! # فارتعد الكونت ونكس رأسه وتسلل من مكانه دون أن يقول شيئا. # فالتفت سيرانو إلى الجنود وقال لهم: لقد ms109 آن أيها الأصدقاء أن نضع على شعار جاسكونيا ~~ذي الألوان الستة، لونا دمويا أحمر كان ينقصه ليكون أجمل شعار في العالم، فكونوا ~~عند ظني وظن فرنسا بكم، واعلموا أنه ما من ميتة في العالم أفخر ولا أمجد من هذه ~~الميتة التي ستموتونها اليوم! فهتفوا جميعا بحياة جاسكونيا وحياة فرنسا، وابتدروا ~~أسلحتهم يشحذونها ويصقلونها. # الدمعة # والتفت سيرانو فرأى كرستيان واقفا وراءه مطرقا جامدا، وقد انتشرت على وجهه غبرة ~~سوداء من الحزن، فتقدم نحوه وقال له: أخائف أنت يا كرستيان؟ قال: لا، بل حزين لأني ~~سأفارقها، فانتفض سيرانو عند سماع كلمة الفراق، ووضع يده على قلبه، ورفع عينيه إلى ~~السماء، ولكنه لم يستطع أن يقول شيئا، وصمت هنيهة ثم قال له: هون عليك الأمر يا ~~صديقي، فرحمة الله أوسع من أن تضيق بنا. فقال: كنت أريد على الأقل أن أكتب لها كتاب ~~وداع أبثها فيه خواطر نفسي ولواعجها في ساعتي الأخيرة. قال: لقد حدثتني نفسي ليلة ~~الأمس - ولا أعلم كيف كان ذلك - بهذا المصير الذي سنصير إليه الآن، وأن هذا اليوم هو ~~آخر أيامنا على وجه الأرض، فكتبت إليها على لسانك الكتاب الذي تريده، وسأبعث به إليها ~~الآن. قال: أرنيه. قال: ها هو ذا، وأخرج الكتاب من جيبه فأعطاه إياه، فأخذ يقرؤه حتى ~~وصل إلى سطر من سطوره الأخيرة، فتوقف ذاهلا مدهوشا وقال: غريب جدا! ما هذا الذي ~~أرى؟ قال: ماذا؟ قال: نقطة بيضاء على الورق كأنها دمعة! فاختطف سيرانو الكتاب من يده ~~وقال: أرني، وظل يتأمل فيه مصعدا منحدرا كأنه يفتش عن النقطة فلا يراها. فقال له ~~كرستيان: إنها دمعة يا سيرانو ما في ذلك ريب ولا شك، فهل كنت تبكي؟ فانتفض، إلا أنه ~~تجلد وتماسك وقال: نعم! قال: وما الذي أبكاك؟ قال: ذلك شأن الشعراء دائما، لا يتناولون ~~موضوعا من الموضوعات المحزنة للكتابة فيه عن لسان غيرهم، حتى يتأثروا به كأنهم أبطاله، ~~وأصحاب الشأن فيه، ولقد بدأت في كتابة هذا الكتاب، وأنت ماثل في ذهني لا تفارقه، فما ~~زال يمتد ms110 بي الخيال ويطير بي في أجوائه، حتى تمثل لي أنني أنا الحزين المتألم والمفارق ~~المفجوع، وأن الذي أصفه إنما هي هموم نفسي وآلامها، فانحدرت من عيني بالرغم مني هذه ~~الدمعة التي تراها! فنظر إليه كرستيان نظرة غريبة، واختطف الكتاب من يده، وقال له: دعه ~~معي الآن! ثم طواه ووضعه في ثنايا قميصه وانصرف. # جواز المرور # وقامت في هذه اللحظة ضجة في المعسكر، وسمعت أجراس مركبة قادمة من بعيد، وصائح ~~يصيح من رجال الحرس بصوت غليظ أجش: من القادم؟ فصعد سيرانو وكرستيان وبعض رجال الحرس ~~إلى التل لينظروا ماذا جرى، فرأوا مركبة مقفلة جميلة تحمل شارة من شارات الشرف، ويجلس ~~بجانب حوذيها غلامان حسنا الزي والهندام، فما شك الجميع في أنها قادمة من باريس، وأن ~~راكبها رسول من قبل الملك يحمل أمرا من أوامره؛ فاصطفوا صفين متقابلين، وسكنوا سكونا ~~عميقا لا حس فيه ولا حركة، حتى وقفت المركبة على مقربة منهم، فأتلعوا إليها أعناقهم ~~وشخصوا بأبصارهم لينظروا من القادم، ثم فتح بابها فإذا سيدة باهرة الجمال مشرقة الطلعة ~~قد وثبت منها وثبة الجؤذر من خميلته؛ فصاح سيرانو وكرستيان معا بصوت واحد: ~~روكسان! وكانت كما يقولون، فصعدت إلى التل بخفة ورشاقة حتى بلغت قمته، وقالت: صباح ~~الخير أيها الأصدقاء، لعلكم جميعا بخير! فرفع الجنود قبعاتهم وأحنوا رءوسهم وعقدوا ~~حولها نطاقا منهم ومن أنظارهم، وظلوا باهتين لمرآها ذاهلين، وكأنما أدركهم الخجل منها ~~لرثاثة ملابسهم وتشعث هيئاتهم، فظلوا يمسحون لحاهم، ويفتلون شواربهم ويقلبون النظر ~~في أعطافهم؛ ليروا هل لصق بها أو خالطها ما تقذى به عيون السيدات الجميلات، ومرت بهم ~~روكسان في مواقفهم تحييهم واحدا فواحدا بابتساماتها اللامعة المتلألئة، وكلماتها ~~العذبة الجميلة، حتى بلغت موقف كرستيان، فألقت نفسها بين ذراعيه. فقال لها وهو ذاهل ~~مدهوش: ما الذي جاء بك يا روكسان؟ قالت: أنت الذي جئت بي يا زوجي العزيز. # وكان سيرانو واقفا مذ رآها وراء إحدى الربوات موقف الذاهل المشدوه، يرعد ويضطرب ~~ويغالب في نفسه ثورة هائلة تتوثب نارها بين أضالعه، ثم ما لبث ms111 أن سمع صوتها تناديه، ~~فانتبه من غشيته وتقدم نحوها، وانحنى بين يديها، فابتسمت له وصافحته مصافحة طويلة ~~وقالت له: لعلك بخير يا ابن عمي! قال: نعم، وأشكر لك تفضلك بزيارتنا، وإن كنت أرجو أن ~~تكون زيارة قصيرة! قالت: لماذا؟ قال: لأننا في ميدان حرب وأخشى أن يصيبك من شرها ~~شيء! قالت: بل سأبقى معكم أطول مما تظنون، فأعدوا لي مقعدا أجلس عليه، فابتدر الجنود ~~تلبية أمرها، ولم يبق بينهم حامل طبل أو صاحب صندوق إلا قدمه إليها، فجلست وهي تقول: ~~ما أطول المسافة بين باريس وأراس، لقد كنت أظنها أقصر من ذلك، ولقد مررت في طريقي ببلاد ~~شملها الخراب والدمار، ورأيت بعيني منظر الجائعين والمتألمين والصارخين، وما كنت أحب ~~الحرب تنال من الإنسانية هذا المنال العظيم، والحق أقول يا أصدقائي: إن العاطفة التي ~~جاءت بي إلى هنا أجمل وأرق من العاطفة التي جاءت بكم، فكم بين من يأتي ليقبل حبيبه، ~~ومن يأتي ليقتل عدوه؟! والتفتت إلى كرستيان، وقالت له: أليس كذلك يا زوجي العزيز؟ قال: ~~بلى. فقال لها سيرانو: ولكن كيف استطعت اختراق خطوط العدو، وتجشم هذه المخاطر كلها، ~~قالت: لقد كان ذلك سهلا جدا يا ابن عمي، واسمحوا لي أيها الأصدقاء أن أقول لكم: إن ~~أعداءكم الإسبانيين قوم ظرفاء أرقاء، لم تسمح لهم شهامتهم وشرف نفوسهم أن يطلقوا ~~النار على امرأة عزلاء، فلقد كنت كلما مررت بحارس من حراسهم فتحت نافذة مركبتي وأشرفت ~~عليه، وابتسمت في وجهه ابتسامة لطيفة، فلا يلبث أن يستقبلني بمثلها، ويتنحى لي عن ~~طريقي، فأمضي في سبيلي، فكانت الابتسامة هي «جواز المرور» الذي فتح لي جميع الأبواب ~~الموصدة أمامي، حتى وصلت إلى هنا. قال: ألم يسألك أحد عن وجهتك التي تقصدينها؟ قالت: ~~كان إذا سألني أحدهم قلت له: إنني ذاهبة لرؤية عشيقي! فتقع هذه الكلمة العذبة الجميلة ~~من نفسه موقع الماء من مهجة الظامئ الهيمان، فيبش في وجهي ويحييني بإحناء رأسه ~~ويتركني وشأني، فقاطعها كرستيان وقال لها: ولكنني لست بعشيقك يا سيدتي، بل زوجك. قالت: ms112 ~~ما ارتبت في ذلك قط يا زوجي العزيز، ولكن كلمة العشيق تنال من نفس العاشق المفارق - ~~وكلكم ذلك الرجل - ما لا تنال منها كلمة الزوج، فسامحني واغفر لي ذنبي. # وهنا دخل الكونت دي جيش رئيس أركان حرب الجيش، فرأى روكسان واقفة موقفها هذا بين ~~الجنود، فدهش دهشة عظيمة إذ رآها، ودنا منها فحياها وقال لها: ما الذي جاء بك إلى هنا ~~يا سيدتي؟ قالت: جئت لأرى زوجي؛ لأنني لم أتمتع برؤيته بعد زواجي منه إلا تلك اللحظة ~~القصيرة التي تعلمها، فاربد وجهه غيظا وقال لها: لقد أخطأت بعملك هذا خطأ عظيما، ~~وليس من الرأي أن تلبثي هنا بعد الآن لحظة واحدة، فأعدي عدتك للرجوع من حيث أتيت، ~~قالت: لماذا؟ قال: لأن المعركة ستدور بعد ساعة أو ساعتين، ولا مكان للنساء في ميادين ~~الحروب. فقال كرستيان: وسنموت في تلك المعركة يا سيدتي عن آخرنا؛ لأن الكونت أراد ذلك، ~~فذعرت روكسان واصفر وجهها، والتفتت إلى الكونت وقالت له: أصحيح ما يقول يا سيدي؟ إنك ~~إذن تريد أن أصبح أرملة. قال: لا، وأقسم لك. قالت: ألا تعلم أنه إذا قدر لي هذا ~~المصير كان ذلك آخر عهدي بالدنيا ونعيمها، واستحال على عين الشمس أن تراني بعد اليوم، ~~إلا إذا استطاعت أن تخترق بأشعتها صفائح القبور! قال: أقسم لك يا سيدتي أنني ... فقاطعته ~~وقالت: كيفما كان الأمر فمحال أن أغادر هذا المكان؛ لأنني أريد أن أموت مع أبناء وطني، ~~فهتف سيرانو بصوت عال: لقد نطقت بكلمة الأبطال يا سيدتي فأهنئك، فابتسمت وقالت: ~~ذلك لأنني ابنة عمك يا سيرانو، فصاح الجنود جميعا بصوت واحد: سندافع عنك يا سيدتي ~~إلى الموت. قالت: شكرا لكم يا أصدقائي، ذلك أملي فيكم، وفي الدم الجاسكوني الذي يجري ~~في عروقكم، فتقدم نحوها «كاربون» قائد الفرقة وانحنى بين يديها، وقال لها: أما وقد ~~أصبحت شريكتنا في حظنا ومصيرنا فائذني لي أن ألجأ إليك في طلبة واحدة. قالت: وما هي؟ ~~قال: أن تفتحي يدك القابضة على هذا المنديل الحريري الجميل . فلم تفهم ms113 ما يريد، ولكنها ~~فتحت يدها فسقط المنديل على الأرض، فالتقطه وقال لها: إن فرقتي يا سيدتي ليست لها ~~راية، وسيكون منديلك هذا رايتها التي تقاتل في ظلها، واعلمي أن جنودي سيموتون جميعا ~~دفاعا عن الراية التي قدمتها لهم أجمل فتاة في فرنسا! ثم عقد المنديل بسنان رمحه ~~الطويل، وركزه على قمة التل؛ فظلت الريح تعبث به، وظل الجنود ينظرون إليه نظر السائر ~~إلى نجمة القطب الخافقة في كبد السماء. # الوليمة # فالتفتت روكسان إلى الجنود باسمة وقالت: ألا تقدمون لي شيئا من طعامكم وشرابكم أيها ~~الإخوان، فإني أكاد أموت جوعا! فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وقد مشت في وجوههم صفرة ~~الموت، ودهمهم من الأمر ما لم يكن يخطر لهم ببال، فشعرت روكسان بحيرتهم واضطرابهم، ~~فابتسمت وقالت: أو قوموا بنا جميعا إلى مطعم «راجنو»؛ لنتناول عنده من الطعام ما نريد، ~~فقال لها أحدهم: إنك تهزئين بنا يا سيدتي، فأين نحن من راجنو ومطعمه؟ قالت: إذن لا ~~أستطيع أن أتصور كيف يكون سروركم واغتباطكم، إذا علمتم أنني قد نقلت لكم هذا المطعم ~~وصاحبه من باريس إلى هنا؟ # وتركتهم ذاهلين مدهوشين لكلامها، وصعدت إلى التل وصاحت: راجنو! راجنو! هات لنا ~~غداءنا، فما أتمت كلمتها حتى أقبل راجنو، والغلامان الخادمان يحملون على أيديهم سلال ~~الخبز، وصناديق الخمر، وأفخاذ اللحم الناضجة، وأنواع الفطائر والحلوى، فهتف الجنود: ~~راجنو، راجنو! وداروا به يحيونه ويعتنقونه، ويجاذبونه أثوابه، فصاح فيهم: دعوني أيها ~~الكسالى، واذهبوا إلى المركبة واحملوا الطعام الذي جئناكم به بأنفسكم، فحسبنا ما حملنا ~~لكم، فهرعوا إلى المركبة وعادوا بما بقي فيها من لحم وخمر وحلوى وفاكهة، فرحين مغتبطين، ~~وهم يقولون: كيف غفلت عيون الأعداء يا راجنو عن هذا الطعام الشهي؟ قال: لأن عيون ~~روكسان الجميلة كانت أشهى إليهم منه. # وما هي إلا هنيهة حتى استداروا حلقات واسعة وأنشئوا يأكلون ويقصفون، وروكسان ~~قائمة في خدمتهم؛ تقدم لهذا كأسا، ولهذا رغيفا، ولهذا سكينا، ومدامعها تتلألأ في ~~عينيها رحمة بهم وإشفاقا عليهم، وسيرانو واقف ناحية ينظر إليها نظرة السرور والغبطة، ~~ويردد ms114 بينه وبين نفسه: يا ملاك الرحمة والإحسان! يا أجمل نسمة طاهرة على وجه الأرض! يا ~~نفسا نفية صافية لم يخلق الله لها مثالا بين نفوس البشر! حسبي منك أن أراك، وأن ينفذ ~~شعاع من أشعة جمالك إلى قلبي المظلم الحالم، فيضيء ظلمته ويشرق في جوانبه. # وإنهم لكذلك إذ سمعوا صوت الكونت دي جيش مقبلا ~~من بعيد. فقال بعضهم لبعض: محال أن ينال هذا الرجل البغيض لقمة واحدة من طعامنا، ~~فلنطو عنه كل شيء حتى ينصرف لشأنه! وما هي إلا كرة الطرف حتى اختفى كل شيء في ثنايا ~~معاطفهم وفروج أكمامهم، ووراء صناديقهم، ثم دخل الكونت وهو يقول: ما هذه الرائحة ~~الجديدة؟ فصمت الجنود ولم يقولوا شيئا، فظل يقلب النظر في وجوههم فيرى الحمرة التي سرت ~~فيها من حرارة الغذاء ونشوة الشراب، فيعجب لها عجبا شديدا؛ ثم قال: ما لي أراكم ~~منتعشين متهللين، وعهدي بكم قبل هذه اللحظة تتهافتون جوعا، وتتساقطون ضعفا وإعياء! ~~فقال له سيرانو: إنها صحوة الموت يا سيدي! فأشاح بوجهه عنه، والتفت إلى روكسان، وقال ~~لها: أباقية أنت هنا حتى الآن يا سيدتي؟ قالت: نعم، وما أنا ببارحة هذا المكان حتى ~~أعود بكم أو أموت معكم! فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه وهتف بكاربون، فلباه ووقف بين ~~يديه. فقال له: إنك ستدير المعركة المقبلة بالنيابة عني يا حضرة القائد. قال: وأنت يا ~~سيدي؟ قال: أما أنا فباق هنا لأدافع عن روكسان بنفسي؛ لأني لا أستطيع أن أترك امرأة ~~في خطر، فأكبر القوم جميعا هذه الشهامة الكبرى والعظمة النفسية، وهمس بعضهم في أذن ~~بعض: إن الرجل لا يزال يجري في عروقه الدم الجاسكوني! فقال لهم سيرانو: إذن يمكننا أن ~~نقدم إليه شيئا من طعامنا وشرابنا، فاندفعوا جميعا نحوه ومدوا إليه إيديهم بما معهم ~~من الطعام والشراب، فألقى عليهم نظرة عالية مترفعة، وقال لهم: نعم، إنني أموت جوعا ~~وسغبا، ولكن الجاسكوني الشريف لا يأكل فضلات طعام غيره، فصاح سيرانو: شهامة أخرى ~~أيها الأصدقاء لا تنسوها له! وهتف: ليحي الكونت دي جيش! ms115 فهتف الجند بهتافه، فشكرهم ~~الكونت بإيماءة رأسه، ثم أنشأ يخطب فيهم خطبة الحرب، ويلقي عليهم الأوامر العسكرية، حتى ~~قال لهم، وهو يشير إلى مدفع جاثم بين يديه: إنكم ما تعودتم إطلاق المدافع قبل اليوم، ~~فاعلموا أن المدفع يتراجع بشدة عند خروج القذيفة منه، فكونوا على بينة من ذلك واحذروه، ~~فصاح أحدهم بصوت عال: إن مدفع الجاسكونيين مثلهم يا سيدي لا يتراجع أبدا! فابتسم له ~~وشكره، وقال: لا يخيبن أملي فيكم يا أبناء وطني، ثم التفت إلى روكسان وقال لها: تعالي ~~معي يا سيدتي لتشاهدي منظر استعراض الجيش، فأعطته يدها فصعدا معا إلى قمة التل. # وما أبعد إلا قليلا حتى مشى سيرانو إلى كرستيان، وقال له همسا: كلمة واحدة أريد أن ~~أقولها لك يا سيدي، فامش معي قليلا، فمشى معه فقال له: ربما فاتحتك روكسان في شأن ~~الرسائل التي كانت ترد عليها منك، وستقول لك إنها كانت تتلقى منك كل يوم رسالة؛ فلا ~~يدهشك ذلك، ولا ترتبك لئلا يفتضح الأمر. قال: وهل كنت تكتب إليها كل يوم؟ قال: نعم؛ ~~لأنني تعهدت لها عنك قبل سفرنا - كما تعلم - أن تكتب إليها كثيرا، فلم أر بدا من ~~الوفاء، وما كان يكلفني ذلك أكثر من التعبير عن شعورك وخوالج نفسك، وذلك ما لا ينقصني ~~العلم به، فإذا فاتحتك في هذا الشأن فلا يكن لك فيه قول غير الذي قلت لك. قال: وكيف ~~كنت تستطيع توصيل هذه الرسائل إليها وقد حصرنا العدو من كل جانب وذادنا عن كل شيء، حتى ~~عن طعامنا وشرابنا؟ قال: الأمر بسيط جدا: كنت أخرج في سحر كل ليلة متنكرا تحت جنح ~~الظلام، فأكمن تارة وأظهر أخرى ... # فقاطعه كرستيان وقال له: وهل هذا بسيط جدا، الحق أقول لك يا صديقي: إنني أصبحت ~~أعجب لأمرك كثيرا، ولئن استطعت أن أفهم كل شيء فإنني لا أستطيع أن أفهم اهتمامك بهذا ~~الأمر هذا الاهتمام كله إلى درجة المخاطرة بحياتك في سبيله. # قال: ما في الأمر مخاطرة ولا مجازفة، فقد كان ~~يلذ لي كثيرا أن ms116 أقوم لك بهذه الخدمة، وأن ألاقي ما ألاقي من الأخطار في سبيلها. ~~قال: وما الذي كان يعجبك من ذلك؟ قال: التمثيل. قال: أي تمثيل؟ قال: تمثيل عواطفك ~~وشعورك، فإنني مذ أخذت نفسي بتمثيل دورك في هذه المأساة المحزنة لم يزل يستهويني ~~التمثيل ويهيمن على نفسي، حتى أصبحت أتخيل أنني صاحب الدور الذي أمثله، وأنني أنا ~~المعني دونك بكتابة هذه الرسائل، والعناية بها والتذرع بكل وسيلة إلى توصيلها إليها. ~~قال: وهل تبلغ لذة التمثيل بامرئ، هذه المبالغ كلها؟ قال: نعم، وكثيرا ما ذرف ~~الممثلون دموعا لم يذرفها العاشقون أنفسهم. ثم التفت فرأى روكسان مقبلة فقال له: قد ~~فهمت الآن كل شيء، فكن حكيما حازما. # ثم تسلل إلى خيمته، وتركه واقفا مكانه. # حقيقة الجمال # قال كرستيان لروكسان وقد جلسا معا على بعض المقاعد: هل لك أن تحدثيني يا روكسان: ما ~~الذي جاء بك إلى هنا؟ فإنني لا أزال أعجب لأمرك كل العجب، ولا أكاد أصدق أن الحب ~~يجشم صاحبه هذه الأخطار التي جشمتها نفسك في سبيله. قالت: لقد سحرتني وملكت علي ~~لبي رسائلك العذبة الجميلة التي كنت ترسلها إلي صبيحة كل يوم وتودعها شعور قلبك، ~~وهواجس نفسك، وتكتبها بتلك اللغة الغريبة المؤثرة التي لو لامست الصخر الأصم لانفجر ~~وتناثرت شظاياه في أجواز الفضاء، وقد حاولت كثيرا أن أثبت لها وأقاوم تأثيرها على ~~نفسي بكل سبيل، فغلبتني على أمري وقادتني إليك كما تراني. # قال: أمن أجل بضع رسائل بسيطة ...؟ # فقاطعته وقالت: لا تقل بسيطة، بل هي الوحي الإلهي الذي ينزل على نفوس الملهمين من ~~البشر، بل هي القوة الغيبية التي تهيمن على العالم، وتحيط به من جميع أقطاره دون أن ~~يدرك أحد مكانها أو يعرف مأتاها، ولقد كان يخيل إلي وأنا أقرؤها أنني أرى صورتك ~~فيها، كما يرى الناظر صورة البدر من وراء السحب الرقيقة، فأهوي إليها بفمي لأقبلها، ~~فإذا أنا أقبل السطور والكلمات! # فأطرق كرستيان برأسه، وقد ألم بنفسه من الهم والكمد ما الله عالم به، واستمرت روكسان ~~في حديثها تقول: إنني ms117 ما أحببتك يا كرستيان حبا صادقا متغلغلا في أعماق نفسي إلا ~~منذ تلك الليلة التي رأيتك فيها واقفا تحت شرفتي تناجيني نجاء عذبا رقيقا بتلك ~~النغمة الرقيقة المؤثرة، وتفضي إلي بذات نفسك، كأنك قد ألمستني فؤادك، ووضعت يدي ~~على قلبك، ثم توالت علي رسائلك بعد ذلك، فكنت أسمع فيها دائما تلك النغمة الموسيقية ~~الخلابة، وكأنك لا تزال واقفا أمام شرفتي تناجيني فلا أستطيع أن أملك نفسي دون البكاء ~~والحنين، وأقسم لك لو أن «بينيلوب» وردت عليها من زوجها «عولس» تلك الرسائل التي وردت ~~علي منك لما أطاقت صبرا على فراقه، ولألقت بنسيجها الذي عرفت به في التاريخ، وذهبت ~~تفتش عنه بين سمع الأرض وبصرها حتى تلقاه. # فقال ونفسه تذوب حسرة وكمدا: ما كنت أقدر يا روكسان أن تلك الرسائل الصغيرة تبلغ ~~من نفسك هذه المبالغ كلها. قالت: لقد كان سلطانها على نفسي عظيما جدا، وكنت أعيد ~~قراءتها مرات كثيرة، حتى تتشربها نفسي وتتمثلها روحي، وحتى كان يخيل إلي أن كل ~~كلمة من كلماتها ورقة تطير إلي من أوراق روحك، فما لبثت أن شعرت أنني قد أصبحت ملكا ~~لك، وأسيرة في يديك، وأن أمر نفسي قد خرج من يدي، فلا حول لي فيه ولا حيلة. # فاكتأب كرستيان وتقبض وجهه، وقال لها: أهذا كل ما جاء بك إلى هنا؟ قالت: نعم، جئت ~~لأستغفرك من ذلك الذنب الذي أذنبته إليك، فقد أحببتك لأول عهدي بك لجمالك ورونقك وقسامة ~~وجهك، كأن الجمال هو كل فضائلك ومزاياك، فأهنتك بذلك إهانة عظمى، أما الآن فإني أجثو ~~بين يديك، لا بجسمي - فإنك لا تلبث أن ترفعني بيدك - بل بروحي التي لا يمكنك أن تغير ~~مكانها منك أبدا، طالبة صفحك وعفوك عن تلك الجريمة التي اقترفتها، وما أحسبك تضن ~~علي بذلك في هذه الساعة التي نقف فيها جميعا على أبواب الأبدية، ونودع فيها الحياة ~~الوداع الأخير. # فانتفض كرستيان وشخص في وجهها ساعة، ثم قال لها: هذا شأنك في الماضي، ثم ماذا كان بعد ~~ذلك؟ قالت: كنت بعد ذلك ms118 أكثر تعقلا وروية، وأبعد فكرا ونظرا، فامتزج في نظري ~~جمال صورتك بجمال نفسك، فاستحالتا إلى صورة واحدة فأحببتها. قال: والآن؟ قالت: أما ~~الآن فقد انتصرت نفسك عليك انتصارا عظيما، فأصبحت لا أحب منك سواها، ولا أشعر ~~بسلطان لغيرها على قلبي. # فاصفر وجهه اصفرارا شديدا، وأطرق برأسه، وظل يقول بينه وبين نفسه: إنها ما أحبتني ~~في حياتها لحظة واحدة! # واستمرت هي في حديثها تقول: فليهنك ذلك الحب الثمين يا زوجي العزيز، فإن أسعد ~~الناس حالا في هذه الحياة، وأحظاهم بنعمة العيش فيها أولئك الذين منحهم الله نفسا ~~جميلة شعرية تتعشقها القلوب، وتتشربها النفوس، وتهفو لها الأحلام، وتقوم لهم في كل ~~موقف ومقام مقام الجمال الجثماني إن فاتهم، أو نزلت به كارثة من كوارث الدهر، وما ~~الجمال الجثماني إلا سحابة رقيقة تطير بها برودة الهواء، أو هضبة ثلجية تذيبها حرارة ~~الشمس، وما أحب المحبون قط في الصور الجميلة جمالها ورونقها، بل جمال النفوس الكامنة ~~في طياتها؛ ولا أبغض المبغضون في الصور الدميمة قبحها ودمامتها، بل قبح النفوس ~~المستكنة فيها، فإذا اختلف العنوان عن الكتاب في إحدى الحالتين كان الفوز العظيم ~~للجمال النفسي على صاحبه، وإني أعترف لك يا كرستيان بأني ما أحببتك عند النظرة الأولى ~~إلا لجمالك؛ لأني ما كنت أرى في سماء حياتك كوكبا مشرقا سواه، وما هي إلا أيام قلائل ~~حتى أخذ ذلك الكوكب يتضاءل أمام عيني شيئا فشيئا بجانب تلك الأشعة الباهرة، التي كانت ~~تتدفق من ينبوع نفسك الجياشة الفياضة، حتى أصبحت لا أراه ولا أشعر به. # فازداد اضطرابه واصفراره، وظل ينظر إليها نظرا غريبا حائرا. فقالت له: ما لي أراك ~~حزينا مكتئبا، كأنك في شك من هذا الانتصار العظيم الذي تم لنفسك عليك؟ فنظر إليها ~~نظرة ساكنة جامدة، ثم قال: اسمعى يا روكسان، إنني لا أحفل بهذا الحب ولا أغتبط به، ~~ولا أريد إلا أن تنظري إلي دائما بتلك العين التي نظرت بها إلي لأول عهدك بي. قالت: ~~إني أعجب لأمرك كثيرا يا كرستيان، فإن الحب الذي تؤثره ms119 وتغتبط به حب تافه لا قيمة ~~له ولا ثبات لظله، أما الآن فإني أحبك لصفاتك الكريمة النادرة التي قلما اجتمعت لمخلوق ~~سواك: أحبك لذكائك الخارق، وفطنتك النادرة، وشرف عواطفك، ورقة شعورك، ولطف حسك، وسعة ~~خيالك، وذلك البيان الرائق الصافي الذي يشف عن جوهر نفسك شفوف الغدير الساكن عن لآلئه ~~وجواهره، أحبك من أجل ذلك كله حبا ثابتا راسخا لا تعبث به صروف الدهر، ولا تنال منه ~~عاديات الأيام، حتى لو استحالت صورتك إلى صورة أخرى غيرها لما نقص حبي إياك ذرة ~~واحدة! # فارتعد كرستيان وشعر أن نفسه قد بدأت تتسرب من بين جنبيه، فمد يده إليها ضارعا ~~وقال: الرحمة يا روكسان! قالت: بل لو ذهب جمالك بحادثة من حوادث القضاء، فأصبحت بشع ~~الصورة دميم الخلقة ... # فقاطعها وصاح: دميم الخلقة؟ قالت: نعم، وأقسم لك على ذلك يا زوجي العزيز، ويا أحب ~~الناس إلي. # فظل يرتعد ويضطرب اضطرابا خيل إليها أنه نشوة الحب وسكرة السرور. فقالت له: أسعيد ~~أنت الآن يا كرستيان؟ فنظر إليها نظرة غريبة لا يعلم إلا الله ما يكمن وراءها، وقال: ~~نعم سعيد جدا، ومن هو أولى بالسعادة مني؟ ونهض قائما يريد الانصراف. فقالت له: إلى ~~أين؟ قال: لم يبق بيننا وبين المعركة إلا لحظات قليلة، ولا بد أن يكون هذا آخر اجتماع ~~لنا، فالوداع يا روكسان وداعا لا لقاء بعده! فاضطربت وقالت: ولم يغلب يأسك على ~~رجائك، ورحمة الله أوسع من أن تضيق بك؟ قال: إن السعادة أضن بنفسها من أن تثبت زمنا ~~طويلا في مكان واحد! فالوداع يا روكسان! # وأخذ يبتعد عنها شيئا فشيئا دون أن يضع يده في يدها أو يقبلها قبلة الوداع، فمشت ~~وراءه وهي تعجب لأمره وتقول: ما بالك يا كرستيان؟ قف قليلا لأقول لك كلمة واحدة ثم ~~اصنع ما شئت، إنك لم تفهم غرضي! وأقسم لك أنك لو فهمته لعلمت أنني أحببتك حبا ما ~~أحبه أحد من قبلي أحدا. قال: حسبك يا روكسان وعودي إلى هؤلاء الجنود المساكين ~~البائسين، فإنهم يفكرون في مثل ms120 ما أفكر فيه، ويودعون الحياة كما أودعها، فاذهبي ~~إليهم، واجلسي بينهم قليلا، وعزيهم بابتساماتك العذبة الجميلة عن همومهم وآلامهم، أما ~~أنا فذاهب لقضاء بعض الشئون، وربما عدت إليك بعد قليل. # ثم اختفى عن نظرها. # المكاشفة # دخل كرستيان على سيرانو في خيمته شاحب اللون، مكفهر الجبين. فقال له سيرانو: ماذا بك ~~يا صديقي؟ قال: إنها حدثتني الآن حديثا طويلا علمت منه أنها لا تحبني، بل ما أحبتني ~~قط في يوم من أيام حياتها! قال: ماذا تريد أن تقول؟ قال: وأقول أيضا إنها تحبك أنت، ~~ولا تحب في الدنيا أحدا سواك. # فانتفض سيرانو انتفاضة شديدة كادت تتطاير لها أجزاء نفسه، وقال: أنا؟ قال: نعم؛ ~~لأنها اعترفت لي بأنها لا تحب مني إلا نفسي، وأنت نفسي التي تكمن بين أضالعي، فهي تحبك ~~حب العابد معبوده، وما جاءت هنا إلا من أجلك، وما أشك في أنك تضمر لها في قلبك من الحب ~~مثل ما تضمر لك. # فصرخ سيرانو وقال: لا، وأقسم ... # فقاطعه كرستيان وقال: لا تفعل، فلقد نمت عليك تلك الدمعة التي رأيتها بعيني في ~~كتاب الوداع الذي كتبته إليها، وما هي بدمعة الشعر كما تقول، بل دمعة الحب، وما كنت ~~تكتب إليها عن لساني كما تزعم، بل عن لسانك أنت، فاعترف بأنك تحبها. # فأطرق سيرانو هنيهة ذهبت نفسه فيها كل مذهب، ثم رفع رأسه وقال: نعم يا كرستيان، ~~أعترف لك بأني أحبها، وأقسم لك أنني ما طمعت فيها قط. قال: نعم، أعلم ذلك، فوا رحمتاه ~~لك ولتلك الآلام الطوال التي قاسيتها في ماضي حياتك، أما الآن ففي استطاعتك أن تطمع ~~فيها كما تشاء، ولا يوجد في العالم شيء يحول بينك وبينها. قال: لا أستطيع، فإن من يحمل ~~وجها مثل وجهي لا يطمع في حياة الحب والغرام. قال: إنها أقسمت لي أنني لو كنت بشع ~~الخلقة، دميم الوجه لما نقص حبها إياي ذرة واحدة، فانتعش سيرانو وقال: أوقالت لك ذلك؟ ~~قال: نعم، ما زالت تقوله لي حتى أملتني وأضجرتني! قال: لا تحفل بقولها، فهي ms121 فتاة ~~شعرية الأفكار والتصورات، تقول بلسانها غير الذي تضمره في أعماق نفسها، فابق محبوبها ~~الجميل كما كنت، ولأبق أنا لسانك الناطق بين يديها حتى يقضي الله فينا جميعا بقضائه! ~~قال: ذلك مستحيل بعد الآن، فإني أشعر في أعماق نفسي بخجل ما أحسب إلا أنه سيقضي على ~~حياتي قبل أن تقضي عليها القذيفة التي تنتظرني في ساحة القتال، فاذهب إليها واعترف لها ~~بكل شيء، وقل لها: إن الرجل الذي أحببته من أجل ذكائه وفطنته وذلاقة لسانه وقوة بيانه ~~كاذب، عاش ينتحل مواهب الناس وفضائلهم لنفسه، وليس له فيها من الحظ شيء! قال: ذلك فوق ~~الاحتمال يا كرستيان. قال: لا بد من ذلك، فليس من العدل أن أقتل هناءك من أجل أن ~~الطبيعة جملتني بهذه الحلية البسيطة من الجمال. قال: وليس من العدل أن أفجعك في سعادتك؛ ~~لأن الطبيعة منحتني شيئا من القدرة على التعبير عن عواطفي. قال: لا بد أن تفاتحها في ~~موضوع حبك، فأنت محبوبها الحقيقي، أما أنا فخلعتك الجميلة التي تلبسها وتتجمل ~~بها، فانزعها عنك، وتقدم إليها بأي ثوب تريده، فهي لا تبالي بجمال الأثواب وزخرفها، ~~إنني ضقت ذرعا بهذه النفس الغريبة التي أحملها دائما بين جوانحي، حتى أعييت بأمرها ~~إعياء شديدا، ولا راحة لي إلا في الخلاص منها! قال: إنك تريد شقائي يا صديقي: قال: ~~لا، بل سعادتك، فاذهب إليها وقص عليها القصة من مبدئها إلى منتهاها، واترك لها ~~الخيار في أمرها، فإن اختارتك فقد أنصفتك، ولقد كان عقد الزواج الذي جرى بيننا عقدا ~~سريا لا تحفل به الكنيسة، ولا يعبأ به الناس، فما أسهل التخلص منه، وإن اختارتني لا ~~أكون غاشا لها ولا خادعا. قال: ستختارك أنت بلا شك. قال: أرجو أن يكون كذلك، وها هي ~~ذي مقبلة فاشرح لها كل شيء، أما أنا فذاهب إلى نهاية الخط لشأن من الشئون لا بد لي ~~من قضائه، وربما عدت إليك بعد قليل. # فارتاب سيرانو في أمره، وأمسك بيده وقال له: إنني أقرأ على جبينك آية اليأس يا ~~كرستيان، ms122 فهل تقسم لي أنك لا تقتل نفسك؟ قال: أقسم لك ألا أقتل نفسي، ثم التفت فرأى ~~روكسان على مقربة منه. فقال لها: سيحدثك سيرانو حديثا خطيرا فاذهبي إليه. # ثم وضع يده على مقبض سيفه فجرده من غمده، وهرع إلى ساحة القتال وهو يقول: الوداع يا ~~نور السماء! # الفاجعة # فدنت روكسان من سيرانو وقالت: ما باله؟ إني أعجب لأمره كثيرا، ولا أدري ما الذي ~~دهاه، فما هو ذلك الحديث الخطير الذي تريد أن تحدثنيه؟ قال: لا شيء، إنه يهتم بأصغر ~~الأمور وأبسطها، فلقد كان يروي لي تلك المحادثة التي دارت بينك وبينه منذ هنيهة. ~~قالت: نعم، ويخيل إلي أنه لم يفهم غرضي، أو أنه في شك مما أفضيت به إليه؛ وأؤكد لك ~~يا صديقي أنني ما قلت له إلا الحقيقة التي أعتقدها، فإنني أصبحت - بعد اطلاعي على تلك ~~الرسائل البليغة التي كان يرسلها إلي كل يوم من ميدان الحرب - مفتتنة بعقله وذكائه ~~أكثر من افتتاني بحسنه وجماله، حتى لو استحالت صورته إلى صورة أخرى غيرها، أو ذهب ~~بجماله حادث من حوادث الدهر فأصبح ... ثم سكتت حياء وخجلا. فقال: دميما؟ قالت: نعم، ~~ولو أصبح كذلك. قال: وبشع الصورة؟ قالت: نعم. قال: ومشوه الوجه؟ قالت: نعم. قال: ~~وضحكة الناس وسخريتهم؟ قالت: إن من كان له مثل عقله ولسانه لا يكون ضحكة الناس ~~وسخريتهم. # وهنا سمعا أول طلقة من طلقات المعركة، فلم يحفلا بها، واستمر سيرانو في حديثه ~~يقول: أتحبينه برغم كل شيء؟ قالت: نعم برغم كل شيء، فقد غمر جمال نفسه جمال صورته حتى ~~أصبحت لا أراها ولا أشعر بها، فاغتبط سيرانو في نفسه اغتباطا عظيما، وعلم أنه قد أشرف ~~على السعادة التي ظل ينتظرها أعواما طوالا، ولم يبق بينه وبينها إلا كلمة أخرى ينطق ~~بها، فإذا هي بين يديه. # في هذه اللحظة أقبل «لبريه» من ناحية الميدان مسرعا، وأسر في أذن سيرانو هذه ~~الكلمة: «قد قتل كرستيان!» فانتفض وقال: وكيف قتل؟ قال: بأول قذيفة من قذائف المعركة، ~~فاصفر وجهه وارتعدت فرائصه، وغشت ms123 على عينيه غمامة سوداء، فعجبت روكسان لأمره وقالت له: ~~ما بك يا سيرانو؟ قال: لا شيء! قالت: أتمم حديثك، ماذا كنت تريد أن تقول لي؟ فصمت وأطرق ~~هنيهة، وظل يقول بينه وبين نفسه: قد انقضى كل شيء، فلا أستطيع أن أقول شيئا، ولقد ~~كان كرستيان صديقي وعشيري، فليس في استطاعتي أن أبني سعادتي على أنقاض شقائه! فظلت ~~روكسان تنظر إليه ذاهلة حائرة، وتقول: ليت شعري ماذا جرى؟ وسيرانو مطرق لا يرفع ~~رأسه، حتى أقبل جماعة من الجنود يحملون على أيديهم شيئا مسجى يشبه الجثة، فوضعوه ~~ناحية، فارتعدت روكسان، وكأن نفسها حدثتها بما كان، ~~فظلت تنظر إلى ذلك الشيء باهتة مدهوشة، وتقول: انظر ~~يا سيرانو! ما هذا الذي أرى؟ أتدري ماذا يحمل هؤلاء الرجال؟ فانتبه إليها وقال: دعيهم ~~وشأنهم يا سيدتي، واستمعي بقية حديثي، وحاول أن يجمع شتات ذهنه المبعثر فلم يستطع، فأخذ ~~يتكلم كلاما مضطربا متقطعا، ويقول: كنت أريد أن أقول لك ... آه، ماذا كنت أريد أن ~~أقول؟ لا أستطيع أن أقول شيئا، فقد انقضى كل شيء، كنت أريد أن أقول ... آه، قد تذكرت: ~~أقسم لك يا روكسان أنك صادقة فيما قلت، نعم كان كرستيان كما قلت: فتى ... فقاطعته ~~وصرخت صرخة عظيمة وقالت: كان؟! يخيل لي أنك ترثيه! ودفعته بيدها دفعة شديدة، وهرعت ~~إلى الجثة، وكشفت الغطاء عنها، فإذا كرستيان في سكرة الموت. # فألقت بنفسها عليه، وقد أصابها مثل الجنون، وظلت تبكي وتنتحب انتحابا محزنا، وتصرخ ~~صرخات مؤلمة، ثم لمحت في صدره الجرح الذي ينبعث منه الدم، فمزقت قميصها واقتطعت منه ~~قطعة، وهرعت إلى موضع الماء لتبللها، ففتح كرستيان عينيه في تلك اللحظة وتأوه آهة ~~طويلة، فدنا منه سيرانو وأكب عليه وهمس في أذنه: أبشر يا كرستيان، فقد بحت لها بكل ~~شيء وخيرتها بيني وبينك، فاختارتك من دوني، وهي لا تحب أحدا سواك! # وعادت روكسان وفي يدها القطعة المبللة، فظلت تمسح بها الجرح، وتقول: إنه لا يزال ~~حيا، وسيلتئم جرحه بعد قليل، وسيعيش بجانبي دهرا طويلا، أليس كذلك يا سيرانو؟ ms124 ثم ~~وضعت خدها على خده، فشعرت ببرودة الموت تسري في جسمه، فاصفرت وتخاذلت أعضاؤها، وظلت ~~تناجيه نجاءا محزنا مؤثرا، وتضرع إليه أن يعيش من أجلها؛ لأنها في حاجة إليه، ولا ~~تستطيع أن تهنأ بالحياة من بعده، ثم وضعت يدها على صدره، فعثرت بذلك الكتاب الذي كان قد ~~أخذه من سيرانو، فأمرت نظرها عليه فوجدته معنونا باسمها، ورأت عليه نقطة من الدم، ~~وتلك القطرة من الدمع. فقالت: وا رحمتاه له! إنه كان يحدث نفسه بهذا المصير الذي صار ~~إليه! # واحتضنته إلى صدرها وظلت تقبله وتلثمه، ففتح عينيه للمرة الأخيرة فرآها، فحاول أن ~~يتحرك فلم يستطع، فشهق شهقة كانت فيها نفسه! # المعركة # وكانت المعركة قد اشتدت، ودوى الميدان بصرخات الجنود وصيحاتهم، وقعقعة السلاح وأزيز ~~الرصاص، وهتاف القواد بالجند أن تقدموا، ولا تتقهقروا أيها الأبطال البواسل، وانتزعوا ~~النصر من بين مخالب أعدائكم انتزاعا، فهاج الموقف نفس سيرانو، فجذب يده من يد روكسان - ~~وكانت آخذة بها - ليهجم مع الهاجمين، فاستوقفته وقالت له: ابق معي قليلا يا سيرانو، ~~فلقد مات كرستيان، وليس في العالم من يعينني على نكبتي فيه سواك، لقد كنت الرجل ~~الوحيد الذي عرفه حق المعرفة، وأدرك ما اشتملت عليه نفسه من الفضائل والمزايا، فقل لي: ~~ألم يكن في حياته عظيما؟ قال: بلى. قالت: وذا همة عالية لا تسمو إليها همم الرجال؟ ~~قال: بلى. قالت: وذا نفس عذبة صافية كأنها قطرة الندى المترقرقة في الزهرة الناضرة؟ ~~قال: بلى. قالت: وشاعرا عبقريا لم تطلع الشمس على مثله في عهد من عهودها الخالية؟ ~~قال: بلى. قالت: لقد هوى ذلك الكوكب المنير من سمائه، وانحدرت تلك الشمس المشرقة إلى ~~مغربها من حيث لا رجعة لها، فوا أسفا عليه! ثم صرخت صرخة تتقطع لها نياط القلوب، ~~وألقت بنفسها عليه، وظلت ترثيه وتندبه، وتذرف فوق جثته جميع ما أودع الله عيونها من ~~دموع، فوقف سيرانو وجرد سيفه من غمده وقال: إنها الآن تبكيني في بكائها على كرستيان؛ ~~فيجب أن أموت! # وكان رصاص الأعداء يحصد الجاسكونيين حصدا ، فيتساقطون تساقط ms125 أوراق الشجر الجافة أمام ~~الزوبعة الهائلة، وهم لا ينثنون ولا يتحلحلون، والكونت دي جيش في مقدمتهم يصيح بصوت ~~عال: ها هو ذا جيش قائدنا قد اقترب، فاصبروا ساعة أخرى يتم النصر لفرنسا، فصرخ سيرانو: ~~الوداع يا روكسان! واندفع إلى قمة التل، فاستقبله الكونت، واعترض طريقه وقال له: قف ~~مكانك، لا تلق بيدك إلى التهلكة، فقد آن أوان الهزيمة أو هلك الجنود جميعا. قال: إن ~~الجاسكونيين لا يتراجعون ولو أمرتهم بذلك، فكل أمرهم إلي ودعني وشأني، فإنني ناقم ~~موتور أريد أن أنتقم لصديقي الذي ثكلته! وهنائي الذي فقدته، فاذهب أنت إلى روكسان ~~ودافع عنها كما وعدتها حتى تبلغ مأمنها! # ثم صاح في الجنود: تشجعوا أيها الأصدقاء ولا تتقهقروا، فالحياة أمامكم، وليست ~~وراءكم، فتقدموا أيها الأبطال وموتوا جميعا، فما في الموت شيء سوى أن تنقلوا ~~مكان اجتماعكم من الأرض إلى السماء، موتوا فالموت أهون عليكم من أن تروا وطنكم ذليلا ~~في يد أعدائكم، وقد مات أصدقاؤكم ورفقاؤكم، فما بقاؤكم في الحياة من بعدهم؟ رفرف علينا ~~أيها العلم الصغير المطرز باسمها، وابعث في قلوبنا جميعا روح القوة والشجاعة لنموت ~~عن آخرنا تحت ظلك الخافق! # فظل الجنود ثابتين في أماكنهم ومنجل القضاء يحصدهم حصدا، حتى وصل جيش العدو إلى قمة ~~التل، وصاح قائدهم: ألقوا بأسلحتكم أيها القوم، فستموتون جميعا إن لم تسلموا ولا ~~يجدي عليكم الموت شيئا! فأجابه سيرانو: لا يسلم إلا الأذلاء الجبناء، وما فينا ~~جبان ولا ذليل! الهجمة الأخيرة أيها الأبطال؛ فها هي ذي طبول القائد الأعظم تدنو منا ~~وتقترب، وليس بينكم، وبين النصر إلا كرة واحدة. # وكان الأمر كما يقول، فما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى أشرف جيش القائد العام، وهاجم ~~الأعداء من خلفهم، فالتحم الجيشان، وما هي إلا جولة أو جولتان حتى تم النصر للراية ~~الفرنسية على الراية الإسبانية، ولكن بعد أن تلاشى الجنود الجاسكونيون في المعمعة ~~جميعا! # الفصل الخامس # | بعد خمسة عشر عاما # لدير الراهبات بباريس فناء واسع قد غرست في أنحائه بضع أشجار ضخمة باسقة، قد ms126 تناثرت ~~من تحتها أوراقها الساقطة الصفراء، ووضع في وسطه مقعد حجري هلالي الشكل، فخرجت الراهبات ~~بعد أداء صلواتهن في محاريبهن، يتمشين في ذلك الفناء، ويتحدثن بأحاديث مختلفة، لا يخلو ~~بعضها من ذكر العالم الدنيوي وشئونه، والحياة ووقائعها، كأن ذلك الحجاب الحجري الذي أسدل ~~دونهن من الأسوار والجدران لم يستطع أن يقطع الصلة بينهن وبين الحياة التي هجرنها ~~واطرحنها، وأقسمن بين يدي الله أن ينسينها أبد الدهر. # فلم يزل بين جوانحهن بصيص ضعيف من تلك الذكرى يلمع من حين إلى حين؛ لأنهن لا يستطعن ~~- مهما بلغن من قوة اليقين ورسوخ الإيمان وثبات العزيمة - أن ينتزعن الطبيعة من بين ~~جنوبهن، كما يرفعن قبعاتهن عن رءوسهن وأرديتهن عن أكتافهن، ويرمين بها وراء تلك الأسوار ~~والجدران، كما أرادت منهن ذلك الشرائع النظرية التي لا صلة بينها وبين حقائق الحياة ~~وطبائعها. فقالت الأخت «مارت» للأخت «كلير»: لقد رأيتك اليوم واقفة أمام المرآة مرتين، ~~ورأيت في يدك مشطا تحاولين أن تمشطي به شعرك، وسأرفع أمرك إلى الرئيسة! قالت: إنك لا ~~تستطيعين أن تفعلي إلا إذا استطعت أن تحدثيني عن تلك الأغنية الغرامية، التي كنت تتغنين بها ~~ليلة أمس في غرفتك بصوت خافت شجي، كأنك تتذكرين بها عهدا قديما! فابتسمت الأخت «مارت» ~~وقالت: إنني إن أعفيتك من الشكوى إلى الرئيسة، فلن أعفيك من الشكوى إلى المسيو بيرجراك ~~عند حضوره! قالت: كأنك تأبين إلا أن نصبح ضحكة الناس وسخريتهم؛ فسيرانو رجل شديد قاس، ~~يكره الحركات النسائية المتطرفة، وينعى عليها نعيا شديدا. قالت: ولكنه يذهب في نقده مذهب ~~التهكم البديع المستطرف، فهو إلى الفكاهة أقرب منه إلى الجد. فقالت الأخت «مارجريت»: الحق ~~أقول يا أخواتي، إنني لم أر في حياتي أظرف من هذا الرجل، ولا أعذب منه لسانا، ولا أحلى ~~مجونا، ولا أطيب قلبا، ولا أنقى سريرة. فقالت لها «كلير»: أصحيح يا أختاه أنه يختلف إلى ~~هذا الدير منذ اثني عشر عاما قالت: بل أكثر من ذلك، مذ هجرت ابنة عمه الأخت روكسان العالم ~~الدنيوي، ونزلت بنا كما ينزل ms127 الطير الحزين وسط الطيور البيضاء، ومزجت سواد رهبانيتها بسواد ~~حدادها، وسيرانو هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يعزي نفسها، ويمسح دموعها، ويخفف أحزانها ~~الكامنة في أعماق قلبها. فقالت «مارت»: ولكنه، ويا للأسف غير متمسك بواجباته الدينية، وهو ~~إلى الإلحاد أقرب منه إلى الإيمان. فقالت «كلير»: أظن أننا نستطيع أن نهديه إذا نحن حاولنا ~~منه ذلك. # وهنا أقبلت الرئيسة، وقد سمعت هذه الكلمة الأخيرة، فعلمت أنهن يتكلمن عن سيرانو. فقالت: ~~إني أمنعكن جميعا عن مفاتحته في هذا الأمر، فدعنه وشأنه، والله يتولى أمره. فقالت: ~~«مارت»: ولكنه مكابر عنيد، لا يزال يولع بمحادتي ومغايظتي كلما رآني؛ فقد قال لي يوم ~~السبت الماضي عند حضوره: إنه أكل بالأمس لحما ودسما، فلم أطق استماع ذلك منه وكدت أختصمه، ~~قالت: لا تصدقيه يا بنيتي، فإنه حينما جاءنا في المرة الماضية كان قد مر به يومان لم يذق ~~فيهما طعم الخبز! فدهشت الراهبات جميعا، ونظرن إلى الرئيسة باهتات مذهولات. فقالت لهن: لا ~~يدهشكن ذلك يا بنياتي، فسيرانو رجل فقير معدم، لا يملك من متاع الدنيا شيئا. فقالت ~~لها «مرجريت»: عجيب جدا! من أخبرك بذلك؟ قالت: صديقه «لبريه». قالت: ألا يساعده أحد؟ ~~قالت: لا؛ لأنه لا يريد ذلك. # وإنهن لكذلك إذ أقبلت روكسان من ناحية باب الدير في لباسها الأسود، وبجانبها الكونت دي ~~جيش، وكان قد وصل في مجده الدنيوي إلى الغاية القصوى التي لا غاية وراءها، فأصبح القائد ~~العام للجيش الفرنسي، وأصبح يدعى «الدوق ماريشال دي جرامونت»، وكان قد أشرف في ذلك الوقت ~~على سن الشيخوخة، فهدأت في نفسه تلك العواطف القديمة الثائرة، عواطف الشرور والشهوات، ~~فأخذ نفسه بزيارة روكسان في ديرها من حين إلى حين للتعزية والوفاء والتكفير عن سيئاته ~~الماضية إليها، فلم يزل سائرا معها حتى بلغا ذلك المقعد فجلسا عليه، ثم نظر إليها نظرة ~~حزينة مكتئبة، وقال لها: أهكذا تعيشين دائما يا روكسان في عزلتك هذه، لا تفكرين في شأن ~~من شئون الحياة، ولا تأسفين على عهد من عهودك الماضية؟ قالت : نعم دائما، ms128 لا أذكر غيره، ~~ولا يمر بخاطري شيء سواه! قال: وهل غفرت لي ذلك الذنب الذي أذنبته إليك، أم لا تزال في قلبك ~~بقية من العتب والموجدة علي؟ فاغرورقت عيناها بالدموع وصمتت هنيهة، ثم رفعت ~~نظرها إلى صليب الدير العظيم الماثل أمامها وقالت: ما دمت في هذا المكان، وما دام هذا ~~ماثلا أمام عيني، فأنا أغتفر جميع الذنوب، حاضرها وماضيها. قال: وا رحمتاه لذلك الفتى ~~المسكين! ما كنت أظن أن نفس إنسان في العالم تشتمل على مثل الصفات التي كانت تشتمل عليها ~~نفسه، لولا أنك أقسمت لي على ذلك! قالت: إنك لو عرفته معرفتي إياه لامتلأت نفسك إعجابا به، ~~وإعظاما له، ولكان حزنك عليه عظيما كحزني! قال: وهل لا تزالين محتفظة بكتابه الأخير حتى ~~اليوم؟ قالت: إنه لا يفارق صدري قط، كأنه الكتاب المقدس. قال: أتحبينه حتى بعد الموت؟ قالت: ~~يخيل إلي أحيانا أنه لم يمت؛ لأن مكانه من قلبي لا يزال باقيا كما هو، وكأن روحه ~~ترفرف علي وتتبعني حيثما سرت وأنى حللت، ولا تزال ترن في أذني حتى الساعة تلك النغمة ~~الجميلة التي كان يحدثني بها ليلة الشرفة، كأن لم يمر بها إلا يوم واحد. قال: وهل يأتي ~~سيرانو لزيارتك أحيانا؟ قالت: نعم، يفد إلي دائما يوم السبت من كل أسبوع، في ساعة ~~معينة لا يتأخر عنها ولا يتقدم، فإذا حضر رآني جالسة أمام منسجي، فيجلس على مقربة مني فوق ~~مقعد يعدونه له، ويبدأ حديثه معي بالهزل والمجون والسخرية بي وبمنسجي، ويسميه «الحركة ~~الدائمة التي لا نهاية لها»، فإذا فرغ من ذلك أخذ يقص علي حوادث الأسبوع يوما فيوما ~~كأنه جريدة أسبوعية، واعلم يا سيدي أن ذلك الصديق القديم والأخ الوفي هو الشخص الوحيد الذي ~~يستطيع أن يسري عني بعض همومي وآلامي، ويحمل عني الشيء الكثير من أثقال هذه الحياة ~~وأعبائها، ولولاه لمت في عزلتي هذه هما وكمدا. # وهنا فتح باب الدير ودخل «لبريه» فتقدم نحو روكسان فحياها. فقالت له: كيف حال صديقك يا ~~لبريه؟ قال: في أسوأ حال ms129 يا سيدتي، فإن غرابة أخلاقه، وشذوذ طباعه، وتهوره في ميوله ~~وآرائه، وصلابة عوده في خصوماته ومناظراته قد بلغت به المبلغ الذي كنت أتوقعه له من عهد ~~بعيد: الفقر والعدم، والشقاء والبؤس، والخصوم الألداء، والأعداء الثائرين المتنمرين ~~الذين يكيدون له ليلهم ونهارهم لا يهدءون ولا يفترون، وهو في غفلة عن هذا كله، لا يعجبه ~~ولا يطربه ولا يلذ له غير الانتقاد المر، والتهكم المؤلم بالأشراف والنبلاء ورجال الدين، ~~والأدباء والصحفيين، والشعراء والممثلين، لا يهادنهم ولا يواتيهم، ولا يهدأ عنهم لحظة ~~واحدة، فينعى على القسيس نظرة واحدة يلقيها عرضا على وجه جميل، وعلى الشاعر معنى ~~بسيطا يسرقه من شاعر متقدم، وعلى النبيل مشية الخيلاء يمشيها في طريقه، وعلى الصحفي نشر ~~إعلان خمر في جريدته أو خبر مكذوب، كأنه موكل بهداية البشر، وتقويم اعوجاجهم وتهذيب ~~أخلاقهم، وكل ما يعتذر به عن نفسه إن لامه في ذلك لائم أنه يقول ما يعتقد، وينطق بما ~~يعلم، كأنما لا يوجد في العالم كله من يعلم ما يعلمه سواه، وما أظن الهيئة الاجتماعية التي ~~يشاكسها ويثاورها، ويزعم أنه قادر على تقويم معوجها وإصلاح فاسدها تستطيع الصبر عليه ~~طويلا، ويخيل إلي أن انتقامها منه سيكون هائلا جدا، وأنه سيموت عما قليل شهيد ذلك ~~الشيء الذي يسميه «الحرية الفكرية والنقد الصحيح». # فقالت روكسان: ولكن سيفه القاطع يحميه من هؤلاء جميعا. قال: ربما يحميه، ولكنني أخشى ~~عليه عدوا واحدا هو أشد عليه من جميع أعدائه. قالت: ومن هو؟ قال: الجوع، فإنه يقاسي من ~~آلامه ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، وكثيرا ما قضى الليالي ذوات العدد شادا منطقته ~~على بطنه من السغب، لا يشكو ولا يتبرم، ولا يسمح لنفسه أن يمد يده إلى أحد غير خالقه، ~~إلى أن تتيسر له اللقمة التي يعتقد أنها معجونة بعرق جبينه، فلا يمتن بها عليه أحد، ~~حتى ذبل جسمه، وشحب لونه، وعرقت عظامه، وأصبح أشبه بالهيكل منه بالإنسان! # أما اللباس فقد أصبح عاريا منه إلا قليلا، ولقد باع في الأسابيع الأخيرة جميع ثيابه، ~~فلم ms130 يبق له منها إلا رداء واحد من الصوف الأسود يتعهده بالترقيع من حين إلى حين، ولا ~~أدري ماذا يكون شأنه غدا إذا نزل به ضيف الشتاء القادم، فلا يجد في غرفته المظلمة الباردة ~~بصيصا ولا قبسا! # فقال الدوق: إنك تبالغ كثيرا يا لبريه في الحزن عليه والرثاء له، فسيرانو رجل عظيم، لا ~~يكترث بآلام الحياة ومصائبها، ولا ينظر إليها بمثل العين التي تنظر بها إليها، ولقد عاش طول ~~حياته حرا مستقلا في آرائه ومذاهبه، غير مبال بما يلاقيه في هذه السبيل من المكاره ~~والآلام، ولا يزال شأنه في حاضره مثله في ماضيه، فاعجبوا به كل الإعجاب، ولا تهينوه ~~بالتألم له والبكاء عليه! # فدهش لبريه وظل ينظر إلى الدوق نظرا حائرا مضطربا؛ لأنه ما كان يتوقع منه بعد الذي كان ~~بينه وبين سيرانو أن يجري لسانه بكلمة ثناء عليه أو إعجاب به؛ فقال له الدوق: لا تعجب ~~يا لبريه، فإنني وإن كنت أعلم أنني قد نلت من حياتي كل شيء، وأنه قد حرم كل شيء فأنا ~~أعتقد أنه خير مني، وأن نفسه تشتمل على أفضل مما تشتمل عليه نفسي، وليتني أستطيع أن ~~أستغفره ذنبي الذي أذنبته إليه، وأن أضع يده في يدي فأصافحه مصافحة الصديق للصديق. # ثم نهض قائما وقال: أستودعك الله يا روكسان، فنهضت روكسان لتوديعه، ومشت معه تشيعه إلى ~~الباب. فقالت له وهي تسايره - وكان ذيل ردائها يجر معه كثيرا من أوراق الشجر الجافة ~~المتساقطة، فيحدث صوتا أشبه بالحفيف: أتقول الحقيقة عن سيرانو يا سيدي أم أنت تتهكم به؟ ~~قال: لا، بل أقول الحقيقة التي أعتقدها، وأقسم لك يا روكسان إنني كثيرا ما غبطته بيني وبين ~~نفسي، وتمنيت أن أكون مثله! فدهشت وقالت: ولكنك عظيم يا مولاي! قال: إن المرء حينما يصل إلى ~~ذروة العظمة في الحياة لا بد أن تمر به ساعات - مهما كان طاهرا وبريئا - يشعر فيها ببعض ~~آلام خفية تلدغ نفسه وتؤلمها، وربما لا تبلغ في قوتها وتأثيرها مبلغ تبكيت الضمير، ~~ولكنها على كل حال تزعجه ms131 وتقلقه، وتستولي على شيء من راحته وسكونه، وهل استطاع العظماء أن ~~يكونوا عظماء إلا أنهم ارتقوا سلما بنيت درجاته من جماجم الموتى وأشلائهم، أو أن ~~يناموا ملء جفونهم؛ إلا لأنهم أسهروا كثيرا من عيون البائسين والمعدمين في سبيل راحتهم ~~وهنائهم، أو أن يمشوا في طريقهم رافعي الرءوس شامخي الأنوف؛ إلا لأن وراءهم كثيرا من ~~المطرقين الصامتين، الذين لا تفارق أنظارهم الأرض هما وكمدا، وربما لا يشعرون بشيء من ~~تلك الجرائم التي يقترفونها وهم في نشوة عزهم وضوضاء عظمتهم، ولكنهم متى خلوا إلى أنفسهم، ~~وأووا إلى مضاجعهم، وساورتهم تلك الآلام الخفية اللاذعة التي لا يشعر بمثلها الجائعون ~~والظامئون، والمرضى والمعوزون، لا تصدقي يا سيدتي أن في الدنيا سعيدا واحدا قد خلت ~~كأسه التي يشربها من قذى ينغصها عليه، ولا بد للعظيم وهو صاعد إلى قمة عظمته أن يشعر ~~أن ذيل معطفه المسبل وراءه يجر معه كثيرا من أنات الباكين، وصرخات المتألمين الذين بنى ~~عظمته على أنقاض شقائهم، فيسمع لها خشخشة كخشخشة الأوراق الجافة التي يجرها وراءه ذيل ~~معطفك الآن! # ثم وقف في مكانه وأطرق برأسه طويلا، فنظرت إليه روكسان ذاهلة، ووضعت يدها على عاتقه ~~وقالت له: أتتألم يا مولاي؟ قال: نعم، فما نحن سعداء إلا في أنظار الناس واعتباراتهم، ولو ~~كشف لهم من خبايا نفوسنا ما كشف لنا منها، ولمسوا بأيديهم مواقع الألم من أفئدتنا، لرثوا ~~لنا أكثر مما نرثي لهم، ولرأوا أننا أولى الناس بالرحمة والإشفاق منهم، وليتهم يقفون على ~~هذه الحقيقة فيعلموا أن السلامة والنجاة وراحة النفس وهدوءها في القناعة والإقلال، ~~فيستريحوا من هموم الأحقاد وآلامها، فإنهم ما حسدونا، ولا اشتعلت بين جوانحهم نيران الحقد ~~والموجدة علينا؛ إلا لأنهم ظنوا أننا سعداء، ولو نظروا إلينا بالعين التي ننظر بها إلى ~~أنفسنا لضرعوا إلى الله تعالى أن ينجيهم مما ابتلانا به، ويريحهم من همومنا وشقائنا! # ثم مد يده إليها فصافحها وقال: أستودعك الله يا سيدتي، والتفت وهو منصرف إلى لبريه، ~~وكان لا يزال واقفا في مكانه، فهتف به فلباه. فقال ms132 له: لي كلمة أريد أن أقولها لك، ~~فتعال معي، فمشى وراءه، فالتفت إليه وقال له: نعم إن صديقك سيرانو بطل شجاع كما تقول ~~روكسان، ولكنني علمت من طريق خاص لا أستطيع أن أبوح لك به، أن بعض أعدائه قد عزم على قتله ~~غيلة، فاذهب إليه وحذره، وليقلل من الخروج من منزله ما استطاع. قال: ذلك مستحيل ~~يا سيدي؛ لأنه لا يهاب شيئا، ولا يخاف أحدا! قال: لا تفارقه لحظة واحدة، فحياته في خطر ~~عظيم. قال: سأفعل ما أستطيع يا مولاي، وسأشكر لك فضلك ما حييت، ثم تناول يده فقبلها ~~وانصرف. # فما سار إلا قليلا حتى رأى «راجنو» مقبلا عليه، يولول ويستغيث، فسأله ما باله؛ فقال: ~~خطب عظيم يا لبريه! قال: أي خطب؟ قال: قد أصيب صديقنا. قال: سيرانو؟ قال: نعم. قال: قل ~~كل شيء وأوجز. قال: خرجت اليوم من منزلي ذاهبا إليه لزيارته في منزله، فلما وصلت إلى رأس ~~الشارع الذي يسكنه رأيته خارجا من المنزل، فهرعت إليه لأدركه، حتى إذا لم يبق بيني وبينه ~~إلا بضع خطوات، إذ سقط على رأسه من نافذة أحد المنازل المهجورة جذع عظيم، يخيل إلي أنه ~~لم يسقط عفوا، بل تعمده به متعمد! فصرخ لبريه: يا للنذالة والجبن! ثم ماذا؟ قال: فدنوت ~~منه، فرأيت، وياهول ما رأيت! رأيت ذلك الصديق الكريم، والرجل العظيم، والشاعر النابغة ~~الجليل، ملقى على الأرض مضرجا بدمائه، وقد فتح في رأسه جرح كبير. قال: وهل مات؟ قال: لا، ~~ولكن حالته سيئة جدا، فحملته إلى منزله، أو إلى ذلك الجحر الضيق الذي يسمونه منزلا ... ~~قال: وهل يتألم؟ قال: لا؛ لأنه فقد رشده فلم يعد يشعر بشيء! قال: ألم يزره طبيب؟ قال: ~~أشفق عليه طبيب من جيرانه فزاره. قال: وا رحمتاه لك أيها الصديق المسكين! لا تخبر روكسان ~~الآن بهذا الخبر، وماذا قال الطبيب؟ قال: لم أفهم من كلامه شيئا، فإنه أخذ يردد كلمات ~~كثيرة، حمى، التهاب، أغشية ... إلخ، آه يا سيدي لو رأيته وقد دارت برأسه الأربطة ~~والضمائد، وأصبحت صورته أشبه ms133 شيء بصور الموتى في قبورهم! هيا بنا نذهب إليه، فهو وحيد ~~في غرفته، وأخاف أن يحاول القيام من فراشه فيسقط ميتا، ثم ذهبا يعدوان ويتلهفان. # النغمة # جلست روكسان أمام منسجها في فناء الدير تنتظر حضور سيرانو، وكان قد جاء ميعاده الذي ~~يحضر فيه من يوم السبت من كل أسبوع، وأخذت تقول: ما أجمل هذا اليوم! إن الخريف يخفف عني ~~كثيرا من آلامي التي يهيجها الربيع ويستثيرها، فحمدا لك يا إلهي على ما منحت، وصبرا ~~على ما ابتليت، ولك المنة العظمى في حالي رضاك وسخطك، ونعمائك وبأسائك! ما أعظم ~~شكري لك يا سيرانو! إنك رسول العناية الإلهية إلي، والعزاء الباقي لي في هذه الحياة ~~بعد ما فقدت كل عزاء وسلوى، فليت الله يتولى جزاءك عني، فإني لا أستطيع أن أقوم ~~بشكرك! # وهنا حضرت راهبتان تحملان بين أيديهما المقعد الذي اعتاد سيرانو أن يجلس عليه عند ~~حضوره، فوضعتاه وراء مجلس روكسان، فشكرتهما وانصرفتا، ثم دقت الساعة الرابعة، فأصغت ~~إليها روكسان حتى انتهت دقاتها، ثم قالت: إنه سيأتي الآن! وأخذت تردد نظرها جهة الباب ~~هنيهة، فلم يحضر، فمدت يديها إلى علبة إبرها وخيوطها، وظلت تقول بينها وبين ~~نفسها: قد دقت الساعة الرابعة منذ دقائق ولم يحضر، أين خيوطي؟ ها قد وجدتها، هذا يدهشني ~~جدا! إنها المرة الأولى التي تأخر فيها عن ميعاده منذ خمسة عشر عاما، لا بد أن تكون ~~الأخت «مارت» قد أزعجته بنصائحها وعظاتها، أين كستباني؟ ليت شعري ماذا حدث له؟ قد ~~أوشك الظلام أن يخيم، وألوان الخيوط قاتمة فلا أستطيع التمييز بين متشابهاتها، إنه ما ~~تأخر عن زيارتي قبل اليوم، ولكن لا بد أن يحضر الآن! # وهنا سقطت ورقة جافة من الشجر على منسجها، فاصفرت وقالت: ورقة ميتة قد انقضى ~~أجلها فهوت إلى مستقرها! يا لله! إن الأوراق الجافة المتساقطة تزعجني جدا، لا يمكن ~~لأي شيء مهما كان أن يحول بينه وبين الحضور! # وما أتمت كلمتها حتى وقفت راهبة على رأس السلم وصاحت: السيد بيرجراك! فانتعشت ~~روكسان وقالت : ليدخل! فدخل ms134 وهو مصفر الوجه، يتوكأ على عصاه ويمشي ببطء شديد، وقد أسدل ~~قبعته على جبينه فسترت الضمائد المحيطة برأسه، وكانت روكسان مشتغلة بترتيب خيوطها، ~~وإصلاح منسجها، فلم تلتفت إليه حتى جلس على مقعده وحياها. فقالت له بنغمة العاتب دون ~~أن تلتفت إليه: هذه أول مرة تأخرت فيها عن ميعادك منذ خمسة عشر عاما يا سيرانو! ~~فأجابها بصوت قاتم مظلم يحاول أن يجعله ضاحكا رنانا: نعم يا سيدتي، يا لغرائب ~~الدهر! ما كنت أظن أن شيئا في العالم حتى الموت، يستطيع أن يحول بيني وبين الحضور إليك ~~في ميعادي، آه! إني أكاد أموت، غيظا وحنقا، ما أخرني عنك إلا ضيف ثقيل - يريد الموت ~~- جاء لزيارتي في وقت غير مناسب، وما كنت أتوقع أن يفد إلي في مثل هذه الساعة! قالت: ~~وكيف تخلصت منه؟ قال: لم أتخلص منه حتى الآن، وكل ما في الأمر أني اعتذرت إليه وقلت ~~له: إن اليوم يوم السبت، وهو الميعاد الذي يجب علي فيه أن أقوم بزيارة صديق كريم لا ~~يمكن أن يحول بيني وبين زيارته في هذا الميعاد حائل، فاذهب الآن وعد إلي بعد ساعة ~~واحدة! قالت: إذن سيطول انتظاره لك إذا عاد إليك؛ لأني لا أسمح لك بالخروج من هنا قبل ~~المساء! قال: ربما اضطررت للذهاب قبل ذلك! # وأغمض عينيه وأطرق برأسه، وكانت الأخت «مارت» مارة في تلك اللحظة، فأومأت روكسان ~~إليها برأسها فحضرت. فقالت لسيرانو، وهي لا تزال مشتغلة بترتيب خيوطها: إنك لم تمزح مع ~~الأخت «مارت» كعادتك يا سيرانو، فانتفض ورفع رأسه، فدهشت «مارت» عند رؤيته وفغرت فاها، ~~وحاولت أن تتكلم فأشار إليها بالصمت، فلم تفهم شيئا ولكنها صمتت. فقال لها بصوت ضخم ~~مضحك: اقتربي مني أيتها الأخت، ما لك تعرضين عني يا ذات العينين الجميلتين؟ هاتي يدك ~~البيضاء لأقبلها باسم البركة والعبادة لا باسم الحب والغرام! واقتربي مني لأخبرك خبرا ~~غريبا جدا. قالت وهي ترثي له ولحاله: وما هو؟ قال: قد أكلت بالأمس لحما ودسما، فما ~~رأيك؟ فهزت رأسها، وظلت تقول بينها وبين ms135 نفسها: وا رحمتاه له! إنه يكذب علي، وربما مر ~~به يومان لم يذق فيهما طعم الخبز كما فعل في المرة السابقة، ثم قالت له: أحب أن تزورني ~~في غرفتي قبل خروجك من هنا، فسأقدم إليك هدية من الحلوى جميلة جدا. فقالت له ~~روكسان: احذر أن تذهب إليها يا سيرانو، فإنها تريد أن تعظك! فقال سيرانو: أظن أن عظاتك ~~الماضية يا مارت قد أخذت مأخذها من نفسي، فقد أصبحت أقرب إلى الإيمان مني إلى الكفر؛ ~~ولذلك أسمح لك أن تصلي الليلة في معبدك من أجلي! فدهشت «مارت» وقالت: ماذا تقول؟ أتهزل ~~أم تجد؟ قال: قد فات وقت الهزل، ولم يبق أمامي إلا الجد! # فانصرفت لشأنها، وهي تعجب لأمره كل العجب، وأقبل هو على روكسان، وقال لها وهي لا ~~تزال مكبة على منسجها: ليت شعري هل أعيش، وهل يعيش العالم حتى يرى ختام هذا النسيج؟ ~~قالت: كنت في انتظار سماع هذه الكلمة منك يا سيرانو، إن نسيجي لا ينتهي حتى تنتهي ~~ملحك وأحماضك! # وفي هذه اللحظة هبت ريح شديدة، فتساقطت على الأرض أوراق كثيرة من أعالي الأشجار، ~~فانقبضت روكسان وقالت: إن تساقط هذه الأوراق يحزنني جدا. قال: أما أنا فعلى عكس ذلك؛ ~~لأنه يعجبني منها كثيرا أنها برغم حزنها على فراق أغصانها التي تركتها، وبرغم فزعها من ~~الفناء الذي يستقبلها على وجه الأرض، فهي تتساقط برقة ورشاقة، وتقضي هذه السياحة ~~القصيرة بين الحياة والموت مائسة مختالة، كأنها في حفلة رقص أو مجمع شراب! فقالت: إني ~~أسمع منك نغمة حزن يا سيرانو؛ فهل أنت حزين؟ قال: لا، وليس من عادتي أن ألجأ إلى الحزن ~~في أي موقف من المواقف، حتى في الموقف الذي يحزن فيه الناس جميعا. قالت: فلندع ~~الأوراق تتساقط كيفما تشاء، وأسمعني جريدتك الأسبوعية فإني في شوق عظيم إليها. قال: ~~اسمعي يا سيدتي، وكان الألم قد نال منه منالا عظيما، وبدأ الذهول يخيم على عقله، ~~فأنشأ يقول: # يوم السبت: # أصيب الملك بمرض الحمى على أثر ثماني أكلات أكلها من عنب «سيت»، ms136 فحكم ~~الطبيب على مرضه بطعنة مبضع في قلبه لاقترافه جريمة الاعتداء على ~~صاحب الجلالة! # يوم الأحد: # أشعلوا ليلة الحفلة الكبرى في قصر الملك ثلاثا وستين وسبعمائة شمعة ~~بيضاء. يقولون: إن جيوشنا قد انتصرت على جيوش جان النمسوي، شنق أربعة ~~من السحرة، حقنوا كلب السيدة «داتيس» الصغير. # فاعترضته روكسان وقالت: ما هذه الأخبار يا سيرانو؟ # فاستمر في كلامه يقول: # يوم الاثنين: # لا شيء سوى أن «ليجدامير» استبدلت بعشيقها ... # فتململت روكسان وقالت: ما هذا الذي تقول؟ إنك تمزح يا صديقي، فلم ~~يلتفت إليها وظل يقول: # يوم الثلاثاء: # انتقل البلاط كله إلى «فونتنبلو». # يوم الأربعاء: # قالت السيدة «دي مونتجلا» للكونت دي فيسك: «لا.» # يوم الخميس: # توجت «فانسيني» ملكة على فرنسا، أو ما هو في معنى ذلك. # يوم الجمعة: # قالت السيدة «دي مونتجلا» للكونت دي فيسك: «نعم.» # وهنا ثقلت عيناه، واحتبس صوته، واهتز هزة شديدة، ثم سقط رأسه على صدره، وساد من ~~حوله سكون عميق، فاستغربت روكسان سكوته، والتفتت وراءها فرأته على هذه الحالة، ولم ~~تكن قد نظرت إليه قبل هذه اللحظة، فارتاعت وهرعت إليه، ووضعت يدها على عاتقه ونادته: ~~سيرانو! فانتفض ورفع رأسه، وظل يدير يديه حول قبعته ويضغطها ضغطا شديدا، ويقول: لا ~~شيء، لا شيء، أؤكد لك يا سيدتي أن الأمر بسيط جدا. قالت: قل لي ما بك يا سيرانو؟ وما ~~هذه الغبرة السوداء المنتشرة على وجهك؟ قال: لا شيء، إنه الجرح القديم الذي أصبت به في ~~معركة «أراس» لا يزال يعاودني من حين إلى حين، حتى الآن، فتنهدت، وأرسلت بصرها إلى ~~السماء، ثم قالت: كل منا له جرح قديم يا سيرانو، غير أن جرحك في جسمك، وجرحي هنا ~~دائما لا يندمل أبدا، وأشارت إلى قلبها، ثم قالت: هنا كتاب الوداع الأخير الذي كتبه ~~إلي قبل موته، قد تشعث وتقبض واصفر ورقه، ولا تزال آثار القطرتين: قطرة الدمع، ~~وقطرة الدم ظاهرة فيه! # فارتعد سيرانو وقال: كتابه الأخير؟ وشخص ببصره إلى السماء كأنما يتذكر شيئا بعيدا، ~~ثم قال: ألا تذكرين يا روكسان أنك ms137 كنت وعدتني مرة باطلاعي على هذا الكتاب؟ قالت: نعم، ~~أذكر ذلك. قال: هل لك أن تفي بوعدك الآن؟ قالت: ها هو ذا، ومدت يدها إلى صدرها فأخرجت ~~الكتاب من كيس صغير حريري معلق في عنقها، وأعطته إياه، ثم عادت إلى مقعدها. # وكان الليل قد بدأ يرخي سدوله على أكناف الدير، فأخذت روكسان ترتب خيوطها وإبرها ~~لتضعها في علبتها، وأخذ سيرانو يقرأ الكتاب بصوت عال رنان، كأنما هو يخطب أو يهتف أو ~~يناجي، ويقول: «الوداع يا روكسان، فإني سأموت عما قليل، وربما كانت هذه الليلة آخر ~~ليالي في الحياة! # وكنت أرجو أن أعيش بجانبك لأتولى حراسة سعادتك التي عاهدت نفسي على أن أكفلها لك ما ~~حييت، فحالت المقادير بيني وبين ذلك، فليت شعري ماذا يكون حالك من بعدي؟ # إنني لا أخاف الموت من أجلي، بل من أجلك، ويخيل إلي أنك ستقضين من بعد موتي أياما ~~شديدة عليك، وعلى نفسك الرقيقة الحساسة، وهذا كل جزعي من الموت، فوا رحمتاه لك أيتها ~~الصديقة المسكينة!» # وكانت روكسان تصغي إلى قراءته ذاهلة مدهوشة، وتقول بينها وبين نفسها: ما أغرب صوته ~~وما أعظم تأثيره! إنه يقرأ وكأنه يحدثني ويناجيني، ويخيل إلي أن وراء هذه النغمة ~~الغريبة التي ينطق بها سرا كامنا في أعماق نفسه! # واستمر هو في قراءته يقول: «ستغتمض عيناي بعد قليل، وستنطفئ تلك النظرات التي كانت ~~مرآتك الصقيلة التي تتراءى فيها صورتك البديعة الساحرة، وترتسم فيها دقائق حسنك وأسرار ~~جمالك، فمن لك بمرآة ترين فيها نفسك بعد أن تمتلئ عيناي بتراب القبر! إن بين جنبي كنزا ~~ثمينا من حبك لم أستطع أن أكشف لك إلا عن مقدار قليل من جواهره ولآلئه، وكنت أود أن ~~أفرغه جميعه بين يديك قبل موتي، ولكن ماذا أصنع وقد أعجلني الموت عنه ولا حيلة لي في ~~قضاء الله وقدره! الوداع يا روكسان، الوداع يا حبيبتي، الوداع يا أعز الناس علي، ~~وآثرهم في نفسي! إن قلبي لم يفارقك لحظة واحدة في حياتي، وسيبقى ملازما لك بعد مماتي، ~~فليكن عزائي عنك ms138 أن روحي سترفرف عليك، وتحوم حولك في كل مكان تكونين فيه، فكأننا لم ~~نفترق، وكأن حجاب الموت المسبل دوننا وهم من الأوهام، وباطل من الأباطيل!» # وكان قد ذهل عن الكتاب الذي في يده وعن كل ما يحيط به من الأشياء، ولم يبق في خياله ~~سوى أنه يناجي المرأة التي يحبها، ويفضي إليها بأسرار نفسه، ويودعها الوداع الأخير، ~~فأغمض عينيه واستغرق في شعوره ووجدانه، واستحال صوته إلى صوت غريب لا يشبه الأصوات في ~~رنته ونغمته؛ لأنه صوت الروح وهتافها ونفثاتها المتصاعدة إلى آفاق السماء، فظلت روكسان ~~تضطرب وترتعد، وتقول بينها وبين نفسها: إنها نغمة غريبة جدا، تذكرني بنغمة مثلها ~~سمعتها في ساعة من ساعات حياتي الماضية، فليت شعري متى كان ذلك؟ # وكان الظلام قد نشر ملاءته السوداء على أكتاف الدير، فالتفتت إليه وحدقت النظر فيه، ~~فلمحت بياض الكتاب في يده، فعجبت له كيف يستطيع القراءة في هذا الظلام الحالك، فنهضت من ~~مكانها، ومشت نحوه تختلس خطواتها اختلاسا حتى بلغته، فوقفت بجانبه، فرأت عينيه ~~مغمضتين، ورأته لا يزال مستمرا في قراءته، فاشتد ذعرها وخوفها، ووضعت يدها على ~~كتفه، وقالت له: كيف تستطيع القراءة والظلام حالك وعيناك مغمضتان؟ فانتفض انتفاضة ~~شديدة، فسقط الكتاب من يده، وسقط رأسه على صدره! # وساد بينهما سكون عميق ذهل كل منهما فيه عن نفسه، ثم أخذت روكسان تستفيق شيئا ~~فشيئا، وتقول بينها وبين نفسها: آه، ماذا أرى؟! إن الأمر هائل جدا إن النغمة التي ~~أسمعها منه الآن هي بعينها النغمة التي كانت ترن في أذني ليلة الشرفة منذ خمسة عشر ~~عاما! لا بد أن يكون هو صاحبها! آه ما أعظم شقائي! لقد فهمت الآن كل شيء، وليتني ما ~~فهمت شيئا! ثم وقفت أمام سيرانو صامتة مطرقة حتى استفاق من غشيته، فتقدمت نحوه، ~~وأخذت بيده وقالت له: لا تخف عني شيئا يا صديقي، فقد علمت الحقيقة المؤلمة التي لا ~~ريب فيها، لقد كنت أنت الذي ناجاني ليلة الشرفة، وحدثني عن الحب، وكشف لي عن خبايا ~~القلب الإنساني ! # فقاطعها وهو ms139 يرتجف ويرتعد، وقال: لا، لا، لم أكن أنا. قالت: وكان الظلام في تلك ~~الليلة حالكا جدا فلم أستطع أن أتبينك لأعلم أنك أنت الذي يحدثني ويناجيني! فصاح: ~~لا، وأقسم لك. قالت: وكانت تلك الكلمات العذبة الجميلة التي سحرتني وملكت علي شعوري ~~ووجداني كلماتك! فصرخ: لا، بل كلماته. قالت: وذلك الصوت الموسيقي الذي كان يرن في ~~أذني رنين القيثارة الإلهية في آذان سكان السماء، كان صوتك! قال: لا. قالت: وتلك ~~الرسائل البليغة المؤثرة التي جشمتني مشقة السفر من باريس إلى أراس، كانت رسائلك! قال: ~~لا. قالت: وذلك الكتاب الذي قرأته الآن بتلك النغمة العذبة الجميلة، كان كتابك! قال: لا ~~تصدقي ذلك يا سيدتي، فما أذكر أنني أحببتك في حياتي قط! قالت: أحببتني ولا تزال تحبني ~~حتى الساعة! قال: ذلك مستحيل؛ لأن مثلي لا يجرؤ على أن يحب مثلك! قالت: ذلك ما حملك على ~~كتمان أمرك وتمثيل هذا الدور المحزن الأليم! قال وقد بدأ صوته يضعف ويتهدج: إنك واهمة ~~يا روكسان. قالت: ما أنا بواهمة ولا مخدوعة، ولم كتمت أمرك عني هذه السنين ~~الطوال ما دمت تحبني، وما دام هذا الكتاب كتابك وهذه الدمعة دمعتك؟ قال: ولكن الدم دمه. ~~قالت: قد اعترفت من حيث لا تدري، فوا رحمتاه لك أيها البائس المسكين! # وأطرقت برأسها إطراقا طويلا لا يعلم إلا الله ماذا كانت تحدثها نفسها فيه، وإنهما ~~لكذلك إذ دخل لبريه وراجنو وهما يصيحان ويولولان حتى دنوا من سيرانو. فقال لبريه: ماذا ~~صنعت بنفسك أيها المسكين؟ ولماذا جئت إلى هنا وقد أوصاك الطبيب بملازمة فراشك لا تبرحه ~~لحظة واحدة؟ فصاحت روكسان: الطبيب! ولماذا؟ قال لبريه: ألا تعلمين ما حل به يا سيدتي ~~حتى الآن؟ قالت: لا أعلم شيئا، فأراد أن يقص عليها القصة، فقاطعه سيرانو وقال له: ~~أتدري يا لبريه لم جئت إلى هنا برغم أوامر الطبيب؟ قال: لا. قال: لأتلو على روكسان ~~الجريدة الأسبوعية التي اعتدت أن أتلوها عليها يوم السبت من كل أسبوع، ولا أستطيع أن ~~أخلف وعدي لها ! ثم التفت ms140 إلى روكسان، وقال لها: إنني لم أتمم لك جريدتي الأسبوعية، ~~فاسمحي لي بإتمامها، ثم أنشأ يقول: وفي يوم السبت الثالث والعشرين من شهر مايو سنة ~~1655، قتل المسيو سيرانو دي بيرجراك! # وهنا حسر قبعته عن رأسه فظهرت الأربطة والضمائد المحيطة به مضرجة بالدم: فذعرت ~~روكسان وحنت عليه، وقالت: ماذا صنعوا بك يا صديقي؟ # قال: كنت أتمنى طول حياتي أن أموت في ميدان حرب بضربة سيف من يد بطل، فقضى الله أن ~~أموت في زقاق ضيق بجذع شجرة من يد خادم، لأكون قد حرمت من كل شيء في حياتي، حتى ~~الميتة التي أحبها! # وأطرق برأسه ثانية، وظل على ذلك ساعة وقد ساد من حولة سكون عميق لا تسمع فيه إلا ~~معمعة الأحشاء المتقدة في قلوب الجاثين حوله. # ثم استفاق قليلا، فرفع رأسه وفتح عينيه، فرأى راجنو جاثيا تحت قدميه يبكي وينتحب، ~~فقال له: لا تبك يا راجنو، وقل لي ما مهنتك اليوم، فإن لك في كل يوم مهنة جديدة؟ قال: ~~أنا الآن خادم عند «موليير»، ولكني سأترك خدمته منذ الغد. قال: لماذا؟ قال: لأنه لص ~~من لصوص الأدب، وهم عندي أقبح اللصوص وأسفلهم! قال وهو يبتسم: هل سرق من شعرك شيئا؟ ~~قال: لا، بل من شعرك أنت، فقد سطا على روايتك «أجريبين»، وأخذ منها موقفا كاملا وضمنه ~~روايته الجديدة «إسكابين» التي مثلت ليلة أمس. قال: لقد أحسن فيما فعل، وماذا كان ~~وقع ذلك الموقف في نفوس الجماهير؟ قال: ما زالوا يضحكون حتى رحموا أنفسهم. قال: ذلك ~~كل ما يهمني، فلقد قدر لي طول عمري أن يكون دوري في رواية الحياة دور الملقن، الذي ~~لا يعده الجمهور شيئا وهو كل شيء! # ثم التفت إلى روكسان وقال لها: أتذكرين تلك الليلة التي كنت أحدثك فيها بلسان ~~كرستيان؟ قالت: نعم، أذكرها ولا أذكر شيئا سواها. قال: إنها رمز حياتي من أولها إلى ~~آخرها، صعد كرستيان منذ خمسة عشر عاما إلى شرفتك؛ ليتناول القبلة التي سمحت له بها ~~مكافأة له على تلك الكلمات البليغة المؤثرة التي ms141 أنا صاحبها ومبتكرها، واليوم يتمتع ~~«موليير» بهتاف الجماهير، وتهليلهم إعجابا بتلك القطعة الهزلية البديعة التي خطها ~~قلمي، وما أنا بآسف على ذلك ولا واجد، فكرستيان فتى جميل، فيجب أن ينال هو القبلة، ~~وموليير شاعر شهير، فيجب أن يكون هو صاحب القطعة! # والتفت حوله فرأى الراهبات داخلات إلى الكنيسة في ملابسهن البيضاء، وهن يرتلن صلواتهن ~~على نغمات «الأرغن»، فأصغى إلى أصواتهن ساعة ثم تأوه طويلا وقال: آه، ما كنت أعبأ ~~بالحياة، ولا آسف على شيء فيها لولا الموسيقي وروكسان؛ ولئن كان صحيحا ما يقولون من ~~أن في السماء موسيقي كما في الأرض، وأن الصديقين اللذين يفترقان في هذه الدار يلتقيان ~~في الدار الأخرى غدا، فليس ورائي ما آسف على فراقه! # فصاحت روكسان: ابق في الحياة يا سيرانو فإنني أحبك! قال: ذلك مستحيل، إلا إذا ~~استطاعت كلمتك هذه أن تمحو قبحي ودمامتي، كما رووا في بعض الأساطير أن أميرا دميم ~~الخلقة سمع مرة من يقول له: إني أحبك، فتلاشى قبحه بتأثير تلك الكلمة، وأصبح جميلا ~~وضيئا، ولو أنني عشت بعد اليوم ألف سنة ما نقص ثقل أنفي قيراطا واحدا! # فبكت واشتد نشيجها، وقالت: اغفر لي ذنبي يا سيرانو، فقد كنت السبب في جميع ما حل بك ~~في حياتك من المصائب. قال: لا، بل بالعكس، فلقد قضيت حياتي كلها محروما لذة عطف المرأة ~~وحنانها، حتى إن أمي كما حدثوني لم تكن تستطيع أن تراني جميلا كما يرى الأمهات ~~أولادهن المشوهين، ولو كانت لي أخت أو عمة أو خالة لكان شأنهن معي ذلك الشأن، ولم ~~أر يوما من الأيام في عيون النساء جميعا - جميلات كن أو دميمات - غير نظرات ~~الهزء والسخرية والنفور والاشمئزاز، وأنت المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تتخذني ~~صديقا، واستطعت أن ألجأ من عطفها ورحمتها إلى ظل ظليل، فما أعظم شكري لك! فقالت: ~~عش يا سيرانو فإني أحبك، بل ما أحببت في حياتي أحدا سواك، وما لبست ثوب الحداد خمسة ~~عشر عاما إلا من أجلك! قال: لا تحاولي الغدر بكرستيان يا سيدتي، ms142 واحذري أن يخف حزنك ~~عليه، وبكاؤك على مصرعه، فإنه صديقي، وكل ما أطلبه إليك أن تضمي إلى شارات حدادك شارة ~~صغيرة من أجلي؛ ليكون حزنك علي جزءا من حزنك عليه. فصاحت: آه ما أشقاني! لقد أحببت ~~في حياتي حبيبا واحدا ففقدته مرتين! # وكان كوكب الليل قد أشرق من مطلعه، فانبسطت أشعته في فناء الدير، فانتعش سيرانو حين ~~رآه وقال: ها هو ذا صديقي «فيبيه» قد أرسل إلي أشعته لتحملني إليه، فشكرا له على ~~ذلك، سأصعد الليلة إلى السماء على نعش جميل من تلك الأشعة الفضية اللامعة، بدون أن ~~أحتاج إلى تلك الآلات الرافعة التي سردتها على الكونت دي جيش، وسيكون مقامي هناك في ~~ذلك الكوكب الجميل مع تلك النفوس العظيمة، التي أحبها وأجلها: سقراط، وأفلاطون، ~~وغاليلي، وجميع الذين ماتوا ضحايا صدقهم وإخلاصهم! # وهنا انتحب لبريه وقال: وا أسفا عليك أيها الصديق الكريم! وما أشد ظلمة الحياة من ~~بعدك! # فانتبه إليه سيرانو وقال له: لا تحزن علي كثيرا يا لبريه؛ فإني ذاهب لملاقاة ~~صديقي كاربون دي كاستل، وسائر أبناء وطني الذين ماتوا ميتة الشرف والفخار في ميدان ~~أراس، وسيكون مجتمعنا هناك جميلا جدا لا يكدره علينا ممثل ثقيل، ولا نبيل جاهل ولا ~~شاعر مغرور! # وصمت صمتا طويلا كان يعاني فيه من الآلام ما لا يحتمله بشر، ثم ثار من مكانه ~~هائجا مضطربا، وجرد سيفه من غمده وأخذ يصيح: لا لا، لا أريد أن أموت على هذا المقعد ~~ميتة العاجز الجبان! فذعر أصدقاؤه ونهضوا بنهوضه، وحاول راجنو أن يمسكه، فدفعه عنه، ~~وأسند ظهره إلى شجرة ضخمة، وقال: دعوني فإني أريد أن أموت واقفا. # وأخذ ينظر أمامه ويحدق النظر، كأنما يرى شبحا مقبلا عليه، ثم قال: تعال أيها ~~الموت! تقدم ولا تخف! فقد أصبحت رجلا ضعيفا خائرا، لا قبل لي بمواثبتك ومغالبتك، ~~تقدم، فما أنا بسيرانو دي بيرجراك، إنما أنا خياله الماضي وصورته الضئيلة، فهل بلغ بك ~~الجبن أن تخاف الصور والخيالات؟ لقد ضعف في يدي ذلك السيف الذي كنت أقاتلك به، وأصبح ms143 ~~رأسي ثقيلا ويداي مغلولتين، وكأن قدمي مصبوبتان في قالب من الرصاص، أقبل ولا تخف، ما ~~لي أراك تنظر إلى أنفي نظر الساخر الهازئ؟ أشماتة هي أيها الساقط الجبان؟ ماذا تقول؟ ~~تقول: إنك أقوى مني؟ نعم، ما أنكرت عليك ذلك، ولكني على هذا سأقاتلك وأثبت؛ لا لأني ~~أطمع في أن أنتصر عليك؛ بل لأني أريد أن أموت ميتة الأبطال من قبلي! # ثم أخذ يدير عينيه يمنة ويسرة ويقول: من هؤلاء؟ مرحبا بكن أيتها الرذائل، لقد ~~عرفتكن يا أعدائي القدماء؟ ما أكثر عددكن، وأقبح وجوهكن! نعم، سأموت، ولكن بعد أن شفيت ~~منكن عليلي ومثلت بكن أقبح تمثيل، اغربن من وجهي، قبحكن الله وقبح صوركن ~~وأزياءكن. # وظل يطعن بسيفه يمينا وشمالا، وأمام ووراء، ويقول: خذ أيها الكذب، خذ أيها الطمع، ~~مت أيها الغدر، تبا لك أيتها الخيانة! # وظل يدور حول نفسه ساعة حتى بلغ منه الجهد، فسقط بين أذرع لبريه وراجنو، وظل على ذلك ~~هنيهة، ثم فتح عينيه وحدق النظر أمامه طويلا، وقال: تقدم أيها الموت وخذ ما تريد ~~مني؛ أتدري ماذا تستطيع أن تسلبني؟ إنك تستطيع أن تسلبني حياتي، وجسمي، وهذا السيف ~~العزيز علي، وهذه الريشة التي وضعتها يد الفخار في قبعتي، بل جميع ما تملك يدي، ولكن ~~شيئا واحدا لا تستطيع أن تسلبنيه، وسيرافقني في سفرتي التي انتويتها إلى السماء حتى ~~أقف به بين يدي الله تعالى رافع الرأس عزة وفخارا، وهو ... # وهنا عجز عن النطق، فحاول أن ينطق الكلمة التي أرادها فلم يستطع، فانحنت عليه روكسان ~~وقبلته في جبينه، وأرسلت دمعة حارة على وجهه، وقالت: وما هو يا سيرانو؟ ففتح عينيه ~~للمرة الأخيرة فرآها، فابتسم وقال: حريتي واستقلالي! # ثم خفق قلبه الخفقة التي لم يخفق بعدها! # وكذلك انقضت حياة هذا الرجل العظيم كما تنقضي حياة أمثاله من العظماء؛ لم يتمتع يوما ~~واحدا برؤية مجده وعظمته، حتى إذا قضى سمح له التاريخ بعد مماته بما ضن به عليه في ~~حياته! ~~••• # أما روكسان فلم يعلم الناس من أمرها بعد ذلك شيئا سوى ms144 أن مقعدها الذي كانت تقعد عليه ~~أمام منسجها قد أصبح خاليا مقفرا، فلم يعرفوا ألزمت جوف محرابها تدعو الله تعالى ~~ليلها ونهارها أن يلحقها بصديقها، أم رقدت بجانبه في مقبرة الدير الرقدة ~~الدائمة! ms145