######OpenITI# #META# URI: 1342TawfiqCazuz.TarikhUmmaQibtiyya.Hindawi62094931 #META# Tags: history #META# ID: 62094931 #META# Title: الهدية التوفيقية في تاريخ الأمة القبطية #META# AuthorID: 71403904 #META# Author: توفيق عزوز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # 1 - أصل الأقباط وسبب تسميتهم‏ # 2 - علوم قدماء الأقباط ومعارفهم‏ # 3 - عوائد الأقباط القديمة المشهورة‏ # 4 - ملابسهم وهيئتهم‏ # 5 - ديانتهم ولغتهم‏ # الباب الأول‏ # 6 - ملوك قدماء الأقباط الوطنيون‏ # 7 - حكم الرعاة على بلاد القبط‏ # 8 - استرجاع ملوك القبط الوطنيين سلطتهم‏ # 9 - تملك الأيثيوبيين والآشوريين على بلاد القبط‏ # 10 - رجوع السلطة لملوك القبط الوطنيين‏ # 11 - تملك العجم على بلاد القبط‏ # 12 - ملوك القبط الوطنيون بعد طرد العجم‏ # 13 - حكم العجم على بلاد القبط دفعة ثانية‏ # 14 - حكم اليونان على بلاد القبط‏ # 15 - حكم الرومان على بلاد القبط‏ # 16 - حكم الدولة العربية الإسلامية على الأمة القبطية‏ # 17 - حكم الدولة المحمدية العلوية الفخيمة‏ # الباب الثاني‏ # مقدمة‏ # 18 - النهضة القبطية الحديثة‏ # 19 - رغائب الحزب التوفيقي ومآرب الحزب الإكليريكي‏ # 20 - حالة الأقباط الحالية الراهنة‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # 1 - أصل الأقباط وسبب تسميتهم‏ # 2 - علوم قدماء الأقباط ومعارفهم‏ # 3 - عوائد الأقباط القديمة المشهورة‏ # 4 - ملابسهم وهيئتهم‏ # 5 - ديانتهم ولغتهم‏ # الباب الأول‏ # 6 - ملوك قدماء الأقباط الوطنيون‏ # 7 - حكم الرعاة على بلاد القبط‏ # 8 - استرجاع ملوك القبط الوطنيين سلطتهم‏ # 9 - تملك الأيثيوبيين والآشوريين على بلاد القبط‏ # 10 - رجوع السلطة لملوك القبط الوطنيين‏ # 11 - تملك العجم على بلاد القبط‏ # 12 - ملوك القبط الوطنيون بعد طرد العجم‏ # 13 - حكم العجم على بلاد القبط دفعة ثانية‏ # 14 - حكم اليونان على بلاد القبط‏ # 15 - حكم الرومان على بلاد القبط‏ # 16 - حكم الدولة العربية الإسلامية على الأمة القبطية‏ # 17 - حكم الدولة المحمدية العلوية الفخيمة‏ # الباب الثاني‏ # مقدمة‏ # 18 - النهضة القبطية الحديثة‏ # 19 - رغائب الحزب التوفيقي ومآرب الحزب الإكليريكي‏ # 20 - حالة الأقباط الحالية الراهنة‏ # | الهدية التوفيقية في تاريخ الأمة القبطية # | الهدية التوفيقية في تاريخ الأمة القبطية # تأليف # توفيق عزوز # | إهداء الكتاب # لرب السياسة والكياسة ورجل الحزم والعزم، صاحب الهمة المشهورة والحكمة المعروفة عطوفتلو ~~أفندم بطرس باشا غالي ناظر المالية الأفخم ... # سيدي المفضال ... # جرت عادة جهابذة التأليف والتصنيف، وخدام الأقلام، رجال التحرير والتحبير، أن يهدوا كتبهم ~~ويقدموا مؤلفاتهم لمن يرون فيه ms01 الجدارة واللياقة. فمنهم من يهديها لمن كان عالما نحريرا، أو ~~جهبذا مفلقا خطيرا؛ تقربا منه واعترافا بفضله ونبله، ومنهم من يقدمها لمن كان غنيا مثريا، ~~ولو لم يدر شيئا من العلوم والمعارف؛ ليستظل تحت ظل سعته ويساره الظليل الوارف. # أما أنا فقد آليت على نفسي أن لا أحذو هذا الحذو ولا أنحو هذا النحو. على أنني قد استصوبت - ~~ولا أخالني إلا مصيبا - أن أقدم إليكم كتابي هذا بمثابة هدية قبطية أرجو أن تحظى من لدنكم بالقبول ~~وتفوز بالاستحسان؛ وذلك لأني من أبناء طائفتكم الذين هم في يم فضلكم وكرمكم الخضم مغمورون غارقون، ~~وبأنظار عنايتكم وحسن رعايتكم مشمولون ومرموقون. # وناهيك ما لكم على طائفتنا بأسرها من الأيادي البيضاء والمناقب الحسناء التي هي أشهر من أن ~~تذكر وأكثر من أن تحصر. # فيا حبذا لو تكرمتم علي بقبول تلك الهدية، وغضيتم الطرف عن قصوري وتقصيري. أطال الله أيامكم ~~ونفعنا بنفثات هممكم ونفحات معارفكم وعلومكم، إنه السميع المجيب. # بنده محسوبكم # توفيق عزوز # | مقدمة # | تمهيد مفيد # لا مراء ولا مشاحة أن الوقوف على ما كانت عليه الأمم الغابرة، ومقابلته على ما آلت إليه ~~حالتها الحاضرة، أمر ترتاح له الروح وتصبو إليه النفس؛ بناء على أن الإنسان يميل بطبعه إلى ذلك ~~كل الميل. # وناهيك ما في ذلك من الفوائد الجمة، والمزايا المهمة، التي تجل عن الوصف والتعبير، ويقصر ~~دون سردها وتعدادها قلم الكاتب النحرير، بل لا يصل إلى إدراك كنهها وماهيتها فكر كل جهبذ ~~خطير خبير. # لأن الاطلاع على تاريخ الأمم السالفة قد يدعو إلى تحسين العوائد، وتدميث الأخلاق، والسعي ~~وراء احتواء الفضائل والتحلي بها، واجتواء المساوي والرذائل والتخلي عنها. وهذا هو سر تقدم الأمم ~~ومصدر ترقيتها، وأصل حضارتها ورفاهيتها وسعادتها، ومنشأ مجدها وسؤددها وأبهتها. # فالتاريخ مرآة يرى الإنسان في داخلها أسباب التقدم والترقي فيهتدي إلى معرفتها ويقدم على ~~مناولتها وممارستها، ويرمق ببصر بصيرته بواعث التأخر ودواعي الانحطاط والتقهقر؛ حتى يصبح على بصيرة ~~منها، فيحجم عنها ويسعى في ملاقاتها وتداركها بأنجع الوسائل وأنفع الوسائط. وبهذه المثابة ms02 يكون ~~واقفا على قبيله ودبيره، وعارفا طريق الوصول إلى معارج الفلاح ومدارج الارتقاء والنجاح. وهذه هي ~~أفضل غاية وأجل بغية يجد في طلبها المجدون، ويتنافس في تحصيلها ونوالها المتنافسون. # ولا ريب أن تاريخ الأمة القبطية لمن التواريخ الخليقة بالذكر والحقيقة بالنشر؛ نظرا لما ~~وعاه وحواه من الحكم المنثورة، والمواعظ المأثورة التي يفتقر إليها أفراد الهيئة الاجتماعية كل ~~الافتقار، ويضطر العاقل إلى معرفتها جل الاضطرار؛ لأنه يمثل للمتأمل بأجلى وضوح ما كانت عليه ~~تلك الأمة من سمو المكانة ورعاية الجانب. وما تحصلت عليه من العلوم والمعارف التي لم يجارها ~~في مضمارها مجار، ولم يبارها في ميدانها مبار. وإنها لم تصل إلى ما وصلت، ولم تتحصل على ما ~~تحصلت إلا بهمة وجهائها ونبلائها ورؤسائها. أيام كان هؤلاء الرؤساء لا يسعون لغاربهم، بل يعرفون ~~ما لهم وما عليهم، ويغارون على مصلحة أمتهم ويشق عليهم أن يروها في حالة يرثى إليها. عالمين أن ~~العار والشنار إنما هو منسوب إليهم إذا هم أهملوها ولم يعبئوا بأمرها، ويكترثوا بإصلاح شئونها. ~~وأن الشرف والفخر إنما هو عائد عليهم إذا سعوا في ترقيتها وإصلاح حالتها؛ لأنه إن لم يهتم ~~صاحب الدار بما فيها فهيهات هيهات أن تقوم لها قائمة إذ لا ينتظر إصلاحها ممن لا ناقة لهم فيها ~~ولا جمل، ثم يشخص هذا التاريخ أيضا أمام عيني الناظر ما آلت إليه حالتها من السقوط والهبوط، الذي لم ~~يكن يخطر بالبال. لولا أن دوام الحال من المحال. ومتى علم ذلك وتحقق ما هنالك، يستفد عندئذ ~~الفائدة المقصودة بالذات، ألا وهي إصلاح ما اختل واعتل وإحياء ما درس وما مات. # فإليكم إليكم أيها المصريون عموما، وخلف هذا السلف المبارك خصوصا تاريخ آبائكم الأولين ~~وأسلافكم السالفين. حتى إذا علمتموه ووعيتموه فاحذوا حذوهم واختطوا خطتهم. واسعوا في رأم الخلل ~~ورأب الصدع، فعساكم تعيدون شهرة أولئك القوم التي لعبت بها أيدي العدم. # واعلموا أن آثار أجدادكم وعظام آبائكم قد قامت اليوم تطالبكم بحقوقهم المقدسة المسلوبة، وكأني ~~بها تناديكم وتناجيكم قائلة: ألا رحم الله ms03 قوما عرفوا ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات؛ فقاموا ~~بأدائها خير قيام، وألا قاتل الله خلفا هدم ما بناه السلف، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع ~~مارن أنفه بكفه. # فهل يجمل بنا أن يطرق مسامعنا هذا النداء ونحن عن إجابته وتلبية دعوته غافلون ساهون؟! # فهلموا بنا أيها الأفاضل الأماثل، نعير هذا النداء جانب الالتفات. وكفانا كفانا ما أحدق بنا ~~وأحاق بطائفتنا من الآفات والعاهات؛ حتى يقال نعم الخلف الذي اقتفى أثر السلف، وذلك إنما يكون ~~بإخلاص النيات، وحسم أسباب العداوات والخصومات. فإننا إذا اتحدنا قلبا وقالبا، واعتصمنا بعروة ~~الالتئام والوئام، وصرمنا حبال البغضاء والشحناء، فزنا بنوال آمالنا وأمانينا التي هي إصلاح ~~هذه الطائفة حتى تصبح رافلة في حلل التقدم والارتقاء. ومختالة في ثياب الهناء والرخاء تحت ظل ~~أمير بلادنا، ومالك قلوبنا قبل رقابنا، الملك العادل الجليل، صاحب المجد الأثيل، خديوينا الذي تعلقت ~~بأهداب كرمه وحلمه الآمال والأماني «أفندينا عباس باشا حلمي الثاني» أدام الله أيامه مقرونة بالعز ~~والصفاء. ولا زلنا له عبيدا مخلصين في السراء والضراء. وحفظ لنا الوزراء الكرام ورجال مصر العظام ما ~~مرت الأيام وكرت الأعوام، بمنه وكرمه آمين. # الفصل الأول # | أصل الأقباط وسبب تسميتهم # إنه لما كان الغرض من وضع هذا الكتاب الإتيان على ذكر تاريخ الأقباط من ابتداء نشأتهم الأولى ~~إلى انتهاء حالتهم الأخيرة، وجب علينا - والحالة هذه - أن نتكلم أولا عن أصل نشأتهم وسبب ~~تسميتهم، ونسبتهم فنقول: الأقباط هم من ذرية قفطايم بن مصرايم بن نوح عليه السلام، ويسمون ~~أقباطا بالنسبة إلى قفط وهي اسم لبلدة في الصعيد، قيل إنها أول مدينة تأسست في وادي النيل لما أتى ~~مصرايم بن نوح وتوطن في مصر مع أولاده وأولاد أولاده الذين منهم قفطايم هذا، وهو الذي سميت هذا البلد ~~باسمه. # فقفط إذن هي أول بلدة وطأتها أقدام أجدادنا الأقباط؛ فكانت منبت شعبتهم، ومسقط رأسهم، ومحط ~~رحال مجدهم. # وقد اشتهرت قفط في أيام ملوك مصر الوطنيين بالقوة والمجد، وازدادت ثروتها خصوصا في أيام ~~البطالسة؛ إذ امتدت مواصلتها ms04 واتسعت تجارتها مع بلاد العرب. # ولما تغلب الروم على مصر ورأوا ما كانت عليه مدينة قفط من الأهمية، وأنها من أعظم أمهات مدن ~~الديار المصرية سموا مصر بأسرها «إيجيبت». # هذا ولقد علم بعد طول التنقيب والتنقير، وزيادة الاستقراء والاستقصاء، أن لفظة «إيجيبت» ~~هذه مركبة من كلمتين يونانيتي الأصل؛ إحداهما: «آي» بمعنى أرض أو بلاد، والثانية: «جبت» بمعنى القبط؛ ~~فيكون مجموع معنى الكلمتين «أرض القبط أو بلاد القبط» وهو الاسم الذي تناقل وتداول بين الأجانب عن ~~هذه البلاد إلى الآن. # فالأقباط إذن هم سلالة المصريين القدماء الذين بلغوا الدرجة القصوى والشأو العظيم في العلوم ~~والمعارف، وأحرزوا قصب السبق في مضمار التالد منها والطارف، وارتضعوا أفاويق الحكم واللطائف، ~~وتفيئوا تحت ظلها الظليل الوارف. كيف لا وهم أول من فتحوا البلاد ودوخوا العباد، وشيدوا المدارس ~~وأنشئوا المجالس، ووضعوا الشرائع ونبغوا في سائر الفنون والصنائع. # وها هي آثارهم الباهرة ومآثرهم الفاخرة لم تزل ولا تزال بين ظهرانينا تعرب عن فضلهم ونبلهم، ~~وتترجم عن سمو مداركهم وكمال تقدمهم، فسل الأهرامات الباذخة، والمسلات الرفيعة والهياكل الشامخة، ~~والأبنية الشائقة الشاهقة تجدها كلها ألسنة ناطقة وأفواها لافظة، تفصح عن براعة أولئك القوم الأولين ~~والأسلاف السالفين. # ومن البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو إقامة دليل وبرهان أنه لا يتسنى لمن لم يكن متضلعا من ~~العلوم والمعارف وواقفا على كنه أسرارها، أن يأتي بمثل هذه الآثار والمآثر الخطيرة الباهرة، التي ~~تبهر البصر وتخلب اللب وتأخذ بمجامع القلب. # الفصل الثاني # | علوم قدماء الأقباط ومعارفهم # لقد برع قدماء الأقباط خصوصا في علوم الفلسفة الكيماوية والعقلية، وعلم الهيئة والنجوم، وعمل ~~الصيني والزجاج، وفن النقش والتصوير والبناء، وإجادة التحنيط. وبلغوا أيضا الدرجة القصوى في ~~الهندسة، وقد أتقنوا علم الطب إتقانا عجيبا غريبا؛ وذلك لأن كل طبيب كان يتفرغ لفرع واحد من ~~فروع العلوم الطبية فيتقنه ويتفنن فيه كل التفنن؛ ولذا كثرت لديهم الأطباء المتفننون المتقنون ~~لسائر فروع الطب، وخصوصا ما كان متعلقا منها بأمراض العيون لكثرة انتشارها وتفشيها في بلادهم ~~المصرية، إلى غير ms05 ذلك من الفنون المتنوعة التي يشق على أبناء هذا العصر الإتيان بمثلها، ولا سيما فن ~~البناء والنقش على الأحجار والتحنيط، تلك الفنون التي حارت في إدراك كنهها وماهيتها عقول فحول ~~العلماء المتأخرين؛ لذا لا عجب إذا علمت أيها القارئ النبيل أن جميع العلماء الأعلام، ~~ومشاهير الرجال العظام كانوا يهرعون ويتقاطرون أفواجا أفواجا من كل فج عميق إلى بلاد القبط؛ ~~ليرتشفوا من مناهل علوم أولئك القوم الذين فاقوا سائر الأمم المعاصرة والمجاورة لهم والمكتنفة ~~ببلادهم، كما دلت على ذلك صحف التاريخ ونطقت آثار الأخبار. # الفصل الثالث # | عوائد الأقباط القديمة المشهورة # لا ريب أن الأمة المتمدنة المتقدمة إنما يطلق عليها هذا الاسم إذا هي كانت على جانب عظيم من ~~دماثة الأخلاق، وطهارة الأعراق، وكريم الشيم، وجميل الشمائل، وذلك كله لا يظهر جليا إلا في العادات ~~التي خصت بها كل أمة على حدتها دون غيرها. # ولنورد هنا ما اتصل بنا من عوائد أجدادنا الأقباط المشهورة فنقول: لقد كان لقدماء الأقباط عوائد ~~كثيرة شهيرة صادرة عن الحكمة والسداد، نخص منها بالذكر ما اشتهر بين الورى، وعرف لدى العام والخاص ~~والداني والقاصي، كعدم إتاحتهم لموتاهم بالدفن إلا إذا أحسنوا عملا ولم يقضوا سني حياتهم هملا. ~~وكان هذا الحكم الصارم يسري على الرفيع والوضيع، والخطير والحقير، والغني والصعلوك، والمالك والمملوك ~~على حد سوى. وذلك مما يدل على ميلهم للحق والإنصاف، وعدم جنوحهم إلى الإجحاف والاعتساف، ومعاملتهم ~~لجميع الناس بالعدل والقسطاس، ومن عاداتهم أيضا أنه لا يسوغ للابن أن يمتهن غير مهنة أبيه وجده؛ ~~لكي يتقنها ويحسنها سعيه وجده. ومنها حكمهم على مجتري الجرايم ومجترحي الجنح بقطع أعضائهم التي ~~مكنتهم من إتيان هذه المنكرات، وارتكاب تلك الجنايات، فالسارق كان يقطع يمينه، والكذوب المزور ~~المختلق الإحن والمحن يقطع لسانه، وهلم جرا. # وهذه العادة وإن لم توافق مشرب أهل هذا العصر، وتطابق مقتضيات التمدن الحالي، على أنها لا تخلو ~~على كل حال من الحكمة والسداد كما قدمنا. # وكانت العادة الجارية عند الملوك أن يكافئوا من نبغوا في صناعتهم أو ms06 برعوا في مهنتهم من أهل ~~رعيتهم؛ لكي يستفزوا غيرتهم ويحركوا نخوتهم للاهتمام بإتقان أعمالهم وتحسين أشغالهم، وهذه هي الخطة ~~التي يختطها الأوروباويون الآن، ويستعملها الغربيون في غالب الأحيان، نقلا عن أجدادنا وأسلافنا ~~الذين سبقوهم إليها؛ فكان لهم الفضل المتقدم. # ومن عوائدهم أيضا احترام شبانهم لشيوخهم الاحترام الزائد. # ومن عوائدهم التي كانوا بها يحافظون على جنسيتهم وأصولهم: أنهم كانوا يتجنبون الأجانب تجنبا ~~شديدا، ويمتهنون كل من لم يكن من مواطنيهم؛ فلا يجالسونه ولا يتناولون معه طعاما البتة، ولعلنا نجد ~~هذه العادة جارية في بعض الممالك الغربية العظمى للآن. # وكانت أحكامهم لا تصدر إلا من مجالس مؤلفة من ثلاثين قاضيا، لهم رئيس يرأسهم هو بمثابة رئيس ~~المحكمة عندنا؛ حتى يباشروا الأعمال على غاية ما يرام، من تمام الإحكام والانتظام. # أما العلوم والمعارف فكانت قاصرة على الكهنة دون غيرهم؛ ولذا كانوا في ذلك الوقت أصحاب الشأن ~~الرفيع بل أهل السلطة والسيطرة على الجميع. # الفصل الرابع # | ملابسهم وهيئتهم # كان قدماء الأقباط أقوياء أصحاء، متصفون بطول القامة وضخامة الجسم، كما استدل على ذلك من ~~آثارهم التي خلفوها بعدهم على حد قول القائل: # إن آثارنا تدل علينا # فانظروا بعدنا إلى الآثار # أما ملابسهم فكانت عبارة عن ثياب من الكتان، لها سجق وفوقها برانيس منسوجة من الصوف الأبيض، ~~ولكن لم يكن يتاح لهم أن يأتزروا بتلك الملابس في مساجدهم ومعابدهم، بل كانوا يقتصرون على الثياب ~~البسيطة ليس إلا، وكذا لا يسوغ لهم أن يكفنوا بها موتاهم لأن ديانتهم كانت تحرم عليهم ~~ذلك. # ثم أخذت بعدئذ ملابسهم تتغير بتغير الدول الحاكمة عليهم؛ إذ كانوا يقلدونهم في جميع حركاتهم ~~وسكناتهم، إلى أن لبسوا أجزاء الجبة والقفطان ثم الشراول ثم «المنطلون ومتعلقاته» كما هو المشاهد ~~الآن؛ وذلك لاختلاطهم وامتزاجهم بالأجانب كما سترى. # أما الإكليروس فيلبس «الآن» قفطانا من النوع المعروف بالغزلية مع طربوش عليه عمة تشبه عمة ~~الكلدان، وجبه سوداء طويلة الأكمام، والراهب فيهم يمتاز عن القسيس العادي المتزوج بقطعة من الصوف ~~الأسود، بعرض أربع أصابع تتدلى من تحت الطربوش ms07 إلى وراء العنق، تعرف عندهم بالقلاسوة، ويتميز الرهبان ~~المقيمون بأديرتهم بلبس الصوف غالبا بخلاف المترددين في المدن والبلاد؛ فإنهم يماثلون الإكليروس ~~العلماني غير مميزين عنه في شيء إلا بالقلاسوة ليس إلا. # أما رؤساء الكنائس والأساقفة والبطريرك فملبوسهم غالبا من القفاطين الحريرية، والفرجيات الجوخ، ~~ويلتحفون بشيلان من حرير على رءوسهم وأكتافهم، والأساقفة يتميزون عن رؤساء الكنائس بشكل العمامة؛ إذ ~~يلبسون عمامة قائمة من طربوش وقماش حريري ملفوف على مقو مدور مرتبط ببعضه وبالطربوش بانعقاد محكم ~~لا يمكن حله إلا بنقض العمامة من أصلها، مشابه لعمائم مطارنة وبطاركة السريان، بخلاف عمامة باقي ~~الإكليروس، التي هي مركبة من طربوش وشال حريري، أو صوف ملفوف عليه لفا بسيطا، بدون ارتباط ~~يمكن حله في أي وقت. # الفصل الخامس # | ديانتهم ولغتهم # أما من حيثية الدين فلا يسعنا إلا أن نقول بأن أجدادنا الأقباط قد امتطوا فيه صهوة الشطط، ~~وركبوا غارب الخطا ومتن الضلال والغلط؛ إذ كانوا يعبدون التماثيل والأصنام الحجرية دون مبدع الكائنات ~~ورب البرية. # على أنه قد قيل إن الكهنة منهم كانوا يعرفون أنه يوجد إله أوحد، متفرد بالقدرة ~~والعظمة التي لا تدخل تحت عد أو حد، وأن هذه الأصنام والتماثيل إن هي إلا رمز يشير إليه ويدل ~~عليه، ويذكر الخلائق بقدرته وحكمته التي لا يدرك كنهها من البشر أحد. ولكن هؤلاء الكهنة قد جاءوا ~~أمرا إدا، وحادوا عن جادة الصواب جدا؛ إذ لم يلقنوا هذه التعاليم لخاصة الشعب وعامتهم، حتى ~~يكونوا على بصيرة من كنه ديانتهم، بل عرفوها وأخفوها وفي زوايا قلوبهم ستروها وواروها. فأشد اللوم ~~والتثريب على الكهنة الذين حجبوا عن الشعب هذه الحقيقة؛ إذ كان القوم كما نوهنا وألمعنا منقادين ~~لكهنتهم ومقلدين لحركاتهم وسكناتهم، فلو كانوا علموهم هذه المبادي المعتدلة لأذعنوا لأقوالهم، ورضخوا ~~لأحكامهم؛ فالكهنة المصريون ملومون أشد اللوم لإخفائهم الحقيقة عن الجمهور ضدا لسرائرهم وتعقلهم، ~~والشعب ملوم لتصديقه ما ينكره العقل ويشهد ببطلانه الحس. # ولكن لم تلبث أن ظهرت الديانة المسيحية وانتشرت بين أبناء الأمة القبطية في عهد حكم الدولة ~~الرومانية ms08 عليهم، لما أتاهم مار مرقس الرسول كارزا ومبشرا بكلام الله الحي، وناطقا بروح الإنجيل ~~والوحي، فقبلوها وتدينوا بها كما سيأتي ذلك مفصلا. # أما لغتهم فكانت اللغة الهيروغليفية القديمة التي لم تزل منقوشة على أحجارهم الضخمة، وآثارهم ~~الجمة المهمة كالموجودة الآن في الجيزة وصقارة، وغيرها من التي لم تكتشف بعد. # وكانت هذه اللغة تكتب أولا بصور مستعارة من الأشياء الطبيعية، وباصطلاحات دالة على الألفاظ ~~المعنوية دلالة عقلية ظاهرة، فكانوا إذا راموا التعبير عن مفتاح مثلا وضعوه بصورته المعهودة، أو ~~الإفصاح عن طير أو غيره، رسموه بشكله وهيئته وهكذا. # ولكنهم توصلوا بعد ذلك إلى كتابتها بحروف دالة على الأصوات. # ولكن لسوء الطالع أخذت تلك اللغة تنحط رويدا رويدا حتى كادت تندرس وتطمس معالمها؛ وذلك لأن ~~الملوك الأجانب الذين تولوا على مصر - وخصوصا العرب - كانوا يحجرون عليهم التكلم بها. # أما هذه اللغة فإنها استمرت أجيالا مستطيلة مجهولة للعموم، وذلك نشأ من تسلط الدول ~~الأجنبية من يونانيين ورومانيين وعرب على بلاد القبط كما قلنا، وتسلط لغتهم على لغة البلد الأصلية، ~~وإهمال أشكال كتابتها الخصوصية التي معرفتها هي الواسطة الأمينة للنطق بها إهمالا كليا، ومع أن ~~الأقباط القدماء لم يبخلوا على العالم في إحراز أشكال كتاباتهم، بل حفروها حفرا لا تمحوه الأجيال ~~على هياكلهم وأهرامهم وعمدهم ومسلاتهم، ومقابرهم وغيرها من آثارهم الباقية للآن شاهدة لعنايتهم، فإذا ~~أهملت معرفة تلك الأشكال بالكلية؛ كان الناظرون إلى صورها والمتأملون في حروفها لا يرون منها إلا ~~ألغازا مبهمة وأسرارا متعتمة، أخيرا حان الزمان لاكتشاف هذا الكنز الأدبي، وذلك في عهد وجود ~~الجيش الفرنساوي بمصرنا؛ إذ قد عثر الضابط الفرنساوي المدعو بوسارد (سنة 1799 ميلادية موافقة سنة ~~1515 للشهدا قبطية) على حجر أسود في مدينة رشيد، وعليه كتابة بثلاثة حروف مختلفة؛ الأول: الحرف ~~الهيروغليفي الذي يرى غالبا على الأطلال المصرية، وهو الذي كان يستعمله الكهنة وأمثالهم، ~~والثاني: الحرف الديموتي أو الديموطيكي، وهو الخط المعتاد الذي كان يستعمله العوام، والثالث: ~~لحسن الحظ باللغة اليونانية. وقد اجتهد بعض الأوروبيين حينذاك في حل ms09 الخطين المصريين الأولين بواسطة ~~الخط اليوناني، ولم يهتدوا إلى التمام. أخيرا كان الفضل في ذلك لمهارة العالم الفرنساوي شمبوليون؛ ~~فإنه استخرج من الحجر الرشيدي معرفة الهيروغليف المصري - وكلمة الهيروغليف لفظة يونانية مركبة من ~~كلمتين؛ «هيرو»: أي مقدس، و«غليف»: أي: حفر، والمعنى : الكتابات المقدسة - وذلك أنه لما رأى في ~~الكتابة اليونانية اسم الملك بطليموس أو بطولميس، ووجد في الهيروغليفية كلمة منحصرة في خط ~~إهليليجي تحقق من مراجعة أسماء أخرى منحصرة في إهليليجيات أخرى منقوشة على إحدى المسلات، وعرف ~~أن الحرف الأول حقيقة هو الباء والثاني التاء ... إلخ، ومن ذا أخذ يستدل على باقي الحروف والأشكال، ~~وبما أنه كان عارفا باللغة القبطية الجاري كتابتها بالأحرف اليونانية، وقد حل أشكال الحرف ~~الهيروغليفي على ما ذكرنا؛ فمن قراءة الهيروغليفي عرف أن اللغة المصرية هي نفس اللغة القبطية ~~الموجودة، إنما الأولى كانت بالخط المصري والثانية بالخط اليوناني، ومع أن اللغة القبطية اتخذت ~~الحرف اليوناني وذلك من جري تسلط اليونانيين على مصر إلا أن ألفاظها الأصلية هي نفس الألفاظ المصرية ~~القديمة، ولو أن كثيرا من الألفاظ اليونانية أدخلت فيها للآن، وكان لهذه اللغة ثلاثة اصطلاحات؛ ~~الأول: الصعيدي وهو الذي كان مستعملا غالبا في الوجه القبلي وأكثر الهيروغليفات المنقوشة محررة ~~به، والثاني: البحيري وهو المستعمل الآن لدى الأقباط، والثالث: البثموري نسبة إلى البثمور، وكان ~~الأقباط الحافظون على الاصطلاحات الثلاثة في محرراتهم الأدبية والدينية ومخاطباتهم الأهلية، كما ~~تدل الآثار الباقية للآن إلى أن تغلب الجهل وتسلط القسر، وأخذت معرفتهم في لغتهم تتنازل جيلا ~~فجيلا؛ حتى انتهى الأمر إلى إهمال استعمالها بينهم بالجملة. # ثم بعد مضي أمد مديد، وعهد عهيد؛ صارت هذه اللغة القبطية لا تستعمل إلا في الطقوس ~~الكنائسية، وفي أيام الحسن الذكر البطريرك كيرلس الأكبر العاشر بعد المائة جعلها تعلم في المدارس ~~التي أنشأها في حياته. # وبعد أن كان لا يوجد أكثر من اثنين أو ثلاثة يعرفون هذه اللغة، صار يوجد الآن عدد عديد من الذين ~~يحسنون التكلم والكتابة بها، فكان إحياء هذه اللغة الشريفة القديمة من ms10 ضمن مآثر غبطة هذا ~~البطريرك الجمة، وآثاره المهمة التي خلدت له ذكرا حميدا في متون التواريخ وبطون المؤلفات يتضوع ~~شذاه في الآفاق، ويملأ الصحف والأوراق، لا يمحوه مرور الأيام وكرور الأعوام. # | الباب الأول # ملوك الأقباط وحكامهم # الفصل السادس # | ملوك قدماء الأقباط الوطنيون # لقد مر على الأقباط حين من الدهر ذاقوا في خلاله لذة الاستقلال، وتمتعوا بمزايا الحرية ~~الحقيقية، وكان ذلك في أيام ملوكهم الوطنيين قبل استيلاء الدول الأجنبية عليهم، وقد أنبأنا التاريخ ~~بأن ملوكهم الأوائل كانوا من مصاف الأحبار كما أسلفنا. # على أن هذه السلطة لم تدم مخولة لهم؛ بل انتزعها منهم أحد الوطنيين الغيورين، ألا وهو ~~الملك «مينا» الذي أسس البلاد حكومة منتظمة ووضع لها قوانين عادلة. # فالملك «مينا» هذا أول ملك انفرد بالسلطة والسيطرة بعد الكهنة، وكان متصفا بالهمة والحكمة ~~وحسن السعي، وحسبنا على ذلك دليلا ما أتاه من الأعمال الجلال؛ إذ هو الذي بنى مدينة «منف» التي ~~تدعى الآن «ميت رهينه» وحول النيل عن مجراه من جانب صحراء «لبية» وجعله في الوادي الذي يجري فيه ~~الآن بين الجبلين، إلى غير ذلك من الإصلاحات والتنظيمات التي مهدت لبلاده طريق التقدم والارتقاء، ~~وأوردت رعاياه موارد الهناء والرخاء. # ثم أخلفه في الحكم أخوه «ثتا» وكان عالما نحريرا وجهبذا خطيرا، له في الطب رسالة أتى فيها ~~على ذكر أصل التشريح الصحيح، وتلك الرسالة هي التي أتمها وكملها «استنس» صاحب اليراع المشهور ~~والباع الطويل الراسخ القدم في أصول هذا العلم. # وبعدئذ حكم الأقباط 26 عائلة ملوكية وطنية أشهرها ما يأتي بحسب الترتيب والتعقيب؛ أولا: ~~الملك «سميس» الذي فشا في عصره الوباء بالديار المصرية، وأهلك من الناس جما غفيرا وعددا ~~عديدا، فعكفت الأهالي على ارتكاب الدنايا والمعاصي، والفتن التي أفضى بها الأمر إلى حصول هيجان ~~عظيم لم ينته إلا بانتهاء مدة عائلته. # و«بينوتريس» الذي سن قانونا جديدا مؤداه أنه يجوز للنساء الترشح لمنصب الملك عند عدم ~~وجود الذكور أو انقراضهم، قاصدا بذلك عدم خروج الملك من عائلته الملوكية، وقد ادعى هذا الملك ~~القرابة ms11 للآلهة، ولقب نفسه «بابن الشمس»، فنسج على منواله من أتى بعده من خلفائه، وألزموا ~~الرعية بعبادتهم واعتبارهم بمثابة آلهة ذوي تصرف مطلق فاعلين مختارين. # ومنهم «نخروفيس» الذي قمع سكان صحراء لبية الذين شقوا عصا الطاعة عليه فكبح جماح عصيانهم، ~~وجعلهم مذعنين صاغرين، ومن مآثر وآثار عائلة هذا الملك «المعروفة» أبو الهول الموجود بين هرمي ~~الجيزة والهيكل الموجود بالجهة القبلية من أهرام الجيزة. # ومنهم «خوفو» وكان رجلا مقاتلا يصبو إلى اقتحام الأهوال، وولوج معامع القتال، وتشييد ~~البنايات، وبناء الآثار والعمارات؛ إذ هو الذي بنى الهرم الكبير الموجود بالجيزة، ولا صحة لما ~~ادعاه البعض من أن هذا الملك كان ظالما لرعيته. # وكذا أخوه «خفرم أو خفرع» الباني للهرم الثاني «ومنكرا أو منقريوس» الرافع للهرم الثالث ~~الموجود خلف الهرمين السابقين، وهذا الملك هو الذي وجدت جثته داخل هرمه؛ فأرادت دولة الإنكليز ~~نقلها إلى دار تحفها، فأبى الله إلا حرمانها من نوال هذه الغنيمة الباردة فأغرق السفينة به في ~~ساحل «البرتوغال» ولم يتحصل على شيء منها سوى غطاء التابوت، وهو لم يزل محفوظا في دار تحفها إلى ~~الآن. # ومنهم «أبايوس» الذي كان مغازيا ومقاتلا مثل الملك «خوفو»، ومنهم نيتوكريس ربة الجمال ~~والجلال التي لقبها «مانيثون» «بموردة الخدين»، ولهذه الملكة نادرة تاريخية شهيرة غريبة؛ إذ قد ~~كان لها زوج يدعى «بنيوفيس» الثاني وهو أيضا أخوها، ففي السنة الثانية من حكمه قام عليه أعداؤه ~~فقتلوه فانتقمت له زوجته أو إن شئت قل أخته «نيتوكريس» وأخذت له بثأره بطريقة عجيبة وكيفية غريبة. ~~وبيان ذلك أنها أتت بهم إلى مقاصير تحت الأرض، وأعدت لهم فيها وليمة شائقة، وأحضرت إليها كمية وافرة ~~من المطاعم والمشارب الأنيقة، فلما التهوا في لذات المأكولات والمشروبات أمرت بأن ينساب عليهم ماء ~~النيل من سرداب معد لذلك من قبل فأغرقتهم جميعا. ثم قتلت نفسها خوفا من القصاص المزمع أن ~~يلحقها. # وقد امتازت أيام هذه الملكة بإتقان فن التصوير؛ فترى أن صورهم كانت حائزة سائر المحاسن من ~~اعتدال القامة واستدارة الوجه ورقة الأنف إلى غير ms12 ذلك، وقد يترتب على ذلك تقدم العلم أيضا؛ لأن ~~الصناعة إن هي إلا من ضمن نتائجه. # ومنهم الملك «أمينامهات» أو «أمختيب» الأول الذي سعى في استخراج الذهب من بلاد النوبة، ثم ~~«أوزريس» الأول صاحب المسلة المشهورة الموجودة الآن في المطرية، «وأموزيس » صاحب العمارات الجسيمة ~~الموجودة بالفيوم والمشيد بحيرة قيرون المعروفة ببحيرة «موريس»، وهو الذي بنى أيضا القصر الجسيم ~~المسمى «لايرينت» المحتوي على ثلاثة آلاف قاعة منها 1500 في الدور الأول و1500 فوقها في الدور ~~الثاني، وأخيرا الملك «تيماوس» الذي أغارت في أيامه «الهكسوس» أو الرعاة على البلاد ~~القبطية. # الفصل السابع # | حكم الرعاة على بلاد القبط # أما هؤلاء الرعاة «الهكسوس» وتسميهم العرب العمالقة أيضا؛ فهم قوم اتصفوا بسماجة الطباع ~~وفظاظة الأخلاق، أغاروا على بلاد القبط من نواحي آسيا الجنوبية واستولوا على الوجه البحري فجأة، ثم ~~تكاثر عددهم حتى صار كرمال القفار وقطرات الأمطار، فأخذوا يدمرون الهياكل والمدن ويفتكون ~~بالأهالي، فاضطر حين ذاك الملوك الوطنيون أن يأووا مع جماعة من رعيتهم إلى الصعيد؛ حيث حكموا ~~هناك في مدينة «طيبة»، فانقسمت حينئذ بلاد القبط إلى قسمين عظيمين معاصرين لبعضهما: # الأول: # فرع أهلي أصلي وملوكه غير معلومة، وكان مركز حكمه بالوجه القبلي الذي قاعدته مدينة ~~«طيبة» كما قدمنا. # والثاني: # فرع متغلب أجنبي ومقره مدينة «منفيس»، وأول ملوكه الملك «سلاطيس» الذي أفرغ قصارى جهده ~~في ترتيب الحكومة وتنظيم الأحكام، وتشييد الحصون الحصينة والقلاع المنيعة في النقط التي كان ~~يخشى منها هجوم العرب والبدو الذين هم على شاكلته، أو المصريين الحاكمين في الصعيد الذين كان ~~يعتبرهم أعداء ألداء له. # ولا ريب أن هذا أدل دليل يدلنا على أن هؤلاء العمالقة لما عاشروا الأقباط أقلعوا عن ~~أخلاقهم الذميمة، وأعرضوا عن طباعهم الممقوتة، وأصبحوا عارفين بواجباتهم الملوكية التي لم يكونوا ~~ليعرفوا لها اسما ولا رسما. # ومن ضمن ملوك هؤلاء الرعاة أيضا الملك خوفيس المشهور عند العرب بالريان بن الوليد، وهو الذي ~~اتخذ «يوسف» له وزيرا لما فسر له الحلم وألفاه بضروب الحكمة والتدبير خبيرا. # أما ملوك القبط الأصليون ms13 القاطنون بالصعيد كما مر؛ فكانوا ساهرين متيقظين آخذين كل ~~الاحتياطات اللازمة للتوقي من غارات وهجمات أعدائهم الرعاة. ولطالما حاولوا مقاتلتهم وانتزاع ~~البلاد من أيديهم واسترجاع سلطتهم إليهم، إلى أن أتاح الله لهم ذلك. # إذ في أيام الملك «أوموزيس» اتحد جميع أقباط الصعيد قلبا وقالبا وهجموا دفعة واحدة على ~~الرعاة؛ فقيض الله لهم نصرا مبينا، ومكنهم من أعدائهم تمكينا. ولكن لسوء الحظ أدركت الملك ~~«أموزيس» المنية قبل نوال هذه الأمنية، فاقتفى أثره في هذه الخطة ابنه «أخميس»؛ إذ استمر في ~~محاصرتهم والتضييق عليهم، حتى تمكن في آخر الأمر من طردهم بالكلية من سائر تخوم البلاد القبطية، بعد ~~أن حكموا عليها نحو نصف جيل تقريبا من سنة 3200 قبل الميلاد إلى سنة 100 قبله. # الفصل الثامن # | استرجاع ملوك القبط الوطنيين سلطتهم # وبهذه المثابة تسنى للأقباط استرجاع سلطتهم، وانتزاع بلادهم من يد أعدائهم، ثم طفقوا يعمرون ما ~~دمرته ملوك العمالقة من الهياكل الدينية والعمارات المدنية، وأول الملوك الذين حكموا على بلاد ~~القبط بعد طرد الرعاة «الملك أخميس» الذي قطع دابرهم عن آخرهم، وأنقذ البلاد من شرهم وجورهم، ولقد ~~اشتهر ملوك هذه الدولة الوطنية الثانية بالغزوات والفتوحات. # فمنهم الملك «أمنحوتيب» الذي فتح بلاد «كوش» «والأيثيوبية» وجعلها لقبا لولي عهده؛ فكان يقال ~~له «أمير كوش». # ومن أشهر ملوك هذه الدولة الملك طوطوميس الأول، ثم طوطوميس الثاني الذي تمكن من إدخال الولايات ~~السودانية تحت حكمه، واهتم كسلفه ببناء العمارات وتأسيس المباني، على أنه قضى نحبه ولم يرزق ابنا ~~يرث الملك من بعده، فآل أمر الحكم إلى أخيه «طوطوميس» الثالث. ولما كان هذا الأخير قاصرا أقاموا ~~«أخته حاشاذو» وصية عليه ونائبة عنه، فتزوجت به وشرعت في إدارة حركة المملكة بكل همة ~~وشهامة. # وبما أنها كانت ولوعة بالفتوحات والغزوات شأن أبنائها السالفين استولت على بلاد «سورية» وضربت ~~عليها الجزية، ومن آثار هذه الملكة المشهورة تشييد المسلتين الكائنتين «بالكرنك» التي لم تزل ~~إحداهما قائمة إلى الآن تنادي بهمتها العجيبة وشهامتها الغريبة. وكان على رأس كل من هاتين ~~المسلتين تاج ms14 من ذهب هرمي الشكل، ولقد نقشت الملكة تاريخ غزواتها على جدران أحد آثارها المدعو ~~«بالدير البحري»، ولما بلغ الملك طوطومس الثالث أشده وأدرك رشده استولى على الأحكام، فارتقت في ~~أيامه بلاد القبط ارتقاء كليا؛ إذ فتح جزيرة قبرص وجزيرة كريد ومدينة نينوى، ويقال إنه أدخل تحت ~~طاعته سواحل جنوب إيطاليا. # ولهذا الملك آثار جمة نخص منها بالذكر مدينة «هليوبولس» - أي المطرية - ومنف وجزيرة أصوان، ثم ~~توفي بعد أن حكم نحو 45 سنة تقريبا. # ومنهم أمنوفيس الثالث الذي كان مهابا حسن السياسة في السلم والحرب، وقد اشتدت المملكة في ~~عهد ولايته إلى داخل بلاد الحبشة. وأغلب آثار هذا الملك موجودة بجزيرة أصوان، وجبل السلسلة، وبجهة ~~طرة وجزيرة الطور. # ومنهم الملك أمنوفيس الرابع، وكان هذا الملك يأخذ الجزية من الممالك الخاضعة لسلطته كجاري ~~العادة. وقد تزوج بامرأة أجنبية؛ فأدخلت في البلاد عبادة الشمس فحقد الأقباط عليه وشددوا النكير على ~~فعله هذا، ولما اتضح له ذلك خاف على نفسه فنقل تخت المملكة من طيبة إلى المدينة التي شيدها، ~~وسماها بمدينة المنيا، وتعرف الآن باسم تل العمارنة. # وبعد موته نسخت عبادة الشمس التي أدخلها إلى البلاد مرضاة لخاطر زوجته، وهذا الملك هو صاحب ~~الصورة المشهورة الموجودة بالأقصر. # ومنهم الملك رمسيس الأول، وهو الذي تجرأ على مقاتلة قبيلة الخيتاس فانتصر عليهم، ثم خلفه ~~ابنه منفطه أوسيطوس، الذي كان رجلا غيورا على مصلحة الأمة ومتصفا بالهمة والحكمة. وقد يستدل من ~~الأبنية التي شيدت في أيامه أن فن النقش والعمارة تقدم تقدما تاما، ويقال إنه هو الذي صنع ~~المسلة التي نقلت إلى رومية، ومن المؤكد أنه هو أول من حفر الخليج لتوصيل ماء النيل بالبحر الأحمر. ~~وقد فتح أيضا طريقا للقوافل من آسيا إلى جبل أتوكي وأوجد بها عينا «أردوازية» صناعية لشرب ~~المسافرين إذا أضناهم التعب، وأنهكهم الظمأ وأعياهم النصب. # ومن مناقبه أيضا غزو بلاد السودان والشام ونينوى وبابل وأقصى بلاد أرمينية؛ إذ يظهر أن بعض ~~الممالك التي كانت تابعة في مبدأ الأمر لحكام مصر خرجت عن ms15 طاعتهم، فاضطر إلى محاربتهم ~~وإخضاعهم، ثم خلفه ابنه «رمسيس» الثاني المسمى عند اليونان «سيزوستريس» وقد كان هذا الملك أعظم ~~جميع ملوك مصر قوة وشوكة، ومن صفاته الخاصة به الملازمة له حبه لرعيته حبا شديدا زايدا حتى ~~لقد جعلهم أسراء طاعته ورهيني إشارته، فكان إذا مر بالأزقة والشوارع ضجت الناس وهتفت ~~بالدعاء له والتأييد لسلطانه كأنه المقصود بقول القائل: # كأنك من كل النفوس مركب # فأنت إلى كل الأنام حبيب # وقد نسب إليه اليونان افتتاح بلاد العجم، وبلاد الهند والعرب، وبعض ممالك أوروبا، وقالوا إنه ~~ضرب الخراج على عشرين أمة واسترعاها، ومما يدل على حسن سياسته وكياسته أنه كان كلما فتح مملكة ~~أجنبية أبقى بها شرذمة ليست بقليلة من الأقباط الأصليين الوطنيين؛ لينشروا في جميع أنحائها وأرجائها ~~مبادئهم القويمة وأخلاقهم وعوائدهم المرضية. # وبعد وفاته أعقبه في الملك الملك منفطة أو منفتاح الثاني، وفي أيامه دخل جماعة من اليونان ~~والصقليين إلى البلاد القبطية بقصد الاستيلاء عليها؛ فلم يمكنهم من نوال بغيتهم، بل صدهم ~~بجيشه الجرار وردهم على أعقابهم خائبين، وقد قيل إن خروج بني إسرائيل من مصر كان على عهد هذا ~~البطل الهمام المقدام، ولكن هذا الزعم لم يتأكد بعد. # ومنهم أيضا «رمسيس الثالث» الذي أتى بأعمال جديرة بالذكر وحرية بالاعتبار؛ ولذا كان من أعظم ~~ملوك الأرض طرا شأنا وأسماهم مكانة؛ إذ قامت في أيامه بلاد الحبشة والنوبة، وأغاروا على البلاد ~~المصرية فهزمهم وصدهم، وأدخل أيضا تحت سلطته كسائر الملحقات المصرية، وأباد جميع أعدائه برا ~~وبحرا، وغادرهم في حيرتهم؛ مرتبكين متعجبين من تلك الجسارة والشهامة التي تجاوزت الحد. # ولكن أبى الدهر إلا أن تسقط وتهبط بلاد القبط في أيام خلفائه الذين لم ينسجوا على منواله، ولم ~~يحسنوا التصرف ولا تدبروا في نتائج أعمالهم. # وبيان ذلك أنه في أيام رمسيس الثالث عشر آخر ملوك هذه الدولة الشهيرة تداخل رئيس كهنة الإله ~~آمون في أمر الأحكام والسلطة الإدارية التي انتزعها منهم الملك ميناس كما سلف آنفا. ثم انضم إلى ~~هؤلاء الكهنة أيضا حزب مؤلف من ms16 سذج الشعب، وما زال الجدال على هذا المنوال بين حزب الكهنة ~~وبين الحزب الملوكي، حتى انتزع أخيرا رئيس الكهنة السلطة من الملك رمسيس المذكور. # ولا ريب أن هذه الحادثة التاريخية القديمة تضارع كل المضارعة حادثتنا القبطية الأخيرة ~~الشهيرة، كما وأنها تدل أيضا على طموح كهنتنا إلى السلطة العالمية، وجنوحهم إليها وولوعهم بها ~~منذ القدم. # أما حكم هذه الدولة الكهنوتية الجديدة فقد استمر نحو 178 سنة، وفي ذاك الزمن أخذ اليونان ~~مدينة تروادة، ولكن لم تأت هذه الدولة بعمل يذكر فيشكر، بل عاش ملوكها عيشة التواني والكسل، ~~وماتوا بدون أن يخلفوا بعدهم أدنى عمل؛ ولذا دعاهم المؤرخون بالملوك أهل الكسل وأرباب البطالة، ~~وغاية ما علم من آثارهم أنه كان يوجد لأولهم المدعو منداس حجر ببريا أصوان، منقوش عليه كتابة بالقلم ~~اليربائي تحتوي على طلب الدعاء بحفظ الذات الملوكية أي منداس، ولقد كانت هذه الدولة معاصرة للملك ~~داود وابنه سليمان اللذين استوليا على أغلب الملحقات المصرية بدون أن يجدوا من يمانعهم أو ينازعهم ~~من الأقباط. # ولما دام الحال على هذه الوتيرة مدة من الزمن شق هذا الأمر على قدماء الأقباط، إذ علموا ~~أنهم إذا استمروا على هذا التواني والتهاون ضاعت بلادهم وساءت حالهم، فريثما تضعضعت حالة هذه ~~الدولة الكهنوتية المتقاعدة ظهرت عائلة من بسطة الكائنة بقرب الزقازيق، وخلعت منها الحكم ثم استولت ~~على جميع البلاد القبطية، وجعلت مدينة بسطة المذكورة عاصمة بلادها ومركز ملوكها. # وأول ملوك هذه العائلة شبشاق الأول الذي غزا بلاد فلسطين، واستولى على جميع قلاعها وسلب أموال ~~قصورها الملوكية، ثم أخلفه في الحكم ابنه سار حدون الأول المذكور في التوراة باسم زاراق الحبشي، وهو ~~الذي حارب مملكة يهوذا كسلفه، على أنه خذل وآب بصفقة المغبون. والظاهر أن هذين الملكين كانا من ~~الأجانب الذين توطنوا، أو أن لهم قرابة أو مصاهرة مع الأقباط الأصليين؛ لأن أسماءهم تحاكي أسماء ~~ملوك العراق والأكراد، وليس لهم من العمارات والآثارات ما يستحق الذكر. # وفي مدة هذه العائلة تجزأت بلاد القبط إلى ولايات صغيرة كان ms17 يرأس كل ولاية منها رئيس من ~~الليبيين، ونظرا لإهمال ملوك هذه العائلة تداخل هؤلاء الرؤساء فيما لا يعنيهم وتجاوزوا حدودهم؛ حتى ~~اغتصبوا وظائف الحكومة، فاختلت حركة البلاد واعتلت حالتها، فزحف إليها في ذاك الزمن ~~الأيثيوبيون من جهة الجنوب والآشوريون من جهة الشمال، فانحطت البلاد انحطاطا كليا، وضعفت قوتها ~~وخرج عن حكمها سائر ملحقاتها. ثم أعقب هذه العائلة عائلة أخرى كانت أسوأ منها حالا وأكثر ~~تهاملا وتكاسلا، فازداد في عهدها تمزق وتغرق بلاد القبط، وانقسمت على عشرين ولاية، كان يحكم على ~~كل ولاية منها أمير مخصوص، وفضلا عن هذا وذاك فلم تكتف بلاد السودان عن الخروج عن طاعة ملوك القبط ~~بعد أن كانت منقادة لهم، بل شنت الغارة أيضا على البلاد القبطية؛ حتى وصلت إلى إقليم منف، ~~واستمرت البلاد على هذا التجزء إلى أن نهض أحد العشرين أميرا المدعو تفتحوت وانتزع من شركائه ~~الملك بمؤازرة الزنوج، ثم أسس عائلة أخرى غير هذه العائلة، أشهر ملوكها واحد فقط وهو الملك بوخوريس، ~~وكان شهما هماما غيورا على مصلحة بلاده؛ إذ اهتم بتنظيمها وترتيبها وتهذيب أهليها، مع المحافظة ~~التامة على الروابط الأجنبية، ولكن الأمة القبطية القديمة امتهنته واتهمته بأنه أهان الثور الذي ~~كانت تعبده، فاستعانت على نزعه من السلطة بالملك سباقون ملك النوبة الذي كان وقتئذ قد شق عصا ~~الطاعة عليه، فأغار الملك سباقون هذا على بلاد الأقباط، فساعدوه هم بأنفسهم على الاستيلاء عليهم، ~~ولما وقع بوخوريس في قبضة هذا الجبار العنيد لم يشفق عليه بل ألقاه في النار حيا. # الفصل التاسع # | تملك الأيثيوبيين والآشوريين على بلاد القبط # ومن ثم صارت بلاد القبط تابعة للأيثيوبيين، وأول ملوكهم الملك سباقون الذي ألمعنا عنه في ~~الفصل السابق، وقلنا: إنه استولى على مصر وأحرق الملك بوخوريس، ولكن لما صفا له الجو تغيرت ~~طباعه وتحسنت أحواله، فانتقل من حالة القساوة والغباوة إلى الرقة والشفقة، فمال بكليته لتمدن ~~الأقباط وتدين بدينهم، واشتهر بحب الرعية وحسن التدبير، ويقال إنه أول من أبدل العقوبة بالقتل، ~~وجعلها بالأشغال الشاقة المؤبدة، ولما ذاع ms18 صيته بين الورى وشاع وملأ الأسماع استنجده ملك إسرائيل ~~وملك الفنيقيين وملك فلسطين لكي يساعدهم على هزم ملك آشور الذي اشتهر بالقوة والبطش؛ إذ كان يكدر ~~ويعكر كأس راحة هذه الممالك الثلاث. فأجاب الملك سباقون دعوتهم ولبى إشارتهم وحشد جيشا ~~عرمرميا ثم توجه لمحاربة شلمنسو ملك آشور ، ولكن الدهر عاكسه فهزم هو والمتحالفون معه، وضل مدة ~~من الزمن إلى أن اهتدى أخيرا إلى الطريق الموصل لبلاده، وكانت هذه الهزيمة الغير منتظرة سببا في ~~عصيان قاطني الوجه البحري عليه، وانفصالهم عن حكمه، واستقلالهم تحت حكم أسطفانيطس أحد أقارب الملك ~~بوخوريس الذي مات محروقا كما قدمنا، فانحاز سباقون إلى الصعيد ثم مات. # وأخلفه ابنه سواخوم الذي رام ~~أن ينتقم لأبيه من أمراء الوجه البحري الذين شقوا عصا الطاعة عليه، فتمكن من ذلك، وحكم بلاد ~~القبط فقام عليه أخوه طهراق وقتله، وانتزع الحكم من يده، وفي عهد طهراق هذا أغار ملك آشور على بلاد ~~القبط فاستولى على منفيس وطيبة، ثم طفق يصلح ما اختل من نظامها واعتل، وأرجع لأمرائها العشرين ~~امتيازهم وضرب عليهم الخراج. # ولكنه ريثما عاد إلى بلاده قام طهراق المذكور واستولى عليها ثانيا، فرجع ملك الآشوريين ~~وانتزعها منه، وسلمها للعشرين رئيسا، ثم عاد إلى وطنه وهو يظن أن طهراق لا يجسر على الحرب ~~ثانيا، ولكن ساء ظنه فإن طهراق عاد بعودته إلى العصيان، وهكذا أصبحت بلاد القبط غنيمة باردة ~~تتناولها وتلعب بها أيدي الآشوريين والأيثيوبيين إلى أن تركها طهراق أخيرا من تلقاء ذاته لرؤية ~~رآها في المنام، وكذلك تركها الآشوريون لما علموا أن تملكهم عليها يكلفهم من التعب والنصب ما ~~لا يطيقون، فآل أمر حكمها إلى الملك تينخ ميمون آخر ملوك الأثيوبيين على حد قول بعض ~~المؤرخين. # الفصل العاشر # | رجوع السلطة لملوك القبط الوطنيين # أما سكان مصر الأصليين - أعني الأقباط الوطنيين - فاعتراهم الملل والضجر من حكم ملوك الأجانب ~~الشديد الوطأة، فعقد أمراؤهم وعظماؤهم النية على تخليص وطنهم من أيديهم، فتمكنوا أخيرا من طردهم ~~من الجهات البحرية، ثم قسموا البلاد إلى 12 ms19 قسما ترأس على كل قسم واحد من هؤلاء الأمراء العظماء؛ ~~فسميت هذه الحكومة بالمقاسمة الاثني عشرية؛ ومن ثم أخذ أحد هؤلاء الاثني عشر يجد ويجتهد في ~~خلع السلطة من يد شركائه فتمكن أخيرا من ذلك بمساعدة بعض العساكر اليونانية، بطريقة لا سبيل لذكرها ~~هنا لعدم الوثوق من صحتها . # ولما انفرد هذا الأخير المدعو بساميتيك بالحكم اهتم بتعمير ما دمره الآسيويون والآشوريون، ثم ~~طفق يحض القبط على اقتناء المعارف واسترجاع ما كان لهم من المجد السالف، وقد حصن البلاد من كل ~~جهة، ثم فتح بلاد النوبة واستولى على فلسطين، وفي أيامه دخلت إلى البلاد جماعة من اليونان؛ فوهبهم ~~بعض الأراضي وسلمهم بعض شبان الأقباط ليعلموهم لغتهم اليونانية في المدارس التي أنشأها، وكذا فتح ~~بلاد الشام، ثم توفي بعد أن حكم نحو 54 سنة، فأخلفه ابنه تيخاوس الذي عن له أن يكتشف حدود ~~أفريقيا فأرسل إليها جيشا لأجل هذه الغاية فتمكن من ذلك على أنه لم يستفد شيئا من هذا الاكتشاف، ~~وبعد وفاته حكم ابنه بساميتيك الثاني، الذي غزا بلاد النوبة ومات على أثر رجوعه منها، فحكم بعده ~~ابنه إيرياس الذي شقت عليه جنوده عصا الطاعة؛ إذ أرسلهم إلى بلاد القيروان للاستيلاء عليها، ولم ~~يتسن لهم ذلك، وسدت دونهم جميع المسالك، فانتخبوا أحد الرعايا المدعى أمازيس وجعلوه ملكا ~~عليهم، ثم حاربوا ملكهم الأصلي فانتصروا عليه وخنقوه. # ولما صار أمازيس هذا ملكا احتقره الوطنيون بادئ بدء نظرا لدناءة حسبه ونسبه، ولكنهم بعد ذلك ~~رمقوه بعين الاعتبار والوقار؛ لما أقنعهم بأن الرجل إنما يعتبر ويوقر بأعماله لا بماله، أو ~~جماله أو حسبه أو نسبه كما يتوهمون. # وقد كان أمازيس متصفا بجودة القريحة وتوقد الذهن، ومن مآثره المشهورة استيلاؤه على ~~جزيرة قبرص. # وقد تزوج بإحدى بنات الملك أبسامتيك الثاني؛ ليؤسس منها عائلة ملوكية جديدة، فولدت له ابنا ~~سماه بسامتيك الثالث، الذي حكم على المملكة، وكان آخر ملوك هذه العائلة. # الفصل الحادي عشر # | تملك العجم على بلاد القبط # وفي أيام أبسامتيك الثالث دخل مصر العجم على ms20 يد كمبيز ملكهم الذي لما استتب له الحكم أراد أن ~~يغزو ثلاث غزوات؛ الأولى: غزوة قرطاجة، والثانية: بلاد النوبة، والثالثة: صحراء لبية، ولكن لم يحظ ~~بوطره، ولم يفز بنوال أربه على الإطلاق. # وعند عودته إلى مصر ألفى كهنة الأقباط وأمراءهم محتفلين بعيد معبودهم العجل أبيس، فاستشاط ~~غضبا واحتدم غيظا وقيظا؛ إذ ظن أنهم شامتون فيه وفرحون بخيبته وهزيمته، فضرب العجل المذكور ~~بخنجر كان بيده وقتل عددا عديدا من كهنتهم وأمرائهم ثم مات غير مأسوف عليه. # ومن ذاك الحين تولدت العدواة والبغضة في قلوب الوطنيين نحو العجم، وخصوصا في أيام حكم الملك ~~دارا الذي أخلف كمبيز في الحكم؛ فإنهم انتهزوا فرصة انهماكه بإخماد فتنة العراق ورفعوا عليه راية ~~العصيان فلم يتمكن من قمعهم، ولكن لما تولى الملك شيرش خلفه عاقب أرباب هذه الفتنة وأخضعهم، ~~ولكنهم لم يلبثوا أن قاموا ثانيا يطالبون باستقلالهم، وما زالوا مثابرين على هذه الخطة إلى أن ~~تيسر لهم قتل الملك دارا الثاني النائب عن دولة العجم بمصر، وطردوا عساكر الفرس من بلادهم، وبهذه ~~المثابة عاد لهم استقلالهم. # الفصل الثاني عشر # | ملوك القبط الوطنيون بعد طرد العجم # وبعد أن تحصل القبط على استقلالهم وطردوا العجم من بلادهم؛ قامت بالملك منهم عائلة جديدة ~~تدعى بالصاوية نسبة إلى صالحجر. على أن هذه العائلة لم تتعدد ملوكها بل كانت عبارة عن ملك واحد ~~وهو الملك أمرطيس، الذي خاض عباب المصاعب، وتجشم الأهوال في تخليص البلاد من سلطة الأعجام، ومع أن ~~مدة حكمه لم تكن إلا سبع سنوات لكنه مع ذلك أصلح البلاد إصلاحا لم يعهد له مثيل. # ثم ظهرت عائلة أخرى وطنية يقال لها الأشمونية نسبة إلى أشمون، ومن أشهر ملوكها الملك نفروطف ~~الذي تحالف مع اليونان لمعاونته على الأعجام؛ لعلمه أنهم أعداء المصريين واليونانيين الألداء. ~~وبعد موته أخلفه في الحكم الملك هورقور الذي اختط خطة سلفه ومكن العلائق والروابط الودية بين ~~المصريين واليونانيين. فأرسلت له دولة اليونان جيشا جرارا تحت قيادة خابرياس الأثيني وقاية له ~~وتحصينا لبلاده. وفي عهده جاء ms21 العجم إلى بلاد القبط بقصد الاستيلاء عليها دفعة ثانية، ولما شاهدوها ~~محصنة بالعساكر والدساكر ارتدوا راجعين على أعقابهم بخفي حنين، وفي أيام حكم هذا الملك وفد ~~أيضا إلى البلاد القبطية أفلاطون الحكيم وغيره من حكماء اليونان لتلقن الحكمة والفلسفة من حكماء ~~عين شمس ومنف وطيوه، وبعد وفاة هذا الملك الجليل قام بالملك ثلاثة ملوك آخرين من عائلته، ولكن لم ~~يأتوا عملا يذكر فيشكر أو ينشر فيفتخر به. # وبعد انقراض هذه العائلة وجدت عائلة أخرى وطنية ثالثة قامت بأعباء الملك، أول ملوكها الملك ~~نقطانب الأول الذي في أيامه كانت العجم تتهدد البلاد القبطية من وقت إلى آخر، وتود أن تستولي ~~عليها عند سنوح الفرصة، فلما توقع الملك نقطانب منهم ذلك جند الجنود وحشد العساكر؛ فقيض له ~~الله النصر عليهم ثم قضى نحبه، فأخلفه الملك طاخوس الذي عند علمه بأن العجم تقصد الاستيلاء على ~~البلاد القبطية جمع جيشا جرارا، واستنجد بدولة اليونان؛ فبعثت إليه بجيش عظيم أيضا تحت قيادة ~~القائد أجزيلاس اليوناني الذي اقترح على الملك طاخوس أن لا يتوجه لمحاربة العجم إلا إذا أتوا هم ~~أولا لمحاربته، فلم يذعن لمقترحاته ولم يرضخ لمشورته، بل بادر إليهم بذاته، فلما خرج عن حدود ~~البلاد رفعت عليه العساكر راية العصيان؛ فولى الأدبار وركن إلى الفرار وانحاز إلى جيش الأعجام. ~~فتولى بعده نقطانب الثاني الذي عقد معاهدة مع أهل صيدا وصور؛ للاتقاء من شر الأعجام، فلما هجم على ~~صور أرسل إليها الملك نقطانب فرقة عسكرية يونانية لنجدتها ومعاونتها، فهزم جيش العجم. فلما رأى ~~ملك الفرس ذلك اضطرمت في فؤاده نيران الغضب والغيظ، فقاد الجيش بنفسه وهجم على جيوش اليونانيين ~~والمصريين دفعة واحدة؛ فانتصر عليهم نصرا مبينا، حتى تمكن من إبادتهم جميعا؛ فولوا من أمامه ~~هاربين وقفلوا راجعين وهم مذعورين صاغرين، ثم اقتفى أثرهم حتى سلموا أنفسهم بأنفسهم وهم خاضعين ~~خاشعين، أما الملك نقطانب الذي هو آخر ملوك الأقباط الوطنيين فلم يسعه إلا أن جمع خزائن أمواله ~~وفر هاربا إلى بلاد النوبة حيث قضى نحبه بها. ms22 # الفصل الثالث عشر # | حكم العجم على بلاد القبط دفعة ثانية # ومن ثم صارت بلاد القبط تحت حكم العجم بعد أن لبثت نحو ستة وستين سنة مستقلة استقلالا ~~كاملا، وكان ملك العجم وقتئذ الملك داراخوش صاحب تلك النصرة المشهورة، ولكن أبى الله إلا أن يقصر ~~مدة حكمهم عليها في هذه الدفعة؛ إذ لم تستمر إلا ثلاث سنوات ليس إلا، وبعدها انتهى حكمهم في ~~سنة 232ق.م وهي السنة التي أتاها فيها البطل الهمام رب الشوكة والصولة، ألا وهو الملك إسكندر ~~المقدوني الأكبر، الملقب بذي القرنين كما سيأتي. وفي خلال هذه المدة الوجيزة التي حكم فيها العجم ~~على البلاد القبطية لم يقم بالملك منهم إلا ثلاث ملوك فقط؛ كان دأبهم وديدنهم هدم العمارات ~~المدنية، والهياكل الدينية وتدمير الآثار الوطنية؛ ولذا ترى أنه في مدة حكمهم هذه القصيرة قد خربت ~~أغلب الآثار القبطية، وطمست معالمها حتى أصبحت وأنت لا ترى فيها إلا أطلالا بالية لا منفعة لها ولا ~~فائدة منها على وجه الإطلاق، ولم يبق من الآثار المصرية على حاله القديم إلا ما شيد في أيام ~~البطالسة. وبالإجمال فإن تملك العجم على القبط في هذه الدفعة الثانية عاد على البلاد والعباد ~~بالوبال الوبيل. # الفصل الرابع عشر # | حكم اليونان على بلاد القبط # وبعد مضي ثماني سنوات من حكم العجم على مصر بلاد القبط، وافاها إسكندر الأكبر ذو القرنين ~~فاستولى عليها كما قدمنا، وجعلها تابعة لمملكة اليونان التي حكمت عليها نحو 27 سنة. أما الملك ~~إسكندر الأكبر المومأ إليه فكان شهما أبي النفس عادلا؛ إذ أتاح للمصريين أي الأقباط قاطبة ~~التدين بدين آبائهم وأجدادهم ومتعهم بالحرية التامة التي حرموا منها منذ أمد مديد. # واختط مدينة الإسكندرية فصارت مخزنا عاما لتجارة الدنيا بأسرها، ولم تزل كذلك إلى الآن، ~~ولقد لقبها باسمه أي الإسكندرية. # وبعد وفاته تقاسم قواده ممالكه؛ فكانت مصر بلاد القبط من نصيب القائد بطليموس لاغوص ~~الأول الذي نهج منهج الإسكندر في جميع أعماله، ولما كان محبا للعلم والعلماء أنشأ مكتبة ~~الإسكندرية الشهيرة، ووسع نطاق البلاد ms23 القبطية؛ إذ أضاف عليها بلاد العرب وقبرص. وبعد وفاته حكمها ~~بطليموس الثاني الذي ترجم التوراة إلى اللغة اليونانية، ثم بطليموس الثالث، فبطليموس الرابع، ~~فالخامس، فالسادس، فالسابع إلى الثالث عشر. # وكان هؤلاء البطالسة جميعا رجال حزم وعزم عارفين ما لهم من الحقوق عند رعيتهم وما عليم من ~~الواجبات نحوهم، وفي أيامهم ارتقت بلاد القبط ارتقاء لا نظير له؛ إذ بثوا فيها روح العلوم ~~والمعارف، ونشطوها من عقال الإهمال، فبلغت أوج المجد وذروة الكمال. # وآخر ملوك هذه الدولة الملكة كيلوباطره ربة الجمال الرائع وصاحبة الصيت الشائع، وهي التي ~~تزوجت بأخيها، وبعد أن قضت منه وطرها أسقته سما فمات شهيد خداعها وتداهنها. ولما علمت أن دولة ~~الرومان قد عزمت على محاصرة بلادها، قتلت نفسها فانقرضت بموتها ملوك دولة اليونان. # الفصل الخامس عشر # | حكم الرومان على بلاد القبط # وفي سنة 30 قبل الميلاد استولى قيصر الرومان على بلاد القبط وصيرها إيالة رومانية؛ ومن ثم ~~صارت مملكة الرومان ترسل إلى مصر حكاما يحكمون على القبط بمثابة نواب عنها. # وفي عهد هذه الدولة أتى إلى بلاد القبط الرسول المغبوط مار مرقس البشير، متأدبا بكلمة الله ~~ومبشرا بإنجيله الشريف وكتابه المنيف، فلم يسمع لقوله بادئ بدء إلا النذر اليسير، ولكن بعد ذلك ~~تقوى الدين المسيحي، وانتشر بين الأقباط انتشارا كليا حتى عم القطر بأسره وملحقاته، ولا سيما ~~في القرنين الثاني والثالث من التاريخ المسيحي. # وأول نائب روماني انتدب من دولة الرومان للحكم على بلاد القبط هو الملك قودريليوس غالوس، ~~الذي أصلح حالة مصر الزراعية؛ لعلمه أنها مصدر ثروة هذه البلاد. # ومن أشهر ملوك هذه الدولة أيضا الملك أدريان الذي شهد له بحسن السياسة والحكمة، وهو الذي حسم ~~الشقاق وأوجد الوفاق بين الذين اختلفوا في مسألة العجل من حيثية محل رضاعته الأصلي، وكانت مدة حكم ~~هذا الملك كلها درر وغرر؛ إذ كانت البلاد راتعة في رياض الهناء والرخاء، ومتمرغة على بساط الراحة ~~والرفاهية والأبهة. ومنهم الملك دقليديانوس الذي كان رجلا جهولا إذ لم يحسن التدبير، بل قضى ~~مدة ms24 حكمه في التخريب والتدمير، وقد تجشم في عهد حكمه الأقباط من الأهوال ما تشيب من هوله ~~الأطفال. # اضطهاد الأقباط # وبيان ذلك أنه ظهر جندي يسمى أخبلاوس، أغرى سكان البلاد على مجاهرة الإمبراطور الروماني ~~بالعصيان، فانقادوا لرأيه السخيف انقياد العميان، غير عالمين ما وراء ذلك من الوبال والنكال؛ ~~فكانوا الباحثين عن حتفهم بظلفهم. # لأن الإمبراطور ريثما بلغه ذلك حشد جيشا جرارا، وأتى مدينة الإسكندرية حتى فتحها عنوة، ~~وقبض على أخبلاوس العاصي؛ وسلمه للوحوش الضارية فمزقته وافترسته، ثم أحرق المدينة وسبى النساء ~~والرجال والأطفال، فانتهز حينذاك أعداء الديانة المسيحية أو بالحري الأمة القبطية هذه الفرصة ~~المناسبة للإيقاع بهم والسعي في نكايتهم وإهلاكهم، وكان أشدهم عداوة لهم الملك مكسيمان شريك ~~الإمبراطور دقيليديانوس، فطفق يوسوس له أن هذه الفتن والثورات إن هي إلا نتيجة تمسك الأقباط ~~بالديانة المسيحية، واعتصامهم بعروتها الوثقى، وتركهم لديانة أجدادهم وأسلافهم؛ حتى لقد جعل ~~الإمبراطور المذكور يعتقد أن راحة المملكة متوقفة على محو آثار هذه الديانة المسيحية، وقطع ~~دابرها من على وجه البسيطة، أو على الأقل من البلاد المنتمية للمملكة الرومانية. # ولما كان الإمبراطور المنوه عنه ممن أصروا على رفض الإيمان المسيحي وآثروا البقاء على دين ~~آبائهم وأجدادهم، استصوب هذا الرأي الذميم الوخيم، ثم أصدر الأوامر الصارمة للولاة والحكام؛ يحضهم ~~فيها على طلب المؤمنين وإلزامهم بترك الديانة المسيحية، والعود إلى العبادة الوثنية الأصنامية، ومن ~~يخالف يجازى بالقتل بلا شفقة، وأمر بهدم الكنائس فهدمت، وغصت السجون بالمسجونين وقتل من جراء ~~ذلك خلق كثير لا يحصى ولا يستقصى، ودام هذا الاضطهاد مستمرا مدة من الزمن كادت فيها ~~أرواح الأقباط جميعا أن تزهق، ووصل الفتك الذريع والجور الفظيع الشنيع إلى مدينة قفط التي كانت ~~غاصة وقتئذ بالمهاجرين الذين هربوا إليها، والتجئوا بها تخلصا من هذا الاضطهاد المريع، ~~فأمر الإمبراطور بقتل من فيها وأحرقها وأحرق مدينة ليست بأقل شهرة منها تدعى بوزيريس، وقصارى ~~القول أن عدد من قتلوا من الأقباط في هذا الاضطهاد لا يدخل تحت عد أو حصر؛ ولذا ترى الأقباط ~~يؤرخون له ms25 إلى يومنا هذا فيقولون سنة كذا للشهداء؛ أي المؤمنين الذين قتلوا شهادة للمسيح في ~~عهد الإمبراطور دقليديانوس هذا الظلوم الغشوم. # ولكن لم يدم الحال على هذا المنوال، بل أبى الله إلا أن يفتقد هذه الأمة المنكودة الحظ ~~وينقذها من غوائل وأهوال هذا الاضطهاد، فقيض لها ملوكا رومانيين عادلين رثوا لحالتها وأنقذوها ~~من بلوتها؛ إذ كان هؤلاء الملوك مسيحيين مؤمنين فعمت في أيامهم الديانة المسيحية وامتدت امتدادا ~~تاما. # ولكن لم يمض على ذلك طويل زمن حتى حاقت ببلاد القبط مصائب أخرى أشد وطأة من الأولى، وكان ~~السبب في ذلك انقسام المسيحيين إلى جملة أقسام وأحزاب، فنجم عن ذلك شقاق عظيم أدى إلى تداخل ~~الحكام وولاة الأمور، وكثر الفتك والبطش والقتل ونفي رؤساء الأديان. # وكان القبط ممن قاسوا شدائد كثيرة في هذه الظروف المدلهمة؛ لأنهم أبوا أن يوافقوا الحزب ~~الذي كانت الملوك تنتصر له، فقتل منهم عدد عديد، وهاجر أكثرهم إلى بلاد النوبة والسودان، واستوطنوا ~~فيها وعلموا سكانها الديانة المسيحية فقبلوها وتدينوا بها. # وما زالت نيران هذه الاضطهادات متأججة مستعرة مدة مديدة، إلى أن أتى العرب واستولوا على ~~بلاد القبط وأخذوها من الروم على يد عمرو بن العاص قائد جيوش عمر بن الخطاب الثاني من الخلفاء ~~الراشدين، فارتفعت حينئذ هذه الاضطهادات عن الأقباط قاطبة. # الفصل السادس عشر # | حكم الدولة العربية الإسلامية على الأمة القبطية # إنه في سنة 18 هجرية خلا عمرو بن العاص بالخليفة عمر بن الخطاب، وطفق يحضه ويحرضه ويحسن له ~~الاستيلاء على بلاد القبط، فصرح له الخليفة بذلك فحشد جيشا جرارا، وبعد أن حاصرها مدة طويلة ~~على غير طائل فتحها أخيرا واستولى عليها، وساعدته الأقباط على نوال هذه البغية بناء على ما كان ~~موجودا بينهم من الانشقاقات والانقسامات والاختلافات الدينية كما ألمعنا. ومن ثم صارت البلاد ~~القبطية تابعة للخلافة العربية الإسلامية، فحكمت عليها أولا الدولة الأموية ثم الدولة العباسية ~~فالطولونية فالإخشيدية فالفاطمية أو العلوية فالأيوبية إلى أن حكمتها أخيرا دولة المماليك البحرية ~~التي طغت وبغت وعاثت في الأرض فسادا وأوردت ms26 الأمة موارد العناء والشقاء. # وفي سنة 1517 مسيحية افتتحها السلطان سليم العثماني، وقبض على طومان باي ملكها، وشنقه على إحدى ~~بواباتها، وجعلها تابعة للدولة العثمانية بعد أن كانت تقاسي ألم الهوان والبلاء من ظلم واستبداد ~~هؤلاء المماليك البغاة الطغاة. # ولما أخذ السلطان سليم بلاد القبط من يد هؤلاء المماليك العتاة المتمردين عين لها واليا ~~يحكمها ويدبر أمورها، ويدير حركتها وشئونها بمؤازرة 24 من البكاوات. وكان هذا الوالي يتغير سنويا، ~~واستمرت كذلك إلى أن أتاها نابوليون قائد الجيوش الفرنساوية واستولى عليها في سنة 1798 ~~مسيحية. # ولم تكن بلاد القبط وقتئذ محتوية على عنصر واحد كما كانت أولا، بل صارت عنصرين وطنيين؛ وهما ~~العنصر القبطي الأصلي الذي كان محكوما، والعنصر الإسلامي العربي الذي كان حاكما. # ولكن الدولة العلية استرجعتها ثانيا من يد نابوليون وأعادتها إلى سلطتها بمساعدة بعض جيوش ~~الدولة البريطانية العظمى. # الفصل السابع عشر # | حكم الدولة المحمدية العلوية الفخيمة # وبعد أن خرج الجيش الفرنساوي من البلاد القبطية أرسلت الدولة العلية ساكن الجنان المغفور له ~~محمد علي باشا - جد العائلة الخديوية الفخيمة - بمثابة خديوي عليها، ولم تزل عائلته الفخيمة صاحبة ~~التسلط والسيادة إلى الآن. # ولا ريب أن ما أتته هذه العائلة الكريمة الفخيمة من المآثر الغراء والمناقب الحسناء ~~لأشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، كيف لا وفي أيامها ازدهت البلاد وارتاحت العباد، ~~وعمت الخيرات، وتدفقت ينابيع البركات، وهطلت غيوث النعم والعطايا؛ فشملت كل الرعايا، بل أصابت ~~جميع البرايا. ولقد كان للطائفة القبطية من هذه النعم العميمة والخيرات الجسيمة أوفر نصيب، نسأل ~~الله أن يرمق سلالة هذه العائلة بعين عنايته، ويرعاها بكمال رعايته؛ إنه على كل شيء قدير وبالإجابة ~~جدير. # | الباب الثاني # | مقدمة # | انحطاط الأقباط # لا ريب أن من جال بعين فطنته، ونظر ببصر بصيرته في تاريخ الأمة القبطية الذي أتينا على ذكره ~~في الفصول السابقة، يعلم علم اليقين أن هذه الأمة كانت ولا محالة في مقدمة الأمم المتمدنة ~~المتقدمة، كيف لا وقد بلغت من الترقي والتقدم درجة لم يتسن لغيرها ms27 من الأمم الوصول إليها، ~~وتحصلت على جانب من الرقعة والسيادة لم يتمكن سواها من الحصول عليها؛ الأمر الذي يعترف بصحته كل ~~من تنزه عن الغايات الشخصية، وتجرد عن المآرب الذاتية أو ألقى السمع وكان شهيدا. # ولكنها لم تلبث أن انحطت انحطاطا تاما وسقطت سقوطا كليا، ففقدت كل ما أحرزته من ~~الامتيازات العديدة التي خصت بها وتحصلت عليها دون غيرها، فأصبحت وأنت لا ترى فيها إلا أمة صغيرة ~~حقيرة لا ترمق إلا بعين الامتهان والاستهجان، بعد أن كانت ربة السيادة وصاحبة السلطان، ومحط ~~رحال الحكمة والعرفان، تهرع إليها الفلاسفة والجهابذة من جميع الأصقاع والبقاع، وسائر الأنحاء ~~والأرجاء؛ ليقتبسوا من علومهم ويستنيروا بنبراس معارفهم وسراج آدابهم أيام كان هذا السراج ~~وهاجا. # فليت شعري ما هذا الانقلاب العجيب، والتغير الغريب الذي لم يكن ليخطر بالبال لولا أن دوام ~~الحال من المحال، ألعل عقول أبنائها ضعفت؟ أو أن جدارتهم وكفاءتهم عدمت؟ أو أن نباهتهم ~~القديمة انتزعت؟ أو لعلهم ليسوا من سلالة أولئك الأقباط القديمة، بل ادعوا تلك النسبة ~~والقرابة زورا وبهتانا؟! # لا لعمري إن هذا إلا زعم عقيم وفهم سقيم؛ فإن هؤلاء القوم هم هم سلالة أولئك الفراعنة ~~الذين سادوا وشادوا، ووصلوا إلى ما وصلوا، وتحصلوا على ما تحصلوا، ولم يعترهم ضعف عقل أو قلة ~~نباهة أو عدم جدارة، ولكن هي الهمم فترت والعزائم، خارت؛ فجلبت على رأس الأمة هذا الوبال الوبيل ~~والنكال الذي لم يعهد له مثيل. # قوائم مجد تلك الأمة القديم - وهو قسم لو تعلمون عظيم - أن انحطاطنا هذا إن هو إلا نتيجة ~~تهاوننا وتوانينا الذي أصبح تضرب به الأمثال، وتتحدث بذكره الأمم على ممر الأحقاب والأجيال؛ ~~فهو الذي كان سبب تأخرنا وتقهقرنا وسر انحطاطنا وسقوطنا، حتى أصبحت طائفتنا تشكو ألم الهبوط ~~والتأخير، ولا نصير هناك ولا مجير؛ فالعياذ بالله من أوحال هذا الحال، وليس ذلك فقط هو سبب ~~انحطاط تلك الأمة، بل هنالك أسباب أخرى شتى لا يسعنا إلا أن نتحاشى سرد أغلبها، ونخص منها ~~بالذكر ما أحدق وأحاق بهذه الأمة ms28 من المصائب والنوائب من كل جانب، وما تجشمه أبناؤها من الاضطهادات ~~التي تجاوزت حد الاعتدال، وبلغت درجة الإفراط، كما يستنبط ذلك من مراجعة تاريخ تلك الأمة أيام ~~حكم العجم والرومان والمماليك البحرية على بلادهم؛ فإن ما لاقوه من التضييق والاضطهاد، وما صادفوه ~~من العوائق والبوائق والعراقيل عاقهم عن المثابرة في خطة التقدم والسير على وتيرة الترقي ~~وملازمة جادة الصعود، حتى لقد قال بعض المؤرخين المحققين المدققين أنه لولا ما جبل عليه أبناء ~~هذه الأمة من التجلد والتسليم لأحكام القضاء والقدر، وملاقاتهم لتلك الأهوال بقوة جأش وثبات ~~جنان؛ لبادوا جميعا منذ عهد بعيد، ولم يكن لهم في الوجود وجود، وناهيك أن سوء تصرف بعض ~~أئمتها وجهل أغلبهم واستبدادهم وطموحهم إلى الطمع والجشع، وجنوحهم إلى مقاومة الإصلاح وعدم ~~توفر أسباب تعميم التعليم بينهم كان أيضا أكبر دواعي التأخر، وأعظم بواعث هذا الانحطاط ~~والتقهقر، والله العليم بذات الصدور. # توفيق عزوز # الفصل الثامن عشر # | النهضة القبطية الحديثة # لقد صدق من قال إن الفرع لا بد وأن يرجع إلى أصله مهما تقلبت الأحوال، وكيفما اختلفت وانعكست ~~الشئون، وجرت صروف الظروف؛ فهذه هي الأمة القبطية التي ذاقت من أنواع الاضطهادات والاضطرابات صنوفا ~~وألوانا حتى أفضى بها الأمر إلى الانحطاط والسقوط، لم تلبث أن شعرت بدائها الدفين، وتنبهت لمصابها ~~الجلل، فنهضت تبحث عن الدواء الناجع النافع الذي يمكنها من معالجته ومداواته لتنتشل من ورطة ~~السقوط ووهدة الهبوط. وبهذه المثابة تكون قد تلافت الخطر وتداركت الضرر، ومحت عنها آثار العار ~~والشنار الذي لحقها من جراء هذا التأخير. وحتى لا يقال إن الدم الفرعوني القديم قد «برد ~~وخمد» أو إن هؤلاء الأقباط المتأخرين ليسوا من سلالة أولئك الفراعنة المتقدمين. # هذا ولكي يكون القارئ اللبيب على بصيرة من حقيقة هذه النهضة وكيفية نشأتها وزمن وجودها، يجمل ~~أن نستطرد البحث في هذا الموضوع مليا فنقول: إنه لدى أول وهلة من سماع لفظة «نهضة» يتبادر إلى ~~الأذهان أن هذه النهضة إنما قامت لها قائمة بهمة قوم مخصوصين وأفراد معدودين، كانوا هم السبب ms29 في ~~إضرام نارها وإبرازها من حيز التصور والتفكر إلى عالم العمل والفعل؛ فيقال لهم حينئذ منهضون ~~أو بمعنى أوضح وأصح: مصلحون. # والنهضة القبطية التي نحن بصددها لم تتجاوز هذه القاعدة المطردة ولا هي شذت عنها، بل قد ~~قامت أيضا بهمة رجال غيورين مخلصين جبلوا على محبة الإصلاح، ومالوا بكليتهم إلى نفع أبناء ~~جلدتهم، ورفع شأن أمتهم، ولم يبغوا تلقاء ذلك أدنى مكافأة أو جزاء عالميا، بل ابتغاء لمرضاة ~~الله تعالى وحبا في الخير العام، وحسبهم مكافأة إقبال أبناء الأمة عليهم لا إدبارهم عنهم، ~~والأخذ بناصرهم وشد أزرهم، عالمين أن هؤلاء المصلحين إنما هم شركاؤهم في نعمة الإيمان ~~الأرثوذكسي القويم، وأن ما ينفعهم ينفعهم وما يضرهم يضرهم، وما يغمهم يغمهم وما يسرهم يسرهم، هذا ~~إذا كان المشرب معتدلا والغاية شريفة؛ وإلا فالعكس بالعكس، ولكن لسوء الطالع لم تكن الأفكار كلها ~~متجهة نحو هذه الوجهة، ولا كانت أميال أفراد الأمة جميعهم تصبو إلى هذا الإصلاح الخطير لغاية في ~~النفس إن لم نصرح بها عاجلا فسنذكرها آجلا وكل آت قريب. # ولعل في مقالنا هذا نوع من الإدغام والإبهام فيجب علينا أن نميط عنه اللثام حتى يعلم الكل ~~حقيقة الحال، ويقف على كنه هذه المسألة الخاص والعام. # نقول إنه في سنة 1590 قبطية - أي في عهد تولية الخديوي الأسبق إسماعيل باشا - ابتداء تاريخ هذه ~~النهضة الإصلاحية، التي طالما تشوقت إليها الخواطر، وتشوفت إلى رؤياها النواظر. وبيان ذلك أن ~~الجم الغفير والسواد الأعظم من أبناء هذه الأمة لما رأوا ما كانت عليه طائفتهم من التقدم ~~والارتقاء، وما آلت إليه حالتها من الهبوط والسقوط؛ شق عليهم هذا الأمر، فدفعتهم عوامل النخوة ~~الملية، واستفزتهم أريحية المحبة الجنسية للقيام بإصلاح طائفتهم، ولو كلفهم ذلك فوق ما لا ~~يطيقون ولا يستطيعون. سيما وأنه قبل هذا العهد بزمن ليس ببعيد كان قد تولى رئاسة هذه الطائفة ~~غبطة الأب الموقر الحميد الأثر والخالد الذكر «أنبا كيرلس الأكبر» العاشر بعد المائة، الذي لم ~~شعث هذه الطائفة وأنشأ مدارسها وأصلح كنائسها، وحسن حالتها ms30 كما هو مبين ومدون بتاريخ حياته ~~الشريف، ولكن أبى الله إلا أن يحرم الطائفة منه ويضن عليها به، فقبضه في شرخ شبابه وعنفوان صباه قبل ~~أن يتمكن من إتمام إصلاحاته وتنظيماته التي آلى على نفسه وأخذ على عهدته إنجازها واحدة فواحدة، ~~طبقا لظروف الأحوال ودواعي الاحتياج؛ شأن من كان حكيما غيورا على مصلحة طائفته وخير أبناء أمته، ~~فبعد انتقاله من دار العناء والشقاء إلى ديار البقاء والهناء، لم تلبث الطائفة أن عادت إلى حالتها ~~الأصلية حالة التأخر والتقهقر؛ إذ ارتبكت أعمالها وتوقفت حركة أشغالها، وتبددت أوقافها، وخربت ~~مدارسها، وزال بهاء كنائسها، وعادت تندب سوء حظها، وتبكي فقد راعيها الصالح ورئيسها الغيور، فما ~~طرقت عبارات رثائها وبكائها آذان ساداتنا المصلحين حتى شمروا عن ساعد الجد، وقالوا بقلب مفعم ~~من الغيرة الجنسية وموعب من الشهامة الملية: «هنا هنا ميدان الجهاد والطراد، وهنا هنا تظهر ~~همم الرجال وشتان بين قوال وفعال.» # هذه كانت حالة طائفتنا القبطية حينئذ، وتلك كانت حاسيات ساداتنا المصلحين التي كانت تتوقد بين ~~ضلوعهم، وتخامر قلوبهم الطاهرة، وتخالج أفئدتهم السليمة، ولا غرو في ذلك ولا عجب؛ فإن الرعية ~~لا بد وأن تكون على دين راعيها، وقد علمت وقتئذ ما جبل عليه البطريرك المحكي عنه رحمه الله من ~~كمالات الصفات وصفات الكمالات التي أخذوها عنه، واقتبسوها منه منذ نعومة أظفارهم ونضارة ~~شبابهم. # هذا، ولما كان تاريخ هذه النهضة المتعلق بتاريخ هؤلاء المصلحين الكرام متقطعا بالنسبة ~~لمجريات مدته، ونظرا لوقوعه في أوقات متفاوتة وأزمنة متباينة، تختلف باختلاف وجود هؤلاء المصلحين ~~في مدد متقطعة، فقد استصوبنا أن نقسمه إلى ثلاث أقسام سميناها لزيادة الإيضاح: الثلاث ~~نهضات. # النهضة الأولى # ابتدأت هذه النهضة الأولى في سنة 1589 قبطية، وبيان ذلك أن الكثير من فضلاء هذه الطائفة ~~ونبهائها ووجهائها، الذين ذاقوا لذة الإصلاح الذي قام به البطريرك الأسبق المنوه عنه، لما رأوا أنه ~~بموت هذا الراعي الصالح قد ماتت كل هذه الإصلاحات والتنظيمات التي سهر على إجرائها ومباشرتها آناء ~~الليل وأطراف النهار؛ لم يألوا جهدا في ms31 إعادتها واسترجاعها بعد اندثارها وضياعها، عالمين أن ~~ذلك من أوجب الواجبات المفروضة عليهم وألزم اللزوميات المفتقرة والمضطرة إليها طائفتهم، فالتأموا ~~وأسسوا جمعية خيرية إصلاحية سموها «جمعية الإصلاح» شكلت في مبدأ الأمر من أربعة مؤسسين؛ وهم ~~حضرات الأفاضل الأماثل يعقوب أفندي نخلة، وبرسوم أفندي جريس، وجندي أفندي يوسف، وعزوز أفندي ~~منقريوس، ثم انتظم بعدئذ في سلكها عدد عديد من نبهاء ونزهاء الطائفة، الذين كانوا ينتظرون هذه ~~الفرصة الثمينة بفروغ صبر، ولما اجتمعوا والتأموا بعض دفعات متواليات وصفا لهم الجو حرروا رسالة ~~ضافية الذيل إلى المرحوم الطيب الذكر أنبا مرقس مطران البحيرة ووكيل الإسكندرية؛ مذ كان في مسند ~~توكيل البطريكخانة بمصر، بعد وفاة المرحوم المبرور الذكر أنبا ديمتريوس البطريرك سلف البطريرك ~~الحالي والي النظار المتولين أمر الأوقاف وقتئذ، مؤداها: # حيث إن الغرض من وجود أوقاف للطائفة باسم الفقراء أنه يصرف منها عليهم كما يستدل على ذلك من ~~تسمية اسم كل وقف على حدته، وحيث إن الفقراء المومأ إليهم مهملين ومطروحين في زوايا النسيان ~~ليس لهم من يعولهم أو يفتقدهم، فضلا عن تصرف متولي تلك الأوقاف فيها تصرفا مطلقا، فالجمعية ~~تعلن حضرة المطران الموقر ومتولي الأوقاف وعمد الطائفة أجمع أنها ستجمع أجر بيوت الأوقاف، ~~التي هي تحت يد مشتركيها، وما يتحصل منها في آخر كل شهر يصرف على الفقراء بمعرفتها. # وكانت هذه الرسالة شديدة اللهجة قوية الحجة، تشف من الجهة الواحدة عن خلوص نية أولئك الأعضاء ~~الأفاضل، وتشعر من الجهة الأخرى بالتهديد والترهيب والإنذار والتحذير، فوجفت منها القلوب وارتجفت ~~الفرائص، واتجهت إلى هذه الجمعية أفكار الأمة بأسرها وشخصت إليها أنظارها، وتوسم منها الكل ~~للطائفة نجاحا تاما وإصلاحا عاما. # فأرسل جناب المطران على أثر هذه الرسالة تذاكر دعوة رسمية لسائر عمد ووجهاء الطائفة يدعوهم ~~فيها للحضور بالدار البطريركية لأخذ آرائهم في مسألة ذات بال، فلما انتظم عقد هذه الحفلة ~~الحافلة كلف نيافة المطران المبرور الذكر حضرة الأب الفاضل الأغومانوس فيلثاوس رئيس الكنيسة ~~المرقسية الكبرى أن يتلو على مسامعهم الكريمة صورة الخطاب الآتي، وهذا نصه: ms32 # معلوم لدى محبتكم أنه معتاد من قديم، اجتماع من يتوفق اجتماعهم أحيانا من أبناء الطائفة ~~بدار البطريكخانة للنظر في خصوصيات الملة، والفصل فيها بالاتحاد مع الرئيس الحاضر - أعني البطرك ~~- أو من ينوب عنه، غير أنه لمناسبة مشغولية غالب أشخاص الطائفة في شئون أنفسهم، وعدم انتظام ~~جمعية رسمية مؤلفة من أشخاص معينين بأوقات معلومة، كان سبق إعلان بنوتكم من طرفنا منذ سنة ~~تقريبا بطلب تعيين جمعية رسمية مركبة من اثني عشر شخصا تنظر في أهميات الطائفة، وخصوصيات ~~الأيتام والفقراء وغير ذلك، ولما أنه لحد الآن لم تبدوا لنا ما استقرت عليه أفكاركم، دعا ~~الحال لاجتماعكم بهذا اليوم المبارك؛ لتفيدونا بما ترونه موافقا إجراؤه. والله تعالى يوفق لكم ~~بالخير. # فريثما تلي هذا الخطاب على مسامع الحضور، لهجت ألسن الجميع بالدعاء له، والثناء عليه؛ نظرا ~~لحسن رعايته، وكمال عنايته التي شملت جميع أبناء طائفته، ثم طفقوا يتداولون مليا في هذا الصدد. ~~وأخيرا قر رأيهم على انتخاب جمعية رسمية مركبة من اثني عشر شخصا للنظر في خصوصيات الأيتام، ~~وإدارة الأوقاف، ونظر وفصل قضايا الطائفة المختص نظرها بالبطريكخانة، وأن يتعين من قبل هذه ~~الجمعية ثلاث قومسيونات، كل قومسيون منها يكون من أربعة أعضاء: أحدها للأوقاف والثاني للمدارس ~~والمطبعة والكنائس، والثالث للإخوة الفقراء. فوافقهم غبطة المطران على ذلك، ثم شرعوا في انتخاب ~~هؤلاء الأعضاء والنواب، فانتخبوا اثني عشر عضوا ومثلهم نوابا، وعرضوا صورة نتيجة الانتخاب على ~~غبطته فذيلها بالشرح المحرر بخط سيادته، والمختوم بختم نيافته تصديقا لها واعتمادا عليها. # ولما تم هذا الانتخاب على أفضل حال وأكمل منوال، استصوب حضرات المنتخبون أن يكون انتخابهم هذا ~~بصفة رسمية، تضمن لهم مزاولة أعمالهم ومباشرة أشغالهم على غاية ما يرام من تمام الانتظام ~~والإحكام، فتداولوا مع نيافة المطران بهذا الخصوص، وأخيرا أجمع رأيهم جميعا على عرض ذلك الانتخاب ~~الذي تم بحضور هذه الجمعية العمومية على الأعتاب الكريمة الخديوية - أي الخديوي إسماعيل باشا - ~~والتماس صدور الأمر السامي بالتصديق عليه، وقد حصل ذلك فعلا وورد الأمر الكريم لمحافظة مصر بتاريخ ~~18 ms33 الحجة سنة 1290 هجرية مؤيدا ذلك وهذا نصه: # وكيل بطريكخانة الأقباط قدم لدينا إنهاء رقيم 15 الحجة سنة 1290، وعلمنا منه أنه لمناسبة ~~أن مصالح الطائفة القبطية المختصة بمدارسها وأوقافها ومطبعتها وكنائسها آخذة في التقدم ~~والعمارية، قد تراءى له أنه إذا تشكل مجلس من أبناء الطائفة للاتحاد معه في نظر وإدارة خصوصياتها ~~المعتاد نظرها في البطريكخانة؛ يكون ذلك داعيا لزيادة ترقية تلك الأمور ونجاحها، فلهذا صار ~~انتخاب اثني عشر عضوا لذلك المجلس واثني عشر نائبا لهم بمعرفة من لزم من الطائفة، وتم الانتخاب ~~بمحضر عمل بالبطريكخانة، ويلتمس صدور أمرنا للمحافظة بمعرفة المجلس المحكي عنه واختصاصه بروية ~~الأمور المثني عنها، وحيث إن ما حصل من انتخاب أولئك الأعضاء والنواب لتشكيل ذلك المجلس بالكيفية ~~التي توضحت، قد استحسن لدينا وفورنا بمساعدتنا إجابة التماس وكيل البطريكخانة - مقدم الطلب - ~~المومأ إليه، فبذلك لزم إصدار أمرنا هذا إليكم للمعلومية بما ذكر، وهذا كما اقتضت ~~إرادتنا. # فلما صدر هذا الأمر السامي الكريم تلقاه حضرات أعضاء المجلس بما يليق بمقامه الخطير من ~~الاعتبار والوقار، وأحلوه من قلوبهم محلا رفيعا، ثم طفقوا يزاولون أشغالهم ويباشرون أعمالهم ~~بما عهد فيهم من الغيرة والنشاط، ولا سيما لعلمهم بأن هذا المجلس قد صار وقتئذ معتبرا لدى ~~الحكومة السنية الخديوية، ومطابقا لمشرب عموم الطائفة القبطية، وأنهم أصبحوا الآن مسئولين عن ~~أداء هذه الخدمة الشريفة المنيفة أمام الله ومطالبين بها لدى أبناء الأمة التي انتخبتهم؛ ~~ليكونوا نوابا عنها يذبون عن حقوقها ومصالحها؛ وبهذه المثابة كان هذا أول مجلس تشكل ~~بطريقة منتظمة وكيفية محكمة للأمة القبطية. # وما زالت قرارات هذا المجلس مرعية الجانب، وإجراءاته الإصلاحية نافذة المفعول تحت رئاسة ~~حضرة المطران الموقر، إلى أن انتخب سيدنا الحالي للبطريركية بناء على طلب حضرات أعضاء المجلس ~~المومأ إليه بالاتحاد مع حضرات الآباء الرؤساء، الذين كانوا موجودين وقتئذ بالبطريكخانة بصفتهم ~~نوابا عن عموم أفراد الأمة القبطية. # وعندما قدمت عريضتهم هذه إلى جانب المعية السنية؛ طلبوا - أعني أعضاء المجلس - «للمثول بين ~~يدي الخديوي الأعظم إسماعيل باشا» بسراي عابدين العامرة، ms34 وبعد الاستفهامات اللازمة والاستعلامات ~~الضرورية، صدر الأمر السامي والنطق الكريم بالتأمين على رسم غبطته بصفة بطريرك للشعب القبطي، ~~ورئيسا للمجلس الملي. # ولما تولى غبطته تخلى المطران أنبا مرقص من مسند وكالة البطريكخانة، وأصبحت اختصاصاته قاصرة ~~على مباشرة شئون وظيفته بالبحيرة والإسكندرية. فانتدب جنابه للترؤس على المجلس بدلا عنه؛ فقبل ~~ذلك بملء الانشراح والارتياح، ومن ثم صار يحضر جلساته بذاته ويترأس عليها، ومن ضمن الأعمال ~~الخليقة بالذكر الحقيقة بالشكر التي قام بها المجلس الموقر حينئذ: إنشاء المدرسة الإكليريكية ~~الشهيرة في شهر يناير سنة 1875 مسيحية، الموافقة سنة 1591 قبطية، ولكنها - لسوء الحظ - لم تدم ~~لأسباب سنوردها في حينها. # هذا، ولقد رأى رجال المجلس حفظهم الله أن الوظيفة الروحية الشريفة المنيفة أرفع شأنا ~~وأسمى مقاما من أن يتفرغ صاحبها للنظر في الشئون العالمية والمصالح الدنيوية؛ بناء على أن ~~الدين والعقل والنقل والاختبار يقضي بذلك، فقرروا في إحدى جلساتهم أن يناط بتلك الأعمال وهاتيك ~~الأشغال بعض أفراد الطائفة القبطية، الذين يجري انتدابهم للنظر في أمر الأموال والأوقاف، وخلافها ~~من الأمور التي هي من هذا القبيل، ورفعوا صورة هذا الاقتراح إلى غبطة البطريرك لأخذ رأيه، فصدق ~~عليها بخطه وختمه، ووافقهم على تنفيذها وأجراها، وهكذا ما زال المجلس المذكور ناهجا منهج الاعتدال ~~وسائرا على محور السداد والكمال، ينشر القرارات ويباشر الإصلاحات وينظم المدارس ويصلح الكنائس ~~ويفتقد الفقراء، إلى غير ما ذكر من المآثر الحسناء والمناقب الغراء، وهو مع ذلك يوالي اجتماعاته، ~~ويعقد جلساته بدون توان ولا انقطاع، ولم يكن هناك اختلاف ولا نزاع؛ إذ كانت الآراء تقدم ~~والملحوظات تبدى، والحكم فيها يكون طبقا لسنة الأغلبية والإجماع. # ولكن لما كان شأن القلوب التقلب، وعادة الأفكار التغير والتضارب، طرأت بعض اختلافات جزئية ~~بين غبطة البطريرك، وبعض حضرات أرباب المجلس، وذلك بعد تولي غبطته مسند الرئاسة ببضعة أشهر؛ يعني ~~في أواخر سنة 1591. أما هذه الاختلافات فكانت دائرة وقاصرة على بعض مناقشات شخصية محضة ليس ~~إلا، لا دخل لها في أشغال المجلس، وتلك أمور لا يخلو الحال من وجودها، ms35 ولا يبعد على الظروف أن تأتي ~~بمثلها، فنشأ عن ذلك عدم انعقاد جلسات المجلس، وانحلال المدرسة الإكليريكية التي ألمعنا ~~عنها. # أما أرباب المجلس فاقتضت حكمتهم وأبت شهامتهم ونخوتهم إلا أن ينحسم هذا الخلاف وتعود ~~المياه إلى مجاريها، فبعدما تداولوا مليا في الطرق الموصلة إلى ذلك، عقدوا أخيرا المجلس في يوم ~~10 أبيب سنة 1591، وباتحاد آراء الجميع وإجماعهم أصدروا قرارا مؤداه عدم التصريح لأحد من أعضاء ~~المجلس أو رئيسه «البطريرك» أن يجري بانفراده عملا متعلقا بالمجلس، ووجوب إعادة المدرسة ~~الإكليريكية، وتسليم النقدية للخواجا عوض سعد الله. وقد صادق على ذلك غبطته بخطه، وبهذه المثابة ~~تمكنوا من نزع أسباب النزاع، وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، فعم العموم حينئذ الفرح والمرح، ~~وانقشعت غياهب الكدر والترح؛ إذ أعطي القوس باريها، وأسكن الدار بانيها، ولما صفت سماء القلوب ~~من سحائب الهموم، وتنقت من شوائب النفور وغيوم الغموم، وضربت الطمأنينة والسكينة أطنابها في جميع ~~الأفئدة المتباعدة المتنافرة؛ فصيرتها متقاربة ومتحابة متضافرة، عاد حينئذ الإصلاح يوالي ~~السير الهوينى، وأمل الكل تمام الخير والنجاح ودوام الصلح والفلاح، ثم كتب غبطة البطريرك إلى ~~جناب الأب الفاضل والأغومانوس الكامل فيلثاوس يستنهض همته، ويستفز غيرته لإعادة المدرسة ~~الإكليريكية وبث روح التعليم فيها كما كانت في المدة الماضية. # كل ذلك يجري والقوم وقوف ينظرون إلى ذلك بعين الإعجاب والبشر؛ مبتهلين إلى الله جل جلاله ~~أن يعيد الألفة والوفاق، ويمنع أسباب النفرة والشقاق، على أنه لم يكن يخطر على بال أحد أن وراء ~~السويداء شياطين وأفاعي يمقتون هذا الإصلاح الخيري - لغاية في النفس - ويبذلون قصارى جهدهم في ~~تقويض أركانه وهدم بنيانه الوطيد، لا ذمة عندهم فتبكتهم، ولا ضمير لهم فيوبخهم، ولا هم من تلقاء ~~أنفسهم يرعون ويرتدعون، أولئك قوم طمس الله أبصارهم وأعمى بصائرهم، فأصبحوا ولا هم لهم إلا ~~هدم ما بناه غيرهم، فلا هم ينفعون ولا هم يكفون، كأنهم المقصودون بالذات من قول الكتاب، لا ~~يدخلون ولا يدعون الداخلين يدخلون، فهؤلاء القوم الأغبياء الذين دبت فيهم روح البغضاء ~~والشحناء من جهة ms36 أرباب المجلس، طفقوا يحضون غبطة البطريرك ويحرضونه على عدم موالاة انعقاد المجلس، ~~فرضخ لمشورتهم وأذعن لمقترحاتهم عن طيب خاطر وبساطة ضمير، ولا تعجب أيها الحبيب من فوز ~~هؤلاء الأغبياء؛ فإن لهم اليد الطولى في التداهن والدهاء، والتلون الذي يفوق تلون ~~الحرباء، ومن كانت هذه صفاتهم وأوصافهم فليس ذلك الأمر ببعيد، بل هو أقرب إليهم من حبل الوريد؛ ومن ~~ثم عاد الانقلاب السريع والتغير الحثيث؛ فوقفت حركة أعمال المجلس، وانحلت المدرسة الإكليريكية ~~الكلية ثانيا، وأمر البطريرك وجزم وصمم على عدم وجود المجلس مطلقا، وذلك كله إنما نشأ من ~~تأثير آراء مشيريه المتلونة، واقتراحات مدبريه الخبيثة التي أخذت من قلبه كل مأخذ، وقانا ~~الله من نفاق المنافقين ومكر الماكرين. # أما جمعية الإصلاح التي نوهنا عنها آنفا فانتهزت هذه الفرصة وطفقت تحرر النشرات وترسل ~~الخطابات إلى الفريقين تارة سرا وطورا جهرا، تحثهم فيها على نزع أسباب الخصومات، ورفع دواعي ~~المشاحنات والعداوات، والعود إلى الوفاق والاتفاق، وكذا بعث أيضا المرحوم إسماعيل باشا المفتش ~~تذكرة غير رسمية يحض فيها غبطة البطريرك على الالتئام والوئام مع المجلس، فأذعن غبطته أخيرا ~~مرضاة لخاطر سعادته، ولكن كان هذا الإذعان وقتيا ثم عاد إلى ما كان عليه؛ فذهبت جميع هذه المساعي ~~أدراج الرياح، وهكذا أخذ الخطب يتفاقم والخصام يتزايد ويتعاظم، فأهملت الشئون وتوقفت حركة ~~الإصلاحات الطائفية وانحل المجلس انحلالا كاملا. # النهضة الثانية # من يرضى بالذل والخذلان أو من يتحمل الهوان والامتهان إلا الخسيس الجبان الذي منعت عنه قوة ~~الإدراك والتمييز، ونزعت منه حاسة الشعور والإحساس؟! أو من العقلاء يرى أن غيره من الخلائق في صعود ~~وسعود ويرضى لنفسه بالتأخر والتقهقر؟! لعمري إن نفوس الأحرار الأبية تأبى ذلك كل الإباء، ~~وتصبوا إلى مجاراة الفضلاء والنبلاء، ومباراة الرجال الكرام العظام، سنة الشهامة من قديم ~~الأزل، وهيهات أن تجد لسنة الشهامة الغريزية تغييرا أو تبديلا. تلك كانت مبادئ بعض فضلاء ~~الطائفة بعد انحلال المجلس الملي وسقوطه في هذه الدفعة الثانية، تلك السقطة التي هلعت لها قلوب ~~أحباء الخير ونصراء الإصلاح، وجزعت من ms37 هولها أفئدة زعماء الحق ودعاة الصدق، الذين آلوا على ~~أنفسهم وأخذوا على عهدتهم أن لا يألوا جهدا ولا يعلوا مهدا، ما لم يروا طائفتهم تضارع غيرها من ~~الطوائف المتمدنة المتقدمة شأن الغيورين الأحرار الذين يفضلون «النار على العار». # ففي سنة 1883 - أي عقب إطفاء وانقضاء الثورة العرابية الشهيرة - نهض هؤلاء الفضلاء نهضة ~~ثانية يطالبون بحقهم المسلوب منهم ظلما وعدوانا. # فلما توقع منهم غبطة البطريرك ذلك، عقد العزيمة على عدم تلبية دعوتهم وإجابة طلبهم «مهما أفضى ~~الحال» وكان ذلك بناء على ما أشار به عليه مشيروه أرباب الخداع والدهاء، فلما علموا ما انطوى عليه ~~ضمير غبطته، ومن كان على شاكلته وعلموا أن مطالبتهم هذه لا تجديهم نفعا عمدوا إلى الاجتماعات ~~والمداولات؛ عساهم يتمكنوا من تنفيذ مآربهم وتتميم رغائبهم، فاجتمعوا في غاية طوبة سنة 1599 قبطية ~~الموافق 6 فبراير سنة 1883 مسيحية، اجتماعا عموميا حضره عدد يتجاوز المئة وعشرين شخصا من وجهاء ~~ونزهاء ونبهاء الطائفة، المهذبين العارفين طريق الإصلاح الحقيقي، وفي مقدمتهم سعادة بطرس باشا ~~غالي، وحضرات البكاوات الموقرين، ولما استقر بهم الجلوس خاطبهم سعادة الباشا بما مؤداه أن ~~الغرض من هذا الاجتماع هو المداولة والمفاوضة في طريقة ناجعة ووسيلة نافعة، تمكنهم من إعادة ~~المجلس، فأجمع الجميع على وجوب المبادرة إلى ذلك، ثم اتفقوا على إحاطة غبطته بما ارتأوه من ~~الآراء السديدة والاقتراحات المفيدة؛ فأبى كل الإباء، وأخيرا اجتمع أكابر الشعب القبطي وعرضوا ~~المسألة على دولة رئيس النظار المرحوم شريف باشا الذي عرضها على سمو الخديوي الأعظم المغفور له ~~محمد توفيق باشا، فاقتضت إرادته الكريمة صدور أمره العالي للمرحوم الباشا رئيس النظار في 4 جماد ~~أول سنة 1300 / 13 مارس سنة 1883 نمرة 1 الناطق بوجوب تشكيل المجلس، ولما صار تبليغ هذا الأمر ~~الكريم لغبطة البطريرك لم يسلم في مبدأ الأمر، فانتدب البعض من أبناء الطائفة لتفهيمه بما ينبغي عن ~~لزوم الإذعان لأوامر الجناب العالي، فلم يعرهم إلا أذنا صماء؛ فكانوا كمن يضرب في حديد ~~بارد، ثم حرر خطابا لدولة الباشا رئيس ms38 النظار جوابا على ما صدر منه، مؤداه أن العادة ~~المعتادة منذ القدم بأن لا يكون لهذه الطائفة مجلس لأنه لا لزوم له، وأن ذلك يخالف القواعد الدينية ~~والعقائد الكنائسية ... إلخ. # ولكن فضلا عن كل ذلك لم تعر الحكومة أقواله جانب الالتفات، بل صدر أمر آخر يقضي بتكرار ~~التنبيه عليه بإطاعة الأوامر العلية وتشكيل المجلس، فأذعن أخيرا رغما عنه، ثم بعث برقاع الدعوة ~~الرسمية لأبناء الطائفة للحضور بالدار البطريركية، وكان ذلك في أيام الصوم المقدس 14 برمهات سنة ~~1599، وقد حضر هذه الحفلة غبطته بذاته مصحوبا بأحد الأساقفة، وبعد تقديم الدعاء للعزة الإلهية، ~~خاطب الجمهور بما مؤداه أنه من حيث إن أعيان الطائفة رغبوا تشكيل المجلس كالسابق، وطلبوا ذلك من ~~الحكومة السنية كنا افتكرنا تأخير ذلك، حيث إننا الآن في أيام الصوم لكن اقتضى الحال لصدور ~~أمر أفندينا؛ فطاعة للأمر - حيث كل منا يلزمه إطاعة الأوامر الخديوية - لزم اجتماعكم لانتخاب ~~أعضاء ونواب المجلس. ثم نهض سعادة الباشا وأظهر للحضور الغرض الأصلي من هذا الاحتفال، وأردف كلامه ~~بالدعاء لسمو الخديوي المعظم ووزرائه الفخام، وتلا خطاب دولة رئيس النظار السابق صدوره لتبليغ ~~الأمر العالي؛ ومن ثم أخذ كل من الحاضرين ينتخب من يرى فيه الجدارة واللياقة، ثم عرضت صورة ~~الانتخاب على الجناب العالي فصدق عليها. # وعلى هذا النسق وذاك النمط تم انتخاب المجلس في الدفعة الثانية بهمة هؤلاء القوم الأفاضل ~~المحترمين، وأولئك السادة المصلحين الموقرين، الذين لم يتمكنوا من نوال بغيتهم والحصول على ~~أمنيتهم إلا بعد العناء الشديد والجهد الجهيد؛ ومن ثم سارت الأعمال ثانيا على محور الاستقامة ~~وكمال الاعتدال، ولكن أبى الدهر إلا أنه يعاكس هذه الطائفة المنكودة الحظ فقيض لها شياطين ~~آخرين لا ذمة عندهم ولا دين، طفقوا يوغرون صدر غبطة البطريرك ويثيرون خاطره ضد المجلس؛ حتى تمكنوا ~~من نوال غرضهم الخبيث، فانقطع غبطته عن حضوره، ثم أخذ التواني والتراخي يزداد رويدا رويدا حتى ~~تأخرت الجلسات وتوقف سير القرارات، وبالإجمال عومل هذا المجلس اللاحق بما عومل به المجلس السابق؛ ~~حتى كاد يبطل ms39 وينحل رأسا، فكانت العوامل المحرضة لغبطة البطريرك على مقته وإيقاف حركته هي ~~نفس العوامل التي أدت إلى انحلال المجلس الأول - أي دسائس ذوي المآرب الشخصية والرغائب الذاتية - ~~حمانا الله من خداع كل مكابر ومهاتر، ووقانا من شر الخادعين المنافقين الذين باعوا دينهم ~~بدنياهم. # النهضة الثالثة # من تعود على عادة خصوصية صارت ولا شك له عادة ثابتة، وملكة راسخة لا تمنع عنه ولا تنزع ~~منه، ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء، ومن تطبع على شيء وشب عليه صار هذا التطبع فيه طبعا ~~ملازما له، ووضعا خاصا به، فهكذا كان الحال مع نبلاء الطائفة القبطية وأغبياء الطغمة ~~الإكليريكية؛ فإن كلا الطرفين كانا مصرين على السير في خطتهما وعدم العدول عن ~~منهجهما. # أما الفريق أو إن شئت قل الحزب الأول يعني أحباء الإصلاح؛ فكانوا لا يرون بدا من إعادة ~~المجلس نظرا لما ظهر لهم منه من النفحات الجلية المفيدة، والثمرات العديدة الحميدة. فبعد أن استمر ~~تعطل المجلس الأول، وانحل أو كاد ينحل، وأهملت الإصلاحات والتنظيمات، وألم بالطائفة ما ~~ألم بها من الآفات، واعتراها عندئذ ما اعتراها من العاهات؛ شق هذا الأمر على سادتنا ~~المصلحين، فلعبت بهم عوامل الغيرة، واستفزتهم بواعث النخوة، فعقدوا النية على انتشال أمتهم من هذه ~~الوهدة العميقة، ولكنهم كانوا يخفون آراءهم ومبادئهم تحت طي الانتظار ظنا منهم بأن الحالة ~~ربما انصلحت من ذاتها، بدون تكبد تعب أو تجشم نصب، ولكن عيل أخيرا صبرهم، ولم يجدوا ~~للكظم والتجلد سبيلا، فنهضوا نهضة ثالثة هي النهضة الأخيرة الشهيرة، التي كانت لها طنة ورنة ~~دوى صداها في الآذان، ولم يسمع بمثلها في كل زمان ومكان، وقد كثر في شأنها القال والقيل، وكتبت ~~بخصوصها المقالات الضافية، ونشرت النشرات المفحمة الشافية، ودونك أيها القارئ اللبيب تفصيل تلك ~~النهضة الثالثة تفصيلا كاملا شاملا. # إنه بعد مضي ثماني سنوات على انتخاب المجلس في الدفعة الثانية كما مر، لم يأت بالنتيجة ~~المقصودة بالذات من وجوده؛ نظرا لعدم رضا غبطة البطريرك عنه، وسعيه في إبطاله وانحلاله، وناهيك ~~أن مدة أربابه ms40 كانت قد انتهت وقتئذ قانونيا، فلم يرق هذا التواني الزائد والتراخي الذي ~~تجاوز الحد في أعين الكثير من نبلاء الأمة ونبهائها الغيورين على مصلحتها وإصلاح شئونها، فنهضوا ~~نهضة ثالثة يطالبون بحقهم المقدس ويطلبون تجديد الانتخاب لما اتضح لهم، وظهر أمام أعينهم من ~~الإصلاحات الخطيرة التي قام بها في الماضي خير قيام. # وفي يوم 23 بئونة سنة 1607 قبطية تجمهر منهم جمهور معتبر، مؤلف من نخبة أعيان ووجوه الملة ~~ونبهائها، وحضروا إلى البطريكخانة لمخابرة غبطته بهذا الصدد، ولكن لما كان «سيدنا» قد أصبح يشمئز ~~ويستنكف من اسم المجلس، دار الكلام بينهم وبين غبطته مدة من الزمن على غير جدوى. # ولم يكتف غبطته برفض طلبهم وعدم إجابة دعوتهم، بل حرر أيضا للمعية السنية ولرئاسة مجلس ~~النظار - بناء على ما حسنه لديه الماقتون للمجلس الناقمون عليه - بما شاء من التنديد بالمجلس ~~والطعن فيه وعدم لزومه بالأصالة. أما حضرات أرباب المجلس - أو بالحري متطلبو المجلس - ومن وافقهم ~~على ذلك من نوابغ الأمة ونخبتها، فبالنسبة لتغيب سعادة الباشا الوكيل في أوروبا وتأكدهم من حقد ~~البطريرك على المجلس ولعلمهم بأن البند «32» من لائحة المجلس المشرفة بالأمر العالي مصرح به ~~«أنه عند غياب الرئيس أو وكيله في وقت لزوم الاجتماع يتولى رئاسة المجلس مؤقتا من ينتخبه الأعضاء» ~~فقد رأوا ضرورة الاجتماع طبقا لهذه المادة وانتخاب من يلزم، وبعد أن أجري الانتخاب آل أمر ~~الرئاسة المؤقتة إلى المرحوم الطيب الذكر سعد بك ميخائيل. # ولما أصبح المجلس في حالة منتظمة عقدوا النية على أن يجمعوا جمعية عمومية مؤلفة من نخبة ~~الطائفة بالدار البطريركية، تكون بمثابة لجنة عمومية يرأسها غبطة البطريرك لتجديد الانتخاب بطريقة ~~منتظمة محكمة لا تقبل نقضا ولا إبراما، وكانوا يظنون أن البطريرك يتعطف ويتنازل لإجابة ~~دعوتهم في هذه الدفعة، ولكن خاب ظنهم وساء فألهم؛ إذ إن غبطته حفظه الله ريثما علم أنهم ~~عزموا على ذلك وشرعوا في توزيع رقاع الدعوة، بادر بتحرير رسالة لسعادة محافظ مصر الأكرم، يقول له ~~فيها بأن هذا الاجتماع سيتأتى منه ما يخل ms41 بالنظام العام، ويطلب من سعادته إرسال بعض أنفار ~~البوليس حفظا ووقاية له من غدر أبنائه «تأمل! تأمل!» وبما أن واجبات المحافظ تقضي عليه بإجابة مثل ~~هذه الطلبات؛ فقد أرسل رأسا إلى غبطته عددا من أنفار البوليس. أما حضرات أرباب المجلس المحترمون ~~الموقرون فحفظا للكمال وحسما للقيل والقال، امتنعوا هم وإخوانهم المصلحون عن الاجتماع بالأصالة، ~~فلم يقتنع غبطة الأب البطريرك الصالح والراعي الغيور بكل ذلك، بل زاد الطين بلة ووسع الخرق على ~~الراتق؛ إذ لم يكتف برفض طلبهم وتوغير الصدور عليهم، والاستنجاد برجال البوليس على منعهم، بل ~~حرر أيضا إلى جميع المطارنة والأساقفة ورؤساء الأديرة يطلب إليهم الحضور إلى الدار البطريركية. ~~ولم يكن جل قصده من هذا الاجتماع تعديل بعض مواد اللائحة - كما ادعى أولا - بل لكي يستعين ~~بهم على محو آثار المجلس وإطفاء أنواره، فلما اجتمع بهم جميعا طلب إليهم أن يؤازروه ويشاطروه في ~~تنفيذ أغراضه السيئة، فلم يسعهم إلا الرضوخ والإذعان، فحرروا القرار الحكمي المشهور ضد إيجاد ~~المجلس، وسموه بالقرار الإكليريكي، وليس في هذا القرار ما يهم ذكره؛ إذ كله يفيد أن العادة لم ~~تكن جارية في انتخاب مجالس، وأن المجلس مخالف للدين إلى غير ذلك من الخرافات والخزعبلات ~~الصبيانية، ويسرنا هنا أن نقول بملء السرور والانشراح إن البعض من المخلصين الصادقين الذين ~~يقولون الحق وينادون بالصدق على رءوس الأشهاد، غير خاشين في تقرير الحقيقة على علاتها لومة لائم من ~~نفس الإكليروس الذين استحضرهم جنابه، رفضوا موافقته على تحرير هذا القرار مثل جناب القمص الموقر ~~الأغومانوس فيلثاوس وحضرة الفاضل القمص بطرس رئيس كنيسة الملاك بالدير البحري. أما الباقي فأمضوا ~~على هذا القرار - وربما كان أغلبهم يجهل ما فيه - وذلك مرضاة لخاطر رئيسهم وأبيهم؛ مفضلين بيع ~~الذمة والدين والشرف - إن كان عندهم دين أو شرف - على رفض طلبه، غير عالمين أنهم سيقفون يوما ما ~~أمام عرش الديان ويسألون عما جنت أيديهم يوم لا تنفعهم شفاعة غبطته ولا هم يعافون، ولسوف يعلم ~~الظالمون أي منقلب ينقلبون. # وفي اليوم التالي لإنهاء هذا ms42 القرار الملفق توجه حضرة البطريرك يصحبه بعض الآباء الرؤساء ~~إلى الإسكندرية؛ ليعرض على المسامع الكريمة والأعتاب الخديوية الفخيمة مرغوباته المعلومة «لأن ~~الخديوي المرحوم توفيق باشا كان مشرق الثغر وقتئذ»، ولكن لما كان سمو الأمير رحمه الله أسمى ~~معرفة من أن يجهل كنه هذه المسألة التي صدرت عنها أوامر خديوية سابقة؛ لم يعر هذه الطلبات ~~جانب الالتفات، ولم يكترث بتلك الترجيات العديمة الثمرة، بل كان مضمون نطقه الشريف وجوب العمل ~~بمقتضى الأوامر الخديوية الماضية. # وفي هذه الأثناء تشرف جملة من أرباب المجلس بالمثول بين يدي سموه، وسمعوا بآذانهم النطق ~~الكريم بما يفيد تأييد استمرار المجلس؛ طبقا للأوامر العلية واستحسان مصالحة جناب البطريرك على ~~هذه الصفة، فقدموا جميعا واجبات الشكر، وفرائض الإخلاص والعبودية للحضرة الفخيمة الخديوية، ~~وانصرفوا وكلهم ألسنة تلهج بالثناء وتكرر عبارات المديح والدعاء. # ولما عاد سعادة الباشا من أوروبا ورأى ما رأى وعلم ما علم، اقتضت حكمته وسياسته أن يوفق بين ~~الطرفين المتنازعين؛ لعلمه بأن هذه أنجع وسيلة وأنفع طريقة تؤدي إلى رفع شأن الملة، وإتمام ~~الإصلاح المقصود بالذات، فتمكن بما جبل عليه من الحزم والعزم والهمة والحكمة إلى إزالة الخلاف ~~والشقاق، وإعادة الائتلاف والوفاق. وفي يوم 22 بابة سنة 1608 اجتمع أرباب المجلس يتقدمهم سعادة ~~الباشا المومأ إليه بالدار البطريركية، وعقدوا جلسة حضرها غبطة البطريرك وترأس عليها، وبهذه الجلسة ~~نفسها أعلن الصلح والصفاء بين غبطته وأبناء أمته، ولكن لما كان هذا الإخماد وقتيا ظاهريا فقط، ~~لم يلبث أن تبدل ثانيا؛ إذ عاد جناب البطريرك إلى نفرته وبغضته للمجلس وعدم ميله إليه بالمرة، ~~وقد بذل حينئذ وجهاء الطائفة ونبهاؤها وفي مقدمتهم «جمعية التوفيق» الموقرة الغيورة التي كانت ~~برزت وقتئذ تختال في حلل العدالة، وترفل في ثياب الحرية، وتجر مطارف الغيرة والمروءة، فحلت ~~محل جمعية الإصلاح التي مر ذكرها في تاريخ النهضة الأولى وقامت مقامها، ولكن لم يجد ذلك ~~كله نفعا، بل ذهبت تلك المساعي جميعها هباء منثورا؛ لأن غبطته ومن كان على شاكلته من ~~زعماء الفساد ونصراء الخراب والدمار قد ms43 اجتمعوا وصمموا على رفض قبول المجلس رفضا قطعيا. ~~وناهيك ما نشرته جمعية التوفيق المذكورة في تلك الأثناء من النشرات المفحمة والمقالات المردعة ~~المقنعة، التي كان الغرض من نشرها على أبناء الأمة رفع القناع ونزع النقاب عن محيا الحقيقة؛ ~~تنويرا للأذهان وتقريرا للحقائق، ولكنها لم تكن إلا لتزيد هؤلاء الأغبياء تكبرا وتجبرا؛ ~~فقد أبوا إلا تكدير صفو راحة أمتهم وعدم الانقياد لصوت الحق الصادح. # ولما تفاقم الخطب وتعاظم الكرب عرضت هذه المسألة أخيرا على الحكومة السنية عقب وفاة الخديوي ~~المرحوم توفيق باشا، فلما وقف سمو الأمير الخطير، والمولى الحازم البصير خديوينا العباس - حفظه ~~الله - على كنه هذه المسألة وماهيتها من بدايتها إلى نهايتها؛ تفضل بصدور أمره الكريم، القاضي ~~بإعادة تجديد انتخاب المجلس بحضور مندوب من قبل الحكومة، وقد تم ذلك الانتخاب فعلا بالدار ~~البطريركية بطريقة علنية رسمية، بحضور الجم الغفير والسواد الأعظم من أبناء الأمة بالعاصمة، ~~وعدد عديد أيضا من جهات الأرياف الذين وفدوا إليها لهذه الغاية نفسها. # ولما انتظم عقد هذا الاحتفال الحافل قام سعادة المحافظ، وأفصح للحضور عن الغرض من الاجتماع ~~فقال ما مؤداه: # إن رغبة أمير البلاد في راحة وتقدم رعيته اقتضت أن يكون لهذه الطائفة القبطية ~~مجلسا ينظر في شئونها، ويدير مصالحها؛ أسوة بغيرها من الطوائف، بناء على طلب وجوه وأعيان تلك ~~الأمة؛ ولذا أصدر أمره الكريم بانتخاب اثني عشر عضوا ومثلهم نوابا لإدارة حركة هذا المجلس، وقد ~~أرسل سعادة إلياس بك إدوار مشيرا إلى مندوب الحكومة لحضور هذا الاحتفال بمثابة مندوب من قبل ~~حكومة الجناب العالي، فما عليكم أيها السادة الحضور إلا أن تنتخبوا من تجدوا فيه الجدارة ~~والأهلية بكل سكينة وحرية. فريثما تلا سعادة المحافظ هذه العبارة الموجزة المعجزة ضج الحضور ~~بالدعاء لسمو الخديوي المعظم والثناء على همة حكومته السنية الساهرة على راحة رعاياها ~~المخلصين لها، والمحافظين على ولائها سرا وجهرا، ثم شرعوا في الانتخاب وأمارات الانشراح ~~والارتياح تلوح على محياهم إلى أن تم هذا الانتخاب على أعظم نسق وأحكم أسلوب، ثم تليت أسماء ~~المنتخبين ms44 على مسامع الحاضرين فقابلوها بالتصفيق والتهليل. # وعند الختام هتف الكل صارخين مبتهلين من صميم أفئدتهم: «ليعش أفندينا ليدم خديوينا.» ثم ~~قفلوا راجعين وقد أخذ البشر والحبور من قلوبهم كل مأخذ مؤملين أن يكون ذلك الانتخاب خاتمة ~~تلك الأتعاب، ونتيجة هاتيك الأنصاب. ولما عرضت صورة هذا الانتخاب على الأعتاب الخديوية صدر الأمر ~~الكريم بتأييدها وتثبيتها، وبعدئذ دعي غبطة البطريرك للترؤس على المجلس فأبى وحرر من ~~الإسكندرية لحضرات الأعضاء يقول لهم إنه لا يرغب وجود المجلس، ولا يروم الترؤس عليه على الإطلاق، ~~فقضت حينئذ الضرورة - والضرورات تبيح المحظورات - أن اجتمع المجلس وقرر نزعه من الرئاسة ومن إدارة ~~شئون الطائفة أيضا، وانتخاب وكيل يقوم مقامه، فصدرت الإرادة السنية بالتصديق على ذلك، وكذا اجتمع ~~أيضا المجلس الملي مع الروحي الذي تشكل مؤقتا وقرر أنه: «بناء على إصرار البطريرك وعناده وعدم ~~انقياده لأوامر الحكومة، وحيث ثبت أن المغري له على إتيان هذا العصيان هو مطران الإسكندرية، ~~فمراعاة لاستتباب الراحة العمومية وعدم تكدير النظام العام، وخدش الآداب القومية، ومنع ~~الشقاقات الداخلية؛ تقرر إبعاد أنبا كيرلس البطريرك إلى دير البرموس ببرية شهاة، وهو الدير الذي ~~كان راهبا فيه لإقامته به وعدم مبارحته إياه إلا بأمر الحكومة السنية، وكذا إبعاد مطران ~~الإسكندرية إلى دير أنبا بولا بالجبل الشرقي.» وقد صدر الأمر السامي مؤيدا ذلك بتاريخ أول سبتمبر ~~سنة 1892، وقد تم ذلك كله فصفا الجو بعد أن كان معكرا مكفهرا، وعاد الصفو والسكون بعد أن كان ~~نائيا ومغادرا، فطفق المجلس يدير الأعمال ويدير الأشغال بكل همة ونشاط، حتى إنه في خلال ستة أشهر ~~أصدر تقريرا بين فيه ما آتاه في خلال هذه المدة القصيرة من الإصلاحات الخطيرة، وكان رئيسه ~~وقتئذ الأب الفاضل والحبر الموقر الكامل نيافة الأنبا إثناسيوس أسقف كرسي صنبو المترشح لهذا ~~المنصب السامي والمركز الرفيع، بناء على طلب أعضاء المجلس الموقر بعد تصديق الحكومة ~~السنية. # ولكن لم تلبث المسألة أن انقلبت انقلابا غير منتظر؛ وبيان ذلك أن الوزارة المصرية ~~تغيرت وقامت بعدها وزارة جديدة هي الوزارة الرياضية، ms45 فانتهز أعداء الإصلاح هذه الفرصة ~~المناسبة وطفقوا يعرضون العرائض ويقدمون الطلبات، ملتمسين العفو عن غبطة البطريرك وإعادته إلى ~~رتبته، فبعد أن تفاوض دولة الوزير الخطير مع أغلب نخب هذه الطائفة وفي جملتهم أرباب المجلس أجاب ~~أخيرا طلبهم، فصدر الأمر الكريم بإرجاعه إلى منصبه، وكذا إرجاع المطران الإسكندري إلى مركزه بشرط ~~أن لا يعودا إلى مثل هذا العصيان والطغيان. # ولما عاد البطريرك الموقر مصحوبا بالصحة والسلامة إلى مركز وظيفته تنبهت عندئذ الأفكار، ~~وتوجهت الأنظار، وشخصت الأبصار إلى ما عساه يحصل بعد هذا التقلب العجيب والتغير الغريب؛ فكان ~~بعضهم يظن أن غبطته لا بد وأن يذعن لمقترحات أبناء طائفته ويرضخ لأوامر حكومته. وكان يتوهم ~~البعض الآخر أنه لا يحيد عن جادته ولا يقلع عن خطته، بناء على ما ظهر من التشبث والاستبداد ~~الذي كان سببا في احتدام هذا الخصام وإضرام نار ذاك الخلاف، وهكذا كنت ترى القوم ما بين مصدق ~~ومكذب ومحقق ومرتاب، تاركين القول الفصل والحكم القطعي في هذه المسألة لمجريات الأحوال ~~وصروف الظروف؛ لعلمهم أن المستقبل أبو العجائب والغرائب، فلربما يأتي بما لم يكن في الحسبان؛ ~~إذ ليس على الدهر شيء بعيد الاحتمال والإمكان. # وأول حركة أمل الجميع منها كل بركة، وأيدت قول القائلين بأن غبطة البطريرك سينقاد ~~انقيادا مرضيا، هو ما رآه رجال المجلس ورئيسهم الموقر أنبا إثناسيوس ورجال جمعية التوفيق ~~الموقرة من إكرام غبطته لهم وإحسان وفادتهم، فضلا عن مصالحتهم ومصافحتهم علانية على مرأى ومسمع من ~~الجميع؛ الأمر الذي أحيا ميت آمالهم وانتشلهم من وهدة يأسهم وقنوطهم، فخرجوا من عنده فرحين ~~مسرورين مستبشرين مبتهلين إلى بارئ النسم ورب الجود والكرم أن يديم الحال على هذا المنوال، ~~ولا يصرم حبل تلك الأماني والآمال على ممر الأحقاب والأجيال. # ولكن لما كانت سنة الدهر الغدر وطبيعة الزمن الاعتساف والجور، أبى إلا حرمان أحباء الإصلاح ~~من نوال هذه الأمنية والحصول على تلك البغية؛ إذ قام بعدئذ غبطة البطريرك وحزبه ثانيا ينادون ~~بالويل والثبور، طالبين محو آثار المجلس الملي الغيور الذي لم يجترم ms46 جرما ولم يقترف إثما، بل لا ~~ذنب له إلا غيرته على المصالح الملية والصوالح الطائفية، ولا عيب فيه سوى اهتمامه برفع منار ~~الطائفة وإعلاء شأنها عمل تقتضيه المروءة وتستلزمه الذمة، ولكن أين من يتدبر ويتبصر وقد عميت ~~الأبصار وطمست البصائر، ويا ليت إفساد هؤلاء المفسدين كان قاصرا على السعي في إحباط أعمال المجلس ~~وإثباط عزائم رجال التوفيق والإصلاح، بل قد تطاولوا تطاولا زائدا، وحادوا عن جادة الصواب ~~والاعتدال جدا؛ إذ قاموا ينادون بعدم لزوم الوعظ في الكنائس ، كما أنبأت الجرائد المحلية وكما جاء ~~ذلك مفصلا في رسالة «البراهين القوية» التي أصدرتها جمعية التوفيق الأسيوطية؛ إذ لما رأى إخواننا ~~الأقباط الأسيوطيون - وما أدراك من هم - هذا الأمر المعيب المشين، قاموا جميعا ينادون برفض هذا ~~الاقتراح الذميم المشئوم، ويشددون النكير على من ارتأى هذا الرأي الوخيم النتائج، فتليت ~~الخطابات الطنانة الرنانة، ونشرت النشرات العديدة المفيدة التي أدهشت بحسن رقتها ودقتها العقول، ~~ونخص بالذكر منها رسالة الجمعية الأسيوطية التي ألمعنا عنها؛ فإنها أكدت القول وأيدت الموضوع ~~بالبراهين العقلية والنقلية التي أسكتت الخصم، ووضعت في فم المعارض حجرا ضخما حتى جعلته أبكم ~~أصم غارقا في بحر الوهم الخضم. # فانظر وتأمل أيها القارئ النبيل إلى هاتيك الأعمال، ثم احكم بما يتراءى لك؛ فإن الله ~~تعالى لا يحب الإفك ولا يرضى بالضلال. ومما يدل على خبث نية هؤلاء المفسدين أيضا تحرير القرار ~~الإكليريكي الشهير، الذي أتت جمعية التوفيق المركزية الموقرة على دحض ونقض ما انطوى واحتوى عليه من ~~الأراجيف والتمويهات والترهات والتلفيقات في رسالتها «دفع الوهم عن بسيط الفهم»، ومن الغريب ~~أن هذا القرار قد عمل عقب إرجاع غبطة البطريرك من الإبعاد، فكان باكورة إصلاحاته ونفحاته التي ~~عمت وشملت أبناء طائفته صغيرهم وكبيرهم خطيرهم وحقيرهم. فانظر وتأمل! # وبعد مضي أمد ليس بمديد، صدر الأمر العالي الناطق بإعادة السلطة الإدارية إليه، التي كانت ~~قد نزعت من غبطته عدلا وإنصافا، ولا تسل عما أظهره حزبه يومئذ من التظاهرات الصبيانية ~~والإجراءات التغفلية، على أن نص الأمر الكريم يدل دلالة ms47 صريحة واضحة على إرجاع تلك السلطة إليه ~~بشرط تعيين أربعة من أبناء الطائفة لمشاركته في تلك الأشغال الإدارية مؤقتا لحين تجديد الانتخاب، ~~وهذه - كما لا يخفى على كل من لم يكن مصابا بمرض الغرض أو ألقى السمع وكان شهيدا - هي بعينها ~~غاية وبغية رجال التوفيق والإصلاح قاطبة، وهو وجود المجلس الملي على كل حال إن عاجلا أو آجلا، ~~وها هي لم تزل عاملة على إنجاز هذا التجديد المنتظر الذي ترجو وتؤمل أن يكون قريبا إن شاء الله ~~تعالى. # الفصل التاسع عشر # | رغائب الحزب التوفيقي ومآرب الحزب الإكليريكي # لقد ألمعنا - في الفصل السابق عند سياق الكلام على تاريخ نشأة النهضة الثالثة - أن الذين ~~قاموا بها وكانوا سببا في إضرام نارها التي تأججت وعلا سعيرها، هم بعض نوابغ الأمة ونخبة الطائفة ~~الذين دفعتهم عوامل الغيرة، واستفزتهم بواعث المروءة، فالتأموا معا واتحدوا جميعا لإتمام هذا ~~العمل الجليل والمشروع الرفيع الخطير، وقد استصوبوا - حبا في نشر مبادئهم وتوجيه أفكار الجمهور ~~إليهم - أن يطلقوا على أنفسهم اسم «جمعية التوفيق» الاسم الذي انتقوه دون غيره تفاؤلا وتيمنا ~~باسم الحضرة الخديوية التوفيقية «لأن الجمعية قد تأسست في عهد سمو الخديوي الأفخم توفيق باشا» ~~الذي رأت الجمعية من سموه - رحمه الله - من تمام الرضا عن مشروعها ما حدا بأعضائها إلى إطلاق هذا ~~الاسم الكريم واللقب الشريف عليها. # أما الباعث الحقيقي والغرض الأصلي من تأسيس هذه الجمعية الإصلاحية الخيرية التي ظهرت بين ~~ظهرانينا، وانتشرت في سائر أنحاء وأرجاء قطرنا، واشتهرت في جميع أصقاع وبقاع بلادنا، فهو إصلاح ~~شئون الطائفة القبطية والسعي فيما يعود عليها بالنفع العميم والخير الجسيم. هذا ولقد رأت الجمعية ~~بعد طول الاستقراء والاستقصاء، وزيادة التنقيب والتنقير أن أهم اللوازم المفتقرة إليها الطائفة، ~~والمضطرة إلى إصلاحها كل الاضطرار منحصرة في ستة أمور لا سابع لها على الصحيح وهي: (1) تنظيم ~~المدارس. (2) إصلاح الكنائس. (3) تنوير الإكليروس. (4) إحياء اللغة. (5) افتقاد الفقراء. (6) محو بعض ~~العوائد القبطية السمجة القبيحة التي تمجها الأسماع السليمة وتأباها النفوس الأبية. # ولقد ظهرت نفحات أتعاب الجمعية وثمرات ms48 مساعيها في إصلاح أوجه الخلل الموجودة في جل هذه الستة ~~أمور إن لم أقل كلها، كيف لا وهي هي أول من وجه الأنظار ونبه الأفكار إلى مدارسنا القبطية ~~والنظر في أمر إصلاحها وتنظيمها، وقد حصل ذلك فعلا فأتي لها بأساتذة جهابذة ذوي إلمام تام، ~~فظهرت نجابة الطلبة واكتسبت المدرسة سمعة كريمة وشهرة عظيمة وفخرا كبيرا. وهي هي أول من رفع صوته ~~في الملأ صارخة ومنادية بتأخر إكليروسنا، وطالبة وجوب تنويرهم وتهذيبهم، فلم يسمع لندائها بادئ ~~بدء، ولكن لم تلبث الطائفة أن شعرت بلزوم ذلك، وها قد سمعنا بإنشاء المدرسة الإكليريكية التي نرجو ~~لها ومنها نجاحا تاما وإصلاحا مهما، وهي هي أول من قامت تنوب وتناضل عن حقوق إخواننا الفقراء ~~الذين أناخ عليهم الدهر، فجعلهم هدفا لنباله الشديدة الوطيئة، وهي هي التي قالت بلزوم الوعظ في ~~الكنائس ولو أسبوعيا على الأقل، وهي هي التي نهضت أخيرا وطلبت تشكيل المجلس وقد تم ذلك كله ~~فعلا، إلى غير ذلك من الإصلاحات والنفحات الحميدة والثمرات العديدة المفيدة التي يحول دون سردها ~~وتعدادها برمتها ضيق نطاق هذا الكتاب الصغير. # هذه هي رغائب جماعة التوفيق التي شرعوا في إنجازها، وسيقومون بأداء وإجراء أعظم منها في ~~المستقبل إن شاء الله تعالى، أما الآن وقد علمنا تلك الرغائب ووعيناها فيجمل بنا إذن أن ~~نميط النقاب عن مآرب الحزب الإكليريكي الواقف لها بالمرصاد كحجر عثرة في طريق تقدمها؛ حتى يتضح ~~للقارئ ما انطوت عليه ضمائر أصحاب هذا الحزب من النوايا الخبيثة والمآرب السيئة فنقول: لا ريب أنه ~~من كان حر الفكر منزها عن الغرض، يحكم لدى أول وهلة بأن هؤلاء القوم الذين تصدوا لمعارضة ~~نصراء الإصلاح وإحياء الخير، لا بد وأن يكونوا من طبقة الجهلاء الذين لم يتثقفوا ويتنوروا، فكانت ~~معارضتهم ومقاومتهم ناشئة عن جهلهم بمزايا وفوائد هذا الإصلاح، أو أنهم ربما كانوا يعرفون تلك ~~المزايا والفوائد ولكنهم يتجاهلون معرفتها لغاية في النفس يرومون قضاها. وهذا القول ينطبق كل ~~الانطباق على حضرات إخواننا المعارضين. أما القسم الأول يعني الذين ms49 يجهلون مزايا هذا الإصلاح ~~وفوائده فهم كثيرون، ولكنهم من الطبقة السفلى الذين لا يعتد بهم ولا يعول عليهم، ولا ~~يركن في أي أمر إليهم. وأما القسم الثاني - يعني الذين يعرفون ما سينجم عن هذا الإصلاح من الفوائد ~~الجمة والمزايا المهمة، ولكنهم يتجاهلونها لغرض في النفس - فمآربهم مختلفة ونواياهم متنوعة ~~باختلاف أحوالهم ومراكزهم؛ فمنهم من هم من أقارب غبطة البطريرك فتدعوهم دواعي القرابة لموافقته ~~ومصادقته على كل عمل يبدو منه ظاهريا، ولو كانوا لا يستصوبونه باطنيا، ومنهم من هم تحت إدارته ~~وسلطته كبعض مستخدمي المدارس القبطية الذين تلجئهم حالتهم المعاشية أن يذعنوا لأوامره ~~ونواهيه، ومنهم من كانوا من الإكليروس، وهؤلاء فضلا عن جهلهم وتغفلهم فإن شئون مراكزهم الكهنوتية ~~تضطرهم للإذعان والرضوخ والطاعة العمياء، ومنهم من كانوا ينتفعون من بقاء الحالة على ما هي عليه ~~لئلا يفتضح أمرهم وينكشف سر مكرهم وخداعهم، فيقعون في شر أعمالهم، ومنهم من أعمت الرشوة ~~أبصارهم وبصائرهم، وأخذ رونق الدرهم الوضاح والذهب الرنان بمجامع ألبابهم وقلوبهم؛ فأصبحوا أسراء ~~إحسان وكرم غبطة البطريرك الحاتمي، وصاروا ينادون بلسانه ويدافعون عن مصالحه. # على أننا لو سألنا ضمائرهم لقالت بعكس ما يقولون، ويندرج تحت هذا النوع الأخير بعض أصحاب ~~الجرائد المحلية، ونخص منهم بالذكر حضرة التقي المتدين صاحب جريدة الوطن الذي أسدلت الرشوة على بصر ~~بصيرته برقع التعصب فقام يجاهر بالعدوان ضد حضرات المصلحين الأفاضل، وإني أذكر هنا على سبيل ~~الفكاهة نادرة جرت بيني وبينه جاءت شاهد عدل على صحة ما نقول، ألا وهي أني كنت كتبت بجريدة المقطم ~~الأغر سؤالا بسيطا تحت عنوان «سؤال ذو بال» طلبت فيه من الذين يعنيهم أمر الإصلاح أن يجاوبوني ~~عن: «ما هي المطبعة المقصودة بالذات من المادة 8 من لائحة المجلس الملي؟» فجاء جواب سؤالي في العدد ~~التالي ومؤداه أن المطبعة المذكورة هي المطبعة التي هي تحت يد صاحب الوطن يطبع بها جريدته مجانا ~~... وقد وهبها له غبطة البطريرك - حفظه الله - على سبيل المكافأة لقيامه بخدمته خير قيام، فهال هذا ~~الأمر أو بالحري كشف ms50 هذا السر المستقر صاحبنا صاحب جريدة الوطن، فانقلب علي بالهجو والقدح الذي ~~كان برهانا آخر على صحة هذا الأمر، فألجأتني الضرورة - وللضرورة أحكام - أن أرسلت إلى جريدة المقطم ~~رسالة أعربت فيها عن زيادة ارتياحي من الوقوف على هذه المسألة، وشكرت همة من أطلعني على حقيقتها، ~~واستطردت القول إلى الرد على كلام صاحب الوطن - هداه الله - ولكن لسوء حظي لم تدرج رسالتي بالمقطم ~~لأسباب لست والله أعلمها، وها أنا ألخصها لحضرات القراء النبلاء وهي بنصها: # حضرات أصحاب جريدة المقطم الأفاضل # أبعث إليكم برسالتي هذه وأنا أعلم علم اليقين بأن جريدتكم أرفع شأنا وأسمى مقاما من أن ~~تكون محطا لرحال الطعن والتنديد، شأن جريدة عربية ساقطة الاعتبار تدعى جريدة الوطن التي ~~امتهنها كبار القوم واستهجنها صغارهم؛ إذ أضحت ولا ديدن لها إلا السب والشتم والقدح والهجو، ولا ~~هم لمحررها إلا اختلاق الأراجيف والتمويهات. وكأني بها قد آلت على نفسها أن لا ترتدع عن غيها ~~وتعدل عن منهجها الذميم الوخيم، ولكن لا غرور ولا عجب فهي هي الرشوة تعمي الأبصار والبصائر، وقانا ~~الله من شر كل منافق ومكابر مهاتر. # هذا ولقد كنت أنتظر بفروغ صبر عندما كتبت سؤالي الأخير بجريدتكم أن يقال لي إن صاحب جريدة ~~الوطن يدفع أجرة مقررة على طبع جريدته بالمطبعة الأهلية للبطريكخانة القبطية، أو غير ذلك من ~~الأعذار التي ربما كنا قابلناها بالقبول. ولكن يأبى الله إلا أن يحق الحق ويزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا؛ فقد أنبأني في اليوم الثاني أحد أفاضل الأمة الذين يغارون على نصرة ~~الحق، ويقررون الوقائع على علاتها، غير خاشين في تقريرها ونشرها لومة لائم «أو قدح منافق سفيه» أن ~~غبطة البطريرك قد سلمها - أو بالحري - أهداها لحضرة إبراهيم أفندي الذي وهبها لصاحب الوطن، ولا ~~يبعد أن نسمع يوما ما أن صاحب الوطن يجاهر على رءوس الملأ بأن هذه المطبعة من ضمن ممتلكاته ~~الخصوصية، وما ذلك - وايم الحق - على مثله ببعيد. # وإني - وشرف الإنسانية - أعجب غاية العجب من ذلك؛ إذ كيف يسوغ لغبطة البطريرك ms51 أن يسلم ~~أموالنا وأوقافنا لرجل ليس هو من طائفتنا ولا هو على شاكلتنا؛ فضلا عن كفره بنعمتنا وجحوده ~~لجميلنا، فهل يوجد بعد ذلك دليل أقوى من هذا على تصرف أولئك القوم في أوقافنا تصرفا مطلقا ~~يبددون فيها كيفما شاءوا ولا حساب هناك ولا عتاب، فحتام حتام لا نسعى في لم شعث أوقافنا ~~التي تبدد أغلبها أيدي سبا. ألا قاتل الله الجهل والطمع فإنهما ولا شك سبب هذا الوبال الوبيل، ~~وهل بعد ذلك يجوز لنا أن نقول أن ليس للمجلس الملي فائدة أو أن وجوده إن هو إلا بدعة من البدع ~~أو ندعي «بغير تبصر وتدبر» أنه مخالف للدين والقوانين الكنائسية، ألا نخشى من الله! ~~ألا نخجل من الحق! ألا نستحي من الناس! ألا تبكتنا ضمائرنا! مع أن المجلس لو كان موجودا أو ~~منتبها لأعماله لما حصل مثل هذا النهب والسلب الذي ليس له في عالم الوجود مثيل. فالمجلس المجلس ~~يا أبناء الطائفة القبطية! لا تقدم لنا إلا بالمجلس، ولا ترقي لملتنا إلا بالمجلس، ولا ~~إصلاح لحالتنا إلا بالمجلس، ولا حفظ لأموالنا وأوقافنا إلا بالمجلس، ولا تنظيم لكنائسنا ومدارسنا ~~إلا بالمجلس، ولا تنوير لإكليروسنا إلا بالمجلس، ومن أنكر علينا ذلك فليأتنا ببرهانه إن كان من ~~الصادقين، وإلا فليصمت ويكف عن الادعاء بالباطل؛ فقد ظهر الحق لذي عينين، وهيهات أن تجد ~~لإخفاء نور الحق الساطع سبيلا. # هذا ولا يسعني هنا إلا أن أختم عجالتي هذه بإبداء مزيد التعجب من تصرف جريدة الوطن، ~~وملازمتها لجادة القباحة والوقاحة التي لم يعهد لها نظير؛ ولا غرو «فكل إناء بالذي فيه ينضح» ~~وكل شجرة لا تثمر إلا ما عندها، فلا نجني من الحسك عنبا ولا من الشوك تينا، ولكن ليعلم صاحب ~~الوطن، ومن كان على شاكلته من الذين باعوا ذمتهم بدراهم معدودة أننا لا نكف عن مطالبتنا بحقوقنا ~~ما دام دمنا يجري في عروقنا، وها نحن واقفون له بالمرصاد نشهر ونفند تمويهاته واختلاقاته، ~~وننادي بها على رءوس الأشهاد في كل صقع وناد، وإلا فليصمت ويلازم جادة ms52 الحيادة؛ فإن نخوتنا ~~تأبى إلا إظهار نفاق المنافقين، والأمر الذي هو من الغرابة بمكان أن المشهور عن إخواننا ~~الأمريكان أنهم قوم اتصفوا بكريم الشيم وجميل الشمائل، فكيف يرضون أن يقبلوا بين أعضاء كنيستهم ~~رجلا هذه صفاته وتصرفاته؟! ألعلهم هم أيضا غير راضين عن أعماله؟! وإذا كان ذلك كذلك ولا نخاله ~~إلا كذلك؛ فأناشدكم الله ماذا ينتظر من رجل كرهته الأقارب، ولم ترض عنه الأباعد ومقته القريب ~~والغريب؟ ليحكم العادلون ولينصف المنصفون. # فهذه هي مآرب الحزب الإكليريكي الخبيثة، ورغائب الحزب التوفيقي الحميدة، لخصتها لحضرات ~~السادة القراء، ولست أخالهم يجهلونها، ولكن عسى أن يكون في الإعادة إفادة، وها قد علم الكل ~~البون الشاسع بين هذه الرغائب وتلك المآرب؛ إذ شتان بين المخلص المحب لخير طائفته، والمغرض ~~الذي لا يهمه إلا قضاء بغيته ومصلحته، فهيهات هيهات أن يبلغ الضالع شأو الظليع أو تحاكي الثرى ~~الثريا. # الفصل العشرون # | حالة الأقباط الحالية الراهنة # إن الأقباط المنتشرين في سائر أنحاء المعمورة وأرجاء المسكونة ينقسمون إلى قسمين عظيمين، وهما: ~~الأقباط الأرثذكسيون الأصليون والأقباط الباباويون ويقال لهم أيضا التبع نسبة إلى اتباعهم للكنيسة ~~الغربية وانتمائهم إليها. هذا ولما كان الأقباط الأرثذكسيون هم المقصودون بالذات في هذا الكتاب فقد ~~جعلنا موضوع الكلام قاصرا عليهم فنقول: إن الأقباط الأرثذكسيون ينقسمون أيضا على حدتهم ~~إلى قسمين عظيمين، وهما: الشعب والإكليروس، والمقصود بلفظة إكليروس جماعة الكهنة المترشحين لخدمة ~~الدين ليس إلا. ولقد أنبأ التاريخ بأن هذا الإكليروس كان فيما سلف على جانب عظيم من التنور ~~والتثقف، ولا سيما من كانوا من قاطني الأديرة منهم، حتى لقد قيل إن تلك الأديرة كانت محط رحال ~~الفلسفة وقطب دائرة الحكمة، ولعمري إن ما نراه بين ظهرانينا من مؤلفات هؤلاء الرهبان المفيدة، ~~ومصنفاتهم العديدة، لأدل دليل على صحة ذلك، ولكن أبى العلم إلا أن ينأى عن ديارهم ويهاجر ربوعهم ~~ثانيا، فأصبحوا وأنت لا ترى فيهم إلا أجلافا وأوغادا لا يعرفون للعلم اسما ولا رسما، وبالإجمال ~~فإنه لو علم آباؤنا الرهبان السابقون ما ستئول إليه حالة إخوانهم ms53 اللاحقين لتبرءوا منهم ~~سلفا. # أما الشعب فهو في درجة من التقدم والتعلم تضارع غيرها من درجات الأمم المتقدمين ~~المتمدنين، وقد ابتدأ تاريخ نهضتهم العلمية مع إخوانهم المسلمين في عهد ساكن الجنان المغفور له محمد ~~علي باشا جد العائلة الخديوية الفخيمة؛ حتى لقد حاز الكثير منهم الشهادات العليا، الناطقة بتمام ~~تقدمهم وسمو مداركهم؛ ولذا انتدبتهم الحكومة السنية في أعظم المناصب العالية والمراكز الخطيرة، ~~فمنهم رب السياسة والكياسة ورجل الحزم والعزم سعادة بطرس باشا غالي ناظر المالية المصرية، وأحد ~~وزراء مصر الكرام ورجالها العظام، وفيهم من رجال القضاء المتشرعين المتضلعين سعادة أمين بك غالي، ~~وميخائيل بك شاروبيم، وبطرس بك يوسف، وحنا بك نصر الله، وتادرس بك إبراهيم، ويوسف بك سليمان، وعبد ~~المسيح بك سميكه، ورزق الله أفندي سميكه، وعبد الله أفندي سميكه وغيرهم. # وفيهم من جهابذة المؤلفين والمصنفين ورجال الكتابة والخطابة والشبان النجباء الأدباء: حضرة ~~تادرس بك وهبي، وجندي أفندي إبراهيم، وجرجس أفندي ذكي، وقوسه أفندي جرجس، ويسي أفندي إبراهيم، وجندي ~~أفندي عوض، وإسحاق أفندي عطيه، ومرقس أفندي جرجس، وعطية أفندي جرجس، وإسكندر أفندي قزمان، ودانيال ~~أفندي باشا، وبطرس أفندي حنا الأسيوطي وغيرهم. # وفيهم من المحامين البارعين المشهورين: عزتلو خليل بك إبراهيم، وإسكندر أفندي إبراهيم، وأخنوخ ~~أفندي فانوس الأسيوطي، ونخله أفندي خليل المنياوي وغيرهم. # وفيهم من الأطباء الماهرين: حضرة إبراهيم أفندي منصور، وإبراهيم أفندي فهمي، ومراد أفندي أيوب، ~~ونجيب أفندي مفتاح وغيرهم. # وفيهم من الرياضيين البارعين: حضرة فوزي أفندي حنا، وجرجس أفندي فيلثاوس، ويوسف أفندي صبري، ~~وميخائيل أفندي عفت، وميخائيل أفندي وغيرهم. # وفيهم من الوجهاء والأعيان الذين تعقد عليهم الخناصر ويشار إليهم بأطراف البنان مما لم ~~يسعنا ذكرهم هنا، ولم تظهر نفحات الأقباط فقط في هذا الزمن الذي بزغت فيه شموس العدالة والحرية، بل ~~قد ظهرت براعتهم وجدارتهم حتى في زمن الاستبداد كأيام المماليك المتمردين وغيرهم، ولو أتينا على ذكر ~~أسماء هؤلاء الذين اشتهروا وحازوا أعظم المناصب لضاق بنا المجال، وهذا دليل كبير على ما للطائفة ~~القبطية من الاستعداد الطبيعي لإدراك العلى. ms54 # أعياد الأقباط وأصوامهم # أعياد الأقباط المشهور منها عيد الميلاد، وهو تذكار ولادة السيد المخلص له المجد. وعيد ~~الفصح أو العيد الكبير ويقال له «شم النسيم» يحتفلون فيه بقيامة السيد له المجد من القبر وانتصاره ~~على سلطان الموت. وعيد الصعود يحتفلون فيه بصعود السيد له المجد إلى أعالي العلى محفوفا بالعظمة ~~والأبهة بعد مضي أربعين يوما من قيامته المجيدة. وعيد النيروز يحتفلون فيه برأس السنة ~~القبطية. وجملة أعياد أخرى كثيرة لكنها ليست كلها بشهيرة. أما أصوامهم فأشهرها الصوم الكبير والصوم ~~الصغير وصوم العذراء وصوم يونان وغيرها. # مدارسهم وكنائسهم # وللأقباط كنائس كثيرة، أشهرها كنيسة المرقسية الكبرى، وكنيسة الفجالة، وكنيسة حارة زويلة، ~~وكنيسة حارة السقايين، وكنيسة المعلقة، وكنيسة حارة الروم، وكنيسة الأمير تادرس، وكنيسة الدير ~~البحري، وكنيسة الدير القبلي، وكنيسة أبي سيفين وغيرها، وكذا كنائس أخرى بجهات الأرياف. # ولهم من المدارس المدرسة القبطية الكبرى، ومدرسة الاقتصاد، ومدرسة الآداب، ومدرسة المنافع ~~العلمية، والمدرسة الوطنية، ومدرسة الآداب العلمية، ومدرسة حارة السقايين، ومدرسة إسكندرية ~~القبطية، ومدرسة المنيا وطنطا وميت غمر، ومدارس أخرى كثيرة منتشرة في أغلب جهات الوجه القبلي ~~والبحري. # جمعياتهم وجرائدهم # وللأقباط أيضا جملة جمعيات شهيرة، أهمها جمعية التوفيق وفروعها، وجمعية الاقتصاد القبطية ~~مؤسسة مدرسة الاقتصاد، وجمعية المساعي الخيرية، وجمعية حفظ التاريخ القبطي الأسيوطية، وجمعية ~~الاتحاد الخيري وغيرها. # ولهم من الجرائد جريدة مرقى النجاح والفرائد والراوي والعلم المصري ورياض التوفيق وجريدة ~~التوفيق التي ستظهر قريبا إن شاء الله تعالى. # تنبيه # قد وقع فى هذا الكتاب من الغلطات السهوية والطبعة مالا يخفي علي ذوي الألباب ولذا أكتفينا بالتلميح عنها دون التصريح بها وعلى كل حال فالكمال لله وحده: # من قال لا اغلط في امر جري # فهذه اول غلطة تري ms55