######OpenITI# #META# URI: 1342TawfiqCazuz.WahshDari.Hindawi38184164 #META# Tags: novels #META# ID: 38184164 #META# Title: الوحش الضاري #META# AuthorID: 71403904 #META# Author: توفيق عزوز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # نصيحة ختامية‏ # تقريظ الرواية‏ # إهداء الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # نصيحة ختامية‏ # تقريظ الرواية‏ # | الوحش الضاري # | الوحش الضاري # تعريب # توفيق عزوز # سعادة الفاضل سليم باشا حموي الأفخم صاحب جريدة ~~الفلاح الغراء. # | إهداء الرواية # إلى صاحب السعادة المفضال، الكاتب النحرير، والصحافي الشهير سليم باشا حموي الأفخم صاحب ~~جريدة الفلاح الغراء. # سيدي الفاضل # هذه - حفظك الله وأبقاك - رواية أدبية تهذيبية تنتقل بالقارئ ~~في مدارج الآداب؛ فتمثل أشرف العواطف الإنسانية والأميال ~~النبيلة، وتحث على التحلي بها وتشخص أشنع الرذائل ~~والمساوئ القبيحة في صورتها الحقيقية، وتحرض على اجتنابها ~~والإقلاع عنها، وقد استصوبت أن أزفها إلى سعادتكم ~~وأقدمها هدية بين يديكم؛ لأني أعلم علم اليقين أنكم من أقدم ~~الصحافيين بمصر، وأكبر نصراء الآداب في هذا العصر، وناهيك أن ~~بيننا من دالة الصداقة القديمة وجامعة المهنة الشريفة ما ~~يحدو بي إلى ذلك، وأني لا أعتبر هديتي هذه إلا اعترافا مني ~~بسابق فضلكم وكريم شيمكم، ومكارم أخلاقكم، ولي الأمل ~~الوطيد بأنها تصادف لديكم ما أرجوه لها من الإقبال والقبول؛ ~~لأن هذا منتهى القصد وغاية المأمول. # توفيق عزوز # | الفصل الأول # روي أنه حدث في البحيرة التي تفصل ناحية سان مالو عن سان سيرفان بفرنسا فيضان عظيم ~~منذ بضع سنين؛ فغمرت الطريق الموصل بين هاتين الناحيتين حتى اضطر الأهالي إلى ~~استعمال الصنادل والمراكب الصغيرة للمرور بها في الطرق العمومية عوضا عن العربات ~~والعجلات. # ففي مساء أحد الأيام، بينما كان الطقس معتدلا والنسيم معتلا، وقد اختالت الطبيعة في ~~مطارف البهاء ms01 والجمال، خرج الناس زرافات ووحدانا لترويح النفس من عناء ~~الأشغال. # وكان في جملة هؤلاء المتنزهين رجل يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره، كان يمشي ~~الهوينا قاصدا تلك البقعة الملأى بالصنادل والمراكب حتى إذا دنا منها ركب صندلا ~~صغيرا، وطلب من صاحبه أن يسرع الخطى إلى ناحية سان سيرفان؛ فلم يمض بضع دقائق حتى وصل ~~إلى ذلك المكان، فهم بالنزول بعد أن أنقد المراكبي أجرته وسار توا قاصدا ~~تلك البقعة الجبلية الملأى بالصخور والرمال، وقبل أن يتقدم بضع خطوات لاحت منه ~~التفاتة فرأى في أحد جوانب هذا الخلاء الفسيح امرأة متكئة على إحدى الصخور في هذا المكان ~~المقفر، وسمات الكآبة والحزن تلوح على وجهها. # فسأل السائح المراكبي قائلا: من تكون هذه المرأة؟ # أجاب الرجل: يقال يا سيدي: إن هذه امرأة اعتراها داء الجنون وهي تهيم على وجهها في هذه ~~الفيافي والقفار. قال: ولماذا تركوها وشأنها هكذا بلا معالجة؟ وهل تعرف ~~اسمها؟ ~~- تدعى مادلين يا سيدي، وهي تجلس كل مساء في هذا المحل بعينه تتسول الصدقة، ولا تظهر ~~في غير ذلك الوقت؛ لأنها كثيرة الحياء على ما يقال، فلا تستعطي إلا تحت جنح ~~الظلام. # وعند ذلك انقطع الحديث وترك السائح صاحب المركب، ثم سار متقدما إلى الأمام، فدنت ~~منه تلك المرأة المسكينة، ومدت إليه يدها تطلب الصدقة حسب عادتها، فأمعن فيها ~~نظره وأخذته الشفقة عليها، وحدثته نفسه بأن يقف على سبب جنونها ~~واختيارها لهذه العزلة والانفراد. # فدنت منه تلك المرأة المسكينة. # فحينذاك قبض على يدها النحيفة بلطف، وأوعز إليها أن تتبعه إلى أحد جوانب هذه ~~البقعة، فلم تظهر أدنى معارضة في ذلك واقتفت أثره بلا ممانعة، حتى وصلا إلى صخرة ~~عالية في وسط هذا الخلاء فجلسا عليها، ومن ثم نظر السائح إلى تلك المرأة الغريبة الزي ~~ليستطلع أخبارها فرآها تنظر حولها يمنة ويسرة، ثم تحدق بأمواج البحر التي كانت ~~تزداد تلاطما واصطداما، فتهيج فيها عوامل الحزن وتزداد قلقا واضطرابا، كأن هذه ~~المناظر الطبيعية كانت تثير في قلبها تلك العوامل الخفية، وتذكرها بحوادث فظيعة ms02 جرت ~~لها في سالف أيامها، فيظهر على وجهها ذلك التهيج والانقباض، فاقترب منها السائح ~~وسألها عن سبب حزنها واكتئابها، فنظرت إليه محملقة وأجابته قائلة: تسألني ماذا ~~اعتراني؟! كأنك لا تعرف حقيقة حالي؛ فانظر إلى هذا البحر المتلاطم بالأمواج؛ فهو ينبئك ~~بما جرى لي؛ فهنا ماتا، بل هنا قتلتهما تلك اليد الظالمة. # أجاب السائح: ومن هذان اللذان تقولين أنهما قتلا هنا؟ ~~- عجبا، وهل تجهل ما جرى لولدي العزيزين في هذه الصحراء المقفرة أمام هذه ~~الأمواج المتلاطمة؟ فهنا، هنا قد جرت تلك المذبحة الهائلة والفظائع الوحشية المنكرة، ~~فأواه يا سيدي، لماذا أتيت بي إلى هذا المكان؟ حتى تثير في قلبي هذا التذكار المؤلم! ~~فهلا كفاني ما أقاسيه من الشقاء والعذاب حتى جئت تزيدني هما وحزنا! فماذا فعلت ~~يا مولاي حتى أستحق كل هذا العقاب؟ ولماذا تناصبني العداء كأنك من ألد أعدائي؟ ~~فوا عجبا! كيف يريد العالم كله أن يكون ضد امرأة مسكينة عاكسها الدهر وخانتها صروف ~~الأيام؟! فقد كنت أظن أن لي عدوا واحدا، وهو ذلك الظالم القاسي القلب الذي هد ~~عزائمي، وأوهن قواي، وغادرني أتقلب على مضض التعاسة والشقاء، ولكن أين هو ذلك العدو ~~الآن، فلا أخاله يستطيع الرجوع إلي بعد أن تخلصت من مظالمه الفظيعة وأعماله ~~الوحشية، وقتلته بيدي شر قتلة. # قالت ذلك، ثم استسلمت لعوامل اليأس والقنوط، وعلى إثر ذلك ساد الهدوء والسكون في ~~هذا المكان، ولم يعد يسمع الإنسان غير خرير الماء وحفيف الأشجار، فأحدق السائح ~~نظره بهذه المرأة ليتبين هيأتها، فإذا هي لم تزل في شرخ الشباب وريعان الصبا، ~~ولو أن ما قاسته من تباريح الوجد والحزن كان قد أثر في ملامحها تأثيرا ظاهرا ~~وأفقدها ما جادت به عليها الطبيعة من آثار الحسن والجمال. # وبعد أن مضت على هذه الحال برهة من الزمان رفعت المرأة رأسها ونظرت إلى السائح ~~نظرة العجب والاندهاش، ونادت بصوت خافت ورشاقة غريبة: ولكن من تكون أنت يا سيدي، وماذا ~~تريد مني الآن؟ أجاب الرجل: تقولين من أنا يا مادلين؟ ~~- إذن أنت تعرف ms03 اسمي؟ ~~- نعم؛ فأنت مادلين دي راعول على ما أظن. ~~- لا يا سيدي، فأنا أدعى مادلين فقط، فلا تذكرني بذلك اللقب اللعين، ولا ~~تذكر لي اسم «راعول» لئلا ترتعد فرائصي ويقشعر بدني؛ فإن هذا الاسم ليس هو ~~إلا عنوان الشقاء ورمز التعاسة والبلاء، فلا يذكر إلا مردفا بعبارات الشتائم ~~واللعنات؛ فأنا أدعى مادلين، نعم أدعى مادلين فقط؛ لأن هذا هو الاسم المحبوب الذي ~~دعاني به جدي، وكان يدعوني به أيضا جميع سكان قريتي، وهو الذي كان يدعوني به أيضا رفيق ~~حياتي وحبيب قلبي «موريس»، فآه يا حبيبي موريس، أين أنت الآن لترى ما تقاسيه أختك مادلين من ~~أنواع الذل والعذاب، ولكن من أين لك أن تعرفها الآن، وقد غير الحزن هيأتها ~~وأذهبت يد الزمان ملامح جمالها. # قال السائح: يظهر أنك تجشمت أهوالا كثيرة يا مادلين؟ ~~- حياة الإنسان كلها يا سيدي مصائب وأتعاب، ولكني لا أظن أن إنسانا خانه الزمان ~~ولعبت به صروف الأيام وجرعته كئوس الرزايا والأحزان؛ فذاق منها صنوفا وألوانا ~~بقدر ما ذقت أنا الشقية المسكينة التي تراها أمامك الآن. ~~- ربما كنت يا مادلين أكثر من غيرك ميلا إلى الشر؛ فأراد الله أن يعاقبك على سوء ~~تصرفك. # ربما صح هذا الفكر يا مولاي، ولكن كم من الخطاة يمرحون في بحبوحة العز والهناء، ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. # | الفصل الثاني # جرى كل هذا الحديث بين ذلك السائح المجهول وتلك المرأة المتسولة عند غروب الشمس؛ فلما ~~انتهى بهما الكلام إلى هذا الحد كان الليل وقتئذ قد أرخى سدوله، وازدادت الطبيعة هدوءا ~~وسكونا؛ فتقدمت المرأة إلى السائح واقتربت منه بلطف، واستأنفت الكلام ثانيا ~~فقالت: اسمع يا سيدي ما أقصه عليك الآن؛ لتعلم كيف أنه يوجد في العالم من الغرائب ~~والعبر ما يفوق حد التصور، ثم احكم بعد ذلك إما لي وإما علي؛ لأني توسمت فيك ~~الصدق والنزاهة؛ فأنا - التعيسة الشقية - لم أحرم في أول حياتي من لذة العيش والهناء، ~~وإذا صح ما يقوله الحكماء من أن تذكر أيام السعادة ينسي المرء ما ms04 يصادفه من ~~التعاسة ومتاعب الحياة؛ فأنا أريد أن أذكر شيئا من سابق أيامي وماضي حياتي؛ لأني أرى في ~~ذلك بعض التعزية والسلوى؛ فلقد ولدت يا سيدي في قرية فوجير، وكان أبي يتاجر في الأصواف، ~~وهو رجل نشيط شديد العزم، ولكنه أصيب بزواج امرأة كان لا يحبها ولا يميل إليها، وقد فعل ~~ذلك مضطرا لا مختارا؛ لأنه كانت توجد هناك روابط عائلية، وأسباب مالية حدت به إلى ~~التزوج بهذه المرأة القاسية المستبدة التي نغصت عيشه وحرمته لذة الراحة والهناء، ~~فلم يلبث أن شعر بخطئه؛ لأنه لم يذعن إلى نداء إحساساته وعواطفه، فألقى بنفسه بين يدي ~~امرأة تخالفه في المبدأ والمشرب على خط مستقيم، ولعل هذه أعظم بلية يصادفها الإنسان في ~~حياته، فمادلين التعيسة الشقية يا سيدي كانت ثمرة هذا الزواج الإجباري والارتباط ~~المشئوم. # فلما ولدت وترعرعت كنت أرى من والدي الحب والحنان، ومن والدتي الضغط والإرهاب؛ ~~فرأيت نفسي مضطرة إلى مجاراة هذين التيارين المتعاكسين؛ فإذا زجرتني والدتي بادرت ~~مسرعة إلى والدي؛ فألقيت بنفسي بين ذراعيه فيقبلني قبلة الحنو والشفقة؛ ~~فعند ذلك أنسى معاملة والدتي وصعوبة مراسها وشدة استبدادها، وبعد مضي خمسة سنوات من ~~تاريخ ولادتي توفي أحد العمال المشتغلين مع والدي في تجارته، وكان رجلا غيورا على مصلحته ~~ومتهالكا في خدمته، وأمينا في كل أعماله وتصرفاته، وترك المتوفى بعده ابنا لا ~~يزيد سنه عني غير سنة واحدة، وهو شاب جميل الصورة حسن الخلق، ورث من والده كل صفاته ~~ومكارم أخلاقه؛ فرأى والدي أن من الواجب عليه إعالة هذا الابن المسكين والاعتناء بأمره، ولا ~~سيما لأن والدته كانت قد انتقلت أيضا من عالم الأحياء؛ فأصبح وحيدا فريدا، وهذا ~~الابن المسكين يدعى «موريس»، وهو وإن كان حديث السن، إلا أنه كان كثير الشعور والإحساس، ~~أبي النفس عفيفا، وعلى جانب عظيم من اللطف والوداعة؛ فكان بعد وفاة والده لا يهنأ له ~~حال ولا يهدأ بال، بل يقضي أغلب ساعات النهار في البكاء والنحيب؛ فكنت أنا ووالدي نبذل كل ~~ما في وسعنا لتسكين روعه وتسلية ms05 خاطره؛ لأنه أصبح من أعضاء عائلتنا وأهل بيتنا فيشق ~~علينا أن نراه في هذه الحالة التعيسة. # أما والدتي القاسية القلب؛ فكانت تظهر التململ والتذمر من وجود هذا الطفل الحزين ~~بيننا، وتقول: إنه جاء ليكون حملا ثقيلا على كاهلنا، فكان والدي يحاول إقناعها بحقيقة ~~خطئها، ويظهر لها أن ما فعلناه مع هذا الطفل اليتيم إن هو إلا أول واجب تقضي به ~~علينا قواعد الإنسانية والمروءة، ولكن لا حياة لمن تنادي. # على أن هذا الحال لم يلبث أن تغير بعد مضي مدة من الزمان؛ فإن هذا الطفل لما ~~أظهرناه له من دلائل الشفقة والحنان نسي جميع أحزانه ورأى في وجوده معنا كل التعزية ~~والسلوى. # ومن ثم ابتدأت عوامل المحبة والألفة تتولد في قلبينا؛ فكنت أنا أشعر بميل شديد ~~وانعطاف زائد إلى أخي «موريس»، وهو يظهر لي هذا الميل عينه، وكلما شببنا شب هذا ~~الحب معنا حتى أصبح ميلا غريزيا وطبعا فطريا فينا، وكنت أرى أن هذا الاتحاد ~~الطبيعي موضوع سعادتنا ومصدر سرورنا وتعزيتنا، وأقسم لك يا سيدي أني لم أر في أيام ~~حياتي كلها أسعد من هذا الوقت الذي توفرت فيه لدينا جميع معدات السرور ~~والصفاء، وأطلق لنا العنان لنمرح في بحبوحة العز والهناء. # وأية سعادة أفضل من أن يرى الإنسان نفسه في مقتبل العمر وريعان الشباب، وبجانبه شخص هو ~~موضوع حبه وانعطافه، وقد امتلأت رأسه بالآمال والأحلام اللذيذة. # فهذا كان حالي يا سيدي مع حبيبي موريس، ذلك الحبيب المخلص الذي أبى الدهر إلا أن ~~يفصلني عنه ظلما وعدوانا، ويجرعني بعد فراقه من الذل والعذاب صنوفا ~~وألوانا. # وماذا عساني أصف لك يا مولاي عن حقيقة هذا الحب الطاهر والهوى العذري، وأنت تعلم أن ~~فيه لذة يشعر بها القلب، ويعجز عن وصفها اللسان. # ففي أيام الربيع الجميلة كنت أضع يدي تحت ذراع حبيبي موريس ونخرج كل مساء لترويح النفس ~~واغتنام فرصة اللهو والسرور، فتسير بنا الأقدام ونحن لا نشعر ولا ندري، حتى إذا انتهينا ~~وجدنا أنفسنا في وسط الخلا الفسيح والرياض الغنا، ولا ms06 نرى حولنا من الأمام والوراء إلا ~~الخضرة والماء، وهناك ينطلق اللسان فيبث لواعج الحب، ويعبر عن عواطف القلب، وقصارى ~~القول: إني يا سيدي كنت أشعر في ذلك الحين بلذة السعادة الحقيقية والعيشة الهنية، وأذوق طعم ~~الحب الخالص، الحب الذي تشعر به فتاة قد ناهزت السابعة عشر من عمرها، وما أحلى هذا ~~العمر، وما أطيبه؛ فإنه زهرة الحياة ونضارتها، ومحط رحال الصفاء والهناء؛ إذ فيه ~~تتوفر شروط الصحة والعافية، وتمتلئ الرءوس من الآمال والأحلام، فآه يا سيدي، إني كلما ~~تذكرت هذه الأمور ضاقت في وجهي سعة الفضاء، وتعجبت كيف أني إلى الآن لم أزل ~~في عالم الأحياء! # | الفصل الثالث # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها # وعند صفو الليالي يحدث الكدر # يا أيها الناس من كان الزمان له # مسالما فليكن من دأبه الحذر # بعد أن أتمت مادلين هذا الكلام ظهرت على وجهها علامات الانقباض واليأس؛ ~~فوضعت رأسها بين يديها وغرقت في بحار التخيلات والأوهام، ولم تنتبه إلى استئناف ~~حديثها واستطراد قصتها، ودام الصمت أكثر من عشرة دقائق، والسائح ينظر إليها بعين الشفقة ~~والحنان، وقد أخذ منه الحزن كل مأخذ؛ لأنه رأى في حالة هذه المرأة المسكينة ما ~~يثير الأشجان ويهيج العواطف. # وبعد برهة قصيرة رفعت الأرملة رأسها وعادت إلى إتمام قصتها بلهجتها المعهودة فقالت: ~~وبينما كنت يا مولاي أتمتع بلذة هذا العيش الهنيء، وأذوق طعم الراحة والحب، ما أشعر ~~إلا وقد هبت عواصف الانقلاب، فأبادت كل ما بنيته من الآمال والأحلام، وهدمت ~~دعائم الهناء والسعادة التي كنت أعلل بها النفس في مستقبل الأيام، ذلك أنه بينما كنت ~~أنا وموريس ووالدي جالسين ذات ليلة في حديقة القصر بعد تناول العشاء تحت ظل شجرة كثيفة ~~الأغصان، وقد ساد السكون والهدوء، وهبت نسيم الشمال تملأ النفوس انتعاشا، وتفعم ~~القلوب فرحا وابتهاجا، وحبيبي موريس قد قبض بيديه على يدي وطفق يداعبني بلطفه ~~المعهود، وأنا أنظر تارة إليه وطورا أرفع رأسي إلى السماء، فأرى الجو صافيا والنجوم ms07 ~~تتلألأ في القبة الزرقاء، والطيور تملأ بغنائها الفضاء، فلم أشعر إلا وقد أقبلت علينا ~~والدتي مهرولة وعلى وجهها سمات الحيرة والاندهاش؛ فنظر إليها والدي على بعد نظرة ~~الحزن والانقباض، ونهض حبيبي موريس على قدميه لاستقبالها، فتبعته أنا وسرت ~~مسرعة نحوها، وبعد أن استقر بوالدتي المقام التفتت إلى والدي فقالت: ألعلك ~~أخبرت مادلين وموريس بما اتفقنا عليه اليوم؟ ~~- إني لم أفاتحهما في هذا الأمر بعد؛ لأني لم أشأ أن أكدر صفاءهما في هذه الفرصة ~~السعيدة. # إذن؛ فالواجب علي أنا أن أخبرهما بحقيقة الحال؛ لأنه لا فائدة في الصمت ~~والانتظار. # قالت ذلك ثم التفتت إلينا ووجهت لنا الحديث قائلة: اسمعي يا مادلين ما أقصه ~~عليك الآن؛ لأن كلامي لا يخلو من الخطارة والأهمية كما تعلمين فأنتما قد بلغتما سن ~~الرشد، وعرفتما حلو العيش ومره؛ فيجب عليكما أن لا تضيعا الزمن سدى، وتقتلا ~~الوقت فيما لا يفيد ولا يجدي؛ لأن من كان مثلكما عليه أن يوجه نظره دائما إلى ~~مستقبله ويبذل جهده في تدبير شئونه وأحواله؛ ليضمن لنفسه الراحة والسعادة في المستقبل، ~~وإني أعذركما على إغفال هذه الواجبات إلى الآن؛ لأنكما تعتمدان على والديكما وتكفيان ~~نفسكما مئونة هذا التعب والاشتغال؛ ولذا كان من الواجب علينا نحن أن نذكركم بهذه ~~الأمور، ونسعى فيما يعود عليكم بالنفع والفائدة. # فلما انتهت والدتي في كلامها إلى هذا الحد خفق فؤادي واصفر وجه موريس؛ لأن ~~قلبنا كان يحدثنا بوقوع خطر قريب. # واستمرت والدتي في الحديث؛ فقالت: والنتيجة أني يا مادلين قد دبرت لكما ما ~~يضمن راحتكما وسعادتكما في المستقبل، وذلك أننا عولنا على إرسال موريس إلى جهة «دي ~~جانيريو» بوظيفة كاتب أول في إحدى المحلات التجارية الشهيرة، وإني أؤمل أنه سوف يصل ~~بجده واجتهاده وحسن تصرفه إلى درجة عظيمة من التقدم إن شاء الآن كل شيء من هذا القبيل؛ ~~فلما سمعنا هذا الكلام انقضت على رأسنا صواعق الدهشة والانزعاج، وصرخت أنا بحزن ~~مستغيثة بوالدي. # أما موريس فتقدم إلى والدتي فجثا أمامها على ركبتيه وناداها بلطف: رحماك يا أماه ms08 ؛ ~~فأنا أحب ابنتك مادلين، ولا أستطيع فراقها، وعند ذلك تشددت قواي وانتعشت في ~~روح الأمل؛ فاندفعت أمام والدتي وناديتها بصوت جهير: وأنا أحب موريس يا أماه؛ فارحمينا ~~يرحمك الله. # فلم تهتز والدتي لكل هذه الاستغاثة، مع أن والدي الشفوق تأثر من هذا المنظر المريع، ~~وسالت من عينه العبرات رغما عن كثرة محاولته في إخفائها، فالتفتت إلينا تلك الأم ~~القاسية وصرخت في وجهنا بصوت مخيف، ثم التفتت إلى موريس فقالت له بوجه عبوس: ما هذا ~~الحال يا موريس، إني أعلم أنكما تحبان بعضكما، ولكن ما الفائدة من هذا الحب الموهوم، وأنت ~~تعلم أن لا فائدة لك من ذلك ما دمت لا تنتظر التزوج بها؛ فإنك في حالة من الفاقة والفقر ~~لا يرجى معها إتمام هذا الزواج، وابنتي ليست غنية بهذا المقدار حتى يسوغ لك أن تطمع في ~~الحصول عليها؟ # أجاب موريس: إني يا سيدتي سأتجشم المصاعب وأشق عباب المخاطر والأهوال، وأركب البحار، ~~وأشتغل آناء الليل وأطراف النهار، وأدك الجبال إذا لزم الحال حتى أصبح في حالة من ~~السعة واليسار تخول لي حق الاقتران بحبيبتي مادلين. ~~- إن الغنى يا موريس لا يأتي دفعة واحدة، ولا بد من الصبر الطويل حتى تنال ما تريد، ~~ولا يصح أن تبقي ابنتي رهينة إشارتك طول هذه المدة على غير جدوى. # فأجبت والدتي بكل جسارة وحماسة: إني يا أماه لا رغبة لي في الزواج على الإطلاق، وحينئذ ~~تقدم والدي وأراد أن يتداخل في الأمر ويحسم هذه النازلة بالتي هي أحسن، ولكن والدتي ~~القاسية انتهرته، وقالت لنا: هذا ما عولت عليه، ولا بد من تنفيذه طوعا أو كرها، ~~وعليك يا موريس بأن تستعد للسفر من الغد. # | الفصل الرابع # وفي اليوم الثاني أخذتني والدتي إلى بيت إحدى صديقاتها على بعد بضعة أميال من قرية ~~فوجير، وبعد أن لبثت هناك يومين كنت في خلالهما لا أذوق طعاما ولا ترى أجفاني لذة ~~الكرى عدت مع والدتي إلى دارنا؛ فوجدت أن حبيبي موريس قد غادر تلك الديار وسلم ~~والدي جوابا كان قد ms09 تركه لي قبل سفره؛ فلما فتحته ووقع نظري على اسمه اشتعلت ~~في قلبي نيران الوجد والحزن، وكانت هذه أول مرة شعرت فيها بمرارة العيش وحلول ~~الشقاء. # وقد كتب إلي موريس في هذه الرسالة يقول: # أستودعك الله يا حبيبتي مادلين؛ فقد قضت إرادة والدتك بأن أبارح الدار التي ~~عشنا تحت سقفها وتمتعنا فيها بلذة الحب الخالص والهوى العذري، ولعلني لا أراك ~~مرة أخرى بعد الآن. # فهل يرضى الله يا ترى أن تعيشي سعيدة قريرة العين، وإن كنت أنا أشعر منذ الآن ~~بأني فقدت لذة الحياة ولم يعد لي مطمع في البقاء؛ فإذا من الله عليك بهذه ~~السعادة بعد ذلك الشقاء فاذكري أن لك في العالم حبيبا يفديك بالنفس والنفيس، وقد ~~ملأ حبك قلبه وسرى في كل أعضائه ومفاصله، وقد أحبك وسيحبك إلى آخر ~~نسمة من حياته، فناشدتك هذا الحب الطاهر أن لا تنسي هذا المحب التعيس. # موريس # ولا تسألني يا سيدي عما أذرفته من العبرات وأصعدته من الزفرات على إثر قراءة هذه ~~الرسالة، حتى أصابني مرض عضال فلازمت الفراش، وكنت أتمنى أن ينقضي أجلي فأتخلص من هذا ~~الشقاء والعذاب، ولكن التعساء لسوء الحظ لا يموتون. # وقد كنت صممت على رفض الزواج قطعيا مهما كانت الحالة، ولكن إرادة والدتي ~~تغلبت علي وظهرت في عوامل الضعف النسائي بعد مضي مدة من الزمان، فتزوجت ~~رغما عني بذلك الشقي الذي انتخبته لي والدتي، وهو المسيو راعول الذي كان من زمرة ~~الأغنياء، ولكنه اشتهر بفساد السيرة والسريرة، وكنت أسمع الناس يقولون: إنه ملأ الأرض ~~بفسقه وفجوره ومفاسده وشروره، ولكن والدتي عميت عن كل هذه المساوئ؛ لأنها قالت: «إنه ~~رجل غني والسلام»، ولم ألبث أن بارحت قرية «فوجير» مسقط رأسي ومنبت شعبتي، ~~وفارقت بيت والدي المسكين الذي كان يزرف الدموع السخينة لانفصالي عنه؛ لأني كنت موضوع ~~تعزيته وسلوانه. # أما عن حالة معيشتي مع هذا الزوج الجديد فحدث عنها ولا حرج؛ لأن مثل هذا الزواج ~~الإجباري ليس وراءه في الغالب إلا المصائب والأخطار، إن زوجي راعول لم يكن ms10 يظهر في مبدأ ~~الأمر إلا الحب والإخلاص، ولكني لم أكن أجد في نفسي أقل ميل إليه، فاحتمل مني هذا ~~الجفاء أولا وثانيا، ولكنه أخيرا نزع هو أيضا إلى العداء، ومن ثم أصبحت ~~معيشتنا مهددة بالخطر، وغدونا أشبه شيء بعدوين يطلبان أخذ الثأر، لا ~~زوجين يتعاونان على مصاعب العيش ومتاعب الحياة. # وكانت عداوة زوجي راعول ممزوجة بالدناءة وحب الانتقام، وأما أنا فلم أكن أطلب له الأذى، ~~ولكني كنت لا أحبه فقط؛ لأن مبادئنا ومشاربنا لم تتفق. # وهناك جلست على صخرة عالية. # وكان راعول يتذكر في ذلك الوقت أنه طلب التزوج بي أكثر من مرة فقابلت طلبه بالرفض ~~والإباء؛ لأني كنت أحب موريس، ولا أرضى بغيره لي خليلا؛ فحينذاك يزداد غضبه وتشتعل ~~في قلبه نيران الحنق وحب الانتقام. # أما أنا فكنت لا أرى طريقة لإزالة غصتي وتفريج كربتي غير الخروج إلى الخلاء واستنشاق ~~هواء الصحراء، وملازمة العزلة والانفراد. # فخرجت ذات يوم إلى الخلاء (وهناك جلست على صخرة عالية)، وكنت أرى أمامي أمواج البحر ~~تتلاطم بشدة؛ فيدوي صدى صوتها في الآفاق، وهناك أطلقت لذاكرتي العنان لتجول في عالم ~~التخيلات والتأملات؛ فتذكرت تلك الأيام السعيدة التي قضيتها مع حبيبي موريس، وكيف أن ~~الدهر أبى إلا حرماننا من التمتع بها، وألوم نفسي من الجهة الأخرى؛ لأنني نكثت عهد ~~محبته ورضيت الاقتران بهذا الزوج اللئيم، وفي ذلك الوقت كان يتمثل أمامي حبيبي موريس ~~جالسا مثلي على صخرة أخرى يبكي على فراقي ويندب سوء حظه؛ لأنه لم يحظ بقربي، ويلومني ~~على هذه الخيانة الفظيعة، فعند ذلك ارتعدت فرائصي واقشعر بدني؛ لأني شعرت بجسامة ~~ذنبي وعظيم خطئي. # | الفصل الخامس # وبينما أنا على هذا الحال ما أشعر إلا ويد قوية هزت كتفي وناداني صوت مملوء من الغضب ~~والحنق: يظهر أنك لا تطلبين النزهة يا سيدتي إلا في واسع الخلاء. # فهذا الذي كان يكلمني هو زوجي راعول، وقد جاء يفتش علي ويقتفي أثري. # أما أنا فنهضت واقفة على قدمي ولم أفه ببنت شفة، فاندفع راعول في تيار غضبه ~~وطفق يوسعني ms11 لوما وتوبيخا، وأنا لا أزداد إلا صمتا ورضوخا، ثم التفت إليه ~~وقلت له بلطف: هيا بنا نرجع إلى الدار يا راعول. # فنظر إلي شزرا وأجابني بلهجة العدو الماقت: إنك يا مادلين تتظاهرين أمامي كل يوم ~~بالعداء والجفاء، وقد عيل صبري وضاق صدري من سوء معاملتك؛ فالأفضل لك أن تجاهري بكراهتك لي ~~حتى أصبح على بصيرة من حقيقة مستقبلنا، فأجبته بجأش قوي وجنان ثابت: إني لا أحبك يا ~~راعول، ولكني لا أبغضك أيضا. ~~- حسنا تقولين، ولكن هل تظنين أني أصدق أنه يوجد في العالم كله امرأة واحدة يخلو ~~قلبها من الحب؛ فمن تحبين إذن يا مادلين؟ # ومن هو ذلك الشقي الذي أخذ حبه بمجامع قلبك وجاء يزاحمني على حبك؟ ~~- إن من كانت زوجة مثلي ليس لها الحق أن تحب أو تذوق لذة العشق. ~~- دعينا من هذه المراوغة يا مادلين واعترفي بالحق؛ لأن دموعك وعزلتك يشهدان عليك؛ ~~فمن العبث أن تكتمي عني حقيقة حبك وغرامك، ألم تهبي قلبك لذلك الشريد الطريد الذي ~~كان يئويه والدك في داره ويعيش من فضلات صدقتكم. ~~- إن كنت تعني بهذا الكلام أخي «موريس» فهو أجل من أن يوجه إليه هذا الهجاء؛ ~~لأنه رجل شريف أبي النفس، وقلبه مملوء من العواطف الشريفة والإحساسات الحرة، وهذا القلب ~~هو أفضل من كنوز العالم كلها. # فلما سمع راعول مني هذا الكلام صعد الدم في رأسه ولاحت على وجهه علامات التهيج والاضطراب، ~~وصرخ في وجهي بغضب شديد قائلا: كفى يا مادلين؛ فأنا لا أريد أن أحتمل منك أكثر من ذلك، ~~ولا يمكنني أن أعيش مع امرأة لا هم لها إلا سكب العبرات وإصعاد الزفرات، وتذكر أيام ~~اللهو والصبا. ~~- وأنا لا أستطيع أن أعيش إلا كذلك يا سيدي. # فعند ذلك ازداد تهيجه وغضبه، ودنا مني رافعا يده ليضربني فناديته بأعلى صوتي: عار ~~عليك يا راعول أن تهين فتاة مسكينة مثلي وتتطاول عليها بالضرب؛ فلم يصغ راعول لكلامي ~~ولم أشعر إلا وقد انقض علي وطفق يوسعني لكما وضربا، ولما أردت أن أتناول ~~حجرا من ms12 الأرض لأدافع به عن نفسي قبض على يدي وناداني بصوت منخفض: إياك أن تقولي كلمة أو ~~تبدي حركة، وإلا قتلتك خنقا، وأرحت نفسي من شر أعمالك. وفي ذلك الوقت خارت ~~قواي وضعفت عزائمي؛ فنظرت إليه نظرة المستغيث؛ فإذا به قد تقطب وجهه ~~وانقلبت سحنته، وتطاير الشرر من عينيه، وأصبح منظره هائلا ومخيفا؛ ~~فارتعدت حينذاك فرائصي، وسقطت على الأرض مغشيا علي. # | الفصل السادس # ولما أفقت من غشيتي وجدت نفسي على فراشي في غرفتي، وبجانبي الطبيب يمرضني، ~~وأمامي خادمتي «دانيز» ترمقني بعين الخداع والرياء؛ فجمعت حواسي، وتذكرت ما حل ~~بي قبل هذا الإغماء، وابتدأت أفكر في كيفية التخلص من هذا «الزوج القاسي أو الوحش ~~الضاري»؛ لأنه أكد لي أن حياتي معه أصبحت مهددة بالخطر، ولا شك فخطر على بالي أن ~~أهجر هذه الدار التي استحكمت فيها حلقات الشر وأرجع إلى بيت والدي؛ فأقضي به ما ~~بقي من أيام حياتي، ولو أني أعلم أن نير والدتي ثقيل، وضغطها شديد، ولكن الحكمة تقضي على ~~العاقل بأنه إذا وقع بين شرين يجب عليه أن يختار أخفهما ضررا، ومن ثم ~~عزمت على تنفيذ هذا الفكر وشرعت في التأهب والاستعداد. # ولكن الدهر إذا أخنى على أحد وأبى إلا معاكسته لم يترك أمامه بابا للفرج ~~والخلاص؛ فإني بينما كنت أفكر في هذا الأمر ورد إلي نبأ مفجع ينعي لي وفاة والدي ~~ووالدتي اللذين ذهبا فريسة النار على إثر حريقة هائلة التهمت دارنا فصيرتها ~~رمادا ولم تبق فيها حجرا على حجر. # وقد هالني هذا الخبر المفجع والخطب الجلل؛ فأذرفت الدمع السخين، وبكيت بكاء ~~الخنساء، ولكن ماذا ينفع هذا العويل والنحيب، وقد نفذ القضاء، وسبق السيف العذل. # ولا حاجة لي الآن يا سيدي أن أنبئك بما وصلت إليه حالتي من الشقاء والتعاسة بعد ~~حلول هذا المصاب العظيم؛ فقد أصبحت تتنازعني عوامل الحيرة واليأس، وعدمت كل ساعد ~~ونصير، ولكني كنت كلما شعرت بهذه المصائب علمت أني أستحقها أنا التي جنيت على ~~نفسي، وسلمت لإرادة والدتي، ورضيت بهذا الزواج المشئوم؛ فيلزمني أن ms13 أتحمل ~~تبعة خطئي وأكفر عن ذنبي. # وعلى ذلك رضيت البقاء تحت هذا النير القاسي، وحمدت الله على هذه الدرجة التي وصلت ~~إليها، ثم أخذت أعتني بتربية ولدي اللذين رزقت بهما بعد مضي ثماني سنوات من ~~تزوجي راعول، وهكذا تركت الأمور تجري في أعنتها، على أني رأيت بعد ذلك في ~~سلوك راعول تغيرا عظيما، وانقلابا كليا؛ فبعد أن كان يلازم الدار ولا يغيب عني طرفة ~~عين أخذ يتغيب كثيرا، ويقضي أوقاته خارجا عنها، وربما مضت عليه الأيام والليالي ~~الطوال، وأنا لا أرى وجهه ولا أنكر عليك يا سيدي، إن هذا ما كنت أتمناه لأنفرد بنفسي، ~~وألازم عزلتي، وأقتل الوقت بتذكر أيام النعيم والهناء التي مرت علي كأضغاث الأحلام؛ ~~لأن هذا كان منتهى سلوتي وعزائي. # | الفصل السابع # قلت لك يا سيدي: إني رزقت من زوجي بولدين؛ فسميت أحدهما روبير، والآخر ~~جيلبير، وكان أولهما رقيق الطباع، جميل الخلق والخلق، كثير الفطنة والذكاء، وثانيهما ~~عنيدا مستبدا حاد الطباع، شديد العارضة، صعب المراس. # وكان راعول يبغض الأول رغما عن كل هذه المبادئ والمزايا؛ لأنه على زعمه كان يشبه ~~حبيبي موريس في هيئته وصفاته، ويخص الثاني بحبه وانعطافه، وهذه طبيعة غريبة لا أخالها ~~موجودة في كل الآباء. # ففي إحدى الليالي احتفل راعول بإقامة ليلة ساهرة في القصر، ولما حان وقت الاجتماع ~~أوعزت إلى خادمتي دانيز في أن تأخذ الأولاد إلى غرفة النوم ليستريحوا؛ فما كان من راعول ~~إلا أنه وجه الكلام إلى روبير وقال له: اذهب أنت يا روبير إلى غرفة النوم؛ فما كان مني ~~إلا أن قلت لأخيه الثاني: واذهب أنت أيضا يا جيلبير مع أخيك. # فاعترضني زوجي على ذلك وأمرني بأن أترك جيلبير ليكون معنا وحده في تلك الحفلة، زاعما أن ~~وجوده يسرنا ويسلينا. # فعندئذ نهضت على قدمي وحملت روبير بين ذراعي وقبلته قبلة المحبة والحنان، ~~وأخذته إلى غرفة النوم، ولكن هذا الطفل كان على جانب عظيم من الأنفة وعزة النفس؛ فتأثر ~~من هذه المعاملة القاسية التي أظهرها له والده واستلم لعوامل البكاء والنحيب ms14 ؛ ~~فطفقت ألاطفه وأسكن روعه، ولكن على غير جدوى. # ثم انسحبت من الغرفة بعد أن وعدته بأني سأحضر له هدية نفيسة. # ولما عدت إلى قاعة الاجتماع لم أر راعول بين الحاضرين، فسألت جيلبير عنه فأجابني: أنه ~~تذمر من سماع بكاء أخيه روبير وبادر إلى غرفته لإسكاته، وطلب إلي جيلبير أن أدخله إلى ~~سريره؛ لأنه يريد هو أيضا أن ينام، أما أنا فحدثتني نفسي بوقوع مصاب قريب؛ فهرولت ~~مسرعة إلى غرفة النوم، فاندهشت لما رأيت ابني روبير يخبط في دمائه، وقد وضع أبوه يده على ~~فمه لكي لا يسمع أحد نداءه، وقد كاد يموت الطفل المسكين مخنوقا، فتحركت في قلبي عوامل ~~الغيظ ودواعي الشفقة؛ فتقدمت إلى راعول ولطمته وناديت بأعلى صوتي: يا لك من وحش قاس، ~~ونذل لئيم، كيف سولت لك نفسك الشريرة أن ترتكب هذا الإثم الفظيع، وكانت هذه أول مرة ~~تظاهرت فيها أمام زوجي بالتمرد والعصيان؛ فما كان من ذلك القاسي القلب إلا أنه قبض على شعري ~~ودفعني بقدمه إلى الأمام، فوقعت مغشيا علي. وحينذاك هرع الحاضرون إلي ~~وخلصوني منه، وعادوا كلهم يندبون سوء حظي لوجودي مع رجل هو من جنس الوحوش الضارية ~~والحيوانات المفترسة، وليس فيه شيء من صفات الآدميين. # ووردت إلي على إثر هذه الحادثة الرسائل والمكاتيب تترى من كثير من المعارف ~~والأصدقاء يطلبون بها مني أن أقيم الحجة أمام مواقف القضاء على ما أتاه زوجي من المنكر، وهم ~~مستعدون لتقديم أنفسهم للشهادة، ولكني كظمت غيظي، وصبرت على بلواي، ولم أذعن لهذه ~~النصائح والإرشادات، ومن ثم أخذ زوجي يزداد اندفاعا وتهورا، ويرتكب أعظم الجرائم ~~وأكبر الآثام جهرا، ويمتطي صهوة الشرور والمفاسد بلا خجل ولا حياء؛ فلم يترك بابا من ~~أبواب الفسق والفجور إلا ولجه، ولم يغادر بيتا من بيوت المقامرة إلا ودخله، ولم ~~يكن يكدرني من سلوكه بنوع خاص غير تبديده لثروة أولاده المساكين التي صارت على وشك ~~الزوال. # | الفصل الثامن # ويا ليت مفاسد زوجي وشروره وصلت إلى هذا الحد، بل إنه قد فعل ما هو أعجب وأغرب ms15 من ~~ذلك كله؛ فاسمع يا سيدي ما أقصه عليك، وتعجب كيف تصل الدناءة والسفالة ببعض ~~الناس إلى درجة تفوق حد التصور. # دخل علي زوجي ذات يوم وهو يتبسم تبسم الدهاء والمكر، وقال لي: اسمعي يا مادلين ما ~~أقوله لك؛ فأنا قد عزمت على الذهاب الآن، وربما لا أعود قبل الغد، ولكني وعدت صديقي ~~«فوستر» بأن يتناول عندي الغداء في هذا النهار؛ فعليك أن تقابليه بكل لطف وبشاشة، وتقومي ~~بكل ما يلزم له من مظاهر الاحتفاء والإكرام، وإني أؤمل أنك تجدين فيه من اللطف ~~والدعة ما يحبب إليك مجالسته؛ لأنه حلو الشمائل، جذاب الملامح، وقد أوقع كثيرات ~~من النساء الجميلات في أشراك حبه. # فتعجبت من كلام زوجي وقلت له: وماذا يهمني يا راعول من أمر هذا الرجل حتى ~~تطنب لي في وصف أخلاقه ومحاسنه؛ فأنا - والحق يقال - لا أجد في نفسي ميلا إلى ~~مقابلته ومحادثته. ~~- هذا ما تقوله النساء دائما عن كل رجل يحبونه، وأنا أبشرك بأن فوستر هو أيضا ~~عاشق متيم، ومحب ولهان. ~~- إني أراه في سن الرشد والكمال؛ فكيف يكون هذا حاله؟ ~~- إن الإنسان لا تنتهي مطامعه أو تقف شهواته عند حد، ولا يغيرها السن أو تؤثر فيها ~~تقلبات الأيام. ~~- ولكن ماذا يهمني أنا من كل ذلك؟ ~~- إذا كان لا يهمك هذا الأمر؛ فأنا أرى أنه يهمني كثيرا. ~~- إني لا أفهم معنى كلامك يا راعول. ~~- وأنا أريد أن تفهمي كل شيء الآن، قلت لك: إن فوستر عاشق ولهان، والذي يحبه هو أنت يا ~~مادلين! ~~- يظهر أن هذا الرجل فاسد الأخلاق دنيء النفس؛ فأنا أبغضه وأحتقره منذ هذه ~~الساعة. ~~- ولكن سها عنك يا مادلين أن فوستير هو من أعز أصدقائي، وعلى كل حال؛ فأنا أطلب إليك ~~أن تحسني مقابلته وتسعي جهدك في إرضائه؛ لأن لذلك أسبابا سوف تعلمينها. # قال ذلك: ثم خرج مهرولا وأقفل وراءه الباب بشدة، وبعد برهة اندفع الباب فدخل فوستر ~~يميس هجبا ويتمايل طربا، وهو رجل يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر، تلوح عليه سمات ~~الفطنة والذكاء وحب ms16 اللذات والشهوات، وهو من أشهر تجار مدينتنا وأغناهم؛ فلما دنا مني ~~حياني بكل لطف ودعة، ثم اقترب من المكان الذي كنت جالسة فيه، فجلس بجانبي والتصق بي، ~~وأخذ يداعبني ويغازلني بألفاظ لا أتذكرها الآن فابتعدت عنه، ونظرت إليه نظرة ~~الغضب والامتهان. # فتظاهر بأنه لم يفهم قصدي، وزاد اقترابه مني، ثم أراد أن يمسك بيدي فنزعتها منه بشدة ~~وقلت له: ما هذا الحال يا سيدي، وماذا تريد مني؟ # أجاب فوستر: بالله دعي عنك يا مادلين هذا الصد والدلال وارثي لحال حبيب مسكين يرجو رضاك ~~وينتظر نوال السعادة على يدك. ~~- وما معنى هذا الكلام يا سيدي؟ ~~- يا لله من قلوب النساء؛ فما أشد قساوتها؛ فهل لم تدركي يا سيدتي مرادي ولم تعرفي في ~~حقيقة قصدي إلى الآن، فها إني أنبئك بما تجهلين، فأنا فوستير التعيس الذي أضناه حبك وتأججت ~~نيران الوجد والهيام بين أضلاعه، فجاء يطلب منك الشفاء ويرجو الرضاء، فعسى أن تشفقي عليه ~~ولا ترديه خائبا. ~~- يظهر يا سيدي إنك قد ضللت في الطريق فدخلت هذا البيت سهوا وأنت تظنه من بيوت الهوى، ~~فأرجوك أن ترجع من حيث أتيت لأن ما فعلته يخالف ناموس الشرف والآداب. # وعلى إثر ذلك نهضت على قدمي بكل حماسة وفتحت أمامه الباب معتذرة إليه عن صدور هذه ~~الجسارة مني؛ لأني فعلت ذلك رغما عن إرادتي. # أما فوستر فلم يعبأ بهذا التصريح الجارح وتظاهر بعدم الفهم، ثم بادر إلي فأمسك بيدي ~~وأجابني بكل هدوء وسكينة. # لا تخشي يا سيدتي ولا تضطربي؛ فقد صدر الأمر بأن لا يدخل هذه الغرفة أحد سواي، وقد خلا ~~لنا الجو ونامت عيون العواذل والرقباء. # قلت: ومن أصدر هذه الأوامر؟ # قال: إن خادمتك دانيز أخبرتني أن زوجك هو الذي أمر بذلك. # قلت: ولماذا؟ # قال: حتام تحاولين الكتمان وتتعمدين التجاهل، أليس هو زوجك الذي أخذ مني اليوم مبلغ ~~20 ألف فرنك، ووعدني بأن يستميلك إلي وينيلني منك سؤلي، وقد وعدته أنا أيضا ~~بأضعاف هذا المبلغ إذا أدركت بغيتي وفزت بوطري. # فلما علمت ذلك سقط ms17 هذا الرجل من عيني، وتعجبت كيف أن الدناءة والسفالة تصل ~~ببعض الناس إلى هذا الحد، ثم التفت إلى المسيو «فوستير» الذي كان في ذلك الوقت جاثيا ~~على قدميه أمامي يسترضيني. # أما فوستر فلم يعبأ بهذا التصريح. # ويستعطفني، فقلت له: انهض يا مولاي ودعني أندب سوء حظي؛ لأني أصبحت مثل الأنعام التي ~~تباع وتشرى بأبخس الأثمان، وإني أطلب يا سيدي أن لا تزيد في حزني وهمي، فاذهب إلى حيث ~~تشاء، ولا تعد إلي بمثل هذا الموضوع والآن أستودعك الله؛ لأنه قد طفح الكيل وبلغ السيل ~~الزبى. # قلت ذلك ثم خرجت من أمامه غاضبة، ودخلت إلى غرفتي فانطرحت على سريري وطفقت ~~أذرف الدموع السخينة على ما وصلت إليه حالتي من التعاسة والشقاء، وكنت في ذلك الوقت ~~أناجي نفسي قائلة: يا لله ما هذا الحال؟ هل سمع أحد أن زوجا باع عرض زوجته بهذا ~~الثمن البخس، فهل لم يكف راعول أنه بدد ثروة أولاده على بنات الهوى وربات الغنج والدلال، ~~وأهان زوجته إلى هذا الحد حتى إنه باع عرضها لذلك التاجر الغني بمبلغ لا يزيد عن 20 ألف ~~فرنك؛ فوا خجلاه ووا فضيحتاه. # وبينما أنا على هذا الحال أنوح وأبكي لم أشعر إلا وقد فتح الباب، ودخل جيلبير وروبير ~~مهرولين فانطرحا بين ذراعي وسألاني عن سبب حزني وكدري، وسمعت صوت طارق على الباب ~~الخارجي فكفكفت الدمع وقلت لهما: ليس بي شيء؛ فاذهبا لمقابلة أبيكما المحبوب؛ فإني ~~أسمع وقع أقدامه الآن. # وعلى إثر ذلك دخل راعول إلى غرفتي فنظر إلي نظرة الغضب الممزوج بالحزن، ولكنه لم يبد ~~حراكا، ولم يفه ببنت شفة؛ فعلمت أنه اطلع على كل ما جرى بيني وبين صديقه فوستير، ~~وبعد مضي يومين أنبأني زوجي بأن لديه أشغالا ضرورية تضطره إلى مبارحة القرية والتوجه إلى ~~مدينة «نانت»، ولكنه لا يعلم متى يرجع من سفره، وعلى ذلك أعد ما يلزمه لهذا السفر، ~~وودع ولديه، ثم رمقني بعين الحنو والخداع، وسار قاصدا مدينة «نانت». # | الفصل التاسع # لما سافر راعول إلى «نانت» بقيت أنا ms18 وحدي مع خادمتي «دانيز» وهي فتاة على جانب عظيم من ~~الحسن والجمال استخدمها زوجي في خدمتنا على إثر زواجي ببضعة أشهر، ولكن هذه الخادمة مع ما ~~كانت عليه من جمال الخلق اشتهرت بفساد الأخلاق وسوء النية ودناءة الطبع، وقد ظهرت ~~لي منها أمور كثيرة تؤكد عندي هذا الظن، وكنت عزمت على فصلها من الخدمة وطردها، ولكن ~~إرادة زوجي أبت إلا صدى من هذا العزم، واتضح لي أخيرا أن تلك الخادمة كانت عشيقة زوجي ~~وخليلته؛ فكظمت حينذاك غيظي وصبرت على هذه المصيبة العظيمة، وكنت أتعجب كيف ~~أن الاندفاع والتهور في الفساد يقود صاحبه إلى درجة الجنون والعمى، حتى يستحل وضع ~~زوجته الشرعية وخليلته الفاسقة في بيت واحد وتحت سقف واحد! # ومع أن دانيز كانت تعلم أنها معتبرة بصفة خادمة حقيرة؛ لكنها كانت تتظاهر لي بالحسد ~~وتناصبني العداء جهرا؛ لأنها علمت أني وإياها سواء في الحقوق والواجبات أمام هذا الزوج ~~الخائن ... # ولم تكن هذه الفتاة تميل إلى زوجي أو تحبه حبا خالصا، غير أنها جرت وراءه حبا ~~في ماله ورغبة في استنزاف ثروته، وهذا شأن كل امرأة أباحت عرضها وانتهجت سبيل ~~الغواية والفساد. # قلت لك يا سيدي: إن زوجي سافر إلى «نانت» لقضاء مهمة كنت أجهلها؛ فبقيت وحدي مع ~~هذه الخادمة أو الخليلة ...! # وكان في جملة الذين تعودوا زيارتنا وتفقد أحوالنا من أقارب زوجي راعول شاب ~~لين العريكة، حلو المعاشرة، يدعى «إميل» وهو من عائلة عريقة في الحسب والنسب، قد ~~أحرز مالا طائلا وثروة عظيمة، إلا أن ذلك كله لم يكن ليجعل «إميل» سعيدا؛ لأن ~~السعادة الحقيقية ليست في كثرة المال وإحراز الغنى، ورب صعلوك حقير أسعد من غني ~~كبير. # ليس السعيد الذي دنياه تسعده # إن السعيد الذي يخلو من الهم # لقد كان إميل مع ما هو عليه من السعة واليسار لا يميل إلى البطالة والكسل، ولا يحب الراحة ~~والخمول، فتعلم فن التصوير وبرع فيه كثيرا؛ فكان يقضي أغلب أوقاته في مزاولة ~~هذا الفن الجميل، وقليلون هم الذين يحذون هذا الحذو من ms19 أبناء الأغنياء وأصحاب الثروة ~~والجاه. # ولكن دوام الحال من المحال، ولا بد لكل امرئ أن يذوق في هذه الحياة الدنيا مرارة العيش ~~ولو مرة واحدة مهما كانت درجته، وكيفما كان حاله، وقد قيل: # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # هي الأمور كما شاهدتها دول # من سره زمن ساءته أزمان # وهذه الدار لا تبقي على أحد # ولا يدوم على حال لها شان # فبينما كان إميل يمرح في بحبوحة العز والرخاء، رزئ فجأة بوفاة والديه، وهو في عنفوان ~~الصبا وريعان الشباب؛ فاحتمل هذا المصاب الأليم بجأش قوي، وجنان ثابت، ولكن الدهر ~~لم يقنع بتجريعه هذه الكأس المرة، بل ابتدره بعد ذلك بفاجعة ثانية كانت على ~~قلبه أعظم وقعا وأشد وطأة من الأولى. # ذلك بأن إميل كان يحب فتاة تبادل وإياها عبارات الإخلاص والولاء؛ فخانت وعده ~~ونكثت عهد محبته، وتزوجت بشاب آخر من أرباب الخلاعة والمجون؛ فشق ~~عليه هذا الأمر، ومن ثم انقطع عن العمل وهجر الشغل؛ لأنه وجد في نفسه انقباضا ~~عظيما واضطرابا زائدا، والرأس - في الغالب - إذا امتلأت بالهموم والأكدار لا تستطيع ~~العمل أو التفكير على الإطلاق. # وعليه أخذ إميل يجول في طول البلاد وعرضها؛ طلبا للنزهة والرياضة حتى يزيل ~~غصته ويفرج كربته، وكان يرى في زيارتنا من وقت إلى آخر بعض التعزية ~~والسلوى. # أما أنا فلم يكن ميلي إلى مجالسته ومحادثته بأقل من ميله إلى ~~زيارتنا؛ لأني كنت أرى في مبادئنا ومشاربنا توافقا تاما وائتلافا عجيبا ولا ~~غرو في ذلك؛ فقد كابد كل منا من مصاعب الحياة ومتاعب العيش ما من شأنه أن ~~يقرب القلوب ويستميل الأفئدة ويجتذب العواطف والأميال، فكنت إذا اختليت ~~بإميل يقص علي تاريخ حياته الماضية وحوادثه السالفة؛ فأجدها كلها مفعمة ~~بالحكم والعبر، وأرى في نفسي عند سماعها راحة عظمى، ولذة لا توصف. # وكلما كثر تردد إميل علينا قويت محبتنا وازدادت ألفتنا، حتى ~~أصبح يشق علي فراقه، وأود لو أن يكون قريبا مني وجالسا بجانبي طول العمر؛ ~~لأن أعظم ما تجده فتاة ms20 حزينة مسكينة مثلي من أنواع التعزية والسلوان هو أن ترى بجانبها ~~شابا جميلا لطيف المعاشرة مثل إميل يقاسمها الهموم ويشاطرها في مصائبها وأحزانها. # ولكني لم أكن أعلم ما خبأته لنا يد الأقدار، من النوائب والأكدار، إذ بينما ~~كنت أنا وإميل نذوق لذة العزاء، ونتمتع بهذه المعاشرة الخالية من شوائب الغش والخداع، ~~كانت خادمتي «دانيز» تدبر لنا المكائد والدسائس ونحن لا نشعر ولا ندري؛ لأنها هي ~~أيضا كانت تحب «إميل» وتميل إليه كل الميل، وقد حسدتني على حبه لي وانعطافه ~~إلي، وظنت أن وراء هذا الحب الخالص شيئا من المآرب الدنيئة أو الشهوات البهيمية، ~~وإني أريد مزاحمتها في حب هذا الشاب الجميل فاحتدمت غيظا واستشاطت غضبا، ولا ~~سيما لأنها وجدت من إميل كل النفور والهجر، فأخذت تثير عوامل الغيرة في قلب زوجي ~~وتوغر صدره على إميل، حتى أوقعت في نفسه الشك والارتياب من جهتنا فأصدر ~~أمره حالا بطرد إميل من دارنا وحرمانه من زيارتنا، وقد تم ذلك فعلا بلا معارضة ولا ~~نزاع، وجرت هذه الحوادث كلها على إثر زيارة الموسيو فوستير المعهودة ببضعة أسابيع، ~~وبعد ذلك عزم زوجي على السفر وغادر القرية متوجها إلى مدينة نانت كما مر ~~الكلام. # | الفصل العاشر # وبعد مضي يومين على سفر زوجي راعول كنت جالسة في غرفتي نحو الساعة السادسة مساء ~~أمام إحدى النوافذ التي تطل على حديقة بيت يجاور دارنا، وكانت الشمس وقتئذ على ~~وشك الغروب، فتركت آثارها الذهبية على رءوس الزهور والأشجار، وقد هب نسيم المساء ~~العليل يحمل إلى النفوس عوامل الانتعاش والسرور، أما أنا فلم تكن هذه المناظر الجميلة إلا ~~لتزيدني حزنا وانقباضا؛ لأنها كانت تذكرني بأيام الصبا، وأويقات البشر والهناء؛ ~~فوضعت رأسي بين يدي وغرقت في بحار التخيلات والأوهام، وقد أزرفت عيني الدموع ~~رغما عن إرادتي لما تذكرت ما حل بي مع حبيبي موريس وصديقي إميل، وقلت: يا ~~لله، كيف يعيش العاشقون إذا كان هذا حالهم، وكيف ترضى الطبيعة لهم بهذا الذل والشقاء وتجود ~~على غيرهم بالسرور والهناء، وبينما أنا على هذا ms21 الحال لم أشعر إلا وقد سمعت وقع ~~أقدام تحت النافذة التي كنت جالسة بجانبها، فانتبهت من أحلامي وانتصبت واقفة على ~~قدمي، وإذا بي أرى أمامي رجلا قد تسلق على جدران الدار وصعد إليها على سلم ~~حتى وصل إلى نافذة غرفتي. # فعند ذلك تقهقرت إلى الوراء وناديته بصوت جهير قائلة: من تكون أنت يا هذا؟ # فأجابني صوت مملوء من الحنو واللطف قائلا: لا تخافي يا مادلين فأنا هو «إميل» جئت إليك ~~متنكرا تحت جنح الظلام. # قال ذلك ثم دنا من النافذة؛ فدخل إلى الغرفة وترك وراءه السلم معلقا على شجرة ~~عالية، أما أنا فدهشت من هذه الجسارة الغريبة، ونظرت إلى إميل نظرة الحنق ~~والذهول وقلت له بلهجة شديدة: ما هذا الحال يا إميل، وكيف سولت لك نفسك الإقدام على ~~هذا العمل الفظيع، وقد عهدتك أكثر ذكاء وتبصرا؟ قال: عفوا يا سيدتي، فإنما ~~فعلت ذلك رغما عن إرادتي؛ لأني كنت مدفوعا بعامل لم أستطع مقاومته، ~~والحر يعفو إذا قدر، ثم انطرح على قدمي وطفق يبكي بحرقة شديدة ولهفة زايدة. # فهاجت في قلبي حينذاك بواعث الشفقة والحنان، غير أني تمالكت إحساساتي وتغلبت على ~~عواطفي، وقلت له بهيئة الغضب: ولكن ما معنى هذا التسلق والدخول إلى البيوت من غير أبوابها ~~تحت جنح هذا الظلام؟ # قال: آه يا سيدتي لو تعلمين كم أنا تعيس ومسكين، فناشدتك المروءة والحنان أن لا تجعلي ~~جزاء أسير حبك وهواك الطرد والإبعاد، ودعيني أمتع النظر وأشرح الفؤاد برؤية ~~محياك الجميل ولو دقيقة واحدة؛ فإن هذا هو منتهى سعادتي وهنائي. # نظرتك يا سيدتي فأحببتك وحاولت أن أكتم هذا الحب فلم أستطع إلى ذلك سبيلا، ~~واجتهدت أن أنساك وأسلو هواك، ولكن عواطفي أبت إلا مقاومتي، فظلك يتبعني أينما ~~ذهبت وحيثما توجهت، وقد طفت البلاد وجلت في مشارق الأرض ومغاربها أرجو النسيان ~~أو السلوان؛ فذهبت أتعابي كلها أدراج الرياح، إذ كانت صورتك الجميلة تتمثل دائما أمام ~~عيني في أقصى أرجاء المسكونة، ولم تكن هذه السياحة لتحجب شخصك الجميل عن نظري أو تزيل تأثير ms22 ~~صوتك الرخيم ورشاقتك العجيبة عن قلبي؛ فأنت معي في كل حين وفي كل مكان، فكيف أسلوك أو أنسى ~~حبك! وكيف تسأليني بعد ذلك: لماذا أتسلق الجدران وأدخل البيوت من غير أبوابها! فرحماك ~~يا مولاتي رحماك؛ فأنا عبدك وأسير هواك؛ فإما أن تجودي علي بنظرة الرضا، أو تدعيني ~~أموت تحت قدميك؛ فلست أول من مات شهيد الحب، وذهب ضحية الإخلاص والوفاء. # قال ذلك، ثم قبض على يدي؛ فأخذ يقبلها بحرقة وحرارة، وقد بللها بدموعه ~~السخينة؛ فزاد انعطافي إليه ولم أستطع أن أملك عواطفي أو أتغلب على إحساسي أكثر من ~~ذلك، فقلت له والدمع ملء جفوني: إني أسامحك يا إميل على ما صدر منك، بشرط أن لا تعود ~~إلي بعد الآن، لئلا توقع علي وعليك الشبهة؛ فحذار من الوقوع في هذا الخطأ مرة ~~أخرى. # قال: إنك يا سيدتي تريدين إذن أن أموت شهيد الحب والوجد؟ # قلت: وما عساني أن أفعل يا إميل، وأنا كما تعلم زوجة ذات بعل ولي أولاد صغار، فهل يمكنني ~~أن أسمع غير نداء الواجب والضمير؟! # قال: وأي واجب يقضي عليك يا مادلين أن تعيشي تحت هذا النير الثقيل، وتخضعي لهذا الزوج ~~القاسي الذي نغص عيشك وقصر أيام صباك، وأنهك قواك، فهل لا يوجد في العالم من ~~يرثي لحالك، ويدافع عنك وينتقم لك من ذلك الوحش الضاري. # أليس لك أقارب أو أصدقاء يشفقون عليك ويطلبون لك الراحة والسعادة؟ فلماذا إذن ~~ترضين بهذا الذل والشقاء؟ أجل؛ فأنا أفديك يا مادلين بالنفس والنفيس وأدافع عنك وآخذ ~~بثأرك، فهيا اتركي هذه الدار التي استحكمت فيها حلقات الشر والعذاب، وتعالي نرحل ~~من تلك البلاد ونعيش حيث لا يرانا أحد ولا تصل إلينا يد إنسان. # قلت: قد مضى هذا الوقت يا إميل، وليس هذا زمان الصبا حتى يسوغ لي أن أفعل ما أريد ~~وأقدم على الهرب والفرار، فأنا قد ارتبطت برباط لا يمكنني حله الآن، فدعني ~~أتجرع كأس الذل والعذاب إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. # فلما سمع إميل هذا الكلام نهض على ms23 قدميه وكفكف الدمع، ثم ناجى نفسه بصوت منخفض فقال: ~~يا لله، ما هذا الجنون! كيف ألقي بنفسي بين يدي امرأة لا تميل إلي ولا تحبني. # ثم تقدم إلى النافذة، فأراد أن ينزل منها إلى الحديقة كما دخل الغرفة وهو يدمدم قائلا: ~~الوداع يا مادلين الوداع. # أما أنا فانزعجت من حالة هذا الشاب المسكين ودنوت منه فقبضت على ذراعه بلطف ~~وناديته قائلة: إلى أين تريد الذهاب يا إميل؟ # قال: سأذهب إلى حيث لا ترينني بعد ذلك يا مادلين، سأذهب من حيث أتيت؛ فلا عدت ~~ترين وجهي بعد الآن. # قلت: ولكن هذه النافذة تعلو عشرة أقدام عن الأرض، فكيف تستطيع النزول منها إلى ~~الحديقة؟ # قال: لا تخافي يا مادلين؛ فأنا لا أموت تحت نوافذ غرفتك، بل سأخرج من دارك حيا كما ~~دخلت إليها، ولكن بعد ذلك سألاقي الموت الأحمر بعيدا عن تلك الديار؛ فالوداع يا مادلين ~~الوداع. # قلت: ما هذا الكلام يا إميل؛ فقد جرحت فؤادي وهيجت عواطفي، ولماذا تريد أن ~~تتعمد لنفسك الأذى؟ # قال: لا بد لي يا سيدتي من الخروج بواسطة هذه النافذة لئلا تراني خادمتك «دانيز» التي ~~جعلها زوجك راعول رقيبة علينا. # قلت: ولكن هل لا تظن أن السكان الذين أمامنا لا يرونك وأنت تتسلق الجدران فيظنونك لصا ~~أو يوقعون علي الشبهة؟ # قال: لا تخشي يا سيدتي من هذه الجهة؛ فقد دبرت كل شيء قبل أن آتي إليك متنكرا؛ ~~لأن الدار التي تجاوركم ليس بها أحد من السكان، وهي مهجورة منذ زمن طويل، وصاحبها من ~~أصدقائي المخلصين، وقد أخذت منه مفتاحها، بدعوى أني أريد التفرج عليها ونزلت منها إلى ~~الحديقة، حيث صعدت بعد ذلك إلى غرفتك فلم يشعر بي أحد على الإطلاق. # قلت: حسنا فعلت يا إميل، وأنا أشكرك على هذه العواطف الأبية والإحساسات ~~الشريفة، وأرجو أن لا يبرح ذكري من بالك؛ لأني أسر إذا علمت أن لي في العالم ~~صديقا يحبني ويغار على مصلحتي وقد عهدتك يا إميل هو ذلك الصديق المخلص. # وفي خلال هذا الحديث طرقت خادمتي ms24 دانيز الباب فانتبهنا من حلمنا، وسألت: من ~~الطارق؟ فأجابت «دانيز»، هل تحتاج مولاتي إلى شيء من الخدمة؟ قلت: لا يا دانيز؛ فأنا قد ~~دخلت إلى سريري، وحينذاك عادت الخادمة إلى غرفتها وبقيت أنا وإميل وحدنا ~~كما كنا. # ومن ثم أراد إميل الخروج فمنعته؛ لأن دانيز كانت لم تزل مستيقظة، وربما ~~نظرته عند خروجه، وهناك يكون البلاء الأكبر، فانتظر إميل حتى تنام الخادمة، ولما حانت ~~الساعة الثانية بعد نصف الليل ساد السكون وهدأت الطبيعة، فهم إميل بالخروج وحينذاك نظر ~~إلي نظرة العاشق الولهان، وقال: هل لا تسمح سيدتي بالرجوع إليها مرة أخرى؟ # فعندئذ تفرست في وجهه؛ فإذا به قد علاه الاصفرار، ولاحت عليه سمات الكآبة ~~والانقباض، ولكن ملامح الجمال والرقة كانت لم تزل ظاهرة بين عينيه البراقتين ~~وجبينه الوضاح، وقد ألقى القمر أشعته الجميلة على محياه اللطيف فتمثل ~~أمام عيني أجمل مما كنت أظن، فلم أستطع أن أتغلب على عواطفي وأجبت إميل قائلة: ~~نعم، يمكنك أن تراني مرة أخرى يا حبيبي إميل، وعلى إثر ذلك صعد إلى النافذة وانحدر منها ~~إلى الحديقة، ثم توارى عن الأبصار، فاضطجعت على الكرسي الذي كنت جالسة عليه، ولم ~~أذق في تلك الليلة لذة الكرى إلى أن أشرق صباح اليوم الثاني. # | الفصل الحادي عشر # ومن ثم أخذ إميل يأتي في مثل هذا الوقت من كل يوم فنقضي بضع ساعات على هذه ~~الحال بين مداعبة ومحادثة وبث لواعج، إلى أن مضى على ذلك نحو تسعة أيام ولم ~~يقف لنا أحد على أثر، ولم يعلم عنا خبر. # وفي اليوم العاشر خرجت للنزهة وترويح النفس في الصباح، ولما عدت إلى الدار ~~استلمت من زوجي راعول خطابا ينبئني فيه بأن أشغالا مهمة تضطره إلى التأخير ~~عن الحضور بضعة أسابيع فيجب أن أكون مطمئنة من جهته ولا أضجر من تأخيره. # وبعد أن تناولت الغداء دخلت إلى غرفتي وجلست أطالع كعادتي كتابا مفيدا، وكنت ~~أشعر في ذلك اليوم بانقباض وانزعاج في نفسي لا أعلم له سببا، وكلما حاولت إزالته زاد ~~تمكنا ورسوخا، ms25 وكان ذلك الوقت هو ميعاد حضور إميل، فكنت أتمنى أن لا يأتي في هذه ~~الساعة؛ لأن قلبي يحدثني بوقوع مصيبة عظيمة تلك الليلة. # وكان الليل وقتئذ مظلما والغيوم كثيفة وأصوات الرعود تملأ الفضاء، فيسمع لها مع هدوء ~~الليل صوت هائل يزيدني حزنا وانقباضا ويملأ قلبي خوفا وانزعاجا، وبينما أنا أتقلب ~~على جمر الغضا ومضض الانقباض سمعت صوتا يدنو من نافذة غرفتي، وإذا به إميل وضع ~~السلم وتسلق على جدران الحديقة كما هي عادته في كل مساء. # فلما نظرته هاجت في نفسي عوامل الخوف والاضطراب فدنوت منه وقلت له: بالله عليك ~~يا إميل لا تدنو مني الآن وارجع من حيث أتيت، فإني أشعر الليلة بانزعاج شديد وأخشى أن ~~يداهمنا خطب عظيم، أجل؛ لا تبق معي في هذا المساء؛ فإن الخوف يكاد يقتلني، وإن شئت فأت ~~غدا أو في وقت آخر، وأما في هذا المساء فإياك والدخول إلى غرفتي. # قال: وما سبب هذا الخوف والانزعاج، ومن ذا الذي يهددك يا مادلين؟ # قلت: ليس يوجد من يهددني، ولكني أرى الخوف مستوليا علي ولا أعلم لذلك سببا. # قال: دعي عنك يا حبيبتي هذا الوهم الفاسد وتعالي نذق لذة الحب ونتمتع بأحسن ساعات ~~العمر، ثم أمسك بيدي وأجلسني بجانبه وطفق يرمقني بعين ملئيها الحب والحنان، وأنا ~~غارقة في بحار المخاوف والأوهام. # قلت: وماذا تريد الآن يا إميل؟ # قال: لماذا هذا الإلحاح والخوف، وقد مضى علي أكثر من أسبوع من الزمان وأنا أحظى برؤيتك ~~وأقضي الساعات الطويلة في اجتلاء أنوار محياك، فلا أرى منك إلا الرضا والانعطاف؛ فهل ~~أنبأك راعول اليوم أنه قادم من سفره. # قلت: كلا، وإنما قال لي: إنه سيتأخر عن الحضور بضعة أيام أيضا. ~~- ولكنه سيحضر على كل حال؛ فأواه لماذا لا يرضى الله لي بالسعادة والهناء، ولماذا ~~تأبين يا مادلين مطاوعتي على الخلاص من هذه الورطة واغتنام أويقات الهناء ~~والسرور، فتعالي يا حبيبتي نهجر هذه البلاد ونعيش حيث لا يرانا أحد ولا يعرف مقرنا ~~إنسان، وهناك نكون أحرارا نفعل ما نشاء، وعين ms26 الله ترعانا أينما حللنا وحيثما ~~توجهنا. # هناك يخلو لنا الجو وننسى متاعب الحياة ونذوق طعم السعادة الحقيقية، حيث أجلس بجانبك ~~كل مساء في واسع الفضاء بعد عناء الأشغال ولا أخشى عذولا أو رقيبا وحينذاك أتمتع برؤيتك ~~وأحظى بقربك وأناديك بأعلى صوتي أني أحبك يا مادلين وأجاهر بحبك على رءوس الأشهاد، وأنت ~~حينئذ بماذا تجيبينني يا مادلين؟ ~~- إني أسمع كل ما تقول فابتسم بكل فرح وسرور. ~~- ولكن، هل لا تجيبينني بكلمة واحدة يا حبيبة الفؤاد. ~~- وما عساني أقول لك يا إميل؟ ~~- آه يا قاسية القلب، تقولين: إنك تحبينني أيضا؛ لأني أحب أن أسمع منك هذه الكلمة ~~الرقيقة. ~~- وهل تجهل حقيقة حبي حتى تطلب إلي أن أجاهر لك به؟ ~~- إني لا أجهل ذلك يا مادلين، ولكني أريد أن أسمع هذه الكلمة من فمك فيمتلئ قلبي فرحا ~~وانتعاشا. ~~- حسنا تقول؛ فأنا أحبك يا إميل، وهذه أول مرة جاهرت فيها بحبك، أحبك أكثر مما تفتكر، ~~أحبك حبا خالصا؛ لأنك جمعت بين جمال الخلق والخلق، ولأنك تتألم وتتعذب مثلي، ~~قلت لك إني أحبك وها إني أكرر عليك هذا القول؛ فأنا أحبك حبا مبرحا، فافعل بي ما ~~تشاء؛ فإن أردت الهرب فأنا طوع أمرك، ورهينة إشارتك، فهيا بنا نرحل من هذه الدار إذا ~~شئت ونسكن الخلا ونعيش بمعزل عن جميع الناس. ~~- كفى كفى يا حبيبتي؛ فقد كدت أموت من شدة الفرح. قال إميل ذلك ثم دنا مني وكدنا ~~نغيب عن الصواب. # | الفصل الثاني عشر # وبينما نحن في هذا الموقف الرهيب ما أشعر إلا وقد فتح باب غرفتي فجأة، وسمعت ~~صوت عيار ناري أطلق في وجه حبيبي إميل فخر على الأرض صريعا لا يبدي حراكا. # وعند ذلك نظرت؛ فإذا زوجي راعول واقف أمامي، وقد كاد الشرر يتطاير من عينيه وهو قابض ~~بيده على مسدسه، فنظر إلي نظرة الغضب والازدراء، وقال لي بصوت جهير: حسنا تفعلين يا ~~مادلين؛ فيظهر أن هذا الفتى يروق في عينيك أكثر من صديقي فوستير. # ولكني لم أفقه معنى كلامه، ولم أع على شيء ms27 مما حولي ، بل سقطت على الأرض مغشيا ~~علي. # وعلى إثر وقوع هذه الحادثة الفظيعة اعتراني مرض عضال وأخذتني نوبة من الحمى ~~فلازمت الفراش، وكنت في ذلك الوقت لا أعي شيئا ولا أعرف من حولي حتى أولادي أنفسهم، ~~وبقيت على هذه الحالة نحو شهر كامل، وبعد ذلك تنبهت حواسي وعاد إلي رشدي، ~~فتذكرت ما حل بحبيبي موريس، وكيف أنه ذهب شهيد الحب؛ فأذرفت الدموع، وبكيت بحرقة ~~على فقد هذا الحبيب المخلص الذي كان خير صديق يواسيني ويشاطرني هموم الحياة. # وكنت أتعجب: كيف أن زوجي علم بكل ما جرى بيني وبين إميل حتى داهمنا في تلك الليلة ~~الدهماء وفتك بهذا الشاب البريء ظلما وعدوانا. # ولكني أخيرا أدركت الحقيقة، وعلمت ما وراء السويداه، فلم أوقع الشبهة إلا على ~~خادمتي دانيز، وقد أقرت هي بفعلها واعترفت به أمامي جهرا، فأمرتها بأن ~~تنفصل من خدمتي ولا تريني وجهها بعد ذلك؛ فلم يكن منها إلا أنها أجابت طلبي، ~~ونفذت إرادتي حالا، وذلك بخلاف عادتها معي؛ ولذا تعجبت من هذا الانقلاب العظيم ~~والتغيير السريع، وقلت: إنه لا بد وأن يكون وراء ذلك سر خفي لم أقف عليه ~~بعد. # وبعد شفائي من هذا المرض ببضعة أيام دخل إلي زوجي راعول وسألني بلطف عن صحتي، فأجبته ~~بغضب: إني سعيدة ما دمت بعيدة عن رؤيتك. # قال: ولكني أريد أن أنبئك بخبر خطير؛ فاسمعي ما أقول؛ لأننا أصبحنا الآن في حالة تستوجب ~~الحزم والتروي، فاعلمي يا مادلين أن ثروتنا كلها نفدت، وهذا البيت الذي نسكنه ليس ~~هو ملكنا اليوم، بل إنه من حقوق المداينين، وسيباع غدا لإيفاء ما علينا من المال، ~~ولكن الله كريم رحيم، فهو لم يرض بوقوعنا تحت طائلة العقاب مرة واحدة، بل قد نظر ~~إلينا بعين لطفه وحلمه؛ فأوجد لنا بيتا آخر نأوي إليه وهو في قرية «سان كولومب» وقد ~~ورثته عن شقيقتي التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى منذ بضعة أيام. # وذلك البيت، وإن كان أقل رونقا وبهاء، وأصغر اتساعا من هذا، إلا أنه يكفي على حال ms28 لأن ~~يلم شعثنا ويأوينا تحت سقفه، فعليك الآن أن تستعدي للسفر إلى قرية سان كولومب، أما أنا ~~فاندهشت من هذا الكلام وقلت لراعول بلهجة الغضب والاشمئزاز: إني لا أتبعك ولا أقتفي ~~أثرك منذ اليوم؛ فاذهب أنت وحدك إذا شئت. # قال: وإلى أين تذهبين إذن يا مادلين؟ # قلت: أنا حرة في ما أفعل فليس علي حرج ولا جناح. ~~- ولكن، ألا تعلمين يا سيدتي أن الشريعة تلزمك بالخضوع لإرادة زوجك رغم أنفك. ~~- إن الشريعة لا تأمرني بالإذعان لإرادة وحش ضار وسفاك للدماء مثلك. ~~- كفى يا مادلين؛ فأنت لا بد لك من الرضوخ لأمري على كل حال. ~~- ومن ذا الذي يجبرني على ذلك؟ ~~- إذن فاذهبي حيثما شئت فأنا آخذ أولادي وأرحل وحدي من هذه المدينة. # قال ذلك ثم خرج من الغرفة يهز أكتافه علامة التهكم والازدراء؛ فهالني هذا الأمر، ~~وعلمت أنه لا مناص لي من اتباع مشورة زوجي راعول؛ لأن السلاح الذي اتخذه لمحاربتي لا ~~يمكنني الوقوف أمامه، وما على العاجز الضعيف إلا التسليم والخضوع، وعلى ذلك جهزنا كل ~~ما يلزم لهذا السفر، وفي صباح اليوم الثاني ابتدأنا في المسير، ولم يأت المساء إلا وقد ~~وصلنا إلى سان كولومب، فدخلت إلى دارنا الجديدة، وإذا بها بيت حقير البناء ضيق ~~النطاق، وقد خيمت عليه عناكب الكآبة وأرخى فيه الظلام سدوله، وحينذاك ~~تذكرت أيام النعيم والهناء التي مرت أمام عيني كمر السحاب، وقلت في نفسي: ~~يا لله، هل لم يكفني ما حل بي من البلايا والرزايا بفقد والدي وفراق حبيبي موريس وقتل ~~صديقي إميل على مرأى ومسمع مني حتى يحكم علي بعد ذلك بالنزول من قصور العز ~~والدلال إلى أكواخ المذلة والفقر؟ # ولكن ماذا ينفع هذا التأوه والتنهيد، وقد نزل الخطب وحل البلاء؟ # إن هذا البيت الجديد الذي قضى علينا سوء الطالع بأن نسكنه كان ملك أخت زوجي راعول، ~~وهي آنسة تناهز الخامسة والثلاثين من عمرها. # وقد كانت تهوى شابا أوقف قلبه لحبها، ومالت إليها كل جوارحه، ولكن أبت ~~المنون إلا أن تفجعها بموته قبل ms29 إتمام زفافهما ببضعة أيام فشق عليها هذا المصاب، ~~وأقسمت بأن لا تعطي يدها ولا تسلم قلبها إلى شخص آخر، وكانت تملك من حطام الدنيا ~~كلها هذه الدار الحقيرة؛ لأن أخاها راعول هضم كل حقوقها في ميراث أبيها، واستحل اغتصابها ~~لنفسه، أما هي فسامحته على كل ذلك ولم تسخط عليه؛ لأنها كانت على جانب عظيم من ~~التقوى ومكارم الأخلاق وطيب العنصر، ولطالما وبخت زوجي على هذا الغدر وسوء التصرف؛ فلم ~~يكن يعيرني إلا أذنا صماء؛ حتى إذا دنا أجل شقيقته كان هو وقتئذ وريثها الوحيد في ~~هذه الدار. # ومن ثم لبثنا في هذه الدار التي أبى الدهر إلا أن تكون مأوى الحزانى وأهل المصائب ~~والكروب، وقلت في نفسي: إن الواجب أن أرضى الآن بما قدر به علي وأقضي باقي أيام ~~حياتي الحزينة في هذا السجن الجديد كما فعلت أخت زوجي راعول من قبلي. # ولكن بعد مضي أسبوعين من الزمان سئمت نفسي من الحياة وضقت ذرعا، فعزمت على ~~الخلاص من هذه الورطة؛ إما بالفرار أو الانتحار. # وفي صباح أحد الأيام انتهزت فرصة تغيب زوجي عن الدار؛ فجمعت ما يتيسر من ~~اللوازم الضرورية، وأخذت ما كنت قد ادخرته من فضلات المال في أيام العز والنعيم، ثم ~~حملت ولدي الصغيرين على ذراعي وبارحت قرية «سان كولومب» هاربة من وجه هذا ~~الوحش الضاري والزوج القاسي، ولكن النحس لسوء الطالع كان يلازمني ولا ينفك عني طرفة ~~عين؛ فإني لم أدر من الذي أخبر زوجي بحقيقة الأمر، ففاجأني في الطريق وقبض علي ثم ~~أتى بي إلى الدار ثانيا، وطفق يوسعني شتما وإهانة على ما صدر مني، وأخيرا ~~أدخلني إلى غرفة مظلمة في الدار تكاد تصلح لأن تكون سجنا للمجرمين والأشقياء ~~فزجني فيها، وأمر بأن لا يدنو أحد مني إلا مرة واحدة في كل مساء لإحضار الطعام، ~~وهنا لا تسألني يا سيدي عما كنت أذوقه من صنوف الذل والعذاب، وأي ذل وعذاب أعظم من أن ~~أرى نفسي - أنا التي تربيت في بحبوحة العز والرخاء ولم أتعود إلا على ms30 معيشة الرفاه ~~والدلال، ولم أسكن إلا القصور الشائقة التي تكتنفها الغياض الغناء والحدائق الأنيقة - ~~لم ألبث أن أصبحت مطروحة في سجن مظلم، وقد حرمت من رؤية الشمس والتمتع بجمال الطبيعة ~~مثل غيري من البشر. # | الفصل الثالث عشر # ولما وصلت حالتي إلى هذه الدرجة من التعاسة والذل لم يمكني أن أحتمل الضيم ~~أكثر من ذلك، وعزمت أخيرا على الانتحار والتخلص من هذا الشقاء، ولكن من أين لي الوصول إلى ~~تنفيذ غرضي، وأنا مطروحة في ذلك السجن المظلم، وليس عندي شيء يسهل على إتمام هذا ~~العزم. # وبينما أنا أفكر في هذا الأمر لم أشعر إلا وقد فتح باب تلك الغرفة الجهنمية، ولاحت ~~مني التفاتة فرأيت ولدي جيلبير مقبلا يحمل إلي الطعام كعادته، ولما وقع نظره علي ~~تهلل وجهه فرحا وناداني بلطف: اسمعي يا أماه؛ فقد جئت أبشرك اليوم بخبر سار. # قلت: وما هو؟ # قال: إن والدي عفا عنك وأصدر أمره بإخراجك من هذه الحجرة المظلمة. # فتحركت عندئذ في قلبي عوامل الشفقة والمحبة وانطرحت على جيلبير فعانقته ~~وطفقت أقبله بلهفة، وقد خنقتني العبرات وسالت من عيني الدموع، أما هو فاستطرد ~~الكلام قائلا: أليس هذا الخبر مما يسرك ويفرحك يا أماه؟ وهل لا ترين في رجوعك ~~إلينا وبقائك معنا كل اللذة والانشراح، كما أرى أنا وأخي روبير؟ فكفكفي إذن الدمع ولا ~~تعودي إلى البكاء والنحيب؛ فلسوف نكون دائما بقربك ونسر برؤيتك ونفرح بوجودك ونخرج ~~وإياك كل يوم للنزهة في واسع الخلاء فأية سعادة أعظم من هذه يا أماه. # قلت - وقد حاولت كتمان ما في قلبي: حسنا تقول يا جيلبير؛ فأنا أرى في وجودكما معي كل ~~السعادة والسلوى، ولكن أين أخوك روبير؟ ~~- قد توجه مع والدي إلى «سان مالو» وسيرجعان بعد ظهر اليوم. # إذن أطلب إليك أن تأتيني بقلم وقرطاس؛ لأني أريد أن أكتب كتابا، وأحضر لي أيضا ~~السكين؛ لأنك لم تحضرها مع مائدة الطعام، وعندما يعود أخوك ائت به إلي حالا. # ولكن ألا تريدين أن تغادري هذا السجن وتنزلي معي إلى حيث ترين شمس ms31 الضحى وجمال الطبيعة ~~بعد هذا الحبس الطويل. # سوف أفعل ذلك بعد كتابة هذه الرسالة. # وعلى ذلك بادر جيلبير فأحضر كل ما طلبته، ثم عاد إلي مسرعا فتناولت القلم ~~والقرطاس، وكتبت إلى زوجي راعول كتابا ضافيا أظهرت له فيه كل ما أوقعه علي من ~~الإساءة والأذى، وأخبرته بأني مع كل ذلك أسامحه بذنوبه وآثامه إذا أحسن التصرف من ~~الآن فصاعدا واعتنى بتربية ولدي الصغيرين وبذل جهده في كل ما يعود عليهما ~~بالخير والسعادة في المستقبل، وأما أنا فقد كفاني ما ذقته من مرارة الذل والتعذيب؛ ولذا ~~عزمت على ترك هذه الحياة غير آسفة عليها، وإني أوصيه بأن ينهج سبيل الرشد والهدى ولا يلقي ~~بنفسه بعد الآن في مهاوي الردى، ثم أمضيت الرسالة وطويتها وانتظرت رجوع راعول حتى ~~أسلمها له. # | الفصل الرابع عشر # وفي الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم فتح الباب ودخل جيلبير ومعه أخوه روبير ~~فهرعت إليهما وطفقت أقبلهما بحنو والدي وشفقة فائقة؛ لأني كنت أريد أن ~~أودعهما وأزودهما النظرة الأخيرة، قبل أن أنتحر وأغادر هذه الحياة المرة. # أما جيلبير؛ فإنه لما شاهد مني هذا الانقباض العظيم والارتباك الشديد تعجب غاية ~~العجب، ودنا إلي فانطرح بين ذراعي وسألني بلهفة: ما لك تبكين يا أماه؟ وما لي أرى الحزن ~~متسلطا عليك أكثر من العادة؟ فأجبته: ليس بي حزن يا ولدي، ولكني أشعر بتوعك لا أعلم له ~~سببا. # قال: لقد صدقت يا أماه؛ فإن اصفرار وجهك وارتجاف صوتك يدلان على ذلك، وقد تكدرت ~~كثيرا لأنك لم تذوقي الطعام الذي أحضرته لك، فأواه كيف تكون حالتنا إذا قدر ~~علينا أن تموتي وتتركينا وحدنا، حقا إني لا أستطيع البقاء بعدك، وقد فكرت في ~~هذا الأمر قبل الآن وعزمت على أن ألحقك إلى عالم الأموات إذا اختطفتك يد ~~المنون وأقتل نفسي بيدي إذا لزم الحال؛ لأني لا أحب شخصا في الدنيا أكثر منك يا أماه. ~~قال روبير: وأنا أفعل مثل أخي أيضا إذا حرمت رؤيتك يا أماه. قلت: دعا عنكما هذه ~~الأوهام يا ولدي؛ فإنكما ms32 الآن في مقتبل العمر، ولا بد لكما أن تعيشا كثيرا وتعمرا ~~طويلا، ومن كان مثلكما يجب أن ينسى كل تلك المصاعب والأتعاب الآن. # أجاب جيلبير: حقا، إن من كان مثلنا يا أماه يحتاج إلى والدة شفوقة مثلك تعتني بأمرنا ~~وتغمرنا بحنانها ومحبتها. # فلما سمعت هذا الكلام خارت عزائمي ووهنت قواي، ولم أتمالك عن البكاء، ورأيت ~~أني لا أعيش لنفسي حتى أفعل ما أشاء، وأن العدل الإلهي ينتقم مني إذا تسببت في قتل ~~نفس، بل نفوس حية حرم الله قتلها، وعندئذ تناولت الكتاب الذي كتبته لزوجي ~~فمزقته، ثم قبضت بيدي على ولدي الصغيرين، ونزلت إلى الحجرة التي كان جالسا ~~بها ذلك الوحش الضاري؛ فإذا به قد اتكأ مائدة بجانبه وهو يدخن بغليونه وأمامه زجاجة خمر ~~كبيرة، فلما رآني مقبلة عليه أجر مطارف الذل والخضوع تبسم تبسم الدهاء ~~والمكر، حتى إذا صرت على مقربة منه نظر إلي محملقا وقال متهكما: يظهر يا سيدتي أن ~~بقاءك داخل الغرف وتحت سقوف البيوت يضر بصحتك كثيرا؛ لأنك تعودت المعيشة في الخلاء ~~واستنشاق هواء الصحراء حتى أني أرى وجهك قد أكمد وعلاه الاصفرار، ولكن لا تلومي إلا ~~نفسك؛ لأنك أنت التي جلبت عليها كل هذا الشقاء بسبب عنادك وسوء تصرفك. # وهو جالس يدخن بغليونه وأمامه زجاجة ~~خمر. # قلت: ليس يا مولاي هذا وقت التوبيخ أو العتاب؛ فالذي مضى قد مضى وانقضى، ونحن نريد أن ~~تنظر الآن إلى ما هو آت. # قال: وماذا تبتغين مني الآن؟ # قلت: أريد أن أعيش معيشة منفردة مع ولدي الصغيرين بهدوء وسكينة، حتى أقضي ما بقي ~~من أيام حياتي، قال: اسمعي يا مادلين ما أقوله لك، واتركي هذا العناد والجهل؛ فأنا لا أملك ~~الآن غير 60 فرنكا، فأين لنا المال الذي يكفينا حتى تطلبين الانفراد أو العزلة مع ولديك، ~~ويجب أن تعلمي يا مادلين أن نصف ما أصابني من البلايا والرزايا كان بسبب عنادك؛ لأن ~~الحكماء يقولون: إن المرأة العنيدة تعجل في خراب بيتها وشقاء عائلتها، فلا يمكنني بعد ~~العناء الذي تحملته ms33 منك أن أوافقك في شيء أو أجيب لك سؤالا. # قلت: أنت إذن وحش مفترس تروم تعذيبي وإهلاكي. # هو ما تقولين يا سيدتي؛ لأنه ليس جزاء مثلك إلا الإذلال والانتقام. # قال ذلك ثم هدأ روعه وسكن غضبه قليلا واستأنف الكلام فقال: ومع ذلك؛ فأنا الآن أريد ~~أن أتوجه إلى مدينة سان مالو وأطلب قرضا؛ فإن توفقت إلى الحصول على بغيتي ~~نظرت في ما تقوم به راحتنا، وإلا فليس باليد حيلة. # قال ذلك ثم خرج مهرولا وأغلق وراءه الباب. # | الفصل الخامس عشر # فلما خلا لي الجو نظرت يمنة ويسرة فلم أر إلا ظلاما وكآبة فقلت في نفسي: ~~بالله كيف تستطيع امرأة مثلي أن تتحمل كل هذه الهموم والمصائب التي تدك الجبال ~~وتفتت الصخور، فلا بد لي من أن أبادر إلى الهرب مرة ثانية وأقصد مدينة «سان سرفان»؛ لأن ~~لي هناك قريبة محبة وصديقة حميمة لا أخالها تضن علي بالمساعدة والإسعاف، وفي الحال ~~أخبرت ولدي بما عزمت عليه فقبلا ذلك بغاية الفرح والسرور، ومن ثم جمعنا ما ~~نحتاج إليه من الملابس واللوازم الضرورية وخرجنا نقصد السفر، فأخذنا نجد في السير ~~حتى وصلنا إلى جهة سان مالو بسلام، وقد أعيانا التعب وأنهكنا المسير، وبعد أن استرحنا ~~قليلا تحت ظل شجرة في الخلا نهضنا قاصدين جهة «سان سرفان» التي كان الماء يغمرها منذ بضع ~~ساعات واضطر أهاليها إلى تسيير الزوارق في طرقها وأزقتها العمومية، حتى إذا وصلنا ~~إليها بادرت مسرعة إلى دار صديقتي المعهودة، ولما طرقت الباب لم يجيبني أحد، ~~فسألت عنها المجاورين لهذه الدار فأنبأوني أنها غادرت تلك المدينة، وهي ساكنة الآن بجهة ~~«مونتفور» التي تبعد عن هذا المكان كثيرا. # فتأسفت على ضياع هذا التعب كله سدى، ولكني تجلدت وصبرت على بلواي، ورأيت من ~~الصواب أن نبيع كل ما كان معنا من الملابس والحلي حتى نجد المال اللازم للسفر إلى تلك ~~البلدة وقد أتممت ذلك فعلا، وفي صباح اليوم التالي نهضت باكرا فتوجهت إلى المعبد ~~وتضرعت إلى الله بحرارة أن يرعانا بعين عنايته ويمهد ms34 لنا السبيل في هذا الوقت الحرج، ~~ثم أخذت ولدي تحت ذراعي وسرت متكلة على الله سبحانه وتعالى الذي هو وحده أبو ~~الضعفاء ونصير العاجزين. # وبينما نحن نسير سيرا حثيثا ما أشعر إلا وقد نظر إلي جيلبير فجأة نظرة الذهول ~~والاندهاش وقد اصفر لونه وارتجفت أعضاؤه ثم صرخ بصوت مخيف. # رويدك يا أماه فقد أصبحنا على وشك الهلاك؛ لأني أرى أبي مقبلا إلينا، والظاهر أنه ~~يجد في طلبنا ويقتفي أثرنا. # فرفعت نظري إلى الجهة التي أشار إليها جيلبير فتأكدت أن كلامه صحيحا، لكني حمدت ~~الله؛ لأن راعول كان لم يزل بعيدا عنا كثيرا وقد تأكد عندي أنه لم يرنا بعد، ~~فحملت ولدي على ذراعي وبادرت مسرعة أطلب الفرار من وجه هذا الوحش المفترس؛ لأني ~~كنت واثقة بأنه إذا قبض علينا هذه المرة فلا نعود نستطيع الخلاص من تلك الورطة الوبيلة، ~~ثم عرجت من طريق آخر متجهة نحو قرية «سان سرفان» في بقعة جبلية مهجورة تعلوها الرمال ~~والصخور، ولا يسكن فيها أحد من بني الإنسان، ولجأت إلى صخرة عالية فجلسنا تحتها، وقد ~~أنهكنا التعب وعزمنا على أن نقضي يومنا كله في هذا الملجأ الحصين، حتى إذا أقبل الليل ~~خرجنا نفتش على مأوى آخر في قرية «سان سرفان». # أما روبير وجيلبير؛ فقد كانا في ذلك الوقت في حالة يلين لها الجماد وتتفتت منها ~~الأكباد من شدة ما قاسياه في هذه السياحة المشئومة من المشقة والعناء، فأدخلتهما إلى ~~فوهة تلك الصخرة العالية، وفرشت لهما شيئا من الملابس فاضطجعا عليها وأخذتهما ~~سنة النوم؛ فغرقا في بحر الكرى، وبقيت أنا أحرسهما حتى المساء، ثم تركتهما وخرجت إلى ~~الخلا أريد استنشاق الهواء النقي وأتدبر في كيفية الوصول إلى القرية التي نقصدها في هذه ~~الليلة قبل أن يداهمنا مصاب آخر لم يكن في الحسبان، ولكني ما كدت أصل إلى الخارج حتى ~~دهشت اندهاشا عظيما، ولم أتمالك أن صرخت بأعلى صوتي يا للمصيبة العظمى، ويا ~~للداهية الدهماء، لقد هلكنا لا محالة، فارحمنا يا الله ولا تتخل عنا. # وعند ذلك ms35 نهض ولداي من نومهما على إثر هذا الصراخ وبادرا إلي مسرعين وهما ~~يناديان: ماذا جرى يا أماه، هل وصل والدنا إلى هنا يريد القبض علينا؟ # قلت: حبذا لو صح ذلك؛ فإن هذه مصيبة أعظم وأدهى مما تظنان. قالا: وكيف ذلك؟ # قلت: إن عدوا آخر أكثر بطشا وأصعب مراسا من والدكما يتهددنا الآن؛ فانظرا أمامكما ~~وأنتما تعلمان حقيقة الخبر. # ذلك أن البحيرة التي كانت على مقربة منا حدث بها فيضان عظيم فجأة وانهالت على ما يجاورها ~~من الآكام والصخور فغطت أغلبها، وأصبح الماء محاصرا لنا من كل الجهات، وقد كاد يغطي ~~الصخرة التي كنا نأوي إليها أيضا. # وهنا لا حاجة لي يا سيدي أن أخبرك كيف كان حالنا وقد أحدق بنا الخطر من كل جانب، ~~وصرنا ننتظر الهلاك بفروغ الصبر؛ فكيف ننجو وإلى أين نهرب وقد سدت في وجهنا كل ~~المسالك، ولسنا نرى أمامنا سفينة أو قاربا حتى ننادي أصحابه فيأتون إلى إنقاذنا والأخذ ~~بناصرنا، وساعة الموت تدنو إلينا بسرعة غريبة وقد عدمنا النصير وانقطع عنا كل رجاء، أما أنا ~~فكاد عقلي يطير من شدة الهلع والجزع، ولم أكن أخشى الموت حبا في الحياة؛ لأنها أصبحت ~~لدي بلا قيمة ولا اعتبار، ولكني أم ترى بعينها ما سيحل بولديها أمام عينها من الهلاك، ~~وتعلم أنها هي التي جنت على نفسها وعليهما ولا تضيق في وجهها سعة الفضاء، فكنا نصرخ ~~بأعلى أصواتنا طالبين النجاة والخلاص، ولكن صدى صوتنا كان يرجع إلينا فارغا والمياه تزداد ~~انهيالا علينا، فاستفزتني عندئذ عوامل الحنان والمحبة الوالدية، فحملت ولدي ~~على ذراعي وطفقت أتسلق على هذه الصخرة العالية لأحميهما من شر هذا الفيضان العظيم، ~~ولكني كلما حاولت الصعود زاد الماء ارتفاعا حتى وصل إلى قمة الصخرة وغمر نصف قامتي وكاد ~~يبتلعنا كلنا مرة واحدة. # فحملت ولدي على ذراعي. # وكنت أجول بنظري في ذلك الوقت يمنة ويسرة فلا أرى إنسانا ولا أنظر شبحا، ولا تقع ~~عيني إلا على الجبال المقفرة والآكام العالية تحيط بها القبة الزرقاء التي كانت في ذلك ms36 ~~الوقت متلبدة بالغيوم الكثيفة والسحب المظلمة، فطفقت أصرخ وأستغيث من فؤاد مجروح وقلب ~~مكلوم، ولكن صراخي كان ينتشر في الفضاء ويذهب أدراج الرياح، وبينما أنا في هذا الموقف الحرج ~~والحالة الفظيعة التي لا يستطيع أبلغ كاتب وأفصح خطيب أن يقوم بإيفاء وصفها ~~لاحت مني التفاتة؛ فرأيت على بعد أشباحا هائلة تدنو إلينا، ولما اقتربت منا ~~علمت أنها سفن تجارية، فرفعت ذراعي إلى السماء وأخذت أصرخ وأستغيث بصوت ~~عال، ولكن من يقدر أن يوصل هذا الأنين الضعيف إلى آذان الذين نريد أن تصل إليهم أصواتنا ~~وهم بعيدون عنا كل ذلك والماء يزداد فيضانا وارتفاعا حتى وصل إلى رءوسنا بعد أن غطى كل ~~أجسامنا، أما أنا فأردت أن أحمل ولدي وأنهض بهما إلى صخرة أعلى من هذه يكون الماء بعيدا ~~عنها، ولكن حينما حاولت القيام رأيت نفسي عاجزة عنه، إذ تشنجت أعصابي وخارت قواي ولم ~~تقر أقدامي على النهوض، وبعد بضع ثوان غمرنا الماء ودفعنا تياره إلى قاع ~~البحر، وهناك لم أر لولدي أثرا ولم أقف لهما على خبر، فغشي علي من شدة اليأس ~~والذهول، واستسلمت لعوامل القنوط، وسلمت نفسي ليد المنون عن طيب خاطر؛ لأنه لم يبق ~~لي مطمع في الحياة بعد هذا المصاب العظيم. # عند ذلك دنت تلك السفن، وقد شاهدتنا على بعد؛ فأتت تريد إنقاذنا، ولكن بعد أن نزل ~~القضاء وحل البلاء؛ فأنزل بعض الملاحين قوارب صغيرة إلى الجهة التي غرقنا فيها، ~~ونقلوا منها ثلاث جثث لا حراك بها. # أقول يا سيدي ثلاث جثث لا حراك بها، ولكن الحقيقة أنهما جثتان ميتان، وأما الثالثة فهي ~~جثتي أنا التي كنت قد مت ثم بعثت حية كما تراني. # فقد غرق جيلبير وروبير، وكنت أظن أني سألحق بهما، ولكن أبى الله إلا أن يبعد عني ~~الموت ليزيد في شقائي وتعذيبي، ولما أفقت من غشيتي وجدت نفسي في وسط إحدى السفن ~~وحولي جماعة من الرجال يعتنون بأمري، وينبهون حواسي لأفيق من غشيتي وأمامي جثتان # هما جثتا ولدي المحبوبين وثمرة أحشائي وموضوع رجائي وعزائي، ms37 وهنا لا تطلب مني يا ~~سيدي أن أشرح لك ما اعتراني من الذهول والجنون؛ فاحتملت هاتين الجثتين العزيزتين ~~وطلبت إلى أصحاب السفن أن يسمحوا لي بالنزول إلى أحد جوانب هذه الجزيرة التي غرقنا ~~فيها يكون الماء بعيدا عنه، فأجابوا طلبي بعد إلحاح طويل، وهناك دفنت ولدي المحبوبين ~~بيدي وبللت قبرهما بدموعي الغزيرة، وأقسمت أن لا أنتقل من هذه البقعة التي ضم ثراها ~~أعز الناس عندي وأحبهم لدي، ومن ثم أخذت أهيم على وجهي في هذه الصحراء، وقد كانت تأخذني ~~نوبة من الجنون حينما أتذكر شيئا من ماضي حياتي التعيسة، وها أنا كما تراني يا سيدي منفردة ~~في هذا الخلاء لا أنيس لي غير آكام البر وصخور البحر، ولست أسمع غير قصف الرعود ولا أرى إلا ~~هطول الأمطار وتراكم الثلوج وتلاطم الأمواج، أتسول وأعيش من فضلات أهل الخير والإحسان، أنا ~~التي ربيت في مهد العز والدلال، ومن الغريب أن كل هذه المصائب والنوائب انهالت على ~~رأسي، ومع ذلك لم أزل حية أرزق إلى الآن. # قالت ذلك ثم التفتت إلى أمواج البحر المتلاطمة تحت الصخرة التي كانت مادلين جالسة ~~عليها مع ذلك السائح المجهول وهي تقص عليه تاريخ حياتها، وهو ينظر إليها بقلب مفعم ~~بعوامل الحزن والشفقة، وعند ذلك تأوهت وظهرت عليها علامات الانقباض والاكتئاب، ثم ~~عادت فاستأنفت الحديث وقالت للسائح: # | الفصل السادس عشر # والآن اسمع يا سيدي خاتمة قصتي؛ لتعلم أن المرأة المسكينة التي تراها الآن جالسة معك ~~قدرت - مع شدة ضعفها وجبنها - أن تنتقم لنفسها وتأخذ بثأرها من ذلك الذي نغص ~~عيشها وجلب عليها كل هذا الذل والهوان. # إنني بينما كنت أجول في أطراف هذه الجزيرة المقفرة لمحت على بعد شخصا نزل من ~~إحدى السفن الراسية على مقربة مني وهو مقبل إلي يخطر بثيابه الرثة وأطماره البالية، ~~أما أنا فظننته في مبدأ الأمر أحد السياح الذين تعودوا أن يتخذوا لهم زيا بسيطا ما ~~داموا في الغربة؛ فبادرت إليه لأسأله الصدقة حسب عادتي، ولكني لما تفرست في ~~وجهه اعتراني الانزعاج والاضطراب؛ ms38 لأني علمت أنه زوجي راعول أفضى به الحال إلى التجول ~~في المدن والقرى يتسول مثلي الصدقة، ويطلب الإحسان، ولما نظرني لم يعرفني فظنني ~~امرأة فقيرة جئت أسأله الصدقة، فقال: هوني عليك يا مسكينة، ولا تعللي نفسك بالمحلل؛ ~~فأنا أشد فاقة منك وأكثر احتياجا إلى القوت الضروري، ثم تركني وذهب في حال ~~سبيله. # أما أنا فتبعته واقتفيت أثره على بعد، وإذا به قد صعد إلى صخرة عالية يريد الجلوس تحت ~~ظل شجرة فيها، وكان كلما تقدم إلى الأمام يلتفت فيراني أتبعه فيدنو مني ويسألني عن قصدي فلا ~~أجيبه بشيء؛ فزاد حنقه وغيظه واقترب من طرف الصخرة التي كنا واقفين عليها وناداني بأعلى ~~صوته: من تكونين يا هذه، وما شأنك؟ وماذا تريدين؟ أما أنا فلم أبد حراكا ولم أفه ~~ببنت شفة حسب عادتي، وحينذاك صرخ راعول في وجهي متهكما وقد هز كتفيه وحرك ~~رأسه بازدراء وقال: يظهر أنك يا هذه شبح لا حياة فيه أو صنم لا حراك به. # فعند ذلك نزعت الرداء الذي كنت أغطي به رأسي ودنوت من هذا الوحش الضاري فناديته بصوت ~~جهير: أجل، أنا شبح زوجتك مادلين المنكودة الحظ، التي أوصلتها إلى هذه الحالة التعيسة ~~بسوء تصرفك ودناءة سلوكك جاءت تطلب الانتقام وأخذ الثأر. # فلما سمع مني راعول هذا الكلام اعترته الدهشة والانزعاج، وكأن الأرض فتحت ~~فاها لتبتلعه أو انشقت ميازيب السماء لتمطر عليه صواعق الغضب والانتقام، فأجفل ورجع ~~إلى الوراء ولم يتمالك نفسه حتى سقط من أعلى الصخرة إلى الأرض، وفي اليوم الثاني أشيع ~~بهذه المدينة خبر موته. # | الفصل السابع عشر # وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # قال الراوي: فلما انتهت مادلين من سرد حكايتها العجيبة وقصتها المحزنة تأوهت ~~تأوه القنوط، وطفقت تصعد الزفرات وتسكب العبرات بحرارة شديدة ولهفة زائدة، وذلك ~~السائح المجهول ينظر إليها نظرة الحنو والحزن ويرثى لحالها ويبكي لبكائها، وبعد مضي بضع ~~دقائق ساد الهدوء والسكون ولازم الاثنان الصمت والسكوت، ثم التفتت مادلين إلى السائح ~~واستأنفت الحديث فقالت: ms39 # هذه يا سيدي قصتي، ذكرتها لك على سبيل الإجمال والإيجاز، فهل لا ترى فيها كل الحكم ~~والعبر وتقضي العجب مثلي من مقدرتي على احتمال كل هذه المصائب والبلايا التي تدك الجبال ~~وتفتت الصخور، ولكن قل لي بالله عليك يا سيدي ها قد سمعت حكايتي ووقفت على حقيقة ~~أحوالي، ألا يمكنك أن تنبئني بحقيقة أمرك وتطلعني على شيء من ماضي حياتك لأشاركك في ~~عواطفك كما شاركتني أنت الآن؛ لأني أرى في نفسي ميلا عظيما ورغبة شديدة إلى ذلك؛ فمن ~~تكون أنت يا سيدي إذن؟ # قال السائح: قلت لي يا مادلين: إنه كان لك في أيام الصبا صديق حميم وحبيب مخلص يدعى ~~«موريس»؛ فهلا تذكرت هذا الصديق في أيام شدتك الأخيرة وحن قلبك إلى رؤيته. # قالت: كيف لا وقد كان ركن سعادتي ورفيق صباي وشريك أفراحي ومسراتي، آه يا سيدي، إني ~~لا أحب في العالم كله أكثر من حبيبي موريس وصديقي إميل وولدي روبير وجيلبير، وهؤلاء ~~الثلاثة قد ماتوا أمام عيني، وأما حبيبي موريس فلم أعرف عنه خبرا ولم أقف له على ~~أثر، وهذا ما يضاعف حزني ويزيد في غمي وشقائي، فأين هو موريس يا ترى الآن؟ وهل انتقل إلى ~~العالم الباقي أو هو لم يزل حيا؟ وهل أتيح له بأن يعيش سعيدا ويتزوج امرأة جميلة ~~تقر بها عينه وينشرح فؤاده أو قضي عليه أن يبقى تعيسا ذليلا مثل حبيبته ~~مادلين. # قال السائح: إن موريس لم يعش سعيدا يا مادلين، ولو أنه أحرز ثروة واسعة وغنى ~~وافرا. ~~- ومن أين لك أن تعرف ذلك يا سيدي؟ ~~- إن موريس تزوج امرأة جميلة، ولكنها كانت قبيحة السيرة والسريرة فنغصت عيشه ~~وحرمته لذة الحياة، ولكنها ماتت أخيرا وأراحه الله من سوء تصرفها ودناءة ~~سلوكها. # فازداد قلب مادلين خفقانا وحملقت إلى السائح مدهوشة مذعورة. # أما هو فاستمر في حديثه فقال: وموريس لم ينس حبيبته مادلين، ولم تبرح من باله تلك ~~الأيام السعيدة التي قضاها بالقرب منها وهو الآن يجول مفتشا عليها في مشارق الأرض ~~ومغاربها، وقد سأل ms40 عنها في جهة فوجير ولوريان وسان كولمب إلى أن علم من أحد الفنادق في ~~سان مالو أنها أتت إلى هذا المكان. # وعندئذ صرخت مادلين بأعلى صوتها. # ومن تكون أنت يا سيدي ومن أين لك أن تعرف هذه الأسرار كلها؟ # قال السائح: رحماك يا مادلين! ألم تعودي تعرفين شخص حبيبك وأسير هواك موريس التعيس؟ ~~فتفرست مادلين في وجه هذا السائح المجهول فانقشعت عن عيونها غياهب الشك والارتياب وعلمت ~~أنه هو بعينه، فألقت بنفسها بين ذراعيه، وهي لا تستطيع الكلام من شدة الفرح ~~والسرور. # ومن ثم عاد موريس مع حبيبته مادلين إلى مدينة «فوجير مسقط رأسهما ومنبت شعبتهما»، ~~وهناك بنى قصرا جميلا تكتنفه حديقة أنيقة فيها من كل فاكهة زوجان، وقد شيد فيها ~~غرفة بديعة الصنع نقلت إليها: جثتا روبير وجيلبير، وقد عقد موريس إكليل الزواج على حبيبته ~~مادلين وجعلها زوجته الشرعية وعاشا في غاية الهناء والصفاء إلى أن أتاهما هادم اللذات ~~ومفرق الجماعات. # | نصيحة ختامية # يشهد التاريخ أن وضع الروايات والقصص التمثيلية وغيرها كان قديم العهد، وآثار ~~المصريين واليونان والرومان القدماء تنطق بهذا القول وتؤيد حقيقته وتثبت صحته من كل ~~الوجوه، فليست الروايات إذن من نفحات هذا العصر واختراعاته الحديثة كما يتوهم ~~البعض. # على أن أغلب الروايات - وخصوصا التمثيلية منها - لم يكن يقصد من وضعها بادئ ذي ~~بدء إلا الزهو واللهو وترويح النفس ورياضة الجسم؛ فكانت أشبه شيء بالألعاب الرياضية ~~والملاهي البسيطة، وأما في هذا العصر الذي بزغت فيه أنوار الحضارة والعرفان واتسع نطاق ~~التمدن والعمران؛ فقد أصبحت هذه الروايات التمثيلية وغيرها من أكبر الحاجيات وأهم وسائل ~~التربية والتهذيب، والمشتغلون بها يعتبرون في اعتقاد العقلاء من مهذبي النفوس ~~ومربي الأخلاق، ورافعي لواء الفضائل والآداب وقادة العقول والأفكار، وقد شوهد بعد ~~الاختبار والتحري الدقيق أن الاعتماد على هذه الوسيلة النافعة في بث روح التقدم والإصلاح ~~أفاد الأمم والشعوب كل الفائدة وأتى بالغاية المقصودة؛ ولذا راج سوق الروايات في عالم ~~التمدن وأقبل الناس عليها إقبالا عظيما ووجد المشتغلون بها من الهيئات الحاكمة ~~والمحكومة ms41 كل المساعدة والتعضيد . # والذي يراجع تاريخ الأمة الفرنساوية الحديث يعلم أنها لم تقم لها قائمة ولم تنهض من ~~حضيض الانحطاط والارتباك إلى أوج التقدم والنجاح، إلا بفضل كتابها الذين اتخذوا وضع ~~الروايات التمثيلية وغيرها ذريعة إلى تحسين العادات ~~وإصلاح المختل وتقويم المعوج وتربية ملكة الغيرة والشهامة في نفوس الأهالي، ~~فاندفعوا في تيار التقدم وأدركوا ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات، فانتبهوا من ~~غفلتهم وهبوا لطلب المزيد من التنور والإصلاح. # وقد كان للكاتب العظيم «موليير» وغيره من كتاب الروايات والقصص - وخصوصا العالم ~~الطائر الصيت إسكندر دوماس - الفضل الأول في هذه النهضة الأدبية الشريفة. # أما في الشرق فلم يظهر من الكتاب المعدودين الذين أحيوا هذا الفن في البلاد إلا ~~النذر اليسير، ولكن الشاعر العربي يقول: # وإذا رأيت من الهلال نموه # أيقنت أن سيصير بدرا كاملا # ولا يبعد أن يأتي يوم ينبغ فيه من تفتخر بهم لغتنا الشريفة وبلادنا المحبوبة، وليس ~~هذا على ذكاء الشرقيين وحسن استعدادهم ببعيد. # على أننا ننصح الذين يتصدون لوضع الروايات والقصص أو تعريب شيء منها إلى لغتنا ~~العربية أن يلاحظوا أمرا مهما، وهو أن يجعلوا مدار بحثهم ومطمح أنظارهم إصلاح ~~العادات الأهلية وبث روح الغيرة الوطنية والمبادئ الشريفة في نفوس القراء، وإلا فلا ~~خير في هذه الروايات ولا فائدة لها على الإطلاق. # ولا يخفى أن بين عادات الغربيين واصطلاحاتهم ما يخالف مشرب الشرقيين ويفسد ~~أخلاقهم، وليس وراءه إلا الخارة والغبن، فليس من الصواب تعريب هذه الروايات ونشرها بين ~~قراء العربية، ولدينا من العادات القبيحة والاصطلاحات المبتذلة ما هو أجدر ~~بالانتقاد وأحرى بالتنديد، وكثير من الروايات الإفرنجية قد تفيد الذين وضعت لهم من ~~الإفرنج، ولكنها لا تفيد الشرقيين، بل تضرهم؛ فعلى الكاتب الذي يقصد الفائدة وينشد ~~الحقيقة ويريد تهذيب الأخلاق أن يلاحظ هذه المسألة بعين الدقة والانتباه، وهذا ما حدا بنا ~~إلى انتقاء هذه الرواية «الوحش الضاري» وتعريبها دون غيرها من الروايات الأخرى؛ لأننا رأينا ~~فيها من الانتقادات السديدة والآراء المفيدة ما تحتاج إليه بلادنا الشرقية ويطابق حالتنا ms42 ~~الحاضرة وظروفنا الخصوصية ؛ لأن هذه الرواية كما يتضح للقارئ الكريم من مطالعتها ترمي ~~إلى غاية نبيلة وغرض شريف، وهي إظهار الأضرار العظيمة والأخطار الجسيمة التي تنجم عن ~~الزواج القسري، وهي عادة مضرة تفشت في الشرق، وكانت سببا في خراب البيوت العامرة ~~وسقوط العائلات الكثيرة في وهدة الشقاء والبلاء. # فعلى أبناء الفتيان والفتيات أن يمعنوا نظرهم في هذا الأمر الخطير ولا يضحوا مستقبل ~~أولادهم المساكين على مذبح فائدتهم الشخصية ومصلحتهم الذاتية، وكفى بما جاء في هذه الرواية ~~الصغيرة عبرة وتذكرة لقوم يعقلون. # وإني أسأل الله أن يجعل هذه الخدمة الحقيرة مقبولة لدى أبناء وطني وأهل جلدتي، ~~ويلهمنا جميعا طريق السداد والرشاد، إنه السميع المجيب. # | تقريظ الرواية # اطلع بعض أصدقائنا الأفاضل من الشعراء الأدباء على بعض ملازم هذه الرواية عند مباشرة ~~طبعها، فأبت مكارم أخلاقهم وحسن آدابهم إلا التكرم علينا بتقريظها ولم يلبثو أن ~~بعثوا إلينا بقصائد التقريظ الجميلة فلم نر بدا من نشرها؛ لأنها لا تخلو من الفكاهة ~~والفائدة، وذلك اعترافا بفضلهم وقياما بواجب الشكر لحضراتهم. قال حضرة الشاعر اللبيب ~~والكاتب الأديب أحمد أفندي محرم: # هات الحديث عن المكارم هات # لا عن غزال أغيد ومهاة # لست الذي تصبى العيون فؤاده # أو تزدهيه فواتر اللحظات # هذي الشبيبة حولتها حكمتي # شيبا نسيت له عهود لذاتي # دع ذكر سلمى قد تولت صبوتي # وصحا فؤادي وانجلت عمراتي # لم أدكر عبرات عيني في الهوى # إلا سفحت سواكب العبرات # لا أبتغي غير الفضائل مطلبا # طول الحياة وإنها لحياتي # كم رحت فيها واغتديت فما عدت # ما رمت روحاتي ولا غدواتي # كل الفضائل حازها توفيقنا # بعزيمة مأثورة وثبات # فطن إذا أجرى اليراع بكفه # وقفت جياد القول محتبسات # يا من يظن السحر أصبح باطلا # حقق فهذا ساحر النفثات # هذي «الرواية» أسفرت عن فضله # لما بدت كالدر في اللبات # نفحت فقلنا المسك فاح أريجه # بل أين ذا من هذه النفحات # ما قلت هذي نسمة سحرية # إلا علت طيبا على النسمات # هذي شمول أصبحت ألبابنا # سكرى لرشف كئوسها ثملات # رقت وراقت لا ms43 كعهدك بالطلا # أمسى يطوف بها أخو عبنات # فأدر على الشرب الكرام كئوسها # فالحظ موف والزمان موات # ولك الثناء كما تشاء جميعه # ما بين ماض في الزمان وآت # لولا محاسن صنعك اللاتي بدت # لم يأت هذا الدهر بالحسنات # فبقيت للآداب ترفع شأنها # بفضائل في الناس مشتهرات # ماذا الذي يهدي إليك أولو النهى # غير الثناء وصالح الدعوات # ونظم حضرة الأستاذ الفاضل الأديب الشيخ محمد البشير ظافر الأزهري قصيدة بديعة في هذا ~~المعنى قال فيها بعد التخلص من الغزل: # فهم في مثلها لا تخش لوما # وجاهر بالمحبة في الحسان # لكي تحظى بما تهوى وتقضي # لأوطار لدى قاص ودان # ورو بالعلا ظماء ترو # رواية من غدا شمس الزمان # سمير الفضل توفيق المفدى # ومن دانت له كل المعان # لدى الإنشاء والأشعار فرد # أتى بالبكر منها والعوان # فدونك إن أردت بديع معنى # روايته تنل كل الأماني # ففيها قد أتى ببديع لفظ # كعقد الدر في جيد الغوان # تخال السامعين بها نشاوى # بلا خمر ولا عزف القيان # فمن فرحي بها قد قلت أرخ # عقودا قد تحلت بالمعاني # سنة 1316 ~~(وقال حضرة الأديب البارع ميخائيل أفندي عبد الملك من موظفي مصلحة السكة الحديد ~~المصرية): # نعم بالنهى لا بالقواضب والسمر # تدين لنا الدنيا ونعتز بالنصر # وننشر أعلام الهداية جملة # ونمحق آثار الجهالة والنكر # وما المجد إلا دولة نحن أهلها # وما العزم إلا من عزائمنا الغر # هو العلم لو حققت ملك عبيده # ملوك سموا في دولة الفهم بالفكر # لهم عزمات لا تفل سيوفها # تفوق القنا الخطى في الكر والفر # يصيغون من در الحديث قلائدا # وحقك تزري بالجواهر في النحر # بروحي أفدي سادة لو صحبتهم # لخلت بحار الفضل من فضلهم تجري # فهم شيدوا ربع العلى بعد ما ذوت # معالمه واعتاده عسف الدهر # وهم أخرجوا من كل معنى دقيقه # بسحر بيان لا يقل عن السحر # وهذا كتاب جل في النفس موقعا # يفوح له ند البلاغة كالعطر # يسوق لك المعنى الجليل مسلسلا # بلفظ شهي لا يمل مع الذكر # ويبسط أحوال الزواج صحيحة # وينجيك من ms44 شر المصائب لو تدري # وإن لم يكن في النفس حب لزوجة # فخير من العيش التستر في القبر # أتانا به خدن ذكي أخو حجى # خبير بحال القوم في السر والجهر # بليغ له عزم جليل وفكرة # تبدد شمل الجهل فورا على الأثر # أتى بدواء الداء والخطب مشكل # فمنا له شكر يفيض على شكر # ولا زال بالعيش الرغيد ممتعا # ولا زال عنوان المحامد والفخر # يفيد الورى بالعلم ما قلت منشدا # نعم بالنهى لا بالقواضب والسمر ms45