######OpenITI# #META# URI: 1343RafiqCazm.BayanFiTamaddun.Hindawi97053705 #META# Tags: history #META# ID: 97053705 #META# Title: البيان في التمدن وأسباب العمران #META# AuthorID: 19617485 #META# Author: رفيق العظم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الباب الأول: في ميل الإنسان للحضارة والتقدم بالطبع وحقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به ~~الشرع‏ # 1 - في قابلية الإنسان للتربية وطلب العمران‏ # 2 - في قابلية الأمة الإسلامية للتمدن أكثر ممن عداها‏ # 3 - في حقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به الشرع وسنة الرسول‏ # الباب الثاني: في العلوم والمعارف والحث على التمتع بظلها الوارف‏ # 1 - في العلوم وأصول التعلم والتعليم وبيان ما في ذلك من النفع العميم‏ # 2 - في الحث على طلب المعارف والتمتع بظلها الوارف‏ # الباب الثالث: في واجبات الأوطان والحرية والعدل اللذين هما سبب العمران‏ # 1 - في الكلام على الوطن وما في الترحل عنه أو السكن‏ # 2 - في الحقوق الوطنية‏ # 3 - في الحرية العمومية‏ # 4 - في ذكر العدل وأنه سبب العمران‏ # الباب الرابع: الخاتمة‏ # 1 - ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الإسلامي‏ # 2 - ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الأوروباوي‏ # المقدمة‏ # الباب الأول: في ميل الإنسان للحضارة والتقدم بالطبع وحقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به ~~الشرع‏ # 1 - في قابلية الإنسان للتربية وطلب العمران‏ # 2 - في قابلية الأمة الإسلامية للتمدن أكثر ممن عداها‏ # 3 - في حقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به الشرع وسنة الرسول‏ # الباب الثاني: في العلوم والمعارف والحث على التمتع بظلها الوارف‏ # 1 - في العلوم وأصول التعلم والتعليم وبيان ما في ذلك من النفع العميم‏ # 2 - في الحث على طلب المعارف والتمتع بظلها الوارف‏ # الباب الثالث: في واجبات الأوطان والحرية والعدل اللذين هما سبب العمران‏ # 1 - في الكلام على الوطن وما في الترحل عنه أو السكن‏ # 2 - في الحقوق الوطنية‏ # 3 - في الحرية العمومية‏ # 4 - في ذكر العدل وأنه سبب العمران‏ # الباب الرابع: الخاتمة‏ # 1 - ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الإسلامي‏ # 2 - ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الأوروباوي‏ # | البيان في التمدن وأسباب العمران # | البيان في التمدن وأسباب العمران # تأليف # رفيق العظم # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي تفضل على هذا النوع البشري بأن زينه بالعقل، وجعله له حجة يرجع ~~إليها إذا اكفهرت ظلمة الجهل. من ms01 قضت حكمته بأن التقدم والعمران موقوفان على العدل ~~والإحسان واتباع ما جاءت به الرسل من البيان. وصلى الله على سيدنا محمد أعظم الأنبياء ~~شأنا وأوضحهم محجة وبرهانا، الذي امتدت أشعة نبوته في جميع الأقطار، فأبانت ~~للناس سبل التمدن بما انبعث عنها من الأنوار، وعلى آله شموس الآفاق، وأصحابه المنعوتين ~~بمكارم الأخلاق. وبعد؛ فلما كانت الألفة الجنسية والرابطة الوطنية مما يدعوان الإنسان ~~إلى كل عمل تنشأ عنه فائدة الأوطان، لا سيما وطننا الكريم؛ فإنه باحتياج عظيم لأسباب ~~التمدن والعمران واسترجاع ما استلبته منه حوادث الأزمان. بادرت لجمع هذا الكتاب عسى أن ~~يكون به منفعة أستوجب بها الثواب، مرتبا له على مقدمة وثلاثة أبواب وتسعة فصول ~~وخاتمة. والله - سبحانه وتعالى - هو المسئول أن يجعله بين الناس حائز القبول، ويهدينا ~~جميعا إلى سبل الرشاد، ويرشدنا لما به خير البلاد. آمين. # | المقدمة # اعلم أن السبب الحامل على تأليف هذا الكتاب، هو القيام بما يجب على الإنسان من الخدمة ~~الوطنية اللازمة على سائر أفراد الهيئة الاجتماعية التي تسبر عن مهمات مصالحها، بإجراء ~~جميع الوسائل الباعثة على تقدمها وعمران بلادها، والحث لذوي الغيرة من الأمة على اتخاذ ~~الطرق التي لا تنافي وجوب الإصلاحات الوطنية، وترغيب أفراد هيئة الاجتماع في الأسباب ~~الموصلة لتمدن الأوطان وعمرانها وتقدمها وتوفير ثروتها؛ منعا للمضار اللاحقة بها من ~~الإهمال الصادر عن الأهالي الذين أفضى بهم الكسل إلى الاحتياج - حتى في ملابس أبدانهم - إلى ~~غيرهم مع وجود الكفاية فيهم، ودرايتهم بالصنائع والتفنن بنفائس الفنون. وذلك من المصايب ~~الملمة بالأوطان التي جعلت هذه الأمة متأخرة في ميادين الثروة والشهرة، مبيحة للأوروباويين ~~اجتناء ثمرات متاعبها وامتصاص در بلادها، والأهالي في غفلة من زمانهم لا يعرفون من ~~التمدن سوى الإقدام على ما لا ترضاه الهمم البشرية المفطورة على حب التقدم والتعزز وإباء ~~الحقارة والتأخر. حالة كون لا يعد الوطن متمدنا ما لم تتوفر في أهله جميع الأسباب المدنية، ~~كالإقبال على طلب العلوم والمعارف وحب الفنون والصنائع وإنشاء المعامل والمدارس، واستحضار ~~جميع الأدوات الحسية والمعنوية اللازمة للحالة ms02 الحضرية، والتمزي بالمزايا الشريفة، ليس ~~التمدن الانهماك في الشهوات الحواسية وحب الراحة والكسل الذي يفضي بالإنسان إلى الدرجة ~~الحيوانية هذا. # ولما كانت الديانة الإسلامية لا تحظر جلب المنفعة ولا درء المفسدة، وجب على رؤساء ~~المملكة وعلمائها تنوير بصائر الناس بإيجاد السبل المؤدية للتمدن والترقي، وإعادة رونق مجد ~~هذه الأمة لما كانت عليه أولا من التقدم والسطوة اللذين سهلا لها في أقل من جيل تعميم ~~شريعتها في غالب الأقطار، وجعلاها أول أمة تفننت باستخراج كنوز المخبآت العلمية، مما شهد ~~لها بذلك غالب الأمم المتمدنة الأوروباوية. لكن ما طرأ عليها في السنين المتوسطة الهجرية من ~~الحوادث العظيمة، وتفريق الكلمة - كما سنبينه في الخاتمة - ذهب ببعض رونقها. على أنه إذا ~~اتحدت رؤساء المملكة على استرجاع ما سلب من مجدها، تيسر لهم بأقل من قليل إعادتها إلى ~~مركزها الأصلي التي كانت تدور عليه معارفهم الناشئة عن حسن السياسة والحكمة والتدبير ~~وتقدمهم بين الأمم باتباعهم خطط التمدن والتقدم الحقيقيين، لا كما يتصوره بعض العامة ممن ~~انطبعت أفكارهم على السذاجة من أنه لمجرد التبهرج والزينة بالملابس الإفرنجية، يحوز الإنسان ~~درجات التقدم والخصال المدنية. على أن ذلك، بعكس ما تقتضيه الحال في هذين الأمرين، بل ومن ~~الأمور التي تلقي الأوطان في وهاد التأخر والاضمحلال، فأما الأول فهو لاكتفائهم بما ذكر ~~عن البحث في الأصول المدنية والاطلاع على ما كانت عليه هذه الأمة من الحضارة والتقدم وما ~~آلت إليه حالها، وكيف انتفعت بها الأمم الأوروباوية بما نقلته عنها من العلوم التي نحن أحق ~~بالتبصر فيها واستردادها. # وأما الثاني فهو عين التأخر كما ذكرنا؛ إذ إنهم يسببون بذلك رواج الأقمشة والبضاعة ~~الأجنبية كما ينشأ عنه كساد بضاعتهم، ويضيق نطاق تجارتهم التي تتوقف على رواجها معيشة ألوف ~~من الوطنيين، وذلك كالديباج مثلا، فإنه لا ينسج ويصير ثوبا ما لم تتداوله بالشغل عدة ~~أيد، كمربي دود القز ومستخرج الحرير وصانع أدواته ومصلحه وصباغه وناسجه وصاقله ~~وتاجره، إلى ما ينفع بعمله جملة أناس ربما تكون أسباب معايشهم مقصورة على هذه الصنعة؛ لأن ms03 ~~أغلب الفقراء لا يستطيعون شغل زمن كثير بتعليم عدة كارات أو حرف؛ إذ إن أيامهم محسوبة على ~~أهليهم فيقتصرون على تعليم صنعة واحدة كهذه مثلا، وبتعطيلها يتعطل حالهم. وفضلا عن ذلك، ~~فإنه ينشأ عن وقوف حال التجارة الوطنية، عدم إقدام أرباب الحرف والصناعات على اختراع شكل ~~جديد وعمل مفيد؛ نظرا لرواج البضاعة الأجنبية التي تصدهم عن اقتحام الأتعاب وتكبد المصاريف ~~الآيلة إلى الخسارة. وبالجملة، فإن ما يترتب على ذلك من المضار قل أن يحصى، وهذا للكسل ~~المستحوذ على بعض الأهالي، واكتفائهم من التمدن على الزينة والتبهرج كما ذكرنا، وإنكارهم كل ~~عمل جديد مفيد للوطن بقولهم: إنه مناف للشرع، وينسبون تلك إلى المضار التي يجلبونها ~~للبلاد بقبيح أفعالهم وسفسطة أقوالهم. ومع ذلك يجهلون أن كل أمة متمدنة تجاور أخرى غير ~~متمدنة، توشك أن تكون فريسة لها «يعني للمتمدنة». ومن تأمل أصول الشريعة الإسلامية يجدها ~~تحث الأمة على كل ما يدفع عنها غائلة غيرها، فكيف ونحن الآن في زمن جديد قد اتسعت فيه ~~دائرة المعارف وقرب تواصل الأبدان والبلدان بما اخترعوه من السكك الحديدية والآلات ~~الكهربائية والسفن البخارية، إلى غير ذلك مما سهل الأشغال وسبب رواج التجارات والتسابق ~~إليها في الأقطار؟! فلا بأس من أخذ بعض المعارف التي ندفع بها كيد العدو، وذلك بواسطة ~~العلماء الإسلاميين وبيانهم للناس الطرق السهلة التي لا تنافي الأصول والقواعد الشرعية كما ~~تقدم؛ إذ إن اكتفاء غالب العامة بأمور يزعمونها عين التمدن قد أضر بمصلحة الأمة ضررا ~~بليغا، فهم لا يتركونها ويعودون لمركزهم الأصلي ولا يتممون واجباتها ليتحصلوا على ثمرتها. ~~قلت شعرا: # لقد كنت من هند بسوداء قلبها # تواليك بالإحسان والوصل والود # فملت إلى ليلى تحاول وصلها # فلا سمحت ليلى وأحرمت من هند # لهذا، ولما كان الغرض المقصود من هذا الكتاب هو بيان أصول التمدن الناشئ عنه عمران ~~البلاد، وأن أول درجة من درجات التمدن اتباع ما جاء به الشرع وسنة الرسول، وأن تكون الأمة ~~متحدة على نشر العلوم والمعارف، حائزة كمال الحرية المؤسسة على العدل، محبة ms04 للمغيرات، ~~مستحوذة على خصال التأنيس، مجتنبة كل ما تمجه الطباع المدنية من العوائد البربرية، ~~منضمة على كلمة الوطن وجلب ما يعود نفعه على البلاد التي يكون أساس ثروتها وسبب تقدمها ~~العدل الذي هو حياة الممالك، اقتضى أن أبين ذلك كل باب على حدته إن شاء الله - تعالى، ~~فأقول: # الباب الأول # | في ميل الإنسان للحضارة والتقدم بالطبع وحقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به ~~الشرع # وفيه ثلاثة فصول # الفصل الأول # | في قابلية الإنسان للتربية وطلب العمران # اعلم أننا إذا تأملنا في الإنسان من حيث ناطقيته وعظيم بنيته وبما أودعه الله به من ~~سر القوى العقلية والصفات البشرية، وجدناه قابلا للتربية مائلا بالطبع للتعزز على ما ~~عداه من جميع الحيوان، متسلطنا بصفة إدراكاته العقلية على المواليد الحيوانية ~~والنباتية والمعدنية، محبا للتأنيس والاجتماعات البشرية ليدفع بها غوائل من عداه ~~ويأمن على نفسه؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - كما فضل الإنسان على ما عداه من الحيوان ~~بمزية العقل والإدراك والناطقية التي يتحصل بها على الألفة والجنسية والتأنيس ~~والاجتماعات البشرية التي يدفع بها الغوائل الحيوانية، كذلك خص بقية الحيوانات على ~~اختلاف أجناسها وتباين أشكالها بما لم يخص به الإنسان، فخص بعضها بالقوة والبطش ~~كالأسد ليهابه غيره، وخص بالعدو من هو أضعف منه قوة وأصغر جثة كالغزال لينجو بقوة ~~عدوه من كيد عدوه، ومنها ما خصه بغلظ الجلد ليدفع عنه شر الحر كالفيل ~~وكالسنور بالفراء وكثرة الشعر ليتقي بهما شر البرد، وكالأرنب بكثرة السمع واليقظة ~~ليأمن شر الاغتيال. وهكذا جميع الحيوانات على اختلاف أجناسها. # فالإنسان بالنسبة لغيره يحتاج في جميع ذلك لاستعمال قواه الفكرية وحواسه العقلية، كما ~~لا يتم له ذلك إلا بقوة الاجتماعات البشرية والألفة التأنيسية التي هي معه غريزة ~~طبيعية، وبها يمكنه إعمال جميع قواه الفكرية للاستحصال على درجات الحضارة والعمران ~~واجتناء ثمرات التمدن والمهارة في سائر أعماله. وإلا فلولا حبه للألفة والاتحاد وتفضيله ~~الامتزاج عن الوحدة والانفراد، لكان فريسة لغيره خائفا على الدوام في نفسه. فبتلك ~~المزايا الشريفة التي خص بها كما ذكرنا، ms05 وبقوة الاجتماع وانضمام القوى العقلية البشرية ~~للبحث عما اشتملت عليه الكائنات من العجائب واستقصاء أسباب التمدن والتقدم، يتحصل على ~~نتائج السعادة الدنيوية والأخروية. # ثم إن الإنسان يختلف بعضه بالتمدن والحضارة وحب التقدم، وبعضه بالدعة والسكون وحب ~~الكسل، والبعض لا يكاد يميز عن الحالة الوحشية إلا بالهيئة البشرية وبعض استعمال ~~القوة العقلية. فالنوع الأول من تمكنت منه أسباب التربية البشرية والحالة الحضرية ~~المدنية، والنوع الثاني الذي لعدم استكمال تلك التربية فيه وتمكنها منه يكون غالبا ~~مولعا بحب الدعة مائلا للكسل، والنوع الثالث هو الذي يفضل ألفته الجنسية النوعية عن ~~الاختلاط والامتزاج بمن جاوره من الأمم، فيكون في حالة حشمة بعيدا عن التمدن والحضارة ~~مشهورا بالجفاء والقسوة. # فأما النوع الأول؛ فهو غني باستكمال التربية فيه وتمكنها منه عن الحث على طلب أسباب ~~الحضارة والتقدم. وتأثير الهمة الإنسانية فيه كافية له في جميع مقاصده؛ إذ بها يتسلطن ~~على من جاوره ويحوز كمال الشرف وباذخ المقام. # وأما الثاني - يعني: المائل للدعة التي هي في الإنسان غريزة طبيعية - فهو الذي يكون ~~مولعا بالقوة الشهوانية التي هي في الحقيقة خدمة للجسم مذمومة أحيانا في الإنسان. ~~وتلك القوة هي التي تجذب الإنسان عقيب تعب الأعمال الفكرية أو البدنية إلى الراحة ~~والسكون، كما تدفعه قوة العمل عن مركز البطالة وحب النشاط والحركة والأعمال. وهاتان ~~القوتان هما حالتان في الإنسان لا تكاد ترجح إحداهما عن الأخرى، بل هما في الإنسان على ~~حد سواء. # فالأولى تسمى قوة الشهوة والملاذ التي تدعو الإنسان لجميع الملاذ البدنية، فتلقيه ~~في مهاوي التأخر وحب الشهوات الحواسية، وتوصله إلى الدرجة الحيوانية. وأما الثانية ~~فتسمى بقوة الأمل والعمل، وهي التي تبعث الإنسان على حب الأثرة والتقدم وكمال الائتناس، ~~وبها تكون راحة الروح واستكمال فضيلة النفس والروح النورانية أو النفس التي تكون قد ~~حازت الفضيلة التامة؛ حيث تجمع في الإنسان ضروب السلطنة العقلية وتبين له درجات الكمال ~~الكاملة المدنية. وهاتان اللذتان المتباينتان، وإن اشترك فيهما جميع النوع البشري على ~~اختلاف طبقاته وتباين درجاته، إلا أن لذة العمل ms06 منحة إلهية ولذة الكسل والدعة محبة ~~شهوانية. # ومن فضل الله - سبحانه وتعالى - على عبده أن علمه وجوه المكاسب وأوقفه على دقائق ~~الفنون والصنائع؛ حيث ذم البطالة ومدح السعي بقوله - تعالى: # وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى ~~(النجم: 39)، وقال - تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله ~~(الجمعة: 10)، أي: اطلبوا المعاش الذي به قوام حياتكم، ~~وفضل الله هو رزقه الذي تفضل به على عباده، والسعي مشكور في جميع الأحوال والبطالة لا ~~تفيد صاحبها إلا الذل والحرمان، ومن شأن البطالة أن تبطل الهيئات الإنسانية؛ فإن كل ~~عضو أو جزء من أجزاء الجسم إذا ترك استعماله تعطلت حركته، كالعين إذا أغمضت واليد إذا ~~شلت. ولكل عضو في الإنسان حكمة إلهية وحركة جعلها فيه لتتحد الحركات بعضها مع بعض ~~وتصير حركة واحدة، وهي حركة مجموع الأعصاب البدنية التي يقوى بها الإنسان على السعي ~~وطلب الرزق، فإن الله - سبحانه وتعالى - لما جعل للحيوان قوة التحرك العظيمة لم يجعل له ~~رزقا إلا بسعي ما. # ومن هنا لا ينبغي أن يتوهم أن هذا مناف للتوكل، بل التوكل لا بد منه في جميع ~~الأحوال، إنما يكون مع مباشرة الأسباب. فقد ورد في الخبر عن خير البشر أن الله يقول: ~~«يا عبدي، حرك يدك، أنزل عليك الرزق.» وفي قصة السيدة مريم - عليها السلام - أكبر ~~عبرة وأعظم معجزة، لما كفاها - سبحانه وتعالى - مؤنة الطلب بأن أمرها بهز النخلة ولم ~~يجنها لها، وهو قوله - تعالى: # وهزي إليك بجذع ~~النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ~~(مريم: 25)، وقد أشار ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى أن التوكل ليس التعطيل، بل لا بد فيه من نوع من السبب، فقال - عليه ~~الصلاة والسلام: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير؛ تغدو خماصا ~~وتروح بطانا.» فإن الطير ترزق بالطلب والسعي. # نعم، لا ينبغي الإفراط في الكد والجهد، كما لا ينبغي قطع النظر عن الاستراحة في ~~بعض الأحيان، والاعتدال أليق في جميع الأحوال. # ولنرجع الآن إلى بحثنا الأول، وهو أن نبين النوع ms07 الثالث الذي يفضل ألفته الجنسية ~~النوعية عن الاختلاط بمن جاوره من الأمم المتمدنة كما تقدم، وهذا النوع لا يكاد يعلم أي ~~الأمرين غالب عليه، أحب الدعة والسكون، أم حب الأمل والعمل؟ فإنك تراه من جهة ~~دائما يكلف نفسه باحتمال المشاق والأتعاب بتجوله بين الجبال والقفار واقتحامه مواقع ~~الشرور والأهوال. ومن جهة أخرى لا تكاد ترى له عملا يحمد أبدا وهو في معزل عن سائر ~~أسباب الحضارة والفلاح، وأفعاله أشبه بأفعال الوحوش؛ وما ذلك إلا لانعزاله عن المخالطة ~~والائتناس بمن جاوره من الأمم المتمدنة. على أنه قابل في كل آن للتربية والتهذيب ~~لاستكمال القوى البشرية فيه وتمام الناطقية التي يمكنه بهم التأنس بالناس واستعمال ~~الوسائل الموصلة للحضارة والتمدن وحب العمران. فإن من منح الله - سبحانه وتعالى - أن ~~خص الإنسان بالصفات المعنوية التي هي أسرار الناطقية، وجعل له العقل سراجا يهتدي به ~~إلى سبل الفوز والنجاح، ويدرك ما اشتملت عليه الكائنات من العجائب الدالة على القدرة ~~الإلهية والحكمة الصمدانية. # ومن أهم ما أنعم الله به على عباده من الأسباب المؤدية إلى التمدن والسعادة الدنيوية ~~والأخروية، إرساله الرسل بالشرائع الحقة وبيانهم للناس أسباب الفوز، وانتشالهم من ~~ورطات التهور والجهل بالحقائق والمصنوعات، وإرشادهم لما به انتظام أحوالهم وتقدمهم ~~وسلوكهم طرق الآداب الإنسانية والتمسك بالأخلاق الحميدة المدنية. ولا شك أن سيدنا ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # أعظم الأنبياء شأنا وأوضحهم محجة وبرهانا، وأن شريعته هي الشريعة ~~المؤسسة على العدل، الداعية لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، كما سأبينه في الفصل ~~الآتي إن شاء الله - تعالى. # الفصل الثاني # | في قابلية الأمة الإسلامية للتمدن أكثر ممن عداها # وذلك أننا إذا اعتبرنا أصول الشريعة الإسلامية نجدها أساسا لتمدن جميع النوع البشري ~~بما اشتملت عليه من الآداب الدينية والعدالة والحث على التمسك بجميع الخصال الحميدة ~~المندوب إليها كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية. لكن لما كان غالب العامة مكتفيا عن ~~تلك الأصول بتعلم فرائضه الدينية فقط، وكان الوقوف على معرفة تمام الأحكام الدينية ~~مخصوصا بالعلماء والمتفقهين، كان أكثر العامة يجهل تلك ms08 الأصول والقواعد المبنية على ~~العدل، الداعية للتمدن المرشدة لسبل العنايات؛ ولذلك إذا طرأ على مسامعهم أن الحاكم أمر ~~بإجراء أمر ما في البلاد لم يطرأ على مسامعهم من قبل، يتألبون ويهيجون بقولهم: إن ~~هذا شيء مغاير للشرع. # على أن الحاكم العاقل يتحقق أن نظام هذه الأمة لا يتم إلا بإجراء تمام الأصول ~~الشرعية؛ لأنهم قد ينفرون من إجراء بعض المستحبات لعدم معرفتهم بالحقيقة التي ربما يظهر ~~لهم أخيرا أنها غير خارجة عما أمر به الشارع، فكيف إذا أراد الإتيان بأمر عقلي ~~ينكرونه عليه كل الإنكار ورام بثه بين الناس؟! # وفضلا عن ذلك، فإن الحاكم العاقل العادل لا يحتاج في جميع أعماله إلى التحسينات ~~والتقبيحات العقلية؛ لأن الشريعة الإسلامية ما تركت شيئا من الأمور الدينية والدنيوية ~~إلا وحصرته مع بيان تفصيل ما يحسن العمل به وما لا يحسن، ومعلوم أن ما لا يحسنه ~~الشرع لا يحسنه العقل. وقد دونت الأئمة المجتهدون في ذلك كتبا لا تحصى فائدتها. ~~غير أنه لما كانت الإصلاحات الخيرية في البلاد، وبيان أسباب التمدن والتقدم منوطة ~~بالحكام دون العلماء، كانت العامة تنكر كل عمل يأتي به الحاكم إلا بإذن الشارع حتى ~~تطمئن قلوبهم للعمل به كما تقدم، وجب على الحكام الاشتراك مع العلماء لبيان أسباب ~~التسهيلات الشرعية وبث أسباب السعادة وأنوار التمدن شيئا فشيئا؛ لتتمكن التربية ~~الأهلية منهم. على أن آدابهم الدينية وواجباتهم الشرعية كافية للتخلق بالأخلاق الحميدة ~~والتأديب بالآداب الإنسانية والتهذب للعقول البشرية، بخلاف ما هو مشاهد الآن، من غالب ~~المدعين بالتمدن وحب الشرف الإنساني من الأفعال التي تأباها النفوس الإسلامية الشريفة ~~التي تضطرهم إلى اجتنابها آدابهم الدينية وشهامتهم الإسلامية، وأخصها صيانة ~~العرض. # وبالجملة، فإن هذه الأمة قابلة للتمدن أكثر ممن عداها من الأمم؛ لما تأسست عليه ~~شريعتها من العدل الذي هو رأس كل فضيلة، ولاتباعهم الأوامر الإلهية والتمسك بالأصول ~~الدينية الداعية لخير ونجاح الدنيا وثواب الآخرة. # فقد قال وحيد عصره أحمد أفندي فارس في كتاب رحلته المسمى ب «كشف المخبا عن فنون ~~أوروبا» عند ذكره ms09 وصف باريس وأحوال الفرنسيس ما نصه: «ومن ذلك أنهم لا يزالون ينقرون عن ~~الحقائق ويودون لو يعلمون كل أمر من نصه، وقد خرقوا في كل علم وبرعوا في كل فن. ومع ~~ذلك فقد عزب عنهم أهم الحقائق، وهو ضرورة وجود الدين لكل من السائد والمسود والرئيس ~~والمرءوس، ولو سلم لهم بأن الكيسين وأهل المعارف والآداب غنيون عنه بما فطروا عليه من ~~حسن الأخلاق أو حسنوا به إملاءهم من مطالعة الكتب، لم نسلم بأن الرعاع الذين هم الجمهور ~~الأعظم في كل البلاد غير مفتقرين إلى دين يردعهم عن الشرور والمعاصي ويحثهم على فعل ~~الخيرات؛ ولولا ذلك لأكل القوي الضعيف، فإن قلت: كيف يأكله والحاكم من ورائه؟ ليس ~~في كل الأمور يمكن استحضار الحاكم والاستغاثة به، ألا ترى أنه إذا اجتمع مثلا اثنان ~~وبطش القوي منهم بالضعيف، أفيكون لصاحب الحكم عين باصرة أو أذن سامعة للقصاص؟! فكم ~~من قضية جرت بين الناس وفاتت اجتهاد أهل السياسة والأيالة؟! ولكن إذا كان الناس ~~يستحضرون خالقهم في السر والعلن ويخافون عقابه ويرجون ثوابه، كان لهم بذلك أعظم رادع ~~ووازع، فاتصاف أمة بعدم الدين من أعظم ما يهين شرفها ويخفض قدرها.» انتهى كلامه ~~بحروفه. # الفصل الثالث # | في حقيقة التمدن الذي هو اتباع ما جاء به الشرع وسنة الرسول # اعلم أن أول درجة من درجات التمدن هو اتباع ما جاء به الشرع وسنة الرسول والأخذ ~~بالنواميس الإلهية، وتصديق ما أنزل الله من الكلام على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام؛ ~~إذ إن كل من خالف الشرائع معرضا عما أمر الله من اتباع سنن المعروف والإذعان للأوامر ~~الإلهية، يعد أول جاهل قد أعمت بصيرته وساوس الشيطان، وهو لا شك عديم التبصر، ما عنده ~~من إدراكات ذوي العقول البشرية المدنية ولا ذرة؛ فإن كل ما تأتي به الرسل هو عين التمدن ~~الحقيقي. # والعاقل البصير لا يشك فيما أنزل الله وسنه الرسول مما يرشد إلى سبل العناية ~~الدنيوية والأخروية، ويبين للإنسان عظم القدرة الإلهية وتصرفها بما تقتضيه المشيئة، وإن ~~ما جاءت به ms10 الشريعة الإسلامية من الأصول والأحكام هو الذي نشر التمدن في أقطار العالم ~~بما انبعث عنه من أنوار الهدى والعدالة التي عمت سائر الآفاق فمحت ظلام الجهالة ~~والاستبداد. # ومن تأمل فيما كانت عليه أكثر الأمم السالفة من التهور والسذاجة، وقاسها بمن جاء ~~بعدهم بعد ظهور الأمة الإسلامية، تحقق له صدق ذلك، على أنه لا يختلف فيه عاقلان. فقد ~~قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أتيتكم بشريعة حنيفية بيضاء، لم يأت بها نبي قبلي، ولو كان ~~أخي موسى حيا لم يسعه إلا اتباعي.» وقال - عليه الصلاة والسلام: «إن الله بعثني لتمام ~~مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال.» وقال - تعالى - في كتابه الكريم: # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~(الأحزاب: 45-46)، وقال - تعالى: # وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ~~(الأنبياء: 107)، فلا شك أن الله - سبحانه وتعالى ~~- رحم عباده بهذا النبي الكريم، فأتى بما لم يأت به نبي من قبله، مظهرا حقيقة الحق ~~للناس كاشفا لهم عما اشتملت عليه الكائنات من حقائق الحكم الدالة على وحدانية الله - ~~سبحانه وتعالى، مبينا لهم بذلك الطرق المؤدية لخير الدين والدنيا ليميزوا الحسن من ~~القبيح ويفرقوا بين السقيم والصحيح، فانتشل به # صلى الله عليه وسلم # هذا العالم من حضيض الحيرة ~~والضلالة، وكانت شريعته سبب انتظام العالم وأمته خير أمة أخرجت للناس، وبها انتشر ~~التمدن في الأقطار وانبثت في الناس روح الحضارة والتقدم بما رفع عن عاتقهم من ثقل الجور ~~والتهور والاستبداد. # ولما كانت الملوك الإسلامية لا تفتر عن الفتوحات وبث العلوم والمعارف في الناس، كانت ~~الحضارة والتقدم ينتشران شيئا فشيئا في الأرض حتى تيسر لهم بزمن قليل تمدين أكثر ~~العالم بواسطة فتوحاتهم العظيمة وتقدمهم في البلاد التي نالت بحلولهم أسباب السعادة ~~والترقي، وكل ما فتحوه من البلاد رغبوا أهله في الدخول في هذا الدين القويم وترك التهور ~~والضلال، وما مضى على ذلك إلا سنين قلائل حتى انتشر الإسلام من الشرق في الهند إلى ~~الغرب في بلاد الأندلس «إسبانيا». والاستيلاء على هذا كله مما يتعذر على ms11 أعظم دولة ~~الاستيلاء عليه بجملة قرون، وهذا أعظم دليل على ما بني عليه هذا الدين من قواعد العدل ~~وأساس التمدن. # ومن نظر في قوانين وأحكام باقي الأمم المتمدنة التي توصلت إليها عقولهم بالاستنباطات ~~التي وضعوها بقوانين مخصوصة للعالم، وجد أن تلك القوانين التي جعلوها أساسا للأحكام ~~قل أن تخرج عن الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات ~~بين الناس. وعبر عن تلك القوانين العلامة رفاعة بك المصري بما معناه ما يسمى عندنا ~~بعلم أصول الفقه يسمى ما يشبه عندهم «بالحقوق الطبيعية والنواميس الفطرية»، وهو عبارة ~~عن قواعد عقلية تحسينا وتقبيحا يؤسسون عليها أحكامهم المدنية، وما نسميه بالعدل ~~والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية. أقول وهذه القوانين هي القوانين المدنية ~~المستعمل غالبها الآن عند الحكومة المصرية. # وبالجملة، فإن الشريعة الإسلامية هي التي نظمت العالم بالقوانين الإلهية المبنية على ~~العدل والإنصاف كما تقتضيه الأوامر الصمدانية من نظام هذا العالم، وبيان حسن معايشهم ~~ومنعهم عن الجور والتصدي لحقوق بعضهم؛ لأجل أن ينالوا بذلك معاش الدنيا وثواب الآخرة. ~~وإن عين التمدن هو ما جاءت به الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - واتباع ما سنه ~~الشرع وأمر به الرسول، مع اتحاد الأمة على طلب العلوم والمعارف وإحراز التليد منها ~~والطارف. # الباب الثاني # | في العلوم والمعارف والحث على التمتع بظلها الوارف # وفيه فصلان # الفصل الأول # | في العلوم وأصول التعلم والتعليم وبيان ما في ذلك من النفع العميم # اعلم أن من أقوى أسباب سعادة الأمة وتقدمها تولعها بالعلوم والمعارف الجالبة لخير ~~البلاد وثروة العباد، التي بها يعلو منار التمدن والسعادة وتكسب المملكة رونق المجد ~~والسيادة. وهذان الأمران هما ركنا الأوطان وأساسا غناها وتقدمها، وبهما يتحصل الإنسان ~~على ثمرات المجد والفخار. # ولما كانت العلوم هي التي عليها مدار النجاح وبها يترقى الإنسان إلى درجات المعارف ~~والفلاح، اقتضى أن نبين أولا أصول التعلم والتعليم، معرضين في ذلك عن زيادة التطويل ~~والإسهاب. # فنقول: العلم هو ما يتوصل به الإنسان لمعرفة المجهولات من الأشياء التي لا تتم ~~معرفتها إلا بالبحث ms12 والاطلاع، وهو صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم ~~وصول النفس إلى معنى الشيء. وقيل: إنه غني عن التعريف، وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، ~~والجهل نقيضه. # والتعلم هو جزء من التربية المعنوية؛ لأن التربية نوعان: التربية الحسية وهي تربية ~~الجسم وتنميته، والتربية المعنوية وهي تربية الروح، يعني تهذيب العقل وترويض الذهن ~~والفكر. وقسم هذه التربية العلامة رفاعة بك المصري إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: # تربية النوع البشري، يعني: تربية الإنسان من حيث هو إنسان، يعني: ~~تنمية مواده الجسمية وحواسه العقلية. القسم الثاني: تربية أفراد ~~الإنسان، يعني: تربية الأمم والمال. والقسم الثالث: التربية العمومية ~~لكل إنسان في خاصة نفسه، وهي تربية الإنسان الخصوصية. فالقسم الأول ~~طبيعي إلا أنه كالشجرة الصغيرة التي تكون في أول نموها لا تكبر وتنمو ~~ويطيب ثمرها ما لم تتعهدها بالتقليم والماء في أوقات معينة، وتكون ~~أرضها جيدة التربة طيبة الثرى، فحينئذ تنمو ويحسن شكلها ويطيب ثمرها؛ ~~ولذلك لا يكون هذا القسم غالبا إلا بأيام الشبيبة والصبا اللذين ~~بفواتهما يفوت المرء ما يؤمله من تحصيل أسباب السعادة والسيادة؛ فلذلك ~~ينبغي لكل إنسان ألا يضيع أوقات شبيبته سدى مشتغلا بما يذيقه عاقبة ~~مرارة الندامة والحرمان. شعرا: # إن الصبا فرصة إن كنت تكسبها # نلت المراد وإن أغفلتها تزل # ومما ينسب إلى الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - قوله: # أليس من الخسران أن لياليا # تمر بلا علم وتحسب من عمري # وبالجملة، فالتعلم في سن الشبوبية أسرع لتحصيل العلوم وأليق، ومهما ~~اجتهد الإنسان عند بلوغه سن الكبر لا يستفيد ما يستفيده الشاب بزمن ~~قليل من حياته. # القسم الثاني: # هو تعليم أحكام الدين الواجب معرفتها على كل إنسان، وهذا غالبا يكون ~~بهداية الله - سبحانه وتعالى. ومن رحمته - سبحانه - بالعبد أن ينور ~~بصيرته وقلبه ليعرف حقيقة الحق وقدرته العظيمة التي تحير العقول، ويأخذ ~~بما جاءت به الرسل من البينات، إلا من أضله الجهل بالحقائق وأعماه ~~الغرور. # واعلم أن الله - سبحانه وتعالى - قد شرف دين الإسلام على ما سواه من ~~الأديان بما خصه من ms13 المزايا الشريفة العظيمة، وأجلها معرفة الله - ~~سبحانه وتعالى - والإقرار بوحدانيته الصمدية، والوقوف على حقيقة ~~الموجودات الدالة على بديع صنعه، والتمتع بالحقوق الإنسانية بدون ~~اعتداء الناس بعضهم على بعض، بما اشتمل عليه من القوانين الإلهية ~~والأصول الشرعية التي مرجعها القرآن الشريف المنزل بالحق على نبيه ~~الكريم # صلى الله عليه وسلم # فلذلك يجب على المسلم تعليم الأحكام الدينية والأصول ~~الفقهية والوقوف على دقائق العلوم الشرعية، لقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لغدوة في ~~طلب العلم أحب إلي من مائة غزوة.» وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الملائكة لتضع ~~أجنحتها لطالب العلم.» وما جاء بفضل العلم والعلماء قل أن ~~يحصى. # القسم الثالث: # هو ما يشمل الناس كبيرهم وصغيرهم، ويشترك بمنافعه غنيهم وفقيرهم. وهو ~~على ثلاث مراتب: الأولى: هي العلوم الابتدائية التي قل أن يخلو منها ~~إنسان في الأمم المتمدنة، وهي القراءة والكتابة وأصول الحساب والهندسة ~~والنحو والصرف. # فأما الكتابة فإنه مندوب إليها لحديث: «استعن بيمينك.» أي: بأن تكتب. ~~ولا يخفى ما بها من الفوائد العظيمة والمنافع العميمة؛ فإن الله - جل ~~شأنه - تفضل على عباده بأن ألهمهم الكتابة التي بها ضبطت أحكام الدين ~~ودونت أخبار الأولين. وأما الصرف فهو لإصلاح اللسان ومعرفة تراكيب ~~الجمل الخالية من اللحن، وهو أساس لسائر العلوم. وأما الحساب والهندسة ~~فهما غنيان عن التعريف؛ إذ نفعهما بين الناس معلوم، وهذا التعليم ~~الأولي ضروري لجميع الناس على اختلاف أجناسهم؛ إذ به يحسن حال الهيئة ~~الاجتماعية، ويعم نفعه جميع الرعية سيما أرباب الحرف والصناعات، إذا ~~كان لهم إلمام بالكتابة تسهل عليهم الاختراعات والتفنن في صناعتهم بما ~~يطلعون عليه من الكتب الموافقة، كل على حسب مرغوبه. وبالجملة، فإن ~~احتياج كل الناس لهذه العلوم كاحتياج الطعام للملح، ولا غنى لأحد من ~~العموم عنه. # وأما التعليم الثانوي الذي مرتبته أعلى من مرتبة ما قبله، فهو غالبا لا يلتفت ~~للبراعة فيه أكثر الناس لصعوبة مسلكه. فينبغي للحكومة تشويق الناس إليه وترغيبهم فيه مع ~~إجراء الوسائل المسهلة لتحصيله، كإنشاء مدارس مخصوصة منتظمة وجلب معلمين وأساتذة ~~ماهرين؛ فإن هذا ms14 التعليم هو السبب الأعظم لتمدين جمهور الأمة وتنوير أبصارها وتقدمها في ~~ميادين المعارف والحضارة. وأنواع هذا التعليم كثيرة، فما ينبغي تعلمه منها واشتغال ~~الأهالي بالأهم فالأهم؛ منه علم الجغرافية الذي يتوصل به الإنسان لمعرفة ما اشتملت عليه ~~الكرة من البحار والجبال والقرى والبلدان والطبائع وعجائب الحيوان، ولا أقل من أن يتوصل ~~به الإنسان لمعرفة جغرافية بلاده ووطنه. والعلوم الرياضية بأنواعها والتاريخ والمنطق ~~وعلم المواليد الثلاث والطبيعة والكيميا والإدارة الملكية وفنون الزراعة والمحاضرات ~~والإنشاء وبعض الألسنة الأجنبية التي يعود نفعها على الوطن. # وهذه العلوم هي التي عليها مدار أكثر المدارس في الأمم المتمدنة ولمصر فيها بعض ~~الإتقان الآن. وأما مرتبة العلوم العالية؛ فهي اشتغال الإنسان بعلم يتبحر فيه بعد ~~تحصيله علوم المبادئ والتجهيزات، كعلم الفقه والطب والفلك والجغرافية من كل علم يجب ~~تعلمه وجوب عين أو كفاية، وهو أن يجول صاحبه في أصوله وفروعه غاية الجولان، حتى ~~يكون كالمجتهد فيه، فيجب ذلك على أفراد في كل قطر يكون لهم استعداد وقابلية لبلوغ ~~أقصى نهاية المعارف التي بها نظام دين ذلك القطر ودنياه، ليقوموا ببث ذلك ويكونوا ~~كالمجددين فيه. # وكما أن التعليمات الأولية يجب أن تكون عامة لجميع الأهالي شاملة عموم الناس، ينبغي ~~أن تكون أيضا الثانوية منتشرة بين الأمة وأبناء الأهالي القابلين لتعلمها وإتقانها، ~~بخلاف العلوم العالية المعدة لأرباب السياسة والحكومة وأبناء الحل والعقد. فإنه ~~ينبغي جعلها مقصورة على تلامذة وأناس مخصوصين مقيدين بقيود خاصة من الغنى والاعتبار ~~لا يحصلها إلا ذوو اليسار من الناس الذين لا يضر تفرغهم للعلوم العالية وانقطاعهم ~~إليها؛ إذ من العبث ومن الخطر أيضا تفرغ صاحب صنعة ينتفع منها الناس لطلب هذه العلوم ~~المنوطة بأرباب السياسة والاعتبار، وتركه صنعته التي يتعيش منها رغبة في دخول دائرة ~~معالي المعارف التي لا تصلح إلا لأهلها. # فينبغي للحكومة عدم الترخيص للتلامذة الذين درسوا العلوم الأولية والثانوية أن ~~ينتظموا بسلك أرباب المعارف القصوى، إلا من فيه اللياقة لها. كما لا ينبغي حرمان ~~التلامذة ذوي اللياقة من وظائف الحكومة الأهلية؛ إذ ms15 ليس من العدل أن تلميذا قضى ريعان ~~شبابه في المدارس وصرف أكثر أيامه بطلب العلوم رغبة الاستخدام في الوظائف المحلية وأن ~~يشارك بما انتفع به عموم الرعية، أن يقطع أمله منها ويحرم مما اكتسبه من العلوم ~~بإبعاده عن أسباب الترقي بالخدمات الملكية، حتى يستولي عليه الأسف ويتضع شأنه بين ~~الأقران وربما أهلكه القنوط، كما يستولي اليأس على غيره من التلامذة الذين لهم ميل ~~لما تقدم ويرون ما حل برفيقهم فتبرد همتهم وتقل عزيمتهم، فينشأ حينئذ الإهمال وعدم ~~رغبة التلاميذ لقنوطهم من اجتناء ثمرات متاعبهم. # ثم إنه متى استكمل التلميذ العلوم الابتدائية والتجهيزية وظهر ميله لخصوصيات تناسب ~~حاله من الصناعة والفنون وغير ذلك مما يتحصل به على نتيجة حسنة، وجب على أهله تمكينه ~~منها وإعانته على مرغوبه، إلا إذا كان مائلا نحو مطامعه الشهوانية فينبغي لهم زجره ~~عنها ومنعه ما استطاعوا وإرشاده للوسائل المؤدية للسعادة والترقي. # هذا وليس من اللازم أن جميع المدارس المعدة لتعليم هذه العلوم أن تكون على نفقة ~~الحكومة، بل إن المدارس التي تكون على نفقة الحكومة ومن خصائصها، هي المدارس الحربية ~~والملكية. والحكومة تكون واسطة لتقوية جمعيات المعارف الخيرية في البلاد وتمد إليهم يد ~~المساعدة مع ملاحظتهم فيما لا بد منه في بعض الأحيان، وعلى حسب استعداد الأهالي للأعمال ~~الخيرية وميلهم للفنون والمعارف، يجب عليهم أن يبذلوا الجهد بإنشاء المدارس ونشر ~~المعارف والعلوم. # كما ينبغي التدقيق بانتخاب المعلمين الماهرين بالعلوم المؤسسة عليها المدرسة المراد ~~إنشاؤها، وأن يكون أولئك المعلمون متحصلين على شهادات تثبت معلوماتهم التامة بتلك ~~الفنون التي تضمن حسن مستقبل التلامذة الراغبين في التعليم؛ فإن وظيفة المعلمين وظيفة ~~مهمة تستدعي دقة النظر. # ثم يجب اختصاص كل عشرة أو عشرين تلميذا بمعلم واحد يقوم بتعليمهم، فإن ذلك أيسر ~~للتعليم وأقرب لتهذيب التلاميذ وتأديبهم، بخلاف ما إذا كان كل مائة أو مائتين يتلقون ~~العلوم عن معلم واحد أو اثنين؛ فإنها لا تتمكن منهم التربية كما ينبغي. بل إذا كان كل ~~عشرة تلاميذ مثلا يقوم بتعليمهم واحد يشتغلون بجانبه ms16 أوفق، وعند تمام الدرس يحضر بهم ~~إلى محل التدريس العام الذي يجتمع فيه سائر التلامذة لتلقي دروسهم، وينبغي للتلاميذ ~~الإذعان لأوامر معلميهم وعدم مخالفتهم والنظر إليهم بعين التوقير والاحترام. كما يجب أن ~~يكون المعلم لين العريكة يمزج الشدة باللين، مهذب الأخلاق حسن الخصال، متحليا ~~بحلى الكمال، ليقتبس منه التلميذ السجايا الحميدة؛ إذ ربما يستفيد الغلام من الأستاذ ما ~~لا يستفيده من أبيه من الخصال؛ لأن المعلم هو القائم بتربيته وتأديبه وتعليمه ~~وتهذيبه. # ومن الأسباب المنشطة للتلاميذ رياضتهم في بعض الأوقات، وبإعطائهم الفرص المناسبة ~~للسفر القريب بالسكك الحديدية أو سواها، وتنزههم في بعض الأحيان لتصفو أذهانهم وترتاح ~~قواهم العقلية عقيب تعب الأعمال الفكرية، والتصريح لهم غب الدروس بالألعاب الخفيفة ~~كالجملاستق التي تكون أدواتها معدة لهم في فسحات المدارس، وعند خروجهم في أوقات الفرص ~~من محال التدريس تكون لهم على سبيل الرياضة والتمرين، ويستفيدون منها الرشاقة والنشاط ~~والخفة بالحركات البدنية، فإن مدارس أوروبا عموما قل أن يخلو منها هذا الفن. ~~وبالجملة، فإن الأمة التي تقبل على هذه العلوم والآداب المقدم ذكرها، ينتظم حالها ~~ويعلو منار شأنها وتنبث فيها روح الحضارة والتقدم، واكتساب المعارف الجالبة لتمدن ~~البلاد وحسن حال العباد. # الفصل الثاني # | في الحث على طلب المعارف والتمتع بظلها الوارف # اعلم أن الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كل زمان أناسا ذوي دراية وذكاء يقومون ~~بواجبات الأوطان، مجددين ما اندرس من معالم الفضل والعلوم، باذلين جميع ما في وسعهم لما ~~به كسب حقائق حوادث المعارف البشرية، فيشاركون الناس بما اجتنته عقولهم من رياض الحكم ~~والفضائل، ويخلدون بين الناس آثارا لا تزال تذكرهم بالثناء العاطر بما يتركونه من ~~التآليف العظيمة والاختراعات النافعة العميمة التي يقوم بها أود البلاد وتزيد مصلحة ~~العباد. # كيف لا؟! والبلاد التي تقبل أهلها مطالعة العلوم واجتناء ثمرات المعارف والفنون يكون ~~لها في أوج السعادة المقام الأسمى، وتنال أهلها في ميادين التقدم والثروة الغاية ~~القصوى، فتتيه بالفخر والغنى على مدى الزمان، ويشار إليها حينئذ بالبنان. وأما ~~البلاد التي يكون أهلها في ms17 حضيض الجهل متمسكين بالكسل الذي يفضي بالإنسان إلى التأخر ~~والاضمحلال، فإنها تصبح بعيدة عن الثروة والتقدم، محرومة من أسباب ترقيها وغناها، لا ~~يكاد يكون لها أثر يحمد ولا ذكر يخلد. بخلاف ما إذا كانت الأمة متحدة على نشر العلوم ~~والمعارف، متفقة على إعلاء كلمتها وتوفير ثروتها كي لا تتأخر بين الأمم ولا يفوتها كل ~~ما به السعادتان الدنيوية والأخروية، فتلك هي التي تحلي سطور التواريخ بجميل ذكرها، ~~وتقلد جيد الزمان بدرر فنونها، كما هو مشاهد الآن وفي كل زمان كيف أن البلاد ~~التي تتسع دائرة معارفها وتبلغ غاية الحضارة والتمدن تمتص جميع ما تدره البلاد ~~المقصرة في المعارف القليلة الإلمام بالفنون والصنائع؟ # وهاك شاهدا لا يقبل النقيض، وهو أن البلاد المصرية مثلا ما زالت ولم تزل دارا ~~للعلوم منطوقها والمفهوم، لكنها قليلة الصنائع والفنون؛ لأنك إذا نظرت لمحصولاتها ~~القطنية وجدتها كل سنة تبلغ نيفا وثلاثة ملايين قنطار تقريبا، وهذه الأقطان جميعها لا ~~يستفيدون منها سوى أثمان أعيانها، وأما التطويرات العملية المورثة للثروة العظيمة فإنها ~~تكون لأهل أوروبا؛ فمصر إذن في غبن عظيم بالنسبة لأوروبا إذ إن هذه الثلاثة ملايين ~~قنطار من القطن يبلغ ثمنها ستة إلى تسعة ملايين جنيه «ليرة»، فما تأخذه منه أوروبا ~~وترسله بعد تطويراته العملية بما يبلغ العشرين أو الثلاثين مليون جنيه مثلا، فانظر ~~أيهما الرابح وأيهما المغبون؟ # فإن قلت: ألا تعلم أنهم لا يتحصلون على هذا الثمن إلا بعد تكبد أضعاف ثمن الأقطان من ~~المصاريف العظيمة والتكاليف الجسيمة كأجر الصناع والحياكين والصباغين ~~والنساجين والشيالين (إلخ)، أقول وهذه هي الأرباح المراد بها للبلاد النافعة ~~للوطنيين. فلو كان المصريون مولعين بحب المعارف التامة مجتهدين في تحصيل الفنون ~~والصنائع، لما احتاج الأمر إلى تكبد الأضرار، بل كانت معاملهم الصناعية تغنيهم عن ~~البضاعة الأوروباوية مع اغتنامهم ثمار ثروتها، وهكذا حال سائر البلاد المتقدمة في ~~الصنائع التي مهر أهلها بالاختراعات والفنون التي لا تستفاد إلا بمزاولة كتبها، ومطالعة ~~وتحصيل العلوم التي دونها ذوو العقول من العلماء الذين صرفوا معظم حياتهم بنفع ms18 وطنهم ~~وأمتهم وتعميم فوائد علومهم، لا بالانهماك على الكتب الخرافية والقصص الملفقة الكاذبة ~~التي لا تفيد صاحبها إلا خمول الذهن والبطالة كمل هو مجرب. # ثم ينبغي لمحصل الفنون الصناعية والعلمية أن ينفع الناس بعلومه ومعارفه؛ فإن العالم ~~من ينتفع بعلمه ليس العالم الذي ينفع نفسه وزاوية بيته. ولسوء البخت أن ديارنا ~~السورية والديار المصرية أيضا فيهما من العلماء بكافة العلوم أناس كثيرون، إلا أنهم ~~قليلو العمل، فإنا ما رأينا أحدا منهم اخترع آلة بديعة أو عملا جديدا، أو أي شيء من ~~الاختراعات نافع لأبناء الأوطان ومغن لهم عن الاحتياج للأعمال الأوروباوية. وربما يكون ~~هذا ناشئا عن إهمال الحكومة لذوي المعارف والفنون، مع أن من واجبات الحكومة الالتفات ~~لأولئك القوم ومد يد المساعدة إليهم، وحث الأمة على طلب العلوم والمعارف بالوسائل ~~الحسنة، وإكرام أرباب الاختراع والتآليف المفيدة، والنظر إليهم بعين القبول، ومساعدتهم ~~وإنهاض هممهم بما تقتضيه الحال، كما هو واقع الآن في معارض أوروبا التي تتقاطر إليها ~~عند التئامها أرباب الفنون والصنائع من جميع الأقطار، وتعرض فيها اختراعاتهم العظيمة ~~النافعة لدى وزراء وسفراء الممالك مع جماهير عديدة من الناس لينالوا بذلك مزيد الشهرة ~~والافتخار، وربما تحصل البعض على وسامات «نياشين» الافتخار، والبعض ممن يكون اختراعهم ~~عظيما ومفيدا للغاية يجعلون له رسما مجسما في ذلك المكان لتبقى شهرته وشهرة اختراعه ~~مدى السنين والأيام، وهكذا يكافئون كلا على قدر عمله بعدما تعلن باسمه ونوع مخترعه ~~جميع الجرائد لتروج بضاعته وتعظم شهرته، فتزيد بذلك رغبة الناس بالمعارف، وتميل أنفسهم ~~لطلب الفخر، ويوطد أمل الإنسان باجتناء ثمرات تعبه وكسبه الشهرة العظيمة والصيت ~~الحسن. # فمتى ننتبه نحن أيضا من رقدتنا ونبادر لما به تقدمنا وثروة بلادنا؟ فإن من الواجب ~~على كل وطني - لا سيما في مثل هذه الأزمان الجديدة - أن يبذل جهده لكل ما به نفع الأمة ~~والأوطان واتساع دائرة العلوم والعرفان، ليتحصل الوطن على أسباب التمدن والتقدم وبحسن ~~حال الهيئة الاجتماعية بتمتعها بالخبرات الوطنية. # ولما كانت عمارية الممالك والمسالك تحتاج لاتساع دائرة الفنون والصنائع وأدواتها ms19 ~~وآلاتها، يسر الله في كل زمان أناسا ذوي دراية وبراعة تامة يقومون بما به إحياء ~~العلوم والفنون كما ذكرنا. ولم يعدم وطننا من هؤلاء الرجال أناسا قادرين على القيام ~~بمهام الخدمة الوطنية الواجبة على سائر أفراد الأمة. غير أن استنهاض هممهم متوقف على حث ~~الحكومة ومساعدتها وترغيبها الناس بالمعارف؛ لتتقدم بذلك الأوطان، وينال أهلها كمال ~~التمدن والعمران. # الباب الثالث # | في واجبات الأوطان والحرية والعدل اللذين هما سبب العمران # وفيه أربعة فصول # الفصل الأول # | في الكلام على الوطن وما في الترحل عنه أو السكن # قد تقدم معنا في الباب الأول أن الإنسان قد خلق مفطورا على الألفة التأنيسية التي ~~تنشأ عنها الاجتماعات البشرية. ولما كان لا بد لكل هيئة اجتماعية من مكان يجمعها ويضم ~~شملها، سمي ذلك المكان بالوطن؛ أي مسقط رأس الإنسان وبلده الذي ربي فيه وانتمى ~~إليه. وهو على ثلاثة أقسام باعتبار النسبة إلى خصوص البلد أو القطر شخصيا كان أو ~~نوعيا، فيقال: فلان دمشقي نسبة إلى بلده دمشق الذي تأصل فيه، ويقال: سوري إلى ~~سورية «بلاد الشام» مجمع الأمة السورية، ويقال أهلي تنسبه إلى الأهل أو نسبة لكونه ~~من أهالي الوطن. # وقد اقتضت الطبيعة البشرية أن كل وطني بعد عن وطنه لا يزال يتشوق إليه ويحن ~~لرؤياه، ولو نال في غيره ما نال من سعادة أو نعيم وترف. والحر لا يؤثر على بلده ~~بلدا ولا يصبر عنه أبدا. وفي الحديث: «حب الوطن من الإيمان.» وقال بعضهم: من علامة ~~الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة. وقيل: «ميلك إلى مولدك من ~~كرم محتدك.» لكن قد يضطر الإنسان أحيانا لمفارقة وطنه ومبارحة عطنه إما لضيق ~~المعيشة ووقوف حال الأسباب، وإما لظلم يناله من قبل الحكام ويضطره لارتياد محل ينتصف ~~فيه ويأمن على ماله ونفسه وينال حرية عمله. ولعمر الحق أن البلاد التي تكون هكذا ~~غير مأمونة السكنى بها ولا الإقامة فيها من الاضطهادات وعدم أمان الرعية على حالهم ~~ومالهم وضيق أسباب التجارة والأشغال، قد يطيب للمرء ms20 أحيانا مفارقتها، وإن تكن وطنه ~~العزيز ومسقط رأسه الذي تربى فيه وتغذى بمائه وهوائه؛ لأن الإنسان ميال بالطبع لحب ~~الراحة وارتياد الرزق والتوسع ما أمكنه بالمعيشة أبيا للذل والاضطهاد. # ومع ذلك، فالتنقل في طلب العلم وارتياد الرزق أو العز والشرف حيث وجد، محمود عند ~~أغلب الناس، والبعض يحث على التجول والتنقل كما في قول المرحوم والدي من قصيدة ~~طويلة: # وإن وجدت بدار ذلة عظمت # عليك فاصبر لها أو شئت فارتحل # إن تختر السير عنها تلتقي بدلا # وإن أقمت فعند الذل لم يزل # أما ترى الماء إن يجري يطيب وإن # طال المكوث به أدى إلى الخلل # والأسد عن غابها لوما تسير لما # نالت فريستها بالسهل والجبل # وقال بعضهم: # إن العلا حدثتني وهي صادقة # فيما تحدث: إن العز بالنقل # لو كان في شرف المأوى بلوغ منى # لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل # وما قيل في الإقامة والتنقل قل أن يحصى، وكل فريق يرجح رأيه على الآخر. وكيفما ~~كان، فللوطن حقوق لا بد من مراعاتها. وحقوق الوطن على الإنسان كحقوق الوالدين، فكما أن ~~الوالد يعتني بتربية ولده وتهذيبه، فإنه أيضا؛ أي: الولد، ينشأ في وطنه متمتعا ~~بخيراته منتعشا بهوائه، رتعا تحت ظله وروائه. فيجب عليه - والحالة هذه - مراعاة ~~الحقوق الوطنية كما سنبينه في الفصل الآتي إن شاء الله - تعالى. # الفصل الثاني # | في الحقوق الوطنية # كما أن الوطن هو الذي يجمع الأمة تحت راية واحدة وأحكام واحدة واسترعاء ملك واحد، ~~ينبغي لها أيضا أن تكون متحدة على كلمة واحدة، منقادة لسياسة واحدة حائزة كمال العفة ~~والشجاعة والفضل وصيانة العرض، مستعدة لمقاومة أعداء الأوطان وصد هجمات المتغلبين؛ كي ~~تكون حرة بوطنها متمتعة بحقوقها المدنية، ويكون كل فرد من أفرادها آمنا على نفسه ~~مالكا حرية وطنه لا يخشى هضيمة في ذاته ولا يوصل الأذية لغيره؛ حتى يستحق حينئذ أن ~~يعد فردا من أفراد المدينة التي هي بمنزلة بيت يضم عائلة واحدة بعضهم بالنسبة لبعض ~~كأعضاء الجسم الذي يحتاج كل عضو منه بحركته إلى العضو الآخر. # كما ms21 ينبغي أيضا أن أهالي الوطن يكونون مقبلين على طلب العلوم والمعارف، عاقدين ~~الخناصر على جلب كل ما يعود نفعه على الأوطان ومائلين للفنون والصنائع التي هي سبب تقدم ~~البلاد وثروتها، لا يستميلهم الكسل ولا الميل نحو حب الشهوات الجسمانية التي تفضي ~~بالإنسان إلى حضيض الذل والبوار، بل دائما يكونون مهتمين بصوالح بلادهم بإجراء الوسائل ~~الآيلة لنجاحهم وتقدم وطنهم، كإنشاء المدارس العلمية والصناعية وتعميم الشركات التجارية ~~ومد السكك الحديدية، إلى غير ذلك مما يتوقف عليه نمو المرابح المتجرية والسعادة ~~الوطنية. # فمن نظر إلى أوروبا من منذ عدة أجيال وإلى حالتها التي كانت عليها عندما كانت تخبط في ~~ظلام الجهل خبط عشواء، وتفرس فيها الآن وفيما آلت إليه حالها من التقدم في المعارف ~~والغنى، ظهر له كيف تأثير الهمم الإنسانية في الرجال، وكيف تبلغ بالأمة إلى معارج الفضل ~~والكمال، وتجعلها منفردة عن بقية الأمم بالفنون والمعارف واكتساب الشهرة والصيت. وهكذا ~~شأن الرجال من أبناء الأوطان الذي يبذلون مالهم وأرواحهم حبا بفائدة وطنهم وسعادة ~~أنفسهم، ويقومون بحقوق المصلحة الوطنية التي ينتظم بها حال الهيئة الاجتماعية. على أن ~~من أعظم الأسباب التي جعلت أوروبا تتقدم بالثروة والغنى على الأمم تعاضد الناس على ~~الشركات التجارية الوطنية، وتعاونهم على المشروعات المهمة النافعة؛ إذ من المستحيل أن ~~واحدا ذا يسار أو اثنين - ولو مهما كانا غنيين - أن يستطيعا إنشاء سكة حديدية أو بنك ~~«محل للقرض» أو معمل للتشغيل ونحو ذلك من المنافع العميمة، ما لم يتعاضد على ذلك ~~المشروع عدة أناس يكونون مشتركين بدفع ما يحتاج إليها الحال من النقود، كل منهم على ~~حسب استعداده وغناه، ليحصل حينئذ تسهيل الأشغال وينال الجميع جزيل الفائدة ~~والأرباح. # ويستنتج من ذلك ما لقوة الاجتماع من القدرة على الأعمال العادية. # وأن كل وطن يتحد أهله على طلب المنفعة والتقدم، تراهم سائدين على من عداهم كثيري ~~الثروة متمتعين بالخبرات الوطنية حائزين تمام الحرية والأمنية، بخلاف الأمة التي تكون ~~متعددة الأفكار والآراء متفرقة الجماعات والأحزاب؛ فإنها لا تزال في تشاحن وتحاسد، ~~وربما تجلب ms22 سوء العاقبة إلى الأوطان، وهي محرومة من أسباب التقدم غير مستحوذة على ~~الحرية الوطنية، بعيدة عن نوال الحقوق العمومية. # لذلك ينبغي لأبناء الأوطان ملازمة أسباب سعادتهم وتقدمهم واتحادهم على دفع كل ما من ~~شأنه أن يضر بالأوطان ويحط بقدر الأمة ويجعلها تتأخر في ميادين الفضل والعرفان، وذلك ~~باستحضار جميع ما يلزم لأهل العمران من الأدوات اللازمة لتحسين الأحوال الحسية ~~والمعنوية والاستعداد بسائر المهمات الحربية برية كانت أو بحرية منعا لما يفاجئ ~~الأوطان من هجمات الأعداء وصدا لمطامع المتغلبين، كما يلزم تجريد أفراد الجمعية من ~~امتيازاتهم المعنوية لدى ممانعة الأخطار المزمعة أن تلم بالأوطان؛ إذ عندها يتساوى ~~بالمصلحة أبناء الوطن كبيرهم والصغير وحقيرهم والأمير، فلا ينبغي لهم حينئذ النظر إلى ~~امتيازاتهم المعنوية والإهمال بالمصلحة الوطنية، بل يكونون متحدين على كلمة واحدة، وتحت ~~راية واحدة، ويكون كل فرد من أفرادها منزه النفس صادق الوطنية، لا يستميله حب ~~الشهوات لما به ضرر بلاده وسوء معاده، وينبغي للحكومة استئصال ذوي الأغراض والغايات ~~الذين يظهر منهم أدنى زلل من شأنه أن يخل براحة الأوطان، كما ينبغي لها أيضا مساعدة ~~الرعية والتحفظ على حقوقها المدنية، ومنهما كمال الحرية المؤسسة على العدل وحسن ~~السياسة. # الفصل الثالث # | في الحرية العمومية # قسم بعضهم الحرية إلى معنيين: الأول منها: هو الحرية الشخصية، وهي إطلاق تصرف ~~الإنسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه لدى الحكم، ~~بحيث إن الإنسان لا يخشى هضيمة في ذاته ولا في سائر حقوقه، ولا يحكم عليه بشيء لا ~~تقتضيه قوانين البلاد المتقررة لدى المجالس. والمعنى الثاني: الحرية السياسية، وهي تطلب ~~الرعايا التداخل في السياسيات الملكية والمباحثة في ما هو الأصلح للمملكة بواسطة نواب ~~الأمة. # وقسمها بعضهم إلى خمسة أقسام: # القسم الأول: # الحرية الطبيعية، وهي ما خلقت مع الإنسان وجبل عليها كالأكل والشرب ~~والمشي مثلا، مما لا طاقة للقوة البشرية على دفعه ولا غنى لسائر ~~الإنسان عنه مما يكون سببا لمعاشه وغذاء لجسمه، وما يكون به قوام ~~حياته، لا ما يضره كالتخم ms23 والإقدام على شرب المسمات، فإن الإنسان ~~قادر على دفع ذلك بدون أن يعد دافعه ظالما. # الثاني: # الحرية السلوكية، وهي حسن سلوك الإنسان واتباعه سبل العدالة ومكارم ~~الأخلاق اللازمة على كل فرد من أفراد الجمعية، لا كما يتوهمه البعض من ~~أنه إذا أتى شيئا أو أمرا معيبا وسئل عن ذلك، أجاب: إنني حر ولي ~~أن أفعل ما شئت بحريتي. فلعمر الحق إنه لرفيق هوى نفسه، ~~والحر من يتقي بمحاسن أفعاله ومكارم أخلاقه سهام المذمة ~~والملام؛ ليكون أمينا على نفسه مشهورا بحسن معاملته لغيره. # الثالث: # هي الحرية الدينية، وهي اتباع الإنسان آمنا أيا شاء من المذاهب ~~الأربعة والعقائد الدينية، بشرط ألا يكون خارجا عن الأصول ~~الشرعية. # الرابع: # الحرية السياسية، وهي حرية أرباب الإدارات الملكية بوضعهم قوانين على ~~مقتضى مذاهب بلادهم، وإجراء ما تحسن به الرابطة الاجتماعية؛ إذ إن ملوك ~~ووزراء الممالك مصرح لهم بإجراء الروابط السياسية والأحكام القانونية ~~المؤسسة على العدل وحسن السياسة. # الخامس: # الحرية المدنية، وهي عبارة عن اتحاد وتواطؤ جميع الهيئة الاجتماعية ~~كأهالي مملكة واحدة على ضمانة حقوق بعضهم البعض وارتباطهم بقوانين ~~مسنونة وأحكام لا يتعداها أحد منهم. بشرط أن كل فرد من أفراد الأمة ~~يكون مطلق التصرف في ذاته وأشغاله التجارية، مصرحا له بالإقامة أو ~~سواها بدون إكراه مكره أو إجبار مجبر، آمنا على نفسه وماله ~~مباحا له التصرف فيما يملكه، مجريا به جميع التصرفات الشرعية مالكا ~~له بقيود وحجج مرعية. فبهذا تكون الحكومة مريحة كل فرد من أفراد ~~الأمة، ضامنة حفظ حقوقه المدنية، ما دام سالكا مع إخوانه سبيل الخير ~~متمتعا بحقوق وطنه على وجه يضمن له التمتع به وحسن المقام. # وعلى هذا؛ فإن الحرية المؤسسة على العدل وحسن السياسة، تكون كافلة لجميع مصالح الأمة، ~~مسببة سعادة المملكة والبلاد، داعية لحب الوطن، جامعة للرعية على التعاون والتعاضد لما ~~به خير أوطانهم وأنفسهم؛ لذلك لا ينبغي التضييق على أحد أفرد الجمعية ومنعه من التمتع ~~بحقوقه الوطنية وتوقيفه عما يجوز له عمله بغير وجه قانوني؛ فإن كل عضو من أعضاء ms24 الأمة ~~مباح له الإتيان بما يجوز له شرعا غير مكلف بما لا تتيحه له القوانين المحلية والأحكام ~~الشرعية. # وبالجملة، فعلى الحاكم إجراء تمام العدالة والإنصاف ومزج اللين بنوع من الشدة؛ ليكون ~~آمنا على المملكة، مريحا للرعية، بعيدا عن نفرتهم، جالبا لسعادة البلاد. كما ينبغي ~~أيضا لكل فرد من أفراد الأمة طاعة حاكمه وإكرامه، وعدم خروجه عن دائرة قوانين بلاده، ~~مع إجراء جميع الوسائل الراجعة بالنفع على وطنه؛ فإن الإنسان مكلف بكل ما من شأنه أن ~~يدفع الضرر عن الأوطان، ويجلب الخير والفائدة لها. فإذا كلف الحاكم الأهالي على دفع ~~العدو عن البلاد، ومقاومة كل من يريد استلاب حريتها، لا يعد هذا من الحاكم تكليفا؛ ~~فالوطني مجبور على المحاماة عن حقوقه الوطنية، لما جبل عليه الإنسان من الأنفة والعزة ~~وإباء الحقارة والذل. # ثم إن من أعظم منافع الحرية، حرية الأعمال الأربعة: التجارة والصناعة والفلاحة ~~والأعمال الفكرية والبدنية التابعة للحرية الشخصية؛ لأنها السبب الأكبر في تقدم البلاد ~~وسعادتها وبها تكون تربية الهمم الإنسانية. فقد ثبت أن كل مملكة حازت تمام هذه الحرية ~~أصبحت ثروتها عظيمة ومنافعها عميقة، فالترخيص بها يجلب المنافع العمومية ويكسب البلاد ~~رونق الجد والترقي إلى الدرجات العلية. فكل عاقل عارف بمنافع هذه الحرية، يرى أن أصعب ~~ما يكون تضييق نطاقها وعدم اكتراث الحكومة بها. وقد يكون في بعض الممالك التضييق بها، ~~وربما كان ذلك لكون الحاكم يرى عدم أهلية الرعية لها منتظرا بذلك تمكن التربية منهم ~~واستكمالها فيهم، وإصلاح حالهم ليبيح لهم التصرف بالعمليات الواسعة، ويرخص لهم باتساع ~~الدوائر الزراعية والصناعية، ويبين لهم أسباب التمدن والتقدم، لتستنير أبصارهم وترشد ~~عقولهم. # وينبغي أن تكون تلك الحرية مؤسسة على العدل وحسن نظام الأمة؛ ليكون المحترف آمنا على ~~نفسه وماله من اغتصاب نتائج أتعابه وتعطيله عن أسباب معيشته لأغراض عدوانية. فما ينفع ~~الناس أن تكون أرضهم خصبة يانعة الثمار، إذا كانوا لا يتحققون الحصول على ثمرات أتعابهم ~~ونتائج أرضهم خوفا من هضمهم حقوق تعبهم، ومن الذي يقدم حينئذ على زراعتها مع ضعف ms25 ~~أمله إما لما ذكرنا وإما لتعذر جلب أرزاقها من بلد إلى آخر، لما يطرأ عليها من الفساد ~~في الطريق أو لكون أجرتها أضعاف ثمنها؟! كما هو واقع الآن في ديارنا السورية؛ فإنك إذا ~~أخذت مدا «هو كيل مشهور» من القمح مثلا من حوران - هي بلاد خصبة في جنوب دمشق ~~- فمعظم ثمنه يكون أحيانا سبعة غروش، وإذا أردت إرساله من حوران لأي جهة كانت تدفع ~~أجرة مشاله ونقله كما دفعت في ثمنه أو أكثر. لذلك من أهم ما جنته الدول الأوروباوية من ~~كمال الحرية تسهيل المعاملات التجارية بما اخترعوه من السكك الحديدية وتعاضد الشركات ~~الأهلية، والإقبال على تعلم جميع الفنون العلمية والصناعية. # وبالجملة، فإن الحرية نافعة في كل الوجوه وبها يحصل تمام القدرة على الإدارة ~~المتجرية، وإذا فقد الناس الحرية والأمنية يضطرون بالطبع إلى إخفاء مجتنيات بلادهم، ~~فتتعذر الحركة التي ينشأ عنها تعطيل الأشغال ويستولي على الأهالي الوهن والفقر، ما لم ~~يمنح الرعية حريتها بالأشغال وتساعدها الحكومة على أسباب التسهيل وانتشار المعارف ~~وتقوية الشركات؛ إذ لا يخفى ما بقوة الاجتماع من القدرة على الأعمال العادية. هذا وقد ~~بقي علينا أن نذكر ما لحرية المطابع من الفوائد الجليلة والأهمية العظيمة؛ فإنها هي ~~التي يسرت انتشار العلوم في الأقطار وجاءت للعالم بفوائد لا تحصى ومنافع لا تستقصى، ~~سيما حرية الجرائد «صحف الأخبار» ذات الفوائد الجمة؛ فإنها من أعظم الأسباب المهذبة ~~للعقول والمنورة للأبصار. لكن يشرط أن تكون مقيدة بقوانين لا تتعداها وخطط لا تتخطاها؛ ~~لأن إعطاء الجرائد الحرية المطلقة قد يخل أحيانا بالراحة العمومية بما تنشره من ~~المقالات على مقتضى الأغراض الشخصية التي تستدعي دقة النظر وتهيج أفكار العامة؛ فلذلك ~~ينبغي أن تكون حريتهم متوسطة لا تفريط ولا إفراط حتى تعم بالفائدة مع تحاشي الضرر، كنشر ~~ما يراه البعض ممن لا يتوصلون إلى الإدارات الملكية من الآراء المستحسنة السياسية ودرج ~~المقالات الأدبية والنصائح والوقائع اليومية، والمدافعة عن الحقوق الجنسية والوطنية ~~والحوادث التاريخية التي تنور أبصار الناس ويستنتج منها معرفة الأخبار اليومية. ولا أقل ms26 ~~من أن يتحصل منها الإنسان على ما يهمه من معرفة حوادث بلاده ووطنه. # هذا فضلا عما لها من الفائدة بالأشغال التجارية؛ إذ ربما يمكث صنف البضاعة بائرا ~~عند أحد التجار جملة أيام وشهور فيعلن بواسطة الجرائد عن محل وجوده ونوع بضاعته وحسن ~~أقمشته، فيشهر محله في جميع الجهات وتروج بتلك الواسطة بضاعته ويحسن حاله، وهكذا جميع ~~التجار على اختلاف أشغالهم كما هو جار عند الإفرنج الآن؛ فتراهم يزينون أعمدة الجرائد ~~بالنقوش والرسومات المزخرفة مبينين بذلك أشكال بضاعتهم مرغبين الناس بحسن أقمشتهم فتروج ~~تجارهم وتنتهي للأماكن البعيدة شهرتهم، وما ذاك إلا بواسطة الجرائد كما تقدم، ومنافعها ~~من هذا القبيل لا تنكر، وإذا أردنا إحصاء ما ينجم عنها من الفوائد يطول الشرح. # لكن لسوء البخت أن ديارنا السورية محرومة من هذا الامتياز العظيم، فإنها مع احتياجها ~~في مثل هذه الأزمان الجديدة إلى الجرائد الوطنية فهي بالنسبة لغيرها قليلة جدا لا تكاد ~~تزيد عن خمس أو ست جرائد، منها واحدة وهي الرسمية تطبع في دمشق والباقي في بيروت. ~~وهي في الحقيقة عديمة الجدوى؛ لأنه فضلا عن كون صدورها أسبوعيا، فهم لا يقدرون على ~~نشر المقالات السياسية إلا ما ندر، حتى ولا الحوادث المهمة الوطنية والوقائع اليومية ~~التي يستفيد منها الإنسان تنوير بصيرته ووقوفه على حوادث وطنه وأخبار بلاده. وما ذلك ~~إلا لتشديد الحكومة على أرباب الجرائد تشديدا بغير محله، مع أن من الواجب على الحكومة ~~إجراء جميع الوسائل المؤدية لترقي الأهالي وتقدم البلاد لتشترك معهم بالثروة والغنى ~~وتمنحهم حرية وطنهم وتجعل للجرائد نظاما متوسطا لا يتعدونه. كما أنه ينبغي للجرائد ~~الوطنية سلوك سبل الاعتدال وعدم الخروج عن دائرة الآداب الإنسانية وتحاشي القدح ~~والمقالات التي تسود وجوه الصحف بظلمات الأغراض الشخصية إلا ما به فائدة العموم ~~وداعية التعاضد والاتحاد؛ فإن الجرائد هي الواسطة لتهذيب أفكار الأمة وإرشادهم للمصالح ~~الوطنية، ليس لفساد أفكارهم وضرر وطنهم. انتهى. # هذا ولما كان موضوع هذا الكتاب هو بيان أسباب التمدن والعمران، فقد أحببت أن أجعل ~~خاتمة هذه الفصول فصلا ms27 مختصرا في العدل الذي هو السبب الأول لتقدم البلاد وتمدن ~~العباد، وإن كنت قد بينت ذلك في فصل الحرية المتقدم غير مرة، لكن زيادة للفائدة ~~وبيانا للمقصود. # الفصل الرابع # | في ذكر العدل وأنه سبب العمران # العدل عبارة عن الاستقامة على طريق الحق، وأن ينتصف الإنسان لنفسه ولغيره. وقد جعله ~~بعض الحكماء قاعدة جميع الفضائل كالكرم، والمروءة، والعفة، والشجاعة، وحب الوطن، وصفاء ~~القلب، ونحو ذلك من الفضالأكاسرة أن كسرىائل التي هي من نتائج العدل. والعدل أساس الملك ~~وسبب العمران ووسيلة لتقدم الأوطان؛ فإن الحاكم العادل إذا كان مشهورا بالعدل وحسن ~~السياسة يستميل إليه قلوب رعاياه وتطمئن به البلاد من الجور والاستبداد، فيصبح الناس ~~متحدين على كلمة واحدة آمنين في أوطانهم خاضعين لأوامر حاكمهم غير منفرين من سياسته، بل ~~هم في راحة وسكون من تعدي الأيدي والظلام؛ فتنشأ عندهم الأمنية التي يتسبب عنها ~~عمران المسالك والممالك وتقدم التجارات وحسن الأحوال. بخلاف ما إذا كان الحاكم جائرا ~~على رعيته لا يحسن سياسة مملكته، فتختلف عليه الآراء وتنفر منه الناس، كما تمتد أيدي ~~عماله للظلم والتعدي على الحقوق الإنسانية؛ إذ لا رادع يردعهم عن الظلم وحب الأغراض ~~النفسانية، فيترتب على ذلك خراب البلاد وتنفر العباد ويختل نظام الملك وتقع الناس في ~~أشد الضنك. وأما إذا كان الملك عادلا في رعيته سالكا سبيل الشرع في سياسته، لا ~~يسلم زمام الأحكام إلا لذوي الكفاية والدراية المنزهين عن الغش وحب الأغراض ~~الذاتية، الذين ينظرون لمصلحة بلادهم بعين الصداقة والحكمة والتدبير، أمن على البلاد ~~من الخراب والدولة من الانقلاب. # قيل إنه لما دخل الهرمزان على عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وجده مستلقيا ~~على قفاه بالمسجد موسد الحصى ودرته بين يديه، فقال له: «عدلت فأمنت فنمت.» # وكتب إلى عمر بن عبد العزيز عامله بحمص أن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى إصلاح، ~~فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: «حصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم. والسلام.» # وقيل: من جملة عدل الأكاسرة أن كسرى أظهر يوما من أيام مملكته ms28 أنه مريض وأنفذ ~~ثقاته وأمناءه ليطوفوا أقطار مملكته وأكناف ولايته، وأن يطلبوا له لبنة عتيقة من خربة ~~ليتداوى بها، وذكر أن الأطباء وصفوها له، فمضوا وطافوا جميع مملكته، وعادوا فقالوا: ما ~~رأينا في جميع المملكة مكانا خربا كي يأخذ منه لبنة عتيقة، فقال لهم الملك: إنما أردت ~~أن أختبر إيالتي لأعلم هل بقي في المملكة موضع خراب لأعمره، فالآن لم يبق مكان إلا ~~عامرا، وقد تمت أمور المملكة وانتظمت الأحوال ووصلت العمارة إلى درجات الكمال. فانظر ~~إلى هذا العدل الذي لم يدع في البلاد خربة يؤتى منها للملك بلبنة عتيقة؛ فهذا هو ~~العمران. # ومن عدل نور الدين الشهيد ما قاله ابن الأثير: «إنه بلغ عدل نور الدين الشهيد، وهو ~~أول من بنى دار العدل. وسببه أنه لما أقام في دمشق بأمرائه وفيهم أسد الدين شيركوه، ~~تعدى كل منهم على من جاوره، فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين الشهرزوري، فأنصف ~~بعضهم من بعض ولم يقدر على الإنصاف من شيركوه؛ ولأنه كان أكبر الأمراء، فبلغ ذلك نور ~~الدين الشهيد، فأمر ببناء دار العدل. فلما سمع شيركوه قال لنوابه: ما بنى نور الدين هذه ~~الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع عن القاضي كمال الدين، والله، لأن أحضرت إلى دار العدل ~~بسبب أحد منكم لأصلبنه، فامضوا إلى كل من بينكم وبينه معاملة وأرضوه ولو أتى على ~~جميع ما بيدي». # قال: «وظلم رجل بعد موت نور الدين الشهيد فشق ثوبه واستغاث: «يا نور الدين»، فاتصل ~~خبره بالسلطان صلاح الدين بن يوسف بن أيوب، فأزال ظلامته، فبكى الرجل أشد من الأول فسئل ~~عن ذلك، فقال: أبكي على سلطان عدل فينا بعد موته.» ويحق لعمر الحق لسلطان ~~عادل أن تبكي لفقده العباد؛ فإن العدل حياة الأمة وسبب عمران البلاد. ~~انتهى. # هذا ما أحببت إيراده في هذا الباب وفيه لأولي البصيرة كفاية، وقد جعلت الخاتمة في ذكر ~~نبذ تتعلق بالتمدن الإسلامي والتمدن الأوروباوي على حسب الإمكان لكي تتم الفائدة ~~المطلوبة والغاية المرغوبة. # الباب الرابع # | الخاتمة # وفيه فصلان # الفصل ms29 الأول # | ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الإسلامي # من تأمل في سريان قوة الأمة الإسلامية في مبدأ ظهور الإسلام، وامتداد عنصرها في ~~الأقطار، وتقدم سلطتها وانتشار شريعتها في غالب الأمصار، في مدة لا تزيد عن الثلاثين ~~إلى الثمانين سنة عن يد طائفة من العرب قليلة، قد لبت دعوة نبيها - عليه الصلاة ~~والسلام - حين دعاها للحق، فانتضت أمامه من غمد الحزم والعزم والإيمان سيفا ما قوي على ~~إغماده أحد، بل كافة أمم العالم أخذتها الحيرة والانذهال وتحقق لديه ما لتلك الشريعة من ~~الأسرار الإلهية والسياسية الشرعية التي جعلت العالم ينقاد لأمر بعث الله به نبيه بالحق ~~للناس، ألا وهو الإقرار بوحدانية الله - تعالى - واتباع سنن القوانين الإلهية المبنية ~~على العدل. فأدى - عليه الصلاة والسلام - رسالة ربه للناس وبث في الوجود أنوار ~~العدالة والاهتداء. # ثم قام بعد نبيهم لإتمام تلك الدعوة الخلفاء الراشدون، وسلكوا من السبل ما به قوام ~~وانتشار هذا الدين، وأحسنوا السياسة مع الخلق ونهجوا أقوم السبل التي تؤدي بالإنسان إلى ~~الحق، وبثوا في الوجود روح العدل والإيمان؛ فانتعشت أرواح العباد، ودانت لهم جميع ~~البلاد. # ثم نهج من والاهم من خلفاء الدول الإسلامية منهج سلفائهم باتباع الخطط المؤدية لتقدم ~~هذه الأمة وامتداد شريعتها في الأقطار، حتى أتاح الله لهم من الفتوحات العظيمة والتقدم ~~ما كان أشبه بسيل طمي على آسيا فعم العرب والعجم، وتجاوز حدود تركستان إلى الهند ~~والصين، ودخل أراضي الروم الآسيوية مشرفا على أوروبا، واتخذ له مجرى آخر فانصب نحو ~~فلسطين ثم إلى مصر وإفريقية، واجتاز البحر إلى الأندلس حتى بلغ ممالك المغرب ~~الأوروباوية. وهذا كله مما يتعذر على جميع الدول الأوروباوية تملكه حين ذاك، ما لم تكن ~~عناية من الله - سبحانه وتعالى - أراد بها انتشار هذا الدين، ليكون سبب انتظام العالم ~~وانتشالهم من ورطات التهور والجهل؛ فإنه بينما كانت أوروبا وقتئذ تخبط في ظلمات الجهل ~~خبط عشواء، كان التمدن الإسلامي آخذا بالانتشار شيئا فشيئا في الأرض. # والأمة العربية منتضية سيف العدل لاستئصال جراثيم الجهالة من عنصر الوجود، حتى تسنى ms30 ~~لها في أقل من قليل تمدين أكثر الأمم وإرشادهم لطرق الصواب. وكان تحت الخلافة الإسلامية ~~حينئذاك في دمشق الشام «أعني دولة الأمويين»، ثم الأنبار، ثم انتقل إلى بغداد «أعني ~~دولة العباسيين»، وكانت عواصم المسلمين وقتئذ تزهو بالعلماء وأرباب الفنون والصنائع، ~~كما كانت بغداد محطا لرجال التجارات المشرقية والمغربية، تلوح في سمائها نجوم العلماء ~~وتتباهى بتقدمها على جميع البلاد. # قال المؤرخون: كانت بغداد تشتمل على ثلاثين ألفا من القصور، وثمانية جسور رخامية على ~~دجلة، واثني عشر ألف طاحون بجانبيه، وثمانمائة مسجد وثلاثمائة جامع وثمانمائة مدرسة، ~~واثني عشر ألف مكتب، وثمانية عشر ألف حمام ونيف. وكانت بما أنها كرسي الخلافة مركز ~~التجارة بين المشرق والمغرب، فكان فيها أكثر من ألف خان للقوافل وأربعمائة سوق للأقمشة. ~~وهذا دليل على ما كان لها من سعة دائرة التجارة والخيرات. # قالوا: ولم يوجد مدينة كبغداد لا في العلوم ولا في الصنائع ونحوها في مدة أجيالها ~~الخمسة، فلا الكوفة ولا المدينة ولا الشام قاعدة الخلافة الأموية ولا القاهرة تحت ~~العلويين ولا سمرقند ولا دلهي ولا قرطبة ولا القسطنطينية مع عظم بنائها ~~وشهرتها. # وفي الحقيقة كانت بغداد خصوصا وسائر الممالك الإسلامية عموما في زمن الدولة ~~العباسية تتمايل كالعرائس بسعة دائرة المعارف والعلوم، فإن الله لما صرف الملك عن ~~الأمويين إلى هذه الدولة الهاشمية، ثابت الهمم من غفلتها وثارت الفطن من رقدتها، وكان ~~أول من عن منهم بالعلوم أبا جعفر المنصور، قالوا: «وكان مع براعته بالفقه، كلفا ~~بعلم الفلسفة وخاصة في علم النجوم، ثم تلاه الرشيد، وهو باعتبار بدء الخلافة من ~~إبراهيم الإمام سادسهم وباعتبارها من السفاح خامسهم.» وقام هذا الخليفة أيضا بخدمة ~~العلوم والدين أتم قيام، وهو الذي أهدي بزمانه لشارلمان ملك فرانسا الساعة الدقاقة التي ~~عدت في وقتها من فضائل العرب كما سيأتي تفصيل وصفها. ثم لما أفضت الخلافة لابنه المأمون ~~تمم ما بدأ فيه جده المنصور، وأقبل على طلب العلوم وسام ملوك الروم صلته بما لديهم عن ~~كتب الفلسفة، فأرسلوا له ما استحضرهم منها، وكلف لترجمتها ms31 مهرة العلماء، فترجمت له على ~~غاية ما أمكن، وجعل يحث الناس على قراءتها ويرغبهم فيها. وكان لا يزال مجالسا للعلماء ~~آنسا بالحكماء حتى بلغت شمس الخلافة في زمانه أقصى درجة الصعود ونال العالم الإسلامي ~~غاية السؤدد والمجد. # وكان المأمون يحب العلماء من كل نوع ويكرمهم لاسيما علماء الأفلاك. ومن المنجمين في ~~أيامه كان حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار، وله ثلاثة أزياج أولها المؤلف على ~~مذهب السند هند، والثاني الممتحن وهو أشهرها، ألفه بعد أن رجع إلى معاناة الرصد وأوجبه ~~الامتحان في زمانه، والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاه، وله خلافها وبلغ من العمر ~~مائة سنة. ومنهم أحمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى علم الأفلاك يحتوي على جوامع ~~كتب بطليموس بأعذب لفظ وأبين عبارة. ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت كبير القوم في فن ~~النجوم، ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي، ومنهم ما شاء الله اليهودي كان في زمن المنصور ~~وعاش إلى أيام المأمون. ومنهم يحيى بن أبي منصور رجل فاضل كبير القدر مكين المكان. ولما ~~عزم المأمون على رصد الكواكب، تقدم إليه وإلى جماعة من العلماء فأصلحوا آلاته بشماسية ~~بغداد وجبل قاسيون بدمشق، ومن الحكماء يوحنا البطريق الترجمان مولى المأمون، أمينا على ~~ترجمة الكتب الحكيمة حسن التأدية للمعاني، ألكن اللسان في العربية، وكانت الفلسفة أغلب ~~عليه من الطب. # ومن الأطباء سهل بن شابور ويعرف بالكوسج، كان بالأهواز في لسانه خوزية وتقدم بالطب في ~~أيام المأمون، وكان إذا اجتمع مع يوحنا بن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم ~~وزكريا الطينوري قصر عنهم في العبارة لا في العلاج. # وكان المأمون قد قرأ في كتب الأوائل أن دور الأرض يكون أربعة وعشرين ألف ميل، فأراد ~~تحقيق ذلك فأمر بني موسى الثلاث المشهورين وهم: محمد وأحمد والحسين أولاد موسى بن شاكر، ~~وكانوا يعلمون جيدا علم الهندسة والحبل والموسيقى، بأن يحققوا ذلك ويحرروه فسألوا عن ~~الأرض المتساوية، فأخبروا بصحراء سنجار وحققوا ذلك بارتفاع القطب الشمالي بعد عملية ~~طويلة لا محل لذكرها هنا. # وكان ms32 المأمون أكرم الخلفاء وأحبهم للعلم والعلماء، وأقام بزمانه في بغداد مرصدا ~~فلكيا ما زال إلى زمن هلاكو فدرس مع ما درس منها. # وهكذا نالت هذه الأمة في زمن هذا الملك وغيره من الخلفاء ما جعلها أن تفوق العالم ~~بأسره بتقدمها في العلوم والمعارف، إلى درجة ما أدركتها أمة قط؛ فإن همم الخلفاء ~~الإسلامية كانت موجهة نحو تقدم هذه الأمة وترقيها بكل ما أمكن من الوسائل اللازمة ~~والأسباب، فكم منحوا من الجوائز للمترجمين والأدباء وقربوا منهم من الحكماء والعلماء! ~~وكان إذا امتدح أحدهم بقصيدة شعر أجاز منشئها بكذا وكذا دينارا، وإذا ألف أحد كتابا ~~وأهداه لخزائنهم يكافئونه إما بوظيفة من وظائف الديوان الخاص ويدنونه منهم ويقربونه، ~~وإما أن يقطعوه من الضياع ما يكفيه ويكفي ذريته من بعده. وما ذلك إلا لترغيب الأمة في ~~العلوم وحثها على طلب المجد، حتى تقاطرت نحو أبوابهم العلماء، واستنارت العقول، وأصبح ~~كل يتسابق إلى التأليف والتصنيف. وما مضى على ذلك إلا جيلان أو ثلاثة حتى انبثت بواسطة ~~هذه الأمة روح العلوم والمعارف في الأقطار، ونال ملوكها بسياستهم من الشهرة ما طبق ~~الآفاق، وأصبحت الممالك الإسلامية كالشموس بالإشراق وقد شهد بتقدمها بالفضل وعظم سطوتها ~~غالب مؤرخي الإفرنج وملوكها أيضا. # ومن ذلك ما نقله صاحب «كشف المخبا عن فنون أوروبا» عن فلتير أحد المؤرخين المشهورين ~~قال: «وكان ملوك الإفرنج جميعا تستخدم الأطباء من العرب واليهود، والتزم البابا يوحنا ~~الثامن أن يدفع للمسلمين في كل سنة خمسة وعشرين ألف رطل من الفضة وذلك سنة 877، وقد ~~دخلوا إيطاليا ونهبوا كنيسة مار بطرس، وفتكوا بالجيوش الفرانساوية الذين كانوا ساروا ~~إلى رومية لإجارة أهلها تحت راية القائد لوتاريوس. وفي القرن الثاني عشر كان المسلمون ~~مستولين في إسبانيا على أحسن البلدان منها بورتغال ومرسية والأندلس وبلنسية وغرناطة ~~وطرطوشة، وامتد ملكهم حتى إلى وراء جمال قسطيل وسيرقوسه. أما دار الخلفاء «يعني: ~~الأمويين» فكانت في قرطبة، وفيها بنوا المسجد العظيم المشهور قبوه، مرفوعا على ~~ثلاثمائة وخمسة وستين عمودا وهو من مرمر غريب الصنعة بديع الإتقان. ms33 ولم يزل معروفا ~~إلى الآن باسم مسك «أي مسجد» مع أنه حول كنيسة. وكانت الصنائع والفروسية والأبهة في ~~عهدهم في مزيد، وكان عندهم مواضع شتى للفرح واللهو. # أما علم المساحة والفلك والهندسة والكيميا والطب فلم يكن إلا في قربطة دون غيرها من ~~سائر المدن «وأظنه أشار بذلك إلى مدن الأندلس»، حتى إن صانكو ملك ليون الملقب بالسمين ~~اضطر إلى أن يسافر إليها ليأخذ الطب عن رجل كان مشهورا في عصره، فلما استدعى به الملك ~~أجابه قائلا: إن كان للملك حاجة إلي فليقدم علي. وقال بعض المؤلفين إن المسلمين ~~ملكوا من البلاد في مدة ثمانين سنة بعد الهجرة ما لم يملكه الرومانيون في ثمانمائة سنة. ~~وقال أيضا في «كشف المخبا» نقلا عن «فلتير» المذكور قبلا: «إن أول ساعة دقاقة عرفت ~~في فرانسا هي الساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان ملك فرانسا.» وقال في أبجدية ~~الأوقات: علم الحساب إنما أخذ عن العرب في إسبانيا ثم شهر في إنكلترا سنة 1253، وقال ~~صاحب معجم الجغرافية إن البابا سلوستروس الثاني، وكان يعرف أولا باسم جربرت، سار إلى ~~الأندلس وأخذ العلم عن العرب، وكانت ولادته في سنة 930 وانتخب بابا في سنة 999، وكان ~~ماهرا في علم المساحة وجر الأثقال والفلك، وهو الذي بث رقم الحساب العربي في أوروبا ~~وأول من عمل ساعة ذات رقاص. # وحيث جرى ذكر الساعة فلا بد من استيفاء الكلام عليها. قال مؤلف المخترعات العجيبة: ~~«ذكر المؤرخون من الفرنسيس: إن أول ساعة عرفت في بلادهم هي الساعة التي أهداها الخليفة ~~هارون الرشيد إلى شارلمان ملك فرانسا وذلك في سنة 807، وكان بدعا في ذلك العصر. حتى ~~إنها أورثت رجال الديوان حيرة وذهولا، والظاهر أنها كانت من الآلات التي يديرها الماء ~~المنحدر وكان له اثنا عشر بابا صغيرا تنقسم بها الساعات، فكلما مضت ساعة انفتح باب ~~وخرج منه كرات من نحاس صغيرة تقع على جرس فيطن بعدد الساعات، وتبقى الأبواب مفتوحة ~~وحينئذ تخرج صور اثني عشر فارسا على خيل وتدور على صفحة الساعة. انتهى ms34 ملخصا ما ذكره ~~في كشف المخبا. # وقد ناسب هنا أن نذكر ما نقله عن مؤرخي الإفرنج أيضا، صاحب الشرف والمجد الوزير ~~الأعظم خير الدين باشا التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، فقال: # ففي تاريخ دروي وزير المعارف العمومية الآن ما معناه: بينما أهل أوروبا ~~تائهون في دجى الجهالة لا يرون الضوء إلا من سم الخياط؛ إذ سطع نور قوي من ~~جانب الأمة الإسلامية من علوم أدب وفلسفة وصناعات وأعمال يد وغير ذلك؛ حيث كانت ~~مدينة بغداد والبصرة وسمرقند ودمشق والقيروان ومصر وفاس وغرناطة وقرطبة مراكز ~~عظيمة لدائرة المعارف. ومنها انتشرت في الأمم واغتنم منها أهل أوروبا في القرون ~~المتوسطة مكتشفات وصناعات وفنونا علمية يأتي بيانها. # وفيها يقول: كانت الآداب قبل انتشار العرب من جزيرتهم متأصلة فيهم مؤداة بلغتين ~~الحميرية في اليمن والقرشية في الحجاز وبالأخيرة جاء القرآن، «ولا يخفى عليك أن الذي ~~يقابل الحميرية هو المضرية، وإن وقع الإجماع في القراءة علي خصوص القرشية»؛ ~~ولذلك اشتهرت واستمر خلوصها إلى وقتنا هذا باستمرار كتب العلم والديانة. وما دخلت ~~العجمة في اللسان إلا بدخول الأمم في الإسلام وتطاول السنين. وللغة المذكورة من الاتساع ~~وسعة المجال ما لا يخفى على مثافنها لا سيما في الأشياء التي بها قوام المعيشة في ~~البادية، أو لتكرار رؤيتهم لها أو تكثر حاجتهم إليها، فقد يكون للشيء الواحد عندهم ~~عدة أسماء باعتبار تعدد صفاته وأحواله. وبكثرة الترادف عندهم اتسعت لهم دوائر الآداب ~~الشعرية؛ إذ يقال: إن للعسل عندهم ثمانين اسما، وللثعبان مائتين، وللأسد خمسمائة، ~~وللجمل ألفا، وكذا السيف، وللداهية أربعة آلاف اسم. # ولا جرم أن استيعاب مثل هذه الأسماء يستدعي حافظة قوية، وللعرب من قوة الحافظة ~~وحدة الفكر ما لا يسع أحدا إنكاره. فمن مشاهيرهم حماد الراوية الذي ذكر يوما ~~للخليفة الوليد أنه ينشد له في الحال مائة قصيدة والقصيدة من عشرين إلى مائة بيت فتعب ~~المستمع قبل المنشد. إلى أن قال: «ولم يكن للعرب في أول الأمر إلا تلك الآداب. ثم لما ~~اتسعت لهم ms35 دوائر الفتوحات واختلطوا بالأمم الذين سبقوهم في الحضارة، اتسع لهم نطاق ~~المعارف، فأخذوا من اليونان تآليف أرسطو وشرحوها بإمعان نظر. لكن من سوء البخت لم ~~يأخذوا الفلسفة من كتب اليونان الأصلية، وإنما تعلموها من الكتب المترجمة بلغة أهل ~~الشام، فهم ترجموا المترجمة. فلذلك لما نقلها الفيلسوف العربي حفيد ابن رشد في أوروبا ~~في القرون المتوسطة وجد بها من التحريف أكثر مما وقع فيها أولا. # وأما العلوم الرياضية فقد صادف العرب المرمى فيها، والفضل في ذلك للعلماء الذين جلبهم ~~الخليفة المأمون من القسطنطينية. وفي أوائل القرن التاسع المسيحي أمر الخليفة المذكور ~~عالمين من فلكية بغداد أن يقيسا مسافة درجة واحدة من خط الطول بصحراء سنجار ويزناها ~~ليثبت بذلك تكوير الأرض بالمشاهدة، وقد تبين ذلك باختلاف ارتفاع القطب الشمالي عن طرف ~~الخط المقيس. وقد شرح العرب كتاب إقليدوس وهذبوا زيج بطليموس وحرروا حساب تعريج منطقة ~~البروج، كما حرروا الفرق بين أوقات الاعتدال والفرق بين السنين الشمسية والزمنية، ~~فوجدوا بين السنة الشمسية والسنة الزمنية عدة دقائق، واخترعوا للتحريرات آلات جديدة، ~~إلى غير ذلك مما يدل على ما للعرب من قابلية العلوم الرياضية، ومنهم حازت مدينة سمرقند ~~قبل أوروبا بكثير محل رصد عجيب. # وأما ما ينسب للعرب من اختراع الجبر والمقابلة والأرقام الحسابية المسماة عندنا ~~بالأرقام العربية، فلم يثبت، بل إنما تعلموا ذلك مع فلسفة أرسطو بالتلقي من غيرهم، وهي ~~من العلوم التي وجدوها في إسكندرية. ويمكن أنهم نقلوا إلينا على ذلك الوجه البوصلة «أي: ~~بيت الإبرة ويقال له: الحك». والبارود الذي تعلموه من أهل الصين، كما يعترف لهم أوروبا ~~بمزية اختراع الكاغد من القماش، وبذلك كثرت الكتب ودنت أسعارها وسهل الطبع وتوفرت ~~نتائجه بعد وجوده. # وقد اشتهرت العرب أيضا بمعرفة الطب الذي كانوا نقلوه من كتب اليونان. ولابن رشد ~~تعليقات عديدة على كتاب جالينوس شاهدة بما ذكر. ومن فلاسفتهم عدة أشخاص صاروا في وقت ~~واحد حكماء وأطباء مشهورين، مثل: أبي علي بن سينا المتوفى سنة ستة وعشرين وأربعمائة ~~هجرية، وابن رشد المذكور. وقد ms36 بلغوا من الشهرة إلى حيث صار أعداؤهم في ذلك الوقت يرغبون ~~معالجتهم إياهم، كما يحكى أن بعض ملوك قسطلية كان اعتراه مرض الاستسقاء فاشتهى أن تكون ~~معالجته في قرطبة، وحصل من لطف الخليفة على الإذن في أن يذهب ويداويه المسلمون. ومن ~~مآثر حكماء العرب كيفية تقطير المياه واستعمال الراوند وأدوية كثيرة. # ومن العلوم التي لهم الفضل فيها الجغرافية؛ وسبب تقدمهم فيها أن اتساع فتوحاتهم ~~ورغبتهم في الأسفار الخطيرة لافتراض الحج عليهم انتخب لهم المعرفة بكثير من البلدان ~~الشاسعة التي لم يصل إليها أهل أوروبا أو نسوها بعدما كانت معروفة لهم. ومن مشاهيره في ~~هذا الفن أبو الفداء والمسعودي والإدريسي، وهذا الأخير هو الذي استدعاه روجير ملك صقلية ~~وألف عنده كتابه الغريب الذي سماه: «نزهة المشتاق». # وأما علم التاريخ فمن تآليفهم فيه تاريخا المسعودي وأبي الفداء المذكورين وتاريخ ~~المقريزي، غير أنها تواريخ مختصة بأبناء جنسهم وقل أن يوجد بها الكرينيك بمعنى أنهم ~~لا يسبرون منقولاتهم بمسبار العقل كما أشار إلى ذلك ابن خلدون، ولا يخرجون عن دائرة ~~الوقائع المجردة. ولا سبب لذلك إلا ما حكاه «سدليو» في تاريخه الآتي ذكره من أن وجود ~~التسلط من الملوك في بلاد المشرق هو الذي كان يمنع المؤرخين من شرح جميع الوقائع ببيان ~~أسبابها للخطر الذي كان يلحقهم في حكاية الحق. # وأما صناعة «الأرشتكتور»؛ أي هندسة البناء في اصطناع الهيئات، فلم يشتغل العرب منها ~~إلا بما يرجع إلى إتقان الأبنية؛ حيث إن شريعتهم تمنع التصوير، على أن البناء نفسه لم ~~تظهر لهم فيه اختراعات غريبة، فالأصل عندهم في الأقواس المرفوعة على الأسطوانات أن تكون ~~أكبر من نصف دائرة وهذا الشكل أخذوه من أبنية البزنتيين وهم أمة من اليونان، واعتاض ~~العرب عن الصور الذهنية والمجسدة التزين بالنقش المسمى عندهم بنقش حديدة. وكان في الأصل ~~رسوما لها مدلولات ثم مجرد خطوط متقاطعة شبيهة بالحروف العربية التي يمكن أن يصور منها ~~أشكال جيدة ظريفة، وكثيرا ما تتعجب من إتقان تلك الحروف حين تراها على الزرابي ~~والأقمشة المشرقية. # ومن ms37 مآثر العرب اصطناع الجوابي والفوارات والتزويق بالذهب والأحجار الثمينة كالمرمر ~~التي كانوا يجلبونها من المشرق ومن مقاطيع إسبانيا الجنوبية. # ومن أشهر أبنيتهم الجامع العظيم الذي بناه عبد الرحمن الأول في قرطبة وكان به ألف ~~وثلاثة وتسعون أسطوانة وأربعة آلاف وسبعمائة قنديل. ثم قصر الزهراء الذي لا يتأخر عن ~~الجامع المذكور في العظم وقد بناه عبد الرحمن الثالث على شاطئ الوادي الكبير، وبه ينبوع ~~عظيم يفور منه شبه باقة من الزئبق ثم ينعكس في قصعة من المرمر. ومن بديع أبنيتهم حمراء ~~غرناطة التي هي في آن واحد قصر وحصن، وبها عدة أمور تصلح أن تكون مثالا للطافة ~~البناء وحسنه خصوصا وسطها المسمى ببطحاء الأسود. # وأما التجارة، فقد كان للعرب حسن رغبة فيها في سائر الأوقات، ثم لما امتدت سلطتهم من ~~البريني، وهي جبال بين فرانسا وإسبانيا، إلى جبال هملاي التي بأقصى شمال الهند، صاروا ~~أكبر تجار الأرض. وأما الفلاحة، فلا يعلم لهم نظير فيها؛ إذ ليس لغيرهم ما لهم من ~~الاقتدار على جلب المياه وتوزيعها بلطف في مزارعهم الواسعة تحت شمسهم المحرقة، فسيرتهم ~~في ذلك السائر بها إلى الآن أهل بلنسية روضة إسبانيا صالحة أن نجعلها أسوة نقتدي بها في ~~فلاحتنا الفرانساوية. # وأما الصناعات، فإن العرب تعلموا جميعها لما دخلوا بلدان الرومانيين العظيمة حتى ~~صاروا من أحذق أربابها، وكفاهم شهرة في ذلك سلاح طليطلة التي كانت تحت سلطانهم ~~بإسبانيا، وحريريات غرناطة والجوخ الأخضر والأزرق بمدينة كونسة، والسروج والخروج ~~والجلود بقرطبة. وكان أهل أوروبا يشترون هذه المهمات بأغلى ثمن ويتنافسون فيها مع شدة ~~نفرتهم من أهلها المخالفين لديانتهم. # وبالجملة فقد بلغت إسبانيا من العمران إلى هذه الشهرة في القرون الأولى من مدة ~~الخلفاء؛ حيث كانت الفتن عنها أسكن من المشرق، وقد تزايد نمو سكانها إلى أن صار بمدينة ~~قرطبة وحدها مائتا ألف دار وستمائة جامع وخمسون مارستانا وثمانون مكتبا عموميا ~~وتسعمائة حمام ومليون نفس. # فهاك برنامجا إجماليا للتمدن الذي نشره العرب من شاطئ تاج، وهو واد كبير ~~بإسبانيا، إلى وادي هندوس بالهند. ms38 تمدنا يكاد يخطف نوره الأبصار، ولكنه لسرعة نموه كان ~~معرضا للعطب. قال: «وتمدن أوروبا اليوم كان أبطأ في النمو، ولكنهم حصلوا بعد انقلابات ~~وكسوفات على ما يمكن به طول البقاء المعتاد في كل بطيء النمو.» # وقال في بيان امتداد ملك العرب: «قد امتد ملكهم في ظرف مائة سنة من ظهور الإسلام مثل ~~ما يمتد عظيم الخلقة فاتحا ذراعيه لالتقاط شيء، فبلغ من أقصى الهند إلى بيريني الكائنة ~~بين فرانسا وألمانيا، وقدر امتداد هذا الملك من سبعة عشر إلى ثمانية عشر ألف فرسخ، ولم ~~يبلغ هذا المبلغ دولة من الدول الماضية. وقد استمرت الديانة واللسان وأحكام القرآن ~~نافذة في غالب البلدان التي فتحوها، واغتنمت أوروبا في القرون المتوسطة مكتشفات وصنائع ~~وعلوما، وإن كان منها ما أخذوه من غيرهم، لكن لهم الفضل في تهذيب ذلك وتخليده بعدهم. ~~ثم في النصف الثاني من القرن العاشر المسيحي توجه الراهب الفرانساوي جربير الذي جلس على ~~الكرسي البابوي باسم سلفستر الثاني إلى مسلمي إسبانيا. وقرأ هناك علم الجبر والفلك ~~وأجرى لأهل أوروبا النصرانية منهلا جديدا من معارف العرب، وجمع خزانة جليلة من الكتب ~~وصنع كرتي السماء والأرض.» انتهى ما أمكن تلخيصه من كلام الوزير المشار إليه - أي: دروي ~~وزير المعارف بفرانسا. # وفي تاريخ العرب لسدليو، مدرس علوم التاريخ بإحدى مدارس فرانسا وأحد أعضاء جمعية ~~المعارف بها، ما معناه: «إني منذ مدة طويلة تنيف على العشرين سنة، وأنا مشتغل ببيان ~~مزايا العرب على غيرهم من الأمم فيما يتعلق بالعلوم والقدم في التمدن مدة قرون ~~متطاولة من أيام اليونان بالإسكندرية إلى أيام العصر الجديد، فلزمني أن أجمع ما تيسر لي ~~من الأدلة على عظم هذه الأمة التي لم يعرف قدرها إلى الآن، وأعرضه على ما لغيري ممن ~~تكلم عليها، فيتأسس تاريخ لها عمومي وإن كان ذلك مما لا تفي به طاقة إنسان ~~واحد. # وقبل الشروع في ذلك على وجه الاختصار يلزمني أن أندب الناس إلى التأمل في أحوال هذا ~~الجنس الذي كان كثير الفتوحات عديم الاستيلاء عليه في ms39 سائر مغازيه، ولم يزل مدة أربعة ~~آلاف سنة على حال واحد في اكتساب الفضائل والمزايا التي تميز بها على غيره والتراتيب ~~والعادات الخاصة به . ومن حجج ذلك أن الوقت الذي كانت فيه الممالك القديمة في مبدأ ~~تكوينها ذات حيرة، كان هذا الجنس إذ ذاك قائما بنفسه قادرا على الإغارة على غيره. فقد ~~كانت ملوك بابل ومصر من ذلك الجنس مدة تسعة عشر قرنا قبل التاريخ المسيحي، ثم بعد أن ~~رجع إلى حدوده الأصلية، دفع عن نفسه سلطة الفراعنة وملوك الشام وامتنع من تسلط قيصر ~~وإسكندر، ودام في استقلاله ضد الرومان الذين كانوا ملكوا الدنيا وبعد ظهور النبي # صلى الله عليه وسلم # الذي جمع العرب أمة واحدة تقصد مقصدا واحدا، ظهرت للعيان أمة كثيرة مدت جناح ~~ملكها من نهر طاج في إسبانيا إلى نهر الغانج في الهند، ورفعت على منار الإشادة أعلام ~~التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة، كأنها ~~نسيت بالمرة ما كان عندها من التمدن الروماني واليوناني. وبعد انقسام ممالك الإسلام لم ~~تتعطل العلوم والآداب التي نتجت على أيديهم، فإن خلفاء بغداد وقرطبة ومصر وإن ضعفت ~~قوتهم الملكية والسياسية، فإن سلطتهم الروحانية لم تزل قوية مطاعة في كل جهة لاجتهادهم ~~في توسيع دوائرها بقدر طاقتهم، وقد نال النصارى، الذين استطاعوا إخراج العرب من إسبانيا ~~بالخلطة معهم في الحروب معارفهم وصنائعهم واختراعاتهم، ثم المغل والترك الذين تسلطوا ~~على آسيا وتداولوها كانوا خدمة في العلوم لمن تغلبوا عليها من فرق العرب. # وإلى الآن لم نطلع في أوروبا على الأصول التي تبين لنا عادات العرب اطلاعا تاما؛ ~~إذ لم يعرف عندنا عن تواريخهم إلا تواريخ أبي الفداء وأبي الفرج والمقريزي وابن الأثير ~~ونبذة من تاريخ ابن خلدون، ونجهل بالمرة تواريخ كثيرة نود لو نجد من يترجمها لنا، ~~وإن كان المقدار الذي عندنا كافيا في رد غلط من غلط من أهل أوروبا في شأن العرب. ثم ~~إني ذكرت في تاريخنا هذا ما يتعلق بفتوحات الخلفاء الأولين بتاريخ ms40 بني أمية في دمشق ~~وقرطبة وبتاريخ دولة بني العباس في بغداد والفاطميين بمصر. وبانقسام الممالك الإسلامية ~~بالمشرق بعد تسلط الترك والمغل عليهم، فبينت جميع ذلك بقدر الطاقة، وزدت عليه ~~شيئا لم يوجد في التواريخ السالفة، وهو: برنامج التمدن العربي الذي توشحت عروقه في ~~الدنيا القديمة واستمرت آثاره ظاهرة إلى الآن لكل من يبحث بالجد من أصل المعارف ~~منا. # وفي أوائل القرن الثامن من تاريخنا تبدل ولوعهم بالفتوحات بالجد في المعارف والعلوم، ~~فكانت إذ ذاك قرطبة ومصر وطليطلة وفاس والرقة وأصبهان تتسابق في ميدان العلوم مع بغداد ~~تحت بني العباس. وترجمت في تلك المدة كتب اليونان وقدمت في المدارس وشرحت، وسرت ~~حركات عقولهم في جميع مواد المعارف الإنسانية فنتج عنها من الاختراعات الغريبة ما شاع ~~صيته في أوروبا، فتبين بلا إشكال أن العرب هم أساتيذنا بلا إنكار؛ لأنهم جمعوا الأدوات ~~المؤسسة عليها تواريخنا المتوسطة، وبدءوا بكتابة الرحلات واخترعوا التآليف في تاريخ ~~وفيات الأعيان. ووصلوا في صناعة اليد إلى غاية لا تحد، وبقية آثار أبنيتهم مما يدل ~~على اتساع معارفهم، وكذلك اختراعاتهم الغريبة تزيد بيانا لفضائلهم التي لم ينزلوا إلى ~~الآن منزلتهم التي يستحقونها بسببها. فإن علوم الفيزيك والطب والتاريخ الطبيعي والكيميا ~~والفلاحة لما جاءت في أيديهم زاد فيها الغريب مع كونها من المحسوسات التي لا تصرف لها ~~هممهم صرفا تاما، فكيف بالعلوم العقلية التي اجتهدوا فيها اجتهادا يفوق الحد من ~~مبدأ القرن التاسع إلى انتهاء القرن الخامس عشر؟! # ثم نقول ما نسبة ما عرفناه الآن منهم ببحثنا إلى ما بقي مجهولا لنا من ذلك؟ ~~وبالجملة، فالعرب هم منبع فهومنا ومعارفنا ولم نزل إلى الآن نطلع على أشياء من ~~مخترعاتهم التي كانت منسوبة لغيرهم كلما قرأنا كتبهم. ثم قال في شأن التمدن العربي: ~~«إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الأمم، وانقشعت بسببهم ~~مصائب البربرية التي امتدت على أوروبا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين، ورجعوا إلى ~~الفحص عن ينابيع العلوم القديمة ولم يكفهم الاحتفاظ على كنوزها التي عثروا عليها، ms41 بل ~~اجتهدوا في توسيع دوائرها وفتحوا طرقا جديدة لتأمل العقول في عجائبها.» # ثم استشهد بقول إسكندر هميلط: «إن العرب خلقهم الله ليكونوا واسطة بين الأمم المنتشرة ~~من شواطئ نهر الفرات إلى الوادي الكبير في إسبانيا وبين العلوم وأسباب التمدن، ~~فتناولتها تلك الأمم على أيديهم؛ لأن لهم بمقتضى طبيعتهم حركة تخصهم أثرت في الدنيا ~~تأثيرا لا يشبه بغيره، فكانوا في طبيعتهم مخالفين لبني إسرائيل الذين لا يطيقون خلطة ~~أحد من الناس فيخالطون غيرهم من غير أن يختلطوا به ولا يتبدل طبعهم بكثرة المخالطة، ولا ~~ينسون أصلهم الذي خرجوا منه. وما أخذت أمم ألمانيا في التمدن إلا بعد مدة طويلة من ~~فتوحاتهم بخلاف العرب، فإنهم كانوا يحملون التمدن معهم فحينما حلوا حل معهم، فيبثون ~~في الناس دينهم وعلومهم ولغتهم الشريفة وتهذيباتهم وأشعارهم الشهيرة التي هي أساس بني ~~عليه «المنسنقر والتربدور». # ثم قال بعد ذلك: «ونعود الآن فنقول إنه ثبت عندنا بما صنفه العرب واخترعوه برجحان ~~عقولهم الغريب في ذلك الوقت الذي وصل صيته إلى أوروبا النصرانية، وهذا حجة على أنهم - ~~كما قال غيرنا ونحن نعترف به - أساتيذنا ومعلمونا.» انتهى ما نقله الوزير الأعظم خير ~~الدين باشا عن هذين المؤرخين الشهيرين وفيه لأولي الألباب كفاية. # وما كان لهذه الأمة من سعة المعارف والتقدم في ميادين الفضل إنما كان ناشئا عن اتحاد ~~ممالكها، وسياسة ملوكها، ووضعهم الأمور في مواضعها، واحترامهم للأصول الشرعية، وتفويضهم ~~أزمة الأحكام لذوي الدراية والكفاية، ونظرهم في أهميات السياسة نظر العاقل الحكيم، ~~وعدم استبدادهم في أمور الأمة، ومشاركتهم لأرباب الحل والعقد من الرؤساء والعلماء فيما ~~ينبغي إجراؤه في أحوال المملكة وسياستها من جلب نفع أو دفع مكروه. # لا كما يتوهمه البعض من أن الملوك في صدر الدولة الإسلامية كانوا مستبدين بالأمر دون ~~أرباب الحل والعقد، بل الأمر بخلاف ذلك، فإن مهمات السياسة والإدارة في المملكة لا يتم ~~نظامها ما لم تطرح في ميدان التأمل والتدبر وتبدي أرباب الحل والعقد آراءهم في ذلك على ~~مقتضى الظروف ومناسبات الحال، فإنهم على كل حال ms42 أدرى بأحوال الرعية لتردد نظرهم للناس ~~والوقوف على ما يناسب حالهم وأطوارهم. فإن الملك ما دام ملتزما قصره دون مائة حجاب لا ~~يتمكن من رؤية أحد إلا الوزراء والكبراء، قل أن يقف على حقيقة أطوار عامة الناس ~~وأحوالهم، ولو مهما عرفوه بذلك وليس الخبر كالعيان. لذلك كانت سياسة الخلفاء غير ~~خارجة عن اتحاد الآراء وإقرار العلماء والوزراء، سواء على جلب نفع أو دفع مكروه. ومما ~~يحقق ما قلناه مسير السياسة العربية على منهج واحد وثبات ملكها وتوالي نمو نجاحها حينما ~~كانت أمور الأمة لا تصدر عن الملك ما لم يقر عليها أرباب الحل والعقد بعد التروي ~~والاختبار، إلى قيام المتوكل الخليفة العاشر من العباسيين (وذلك في سنة 332 هجرية)، لما ~~أراد الاستبداد بالأمر وكسر شوكة أمراء المملكة وانفراده بمهام السياسة سبب انقسام ~~هذه الدولة وتفرق كلمتها، إلى أن نشأ عن ذلك ضياع الملك من أيدي العباسيين وخراب البلاد ~~وتشتت الكلمة، وذلك بأن استدعى من أمراء الأتراك ورعاعهم من سلمهم قيادة الجيوش وولاهم ~~الحرس وسلم بعضهم أزمة الأحكام وقربهم منه وأدناهم وأبعد أمراء العرب وصادرهم، ومنهم ~~من قتله كالوزير محمد بن عبد الملك الزيات فإنه أخذ جميع ماله وعذبه في السجن ثم ~~قتله شر قتلة، وقوى شوكة هؤلاء الأغراب إلى أن صارت بيدهم مفاتيح الأمور، وعظم محلهم ~~في قلوب الناس لما رأوا من مكانتهم من الخليفة، حتى خالفوا الأحكام ومدوا يد التعدي على ~~الناس، وأول ما فتكوا بعد تمردهم كان بنفس الخليفة المتوكل وهجموا عليه في مجلسه ليلا ~~يتقدمهم أحد أمرائهم المدعو ببغى الصغير وهبروه بالسيوف ثم أقيمت بعده البيعة لابنه ~~المنتصر. # ثم أخذت أمور الخلافة السياسية بالانحطاط وتراجعت تلك الأمة عن مركزها الأصلي إلى ~~الوراء عندما عظمت شوكة الأغراب، وتلاعبت بالملك يد الأغراض والأهواء واستبد الأمراء ~~بالأطراف، وأوجب الأمر واختلاف الآراء إلى انقسام هذه الدولة إلى عدة دول لا محل لذكرها ~~هنا ما بين أمير مستقل وعاص مستبد وملك متغلب، إلى غير ذلك من الانقلابات التي كان سبب ~~منشئها التفريط ms43 وحب الاستبداد بالأمر وتداخل يد الأغراب بالملك. على أن أول انقسام ~~حصل في دول الإسلام انقسامها إلى ثلاث: العباسيين في بغداد، والعلويين في مصر، ~~والأمويين في الأندلس - أي: الغرب - لكن كانت كل دولة قادرة حينئذاك على الاستحصال على ~~أسباب التقدم والفتوحات والمدافعة عن الملك، إنما الخلل الذي طرأ عليها وسبب تلاشيها هو ~~انقسام الانقسام أيضا في المشرق، وأما الغرب فإنها صارت أشبه بملوك الطوائف بعد ما ~~نالت في زمن الأمويين من العز والمنعة والتقدم في المعارف ما طبق بصيته الآفاق، ثم ترتب ~~على انقسامها سقوط الأندلس من يد المسلمين. # وفضلا عن تلك الانقسامات، وبينما جروح هذه الأمة تقطر بالدم وما اندملت بعد من ~~جرا هذه الانقلابات؛ إذ دهمها هلاكو بجيوش التتار سنة 655 هجرية فخرب ممالك ~~الإسلام وانقرضت عن يده الخلافة العباسية في بغداد، وكان آخرها المستعصم، ثم تلا ذلك ~~نكبة تيمور التي فعلت بالممالك الإسلامية ما سود صحف التاريخ بذكره الشنيع، وأفقد ~~الإسلام بقية ما كان لهم إثر تلك الأهوال من الصنائع والمعارف ودرس أعلام الفضل وذهب ~~بأرباب الفنون إلى بلاده فيما وراء النهر. # ثم في أثناء ذلك صدم المسلمين تيار أعظم من ذلك وأشد، وهي الحروب الصليبية التي دامت ~~حروبها في الشرق متواترة، وجيوش الإفرنج إليها متقاطرة مدة جيلين، حتى هلكت العباد وضاق ~~بالناس الزرع وتعطلت أسباب العمران، إلى أن سخر الله رجال الدولة الأيوبية التي أطفأت ~~تلك الفتنة العظيمة، وانتهى من ثم الخصام بعد مواقع وحروب بين المسلمين والإفرنج، ~~دارت بها الدائرة أخيرا على الإفرنج، وطردهم المسلمون من الشرق وارتاحت بعدها نوعا ~~الخلق. # فهذه كانت عاقبة الانقسام وتعدي السلاجقة على النصارى والأجانب الزوار جلب هذه الحرب ~~العظيمة التي كانت سببا لفقدان أعظم المعارف الإسلامية، ووسيلة توصل بها الإفرنج إلى ~~أسباب التمدن والوقوف على المعارف الإسلامية بكثرة المخالطة التي أدتهم إليها هذي الحرب ~~العظيمة. # ثم بعد تلاشي واضمحلال دول الخلفاء وغيرهم من ملوك العرب، ما زالت الدول التي تشعبت ~~بعدها في صعود وهبوط إلى أن تأسست سنة 699 ms44 الدولة العثمانية وضمت إليها جميع الممالك ~~الإسلامية المتفرقة وأحسنت السياسة مع الناس وسارت أمور ملكها على قدم النجاح باحترام ~~ملوكها للأصول الشرعية، وردت للعالم الإسلامي روح القوة والمجد. ولم تزل إلى الآن ~~صاحبة السيادة في كل مكان ومن مشاهير ملوكهم السلطان سليمان. ثم لما أفضت الخلافة في ~~وقتنا هذا إلى السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان أشرقت شمس الخلافة في ~~برج جديد، وقوم هذا الملك العادل أود ممالكه بما سنه من القوانين العدلية وبث أسباب ~~التمدن وروح العلوم والمعارف بين الناس، ولم يزل أدام الله سلطانه باذلا جهده في تقدم ~~ممالكه المحروسة بما يجريه فيها من الإصلاحات والتنظيمات وإنشاء المدارس وتعميم المعارف ~~رغما عن مقاومة المكابرين، وما يحول دون ذلك من الصعوبات مما هو مشاهد بالعيان وما ~~يؤمل به تقدم ممالكه إلى درجة الكمال من التمدن والعمران أيد الله سرير سلطنته وشيد ~~بالعز أركانها ونصر مدى الزمان أعوانها. ا.ه. # الفصل الثاني # | ذكر نبذ تتعلق بالتمدن الأوروباوي # اعلم أن انتشار التمدن في أوروبا إنما كان ابتداؤه في إسبانيا حينما كان المسلمون ~~مستولين عليها، وقبل ذلك كان أهالي أوروبا لا يعرفون سوى الفتك ولا يتفاخرون بغير السلب ~~والنهب. لكن لكثرة مخالطة الإسبانيول والإفرنج لمسلمي الأندلس وغيرهم، أخذوا عنهم بعض ~~عوائد حميدة وعلوم مفيدة ومن ثم امتد التمدن إلى فرانسا وإنكلترا حتى عم جميع ~~أوروبا. # وذكر في مقدمة «أقوم المسالك» أن الإمبراطور شارلمان الذي أسس دعائم السياسة ~~والأحكام كان أول ملك ظهر في أوروبا من وقت سقوط الدولة الرومانية إلى سقوط دولة ~~الإغريق التي كان تخت مملكتها القسطنطينية العظمى، وهو الذي أدخل العلوم والأعمال ~~لممالكه، وكان يفني غالب أوقاته في قراءة العلوم وكان مجلسه محفوفا بالعلماء وأسس في ~~باريس مدرسة جامعة لسائر المعارف. وبمثل هاته المآثر حصل من السمعة في أقطار الأرض ما ~~استمال الخليفة هارون الرشيد إلى صحبته ومهاداته بتحف منها ساعة لم تزل إلى الآن في ~~أحد قصور فرانسا - وهي الساعة التي مر معنا ذكرها - قال: «ثم بعد وفاة ms45 الإمبراطور ~~المذكور وفقدان تدبيره، تعطلت تلك المصالح وتنازلت أوروبا وبقيت مغمورة في دجا الجهل ~~ستمائة سنة، وفي هاته المدة كانت وطأ لأقدام البرابرة الذين كانت دولهم تتداول عليها. ~~ومع ذلك الفشل التام فإن أهل الكنيسة منهم كانوا محافظين على المعارف وعلى اللسانين ~~اللذين لولاهما ما انتفع بتلك الكتب وهما اليوناني واللاتيني، فالناس ممنونون لهم ~~بذلك. # وفي القرن الحادي عشر الذي هو خامس قرون الهجرة النبوية، ظهرت مبادئ علوم وصناعات ~~وهندسة في الأبنية، فانتشت بها هياكل في الناحية الغربية من أوروبا. وأخذ علم الفلسفة ~~في النمو بين محاورات كلامية ومنازعات جدلية. وظهر حزب الفرسان الذين اشتهروا باسم ~~«الكفاليير» وهم جماعة من وجوه الناس تحالفوا على أن يحاربوا في الله للمدافعة عن حرية ~~النسوة والمستضعفين من سائر الأهالي، وأن لا يلاحظوا في أفعالهم لا سيما المحاربة سوى ~~مقتضيات الشرف الإنساني وعلو الهمة ولو مع أعدى الأعادي مثلا، يرحمون من يسترحمهم ولا ~~يجهزون على جريحهم ولا يبتزون سلب قتيلهم. # ومن أواخر هذا القرن إلى أواسط القرن الثالث عشر، كانت حروب الصليبيبن مع المسلمين ~~لافتكاك بيت المقدس وقطع استيلائهم على الأمم في زعمهم. قال: وإنما أشرنا لهاته الحروب ~~والفرسان، لبيان ما لها من الدخل في التمدن الأوروباوي، فإن مؤرخيهم يقولون: إن تلك ~~الحروب، وإن هلكت فيها نفوس عديدة وأموال غزيرة بدون الحصول على المقصود بالذات، فإنها ~~أعقبت نتائج نافعة لهم، منها أنهم من ذلك الوقت شرعوا في ترتيب العساكر، وتعلموا ~~بمواصلتهم لأهل المشرق صناعة التجارة والزراعة ونحو ذلك، وتخلقوا بأخلاق الحضر، وتعودوا ~~بالأسفار لاستكشاف أحوال الأقطار، فاطلعوا على أحوال آسيا المتوسطة وأحوال الصين كما ~~ذلك مبين بتآليف «ماركو بولو». وبالجملة فبالسبب المذكور، وهو مخالطة الأوروباويين ~~للأمة الإسلامية المتقدمة عليهم في التمدن والحضارة، كان ابتداء التمدن عندهم لا سيما ~~في القرن الثالث عشر، ثم تهذب حتى وصل إلى ما هو مشاهد اليوم. # ومن أعظم الأسباب التي أعانت أوروبا على التمدن اختراع الطبع الذي سبب انتشار العلوم، ~~ونشأ عنه من المنفعة بين الأمم ما لا يوصف. ms46 قيل: إن الذي اخترع طبع الكتب غتمبرغ من ~~أهالي ميانس بألمانيا. وأول ما طبع منها كتاب في أشعار اللغة اللاتينية، وذلك في أواسط ~~القرن الخامس عشر . وقال بعض المؤرخين: صناعة الطبع قد اختلف الأقوال في مخترعها؛ فبعضهم ~~نسبها إلى منتزو وبعضهم إلى إسترابورغ وهارلم وبعضهم إلى فينسيا ورومية، وبعضهم إلى ~~فلورنسة وبلسيل. وفي رواية أدريان جونيوس أن مخترع الطبع هو يوحنا كستر من هارلم طبع ~~على خشب كتابا فيه حروف وصور على وجه واحد، وذلك في سنة 1438. قال: وفي سنة 1442 أنشأ ~~يوحنا فوست مطبعة في منتزو طبع فيها كتابا، وزعم بعض أن أول كتاب طبعه كان كتاب ~~المزامير. وقال آخر: لا شك أن الطبع كان معروفا عند أهل الصين، وذلك قبل تاريخ المسيح ~~بأحقاب عديدة، والأقوال في ذلك كثيرة، والأصح أن انتشار الطبع لم يكن إلا في الأزمان ~~الأخيرة. # وبالجملة فالطبع هو السبب الأعظم لانتشار المعارف والعلوم وقد أعان أوروبا على إنشاء ~~المدارس الكثيرة، وتعميم الفوائد والعلوم حتى أضحت مدارسها لا يعزب عنها علم من العلوم ~~ولا فن من الفنون، وحازت أهاليها من التمدن أسمى مكان، وقد تفننوا في كل شيء وبرعوا في ~~كل فن، وأصبحوا أحسن العالم ثروة وأعظمهم تجارة بعدما كانوا أسوأهم حالا وأقلهم ~~مالا، وتسابقت علماؤهم ومؤلفوهم إلى الاختراعات العجيبة والتآليف الغريبة وتعميم ~~المعارف وتأسيس المدارس والمعامل واصطناع الأدوات والآلات لتشغيل الصنائع، وأخصها ~~المنسوجات التي بها توسعت دائرة التجارات الأوروباوية. # وحازت أوروبا تمام الثروة والغنى حتى قيل - كما في «كشف المخبا»: إنه بلغ في سنة 1874 ~~عدد المعامل في إنكلترا ووالس وسكوتلاند وإرلاند (1274) معملا وعدد المستخدمين والصناع ~~فيها (1005685) منهم (394044) ذكور، (611641) إناث، وبلغت البضاعة التي خرجت من إنكلترا ~~إلى الخارج في سنة 1879 (591531758) ليرة، وبلغت قيمة المجلوب لفرانسا في السنة ~~المذكورة (183793480) ليرة إنكليزية «جنيه»، وبلغت جملة المخارج منها في السنة المذكورة ~~(126523600) ليرة. وفي الإحصائيات أن قيمة المجلوب إلى بلاد الروسيا بلغت في سنة 1860 ~~(101183) روبلا، وكل روبل عبارة عن أربع فرنكات، وقيمة الخارج منها بلغت (52854021). ~~وبلغت قيمة ms47 المجلوب إلى أوستريا في السنة المذكورة (229631472) فلورينا وكل فلورين ~~عبارة عن فرنكين ونصف، وبلغت قيمة الخارج منها على ما ذكره في كشف المخبا ~~(306829716). # وهذا كله عن إحصائيات سنة 1860 وسنة 1879 مسيحية ، فكم تكون تحسنت الحال من وقتها إلى ~~الآن؟ يعني سنة 1887، وأظنه أضعاف ما ذكر؛ لأن الأشغال والتجارات الأوروباوية آخذة ~~بالنمو والازدياد يوما عن يوم، وقال: إنه يوجد محل في إرلاند يخص أحد الإنكليز فيه ~~أربعة آلاف شخص مستخدمين في عمل القمصان يصنعونها بأدوات النار، وهذا القدر بمنزلة سبعة ~~آلاف شخص. فأي فرق يرى الآن في بلاد الإنكليز وقد صارت تمد جميع الدنيا بمصنوعاتها ~~وتكسو الناس والديار والحيوان بمنسوجاتها؟ بعد أن كانت تبعث الثياب إلى هولاند لتصبغ ~~هناك وتعاد إليها لتبيعها، وبعد أن كانت تنتظر أحد الفارين من فرانسا وغيرها أن يأتي ~~إليها ويبث فيها صنعة من الصنائع، فإن هذا الديباج الذي يسمونه دامسك «دامسقو» أصل صنعه ~~كان في دمشق ثم حاكاهم فيه أهل هولاند، وفي سنة 1571 هرب منهم جماعة بسبب ظلم الأمير ~~ألفا وجوره عليهم، فجاءوا إلى بلاد الإنكليز وصنعوه فيها. # قال مؤلف «المخترعات العجيبة»: أما صنعة النسج، فقد كانت معروفة في بلاد الصين من قبل ~~أن تعرف في أوروبا بدهر طويل، والغزل عندهم والنسيج إنما هو من شغل النساء. وأول من صنع ~~ثياب الصوف في بلاد الإنكليز رجلان قدما من برايان، ثم قدم من هولاند صباغون وبزازون ~~وصناع للحرير، وشهروا هذه الصنائع بين الأهلين وذلك في سنة 1567. ثم قال في عبارة ~~أخرى: «وإذا نظرنا في أحوال إنكلترا هذا القديم وجدنا أن ملابس أهلها إنما كانت من جلود ~~الحيوانات، وإن ثياب زعمائهم لم تكن إلا من الكرباس الخشن كأنما هو مسح حتى إن الفرسان ~~الذين تنوه بهم التورايخ كانوا إذا نزعوا عنهم الدروع اللماعة يشف عنها ثياب الجلد. ~~فلما عرف النسج في الأعصر المتأخرة كان الغزل كما لا يخفى من صنع النساء، وبقي الحال ~~على ذلك دهرا طويلا إلى أن قيض الله أرك ريت وألقى في روعه ms48 استنباط آلة للغزل تكون ~~دائمة الحركة، فوفق إلى ذلك ونجح ما أمكن. ~~» قال: «ولد أرك ريت المذكور في سنة 1732 وبقي إلى سن ستة وثلاثين من عمره خامل ~~الذكر مشتغلا بالحلاقة، ولم يكد يحصل من حرفته شيئا زائدا على قوت يومه، إلا أنه ~~كان ذا فكر صائب في جر الأثقال، فما زال يعمل فكره في اختراع آلة الغزل حتى تسنى له ~~ما قصده لكن بعد صعوبات شتى. فلما اشتهر مخترعه أجازت له الدولة أن يستبد بمنافعه إلى ~~مدة مديدة، فأنشأ معملا في دربي. ولم تمض عليه مدة حتى أحرز أموالا طائلة وطار ذكره ~~بين الناس فحدث في استنباطه هذا في أشغال النسيج تغيير عظيم من تنقيص الصناع وترخيص سعر ~~الثياب.» ا.ه. # أقول إنما أحببت إيراد هذه الجملة لما بها من العبرة لكل عاقل يرى كيف أن الإنكليز، ~~والأجدر أن يقال جميع أوروبا بعد لبسهم المسوح والصوف الخشن، أصبحوا من التمدن في درجة ~~خولتهم التفنن بملابس الحرير والتنعم في ظلال الرفاهية ورغد العيش، وكيف أن الهمم ~~البشرية تخرج بالإنسان من حضيض الجهل إلى ذرا المجد وكمال التقدم، فإن ما بلغته الأمم ~~الأوروباوية الآن من التمدن والمعارف والتفنن بالعلوم والصنائع قد جعلها أغنى العالم ~~وأعظمهم قوة، والفضل في ذلك لذوي العقول الفادحة من علمائهم ومخترعيهم الذين ما تركوا ~~من صعاب الأمور شيئا إلا وذللوه بما اخترعوه من الآلات والأدوات والصنع العجيبة ~~والتسهيلات الغريبة، وأخصها قوة البخار التي سارت بها السفن البخارية والسكك الحديدية ~~وتوفرت بسببها نتائج الأشغال التجارية، وكثرت المعامل الصناعية وقرب تواصل الأبدان ~~والبلدان إلى غير ذلك من المنافع التي تبرهن عن مزيد تقدمهم بالمعارف وعلو ~~هممهم. # قالوا: إن أول مخترع لآلة البخار مركيز ورسستر الإنكليزي، وذلك في زمن شارلس الأول في ~~سنة 1663، وأول تجربة أجراها كانت في مدفع وذلك بأن ملأ نحو ثلاثة أرباعه ماء ثم سد ~~خرقه وفمه وأدناه من النار نحو أربع وعشرين ساعة فانفلق بدفع شديد فدله ذلك على أن قوة ~~البخار أعظم مما يدركه الإنسان. وروي ms49 عنه أنه قال: «قد جعلت الماء ينبعث من الجدول ~~ارتفاع أربعين قدما والإناء الذي فيه بخار يرفع أربعين إناء ملئت ماء.» إلا أن ما ~~أنتجته فكرته لم يكن كافيا للحصول على تمام تلك القوة، أو لأن الناس في زمانه لم ~~يكترثوا بذلك ~~. ثم في سنة 1690 فكر في شأنها المهندس داينس بابين الفرانساوي الذي ينسب له ~~الفرنسيس ذلك الاختراع، إلى أن ركب في سنة 1695 الآلة البخارية يلبستون وهو شيء يشبه ~~مدق المكحلة، ثم قام مترنيسو كومن ومستر كين فتزجرالد وهودون بلور ووط وبلطون، وبعد ذلك ~~قام القبطان شانك فأنشأ سفينة لتسافر إلى كندة في مدة حرب الأمريكانيين ونجح. وفي سنة ~~1681 اخترع يابان آلة من هذا القبيل، ثم قام صفري فصنع أداة لإصعاد الماء وذلك في سنة ~~1698. ثم قام غيرهم وكل منهم أتقن شيئا أو زاد فيه. # قالوا: وأول باخرة أنشئت في إنكلترا كانت في سنة 1815، وفي إرلاندا سنة 1820، وأول ~~باخرة سافرت إلى بلاد الهند كانت في سنة 1828، وكان إنشاء البواخر الحربية في إنكلترا ~~سنة 1833. وفي سنة 1775 صنع الماكنجي بريا الفرانساوي الآلة المذكورة وألقاها على وادي ~~دوب بفرانسا، وفي سنة 1781 ألقى على وادي صون بفرانسا أيضا سفينة كبيرة من ذلك النوع. ~~وفي سنة 1803 قام بباريس فلطن الأمريكاني ووضع على وادي سون أول وابور تام بالعجلات ~~وذلك بمعونة أحد أبناء وطنه ويدعى ليونسطن. ولكن لم يتم هذا العمل المفيد بفرانسا لعدم ~~اعتناء الدولة به في ذلك الوقت، ولما آيس فلطن من نجاح سعيه هناك حمل مخترعه إلى وطنه ~~في أمريكا وأشهره بها، ويقول أهل فرانسا: إن من سوء البخت عدم انجذاب بال الدولة في ذلك ~~الوقت لهذه النتيجة الباهرة. ا.ه. # وحيث ورد معنا في معرض الكلام ذكر المدفع، فلا بد من إيراد بعض أقوال تتعلق بتاريخ ~~اختراعه. قال في «كشف المخبا»: «زعم بعض أن استعمال المدافع كان في سنة 1338، وزعم بعض ~~أنها عرفت في حرب كرسي وذلك في سنة 1346، وقيل: إن الإنكليز استعملوها في حصار كالي سنة ms50 ~~1347. وقال بعضهم: إن برنس والس المعروف بالأسود لسواد درعه وريشته انتصر على فيليب ~~فلوي ملك فرانسا عند نهر سم، وكان من أقوى الأسباب التي أعانته على ذلك بعض مدافع كانت ~~مع عسكره، فإن المدافع لم يشهر استعمالها قبل تلك الواقعة إلا بنحو اثنتي عشرة سنة ولم ~~يعلم من كان المخترع لها.» ا.ه. # وفيليب المشار إليه ولي الملك في سنة 1328. ويوجد في برج جرمانيا مدفع طوله ثمان ~~وعشرون قدما ونصف قدم ووسع قطريه قدم ونصف، ووزن كلته مائة وثمانون رطلا وملؤه من ~~البارود أربعة وتسعون رطلا ويعلم من نقش رسم عليه أنه صنع في سنة 1529. # فأما إحداث البارود فكان قبل استعمال المدافع بعشر سنين وذلك في سنة 1336، يعني ~~إحداثه في أوروبا؛ لأن البارود كان معروفا عند الصينيين من قبل المسيح، لكن كان ~~استعماله للصلاح لا للتدمير كتمهيد الطرق ودك التلال ونحو ذلك. وظن بعضهم أن مخترع ~~البارود راهب من بروسيا اسمه مخائيل شوارتز، ولعله نقله عن العرب كما نسب البعض اختراعه ~~إليهم، وإن صح ذلك فإنهم هم أيضا نقلوه عن الصينيين. # هذا وفي سنة 1544 استعمل فرسان الإنكليز الفرد - أي: الطبنجة - ومن أعجب ما اخترعه ~~الأوروباويون سلك البرق - التلغراف - الذي نشأ عنه من الفوائد وتسهيل الأشغال ما لا ~~ينكر فضله، فمن كان يصدق أن خبرا يستدعي تبليغه من بلد لآخر سفر عشرة أو خمسة أيام أو ~~أقل أو أكثر يبلغ ويأتي جوابه بدقائق قليلة من الزمن؟! فهذا لعمر الحق لمن أعظم ~~ما يحق لمخترعه الذكر وألا ينكر فضل اختراعه مدى الدهر لما به من الفائدة العظيمة ~~بتبليغ الأخبار تجارية كانت أو سياسية بأسرع من شرب الطير. وإذا أردنا استقصاء فوائده ~~يكل عنها القلم مع أنها أشهر من نار على علم. # وأما اختراعه فقد كان على ما ذكره في «كشف المخبا» بعد تعب فكر وجهد روية، ففي سنة ~~1794 نصب ريزر تلغرافا يمكن استعماله إلا إنه أقل فائدة من المستعمل الآن، وقد كان قبل ~~ذلك استدل العلماء على إمكان تبليغ خبر من ms51 بلد إلى آخر بأسرع وقت حين استعمل فرنكلين ~~الأمريكاني الطيارة المعروفة بالبالون وظهر له خاصية الكهربائية البرقية، وذلك إنه صعد ~~بتلك الطيارة في يوم ذي دجن وكان قد ربط مرستها إلى وتدين وأناط بها مفتاحا، فلما ~~غشيها الغمام وجد أن بعض خيوطها قد تنفش وتجافى عن بعض منتصبا فأدنى برجمته من المفتاح ~~فأحس بشرر البرق. فتبحر العلماء من ثم في إيجاد طريقة لتبليغ الأخبار للمحلات ~~الشاسعة بواسطة أداة، واكتشفوا على أشياء تناسب ذلك. إلى أن وضع ريزر التلغراف المقدم ~~ذكره. # ثم قام بعده من صحح وأتقن هذه العملية إلى سنة 1837 قام الدكتور كوك وويتسطون وأخذا ~~رخصة من الدولة لإجراء هذه العملية في بلاد الإنكليز. وفي سنة 1842 نصب المستر ود ~~الأسلاك على دعائم، وقد كانت من قبل في الأرض تمر من حلق من الفخار وبذلك سهل نصب ~~الأسلاك غليظة من الحديد بدل النحاس فنقصت المصاريف نحو النصف، وهكذا ما زال العلماء ~~يجتهدون بتحسينه وإتقانه حتى استعمل كما نراه الآن، وامتد استعماله في إنكلترا ثم ~~فرانسا وجميع أوروبا، إلى أن وصل إلى المشرق، وهم لم يزالوا يوجدون طرقا سهلة ~~لاستعماله ويتفننون بتنظيمه وإتقانه. ويا لها من مأثرة عظيمة وفائدة عميمة! # ولما كانت اكتشافات واختراعات الأوروباويين التي من هذا القبيل كثيرة جدا فقد ~~اقتصرنا على ما أوردناه منها في هذا الباب نظرا لأهميته، وهو دليل كاف على ما لهم من ~~سعة دائرة المعارف التي بلغوا بها أقصى درجة التمدن وحازوا مزيد الشهرة والتقدم، ~~وآثارهم بالفنون والمعارف لا تنكر وهي أشهر من أن تذكر. وما ذاك إلا من إقبالهم على ~~العلوم، وتأسيسهم المدارس العظيمة المنتظمة، وتعاضدهم على المصالح الوطنية، بكل ما ~~تقتضيه الهمم البشرية والواجبات الإنسانية. ومن أراد الاطلاع على تمام أحوالهم وأصول ~~تمدنهم وعمران ممالكهم وتقدم بلادهم وتوفير ثروتهم؛ فليراجع كتب التاريخ والرحلات ~~الحديثة التي تحتوي على أخبارهم المشاهدة بالعيان. فسبحان خالق الإنسان ومزينه بالعقل ~~وهو الهادي إلى أقوم السبل. انتهى. # يقول الفقير رفيق ابن المرحوم محمود بك ابن المرحوم خليل ms52 بك الشهير بابن العظم ~~الدمشقي: هذا ما تيسر لي جمعه وإيراده في هذا الكتاب، فلعل أن تكون به لأبناء الوطن ~~فائدة ترشد إلى الصواب. وقد استعنت على تصحيحه بالعالم الفاضل والبحر الحبر الفهامة ~~الكامل صاحب الغيرة والفضيلة الشيخ عبد الهادي نجا المصري الإبياري، حفظه العزيز ~~الباري، فأرجو ممن اطلع عليه وحل محل القبول لديه أن يعامل قصوري بالغفران؛ إذ إنه أول ~~ما تصديت له التأليف، وكان الفراغ من تبييضه نهار الإثنين الواقع في 28 جمادى الأولى ~~سنة 1304 هجرية، على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التحية. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل التمدن والعمران سببا في بقاء نوع الإنسان، والصلاة والسلام ~~الأتمان على سيدنا محمد أشرف بني عدنان وعلى آله ذوي البراعة الفائقة وأصحابه ذوي ~~الهمم العالية والصفات الرائقة. أما بعد؛ فيقول الفقير إلى الله مصطفى محمد قشيشة ~~قد تم طبع كتاب «البيان في التمدن وأسباب العمران» وهو كتاب جليل المزية كبير ~~الأهمية، وإن صغر حجمه فقد غزر علمه فلله در مؤلفه ومحرره ومصنفه، فقد أهدى فيه ~~دررا وأوضح غررا حتى استحق المدح بكل لسان على ما أسداه من البيان، وكان تمام ~~طبعه بالمطبعة الإعلامية ذات المآثر البهية في يوم الجمعة الموافق 14 رجب الأصب من ~~عام أربعة وثلاثمائة وألف من هجرة من خلفه الله على أكمل وصف. ms53