######OpenITI# #META# URI: 1343RafiqCazm.RisalaFiBayanKayfiyyatIntisharAdyan.Hindawi95927048 #META# Tags: history #META# ID: 95927048 #META# Title: رسالة في بيان كيفية انتشار الأديان #META# AuthorID: 19617485 #META# Author: رفيق العظم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - حاجة البشر إلى الاجتماع وأن دعامته الدين‏ # 2 - ترقي الشرائع بترقي الإنسان‏ # 3 - القوة في الشرائع‏ # 4 - مشروعية الجهاد في الشرائع الإلهية‏ # 5 - في كيفية قيام الشرائع وانتشارها بين البشر‏ # مقدمة‏ # 1 - حاجة البشر إلى الاجتماع وأن دعامته الدين‏ # 2 - ترقي الشرائع بترقي الإنسان‏ # 3 - القوة في الشرائع‏ # 4 - مشروعية الجهاد في الشرائع الإلهية‏ # 5 - في كيفية قيام الشرائع وانتشارها بين البشر‏ # | رسالة في بيان كيفية انتشار الأديان # | رسالة في بيان كيفية انتشار الأديان # تأليف # رفيق العظم # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، أما بعد ~~... # فإن الولوع بالبحث عن حوادث هذا الوجود الاجتماعي ليس أحسن منه وقعا في النفس ولا ~~أجل منه فائدة في المباحث العلمية التي تستقري حلقات السلسلة التاريخية، لا سيما إذا ~~تجرد صاحبه عن لباس التشيع وتنزه عن وصمة الغرض، وقد كنت - بالنظر لما حبب إلي من ~~البحث في تاريخ نظام الاجتماع البشري - نشرت في الجزء التاسع من جريدة الهلال العلمية ~~لسنتها الحاضرة # 1 # جوابا عن سؤال سأله بعض الأدباء في الجريدة المذكورة مؤداه: هل التمدن ~~الإسلامي في صدر الإسلام قام بالسيف أم بالقلم؟ ولم أتصد للجواب عن سؤال السائل ~~وقتئذ إلا رغبة لكشف حقيقة يظهر من نفس السؤال أنها تهم السائل كما تهم كثيرين غيره ~~من ذوي الميل لمعرفة حقائق الحوادث الاجتماعية؛ إذ مما يدرك بالبديهة أن التمدن ~~الإسلامي لم يقم في صدر الإسلام، بل قام بعده - أي بعد أن استتب في الأرض سلطان ~~المسلمين وتدونت علوم الدين - وإنما الشريعة الإسلامية هي التي قامت في صدر الإسلام. ~~فالتمدن الإسلامي # 2 # قام عن الشريعة الإسلامية ولم يقم معها، فباطن مراد السائل إذن هو غير ما ~~يتبادر للذهن من ظاهره، ولا جرم، فإن تتبع العلل يؤدي إلى معرفة حقيقة معلولاتها، وهذا ~~ما دعاني لأن بدأت في جوابي المذكور ببيان العلاقة التي بين التمدن والأديان عموما ~~وبينه وبين الشريعة الإسلامية خصوصا، ومن ثم تخلصت لبسط كيفية قيام الإسلام ms01 وانتشار ~~شريعته بين الأنام، فبرهنت على أنها إنما قامت بالدعوة، فالتمدن الإسلامي قام عنها ~~بالقلم لا بالسيف، فلم يقع ذلك عند بعض الكتاب موقع القبول، فتصدى للرد علي فيما ~~كتبت، حيث نشر في الجزء التالي من الجريدة المذكورة مقالة بإمضاء «ر. ن»، حاول فيها ~~إقامة الدليل النقلي على قيام الإسلام بالسيف، وأن التمدن الإسلامي قام معه كذلك، ~~فعندئذ لم أر بدا من ولوجي في باب المناظرة توصلا لإقناع حضرته بأنه مخطئ فيما ~~توهمه وذهب إليه، وما زلت معه في أخذ ورد حتى إذا اعترى قلمه الكلال أو كاد رأيته جعل ~~يكتب بالبنان ما لا يوافقه عليه الجنان، أو كأنه يحاول الإشارة من طرف خفي إلى استنكار ~~مشروعية الجهاد في الشريعة الإسلامية مع أن الجهاد شرع في كثير من الشرائع الإلهية ~~السابقة، فلا ينكر على الشريعة الإسلامية كما لم ينكر على غيرها من قبل، وبما أن ~~بيان ذلك على وجه أوسع مما بسطناه له في جريدة الهلال الأغر ضروري لإقناع حضرته وفريق ~~القائلين بقيام الإسلام - أو الشريعة الإسلامية أو الدين الإسلامي - بالسيف - وهو مما ~~لا يسعه مقام الجرائد العلمية - فقد اختتمت مناظرتي معه، وتمت بالوعد بوضع رسالة خاصة ~~آتي بها على تفصيل ما أجملناه في الجريدة المذكورة مشفوعا بتحقيقات أخرى ذات علاقة ~~بأصل المبحث لا تخلو من فوائد جمة تطمئن معها الضمائر وترتاح إليها الخواطر، متوخيا في ~~ذلك جانب الحقيقة وبيان حكاية الواقع مع نبذ التشيع لفريق والتحامل على آخر شأن الكتاب ~~الصادقين الذين لا يستهويهم هوى الغرض والتعصب، ولا تنقاد أقلامهم لغير حرية الفكر ~~والضمير. # وإنني وفاء بالوعد وضعت هذه الرسالة المختصرة التي لو سلكت في كل مبحث منها مسلك ~~التطويل والتفصيل لوجدت للقول مجالا ذا سعة، غير أني رأيت الاختصار والإجمال أولى بمثل ~~هذا المقام، وعلم الله أني لم أخض غمار هذا البحث إلا بعد ما حاولت الإعراض كثيرا ~~عما بات يتردد صداه في الآذان من صوت البهت الصادر عن فريق القائلين بقيام الإسلام ~~بالسيف إيهاما وتغريرا، وإخال أن ms02 في هذا ما يمهد لي العذر عند إخواني في الوطنية من ~~أي مذهب كانوا على وضع هذه الرسالة التي لم أقصد بها إلا إقناع معشر لو اعتبروا ~~بالحكمة المأثورة عن المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، وهي قوله: «لماذا تنظر إلى القذي ~~في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينيك» لكفونا مؤنة الأخذ والرد، ولكن أبى الحق ~~إلا الظهور والسلام. # وقد قسمت هذه الرسالة إلى خمسة فصول: الفصل الأول: حاجة البشر إلى الاجتماع وأن ~~دعامته الدين، الفصل الثاني: ترقي الشرائع بترقي الإنسان، الفصل الثالث: القوة في ~~الشرائع، الفصل الرابع: مشروعية الجهاد في الشرائع الإلهية، الفصل الخامس: كيفية قيام ~~الشرائع وانتشارها بين البشر، وفيها مطالب، فأرجو ممن يطلع عليها أن لا يحمل كلامي على ~~غير محمل الإخلاص في خدمة الحق، وأن يسبل ذيل المعذرة على ما يراه فيها من خطأ ربما ~~أداني إليه قصر باعي، وإنما هي كلمة حق لم يسعها الصدر فباح بها اللسان، وها أنا ~~أشرع ببيان المقصود، وبالله المستعان. # الفصل الأول # | حاجة البشر إلى الاجتماع وأن دعامته الدين # من البديهي أن الإنسان يستحيل عليه الاستغناء عن مشاركة من سواه من بني الطينة البشرية ~~حتى في أدنى الأعمال التي هي من ضروريات الحياة، وإلا لكان كالسائمة يأكل مما تنبت الأرض ~~ويشرب مما تمطر السماء دون افتقار منه إلى الألفة الاجتماعية التي هي من بواعث العقل الذي ~~فضل الله به الإنسان على سائر الحيوان، لهذا فالإنسان منذ فطر عقلا شعر بالحاجة إلى ~~الاجتماع الذي به قوام الحياة الأدبية، فافترق إلى جماعات وأقوام كانت في أبسط أطوارها ~~خاضعة لحكم النظام الاجتماعي ولو بما يسمى بالعصبية. # ولا ريب أن الاجتماع على صورته المذكورة غير جدير بالاعتبار الكمالي في جانب الحاجة إلى ~~التآلف العمومي والاجتماع المدني، لهذا افتقرت الشعوب مع التمادي والتدريج واتساع دائرة ~~المعاملات الدنيوية إلى روابط أعم من العصبية، تجمع إليها شتات القوى المتوزعة وتضم إلى ~~سلسلتها حلقات الأقوام المتفرقة، التماسا للتعاون الذي هو علة النمو والبقاء، وتدرجت في ~~مهد الزمان ms03 عواطف الشعور البشري بالحاجة إلى القوة الوازعة التي تصان في جانبها حقوق ~~الأفراد باعتبار الأعمال المشتركة والشخصية، والجماعات باعتبار الحقوق القومية والعلائق ~~الجوارية، وذلك لأن تنوع العناصر البشرية الداعي لتعدد المطامع والغايات بين أصناف الإنسان ~~لما كان من شأنه إيجاد المنازعات الشخصية والمشاحنات القومية التي تضر بالعمران وتأخذ على ~~البشر سبل الترقي في الحياة الاجتماعية في كل آن، فكان من الضرورة وجود قوة معنوية تجذب ~~أطراف الشعوب إلى نقطة جامعة، تستحيل بها العصبية الجنسية إلى رابطة عمومية، يترتب عليها ~~توحيد الكلمة وتوثيق عرى التأليف والاجتماع وتوطد دعائم النظام المدني الكافل بدوام الترقي ~~البشري على صراط الحكمة والعلم. # ومن البديهي أن تلك الروابط المفتقر إليها جماعات الإنسان وهذه القوة المعنوية التي يرتاح ~~إليها الجنان إنما هي الشرائع الإلهية التي تجمع الشعوب على كلمة الألفة والحب وتوثق بينهم ~~عرى الإخاء والمساواة، وترشدهم إلى الطاعة التي هي أساس الشرائع الداعية إلى انتظام الأحوال ~~وتبادل الأيدي على الأعمال، فالشرائع ضرورية للبشر بمقدار حاجتهم إلى الاجتماع. # ومن المقرر أن خضوع جماعات من الإنسان مختلفي العناصر والأجناس لسلطة واعية ونظام شامل ~~أمر يصعب حصوله، ما لم يكن أولى بصالحهم الاجتماعي الأعم، ولما تحقق عند البشر مع التمادي ~~والتدريج أن الشرائع الإلهية هي ذلك الوجه الكافل براحة الاجتماع العمومي، وأن خضوعهم ~~لشرائعه تعالى، وانقيادهم لكلمتها الجامعة أمر لا بد منه في جانب مصلحة المجتمعات القائمة ~~بالتعاون والاتحاد اللذين يترتب عليهما نمو الحياة الأدبية وبقاء النوع كان تمسكهم بمبدأ ~~التآلف الاجتماعي تحت جامعة الأديان أمرا مستمرا لم تخل منه الشعوب في كل زمان. # ولا جرم أن دعامة الاجتماع هو الدين؛ إذ به يصان نظام الأمم من الخلل والتفريق، ويدفع ~~خطر الفوضى والعصبيات الجنسية التي تهوي بالشعوب من الهلكة إلى مكان سحيق. # الفصل الثاني # | ترقي الشرائع بترقي الإنسان # من المقرر الثابت في تاريخ الإنسان أخذه بالترقي في سلم المدنية منذ العصور القديمة إلى ~~الآن، وقد مر عليك أن روابط الأديان هي القائمة بحفظ نظام الإنسان، فلهذا كانت الشرائع ~~الإلهية ms04 - التي على إثرها تقوم ومنها تستنبط الشرائع الوضعية - تتوالى على الشعوب بواسطة ~~الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، بما يوافق المناسبات الطبيعية والترقيات التدريجية ~~الملازمة للحضارة والعمران مع توالي الأزمان، بدليل أن ما من رسول إلا ويبعث إلى قومه ~~على فترة من الرسل فيوحى إليه بشريعة أرقى، تنسخ ما قبلها وتكون أجمع لضروب الأحكام التي ~~تقتضيها سنة الترقي البشري والتقدم الاجتماعي، هذا من حيث الفروع لا من حيث الأصول؛ إذ ~~الأصل في الشرائع الإلهية واحد وهو التوحيد، فالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~عليهم الصلاة والسلام لم يكن من العبث إرسالهم هكذا في أزمنة متباعدة، نهاية كل منها بداية ~~غيره، بل سنة الترقي وحكمة موحي الشرائع جل شأنه في هذا اقتضت ذلك؛ رعاية لمصالح العباد ~~المنوط حفظها بالشرائع الكافلة بانتظام النظام الاجتماعي بالنسبة لما يصادفه كل نبي من ~~الشئون والمناسبات الطبيعية، بالإضافة إلى كل أمة وزمان، والاعتراف بهذه الحقيقة لا يفتقر ~~لغير اطراح التشيع المذهبي ولغير النظر إليها بعين التروي والإنصاف؛ إذ حكمة التشريع على ~~نهج الترقي المذكور قضية ثابتة حتى في الوضعيات العقلية لا يتردد في قبولها الوجدان ولا ~~يماحك فيها إنسان فكيف بها إذا كانت من وضع الحكيم العليم بمصالح عباده أجمعين. # فشريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو كانت مع موافقتها بالوضع للمناسبات الزمانية ~~مستوفية لشروط الدوام والاستمرار لما كان أوحي فيما بعد إلى موسى عليه السلام بشريعة أخرى ~~تخالفها في كثير من الأحكام، كإباحة الجمع بين الأختين في الأولى وتحريمه في الثانية مثلا، ~~لا جرم أن علم الخالق تعالى بحاجة الخلق التي تختلف باختلاف الأزمنة وتترقى بترقي الشعوب هو ~~الذي اقتضى ذلك، وإلا لاختل نظام الوجود الاجتماعي المستمد روح القوة من نور الشرائع ~~والأديان، لهذا نرى أيضا أن الشريعة المحمدية - الجديرة بالنظر والاعتبار لتأثيرها على ~~النظام الاجتماعي تأثيرا سريعا وتلقي العقول لها بالقبول والناس بالرضا والاختيار - لما ~~كانت خاتمة الشرائع الإلهية كان من الحكمة بلوغها درجة الكمال بالنسبة لما تقدمها من ~~الشرائع التي لم تتجاوز حد الحاجة الاجتماعية، ms05 بالإضافة إلى أزمنة ظهورها وتبليغها بواسطة ~~الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فالله سبحانه وتعالى لما اقتضى علمه الكريم وجود شريعة ~~كاملة تأتلف بها القلوب ويتم بها نظام الاجتماع فتكون خاتمة شرائعه الإلهية أنزل هذه ~~الشريعة المحمدية مهيئة لأن تجمع أمما مختلفة وشعوبا متباينة، وارتضاها لأن تكون شرعا ~~قيما للناس كافة، بدليل قوله تعالى خطابا للمؤمنين أي لمن آمن بصاحب هذه الشريعة وبما ~~جاء به وصار من أتباعه وأهل ملته من أهل الكتاب وغيرهم من الطوائف والملل الأخرى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ~~، فمفهوم هذه الآية الشاملة في الخطاب ~~للمسلمين ممن كان منهم من أهل الكتاب وغيرهم واضح لا يحتاج إلى زيادة تفسير وبيان. # ويؤيد هذا الدليل الحق ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام المحيطة بالزهيدة والجليل ~~من العبادات الدينية والمعاملات الدنيوية، وهي أحكام الحدود والعقوبة والقصاص، والسياسة ~~والحقوق وفروعها، والترغيب والترهيب وفروعهما، وغير ذلك مما لم تستوفه شريعة من الشرائع ~~السابقة، ومن نظر في كتب الأصول في الشريعة الإسلامية وما حوته من المسائل الشرعية ~~واستوعبته من دقائق الأحكام العادلة الملائمة لكل زمن، بل ولكل حالة تقتضيها سنة الترقي ~~والانتقال في الهيئة الاجتماعية لما توقف عن الاعتراف إن لم يكن باللسان فبالضمير والوجدان، ~~بأنها الشريعة الكاملة السمحاء التي أتم الله بها نعمة الراحة الاجتماعية على من تلقاها من ~~البشر؛ إذ أية شريعة غير الشريعة الإسلامية ترشد الإنسان إلى كل باعث من بواعث الراحة ~~والطمأنينة في الحياة البشرية، فتعلمه آداب المعاشرة والمعاملة والتخاطب، والطهارة، والقيام ~~والجلوس، حتى آداب الأكل واللبس، وبالإجمال فهي ترشده لكل طرق الخير، وتنهاه عن كل طرق الشر، # 1 # وتبين له حدود كل صلة تربطه مع ذوي رحمه وقرباه ثم عشيرته ثم قبيلته ثم بني ~~وطنه ثم بني جامعته ومن عداهم من أهل الكتاب والملل الأخرى، كل ذلك بتوضيح صحيح مقبول لدى ~~العقل مؤيد بالتجارب مفيد بالعمل، وهي تفرض على المؤمن الطاعة لله وللرسول وأولي الأمر، ~~والطاعة كما هو المعلوم أنه أساس ms06 الشرائع ودعامة العمران، ثم هي تحدد معنى الطاعة لصاحب ~~الأمر (الإمام) بحيث لا تكون أمرا لما يؤدي إلى معصية الخالق تعالى فيما أمر به ونهى عنه، ~~ولا تفريطا يختل به نظام الألفة العمومي ويتداعى ركن المجتمع الإسلامي، وتوضح كيفية ارتباط ~~الأفراد بولي الأمر الإمام الحاكم ارتباطا دينيا وسياسيا وارتباطه بالشريعة في تحديد ~~سلطة الهيئة الحاكمة على الهيئة المحكومة والتصرف بأمور الرعية بما لا يتعدى جانب الحكمة ~~التي هي ضالة المؤمن، ولا يتجاوز حدود العدل والمساواة في إجراء الأحكام وتوزيع الضرائب ~~وجباية الأموال، ثم هي تعين للإمام كيفية تصرفاته السياسية وكيف ينبغي أن يعامل الأقوام ~~المحاربة والمسالمة، وكيف تراعي في ذلك النسب والعلائق الجوارية، إلى غير ذلك من أنواع ~~المعاملات السياسية سواء كانت عمومية ذات علائق خارجية أو خصوصية ذات بواعث داخلية، مما ~~يظهر منه مزيد ارتباط السياسة بالدين في الشريعة المحمدية على وجه كافل بإعزاز جانب الجماعة ~~الإسلامية، وهذا المبدأ الأساسي في هذه الشريعة الغراء من أهم المبادئ التي قامت على ~~دعامتها الممالك والدول الإسلامية، حتى إن كثيرا ما حاولت هدمه الدول الأوربية بمساعيها ~~المعلومة في الشرق إدخالا للفساد على أساس الحكومات الإسلامية، وإضعافا لقوة أهل الإسلام ~~الذين هم مع تفرق عناصرهم وانتشارهم في البسيطة مرتبطون بنقطة جامعة هي ذات الخلافة ~~الإسلامية، ولكن أنى لتلكم الدول الوصول إلى تلك الغاية البعيدة المنال على توالي ~~الأجيال. # هذا، وبالجملة فمزايا هذه الشريعة التي لا تدخل تحت الحصر لم توجد في شريعة من الشرائع ~~السابقة، واختصاصها بتلك المزايا دون غيرها يؤيد أنها أرقى الشرائع، وبما أنها خاتمة ~~الشرائع أيضا، اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون كذلك وافية بالغرض من جميع الوجوه، فعلماء ~~التشريع في هذا العصر الذي اتسعت فيه دائرة المعاملات المشتركة والسياسية اتساعا فاق حد ~~الحصر مهما توسعوا في وضع القوانين العقلية بعد تطبيقها على التجارب النظرية في المعاملات ~~المستحدثة تراها إن لم تكن استنباطا من الشريعة الإسلامية، فهي لا تخرج في مؤداها عن معاني ~~الأصول في هذه الشريعة الغراء الموحاة منذ ثلاثة ms07 عشر جيلا مضت عليها من الزمان، وهي ما ~~زالت ولا تزال كنزا ينضح التمدن من الأحكام كل جديد، تزان بدرره نحور العصور والحس شاهد ~~عدل، والباحثون في أصول الشرائع من ذوي الإنصاف إذا راجعوا كتب الشريعة الإسلامية بكل تدقيق ~~لا يخالفوننا في هذه الحقيقة حيث تتضح لهم بأجلى بيان. # الفصل الثالث # | القوة في الشرائع # قد علمت من مجمل ما قدمناه أن الشرائع هي الكفيلة بحفظ نظام الإنسان، وترقي المدنية ~~والعمران، لما أنها الحد الفاصل بين الأهواء المتغالبة الناشئة عن احتكاك المقاصد بين أصناف ~~الإنسان الميال من طبعه إلى حب الأثرة، المفطور على الشر، فهو لو أطلق له العنان في ~~ميدان المقاصد النفسية لبلغ منتهى البله، وأصبح فاقد النظام يأكل قويه الضعيف، بدليل ما ~~يشاهد من حالة الأقوام غير المتمتعين بأنوار الشرائع الذين هم لهذا السبب أقرب إلى ~~الحيوانية منهم إلى الإنسانية. # فالشرائع في الحقيقة هي قوام الحياة الاجتماعية وعلى وجودها تتوقف سعادة النفس البشرية، ~~لما أنها الوازع الذي يأخذ على النفوس سبل الاندفاع وراء الأهواء، والرادع الذي يكبح جماح ~~العواطف قسرا عن قصد كل طريق عوجاء؛ إذ لما كان الإنسان ميالا إلى الإطلاق عند قيد الحجر ~~القانوني رغابا باهتضام حقوق أخيه، وكانت الشرائع بالإضافة إلى مقصدها المعنوي بمثابة ~~القوة التي تقف بكل فرد منه عند حد الواجب، وتعرفه من الحقوق ما كان له أو عليه كان القسر ~~فيها من لوازم التشريع المعنوية التي تأخذ بعنان إرادة البشر عما لا ينبغي لها أن ترسل فيه، ~~وإلا فلو عرف الإنسان طريق الواجب بالطبع فلم يتعدها، وأذعن للحق سواء كان له أو عليه ~~لانتفت الحاجة إلى الشرائع، وانجلت روابط الاجتماع القومية، حيث تستحيل بين أصناف الإنسان ~~إلى الرابطة النوعية فتقوم المساواة الإخائية والزواجر النفسية مقام الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وهيهات هيهات، فإنه فضلا عن استحالة وصول الإنسان إلى هذا المقام، فهو مع علمه ~~بضرورة الشرائع وتمتعه براحة الإيواء إلى ظلها الظليل ميال للشذوذ عنها وإن انقاد لها مع ~~التمادي والإرشاد من حيث ms08 الوجهة الدينية فلا ينقاد لها من حيث الوجهة الدنيوية إلا على ~~رغم الأميال النزاعة إلى الشر، وإلا لما احتيج في إقامة أحكام الشرائع إلى الوازع الذي يأخذ ~~بالقوة على أيدي ذوي العبث بالحقوق، بل لكان الرجوع بالنفس إلى مجرد أمر الشارع عند كل خلاف ~~يقع بين متخاصمين هو الحكم الفصل المغني عن القوة الحاكمة والقوة الإجرائية (التنفيذية) ~~المنوط بهما حفظ نظام العباد وصيانة حقوق الأفراد. # الفصل الرابع # | مشروعية الجهاد في الشرائع الإلهية # من البديهي أن الإنسان المتخلق بخلق ثابت، الناشئ على عادة مستمرة واعتقاد خالص يتناوله ~~الأبناء عن الآباء، يصعب عليه تحوله عن ذلك كله على حين اقتناع منه ورسوخ في عقله بحسن ما ~~هو عليه، وإن كان الأمر بخلاف ذلك، لا سيما إذا كان من قوم تمكنت من نفوسهم العوائد ~~والتقاليد تمكنا عسر الزوال، ولا نخال من ينكر هذه الحقيقة تلقاء ما هو شاهد ومعلوم في ~~حالة الأفراد من حيث الأخلاق الشخصية التي لا تنجع فيمن شب على الرذيل منها وسائط التربية ~~والتهذيب إلا بعد العناء الكثير وحالة الجماعات من حيث العوائد السافلة القومية التي لا ~~يتأتى لقوم التحول عنها لما هو أشرف وأرقى منها إلا باستعمال الوسائل التدريجية، فما بالك ~~بالشرائع الإلهية التي يراها القوم لأول وهلة داعية لترك كثير مما ألفوه من العوائد ~~والتقاليد وانطبعوا عليه من أخلاق ذميمة ونبذ ما رسخ في أذهانهم أجيالا عديدة من الاعتقاد، ~~فضلا عما يرونه في الشرائع من الروابط والأحكام التي تحجر مطلق التصرف وتحدد ~~الأعمال. # وهذا بالطبع مما يخالف أميال الخاصة حيث تغل به أيديهم العاتية ولا يدرك العامة ما فيه ~~من المزايا العظيمة العائدة على المجتمع الإنساني بالخير المحض إلا بعد الاختبار ~~والتعليم، فيأخذ منهم العتو على الأنبياء أولي الشرائع كل مأخذ فيسفهون أقوالهم تارة ~~ويتعمدون أذاهم أخرى، لا لأن ما يأتون به من الشرائع يكلفهم ما لا يستطاع إذ - لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها - ولا لأنها تخالف ما يقتضيه العقل والعدل - حاشا لله - بل لجهل فريق ~~منهم ms09 بمزايا الشريعة ولأخذها على أيدي الفريق الآخر كما تقدم. ومن المقرر أن النبي مكلف ~~بتبليغ رسالته ونشر دعوته، ولو تحمل بسبب ذلك غاية الإهانة ونهاية العناء، وفي هذه الحال لا ~~بد من أن تؤثر دعوته على أفكار العقلاء من قومه الذين يبدأهم بإظهار سره بغية الاستعانة بهم ~~على أمره، لا سيما إذا تحداهم بالمعجزات وبرهن على صدق نبوته بالآيات البينات، فيصغون له ~~ويطمئنون إليه، فيجتهد بأن يستحدث منهم صاحبا أو صاحبين، ليستحدث بالاثنين اثنين آخرين، ~~وبالأربعة أربعة آخرين، وهكذا بالتدريج حتى تكثر جماعته ويتعدد أنصاره، فيكون منهم في منعة ~~فيجهر بأمره ويعلن دعوته، فيتنبه له المخالفون من قومه الذين كانوا آمنين جانبه لضعفه ~~ووحدته، وكلما زاد حزبه ازداد قومه والمخالفون له رهبة منه وبغضا فيه ومعاداة له، وربما ~~تعمدوا قتله وقتل من تبعه من الناس، الذين يصبحون محفوفين بالخطر بين جماهير الأعداء ~~محتاجين لبسط السلطة والاعتصام بالقوة حفظا لناموس الشريعة وقياما بنصرة الحق، وتثبيتا ~~لدعوة نبيهم التي يتوقف على انتشارها خير أولئك الجماهير، الذين لم يدعهم لردها سوى الجهل ~~والعناء، ولا يتيسر لهم ذلك إلا إذا أذن لهم الشارع باستعمال القوة، فيشرع لهم الجهاد ~~وقتال المعارضين بحكم الضرورة، حتى يكون جانب جماعة المؤمنين محفوظا من كيد الكائدين ~~وإيذاء المخالفين، وإلا لو استسلموا للضعف من ابتداء أمرهم لذهبوا ضحية جهل المعارضين، ولم ~~تقم لهم قائمة في بث منافع الدين. # لهذا فمشروعية الجهاد في الشرائع الإلهية لا تخلو عن حكمة بالغة، وليس فيها ما يمس بجوهر ~~الشرائع ما دام أن الشارع لم يقصد إلا الخير العام، ومعارضة الشعوب - ابتداء - للأنبياء ~~الكرام عليهم الصلاة والسلام ليس إلا لمحض العناد والجهل بمزايا الشرائع، وقد يكون لأسباب ~~أخرى سياسية مصدرها أولو السلطة وأرباب الرياسة في الهيئة الاجتماعية، لما يرونه فيها من ~~القيود التي تغل أيدي جورهم وتمنعهم عن فجورهم، فيشعرون بثقل يد الشريعة العادلة ويخشون من ~~أن تثل عروش عتوهم في الأرض، فيقومون لذلك في وجه صاحب الشريعة مثبطين معارضين، فيميل معهم ~~مؤازرا من يميل ms10 إما رهبة منهم أو رغبة فيهم وطاعة لهم، فهؤلاء لما لم يقف بهم العتو عند ~~حد الضرر للنفس بصدها عن سبيل الحق، بل أجرموا بمنع غيرهم أيضا عن قبول الخير المحض، ~~والعقل يجوز قتل المجرم الآثم، فقد وجب قتالهم وقتلهم أنى وجدوا بحكم العقل والعدل؛ ~~لأنهم الصادون عن سبيل الله المانعون للخير العام، فمشروعية الجهاد بمثلهم في الشرائع ~~الإلهية عادلة لا سبيل لإنكارها بوجه من الوجوه. # فإذا تمهد هذا فاعلم أن من ينكر على الديانة المحمدية مشروعية الجهاد فيها فقد أخطأ خطأ ~~ناشئا عن عدم البحث والاستقراء لأمور؛ أولها: أن الشرائع بمعناها المضاف إلى الغرض الظاهر ~~من وضعها للبشر قوة تقف بالإنسان عند حد الواجب - كما رأيت في الفصل الثالث - فلا تستغرب ~~فيها مشروعية الجهاد، وثانيها: أن الجهاد شرع في كثير من الشرائع السابقة كشريعة إبراهيم ~~وموسى وداود وعيسى عليهم الصلاة والسلام قبل أن يشرع في الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل ~~الصلاة والتحية، فهي لم تختص به وحدها، وثالثها: أن الجهاد لإعلاء كلمة الحق ودفع شر ~~المؤذين لا ينكر على الشرائع الإلهية كما رأيت فيما مر في هذا الفصل، ورابعها: أن الجهاد ~~في الشريعة الإسلامية شرع على وجه أخف مما كان عليه في شريعتي موسى وداود عليهما السلام ~~وإليك البيان. # مطلب مشروعية الجهاد في شريعة إبراهيم عليه السلام # فأما أن الجهاد مشروعا في تلك الشرائع السابقة فثابت بنص «الكتاب»، فقد جاء في ~~الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حارب ملوك المشرق ~~عندما كسروا ملوك السدوميين، وافتك من أسرهم ابن أخيه لوطا، واسترد أملاك السدوميين ~~وأسلابهم، ولم يرض بأن يأخذ لنفسه نصيبا من هذه الغنيمة ما عدا الرجال الذين كانوا معه ~~- ولعلهم القواد - وهم: عانر وأشكول وممرا، فإنه سمح لهم بأخذ نصيبهم منها، فقيام ~~إبراهيم عليه السلام بنفسه لقتال هؤلاء الأعداء يدل على أنه مأذون بذلك من لدن الخالق ~~تعالى، وأن قتال الأعداء والجهاد فيهم كان مشروعا في شريعته الطاهرة حتى فعل ما فعل، ~~وإلا ما ms11 كان ليقدم على ذلك بالنظر لمقام النبوة إذا لم يكن مأمورا به، وهذا مما لا ~~ريب فيه. # مطلب مشروعية الجهاد في شريعة موسى عليه السلام # وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام فقد شرع الجهاد في شريعته على وجه بلغ من الشدة ما ~~بلغ، فقد جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج أن الله سبحانه وتعالى أمره أن ~~يبيد عن وجه الأرض كثيرا من الشعوب، وأن يكسر أصنامهم، وهؤلاء الشعوب هم: الأموريون ~~والحثيون والفرزيون والكنعانيون والحريون واليبوسيون، وأنه سبحانه يزعج له جميع الشعوب ~~الذين يأتي عليهم ويعطيه أرضهم، وكان كذلك، فقد جاء في الإصحاح الحادي والعشرين والثاني ~~والعشرين من سفر العدد أنه - أي موسى عليه السلام - قاتل الأموريين وملكهم سيحون، وقتله ~~وأخذ بلاده بحد السيف من نهر أرنون إلى نهر نبوق، وقاتل بني عمرن وملكهم عوج وأخذ أرضهم ~~بحد السيف، وحارب الموآبيين والمريانيين، وأرسل بعض أسباط إسرائيل لمحاربة الكنعانيين ~~وغيرهم. وبالإجمال فقد كانت أيامه كلها حروب وجهادات منذ خروجه من مصر ودخوله في سورية ~~حتى وفاته عليه السلام، وقبل وفاته أقام يشوع قائدا على جماعة بني إسرائيل، وما زال ~~بنو إسرائيل متبعين حكم الجهاد إلى انقراض دولتهم بعوامل الحروب المتوالية في ~~الأرض. # مطلب مشروعية الجهاد في شريعة داود عليه الصلاة والسلام # وكذلك داود عليه السلام فقد شرع الجهاد في شريعته على وجه شديد أيضا، كما ورد في ~~صموئيل الأول والثاني فإنه حارب العمالقة واسترد منهم ما سلبوه من مدينته صقلع التي ~~أعطاه إياه أخيش، وحارب أشبوشب وقهره، وبقيت الحرب بينهما سنتين، وحارب اليبوسيين ~~وافتتح منهم أورشليم، وحارب الفلسطينيين وقهرهم حتى لم يعودوا يضايقوه، وهاجم الأمم ~~المجاورة فغلب الفلسطينيين مرة ثانية وحارب الموآبيين وضرب الخراج على الآراميين، ~~وذلل عماليق والأروميين واستاق منهم غنائم وافرة، والتحمت الحرب بينه وبين ملك بني عمون ~~الذي استصرخ الآرميين فأجابوه وأعانوه، وحدثت ثلاثة حروب شديدة بين الفريقين واشتد ~~القتال حتى خرج داود عليه السلام بنفسه وقاد جنوده وضربهم ضربة عظيمة حتى أخضع بني ~~عمون والآراميين، فامتد تخومه ms12 إلى الفرات. وبالإجمال فقد كانت أيامه كلها حروب وجهادات ~~حتى إنه قصد أن يبني هيكلا للرب، إلا أنه امتنع لأمر الله؛ لأنه كان رجل حرب (7ص) ~~تقدم عنده فريضة الجهاد في سبيل الله على إقامة مساجد الله. # مطلب مشروعية الجهاد في شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام # وكذلك شرع الجهاد في شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، بدليل قوله في إنجيل متى ~~(عدد 34) «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا»، ~~فمفهوم هذه الآية صريح في مشروعية الجهاد صراحة تبلغ الغاية في الدلالة على الشدة، ~~وعلى حكمها أعلنت الحرب الدينية في عهد الإمبراطور يوقيانوس وغيره في الممالك ~~الغربية، وامتد أيضا صوت دعاة الجهاد في أطراف الممالك الأوربية في العصور المتوسطة ~~الهجرية، فالتحمت حروب الصليب في المشرق التحاما متواصلا مدة تزيد عن جيلين، وكثيرا ~~ما نودي أيضا في نفس أوربا بالحروب الدينية مع الكنائس المنشقة، مما ذهب فيه من ~~الأموال والأنفس ما لا يعد ولا يحد، وفي أعمال جمعية الأنكبزيسيون في إسبانيا التي ~~استمرت من عهد الملك فرديناند وزوجته إيزابيلا إلى عهد الملك فيلبوس الثاني # 1 # ما يغني عن زيادة البيان، ولم يزل هذا الحكم جاريا إلى الآن عند الدول ~~الغربية المسيحية، وإن صبغوه بصبغة سياسية استحياء من وصمة التعصب التي تلصق بهم عند ~~تألبهم الديني على اهتضام كل حق للغير، وإن قيل: لماذا لم يكن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~في عهد بعثته من المجاهدين في الأعداء المخالفين من الوثنيين كغيره من الأنبياء الكرام ~~عليهم الصلاة والسلام ما دام أنه بالنفس صرح هذا التصريح الشديد في مشروعية الجهاد؟ ~~فالجواب عن ذلك أنه # صلى الله عليه وسلم # لم يكن كغيره من الأنبياء # 2 # في منعة من عشيرته أو قومه أو أصحابه من المؤمنين، ولم يبلغ أتباعه في عهده ~~حد الكثرة والمنعة التي تقيه من أذى المؤذنين، شأن غيره من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، وإلا لما تأخر عن الجهاد في الأعداء إتماما لأمر ربه، وعرض نفسه للصلب، ~~وأتباعه للإهانة ms13 والاضطهاد، حتى أصبحوا بعده قليلين مستضعفين في الأرض يستعملون طقوس ~~العبادة سرا، ويضطهدون من قياصرة الرومان اضطهادا كاد يلاشيهم من الأرض لو لم ~~يتداركهم بعض إمبراطورة الرومان، ومنهم الإمبراطور ثيودوروس الذي تنصر، وأقام بعد ذلك ~~الدين المسيحي بقوة السيف كما ستراه مفصلا في الفصل التالي إن شاء الله. # مطلب مشروعية الجهاد في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام # وأما مشروعية الجهاد في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام وأنها أخف مما هي عليه في ~~شريعتي موسى وداود عليهما الصلاة والسلام، فذلك لأن لها حدودا وأحكاما لا تبلغ بها حد ~~القسوة التي في تينك الشريعتين، فالنبي محمد # صلى الله عليه وسلم # لم يؤمر بأن يبيد الشعوب ~~المحاربة عن بكرة أبيهم حتى وكل نسمة حية معهم من الحيوان كما في شريعة موسى عليه ~~السلام، ولم يؤمر أن يقدم فريضة الجهاد على فريضة العبادة وإقامة مساجد الله كما في ~~شريعة داود عليه السلام، بل أمر باستعمال الرفق والمسالمة، وقررت في شريعته قواعد ~~وأحكام للجهاد لم تحتو على بعض منها الشرائع السابقة لأسباب لا نخال إلا أن القارئ ~~علمها مما أشرنا إليه في الفصول السابقة، فمن ذلك أن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ~~تدعو قبل الحرب المحارب # 3 # الذي بلغته الدعوة إلى إحدى الخصلتين الإسلام أو الجزية، فإن أسلم كان من ~~المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى ودفع الجزية فهو في عهد الله وأمانه لا ~~يضار في نفس ولا عرض ولا مال، وإن أبى وحورب ثم جنح للسلم يسالم لقوله تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~، وإلا، فلا ~~يقتل في الحرب شيخ ولا غلام ولا عسيف # 4 # ولا امرأة ولا يجهز على جريح، ولا يتبع فار، وأسرى الحرب إذا كانوا ~~أحرارا بالغين وكانوا من مشركي العرب الذين كانوا أشد عداوة وإيذاء للنبي # صلى الله عليه وسلم # فحكمهم القتل، وإن كانوا من غيرهم فللإمام أو من ينوب منابه واحدة من أربع: إما ضرب ~~رقابهم بالسيف، أي قتلهم لا بأنواع التعذيب المنكر، وإما الافتداء بالمال ms14 أو بأسرى ~~المسلمين، وإما المن عليهم بإخلاء سبيلهم، أو بوضع الجزية عليهم، حسبما يرى الإمام في ~~ذلك من المصلحة اتباعا لقوله تعالى: # فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ~~، ففي هذه الأحكام العادلة من الرفق والتخفيف في أمر الجهاد ما ~~لم تأت به شريعة من قبل وما لا تخفى عدالته على بصير. # وبالإجمال فالجهاد كما أنه شرع في غيرها على وجه أشد مما هو عليه في هذه الشريعة ~~ولم ينكر عليها كذلك لا ينكر على هذه، لا سيما مع ما فيه من الحدود العادلة، فلا ~~سبيل بعد هذا لغير الاعتراف بالحق، خصوصا عند كل منصف حر الضمير يرى الحق حقا فيقول ~~إنه الحق. # الفصل الخامس # | في كيفية قيام الشرائع وانتشارها بين البشر # قد تعين علينا بعد ما بسطناه من أمر الشرائع وحكمة مشروعية الجهاد فيها أن نشرع ببيان ~~كيفية امتداد الشرائع الإلهية بين البشر، وعلى أي وجه كان قيامها في الأرض، لما أن هذا هو ~~الغرض المقصود في كلامنا على الشرائع الإلهية بسبب ما يتوهمه ويقول به فريق من الناس من أن ~~الشريعة الإسلامية إنما قامت وانتشرت بالسيف دون غيرها من الشرائع الإلهية وعلى الخصوص ~~الشريعتين المنتشرتين مع الشريعة الإسلامية على وجه البسيطة إلى الآن، وهما شريعتا موسى ~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والحال أنه توهم باطل نشأ عن الوقوف عند حد الظاهر من حكم ~~مشروعية الجهاد في الشريعة الإسلامية والنظر إلى تاريخ الفتح الإسلامي من جهة دينية دون ~~وجهته السياسية، مع أنه ليس في مشروعية الجهاد ولا في الفتح الإسلامي ما يؤيد زعم الزاعمين ~~بقيام الإسلام بالسيف كما سنتلوه عليك مفصلا إن شاء الله. # ولو اعتبرنا هذا التوهم قصورا من بعض القائلين بهذا القول لأخذهم الأمور مجردة عن البحث ~~والتدقيق واستسلامهم لضعف التمييز والرأي، فماذا نعتبره من البعض الآخر ممن لا يشك بسعة ~~إطلاعهم وميلهم إلى التحقيق والتنقير وثقتهم من ضمائرهم بالعلم بحقيقة انتشار الدين ~~الإسلامي، وأنه ms15 قام وانتشر بالدعوة لا بالسيف، أليس تعسفا لا داعي إليه سوى الرغبة بستر ~~الحقائق بغشاء من التحرير والتمويه لأمر يعلمه الله والراسخون في العلم؟ ومن العار على كل ~~كاتب حر الضمير أن يحرك قلمه على قرطاس ليسود به جبهة الحقائق بمداد التعسف بغية إقامة ~~البرهان على أمر يخالفه في حقيقته الوجدان، وما لا نخال كلامنا هذا يسوء حضرة الكاتب ~~المتستر مناظرنا في جريدة الهلال الذي تصدى لنقض قولنا المشعر بأن الإسلام قام بالدعوة ولم ~~يقم بالسيف؛ إذ ليس في جميع ما خطه قلمه هناك إلا ما يدل على خلاف ما يعتقده في نفس الأمر ~~لاعتماده فيما قاله عن قيام الإسلام على أمور ثلاثة - سيأتي بيانها - ليس فيها حجة لمحتج، ~~ومحاولته لإثبات ما ذهب بالمغالطة والتمويه مما يرد بالبديهة عند كل منصف حر الضمير، وهذا ~~ما حداني للظن بأنه إنما يحاول الإشارة من طرف خفي إلى استنكار مشروعية الجهاد في الشريعة ~~الإسلامية، وبما أن مقام تلك الجريدة لا يساعد على الإفاضة في هذا البحث الجليل، وبث ما ~~يكنه الضمير من بيان خطأ الكاتب فيما توهمه وذهب إليه، فقد اختتمت مناظرتي معه بالوعد بوضع ~~هذه الرسالة التي قصدت بها الإتيان على تفصيل ما أجملناه في الهلال الأغر، وحيث قد أبنت له ~~فيما مر عن مزايا الشرائع الإلهية وحكمة مشروعية الجهاد فيها ما ينفي الاعتقاد باستنكار تلك ~~المشروعية سواء في الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشرائع الإلهية، فها أنا إتماما للبحث ~~آتي على تفنيد أموره الثلاثة التي يوهم بها قيام الإسلام بالسيف، مضيفا إلى ذلك ما تيسر ~~لي إيراده من الأدلة على كيفية قيام كل من الشريعة العيسوية والموسوية، وبيان أي شريعة كان ~~قيامها بالسيف، وذلك للمقابلة بينهما وبين قيام الشريعة المحمدية، والحكم في ذلك بما يقتضيه ~~العدل والإنصاف فأقول: أما الأمور الثلاثة التي اتخذها حضرة مناظرنا حجة على قيام الإسلام ~~بالسيف: فأولها، زعمه باستعمال بعض الصحابة القوة في ردع بعض المقاومين للدعوة قبل الهجرة، ~~وقوله: «كما يؤخذ ذلك عن واقعة حمزة بن ms16 عبد المطلب مع أبي جهل في المسجد، وبتأييد الإسلام ~~بحمزة وعمر بن الخطاب؛ لأنهما كانا ذوي بطش وسطوة في قريش.» # والثاني: مشروعية الجهاد في الشريعة الإسلامية. # والثالث: الفتح الإسلامي لاعتباره إياه فتحا دينيا أو هو الدعوة إلى الدين. # ومن تأمل في هذه الأمور الثلاثة بنظر التدقيق لا يجد فيها أدنى دليل يستنتج منه قيام ~~الإسلام بالسيف، وتوضيح ذلك بوجه الاختصار الذي يؤديني إليه فهمي القاصر عن مدارك ذوي الفضل ~~من العلماء الذين هم أقدر مني على التوسع في هذا البحث الجليل بما رزقوه من البسطة في ~~العلم، إن الأمر الأول منقرض بالبديهة؛ وذلك لأن حمزة ما كان من الصحابة حين الواقعة ~~المذكورة كما زعم المناظر، بل صار صحابيا حين أسلم عقب الواقعة المذكورة، وإنما دعاه إلى ~~ردع أبي جهل عن إيذاء النبي # صلى الله عليه وسلم # كونه ابن أخيه وأقرب الناس إليه، وسوء معاملة أبي جهل ~~له واستعماله هو وقريش كل وسيلة من وسائل الحقد والحسد لإيصال الضرر والإهانة إليه، وذلك ~~أمر لا يمكن لبني هاشم السكوت عنه بالطبع وهم عشيرته الأقربون، لا سيما مع ما هو المشهور ~~عند العرب من العصبية التي يبذلون دونها المال والأرواح، لهذا فحمزة رضي الله عنه لم يختص ~~وقتئذ بالدفاع عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، بل إن بني هاشم جميعا كانوا يمنعونه من قريش ويحفظونه من ~~كل من أراده بسوء، وعمه أبو طالب كان يذب عنه ويحميه وهو قائم في الملأ يدعو الناس إلى ~~الإسلام، وأبو طالب لم يكن يومئذ من أهل الإسلام، فهل كان يريد هو وغيره من بني هاشم بالذب ~~عن النبي # صلى الله عليه وسلم # نصرة الإسلام بغية انتشاره بالقوة بين الأنام؟ وما الذي حمل قريشا على ~~منابذة بني هاشم أيام الصحيفة التي علقت على الكعبة ثلاث سنين، وتعاقدهم فيها على قطع كل ~~معاملة مع بني هاشم، حتى خرجوا إلى الشعب منفردين، إلا أنهم دخلوا في الإسلام وقاموا ~~بنشره وتعميمه بقوة السيف، وهم لم يكونوا يومئذ قبلوه ولا صاروا من ms17 أتباعه ما خلا حمزة ~~وعليا رضي الله عنهما؟ وما الداعي الذي دعا بني هاشم إلى احتمال هذه الإهانة ومنابذة ~~قومهم لهم تلك السنين الثلاث؟ أهو الرغبة بنصرة الإسلام أم عصبية لشخص النبي عليه الصلاة ~~والسلام؟ وعلى هذا يتمشى القول أيضا فيما ورد عن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما كان ومن تبعه في بدأ ~~البعثة من النفر القليل مضطهدين من قريش - اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم ~~بن هشام - # 1 # وذلك لمكانتهما في قومهما من قريش، ولأنهما قدوة لهم فيما يصنعان، ومن أسلم ~~منهما يمكنه أن يمنع النبي # صلى الله عليه وسلم # من أذى المعارضين، ليجهر بتبليغ دعوته المكلف بتبليغها ~~من لدن رب العالمين، وهذا الذي حصل بعد إسلام عمر رضي الله عنه فإن المسلمين بعد أن كانوا ~~يجتمعون خفية في دار الأرقم ويصلون الأوقات هناك تظاهروا بدينهم وأصبحوا يصلون في المسجد ~~على كره من المشركين؛ إذ لما أسلم عمر رضي الله عنه قال للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: يا رسول الله علام ~~نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال: يا عمر إنا قليل، وقد رأيت ما لقينا، ~~فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم ~~خرج النبي # صلى الله عليه وسلم # في صفين من المسلمين حمزة في أحدهما وعمر في الآخر حتى دخلوا ~~المسجد. # والذي يظهر في سياق هذه الحادثة عند أدنى تأمل أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يطلب تأييد الإسلام ~~بعمر ليستعين ببطشه وسطوته على نشر الإسلام كما زعمه حضرة مناظرنا في الهلال؛ بل لأنه في ~~منعة من عشيرته تخوله دفع الأذى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # ممن يتعمدون أذاه إذا جهر بالدعوة إلى ~~دينه القويم، ولأنه قدوة صالحة في العرب، يثبت ذلك تتابع الناس بعد إسلامه على الدخول في ~~الإسلام مع أن عمر رضي الله عنه لم يستعمل السيف في إسلام أحد قط، لا قبل الهجرة ولا بعدها ~~حتى، ولا في ms18 غضون خلافته التي امتد فيها سلطان المسلمين في أطراف المعمور، وهو رضي الله عنه ~~كان أحرص الناس على اتباع أوامر القرآن وإطلاق حرية الأديان كما تشهد بذلك وصاياه لعمال ~~الأطراف والقواد وكتب عهده لأهل الذمة في كل صقع وناد. # هذا، وأما الأمر الثاني؛ أي مشروعية الجهاد التي اتخذها الكاتب حجة على قيام الإسلام ~~بالسيف استنادا على ما أورده في الهلال من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المصرحة ~~بمشروعية الجهاد، فقد سبق لنا القول في مناظرتنا معه ثمة أن مشروعية الجهاد لا تكون حجة ~~على قيام الإسلام بالسيف، وأن تلك الآيات كانت تنزل على النبي # صلى الله عليه وسلم # تباعا على مقتضى ~~الظروف والأحوال، كما يتضح ذلك لمن أراد الوقوف عليه من كتب التفسير المطولة فالتراجع، ~~ونزيده بيانا الآن أن ذلك كان بعد أن أعلن النبي # صلى الله عليه وسلم # دعوته بين الناس وأخذ الإسلام ~~ينتشر بين العرب ويزداد أهله منذ أسلم وجوه الصحابة كحمزة وعمر وعثمان، رضي الله تعالى ~~عنهم، وداخل قريشا من هذا ما داخلهم من الحسد الذي أداهم إلى معارضة النبي # صلى الله عليه وسلم # وتسفيه ~~دعوته والبغي عليه وعلى أصحابه بما أمكنهم من الوسائل، حتى إنه لما كان يخرج في المواسم ~~ويدعو قبائل العرب إلى الإسلام كان يتبعه أبو لهب، فإذا فرغ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من كلامه ~~يقول لهم أبو لهب: يا بني فلان إنما يدعوكم هذا إلى أن تستحلوا اللات والعزى من أعناقكم ~~وخلفائكم من الجن إلى ما جاء به من البدعة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له. # ولما أعجزتهم وسائل التثبيط عمدوا إلى استعمال العنف والقوة، فكانوا يعذبون من أسلم من ~~أصحابه ويقفون له ولهم في كل مرصد وواد، حتى لم ير النبي # صلى الله عليه وسلم # بدا من الهجرة إلى ~~مدينة يثرب بعد بيعة العقبة الثانية # 2 # واستيثاقه من جماعة الأنصار، وذلك بعد أن فشا فيهم الإسلام وأتاه منهم جماعة ~~مستخفين نحو سبعين رجلا ورغبوا إليه الهجرة مع أصحابه، وعاهدوه على أن يمنعوه ms19 من قريش حتى ~~كان مما قاله له يومئذ العباس بن عبادة الأنصاري: والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن ~~غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال: لم نؤمر بذلك، ومن ثم أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، ~~ولما عزم بعدهم على الخروج وسمعت قريش بذلك تآمروا على قتله في الليلة التي عزم على الخروج ~~فيها، ونجاه الله منهم مع صاحبه ورفيقه يومئذ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فغاظ ذلك قريشا ~~لا سيما وقد علموا أن الأنصار مانعوه ولا ريب من كل من أراده بسوء، ولا سبيل لهم بعد هذا ~~لإيصال الضرر إليه إلا بجمع القبائل على حربه وإثارة الفتنة بين العرب عليه خوفا من أن ~~يغلب على أمرهم بدك دعائم سلطتهم الأدبية الدينية على العرب من حيث كونهم سكان الحرم وفيهم ~~السدانة وعندهم البيت المقصود، وهذا الذي حصل بعد، فإنهم لم يدعوا واسطة هم ويهود قريظة ~~والنضير لإثارة الخواطر عليه إلا استعملوها، ولما اشتدت عليه نكاية العرب وقريش على ~~الخصوص أذن له عندئذ بالجهاد فيمن بغى عليه وعلى أصحابه وظلمهم، # 3 # لا لإكراه الناس على قبول الإسلام، بل بقصد حفظ هذه الجمعية الإسلامية التي ~~يتكفل حفظها لهذا الدين بالانتشار شيئا فشيئا في الأرض، وأما ما عدا أولئك من الناس ممن ~~لم يتعمدوا نكاية المؤمنين فإنه أذن للمؤمنين أن يبروهم ويقسطوا إليهم، فضلا عن أن ~~يقاتلوهم أو يسيئوا معاملتهم وإن كانوا غير مسلمين، لذلك فهم بنظر الشارع غير داخلين في حكم ~~ما دخل فيه غيرهم من المشركين الذين شرع الجهاد فيهم لرد بغيهم عن المسلمين، بدليل قوله ~~تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك ~~هم الظالمون ~~، وقوله تعالى: # وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~. # فلا وجه بعد هذا للاحتجاج بمشروعية الجهاد ms20 على قيام الإسلام بالسيف؛ إذ معنى قيامه بالسيف ~~هو الإكراه على قبول الإسلام، وهذا لم يحصل لامتناعه في أصل الشريعة، ولأن الجهاد كما علمت ~~لم يشرع لهذه الغاية، وإلا لما كان النبي # صلى الله عليه وسلم # أرسل دعاته بعد الفتح - فتح مكة - يدعون ~~القبائل حول مكة للإسلام. هذا، وقد كان لديه ذلك الجيش الذي فتح به مكة وظفر بمن كانوا أشد ~~الناس عداوة له وأعظمهم خطرا على المسلمين، إلا أنه لما لم تكن الغاية من الجهاد إلا ~~دفع أذى المشركين الذين هم أشد ضررا على المسلمين ونكاية فيهم وكانت قريش كذلك، كان من ~~الضروري أن يدفع شرها عن المسلمين بالحرب ويرد بغيها عليها بالقتال والقتل، بخلاف تلك ~~القبائل التي أرسل الله النبي # صلى الله عليه وسلم # من يدعوها إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ~~فإنها إنما كانت تجاري قريشا في بعض الأحيان رهبة منهم لا رغبة فيهم، وتعمدا لنكاية ~~المسلمين، وكان ممن بعثه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # داعيا يومئذ لا محاربا خالد بن الوليد، بعثه ~~إلى بني جذيمة ولم يأمره بقتال، فذهب وقاتلهم وقتل منهم من قتل، ولما انتهى الخبر إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # رفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد.» ثم أرسل عليا ~~وأمره أن ينظر في أمرهم، فودى الدماء والأموال بعد أن اعتذر خالد عما صنع، وأنزل فيه قرآن، ~~وهو قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله فتبينوا ~~، الآية، ولهذه الحادثة قصة طويلة لا محل لذكرها ~~هنا، فلتراجع في الكامل وغيره من التواريخ وفيها دليل على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # ما كان يرى ~~القتال في غير من يخشى أذاه على المسلمين، وأن الجهاد شرع في شريعته الغراء لا لأجل ~~الدعوة إلى الدين، بل الدعوة إلى الدين هي غير الجهاد، كما سيمر عليك مفصلا إن شاء ~~الله. # هذا، وأما الأمر الثالث، وهو اعتبار المناظر الفتح الإسلامي فتحا دينيا، أو هو الدعوة ~~إلى الدين، كما ms21 قال وزعمه لهذا بقيام الإسلام بالسيف استنادا على قاعدة الجهاد في الشريعة ~~الإسلامية (الإسلام أو الجزية أو السيف) فمنقوض من وجوه أهمها أن في القاعدة المذكورة شرط ~~«الجزية» وهو بين شرطي «الإسلام أو السيف» فلو كان الفتح فتحا دينيا أو هو الدعوة إلى ~~الدين لما خير المحارب # 4 # بين «الإسلام أو الجزية» بل بين «الإسلام والسيف»، ولما لم يكن الأمر كذلك كان ~~وضع هذه القاعدة ليس إلا للرفق والتخفيف، يدرك ذلك كل من تجرد عن لباس التعصب والغرض، ~~فلم يحمل الكلام على غير مقاصده الظاهرة، وإلا فإذا كان الجهاد باعتبار هذه القاعدة هو ~~الدعوة إلى الدين فما معنى وجود الخيار بين الإسلام أو الجزية، ولماذا جاء في قوله تعالى ~~خطابا للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ~~، وقوله ~~تعالى: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي ~~، وقوله تعالى خطابا للمؤمنين: # يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم ~~، وقوله تعالى في بيان معنى ما اشتملت عليه رسالة النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى كافة: # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا ~~. # فلا ريب أن هذه الآيات الكريمة وأمثالها الكثيرة تدل الدلالة الصريحة على أن الجهاد في ~~الشريعة الإسلامية هو غير الدعوة إلى الدين، وقاعدة الجهاد على صورتها المذكورة ليست إلا ~~للتخفيف في أمر الحرب، ووجه التخفيف فيها هو وجود الخيار بين «الإسلام أو الجزية» قبل السيف # 5 # الذي أتى شرطه مؤخرا في أمل عدم الوصول إليه، إلا بعد اليأس من خضوع العدو ~~لسلطان المسلمين بوجه تحقن فيه الدماء، وتصان الأنفس والأموال، ولا يخدش وجه المدنية ~~ويتداعى ركن الاجتماع، وهذا من جملة محاسن ما انطوت عليه الشريعة الإسلامية من الأحكام ~~البارة بالعمران الحريصة على حياة الإنسان، لا سيما في تلك العصور التي كانت الحروب فيها ~~على أشد ما يكون من القسوة وعدم الرفق، سواء عند العرب أو غيرهم من الأمم الأخرى، وعلى ms22 ذلك ~~فقاعدة الجهاد هذه وإن كانت في الشريعة الإسلامية حكما مستمرا إلى يوم القيامة إلا أنه ~~ليس فيها أدنى دليل يؤيد قولهم بأن الجهاد هو الدعوة إلى الدين، وإلا للزم الإكراه على قبول ~~الإسلام، وهذا ممتنع في أصل الشريعة ولم يحصل في عهد الفتح الإسلامي الذي اعتبره المناظر ~~فتحا دينيا اعتمادا على هذه القاعدة، والحال أنه فتح سياسي لا علاقة بينه وبين الدعوة ~~إلى الدين. # ومع أن التفرقة بين هذين الأمرين، أي الفتح الإسلامي والدعوة إلى الدين لا تحتاج إلى كثير ~~تأمل عند ذوي الاطلاع على أصول الدين الإسلامي، وإن غم على كثير من الناس حتى مزجوا بين ~~الأمرين مزجا أداهم إلى الظن بقيام الإسلام بالسيف، وهو ظن فاسد ليس أبعد ممن تمسك به عن ~~الصواب وأقرب منه إلى الخطأ المعاب، فإن الشريعة الإسلامية جمعت بين السياسة والدين؛ إذ لم ~~تقتصر في قسمها الدنيوي على المعاملات الشخصية فقط، بل شملت الحقوق المشتركة العمومية ~~الداخلة تحت الأحكام السياسية فهي - أي الشريعة الإسلامية - تنقسم باعتبار الأصل إلى قسمين: ~~قسم ديني وقسم دنيوي، فالقسم الديني ينطوي تحته قسمان: قسم العبادات، وقسم الترغيب ~~والترهيب، والقسم الدنيوي كذلك ينقسم إلى قسمين: قسم المعاملات وفيه الحقوق المدنية ~~والعقوبة والقصاص، وقسم السياسة وهو الذي يعين تصرف الإمام بكيفية جلب المصلحة العمومية ~~للجمعية الإسلامية على حدود وأحكام مقررة مرجعها الكتاب والسنة، وبهذا القسم قام الفتح ~~الإسلامي كما قام الإسلام بالقسم الديني، لا بحرب ولا إكراه، وقد تقدم معنا في الفصل الثاني ~~بيان العلاقة التي تربط السياسة بالدين بالإضافة إلى تصرف الإمام بأمور الأمة، والإشارة فيه ~~تغني عن التطويل؛ إذ المقام مقام إجمال لا مقام تفصيل، وهذا الإيضاح يكفي لرد زعم ~~الزاعمين بأن الفتح الإسلامي هو الدعوة إلى الدين وأن الإسلام قام معه بالسيف؛ إذ الإسلام ~~قام بالدعوة وليس للسيف أو الإكراه في امتداد الإسلام وقيامه أدنى علاقة مادية يقوم معها ~~البرهان على خلاف ما قررناه، وإليك بيان كيفية قيام الإسلام وانتشاره في الأرض. # مطلب كيفية قيام الإسلام وانتشاره ms23 في الأرض # قد ذكرنا فيما تقدم لمحا من حال النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # قبل الهجرة وكيف أنه كان يدعو ~~الناس إلى الإسلام بين جماهير الأعداء، الذين قاموا في وجهه بالمعارضة والرد وأخصهم ~~قريش الذين هم قومه وعشيرته الأقربون، وما هو داعي الحسد الذي دعا هؤلاء إلى أن يكونوا ~~من أشد المعارضين لدعوته المؤذين له ولمن تبعه من الناس، حتى عانى الصحابة منهم من ~~المشقة وأصابهم من الفتنة ما أوجب هجرة كثير منهم إلى الحبشة وفيهم عثمان رضي الله عنه ~~وعنهم أجمعين، ومع ذلك فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يخرج في كل موسم عند اجتماع العرب في مكة ~~فيدعو القبائل إلى الإسلام فمنهم من كان يجادله ومنهم من يستمهله ومنهم من يرده ردا ~~حسنا وبالعكس، ومنهم من يقبل دعوته سرا خشية أن يقال عنه أنه صبأ عن عبادة الأوثان ~~أو خوفا من أن يناله من أذى قريش وأجلافها ما كان شأنهم مع المسلمين وعادتهم بالوقوف ~~دون انتشار دعوة محمد عليه الصلاة والسلام، حتى إذا كان يوما كعادته يدعو القبائل إلى ~~الإسلام لقي رهطا من الخزرج عند العقبة ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوه بيعة ~~العقبة الأولى، ولما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير وأمره أن يعلمهم القرآن فنزل ~~بالمدينة على أسعد بن زرارة واجتمع به نفر من المسلمين، فسمع به سعد بن معاذ وأسيد بن ~~حضير فانطلق إليه هذا الثاني ليعلم أمره فدعاه إلى الإسلام فأسلم وتبعه سعد بن معاذ ~~فأسلم أيضا، وأسلم معه جميع بني الأشهل في يوم واحد، وما زال مصعب يدعو الناس إلى ~~الإسلام حتى لم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، ثم لما كانت ~~بيعة العقبة الثانية وهاجر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة وامتنع بالأنصار عظم الأمر ~~على قريش فأخذوا يثيرون عليه الخواطر هم ويهود قريظة والنضير من سكان المدينة وعواليها، ~~فكان ذلك هو الباعث على وجوب مشروعية الجهاد في شريعته الغراء، حتى كان النبي # صلى الله ms24 عليه وسلم # يخرج بنفسه الشريفة إلى غزو القبائل تارة للتهديد حفظا لجماعة المسلمين من هجمات ~~الهاجمين، وتارة لدفع القوة بمثلها حتى لا يكون في جانب المسلمين مطمع لجماهير الأعداء ~~المخالفين، حتى إذا انكف عنه الأعداء واستقر الإسلام في الأرض كثر أتباعه وأخذت تفد ~~عليه وفود مكة مسلمين مختارين كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم ~~ممن أسلم قبل الفتح، لا سيما بعد عهدة الحديبية التي عقدت بين النبي # صلى الله عليه وسلم # وبين أهل ~~مكة في السنة السادسة من الهجرة، وأبيح بها الاختلاط بين المسلمين والمشركين فعقب هذا ~~الاختلاط حرية التبادل الفكري حيث زالت موانعه بزوال تعصب قريش وامتناعهم من مخالطة ~~المسلمين أو معاملتهم إلا بما يكرهون، فكان من ذلك أن تغلبت الحجة الإقناعية على ~~ضمائر العقلاء من المشركين فأسلم كثير، وفيهم من الوجوه معاوية بن أبي سفيان رضي الله ~~عنه. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # في غضون ذلك يكاتب ملوك الأقطار كقيصر والنجاشي والحارث الغساني ~~والمقوقس، يدعوهم إلى الإسلام تعميما لدعوته وإعلانا لأمر ربه بين الأمم والشعوب، وهو ~~يتلو عليهم قوله تعالى: # قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ~~، وكاتب أيضا غير هؤلاء ممن ليسوا من أهل الكتاب ككسرى والمنذر بن ~~ساوي وهوذة الحنفي وغيرهم من الملوك، ثم جعل نصب عينيه قريشا الذين كانوا مناصبيه ~~الحرب والحائلين بينه وبين سائر الناس، فغزاهم في مكة فأظهره الله عليهم فأذل طغيانهم ~~وكسر أصنامهم، ولما علموا أن الله غالب على أمره وأن الدين عند الله الإسلام أخذوا ~~يقبلون عن طيب خاطر على الدخول في الإسلام، وبدلوا كفرهم بالإيمان وعنادهم بالتسليم ~~لما جاء به من لدن الرحمن الرحيم، حيث لم يوقنوا بصدق نبوته وصحة رسالته إلا بعد أن ~~غلبهم على أمرهم في البيت المعمور والمكان المقدس المشهور، فلما رأى العرب إسلام من ~~أسلم من قريش وزوال الفتنة بزوال أهل الفساد والشر منهم - وكانت العرب تنتظر بإسلامها ~~قريشا؛ إذ كانوا أئمة الناس وصريح ms25 ولد إسماعيل - أخذت تفد وفودهم على النبي # صلى الله عليه وسلم # من كل وجه مظهرين لديه الإسلام راغبين بتعليم شريعة خير الأنام، فقدم عليه وفد ثقيف ~~وفيهم من الأحلاف عبد ليلى بن عمرو بن عمير والحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان، ~~ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة، وقدم وفد بلي ووفد أسد ~~ووفد الزاريين وهم عشرة نفر، ووفد بني تميم مع حاجب بن زرارة وغيره ومعهم عيينه بن حصن ~~الفزاري، وفيهم أنزل الله تعالى: # إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات ~~، الآيات، وقدم وفد بني فزارة وفيهم خارجة بن حصن ووفد ~~بني ثعلبة بن منقذ، وقدم رسول ملوك حمير بكتبهم مقرين بالإسلام، ووفد سعد بن بكر وكان ~~وافدهم ضمام بن ثعلبة، فسأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن شرائع الإسلام وأسلم، فلما رجع إلى ~~قومه اجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، فقالوا: اتق البرص ~~والجذام والجنون، فقال: ويحكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان، وإن الله قد بعث رسولا ~~وأنزل عليه كتابا، وقد استنقذكم مما كنتم فيه وأظهر إسلامه فما أمسى ذلك اليوم في ~~حاضره رجل مشرك ولا امرأة مشركة. # وهكذا جعل الناس بعد الفتح يدخلون في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى في القرآن ~~الكريم: # إذا جاء نصر الله والفتح * ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ~~، ثم ~~إن النبي # صلى الله عليه وسلم # أرسل عليا إلى اليمن يدعو أهله إلى الإسلام ففعل، وقرأ عليهم كتاب ~~رسول الله فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: ~~السلام على همدان، يقوله ثلاثا، ثم تتابع أهل اليمن على الدخول في الإسلام، وكتب بذلك ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فسجد شكرا لله تعالى. # 6 # ودخل الإسلام في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى الحبشة، وبلاد الأفغان، وهذه دخلها ~~الإسلام ms26 بدعوة رجل ممن أسلم من يهود العرب يسمى خالدا كما يرويه مؤرخو الأفغانيين، # 7 # وأنه وفد معه على النبي # صلى الله عليه وسلم # عام الفتح وفد من أمراء الأفغانيين وعليهم ~~رئيس يسمى قيسا، # 8 # ورافق ذلك الوفد النبي # صلى الله عليه وسلم # في فتح مكة وأبلى بلاء حسنا، ولم يزل قبر ~~قيس هذا مزارا في بلاد الأفغان ومعظما لذلك السبب إلى الآن. # 9 # وأسلم في عهد الرسالة كثير من الناس سرا وجهرا كنجاشي الحبشة ومقوقس مصر كما في ~~رواية، وهرقل ملك الشام كما في رواية أيضا، وذلك بمجرد الدعوة وتلقي العقول لما جاءت ~~به الشريعة الإسلامية الغراء بلا قتال ولا إكراه، ولو كان ثمت إكراه على الإسلام لكان ~~أولى الناس بالإكراه اليهود من بني النضير لمجاورتهم لمدينة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما ظهر ~~منهم من إيذاء صاحب الشريعة وتعمدهم قتله في بعض الأحيان واستطاعة إكراههم وقتئذ على ~~الإسلام، ومع ذلك فإن النبي # صلى الله عليه وسلم # أمر بإجلائهم عن مواطنهم فقط، وأن تكون أموالهم ~~فيئا للمسلمين دون أن يتعرض لهم في نفس أو عرض أو دين، وأي دليل أعظم من هذا على ~~امتناع الإكراه في الشريعة الإسلامية، وأن الإسلام إنما قام وامتد بالدعوة لا ~~بالسيف. # وفضلا عن هذا، أفليس فيمن يؤخذ ويقتل أو يعذب على ترك الإسلام دليل واضح ~~على أنه إنما قبل الإسلام بالدعوة عن طيب خاطر واختيار لا بإكراه ولا إجبار، فقد طالما ~~كانت قريش تتطاول على الصحابة بالشتم والإهانة ثم بالأخذ والقتل أو التعذيب بغية ~~إرجاعهم عن الإسلام، وما كان يزيدهم ذلك إلا تمسكا بالإسلام وحبا بنبيهم عليه ~~الصلاة والسلام، حتى هاجر منهم من هاجر ومات في التعذيب من مات ولم يخطر لأحد منهم ترك ~~الإسلام والرجوع إلى عبادة الأوثان، يشهد بذلك حادثة الصحابي الهمام زيد بن الدثنة # 10 # رضي الله تعالى عنه، حيث قال له أبو سفيان وقد ذهبوا به ليقتلوه: «أنشدك ~~الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن في مكانك تضرب عنقه؟» قال: «والله ms27 ما أحب أني جالس في ~~أهلي وأن محمدا يشاك بشوكة.» فقال أبو سفيان: «ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب ~~محمد محمدا!» # هذا، ثم لما تمكن في الأرض سلطان المسلمين وأخذت تنكشف للأمم غير المسلمة حقائق ما ~~انطوت عليه الشريعة الإسلامية لم يلبث الإسلام بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # أن امتد في ~~أطراف المعمور امتدادا يشابه بسرعته امتداد النور، وذلك ليس إلا بمجرد تلقي العقول ~~لما جاءت به هذه الشريعة الغراء بالقبول لا بقوة الإكراه والترهيب كما يزعمه الزاعمون، ~~فإن الخلفاء في صدر الإسلام إلى عصر العباسيين اقتفوا من الممالك ما يبلغ أهله نيفا ~~ومائة مليون من البشر جلهم من أهل الكتاب، ولم يعلم أن فاتحا من فاتحي الإسلام أكره ~~شعبا منهم على الدخول في الإسلام بقوة السيف، بل إن الإسلام انتشر بين تلك الأمم ~~والشعوب في أزمنة متفاوتة بالتدريج، كما يتضح ذلك لمن تصفح التواريخ العربية وغيرها، ~~فنصارى المشرق من سكان آسيا الوسطى وسورية ومصر دخلوا الإسلام في صدر الإسلام في غضون ~~مدة لا تزيد عن ثلاثين سنة، بسبب انتشار مذهب أريوس وقتئذ بين نصارى المشرق، وذلك لأن ~~أريوس المذكور الذي كان أسقف الإسكندرية كان يقول بعدم وقوع الصلب على المسيح عيسى عليه ~~الصلاة والسلام وبنبوته، ولما جاء الإسلام وانتشر أهله في الشرق وتحقق عند المتمذهبين ~~بالمذهب الأريوسي أن القرآن مصرح بنفي وقوع الصلب المذكور، بل مكفر لمن يقول به ~~وبألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام، فضلا عما رأوه أيضا في الشريعة الإسلامية من ~~الأحكام العادلة والمزايا العظيمة التي تعود على المجتمع الإنساني بالخير المحض أخذوا ~~يقبلون على الدخول في الإسلام عن طيب نفس واختيار، حتى لم يمض نصف قرن إلا وثلاثة ~~أرباع نصارى المشرق من الإسلام. # وأسلم أهل خراسان وعامة بلاد فارس في خلافة الوليد وسليمان الأمويين، وأسلم أهل السند ~~«داغستان» وما والاها من بلاد الترك بدعوة عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي على رأس ~~المائة الأولى من الهجرة، وتسمى ملوكهم بأسماء عربية، وأسلم البربر في إفريقيا ms28 لسماعهم ~~بسيرة عمر بن عبد العزيز أيضا، وذلك في عهد ولاية إسماعيل بن عبيد الله على رأس المائة ~~الأولى أيضا، بما فيهم أهالي طرابلس وتونس، ومن ثم امتد الإسلام إلى الأندلس، وكان ~~معظم المسلمين في هذه البلاد من قبائل العرب وسكان المغرب النازحين، إلا ما قل من ~~السكان الأصليين الذين تفرق منهم بعد الفتح من تفرق وانحاز إلى البرتغال من ~~انحاز. # وعلى هذا الوجه انتشر الإسلام في الممالك المفتتحة، وفشى بين شعوبها الأصليين ~~بالتدريج دون أن يكون للسيف أو الإكراه في إسلامهم دخل قط، هذا فضلا عما كان بعد ذلك، ~~ولم يزل إلى الآن من دخول الناس في الدين الإسلامي أفواجا أفواجا، حتى من سكان ~~الممالك التي لم تطلها قدم فاتح إسلامي كأهل سبيريا الذين يبلغون اثني عشر مليونا من ~~البشر لم يكن فيهم غير المسلم، إلا ما قل من الوثنيين الذين أكرهتهم الدولة الروسية ~~مع بعض المسلمين على التدين بالدين المسيحي منذ انقراض الدولة الإسلامية هناك، والغريب ~~أن بعض جغرافي الإفرنج لا يذكرون في كتبهم اسم مسلم سبيري إلا ما قل، مع أنها بلاد ~~مسلمة قامت فيها دولة الإسلام منذ سبعمائة سنة تقريبا، ولم تزل حتى انقرضت من نحو ~~مائتي سنة، وكان آخر ملوكها كوجوم خان، وكقبائل القزعين والجفتاي والتتار المنتشرين في ~~أطراف الصين الذين يبلغون مع مسلمي الصين سبعين مليونا من البشر كلهم من أهل الإسلام، ~~مع أن الجغرافيين من الإفرنج يزعمون أن عدد المسلمين بالصين لا يزيد عن خمسة عشر ~~مليونا، فتأمل، هذا فضلا عن سكان جزائر المحيط # 11 # وسكان إفريقيا من السودانيين الذي تبين بعد البحث والتدقيق أن ثلاثة ~~أرباعهم من المسلمين، وأن الإسلام لم يزل يمتد بينهم بسرعته الغريبة إلى الآن. # فهؤلاء الشعوب أرباب العناصر المتباينة والممالك المتباعدة الذين نشأ فيهم الإسلام ~~وانتشرت بينهم كلمة الإيمان في أزمنة متفرقة دون أن تطأ بلادهم قدم فاتح إسلامي، ماذا ~~يقول العقلاء عن كيفية قبولهم للإسلام، أليس بالرضا والاختيار دون إكراه ولا إجبار؟! ~~وبالإجمال فالمسلمون بالكرة الأرضية الآن ms29 يبلغون نحوا من ثلاثمائة وخمسة وأربعين ~~مليونا من البشر، # 12 # لا يأتي للمكابر مهما غلبت عليه أميال التعصب أن يأتينا ببرهان على انتشار ~~الإسلام بينهم بغير قبول عقولهم لما جاءت به الشريعة الإسلامية، فدخولهم في الإسلام ~~بالرضا والاختيار، ومع ذلك فعلى فرض قيام الإسلام بالسيف - وهو ما لم يقم به ثبت مما مر ~~عليك - فذلك لا يعيب الأديان، وإلا لعاب الدين المسيحي الذي لم تقم له قائمة إلا ~~بقوة السيف، فلو كان ذلك يمس بجوهره الحقيقي لسقط اعتباره بين البشر، بل واعتبار غالب ~~الأديان ومعاذ الله أن يكون ذلك كذلك، بسبب ما أوضحناه لك مفصلا في الفصل الأول ~~والثاني، وبدليل تمسك الإنسان بالأديان على اختلاف الأزمنة منذ النشأة الاجتماعية إلى ~~الآن. # مطلب كيفية قيام النصرانية وانتشارها في الأرض # وأما أن الدين المسيحي قام بالسيف، فبيانه أنا قدمنا لك في الفصل الثالث سبب اكتناف ~~الضعف للدعوة المسيحية وبطؤ انتشار هذا الدين في بدأ الأمر بالنظر لما كان يلاقيه ~~أشياعه من الاضطهاد والتنكيل، مما أوجب استعمال النصارى لطقوس العبادة سرا في أي مكان ~~ظهروا فيه، وما زال بهم الأمر كذلك أجيالا ثلاثة، إلى أن قام الإمبراطور الروماني ~~قسطنطين الأول وانفرد بالملك سنة 324ب.م واعتنق الديانة المسيحية، ثم أصدر منشوره ~~المعروف بمنشور ميلان الذي يطلق به حرية الأديان في الممالك الرومانية توصلا إلى دفع ~~الاضطهاد عن المسيحيين وتمهيدا لنشر الديانة المسيحية في المملكة الرومانية، حتى تيسر ~~له بهذه الوسيلة حماية المسيحيين بسطوة الملك وقوة السيف، بعد أن طرد اليهود من بيت ~~المقدس وولى للقسوس، # 13 # فتأيد به هذا الدين وابتنى أهله الكنائس وأخذوا من ثم يجتمعون للعبادة ~~جهرا بلا تهيب ولا مبالاة مدة تملك قسطنطين المذكور، وأما بعده فكان إمبراطورة الرومان ~~منهم من ينحاز للمسيحيين فيثير ثائرة الاضطهاد والتنكيل على الوثنيين، ومنهم من ينحاز ~~للوثنيين فيثيرها على المسلمين، إلى أن قام الإمبراطور يوقيانوس سنة 363ب.م وحذا في ~~حمايته المسيحيين حذو قسطنطين، وأعلن الحرب المسيحية على سكان الممالك الأوربية الخاضعة ~~للسلطنة الرومانية، فدبت في ms30 عهده ثانية روح الحياة في جسم المسيحيين فقويت شوكتهم ~~وعظمت كلمتهم. # إلا أن الديانة النصرانية لم تعم وتنتشر في المملكة الرومانية إلا في عهد ~~الإمبراطور ثيودوروس، الذي قام في أواخر الربع الرابع من القرن الرابع للمسيح ونهج في ~~نصرة دين النصرانية منهجا لم يسبقه إليه أحد ولا سمع بمثله في تاريخ الأديان، حيث ~~أصدر أوامره إلى جميع الممالك الرومانية - وهي إذ ذاك إفريقيا وغالبا «فرنسا» وبريطانيا ~~وإيطاليا والبلاد الواقعة بين إيطاليا والبحر الأسود والأرخبيل وتركيا ومصر والولايات ~~الآسيوية إلى حدود الفرس - بإجبار كل من لم يتدين بالدين المسيحي على التدين به، وذبح ~~من يمتنع عن ذلك، وتخريب المعابد والهياكل غير المسيحية، حتى كانت تساق الناس إلى الذبح ~~سوق الغنم في جميع الممالك الرومانية، وفي جملتها مصر التي أصابها النصيب الأوفر من هذه ~~النكبة النكباء يومئذ، # 14 # فكان في جملة ما احترق وهدم من الهياكل هيكل الإسكندرية، # 15 # الذي احترقت معه وقتئذ مكتبة الإسكندرية الشهيرة، # 16 # التي نسب حرقها أبو الفرج الملطي وغيره من مؤرخي المسيحيين إلى الفاتح ~~الذائع الصيت عمرو بن العاص افتراء وبهتانا، ونقل عنه ذلك بعض مؤرخي العرب عن غير ~~روية ولا تحقيق، ومنذ ذلك الحين تم قيام الدين المسيحي، فانتشر في كل المملكة ~~الرومانية، وما زال بعد ذلك مؤيدا بالسيف بسبب الانشقاق والافتراق، معضدا بقوة ~~السلطان التي استمرت أجيالا عديدة في أيدي أرباب الكهنوت، وهكذا إلى عهد غير بعيد عهد ~~الحرية الحديثة الذي ابتدأ سنة 1789 مسيحية عقيب الثورة الفرنساوية الشهيرة، ولو أردنا ~~تعداد الملوك الذين جردوا في غضون ذلك سيف القوة في سبيل تأييد النصرانية تارة ~~والمذاهب المنشقة عنها أخرى لخرج بنا الكلام عن الموضوع الجوهري الذي نحن بصدده ~~الآن. # مع أنه كان ينبغي للدين المسيحي في قرونه الثلاثة الأولى التي ذكرنا كيفية بطء ~~انتشاره فيها أن يعم في أطراف المعمور، بالنظر لحاجة الشعوب يومئذ إلى الشرائع الإلهية، ~~وظهور الرومان في مظهر الترقي المدني الذي يأبى صاحبه الإذعان لسفاسف العبادات الوثنية، ~~خصوصا وأن المبشرين بالدين النصراني ms31 كانوا منبثين في الأرض يجاهدون بالنفس والمال ~~توصلا لهذه الغاية كل الجهاد، ولعل اختلاف «الرسل» الذي أدى إلى الانشقاق واختلاف ~~التأويل إذ ذاك، هو كان المانع من تغلب الشريعة العيسوية على الشرائع الفاسدة الوثنية، ~~والله بذلك أعلم. # وبالإجمال فإن الدين المسيحي تأيد وامتد بقوة السيف، ومن قال بأنه قام بالتبشير فإنما ~~يريد تمويه الحقيقة لا لداع موجب؛ إذ من العبث أن يقال إن شريعة يستمر أهلها ~~أجيالا ثلاثة تحت طائلة الاضطهاد والتنكيل، ثم يظهرون ظهورا واحدا ويتغلبون على ~~مئات الملايين من المقاومين دون الاعتضاد بسيف المنعة وقوة السلطان، مع أن قيام الدين ~~المسيحي على الصفة المذكورة آنفا من القضايا المسلمة الظاهرة التي أفعمت بذكرها تواريخ ~~الإفرنج، فلا سبيل لإنكارها بوجه من الوجوه؛ إذ لو كان التبشير وحده دون القوة هو الذي ~~نشر النصرانية بين ثلاثمائة مليون من البشر في الأربعة أجيال الأولى من تاريخ الدعوة ~~المسيحية، فينبغي أن يكون النصارى على تلك النسبة ألفا ومائتي مليون؛ إذ التبشير ما ~~زال مستمرا منذ الدعوة إلى الآن، بل زادت وسائله تسهيلا منذ قرنين زيادة فائقة ~~الحد، فالمبشر يمكنه بسبب كثرة وسائط الاختلاط العمومي واتساع نطاق الاستعمار الغربي أن ~~يجول أطراف الكرة الأرضية معززا بروح القوة من دول المغرب، متبعا بالأساطيل ~~الماخرة في البحار لحماية هؤلاء المبشرين في أي قطر احتلوه من الأقطار، فلو كان التبشير ~~وحده هو العامل الوحيد في تعميم الدين المسيحي لرأينا من نتائجه الآن ما يبهر العقول، ~~والحال أن ذلك لم يفد في هذين القرنين إلا في بعض المستعمرات الإفريقية وجزائر المحيط ~~بين برابرة الأقوام، الذين قام بينهم التبشير على دعائم قوة الاستبداد والقسوة، مما ~~ترتب عليه إهراق كثير من الدماء البريئة كما جرى في أوغندا من عهد غير بعيد، أي سنة ~~1892ب.م مما ذاع ذكره على ألسنة الجرائد في الخافقين، وما خلا ذلك فالمبشرون منتشرون في ~~أنحاء المشرق انتشار الشرايين في الجسم وهم معززون بالقوة والمال، متشبثون من رسائل ~~الترغيب بما لا نهاية بعده، ومع هذا فعملهم كله ms32 عقيم واجتهادهم أو جهادهم لم يوصلهم ~~لأدنى غرض مما يرمون إليه، # ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة ~~. # مطلب كيفية قيام اليهودية وانتشارها في الأرض # هذا، وحيث قد أتممنا الكلام على كيفية قيام كل من الشريعتين المحمدية والعيسوية على ~~صاحبيها أكمل الصلاة والتحية، فلنتكلم قليلا عن قيام الشريعة الموسوية على صاحبها ~~الصلاة والسلام إيفاء للوعد ورفعا لشبهة الضمائر وإظهارا للحق الصراح، فنقول إن مبدأ ~~دعوة موسى الكليم عليه الصلاة والسلام كان في مصر، حيث كان قومه مستعبدين عند المصريين ~~فلم يعارضه في دعوته وقتئذ أحد من قومه بسبب كونهم أبناء عائلة واحدة واقعين تحت ذل ~~الأسر المهين، وإنما عارضه في ذلك فرعون وقومه الذين تحداهم بالمعجزات، فخشي فرعون منه ~~أن تؤثر دعوته في أفكار العقلاء من قومه من المصريين فيتبعونه ويفسدون عليه ملكه، فجعل ~~يحاول إيصال الأذى إلى موسى عليه السلام وقومه، فعندها أمره الله سبحانه وتعالى بالخروج ~~بقومه من مصر إلى الأرض المقدسة، وكان من قصة الخروج إلى أن دخل أرض الميعاد ما كان مما ~~هو مبسوط في محله ولا حاجة للكلام عليه. # وإجمال القول أن بني إسرائيل لما لم تكن لهم هناك أرض يسكنونها، والشعوب الساكنون في ~~تلك الأرض يستحيل أن يشركوا في ملكهم هذا الشعب العظيم بدون مقاومة وقتال، خصوصا وأن ~~بني إسرائيل كانوا عقب خلاصهم من الاستعباد وخروجهم من التيه في حالة الضنك الذي ~~يخشى معه أن تتخطفهم الأمم المحاربة، لهذا شرع لهم الجهاد في شريعة موسى عليه ~~السلام، لكن على وجه شديد كما مر عليك حفظا لجماعة الدين من التشتت وأهله من الافتراق، ~~ودخل يومئذ بنو إسرائيل إلى الأرض المقدسة بقوة السيف، وتملكوا فيها ما تملكوه بعد جهاد ~~طويل. # هذا، ودعوة موسى عليه الصلاة والسلام لم تتعد قومه ولم تنتشر شريعته بين الشعوب، ~~وإنما اليهود أنفسهم هم الذين انتشروا وتفرقوا فيما بعد في الأرض، إلا أنهم كانوا غير ~~مبالين إلى غير أبناء عنصرهم ليقوم منهم دعاة يدعون غيرهم إلى الدين، وكانوا مع تعززهم ~~بشريعتهم أميل ms33 إلى كتمان تعاليمها منهم إلى إذاعتها بين الناس، لهذا السبب صح اعتبار ~~الشريعة الموسوية شريعة خاصة قامت بقيام بني إسرائيل ونهوضهم للخلاص من أسر المصريين ~~كما يظهر ذلك من سياق قصة موسى عليه الصلاة والسلام ، سواء في الكتب الدينية أو التواريخ ~~فلا حاجة للتطويل في هذا البحث الجليل، وفيما مر جميعه كفاية تقنع ذوي العقول السليمة ~~الذين لا يماحكون في الحق. # والله سبحانه وتعالى مفرق الأديان وله الحكمة البالغة في كل عمل وشان. # انتهت هذه الرسالة في 25 محرم الحرام سنة 1313 هجرية # تنبيه # إذا رأى حضرة مناظري الأديب «ر. ن» في رسالتي هذه محلا للاعتراض، وأراد نشره ~~سواء في جريدة الهلال أو غيرها فليتكرم ببيان اسمه الصريح؛ إذ شرط المناظر أن لا ~~يكون مجهولا، وإلا فإني أكون معذورا إذا لم أتصد للدخول معه في باب المناظرة ~~بعد، وإن دخلته في جريدة الهلال لأسباب ما إخال أن حضرته يجهلها، وأما الآن وقد وضح ~~الصبح للعيان فلا حاجة للإخلال بذلك الشرط، كما لا داعي يدعو المناظر في الحق إلى ~~التستر ما دام أن كلينا يسعى وراء الحقائق، والباحث فيها لا يستغني عن التنبيه ~~والعصمة لله وحده. # غب إتمام هذه الرسالة اطلع عليها حضرة العلامة الفاضل السيد الشريف محمد أفندي ~~الحريري المفتي بحماة الشام حالا، فتفضل حفظه الله بتقريظها بالأبيات الآتية: # من بني العظم عمدة الأعيان # قد شهدنا الآثار بالأعيان # هذه شذرة لفضل رفيق # شبل محمود حجة في الزمان # ينجلي من سطورها نور فضل # كاشف الغي ثابت البرهان # أشبع القول في المراد عليها # باختصار قد ضم كل بيان # وبها مجمل التفاصيل قامت # عن شروح في العالم الإنساني # قد طوى ضمنها المقاصد طيا # هي في النشر حالة الإيمان # تلزم الخصم حده دون شك # باعتلا حكم شرعة العدناني # وهي حقا رسالة ذات شان # متنها شرح حكمة الأزمان ms34