######OpenITI# #META# URI: 1343SulaymanBustani.DawlaCuthmaniyya.Hindawi94041470 #META# Tags: history #META# ID: 94041470 #META# Title: الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده #META# AuthorID: 82085825 #META# Author: سليمان البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # إلى أبناء الوطن العثمانيين‏ # الدستور القديم‏ # الدستور والاستبداد‏ # الدستور والحرية‏ # الحرية الشخصية‏ # حرية الصحافة‏ # حرية التعليم‏ # حرية التأليف والقراءة‏ # حرية الكتابة‏ # حرية الجمعيات‏ # الحرية ورجال الدولة‏ # الدستور والخفية‏ # الدستور والتعصب‏ # الدستور ورجال الدين‏ # الدستور والمهاجرة‏ # الدستور ومأمورو الحكومة‏ # الدستور ومالية الحكومة‏ # الدستور وموارد الثروة‏ # كلمة في سائر موارد الثروة‏ # السياح والمستوطنون‏ # الخاتمة‏ # إهداء الكتاب‏ # إلى أبناء الوطن العثمانيين‏ # الدستور القديم‏ # الدستور والاستبداد‏ # الدستور والحرية‏ # الحرية الشخصية‏ # حرية الصحافة‏ # حرية التعليم‏ # حرية التأليف والقراءة‏ # حرية الكتابة‏ # حرية الجمعيات‏ # الحرية ورجال الدولة‏ # الدستور والخفية‏ # الدستور والتعصب‏ # الدستور ورجال الدين‏ # الدستور والمهاجرة‏ # الدستور ومأمورو الحكومة‏ # الدستور ومالية الحكومة‏ # الدستور وموارد الثروة‏ # كلمة في سائر موارد الثروة‏ # السياح والمستوطنون‏ # الخاتمة‏ # | الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده # | الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده # تأليف # سليمان البستاني # | إهداء الكتاب # مدحت باشا. # إلى روحك الطاهرة يا رجل الحرية أهدي هذه الصفحات، وإنك ولئن قضيت شهيدا في جهادك، ~~فحسبك أنك افتديت بنفسك أمة تحلك محلا أسمى من منزلة الشهداء. وهذه ذرة حقيرة من ~~مظاهر الولاء والإجلال. # | إلى أبناء الوطن العثمانيين # | تمهيد # لو تجلى للناس نبي من الأنبياء لأيام خلت، وقال للعثمانيين: بشراكم، فلا يهل الهلال حتى ~~تسطع في أفق جوكم المدلهم أهلة الحرية والإخاء، وتتفكك قيود الاستبداد فتسحق وتذرى ~~هباء منثورا، وتتبدد غياهب الأحقاد والضغائن من بينكم، حتى إذا بتم ليلتكم على غلة التباغض ~~والتنابذ نهضتم وما شعرتم إلا وقد انتزعها الله من أفئدتكم المضطربة، فهاجت صدوركم عواطف ~~التضامن والحنان، وتنهزم من وجهكم جيوش الجواسيس الجرارة فتنفتح لكم أبواب بلادكم الفسيحة ~~فتلجوا أي باب شئتم منها آمنين مطمئنين، وأنتم حيث كنتم في مأمن من واش مكار وآمر ~~غدار. ثم قال لهم: وتستثمرون الأرض فينمو زرعكم ويسرح ضرعكم، وتترقى صناعتكم وتروج ~~تجارتكم، تعلمون وتتعلمون وتكتبون وتتغنون بالشعر على أي وتر شئتم، وتمحى آثار الذلة ~~والمسكنة، فيرمقكم الأجنبي بعين الإعظام بعد أن كان يخالكم طعمة سهلة المساغ. إي نعم لو جاء ~~العثمانيين نبي بمثل هذا النبأ العظيم لهزءوا به وقالوا ms001 : إنا - ولئن كنت صادقا - فلسنا ~~لك بمؤمنين، لقد أكثرت علينا من نعم الله، فهات بعض ما تمنينا به وعهد الله إننا به ~~راضون. # ولا يظنن القارئ اللبيب أننا نشير في ما تقدم إلى أن الجزع بلغ من أبناء الوطن ~~العثمانيين مبلغ اليأس؛ فباتوا يخالون الرقي والإصلاح من المستحيلات، أو يحسبون أن للدول ~~أدوارا وقد انقضى من بينهن دور دولتهم الباسلة. وكيف يرمى أبناء الدولة العثمانية بمثل ~~هذا الخمول، وكل مراقب مطلع يعلم أن مبدأ هذه النهضة يرجع إلى عهد السلطان سليم الثالث، ذلك ~~السلطان العظيم الذي لم يقدره التاريخ حق قدره، وأن أربعين سنة خلون والأحرار البواسل ~~يجودون بالمال والأرواح؟ # إذا مات منهم سيد قام سيد # قئول لما قال الكرام فعول # وما زالوا يناضلون ويكافحون ويتدبرون الأمور بالعنف واللين حتى انتشر مذهبهم، فوجد ~~مستقرا فسيحا في أعماق الصدور، وأي صدر لا يتلقى بملء البشر مثل هذا الضيف ~~الجليل! # ولسنا بناشرين حقيقة مجهولة إذا قلنا: إنه لم يبق في البلاد العثمانية رجل واحد من أرباب ~~العقول لا يرى وجوب تبدل الحال. ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن معظم المرائين الذين كانوا ~~ينادون بالاستبداد على رءوس الأشهاد كانوا في حظيرة كتمانهم أشد الناس تذمرا من هذا ~~المصير، فلما طفحت الكأس وعم البلاء أصبح معظم أبناء البلاد على رأي واحد، حتى إذا خلوت ~~بوال معتز بإمارته، أو وزير متربع في دست وزارته، وأمن جانبك وكاشفك بما يكنه صدره؛ رأيت ~~أنكما متفقان رأيا ووجدانا. وسترى في ثنايا السطور التالية شواهد وأدلة ساطعة تنبئك أن ~~الأمة العثمانية - ونريد بها لفيف العثمانيين - لم تشرف على الموت في زمن من الأزمان، ~~ولكنه لم يكن يهجس في صدر أحد هاجس هذا الانقلاب السريع؛ فلقد فازت أمم من قبلنا بدستور ~~كدستورنا، ولكنه ليس في تاريخ واحدة منهن بلوغ هذه الأمنية في منتهى أدوارها بمثل هذه ~~السرعة ومثل هذه الحنكة وهذا التدبير، بدون إراقة دم من الدماء الطاهرة والدنسة. # ولا يعترض على هذا القول بما كان من أمر الدستور الياباني ms002 ؛ فليست هناك حقوق نهضت ~~الأمة تطالب بها، وإنما هو قبس حكمة وذكاء اتقد في رءوس أولي الأمر منها، وهم أرقى ~~علما وعقلا وأدبا من محكوميهم؛ فجردوا أنفسهم بلا منازع من سلطتهم المطلقة، وحادوا بها ~~على أمتهم المتحدة العنصر فأفلحوا. وهي الحادثة الوحيدة في بابها مما دونه التاريخ ~~منذ قال أبو بكر الصديق والخليفة عمر على منبر الخطابة: «يا أيها الناس من رأى منكم في ~~اعوجاجا فليقومه.» # أما في الممالك العثمانية، فليست الحالة على ما تقدم؛ فإن لدينا سلطتين متنازعتين وعناصر ~~مختلفة وأمما متباعدة بقوة الإغراء، حتى لقد كنت تخال أن جميع العوامل داخل البلاد ~~وخارجها متفقة على ملاشاة هذه الأمة، بل تلك الأمم المتخاذلة. وإذا رجعت إلى تاريخ وضع ~~النظام الدستوري في البلاد الأوروبية منذ قام كرومويل في إنكلترا إلى أيام الثورة ~~الفرنسوية إلى يومنا هذا؛ بدا لك أن سفن الإصلاح سارت على بحار الدماء، حتى في البلاد التي ~~لم يكن فيها من أسباب الشقاق والنفاق بعض ما ابتلانا الله به في الآونة الأخيرة. وهذه روسيا ~~وإيران لا تزال دماء زعماء الحرية فيها تتدفق سيلا طاميا؛ فحيا الله نيازي وحيا الله ~~أنور وحيا الله الجيش العثماني وأنصاره، وحيا الله جمعية الاتحاد والترقي، وحيا الله ~~كل ذي سلطة أو نفوذ جرد نفسه منهما وأولاهما أمته. وهم وإن دون التاريخ معجزتهم هذه أعجوبة ~~القرن العشرين، فسيثبت - بدون ريب - أن الأمة على تمام الأهبة والاستعداد لتلقي هذا ~~الانقلاب. # وليس من غرضنا في هذه العجالة أن ندون، تفصيلا، تاريخ هذه النهضة الأخيرة منذ أذكى شهيد الطائف # 1 # جذوة نارها، ونقر طريد مدللي # 2 # على أوتارها، وتولى نزيل باريس # 3 # حماية أنصارها، إلى أن تفجر بركانها فدهش له العالمون بهمة بطلي مكدونية أنور ~~ونيازي وأنصارهما، فلم يحن للتاريخ أن يستتم أخبار هؤلاء الأعلام، ولا سيما أبناء هذا ~~اليوم، فحسبنا أن نشير إلى نبذ متقطعة من أخبارهم، وأوجب من ذلك الآن أن يشد كل منا ~~أزرهم بما طالته يده من قول وعمل حسا ومعنى؛ ليتسنى لهم ms003 إتمام هذا البناء الشاهق. ~~ومستقبل الزمن ضمين بتدوين أسمائهم وأعمالهم بحروف من نور على صفحات الصدور. # ولسوف يضم التاريخ إليهم عشرات، بل مئات وألوفا، من ضحايا الحرية ومنكوبيها وسواء في ذلك ~~من مات شهيدا طريدا كسعاوي قتيل الأستانة، وسليمان سجين بغداد، وغانم منفي باريس، ~~والكواكبي شريد مصر، ومن لا يزال فيه رمق حياة، يرجو العثمانيون أن يفسح الله في أجله ~~ويعليه منارا كفؤاد الشامي، وسعيد اليماني، نسبة إلى منفاهما، ورضا وصباح الدين ~~الباريسيين، نسبة إلى دار اغترابهما. # وإنه ليسوءنا أن يكون بين ظهرانينا، إلى جانب هؤلاء، فئة قليلة ممن تثقفوا على أيديهم؛ ~~فاشرأبت إليهم الأعناق، ثم عبث الطمع بأفئدتهم؛ فخانوا رفاقهم، وكانوا عليهم بلاء ما كان ~~أشده، لو لم يضرب الله على أيديهم هذه الضربة القاضية، وحسبهم عقابا ما يحيق بهم اليوم من ~~الخيبة وضروب المهانة. # فإذا جاز اليوم للمؤرخ أن يتأنى في تدوين الوقائع؛ ريثما يستجمع مادته، وتمر فترة ~~تسكن في خلالها ثورات الفكرة المضطربة؛ فإنه يجب على كل ذي بضاعة من العثمانيين أن يزجيها ~~لديهم على عجل، فإنما الفلاح بالتعاون والتضامن، وخير البر عاجله. # وإننا، وإن لم نكن من أبناء السياسات، فإن علينا فرضا يترتب قضاؤه وهذه دلونا بين ~~الدلاء، ولقد رأينا أن نجمع على هذه الصفحات بعض ما وعته الذاكرة فيما مضى بالنظر إلى ~~الدستور العثماني، وما يتراءى لنا من نتائجه المقبلة، وما ينال العثمانيين من رغد العيش ~~بخفوق أعلام الحرية فوق رءوسهم، وفك عقال العقل والفكر واللسان، وإطلاق عنان التجارة ~~والصناعة، وتمهيد سبل الزراعة واستخراج ثروة البلاد الدفينة تحت التراب والمنبوذة على رءوس ~~الجبال، وما ينجم عنه من إصلاح جباية الأموال ومالية البلاد. # هذا ما توخينا بسطه الآن لإخواننا العثمانيين، ولسوف يرى العالم - بعون الله - أنهم ~~إذا صانوا دستورهم - ولا نخالهم إلا صائنيه - سيكون لدولتهم شأن تنقلب بوجهه سياسة ~~العالم. # | الدستور القديم # توفي السلطان سليمان الثاني القانوني سنة 1566 عن ملك ضخم لم يكد يجتمع لأحد من قبله ~~ولا من بعده، وغادر الدولة العثمانية في إبان ms004 مجدها وأوج عظمتها، فلم يحسن خلفاؤه تعقب ~~خطواته، وتألبت عليها القوى الخارجية، وتناوبت فيها الفتن الداخلية؛ فأصابها ما يصيب كل ~~دولة بلغت هذا الشأو العظيم، فتناثر ما تناثر من لآلئ ذلك العقد النظيم. وتولى السلطان سليم ~~الثالث سنة 1789 والبلاد في اختلال، والأحكام في تراخ، والانكشارية مستبدون بالسلاطين ~~يولون ويخلعون ويقتلون، والبلاد في فوضى كادت تمزق شملها؛ فهاجه حب الإصلاح وصرح بميله ~~إلى ترتيب الجند على النمط الحديث، فبطشوا به، فمات والإصلاح في مهده. # على أن تلك الفكرة لم تمت، فتلقاها السلطان محمود، وعمد إلى الإصلاح من وجهتيه الملكية ~~والعسكرية؛ فبدد جند الانكشارية وأحل محلهم جيشا منظما، وأخذ يبعث بمنشورات الإصلاح إلى ~~الولاة والحكام، ولكنه توفي ولم يستتم من فروع الإصلاح إلا تنظيم الجند تنظيما غير ~~تام. # وكانت روح الإصلاح قد انتشرت بين فئة من رجال الدولة؛ فأقاموا يبثونها على عهد خلفيه ~~السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز، وأعظمهم شأنا وأطولهم يدا رشيد وعالي ~~وفؤاد. # وما كاد يجلس السلطان عبد المجيد على سرير السلطنة حتى أذاع خط الكلخانه المشهور سنة ~~1839/في 26 شعبان سنة 1255ه، فكانت له ضجة اهتزت لها أوروبا. # وأخذ رجال الدولة في ذلك الحين ينظمون القوانين الخاصة لكل فرع من فروع الإدارة ~~والقضاء. # وكان أعظم تلك الأعمال شأنا مجلة الأحكام العدلية؛ لأنه غير خاف أن جميع الأحكام كانت ~~تجري على مقتضى القواعد الشرعية. # وإذا كانت كتب الفقه تعد بالألوف، وبين الأئمة خلاف في بعض الأحوال، كان لا بد من توحيد ~~تفسير النصوص ووضع مأخذ سهل يستند إليه في الأحكام؛ فعهد أولا بالنظر في ذلك إلى رهط من ~~صفوة العلماء، ثم ألفت لجنة كان منها جودت باشا ناظر ديوان الأحكام العدلية، وبعض أعضاء ~~ذلك الديوان، وأعضاء شورى الدولة والأوقاف وغيرهم من العلماء، كعلاء الدين ابن عابدين، ~~فنظموا ذلك الكتاب الجليل، وأصدر السلطان عبد العزيز الإرادة السنية بشأنه سنة ~~1289ه. # ولكنهم كانوا أثناء ذلك العمل وقبله وبعده، يعهدون إلى لجان أخرى بتنظيم القوانين ~~الخاصة، فنشر قانون الأراضي سنة 1274، وقانون ms005 الطابو سنة 1275، وقانون الجزا سنة 1274، ~~وقانون التجارة سنة 1288، وكانوا في كل ذلك ينقلون عن القوانين الأوروبية، وخصوصا ~~الفرنسوية ناظرين إلى عدم مخالفة النصوص الشرعية. # ونظروا في سائر ما يقتضيه سير الحضارة، وإلى ما جرت دول أوروبا فيه على قوانين خاصة؛ ~~فوضعوا قانون التابعية العثمانية، وقانون ترتيب المحاكم الشرعية والمحاكم النظامية والمحاكم ~~التجارية، ونظامات الإدارة الملكية ونظام إدارة الولايات ونظام شورى الدولة، ووضعوا نظاما ~~للمعارف ونظاما للمطبوعات ونظامات أخرى للمطابع والطبع وحقوق التأليف والترجمة، ونظاما ~~للرسومات وآخر للمعادن وآخر للطرق والمعابر. والحاصل أنهم لم يكادوا يغادروا شيئا من لوازم ~~إدارة الملك حتى دونوا له قانونا. # فمجموع هذه القوانين والنظامات هو الذي كان معروفا في بلاد الدولة العثمانية باسم ~~الدستور # Code ~~. # ولكن الحكم كان لا يزال مطلقا، وإرادة السلطان فيه فوق كل إرادة؛ ينقض ويثبت ما شاء من ~~الأحكام وليس ثمة قيد. # ففي المدة الوجيزة التي لبث فيها السلطان مراد على سرير الملك، كان مدحت وأنصاره قد ~~انتهوا من إعداد القانون الأساسي وترتيب نظام مجلس «المبعوثان»، فما تولى جلالة السلطان عبد ~~الحميد حتى كانت قوانين الدولة محكمة الوضع والترتيب تضارع، بحسن تنسيقها وإحكام موادها، ~~قوانين أرقى الدول الأوروبية، لا حاجة باقية بها إلا إلى إنفاذ ذلك القانون؛ فبادر جلالته ~~إلى التصديق عليه، فتم للدولة دستور لا يفوقه دستور واستبشر الناس بالإصلاح والفلاح. # على أنه لم يكد ينتظم مجلس «المبعوثان» وينظر في شئون الدولة حتى صدرت الإرادة السنية ~~بفضه؛ فتقوضت كل أركان ذلك البناء، وابتليت الأمة بطور استبداد جديد لم تعهد نظيره حتى ~~في عصور الظلمات. # | الدستور والاستبداد # قد كان الدستور - كما تقدم - عبارة عن مجموع القوانين والأحكام التي تعاقب على وضعها ~~رجال الدولة، حتى استجمعت الكلي والجزئي من حقوق الحاكم والمحكوم، ورتبت أصول المحاكمات، ~~وفصلت قواعد القضاء، وعينت جميع ما يضمن إجراء العدل وحفظ الأمن وبسط الحرية واستخراج موارد ~~الثروة، ثم كان من جملة أجزائه القانون الأساسي، الذي ظل دعاة الإصلاح يطالبون بإنفاذه ~~ثلاثين عاما وتزيد. # وإن هذا الدستور على حسن وضعه ms006 وتنسيقه لو عمل به لما كان بنا الآن حاجة إلى هذا ~~الانقلاب العظيم، بل جل ما كنا نرجوه أن تعدل بعض مواده، وتزاد وتنقص حينا بعد حين على ~~ما يقتضيه الزمن وحالة الترقي العام. # أما الدستور الذي نحن في صدده - وقد ارتج العالم لإعلانه - فهو الحكم النيابي على ~~الطراز الحديث؛ حيث تحكم الأمة نفسها بنفسها مع حفظ حقوق الخليفة الأعظم، وتتضافر على ~~إنفاذ مضمون الدستور النظامي حرفا حرفا. # فدستورنا الجديد ليس، إذا، إلا نفس دستورنا القديم، ولا فرق بينهما، إلا أن الاستبداد ~~حال دون إنفاذه فيما مضى، وأما الآن فهو نافذ بقوة الأمة. # وليس الحكم الدستوري بالبدعة الحديثة في تاريخ الأمم؛ فقد كانت له شئون متقطعة في أحكام ~~كثيرة من دول العصور القديمة، كاليونان والرومان ودولة الخلفاء الراشدين، ولكنه لم يكن - في ~~الغالب - على نظام ثابت، ولم تعمل به في زمن واحد أكثر من دولة أو دولتين، وكان في معظم ~~الأوقات يمنح صاحب السيادة العليا نوعا من السلطة المطلقة على الأفراد، وإن قيده في بعض ~~الشئون العامة، ولهذا لا نظننا مخطئين إذا قلنا: إن الحكم الدستوري لم يستتب أمره على ~~هذا الشكل، ويعم دول الحضارة إلا على إثر الثور الفرنسوية، وإن كانت الثورة الإنكليزية قبل ~~زهاء قرن من أعظم مهيئاته. # أما الحكم الاستبدادي، فإذا أريد به الحكم المطلق؛ حيث يقبض رجل واحد على أزمة ~~الأمور، فهو الحكم الذي ألفه العالم منذ نشأته، وله بلا ريب مزايا باهرة مع جهل الرعية ~~وذكاء الراعي وعدله، وكم لنا في العهد القديم من مثل برجل واحد نهض بأمة كانت قبله خاملة، ~~ولكن كم لنا من جهة أخرى من مثل برجل واحد اضمحلت على يده أمم شتى وأمته منها. # أما الآن، وقد انتشر لواء العرفان وتعددت أمم الحضارة وعرف كل حقه، فلم يبق للحكم ~~المطلق من داع، بل لم يبق للملوك من فائدة بتحمل التبعات المتعاقبة عليهم والأمة ناظرة ~~إليهم، بل أصبحوا - وقد انقلبت حالة العالم - أفرغ بالا إذا ألقوا ذلك العبء العظيم على ~~كواهل ms007 نواب شعوبهم، وتيسر لهم التفرغ لكل شاغل مفيد لهم ولمن انضم تحت لوائهم. وهؤلاء ~~الملوك المقيدون بالدستور في هذا الزمن ليسوا بأقل شأنا ممن تقدمهم من ذوي السلطة ~~المستبدة. # وليس بخاف أيضا أن الدولة العثمانية منيت، كسائر الدول العظمى، بدور انحطاط كاد يودي ~~بها، لو لم يقم من رجالها وسلاطينها آونة بعد أخرى فحول سياسة ودهاء يرتقون ويدعمون، ولو لم ~~يكن الأس مكينا والقوة راسخة وعروق الحياة لا تزال نابضة لعقب ذلك الانحطاط الانحلال ~~الطبيعي الذي لا حياة بعده. ولكن لكل مصدر من مصادر الحياة والقوة حدا يقف عنده، وقد يكون ~~الداء العضال أشد فتكا بالجسم الصحيح منه بالجسم العليل. ولقد قوي جسم هذه الدولة على تحمل ~~جميع الأدواء التي انتابته من حروب وثورات وعبث حكام واختلال أحكام وتضافر أعداء وتراخي ~~أصدقاء؛ فصدق فيها قول فؤاد باشا لنابليون الثالث يوم كان سفيرا في باريس: «إن دولتنا أقوى ~~دول الأرض؛ إذ تعاقب عليها قرنان ودول أوروبا تهدم من بنائها الشاهق من الخارج، ونحن نهدم ~~من الداخل والبناء لا يزال قائما.» وسواء صحت هذه الرواية أو لم تصح فإنها تشف عن حقيقة لا ~~ريب فيها. # ولكن هذا الجسم على قوته الكامنة، وإن شئت فقل على ضعفه الظاهر، لم يقو على تحمل أذية ~~الحكومة الغابرة بما انتابته من ضروب الظلم في عصر ليس كالعصور السالفة؛ يساق الناس فيه ~~سوقا، ويتخذ فيه من دون الله أرباب ظالمون، فألوية الحكومات الدستورية قد انتشرت من أقصى ~~المغرب إلى أقصى المشرق، وكواكب الحرية قد سطعت حولنا واكتنفتنا من الجهات الأربع، هذا ~~وأرباب الأمر فينا يودون بقاءنا في ظلمة مدلهمة. # فلم يبق بعد هذا المصير إلا أحد أمرين إما الموت العاجل، وهو ما لم نبلغه بعد بانحطاط ~~قوانا، وإما تجديد قوى الحياة، وهو ما يتيسر لنا والحمد لله بهمة دعاة الحرية، وربما صحت ~~الأجسام بالعلل. # فمعظم الشكوى، إذا، ليست من الاستبداد بمعنى الحكم المطلق، وإن كانت دولة هذا الحكم قد ~~دالت، وإنما هي من ذلك الاستبداد بمعنى الحكم ms008 الجائر الذي أباح الموبقات واستباح المحرمات. ~~استبداد حكم الأنذال برقاب الرجال فنكس الرءوس وذلل النفوس. استبداد لا مرشد له إلا ~~التعنت عن هوى تميل به النفس إلى حيث لا تدري، ولا شرع له ولا وازع، يحلل اليوم ما يحرمه ~~غدا. استبداد يتمثل لنفسه بنفسه، تصادر به الأموال بغير حساب، ويبطش المجرمون بالأبرياء ~~بغير عقاب، إذا أنس نقمة من الناس عليه عمد إلى التفريق بينهم؛ فأثار فيهم ثائرة التعصب ~~الذميم، فضرب بعضهم ببعض. حتى إذا غفلوا عن مظالمه حينا، ثم استفاقوا من غفلتهم ورجعوا إلى ~~التظلم منه خلق لهم ملهاة أخرى يلتهون بها عنه. # استبداد تقتسم فيه فئة ضئيلة أموال الأمة فتتنعم بها وتشقى الأمة. ولا حرج على ~~تلك الفئة ولا جناح، تستولي على موارد ثروة البلاد من حرث وغاب ومنجم، وتستلب الامتيازات ~~كأنما كل ذلك من تراث آبائها وأجدادها، إذا اكتشف مجتهد منجما وقال للحكومة: أنا صاحب ~~الحق باستخراجه، فلكم سهمكم ولي سهمي بمقتضى النظام. قال رجال «المابين»: بل هو هبة ~~استوهبها أحدنا فاذهب خاسرا. وإذا قضى باحث زمنا فدرس مشروعا وقال: هذا نتاج بحث طويل ~~ولدي جميع الوسائل العلمية والمالية للقيام به بهذه الشروط، وذلك السهم منه للحكومة. ~~قالوا: بل هو لنا. فأخذوه بلا شرط ولا بدل. # تلك هي الفئة الظالمة التي كانت تتسبب بالنفي والسجن والقتل، فتفتك بمن شاءت كما شاءت ~~فرادى وعشرات ومئات وألوفا، ولا يشق شغاف قلبها الصلد عويل أيم ولا صراخ يتيم، وتحول ~~بين الراعي ورعيته وبيدها سيف من النقمة مسلول حتى على رءوس أفرادها. # ذلك هو الاستبداد الذي نقصده في بحثنا، وهو الذي أحرج صدور العثمانيين؛ فسهل لهم ~~المنية في سبيل الحرية، حتى إذا نالوها بجهاد جيشهم الباسل ودعاتهم الأماثل تصاعد صدى ~~حماسهم فخرق لب الأثير. # | الدستور والحرية # يقول أرباب السياسة: لا يسوغ إطلاق الحرية دفعة واحدة لأمة طال عليها عهد الاستعباد؛ ~~لئلا تستحكم الفوضى وينتهي الأمر باستبداد الجماعات، وهو أشد بلاء من استبداد الرجل الفرد. ~~ولكن هذا القول مع ما فيه من الصواب ms009 لا ينطبق على الأمة العثمانية؛ فإنها ليست بالأمة ~~التي رسفت دهرا بقيد الرق، بل كانت منذ تألفت تحت لواء السلطان عثمان الغازي أمما فاتحة ~~تحت زعامة العنصر التركي، وشعوبا مكافحة ذودا عن حياضها؛ وإن جميع العناصر التي انضمت تحت ~~لوائها كانت من ذوات الماضي المجيد، وإن كثيرين من سلاطينها كانوا ذوي بر برعايتهم. وهذا ~~السلطان محمد الفاتح مع ما يعزى إليه من القسوة، قد خول رعاياه المسيحيين والإسرائيليين من ~~حرية الدين والتصرف بالأحوال الشخصية ما يسجل له فخارا مؤبدا، وإن عده كثيرون خرقا في ~~السياسة بالنظر إلى أحوال ذلك الزمان. ثم إن كثيرا من تلك الشعوب والقبائل حفظ استقلاله ~~الإداري الداخلي أزمانا طوالا، أو تمتع بامتيازات ممنوحة أو مسموح بها حتى هذا اليوم، ~~كالكرد والعرب المقيمين في أطراف الولايات واللبنانيين والنساطرة. # ثم إذا نظرت إلى طبيعة البلاد رأيت أن معظمها لا يصلح للاستعباد؛ فسكان الجبال قساة ~~عتاة معتزون بمعتصمهم، فلا يصلحون عبيدا مهما طال بهم أمر الخضوع والخنوع. وقل مثل ذلك في ~~سكان البوادي والقفار؛ فهم أشد الناس تشبثا بالحرية يفتدونها بأموالهم وأرواحهم، وأما ~~سكان الثغور والحواضر فقد فاض على معظمهم نور العلم والتهذيب، وعرفوا، بما شاهدوا وقرءوا ~~وخالطوا من الأجانب، أن ذلك الكنز الثمين، بل تلك الجوهرة الفرد أعلى قيمة من كل ما خلق ~~الله؛ فالرق لا يصلح إلا للخامل الجاهل، وهما تربان لم يجتمعا في عنصر من عناصر ~~العثمانيين. وأضف إلى هذا سياسة التفريق؛ فإنها على شؤمها كانت لها مزية حفظ نشاط هذه ~~الأمم المتباغضة في الأمس المتحابة اليوم. فباد العنصر الذليل أو اندمج في غيره، ولم ~~يبق غير النشيط الصالح للذود عن حوض نفسه ولو إلى حين. فكلهم الآن طالب حرية وعالم بحقه. ~~وكل طالب حرية وعالم بحقه نشط من عقاله فهو أهل لها، حتى ولو طال عليه زمن الجور والتعسف، ~~ومن ذا الذي يزعم اليوم أنه لو أتيح للبولونيين مثلا أن يؤلفوا دولة منهم لا يتسنى لهم ~~ذلك مع ما برح بهم من المحن المتواليات ورزايا ms010 التقسيم. # ثم إن هذه الجرثومة الزكية ليست بنت يومها ، ولكنها متأصلة في نفوس جميع شبانهم وكهولهم ~~وكثيرين من شيوخهم، حتى مخدراتهم اللائي كن ينحن أمس سرا وبرزن اليوم جهرا بعد إعلان ~~الدستور يحملن أعلام الفوز المبين. # ولقد طالما حن العثمانيون إلى الدستور وترنموا بذكره قبل الآن، وإن شدة الضغط التي ~~ألجأتهم إلى الصمت في الفترة الغابرة إنما كان زمنها زمن جثوم لوثوب، وليس زمن استكانة ~~لاستماتة. وإذا اجتزأنا من التاريخ ببضعة عقود من السنين اتضح أنه منذ أصدر السلطان عبد ~~الحميد الخط الهمايوني المعروف بخط كلخانه، ما زال الشعب العثماني يتحفز لمثل هذه الوثبة ~~الخطيرة. ولقد خطا في هذا السبيل معظم خطواته حتى كاد يستتب له الأمر بنفوذ مدحت وحسين عوني ~~ورشدي، وإذا بجيش الجواسيس قد دهمه قبل أن تنضج ثمرة غرسه، واقتلع تلك الشجرة فتناول ~~مريدوهم بذورها فغرست ونمت أشجارا. # انظر الآن إلى ما شئت من أسباب الشكوى، وارجع معي إلى ما قبل أربعين أو ثلاثين، بل خمسة ~~وعشرين أو عشرين عاما، وقابل زمنا بزمن؛ تر أننا جرينا القهقرى جريا حثيثا، وخالفنا ~~بالقسر عنا كل أمم الأرض. # | الحرية الشخصية # إن أول ما يحرص عليه المرء حرية شخصه؛ فلقد كانت، لعهد مضى، مطلقة يسرح المرء ويمرح ~~أيان شاء، ويخالط من شاء ويقول ويعمل ما شاء مما لا ينال سواه بأذى. وهو في كل ذلك لا ~~يخشى وشي رقيب أو مفاجئ. فإذا بنا والعيون قد بثت والأرصاد قد سدت السبل ويا لشقاء من ~~ألقاه سوء البخت بين براثن تلك الذئاب، يبيت المرء في منزله وعياله إلى جانبه وهو غير آمن ~~من أن يفاجئه طارق في دياجي الظلام فيختطفه من بين ذويه، إذا خطا نظر إلى ما وراءه خشية أن ~~يكون له من ظله رقيب عليه، وإذا تكلم مع صديق أو رفيق على قارعة الطريق تراه يكاد يهمس ~~همسا خوف أن تبدر منه كلمة تحتمل التأويل، كأن القسطنطينية رجعت إلى زمن كاليفولا في رومة، ~~والطير نزلت على رءوس الناس كبيرهم وصغيرهم. # وإنه ms011 لا يكثر على كل من أقام زمنا في الأستانة أو بعض مدن الولايات أن يؤلف مجلدا في ما ~~سمع أو رأى من غرائب الوشاة. ودونك مثالا واحدا من أخف ما لقي الأبرياء من شرهم. # عرفت شابا من أبناء التجار قصد الأستانة لعمل مالي، وكان كثير التردد علي. فما ~~مضت بضعة أيام إلا وأتاني يوما ووراءه ذنبان، وإنني مع كل ما خبرت ووعيت من أخبار ~~الجواسيس عجبت أن يكون صاحبي موضع ريبة؛ فيجر وراءه هذين الذيلين. فلما جلس وبقي الرجلان ~~على مقربة من الباب سألته عما بدا منه حتى بات موضع التهمة، فأقسم أنه لا يعلم سببا، وأنه ~~لم يشعر إلا وهذان يتعقبانه ويرافقانه كظله، فإذا مشى مشيا، وإذا دخل بيتا انتظراه لدى ~~الباب، وإذا ركب عربة أو باخرة من بواخر البوسفور ركبا. # فظللنا نسعى أشهرا لنقف على السبب إلى أن أخذت الشفقة يوما ناظر الضابطة؛ فأطلعه على ~~ورقة مرفوعة إلى «المابين» من واش يقول فيها: إن فلانا - أي: صاحبنا - أتى ~~الأستانة قصد استطلاع أحوالها قبل أن يذهب إلى ~~باريس وينشئ جريدة ملؤها الطعن في الدولة، وهو ذو عزوة كبيرة ومقام كبير وله شهرة عظيمة بين ~~كتاب العصر. وإني لو نفع القسم وقتئذ لأقسمت أن فلانا هذا لا يعرف ما الكتابة في ~~الجرائد، ولم يخط بحياته فيها حرفا، ولا أثر لتلك العزوة، وذلك المقام، ولم تخطر له ~~تلك الفعلة ببال ولو في المنام، وإنما هي مكيدة نصبها له رجل طمع في مشاركته في تجارته، ~~فلما أبى أن يشركه معه عمد إلى هذا الانتقام الدنيء. وهكذا بقي صاحبنا سنوات يتظلم وما من ~~سميع، فلا يفرج عنه فيرجع إلى بلده، ولا يؤذن له بعمل يرتزق منه، وأنت تعلم ما تئول إليه ~~حاله بعد سنوات. # وإنها مع هذا مصيبة لا تعد من كبار المصائب؛ إذ لم يؤذ الرجل بجسده ولم يصادر بماله. ~~وهذه القيود والأغلال في أعماق السجون تكاد تشتبك غيظا لكثرة ما أثقلتها المعاصم والأقدام. ~~وهذه بنغازي وبعض المدائن النائية في أطراف السلطنة ms012 تضج منتحبة لما ترى من شقاء ~~المبعدين. بل هذا البوسفور يوشك أن يفور تلهفا على تلك الجثث فيقذف بها إلى ثغريه خشية ~~أن تبيت دفينة في بطون الحيتان، فإذا كانت تلك حالتنا بالأمس فمن ذا الذي يعجب لخروج ~~الناس أفواجا من ديار يحسبونها دار شقاء؟ ومن ذا الذي يجهل ما يكون بعد نشر راية الحرية ~~من تهافتهم إليها تهافت الأبناء إلى الأم الرءوم؟ وما يكون من رواج التجارة ونمو الزراعة ~~وارتقاء الصناعة ومن الإقبال على جميع الأعمال بعد ذلك الاعتقال. # بل من ذا الذي لا يرى، مذ الآن، أنه سيقوم منا في الغد جهابذة وفحول في العلم والسياسة ~~والإدارة والقضاء، فيأتون ما يأتيه أندادهم في أعظم الدول شأنا. فالأمة العثمانية لم ~~تعدم في كل عصر من العصور أمثال هؤلاء النوابغ، وإن عدمت بروزهم للعيان في هذه الفترة؛ ~~فلأنه كان من الجناية أن ينبغ في البلاد العثمانية رجل ذو شأن، ويظهر له أثر مذكور على ~~ألسنة الناس، فإذا مست الحاجة إلى إبراز آية من آيات عقله أو بأسه فسح له المجال حتى ~~يستتم عمله، ثم ينبذ نبذ النواة لا يباح لمواطنيه المعجبين به من أبناء أمته أن يوافوه ~~بشيء من مظاهر الإجلال والإكرام، حتى لقد تحرم البلاد من بقية ما فيه من الهمة ~~والذكاء. # وإذا أردت مثالا على ذلك فارجع بفكرك إلى عثمان بطل بلاونا وأدهم بطل لاريسا، بل راجع ~~بنظرك خطاب اللرد سولسبري في مجلس العموم الإنكليزي سنة 1894 يوم وفاة رستم باشا سفيرا ~~في لندن؛ إذ قام اللرد مؤبنا، فقال: «إن الفقيد كان من عظام الرجال ومن أمثال عالي وفؤاد، ~~وإن القوم ليخطئون خطأ مبينا إذا زعموا أن تركيا خالية الآن من الرجال العظام؛ فإنها لم ~~تخل منهم في زمن، فإذا خلتموها خالية منهم منذ سنوات، فإن لذلك أسبابا قاهرة.» ذلك مفاد ما ~~قاله رئيس وزراء الإنكليز، فإن هو لم يصرح سياسة بتلك الأسباب، فكلنا عالم بها متأوه ~~أسيف. # أما الآن وقد قضي الأمر، ونال، بل استعاد العثمانيون حريتهم، ms013 فليس بالكثير عليهم أن ~~يبرزوا من ذوي الهمم منهم وينبتوا من ناشئتهم كل قوال فعال. # | حرية الصحافة # وإذا كان هذا شأن الحرية الشخصية، فما عسى أن يكون شأن حرية الصحافة؟ تلك الآلة الحية ~~الناطقة بلسان الأمة، المنبهة الأفكار، المرشدة إلى الإصلاح المشيرة إلى مواطن الخلل ~~المنادية بحي على الفلاح، فإنه وإن كان القانون الأساسي قد أطلق سراحها على ما اتسع له ~~وقتئذ، وأنشئ لها نظام مخصوص حوالي سنة 1281ه يوسع لها في حرية البحث والنقد؛ فقد أصبحت ~~بعد ذلك تحت مراقبة حولتها إلى أبواق تمجيد وأغوال تهديد، يضطرب أصحابها خوفا لكلمة ~~تبدر منهم أو من محرريهم يتأولها أولو الأمر على غير ما أرادته الجريدة. # وما كانت رقابة المراقبين - وإن اطلعوا على جميع ما يكتب قبل الطبع - لتخفف من أخطار ~~العقاب، فكم من جريدة ألغيت أو أوقفت لزمن محدود أو غير محدود لخبر روته عن جرائد أوروبا ~~ينبئ بمقتل وزير في الصين أو أمير في أفريقيا، أو اختراع ذكرته لآلة تطير في الهواء، أو ~~غواصة تسير تحت الماء، بل كم من مرة فاجأ الجريدة الأمر «بتعطيلها» وظل صاحبها يبحث أشهرا، ~~فلا يعلم لذلك سببا غير «الإيجاب»، بل كم من مرة انقضت الصواعق على رأس الصحافي لجهله أن ~~هذه الكلمة أو تلك قد انتزعت بحكم الاستبداد من معجم الألفاظ الكتابية: كالقانون الأساسي، ~~والخلع وما اشتق منه، والجمهورية، والديناميت، والثورة، والإنصاف، والحرية. أو إن عبارة أو ~~جملة وجب حذفها من أبواب الإنشاء كقولك: العدل أساس الملك، والظلم مرتعه وخيم، والحرية ~~منتهى غايات الأمم. بل الويل كل الويل لمن ذكر حرفا عرف به علم مشهور: كعبد العزيز، ~~ومراد، ورشاد، بل كم لنا بإزاء هذه المبكيات من طوارق المضحكات. # خذ أعلام الأسماء وألقاب الأسر في البلاد تر مثلا: أسرة السلطاني معروفة في سوريا، ~~ومنها رجال من ذوي المكانة بين مأموري الدولة، أفيتصور ذو عقل أن كتابة اللقب على هذا ~~الهجاء تهدم قوام المملكة فيحول - رضي أصحابه أم غضبوا - إلى «سلتاني» مرة، وإلى «سلطا» ~~مرة أخرى. ms014 ومن ذا الذي يقول بخراب الملك إذا دعا أحدهم رجلا باسمه ، وقد سمي «خليفة» وهو ~~اسم بات على شيوعه من الأسماء المحظور استعمالها، ومن ذا الذي يصدق لو لم تثبت الحقيقة صدق ~~المقال أن بيت «الشوكتلي» المعروف بحلب لا تجسر جريدة ولا مقام رسمي أن يذكره بهذا اللفظ، ~~حتى اضطر أصحابه إلى اتخاذ لقب النحاس بدلا منه؟! # أما المقالات السياسية فباتت من أمثال العنقاء، تذكر ولا ترى، وبات العثمانيون وهم يقرءون ~~في جرائدهم القليلة نتفا من أخبار الدول، ويقرءون شيئا عن سياسة بلادهم وإدارتها إلا ما ~~أشير به إلى نعمة سلطانية أو تعيين وال أو مأمور أو أدعية متوالية تشف عن غل شد في ~~أعناق الصحافيين وقادهم - وهم صاغرون - في سبيل لا يتاح لهم أن يفلتوا وهم سائرون فيه ~~يمينا وشمالا. ولهذا لم يكن في البلاد من ينكر عليهم هذا الصغار، بل كان الناس ينظرون ~~إليهم نظر الأسير المشفق على أسير آخر بإزائه. ولقد طالما شاقنا استطلاع الأخبار فتسقطناها ~~من بريد أجنبي أو جريدة في سفارة أو دار قنصلية. وسئم الناس قراءة جرائد بلادهم كما سئم ~~محرروها كتابتها على هذا النهج، وفي ذلك يقول أحد أدباء الأتراك متهكما بتوريد لطيف على كل ~~جرائد الأستانة وقتئذ: # سعادت چون طريق كذب دايم ارتكاب إيلر # أوصاندق ترجمانك شيوه طرز إداسندن # مروت تروت آساهپسي قالقسون أورطه دن ديركن # ينه بر ... ظهور إيتدي صباحك ما وراسندن # وليس هذا كل البلاء إذ لو حرمت علينا الكتابة في جرائدنا، وأبيحت لنا قراءة الصحف ~~المنتشرة في سائر الأقطار لقلنا: شر أهون من شرين، ولكن هيهات ... حظرت المراقبة قراءة ~~كثير من الجرائد المنتشرة في كل بلاد الله، ولا سيما ما صدر في مصر أصدق البلاد ولاء ~~للخلافة الإسلامية والأمة العثمانية. كأن معظم البلاء وقع على رءوس الأصدقاء، دونك ~~أصحاب الجرائد في مصر؛ فاسألهم ينبئوك بما عانوا من المشقة في السعي بالإفراج عن جرائدهم ~~وإباحة قراءتها للعثمانيين في بلادهم. دع المقطم وما جرى على خطته ولنلتمس لرجال «المابين» ~~عذرا في ms015 الحقد عليه لقيامه على نقد أعمالهم والتنديد بهم. بل فلنسبل سترا على ما أنزلوا ~~على القلوب من الرهبة منه، وما تفننوا به من ضروب العذاب الأليم عقابا لمن وجد في بيته أو ~~عثر بين ثيابه ولو على قطعة منه اتخذها لفافة لمنديله، وهو على سفر من مصر كما جرى لذلك ~~الشامي الأمي، فسل أهل الشام كافة يخبروك كم لبث في السجن، وكم قاسى من أنواع العذاب ~~لتلك الجريمة وهو لم يقرأ بحياته جريدة ولا كتابا، بل التقط تلك الورقة وهو لا يعلم أهي ~~صحيفة من كتاب أو كشف حساب. # دع، إذا، أشباه المقطم وانظر المؤيد واللواء؛ فهل عرفت قبلهما أو بعدهما صحيفة أشد ~~تمسكا بالعرش العثماني وأعظم تفانيا في خدمته، فهل أتيح لهما إرسال جريدتهما إلى البلاد ~~العثمانية مع ما فيها من كثرة طلابهما؟ وإني لا أزال أذكر حديثا لي مع مؤسس اللواء إذ ~~سألني أحد أصدقائي من باشوات العراق أن أمكنه من الحصول على جريدة اللواء، فقال لي - ~~رحمه الله: يسوءني أن يكون ذلك أمرا محظورا، ولست أعلم له سببا، كل هذا لأن اللواء ~~والمؤيد يرددان على صفحاتهما ذكر الحرية والدستور والاستقلال والمجلس النيابي، وما أشبه ~~من الألفاظ التي تنبه الشعور في عرف الناس، «وتخدش الأذهان» في عرف رجال «المابين.» # ذلك كان جزاء المحبين للحكومة الغابرة، القائمين على ولائها من أرباب الجرائد سواء كانوا ~~في قبضة يدها أو خارج سلطتها. # وأما أعداؤها ومبغضوها ممن لا تستطيع أن تتناولهم يد جبروتها، فهم هم الذين كانوا ~~بفضل كرمها الحاتمي في نعيم مقيم تنفحهم بالألوف الصفر المجبوة بالدرهم والفلس من الأرملة ~~والعامل الكداح إلجاما لألسنتهم النمامة. وما كانوا بكافين عنها إلا حتى حين. ولقد ~~أغدقت عليهم من النعم ما لو أحسنت ببعضه على بعض جرائدها في بلادها؛ لكان لها أشباه التيمس ~~والتان. # ولقد طالما ذاعت عنها تلك المكرمة بين الناس حتى كادت تبيد مزايا جرائد الأحرار المطالبين ~~بالدستور والباذلين في سبيله كل ما عز وهان لاختلاط الحابل بالنابل، وبات كل أفاق شريد ms016 ~~يطمع في اتخاذ السباب والنميمة مهنة يستهطل بها غيثا من النضار ، ولو لم يقم مختار باشا في ~~مصر وغيره في غيرها يصيحون ويصخبون سنين طوالا في وجه هذا السيل الجارف، لما خف اندفاعه ~~حتى الآن، ولكانت ضاقت موارد الدولة عن إرضاء كل أفاك زنيم. # ولو بقي نصراء الاستبداد على منصات رفعتهم حتى الآن لقالوا بلا ريب مدافعين: إن البلاد لم ~~تألف الحرية، فإطلاق أقلام الصحافيين فيها إثمه أكبر من نفعه. فقل لهم دفعا لهذه الفرية ~~تلك نعمة عم انتشارها فتمتع بها أبناء قلب أفريقيا وأقاصي آسيا، فما بالكم حرمتموها ~~علينا؟ ومع هذا فلسنا على بساطها بالمحدثين، ألفناها منذ ستة وثلاثين عاما ورتعنا في أكناف ~~رياضها، وما من رزية أشد على المرء من سلبه نعمة نال منها لو طرفا يسيرا، أليس منكم من ~~قرأ جرائد الأستانة وسوريا ك «الوقت» و«عبرت» و«الجوائب» و«الجنة» و«الجنان»، فرأى فيها ما ~~أنفذته من سهام للنقد على أولياء الأمر أيام صدارة محمود نديم. # ومن من السوريين أبناء ذلك الزمان لا يذكر ما صوبته «الجنة» من نبال التقريع، وما ~~ألمت به أفئدة الوزراء من كشف النقاب عن بعض أعمالهم، مما لو كتب منها سطرا واحدا في ~~أيامكم لكان أقل جزاء لكاتبه السجن المؤبد. فعلام كان سلفاؤكم يرحبون بتلك الكتابة؟ بل ~~علام كان بعضهم يحرض الجرائد على الانتباه إلى نقد أعمال العمال؟ وكل كهولنا يذكرون أيام ~~تولى مدحت ولاية سوريا، وما كان من عزله متصرفا لتهمة وجهتها إليه «الجنة»، فكتب إليه: ~~«إما العزل وإما قيامك للوقوف أمام المحكمة مع صاحب الجريدة.» ولما لم يقو على تبرئة نفسه ~~اضطر إلى الاستقالة، بل ما بالكم ترتعدون جزعا لذكر «الثورة» و«القتل» و«الخلع» ~~و«الدستور»، وتأمرون أن نشوه وجه الحقائق فتنقل إلينا الأخبار كاذبة، فإذا قتل ملك إيطاليا ~~أمرتم الصحف أن تقول «توفي فجأة»، وإذا طعن كارنو رئيس جمهورية فرنسا على قارعة ~~الطريق، قالت بأمر منكم: «مات بالنزلة الصدرية»! فماذا يقول التاريخ بهذه الألاعيب ~~الصبيانية؟ وأي جريدة من جرائد السلطنة أيام خلع المغفور لهما ms017 السلطان عبد العزيز ~~والسلطان مراد لم تصدر أياما، بل شهورا متوالية حافلة بتفصيل أخبار ذلك الانقلاب وما ~~وليه من هجوم حسن الجركسي على الوزراء وقتله الصدر وناظري البحرية والخارجية؟ وإن أكبرتم ~~نقل مثل هذه الأخبار، فما بالكم تحظرون علينا ذكر جهاد الروسيين والإيرانيين في سبيل الحرية ~~ونيل الدستور؟! # أفلا ترون بدليل ما تقدم أن الأمة لا تطالب بنعمة تسبغونها عليها من فضلكم، وإنما هو ~~حق سلبتموه بعد أن كانت متمتعة به بفضل أسلافكم؟ أولا ترون أيضا أن بقاء صحافتنا حية مع ~~شدة هذا الضغط يبشرها بعمر جديد وشأن في المستقبل مجيد؟ # وإننا بلا ريب لا نطمع ولا نود أن نتخطى الآن إلى ما وراء المعقول، فنثب وثبة واحدة من ~~وهدة المسكنة الاضطرارية إلى قمة التهور الاختياري، بل جل ما نتمناه أن تباح لنا رواية ~~الأخبار وترديد صدى الأفكار والنظر في شئون أنفسنا من إلقاء درس مفيد وعرض مقترح جديد ونقد ~~عامل وعمل والبحث في كل ما من شأنه أن يلذ ويهذب ويفيد. وعلى الجملة إطلاق الحرية إلى ما لا ~~يفضي بها إلى مثل الفوضى التي استحكمت بين بعض جرائد مصر لسنين مضت، وهو لا شك ما ينظر إليه ~~دعاة الدستور من الآن بعين الروية والتدبير. # | حرية التعليم # لئن أطلنا الشكوى من تأخر الصحافة في العهد الماضي، فإذا ذكر العلم والتعليم فلا يسعنا ~~إلا أن نقول الحق فنعترف أنهما رقيا فوق ما كانا عليه درجات، وأن معظم العثمانيين أصبحوا ~~ولهم نصيب من العلم. ولقد أربى عدد القارئين الكاتبين على عدد الأميين في كثير من ~~الولايات، ولكن المراقب الخبير يعلم أن هذا الترقي هو دون ما كان يجب أن يكون؛ لأن تيار ~~العلم سيل جارف يبدد كل ما اعترض سبيله من عقبات الجهل والخمول، ولقد أحاط بنا هذا السيل ~~من كل جوانبنا فما كان في الوسع حده مهما بذل من الجهد، فكيف ومعظمنا مستبشر لوفوده ولو ~~تسهلت له السبل على ما يرام لكفته ثلاثون سنة لإزاحة كل نبت خبيث وجلمود معترض في ms018 ~~طريقه، وجعل البلاد قاصيها ودانيها رياضا للمعارف، نضرة يانعة الفروع دانية القطوف، ولكن ~~الخطة التي جرت عليها الحكومة الغابرة حولت بعض حسناته إلى سيئات وبعض منافعه إلى ~~مضار. # أرادت أن تتخذ للتعليم في البلاد خطة واحدة، ويا حبذا الفكرة لو حسن القصد واستقام ~~الأسلوب، وهي فكرة قديمة يرجع أصلها إلى أيام السلطان سليم، فلم يتسن له إنفاذها، بل كانت ~~من أسباب قيام جهلة الإنكشارية عليه، فتلقاها السلطان محمود، ولم تزل تتراوح في رءوس ذوي ~~الشأن حتى أنشئت المكاتب الإعدادية والرشدية في الولايات وبعض المدارس العالية في الأستانة ~~في زمن السلطان عبد العزيز، وزاد عليها جلالة السلطان الحالي مدارس أخرى. ولكن طرق التعليم ~~اختلت بشدة المراقبة، فأبعد منها كثير من المطالب المفيدة إبعاد المنفيين إلى فزان، حتى ~~لقد حرم على الطلبة درس المهم في التاريخ ولو كان تاريخ بلادهم، وشوهت جغرافية البلاد ~~العثمانية وخرائطها فحذف وبدل منها من الأسماء ما طالما افتخر سلاطين آل عثمان بدخوله في ~~حيازتهم. وحظر تعليم - بل قراءة - العلوم الفلسفية والاجتماعية، ومنع الأساتذة من إلقاء ~~أي شرح مفيد على الطلبة حتى حار المعلمون في أمرهم، وكانوا وهم يلقون حتى ولو مسألة نحوية ~~أو حسابية صرفا يخشون أن توجس منهم إشارة إلى عدد يوافق أعداد سني الظلم أو فتحة أو كسرة ~~تشيران إلى فتح الأعين وكسر القيود. # كل ذلك خشية من أن ينبثق نور العلم في أدمغة التلامذة، فيعلمون أنهم من بني الإنسان، وأن ~~لأمتهم حقوقا تجب المطالبة بها، فإذا نال أولو الأمر هذه البغية بالنظر إلى صغار ~~الطلبة، فما كان يا ترى ظنهم بطلاب مدارس الأستانة العالية كالمكتب الملكي والمكتب ~~السلطاني والمدرسة الحربية والمكتب الطبي - وجميعهم من الشبان الأذكياء؟ أو ما عسى أن يقول ~~طلاب مدرسة الحقوق - وعلم الحقوق من العلوم الفلسفية - إذا اضطر أساتذتهم كل يوم إلى تغيير ~~خطة وتبديل نهج وإلغاء درس الشرائع الرومانية أو غير ذلك مما يزيد المنع عنه رغبة فيه؟ أو ~~ماذا يقول طلبة المدارس الحربية إذا حظر عليهم أن يبحثوا في ms019 أنواع الحكومة، وتنصب لهم ~~المكيدة فيجمع بعض نظارهم نجباء أولئك الشبان المتقدين نيرة وذكاء؛ فيسألهم عما يؤثرون من ~~أنواع الحكومات فلا يقول بالحكومة الاستبدادية إلا أشدهم دهاء. وأما الباقون الذين يبوحون ~~بما في ضمائرهم، فيقولون بالحكومة الدستورية، فيطردون ويساقون سوق الأنعام إلى حيث لا ~~يعلم إلا الله. وأما ذلك الظالم الناشر تلك الأحبولة فيتخذها ذريعة للوشاية فتغدق عليه ~~النعم ويصعد في سلم الترقي درجات متواليات بأسرع ما صعد إسرائيل على سلم جبرائيل. # وما كل هذا العنف وذلك الضغط إلا ليغشوا على أبصار الشبان، فينشئوهم آلة صماء بين أيديهم، ~~ويحجبوا عن أبصارهم ساطع النور، فلا ينظروا إلى مساوئهم، أفجهلوا أن النور إذا انبثق خرق ~~الظلمات ونفذ إلى ما وراء حجب الغياهب! وأن شدة العنف تجرح حتى الجبان! فما عسى أن يكون ~~فعلها بتلك الفتية الباسلة، وهل فاتهم أن دعاة الثورات والإصلاح في أوروبا كان معظمهم ممن ~~عني في تربيته على خلاف ما نشأ عليه. # بقي لنا كلمة في المدارس الوطنية والمدارس الأجنبية، أما الأولى، ونعني بها: تلك التي ~~شادها أهل البلاد، فهي قليلة لم يكن يرجى منها النفع المقصود مع شدة اعتناء أصحابها بها؛ ~~لأن أكثرها تحت أحكام هذه المراقبة الجائرة. وأما المدارس الأجنبية فهي التي كانت متمتعة ~~بحرية حرمت على ما سواها، ولقد تهافت عليها الطلاب من كل الملل والنحل تهافت الظمآن على ~~الماء الزلال، وبثت نور العرفان بين جمهور عظيم من فتياننا، ولكنا مع اعترافنا بجزيل ما ~~ثقفت وأفادت لا يسعنا إلا القول جهارا: إن فيها ثلمة متسعة لا يمكن سدها إلا بتغيير ~~الأحكام، فمن من أرباب تلك المدارس - على فضله - يهتم ببث روح الوطنية بين تلامذته، بل من ~~منهم وهم منتمون لأمم متناظرة لا يسعى جهد طاقته في استمالة تلامذته إلى أمته ودولته. ~~وهكذا نشأ الطلاب على اختلاف في الأفكار والمذاهب. وهكذا عمل الأجانب بطريق العلم على ~~اقتسام عقولنا كما عملوا بطريق السياسة على اقتسام بلادنا. # ومما زاد في البلوى أنه لم يكن يؤذن لخريجي المدارس المختلفة بإنشاء ms020 الأندية وعقد ~~الاجتماعات لتبادل الآراء؛ خوفا من امتزاج المشارب والأخلاق. # على أننا مع شدة هلعنا لعبوس الزمن الماضي لا يسعنا إلا استقبال ابتسام الزمن المقبل بملء ~~البشر والسرور؛ إذ توحد طرق التعليم في مدارس الحكومة، ويوسع المجال للمدارس الوطنية، ~~ويباح تدريس علوم الفلسفة والاجتماع والآداب ويوجب تدريس التاريخ، ولا سيما تاريخ البلاد ~~العثمانية وجغرافيتها، وتسهل الطرق لطلبة جميع المدارس من أميرية ووطنية وأجنبية لفتح ~~الأندية وعقد الاجتماعات؛ ليشبوا جميعا على حب التكاتف متعاضدين على العمل يدا واحدة ~~قياما بخدمة حقة لهذه الأمم التي أصبحت منذ 24 تموز أمة واحدة. # | حرية التأليف والقراءة # حبذا لو أتيح لنا أن نذكر للزمن الماضي حسنة بما خص تأليف الكتب المفيدة، كما ذكرنا له ~~حسنة من حسنات ترقي العلم، وإن أتت بالقسر عنه. ولقد يعجب المرء لهذا التناقض بين حالة ~~هذين الألفين المتلازمين، ولكنه لدى إمعان النظر يتضح أنه لم يكن بد من حصول ذلك ~~التباين، فإن العلم مطلب من مطالب كل نفس حية؛ فكان من المستحيل إيقاف تياره كما تقدم. ~~وأما التأليف فهو من خصائص فئة قليلة من الناس، وهم ليسوا في الغالب من ذوي السعة واليسار. ~~وأقل ما كان يشوه سمعتهم في آذان أرباب الاستبداد أنهم من ذوي الأفكار الحرة ليس في آذانهم ~~وقر ولا غشاوة على أبصارهم، وما كان أحوج الظلام إلى كسر تلك الأقلام، ولم يكن في الوسع ~~أن يفعلوا ذلك علنا خوف الفضيحة؛ فأسبلوا ستار الرياء، وهو شفاف. # لم يسنوا نظاما جديدا قاضيا بالتضييق على الكتابة والكتاب، بل لجئوا في هذه الحال ~~كالتجائهم في سائر الأحوال إلى إصدار الإرادات السنية التي كانت تنهزم جنود القوانين من ~~وجهها كانهزام الجيش المدحور أمام الفاتح المنصور. ولم يكتفوا بإنشاء شعب المعارف في ~~الولايات - وما أحلى هذا الاسم وأمر الفعل - بل انتهى بهم الأمر أن باتوا لا يسمحون بنشر ~~كتاب ما لم يعرض على مجلس التفتيش والمعاينة في نفس الأستانة. # ويجدر بنا قبل استتمام هذا البحث أن نقول كلمة في صفة هذا المجلس ومهمته، ms021 خليط من كل ~~أصناف الناس رفيعهم ووضيعم عالمهم وجاهلهم، مرتع لبعض صنائع «المابين» ومنفى لأذكياء الشبان ~~اتقاء لبادرة منهم، تدفع إليهم الرواتب وبعضهم في الأستانة والبعض الآخر في أطراف البلاد، ~~وتختلف تلك الرواتب زيادة ونقصانا باختلاف منطوق الإرادة ونفوذ الواسطة. ولقد شاهدت مرة ~~شيخا هما مقبلا إلى نظارة المعارف، يتضح لناظره ومحادثه أنه لا يعرف من المعارف إلا ~~اسمها، عين، بإرادة سنية، عضوا لهذا المجلس براتب باهظ، ولم يكن لناظر المعارف ولا ~~لسواه سابق خبر بتعيينه، فما وسعهم إلا إحلاله على الرحب والسعة، وبعد هنيهة خرج إلي صديق ~~من ذلك المجلس، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله هذا صنيعة فلان. # ولم يكن هذا المجلس خلوا من الأعضاء الذين يرجى نفعهم في غير تلك الحظيرة، ولكن أقل ~~تغاض منهم عن الأوامر المنهالة عليهم الواحد تلو الآخر يشهر على رءوسهم سيف ~~النقمة. # ذلك هو المجلس الذي ألقيت إليه مقاليد المعارف في البلاد العثمانية، لا يباح بنشر كتاب ~~أو تأليف ما لم يعرض عليه ويتصفحه، فيقرأه بعض أعضائه حرفا حرفا بأية لغة كانت فيزيدون ~~وينقصون ويحرفون ويبدلون، وربما حذفوا منه صفحات وفصولا، بل ربما حذفوا كلمات وعبارات، ~~فاختلت بحذفها لحمة الكتاب من أوله إلى آخره، وإذا أسعف الحظ وصدر الإذن بطبع الكتاب خرج ~~إلى صاحبه وعلى كل صفحة منه ختم نظارة المعارف، والويل للمؤلف الذي يوشى عليه بتغيير حرف ~~منه أثناء الطبع. والأدهى من ذلك أنك ربما انتظرت لصدور الرخصة زمنا أطول من الزمن الذي ~~قضيته في التأليف. ومع هذا فلم يكونوا يجرون على قاعدة واحدة، بل كانوا يراعون أحوالا ~~كثيرة تؤثر في حكمهم، ولهذا ربما تجاوزوا لك عن كل ما مر؛ فقد اتفق لي أن طلبت الرخصة بكتيب ~~أشبه برسالة منه بكتاب فانتظرت سبعة أشهر وحذف منه وبدل، وأنا مقيم في الأستانة، ثم اتفق ~~أن حصلت على الرخصة بيوم واحد لكتاب مطبوع يتجاوز عدد صفحاته الألف مائتي صفحة، وأنا مقيم ~~في مصر، ولم يختم ولم يعترض على حرف واحد منه، وأنا ms022 على يقين أنه لم يقرأ منه غير ~~عنوانه. # فأي مؤلف في الشرق أو في الغرب يقدم على تأليف كتاب، فيبيضه من أوله إلى آخره، ثم يعرضه ~~على نظارة المعارف، فينتظر كل هذا الزمن. وإذا حسن حظه ونال الرخصة يآلي على نفسه أن لا ~~يغير منه حرفا أثناء الطبع، مع أن المراجعة والتصحيح يقتضيان النظر في التنقيح والتعديل ~~والتبديل حتى بعد ترتيب الحروف قبل الطبع، وأي همة لا ترجع مثبطة أمام تلك الحوائل؟! # أما مواضيع المباحث المباح التأليف فيها، فلم تكن تشمل شيئا من المباحث الأخلاقية ~~والاجتماعية والفلسفية، وكل ما من شأنه أن يعلي الهمم ويثقف العقول وينير البصائر، وهل ~~بعد هذا من قتل لهمم الكتاب؟ # ولذلك أصبحت التآليف المفيدة في الولايات من أشباه المعجزات، ولم يكن كتاب الأستانة بأنعم ~~بالا؛ لأن المراقبة كانت محدقة بهم من كل جوانبهم، وبات الجم الغفير من أطول الكتاب يدا ~~يتجاهل وهو عالم ويتصاغر وهو كبير. # وأما الذين اشتد بهم اليأس فلم يطيقوا الصبر، وخف حملهم، فلم يكن في البلاد قيود محكمة ~~تربطهم بها؛ فوكلوا أمرهم إلى الله وغادروا بلادهم، وهم يحنون إليها عن بعد ويتربصون إلى ~~حلول مثل هذا اليوم السعيد ليعاودوا البلاد أفواجا ومعهم من لذة الاختيار وفائدة الاغتراب ~~ما جعل منفاهم مورد نفع لهم ولمواطنيهم في مستقبل الأيام. # وحبذا لو وقف المستبدون فيما مضى عند هذا الحد، وغادرونا نتمتع بقراءة الكتب التي ألفت ~~قبل استئثارهم بالأمر؛ فإنهم بعد أن سدوا السبل في وجه الجديد المفيد، وأوصدوا الأبواب في ~~وجه الكثير من مؤلفات الأجانب أخذوا يتعقبون آثار كل قديم فيه نفحة من نفحات الحرية. ولقد ~~طالما كان الوشاة يتخذونها وسيلة لنيل ما لم يستطيعوا إليه سبيلا بطرق البذل والاسترحام، ~~كما فعل ذلك البائس الذي نفدت حيله فعجز عن الحصول على وظيفة؛ فأرسل تلغرافا إلى «المابين» ~~ينبئ أن لديه أمورا ذات شأن يبلغهم إياها، ففتحت له الأبواب فدخل ومعه بعض أجزاء منتخبات ~~الجوائب، فأشار إلى بعض مظان فيها؛ فكوفئ وعين قائمقاما وصدرت الأوامر في ms023 الحال بمصادرة ~~جميع أجزاء تلك المنتخبات فهجم الرقباء على المكاتب هجوم الشرطة على اللصوص، فبعثروا ~~كتبهم وجمعوا كل ما لديهم من ذلك الكتاب. # وكم من مؤلف قرئ دهرا بلا حرج، ثم صودر وحظر النظر إليه لكلمة أو عبارة وردت فيه. وكم ~~من مكتبة زج صاحبها في ظلمات السجن لشبهة تلوث بها لبيع كتاب أو لذكر اسم ذلك الكتاب في ~~حديث أو رسالة وجهت إليه من صديق، وهذه سجون الأستانة ودمشق الشام وغيرهما لا تزال تتقطر ~~لهفا على أولئك الأبرياء. # وما عسى أن نقول عن حالة المكاتب الخاصة؛ إذ كانت المنازل تفاجأ على غرة من أصحابها، ~~وتفتح خزائن الكتب، وإن كان بعضها مدخرا من عهد الآباء والأجداد، ويتذرع الوشاة ولو بصفحة ~~من كتاب مؤلف منذ قرون لأخذ صاحبه غيلة. وإن حملة واحدة حملها الوشاة منذ سنتين على بعض ~~وجهاء القوم في طرابلس وبيروت وصيدا؛ أسفرت عن سجن جماعة من خيرة العلماء وطلبة العلم ~~وإحراق الألوف من الكتب النفيسة حتى ساد الرعب بين طلاب الكتب، فكانوا يتلفون بأيديهم تلك ~~النفائس التي جمعت بشق الأنفس حتى قدر ما أتلف بأيدي أصحابه بيوم واحد بما يقرب من ~~خمسين ألف مجلد، وكانت النيران تلتهم الكتب التهامها يوم دخلت جنود هلاكو بغداد. # ومع هذا فإن للمطبوعات قانونا، حبذا لو عمل ببعضه، حتى لقد كان للكتاب مكافآت مرتبة على ~~ثلاث درجات قبل هذه الفترة. وإننا لا نزال نذكر المكافآت التي نالها المؤلفون في تلك ~~الأيام، خلا ما كان يجود به كرام السلاطين على الكتاب والمؤلفين. # وأما الشعر، وهو نشوة الرءوس وصناجة النفوس، فقد قضي عليه القضاء المبرم، إلا ما كان ~~ينفخ منه في نفير التدجيل وبوق التبجيل حتى لقد خيل لجهلة القوم أن تلك الجذوة التي بدأ ~~شبوبها في زمن السلطان عبد المجيد ثم التهبت أيام السلطان عبد العزيز، قد انطفأ نارها وخبأ ~~إوارها، وما علموا أنها لبثت وميضا تحت رماد منتشر على هشيم إذا لعبت به نسمة حرية انكشف ~~الرماد فثارت النيران ثوران البركان. # ومن أراد ms024 أن يعلم ما كان من آثار الحرية السابقة؛ فليرجع إلى الروايات التي كانت تمثل ~~بالفرنسية والتركية في دور التمثيل بالأستانة، وقد ضربت فيها للسلطان عبد العزيز قبب خاصة. ~~بل فليرجع إلى حماسيات كمال زعيم النهضة الشعرية، وإذا أردت مثالا أنصع؛ فاقرأ متنا ~~وشرحا وشعرا ونثرا ظفرنامه يوسف ضيا باشا، وقد انتقد فيها بأشد من قذف النبال ~~سياسة الدولة في بعض الشئون، ووصف بعض صدورها ووزرائها تحت ذقونهم بما لو نطق بحرف من ~~مثله في الحكومة الغابرة لزج به إلى أعماق البوسفور. # ذلك نزر من بحر من مساوئ حكم مضى، وإني أختم هذا الباب بكلمة لرجل من جهابذة رجال العلم ~~وفحول الشعراء في سوريا. إذ قلت له يوما: ما لكم معشر الكتاب ها هنا قد أقعدكم الخمول، ~~ونحن فئة صغيرة منكم رحلنا عنكم إلى مصر، وكلنا من تلامذتكم؛ فكان منها الكاتب المجيد ~~والمؤلف والشاعر المفيد الضارب في رياض الحقيقة ومسارح الخيال. وأما أنتم فلا تنفحوننا إلا ~~بكل تافه قليل الجدوى. فقال: ابعث لنا بنفحة واحدة من نسمات حريتكم، وناقشنا بعد ذلك ~~الحساب. فأفحمني، وقلت: حسبنا الله، رب عجل بفرج من عندك. # والآن قل لأمثال هذا الجهبذ النحرير في كل أطراف البلاد قد استجيب دعاؤكم، وفكت القيود، ~~فأرونا نفثات يراعكم وأبرزوا لنا مكنونات صدوركم ووافونا بكل جديد مفيد، وسطروا لنا علوم ~~العصر، وسروا عن أنفسكم وأفيدوا أبناء جنسكم وأطلقوا عنان الأقلام، ولكن الأمل وطيد أن ~~نشوة السرور لا تأخذكم، فتتخطوا جادة اليقظة والاعتدال؛ لئلا يختلط النفع بالضر والخير ~~بالشر. # | حرية الكتابة # أو البوستة والتلغراف # إن الخلاف الذي قام هذه الأيام بين الحكومة العثمانية وإيطاليا، قد كشف عن حقيقة في غاية ~~الغرابة؛ طلبت الحكومة الإيطالية أن يؤذن لها بفتح مكتب بريد في القدس أسوة لها بسائر ~~الدول الأوروبية الكبرى. ولما لم يجب طلبها أرعدت وأبرقت وحشدت الأساطيل فلم تجد ~~الدولة، وإن شئت فقل رجال «المابين»، سبيلا إلى الرفض؛ فسلموا بمطالب إيطاليا خصوصا بعد ~~أن اتضح لهم انحياز جميع الدول إلى جانب الإيطاليان حتى ms025 صديقتنا دولة الألمان. وليس هنا ~~موضع البحث في مبلغ العدل من هذا الطلب، ولكن المرام بيان مبلغ الظلم ووقوعه في نفوس ~~العثمانيين بصرف النظر عن حق مكتسب لأجنبي، أو مطمع يسعى إلى بلوغ غايته منه. # كانت إيطاليا تلح في الطلب، والدولة تعتذر عن الإجابة، ولم يكن أحد من ذوي المصالح في ~~البلاد العثمانية، حتى المخلصين المتفانين في حبها القاطرة قلوبهم دما على كل ذرة حق تسلب ~~منها، لم يكن منهم حتى ولا واحد يدعو لدولته بالفوز خوفا من أن تتذرع بذلك إلى إلغاء مكاتب ~~البريد الأجنبية. أفليس ذلك من غرائب الوطنية، وإن عد في غير زمن الاستبداد خيانة ~~فادحة؟ # كان العثمانيون جميعا يعلمون أن مكاتب البرد الأجنبية منتشرة في ثغور البلاد من ~~الأستانة على البوسفور إلى الدردنيل في مرمرا، إلى ثغور البحر المتوسط كأزمير وسلانيك، حتى ~~بيروت ويافا إلى البحر الأحمر، فخليج فارس حتى البصرة. وبعضها في قلب البلاد البعيدة عن ~~الثغور كبغداد والقدس، وأن بعض هذه البرد يخترق الصحراء من بغداد إلى الشام. يعلمون كل ذلك ~~وينظرون مرارا إلى ثائر الخلاف بين دولتهم والدول الأخرى بشأن رقابة تلك المكاتب، وهم ~~يدعون للدول الأجنبية بالفوز من صميم أفئدتهم مع علمهم أنها حقوق يسلبونها. ولم ذلك؟ لأنهم ~~كانوا يعلمون أنه بزوال تلك المكاتب من بلادهم تزول آخر بقية من حرية المكاتبة؛ فيتعطل ما ~~لم يتعطل بعد من مصالحهم. # ولا يسعنا هنا إلا الإقرار أن لتلك المكاتب فضلا عظيما يحفظ علاقة الأحرار بعضهم مع بعض ~~وترويج كثير من الأعمال التجارية والسياسية. # ولقد عرفنا كثيرين من رجال الحكومة الذين كانوا يعملون في الظاهر على إلغاء تلك المكاتب، ~~وهم في الباطن يؤيدون مطالب الأجانب خوفا على مراسلاتهم وتفاديا مما ربما ينال علاقاتهم ~~السرية من الضرر. # وهكذا فقد كان لهذه البرد مؤيد من المخلص والخائن على حد سوى؛ أما المخلص فلما تقدم من ~~الأسباب، وأما الخائن؛ فلأنها كانت الوسيلة الوحيدة لإيداع مصارف أوروبا وأميركا الملايين ~~الصفر المقطرة من دماء الأهالي. # ولقد كان رجال «المابين» مع ms026 تأييدهم الأجانب سرا بما خص مكاتب البريد يدأبون سرا ~~أيضا على استمالة بعض عمال تلك المكاتب وإغرائهم بالمال؛ ليدفعوا إليهم بعض رسائل الأحرار. ~~وإننا لا نزال نذكر الصيحة الشديدة التي صاحتها إحدى الدول بوجه عمال بريدها سنة 1894، ثم ~~طردها أربعة منهم دفعة واحدة، ثم إصدار أمرها بأن لا يستخدم مكانهم أحد من العثمانيين، ~~وذلك على إثر اكتشافها تواطؤ أولئك مع رجال «المابين» على دفع رسائل بعض الأحرار إليهم لقاء ~~جعل معلوم عن كل رسالة، وإن أردتم مثالا أجلى فاسألوا أبا الضيا توفيق أفندي عما جرى له ~~من مثل ذلك؛ إذ دعي إلى «المابين» في السنة المذكورة، وضيق عليه واستنطق من أجل مراسلة ~~علمية وأدبية محضة جرت بينه وبين سيدة فرنسوية من ذوات الأقلام. ولا أزال أذكر عبارة له ~~وقد اشتد به القنوط؛ إذ همس بأذني قائلا: وددت لو أني مت قبل أن أرى هذا الانحطاط الذي آل ~~إليه أمر هذه الدولة، فالحر مضطر فيها أن يكون قاتلا أو مقتولا، ولقد اشتدت عليه ~~المراقبة من ذلك الحين حتى انتهى أمره كفؤاد باشا بالإهانة والنفي. # ولو كان كل بحث يجلو كل حقيقة لاتضح الآن أنه كان لكل رجل من رجال «المابين» وأكثر رجال ~~الدولة، حتى الوزراء؛ عمال من الأجانب ترد إليهم المراسلات وترسل التحاويل بواسطتهم في ~~البرد الأجنبية، فتأتي الرسالة مثلا من بلجيكا بالبريد الفرنسي باسم الموسيو أدمون على ~~الظرف الخارجي، ومن ضمنه ظرف آخر باسم محمد باشا؛ فيستلم الوكيل الكتاب ويسلمه لصاحبه يدا ~~بيد. وعلى هذا النمط كانت المخابرة تجري بين مختلفي البلاد وعملائهم، وكذلك بين دعاة الحرية ~~في أطراف البلاد الأجنبية. # ولقد كان أمر المراقبة شائعا بين الناس، حتى كان الصديق إذا بعث برسالة سلام وتودد ~~إلى صديقه يحسب أن عينا أثيمة تنظر إلى كتبه وتحلله وتشرحه قبل أن يقع تحت نظر ~~صاحبه، فيودع كتابه من العبارات ما يدرأ شر الوشاة وشبهات المتعنتين. ولو توالت هذه ~~المراقبة لأنتجت فوق مضارها المعروفة لدى كل الناس اختلالا في إنشاء الكتاب وأجرت على ms027 ~~أقلامهم عبارات الرياء والمداهنة؛ لأن الرسائل التي كان يخشى أصحابها فض ختمها قبل تسليمها ~~إلى أصحابها كانت تستهل وتختم بالأدعية والثناء على رجال «المابين» وعملهم، وكل من الكاتب ~~والقارئ يخط ويقرأ كذبا وتدليسا. # وكانت لهم مهارة مذكورة بفتح التحارير وفض الأختام ولو كانت بالشمع، حتى يخيل لك أنهم ~~لو استفادوا من البخار والكهرباء وسائر مخترعات العصر ما استفادوه من الإحاطة بجميع وسائل ~~فض الأختام؛ لرقوا بالبلاد درجات. وكانوا بعد فض الرسائل التي يختارونها يحكمون ختمها، ~~وإذا خلت من شبهة دفعت إلى صاحبها وأكثرها غير باد عليه أثر التلاعب، ولم تكن تلك المراقبة ~~خلوا من كل فائدة، وإليك مثالا على سبيل التفكهة: بعث إلي صديق من بغداد كتابا، ونسي أن ~~يضيف اللقب إلى الاسم على الظرف؛ فلم يكن عليه إلا اسم سليمان، وفي الأستانة ألوف سليمانات، ~~ومع ذلك فالكتاب وصلني لوجود الاسم واللقب معا داخل الكتاب؛ فشكرتها لهم منة عظيمة لما كنت ~~أتوقعه بذاهب الصبر من أخبار صاحبي. # ولم يكن ممكنا بوجه من الوجوه أن تحيط المراقبة علما بكل المراسلات المتداولة في ~~البلاد؛ لأن ذلك يستلزم إرصاد ألوف العمال وبذل ملايين النقود؛ ولهذا كانوا يقتصرون على ~~فتح رسائل الذين يوجسون خوفا من مرور نسمات الحرية على أدمغتهم، والذين يودون الغدر بهم ~~على هذا الأسلوب الدنيء. وكم من مرة علمنا أن فلانا سجن وكبل بالحديد لورود رسالة إليه ~~تشير إلى مؤامرة أو مكيدة أو إلى انخراطه بسلك تركيا الفتاة، ولم يكن له سابق علم بتلك ~~الرسالة ولا علاقة له مع صاحبها ولا خطر على باله شيء من محتوياتها، وإنما هو شرك ألقاه ~~له أبناء الشر بإيعاز أو بغير إيعاز، فسطروا تلك النميقة على هواهم، ثم أتبعوها بتلغراف ~~إلى صاحب الشأن ينبئونه أن صاحبهم سيئ النية خبيث الطوية، يثبت ذلك ما بينه وبين أعداء ~~الدولة من التضافر على إثارة الفتن؛ فتضبط الرسائل الذاهبة إليه وتفتح ويحكم بثبوت تلك ~~التهمة الفظيعة بمجرد هذه الوشاية. ومن ذا الذي يجسر أن يشفع بمن سيق مصفدا بالسلاسل ms028 ~~من أجل تهمة هذا شأنها . # ومن نتائج تلك المراقبة أيضا تعطيل المصالح في المدن الكبيرة لامتناع الحكومة عن السماح ~~بإنشاء مكاتب البرد الداخلية، وكم من مرة ضجت الأستانة لهذا التضييق حتى كان المضطر ~~إلى إرسال كتاب من محلة إلى أخرى يعمد إلى استئجار السعاة. بل ربما كنت إذا أردت أن ترسل ~~كتابا من بك أوغلي إلى إستانبول تجشمت من الصعوبة فوق ما تتجشم بإرساله إلى باريز، وصرفت ~~من الأجرة عشرة أضعاف. فلما بلغت تشكيات الأهالي عنان السماء أقيمت مكاتب البريد الداخلي ~~في الأستانة خاصة، وما لبثت أياما حتى صدر الأمر بإلغائها؛ خشية أن تسهل على دعاة الإصلاح ~~حرية التخاطب ثم أعيدت بإلحاح من الأجانب وبعض ذوي النفوذ على أن لا تقبل إلا التذاكر ~~المفتوحة. # فمن يعجب بعد هذا لتدني دخل هذه الإدارة المختلة وذهاب معظمه إلى المكاتب الأجنبية؛ فكأن ~~حكومة «المابين» آلت على نفسها أن تعبث بكل مورد من موارد البلاد بالحجر على الحرية على طرق ~~شتى، وليس من الصعب تصور ما سيكون من ازدياد موارد الثروة باستتباب الأمن والعدل. # ليست إدارة البريد من موارد الثروة العظيمة، ومع هذا فخذ مثلا ضعيفا عن علاقة البريد ~~العثماني بالبريد المصري، فإن مصر - على كونها محسوبة من أجزاء الممالك العثمانية - كانت في ~~نظرها غولا رواعا يمنع مأمورو الدولة من المرور به، بل ربما تحاشوا ذكر اسمه. والرقابة ~~على بريده بلغت أعظم المبالغ، ولهذا كان يضطر أرباب المصالح في الأساكل إلى جعل كل ~~مخاطباتهم بواسطة البرد الأجنبية. وأما في المدن الداخلية كمصر القاهرة، حيث لا مكتب لبريد ~~أجنبي؛ فإن الرسائل تذهب منها رأسا إلى البلاد العثمانية بعد مرورها على الإسكندرية أو ~~بورسعيد. ولهذا كان أصحاب المصالح يتكبدون مشقتين ويصرفون الأجرة ضعفين إذ يبعثون برسائلهم ~~بالبريد المصري إلى إحدى الأساكل، ومن ثم تفض ظروفها وتوضع عليها الطوابع الأجنبية. ولم ~~يكد الدستور يعلن حتى بدا الفرق وظهر الغبن الفاحش؛ فإني أعرف محلا واحدا حصل له من ~~الوفر بعد إعلان الدستور زهاء ثلاث ليرات في الشهر. أما ms029 الذي يربحه البريد العثماني بهذا ~~الإصلاح فليس مما يستهان. # وإن ما قيل في إدارة البريد يصدق معظمه على إدارة التلغراف، وإن كانت مكاتب تلغراف ~~الأجانب غير متشعبة في البلاد العثمانية كمكاتب بردهم، ولكنه حسبنا أن يكون في قلب العاصمة ~~مكتب تلغراف أجنبي، وأن يكون للأجانب مكتب آخر في الفاو الواقعة في منتهى أملاك الدولة على ~~خليج فارس، ولا بد أن نذكر استطرادا وأن نبلغ بعد محل البحث في اختلال إدارة البلاد أن ~~الخسائر متطرفة إلى الدولة من كل أبواب مواردها، ومن جملتها خسارة أجرة الرسائل التلغرافية ~~المتبادلة بين أوروبا والهند فممر طريقها الطبيعي على بغداد وفيه لأصحاب تلك الرسائل ونفس ~~الحكومة الإنكليزية وفر عظيم، ومع هذا فقد أدى اختلال الإدارة إلى تحويل هذا المورد إلى ~~طريق السويس. # | حرية الجمعيات # في أخريات سني السلطان عبد العزيز أيام ألقيت مقاليد الأحكام إلى أمثال مدحت، وشب في ~~الأستانة من خلفاء شناسي أمثال كمال وأكرم وناجي وسعيد ومدحت، هبت في البلاد نسمة نشاط ~~فدفعتها إلى نهضة فكرية تحفزت على إثرها فكادت تثب إلى أوج معارج الفلاح لو لم يقم في وجهها ~~جبار الاستبداد، وامتدت نفحات تلك النسمة الفيحاء إلى المدن، وكادت تبلغ القرى والبوادي لو ~~فسح الله في أجلها، فنهض شبان البلاد على اختلاف نزعاتهم إلى إنشاء المنتديات وتأليف ~~الجمعيات العلمية والأدبية طلبا للإفادة والاستفادة، وكان الجم الغفير من رجال الدولة ~~ينشطون أولئك الشبان ويشدون أزرهم بالقول والفعل. # لا أزال أذكر ذلك اليوم الميمون إذ حدا بنا هذا الحادي، فألفنا جمعية زهرة الآداب في ~~بيروت، وتألفنا عصابة لم يكن فيها أثر لفارق بين مسلم ومسيحي، وسننا قانونا، فجعلنا ~~أول مواده منع التعرض للبحث في الدين والسياسة وفرضنا على جميع الإخوان إلقاء الخطب ~~والمباحث المفيدة، وجمعنا مكتبة على قد ما تيسر لنا فودع الإخوان القهوات، وما لحق بها من ~~محلات اللهو في الفراغ، ثم ما لبث أن عين أسعد مخلص باشا واليا لسوريا بعد أن تولى ~~الصدارة العظمى وكان ساعدنا قد اشتد وربائط الإخاء قد ms030 أحكمت فذهب منا إليه وفد يحمل قانون ~~الجمعية؛ فتلقاه بالبشر فخاطبناه بحرية لم يكن يجسر أحد على مثلها بعد تلك الأيام إلا حين ~~تولى سوريا مدحت باشا، وقلنا: إننا لسنا بحاجة إلى درع يقينا في أيام فخامتكم، ولكن من لنا ~~بضمين لخلفائكم، وعليه فإننا نلتمس التصديق على قانوننا بفرمان شاهاني أو أمر عال. فما كان ~~أشد سروره عند سماع هذا الكلام، ولم يمض على تلك المقابلة أسبوع حتى صدرت الإرادة السنية ~~وهي لا تزال محفوظة لدينا لمن شاء الاطلاع عليها، وإن كانت الجمعية قد تبددت وتلاشت. # أقص هذه القصة على أبناء زمن الاستبداد فيقولون: أفي يقظة أنت أم في منام، ومن ذا الذي ~~يصدق بإباحة الاجتماع حينئذ لشرذمة من الفتيان يخطبون في السر والعلانية؟ أليس ذلك من ~~الأسباب الداعية إلى تقويض أركان الملك؟ تلك إحدى الأماني التي بلغتها الأمة العثمانية ~~منذ خمسة وثلاثين عاما فما ترى كان يرجى أن يكون مبلغها الآن لو ظلت مطلقة في ذلك ~~السبيل؟ # تسلط الوهم على عقول رجال الاستبداد بل أرادوا أن يسلطوه على العقول؛ فقضوا على الجمعيات ~~كما بددوا الجماعات وحرموا كل ما يشف عن تضافر وتعاون؛ أي كل ما ينتج خيرا للبلاد. ~~تأخذهم الرعدة لقلبين متآلفين، فما بالك إذا تعددت القلوب، يسيئون الظن حتى باجتماع أعضاء ~~أسرة كبيرة في بيت واحد، يخافون - والخائن خائف - أن توجه قوة تلك الجموع عليهم وإن قصرت ~~بحثها على حروف الهجاء. أجهلوا أن المؤامرات السياسية إذا قصد بها دفع الظلم يسبل عليها ~~ذيل السر والتكتم؟ وما أغناهم كل ذلك التنكيل بالجمعيات العلنية عن غل أيدي الجمعيات السرية ~~التي ما زالت دائبة على عملها ليل نهار حتى ظفرت بغل أيديهم، ولم يكونوا يقتصرون على فض ~~المجتمعات الرامية إلى تثقيف العقل وترويض الفكر، بل تجاوزوها - خطأ أو عمدا - إلى بعض ما ~~يقصد به إسعاف الفقير وتعليم اليتيم. # ولسنا هنا بمنكرين أنهم أجازوا تأليف الجمعيات الخيرية المحضة؛ حيث لا بحث ولا خطاب، ~~ولكنهم سواء اختلط عليهم الأمر أو لم يختلط، لم ms031 يكونوا يأذنون بارتفاع صوت في تلك ~~المجتمعات؛ فكان لذلك نتيجتان مشئومتان، أولاهما: أنهم بذلك الضغط جروا بالعقول في وجهة ~~التقهقر. والثانية: أنه لم يبق في البلاد إلا الجمعيات الطائفية الخيرية، وأن هذه الجمعيات ~~مع ما فيها من النفع ليس من شأنها أن تسعى في التأليف بين أبناء البلاد، وهو الطامة الكبرى ~~في نظر الحكومة الغابرة. # وكم خلطوا بين النافع والضار حتى في عرفهم. وهذه جمعية المقاصد الخيرية ألفها وجهاء ~~المسلمين في بيروت لإسعاف الفقراء وتربية الأيتام وإنشاء المدارس وما أشبه من المقاصد ~~النبيلة. فقال الوشاة: تلك الجمعية ينم اسمها عن مرمى خفي، ولا حاجة بالجمعيات الخيرية ~~أن يكون لها مقاصد؛ فلا بد من أن تكون تلك المقاصد لأمر آخر. فاقضوا عليها قبل أن تقضي ~~عليكم. تلك كانت فلسفتهم بتعبير الإعلام. وكم كان لهم من مثل هذه الأعمال التافهة في عاصمة ~~السلطنة وسائر المدن. # ولست هنا بمتكلم عن الجمعيات التي كانت على وشك القيام للتأليف بين المسلمين والمسيحيين؛ ~~فإنه قضي عليها وهي في مهدها؛ لأنها تأخرت في النشوء؛ فتقدمت في الاضمحلال. # ولست بباحث أيضا في الجمعيات العلمية المحضة من أمثال المجمع العلمي الذي أنشئ في بيروت ~~منذ خمسين عاما، وكان مؤلفا من نخبة علماء المسلمين والمسيحيين من وطنيين وأجانب؛ فإن ~~جرثومة هذه النهضة لم تكن قد اختمرت الاختمار الكافي لتمكنها من الاستقرار على أس ~~مكين. # ولست بناظر أيضا إلى الخطابة في بلاد يكاد يكون الهمس بالآذان فيها محظورا منذ بددت ~~طوالع الاستعداد لها إلا ما كان يقال في حفلات المدارس، وأكثره في المدارس الأجنبية والكثير ~~منه مشوب بمزيج الحقيقة والرياء، ولكنه لا بد من التنبيه إلى أنه، وإن لم يكن للجمعيات ~~ولا للخطابة شأن مذكور في البلاد في زمن من الأزمان، فإن النفوس قد تشربت مبادئ الاجتماع ~~وعرفت منافع الجمعيات الرامية إلى أغراض حميدة، وليس بالكثير على العثمانيين بعد الآن أن ~~يتخذوها من وسائل الإصلاح - ولا حرج عليهم - فيقيموا المنتديات العلمية والتهذيبية، ~~ويجاروا العالم في سيره الحثيث، ويشيدوا معاهد العلم، ويتعهدوا ms032 الكثير من مجاهل بلادهم ~~التي يسعى الإفرنج من البلاد القاصية للبحث في آثارها وتدوين سابق تاريخها المجيد؛ فتكون ~~منهم اللجان المقيمة والبعثات الضاربة في قلب البلاد وأطرافها للبحث والدرس؛ فإن مجال ~~التنقيب والاكتشاف في البلاد العثمانية أوسع منه في كل بلاد. في السهول والجبال والحواضر ~~والبوادي، وفوق وجه الأرض وفي قلبها. ثم إن القيام إلى الإصلاح الأدبي والتأليف الثابت ~~بين عناصر الأمة لا يتأتى إلا بواسطة هذه الجمعيات العلنية؛ فإن فعلها في العلم ~~والعقل وللفكر فعل الشركات المالية في التجارة والصناعة والزراعة. # وعلى الجملة يقال: إن الحاجة في البلاد العثمانية إلى هذا التكاتف أشد منها في سائر ~~البلاد، وخصوصا إذ تخطينا زمن القول إلى زمن العمل، وهيهات أن يسد الأفراد في الأعمال ~~العامة مسد الجماعات. # | الحرية ورجال الدولة # خرجت باكرا صباح يوم من أيام سنة 1894 للنزهة في مرسيليا؛ فالتقيت بصديق فرنسي معه رفيق ~~عليه لوائح الكآبة، فاستوقفني صديقي ودعاني لتناول القهوة في إحدى قهوات الكانبير، فجلسنا ~~هنيهة ورفيقه صامت مطرق، حتى إذا شرب قهوته سار في سبيله، فقال صديقي: أراك محدقا بصاحبنا ~~كأنك تستطلع طلع أمره وسبب انقباض صدره. قلت: نعم. قال: هذا مأمور إحدى دوائر الحكومة وهو ~~كاثوليكي ورع في تعبده، رب بيت يعول امرأة وأولادا، ليس بذي ثروة ولا مورد رزق له غير ~~راتبه، وقد ألف الذهاب إلى الكنيسة صباح كل يوم، وإن الله قد ابتلاه برئيس أبغض ما عليه ~~العبادة والمتعبدون؛ فأصبح مضطرا إلى تأدية فرضه فجر يومه، فيذهب ويرجع خلسة؛ لئلا يعلم ~~به رئيسه وأقل ما يناله من ضرره سد سبيل الترقي في وجهه. قلت: أيكون هذا عندكم وأنتم في ~~بلاد تفاخر الدنيا بحريتها؟ قال: وجب أن لا يكون ولكنه كان ولو قليلا. # إذا كان هذا مبلغ محاذرة المأمور في بلاد الحرية، فما عسى أن يكون في بلاد ~~الاستبداد؟ # يقول أعداء البلاد: إنها خالية من الرجال الصالحين لتولي الأحكام. ويقول محبوها القانطون ~~عن غير روية: لقد تدنست الأخلاق وساد الفساد وهيهات أن يستقيم المعوج. فقل ms033 للأولين ~~والآخرين: كل ذلك لم يكن ولا كان بعضه. ولكن لكلا الزعمين أسبابا زالت يوم إعلان الدستور ~~وقد، حان لنا أن نقول اليوم قول اللورد سولسبري: إن في البلاد العثمانية رجالا وهم لو ~~أطلقوا رجال عظام. # لا ريب أن استبداد الحكومة الغابرة أزاح من وجهها صفوة خالصة من رجال الذكاء والغيرة ~~والاستعداد، وإذا اضطرت إلى استخدام بعضهم ذرا للرماد في أعين الناس طرحتهم في إحدى زوايا ~~الإهمال لا حول لهم ولا قوة، كما طرحت أكرم وسعيدا في زوايا مجلس الشورى حتى تسنى لها ~~إبعاد سعيد إلى اليمن. فهؤلاء وأمثالهم أسبل ذيل التعسف سترا على ما كان يرجى من نفعهم. ~~أما الآن وقد فتحت لهم الأبواب، فسيكون لهم في المستقبل شأن مذكور ومآثر غراء، وهناك فئة ~~أخرى آثرت الاغتراب والفقر وواصلت الجهاد كرضا وصباح الدين وعبيد الله؛ فبذلت لها الأموال ~~فلم تطمعها، وغررت بأعلى الرتب وأسمى الوظائف فلم تغتر، ولم تزل دائبة في سبيلها حتى قيض ~~الله لها هذا الفوز المبين. ومن هذه الفئة الأخيرة زمرة من خيرة النجباء أخذها العياء؛ ~~فوقفت في منتصف الطريق، وبلغ منها الجزع مبلغ اليأس وخدعت بالأماني والوعود، فسقطت في ~~الأحبولة وعادت إلى الأستانة فحيل بينها وبين أمانيها، وغلت أيديها بحبل من مسد، ~~كلطف الله ومراد. ولسوف تحكم بين جميع هذه الفئات ربط التآخي والتعاضد؛ فيكونون عصبة ~~مجتمعة بعد أن كانوا عصابات متفرقة أقيمت بينها الحواجز والسدود. # هؤلاء جميعا لم يكونوا من رجال الدولة على ما يفهمه أرباب السياسة، فلنغادرهم وشأنهم إلى ~~حين، ونقصر البحث على أولئك الذين تولوا الأحكام، وأسندت إليهم المناصب للعهد ~~المنصرم. # ترى الجم الغفير من الناس ينحون باللائمة على جميع رجال الحكومة بلا استثناء، وهو خطأ ~~فاحش؛ فإذا استقريت الأحول وتتبعت مجاري السياسة الداخلية تبين لك أن التبعة كل التبعة في ~~هذا البلاء لا تتجاوز النزر اليسير منهم. # انظر أولا إلى الجيوش التي كانت ملتفة حولهم من جند الجواسيس، ولا تظنن أنها كانت ~~أخف وطأة عليهم منها على سائر الناس. بل إذا ms034 أمعنت النظر رأيت الحقيقة بخلاف الظاهر ، وكلما ~~صعد الواحد منهم في سلم الارتقاء زادت الرقابة عليه، ولا يسثنى من ذلك صدر أعظم ووزير خطير، ~~ولا ترعى حرمة شيخ إسلام وعالم كبير، بل كان صغار المأمورين أخف ضيما وأنعم بالا إذ كان ~~يتاح لهم أن يزوروا ويزاروا ويختلفوا إلى المجالس. # وأما أولئك فكانوا سجينين في بيوتهم، توجس منهم الخيفة إذا تجاوزوا الأبواب، وعليهم ~~العيون مبثوثة في المنازل والطرق، لا يعلمون أهم واقفون لهم في الطريق، أم قاعدون بين ~~جلسائهم وندمائهم في بيوتهم، أم جاثمون بين خدمهم في غرف نومهم ومطابخهم. لا يجسر الوزير ~~أن يزور وزيرا ولو كان حبيبا له قبل الوزارة. يمعن الفكرة طويلا قبل أن يفوه بكلمة؛ خوف ~~أن تؤول أو تنقل. تأخذه الهواجس فلا يعلم مصيره مساء يومه، لا يعلم أيخرج عن منصة ~~الأحكام إلى بيته فيلفي الجواسيس قد برزت من خفائها تحمل أوامر تفتيش غرف المكاتب والملابس ~~والمطابخ والشرفات، أو الجنود قد حملت أمر سوقه إلى «المابين» ليستنطق ويهان أو صدرت ~~الإرادة السنية بإيقافه إلى أجل غير مسمى. ولهذا كنت ترى معظم هؤلاء الأمراء الأرقاء ~~على تحفز واستعداد حتى إذا خشوا الغدر بهم، تناولوا حقيبتهم المعدة لمثل هذا اليوم، ~~وطلبوا ملجأ يتقون به شر السعايات. ولا يزال خبر التجاء سعيد باشا الصدر السابق إلى ~~السفارة الإنكليزية يرن في الآذان. # ثم إذا ألفت إلى زعماء الخفية أنفسهم رأيتهم تحت رقابة خفية أخرى يقال في وصفها ~~مثل ما تقدم، وعلى هذه رقابة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية له، حتى تصل من أكبر كبير إلى ~~أصغر صغير متسلسلة من ولي عهد السلطنة إلى أبناء الأسرة المالكة، إلى الوزراء والعلماء، ~~إلى المشيرين والضباط، إلى الولاة المتصرفين، حتى مرتبي الحروف في المطابع وموزعي ~~رسائل البريد والتلغراف. # ذلك كان نظام الخفية، ذلك الوباء المنتشر في البلاد انتشار الجراد، حشرات آخذ بعضها ~~بأذناب بعض، ولكم التفت تلك الأذناب على الرقاب فخنقت نفسها! وكم من جاسوس كبير قضي عليه ~~بوشاية من جاسوس صغير! ولو ms035 كان العدل بالمساواة في شكل واحد من أشكال الحكم؛ لكانت الحكومة ~~الغابرة أعدل الحكومات إذا لم تكن الخفية تضرب كشحا عن أحد ظالما كان أو مظلوما. # فإذا علمت ذلك وعرفت أن كل الحول والطول أصبح في يد دعاة الاستبداد، وأن الباب العالي ~~بات أثرا تاريخيا يشير إلى أنه كان مصدر الأحكام في سالف الزمان، وأن الوزراء جميعا ~~أصبحوا آلة صماء في أيدي رجال «المابين» لا يحلون ولا يربطون ما لم يتلقوا الأوامر، ~~وإذ أحرجهم العسف فهزتهم الأريحية فقاموا بوجه تلك الأوامر؛ نبذوا في الحال كما جرى مرارا ~~لسعيد وكامل الصدرين. وإذا علمت أيضا أن سلطتهم أزيلت حتى عن نفس مستشاريهم وكتابهم؛ ~~فقل لي - بحقك - من ذا الذي يعجب لتثبط هممهم وتعذر الإصلاح عليهم. # فكل تبعة هذا الجمود وتلك المظالم إنما يجب أن تلقى على عواتق أولئك المقربين الذين ~~قبضوا على أزمة الأحكام وتصرفوا بحقوق العباد تصرف المالك بملكه. # وما عسى أن نقول في انتخاب المأمورين وتعيين ذوي اللياقة منهم، وليس لصدر محنك أو وزير ~~مدرب أو وال أمين أن يأمن على بقاء مستشاره في خدمته من الصباح إلى المساء. وبينا ترى ~~المأمور الذي قضى حياته في منصبه يجهد نفسه في الخدمة إذا به قد أقيل من منصبه؛ لأنه راق ~~صنيعة فلان أو فلان أن يحل محله فيه. بل ربما أرغم رئيس مجلس أو دائرة كبيرة على أن يحل ~~بين الأعضاء عضوا جديدا لا محل له ولا مزية تحليه إلا أنه من صنائع المقربين. يؤمر بقبوله ~~أمرا ولا يستشار، ودونك رؤساء شورى وأمانة العاصمة ومجلس تفتيش المعارف، فاسألهم ينبئونك ~~بغرائب الحال. # ثم إذا انثنينا إلى الإصلاح المفروض على رجال الدولة قياما بواجب تلك المهام، يجب أن ~~نعلم - قبل كل شيء - أن كلمة «الإصلاح» نفسها كانت من الحروف المقضي عليها بالإلغاء، إذا ~~نطق بها ناطق اتهم في أنه من دعاة الثورة. ومن ذا الذي كان يجسر أن يقول جهرا إن ~~البلاد في حاجة إلى الإصلاح، أو من ذا الذي كان يجسر أن ms036 يقرن اسمه إلى عمل مفيد في البلاد ~~حتى ولو كان من رجال «المابين» إلا في أحوال شاذة. # وإذا أردت أن تعلم مبلغ العذر الذي نلتمسه لبعض رجال الدولة على تقاعدهم في زمن العسف عن ~~طلب النافع المفيد والسير في طريق الإصلاح فإننا نضرب لك مثلا رجلا تفاخر به رجال الأمم ~~وقد تدرج في مرقاة المناصب حتى تولى الصدارة العظمى، ألا وهو: مدحت باشا. # رأينا مدحت واليا قبل طرد الحرية من البلاد، ورأيناه واليا بعد ذلك؛ فانظر الآن إلى ~~شأنه في الولايتين، تولى بغداد قبل عهد الاستبداد سنة 1285 /1870، وكانت الإدارة مختلة ~~والقبائل ثائرة والمالية ناضبة، وليس في البلاد شيء من معاهد العلم والصناعة، فوجه نظره إلى ~~توطيد دعائم الأمن؛ فسار بنفسه للضرب على أيدي رؤساء العشائر الهندية والدغارة، فأخذ من أخذ ~~بالقوة، وسكن روع من بقي باللين والمجاملة، وسير البعوث إلى قبائل المنتفق والأحساء ~~والقطيف، فدوخ العصاة وأمن الطائعين. ولما استقر له الأمر وساد الأمن انثنى إلى الشؤون ~~الداخلية، فأصلح إدارة الحكومة ونظم المحاكم، وأوجب أن لا يكون أحد من عمال الحكومة من ~~صنائع الوجهاء. # وشاع خبر نزاهته وتجرده، فهابه المرتشون وأقفلت الأبواب في وجوههم، واتخذ ما أمكن من ~~الوسائل لدفع الرواتب في أوقاتها ورغب في زيادة رواتب صغار المأمورين؛ فلم يتسن له ~~ذلك. وله كلمة مأثورة قالها إذ ذاك: «سوف يأتي زمن يتيسر للدولة فيه أن تعادل بين العمل ~~والأجرة، أما الآن - والإجحاف ظاهر - فكأننا نحن أنفسنا نأذن بالرشوة لذوي الرواتب ~~الزهيدة، بل نأمرهم بذلك أمرا»، وضرب على أيدي الحكام الظالمين وفتح أبوابه للمتظلمين، ~~فهابه الحاكم واطمأن المحكوم، ونظر في الطرق المتخذة لجباية الأموال فعرف الداء وعاجله ~~بالدواء، فأمن الفلاح ظلم ملتزم الأعشار، واطمأنت عشائر البدو من الزراع فعادت إلى ~~زراعتها. # وإن له فوق ذلك من الآثار في تلك الولاية القاصية في أطراف البلاد ما جعل بغداد تفاخر ~~سائر الولايات حتى ما جاور منها عاصمة الملك. فهو الذي أنشأ أول مطبعة في بغداد وأصدر ~~فيها جريدة دعاها الزوراء. وهو ms037 الذي أصلح إدارة عمان البحرية التي أخذت تسير البواخر ~~بين بغداد والبصرة ومنها إلى اليمن والحجاز. # وهو الذي أنشأ معمل الحديد الكبير وألحقه بتلك الإدارة، وهو الذي أنشأ مكتب الصنائع ~~وبث في البلاد روح التضافر على تأليف الشركات فألف شركة من أهالي بغداد، فأنشأت طريق ~~الترامواي بين بغداد والكاظم، وهي أول شركة ترامواي في الولايات العثمانية - على ما نعلم - ~~وكانت له عناية خاصة بإصلاح الطرق وتسهيل سبل الاتصال. وهو الذي قرب المسافة بين بغداد ~~والبصرة بضع ساعات؛ إذ خرق سبيلا لدجلة فحوله عن مجراه في محل يلتف فيه المجرى ويدور ~~مسافة طويلة، ثم يرجع إلى قرب المجرى الأول. ولا يزال ذلك المحل يعرف ب «القصة» أو «قصة ~~مدحت»، وله من هذا القبيل أعمال باهرة؛ إذ استقدم مهرة المهندسين وبثهم في الولاية؛ ~~فدرسوا حالة البلاد الزراعية ووضعوا مشروعات الري الخطيرة. ولكن مدته لم تطل فغادر بغداد ~~ولم ينفذ منها إلا القليل؛ فأضحت بعده أثرا بعد عين. # وشرع في توسيع طرق بغداد، وعند قدوم شاه العجم إلى بغداد أعد له قصرا فخيما أنشأ ~~إزاءه حديقة غناء. فلما غادر الشاه بغداد جعل تلك الحديقة متنزها عاما دعاه «ملت باغجه ~~سي» أو بستان الأمة، وكان يختلف إليه كأحد الناس؛ يجامل الأهالي ويحادثهم كأنه واحد ~~منهم. # وأطلق من الحرية لمأموريه بقدر ما ألقى عليهم من التبعة وأوجب عليهم عدم المحاذرة من ~~شيء إذا كانوا على ثقة من عملهم، حتى لقد كان يوبخ المأمور الذي يأنس منه تزلفا إليه ~~بقول أو بفعل. وكان لا يدخر وسعا في إلقاء بذور الحرية ليألف الناس العمل بها والنطق بها، ~~مهما كانت الحال إذا كانوا في جانب الحق. # دخل يوما قاعة مجلس الإدارة - والأعضاء مجتمعون - فقال: أرى الحاجة ماسة بنا إلى استئذان ~~الباب العالي في زيادة الضرائب، فما رأيكم؟ قالوا جميعا: هذا هو الرأي وتلك هي الحكمة. ~~قال: فلنكتب إذا محضرا ونرسله في الحال. فكتبه للكاتب، وبعد أن مهروه بأختامهم، قدم ~~إليه فمهره، وقال: بارك الله فيكم وغادر المجلس. ثم ms038 رجع إليهم ثاني يوم وقال: فكرت في أمر ~~زيادة الضرائب فتراءى لي أنها ظلم لا يجوز أن تثقل ذممنا به، ولكن سبق السيف العزل، ~~فقد بعثت بمضبطة أمس إلى الباب العالي، فرأيي إذا رأيتموه صوابا أن نلحقها بأخرى نوضح ~~فيها أننا تسرعنا بإرسالها، ونأتي على الأسباب الموجبة لنقضها، فما قولكم؟ قالوا جميعا: ~~هذا هو الرأي، وتلك هي الحكمة. فأمر الكاتب فكتبها، وبعد أن وقعوا جميعا دفعها إليه. ~~فأخرج المحضر الأول من جيبه وأمسك هذا بيد وذاك بيد، وقال: هذا هو الرأي وتلك هي الحكمة ~~وأنا صاحبهما أمس واليوم، وسأظل كذلك غدا وبعد غد، فما شأنكم إذا وهذا المجلس. ثم ألقى ~~عليهم عظة مختصرة، أوضح لهم في خلالها معاني الحرية ومراميها، وأوجب عليهم أن لا يخشوا ~~مخالفته إذا رأوه على غير هدى. # وكان يلتهب غيرة على الشروع حالا في كل عمل يتضح له نفعه، والمجال فسيح في تلك الولاية ~~وسائر الولايات، ولكن المال رب الأعمال غير متوفر لديه، ومالية الدولة في عجز ظاهر؛ فلا ~~يسعها أن تمده بشيء. ومع هذا فبعد أن احتال على إرصاد المال اللازم لما تقدم من الأعمال ~~بحيل شتى - لا محل لإيرادها - بدا له أن يظل سائرا في سبيله، وكانت الموارد قد نضبت، فكتب ~~إلى الباب العالي تقريرا مفصلا وضع فيه مشروعا لإصلاح إدارة الجمارك وجباية الأعشار. ~~وقال في آخره إن البلاد ما زالت في حاجة إلى كثير من الإصلاح وعدد من أنواعه ما شاء، ~~وأوضح الفائدة منها للدولة والرعية. وقال في الختام: لئن أذنتم لي بالشروع في هذه ~~الإصلاحات، فإني متعهد أن لا أثقل كاهل الخزينة بعد بغرش واحد، بل أجعل جميع النفقات ~~المقبلة من الزيادة التي تحصل في الدخل. فأجابوه شاكرين على الزيادة، ولكنهم أمروه بإرسالها ~~إلى الأستانة. # وليس هنا محل البحث في ما آل إليه أمر جميع تلك الأعمال الخطيرة التي قام بها ذلك ~~المقدام، مما باد واضمحل أو رجع القهقرى ولو جرى الولاة خلفاؤه على أثره منذ نحو أربعين ~~عاما لأصبحت بغداد الآن ms039 كما يقول أهلها سيدة البلاد. # تلك وأشباهها أعمال مدحت باشا بولاية بغداد وكل حكمه فيها نحو ثلاث سنوات ~~ونصف. # فانظر الآن معي إلى أيام ولايته في سوريا وبعدها في أزمير في عصر الظلم ~~والاستبداد. # تولى مدحت سوريا سنة 1878، وكان لا يزال هو إياه مصلحا كبيرا ووزيرا خبيرا، بل كان ~~زاد حنكة وعلما بما ولي من المناصب في تلك الفترة، وحسبك منها الصدارة العظمى. أتى سوريا ~~وكله همة وذكاء، فهم بأمور كثيرة لم يكد يتسنى له إنفاذ شيء يذكر في تاريخ هذه ~~البلاد، كما يذكر في تاريخ بغداد، وأما في أزمير فلا يحفظ له التاريخ إلا تلك المكيدة ~~الدهماء التي نصبت له فأخذ بها وقبض عليه وسيق إلى الأستانة ثم إلى الطائف حيث قضى ~~شهيدا. # فلا ريب إذا أن ما أتاح لمدحت في الولاية الأولى ما لم يتحه له في الولايتين ~~التاليتين إنما كان إطلاق يده في الأولى وغلها بأصفاد الجواسيس والأوامر السرية بعد ~~ذلك. # وإذا قلت: إن مدحت كان رجلا فردا، فلا يقاس عليه فانظر إلى سائر الولاة تر بينهم من ~~لا يكاد يقل عنه شأنا. ودونك مثلا: راشد باشا الذي تولى سوريا في نفس تلك الأثناء، ثم ~~تقدم على مدحت في الشهادة؛ فكان من جملة المقتولين بيد جركس، وهم مجتمعون في بيت مدحت في ~~الأستانة بعد ذلك التاريخ بأعوام. # تولى راشد باشا سوريا وهي في حالة تماثل حالة بغداد يوم تولاها مدحت، فمشى مرارا في ~~طليعة الجنود المسيرة لتدويخ عصاة النصيرية في جبالهم، والحوارنة في معاقلهم، ولم يشغله ~~ذلك عن النظر في شئون الولاية الداخلية، فمهد سبل التعليم. وفي زمنه أنشئت المدارس ~~الكثيرة وظهرت في سوريا أول المجلات العربية، ونشط أصحاب الأقلام، فأنشئوا صحف الأخبار، ~~ووسع لهم نطاق الحرية في التحرير، وكافأ المؤلفين بمال بعضه من عنده وبعضه مما كان يرد من ~~الأستانة بناء على إشارة منه. وكانت في زمنه نهضة للعلم والأدب لا يزال كهول السوريين ~~يتغنون بها، فما بال خلفائه - ومدحت منهم - تعذر عليهم أن ينهجوا ذلك ms040 النهج ~~القويم؟ # فلا يمرن بخاطرك بعد ما تقدم أن رجال الدولة في الحكومة الغابرة لم يكن فيهم من ينزع ~~هذا المنزع؛ فالنفوس باقية على رغائبها ولكن العقبات أرصدت في وجوههم فردتهم على ~~أعقابهم، وما كانوا بمرتدين إلا ليعاودوا الكرة بأيد مطلقات. # وإن شئت زيادة إيضاح فدونك أمثلة غير مأخوذة عن تواتر، بل هي منقولة عن مذكرات مشاهدات ~~ومدخرة لمثل هذا اليوم: كلنا يعلم ما لمنيف باشا ناظر المعارف الأسبق من جلالة القدر، ~~وما له من المكانة بين رجال العلم والأيادي البيضاء في خدمة الدولة، وكل ذلك لم يغنه عن ~~نكبة نكبها لوشاية واش استخرج من كتاباته كلمات أولها على هوى بعض المقريبن؛ فعزل من ~~نظارته وأمر بالإقامة في منزله زمنا إلى أن ظهرت براءته ظهور الشمس؛ فأعيد ناظرا ~~للمعارف. وقد كان ساقني الحظ للاتصال به اتصالا مكينا، فأطلعته يوما على كراريس من كتاب ~~خطي فقال بعد أن نظر فيها طويلا: هذا كتاب جزيل النفع، ولكن واأسفاه لو أتيتني به إلى ~~المقام الرسمي في النظارة لما وسعني إلا أن أردك خائبا؛ إذ ليس في مجلس التفتيش ~~والمعاينة من يجسر أن يرفع إلي تقريرا بجواز طبعه. واستطرد باسما: والسبب في ذلك أنه ~~مفيد. ثم استرسل في الكلام إلا ما ألفنا سماعه منه من وصف اختلال الأحكام وهو يردد الحسرات ~~متتابعة الواحدة تلو الأخرى. # قصدت الأستانة سنة 1886، وسعيد باشا إذا ذاك صدر أعظم وكامل باشا - الصدر الحالي - ~~ناظر الأوقاف. وكان لأسرتنا سابق اتصال به منذ كان متصرفا لبيروت. فقصدته ثاني يوم ~~وصولي فرحب بي وأشار إلي بمواصلة التردد عليه مدة إقامتي في الأستانة، واستبقاني لتناول ~~الطعام على مائدته حتى إذا جلست للغداء سألني عن سبب قدومي الأستانة، وعما إذا كان لي حاجة ~~تستوجب إسعافه إياي بقضائها؟ قلت: نعم، منذ سنتين شرع ابن عمي سليم البستاني في نقل دائرة ~~المعارف إلى اللغة التركية، وألف لذلك لجنة من خيرة كتاب التركية برئاسة خلقي أفندي ~~رئيس المكتب السلطاني فأنجزت منها نحو مجلدين وتوفاه الله قبل أن ms041 يباشر الطبع. # فرأيت أنا وإخوته أن نتم العمل، ونستأذن نظارة المعارف بالطبع. فقال: أرني مثالا مما ~~كتب، فأبدي لك رأيي. فرجعت في الغد ومعي مثال في زهاء مائة صفحة كنت أعددته لنظارة المعارف ~~فاستبقاه عنده ريثما تصفحه ثم قال لي - وهو ملم بالعربية: ليست دائرة المعارف بأفصح ~~عبارة وأحكم لحمة وأجزل فائدة من هذا النقل التركي. فلا تتباطأ عن طلب الرخصة، ولك مني كل ~~الموازرة، وهذا ابني صبحي بك صديقك من أعضاء مجلس التفتيش والمعاينة يعضدك بكل قواه. فقدمت ~~الطلب إلى الناظر الذي أقيم خلفا لمنيف باشا أيام نكبته سنة 1886، وما زلت أتردد ثلاثة ~~أشهر على نظارة المعارف، ولم تغنني معاونة المغفور له صبحي بك بكل قواه ولا انضمام بعض ~~رفاقه إليه كالسلاوي، ولا موازرة كبار الكتاب كسعيد بك منفي اليمن وأبي الضيا توفيق بك منفي ~~قونية الحيين، خلا من توفي منهم كجودت باشا وصبحي باشا، فإن الناظر لبث أذنا ~~صماء. # ولما نفدت الوسائل قال لي كامل باشا: لئن ذهبت إلى الصدر الأعظم، فإنك - بلا ريب - تظفر ~~بأربك. فكتبت عريضة وذهبت إليه، فما كان أشد عجبي إذ قال لي: حالا قرأت في الجرائد شيئا ~~وسرني جدا إقدامكم على هذا العمل الخطير ولو خطر لي أنك لقيت هذه المماطلة لأغنيتك من ~~تلقاء نفسي عن هذا العناء؛ فكلنا يطلب المفيد وكلنا في هذه الأمة واحد؛ فاذهب الآن ~~مطمئنا، وعد إلي بعد ثلاثة أيام. وفي اليوم التالي كانت الرخصة بيدي، فعدت إليه في الأجل ~~المضروب الذي ضربه لي، ولكن للتشكر وليس للتشكي. # غير أن المراقبة التي أخذت تشتد من ذلك الحين، وأسبابا أخرى حالت دول القيام بالعمل، ~~ولا شك أن جهابذة كتاب الترك - وقد انطلقت أيديهم الآن - سيبرزون أمثاله على أتقن ~~منوال. # تلك كانت غيرة بعض رجال الدولة على المعارف، ولم يكن دون ذلك تفانيهم في نشر ~~لواء الحرية وإصلاح كل مختل في الإدارة والقضاء والمالية، وكل مواردها. # مضت علي ثلاثة أشهر في الأستانة كنت أجتمع أكثر أيامها بسعيد بك منفي اليمن، وأنا ms042 ~~شغف ببلاغة كتابته في اللغة التركية، فألتقط من فوائدها ما تسعه الذاكرة، ومن مزاياه أنه ~~ضليع بالفرنسية والألمانية وواسع الاطلاع بالتاريخ، متقد الذهن، ذو تجرد غريب، ~~وهو - مع تحليه بتلك الصفات - رئيس دائرة في مجلس شورى الدولة. # فقلت له يوما - وهو يكثر الشكوى من اختلال الأحكام: لئن كنت أنت وأمثالك من ذوي العلى ~~والشهرة والنفوذ تجزعون لهذه الحال، فما تقول عامة الناس؟! قال: نحن أولى منهم بالرأفة؛ ~~لأننا نرى ولا جراءة لنا على السعي، ومن سعى منا جوزي جزاء الخائنين، فالنار تلتهم أفئدتنا ~~ولا طاقة لنا على إخمادها. قال ذلك كأنه يتنبأ بما سيناله يوما من البلاء في خدمة الحرية ~~والإصلاح. # وهذا حقي بك ناظر المعارف الحالي - وأنعم بهذا الناظر الجديد لهذه النظارة الجليلة - ~~عين سنة 1893 قوميسيرا لمعرض شيكاغو، وكنت ذاهبا إليها لتولي إدارة القسم العثماني ~~فيها. قال لي يوما قبل أن نبرح الأستانة: بلغني من ثريا باشا - وهو يومئذ باشكاتب ~~«المابين» - أنك طلبت رخصة بإصدار مجلة تركية تصدر في شيكاغو أثناء المعرض، وتستجمع وصف ~~معروضاته وجميع نتاج العلم والصناعة والاختراع فيه. قلت: نعم، ولكنني صرفت النظر لما يلوح ~~لي من شدة العناء في هذا العمل الشاق في تلك البلاد النائية، وكثرة ما يقتضي النفقات، وأشد ~~من ذلك علي ما أعلمه من تعنت المراقبة، فهي وإن كانت لا سلطة لها علي في أمركما فلربما ~~أوردت كلمة على غير قصد مما حذف من معجم الكتابة، فالمناقشة بعد رجوعي إلى الأستانة. قال: ~~أنا الضمين لك من هذا القبيل، وإن شئت فأطلعني هناك على الملازم قبل الطبع. وهذا عمل مفيد ~~للبلاد، فلا يجب أن يثبطك شيء عنه، وخصوصا أن فيه سمعة طيبة للعثمانيين في بلاد الأجانب، ~~وأمل وطيد أن «المابين» والحكومة يأخذان من أعداد الجريدة ما يسد النفقات. ولم يزل بي حتى ~~أقنعني، قلت: إذا لا بد لي من الإرادة السنية. قال: لم تسبق عادة بإصدار الإرادات السنية ~~لما يطبع خارج البلاد. قلت: لا بد لي من ذلك ليطمئن قلبي، وإلا فلست ms043 بفاعل. فبعد أيام ~~بلغني الإرادة السنية، وهي لا تزال بيدي. # وفي تلك الأثناء قصدت أحد النظار العاملين زائرا، فقال لي أثناء الحديث: أصحيح أنك ~~عازم على إصدار مجلة تركية في أميركا؟ قلت: نعم. قال: أتحررها أنت مع كثرة مشاغلك. قلت: بل ~~لا بد لي من الاعتماد على محرر ماهر. قال: ألا تعرف عبيد الله أفندي؟ قلت: أعرفه بشهرته. ~~قال: هو من أبلغ كتابنا وله رغبة في مثل ما أنت راغب فيه، فاتفق معه، ولكن الرجل من ~~دعاة الحرية والإصلاح، والجواسيس أمامه ومن خلفه؛ فلا يتمكن من الذهاب معك، ولكنه يتيسر له ~~اللحاق بك خلسة. وبعد ذلك جهز لي صديقي أبو الضبا توفيق الحروف التركية وسائر المعدات ~~وأعطاني مرتبا بارعا من عنده يدعى محمد أفندي. # وبعد وصوله شيكاغو وافاني عبيد الله أفندي؛ فحرر المجلة كل مدة المعرض وأودعناها وصف ~~المعرض ومخترعات العصر بالرسوم المتقنة؛ فكانت أول وآخر ما صدر بأميركا من المطبوعات ~~التركية. ولكن رجال «المابين» نبذوها بالقسر عن موازرة حقي بك، والسبب في ذلك أنني لم أصغ ~~إلى نصيحة ناصح قال لي: إذا رغبت في الربح فاجعل ثلاثة أرباع صحيفتك إطراء ب «المابين» فلم ~~أفعل، فعدت بخسارة جسيمة. وبعد عودتنا إلى الأستانة طلب مني جواد باشا الصدر الأعظم نسخا ~~منها، فأرسلتها له وعنونت واحدة منها عنوانا خاصا وكتبت على صدرها: # هذه صحيفتي التي سودتها # بدم الفؤاد وقد شططت مزارا # أعظمت قدر كلمبس فتبعته # بمشقة فيها شققت بحارا # ولقيت ما لاقاه من أهل النهى # فكفى بذا أهل النهى تذكارا # أما عبيد الله أفندي فبقي مدة في أميركا، وكان يعلم قبل سفري أنني ربما أسأل عنه وأوخذ ~~بتهمته. فقال لي: لئن ذهبت معك إلى الأستانة، فإما أن أقتل وإما أن أسجن سجنا يشبه ~~القتل، فأنا باق الآن هنا إلى أن يفتح الله، ولكني أوثر الموت على إصابتك بأذى، فإذا ~~وقعت في مثل هذا المأزق، فبتلغراف واحد منك أطير إليهم ليفعلوا بي ما شاءوا. قلت: معاذ الله ~~أن ألقي بك بين مخالب الموت ms044 مهما كانت الحال. فلما بلغت لندن وأنا راجع من أميركا ذهبت إلى ~~السفارة العثمانية، وكان السفير رستم باشا على آخر رمق من الحياة، فما منع ذلك موريل بك ~~المستشار أن يفتح الحديث معي بالسؤال عن عبيد الله وسبب إغفالي أمر إرجاعه معي، وذلك أيضا ~~كان افتتاح الحديث في سفارة باريس. # أما في الأستانة فكأنهم خلطوا بين عبيد الله والمرتب محمد أفندي، وكان هذا فتى ذكيا ~~مجتهدا، أراد أن يتم الحفر في الزنك فاستأذنني بالبقاء ثلاثة أشهر كانت في أثنائها ~~التلغرافات متتابعة بالسؤال عنه. وما كان أشد هزئي وهزء الناس بسخافة عقولهم؛ إذ وصل ~~الأستانة بعد زهاء شهرين، وكان اهتمامهم بتتبع خطواته من أميركا إلى الأستانة أعظم من ~~الاهتمام بقدوم أمير عظيم. فما شعر يوم أرست الباخرة في السركه جي إلا وحاجبان من حجاب ~~«المابين» يسألان عنه. فأخرجاه بما معه إلى عربة معدة لاستقباله وساقاه إلى «المابين»، فلبث ~~ثلاثة أيام تحت الاستنطاق ولم يجدوا بين ثيابه إلا رسوم المعرض وهدايا قليلة أتى بها ~~لوالدته العاجزة. وكأن الله ألقى الرحمة في قلب بعضهم؛ فأذنوا له بالخروج لمشاهدة والدته ~~وأصحبوه برقيب يلازمه، فأتاني شاكيا باكيا، فبادرت مسرعا إلى أبي الضيا وواصلنا السعي ~~إلى أن من الله عليه بالفرج. # وإليك غريبة أخرى من أذيال هذه المسألة، وهي وإن لم تكن من لباب الحديث لا تخلو من فائدة ~~وتفكهة. # في تلك الآونة استدعاني ناظر الخارجية، فذهبت إلى النظارة، ولم يكن أتاها في ذلك اليوم ~~فاستقبلني أحد معاونيه، وكانت لي به معرفة سابقة. فقال: إن لدينا رسائل شتى من السفير ~~العثماني في واشنطون تفيض في الثناء عليك، وما كان لك من اليد في خدمة الاسم العثماني، ~~ولذلك يود دولة الناظر أن يبلغك شكره، ويطلب لك ما تشاء من المكافأة المعنوية. قلت: حسبي ~~منه فضلا أن يكون فكر في ذلك، فلست من سلك أصحاب الرتب. وبعد حديث طويل ومجاملة، قال: إن ~~لنا حاجة لديك. قلت: مقضية، إن شاء الله. قال: أن تعلمنا ماذا فعلت بحروف المطبعة التي ms045 ~~أخذتها من أبي الضياء. قلت: استبقيتها في نيويورك عند وكيل لي على أن يسلمها إلى صاحب جريدة ~~المهاجرين السوريين كان رغب في مشتراها. # قال: نسألك، إذا، أن تكتب تلغرافا مفصلا على نفقتنا تأمر وكيلك به بتسليمها إلى قنصل ~~الدولة العلية في نيويورك إذا كانت لا تزال باقية في حيازته، والثمن يدفع إليك هنا حالما ~~يرد الجواب من القنصل باستلامها. فكتبنا التلغراف وأرسل في الحضرة فورد الجواب أن صاحب ~~الجريدة لم يستلم الحروف؛ ولذلك استلمها القنصل فنقدوني الثمن. ولكنهم بادروا في الحال إلى ~~إصدار الأوامر بمنع إخراج الحروف المطبعية من البلاد العثمانية، ويا لكثافة تلك الغشاوة على ~~أبصارهم! أجهلوا أن مكاتب البريد الأجنبية تحمل ما شاء العثمانيون منها حيث شاءوا، وأن ~~مسابك الحروف في أوروبا في غنى عن حروفنا إذا أحرجها الأمر؟ # ولنختم هذه الرحلة - وإن طالت - بكلمة عن حقي بك ناظر المعارف الحالي؛ فإنه رفع التقارير ~~الضافية الأذيال عما شاهد من ترقيات الصناعة والتجارة والزراعة مما يجب تحديه في الممالك ~~العثمانية. فاسألوه عما كانت عليه نتيجة كل ذلك العناء، وذلك الجهد، أفلم تكن أوراقه لدى ~~عمال «المابين» أقل قيمة من مهملات الجرائد؟ # وهذا رجب باشا ناظر الحربية الحالي، وهو الذي ذكره كامل باشا منذ أعوام طويلة لجلالة ~~السلطان، فقال: أعلن الدستور وألق مقاليد الحكومة إلى ذويها، واجعل زمام السر عسكرية بيد ~~رجب باشا، فيستقيم لك الأمر. أنسوا منه ميلا إلى الحرية والإصلاح، فما وسعهم نبذه نبذا ~~مطلقا لحاجتهم إليه، وما وسعهم أيضا أن يكون قريبا منهم فكانوا يلقون به إلى أطراف ~~البلاد ليدفع عنهم المحن وهو بعيد عنهم؟ # كان سنة 1878 قومندانا عسكريا في بغداد، وصديقه الفريق ثابت باشا الناشئ على مشربه ~~واليا للبصرة. وكانا متضافرين على ما تناله أيديهما من ضروب الإصلاح، فهالهما ما رأيا من ~~اضمحلال آثار مدحت باشا وساءهما - خصوصا - ما رأياه من مآل إدارة عمان النهرية وعجزها عن ~~القيام بنفقاتها وكثرة بواخرها وبإزائها شركة لنج الإنكليزية، وليس لها إلا باخرتان يفيض من ~~دخلها الألوف؛ فعرضا الأمر ms046 بتقرير مفصل إلى الأستانة. وأخذ ثابت باشا والي البصرة على نفسه ~~أن يزيل العجز، ويفي الديون ويبقي للخزينة مبلغا وافرا من الدخل؛ ذلك لما كان يرى من ~~اختلال تلك الإدارة ومن إثراء الذين تولوا أمرها على كثرتهم، فبلغت تقاريره الأستانة في ~~ساعة حظ، فعهدوا إليه بالأمر. # وبعد البحث الطويل مع مجلس إدارة البصرة أقروا على تسليم زمام البواخر ومعمل الحديد ~~اللاحق بها إلى رجل لا يطمعه كسب المال الحرام، وكانت له مشاغل تشغله، فاعتذر أولا ثم قبل ~~استلام تلك المهمة على شرطين، أولهما أن لا تطول مدة تغيبه عن البصرة إلا أربعة أشهر، ريثما ~~يعين ناظر آخر، والثاني أن يكون مطلق اليد في التصرف الداخلي والعزل والتنصيب. فأجيب ~~إلى كلا الطلبين، وكأن الله فتح الكنوز على يده، فوفيت الديون وأرجع جميع عمال معمل ~~الحديد الذين كانوا غادروا عملهم لتأخر دفع الأجور، وفاض في خزينة الإدارة بضعة ألوف من ~~الذهب. فتهلل رجب باشا وثابت باشا بشرا، ولكنه ما مضى ثلاثة شهور حتى انتزع الأمر من يد ~~رجب وثابت واستقال الناظر من نظارته. فقال رجب باشا حينئذ على مسمع من الناس: ما عسى أن ~~يتاح للبنائين أن يشيدوا والهدامون من حولهم. # أما إدارة تلك البواخر فلم تزل تنحط إلى أن عهد بها في هذه المدة إلى الخزينة الخاصة ~~فأصلحت الحال. # وإن من أراد أن يتتبع أمثال هذه الحقائق الثابتة لا يصعب عليه أن يجمع منها ~~المجلدات. # فإذا كانت أروقة الاستبداد منصوبة فوق رءوس جميع رجال الدولة على السواء، وجراثيم الفساد ~~منبعثة في ذلك الجو المكفهر، ووسائل التقرب إلى ولاة الأمر تسهل كل ممتنع من الشر، ~~والدولة على ذلك الانحطاط لم تعدم رجالا هذا شأنهم عاش من عاش منهم في جهاد دائم، ومات من ~~مات حزينا أسيفا وقضى الكثير منهم على بساط الفقر، وهو يقول المنايا ولا الدنايا. إذا كان ~~كل ذلك فما قولك يوم فتحت الأبواب فدخل الجميع بسلام آمنين، وعلموا أن العدل حل محل الظلم ~~وساد الأمن بعد الرعب والرجاء بعد ms047 اليأس، فلا عزل إلا لجريمة ولا ترق إلا عن استحقاق ~~ولا مصادرة إلا لجناية، وهذه المدارس العالية كالمكتب السلطاني والمكتب الملكي ومكتب الحقوق ~~والمكتب الطبي تنتج من أولئك الفتيان كل متفان في خدمة أمته، متثقف علما وأدبا. ~~وبإزائهما المكتب الحربي لا يغادره الطلاب إلا وقد امتلأت صدورهم علما وحماسا. وإذا تعاون ~~الملكي والعسكري، وهذه حالهما على إنهاض البلاد من تلك الوهدة، فماذا نتمنى بعد ذلك من ~~نعم الله؟ # | الدستور والخفية # لم تكن الخفية في عهد الاستبداد من نوع الشرطة المعروفة بالبوليس السري الذي يتعقب - ~~خفية - آثار المجرمين وذوي السوابق والشبهات، وهو للحكومة نعم العون على توطيد دعائم ~~الأمن، ولم تكن أيضا من صنف الجواسيس الذين تبثهم الحكومات أرصادا عسكرية في البلاد ~~الأجنبية؛ فيحملون رءوسهم على أكفهم وينسلون طامعين بأخذ رسوم المعاقل والحصون ~~واستطلاع أحوال الجيوش وحركاتهم واكتشاف وسائل الهجوم والدفاع ومخترعات القوى المدمرة من ~~سلاح ونسافة وغواصة تسير تحت الماء ومنطاد يحلق في الهواء. # فإن هذين الصنفين من الخفية كانا عندنا بحالة ضعف وخمول، كما كانت الحال بما خص كل ~~ذي نفع. وإنما القوة كل القوة لنوع ثالث باد واضمحل من دول الحضارة، ألا هو صنف المتلصصين ~~لإزهاق الأرواح وإملاء السجون وسلب الأموال بالطرق الفاضحة، على ما تراه مفصلا في تضاعيف ~~هذه الصفحات. # تفنن الأقدمون بهذا النوع من التجسس يوم كان الملوك يخشون مزاحمة الأقران وعصيان العمال ~~وانتفاض الرعية، كما جرى لعهد نيرون وأشباهه وكثيرين من ملوك الفرس وغيرهم، حتى لقد كان ~~لبعض خلفاء الإسلام وملوكه شيء من تلك الخطة. وهي التي جرى عليها هارون الرشيد فكانت من ~~جملة الذرائع التي قادته إلى نكبة البرامكة، إذ كان له في بطانتهم جوار وغلمان يتجسسون ~~له أخبارهم. ولكن ذلك زمان وتلك أحوال وهذا زمان آخر وأحوال أخرى، ولئن فعل هارون الرشيد ~~ذلك صونا لسلطانه فإنما جرى على خطة شائعة لم يكن له بد منها، ومع هذا فقد كان له من وجه ~~آخر طريقة للتجسس لا تزال تتفاخر بها الملوك. إذ كان يتنكر ms048 أياما ويطوف على أزياء مختلفة ~~مستطلعا أحوال رعيته وعماله رغبة منه برفع الضيم ودرء الظلم. وكم كشف من ظلامة مظلوم ~~وضرب على يد ظالم على أثر ذلك التجسس الحميد. بل كم لعظام سلاطين آل عثمان من منقبة في ~~خلال تنكرهم متجسسين، والعهد غير بعيد بالسلطان محمود وما يروى عنه من هذا القبيل. # أما الخفية عندنا فلم تكن على شيء مما تقدم، بل قامت على نظام محكم لم يسبق له مثيل في ~~تاريخ العالم. # أقيمت لها دائرة منظمة في «المابين» ودعي رئيسها بأسماء لا يدل منها شيء على مسماها، ~~كقولهم مدير سياسة ~~المابين # Directeur de la Politique du Palais Imperial # أو مدير السياسة الداخلية، ولم يكن يباح لأحد أن يدعوه باسم رئيس ~~الخفية. وإني لا أزال أذكر يوما إذ كنت مع صاحب في قهوة بشارع بك أوغلي وإذا بأحد أولئك ~~الرؤساء وصل بعربته، فترجل ودخل بعظمته يطوف طواف الدهقان إلى أن بلغ مجلسنا فوقف صاحبي ~~يسلم عليه وكان يعرفه، فأراد على عادة أهل العصر أن يعرف كلا منا إلى الآخر فقال لي: ~~سعادة فلان رئيس الخفية. فما كاد ينطق بتلك اللفظة حتى شعرت بنظرة شزر أرسلها إليه، فأوشكت ~~أن تخترق لب فؤاده، فامتنع صاحبي وتلعثم لسانه، وكأنه أراد أن يتلافى ما فرط فاستطرد ~~وقال: أستغفر الله بل هو ... هو ... هو من أكابر ... من أعاظم رجال الدولة في «المابين.» # وكانت لتلك الدائرة فروع متشعبة داخل البلاد وخارجها تشعب العروق في الجسم، إذ كان ~~عمالها مبثوثين في كل دوائر الحكومة من الباب العالي، إلى النظارات المنفصلة عنه، إلى كل ~~فرع من فروعها. # وهنالك شعبة منها لقراءة الكتب والجرائد وترجمة ما كان منها باللغات الأجنبية، وهنالك ~~أيضا عمال مقيمون خاصة لتناول زبدة الأخبار وتقديمها إلى المراجع العليا. وكم كانت تلك ~~المراجع تحذف وتزيد وتعدل على هواها أو تستنبط من مخيلاتها ما لم يكن له أثر في تلك ~~التقارير، فتعرضه حقيقة ثابتة على المرجع الأعظم، ولم يكن في البلاد كلها من الأقطار ~~القاصية والنائية زاوية ms049 خارجة عن رقابتها؛ حتى قال أحد الظرفاء لو تشعبت في بلاد الدولة ~~العثمانية طرق الحديد، واخترقت سهولها وجبالها اختراق جند الخفية لكانت، بلا ريب، أغنى دول ~~الأرض. # وبعد أن قبضت على رقاب النظارات في الأستانة، وجعلت نظارة الضابطة فرعا ضعيفا لا شأن له ~~إلا تلقي أوامرها وملكت نواصي الولاة وصغار الحكام، ورأت أن كل ذلك غير كاف لاستنزاف ~~دم البلاد خيل لها أن في أوروبا متسعا فسيحا لتجارتها؛ فأرصدت الأموال ألوفا ومئات ~~الألوف، وتألفت منها عصابة لصوص للإتجار بذمم الحاكم والمحكوم. فتوهم أنها تشتري بذلك المال ~~صداقة الدول وتستميل إليها الرأي العام باستمالة جرائدها، وتدرأ عنها شرور أعداء الدولة من ~~أبنائها ولا تعني بهم إلا مريدي الإصلاح ودعاة الحرية. ولئن عهدت أحيانا قليلة بتلك ~~المهمة إلى سفرائها ووكلائها، فلم يكن ذلك إلا تمويها على عقول السذج من رجال الدولة حتى ~~ضج السفراء تألما واشمئزازا. وكانت خطتها في ذلك أن تتفق مع أحد كبار اللصوص من ~~الجواسيس على خمسة أو عشرة آلاف أو عشرين ألفا من الأصفر الرنان، تأخذ سهمها منه وتنقده ~~سهمه؛ فيذهب إلى أوروبا ولا يكاد يبلغها حتى تتوالى تقاريره مبشرة بالفوز المبين، أي: ~~بمشترى جريدة أو استمالة رجل سياسي، وجل ما يكون في كلامه من الصدق أنه أعطى بعض ما أخذ. ~~وليس منا من يعلم ما هي تلك الجرائد، ومن هم أولئك الساسة الذين ناضلوا عنا، وأفادونا لقاء ~~مال دفعناه إليهم؟ # وأما تجارتهم بأعداء الدولة من أبنائها، على زعمهم، فمن أغرب ما روى التاريخ من المضحكات ~~المبكيات. تعلم هذه العصابة أن في إحدى عواصم أوروبا رجلا ذا شأن بين قومه سئم الظلم، ففر ~~إلى بلاد الحرية؛ فتقدر له جزاء عوده إلى الأستانة مبلغا معلوما، ونصفه أو ثلثيه جزاء ~~صمته إذا أبى العودة، وترسل إليه من يحمل إليه المال مع الوعد والوعيد، فإذا فاز الرسول، ~~وقلما كان يفوز، نقده بعض ما معه، واستولى على ما بقي وإذا رجع خائبا لم يعدم وسيلة ~~لاستبقاء المال في جيبه تسديدا لنفقات يستنبطها. ms050 ولطالما كانوا يغرون رجلا من عصابتهم ~~خامل الذكر وضيع القدر فيرسلونه إلى أوروبا فيصدر عددا من جريدة يزعم أو يزعمون أنها ~~ستنتشر من مطلع الشمس حتى مغربها، وستلتف لندائها أمم العالم فتهاجم عاصمة الملك، فتنفتح ~~خزائن الدولة لاسترضاء صاحبها فينفتح بدريهمات هي في نظره ثروة، ولهم باقي الألوف مغنم ~~بارد. # وإن المجال ليضيق عن إيراد ما يعرف من أمثال هذه السرقات، فنجتزئ لك بثلاثة منها مثالا ~~على ذلك التفنن في تبديد أموال الدولة: أرسل أحد صنائع «المابين» إلى باريس فأصدر عددا ~~واحدا من جريدة، ثم أرسل في طلبه رسول يحمل أربعة آلافة ليرة عثمانية، فنقده منها خمسمئة ~~واستكتبه إيصالا بالأربعة آلاف واستصحبه معه إلى الأستانة، فأنعم عليه برتبة من أرفع ~~الرتب، وعين له راتب لم يكن يحلم به. ذهب ذلك الرسول مرة أخرى إلى باريس يحمل المال استرضاء ~~للعصاة العتاة، فلم يفلح فأرشد إلى رجل ليس من العير ولا النفير ولا اتصال له بأحد من ~~أولئك الدعاة، وعلم أنه ليس على يسر وسعة فاستدعاه إليه وحسن له أن يذهب إلى الأستانة ~~براتب خمسة عشر ليرة؛ فكان سرور الرجل عظيما وأعظم منه سرور الرسول؛ إذ اصطاد قنيصة سهلة ~~المراس أكسبته الألوف ببذل العشرات وأرسل التقارير الضافية منبئة أنه فاز باستذلال أشهر ~~كتاب العصر. قام رجل آخر في لندن فنشر أعدادا من جريدة فاسترضوه بامتياز باعه بزهاء ~~ثلاثين ألف ليرة عثمانية، يعلم الله ما كان نصيبهم منها. # ولا تسل بعد شيوع تلك الأنباء بين الناس عن تهافت الأنذال على التطوع في ذلك السلك ~~الخبيث. ولقد أفلح بعض هؤلاء المتطوعين فما زالوا يحتالون على الانخراط في تلك الزمرة حتى ~~أدركوا بغيهم بالسعايات المختلفة، ثم ما لبثوا أن أثروا بعد الفاقة، وارتقوا من درك الخمول ~~إلى أوج المجد والعظمة. # أما الأموال التي كانت تبذر في هذا السبيل، فلا يعلم مبلغها الآن ولكنها لم تكن تقل ~~عن المليون؛ أي: أنها كانت تربو على مخصصات نظارتي الضابطة والمعارف مجتمعتين. وأي ~~فلاح يرجى لحكومة تنفق على الجهل ms051 والظلم فوق ما تنفق على الأمن والعلم؟ # وعلى الجملة، فإن الخفية كانت على هذه الدولة أشد بلاء من جميع ما توالى عليها من المحن ~~منذ قيامها، وليس في تاريخها صفحة توازي بشؤمها هذه الصفحة السوداء. # وإن كان الأجر على قدر المشقة؛ فإنه ليس في تاريخها حتى ولا في زمن فتح الممالك الكبار ~~يوم نعيم عم صفاؤه وابتهجت فيه النفوس ابتهاجا يوم علم العثمانيون بإعلان الدستور أنهم ~~إذا أووا إلى بيوتهم ناموا آمنين لسع تلك الحشرات. # | الدستور والتعصب # التعصب - دينيا كان أو جنسيا - إذا لم يتجاوز حب الدين والجنس إلى بغض من خرج عنهما، ~~فليس بالخلة المذمومة ولا دخل له في بحثنا، وإنما المراد هنا: التعصب الذميم الذي يدفعك ~~إلى كراهة أبناء غير دينك وجنسك، وهو الآفة الكبرى التي نخرت عظام البشر قرونا طوالا ولا ~~تزال في بلاد الشرق علة العلل. وإنه يسوءنا أن نعترف أنها كانت في البلاد العثمانية حتى يوم ~~إعلان الدستور على أشد مظاهرها في كثير من أجزاء السلطنة. وإن من أغرب الغرائب التي يدونها ~~التاريخ أن هذين النوعين من التعصب زالا بيوم واحد فكثر الزاعمون أنها ثورة فكر بنت يومها ~~لا تلبث أن تخبو جذوتها، فترجع الحال إلى ما كانت عليه، غير أن من تتبع سير السياسة ~~الداخلية منذ أربعين أو خمسين سنة هان عليه أن يستجلي سبب هذا الانقلاب فيزول معظم ~~غرابته. # إن ما توالى على هذه الدولة من كوارث الزمان، وما انتابها من الضعف واختلال الأحكام في ~~القرن الأخير أودى - أو كاد يودي - بقوتها، فلم تكن ترى من مصلحتها لجهل معظم القابضين ~~على زمام الأحكام أن تستنير الأمة بنور الوفاق والتضامن خشية أن تنقلب عليها، وأن ~~الأفراد القليلين الذين كانوا ينظرون بعين بصيرتهم إلى غوائل تلك الآفة القتالة لم يكن لهم ~~من الحول ما يمكنهم من بث رغائبهم ونيلها. وزد على ذلك أن الجهل وحب التقليد كانا لا ~~يزالان فاشيين بين عامة الأمة، والجهل رفيق ملازم للتعصب يعيشان ويموتان معا. # ثم إذا نظرت إلى الدينين ms052 الغالبين في السلطنة، وهما: الإسلام والنصرانية، وإلى العناصر ~~المختلفة التي يتألف منها هذا الجسم رأيت هناك أسبابا أخرى تدعو إلى هذا الشقاق، ~~فالمسلم باتحاده بالدين مع الأمة الفاتحة وقيامه دون المسيحي بعبء الحروب ورد الغزوات ~~لامتناع التجند على المسيحيين؛ يرى له حق السلطة والسيادة. والمسيحي يعد نفسه محكوما ~~مظلوما، والجهلة وذوو الغايات من رجال الدين لا يدركون كنه الغرض الواجب عليهم أداؤه ~~بالتهوين على الفريقين، والحكومة لاهية بمشاغلها، بل ربما عمد كثيرون من عمالها إلى إثارة ~~الأحقاد الكامنة جرا لمغنم يرجونه أو غاية يرمون إليها. # وإن هذا التنافر كان يمتد إلى ما وراء هذين الفريقين بمجموعهما، فيتناول كلا منهما ~~بفرقه ومذاهبه حتى لقد كنت ترى التباغض بين أهل السنة والشيعة من المسلمين والكاثوليك ~~والأورثوذكس والبروتستان من النصارى مساويا بشدة وطأته لتباغض مجموع أبناء الإسلام ~~والمسيحية. # هذا بما خص التعصب الديني، وأما التعصب الجنسي فلم يكن أقل غائلة وشرا. # وهو معلوم أن سياسة التسامح التي جرى عليها سلاطين آل عثمان في عدم التعرض للغات الأمم ~~التي دخلت في حيازتهم كانت مع كل حسناتها سببا في بقاء كل هذه الأمم على غير تلاؤم ~~واندماج. واللغة التركية على كونها لغة الحكام كانت بحكم المجهول في بعض أجزاء السلطنة. ~~والظاهر أنهم حاولوا بعض المحاولة تلافي ذلك التباعد إذ يروى عن السلطان سليم الأول أنه ~~على أثر فتح مصر ومبايعة المتوكل على الله العباسي له بالخلافة أراد أن يتخذ العربية لغة ~~رسمية، فلم يتسن له ذلك؛ فلا ذاعت العربية ولا عمت التركية فبقيت كل أمة منفردة ~~بلغتها، وليس لها ما يكفي من الإلمام بلغة الدولة الحاكمة، وحيث لا يحصل التفاهم لا يحكم ~~الاندماج والتمازج. # وهكذا بقي أبناء كل أمة ينتسبون إلى أمتهم في أحوال كثيرة، ولطالما هاجتهم عاطفة ~~التعصب الجنسي وانضمت إليها أسباب أخرى يطول شرحها، فأثارت الفتن وأورثت البلاد الخراب، ~~والمتحاربون جميعا من أبناء دين واحد. # ولطالما نبغ من رجال الدولة حينا بعد آخر أفراد كانوا يتضورون أسى لتفاقم شر هذين ~~التعصبين، ويضطرمون غيرة ms053 لتلافي ضرهما، فلمعت أول بارقة أمل بنشر الخط الهمايوني السالف ~~الذكر سنة 1839، ولكن القوة كانت لم تزل في جانب الجهل؛ فلم يسفر ذلك الخط عن النتيجة ~~المقصودة، بل عقبته قلاقل واضطرابات كان فيها للسياسة والغايات الشخصية يد فوق يد ~~التعصب. # ولم يزل يتعاقب من ذلك الحين رجال يتلقون تلك الفكرة النيرة، ويلقونها بعض إلى بعض إلى ~~أن نضجت على يد مدحت باشا وأنصاره، فنادوا بإعلان الدستور سنة 1876، وخيل للناس حينئذ أنه ~~قد انقضى زمن الظلمة والشقاق، وعقبه عصر النور والوفاق. # ولكنه لم يكن إلا كوميض البرق حتى تبددت تلك الآمال ووثبت بقية الجهل الكامنة في الصدور ~~واستجمعت قواها، فهبت هبتها الأخيرة، كأنها أبت أن ترضى الموت قبل أن تدون لها في ~~التاريخ غاية ما يروى عن فظائع الجهل والاستبداد. # وهكذا، فبينا خيل إلينا أننا متسنمون ذروة مراقي الفلاح إذا بنا قد هبطنا إلى أسفل درك ~~الانحطاط. وما أشد الخيبة بعد الفرج. # ولكن تلك الخيبة التي أحرجت الصدور أزالت الغشاء عن البصائر، فاستنارت الأذهان وأدركت ~~الحقائق، وعلم المسلم والمسيحي والتركي والرومي أنهم جميعا في الشقاء سواء، وإنه لا مناص ~~لهم إلا بالتعاون ونبذ الأحقاد والانضمام - يدا واحدة - لسحق تلك الأيادي الظالمة ~~والانثناء بعد ذلك إلى النظر في إعلاء شأن هذه الأمة الواحدة، والدين لله. # علم المسيحي - على اختلاف نحله - أنه مقيم في بلاد نشأ فيها أجداده من قبله، ولا ~~فلاح له إلا بكف بصره عن التطلع إلى دول أوروبا، وبإلقاء يده في يد أخيه المسلم لإعلاء ~~شأنهما معا وشأن البلاد التي نشآ فيها. # وعلم المسلم أنه لا سبيل إلى كم أفواه الأجانب والأقارب ودرء الشبهات وتذليل العقبات ~~والتفرغ إلى الصلاح العام إلا بمصافحة أخيه المسيحي والسير معا في طريق ينعمان ~~ويشقيان بها معا. # علم كلاهما أن تلك الأيادي الأثيمة التي كانت تدفعهما إلى الفتك فريق منهما بفريق، إنما ~~كانت تتخذ ذلك ذريعة تثنيها وتثني الناس بها عن مظالمها، ثم تنثني إليهما فتبطش بكل فريق ~~منهما على حدة بعد إجهاد قواهما. # هذه ms054 المذابح الأرمنية، فماذا جنى منها الأرمن؟ وماذا جنى المسلمون؟ غرر فيها بالفريقين؛ ~~فسالت والهفاه! دماء الأبرياء ودمرت البلاد وتحصن المجرمون في معاقل اللؤم ~~والرياء. # كل ذلك عرفه المسلم والمسيحي والإسرائيلي وابن كل ملة من الملل. # إذا شكا الأرمني لدم يهدر ومال يسلب فشكوى المسلم أعظم، إذ تقوم حول دم الأرمني ضجة ~~تبلغ السماء، وأما دم المسلم فإلى جانب تلك النكبة الدهماء بإهراق دمه نكبة الوجوم عن رفع ~~الصوت بالعويل عليه. # وإذا شكا الكردي أو العربي بسوق، جيش يقف لعصابته فيتقاتلان وتربو قتلى عصابته على قتلى ~~ذلك الجيش، فماذا يقول التركي وصفوة رجاله وفتيانه تشد محكمة الوثاق وتقاد إلى حيث تقتل ~~أو تفرق أو تنفى إلى أقاصي البلاد. # خبر جميع من في البلاد خبر تلك الأهوال، فهبوا من رقدتهم هبة واحدة، فهل بعد هذه ~~اليقظة من غفلة؟ معاذ الله أن يكون ذلك، وقد غل ذئب التعصب بأصفاد الحديد وزج به إلى ~~أعماق البحار. # وليس هذا بأول عهد لتنبه أفكار الخلق إلى فتكات ذئب التعصب الغشوم، وإنما هو أول عهد ~~تنبه جميع الناس إليه على حد سواء. وإلا فما قولك بتصدي الأمير عبد القادر في حادثة ~~سنة 1860 وكثيرين من وجهاء المسلمين في دمشق الشام لحماية النصارى مخاطرين لقاء ذلك ~~بأموالهم وأرواحهم؟ بل ما قولك بما أتاه فؤاد باشا أثناء حادثة الأرمن سنة 1896 تحت أذقان ~~مثيري تلك الزوابع؟ # شهدت تلك الفاجعة الأليمة مشاهدة الرقيب الجازع من أولها إلى آخرها، ولم أكن هنا لأعيد ~~تلك الذكرى المؤلمة أو لأخطئ فيها فريقا دون فريق؛ فكلاهما اغتر وسيق - غير مختار - ~~بإغراء أولئك الفجار، ولكن الباعث على ذكرها رغبة إثبات الأنفة التي كانت تهيج ~~صدور الناقمين على هذا التعصب ومثيريه، ولم يكونوا بالنزر اليسير، ولكن أعلاهم قدحا ~~وأعظمهم جرأة كان هذا المنفي الذي قضى سبع سنين سجينا يقاسي عذاب الموت وهو حي. # شهدته وكنت جاره في فنار باغجه، يطوف مدججا بسلاحه، ينهى عن سفك الدماء، يحيي الليل بين ~~هاتيك الأحياء واعظا منذرا متلطفا متهددا على ms055 ما تقتضيه الحال. يسأل من أنس منه خوفا ~~أن يحل ضيفا كريما عليه، يؤمن الخائف ويرعب الخائن؛ فحجب الدماء في كل ذلك الجوار، فلم ~~تهرق فيه نقطة واحدة - وهي سائلة أنهارا في ما سواه - وإذا علمت أن ذلك الجوار بما وليه من ~~فنار باغجه إلى موده وقاضي كوي وأطراف إسكودار؛ يحوي مائتي ألف ساكن تجلى لك مبلغ تلك ~~الهمة الشماء. # فعل كل ذلك وهو يعلم أنه يجري على غير خطة «المابين»، فما راعه ذلك، بل راعه صوت ~~وجدانه. # ولا أنبئك هنا بما كان من إجلال الأهالي من وطنيين وأجانب لهذا الإقدام الخطير، ولا ~~أفصل لك ما توالى عليه من رسائل الشكر الخاصة عن الرقيم العام الذي أمضته النزالة ~~الأوروبية برمتها، وما نشر من مقالات الثناء الضافية في صحف الإفرنج، فتلك أمور يستنتجها ~~كل واقف على تلك الحوادث. # ولكن السر الغريب الذي لا يعلمه الناس أن ذلك كان مبدأ النقمة عليه من رجال «المابين»، ~~وأنه حتى ذلك الحين كان في أعلى مراقي الحظوة، وما انحطت منزلته إلا من ذلك اليوم، فما ~~وسعهم أن يقولوا له: إنك أتيت جريمة القتل بحماية الأنفس من القتل. فما زالوا يحتالون ~~بتوجيه التهم إليه حتى ألقوا به إلى تلك التهلكة التي أدت إلى نفيه وسجنه وتجريده من ~~رتبه وألقابه وأوسمته. # وإنا إذا أسهبنا في وصف تلك الهمة الشماء، فقد أتينا على فرض واجب الأداء بتدوين هذه ~~المأثرة لذلك الشهم الغيور، وأثبتنا أن في السويداء رجالا لا يروعهم الوعيد وإن راع جماهير ~~الناس، وأن روح التعصب الخبيثة لم يخترق إلا صدور الجهلاء العامة. ولو شهدت يومئذ رجال ~~الدولة أنفسهم وهم تحت نير الاستبداد لرأيت الكثيرين منهم على وجدان فؤاد، وإن لم يكونوا ~~على جرأته. ولكنهم فعلوا في سرهم فعل فؤاد على رءوس الأشهاد؛ فكان لهم الفضل في استحياء ~~المئات - إن لم نقل الألوف. # أما الآن وقد انفقأ دمل التعصب ونفث ثمالة سمه، فلا خوف - بإذن الله - من امتلاء ذلك ~~الجراب القتال بعد أن ارتفع الحجاب عن العيون؛ ms056 فانكشفت الحقيقة باهرة كالشمس. # وإن السلطة الظالمة وإن ملكت الأموال والرقاب، فإنها ترتد خاسرة عن امتلاك الضمائر، وقد ~~باحت أنفس الخلق قاطبة ما تكنه ضمائرها من الرغبة في التصافي ونبذ التعصب، وجرى معها تيار ~~العلم والحق والقوة، فلا مرد له بعد الآن. وحسبك دليلا على ارتياح النفوس إليه نشوة ~~السرور، بل سكرة الطرب التي هزت البلاد العثمانية وارتجت لها دول الأرض. # ومع هذا فلا يجب أن يحدو بنا هذا الفوز إلى الاستكانة والوقوف؛ حيث نحن مجتزئين بنعرة ~~الفرح، فإن شياطين الفتنة لا تزال بالمرصاد تتحين الفرص لإيغار الصدور؛ حيث لاح لها منزع ~~للعبث والفساد. # ولكن دعاة الإصلاح ناظرون - إن شاء الله - إلى كل ذلك، فسوف يذلل ما بقي من الصعاب، ويمهد ~~ما لا يزال قائما من العقبات. # ولا شك أن مظاهر التواد والإخاء التي عمت البلاد ستكون أعظم ذكرى وأمتن أساس ~~لهذا البناء الجديد. وأن إعلان الدستور وتعميم المساواة يضمنان رسوخه. # ولكنه لو أتيح لنا أن نضيف رأيا إلى تلك الآراء النيرة لقلنا: إن أعظم الوسائل لضمان ~~اضمحلال التعصب الديني؛ تجنيد المسيحيين مع المسلمين، وأعظم وسيلة لاضمحلال التعصب ~~الجنسي تعميم اللغة الرسمية وجعل تعليم اللغة التركية إجباريا، فإن هاتين الوسيلتين مع ~~تعميم أسباب العلم والتهذيب يضمنان توثيق عرى التواد والإخاء. # | الدستور ورجال الدين # إن كلمة قالها شيخ الإسلام لجلالة السلطان يوم إعلان الدستور لجديرة بأن تنقش على ~~صدر كل شيخ وقسيس، بل على صدر كل مسلم ومسيحي، بل على صدر كل عثماني وكل إنسان. # كلمة ارتفعت كقبس نور تصاعد، ثم تكور فوقع تيجانا على هام دعاة الإصلاح وطلاب ~~الحرية. # كلمة نطق بها جمال الدين فكانت جمالا للدين والدنيا. # تلك الكلمة هي قوله - إذ استفتي بضرب الأحرار - فقال: «بل أجبهم إلى رغائبهم، امنح ~~الدستور، فإنه مطابق للشرع الشريف.» # كانت الأزمة في أشدها، والحزازات في غلوائها، والنفوس ثائرة، والدماء فائرة، والجيش جيشين ~~معدين للتلاحم والتفاني، وشيطان الفتنة بالمرصاد لتدمير البلاد. فمن يعلم لولا تلك الكلمة، ~~أو لو تخللها حرف نفي، ما كان ms057 مبلغ الشر والعيث ومسيل الدماء؟ بل ما كان مصير هذه البلاد ~~والأعناق مشرأبة إليها من كل صوب يتحين كل جائع فرصة لالتهام لقمة سائغة منها. # تلك كلمة ما كان أشبهها بذرة رمل بسكال التي انقلب لها - كما قال - مجرى سياسة العالم، ~~فما أحرانا أن نتخذها شعارا نتفاخر به، وميسما ندمغ به جباه جهلة المتعصبين من رجال ~~الدنيا والدين. # وما كان أشد سرور دعاة الإصلاح إذ علم العالم أجمع أنهم لا يعيثون في الأرض فسادا، بل ~~يأتون رشادا وسدادا، وينقذون أمة عظيمة من ظلمات الأسر وينتشلونها من لجج الضنك ~~والقهر. # إن خدمة الدين كسائر أصناف البشر يتباينون أخلاقا ونزعات، ويتفاوتون هدى وضلالا. ~~ولكنهم بطبيعة موقفهم إذا أخلصوا الخدمة لله أجدر الناس بإصلاح الناس، وأقدر الخلق على ~~إحقاق الحق. # وإن هذا الدستور الذي شهد شيخ الإسلام بموافقته للشرع الشريف شهادة مزكاة بنصوص ~~القرآن - والشورى حكم الإسلام - ليس من ينكر موافقته أيضا لنصوص التوراة والإنجيل. # فلئن رأيناهم يوم إعلانه ملتفين حواليه يتعانق منهم الإمام والقسيس والحاخام يشهدون ~~العالم أجمع على تآخيهم، وتترقرق دموع الفرح من مآقيهم، فرجاؤنا أن يظل هذا التصافي محكم ~~البنود، وثيق العرى، فإنهم لا يزالون في جميع البلاد العثمانية ذوي المكانة العالية والنفوذ ~~البعيد. فإذا تقدموا على هذا النهج القويم تبعتهم أمم، وزادوا مكانة واحتراما، وأطالوا ~~حياة نفوذهم، ومكنوا سعادة مواطنيهم. # إن زمن الجهل والتعصب قد انقضى ودالت دولة الفتن الدينية، ولئن ذكر لهم التاريخ سيئات؛ ~~فمن من أصناف البشر تعدوه السيئات، وإن لهم بإزاء ذلك الحسنات الجمة، فليضيفوا ~~إليها الثبوت على تلك العواطف النبيلة التي تبرز ساطعة منذ إعلان الدستور، ولهم علينا ~~المنة الكبرى، وعلى الله الأجر العظيم. # ومن منا ينكر أن الأمة الإسلامية أعظم أمم الدولة العثمانية، بل هي قوامها المكين، ~~ومن ينكر أيضا أن الترك هم أرباب السلطة العظمى فيها، فإذا كان الشيخ الأعظم المسلم ~~التركي هو المتقدم لبسط يد المصافحة، فما أحرى سائر خدمة الدين من مسيحيين وإسرائليين، ~~وغيرهم أن يتسابقوا متهافتين إلى إحراز مثل ذلك ms058 المجد الباذخ. # لم يكن من مصلحة ظلمة الاستبداد في الحكومة الغابرة أن يؤلفوا بين القلوب إذ كانوا ~~يعتقدون - لجهلهم - أن وفاق الأمة يدك معاقل صولتهم، أما الآن فقد انقشعت الغيوم وتمزق ~~ذلك الغشاء القاتم. # وليست هذه بأول مرة حاول فيها البعض من رجال الدين - ولا سيما من المسلمين - رتق هذا ~~الفتق فإن لم يفلحوا في الماضي إلا قليلا، فكل بوارق الفلاح بادية لهم في الحال ~~والاستقبال. # ولا أضرب لك مثلا إلا بيروت؛ إذ لم يهج تعصب صدور قوم كما هاج صدور أهلها من ~~مسلمين ومسيحيين في عصر الاستبداد الأخير. # كان التنافر فيها بين الفريقين قبل سنة 1860 على ما كان عليه في سائر ثغور البلاد، ~~فلما وقعت حوادث تلك السنة المشئومة، ووجد القتيل المسلم مطروحا في أحد الأزقة، ~~وثارت تلك الثائرة في صدور الأهالي، توقع جميع الأشرار حدوث مذبحة ترتعد لها الفرائص، ومع ~~هذا فإن الشيوخ منا يروون ما شاهدوه من تعاضد الشيخ محمد الحوت والمطران بطرس البستاني ذلك ~~التعاضد المكين وتآخيهما، وكلاهما من جلة خدمة الدين. ويذكر القوم - مكبرين - قيام ~~الشيخ الحوت واعظا دينيا وخطيبا سياسيا ومرشدا داعيا إلى الوفاق فأتى المسلمين ~~والمسيحيين بذلك فضلا يضاهي فضل عبد القادر في الشام وفؤاد في الأستانة. ولا يزال يذكر ~~أيضا وقوف طاهر أفندي الخالدي وذويه مثل ذلك الموقف في تلك السنة في القدس الشريف وحجبهم ~~دماء العباد، مخاطرين بدمائهم. # وما انقضت تلك السنة والتي بعدها حتى أخذ وجهاء المدينة بموازرة البعض من رجال الدين ~~ينظرون في الوسائل المؤدية إلى تبديد الأحقاد، فما أتت سنة 1872 حتى كانت تألفت منهم ~~جمعية هذا غرضها، عمادها من المسلمين والنصارى: المرحومان حسين بيهم وسليم البستاني؛ فخبا ~~ذلك الثوران وخفت الجرائم. ولكن جيوش الاستبداد والتفريق دهمتها بعد بضع سنين فرجعت ~~الحال إلى أسوأ ما كانت عليه، ولم تزل على تفاقم واشتداد حتى يوم إعلان الدستور. # وإن أئمة المسلمين إذا ربحوا الأجر العظيم والفضل العميم بإرشاد الخلق إلى هذا ~~التوافق، ووطدوا بذلك أركان سلامة هذه الدولة ونهضتها ms059 نهضة لا تحسد عليها أمة من ~~أمم الشرق والغرب؛ فإن رؤساء الدين المسيحي والإسرائيلي، على فرض أنهم لا ينظرون إلا إلى ~~مصلحة أنفسهم دون مصلحة أبناء دينهم - ونعيذهم بالله من ذلك - فإنهم بلا ريب يعلمون أن لهم ~~في بلاد الدولة العثمانية من الميزة والنعم والحرية ما ليس لزملائهم شيء من مثله في جميع ~~بلاد الدول المسيحية. ولقد سمعنا بآذاننا منذ خمس سنوات كاثوليكيا ورعا من أعضاء مجمع ~~العلوم - الأكاديمي - الفرنسي يخطب في نادي مدرسة الآباء اليسوعيين بمصر فيقول: هنيئا لكم ~~يا كاثوليك هذه البلاد؛ فإنكم وإكليرسكم تتمتعون بعبادتكم بنعمة وحرية نتمنى أن يكون لنا ~~بعضها في بلادنا بلاد الحرية، فلا تحسدونا أنتم وإنما نحن لكم من الحاسدين. # فليست بلاد الدولة العثمانية بأقل تمتعا بنعمة الحرية من مصر هذا الجزء اللاصق بها ~~وليست امتيازات خدمة دينها بأقل من امتيازات رصفائهم في القطر المصري، فإنها جميعا ~~مبنية على فرمانات السلاطين العظام. # غير أننا نخال الحكومة الدستورية عامدة عما قريب إلى النظر في تلك الامتيازات وتعديلها ~~على ما يوافق روح الزمان، فلا يروعن ذلك عقلاء خدمة الدين، ولا يثبطن عزائمهم. بل ~~فليتلقوه بالبشر وطيبة الخاطر؛ إذ كلما قربت مسافة المساواة بينهم وبين عامة الناس ~~أحكمت علائق الود الصحيح بين الفريقين، وتسهلت لهم سبل القيام بمهامهم ~~الشاقة. # ولقد طالما شكا الناس من بعض خدمة الدين استبدادا يضاهي استبداد الحكام، ولا غرو ~~بذلك فإنهم ذوو سلطة وكل ذي سلطة أنس جهلا وضعفا بمن حوله مال إلى الاستئثار بالحول ~~والطول. ولقد طالما قيل فيها أيضا ما يقال في ضعاف الحكام من سياسة التفريق حرصا على ~~سيادتهم، على أنهم يعلمون الآن أيضا أن تلك السياسة إذا أفلحت يوما مع عجز الناس ~~وغفلتهم؛ فإنها تحبط بلا ريب في بيئة اليقظة والقوة، فحفظ كرامتهم وكرامة المنتمين إلى ~~مذاهبهم إنما يكون بوقوفهم موقف المرشد الأمين والناصح الموفق، ولم يخفهم ذلك فتنبهوا ~~إليه في العهد الأخير، ولهذا هبوا يوم إعلان الدستور هبة واحدة، وكانوا مع الأمة ~~يدا واحدة عاملة على إحكام ms060 الوئام. وهذا غاية رجاء الأمة بهم، فعسى أن يظلوا مثابرين ~~على نهج هذا السبيل ولهم من الله والناس جميل الثواب وجزيل الثناء. # | الدستور والمهاجرة # المهاجرة مهاجرتان: الجلاء أو هجرة السكان للبلاد، وعليه مدار كلامنا الآن، والاستيطان أو ~~وفود الأجانب إليها للإقامة بها، وسنبسط البحث فيه بفصل آخر. # ليس في بقاع الأرض بقعة أخصب تربة وأصفى جوا وأجود ماء وأنقى هواء من معظم ~~أجزاء السلطنة العثمانية، ولهذا كانت منذ القدم مطمع الرواد ومحط الرحال، فما بالها ~~انقلبت حالها وقلت رجالها وعافها الغريب وفر أبناؤها مغتربين إلى أقصى الديار. # لا شك أن الحروب واختلال الأمن وتخاذل أبناء البلاد وظلم الحكام وجشع جباة الأموال ~~وانتشار الأوبئة، كل ذلك مما هو متقدم عهدا على زمن الاستبداد الأخير، وكله من أسباب ~~الانحطاط وتناقص السكان، غير أن الجهل من جهة، ووعورة المسالك وتعذر سبل الانتقال من ~~جهة أخرى كانا يحولان دون المهاجرة، فيكل الناس أمرهم إلى الله، والوطن عزيز فيؤثرون ~~الإقامة فيه مع تحمل الحيف على تجشم مشاق الاغتراب، وهم لا يجدون إليه ~~سبيلا. # إذا ابتلاهم الله بحاكم ظالم يوما شكوا أمرهم إلى الله، وأملوا أن يخلفه ذو رأفة ~~فينصفهم. وهكذا لبثوا راضين مقيمين مختارين أو مضطرين، ولكن استبداد الحكومة الغابرة خلق من ~~أنواع المظالم ما لم يكن في الحسبان. # كان ظلم الحكام في سابق العهد لطمع بمال أو لكسر شوكة، وأما في العهد الأخير فزاد على ~~ذينك السببين انتفاء كل سبب. كان خائف الظلم في الزمن السابق إذا كان ذا مال تدبر بحيلة ~~لإخفائه أو استرضاء الظالم بجزء منه، وإذا كان ذا نفوذ واقتدار عمد إلى التذلل أو المجاهرة ~~بالعدوان وهو بأرضه. وأما في عهد الحكومة الغابرة، فالغني والفقير والأمير والأجير والآمر ~~والمأمور، كانوا على شفير الهلاك في كل لحظة لا ينفعهم حذر ولا تغنيهم حيطة، وهم لا ~~يدرون متى تقرع الأبواب فتهجم اللصوص. # وإذا علمنا - مع هذا - أن جميع الأفكار تنبهت، والعلم قد بسط جناحيه، ووسائل الأسفار قد ~~تعددت أدركنا لأول وهلة سبب الاندفاع ms061 الهائل لمهاجرة الأوطان إلى حيث لا واش ولا رقيب، ~~والصبر على مضض العيش تملصا من مخالب الموت أو مناسر الذل والهوان. # أما المهاجرون من البلاد العثمانية ففئتان؛ فئة فرت من البطش والاغتيال، وفئة جلت ~~في طلب الرزق، ومرجع هجرة كلا الفريقين إلى الاستبداد، والمسلمون والمسيحيون في ذلك سواء، ~~بل ربما كانت الوطأة أشد على المسلمين منها على المسيحيين. # لما قلت الأرزاق وتقلصت الأعمال باختلال الأمن في البلاد العثمانية، وتفتحت أبواب الكسب ~~في أميركا وأستراليا ومستعمرات أوروبا الأفريقية تنبه إليها الأرمن واليونان والسوريون منذ ~~زهاء أربعين عاما، ولكن المهاجرين في السنين العشر الأولى كانوا نزرا قليلا من صناع ~~الأرمن وخدمة اليونان وفعلة السوريين اللبنانيين وأفراد من التجار لا يتجاوزون العشرات، ثم ~~أخذوا يزدادون شيئا فشيئا إلى أن باتت كل باخرة من بواخر المساجري مربتيم تحمل كل أسبوع ~~من ثغر واحد كثغر بيروت مئات منهم، وقل مثل ذلك في الأرمن وأقل من الفريقين ~~اليونان. # ثم إذا نظرت إلى كل فئة من أبناء هذه الملل الثلاث رأيت لها أسبابا خاصة تدفعها إلى ~~الجلاء مما يخرج عن الأسباب العامة، فاليونان أهل ملاحة واغتراب منذ القدم يدفعهم الجد إلى ~~انتجاع الكسب حيث وجدوه، ولهم - منذ مئات سنين - تجار من أبناء جلدتهم أثروا في بلاد ~~الغربة يعاونوهم إذا وفدوا عليهم، وهي خطة ألفوها قبل الجميع. فظلوا سائرين عليها حتى ~~إذا قضوا وترهم من الأسفار انقلب أكثرهم راجعين إلى بلاد اليونان مما خرج عن سلطة الدولة ~~العثمانية. # والأرمن أهل زراعة وتجارة في أرضهم وقل من يغادر أرضه منهم من سكان الأرياف، ولكن ~~قليلين من أبناء المدن كانوا يهاجرون في سبيل التجارة. # والسوريون وإن كانت لهم بلادهم منذ القدم بلاد الاستعمار وسلك البحار، فإنهم انقطعوا ~~قرونا طوالا إلى زراعتهم وتجارتهم في بلادهم، وكانت الأسفار لفئة قليلة من التجار أكثرهم ~~من الحلبيين. فلما ضاقت أبواب المعيشة في البلاد العثمانية، واتسعت في الديار النائية كان ~~اللبنانيون - وفيهم بقية دم من الفينيقيين - أول من أثار عاطفة الجلاء، كأن روح أجدادهم ~~بعد ms062 أن استكنت تلك القرون تحركت في صدورهم فهزتهم هزة واحدة. # كان لبنان قبل سنة 1840 أحزابا سياسية غير دينية تتضاغن وتتصافى ، تتحارب وتتسالم؛ فتفني ~~الفتن منهم من تفني ويعيش من يعيش، وهم جميعا مشتغلون بزراعتهم قانعون بما قسم لهم من ~~الرزق الضيق. والقناعة رفيق الجهل. # ثم تحولت تلك الأحزاب السياسية إلى أحزاب دينية؛ لبواعث نبسطها في محل آخر، وبقيت الحال ~~على ما هي عليه إلى سنة 1860. # فلما نال لبنان ذلك النظام (النافع في حينه المضر الآن) وزالت الفتن واستتب الأمن ~~وكثرت المدارس؛ فانتشر العلم وعاف اللبنانيون شظف العيش القديم؛ باتت أراضيهم غير وافية ~~بحاجياتهم، ولا تجارة تذكر عندهم ولا صناعة، ما خلا منسوجات وإن كانت من أحسن طراز، فلا ~~رواج لها فأخذوا يتطلعون إلى موارد أخرى للمعيشة، فلم تلح لهم إلا من وراء ~~البحار. # نظروا إلى ما حولهم من الممالك العثمانية، وهي بطبيعتها من أغنى أقاليم الكرة، فإذا بها ~~فقيرة على غناها، ضيقة على اتساعها، وهم أهل إقدام وذكاء ونزق وإباء، فما راعهم تجشم ~~المشاق، وضربوا في مناكب الأرض كل مضرب شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. # وإن في لبنان علاوة على ما تقدم دافعا طبيعيا لجلاء جزء من سكانه بين فترة وفترة، ذلك ~~أنهم جميعا كثيرو الضنو، تتكاثر ذراريهم بسرعة فيضيق القطر عنها، وهو في حالته الحاضرة مع ~~وفرة عدد الجالين عنه للعهد الأخير لا يزال من أكثر جبال الأرض سكانا، فالقرى - ولا سيما ~~في شماليه - مزدحمة ازدحام قرى النمل، ولا عبرة بإقفار بعضها في هذا الزمن، فلا تلبث أن ~~ترجع فتكتظ بأهاليها. # ومن أعظم أسباب المهاجرة أيضا انتشار العلم بكثرة المدارس، وإن من سيئات العلم - إذا ~~عدت له سيئة - أنه يثني حديث العهد به عن زراعته، فقلما تجد ابن فلاح تعلم فعكف على ~~زراعة أبيه، بل تسوقه المطامع في المال إلى طلب الرزق من باب آخر. وأبواب الرزق في لبنان ~~تكاد تكون منحصرة في الزراعة ومصالح الحكومة، فأما مصالح الحكومة فإنها لا تتسع لأكثر من ~~زهاء ثلاثمائة؛ فيضطر سائر المتعلمين ms063 - ويعدون بالألوف - إلى هجر الأوطان. # وهكذا كانت الجالية اللبنانية مؤلفة من فئتين: فئة الفقراء المنتجعين العيش بقوة ~~سواعدهم، وكثيرون من هؤلاء يستلفون نفقات السفر استلافا، وفئة المتعلمين الطالبين الرزق من ~~شق أقلامهم أو من رأس مال صغير يكون في الغالب أيضا دينا بذمتهم. # وكان أول من نفخ في ذلك البوق أهل شمالي لبنان؛ حيث الأهالي مزدحمة ازدحام القطافي ~~أفاحيصها، ثم تابعهم أهالي أواسط الجبل، فسكان الجنوب، وما لبثت أن امتدت العدوى إلى ~~مدن سوريا كدمشق وحلب وبيروت، وسائر الثغور والأرياف. # ولنقل الآن كلمتنا الأخيرة، وإن طالت، عن مهاجري لبنان قبل أن ننتقل إلى سائر الجالية ~~العثمانية، وخصوصا أن بين هجرة اللبنانيين وهجرة سائر أبناء السلطنة فرقا عظيما في ~~الأسباب والنتائج. # ليس لدينا إحصاء رسمي لمعرفة عدد المهاجرين اللبنانيين (والإحصاء في زمن الحكومة الغابرة ~~من الكماليات المضرة)، ولكنه يؤخذ من الاستقراءات الطويلة التي تتبعناها أنهم بين ~~الولايات المتحدة وسائر جمهوريات أميركا وأستراليا ومصر وجميع الأقطار الأفريقية؛ لا يقلون ~~عن الثلاثمائة ألف. أي: إنهم يكادون يساوون - عددا - السكان الباقين في البلاد. وكل هذه ~~الجالية هجرت البلاد بعد سنة 1870 إلا أفرادا قليلين منها، وكلها أيضا هاجرت في طلب ~~الرزق، فلم يكن الظلم السبب الدافع للمهاجرين، ولكنه كان السبب في انصرافهم عن بقاع سوريا ~~والعراق الفسيحة ومدنها الغناء في بلاد هواؤها هواؤهم ولغتها لغتهم إلى حيث تنهكهم ~~الأمراض والمشاق في بلاد يجهلون لغتها وطبائع أهلها. # ولقد عرفنا من بعض الإحصاءات الاستقرائية أن ثلثهم يموت فناء بالمرض ومشقة السفر. ويكفيهم ~~من ضروب العذاب الأليم ما يلقاه كل فرد منهم يوم مغادرته ثغر بيروت أو يوم عودته إليه، ~~وإنا لعلى يقين أنه لو حوكم بعض ولاة بيروت على ما كانوا يؤلمون به أولئك البؤساء، وما ~~يبتزونه منهم من الأموال بواسطة حفاظ الأمن يوم سفرهم أو يوم عودتهم؛ لحكم عليهم ~~بالسجن المؤبد. # ومع كل ما نتج عن المهاجرة اللبنانية من تناقص الأيدي العاملة في الأرض، وتناقص النسل ~~بموت بعض المهاجرين، وابتعاد الرجال عن نسائهم، وانتشار بعض ms064 الأمراض التي لم تكن معروفة، أو ~~كانت نادرة جدا كالسل الرئوي والزهري، فإن النفع كان عظيما بإثراء زمرة من هؤلاء ~~المهاجرين، وتكاثر النقود بما كانوا يرسلونه إليها، وتوسيع أبواب الراحة بالمعيشة وتلاشي ~~الجرائم بابتعاد أربابها لقلة أرزاقهم في ديارهم. # واللبناني من طبعه شديد التعلق بوطنه، يحن إليه وإن شاخ في أقاصي الأرض؛ ولهذا كانت ~~الجالية في أول الأمر تعقد النية يوم قطع تذكرة السفر على أن لا تلبث في اغترابها إلا ريثما ~~يجتمع لديها شيء من الوفر تستعين به على معيشتها، فتنقلب راجعة إلى بلادها وهي تقول ما ~~طالما رددناه لبعض أفرادها: # لا يستقر الظبي في فلواته # حتى يعاود ورده المعهودا # والطير مهما فارقت وكناتها # تطوي لرؤيتها الفلا والبيدا # شهدت كثيرين من المهاجرين اللبنانيين القافلين إلى الأوطان منذ خمس وعشرين سنة، وشهدتهم ~~في دار اغترابهم منذ خمس عشرة سنة، وشهدتهم في هذه الأيام وشتان بين الحنين إلى الأوطان في ~~أفئدة هؤلاء وأولئك. كنت إذا رأيتهم مقبلين رأيتهم متهللين بشرا ومعهم كل ما ادخروا في دار ~~هجرتهم، يحملونه إلى مسقط رأسهم، وهم يقولون: حمدا لك اللهم، فقد أذنت أن تضم رفاتنا إلى ~~رفاة آبائنا. وكنت إذا سألتهم رأيهم في التجنس بجنسية البلاد التي ارتادوها قالوا: معاذ ~~الله أن نكون فكرنا يوما بارتداء حلة غير حلة قومنا وعشيرتنا، ولكن الإقامة ~~في ديار الحرية زادت نفوسهم إباء. وازدياد المظالم في الثغور زادهم نفورا واشمئزازا، ~~وسريان العدوى في اختلال الأحكام من الولايات إلى لبنان أورثهم خيبة في تلك الآمال التي ~~رحلوا بها؛ فضعفت فيهم عاطفة التفاني بحب الوطن، وباتوا يطلبون الحرية؛ حيث كانت ~~ومالوا إلى الاندماج في سلك الأمم التي أنالتهم من حريتها ومالها ذخرا ثمينا. # وكأني بحقي بك ناظر المعارف الحالي يذكر يوم كنا معا بأميركا منذ خمسة عشر عاما ~~والجالية السورية فيها تعد بالألوف ومعظمهم من اللبنانيين، والمتجنسون منهم بالجنسية ~~الأمركية قليلون جدا، ولكن الميل إلى التجنس آخذ في الانتشار بينهم وأظنه يذكر أيضا ما ~~لقيت من العناء بصرف كثيرين منهم عن ms065 ذلك الميل معظما ما كان لدي من الأمل الضعيف ~~بالإصلاح الذي تيسر - والحمد لله - فوق ما كنت أرجو ويرجو الجميع. ومع هذا فإن بقايا تلك ~~العاطفة لبثت تختلج في صدورهم إلى ما قبل هذه السنين الخمس الأخيرة؛ إذ استولى السأم ~~على جميع نفوس المهاجرين فقنطوا من الإصلاح، وباتوا يوم هجر بلادهم يفكرون في هجر ~~جنسيتهم، فعاد الشر شرين والخسارة خسارتين، ولو تأخر إعلان الدستور عشر سنين لأصبح معظم ~~اللبنانيين - من نصارى ومسلمين - أوروبيين وأمركيين نزعة وتبعة. # وانظر حينئذ - فوق خسارة البلاد - إلى المشاكل السياسية التي رأينا منها شيئا كثيرا ~~بالقسر عن المعاهدات التي تقضي باعتبار جميع العثمانيين المولودين في البلاد العثمانية بحال ~~عودتهم إليها عثمانيين كسائر المقيمين فيها مهما طالت مدة اغترابهم، ومهما اكتسبوا من ~~الحمايات والتابعيات الأجنبية. # هذا جل ما يقال عن الجالية اللبنانية، وهي - كما رأيت - مع بعض مضارها الماضية ~~وكثرة شرورها على البلاد والدولة في مستقبل الزمن لم تخل من الفوائد التي أنتجت الرخاء ~~في جزء من السلطنة فهي فريدة في بابها بهذا المعنى، وهي الجالية الوحيدة التي لم ~~يسقها إلى الاغتراب مجرد الاستبداد. # فأجل الآن نظرك في المهاجرة من سائر أجزاء السلطنة، فلا ترى حيث توجهت إلا نكبة صماء ~~منيت بها البلاد، ومحنة لا يقل بلاؤها عن مجازر الحروب ومجارف الأوبئة القتالة. # سرت العدوى في سوريا من الجبال إلى العواصم والثغور - كما أسلفنا - ولكن بجرثومة غير ~~تلك الجرثومة، وشكل غير ذلك الشكل. # ولسنا بباحثين في المهاجرين السوريين من نفس الطبقة المتعلمة المهاجرة من لبنان، ولكن ~~بحثنا الآن في طبقتين أخريين لا قوام لملك إذا ضعفا فيه ونعني: أرباب المال ~~والعمل. # كان أرباب التجارة من السوريين إذا أثروا فيها أقاموا فيها حتى الموت، وإذا جمعوا ثروتهم ~~بالأسفار عادوا في الغالب بتلك الثروة فتمتعوا بها في أخريات حياتهم في تلك الربوع ~~الفيحاء، فلما تفاقم الاستبداد والتعنت في الأحكام في العقدين الآخرين من السنين ~~الفوائت بات السكن في المدن السورية - ولا سيما في الثغور وعلى التخصيص في بيروت - مما ms066 يحرج ~~النفوس في الصدور، ومداراة الحكام مما يذهب الصبر والمال. وكانت مصر - وهي شقيقة سوريا في ~~اللغة والعادات والأخلاق وجارتها القربى - راتعة في بحبوحة من الأمن وصفاء العيش، توجهت ~~أنظار أرباب المال إليها كما توجهت إليها أنظار الطبقة الوسطى وأرباب الأقلام، فكانت لهم ~~جميعا ملجأ أمينا يقصده طالب الرزق للإقامة، ويرتاده التاجر الغني للنزهة شتاء، ~~ويغتنم فرصة من تلك النزهة لإنماء ثروته بالمضاربات بالمال والعقار. فلما كادت تزهق أرواح ~~السوريين في بلادهم تهافت رهط من أعلى طبقات هؤلاء التجار على تصفية أشغالهم وبيع ~~عقارهم بأبخس الأثمان وطلقوا سوريا بتاتا، وأتوا فأقاموا في القطر المصري ورحل بعضهم ~~إلى أوروبا. # وقد أجهدت النفس مرة بإحصاء ما نقص من ثروة مدن سوريا - وأخصها بيروت وحلب - بجلاء ~~هؤلاء التجار عنها في هذه المدة القصيرة؛ فبلغ زهاء سبعة ملايين من الليرات ~~العثمانية. # ولا ريب أن هذه الثروة بقيت للسوريين، بل زادت كثيرا بما أضيف إليها من الكسب، ولكنها ~~خرجت من البلاد ولم تكن لترجع إليها قط لا كلا ولا بعضا، لو لم يمن الله بنعمة ~~الدستور. # ولكن البلاء الأعظم الذي ابتليت به البلاد: جلاء الفلاح عن أرضه. # كانت الحكومة الغابرة في أول أمرها تنفذ الأوامر حينا بعد حين بمنع المهاجرة من سوريا، ~~ولكن تلك الأوامر إنما كانت وسيلة لرجال «المابين» وعمالهم من الولاة لأجل ابتزاز ~~الأموال من المهاجرين، حتى ضرب بعض الولاة لنفسه ضريبة معلومة على كل مهاجر، وأطلق العنان ~~لحفاظ الأمن يبتزون ما شاءوا لأنفسهم ولمن والاهم من حمال وبحار وواسطة ~~وعميل. # وأشد تلك الأوامر كان بحجر الفلاح المسلم القاطن في الولايات السورية مما خرج عن ~~لبنان، ومع هذا فلم يكن يعدم المسلمون وسيلة للانسلال مع النصارى سرا في أول الأمر ثم ~~جهرا مع مواطنيهم. وإليك بيان وسيلة من تلك الوسائل التي كان يتفكه بها أولئك ~~الظلام من رجال الضبط وعملائهم لتسهيل سبل السفر للمسلمين. # قصد ثغر بيروت من فلاحي البقاع نحو عشرين رجلا بين سني وشيعي، وبينهم رجل شيعي ~~طويل اللحية، فأخذه دلال ms067 المهاجرة بيده إلى عزلة، وقال له: لا بد لك يا صاح من حلق ~~لحيتك - وإن من عرف عادات القوم في تلك الأصقاع يعلم أن القضاء على الرجل منهم بقطع يده ~~أسهل عليه من القضاء بحلق لحيته - فأبى واشتد اللجاج بينهما، ورجع الرجل عن عزمه على السفر، ~~فأتى رفاقه وخافوا أن يصابوا بأذى شديد إذا انثنى عنهم، فما زالوا به حتى أقنعوه بقصها ~~قصا. # وهكذا بعد أن كان المهاجرون المسلمون نزرا يسيرا من فلاحي لبنان أخذت الغيرة فلاحي ~~سواحل سوريا، ثم امتدت إلى فلاحي البقاع، فأعالي سهول حمص وحماة، حتى شوهد بين مهاجري ~~المسلمين أفراد من البدو، ولولا لطف الله بهذا الدستور لسرت الغيرة في داخل البلاد حتى ~~بغداد، وخصوصا بعد ما كان يبلغ ذلك الفلاح البائس في أرضه أن إخوانه في سعة من العيش ~~والحرية في ديار الغربة، ومنهم الآن العامل والزارع والتاجر، وأن لهم هنالك يدا بمعاونة ~~بعضهم بعضا مما لا يتاح لهم في نفس بلادهم. # وهذه الجمعية الخيرية الإسلامية في البرازيل لا تغادر بائسا منهم على بؤسه؛ فتعول ~~المقعد وتدواي المريض وتنفق على المعوز الراغب في معاودة وطنه، وحكومة الاستبداد في نفس ~~بيروت بددت شمل جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية - كما مر بك. # قصدت بلودان في صيف سنة 1906 مع رفقة من صفوة أدباء دمشق الشام من آل العظم والبخاري ~~والعسلي وشهبندر وبلودان، هذه قرية غناء فوق روض أريض من رياض البقاع، تعلو عن سطح البحر ~~1500 متر، جنات تجري من تحتها الأنهار، لو كانت في ديار الأمن والعدل لكانت منتجع ~~الرواد. يتمنى ابن باريس لو يقطع منها بضعة أمتار يرتاض فيها بعد العناء ويرتاح بعد ~~العياء. وهي مع ذلك كسائر القرى حقيرة البيوت ذات طرق معوجة ضيقة كمعابر الماعز في ~~غاب الجبال، يصعد إليها النازل من قطار سكة الحديد عند محطة الزبداني في مسلك أشبه بلولب ~~منه بطريق يمتد متعرجا على ثلاثة أميال. قد اعتادت حمر تلك البلاد تسلقه بلا عناء، ~~فركبنا الحمير وخلفنا أصحابها من أهل تلك ms068 القرية، وكان رفيقي القروي كهلا نظيري، فأخذت ~~أباحثه بشئون قريته وزراعتها وزوراها إلى أن بلغ بنا الحديث إلى عمال الحكومة وجباة ~~الأموال، وكنت في كل كلامي أتودد إليه متلطفا تسكينا لخاطره ودفعا لريبته. # فلما اطمأن انطلق لسانه، وكانت زفراته أطول من عباراته، ولم نزل على ذلك الحديث إلى أن ~~بلغ بي سفح القمة أمام الفندق الذي كنت أقصده ولا فندق سواه، بل كان في الأصل بيتا لرجل ~~عليل من وجهاء الشام بناه لنفسه مصيفا يقيم فيه مستشفيا من مرضه ثم جعله فندقا ~~للمصطافين. فقال لي صاحبي والزفرة تكاد تخنقه: هذا هو النزل المقصود، متعك الله فيه بالهناء ~~والسرور أنت ورفاقك، وأما أنا ورفاقي فلقد عقدنا النية على أن نغادر لكم في الصيف المقبل ~~هذه البلاد بما فيها، غير آسفين على أرضنا وعقارنا في هذه الجنة الحمراء، سائرين على بركات ~~الله إلى حيث نرجو أن نكون بمأمن من ظلم هؤلاء العتاة الفجار الذين حببوا إلينا الموت. ~~وتناول أجرته شاكرا وانصرف. # قلت في نفسي: غوثك اللهم! إذا كان هذا مبلغ اليأس والسأم من نفس هذا الفلاح وهو مالك ~~أرضا وبيتا وله مورد رزق دائم مما يبذله رواد جنته هذه، فما الظن بالفلاح المأجور الذي ~~لا يملك كوخا يأوي إليه ولا شجرة يتفيأ بظلها في تلك السهول المحرقة، والدرهم بعيد عن كفه ~~بعد الرحمة عن قلوب أولئك الظلام. # وهنالك صنف آخر من أصناف المهاجرين من البلاد العثمانية لا أجد تعبيرا وافيا لوصف بؤسهم ~~وشقائهم، وأعني بهم: جماعة الأرمن، مزيج من التجار والصناع والزراع مقيمون في بلادهم من ~~ولايات: وان وأرضروم وطرابزون، وما والاها، وقد مرت عليهم القرون وهم عائشون بأمن مع ~~جيرانهم الأكراد والترك وغيرهم، وإذا حصل بينهم خلاف فإنما هو سحابة صيف لا تلبث أن ~~تنقشع، ومنهم زرافات عديدة من ذوي المناصب من كل الدرجات ومن أرباب التجارة والعقار ~~والصرافة وسائر الحرف متوزعون في كل أطراف السلطنة، لا يقل عددهم في نفس الأستانة عن ~~المائة والخمسين ألفا. # بدأ ثائر الشقاق يثور بين ms069 الأرمن والأكراد منذ استفحل أمر حكومة الاستبداد، أي: منذ خمس ~~وعشرين سنة، وكانت البواعث شديدة من الداخل والخارج. # وليس هنا محل بسط تاريخ المسألة وإنما نستخرج من مذكراتنا عنها ما يقتضيه سياق ~~الحديث. # لا يكاد الإنسان يفقه سرا لمغازي سياسة الحكومة الغابرة إذ كانت تعمل على إضعاف بل ~~إتلاف جميع العناصر المؤلفة منها هذه الأمة، فما شعرت بهذا التنافر بين سكان أرمينيا ~~حتى قامت توسع في الخرق، فبدلا من أن تتلافى الأمر أرسل إليهم عمال «المابين» رجالا على ~~شاكلتهم. وكلما تعالت الشكوى زادت المغارم إلى أن كانت الفتنة الأولى في وان وموش وخربوط ~~وأرضروم سنة 1888. فهاجر من الأرمن من هاجر، ثم خبت النار تحت الرماد ولم تزل بين شبوب ~~وسكون إلى سنة 1895؛ حيث كانت المذبحة الهائلة، فتجاوزت أرمينيا إلى الأستانة حيث قتل في ~~يومي 25-26 آب (أغسطس) زهاء خمسة عشر ألف نفس، وامتدت منها إلى أطراف البلاد. # وما كان اعتراض الوزراء والعلماء وبعض المشيرين ولا مروءة ذوي المروءات كفؤاد باشا - على ~~ما تقدم في باب التعصب - لتؤثر مقدار ذرة في أفكار عمال «المابين»، فإن قوتهم إنما كانت ~~بأضعاف جميع الخلق، فما انثنوا حتى ارتووا بما سال من دماء تلك الألوف، والذي يدلك على أن ~~عمال «المابين» لم يصدقوا بزعمهم لدى عقلاء الأمة أنه تيار اندفع بالقسر عنهم فلم ~~يستطيعوا أن يقفوا بوجهه أنه لم تكد تصدر الأوامر من يلدز بإيقافه حتى أصبحت جميع أنحاء ~~الأستانة في نصف ساعة دار أمن وسلام بعد أن كانت بحرا مضطرب اليم بأمواج الدماء. ولم تنحصر ~~البلوى بقتل تلك النفوس، فإنك تستنتج - بلا ريب - أن سيل المهاجرة اندفع يجرف كل ما لقي ~~في سبيله، وأنه عقب ذلك مجاعة عمت تلك الأصقاع فباد فيها زهاء ما باد بالسيف والرصاص ~~«والنبوت»، وتعطلت المزارع ودمرت البيوت وأقفرت بلاد عامرة؛ فكانت خسارة البلاد في سنة ~~واحدة بالقتل والموت بالمرض والجوع والمهاجرة نحو أربعمائة ألف نفس. # ولا ريب أن اختلاج عواطف الحنان والإخاء في أفئدة الأحرار في الآونة الأخيرة، واندفاعهم ms070 ~~مئات وألوفا باحتفال باهر إلى مقابر الأرمن؛ حيث كانت تنقل الجثث مكدسة على عربات المزابل ~~إلى خلجان ترمى فيها ركاما، بعض فوق بعض، وذهابهم بالزهور والأكاليل لتلقى فيها فوق تلك ~~الأضرحة الفسيحة؛ لأعظم دليل على أن عقلاء الأمة كانوا ناقمين ساخطين، وإن في ذلك ~~لبلسما لجراح من بقي من أنسباء أولئك التعساء، ولكنه لا يعوض البلاد شيئا من ~~خسارتها الفادحة. # وإن غوائل المسألة الأرمنية امتدت خسائرها إلى جميع أجزاء البلاد، خذ الأستانة مثلا ~~تر أنه على أثر تلك الحادثة انقطعت عنها الثقة المالية من أوروبا؛ فتعطلت المتاجر ~~وقلت الأعمال ونفد المال وأخذ التجار والصناع من أبناء جميع الملل يهجرونها إلى مصر ~~وأوروبا. وقد شهدنا مئات منهم في مصر القاهرة وحدها من الأوروبيين واليونان والترك ~~والعرب، ولو أحصي عدد سكان الأستانة سنة 1897 لأسفر الإحصاء بلا ريب عن نقص مائة ألف نفس ~~بأقل تعديل. # بقيت علينا لفتة مؤلمة إلى آخر صنف من المهاجرين، وهو تلك الفئة التي كان يجب أن تكون ~~عماد الدولة وروح البلاد، ونعني بها: فئة الأحرار ودعاة الإصلاح - بعرفنا. والخونة ~~المجرمين السياسيين وأعداء الدولة - باصطلاح عمال «المابين.» # لم يكد مستشارو السوء يشيرون بفض مجلس المبعوثان سنة 1877 حتى أخذوا يتطلعون إلى جميع ~~الذرائع المؤدية إلى إماتة تلك الروح؛ روح الحرية المنبثقة من مساعي مدحت وكمال وأنصارهما، ~~ودفن المذهب الدستوري بمهده. وإذ كان ذلك مطلبا بعيد الشقة عسير المنال لم يروا بدا من ~~الشروع في إبعاد طلاب الحرية عن مواقف النفوذ، فمن قوي منهم على كتمان هوى نفسه وتدبر ~~الأمر بطول الأناة؛ بقي في منصبه - إذا كان ذا منصب - أو غودر آمنا في منزله، وكلا ~~الرجلين تحت أكناف الخفية. ومن بدرت منه بادرة تشف عما في ضميره، أو خيف أن يحول دون ~~مأرب من مآرب رجال «المابين» ضربت عليه الذلة والمسكنة. ومن هؤلاء نزر يسير يسوءنا جدا ~~أن نعترف أنهم انقلبوا إلى زمرة الجواسيس، فزادوا في بلاء رفاقهم القدماء. # ولسنا هنا ننكر ما تقدم بهذا الصدد في باب رجال ms071 الدولة وغيرها، ولكن محصل القول أن معيشة ~~هؤلاء الأحرار في بلاد السلطنة باتت من المستحيلات، فلا أولو الأمر يطيقون إقامتهم بينهم ~~ولا هم بقيت لهم طاقة على تحمل الضيم، وخصوصا أنهم باتوا على شفا المهالك، والمخاطر ~~محدقة بهم من كل صوب؛ فأخذوا ينسلون الواحد بعد الآخر، ويفرون شرقا وغربا. وانسلال كل ~~واحد منهم يلقي الشبهات على عشرات من أنسبائه وأصدقائه، فيضطر كثيرون منهم إلى اللحاق ~~به. ولطالما قبض على الواحد منهم وهو على أهبة السفر فزج في سجن فمات فيه أو فر منه ~~مرة أخرى. أو سيق فأميت خفية أو أقصي إلى منفاه. # وإذ كان الغدر بذوي العقل والصلاح والحرية والذكاء أسهل الأمور على عمال «المابين» أخذت ~~الناس الرعدة ومال الجم الغفير إلى مغادرة البلاد لغير سبب سابق، ولكن خشية من سعاية ~~مقبلة، ولولا شدة رقابه الخفية وقيام الحراس على الثغور ليلا ونهارا وشدة التنكيل بمن ~~قبض عليه فارا لخلت البلاد من أرباب العقول - كما كادت تخلو من زراع الحقول. # وليس أحد من أبناء هذا الصنف ممن غادر بلاده وراء باب رزق أوسع في دار الاغتراب، بل ~~كانوا جميعا بالعكس من ذلك ينزلون عن منصة الرخاء إلى بيت الذل الضيق، ولقد شهدنا ~~الكثيرين منهم من أبناء الكبراء والوزراء وسعة العيش يحتالون على خدمة في محل تاجر، أو ~~إدارة شركة، أو مصرف براتب كان يتناوله بعض الحشم في دور آبائهم. # هؤلاء هم الأحرار الذين انبثوا في جميع الأقطار وتألفوا في البلاد النائية، وهؤلاء ~~هم المهاجرون الذين لبثت بلادهم ودولتهم نصب أعينهم في سرهم وعلانيتهم. # ومن كان هذا شأنه فلا بدع أن يصرف كل قواه إلى استئصال جرثومة الفساد ودرء شبهات ~~الحساد ومواصلة السعي لبلوغ المراد. قصدوا البلاد الأجنبية شذاذا شرادا فتآلفوا ~~فيها وتألفوا عصابات وجمعيات سرية وغير سرية في باريس وجنوه ولوندرا ومصر، ولم تخل منهم ~~عاصمة من العواصم الأوروبية حتى بلغوا أميركا. # هذه هي الجالية التي كانت أشد شقاء من سائر الجاليات، فأصبحت الآن أسعدها، وأي سعادة أعظم ~~من بلوغ ms072 منتهى الآمال؟ وهذه هي الجالية التي تتهافت الآن قافلة إلى بلادها تهافت الظباء ~~على موارد الماء في قيظ الهاجرة. ولئن نالت البلاد خسارة بجلائها فستنقلب كل الخسارة ~~ربحا بعودها إلى أوطانها، وقد ضمت إلى نزعتها الحرة ما أكسبها الاغتراب من زيادة المعرفة ~~والاختيار. # وإذا علمت أنها لا تقل عن السبعين ألفا، منهم خمسة وستون ألفا من المسلمين وخمسة ~~آلاف من المسيحيين، وأنهم جميعا من ذوي الدراية والنشاط، ومن جميع عناصر الأمة ~~العثمانية؛ اتضح لك قيمة الذخر الثمين الذي يعودون به إلى أوطانهم. ولا عبرة بمن خرط نفسه ~~بينهم من زمرة الجواسيس مدعيا أنه من دعاة الحرية، فذلك عرض زالت الآن كل ~~آثاره. # ذلك ما يقال إجمالا عن أصناف المهاجرين العثمانيين، ولا شك أن تبدل الحال بإعلان ~~الدستور سيحدث انقلابا ليس في الحسبان، فيرجع بعض الأصناف كالصنف الأخير برمته، وسائر ~~الأصناف يعود معظمه إلى حظائره، ويقف هذا السيل الجارف فينثني من نوى الهجرة عن عزمه. ~~وليس ببعيد عنا ذلك اليوم الذي ينعكس فيه ذلك المجرى منا إلينا، يوم يستتب الأمن ~~ويسود العدل بصلاح الأحكام، فتبيت البلاد العثمانية مطلب المهاجرين من أقاصي الديار، فتفتح ~~أبوابها لمن وسعته منهم. # | الدستور ومأمورو الحكومة # ليس بين دول الأرض دولة تزعم الصلاح والنزاهة بكل مأموريها، وليس منهن من لا يكتشف - ~~يوما بعد يوم - على جنف حاكم بحكمه، أو عبث أمين بأمانته، أو سرقة عامل في عمالته، أو زيغ ~~وزير في وزارته. فالإنسان لا يزال في بون شاسع عن حدود الكمال. ولكنه ليس من دول الحضارة ~~أيضا من لا يصغي إلى نداء الوجدان وصوت الخلق فيغضي عن تعقب الجاني وأخذ البريء بجريرة ~~المجرم إلا ما ساق إليه خطأ القضاء والعصمة لله. # أما حكومتنا الغابرة، فلم يكن هذا شأنها بل كان الداء منبعثا من حيث يجب أن يكون ~~الدواء، ولا هم للقابضين على زمام الأحكام إلا سد مطمع وادخار ثروة ليوم عصيب كيوم ~~الدستور الذي ابتلوا به، وسواء عليهم أعمر الملك أم اندثر، فكلهم قائل قول لويس الخامس ms073 ~~عشر: وبعدي الطوفان. # وما قولك بمصير حكم هؤلاء هم حملة لوائه إذا ذل أحدهم تذرع بالغدر والنميمة لنيل ~~مآربه، وإذا ظفر واستقر على عرش جبروته نظر إلى الناس نظر الرتيلاء إلى الذباب. # فكان شأنهم مع هذه الملة شأن عصابة قرصان يطوفون البحر بسفينتهم، فلا هم بمأمن من فتك ~~مدافع وبطش رقيب، ولا الضاربون بعرض ذلك البحر بمأمن من غدرهم. # فبعد ذلك من لا يلتمس عذرا لسائر مأموري الدولة في تراخيهم ويميل إلى الإغضاء عن بعض ~~عيوبهم؟ # إن نصوص القوانين صريحة بتنصيب «ذوي اللياقة» وعدم مؤاخذتهم إلا على ما جنته أيديهم ~~وباستبقائهم آمنين في مناصبهم، لا يعزلون عنها إلا إلى أرقى منها. وهي صريحة أيضا بما خص ~~ترقية المأمورين الملكيين والعسكريين. # ومع هذا فمن كان من هؤلاء المأمورين يأمن على بقائه في منصبه عاما واحدا، بل من كان على ~~يقين إذا عين واليا لولاية أن يبقى في منصبه حتى يتربع في دست حكمه؟ وما أكثر أمثال هذا ~~التذبذب في تعيين المأمورين. # عين رائف باشا واليا لبيروت سنة 1885، ووصلها أهله على أن يقدم إليها في باخرة الأسبوع ~~التالي، فلما أرست الباخرة المنتظرة خرج معارفه لاستقباله مع رجال الحكومة، فإذا به انقلب ~~إلى رءوف باشا متصرف القدس وانقلب أهل رائف باشا عائدين إلى الأستانة. # عين إسماعيل كمال بك واليا لطرابلس الغرب سنة 1895 وصدرت الإرادة السنية بإعداد باخرة ~~خاصة لنقله إليها مع حاشية من المأمورين، وكنا من جملة المودعين فما كاد ينزل إلى الباخرة ~~مع عياله وحاشيته حتى أمرت الباخرة بالبقاء فبقيت في ثغر الأستانة ثلاثة أيام ثم أرسل إلى ~~طرابلس وال آخر. # ورد البصرة سنة 1882 خبر تعيين طليع باشا واليا عليها، فحمل له البرق رسائل التهانئ، ~~فأرجع على بعضها أجوبة الشكر ورجعت على البعض الآخر أجوبة الإقالة. # ولو كان المأمور المعزول ينقل دائما إلى منصب آخر لما عظمت البلوى، ولكن الويل كل الويل ~~لمن عزل لسبب أو لغير سبب، وكان فارغ الجيب أو قصير الرجل عن اللحاق بأحد صنائع ~~«المابين»، فلقد ms074 شهدت رهطا من هؤلاء المأمورين الذين لم يجمعوا ثروة فعزلوا وعاشوا على ~~مضض الفقر والمهانة. عرفت مديرا للتلغراف عزل من منصبه فلبث سنين على بساط الفاقة، ولما ~~نشبت به مخالب الجوع عين ساعيا للتلغراف بإسعاف رجل من قدماء مريديه براتب مائة ~~وخمسين غرشا. والفقر خير من الموت. # وأعظم من هذه البلوى ما كان يتقاضاه عمال «المابين» وأنصارهم من الولاة وكل ذي منصب ~~مرموق، ولو أذنت لنا بعض المصارف والتجار بمراجعة دفاترهم لاستخرجت منها ألوفا وملايين ~~من النقود التي كان يمتصها أولئك العمال من ثروة البلاد، فيرسلونها تحاويل إلى الأستانة، ~~خلا ما كانوا ينفذون صرا ومنسوجا ومجوهرا ومنقوشا بزخارف الصناعة. ولقد شهد العالم ما ~~كان من وجود الحوالات بالألوف وعشرات الألوف من الليرات في جيوب الذين قبض عليهم من ~~أولئك المختلسين وهم ينوون الفرار من وجه العدل بعد إعلان الدستور في هذه الأيام. # وأعظم من هذا أيضا ما فشا من الزيغ في تعيين المأمورين على هوى ذوي النفوذ بلا فحص ~~ولا تدقيق ولا نظر إلى السلك وسابق الخدمات. فكم من وال صعد إلى الولاية وهو يتمنى قبلها ~~أن يكون في حواشي حواشيها، أو معتمد سياسي وقنصل لم يمر بحياته على أبواب نظارة الخارجية مع ~~أن القوانين صريحة بمنع هذه المجازفة. # عرفت رجلا عين واليا بلا سابق خدمة وما كان أعتاه في ولايته. ودرويشا عين متصرفا ~~فما كان أجهله فيها، وبات جميع أعوانه يتفكهون بالهزء منه. # ويجب أن نلحق بما تقدم عدم التناسب في الرواتب بين كبار المأمورين وصغارهم، فالكبير ~~يتقاضى فوق راتب أمثاله في أوروبا والصغير لا يعطى الكفاف من العيش، ولا تكافؤ أيضا بين ~~أفراد بعض الدوائر كالجمعية الرسومية ومجلس الشورى وغيرهما؛ حيث ترى عضوا براتب ألفي غرش ~~إلى جانب آخر براتب عشرة آلاف. # وأضف إلى كل ذلك تأخر دفع تلك الرواتب أشهرا في بعض الأحوال وضبطها كلها في أحوال ~~أخرى، وانظر إذا كان من الممكن كف يد العمال عن الرشوة ومخالفة قول مدحت باشا كما مر في ~~باب: «الدستور ms075 ورجال الدولة.» # عرفت مثمنا بإدارة جمرك براتب ثلاثمائة غرش ينقد ناظره مائة وخمسين عثمانية كل شهر حق ~~إغضائه عنه. وعرفت كاتب رفتية براتب ثمانين غرشا يعول عشرة أنفس وله حظية ينفق عليها ~~الألفين شهريا. وعرفت بإزاء أمثال هذين كثيرين من ذوي الرواتب المعتدلة يشكون العسر، ~~ومنهم واحد براتب ألفي غرش يقتر على نفسه وعلى عياله، ويشكو الفاقة؛ لأنه لا يصرف له ~~في كل السنة إلا راتب ثلاثة أشهر. # فانظر الآن إلى كل هذه الصدوع وما ينشأ من رأبها بحكم الدستور؛ إذ يقلد المناصب أربابها ~~وترتفع عن عواتقهم الضرائب التي تثقل عواتقهم فيثقلون عواتق الأمة، وتنظم أسلاك ~~المستخدمين فيندرج كل في سلكه إلى حيث يسوقه جده وإخلاصه في الخدمة، وتتعادل الرواتب ~~فيعطى كل جزاء عمله، وينتظم دفعها بلا تأخير، ويمتنع العزل بلا محاكمة، وتتمهد سبل ~~الترقي بلا محاباة، ويعاقب المرتشون بلا رحمة ولا سبيل للرحمة بعد إزاحة تلك الأسباب من ~~وجوههم. لا ريب أن رتق هذا الفتق وحده ينتج من الفوائد الناجمة عن انتظام الأحكام وراحة ~~الآمر والمأمور وزيادة الدخل وإصلاح الأخلاق ما لا ينتجه بذل الملايين. # ولا يذهبن عن بالك أيضا أن إصلاح الحال يصلح بالطبع أخلاق الرجال؛ فلئن فسدت أخلاق معظم ~~المأمورين في الزمن الماضي فذلك لأن قادة الأحكام كانوا كتلة فساد لا بد من تناثر جراثيمها ~~إلى ما لصق بها، فلقد عرفنا نفرا ممن اتهموا أفظع التهم عرفناهم قبل استعلائهم ~~واستقرارهم على منصات النفوذ، فكانوا أشد الناس تمسكا بالحرية وأشدهم تذمرا من الاستبداد ~~وأكثرهم مغالاة بطلب الإصلاح، فلما ألقيت إليهم أطراف حبال الاستبداد كان لا بد لهم إما ~~من التشبث بها طلبا للرفعة والمال والنفوذ، وهذا ما جنح إليه فريق منهم فاضطر إلى تناسي ~~مذهبه القديم - كما أسلفنا - وإما من صرف الوجه عنها حرصا على الناموس أن يعبث به عابث ~~وهو ما آثره فريق آخر فنبذ واطرح، ولولا إعلان الدستور لبقي حتى الآن في زوايا ~~النسيان أو وهدة الهوان. # فلا ريب، إذا، أن إعلان الدستور وحده مصلح من ms076 أخلاق المأمورين الفاسدة في زمن الحرية ~~والعدل ما لم يكن من الممكن أن ينجع فيه دواء في زمن الاستبداد والظلم. # | الدستور ومالية الحكومة # لم يكن من مصلحة الحكومة الغابرة أن تضع ميزانية واضحة للدخل والخرج؛ لئلا يفتضح ~~أمرها في كثير من أبواب الخرج، وتنكشف طرق التبذير وتبديد الأموال، ومع هذا فإنه يؤخذ ~~من تصريحات نظارة المالية أن الدخل يتراوح بين السبعة عشر والعشرين مليونا من الليرات ~~العثمانية. # وليس من الغريب أن يكون ذلك كل دخل هذا الملك الفسيح، وهو لا يكاد يربو على دخل ~~الحكومة المصرية، ومصر ليست إلا جزءا منه، وإن استقلت استقلالا إداريا. فإن مصر بلاد ~~عمرت بعد الخراب والبلاد العثمانية بلاد كادت تخرب بعد العمار، ولكن الغريب أن يبدد ربع هذا ~~الدخل أو ثلثه - على قلته - في طرق التخريب وتوسيع الخرق. # إننا نحرر هذه السطور ولم يكد يمر عشرون يوما على استلام الأحرار أزمة الأحكام. ومع ~~هذا فإن الوفر الحاصل حتى الآن من الأموال التي كانت تذهب نفقة حراما يبلغ زهاء خمسة ~~ملايين من أربعة مصادر ليس إلا، وهي: # أولا: # إلغاء رواتب الجواسيس ونفقاتهم السرية. # ثانيا: # إلغاء رواتب جم وافر من عمال «المابين» ونفقاته التي كانت تذهب ~~هباء منثورا. # ثالثا: # إلغاء رواتب الكثيرين من مأموري الحكومة الذين لم يكن لهم شأن في خدمتهم ~~إلا قبض الراتب كثلثي أعضاء مجلس الشورى وكثيرين من أعضاء الجمعية الرسومية ~~وبلدية الأستانة (شهرامانت) ومجلس المعارف وهلم جرا. ويدخل في زمرة هؤلاء ~~كثيرون من الذين كانت الرواتب تدفع لهم وهم في بيوتهم، لا يأتون عملا، ~~وإنما ينسبون نسبة إلى بعض دوائر الحكومة ليقبضوا رواتبهم منها. # رابعا: # تخفيض الرواتب الباهظة لكبار المأمورين. # هكذا كانت تبدد أموال الخزينة وصغار المأمورين يتضورون جوعا، وحماة البلاد من أنفار ~~الجند يصبرون على مضض العيش حفاة عراة. # وليس من مزاعمنا هنا أن نرسم خطة لتنظيم مالية الدولة، ولكننا ونحن من أفراد هذه الأمة ~~نود أن يطمئن أبناؤها لماليتها اطمئنانهم لعدل الدستور، وليعلموا أن مالية الحكومة ليست ~~على ما كان ms077 يبدو عليها من الضعف، فالمجال متسع لإنمائها إلى ما يعادل ثروة أغنى الدول ~~الأوروبية، فإن كل ظواهر الحال تبشر بتحقيق هذه الآمال. # دع الآن المستقبل وآماله وانظر إلى أبواب الدخل في الحالة الحاضرة؛ تر أن التبديد فيه ~~لم يكن دونه في الخرج، فإن الخلل الذي كان سائدا في الإدارة وعدم اطمئنان عمال الحكومة ~~على مراكزهم واضطرارهم إلى استرضاء رؤسائهم بالمال الذي لا تتسع له ثروتهم ورواتبهم، كل ذلك ~~فتح باب الرشوة على متسع مصراعيه، فإذا أخذت مثلا موردا من أعظم موارد الدخل كالرسوم ~~الجمركية، وعلمت أن كثيرين من مأموري هذه الإدارة يجمعون الثروات ببضع سنوات وفرا خالصا ~~بعد دفع ما عليهم من الضرائب، كما رأيت في باب المأمورين؛ اتضح لك - لأول وهلة - أن خسارة ~~الخزينة كانت عظيمة مهما كان حرص بعض نظارها ونزاهتهم في بعض الأحيان. # ثم إذا علمت أيضا أن كل غرش يدخل جيب المأمور رشوة واختلاسا على هذا المنوال يخرج من ~~مال الخزينة ثلاثة غروش بأقل تعديل؛ لأنه لا بد من ذهاب ضعفي الرشوة للراشي والرائش ~~والبطانة والأذناب؛ زدت روعا لغوائل الغبن الفاحش وأيقنت بحصول الزيادة العظيمة في الدخل ~~مع إصلاح الإدارة وتأمين المأمورين وزيادة رواتب صغارهم ولتقس الحكومة ما شاءت بعد ذلك على ~~المرتكبين منهم. # فإذا فرضنا أن الداخل في جيوب المأمورين بطرق الاختلاس، لا يربو في كل جمارك السلطنة على ~~المليون ليرة، فالزيادة المأمول حصولها مع بقاء التجارة على حالها تناهز ثلاثة ~~ملايين. # خذ الآن سائر أبواب الدخل التي تجبى فيها الأموال بيد عمال الحكومة لحسابها، حتى ~~بصرف النظر عن المخصص منها لإدارة الديون العمومية، تر الخلل نفسه فاشيا فيها جميعا ~~وإن تباين فيها الحيف، فالأعشار ورسوم الأراضي وسائر الأموال الأميرية يشمل الظلم ~~بجبايتها الحكومة والأهالي. أما الحكومة فلما تقدم من الأسباب، وأما الأهالي فلأن الغني ~~منهم يطمع به ولكنه قد تشفع له الواسطة والمال، وأما الفقير فينهب ويعرا ولا شفيع ~~له. # وعلى ما تقدم قس أيضا جميع الإدارات الخاصة التي تؤخذ فيها الرسوم بيد عمال ms078 الحكومة ~~لحسابها. # وأضف إلى ذلك ما استردته الحكومة وتسترده من الأراضي الأميرية غير الأوقاف التي ~~كانت ذاهبة هبات متفرقة فأرجعت إلى إدارتها، وزد عليها أراضي الحكومة المهملة ~~الصالحة مذ الآن للزراعة، والمعادن الجاري استخراجها بيد غير أصحابها والامتيازات التي ~~أصبحت الحكومة في غنى عن بعثرتها يمينا وشمالا. # إذا نظرت إلى كل ذلك هان عليك أن تتصور مع همة الحكومة الحالية أن الدخل سيتضاعف ~~بأقل من عشر سنين. # وهو معلوم أيضا أن ثروة الحكومة مرتبطة بثروة الأمة، وأن موارد الثروة الدفينة في ~~البلاد العثمانية مما يبهر العقول، وأن جميع طرق استخراج تلك الثروة قد تسهلت وأزفت ساعة ~~الشروع في العمل. # فلا يستغربن إذا أحد شدة تفاؤلنا بالخير، وقولنا إنه بعد استثمار تلك الثروة ببضع ~~عقود من السنين لا يقل نصيب الحكومة منها مع ما هو متوفر لديها الآن عن الثمانين مليونا ~~دخلا سنويا. # وإننا آتون فيما يلي على بيان إجمالي لموارد تلك الثروة ورجاؤنا أن نكون على مقربة من ~~الصواب «وغد أمره قرين السرائر.» # | الدستور وموارد الثروة # الزراعة # ألق نظرك على رسم الكرة الأرضية وأمعن في بلاد الدولة العثمانية؛ يتضح لك - بصرف النظر ~~عن كل ما انفصل عنها - أنها لا تزال قابضة على صفوة خالصة من قارات آسيا وأوروبا ~~وأفريقيا. فلنغادر الآن البحث في مواقع هذا الملك المتسع الأرجاء بالنظر إلى القوة ~~والسياسة، ولنقصر الكلام على الزراعة التي كانت ولا تزال أثبت موارد الثروة لهذه البلاد ~~وكل البلاد. # تبلغ مساحة البلاد العثمانية - عدا الولايات الممتازة - مليونا و156 ألف ميل مربع، فإذا ~~ضممت مساحة فرنسا، وهي 204091 ميلا إلى مساحة ألمانيا، وهي 208738 ميلا إلى مساحة ~~إنكلترا، وهي 121115 ميلا إلى مساحة إيطاليا، وهي 114409 أميال بلغ مجموع اتساع هذه الدول ~~الأربع مجتمعات 638353؛ أي: ببعض زيادة على مساحة نصف السلطنة العثمانية. # فانظر الآن ماذا يكون مورد الثروة الزراعية في هذه الأقطار لو عمرت. # ليس من شأننا هنا أن ننظر إلى كل قطر على حدة، ونبحث بحثا فنيا في طرق زراعته وبيان ~~الصالح ms079 منها، ووضع القواعد المؤدية إلى استثمار تلك الثروة، فإن ذلك درس موكول إلى عناية ~~أربابه وأولياء مراجعه في الإدارة الدستورية، وهم - بلا ريب - فاعلون. # على أنه لا بد لنا من إلقاء نظرة عامة نتبين في خلالها ما يتدفق من ميازيب الثروة على ~~البلاد من وراء تلك العناية؛ تطييبا لنفوس إخواننا العثمانيين، ولا بد لنا أيضا بنوع ~~خاص من بذل الجهد لإزاحة وهم شائع بين ظهرانينا إذ يتساءلون حوالينا أنى يتسنى ~~استحياء تلك الأراضي البائرة، ولا فلاح فيها ولا ساكن مقيم في ألوف من أميالها، فإذا ~~طلب الزارع من داخل البلاد فليس ثم إلا البدوي وهو عدو الحضارة، وإذا طلب من الخارج ~~فهنالك نفقات لا قبل للبلاد بها، وعقبات جمة تقوم بوجه انتقاله إليها، خلا ما ينظر من ~~المحذورات في المستقبل. # فحسبنا للإحاطة بطرفي هذا البحث أن نقتطع من البلاد جزءا نتخذه مثلا يقاس عليه. # دونك الخطة العراقية فهي - مع شمولها بلاد ما بين النهرين - تمتد مما يلي ديار بكر ~~جنوبا إلى خليج العجم شمالا، ومن حدود بلاد إيران شرقا إلى حدود سوريا غربا، وتشمل ~~ولايات الموصل وبغداد والبصرة وقسما من ولاية ديار بكر. وهي بمساحتها تزيد عن مساحة ~~فرنسا، وبخصب تربتها لا يفوقها قطر في العالم. تخترقها مجاري مياه أنهر من أعظم ~~الأنهار، ففيها دجلة وفيها الفرات وفيها الزاب الأعلى والزاب الأدنى وذيالة وفيها شط ~~العرب ملتقى الأنهر ذلك البحر الفياض المغني بمده وجزره عن وسائل الإرواء. # ذلك قطر قامت فيه بعواصمها أعظم دول العالم في العهد القديم، من البابليين، إلى ~~الأشوريين، إلى السلوقيين خلفاء الإسكندر، إلى الفرس إلى فخر دول الإسلام دولة ~~العباسيين. # ذلك هو القطر الذي رغب محمد علي على أن يستبدله بمصر وما والاها مما دخل في حيازته من ~~بلاد الدولة العثمانية فلم يفلح. # ذلك هو القطر الذي وقف هيرودوتس أبو التاريخ واجما عن وصف تربته وخصبها خوف أن تنسب ~~إليه المغالاة والكذب مهما خفف من الإطراء. ولا غرو فإن جميع دول العالم التي احتلته ~~كان لها ms080 من ورائه الثراء العظيم. وهذه بابل مع زيادة عدد سكانها في إبان عظمتها على ~~الخمسة والعشرين مليونا، وامتلاء خزائنها بالمال من موارد ثروته كان حاصل زراعتها كافيا ~~لمعيشة سكانها، ويفيض عن الحاجة فيصدر مشحونا إلى سائر البلاد. # وهذه الدولة العباسية العظيمة - مع بسط سلطتها - لم تكن سلطنة اليونان والرومان بإزائها ~~شيئا مذكورا، كان الكثير من دخلها من السواد وخراجه، وليس السواد إلا قسما من هذا ~~القطر. # فلئن كان الزمان قد أشقاه كما تشقى الدول فتبدد سكانه وبارت أراضيه كل هذه القرون، ~~فتربته لا تزال في أرضها، بل زادت خصبا بالراحة بعد العناء، ومياهه لا تزال تجري نادبة ~~تلك الأزمان التي كانت تحيي فيها تلك الرياض فتتسرب في رياض فيحاء بدلا من جريها الآن ~~مندفعة إلى البحر رهبة من وحشة تلك الفيافي والقفار. # انظر إلى مصر وهذا النيل يفيض لبنا وعسلا بما أحكم فيه من وسائل السقي، وما ساد فيها ~~من الأمن والعدل، وقد كانت لعهد قريب كسائر ولايات الدولة يشكو فلاحها الفاقة وتشكو خزينتها ~~الإفلاس. # ومع هذا فتربة العراق أصلح من تربتها، والأراضي السبخة أقل من نظائرها في مصر، والمطر ~~في العراق يعين على السقي بما لا يتسنى نظيره في مصر، فمعدات الثروة الطبيعية في أفسح ~~ميادينها، فإذا استتب الأمن وأحكمت وسائل السقي وتمهدت طرق النقل ووجد الفلاح؛ عادت ~~إلى البلاد ثروتها في عهد بني العباس، وزادت. # أما الأمن فالحكومة الدستورية ضمين استتبابه فيما يلي من الزمن، وأما السقي فمن العبث ~~أن نبحث في سهولته في هذا العصر - عصر العلم والاختراع - مع توفر الأدلة الأثرية والتاريخية ~~على إحكام أصوله وطرقه في تلك البلاد منذ القدم. وهذه آثار النهروان وسدوده وترعه تشير ~~إشارة واضحة إلى أنه كانت هناك مستودعات للمياه شبيهة بخزانات مصر تعاقب على إنشائها ~~أهل بابل وأشور والفرس، ولم يغفلها المتقدمون من الخلفاء العباسيين حتى روي عن بعضهم أنه ~~عجز عن الوقوع على مائة جريب خرب غامر في نقطة واحدة، وأننا لا نستغرب أن تكون الترعة ~~العظيمة البادية آثارها ms081 في صحراء قاحلة من السماوة إلى ما بين البصرة والزبير إلى خليج فارس ~~والمعروفة الآن بنهر عمر من أعمال بعض أولئك الخلفاء. # ولكنه منذ بدأ الضعف في الدولة العباسية في أواسط عمرها أخذت ثروة البلاد في التدني ~~بأسرع مما ترقت، وظل الخراب يتوالى والسدود تقوض والترع تجف وتفيض المياه في ~~المستنقعات أو تذهب هدرا إلى البحر ويفر الفلاح وتبور الأرض، إلى أن بات المزروع منها الآن ~~نقطة في بحر. # ولقد كان بعض الولاة العثمانيين يفكرون حينا بعد حين ببعض الإصلاح، ولكنهم لا ~~يتجاوزون التفكير إلى التدبير لاشتغالهم بالفتن الداخلية أو انصرافهم إلى مطمع خاص. ~~وأول من فكر منهم فكرا حقيقا بالإصلاح كان رشيد باشا المعروف بالكوزلكلي، ولكن ~~المنية فاجأته سنة 1857 ولم ينجز عملا. # وأما المصلح الحقيقي الذي وضع الخطط اللازمة وشرع في العمل فإنما كان مدحت باشا، ولو ~~طالت مدة ولايته عشر سنين لغادر العراق جنة غناء؛ فإن المهندسين الأوروبيين الذين ~~استقدمهم خاصة لوضع مشروعات الإصلاح وضعوا التقارير الوافية عن كل وسائل السقي وتجاوزوا إلى ~~ما وراء ذلك بوضع الخرائط لكل الشئون الزراعية. وإذ كان ذا همة شماء لا يكاد يفكر حتى يشرع ~~أخذ حالا مع كثرة الشواغل في شق الترع وتسهيل طرق الاتصال - كما أسلفنا في باب «رجل ~~الدولة» - ففاجأه أمر الرجوع إلى الأستانة، وساد من بعده حكم الاستبداد فلم يقم بعده من ~~الولاة من يصلح لإنجاز تلك الأعمال الخطيرة حتى ولو أراد. # أما الأفراد من أبناء الدولة والأجانب من المهندسين ووكلاء الشركات الذين فكروا باستحياء ~~طرق السقي على مناهج مختلفة؛ فكثيرون. وقد كان كاتب هذه السطور فيما نعلم أول من رفع في ~~العهد الأخير تقريرا مسببا إلى نظارة النافعة بهذا الشأن وطلب التصريح بإرواء بغداد ~~وضواحيها بالرافعات البخارية، وذلك سنة 1892، وسعدي بك منفي قبرص محاسبه هي النافعة يومئذ ~~كان من أعظم الموازرين، ثم فكر بعض الأجانب بالاتساع في العمل إلي ما يماثل أعمال الري ~~في مصر. وكان السر وليم وليكوكس الإنكليزي أطولهم باعا وأكثرهم خبرة واقتدارا، وقد ms082 جرت ~~لنا معه مباحثات تحققنا في أثنائها الخبر بالخبر، فصمم على الشروع في العمل إذا أسعفه ~~الحظ بتأليف شركة ونيل الامتياز؛ فشخص من مصر إلى إنكلترا، فالأستانة، ومنها إلى العراق، ~~ورسم - بعد عودته خطة من أكمل الخطط تشف عن علم واسع واختبار طويل، وأودع ذلك في كتاب ~~دعاه «ري العراق» استتم فيه البحث من كل وجوهه. ولهذا أحببنا الإشارة إليه في هذا الموضع؛ ~~لأنه يحوي من البحث العلمي والعملي ما يشوق الاطلاع على مثله رجال الدستور. # أما وسائل السقي المستعملة الآن فمع أنها من أقدم طرز، فقد كان يرجى منها ثروة عظيمة ~~لو لم تكن منحصرة في دائرة ضيقة، وفي أكثر البلاد لا تكاد الأراضي المزروعة تتجاوز مجاري ~~الأنهر، ومع هذا فإنه يفيض من حاصلات البلاد ما يشحن بمئات السفن إلى الهند وسواحل البحر ~~الأحمر وأوروبا من التمر والحنطة والشعير والسمسم والهرطمان والأرز وغير ذلك مما اعتاد ~~الأهالي زرعه، وإن كل ما زرعه الأفراد أيضا على سبيل التجربة أسفر عن أحسن النتائج؛ فقد ~~زرع فيها القطن المصري وزرعت النيلة والتنباك والتبغ وقصب السكر، وكان جميعه أحسن أصنافه في ~~أجود تربة في بلاده وأفلحت أيضا تربية دود الحرير على التوت الكثير المزروع فاكهة وخشبا ~~وطعاما للماشية. # ولقد كان من الواجب مع هذا الخصب الغريب أن لا يهمل في تلك البقاع شبر بورا، ولكن ~~الواقع بخلاف ذلك فإذا صعدت في شط العرب من مصبه عند الفاو إلى البصرة ومنها إلى القرنة عند ~~ملتقى الفرات ودجلة على مسافة تقرب من المئتي كيلو متر ورأيت جنائن النخيل الباسقة ~~متراصة على أكثر تلك المسافة من على كلتا الضفتين، ولم تصعد إلى دكة قبة الربان على ظهر ~~الباخرة لترى ما وراء تلك الرياض، خيل لك أنك في بلاد عامرة غاصة بالسكان، ولكن لو وقفت بك ~~الباخرة على أحد الصوبين ونزلت منها متوغلا بين تلك الجنائن؛ علمت أن نظرك قد خدعك، وأن ~~العمار في أكثر تلك الأرض لا يتجاوز الجرف إلى أبعد من ميل إلى ميلين، وأنك ms083 في بعض المواضع ~~ترى الأرض البور متصلة حتى إلى ثغر النهر. # وما أعظم ما تكون دهشتك إذا علمت بعد ذلك أن جميع تلك الأرض في غنى عن كل وسائل العلم ~~والاختراع لخزن الماء لإروائها إذ يتناوب المد والجزر مرتين كل يوم وليلة في خليج العجم، ~~فيقف ساعة المد في وجه مجرى المياه العذبة؛ فتنقلب على عقبها مرتفعة فتملأ الترع والأنهر ~~المحفورة بين تلك الأرض فترويها بلا نفقة ولا عناء على طول تلك المسافة إلى القرنة، ولا تقف ~~هنالك بل تتجاوز شط العرب إلى مجرى كل من الفرات ودجلة على مسافة أميال. # فالأرض التي تتناول الماء بتلك السهولة لا يبقى على صاحبها إلا أن يفتح لها مجرى تسير فيه ~~مهما طال واتسع، ومع ذلك فهي على ما ذكرنا من ضيق النطاق وذهاب فائدة كل ما وراءه. # فإذا كانت تلك حالة الأرض الغنية عن يد الصناعة لسقيها والمحيطة بمقر ولاية تضمن حفظ ~~الأمن فيها، فما تكون حالة ما سواها مما يحتاج إلى خزن الماء أو مما توارى عن نظر الحكومة ~~في الأطراف؟ # وإن البصرة مع قلة ما يزرع من أرضها الفسيحة تعد بالنسبة إلى عدد سكانها من أعظم البلاد ~~ثروة وأكثرها حاصلا، فما يكون من شأن تلك الثروة لو امتدت زراعتها إلى مئات ألوف ~~الأجربة التي تكنفها من كل جانب. # ولكنك إذا تجاوزت ملتقى النهرين في القرنة ومضيت صاعدا في مجرى أيهما شئت غضضت طرفك رهبة ~~مما ينالك من وحشة تلك القفار التي كانت في غابر الزمن جنة الأرض، وإذا بدا لك بشر في غير ~~المدن والقرى القليلة القائمة على مسافات شاسعة بعض من بعض هالك ما رأيت من مظاهر الفقر ~~والأجسام العارية. # تصعد في دجلة من القرنة إلى بغداد في مسافة نحو أربعمائة وخمسين ميلا، وتصعد في مثل تلك ~~المسافة إلى ما فوق الموصل، فما خلا ثلاثة أو أربعة بلدان صغيرة كالعمارة وكوت الإمارة ~~وسامرا، لا تكاد ترى إلا قرية حقيرة أو نزلا من زراع القبائل ينزلون اليوم فيرحلون ~~غدا. # وتصعد ms084 كذلك من القرنة في الفرات إلى أرض المنتفق والحلة وهيت وعانة حتى دير الزور ومسكنة ~~قرب حلب؛ فيحصل لك مثل ذلك الانقباض وإن كانت مجاري الفرات أكثر ريعا من مجاري أخيه ~~دجلة. # وقل مثل ذلك في مجرى ذيالة المنحدر من جبال العجم إلى بلد روز وخراسان حتى الخالص إلى ~~مصبه في المخلاط بدجلة. # وإذا رأيت نهرا أو جدولا متشعبا من أحد هذه الأنهر سواء كان مسربا شقته يد الطبيعة ~~أو ترعة شقتها يد البشر، وسرك ما علمت من نفعها في إرواء الأرض هالك من جهة أخرى ما تعلم ~~بعد ذلك عما يتأتى عنها من الضرر أيام الفيضان لعدم إحكام السدود أو عدم وجودها؛ فتنتشر ~~منبسطة على الأراضي المحيطة بها فتلبث أهوارا تفشو منها الأوبئة فتفني السكان، أو تبيت ~~معاقل يتحصن بها شذاذ العشائر البادية فيبيتون بمأمن على سلبهم وعبثهم. # ولو حسبت الخسائر التي تتأتى عن طغيان المياه حتى في نفس بغداد سنة بعد أخرى، لتجمع لديك ~~منها وحدها رأس مال يكفي لإنشاء خزانات تضاهي خزانات مصر عظمة ومتانة. # ولقد حاول بعض الولاة، والحق يقال، تلافي شرور ذلك البلاء غير مرة وأرصدوا المبالغ ~~الوافرة وأنشئوا السدود حيث بلغ الضرر أشده؛ فكانت النتيجة أن الوكلاء والعمال يقتسمون ~~ما بينهم ذلك المال إلا قليلا منه يقيمون به سدا من طين لا يلبث أن ينكسر من نفسه أو ~~تقضه العشائر التي كانت تتخذه ملجأ ومأوى. ومع ذلك فإن جميع العشائر التي ألفت الزراعة ~~لا تأنف أيان دعت الحاجة إلى إقامة تلك السدود عن التطوع للعمل فيه إما عن طيبة خاطر، وإما ~~امتثالا لأوامر شيوخها وحسبها من الحكومة تشويقا وترغيبا أن تتعهد بإعطائها قسما مما ~~يجف من تلك الأهوار بعد انحسار الماء عنها. # وقد كان مدحت باشا رسم لذلك خطة اضطر إلى مغادرة بغداد قبل إنفاذها، فنشط إليها وإلى ~~بغداد رديف باشا بعد رحيل مدحت عنها بسنة، واتفق مع ناصر باشا السعدون شيخ عشائر المنتفق ~~على إنشاء سد الجزائر العظيم، على أن يقوم ناصر بجميع ms085 نفقاته ويجمع ألوف العمال من عشائره، ~~ولقاء ذلك يعطي قسما عظيما من الأراضي التي تنحسر عنها المياه، فهب ناصر للعمل واستعان ~~خلا عشائره بأهل البصرة فانضم إليه قاسم باشا الزهير ببضعة آلاف من عربانها، ولم تمض بضعة ~~أشهر حتى تم إنشاء ذلك السد، وهو وحده لو بقي قائما لكان ينبوع رزق وخير لا ينضب؛ إذ كان ~~يصلح هواء ولاية البصرة بجفاف تلك الأهوار وتغزر مياه الفرات بارتدادها إلى مجراها، وتعمر ~~كل البلاد الممتدة من سوق الشيوخ إلى البصرة على مسافة أيام. # ولكنه من جهة كان غير محكم البناء وغير قائم على أصول الصناعة، ومن جهة أخرى رأى ناصر ~~نكولا من الحكومة عن إنفاذ ما تعهدت له به، ومن جهة ثالثة ضاقت المسالك بأوجه قبيلة ~~المعدان التي كانت تنزل بجواميسها تلك الأهوار، فما مضت مدة وجيزة حتى تقوضت أركان ~~ذلك السد فتفجرت المياه وانتشرت فغطت تلك السهول فغادرتها كما كانت ميدان بلاء ~~ووباء. # ولا شك أن تلك الأعمال الخطيرة لو لقيت من الحكومة أقل عناية والتفات لقامت على ~~أمتن ركن وأسهل سبيل، وسد الهندية أعظم دليل يستشهد به. # كان أهل الحلة يشكون عكس ما يشكو منه أهالي ولاية البصرة؛ فإن ترعة الهندية (المدعوة بهذا ~~الاسم نسبة إلى أميرة هندية شيعية قدمت في أوائل القرن الماضي لزيارة مشهد علي والحسين في ~~النجف وكربلاء، فراعتها قلة الماء فيهما فشقت هذه الترعة على نفقتها) أخذت تتسع على مر ~~الأيام حتى تحولت إليها مياه الفرات وانحسرت عن جميع الأراضي الممتدة من المسيب إلى ~~الحلة، فكان الخطب عظيما وضج الأهالي بالويل والثبور، وتبرعوا بتقديم النفقة والعمال فقبض ~~عمال الحكومة المال جميعه وأنفقوا ربعه في العمل فأقيم سد لم يعش إلا أياما معدودات، ~~فرجعوا إلى جمع المال مرة أخرى وفعلوا فعلتهم الأولى فأسفرت عن تلك النتيجة. # وسنة 1889 عين سري باشا واليا لبغداد، فخالف خطة سلطانه وطلب المال والمهندسين من ~~الأستانة واستعان بوكلاء الأراضي السنية، فبادرت الحكومة بإرشاد سفارة فرنسا إلى إرسال بعثة ~~علمية يرأسها شندرفر المهندس ms086 الفرنسوي فقدر النفقات اللازمة بثمانمائة ألف فرنك لا غير، ~~وقد كان الولاة أنفقوا أضعاف ذلك المبلغ فلم يأت بثمرة، فأرصد المال في الحال وأقام شندرفر ~~وأعوانه على العمل بعلم وإخلاص بضعة أشهر، وانتهوا منه سنة 1890 فرجعت المياه إلى مجاريها ~~وعمرت الحلة بعد أن كانت على قيد شبرين من الخراب التام، وحييت ألوف الأجربة من أملاك ~~الأهالي ومستملكات الخزينة الخاصة - وهذا هو العمل الوحيد من نوعه في أيام الحكومة ~~الغابرة. # على أنه لا يجب أن ننسى هنا تذرع المقربين بكل وسيلة من الظلم لتبييض وجوههم المسودة؛ ~~إذ قام وكلاء الخزينة الخاصة بدعوى الحرص على المصلحة، فاستقطعوا الجانب الأعظم من أملاك ~~الأهالي وأضافوها إلى الأراضي السنية، وكان جزاء المطالب بحقه المبيت في ظلمات السجون، ~~ورحم الله إبراهيم الخكري فإنه مات بتلك الحسرة. # ذلك مجمل ما يقال بالإيجاز عن أرض العراق وحالتها الزراعية في الوقت الحاضر، ولقد يظن ~~لأول وهلة - كما تقدم - أن أرضا هذه حالها من الإهمال وقلة الرجال لا يتسنى استحياؤها إلا ~~بعد معاناة لأهوال ومرور السنين الطوال، فلا بد لدفع هذا الريب من إلقاء نظرة عامة على ~~القبائل البادية المنتشرة في تلك الأصقاع. # فإذا نظرنا أولا إلى الفلاحين المشتغلين الآن بزراعة الأرض العامرة في العراقين العربي ~~والعجمي رأيناهم جميعا من أبناء تلك القبائل العربية ومن بعض القبائل الكردية في أعالي ~~البلاد يقبلون بجد ونشاط على حراثة الأرض من الفاو عند خليج العجم إلى ديار بكر بطريق دجلة ~~وإلى مقربة من حلب بطريق الفرات. # فإذا تيسر لهم المال والأمن تحضروا ولبثوا في مواضعهم، وإلا فالبيداء غير بعيدة عنهم ~~فيرجعون إلى بداوتهم، فالذين طال عهدهم بحراثة الأرض كالدواسر والعوامر قرب مصب شط العرب، ~~والعيدان قرب البصرة في العراق العربي، وبني كعب على ضفته الشرقية في العراق العجمي يكادون ~~لا يفترقون بشيء من طباعهم عن زراع الحضر إلا بشيء من النزعة البدوية يهبون إليها عند تفاقم ~~الظلم، ويلحق بهؤلاء ألوف الفلاحين من عشائر المنتفق العديدة المنتشرة على شواطئ الفرات مما ~~يلي سوق ms087 الشيوخ والسماوة والحلة وبني ربيعة فيما يلي كوت الإمارة، وهنالك عشائر كثيرة ممن ~~يتراوح بين البداوة والحضارة تبعا لأحوال الزمان وسياسة الحكام كبني أسد وبني لام على دجلة ~~وبطون وأفخاذ كثيرة من عشائر المنتفق على الفرات، ويلحق بهؤلاء بعض أفخاذ شمر والقبائل ~~الكردية النازلة في صعيد العراقين. # وإنى مورد لك الآن برهانا حسيا يثبت لك سهولة الوسائل المؤدية إلى إقبال أبناء تلك ~~العشائر بكليتها على حراثة الأرض. # إن للخزينة الخاصة في تلك البلاد أملاكا متسعة تعرف بالأراضي السنية، وليس من غرضنا الآن ~~التعرض لتاريخها وطرق استملاكها، فنقصر البحث في كلمة عن فلاحها. # ارتأى وكلاء الخزينة الخاصة، ونعم الرأي ما ارتأوا، أن يخصوا فلاح الأراضي السنية بنعم ~~تشوقه إلى الإقامة على حراثة الأرض؛ فأعفوه من الخدمة العسكرية، ووسعوا له في الرزق، ~~وجعلوه بمأمن من تعدي الحكام، ورفعوا عنه جميع التكاليف العامة والخاصة؛ فاطمأن وأخلد إلى ~~السكينة وانقطع إلى زراعته، فأخصبت أرضه فأشبعته فارتاح إلى الحضارة ونبذ البداوة نبذا ~~مؤبدا، وأصبح في نعيم تحسده عليه سائر العشائر حتى بات كثيرون من رؤساء العشائر يتقربون ~~ببذل المال رشوة إلى من يفسح لهم مجالا فيها ينزلونه ويقسمون الأيمان ويعطون الضمان على ~~إخلاص النية وصدق الخدمة. # ذلك مثال واحد على فعل المجاملة بأولئك العربان، وأما أمثلة السياسة الخرقاء والظلم فلا ~~يحصرها إحصاء، ودونك مثالا يتناول المسألة من طرفيها. # كانت البقعة المحيطة ببلدة العمارة منذ بضعة عقود من السنين قاعا بلقعا ليس فيها إلا ~~شرذمة من الجند تقيم فيها بين البصرة وبغداد؛ اتقاء لشر القبائل البادية، ولهذا كانت تدعى ~~الأوردوي نسبة إلى نقطتها العسكرية، فهاجت الحمية أحد المتصرفين فما زال يجامل ويشوق بعض ~~الزعماء من بني أسد وبني لام حتى أسكنهم هنالك وخفف عنهم الضرائب؛ فحرثوا الأرض وزرعوها ~~فعمرت وأثمرت، وكانوا كلما زاد اطمئنانهم زادوا عددا وزاد حاصل أرضهم، وتبدل حال ذلك القفر ~~بمدة خمس سنين، ثم عزل ذلك المتصرف وليس في الوقت متسع للتحري عن اسمه وحقه أن يدون بحروف ~~الثناء، فابتلاهم الله بخلف أعماه ms088 الطمع وأصماه الجشع فدعا إليه الشيوخ وزجهم في السجن ~~استنزافا للمال؛ فاحتالوا تخلصا من مخالبه الناشبة برقابهم متظاهرين بإخلاص النية وصدق ~~الولاء وطلبوا إليه أن يرفقهم بمن يحمل إليه المال بعد الإفراج عنهم فاطمأن لهم؛ لأن جميع ~~حاصل الزراعة كان لا يزال على بيادره، فقاموا في حنادس الليل وحملوا ذلك الحاصل على أباعرهم ~~وانقلبوا راجعين بخيامهم إلى بداوتهم، وبارت الأرض مدة طويلة إلى أن عادت فسكنتها بعض ~~فصائلهم بمواثيق مغلظة. ومن أجزاء تلك الأرض الآن الكحلة وحدها يقدر حاصل زراعتها سنويا ~~بأربعين ألف ليرة، وهي من جملة ملحقات الأراضي السنية. # وإن لنا من أمثال هذا التبدي بعد ذلك التحضر ما يملأ الصفحات العديدة فنجتزئ - خوف ~~الإطالة - بما تقدم مكتفين بالإشارة إلى أمثاله في عشائر المتفق والدليم إلى ما فوقها من ~~قبائل شمر والعشائر الكردية. # وليس بالأمر اليسير إحصاء تلك القبائل وحصر العدد الذي يمكن استخدامه في الزراعة، ولقد ~~أجهدنا النفس مدة سنوات بمخالطة بعض العشائر، واستقراء أقوال الثقات، وتتبع آثار بعض ~~غزواتهم، واستماع أخبار بعض شيوخهم، وملاحظة سابلتهم في الحواضر؛ فلاح لنا من وراء كل ذلك ~~أن القبائل البادية العربية وحدها في الخطة العراقية وما يليها من بادية الشام حتى أطراف ~~الأناضول، وما يلي العراق إلى نجد، ومنها إلى نجد والحجاز واليمن وبادية عمان وحضرموت لا ~~تقل عن السبعة ملايين. # وإن لدينا في ذلك جداول طويلة لا يتسع لها هذا الموضع يؤخذ منها أن نصف هذا العدد ~~منتشر في الخطة العراقية وبادية الشام في أرض خصبة التربة غزيرة المياه، فإذا أسقطت من هذا ~~النصف نصف مليون وقسمت الباقي ثلثين للعراق وثلثا لسوريا، كان لك مليونا نسمة تضيفها بأسهل ~~الطرق إلى فلاحي العراق، وليس هذا العدد مما يستهان. # ثم إذا علمت ما يكون من ازدياد هذا العدد بانقطاع هذا الجم الغفير عن الغزوات ~~والتعرض لمشاق البداوة إذ حيث لا تفنيهم الحروب تنتابهم الأوبئة والمجاعات في سني انحباس ~~الأمطار وهلاك الماشية ليبس الكلأ وقلة المرعى، وعلمت أن القبائل النائية لا تلبث أن ms089 تنضم ~~إليهم بما ترى من فضل البداوة على الحضارة، واعتبرت أيضا أنهم بطبعهم كثيرو النسل؛ ثبت ~~لديك أن البلاد ليست بها حاجة إلى الفلاح الأجنبي إلا ما يؤتى به للتعليم والتدريب، وأن ~~فيها من بنيها ومجاوريها ما يكفيها عند الاقتضاء مئونة ذلك العناء. # ويؤخذ مما تقدم أن جميع القبائل المنتشرة في تلك الأصقاع لا تخرج عن إحدى فئتين: فئة ~~ألفت الزراعة، وفئة أخرى لم تألفها بعد. فأما الذين ألفوا الزراعة فغاية ما يلزم ~~لاستقرارهم في مواضعهم ومثابرتهم على العمل أن تحسن السياسة في معاملتهم، وترتفع عنهم مظالم ~~جباة الأموال، وأن تنشأ لهم مدارس ابتدائية يتناول أبناؤهم فيها ولو شيئا يسيرا من مبادئ ~~القراءة والكتابة في أول الأمر ريثما تعمر البلاد ويصير في الإمكان تعميم التعليم، وإذا ~~خصوا بشيء من منح فلاحي الأراضي السنية كان ذلك غاية ما يتمنون. # وأما الفئة الأخرى التي لم تألف الزراعة فالنظر في أمرها يستلزم اهتماما أعظم وبذل شيء ~~من المال. ولعل الحكومة تحسن صنعا بإقطاع كل فرقة منهم أرضا تتجاوز لهم عن مالها مدة سنين ~~تملكهم في نهايتها جزءا منها بلا ثمن وتخفف عنها جميعها الضرائب مدة أخرى. ولا بد لها ~~أيضا من إمدادهم بآلات الزراعة وماشيتها ولا حاجة بها بادئ بدء إلى بناء البيوت؛ لأن بيوت ~~الشعر التي لديهم تكفيهم سنين عديدة، وخير لهم وللحكومة أن يشرعوا في العمل وهم في بيوتهم ~~هذه؛ لئلا تأخذهم الوحشة إذا انتقلوا دفعة واحدة من الفراغ وبيوت الشعر إلى العمل والبيوت ~~المبنية بالحجر أو الطين، ولا بد أيضا من إمدادهم خلا بذار الزرع وفسائل الغرس بشيء من ~~الحبوب طعاما لهم قبل أن تغل لهم مزروعاتهم كفاية قوتهم. # فإذا توفرت لهم كل هذه الوسائل السهلة المنال، وتيسر لهم بعناية الحكومة من يعلمهم ~~الزراعة، ويدربهم عليها؛ فلا أسهل من ارتياحهم إليها. # أما سقي الأراضي التي يقطعونها فليس بالأمر الصعب حتى في السنين الأولى، فإن في البلاد ~~ترعا كثيرة مردومة وترعا أخرى ضيقة وقصيرة المجال، وأراضي كثيرة في صعيد العراق وأوساطه ms090 ~~تكفي بعض المزروعات فيها مياه الأمطار، فإذا أسكن بعضهم في هذه الأراضي الأخيرة اكتفوا، ~~مدة سنين، بماء المطر إلى أن تستكمل أسباب الري، ويعان النازلون على الترع المردومة ~~والترع الضيقة القصيرة على تطهيرها وتوسيعها ومدها على مسافات ، ولقد يحسن أيضا حفر ترع ~~جديدة على مقربة من بعض البلاد الآهلة بالسكان لسهولة إيصال حاصل الزراعة إليها. ولقد رأيت ~~مما تقدم أنهم لا تعلو بينهم صيحة شيوخهم حتى يهبوا إلى العمل هبة رجل واحد، وما أسهل ~~استخراج تلك الصيحة من الشيوخ. # ولا شك أن الحكومة لا تكتفي بهذه الوسائل الابتدائية لإحياء بلاد هذا شأنها فلا بد من ~~اتخاذ الوسائل الصناعية لإرواء جميع الأراضي، وتسهيل سبل الاتصال، ونقل الحاصلات بطرق ~~الحديد ومجاري الأنهار والترع، ولكن ذلك يقتضي وقتا يحسن في خلاله أن تتخذ بعض الطرق التي ~~أشرنا إليها أو ما هو من قبيلها. # على أن تعميم الري وطرق الاتصال على الأصول الصناعية الحديثة ليس الآن من الصعوبة بالمكان ~~الذي كان فيه قبل إعلان الحكومة الدستورية، فقد بادت المطامع التي كانت تقف حاجزا في وجه ~~جميع الأعمال الأخيرة. وقد زالت الموانع التي كانت تصد العمال عن العمل وذوي المال عن بذله ~~ما لم يثقلوا كاهل البلاد بأضعاف أضعافه؛ ضمانا لهم وسدا لما يبذلونه طي الخفاء لأرباب ~~السلطة والنفوذ. # فأما الفعلة - وعليهم مدار معظم العمل - فهم متوفرون في نفس البلاد. # وأما المال فإما أن يكون من البلاد أو من خارجها، فإذا أرادت الحكومة الإسراع في العمل ~~والالتجاء إلى المال الأجنبي؛ فإن أرباب الأموال وشركات العالم أجمع تتسابق إلى بذل أموالها ~~في عمل هذا شأنه لقاء فائدة يسيرة لتوثقها مما ترى من ضمان الربح. وسواء على هذه الشركات ~~أقامت بالعمل لحسابها أم لحساب الحكومة دينا لها عليها. # وإذا شاءت الحكومة أن تقوم بتلك الأعمال بأموال العثمانيين فإننا على يقين أنه يتيسر لها ~~ذلك أيضا، وإن اقتضى زيادة في الزمن لإنجاز العمل؛ لأن ما كان يبدو من العثمانيين من ~~التباطؤ عن إنشاء الشركات لم يكن ناشئا عن ms091 قلة إلمام بنفعها أو تعذر وجود المال، وإنما ~~كان لقلة ثقة بحكومتهم. # وإذ كان نشر العلم من أقوى الوسائل المؤدية إلى توطيد أركان الحضارة، وكان لا بد لهذه ~~الحكومة الدستورية من إذاعة تعليم اللغة الرسمية ليسهل على العناصر المختلفة أن تتفاهم أيان ~~شاءت؛ وجب أيضا أن تنشأ ولو بضعة كتاتيب تدرس فيها اللغة التركية لأبناء الشيوخ إلى أن ~~يتيسر تعميم تعليمها؛ فإن ذلك يزيل من وجه الحكومة الجديدة كثيرا من العقبات التي قامت ~~بوجه السلاطين في الزمن السابق لعدم اكتراثهم بنشر لسانهم بين أبناء رعيتهم، ولقد فكرت ~~حكومة الاستبداد منذ أعوام بشيء من ذلك فأنشأت في الأستانة المدرسة المعروفة بمكتب العشائر، ~~ولكنها جرت فيه على خلاف المقصود إذ كان أبناء الشيوخ من الطلبة فيه أشبه برهائن منهم بطلاب ~~علم، وأحيطوا بالجواسيس، وأوذوا ولم يخف ذلك على ذويهم؛ فكان ذلك المكتب من أسباب زيادة ~~النفور بدلا من التآلف. # وإنه لا يصعب على أي كان أن يتصور ما ينجم من النفع للعالم أجمع بعد إنجاز تلك الأعمال ~~الخطيرة، وقيام المدن والقرى في بلاد تتلقاها بملء البشر بعد طول العهد بشدة شوقها إليها إذ ~~تصبح تلك القفار رياضا نضرة ومصدر رزق ورخاء لأهلها ولسواهم بما يفيض من خيرها وتضاف إلى ~~أمم الحضارة قبائل شتيتة هي بمثابة أمة كبيرة، قد طالما امتدت يدها في الأزمان ~~السالفة إلى توطيد أركان التمدن. # وأما الدولة العثمانية فبعد أن كانت هذه البلاد علة ضعف وفقر ومعرة لها فستصبح - إن شاء ~~الله - مورد قوة وغنى وفخر عظيم. # ولا حاجة بنا - بعد ما تقدم - إلى إطالة الشرح بوصف الحالة الزراعية في سائر البلاد ~~العثمانية مما ولي العراق، من سوريا إلى الأناضول إلى الولايات الأوروبية وبلاد الغرب؛ فإن ~~فيها جميعا بقعا لا تقل عن أرض العراق خصبا وغزارة ماء، وهي كلها متشابهة في الخراب ~~وأسبابه من الإهمال والفتن والاستبداد حتى في ما جاور مقر السلطنة في نفس أوروبا كأن ~~الخراب صار من مميزات هذا الملك الفسيح. ولا يصعب على الجغرافي السائح ms092 في أوروبا أن يحسن ~~رسم حدود البلاد من تتبع الفرق الذي يبدو له واضحا بين مظاهرها ومظاهر ما جاورها من ~~البلاد الأوروبية حتى في الممالك التي انفصلت عن جسمها. وحسبك تثبتا من ذلك أن تركب ~~قطار سكة الحديد من الأستانة، فلا تصل جسر مصطفى باشا على الحدود البلغارية حتى ترى ما فعلت ~~يد العمل والاجتهاد في هذه السنين القلائل. # وأما وسائل الإصلاح فهي وإن اختلفت بعضها في بقعة عما سواها بالنظر إلى طرق السقي وطبيعة ~~البلاد وخلق السكان؛ فمرجعها كلها إلى توطيد الأمن والعناية بالفلاح، وقد اتضح جليا حتى ~~الآن أن ذلك من أجل ما ترمي إليه حكومتنا الدستورية. # | كلمة في سائر موارد الثروة # المعادن # لم تلتفت الحكومة العثمانية في زمن من الأزمان إلى تحري المعادن الموجودة في بلاد ~~السلطنة بعناية تضمن استخراج تلك الكنوز الدفينة، ولكن كل الظواهر البادية من تشعب ~~المناطق والتربة فيها وبحث السياح وطلاب الثروة بطريق الامتيازات واهتمام بعض الولاة ~~وتقارير قناصل الدول تؤدي إلى الاعتقاد بوجود معادن كثيرة مختلفة الأنواع عظيمة الشأن. ~~مما ظهرت آثاره ومما لم تظهر. # فالفحم الحجري وهو من أعظم أركان الثروة موجود في قسمي أوروبا وآسيا مما بذلت بعض ~~الهمة في استخراجه كمعادن هركلي، ومما لا يزال مهملا كمناجم مندلي في ولاية بغداد. ~~ومعادن الكروم والرصاص الفضي تستخرج بقلة من الولايات الأوروبية، ومثلها معادن الحمر ~~في الأراضي السنية بسوريا والنحاس في أرغني بولاية ديار بكر، وفي مواضع كثيرة معادن ~~ظاهرة، وتوشك أن تكون مهملة كل الإهمال، ومنها الذهب والفضة والأنتيمون والزرنيخ ~~والسنباذج والزئبق والمنغنيس والحديد والقار الحجري والسائل والكبريت والبورق ومقالع ~~الرخام على اختلاف أنواعه. # وليس ببعيد أن يكون فيها منابع بترول غزيرة. فقد شرع منذ نحو خمس وعشرين سنة ~~باستخراجه من ضواحي الإسكندرونة ثم أهمل لأسباب غامضة، وأما في ولاية بغداد فوجوده ~~محقق؛ إذ يستعمله أهالي مندلي وجوارها بحالته الطبيعية بلا تصفية، وقد كان مدحت باشا ~~اهتم باستخراجه على الطرق الحديثة، فأنفق مبالغ طائلة على بناء معمل في بعقوبة استجلب ms093 ~~له الآلات والمهندسين، وطالما بدت بوارق النجاح غادر مدحت الولاية فأقفل المعمل ولعبت ~~به أيدي الدمار، وأما المياه المعدنية بجميع أنواعها الحارة والباردة فهي متفجرة في ~~مواضع كثيرة لا يكاد يلتفت إليها مع ثبوت مضاهاتها لأحسن الأنواع من أمثالها في ~~أوروبا، وهي كثيرة بعضها في أوروبا كمياه بورصة، وبعضها في آسيا كمياه وادي العمق ~~بولاية حلب. # ومن الغريب أن مياه الحمة في فلسطين، التي كان يقصدها عظماء أوروبا للاستشفاء، ~~وأنشأ فيها قياصرة الرومان حمامات تدل آثارها على عظمة لا مثيل لها في أشباهها ~~بأوروبا، باتت مهملة لا ينتابها إلا القليلون من أبناء الجوار ممن لا يطيق الانتقال ~~إلى أوروبا. # وأما الملاحات البرية والبحرية فكثيرة جدا، وبعضها يستخرج منه الملح بهمة ~~وعناية فينتج دخلا غير قليل، ولا عجب بتلك العناية الخاصة فإدارة الديون العمومية هي ~~الرقيبة عليها الحافظة لدخلها. # وفي الدستور القديم قانون واف للمعادن ضامن لحقوق الدولة والأفراد، ولكن الاستبداد ~~كان يعبث به عبثه في غيره؛ فقد شاهدنا غير مرة باحثا مجتهدا أو مكتشفا خبيرا عثر ~~على منجم فأنفق المال في البحث والامتحان وطلب الرخصة الرسمية باستخراجه وأجريت ~~المعاملات المعتادة، وإذا بالإرادة السنية صدرت بإعطائه هبة أو لقاء بدل طفيف لأحد ~~المقربين. # وأما الغابات والحراج، فقد كانت كثيرة جدا ومن أنواع شتى باد معظمها ~~بالإهمال، ومع ذلك فالباقي منها كثير كحراج قسطموني وكليكيا في الأناضول، وغيرهما مما ~~لا يفوقه شيء من أمثاله في بلاد أوروبا. # ولا شك أن الحكومة الدستورية ناظرة إلى جميع فروع هذه الثروة الدفينة والمبددة، ~~وحريصة على لم شعثها وادخارها. # الصناعة # إن الصناعة في البلاد العثمانية أسوأ حالا من الزراعة، مع أن فيها منشأ كثير من ~~الصناعات القديمة التي بادت كصناعة الزجاج والقرمز في فينيقيا. والنحت والحفر وصناعة ~~التماثيل في جزر الأرخبيل. والرسم وما لحق به من نتاج الفنون الجميلة في القسطنطينية ~~وما وليها من بلاد الروملي. وكان آخر هذه الصناعات عهدا بالاضمحلال صناعة القاشاني ~~البديعة في دمشق الشام، وهو معلوم أن معظم الأمم القاطنة في بلاد ms094 الروملي والأناضول ~~والجزر اليونانية وسوريا وأعالي العراق ممن اشتهر في أكثر العصور بالحذق والمهارة في ~~الصناعة ولكن صروف الزمان التي انتابت بلادهم قوضت في جملة ما قوضت أركان صناعتهم، ثم ~~قامت معامل البخار في أوروبا فكانت الضربة القاضية عليها. # ومع ذلك فلا يزال في كثير من هذه البلاد كثير من الصناعات الخاصة بها مما يستعمل ~~لحاجات السكان من المصنوعات المعدنية من الذهب والفضة والنحاس والحديد والحجارة الكريمة ~~والمنسوجات الحريرية ومحوكات الصوف والقطن وصناعة الخشب والدباغة وزخرف البناء وغير ~~ذلك، وإن لهم في بعض هذه الصناعات مهارة توشك أن تستغرب من قوم طال عهد القطيعة بينهم ~~وبين نتاج الصناعة في العلم الحديث. وحسبك أن تدخل جامع الخليفة عمر الذي جدد بناؤه ~~حديثا في دمشق الشام أو تنظر إلى المنسوجات الحريرية في كثير من المدن ونفس القرى؛ ~~تتحقق أن جرثومة الصناعة حية تنهض منبعثة لأول دافع يدفعها. # ولا شك أن هذه الصناعات - على قلتها - تفيد البلاد فائدة جزيلة بما تستخرجه لأهاليها ~~من لوازمهم، وما تفيضه من الرزق على العملة والتجار. ولكن هذه الفائدة لا تذكر ~~بإزاء ما تحتمله البلاد بما فيها من يد عامل ونتاج تربة وطبيعة؛ إذ لا يكاد أكثر هذه ~~المصنوعات يكفي السكان، وإذا استثنينا مصنوعات قليلة كالسجاد الذي يصدر من أزمير ~~والصدف المنقوش الذي يصدر من بيت لحم والكهرباء من صنع الأستانة، فليس في البلاد ~~العثمانية صادر صناعة إلى الخارج وأشد من ذلك عليها أن الوارد من المصنوعات الإفرنجية ~~من نفس المصنوعات المحلية يربو كثيرا على ما يصرف في البلاد من مصنوع أهلها. # وأغرب من هذا أن في أوروبا مصنوعات كثيرة مما لا يستعمل فيها وإنما يصنع فيها ~~ليرسل إلينا، ولربما جهل الصناع وجهة استعماله كالمنسوج المعروف باليازمة وكوفيات ~~العرب المعروفة باليشمق وزجاج النراكيل. حتى الفيوس أو الطرابيش التي هي شعار ~~العثمانيين لم ينشأ لها معمل إلا لعهد قريب بهمة الخزينة الخاصة، ولكنه لا يخرج إلا ~~جزءا مما تستلزمه حاجة البلاد. # ولربما أخذوا مادة تلك المصنوعات من عندنا، فربح ms095 بها التاجر، وأرسلت إليهم فأنفقوا ~~على نقلها ورسومها وأدخلوها معاملهم فأخذ العامل أجرته الباهظة، وأضيفت إليها نفقات ~~الشحن والرسوم، وأرباح أصحاب المعامل والتجار فذهبت جزة الصوف من عندنا بثمن زهيد، ~~وأعيدت إلينا طرابيش أو غيرها بأضعاف أضعاف ثمنها. وتوزعت أرباحها على أصناف الناس. ~~ولم يصبنا منها إلا الثمن الأصلي الطفيف. # وإنه ليؤلم العثمانيين - بعد نهضتهم هذه - أن تكون تلك حالة الصناعة في بلادهم، وجميع ~~مواد الصناعة ومعداتها متوفرة لديهم، فعندهم العامل الحاذق النشيط، وعندهم الفحم الحجري ~~ومنتجات القوة المتفرقة في أنحاء البلاد، من منحدرات الأنهار الكبيرة إلى شلالات ~~الجداول الصغيرة التي تولد الكهرباء بقوة ألوف الأحصنة، وعندهم أحسن المواد اللازمة ~~لمعامل الحديد والخشب والزجاج حتى بناء السفن، وعندهم الحرير والصوف والقطن والكتان ~~للمنسوجات على اختلاف أنواعها، وعندهم المعادن المختلفة وسائر اللوازم المادية. فإذا ~~نشطوا من عقال الخمول فشأنهم في إتقان الصناعة لا يقل عنه في سائر الشئون. # ولقد حدت الهمة فيما مضى كثيرين منهم إلى إنشاء المعامل على الطرز الأوروبي فلم يفلح ~~إلا القليل، وهذه معامل الورق في الأستانة وبيروت لم تكد تعيش حتى ماتت؛ إذ لم يكن في ~~البلاد من ينشط الصناعة، وموازرة الحكومة مفقودة. ولكن حيث توفرت أسباب النجاح وساد ~~الأمن وأخذت الحيطة اللازمة لإتقان الصنعة ما لبث الأهالي أن أفلحوا وانتزعوا الصناعة ~~من أيدي الأوروبيين أنفسهم، وهذه معامل حل الحرير في جبل لبنان لا تخلو منها الآن بقعة ~~من بقاعه وهي تكاد تكون كلها لأهله، وقد كانت منذ سنين قلائل بضعة معامل في يد ~~الأوروبيين، فما تعلم السكان تلك الصناعة حتى شاد تجارهم معامل خاصة بهم. وبمدة يسيرة ~~استولوا على صناعة جديدة على الطراز الحديث، فكانت مورد رزق عظيم لجميع سكان ~~البلاد. # التجارة # إن بلادا كبلاد الدولة العثمانية، وهي عروة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث، ~~كان يجب أن تكون قابضة على أوثق أزمة التجارة، فحيثما سرحت نظرك على موقعها في رسم ~~الكرة، من ضفة الطونا إلى السودان، ومن بلاد إيران إلى بحر الأدرياتيك؛ رأيتها مرتبطة ~~بآسيا ms096 وأوروبا وأفريقيا بصلات طبيعية تجعل لها ميزة خاصة تعز على ما سواها، وخصوصا ~~أن لها ثغورا تشرف على البحار شرقا وغربا وشمالا في طريق لا يكاد يفصله فاصل من ~~البحر الأحمر بترعة السويس حتى بحر عمان والأوقيانوس الهندي وخليج فارس. # وإن في هذه البلاد شعوبا كان لها في كل زمان - قديما وحديثا - شأن في التجارة ~~عظيم، يطوف أبناؤها البحار، ويرودون القفار في سبلها طلبا للكسب والاستعمار، فحيثما ~~استتبت لهم قوة اليد والمال زادوا على زمر تجارهم المقيمين في البلاد روادا يجوبون ~~المجاهل في أقاصي المعمور، فيستعمرون استعمار الفينيقيين أو يستطلعون استطلاع العرب ~~الذين بلغوا بطوافهم أطراف العالم الجديد، وإذا ضعفت قوتهم وقل مالهم ضربوا أشتاتا ~~في قلب الأرض، واتجروا بالقليل من المال إلى أن يتجمع لديهم كثيره - كما يفعل ~~المهاجرون العثمانيون في هذه الأيام. # فبلاد هذا موقعها وتلك صفات سكانها لا بد أن يكون أهلها يوما في مقدمة الأمم ~~التجارية إذا التأم صدعها وصلحت حالها. وليس من غرضنا في هذا المجال الضيق أن نضع ~~تقويما لتجارة البلاد ونصف الصادر والوارد، وإنما هي كلمة إجمالية نستكمل بها هذا ~~البحث الموجز. # إن التجارة في البلاد العثمانية جارية بمجراها الطبيعي بمعنى أنها تقوى وتضعف ~~بالعوامل الطارئة عليها، وقلما نرى للحكومة مسعى في إنمائها إلا ما أتى عن طريق ~~التوسيع في وسائل النقل وأكثره صادر عن مساعي الأجانب. ولكن في تحويل هذه الطرق من جهة ~~أخرى، أو فتح طرق جديدة خراب بلاد وعمار بلاد، كما جرى بعد فتح ترعة السويس؛ إذ ~~تحولت جميع تجارة العجم وبعض تجارة الهند إلى هذا الطريق بعد أن كان الصادر والوارد ~~يقطعان العراق إلى ثغر الإسكندرونة، فانحطت تجارة البلاد من ذلك الثغر إلى حلب وبغداد، ~~وبلغ الضرر جميع البلاد الممتدة برا حتى الأستانة. وهكذا فإن فتح هذا الطريق الجديد ~~أضر بتجارة جميع البلاد العثمانية، وإن ما نشأ عنه من النفع بالنظر إلى ثغور البحر ~~الأحمر لا يذكر بجانب ضرره. ولا نعرف بلدا استفاد منه فائدة حقيقية إلا البصرة إذ ms097 ~~سهل لها إصدار حاصلاتها - وأخصها التمر - إلى أوروبا. فلو كانت طرق الحديد ممتدة ~~في البلاد امتدادها في أوروبا لخفت وطأة ذلك الضرر، فإن الطرق القليلة التي أنشئت ~~حديثا في سوريا قد نشأ عنها رواج في التجارة غير قليل، ولا ريب أنه بعد بلوغ سكة حديد ~~بغداد إلى خليج فارس، وتشعب الفروع منها إلى أطراف البلاد يكون للتجارة حركة لم تكن ~~في الحسبان. # ومع أن الملاحة الوطنية بحكم العدم، فللثغور تجارة رائجة بفضل السفن الأجنبية. وأما ~~البلاد البعيدة عن مشارف البحر كديار بكر والموصل وأريافهما، فما أشد ما ينالها من ~~الضرر لصعوبة النقل منها وإليها. فلقد يشهد المراقب فيها ما شهد فرعون في مصر إذ أكلت ~~البقرات العجاف البقرات السمان، ومرت عليها بعد سنة 1874 سنو خصب ورخاء فضاقت البيادر ~~بحاصل الحبوب من نتاج الزراعة، ولم يكن في الإمكان إصدارها إلى الخارج لصعوبة النقل ~~وغلاء أجرته مع رخص أثمان الحبوب، فبقيت ركاما بعضها فوق بعض إلى أن تلفت. ثم عقب ~~تلك السنين زمن قحط فلم تأت سنة 1879 حتى اشتد الضيق، ثم كانت مجاعة فتكت بالسكان ~~أي فتك، ولم يبلغهم المدد لبعد المسافة حتى فني منهم من فني وتشتت من تشتت من ~~الفقراء، وابتاع الباقون من الموسرين قوت يومهم بدخل سنتهم. # على أن أمثال تلك النكبات سيمتنع حصولها بعد تشعب الطرق في البلاد، وإن تفاؤلنا ~~بنمو التجارة في جميع أنحاء السلطنة لا يقل عنه بسائر وسائل النمو والارتقاء المادية ~~والمعنوية. # وإذا اعتبرت أن في داخل البلاد جميع أصناف التجارة من حاصل الزراعة حبوبا وبقولا ~~وثمرا وسائر ما تنبت الأرض ويربى فيها مما يستعمل نسيجا وصبغا ويدخل في الصناعات ~~المختلفة وما تدخره الطبيعة من غاب ومعدن وحجر وصدف، وما يسرح على وجه الأرض من ماشية ~~بلحمها وصوفها وجلدها من داب وطائر وسابح؛ إذا اعتبرت ذلك ونظرت بعين البصيرة إلى ~~المستقبل فتصورت ما يكون من شأن جميع هذه الأصناف بعد بسط العدل واستتاب الأمن وتسهيل ~~وسائل النقل برا وبحرا، وإذا أضفت إلى ما ms098 تقدم نتاج الصناعة المقبلة مع ما تعلمه من ~~اتساع هذه البلاد وتوسطها بين الشرق والغرب؛ يخيل لك أنه لا يطول بها العهد حتى تصبح ~~المحور الأعظم لتجارة العالم. # الأعمال العامة والشركات # إذا ضجت البلاد بالشكوى من إهمال الزراعة والصناعة وقلة العناية بإنماء التجارة ~~فشكواها عظيمة أيضا لإهمال الأعمال العامة المنوط النظر فيها بنظارة النافعة. # ولسنا بمنكرين أن في البلاد طرقا حديدية ومرافئ قليلة وبعض الطرق للعربات وشركات ~~قليلة لتوزيع المياه وما أشبه، ولكن كل ذلك نقطة من بحر من حاجة البلاد، فوسائل النقل ~~وتقريب سبل الاتصال - وهي روح إنماء الثروة - لا تزال قاصرة على بعض طرق الحديد التي لا ~~تفي بالمراد، وجميعها - ما خلا سكة حديد الحجاز - مما يدار بالامتياز بأيدي الأجانب ~~بشروط فادحة تثقل كاهل الدولة والأمة. # ولقد كانت الحكومة وضعت لعهد السلطان عبد العزيز خطة مستوفاة لجميع فروع الطريق ~~الحديدية التي يجب أن تخترق البلاد عرضا وطولا، ولكنها أهملت فيما أهمل إلا نزرا ~~مما أنشأته الشركات الأجنبية. وأظن المقترح لتلك الخطة مدحت باشا. # وأما الملاحة - وهي قرينة طرق الحديد - فهي في جميع البلاد العثمانية اسم بلا ~~مسمى. وإذا استثنينا بعض بويخرات تمخر في البوسفور لنقل المصطافين أو تقطع دجلة لحساب ~~الخزينة الخاصة أو تتهادى بين أزمير والأستانة لحساب بعض الأهالي، فليس في البلاد ~~العثمانية كلها طائفة سفن تجارية تزود الثغور العثمانية وغيرها لحساب القوة الحاكمة أو ~~الأمة المحكومة. # أوليس من الغرائب أن تكون هذه البلاد المتسعة الأرجاء وثغورها ممتدة على ألوف من ~~الأميال، وجزرها قائمة كالرواسي في قلب البحار، ولها من الإشراف على الشواطئ ما تحسدها ~~عليه جميع دول أوروبا؟ حتى إنكلترا ملكة البحار مضطرة هي وحكومتها إلى استخدام سفن ~~الأجانب في أقل الحاجات. # فإذا كان لنا زملاء مماثلون في التأخر والتقهقر في جميع الشئون فليس لنا من أمم ~~الأرض أمة تماثلنا بتأخر ملاحتنا، وهذه أصغر الدول لا تعدم سفنا تجارية لها أو ~~لأبنائها تمخر في عرض البحار، وهذه جارتنا إيران تجوب بواخرها خليج فارس والإقيانوس ~~الهندي وغيرهما. ms099 وهذه الدول الصغيرة التي انفصلت من جسمنا باتت جميعها ذوات أساطيل ~~تجارية. # وإذا كان سلك البحار بما يعد مسافة يسيرة عن الشاطئ مباحا لجميع الدول على السواء، ~~وكان لنا غنى بسفن الأجانب لنقل ركابنا وأصناف تجارتنا، أليس من العار أن نكون مضطرين ~~إلى نقل بريدنا بين ثغر وثغر على سفن الأجانب مسافة ساعات؟ # وإذا أرادت الحكومة أن تتملص من تبعة هذا الإهمال زاعمة أن ذلك شأن الأهالي وأنها لم ~~تصدهم يوما عن القيام بمثل هذه الأعمال؛ فحسبنا ردا لهذا الزعم الرجوع إلى موقفها ~~إزاء الشركات الوطنية - كما سيأتي بعيد هذا - وإلا فسكان جميع الثغور البحرية أهل ~~مجازفة في التجارة وإقدام في التجارة كما يشهد ماضيهم، وكثيرا ما يهب أفرادهم إلى بناء ~~السفن الشراعية لتجارتهم، ولكن بعد أن قضى البخار على الشراع في الأسفار الطويلة باتت ~~سفنهم الخاصة غير وافية بالمقصود التام. # انظر مثلا إلى اليونان أبناء الدولة المنفصلة من دولتنا، وإلى اليونان إخواننا في ~~بلادنا وهم جميعا من دم واحد، فلماذا ترى لأولئك بواخر وشركات تسيرها شرقا وغربا ~~ولا ترى لهؤلاء أمثالها؟ وانظر أيضا إلى العرب أبناء الدولة العثمانية وإلى إخوانهم من ~~سكان حضرموت وبحر عمان مما خرج عن سيطرة الدولة، وهم أقل منهم علما ومدنية، فعلام ~~لا ترى لعربنا أسطولا تجاريا ولأولئك أساطيل تعد سفنها بالمئات وهي إن كانت شراعية ~~فإنهم يبنونها بأيديهم ويسيرون بها ماخرين بتجارتهم من ساحل بحر عمان إلى الهند والصين ~~وجاوه وسيلان وثغور البحر الأحمر وخليج فارس. # فالملاحة من بعض جهاتها أشد لزوما من طرق الاتصال الداخلية؛ لأنها من جهة تربط ~~البلاد بعضها ببعض، وهي من جهة أخرى عروة الوصل بينها وبين بلاد الأجانب. فهي بهذا ~~الاعتبار من أعظم أركان الثروة والقوة والعظمة، وهذه الدولة الإنكليزية يشهد تاريخها ~~أن أسطولها التجاري كانت يده في إنماء الثروة وإعلاء شأن البلاد فوق يد الأسطول ~~الحربي بكل قوته وعظمته. # ومن لوازم الملاحة أيضا: إصلاح المرافئ، وهي على كونها تعد بالمئات ليس فيها ما ~~يصلح لرسو السفن الكبيرة وإقامتها ms100 فيها إلا ما أعدته الطبيعة كثغر الإسكندرونة ~~وأشباهها، ما خلا مرافئ قليلة أصلحت بيد الشركات الأجنبية كمرافئ الأستانة وأزمير ~~وبيروت، فهذه جميعها أمور داخلة في مجال الإصلاح المتسع الذي اختطته الحكومة ~~الدستورية لإعلاء شأن البلاد. # وليست وسائل النقل برا وبحرا داخل البلاد وخارجها على المسافات الشاسعة بأسوأ ~~حالا من وسائل انتقال أصناف الناس على المسافات القريبة داخل البلاد، مما يمكن تسهيله ~~بمد خطوط الترام أو تسهيل طرق العربات. ولقد طالما رأينا المثرين من العثمانيين سكان ~~المدن يؤثرون الاصطياف في أوروبا تفاديا من مشقة السفر إلى أريفهم العذبة الماء ~~النقية الهواء، ولا غرو فإن ابن دمشق الشام مثلا لا يعاني في قطع البحار وصعود ~~الجبال إلى سويسرا نصف ما يعانيه هو وعياله بتسلق مشاعب الجبل الشرقي إلى إحدى قراه ~~البديعة الموقع البهجة المناظر، هذا بصرف النظر عن سهولة المعيشة في تلك وصعوبته في ~~هذه. # وإذا انثنيت إلى المدائن في قلب البلاد بدت لك أيضا تلك الصعوبة، وإن كانت أخف وطأة ~~فإن الشاخص مثلا في نفس بغداد من الباب الشرقي إلى باب المعظم تعجزه السهولة التي ~~ينتقل بها ابن باريس إلى ڨرساي أو ابن لندن إلى بريتن على مسافات تعادل أضعاف أضعاف ~~تلك المسافة. # وقس على ذلك جميع شئون المدن الداخلية، مما يدخل في اختصاص البلديات من إنارة وتنظيف ~~وتوسيع شوارع. # سألني أحد أصدقائي ممن لم يروا الأستانة أن أكتب له شيئا في وصفها، وكان ذلك في زمن ~~الاستبداد يوم كانت جميع الرسائل تحت رحمة الجواسيس وكلمة نقد جريمة لا تغتفر، فقلت - ~~تملصا من حراجة الموقف بعد وصف جمال ذلك الموقع الفريد: «وكأن الإنسان أشفق على ذلك ~~الجمال الرائع أن تعبث به يده البشرية فغادره على فطرة خالقه.» # وأثناء معرض شيكاغو شخص إليها بعض تجار الأستانة فوصلوها بيوم مطير وبعض أطراف البلدة ~~إذ ذاك غير مستتم التنظيم فكتبت إحدى الجرائد: «وصلت اليوم زمرة من زوار المعرض قادمة ~~من القسطنطينية فأهلا بالضيوف، وإنه ليسرنا جدا أنهم وصلوا بمثل هذا اليوم ~~والأوحال ملء الأزقة، ms101 فلا تأخذهم الوحشة لفراق عاصمتهم إذ يرون من قذارة شوارعنا ما ~~يستأنسون به لذكرى وطنهم العزيز.» # وإن من قرأ نظام البلديات وجال في أنحاء السلطنة تتولاه الدهشة لما يرى من التناقض ~~بين القول والعمل، بل يزداد دهشة مما يراه من فضل المدن الصغيرة على الكبيرة بإنفاذ ~~مضمون ذلك النظام، فلو جلت في شوارع مدللي البلد الصغير، ثم طفت شوارع الأستانة تلك ~~العاصمة العظمى، هالك ما رأيت من فضل الاعتناء بالصغير على الكبير، والسبب في ذلك أن ما ~~يجبى من المال لحساب البلديات في المدن الصغيرة لا يذهب منه هدرا إلا ما يختلسه ~~المأمورون. وأما في المدن الكبيرة فعوامل تبديد المال محيطة بالبلديات من كل جانب؛ ~~فهناك الاختلاس العادي، وهناك الأوامر القاضية بصرف تلك الأموال بوجهات غير مشروعة ~~بحجج شتى، أو تقديمها للخزينة قرضا لا يخطر في البال رده. ولا ننس أيضا أن قسما ~~عظيما من أموال البلديات يذهب بإرادات سنية معاشات للمنفيين من الأحرار أو المتزلفين ~~إلى ذوي الكلمة العالية من المقربين، فلا يبقى في خزانة البلدية غير ثمالة لا تشفي ~~غليلا. # فلا تعجب - بعد ما تقدم بيانه - أن تكون أكثر الشوارع قذرة، والأزقة ضيقة معوجة، ~~يصعب المرور فيها نهارا لكثرة الازدحام وليلا لاشتداد الظلام، ولو لم تكن يد العناية ~~قد جعلت أكثر تلك المدائن في مواقع نقية الهواء لكانت الأوبئة تجرف السكان ~~جرفا. # أما سائر الأعمال النافعة الخارجة عن اختصاص الحكومة والبلديات والتي لا تقوم إلا ~~بتألف الجماعات لإنفاق المال فحالتها أشر وأدهى؛ إذ لا يكاد يوجد أثر للشركات ~~الوطنية، وحيثما وجدت طريق حديد أو شركة لتوزيع الماء أو لإنارة بلدة وما أشبه فإنما ~~هي بيد الشركات الأجنبية، ما خلا القليل من مثل الشركة الخيرية والشركة المخصوصة التي ~~تنقل الركاب بين الأستانة وجزر الأمراء وضفاف البوسفور أو شركة ترامواي الكاظم التي ~~أنشأها مدحت باشا ببغداد، ولكن منافع هذه الشركات منحصرة بيد أفراد قلائل، وليست ~~أسهمها مما تتداوله الأيدي بسهولة تداول ما لسواها من سائر الأسهم لأسباب ليس هنا ~~موضع ms102 بسطها، فليست إذا بالمثال الذي يقاس عليه. # ومن المضحكات أنك لو قلت هذا القول في زمن الاستبداد فأقل ما كان يصيبك من أسباب ~~المهانة أن تكذب فيه، فيقال لك إن جميع الشركات في البلاد العثمانية عثمانية بمقتضى ~~القانون، فيقال البنك العثماني وشركة الرزي (احتكار الدخان) العثمانية، فهل كان يتاح لك ~~حينئذ أن تقول إن نعت تلك الشركات بالعثمانية إنما هو حلية لا تفيد كونها وطنية، وكيف ~~تكون عثمانية بالفعل ومجالس إدارتها في باريس ولندن وفينا وبرلين. # وإن بعض هذه الشركات، كالبنك العثماني، وشركات طرق الحديد، وشركات الماء؛ قد أفاد ~~فائدة يحق لها أن تقتضي تسطيرها في التاريخ، ولكن ذلك ليس بالمانع لنا من التصريح أن ~~الشركات الوطنية أجزل نفعا - لو أمكن تأليفها وأحسنت إدارتها ولم تقيد ~~حريتها. # ولقد يقول أنصار الاستبداد أن المانع من إنشاء الشركات الوطنية أسباب ثلاثة لا شأن ~~للحكومة فيها. أولها: قلة المال. وثانيها: قلة رغبة الأهالي في الإقبال عليها. وثالثها: ~~تعذر وجود المديرين الصالحين للقيام بالعمل. وهو كلام لا يخلو من الصحة في كل وجوهه، ~~ولكنه لولا وجود سبب رابع هو: قلة الثقة بالحكومة لتيسر تلافي هذه الموانع الثلاثة ~~شيئا فشيئا. # فأما المال فإننا لا نزعم أنه متوفر لدينا توفره في أوروبا، ولكننا مع ذلك لو ~~حسبنا أموال العثمانيين الموزعة في الشركات الأجنبية داخل البلاد وخارجها لكان لنا من ~~ذلك رأس مال يعد بالملايين. وهو إن لم يكن كافيا للقيام بجميع الأعمال اللازمة فلا ~~ريب أن بعضه يكفي للقيام بجزء عظيم منها. وأما قلة رغبة الأهالي في الإقبال على أمر لم ~~يألفوه، فمما تقدم يتضح أن ذلك زعم فاسد وإليك مثالا يثبت فساده بأجلى بيان. # أراد المرحوم برتقال باشا سنة 1892 - وهو إذ ذاك ناظر الخزينة الخاصة - أن يسير ~~طائفة من السفن تمخر في دجلة بين بغداد والبصرة، ثم في الفرات بين البصرة ومسكنة؛ ~~لتقوم مقام بواخر إدارة عمان التي أنشأها مدحت باشا، وكادت تئول إلى الاضمحلال. فخطر ~~له؛ دفعا لمظان الريب عن الخزينة الخاصة - ونعم ms103 الخاطر - أن يؤلف شركة وطنية من أهالي ~~العراق باشتراك الخزينة الخاصة، وكنا ممن أخذ رأيه في الأمر لسابق اطلاعنا على أعمال ~~إدارة عمان. فقلنا: إن إقبال الأهالي على الاكتتاب سيكون عظيما على شرط أن تطلق يدهم ~~في العمل، فخوبر والي بغداد فجمع التجار، ثم أرسل تقريرا ضافيا يقول فيه إن تجار ~~بغداد وحدها مستعدون للاكتتاب بضعفي رأس المال المطلوب، فنظم برتقال باشا قانون الشركة، ~~وجعل من جملة شروطه أن يكون الوالي (أو ناظر الأراضي السنية ببغداد) رئيسا دائما ~~لمجلس الشركة، وأنه هو الذي يعين مواقيت سفر البواخر، فقلنا حينئذ إننا وإن لم نكن ممن ~~اعتاد الرهان نراهن بكل ما عز وهان أنه لا يتيسر جمع شيء مما اكتتب به ما لم يلغ هذا ~~الشرط، فلم يقع هذا القول موقع القبول، ولما اطلع تجار بغداد على مضمون ذلك القانون ~~نكلوا جميعا وآل الأمر إلى إنشاء تلك البواخر لحساب الخزينة الخاصة، فسيرتها في دجلة ~~على نية أن تسير أخواتها على الفرات. # وأما القول بتعذر وجود المديرين الصالحين لإدارة العمل من كل وجوهه، فهو صحيح ولكن ~~الإفرنج لم يخلقوا مديرين للشركات، فما المانع أن نحذو حذوهم، ونتخذ منهم معاونين ~~نتدرب بموازرتهم على إدارتها، فلا يمر زمن يسير حتى نعتاد ما اعتادوا، ونحسن ما ~~أحسنوا، فإن حاجتنا إليهم من هذه الوجهة ليست دون حاجتنا إليهم للأعمال الهندسية وسائر ~~ما سبقت لهم به خبرة لم ينلنا منها بعد غير نصيب ضئيل. # ثم إن من راقب أحوال البلاد الاقتصادية في الثلاثين سنة الماضية يرى في البلاد نهضة ~~حقيقية لتثمير المال بواسطة المشروعات العامة، وإذ لم يكن للعثمانيين ثقة بحكومتهم ~~وحكامهم كانوا حيثما أرادوا ولوج هذه الأعمال أو تثمير أموالهم بأسهم الشركات ~~تستروا تحت أذيال الأجانب. # وإننا لا نزال نذكر أياما تقدمت إعطاء الامتياز بمرفأ بيروت، فبحث البيروتيون في ~~المسألة على اختلاف نحلهم فقلنا لرجل من كبار موسريهم يتلهب غيرة على الاسم ~~العثماني ويجود للجند بمال كثير زكاة عن ماله: «علام لا تؤسسون شركتكم هنا وتحرزون ~~كل ms104 فائدتها؟» فقال: «ومن يضمن لنا كف يد الحكومة أو الولاة عن التدخل بشئوننا، ~~والمال عزيز نضن به أن يكون طوع أمر ولاة الأمر، فأنا الضمين بتقديم نصف رأس المال ~~وحدي إذا كان مركز إدارة الشركة في باريس أو لندن، ولا أجازف بقرش إذا كانت الشركة ~~عثمانية اسما وفعلا ومركز مجلس إدارتها بيروت أو الأستانة.» # وإذا أردت برهانا أعظم فانظر إلى كل صنائع «المابين» الذين كانوا ينالون الامتيازات ~~بلا عناء، أفما كانوا جميعهم يبيعونها من الأجانب بأثمان بخسة مع علمهم أنهم لو ألفوا ~~لها شركات أو استثمروها بأنفسهم لنالهم من الربح أضعاف ما نقدوه، ولكن أنى يتسنى لهم ~~ذلك وثقتهم مفقودة من نفس أنفسهم، ولا يعلم الواحد منهم مع كل عظمته متى تأتي نوبته ~~فينضى سيف النقمة فوق هامته فكيف تحصل الثقة بعد ذلك لسائر الناس. # ولقد أسلفنا أننا لسنا ممن ينكر فضل الأجانب بتأليف الشركات عندنا؛ إذ لولاهم لبقينا ~~الآن نخترق الوديان والهضاب على البغال والجمال، ولم يكن لنا مرفأ ولا مصرف ولا شيء من ~~وسائل العمران الحديث ولسنا أيضا ممن يقول بوجوب الاستغناء عنهم - لو فرضنا ذلك في ~~الإمكان - فالبلاد تستفيد من مالهم وعلمهم لقاء ما يستفيدون منها، ولكننا ننكر - كل ~~الإنكار - أن لا يكون لنا يد في شيء من تلك الأعمال في بلادنا، وإذا شاركناهم بالمال ~~فإنما نحن شركاء متسترون بنفوذهم وسيطرتهم. # أما الآن وقد احتجب طالع الاستبداد وفتحت الأبواب للطلاب؛ فالأمل أن لا تمر برهة ~~طويلة حتى نرى أيدي أبناء الوطن ممتدة إلى كل عمل مفيد في بلادهم، سواء استقلوا به ~~بأنفسهم أو استرشدوا له بشريك أجنبي. # | السياح والمستوطنون # لا يعجبن القارئ اللبيب إذا عقدنا لهذا البحث بابا خاصا ألحقناه بأبواب موارد ~~الثروة، وإن كان لا يجوز حسبانه من مصادر الثروة الطبيعية، ولا سيما في بلاد لا يجد السائح ~~الغريب فيها كل ما تتطلبه نفسه من أسباب النزهة والراحة. فإننا الآن في إبان نهضة يجب ~~أن نتطلع من خلالها إلى كل وسيلة من وسائل العمران. والأموال التي ms105 ينفقها رواد البلاد ~~ليست بالمبالغ التي لا يعتد بها. # وإننا لا نطمع أن يكون لنا - بزمن قريب - مراتع للنزهة الخالصة، كباريس، تلك الجنة ~~الجامعة للهو والزهو واللطف والظرف والعلم والمال؛ فإنها لم تبلغ ذلك المبلغ إلا بقرون ~~مضافة إلى كياسة السكان وجهادهم. ولكنه يحق لنا أن نطمع مذ الآن بجعل بلادنا نجعة الرواد، ~~من كل طالب راحة وعافية وراغب في ترويض نظر وترويح نفس واستطلاع أثر ومن كل ورع ~~متعبد. # وإن لنا من اختلاف مواقعها وتاريخها ميزة خاصة تجتذب السياح من كل فج سحيق. # فإن فيها مواطن الأنبياء ومهابط الوحي، فهي - بهذا الاعتبار - محجة المسلمين والمسيحيين ~~وبني إسرائيل من كل أقطار الأرض. وليس هذا بالشيء القليل وإن لاح قليلا في الحالة الحاضرة، ~~إذ لو نظرت إلى المعالم الدينية في أوروبا وعلمت أن زوار واحدة منها كسيدة لورد في ~~فرنسا يربو على عدد جميع الزوار الذين ينتابون بيت المقدس من أبناء جميع الأديان؛ تحققت ~~أننا لو أعددنا هنا من أسباب الراحة في الحل والترحال ما أعدوا هنالك لكان للبلاد من ~~وراء ذلك مورد ثروة جديد. # ولا ريب أن أعظم حسنة يسجلها التاريخ للحكومة الغابرة إنما هي سكة حديد الحجاز؛ لأنها بعد ~~انتهائها ومد فروعها إلى البحر الأحمر وانتظام شعبها إلى البحر المتوسط ستكون بقطع النظر عن ~~سائر ما لها من الحسنات أعظم دعامة لهذا الركن المتين، وسيتضاعف بها عدد الحجاج عما ~~قريب. # ومع ذلك فيبقى على أولي الأمر وأبناء البلاد ابتداع كثير من الإصلاح اللازم لمعدات ~~الراحة في الإقامة والانتقال داخل فلسطين وما جاورها مما لا بد منه من أسباب التأمين ~~والتشويق على ما اعتاده زوار المسيحيين والإسرائيليين في أوروبا. # ولا يجب أن ننسى سائر مقامات الزيارة داخل البلاد كالنجف وكربلاء والكاظم في ولاية بغداد ~~وما لها من الحرمة لدى المسلمين كافة وأهل الشيعة منهم خاصة، يتوافدون إليها مئات وألوفا ~~من إيران والهند مع كل ما يلقون من عنت الحكام وطمع المأمورين، وإن جميع أبناء بغداد ~~وحكامها يعلمون أن هؤلاء الزوار ms106 من أعظم مروجات التجارة عندهم، يتشوفون إلى قدومهم تشوف ~~الظمآن إلى الماء. كيف لا وهم يزيدون عن الخمسين ألفا سنويا من إيران وحدها؟ ومع هذا فقد ~~يذيقهم الحكام من مرارة المعاملة ما يلجئ الشاه في بعض السنين إلى منع رعاياه من الزيارة، ~~فيشعر البغداديون بالكساد، ويبسطون يد الرجاء إلى حكامهم، فيأمرون ببسط الأمن، ويبدون ~~المجاملة؛ فيعود الزوار إلى زيارتهم مدة، ولكنهم لا يلبثون أن يروا من سوء المعاملة ما ~~يضطرهم إلى الشكوى مرة أخرى. # فلو مهدت لهم السبل كما يرجى أن تمهد الآن وضرب على أيدي العتاة من آمر ومأمور ~~فالإقبال حينئذ عظيم والفائدة مضمونة للفريقين. # وهو معلوم أيضا أن البلاد العثمانية تضم في أكنافها أعظم معالم التاريخ القديم، ولا ~~يخفى ما في ذلك من مشوقات الزيارة لمستطلعي الأخبار ومكتشفي الآثار وكل سائح ضارب في الأرض ~~عالما كان أو طالب نزهة مرتاض. ففيها مواطن البابليين والأشوريين والحيثيين والسلوقيين. ~~وفيها قامت دول المصريين والإسرائليين والعرب والأرمن ودول اليونان الفريجية والليقية ~~والليدية والطروادية والبمفيلية والقباذوكية وغيرهن. وفيها كثير من آثار الدول التي احتلت ~~بعض أجزائها كالفرس والرومان، ومنها أخذت نفائس الآثار التي تزدان بها متاحف باريس ولندن ~~وبرلين وبطرسبرج. # ولقد طالما رأينا السياح يأتون من أقصى الديار فيقطعون البوادي والقفار لرؤية تلك المعالم ~~يعانون من المشاق ما لا يكادون يعانون أعظم منه في مجاهل أفريقيا، تنظم لهم القوافل، ~~وتحمل لهم المطابخ والخيام، وتعد لهم المطايا فينفقون لرؤية آثار بابل وأشور ما لا ينفقونه ~~بسياحة حول العالم. وزد على ذلك أنهم لا يبلغون جميع الأمكنة التي يقصدونها لاختلال الأمن ~~في كثير من تلك الأصقاع، ومع هذا فلا نعدم منهم وفودا عاما بعد عام. # فإذا مهدت لهم الطرق وأقيمت وأعدت لهم أسباب الأمن والراحة، فما عسى أن يكون من ~~إقبالهم وانتفاع البلاد بعلمهم ومالهم. # وإذ انثنينا الآن إلى سائر أسباب السياحة من طلب صحة بتبديل هواء وراحة بعد عناء ونزهة في ~~بلاد جميلة المناظر صافية الجو عذبة الماء، ففي البلاد العثمانية كل ما يتطلبه ms107 السائح صيفا ~~وشتاء، خريفا وربيعا، من كل ما وقع تحت سماء المناطق المعتدلة والحارة والباردة. # فإن طالب الدفء واللاجئ من زمهرير الشتاء لا يجد في نيس وما حاذاها ورومة وما وليها ~~ملاذا آمنا من أطراف فلسطين وأرياف العراق ومدائنه وثغور طرابلس الغرب، ولا نضرب مصر ~~مثلا؛ لأن سياح العالم أجمع عرفوا مزيتها قبل الآن، وهي قدرتهم قدرهم فاستتمت لهم ~~المعدات، فنالت قسطها منهم ونالوا قسطهم منها، وإذا استبقوا فيها كل سنة ما يقرب من ثمانية ~~ملايين من الجنيهات، فإنما هو كسب تحرزه رزقا طيبا ومالا حلالا. # وطالب النسيم العليل المنهزم من قيظ الهجير والجانح إلى العزلة والسكينة فرارا من ضجة ~~المدائن أو استجماعا لقوة أنهكها توالي الإكباب على العمل لا يجدان في جبال سويسرا ~~وأشباهها معتصما أمنع ومرتعا أبهج من الجبال المتشعبة في قلب كثير من الولايات ~~الأوروبية والممتدة إلى كليكيا وسوريا، وحسبك منها جبال بيلان ولبنان والجبل الشرقي، قنن ~~تتعالى بعض فوق بعض لك منها ما شئت لجميع الأمزجة من قوي وضعيف، من علو مئات من الأقدام ~~إلى علو عشرة آلاف قدم، تنفجر منها الينابيع بالماء الزلال ولا يشوبها تقلب الهواء ~~الفجائي الذي يعتري جبال أوروبا، وإن لك من صحة أجسام ساكنيها على شقائهم وخشونة معيشتهم ~~دليلا على فضلها على ما وازاها من جبال أوروبا. # جرى لنا في صيف سنة 1904 حديث مع المرحوم مظفر باشا متصرف جبل لبنان، فكان يتأفف متبرما ~~من حراجة موقفه وقصر يده عن إتيان ما يرغب من الإصلاح ونفع الجبل بما يستبقي له فيه الذكر ~~الجميل، قال: قد كاد يبلغ اليأس مني أقصاه؛ فلا أرى وجها لإتيان أمر جديد أنفع به هذه ~~البلاد، رغبت في إنشاء المرافئ فصدوني من الخارج، ورغبت في زيادة الضرائب لإجراء بعض ~~الإصلاح فصدوني من الداخل. وجبلكم فقير صغير يضيق نطاقه عن معاش سكانه، يهجرونه أفواجا إلى ~~الديار القاصية حتى خلت قرى كثيرة من السكان، ولست أرى ما سيكون من سوء المصير. # فقلنا بعد بحث طويل: وهب أنه ليس في ms108 لبنان شيء من موارد الرزق، أليس هذا موقعه على أكتاف ~~الأراضي المقدسة، وهذا هو هواؤه وماؤه، أوليست هذه الفئة التي تقصده للاصطياف من جواره في ~~سوريا ومن القطر المصري مورد رزق ينمو عاما فعاما. ينفق المصريون المصطافون في أوروبا ~~زهاء خمسة ملايين من الجنيهات مع جهل كثيرين منهم طبائع الأوروبيين ولغاتهم، فلو سهلت ~~لهم وسائل الرفاه والراحة فحسبنا منهم خمس هذا المبلغ، ولا نقول كله أو نصفه، أفلا ترى ~~دولتكم أن كل سنة يلقون فيها بشرا وإيناسا بمرفأ بيروت تتلوها سنة أخرى يتضاعف فيها ~~عددهم، وكل سنة يصادفون فيها عبوسا وتضييقا تتلوها سنوات لا نرى منهم فيها غير النزر ~~القليل، فلو سعيتم لدى المراجع العالية بإكرام وفادتهم في الثغور، ثم أجهدتم النفس بإتقان ~~الوسائل الداخلية من طرق وفنادق وأشباهها كان لكم أثر فوق كل أثر. فقال: كل هذا صحيح ولست ~~بغافل عنه ولكن ... # ثم إن الراغب في الجمع بين النزهة والاستشفاء بانتياب ما يدعى في أوروبا بمدائن الماء، ~~هيهات أن يلقى في شيء منها فوق ما يلقى من جودة الهواء واعتدال حرارة الماء وبهجة المناظر ~~على ضفاف البوسفور وما قابله من جزائر الأمراء وجزر الأرخبيل وثغور البحر المتوسط. # وألحق بما تقدم ينابيع المياه المعدنية الصالحة للشرب والاستحمام، والذاهبة جميعها ~~ضياعا ما خلا شيء من ينابيع بورصة، فما أجدرها أن تكون مجمعا للسياح يرتادونها إلى هيت، ~~وما يليها من أراضي العراق وأطراف العمق في حلب، وغير ذلك مما هو متفرق في أطراف البلاد، ~~وقد سبق لنا في التاريخ أن تكون بعض ينابيعنا المعدنية مجتمعا لسياح العالم الروماني كما ~~أسلفنا عن حمامات فلسطين، ومنها تتألف المياه أنهارا تندفع إلى البحر كزرقاء معين وغيرها، ~~فما المانع من رجوع مثل ذلك العهد على عهد الإصلاح هذا. # وإننا غير مغترين بوفرة هذه المصادر الطبيعية للثروة، ولسنا بطامعين أن تفيض ميازيبها ~~نضارا في سنة أو سنوات قلائل، ولكنه لا بد من تنبه إخواننا العثمانيين في كل قطر من ~~أقطارهم إلى ثروة يمكن الشروع مذ الآن في ms109 استدرارها شيئا فشيئا. # تلك خلاصة ما يقال بالإيجاز عن حالة السياحة في البلاد العثمانية، وأما المهاجرة إليها ~~بقصد الإقامة أو الاستعمار، فعلى نوعين أحدهما مهاجرة فئة من الأجانب بمعاونة أرباب الأموال ~~منهم، فتتوطن في بقعة من الأرض توطنها في بعض جهات فلسطين مع البقاء على جنسيتها، وليس ~~هنا موضع البحث فيها، وخصوصا أن هذه الفئة تجد لها من نفسها من أسباب العناية بها ما ~~يغنيها عن عناية الحكومة، والثاني مهاجرة القادمين إليها من تلقاء أنفسهم بقصد الإقامة ~~والتجنس بالجنسية العثمانية كمهاجري بلاد الجركس وإكريت وبوسنه وهرسك وهؤلاء هم الذين يجب ~~أن توجه الحكومة كل عنايتها إلى نفعهم والانتفاع بهم، فإن اللجنة المعروفة بقومسيون ~~المهاجرة والمعقودة لهذا الغرض في الأستانة يحق لها جزيل الثناء لما تبذله من المساعي، ~~ولكنها قد لا تصيب الغرض المقصود في بعض الأحوال، إذ ما الفائدة مثلا من إسكان الجماهير ~~من هؤلاء المهاجرين، ومعظمهم من الزراع في المدن الكبيرة كأزمير أو دمشق الشام، مع وجود ~~البقاع المخصبة التي تنعق بها غربان القفر، فإذا كانت ثمة مطالعات ماضية فقد انقضى أمرها، ~~ثم إنه ليسوءنا أيضا أن الذين أسكنوا في الأراضي الزراعية لم ينظر الولاة بعين العناية ~~إلى أسباب راحتهم وإمدادهم بالمعدات اللازمة وإعداد المنازل الواقية لهم من حر الصيف وبرد ~~الشتاء؛ ولهذا فشا الموت في بعض فرقهم ممن أنزل في أعالي العراق فقلت رغبة المهاجرة ~~بين مواطنيهم في بلادهم لما بلغهم من تلك الأخبار المؤلمة. # وإن مجال المهاجرة إلى البلاد العثمانية متسع جدا، وتناول أطراف البحث فيها مما ~~يضيق عنه نطاق سفرنا هذا الصغير، وإنما هي نفثات عثماني محب لوطنه باح بشيء منها وادخر ~~ما بقي منها لفرصة أخرى. # | الخاتمة # نظرة عامة - مجلس المبعوثان في السنة الأولى - الدولة العثمانية بعد خمس وعشرين ~~سنة # هذه عجالة سطرناها في شئون البلاد العامة عبرة وذكرى، وهذا ما تراءى لنا وجوب الخوض فيه ~~إبان هذا الانتقال الغريب والانقلاب العجيب، وإن هو إلا قطرة من عباب المباحث التي يجب ~~على كتاب العثمانيين أن ms110 يخوضوا غمارها استلفاتا لأنظار إخوانهم وحكومتهم إلى كل فرع من ~~فروع الإصلاح مما يتناول البلاد برمتها، أو ينحصر خاصة في كل قطعة منها. # ونخالنا أدينا فرضا واجبا وتوخينا الصدق والإخلاص في كل ما تقدم، ولم نتسرع ~~إلى بسط شيء من شئون العناصر المختلفة التي يتألف منها مجموع هذه الأمة والخطط الخاصة ~~التي يجب أن تنتهج حتى تندمج اندماجا لا يعقبه تفرق وتخاذل، ولا إلى النظر إلى علاقات ~~العثمانيين بمن عداهم من الأمم القريبة والبعيدة. وفي الجملة لم يكن من غرضنا الآن ~~التعرض إلى شيء من أحوال السياسة الداخلية والخارجية، فإن لدينا من بواعث الإصلاح ~~الداخلي بالنظر إلى موارد الثروة ودواعي التضام والتضامن لأجل إدراك حقيقة الحرية ~~والدستور ما هو أدعى للبحث العاجل وأوسع مجالا لأقلام الكتاب. # لا يتوهمن أبناء الوطن العزيز أن الدستور نعمة أتتهم عفوا، فلئن أعلن واستقبل ولم تهرق ~~يوم إعلانه الدماء، وقال الناس تلك أعجوبة لم يأت الزمان بمثلها، فإنما هو قول صادق ~~بالنظر إلى منتهى أدواره وإلى الحكمة الباهرة التي ازدان بها رؤساء هذه الحركة، وما أبرزوه ~~من التجرد عن الغايات والمطامع، فحقنوا الدماء التي كانت موشكة أن تتدفق سيولا. # وإلا فإن من تتبع سير الحوادث التي أدت إلى إعلان الدستور يعلم علم اليقين أن جهاد ~~الأحرار لم يزل مستمرا منذ عشرات السنين، وإن دماء أبناء تركيا الفتاة ودماء أنصارهم وغير ~~أنصارهم سالت أنهرا طامية قبل بلوغ هذه الأمنية. # ومع هذا فإننا لم نزل في أول ميدان الجهاد والعقبات الصعاب تكنفنا من كل جانب، ونصراء ~~الاستبداد غير مائتين، وإنما هي استماتة وقتية يرتقبون الفرص في أثنائها، ولهم من أبناء ~~التقليد البحت وحزب التقهقر الأعمى عون قوي يلتف حولهم أيان تسنى لهم الأمر، والأصفر ~~الوضاح ما زال يبذل سرا لعرقلة المساعي التي يقوم بها دعاة الإصلاح، وللدولة من المشاغل ~~السياسية ما يجعل أسرة البغاة بارقة أملا باستعادة شيء من ماضي رفعتهم وساقط ~~نفوذهم. # فإذا علم العثمانيون ذلك وثبت لهم من كل أعمال حكومتهم الجديدة أنها غير ذاخرة ms111 وسعا في ~~كل ما يئول إلى منفعة هذه الأمة، وأن رجالها - لكثرة أعمالهم - لا يكادون يملكون الوقت ~~الكافي للاشتغال بالمهام المطروحة على بساط البحث والتدبير؛ وجب عليهم أن لا يقلقوهم ~~بالمطالب الفارغة والتشكيات التافهة والشغب الداخلي، فالوقت ثمين والفرص فرارة، ~~وهذا الحين حين التفرغ للإصلاح، فإذا وضعت دعائمه واستقرت أركانه فليشتغل أبناء هذه ~~الأمة وليشغلوا حكومتهم بما شاءوا من معدات الزينة وزخرف الكماليات. # ولما كان مجلس المبعوثان ممثلا لمجموع الأمة وشعارا حيا للحكومة الدستورية كان من ~~المنظور أيضا أن تتألب عليه قوى أعداء الدولة من الخارج وأعداء الإصلاح من الداخل، ~~وسيتخذون لهم عونا منه عليه، ويجهدون النفس بإثارة الشقاق بين أعضائه وبينهم وبين الحكومة، ~~ويستسهلون الأمر بالنظر إلى أنه لم يسبق لأحد من أعضائه الانخراط في مثل هذا السلك الدقيق، ~~وأن أول ما يتذرعون به إلى نيل بغيتهم بث روح التهور ودعوة الأعضاء إلى مناهضة ~~الحكومة. # على أننا لا نخال المبعوثين - وهم من صفوة أبناء الأمة - ينقادون إلى تلك الدسائس، ولا ~~نخالهم إلا شاعرين جميعا أن أوقاتهم في الأربعة الأشهر من السنة الأولى لاجتماعهم لا تكاد ~~تكفي للنظر في اللوائح الإصلاحية المعدة لهم، والتي ستطرح أمامهم للبحث فيقضون جلسات السنة ~~الأولى في النظر إلى موارد الإصلاح العاجل، فيفيدون الفائدة اللازمة ويخدمون الخدمة الصحيحة ~~ويستفيدون من الاختبار ما يؤهلهم إلى اقتراح ما شاءوا من الإصلاح في السنين المقبلة إلا ما ~~تراءى لهم به حاجة ماسة إلى عدم التأجيل مما أغفلته الحكومة، وهذا - بلا ريب - أقل من ~~القليل. # وإذ كان يرجى من مجلس المبعوثان ولا سيما في السنة الأولى أن لا يزعج الحكومة بما يصرفها ~~عن التفرغ للإصلاح كان من الواجب أيضا على أبناء الأمة أن لا يزعجوا الأعضاء بما ~~يصرفهم عن التفرغ لمهمتهم، فلقد أيد لنا الاختبار باجتماع المجلس الأول سنة 1876 أن أبناء ~~كل ولاية كانوا يظنون مبعوثهم منتدبا عن منتخبيه لا غير، ومأمورا بإنفاذ جميع رغائبهم ~~وإبلاغ تشكيات أفرادهم مهما كانت، حتى لقد كانت الرسائل في بعض الولايات تنهمر ms112 كالمطر على ~~رءوس مبعوثيها حاملة من المطالب ما لو طرحه المبعوث للبحث لما ناله إلا هزء رفاقه ~~أجمعين، فمن طالب عزل خصم له وإحالة مأموريته إليه، ومن ملتمس رتبة ونشانا، ومن راغب ~~في إصدار أمر لوال بإلقاء نظرة عليه أو إلى مشير بجعله ملتزما للأرزاق العسكرية، حتى كان ~~من جملة تلك المطالب أن مكاريا سرقت دابته فكتب إلى منتدب ولايته أن يأمر بإعادتها ~~إليه. # وإننا - بلا ريب - لم نكن نلام على ذلك الجهل في ذلك الحين، وقد يحصل مثل هذا التطرف في ~~أعظم بلاد الحضارة. ولكننا الآن في مركز حرج لا يسعنا إلا أن نرمي فيه إلى غاية واحدة، ~~فنعلم أن كل مبعوث هو منتدب للنظر في جميع شئون البلاد، وأن مصالح الولاية التي انتخبته - ~~إذا كان لها مصالح خاصة - لا تأتي إلا في الدرجة الثانية. وأنه كلما خفف عنه منتخبوه من ~~مطالبهم الخاصة زادوه مقدرة على خدمتهم ونفعهم. # وهو معلوم أيضا أن لدى الدولة من المشاكل السياسية ما لا يقتضي من الهمة والحكمة دون ما ~~اقتضاه نيل هذا الدستور، ولقد علمنا من تاريخ مجلس المبعوثان الأول أن بعض أعضائه كانوا ~~بتهورهم عونا لأعداء الدولة على بلوغ غاياتهم منها، وعضدا لحزب التقليد على التعجيل ~~في فض ذلك المجلس إلى أجل غير مسمى. فكفى بما مضى عبرة لنا وعظة، ورجاؤنا أن يتخذ الأعضاء ~~التأني والتروي شعارا متجردين عن المصالح الخاصة غير طامعين بكسب الشهرة من وراء ~~المناقشات الطويلة التي لم يحن بعد زمنها، فإننا الآن أحوج إلى تلقي ~~الدروس منا إلى إلقائها بالخطب واللوائح، وحسب الأعضاء مراقبة أعمال الحكومة بعين محتاطة ~~وفكر نقاد لا يهيج إلا خطأ يبدو لديه، فيشير إليه إشارة المصلح الحكيم. # وإن جميع أبناء هذه الأمة المخلصين عالمون الآن أن المجال متسع للأعداء والحساد ~~لتحين الفرص لتمزيق شمل هذه الشعوب التي تضامت بعد التخاذل الطويل. وإن الأيدي ممتدة ~~من كل جانب إلى استحياء التعصب الديني والتعصب الجنسي وإيقاظ أبالسة الفتن، فإذا لم تقطع ~~هذه الأيدي قبل أن تجد ms113 لها متمسكا تتشبث به كانت الحالة الأخرى أشر من الأولى، وإلا ~~فإن قيض لنا الله قطعها مذ الآن كان لنا الفوز المقيم والظفر الثابت. # لم يمر على العالم منذ خلقه الله زمن خطا فيه العلم مثل خطواته في السنين الثلاثين ~~التي انقضت، فإن عقول البشر سرحت كل مسرح، فوسعت المعارف المعقولة والمنقولة فمحصت التاريخ ~~وضربت في مجاهل الأرض وسهلت العلوم القديمة وأوجدت علوما جديدة في كل باب من أبواب ~~المادة والاجتماع، وفتحت للعمران سبلا لم تكن في الحسبان، وحامت حول المجهولات حومة ~~استجلت بها الكثير من غوامض الطبيعة، واكتنفت الاختراع والاكتشاف من كل جوانبهما ~~فطافت بهما وجه البسيطة، وخرقت قلب الأرض، وغاصت في أعماق البحار، وطارت في الهواء، وامتطت ~~لب الأثير فتجاوزت إلى الأفلاك. وضمت كل ذلك إلى ما ادخره لها الأقدمون، وهي لا تزال دائبة ~~ساعية إلى حيث لا يعلم إلا الله، كل هذا ونحن في هذه الحركة المستمرة جامدون خاملون يتلقاها ~~العالم أجمع بوجه بشوش ونحن نصدها عن اجتياز بلادنا، وما هي إلا شرارات متناثرة ~~قذفتها علينا في سيرها وتجاوزتنا إلى أقاصي الأرض، فلبثنا حيث نحن والعالم في سير ~~حثيث. # ولرب قائل يزعم أن في القول مبالغة لأن حالة العلم عندنا الآن أرقى منها منذ ثلاثين ~~سنة، ولكن أين هذا الترقي مما كان يجب أن يكون؛ إذ ليست الدرجة التي صعدناها بالشيء ~~المذكور في هذا السلم المترامي إلى السماء أو لا تزال بيننا طوائف بل شعوب برمتها ~~تائهة في بحران الجهل والغباوة، أو لا تزال طبقتها الراقية نفسها متأثرة من نتائج الضغط ~~والعسف في هذا الزمن الطويل. # وقد كانت الدنيا تعذرنا كل العذر فيما مضى، أما الآن وقد تقوضت الحواجز فما عسى أن يكون ~~العذر، وهذه الفرص قد حانت، فلئن لم نتشبث بأذيالها غادرتنا هذه المرة وهيهات أن ~~تعود. # تلك أمور أدركها جميع أبناء الطبقة الراقية من العثمانيين، ولهذا نراهم متحرقين غيرة على ~~حفظ ربط الوئام الذي لا تقوم دعامة لهذا الملك الضخم بدونه، وإنهم - بلا ريب - يقاومون ms114 ~~بمجامع قواهم ما ربما يبدو من مساعي سفلة الغوغاء الذين يقصرون عن إدراك نبالة تلك الغاية ~~السامية ولا نخالهم إلا غانمين ظافرين. # يقول الحساد والمبغضون من أعدائنا والقانطون الخاملون من إخواننا: هيهات أن يتسنى استحياء ~~هذا الشبح الضئيل، وقد عرفه العالم بالجسم العليل ، نخر الفساد عظمه وأعمى العجز بصره ~~وغشي الجهل على بصيرته وضرب الاستبداد على مجموع قواه فانحلت، واستحكم التخاذل بين أعضائه ~~فأوشكت أن تتمزق، فأنى له أن يستجمع قواه وتنبعث فيه روح جديدة. # فهل فات هؤلاء الشامتين والمشفقين أن داءنا لم يكن بالداء العضال على ما تصوروه، وأن ~~علتنا لم تتجاوز الأطراف إلى القلب والدماغ، بل هي قروح غشيت أجزاء الجسم الظاهرة فشوهت ~~منظره وأقعدته برهة عن الحركة، فخيل للناظر أنه قد قضي عليه مع سلامته من كل علة ~~قتالة، فإذا علم أن كل تلك القروح كانت ناشئة عن وخز إبر الاستبداد، وأن تلك الإبر قد ~~اقتلعت وكسرت وذر بلسم الدستور فألأم تلك الجراح الدامية هان علينا أن نثق ~~بالشفاء التام والانبعاث في ميدان الحياة بقوة الجسم الصحيح. # ولا يهولن العثمانيين وأصدقاءهم ما يرون من البون الشاسع بينهم وبين الأمم العريقة في ~~المدنية، فإن السبل التي تفتحت لأولئك بالجهد والعناء هي بادية متسعة لنا، نلج منها ما ~~شئنا، وباب الاختيار متسع لنا أكثر منه لهم. # والعالم منذ نشأته أخذ وعطاء ودين ووفاء، فليس بالكثير علينا أن نتلقى ببضع سنين ما ~~أدركوه بجهاد القرون الطوال، فقد سبق لهم أن اختزنوا بزمن يسير كل ما جمعه أسلافنا ذرة ذرة ~~من علم وتمدن واختراع بسالف العصور فحفظوا منه ما شاءوا ونبذوا ما شاءوا، وهذا لم يكن ~~بالفرض الواجب علينا أن نطبق كل تمدننا على كل تمدنهم بما له من الحسنات والسيئات، ولا يصعب ~~علينا ونحن أول مراقيه أن نختار حسناته ونضم إليها ما وافق حالة جونا وتربتنا، فنبتدع ~~لنا تمدنا شرقيا صافيا من شوائب الفساد والترف، الذي يعود بنا القهقرى فيؤدي إلى ~~الانحطاط والانحلال. # وليزد أبناء الوطن ثقة وطمأنينة بعلمهم أن ms115 الدول تدول وتنقرض، وأما الأمم فلا تنقرض ~~ولا تتلاشى، بل تبقى حية ما حيي الناس، وقد تتحول من حال إلى حال فتنحط وترتقي وتندمج ~~بغيرها، وقد تفرق وتتوزع أفرادها في المجتمع البشري فتفقد وطنيتها الأولى. ونحن - والحمد ~~لله - لم نزل في مواضعنا فلم نزل أمة حية، وإن جميع ما ظهر فينا من الانحطاط وفقد ~~الوطنية إنما هو عارض زال بانقراض دولة الاستبداد، فليس في سبيلنا ما يعوقنا عن بلوغ أسمى ~~مبالغ الأمم، وإن أعظم عقبة يتذرع بها الأعداء إلى صدنا عن بلوغ تلك الأمنية إنما هي ~~استحياء روح التضاغن بيننا، وهي العقبة التي يسعى جميع العثمانيين الآن إلى تحطيمها ومحو ~~آثارها، وهم بالغون مآربهم منها عما قريب - إن شاء الله. # وليست شقة الإصلاح بالشقة البعيدة على ما يتوهم الجالسون على سرر الرفاه، فالساعي ~~اليقظ يقطع مئات الأميال والخامل الوسنان يتكئ على منصة خموله، فالزمن زمن جد وسعي. وحسب ~~هذه الأمة أن يسعى أبناؤها فيجروا وراءهم قسرا كل متقاعس هياب. فلقد مرت على ~~هذه الدولة قرون وهي صاعدة في سلم الارتقاء ثم عقبها قرنان تعاقب فيهما الجمود والانحطاط ~~إلا فترات نهضة يسيرة لم تستحكم معداتها، ولقد مرت كل تلك القرون مر السحاب، فإذا حسبنا ~~لإيناع ثمار هذه النهضة الأخيرة ربع قرن فخمس وعشرون سنة ليست بالأمد المديد في عمر أمة ~~طوت القرون، وما هي إلا بمثابة شهور في عمر إنسان، وخمس وعشرون سنة من وجه آخر ليست ~~بالزمن القليل لأمة ناهضة راغبة في استكمال جميع معدات الإصلاح بعد نيل حريتها، ~~والحرية أم العجائب. # لم تكد تمر أيام على إعلان الدستور حتى انقلب وجه هذه المملكة انقلابا معنويا تاما ~~فزال الشقاق وساد الوفاق، وانطلقت الأفكار والألسنة والأقلام وتكسرت قيود المظالم ~~والمغارم، ولا ريب أن الانقلاب المعنوي طليعة الانقلاب الحسي. فأغمض جفنيك وانظر بعين ~~الخيال إلى ما يكون من شأن هذه الدولة بعد ربع قرن إذا ظللنا مثابرين على السير في هذا ~~السبيل. # أفلا ترى العائش منا بعد هذه السنين يرى جميع أبناء ms116 هذا الوطن قد أدركوا معنى الحرية ~~الصحيحة، وعرفوا ما لهم وما عليهم وأوثقوا عرى الإخاء والسواء فأصبحوا أنفسا متعددة في ~~جسم واحد يعمل عملا واحدا؟ # أولا يرى أيضا أنه بانطلاق الحرية الشخصية المقيدة بقيود الحقوق وفروض العدل والذمة ~~تنمو سائر فروع الحرية، فتتسع معاهد العلم لكل أنواع العلوم مما كان مباحا وما كان ~~محظورا، وأن ربع قرن يكفي لتخريج ناشئة جديدة على نفس جديد وروح جديدة لم تتأثر بشيء من ~~مؤثرات الاستبداد، بل تحفظ ذكراها حفظا يسهل لها الموت في سبيل الذود عن حياض ~~أنفسها؟ # أولا يكفي هذا الزمن لجعل صحافتنا وأربابها مثار الرأي العام وقادة الأفكار ترتقي ~~الرقي الصحيح إلى ما يجعلها نبراسا يفيض نورا على أكناف هذا الملك المتسع، فيبث روح حب ~~الاطلاع، روح المثابرة على التقدم والتضافر على العمل، وإلى جانب الصحافيين الكتاب والشعراء ~~وقد أطلقت الحرية أقلامهم ينشئون المجلات الباحثة في جميع الشئون العلمية والاقتصادية ~~ويؤلفون وينظمون ويزيلون جميع ما بقي من أغشية الجهل القديم. وإلى جانبهم العلماء يشتغلون ~~اشتغالا صحيحا بالعلم فلا يروعهم إذا نظروا في تركيب كيميوي أن يتهموا بإعداد الآلات ~~القتالة، ولا إذا نقبوا في بطن الأرض أن يقال إنهم يفتحون مدفنا لأعداء العلم، ولا إذا ~~اجتمعوا للبحث في معضلة أن يذاع أنهم يتآمرون للفتك بأعداء الحق، وأن اشتغالهم وحريتهم لهم ~~كل هذا الزمن ليس بالعمل العقيم؟ # وما عسى أن يقال عن أعمال الجمعيات وقد خلا لها الجو ربع قرن فتتألف أنواعا وأصنافا ~~مما يضم العثمانيين من طلبة مدارسهم إلى شيوخ ساستهم وعلمائهم، فتتناول التربية والآداب ~~والمباحث العلمية، وتتخطى إلى النظر في موارد ثروة البلاد ووسائل استخراجها وتتطرق إلى ~~مباحث الاكتشاف والاختراع؟ # بل ما عسى أن يقال عما تبلغه المرأة العثمانية في خمس وعشرين سنة، وهي القوام الأعظم لكل ~~تمدن حقيقي ثابت، وهي نصف هذا الجسم فلا تصح حياته إلى بصحة حياتها، وهي العون ~~الأكبر للرجل في رجوليته ومربيته في طفوليته ورفيقه في عزلته ومؤاسيته في شدته، وإليها مرجع ~~الفضل في تثقيف العقول ms117 النامية وإنبات غرس الفضائل فيها، ولكم حفظ لها التاريخ في ~~الجاهلية والإسلام ودول الحضارة من مأثرة يفاخر عظام الرجال بإحراز أمثالها. وإنه يسرنا أن ~~نفاخر أيضا أنه كان للمرأة التركية يد قوية في نهضتنا الحديثة، فلقد ناضلت وجاهدت وخاطرت ~~بنفسها، فكان لها بذلك فخر يسطر بمداد النسب فإذا كان هذا شأنها في زمن الاستبداد، فما ~~عسى أن يكون بعد خمسة وعشرين عاما، إذ تكون هذه النفحة الطيبة قد سرت منها إلى سائر ~~أخواتها من بنات هذه الأمة في كل صقع وناد وأعدت المدارس للبنات إعدادها للبنين، ~~وانقشعت غياهب الجهل المغشية بظلم الرجال على عقول النساء، فلا ريب أن المرأة العثمانية ~~تدخر في تربية النابتة الجديدة فضلا يعم الذكور والإناث، وتحرز في توطيد دعائم هذه النهضة ~~فضلا لا يقل عن فضل مكافحة الرجل في معترك السياسة وميادين الذود عن الأوطان. # وليست الخمس والعشرون سنة بالزمن اليسير بالنظر إلى إعداد نجباء الفتيان في مدارس ~~الحكومة والمدارس الوطنية لتولي مناصب الحكومة عن علم صحيح ولياقة تامة في جميع فروع ~~الإدارة والقضاء والسياسة والجندية، فانظر ماذا تكون حالة البلاد يوم تتولى المناصب ~~أربابها الذين أعدوا لها، وما ينجم من استتباب الأمن وسيادة العدل، وما يكون من غيرة ~~المأمورين وجهدهم يوم يعلمون أن الواحد منهم يرتقي بجده وإخلاص خدمته، وإن غيث الرتب ~~والأوسمة المختلسة قد انحبس عن كل متزلف مداهن، وانظر بعد هذا ماذا يكون من طمأنينة ~~الفلاح والصانع والعامل والتاجر بعد إصلاح الطريقة الشائعة في جباية الأموال ووضع حد لكل من ~~حقوق الحكام والمأمورين. # وإذا هالك ما ترى من تباين الأخلاق والعادات بين هذه الشعوب المختلفة فاعلم أن معظم ~~ذلك ناشئ عن اختلاف لغات القوم وسوء التفاهم مبدأ الشر والعدوان. وإن خمسا وعشرين سنة ~~لزمن كاف لنشر مبادئ اللغة الرسمية في جميع أنحاء المملكة، وإن تعميم طريقة التعليم ~~على نمط واحد يؤلف بين القلوب، وإذا تفاهم الناس حسن ظنهم بعض ببعض، وزالت أسباب الفتن ~~وتسهلت طرق الوئام فأصبحت هذه الأمة أمة واحدة تسعى إلى ms118 غرض واحد. # وإذا راعك ما رأيت فيما سلف من بوادر التعصب الذميم فحسبك أن تلفت إلى نشوة التآخي ~~التي هزت جميع العثمانيين على اختلاف مللهم ونحلهم على إثر إعلان الدستور وقيام ~~سماحة شيخ الإسلام ناشرا لواء الوفق والسواء، معلنا مطابقة ذلك للشرع الشريف ، ومن ورائه ~~سائر رجال الدين يؤمنون ويصفقون طربا. كل هذا والجهل لا يزال فاشيا في أطراف البلاد، ~~فما الظن بمآلنا الميمون بعد خمسة وعشرين عاما والعقول مستنيرة حينئذ بنور العلم والعرفان ~~والأفكار متسعة لما هو فوق هذه المشاغل الدنيئة وجميعنا مترابطون بعرى المصلحة ~~المشتركة. # وإذا انثنيت إلى التبصر بموارد الثروة بدا لك كأنك في حلم لكثرة ما يتراءى لك من ~~الكنوز الدفينة - على ما أسلفنا - على أن ربع قرن زمن للمشتغل طويل، يتيسر له في أثنائه ~~استحياء موات الأرض بجميع الوسائل العلمية والعملية فتحيا الزراعة، وتقتبس فنون الصناعة ~~فتنشأ المعامل لجميع المصنوعات، وتروج التجارة، وتعقد الشركات للملاحة واستخراج المعادن، ~~وتسهيل سبل الاتصال وسائر الأعمال الرابحة. فانظر بعين الخيال إلى ما يتدفق حينئذ إلى خزينة ~~الحكومة وصناديق الأهالي من الأموال الذاهبة الآن ضياعا، فما هي إلا فترة يسيرة حتى ترى ~~هذه المجاهل القاحلة جنانا أريضة من خليج فارس إلى ضفتي البوسفور، تفيض مياه دجلة والفرات ~~على أرجاء العراق فترجع بها إلى زمن العباسيين وتنبت فيها المدن والقرى البائدة نبتا ~~جديدا، فيبتسم الحضري بشرا وسرورا، ويتحضر البدوي آنسا آمنا، وقل مثل ذلك في بادية ~~الشام وبقاع سوريا وسهول الأناضول ومنابت الروملي ورياض الغرب وسائر أجزاء السلطنة. وينقلب ~~حينئذ سيل المهاجرة فيقف المزمعون ويعود الراحلون وتصبح هذه البلاد الفسيحة مرمى الآمال ~~ومحط الرجال بعد أن كان الراحل عنها محسودا على الخروج سليما منها، وإن قضى حياته ~~شريدا طريدا. # وإذا تأملت أخيرا في دعامة الهيبة والسلطة والأمن - ونعني بها: الجندية - رأيت أننا مذ ~~الآن في موقف لا يستهان؛ فإن لدينا من الضباط المحنكين وفتية الجند الباسلة ما ترتفع ~~الرءوس به عزا وافتخارا، فما قولك بهذا الجيش المتفاني في حفظ بيضة السؤدد ms119 والمجد بعد ~~خمسة وعشرين عاما وقد تثقفت جميع طبقات الأمة فمشي المسيحي إلى جانب المسلم، ~~والإسرائيلي إلى جانب اليزيدي، والبدوي إلى جانب الحضري، فألفوا جسما واحدا يرمي جميعا ~~إلى غاية واحدة ألا وهي حفظ الذمار ودرء العار. # وإذا ساءك أن قوتنا البحرية في ضعف وعجز ظاهر، فبمدة خسم وعشرين سنة لنا متسع من الزمن ~~لإعداد أسطول من أعظم الأساطيل وتدريب جيش بحري من أعظم الجيوش. وليست قلة المال في ~~الآونة الحاضرة مانعا من إدراك هذه الأمنية؛ فلقد أبنا فيما تقدم ما حصل لدينا من ~~الوفر العظيم بإلغاء رواتب الجواسيس وما يلحقها من الخرج الباهظ في أبواب أقفلتها حكومتنا ~~الدستورية مما يحصى بالملايين، هذا خلا الزيادة التي ستستمر في الدخل بلا زيادة في الضرائب ~~حتى تبين لنا بالإحصاء، فقلنا ولا حرج إن دخلنا بعد بضعة عقود من السنين سوف يعادل دخل ~~أعظم الدول الأوروبية. # وحسبنا - في الختام - أن نضرب لك مثالا هذه الأجسام الصغيرة التي انفصلت عنا فألفت ~~الممالك والإمارات وآخرها البلغار، لم يكد يمر على انفصالها ثلاثون عاما حتى جعلت لنفسها ~~شأنا خاصا وقامت تزج نفسها في عداد الدول وسارت في طريق الترقي شوطا لا يمكن إنكاره، ~~وألفت لها جيشا وابتنت الحصون والقلاع، ولم تكن إلا جزءا صغيرا من هذه السلطنة ~~العظمى. وهي ليست مع هذا ملة واحدة - على ما يتوهم البعض - بل عندها ما عندنا من تشعب ~~الملل، من السلافي إلى اليوناني إلى التركي المسلم والإسرائيلي وهلم جرا. ولهذا لا نرى ~~غلوا في شيء مما تصورنا لحالة البلاد العثمانية بعد ربع قرن يمر من هذا التاريخ. # فيا حبذا ذلك اليوم الذي نراه مذ الآن في مسارح الخيال، يوم لا يبقى من الاستبداد إلا ~~ألم ذكراه وطرب الفوز بدك معالمه. يوم ينتشر العلم فيسطر الفلاح حساب مزروعاته بخط ~~يده ويتفاهم جميع أبناء البلاد بلا واسطة ترجمان، يوم تنتظم الفتيان جنبا لجنب في فرق ~~الجندية من أبناء كل ملة ودين، يوم تخضل الأرض ولا ينال البحار من مياه الأنهار إلا ~~فضلاتها، ms120 ويهب أرباب الأموال إلى تثمير أموالهم في بلادهم فيؤلفون الشركات ويتبارون ~~بإنشاء المعامل وينيلون البر حظا مما رزقهم الله زكاة طيبة تنفق في كل باب ينتفع به ~~أخوهم العاجز والفقير، يوم يخفق العلم العثماني في عرض البحر على أساطيل الدفاع وبواخر ~~التجارة وتتشعب طرق النقل برا وبحرا تشعب العروق في الجسد، يوم يفاخر أبناء الأمة ~~العثمانية سائر أمم الأرض. # وليس هذا اليوم ببعيد - بإذن الله. ms121