######OpenITI# #META# URI: 1343YusufBustani.NasrAczam.Hindawi36305860 #META# Tags: history #META# ID: 36305860 #META# Title: النسر الأعظم #META# AuthorID: 39030463 #META# Author: يوسف البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - النسر الأعظم في فقره ومسكنته‏ # 2 - فتش عن المرأة‏ # 3 - في سبيل المجد‏ # 4 - اليسر بعد العسر‏ # 5 - هيام نابوليون بجوزفين‏ # 6 - نابوليون بعد الزواج‏ # 7 - سلوك جوزفين في ميلان‏ # 8 - نابوليون مع أسرته‏ # 9 - المشاغل الحربية في ذاك الوقت‏ # 10 - إلى مصر‏ # 11 - العاطفة الأبوية عند نابوليون‏ # 12 - تقرير الطلاق‏ # 13 - زواج نابوليون وماري لويز‏ # 14 - ولادة ملك روما‏ # 15 - خيانة ماري لويز‏ # 16 - أخلاق نابوليون‏ # 17 - نابوليون وجنوده‏ # 18 - نابوليون وقواده‏ # 19 - نابوليون وأهوال الحرب‏ # 20 - تأييد نابوليون للعلوم والفنون‏ # 21 - نابوليون في شاهق العظمة‏ # 22 - كيف كان مع أعدائه؟‏ # 23 - هل كان نابوليون شجاعا بالمعنى الصحيح؟‏ # 24 - طالع النحس‏ # أسرة بونابارت‏ # مقدمة‏ # 1 - النسر الأعظم في فقره ومسكنته‏ # 2 - فتش عن المرأة‏ # 3 - في سبيل المجد‏ # 4 - اليسر بعد العسر‏ # 5 - هيام نابوليون بجوزفين‏ # 6 - نابوليون بعد الزواج‏ # 7 - سلوك جوزفين في ميلان‏ # 8 - نابوليون مع أسرته‏ # 9 - المشاغل الحربية في ذاك الوقت‏ # 10 - إلى مصر‏ # 11 - العاطفة الأبوية عند نابوليون‏ # 12 - تقرير الطلاق‏ # 13 - زواج نابوليون وماري لويز‏ # 14 - ولادة ملك روما‏ # 15 - خيانة ماري لويز‏ # 16 - أخلاق نابوليون‏ # 17 - نابوليون وجنوده‏ # 18 - نابوليون وقواده‏ # 19 - نابوليون وأهوال الحرب‏ # 20 - تأييد نابوليون للعلوم والفنون‏ # 21 - نابوليون في شاهق العظمة‏ # 22 - كيف كان مع أعدائه؟‏ # 23 - هل كان نابوليون شجاعا بالمعنى الصحيح؟‏ # 24 - طالع النحس‏ # أسرة بونابارت‏ # | النسر الأعظم # | النسر الأعظم # تأليف # يوسف البستاني # | مقدمة # لقد أصبت خير جزاء على إخراج رواية «فرخ النسر» إلى اللغة العربية بما رأيته من ارتياح ~~القراء إلى وقائعها وحوادثها التاريخية المؤثرة، ورأيت اليوم أن أصور لمحبي التاريخ ~~أبا فرخ النسر، الذي لقبه بعض المؤرخين بأفضل لقب يجمل بعلائه وعظمته؛ أي: «النسر ~~الأعظم». # وليس من غرضي أن أنقل تاريخ حروبه التي وضع لها المؤلفون الغربيون مئات المؤلفات وترجم ~~بعضها إلى لغتنا، بل غرضي كله أن أذكر ما يظهر للقارئ «النسر الأعظم» ورب الحرب ~~بصفاته ومزاياه وعواطفه الخاصة، فيراه شابا فأخا ms001 فعاشقا فزوجا فأبا ... إلخ. # وما اخترت هذا الشطر من سيرة ذلك الرجل الفريد إلا لأمرين؛ أولهما: أن فيه من اللذة ~~والعبرة ما تحلو مطالعته. والثاني: أني لا أجد - أو لا أعرف - من المؤلفات والمترجمات ~~العربية ما هو جامع لذاك كله، وإنه لحقيق بكل كاتب عربي أن يهتم بنقل النفائس ~~الأجنبية التي ترجمت إلى لغات عديدة ما خلا لغتنا؛ لأن فيها من فرائد الفوائد ما ~~ينير الأذهان ويزيد «الثروة الأدبية والتاريخية»، وإنا لنخدع أنفسنا إذا قلنا أن ~~«ثروتنا» تكفي طلاب الرقي الفكري، أو أنها تضارع ما تملكه الأمم العظمى. # أما المؤلفات التي اعتمدت عليها في هذا الموضوع، فأخصها مؤلف «المسيو أرتور ~~لافي»، وهو لم يكتبه إلا بعد أن درس عشرات من المذكرات والكتب التي خصت ب «النسر ~~الأعظم»، وحسبي لإظهار شأنه قول «فرنسوا كوبيه» الشاعر الشهير في مقدمة كتبها له: «اقرأ ~~كتاب المسيو أرتور لافي تعجب بما تراه من الترتيب الفكري، وسكون النفس، وعمران الضمير، ~~والترفع عن التحزب كما يجب على كل مؤرخ بالمعنى الصحيح.» # وإذا صح أن ما يؤثر في نفس الكاتب يؤثر في كل قارئ، فإن هذا المؤلف الصغير الذي ~~أقدمه للقراء الكرام لا يكون أقل أثرا في نفوسهم من «فرخ النسر»؛ لأنهما من معدن واحد، ~~وإذا أخطأ ظني الغرض، فحسبي ما نويته من الخدمة العامة، وإنما الأعمال بالنيات. # يوسف البستاني # الفصل الأول # | النسر الأعظم في فقره ومسكنته # في الخامس عشر من شهر أغسطس سنة 1769 شعرت لاتيتيا زوجة شارل بونابارت بآلام الولادة ~~وهي في الكنيسة، فأسرعت إلى بيتها حيث ولدت على سجادة غرفتها ولدا سمته «نابوليون»، فهل ~~كان في تلك السجادة سر من طراز ما يذكرونه في الأقاصيص والحكايات؟ إنا لا نتصدى لمثل ~~هذا البحث ولا نريد مشاركة أهل الخرافات، وإنما نجتزئ بذكر ملاحظة في شأن المحيط الذي ~~ولد فيه النسر الأعظم، وهي أن أمه صرفت الأعوام التي تقدمت زواجها في محيط تجاري مالي ~~عند رجل سويسري من أرباب المصارف اسمه فيش - لأن هذا الرجل تزوج أم والدة ms002 نابوليون بعد ~~وفاة زوجها الأول - فتعلمت الضبط والترتيب والنظام، فإذا صح ما يقوله الفلاسفة من أن ~~الأم تورث بنيها من أخلاقها ومزاياها، فإن ما اشتهر به نابوليون الأول من حب النظام ~~والتدقيق في الحساب كان من فضل أمه لاتيتيا، وأول ما شعر به نابوليون حين ترعرع أن حالة ~~بيته كانت تقتضي النظر والتدقيق؛ لأن الحروب أورثت آله الضنك والضيق، فلم يكن لأبيه إلا ~~ملك صغير لا يربو ريعه عن ألف أو ألف وخمسمائة من الفرنكات في العام، ولكن أمه الفاضلة ~~قابلت تلك الحال بثبت الجنان وسكون الجأش، ولجأت إلى حكمتها في تدبير المنزل، وأضمرت ~~حزنها في قلبها الكبير. # ولما بلغ جوزيف كبير ولدها وأخوه نابوليون العمر الذي يجب فيه طلب العلم ووضع الأساس ~~للمستقبل، أخذ أبوه يلتمس هنا وهناك من أرباب الكلمة والشأن أن يسعوا لولديه المذكورين ~~في الحصول على مراكز مجانية في بعض مدارس فرنسا. # وبعد التعب والوصب وتوالي الرجاء والالتماس تمكن أسقف أوتون - وكان حفيد حاكم كورسيكا ~~مسقط رأس نابوليون - من إدخال جوزيف في مدرسة أوتون وإدخال نابوليون في مدرسة بريان رجاء ~~أن يدمجه يوما في سلك البحرية، ولكن نابوليون اضطر قبل الذهاب إلى مدرسة بريان أن يدخل ~~إلى حين مدرسة أوتون ليتعلم اللغة الفرنسوية ويصبح قادرا على الانتظام في عقد البحرية ~~الفرنسوية، وما مضت ثلاثة أشهر على نابوليون حتى صار قادرا على التحدث والكتابة ~~بها. # وكانت أقوال المؤرخين الذين وصفوا نابوليون وهو في مدرسة أوتون منطبقة على عواطفهم ~~الخاصة، فجعله بعضهم أعجوبة الذكاء والعبقرية، ووصفه آخرون ب «طالب متكتم عنيد ميال ~~إلى الاستبداد وسفك الدماء»، وربما كان القول الحق ما ذكره شاتوبريان، وهو أن نابوليون ~~لم يكن إذ ذاك إلا صبيا صغيرا لا يتميز تميزا كبيرا عن الأقران؛ لأنه دخل تلك المدرسة ~~وهو لا يعرف اللغة الفرنسية ولا يعرف عادات الطلاب التي كانت تختلف عن عادات أهل ~~كورسيكا، ولا يشعر إلا بتفوقهم عليه في الثروة ومميزات أخرى، فلا عجب لدى هذا كله أن ~~يكون قليل الكلام، قليل ms003 الامتزاج بالطلاب، مستشعرا أثر الغربة ووجوب العزلة، ولما ~~انتقل إلى مدرسة بريان أخذت مواهبه العقلية تظهر وتتجلى، ولكن حالته المادية كانت سيئة ~~ومؤثرة في مسلكه بدليل قوله لكولنكور سنة 1811؛ أي بعد أن صار إمبراطورا: «إني كنت في ~~بريان أشد فقرا من زملائي؛ فهم كانوا يجدون المال في جيوبهم وأنا لم أكن أجد شيئا، ~~على أني كنت عيوفا أنوفا، أفرغ جهدي حتى لا أدع أحدا يشعر بإفلاسي، وكنت لا أعرف ~~الضحك واللهو كسائر الطلاب ... إن التلميذ بونابارت كان حاصلا على علامات جيدة في دروسه، ~~ولكنه لم يكن محبوبا.» # فالقائد العظيم والإمبراطور الأعظم الذي عشقه الجيش والشعب زمنا مديدا يعترف بأنه ~~لم يكن محبوبا في المدرسة، والسر في هذا النفور منه يظهر للباحث في أمرين؛ أولهما: ~~اجتناب نابوليون أسباب النفقة وضروب المعاشرة لفراغ جيبه. والثاني: سخر الطلاب به ~~وتلقيبه ب «الكورسيكي» لما رأوه من ذاك الانقباض ومن اختلاف عاداته وحالاته عما ألفوه في ~~جمهورهم، والحقيقة أن نابوليون لم يكن يخشن إلا لمن ناوأه وهزأ به؛ بدليل ما قاله ~~لبوريان الذي كان أحد الطلاب: «أما أنت فأحبك؛ لأنك لا تهزأ بي ...» # وروي أن نابوليون قال مرة لأحدهم: «إني سألحق بمواطنيك الفرنسويين كل ما أستطيعه من ~~الضرر.» فبنى بعض المؤرخين على هذا الكلام علالي وقصورا، ولكن المنصف لا يوافقهم على كل ~~ما استنتجوه، بل ينظر إلى الأحوال التي قال فيها نابوليون تلك العبارة؛ فهو لم يقلها إلا ~~في ساعة غضب، وفي الرد على صبية أوسعوه سخرية ولقبوه بالكورسيكي فلقبهم هو بالفرنسويين، ~~وإن هذا كله إلا زلة لسان، وكلمة طالب لا يزن ما يقوله ولا يفكر إلا في جرح ~~خصومه. # وكان نابوليون مع ضيق ذات اليد وشدة المعاكسة مكبا على الدرس، منقطعا إلى البحث، ~~ناجحا في كل فروع الدروس ولا سيما الرياضيات، وكان همه بعد الدرس منصرفا إلى إخوته ~~وآله، ولما علم أن أخاه جوزيف كان يريد الانتقال إلى مدرسة بريان أو متز اهتم بالأمر، ~~وكان عمره لا يزيد عن ثلاث عشرة سنة، فكتب إلى ms004 أبيه كتابا قال فيه: «إن أستاذي في ~~الرياضيات - الأب بترول - لا ينوي السفر، فيمكن أخي جوزيف أن يأتي إلى هنا، وإذا أراد أن ~~يشتغل فإنه يذهب معي للامتحان والدخول في سلك المدفعيين ...» فأي صبي في هذا العمر يظهر ~~أفضل من تلك العواطف الأخوية؟ # ولقد رمى كثيرون نابوليون بالأنانية ونكران الجميل ونسيان الأصدقاء بعد الصعود إلى ذروة ~~المجد والعز، ولكن أهل القسط والإنصاف من المؤرخين نفوا عنه ذاك العيب، ومما قدموه من ~~البراهين الدامغة تعيين بوريان الذي كان صديقه منذ عهد المدرسة كاتب سر خاص، ثم اهتمامه ~~بأمر «زميله» لوريتسون الذي رقاه إلى رتبة جنرال وعينه بعد حين سفيرا له في العاصمة ~~الروسية، فكان آخر سفير لنابوليون، وقس عليهم كثيرين من الذين كانوا زملاء أو أساتذة أو ~~أصدقاء للبطل الكورسيكي منذ أيام المدرسة. وصفوة ما يقال أن نابوليون كان حسن العواطف ~~في المدرسة وشديد الحرص على اتباع وصايا أمه الفاضلة، ومتجه الفكر والقلب نحو آله، ~~ومحترما من أساتذته ومحترما لهم. # وفي 15 سبتمبر سنة 1783 امتحن الشفالييه وكيل المدارس الحربية الملكية ذاك الطالب الذي ~~يضمر له المستقبل كل عجيبة حربية، وكتب عن نتيجة امتحانه الكلمات الآتية: «إنه سيكون ~~بحارا بارعا، ويستحق أن ينقل إلى مدرسة باريس.» # على أن البحرية لم تقبل نابوليون؛ لأن عدد تلاميذها كان محدودا؛ ولأن كثيرين من الطلاب ~~كانوا يتهافتون عليها ويلتمسون نفوذ الكبراء في الوصول إليها. # فاضطر نابوليون أن يبقى في مدرسة بريان، ثم رأى أن الواجب عليه لأهله يقضي بأن يترك ~~مركزه المجاني لأخيه لوسيين؛ لأن القانون لم يكن يسمح بتعليم أخوين مجانا في وقت ~~معا، ولما رأى نفسه مضطرا إلى العدول عن البحرية كتب إلى أبيه يسأله أن يلتمس له ~~محلا في مدرسة المدفعية أو الهندسة. # وفي أكتوبر سنة 1784 تمكن من الدخول في مدرسة باريس الحربية، فدخل العاصمة الفرنسوية ~~وليس عليه شيء من هيئة ذاك الذي سيدخلها فاتحا وإمبراطورا عظيما، بل دخلها غريبا تدل ~~مشيته على حداثة وصوله، حتى وصفه دمرتيوس كومين أحد مواطنيه ms005 بأنه «كان من أولئك الذين ~~يعرفهم المحتالون الطرارون بمجرد النظر إليهم»، وليس بعجب أن يكون نابوليون على تلك ~~الحال؛ فقد وصل العاصمة الفرنسوية وليس له من العمر إلا خمس عشرة سنة، وعينه لم تألف ~~منظر مدينة كباريس، وجيبه ضامر لا يسمح له بأن ينفق عن سعة كسائر تلاميذ المدرسة ~~الحربية، وزد على هذا كله أن فقر أبويه كان ماثلا نصب عينيه وحائلا دون تمتعه بشيء من ~~الترف والاشتراك في اللذات والحفلات، وكان صديقه برمون يشعر بما خامر نفس نابوليون فيعرض ~~عليه أن يقرضه مبلغا من المال، فيجيبه نابوليون: «إن أعباء أمي كثيرة، فلا أريد أن أضيف ~~إليها حملا آخر بإسرافي، ولا سيما إذا كان الباعث عليه جنون زملائي ...» # وتكلم نابوليون مرة سنة 1811 عن حالته في المدرسة فقال: «إن تلك الهموم كدرت علي ~~صفاء الشباب، وأثرت في طبعي، وأكسبتني الرزانة قبل وقتها ...» ومما زاد حزن نابوليون وهو ~~في المدرسة وفاة أبيه سنة 1785 وليس له من العمر إلا تسع وثلاثون سنة، وهاك ما كتبه إلى ~~أمه: # أمي العزيزة، تعزي واصبري؛ فإن الأحوال توجب علينا العزاء والصبر، ونحن ~~سنضاعف العناية بك والاعتراف بجميلك، فإذا تمكنا من تعويضك بعض الخسارة من ~~فقد زوج عزيز، كنا سعداء الطالع. # وكتب إلى عمه: # لقد فقدنا أبا، والله أعلم ما كان في صدر هذا الأب من الحنو والحب لنا ... كل ~~شيء وا أسفاه كان يدلنا على أن الفقيد سيكون عوننا وعضدنا في زمن الشباب، ولكن ~~الله لم يرد أن يبقيه لنا، وإرادة الله نافذة لا مرد لها، وهو وحده قادر على ~~تعزيتنا. # وإذا نظرنا إلى نجاح نابوليون في درسه بعد انتقاله إلى المدرسة الحربية في باريس وجدناه ~~لم يأت شيئا عجبا يدل دلالة قوية على مستقبله الباهر، فقد كانت نمرته 42 بين 58 ~~طالبا، وكان أستاذه في الألمانية «بولير» يقول: «إن نابوليون حيوان لا يفهم»، خلافا ~~لما توسمه أهل النظر الصادق ولما حققه الزمان. # ولما كانت سنة 1785 صدر الأمر بتعيين بونابارت ملازما ثانيا في ألاي ms006 لافير، فسر ~~سرورا عظيما كما يحدث لشاب مثله لم يتجاوز السادسة عشرة، وأسرع فأوصى بصنع ملابسه ~~العسكرية، ولكن الأخبار متفقة على أن الهندام والزخرف كانا بعيدين عن ذياك الضابط ~~الصغير، وأنه اشترى حذاء ضخما ثقيلا، وأن فخذيه النحيفتين توارتا في البنطلون الجديد ~~الواسع، ولما رأته فتاتان صغيرتان اسمهما سسيل ولور - والثانية هي التي صارت الدوقة ~~دابراتيز - لقبتاه ب «القط المبيطر»، فلم يغضب نابوليون من هذا اللقب، بل ذهب وأتى ~~بمركبة فيها قط يلبس حذاء ومعه قصة مضحكة. # ولما سافر نابوليون إلى فالانس رافقه ألكسندر دي مازي الذي عين مثله ضابطا في ألاي ~~لافير، وعند وصوله إلى فالانس حيث كان الألاي استقبله جبريل دي مازي أخو ألكسندر، وكان ~~ليوتينان في الألاي نفسه، ونزل بونابارت عند امرأة عزبة مسنة اسمها «مدموازيل بو» ~~وكانت صاحبة قهوة، وهناك أخذ يظهر جانب من خلق بونابارت وهو التشبث بعاداته، فإنه بقي ~~عند تلك المرأة سحابة المدة التي صرفها هنا، وكان كلما عاد إلى فالانس وحده أو هو وأحد ~~إخوته ينزل عند «مدموازيل بو». # وكان نابوليون في فالانس مثل كل شاب لا يزيد عمره عن سبع عشرة سنة يريد أن يظهر في ~~مظاهر الرجال، وهناك بدأ يذوق شيئا من طعم الحياة الطيبة بعد الضيق والمسكنة، فتعلم ~~الرقص على يد أستاذ اسمه دوتيل، وأخذ يزور المجالس والأسر المعروفة ويرمق الفتيات ببعض ~~النظرات. # على أنه لم يكن يخص باللهو وترويح النفس إلا بعض أوقات الفراغ، ولم يغفل المطالعة ~~والكتابة بل أخذ يشتغل بوضع تاريخ لكورسيكا، ولما فرغ من الفصلين الأولين أرسلهما إلى ~~الأب رينال فسر بهما وحضه على إتمام هذا التاريخ. # وبعد حين من الزمن دعي ألاي نابوليون إلى ليون حيث خيف من حدوث اضطراب، فقضى شهرا ~~في تلك المدينة، ثم طلب إذنا في السفر إلى كورسيكا، ولما انتهت «إجازته» سافر إلى ~~أوكسون حيث كان ألايه، وكان صدره منقبضا وقلبه منفطرا لما رآه من الضيق الذي حل ~~بأمه وإخوته، وانقطع عن الملاهي والملاذ التي بدأ يألفها في فالانس، ونزل ms007 عند المسيو ~~لومبار أستاذه في الرياضيات، وما كان يترك شغله إلا ليتناول غذاءه في بيت صديقه أمون ~~الذي كان أمام منزل أستاذه ثم يعود إلى غرفته ويكب على الدرس. ويمكننا أن نحصر وصف حياة ~~نابوليون إذ ذاك في الكلمات الآتية التي بعث بها إلى أمه، قال: # إني لا أملك شيئا سوى الشغل، ولا أغير ملابسي إلا مرة واحدة في كل ~~ثمانية أيام، ولا أنام إلا قليلا منذ عراني المرض، وأنا أرقد الساعة العاشرة ~~مساء وأستيقظ الساعة الرابعة صباحا، ولا آكل إلا دفعة في اليوم نحو الساعة ~~الثالثة بعد الظهر. # ولخوفه من زيادة الغم والهم على قلب أمه ختم بقوله: «وهذا موافق جدا للصحة»، على ~~أن خوفه وقلقه على آله وتواصل الدرس وشظف العيش كل ذلك أضنى نابوليون وأصابه بفقر ~~الدم، حتى إن المسيو بيافالو طبيب الألاي خاف عليه سوء المغبة، وفي أول سبتمبر سنة ~~1789 حمله ضعف جسمه والشوق إلى آله على طلب إجازة أخرى فنالها وسافر إلى كورسيكا. ~~••• # ولما شفي نابوليون من ضعفه الشديد عاد من كورسيكا إلى أوكسون ومعه أخوه لويس، وكان ~~بوده أن يعود وحده ولكنه رأى أمه في ضائقة مالية فأراد أن يخفف من أعبائها بتعهد ~~أمر أخيه والإنفاق عليه، وما كان للويس من العمر في ذاك الوقت إلا ثلاث عشرة سنة، على أن ~~هذا الشعور الشريف لم يخفف إلا قليلا من أثقال أمه الفاضلة؛ لأنها بقيت مضطرة إلى ~~تربية سبعة أولاد ما عدا لويس، وحسبك لتعلم التقتير الذي لجأ إليه نابوليون من أجل أخيه ~~أن تتصور أنه لم يكن يقبض في آخر الشهر إلا راتب ملازم ثان؛ أي 92 فرنكا، فكيف يكفي ~~هذا المبلغ القليل ضابطا شابا وأخا محتاجا إلى العلم والغذاء والكساء؟ إن نابوليون ~~وجد طريقة للاكتفاء به وهي أن يحرم نفسه الجلوس في القهوات وحضور الحفلات وملاذ ~~الزيارات، وأن يأكل في كثير من الأحيان خبزا جافا وينفض غبار ملابسه بيده. # وحدث يوما بعد ما صار نابوليون إمبراطورا أن أحد الموظفين شكا قلة راتبه ms008 وكثرة عياله، ~~فقال له نابوليون: «أنا أعرف كل ما تقول ... أعرفه يوم كنت ملازما أول آكل الخبز الجاف، ~~وأوصد الباب على فقري ومسكنتي.» # وكان نابوليون في أوكسون يهتم بأقل الأمور في غرفته الوضيعة، وكان من جملة ما وجد ~~مكتوبا بخط يده في دفتر خياط اسمه بيوت ما يلي: # المطلوب من نابوليون بونابارت. # س # فرنك # 4 # 4 # صنع بنطلون من الجوخ # 4 # 1 # صنع كلسون عدد 2 # 4 # 1 # صنع تطريز # ثم ذكر أن الخياط أنزل له شيئا قليلا من أجرة الكلسونين. # وكان نابوليون يهتم بتعليم أخيه في بعض أوقاته الحرة ويصرف الباقي منها في الكتابة ~~الأدبية؛ لأنه كان يرجو منها بعض الربح المادي، ولقد كابد نابوليون تلك الحال بصبر وحزم ~~ولم يظهر شيئا من التذمر والتأنف، قال المسيو جولي الذي قابله وهو على تلك الحال: ~~إني رأيت نابوليون طلق المحيا، ولما دخلت عليه قال لي: «لا شك في أنك لم تحضر ~~القداس هذا الصباح فتعال إذا شئت لأسمعك إياه»، ثم أخرج من صندوق ملابس كهنوتية لقسيس ~~الألاي ... # وقال المسيو سوجور: إن عناية نابوليون بأخيه زادت احترام الناس له فأخذوا يبالغون في ~~إكرام وفادته، ولكن زياراته للناس كانت نادرة جدا، وقيل إن الآنسة بيليه كانت تأسف ~~لقلتها وإن مدام نودين كانت تنظر بعين السرور إلى زيارته لزوجها ... # ولكن نابوليون وقف في أوائل المنحدر فلم يهو في درك الهوى، وقد كتب حديثه عن الحب وهو ~~في أوكسون نفسها فقال: «إني أرى الحب مضرا بمصلحة المجتمع وبسعادة الفرد، وأرى على ~~وجه الجملة أن ضرره أكثر من نفعه.» # وليس بعجيب أن يصدر مثل هذا القول عن شاب لا يجد رزقه ورزق أخيه إلا بشق النفس ~~وتراكم الشغل، فإن الحب لا ينمو عادة في قلب مشغول بالماديات، كما أن ~~الزرع اللطيف لا يعيش في أرض كثيرة الأشواك، وسيرى القارئ من رسائل الحب التي ~~أرسلها نابوليون بعد ارتقائه، أن قلب البطل الكورسيكي كان يخفق بين ضلوعه شوقا وغراما، ~~كما يخفق قلب كل إنسان يحب الحسان. ~~••• # وفي ms009 مايو سنة 1791 رقي نابوليون إلى رتبة ملازم أول وألحق بألاي المدفعية الرابع، ~~فعاد إلى فالانس ومعه أخوه لويس، وذهب توا إلى غرفته القديمة عند «مدموازيل بو» ~~فوجدها مشغولة فأبى أن يغير عادته وبقي في بيت «بو» حتى خلت الغرفة، وما كانت ~~حالته المالية في ذاك الوقت أفضل مما كانت في أوكسون، فاضطر إلى اجتناب الزيارات ~~والحفلات كما كان يفعل قبل نقله إلى فالانس، وبقي مثابرا على تعليم أخيه لويس، فلم يترك ~~له كثيرا من أوقات الفراغ ولا من المرتب الضئيل، وكان يدفع المبلغ القليل الذي يبقى له ~~بعد النفقة الضرورية قيمة اشتراكه في المطالعة بإحدى المكتبات. # وكان نابوليون منذ ريعان الشباب يتحمس لفكرة الثورة ويميل إلى الحرية، واندمج هناك في ~~«جمعية أصدقاء الدستور» وعين كاتب سر لها، وقد حفظ أعضاء تلك الجمعية آثار خطبه ~~المملوءة نخوة وحمية، وكان ميله إلى الأفكار الحرة سببا في تغير بعض رؤسائه ~~ورفاقه عليه وخصوصا الشفاليه ديدوفيل الذي كان مثله ملازما أول. # ولما صار نابوليون إمبراطورا كان ديدوفيل في الهجرة، فأوعز إليه نابوليون بالعودة ~~إلى الوطن وعينه في إحدى الوظائف، ولما استقبله نابوليون بعد رجوعه قال لحاشيته: ~~«هذا أحد رفاقي القدماء الذين اشتد النزاع بيني وبينهم في فالانس لأجل دستور ~~1791.» # وبعد حين التمس بونابارت من الجنرال تايل أن يحصل له على إجازة، ففعل برغم معارضة ~~الكولونيل الذي كان الألاي تحت إمرته، فسافر بونابارت وأخوه لويس إلى كورسيكا حيث قابل ~~أمه وإخوته، وهناك عين في رتبة «قائمقام» للمتطوعين الوطنيين، وقيل إنه ما التمس هذا ~~المركز إلا لرغبته في مساعدة أمه وإخوته من الوجهة المالية. # واتفق أن كولونيل الألاي أصدر إليه أمرا موجبا للشك والريب، فأبى تنفيذه، ~~فعزله، ثم دعي نابوليون إلى باريس فأوضح الأمر لوزير الحربية، فأعاده إلى الجيش العامل ~~وأمره بأن يعود إلى كورسيكا ليستلم فيها قيادة الحرس الوطني. # ومما يذكر هنا أن نابوليون قاسى ضيقا شديدا سحابة المدة التي قضاها في باريس لتبرئة ~~نفسه والرجوع إلى الجيش، حتى اضطر إلى رهن ساعته عند ms010 فوفيليه أخي صديقه وزميله ~~بوريين، ولما التقى بذاك الصديق في باريس سر به سرورا بالغا، وذكر بوريين ما كان ~~من أمرهما، قال: «إن صداقتنا عادت إلينا تامة كما كانت في المدرسة، على أني لم ~~أكن سعيدا مع نابوليون؛ لأن وطأة الضيق والمسكنة كانت ثقيلة عليه، فكنا نقضي ~~أيامنا كما يقضيها شابان في الثالثة والعشرين وليس في جيبهما إلا شيء قليل من النقود، ~~وكنت أنا أحسن حالا منه ، ولطالما بحثنا عن ضروب من المضاربة لنكسب من ورائها شيئا.» ~~وكان من جملة ما خطر ببال نابوليون حينئذ أن يستأجر عدة بيوت جديدة ليؤجرها لآخرين ~~ويربح الفرق، ولكن أصحاب الملك أقاموا في سبيلهما العقبات لقلة مالهما، وكانا يأكلان في ~~مطعم صغير في شارع فالوا، وكثيرا ما كان بوريين يدفع كل المطلوب؛ لأنه كان أحسن حالا ~~كما تقدم. # ولقد شهد نابوليون في ذاك الحين هياج العامة ورأى نحو خمسة أو ستة آلاف من الرعاع ~~المسلحين يصيحون ويتجهون نحو قصر الملك، فقال لصديقه بوريين: «تعال نتبع هؤلاء السفلة»، ~~ولما رأي الملك لويس السادس عشر وسطهم لابسا قبعة حمراء صاح نابوليون قائلا: «كيف ~~تركوا هؤلاء الرعاع يدخلون؟ لقد كان من الواجب أن تنظف قنابل المدافع أربعمائة أو ~~خمسمائة منهم ثم تدع الباقين يركضون.» # وفي ذاك الحين أخذ يشعر نابوليون بنفور شديد من ترك السلطة للعامة، وكتب إلى أخيه جوزيف ~~في 3 يوليو سنة 1792 يقول: «إن زعماء الثائرين من زمرة المساكين، فكل منهم يبحث ~~عن مصلحته الخاصة، والدسائس اليوم هي أدنى مما كانت في كل زمان ... وجل ما يتمناه ~~المرء هو دخل أربعة أو خمسة آلاف فرنك والحياة الهادئة ومحبة الآل والإخوان ...» # وفي ذاك الحين أيضا رأى نابوليون مقتل بقية أنصار الملك وسوقه إلى الجمعية الوطنية، ~~فشعر بخوف شديد على أمه وإخوته من الحوادث المتوقعة في كورسيكا وغيرها، ولكن انتظار ~~القرار المنوط بوظيفته اضطره إلى البقاء في العاصمة. # وفي 13 أغسطس من تلك السنة صدر الأمر بإخلاء جميع المدارس الملكية، فذهب نابوليون ~~مسرعا إلى سان سير، ms011 فأخرج أخته إليزا من مدرسة البنات، وفي 30 من الشهر المذكور صدر ~~الأمر بإعادة نابوليون إلى رتبة كابتن في المدفعية، وبالإذن له في السفر إلى كورسيكا، ~~فسافر هو وأخته إلى ليون ثم برحها عن طريق نهر الرون، فقابلته مدموازيل بو صاحبة الفندق ~~الصغير في فالانس والسيدة ميزانجير وقدمتا له سلة من العنب، وفي 17 سبتمبر وصل نابوليون ~~وأخته إلى أجاكسيو حيث اجتمعت عائلة بونابارت كلها لأول مرة منذ ثلاث عشرة سنة، ولولا ~~الفقر والمسكنة التي كانت تحيق بها لكان سرور أعضائها عظيما، وقيل إن المورد الوحيد ~~الذي كانوا يعتمدون عليه حينئذ ويرجون منه دفع غائلة الجوع هو مرتب نابوليون. # وكانت أم نابوليون تجلس معه بعد رقاد أولادها الصغار وتظهر قلقها الشديد على مستقبل ~~بناتها، فيعمد نابوليون إلى تطييب نفسها وتسكين جأشها، وقد قال لها مرة: «إني سأذهب إلى ~~الهند ثم أعود بعد سنوات قليلة بمال وافر وأخص كل واحدة من أخواتي الثلاث بمبلغ منه ~~...» # وفي تلك الأيام اشتدت دسائس زعيم كورسيكي اسمه باسكال باولي وقام نزاع شديد بينه وبين ~~نابوليون؛ لأن باولي كان يريد إلحاق الجزيرة بإنكلترا، وحدث وقتئذ أن الجنود ~~الفرنسوية فشلت في جزيرة مادلين وكاجلياري، فاشتد ساعد باولي وتمكن من تأليف حكومة ~~وقتية لكورسيكا وأمر بنفي آل نابوليون كلهم، وكان نابوليون قد استشعر الخطر المقبل فبرح ~~كورسيكا، ولكنه علم في طريقه بالقرار المتعلق بآله، فأخذ يتنازعه عاملان عامل الواجب ~~لعائلته وعامل الخطر الذي يتهدده، ولكن تردده لم يطل فعاد قاصدا بلده لينقذ أهله، ~~ولما وصل إلى باب مدينة أجاكيسو علم أن أمه وسائر آله غير مهددين بخطر داهم، وأنهم ~~انطلقوا إلى كالفي، فأسرع إلى حيث كانوا، ثم أبحروا جميعا إلى مرسيليا بينما كان رجال ~~باولي يحرقون وينهبون أملاكهم. # وكان وصول نابوليون وأمه إلى مرسيليا في يونيو سنة 1793، وقد وصف أخوه لوسيين حالة ~~«لاتيتيا وأولادها» في مذكراته فقال: «كان نابوليون يخص معظم مرتبه بتخفيف أعباء أمه وسد ~~حاجة إخوته، وتمكنا من الحصول على جراية من الخبز وبعض المساعدة بصفتنا ms012 مهاجرين ~~وطنيين، فكان هذا العون كافيا لنا على قلته؛ لأن أمنا الفاضلة كانت مدبرة ~~مقتصدة.» # وكان من جملة الذين ساعدوا أرملة بونابرت وأولادها في مرسيليا الموسيو كلاري من كبار ~~تجار الصابون، فإن قلبه رق لحال تلك السيدة وأولادها، وتوثقت العلاقات الودية بين ~~الأسرتين، وما مضت سنتان حتى تزوج جوزيف جولي ابنة ذاك التاجر، ثم جرى حديث عن قرب ~~اقتران نابوليون بأختها دزيريه، ولكن يد الدهر كتبت لها أن تكون بعد حين زوجة ~~لبرنادوت. # وبعد حين سافر نابوليون من مرسيليا إلى مدينة نيس حيث كان الألاي الرابع مع جيش القائد ~~كارتو، فأخذ ينتقل معه من مدينة إلى أخرى في جنوبي فرنسا ليخمدوا فتنة الذين هبوا ~~لمعارضة الدستور. # وفي ليل 27-28 أغسطس حدثت الخيانة العظيمة بتسليم ثغر طولون للإنكليز، فأسرع جيش بارتو ~~- ومعه ألاي بونابارت - نحو تلك المدينة لاسترجاعها، فاستولى أولا على موقع أوليول، وفي ~~إبان القتال جرح قائد الطوبجية دومارتين، فعين نابوليون خلفا له، ومع أن الجنرال ~~دي تايل كان صاحب الأمر في المدفعية لم يشأ خوفا من المسئولية أو ثقة بالضابط نابوليون ~~أن يتولى هو القيادة الفعلية للمدفعية، وهناك كان ابتداء شهرة نابوليون وفاتحة مجده ~~الحربي. # وفي 22 ديسمبر أي بعد إخراج الإنكليز من طولون ببضعة أيام صدر الأمر بترقية نابوليون ~~إلى رتبة جنرال، على أن اسمه لم يكن معروفا بين الفرنسويين، ولما أبلغ الضابط جونو ~~أباه أنه سيكون ياور الجنرال بونابارت كتب إليه يقول: «لماذا تركت القائد لابورد، ~~ولماذا تركت فرقتك؟ ومن هو الجنرال بونابارت، وأين خدم؟ إني لا أعرف أحدا ~~يعرفه ...» # وكان عمر نابوليون في ذاك الحين لا يزيد عن خمس وعشرين سنة، فلم يأخذه الزهو والكبر ~~لحصوله على تلك الرتبة العالية ولم ينس أمه وإخوته، بل ازداد عناية بهم وعطفا عليهم، ~~قال أخوه لوسيين: «إن ترقية نابوليون أدت إلى تحسين حالنا، وقد ذهبنا إلى قصر ساليه ~~لنكون على مقربة من معسكره العام، فكان يقضي معنا كل أوقات الفراغ.» # وتمكن نابوليون من تعيين أخيه لويس ياورا براتب ملازم ms013 أول وأبقاه معه، وأدخل أخاه ~~جوزيف في إحدى الوظائف. # وفي ذاك الحين أراد روبسبير الصغير أن يولي نابوليون قيادة الحامية الباريسية، فأخذت ~~أسرة بونابارت تتحدث في هذا الشأن، فقال نابوليون: «إن روبسبير الصغير رجل عامر ~~الذمة، ولكن أخاه لا يمزح وهو يريد أن أخدمه وأنفذ مقاصده، وأنا لا أريد أن أخدم مثل ~~هذا الرجل ... أنا لا أرى لي محلا شريفا في هذا الوقت إلا في الجيش، فلا تضيقوا صدرا ~~واعلموا أني سأكون قائد باريس ولكن بعد حين ...» # على أن الزمان أراد أن يدخله الحبس قبل أن يذهب به إلى باريس قائدا وإمبراطورا ~~ويصبح قادرا على إخراج المساجين، وسبب حبسه أن «القومسير ريكور» فوض إليه مهمة سرية ~~وأرسله إلى جنوى، فقامت الشكوك والريب حول نابوليون، ولما عزل ريكور صدر الأمر بالقبض ~~على بطل طولون للتحقيق فجيء به من نيس إلى حصن كاريه، فاستولى القلق العظيم على أمه ~~وإخوته وأصدقائه، واسودت الدنيا أمام ذاك القائد الشاب؛ لأن الحبس في ذاك الوقت كان ~~على الغالب أول مرحلة من طريق الغليوتين. # ولكن نابوليون لم يسترسل إلى الجبن واليأس، بل ظهر في المظهر الذي تميز به سحابة ~~العمر، مظهر الثبات والحزم أمام الخطوب والكروب، وكتب إلى ألبيت وساليساتي اللذين ~~استصدرا الأمر بالقبض عليه قال: «إني خدمت الوطن في طولون وأحرزت شيئا من الامتياز، ~~وكان لي نصيب من الفوز الذي ناله جيش إيطاليا في سورجيو وتارانو، فكيف أنزل تحت الشبهات ~~قبل سؤالي وسماع جوابي؟ إنهم جعلوني موضع الريب، ثم ألقوا الحجز على أوراقي، مع أن ~~الواجب يقضي بحجز أوراقي وطلب الإيضاح مني، وبعد ذلك أرمى بالشبهات إن كان هناك ~~مسوغ.» # رمى جماعة من المؤرخين نابوليون بالتجرد من العواطف الإنسانية الطيبة، فإذا أراد ~~القارئ أن يعرف قيمة هذا الزعم وجد البرهان الدامغ على بطلانه فيما جرى بينه وبين ~~ساليساتي، فإن البطل الكورسيكي علم في يونيو من سنة 1795 أي بعد سنة لحبسه أن ساليساتي ~~- وكان وقتئذ فارا من وجه الحكومة - لجأ إلى منزل بيرمون حيث كان نابوليون ms014 يتناول ~~الغداء كل يوم، فتجاهل نابوليون وجود ذاك الرجل الذي اضطهده، واكتفى بأن يرسل إليه بعد ~~هربه إلى بوردو كتابا قال فيه: «رأيت يا ساليساتي أني كنت قادرا على مقابلة الشر ~~بمثله، ولو فعلت لثأرت لنفسي من رجل أنزل بي الضر وما رميته بإهانة أو شر، فاذهب ~~بسلام وابحث عن ملجأ تأوي إليه ريثما يتحسن شعورك الوطني.» ~~••• # ثم رجع نابوليون إلى مدينة نيس في 24 أغسطس بعد أن قضى ثلاثة عشر يوما في الحبس، وهناك ~~اشترك في مظاهرة قام بها الجيش، وصدر الأمر بتعيينه قائدا لبطاريات الحملة البحرية ~~التي أرسلت إلى سيفيتا فكشيا، ولكنه ما لبث أن عاد مع حملته إلى طولون؛ لأن البوارج ~~الفرنسوية لم تستطع يومئذ أن تقهر البوارج الإنكليزية، وبعد أيام صدر الأمر بصرف رجال ~~الحملة فأصبح الجنرال نابوليون بلا منصب، وفي أوائل إبريل سنة 1795 سافر إلى مرسيليا حيث ~~تلقى أمرا بالسفر إلى مركز الجيش الفرنسوي المعروف بجيش الغرب والموكل بإخماد الفتنة ~~الأهلية، فاستاء نابوليون من هذا الأمر؛ لأنه قضي بنقله إلى جيش يصادم الفرنسويين بدلا ~~من أن يكون في جيش يقاتل الأجانب، وما نزل على قلبه شيء من التعزية إلا عند تفكيره في ~~تحسين حالة أمه وأخواته الثلاث وأخيه جيروم - أما أخواه جوزيف ولوسيين فقد كانا متزوجين ~~يومئذ. # وبعد حين تولى وزارة الحربية كابتن قديم اسمه أوبري فعين نفسه فريقا ومفتشا عاما ~~للبطاريات، وأمر بنقل نابوليون إلى إحدى فرق المشاة، فتبرم نابوليون واعترض على هذا ~~التعيين، فأجابه أوبري: «أنت لا تزال شابا ... فيجب أن يتقدمك المسنون»، فقال له ~~نابوليون: «إن الشباب يسن عاجلا في ساحة القتال»، ولكن أوبري أصر على رأيه ~~العتيق، فأبى نابوليون أن ينتقل إلى المشاة، وأصبح في موقف حرج، ولكن بعض ذوي الشأن ~~الذين عرفهم في طولون توسطوا له عند ذاك الوزير، وبعد الجهد الشديد استنزلوا له أمرا ~~بالبقاء في العاصمة على سبيل «الإجازة»، إلا إنه كان محروما من مرتبه. أما السبب ~~الذي حمل نابوليون على رفض الانتقال إلى صفوف المشاة فهو ms015 أن ضباط البطاريات كانوا ~~ينظرون بعين الاستخفاف إلى ضباط المشاة، فعد نابوليون نقله حطا من قدره كما قال مارمون ~~في «مذكراته»، وكتب نابوليون نفسه إلى أحد أصدقائه يقول: «أرادوا أن يعينوني جنرالا ~~للمشاة في جيش فنديه فلم أقبل؛ لأن كثيرا من الضباط يمكنهم أن يقودوا المشاة ويكونوا ~~فيها أبرع مني، أما البطاريات فقليل أولئك الذين ينجحون في قيادتها.» # فاستنتج بعض المفكرين أن مطامع نابوليون لم تكن عظيمة وأحلامه لم تكن كبيرة في ذاك ~~الوقت؛ لأن جنرال البطاريات إذا كان محترما فهو لا يجد أمامه مجالا لإشباع المطامع ~~العظيمة كقائد المشاة الذي يصدر الأوامر إلى قواد البطاريات، ويرى أمامه متسعا ~~للأعمال الباهرة وتحقيق الأماني الجميلة. # وفي تلك الأثناء اضطر الجنرال بونابارت أن يعدل عن الكماليات ويكتفي بالضروريات، فباع ~~مركبته وأخذ يصرف جانبا من وقته في زيارة أهل النفوذ والسلطان ليوضح لهم أمره، ثم يصرف ~~الجانب الآخر في زيادة علومه ومعارفه بزيارة المعاهد العلمية والفنية وغيرها، وكان بين ~~حين وآخر يذهب مع صديقه جونو إلى بعض الحدائق فيتحدثون عن إخوته وأخواته، ولقد عشق ~~«جونو» «بولين بونابرت» وطلبها من نابوليون، فأجابه بلطف: «إنك ستكون صاحب ريع، ولكنك ~~لم تحصل عليه حتى الآن، وأبوك لا يزال جيد الصحة، وكل ما تملكه رتبة ملازم في الجيش، ~~والخلاصة أيها العزيز أنك لا تملك شيئا وبولين لا تملك شيئا، فخير لنا أن ننتظر ...» ~~وكانت حالة نابوليون في ذلك الوقت تزداد اشتدادا لحبس راتبه عنه، فكان مضطرا مع صديقه ~~جونو إلى الاكتفاء بما كان يرد على هذا الصديق من أهله، وإذا اتفق أن جونو كان فارغ ~~الجيب ذهب به نابوليون إلى منزل السيدة برمون - التي صارت ابنتها دوقة أبرانتيز بعد صعود ~~نابوليون إلى ذروة العز والمجد، وكان نابوليون يقول عند وصولهما ضاحكا: «إن حمل الذهب ~~لم يصل حتى الآن ...» # وليس يدلنا على الحالة النفسية التي كان نابوليون عليها في ذاك العهد مثل الكتب التي ~~بعث بها إلى أخيه جوزيف؛ فقد كتب إليه في 23 يونيو من ذاك العام: ms016 «إني أفعل كل ما في ~~وسعي لأجد وظيفة لأخينا لوسيين.» # وكتب في 24 منه: «لم أتمكن من الحصول على مركز للويس في فرقة المدفعيات، ولكني سأرسله ~~إلى شالون؛ لأن عمره لم يتجاوز السادسة عشرة، فلا تمضي سنة حتى يصير ضابطا.» # وكتب في 25 منه: «إذا أضمرت السفر وكنت معتقدا أن غيابك يطول مدة من الزمن فابعث ~~إلي برسمك، إنا عشنا معا سنوات عديدة فتمازجت قلوبنا وتقاربت أرواحنا وأنت أعلم ~~بحبي لك ...» # وكتب إليه في 19 يوليو: «لم أر منك كتابا حتى الآن مع أنك سافرت منذ شهر ... أظن أنك ~~تغتنم فرصة وجودك في جنوى لتاتي بآنيتنا الفضية وأشيائنا النفيسة.» # وكتب في 29 منه: «تجد ضمن هذا الكتاب الجواز الذي طلبته، وسيأتيك غدا كتاب من لجنة ~~الأمور الخارجية لتعضيدك في أشغالك.» # وكتب إليه في أول أغسطس: «إن لويس مكب على الشغل في شالون فأنا مسرور منه ... أكثر ~~لي من أخبارك، وحدثني عن الآنسة أوجيني فإنك لا تذكر لي شيئا عنها ولا عن الأولاد الذين ~~يجب عليك إبرازهم ... إنك تنسى نفسك في هذا السبيل ... ألا فاعطنا حفيدا ... اشرع في الأمر ~~...» # وكتب إليه في 20 أغسطس: «سأسعى في تعيينك قنصلا وفي تعيين فيلنوف - هو حمو جوزيف - ~~مهندسا فيذهب معي إلى تركيا.» # ثم عاد فكتب إليه في 25 منه: «آمل أن تصير قنصلا في مملكة نابولي بعد عقد الصلح معها ~~...» # وكتب في 6 سبتمبر: «كتبت إلى قرينتك، أما لويس فأنا مسرور جدا منه؛ لأنه محقق أملي ~~فيه وناهج على ما أريد؛ فهو نشيط، ذكي، جيد الصحة، حسن المواهب العقلية، طيب القلب، محب ~~للتدقيق، وأنت تعلم أيها الصديق أني لا أعيش إلا بالسرور الذي أنزله على قلوب أهلي ~~...» # فحسبنا ما تقدم لنعلم أن رب الحرب كان محبا لآله، كثير التفكير في مصالح إخوته ~~وأخواته حتى في أحرج المواقف التي وقع فيها. # قال بعض النقاد: إن المطامع الشخصية كانت تملأ قلب نابوليون في ذاك الوقت، ولكن مذكرات ~~صديقه بوريين ومذكرات مارمون لا تقوم دليلا على صحة ms017 هذا القول، وإذا نظرنا إلى الكتب ~~التي بعث بها إلى أخيه في تلك الأيام أبصرنا في خلال سطورها حقيقة ما كان يشعر به؛ فقد ~~كتب إليه: «أنا قائد لواء في مشاة جيش الغرب، على أني مريض ومضطر إلى طلب الراحة مدة ~~شهرين أو ثلاثة، وسأرى ما يحسن فعله بعد الشفاء.» ~~«الدستور يتلى اليوم، والناس يرجون منه السعادة والراحة، وسأرسل صورته إليك بعد أن ~~يطبع ويمكنني الحصول عليه.» # ثم قال عبارة تدل على حزنه وانقباض صدره وهي: «إن الحياة حلم يمر على جناح ~~السرعة»، وبعد أيام قليلة بعث بكتاب آخر لم يتكلم فيه عن نفسه، وهاك فحواه: # في كل يوم يصدر أمر بالموافقة على بعض مواد الدستور، ولا تزال الراحة وطيدة، ~~على أن الخبز لا يزال مفقودا والجو يبدو رطبا باردا فيؤخر الموسم، ومع ذاك ~~كله فإن الفخفخة واللهو والفنون المستطرفة عادت على منوال مدهش، فمثلت أمس ~~رواية فيدر في الأوبرا وخص دخلها بإحدى الممثلات، فأقبل الجمهور عليها ~~إقبالا كبيرا مع أن الأسعار زادت ثلاثة أضعاف، وحيثما تذهب تجد المركبات ~~وأهل اللباقة وترى النساء رائحات غاديات إلى المسارح والمتنزهات والمكتبات، ~~وإذا دخلت مكتب العالم نفسه وجدت فيه السيدات البارعات في الجمال، إن النساء ~~في هذا البلد دون سائر المعمور لجديرات بأن يدرن دفة السفينة، والرجال مجانين ~~بهن لا يفكرون إلا فيهن ولا يعيشون إلا بهن ولأجلهن ... أما جونو (صديقه) ~~فيعيش هنا كالشيطان وينفق من مال أبيه كل ما يقدر على ابتزازه، وأما مارمون ~~الذي صحبني من مرسيليا فيقيم الآن في مركزه بمدينة مايانس. # كل شيء هنا على ما يرام، والهياج محصور في الجهات الغربية دون سواها، ~~والحوادث التي قام بها جماعة من الشبان هنا لا تخرج عن أعمال الصبية، ~~والمعروف أن جانبا من أعضاء «لجنة الخلاص العام»، سيجدد في الخامس عشر من هذا ~~الشهر فعسى أن يكون الاختيار حسنا. # ومما يلاحظ هنا أن تجديد هؤلاء الأعضاء كان يخلص نابوليون من أوبري وزير الحربية الذي ~~أظهر له منتهى العدوان كما تقدم. # وكتب ms018 في جواب: «إن حالتي حسنة، وكل ما يعوزني هو حضور إحدى المعارك؛ لأن الواجب على ~~الرجل الحربي أن ينتزع من عدوه رايات النصر أو يموت على مهد المجد.» ~~«إن باريس هي هي، فكل الأفكار منصرفة إلى المسارح والمراقص والمتنزهات والأشياء ~~النفيسة الجميلة ... أما أنا فلا أتشبث بالحياة ولا أرمقها بعين الارتياح ... وسينتهي بي ~~الأمر إلى حد أن أصرف النظر عن أية مركبة تمر ...» # وقال في كتاب آخر: «أنا ملحق اليوم بمكتب الطوبوغرافيا (رسم الأرض) المختص بإدارة ~~الجيش في «لجنة الخلاص العام»، ولو أني أشاء السفر إلى تركيا برتبة جنرال لتنظيم ~~مدفعيات السلطان من قبل الحكومة الفرنسوية لتمكنت من الحصول على مرتب وافر ولقب أعتز به ~~...» ~~••• # رأينا أن قلب نابوليون كان يخفق أحيانا للنساء الجميلات كما يقع لكل شاب في ربيع ~~الحياة، ثم رأيناه مسترسلا إلى الحزن والأسى، وربما كان ضغط الحوادث والمصاعب على نفسه ~~مولدا عنده ضربا من اليأس، وكان نابوليون كما قال بوريين في مذكراته يميل إلى الزواج ~~ويغبط أخاه جوزيف الذي تزوج الآنسة كلاري ابنة تاجر شهير، ويفكر في الاقتران بالآنسة ~~دزيريه كلاري أخت زوجة أخيه، على أنه لم يكن واثقا بأنها تحبه كما كان يحبها؛ بدليل ~~ما كتبه إلى أخيه وهو أن «دزيريه طلبت رسمي وسأرسله إليها إن كانت لا تزال راغبة فيه، ~~وإلا فأبقه عندك.» # وكتب إلى أخيه يوم كانت دزيريه معه في جنوى: «إن دزيريه لا تكتب إلي منذ سفرها إلى ~~جنوى»، ثم كتب إليه ليعلم أخبارها من غيرها: «أظن أنك اجتنبت الكلام عن دزيريه عمدا، ~~فأنا لا أدري هل هي في قيد الحياة أم لا؟ ...» # وبعد خمسة أيام أمل أن يسافر إلى مدينة نيس فكتب إلى أخيه يقول: «إذا سافرت إلى نيس ~~فإني أراك وأرى دزيريه أيضا ...» وفي التاسع من أغسطس كتب إلى أخيه - بعد أن جاءه كتاب من ~~دزيريه - فأظهر رغبته الشديدة في الاقتران بها، ثم توالت رسائله إلى أخيه في هذا ~~الموضوع، ولكن قلب دزيريه - التي اقترنت أخيرا ببرنادوت ووضعت على رأسها ms019 تاج أسوج بدلا ~~من تاج فرنسا - لم تكن تشاطر نابوليون ذاك الحب. # وهنا يجمل بنا أن نشير إلى رأي بسطه بعض المؤرخين المحققين، وهو أن نابوليون لم ~~يكن ينوي أو يؤمل أن يقوم بالمهمة العظمى ويعمل عمله التاريخي الكبير حين أراد ~~الاقتران بتلك الفتاة؛ لأنه لو كان يضمر شيئا مثل ذاك العمل العظيم لأجل اقترانه إلى ~~فرصة أخرى، والواقع أن نابوليون كان في ذاك الوقت حزين النفس، ضعيف الجسم، يطوف في شوارع ~~باريس بقدم متزعزعة وهمة فاترة، ويضع على هامته برنيطة واسعة تنزل إلى عينيه ، ويلبس ذاك ~~«الردنجوت» الرمادي الشهير، ويرسل يدين ضئيلتين طويلتين ويأبى أن يشتري قفازا؛ لأنه ~~يقتضي نفقة زائدة لا حاجة إليها، ويحتذي حذاء ثقيلا متشبعا من الغبار، ولولا نظرته ~~وابتسامته لما كان في مظهره شيء مستحب، وكان يفكر على الدوام في مورد رزق مخافة أن ~~يدهمه أمر العزل في ساعة لا يتوقعها. # قالت السيدة بوريين: «إنه على أثر رجوعنا من ألمانيا سنة 1795 وجدنا نابوليون في ~~«القصر الملكي»، فتقدم وعانق بوريين كما يعانق رفيقا وصديقا محبوبا يتوق إلى رؤيته ~~ويسر بقربه، ثم ذهبنا إلى «المسرح الفرنسوي»، فحضرنا رواية «الأصم أو الفندق الممتلئ»، ~~فكان جميع الحاضرين يقهقهون ويبتهجون ما عدا نابوليون، فإنه كان صامتا واجما، فأثر ~~منظره في نفسي تأثيرا كبيرا، إن فكر نابوليون كان سارحا مشغولا بأمور أخرى، وقلبه ~~بات خائفا أن يأتيه خبر يقضي على أمله، وكان من جملة الأشغال التي فكر في اتخاذها ~~موردا للرزق إذا جاءه أمر العزل تجارة تصدير الكتب إلى الخارج، وقد بدأ فعلا بإرسال ~~صندوق مملوء من الكتب إلى مدينة بال فكان نصيبه الخسارة، وبعد هذا الفشل عاد إلى مشروعه ~~القديم؛ أي السفر إلى تركيا لتعليم فرقة المدفعية هناك.» ~~••• # رأينا أن نابوليون لم يكن يلقى من كل مسعى إلا خيبة الأمل، وأشد ما فت في عضده ~~وأدمى قلبه أن اضطهاد وزير الحربية «أوبري» أودى بثمرة جده وخدمته في إيطاليا وغيرها، ~~وأن أصدقاءه أو حماته - كما يقول - مثل باراس وفييرون لم ms020 يقوموا بكل ما رجاه منهم، وزد ~~على كل ما تقدم أن الفتاة دزيريه لم تشاطره الحب ولم ترغب فيه زوجا. # وإنه لعلى تلك الحال إذا بنور الفرج يبدو له من حيث لا يؤمل ولا يرجو؛ ذلك أن ~~الموسيو بونتيكولان - العضو في لجنة الخلاص العام - عين في اللجنة الحربية ونيطت به ~~إدارة الأعمال العسكرية، على أن الفوضى كانت تضرب أطنابها في ديوان الحربية، حتى إنهم ~~فقدوا خطة حرب البيرنيه كما قال سيجور، وبعد البحث الطويل وجدوها في قمطر مستخدم صغير، ~~ثم اتفق ذات يوم أن الموسيو بونتيكولان حدث الموسيو بواسي دانجلاس عما رآه من ~~الخلل والعلل، فقال له الموسيو بواسي: «إني لقيت أمس جنرالا معتزلا يتكلم عن معرفة ~~وعلم في أمر الجيش الفرنسوي الذي حارب في إيطاليا وهو يستطيع أن يقدم لك نصائح ~~نافعة»، فطلب إليه الموسيو بونتيكولان أن يرسل إليه هذا الجنرال، فأبلغ الموسيو بواسي ~~طلبه إلى نابوليون. # وبينما كان الموسيو بونتيكولان جالسا إلى مكتبه في الطبقة السادسة - حتى يخلص من كثرة ~~الرجاء والالتماس - دخل عليه إنسان نحيل ضئيل ممتقع اللون متقوس الظهر - كما قال ~~مونتيكولان نفسه، فدهش لرؤية هذا المخلوق الذي وضعه الموسيو بواسي تحت حمايته، على أنه ~~ما تجاذب معه حديث الحرب الإيطالية التي كانت تهمه حتى رأى أن أفكاره لم تكن مريضة مثل ~~جسمه، ورغب إليه أن يكتب كل ما ذكره في حضرته ثم يعود إليه. # على أن نابوليون أدرك من محادثته للموسيو بونتيكولان أن هذا الوزير الذي فوضت إليه أمور ~~الحرب كان يجهل الأمور الحربية، واعتقد أن المذكرة التي طلبها منه ستطرح كغيرها في ~~محفظة بعض المستخدمين، فأبى أن يرجع إلى بونتيكولان. # وبعد أيام قليلة لقي بونتيكولان الموسيو بواسي فأعرب له عن تعجبه وقال: «إني رأيت ~~رجلك، ويظهر إنه مجنون»، فقال له: «لقد كان يؤمل أن تدعوه للشغل معك»، فقال ~~بونتيكولان: «لا بأس، فليعد غدا.» # فقابل المسيو بواسي نابوليون ونصح له ملحا بأن يكتب مذكرة عن جيش إيطاليا إجابة ~~لطلب بونتيكولان، فكتب بضع صفحات أودعها صفوة ms021 آرائه، ثم حملها إلى وزارة الحربية، وعاد ~~بدون أن يقابل بونتيكولان، فلما طالع هذا الوزير مذكرة نابوليون دهش من كفاءة واضعها ~~وسعة معارفه الحربية، وأرسل يطلبه من غرفة الانتظار لظنه أن نابوليون كان منتظرا ~~أوامره، فلم يجد الرسول أحدا، ولكن نابوليون عاد في اليوم التالي ليرى تأثير المذكرة، ~~فاستقبله الموسيو بونتيكولان باسما وقال له: «أتريد أن تشتغل معي؟» قال: «مع السرور ~~والارتياح ...» ثم جلس إلى أحد المكاتب في الديوان، وأخذ يقوم لبونتيكولان بالخدمة التي ~~سجلها التاريخ، فأعجب هذا الوزير بها وسأل نابوليون «عما يريد»، فطلب نابوليون أولا أن ~~يعود إلى فرقة المدفعية، فذهب بونتيكولان إلى الموسيو لتورنور الذي كان موكلا بأمر ~~الترقية، فعرض عليه رغبة نابوليون وهو معتقد أنه يمكن تعيين شاب مثل نابوليون جنرالا ~~ما دام يمكن تعيين شاب مثله وزيرا، ولكن لتورنور كان لسوء الطالع قصير النظر، فأجاب ~~الموسيو بونتيكولان أنه «لا يمكن قبول هذا المطمع من نابوليون؛ لأن رفاقه القدماء في ~~صفوف الفرق العلمية - يريد المدفعية - ما زالوا في رتبة كابتن.» # فانظر كيف عاند الحظ نابوليون في أوائل عهده، فإنه امتاز بدرايته وشجاعته أمام العدو، ~~ونظم وزارة الحربية بعد أن كان الخلل ضاربا قبابه فيها، ثم وضع الخطة الحربية للجيش ~~الذي احتل فادو، ومع هذا كله أبى لتورنور أن يرجعه إلى صفوف المدفعيات، والمظنون أن ~~السبب في تلك المعاكسة هو أن لتورنور نفسه لم يكن له إلا رتبة كابتن في الجيش، فلم يستطع ~~أن يرى نابوليون متفوقا عليه بين حماة الوطن وإن كان هو وزيرا آمرا. # على أن نابوليون لم يضمر له شرا ولم يحمل شيئا من الحقد عليه؛ لأن النفوس الكبيرة ~~تتعالى عن الضغينة وتعفو عند المقدرة، وهذا ما وقع لنابوليون فإنه لما ارتقى إلى ذرى ~~المعالي عين لتورنور مستشارا في وزارة المالية، ثم دعا المسيو بونتيكولان وقال له: ~~«أنت منذ اليوم عضو في مجلس الشيوخ»، فأجابه بونتيكولان: «لا يمكنني قبول النعمة التي ~~تنعمون بها؛ لأن القانون يقضي بأن يكون عمر العضو أربعين سنة، وأنا ليس ms022 لي من العمر إلا ~~ستة وثلاثون عاما»، فقال له نابوليون: «إنك تعين مديرا لبروكسل أو لمدينة أخرى إلى ~~أن تبلع الأربعين فتأتي وتستلم منصبك ... أنا أود أن أظهر لك أني لم أنس ما صنعته لي ~~...» # واتفق بعد سنوات أن المسيو بونتيكولان ضمن صديقا مدينا بثلاث مائة ألف فرنك، وأن هذا ~~الصديق عجز عن الدفع فشدد الدائن على المسيو بونتيكولان في وجوب الوفاء قياما بالعهد، ~~وبينما كان الوزير القديم في أحرج المواقف علم نابوليون بأمره، فدعاه إلى قصر التويلري ~~وعنفه على البقاء نحو ثلاثة أشهر في ذاك المأزق دون أن يخبره بالأمر، ثم قال له: ~~«اذهب إلى الخزينة الخاصة واقبض المبلغ ...» # ولما كان الشيء بالشيء يذكر وجب علينا أن نذكر للحقيقة أن بنتيكولان كان أول الذين ~~عارضوا في بقاء الإمبراطورية البونابارتية في الجلسة التي عقدها مجلس الأمة الفرنسوية في ~~22 يونيو سنة 1815؛ أي سنة الشؤم على نابوليون. ~~••• # ولما أبى الموسيو لتورنو أن يحقق أمل الجنرال نابوليون بنقله إلى صفوف المدفعيات، ~~استقال نابوليون من وظيفته في وزارة الحربية وعاد بمساعدة بونتيكولان يتذرع بالذرائع ~~اللازمة لتحقيق أمنيته القديمة، نعني السفر إلى تركيا، وجاءت ساعة كان فيها الأمر بسفره ~~مكتوبا معدا، والأمل بنجاحه وطيدا، وما بقي عليه إلا انتظار نتيجة الاستعلام الذي ~~قامت به «لجنة الخلاص العام»، في شأن الضباط الذين اختارهم لتأليف بعثته، على أن الخلل ~~كان متسربا إلى فروع تلك اللجنة؛ فبينما كان نابوليون ينتظر أمر السفر صدر الأمر ~~بعزله؛ لأنه رفض الوظيفة التي عينت له في جيش الغرب، والحقيقة أن نابوليون عزل خطأ ~~وظلما؛ لأنه أقيل على وجه قانوني من الوظيفة التي عينت له أولا في جيش الغرب، ثم ~~عين في وزارة الحربية وقام للحكومة بخدمات جليلة، ولكن سوء الطالع كان ملازما له ~~والدهر الداهر واقفا في صف خصومه. # ولما دهمه أمر العزل فت في عضده، ورأى أن خير وسيلة إلى إلغاء هذا الأمر الذي حرمه ~~من رتبته العسكرية هو أن يذهب إلى أصدقائه وحماته، ويوضح لهم ما جرى له لعلهم ms023 يكشفون ~~عنه تلك الظلامة، فنجح أولئك الأصدقاء في مساعدته، وكتب نابوليون في 26 سبتمبر؛ أي بعد ~~أمر العزل بأحد عشر يوما إلى أخيه جوزيف يقول: «إن مسألة سفري هي اليوم أقرب إلى ~~التحقيق منها في كل آن.» # الفصل الثاني # | فتش عن المرأة # وفي تلك الأثناء صدر أمر «لجنة الخلاص العام» بأن يعطى ضباط الجيش العامل قطعة من ~~الجوخ كافية لصنع ردنجوت وصدرية وبنطلون، فذهب نابوليون إلى أمين مخزن الجيش وطلب قطعة ~~الجوخ، فرفض أن يعطيه إياها بحجة أن نابوليون لم يكن في الجيش العامل، فلجأ نابوليون ~~إلى مدام تاليان فأعطته كتابا إلى الموسيو ليفوف الموكل بذاك الأمر في الفرقة السابعة ~~عشرة، فتكرم عليه بقطعة الجوخ، وما كان سعي نابوليون في هذا السبيل ناشئا عن رغبته في ~~الهندام والإتقان والترف، بل كان ناجما عن سبب آخر ذكره البارون فين، هو أن ملابسه خاضت ~~معه العجاج ولقيت النار مرارا فأخلقت جدتها. # وكانت السيدة تاليان معشوقة المسيو باراس صاحب الكلمة والحول، فصار كل امرئ يطمح إلى ~~تعضيد من باراس أو يلتمس منه عفوا مضطرا في غالب الأحيان إلى زيارة مدام تاليان، حتى ~~أصبحت ردهتها ملتقى المطامع والمطامح من نساء ورجال، وكان نابوليون من جملة الذين ~~يختلفون إلى منزلها، فيرى فيه الزوار والزائرات يؤلفون لجانا مسترسلة إلى أحاديث ~~فيها من كل شجرة ثمرة ومن كل ينبوع قطرة، وكثيرا ما كانوا ينسون لدى تلك السيدة الجميلة ~~خطر الحال في فرنسا. على أن نابوليون كان أقلهم كلاما وأقلهم مظهرا، وإذا تكلم فلا ~~تكلف ولا تصلف. # وحدث يوما أن نابوليون كان منشرح الصدر، حديد الفكر، فأخذ يد مدام تاليان يقرأ فيها ~~ويكثر من الفكاهات والسخافات ليزيد سرور الحضور، فبدا للعين منظر جدير بأن يصوره ~~المصورون ويحفظوه على مر القرون، فمن جهة سيدة بارعة الجمال، كثيرة الدلال، تكتنفها ~~السراء، وتشملها النعماء، وتنصرف إليها الأنظار والأفكار، ومن جهة مخلوق ضئيل نحيل، أصفر ~~اللون، معروق لحم الوجه، يلبس ثوبا عسكريا لا يملأ العين، ويرسل شعرا طويلا عند ~~السالفين. # وهناك سرب ms024 من النساء الجميلات جالسات ينظرن إليهما ويضحكن من منظرهما، وبينهن سيدة من ~~ذوات الجمال الضارب إلى السمرة الخفيفة مسترسلة بلا تكلف إلى ذاك المشهد المضحك، ~~اسمها جوزفين، أرملة بومارشيه التي صارت بعد خمسة أشهر قرينة ذاك الجنرال المضحك، ثم ~~صارت بعد ثلاث سنوات إمبراطورة الفرنسويين وتلقت إكليل الزواج من يد البابا، فهل كان ~~نابوليون الذي حاول استطلاع طلع المستقبل للسيدة تاليان، هل كان يقرأ في يده ما أعدته يد ~~الزمان، وهل قرأ في صفحة المستقبل أنه سيصير ملك الملوك وسيد أرباب التيجان؟ # الفصل الثالث # | في سبيل المجد # وفي تلك الأيام كانت نيران الثورة كامنة تحت رماد السياسة في باريس، والأفكار قلقة ~~مضطربة، وسبب هذا الاضطراب أن كثيرين من الفرنسويين لم يكونوا راضين بالدستور المعروف ~~بدستور السنة الثالثة، فاغتنم الملكيون فرصة استيائهم وهبوا لتعضيدهم، وفي 12 فندميير ~~(الشهر الأول من سنة الجمهورية التي ألغي حسابها) حدث شغب في باريس، فأخرجت حكومة ~~الكونفانسيون الجيش لتفريق المتجمهرين بقيادة الجنرال مينو، فلم يفلح في مهمته، بل ~~اتفق مع الخوارج اتفاقا لا يؤيد سطوة الحكومة، وترك الثائرين في مواقعهم، فما طار ~~هذا الخبر إلى حكومة الكونفاسيون حتى اهتزت أركانها وأمرت بالقبض على الجنرال مينو ~~وبعزل الجنرال ديبريير والجنرال ديبور وغيرهما، وأخذت تبحث عن قائد آخر صحيح العزيمة ~~وطيد الأمانة؛ لأن موت الكونفانسيون وحياتها كانا متوقفين على نجاح الثوار وفشلهم، وبعد ~~المفاوضة الطويلة والمد والجزر اتفق رجال الكونفانسيون على تسليم القيادة إلى واحد ~~منهم خوفا من الخيانة، فعينوا باراس قائدا أكبر للجيش. # على أن باراس كان يحب الترف والنعيم، وهذا لا يتفق مع الواجب العظيم الذي نيط به، ~~فارتبكت أفكاره لدى ذاك الخلل الذي أصاب الجيش نفسه، وأوقف صديقه الموسيو كارنو على ~~أمره، فنصح له الموسيو كارنو بأن يطلب مساعدة أحد القواد، وذكر له ثلاثة ومنهم الجنرال ~~بونابارت، ثم عرضت أسماء قواد آخرين، فقال باراس: «إنا نحتاج إلى جنرال عالم بأمور ~~المدفعية»، فألح المسيو فريرون في وجوب اختيار نابوليون، ثم ذهب وأتى به، فقال له ~~باراس: ms025 «أتريد أن تكون قائدا ثانيا لجيش الكونفانسيون؟» فسكت نابوليون فقال له باراس: ~~«أعطيك ثلاث دقائق فقط للتفكير.» # ففي تلك الدقائق الثلاث تقرر حظ نابوليون وفرنسا وأوروبا، ولما فكر نابوليون في ~~واجبه بدا له أن واجب كل محب لفرنسا كان يقضي بإسقاط حكومة الكونفانسيون التي نشرت الهول ~~والرعب وضمت إليها كثيرين من أهل الجهل والخلل، ولكنه نظر من جهة أخرى فتصور خمسين ~~ألف نمسوي على أبواب ستراسبورغ وأربعين بارجة إنكليزية أمام برست، فقال في نفسه أن صد ~~العدو الخارجي هو رأس الواجبات، واختار ما جعله كل فرنسوي أساس وطنيته، وما نراه في ~~الحرب العظيمة الناشبة في هذا الوقت، وهو أن «تعضيد كل حكومة واجب على كل وطني في وقت ~~الخطر الخارجي.» # على أن نابوليون لم يقبل ذاك المركز الصعب إلا بشرط، وهو «أن لا يغمد الحسام قبل ~~إعادة النظام» فقبل باراس شرطه، وكان هذا الاتفاق نحو الساعة الواحدة بعد نصف الليل؛ أي ~~ليل 13 فندميير، وما جاء مساء 14 منه حتى تغلب نابوليون على الثوار، وفي اليوم ذاته صدر ~~الأمر بترقيته إلى رتبة قائد فرقة (فريق)، ولما اجتمع أعضاء الكونفانسيون قال لهم ~~فريرون الذي قدمه لباراس: «لا تنسوا أن الجنرال نابوليون الذي عين في ليل 12-13 لم ~~يكن لديه إلا صباح ذاك اليوم لاتخاذ الوسائل التي رأيتم نتائجها»، ثم وقف باراس بعد ~~فريزون فذكر الخدمة الجليلة التي أداها نابوليون، وطلب تثبيته في منصب قائد ثان للجيش ~~الداخلي. # ثم انتقل اسم نابوليون من الكونفانسيون إلى الجرائد، وتداولته الألسنة بعد الأقلام، ~~وفي 26 أكتوبر من تلك السنة عين قائدا عاما للجيش الداخلي، وأقام في المعسكر ~~العام الذي كان وقتئذ في شارع الكبوشيين، وعين الجنرال دوفينيو رئيسا لأركان حربه، ~~ثم ضم نابوليون إليه جونو ومارمون وغيرهما ممن كان لهم شأن وسمعة طيبة في ~~حروبه. # الفصل الرابع # | اليسر بعد العسر # وانتقل نابوليون من العسر إلى اليسر بعد انتقاله إلى المعسكر العام، وأصبح الباريسيون ~~يشيرون إليه بالبنان، ولم يعد الجنرال بونابارت يحتذي ذاك الحذاء الملطخ بالوحل ms026 ويلبس ~~الملابس العتيقة ويسكن في منزل عليه مسحة المسكنة، بل صار يعنى بنفسه ولا يخرج إلا في ~~مركبة فخمة. # ولعل القارئ يسأل هنا: كيف كان تأثير النعمة التي جاءته بتلك السرعة وليس له من العمر ~~أكثر من ست وعشرين سنة؟ هل تغيرت عواطفه وتبدلت أخلاقه أو بقي كما رأيناه في سنواته ~~المنصرمة؟ إن الأعمال التي قام بها والكتب التي أرسلها تتضمن خير جواب على هذا السؤال؛ ~~فقد كان في مقدمة أعماله بعد وصوله إلى شرفة المجد أنه توسط للجنرال مينو «سلفه في ~~المنصب» فبرأه مما أتهمته به حكومة الكونفاسيون، وفي 13-14 فندميير «الموافق 5-6 ~~أكتوبر » كتب إلى أخيه جوزيف يقول: # انتهى كل شيء، وكان أول ما فكرت فيه إرسال أخباري إليك، وقد أمرت حكومة ~~الكونفاسيون بنزع السلاح من قسم لابيلسييه، وعين باراس قائدا عاما ~~وعينني قائدا ثانيا، فأعددنا جنودنا ثم قهرنا الأعداء الذين هاجمونا عند ~~التويلري ونزعنا السلاح من جميع الأيدي ووطدنا الراحة، ثم رجعت كما تعودت؛ ~~أي دون أن أصاب بأقل جرح ... الطالع السعيد لي والسلام الجزيل لأوجيني ~~وجولي. # ثم كتب إليه في 26 أكتوبر: «عرفت من الجرائد كل ما يتعلق بي، فقد عينت قائدا ~~ثانيا لجيش الداخلية وعين باراس قائدا أول، ثم تغلبنا على الخصوم وبات كل شيء ~~نسيا منسيا ... أودعك وأنا لا أنسى شيئا مما ينفعك ويساعدك على نيل السعادة.» # وكتب إليه في 18 أكتوبر: «إن أحد مواطنينا المدعو بيلون - وأنت تعرفه كما يؤكدون لي - ~~طلب بوليت، ولكنه لا يملك ثروة، وقد كتبت إلى أمي ورغبت إليها أن لا تفكر في أمره، وأنا ~~أستزيد اليوم من الاستفهام والاستعلام.» # وكتب إليه في أول نوفمبر: «صار لوسيين قومسيرا في جيش الرين ... قبل عني امرأتك ~~ودزيريه.» # وكتب إليه في 9 منه: «إن العيلة لا تحتاج إلى شيء؛ فقد أرسلت إليها نقودا وأرواقا ~~مالية ... إلخ.» # وكتب إليه في 17 منه: «يحتمل أن أطلب العيلة إلى هنا ... زدني من أخبارك وأخبار قرينتك ~~وأوجيني ... وإني لا أشعر بوحشة إلا من بعدك، فإذا لم ms027 تكن امرأتك حبلى فتعال بلا إبطاء ~~إلى باريس لتقضي فيها حينا من الزمن.» # وكتب إليه في 31 ديسمبر: «لا يأخذنك شيء من القلق على العيلة فإنها حاصلة على كل شيء ~~... وصل جيروم إلى باريس، وسأدخله في إحدى المدارس الموافقة له، وأنت ستصير قنصلا في ~~وقت قريب فلا يحق لك أن تقلق، وإذا تولاك الملل في جنوى فتعال إلى باريس حيث تجد ~~مائدة ومركبة رهن إشارتك، وإذا كنت لا تود أن تكون قنصلا أمكنك أن تختار هنا الوظيفة ~~التي توافقك.» # وكتب إليه في 11 يناير: «إن كثرة أشغالي وأهمية الأمور التي تشغلني تمنعني من مواصلة ~~الكتابة إليك، أنا سعيد ومسرور، وأما العيلة فقد أرسلت إليها ما قيمته 50 إلى 60 ألف ~~فرنك من نقود وأوراق وغيرها، فلا يشغل أمرها فكرك، وأما أخونا لويس فهو ياور لي وأنا ~~مسرور جدا منه، ومارمون وجونو ياوران أيضا، وجيروم يتعلم في المدرسة اللغة اللاتينية ~~والحساب والرسم والموسيقى ... إلخ، وأنا لا أرى أقل مانع لزواج الشقيقة إذا كان الطالب ~~غنيا.» # فأنت ترى أن نابوليون هو هو مع أهله، لم يغير اليسر ما ظهر من أخلاقه وعواطفه أيام ~~العسر. # الفصل الخامس # | هيام نابوليون بجوزفين # على أنه إذا كان نابوليون لم يغير سلوكه مع أهله بعد ذاك الفوز الباهر فإن منصبه ~~كان يضطره إلى الظهور في مظهر الأبهة في المجالس، فكنت تراه يدخل الردهات دخول الظافر ~~المعتز لا دخول الجنرال الوضيع المعوز كما رأيناه، وكان بحكم منصبه يقابل كثيرا أعضاء ~~الحكومة، فيكرمون وفادته ويلقبونه تحببا ب «جنرالنا الصغير». # ولم ينقطع الجنرال نابوليون عن زيارة «صالون» السيدة تاليان وهناك كان يجد نخبة من ~~السيدات والرجال، وهناك عرف جوزفين دي بومارشيه وعشقها أشد عشق. قال مارمون: «إن هذا ~~أول عشق داخل قلب نابوليون على ما يظهر، وكان عمر نابوليون لا يزيد حينئذ عن سبع ~~وعشرين سنة وعمر جوزفين يبلغ اثنتين وثلاثين، على أن فقدها لنضارة الشباب لم يحل دون ~~تملكها لقلبه»، والظاهر من أقوال أخرى أن مارمون جار على جوزفين ms028 في حكمه؛ لأنها لم ~~تكن محرومة من نضارة الشباب بالقدر الذي يدل عليه كلام مارمون، وإذا كان جمالها لا ~~يضارع جمال مدام تاليان، فإنه كان كافيا لاجتذاب قلب لم يعرف الغرام كقلب ~~نابوليون. # ولقد وصف المؤرخون جوزفين بأنها كانت متوسطة القامة، متناسبة الأعضاء، لينة المعاطف، ~~قليلة التكلف في حركاتها وسكناتها، حنطية اللون، ذات عينين شديدتي الزرقة وحاجبين ~~مرتفعين بعض الارتفاع، وكانت ملابسها على الغالب من الحرير الهندي الرقيق. # وزعم بعض أولئك المؤرخين - الذين اشتهروا بالتحامل على أسد أوسترليتز - أنه كان يرمي في ~~حبه لجوزفين إلى غرض واحد هو الحصول على منصب القيادة العامة لجيش إيطاليا، ولكن الآخرين ~~يؤكدون أنه أحبها حبا أكيدا شديدا ، وأن فكرة الزواج كانت ملازمة له منذ سنة ~~1794؛ بدليل قوله عن أخيه جوزيف بعد زواجه: «إن جوزيف لسعيد»، وبدليل سعيه للاقتران ~~بدزيريه كلاري أخت زوجته، وبدليل رغبته في الاقتران بجوزفين التي كان لها ولدان. # فليس بعجيب بعد أن رفضته دزيريه أن يتزوج أول امرأة يحبها وتمد يدها إليه، وكانت جوزفين ~~دي بومارشيه التي أوقعت على نفسها الشبهات بشدة امتزاجها مع مدام تاليان، واسترسلت إلى ~~اللهو والصفاء بعد وفاة زوجها، تحتاج إلى الاعتماد على قرين يرجى له مستقبل جميل، وكل ~~من اطلع على ما كتبته يعلم أنها كانت أشد رغبة من نابوليون في الاقتران به، وإليك ما ~~كتبته إليه في 28 أكتوبر سنة 1795: «إنك انقطعت عن زيارة صديقة تحبك، وأهملتها إهمالا ~~تاما، فأنت مخطئ في عملك؛ لأن قلبها متعلق بك... فتعال غدا لتناول الغداء معي، فإني ~~في حاجة إلى رؤيتك ومحادثتك فيما يختص بمصلحتك ... أقبلك أيها الصديق ...» # فإذا نظرنا إلى هذا الكتاب بعين الناقد المنصف ظهر لنا منه أمران؛ أولهما: أن ~~نابوليون مع حبه لجوزفين لم يكن يوالي الزيارات لها خوفا من إزعاجها. والثاني: أنه لم ~~يكن يستخدمها لتأييد مصلحته الخاصة كما اتهم، بل أن جوزفين هي التي كانت تتوسل بجملة ~~وسائل لتستميله إليها، ومن جملة وسائلها التحدث عن مصلحته ومستقبله. # وليس بصحيح أنها كانت رفيقة باراس مع ms029 مدام تاليان، فإنها لم تكن على رواية المحققين ~~إلا صديقة لمدام تاليان عشيقة باراس، ومما لا ريب فيه أنها لو كانت كما زعموا لقذفت بها ~~مدام تاليان من مجلسها، ولما احتملت منها تلك الخيانة، وكل ما يمكن تصديقه هو أن ~~جوزفين لما صارت خطيبة للجنرال نابوليون التمست توسط مدام تاليان لدى باراس ليساعد ~~على تعيين نابوليون قائدا عاما لجيش إيطاليا، وليس هذا بغريب من خطيبة ترجو تحسين ~~سمعتها وإعلاء منزلتها وتأييد مصلحتها بارتقاء خطيبها، ولا سيما أن جوزفين كما ظهر ~~واشتهر بعد حين لم تندفع بعامل الحب إلى ذاك الاقتران، وإليك ما كتبته إلى إحدى ~~صديقاتها: # إنك رأيت عندي الجنرال بونابارت، فهذا الجنرال أراد أن يكون أبا لليتيمين ~~اللذين تركهما ألكسندر دي بومارشيه وزوجا لأرملته، ولعلك تسألينني: «أأنت ~~تحبينه؟» فأقول: «كلا»، ولكني لا أرى ما ينفرني منه ... # على أن نابوليون نفسه كان يتعالى عن الدسائس ويعتمد على سيفه قبل كل شيء، بدليل ما ~~قالته جوزفين نفسها في كتاب، وهو أن «باراس أكد لي أني إذا اقترنت بالجنرال نابوليون ~~أناله القيادة العامة لجيش إيطاليا»، فحادثت نابوليون في شأن هذا المنصب الذي ساء رفاقه ~~قبل وصوله إليه، فقال لي: «أيظنون أني أحتاج إلى الحماية؟ إنهم إذا حصلوا على حمايتي لهم ~~كانوا من السعداء، وما دام سيفي معي فإني أرتقي به إلى أسمى المناصب ...» # ولكن تلك الأنفة عند نابوليون لا تنفي أن جوزفين صاحبة السلطان على قلبه كانت تستطيع ~~أن تجبره على التسليم بإرادتها، والمعروف أنها كانت تريد توسط باراس وتسعى إليه في بيت ~~حبيبته، وإذا أراد القارئ أن يعرف مبلغ الحب الذي تمكن من قلب نابوليون بعد خطبة جوزفين ~~فليقرأ كتبه إليها، فقد كتب إليها على أثر سهرة: «إني أستيقظ ولا أرى أمامي غيرك، فإن ~~صورتك والسهرة المسكرة التي قضيناها أمس لم تبقيا لحواسي شيئا من الراحة، فما هذا ~~التأثير الغريب الذي أحدثته في قلبي يا جوزفين، يا عزيزة المثال ... إني إذا رأيتك مكدرة ~~الصفاء أو حزينة القلب أو قلقة الفكر تفطر ms030 فؤادي وفقدت الراحة»، ثم ختم بقوله: ~~«أعطني ألف قبلة، لا بل امنعيها عني فإنها تحرق دمي في عروقي ...» # حسبك ما تقدم لتعلم أن نابوليون كان يحب جوزفين حبا حارا، وقد استمر حبه لها ~~زمنا طويلا بعد بلوغه ذروة المجد وإحرازه النصر الباهر، وهذا يدل دلالة دامغة على خطأ ~~بعض المؤرخين الذين زعموا أن نابوليون إنما أحب تلك المرأة متصنعا وراميا إلى ~~غرض مادي، في حين أنه كان يحبها حبا خالصا وشديدا إلى حد منعه من درس حقيقة ~~الحب الذي تظاهرت به جوزفين، ولم يدرك أنها اتخذته واسطة لبلوغ غرضها - أي الوصول إلى ~~مركز في المجتمع - إلا بعد زمن. # أما الوقت الذي بدأ فيه نابوليون يتحبب إلى جوزفين ويجتمع بها على نية الزواج، فهو ~~على ما يظهر شهر نوفمبر سنة 1795، وكانت جوزفين تقيم حينئذ في شارع الكلية مع عمتها ~~فاني دي بومارشيه، التي قال فيها أحد الشعراء ما معناه: «إن فاني جميلة وشاعرة، ولكن ~~فيها عيبين؛ الأول أن وجهها مصطنع، والثاني أنها لا تنظم شعرها ...» # على أن نابوليون لم يخطب جوزفين خطبة رسمية إلا سنة 1796، ولم يكن يكثر من ~~الزيارات لها قبل هذا الميعاد؛ لأن الحكومة الفرنسوية «حكومة الديركتوار» فوضت إليه أن ~~يضع خطة الحرب الإيطالية، فاستغرقت مع أعماله الأخرى معظم وقته، وبعد أن عقدت الخطبة ~~بينهما انتقلت جوزفين إلى منزل نمرة 6 في شارع شانترين بالعاصمة، وهو المنزل الصغير ~~الجميل الذي اشتراه لها نابوليون بمبلغ 50400 فرنك. # وكان نابوليون يزور الأحباء والأصدقاء مع خطيبته، وقيل إن جوزفين أظهرت شيئا من التردد ~~بعد الخطبة، بدليل أنها كانت يوما مع نابوليون مارة أمام منزل مستشارها الموسيو ~~راجيدو أحد موثقي العقود، فدخلت منزله وسألت خطيبها أن يبقى خارج غرفة هذا الرجل، ولما ~~خلت به استشارته لآخر مرة في مسألة اقترانها بنابوليون، فقال لها: «ماذا تفعلين؟ ~~أتقترنين بجنرال لا يملك إلا السيف والعباءة العسكرية ... بجنرال صغير ليس له اسم ولا ~~مستقبل ... بجنرال هو دون سائر قواد الجمهورية! إنه لخير لك أن تتزوجي أحد المتعهدين ms031 ~~بتقديم البضائع والحاجيات من أن تعقدي مثل هذا القران.» # حفلة زواج نابوليون وجوزفين. # وكان نابوليون في تلك الساعة ينصت وراء الباب المفتوح قليلا، فسمع حديث الموسيو ~~راجيدو، ولكنه كظم غيظه وأضمر استياءه ولم ينبس ببنت شفة، وبعد مضي ثماني سنوات انتقم ~~لنفسه بأن دعا راجيدو إلى حفلة القران التي أقيمت في قصر التويلري ليرى ذاك «الجنرال ~~الذي ليس له اسم ولا مستقبل.» # وكان اقتران نابوليون بجوزفين في 9 مارس من سنة 1796، ومما يذكر أن جوزفين نقصت من ~~عمرها يوم كتابة عقد الزواج أربع سنوات، ونابوليون زاد على عمره سنة واحدة مراعاة ~~لعواطفها، وكان شاهدا جوزفين باراس وتاليين، وشاهدا نابوليون ياوره ماروا والمسيو ~~كالميلي أحد رجال القضاء، وبعد التوقيع على السجل الرسمي أمام المسيو لكليرك مسجل ~~الأحوال الشخصية في القسم الثاني من العاصمة، ذهب نابوليون وعروسه إلى منزلهما في شارع ~~شانتيرين حيث ابتدأ شهر العسل رسميا، أما ولدا جوزفين أوجين وهورتنس فقد أرسلا إلى ~~سان جرمين. # وقبل زواج نابوليون باثني عشر يوما صدر الأمر بتعيينه قائدا عاما لجيش إيطاليا، ~~فأخذت الألسن اللاذعة تقول: «إن باراس جعل القيادة العامة مهرا لجوزفين.» ونقل بعض ~~المؤرخين هذا القول الجارح على علاته، ولكن الذين رمقوا نابوليون بعين الإنصاف يرون أن ~~باراس مع رغبته في إرضاء حبيبته السيدة تاليان - التي التمست جوزفين توسطها - لم يكن من ~~السهل عليه أن يجعل القيادة العامة في جيش إيطاليا - تلك القيادة التي كانت المصلحة ~~الوطنية العظمى منوطة بها - هدية زواج أو ينقلها من يد إلى يد على ذاك النمط من الخفة ~~والطيش. # وزد على هذا كله أن باراس مع نفوذه ومقدرته على إغداق نعم كثيرة لم يكن قادرا على ~~التصرف وحده بأمر تلك القيادة؛ لأن القائد العام لم يكن يعين إلا باتفاق آراء ~~الغالبية في مجلس «الديركتوار»، وهو كان مؤلفا من كارنو وباراس ورفيليير ليبو وريبل ~~ولتورنور، وإذا رجعنا إلى مذكرات رفيليير ليبو - الذي اشتهر بتحامله على نابوليون - ~~رأيناه يؤكد فيها إن «الديركتوار كان حرا في اختياره لنابوليون؛ فهو لم ms032 يتأثر ~~بشيء لا من باراس ولا من أحد آخر ...» # والواقع أن مجرى الحوادث هو الذي أفضى بالقيادة العامة إلى يد نابوليون، وتحرير الأمر ~~أن نابوليون وضع خطة حربية لاكتساح أنحاء البيامون منذ 19 يناير من تلك السنة ورفعها إلى ~~الحكومة، فأرسلتها إلى الجنرال شارير - وكان وقتئذ قائدا عاما - فما اطلع عليها حتى ~~أعادها إلى الحكومة وقال لها في كتاب: «إن الذي وضع هذه الخطة رجل مجنون، ومن يتصور خطة ~~مثلها يجب عليه أن يأتي لتنفيذها»، بيد أن كارنو أحد أعضاء الحكومة أدرك سر الخطة ~~وأيد نابوليون وتمكن من استمالة الغالبية إلى رأيه، وفي 11 مارس من سنة 1796 - أي ~~بعد الزواج بيومين فقط - سافر نابوليون إلى معسكر الجيش الإيطالي وقلبه يتلفت نحو زوجه ~~المحبوبة، وهناك كان استهلال الأعمال الحربية العجيبة التي استمرت نحوا من عشرين ~~سنة. # الفصل السادس # | نابوليون بعد الزواج # كان نابوليون يعتقد مثل كل إنسان عاقل أن من القواعد الأدبية الأساسية في الزواج أن ~~يحب الرجل امرأته وأن يفرغ الجهد في تحبيب نفسه إليها، كما أن الواجب على المرأة أن ~~تنحو هذا النحو، على أن نابوليون أظهر من الاندفاع والتحمس في حبه لجوزفين ما بلغ به ~~حدا قصيا، فكأنما الفقر والضنك اللذان حالا بينه وبين عيشة الشباب في أوائل عهده ~~تركا في صدره قوة احتياطية عظيمة من الحب فتدفقت وطغت، حتى قال المؤرخون المحققون ~~أن حاجته لأن يكون محبا وحبيبا بلغت به درجة تضاهي ما نطالعه في الحكايات ~~الخرافية، وكان يسعى إلى هذا الغرض من كل طريق؛ فتارة يقسم لها الأيمان المغلظة، ~~وتارة يصوغ لها عقود الثناء والمدح، وحينا يلتمس ويضرع، وآخر يتذلل ويخضع، ولو عرفت ~~جوزفين كيف تستفيد من تلك العواطف المتقدة لدام حب نابوليون لها وتوثقت عرى الوئام ~~بينهما توثقا ليس بعده انفصام، ولكن جوزفين كانت أميل إلى الملذات والمسرات العالمية ~~منها إلى إقامة بيتها على أسس وطيدة وإلى التماس الحياة الزوجية الرغيدة، ونحن ذاكرون ~~هنا مقتطفات من الكتب التي بعث بها إلى جوزفين بعد سفره ms033 إلى معسكر جيش إيطاليا؛ لأنها ~~تدل القارئ على المجرى الذي جرت فيه عواطف نابوليون بعد زواجه؛ قال لها في كتاب بعث ~~به في 14 مارس 1796؛ أي بعد سفره بيومين: # أيتها الصديقة المعبودة، إن كل دقيقة تمر بي وأنا بعيد عنك تضعف مقدرتي ~~على احتمال هذا البعد، فأنت على الدوام نصب عين الفكر، ومخيلتي تفنى جهدا ~~ووصبا لكي تتصور ما تصنعين، فإذا تصورتك حزينة تفطر فؤادي وتفاقم حزني، ~~وإذا تصورتك طلقة المحيا لعوبا مع الأصدقاء والصديقات ملت إلى تعنيفك؛ ~~لأنك نسيت فراقنا الأليم منذ ثلاثة أيام ... اكتبي وأسهبي لي أيتها الصديقة، ~~وتقبلي ألف قبلة وقبلة ممن يحبك أصدق حب. # وقال مارمون: «إن الجنرال بونابارت مع اشتغاله بالعلاء والعظمة وبالمصالح الخطيرة التي ~~فوضت حمايتها إليه ومع اهتمامه بمستقبله لم يكن ينسى امرأته، بل كان يفكر فيها على ~~الدوام ويتمنى قربها وينتظر قدومها بفروغ صبر، وكثيرا ما كان يحدثني عنها وعن حبه لها، ~~ويتألم من تأخرها عن السفر إليه، ويظهر شيئا من الغيرة والتطير.» # وحدث يوما أن المرآة الملحقة برسم صغير لجوزفين انكسرت في جيبه قضاء وقدرا، فاصفر ~~لون نابوليون اصفرارا مخيفا وقال لمارمون: «إن امرأتي على أحد أمرين: فإما أن تكون ~~مريضة، وإما أن تكون خائنة ...» ولطالما تضرع نابوليون إلى جوزفين بعد أن أشرق طالع السعد ~~عليه وأخذ يحرز النصر تلو النصر أن تحضر وتخمد لهيب شوقه، ولكن جوزفين كانت تود قبل ~~كل شيء أن تبقى حرة في باريس، لتتمتع برؤية التحمس العظيم الذي كانت تحدثه انتصارات ~~زوجها في الجمهور الباريسي، وتجني أزهار المديح من جميع الطبقات، وتطلع مرتفعة الرأس في ~~المجالس والمحافل، وتبسم ابتسامات كلها أنفة وعزة للذين كانوا يهتفون لها ويلقبونها ب ~~«سيدة النصر»، فهي لم تكن تحب زوجها، بل كانت تحب منصبه وشهرته وتتخذهما سلما للصعود ~~إلى حيث كانت تريد في المجتمع، وكانت إذا رأت نابوليون يلح في طلبها والتضرع إليها قالت ~~بدلال: «إن نابوليون لمغرب مضحك ...» وإذا أجابته فإن جوابها لا يتجاوز ثلاثة أسطر، وكانت ~~تدعي تارة أنها ms034 مريضة، وطورا أن دلائل الحبل بادية عليها فلا قبل لها ~~بالسفر. # على أن هذا العذر كان يزيد شوقه وقلقه، وفي 15 يونيو كتب إليها كتابا قال فيه: «صارت ~~حياتي كلها أحلاما مخيفة، وصرت كأني لا أحيا، وفقدت ما هو أغلى من الحياة والسعادة ~~والراحة، وكاد اليأس يتولاني ... اكتبي لي عشر صفحات، فإن هذا هو الأمر الوحيد الذي ~~يعزيني بعض التعزية ... قلت أنك مريضة، وأنك تحبينني، وأنني أحزنتك، وأنك حامل، فأنا ~~أذنبت إليك ذنوبا عديدة لا أدري كيف أكفر عنها، فاغتفريها لي واعذريها أيتها الصديقة؛ ~~لأن حبك ذهب بعقلي فلن أرى إليه سبيلا.» ~~«إن ما بي من الداء لا يقبل الشفاء، وما عندي من الأفكار السوداء بلغ حدا صرت ~~أكتفي معه بأن أراك فأضمك ساعتين إلى قلبي ثم نموت معا ... ألا خبريني من يعتني بك؟ ~~أظنك دعوت هورتنس إليك ... إن حبي لهذه الفتاة اللطيفة زاد ألف ضعف منذ عرفت أنها تقدر ~~على إنزال شيء من السلوان على قلبك ... أما أنا فلا عزاء ولا راحة ولا أمل لي قبل أن يرد ~~علي كتاب طويل منك أعرف منه ما هو مرضك، فإذا كان منه خطر عليك، فإني أسرع إلى السفر ~~نحوك ... أيتها الصديقة، قولي لي أنك مقتنعة كل الاقتناع بأن حبي لك يتجاوز ما يستطيع ~~الفكر أن يتصوره، وبأني لا أفكر في امرأة أخرى غيرك، وبأن كل النساء هن في نظري عاطلات ~~من حلي اللطف والظرف والجمال والذكاء، وبأنك أنت وحدك تعجبينني وتروقين ناظري، وبأن ~~قواي وساعدي ومداركي كلها لك، وروحي مقيمة في جسمانك، فإذا مت مت أنا معك ... وأنت ~~تعلمين أني لا أستطيع أن أرى لك حبيبا»، ثم ختم بقوله: «أيتها الصديقة المعبودة، أنا ~~مريض لمرضك، والحمى تتسعر في جسمي، فلا تدعي البريد يتأخر أكثر من ست ساعات، بل ~~أعيديه مسرعا بجواب من سيدتي ومولاتي.» # فماذا كان جواب جوزفين على هذا الكتاب الذي تكاد حروفه تلتهب من نار شوقه إليها؟ إنها ~~قالت عند وصوله: «إن نابوليون لمغرب مضحك.» أجل إن ذاك الزوج ms035 الذي خدعته الأيمان التي ~~أقسمتها تلك المرأة أيام الخطبة، وذاك الجنرال الذي بز الأبطال، وأخذت فتيات الطليان ~~تتزلف إليه في كل مكان فلم يعجبه غير امرأته من النساء الحسان، وذاك القائد الذي كان ~~يصدر أوامره إلى أرباب التيجان وصاحب الفاتيكان، ثم يقف أمام تلك المرأة كخادم في حضرة ~~سلطان، إن مثل هذا الإنسان لغريب في أفكاره مضحك في أطواره. # قيل - وما أكثر ما قيل عن نابوليون - إن ذاك الإنشاء الممتلئ حرارة ليس بالدليل الدامغ ~~على شدة لهيب الشوق بين ضلوعه؛ لأن من العادة المألوفة في إيطاليا - ولا سيما في ذاك ~~العهد - أن يبالغ المتحبب في كلامه وإن كان لا يصور حقيقة هيامه، على أن هناك برهانا ~~لا يبقي ريبا في خطأ هذا القول عن نابوليون، وهو بعض الكتب التي أرسلها في ذاك الوقت ~~إلى كارنو أحد رجال الديركتوار وإلى أخيه جوزيف؛ فإن المطلع على تلك الكتب يرى بين ~~تضاعيف سطورها تلك الأشواق كما رآها في كتب نابوليون إلى جوزفين نفسها، ومما كتبه إلى ~~كارنو قوله: «إني أشكر لكم العناية التي تصرفونها إلى قرينتي، فهي وطنية صادقة، وأنا ~~مجنون بحبها ...» ومما كتبه إلى أخيه جوزيف: «إن اليأس تولاني منذ علمت بمرض امرأتي، ~~فأضعت الصواب وتوالت علي الأوهام المخيفة، فأسألك أن تبذل لها كل عناية ... إنك بعدها ~~الإنسان الوحيد الذي يهمني أمره فطمئني وقل الصحيح ... إنك لا تجهل مبلغ حبي الشديد، ~~ولا يفوتك أن جوزفين هي المرأة الأولى التي أعبدها، فمرضها يورثني اليأس، وإذا كانت ~~حالتها جيدة فأنا أود من صميم الفؤاد أن تحضر؛ لأني محتاج إلى مرآها وضمها إلى قلبي ... ~~أنا أحبها أشد الحب، فلا يمكنني أن أبقى بعيدا عنها، وإذا كانت هي لا تحبني فإني لا ~~أود بقائي في هذا العالم ... أيها الصديق المحب، لا تدع البريد يتأخر أكثر من ست ساعات، بل ~~سارع إلى إرساله ليعيد إلي الحياة، أودعك وأدعو لك بالسعادة، أما أنا فقد شاء الدهر ~~أن لا يبقي لي إلا الظواهر اللامعة.» ~~••• # وبقي نابوليون يرسل الكتاب تلو ms036 الكتاب على هذا المنوال فيري من جوزفين ضروبا ~~مختلفة للتخلص من السفر، حتى علمت أن جونو مرسل من قبل نابوليون إلى باريس ليحمل ~~الرايات والغنائم التي غنمها نابوليون من النمسويين، فخافت أن يوقف نابوليون على حقيقة ~~أمرها وسلمت بالسفر معه ومع مورات في 22 يوليو سنة 1796، ولكن صدرها كان منقبضا وحزنها ~~شديدا لفراق باريس. قال أرنو في مذكراته: «لقد كان جزعها شديدا عندما رأت أن السفر أمر ~~لا مناص منه، يا لها من امرأة مسكينة! إنها كانت تذرف الدمع الغزير وتشهق كأنها سائرة ~~إلى العذاب.» # ولما وصلت إلى تورين أرسل نابوليون مارمون لملاقاتها، ثم عاد معها إلى ميلان حيث نزلت ~~في قصر سرباوني، وهناك قابلها نابوليون بشوق وحنان متدفقين، وذكر مارمون تلك المقابلة ~~فقال: «إن الجنرال بونابارت سر بها أبلغ سرور؛ لأنه لم يكن يعيش إلا بها، وإني لم أر ~~حبا تملك قلب رجل وكان أصدق مظهرا وأشد صفاء وأقوى اندفاعا من حب نابوليون ~~لجوزفين.» # على أن أوقات الصفاء والهناء لم تكن طويلة بعد وصول جوزفين؛ لأن الحالة الحربية اقتضت ~~أن يسافر الجنرال نابوليون في أوائل يوليو من ميلان ويترك حبيبته هناك، وفي 6 يوليو كتب ~~إليها يقول: «إني قهرت العدو، والتعب آخذ مني كل مأخذ، فاسألك أن تحضري مسرعة إلى ~~فيرون؛ لأني أحتاج إليك، وأظن أن مرضي سيكون شديدا، أقبلك ألف قبلة وأنا في السرير»، ~~وكانت مكاتيب نابوليون تزداد كلما طال الفراق، وفي 18 من ذاك الشهر كتب إليها يقول: # أنا قلق الفكر، أود أن أعرف ماذا تصنعين ... كنت في قرية فيرميل وجلست عند ضفة ~~البحيرة على نور القمر الفضي، وكنت أذكر على الدوام جوزفين ... إني أضعت علبة ~~التبغ، فأرجو أن تختاري لي علبة أخرى مسطحة قليلا، وأن تكتبي عليها كلمة ~~جميلة من شعر رأسك ... ألف قبلة فيها من الضرام بقدر ما عندك من ~~البرودة. # وكتب إليها: «لقد نال اليأس مني لظنك أني أميل إلى امرأة سواك، فأنا ملك لك بحق ~~الفتح الدائم الوطيد، ولا أدري لماذا تحدثيني في ms037 شأن مدام ت ... مع أني لا أهتم بها ولا ~~بغيرها من نساء برتشيا ... وأنا أعدك بأني لا أفض مكاتيبك بعد الآن ما دام فتحها يكدر ~~صفاءك، أما سفرك فليكن قبل اشتداد الحر، وسأحضر لملاقاتك.» # أنت ترى مما تقدم أن حب نابوليون لم يضعف، ولكن شيئا من القلق بات يخيم عليه، ~~وأنه صار يستشعر الخيانة ولكنه لا يستطيع ولا يريد تصديقها، وأن مداراته لشعور زوجه ~~المحبوبة بلغت به إلى حد أن وعدها بالعدول عن فتح مكاتيبها. # أما تظاهر جوزفين بالغيرة كما يؤخذ من أحد كتبها فلم يكن إلا تحويلا لأفكاره وتبديدا ~~لشكوكه. # الفصل السابع # | سلوك جوزفين في ميلان # وإذا نظرنا إلى جوزفين في قصر سرباوني، وجدناها تسلك المسلك الذي اتبعته في باريس ولم ~~تتركه إلا كاسفة آسفة، فقد اتفقت أخبار الرواة على أن جمهورا من الضباط الشبان أخذوا ~~يلتفون حولها منذ وصولها إلى ميلان ويبالغون في إكرامها والتزلف إليها، وأن كتب الشوق ~~والرجاء والتضرع التي أرسلها نابوليون كانت تصل إليها وهي في ذاك المحيط بين ضروب ~~الملذات وأفانين المسرات، وكانت تنتحل الأعذار التي ألفتها في باريس لتؤجل سفرها إلى ~~حيث كان نابوليون، وما تمكن نابوليون من استقدامها إلى برتشيا إلا بعد الجهد الكبير ~~والرجاء الكثير. # ولكن اجتماع نابوليون وجوزفين في برتشيا لم يكن أطول من اجتماعهما في ميلان؛ لأن ~~نابوليون اضطر إلى السفر بحكم الحرب التي كانت ناشبة، فعادت جوزفين إلى ميلان، وقاست ~~بعض الأخطار في عودتها، ومنذ هذا الحين ازداد سلوك جوزفين ظهورا، وأخد نابوليون يشعر ~~شعورا أكيدا بقلة اكتراثها له وضعف ميلها إليه، ومع ذلك فإنه بقي شديد الحب مضطرب ~~الأحشاء؛ بدليل ما كتبه إليها بعدئذ، وهاك بعض ما قاله: # كنت أؤمل أن أحصل على كتاب منك، فخاب الأمل وتولاني قلق مخيف؛ لأنك ~~كنت منحرفة الصحة عند السفر، فأرجو منك أن لا تدعيني في مثل هذا القلق ... كيف ~~يمكنك أن تنسي من يحبك ذلك الحب الشديد؟! آه! إن الفراق هائل والليالي طويلة ~~تدعو إلى الملل ... فكري في، ولا تعيشي ms038 لغيري، واقضي معظم أوقاتك مع من ~~يحبك، فإني لا أخاف إلا مصيبة واحدة وهي أن لا تحبني جوزفين. # ولما مضى يوم آخر ولم يرد عليه خبر كتب إليها: «إني لم أر منك كتابا فتولاني ~~القلق الشديد ... إنهم يؤكدون لي أن صحتك جيدة وأنك تنزهت عند بحيرة كوم.» # وبعد أيام كتب إليها ينبئها بنصر باهر قال: «أيتها الصديقة العزيزة، لقد فشل العدو وخسر ~~ثمانية عشر ألف أسير وترك بقية رجاله قتلى أو جرحى، وما أحرزنا قط مثل هذا النصر ~~المستمر؛ فإن إيطاليا وفريول والتيرول أصبحت كلها في قبضة الجمهورية ...» ثم ختم نبأ ~~النصر بقوله: «إنا سنجتمع بعد أيام قليلة وسيكون اجتماعنا ألطف ثواب لي على ما قاسيت ~~من التعب والجهد، ألف قبلة حارة من عاشق متيم .» # ولعل القارئ يسأل هنا: كيف كان جواب جوزفين بعد أن وضع ذاك البطل العاشق غنائمه ~~الحربية بين أقدامها؟ هل باتت ترعى جانبه وتداري عواطفه ما دامت لا تستطيع حبه، أو بقيت ~~على حالتها المعروفة؟ إن الكتاب الذي بعث به إليها في 17 سبتمبر يدل على حقيقة حالها، ~~وهاك بعض ما قاله فيه: «كتبت إليك مرارا أيتها الصديقة ولم تكتبي لي إلا قليلا، فأنت ~~شنيعة جدا! وشناعتك تضاهي خفتك وطيشك ... بل أنت خداعة، تخونين عاشقا متيما، فهل ~~أضاع يا ترى هذا العاشق حقوقه؛ لأنه بعيد مثقل بالمتاعب والأشغال؟ ألا ماذا يبقى له في ~~هذا العالم إذا خسر جوزفين وأبت أن تؤكد حبها له؟» ~~«نشبت أمس معركة شديدة كسرنا فيها العدو كسرة تامة وفجعناه بخسارة عدد كبير من الرجال ~~واستولينا على ضواحي مانتو، أودعك أيتها المعبودة، وسترين بابك يفتح في إحدى الساعات ~~بلا ضجة ولا ضوضاء، فأدخل كما يدخل العاشق الغيور وأنطرح بين ذراعيك.» # فأنت ترى من هذا الكتاب أن الخوف من الخيانة بات يساور قلب نابوليون، ولكنه مثله مثل ~~كل عاشق أعماه الغرام، فكاد يظن نفسه جانيا لغيابه عن حبيبته، فما أعظم الفرق بين ~~ضلالة فكره في معترك الغرام، وأصالة رأيه في معترك المدفع والحسام! # ثم ms039 كتب إليها أيضا: «ماذا تعملين سحابة النهار؟ وأي شغل هام لا يدع لك وقتا ~~لمكاتبة مغرم طيب القلب؟ ألا أي حبيب جديد يستغرق كل أوقاتك ويقتل ساعات النهار فيمنعك ~~من مراسلة زوجك؟ حذار حذار يا جوزفين! فإني سأباغتك وأخلع الباب ذات ليلة ... آمل أن ~~أضمك بين ذراعي في وقت قريب وأنهال عليك بقبلات حارة كجو خط الاستواء.» # وفي 27 نوفمبر سنة 1796 برح نابوليون معسكره ووصل إلى ميلان، فوجد القصر خلوا من ~~زوجته المحبوبة، فسأل عنها، فقيل له إنها سافرت إلى جنوى لترويح النفس وحضور بعض ~~الحفلات. فاستولى على نابوليون ضرب من اليأس، وكتب إليها يقول: # إني وصلت إلى ميلان وأسرعت إلى الطبقة المعدة لك في القصر تاركا كل شيء ~~لأراك وأضمك بين ذراعي فلم أجدك؛ لأنك تنتقلين من مدينة إلى أخرى في طلب ~~الأفراح والملاحي ولا تهتمين «بنابوليونك العزيز»؛ لأن قلة الثبات ولدت فيك ~~قلة الاكتراث، فما كان حبك إلا هبة وقتية ما لبثت أن سكنت ... على أني رجل ~~ألفت المخاطر وعرفت دواء الضر والضجر اللذين يصيبان المرء في حياته، ولكن ~~المصاب الذي نابني اليوم يفوت حد الوصف ... أنا مقيم في ميلان إلى التاسع من هذا ~~الشهر، فلا تزعجي نفسك ولا تتركي المسرات والملذات؛ فإن السعادة لك وحدك، ~~والعالم يعد بنفسه سعيدا إذا أعجبك، وسوء الحظ لزوجك دون سواه. # ثم كتب إليها أيضا: «وصل بريد برتييه المرسل من جنوى، وأدركت أنك لم تجدي وقتا ~~لمكاتبتي، فأنت بين الملاهي والملاذ، وحقك ألا تضحي بشيء من أجلي، وأنا لا أنوي أن ~~أوقع خللا في حسابك أو أحرمك شيئا من الملاهي إذ لا أستحق مثل هذا التسامح منك، وإن ~~رجلا لا تحبينه لا يكون من حقه أن تهتمي بشقائه أو سعادته، فليس لحياتي غاية أو مقدور ~~سوى أمر واحد، هو أن أحبك وأسعدك ولا آتي أمرا يخالف مشيئتك، وإني لمخطئ إذا كنت ~~أتقاضى منك أن تحبيني بقدر حبي لك، ولو فعلت لكان مثلي مثل رجل يطلب أن يكون وزن القطن ~~كوزن الذهب، ms040 على أني إذا كنت لا أملك من الجاذبية ما يجذب فؤادك فإني أستحق الاحترام ~~والإكرام من جوزفين، وإن قلبي ليلتهب بنار حبها ولا يبغي بها بدلا ... أودعك أيتها ~~المرأة المعبودة، أودعك يا جوزفين.» # أليس من العجب العجاب سلوك تلك المرأة التي قدم إليها زوجها مع القلب المضطرم باقة من ~~رايات النصر الباهر فلم تبدل من سلوكها ولم تكبح من هواها، بل استمرت على الخطة التي ~~اتبعتها في باريس - أي طلب الابتعاد عن زوجها وطلب التمتع بشهرته ومجده - فكان لسان ~~حالها يردد له: «أسعدك الله لأجلي وأبعدك عني ...» وروى ستاندال في مؤلفه أن الضباط ~~الشبان الذين كانوا يحيطون بجوزفين في ميلان وجنوى جنوا بها تحمسا وابتهاجا وكانوا ~~مستعدين استعدادا عجيبا لسبي العقول، وأخص من يذكر منهم ضابط شاب اسمه هيبوليت شارل ~~وهو من طبقة الشبان الذين يبالغون في العناية والاهتمام بأنفسهم وملابسهم، كان نحيف ~~الجسم، أسمر اللون، أسود الشعر، يلبس زي الهوسار، ويكثر من النكات واللطائف، ويروح ~~نفوس الجلوس بأحاديثه وحكاياته، ويقال بالإجمال إنه من الشبان الذين يعدون خطرا ~~كبيرا على الزوجات اللواتي لم يحببن أزواجهن، ولم يجدن مناصا من الضجر، ولقد تملك ~~قلب جوزفين على ما يظهر، وشاع خبر ميلها إليه بين رجال الجيش، حتى اضطر نابوليون إلى ~~عزله وعزل ضباط آخرين من الذين تزلقوا إلى جوزفين في غياب رئيسهم وقائدهم الأكبر. # ولعل القارئ يسأل هنا: ماذا جرى لجوزفين بعد تلك الكتب وتلك الحوادث؟ # جرى أن نظرة واحدة منها بعد رجوعه إلى ميلان خففت من حدة نابوليون وكسرت من ~~شوكته، فأضمر حزنه في أعماق صدره كما ذكر في كتاب ماض، وغفر لها ذنبها، ولكن الخيبة ~~ضربت أمله وأدمت فؤاده حين رأى قلب زوجه خاليا منه، وكان نابوليون كمعظم الأزواج ~~العاشقين ينتحل لها الأعذار في سره ويعزو فعلتها إلى خفة قليلة الشأن. # قالوا: إن خوفه من الرأي العام واحتفاظه بطيب السمعة لدى السفراء ورؤساء الدين ~~الذين كان يسمعهم كل يوم خبر نصر جديد، ورغبته في الظهور لدى أوروبا، كل ذلك حمله ms041 على ~~اجتناب الفضيحة وستر الأمر. ولقد يكون هذا صحيحا، ولكن هناك قولا آخر لا ريب فيه وهو ~~أن حب نابوليون كان حائلا كبيرا دون عقاب جوزفين، وأن نابوليون كان من جهة أخرى ~~يأبى الإضرار بها حتى بعد زوال الحب وبعد الطلاق، فإن رسائله كلها تدل على أن هذا ~~الغرام تحول إلى صداقة قديمة ساكنة، وأن نفسه أبت عليه أن يتذكر حينئذ خيانتها ~~وبرودتها في معاملته وقلة اكتراثها لما أبداه من الرجاء والتضرع والتذلل. # وإليك حكاية صغيرة تدلك على أن ذاك الرجل الذي كان يسير ألوف الأبطال بكلمة لم ~~يكن يستطيع أن يخرج كلبا صغيرا من بيته؛ قال نابوليون يوما لأرنو عندما رأى الكلب ~~الصغير فورتينه يتسلق أحد المقاعد: «انظر إلى هذا السيد فهو ندي ومنافسي، ولما ~~تزوجت جوزفين كان فراشها ملكا له من قبلي، وقد أردت يوما أن أخرجه منه، فقيل لي: ~~أنت بين أمرين؛ إما إن ترضى بالنوم معه وإما أن تنام في محل آخر، فاضطررت أن أقبله معي.» ~~ثم أشار نابوليون إلى أثر عضة في فخذه، ويظهر أن هذا الكلب نفحه بها تلك الليلة، وهو ما ~~جعل نابوليون يكتب إلى جوزفين بعد حين قائلا: «ألف قبلة لك ولفورتينه وإن كان شريرا ~~...» # ولما توفي فورتينه جلبت جوزفين كلبا آخر برغم نابوليون، فانظر إلى البطل الذي كان يسوق ~~الجيوش أمامه كيف يعجز عن سوق كلب إلى خارج بيته، واعجب لبطل يفتح البلدان والعواصم ولا ~~يجسر على فتح كتاب لامرأته! # الفصل الثامن # | نابوليون مع أسرته # كثرت الأقاويل عن سجية نابوليون في وسط أسرته، فقيل إنه كان في الغالب معبس الوجه ~~راغبا في الجد. وقيل بل كان يسترسل في أحيان كثيرة إلى المزح والمداعبة. على أن هناك ~~حقيقة لا ريب فيها، وهي أن نابوليون كان يجد لذة كبيرة في الحياة بين أهله، وهو ما حصل ~~عليه مدة من الزمن بعد صلح كامبو فورميو، فإنه كان وقتئذ يعيش عيشة عيلية تحيط به أمه ~~وأختاه إليزا وبولين، وأخواه جوزيف ولويس، ومعهم أوجين ابن محبوبته ms042 وزوجته، وقد جعله ~~ياورا خاصا، وليس يدلنا على حقيقة عيشته في ذاك الوقت مثل أقوال شهود العيان، قال ~~مارمون: «إن نابوليون كان يظهر في بيته كثيرا من الانبساط والطلاقة وبساطة المعاشرة ما ~~كاد ينتفي معه كل تكلف، وكان يحب المزح، ويجتنب في مزحه الكلام المر، واتفق له غير ~~مرة أن شاركنا في ألعابنا، وحمل المفوضين النمسويين على الخروج من رزانتهم لمشاركة ~~اللاعبين.» # وروى أرنوك أن «نابوليون نفسه كان يدبر أمر اللهو بعد خروجنا من غرفة الطعام إلى ~~الردهة، وكان إذا رأى الحديث مائلا إلى السكون حركه بالأقاصيص والحكايات الملفقة ~~الغريبة التي كان يجنح إليها.» # ولما كان في مونتبللو زف أخته بولين إلى الجنرال لكلريك ابن أحد تجار الدقيق، وبعد ~~أشهر قليلة تزوج الضابط باشيوشي إليزا أخته الثانية، وليس من الغلو أن نستنتج من قبوله ~~هذين الرجلين أن نابوليون لم يكن يحلم وقتئذ بالتيجان لأسرته. # وانتقد بعض المؤرخين على نابوليون في ذاك الحين أنه كان يتطلب المبالغة في إكرامه ~~واحترامه ويستقبل الناس على وجه لم يألفوه، بيد أن المنصف لا يسعه أن يوافق على هذا ~~الانتقاد؛ لأن منصب نابوليون في ذاك الحين كان يقتضي ذاك السلوك، ألم يكن قائد جيش كبير ~~يحتاج إلى احترام الناس؟! ألم يكن صاحب علم منصور تتحدث بنصره الدنيا من أقصائها إلى ~~أقصائها؟! ألم يكن الرجل الذي دان له أرباب التيجان وملك بلاد الطليان؟! أولم يكن فوق ~~هذا كله ممثل دولة عظيمة الشأن؟! # نعم إن نهوض ذاك الرجل الذي كان في ظلام النسيان قبل هذا المجد ببضعة أعوام لم يكن ~~مألوفا عند الأقوام، ولكن كل عجيب وعظيم غير مألوف لدى العوام ... # الفصل التاسع # | المشاغل الحربية في ذاك الوقت # ليس من غرض هذا المؤلف أن نشرح المعارك والانتصارات التي خلدت ذكر البطل الكورسيكي، ~~على أننا لا نرى بأسا في إيراد موجز للمشاغل الحربية العظمى التي كانت تشغل نابوليون ~~أيام بعث بتلك الكتب الغرامية ونظر في أموره العيلية؛ لأن إظهار تلك المشاغل يجعل العبرة ~~أبلغ وأقوى، ويقرنها بفائدة تاريخية. ms043 قال القومندان كلود برجيه في تاريخه ما صفوته أنه ~~لما سافر نابوليون إلى إيطاليا ليستلم القيادة من الجنرال شرير - كما تقدم - كانت ~~الحالة الخارجية تهدد فرنسا بالخطر، أجل إن جنود الجمهورية كانت تدافع عن حدودنا ~~الشمالية دفاعا جميلا سنيا، ولكن فرنسا كانت ترى أمامها عدوتين شديدتين؛ أولاهما ~~إنكلترا المعتصمة في جزرها، والثانية النمسا الملتهبة شوقا إلى طلب الثأر، وكان نخبة ~~القواد النمسويين يقولون ويكررون: «إن إيطاليا ستكون قبرا للجنود الفرنسوية.» # ولما وصل نابوليون إلى مدينة نيس - حيث كان معسكر الجيش العام - رأى فيه القواد أوجيرو ~~ولاهارب وبرتييه وماسينا وسرورييه، وكلهم من الذين قادوا الجحافل وخاضوا العجاج، فجعلوا ~~ينظرون بعين الاستخفاف إلى الجنرال الضئيل النحيل الذي قدم ليتولى القيادة ~~العامة، وكان عدد الجيش الفرنسوي لا يتجاوز ستة وثلاثين ألف رجل، وكانت ملابسه قديمة ~~ورواتبه متأخرة، في حين أن الجنود النمسوية وحلفاءها أبناء بيومون كانوا أربعة وثمانين ~~ألفا مسلحين بثلاث مائة مدفع ومعهم قوة كبيرة من الفرسان، فكان كل جندي فرنسوي مضطرا ~~وهو على تلك الحال إلى مقاومة ثلاثة من الأعداء الحاصلين على الغذاء والكساء. # ولكن الجنرال نابوليون كان يعرف ما تنطوي عليه ضلوع الفرنسوي من العزيمة والحماسة، ~~ويعرف كيف يستنهض تلك العزيمة ويثير تلك الحماسة، فجمع قواده وجنوده وأراهم من أعالي ~~الألب السهول الخصيبة في بيمون ولومبارديا وحرضهم قائلا: # يا جنود جيش إيطاليا، إن الحكومة تريد لكم خيرا كثيرا ولكنها لا تجد ~~إليه سبيلا، وإن صبركم وشجاعتكم لمما يكسبكم الفخر ولكنهما لا يجلبان ~~المنافع ولا يكسبان المجد، وها أنا أنزل بكم اليوم إلى أخصب سهول العالم ~~فتجدون المدن العظيمة والأقاليم الغنية وتحرزون معها الفخر والمجد والغنى، فيا ~~أيها الجنود هل تنقصكم البسالة فتتقاعدون؟ # فما انتهى نابوليون حتى تفتحت له قلوب القواد والجنود قبل فتح تلك السهول. # ونحن نتساءل هنا: أصاحب هذا القول هو نفسه كاتب تلك المكاتيب التي قرأناها؟ # وكان هم نابوليون في ذاك الوقت أن يشطر أعداءه شطرين ويضرب كل فريق منهما على حدة، ~~فأمر الكولونيل رامبون بأن يدخل حصن ms044 مونتجيو بقوة لا تزيد عن 1200 رجل، وبأن يقطع طريق ~~مونتلنوت على النمسويين، فأتى من الشجاعة عجبا عجابا هو ورجاله، وصدوا حملات ~~النمسويين ثلاث مرات، وفي إبان الهجمة الثانية التفت إلى رجاله قائلا: «إن القائد ~~العام يطلب إلينا الثبات حتى النهاية، فأقسموا أنكم تموتون ولا تتركون الحصن.» فصاحوا: ~~«إنا لمقسمون ...» وبفضل ذاك الدفاع العجيب تمكن نابوليون من التقدم ومن ضرب النمسويين ~~ضربة مزقت شملهم. وكان القسم الآخر من الأعداء - أي جنود بيومون - إلى يسار نابوليون، ~~فوكل إلى بعض قواده الإجهاز على القوات النمسوية التي عادت فتجمعت، والتفت هو إلى ~~الجنرال كولي قائد جيش بيومون فشطره واضطره إلى التقهقر تاركا بين أيدي الفرنسويين 3000 ~~أسير أضافها إلى 9000 من النمسويين و21 راية و31 مدفعا. # ولما بلغ ملك سردينيا خبر هذا النصر التمس هدنة من الجنرال بونابارت، فدهشت أوروبا إذ ~~علمت أن جيشا فرنسويا لا يزيد عن ثلث أعدائه اضطرهم إلى طلب المهادنة. # أما نابوليون فمنحه الهدنة بشرط أن يسلم الأعداء إلى الفرنسويين ثلاثة حصون كبيرة ~~ومخازن المئونة، فقبل، وانتقل الجندي الفرنسوي من العسر إلى اليسر بفضل بسالته وبراعة ~~قائده في ميدان الجدال ومجال القتال. # وفي تلك الأثناء أرسل نابوليون مورات إلى باريس ليحمل إلى حكومة الديركتوار الإحدى ~~والعشرين الراية التي غنمها من النمسويين - والتي من أجلها لقب الجمهور الباريسي جوزفين ~~بسيدة النصر - فعقد الديركتوار جلسة حافلة وقرر «أن جيش إيطاليا استحق شكر الوطن» ثم ~~أقيمت «حفلة النصر» في العاصمة. # على أن نابوليون لم يكن يرى نصره وافيا بالمرام، ولم يشأ أن يغمد الحسام قبل أن ~~يقهر الأعداء قهرا تاما فلا يبقى لهم قبل بالدفاع، وعلى هذا العزم برح نابوليون ~~وجيشه بلاد بيومون قاصدا لومبارديا، واجتاز نهر أدا على جسر لودي حيث كان المدافعون ~~النمسويون، وهناك أظهرت الجنود الفرنسوية بأسا عظيما وقتلت رجال المدفعية وفتكت بصفوة ~~الألايات النمسوية، وفي الوقت نفسه عبر الفرسان الفرنسويون النهر وانقضوا على الأعداء من ~~ورائهم فحولوا كسرتهم إلى انهزام، ودخل الجيش الفرنسوي كريمون وبافي، ولما طار الخبر ms045 ~~إلى ميلان برحها الأرشيدوق النمسوي هاربا مدحورا، فدخلها نابوليون فاتحا منصورا، ~~ولقي من الجمهور كل ترحاب وسرور، وضرب ضريبة حربية قدرها عشرون مليون فرنك على البلدان ~~المفتوحة وقبل الطاعة من دوقي بارم ومودين، ثم كافأ جنوده بالكلمات الآتية: # أيها الجنود، إنكم لمستحقون شكرا جزيلا من الوطن، وإن السلالات القادمة ~~ستتداول أخبار انتصاراتكم، وسيبقى مجدكم خالدا بما غيرتموه في أجمل شقة من ~~أوروبا، وستمنح الأمة الفرنسوية الحرة والمحترمة في العالم كله بلاد أوروبا ~~سلما مجيدا، وأنتم سترون مواطنيكم يشيرون إليكم بالبنان بعد رجوعكم إلى ~~الأوطان، وسيقولون لأولادهم كلما رأوا أحدكم: «إن هذا الشجاع كان في جيش ~~إيطاليا.» # ولكن هذا النصر الجديد لم يكن كافيا أيضا؛ فإن جمهورية جنوى وجمهورية البندقية ~~أصرتا على المقاومة، والجيش النمسوي تلقى نجدات أخرى رجاء أن «يقهر الجيش الفرنسوي ~~الصغير » كما وصفوه مع فشلهم الفاضح، وكانت إنكلترا من جهة أخرى ترسل المبالغ العظيمة ~~من الذهب إلى مندوبيها السريين بقصد أن تثير الفلاحين اللومبارديين على الفرنسويين، ~~فتمكن المندوبون من تدبير مكيدة عظيمة على جنود فرنسا، وقرروا أن يباغتوهم ويذبحوهم في ~~اليوم الثاني لعيد الفصح، ولكن عين نابوليون كانت ساهرة على جنوده، فعرف بالمؤامرة ~~واتخذ أشد الذرائع لإفسادها، وأحرق مدينة بافي ما عدا منازل سبالازاني وفولتا؛ لأنهم ~~كانوا من أكابر العلماء، فكان لعمله تأثير جميل في نفوس محبي العلم والعلماء، ونقض ~~كلمة ذاك الثائر الوحشي الذي قال للعالم لافوازييه حين ساقه إلى الإعدام: «إن ~~الجمهورية غير محتاجة إلى علماء ...» # ومما يذكر أن البابا بيوس السادس انضم وقتئذ إلى أعداء فرنسا، فأمر نابوليون القائد ~~أوجرو بأن يكتسح أملاكه، وتقاضى منه ضريبة حربية قدرها واحد وعشرون مليون فرنك، وفي تلك ~~الأثناء قدم الجيش النمسوي الجديد وعاجل الفرنسويين بهجوم شديد، فأخذ منهم مانتو، وجال ~~في ظن الأهلين أن إيطاليا تملصت من الفرنسويين، ولكن نابوليون كان وحده أعظم من جيش ~~كبير مع ذاك الجيش الصغير، فوضع خطة أسفرت عن تغلب عشرين ألف فرنسوي على ستين ألف ~~نمسوي، وعن سقوط عشرين ألف رجل من ms046 العدو بين قتيل وجريح، ثم زحف بأبطاله قاصدا التيرول ~~واحتل أهم مدنها وقهر جيشا نمسويا ثالثا، ولكن النمسويين أصروا على عنادهم وأرسلوا ~~جيشا رابعا مؤلفا من خمسين ألف رجل فانضم إلى بقايا الجيوش الثلاثة. # وكان التعب إذ ذاك آخذا مأخذا كبيرا من الجيش الفرنسوي؛ لأن خسارته كانت عظيمة، وبعض ~~قواده سقطوا في ساحة المجد، فلم يكن له بد من فكرة جديدة سامية تلمع له من جانب قائده ~~الأعظم، وما لبثت تلك الفكرة أن سطعت في إبان الشدة كما يسطع البرق وسط السحاب المتلبد ~~القاتم؛ فإن نابوليون أمر جنوده بأن تعود فتجتاز نهر أدييج وتسير نحو ميلان ليوهم ~~الأعداء أنه عمد إلى التقهقر، فتوهم القائد النمسوي ألفنزي أن التقهقر أكيد، ورأى جيش ~~نابوليون يحتل السدود الواقعة عند المستنقعات، فلم يدر في خلده أنه يجسر على إضرام نار ~~القتال هناك، ولا سيما أن عدد جيشه نزل إلى ثلاثة عشر ألف رجل في حين أن النمسويين أضعاف ~~هذا العدد، أما نابوليون فقال: «النصر أو الموت.» وقذف بجانب من جنوده إلى جسر أركول ~~الشهير، وزحف قواده العظام لان ومسينا وأوجرو في طليعة الجنود، ولكن نيران الأعداء اشتدت ~~إلى حد هائل ومنعت الجنود من اجتياز الجسر، فأخذ نابوليون عندئذ راية فرنسوية وصاح في ~~الجنود: «ألستم الذين انتصروا في لودي؟ ألا فاتبعوا قائدكم»، فما أتم كلامه حتى هجم ~~الجنود كالأسود، ولكن النيران النمسوية صدتهم مرة أخرى وسقط نابوليون نفسه في مستنقع، ~~فأنقذه بعض جنود الغرنادييه بعد الجهد الشديد. # وقضى الفرنسويون ذاك الليل تحت السلاح، وفي اليوم التالي بذلوا جهدا عظيما فاجتازوا ~~النهر على جسر وقتي، وبينما كان النصر يتراوح بين الفريقين بدت لنابوليون فكرة أخرى ~~سديدة، وهي أنه أمر ضابطا في رتبة ملازم وثلاثين جنديا بأن يأخذوا 25 طبلا ~~ويتقدموا نحو العدو ضاربين على الطبول بمنتهى الشدة، فما تعالت أصوات الطبول حتى ~~ظن النمسويون أن نابوليون انقض عليهم بجيش آخر من ورائهم فلم يروا من وسيلة إلا طلب ~~النجاة. # على هذا الوجه انتهت تلك المعركة التي ms047 بقي فيها نابوليون وقواده وجنوده ثلاثة أيام بلا ~~راحة فكرية ولا جسمانية، والتي تغلب فيها ثلاثة عشر ألف فرنسوي على أربعين ألف نمسوي ~~واضطروهم إلى التقهقر، وما اكتفى نابوليون بالفوز العسكري، بل طلب معه فوزا ~~ديمقراطيا، فأنشأ جمهوريتين في شمالي إيطاليا وهما جمهورية سيبادان وجمهورية ~~ترانسبادان. # وبعد أيام قليلة وصلت نجدة فرنسوية فصار عدد الجيش الفرنسوي عشرين ألفا، ولكن الأعداء ~~ما لبثوا أن صاروا ثلاثة أضعاف هذا العدد؛ لأن النمسا أرسلت جيشا خامسا، والبابا أرسل ~~إليها نجدة عددها ستة آلاف رجل، فزحف القائد النمسوي بمجموع تلك القوات من أنجاد ريفولي ~~حيث كان ينتظره نابوليون، وقبل أن يتمكن ذاك القائد من إعداد بطارياته عاجله نابوليون ~~بالهجوم، واستمر القتال دائرا نحو اثنتي عشرة ساعة، ثم أسفر عن انتصار نابوليون وفشل ~~النمسويين وحلفائهم فشلا تاما وعن وقوع جميع مدافعهم غنيمة في أيدي الفرنسويين، وفي ~~تلك المعركة التاريخية استهدف نابوليون للمخاطر وقتل تحته ثلاثة من الجياد، وفي ثمانية ~~أيام خسر النمسويون 35 ألف رجل و60 مدفعا وعشرات من الرايات. # ولكن النمسا لم تكف مع ذلك كله عن حشد الجنود، فأعدت جيشا سادسا تحت إمرة ~~الأرشيدوق شارل نفسه، ولم تعتبر بأن أولئك الفرنسويين الذين لم يجمعوا في ستة أشهر كاملة ~~أكثر من 36 ألف رجل قهروا بهذه القوة وحدها 260 ألف رجل، منهم 200 ألف نمسوي، وقاتلوا في ~~ستين معركة، فما وصل الجيش النمسوي الجديد حتى كسره نابوليون شر كسرة، ثم زحف إلى النمسا ~~نفسها ليعاقبها، فدخل «فينا» واضطر الحكومة النمسوية إلى عقد الصلح والاعتراف بضم ~~البلدان التي قرر ضمها إلى الجمهورية الفرنسوية (معاهدة كامبو فورميو 17 أكتوبر سنة ~~1897). # ثم عاد نابوليون إلى باريس حيث استقبل باحتفال عظيم باهر، وسلم تلك المعاهدة ~~إلى باراس رئيس الديركتوار. # فليفكر القارئ كيف كانت حال نابوليون وكم كانت مشاغله عظيمة أيام أرسل تلك الكتب ~~الغرامية إلى جوزفين ... # الفصل العاشر # | إلى مصر # مع رجال الحرب ورجال العلم سنة 1798 # لشدة ما قاسى نابوليون من مقاومة إنكلترا المعتصمة في جزرها أعد ms048 حملة مصر ليجعلها ~~أول مرحلة في غزو الهند، ثم زاده عزما على هذا الأمر أن الاستيلاء على وادي النيل ~~يؤيد نفوذ دولته في البحر المتوسط. # وفي أوائل مايو من تلك السنة تم استعداد الحملة، وفي الرابع منه برح نابوليون باريس ~~ومعه جوزفين، وفي 8 إبريل وصل إلى طولون، وفي 19 منه أبحر على البارجة أوريان بعد أن ~~ودع جوزفين وداعا مؤثرا، وقيل إن جوزفين عرضت عليه أن تسافر معه تلطفا ومجاملة ~~فأبى أن يستصحبها في هذا السفر المحفوف بالمخاطر. # وفي 13 يونيو وصل نابوليون إلى جزيرة مالطة فأخذها عنوة، وفي 2 يوليو نزل بثغر ~~الإسكندرية وبدأ أعماله الحربية، وكان عدد جنوده 35 ألفا ومعهم جملة من العلماء مثل ~~شامبليون وفورييه وبرتوليه ومونج غيرهم من الذين تركوا آثارا خالدة. # وكان نابوليون مع أشغاله الكثيرة والأخطار المحدقة به يفكر على الدوام في جوزفين ~~ويخشى طيشها وخفتها؛ بدليل ما كتبه إلى أخيه جوزيف حيث قال: «أكرم جوزفين وزرها بين ~~حين وآخر، وارج من لويس أن يقدم لها نصائح حسنة ...» # وبينما كان نابوليون في معامع القتال وصل إليه من التقارير عن جوزفين ما هاج غيرته وزاد ~~قلقه، فكتب إلى أخيه جوزيف كتابا قال فيه: «إن أحزانا بيتية كثيرة ترهق فؤادي، ~~فأعد لي منزلا في ضواحي باريس أو في بورجون لأعتزل فيه مدة الشتاء، فقد مللت الطبيعة ~~البشرية وصرت أود العزلة وأمل العظمة ...» # وقال أوجين ابن جوزفين في مذكراته: «إن الحزن كان يخامر قلب القائد العام بسبب ~~استياء جانب من الجيش وبسبب الأخبار التي كانوا يرسلونها من فرنسا لتكدير صفائه العائلي، ~~وكان الجنرال نابوليون يثق بي مع صغر سني ويطلعني على حزنه فأحاول تعزيته وتلطيف ~~حزنه بقدر ما يسمح لي عمري واحترامي له.» # ولا شك في أن نابوليون لم يلق بسره إلى ابن زوجته وهو لم يكن يتجاوز الثامنة عشرة؛ ~~إلا لأن قلبه كان طافحا بالحزن والأسى. # وحدث في شهر فبراير سنة 1799 - أي يوم كان نابوليون وأركان حربه في العريش - أن جونو ~~أوقفه على ms049 أمور تميز منها غضبا، فقال لبوريين وكان يحسبه واقفا على أحوال جوزفين: ~~«إنك لو كنت تحبني لأخبرتني بما أخبرني به جونو ... هذا هو الصديق ... جوزفين، جوزفين ... ~~خانتني! ... إنها إذا كانت حقيقة مذنبة فلا بد من الطلاق، أنا لا أريد أن أكون أضحوكة ~~العاطلين من الباريسيين، وسأكتب إلى جوزيف في طلب الطلاق.» # أما الأساس الذي بنيت عليه تلك الشبهات وأضرمت نار الغضب في قلب نابوليون في بيداء ~~الصحراء، فهو على ما روى جوهييه أن «جوزفين لقيت لسوء طالعها الضابط هيبوليت شارل - الذي ~~عزله نابوليون من جيش إيطاليا لشدة تزلفه إليها - وكان لا يزال شابا لطيفا قوي ~~الجاذبية، فسعت لإدخاله في شركة لويس ليبون، وبعد حصوله على هذا المركز فرش منزلا ~~جميلا، ثم أخذ يزور جوزفين في ماليزون، وانتهى الأمر بأن نزل بمنزلها وصار السيد ~~الآمر»، فتواترت الإشاعات السيئة عنها في العاصمة الفرنسوية وجازت البحر المتوسط إلى أذن ~~نابوليون ، فتولاه ذاك الغضب الشديد، ونفر قلبه منها حتى بات يتمنى الطلاق، ويمكننا ~~أن نقول على صواب أن ضرام الغرام في صدر نابوليون خمد من ذاك الوقت، فانصرف فؤاده في ~~مصر إلى بولين فوريس زوجة أحد الضباط، واشتهر أمر هذا الحب الجديد بين رجال الجيش حتى ~~لقبوها ب «سيدتنا في الشرق»، وما كان نابوليون نفسه يحاول إخفاء علاقته بتلك المرأة ~~الجميلة، بل كان يتنزه معها في مركبة واحدة، وبلغ به الأمر أن أبعد زوجها عن مصر، ولقد ~~وصفها المؤرخون بأنها كانت شقراء حسناء لعوبا ظريفة لطيفة. ~~••• # وبينما كان نابوليون يعزي النفس بالمحبوبة الجديدة، ويضمر الطلاق للمحبوبة القديمة، ~~كان جوهييه رئيس الديركتوار يسبغ النصائح لجوزفين في باريس ويحاول أن يرجع بها إلى ~~الطريق القويم أو يقنعها بوجوب الطلاق خوفا من ازدياد الفضائح، وهاك ما قاله لها يوما ~~بتهكم لاذع: «أنت تقولين أنه ليس بينك وبين هيبوليت شارل إلا صداقة خالصة، ولكن ~~الصداقة إذا كانت بحيث تحملكما على ترك اللائق المتبع بين الناس أصبحت كالغرام، وهي ~~إذا كانت صداقة منزهة إلى ذاك الحد كما تقولين يمكنها ms050 أن تقوم لديك مقام كل شيء، ~~فطلقي، وثقي بأن ما تفعلين يجلب لك الأكدار والأحزان.» # ولكن جوزفين أبت أن تسمع تلك النصيحة الحكيمة؛ لأنها كانت تريد أن تبقى زوجة الفاتح ~~العظيم، وتحصل على جميع الحقوق المقررة لها بدون أن تؤدي جميع الواجبات، وربما كانت ~~تعتقد أن شدة حب نابوليون لها يصرفه عن طلب فراقها. # ولما اشتدت الزوبعة حولها وتلقت بعض الكتب التي تدل على تميز نابوليون غضبا ~~وسخطا عليها وتشير إلى قرب رجوعه من مصر إلى باريس، أخذت تكثر من الزيارات لمنزل ~~الموسيو جوهييه وتتحبب إلى زوجته على أمل أن يكون امتزاجها بأسرة جوهييه مخففا ~~للشكوك، ولما علمت بقرب وصول نابوليون قالت لمدام جوهييه: «إني سأذهب لملاقاته، ومتى علم ~~أنكم عشرائي الأخصاء يصبح لكم شاكرا وبصحبتكم مفاخرا.» # ولما بلغ جوزفين نزول نابوليون وخلاصه من البوارج الإنكليزية التي كانت تسود البحر ~~المتوسط أسرعت إلى ليون لتلاقيه، ولكن نابوليون قدم من طريق بوربونيه - اسم ولاية فرنسية ~~قديمة معظم بلادها داخل اليوم في مقاطعة إلييه - فلما وصل نابوليون إلى منزله ورآه ~~خاليا من زوجته تعاظم غضبه، وبعد وصوله بثمان وأربعين ساعة عادت جوزفين إلى باريس فأبى ~~نابوليون أن يقابلها وأبلغها عزمه على الطلاق، فعندئذ خاب أمل جوزفين، ورأت الوهدة ~~العميقة التي بينها وبين ذاك البطل الذي شرفها وأحبها إلى حد العبادة. # فيا لله! ما كان أحرج موقف نابوليون في ذاك الوقت! فقد كان يرى من جهة أن الخطر ~~الداخلي مهددا بلاده والحالة فيها تتدرج من سيئ إلى أسوء منه، وتقضي بإسقاط الهيئة ~~الانتخابية، ولا يخفى ما في إبدالها من المصاعب التي لا تذللها إلا همة أرسخ من ~~الرواسي، ثم يرى من جهة أخرى عرضه مضغة في الأفواه فلا يجد سبيلا إلى صونه إلا ~~سبيل الطلاق الأليم. # أما سياسة جوزفين في ذاك الموقف الحرج فإنها كانت سياسة التذلل والتضرع، ولقد أصابت في ~~تفضيلها على كل سياسة أخرى؛ لأنها لو قابلت الجفاء بمثله لجزم نابوليون في الأمر، ولكن ~~جوزفين درست جيدا ما انطوى عليه ذاك ms051 القلب الذي مال عنها، وأدركت أن الحب القديم لا ~~يزال له طابع على صفحته فأخذت تصرف الجهد في معالجته، ولما ظهر أن نابوليون لم ~~يدع أحد رجال القضاء لساعته، فيبرم معه أمر الطلاق ويتخذ الوسيلة الحاسمة الفاصلة، ~~وأنه أظهر استعدادا لقبول الإيضاح ورؤية الدموع من أعين جوزفين، لما ظهر هذا كله قال ~~العارفون أن جوزفين «ربحت قضيتها» مرة أخرى، وإن كانت على خطأ، وأول ما فعلته في هذا ~~السبيل أنها أرسلت ابنها أوجين وابنتها أورتانس إلى نابوليون ليتوسطا لها ويستنزلا عفوه، ~~فدخلا باكيين وانطرحا بين قدميه وتضرعا إليه أن لا يترك أمهما ويعيدهما يتيمين كما ~~كانا، فرق قلب نابوليون لهما وتقبل أمهما من بين أيديهما، ومن ذاك الحين غيرت ~~جوزفين سلوكها وخافت أن تقع في الوهدة التي حفرتها بيدها، وصارت تتحبب إلى نابوليون ~~وتصنع له ما يشاء، بل صارت تفرغ جهدها في خدمته من كل الوجوه حتى الوجه السياسي، ومما ~~يذكر أنه لما وكل إلى نابوليون قلب نظام الأحكام في تلك الأيام كان من مصلحته أن ~~يتحول فكر جوهييه رئيس الديركتوار عما أراد اتخاذه من الوسائل لمفاجأة المجلس ~~النيابي، فتولت جوزفين هذا الأمر، ودعت ليلة الحادث جوهييه لتناول العشاء عندها، فتم ~~ما أراده نابوليون في غيابه. # ولقد أكد الذين وضعوا مذكرات ومؤلفات في موضوعنا أن جوزفين أخذت تحب نابوليون حبا ~~أكيدا وتظهر غيرة شديدة من ذاك الحين، وأن حبها كان يزداد كلما شعرت أن قلب نابوليون ~~أخذ يميل عنها وأنها أخذت تتقدم في مدارج العمر. # على أن نابوليون لم يكن يظهر لها جفاء، بل كان على العكس يحاسنها ويهتم بإراحتها، ~~وإذا كان لم يجد بعد ما جرى لذة الزوج السعيد، فإنه كان يريد الراحة والسكون وطيب ~~السمعة لبيته، فلا كلام عن الغرام ولا شكوى من ضرام الهيام مما كان يشرحه «للصديقة ~~المعبودة» في سالف الأيام، بل كل ما هناك أقوال تدل على مودة وإكرام. # الفصل الحادي عشر # | العاطفة الأبوية عند نابوليون # لم يكن سلوك جوزفين الماضي مؤثرا في حب نابوليون ms052 لابنها أوجين؛ فإنه كان يريد خير ~~هذا الفتى ويعد خير أب له، بدليل ما كان يسديه من النصائح إليه، فقد كتب أيام حملة مصر ~~يقول له: «سر دائما مع الجنود ونم تحت الخيمة، ولا تركن إلى العرب، وأكتب إلي في كل ~~فرصة، أنا أحبك.» وكتب إليه كذلك: «لا تنم مكشوف العينين في مهب الهواء ... أقبلك.» وكان ~~أوجين يشعر بذاك الحنو ويقابله بالإكرام والإخلاص بدليل ما قال نابوليون نفسه: «إن ~~أوجين كان إذا سمع صوت مدفع أسرع ليرى ما جرى، وإذا كان أمامنا حفرة فهو الذي يمد يده ~~إلي.» وكان نابوليون يقول: «إن أوجين يستحق أن يكون قدوة لجميع الشبان الذين في ~~سنه.» # على أن هذا الحنو لم يكن يمنع نابوليون من إرشاد أوجين بكلمات شديدة إذا اقتضت ~~الخدمة، ولكنه كان يختم كلامه على الغالب بعبارة تخفف من تلك الشدة، ولما عينه في ~~إيطاليا كتب إليه: «إن قلبي لا يعرف أحدا أحب إليه منك»، وكتب أيضا: «يا بني إني ~~مرسل إليك سيفا كنت أتقلده في حرب إيطاليا، فعسى أن يكون طالعه حسنا عليك.» # ولما أراد نابوليون أن يعقد قران أوجين وابنة ملك بافاريا بذل كل همة في إزالة ~~المصاعب من سبيله وتبناه على وجه رسمي، وبعد عقد الزواج قال نابوليون للعروس: «لا شيء ~~من المشاغل التي تحيق بي أحب إلي مما يضمن سعادة ولدي، فكوني واثقة يا أوغستا ~~أن لك في قلبي من الحنو ما في قلب الأب لابنته، لا تغفلي مدراة صحتك في السفر؛ ~~لأني لا أريد أن أراك مريضة، عليكما مني البركة الأبوية.» # وكتب إليها بعد أن صارت حاملا: «يا ابنتي إنك على صواب في اعتمادك على حبي وعطفي، ~~فلا تهملي مراعاة حالتك الحاضرة، وابذلي جهدك حتى لا تأتينا ببنت، ويمكنني أن أصف لك ~~الدواء الذي ينفعك ولكنك لا تصدقيني، إن الدواء هو أن تشربي كل يوم قليلا من الخمرة ~~الصافية.» # ولما ولدت بنتا كتب إلى أوجين يقول: «إذا كانت أوغستا مكدرة الصفاء؛ لأنها ولدت ~~بنتا، فقل لها إن ms053 التي تبدأ ببنت تلد اثني عشر ولدا.» ولو شئنا أن نذكر المكاتيب التي ~~من هذا الطراز لاستغرقت عشرات الصفحات، فحسبنا ما تقدم دليلا على شعور نابوليون وحبه ~~لابن جوزفين. وإن المرء ليدهش من اهتمام نابوليون بأكثر أمور أهله وذويه ومن بقاء فكره ~~مطلقا حرا، مع أن بعض أشغاله في ذاك الوقت كان يستغرق أوقات أعلى الرجال همة ~~وأمضاهم عزيمة وأسدهم رأيا. # وكان نابوليون في ذاك الوقت إمبراطورا للفرنسويين، ونجم سعده يتلالأ في سماء العالم، ~~وجوزفين ممتعة بمجده على ذاك العرش الأسني، إلا أنها تجاوزت حد الصواب والحكمة في بذل ~~المال، وكثيرا ما شكا الإمبراطور نابوليون من إسرافها. # قالت الآنسة أفريلون التي كانت في حاشيتها: «إن الإمبراطور كان ينحي باللائمة على ~~الإمبراطورة؛ لأنها لم تكن تحسب حسابا للمال، ولم تكن تجد من الشجاعة ما يساعدها على ~~رفض أي تاجر يعرض عليها بضاعته.» # وقال كونستان في مذكراته: «إن تبذير الإمبراطورة جوزفين كان في كل آن مدعاة لتكدير ~~صفاء الإمبراطور.» # وحدث يوما أن الإمبراطور علم بوجود عجز مالي قدره مليون فرنك في ميزانية جوزفين فغضب ~~قائلا: «هذا كله لقصاصات من الأقمشة! ... لتركها النصابين المحتالين يبتزون الأموال! ... ~~إنه لمن الواجب أن أقفل بابي دون كل تاجر.» # ولقد أثرت أعمال جوزفين في أحكام نابوليون من وجه عام على السيدات بدليل قوله يوما ~~في مجلس الدولة: «إن النساء لا يشتغلن إلا بالملاهي والملابس، أفليس من الواجب أن يضاف ~~على القانون أن المرأة لا يحق لها أن تقابل من لا يريده زوجها؟» # وليس في وسعنا أن ننبئ بما كان ممكن الحدوث لو اجتنبت جوزفين قلة الاكتراث ثم تنزهت ~~عن ارتكاب الهفوات والفضائح وسارت على النهج القويم في نفقتها، فقد كان من الممكن ~~المحتمل أن تتوثق عرى الحب بينها وبين نابوليون، وألا ينقلب ذاك الحب إلى صداقة ذات شكل ~~خاص ليس بينه وبين الحب الحقيقي مضارعة أو مشاكلة، ولكن شاء حظ جوزفين وحظ نابوليون ~~الذي كان يحلم بالعيشة البيتية الخالصة أن يجري ما جرى، فيصبح قلب ذاك البطل ms054 هدفا لحب ~~آخر، وإن إمبراطورا عظيما وفاتحا ملأ ذكره البلدان وسجد له أرباب التيجان لا يعدم ~~فتيات من الحسان يتزلفن إليه ويضعن جمالهن بين يديه، ومما لا ريب فيه أنه لقي فتيات ~~من هذا الطراز فأحبهن واتخذ بعضهن خليلات، وربما أراد - كما قال أحد المؤرخين - أن ~~يخبر نفسه في فتح القلوب كما خبرها في فتح البلدان، ولكن هناك أمرا يدلنا على أثر ~~تربيته في حضن أسرته، وهو أنه لم يفعل كما فعل هنري الرابع، أو فرنسوا الأول، أو لويس ~~الرابع عشر، أو لويس الخامس عشر، الذين وضعوا الخليلات تحت أنظار الحليلات، بل كان يفرغ ~~الجهد في إخفاء علاقته بهن عن امرأته الشرعية وحاشيته والسواد الأعظم من الفرنسويين، ~~وكانت تتعالى نفسه عن قبول أي توسط من أية امرأة سواء كان في السياسة أو توزيع الوظائف ~~والمكافآت. # وكانت جوزفين تشتد غيرة عليه وحبا له كلما زاد مجده وسعد جده ، فكأنما صوت سري ~~كان يصرخ في آذانها ويحذرها نتيجة سلوكها الماضي، ولقد أظهرت أشد الغيرة على نابوليون ~~حين رأته يوما يلاطف مغنية من الأوبرا اسمها مدام برانشو، مع أنها كانت عاطلة من ~~الجمال ليس لها من ضروب الجاذبية إلا صوتها المطرب البديع. # وقيل إن قلبه مال إلى فتاة أخرى بارعة الجمال لطيفة الحديث كثيرة اللطائف اسمها ~~«مدموازيل جورج»، إحدى الممثلات في مسرح «الكوميدي فرنسيز»، وأنه التفت بعدئذ إلى سيدات ~~الشرف والقارئات الخصيصات في القصر الإمبراطوري كمدام فاندي وكانت جميلة ظريفة، على أن ~~حب نابوليون لها كان قصير الأمد، ثم مدام جازاني ولم تستمر علاقته بها أكثر من ~~سنة. # ولما سافر نابوليون إلى بولونيا وفتحها سنة 1807 استولى القلق الشديد على جوزفين؛ لأن ~~شهرة الجمال البولوني كانت تملأ فرنسا في ذاك الوقت؛ ولأنها كانت تعلم أن قلب زوجها لم ~~يكن كما عهدته في أوائل عهدهما، فأخذت تكتب إلى نابوليون وتطلب إليه بإلحاح أن يأذن ~~لها في السفر إليه، فسبحان من يغير ولا يتغير! # إن تلك المرأة التي كانت تختلق ألف حيلة لتبقى في باريس ms055 أيام كان زوجها يحرز النصر تلو ~~النصر في إيطاليا أصبحت تلح على ذاك الزوج وتتضرع إليه أن يسمح لها بالسفر إليه، وروت ~~الدوقة أبرانتيز أن «جوزفين كانت تستطلع بختها في ورق اللعب لترى هل يدل الورق على السفر ~~أو عدمه.» # أما نابوليون فقد كان في بولونيا كما خافت جوزفين يغازل البولونيات الجميلات ولا يرتاح ~~إلى قدومها، وكان يحاول تخفيف غيرتها وإزالة قلقها بإرسال الكتب اللطيفة الدالة على ~~الوداد والحب، ثم يقدم لها أسبابا عديدة ليحول دون قدومها إليه، ومما كتبه إليها ~~قوله: «إنه كلما عظم المرء زال استقلال إرادته وبات أسير الحوادث والأحوال»، ومنه: ~~«أنتن النساء لا تعرفن حواجز ولا موانع، فكل ما تتطلبنه يجب أن يتم، أما أنا فخاضع ~~لطبيعة الأمور»، وقس على هذا القول كثيرا من طرازه. # فلو كانت جوزفين تسمع مثل هذا التعلل من نابوليون سنة 1796 لطفح قلبها سرورا وفرحا؛ ~~لأن كل ما كانت ترجوه وتصبو إليه أن يتركها بعيدة عنه تتمتع بعظمته ومجده في محافل ~~باريس، وتغازل من يميل إليه قلبها من الشبان، أما في سنة 1806 فإن تلك الأعذار كانت ~~تزيد شكوكها وتضرم نار غيرتها، فتتصور نابوليون في صدور المحافل والأنظار شاخصة إليه ~~والحسان متزلفات بين يديه. والواقع أن نابوليون لم يعرف لذة الحب الصافي المتبادل ~~إلا في بولونيا حيث قضى مدة من أطيب أيام حياته مع مدام واليسكا، وحكايته مع هذه ~~البولونية الجميلة أن أشراف بولونيا أقاموا له مرقصا كبيرا حضرته زهرة الشبيبة من ~~أكابر بولونيا، فلحظ نابوليون إبان المرقص فتاة جميلة ذات قوام معتدل وبياض ناصع ووجه ~~صبوح تظهر عليه مسحة خفيفة من الحزن الداخلي، وشعر أشقر يسترسل كخيوط من ذهب، ولقد وصفها ~~نابوليون نفسه بعد معرفتها بأنها ملك يضارع جمال نفسها جمال جسمها. # وفي اليوم التالي لذاك المرقص الكبير كان نابوليون مضطربا - كما قال كونستان في ~~مذكراته - تارة يقعد وتارة يمشي، ثم دعا رجلا من كبار حاشيته، ورغب إليه أن يذهب في ~~مهمة إلى مدام واليسكا، فرفضت أولا أن تقبل ما ms056 عرضه عليها إما تكبرا وأنفة، وإما ~~دلالا واعتزازا كما تفعل ذوات الحسن والجمال في مثل تلك الحال. # على أن نابوليون لم يقنط بل واصل الإلحاح وتمكن بعد قليل من إقناعها بالمجيء، ~~فوعدته بالحضور فيما بين الساعة العاشرة والحادية عشرة مساء. # قال كونستان في «مذكراته»: «إن نابوليون كان قبيل تلك الساعة كتلميذ ضرب أول ميعاد ~~لحبيبته، فأخذ قلبه يخفق وصبره ينفد، وكان يسأل دائما عن الساعة، وإنه لعلى تلك الحال ~~إذا بالمحبوبة البولونية قادمة إليه صفراء صامتة مبللة الجفون بالدموع»، فصرفت ~~الليلة الأولى - على رواية كونستان - في كشف أسرارها القلبية وأكدارها البيتية. ويظهر أن ~~أهلها زفوها إلى رجل من الأشراف طاعن في السن شديد الغيرة مصر على سنة التضييق ~~في عاداته وتقاليده، ولا ريب في أنها ما أفاضت في هذا الموضوع إلا لتظهر وجوه عذرها في ~~طلب العزاء بين ذراعي الحبيب، ونحو الساعة الثانية بعد نصف الليل تركت نابوليون وعيناها ~~تذرفان الدموع، ثم بقيت توالي زياراتها إلى أن سافر الإمبراطور لاحقا بجيشه وعازما ~~على غزو روسيا. # وفي تلك الأيام تعددت مكاتيب جوزفين في طلب السماح بالسفر إلى مركز نابوليون، فكان ~~يجيبها ناصحا بالعدول عن هذا الغرض، ويحاول إقناعها بأسباب أخصها بعد المسافة وسوء ~~حالة الجو والمرور ببلدان معادية له وما شاكلها، ولكن تلك الأقوال لم تخفف من رغبة ~~جوزفين في السفر، بل كانت على العكس تفطر قلبها وتحرج صدرها، وكثيرا ما كانت تردد ~~الزفرات، وتذرف العبرات حتى بلغ نابوليون خبر حزنها فكتب إليها يقول: «أطلب منك مشددا ~~أن تظهري القوة والحزم، لقد أخبروني أنك تبكين على الدوام فأف أف! ... ما أقبح عملك! ~~إن الإمبراطورة يجب عليها أن تكون ذات قلب شديد ... أنا لا أريد أن تبكي أو تحزني وتقلقي، ~~بل أود أن تكوني على الدوام لطيفة سعيدة، فعودي إلى باريس وابقي فيها طلقة المحيا باسمة ~~الثغر.» # أما قولك: «إني اتخذت لي زوجا لأكون معه»، فقد أضحكني جدا؛ لأني أظن - على جهلي - ~~أن المرأة لرجلها والرجل للوطن والمجد ... # تلك حالة نابوليون في ms057 عهد الهفوات الزوجية، على أنه إذا كان يحق لجوزفين أن تشكو ~~وتتألم كزوجة، فإنها تجد كإمبراطورة ما يعزيها في تاريخ ملكات فرنسا، وحسبنا ما فعله ~~لويس الخامس عشر من إعلاء مراتب الحظيات في القصر الملكي نفسه وما أتاه من الفضائح، ~~أجل إن خيانة إنسان لا تسوغ خيانة آخر، ولكن للطبيعة البشرية سلطانا قويا في كثير من ~~الأحيان، وهو يعظم ويقوى كلما شعر المرء بحاجة إلى السلوان والعزاء لهم أصابه في بيته ~~وخيبة نالته من محبوبه، وأفضل ما قيل عن نابوليون في أمر الحب أنه أخطأ، ولكنه كان من ~~أشد المخطئين ميلا إلى التستر والمداراة والرغبة في تخفيف ألم تلك التي جرحها هذا ~~الخطأ. # ولقد ثبت بالبراهين الدامغة أن حب مدام واليسكا لنابوليون استمر بعد سفره إلى ~~معسكر الجيش، وأنها لم تزعج نابوليون سحابة ملكه بشيء، بل كانت ترعى جانبه وتختار ~~العزلة والتستر، وما كان سرور نابوليون بها من أجل جمالها فقط، بل كان هناك سبب آخر ~~أحدث تأثيرا عظيما في الطلاق، وهو أنها حملت من نابوليون، فاقتنع حينئذ بأنه قادر ~~على الاستيلاد بعد أن كان يشك في هذا الأمر، ولا يدري أكان سبب العقم منه أم من ~~جوزفين. # ولما اعتزل نابوليون في جزيرة ألب ذهبت مدام واليسكا إلى الجزيرة لتعزيه وتروح ~~قلبه، في حين أن العالم كان يعتقد أن نجم نابوليون مال إلى الأفول، فلا عجب إذا قال ~~فيها البطل الكورسيكي أنها ملك كريم لا يشبه جمال نفسها إلا جمال جسمها. # الفصل الثاني عشر # | تقرير الطلاق # رأينا فيما تقدم كيف بدت فكرة الطلاق لنابوليون في جهة العريش، بعد ورود الأخبار ~~الفاضحة عن سلوك جوزفين، ونحن مظهرون هنا كيف قويت ونفذت تلك الفكرة بقوة الحوادث ~~نفسها. # إن أمر الطلاق بين نابوليون وجوزفين صدر بعد إنشاء حكومة «القنصلية» وبعد تعيين ~~نابوليون قنصلا أول سحابة العمر وبعد ارتقائه إلى العرش الإمبراطوري وسؤدده العظيم. ~~فليفكر القارئ في إمبراطور رفع رايته فوق ثلاثين عاصمة - كما قال الشاعر - وأحرز النصر ~~في كل قطر، ورأى ذوي التيجان ms058 يتزلفون إليه في كل مكان، وأبصر نفسه قادرا على إحداث ~~ولي عهد! ألا يميل به الطمع الإنساني الغلاب إلى حفظ ذريته؟ # وزد على ما تقدم أن السواد الأعظم من الأمة الفرنسوية كان يخاف رجوع الفظائع الداخلية ~~والأخطار الخارجية بعد نابوليون، ويطلب دوام سلالته حتى لا يقوم النزاع على الملك يوم ~~يلفظ تلك الروح الكبيرة، وكان جوزيف نفسه أخو نابوليون يحضه على الطلاق وعقد زواج آخر ~~لأجل فرنسا. # ومع ذاك كله فإن نابوليون قاوم فكرة الطلاق عدة سنين، وكانت جوزفين تدس الدسائس ~~لدى جوزيف لحمله على إقناع نابوليون بالعدول نهائيا عن الطلاق، وقد قالت له يوما: ~~«إن تقرير نظام الإرث يحمل نابوليون على الطلاق والزواج مرة أخرى ليرزق ولدا، والطلاق ~~لا يبقي لك أملا بالصعود إلى عرش فرنسا»، ولكن جوزيف لم يقتنع. # وفي سنة 1804 كان نابوليون نفسه لا يزال مترددا في الأمر بدليل؛ قوله حين ألحوا ~~عليه في طلب الطلاق أنه «ليس من العدل أن أطلق، نعم لقد يكون من مصلحتي ومصلحة النظام ~~أن أتزوج مرة أخرى، ولكن كيف تريدون أن أترك تلك المرأة - يعني جوزفين - طلبا للعظمة؟! ~~لا لا! إن الأمر فوق طاقتي، وإن ضلوعي لتنطوي على قلب إنسان، وإن أمي ليست نمرة، ~~فلا أريد أن أقذف بزوجتي إلى الشقاء والبؤس.» # وأظهر نابوليون هذا الشعور الشريف وأقام عليه خمس سنوات توالت فيها المؤثرات حتى اقتنع ~~بوجوب الطلاق وقرره في 15 ديسمبر سنة 1809. # ولما صحت عزيمة نابوليون على الطلاق واقتنع بوجوبه، أراد أن يبلغ خبره الأليم إلى ~~جوزفين على يد الكونت لافاليت زوج حفيدتها، فقال له: «أنا لا أؤمل أن أرزق ولدا منها ~~ولم أبلغ من العمر ما يحول دون حصولي على ولد، وإن راحة فرنسا لتقتضي أن أتخذ لي ~~زوجة أخري، فأنت زوج حفيدتها وهي تجلك وتحترمك، فهل لك أن تعد فكرها لقبول ~~الحالة الجديدة التي أوجبتها المقادير؟» # فاعتذر الكونت والتمس من الإمبراطور أن ينيط تلك المهمة بغيره، وبعد التفكير رأى ~~نابوليون أن يتدرج في إبلاغها الخبر الأليم بلسانه، ms059 فأخذ أولا يوضح لها الضرورات التي ~~تحيق به، قال كونستان في «مذكراته»: «إن الإمبراطور توسل إلي غرضه بألطف الوسائل، ~~وبالغ في مداراتها ومراعاتها حتى أفضى بها إلى قبول تلك التضحية الأليمة»، ولقد تباينت ~~أقوال الخصوم المتحاملين على نابوليون في شأن هذا الطلاق، فقال بعضهم إن جوزفين خاصمت ~~نابوليون عليه. ولكن الشهود العدول وواضعي المذكرات الخاصة لم يذكروا ما يدل على تفاقم ~~النزاع بينهما في هذا الموضوع. وزعم آخرون أن نابوليون استعمل الشدة والقسوة حتى ~~اضطرها إلى قبول الطلاق. على أن بقاء جوزفين في العاصمة والعلاقة الحسنة التي بقيت بينها ~~وبين نابوليون تنفي هذا الزعم؛ إذ لو نال جوزفين من الإهانة والقسوة ما عزوه إلى ~~نابوليون لابتعدت عن المكان الذي وقعت فيه إهانتها، ولسافرت على الأقل إلى روما حيث كان ~~ابنها أوجين، أو إلى هولاندا حيث كانت بنتها هورتنس، فجل ما يقال أن الاتفاق الذي ~~تم بين نابوليون وجوزفين كان موجعا لقلبها محرجا لصدرها، ولكنه تم أخيرا ~~بالتراضي وبإبقاء جوزفين عزيزة مقيمة في منزل فخم وحاصلة على مودة الإمبراطور لدى ~~الجمهور، ومما يؤيد هذا القول أن جوزفين - نعم جوزفين نفسها - أخذت بعد شهر تهتم هي ~~وابنتها هورتنس بأمر زواج نابوليون، وفاتحت زوجة البرنس دي مترنيخ النمسوي في أمر ~~الأرشيدوقة ابنة إمبرطور النمسا، وليس في هذا النبأ ريب ولا شبه ريب؛ لأنه مثبت في ~~الأوراق الرسمية التي أرسلها مترنيخ من فينا إلى سفير النمسا في باريس، ومما كتبه مترنيخ ~~إلى السفير قوله: «إن الإمبراطورة جوزفين وملكة هولندا - أي ابنة جوزفين - خاطبا مدام ~~مترنيخ مخاطبة صريحة في الأمر، وصاحب الجلالة الإمبراطورية - يعني إمبراطور النمسا - ~~يود أن تبقى المسألة جارية في مجرى غير رسمي، حتى يتمكن من إبلاغ مقاصده إلى ~~الإمبراطور نابوليون بلا تزويق ولا تنميق.» # ولا نخال أحدا يعتقد أن جوزفين كانت مجبرة على القيام بمثل ذاك المسعى، وأن قيامها ~~به لا يدل على التراضي الذي أشرنا إليه، كما يدل على اقتناعها بأن نابوليون لم يطلقها ~~إلا رغبة منه في ولي عهد يرجوه ms060 من زواج آخر كما قال كولنكور، وهو سفير فرنسا في بطرسبورج ~~الذي كان يسعى ليعقد زواج نابوليون مع أميرة روسية. # على أن اقتناع جوزفين وموافقتها على الطلاق لم تحل دون اضطرابها الشديد وتشنج أعصابها ~~ساعة أبلغها نابوليون - بعد ذاك الاتفاق - أن توقيع عقد الطلاق الرسمي يتم في 15 ديسمبر ~~سنة 1809؛ قال دي بوسيه الذي حضر ذاك المشهد: «تناول الإمبراطور فنجان القهوة بعد العشاء ~~وأبدى لنا إشارة تفيد أنه يريد البقاء وحده مع الإمبراطورة، فخرجنا ثم سمعنا ~~الإمبراطورة تصرخ صرخات شديدة في الردهة، فظن الحاجب أنها أصيبت بضر وحاول أن يفتح ~~الباب، فمنعته وقلت له: إن الإمبراطور لا يلبث أن يدعونا إذا رأى حاجة، وكنت ساعتئذ عند ~~الباب، فتقدم نابوليون وفتحه بيده وقال لي: «ادخل يا بوسيه وأقفل الباب»، فدخلت فإذا ~~الإمبراطورة منطرحة على السجادة وهي تشكو وتقول: «لا، لا يمكنني أن أعيش بعد هذا»، فقال ~~لي نابوليون: «أعندك قوة تمكنك من نقل الإمبراطورة إلى طبقتها الخاصة من طريق السلم ~~الداخلي لنبذل لها ما تقتضيه حالتها من العناية والاهتمام؟» فحملت الإمبراطورة بمساعدة ~~الإمبراطور بين ذراعي وحمل هو مصباحا وفتح الباب بيده، ولما وصلت إلى أوائل درجات ~~السلم قلت للإمبراطور: «إنها ضيقة، فلا يمكنني أن أنزل بلا خطر من الوقوع»، فدعا ~~الإمبراطور أحد الخدم ودفع إليه المصباح وحمل معي الإمبراطورة من ساقيها بكل عناية ~~ومداراة، وحدث أني خفت تلك الساعة من السقوط، فشددت بيدي على الإمبراطورة، فقالت لي ~~بصوت خفيف: «أنت تضغطني كثيرا ...» فأدركت حينئذ ألا خوف على صحتها وأنها لم تفقد رشدها ~~دقيقة واحدة. ا.ه.» # أما الإمبراطور فقد كان اضطرابه وقلقه عظيمين، وكلماته متقطعة، وعيناه مغرورقتين ~~بالدموع، على أن هذا المشهد لم يبق أكثر من ثماني دقائق، وقد أرسل الإمبراطور يدعو طبيب ~~القصر والملكة هورتنس - ابنة جوزفين - وكامباسريس مستشار الإمبراطورية، ثم ذهب بنفسه ~~ليرى حالتها فوجدها مائلة إلى الهدوء والتجلد، وما جاء يوم 21 ديسمبر حتى عادت ~~جوزفين إلى حالتها المألوفة ورأست ناديها في قصر التويليري، وبعد ثلاثة أيام كانت تحمل ms061 ~~الخطاب الذي طلبوا إليها تلاوته أمام الإمبراطور ساعة التوقيع الرسمي، وفي مساء 15 ~~ديسمبر سنة 1809 اجتمع أعضاء الأسرة الإمبراطورية وعظماء الدولة، فوقع نابوليون ~~وجوزفين أمامهم العقد الذي ألغى زواجهما، وروى موليين أن «الدموع كانت ظاهرة في جفون ~~نابوليون.» # الفصل الثالث عشر # | زواج نابوليون وماري لويز # عرف القراء أن غرض نابوليون من زواجه الثاني هو حصوله على سلالة إمبراطورية، فكان من ~~الواجب الأول أن تكون زوجته الجديدة من خيرة الأسر المالكة وأعرقها مجدا في أوروبا، ~~وقبل أن يختار الإمبراطورة الجديدة جمع مجلس الوزراء وشاورهم في الأمر، ورغب إليهم أن ~~يختاروا أميرة روسية أو نمسوية أو سكسونية، فأظهر معظم الوزراء ارتياحا إلى تزوجه أميرة ~~روسية، فكتب نابوليون إلى كولنكور سفيره في بطرسبرج يقول: «يلزمك في مفاوضة كهذه أن ~~تظهر كل ما عندك من فطنة واحتراس وبراعة، فلا تجازف بكلمة ولا تبد حركة تدل على ~~خفة، وفكر مليا في الأمر، أنا لا أريد أن أظهر في مظهر من يعرض نفسه، ولا أود أن ~~أسمع رفضا، فأبق كرامتي في مرتبة عالية؛ لأنها كرامة فرنسا نفسها.» # ولما اجتمع مجلس الشيوخ لسماع إعلان الطلاق ألقى أوجين - ابن جوزفين - خطبة قال فيها: ~~«يهمنا لسعادة فرنسا أن يبلغ مؤسس الأسرة الرابعة سن الشيخوخة ولديه سلالة تنزل منه ~~مباشرة؛ لأن فيها ضمانا للجميع ... أما والدتي فحسبها مجدا ما سكبه الإمبراطور من ~~الدموع.» # ولبث نابوليون بعد الطلاق يظهر لجوزفين عطفا وحنوا، وروى موليين أن نابوليون سافر ~~يوم الطلاق إلى تريانون وحده، كأنما هو لم يستطع احتمال الوحدة في تلك الليلة بالتويلري، ~~وبقي ثلاثة أيام لم يقابل فيها الوزراء والكبراء، وقيل إن العواطف لم تتغلب على ~~الأشغال في حياة نابوليون إلا في تلك الأيام الثلاثة. وذكر مينفال أن الإمبراطور كتب ~~ليلة وصوله إلى تريانون كتابا رقيقا إلى جوزفين، ثم زارها فيما بين 15 و19 ديسمبر أي ~~بعد الفراق بثلاثة أيام، وكتب إليها بعد الزيارة: «أيتها الصديقة، رأيتك أضعف مما يجب أن ~~تكوني، ولقد أظهرت شجاعة فيما مضى، وما زال الواجب ms062 عليك أن تظهري مساحة من الشجاعة ~~والحول ما يأخذ بيدك، فلا تسترسلي إلى الحزن المشئوم، بل كوني منشرحة الصدر واعتني بصحتك ~~الثمينة، وإذا كنت تحبينني حقيقة يجب عليك أن تتذرعي بالقوة والحزم وتكوني قريرة العين ~~...» # وبلغ عدد المكاتيب التي أرسلها نابوليون إلى جوزفين خمسة في عشرة أيام، وفي 15 ديسمبر ~~دعاها وابنتها هورتنس إلى تناول العشاء على مائدته، وروت «مدموازيل أرفيللون» أن جوزفين ~~أبدت تلك الليلة من الارتياح والانبساط ما يوهم الناظر أن الإمبراطور والإمبراطورة لم ~~يفترقا. # وبناء على قرار رسمي أبقى نابوليون لجوزفين رتبة إمبراطورة متوجة، وعين لها راتبا ~~قدره مليونا فرنك في العام وجعل دفعه إجباريا على خلفائه، ثم زيد هذا المرتب إلى ~~ثلاثة ملايين فرنك، ما عدا المبالغ الإضافية التي كان يحبوها بها نابوليون. ~~••• # تقدم أن نابوليون أمر سفيره في العاصمة الروسية باستطلاع رأي البلاط الروسي في مسألة ~~زواجه، فلما فاتح القيصر آنس منه ارتياحا إلى مصاهرة أعظم قائد وأكبر إمبراطور، ~~ولكن القيصر رأى من الحكمة وأصالة الرأي أن يؤخر الجزم في الأمر، وكان رأس الأسباب في ~~هذا التأخير أن والدة القيصر كانت مترددة وناظرة بعين الحذر إلى اقتران ابنتها ~~بإمبراطور الفرنسويين، وقيل إن المسألة الدينية كان لها شأن في ترددها. # وليس بصعب على القارئ أن يدرك بالبداهة ما كان لتردد والدة القيصر من الأثر السيئ في ~~نفس الصنديد العنيد، الذي كانت أوروبا تهتز لخطواته وترقب الدنيا لحظاته ولفتاته، فإن ~~عزيمته صحت بلا إبطاء على ترك السعي في بطرسبرج وعلى تحويل فكره إلى «فينا»، ورأى ~~أن خير الطرق ما ينطبق على قول الشاعر العربي: # ما حك جلدك مثل ظفرك # فتول أنت جميع أمرك # فأخذ يرقب الفرصة حتى عرضت له، وقيل بل هو الذي خلقها ومهد طريقها في مرقص أقيم ~~بمنزل المستشار الإمبراطوري الأكبر، وبينما كانت الخدود تنافس الورود، والحبور يميل ~~بالخصور، تقدم نابوليون نحو مدام مترنيخ وقال لها بلا مقدمة ولا توطئة: «أتظنين أن ~~الأرشيدوقة تقبلني زوجا، وأن أباها الإمبراطور يوافق على الأمر؟» # فدهشت مدام مترنيخ لتلك ms063 المفاجأة وأجابت جوابا مبهما لأنها لم تكن تستطيع الجواب ~~الشافي، فقال لها عندئذ نابوليون: «اكتبي إلى زوجك واستطلعي رأيه.» ثم تركها مبهوتة ~~ومدهوشة. # وفي اليوم التالي بدئ بالمفاوضات، وما لبثت أن صارت رسمية بين الفريقين، وأخذت ~~جوزفين نفسها وابنتها هورتنس تشتركان فيها كما قدمنا، وكان في طليعة الأسباب التي أفضت ~~إلى النجاح أن البلاط الإمبراطوري في «فينا» كان شاعرا بما جرى من المفاوضات ~~الأولية في بطرسبرج، فخاف أن تؤدي إلى نتيجة وأن يعقد نابوليون محالفة مع قيصر الروس، ~~فيصبح موقف النمسا حرجا من الوجهة السياسية. # ولما تم الرضى اتفق الإمبراطوران والحكومتان على أن يوفد نابوليون المارشال ~~برتييه إلى «فينا» ويفوض إليه قبول عقد الزواج بالنيابة عنه، فسافر برتييه في 4 مارس ~~سنة 1810 حاملا الهدايا النفيسة الثمينة للعروس، وكانت على رواية البارون بيروس ~~مؤلفة من عقد لا يقل ثمنه عن 900000 فرنك، وقرطين قيمتهما 400000 فرنك، ورسم ~~لنابوليون مرصع بحجارة من الألماس لا يقل ثمنها عن 600000 فرنك، مع أن ثروة العروس ~~كلها لم تكن تتجاوز 500000 فرنك. # وليس من عادة نابوليون أن يسلك سبيل الإسراف، ولكنه نظر إلى الأمر بعين الراغب في ~~تعظيم زواجه والمبالغ في إكرام الإمبراطورة الجديدة أمام العالم. # وفي 11 مارس سنة 1810 أقيمت حفلة الزفاف في «فينا» بين مظاهر العظمة والأبهة، ~~وفي 14 منه برحت الإمبراطورة ماري لويز بلاط أبيها في موكب فخم تحت إمرة البرنس دي ~~نوشاتيل، ورافقتها اثنتا عشرة سيدة من سيدات القصر إلى برونو حيث كانت تنتظرها ملكة ~~نابولي - أخت نابوليون - وأهل البلاط الإمبراطوري الجديد، ولما وصل موكب ماري لويز إلى ~~برونو حل الفرنسويون محل النمسويين في خدمتها. # وقيل إن نابوليون شمخ واعتز يوم الزواج، وشعر بما لم يشعر به يوم إحرازه أعظم فوز. ولا ~~بدع؛ فإن عصاميا يخرج من أصل وضيع، ثم يبلغ ذاك المقام الرفيع ويقترن بابنة ~~بيت من أقدم البيوت المالكة في العالم، لخليق به أن يشعر بتلك العزة والرفعة في مثل ~~ذاك اليوم التاريخي. # على أن العوامل القلبية ms064 ما لبثت أن تغلبت على تلك العوامل الفكرية، فعاد نابوليون كما ~~عرفناه؛ أي ذاك الرجل الملتهب شوقا إلى وصال تلك الفتاة الشريفة التي انصرفت عواطفه ~~إليها، والتي تجتاز الفراسخ والأميال قادمة إليه لتضع نضارتها وجمالها بين يديه، وليس ~~يدلنا على قوة ذاك الشعور مثل ما كتبته الملكة كاترينا من باريس إلى أبيها ملك ورتمبورج، ~~قالت في أحد مكاتيبها: «لا يمكنك أن تتصور مبلغ اهتمام الإمبراطور بزوجته المقبلة، ~~وحسبي أن أخبرك بأنه دعا إليه الخياط وأمره بأن يتقن له صنع الملابس، وأخذ من جهة ~~أخرى يتعلم الرقص، أمر لم يكن يخطر ببالك ولا ببالي.» # وكتبت أيضا: «لا يمكنني أيها الأب العزيز أن أخبرك عن مبلغ حب الإمبراطور لزوجته، فإنه ~~متشوق ومتحمس إلى حد لم أكن أتصوره ولا أستطيع وصفه ...» # وكان من هم نابوليون أن يؤتى فتحا جديدا في الحب، كما أوتي في ميادين الحرب، ~~فأخذ يبذل الجهد في استنباط ما يجعل ماري لويز تقتنع بحبه لها وما يجعلها تحبه. # أما كيفية تلاقيهما فقد كان موضوع جدال طويل وبحث ضاف بين نابوليون وسفير النمسا؛ لأن ~~البلاط النمسوي معروف بإصراره على التقاليد الإمبراطورية، ولا يعرف مبلغ التعب الذي ~~يلاقيه واضع مثل ذاك الترتيب إلا من يعرف شدة حرص البيوت المالكة القديمة على تقاليدها، ~~وحسبنا أن نذكر للقارئ هنا أنهم اضطروا إلى مة الكتب القديمة الهاجعة في مكتبة البلاط ~~النمسوي، وإلى درس كل ما يتعلق بالحفلات السالفة، وبعد أن أخذوا منها ما يجب أخذه بدأ ~~السفير النمسوي يباحث الإمبراطور نابوليون ويتفق معه على كل نقطة وكل وجه، وكان من ~~جملة ما تم الاتفاق عليه يوم التلاقي أن يقام سرادقان كبيران أحدهما للإمبراطور، ~~والثاني للإمبراطورة ثم يقام سرداق ثالث بينهما، فيتقدم كل من الإمبراطور ~~والإمبراطورة إليه، ثم تقف الإمبراطورة في مربع وتنحني أمام نابوليون، فيتقدم وينهض بها ~~ثم يقبلها، ويذهب معها إلى مركبة فاخرة ذات ستة مقاعد فيصعدان إليها، ثم تجلس الأميرات ~~معهما. وكل من علم باهتمام نابوليون وسفير النمسا بوضع تلك الخطة لم يبق ms065 عنده ريب في أن ~~نابوليون كان عازما على التدقيق في اتباعها كما دقق في وضعها، وأن القبلة الأولى ~~التي كان إمبراطور الفرنسويين ينتظرها من كريمة إمبراطور النمسويين لا تؤخذ إلا بعد شيء ~~من العناء. # على أن طبيعة نابوليون التي عرفناها لم تكن مما يقف أمامها تقاليد ونظامات من ذاك ~~الطراز، فإنه ما علم بسفر عروسه من فيتري إلى سواسون حتى ركب هو وملك نابولي مركبة واحدة ~~وسافر متسترا بلا خدم ولا حاشية، وما وصل إلى كورسيل حتى رأى موكب الإمبراطورة ~~قادما، فصعد إلى مركبتها دون أن يعرفه أحد سوى خادم الشرف فصاح: «الإمبراطور ...» # بيد أن نابوليون كان مشغولا في تلك الساعة بمعانقة ماري لويز، وبعد أن تم هذا ~~المشهد الذي دهش الإمبراطورة، أمر نابوليون بالإسراع نحو كومبيين، فوصل إليها الساعة ~~العاشرة مساء، وما أشد عجب الموكلين بتنفيذ النظام حين مرت المركبة الإمبراطورية مر ~~النسيم أمام المضارب الثلاثة التي كانت معدة لهما ... # وبينما كان الإمبراطور والإمبراطورة وأهل القصر الإمبراطوري يتناولون العشاء في ردهة ~~الملك فرنسوا الأول في كومبيين - وكأني بنابوليون أراد أن يكون تلك الليلة تحت رعاية روح ~~ذاك الملك الذي اشتهر بحب الغواني - أخذت عينا نابوليون تنظران إلى ماري لويز نظرة ~~المتوسل المتضرع، وقال للكاردينال فيش: «أليس بصحيح أننا متزوجان الآن؟» فأجاب الكردينال ~~من غير أن يفكر في نتيجة جوابه: «نعم إنكما متزوجان زواجا مدنيا.» أما ماري لويز فقد ~~أصبح وجهها كالوردة الزاهية عند هذا الكلام، وزاد عجبها لما أظهره نابوليون من قلة ~~الاهتمام بما وضع من الترتيب والنظام، على أنها لم تستطع أن تخالف نابوليون فبقي القصر ~~الذي كان معدا لمنامها تلك الليلة خاليا من ضيفته الكريمة. # أليس هذا التسرع دليلا كافيا على أن طبيعة نابوليون في سنة 1810 هي تلك الطبيعة ~~التي بدت لجوزفين سنة 1789؟ # إن نابوليون كما تقدم عقد زواجه لأجل الذرية، وقام في ذهنه على ما قيل أن ماري لويز ~~قدمت نفسها ضحية لسياسة دولتها، فأراد أن يطيب نفسها ويعزي قلبها بكل ما وجد إليه ~~سبيلا، ms066 وأخذ يظهر لها ما تحلم به وتؤمله الفتيات العذارى قبل زواجهن، ولما كانت ~~طبيعته على وصفنا لم يلبث أن صار محبا بالمعنى الصحيح، عندما رأى تلك الأميرة ~~السنية لينة العريكة نضيرة الشباب مجردة من الإرادة بين يديه. # ولقد كان المظنون أن حماسة نابوليون تنطفئ بعد حين، فيعود إلى اختيار العلاقات ~~المعتادة بين ذوي التيجان وحليلاتهم، وهي على وجه عام لا تخلو من التحفظ والتكلف في معظم ~~الأسر المالكة، على أن نابوليون لم يكن من تلك الطينة، بل كان يرمي قبل كل شيء إلى ~~تأسيس بيت يسود فيه الحب وتعم الراحة، ولقد ساعدته ماري لويز بما أظهرت من سلاسة ~~المقادة وسهولة الخلق، فكانت عيشتها راضية رغيدة، وليس ما قاله خصوم نابوليون عن «سوء ~~معاملتها» إلا ضربا من الاختلاق قصدوا به أن ينتحلوا لها عذرا عن خيانتها لذاك الرجل ~~العظيم بعد ما أصابه من الفشل في معركة واترلو بسبب تقصير أحد قواده، ولا يدلنا على حالة ~~ماري لويز مع نابوليون مثل الكتب التي بعثت بها إلى اثنتين من أحب الناس إليها وأصدقهم ~~ولاء لها، وهما الكونتس كولوريد والكونتس كرينفيل، وإليك شيئا مما ذكرته لهما بعد ~~وصولها إلى كومبيين بشهر: «إن الله استجاب دعاءكما يوم زواجي، فعسى أن تنالا من السعادة ~~ما أشعر به.» # ثم كتبت في يناير سنة 1811: «لا يسعني أن أتمنى لك شيئا أفضل من السعادة التي أتمتع ~~بها ... يمكنك أن تتصوري أننا لا نعدم ملاهي وملذات في مدينة عظيمة كباريس، ولكن الساعات ~~التي أقضيها مع الإمبراطور هي أحب الأوقات إلي وأطيبها لدي.» # ثم كتبت في مايو سنة 1811: «أرجو أن يصنع ابني - ملك روما - صنيع أبيه، فيسعد كل من ~~يعرفه ويقترب منه ...» # ثم كتبت في 11 يونيو من تلك السنة: «إن حزني لمفارقة نابوليون يكدر صفاء السعادة ~~التي أتمتع بها في عيلتي، فأنا لا أستطيع أن أكون مسرورة سعيدة إلا إذا كنت على مقربة ~~منه ...» # وكتبت بعد أيام: «لا يسعني أن أكون قريرة العين مستريحة البال إلا حين أرى الإمبراطور، ~~فالله ms067 أسأل أن يقيك مثل هذا الفراق، فإنه شديد أليم على القلب المحب ...» # وقالت في أكتوبر من السنة نفسها: «إن اليأس ينزل بقلبي إذا مر يوم واحد ولم يرد علي ~~كتاب من الإمبراطور، وكلما وصل منه كتاب شعرت ببعض التعزية ولكن إلى حين ...» # وكتبت في 2 أكتوبر: «لي أمنية واحدة أسأل الله تحقيقها في وقت قريب هي عودة الإمبراطور، ~~فإن وجود ابني نفسه لا يسليني ساعة واحدة عن أبيه ...» # وكتبت في 23 يوليو سنة 1813: «إني مسافرة إلى مايانس لأرى الإمبراطور، وإنه لمن ~~السهل عليك أن تدركي مبلغ فرحي بدون أن أشرحه لك ...» # فأي منصف يطلع على تلك المكاتيب التي أرسلتها ماري لويز في تواريخ متباينة لاثنتين ~~من رفيقات الصبا والصديقات الحميمات، ثم يسعه أن يأخذ أقوال أولئك الخصوم على ~~علاتها؟ # إن ماري لويز لو كانت سيئة الطالع متحرجة الصدر متشوقة إلى الخلاص من نابوليون وكانت ~~تحذر مغبة التأفف والطعن عليه، لو كانت في مثل هذا المأزق الأليم لاختارت طريق الصبر ~~الجميل وامتنعت عن المبالغة في شرح الأشواق. # ولما شاع خبر وفاة نابوليون وانتهى إلى مسامع ماري لويز قالت: «إن الإمبراطور ~~نابوليون لم يكن يسيء معاملتي، بل كان على العكس يظهر لي كل إكرام وإعزاز ...» قالت ~~ماري لويز هذا القول الحق بعد أن عشقت الجنرال أدام أدالبير، ذياك الجنرال النمسوي ~~الأعور الذي لم يتفوق بشيء من أعمال الرجال في ميادين القتال، وبعد أن رزقت منه ولدا ~~قبل وفاة بطل أوسترليتز، فلو كان نابوليون شريرا في سلوكه معها كما قيل لما شهدت له تلك ~~الشهادة المأثورة، ولا سيما أن مصلحتها كانت تدعوها إلى قلب الحقيقة لتخفف من شناعة ~~الخيانة التي اقترفتها بعد فشل نابوليون. # وإذا صح أن ماري لويز قالت بعد زواجها الثاني: «إني لم أكن أشعر بحب شديد ~~لنابوليون.» فإن هذا القول لا يكفي لتكذيب الرسائل التي ذكرنا بعض فقراتها، ولا يحمل ~~إلا على محمل واحد هو رغبة ماري لويز في مدارة الجنرال الوضيع الذي اتخذته حبيبا ثم ~~زوجا. # وإذا رجعنا إلى ms068 المذكرات التي وضعها الأحباء والأعداء وجدنا فيها دليلا على مبالغة ~~نابوليون في إكرام ماري لويز، قال كونكور - الذي كان سفيرا في بطرسبرج: «إن نابوليون ~~كان يعنى عناية شديدة بزوجته الشابة القليلة الشأن «الإمبراطورة ماري لويز» وكان يشملها ~~بنظرات الحب والسرور ويفاخر بإظهارها لكل إنسان في كل مكان.» # وذكرت قرينة الجنرال دوران كبيرة سيدات الشرف لدى الإمبراطورة أن «الإمبراطور نابوليون ~~قضى الأشهر الثلاثة الأولى لزواجه ملازما للإمبراطورة لا يفارقها ليلا ولا نهارا، ~~وإذا تركها سويعات قليلة فللقيام بأشغال مستعجلة»، وقال شامباني: «إن نابوليون كان ~~أفضل زوج في العالم، وليس في وسع أحد أن يظهر من العناية ورقة المعاملة وكرم النفس ~~أكثر مما أظهره نابوليون ...» # وكان ذلك الرجل الشديد الفخور يتوسل بكل وسيلة ليعرف هل كانت ماري لويز سعيدة حقيقة أو ~~كان لديها ما تشكو منه، وبلغ منه حب الاستطلاع مرة أن قال للبرنس مترنيخ وهو عند ماري ~~لويز: «أريد أن تحدثك الإمبراطورة بحرية تامة، وأن تطلعك على فكرها الخاص في شأن ~~مركزها الجديد ... أنت صديق لها، فالواجب أن لا تخفي عنك شيئا .» # وفي اليوم التالي لقي البرنس وسأله: «ماذا قالت لك الإمبراطورة أمس؟» ثم عاجله قبل أن ~~يجيب بقوله: «قالت لك أنها سعيدة معي وأنها لا تشكو شيئا، فآمل أن تخبر إمبراطورك ~~بذلك ...» # الفصل الرابع عشر # | ولادة ملك روما # وليس في وسع قلم أن يصف ما داخل نابوليون من السرور حين علم بعد ثلاثة أشهر لزواجه أن ~~الإمبراطورة تشعر بدلائل الحمل، ولقد طفحت كأس حبوره وابتهاجه حين ولدت له ولدا ~~ذكرا. # فيا لله! ما أعظم ذاك الحلم وما أجمل تحقيقه! إن ذاك الطالب الذي تعلم على نفقة الحكومة ~~وذاك الضابط الذي كان يحرم نفسه من الجلوس في القهوة ليساعد أمه وإخوته، سيكون له سلالة ~~لحكم أعظم إمبراطورية! # ولكن يد الدهر ظهرت كأنها تنازع نابوليون السعادة في تلك الساعة؛ لأن ولادة ابنه كانت ~~صعبة أليمة حتى خاف الدكتور ديبوا «الطبيب المولد» على حياة الأم أو حياة الولد، وسأل ~~حينئذ نابوليون: «بحياة أيهما ms069 نضحي إذا قضت الضرورة؟» فأجابه نابوليون بلا تردد: ~~«لا تفكر إلا في الأم.» # فلو كان الطمع الأشعبي يضرب على قلب نابوليون غشاوة كثيفة - كما قال بعض خصومه - لفضل ~~حياة ابنه وولي عهده على حياة ماري لويز، ولكن قلب الزوج تغلب على قلب الإمبراطور في ذاك ~~الموقف الحرج، فوضع حياة زوجته فوق حياة ابنه وفلذة كبده. # ولما ذهب نابوليون إلى غرفة التوليد ورأى عذاب الإمبراطورة أخذ بيدها وصار يشجعها، ~~ولكن ظهور الطفل معترضا اقتضى عملية صعبة، ولشدة التأثر الذي أصاب نابوليون ساعة ~~العملية ترك يد الإمبراطورة ودخل غرفة أخرى ووجهه ممتقع أصفر وفكره حائر مضطرب، ونحو ~~الساعة الثامنة صباحا من 20 مارس سنة 1811 طارت البشرى إلى نابوليون بنجاة الأم، فأسرع ~~يقبلها ويضمها إلى قلبه، ثم التفت إلى الولد فإذا هو جامد لا يبدي حراكا، فألقى عليه ~~نظرة الآسف الكاسف وعاد يهتم بصحة الإمبراطورة، ولكن الطفل ما لبث أن صرخ صرخة اهتز ~~لها قلب أبيه فأسرع إليه وأخذ يقبل خديه وعينيه، وكان جمهور عظيم من الباريسيين مجتمعا ~~في حديقة التويلري ينتظر خبر نجاة الإمبراطورة ، وصدر الأمر بإطلاق واحد وعشرين مدفعا ~~إذا رزق نابوليون بنتا ومائة مدفع إذا رزق ولدا، فما دوى المدفع الثاني والعشرين حتى ~~هتف الجمهور هتافا شق عنان السماء، فوقف نابوليون وراء ستار وأخذ يمتع نظره برؤية ذاك ~~الجمع السكران بخمرة الطرب، وسالت دموع الفرح على خديه وهو لا يدري أن الدهر نوى أن لا ~~يسمح له بعد ذاك اليوم أن يذرف دموع الفرح، وأنه قام يريه مقدمات الزوبعة الهائلة ~~التي قذفت به إلى ما وراء الأوقيانس، حيث لفظ الروح في جزيرة جرداء محروما من رؤية ~~زوجه وابنه ومن السلطة والحرية. # أما تأثير ولادة «ملك روما» في سائر أنحاء أوروبا فقد كان عظيما جدا، وأخذ الشعراء ~~على اختلاف الطبقات يتغنون بوصف ذاك الحادث الخطير ويهنئون نابوليون، فكانت القصائد ~~تنشر بكل لغة حتى اللغة اليونانية واللاتينية. # أما حياة نابوليون في بيته بعد ولادة ابنه فقد زادت رونقا وسناء، قال منيفال ms070 في ~~«مذكراته»: «إن نابوليون أصدر أمرا مطلقا بمنع الدخول إلى مكتبه، ورجا من الإمبراطورة ~~نفسها أن تدخل عليه بابنه بدلا من المرضع، وكان ينتظرها عند الباب فيتناول منها ابنه ~~وينهال عليه بالقبلات ... وإذا أراد أن يوقع تلغرافا هاما مما يجب عليه أن يزن كل كلمة ~~من كلماته، وضع ابنه على ركبتيه أو ضمه إلى صدره، وكان يتفق له أن يدع التفكير في الأمور ~~الخطيرة وينطرح على الأرض بجانب ابنه العزيز يعمل ما يسره ويجتنب ما يعاكسه ويلعب معه ~~...» # وقال كونستان في «مذكراته»: «إن الإمبراطور نابوليون كان يحب ابنه أشد حب، فلا يراه ~~مرة حتى يأخذه بين ذراعيه أو ينهض به من الأرض ثم يعيده إليها، وكان يسر أبلغ سرور حين ~~يراه ضاحكا مبتهجا، وكثيرا ما كان يعاكسه ويقف به أمام مرآة ثم يكشر له ويبدي من ~~الإشارات والحركات ما كان يجعل الطفل يغرب في الضحك حتى يذرف دموع السرور، وإذا جلس ~~لتناول الطعام أجلسه على ركبتيه وغمس أصبعه بالمرق ولطخ به وجهه.» # وكان إذا سافر كتب إلى مربيته مدام مونتسكيو يسألها عنه ويبدي لها ما يخطر له، ولما ~~كان زاحفا إلى روسيا سنة 1912 كتب إليها يقول: # آمل أن تخبريني في وقت قريب بظهور أسنانه الأربع الأخيرة، أما المرضع فقد ~~منحتها كل ما طلبت ... # ولما تلقى رسم ابنه قبيل معركة موسكوفا أظهر ارتياحا كبيرا إلى وصوله وشكر ~~للإمبراطورة إرساله، ثم وقف به عند باب سرادقه، فأخذ يتأمله والجنود تهتف له، ولكن غيمة ~~من القلق ما لبثت أن بدت في سماء فكره، فدفع الرسم إلى سكرتيره قائلا: «اذهب به فإنه ~~يرى ميدان القتال قبل الأوان ...» # فأنت ترى أن قيادة الجيش الأكبر الذي كان تحت إمرته في تلك الحملة التاريخية على ~~روسيا، ومشاغل الخطة الصعبة التي كان يضعها، والمفاوضات السياسية التي كانت جارية، كل ~~ذلك لم يكن يصرف فكره عن ابنه الحبيب وعزيزته «لويز». # ولعل القارئ يقول مسائلا: إن نابوليون كان يهتم بملك روما وماري لويز وهو في شرفة ~~العز والمجد، فكيف ms071 صارت حاله عندما بدت دلائل الشؤم إبان تلك الحملة؟ # إن حاله مع ابنه وزوجته لم تتغير؛ فقد بقي يفكر فيهما وينتبه لأصغر شئونهما ويعنى ~~براحتهما مع كل المصائب الفادحة التي كانت تدور به من كل صوب، وهاك بعض ما كتبه ~~لكامباسريس المستشار الإمبراطوري الأكبر سنة 1913؛ أي بعد نزول نازلة روسيا على رأسه: ~~«يجب على الوزراء ألا يخبروا الإمبراطورة بما يحدث لها قلقا أو حزنا.» # وكتب إلى مربية ابنه بعد معركة درسد: «يسرني أن ابني ما برح يزداد نموا فيزيدنا ~~آمالا، ولا يسعني إلا إظهار الرضى والارتياح إلى عنايتك به.» # وكان شوق نابوليون إلى رؤية زوجته أيام تلك الحرب الهائلة شديدا حارا، فرغب إليها ~~أن تلاقيه في مدينة مايانس، فسافرت إليها في 26 يوليو من ذاك العام، وذكر كولنكور ~~تلاقيهما فقال: «إن نابوليون حدثني عن هذا التلاقي، فاظهر تحمس الشباب، وبرقت أسرته ~~فلم أعد أرى عليه ما ظهر لي في أوائل الحديث من دلائل الهم والقلق والتأثر.» # ولما خاب أمل نابوليون بالسلام، وعقدت دول أوروبا العظمى تحالفا آخر لمقاتلته بعد ~~الحرب الروسية بقي يهتم بأقل الأشياء المتعلقة بماري لويز، ومما كتبه يوما: «لقد ~~ساءنى أن ترتيب حفلة 15 أغسطس كان مختلا، وأن الإمبراطورة بقيت حينا طويلا وهي ~~تسمع موسيقى تمجها الآذان.» # ولما قامت بعدئذ المعارك الشهيرة المعروفة ب «حرب فرنسا» وظهر نبوغ نابوليون في أعظم ~~مظاهره فقاوم أوروبا كلها بثلاثين ألف رجل، كان نابوليون مع ذاك الموقف الهائل يفكر ~~في عزيزته «لويز» فقد كتب يقول: «نزهوا خاطر الإمبراطورة فهي تذوب كمدا ...» # ثم كتب بعد أن ساء طالعه: «لا تدعوا الإمبراطورة وملك روما يقعان في قبضة العدو، فأنا ~~أفضل أن يذبح ابني على أن يربى في بلاط النمسا كأمير نمسوي، وأظن أن الإمبراطورة ~~على هذا الرأي.» # وكان نابوليون يضع راحته البيتية وكرامته الشخصية فوق كل شيء، بدليل ما كتبه في إبان ~~تلك الحوادث الجلى قال: «إياكم والأقوال التي يؤخذ منها أني أطلب حماية الإمبراطورة ~~أو حماية أبيها، فإنها تكدر صفاء راحتها وتفسد ms072 جميل خلقها ...» # وبعد أن استنفذ نابوليون كل مواهبه ومعارفه الحربية في قتال عدو كان أضعاف أضعاف رجاله، ~~وبعد أن خذله جماعة من كبار قواده فاضطر إلى التنازل في مونتبلو، لم يبق له من تعزية ~~إلا التفكير في زوجته وابنه، وعند سفره إلى جزيرة ألب قال لأمينه: «يمكنني أن أعيش ~~سعيدا مع ابني وزوجتي في تلك الجزيرة.» وعلى أثر توديعه للحرس ذاك التوديع المشهور ~~الخالد، كتب إلى ماري لويز يقول: «أيتها الصديقة، إني سأقضي الليل في بريار ثم أسافر ~~غدا إلى سان تروبيز، فآمل أن تساعدك صحتك على الصبر والتجلد وأن تتمكني من المجيء ~~إلي ... أودعك أيتها العزيزة ويمكنك أن تعتمدي دائما على زوجك وشجاعته وسكون جأشه ~~وصداقته لك.» # الفصل الخامس عشر # | خيانة ماري لويز # على أنه مضى زمن بعد وصوله إلى تلك الجزيرة ولم يتلق خبرا من ماري لويز فداخله القلق ~~والعجب، ولكن مظنة الخيانة لم تخطر بباله، وفي 20 أغسطس كتب إلى الجنرال برتران يقول: ~~«إني أنتظر وصول الإمبراطورة في شهر سبتمبر.» ثم كتب إلى آخرين وتوسل بجملة من ~~الوسائل ليحمل ماري لويز على مراسلته والحضور إليه فلم يفلح، وكان من جملة تلك الوسائل ~~أنه كتب في أكتوبر من ذاك العام إلى دوق توسكانا خال ماري لويز يسأله أن يكون واسطة في ~~إيصال رسائله إلى ماري لويز. # فيا لله من كيد الزمان! إن الإمبراطور العظيم الذي كانت الملوك والأباطرة تتزلف ~~إليه، والشعوب تهتف له وتحني الرءوس بين يديه، بات يرجو من دوق صغير أن يكون واسطة بينه ~~وبين زوجته! # وبينما كانت عوامل القلق والشوق تتنازع نابوليون إلى ذاك الحد، كانت ماري لويز تظهر ~~قلة الاكتراث لمصابه، وتجتنب كل ما تظنه مخالفا لميل أبيها، وكان من جهة أخرى ~~الجنرال نيبرج الأعور يشاغلها ويحاول القبض على مفتاح قلبها، وقيل إنها أخذت تنقاد ~~إليه منذ 17 يوليو سنة 1814. # وكان الحزن يساور قلب نابوليون كلما طال الزمن على انقطاع المراسلة بينه وبين تلك ~~المرأة التي ظنها حليلة أمينة، وإنه لعلى تلك الحال إذا ms073 بالبولونية الحسناء قادمة إلى ~~الجزيرة تحمل إليه حبها وعطفها الصادق فكان سناؤها نورا بين ظلمات الأحزان التي ~~كانت تحيق بالأسد المعتزل، إلا أنها لما تقم أكثر من ثلاثة أيام في الجزيرة، ولم يلبث ~~نابوليون أن عاد إلى ظلمة العزلة. # ولما ترك نابوليون الجزيرة وعاد إلى وطنه على الرغم من خصومه واسترجع سدته العالية، ~~كتب إلى إمبراطور النمسا يطنب في حبه لأسرته، ويلتمس منه أن يسارع إلى إعادة زوجته ~~وابنه إليه. # ولكن فساد قلب تلك الزوجة بلغ حدا قصيا، فباتت لا تعبأ بالألسنة اللاذعة التي ~~تناولت عرضها، وإذا استطلعنا أعماق قلبها بما كتبته إلى أخصائها أيام كان الحلفاء يزحفون ~~على فرنسا والفوز معقود بلوائهم، رأيناها لا تشعر شعور إمبراطورة الفرنسويين، بل تحس ~~إحساس أميرة نمسوية عدوة لفرنسا. قالت في كتاب خاص يوم تقدمت جنود المتحالفين في بلاد ~~فرنسا: «مضى ثمانية عشر يوما ولم يرد على خبر من الجنرال نيبرج، ولم أعرف إلا ما تضمنته ~~النشرة الرسمية من التفصيل، على أني مبتهجة مع الجميع بالأخبار الحسنة التي تتضمنها ~~(كذا).» # فليفكر القارئ في تلك الإمبراطورة التي «ابتهجت بالأخبار الحسنة» أي أخبار تفوق ~~الأعداء بكثرة عددهم وعددهم، على ذاك البطل التي نعمت بنعمائه، وعزت بعزه وحسدتها ~~إمبراطورات الخافقين على مكانتها لديه، ولا نظن أن أهل المروءة يخففون جريمة ~~تلك المرأة بزعم أن الغرام ضرب على قلبها غشاوة منذ أحبت ذاك الجنرال الأعور؛ لأن ~~الحب لا ينفي عاطفة الشفقة والأنفة، وأقل ما يدل عليه تمنيها لكسر نابوليون هو أنها ~~جمعت بين الخيانة والنذالة والخباثة. ~~••• # رأينا أن دور نابوليون بوصفه زوجا وربا لعيلة ابتدأ أيام نصره الباهر في إيطاليا ~~وانتهى يوم كسره القاهر في واترلو، ورأينا أنه تزوج امرأتين وأن الاثنتين خانتاه، ~~ولكن الفرق بين جوزفين وماري لويز أن الأولى خانته بعد زواجه بقليل والثانية كانت تعرف ~~كيف تخفي لؤمها ونذالتها، ومالت إليه حينا من الزمن لفرط اهتمامه بإراحتها ~~وإسعادها، ثم استرسلت إلى سجيتها الطبيعية حين فشل زوجها وأمنت هيبته وسطوته، ثم رأينا ~~أن نابوليون كان ms074 مع هذا كله لا يستسهل تصديق ما قيل له عن جوزفين أو ماري لويز، بل كان ~~يحسب مظاهر الخيانة التي بدت من جوزفين خفة مجردة، ويظن أن ماري لويز كانت ضحية ~~أيام غيابه في جزيرة ألب، ويجتنب كل أمر يكدر صفاء راحته البيتية، وما كانت عظمة النجاح ~~وعزة الملك تؤثران في مهمته الزوجية والأبوية، وتصرفانه عن القواعد التي تلقاها في عهد ~~تربيته الأولى. # على أن نكد الدنيا شاء له ألا يستريح في بيته إلا أحيانا متقطعة، وأن يأتيه الحب ~~الصادق من قلب شريفة بولونية كانت محرومة من لذة الحب الصحيح في بيتها. # الفصل السادس عشر # | أخلاق نابوليون # اتضح لنا فيما تقدم جانب من أخلاق نابوليون، فرأينا ما كان من حبه لأمه وإخوته، ومن ضعف ~~إرادته وتسامحه وخوفه من الحقيقة أيام حبه لجوزفين، ومن تفانيه في إرضاء ماري لويز ~~لحملها على حبه، كما رأيناه تنزه نفسه عن الضغينة والحقد على أناس من الذين أساءوا ~~إليه قبل صعوده إلى قمة شاهقة من العز والمجد، ونحن ناظرون في الجانب الآخر من تلك ~~الأخلاق. # قال كثيرون من المتحاملين على نابوليون وفي جملتهم الكاتب العالم تين: «إن نابوليون ~~كان خشن الطبع فظ الخلق، لم يذق المقربون إليه شيئا من حلاوة اللسان وطيب ~~المعاشرة»، وقال أليزون في تاريخ أوروبا: «إنه لما أبلغ اللورد ويتورث سفير إنكلترا ~~نابوليون أن حكومته تعد معاهدة أميان باطلة، غضب غضبا شديدا وخرج عن صوابه إلى ~~حد أن رفع يده ليضرب السفير.» ثم تناول الناس هذا الخبر دليلا على شراسة نابوليون، ~~وتلقفه الخلف عن السلف من المؤرخين، وبعد تسعين سنة خطر للمستر أوسكار برونن أن يراجع ~~مستندات الحكومة البريطانية وينظر في قيمة تلك التهمة، فانتهى به البحث والتدقيق إلى ~~تقرير الحقيقة الآتية وهي أن «ما قيل عار عن الصحة ... وأن تلغرافات السفير الإنكليزي ~~نفسه تدل على بطلانه.» فسقط من ذلك الحين كل ما بناه خصوم نابوليون من المطاعن ~~والمثالب على ذاك الخبر الملفق. # أجل إن نابوليون كان مثل الذين كثرت شواغلهم وهمومهم ms075 ينفر من الإبطاء المضر والتثاقل ~~المبرم في بعض الأوقات، ولكن بين قلة الجلد في بعض المواقف وشراسة الطبع التي تحول دون ~~كل معاشرة شقة واسعة من الفرق. # وليس هناك ريب في أن شراسة الطبع بالمعنى الصحيح تحول دون الخلق الكريم والوداد ~~المقيم وتنكص بالمرء عن احترام النواميس الاجتماعية، والواقع أن معاملة نابوليون لأمه ~~وإخوته حتى كان يحرم نفسه من الجلوس في القهوة ليتمكن من إعانتهم، ثم احتفاظه بصداقة ~~الذين عرفهم في عهد الصبا مثل بوريين وجونو ومارمون وغيرهم من الذين عينهم في وظائف ~~مختلفة ونهض بهم في مدارج الرقي، كل ذلك يبطل ما زعمه الخصوم. # وإذا نظرنا من جهة أخرى إلى وزرائه وجدنا مدة أكثرهم أطول من مدة الوزراء الذين ~~استوزرهم أي ملك أو إمبراطور آخر، ولقد دلنا التاريخ على أن معظمهم كانوا من ~~الأكفاء وليسوا من الذين فنيت عزة نفوسهم وألفوا اللطم كما زعم بعض الكتاب. # ولو كان نابوليون متصفا بطبع وحشي كما زعم خصومه، ومشهورا بمثل هذا العيب الفاضح ~~لما رضي إمبراطور النمسا أن يزف إليه ابنته، فإن الغرض السياسي الذي كان يرمي إليه ~~الإمبراطور فرنسوا لم يكن وحده كافيا للتضحية بابنته. وما كان العيب الأكبر الذي رمي ~~به هذا الإمبراطور التجرد من العواطف البشرية والوالدية، بل كان الضعف السياسي الذي ~~جعله آلة بين يدي وزيره مترنيخ، ومهما يكن من أمر ضعفه فهو لا يذهب بالحنان الأبوي، وزد ~~على هذا كله أن الرسائل التي بعثت بها ابنته ماري لويز - وذكرنا بعض فقراتها فيما تقدم - ~~تكفي للدلالة على أنها كانت بين يدي إنسان لا بين مخالب حيوان. # وكان نابوليون يعد الحسنات من الأعمال الخالدة كالانتصارات، بدليل ما قاله عن الملوك ~~وذوي التيجان الذين سموه مغتصبا بعد اعتزاله في جزيرة ألب: «إن هؤلاء الملوك يلقبونني ~~اليوم بالمغتصب بعد أن أرسلوا إلي السفراء الرسميين مع الإجلال والاحترام، وبعد أن ~~وضعوا في سريري ابنة منهم، وبعد أن دعوني أخا لهم، فهم أرادوا أن يبصقوا علي فبصقوا على ~~وجوههم وحقروا «جلالتهم»، ألا ما ms076 هي قيمة لقب «إمبراطور»؟ إنه إذا لم يكن لي غير هذا ~~اللقب لدى الذرية لهزأت بي، ولكن لي النظامات التي وضعتها والحسنات التي صنعتها، ~~والمعاهد التي شيدتها، والانتصارات التي أحرزتها، تلك هي ألقاب المجد.» # وإذا رجعنا إلى أقوال المعاصرين له وجدنا براهين دامغة على تحامل خصومه؛ قال شاتوبريان: ~~«غشيني بونابارت بمظهر بسيط ثم أخذ بلا توطئة ولا أسئلة عقيمة يحدثني عن مصر والعرب ~~كأنني صديق حميم، وكأنما حديثنا كان تتمة لحديث سابق.» # وقال كوتزبو في «مذكرات باريس»: «إن نابوليون كان يبتسم لمحدثيه ابتسامة لطيفة تجعل ~~ثغره مستحبا جدا وتبعث الثقة في نفس السامع، فقد اقترب مني يوما بمنتهى اللطف ~~وأخذ يحدثني عن مسارح التمثيل بلا تكلف، وهو يفضل من الروايات المأساة «التراجيديا» ... ثم ~~ختم حديثه بأن جميع أنواع الروايات حسنة مقبولة بشرط أن لا تورث الملل.» # وقال لومبار الذي كان مستشارا خاصا لملك بروسيا سنة 1803: «إن الأجانب مخطئون ~~بقولهم أن طبع نابوليون شديد فظ وأنه متسرع في أحكامه، فالواقع أنه يبدو هادئا ساكن ~~الجأش عند المناقشة ويعير محدثيه أذنا صاغية ونفسا واعية كأنه يريد أن يتعلم منهم، ~~ولا يسؤه أن يسمع معارضة.» # وكتب أجنبي آخر وهو المسيو جان دي مولر: «إني كنت أعارض نابوليون فيعمد إلى مناقشتي، ~~وأرى من الواجب علي أن أقول بكل إخلاص وبلا تحزب كما لو قمت أشهد لدى الله تعالى: إن ~~أسلوب حديثه كان يملأ نفسي إعجابا به وحبا له، وإن ذاك اليوم الذي قابلت فيه نابوليون ~~كان أفضل أيام حياتي، فقد تملكني بنبوغه وطيبة نفسه.» # وكان من أخلاق نابوليون ما ذكره المسيو دي سيجو الذي عاش على مقربة منه وعرف كنه حياته، ~~قال: «إنه كان يصنع الخير مع الأفراد الذين أخنى عليهم الدهر، ويظهر اللطف والرقة، ~~ويتبع سبيل الاقتصاد والبساطة في بيته، ولا يحرم الذين كانوا حوله من وده ~~وحبه.» # وقال الجنرال راب: «إني لم أر أحدا أرق شعورا وأثبت على الحب والوداد من ~~نابوليون.» # وإذا أراد القارئ شهادات أخرى من هذا الطراز، فليراجع كتاب ms077 الموسيو أرتور ليفي الذي ~~أشرنا إليه في المقدمة. # فحسبنا ما تقدم من شهادات الفرنسويين والأجانب لتظهر أن الذين أسعدهم الحظ بمعاشرة ~~نابوليون، أو الاقتراب منه، أو التناقش معه، لم يكونوا يرون أمامهم وحشا من ضواري ~~الحيوان في صورة إنسان كما زعم الذين أعماهم الحقد والعدوان. # الفصل السابع عشر # | نابوليون وجنوده # وكان نابوليون شديد الانتباه إلى أصاغر جنوده لاعتقاده أن الجندي الصغير قد يكون ذا قلب ~~كبير، وأن حسن المعاملة مدعاة لزيادة الإخلاص، قال دوق فيسانس: «إن تلك الشوارب القديمة ~~- يعني رجال الحرس - لم يكونوا يجسرون على مخاطبة أصغر ملازم في الجيش بمثل ما كانوا ~~يخاطبون ذاك القائد الأكبر الذي كانت هيبته تملأ نفس الجيش كله.» # وقال دون باساتو: «إني رأيت الإمبراطور مائة مرة ينتقل ليلا من معسكر إلى آخر، ويقف ~~هنا وهناك لدى النيران ويسأل عما يغلي في القدر ثم يقهقه من الأجوبة المضحكة التي كان ~~يسمعها من الجنود.» # وقال القومندان كلود برجيه في «تاريخه»: «يا لله! ما أعرف نابوليون بالجندي الفرنسوي، ~~وما أقدره في مخاطبته والضرب على أشد الأوتار تأثرا في قلبه - أعني وتر الشرف - ولقد ~~وصف نابوليون نفسه الجندي الفرنسي في صفحة جميلة قال فيها: إن الجندي الفرنسوي رجل ~~مفكر قاسي الحكم فيما يتعلق بشجاعة ضباطه ومواهب رؤسائه، وهو يجادل رفيقه في شأن ~~الخطط والأساليب الحربية، ويستطيع القيام بأي عمل من الأعمال إذا كان لرؤسائه حرمة في ~~نفسه، وإذا كان هو يستحسن مجرى الأحوال الحربية، أما إذا كان الأمر على العكس فلا يمكن ~~الاعتماد على الفوز، وابن فرنسا هو الجندي الوحيد بين جنود أوروبا الذي يستطيع القتال ~~ويقوم بجليل الأعمال وهو ضامر البطن مطوي الأحشاء على الطوى، ومهما طال زمن المعركة، ~~فإنه ينسى الأكل في سبيل الفوز، حتى إذا انتهى القتال صارت مطالبه أكثر من مطالب غيره، ~~والجندي الصغير من الفرنسويين أشد اهتماما بإحراز النصر من ضابط بروسي وهو يدعي أن ~~الفضل الأكبر في كل نصر يرجع إلى فيلقه، وجملة القول أن جنود الأمم الأخرى تصبر يوم ~~الوغى ms078 بحكم الواجب، والجندي الفرنسوي يحارب إجابة لصوت الشرف، فإذا أصابه فشل شعر بأن ~~نفسه ذليلة، وإذا فشلت الجنود الأخرى عادت غير مكترثة.» # وربما كان رأس الأمور التي حملت نابوليون على تسمية الوسام الذي أحدثه ب «وسام جوقة ~~الشرف» ما كان يعرفه من رسوخ ذاك الشعور في نفس الفرنسوي. وإذا رجعت إلى الأوامر ~~العسكرية وخطب التحريض التي كان يلقيها عليهم أبصرته يحاول فيها كلها أو جلها أن ~~يظهر للجندي ما يحرزه من الشرف والفخر هو وآله إذا عاد وإكليل النصر يزين جبينه، ~~ولقد كان الأعداء أنفسهم يعرفون أن قوة الجندي الفرنسوي إنما هي بعواطفه وشواعره لا ~~بقوة ساعديه وعرض كتفيه. قال أحد القواد البروسيين بعد معركة يانا: «لو كان علينا أن ~~نقاتل الفرنسويين بسواعدنا فقط لأدركنا النصر في وقت قريب؛ لأن الجندي الفرنسوي صغير ~~ضئيل، يستطيع ألماني واحد أن يتغلب على أربعة مثله، ولكن هؤلاء الجنود الصغار ينقلبون ~~إلى طبقة فوق طبقة البشر تحت النيران، ويندفعون بنخوة لا نستطيع إيضاحها ولا نرى لها ~~مثيلا في جنودنا.» ولا شك في أن هذا الإقرار من ضابط بروسي كان من أجمل الشهادات التي ~~تسطر للجنود الفرنسوية. # وكان نابوليون لا يكتفي بإظهار الاحترام والميل إليهم من أجل تلك الفضيلة، بل كان يحبهم ~~حبا صادقا، قال المؤرخ الذي ننقل عنه: «إن جنوده كانوا أولادا له بالمعنى الصحيح ~~يشرف على أمورهم ويسهر عليهم كما يسهر الأب على بنيه، ويحضر توزيع المآكل عليهم ويتناول ~~الحساء «الشوربا» معهم.» # وكان نابوليون يضع اللين في محله والقسوة في موضعها، فيعفو عن الجندي المذنب إذا رأى ~~وجها لعذره أو ما يخفف ذنبه، ولا يتسامح إذا وجد التسامح مضرا بالمصلحة الحيوية، ~~وإليك حكاية تدلك على شيء من خلقه: حدث أيام معارك بروسيا أن الجنود الفرنسوية ضربت ~~مضاربها لتستريح بعد السهر المضني ثلاث ليال متوالية، ولما جاءت العتمة خرج نابوليون ~~يتفقد أحوال الحراس في أطراف المعسكر جريا على عادته في كثير من الأحيان ولا سيما ~~في الأوقات العصيبة، فاتفق أنه رأى حارسا برح به ms079 الوصب وتسلط عليه النوم بعد السهر ~~الطويل، فهوى إلى الأرض ونام تاركا بندقيته إلى جانبه، فأراد نابوليون أن يوقظه، ~~ولكنه أبصر في تلك الدقيقة طوافة من الضباط قادمة نحوه، فأخذ بندقية الحارس النائم ~~ووقف مكانه حتى لا يدع الضباط يبصرون به ويعاقبونه، ولما طلبت الطوافة سر الليل ~~أجابها نابوليون فسارت في طريقها لإتمام التفتيش، وفي تلك الأثناء استيقظ الحارس النائم ~~فوجد بندقيته بيد رجل غيره، فأسرع نحوه فإذا هو قائده ومولاه، ولكن نابوليون سرى عنه ~~قائلا: «لا تخف»، ثم سأله: «كم مضى عليك من الزمن بلا نوم؟» فقال: «ثلاثة أيام، ومع ذلك ~~فإني ما كنت لأنام لولا ما أصابني من الجروح»، ثم أبصر نابوليون أن الجندي كان مصابا ~~بجرحين، فأعجب به ومنحه وساما، ثم قال وهو يبتعد عن ذاك البطل: «لا ريب أني أستطيع ~~فتح العالم بهؤلاء الرجال ...» # وكان نابوليون يعرف وجه الضعف في رجاله فيأخذهم به، ويضرب على الوتر الحساس من أوتار ~~قلوبهم، فمن شأنه المعروف أنه كان مع شدته في المحافظة على النظام العسكري يسمح لرجال ~~الحرس القدماء الذين حضروا المعارك وأبلوا البلاء الحسن بأن يخاطبوه بصيغة المخاطب ~~المفرد بعكس ما يقضي به أدب الحديث في اللغة الفرنسوية، ولا سيما إذا كان المخاطب ~~كبيرا والمخاطب صغيرا، فإن استعمال صيغة الجمع في الكلام واجب لا يصح إغفاله، على ~~أن نابوليون كان يعلم أن عادة أولئك الأبطال التي تدل على انتفاء الكلفة صارت إليهم ~~من روح الجمهورية وأنها تنطوي على همة واحترام يسهل في سبيلها بذل المهج ~~الغالية. # وكان نابوليون قبيل عرض الجنود يدعو الكولونل ويسأله عن أسماء الذين امتازوا في ~~المعارك الماضية ويطلب بعض أخبار عن أهله، ثم يمر وقت العرض بأولئك الجنود الممتازين، ~~فيذكر لكل منهم اسم المعركة التي امتاز فيها والمكافأة التي أخذها ويسأله عن أمه العجوز ~~إن كانت حية أو عن غيرها من آله الأقربين، فيطير الجندي منهم فرحا وطربا حين يرى قائده ~~الأعظم يتذكر خدمته ويعنى بأمره، ثم يصبح نابوليون حديث النهار وسمر الليل بين ms080 ~~الجنود كلهم، فيأخذ كل منهم يحكي حكاية عن ذاكرته العجيبة ومعظم تلك الحكايات من بنات ~~المخيلات. # وكان من أكبر العوامل في تفاني الجنود أن كل واحد منهم بات يحسب نابوليون منصفا ~~للشجعان وذوي الكفاءة الحربية، وكان كبار القواد أقوى البراهين الحية لديهم على صحة ذاك ~~الاعتقاد، فإنهم خرجوا من قلب الجيش، وبعضهم استوى على العروش مثل المارشال مورات الذي ~~عين ملكا لنابولي، وبرنادوت الذي استوى على سدة أسوج، ومعظم الجنود كانوا يرون الرقي ~~إلى أحد العروش رتبة عالية من الرتب التي كان نابوليون يمنحها لرجاله، فيقولون مثلا: ~~«فلان صار ملكا.» كما يقولون: «فلان رقي إلى رتبة كولونل.» مع مراعاة النسبة بين ~~الرتبتين. # وهناك أمر آخر كان نابوليون يعنى به عناية خاصة، وهو تعزيز ما يسمونة «روح الفيلق» في ~~الجيش، ومعناه بعبارة أخرى أن يفرغ القائد جهده في زيادة التنافس الشريف بين فيالق ~~جيشه، فتتسابق في مضمار الشجاعة والبأس، ولقد نجح نابوليون نجاحا باهرا في هذا السبيل ~~حتى صار كل فيلق من فيالقه، بل كل ألاي من ألاياته، يعد نفسه في مقدمة الجيش، ومما يذكر ~~عن سمو الأساليب التي كان يتبعها نابوليون لبلوغ المرام أنه كان إذا رأى التعب والجوع ~~والبرد تنهك تلك الجنود الفولاذية كما كانوا يلقبونها، نزل هو وسار مع الجنود، فأخذ كل ~~واحد من هؤلاء يقول: «الإمبراطور ... الإمبراطور»، وتغيرت مشية الفيلق كله كأنما تيار ~~كهربائي سرى إليه من أوله إلى آخره. # هكذا كان نابوليون، وهكذا كانت جنوده، وكل فريق منهم خليق بالآخر. # الفصل الثامن عشر # | نابوليون وقواده # كان نابوليون ينظر إلى الجيش كما ينظر الصانع العالم إلى آلة عظيمة يقتضي تركيبها ~~تدقيقا شديدا وفكرا سديدا، ولذلك كان يفكر في كل ما قل وجل من أموره، حتى انتقاء ~~الخيل وشراء المئونة اللازمة لها كما تدلنا رسائله المدهشة، وليس بنا حاجة إلى القول ~~أن اختيار قواده كان له الشأن الأكبر؛ لأنهم القطع الرئيسية التي تتركب منها تلك الآلة ~~العظيمة. # ولم يكن في وسع نابوليون منذ مائة وعشرين سنة أن يختار ms081 قواده من الضباط الذين قضوا ~~سنوات عديدة في درس القواعد العسكرية؛ لأن التعليم العسكري لم يكن شيئا مذكورا في ذاك ~~الوقت، والفضل في كثير من القواعد الحربية الباقية حتى اليوم يرجع إلى نابوليون نفسه، ~~وما كانت عظمة هذا البطل الذي لم تحط مثله أصلاب البشر قائمة ببسالته وانتصاراته فقط، بل ~~كانت تقوم بها وبنظاماته ومبتكراته وعبقريته العجيبة الشاملة، وعليه فإن نابوليون لم يكن ~~له مندوحة - وتلك حالة التعليم العسكري في زمانه - من أخذ أولئك القواد الذين خلد ~~التاريخ ذكرهم من صميم جيشه، أي أفراد الشعب الذين قاتلوا في سبيل الدفاع عن حريتهم ~~وحرية وطنهم وصدوا دول أوروبا التي هبت لإذلالهم. وكان نابوليون قوي الفراسة صادق ~~النظر في الرجال، فاستطاع أن يقدر قدر كل واحد من الذين خدموا تحت إمرته، وعرف نوع ~~الخدمة التي كان يمكنه أن يتفوق فيها، مثلا أنه رأى مورات فأدرك أنه خير رجل يقود ~~كوكبات الفرسان ويقدم لها المثل الأعلى بنخوته وحميته وشجاعته، وقرأ على جبين ناي أنه ~~الرجل الذي يطير إلى الحمام في صدر المشاة، وما أخطأ ظنه، فإن ناي كان يسحر رجاله ~~بالقدوة الجميلة وهو الذي أخذ بندقية في معركة واترلو وصاح: «تعالوا انظروا كيف يموت ~~مارشال من مارشالية فرنسا ...» وهو الذي قال فيه نابوليون: «ما هذا رجل، إن هو إلا أسد من ~~الأسود.» # وليس لدينا مجال كاف لنذكر ما أبداه كل قائد من القواد العظام، فحسبنا أن نذكر مع ~~مورات وناي بسيير وسول ولان وسوشيه وبرتييه ودافو وجوفيون سان سير وأوجيرو وجونو ~~وماكدونالد ومسينا ولازال وكولنكور، فهؤلاء وعدة من الأبطال كانوا أسودا لا تقهر، ~~ولكن نابوليون كان يخضعهم بنظرة وهو في ذروة مجده الحربي. # وذكر نابوليون خطة سلوكه مع قواده قال: «كنت أحر الرأس البارد وأبرد الرأس ~~الحار»، أو بعبارة أخرى أنه كان يكسر من حدة الحديد ويثيرها حماسة البليد مراعاة لمقتضى ~~الحال، وهي خطة بسيطة في ذاتها، ولكن تنفيذها مع قواد نابوليون كان يقتضي عقلا كعقل ~~نابوليون. # وكان من مزايا الرجل أن يزن ms082 حسنات كل قائد، فإذا رجحت سيئاته حاول أن يصلحه بحذق ~~وبراعة. فمن الحوادث المعدودة من هذا الطراز أنه شرع يوما في تعنيف ضابط في رتبة ~~كولونل؛ لأن جنوده أضروا بمصالح إحدى الدساكر، فشق على الضابط أن يسمع الكلام المر من ~~قائده وأراد أن يتنصل، فقال له نابوليون همسا: «أنا صدقتك فاسكت»، وفي اليوم التالي دعا ~~نابوليون الكولونل وقال له: «كن مستريح الفكر؛ فقد كنت أعنف في شخصك بعض الجنرالية ~~الذين كانوا بجانبك، ولو وجهت إليهم التعنيف مباشرة لأوقفتهم في موقف يستحقون فيه ~~التحقير أو ما هو أبلغ منه ...» # وإذا اتفق أنه جرح في حديثه قائدا كبيرا، حاول بعد الحديث أن يضمد جرحه، فمن ذلك أنه ~~انتقد انتقادا شديدا على الجنرال مارمون بعض الأعمال الحربية في معركة واجرام، فسخط ~~مارمون من هذا الكلام وعاد إلى منزله كسير القلب شديد الكرب، فما وصل حتى جاءه رسول ~~إمبراطوري يحمل إليه البشرى بترقيته إلى رتبة مارشال. # ولما أخذ العدو بلدة مونترو سنة 1814 رأى نابوليون أن تأخر المارشال فيكتور كان ~~السبب في ضياعها وأصدر إليه إذنا في ترك الجيش، ومعلوم أن هذا الإذن لم يكن له من ~~معنى إلا سخط الإمبراطور عليه، فجاء المارشال فيكتور وعيناه مغرورقتان بالدموع، فقابله ~~نابوليون وهو يتميز من الغيظ وعيره بالخطأ الذي ارتكبه واستحق من أجله الإبعاد عن ~~الجيش، فلم يتمالك المارشال أن رفع صوته وأكد إخلاصه وذكر خدماته في إيطاليا، فسكن غضب ~~نابوليون لذكر تلك الخدمات ثم صافحه قائلا: «لا بأس، ابق في الجيش يا فيكتور، ولكني لا ~~أستطيع أن أعيد إليك فيلقك بعد أن عقدت لواءه لجيرار، وإنما يمكنني أن أوليك قيادة ~~فرقتين من الحرس، فاذهب واستلم قيادتهما ولا تذكر بعد اليوم شيئا مما جرى.» # ولو شئنا أن نذكر ما لدينا من هذا الطراز لاستغرق مجالا واسعا وتجاوز بنا الغاية ~~المقصودة في هذا الكتاب، فحسبنا أن نقول - ومذكرات مارمون (الذي خان نابوليون في أواخر ~~عهده) خير شاهد - إن نابوليون كان في معظم الأوقات يجرح باليمين ويداوي بالشمال. ms083 ~~ومما قاله الخصوم في تفسير هذا السلوك الحميد: «إن مصلحته الخاصة وقلة الرجال ~~الأكفاء حملتا نابوليون على مداراة رجاله»، وهو تفسير لا يذهب بفضل نابوليون ولا يحط في ~~قدر سلوكه، بل هو يدل على حسن سياسته وأصالة رأيه، وليس بمنكر على الرجل أن يفعل ~~الخير ويحسن الصنع؛ لأنه يتفق مع مصلحته أو لأن مصلحته كانت تدفعه إليه، فإنما ~~الأمور بنتائجها لا بأسبابها، وكل من يقبح مثل هذا المنهج يكون مثله مثل من يطعن على ~~رجل ينقذ آخر من الغرق؛ لأنه أراد الحصول على وسام الإنقاذ أو مكافأة أخرى. # وإذا طالعنا المذكرات الخاصة وجدنا فيها ما يدل على شدة حبه لقواده، قال كونستان ~~بعد النصر الباهر الذي أحرزه نابوليون في مارنجو أنه «مع النصر الفاصل الذي أوتيه القنصل ~~الأكبر - أي نابوليون - كنت أرى الحزن يملأ نفسه وأسمعه يردد أن فرنسا فقدت بفقد دسكيس ~~فتى من خيرة أبنائها، وفقدت أنا صديقا من أفضل الأصدقاء.» # ولما استوى نابوليون على العرش الإمبراطوري لم يتغير شيء من عواطفه نحو قواده، بل لبث ~~يسمح للمارشال «لان» بأن يخاطبه بصيغة المفرد، وما بلغ نابوليون خبر إصابته بجرح مميت ~~حتى تولاه حزن عظيم وأخذ يزوره صباحا ومساءا، واتفق أنه وصل في عيادته الأخيرة بعد ~~أن لفظ المارشال روحه الطيبة، فتقدم نابوليون وقبله وبكى، ثم أخذ يقول: «يا لخسارة ~~فرنسا! يا لخسارتي!» ولما حاول برتييه أن يذهب به ويكفيه مئونة ذاك المنظر الأليم قاومه ~~نابوليون نحوا من ساعة. # وفي اليوم التالي كتب نابوليون إلى أرملته يقول: «أيتها النسيبة، مات المارشال على أثر ~~الجروح التي أصابته في ساحة الشرف، فخلف لي من الحزن ما يضارع حزنك، ولا غرو فإني فقدت ~~بفقده أفضل قائد للجيش، وخير رفيق وصديق لزمني منذ ست عشرة سنة، إن أسرته وأولاده لهم كل ~~حق في طلب حمايتي ورعايتي.» # ثم كتب إلى الإمبراطورة: «إذا أمكنك أن تساعدي في تعزية أرملة المارشال ~~فافعلي ...» # وروت دوقة أربانتيز أنه لما فقد جونو أمه كتب إليه الإمبراطور نابوليون كتابا لطيفا ~~خاطبه ms084 فيه بلهجة كالتي كان يخاطبه بها أيام معركة طولون أو أيام حرب إيطاليا، وهي لهجة ~~الصداقة والألفة الخالية من كل كلفة. # ولما أصيب ديروك بقنبلة عند درسد ذهب إليه الإمبراطور نابوليون وضمه إلى قلبه ~~مرارا، ثم عاد خائر القوى لفرط الأسى وهو يقول: «يا للهول، يا للهول! أيها العزيز ~~ديروك ... ما أعظم خسارتي فيك!» وكانت دموعه تسيل على خديه وتسقط على ملابسه. # ثم أمر الإمبراطور بشراء أرض وبإقامة تمثال لذاك القائد العظيم وبكتابة العبارة الآتية ~~تحت التمثال: «هنا الجنرال ديروك دوق فريول وأحد مارشالية نابوليون العظام، أصابته قنبلة ~~فمات موتا مجيدا بين ذراعي الإمبراطور.» # وما اكتفى نابوليون بإكرام هذا الفقيد، بل صرف عناية كبيرة إلى عيلة ديروك ومنح أرملته ~~وابنته دوقية فريول، وكان ريعها وقتئذ لا يقل عن مائتي ألف فرنك في العام. ~~••• # على أن هذا الشعور الجميل الذي كان بيديه نابوليون في مثل تلك الأحوال لم يكن يحول دون ~~استقلال فكره وإرادته، فقد كان عند الضرورة شديدا قاسيا، وثبت أنه كان في إيطاليا ومصر ~~حين كان جنرالا كبير المطامع، أشد وأقسى في معاملة القواد والجنود مما كان عليه بعد ~~استوائه على السدة الإمبراطورية، واستلامه مقاليد الحكم المطلق واتساع شهرته وسطوته في ~~العالمين. قال خصوم نابوليون أنفسهم في مذكراتهم: «إن هذا الجنرال الصغير كان يخيف ~~قوادا مثل أوجيرو وماسينا وغيرهما سنة 1796، ولما جاءه الجنرال ديينوا سنة 1797 بقصد ~~التملق والتزلف قال له نابوليون: عرفتك لما كنت قائدا في لومبارديا وعرفت أنك قليل ~~النزاهة عاشق للمال، على أني كنت أجهل أنك جبان، فاخرج من الجيش ولا تظهر أمامي مرة ~~أخرى.» # وكتب نابوليون إلى برتييه يقول: «اكتب إلى الجنرال جاردان أن شكاوى عديدة انتهت إلي ~~من إحراجه لأهل البلاد وأن الواجب عليه أن يسلك سلوكا يتفق مع كرامة الجيش، فلا ~~يسمعني بعد اليوم شكوى واحدة من تصرفه.» # وكتب إلى الأميرال تروجيه: «لا يسعني إلا الاستياء من الأسطول الذي تحت إمرتك، وأنا ~~يحق لي أن أنتظر محاسن الأفعال بدلا من المواعيد والأقوال.» # وكان ms085 نابوليون لا يحابي الوزراء ولا الكبراء حتى في سنة 1814؛ أي بعد أن مال نجمه إلى ~~الأفول، وهذا يدلنا على صحة ما قاله أحد المؤرخين وهو أن نابوليون لم يكن ذئبا ولا ~~خروفا ... # الفصل التاسع عشر # | نابوليون وأهوال الحرب # يحق للقارئ أن يسأل هنا: إذا كان نابوليون رقيق الشعور طيب القلب، فلماذا جدد معامع ~~الحروب العديدة ولم يفرغ جهده في سبيل تعزيز السلم بين فرنسا وسائر الدول؟ # إن الجواب الوافي على هذا السؤال يقتضي تفصيل ما جرى من المفاوضات في عهد نابوليون، ~~فحسبنا أن نقول بشهادة المجموعات الرسمية أن نابوليون نوى يوما نية صادقة أن يسالم ~~النمسا، ونوى مرة أخرى أن يسالم روسيا، ومرة ثالثة أن يصالح إنكلترا، ولكن الوزير ~~الإنكليزي ويليام بت والوزير النمسوي مترنيخ كانا يضمران عداوة راسخة كالرواسي ~~لنابوليون، وأقنعا الحكومات الأوروبية بأن العالم لا يستريح ما دام نابوليون جالسا على ~~عرش فرنسا، ولما عظمت ديون إنكلترا لكثرة ما أرسلته من الأموال إلى النمسا وروسيا ~~لتساعدهما على قتال نابوليون، مالت حكومتها إلى الصلح، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى سياسة ~~الوزير ويليام بت، وجددت التحالف على نابوليون. # وإذا أراد القارئ برهانا على حقيقة شعور نابوليون وهو بين أهوال الحروب، فليطالع ما ~~كتبه بعد معركة أوسترليتز الشهيرة في نشرة الجيش الأعظم «لقب لجيشه» قال: «إني لم أر ~~ساحة من ساحات القتال أشد هولا وفظاعة من أوسترليتز، فنحن نسمع من وسط البحيرات الواسعة ~~صراخ ألوف من الرجال ولا نستطيع مساعدتهم ... آه إن قلبي يقطر دما!» # وكتب إلى الإمبراطورة بعد معركة إيلو: «إن الأرض مملوءة بالقتلى والجرحى، وإني أتألم ~~وأشعر بانقباض في صدري لرؤية تلك الضحايا.» # وروى دوق روفيجو أن «الإمبراطور نابوليون امتطى جواده بعد معركة وجرام وأخذ يتفقد ساحة ~~القتال جريا على عادته، وكانت سنابل القمح عالية جدا، فلم يكن في وسع الباحثين عن ~~الجرحى أن يروا الجندي الطريح، فأخذ كثيرون من الجرحى المساكين يربطون مناديلهم برءوس ~~البنادق ليدلوا الباحثين على مواضعهم، وكان الإمبراطور يذهب بنفسه إلى حيث كانت ~~المناديل ms086 ويحادث الجرحى ويطيب نفوسهم، ولم يعد من ساحة القتال إلا بعد أن نقلوا آخر ~~جريح.» # وقال ولتر سكوت، وهو من أعداء نابوليون أنه - يعني نابوليون - «كان يمر في ساحة الحرب ~~ويظهر شعورا رقيقا وعطفا شديدا عند رؤيته للجرحى، وما كان هذا بالأمر الغريب؛ لأن ~~نابوليون لم يكن يستطيع النظر إلى إنسان يتألم بدون أن يظهر عطفا عليه.» # فنابوليون إذن كان ينظر إلى أهوال الحروب بالعين التي ينظر بها كل قائد يشعر ويتألم، ~~ولكن عقله لم يكن تحت سلطان قلبه، والعوامل المتباينة كانت تدفعه إلى معامع الحروب، ~~ولولا خوف أوروبا منه لتمكن في أواخر عهده من البقاء مخلدا إلى السكون، وليس يدلنا ~~على رغبته في الهدوء بعد أن اتسع سلطانه وشبع من ثمار المجد الطيبة التي جناها في ~~الشرق والغرب مثل الرسائل التي كتبها وأشرنا إلى بعضها. # الفصل العشرون # | تأييد نابوليون للعلوم والفنون # لما كان نابوليون من ذوي العقول الراجحة والقلوب السامية، حق عليه أن يؤيد كل شريف ~~وعظيم، وأي شيء أعظم وأشرف من العلوم والفنون؟! # والحق أن النهضة العلمية التي حدثت في عهده خلدت له فضلا كبيرا، وجاءت طليعة ~~جميلة للاكتشافات التي ميزت القرن التاسع عشر، وما كان نابوليون يجتزئ باحترامه للعلماء، ~~بل كان يحميهم ويؤيدهم ويستصحبهم، كما فعل في حملة مصر، حتى اجتمع لديه نخبة العلماء ~~الذين حق لفرنسا أن تفاخر بهم. # ولما سلم إليه الشعب الفرنسوي مقاليد الإمبراطورية أغدق عليهم النعم ومنحهم الألقاب، ~~وكان يرى أنه لا شيء أدعى إلى تشريف ملك أو إمبراطور من تشجيع الألى ينهضون بالعلوم ~~وينفعون الإنسانية. # وكان العلماء الذين قربهم وأكرمهم بطل أوسترليتز منقطعين إلى فروع مختلفة من العلوم؛ ~~فمنهم الرياضي الكبير مثل مونج، والكيماوي المدقق مثل برتوليه، والعالم الفلكي مثل ~~لالاند، والمتبحر في علم الحياة مثل بيشا، وغيرهم من علماء الطبيعة والهندسة. ومما يستحق ~~الذكر من أعمال أولئك العلماء أنهم لم يكتفوا بتوسيع نطاق التعليم بجهدهم العظيم، بل ~~كانوا يأتون بمستحدثات خطيرة، ولقد فتح كل منهم بابا من الأبواب التي دخلها بعدهم ms087 ~~العلماء الآخرون ووصلوا منها إلى بعض الاكتشافات الخطيرة. # وكان الإمبراطور نابوليون يرى أن تلقيبه ب «عضو المجمع العلمي» لا يعلوه إلا اللقب ~~الإمبراطوري، ولما كان قنصلا أول وشغله أقل من مشاغله الكثيرة بعد ارتقائه إلى العرش، ~~كان يحضر معظم جلسات المجمع العلمي ويفخر بكونه عضوا في الفرع الميكانيكي منه، ثم ~~انتخبه الأعضاء رئيسا للندوة العلمية كلها ورأس جلستها العامة، وكان العلماء مونج ~~وبرتوليه ولابلاس من أحب الأصدقاء إليه، وكثيرا ما كان يتأخر ليلا لاستيفاء المناقشات ~~الطويلة التي كانت تدور بينه وبينهم. # وكان يطيب له في كثير من الأحيان أن يوقع هذا التوقيع وهو في مصر: «بونابارت القائد ~~الأكبر والعضو في المجمع العلمي». # أما الفنون فلم تكن عناية نابوليون بها أقل من عنايته بالعلوم، وكان فن التمثيل من جملة ~~ما أحبه وحماه وأيده، على أنه كان يفضل منه نوع المأساة المعروفة بالتراجيديا، ~~وكان «ألما» الممثل الشهير أحد أصدقائه المقربين، وربما كان ميله إلى التراجيديا القديمة ~~ناشئا عن وجود القدوة والمثال فيها، ولما اجتمع لديه الملوك وأرباب التيجان في أرفور ~~دعا إليه الممثل «ألما» وزملاءه في مسرح «الكوميدي فرنسيز»، وعند وصولهم التفت إلى صديقه ~~«ألما» وقال: «أيها الصديق العزيز، لا يحق لك أن تشكو؛ فإني جمعت الملوك اليوم ~~ليسمعوك.» # وكان نابوليون يميل إلى مطالعة هوميروس ويعجب بروايات كورنيل، ومما يؤثر قوله في درسد: ~~«لو كان كورنيل حيا لجعلته ملكا.» # على أنه كان يكره فولتير وجان جاك روسو؛ لأن الأول أراد أن يهدم كل شيء، والثاني استحق ~~الكره من أجل حياته الخاصة. # أما الشعراء فقد كان نابوليون يؤيد جماعة منهم مثل رينوار وأندريو وميلفوا ~~وميشو. # وقيل إن نابوليون ساعد لوس دي لانسيفال في تأليف رواية هيكتور. # وما يقال عن تشجيعه للمؤلفين والممثلين يقال عن اهتمامه بالتصوير والموسيقى، فقد بلغ ~~هذان الفنان في عهده درجة راقية، وكان بتهوفن الموسيقي الألماني الكبير في طليعة الذين ~~ألفوا ألحانا موسيقية «للجنرال المنصور»؛ أي نابوليون. # الفصل الحادي والعشرون # | نابوليون في شاهق العظمة # بلغ نابوليون شاهق العظمة ومنتهى الحول ms088 والسلطان سنة 1810، فإن الإمبراطورية الفرنسوية ~~في ذاك العهد كادت تضارع إمبراطورية شارلمان من حيث الهيبة وبسطة الملك، وكان نابوليون ~~يلتفت وراءه فيرى أوسترليتز حيث صرع النمسا، وإيلو وفريدلاند حيث قهر روسيا، ويجد ~~بولونيا خاضعة تحت جناح نسره، وإسبانيا مترعرعة تحت يده الفولاذية، ثم يرى وجرام حيث ضرب ~~النمسا مرة أخرى، ويتمثل دخوله ميلان وما تقدمها من الانتصارات الباهرة كما يتمثل دخوله ~~مدريد وبرلين وفرسوفيا وفينا (مرتين)، وإجهازه على السلطة البابوية الزمنية مع احترام ~~سلطته الدينية، ومرور جملة من ملوك أوروبا بين يديه في أرفور كأنهم يمرون أمام فاتح ~~العالم، وكان إذا خرج في باريس وجد حديد المدافع التي غنمها يقوم عمودا عظيما في إحدى ~~ساحاتها، وكانت البلدان الموضوعة تحت سلطان فرنسا مباشرة في تلك السنة مقسومة إلى 140 ~~ولاية، وجعلت جنيف وأنفرس وأكس لاشابيل وفلورانس وجنوى وأمستردام تحت إمرة مديرين من ~~الفرنسويين، وهناك الممالك التي كانت تحت إشراف فرنسا أو منتمية إليها إما لأن ~~نابوليون كان واضع أساسها أو نظامها، وإما لأن ملوكها من صنائعه وأقاربه مثل إيطاليا ~~ومملكة نابولي وإسبانيا ووستفاليا، فإن ملوكها كانوا من إخوة نابوليون وأصهاره، ومثل ~~بافاريا وورتمبرج وسكسونيا، فإن نابوليون هو الذي رفعها إلى رتب الممالك المستقلة. كل ~~ذلك من ثمار الانتصارات اللامعة الساطعة التي أدهشت العالم وغيرت خريطته. # أما تأثير تلك الانتصارات والانقلابات في الشعوب من الوجهة الفكرية فلم يكن أقل من ~~تأثيرها في الوجهة المادية، وكل من يعلم أن نابوليون هو ابن الثورة الفرنسوية، وأن ~~أفكاره هي أفكار الذين قاموا بها سنة 1789 وقواعده هي قواعدهم، وأن ارتقاءه إلى عرش ~~الإمبراطورية كان طبقا لإرادة الأمة وضربا من ضروب المبايعة - لا يعجب من وجود الآثار ~~الديمقراطية في نفس تلك الإمبراطورية، ومن كونها تختلف اختلافا كبيرا من هذا الوجه عن ~~الإمبراطورية الروسية أو النمسوية في ذاك الوقت. # إن الملوك المستبدين كانوا يخافون من الآراء الحرة في عهد نابوليون بقدر ما كانوا ~~يخافون سيفه البتار، أليس نابوليون هو الذي جعل موارت ابن الشعب صاحب تاج؟ أليس ms089 نابوليون ~~الذي كان يقول: إن قوتي هي من قوة الشعب، ويهز كتفيه لكل ملك أو سلطان كان يدعي ~~أنه وكيل الله أو ظله على الأرض؟ أوليس نابوليون الذي كان يقول: «إن الشعب هو الذي ~~يهمني لا أرباب الأموال ولا أصحاب القصور.» # وإليك حادثا يدلك على شدة عنايته بعامة الأمة وطبقات العمال: حدث سنة 1811 أن طلائع ~~موسم القمح كانت سيئة، فأخذ نابوليون يشتغل آناء الليل وأطراف النهار ليهيئ غذاء ~~الشعب، ثم جرى حديث بينه وبين الموسيو مونتاليفيه الذي كان يشتغل معه، فقال مونتاليفيه: ~~«سيكون الخبز موجودا ولكنه سيكون غاليا.» فما سمع نابوليون هذا الكلام حتى قفز من ~~كرسيه سخطا وحنقا وقال له: «ماذا تقول؟ أتقول إن الخبز سيكون غاليا؟ لمن نشتغل وبمن ~~نهتم منذ شهرين؟ أتظن أنا نهتم بالأغنياء؟ هؤلاء لا يهمونني؛ لأن من يملك مالا يملك ~~على الدوام خبزا، فإنما همي أن يحصل الشعب على الخبز الرخيص الجيد الوافي، وأن ~~يتمكن العامل من العيش هو وعيلته بأجرة يومه ...» # وما انحصر تأثير الإمبراطورية البونابارتية، «إمبراطورية الثورة الفرنسية» كما لقبها ~~أحد المؤرخين في الشئون السياسية، بل تناول مبدأ الحرية الدينية أحد مبادئ تلك الثورة ، ~~فإن الكاثوليك الألمانيين لم يكونوا قبل عهده متمتعين بحريتهم المذهبية التامة؛ ~~لأن الحكومة الألمانية وسائر أهل النفوذ من البروتستان كانوا يحرجونهم وينظرون إليهم ~~بعين حمراء. # وصفوة القول أن تأثير حكم نابوليون في العالم كان عظيما من الوجوه الحربية والسياسية ~~والأدبية والدينية، وأن الثورة الفرنسوية تمثلت في رجل بدل تمثلها في مئات من النواب، ~~ولا شك في أن مبادئها الدستورية السامية لم تكن بمأمن دائم؛ لأن نابوليون كان ~~إنسانا قابلا للموت، فلما رحل عاد الدستور إلى نظامه الطبيعي بعد التقلب ~~والتراوح. # الفصل الثاني والعشرون # | كيف كان مع أعدائه؟ # لم يكن نابوليون يحمل الحقد ولا يود الانتقام، وحسبنا دليلا سلوكه مع أعدائه ~~المجاهرين والمتنكرين، ونحن نضرب للقارئ هنا بعض الأمثال: ما ارتقى نابوليون إلى عرش ~~الإمبراطورية حتى وقف كارنو أحد رجال الديركتوار في صفوف الحزب المعارض، فلو كان ~~نابوليون ms090 إمبراطورا غشوما كما زعم بعض خصومه لقذف به إلى وهدة العدم، ولكن نابوليون ~~كان إمبراطورا ذا طابع خاص، فصبر عليه، ثم اتفق يوما أن كارنو وقع في ضائقة مالية ~~وأبلغ أمره إلى نابوليون - كما جاء في كتاب لنابوليون نفسه مؤرخ في 17 يونيو سنة 1809 - ~~فاهتم به وأبى مراعاة لكرامته أن ينفحه بشيء على سبيل التعطف والتكرم، بل أمر بأن ~~يدفع له متأخر راتبه كجنرال في الجيش، ثم عين له مرتبا قدره عشرة آلاف فرنك بحجة أنه ~~كان وزيرا قديما. # ولما كان نابوليون قائدا أكبر لجيش إيطاليا في عهد حكومة الديركتوار، أرسلت هذه ~~الحكومة الجنرال كلارك إلى ساحة القتال ليراقب سلوك نابوليون سرا ويتجسس عليه - كما ~~ذكر أرنول في «مذكراته» - فعلم نابوليون بأمره ساعة وصوله ولكنه تعالى عن الإضرار به، ~~ولما غضب ولاة الأمور في باريس على هذا الجنرال، هب نابوليون للدفاع عنه، وكتب إلى ~~وزير الخارجية يقول: «لا أريد أن أبحث لأعلم هل أرسل هذا الجنرال في البدء ليكون جاسوسا ~~علي أو لا، وهب أن هذا الخبر صحيح، فأنا وحدي يحق لي أن أستاء منه، وأنا أجاهر بأني ~~أسامحه.» وبعد مدة أعاد نابوليون هذا الجنرال إلى وظيفته السابقة، ثم عينه سفيرا ثم ~~حاكما لفينا فبرلين، ثم وزيرا للحربية، ولما تزوجت ابنته حباها الإمبراطور بمبلغ من ~~المال. # ولما كان نابوليون بمصر اتضح له أن القائد الشهير دافو كان مواليا لخصومه، فأبى ~~نابوليون أن يلحق به ضررا، ثم أغدق عليه الألقاب والمواهب. # ولما أعلن ارتقاء نابوليون إلى عرش الإمبراطورية أرادت جنود الكولونل موتون أن تهتف ~~للإمبراطور فصاح فيهم الكولونل: «اصمتوا!» فعلم نابوليون وغفر له. # وكان الكولونل «فوا» في مقدمة الذين أبوا الموافقة على الإمبراطورية ومن المتهمين في ~~بعض المؤامرات، ولكن هذا كله لم يحل دون العفو عنه وترقيته بعد مدة إلى رتبة جنرال، ~~وإعطائه عشرين ألف فرنك مكافأة على خدمته في البورتغال. # وكان جوزيف شانيه يسلق نابوليون بألسنة حداد في مقالاته، فعف نابوليون عن ضربه حتى ~~رجع إلى نفسه، فعينه مفتشا ms091 عاما في الجامعة الإمبراطورية ودفع عنه ديونه وعين له ~~مرتبا. # وروى كثيرون من المعاصرين لنابوليون في مذكراتهم كشاتوبريان وفوشيه وتيبودو أن برنادوت ~~اشترك في جميع المؤامرات والمكايد على نابوليون، ومع ذاك كله فإن نابوليون جعله مرشالا ~~أكبر ولقبه بأمير بونت كورفو وحباه بمواهب جمة، وانتهى الأمر بأن جلس برنادوت على عرش ~~أسوج، فلو كان نابوليون لم ينظر إلا مصلحته الخاصة ولم يشأ أن يبعد عنه قائدا بارعا ~~كما قيل، لاكتفى بأن يبقى برنادوت في درجة لا يتعداها، وربما كان الأولى به وبمصلحة ~~فرنسا أن ينهج مثل هذا النهج، فإنه لو فعل لكفى أمته عار زحفه مع أعداء فرنسا بعد ~~مدة. # وقس على من ذكرنا كثيرين ممن لم نذكر، أما قول بعض النقاد أن نابوليون كان يخشى ~~عاقبة التشديد على خصومه، فهو قول واهن؛ لأن نابوليون رأى أوقاتا كان فيها التخلص من ~~أعدائه أسهل عليه من قتل الذبابة، وما كان بالرجل الرعديد ليخشى الفتك، فإن تعنيفه لبعض ~~القواد وطرده لبعضهم وضربه على أيدي أناس من أهل السطوة، كل ذلك دليل كاف على أنه كان ~~قديرا على فعل ما شاء، ولكن طبعه كان يصرفه عن ارتكاب الفظائع في رجاله ويحمله على ~~إصلاحهم حيث كان يرجو الإصلاح والصلاح، ولقد ذهب بعض المؤرخين المدققين إلى أن تطرفه ~~في التسامح وتماديه في الصفح كانا أحد أسباب فشله. وقال أرتور ليفي بعد أن طالع مذكرات ~~أصدقاء نابوليون ومذكرات خصومه أن «العيب الأكبر في خلق نابوليون والسبب التالي إن ~~لم نقل الأول لأكبر فشل أصابه هو أنه لم يظهر إرادة راسخة للمقربين إليه، ولم يضرب بكف ~~من حديد، فيبيد كل مقاومة ظاهرة أو خفية أبداها أولئك الذين أغدق عليهم الثروة وأسبغ ~~عليهم ألقاب الشرف، ولكن نابوليون سلك مع قواده السبيل الذي اتبعه مع إخوته، فكان ~~يضحي بأعلى المصالح شأنا وخطورة على مذبح المبدأ الأدبي ... والواقع أن ذكر خدمة في ~~إيطاليا أو غيرها كان يكفي ليصرف نابوليون عن القسوة، كما جرى للقائد فيكتور حين أراد ~~إبعاده عن الجيش.» ms092 # الفصل الثالث والعشرون # | هل كان نابوليون شجاعا بالمعنى الصحيح؟ # بلغت الجرأة ببعض خصوم نابوليون أن طرح هذا السؤال، وكان السبب في وضعه على بساط البحث ~~حكايتان هاك تفصيل الأولى منهما: لما تنازل نابوليون عن العرش في فونتباو وخرج قاصدا ~~جزيرة ألب التي نوى الاعتزال فيها رأى من عامة الشعب في طريقه عداء شديدا، واجتمع ~~كثيرون من الرعاع حول المركبة التي كانت تقله مع المندوبين الأجانب وأخذوا يسبونه ~~ويلقبونه بالغول الكورسيكي وبالجائر الغشوم، واندفع بعضهم إلى المركبة، فتشبث ~~بدواليبها بينما كان الجبناء لا يجسرون على الاقتراب منها ويكتفون برجمها، وذكر الكونت ~~والدبور أن الخطر أصبح شديدا هائلا، حتى إن حاشية الإمبراطور نابوليون ألحت ~~عليه في وجوب تغيير زيه اتقاء لجناية قبيحة، فوافقها نابوليون ولبس ملابس أحد ~~الخدام الذين كانوا يسيرون أمامه، ثم أخذ يعدو أمام المركبة، فأي إنسان تحت ~~السماء رأى هذا التناقض العجيب في حياته؟ إن الذي قاد الجيوش في أوروبا وآسيا ~~وأفريقيا، ودخل مئات البلدان ظافرا منصورا، وقهر من الأعداء أضعاف أضعاف جيشه، وكانت ~~الملوك تلتف حوله كالأتباع وتعد كل لحظة من لحظاته، اضطر إلى التنكر بزي خادم وإلى ~~الركض أمام مركبة حراسه ليأمن شر الزمر الهائجة من شعبه! ... # هذا هو الحادث الذي أسال المداد على بعض الطروس، فبقي أن ننظر هل تنكر نابوليون عن ~~جبن ونذالة؟ # كلا! إن العاطفة التي مالت به إلى التنكر هي التي تميل بكل إنسان إلى التستر أو ~~الاختفاء حين يرى ذئابا أو كلابا هائجة تريد عضه ونهشه. وليست الشجاعة أن يقذف المرء ~~بنفسه إلى الإهانة والتهلكة بلا نفع ولا جدوى، وإن رجلا قاد الجيوش بنفسه واستهدف ~~للقنابل والرصاص في ستمائة وقعة وخمس وتسعين معركة كبيرة، والإمبراطور الذي فضل ~~المعسكر على قصر التويلري، وفتح صدره بعد رجوعه من جزيرة ألب للجنود الذين أرسلوا لمنعه ~~من دخول باريس وقال لهم: «من منكم يريد إطلاق الرصاص على إمبراطوره فليفعل.» لا يصح أن ~~توضع شجاعته موضع البحث، وجل ما يقال فيها أنها الشجاعة المقرونة بالرأي والعرفان، ~~والبسالة ms093 اللائقة بعقل الإنسان، وربما صح أن يقال فوق ما تقدم أن ضغط الحوادث الأليمة ~~حال بين نابوليون وبين استنباط طريقة أخرى أفضل من التنكر في زي خادم والسير أمام ~~المركبة، ولكن هذا النقد الوجيه لا يكفي لجعل بسالة ذاك البطل الخالد محلا للمظنة ~~ومدعاة للريبة. ~~••• # أما الحكاية الثانية فهي أن نابوليون فكر بعد معركة واترلو في الانتحار تخلصا من ~~إهانة النفي والأسر، ثم عدل عن هذا الرأي ورضي بالعيش في جزيرة قاحلة، واحتمل فظاظة رئيس ~~حراسه وحرمانه من رؤية ابنه وفلذة كبده، فأجاز بعضهم لنفسه أن يحسب تفضيل هذا العيش ~~المر على الانتحار ضربا من ضعف القلب، ولكن نابوليون قال شيئا يوضح لنا سر نكوصه ~~«وهو أن كل إنسان في هذا المعمور خلق لأمر يقوم به، فيجب أن يبقى حيا ليتمه إلى ~~آخره»، ثم إن نابوليون كان على رأي العلماء البسيكولوجيين الذين يقولون إن إقدام المرء ~~على الانتحار خوفا من ضيق العيش أو احتمال التعب هو ضعف في النفس وجبن في القلب، والرجل ~~الحزوم هو الذي تكون همته أقوى من كل المصاعب والمتاعب التي تحيق به. # وزد على ما تقدم أن نابوليون فكر في الانتحار يوم كان مبحرا إلى جزيرة القديسة ~~هيلانة، وفي ذاك اليوم كان أمله بحسن المعاملة لم ينقطع، وبقي على هذا الأمل إلى ما قبل ~~موته بمدة. # أجل، إن نابوليون عمد إلى الانتحار بعد ما رآه من خيانة المارشال مارمون ونفور القواد ~~الذين أسبغ عليهم النعم، ولكن إقدامه على الانتحار في ذاك الوقت كان ضربا من كره ~~الحياة لما رآه من الانحطاط الإنساني، لا جبنا ولا خوفا من مصاعب شامخة، وسيرى القارئ ~~خلاصة ما جرى وقتئذ. # الفصل الرابع والعشرون # | طالع النحس # أفل نجم السعد وطلع طالع النحس على نابوليون منذ أخذ قواده الذين أسبغ عليهم العطاء ~~ونهض بهم إلى أوج الشرف والعلاء يعارضونه في أوامره، ولقد بدأ نابوليون يشعر بتقاعد ~~أولئك القواد منذ سنة 1809 ويخشى مغبته، وروى الجنرال راب أن نابوليون قال في مأدبة ~~أقيمت سنة ms094 1812 أمام مورات وبرتييه وغيرهما: «إن ملك نابولي - أي مورات - لا يريد ~~الخروج من قصره الجميل، وبرتييه يريد الصيد والقنص في جروبوا، وراب لا يروق له إلا ~~البقاء في منزله البديع في باريس.» وقال مرة أخرى أمام برتييه: «أنتم رؤساء أركان الحرب ~~تعدون نفوسكم أرباب شأن وأهمية ... إني جعلتكم سادة عظماء فأخذتم تتملقون بلاط النمسا.» ثم ~~قال لكولنكور دوق دي فيسانس: «ألا ترى يا كولنكور ما يجري؟ إن الذين غمرتهم بالنعم ~~يريدون أن يتنعموا ويأبون أن يقاتلوا، إلا أن هؤلاء المساكين لا يشعرون بأنهم ما زالوا ~~في حاجة إلى القتال للحصول على الراحة الأكيدة التي يتوقون إليها، أفلا يرون أني أملك ~~مثلهم قصرا وأن عندي زوجة وولدا؟ أو لا يرون أني أنهك صحتي بضروب المتاعب وأستهدف ~~للخطر من أجل الوطن؟ يا لنكران الجميل!» # وكان نابوليون يعرف أن الدواء الوحيد لذاك الداء إنما هو إبعاد الذين وهنت عزائمهم ~~وأبوا إلا التمتع في بحبوحة النعماء، ولكنه لم يكن يرغب في إلحاق العار بهم بعد ما ~~شاركوه في النصر، وكانوا ساعده الأيمن في نيل الفخر. # وليس هناك ريب في أن رغبة أولئك القواد العظام في الراحة والسلام حملتهم مرارا على ~~مقاومة نابوليون وبلغت بأحدهم أن أفهم العدو ميله إلى الصلح، ومما يذكر في هذا الصدد أنه ~~لما اجتمع نابوليون والوزير مترنيخ في درسد للنظر في أمر الصلح قال المارشال برتييه ~~لمترنيخ نفسه: «لا تنس أن الجيش بل فرنسا كلها تريد السلم»، في حين أن مصلحة نابوليون ~~وفرنسا كانت تقضي بأن يخفي هذا الشعور أمام عدوه، ولما أخذ نابوليون يظهر القوات التي ~~كان في وسعه أن يحشدها، وبدأ يطنب في أمرها جريا على عادته، التفت إليه مترنيخ وقال: ~~«إن الجيش نفسه يريد الصلح»، فجرح هذا الجواب فؤاد نابوليون وقال: «كلا ... إن الجيش لا ~~يريد الصلح، ولكن قواد الجيش يريدونه.» # وكان أولئك القواد كلما آنسوا ضعفا في معاملة نابوليون لهم، ازدادوا جسارة ووقاحة ~~عليه، ومع هذا كله فإن تذكار الماضي أبى عليه أن يترك طريق ms095 التساهل والتسامح، فصار ~~يشاورهم في الأمور الحربية ويضيع شيئا فشيئا ثمرة عبقريته السامية، ولما زحف نابوليون ~~إلى روسيا سنة 1812 كان أولئك القواد يناقشونه الآراء والمسائل ويضطرونه في كثير من ~~الأحيان إلى التسليم بآرائهم، وفي سنة 1813 عدل عن الزحف إلى برلين استسلاما إليهم ~~واشتبك في معركة ليبزيك التي كانت شؤما ووبالا عليه، وانتهت به الحال إلى أن قال ~~للمارشال ماكدونالد: «إني أصدرت الأوامر فلم يسمعوها، وأردت أن أجمع البحارة مع حرس من ~~الفرسان فلم يأت أحد.» ولذلك قال البارون «فين» معتمدا على أقوال الجنرال جورو: «إنه ~~لو اعتمد نابوليون على نفسه وحدها لاتقى فشلا كبيرا.» # ولما رأى نابوليون أن جنود التحالف الأوروبي أخذوا يهددون فرنسا، قرر أن يسترجع سلطته ~~وهيبته لدى قواده، قرر أن لا يسمح لهم بتعديل آرائه الحربية، وكان من مزاياه أن حزمه ~~يتعاظم بتعاظم الخطوب والكروب، وهاك ما كتبه إلى القائد أوجيرو: # إذا كنت أوجيرو الذي عرفناه في كاستيليوني فلتبق القيادة لك، أما إذا كانت ~~الستون سنة تثقل عاتقك وتضعف من همتك فاترك القيادة لأقدم جنرال من ضباطك، فإن ~~الوطن مهدد ومحفوف بالمخاطر لا ينقذه إلا الجسارة والإرادة الحسنة ... قم إذن ~~وافتح صدرك للرصاص في الطليعة. # وكتب أيضا: «أبلغوا الجنرال ديجون أني مستاء أشد الاستياء من طريقة استخدامه ~~للبطاريات، وأن جميع المدافع كانت في حاجة إلى القنابل الساعة الثالثة بعد ظهر أمس؛ لأنه ~~أبقى الذخيرة بعيدة عن البطاريات، وأخبروه أن ضابط المدفعية يستحق الموت إذا ترك مدافعه ~~بلا ذخائر.» وقس على ما تقدم كثيرا من الملحوظات الشديدة. # ولقد أحدث هذا الحزم في المعارك المعروفة بمعارك فرنسا ما كان يحدثه في أوائل عهده، ~~فتعالت همة جنوده، وفعل في تلك المعارك بجيش صغير ما أدهش أوروبا كلها التي كانت متحالفة ~~عليه. # على أن كثرة الأعداء وقلة إخلاص الرؤساء اضطره إلى التقهقر بعد أعمال لا يزال النقاد ~~الحربيون يعدونها أسطع دليل على مواهبه العقلية السامية وعبقريته الحربية العظيمة، وعلى ~~أثر هذا الفشل قرر أن يتنازل، وجمع قواده في فونتنبلو ms096 حيث جرى الوداع التاريخي الشهير ~~قبل سفره إلى جزيرة ألب واعتزاله فيها، وقد رأى نابوليون الخيانة ممثلة في شخص المارشال ~~مارمون الذي اتفق مع أعدائه، كما رأى الوقاحة ونكران الجميل ممثلين في جملة من قواده ~~الذين غمرهم بنعمائه، فإن هؤلاء القواد الذين رفعهم نابوليون من الحضيض إلى أسمى المناصب ~~لم ينبسوا بكلمة تدل على عطف أو أسف، بل قالوا له بلسان المارشال ماكدونالد الذي ~~أنابوه عنهم في الكلام: «كفانا ما جرى ...» وقال له المارشال ناي: «يجب أن تكتب وصيتك فقد ~~خسرت ثقة الجيش ...» ولما غضب نابوليون من هذا الكلام وقال له: «إن الجيش لا يأبى الطاعة ~~في عقابك». أجابه ناي بوقاحة: «لو كان لك سلطان لما كنت أمامك الآن.» # وبعد أن مر المارشالية كلهم، استولى على نابوليون سخط شديد من تلك الإهانة وصاح ~~قائلا: «إن هؤلاء الناس ليس لهم قلوب ... إن ما أظهره رفاقي في الجيش من حب الذات ~~ونكران الجميل بلغ مني ما لم يبلغه سوء الطالع.» ثم تعاظم في نظره هذا الانحطاط الإنساني ~~وكره الدنيا وما فيها، وأراد أن يسم نفسه، فأخذ برشامة مملوءة من السم كان يعلقها في ~~رقبته منذ سنة 1808 حتى إذا وقع في أيدي أعدائه وعمدوا إلى تعذيبه أخذها وودع الدنيا، ~~ولكن الطبيب ما لبث أن جاء مسرعا عند ظهور أعراض السم فأنقذه، ولما أفاق قال لكولنكور: ~~«لم يشأ الله أن أموت! ... وليس فقدي للعرش بالسبب الذي جعل حياتي لا تطاق، فإن أعمالي ~~الحربية تكفي لمجدي، أتدري أي شيء أصعب على النفس من سوء الطالع؟ أتدري أي شيء يفطر ~~القلب؟ هو الانحطاط الإنساني ونكران الجميل إلى حد هائل ... هو الذي جعلني أكره الحياة ~~وأنفر منها.» ~~••• # ثم سافر نابوليون إلى جزيرة ألب بين مظاهر العداء التي قام بها العامة، وفي 3 مايو من ~~تلك السنة أي سنة 1814 ارتقى إلى العرش لويس الثامن عشر البوربوني، وفي 4 يونيو أعلن ~~دستوره، على أن ارتقاء هذا الملك على أيدي الأعداء الذين غزوا فرنسا، لم يلبث أن صار ms097 ~~موضوع الكره والانقباض، ولا سيما أن المهاجرين عادوا مع الملك الجديد، وأخذوا يحاولون ~~تقويض ما صرفت فرنسا في سبيله خمسا وعشرين سنة، وما قاتلت من أجله أوروبا كلها، وبلغت ~~الوقاحة بجماعة منهم أن حطوا من شأن الانتصارات العظيمة التي كللت جبين فرنسا على يد ~~نابوليون، وكأنما الدهر أبى إلا أن يعاقب أولئك القواد العظام على سوء سلوكهم مع ~~نابوليون في أواخر عهده، فقرر الملك الجديد إبعادهم، وتعيين شبان ليس لهم إلا شرف ~~المحتد بدلا منهم، وأشد ما أدمى عيون أولئك الأبطال أنهم أخذوا يرون «وسام الشجعان» ~~يعطى يمينا وشمالا مع إنهم لم ينالوه إلا بعد ما استهدفوا ألف مرة للموت، وأشد من ~~كل ما تقدم أن جماعة من الذين حاربوا تحت رايات الأعداء نالوا حسن الجزاء، وأن الحكومة ~~الملكية الجديدة تنازلت للمتحالفين عن 58 موقعا حصينا و1200 مدفع و42 سفينة لا يقل ~~ثمنها عن مليار ونصف، وما انقضى العام على الملك الجديد حتى ظهر الاستياء العام في مظهر ~~شديد. # وفي تلك الأثناء كان نابوليون مستلما إدارة الجزيرة، فما مضت بضعة أشهر حتى ظهرت آثار ~~الإصلاح في أبهى مظاهرها، وشعر أهل الجزيرة بأن يدا جديدة مصلحة أخذت تعمل وفكرا ~~سديدا أخذ ينتج، فمن إصلاح الطرق إلى إصلاح التعليم إلى إنهاض التجارة والصناعة وغيرها ~~حتى عمت تلك الروح جميع أنحاء الجزيرة. # وكان نابوليون في الوقت ذاته يستطلع طلع فرنسا، ويتنسم أخبارها من وراء البحر، فعلم أن ~~سخط الأمة من الحكم الملكي الجديد أخذ يشتد ويتفاقم؛ لأن الحكومة عمدت إلى الإرهاب ~~فنشرت الجواسيس في كل جهة وصوب لاكتشاف الذين أقاموا على حبهم للعهد البونابارتي، أو على ~~كرههم للأعداء الذين دخلوا فرنسا وأجلسوا الملك البوربوني على العرش. # فلما رأى نابوليون تلك الحال قرر ترك الاعتزال، وفي 26 فبراير سنة 1815 أبحر من الجزيرة ~~مع جملة من رجاله القدماء على المركب «أنكونستان» عائدا إلى فرنسا، وبينما كان مبحرا ~~أبصرته البارجة زفير، فتقدمت نحوه للاستيضاح، ولما أبصرت راية جزيرة ألب سألت عن ~~نابوليون فأجاب نابوليون نفسه: ms098 «إنه على ما يرام.» # وفي أول مارس سنة 1815 نزل نابوليون إلى الأرض الفرنسوية من جهة خليج دون جوان وأصدر ~~إلى فرنسا منشورا قال فيه: # أيها الفرنسويون، إن ما تقرر بلا رضاكم لا يعد شرعيا، ويا أيها الجنود، ~~أترضون أن تقيد نسورنا بأيدي الذين قضوا خمسة وعشرين عاما وهم يطوفون في ~~أنحاء أوروبا؛ ليثيروا علينا الأعداء، والذين حاربوا الفرنسويين تحت الرايات ~~الأجنبية؟ فهيا إذن إلى رئيسكم واجتمعوا تحت لوائه، فإن وجوده من وجودكم، ~~وحقوقه ليست إلا من حقوق الأمة وحقوقكم، ومصلحته وشرفه ومجده ليست إلا ~~مصلحتكم وشرفكم ومجدكم، إن النصر سيأتي على جناح السرعة، والنسر الإمبراطوري ~~بألوانه الوطنية سيطير من قبة جرس إلى أخرى حتى يبلغ نوتردام. # ثم واصل نابوليون السير بعد هذا المنشور، فلم ير حائلا يحول دون تقدمه حتى صار على ~~مقربة من مدينة جرينوبل، فوجد هناك ألايا من الجند أمرته الحكومة بأن يسد الطريق عليه، ~~فما كان من بطل أوسترليتز إلا أن نزل عن جواده وتقدم نحو الجنود فاتحا صدره وقال لهم: ~~«أبينكم من يريد قتل إمبراطوره؟» فحولت الجنود سلاحها وصاحت بصوت طبق عنان السماء: ~~«ليحي الإمبراطور»، ثم أخرجت الشارات المثلثة الألوان التي كانت تخفيها في جيوبها ~~وسارت مع نابوليون، ولما وصل إلى جرينوبل أخذ أهلها يفتحون الأبواب بأيديهم، ثم تقدم ~~نابوليون إلى ليون واستولى فيها على السلطة الفعلية، فلما طار الخبر إلى الملك انخلع ~~قلبه رعبا ودعا إليه المارشال ناي وكلفه أن يذهب بقوة كافية لصد نابوليون، فوعد ~~المارشال «بأن يأسر المغتصب» كما قالوا، ثم زحف بالجند إليه فما أبصره ونظر إلى قبعات ~~حرسه التي ذكرته بألف نصر حتى اغرورقت عيناه بالدموع وتهافت بين ذراعي نابوليون فضمه ~~إلى قلبه، وعاد الجيش الذي أرسله الملك البوربوني لأسر نابوليون حرسا فخما له، واضطر ~~لويس الثامن عشر إلى الهرب خوفا على عنقه، وفي 20 مارس دخل نابوليون قصر التويلري بدون ~~أن يطلق رصاصة واحدة على فرنسوي. # ولما استوى على سدته العالية حل القيود التي قيد بها لويس الثامن عشر ms099 أرباب ~~الأقلام، وأعاد للأمة برلمانها الذي كان مؤلفا من مجلسين أحدهما انتخابي والثاني إرثي، ~~وأقام حفلة عظيمة للدستور حضرها الشعب الباريسي كله ووافق على ما تم بغالبية 1500000 ~~صوت ضد 4300 صوت. # أما أوروبا فقد اهتزت من أقصائها إلى أقصائها لذاك الحادث الخطير؛ لأن ملوكها كانوا ~~يرون رجوع نابوليون بمثابة رجوع المبادئ التي قررتها الثورة، والتي حاولوا إلغاءها في ~~فرنسا نفسها بعد اعتزال نابوليون في جزيرة ألب، ويعتقدون أن السلم العام سيبقى مضطرب ~~الحبل مع وجود ذاك القسور المغوار. # أما نابوليون فلم يضع وقته بين مظاهر الاحتفاء والاحتفال، بل أخذ ينظم جيشه بهمة ~~شماء، وما ظهر التحالف الأوروبي الجديد حتى كان لديه 160 ألف رجل فسيرهم للقاء جنود ~~المتحالفين ليقاتل فريقا بعد فريق، فيتمكن من قهر كل قسم منهم على حدة، ولقد كانت ~~الدلائل كلها تعزز أمله، فإن جيشه قهر أولا البروسيين في 16 يونيو سنة 1815 عند ~~فلوريس وليني، ثم التفت إلى مقاتلة الإنكليز بعد أن وكل إلى القائد جروشي أن يواصل ~~مطاردة البروسيين، ثم ينضم إليه للإجهاز على الجيش الإنكليزي، ولقد تغلب نابوليون على ~~الإنكليز من جهة الميمنة، وأمر أخاه جيروم بأن يأخذ عنوة غابة هوجومون، فاستولى عليها، ~~ثم أخرج المارشال ناي الإنكليز من سان جان بعد استيلائهم عليها، واخترق الفرسان ~~الفرنسويون المربع الإنكليزي، فخيل إلى الجنرال ولنجتون الإنكليزي أن جناح النصر خفق ~~مع جناح النسر الفرنسوي، وإنهم لعلى تلك الحال إذا بغبار يملأ الفضاء ورصاص يصفر في ~~الهواء فقال الفرنسويون: «جروشي ... جروشي» ثم اتضح لسوء طالعهم أنه بلوخر البروسي، فأخذت ~~الجنود الفرنسوية تقول: «إن جروشي خائن.» وتزعزعت قوتها المعنوية، فعندئذ استل ~~نابوليون سيفه وتقدم إلى صفوف الأعداء وتبعه أخوه جيروم، ولكن قواده أحاطوا به وأجبروه ~~على الذهاب من طريق جيناب. # وفي تلك الساعة؛ أي الساعة الثامنة مساء، وقع الحادث الحربي العظيم وهو دخول الحرس ~~الإمبراطوري قلب المعمعان، فإن أربع أورط منه ألفت مربعا وأخذت تقاوم جيوش الأعداء ~~فكان كل جندي منها يقاتل ثلاثين، حتى فنيت ولم يبق ms100 منها إلا واحد مع القائد كامبرون، ~~فأوعز إليه القائد الإنكليزي بأن يسلم فأجاب كامبرون ذاك الجواب التاريخي: «إن الحرس ~~يموت ولا يسلم.» وأكد بعض المؤرخين أن جماعة منهم انتحروا حتى لا يعيشوا بعد هذا ~~الفشل. # أما بقية الحرس الذي كان تحت إمرة المارشال لوبو، فاستمرت تقاتل من جهة أخرى حتى مكنت ~~بقية الجيش الفرنسوي من التقهقر، ومما يذكر هنا أن البروسيين أظهروا فظاعة لطخت شرفهم ~~العسكري بالعار، عندما أسروا بقية أولئك الأبطال، فإنهم أهانوا المارشال لوبو أبلغ ~~إهانة، وذبحوا الجنرال فاندام وجملة من الضباط. # ولقد أجمع النقاد الحربيون على أن الخطة الحربية التي وضعها نابوليون في تلك المعركة ~~المعروفة بمعركة واترلو - لحدوثها عند قرية واترلو - كانت أقوى دليل على سمو فكره وصدق ~~نظره وأصالة رأيه، ولكن سوء الطالع الذي تمثل في خطأ جروشي أجهز عليه وذهب بحظه ~~الأسعد. ~~••• # ولما عاد نابوليون إلى باريس رأى من النواب عداء ونفورا، فقرر أن يتنازل لابنه ~~ولقبه بنابوليون الثاني، ولكن مجلس النواب أبى أن يعترف به، فقرر عندئذ أن يترك ~~فرنسا ويسافر إلى أمريكا، فلم يسمح له المتحالفون بالمرور، ولما سد أمامه كل طريق ~~ذهب إلى البارجة الإنكليزية بياورفون وسلم إلى ربانها، وكتب إلى الوكيل الملكي يخبره ~~بالعدول عن السياسة ويطلب البقاء تحت رعاية القوانين الإنكليزية. # ولكن الحكومة الإنكليزية أبت مع حلفائها إلا نفي نابوليون إلى جزيرة القديسة هيلانة، ~~حيث قضى بقية حياته بعيدا عن ابنه ووحيده، «فرخ النسر» الذي نشرنا حكايته الأليمة في ~~«الهلال». # وفي 15 ديسمبر سنة 1840 دوت المدافع في باريس على مسمع من الملايين المحتشدة، وظهر ~~موكب فخم لم تر العيون أعظم منه هيبة وجلالا، وما وصل هذا الموكب تحت قوس النصر حتى ~~سمعت الملايين بكاء هو أقرب إلى زئير الأسود المتألمة منه إلى النوح والإعوال، أولئك هم ~~بقية الجيش الأعظم يبكون ويستبكون عند رؤية قائدهم وإمبراطورهم راجعا على آلة حدباء إلى ~~عاصمته، حيث يرقد الرقدة الأبدية وبجانبه السيف الذي كان يتقلده في معركة ~~مارنجو. # | أسرة بونابارت # في سنة 1764 ms101 تزوج شارل بونابارت - والد نابوليون - المولود في أجاكسيو سنة 1746، ~~والمتوفى في مونبليه سنة 1785، لتيتيا رامولينو المولودة في أجاكسيو سنة 1750، والمتوفاة ~~في روما سنة 1836، فرزق الزوجان ثلاثة عشر ولدا، بقي ثمانية منهم أحياء؛ خمسة فتيان ~~وثلاث بنات، وهم: ~~(1) # جوزيف، بكر العائلة: ولد في كورتي ~~سنة 1768 وتوفي في فلورنسا سنة 1844، وقد عين ملكا على نابولي ~~1806-1808، وعلى إسبانيا 1808-1813، وتزوج جوليت كلاري في 17 أغسطس سنة ~~1794، ومن زواجه هذا رزق ابنتين: ~~(أ) # زينايد شارلوت جولي: ولدت في باريس سنة 1801 وتوفيت في ~~نابولي سنة 1854، تزوجت سنة 1832 بشارل ابن لوسيان ~~بونابارت. ~~(ب) # شارلوت: ولدت في باريس سنة 1802 وتوفيت في سارزان سنة ~~1839، تزوجت سنة 1831 نابوليون لويس ابن لويس ~~بونابارت. ~~(2) # نابوليون، إمبراطور الفرنسويين: ولد ~~في أجاكسيو في 15 أغسطس سنة 1769، وتزوج سنة 1795 جوزفين تاشر دي ~~لاباجري أرملة الجنرال دي بوهارنيه، وقد كان لجوزفين من زوجها الأول ~~ولدان هما: ~~(أ) # أوجين: ولد في باريس سنة 1781، وتوفي في مونيخ سنة ~~1824، وكان نائب الملك في إيطاليا. ~~(ب) # هورتنس: تزوجت سنة 1802 لويس بونابارت شقيق ~~نابوليون. # وتزوج نابوليون مرة ثانية سنة 1810، بالأرشيدوقة ماري ~~لويز ابنة إمبراطور النمسا المولودة في «فينا» سنة ~~1791 والمتوفاة سنة 1847، ومن هذا الزواج ولد ابن واحد ~~هو: فرنسوا شارل جوزيف نابوليون ملك روما، ولد في باريس ~~في 20 مارس سنة 1811، وتوفي في «فينا» في 22 يوليو ~~سنة 1832. ~~(3) # لوسيان: ولد في أجاكسيو سنة 1775، ~~وتوفي في فيترب سنة 1840، تزوج أولا كريستين بوايه ورزق ابنتين هما: ~~كريستين وشارلوت. # وفي سنة 1800 تزوج ثانيا ألكسندرين دي بليشان ورزق منها تسعة أولاد ~~وهم: شارل، ولتيتيا، وجان، وبول ماري، ولويس لوسيان، وبيار، وأنطوان، ~~وألكسندرين، وكونستانس. # ورزق بيار ولدين: جان ماركيزة فيلنوف 1861-1911، ورولان المولود سنة ~~1858، وهو عالم وعضو في المعهد الفرنسي، ويعرف باسم البرنس رولان ~~بونابارت، ولا يزال حيا. ~~(4) # لويس: ولد في أجاكسيو سنة 1778، وتوفي ~~في ليفورن سنة 1848، تزوج سنة 1802 هورتنس ابنة جوزفين ورزق منها ~~ثلاثة أولاد وهم: ~~(أ) # نابوليون شارل 1802-1807. ~~(ب) # نابوليون لويس ms102 1804-1831، تزوج سنة 1827 شارلوت ابنة عمه ~~جوزيف. ~~(ج) # لويس نابوليون المولود سنة 1808، وهو الذي أصبح إمبراطور ~~الفرنسويين وعرف بنابوليون الثالث، توفي في شيزلهرست ~~سنة 1873. # وتزوج الإمبراطور نابوليون الثالث في سنة 1855، أوجيني ~~دي مونتيجو كونتس تيبا فرزق ولدا واحدا هو: نابوليون ~~أوجين لويس جان جوزيف الملقب بالبرنس الإمبراطوري، ولد ~~في باريس سنة 1856، وقتل في زولولند سنة 1879 متطوعا في ~~الجيش الإنكليزي. ~~(5) # جيروم: ولد في أجاكسيو سنة 1784، ~~وتوفي في فيليجنيس سنة 1860 وهو ملك وستفاليا. # تزوج أولا إليزا باترسن سنة 1803، فرزق ولدا سمي جيروم ~~1805-1870. # وتزوج ثانيا بعد طلاق امرأته الأولى كاترين أميرة ورتمبرج سنة 1807، ~~فرزق ثلاثة أولاد وهم: جيروم نابوليون، وماتيلد، ونابوليون «المعروف باسم ~~البرنس نابوليون». # وتزوج البرنس نابوليون سنة 1859، كلوتيلد ابنة ملك إيطاليا فيكتور ~~عمانوئيل الأول فرزق ثلاثة أولاد وهم: # لتيتيا المولودة سنة 1866، امرأة دوق أوستة. # نابوليون لويس المولود سنة 1864، وهو جنرال في الجيش ~~الروسي. # ونابوليون فيكتور المولود سنة 1862، وهو البكر، وقد نفي ~~من فرنسا سنة 1886، وهو الآن رئيس أسرة بونابارت، ويعرف ~~باسم البرنس فيكتور، وقد تزوج سنة 1910 البرنسس ~~كليمنتين ابنة ملك البلجيك السابق. ~~(6) # إليزا: ولدت في أجاكسيو سنة 1877 ~~وتوفيت في تريستة سنة 1820، تزوجت ضابطا كورسيكيا اسمه فليكس ~~باكيوتشي سنة 1797، وفي سنة 1809 لقبت بغراندوقة توسكانا، ولها ولدان: # نابوليون إليزا 1806-1869. # شارل جيروم 1810-1830. ~~(7) # بولين: ولدت في أجاكسيو سنة 1780 ~~توفيت في فلورنسا سنة 1825، تزوجت أولا الجنرال لكلرك سنة 1801، وبعد ~~أن ترملت تزوجت سنة 1803 البرنس بورجيز ولقبت دوقة ~~جواستالا. ~~(8) # كارولين: ولدت في أجاكسيو سنة 1782 ~~توفيت في فلورنسا سنة 1839، تزوجت الجنرال مورات سنة 1800 وأصبحت معه ~~ملكة نابولي، وقد رزقت منه ولدين: # نابوليون أشيل 1801-1841، وكان كاتبا. # ونابوليون لوسيان شارل 1803-1878، وكان عضوا في مجلس ~~الشيوخ في عهد الإمبراطورية الثانية، وقد رزق ثلاثة ~~أولاد وهم: جواشيم نابوليون مورات 1834-1901، وأشيل ~~نابوليون مورات 1847-1895، ولويس نابوليون مورات المولود ~~في باريس سنة 1851، وقد رزق جواشيم نابوليون ابنتين ~~وابنا هو البرنس جواشيم مورات المولود سنة 1856. ms103