######OpenITI# #META# URI: 1343YusufBustani.TarikhHarbBalqanUla.Hindawi15395746 #META# Tags: history #META# ID: 15395746 #META# Title: تاريخ حرب البلقان الأولى: بين الدولة العلية والاتحاد البلقاني المؤلف من البلغار والصرب واليونان والجبل الأسود #META# AuthorID: 39030463 #META# Author: يوسف البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # كلمة أخرى في تأليف هذا الكتاب‏ # أسباب الحرب البلقانية‏ # معاهدة برلين وعلاقتها بالحرب البلقانية‏ # تحالف دول البلقان وكيف كان‏ # مرسح السياسة قبل إعلان الحرب‏ # إعلان الحرب‏ # حصار أدرنه وسقوطها‏ # معارك الجيش الصربي والجيش العثماني الغربي‏ # زحف الجيش اليوناني ومعاركه‏ # حصار يانيه وسقوطها‏ # معارك العثمانيين والجبليين‏ # المعارك البحرية‏ # باب الفظائع‏ # الصحافيون بين النار والحديد‏ # تأثير الفشل العثماني في العالم الإسلامي‏ # أسباب الفشل العثماني‏ # مرسح السياسة‏ # منازع الدول العظمى ومؤتمر السفراء‏ # نتائج الحرب من الوجهة السياسية‏ # المذكرات الحربية لمحمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث‏ # حديث مع الأمير عزيز باشا حسن أحد القواد العثمانيين‏ # الحرب الثانية بين البلقانيين أنفسهم‏ # زحف الجيش الروماني إلى بلغاريا‏ # استرجاع أدرنه ومعظم تراقيه‏ # معاهدة الأستانة‏ # قيمة البلدان التي خسرتها الدولة العلية‏ # أفضل الوسائل لإنهاض السلطنة‏ # ملحوظات‏ # كلمة المؤلف‏ # كلمة أخرى في تأليف هذا الكتاب‏ # أسباب الحرب البلقانية‏ # معاهدة برلين وعلاقتها بالحرب البلقانية‏ # تحالف دول البلقان وكيف كان‏ # مرسح السياسة قبل إعلان الحرب‏ # إعلان الحرب‏ # حصار أدرنه وسقوطها‏ # معارك الجيش الصربي والجيش العثماني الغربي‏ # زحف الجيش اليوناني ومعاركه‏ # حصار يانيه وسقوطها‏ # معارك العثمانيين والجبليين‏ # المعارك البحرية‏ # باب الفظائع‏ # الصحافيون بين النار والحديد‏ # تأثير الفشل العثماني في العالم الإسلامي‏ # أسباب الفشل العثماني‏ # مرسح السياسة‏ # منازع الدول العظمى ومؤتمر السفراء‏ # نتائج الحرب من الوجهة السياسية‏ # المذكرات الحربية لمحمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث‏ # حديث مع الأمير عزيز باشا حسن أحد القواد العثمانيين‏ # الحرب الثانية بين البلقانيين أنفسهم‏ # زحف الجيش الروماني إلى بلغاريا‏ # استرجاع أدرنه ومعظم تراقيه‏ # معاهدة الأستانة‏ # قيمة البلدان التي خسرتها الدولة العلية‏ # أفضل الوسائل لإنهاض السلطنة‏ # ملحوظات‏ # | تاريخ حرب البلقان الأولى # | تاريخ حرب البلقان الأولى # | بين الدولة العلية والاتحاد البلقاني المؤلف من البلغار والصرب واليونان والجبل ~~الأسود # تأليف # يوسف البستاني # جلالة السلطان محمد الخامس. # الأمير يوسف عز الدين أفندي ولي عهد السلطنة العثمانية. # كامل باشا الذي خلف مختار باشا بعد كارثة قرق كليسا. # مختار باشا الغازي الذي كان صدرا أعظم يوم إعلان الحرب. # بطرس ملك الصرب. # محمود ms001 شوكت باشا الاتحادي الذي خلف كامل باشا بعد حادثة الأستانة. # أنور بك الذي قلب وزارة كامل باشا. # عبد الله باشا قائد الجيش العثماني في تراقيه. # ناظم باشا الذي كان وزيرا للحربية وقتل يوم إسقاط وزارة كامل ~~باشا. # فردينان ملك البلغار. # ملك الجبل الأسود. # إسماعيل كمال بك رئيس الحكومة الألبانية المؤقتة. # الكونت برشتول وزير خارجية النمسا الذي أصر على طلب استقلال ألبانيا ~~فوافقته الدول. # وهيب بك الذي تولى قيادة حامية يانيا. # أسعد باشا قائد حامية أشقودره الذي نودي به ملكا في بعض مدن ~~ألبانيا. # أحمد رضا بك. # طلعت بك. # حسين جاهد بك. # جاويد بك. # وجميعهم من كبار الاتحاديين. # محمود مختار باشا الذي اشتهر بقيادة الفيلق الثالث وجرح في ~~جتالجه. # | كلمة المؤلف # إن كان هذا الكتاب لا يعد تاريخا بالمعنى الجامع لكل أشراط التاريخ، فهو - على الأقل ~~- معرض حوادث صحيحة غيرت وجه الشرق، وراعت قلب الغرب، حاولت - ولا أدري هل أنا مفلح - أن ~~أوقف المطالع على أسبابها وتفاصيلها ونتائجها على نمط يتمثل به الأحوال التي دارت بتلك ~~الحوادث العظمى، فيتأثر بمؤثراتها، ويدهش بمدهشاتها، ويعتبر بعبرها وتقلباتها، وكأني ~~بالقارئ عند مطالعة هذا الكتاب يسمع من خلال سطوره قصفات المدافع وصفير الرصاص وأنين الجرحى ~~وعويل الألوف من الشيوخ والنسوة والأطفال الأبرياء الذين جنت عليهم همجية البشر في هذا ~~القرن العشرين الملقب بقرن النور والمدنية، ثم يرى ما أتته تلك الدول العظمى - التي يجب ~~أن تكون قدوة جميلة للدنيا - من التقلب والتلون والمخاتلة والمخادعة ونكث العهد، ونبذ ~~الوعد. # أما إخواني العثمانيون فلا أشك أنهم يفرغون من مطالعة هذا الكتاب ونفوسهم ثائرة ودماؤهم ~~فائرة بما يقفون عليه من تفصيل المصائب التي نابت دولتنا العلية في الحرب الأولى، ثم يرون ~~بعض العزاء في ابتسام الحظ للسياسة العثمانية إبان الحرب الثانية، ونجاح الوزارة السعيدية ~~في استرجاع شطر مما خسرناه في الحرب الأولى. # على أن ذاك النجاح الذي أعاد نور «الهلال» إلى أدرنه ومعظم تراقيه، لا يلأم كل الصدع ولا ~~يمحو جل الأسف على شطر كبير من تركيا الأوروبية ms002 ، تلك البلاد التي كان ثمنها عظيما من ~~الدماء والدموع والمهج الغالية، ولا مندوحة معه للعثماني عن البحث في أسباب تلك المصائب ~~ليعتبر بها. فما هي تلك الأسباب؟ هل ذهب الدهر بمزايا الجندي العثماني الذي وصل أجداده إلى ~~أبواب فينا وكتبوا تاريخ مجدهم بالسيوف قبل الأقلام ولفوا من كبد السماء هلالا، ونشروه ~~علما يتلألأ؟ كلا، فإن الذين حدثتهم من كبار الضباط وموظفي الهلال الأحمر الذين شهدوا ~~بعيونهم ذاك الجندي، وجميع المراسلين الحربيين الذين شاطروه البرد القارس والشقاء المضني ~~يقولون إن الجندي العثماني المنظم هو هو، يموت بردا في مركز الحراسة، وتنطوي أحشاؤه على ~~الطوى فلا يشكو ولا يثور، ولو حصل كل يوم على قطعة من الخبز الجاف ما وهنت بجسمانه قدم ولا ~~نكص أمام عدو. فما هو السبب إذن؟ قف بنا نوضحه بكلمة حرة. # ما الحرب التي تنكب إحدى الأمم نكبة فاتكة إلا السبب الطارئ، فواجب على من يريد ~~الحقيقة أن يبحث فيما وراء ذاك السبب الطارئ عن سبب أصلي عام كما قال مونتسكيو. والسبب ~~العام الذي أدمى قلوب المسلمين قبل المسيحيين والموسويين في السلطنة هو ظاهر في الأقوال ~~والأحاديث التي نطق بها أقطاب الدولة أنفسهم، وفي أقوال المراسلين السياسيين والحربيين على ~~اختلاف النزعات، وفي حالة كل فرع من فروع الإدارة عسكرية كانت أو ملكية، وأعني به الفساد ~~المتفاقم أصاب معظم أهل المناصب، فقتل في نفوسهم روح الواجب الوطني، ونال سائر الموظفين ~~فرماهم بالجشع والطمع، وناب كبار الجيش فأنمى فيهم روح التحاسد والتنابذ، وأضعف روح التعاضد ~~والتضامن، حتى عم الخلل وكثرت العلل، وإن الأمة والحكومة لعلى تلك الحال إذا بالاتحاد ~~البلقاني واقف مستوفز ويده على مقبض السيف. # على أني لست أرى - برغم ما جرى - أنه يقوم في سبيل الدولة العلية حائل طبيعي يمنعها من ~~النهوض، فكما نهضت ألمانيا معفرة الوجه من بين أقدام الفاتح الكرسكي العظيم وصعدت إلى ~~المقام الأسمى بين الدول العسكرية والتجارية والصناعية، وكما نهضت فرنسا مهشمة الأعضاء ~~ملطخة الجبين بالدم والتراب من بين سنابك ذوي الخوذات اللامعة منذ ms003 ثلاث وأربعين سنة، كذلك ~~تنهض الدولة العلية بإذن الله، على شرط أن تعتبر وتستفيد من المصائب التي حلت بها كما ~~استفادت تانك الأمتان العظيمتان. # إني لا أجهل الفروق التي بيننا وبين تينك الأمتين من حيث التنافر في العناصر والتباين في ~~الأديان والاختلاف في درجات المدنية بين الممالك العثمانية، على أن الإصلاح مستطاع إذا جعل ~~ولاة الأمور ذاك الملك العظيم أقساما متحدة تحت «الهلال» العزيز، وعدلوا نظام كل قسم ~~بما ينطبق على أخلاقه وعاداته ودرجته من الحضارة فيرضى ابن اليمن وابن الحجاز وابن سوريا ~~وابن الأناضول، وتبقى عاصمة الخلافة والسلطنة واسطة العقد وصاحبة الأمر والنهي في الجيش ~~والسياسة الخارجية وسائر الشئون العامة، فلا يكون لكل قسم إلا جانب معين من دخله وسلطة ~~محدودة تكفيه للنهوض بالعلم والتربية وسائر شئونه الخاصة. # وهناك أمر راهن لدينا؛ وهو أن الأمة العثمانية لم تفقد شجاعتها. وكل أمة متحلية بفضيلة ~~الشجاعة يمكنها أن تنهض وتعلو لأن الشجاعة روح تنعش النفوس وتنهض بالعزائم، فحسب ولاة ~~الأمور أن يحولوا قوة تلك الروح الشريفة إلى المشروعات النافعة فتصبح مع ذكاء الأمة ثروة ~~أدبية عظيمة. # وأما الثروة المادية وهي أحد الأركان العظمى، فتجدها في قلوب الممالك الباقية للدولة ~~العلية في آسيا، وهي من أغنى بقاع الله. ومساحتها (ما عدا الولايات الممتازة) مليون و156 ~~ألف ميل مربع؛ أي نحو ضعف مساحة فرنسا التي تبلغ 204091 ميلا، مع مساحة ألمانيا وهي 208738 ~~ميلا، ومساحة إنكلترا وهي 121115 ميلا، ومساحة إيطاليا 114409 أميال. # وأما موارد الزراعة والمعادن فأترك الكلام فيها لكبيرنا أستاذي سليمان أفندي البستاني ~~وزير الزراعة في هذا الوقت، فإنه زار العراق منذ سنوات وضربها مثلا لثروة الأرض العثمانية، فقال: # 1 # دونك الخطة العراقية فهي مع شمولها بلاد ما بين النهرين تمتد مما يلي ديار بكر ~~جنوبا إلى خليج العجم شمالا، ومن حدود بلاد إيران شرقا إلى حدود سوريا غربا، ~~وتشمل ولايات الموصل وبغداد والبصرة وقسما من ولاية ديار بكر، وهي بمساحتها تزيد ~~عن مساحة فرنسا، وبخصب تربتها لا يفوقها قطر في ms004 العالم، تخترقها مجاري أنهر من ~~أعظم الأنهار، ففيها دجلة والفرات وفيها الزاب الأعلى والزاب الأدنى وذيالة، وفيها ~~شط العرب ملتقى الأنهر، ذلك البحر الفياض المغني بمده وجزره عن وسائل ~~الإرواء. # ذلك قطر قامت فيه بعواصمها أعظم دول العالم في العهد القديم من البابليين إلى ~~الآشوريين، إلى السلوقيين خلفاء الإسكندر، إلى الفرس، إلى فخر دول الإسلام دولة ~~العباسيين. # ذلك هو القطر الذي رغب محمد علي أن يستبدله بمصر وما والاها مما دخل في حيازته من ~~بلاد الدولة العثمانية فلم يفلح. # ذلك هو القطر الذي وقف هيرودوتس أبو التاريخ واجما عن وصف تربته وخصبها خوف أن ~~تنسب إليه المغالاة والكذب مهما خفف من الإطراء، ولا غرو فإن جميع الدول التي ~~احتلته كان لها من ورائه الثراء العظيم، وتلك بابل مع زيادة عدد سكانها في إبان ~~عظمتها على خمسة وعشرين مليونا، وامتلاء خزائنها بالمال من موارد ثروته كان حاصل ~~زراعتها يكفي لمعيشة سكانها ويفيض عن الحاجة فيصدر مسحونا إلى سائر ~~البلاد. # وتلك الدولة العباسية العظيمة مع بسط سلطتها على سلطنة لم تكن سلطنة اليونان ~~والرومان بإزائها شيئا مذكورا، كان معظم دخلها من السواد وخراجه، وليس السواد إلا ~~قسما من هذا القطر. # ثم تطرق إلى المعادن فقال: # إن الفحم الحجري وهو من أعظم أركان الثروة موجود في قسمي أوروبا وآسيا، مما بذلت ~~بعض الهمة في استخراجه كمعادن هركلي، ومما لا يزال مهملا كمناجم مندلي في ولاية ~~بغداد، ومعادن الرصاص الفضي تستخرج قليلة من الأوروبية، ومثلها معادن الحمر في ~~الأراضي السنية بسوريا، والنحاس في أرغني بولاية ديار بكر، وفي مواضع كثيرة معادن ~~ظاهرة توشك أن تكون مهملة كل الإهمال، ومنها الذهب والفضة والأنتيمون والزرنيخ ~~والسنباذج والزئبق والمنغنيس والحديد والقار الحجري والسائل والكبريت والبورق ~~ومقالع الرخام على اختلاف أنواعه. وليس ببعيد أن يكون فيها منابع بترول غزيرة، فقد ~~شرع منذ نحو خمس وعشرين سنة باستخراجه من ضواحي الإسكندرونة ثم أهمل لأسباب غامضة. ~~وأما في ولاية بغداد فوجوده محقق إذ يستعمله أهالي مندلي وجوارها بحالته الطبيعية ~~بلا ms005 تصفية، وقد كان مدحت باشا اهتم باستخراجه على الطرق الحديثة، فأنفق مبالغ طائلة ~~على بناء معمل في بعقوبة استجلب له الآلات والمهندسين، وحالما بدت بوارق النجاح ~~غادر مدحت الولاية فأقفل المعمل ولعبت به أيدي الدمار. وأما المياه المعدنية بجميع ~~أنواعها الحارة والباردة فهي متفجرة في مواضع كثيرة لا يكاد يلتفت إليها مع ثبوت ~~مضاهاتها لأحسن الأنواع من أمثالها في أوروبا، وهي كثيرة بعضها في أوروبا كمياه ~~بورصة، وبعضها في آسيا كمياه وادي العمق بولاية حلب. # ومن الغريب أن مياه الحمة في فلسطين التي كان يقصدها عظماء أوروبا للاستشفاء ~~وأنشأ فيها قياصرة الرومان حمامات تدل آثارها على عظمة لا مثيل لها في أشباهها ~~بأوروبا، باتت مهملة لا ينتابها إلا القليلون من أبناء الجوار ممن لا يطيق ~~الانتقال إلى أوروبا. # وأما الملاحات البرية والبحرية فكثيرة جدا وبعضها يستخرج منه الملح بهمة ~~وعناية فينتج دخلا غير قليل، ولا عجب بتلك العناية الخاصة فإدارة الديون العمومية ~~هي الرقيبة عليها الحافظة لدخلها. ا.ه. # فإذا عمرت تلك الأراضي الغنية بطبيعتها وكنوزها، وعمرت معها العقول بالتعليم، والأخلاق ~~بالتربية، وعدل النظام في كل جهة طبقا لأحوالها، وعرف ولاة الأمور كيف يعالجون ~~السياسة الدولية ريثما يتم الإصلاح، فإن السلطنة تبلغ ما تشاء من العمران، وتصبح بإذن الله ~~إنسان عين الزمان. # يوسف ف. البستاني # | كلمة أخرى في تأليف هذا الكتاب # رأس الأمور التي يجب على كل مؤلف أن يهتم بها في كل تأليف، هو إفراغ الجهد في الحصول ~~على ثقة القارئ، وها أنا شارح لقراء هذا الكتاب ما فعلته لأكتسب ثقتهم؛ لأنها أفضل ما ~~أرجوه من الأرباح: ما صفر الرصاص وغنت المدافع نغمات الشؤم على هضاب البلقان حتى ~~أخذت أجمع كل مستند رسمي أو شبيه بالرسمي وأطلع على رسائل المكاتبين الحربيين وأرتبها ~~حسب تواريخها. وكنت كلما سمعت أن مراسلا أو كاتبا شهيرا قديرا أصدر كتابا في موضوع ~~الحرب، بادرت إلى شرائه إذا كان موجودا بمصر أو طلبته من أوروبا، حتى اجتمع لدي عدة كتب ~~منها: كتاب الموسيو استفان لوزان رئيس ms006 تحرير الماتين الذي كان في الأستانة مدة الحرب ~~الأولى. # وكتاب الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي الذي كان مع الجيش البلغاري، وزار صوفيا ~~وبلغراد ونقب عن أسرارهما السياسية، وكتاب الموسيو وجنر مراسل الريشبوخت النمساوية، وكتاب ~~الضابط الألماني هوشوختر أو (هوخوختر) الذي كان مع الجيش العثماني، ورسائل المكاتبين ~~الحربيين لجرائد الألوستراسيون والجورنال والديبا، وكتاب الكولونل بوكابيل الكاتب العسكري ~~المعروف في فرنسا، وهو لم يذهب إلى إحدى ساحات القتال، بل جمع كل ما كتب عن الحرب ~~البلقانية الأولى، وقابل بين الروايات المختلفة واستخلص الحقائق بما يدل على مقدرته وطول ~~باعه. # وما تركت حديثا لوزير أو سياسي أو قائد إلا جمعته. # ولما صدر أخيرا كتاب دولتلو محمود مختار باشا الذي كان قائدا للفيلق العثماني الثالث، ~~أضفته إلى كل ما تقدم. # بعد أن توفرت لدي كل تلك المصادر درست موضوعي درسا وافيا وقابلت بين الأقوال ~~والروايات، حتى آنست من نفسي المقدرة على تقديم مؤلف جدير بالذكر، ومما يراه القارئ في هذا ~~الكتاب أني لم أرو خبرا يقام له وزن إلا بعد أن رأيت تأييده في أقوال كاتبين أو مؤلفين ~~على الأقل. # وكنت مع ذاك كله أراقب كل ما كتب أيام طبع هذا الكتاب لعلي أرى ما يجب إصلاحه، ثم ~~نشرت في آخره ما رأيت نشره مفيدا من الملحوظات، وبذلت الجهد من جهة أخرى في مقابلة الذين ~~عادوا من ساحات القتال، كدولة الأمير عزيز باشا حسن ومندوبي جمعية الهلال الأحمر المصري، ~~وقلبت معهم الحديث على وجوه عديدة، بقصد أن أعرف فائدة جديدة أو أصلح هفوة من ~~الهفوات. # تلك هي المجهودات التي بذلتها وأضفتها إلى اختبار عشرين سنة قضيتها بين المحابر والأقلام، ~~ودرست فيها المسألة الشرقية، وطالعت جل ما كتب فيها بيراع أكابر المؤلفين وبحثت غير مرة ~~في موضوعها، وكل ما أرجوه أن أكون موفقا في خدمة الحقيقة والتاريخ. # المؤلف # 20 أكتوبر سنة 1913 # وسأصدر ملحقا أضمنه ما يتقرر في شأن جزر بحر إيجه، وتحديد ألبانيا، وما يعقد من ~~الاتفاقات أو يقع من الحوادث الكبرى وعلى ms007 الله الاتكال. # | أسباب الحرب البلقانية # من رام أن يقف على حقيقة تلك الحرب الهائلة ويدرك أثرها العظيم في الشرق والغرب يلزمه أن ~~يعرف أسبابها وحوادثها ونتائجها، وإنا بادئون بذكر تلك الأسباب واحدا فواحدا مع ~~الإيجاز، ومعتمدون على نخبة من أقطاب السياسة وصفوة المؤرخين والباحثين في المسألة الشرقية، ~~فإن الحرب البلقانية ليست إلا مشهدا كبيرا فاجعا من رواية تلك المسألة التي تعددت فيها ~~الفصول وأدمت مشاهدها العيون. ~~(1) السبب الأول # يخلق بنا أن نحسب رأس الأسباب ما انطوت عليه الضلوع وغلت به الصدور من الحقد القديم ~~والضغينة الكامنة بين الأتراك والأمم الأربع المتحالفة، فإن كل أمة منها جعلت تربية ~~الحقد في صدور أبنائها على دولة آل عثمان فرضا مقدسا وآية من آيات الوطنية، فإذا ورد ~~ذكر التركي على أحد أساتذتها جعله عنوانا للظلم، ومثلا للقسوة، وعدوا أبديا يجب ~~على كل فرد أن يرضع بغضه مع حليب أمه. # انظر إلى اليونانيين تجد الأساتذة والوالدين والوالدات وكل عجوز بالية يرددون ذكر ~~مجدهم القديم، ويعدون التركي مغتصبا لأرضهم هداما لدولتهم، هضاما لحقوقهم، ~~ويمزجون ما يحويه تاريخهم من الحقائق الجارحة بخرافات وحكايات نظمها لهم أساتذتهم ~~وشعراؤهم؛ ليربوا فيهم كراهة التركي، ويحملوهم على التفكير المستمر في استرجاع ما ~~وقع في قبضته من ملكهم القديم، ويجعلوا طلب الثأر نصب أعينهم إلى أن يأتي وقته. ثم ~~تراهم يهتمون اهتماما خاصا بأخبار أبطالهم والمنظومات الحماسية لشعرائهم القدماء، ~~وفي طليعتهم هوميروس صاحب الإليالذة الخالدة، ويرددون على الأخص من الحوادث الغابرة قصة ~~يسمونها حكاية علي باشا في يانيا، فيعزون إليه من الفظائع والأهوال ما يشيب الطفل في ~~مهده ويزعج الميت في لحده، وهم يجعلون فيها القطرة بحرا والصفر سفرا ويرتبونها كما ~~يشاء الخيال؛ إذ لا يهمهم منها إلا أن تجئ في شكل يبكي النساء والأطفال ويثير قلوب ~~الرجال، قال كاتب فرنساوي كبير: «يمكننا أن نقول ولا نخشى الخطأ إن حكاية يانيا حضت ~~الأمة اليونانية على الجهد الذي بذلته في الحرب الأخيرة حضا كبيرا وأثرت فيها ~~تأثيرا شديدا، فإنك تجد كل قرية وكل ms008 دسكرة في الجزر اليونانية تأخذها الرعدة من تذكار ~~يانيا، وترى النساء ينقلن تلك الحكاية إلى أولادهن ويذكرن ما أتته بعض اليونانيات من ~~الأعمال في مجال القتال. وما من أثر أبقى في النفوس وأقوى في القلوب من حكايات وطنية ~~تعيدها الأم وهي جاثية أمام سرير ولدها.» # وأضف إلى حوادث التاريخ القديم والمتوسط حادث الفشل الكبير الذي حل بهم في حرب سنة ~~1897، فإنهم لبثوا بعدها يتطلعون إلى الثأر واستقدموا جماعة من الضباط الفرنسويين، ~~فنظموا لهم جيشهم وجددوا مدافعهم، وكان يزيدهم حقدا على حقد أن الحكومة العثمانية ظلت ~~واقفة لدى الحكومة اليونانية ويدها على مقبض السيف؛ لتوقع الرعب في قلبها وتمنعها من ضم ~~جزيرة كريت إلى أملاكها، وكانت جرائد الأستانة تنذر اليونان في كل يوم بالزحف على أثينا ~~إذا قبلوا المندوبين الكريتيين في البرلمان اليوناني كما طلب أهل تلك الجزيرة. وإنا ~~لنرى رأي كبير من العثمانيين في هذا الشأن؛ وهو أن الحكومة العثمانية لم تتبع سياسة ~~الحكمة بإذلالها اليونان تكرارا بعد أن قهرتهم في ساحة القتال، فإنها لو سارت معهم على ~~منهج المجاملة منذ شعرت بالشر المضمر في قلوب الصرب والبلغار، لكان في وسعها أن تحول ~~دون انضمامهم إلى التحالف البلقاني، ولكن شاء سوء الطالع أن تكون جميع الظروف مفضية ~~إلى تفاقم ذاك الحقد القديم بدلا من تخفيفه وتلطيفه. ~~••• # وإذا رجعنا إلى تاريخ البلغاريين وجدنا أن الحقد ينمو في قلوبهم منذ سنة 1393؛ أي ~~السنة التي سقطت فيها الدولة البلغارية في قبضة تركيا، وإذا أراد القارئ أن يعرف مبلغ ~~بغضهم للتركي - وكل موظف عثماني هو تركي عندهم - فحسبه أن يقرأ شيئا مما يلقونه على ~~أولادهم أو يسمع ما يقوله الشيوخ والعجائز منهم. ذكر لي صديقي حقي بك العظم أنه زار ~~صوفيا عاصمة البلغار منذ بضعة أعوام، وذهب يوما مع نسيب له (كان معتمدا عثمانيا ~~ساميا) في مركبة الوكالة العثمانية إلى بعض أحياء المدينة، وبينما كانا مارين أمام ~~بيت إحدى العجائز، خرجت وبيدها قدر من الأقذار المختلفة وقذفت به على طربوشيهما ~~وملابسهما العثمانية. # وليس يدلنا ms009 على اعتنائهم الشديد بتربية الحقد على الأتراك وزيادة النفور منهم مثل أمر ~~مأثور: وهو أنهم تركوا محلة صغيرة في عاصمتهم على أسوأ حال لتكون عبرة لكل بلغاري، ~~فيتذكر على الدوام ما كانت عليه بلادهم في عهد الحكم التركي، والواقع أن تاريخ البلغار ~~(منذ سقوط دولتهم سنة 1393 إلى سنة 1877) كان تاريخ ذل وهوان، فإنهم كانوا أرقاء تلعب ~~الأكف التركية في رقابهم، وإذا شكوا حكمت السيوف في هاماتهم ولبثوا سنوات عديدة على أثر ~~سقوط ملكهم يحسبون الأتراك من محتد أشرف من محتدهم حتى صحت فيهم حكمة القائل: «إن ~~الاستعباد يفقد الشعوب نصف فضيلة الرجولية.» # على أنهم كانوا مثل كل شعب مغلوب على أمره وله تاريخ قديم، يذكرون استقلالهم الذي ~~تغلغل في طيات الزمان ويحنون إليه وهم في زوايا بيوتهم، ويشكون بصوت خافت من حكامهم. ~~ولبثوا على تلك الحال من الجبن والمسكنة حتى سنحت الفرصة لانفجار حقدهم الكامن قبيل ~~معاهدة برلين، وكانت عوامل إيقاظهم ثلاثة؛ أولها: أن ولاة أمورهم غلوا أشد غلو في الضغط ~~عليهم فكانت نتيجة هذا الضغط انفجار ذاك الحقد، والثاني: أن روسيا العدوة القديمة ~~لتركيا كانت تحضهم وتعدهم بالعون والمدد، والثالث: أن تحريرهم من قيد الكنيسة ~~اليونانية أنشأ فيهم روح الاستقلال. # بقيت تلك العوامل الثلاثة تعد نفوسهم للثورة وتزيد حقدهم المتأجج حتى هبوا ينفضون ~~عنهم غبار الذل العتيق، ولما ثارت البوسنة والهرسك سنة 1875 رأى ذوو الإقدام منهم أن ~~الفرصة كانت موافقة للثورة وشفاء النفوس من الضغينة. # على أنهم لم يكتفوا بالخروج على الحكومة بل ارتكبوا جناية ذبح المسلمين في بعض القرى، ~~ولم تكن ثورتهم وقتئذ عامة؛ لأن قسما كبيرا منهم كان لا يزال خائفا من سادته ~~الأتراك، وما ترامى خبر فتنتهم إلى الباب العالي حتى عقد العزيمة على تأديبهم وكان ~~التأديب واجبا، إلا أنه أخطأ الطريقة المثلى فأطلق عليهم ألوفا من الجنود غير ~~المنظمة، بدلا من أن يسير إليهم جنودا نظامية تحت إمرة قائد عاقل يضع اللين في ~~محله والشدة في موضعها، وروى قنصلا فرنسا وإنكلترا في تقاريرهما ms010 الرسمية: «إن عدد الذين ~~ذبحتهم تلك الجنود من رجال ونساء وأطفال يبلغ ما بين 15 و20 ألف نفس.» # فكان لذاك الحادث صدى عظيم في أوروبا، وهب غلادستون فألقى خطبه الشهيرة عن تركيا ~~والأتراك، وأنسى الأوروبيين أن البلغاريين فتكوا هم أيضا بالمسلمين الآمنين، ولا غرو ~~فإن الحادث الأكبر ينسي الحادث الأصغر، وهناك سبب آخر وهو أن شعور كل فئة بنكبات أهل ~~دينها أشد من شعورها بإرزاء الآخرين، وهذا طبيعي تجده عند جميع الأمم والملل، ولا يتغير ~~ما دام الإنسان إنسانا، وقليل هم لسوء طالع الإنسانية أولئك الذين يضعون الحق فوق كل ~~شيء. # على أن هذا كله بعض ما جرى بين العدوين، وهو يكفي للدلالة على أن الجيش البلغاري لم ~~يزحف وحده من صوفيا بل زحف هو وحقد خمسمائة سنة ...! ~~••• # وليس حقد الصربيين وأهل الجبل الأسود على الأتراك بأخف من حقد اليونانيين ~~والبلغاريين، فإنهم مثل حلفائهم يربون في أبنائهم محبة الثأر من تركيا، ولا ينسون ~~انتصار الأتراك عليهم وفتكهم الذريع بهم، ذكر الموسيو «ألبير مالي» الأستاذ الكبير في ~~التاريخ السياسي: أن المؤرخ الصربي «ليوبا كوفاتشفيتش» وقف يرثي ابنه الذي قتل في إحدى ~~معارك الحرب البلقانية فقال: «يا بني نم بسلام فقد أوفيت دينك للوطن، وقل لدوشان ~~ولازار بل قل لجميع شهداء قوصوه إن أمتهم ثأرت لقوصوه ...» ولقد دلت الحرب على أن الثأر ~~الذي أشار إليه هذا المؤرخ الصربي هو أمنية كل فرد من أمته، وأن الحقد على الأتراك شامل ~~لطبقاتها، قال أيضا الموسيو «ألبير مالي»: إن معارك قوصوه (التي حدثت من نحو 500 سنة) ~~ما زالت تذكر عندهم كما تذكر حوادث حرب السبعين عند الفرنسويين، وما برحوا يرددون تذكار ~~القيصر دوشان والقيصر لازار حتى الآن. # ثم روى الأستاذ نفسه دليلا على احتفاظ الصربيين بما يضرم الضغينة في قلوبهم على ~~الأتراك قال: إن ألفا من الصربيين كانوا سنة 1809 محصورين في أحد المعاقل على مقربة من ~~مدينة نيش، فرأوا أن الأتراك أوشكوا أن يستولوا على موقعهم عنوة، فاختاروا أن ينسفوا ~~معقلهم بما كان ms011 عندهم من البارود على أن يقعوا أحياء في أيدي أعدائهم، ثم جاء الأتراك ~~بعد نسفه وفصلوا رءوسهم عن الجثث وجعلوا منها شبه برج. ولما دخل الصربيون مدينة نيش سنة ~~1878 كان ذاك البرج محفوظا على شكله فرفعوا الجماجم ودفنوها في مقبرة وأبقوا البرج ~~ليراه الأبناء والأحفاد ولقبوه ببرج الجماجم، وأصبح أمره موضوع قصص العجائز والوالدات ~~في البيوت والأساتذة في المدارس. # وليس من غرض هذا الكتاب أن نفيض في شرح الوقائع التاريخية التي أشعلت نار ذاك الحقد، ~~فإنا نختم الكلام عن هذا السبب الأول من أسباب الحرب بما تضمنه قانون أصدرته حكومة ~~الجبل الأسود سنة 1484 ليكون دليلا آخر على الحقد القديم في صدور أهل ذاك الجبل أيضا ~~وهو: «إذا نشبت الحرب بيننا وبين الأتراك فلا يجوز لأحد من أهل الجبل أن يترك ساحة ~~القتال إلا بأمر رئيسه، وكل من يفر أمام الترك يفقد شرفه إلى الأبد، ويصبح محتقرا ~~منبوذا من آله، ثم يلبس ثوب امرأة ويعطى مغزلا ليشتغل به مع النساء، وتعمد النسوة ~~أنفسهن إلى طرده كما يطرد الجبان الذي يخون وطنه.» # 1 # وهنا ندع القارئ يفكر في الحالة النفسية التي كان فيها أعداء تركيا يوم ساروا إلى ~~الحرب وهم يأملون النصر. ~~(2) السبب الثاني # هو طمع كل دولة من أعداء تركيا في بسطة الملك ومنعة الجانب واسترجاع شيء من مجدها ~~القديم، فإن مجد الدولة اليونانية القديم معروف خالد وآثار سلطانها ما زالت بادية في ~~شبه جزيرة البلقان بما نراه من انتشار لغتها ومبانيها وكنائسها، وسقوط الإمبراطورية ~~البيزنطية ترك إلى اليوم حسرة في قلبها، وهي منذ شاءت أوروبا أن تمنحها الاستقلال تصرف ~~قواها إلى استرجاع ما فقدته، وتذكر أبيروس وكريت وجزر الأرخبيل وسائر ما طلع عليه ~~الهلال من البلدان التي كانت تحت سلطانها. # ثم إن دولة البلغار التي صارت إلى الأتراك بحكم السيف منذ سنة 1393، كانت على شيء ~~كبير من البطش والقوة، وما برح البلغاريون يعنون عناية خاصة بتعليم تاريخها لأبنائهم ~~ولبثوا قرونا طويلة يحنون إليها في سرهم، حتى كانت الحرب ms012 الروسية العثمانية الأخيرة ~~فانتصرت روسيا وأجبرت تركيا على الاعتراف باستقلالهم وجعلت مملكتهم كبيرة واسعة في شبه ~~جزيرة البلقان، على أن مؤتمر برلين الذي عدل معاهدة سان استفانو أنقص ما طلبته لهم ~~روسيا في المعاهدة المذكورة. فخرجت بلغاريا صغيرة، ولكن مطامعها كبيرة، ثم أخذت تستعد ~~لأخذ ما حرمتها منه السياسة الدولية. # والصرب من جهة ثالثة تطمع في استرجاع البلدان التي تحسبها مهد عزها ومجدها، فقد كان ~~للصربيين ملك مستقل منذ القرن الثالث عشر ثم بقي ينمو نحو قرن ونصف، حتى بلغوا أعلى ~~مرتبة من مراتب عزهم في أواسط القرن الرابع عشر وامتد ملكهم في أيام إمبراطورهم دوشان ~~من البحر الأسود إلى الأدرياتيك ومن نهر الطونة إلى بحر الأرخبيل، ولما كانت سنة 1346 ~~توج دوشان إمبراطور في أوسكوب، وكان الصربيون في تلك السنة ينوون الزحف على ~~الأستانة؛ لأنهم رأوا الإمبراطورية اليونانية أصبحت في دور الشيخوخة والانحلال، ولكن ~~إمبراطورهم دوشان توفي فجأة فحال موته دون مرامهم. # وكان الأتراك في ذاك الوقت يتجهون نحو شبه جزيرة البلقان ويستولون على بلادها، وما ~~لبثوا أن قهروا الصربيين وأذلوهم. # وإذا تدرجنا من ذاك العهد البعيد إلى عهد مؤتمر برلين وجدنا أن الصربيين كانوا يطمعون ~~في شيء كثير فخابت آمالهم؛ لأن الدول لم تشأ أن تؤيدهم بقدر ما طلبوا؛ ولأن روسيا ~~نفسها التي أراقوا دماءهم مع دمائها في حرب 1877 لم تكن تميل إليهم ميلا شديدا لما ~~آنست من غيرتهم الشديدة على استقلالهم ودستورهم وحريتهم، ولا بدع فإن حكومة روسيا كانت ~~تكره الدستوريين بالطبع ولا سيما في ذاك الوقت، فاختارت بعد معاهدة سان استفانو أن ~~تجزل العطاء للبلغاريين الذين ساعدوها أيضا في الحرب، فتنشأ بلغاريا قوية بدلا من أن ~~تعزز جانب الصرب. # أما الجبل الأسود الذي لا تزيد مساحته عن 9080 كيلومترا مربعا فهو يطمع في توسيع ~~ملكه منذ عهد بعيد، ولا يرى مجالا لتوسيعه إلا بأخذ جانب من بلاد الدولة التي كان ~~تاريخها سلسلة حروب دموية بينه وبينها. وأخص ما يطمع فيه أشقودره وما جاورها، وهو يعتمد ms013 ~~على مساعدة روسيا التي طالما نفحته بالهدايا الكثيرة وأعطته بعض مطالبه في معاهدة سان ~~استفانو التي ذهبت بها معاهدة برلين، ولعله يعتمد بعض الاعتماد على إيطاليا لأن ~~ملكها صهره. ~~••• # على أن الطمع الذي جاش في صدور اليونانيين والبلغاريين والصربيين ولد فيما بينهم ~~من الضغائن والأحقاد بعد معاهدة برلين ما كاد يضارع حقدهم القديم على الدولة العلية، ~~وكان معظم التنازع بينهم في الولايات المعروفة باسم مقدونيا. # أخذ كل فريق يعزز قومه هناك وينفق من دمه وماله في سبيل نفوذه الأدبي والسياسي، ~~فانقسم مسيحيو مقدونيا إلى يونانيين وبلغاريين وصربيين وفلاخ، وأخذ كل قسم منهم يتلع ~~عنقه إلى غايته ويؤيد نفوذ دولته التي كانت تحركه وتحرضه، فانتفعت تركيا إلى حد ما، ~~من ذاك التنازع وأمنت اجتماع تلك الأقوام يدا واحدة، ولكنها كانت مهددة من جهة أخرى ~~بعقارب الدسائس التي سعت إليها من الأمم البلقانية المستقلة، والتي كانت برهانا دامغا ~~على طمع تلك الأمم الصغيرة في تركيا أوروبا. # وكان اليونانيون والبلغاريون والصربيون مقتنعين بأن مطامعهم مبنية على حقوق تاريخية ~~وجنسية، ولكن المؤرخين المنصفين يرون أن بناء مطامعهم على التاريخ لا يمكن الاعتداد به؛ ~~لأن مقدونيا وقعت على التوالي تحت سلطان الرومانيين واليونانيين والصربيين والأتراك. ~~ولا يغلو من يقول: إن هذا التنازع الشديد الذي حمل العصابات اليونانية والبلغارية ~~والصربية على ارتكاب أعظم الفظائع، كان من جملة عقبات الإصلاح. ~~(3) السبب الثالث # هو السياسة الدولية ولا سيما السياسة الروسية التي تطمح إلى ضفاف البوسفور، وعاصمة ~~البيزنطيين، ومدينة الذهب، والموقع الذي قال فيه نابليون: «إن من يملكه يصبح سيد ~~العالم»، وإليك البيان، قال الأستاذ شوبلييه في تاريخه: «المسألة الشرقية بعد معاهدة ~~برلين» إن روسيا تحسب نفسها وارثة الإمبراطورية البيزنطية، وسياستها لا تتغير لأنها ~~مبنية على الروح المخامرة للشعب الروسي، فإذا كانت الحكومة الروسية تكف إلى أجل عن ~~العمل لبلوغ الغاية التي عينها لها السلف، فإن الأمة الروسية لا تعدل عن طلب تلك ~~الغاية، ولا تلبث أن تدعو حكومتها إلى التقدم نحوها. # ثم قال أيضا: إن الروسيين يريدون الأستانة، ms014 وهم لا يريدونها عاصمة روسيا بل يريدونها ~~عاصمة الاتحاد الصقلبي (السلافي)؛ ليقيم فيها رئيس المذهب الأرثوذكسي ويجمع حوله جميع ~~صقالبة البلقان، غير أنه لما فشلت روسيا في تأليف الجامعة الصقلبية أخذت تبدو لأوروبا ~~في مظهر من عدل عن فتح أية بلاد عثمانية. # ولما انتصرت في حرب 1877 عاد أنصار الجامعة الصقلبية في روسيا فجددوا آمالهم وتوهموا ~~أن صقالبة البلقان وصقالبة النمسا سينضمون إلى روسيا، ولكن السياسة الدولية لم تبق ~~مجالا كبيرا لتلك الآمال بعد معاهدة برلين. # بقيت آمال روسيا تشرق وتغرب، حتى رأت دول البلقان تعقد التحالف على تركيا فأيدتهم، ~~أجل ليس لدينا من البراهين الدامغة ما يدلنا على أن ذاك التحالف هو صنيعة روسيا كما ~~قرأنا في بعض الجرائد الأوروبية، بيد أن الأمر الذي لا جدل فيه هو أن إضعاف تركيا منطبق ~~على مصالح روسيا ومعزز لآمالها القديمة، وأنها رئيسة الصقالبة فلا يمكنها أن تهملهم، ~~ولا يمكنهم أن يخوضوا معمعان حرب هائلة قبل أن يثقوا بأنها لا تخذلهم في الأيام ~~السوداء، وهم يعلمون من جهة أخرى أن الدول التي وضعت معاهدة برلين لم تسهر على حرمتها، ~~بل تركت بلغاريا تخترقها بأخذ الرومللي الشرقية، ثم سمحت للنمسا بأن تضم البوسنة ~~والهرسك إلى أملاكها، فقام في أنفسهم أن الدول إذا كانت لا ترضى بحل تركيا فجأة مخافة ~~أن تقوم مشاكل عظيمة، فإنها لا تأبى أن تؤكل في أوروبا كالخرشوفة ورقة فورقة. قال ~~المؤرخ شوبلبيه: «إن الدول لا تريد أن تفني تركيا بصدمة واحدة، ولكنها لم تعارض حتى ~~الآن في تقسيمها شيئا فشيئا، فإن غرض الدول على ما يظهر هو أن تؤخر سقوطها لا أن ~~تنقذها.» # عرف المتحالفون ذاك كله فأمنوا خسارة أي شبر من أرضهم، وتأكدوا أنهم إذا انتصروا على ~~تركيا كانت غنيمتهم كبيرة، وإذا فشلوا فإن بلادهم تبقى لهم فأقدموا على الحرب بقلوب ~~كبيرة وعزائم شديدة. # ولا يدحض هذا القول أن روسيا والنمسا سعتا بالأصالة عن نفسيهما والنيابة عن سائر ~~الدول العظمى في سبيل منع الحرب، وأنهما نصحتا لحكومات البلقان ms015 بوجوب العدول عن ~~العدوان، فإن البلقانيين كانوا يعلمون كنه سياسة الدول ويثقون بأن روسيا - كما قدمنا - ~~لا يمكنها عند الضرورة أن تنبذ تقاليدها أو تعرض عن الرأي العام في إمبراطوريتها، ولقد ~~أصابوا الغرض فإن روسيا لم تحجم عن تجنيد جيشها حين أخذت النمسا تهدد الصرب كما سترى في ~~باب آخر، وأن فرح الشعب الروسي بانتصار البلقانيين بلغ حدا قصيا. وإذا أراد القارئ ~~دليلا على شعور الروس، فحسبنا أن نقدم لهم خبرا ورد ونحن شارعون في طبع هذا الكتاب، ~~وهو أن خبر سقوط أدرنه وصل بطرسبرج والموسيو دانيف مندوب البلغار في مؤتمر لندن جالس في ~~الدوما (مجلس النواب)، فهتف حينئذ نواب الروس هتاف الفرح والابتهاج، وحملوا الموسيو ~~دانيف والمعتمد البلغاري في عاصمة روسيا وأخذوا يغنون وينشدون. # فكيف تستطيع حكومة روسيا أن تغفل رأي الجمهور الروسي وتلك عواطفه؟! ~~(4) السبب الرابع # هو غفلة كبار الدولة العلية وتنازعهم المتواصل على السلطة وإشراب الجيش سم السياسة، ~~مما أفضى إلى الضعف والاضطراب في جميع فروع الإدارة ومنها إدارة الجيش. # وإن ضعف الخصم كثيرا ما يولد المطامع عند خصمه، أو يزيدها تفاقما إن كانت موجودة ~~كامنة كمطامع البلقانيين العريقة في القدم، كما أن قوة الخصم تؤدي إلى إخفاء المطامع ~~فلا تجيش في الصدور ولا تدفع أصحابها إن كانوا عقلاء إلى حد العدوان، ألا ترى أن ~~فرنسا تطمع في استرجاع الإلزاس واللورين اللتين أخذتهما ألمانيا بعد حرب السبعين، ~~ولكنها لا تحيد عن جادة الحكمة والفطنة؛ لأن ألمانيا ضخمة قوية لا يسهل نزع اللقمة من ~~يدها الفولاذية. # فلو كان أقطاب السياسة العثمانية لم ينقسموا على أنفسهم ولم يدعوا السياسة ترسخ في ~~قلوب الضباط فتصرفهم عن الواجب الوطني المقدس، لما رأت منهم دول البلقان ذاك الضعف الذي ~~هاج طمعها، ولما كانت حمى التنازع تحدث في رءوسهم مثل دوار، فيذهب عنهم أن جواسيس ~~البلغاريين والصربيين واليونانيين يملأون الأستانة وكل موقع حربي ويبحثون عن كل موضع من ~~مواضع الوهن. # أثبت أولئك الجواسيس لدولهم أن الجيش العثماني يحتاج إلى الضباط، وأن الضباط ~~الموجودين ms016 حزبان متنافسان، وأن الخلل ضارب في إدارة الميرة والذخيرة، ثم رأوا من جهة ~~أخرى أن الحرب الطرابلسية زادت الدولة العلية ضعفا على ضعف - فقالوا: إن الفرصة ~~الحاضرة هي خير الفرص لتحقيق الأمل وشفاء النفس من الحقد والطمع القديمين. # على أن حكوماتهم قامت تراعي دواعي السياسة فادعت أن السبب الذي دعاها إلى تعبئة ~~الجيوش هو رغبتها في كشف الظلامة عن إخوانها المقدونيين المسيحيين، ثم شكت من إهمال ~~المادة الثالثة والعشرين من معاهدة برلين، وهي التي توجب على الباب العالي أن ينفذ ~~النظام الأساسي الذي وضع لجزيرة كريت، ونظامات شبيهة به ومنطبقة على الحاجات المحلية في ~~بلاد تركيا أوروبا، وأن يكلف لجانا مشتملة على عدد كاف من أبناء البلاد لوضع تلك ~~النظامات في كل ولاية عثمانية في أوروبا، ثم يستطلع فيها رأي اللجنة الأوروبية التي ~~ألفت للنظر في شأن الرومللي الشرقية. # تلك هي الحجة التي تذرعت بها حكومات البلقان المتحالفة قبل أن تعلن الحرب بأيام، ~~والحقيقة أنه لو كان المراد من حركة الممالك البلقانية طلب الإصلاح بالمعنى الصحيح، لما ~~دفعت الجفاء إلى حد الحرب بينها وبين تركيا، ولكنها رأت نفسها قوية بتحالفها وبالخلل ~~الضارب في الأستانة، فأرادت أن تنفذ اتفاقها السري، وليس تذرعها بمعاهدة برلين إلا ~~ذرا للرماد في العيون، قال الموسيو كيدرلن وختر وزير خارجية ألمانيا السابق في حديث ~~شهير تناقلته الجرائد الأوروبية في أوائل أكتوبر الماضي أي الشهر الذي أعلنت فيه الحرب: ~~«إن جميع الحكومات البلقانية تدعي أنها تريد الإصلاح لمقدونيا، والحقيقة أنها تطمع في ~~تقسيم أملاك الدولة العثمانية، ولكن يجب عليها أن تعلم بأن الدول العظمى لا يمكنها أن ~~تسمح بتغيير خريطة الأراضي العثمانية في شبه جزيرة البلقان ...» # ويجدر بنا أن نعترف هنا بأن حوادث أليمة هاجت عواطف الأمم البلقانية قبل الحرب ولا ~~سيما الأمة البلغارية، غير أنه يجدر بنا أيضا ألا ننسى أن الحزب الحربي من أولياء ~~الأمور البلقانيين كان يعنى بتهييج تلك العواطف إرادة أن يعد أفكار الجماهير للحرب ~~المنوية، وأن يبلغ بها إلى حيث يمكنه القول: ms017 «إن تيار الرأي العام دفعنا معه، فلا قبل ~~لنا بالتقهقر»، وعند ذلك يتسني للحكومات البلقانية ما أرادت من اغتنام الفرصة ~~الفريدة. # | معاهدة برلين وعلاقتها بالحرب البلقانية # أشرنا فيما تقدم إلى شكوى الحكومات البلقانية من نبذ الدولة العلية للمادة الثالثة ~~والعشرين من معاهدة برلين، ولما كان المؤتمر الدولي الذي عقد تلك المعاهدة سنة 1878 خطير ~~الشأن كبير العلاقة بالمسألة الشرقية التي تحاول الدول البلقانية أن تحلها حلا نهائيا - ~~رأينا أن ننشئ لها مقالا خاصا لنزيد حقيقة الحرب وضوحا وجلاء. # كانت المعاهدات التي تقدمت معاهدة برلين تقضي باحترام السلطة السلطانية السامية، أما ~~معاهدة برلين فإنها بالعكس وضعت السلطنة العثمانية تحت وصاية أوروبا وأجازت تصدي الدول ~~العظمى للشئون العثمانية، كما تشهد المادة الثالثة والعشرون التي ذكرنا معناها فيما سبق. ثم ~~قررت منح البلغار استقلالا إداريا كاملا وأوجبت على الحكومة العثمانية أن تعترف ~~باستقلال الجبل الأسود، إلى آخر ما يراه المطلع على تلك المعاهدة المؤلفة من أربع وستين ~~مادة، فبعد أن كنا نرى الدول متفقة في المعاهدات السابقة على اجتناب كل مداخلة في شئون ~~الدولة العثمانية صرنا نراها بفضل تلك المعاهدة متفقة على المداخلة. # وليس بخاف أن رأس الشروط في السلطة الدولية المعترف بها لكل دولة مستقلة هو أن لا تتداخل ~~دولة أخرى في شئونها الداخلية؛ لأن هذا التصدي لها يمس حريتها الداخلية الحرية المطلقة التي ~~تعد أساسا لكل سلطة دولية. # على أن المصالح التي تعد العامل الأعظم في السياسة كثيرا ما دفعت الدول إلى الشذوذ عن ~~تلك القاعدة، فرأيناها تارة تنصر الملوك على الأمم وتسير الجنود لتأييدهم، كما فعلت فرنسا ~~يوم أرسلت جيشا إلى إسبانيا لتعيد السلطة إلى الملك فردينان السابع، وتارة تنصر الأمم على ~~ذوي العروش كما فعلت الدول الموقعة على معاهدة برلين. # وإذا كانت معاهدة برلين لم تدع روسيا تنشئ بلغاريا عظيمة كما طلبت في معاهدة سان ~~استفانو، فإنها تركت مواضع كثيرة للخلل السياسي، ودواع جمة للطمع، ثم نامت الدول الواضعة ~~لتلك المعاهدة عن صيانتها، فنشأ عن هذا كله أن الإمارة ms018 البلغارية ضمت إليها الرومللي ~~الشرقية سنة 1885 ثم أعلنت استقلالها وارتقاءها من إمارة إلى مملكة سنة 1908، فهتكت حرمة ~~تلك المعاهدة مرتين، ثم ضمت النمسا البوسنة والهرسك إلى أملاكها من جهة أخرى فهتكت حرمتها ~~أيضا. # وما زالت دول البلقان منذ سنة 1878 تطلب زيادة على ما ربحت من تلك المعاهدة، وقام الخلاف ~~بينها على الأراضي العثمانية المطموع فيها، وصارت كل دولة منها تنازع الأخرى أشد المنازعة ~~حتى اصطبغت هضاب مقدونيا بدماء البلغاريين والصربيين واليونانيين والرومانيين. ولسنا نغالي ~~إذا قلنا إن الدول العظمى التي وضعت تلك المعاهدة كانت شريكة في الجنايات التي اقترفت؛ ~~لأنها جعلت معاهدتها دواء وقتيا وحلت المشكلة حلا نصفيا، قال الموسيو شوبلييه في ~~تاريخه «المسألة الشرقية بعد مؤتمر برلين»: إن هذا المؤتمر زاد ضعف تركيا واشتياق رعاياها ~~إلى الاستقلال كما زاد قوة أعدائها في البلقان. # فكل من يتنزه عن الغرض يحكم إذن بأن شطرا من تبعة تلك الفوضى يلقى على تركيا؛ لأنها ~~أغفلت الإصلاح فوسعت أبواب الشكوى وأقامت لخصومها الحجة عليها، وبأن الشطر الثاني هو نصيب ~~الدول العظمى التي وضعت معاهدة برلين، ونصيب الدول البلقانية التي ملئت البلقان من الدسائس ~~والسعايات والمنازعات بلوغا إلى أغراضها وتحقيقا لمرادها. # على أن تلك السعايات والمنازعات لم يكن من شأنها أن تجعل الإصلاح مستحيلا على الدولة ~~العلية بل كان من نتائجها أن تجعله صعبا جدا، وأول دليل على تحسين الحال لم يكن ضربا من ~~المحال أن العصابات المختلفة أخذت تسلم سلاحها إلى ولاة الأمور ابتهاجا بالدستور العثماني، ~~فلما كان ما كان من أمر هذا الدستور، وشبت الحرب بين إيطاليا والدولة العلية وثبت لساسة ~~الدول البلقانية ما قام في الأستانة من الخلل الذي هو أبو المفاسد عادت الفوضى، ثم تناست ~~الدول البلقانية عداوتها لتتحالف على «العدو العام» كما تقول جرائدها. # | تحالف دول البلقان وكيف كان # ما كان يدور في خلد أحد، ولا يمر على مرآة الخيال أن اليونانيين الذين كانت عصاباتهم في ~~مقدونيا تحرق القرى البلغارية وتمثل بأهلها تمثيلا، وأن البلغاريين الذين ما وجدت ms019 عصاباتهم ~~يونانيا إلا جندلته قتيلا، يمكنهم أن يكونوا حلفاء في السراء والضراء، على أن المصلحة ~~تفعل العجائب وهي التي أرتنا أعجوبة ذاك التحالف الذي كانت أوروبا نفسها تحسبه ~~مستحيلا. # وليس بين أيدينا من الجرائد الأوروبية التي طالعناها منذ نشوب الحرب إلى اليوم، ولا من ~~الكتب الستة التي ظهرت حتى الآن في موضوعنا ما هو أجدر بالمطالعة من الفصل الذي أنشأه ~~الموسيو ريني بيو مراسل التان الحربي، الذي زار عاصمة الصرب وعاصمة البلغار وحادث كبار ~~ساستها قبل أن سافر إلى ساحة القتال، وإليك صفوة ما قال: # ليت شعري كيف جهلت أوروبا إلى هذا الحد ما وضعته الدول البلقانية من المشروعات ~~واتخذته من القرارات، ثم كيف قدرت تلك الدول نفسها التي طالما ظنوا أنها معادية ~~بعضها لبعض، على عقد التحالف الذي سيمكنها من التغلب على الدولة التركية ~~الضخمة؟! # أرى من المفيد لجلاء هاتين النقطتين أن أذكر حديثا دار بيني وبين الموسيو ~~سبالايكوفتش معتمد الصرب في عاصمة البلغار الذي كان كاتب سر عام في وزارة الخارجية ~~الصربية، والذي يرجع إليه وإلى الملك فردينان فضل المحالفة التي عقدت في 13 مارس ~~سنة 1913. # ثم روى أن المعتمد المذكور أخبره بأن الغرض من الحرب هو إزالة «الحالة المؤلمة التي تضغط ~~على الحياة الوطنية في البلغار والصرب واليونان والجبل الأسود، وأن الإصلاح المقدوني لم يكن ~~مأمولا لا من تركيا ولا من الدول»، إلى أن قال: «إن أوروبا ارتكبت غلطتين؛ الأولى: أنها ~~تأخرت في سعيها إلى منع الحرب، والثانية: أنها أخطأت في تقدير غايتنا ومقدرتنا على العمل، ~~فقد كان الواجب أن تهتم بحل المشكلة البلقانية في اليوم الثاني لإعلان الحرب بين تركيا ~~وإيطاليا، لا منذ ثلاثة أسابيع حين اضطرتنا التعبئة العثمانية إلى القيام بتعبئة عامة، ولا ~~منذ أربعة أو خمسة أشهر عندما شاع خبر الاتفاق بين الصرب والبلغار، أو بعد سفر الموسيو ~~بوشكوفتش إلى أثينا حيث كانت المسألة البلقانية شغله الشاغل، ألا كيف غاب عن السياسة ~~الأوروبية أن الدول البلقانية وجدت الفرصة التي ترجوها وتنتظرها من زمن طويل، ms020 وأنها ستعمد ~~إلى اغتنامها لتحل المسألة القديمة؛ إن السنة التي مضت على الحرب العثمانية الإيطالية ~~مكنتنا من عقد روابط اتحادنا، وجعلت الموسيو جيشوف «رئيس الوزارة البلغارية» المعروف بميله ~~إلى السلم وإلى تركيا، يطلب الحرب بعزم راسخ ويمسي من أقوى نصرائها.» # غير أنه يجدر بنا أن نعترف هنا بإسرافنا في الوقت قبل أن نفذنا الفكرة السياسية الحكيمة ~~التي أبداها أستاذي المأسوف عليه ميلوفانوفتش، أعني فكرة الاتحاد السياسي بين الصرب ~~والبلغار، فإن الأستاذ المشار إليه هو الذي أظهر وجوب العمل لعقد ذاك الاتحاد مخافة أن يجيء ~~التيار الغربي فيجرف الأمتين، وأول خطأ ارتكبته أوروبا: هو أنها لم تدرك منذ مدة أن عقد هذا ~~الاتفاق سيتم بحكم الضرورة. # أما الخطأ الثاني الذي ارتكبته أيضا: فهي أنها بقيت تنظر إلينا بعين غلادستون، فلا ~~تحسبنا قادرين على تجنيد 700000 جندي وإرسال 1500 مدفع إلى مواقع القتال، ولا تعدنا إلا ~~أطفالا في الأسرة الأوروبية الكبرى، ثم ألفت هذا الفكر إلى حد أنها باتت تعتقد أن ~~هؤلاء الأطفال يكفيهم أن يعنفوا ولا يطعموا إلا الخبز الجاف ليخلدوا إلى السكينة، ~~وفاتها أنا بلغنا سن الرجال وطلبنا حريتنا في العمل. # عبأنا جيوشنا فلقبوا تعبئتنا بخدعة كبيرة النفقة، وإن هذا القول إلا جهل تام للحالة ~~الراهنة، ويظهر أن الدول العظمى أصبحت لا تدرك معنى السياسات الوطنية التي لا تسير طبقا ~~لمصالحها المادية. # ثم كرر هذا المعتمد الصربي أن الغاية من الحرب إنقاذ إخوانه البلقانيين ومحو السلطة ~~التركية، ثم قال: # ألا كيف يكون المستقبل وكيف يكون حكم السيف؟ إن الجواب لا يستطيعه أحد الآن، لكن ~~جنودنا ستقاتل قتال الأسود والبغضاء تغلي في قلوبها وحب الانتقام يملأ صدورها، ~~وسيبقى وقت كاف لتنظيم البلاد التي سننقذها بعد أن يصدر السيف حكمه، ويجب حينئذ ~~على أوروبا التي أخطأت نظراتها في الماضي، أن تفعل ما تقتضيه المصالح الأوروبية ~~العظمى، فإن الاتفاق بين الدول موقوف على ما ستفعله عندئذ، ومهما يكن من شأن تضامن ~~الدول على السعي السلمي الذي تدل عليه المذكرة الروسية النمساوية، فإن الذي ms021 يستوقف ~~روسيا في أوروبا إنما هو المصالح البلقانية، والضمان الوحيد للتوازن الذي تعيش به ~~الدول اليوم هو اتفاق فرنسا وإنكلترا مع روسيا على العمل يدا واحدة في مسائل ~~البلقان بعد إسكات المدفع وإغماد السيف. # نقل مراسل التان الحربي هذا الحديث عن سياسي من أعرف ساسة الصرب، ثم فرش للقارئ دخلة ~~المسألة بإيضاح قال فيه: # والواقع أن فكرة الاتفاق بين البلغار والصرب قويت واشتدت بعاصمتي هاتين الدولتين ~~في شهر سبتمبر سنة 1912؛ أي وقت إعلان الحرب بين تركيا وإيطاليا فأسرع الموسيو ~~مليوفان ميلوفانوفتش وزير خارجية الصرب إلى إرسال منشور سري إلى دول الاتفاق ~~الثلاثي؛ أي روسيا وفرنسا وإنكلترا، ذكر فيه أن الحالة التي نشأت عن الحرب ~~العثمانية الإيطالية من شأنها أن تحدث تأثيرا في البلقان، وأن دولة الصرب عقدت ~~العزم على فعل ما تراه واجبا لحماية مصالحها عند حدوث مشاكل. # وكتب الموسيو هارتويج المعتمد الروسي في عاصمة الصرب (الذي يشتغل منذ سنة 1909 ~~بعقد اتحاد بين صقالبة الجنوب) إلى الموسيو سازونوف وزير خارجية روسيا يحول نظره ~~إلى أهمية الحوادث التي يتأهبون لها في شبه جزيرة البلقان، ولكن الحكومة الروسية ~~بقيت جامدة بعد هذا التنبيه، أما الحكومة الصربية فإنها عزمت على العمل وكان ~~معتمدها بالعاصمة البلغارية وقتئذ غائبا عن منصبه فأصدر إليه وزير الخارجية ~~الصربية أمرا بالرجوع مسرعا إلى صوفيا ليشتغل بعقد معاهدة بين دولته ~~والبلغار. # ثم ازداد الأمر خطرا واستفحالا في ذاك الوقت بتعبئة جانب من الجيش العثماني في ~~البلقان؛ لأن الحكومة العثمانية تفزعت من أن يكون لصدى حرب طرابلس رجعا قويا ~~في البلاد البلقانية، ثم قامت الدولة البلغارية تريد تعبئة جيشها أيضا. فأخذ وزير ~~خارجية الصرب يفرغ الجهد في حمل بلغاريا على الصبر والأناة رجاء أن يدخر قوتها إلى ~~ما بعد المحالفة التي كان يشتغل بتمهيد سبيلها؛ لأن هذا السياسي المحنك كان يدرك أن ~~كلا من جيش الصرب وجيش البلغار لا يستطيع وحده أن يقهر الجيش العثماني برغم ما ~~عرفه الجواسيس من ضروب الخلل. # ولما وصل الموسيو سبالايكوفتش معتمد الصرب إلى ms022 صوفيا كان سبب السلم مضطربا كل ~~الاضطراب، وملك البلغار يستحم في النمسا، والموسيو جيشوف رئيس وزارته يجول في ~~أوروبا، والموسيو تيودورف وزير المالية ينوب عنه في الرئاسة ، فوقعت الوزارة ~~البلغارية في حيرة لا تدري أي نهج تنهج، وإنها لعلى تلك الحال إذا بتلغراف من ~~رئيس الوزارة يطلب فيه إلى زملائه أن يحجموا عن كل قرار ريثما يصل إلى صوفيا ثم ~~أخبرهم بأنه قابل مولاه الملك في المدينة التي كان يستحم فيها وحادثه مليا في شأن ~~الحالة. # ثم وصل رئيس الوزارة غير مبطئ إلى صوفيا وأخبر زملاءه بأنه حادث الملك فردينان ~~واتفق معه على الصبر والتؤدة أمام التعبئة العثمانية، وبأنه سافر مع وزير الخارجية ~~الصربية واتفقا أيضا على وجوب عقد محالفة بين الدولتين. ثم دارت المفاوضة في هذا ~~الشأن بين معتمد الصرب ورئيس الوزارة البلغارية، وفي 13 مارس سنة 1912 تم توقيع ~~معاهدة هجومية دفاعية بين حكومتي صوفيا وبلغراد. # وكانت الحكومة الروسية حامية الصقالبة أول العارفين بذاك الحادث السياسي الخطير في الشرق، ~~ثم تطرق الخبر إلى باريس فلندرا، وأصبح في وسع حكومتي الصرب والبلغار منذ تلك الساعة ~~التاريخية أن تفكرا في مسألة إعلان الحرب على تركيا. # على أنهما رأتا من الحكمة وأصالة الرأي أن تسعيا في إدخال العدو الثالث لتركيا في هذا ~~التحالف الجديد، فأخذتا منذ اليوم التالي في استطلاع طلع اليونان واستجلاء رأي حكومتهم، ~~فوجدتا منها إقبالا سريعا على الدخول في سلك المحالفة البلقانية، وكان أكبر أنصارها في ~~العاصمة اليونانية الموسيو فنزيلوس رئيس الوزارة، فأمضت الحكومة اليونانية معاهدة التحالف ~~على «العدو العام» كما يقولون، فلم يبق إلا اختيار الوقت الموافق لإيقاظ السيف ~~الهاجع. # سرت ريح هذا النبأ من دواوين السياسيين إلى مكاتب الصحافيين، لكنه أتاهم غامضا مبهما ~~فحاموا حول الموضوع وخبطوا بعض الخبط، ثم تمكنوا من إثبات وجود التحالف، أما الحكومة ~~العثمانية وقتئذ فلم تقم بكل ما وجب عليها من التأهب تلافيا للشر، بل عززت الجيش بعض ~~التعزيز ولبثت تعتقد أن الخطر غير داهم إما لجهل من معتمديها في عواصم ms023 الدول الثلاث وقصورهم ~~عن معرفة ما يهدد دولتهم، وإما لتطرف رجالها في التفاؤل الحسن وفي الثقة بسياسة ~~أوروبا. # وليس لدينا شك بعد ما قاله معتمد الصرب بالعاصمة البلغارية (كما عرفنا من حديثه المتقدم) ~~في أن الحرب الطرابلسية كانت من العوامل التي جعلت الدول البلقانية تعقد العزيمة وتوطن ~~النفس على إعلان الحرب بلا مهل؛ فلذلك كانت حكومات صوفيا وبلغراد وأثينا تود من صميم القلب ~~أن تفشل الدول في التوسط بين الحكومة العثمانية والحكومة الإيطالية، كما قال الموسيو رينيه ~~بيو، ثم ازداد خوفها من ضياع تلك الفرصة «الفريدة» حين اقترحت الحكومة النمساوية على ~~الحكومة العثمانية أن تتبع طريقة الاستقلال الإداري المحلي (اللامركزية)، وقام في خلدها أن ~~النمسا ما اقترحت هذا الاقتراح إلا وهي تضمر التقدم جنوبا فتستولي على سنجق نوى بازار، ثم ~~تهبط سلانيك، ثم تجعل ألبانيا كمستعمرة نمساوية، والواقع أنه لا يسع أحدا أن ينكر سعي ~~النمسا في بسط نفوذها بأنحاء ألبانيا على أيدي رجال الدين كما كانت تفعل في البوسنة والهرسك ~~في سالف الزمان، وهي تدعي حماية الكاثوليك الألبانيين وتنفق في سبيل نفوذها هناك مالا ~~كثيرا. ~~••• # وليس من فضلة الكلام أن نذكر هنا محصل ما نشره الموسيو ه. وجنر الكاتب الحربي الشهير في ~~النمسا، ومراسل «الريشبوت» أيام الحرب البلقانية، فإن هذا الكاتب الذي قربه إليه ملك ~~البلغار ورئيس الوزارة البلغارية عقد فصلا عن التحالف البلقاني في كتابه المسمى «في سبيل ~~الانتصار مع جيش البلغار» نأخذ منه ما يلي: # إن فكرة الحرب البلقانية لم تمتد وتنتشر إلا بعد نشوب الحرب الطرابلسية التي هي ~~أول حرب قاست تركيا الدستورية نيرانها وخاضت معمعانها، وهي التي هيجت شوق ~~الحكومات البلقانية «إلى تصفية حساب» المنازعات القديمة دفعة واحدة مع الدولة ~~العثمانية، فعمدت إلى المفاوضة الأولى في ذاك الوقت إرادة أن تنال منها نتيجة قبل ~~أن تضع الحرب الطرابلسية أوزارها. وفي ذاك الوقت أيضا ذهب مندوبون مقدونيون إلى ~~روما للمذاكرة في الموضوع. # وكان أثر الحرب الطرابلسية على أشده في البلاد البلغارية، حيث يعتقد جماعة من ~~السياسيين ms024 منذ زمن طويل أن تضامن الصرب والبلغار واليونان هو أمر ممكن برغم التنازع ~~الذي كان قائما بينهم، ثم قويت الفكرة شيئا فشيئا حتى اتجهت إليها أفكار ~~الحكومات وكان الموسيو فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية من أشد أنصارها. # ولما كان شهر مايو سنة 1912، وضع مشروع أولي للتحالف، وجميع القرائن تدلنا على أن ~~دولة الصرب ودولة البلغار هما اللتان تفاوضتا واتفقتا أولا، ثم أخذت الحكومة ~~البلغارية تفاوض حكومة اليونان، وأخذت حكومة الصرب تفاوض الجبل الأسود وتوقف ~~الحكومة البلغارية على مجرى المفاوضة، والظاهر أن حكومة الصرب هي التي شرعت في تلك ~~الحركة قبل غيرها، وأن الاتفاق بني أولا على شئون سياسية واقتصادية لا على مقاصد ~~عدائية، ثم عقد التحالف العسكري قبل نشوب الحرب بمدة قصيرة. # وروى الموسيو وجنر في محل آخر من كتابه أن الموسيو جيشوف رئيس الوزارة البلغارية عقد في ~~فينا اجتماعا من معتمدي دولته السياسيين في باريس وفينا وروما وبرلين وشاورهم في أمر ~~الحرب، فارتأى معتمدا فينا وبرلين على ما قيل: إن الوقت غير موافق لحل العقدة بحد ~~السيف. # أما معتمد باريس الدكتور ديمتري ستانيسيوف فخالفهما في الرأي، وذهب إلى أن تصريح الدول ~~بعزمها على حفظ خريطة تركيا كما هي لا يعتد به ولا ينظر إليه بعين الجد، ولا سيما أن ~~إحدى تلك الدول (إيطاليا) هبت تخالف ذلك. ثم وافقه الموسيو ريزوف معتمد البلغار في العاصمة ~~الإيطالية وطلب أن لا تضيع بلغاريا فرصة الحرب الطرابلسية كما أضاعت فرصة ~~1908-1909. # وأما الموسيو جيشون رئيس الوزارة البلغارية فلم يكن شديد الميل إلى معاداة الدولة العلية، ~~وليس جنوحه إلى المسالمة في ذاك الحين إلا اجتنابا للمجازفة والمخاطرة، فإن الرجل مثل سائر ~~البلغاريين يدعوهم الطمع والحقد والسياسة والجنس والدين إلى تلقف كل ما يمكن أخذه من يد ~~السلطنة العثمانية. ومما يذكر هنا كتاب بعث به إلى الموسيو وجنر (فنشره في صدر مؤلفه)، ~~وروى فيه أن ولاة الأمور العثمانيين قبضوا عليه بمدينة فليبولي في شهر سبتمبر سنة 1877 ~~وزجوه في السجن؛ لأنه نشر في جريدة التيمس سلسلة ms025 مقالات طعن فيها على الحكومة العثمانية، ثم ~~اتفق له بعد سجنه أن نظر في جريدة تركية اسمها «وقت»، فإذا فيها أن المحكمة أصدرت حكما ~~بإعدامه، ولكنه ما لبث أن نجا بأعجوبة - على قوله - من المشنقة، وبعد ذاك الحادث بخمس ~~وثلاثين سنة صار رئيسا لمجلس النظار البلغاري، ولما عرضت فرصة الانتقام ورآها موافقة ~~لدولته أصبح هو حربا على تركيا بعد أن كان يبتسم لها ويميل إلى مجاملتها. # | مرسح السياسة قبل إعلان الحرب # من 3 إلى 17 أكتوبر # أصح ما نشبه به السياسة قبل إعلان الحرب ببضعة عشر يوما بحر عجاج متلاطم الأمواج، ~~يقذف بالدول تارة إلى مينا الأمان وتارة إلى لجة الخطر، وليس أدل على حالة السياسة العامة ~~في ذاك الوقت من الوقوف على الأقوال الرسمية والشبيهة بالرسمية. # والمستفاد من تلك الأقوال التي كانت تنشرها الجرائد الكبرى أن أوروبا عرفت بتعبئة جيوش ~~البلغار والصرب واليونان، ثم سمعت بأن المدفع أخذ يغني نغمة الشؤم على حدود الجبل الأسود، ~~وبقيت تؤمل تبديد الغيمة السوداء التي تكاثفت في جو البلقان. # لكن ذوي النظرات الصادقة الذين قابلوا السياسيين البلقانيين وأدركوا مقاصدهم عرفوا منذ ~~أوائل أكتوبر أن كفة الحرب رجحت كل الرجحان، فصار عود المياه إلى مجاريها غير مأمول، وإليك ~~ما كتبه الموسيو رينيه بيو في 5 أكتوبر بعد أن قابل ساسة البلغار في صوفيا: # في هذا الصباح وقف ملك البلغار في مجلس النواب وهو عاري الرأس فاتجهت إليه ~~الأنظار كل الاتجاه، وأخذ الحضور يهتفون له هتافا طويلا، ثم افتتح فصل الجلسات ~~غير العادية وطلب من النواب أن يوافقوا على مبلغ ~~خمسين مليون فرنك لنفقات عسكرية استثنائية، ويرجح أن تكون الموافقة النهائية على ~~هذا المبلغ يوم الاثنين القادم؛ لأن جميع الأحزاب البلغارية متفقة كل ~~الاتفاق. # أما الاتفاق بين الدول البلقانية فهو تام مستحكم الحلقات، والمساعي التي قامت بها ~~تركيا لفصل المملكة الصربية عنها كان نصيبها الحبوط، أما رومانيا فقد ورد خبر أكيد ~~من بطرسبرج بأنها تلزم الحياد، وأما النمسا فلا تنوي المداخلة، والبلقانيون ينتظرون ~~الآن نتيجة ms026 السعي الأخير الذي تقوم به الدول في الأستانة، وينوون نية راسخة أن ~~لا يكتفوا بوعود مبهمة، والبلغاريون يريدون لتركيا أوروبا استقلالا إداريا ~~مؤسسا على الجنسيات؛ نعني أنهم يريدون تقسيمها إلى ثلاث مناطق؛ الأولى: بلغارية ، ~~والثانية: صربية، والثالثة: يونانية. ويطلبون لكل منها مجلسا وطنيا وحكاما ~~مسيحيين يعينون بعد موافقة الدول، ثم تؤلف فيها جندية محلية، وتصدر حكومة ~~الأستانة أوامرها إلى الجنود العثمانية بالخروج عاجلا من تركيا أوروبا. # كفى المرء أن يطلع على ما تقدم ليعلم أن حكومات البلقان أرادت أن تطلب مطالب لا يمكن ~~قبولها لتحرج الحكومة العثمانية فتخرجها عن سجيتها، وكان من نية البلقانيين في ذاك الحين أن ~~لا يتسرعوا ولا يعلنوا الحرب إلا في منتصف أكتوبر بقصد أن يبقوا للدول وقتا كافيا للحصول ~~على جواب من الباب العالي في شأن الإصلاح، وليتمكنوا من إتمام التعبئة والحشد في المواقع ~~التي عينوها في خطتهم الحربية. وبعد أن يتم لهم ما أرادوا من هذين الوجهين يرسلون مذكرة ~~إجماعية إلى الحكومة العثمانية يبسطون فيها مطالبهم ومقترحاتهم، فإذا ورد الجواب العثماني ~~«بنعم» بلغوا ما يتمنون من استقلال تركيا أوروبا، وتقدموا خطوات واسعة بلا حرب ولا ضرب نحو ~~غايتهم الكبرى، وإذا ورد الجواب «بلا» عمدوا إلى إعلان الحرب من غير أن يدعوا للدولة العلية ~~وقتا طويلا يضر بخطتهم الحربية. # وما كان اليوم السابع من شهر أكتوبر حتى تمت تعبئة الجيش البلغاري وأخذ يزحف إلى المواقع ~~المعينة له. وروى مراسل التان الحربي أن تعبئته تمت في ستة أيام، ثم وردت أخبار من عاصمة ~~الصرب وعاصمة اليونان تنبئ بالتعبئة أيضا. # كان ذاك كله يجرى في البلدان البلقانية، والدول العظمى تسعى لدى الباب العالي في حمله على ~~قبول مذكرتها، التي تطلب فيها الإصلاح عملا بمقتضى المادة الثالثة والعشرين من مؤتمر ~~برلين، ثم اتفقت على إبلاغ مشيئتها إلى دول البلقان لعلها تحترمها وتعدل عن الحرب، وكلفت ~~روسيا والنمسا أن تبلغا تلك المشيئة بالأصالة عن نفسيهما والنيابة عن سائر الدول إلى حكومات ~~صوفيا وبلغراد وأثينا، فقابل معتمدا الدولتين ذوي الشأن ms027 في العواصم البلقانية، وأبلغاهم ~~أولا: أن الدول العظمى تنكر أشد الإنكار كل تدبير من شأنه أن يقطع حبل السلم، ثانيا: أن ~~الدول تأخذ على عاتقها إجراء الإصلاح في تركيا أوروبا عملا بالمادة الثالثة والعشرين من ~~معاهدة برلين، وأنها ما برحت تحتفظ بسيادة جلالة السلطان وبسلامة أملاك السلطنة، ثالثا: ~~أنه إذا قامت الحرب خلافا لمشيئتها بين تركيا والدول البلقانية فإنها - نعني الدول العظمى ~~- لا تسمح بأي تغيير في خريطة تركيا أوروبا. # هذا جوهر البلاغ الدولي إلى حكومات البلقان، وسيرى القارئ أنها داسته بكعوب الأرجل حين ~~طلع طالع النصر على الرايات البلقانية. ومما يجدر بالذكر هنا أن الموسيو جيشوف رئيس وزارة ~~البلغار أجاب معتمدي روسيا والنمسا حين قابلاه وأوقفاه على بلاغ الدول بقوله: «يا للأسف، ~~إنا عبأنا جيوشنا.» وهذا الجواب يشبه جواب روسيا للورد لوفتوس سفير إنكلترا حين أراد ~~منع الحرب بين الدولة العلية وروسيا سنة 1877، فكأنما المقادير أرادت أن يقوم الشبه بين ~~مقدمات الحرب البلقانية ومقدمات الحرب الروسية العثمانية، حتى في الكلمات. والواقع أن ~~البلغاريين وحلفاءهم كانوا عازمين عزما راسخا على الحرب برغم كل مذكرة دولية، وأقوى برهان ~~على هذا العزم أنهم أعدوا جوابهم على مذكرة الدول قبل أن تصلهم ويقفوا على معناها، كما قال ~~الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي الذي كان في صوفيا يوم وصول تلك المذكرة؛ أي 8 ~~أكتوبر. # وفي التاسع من أكتوبر اجتمع مجلس نظار البلغار فنظر في المذكرة الدولية وحكم بأنها لم ~~تعين الإصلاحات المطلوبة تعيينا كافيا ولم تشتمل على الضمانات الواجبة لتنفيذ تلك ~~الإصلاحات. غير أنه لم يشأ أن يقر على القرار الفاصل قبل أن يطلع على آراء حكومتي بلغراد ~~وأثينا، وما طلعت شمس الثالث عشر من أكتوبر حتى كان الاتفاق تاما بين المتحالفين على صيغة ~~جوابهم للدول العظمى، وإليك معناه. # استهلت حكومات البلغار والصرب واليونان مذكراتها المتشابهة بشكر الدول العظمى لما أظهرته ~~من الاهتمام بالمسألة البلقانية، ثم ذكرت أنها أصبحت في حالة توجب عليها أن تطلب من الباب ~~العالي مباشرة تعيين مقاصده المختصة بالإصلاح ms028 المقدوني، فكان هذا الجواب رفضا صريحا لما ~~تضمنته مذكرة الدول، وكان هذا الرفض منويا كما قدمنا. # وبعد تسليم الجواب إلى معتمدي الدول أسرعت الحكومات البلقانية إلى تسليم بلاغها الذي ~~أعدته للدولة العلية، وطلبت فيه مطالب كان من الثابت الأكيد لديها أن الحكومة العثمانية ~~سترفضها. ونحن نكتفي هنا بذكر ما تضمنه البلاغ البلغاري؛ لأنه يشبه في جوهره ما طلبته حكومة ~~الصرب واليونان، فهو يتضمن تسعة مطالب؛ أولها: أن تقسم الولايات العثمانية (في تركيا ~~أوروبا) على أساس الجنسيات. ثانيا: أن ينتخب منها نواب للبرلمان العثماني يكون عددهم ~~على نسبة عدد أهلها. ثالثا: أن يقبل المسيحيون في وظائف الحكومة وتراعى المساواة بينهم ~~وبين المسلمين. رابعا: أن تكون جميع المدارس على اختلاف أديانها متساوية. خامسا: أن تكف ~~الحكومة العثمانية عن إرسال المهاجرين. سادسا: أن تنشأ جندية محلية يعين فيها ضباط ~~مسيحيون. سابعا: أن يجدد تنظيم الجندرمة تحت إمرة ضباط من سويسرا وبلجيكا وأن يمنحوا ~~سلطة فعلية. ثامنا: أن يعين ولاة مسيحيون من سويسرا. تاسعا: أن تؤلف مجالس عالية نصف ~~أعضائها من المسيحيين والنصف الآخر من المسلمين لمراقبة إجراء الإصلاح، وكان في نية ساسة ~~البلغار كما قال مراسل التان أن يطلبوا من حلفائهم إخراج الجنود العثمانية من مقدونية ~~وغيرها. إلا أنهم اتفقوا أخيرا على مطلب أصعب من ذاك الطلب وأدل منه على رغبتهم في إقفال ~~كل باب للاتفاق، وهو أن تكون الحكومات البلقانية مشرفة على الإصلاح المطلوب، وليس في وسع ~~الدولة العلية أن تقبل مثل هذا الطلب من دول صغيرة كان بعضها حتى سنة 1877 ولاية عثمانية، ~~فنشأ عن مطالب البلقانيين أن الهياج اشتد في العاصمة العثمانية، وأقيمت المظاهر بطلب الحرب ~~وقوي تيار الرأي العام حتى بات من الخطر الداخلي على الحكومة أن تصده بعنف، كما بات من ~~الخطر الخارجي الأعظم أن تبطئ الحكومة في التعبئة، ولكنها لم توفق لسوء طالع الأمة ~~العثمانية. # ولقد أضر تفاؤل تلك الحكومة ببقاء السلم أبلغ الإضرار بالسلطنة، وربما انتحل لها مريدوها ~~من الأعذار أن الخطب الرسمية التي ألقاها أقطاب ms029 السياسة بقيت تعزز أمل المتفائلين خيرا إلى ~~ما قبل إعلان الحرب ببضعة أيام، وأن وزير الخارجية الإنكليزية الذي كان الأمل منوطا ~~بمساعدته السياسية قال في السابع من أكتوبر على مسمع من نواب الإنكليز: «إني لا أقدر ~~الفشل للدول في مساعيهن، وأن إنكلترا ستبذل ما في وسعها لحفظ اتحاد الدول العظمى إن وقع ذاك ~~الفشل.» # على أن ذاك العذر شديد الوهن؛ لأن المسائل الحيوية لا يجوز فيها التفاؤل الحسن ما دام ~~لدى الساسة خطر أو شبه خطر خارجي، والسياسة المثلى في مثل تلك الحال أن تشتغل الحكومة ~~بيمناها لتجعل الأهبة تامة، وتشتغل بيسراها لترجح كفة السلم على كفة الحرب. ~~••• # طلبت حكومات البلغار والصرب واليونان تلك المطالب على صيغة لا يرجى معها سلام، وكانت ~~حليفتها حكومة الجبل الأسود، قد أعلنت الحرب منذ 8 أكتوبر قبل مخاطبة معتمدي روسيا والنمسا ~~الموكلين من قبل الدول بالسعي في سبيل السلم، وكانت الجنود العثمانية من جهة ثالثة قد أخذت ~~تسافر إلى تراقيه وغيرها من أنحاء البلقان، وازداد هياج الجمهور العثماني في معظم أنحاء ~~السلطنة فأيقنت الحكومة العثمانية - ولكن بعد ضياع الوقت الثمين - أن الكلام أصبح للمدفع، ~~وقررت ألا تجيب حكومات البلقان على مذكرتها تحقيرا لها، واكتفى نوردانجيان أفندي وزير ~~خارجتيها بأن يقتصر على إجابة الدول العظمى التي طلبت الإصلاح طبقا للمادة 23 من معاهدة ~~برلين، وإليك فحوى جوابه: # أنا وزير خارجية جلالة السلطان أتشرف بتذكير سفراء الدول العظمى أن الحكومة ~~السلطانية اعترفت بضرورة إجراء الإصلاح الإداري في ولايات تركيا أوروبا، واقتنعت ~~بوجوبه إلى حد أنها تريد إجراءه بنفسها من غير أن يكون لأجنبي يد فيها، وهي ترى أن ~~القيام بالإصلاح على هذا المنوال يعود بالسعادة والنجاح الاقتصادي، ويوثق عرى ~~الوئام بين العناصر المختلفة من الأهالي طبقا لما تقتضيه روح الدستور. # وجدير بنا أن نذكر هنا أن من الأسباب الجوهرية في حبوط المساعي الإصلاحية، إحداث ~~الاضطرابات والجنايات التي لم يبق شك ولا ريب في غاية محدثيها، وأن الحكومة ~~العثمانية تقدر قدر البلاغ الودادي الذي رأت الدول إرساله ms030 في الظروف الحاضرة، ~~وتشاركها من صميم الفؤاد في الجهد الذي تبذله لمنع الحرب وما تجره من الويل ~~والكرب؛ لأن من واجب العالم المتمدن أن يتلافى حدوثها بجميع الوسائل السلمية، ونحن ~~مقتنعون بأنا سبقنا إلى تسهيل سبيل المهمة الإنسانية التي تريد الدول أداءها بحل ~~المعضلة الهائلة التي لديها. # وليس من مراد الحكومة السلطانية أن توضح هنا أن تنفيذ معاهدة برلين لم يكن طبقا ~~لروحها ولا لحرفيتها، ولا أن تنظر في القيمة الباقية للمادة 23 من تلك المعاهدة، بل ~~تقتصر على التصريح بأنها قررت من تلقاء نفسها أن تعرض على البرلمان العثماني قانون ~~1880 ثم ترفعه إلى جلالة السلطان للموافقة عليه عملا بمقتضى الدستور، ويمكن للدول ~~العظمى أن تكون واثقة منذ اليوم بأن الحكومة السلطانية تنفذ القانون المذكور ~~بكل تدقيق. # ثم رأى الباب العالي أن يصدر أوامره في 15 أكتوبر إلى معتمديه في عاصمة البلغار وعاصمة ~~الصرب بالسفر منهما؛ لأن ابتداء القتال أصبح لا مناص منه في أقرب وقت بعد البلاغ الذي ~~أرسلته الدول البلقانية، وعزمت الحكومة العثمانية على نبذه وإغفاله، وهذا ما كانت تنتظره ~~الحكومات البلقانية بل ما كانت تريده وتعمل له. # وإذا أراد القارئ أن يعرف الصبر الذي اعتصمت الحكومة العثمانية بحبله في البدء، فحسبه أن ~~يطلع على ما كتبه الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في الأستانة أيام الحرب، ~~فقد ذكر أنه قابل دولة نوردانجيان أفندي وحادثه في موضوع الحرب، فقال له الوزير: «لم يكن ~~في وسع أمة أوروبية عظيمة أن تصبر صبرنا وتحتمل ما حملنا من الإهانة، فإنه منذ شهرين دخلت ~~عصابات مسلحة إلى أرضنا وقتلت عددا من جنودنا ونهبت بلادنا وهدمت بعض معاقلنا، فكان عملها ~~إهانة واضحة لنا وهتكا لحرمة أرضنا، ولو وقع مثل هذا الحادث في أي بلد آخر لكان سببا ~~كافيا للعدوان. أما نحن فقد غالينا في التسامح إلى حد الضعف، فدفنا قتلانا وجددنا ~~معاقلنا وسكنا غضب الأهالي.» # ثم ذكر الوزير الإصلاحات التي أجراها مع زملائه أو حاولوا إجراءها، وما كان من عزمهم ms031 على ~~طلب ستة عشر مستشارا إنكليزيا للولاة، ثم قال: «ولكن البلقانيين كانوا يندفعون في سبيل ~~العداء والوقاحة بقدر ما كنا نتقدم في سبيل الإصلاح، أما اليوم فقد صرنا إلى الحرب، فلتكن ~~الحرب ... إنها تنشب رغم إرادتنا وإرادة أوروبا ولا سيما فرنسا التي بقي رئيس وزارتها يسعى ~~حتى آخر دقيقة في سبيل تلافيها، وإنا سندير رحاها بكل ما نملك من نشاط ووطنية.» # كارل ملك رومانيا التي تهددت بلغاريا بالحرب وأخذت منها سلستريا بدل ~~حيادها. # جورج الأول ملك اليونان الذي قتل في سلانيك. # ولي عهد الصرب الحالي. # ولي عهد الجبل الأسود الحالي. # الأمير بوريس ولي عهد البلغار الحالي. # بسمارك رئيس مؤتمر برلين. # مؤتمر برلين وسترى علاقته بالحرب. # الأمير قسطنطين ولي عهد اليونان الذي صار ملكا بعد مقتل أبيه. # الجنرال سافوف القائد العام لجيش البلغار. # | إعلان الحرب # أرسلت حكومات صوفيا وبلغراد وأثينا إعلان الحرب إلى معتمديها بالأستانة في السابع عشر من ~~شهر أكتوبر؛ لأنها لم تشأ أن تضيع الوقت الثمين بعد أن تم حشد جيوشها. ولما كان الضحى من ~~اليوم التالي؛ أي 18 أكتوبر ذهب المعتمدون البلقانيون إلى وزارة الخارجية العثمانية ورفعوا ~~إليها بلاغ دولهم، وهو يتضمن أن العثمانيين هم الذين أتوا عدة أسباب للعدوان منها الاستيلاء ~~على كثير من البواخر اليونانية، وعلى الذخائر والمعدات الحربية التي كانت مرسلة إلى الصرب، ~~ثم الاعتداء على الحدود البلغارية والحدود الصربية، وختم البلاغ بالعبارة الآتية: «نرانا ~~مع الأسف مضطرين إلى تجريد سيوفنا.» # ثم غادر المعتمدون البلقانيون عاصمة السلطنة العثمانية، وظهر في اليوم نفسه منشورات رسمية ~~من ملوك البلغار والصرب واليونان وصفوا فيها حالة «إخوانهم» في مقدونيا وصفا يهيج ~~العواطف على تركيا، ولقبوا الحرب البلقانية «بالصليبية»، ثم ظهر منشور من جلالة السلطان ~~يذكر الجنود العثمانية بمجد آبائها وأجدادها وبشجاعتهم التاريخية، ويحضها على احترام ~~النساء والأطفال وسائر الذين لا يدخلون معمعان الحرب، فكان البون كبيرا بينه وبين منشورات ~~ملوك البلقان؛ لأن «الخليفة» اجتنب وصف الحرب بالدينية، وإذا كان بعض العصابات الألبانية ~~وغيرها لم يعملوا بوصيته فإنما الجرم يلقى ms032 على رءوسهم لا على جلالته. # وقبل إعلان الحرب البلقانية بقليل رأت الحكومة العثمانية أن تفرغ من أمر الحرب ~~الطرابلسية، فقبلت الشروط الأساسية التي طلبتها إيطاليا لتكون مطلقة اليدين حيث يتهددها ~~الخطر الأكبر. ~~••• # كان إعلان الحرب البلقانية قبل أن يتم حشد الجيش العثماني كما روى الضابط الألماني ~~هوشوختر الذي رافق دولة محمود مختار باشا، ولكن الآمال كانت كبيرة في الأستانة، والمراجع ~~العالية كانت تلتهب شوقا إلى إظهار قوة الجيش العثماني كما قال أيضا ذاك الضابط الألماني، ~~ثم إن الجيش نفسه كان يتوق إلى القتال بعد أن وقف أشهرا عديدة أمام الحرب الطرابلسية وهو ~~لا يستطيع الوصول إلى أولئك الأعداء الذين هجموا على طرابلس، وكل من وقف على الجرائد ~~الأوروبية الكبرى يعلم أن عددا غير قليل من القواد ولا سيما القواد الألمانيين كانوا ~~يرجحون أن طالع الجيش العثماني سيكون سعيدا في المعارك المقبلة. # وإذا راجعنا ما كتبه الموسيو استفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في عاصمة السلطنة ~~أيام سفر الجنود العثمانية إلى مواقع القتال، وجدنا ما يدل على هذا الرأي الذي كان شائعا، ~~قال الكاتب المشار إليه في مؤلفه المسمى «عند سرير تركيا»: إني سألت الموسيو جورج ريمون ~~الذي كان مع الأتراك في طرابلس عن عددهم هناك، فقال لي: إني أوكد لك كل التأكيد أنهم لم ~~يكونوا في طرابلس أكثر من 1700 تركي، فعجبنا وأخذنا نتساءل قائلين: «إذا كان 1700 تركي ~~قاوموا مائة ألف رجل طلياني فأي عدد تحتاج إليه الحكومة التركية لقهر 200 ألف بلغاري، ولكن ~~الحرب هي - لفرط الأسف - أبعد شيء عند حساب الحاسبين.» # ثم روى حديثا يدل على الحالة النفسية التي كانت عليها جنود الرديف، قال: # ذهبت إلى مقربة من سان استفانو؛ تلك المدينة الصغيرة التي اكتسبت صفة تاريخية ~~مضاعفة بنزول الجيش الروسي فيها سنة 1878، ثم بدخول الجيش الذي قدم من سلانيك سنة ~~1909 (لتأييد الدستور)، فوجدت خمسة عشر ألف جندي عثماني معسكرين، ولما وصلت كانوا ~~جالسين جماعات جماعات على شكل حلقات، بعضها يحيط بضابط يشرح بعض النظريات، ms033 والبعض ~~يجهز العدات، وهم عامرو البنيان كبيرو الجثمان كالذين رأيتهم في الأستانة، فدعوت ~~إلى أحدهم بعد استئذان ضابطه وسألته: من أين أنت؟ ~~- من أنقرة (وهي تبعد 500 كيلومتر عن البوسفور). ~~- كم يوم قضيتم في السفر إلى هنا؟ ~~- سبعة أيام. ~~- هل تركت عددا من الجنود وراءك؟ ~~- ألوفا كثيرة . ~~- كم تقبض من النقود في اليوم؟ ~~- ثلاثة قروش. ~~- وهل تدفع إليك؟ ~~- بانتظام. ~~- متى تؤمل الرجوع إلى أنقرة؟ ~~- بعد شهرين، فإنا قادمون لنزهة حربية. ~~- هل تأسف على شيء تركته وراءك؟ ~~- نعم، آسف على الموسيقيين، ولكنهم لا يلبثون أن يصلوا، ونحن محتاجون إليه لنرقص ~~بنات البلغار على نغمات موسيقاهم. # تلك هي الحالة النفسية عند معظم الجيش يوم إعلان الحرب وهي عامل كبير من عوامل ~~النصر، ولكن سوء الإدارة أودى بها كما يودي السوس بالشجر النضير. ~~(1) الجيش العثماني وقت إعلان الحرب # كان أركان حرب الجيش العثماني يجهلون من سرائر الجيش البلغاري وسائر جيوش البلقانيين ~~بقدر ما كان يعرف أركان حرب الجيش البلغاري من شئون العثمانيين، وجل ما كان يعتقده ~~كبار القواد في الأستانة لا يخرج عما ذاع وشاع من أن الجيش البلغاري منظم والجيش الصربي ~~والجيش اليوناني سارا خطوات كبيرة في سبيل التنظيم، لكنهم لم يكونوا يحسبون حساب ~~التحالف البلقاني ولم يتأهبوا له بوضع خطة حربية عامة، بل كانوا ينظرون إلى الجيش ~~البلغاري على حدة، وما فكروا في الخطة الحربية العامة إلا بعد أن ثبت لهم خبر التحالف ~~بين البلغار والصرب، وإذا كانت الجيوش العثمانية موزعة من قبل في أنحاء البلقان فليس ~~توزيعها دليلا كافيا على أن الحكومة العثمانية كانت تتوقع منذ مدة مديدة تحالفا ~~قويا عليها. # 1 # ولما وضعت نظارة الحربية العثمانية نظاما جديدا للجيش العثماني سنة 1909 على أثر ~~إعلان الدستور، ظهر من حسبانها وما نشر من بيانها أن الدولة العثمانية سيكون لها قوة ~~حربية لا تخاف معها دول البلقان ولا تكترث لعدوانها، فإن هذا النظام قضى بتقسيم الجيش ~~العثماني إلى أربعة أقسام أو جيوش منها: جيشان للولايات العثمانية الأوروبية، والاثنان ~~الباقيان لسائر أنحاء ms034 السلطنة. وجيشا الولايات الأوروبية يمكنهما أن يتلقيا قوة ~~للإبدال أو الإنجاد من جهات آسيا الصغرى، ومحل الجيش الأول منهما خط يمتد من أدرنه حتى ~~الأستانة، وهو مؤلف من الفيلق الأول: المعروف بفيلق الأستانة، والفيلق الثاني: المعروف ~~بفيلق تكفور طاغي (رودستو) والفيلق الثالث: المعين لقرق كليسا وما جاورها، والفيلق ~~الرابع : لأدرن وحصونها، وقوة هذا الجيش تبلغ حسب النظام الجديد 220000 جندي من المشاة ~~و6000 فارس و454 مدفعا. # أما الجيش الثاني الذي خصص للولايات المعروفة باسم مقدونيا؛ فقد كان أقوى منه بحسب ~~ذاك النظام؛ لأن مجموعه يبلغ 340000 رجل و500 مدفع، وكان من المأمول أن الجيشين ~~المذكورين يمكنهما أن يقويا في وقت الحرب بفضل النجدات التي كان يرجى إرسالها من آسيا ~~الصغرى. ~~••• # غير أن تلك القوات الجميلة لم تكن إلا على الورق. والصحيح أن نظام 1909 أضر بالجيش ~~العثماني بدلا من أن ينفعه ويعزز جانبه، وليس ضرره بناشئ عن فساد النظام نفسه بل عن ~~سبب آخر، هو أن كل نظام يدخل على جيش - كما يقول الاختصاصيون - يدع هذا الجيش ضعيفا ~~غير متماسك الأجزاء إلى أن يتم، وكل دولة تدور بها الأخطار مثل تركيا لا يجوز لها أن ~~تهدم نظام جيشها دفعة واحدة لتقيم مقامه نظاما آخر، بل يجدر بها لتأمن الخطر أن تغير ~~ذاك النظام شيئا فشيئا حتى لا يتزعزع بنيان قواتها الحربية فيطمع فيها العدو الساهر، ~~كما فعلت روسيا مع تركيا نفسها سنة 1820، وكما فعلت الممالك البلقانية في هذا الزمن، ~~ولقد أظهر الكتاب الحربيون ومن جملتهم الموسيو وجنر أن الحرب البلقانية نشبت ونظام ~~الجيش العثماني لم يكمل، والرديف لم يتمرن، وبعض القواد لم يتعودوا تحريك الجنود ~~الجرارة في ساحات القتال، وعدد الضباط اللازم لم يتم، فإن الجيش كان يحتاج إلى 5000 ~~ضابط كما قال فخامة مختار باشا الغازي في حديث، وزد على ذاك كله أن السكك الحديدية لم ~~تكن تنقل العدد الذي كان يرجى نقله. # وكان من نكد الدنيا وسوء الطالع على تركيا أن أولياء الأمور قد اقترفوا خطأ كبيرا ~~في ms035 أوائل شهر سبتمبر؛ أي قبل إعلان الحرب بنحو شهر ونصف، وذاك أنهم صرفوا الرديف الذي ~~كان تحت الهلال، فجاء صرفه في الوقت الذي يجب فيه تعزيزه وتقويته. وفي منتصف الشهر ~~المذكور صرفت أيضا طبقة من الجيش العامل، وفي 23 منه عادت تركيا تعبئ عشر فرق من ~~الرديف على حدود البلغار والصرب بحجة أنها تنوي تمرينهم، ولكن تعبئتها كانت بطيئة صعبة، ~~ولما هبت الممالك المتحالفة إلى التعبئة العامة بعد بضعة أيام لم يكن لدى وزارة الحربية ~~العثمانية وقت كاف للتعبئة التامة وحشد الفيالق في الوقت الموافق لها. # وليس من خدمة الحقيقة والتاريخ أن نهمل هنا خطأ آخر ارتكبته الحكومة العثمانية: وهو ~~تجنيدها لرعاياها البلغاريين والصربيين واليونانيين، فإنها ظنت - وما أبعد ظنها عن ~~الصواب - أن وضعهم في مقدمة ألوف من المسلمين يضطرهم إلى إطلاق النار على أعداء الدولة، ~~ولكنهم كانوا يطلقون رصاصهم في الفضاء كما قال غير واحد منهم، ولما لاحت بارقة النصر في ~~جانب إخوانهم في الجنسية والدين طاروا إليهم ورموا طرابيشهم ووضعوا القبعات على رءوسهم، ~~ولا عجب ولا غرابة فيما فعلوا بل العجيب الغريب أن يصدقوا تركيا قولا أو عملا، وكل من ~~يفكر في تاريخهم وأحوالهم يعلم أن «عثمانيتهم» اسم بلا مسمى، وأن كل فريق منهم يحن إلى ~~الدولة التي من دمه وأصله، فالبلغاري يميل إلى البلغار، والصربي إلى الصرب، واليوناني ~~إلى اليونان، ولو بذلت تركيا في سبيل راحتهم دم القلب وسواد العين، لما فضلوها على ~~دولهم الأصلية، بعكس ما نظنه في بقية المسيحيين العثمانيين الذين لا دولة لهم من جنسهم، ~~فإنهم وإن كانوا يذكرون الماضي والقلب حزين، يجدون من مصلحتهم أن يمتزجوا بالدولة ~~العثمانية، وليس في الدنيا أقوى من المصلحة على التوفيق، ولكن رأس الشروط لحملهم على ~~الصفاء لها هو إقامة الحق وتأييد العدل، وأقرب البراهين التي نقدمها على إمكان خدمتهم ~~للوطن العثماني هو أن معظم جنود الأرمن أبلوا بلاء حسنا في القتال، وما عدد الذين ~~حذوا حذو البلقانيين المسيحيين في الهرب والخيانة إلا قليل جدا، ولما قامت إحدى ms036 ~~الجرائد تطعن عليهم كتب المرحوم ناظم باشا كتابا إلى جرائد الأستانة مدح فيه الجنود ~~الآرمنية، واعترف بحسن خدمتها في المعارك وأمل أن يكون لها مستقبل حسن في الجيش ~~العثماني. ~~••• # ويجدر بنا أن نختم هذا الفصل بأهم ما كتبه الماجور فون هوشوختر الألماني (الذي كان ~~أحد أساتذة الجنود العثمانية) في شأن الخلل قبل الحرب، قال: إن حكومة الأستانة لم تكن ~~تجهل أن الحرب إذا نشبت بين تركيا والبلغار ستكون في جهات أدرنه، وأن البلغاريين ~~يتأهبون لها، ومع ذاك كله فإنها لم تزد هناك الخطوط الحديدية، ولم تصلح الطرق ولم تنشئ ~~الجسور، ولم تعتقد أخيرا أن كفة الحرب أرجح من كفة السلم، بدليل أنها أطلقت سراح ~~الرديف قبل إعلان الحرب بقليل، فضعفت القوة التي بقيت إلى حد أن طوابير كثيرة نزل عدد ~~الواحد منها إلى 350 رجلا، ولما عادت الحكومة فأمرت بالتعبئة وجدت نفسها عاجزة عن لحاق ~~العدو في هذا سبيل، وما تمت تعبئة جيشها إلا بإبطاء لا يتصور. # وكانت دوائر النظارات مختلة، ثم جاءتها الأعمال الكثيرة قبل إعلان الحرب فازداد ~~الخلل، وربما كان التنافس في مسألة القيادة بين ناظم باشا وعبد الله باشا من أسباب ~~الشؤم على الجيش العثماني؛ لأن نقل الأوامر تأخر كثيرا بسبب ذاك التنافس. # وكان خط السكك الحديد الشرقية وحيدا، ليس معه إلا بعض خطوط لنقل العدة والأمتعة، ~~وعدد الأرصفة غير كاف، ولقد أظهر الموظفون إخلاصا تاما في عملهم لكنهم ما لبثوا أن ~~رزحوا تحت أعباء المتاعب. # وزد على ذاك كله أن آلات السكك الحديدية أهملت بلا تنظيف، فما انقضت مدة من الزمن ~~حتى أصبحت غير صالحة، ثم إن المياه لم تكن كافية، واشتداد تيار الناس من أهالي وجنود ~~أدى إلى اختلال عظيم؛ حتى إن القطارات العديدة كانت تقضي عدة أيام في اجتياز 50 أو 60 ~~كيلومترا. # أما الجنود - وهنا أريد الجيش العامل - فقد كانت جيدة ومجهزة تجهيزا حسنا ومتعلمة ~~تعليما كافيا، وأما الرديف فقد كان جاهلا للتعليم العسكري؛ لأن العدد المتعلم منه ~~فني بجهات اليمن وحوران وألبانيا ms037 وطرابلس، ومع ذاك كله فإن الجيش العثماني لو كان ~~فيه عدد كاف من الضباط المتعلمين لما بلغت به الحالة من الخطر إلى تلك الدرجة، ولكن ~~القواد المتفوقين لا تجدهم بين كبار الضباط العثمانيين وهؤلاء لا يخالطون الضباط ~~الشبان. # ولما وصل الرديف كان منظره حسنا إلى حد ما، ولكنه كان تعبا من طول شقة السفر، ~~سيء الطعام سيء الإدارة، وبعضه من ذوي العاهات، والجندي القديم الذي كان في العهد ~~الحميدي لا يعرف اليوم كيف يطلق الرصاصة، وكثير من أولئك الجنود لم يتعود إلا استعمال ~~البندقيات التي تحشى من فوهتها، وكانت البطاريات حسنة لكنها محتاجة إلى الخيل، وما ~~حصلوا عليه منها كان ضعيفا. # وكانت معدات النقل التي رأيتها حسنة لكنها قليلة، والعربات غير متينة، على أنني لم ~~أر مطابخ نقالة ولا أفرانا حربية. فقد كان من الواجب على الحكومة أن تهتم بها وتودع ~~مقادير عظيمة من المئونة في جهات المعارك، أما ترتيب إدارة الذخيرة كما نفهمه نحن فلم ~~يكن مضمونا، مع أن الواجب كان يقضي على ولاة الأمور بأن يتوقعوا سوء حالة السكة ~~الحديدية، ويعدوا عربات للنقل غير التي تجرها الجواميس، وبأن يعينوا لأقسام إدارة ~~الميرة والذخيرة موظفين أكفاء مسئولين، فقد رأيت بعيني أن المدافع كانت محتاجة إلى ~~الذخيرة في جميع المعارك، وأن الذخيرة كانت موضوعة وراء الجيش. # على تلك الحال أرسل الجيش العثماني وأثقاله إلى ساحات القتال، فقف بنا ننظر هنا في ~~حالة الجيش البلغاري الذي سيقتحم أكبر المعارك الفاصلة. ~~(2) الجيش البلغاري وقت إعلان الحرب # مضى نحو خمس وعشرين سنة وبلغاريا تتأهب لمحاربة تركيا، وتضع نصب عينها الهجوم على ~~البلاد العثمانية لا الدفاع عن بلادها، والدليل الدامغ على خطتها الهجومية هو أنها لم ~~تبن القلاع والمعاقل الهائلة بل أنفقت معظم المال الذي خصته بالأهبة على تحسين أسلحتها ~~وزيادة عدتها وتعليم جنودها، والحكومة العثمانية نفسها لم تكن تجهل خطتها الهجومية، ~~بدليل أنها عينت أموالا طائلة لتحسين أدرنه عملا بنصيحة المارشال فوندر غولتز ~~الألماني، فإن الغرض من تحصين ذاك الموقع وتحصين قرق كليسا ms038 لم يكن يقصد منه إلا تمكين ~~الجنود العثمانية من الدفاع يوم هجوم البلغاريين، ريثما يتم حشد الجيش العثماني ويصبح ~~قادرا على صدم الجيش البلغاري صدمة ساحقة. وكل من اطلع على المؤلفات التي صدرت أخيرا ~~في موضوع الحرب يجد مؤلفيها الأكفاء مجمعين رأيا على أن بلغاريا أبدت من الجهد العظيم ~~في الاستعداد ما يفوق كل جهد بذلته أية دولة كبيرة بالنسبة إلى عددها، فإن أهالي ~~بلغاريا الذين لا يربو عددهم عن ثلاثة ملايين و750 ألف نفس قدموا لدولتهم من الجنود ~~الصالحة للقتال وللخدمة الإضافية في الإدارة العسكرية وغيرها، نحوا من نصف مليون؛ أي ~~15 في المائة من مجموع أهل البلاد، وهذا لم نر مثله في دولة من الدول حتى فرنسا، # 2 # وطبيعي أن الجهد المالي يجب أن يكون على نسبة الجهد الحربي. # أما الخدمة العسكرية فهي إجبارية بالبلاد، يقوم بها كل رجل عمره من عشرين إلى ست ~~وأربعين سنة، ولا يعفى إلا المسلمون بعد أن يدفعوا البدل العسكري، وجميع الرجال ~~المخصصين للخدمة الإضافية يحق للحكومة أن تدعوهم لأدائها سحابة أربعة أشهر كما يحق لها ~~أن تدعو وقت الحرب كل شاب عمره سبع عشرة سنة، وإن كان موعد خدمته لم يحل، ومدة الخدمة ~~القانونية سنتان للمشاة وثلاث للفرسان وغيرهم، والعدد الرسمي الذي تعتمد عليه بلغاريا ~~وقت الحرب هو 7500 ضابط و385000 جندي، وهناك عدد للاستبدال وللخدمة في غير مواقع ~~القتال، على أن الجهد الذي بذلته بلغاريا في حرب البلقان تجاوز ما كان في الحسبان. ~~ومعظم الرديف مدرب مجرب خلافا لما ظهر في الجيش العثماني. والقواد كلهم متعلمون واسعو ~~الاطلاع كما شهد جميع المراسلين الحربين وكما تشهد تراجم حياتهم، وعدد ضباطهم لم يكن ~~قليلا بالنسبة إلى جيشهم كما كان عدد الضباط العثمانيين. # غير أن الجيش البلغاري يعتمد على البلاد الخارجية في إعداد ما يكفيه من الخيل، وهو ~~يحتاج وقت الحرب إلى 70 ألف حصان وحيوان، وليس عنده منها إلا عشرة آلاف حصان و4000 ~~للبطاريات مودعة عند أفراد يأخذون لها مرتبا. # أما أسلحة الجيش ms039 البلغاري فتتألف من بندقيات منليخر المتعددة الطلقات، وكل جندي ~~يأخذ لبندقيته 150 خرطوشة ويبقي وراءه 100 أخرى، وقسم من الجيش يقاتل ببندقية من طراز ~~بردان ومعها 80 خرطوشة. # ومن 108 بطاريات سريعة الإطلاق للميدان مصنوعة في معامل شنيدر وكروزو الفرنساوية، ~~وعدد قليل من مدافع كروب، وكل مدفع منها له 500 قنبلة. # ومن مدافع ثقيلة ومدافع جبلية وكلها فرنساوية، ومعلوم أن البندقيات والمدافع ~~العثمانية هي ألمانية، وبعضها من طراز مارتيني القديم. # تلك هي حالة الجيش البلغاري يوم زحفه إلى مجال القتال. ~~(3) جيوش الصرب واليونان وقت إعلان الحرب # كان الجيش الصربي متأهبا كالجيش البلغاري ومسلحا بالمدافع الفرنساوية، ومقسوما إلى ~~أربعة أقسام؛ أولها: يتألف من جنود عمر الواحد منهم 21-31 سنة، والثاني: من الذين عمر ~~الواحد 31-38 سنة، والثالث: من الذين عمرهم 38-45، والرابع - وهو المسمى بالميليس - ~~يتألف ممن عمره 17-21 و45-50 سنة. # أما الخدمة فإجبارية، وهي سنتان للفرسان و18 شهرا للجنود الأخرى، والجيش المعبأ كان مؤلفا # 3 # من خمس فرق من الجيش العامل، قوة الواحدة 17000 رجل و530 حصانا و36 ~~مدفعا، ومن فرقة رديف وفرقة فرسان وخمس فرق من القسم الثاني وخمس من القسم الثالث، ~~وآلاي من الطوبجية الجبلية وآلاي مسلح بمدافع ميدان، وعدد من الجنود الأخرى يبلغ 20000 ~~ألف و600 ضابط للاهتمام بالنقل وغيره. ~~••• # أما الجيش اليوناني فقد نظمه ضباط فرنساويون بعد حرب 1897، وكان مسلحا بالمدافع ~~الفرنساوية وبندقيات منليخر، وبلغ عدد الجنود المعبأة وقت الحرب 185 ألف رجل، ثم أضيف ~~إليهم عدد من الكريتيين والغاريبالديين المتطوعين فبلغ 200 ألف رجل أو أكثر من هذا ~~العدد، ولقد أجمع المراسلون الحربيون على أن الضباط الفرنساويين نهضوا به نهضة كبيرة في ~~نحو سنة وثمانية أشهر، بدليل أن تعبئته تمت على تمام النظام. ~~••• # أما جيش الجبل الأسود فهو كما قال الكولونل بوكابيل لا يعد إلا من طراز الجيوش ~~المسماة «بالميليس»، وقانونه العسكري يقضي بأن يجتمع تحت رايته كل رجل من سن 18 سنة إلى ~~سن 62، وجنوده العاملة تتألف من الذين تختلف أعمارهم بين 18 و53، ms040 والجنود الاحتياطية من ~~الذين أعمارهم بين 53 و62، ومجموع جيشه وقت الحرب 37 ألف رجل يقسمون إلى أربع فرق، وهو ~~يملك بطاريتين روسيتين للميدان وثلاث بطاريات إيطالية، وسبع بطاريات جبلية منها أربع ~~روسية وثلاث إيطالية وست بطاريات أخرى. # وليس عنده من الفرسان من يستحق هذا «الاسم» ولا معدات حديثة للنقل ولا إدارة صحية، ~~ولكن الصفات الحربية تسري في كل جبلي مع الدم. ~~(4) المعارك في تراقيه ومقدونيا وألبانيا وعلى ظهر البحر # لدينا طريقتان في تقسيم الكلام على المعارك؛ أولاهما: النظر إلى تاريخ كل معركة ~~وتقديمها على ما حدث بعدها، والثانية: تقسيم البلدان التي حدثت فيها المعارك والنظر في ~~معارك كل قسم منها على حدة. ونحن متبعون الطريقة الثانية؛ لأنها أقرب إلى الأفهام، وأول ~~ما نبدأ به المعارك التي حدثت بين العثمانيين والبلغاريين في تراقيه، ثم بين العثمانيين ~~والصربيين، ثم أعمال اليونان الحربية والبحرية، فأعمال الجبل الأسود، فأعمال الأسطول ~~العثماني. # وخليق بنا أن نسارع إلى تسكين بال القارئ الذي ينفر من الإسهاب فنعده بإهمال كل ~~تفصيل ثانوي لا يهم إلا الحربيون الفنيون. واعتمادنا في هذا الباب الفني على فريقين من ~~الكتاب الحربيين أحدهما: كان مع الجيش العثماني، والثاني: مع جيوش أعدائه، وكل رواية ~~لا يمكن فيها التوفيق بين أقوال هذين الفريقين لم تصب عندنا نصيبا من العناية؛ لأن ~~الغاية الوحيدة التي نسعى إليها إنما هي خدمة الحق، وخدمته صعبة مع تضارب الآراء وتصادم ~~الأهواء. ~~(4-1) زحف العدوين في تراقيه # كانت القوات العثمانية المعدة لقتال البلغاريين في تراقيه مؤلفة أولا: من أربعة ~~فيالق، وهي فيلق الأستانة، وفيلق تكفور طاغي (رودستو)، وفيلق قرق كليسا، وفيلق ~~أدرنه، ثانيا: من 8 فرق الرديف منها اثنتان جمعتا من الأستانة وسافرتا بلا إبطاء، ~~وست من آسيا الصغرى (وهي فرق أركلي وقسطموني وأنقرة وعشاق وأفيون قره حصار)، إلا ~~أنها لم تصل إلى مواقع القتال في الوقت الموافق لمصلحة الدولة بل وصلت مبطئة كل ~~الإبطاء. أجل إن جموعا مختلفة من الرديف وصلت إلى قرق كليسا قبيل سقوطها، ولكن ~~بقية الرديف ms041 لم تصل إلى تراقيه إلا بعد انتهاء معركة لوله بورغاز؛ أي بعد الضربة ~~الهائلة التي أكدت نجاح البلغاريين. # وكانت تلك القوات معقودة اللواء لعبد الله باشا، على أنه كان تحت إمرة ناظم باشا ~~الذي عين وكيلا لجلالة السلطان في القيادة العامة. # حشد القائد العثماني تلك القوات على شكل مربع الأضلاع ممتد من أدرنه إلى قرق ~~كليسا، فديمتوقة، فلوله بورغاز، وسلم قيادة الفيلق الأول إلى ياور باشا وقيادة ~~الفيلق الثاني إلى طورغود باشا، وأوقفه بين ترك بك وقره أغاج، وقيادة الفيلق الثالث ~~إلى محمود مختار باشا، وأوقفه عند بيكار حصار (أو بونار حصار)، وترك فرقتين من ~~الفيلق الرابع في لوله بورغاز تحت إمرة عبوق باشا. # تلك هي المواقع التي حشدت فيها الجنود العثمانية # 4 # بقيادة عبد الله باشا لمقاتلة البلغار، وهو - على قول الماجور فون ~~هوشوختر أحد أساتذة الجيش العثماني - رجل ذو قيمة وكفاءة، معروف بقوة الإرادة، ~~واسع الاطلاع في العلم الحربي، على أن أكبر قائد في العالم لا يستطيع شيئا مذكورا ~~حين يرى أن عدوه الأول خلل الإدارة العسكرية. ~~••• # أما القوات البلغارية التي زحفت أولا على تلك القوات العثمانية في تراقيه فهي؛ ~~الجيش الأول: بقيادة الجنرال كوكنتشيف ومعظم رجاله من جهات صوفيا وفيلبوبولي ~~(أوفيلبه كما يسميها الأتراك)، وموقع حشده يانوبلي (جامبولي)، ثم الجيش الثاني: ~~بقيادة الجنرال إيفانوف وموقعه طرنوى (تيرنوفو)، ثم الجيش الثالث: بقيادة الجنرال ~~داتكو ديمتريف، وموقعه قزيل أغاج (كزيلاغاتش)، ويظهر من قول عدة مراسلين أن التعبئة ~~والحشد لم يتطلبا أكثر من خمسة عشر يوما. # أما القائد العام فالجنرال سافوف صديق ملك البلغار، وهو مشهور بالحزم والعزم ~~واحتمال المسئولية والمعارف الحربية، قال الموسيو وجنر: «إنه في طليعة الذين أدخلوا ~~جميع الإصلاحات الحربية الحديثة على الجيش البلغاري، وأنه كان يعرف كل شبر من الأرض ~~التي حدثت فيها المعارك، ولا يجهل شيئا من أحوال الجيش العثماني، ولما أعلنت الحرب ~~قال: «أنا أراهن على ضرب عنقي أن جيشنا سيقهر الجيش العثماني بعد أيام».» # بدأ البلغاريون بالحركات الحربية في 18 أكتوبر؛ أي يوم ms042 إعلان الحرب، فزحف الجيشان ~~الثاني والثالث قاصدين أدرنه من جهة، وقرق كليسا من جهة أخرى، وزحف الجيش الأول ~~بينهما. # وروى الماجور فون هوشوختر أن الخطة الحربية الأصلية التي نصح المارشال فوندرغولتز ~~لأركان حرب الجيش العثماني باتباعها في تراقيه؛ هي أن يلزموا خطة الدفاع ريثما يتم ~~حشد الجيش العثماني. على أن هناك خطة أخرى أشار إليها الكولونل بوكابيل، وهي على ما ~~قيل كانت تقضي بقسم القوات العثمانية إلى ثلاثة جيوش، يقيم منها اثنان عند أدرنه ~~وقرق كليسا، والثالث يأتي بحرا من جهة ميدية لسحق ميسرة البلغار، ولكن السرعة ~~الهائلة التي أظهرها الجنرال سافوف وجيشه في الزحف والهجوم لم تمكن أركان حرب ~~الجيش العثماني من النجاح فيها، ولا سيما بعد سقوط قرق كليسا على وجه لم يذكر مثله ~~في تاريخ الجيش العثماني كما سترى. # أما خطة الجيش البلغاري فهي تتوقف على اجتناب فتح أدرنه في بدء الحرب، وعلى ~~السرعة العظيمة في قهر القوات العثمانية الأخرى بقصد أن لا يترك للدولة العلية ~~وقتا كافيا لحشد جيوشها وتعزيز جوانبها قبل المعارك الفاصلة، وبقصد أن تكون ~~النفقات المالية أقل ما يستطاع. ~~(4-2) حركات الجيش الثاني للبلغار # سقوط مصطفى باشا # زحف الجيش البلغاري الثاني إلى جهات أدرنه من وادي مريج (مارتيزا) ومن الضفة ~~اليمنى لطونجة، وتقدم بعض فرقه إلى جهة مصطفى باشا التي لم يكن فيها إلا حامية ~~صغيرة فلم يجد إلا مقاومة ضعيفة، ثم تقهقر العثمانيون بسرعة؛ لأن القائد ~~العثماني لم يكن يرغب في معركة كبيرة هناك، ولشدة سرعتهم في التقهقر فاتهم أن ~~ينسفوا ثلاثة جسور كان نسفها مقررا من قبل، على أن بعض الجنود تنبه إلى الأمر ~~فألهب موقدا واحدا من الديناميت الذي كان معدا لنسفها فلم يحدث إلا ~~أضرارا قليلة، فدخل البلغاريون مصطفى باشا وهي أول أرض عثمانية وقعت في ~~قبضتهم. # ولما طير القائد البلغاري خبر فتحها إلى ملكه انتقل إليها ومعه أركان حربه ~~ونجلاه بوريس وسيريل، وكان من تقاليد البلغاريين القدماء أن ملكهم إذا دخل ~~أرضا لعدوه بعد النصر، خطا الخطوة الأولى ms043 على الأسلحة التي غنمها جيشه، فأراد ~~الملك فردينان أن يعيد تلك العادة بعد مئات من السنين. ولما وصل القطار به ~~جيء ببندقية من بندقيات العثمانيين فوضعها تحت قدميه ووقف عليها نحو دقيقة من ~~الزمن، وأبدل البلغاريون اسم مصطفى باشا فسموها «فرديناندوفو»، ثم دخل ملكهم ~~تلك المدينة الصغيرة باحتفال كبير مشى فيه كبار رجالهم الدينيين بملابسهم ~~المذهبة التي يزدانون بها في الحفلات الدينية الكبرى، وإنا كعثمانيين نذكر ~~تلك الحفلة والأسف يملأ الصدر، وأشد ما يؤلم فيها أن الذين ساعدهم حسن الطالع ~~فأقاموها لم يكونوا بالأمس إلا ولاية عثمانية بلغت ما بلغت من العزة والمنعة، ~~بفضل الإصلاح الذي نشتاق إليه اشتياق الظماء إلى الماء والجياع إلى ~~القصاع. # وبعد أن فتح البلغاريون مصطفى باشا أمر قائدهم باتباع العثمانيين المتقهقرين ~~فزحفوا حثيثا على ضفتي نهر مريج (ماريتزا)، وحدثت معركة صغيرة في جرمن فازت ~~فيها الجنود البلغارية. # وكان معظم الجيش البلغاري الثاني مستمرا على الزحف إلى جهة أدرنه، ولما ~~وصلها أراد أن يفاجئ حصونها الغربية والجنوبية الغربية بهجمة قوية؛ لأن الخطوط ~~الحديدية منشأة في تلك الجهة. وقد تباينت أقوال المراسلين في سبب تلك الهجمة، ~~مع اعتقاد أركان حرب البلغار أن أدرنه محصنة أفضل تحصين فلا يمكن فتحها بهجمة ~~أو عشر، ولكن الراجح ما ذكره الكولونل بوكابيل وهو أن الجنرال إيفانوف قال في ~~نفسه: «إذا لم نفلح في الهجمات الأولى فإنها تعود علينا بشيء من النفع، لكونها ~~تعد لنا المحل اللازم لوضع بطاريات الحصار الضخمة.» وليس ببعيد عن الصواب ~~قول الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي: وهو أن أركان حرب الجيش البلغاري ~~الذين اهتموا أشد اهتمام بإخفاء الحركات الحربية، وأبوا على الجنود أن يكتبوا ~~كلمة إلى أهلهم حتى لا يعرف أحد موضع إقامتهم، أرادوا أن يوهموا العثمانيين ~~والصحافيين وغيرهم أنهم يريدون أخذ أدرنه عنوة في أوائل الحرب، ثم دلنا الواقع ~~على أنهم أجلوا الهجوم الأكبر على أدرنه إلى ما بعد المعارك الفاصلة. فلندعهم ~~حول أدرنه الآن ونلتفت إلى الجيش البلغاري الأول ثم إلى الجيش الثالث الموكلين ms044 ~~بأخذ قرق كليسا من الجهة الشرقية. ~~(4-3) معركة قرق كليسا # رعب حاميتها: المشاهد الأليمة # تقدم أن الجيش البلغاري الأول زحف إلى الوسط فيما بين الجيش الثاني الذي سار إلى ~~جهة أدرنه، والجيش الثالث الذي قصد قرق كليسا، وكان غرض الجيش الأول على الأخص أن ~~يعضد الجيش الثالث في أخذ قرق كليسا عنوة واقتدارا ولو كبرت خسارة البلغاريين؛ ~~لأن الإبطاء يفسد عليهم خطتهم، ولكن مساعدته انحصرت في قتال جانب من العثمانيين ~~ومنع كل صلة بين قرق كليسا وأدرنه، وكان الفوز حليفه في ذاك القتال، ثم ذهب عدد ~~عظيم منه إلى جهات أدرنه فانضم إلى الجيش الثاني. # أما الجيش الثالث المذكور فقد اجتاز الحدود العثمانية في 19 أكتوبر؛ أي بعد إعلان ~~الحرب بيوم واحد، وكان مقسوما إلى أربعة أقسام؛ قسم الميمنة: الذي سار نحو أركلر، ~~وقسمي القلب: اللذين اتجها نحو قرق كليسا، وقسم الميسرة: الذي زحف شرقي سترانجه ~~طاغي. # وكان أول خط منيع للعثمانيين قائما على نحو 8 كيلومترات شمالي قرق كليسا، وهناك ~~طرق وعرة تساعد على الدفاع، فبقي البلغاريون ثلاثة أيام (20 و21 و22 أكتوبر) حتى ~~تمكنوا من صد الجنود العثمانية إلى الموقع نفسه. # ولما أقبلت ليلة 23-24 أكتوبر اشتدت الأمطار واكفهر وجه السماء، وما كانت الساعة ~~الثامنة مساء حتى تقدمت # 5 # أورطتان من الجنود البلغارية نحو موقع قرق كليسا، ثم زحف القسم الذي ~~كان في أقصى الميسرة فجاءت تلك الهجمة البلغارية سببا في رعب غريب لا يسهل تصديقه ~~عن الجيش العثماني الذي كتب تاريخ مجده بدمه. وكان من نتائج ذاك الرعب أن الفصائل ~~العثمانية أخذت تطلق الرصاص بعضها على بعض في إحدى الجهات، ثم تقهقرت لا تلوي على ~~شيء إلى جهة بابا اسكي بيكار حصار، بدلا من أن ترجع إلى الحصون والمعاقل التي كانت ~~هناك، وذهب بعضها إلى قرق كليسا نفسها فأسهب وأغرب في وصف الفشل حتى سرت عدوى الرعب ~~إلى بقية الجنود التي كانت في الموقع فأسرعت إلى اللحاق به. # وروى الكولونل بوكابيل الفرنساوي والماجور فون هوشوختر أن العثمانيين ms045 هم الذين ~~هجموا، خلافا لرأي محمود مختار باشا الذي كان يعتقد - على رواية الماجور المذكور - ~~أن الجنود لم تكن أهلا للهجوم، ولا سيما أن عددا من الضباط والجنود الذين قدموا ~~في ذاك اليوم لم يكونوا يعرفون شيئا من جهات قرق كليسا، ولما دوى المدفع وصفر ~~الرصاص تقهقرت مقدمة البلغاريين فتبعهم العثمانيون، وإنهم لكذلك إذا بالبلغاريين ~~يكشفون عن خنادق مملوءة بمدافع الميتراليوز والمشاة، فانخلعت قلوب الرديف العثماني ~~رعبا من تلك المفاجأة وعمد إلى الفرار. وإنه ليشق علينا وايم الحق أن نذكر هذا ~~الحادث الأليم، بيد أن خدمة الحقيقة فوق كل شيء، ثم إن القواد والوزراء العثمانيين ~~أنفسهم لم ينكروا ذاك الرعب الغريب، قال الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين ~~الذي كان وقتئذ في الأستانة: # كنت أتعشى مساء ذاك اليوم (أي بعد سقوط قرق كليسا) عند وزير الخارجية ~~العثمانية، وإني لا أزال أتمثله نصب عيني وهو داخل إلى ردهة الاستقبال أصفر ~~اللون كالح الوجه، وأسمعه يقول لنا بصوت خافت: «لقد وقع حادث ليس له نظير ~~في تاريخنا ... وقع أن جنودنا تركت قرق كليسا من شدة الرعب ...» ثم قص علينا ~~تفصيل الحادث، وذكر أن التلغرافات المتقطعة الدالة على شدة الهلع ترد ~~تباعا منذ أربع وعشرين ساعة على أركان الحرب، ومنها ما يفيد أن فرسان ~~البلغار هجموا على قرق كليسا مع أن البلغار لم يكن عندهم فرسان، ومنها ما ~~يدل على أن الخسارة عظيمة مع أن الإحصاء الرسمي الذي أرسل إلى الأستانة يدل ~~على أنها لم تزد عن مائة رجل بين قتيل وجريح، ثم قال الوزير بصوت منخفض: ~~«كان عندنا كثيرون من أصل بلغاري أو يوناني في صفوف الجيش ... والضباط قليلون ~~جدا ...» # وكتب مراسل الجورنال الحربي في وصف ذاك الهلع: «أنه لما ظهر الهاربون استولى ~~الرعب على متصرف قرق كليسا وأهلها فلاذوا بالفرار، وقصد الأهالي والجنود محطة السكة ~~الحديدية وهجموا على قطر كان مستعدا للسفر، ثم حدث اصطدام فخرج القطر عن الخط على ~~مسافة كيلومتر من المحطة، فترك الهاربون القطر ومشوا بضع عشرة ساعة ms046 حتى وصلوا إلى ~~بابا أسكي حيث وجدوا القطر الذي أقلهم إلى لوله بورغاز.» # ثم وقع هناك أيضا حادث موجب للأسف، وهو أن جنود لوله بورغاز أبصروا الفرسان ~~المتقهقرين فظنوهم من فرسان البلغار وأخذوا يطلقون عليهم نارا حامية، وما أدركوا ~~خطأهم إلا بعد أن غطت الأشلاء الجسر القائم عند مدخل المدينة. # على أن الله أراد أن يحفظ أساس السمعة الطيبة للجندي العثماني، فجعل يظهر بين ~~تلك المشاهد الأليمة العظيمة مشاهد تعزي الأمة العثمانية بعض التعزية في إبان خطبها ~~الجلل، فمنها أن البطل حلمي بك الذي كان يقود فرقة من الميمنة جاهد جهادا عجبا، ~~وكان كلما رأى أحد الجنود يريد اللحاق بالهاربين يرميه بالرصاص، حتى تمكن من إيقاف ~~الميسرة البلغارية التي كانت تجهل ما حدث ليلا. # ولما رأى حلمي بك أن البلغاريين كادوا يحيطون بجناحي فرقته، ترك موقعه نحو الظهر، ~~فبطلت كل مقاومة أمام البلغاريين هناك وغنموا ما بقي وما تركته الجنود على الطريق ~~من المدافع والذخائر وغيرها. # وليس من العدل أن نغفل هنا ما رآه الموسيو ريني بيو، وهو أن فريقا من الجنود ~~العثمانية أبى عليه شرفه العسكري أن يترك مدافعه وذخائره في تلك الساعة الهائلة، ~~ولكن الطرق التي كانت على أسوأ حال، أبطلت ذاك الجهد الشريف. # وقع هذا الخطب لشؤم طالع الأمة العثمانية، والبلغاريون يعتقدون أن الجنود ~~العثمانية رجعت إلى مواقعها وستدافع أشد دفاع، وما علموا إلا في اليوم التالي ما ~~جرى لحامية قرق كليسا؛ لذلك لم يتمكنوا من مطاردتها ساعة الهلع، بل اكتفوا رغم ~~إرادتهم بالمؤن والذخائر، وبالأزهار التي قدمتها لهم بعض النساء البلغاريات ~~... ~~••• # أما سبب هذا الفشل العاجل في موقع أعد للمقاومة الشديدة، فقد كثرت فيه أقوال ~~الناقدين الحربيين، فقال الموسيو وجنر: إن هجوم العثمانيين أولا لم يكن من الصواب ~~وإن كان المقصود منه استطلاع طلع العدو وإجباره على إظهار قوته؛ لأن مثل هذا ~~الاستطلاع يضطر القوة المستطلعة إلى خوض معركة كبيرة فتعود إلى موقعها بخبر الفشل ~~بدلا من خبر العدو. وقال هوشوختر: «إن سوء حالة الجنود من ms047 حيث المطعم والملبس وقلة ~~الذخيرة وجهل الأمور العسكرية والحاجة إلى الضباط الأكفاء، جعل هذا الهجوم شؤما ~~على حامية قرق كليسا.» ثم مدح محمود مختار باشا مدحا جميلا، وذكر أنه كان يطوف في ~~أنحاء الموقع ويشجع الجنود ويصلح ذات البين عند الخصام، ولكن مرءوسيه لم يكونوا ~~يعملون شيئا من تلقاء أنفسهم ولم يكن في وسعه أن يكون في كل جهة ومع كل واحد. وكان ~~من جملة ما رواه أن الباشا كان يطلق مسدسه على من يفر ويحدث الرعب، وأنه اضطر مرة ~~إلى الاشتراك معه في مثل هذا العمل الموجب للأسف والأسى. # وقال لوجنر ضابط عثماني من الأسرى: «إنا لم نكن متأهبين ولا معتقدين أن ~~البلغاريين يهاجموننا كما فعلوا، بل كنا نظن أنهم سيهجمون على أدرنه فينهكون قواهم ~~أمامها، وبينا يكونون مشتغلين بها نتم نحن حشد جيوشنا في المواقع التي نريدها، ~~لكن هجمتهم على قرق كليسا حدثت بغتة فقاتلناهم بشجاعة، على أن القيادة لم تكن حسنة؛ ~~لأن كثيرين من الضباط أرسلوا بعد إعلان الحرب وهم لا يدرون ما يطلبون من جنودهم، ثم ~~إن عدة فرق من الرديف كانت تجهل التعليم العسكري واستخدمت كما تستخدم الجنود ~~القديمة المنظمة، وكنت ترى هذا القائد يريد الهجوم وذاك يريد الدفاع، فيتقدم عدد ~~من الجنود ويتخلف الباقون لا يبدون حراكا.» ثم مدح البلغاريين بقوله: «إن لهم ~~هجمات بالسلاح الأبيض لا ترد ولا تصد، فإذا قتلنا مائة أبصرنا مائتين يمرون على ~~جثثهم ليتموا هجومهم.» # وطبيعي أن خبر هذا الفشل الأول أقام الأستانة وأقعدها كما سترى، وعزم ناظم باشا ~~وزير الحربية وقتئذ على السفر إلى تراقيه، وأخذ الناس يتحدثون بسقوط وزارة مختار ~~باشا، ولكن الحكومة العثمانية لم تر من المصلحة الداخلية أن تنشر الحقيقة، بل ~~قالت: إن تقهقر الجنود من قرق كليسا هو بعض الخطة الحربية المرسومة، على أنها ما ~~لبثت أن اعترفت بالحقيقة الجارحة؛ لأن المراسلين الحربيين أذاعوا خبرها في العالمين ~~فلم يبق سترها في طاقة الحاكمين. ~~(4-4) بعد قرق كليسا # فظائع وأهوال # وقعت حوادث تدمي الفؤاد بعد ms048 التقهقر من قرق كليسا، منها: إحراق عدة قرى وسرقة ~~المؤن، وهرب الأهالي من نساء وأطفال حفاة عراة، وموت عدد من الجنود تعبا أو عطشا ~~وجوعا. # وروى الماجور فون هوشوختر أن الأهالي البلغاريين واليونانيين كانوا يطلقون الرصاص ~~على الجنود العثمانية من النوافذ، وحدث في إحدى القرى أن رجالها نهضوا ليلا فذبحوا ~~الضباط والجنود العثمانيين، فلما طلعت شمس اليوم التالي وجدت أعضاؤهم مطروحة هنا ~~وهناك، فاشتد سخط ولاة الأمور - وحق لهم أن يسخطوا - من تلك الفظائع، وأمروا بإعدام ~~رجال تلك القرية رميا بالرصاص ثم أحرقوها بعد أن أخرجوا منها النساء والأطفال، ~~فذكرتنا حادثة هؤلاء بما فعله الألمانيون بإحدى القرى الفرنساوية، إذ جعل أهلها ~~يرمونهم بالرصاص من النوافذ، فإنهم كانوا أشد قسوة من العثمانيين فعاقبوا أهلها غير ~~راحمين ولا مميزين بين النساء والأطفال، فيالله من الحرب ويالله من الإنسان. ~~(4-5) معركة لوله بورغاز وهي الفاصلة # أفرغ عبد الله باشا وأركان حربه جهدا عظيما في ضم شمل الهاربين وتنظيم الجنود ~~الجديدة، وعزز الفيلق الثاني والثالث والرابع ورتبها من اليمين إلى الشمال كما يلي: # الفيلق الثالث: # وما زال تحت إمرة محمود مختار باشا. # الفيلق الثاني: # وقلبه في جهة قره أغاج. # بقايا الفيلق الأول: # الذي شتته مصاب قرق كليسا. # الفيلق الرابع: # وقلبه في لوله بورغاز. # وفرقة الفرسان: # عند لوله بورغاز أيضا. # وكان غرض العثمانيين قبل كل شيء أن يحموا سكة حديد الأستانة بعد أن قطع ~~البلغاريون كل صلة بينهم وبين أدرنه في 27 أكتوبر. وقد جعل عبد الله باشا معسكره ~~العام في ساقز كوى، ولكنه لم يكن يملك شيئا من المعدات اللازمة لكل قائد، ولا سيما ~~قبل المعارك الفاصلة، فهل سمعتم أو رأيتم في هذا العصر أن قائدا كبيرا لا يجد ~~أمامه تلغرافا ولا تلفونا ولا مئونة ولا قنابل كافية؟! إن عبد الله باشا كان على ~~تلك الحال. # 6 # وكانت خطته الأصلية في المعركة المذكورة أن يأمر القلب والميسرة بالدفاع ويهاجم ~~عدوه من جهة الميمنة (ومما يذكر هنا أن الأرض التي كان الجيش العثماني يحتلها هي ms049 ~~الأرض التي قاوم فيها الجيش الروسي تسعة أيام في سنة 1878)، وكان خط المقاومة الذي ~~رسمه واقعا على الضفة اليسرى لنهر «قره أغاج دره سي» على مقربة من المرتفعات التي ~~تشرف على هذا النهر الذي لا يجاز هناك إلا على جسور لوله بورغاز وترك بك وجفلك ~~قبه. # وكان ابتداء المعركة الكبرى في 28 أكتوبر بين مقدمة العثمانيين وفرسان الأعداء، ~~ثم أخذ القتال يمتد، وفي 29 أكتوبر تقدم القلب والميسرة من الفيلق الثالث فزحف ~~القلب إلى «ترك بك» والميمنة إلى جهة لوله بورغاز، وما حلت الساعة الحادية عشرة قبل ~~الظهر حتى أضحى القتال عاما، ونحو الساعة الثانية بعد الظهر تمكن البلغاريون من ~~أخذ لوله بورغاز وإصعاد بطارياتهم إلى الروابي. # وكان الفرسان العثمانيون في تلك الساعة يجاهدون لصد البلغار عن جنوبي لوله ~~بورغاز وهم واقفون، ثم امتطوا جيادهم وحملوا حملة شديدة على صدر الجيش البلغاري ~~ليمكنوا المشاة العثمانيين من احتلال الروابي المهددة، وبعد أن أتموا مهمتهم عادوا ~~إلى وراء. # وما حلت الساعة الخامسة بعد الظهر حتى هب الفيلق العثماني الرابع إلى الهجوم على ~~لوله بورغاز فطرد منها البلغاريين، ثم عاد فتركها واحتل المرتفعات فبقيت لوله ~~بورغاز تلك الليلة خالية من العدوين. # أما في جهة قره أغاج حيث كان قلب الفيلق الثاني فقد نجح البلغاريون قليلا، ولكن ~~العثمانيين عادوا فهجموا عليهم نحو الساعة الرابعة بعد الظهر فأرجعوهم إلى موقفهم ~~الأول، ثم عاد البلغاريون إلى هجمة شديدة فأخذوا المواقع التي خسروها. # وخلاصة «الحساب» في هذا اليوم؛ أي 29 أكتوبر أن النصر بقي يتراوح بين ~~العدوين. # في 30 أكتوبر؛ بدأت الذخائر تنفد عند ثلاثة فيالق عثمانية وهي الأول والثاني ~~والرابع، فأصبح أمل عبد الله باشا وناظم باشا (الذي حضر من الأستانة) منوطا ~~بالفيلق الثالث الذي صدر إليه الأمر بالهجوم في اليوم التالي (30 أكتوبر). أما ~~البلغاريون فقد تعبوا تعبا شديدا، على أن فيالقهم لم تقتحم كلها معارك 29 أكتوبر ~~بل كان جل التعب مقصورا على الجيش الثالث منهم، وقد وصل جيشهم الأول في اليوم ~~المذكور، واستعد ms050 للهجوم عند ظهر اليوم التالي، فصار في وسعهم أن يعيدوا الكرة ~~على طول الخط وعلى ميسرة العثمانيين عند الضفة اليسرى من نهر أركنه (أرجين). # وكذلك فعلوا، فإن ميمنتهم زحفت في 30 أكتوبر إلى الضفة اليسرى من ذاك النهر، ثم ~~أرسلوا جنودا جديدة لتستأنف الهجوم من جهة لوله بورغاز والجهات الجنوبية، فقابلتهم ~~بقايا الفيلق الأول والفيلق الرابع. وكان عبد الله باشا لسوء الطالع لا يستطيع ~~إرسال نجدات جديدة إلى هذين الفيلقين، وما زال جل اعتماده على الفيلق الثالث الذي ~~تقدم ذكره، وعلى الفيلق الثاني الذي أمره باستئناف الهجوم على قره أغاج رجاء أن ~~يعضد بعمله الفيلق الثالث. # وما صدر الأمر إلى الفيلق العثماني الثاني بالهجوم حتى تقدمت بطارياته بحزم ~~وبسالة لحماية مشاته ومساعدتهم على التقدم، لكن البطاريات البلغارية كانت أقوى منها ~~فأسكتتها بعد حين، وبقي المشاة العثمانيون يزحفون فأخذوا بعض المواقع البلغارية ~~الأمامية، ولكنهم ما لبثوا أن وقعوا بين نيران المشاة والبطاريات البلغارية، ~~فاضطروا إلى الرجوع بعد خسارة عظيمة، وقد حاولت بعض البطاريات العثمانية الأخرى أن ~~تحميهم ساعة التقهقر فلم تفلح؛ لأن مدافع البلغاريين كانت تفعل فعلا ~~ذريعا. # وكان الفيلق الثالث في ذاك الوقت يحاول الوصول إلى بيكار حصار ويبدي من البسالة ~~ما اعترف به الأعداء، ولكن الجنود البلغارية التي كانت تحت إمرة الجنرال كريستوف ~~أفلحت في صده، فحاول الفيلق العثماني الثاني أن يعضده مرة أخرى فلم ينجح. # غربت الشمس وخيم الغسق في ذاك اليوم الأسود، والذخائر نادرة لدى الجيش العثماني، ~~والتعب شديد فاتك، والنجدات غير موجودة، والجوع يأكل من أحشاء الجنود، وما كان أحد ~~يظن أنها تصبر على تلك الوقعة الهائلة وأن معظمها يدافع ذاك الدفاع الحسن وأمامها ~~ثلاثة أعداء؛ الخلل والجوع والجيش البلغاري. # ولزيادة نكد الدنيا عليها أن الجيش البلغاري الثالث أراد نحو الساعة التاسعة ~~مساء أن يوالي الهجوم ليزيد الجيش العثماني ضعفا في جهة ترك بك، فشاء سوء الطالع ~~أن تكون في تلك النقطة بقايا الفيلق الأول الذي فقد قوته المعنوية بعد قرق كليسا، ~~فما ظهر البلغاريون حتى ms051 غادرت تلك البقايا موقعها، وما حلت الساعة الحادية عشرة ~~مساء حتى كانت الجنود البلغارية على المرتفعات التي تشرف على ترك بك ثم اجتازت نهر ~~«قره أغاج دره سي». # 31 أكتوبر؛ وفي صباح اليوم التالي أخذ البلغاريون يوسعون الفرجة في مقدمة الجيش ~~العثماني، ونصب الجنرال كوكانتشيف مدافعه على المرتفعات وأخذ يضرب ميسرة الجيش ~~العثماني، فلم تر بدا من التقهقر نحو جورلو (تشورلو). # على أن محمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث لبث يقاوم من الجهة الشرقية برغم ما ~~جرى، حتى كان موضوع الإعجاب هو ورجاله. # 7 # إلا أن البلغاريين الذين ظفروا في جهة القلب هاجموه من الجهة اليمنى ثم أرسلوا ~~فرقة احتياطية من الجهة اليسرى إلى قوة الجنرال كريستوف، فرأى حينئذ محمود مختار ~~باشا أن الأعداء كادوا يحيطون به فأصدر أمره إلى فيلقه بالتقهقر، وبقي النظام على ~~ما يرام بين صفوفه، بعكس ما جرى في بقية الجيش. # أما خسارة العثمانيين في تلك المعركة الهائلة، فيقول الكولونل بوكابيل: إنها تبلغ ~~على التعديل المتوسط الخالي من كل مبالغة نحو 25 ألف رجل بين قتيل وجريح، ونحو 3000 ~~أسير و42 مدفعا، وأما خسارة البلغاريين فتبلغ نحو 15000 (وبعض المراسلين يقول إنها ~~أعظم من هذا العدد). ومما يذكرونه أن عدد كل من الآلايين الأول والثاني من مشاة ~~البلغار نزل مساء 30 أكتوبر من 7000 إلى 700 رجل. # وفي خلال تلك الأحوال ورد على البلغاريين أن الصربيين انتصروا في معركة فاصلة ~~بقومانووا (كومانوفو)، وأنهم يقدرون على إرسال جيشهم الثاني إلى أدرنه لمناصرة ~~البلغاريين حول ذاك الموقع، فجاء هذا الخبر بردا وسلاما على قلوب البلغاريين؛ لأن ~~إرسال الجيش الصربي الثاني يمكنهم من أخذ فرقتين من الجيش المحاصر لأدرنه، وكانت ~~حكومتهم وقتئذ تنفذ أمرا صادرا في 25 أكتوبر بدعوة طبقتين من الرديف (1912 و1913) ~~عدد رجالهما نحو 80 ألفا. ~~(4-6) بعد لوله بورغاز # تقدم أن الفيلق العثماني الثالث اتجه نحو جتالجه بترتيب ونظام، وظهر من عدد ~~المدافع التي غنمها البلغاريون بعد المعركة الكبرى أن معظم المدافع العثمانية بقي ~~مع ms052 الجيش العثماني المتقهقر، كما يؤخذ التحقيق الذي أجراه الكولونل بوكابيل قبل ~~تأليف كتابه عن الحرب البلقانية. ثم ظهر من كلام هذا الكاتب الحربي المحقق أن ~~البلغاريين لم يزحفوا لا في اليوم التالي ولا في الثالث ولا في الرابع وراء الجيش ~~العثماني لمطاردته، خلافا لما ذكره مراسل الريشبوخت وغيره، فإن هذا المراسل (الذي ~~روى في أوائل الحرب ما يعتمد عليه وما أيده سائر المراسلين) اعتمد على خبر في ~~جريدة مير البلغارية، فبنى عليه وصف معركة هائلة بعد لوله بورغاز، ولكن مراسلي ~~التيمس والطان ما لبثا أن كذباه ثم أصدر أركان حرب الجيش البلغاري موجزا للأعمال ~~الحربية، اتضح منه أن الجيش البلغاري لم يتأثر بالعثمانيين وأن هؤلاء لم يضطروا إلى ~~اقتحام أية معركة في مدة تقهقرهم إلى جتالجه، قال مراسل التيمس: إن البلغاريين لم ~~يزحفوا من لوله بورغاز إلا بعد ستة أيام من يوم المعركة الكبرى، وأن مؤخرة الجيش ~~العثماني المؤلفة من فرقتين تركت جورلو من غير أن تطلق رصاصة واحدة في مدة ستة ~~أيام، وفي اليوم السابع أخذ البلغاريون يزحفون، وكان الفرسان العثمانيون المعروفون ~~باسم «الفرقة المستقلة» لا يزالون في جورلو فساروا أمامهم. # وهذا كله رأيته بعيني وكدت أقع من أجله في يد طوافة من البلغاريين المستطلعين، ~~ولا شك في أن الجيش البلغاري أضاع فرصة من أجمل الفرص التي تسنح لجيش منصور، وما ~~ذاك إلا لأن باقي الجيش العثماني لبث حزوما مدافعا. # وذكر جملة من الكتاب الحربيين (ومنهم الكولونل الفرنساوي) أن الأسباب التي من ~~أجلها أحجم الجيش البلغاري عن اللحاق بالجيش العثماني هي عدة؛ أولها: أن التعب نهك ~~أجسام البلغاريين، والثاني: أن المؤن والذخائر لم تكن كافية لديهم، والثالث؛ أنهم ~~كانوا ينتظرون جنودا جديدة بعد وصول الصربيين إلى جهة أدرنه؛ لأن جميع الجنود ~~الاحتياطية التي جاءتهم خاضت غبار المعركة الكبرى وخرجت منها بعد خسارة ومشقة، فوجب ~~عليهم أن يصبروا بضعة أيام قبل الزحف إلى جتالجه. # ولما قرروا الزحف بعد وصول العدد والعدد نظموا جيوشهم ثم قسموها كما يلي: # الميسرة: # الجيش الثالث ms053 ومعه أربع فرق أخرى. # الميمنة: # الجيش الأول ومعه أربع فرق وعدد من الفرسان. # وأبقوا لواء الجيش الثالث معقودا للجنرال راتكو ديمتريف الذي أبدى حزما ونشاطا ~~وكفاءة في المعارك الماضية، ولواء الجيش الأول للجنرال كوتنتشيف. # وكان الجيش العثماني لا يزال في تقهقره، فمن الجهة الشرقية كان يسير الفيلق ~~الثالث ومن ضمهم إليه متبعا طريق سراي وجركس كوى، ثم دخل من هناك غابة كثيرة ~~الأدغال والأشجار فكان فيها بمأمن. ومن الجهة الغربية كانت تسير بقايا الفيلق ~~الأول مع الفيلق الثاني والفيلق الرابع متبعة طريق جانطه إلى جتالجه، على أن ~~النظام كان مختلا فيها بعكس الفيلق الثالث، ومما زاد الجنود عذابا فوق عذاب ~~التعب والجوع أن المطر بقي يهطل مدرارا سحابة أسبوع حتى كان منظرهم ولا سيما ~~الجرحى يدمي العيون ويفطر القلوب. # ولما وصلت الجنود العثمانية إلى خط جتالجه قابلتها جنود أخرى جديدة من أرضروم ~~وأزمير وسوريا، وعدد قليل من الضباط وبينهم عدد من الضباط الألمانيين، وأخذ ناظم ~~باشا زمام القيادة الفعلية، وأصبح إرسال الميرة مؤكدا مضمونا لقرب الجيش من ~~الأستانة، وضربت الخيام في جهات كثيرة، ثم عززت البطاريات باثنين وخمسين مدفعا ~~من مدافع كروزو الفرنساوية، وهي التي كانت مرسلة إلى الصرب قبيل الحرب، فاستولى ~~عليها العثمانيون في الطريق. # ثم وحدث لسوء الحظ أن الكولرا ظهرت بالأستانة في تلك الأثناء فانتقلت إلى صفوف ~~الرديف في جتالجه، وظهرت معها الدوسنطاريا فأودت بنفوس كثيرة. # وليس بنا حاجة إلى القول أن خبر رجوع الفيالق العثمانية إلى باب الأستانة بعد ~~الخطب الجلل الذي أصابها في لوله بورغاز أحدث هرجا ومرجا فيها، بل في العالم ~~الإسلامي كله، وأخذ قوم في الأستانة ينصحون للحكومة بأن تفعل فعل ملوك البلقان ~~فتعلن الجهاد، ولكن وزارة كامل باشا (التي خلفت وزارة مختار باشا) أبت أن تنهج هذا ~~النهج، واكتفت بأن ترسل عددا من العلماء إلى جتالجه، ثم نشرت بلاغا رسميا في ~~هذا الشأن قالت فيه: «إن مائة عالم من الفصحاء وذوي الحجة الدامغة يجتمعون في ~~جتالجه ليحضوا الجيش على وجوب الجهاد ويعززوا ms054 قوته المعنوية.» وهنا نترك الكلام ~~للموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في الأستانة ليصف لنا الحالة ~~فيها، قال في مؤلفه عن الحرب: # وصل خبر المصاب الجلل الذي حل بالجيش العثماني في لوله بورغاز إلى ~~لندرا وباريس قبل أن يصل إلى الأستانة نفسها، فإنه لم يتصل بالسفارات إلا ~~في هزيع متأخر من ليل الأحد 3 نوفمبر، ولم يعلم الترك متسع الخطب إلا صباح ~~الاثنين (أي بعد المعركة بأربعة أيام)، حين صدر البلاغ الرسمي وكانت السماء ~~غائمة محزنة في ذاك الصباح، وهاك معنى البلاغ: «إن النجاح في جميع الأنحاء ~~وقت الحرب أمر غير ممكن، والأمة التي تخوض حربا يجب عليها أن تقبل مع ~~الحزم التام جميع النتائج التي تنجم عنها، وهو مبدأ لا يجوز إغفاله أو ~~نسيانه، وعليه يجب اجتناب الغلو في الطرب عند النجاح كما يجب التزام الحزم ~~والصبر عند الفشل. فإن جيشنا مثلا بقي منصورا في مقاومة البلقانيين ~~المتحالفين بجهة يانيه وجهة أشقودره. ولكن الجيش الشرقي في جهات ويزه ولوله ~~بورغاز رأى أن يتقهقر إلى جتالجه ليكون أقوى على الدفاع منه في تلك الجهات، ~~وأنه لمن المقرر الطبيعي أن نبذل كل ما في وسعنا لصيانة مصالح ~~الوطن.» # صدر هذا البلاغ الرسمي، وفي يوم صدوره أخذت المحطة تلفظ على العاصمة ~~العثمانية جموعا من ذوي الأعضاء المبتورة والجسوم النحيلة الدامية، ~~فينسلون في الشوارع والرحبات العامة وهم صفر عاطلو الوجوه من نور الصحة، ~~وبرد نوفمبر يقرس جلودهم: أولئك هم جرحى الحرب، يقصون من أخبارها ما يحزن ~~القلب ويورث الكرب ويمثل نصب العيون مجمل أهوالها، وإني لا أزال أسمع حتى ~~الساعة صوت شاب في المستشفى الفرنساوي اسمه رياض بك يقص علي ما رأت عيناه ~~من المشاهد. وحكاية هذا الشاب أنه ذهب مع وفد الصليب الأحمر إلى ساحة ~~القتال للعناية بالجرحى، ولكنه لم يستطع أن يضبط عنان شوقه إلى القتال حين ~~دوي المدفع في لوله بورغاز، فنزع من ذراعه شارة الصليب الأحمر وأخذ بندقية ~~أحد العساكر وهب يقاتل كسائر الجنود، فأصابته رصاصة كسرت ms055 كتفه فتقهقر، ~~ثم أرسل مع العائدين إلى الأستانة، وكان من قوله لي: «إننا لم نخط في ~~الوحل بل كنا نخوض بحيرات من الدماء. ولما دخلت أحد الخنادق التي كان ~~يحتلها البلغاريون وجدتني على آكام من الجثث ... إن جنودنا البائسين ~~يحتاجون إلى القوت، فقد رأيت بينهم من بقي أربعة أيام بلا أكل، فكيف تطلب ~~من أمثال هؤلاء قوة معنوية ما داموا لا يملكون قوة جثمانية؟ زد على هذا كله ~~أن الأمراض ستنضم إلى ذاك العذاب؛ لأن سهل جورلو يشبه مستودعا كبيرا من ~~الأشلاء ...» # غير أن حكايات المتقاتلين على هولها لم تكن أدعى إلى الحزن من المشهد ~~الذي وقع تحت أنظارنا، فإن سكان الأستانة يبلغون نحو مليون و500 ألف، منهم ~~نحو مليون من الأروام واليهود والشرقيين والأوروبيين، فلا يمكن مع هذا ~~الاختلاط أن نرى وحدة نفسية بينهم، بل نحن لم نر العطف الذي يحق لأمة ~~منكوبة أن تراه، فإنك لم تجد يونانيا (عثمانيا) رضي بأن يقفل دكانه ولا ~~شرقيا كف عن الذهاب إلى قهوات الرقص، ولا فندقا أوروبيا فكر في منع ~~الرقص ساعة تناول الشاي، بل كنت ترى الجرحى المرتجفين بردا الممتقعين ~~لونا يسيرون في جهات «بيرا» على ألحان الموسيقات وخطرات الراقصين ~~والراقصات. # بل كنت ترى ما هو أقبح من ذاك كله، ترى أناسا يرقبون أخبار فشل الجيش ~~ليذيعوها في الأنحاء، وبعضهم كان يستنبطها. ألا إن تركيا لا تستحق هذا كله، ~~لا تستحق أن تصاب بالفشل في عاصمتها ومن أيدي سكانها قبل أن تصاب بسيف ~~عدوها، فيالها من عبرة للذين شهدوا تلك الساعات الفاجعة ... فعلينا أن ~~نتذكرها، وأن نقيم حراسة قوية حول وطننا فلا ندعن الأجانب يزدحمون معنا ~~جنبا إلى جنب، ولا نكتفين بحماية تجارتنا وقت السلم من الغزوات الخارجية ~~بل يجب أن نصون وحدتنا النفسية ليكون فرحنا أو حزننا واحدا في وقت ~~الحرب. # ثم وصف جموع المهاجرين الذين قدموا من تراقيه وصفا يثير الشجون ويسيل الشئون، ~~فقال: إن بينهم عددا كبيرا من النساء والأطفال وهم على أسوأ حال، وأنهم كانوا ~~ينامون ms056 في الشوارع والساحات وحول المساجد، فلا يجدون من سقف سوى السماء ولا غطاء ~~سوى الهواء، حتى خيل للناظر أنه رجع ألف سنة إلى وراء، أو أنه يشهد هجرة ~~الغوليين القدماء. فلما رأت الحكومة ذاك المشهد الأليم أخذت تهتم بتسفيرهم إلى جهات ~~أشقودره وبروسة وشواطئ البحر الأسود. # أما سفراء الدول فإنهم اغتنموا فرصة لوله بورغاز ورجوع الجيش العثماني إلى جتالجه ~~ليطلبوا من حكوماتهم زيادة البوارج الحربية الراسية في قرن الذهب أمام الأستانة، ~~فلبت حكوماتهم هذا الطلب وأخذت البوارج ترد مختلفة الرايات على مياه البوسفور، وصار ~~هذا الأسطول المختلط ينزل إلى المدينة بعد الظهر من كل يوم 200 بحري، ورأينا ~~الطرادة الإنكليزية «يرموث» تخاطب بتلغراف ماركوني محطة بولدو في إنكلترا، وتتلقى ~~به خلاصة الحوادث السياسية والمالية والرياضية حتى نتيجة لعب الكرة ... وكان الأتراك ~~ينظرون إليهم بعين الصابر الحزين، ولما أرسلت فرنسا البارجة المسماة «ليون غمبتا »، ~~ذهب جماعة من شبانهم إلى السفارة الفرنساوية وشكروا الجمهورية؛ # 8 # لأن اسم غمبتا هو عنوان الدفاع عن الوطن. # وأما كامل باشا الذي كان صدرا أعظم يوم لوله بورغاز فإنه لما علم بالخطب مساء 3 ~~نوفمبر قال لمن أخبره به: «كنت أفضل الموت على سماع هذا الخبر»، ثم جمع مجلس وكلاء ~~الدولة وقرر معه أن يطلب تعضيد أوروبا في إيقاف رحى القتال، وأمر نورد نجيان أفندي ~~وزير الخارجية بالذهاب إلى السفارة الفرنساوية ليطلب بواسطتها إلى الموسيو ~~بوانكاريه رئيس الجمهورية الحالي أن يسعى لدى أوروبا في إيقاف الحرب، فذهب الوزير ~~وهو عالم أن هذا السعي لا يجدي نفعا، وأن الحرب ستبقى حتى يعترف أحد الفريقين ~~بالعجز، وقال في حديث رواه رئيس تحرير الماتين: «لو كان هذا الوقت وقت السخر ~~والتهكم، لاكتفيت بأن ألصق على جدران الأستانة وأنشر على صدور الصحف التركية ذاك ~~البلاغ الذي قالت فيه أوروبا: إنها لا تسمح بأي تغيير في أراضي البلقان، ثم أزيد ~~عليه صور سبع وعشرين معاهدة عقدتها الدول الأوروبية وضمنت فيها سلامة الأراضي ~~العثمانية»، ثم روى ما جرى بعد أن قهر جيش أدهم ms057 باشا اليونان سنة 1897، وهو «أن ~~قيصر الروس أرسل وقتئذ إلى السلطان المخلوع تلغرافا خاصا طلب فيه إيقاف الجيش ~~العثماني الذي كان مستعدا للزحف على أثينا، ثم ذهب سفراء الدول أنفسهم إلى وزير ~~الخارجية العثمانية للتناقش معه في مسألة الصلح، فهل كان هذا كله من الحقوق ~~الدولية؟ إن الحقوق الدولية تغير بتغيير الأزمان والأمم والمخاوف التي تداخل أوروبا ~~من الغالب أو من نفسها.» # ولما ذهب السفراء بعد ذاك الخبر الأليم لمقابلة كامل باشا ومفاوضته في شأن الأمن، ~~قال لهم: «إني سأدافع عن النظام في الأستانة حتى النهاية، أما إذا سمحت الدول بغزو ~~الأستانة واستولى اليأس على الأهالي، فإني ألقى تبعة ما يجري حينئذ على وجدان ~~أوروبا، ولا تحسبوا أنني أترك الأستانة مع سلطاني؛ فهو يفضل أن يقتل في قصره، ~~وأنا أفضل أن أقتل في ديواني على مزايلة الأستانة.» # فأثر كلام هذا الشيخ الذي يضع إحدى رجليه عند باب القبر في سفراء الدول العظمى، ~~غير أنه لم يذهب بخوفهم، لم يخفف من قلقهم، ولما اشتد دوي المدفع في جتالجه أنزلت ~~بوارج الدول جنودا لحماية الأحياء والمصارف والسفارات والقنصليات، ثم عادت ~~فاسترجعتها. # تلك حالة الأستانة بعد لوله بورغاز، فنحن ندعها الآن مع مشاغلها السياسية ~~ومفاوضتها المتواصلة للدول، لنرى ما جرى في جتالجه نفسها بعد وصول الجيش العثماني ~~وزحف الجيش البلغاري. # جتالجه # جتالجه؛ اسم ملأ الدنيا فكم تداولته ألسنة الملايين في العالمين، وكم خفقت ~~لذكره قلوب، وجاشت مطامع، وقلقت أفكار، واشرأبت أعناق وشخصت أبصار ... # جتالجه، لا عجب في بلوغ العناية بك ذاك المبلغ فأنت الحاجز الوحيد بين ~~الأعداء المنصورين ودار الخلافة، وعاصمة السلطنة، ومدينة الذهب، وملتقى البرين ~~والبحرين، ومركز فروق، والموقع الذي اهتزت له أوروبا يوم بلغه الروس سنة ~~1878. # تالله لقد أصبح العثمانيون وكأنهم في حلم يوم زحف الجيش البلغاري إلى ذاك ~~الموقع، وأخذوا يسمعون ما لم يكن يخطر في خاطر ولا يفكر فيه فاكر، يسمعون الناس ~~يتساءلون: «لمن تكون الأستانة؟» ثم يسترسلون إلى التكهن والتخمين على صفحات ~~الجرائد الكبيرة، فواحد يقول قول الموسيو ms058 بوانكاريه: إن الأستانة وما حولها ~~تبقى لتركيا، وآخر يقول: بل تعطى للبلغار، وثالث يقول: لا بل توضع تحت حماية ~~الدول وتكون إمارة مستقلة، ورابع يرى أنها ستكون لروسيا. # اللهم اشف المريض واجعلهم من المخطئين ... ~~(4-7) معارك جتالجه # تركنا الجيش العثماني فيما تقدم يهتم بضم شمله وتعزيز قوته وتحصين خط الدفاع في ~~جتالجه، وتركنا الجيش البلغاري زاحفا نحوه بعد أن وقف بضعة أيام للأسباب التي ~~أوضحناها في باب سابق. # ويحسن بنا قبل الكلام على معارك جتالجه أن نصف ذاك الخط بإيجاز، قال الكولونل ~~بوكابيل: إن خط جتالجه - أو بالأولى - خطوطها الدفاعية هي عند الجانب الشرقي من ~~واد هناك واقع بين بحيرة جكمجه وبحيرة ترقوس، والمسافة بين البحيرتين 25 كيلو ~~مترا، وأعلى نقطة من الوادي واقعة عند قرية اسمها بالتركية طاغ يكي كوى. والوادي ~~يحتوي على منطقتين من المستنقعات. # ولما نشبت الحرب الروسية العثمانية حصنت الدولة تلك الخطوط بعض التحصين، ثم ~~زادتها تحصينا بعد سنة 1878 تحت مراقبة بلوم باشا، وأهم خط منها يجاور ربوة يبلغ ~~ارتفاعها عن البحر 200 متر، ويمتد من شرقي بحيرة جكمجه إلى جهة قره برون شرقي بحيرة ~~ترقوس عند البحر الأسود. # وفي سنة 1883 طلبت الحكومة العثمانية إلى الجنرال بريالمون أن يرسم خطة دفاعية ~~دائمة للأستانة، فنصح لها بأن تحول خمسة حصون صغيرة إلى حصون حديثة هناك، على أن ~~قلة المال حالت دون العمل بنصيحته، فبقيت حصون جتالجه كما كانت. وما اهتمت الحكومة ~~العثمانية بها اهتماما صحيحا إلا في النصف الثاني من شهر أكتوبر أي بعد إعلان ~~الحرب، فنصبت المدافع وحفرت الخنادق بين الحصون، على أن مدافع الحصار كانت ~~قليلة. # وقبل وصول الجيش البلغاري رتب ناظم باشا الفيالق على تلك الخطوط، فوضع الفيلق ~~الأول في جهة أحمد باشا وهي أقل استهدافا من سواها لنيران العدو، ووضع الفيلق ~~الثاني في الجهة الممتدة من أحمد باشا إلى البحر الأسود، وأوقف الفيلق الثالث أي ~~فيلق محمود مختار باشا في أشد المواقع خطرا، وأبقى الفيلق الرابع احتياطيا وراء ~~الفيلق الثاني، وترك ms059 الرديف الاحتياطي وراء الفيلقين الثالث والأول، أما المعسكر ~~العام فكان في خادم كوى. ~~••• # نلتفت الآن إلى البلغاريين، فإنهم بعد ما وقفوا إلى 6 نوفمبر عمدوا إلى التقدم ~~نحو جتالجه، فزحف جيشهم الثالث إلى جركس كوى وسترانجه، وتقدم جيشهم الأول من الجهة ~~اليمنى وبلغ قلبه جورلو، وسارت بعض فصائل إلى جهة بحر مرمرة لتحتل جهات رودوستو، ~~وكانت رودوستو مستودعا لمقدار عظيم من المؤن والذخائر وقاعدة لغذاء الجيش العثماني ~~في تراقيه، وكانت البوارج مسعودية وحميدية وعصر توفيق تحميها مع طابور من الجنود، ~~وما وصلت طلائع البلغاريين في التاسع من أكتوبر حتى أخذ العثمانيون يستعدون لنقل ~~مؤنهم وذخائرهم، ولما هجمت القوة البلغارية عليها في 10 نوفمبر كانت منقولة إلى ~~البحر، ولم يتمكن العثمانيون من الدفاع قبل نقلها إلا بفضل بطاريات البوارج ~~المذكورة، ولم يقدر البلغاريون على دخولها إلا في 11 أكتوبر أي بعد أن تركها ~~العثمانيون وأخذوا ما كان فيها. # وفي ذلك الوقت نفسه كانت قوة بلغارية زاحفة على نهر مريج، فاحتلت ديمتوقه ~~وصوفيلو. # على أن الجنود العثمانية لم تحاول أن توقف الجنود البلغارية في جهة من تلك ~~الجهات، وما توالت المناوشات بين طلائع العدوين إلا منذ 12 أكتوبر بعد أن احتل ~~البلغاريون سيلوري، ليدفعوا فيها عن ميمنة جيشهم إذا تمكن العثمانيون من إنزال قوة ~~عن طريق البحر. # ثم قضى البلغاريون أيام 14 و15 و16 نوفمبر في استطلاع طلع العثمانيين وتعرف ~~مواقعهم، ومواضع مدافعهم، والأماكن التي يحسن فيها نصب المدافع البلغارية، وسائر ما ~~يجب العلم به قبل المعركة. ثم عزم أركان الحرب أن يجعلوا هجومهم من جهتين؛ إحداهما: ~~جنوبية، والثانية: شمالية. وكانت المواقع التي اتخذها البلغاريون تعلو مواقع ~~العثمانيين بنحو مائة متر، فتمكنهم من رؤية ما يجري في الصفوف العثمانية، ولكن ~~المسافة كانت واسعة بينهم في بعض الأنحاء. # وبينما كان الجيشان واقفين على تلك الحال ومستعدين للقتال كانت وزارة كامل باشا ~~تسعى في عقد هدنة، فأمرت القائد العثماني العام بأن يرسل مندوبا يطلبها من قائد ~~الجيش البلغاري. ولما وصل المندوب إلى معسكر البلغاريين ms060 أجاب قائدهم بأن الأمر منوط ~~بحكومته، فيجب أن تكون المفاوضة في هذا الشأن بين الأستانة وصوفيا، وربما كان إرسال ~~هذا المندوب باعثا على اعتقاد القواد البلغاريين أن الحكومة العثمانية ما أرسلته ~~إلا لشدة اقتناعها بأن الجيش العثماني أضعف من أن يقاومهم، وأن هجمة قوية تكفي ~~لتبديد شمله. # معركة 17 نوفمبر # ولما كان اليوم السادس عشر من نوفمبر تمت أهبة البلغاريين، وفي 17 منه تقدم ~~قسم من الجيش البلغاري الأول، ونشب قتال شديد قاوم فيه العثمانيون مقاومة لم ~~تكن في حسبان البلغاريين، ومما يدل على شدته في الجهة الشمالية أن البلغاريين ~~غنموا عددا من المدافع ثلاث مرات وخسروها ثلاثا؛ لأنها كانت بلا خيل ولأن ~~العثمانيين تفانوا في سبيل استبقائها. ثم غربت شمس 17 نوفمبر والعدوان في ~~المواقع التي كانا فيها عند الصباح. وكان من أهم العوامل في صد هجوم البلغاريين ~~مساعدة البارجتين مسعودية وبرباروسا من خليج جكمجه. # تلك نتيجة هجوم الجيش البلغاري الأول، أما الجيش البلغاري الثالث فقد كان ~~هجومه أشد من هجوم الجيش الأول وأصابته خسارة عظيمة؛ لأن البطاريات العثمانية ~~كما قال الكولونل بوكابيل: كانت سديدة الرماية. وحدث أن الفرقة البلغارية ~~الثالثة وقعت بين نارين فكان هذا الخطاء وبالا عليها. ولما رأى قائد الجيش ~~المذكور أن جنوده لم تتقدم نهارا إلى حيث أراد، أمر بعض فرقها بأن تثابر على ~~الهجوم ليلا، فاستولت على لازار كوى وما فيها من الخنادق العثمانية، ولكن ~~محمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث اغتنم فرصة الضباب صباحا فحمل عليهم حملة ~~صادقة وطردهم من الخنادق، ولشؤم طالعهم في تلك الوقعة ظنتهم بطارياتهم من ~~العثمانيين وأخذت ترميهم بالقنابل ... فذعروا وتبعهم العثمانيون، لكنهم عادوا ~~فضموا أطرافهم وجمعوا قواتهم. # أما خسارة البلغاريين فيقول الكولونل بوكابيل: إنها بلغت في اليوم المذكور ~~10000 رجل بين قتيل وجريح، وأما خسارة العثمانيين فقد كانت عظيمة إلا أنها أقل ~~من خسارتهم، والمستفاد من أقوال الاختصاصيين عن تلك الوقعة أن البلغاريين لم ~~يكونوا راغبين في هجمة عامة فاصلة، بدليل أن جانبا من قواتهم لم يقتحم نار ms061 ~~القتال، بل أرادوا أن يعرفوا مبلغ القوة العثمانية فتحول عملهم إلى معركة دموية ~~كبيرة عرفوا منها أن الجيش العثماني المرابط هناك لا يسهل قهره. وكانوا يعلمون ~~فوق ذاك كله من الوجهة السياسية أنهم وإن دخلوا الأستانة لا يستطيعون البقاء ~~فيها؛ لأن الدول حتى روسيا حامية الصقالبة تضطرهم حينئذ إلى تركها، فعلام إذن ~~يفنون معظم جيشهم عند بابها؟! أجل إن أخذها بالسيف يسهل عليهم اشتراط ما ~~يريدون من شروط الصلح، ولكن ما يستفيدونه لا يضاهي ما يخسرونه على افتراض أنهم ~~يفلحون. # وزد على ذاك كله أن المفاوضات في شأن الهدنة كانت جارية بين الأستانة وصوفيا، ~~فقد روى رئيس تحرير الماتين إن كامل باشا كتب إلى ملك البلغار نفسه في هذا ~~الشأن، فليس من الحكمة ولا من أصالة الرأي أن يواصلوا القتال ما دامت يد ~~السياسة تعمل على إغماد السيف. # لتلك الاعتبارات ولعلمهم في يومي 17 و18 نوفمبر أن الجيش العثماني الذي ~~قابلهم في جتالجه هو غير الجيش الذي قاتلوه وقهروه في قرق كليسا ولوله بورغاز، ~~ولكون طبقة 1912-1913 من جنودهم لم تصل ولم يكونوا ينتظرون وصولها قبل أواخر ~~نوفمبر؛ قرروا أن يتقهقروا إلى مواقع تبعد عن مواقع العثمانيين مسافات تختلف ~~بين 5 و7 كيلومترات على ما جاء في كتاب الكولونل بوكابيل، وكان تقهقرهم على مهل ~~في 19 و20 و21 من نوفمبر تحت حماية مدافعهم ومؤخرتهم، وكان العثمانيون ~~يلاحقونهم ويناوشون الفرق المتأخرة منهم، وقد دهش قواد الجيش العثماني من هذا ~~التقهقر؛ لأنهم كانوا يتوقعون هجمات ترخص فيها الأرواح ولا سيما في جهة الفيلق ~~العثماني الثالث. وكان ناظم باشا القائد العام برغم هذا النجاح يهتم كل ~~الاهتمام بإنشاء خطين جديدين للدفاع وراء جتالجه؛ لأن ثقته بالنجاح النهائي لم ~~تكن قوية راسخة. ~~(4-8) جرح محمود مختار باشا في جتالجه # تقدم لنا أن الفيلق الثالث الذي كان يقوده محمود مختار باشا فعل أفعالا توجب له ~~الثناء الجميل؛ فجدير بنا أن نخص قائده الباسل بكلمة مستمدة من أقوال الماجور فون ~~هوشوختر الألماني الذي كان معه في ms062 جتالجه، قال ما خلاصته: # سرت مع محمود مختار باشا وكمال بك وكاظم بك وصلاح الدين بك وناظم بك ~~قاصدين الخط الأول؛ لأن الباشا أراد أن يرى بعينه طريقة تنظيم الدفاع، وكان ~~الرصاص يصفر فوق رءوسنا واتفق أنا رأينا بعض أفراد متقهقرين فدفعناهم إلى ~~الأمام، ثم تقدمنا عدوا على جيادنا وصفير الرصاص لا ينقطع فوق رءوسنا حتى ~~وصلنا إلى مأمن عند الحصون. وإنا لواقفون هناك إذا بعدد من الجنود المشاة ~~نهضوا واقفين حولنا فصاح فينا ناظم بك «البلغار البلغار»، فلحظت القبعات ~~الروسية على مسافة عشرين مترا منا، ثم وقف ضابط بلغاري وقال: «مكانكم ...» ~~وكان قريبا مني إلى حد أني أستطيع معرفته إذا وقف اليوم أمامي، فأدرت ~~عنان حصاني ورأيت محمود مختار باشا وكمال بك يعدوان إلى الجهة اليسرى، ~~وصلاح الدين يعدو أمامي وكاظم بك ورائي، وبعد قليل وقع صلاح الدين عن جواده ~~فظننت أنه سقط قتيلا، ثم سمعت وقع جثمان فالتفت فإذا كاظم بك على الأرض، ~~ثم حولت نظري إلى الباشا فرأيت جواده مقتولا وهو يمشي كالأعرج، ولم يكن في ~~وسعي أن أمد له يدي؛ لأني كنت مستهدفا كل الاستهداف للعدو من الجهة ~~اليمنى، وفي تلك الساعة خرقت رصاصة «قلبقي» العثماني، ثم غاب الباشا عن ~~نظري فذهبت عدوا إلى طابور رئيسه يفهم الألمانية، فكلفته أن يذهب إلى ~~الجهة التي كان فيها الباشا ليأتي به، وإذا كان قتيلا فليتلقف جثته من ~~العدو ولا يرجع إلا بها، فوضعت الجنود حرابها في بندقياتها وهجمت مسرعة، ~~ولكني لم أجد للباشا أثرا، وبعد البحث عنه نحو نصف ساعة وجدته على الطريق ~~المؤدي من الحصن إلى المستشفى النقال، فلا تسل عن سروري برؤية رئيسي فإني ~~لشدة فرحي وقفت أنظر إليه ولا أنبس ببنت شفة، وأظنه أدرك معني نظرتي ثم ~~تصافحنا بلا كلام، وكان مصابا بثلاث رصاصات وعلى رأسه «قلبق» طبيب وعلى ~~كتفيه عباءة جندي، وعلى وجهه دلائل الألم الشديد، وعلمت أنه لما أصيب ~~بالرصاصة الأولى بعد قتل حصانه لم ينقطع عن السير، ولكنه لما أصيب بالرصاصة ~~الثانية ms063 رمى بنفسه إلى الأرض، ولبث حينا طويلا تحت نيران العدو، ثم تقدم ~~إليه جندي رث الملبس فطيب نفسه وحمله على ظهره مسافة 500 متر، ثم ألقاه ~~في محل أمين وراء ربوة، وبينما كان في طريق الأستانة التقى بعزت باشا رئيس ~~أركان الحرب فانحنى عزت باشا وقبله في جبينه، ولما وصل إلى المعسكر العام ~~استقبله ناظم باشا والضباط الذين كانوا هناك، ثم نقل إلى الأستانة حيث كان ~~ينتظره 200 من أصدقائه، فعملت له عملية في المستشفى الألماني أسفرت عن ~~النجاح. ~~(4-9) الضباط الألمانيون في جتالجه وغيرها # كثر عدد الألمانيين الذين هرعوا إلى مساعدة الجيش العثماني ولا سيما في جتالجه، ~~فمنهم البكباشي هوشوختر (أو هوخوختر كما تلفظ بالألمانية) وهو صاحب التأليف الذي مر ~~ذكره، والقائم مقام فون لاسوف الذي كان مع أركان حرب عبد الله باشا، ثم استلم قيادة ~~آلاي في جتالجه بناء على طلب محمود مختار باشا، والكولونل توتبشفسكي الذي تولى ~~مراقبة إطلاق المدافع كما قيل، والكولونل ويت الذي كان في قرق كليسا، والبكباشي ~~ليهمان، والملازم الأول جانوف اللذان ألحقا بأركان الحرب في جتالجه ، والملازم فون ~~ريجستر، والميرالاي بوب، والملازم كونزر الطيار وغيرهم. # 9 # وقبيل إعلان الحرب عقد أركان الجيش العثماني عدة اجتماعات حضرها ضباط ألمانيون، ~~وبسطوا آراءهم في شأن الخطة الحربية التي يحسن بتركيا اتباعها. # وإذا أضفت إلى هذا كله أن المدافع والبنادق التي استخدمها الجيش العثماني كانت ~~ألمانية، وأن المارشال فوندر غولتز كان رئيس أساتذة الجيش العثماني، ظهر لك السبب ~~الذي من أجله قام كثير من الجرائد ولا سيما الجرائد الفرنساوية، يعزو إلى ~~الألمانيين جانبا من تبعة الفشل الفاضح الذي أصاب الجيش العثماني. # على أن الألمانيين يقولون: «إنا وضعنا النظريات وتركنا العمليات لأركان حرب ~~الجيش العثماني ولحكومته، فما ذنبنا مثلا إذا كان ضباط تركيا لم يتبعوا أولا خطة ~~الدفاع كما رسمناها لهم؟ وما ذنب بنادقنا إذا كان الرديف العثماني لا يعرف كيف ~~يستخدمها؟ وأي عيب يلحق بمدافعنا إذا كانت الطرق غير صالحة، فلا يمكن تسيير ~~البطاريات فيها، وإذا كانت ms064 ذخيرتها قليلة؟ إن إهمال العثمانيين هو الذي جر عليهم ~~البلاء ونكبهم بأعظم الإرزاء». # تلك خلاصة ما يرد به الألمانيون على خصومهم، وهو لا يخلو من نور الحقيقة، ولكن ~~هناك أمرا لا ريب فيه: وهو أن المدافع الفرنساوية فعلت فعلا هائلا، وأن عددا ~~غير قليل من القنابل الألمانية لم ينفجر، وأن القنابل التي كان يطلقها المدفع ~~الفرنساوي المعروف بمدفع 75 في الدقيقة ظهرت أشد فعلا من مدفع كروب الذي يضارعه في ~~الحجم، كما قال الاختصاصيون الذين حضروا المعارك الكبرى ومنهم كبار قواد الصرب ~~والبلغار واليونان. # | حصار أدرنه وسقوطها # نتكلم هنا على حصار أدرنه ثم سقوطها بعد الهدنة الأولى، فنختم به شرح الأعمال الحربية ~~التي جرت في تراقيه بين البلغاريين والعثمانيين، ثم ننتقل إلى معارك الصربيين والعثمانيين ~~طبقا للخطة التي رسمناها في تقسيم هذا الكتاب. ~~(1) ما هي أدرنه؟ # أدرنه مدينة قائمة عند ملتقى نهري مريج وطونجه شمالا ونهر أدرا يمينا، طوقها بلوم ~~باشا بستة وعشرين حصنا صغيرا أيام الحرب الروسية العثمانية، وهي - أي تلك الحصون - ~~منشأة على مرتفعات تشرف من الجهتين الشرقية والغربية على مدينة أدرنه نفسها ، وتتصل ~~بموضع الخط الحديدي الممتد من الجهة الجنوبية الغربية، ولكنها لا تعد القسم الأهم من ~~القلعة في هذا الوقت. # ولما كانت سنة 1903 اتسعت دائرة الموقع اتساعا كبيرا، وأنشأت له الحكومة العثمانية ~~حصونا حديثة محمية ذات أبراج صغيرة في الجهات الشرقية والشمالية والغربية أي أشد ~~الجهات استهدافا للخطر، وهي تسمى قرتال تبه، وقزال تبه، وشيطان تبه، وطاش تبه، وقوش ~~تبه. # وصرفت عناية خاصة إلى المسافة التي بين قرتال تبه، وقزال تبه، فحفرت هناك سلسلة من ~~الخنادق، وأنشأت جملة مواقع دفاعية جعلتها ذات منعة كبيرة. # وكان أركان حرب الجيش البلغاري # 1 # يقدرون أن العثمانيين يمكنهم وقت الحصار أن يضعوا في حصون أدرنه نحو ~~200 مدفع من مدافع الحصار الكبيرة التي جيء ببعضها من الدردنيل، و300 مدفع أخرى من ~~مدافع الميدان، وكان عند العثمانيين أيضا نحو أربعين منيرة كهربائية (بروجكتور) ~~لاستطلاع طلع أعدائهم تحت جنح الليل. # ولما ms065 اسود وجه السياسة قبيل الحرب، وجهت الحكومة العثمانية همة جديدة إلى حصون ~~أدرنه، فقدمت لها ما كان يعوزها لإتمام الأهبة في الخطوط الأولى وحفرت خنادق جديدة ~~لإقامة المشاة، ونصبت مدافع مغمورة بالتراب على الطريقة الحديثة، ولما هجم الجنرال ~~إيفانوف هجمته الأولى بعد إعلان الحرب رأى مقاومة شديدة من الخطوط الدفاعية الأولى، ~~وظهر للبلغار أنها لا تؤخذ إلا بالحصار، ومما يجب ذكره فوق ما تقدم أن الأراضي الواقعة ~~وراء قره أغاج من الجهة الجنوبية الغربية هي على مستوى القياس المتوسط لمياه مريج، وأن ~~هناك مستنقعات مغطاة بالأعشاب، فإذا هطلت الأمطار في شهري أكتوبر ونوفمبر حولتها إلى ~~بحيرات صعبة المجاز، فكانت للعثمانيين هناك معونة كبيرة من الطبيعة نفسها. # وصل البلغاريون فاختاروا أن يعسكروا أمام الجهات التي تفوق سواها قوة وتحصنا؛ لأن ~~أضعف جهة - وهي الواقعة بين قرتال تبه وقوش تبه - كانت بعيدة عن محطة السكة الحديد، فلم ~~يكن في وسع البلغاريين أن ينقلوا إليها المدافع الكبيرة والذخائر وغيرها. وزد على هذا ~~كله أن جميع الأراضي لا تصلح لنصب مدافع الحصار، فلهذين الاعتبارين اختار الجنرال ~~إيفانوف قائد الجيش البلغاري حول أدرنه أن يتجه بمعظم قوته إلى الجهات التي ما بين مريج ~~وطونجه، وإن كانت الحصون العثمانية هناك منيعة جدا. # أما القوات البلغارية التي كانت حول أدرنه فهي 30 مدفعا (12سنتيمترا)، و41 مدفعا ~~قصيرا (15سنتيمترا)، و40 مدفعا كبيرا من العيار ذاته وسبع بطاريات من طراز 75 ~~مصنوعة على قواعد خاصة، غير أن الكولونل بوكابيل يقول: «إن بعض تلك المدافع كان قديما، ~~أما عدد الجنود فقد كان يختلف بين حين وآخر؛ لأن أركان حرب الجيش البلغاري كانوا يبدلون ~~ويزيدون وينقصون حسب مقتضى الحال، ولما قهر الصربيون الجيش العثماني الغربي في قومانوا ~~(كومانوفو) أرسلوا إلى جهة أدرنه معظم الجيش الذي كان يقوده الجنرال ستفانوفتش، فسافرت ~~حينئذ فرقتان بلغاريتان إلى جتالجه، وروى الموسيو دي زيغو نزاك الذي كان مع الجيش ~~البلغاري أن الجنود المحاصرة لأدرنه لم تبلغ يوما مائة وخمسين ألفا، وأن منظر الرديف ~~البلغاري بدا له ms066 غريبا، فكان يبصر الشاب بجانب الكهل، ويجد كلا منهم على شكل، بعضهم ~~يلبس الملابس الوطنية، وبعض يلبس عباءة من جلود الخراف، وآخر يتشح ببرنس من الصوف ~~الأسمر أو الرمادي، وغيره متأنق في لبسه.» # على أن روحا واحدة وغرضا واحدا كانا يجعلانهم جيشا ... # أما القوة العثمانية فقد كانت في أوائل الحرب نحو خمسين ألف رجل، ثم انضم إليها عدد ~~من الجنود، واستخدم شكري باشا قائد الموقع كل رجل عثماني صالح للخدمة في المدينة نفسها، ~~قال خليل بك والي ولاية أدرنه في مقال نشره بعد التسليم: «كان في قلاع أدرنه خمسة ~~وسبعون ألفا من الجنود، وبلغ عدد الأهالي مع الذين هاجروا إليها 120 ألفا، وقد لبثنا ~~نعول هؤلاء كلهم إلى أواخر أيام الحصار، وكان في القرى والدساكر المجاورة للمدينة قدر ~~كبير من المؤن والذخائر، ولكن هجوم العدو علينا منعنا من نقلها، فاستولى هو عليها ~~وأطعم جنوده من تلك المؤن زمنا طويلا.» # وكان في القلعة ذاتها عدد كبير من الأبقار والأغنام فأردنا أن نسوق جانبا منها إلى ~~الأنحاء الجنوبية، فاستولت الجنود والعصابات البلغارية على أكثره عند نقله. # وكانت القوات العثمانية الموكلة بالدفاع والهجوم مؤلفة من الفرقة النظامية العاشرة ~~تحت قيادة حسام الدين باشا، والفرقة النظامية الحادية عشرة بقيادة المير لوا إبراهيم ~~باشا، والفرقة الثانية من رديف أدرنه بقيادة المير لوا علي ناظم باشا، وفرقة رديف بابا ~~اسكي الثانية بقيادة الميرالاي نوري بك، وفرقة النشانجية وفرقة كرملنجه بقيادة ~~الميرالاي جلال بك، وطوبجية المواقع. # ثم قال عن المئونة: «كان في القلاع عشرة آلاف كيس من الدقيق، واتفق أن موسم الحصاد ~~كان في زمن التعبئة وأن أصحابه لم يتمكنوا بسببها من إرسال حبوبهم إلى الخارج، فاستفدنا ~~منها وجمعنا عشور مدينة أدرنه وجعلناها وديعة في ذمة الحكومة.» # على أن الملح كان قليلا في بدء الحصار، ولم يكن في المخازن العسكرية شيء منه، فلما ~~بلغني هذا الخبر طلبت منه مقدارا من دده أغاج، ولكن الخطوط الحديدية كانت مشغولة بنقل ~~الجنود وأثقالها، ولم أنل بعد الجهد إلا تسع عربات ms067 من الملح باسم الشركة، وما مضى ~~شهران ونصف أو ثلاثة من ابتداء الحصار حتى نفد الملح. # وكان ستون ألف صيفحة من الجبن في مدينة أدرنه، فلما علم أصحابها بخبر تعبئة الجيش ~~أرادوا تهريبها، ثم عرضوا على الحكومة أن تساعدهم على نقلها إلى الخارج مقابل خمسة آلاف ~~أو ستة آلاف من الليرات، ولكن حاجتنا إلى المئونة كالدقيق والأرز والفاصوليا والسكر ~~إلخ، وعجزنا عن استحضارها من دده أغاج أو الأستانة، وملاحظة أن ذاك المقدار من الجبن ~~ينفع الجنود والأهالي معا؛ كل ذلك جعلني أمنعهم من نقل أية كمية من الجبن الموجود، ~~ولقد صح ظني فإن الجبن كان إدام الجنود والأهالي بعد أن نفذ الملح، فكانوا يأكلونه مع ~~الخبز الحلو فيسد بعض الحاجة. أما المرضى والجرحى فقد كنا ادخرنا لهم مقدارا من ~~الملح كفاهم إلى آخر أيام الحصار. # ولما صد البلغاريون الجنود العثمانية التي كانت في مصطفى باشا وغيرها من الجهات ~~الواقعة خارج القلاع، أصدر شكري باشا منشورا قال فيه: إن الجنود العثمانية ستقوم بواجب ~~الدفاع حتى النهاية، وستظهر من الحزم والثبات والشجاعة ما أظهره أبطال بلفنا في الحرب ~~الروسية العثمانية. ثم أوصى الأهالي بالتزام السكون، وطلب إلى السكان الذين لا يملكون ~~مئونة تكفيهم نحو شهرين أن يبرحوا المدينة، على أنهم لم يكونوا يستطيعون السفر ~~جمهورا؛ لأن الخطوط الحديدية كانت مشغولة، فبقي في أدرنه أكثر من ثلثي الأهالي، وبلغ ~~عدد الذين خرجوا من أسر الضباط وغيرهم نحو اثني عشر ألفا على رواية والي أدرنه ~~نفسه. # غير أنه برغم ذاك التدبير أخذ الأهالي يحتاجون إلى الخبز في أواخر أيام الحصار كما ~~روى قنصل فرنسا. ويظهر من حديث والي أدرنه أن هناك أناسا كانوا يخبئون المئونة. # وصفوة ما يقال من هذا القبيل: إن أهالي أدرنه إذا كانوا لم ينجوا من المضايقة ~~والمخاوف الشديدة بسبب إطلاق المدافع واحتراق المنازل وتهديم بعضها، فإنهم لم يقاسوا ~~ما قاساه الباريسيون الذين اضطروا إلى أكل الفئران في حرب السبعين. # أما الوجهة الحربية فإن المراسلين وغيرهم أعجبوا بها وعدوها مفخرة لشكري ms068 باشا ~~ورجاله، وأول ما نذكره للدلالة على دفاع أولئك الشجعان القساور شهادة ضابط صربي لمراسل ~~الديلي تلغراف في بلغراد - والفضل ما شهدت به الأعداء - قال ذاك الضباط: إن شكري باشا ~~لا يعرف التعب، ولا يترك للمحاصرين ساعة يستريحون فيها، بل كان سحابة الليل والنهار ~~يرقب حركاتنا وسكناتنا حتى اعتقدنا نحن الصربيين والبلغاريين أن الرجل بطل كبير ووطني ~~صادق، وصرنا نحترمه ونقدر قدره بعد ما رأينا من أفعاله، ولقد هرب في الأسبوع الماضي ~~مائتان من الحامية وسلموا إلينا في الجهة الشرقية، فلما سألناهم أطنبوا في مدح شكري ~~باشا والثناء على همته وبسالته، وقالوا: إنه كان يقضي معظم وقته في جامع السلطان سليم ~~ويراقب منه حركات الجنود البلغارية والصربية. ثم ختم الضابط الصربي حديثه قائلا: «إن ~~الدفاع عن أدرنه وأشقودره يزين صفحة جميلة من صفحات التاريخ العسكري العثماني.» # وقال مراسل التيمس: «إن عظمة العثمانيين وعزة أنفسهم في الأوقات المحزنة، لم تبلغا في ~~وقت من الأوقات الدرجة التي بلغتاها في أدرنه، وإن اصفرار وجوه الحامية، وملابسها ~~البالية الممزقة لدليل على الشدة التي قاستها في أواخر أيام الحصار.» # وأنشأ المارشال فوندر غولتز مقالة دافع فيها عن شكري باشا وقال: «إن أدرنه شرفت ~~العثمانية بقدر ما حطت كارثة قرق كليسا من شأنها، وهذا قول يجب التصريح به لمن يهمهم ~~أمر الوطن العثماني حتى يعلم أبناء العثمانية خاصة والناس عامة أن الجندي العثماني هو ~~أقوى جنود الأرض طرا، بشرط أن ينال حقه من المأكل والمشرب والملبس والعدة الحربية، ~~وها إن التاريخ يضم اليوم إلى صحائفه التي تكتب عن الحرب البلقانية صفحات الخطأ ~~والانهزام الشائن الذي حدث في قرق كليسا، وصفحات الجوع وخلل إدارة الميرة في لوله ~~بورغاز، ولا ينسى صفحات الفخر الكبير لقائد أدرنه وقائد بانيا، ولأسعد باشا الذي حارب ~~تسع ساعات ونصفا وهو لا يملك ذخيرة ولا ميرة، فإذا كانت المصائب تعلم الأمم وكان ~~صحيحا أن الأمة لا تصلح خللها إلا بعد كارثة شديدة، فإن الواجب على العثمانيين أن ~~يعتبروا بما فات ليبرهنوا للعالم أنهم ms069 قريبون من الحياة الحقيقية.» # وقرأنا في الجرائد الفرنساوية التي صدرت في النصف الأول من شهر أبريل الماضي أن عددا ~~كبيرا من الفرنساويين عقدوا اجتماعا في باريس تحت رئاسة الموسيو بويش وزير الأشغال ~~الأسبق، فألقى الأستاذ ألفريد دوران خطبة عن تركيا وحالتها، ثم طلب إلى الحاضرين أن ~~يوافقوه على إرسال كلمة إعجاب لشكري باشا فوافقوه بإجماع الآراء بين الهتاف والتصفيق، ~~وكلفوا السفير العثماني أن يبلغ شكري باشا إعجابهم وميلهم العظيمين «للبطل الذي يجب أن ~~تكون شجاعته ومقاومته مثالا لمن يشغفه حب الوطن في ساعة الخطر.» # وروت التان: أن البلغاريين أنفسهم لقبوه «بأسد أدرنه». ~~••• # حسبما تقدم من الشهادات الأجنبية، ويجدر بنا أن نذكر لخدمة التاريخ انتقادا وجه على ~~ذاك البطل المقدام، وهو أنه لم يخرج أيام المعركة الفاصلة في لوله بورغاز، مع أن مثل ~~هذا الخروج كان يمكنه أن يفيد الجيش العثماني فائدة كبيرة؛ لأن النصر بقي يترواح يوما ~~كاملا بين البلغاريين والعثمانيين، وممن أشار إلى هذا الإحجام خليل بك والي أدرنه حيث ~~قال: «إن القائد العام طلب من شكري باشا عند ابتداء معركة لوله بورغاز أن يعد جيشا ~~ويخرج به من أدرنه ليقطع خط الرجعة على البلغاريين ، فأبى شكري باشا لاعتقاده أن إنقاص ~~الحامية يفيد العدو.» # ثم نقل خالد بك رواية لأحد أمراء البلغار قال فيها: «لقد خفنا وصول المدد من أدرنه، ~~وأخذنا نستعد للتقهقر في لوله بورغاز، ولكنا أردنا أولا أن نستطلع طلع الأتراك، ولما ~~علمنا أنهم تركوا مواقعهم وأن أدرنه لم ترسل إليهم نجدات عدنا إلى التقدم.» # على أن مراسل التيمس في تراقيه بعث بمقالة عن حصار أدرنه ذكر فيها أن شكري باشا لم ~~يقصر في الخروج، وأنه لما فشل في الانضمام إلى الجيش بعد نشوب القتال في قرق كليسا، كان ~~السبب في فشله انقطاع الأخبار لعدم وجود «قلم مخابرات»، فهو قصد إلى الجهة التي كان يظن ~~العدو نازلا بها فوجدها خالية فذهبت حركته أدراج الرياح، ثم خرج غير مرة قبل تشديد ~~حلقة الحصار، وحدث عند تقهقر العثمانيين أنه ms070 خرج أيضا وكاد الأعداء يدخلون القلاع من ~~خلفه، ولكن رفعت باشا أدرك مقصدهم وجمع الطوبجية المسلحين بالقرابينات؛ (لأنه لم يكن ~~يثق بالرديف)، وزحف بهم إلى الجهة التي تقدم منها البلغاريون، فانخدع هؤلاء بهجومه ~~وفشلوا في اغتنام الفرصة، فتمكن عندئذ شكري باشا من الرجوع إلى مواقعه. # وكان البلغاريون يصرفون الجهد إلى إضعاف عزائم الحامية، فمن أعمالهم التي ذكرها والي ~~أدرنه والموسيو جينيه قنصل فرنسا الذي كان محصورا، أنهم أرسلوا طيارا بعد فشل الجيش ~~العثماني إلى ما فوق المدينة، فأخذ يرمي عليهم من الجو منشورات جاء فيها أن البلغاريين ~~إنما يحاربون الحكومة العثمانية ولا يرتكبون عملا ضد المسلمين، ولا يريدون سفك الدماء ~~بل يرمون إلى غرض وحيد، هو توطيد أركان الأمن في البلقان، ثم ذكروا أن أربع دول أحاطت ~~بالأملاك العثمانية في شبه جزيرة البلقان، وأن بابا اسكي ولوله بورغاز وديمتوقه واسكوب ~~وبرشتينا وقومانوا (أي قومانوفو) والاصونا وغيرها من المدن العثمانية العظيمة أصبحت في ~~أيديهم وتحت سلطانهم، وأن أدرنه حوصرت من كل جهة فصار من المستحيل إرسال المدد إليها من ~~الأستانة، وإن أمام أدرنه ألف مدفع بلغاري، فإذا لم تسلم المدينة كان نصيبها الدمار ~~والخراب. # ولما اطلع شكري باشا على تلك المنشورات أصدر منشورا أظهر فيه قوة قلاع أدرنه وذكر ~~جملة حوادث فظيعة منسوبة إلى البلغار. # ومنها؛ أنهم أرسلوا مندوبين إلى شكري باشا ليشرحوا له ما أصاب الدولة العثمانية، ~~ويظهروا أن كل مقاومة أصبحت عبثا، وعرضوا عليه أن يخرجوا الحامية بسلاحها وشرفها ~~العسكري، فأبلغهم أنه يرفض التسليم كل الرفض، وبقيت الحرب سجالا فردت حامية أدرنه ~~هجمتين عنيفتين وهجمات صغيرة لا تعد، وإذا صح ما رواه الكولونل بوكابيل فإنها خسرت منذ ~~ابتداء الحصار إلى يوم الهدنة (التي أبلغ خبرها إلى الحامية في 8 أو 9 ديسمبر) 15000 ~~بين قتيل وجريح، وخسارة البلغاريين 10000 رجل. # وفي اليوم العاشر من شهر ديسمبر اجتمع المندوبون البلغاريون والمندوبون العثمانيون ~~واتفقوا على شروط الهدنة. ~~••• # ولما فشل مؤتمر الصلح وألغيت الهدنة (كما سترى بعد نهاية الكلام على المعارك)، عاد ms071 ~~البلغاريون إلى مهاجمة أدرنه كما عادوا إلى القتال في كليبولي وجتالجه، فاستولوا على ~~قلعة «مال»، ولما لاح الصباح في 25 مارس أخذوا يطلقون القنابل من عدة جهات على النقطة ~~التي عينوها للهجوم، وكانت البطاريات العثمانية تجيبهم بشدة في جميع الأقسام، ونحو ~~الساعة الثامنة # 2 # صباحا كان الضباب كثيفا فاضطر الطوبجية إلى إسكات مدافعهم، على أن هذا ~~الضباب ساعد المشاة البلغاريين فتقدموا مسافة نحو القلاع. # وفي الهزيع الأول من ليل 26 مارس اخترق آلاي بلغاري الأسلاك المنصوبة لصد العدو، ~~وقيل: إن الجنود التي تولت قطعها كانت تحمل تروسا وتسوق معها عددا من الأبقار وغيرها. ~~ثم هجمت الجنود البلغارية قبل أن يتم قطع الأسلاك وهي تصيح صيحة الحرب فصادمتها الجنود ~~العثمانية في القلاع نفسها فقتل كثيرون بالسلاح الأبيض، وما كانت الساعة الثامنة من ~~صباح 26 مارس حتى صارت جميع الجهات الشرقية من حصون أدرنه في أيدي البلغاريين، ثم استمر ~~القتال في الجهات الأخرى حتى تم النصر لهم نحو الساعة الثانية بعد الظهر، وأسروا الغازي ~~شكري باشا وأركان حربه، وقد تباينت الأقوال في تسليم شكري باشا، فادعى الصربيون أن ~~رجالهم أسروه فكذبهم البلغاريون، على أن شكري باشا نفسه ذكر في حديث تناقلته الجرائد ~~أنه سلم إلى البلغاريين ، وكانت غنيمة هؤلاء مئات من المدافع، وأسروا نحو أربعين ألف رجل، # 3 # وأرسلوا شكري باشا وأركان حربه إلى صوفيا حيث أحسنوا معاملتهم، وأبى ملكهم ~~أن يأخذ منه السيف احتراما لبسالته، ولكنهم أساءوا معاملة الأسرى العثمانيين وألهبوا ~~أجسامهم بالسياط والحراب على رواية إحدى الراهبات ومراسل التيمس، وليس في هذا العمل - ~~إن صح خبره - شيء من الإباء والأنفة التي يجب أن يتحلى بها الشجعان. # وقالت جريدة لوكال انزيجر في وصف أدرنه بعد سقوطها: «أنها كانت هائجة مائجة، وكان ~~البلغاريون والأروام يهجمون على منازل المسلمين فينهبون ويسلبون ويرمون من قاومهم ~~بالرصاص، حتى كنت ترى جثث القتلى متراكمة في الشوارع. وذكر مراسل التيمس ما يدل على ~~وقوع حوادث فظيعة بعد سقوط المدينة، ولكن النظام ما لبث أن توطد في أنحائها، ms072 ودخلها ملك ~~البلغار فزار جامع السلطان سليم الشهير، وكان الأهالي البلغاريون والأروام واليهود ~~يستقبلونه بالأعلام والرياحين، أما خسارة البلغاريين والصربيين في تلك الهجمات فيرى ~~المراسلون الحربيون أنها بلغت نحو 15 ألف رجل على أقل تقدير. وأما خسارة العثمانيين فهي ~~ما بين 7 و10 آلاف، ومما يحسن بنا التنبيه إليه عند تقدير الخسارة أن البيان الرسمي ~~الدقيق لكل معركة لم يتصل بنا حتى الآن، وأن القواد العثمانيين لم يهتموا بإحصاء قتلى ~~الجنود (كما روى الماجور هوشوختر الألماني الذي كان معهم)، بل كانوا يحصون الضباط ~~القتلى فقط، ولعلهم ينشرون التفصيل الدقيق بعد الصلح، والراجح أن الاختصاصيين سينشئون ~~مؤلفات خاصة مفصلة من الوجه الحربي لحصار أدرنه كما أنشئوا لحصار بلفنا.» # أما تأثير سقوط أدرنه فقد كان عظيما أليما في عاصمة الدولة واهتمت به الأندية ~~السياسية؛ لأن الدول خافت أن يرسل البلغاريون مائة ألف جندي من جهات أدرنه إلى جتالجه، ~~وأن يصروا على دخول الأستانة ولو عظمت خسارتهم فينفتح حينئذ باب مسألة آسيا العثمانية ~~التي تريد الدول تأجيلها، وكانت روسيا نفسها تأبى أن يقف البلغاريون أمام آيا صوفيا ~~... ~~(2) تحقيق وزير # سافر الموسيو ميسيمي وزير الحربية الفرنساوية سابقا إلى أدرنه ليرى بعينه طريقة ~~تحصينها وفعل المدافع الفرنساوية فيها، ويحادث قواد البلغار فيما يرجو منه فائدة ~~حربية، وبعد التحقيق أنشأ عدة فصول قال في أحدها ما جوهره: # كان الفكر الشائع أن أدرنه التي أشرف على تحصينها جماعة من أكابر الاختصاصيين ~~الألمانيين فحولوها إلى موقع حديث تحيط به الحصون المحمية المرصوصة، لا يمكن ~~أن تؤخذ إلا بالجوع أو بحصار طويل الأمد، لكن هذا الرأي كان بعيدا عن الصواب ~~كما تحققت بعد أن سمح لي الجنرال إيفانوف بزيارة جميع خطوط التحصين والوقوف ~~على ما قل وجل. # إن أدرنه لديها مرتفعات متوسطة على مسافة خمسة أو ستة كيلومترات، ومنظرها ~~يدل على أنها منيعة وأن الدفاع عنها سهل؛ لعدم وجود غابات أو جدران وما ~~شاكلها من الأشياء التي تحول دون الاستطلاع، ولما كانت سنة 1911 زادتها الحكومة ~~العثمانية تحصينا فأنشأت ms073 السكك الحديدية الضيقة بين الحصون كما ترى في المواقع ~~الفرنساوية الشرقية، ونصبت فيها المدافع الضخمة وأعدت لها مقدارا كافيا من ~~الذخيرة، ووضعت في الأقسام التي رأتها أشد استهدافا من غيرها بطاريات محمية ~~بدلا من البطاريات المكشوفة التي يسهل إسكاتها، ثم وضعت الأسلاك ذات الأشواك ~~أمام الحصون فأصبح أخذها عنوة من أصعب الأعمال، ولا سيما إذا كان فيها جنود ~~راسخو العزيمة، وأحضرت منيرات كهربائية (بروجكتور) للاستطلاع. # ولكن الناظر إليها بعين الناقد يجد مع ذاك كله مواضع للضعف في تلك القلاع، ~~فإنك لا تجد فيها خنادق منحدرة بالمعنى الصحيح لوقاية الحصون من الهجمات، ثم ~~ترى بجانب البطاريات الحديثة حصونا قديمة ذات شأن عظيم متداعية للخراب، كما ~~ترى في أحدث الحصون ما يدل على توفير لا معنى له في رص المواقع المعرضة ~~للقنابل. # أما عدد الحامية فقد كان سبعين ألف رجل، ولكن قوتها المعنوية وتعليمها الحربي ~~لم يكونا على غاية ما يرام، ونحن مع اعترافنا بشجاعة قائدها شكرى باشا وأداء ما ~~يستحقه من الإكرام، نرى أن الجنود التي كانت تحت إمرته لم يكن عندها من كنوز ~~البراعة والنشاط ما كان للحامية التي تولى قيادتها عثمان باشا في بلفنا، فإن ~~رجال بلفنا دخلوها مدينة مفتوحة، فما لبثوا أن حولوها إلى موقع حصين أوقف ~~هجوم الجيش الروسي واستوقف معظمه حول موقعها، أما حامية أدرنه فلم تزد شيئا ~~على معدات الدفاع التي كانت قبل الحرب بل وقفت جامدة تنتظر ما تأتيها به يد ~~القدر، في حين أن البلغاريين والصربيين كانوا يشتغلون بلا انقطاع في الأشهر ~~الخمسة، فحفروا الخنادق وأنشئوا المراصد الخفية وبنوا مراكز للدفاع. # أما أطوار الحصار فهي كما عرف المطالع تدل على أن البلغاريين اتبعوا القواعد ~~الحربية الصحيحة، فإنهم اهتموا أولا بقهر معظم القوات العثمانية في تراقيه، ~~واكتفوا بأن يرسلوا إلى جهة أدرنه فرقتين ربما كان عدد رجالهما أقل من عدد ~~الحامية، ثم جاءتهم فرقة ثالثة وفرقتان من الصربيين فضيقوا حلقة الحصار شيئا ~~فشيئا بعد عدة معارك. وفي أواخر شهر أكتوبر طلب الجنرال إيفانوف إلى ms074 القيادة ~~العامة أن تأذن له في هجمة عامة على مواقع أدرنه وكرر هذا الطلب، غير أن أركان ~~الحرب رفضوا طلبه؛ لأنهم لم يرغبوا في شدة المخاطرة، بل رأوا من الصواب والحكمة ~~أن يصبروا حتى تسقط المدينة بالجوع أو بشدة الهلع من القنابل المتساقطة على ~~أحياء المدينة. # ولما عقدت الهدنة انقطع البلغاريون عن ضرب المدينة ثم عادوا إلى ضربها بشدة ~~هائلة بعد إلغاء الهدنة. # ولكن عزيمة شكري باشا لم تهن بديمة القنابل أو غيرها، فلما رأى البلغاريون أن ~~حالتهم لا تمكنهم من إقامة حصار منظم يقتضي إنشاء مواقع ومستودع أسلحة وطرقا ~~خفية وعددا كبيرا من الجنود الفعلة، ورأوا من جهة أخرى أن المواصلات لا تسمح ~~لهم بمثل تلك الأعمال الكبيرة الطويلة، قرروا أن يهجموا على أدرنه ويأخذوها ~~عنوة وقسرا كما طلب الجنرال إيفانوف. وفي 23 مارس صدر إليه الأمر بالهجوم ~~الشديد على المواقع الشرقية الشمالية، وفي 24 منه أخذت المدافع البلغارية كلها ~~تحول نيرانها إلى الجهة المعينة للهجوم، فأجابتها البطاريات العثمانية، ولكن ~~النيران البلغارية الهائلة أسكتتها بعد مدة، وما اسود جنح الليل حتى هجم ~~البلغاريون بالسلاح الأبيض فاستولوا على المواقع العثمانية، ثم واصلوا الهجوم - ~~كما شرحنا قبلا - حتى تم لهم النصر وأسروا الحامية وغنموا مدافعها وكل ما كان ~~لديها من المئونة. # أما النتيجة التي استخلصها الموسيو ميسيمي فهي: «أنه يعتقد مع جماعة من كبار الضباط ~~البلغاريين أن المواقع الحصينة تكون مهددة بخطر السقوط إذا وجهت المدافع الفاتكة إلى ~~نقطة واحدة منها، فأودت بقوتها، ثم هجمت عليها تحت حماية المدافع جنود باسلة تريد ~~النصر ولا تخشى الموت في سبيله، وأن البلغاريين لم يلبثوا خمسة أشهر أمام أدرنه؛ إلا ~~لأنهم كانوا مضطرين إلى تسيير القسم الأعظم من جيشهم إلى جهات أخرى؛ ولأن مواصلاتهم ~~ومعداتهم كانت غير كافية، وليس هذا حال دول أوروبية عظيمة، فإنها إذا كانت محاصرة ~~تتذرع بجميع الذرائع العلمية الحديثة لهدم قلاع عدوها، وإذا كانت محصورة فلا تدع في ~~مواقعها وجوه الضعف التي ظهرت في بعض جهات أدرنه.» # | معارك الجيش الصربي ms075 والجيش العثماني الغربي # صدر أمر الدولة الصربية بتعبئة جيشها في أول أكتوبر فقابلته أمتها بالتحمس الشديد، وتولى ~~الملك القيادة العامة وعين الجنرال بوتنيك رئيس أركان حرب، ثم قسم القوات الصربية إلى أربعة ~~جيوش، وسير ثلاثة منها إلى جهات اسكوب وأشتيب حيث معظم الجيش العثماني الملقب بالغربي، ~~وكان لواء الجيش الأول؛ معقودا للأمير إسكندر ولي عهد الصرب، والثاني: تحت قيادة الجنرال ~~ستفانوفتش، والثالث؛ تحت قيادة الجنرال جانكوفتش، أما الرابع؛ فكان مستقلا عن الثلاثة ~~المذكورة، وحشد شمالي سنجق يني بازار. # وأما القوات العثمانية التي أعدت لمقابلة الجيوش الصربية الأربعة، فقد جعلت تحت قيادة ~~محمد رضا باشا، وكانت مؤلفة من ثلاثة فيالق وهي الخامس والسادس والسابع وكل واحد منها مؤلف ~~من ثلاث فرق، وكان هناك ثلاث فرق مستقلة وهي الفرقة الثانية والعشرون في قوجانه، والثالثة ~~والعشرون في يانيه، والرابعة والعشرون في أشقودره، ثم أضيف إلى القوات المذكورة فرقتان من ~~الرديف المحلي، ثم فرقة واحدة من رديف الأناضول بعد فشل تحسين باشا كما سترى. # ولما كان الرديف الألباني وخصوصا الرديف المسيحي من بلغاريين وصربيين وغيرهم لم يظهروا ~~إخلاصا راسخا، فقد رجح الكولونل بوكابيل أن عدد الجنود العثمانية لم يبلغ أمام القوات ~~الصربية ما قدر له على الورق الرسمي. ~~••• # وقد أوقف علي رضا باشا قواته مقسمة إلى أربعة أقسام لدى الصربيين وما ترك أمام ~~اليونانيين والجبليين إلا الفرق الثلاث المستقلة التي تقدم ذكرها، وثلاث فرق أخرى من ~~الرديف، وكان قلب الجيش العثماني تحت إمرة زكي باشا وموقعه بين أشتيب وأسكوب، والميسرة تحت ~~قيادة توفيق باشا وموقعها برشتينه، والميمنة بقيادة قره سعيد باشا وموقعها بين أشتيب ~~وسترومجه. # وكان وراء تلك القوات بعض الفرق الاحتياطية من الرديف. ~~(1) معركة قومونوا أو كومانوفو وهي الفاصلة # بدأت الجيوش الصربية بالأعمال الحربية يوم إعلان الحرب أي 18 أكتوبر، فتقدم أولا ~~الجيشان الثاني والثالث، وبقي الجيش الأول في مركزه إلى 20 أكتوبر ثم زحف، وإليك ما ~~فعله كل جيش منها: # الجيش الثالث: # سار يقصد ميسرة الجيش العثماني وبدأ القتال بين الفريقين في ms076 19 ~~أكتوبر، وما كان مساء اليوم التالي حتي أحرز الصربيون النصر وأسروا ~~طابورا عثمانيا وغنموا مقدارا كبيرا من العدد والذخائر، وفي 21 ~~منه سارت مقدمة الجيش الصربي قاصدة سهل قوصوه، وفي 22 منه قامت معركة ~~شديدة في السهل المذكور بين الصربيين ومعظم قوة توفيق باشا، وكانت ~~نتيجتها فشل العثمانيين أيضا فتقهقروا جنوبا، واحتل أعداؤهم ~~مواقعهم. # الجيش الثاني: # زحف هذا الجيش قسمين فلم يجد أمامه مقاومة جديرة بالذكر، ولما هجم ~~أحد قسميه على بلدة كريفا استولى الرعب على الأهالي ولا سيما المسلمين، ~~فهربوا وتركوا أولادهم على طريق كومانوفو. وما كان اليوم الثاني ~~والعشرون من أكتوبر حتى أصبح هذا الجيش على ثلاثين كيلومترا أو أقل من ~~مدينة كومانوفو التي ستحدث فيها الوقعة الفاصلة. # الجيش الأول: # قلنا إن هذا الجيش لم يتحرك إلا في 20 أكتوبر أي بعد إعلان الحرب ~~بيومين، وقد التقى بمقدمة القوة العثمانية فصدها إلى طبانوفجه، وما كان ~~اليوم الثاني والعشرون من أكتوبر حتى بدأ الصدام على مسافة كيلومترات ~~قليلة شمالي مدينة كومانوفو، على أن المعركة الكبرى الفاصلة لم تبتدئ ~~إلا في الثالث والعشرين، وهاك تفصيلها: لما كانت الساعة الثانية والنصف ~~بعد ظهر اليوم المذكور أصدر زكي باشا أمره بالهجوم على الفيلق الصربي ~~الأول الذي كان على بضعة كيلومترات شمالي المدينة، وكان الجو قاتما ~~غائما والمطر يهطل مدرارا، فقاوم الصربيون العثمانيين حتى المساء، ~~ولكنهم لم ينالوا مأربا ولم يشوموا للنجاح برقا، ولما أزفت الساعة ~~الواحدة بعد منتصف ليل 24 أكتوبر حملوا حملة شديدة تحت جنح الظلام، ~~فاستولوا على المواقع التي يصلح منها الهجوم العام ونصبوا مدافعهم على ~~المرتفعات، ثم أتاهم جانب من الجيش الصربي الثاني فوقف بمدافعه عند ~~الميسرة الصربية، ثم أخذ الصربيون يواصلون الهجمات على مواقع ~~العثمانيين في الجهات الشمالية والشمالية الشرقية من مدينة كومانوفو، ~~وكانوا في كل هجمة يخسرون عددا كثيرا من جنودهم حتى زعزعوا حزم ~~الفيلق العثماني السابع، ولا سيما بعد أن وصلت القوة التي أرسلها ~~الفيلق الصربي الثاني، فأراد زكي باشا أن يتقهقر، وأمر الفيلق السادس ms077 ~~بالتقدم ليتمكن من تخليص الفيلق السابع، ولكن نيران المدافع الصربية ~~اشتدت إلى حد أوقع الرعب في قلب الفيلق السابع، فكانت خسارة العثمانيين ~~هائلة في ذاك اليوم الأسود؛ لأنهم فقدوا القوة المعنوية ومعظم القوة ~~المادية. ونحو الساعة العاشرة قبل الظهر تقدم الجيش الصربي الأول إلى ~~مدينة كومانوفو واحتل المرتفعات ووادي ليبقوه، ثم أخذ يستولي على مواقع ~~العثمانيين واحدا بعد واحد. # وفي ذاك الوقت نفسه قاتلت قوة بلغارية جنود قره سعيد باشا فصدتها. # ولقد كانت معركة كومانوفو شؤما على الجيش العثماني الغربي، بقدر ما كانت معركة لوله ~~بورغاز شؤما على الجيش الشرقي، وبلغت الخسارة العثمانية فيها عشرة آلاف رجل بين قتلى ~~وجرحى و86 مدفعا و300 مركبة للسكة الحديدية. وبلغت خسارة الصربيين 3000 رجل بينهم ~~كثيرون من الضباط. وقيل: إن جميع ضباط الآلاي السابع قتلوا وجرحوا ما عدا اثنين. # 1 ~~••• # بعد تلك الوقعة الفاصلة أخذ الجيش العثماني الغربي يتقهقر إلى جهات مناستر، فسار قسم ~~منه على طريق غستوا والثاني على طريق برلبه، وأجمع المراسلون الحربيون على أن تقهقره ~~وخصوصا تقهقر الفيلق السابع كان منظرا يدمي مقلة العثماني، فلا نظام واف ولا أكل ~~كاف ولا مستشفيات نقالة للجرحى، بل شذاذ منتشرون على الطريق هنا وهناك أو محتضرون ~~يلفظون النفس الأخير وهم يرتجفون بردا ويتألمون عطشا أو جوعا. # على أن القواد العثمانيين تمكنوا بعد ذاك الرعب من ضم شمل الجنود الباقية، وأخذوا ~~ينكصون وهم يدافعون، ولما وصل الصربيون إلى أشتيب ثار أهلها على العثمانيين وانضموا إلى ~~البلقانيين. # وفي يومي 26 و27 أكتوبر انقطعت كل صلة بين الجيش العثماني الشرقي والجيش العثماني ~~الغربي، واستولى البلغاريون على الخط الحديدي في ديمتوقه، وحصل الأسطول اليوناني على ~~السيادة البحرية من جهة أخرى، فصار من المستحيل على الجيش العثماني الذي فشل أمام ~~الصربيين أن يتلقى نجدات أو مئونة من الأستانة، فلم يبق لدى هذا الجيش إلا مواصلة ~~السير نحو ألبانيا حيث يرجو الحصول على قدر من المؤن، وحيث يرى أراض وعرة تمكنه من ~~المقاومة. # أما الصربيون الذين كانوا يلتهبون شوقا ms078 إلى احتلال ثغر على البحر الأدرياتيكي، فإنهم ~~قرروا أن يواصلوا الزحف ليقاتلوا الجنود العثمانية التي اجتمعت في مناستر، ثم يزحفوا ~~نحو ذاك البحر. ~~(2) وقعة مناستر # تمكن قائد الجيش العثماني الغربي من الحصول على الوقت اللازم لحشد ما لديه من القوات؛ ~~أي نحو 55 ألف رجل من الحاميات والرديف والألبانيين وبقايا الجيش الذي فشل في كومانوفو ~~وجمع معهم نحو 80 مدفعا، وكان الفضل في تمكينه من حشدها راجعا إلى المؤخرة العثمانية ~~التي قاومت الصربيين في قرجوه وبرليبه. # وقبل الكلام على المعركة يجدر بنا أن نذكر للمطالع أن مناستر قائمة على الضفة اليمنى ~~من نهر قرنه عند جبال بابا، ومدخل المضيق المؤدي إلى رسنه فالبلاد الألبانية، وهناك ~~مرتفعات تشرف من الجهة الشمالية على المدينة وتتصل بالضفة اليمنى من نهر سمنيقا. # فلما ضم القائد العثماني شمل جنوده، حفر لها خنادق في السهل القريب من نهر قرنه، ~~وأنشأ خطا دفاعيا على المرتفعات، وكانت المدينة نفسها محمية ببعض الحصون، ثم رتب ~~جنوده قبل المعركة كما يلي: # الميسرة: # الفيلق السادس بقيادة جاويد باشا. # القلب: # بقايا الفيلق السابع بقيادة فتحي باشا. # الميمنة: # الفيلق الخامس بقيادة زكي باشا. # ثم وضع قوة لصد قوة يونانية كانت تتقدم من جهة بانيجه (بانيتز)، أما الصربيون فقد ~~واصلوا الزحف ولقوا مصاعب كثيرة من المطر والثلج والوحل، وفي 13 نوفمبر تلاقى فرسانهم ~~وعدد قليل من الجيش العثماني في جوار دوبرمير عند الضفة اليسرى من نهر قرنه، فضربوه ~~بالقنابل واضطروه إلى التسليم. وفي يوم 14 منه حمي وطيس المعركة الكبرى ثم زاد اشتدادا ~~في اليوم التالي، وأصبح ممتدا على مسافة خمسين كيلومترا، فقاسى الصربيون المهاجمون ~~تعبا كبيرا من وعورة الأرض وكثرة الأمطار على أنهم صبروا واستمروا على التقدم البطيء، ~~وما كان ليل 16 نوفمبر حتى هجمت ميمنة جيشهم واستولت على المرتفعات القائمة بين أوبلا ~~كوفو وكوسيستا، ثم تمكنوا صباحا من الإحاطة بالعثمانيين بعد أن خسروا عددا جما من ~~رجالهم. ولما تم لهم حصر الجنود العثمانية أخذوا يضنون بجنودهم ويعتمدون على مدافعهم ~~الفاتكة، ولكنهم رأوا ms079 أن لا بد لهم من هجمة جديدة لأخذ بعض المرتفعات فهبوا في ليل 17 ~~نوفمبر وأخذوها عنوة. حينئذ طفق العثمانيون يحاولون الخروج من حلقة الحديد والنار، ~~فأمر زكي باشا قائد الميمنة بالرجوع إلى جهة فلورينا، فتمكنت عدة طوابير وكوكبتان من ~~الفرسان وبطاريتان من الذهاب جنوبا بفضل الضباب الذي كان كثيفا قاتما، ولكن الفرسان ~~الصربيين ما لبثوا أن شعروا بخروج تلك القوة العثمانية، فهجموا عليها مع قسم من المشاة ~~فحلوا عقدها وأخذوا مدافعها بعد قتال شديد، ثم لقيت بقاياها قوة يونانية فقاتلتها ~~واتجهت نحو مضايق بيروديني. # أما جنود فتحي باشا وجاويد باشا؛ أي جنود القلب والميسرة، فإنها بعد أن قاتلت ~~الصربيين وفشلت في صدهم حاولت أن تتجه نحو رسنه فلم تفلح، لم تشعر إلا وهي عند منحدرات ~~جبال بابا لا تجد منفذا لدى ميمنة الصربيين التي كانت تحتل الروابي وتهدد كل قوة ~~عثمانية تمر على مرماها، فلما رأت هذا الموقف الحرج اتجه قسم كبير منها إلى الطرق ~~الجبلية هناك ومعها جاويد باشا نفسه، وسلم قسم في مناستر وما جاورها، ولما تم النصر ~~للصربيين أرسلوا قوة متجولة لمطاردة الذين ذهبوا من تلك الطرق الجبلية. # وبلغت خسارة الصربيين في تلك المعركة الكبرى 8000 رجل بين قتلى وجرحى، وخسارة ~~العثمانيين 10000 رجل و51 مدفعا منها 39 مدفعا غنمتهم فرقة واحدة، وعدة آلاف من ~~الأسرى بينهم ثمانية من كبار الضباط، وقد لبث المدفع يدوي والدم يجري بين العدوين ~~ثلاثة أيام بلياليها لم يسترح فيها المهاجمون ولا العثمانيون، برغم الضباب وكثرة ~~المستنقعات والأوحال. ~~(3) نحو ألبانيا والأدرياتيك # بعد أن احتل الصربيون مناستر وجهوا النظر إلى ألبانيا، فسيروا فرقة إلى جهة رسنه ~~فوصلتها يوم 21 نوفمبر، ثم زحفت منها إلى أوكريدا (وتسمى أوخرى بالتركية) فبلغتها في 29 ~~منه. # وأرسلوا في ذاك الوقت أيضا قوة متجولة فقابلتها هناك قوة من الجنود والأهالي ~~الألبانيين، ودار قتال شديد بين الفريقين انتهى بفوز الصربيين، وكانت قوة مختلطة من ~~هؤلاء والجبليين تقاتل بقايا الجنود العثمانية في الجهات الغربية وتحتل المواقع التي في ~~طريقها ms080 واحدا فواحدا. # وليس لنا مندوحة عن تذكير المطالع هنا بأن الجيش الصربي الرابع لم يكن مع الجنود التي ~~خاضت المعارك المذكورة، فإن القيادة الصربية العامة وكلت إلى هذا الجيش يوم إعلان الحرب ~~أن يزحف أولا إلى سنجق يني بازار، فيخرج منها الحاميات العثمانية ثم يمد يد المساعدة ~~لجيش الجبل الأسود. # فقسم قواته إلى قسمين؛ أولهما: زحف إلى جهة يني بازار، والثاني: قصد سنيجه. فوصل ~~الأول إلى يني بازار في 21 أكتوبر أي بعد إعلان الحرب بثلاثة أيام، فوجد فيها قوة ~~عثمانية مؤلفة من نحو ثلاثة طوابير منظمة وبضعة آلاف من الألبانيين، فقاومت الصربيين ~~ثلاثة أيام برغم مدافعهم الفاتكة ثم سلمت بعد هجمة قوية بالسلاح الأبيض، وقد بلغت ~~خسارتها نحو 300 قتيل و700 جريح، وبلغت خسارة الصربيين 500 بين قتيل وجريح. # أما القسم الصربي الثاني فقد استولى على ميتروفيتزا في 26 أكتوبر، وسار إلى مدينة ~~إيبك بعد أن احتلها الجبليون بيوم واحد، ثم أخذت الجنود الصربية تحتل المواقع العثمانية ~~بعد معارك صغيرة لا يهم وصفها. # على أن هناك معركة لا بد من ذكرها؛ لأنها أدت إلى مشكلة سياسية كما سترى، وذاك أن ~~قوة من الجيش الصربي الثالث زحفت في 27 أكتوبر جنوبا إلى جهة بريزراند، فنشب قتال شديد ~~بينها وبين عدد من الجنود العثمانية المنظمة ومن ألبان ليوما، ولما كان 30 أكتوبر دخل ~~الصربيون المدينة فقابلهم عدد من العثمانيين فيها فتصادم الفريقان في الشوارع ثم انتهى ~~القتال بتغلب الصربيين على تلك القوة الصغيرة، وقد حدث في ذاك اليوم أن جماعة من ~~الألبانيين لجئوا إلى القنصلية النمساوية، فما كان من جنود الصرب إلا أن دخلتها بالقوة ~~وذبحت من كان فيها برغم احتجاج الموسيو بروشاسكا قنصل النمسا، وأهانت الشعار النمساوي ~~الذي كان معلقا بالقنصلية (وسترى في الباب السياسي ما كان من نتائج هذا ~~الحادث). # ثم ذهب قسم من الجنود الصربية فعضد الجبليين في أخذ دياكوفو يوم 6 نوفمبر، ثم اتجه ~~الصربيون منها ومن بريزرند إلى سواحل الأدرياتيك فاحتلوا دورازو (أو دراج) وغيرها. قال ms081 ~~مراسل التيمس: إنهم لقوا في سيرهم مصاعب لا تخطر في بال، فقد اضطروا غير مرة إلى إنهاض ~~المدافع والخيل بأيديهم من الثلج الذي بلغ علوه نحو متر في بعض الأنحاء، كما اضطروا إلى ~~إنقاص قوتهم اليومي؛ لأن الأراضي التي اجتازوها جدبة قاحلة، وكانت درجة البرد 15 تحت ~~الصفر. # ولما بلغوا السواحل، أخذ حلفاؤهم اليونانيون يرسلون إليهم المئونة والذخيرة عن طريق ~~البحر. # | زحف الجيش اليوناني ومعاركه # قسم الجيش اليوناني إلى قسمين، وجعل معسكر القسم الأول في لاريسا تحت قيادة ولي العهد ~~مباشرة، وسمي الجيش الشرقي ثم كتب له غرض معين، وهو أن يهجم على القوات العثمانية النازلة ~~وراء الحدود اليونانية حينما يكون البلغاريون والصربيون والجبليون عامدين إلى الهجوم من ~~الجهات الشمالية، والشمالية الشرقية، والشمالية الغربية. # أما القسم الثاني: فعقد لواؤه للجنرال سبوندزاكيس، وسمي الجيش الغربي وجعل غرضه أخذ ~~يانيه وإعادة شرف الراية الإغريقية بعد ما أصابها سنة 1897 من عار الانكسار لدى الأهالي ~~اليونانيين في أبيروس، وقد صدر الأمر إلى بعض البوارج اليونانية بأن تساعده من جهة بريفيزا ~~التي جعلت قاعدة حربية لقوة هذا الجنرال. # أما القوات العثمانية التي تمكنت الدولة العثمانية من حشدها بقيادة تحسين باشا لصد الجيش ~~اليوناني عند الزحف، فلم يتمكن المراسلون الحربيون من تعيينها بالتدقيق، ولكن الجنرال ~~بوكابيل يقدرها بنحو خمسة وثلاثين ألف رجل منها خمسة عشر ألفا كانت أمام القسم اليوناني ~~الأول، وعشرون ألفا أمام القسم الثاني. # ولما أعلنت الحرب في 18 أكتوبر تحرك القسمان اليونانيان معا، ونحن نتكلم أولا على أعمال ~~القسم الأول الذي قاده ولي العهد. # قلنا: إن مهمة هذا القسم من الوجهة الحربية إنما هي التعاون مع حلفائه على قهر الجيش ~~العثماني الغربي (لأن الجيش العثماني الشرقي - أي جيش تراقيه - كان يكفيه معظم الجيش ~~البلغاري وبعض فرق الجيش الصربي)، وسيرى أمامه قوة حسن تحسين باشا المذكور، وهو الذي كان ~~واليا ليانيه يوم إعلان الحرب، وعمره نحو من 65 سنة. ومما يجب ذكره في هذا المقام أن نظام ~~الجنود العثمانية كان مختلا كما رأيناه ms082 في جميع الأنحاء، فإن المؤن والذخائر كانت قليلة، ~~والإدارة غير منظمة، والمدافع الجبلية غير موجودة، والوسائل الصحية تكاد تكون عدما، وقلم ~~المخابرات ليس له أثر. # فولي عهد اليونان سيرى إذن أمامه قائدا ضعيفا بحكم الشيخوخة وجنودا ضعيفة بقلة ~~العدد والعدد، ونقص الميرة والذخيرة، وفرط الخلل والعلل، وأول ما وضعه الأمير اليوناني نصب ~~عينه هو احتلال سلانيك؛ لأن دخول هذا الثغر في وقت قصير كان يهم الدولة اليونانية من ~~الوجه السياسي والوجه الحربي والوجه الديني. # أما من الوجه السياسي: فلأن سلانيك هي العاصمة العثمانية الثانية في تركيا أوروبا، وعدد ~~سكانها اليونانيين نحو أربعين ألفا، فيجب على ولي عهد اليونان أن يبذل كل رخيص وغال ~~ليتمكن من دخولها قبل الجنود البلغارية. وأما من الوجه الحربي: فلأن احتلال سلانيك يسهل ~~على الحلفاء إرسال المؤن والذخائر إلى الجيوش التي تحارب عند مناستر، كما يسهل قطع المواصلة ~~بين الجنود العثمانية والأستانة من جهة، وبينها وبين البحر من جهة أخرى. وأما من الوجه ~~الديني: فلأن سلانيك كانت مركزا لرئيس أساقفة في غابر الزمن. ~~(1) معركة ألاصونا # سار ولي عهد اليونان (الملك الحالي) بعد أن قسم جيشه إلى قسمين وسير أحدهما إلى ~~ألاصونا فلم يجد مقاومة يوم 18 أكتوبر، ولما تبسم فجر اليوم التالي تقدمت الفرقة ~~اليونانية الأولى نحو موقع الجنود العثمانية، فوجدت فيه قوة مؤلفة من نحو خمسة أو ستة ~~طوابير وبطاريتين، فأخذت المدافع العثمانية ترميها بنار حامية ولكن القنابل لم تنفجر ~~وبعضها كان ينفجر وهو مرتفع، أما القنابل اليونانية فقد كانت فعالة فتاكة فما عتمت أن ~~أسكتت تينك البطاريتين العثمانيتين، وكانت الفرقة اليونانية الثانية تتقدم نحو ميمنة ~~العثمانيين، وقوة يونانية أخرى تزحف نحو الميسرة العثمانية لتقطع عليها طريق الرجعة، ~~فاضطرت الجنود العثمانية إلى التقهقر قبل أن تتم حركة الإحاطة، ولم تبق المعركة إلا ~~أربع ساعات. # ونحو الغروب دخلت الجنود اليونانية ألاصونا حيث وجدت سبعة مدافع وأسرت أربعين ~~جنديا، أما خسارتها فبلغت ثلاثة ضباط و15 قتيلا ومائة جريح. # ثم ضم ولي العهد قواته وزحف في 21 أكتوبر، ms083 وما كان 22 منه حتى التقى بمعظم القوة ~~العثمانية، فاشتد وطيس القتال منذ الصباح عند مضيق ساراندوبوروس، فلبثت القوات ~~اليونانية تهاجم العثمانيين من أمام ومن الميمنة والميسرة حتى الساعة التاسعة مساء، ~~فلم يسع القوات العثمانية إلا التقهقر برغم مواقعها المنيعة، فغنم اليونانيون عشرين ~~مدفعا جبليا ومقدارا كبيرا من الذخائر والمركبات، ولكنهم دفعوا ثمنها 18 ضابطا ~~و169 جنديا قتيلا و1077 جريحا بينهم 40 ضابطا. # وفي اليوم التالي لتلك المعركة واصلوا السير إلى سرفنجه ودخلوها نحو الساعة العاشرة ~~مساء، وذكر الكولونل بوكابيل أنهم وجدوا فيها سبعين جثة من نساء وأطفال ورهبان، فهاجوا ~~أشد الهيجان ولبثوا يزحفون ليلا حتى كان صباح اليوم التالي أي 23 أكتوبر، فأدركوا ~~عددا من الجنود العثمانية متقهقرة بلا نظام فأسروا 700 رجل بينهم أميرالاي وسبعة ضباط ~~وعدد من المدافع والأسلحة والمركبات، واحتلوا البلاد التي كانت في طريقهم؛ لأن الجنود ~~العثمانية لم تقف لصدهم وقفة تذكر هناك. # ثم تمهل ولي العهد بجيشه ليتخذ أهبة الزحف إلى سلانيك. ~~(2) معركة ينيجه واردار # تسليم سلانيك # تقدم ولي عهد اليونان قاصدا ينيجه واردار حيث تمكن حسن تحسين باشا من جمع نحو 30 ألف ~~رجل ونحو 30 مدفعا، وبعد مناوشات قليلة الشأن ومصاعب جمة في الطريق وصل ولي عهد ~~اليونان إلى جهة العثمانيين، ونشب القتال في 2 نوفمبر فأظهر العثمانيون حزما وثباتا، ~~ثم غابت شمس ذاك اليوم والجيش اليوناني لم يقدر على زحزحة تلك القوة العثمانية. # ولما لاح صباح اليوم التالي عاد القتال شديدا، ووصلت فرقة يونانية جديدة وهجمت على ~~ميسرة العثمانيين، فترك هؤلاء مواقعهم بعد خسارة 2000 رجل بين قتيل وجريح و500 أسير و14 ~~مدفعا و4 من طراز الميتراليوز. # أما خسارة اليونانيين فقد بلغت حسب إحصائهم الرسمي 38 ضابطا و937 جنديا بين قتلى ~~وجرحى. ~~••• # بعد تلك الوقعة بات موقف سلانيك من أصعب المواقف، وانقطع حبل الرجاء بين يدي تحسين ~~باشا، فمن جهة البحر هجمت سفينة توربيدية على بارجة عثمانية كانت راسية في مياه سلانيك ~~ومهددة لكل عدو يأتي غربا، فأغرقتها وأنقذت الجنود اليونانية ms084 من خطرها، ثم جاءت ~~الطرادة أفيروف وثلاث سفن للتوربيد فضربت الحصون العثمانية، ومن الجهة الشمالية الغربية ~~برا وصلت قوة من فرسان الصرب بعد أن طاردت الجنود التركية التي حاولت الخلاص من تلك ~~الجهات، ووصلت أيضا قوة بلغارية من الجهة الشمالية والشمالية الشرقية. وزد على هذا كله ~~أن قوة من اليونان نزلت من طريق البحر وأخذت تتقدم نحو سلانيك، فالأعداء إذن في كل ~~جهة. # لما رأى ولاة الأمور الملكيون وقناصل الدول ذاك الموقف واستشعروا أن قلوب الأهالي ~~انخلعت فرقا من حدوث مذبحة هائلة في شوارع سلانيك، شرعوا يبذلون الجهد لدى تحسين باشا ~~ليحملوه على التسليم، وأظهروا له أن وصول تلك القوات الزاحفة نحو المدينة لا يبقي أملا ~~في إنقاذها بالسيف، ولا سيما أن الجنود العثمانية لم يكن عندها مدافع ولا ذخائر كافية، ~~وكتب مراسل البرلينر الألمانية في هذا الشأن قال: «إن عددا جما من الجنود قدم سلانيك ~~وهو في حالة تدمي العيون والقلوب، فكان منظر هؤلاء القادمين من ضعفاء وهاربين يذكرنا ~~بجنود نابليون يوم تقهقرت من روسيا، وكنا حيثما نذهب نجد أشلاء الرجال والخيل، ولقد مات ~~أمس خمسون جنديا من شدة البرد ...» # نقف عند هذا الحد من الوصف، لنكفي القارئ مئونة الشعور بما يحرج الصدور. # أما تحسين باشا فإنه لما رأى ذاك الإلحاح من القناصل وغيرهم، ورأى من وجه آخر أن ~~القتال في شوارع سلانيك لا يجدي نفعا مع ضعف قوته، وافق على طلبهم وبدأ بالمفاوضة في ~~أمر التسليم، وإليك تعريب التقرير الرسمي الذي أرسله ولي عهد اليونان إلى الموسيو ~~فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية في هذا الشأن، وهو: # جاءني أمس قناصل إنكلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا وقومندان موقع سلانيك ~~ومندوب من تحسين باشا ليعرضوا علي الشروط المتعلقة بتسليم مدينة سلانيك ~~والجيش التركي، وطلبوا إلي أن أدع للجنود أسلحتها بعد أن تتعهد لنا بالتزام ~~الحياد إلى آخر الحرب، فأبيت الموافقة على هذا الطلب واقتصرت على وعدهم بإرجاع ~~الأسلحة إليها بعد إنتهاء الحرب، وعينت الساعة السادسة صباحا لقبول الجواب ~~النهائي. # ونحو الساعة الخامسة جاءني ms085 قومندان الموقع ومعه مندوب من قبل القناصل وعرض ~~القومندان علي شروطا، فحواها أنه يقبل تسليم الأسلحة ما عدا 5000 بندقية ~~معدة لتعليم الرديف الجديد فأبيت أن أوافق على هذا الشرط أيضا، ثم سافر ~~القومندان والمندوب بعد أن طلب مهلة ساعتين للاتفاق مع القائد العثماني العام، ~~ولما انقضت المهلة بدون أن يعودوا إلي، أصدرت أمري إلى الجيش بالتقدم فعمد ~~إلى الزحف نحو الساعة التاسعة صباحا، ولكن ما اقتربت صفوفنا من مقدمة العدو ~~حتى أرسل إلي تحسين باشا ضابطا ومعه كتاب فيه قبول شروطنا، حينئذ أمرت ~~بالوقوف وأرسلت ضابطين ليكتبا مع تحسين باشا شروط تسليم المدينة التي كان جيشنا ~~واقفا أمامها. ا.ه. # وما بلغ الخبر أثينا حتى قابلته المملكة اليونانية بالابتهاج العظيم وأقامت المظاهر ~~في عاصمتها وغيرها احتفالا بتحقيق أمنيتها بعد 450 سنة، ثم صدر أمر ملكي بتعيين ولي ~~العهد قائدا أكبر للجيوش اليونانية كلها، وكان الملك جورج (الذي قتل) في جيدا، فلما ~~وصله الخبر سافر إلى سلانيك ودخلها باحتفال رسمي يوم 12 نوفمبر، وأصدرت الحكومة ~~اليونانية أمرا بتعيين حاكم يوناني لها. # على أن البلغاريين يدعون السبق إلا احتلال سلانيك، ولكن الأمر الثابت أن تحسين باشا ~~سلم المدينة إلى اليونان. ~~(2-1) نحو مناستر # وكان معظم الفرقة اليونانية الخامسة زاحفا إلى جهة مناستر فقاتل قوة من ~~العثمانيين في ليل 29 أكتوبر وتغلب عليها، وكان من غرائب الاتفاق أن بعض العصابات ~~البلغارية ولا سيما عصابة تزاكالاروف الشهير بعداوته الماضية لليونان وبمعاركه ~~الشديدة معهم، كانت تساعد جنود اليونان في تلك الأنحاء. # وما بلغ قسم من الجنود اليونانية جنوبي بانيتزا في أوائل نوفمبر حتى باغته ~~جاويد باشا بهجوم جعله ينكص مقهورا، ثم حملت الجنود العثمانية في 5 نوفمبر حملة ~~صادقة على ميمنة الفرقة اليونانية الخامسة، فأهلكت نحو ثلثيها، فعجزت القوات ~~اليونانية هناك عن المقاومة وانخلعت قلوبها رعبا ونهكت أجسامها تعبا؛ لأن الجنود ~~العثمانية كانت هناك وافية العدد قوية العزيمة، وذكر جاويد باشا في تقريره وقتئذ ~~أنه غنم 21 مدفعا بينها خمسة من طراز الميتراليوز. # ولكن جاويد ms086 باشا أحجم عن مطاردة اليونانيين بعد فشلهم فتمكنوا من الانتظار على ~~مسافة 15 كيلومترا شمالي كوزياني، إلى أن جاءتهم النجدات فعادوا إلى الهجوم، وكان ~~ولي عهد اليونان قريبا من تلك الجهة، فأخذ يتقدم بجيشه نحو مناستر، وحدثت عدة ~~معارك في أثناء زحفه كان الفوز فيها لليونانيين. ولما وصل إلى جهة مناستر كان الجيش ~~العثماني أمامها على أسوأ حال بعد المعركة الكبرى التي وقعت بينه وبين الجيش الصربي ~~كما تقدم في باب معارك الصرب والجيش الغربي العثماني. # وفي 24 و25 من نوفمبر اجتمع ولي عهد اليونان وولي عهد الصرب في مدينة مناستر، ~~وكان هذا الاجتماع كختام للأعمال الحربية الكبرى في معظم جهات مقدونيا، فأعاد ولي ~~عهد اليونان فرقتين من جيشه إلى سلانيك وترك ثلاثا في الجهات المقدونية، ثم أرسلت ~~تانك الفرقتان من سلانيك إلى جهات يانيه التي زحف إليها الجيش اليوناني الغربي ~~بقيادة الجنرال سابوندزاكيس كما قدمنا. # | حصار يانيه وسقوطها # أوضحنا في بدء الكلام على زحف القوات اليونانية وتقسيمها أن الجيش الغربي الذي عقد لواؤه ~~للجنرال سابوندزاكيس في أوائل الحرب زحف قاصدا يانيه، وكان غرضه من الأعمال الحربية الأولى ~~وقاية سهل أرطه الخصيب، والاستيلاء على بريفيزا لإنشاء قاعدة حربية فيها وإمداد الجنود التي ~~تساق إلى يانيه. # فعبر اليونان نهر أرطه ثم تقدموا فاحتلوا كريبوفو وصدوا الجنود العثمانية إلى بريفيزا في ~~20 أكتوبر، ثم عاد العثمانيون فاستأنفوا الهجوم واستردوها، ولكن اليونانيين عادوا أيضا ~~فجمعوا قواهم وضموا أطرافهم وزحزحوا العثمانيين عنها. # وظلت الحرب سجالا بين الفريقين في تلك الجهات حتى 24 أكتوبر، فوقعت وقعة عظيمة في جهة ~~قيافه فظفر العثمانيون أولا، ثم عاد اليونان إلى القتال واستمرت الوقعة ثلاثين ساعة كادت ~~تخرس فيها المدافع لشدة الإطلاق وانتهت بنصر اليونان. # وفي 26 منه احتل الجيش اليوناني عدة مواقع جديدة مشرفة على الطريقين الممتدين من يانيه ~~إلى سهل أرطه، ثم أخذوا يحملون على بريفيزا حملات شديدة، فاستولوا في 2 نوفمبر على ~~استحكامات نيكوبوليس، ونسفت قنابل مدفعياتهم التي كانت في الخليج بطارية عثمانية. وفي 3 منه ms087 ~~استولوا على بريفيزا نفسها، وأخذوا يتقدمون نحو يانيه فقاومهم العثمانيون مقاومة عنيفة ~~وألحقوا بهم خسارة كبيرة، ثم تركوا الجهات الجبلية الجنوبية وزحفوا إلى يانيه. # وما كاد ينتهي شهر نوفمبر حتى أصبح جيش الجنرال سابوندزاكيس أمام الخط الأول من حصون ~~يانيه. # وكانت حامية ذاك الموقع العثماني مؤلفة من الفرقة الثالثة والعشرين فزيدت فرقة أخرى من ~~رديف أهالي البلاد، ثم انضم إلى هاتين الفرقتين أفواج اللاجئين من مناستر وفلورينا قادمين ~~من الأماكن التي استولى عليها الصرب واليونان، ثم انضم إلى هؤلاء وأولئك فريق عظيم من ~~الألبانيين (الباشبزق)، وكان مجموع هذا الجيش بقيادة وهيب بك. # أما الجيش اليوناني فلم يكن له قبل في ذاك الحين بلقاء تلك الحامية؛ لأنه كان أقل عددا ~~منها، فجعل غرضه فصل يانيه من جهة الشرق وجهة البحر. # وفي 7 ديسمبر أنزل اليونان قوة من الجند والمدافع إلى شاطئ سانتي كارانتا، فاحتلت بعض ~~الجهات الشمالية، ولكن العثمانيين هاجموها ودحروها فاضطرت أن تركب البحر وتعود من حيث ~~أتت. # على أن الصعوبة الكبرى التي لقيها الجيش اليوناني الغربي إنما كانت في جهة بيزاني أي قلب ~~المواقع الهائلة، وكان عدد كبير من الجنود اليونانية يموت بردا وتعبا أو بالالتهاب ~~الرئوي. قال الجنرال آيدو رئيس الوفد العسكري الفرنساوي الذي درب الجيش اليوناني: «إن ~~أوروبا بل الأمة اليونانية نفسها لا تدري كم قاست جنودها من شظف العيش وعذاب البرد الذي ~~جاوز الحد، فإني أذكر لكم من جملة تلك الآلام مثلا واحدا وهو أن 800 جندي أجلدت أرجلهم ~~لشدة الزمهرير وسيقطع أكثرها، فتأملوا أن تلك الجنود التي كانت تقاسي هذا العذاب كانت مضطرة ~~إلى التنبه الدائم وإلى الهجوم على الأعداء أو صد هجمتهم مدة شهرين ... # أما الجنود العثمانية فقد كان عذابها شديدا أيضا، بدليل أن المرضى كانوا يملئون ~~المستشفيات، وزد على ألم البرد أن إدارة المئونة كانت مختلة في يانيه كما رأيناها في سائر ~~الجهات، حتى أصبحت جنود الحامية جلدا على عظم. ومع ذاك كله فإن الحامية صبرت صبر الكرام ~~وأبلت بلاء حسنا في الدفاع ms088 والصدام. قال مراسل التان في 25 ديسمبر: «إني رجعت من جهة أمين ~~آغا لأن الأيام متشابهة، فاليونان يهجمون ويحتلون بعض المواقع المتقدمة فتضربهم البطاريات ~~العثمانية فتدحرهم وتطردهم، ثم يجيء الليل فيهجم العثمانيون تحت خافيته فتصدهم القوة ~~اليونانية أيضا، ثم يحدث في اليوم التالي ما وقع البارحة وهلم جرا. وطبيعي أن النتيجة ~~إلحاق الخسارة العظيمة بالفريقين، غير أن اليونانيين يمكنهم أن يرسلوا النجدات إلى رجالهم ~~بعكس العثمانيين فإن قوتهم تضعف شيئا فشيئا.» # أما الحصون العثمانية فإنها منيعة ومسلحة أفضل تسليح، ومدافعها تفوق المدافع اليونانية ~~حتى الآن، ولقد رسخ في ذهني منذ الأيام الأولى أن يانيه لا تسقط إلا بعد مدة طويلة برغم ~~التفاؤل الحسن الذي يبديه القائد اليوناني العام والقناصل والوطنيون، ولا يستطيع اليونان أن ~~يأخذوا الموقع في وقت قريب إلا إذا أتتهم القوة من الجهة الشمالية، ولكن تموينها صعب جدا ~~من تلك الجهة، وقد وصل منذ أسبوع 12000 جندي قادمين من أثينا وسلانيك. # وكان من أسباب عذاب اليونانيين أنهم لم يستطيعوا إرسال مدافع ضخمة كافية، فلم يكن عندهم ~~منها إلا بطارية واحدة منصوبة في جهة أمين آغا، والمستفاد من رسالة مكاتب «الألوستراسيون» ~~أن الأوحال والأمطار والمسالك الوعرة كانت تضطرهم إلى حملها على الأكتاف بعد تفكيكها كل ~~قطعة على حدة. # فحسبنا ما تقدم للدلالة على المصاعب والأهوال التي كابدها العدوان من الطبيعة ومن الحرب، ~~ولا سيما أن الحكومة اليونانية أبت أن توافق على الهدنة الأولى فبقيت تلك المتاعب متفاقمة ~~حتى سقطت يانيه. ~~(1) كيف سقطت يانيه؟ # سافر ولي عهد اليونان من مقدونيا إلى جهة يانيه بعد تعيينه قائدا عاما لجميع ~~القوات اليونانية في مقدونيا وأبيروس، فاستلم قيادة الجيش المحاصر لذاك الموقع وعين ~~الجنرال سابوندزاكيس قائدا للميمنة، ووافق على الخطة الحربية التي وضعها هذا الجنرال ~~قبل وصوله، إلا أنه أدخل عليها تعديلات يقتضي تنفيذها مدة من الزمن، وكان الثلج ~~يتساقط، والبرد يشتد، والمئونة لا تصل إلا بصعوبة، والحيوانات تموت عشرات، حتى سدت ~~أشلاء البغال والأبقار أكثر الطرق أو ما يسمونه طرقا. # ولما تم ms089 استعداد ولي العهد أصدر أمره بالصدام صباح يوم الثلاثاء 4 مارس، وكان من خطته ~~أن اليوم الأول يخصص لإطلاق المدافع على القوات العثمانية، فقذفت البطاريات اليونانية ~~في ذاك اليوم بنحو عشرة آلاف قنبلة. # وكان الجيش اليوناني مقسوما إلى ثلاثة أقسام، فلبث يحارب وهو في خنادقه ليستبقي ~~الحامية العثمانية في مواقعها، واستمر إطلاق النار على هذا النحو سحابة ليل 5 مارس. ~~ولما كان فجر اليوم التالي أبقى ولي عهد اليونان ميمنة جيشه وقلبه في مواقعهما لمشاغلة ~~الحامية العثمانية، وأمر ميسرته بأن تفاجئ العثمانيين بعد أن عززها بجزء من القلب ~~والميمنة، وبينما كانت الحامية العثمانية توجه كل أنظارها وأفكارها إلى ميمنة الجيش ~~اليوناني وقلبه لاعتقادها أن الهجمة الكبرى ستكون من جهتهما، باغتتها الميسرة اليونانية ~~فاستولت على موقع تشوكا، وغنمت فيه أربعة مدافع وأسرت 50 جنديا، ونحو الساعة العاشرة ~~قبل الظهر أخذت سلسلة جبال مانولياسا وغنمت ستة مدافع وأسرت طابورا، ثم هب قلب ~~الجيش اليوناني لتأييد ميسرته فأخذت الحامية العثمانية تنكص أمام تلك القوة الكبرى، وما ~~حلت الساعة الثانية بعد الظهر حتى ناب الحامية ضعف كبير وأخذ رجالها يرجعون إلى مدينة ~~يانيه والقنابل تهطل فوقهم. ولما جاء المساء كانت المواقع الحصينة في أيدي اليونانيين، ~~فرأى قائد الحامية أن الدفاع أصبح عبثا بعد ما جرى، فأوفد رسولا إلى ولي عهد اليونان ~~ومعه كتاب من قناصل الدول في يانيه قالوا فيه: «إن القائد العثماني العام طلب إليهم ~~بعد ما حل بجيشه من الخسارة العظمى أن يتوسطوا لدى ولي عهد اليونان ليكف عن القتال»، ~~وكانت المقابلة نحو الساعة الخامسة بعد منتصف الليل. # فأجاب ولي العهد وأركان حربه بأنهم يطلبون أولا تسليم الجيش العثماني بسلاحه، فقبل ~~أسعد باشا هذا الطلب، وكان عدد الجنود العثمانية نحو 35 ألفا على رواية التان، وذكر ~~أسعد باشا في حديث أن سبعة آلاف مريض وعليل كانوا بين أولئك الجنود، وأنه كان يتوقع ~~هجوم اليونان من جهة الميسرة ولكن قوته كانت ضعيفة وذخيرته قليلة. # وما وصل الخبر إلى العاصمة اليونانية حتى سرى كتيار ms090 الكهرباء في جميع أنحاء المملكة ~~وأرسل زعماء النواب أحر التهاني إلى ولي العهد. وإذا أراد القارئ أن يعرف مقام يانيه ~~عند اليونان فحسبه أن يرجع إلى التاريخ فيعلم أنها كانت مهدا لذوي التجارة وأرباب ~~العقول منهم، فهي التي أخرجت نخبة من أساتذتهم وصفوة من شعرائهم. كما أن البلاد ~~المجاورة لها ولا سيما سولي أخرجت لهم جماعة من أكابر رجال الحرب فيهم، ولما عقد مؤتمر ~~برلين أراد أن يعيد تلك الأراضي إلى المملكة اليونانية، ولكن البند المختص بإعادتها بقي ~~من المهملات، وأضف إلى هذا كله أن لهم حكايات وخرافات قديمة تتعلق بيانيه وتجعل ذكرها ~~مألوفا معروفا عند الشاب والأشيب. ~~(2) عزاء بعد هناء # وبينما كان اليونان مسترسلين إلى الفرح والابتهاج، ناسين من حصدتهم الحرب بمنجلها ~~الباتر من الآباء والأبناء إذا برصاصة اهتزت لها بلادهم وجاز صفيرها البر والبحر، ~~فألبست أسرتهم المالكة وغيرها من ملوك أوروبا وأمرائها ثوب الحداد. # ذلك أن ملكهم جورج الأول كان عائدا من قصر ابنه الأمير نقولا في سلانيك ومعه ضابط ~~واحد، فما اجتاز بعض الطريق حتى تقدم إليه يوناني ضعيف العقل اسمه سكيناس وأطلق عليه ~~الرصاص من مسدس فسقط الملك يختبط بدمه، وأسرع الضابط الذي كان معه فقبض على عنق القاتل، ~~وجيء بنقالة لحمل الملك إلى المستشفى العسكري ولكن روحه فاضت قبل الوصول إليه، وكان من ~~غرائب الاتفاق أن اختيار هذا الملك كان في 18 مارس سنة 1863، وقتله كان في 18 مارس سنة ~~1913؛ أي يوم كانت أمته ترغب في إقامة يوبيل له احتفالا بمرور خمسين عاما على جلوسه، ~~وكان المنتظر أن يكون الاحتفال مضاعفا؛ لأن الدولة اليونانية بلغت في وقته ما لم تكن ~~تؤمل، فقد احتلت لسوء طالع الأمة العثمانية سلانيك ويانيه ومعظم أنحاء أبيروس، ورأت ~~الدهر باسما بعد طول العبوسة. # ولما انتشر الخبر في أوروبا أحدث تأثيرا شديدا في عدة قصور ملكية؛ لأن الملك القتيل ~~هو ابن كريستيان ملك الدنيمرك الأسبق، وخال ملك الإنكليز وقيصر الروس الحاليين، ونجله ~~الأكبر هو صهر إمبراطور ألمانيا. # | معارك العثمانيين والجبليين # عرف ms091 المطالع قوة الجبل الأسود من فصل ماض، أما قوة العثمانيين التي قاومت الجيش الجبلي ~~فقد كان معظمها في أشقودره، وإليك بعض الإيضاح. # تعودت نظارة الحربية العثمانية أن تبقي فرقة واحدة بأشقودره في الظروف العادية، ولما ~~تراخت العلاقات بين تركيا والممالك البلقانية، عززت تلك الفرقة بواحدة أخرى من الرديف ثم ~~انضم إليها كثير من المتطوعين الألبانيين وعدد من جنود الفيلق السادس، ومن فرقة دبرا وهي ~~الجنود التي لم تذهب إلى كومانوفو، وإذا رجعنا إلى آراء الاختصاصيين الحربيين في موقع ~~أشقودره، وجدنا الكولونل بوكابيل وغيره يحكمون بأن الجهة التي عند الطرف الجنوبي من بحيرة ~~أشقودره لا تعد ذات قيمة حربية عظيمة، أما الجهات الجنوبية والشمالية الشرقية من الموقع ~~فقد كانت محمية بعدة معاقل وحصون، وأما الجهة الغربية فكان يحميها حصن طرابوش الشهير وهو ~~يشرف على مدينة أشقودره وبحيرتها ويعلوها نحو 400 متر، ومسافة مجموع الحصون تبلغ نحو 25 ~~كيلومترا. # وزد على هذا كله أن الجهة الشمالية عند الحدود الجبلية تشتمل على مراكز محصنة ومحيطة ~~بمدينة توزي من الشمال إلى الجنوب، أما الأهالي فغالبهم في سهول أشقودره من المسلمين، وفي ~~الجهات الشرقية والشمالية الشرقية من الماليسور أي الجبليين، وهم من الألبانيين الكاثوليك ~~وعددهم نحو ثلاثين ألفا. ولما ثاروا على الباب العالي سنة 1911 اضطر قسم منهم إلى اللياذ ~~بالجبل ولبث هناك حتى نشبت الحرب فأخذوا يقاتلون مع الجبليين. ~~(1) تقسيم الأعمال الحربية عند الجبليين # تلك هي حالة أشقودره يوم قصدها الجبليون في 8 أكتوبر وقد زحفوا أقساما ثلاثة، فسار ~~الجنرال مارتينوفتش والفرقة الأولى من الجهة الجنوبية الغربية للبحيرة، وتقدم الجنرال ~~فليشو لازاروفتش والفرقة الثانية وبعض الرابعة من الجهة الشمالية الشرقية للبحيرة، وكان ~~غرض هذين القسمين أشقودره نفسها. # وسار الجنرال يانكوفوكوتيش ومعه الفرقة الثالثة وبقية الفرقة الرابعة لمقاتلة الجنود ~~العثمانية النازلة في الجهات الشرقية والجنوبية الشرقية وراء الحدود الجبلية، ونحن ~~نتكلم أولا عن أعمال هذا الجنرال وجنوده، ثم ننتقل إلى الأعمال الحربية حول بحيرة ~~أشقودره، ثم إلى حصار أشقودره نفسها، فسقوطها في أيدي الجبليين. ~~••• # كان ms092 غرض الجنرال يانكو المذكور أن يزحف إلى إيبك من طريق برانا وبلافا، وأن يقاتل ~~الحاميات العثمانية في شمالي سنجق يني بازار، ويستولي على مواقعها ثم يمد يده إلى القوة ~~الصربية التي تأتي من تلك الجهة، وأن يزحف من إيبك إلى دياكوفا وبريزرند، ومن هناك تذهب ~~القوة التي يمكن الاستغناء عنها إلى جهات أشقودره لنؤيد القوة المحاصرة لها. # ولقد نجح الجنرال يانكو في معاركه؛ لأن القوات العثمانية كانت قليلة، ففي 15 أكتوبر ~~احتل المرتفعات القائمة غربي برانا بعد معارك صغيرة ومتاعب كبيرة. # وفي 16 منه ترك الباشبزق الألبانيون وعدد من الرديف مواقعهم في روجاي، فلحق بهم ~~الجبليون وأسروا 200 رجل وغنموا ثلاثة مدافع. # وفي برانا نفسها وجدوا قوة من العثمانيين فدافعت دفاع الأبطال حتى أحاطوا بها من كل ~~جهة، فسلم معظمها وتركوا لأعدائهم 14 مدفعا و700 بندقية، وتمكن الباقون من الخروج ~~بجملة مدافع. # وفي 19 أكتوبر احتلوا بلافا بعد معركة شديدة لكنها قصيرة، ومما يذكر للعثمانيين مع ~~الفخر هنا أن الجبليين رأوا بعد دخولهم بلافا عددا من جثث الصبيان والنساء والسلاح ~~بأيديهم، وإن قوما يدافعون عن موطنهم إلى هذا الحد ليصح فيهم قول من قال: «ورب انكسار ~~يفضل الانتصار.» وفي 31 دخل الجنرال يانكو وجنوده مدينة إيبك فلم يجدوا ~~مقاومة. # أما في الجهات الشمالية من السنجق فقد نجحت أيضا قوة الجنرال المذكور لضعف الحاميات، ~~على أن حامية بليفلي لبثت تقاوم الجبليين في الشوارع حتى المساء، فخسر الفريقان خسارة ~~عظيمة بالنسبة إلى عددهما. ثم اجتاز 1200 جندي عثماني و77 ضابطا حدود البوسنة بعد أن ~~عجزوا عن المقاومة، فأسرهم النمساويون وأرسلوهم إلى بلاد المجر ليقيموا هناك إلى نهاية ~~الحرب. # وبعد تلك المعارك وصلت قوة صربية فصار بين الصربيين وحلفائهم خط اتصال، ثم زحف ~~الجبليون والصربيون من إيبك إلى دياكو فاحتلوها بعد معركة لم تبق أكثر من بضع ساعات، ~~ثم سارت جنود الجنرال الجبلي إلى أشقودره طبقا للخطة التي رسمت لها وتبعها جانب من ~~الصربيين، وسار الجانب الآخر قاصدا درين وأرض المردة في ألبانيا. ms093 # وهناك تمت المهمة التي انتدب لها الجنرال يانكو فوكوتيش في سنجق يني بازار، فلننظر ~~الآن ما جرى حول بحيرة أشقودره، ثم حول أشقودره نفسها. ~~(2) حول البحيرة # كانت حامية توزي في الأسبوعين السابقين لإعلان الحرب مؤلفة من نحو ستة طوابير، فما ~~جاء اليوم السابع من أكتوبر حتى بدأت المعارك بينها وبين الماليسور الموالين للجبليين، ~~ثم زحف الجنرال لازاروفيتش في 9 منه نحو توزي أيضا، وأطلق الأمير بطرس ابن ملك الجبل ~~أول مدفع عليها والموسيقى تعزف بنشيدهم الوطني. # ثم أخذ الجبليون يتقدمون فاستولوا أولا على أوائل المرتفعات، ثم مدوا خط هجومهم من ~~الشمال إلى الجنوب، وفي العاشر من أكتوبر استولوا على حصن دتشيتش بعد معركة شديدة ~~استمرت أربع عشرة ساعة وغنموا فيه أربعة مدافع، وفي صباح 13 أكتوبر احتلوا فارنيا بعد ~~أن ضربوها بالمدافع سحابة النهار وهجموا عليها تحت جنح الليل، ثم تمكنوا مع الماليسور ~~من قطع خط الرجعة إلى أشقودره على قسم من الجنود العثمانية، وأسروه في 14 أكتوبر ودخلوا ~~بلدة هيلم في 15 منه. ثم اجتازت فرقتهم الثانية بحيرة أشقودره في أربعة أيام وعسكرت في ~~قوبليق ومنها زحفت إلى جهة أشقودره نفسها لتحصرها. # وبينما كان هذا كله يجري في الجهات الشمالية الشرقية من بحيرة أشقودره كان الجنرال ~~مارتينوفتش ورجاله متجهين نحو طرابوش، فوصلوا إلى جهتها بعد وقعات صغيرة. وفي 11 نوفمبر ~~تقدم ألف منهم ليلا إلى حصن طرابوش لمفاجأته، فاهتدى العثمانيون إليهم بالمنيرات ~~الكهربائية وسددوا عليهم المدافع والبنادق، فمزقتهم كل ممزق ولم ينجح منهم إلا مائة رجل. # 1 ~~(3) حصار أشقودره وسقوطها # ولما حل هذا الفشل بالجنرال مارتينوفتش وفرقته، قرر أن طرابوش لا تؤخذ فجأة كما أراد ~~أولا، وأن الهجوم عليها يجب أن يكون منظما بعد الاستعداد، وهنا يجدر بنا أن نصف ~~للقارئ ذاك الموقع ليدرك أهميته الحربية، قال مراسل الجورنال الحربي: # إن طرابوش ربوة علوها 576 مترا، وجانباها محصنان طبقا للخطة التي وضعها ~~المارشال فوندر غولتز الألماني، وليس فيها أبراج ولا مشارف حربية، بل هناك ~~خنادق ومراصد على مستوى الأرض ms094 تجد فيها سبعين مدفعا كبيرا ونحو 100 مدفع من ~~طراز الميتراليوز، وخمسة عشر ألف رجل نحو ثلثهم من الألبانيين المسلمين، ونحو ~~الثلث أيضا من النظاميين والرديف والباقين من الباشبزق، وجميعهم تحت قيادة ~~أسعد باشا وحسن رضا باشا، أما عدد الجبليين والماليسور الذين كانوا أمامهم فنحو ~~عشرين ألف رجل. # ذلك هو الموقع الذي كان ينشر الرعب ويرسل الموت على خط مستدير يبلغ عشرة ~~كيلومترات من جهة البحيرة والسهل. # وبعد أن أرسل الجبليون ما قدروا على إرساله من مدافع الحصار، أخذوا يهجمون على طرابوش ~~فلم يفلحوا، وكانت الحامية العثمانية تخرج فتقاتل فريقا من المحاصرين قتالا مرا ثم ~~تعود. وقد حاول الجبليون أن يهدموا عزيمتها بالوسائل التي استخدمها البلغاريون أولا مع ~~شكري باشا بطل أدرنه، فأخفقوا سعيا كما أخفق البلغاريون. قال مراسل الجورنال: إن الملك ~~نقولا رفع العلم الأبيض في 28 أكتوبر، وأرسل مندوبا إلى قائد العثمانيين ليقول له ~~بالنيابة عنه: «إن مقاومة العثمانيين لجديرة بالإعجاب ولكن جهدكم يذهب أدراج الرياح، إذ ~~لا يمكنكم أن تقاوموا الجوع والزمان، فسلموا واعدلوا عن القتال كما فعل إخوانكم في ~~كومانوفو وقرق كليسا.» # فأجاب أسعد باشا: «إن الأمر أمري في القلعة فأنا لا أسلم ما دمت حيا ... إن طرابوش ~~أنقذت شرف السيف التركي.» # وحدث يوما أن حيا من مدينة أشقودره رفع الراية البيضاء لشدة ما قاسى من هول ~~القنابل، فما كان من أسعد باشا إلا أن وجه نيران طرابوش على ذاك الحي وضرب الذين ~~ارتكبوا هذا العصيان. # فلما رأى الجبليون والصربيون الذين كانوا معهم أن الحامية العثمانية مصرة على الدفاع ~~أرادوا أن يأخذوها بالجوع والهجمات المتوالية ولكنهم لم يفلحوا، ولبثت الحامية ~~العثمانية تخرج وتقاتل ثم تعود حتى ألحقت بهم خسائر عظيمة. ومما يذكر خروجها في 8 و10 ~~و11 من ديسمبر وهجومها على سيروكا وأوبليكا، ثم خروجها في أول يناير و11 منه. ولم يتمكن ~~الأعداء من وصل حركة الحصار إلا في أوائل شهر فبراير، ثم كفوا في شهر مارس عن الأعمال ~~الحربية؛ لسوء حالة الجو من جهة، ولأن ms095 الدول بدأت من جهة أخرى تضغط عليهم لتحملهم على ~~فك حلقة الحصار، بعد أن قرر مؤتمر السفراء أن يضم أشقودره إلى ألبانيا التي أجمعت الدول ~~على منحها الاستقلال كما سترى بعد نهاية كلامنا على الأعمال الحربية. غير أن الجبليين ~~لم يكترثوا أولا لضغط الدول وما لبثوا أن عادوا إلى الأعمال الحربية، فقررت حينئذ ~~الدول أن ترسل أسطولا ليقيم مظاهرة ضد الجبل، فسار هذا الأسطول المختلط وهدد الجبل ~~فكان جواب حكومته وملكه «أشقودره أو الموت.» ثم اضطر الصربيون إلى ترك الجبليين حول ~~أشقودره بسبب ضغط الدول، فلبث جيش الجبل وحده هناك حتى سلمت أشقودره في 23 أبريل، وهذا ~~بعض ما تضمنته رسائل التيمس والتان والديلى تلغراف. # أذاع الجبليون في 25 أبريل أنهم استولوا على أشقودره عنوة بعد أن هجموا عليها ليلا ~~وقاتلوا حاميتها بالسلاح الأبيض، ولكن الملحق العسكري النمساوي في شتينه عاصمة الجبل ~~أبطل دعواهم، والواقع أن سبب التسليم هو الجوع ونفاد الذخيرة والتعب المضني الذي أصاب ~~الحامية والأهالي، فقد روى مراسل الديلي تلغراف في فينا أنه لما دخل الجبليون المدينة ~~وجدوا أهلها في حالة يرثى لها من العناء والإعياء، وكان الذين هدم الجوع قواهم وكاد ~~يوردهم مورد التهلكة، يقابلون الجنود الجبلية يوم دخولها ويتوسلون إليها أن تعطيهم ما ~~تسد به الرمق، وقد مات كثيرون من الطبقة الدنيا جوعا في أواخر أيام الحصار وأصاب ~~الجنون بعض الأهالي، حتى إن أسعد باشا لم يعد يجرأ على السير في الشوارع مخافة أن يلتف ~~حوله الناس ويطلبون منه إما الأكل وإما التسليم. ولقد شاع بعد سقوط المدينة أن أسعد ~~باشا عقد اتفاقا سريا على التسليم، ولكن هذا الخبر لم يثبت حتى الساعة. # أما تأثير سقوط أشقودره فلم يكن عظيما أليما كتأثير سقوط أدرنه؛ لأن الدول قررت ~~إخراجها من يد تركيا وضمها إلى ألبانيا الجديدة قبل أن تسقط بمدة، وجل ما يقال: أن ~~طول مدة الدفاع أكسبت حاميتها فخرا وأنقذت شرف السيف العثماني هناك كما قال أسعد ~~باشا. # على أن الجبليين الذين لبثوا يظنون أن ms096 الدول تدعهم في أشقودره، أخطئوا كل الخطأ؛ لأن ~~النمسا ووراءها ألمانيا وإيطاليا، أصرت على إخراجهم منها، ثم أيدتها سائر الدول حفظا ~~للسلم الأوروبي الذي كادت تتقوض أركانه. # | المعارك البحرية # ذكرنا أهم ما كتبه المؤلفون والمراسلون الحربيون حتى صدور هذا الكتاب عن المعارك البرية، ~~فبقي أن نعقد فصلا وجيزا عن الأعمال البحرية، وقبل الكلام عليها نذكر قوة كل عدو يوم ~~إعلان الحرب. ~~(1) الأسطول العثماني # شرعت الحكومة العثمانية بعد إعلان الدستور في تنظيم أسطولها، وكلفت جماعة من الضباط ~~الإنكليز أن يساعدوها في هذا العمل الخطير، فتقدم الأسطول العثماني بعض خطوات في سبيل ~~النجاح، وبينما كان في إبان حركة التنظيم هجمت إيطاليا على طرابلس الغرب، فكان إعلان ~~الحرب الطرابلسية من الأسباب الجوهرية في إيقاف تنظيمه. # ولما قامت الحرب البلقانية كان الأسطول العثماني مؤلفا من ثلاث مدرعات متوسط طنات ~~الواحدة منها 10000، وكان بينها اثنتان اشترتهما الحكومة العثمانية من ألمانيا وهما: ~~«خير الدين بارباروسا»، و«طورغود»، وتاريخ إنشاء هاتين المدرعتين يرجع إلى سنة 1890، ~~وعدد مدافع كل منهما ستة من طراز 280، وثمانية من طراز 105، وسرعتها 20 عقدة، وكثافة ~~درعها 20 سنتيمترا، أما تاريخ المدرعة الثالثة المدعوة مسعودية فيرجع إلى سنة 1874، ~~على أنها أصلحت وجددت سنة 1904، وعدد مدافعها الضخمة اثنان فقط ومعها 12 مدفعا من ~~طراز 150، والمدرعات المذكورة هي أفضل ما كان عند الدولة العثمانية من البوارج. # وكان عندها أيضا أربع طرادات مدرعة أنشئت سنة 1870 ثم أصلحت سنة 1907 وهي عصر توفيق ~~وحميدية ومجيدية، واثنتا عشرة سفينة للتوربيد، وتسع سفن مقاومة للتوربيد وعدد من ~~المدفعيات، وسفن أخرى لا تعد ذات شأن في الهجوم. # أما البحارة فكان بينهم أكثر من ألف ضابط و2300 صف ضابط وجندي. ~~(2) الأسطول اليوناني # وكان عند اليونان طرادة مدرعة من أقوى الطرادات الحديثة اسمها جورج أفيروف (وهو اسم ~~اليوناني الذي تبرع بمعظم ثمنها)، وعدد طناتها 10000، وتاريخ إنشائها 1910، وعدد ~~مدافعها الضخمة أربعة من طراز 234، وثمانية من طراز 190، وكثافة درعها 20 سنتيمترا، ~~وسرعتها 23 عقدة. ثم ثلاث مدرعات مصنوعة في فرنسا عدد طنات الواحدة 5000، وتاريخ ~~إنشائها ms097 ما بين 1889-1890 وعدد المدافع الضخمة في كل منها ثلاثة، والمدافع الأخرى خمسة، ~~وسرعتها 17 عقدة فقط وهي: بسارا وهيدرا وسبتساي. ثم طرادة صغيرة، و8 نسافات سرعتها 31 ~~عقدة، وأربع مصنوعة في إنكلترا سرعتها 32 عقدة، وغواصة مصنوعة في فرنسا، وعدة سفن أخرى ~~لا تعد ذات قيمة كبيرة. # أما رجال هذا الأسطول فكانوا 400 ضابط، و3600 صف ضابط وجندي. ~~(3) الأعمال البحرية في البحر الأسود ومرمرا وفي بحر الأرخبيل والبحر الأيوني # يمكننا أن نقسم الأعمال البحرية التي جرت إلى قسمين؛ أولهما: كان في البحر الأسود ~~وبحر مرمرا، والثاني: في بحر الأرخبيل والبحر الأيوني، وقد حصر الأسطول العثماني أعماله ~~حتى يوم الهدنة الأول في البحر الأسود، وكان غرضه أن يضرب بعض الثغور البلغارية، ويحمي ~~الجنود العثمانية التي تبحر هناك أو تنتقل عند الشواطئ، وأن يمنع إرسال المئونة ~~والذخيرة إلى البلغار من تلك الجهة، وكان في البحر الأسود أسطول صغير ضعيف للبلغار مؤلف ~~من طرادة صغيرة لا يزيد عدد طناتها عن 700، ومن سبع سفن للتوربيد، فنحن نذكر أولا ما ~~فعله الأسطول العثماني في البحر الأسود، ثم ننتقل إلى بحر الأرخبيل فالبحر ~~الأيوني. # أبحر قسم من الأسطول العثماني في اليوم الثاني لإعلان الحرب إلى جهة وارنه (أحد ثغور ~~بلغار)، وأخذ يطارد سفينتين من سفن التوربيد البلغارية فاضطرهما إلى اللياذ بذاك الثغر، ~~ثم ظهر في 21 منه أمام ثغر قوارنه فضرب حامية بلغارية كانت هناك، وأحدث أضرارا في ~~الثكنة والمينا ومحل التلغراف ومخزن المئونة وبعض المباني. # وبعد هذا العمل الحربي صرف الأسطول العثماني همه في البحر الأسود إلى حصر المواني ~~البلغارية ومنع إرسال المئونة والذخيرة إليها، ولما وصل البلغاريون إلى جتالجه بعد ~~معركة لوله بورغاز ذهبت البارجتان مسعودية وبارباروسا إلى خليج جكمجه حيث ضربتا ميمنة ~~البلغاريين، وكان الأسطول يتفاهم مع القوة العثمانية البرية بإشارات مصطلح عليها، فأفلح ~~في عمله وألحق ضررا كبيرا بالبلغاريين. # وبعد أيام حدثت معركة بين الطرادة حميدية وسفن التوربيد البلغارية فأصيبت حميدية بضرر ~~قليل لم يتطلب إصلاحه زمنا طويلا، وقد أدت حميدية ms098 خدمة حميدة للجيش العثماني؛ لأنها ~~حرست مؤخرة جناحه من الجهة الشمالية. # ولما عقدت الهدنة الأولى في 3 ديسمبر ترك معظم الأسطول العثماني البحر الأسود، وصرف ~~همه إلى بحر الأرخبيل حيث كان الأسطول اليوناني؛ لأن اليونان أبوا الاشتراك في ~~الهدنة. ~~(3-1) ماذا جرى في بحر الأرخبيل؟ # بينما كان الأسطول العثماني يفعل ما ذكرنا في البحر الأسود وحاصلا على السيادة ~~البحرية فيه، كان الأسطول اليوناني حاصلا على السيادة نفسها في بحري الأرخبيل ~~(إيجه) والبحر الأيوني، وقد جعل همه أولا مساعدة الجيش اليوناني من جهة خليج أرطه ~~(أونارده بالتركية) ومن جهة بريفيزا، وتضييق الحصار على الثغور العثمانية لمنع ~~إرسال الميرة والذخيرة والنجدات من سوريا وغيرها. # وكان في مياه بريفيزا ثلاث مدفعيات عثمانية ضعيفة، فخاف اليونانيون أن تحول دون ~~إرسال المئونة والذخيرة إلى جيشهم في أبيروس فأصدر قائدهم أمرا بضرب تلك ~~المدفعيات، وفي أوائل نوفمبر تمكنت بعض المدفعيات اليونانية من إغراق اثنتين من ~~المدفعيات العثمانية، وأغرق العثمانيون الثالثة بأيديهم، وما كان التاسع عشر من شهر ~~نوفمبر حتى أعلن اليونان حصار جميع السواحل اليونانية هناك ومنعوا إرسال كل مدد إلى ~~يانيه، وتمكنوا من تعضيد الصربيين بعد وصولهم إلى شواطئ الأدرياتيك. # ثم ذهب الأسطول اليوناني فحصر الدردنيل واحتل عدة جزر هناك، وقبل وصول الجيش ~~اليوناني إلى سلانيك ذهبت إحدى سفنه فأغرقت بارجة عثمانية قديمة كانت تهدد قسما من ~~الجيش اليوناني. وفي أواخر شهر نوفمبر احتل اليونان جزر عثمانية أخرى. # وفي 17 ديسمبر خرج الأسطول العثماني من الدردنيل وكان مؤلفا من طورغود ~~وبارباروسا ومسعودية وعصر توفيق وطراد وعدة سفن للتوربيد، فلحظه الأسطول اليوناني ~~وتقدم نحوه، ولما صار على 12 كيلومترا أخذ العثمانيون يطلقون النار فقابلهم ~~اليونانيون بالمثل، وظل القتال حامي الوطيس حتى رأى قائد الأسطول العثماني أن ~~الطرادة أفيروف تقدمت من أحد جانبيه، وأنه كاد يصبح بين نارين، فأمر أسطوله بالرجوع ~~إلى الدردنيل، فأبى الأسطول اليوناني أن يلحقه مخافة أن يستهدف لنيران حصون ~~المضيق. # أما الخسارة فأهم ما يذكر منها ضرر بالغ أصاب مرجل المدرعة العثمانية بارباروسا، ms099 ~~وضرر خفيف لحق بالطرادة اليونانية أفيروف، وبضعة قتلى وعدد من الجرحى. # ثم جرت بعض أعمال حربية أهمها خروج الطرادة حميدية وتدميرها بعض السفن اليونانية، ~~وإغراقها بعض البواخر التي كانت تقل جنودا صربية في المياه الألبانية، وكان ربانها ~~البارع ينتقل بها من جهة إلى أخرى في البحر المتوسط ويشغل أفكار الأسطول اليوناني، ~~فحينا يأتي بورسعيد وآخر الإسكندرية، وتارة ينتقل إلى حيفا، أو يجتاز قناة السويس ~~إلى البحر الأحمر، وكان أركان حرب الأسطول العثماني يؤملون فيما يظهر أحد غرضين من ~~طواف حميدية، إما أن يحملوا معظم الأسطول اليوناني على مطاردتها، فيخرج حينئذ ~~الأسطول العثماني من الدردنيل ويفتك بالقسم الباقي وبالثغور اليونانية، وإما أن ~~يلحقوا بأعدائهم ما أمكن من الأضرار إذا أحجم معظم الأسطول اليوناني عن مطاردة ~~حميدية وتركها تطوف في أنحاء البحار، ولكن اليونان اختاروا أن تبقى القوة الكبرى من ~~أسطولهم على مقربة من الدردنيل، وهذا ما أمكن حميدية أن تفتك بعدد من الصربيين ~~وتفعل ما فعلت. # على أن السيادة البحرية في جهات الأرخبيل والبحر المتوسط بقيت حتى النهاية لأسطول ~~اليونان، فنشأ عنها لنكد الدنيا على الأمة العثمانية ضرر كثير وشر كبير؛ لأن ~~طريق البحر لبث مقفلا أمام ألوف عديدة من الجنود العثمانية التي كانت مستعدة للسفر ~~في دمشق وبيروت وغيرهما. كما لبثت الأستانة محرومة من إرسال أي شيء يسمى مئونة أو ~~ذخيرة عن طريق الدردنيل. # وبقيت سلانيك وسائر الثغور العثمانية من جهة أخرى متروكة بلا مدد، وأخذ اليونان ~~يرسلون ما أرادوا من المؤن والذخائر والسلاح من طريق البحر إلى جهات يانيا، وغيرها ~~من بلاد أبيروس وإلى الجزائر التي احتلوها. # وربما عجب المطالع من قدرة الأسطول اليوناني على حفظ السيادة البحرية هناك؛ لأن ~~البوارج العثمانية الكبيرة أكثر من البوارج اليونانية، ولكن الاختصاصيين لم ينلهم ~~العجب؛ لأنهم عرفوا الأسطول العثماني أقل من الأسطول اليوناني سرعة وتجانسا ~~وتمرنا. # | باب الفظائع # وضعنا بين يدي المطالع جوهر ما كتبه المؤلفون الأوروبيون، وما نشره المراسلون الحربيون ~~حتى الآن عن معارك البلقان في البر والبحر، فلم يبق منها ms100 ما يستحق الذكر إلا المعارك ~~القليلة التي حدثت في شبه جزيرة كليبولي وجتالجه بعد فشل مؤتمر الصلح الأول ، وهي وإن كانت ~~معارك دموية شديدة لم تحسن شيئا من حال العثمانيين كما سترى. # وإذا فكر المرء في تلك الحرب بل في جميع الحروب على ضروبها، وجدها كلها فظائع في فظائع ~~ولكن التقليد والعرف والقانون الدولي جعلها جائزة بين الجيوش، وبات المفهوم من لفظة «فظائع» ~~تعذيب الأسرى أو الجرحى، والفتك بالنساء والأطفال والشيوخ، والتمثيل بمن لزم الحياد، وما ~~اختلف منصفان في أن الحرب إذا كانت فظيعة في ذاتها؛ لأنها تجيز قتل فتية هم أكبر مظهر من ~~مظاهر قوات الأمم وأشد الأركان التي تعتمد عليها في بناء صروح النجاح، فإن قتل الضعفاء ~~والأبرياء هو أكبر الفظائع وأدل الدلائل على أن نفس الإنسان ما زالت حتى هذا القرن الموصوف ~~بقرن المدنية والنور منطوية على غريزة وحشية، تنزل به إلى درك لا يليق بمن ميزه الخالق ~~عن جميع المخلوقات وملكه البر والبحر والهواء. ونحن ذاكرون هنا من الفظائع أخص ما ينسب إلى ~~كل فريق، ثم نقول كلمتنا. ~~(1) ما ينسب إلى البلقانيين # رأس الأمور التي ننكرها مع كل حر على البلقانيين أنهم أرسلوا إلى تراقيه ومقدونيا ~~ألوفا من رجال العصابات، الذين اشتهروا بارتكاب الفظائع في سالف الزمان وجعلوا تلك ~~البلاد موطن الأهوال، وقد روى الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي خبر سفر العصابات ~~البلغارية قبيل الحرب، واتخذه دليلا في وقته على أن الحرب باتت أمرا مقررا لا مندوحة ~~عنه ولا مناص منه، وليس هناك ريب ولا شبه ريب في أن سفر تلك الألوف من سفاكي الدماء كان ~~بأمر حكوماتهم وتحت مراقبتها؛ إذ لا يعقل أن الحكومات التي حرمت على كل جندي أن يكتب ~~كلمة إلى أبيه أو أمه أو حليلته، لا تراقب ألوفا من رجال العصابات الذين أوفدتهم إلى ~~جهات مختلفة ليقطعوا الصلات بين العثمانيين، ويساعدوا الجيوش البلقانية في مهمتها ~~الحربية، وهذا يهدم حجة المراسلين الذين اعتذروا عن حكومة البلغار وغيرها بأن العصابات ~~هي التي ارتكبت ms101 الفظائع لا الجيوش المنظمة. وإليك بعض ما طالعناه مأخوذا عن جرائد ~~ونشرات مختلفة ومذكورا مع مصادره: قالت جريدة «فريستش»: إن مائتين من النساء والأطفال ~~لجئوا إلى جامع في دده أغاج، فوضع البلغاريون تحته ديناميتا ونسفوه بمن كان فيه فلم ~~ينج واحد، وإن غور حصار أصبحت مهدا للظلم والأعمال الوحشية، فقد أحرق فيها المسلمون ~~وهم أحياء، وكلف عدد منهم أن يدينوا بالمسيحية وإلا أحرقوا بالنار، ورمي جماعة من ~~كوملنجه في النهر وهم مكتوفو الأيدي والجروح تقطر دما من أبدانهم ورءوسهم. # ونشر مراسل «الألوستراسيون» في جتالجه مقالا تحت عنوان «ما هدم وما بقي من جتالجه»، ~~ذكر فيه أن حي المسلمين الذي كان عدد أهله نحو 3000 خرب كله؛ لأن البلغاريين أحرقوا ~~كل شيء فيه قبل مزايلتهم تلك البلدة، فكل ما تبصره العين جدران قائمة ومسجدان اثنان ~~محولان إلى إصطبلين، وما من شيء يبرر هذا التخريب المقصود بل هذا التوحش المنكر. أما ~~بيوت اليونانيين والبلغاريين فإنها لم تصب بأذى، وكل من ينظر إلى المدينة من جهة هذه ~~البيوت يظنها سليمة لم تمس، ولما وصل الأتراك مروا بالخرائب التي كانت بيوتا عامرة ~~لإخوانهم المسلمين، وأبصروا كل ما حصل فيها ومع ذاك كله لم يكسروا زجاج نافذة واحدة من ~~البيوت اليونانية والبلغارية، بل أبقوا عليها وعلى المدارس كما كانت، فهم يستحقون ~~الثناء ... # وقال مراسل الديلي تلغراف في كليبولي: «إني لا أستطيع وصف البؤس الذي حل بمهاجري ~~البلقان في كليبولي، فإن معظم النساء فقدن رجالهن إما بالحرب وإما بغدر الوحوش ~~واللصوص من رجال العصابات، أو من مواطنيهم اليونانيين والبلغاريين، فقد روت امرأة عجوز: ~~أن الأهالي اليونانيين خانوا المسلمين في موطنها، مع أن الفريقين تعاهدا على أن يحمي كل ~~منهما الآخر عند المقدرة، فإذا دخلت الجنود التركية المدينة أولا فإن المسلمين يحمون ~~المسيحيين، وإذا دخلتها رجال العصابات أولا فإن المسيحيين يحمون المسلمين، ولقد حدث أن ~~العصابات دخلت قبل الأتراك فأخذت تسأل عن أعيان المسلمين، وقبضت على سبعة وستين منهم ثم ~~قادتهم إلى غابة فأثخنتهم طعنا بالرماح، ثم ms102 قطعت حفيد تلك العجوز إربا إربا، «وهنا ~~أخذت العجوز تقطع شعرها وترفع بنظرها إلى السموات وهي تستنزل الرجز واللعنة على أولئك ~~الوحوش».» ثم روى المراسل أنه سمع حكايات أشد فظاعة وهولا من فاجعة العجوز، كالفتك ~~بالنساء والأطفال، وقال إن الفلاح التركي الساذج لا يكذب ولا يعرف أن يستنبط حكايات من ~~هذا الطراز. # وروت شركة روتر في 22 مارس سنة 1913 أن الجبليين شدوا وثاق كاهن و300 شخص من ~~الكاثوليك، ثم وقف على رءوسهم كاهن أرثوذكسي فأراهم بنادق الجنود الجبلية وقال لهم: إما ~~أن تذهبوا المذهب الصحيح الوحيد، وإما أن يرسل هؤلاء الجنود أرواحكم إلى الجحيم؛ فقبل ~~الثلاثمائة مكرهين ورفض الكاهن، فأخذوا يقطعون أطرافه ويعذبونه أشد العذاب حتى لفظ ~~روحه، ولما انتهى هذا الخبر إلى حكومة النمسا أرعدت وأبرقت، على أن الجبليين أنكروا ما ~~نسب إليهم، والله أعلم. # وذكر حضرة كامل بك تيمور التاجر الإسكندري الذي سافر إلى البلقان في مهمة خيرية أنه ~~قابل قنصلي النمسا وإنكلترا في مناستر، فعلم منهما ومن مفتي تلك المدينة أن مناستر كان ~~فيها يوم وصوله خمسة عشر ألف مهاجر بلا مأوى ولا غذاء، وأن خمسة آلاف وستمائة فقط كانوا ~~ينالون جراية يومية من الخبز لا تزيد عن نصف أقة لكل واحد، وذاك على يد قنصلية إنكلترا ~~التي كانت تتلقى من جمعية الصليب الأحمر في لندرا، ومن جمعية إعانة مقدونيا ما يكفي ~~لإطعام ثمانمائة نفس، وعلى يد السيدة مكين التي كانت تتلقى ما يكفي لغذاء ألف نفس، ~~«وكان عند السيدة المذكورة مستشفى للمهاجرين مشتمل على ثلاثين سريرا.» وعلى يد جمعية ~~المبشرين الأمريكيين الذين كانوا يطعمون ثمانمائة شخص، ثم على أيدي الراهبات اللواتي ~~كن يطعمن ألف نفس، ويد قنصلية النمسا التي كانت تسعف ثمانمائة شخص، أما بقية ~~المهاجرين وهم نحو عشرة آلاف، فكانوا يموتون جوعا وبردا، والمرجح أن قيمة ما نهب من ~~المسلمين في ولايات أدرنه وسلانيك ومناستر وأسكوب يبلغ - على تقدير الكاتب - نحو مليار ~~من الفرنكات. # ونشر الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين بعض رسائل من ms103 المبشرين المسيحيين مشتملة ~~على وصف عدة فظائع اقترفها البلقانيون، وهذا موجز ما كتبته البعثة الكاثوليكية بمقدونيا ~~في 21 نوفمبر من يانيجه: # لما دخل اليونانيون المدينة كان عندنا وعند الراهبات نحو ألفي نفس، فجاء ~~اليونان وانتزعوهم من أيدينا برغم تضرعنا إليهم، ثم أخذوا يذبحونهم أمامنا ~~وأمام الراهبات جماعات جماعات. وبعد ذلك جعلوا يحرقون الأسواق التركية التي ~~نهبها الأهالي، وما زال في يانيجه حتى الآن بضعة آلاف من اليونان وهم ينهجون ~~نهج إخوانهم في سلانيك، فيسرقون وينهبون وينهكون حرمة النساء، ولا تنحصر ~~فظائعهم في يانيجه وحدها بل تتعداها إلى الدساكر والقرى المجاورة لها، ثم إنهم ~~يظهرون التعصب الشديد على كل إنسان لا يذهب مذهب الأرثوذكس، بل هم يتعدون هذا ~~الحد بإساءتهم إلى البلغاريين الأرثوذكس، فقد أخذوا من شيخ بلغاري مسكين ستة ~~وثمانين خروفا ولم يدفعوا ثمنها. # ثم قالوا في كتاب ثان من تلك المدينة أيضا: إن اليونان والبلغار يسلكون مسلكا ~~دنيئا في مقدونيا، والنصارى الساكنون في القرى يذبحون المسلمين وينزعون الحلي من آذان ~~النساء ويعتدون عليهن. وحدث في براجوتوفو أن النساء والفتيات لجأن إلى الأديرة بعد ~~قتل الرجال، ولكن الأهالى المسيحيين هجموا عليهن وقتلوهن، وفي دولني يورسي أخذ ~~المسيحيون يضربون الترك رجالا ونساء وصبية بالسياط ثم يمزقونهم جرحا وطعنا، وفي ~~جالدينوفو لم يبق المسيحيون من الترك أحدا وهلم جرا، قال رئيس تحرير الماتين - ~~وصدق في قوله: «ومما يزيد تلك الفظائع هولا أن رجال الدين المسيحي هم الذين يشهدون ~~بها.» # وكتب أحد مراسلي جريدة كيلوزيتويغ أن جماعة من القسوس في مقدونيا نشروا رسالة قالوا ~~فيها: إن الواجب المفروض على كل مسيحي أن يقدم روحا إسلامية على هيكل الكنيسة، فكان ~~لتلك الرسالة صدى عظيم عند البلغاريين، ثم أخذوا يعملون بوصيته، وقد امتد الاعتداء إلى ~~المساجد فنكست المنابر وألقيت خزائن الكتب، فأثر في نفسي هذا العمل تأثيرا شديدا، ~~ولعنت تلك المدنية «الحمراء». # وذكر مراسل جريدة المساجيرو الإيطالية أن الصربيين أفرغوا كل جهدهم في قتل المسلمين ~~الألبانيين، وضربوا المدن التي احتلوها بدعوى أنهم وجدوا فيها مقاومة، ms104 وذبحوا كثيرين ~~بينهم عدد كبير من النساء. # ونشرت جريدة كونيش زيتونغ كتابا في شأن الفظائع التي ارتكبها البلغاريون «في قوله» ~~قال كاتبه: «وصلت خمس عصابات بلغارية منذ شهر فأسرت الحاكم وأعلنت أن مدينة قوله صارت ~~بلغارية، فابتهج الأعيان بقدوم هؤلاء اللصوص، ثم وصل أيضا نحو ثلاثين لصا من الطراز ~~نفسه وأخبروا بأن آلايا بلغاريا وصل إلى هناك، فخرجت المدينة في 10 نوفمبر لاستقبال ~~ذاك الآلاي وسار مطرانها في مقدمة المستقبلين، ثم أخذت النساء تزين بنادق الجنود ~~واللصوص البلغاريين بالأزهار والرياحين، وقرعت جميع الكنائس أجراسها. ولما كان اليوم ~~الثاني شرعوا يطاردون الأتراك ويقتلون أعيانهم بلا محاكمة، ويرتكبون أعمالا وحشية في ~~معاملة أناس ليس لهم من ذنب إلا كونهم مسلمين، وعند نصف الليل كانوا يخرجون بالسجناء ~~فينزعون قمصانهم وكل ما يستر عورتهم ثم ينحون عليهم طعنا بالحراب في أدق الجهات شعورا ~~من أجسامهم، ويضربونهم بأخشاب البندقيات حتى يخرجوا أرواحهم، وقد أعدموا على هذا النمط ~~ستة وثلاثين في الليل الأول لوصولهم، وخمسة عشر في الليل الثاني، وثمانية في الليل ~~الثالث وهلم جرا، حتى بلغ الذين قتلوا في قوله وحدها مائة وخمسة عشر، ثم اعتدوا على ~~أعراض النساء والبنات اللواتي قتل رجالهن. # أما في سرس فإن الأتراك أخذوا يدافعون عن أنفسهم فقتلوا جنديين من الصربيين، فلما ~~علم الضابط الصربي بقتلهما فتح ساعته وقال لجنده: «نحن في الساعة الرابعة بعد الظهر ~~فيمكنكم أن تفعلوا ما تريدون منذ الآن حتى الساعة نفسها بعد ظهر غد.» فما صدر هذا الإذن ~~إلى تلك الوحوش الكاسرة حتى هجموا على الأتراك فقتلوا منهم في أربع وعشرين ساعة 1200 ~~أو 1900 على رواية أخرى.» # ولما دخلوا دراما قطعوا رأس أحد الأتراك ونصبوه على صندوق، ثم وضعوا بين شفتيه ~~غليونا. # وقبض جماعة من الجبليين على ضابط عثماني فقطعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه قبل موته، ~~فرسمته جرائد الأستانة وبعض الجرائد الأوروبية، ووضع بيير لوتي الكاتب الفرنساوي ذاك ~~الرسم الفظيع على صدر كتابه «تركيا المحتضرة». # وأحرقت العصابات 38 قرية من 98 في قضاء كاوردار، ms105 وذبحت جميع أهالي درينوفو، وحفرت بين ~~هذه القرية وباليكورا عدة قبور دفنت فيها الذين عذبتهم وهم في قيد الحياة أو على وشك ~~الموت، فكان عابر السبيل يبصر رءوس تلك الضحايا نابتة من الأرض على شكل فظيع. # وحدث أن إحدى السيدات المسلمات رأت بعينها رجال بعض العصابات البلغارية يعتدون على ~~ابنتها، فأخذت بندقية وأطلقتها على البلغاريين فكان عملها سببا في مذبحة هائلة، ومما ~~فعله أولئك الوحوش أنهم حبسوا النساء والبنات في إحدى القهوات وأحرقوها بهن، ثم ارتكبوا ~~مثل هذا الجرم في كوركوتوفو، فأحرقوا نساءها وهن داخل مسجد. # ونشرت جريدة ريشبوست تقريرا مفصلا عن الفظائع التي ارتكبها الصربيون في ألبانيا، ~~وخلاصة ما تضمنه أن الصربيين أبادوا أهالي مدن بأسرها، وأنهم ذبحوا في ولاية قوصوه ~~وحدها 25000 نفس، ثم طلب واضع التقرير من الدول الأوروبية أن تؤلف لجنة تحقيق للتثبت من ~~حقيقة تلك الفظائع. # وقال مراسل الديلي تلغراف: إن المراسلين الحربيين من نمساويين وإنكليز وإيطاليين ~~ونرويجيين أظهروا الفظائع التي ارتكبتها الجنود الصربية في كثير من جهات مقدونيا، أما ~~الفظائع التي ارتكبتها في ألبانيا فيظهر أن الخوف من إمكان نشوب حرب أوروبية عامة حول ~~عنها الأفكار، ولكن الاهتمام بها عاد في هذا الوقت (أوائل يناير)، فجمعت الحكومة ~~النمساوية جميع التقارير المشتملة على أخبارها، وقد سنحت لي فرصة للاطلاع عليها فوجدت ~~أن جنود الجنرال يانكوفتش أعادوا في القرن العشرين جميع ضروب الاضطهاد القاسي التي ~~رواها التاريخ، فإنهم لم يكتفوا أيام زحفهم في الأنحاء الألبانية بذبح الألبانيين ~~المسلحين غيلة وخداعا، بل دفعهم التوحش إلى قتل أناس عزل من السلاح والفتك بالشيوخ ~~والنساء والأولاد حتى الأطفال الرضع، ومما قاله الضباط الصربيون وهم في سكرة النصر: إن ~~خير وسيلة لنشر لواء الراحة والسلام في ألبانيا إنما هي إبادة المسلمين فيها، وما اتصل ~~هذا الكلام بآذان الجنود الصربية حتى أسرعت إلى إنفاذه، فبلغ عدد الذين أعدموا فيما بين ~~كومانوفو وأسكوب 3000 نفس، وعند برشتينا 500، وما كان هذا الفتك بهم في معركة شريفة، بل ~~في عدة مذابح لا يمكن تبريرها، ms106 وقد اخترعت الجنود الصربية لتبريد شوقها إلى الدم أساليب ~~جديدة فكانت تحيط بالمنازل وتشعل فيها النيران، ثم ترمي بالرصاص كل من يطلب الخلاص، ~~وتعمد إلى قتل الرجال أمام نسائهم وأولادهم ثم تضطر الوالدات البائسات إلى حضور مشهد ~~الفتك بأبنائهن وتقطيعهن إربا إربا. # وكان الإعدام اليومي سلوان الجنود الصربية، فإنها كانت تقبض على كل من تجد عنده ~~سلاحا ثم تقتله شنقا أو رميا بالرصاص، وقد أعدمت في يوم واحد وثلاثين نفسا، وبلغ ~~توحشها إلى حد أن الصربيين المقيمين في بلاد المجر أظهروا استياءهم من المذابح التي ~~ارتكبها إخوانهم في ألبانيا، فإن الموسيو توميتش الذي كان سكرتيرا للموسيو باسيتش رئيس ~~الوزارة الأسبق، روى أنه لما سافر من بريزرند إلى إيبك لم يجد على جانبي الطريق إلا قرى ~~محرقة ومهدمة حتى مستوى الأرض، وكانت الدروب مزروعة من المشانق والجثث معلقة بها ولا ~~سيما درب ديا كوفيتزا. # وروت جرائد بلغراد نفسها بعض ما كانت جنود الصرب تجترمه من القسوة والتوحش، فمن ~~الروايات التي لم تخجل من نشرها أن الكولونل أوبستش لما دخل بريزرند مع ألايه صاح في ~~جنوده «ألا فاقتلوا»، فهجمت الجنود على المنازل وفتكت بكل من وقع تحت يدها، ولو عدت ~~الجنايات التي ارتكبتها الجنود الصربية في برلبه وقوصي وفرسيريزا لعادلت كل ما قاساه ~~الألبانيون في مدة الحكم التركي. # ثم روى المراسل نفسه في موضع آخر نقلا عن تقارير الحكومة النمساوية أيضا أن ~~الصربيين كانوا يذبحون الشيوخ والنساء والأطفال، وأن الجنرال ستفانوفتش أوقف مائتي أسير ~~صفين متناسبين وأخذ يطلق عليهم قنابل الميتراليوز، وأن الجنرال زيفكوفتش قتل 950 عينا ~~من الألبانيين والأتراك بحجة أنهم أبدوا بعض المقاومة. # وأرسل المستر مرمدوك بكثول الكتاب الآتي إلى جريدة التيمس: # إن شهرة التيمس باستقلال الرأي تحملني على الرجاء منكم أن تسمحوا لي بتوجيه ~~الخواطر على صفحات جريدتكم إلى حالة مسلمي مقدونيا، فقد دلت الأخبار التي ~~جاءتني وجاءت غيري أن هناك مكيدة مدبرة لذبح غير المقاتلة من الرجال والنساء ~~والأولاد، وقد بدأت المذابح منذ أسابيع ولا تزال قائمة حتى ms107 الآن، وليس لها غاية ~~إلا إبادتهم عن آخرهم، ويقال: إن عدد الضحايا (وفي جملتهم الهاربون) زاد كثيرا ~~حتى الآن على نصف مليون نسمة، والواقع - إذا صحت الأنباء التي وصلتني، وليس ~~هناك ما يحملني على الارتياب في صحتها البتة - أن أفظع المذابح في العصور ~~الحديثة تجري باسم المسيحية. # أنا آخر من ينتظر المحافظة على أصول المروءة في الحروب الشرقية، ولكن ما يجري ~~ليس بحرب بل هو مجزرة، وكلما انتشرت أنباء تلك المذابح عم السخط الشديد من ميل ~~الحكومة الإنكليزية إلى إخفائها على ما يظهر، وهذا ما لا يدرك سره رجل مثلي كان ~~يتصور أن تربية حسن الظن والشعور بين المسيحيين والمسلمين هي جزء من سياسة ~~إنكلترا الثابتة، ولا ريب أن سكوتنا عن تلك الفظائع الهائلة يقع أسوأ وقع في ~~صدر كل مسلم يعلم قيامنا وقعودنا من جراء مذابح محلية صغيرة أقدم عليها الأكراد ~~أو الألبان. # ألا كم كان عدد المسلمين منذ شهرين في البلاد التي فتحتها الجيوش البلقانية، ~~وكم عددهم الآن؟ وما هي الآلام التي حلت بتلك الخلائق البائسة من رجال ونساء؟ ~~وما هي العصابات البلغارية؟ أليست مماثلة لعصابات الباشبزق العثمانية التي ~~ملأنا الآفاق ضجيجا بسبب أعمالها في الماضي؟ فهل شنق البلغاريون رجلا من رجال ~~تلك العصابات؟ ثم ماذا فعلت الجنود النظامية من بلغاريا وصربيا؟ # تلك المسائل وغيرها (أي تعذيب اليهود) تتطلب تحقيقا مختلطا، وشرف المسيحية ~~والحضارة أيضا يتطلب تحقيقا كاملا. # وهنا نحبس القلم عن إيراد بقية الأخبار المؤلمة، ونؤكد للقارئ أن بين أيدينا من ~~الرسائل الشبيهة بما ذكرنا ما يملأ مجلدا كبيرا، وجلها من مصادر غير عثمانية تختلف ~~في مبانيها وتتفق في معانيها؛ أي الإحراق والإغراق والنهب والسلب وهتك أعراض النساء ~~والفتك بالضعفاء والأبرياء، وما شاكلها من الأعمال التي تنزل بالإنسانية وتحط من قدر ~~المدنية، وتظهر حقيقة الذين سلوا سيوفهم لخدمة العدل والحرية ... ~~(2) ما ينسب إلى العثمانيين # أما الجنود العثمانية فقد ذكرنا في موضع آخر من هذا الكتاب أنها فتكت بجماعة من ~~الأبرياء أيام تقهقرت أمام الجيش اليوناني، ثم طالعنا ms108 في كتاب الموسيو رينيه بيو مراسل ~~التان الحربي الصحيفة الآتية: # رأيت مشهدا فاجعا، رأيت أوتومبيل فيه ضابطان جريحان ماتا من شدة البرد، ~~وبلغ عدد الذين ماتوا في هذا الليل نحو 2000، أما أنا فلم أسر على «طريق النزع ~~والاحتضار» الذي اتبعه الجيش التركي المتقهقر، بل درت دورة تبلغ نحو 10 ~~كيلومترات من الجهة الجنوبية، راكبا على جوادي بقصد أن أرى قرية أصبو، وهي ~~إحدى القرى المسيحية العديدة التي أحرقتها الجنود التركية، ولما بلغتها لم أجد ~~إلا أطلالا وخرائب، ولم تكتف تلك الجنود بإحراق المنازل بل ذبحت الأهالي ~~المخلدين إلى السكينة، ولقد رأيتهم يدفنون ثمانين من أولئك المساكين وأبصرت ~~بعيني بعض الجثث مطروحة، وطفلا رضيعا سحقت ميمنة وجهه بضربة شديدة من خشبة ~~بندقية أو رفسة بكعب، وفتاة بين السادسة والسابعة من العمر مخروقة الجسم بحربة، ~~وكان الناظر يبصر أيضا بعض جثث أخرى تحت الأنقاض؛ لأن الجنود ذبحت كل من وجدت ~~ولم تبق إلا على عشر من الفتيات ... # وحدث أن خمسين من الأهالي لجئوا إلى إحدى الكنائس فأحاط الجانون بهم ثم ~~أحرقوهم فيها، وكان أدلائي جماعة من الشيوخ الذين هربوا قبل وصول الجنود، ~~وبينهم واحد يبكي بكاء يفطر الفؤاد؛ لأنه خسر كل آله وماله. # أما في سراي فإن الجنود التركية لم تجد وقتا لسفك الدم، ولكنها صبت جام ~~الانتقام على كنيسة يونانية صغيرة، فكسرت ثرياتها بالعصي ومزقت الصور ورمت ~~بالأقذار في المحل المقدس وشوت اللحم هناك ومزقت الإنجيل. # وأشار الموسيو هوشوختر في كتابه إلى إحراق القرى أيضا، وطالعنا عدة رسائل في وصف ~~فظائع العصابات الألبانية، وهي كلها لا تخرج عما ذكرنا من تلك الأعمال الوحشية. ~~••• # غير أنه يجب علينا أن نثبت هنا خدمة للحقيقة والتاريخ أن الرسائل التي وقعت إلينا ~~منذ ابتداء الحرب في شأن الفظائع البلقانية هي أضعاف أضعاف الرسائل والفصول المتعلقة ~~بالفظائع التركية والألبانية؛ ولذاك ارتفعت أصوات كثيرة من بلاد الحرية والمدنية ~~اعتراضا على البلقانيين، فقد نشر الموسيو بيير لوتي الكاتب الفرنساوي الكبير رسائل ~~عديدة في الطعن على جمود أوروبا أمام ms109 الفظائع البلقانية، ثم ألف منها ومن غيرها كتابه ~~المسمى «تركيا المحتضرة». وإذا قيل أن بيير لوتي مشهور بغلوه في الدفاع عن الأتراك، ~~قدمنا للمعترض شطرا من المقدمة الآتية التي وضعها السير أدام بلوك رئيس مجلس إدارة ~~الديون العمومية، فإن هذا المالي الذي لم يشتهر بتطرف أو غلو كتب في صدر تقرير عن ~~الفظائع يقول: # كان من المنتظر أن الضغائن الجنسية والدينية التي أوقظت في مقدونيا مدة الخمس ~~والعشرين سنة الماضية، والتي لا تعزى إلى سوء الإدارة العثمانية وحده - تزداد ~~شدة عند نشوب الحرب، وأسذج ساذج كان يستطيع الإنباء بالنتائج التي لا بد أن ~~تتبع التجاء ممالك البلقان إلى السيف. # قاست مقدونيا في الأشهر القليلة الماضية أكثر مما كانت تقاسيه من سوء الإدارة ~~العثمانية لو دامت سنين جمة. فقد أضيف إلى فظائع حرب هلك فيها مئات ألوف من ~~الرجال إبادة سكان مقدونيا المسلمين، فإن الحرب الحاضرة قامت سوقها بلا اكتراث ~~لقواعد الحروب المعترف بها عند الأمم المتمدنة، وليس من السهل أن نجد لها ~~مثيلا في الحروب الحديثة بين الممالك الحضرية. # وإن عدم استطاعة المنصورين منع القتال والنهب وسائر الفظائع لا يمكن أن يعود ~~عليهم بالسمعة الحسنة. ولست أعزو إليهم العزم على إبادة العنصر الإسلامي عمدا، ~~ولكن هذا ما جرى تقريبا، وسيندم الحلفاء لأن مقدونيا باتت الآن شبه «بيضة ~~فارغة»؛ بلادا أكلها السيف والنار وأقصى عنها أهلها المسلمون حراث الأرض، ~~بسبب ما نالهم من الضيق والفاقة، وكثير من الذنب على الحلفاء أنفسهم. # إن الحرب وأخذ البلاد إنما يبرران إذا عادا بالخير والرخاء على أهل تلك ~~البلاد. ومن الممكن - وإن يكن ليس من المؤكد - أن تبديل الحكام يعود بالفائدة ~~على أهل مقدونيا المسيحيين، ولكن من الواضح وضوح النهار أن الحرب لم تفد ~~المسلمين بتاتا، وخرابهم لا بد أن يكون عظيم الضرر على مستقبل البلاد. # ولست أزعم أن الترك كانوا بريئين من الجرائم والفظائع في الماضي أو أنهم لم ~~يسفكوا دما بريئا في الأشهر القليلة الماضية، على أنه لا يمكن أن يكون ~~ميزانان ومقياسان. ms110 وصحف أوروبا وفي جملتها صحف إنكلترا التي ذمت فظائع الترك في ~~أزمانها شديد الذم صمتت في هذا الوقت صمتا غريبا. # لطالما احترم الشرقي وخصوصا التركي الرجل الإنكليزي ووثق به لما اشتهر عنه ~~من حب العدل والإنصاف، ولكني أخشى أن يكون هذا الاعتقاد آخذا في الزوال، وعندي ~~أن شعور التركي بذهاب روح العدل والإنصاف من الإنكليزي إنما يستأصل بالإلحاح في ~~طلب تحقيق تلك الفظائع ومعاقبة المجرمين. # إني لم أشترك في البحث والتحقيق اللذين أفضيا إلى نشر هذا التقرير، ومهما يبد ~~الناس من الشك في صحة جميع التفاصيل المذكورة فيه، فإنه يبقي ما يكفي ليحملنا ~~على الأمل أن أوروبا التي كانت سريعة التصديق لأنباء فظائع الترك لا تنبذ ~~جانبا تلك الأدلة المعروضة عليها نبذ المستخف بها. # وخطب لورد كرومر في مجلس اللوردة عند تناقش المجلس في مسألة ذبح الجنود البلقانية غير ~~النظامية للمسلمين فقال: # مهما تكن نتيجة الحرب فإني لا أشك أن المسألة المقدونية تبقى بيننا، فقد كان ~~الناس يرجون ويؤكدون أنه متى زال الحكم العثماني من مقدونيا لم نعد نسمع ~~بالمذابح، ولكن خابت آمال الذين يظنون أن الجهاد في سبيل المسيحية هو جهاد في ~~سبيل المروءة والفلاح، وإني أبرئ الحكومة الإنكليزية من كل تهمة إهمال، ولكن لا ~~يسعني إلا المقابلة بين الغيظ الشديد الذي كان بعض الطبقات يظهرونه في بلادنا ~~لما كانت المسألة مسألة ذبح الترك للمسيحيين، وبين ما يظهرونه الآن من شدة ~~الجمود لما صارت المسألة مسألة ذبح المسيحيين للترك. # تلك قطرة من بحر عن الفظائع التي صبغت هضاب البلقان بدم الإنسان، وجلبت على مرتكبيها ~~من العار ما لم تجلبه فظائع القرون الوسطى؛ لأن أهل ذاك الزمن كان لهم عذر الجهل ~~والهمجية، فما هو اليوم عذر أهل هذا العصر الذين طلعت عليهم شمس العلم وقاموا يدعون ~~المدنية؟ # إنا طالعنا بحكم مهنتنا الصحافية جميع الأعذار التي انتحلها أصدقاء البلقانيين لهم، ~~وهي تنحصر في ثلاثة وجوه؛ أولها: أن جنود الأتراك والباشبزق فتكوا بالبلقانيين في سالف ~~الزمان، فلا تجد بلغاريا ولا صربيا ولا ms111 يونانيا ولا جبليا إلا ويسمع من والديه ~~وأجداده وجداته أقوالا تشيب الأطفال قبل الرجال، ولا يفتح صحيفة من صحائف تاريخه ~~إلا ويجد فيها ما يضرم نار الحقد في صدره على تركيا. والثاني : أن جميع الجنود في معظم ~~الحروب لم يسلم شرفها من المذمة، ولم يخل تاريخها من أخبار القسوة والحوادث المؤلمة في ~~إبان تحمسها. والثالث: أن ما نشر عن تلك الفظائع كان فيه غلو كبير، وأن العصابات هي ~~التي اقترفت معظمه فلا يصح أن ينسب كله إلى الجنود المنظمة. # فنقول في الوجه الأول: إن مثل من ينتحل لهم هذا العذر مثل من يبرئ السارق أو ~~القاتل؛ لأن أناسا آخرين سرقوا وقتلوا، ثم إن البلقانيين ادعوا دعوى عريضة يوم ~~زحفهم، وهي أنهم يريدون رفع المظالم والمغارم عن رعايا تركيا في مقدونيا، فكيف يجوز لمن ~~يدعي تلك الدعوى أن يظلم الأبرياء والضعفاء، وينهك الأعراض، ويتفنن في ارتكاب الفظائع؟ ~~فهم ينهون عن خلق ويأتون مثله، وهو عار كبير. # ثم إنهم فوق ذاك كله أعلنوا الحرب باسم الصليب، ورمز الصليب إنما هو الرحمة والرأفة، ~~فأين الرحمة في إحراق الشيوخ والنساء والأطفال في الجوامع والقهوات، أين الرحمة في دفن ~~الشبان وهم أحياء، أين الرحمة في تعذيبهم وتقطيعهم إربا إربا أمام والداتهم وفي تدنيس ~~عفة البنات؟ إنا لا ننكر والتاريخ شاهد أن الجنود التركية من باشبزق وغيرها فتكت ~~بالبلقانيين فتكا ذريعا في أوقات مختلفة، ولكن مذبحة البلقانيين قبل معاهدة برلين، ~~تلك المذبحة التي اهتزت لها أوروبا من شرقها إلى غربها وشماليها إلى قبليها، بلغ عدد ~~ضحاياها ما بين 15 و20 ألف نفس، والمأخوذ اليوم من عدة روايات غير عثمانية أن الذين ~~ذبحتهم الجنود المتحالفة في ولاية واحدة يربو على هذا العدد. # ونقول في الوجه الثاني: وهو أن جميع الجنود في جميع الحروب لا يخلو تاريخها من أنباء ~~القسوة والحوادث المؤلمة؛ أجل إن الروسيين في حرب بولونيا، والألمانيين في حرب السبعين، ~~والإنكليز في حرب الترنسفال، لم تخل أعمالهم من ضروب القسوة والخشونة، ولكن الفرق كبير ~~بين حوادث ms112 معدودة تقع هنا وهناك وبين فظائع عامة شاملة يراد بها استئصال جنس من ~~الأجناس، أو إنقاص عدده إلى حيث يتولاه الضعف فلا تقوم له قائمة، ولو كان مبلغ الفظائع ~~البلقانية في حرب البلقان كمبلغ الفظائع العثمانية فيها، أو مبلغ فظائع الألمانيين في ~~حرب السبعين لقلنا إن الجيوش المؤلفة من مئات الألوف لا يمكن أن تكون كلها مدنية مهذبة ~~الطبع كريمة الخلق، بيد أن متسع الفظائع التي تنسب إلى الحلفاء بلغ حدا قصيا، حتى ~~قال فيه بعض الكتاب الأحرار: «إنه إذا صحت جميع أخبارها فإن البلقانيين ارتكبوا في ~~خمسة أشهر بقدر ما ارتكبه الباشبزق والجنود التركية في خمسة قرون.» # أما الوجه الثاني أن كون الأخبار المنشورة لا تخلو من غلو كثير وأن العصابات هي التي ~~اقترفت معظم الفظائع، فهو ما يعجز مثلنا عن تكذيبه قبل التحقيق، ونحن لم نر لسوء طالع ~~الإنسانية ولسوء سمعة أوروبا أن أصوات الأحرار الذين طلبوا التحقيق وقعت في آذان مصغية ~~مفتوحة، على أنا نعود فنذكر هنا الملاحظة التي قدمناها، وهي أن تلك العصابات مشت إلى ~~تراقيه ومقدونيا بأوامر من حكوماتها التي جعلت لها مهمات معينة، وحكوماتها أعرف الناس ~~بالفظائع التي ارتكبتها سحابة أعوام في القرى المسيحية نفسها لأجل النفوذ السياسي، فإن ~~العصابات اليونانية كانت تفتك بالأهالي البلغاريين، والعصابات البلغارية كانت تجر ذيل ~~الخراب والدمار على القرى اليونانية وهلم جرا، أفما كان الواجب الإنساني يقضي على تلك ~~الحكومات التي رفعت الصليب يوم زحفها بأن تأمر زعماء تلك الشراذم القاسية بالوقوف عند ~~حدها؟ لا ننكر أن ضبط زمامها صعب ولكن الحكومات كان يمكنها بما عندها من الحول والقوة ~~أن تخفف كثيرا من جرائمها وفظائعها، ولكنها لم تفعل، فلم يجد المنصفون لإهمالها ~~مبررا. # على أن اللوم ليس كله عليها بل يجب أن يلقى شطر كبير منه على أوروبا؛ لأنها لو تحركت ~~للفظائع التي جرت في الشهرين الأولين، كما فعلت أيام ارتكبت الجنود العثمانية آثامها ~~قبل معاهدة برلين في بلاد البلغار؛ لاضطرت الحكومات البلقانية إلى إيقاف تيار الهول، ~~ولكان نصرها ms113 باهرا نقيا من الشوائب والمخجلات. # | الصحافيون بين النار والحديد # منشئ هذا الكتاب صحافي يحب الصحافة وآلها واليراعة ورجالها، فليسمح له المطالع أن يقول ~~هنا كلمة عن أعمال الصحافيين وهم في ساحات القتال بين الحديد والنار: يروون أن هوميروس صاحب ~~الإلياذة الشهيرة كان أعظم مراسل حربي في قديم الزمان، ثم يتطرقون إلى ذكر أشهر المراسلين ~~وأعلاهم كعبا، فيذكرون عدة أسماء حديثة منها الرحالة ستانلي الذي راسل نيويورك هيرالد، ~~وجورج فيلون الذي عين مديرا لشركة هافاس في فرنسا، وستندال، وفرنسوا دلونكل، وجورج غولي، ~~وجان بارير وغيرهم من الذين لا يسع المقام أسماءهم. # ولا يذهبن عن المطالع أن الكلام في هذا الباب ينحصر بحكم الضرورة في الصحافات الأجنبية؛ ~~لأن صحفنا العربية لم تبلغ حتى الآن من الثروة والرقي ما يمكنها من إرسال مندوبين ~~اختصاصيين على نفقتها إلى ساحات القتال، وأسعدها حظا هي التي تعرف صديقا يحضر حربا ~~فتكلفه أن ينفحها برسائل مأجورة أو غير مأجورة، ولا يهمها أن يكون اختصاصيا أو غير ~~اختصاصي، ولا يسع المنصف إلا أن يلتمس لها عذرا ما دامت الجريدة التي تتفوق على جميع ~~رصيفاتها في البيع والنشر لا تبلغ درجة إحدى جرائد المديريات في أوروبا، فهل يمكن واحدة ~~منها أن تفعل كالبتي باريزيين التي كانت تنفق كل يوم على رسائلها الحربية 3000 إلى 4000 ~~فرنك؟ فكيف بالتيمس وغيرها من سيدات الجرائد في العالمين؟ # وهناك عذر آخر لجرائدنا وهو أنه لو أرادت إحداها أن ترسل اختصاصيا كفئا إلى الحروب لما ~~وجدت، فإن المراسل الحربي لا يحتاج إلى مال كثير فقط بل هو يحتاج إلى معرفة فنية وصحة قوية ~~وشجاعة كبيرة. قال جان بارير في رحلته إلى حرب الترنسفال: «أعترف لكم بأن يدي أخذت ترتجف ~~حين وصلت إلى الخنادق الأولى وأخذت أسمع صفير الرصاص لأول مرة، فقد كنت لا أستطيع أن أضع ~~نظارتي على عيني لما أصابني من الارتجاف، وإني لعلى تلك الحال إذا برفاقي هبوا للهجوم ~~فاضطررت إلى التقدم معهم نحو العدو، وكان الرصاص يمر من فوق رأسي كالعصفور ms114 الصافر، ثم نظرت ~~يمينا فإذا الجندي القريب مني طريح فظننت أن رجله عثرت بحجر، ولكني تحققت بعدئذ أنه قتل، ~~ثم واصلت العدو نحو العدو فوجدت في طريقي جثة أخرى، ثم وقف جندي آخر وما لبث أن وقع. ~~وكسرت إحدى الرصاصات حجرا كان على بعد سنتيمتر واحد من رجلي، ومع ذاك كله فقد بقينا نتقدم ~~وكأننا نتحامل.» # وقال الموسيو ريمون ريكولي الذي كان مراسلا للتان في حرب الصين: «أول ما يحتاج إليه ~~المراسل الحربي هو بنية كالحديد ليتمكن من مقاومة الأتعاب والأمراض والانفعالات النفسية، ثم ~~يلزمه كثير من الحزم في سلوكه، فقد كدت أقع أسيرا لأني قضيت ليلة في أحد البيوت المنفردة، ~~ولو وقعت في قبضة الأعداء لأعدموني بحجة أني جاسوس روسي، أما المشاهد التي يراها المراسل ~~الحربي فهي من أشد الأهوال على النفوس، فقد رأيت بعيني أن قنبلة أصابت راهبة كانت تداوي ~~الجرحى فقطعتها قطعتين، ورأيت أن خادمي أصبح مجنونا ورأيت ورأيت ... تالله إن حرفة المراسل ~~الحربي لهي مهنة قاسية كمهنة العسكري وكبيرة عظيمة مثلها.» # ويظهر أن المراسلين الحقيقيين يخافون المراقبة بقدر ما يخافون الرصاص، قال الموسيو ريمون ~~المذكور: «لا يخفى أن كل جيش يجعل للصحافة إدارة مخصوصة، وأهم رجالها المراقبون وهم ~~الجلادون الذين يخافهم المراسلون الحربيون أشد الخوف ولا يرتعدون من صفير الرصاص ودوي ~~المدافع بقدر ما يرتعدون منهم.» # ويؤخذ من أقوال مراسلي الجرائد الذين حضروا حرب البلقان أن المناظر الهائلة التي رأوها ~~لم يسبق لها نظير، فقد كانت المدافع تحصد فرقا بأسرها في بضع ساعات فتتراكم الجثث هنا ~~وهناك وتسيل الدماء جداول بل أنهرا، وكأنما أولئك المراسلون لا يكفيهم أن يقاسوا تلك ~~المصاعب العاتية ويروا تلك المناظر التي تقذي العيون وتفطر القلوب حتى يروا في بعض الأحيان ~~مصاعب أخرى من إخوانهم وزملائهم. فقد حدث في حرب الصين أن المراسلين الأميركيين بعد أن ~~أرسلوا تلغرافاتهم قطعوا الأسلاك التلغرافية، فتأخرت تلغرافات المراسلين الأوروبيين ريثما ~~أصلحت تلك الأسلاك، ولكن الجرائد الحرة قبحت عملهم؛ لأنه لا يدل على براعة معجبة، فقد كان ms115 ~~يكفيهم أنهم سبقوا غيرهم في إرسال التلغرافات. # أما البراعة الصحافية التي حيرت السياسيين ورمت العلة في قلب بسمرك، فهي التي أبداها ~~المستر بلويتز مراسل التيمس أيام مؤتمر برلين. فإن هذا الصحافي الطائر الصيت كان يرسل إلى ~~جريدته كل ما جرى في ذاك المؤتمر العظيم يوما فيوما، حتى تميز البرنس بسمرك غيظا وملأ ~~جهات القصر الذي كان يعقد فيه المؤتمر عيونا وجواسيس، وكان يذهب بنفسه فيرفع كل ستار ليرى ~~هل اختبأ أحد وراءه، وكان عند جلوس المندوبين يضرب بكعب رجله تحت الطاولة؛ لأن بعضهم أذاع ~~في ذاك الوقت أن أحد لصوص الأخبار كان يختبئ تحتها. أما ما قيل من أن المستر بلويتز نفسه ~~كان يختبئ هناك فهو قول لا يعول عليه؛ لأن الرجل كان عظيم البنية كثير السمن. # وعلى الرغم من تلك الاحتياطات بقي ذاك المراسل الكبير يرسل إلى جريدته نتيجة المباحث ~~اليومية في المؤتمر، حتى ختمها بعمله الشهير وهو إرسال معاهدة برلين إلى التيمس قبل أن تصل ~~إلى الحكومات نفسها، فكيف كان يفعل؟ # قال الموسيو جورج ميشيل: «إن صديقا قديما لذاك المراسل خبرني مع التحفظ أنه «اشترى» ~~عضوا من أعضاء المؤتمر، وهذا الخبر لا يقبل التصديق لأول وهلة، ولكن من يتذكر ثروة التيمس ~~الطائلة وبراعة مراسلها الهائلة ثم يتذكر من جهة أخرى أن بعض أعضاء الحكومات البلقانية كان ~~فقيرا، يجد الأمر ممكنا.» # وقيل: إن البرنس بسمرك بقي بعد المؤتمر مهتما اهتماما شديدا بمعرفة الوسيلة التي توسل ~~بها مراسل التيمس، وكان يعرف أنه يحب الحسان فأرسل إليه جاسوسة أجنبية جميلة لتتعشى معه، ~~ولما ظنت أن الفرصة موافقة لسؤاله عن السر حاولت استطلاعه، ولكن الموسيو بلويتز لحظ من ~~جهة أن في المحل مرآة مكسورة وظن أن وراءها أحدا، وكان من جهة أخرى يعرف استخدام النساء في ~~التجسس، فالتفت إلى الجاسوسة الحسناء وقال لها: «أيتها العزيزة لا يمكني أن أخفي عنك ~~شيئا فاعلمي أني حصلت على أخباري من البرنس بسمرك نفسه ...» # وروى أن البرنس دي بسمرك صار يبغض الصحافيين بغضا شديدا من أجله، ms116 ولكن هذا البغض لم يكن ~~ليمنعه من اللياذ بهم في ترويج الأفكار السياسية والمشروعات الاقتصادية التي كان يراها ~~مفيدة لألمانيا. ~~••• # وليس بمنتقد على كبار السياسيين ولا سيما قواد الجيوش أن يكون خوفهم كبيرا من الصحافيين ~~في بعض المواقف الحرجة، فإن الصحافة على كونها قوة كبيرة محترمة في أوروبا لا يستطيع أقطاب ~~السياسة وأمراء الجيوش أن يدخلوا أصحابها في جميع مجالسهم، أو يوقفوهم على سرائرهم حين تكون ~~المسألة لدى وطنهم مسألة موت أو حياة؛ لأن من يفكر في الحالة النفسية التي طبع عليها ~~الصحافي الحقيقي، ويعلم أن له من نفسه دافعا قويا إلى التنقيب عن الأخبار، ووصف المشاهد، ~~وانتقاد الأمور أو استحسانها، وأن هذا الدافع كثيرا ما يشتد إلى حد لا يمكن معه كتمان ما ~~حرم نشره، يعلم أيضا أن السياسي الذي يمهد السبيل لاتفاق أو محالفة دولية، والقائد الذي ~~يضع خطة حربية ربما كان علم العدو بها مجلبة لفشل جيشه، لا يمكن لومه إذا بالغ في ~~التكتم كما فعل اليابانيون وأخذ عنهم البلغاريون. # تصور مثلا أن القواد البلغاريين الذين كان لديهم أربعة وثمانون مراسلا حربيا على ~~رواية الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي، والذين كانت مصلحتهم الحيوية تقضي - كما اشتهر ~~- بأن يضربوا ضربة سريعة قبل أن يتم حشد الجيش العثماني - تصور أن هؤلاء القواد سمحوا ~~للمراسلين أن يفعلوا ما فعلوه في حرب السبعين بين الفرنساويين والألمانيين، فهل كان في ~~وسعهم أن يبقوا خطتهم سرية، ويسيروا عليها بتلك السرعة التي بدت منهم أمام الجيش العثماني ~~الشرقي؟ إن الجواب لا يحتمل التردد. # على أن الصحافي من جهة أخرى يلزمه أن يقوم بواجبه ويرضي جريدته وقراءه، والصحافة دولة ~~في دولة عند الغربيين فلا مندوحة عن التوفيق بين المهنة الصحافية والمصلحة الكبرى المعرضة ~~للخطر، ولا وسيلة إلى هذا التوفيق إلا بقبول الصحافيين في الحروب وتقييدهم بشروط، وإذا أراد ~~المطالع أن يعرف مبلغ الصعوبة التي يقاسونها في إرسال الأخبار، فليقرأ هذا الأمر الذي ~~أصدره رئيس أركان حرب الجيش البلغاري: # إلى المراسلين الحربيين # لا يجوز للمراسلين ms117 الحربيين أن يرسلوا إلى جرائدهم أخبارا عن الأمور الآتية: # أولا: # نظام الجيوش، أو تفريقها، أو عددها، أو مقاصد قوادها ومشروعاتهم ~~الحربية. # ثانيا: # ترتيب الجنود، والمحلات التي تقيم فيها، وأشخاص قوادها وأركان ~~حربها، ومؤخرة الجيش، والجنود الاحتياطية التي عنده. # ثالثا: # تسليح الجيوش والقلاع، وأحوال المواقع، وإدارة الميرة والذخيرة، ~~والحالة الصحية. # رابعا: # تأثير المقذوفات، وصحة رماية الأعداء. # خامسا: # الاستعداد، وإرسال الجنود إلى إحدى الجهات، والطرق التي تتبعها، ~~أو وصولها، أو تعزيزها، وما يتعلق بالقوة البحرية التي تشترك في ~~عمل حربي. # سادسا: # حالة الخطوط الحربية التي تنقل عليها الجنود والأثقال، وحالة ~~الجسور والطرق القديمة والحديثة في منطقة الأعمال الحربية. # سابعا: # الأخبار التي حصلت عليها «إدارة المخابرات» البلغارية أو بلغتها ~~من الأهالي عن جيش العدو، حينما يكون نشرها مضرا بعمل تلك ~~الإدارة. # ثامنا: # أسماء القتلى والجرحى قبل نشرها في البيان الرسمي. # تاسعا: # وصف الأعمال الحربية التي لا تكون في مصلحة جيشنا، وأيضا انتقاد ~~الأوامر والتدابير التي يتخذها القواد. # وهناك نظام شديد مشتمل على ثلاث وعشرين مادة، وفحواه أن المراسل الحربي يلزمه أن يكون ~~كتماثيل متحركة، لكن حركتها منوطة بإرادة غيرها؛ ولذاك رأينا أبرع المراسلين وأصدقهم نظرا ~~وأوفرهم اطلاعا في الحرب البلقانية وغيرها، لم يفيدوا التاريخ إلا بالرسائل التي وضعوها ~~بمعزل عن كل رقيب حربي، ثم أعادوا النظر فيها بعد رجوعهم من ساحة القتال؛ ولذاك أيضا تجد ~~بعد التحقيق أن بين الرسائل التي نشرتها الجرائد الأوروبية ما كان اختلاقا محضا، والباعث ~~عليه أحد أمرين: إما أن يكون المراسل نفسه عريض الدعوى يشق عليه أن يكون غير سباق بين ~~المراسلين، فيكب على الخريطة الحربية ساعة حدوث إحدى المعارك فيضع البطاريات ويزحف ~~بالسرايا، ويدعي الوقوف على مقاصد القواد ويرتب المعركة من أولها إلى آخرها، وربما اكتشف ~~وهادا وهضابا وحزونا ليتمكن من تدبير معركته الخيالية، حتى إذا انتهت المعركة الحقيقية ~~أصلح بعض الأقوال العامة، وقرب بين المعركتين على قدر المستطاع ... وإما تكون بعض إدارات ~~الجرائد لا يهمها أن تخدم الحقيقة، بقدر ما يهمها الرواج الوقتي الذي تلقاه عند ms118 حصولها على ~~تفصيل مخترع قبل أن تصل رسائل الجرائد الأخرى، فتصدر أمرها مشددا إلى مراسليها بالعمل على ~~هذا النحو. قال الموسيو رينيه بيو: إن أحد المراسلين وصف معركة قرق كليسا ودفع ثلاثة أضعاف ~~الرسم التلغرافي؛ أي 90 سنتيم عن كل كلمة، مع أن تفصيل المعركة لم يصل في ذاك اليوم إلى ~~أحد؛ لأن البلاغ البلغاري كان محصورا في كلمات قليلة وهي: «دخلت الجنود البلغارية قرق ~~كليسا، وغنمت مقدارا كبيرا من الذخائر والمدافع.» # فأخذ صاحبنا المراسل هذه الكلمات، ثم أخذ خريطته ووضع علامات على القرى المحيطة بقرق ~~كليسا وسير الطلائع ونصب بطاريات هنا وبطاريات هناك، ثم شرع يصف رماية القنابل من الجانبين، ~~وختم بوصف معركة شديدة بالسلاح الأبيض في شوارع قرق كليسا، غير أنه لسوء طالع هذا المراسل ~~ثبت بعد ذلك أن الجنود العثمانية تركت قرق كليسا قبل وصول البلغاريين إليها بعدة ساعات، لما ~~وصفناه من حدوث الرعب بين صفوفها ... # ولما شكا المراسلون إلى المراقب البلغاري من السماح لبعض زملائهم بإرسال تلك الملفقات ~~أجابهم قائلا: «ليس من وظيفتنا أن نراقب هنا صحة أخباركم، فنحن ندعكم تختلقون ما تريدون من ~~الحكايات، ولكنا لا نسمح بإرسال أخبار صحيحة تفيد أعداءنا.» # على أن أمثال أولئك الملفقين لا يمكنهم أن «يطيلوا حبل الكذب»؛ لأن أهل الجد وطلاب ~~الحقائق لم يلبثوا أن فضحوا أمرهم وهتكوا سترهم، وربما كان اختلاقهم مرة مضرا بالقول ~~الحق الذي نشروه مرارا؛ كما وقع لمراسل الريشبوخت النمساوية. # | تأثير الفشل العثماني في العالم الإسلامي # (1) الهلال الأحمر المصري # لقد أكبر العالم الإسلامي كله فشل الجيش العثماني في البلقان، وجاءت الأنباء تترى من ~~الهند وأفغانستان والصين وسائر البلدان التي يقيم فيها الموحدون، بأن خبر ذاك الفشل ~~كان فيها أليما والتأثير من وقوعه عظيما، وأفاد بعض أنباء الهند أن كثيرا من مسلميها ~~كانوا يحيون الليالي بالبكاء والضراعة في المساجد، ثم أخذ كل بلد يجمع ما يستطيع من ~~المال ويرسله إلى ضفاف البوسفور؛ إعانة للجيش العثماني الذي كثرت جرحاه ومرضاه، أو ~~إعانة لألوف المهاجرين من نساء وأطفال ms119 وشيوخ؛ لأن دخول المتحالفين بلادهم سحب عليهم ~~ذيل الخراب وذهب بأموالهم ورجالهم، فلم يبق لهم من وسيلة إلا الهجرة إلى جهة يطلع ~~عليها الهلال، ولا غرو، فإن المهاجر إذ كان لم ينل من هجرته الرخاء فقد حقن على الأقل ~~ما بقي من الدماء. # وكان في طليعة الأمم التي كبرت حميتها وفاضت أريحيتها وتحرك فؤادها عطفا وشفقة الأمة ~~المصرية الكريمة، فإنا نعرف أناسا منها باتوا وأحشاؤهم مطوية على الطوى يوم ورد خبر ~~معركة لوله بورغاز، إلا أن المصريين على اختلاف طبقاتهم تسلطوا على عواطفهم كما أثبت ~~جناب لورد كتشنر في تقريره، فلم يظهروا إلا الحكمة والتبصر في إظهار حميتهم الإسلامية ~~وعاطفتهم الإنسانية. # أما الأموال التي جمعوها للإعانة فقد بلغت نحو ثلاثمائة وأربعين ألف جنيه، منها نحو ~~مائتين وأربعين ألفا وصلت إلى يد اللجنة العلياء، ونحو مائة ألف جنيه إلى يد جمعية ~~الهلال الأحمر المصري، وهنا نستأذن المطالع في تخصيص جمعية الهلال بكلمة خليقة بها، ~~فهي بشهادة العثمانيين والأجانب أدت من الخدمات الجليلة ما خلد للقائمين بها ذكرا ~~طيبا يرويه الخلف عن السلف، وحسبنا للدلالة على غرضها الشريف أن نذكر هنا مواد الفصل ~~الأول من قانونها، وهي: # المادة الأولي: # تأسست بمصر جمعية الهلال الأحمر المصري، ومركزها العمومي مدينة ~~القاهرة تحت حماية الحضرة الفخيمة الخديوية، ورعاية صاحبة السمو والدة ~~الجناب العالي الخديوي، ورئاسة صاحب الدولة الأمير محمد علي باشا شقيق ~~الجناب العالي. # المادة الثانية: # تستند جمعية الهلال الأحمر المصري في معاملاتها الخارجية: # أولا: # على ما جاء بقانون الهلال الأحمر العثماني في ~~معاملاته. # ثانيا: # على المعاهد التي عقدت بتاريخ 22 أغسطس سنة 1864 في ~~جنيف، وعلى أحكام التعديلات التي قبلتها الدولة العلية ~~بمجتمع السفراء، الذي عقد في المدينة المذكورة بتاريخ ~~(6 تموز سنة 1906)، يوليو 1906. # ثالثا: # على أساس قرارات مجتمع السفراء الذي عقد بشأن الحروب ~~البحرية في «مدينة لاهاي»، في بلاد الفلمنك بتاريخ (18 ~~تشرين أول 1907)، أكتوبر 1907. # المادة الثالثة: # الغرض من جمعية الهلال الأحمر المصري معالجة الجرحى ومداواة المرضى ~~من الجنود البرية والبحرية في زمن ms120 الحرب، وتغذيتهم إذا اقتضى الحال، ثم ~~تخفيف آلامهم بجميع الوسائل الممكنة، ويجوز للجمعية إسعاف عائلات ~~الجنود والبؤساء من المجاهدين. # المادة الرابعة: # تعد الجمعية مستشفيات ثابتة وسيارة بحسب مقتضيات الأحوال، ولها أعداد ~~قطارات برية أو سفن بحرية أو حملة من الدواب، أو غير ذلك من المعدات ~~لنقل الجرحى من ميدان القتال إلى موائلهم. # المادة الخامسة: # يجوز للجمعية في زمن السلم أن تعاون البؤساء من الذين يصابون في ~~مصائب عامة في أنحاء القطر المصري، ويكون ذلك بقرار من المجلس ~~الأعلى. # المادة السادسة: # تعاون جمعية الهلال الأحمر المصري جرحى الجنود الأجنبية المحاربة، ~~وفقا لأساس معاهدة مدينة جنيف وتعديلاتها الأخيرة، وطبقا لأحكام ~~قرارات مجتمع السفراء الذي عقد بشأن الحروب البحرية في (18 تشرين أول ~~سنة 1907)، أكتوبر سنة 1907. # المادة السابعة: # تشتغل الجمعية في وقت السلم بتعليم مأموريها وتدريبهم، وإحضار جميع ~~لوازمهم إذا تراءى لها ذلك، وأن تهيئ المعدات اللازمة لتدريب ~~العمال. # المادة الثامنة: # تتكون أموال الجمعية من الاشتراكات والتبرعات والاكتتابات العمومية، ~~وما يوقف عليها من أهل الخير وغير ذلك. # وتتألف الجمعية من جمعية عمومية، ومجلس أعلى، ولجنة إدارية، ولجنة مالية. وإليك أسماء ~~الكبراء والوجهاء الذين كان المجلس الأعلى يتألف منهم أيام الحرب نقلا عن ~~قانونها: # دولة البرنس محمد علي باشا # رئيس الجمعية # دولة البرنس يوسف باشا كمال # نائب الرئيس # دولة البرنس محمد علي بك حسن # عضو # سعادة عزيز باشا عزت # وكيل الجمعية # سعادة حسين باشا واصف # وكيل الجمعية # عطوفة إدريس بك راغب # سكرتير عام # عزتلو ميشيل بك لطف الله # أمين الصندوق # سعادة يوسف سابا باشا # عضو # فضيلة السيد عبد الحميد البكري # عضو # سعادة محمد باشا نسيم # عضو # سعادة محرم باشا جاهين # عضو # سعادة محمود باشا رياض # عضو # سعادة صالح باشا ثابت # عضو # سعادة قليني باشا فهمي # عضو # سعادة محمد باشا يكن # عضو # سعادة موسى باشا قطاوي # عضو # سعادة منصور باشا يوسف # عضو # سعادة عمر باشا سلطان # عضو # عزتلو محمد بك أبو شادي # عضو # عزتلو حنفي بك ناجي # عضو # عزتلو حسن بك سعيد # عضو # عزتلو الدكتور ms121 محمد بك أمين نظيم # عضو # عزتلو الدكتور محمود بك ناشد # عضو # عزتلو الدكتور الميرالاي سليم بك موصلي # عضو # عزتلو الدكتور علي بك إبراهيم # عضو # عزتلو الدكتور مدحت بك سامي # عضو ومساعد السكرتير العام # وإليك أسماء الذين كانت تتألف منهم اللجنة الإدارية: # دولة البرنس يوسف باشا كمال # رئيس # صاحب السعادة عزيز باشا عزت # وكيل # صاحب السعادة حسين باشا واصف # وكيل # عطوفة إدريس بك راغب # عضو # سعادة محمد باشا نسيم # عضو # سعادة موسى باشا قطاوي # عضو # عزتلو ميشيل بك لطف الله # عضو # عزتلو حسن بك سعيد # عضو # عزتلو حنفي بك ناجي # عضو # عزتلو الدكتور محمد بك نظيم # عضو # عزتلو الدكتور محمود بك ناشد # عضو # عزتلو مدحت بك سامي # عضو # أما أعضاء اللجنة المالية فهم: # سعادة موسى باشا قطاوي # رئيس # عزتلو حسن بك سعيد # عضو # عزتلو حنفي بك ناجي # عضو # وبلغ عدد بعثات الجمعية سبعا، بعضها يسمى بعثة ميدان؛ أي غير ثابتة، وبعضها ثابت ~~كبعثة بكلربكي، وأخرى لنقل الجرحى والمرضى والمهاجرين كباخرة «البحر الأحمر». والمستفاد ~~من تقاريرها أنها أعانت عددا عظيما من الذين نكبتهم الحرب الطاحنة. ولا ريب في أن ~~جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر والسيدات الكرائم اللواتي تطوعن لخدمة الجرحى ~~وإعانة المنكوبين على اختلاف الأجناس والأديان، هم الذين أبقوا على بقية من شرف ~~الإنسانية والمدنية والمروءة التي كادت تقضي عليها فظائع الإنسان في هذا العصر، عصر ~~الماديات. # ويحسن بنا في عرض الكلام على صنع الخير أن نشير إلى كرام المصريين الذين أرسلوا ما ~~تبرعوا به إلى الأستانة مباشرة، كصاحبي السعادة محمود سليمان باشا وعلي شعراوي باشا، ~~اللذين أرسل كل منهما مبلغا وافرا إلى عاصمة السلطنة العثمانية؛ إسعافا للجرحى ~~والمرضى، أثاب الله جميع أهل المروءة خير ثواب. ~~(2) تعليل هذا التأثير # أمر طبيعي أن كل إنسان يميل إلى أبناء دينه ويعطف عليهم، والشذوذ لا يقاس عليه، ~~وكل ما رأيناه من عطف المسلمين في أنحاء المعمور على تركيا لا يخرج عن دائرة هذا الأمر ~~الطبيعي الذي سيبقى ما بقيت الأديان والمذاهب. # وهناك باعث آخر لا ms122 يحسن إغفاله، وهو أن رؤية المغلوب ورغبة كثيرين في الإجهاز عليه ~~تدفعان على الغالب أهل الشعور من الناس إلى تعضيده بما تسمح به حالهم. والدولة العلية ~~كما عرف القاصي والداني لم تر طالعها سعيدا في الحرب البلقانية، ولم تجد من الأعوان ~~إلا أفرادا قلائل من الكتاب الأحرار أو من أهل الخير الذين تنحصر مساعدتهم في ~~معالجة الجرحى والمساكين، بل هي لم تجد من أوروبا إنجازا لوعد أو حفظا لعهد، فأي ~~الناس أولى من المسلمين في العطف على الدولة وتلك حالها ...؟ # وأهم من كل ما تقدم عند أهل الورع منهم ما قاله لنا أحد العلماء المسلمين وهو: «إن ~~المسلم الذي تعلم قواعد دينه يعتقد أن وجود الخلافة واجب كل الوجوب، فلما حدثت معركة ~~لوله بورغاز ثم زحف البلغاريون إلى باب الأستانة اهتز العالم الإسلامي لذاك النبأ ~~الخطير؛ لأن كثيرين من أبنائه خافوا أن توضع مسألة الخلافة المقدسة على بساط البحث عند ~~دخول الأعداء عاصمة السلطنة ومقر الخليفة، ولكن هذا الخوف كان في غير محله.» ~~«أما قولهم: إن أوروبا عرفت بعد حرب البلقان أن الجامعة الإسلامية التي كان يهول بها ~~عبد الحميد لا توجب خوف الدول، فهو قول يسرنا نحن المسلمين الذين ننظر إلى المستقبل؛ ~~لأن أوروبا التي كبرت أوهامها في هذا الموضوع كانت تظهر الخوف من نجاحنا واجتماعنا ~~لإقلاق بالها، أما الآن فقد عرفت أن المسلم مثلا يميل إلى أبناء دينه ميلا طبيعيا ~~كغيره، والمأمول بعد زوال هذا الشبح أن تترك أوروبا المسلمين يسيرون في سبيل النجاح ~~الطبيعي.» # دولة الأمير محمد علي باشا (رئيس جمعية الهلال الأحمر). # وخليق بالمصنف أن يعترف هنا بأن المسلمين بمصر لم يأتوا ما يوجب الانتقاد من ~~الوجهة المشار إليها، بل اتبعوا نهج الحكمة والتبصر في إظهار شعورهم، وفي طريقة إعانتهم ~~للسلطنة فوفقوا بين مصريتهم وعاطفتهم الطبيعية. # | أسباب الفشل العثماني # أركان الحرب ثلاثة: حسن التأهب، وحسن الإدارة، وحسن التنفيذ. ونقصان واحد منها يكفي على ~~الغالب لإحداث فشل عظيم كما قرر الأساتذة الحربيون، فكيف لا يفشل إذن الجيش ms123 العثماني ~~والأركان الثلاثة تكاد تكون مفقودة عنده؟ # كان التأهب قبل الحرب عدما أو شبه عدم، وحسبنا برهانا دامغا على هذا القول أن الميرة ~~والذخيرة والطرق والمعدات الحربية والمخترعات العلمية وتدريب الرديف، وسائر ما يجب إعداده ~~للجيش قبل الأيام العصيبة كان مختلا أو معدوما، قال المستر أشمد برتليت مراسل الديلي ~~تلغراف الحربي الذي كان مرافقا للجيش العثماني: «إن ولاة الأمور الحربيين في الأستانة ~~حاولوا أن يخدعوا العالم بأسره آملين أن تعوضهم شجاعة الجندي التركي من كل شيء، لكني ما ~~وصلت إلى حيث كانت الجنود العثمانية حتى سقطت غشاوة الوهم عن بصري. أجل، إن الجندي التركي ~~ما زال باسلا شجاعا كما كان في سالف الزمن، ولولا صبره العجيب في معمعان الحرب ما بقيت ~~معركة لوله بورغاز ثلاثة أيام، فلا يجب إذن أن تلقى التبعة على هذا الجندي، بل يجب أن توضع ~~على رءوس كبار الموظفين الذين انتفخوا بالكبرياء والخيلاء، واحتقروا أمم البلقان، وظنوا أن ~~العدد العظيم المكتوب على الورق موجود حقيقة لديهم، وليس في وسعي أن أبسط للقارئ فكرة ~~تدله على متسع الخدعة الغريبة التي خدعنا بها في مسألة الجيش العثماني، وإني لمقتنع كل ~~الاقتناع بأنه لو كان الجندي التركي يحصل كل يوم على قطعة بقسماط لما تقهقر أمام العدو ~~المهاجم، فإن الجوع هو الذي قهره.» # ثم تناول بجارح القول أركان حرب الجيش العثماني والقواد العثمانيين وولاة الأمور، وذكر ~~أنهم لم ينظموا إدارة الميرة والذخيرة بل تركوا أربعة فيالق بين مخالب الجوع الذي كان ينهش ~~في أحشائها، وقذفوا بضحاياهم إلى المجزرة قبل الأهبة، فكان الجندي جائعا عاريا وموقنا أن ~~من يجرح في المعركة يبيت نصيبه من الحياة ضئيلا جدا؛ لنقص المستشفيات الحربية وقلة ~~الأطباء والأدوية، وكانوا يرسلون البطاريات إلى مواقع الحرب ولا يلحقون بها المقدار اللازم ~~من القنابل لقتال بضع ساعات، ولا يعينون لها الاحتياطي اللازم على مسافة طويلة، فنشأ عن هذا ~~الخلل أن الجيش كان يفقد مدافعه في اليوم التالي. # وقال المراسل نفسه: إنهم جاءوا بفلاحين جهلاء من الأناضول وألفوا منهم ms124 آلايات كاملة، ثم ~~ساقوهم إلى الأستانة حيث ألبسوهم الملابس العسكرية وأعطوهم بنادق موزر - وكثيرون منهم لم ~~يروها في حياتهم - وبعد استعراضهم وعدهم أرسلوهم إلى ساحات القتال، ووصفوهم بهذه العبارة ~~المنتفخة «مشاتنا الذين لا يغلبون». # وروى الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتن أن ضابطا من الملحقين العسكريين ذهب إلى جهة ~~سراي، ثم اضطر إلى الرجوع مع تيار المهاجرين، ولما التقى به بعد رجوعه قال له ذاك الضابط ما ~~فحواه: «كانت حياتي منوطة بساقي حصاني وما ذقت في أربع وعشرين ساعة إلا قطعتين من ~~الشكولاتة، وكنت أحفظ في جيبي كسرة من الخبز كذخيرة احتياطية لأصعب الأوقات، فلما أشرق ~~النهار وقفت والتعب آخذ مني أشد مأخذ، وأخرجت قطعة الخبز من جيبي، وبينما كنت مستعدا ~~لالتقامها وقع نظري في أحد جانبي الطريق على جريح ممتقع اللون كالجثث المطروحة في السهول. ~~ولما رآني وقف ومد إلي يدين داميتين على شكل هائل كمن يتضرع إلي أن أسد رمقه، فأثر ~~هذا المنظر تأثيرا شديدا في نفسي، وسقطت قطعة الخبز من يدي فالتقطها الجريح والتهمها وهي ~~ملطخة بالدم والوحل.» # وذكر الكاتب نفسه أنه زار مستشفى بيرا الفرنساوي حيث كانت جماعة من الراهبات الفرنساويات ~~يخدمن الجرحى العثمانيين، فسأل الجرحى: «هل كنتم تتألمون؟» فكانوا يجيبون كلهم على التقريب ~~هذا الجواب المحزن: «نعم، ولكن ألمنا لم يكن من الجروح ولا من التعب ولا من البرد، بل كان ~~على الأخص من شدة الجوع.» وحدث مرة أن إحدى الراهبات سمعت هذا الجواب، فقالت للكاتب: إن ~~كلمة «اكمك» (أي الخبز) لا تفارق أفواههم، ولما كنت أضع لهم ميزان الحرارة لأعرف درجتها ~~كانوا يقولون: «إننا نفضل أن تعطينا قطعة من الخبز.» # ونقل عن جميل بك قائد إحدى الفرق أنه استل سيفه وهجم نحو شرذمة من الجنود الهاربين، ~~وسألهم «لماذا تهربون؟» فأجابوا قائلين: «لأنا لا نجد خبزا.» # ولم يكن الجندي وحده ضحية للجوع المبرح، فإن عبد الله باشا القائد العام للجيش الشرقي ~~كان يشكو مثل أفراد جيشه، بدليل ما رواه السير أشمد برتليث، وهو أن هذا ms125 القائد الذي كان تحت ~~إمرته نحو 170 ألف جندي لم يجد لديه في 29 أكتوبر ما يدفع به آفة الجوع، فلما رآه على تلك ~~الحال أهدى إليه بعض علب من اللحوم المحفوظة فشكره عبد الله باشا وقال: «لولاك ما استطعت ~~الوقوف على قدمي.» # ولم يكن عبد الله باشا بلا أكل فقط، بل كان أيضا بلا أخبار عن المعركة العظمى الفاصلة في ~~تراقيه، ولا عجب فكيف يمكنه أن يحصل على الأخبار في وقتها وليس عنده تلغراف سلكي، ولا ~~تلغراف ماركوني، ولا أوتوموبيل حربي، ولا طيارات ولا شيء مما يجب كل الوجوب لاستطلاع طلع ~~العدو وإصدار الأوامر اللازمة في حينها؟ وروى عبوق باشا (وذكر رئيس تحرير الماتن روايته): ~~أن البلغاريين هجموا ليلا وكانوا يملكون في تلك المعركة منيرات كهربائية، فلما صاروا على ~~مسافة 300 متر من الجنود العثمانية، أرسلوا عليها أنوار تلك المنيرات فبهرتها، فلم يعد في ~~وسع الجندي العثماني أن يرى أو يرمي أو يدافع، في حين أن البلغاريين كانوا يرون كل حركة وكل ~~ترتيب في صفوف العثمانيين. # ونشرت الجرائد الأوروبية حديثا لمختار باشا الغازي (الذي كان صدرا أعظم يوم إعلان الحرب ~~كما تقدم) قال فيه: إن ولاة الأمور الذين تقدموا وزارته أحالوا بعد الدستور عددا عظيما من ~~الضباط على المعاش، وعينوا بدلا منهم شبانا غير محنكين، ولما أعلنت الحرب لم يكن للطابور ~~المؤلف من 800 رجل إلا سبعة ضباط بدل 16 أو 17 ضابطا، كما كان قبل النظام الجديد، فماذا ~~يفعل جنودنا الشجعان وهم لا يجدون ضباطا يقودونهم؟ # ثم قال: «إن الضابط القديم كان يعنى بأمر جنوده ويفعل كل شيء من أجلهم بعكس ضباطنا ~~الشبان، فإنهم أرادوا أن يحذوا حذو الضباط الألمانيين في برلين، فكنت ترى الضابط منهم بعد ~~التمرين يضع سيفه في غمده ويظن أن شغله انتهى. ولا يخفى أن الألمانيين عندهم طرق وخطوط ~~حديدية وكل ما يلزم لنقل الميرة والذخيرة، أما نحن فلم يكن عندنا شيء.» # ثم انتقل إلى القوة التي تمكن من جمعها لمقاومة البلغار، فقال: إن ms126 مجموعها بلغ 200 ألف ~~جندي (منها نحو 70 ألفا كانوا في أدرنه)، ولكن عددا عظيما منها بقي يومين أو ثلاثة بلا ~~أكل ... # وإذا رجع المطالع إلى ما نقلناه في فصل سابق عن الماجور فون هوشوختر وجده مؤيدا لمجمل ~~ما تقدم، ونحن ذاكرون هنا عبارات أخرى من كتابه، قال بعد أن ذكر نقص المواصلات التلغرافية ~~والتلفونية وسوء حالة الطرق: «إن القواد وأمراء الآلايات ... إلخ، لم يعينوا إلا وقت إعلان ~~الحرب، فلم يكونوا يعرفون أركان حربهم ولا جنودهم بل كان القائد منهم يعين في 21 أكتوبر ثم ~~يذهب في اليوم التالي إلى ساحة القتال، وقد عرض الأساتذة الألمانيون خدمتهم على الحكومة ~~العثمانية فرفضتها؛ لأنها أرادت - كما بدأت أعتقد - أن تخفي عنهم ضروب الخلل ~~(كذا).» # وكان تحرير الأوامر بطيئا ونقلها صعبا، والأهالي الذين من أصل بلغاري مسلحين ومعادين ~~للجنود العثمانية، فإذا التقوا بأفراد منها عمدوا في الغالب إلى الفتك بهم، وكانت المواصلة ~~مختلة بين الفيالق، ومقدمات الجنود ممتدة على مسافات طويلة جدا، والطلائع الأمامية غير ~~موجودة، فكانت المعارك تبتدئ بوصول الفرق بعضها تلو بعض، وقد لحظت أن البلغاريين كان ~~عندهم مثل هذا العيب؛ ولذلك حدث أن الفريقين كانا يتصادمان بغتة فينشأ عن ذاك الصدام ~~الفجائي قتالهما بالسلاح الأبيض. # ثم ختم بقوله: إن الذين خسروا المعارك هم الرؤساء المسئولون لا الجنود العثمانية. # وعثرنا على مقال نشره الموسيو رود مراسل التان أيد به ما ذكرناه في فصل سابق، وهو أن ~~وجود الذين من أصل بلغاري أو يوناني أو صربي أثر تأثيرا سيئا في الجيش العثماني، ومما ~~قاله هذا الكاتب إنه رأى في شورلو نحو ألف جندي من الذين هربوا بعد معركة قرق كليسا، وهم ~~يأبون التقدم إلى الإمام، وأن أحدهم - وهو يوناني - قال لخادمه: «نحن نموت جوعا، وقيادتنا ~~سيئة جدا فلا نريد أن نزحف إلى الأمام، وإذا أرادوا إجبارنا على التقدم فإن عندنا بنادق ~~وخرطوشا ...» ثم أبصر بعد معركة لوله بورغاز أن بعض أولئك الجنود وقف على طاولة في إحدى ~~القهوات وأخذ يحرض الهاربين على ms127 العصيان. # وأضف إلى كل ما ذكر أن عقارب السياسة كانت تسعى إلى قلوب الضباط، فتنفث سمها في عواطف ~~الألفة وتصرف الضابط عن واجبه المقدس، فكنت ترى الضابط الصغير ينظر بعين الحقد إلى رئيسه ~~إن كان من غير حزبه، وربما استخف بأوامره. وقد أكد لنا ضابط كبير من أركان الحرب أن الشقاق ~~والتنازع كانا واقعين بين كبار القواد قبيل المعركة الكبرى في تراقيه. ~~••• # فأنت ترى مما بدا أن الجيش العثماني لم يقاتل الجيوش البلقانية الأربعة فقط، بل كان يقاتل ~~جيوشا أخرى أشد هولا وأعظم فتكا وأقسى عودا؛ أولها: جيش من الإهمال الفاضح الذي أدى به ~~إلى شلل عام، والثاني: جيش من الجوع الذي بقي ينهش في أحشاء جنوده حتى هدم عزائمها وأعمى ~~أبصارها وبصائرها، وجيش من الدسائس السياسية التي فرقت بين القواد والضباط والأقرباء ~~والإخوان، وهي كلها من أب واحد - لعن الله أباها - وهو الخلل الذي تمشي في جميع فروع ~~الإدارة. # وهنا تخطر لنا حكمة اجتماعية قررها مونتسكيو الكاتب الفرنساوي العظيم حيث قال: «إن ~~أسبابا عامة، إما أدبية وإما مادية، تؤثر في كل مملكة فترفعها أو تحفظها على حالها أو ~~تقذف بها من حالق، وكل ما يطرأ من الحوادث يرجع إلى أحد تلك الأسباب العامة، فإذا وقعت ~~مثلا وقعة جرت وراءها الخراب - أو بعبارة أخرى - إذا حدث سبب خاص، فإن هناك سببا عاما ~~أدى إليه.» # فما هو السبب العام في ذاك الفشل العثماني؟ هو بلا شك ذاك الخلل الشامل المؤدي إلى الفساد ~~القاتل. # | مرسح السياسة # وقت الحرب وبعدها # ذكرنا ما فعله السيف بعد إعلان الحرب، فبقي أن نذكر ما فعلته السياسة. # أخذت السياسة تجول جولاتها وتصول صولاتها وترينا غرائبها ومفارقاتها منذ حل الفشل الأليم ~~بالجيش العثماني الشرقي في لوله بورغاز، وزحف الجيش البلغاري إلى جتالجه، فإن أول طفرة ~~طفرتها أنها انتقلت بعد تلك المعركة من رأي إلى ضده، فقررت أن لا يحرم البلقانيون من ثمرة ~~انتصارهم، فألغى هذا القرار إعلانها الرسمي الشهير الذي نشرناه في باب سابق، وهو أنها لا ~~تسمح ms128 بتغير خريطة البلقان، لكن الجرائد الشبيهة بالرسمية كالتان ما لبثت أن نشرت «بالقلم ~~العريض» أن الدول كانت تريد بذاك القول أن تفهم الحكومة العثمانية وحدها بأن أوروبا لا ~~تسمح لها بأخذ شيء من أراضي أعدائها، ولو رأت النصر معقودا بهلالها. # ثم اتفقت الدول من جهة أخرى عملا برأي الموسيو بو انكاريه على أن تعلن عفة قلبها من ~~الطمع في أية أرض عثمانية، كما اتفقت بعد ذاك على اقتراح السير إدوارد جراي وزير خارجية ~~إنكلترا، وهو أن يعقد سفراء الدول العظمى مجتمعا في لندرا بجانب مؤتمر الصلح لدرس ما يهم ~~الدول في البلقان، وتوطئة السبيل لحل المشاكل، والحيلولة دون انفراد إحدى الدول بسياسة ~~محفوفة بالخطر على السلم الأوروبي، وتمهيد طرق الاتفاق بين المندوبين العثمانيين والمندوبين ~~البلقانيين كما سترى. ~~(1) الهدنة الأولى ومؤتمر الصلح الأول # طلبت وزارة كامل باشا منذ 15 نوفمبر إلى قواد البلغار في جتالجه أن يعقدوا هدنة، ~~فأحال القواد هذا الطلب إلى حكوماتهم، وبعد أن تفاوض المتحالفون بضعة عشر يوما وتوسطت ~~الدول العظمى في الموضوع قررت حكومات صوفيا وبلغراد وستينه أن تعقد الهدنة في 3 ~~ديسمبر، أما حكومة اليونان فأبت أن توافق على الهدنة لسببين؛ أولهما: أن قائد الجيش ~~اليوناني كان يؤمل أخذ يانيه في وقت قريب، فلم تشأ حكومته الاشتراك في الهدنة قبل أن ~~تسقط تلك المدينة التي أظهرنا مقامها التاريخي عند اليونان. والثاني: أن بقاء اليونان ~~في حالة الحرب كان نافعا للمتحالفين؛ لأنه مكن الأسطول اليوناني من حصر مواني بحر ~~الأرخبيل والبحر الأيوني في مدة المفاوضات، وحال دون إرسال المؤن والذخائر إلى يانيه ~~وأشقودره من جهة البحر، كما حال دون إرسال النجدات العثمانية من سوريا وغيرها، فلهذين ~~السببين لم يعترض البلغاريون والصربيون والجبليون على إحجام الحكومة اليونانية عن ~~الاشتراك معهم في الهدنة، بل كانوا مؤيدين لها بدليل أنهم أصروا على قبول المندوبين ~~اليونانيين في مؤتمر الصلح. # أما عقد الهدنة فقد تم توقيعه في 3 ديسمبر بين الموسيو ستويان دانيف رئيس مجلس ~~النواب البلغاري، والجنرال سافوف وكيل ملك البلغار ms129 في القيادة العامة، والجنرال إيفان ~~فيتشيف رئيس أركان حرب الجيش البلغاري، وكانوا نائبين عن الصرب والجبل الأسود - وبين ~~ناظم باشا وزير الحربية العثمانية ووكيل جلالة السلطان في القيادة العامة، وإليك تعريب الشروط: # أولا: # تعقد هدنة بين جيوش البلغار والصرب والجبل الأسود من جهة، والجيوش ~~العثمانية من جهة أخرى للتمكن من الشروع في مفاوضات الصلح بين الفريقين ~~المتحاربين. # ثانيا: # تبقى الهدنة ما بقيت مفاوضات الصلح، وتنتهي عند البلوغ إلى نتيجة ~~حسنة أو عند قطع المفاوضات. # ثالثا: # تجري مفاوضات الصلح في لندرا وتبتدئ بعد التوقيع على هذا الاتفاق ~~بعشرة أيام. # رابعا: # إذا لم تنجح مفاوضات الصلح فإن كل فريق من المتحاربين ملزم بأن يعلن ~~انتهاء الهدنة للفريق الآخر قبل استئناف الحرب بأربعة أيام، وأن ~~يعين له ساعة الرجوع إلى القتال، وتبتدئ الأربعة الأيام المذكورة ~~منذ الساعة السابعة مساء بعد البلاغ الذي يرسله القائد العام لأحد ~~الفريقين إلى قائد الفريق الآخر. # خامسا: # تبقى جنود كل فريق من المتحاربين في مواقعها الحاضرة، وتعين بينهما ~~شقة حرام بمقتضى اتفاق يعقد بين الضباط الذين ينتدبون لعقده من ~~الفريقين. # سادسا: # تبتدئ الهدنة فعلا منذ التوقيع على هذا الاتفاق، وإذا تجاوزت جنود ~~أحد الفريقين خط التحديد وجب عليها أن تعود إلى مواقعها الأولى. # سابعا: # تتعهد الحكومة السلطانية بأن ترفع الحصار عن ثغور البحر الأسود، وتدع ~~البواخر حرة في الذهاب إليها، ولا تعارض في إرسال الميرة والذخيرة إلى ~~الجنود البلغارية من طريق البحر المذكور، ثم تتعهد أيضا بالسماح ~~للقطارات الحربية البلغارية التي تأتي من بلغاريا أو تذهب إليها بأن ~~تمر حرة على الخط الحديدي الواقع في منطقة أدرنه. # ثامنا: # تبتدئ الهدنة الساعة السابعة مساء من يوم 20 نوفمبر (على الحساب ~~الشرقي) سنة 1912. # وعليه تم التوقيع على هذا الاتفاق، وكتب منه أربع نسخ في جتالجه. ~~••• # ثم عينت الحكومة العثمانية وحكومات البلقان مندوبيها في مؤتمر الصلح، فانتدبت وزارة ~~كامل باشا رشيد باشا وصالح باشا، وكلاهما من الوزراء السابقين، وعثمان نظامي باشا الذي ~~كان سفيرا في برلين، ونابي بك الذي كان سفيرا ms130 في روما (وهو الذي وقع على معاهدة ~~الصلح بين تركيا وإيطاليا في لوزان)، وصفوت بك وعلي رضا بك ورشيد بك. # وانتدبت الحكومة البلغارية الموسيو دانيف رئيس مجلس نوابها (وهو رئيس الوزارة ~~البلغارية الآن)، واثنين من كبار رجالها. # وندبت الحكومة الصربية الموسيو نوفاكوفتش رئيس وزرائها سابقا، والموسيو نيقوليتش ~~رئيس مجلسها، ومعهما معتمدها في باريس. # وعينت مملكة الجبل الأسود رئيس مجلسها النيابي واثنين آخرين، وأنابت دولة اليونان ~~عنها الموسيو فنزيلوس رئيس وزارتها ومعه اثنان أيضا. # ولما كان اليوم السادس عشر من ديسمبر سنة 1912 (على الحساب الغربي) اجتمع المندوبون ~~العثمانيون والمندوبون البلقانيون في قصر «سنت جيمس»، وافتتح السير إدوارد غراي وزير ~~خارجية إنكلترا جلستهم الأولى، فرحب بهم بالنيابة عن الملك وحكومته، وأمل أن يجدوا ~~ردهات القصر رحيبة أمامهم، وجو البلاد ساكنا خاليا من غيوم الهوى والغرض، ثم حضهم على ~~بذل الجهد في سبيل الصلح، وأكد لهم أنهم يجدون عند إنكلترا نية حسنة لتحقيق الأمنية ~~التي جمعتهم في العاصمة الإنكليزية. فشكر رؤساء الوفود للوزير الإنكليزي هذا الشعور، ~~وعرضوا عليه أن يكون رئيس شرف لمؤتمر الصلح فقبل شاكرا ثم خرج، وبعد ذهابه قرر ~~المندوبون أن تكون الرئاسة الفعلية لرؤساء الوفود كل في دوره على ترتيب الأحرف ~~الهجائية. # على أن المندوبين العثمانيين أبوا أن يفاوضوا المندوبين اليونانيين؛ لأن الدولة ~~اليونانية أبت أن تشترك في الهدنة، وبعد أخذ ورد، وجزر ومد رضيت الحكومة العثمانية ~~بأن تفاوضهم. # وكل من وقف على الأحاديث التي نطق بها في ذاك الوقت الموسيو دانيف كبير مندوبي ~~البلغار، والموسيو فنزيلوس كبير مندوبي اليونان وجماعة من ساسة العثمانيين، لم يبق عنده ~~شك في أن مسافة الخلاف كانت متسعة جدا بين مطالبهم والشروط التي كانت تراها الحكومة ~~العثمانية مقبولة عادلة. وأهم وجوه ذاك الخلاف أن البلغاريين كانوا يصرون على طلب أدرنه ~~والحكومة العثمانية لم تكن تريد أن تسمع بمثل هذا الطمع، ولا سيما أن أدرنه مدينة قديمة ~~ذات تاريخ محترم عند المسلمين لما فيها من المساجد الفخمة وقبور السلاطين. ومن وجوه ~~الخلاف أيضا أن ms131 الحكومة العثمانية كانت تطلب استقلال الولايات المعروفة باسم مقدونيا، ~~واستبقاء يانيه وأشقودره اللتين كانتا تدافعان إلى ذاك الحين، والمتحالفون كانوا بالعكس ~~يريدون أن تكون يانيه وأشقودره داخلتين في جملة غنائمهم كأدرنه؛ لأن الدولة اليونانية ~~كانت تصر كل الإصرار على طلب الأولى والجبل الأسود على طلب الثانية. ومن وجوه الخلاف ~~أن الحكومة العثمانية لم تكن تنوي التنازل عن جميع الجزر، ولا سيما المجاورة للدردنيل ~~والأملاك العثمانية في آسيا. # غير أن كل فريق كان يعتقد أن الفريق الآخر بدأ يطلب كثيرا وهو لا يؤمل الحصول على كل ~~مطلوبه كما يقع للمتساومين. ومما دفع الحكومة العثمانية إلى إطالة المقاومة في تلك ~~المساومة أن جو السياسة لم يكن صافيا؛ لتفاقم الخلاف بين النمسا والصرب من جهة، وبين ~~بلغاريا ورومانيا من جهة أخرى، ولكون روسيا من جهة ثالثة أخذت تنهج منهج النمسا في ~~التأهب الحربي كما سترى. فتلك الغيوم السوداء في جو السياسة الأوروبية ولدت في ~~الأستانة أملا غامضا بوقوع مشكلة دولية قريبة، يكون من ورائها فائدة للدولة العلية، ~~ولا سيما أن حالة الجيش العثماني في جتالجه كانت متحسنة تحسنا ظاهرا، فلو نشبت إذ ذاك ~~حرب ثانية ووجدت الحكومة العثمانية أنصارا، لكان في استطاعتها أن تجني فائدة ~~كبيرة. # على أن ريح السياسة لم توافق سفينة ذاك الأمل؛ لأن الدول العظمى ضغطت على رومانيا ~~فحملتها على قبول التحكيم الدولي بينها وبين بلغاريا، وقد عقد مجلس التحكيم في ~~بطرسبرج، وحكم على البلغار بأن تعطي المملكة الرومانية سلستريا لقاء حيادها في الحرب ~~البلقانية، وأن تعدل حدودها على وجه موافق لمصلحتها، ثم دارت المفاوضات من جهة أخرى ~~بين روسيا والنمسا، وانتهت بأن صرفت كل دولة جانبا من جيشها المعبأ وأكدت نيتها ~~السلمية. # فكان هذا التحسن السياسي مضعفا لذاك الأمل العثماني ومقويا لآمال البلقانيين؛ فبقي ~~هؤلاء مصرين على معظم شروطهم، وخلاصتها أن تستقل ألبانيا كما طلب مجتمع السفراء الذي ~~كان ينعقد بجانب مؤتمر الصلح، وأن تكون جميع الولايات العثمانية الأوروبية غنيمة ~~للبلقانيين، فلا يبقى للدولة العثمانية إلا عاصمتها وعشرات قليلة ms132 من الأميال عند ~~بابها. # فأرسل رشيد باشا، المندوب العثماني الأول، تلك الشروط الثقيلة إلى الحكومة العثمانية، ~~فقررت رفضها وبعثت إلى مندوبيها بشروط أخرى وهي؛ أولا: أن تبقى ولاية أدرنه عثمانية، ~~ثانيا: أن تحول مقدونيا إلى إمارة تحت السيادة السلطانية وتجعل سلانيك عاصمة لها، ~~ويكون أميرها إنجيليا يختاره المتحالفون، ثم يصدر جلالة السلطان أمره بتعيينه، ~~ثالثا: أن تستقل ألبانيا تحت السيادة العثمانية، ويكون أميرها من الأسرة السلطانية ~~لمدة خمس سنوات ويجوز تجديد مدته، رابعا: أن تبقى جزر الأرخبيل للدولة العلية، خامسا: ~~أن لا يبحث المؤتمر في مسألة كريت، بل يكون البحث في شأنها بين الباب العالي والدول ~~العظمى. # وكانت الجلسة التي عرضت فيها هذه الشروط تحت رئاسة رشيد باشا، فدافع عن مطالب دولته ~~دفاعا قويا، لكن مندوبي الحكومات البلقانية أصروا على رفضها. # ولما رأى أولئك المندوبون أن الحكومة العثمانية بقيت مصرة على طلب أدرنه من وجه أخص ~~قرروا إيقاف المفاوضات، ثم أخذت الدول من جهة أخرى تلح على الباب العالي في وجوب ~~الإذعان، وأرسلت إليه مذكرة أفهمته بها أنها لا تضمن سلامة الأستانة والأملاك الأسيوية ~~إن بقي على هذا الإصرار. # فوقعت وزارة كامل باشا في حيرة شديدة؛ لأنها كانت تخشى الرأي العام إذا قبلت، وتخشى ~~سوء المغبة إذا رفضت، ثم ارتأت أخيرا أن لا تستقل بأمر السلم والحرب بل تعقد جمعية ~~وطنية من أقطاب السياسة وشيوخ الوزراء لتشاورهم في الأمر. ~~(2) الجمعية الوطنية # فعقدت الجمعية في قصر ضلمة بغجة برئاسة كامل باشا وحضور ولي عهد الدولة وأمراء الأسرة ~~السلطانية، ولبى الدعوة جميع الكبراء الذين دعوا إليها ما عدا كبار الاتحاديين، وفي ~~مقدمتهم محمود شوكت باشا. # ثم افتتح كامل باشا الجلسة، وأمر سعيد بك - مكتوبجي وزارة الخارجية - بأن يقرأ ~~المذكرة الإجماعية التي بعثت بها الدول إلى الباب العالي. ثم تكلم ناظم باشا وزير ~~الحربية فأظهر تشوق الجيش إلى القتال واستعداده لبذل دمه في سبيل الوطن، ولكنه ألمع إلى ~~صعوبة استرجاع ما فقدته الدولة العلية من الأملاك. وتكلم بعده عبد الرحمن أفندي وزير ~~المالية، ms133 فأظهر الحالة التي صارت إليها خزينة الدولة من الضيق، وتلاه وزير الداخلية ~~فشرح للجمعية الحالة الداخلية في السلطنة. # وكان نوردنجيان أفندي وزير الخارجية منحرف الصحة فأوعز إلى سعيد بك المذكور أن يقرأ ~~بالنيابة عنه مذكرة وافية عن الحالة العامة، أوضح فيها أسباب الحرب والأطوار التي دخلت ~~فيها، وتطرق إلى الموقف الاستثنائي الذي وقعت فيه السلطنة. # وروت صباح أن كامل باشا قال للجمعية: إنه لا يمكن الاعتماد على مشاكل خارجية أو على ~~تعضيد من جانب ألمانيا والنمسا؛ لأنهما لو كانتا تنويان حقيقة مساعدة الدولة العلية ~~لما اشتركتا في إرسال المذكرة الدولية. ثم قال: إنه يسلم بالتنازل عن أدرنه، ولكنه يطلب ~~في الوقت ذاته شروطا من شأنها أن تجعل الحكم الفعلي فيها مشتركا بين العثمانيين ~~والبلغاريين، وشرح الخطر الخارجي الذي ينجم عن إصرار الدولة على الشروط الأولى مع ~~الأحوال الحاضرة. # وخطب الداماد شريف باشا، والمشير فؤاد باشا، وعبد الرحمن أفندي، ومحمود أسعد أفندي، ~~ورشيد عاكف باشا، وارستيدي باشا، وأحمد هرما أفندي، ومختار باشا الغازي، وإسماعيل حقي ~~بك، فوافقوا كلهم على رأي الحكومة إلا إسماعيل حقي بك فإنه خالفها في الرأي، ثم ~~ارفض المجتمعون نحو الساعة الرابعة و10 دقائق. ونحو الساعة السادسة مساء أرسل إلى ~~الصحف بلاغ رسمي جاء فيه ما يلي: # عقد مجلس كبير من رجال مجلس الأعيان وأصحاب المقامات السامية من ملكيين ~~وعسكريين وعلماء، فقدم الصدر الأعظم ووزراء الحربية والمالية والخارجية باسم ~~الحكومة إيضاحات متعلقة بالحالة الحاضرة، ثم دارت مناقشة طويلة في شأن تلك ~~الإيضاحات، وكانت دلائل الإخلاص والاستقامة تبدو عليها، وبعد انتهائها وافقت ~~الجمعية على رأي الحكومة، وأفصحت عن ثقتها بالدول العظمى وأملت أن تحقق فعلا ~~ما وعدت به من المساعدة، ثم طلبت الجمعية من الحكومة أن تصرف كل جهدها إلى حفظ ~~سلامة الدولة في المستقبل، وأن تهتم بترقيتها من الوجهة الاقتصادية. # وإذا رجع القارئ معنا إلى سنة 1877؛ أي سنة إعلان الحرب بين الدولة العلية وروسيا، ~~وجد أن عقد جمعية وطنية من أقطاب الدولة ليس بجديد ولا وحيد في تاريخ ms134 السلطنة ~~العثمانية، فإن كامل باشا تذكر ولا ريب ما فعله المرحوم مدحت باشا قبل إعلان الحرب ~~الروسية العثمانية في تلك السنة فرآه من الصواب بمكان، يخفف عنه أعباء المسئولية ويكون ~~وسيلة لبسط آراء ناضجة من رجال عركهم الدهر وذاقوا منه الحلو والمر. # أما خلاصة ما جرى في عهد مدحت باشا، فهي أنه لما قامت الحرب بين تركيا من جهة والجبل ~~الأسود من جهة أخرى، عقد مؤتمر دولي للنظر في الحالة، فعرض مندوبو الدول مقترحات ~~إصلاحية وطلبوا تحقيقها، فأبى المندوبون العثمانيون أن يقبلوها، وقالوا لمندوبي الدول ~~العظمى: «إن الحكومة السلطانية قررت أن تنشئ دستورا، والدستور من شأنه أن يعود ~~بالنتائج التي تتفق مع رغائب الدول.» # وفي أثناء اجتماع ذاك المؤتمر اقترح مدحت باشا أبو الدستور العثماني (وكان وقتئذ ~~صدرا أعظم) على السلطان عبد الحميد أن يعقد جمعية من صدور الدولة وعيون الأمة، ~~ليشاورهم في الأمر ويطلعهم على مذكرة بعثت بها الدول إلى الباب العالي، وصرحت فيها بأن ~~وعدها بالدستور لا يكفي وطلبت إصلاحات فعلية، لكن الجمعية أبت أن تقبل هذا الطلب، فأدى ~~رفضها إلى إعلان الحرب بين روسيا والدولة العلية في أبريل سنة 1877، وكان من نتائجها ~~فشل الجيش العثماني؛ لأن يلدز كانت تدير حركاته ولا تدع الحرية الواجبة لقواده، ولأن ~~الخلل كان ملازما للإدارة كلها لسوء الطالع، فجرى ما جرى من وصول الجيش الروسي إلى سان ~~استفانو، وعقد روسيا للمعاهدة الشديدة التي عدلها مؤتمر برلين في السنة التالية. ومن ~~تلك النتائج أيضا قتل الدستور العثماني، وقتل أبي الدستور مدحت باشا. ~~(3) فتنة الأستانة: قتل ناظم باشا وسقوط وزارة كامل باشا # رأى المطالع فيما تقدم أن شوكت باشا وغيره من كبار الاتحاديين لم يحضروا الجمعية ~~الوطنية؛ لأنهم كانوا ينوون الإيقاع بوزارة كامل باشا حين تعلم الأمة أنها قررت التنازل ~~عن أدرنه، ولقد وقع أن تلك الوزارة قررت فعلا أن تترك أدرنه بشرط أن تبقى لها صفتها ~~الإسلامية وتنال شبه استقلال إداري. # وبينما كان مجلس وكلاء الدولة مهتما في 23 يناير بدرس الجواب العثماني ms135 على مذكرة ~~الدول التي تقدم ذكرها، هجم جماعة من الاتحاديين على الباب العالي، فحاول أحد الضباط ~~منعهم فقتلوه. ولما سمع ناظم باشا وزير الحربية والقائد العام دوي العيار الناري خرج ~~وانتهرهم فقتلوه أيضا، وهنا نترك الكلام لكامل باشا نفسه قال: # 1 # فاضطر حينئذ بقية الوكلاء إلى دخول غرفة أخرى لينتظروا ما يكون، أما أنا فقد ~~لبثت في غرفة الصدارة ومعي باشكاتب المابين الذي حمل إلي بعض إرادات سنية، ~~وعلمت أن الثائرين ملئوا الباب العالي وأنهم قتلوا أيضا ستة من الياورية ~~والحجاب الذين كانوا يحافظون على الوكلاء، وأن اثنين من الثائرين أنفسهم قتلا. ~~ثم دخل علي جماعة من الضباط لا أعرفهم، ومعهم أشخاص بملابس ملكية فاقترب مني ~~ضابط جسور وقال: «إن الخواطر هائجة هياجا عظيما خارج الباب العالي، وأنه يجدر ~~بي أن أكتب استقالتي»، فخطر لي أني إذا ترددت في أمر الاستقالة تجاسر هؤلاء على ~~الإيقاع بي ليتسنى لهم احتلال مقام الصدارة، فكتبت عريضة ورفعتها إلى جلالة ~~السلطان ملتمسا منه إقالتي من منصب الصدارة. ولم تمض ساعة حتى جاءني رئيس ~~قرناء الحضرة السلطانية وأبلغني كدر جلالته من الحادثة، ورجا مني أن لا أترك ~~منصبي قبل ظهور النتيجة، فامتثلت. # عزت باشا الذي تولى القيادة العامة بعد مقتل ناظم ~~باشا. # وكان الاتحاديون يدخلون ويخرجون في تلك الأثناء، وجاءني أنور بك فأكد لي أنه ~~كان في تمرين العسكر وما علم بالواقعة إلا في الطريق، وبعد حين صدرت الإرادة ~~السلطانية بتعيين محمود شوكت باشا صدرا أعظم فاجتمع بي وفاوضني في الحالة ~~العامة، وما تمكنت من مغادرة الباب العالي إلا بعد نصف الليل بثلاث ساعات، وكان ~~البرد شديدا قارسا، فأثر في صحتي وأصابتني حمى شديدة. # البرنس سعيد حليم باشا الذي عين وزيرا للخارجية بعد سقوط وزارة ~~كامل باشا. # الباب العالي. # وذكر كامل باشا أن جثة ناظم باشا وجثث بقية القتلى باتت مطروحة ذاك الليل، ثم دفنت في ~~اليوم التالي، وقد كان لمقتل ناظم باشا وقع شديد في نفوس خصوم الاتحاديين، واتهموهم ~~بقتله عمدا، وقالوا: إنه لو ms136 لم يكن قتله مقصودا لأظهرت الوزارة الاتحادية قاتله ~~وأنزلت به عقابا أليما، أما الاتحاديون فينكرون ضربه عمدا. ~~••• # ولما صارت مقاليد الأمور إلى أيدي الاتحاديين، وطير البرق خبر ذاك الحادث إلى أنحاء ~~أوروبا، وأذاعت صحف العالمين أن حجتهم في إسقاط الوزارة الكاملية إنما هي رغبتها في ~~تسليم أدرنه، أخذ المندوبون البلقانيون في مؤتمر الصلح يقولون: إن المفاوضة أصبحت ضربا ~~من العبث مع وزارة شوكت باشا، وأعلنوا العزم على قطع المفاوضات واستئناف الحرب، وكانت ~~الدول العظمى من جهة أخرى تنتظر من وزارة شوكت باشا جوابا على المذكرة التي بعثت بها ~~في عهد وزارة كامل باشا. وبعد أيام قليلة أرسل الأمير سعيد باشا حليم الذي عين وزيرا ~~للخارجية جوابا إلى الدول قال فيه: «إن الحكومة العثمانية تطلب قسمة أدرنه إلى قسمين: ~~قسم يأخذه البلغار وهو الذي يشتمل على الحصون والمعاقل، وقسم يبقى لتركيا وهو المشتمل ~~على المساجد والقبور السلطانية.» # على أن البلغاريين أصروا أشد الإصرار على رفض هذا الطلب، ولما رأوا وزارة شوكت باشا ~~مصرة عليه قطعوا المفاوضات، وعادوا إلى القتال حول أدرنه وفي جتالجه وشبه جزيرة ~~كليبولي، وعاد الصربيون والجبليون إلى مهاجمة أشقودره، (وكان اليونان يواصلون أعمالهم ~~الحربية عند يانيه وفي أنحاء البحر؛ لأنهم لم يشتركوا في الهدنة كما قدمنا)، فحدثت عدة ~~معارك شديدة في شبه جزيرة كليبولي وجتالجه خسر فيها العثمانيون والبلغاريون عدة آلاف، ~~وحاول أنور بك أن ينزل بقوة عثمانية وراء البلغاريين فأخفق سعيا وخسر كثيرا، ثم ~~تقهقر الجيش البلغاري بضعة كيلومترات لشدة ما رآه من مقاومة العثمانيين، ولرغبة قواده ~~في انتظار نتيجة الأعمال الحربية التي كانت تجري وقتئذ حول أدرنه. # وما مضت أيام حتى استولى الجيش اليوناني على يانيه، ثم سقطت أدرنه كما وصفنا ذاك كله، ~~فخافت عندئذ الدول أن يرسل البلغاريون مائة ألف الجندي الذين كانوا حول أدرنه إلى جهة ~~جتالجه، وأن يتفانوا في أخذ الأستانة فتضطر الدول إلى فتح مسألتها ومسألة تركيا آسيا، ~~وهو ما تود اجتنابه في هذا الوقت، فألحت على البلغار في وجوب الكف عن ms137 الزحف إلى جهة ~~العاصمة العثمانية، وأفهمتهم أن كل خسارة يكابدونها في تلك الجهة لا تجديهم نفعا، ثم ~~ألحوا على الحكومة العثمانية في وجوب الرضى بالصلح على شروط من جملتها: أن تعطى أدرنه ~~للبلغار ويكون خط التحديد بين الأملاك البلغارية والأملاك العثمانية ممتدا من إينوس ~~(على بحر إيجه) إلى ميديا (على البحر الأسود)، فقاومت الوزارة العثمانية ما استطاعت، ~~ولكنها عادت فاضطرت إلى قبول هذا الخط، واجتمع مجلس الوكلاء وكلف الأمير سعيد باشا حليم ~~وزير الخارجية أن يرسل إلى الدول مذكرة في قبول مقترحاتها. ~~(4) الهدنة الثانية ومقدمات الصلح والمؤتمر المالي # فقابل البلغاريون وسائر البلقانيين هذا الاستعداد السلمي بالسرور والارتياح، وعقد ~~قواد البلغار وقواد العثمانيين هدنة شفهية، وسافر مندوبو الحكومات العثمانية والبلقانية ~~إلى لندن للتوقيع على مقدمات الصلح طبقا لما اقترحته الدول، وهاك مجمله؛ أولا: أن ~~يكون خط التحديد بين تركيا والبلغار ممتدا من إينوس إلى ميديا. كما قدمنا، ثانيا: أن ~~تستقل ألبانيا كما قرر مؤتمر السفراء. ثالثا: أن يفوض أمر الجزر في بحر إيجه إلى ~~الدول العظمى، وأن تتنازل الدولة عن جميع حقوقها في جزيرة كريت. # الغازي شكري باشا بطل أدرنه. # ولما اجتمعوا في لندن أظهر البلغاريون رغبتهم في التوقيع بلا مهل على المقدمات ~~المذكورة، خلافا للمندوبين الصربيين واليونانيين فإنهم أرادوا أن يدخلوا عليها ~~تعديلات قبل التوقيع، فوقف عندئذ بينهم السير إدوارد غراي وزير خارجية إنكلترا وألح ~~في وجوب التوقيع على تلك المقدمات، وقال لهم: إن من يأبى التوقيع يمكنه أن يبرح العاصمة ~~الإنكليزية، فوقع البلغاريون والصربيون والجبليون بعد هذا القول الشديد، ونكص مندوبو ~~اليونان. وستعقد الشروط التكميلية بين تركيا وكل دولة من أعدائها على حدة. # ثم قررت الدول أن يعقد مؤتمر مالي في باريس لينظر في أمر الغرامة المالية التي طلبها ~~المتحالفون، وفي مقدار الدين الذي يجب عليهم إيفاؤه من الديون العثمانية بعد أخذ ~~الولايات العثمانية في أوروبا، وفي الامتيازات المعطاة في تلك الولايات وسائر ما يتعلق ~~بالأمور المالية، وقد بدأ هذا المؤتمر بعقد جلساته في العاصمة الفرنساوية، وينتظر أن ~~تبقى ms138 أشغاله عدة أشهر. ~~••• # ولما ذاع خبر رضا الوزارة الاتحادية بكل ما تقدم، أخذنا نسمع همسا ما يدل على تأهب ~~خصوم الاتحاديين لعمل كبير، وأخذوا ينشرون على صدور الصحف أن تلك الشروط التي رضيت بها ~~وزارة شوكت باشا هي أشد وأثقل على الدولة من الشروط التي رضيت بها الوزارة الكاملية، ~~على أن الاتحاديين يردون على هذا النقد بقولهم: إن الدولة التي تقع في خطر يجب عليها أن ~~تدافع عن نفسها ما دامت تجد للدفاع سبيلا، حتى إذا فازت استرجعت ما فقد مع الفخر، وإذا ~~فشلت أنقذت شرف سيفها وشهد لها التاريخ بأنها فعلت كل ما استطاعت. ~~(5) مقتل شوكت باشا الصدر الأعظم الاتحادي # وبعد أيام لا تزيد عن أصابع الكفين طيرت الشركات التلغرافية إلى أنحاء العالم نبأ ~~خطيرا توقع كثيرون منه شرا مستطيرا، وهو أن جماعة من خصوم الاتحاديين ركبوا ~~أوتوموبيل وباغتوا شوكت باشا الصدر الأعظم في ساحة بايزيد أمام نظارة الحربية، فقتلوه ~~وأحد الضباط رميا بالرصاص ليثأروا للمرحوم ناظم باشا، فاشتد الخوف وعظم الهرج في دار ~~الملك على أثر هذا الحادث، وأخذت الوزارة تقبض على الذين تتهمهم بتلك الجناية الفظيعة، ~~ثم حاكمتهم في مجلس عرفي رئيسه من صميم الاتحاديين، فحكم على عشرين بالإعدام، منهم ~~اثنا عشر كانوا تحت يد الحكومة الاتحادية فأعدمتهم شنقا في ساحة بايزيد حيث قتل شوكت ~~باشا، وكان بينهم صالح باشا أحد أصهار الأسرة السلطانية، أما الثمانية الباقون فقد كان ~~بعضهم مختبئا والبعض مقيما في أوروبا وبينهم الأمير صباح الدين وشريف باشا صاحب جريدة ~~«مشروطية» التي تصدر في باريس، وما ذاع نبأ هذا الحكم الهائل حتى تضاربت الأقوال في ~~موضوعه، فوصفه قوم بالمجزرة البشرية وتوقعوا له مغبة سيئة؛ لأن الشدة تزيد الأحقاد ~~وتدفع الخصوم إلى الانتقام عاجلا أو آجلا. وقال آخرون: بل هو عبرة مفيدة لمن تحدثه ~~نفسه بطلب الإصلاح من طريق القتل وسفك الدماء، وعندنا أن جميع العقلاء لا يسعهم أن ~~يجادلوا في وجوب العقاب غير أنه ربما كان من المصلحة والعدل أن يكتفى بإعدام القاتلين ~~وبتعديل ms139 الأحكام على سائر المتهمين. # ولقد أخطأ الذين دبروا تلك المكيدة بظنهم أن مقتل شوكت باشا يسقط الوزارة الاتحادية ~~ويرفع أعداءها إلى كراسيها، فإن الأمن العام بقي وطيدا في عاصمة السلطنة، ثم رقي فخامة ~~سعيد باشا حليم الذي كان وزيرا للخارجية إلى مقام الصدارة العظمى، وهو من أكابر أمراء ~~الأسرة الخديوية ومن الذين بذلوا المال والوقت واستهدفوا للخطر في سبيل الدستور ~~العثماني، وهو يعتقد اعتقادا راسخا أن جمعية الاتحاد والترقي أقدر من سواها على ~~الحكم. # وكان ممن استوزرهم جلالة السلطان في وزارة الأمير وسليمان أفندي البستاني معرب ~~إلياذة هوميروس، وأحد مؤلفي دائرة المعارف البستانية والعضو في مجلس الأعيان، وكان ~~يومئذ في عاصمة الفرنساويين مهتما بقضاء مهمة للدولة وبعيدا عن مرسح السياسة المحزن ~~الذي تعددت مشاهده في عاصمة السلطنة، فرضي أن يكون وزيرا للتجارة والزراعة على أمل ~~الإصلاح. وكانت الحكومة العثمانية وقتئذ تفاوض لجنة المؤتمر العربي الذي عقد في باريس ~~بقصد أن تتفق معه على الإصلاحات المطلوبة، فكانت للبستاني يد بيضاء في تلك المفاوضة كما ~~سترى في باب آخر. # | منازع الدول العظمى ومؤتمر السفراء # عرف المطالع من فصل سابق أن الدول العظمى كلها وافقت، بعد التثاقل الذي يلازم كل عمل ~~دولي، على ما اقترحته فرنسا من إعلان التنزه التام عن كل مطمع خاص، ثم اجتمع مؤتمر سفراء ~~الدول يوم عقد مؤتمر الصلح الأول في عاصمة الإنكليز، طبقا لما اقترحه السير إدوارد غراي ~~وزير خارجية إنكلترا، وكان غرض ذاك المؤتمر - أي مؤتمر السفراء - أولا: أن يكون واسطة ~~العقد بين الدول العظمى، فتبقى كلها متضامنة لا تنفرد واحدة منهن عن الأخرى، ولا تأتي عملا ~~يكدر صفو السلم العام. ثانيا: أن ينظر في المصالح الخاصة لبعض الدول العظمى فيتخذ من ~~الوسائل ما يصونها ويقصي عنها الضرر. ثالثا: أن يسهل سبيل الاتفاق بين المندوبين في مؤتمر ~~الصلح، ويضغط عليهم ليحملهم على كل ما يراه واجبا للسلم العام وحفظ التوازن. # وهنا يجمل بنا أن نقول كلمة عن سياسة كل دولة لنظهر النحو الذي نحته في مؤتمر السفراء: ms140 ~~إن لدى كل دولة من الدول العظمى مصلحة تسمى المصلحة الأوروبية الكبرى في عرف السياسيين، ~~وكل ما عداها من المصالح السياسية يأتي في المقام الثاني، والمصلحة الأوروبية الكبرى عند ~~روسيا تقوم بأن تحفظ التوازن الأوروبي وتجتنب كل ما من شأنه أن يضعف الاتفاق الثلاثي أمام ~~المحالفة الثلاثية؛ ولذلك رأيناها مضطرة من جهة إلى مراعاة هذا الأمر الخطير الذي لا يتوطد ~~بدونه السلم الأوروبي، ومجبرة من جهة أخرى على تعضيد الصقالبة الذين صبغت دماؤهم هضاب ~~البلقان، مخافة أن يثور الجمهور الروسي ثورة تقذف بحكومته من حالق. وكان التوفيق بين هذين ~~الواجبين على روسيا بالغا منتهى الصعوبة؛ لأن مصلحة النمسا كانت معارضة أشد المعارضة ~~لمصلحة الصرب والجبل الأسود؛ أي مصلحة الصقالبة الذين تريد روسيا حمايتهم وإنالتهم ثمر ~~النصر، ومما يوضح للمطالع بعض وجوه السياسة الروسية في تلك الظروف مذكرة نشرتها وزارة ~~الخارجية الروسية في النصف الأول من شهر أبريل سنة 1913، قالت فيها: «إن حصر الحرب في شبه ~~جزيرة البلقان لم يكن مستطاعا إلا بشرطين؛ أولهما: أن لا تطلب الدول العظمى أرضا أو منافع ~~أخرى لأنفسها، والثاني: ألا تنفرد واحدة منها بعمل ما، وهناك شرط إيجابي يأتي بعد هذين ~~الشرطين السلبيين وهو النظر في الحالة التي تنشأ عن الحرب والتوفيق بينها وبين مصالح الدول ~~العظمى التي لا تستطيع التنازل عنها، وكل قرار في هذا الشأن إنما يناط بالمجتمع الذي ينطق ~~بلسان أوروبا كلها.» # على أن دولة القيصر مع رغبتها في حفظ الوحدة الأوروبية أمام الحرب البلقانية، لم تتردد في ~~تعبئة قسم من جيشها حين اشتد الخلاف بين النمسا والصرب من أجل حادثة القنصل بروشاسكا الذي ~~تقدمت الإشارة إليه، ثم من أجل إصرار الصرب على أخذ بعض السواحل في جهات الأدرياتيك. ولقد ~~مرت أيام كانت فيها كل دولة عظيمة ساهرة أشد السهر، وواضعة يدها على مقبض السيف ~~لاكفهرار الجو السياسي، فإن مليون عسكري من جيش النمسا والمجر لبثوا زمنا غير قصير وهم ~~نازلون في المواقع التي يحسن منها الزحف على عاصمة الصرب وحدود الروس. ms141 والجيش الروسي من جهة ~~أخرى قام يتأهب للطوارئ فدل استعداده دلالة ساطعة على أن روسيا لم تكن تسمح للنمسا ~~باغتنام فرصة الحرب لسحق الصرب. وحسب القارئ أن يفكر قليلا في انقسام أوروبا إلى قسمين ~~هائلين بمقتضى المحالفات والصداقات، ليعلم قلق الدنيا ولا سيما الأندية المالية من بلوغ ~~الجفاء إلى ذاك الحد. # وما تحسنت الحالة إلا بعد أن قرر مؤتمر السفراء في لندن أن تعطى الصرب ثغرا تجاريا ~~على بحر الأدرياتيك، وبعد أن نالت النمسا الترضية في مسألة القنصل بروشاسكا، وفيما طلبته هي ~~وإيطاليا من استقلال ألبانيا؛ بعد ذاك كله صرفت النمسا وروسيا جانبا من جيوشهما ~~المعبأة. # وليس بعجيب أن نرى الدولة النمساوية تتميز غيظا على الصرب وتغالي في معارضتها؛ لأن ~~النمسا كانت تطمع في سنجق نوى بازار وتنوي أن تهبط إلى سلانيك، فحرمتها الصرب من السنجق ~~وأبطلت حلمها بسلانيك، وزد على ذاك كله أن الصرب كانت أسيرة النمسا في شئونها الاقتصادية، ~~ولطالما وقع الجفاء بينهما من أجل التشديد الذي كانت تأتيه النمسا في معاملة مواشي الصربيين ~~حتى لقب أحد الظرفاء الحرب البلقانية «بحرب البقر والخنازير»، يريد أن الصرب ما تفانت في ~~الفتح وطلب منفذ إلى البحر إلا لتصدر منه بقرها وخنازيرها التي كانت النمسا تتحكم بها وتفعل ~~ما تشاء. # ولما أصر الجبل الأسود على أخذ أشقودره عادت النمسا ترعد وتبرق وتهدد الجبل بالزحف إن ~~بقي مصرا عليها، ولكن الدول أفرغت كل ما في وسعها مرة أخرى لتمنع انفراد النمسا بالعمل، ~~وبعد مناقشات طويلة بين السفراء تمكنت روسيا من أن تبقي لإخوانها الصقالبة مدن بريزرند ~~وإيبك ودياكوفا ودبرا التي كانت تلح النمسا في إلحاقها بألبانيا المستقلة، ثم وافقت على ~~حرمان الجبل الأسود من أشقودره، وقالت في مذكرتها التي أشرنا إليها: «إن الجبليين الحربيين ~~لم يتمكنوا من الامتزاج بعدة آلاف من الألبانيين المسلمين والكاثوليك الذين اختلطوا بهم منذ ~~35 سنة، كما أثبت فيس قنصل روسيا في أشقودره؟ فهل يرجى أن يمتزجوا بمائة ألف ألباني مقيمين ~~في سنجق أشقودره؟ إن مملكة الجبل إذا ms142 ضمت قسما من السنجق كما طلبت تبيت مهددة بالتحول إلى ~~«ألبانيا جبلية». # ثم ذكرت وزارة الخارجية الروسية أن ملك الجبل لم يشاور روسيا قبل إعلان الحرب كما تعهد ~~لها. ومع ذلك فإنها ساعدته وقرر مجلس أمتها أن ينفح مملكته بتسعين ألف جنيه بعد إخراج الجيش ~~الجبلي من أشقودره. # وكلما دقق الباحث النظر وأعمل الفكر في حالة النمسا، رسخ عنده أن مسألة الصقالبة التي ~~تريد روسيا الإشراف عليهم - ومن جملتهم الصربيون والجبليون - هي مسألة داخلية وخارجية معا ~~عند الحكومة النمساوية، ومما كتبته يد المقدور للنمسا أنه كلما ازدادت أراضيها ازداد معها ~~ضعف الوحدة الجنسية، وأن عظمتها في البلقان تكون على حساب تلك الوحدة، قال الموسيو هانوتو ~~وزير خارجية فرنسا سابقا: «إن الربح الذي نالته النمسا بضم البوسنة والهرسك إلى أملاكها ذو ~~قيمة كبيرة، فإنها ضمت إليها أوسع أرض نالتها دولة أوروبية عظيمة منذ سنة 1870 من غير أن ~~تطلق رصاصة أو تمتشق سيفا، ولكن هذا الربح لم يأتها إلا مصحوبا بالمسئولية؛ لأنها زادت ~~العنصر الصقلبي في داخلية بلادها من جهة، وأغضبت العنصر الصقلبي الخارجي من جهة ~~أخرى.» # ثم أرادت أن تتوج تلك السياسة البلقانية بفوز آخر فنالت من أوروبا ترضية عظيمة وجديرة ~~بالنظر، وهي تأسيس ألبانيا مستقلة فوطدت مطامعها في قلب شبه الجزيرة وعلى الهضاب التي تشرف ~~عليها من كل جانب، ولا غرو فإن إنشاء ألبانيا جديدة تحت حماية النمسا يجعل للنمساويين ~~النفوذ الأكبر في البلاد البلقانية، على أن كل إنسان يدرك ما يقابل تلك المنافع من الأضرار ~~بالوحدة الجنسية في سائر الإمبراطورية النمساوية، وإذا كانت براعة الإدارة تخفف الأضرار ~~التي تنشأ من هذا الوجه في البوسنة والهرسك، فكيف تكون الحال في ألبانيا المستقبلة التي ~~تقامر بها حكومة النمسا في هذا الوقت؟» ~~••• # تلك صفوة ما يقال عن تنافس الدولتين اللتين ظهرتا كثيرا في صدر المرسح السياسي مدة ~~الحرب، وهناك دولة تعد مصالحها حيوية في بعض تلك الأنحاء وتسير مع النمسا خطوة فخطوة، لا ~~حبا فيها بل خوفا من طمعها وهي حليفتها ms143 الدولة الإيطالية، فإن منافستها للنمسا في جهات ~~البحر الأدرياتيكي مشهورة، وأصعب عقدة من عقد التنافس الأدرياتيكي بين إيطاليا والنمسا، ذاك ~~التنافس الذي يتعلق أمره بالسلم الأوروبي، إنما هي في جهة ألبانيا؛ ولذاك ترى الحكومتين ~~اللتين تخيفهما نتائج ذاك التنافس تتشبثان بالحالة الحاضرة حبا في السلم. # وإذا كانت النمسا تعتبر نفسها صاحبة السيادة في أشقودره وغيرها بفضل حمايتها للكاثوليك، ~~وبمساعدة رؤساء الأساقفة والأساقفة والقسوس الفرنسيسكانيين والديور التي تنفق من مال ~~النمسا، وبالمعاهد والعمال والمدارس التي أنشئت حتى في آخر قرية ألبانية، أو بالبنك ~~النمساوي؛ فإن إيطاليا من جهة أخرى أقامت معهدا أمام كل معهد نمساوي، وعندها مستشفى إيطالي ~~أمام المستشفى النمساوي في أشقودره، وجمعية دانتي أنشأت «المدارس الملكية» الإيطالية لدى ~~المدارس النمساوية، ولغة إيطاليا هي اللغة التجارية في جهات الأدرياتيك، والتقاليد ~~الإيطالية متبعة هناك؛ فلذا يصعب علينا أن نسلم بأن ورثة جمهورية البندقية يتنازلون عن ~~التركة التي خلفتها لهم، وإذا كانت إيطاليا والنمسا تسيران كتفا لكتف في مجال السياسة كما ~~ظهر من أقوالهما وأعمالهما في الأطوار التي دخلت فيها الحرب، فليس هذا التكاتف إلا لغرضين؛ ~~أولهما: صيانة المصلحة الأوروبية الكبرى التي تقضي على إيطاليا بأن تحتفظ بها، ولا يمكن هذا ~~الاحتفاظ إلا بالتضامن مع حلفائها، والغرض الثاني: هو منع النمسا - تلك الحليفة المنافسة ~~المشاكسة - من العمل وحدها على احتكار المنافع في ألبانيا والأدرياتيك، وما دامت المصلحة ~~الأوروبية الكبرى تقضي بإبقاء التحالف معها، فلا وسيلة إلى ذاك المنع إلا السير بجانبها ~~ومراقبة كل ما تفعله عن كثب حتى لا يحرم الطليان من الغنائم المستقبلية، ولا يشك أحد صادق ~~النظر في أن غيرة النمسا وإيطاليا على ألبانيا لم تكن لوجه الحق الكريم، فقد يأتي يوم تحسر ~~فيه كل واحدة من هاتين الدولتين عن ساعدها فتنقلب منافستهما السلمية الحاضرة إلى منافسة ~~عدائية، وهو أمر راجح تتوقعه صحف الطليان منذ الآن. # أما فرنسا وإنكلترا وألمانيا، فقد كانت الأولى منهن تؤيد روسيا بحكم المحالفة الثنائية، ~~والثانية تؤيدها بحكم الاتفاق الودادي، والثالثة تؤيد النمسا وإيطاليا بحكم المحالفة ms144 ~~الثلاثية. # على أن كل دولة منهن لم تكن تدفع تأييد حلفائها وأصدقائها إلى حد مضر بالسلم العام، ~~بل كانت كلها - ولا سيما فرنسا - تشتغل بيمناها لحفظ ذاك السلم وتعمل بيسراها على تأييد ~~حزبها الدولي. # بيد أن جملة من الكتاب - ومنهم الموسيو هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقا - كانوا يعتقدون ~~أن السلم والحرب في تلك الأزمة كانا منوطين بسياسة إنكلترا وألمانيا على الأخص ، وأن وقوف ~~هاتين الدولتين العظيمتين وراء مرسح السياسة أشد تأثيرا عند المفكرين من ظهور روسيا ~~والنمسا في مقدمة المرسح، وإكثارهما من صليل السلاح، وليس هذا الرأي ببعيد عن الصواب؛ لأن ~~النمسا لا تقدم على المخاطرة إلا إذا رأت من ألمانيا دافعا، كما أن روسيا تلتفت مرارا ~~إلى إنكلترا لتعرف رأيها قبل أن تجعل القول الفصل للسيف والمدفع، ولقد دلت الحوادث على أن ~~الدولتين أرادتا التوازن لا الحرب. ~~••• # والخلاصة: أن المنازع الدولية كانت تدل أولا: على سعي روسيا في حماية الصقالبة ومنع ~~النمسا من الإيقاع بهم، ثانيا: على رغبة النمسا وإيطاليا في تمهيد السبيل لغنائم مستقبلية ~~ما دامت الغنائم الحاضرة غير ميسورة لهما، ثالثا: على رغبة جميع الدول في حفظ السلم ~~الأوروبي. وأفضل طريقة وجدها مؤتمر السفراء للتوفيق بين تلك المنازع الدولية هي أن يقرر ~~استقلال ألبانيا وإدخال أشقودره فيها كما طلبت النمسا وإيطاليا، وأن تبقى للصقالبة جملة مدن ~~مما طلبته النمسا عند الحدود الشمالية والشمالية الشرقية من ألبانيا (وهي المدن التي تقدم ~~ذكرها)، ثم يعطى الصربيون ثغرا تجاريا على الأدرياتيك بدلا من ثغر حربي، وأن يفوض أمر ~~الجزر في بحر إيجه إلى الدول العظمى. # وهناك أعمال أخرى أيدها مجتمع السفراء كجعل خط إينوس وميديا حدا فاصلا بين مملكة ~~البلغار والأملاك العثمانية الأوروبية، وغيره مما يؤدي إلى عقد الصلح في زمن قصير. # على أن رغبة الدول في إعادة السلام إلى البلقان في وقت قريب لم تتحقق كما ستعلم. # | نتائج الحرب من الوجهة السياسية # أرتنا مقدمات الصلح التي أمضيت في لندرا أن النتيجة المادية لتلك الحرب المشئومة هي خسارة ~~الدولة العلية ms145 لمعظم أملاكها في تركيا أوروبا، فبقي أن نبحث في النتائج السياسية التي أسفرت ~~عنها، وهي قسمان داخلي وخارجي، وإليك ما نراه جديرا بالذكر من القسم الداخلي: كان من نتائج ~~الحرب في أنحاء السلطنة كلها أن الأمة هالها ما ظهر من الخلل في إدارة الجيش الذي كانت ~~تحسبه قويا سليما قادرا على صد كل عدو مفاجئ، ثم التفتت إلى بلادها فوجدت طلائع الخراب ~~تهددها من كل باب، ومما زادها خوفا وهولا أن الجرائد الأوروبية الكبرى أخذت تنشر الفصول ~~السابغة عن قرب اضمحلال الدولة العثمانية - صانها الله - فهب عند ذاك طلاب الإصلاح ينادون ~~بالإسراع، واتفقوا كلهم على تعميمه في أقصر ما يمكن من الوقت، لكنهم اختلفوا في الطرق ~~المؤدية إليه، فمن الجمعيات التي أسست للسعي في سبيله «الجمعية البيروتية الإصلاحية»، وهي ~~مؤلفة من المسلمين والمسيحيين وجامعة لنخبة من الوجهاء والكتاب، ومنها «جمعية ~~اللامركزية» في مصر وأركانها من أفاضل المسلمين والمسيحيين العثمانيين، واسمها يدل على ~~غرضها، وفروعها كثيرة الآن في سوريا والعراق وسائر بلاد العرب وأميركا، ومنها الجمعيات ~~الأرمنية، وأخص مطالبها إجراء الإصلاح تحت مراقبة الدول العظمى. # واجتمع في شهر يونيو سنة 1913 مؤتمر عربي في العاصمة الفرنساوية حضره مندوبون من قبل ~~«اللامركزيين»، وسافر وفد من «الإصلاحيين» البيروتيين إلى تلك العاصمة أيضا للسعي في سبيل ~~الإصلاح، فانتقد عليهم جماعة من أنصار الحكومة الاتحادية ذاك السعي في البلاد الخارجية قبل ~~أن تفرغ الدولة العلية من حل مشاكلها. # على أن طلاب الإصلاح ردوا ذاك الانتقاد بقولهم: «إن اجتماعنا في بلاد الدولة غير ممكن ~~لشدة ما تظهره الحكومة من الضغط، وليس يضر عثمانيتنا أننا اجتمعنا في بلاد أجنبية، فقد ~~كان رجال تركيا الفتاة أنفسهم يجتمعون مثلنا أيام كانت الحكومة السابقة تحول دون اجتماعهم ~~تحت سماء عثمانية، ثم نحن لا نوقظ فتنة على الحكومة العثمانية بل نريد حملها على الاتفاق ~~معنا على الإصلاح الذي كثرت به الوعود الماضية، ولم ينجز منها وعد واحد.» # واتفق في ذاك الوقت أن سليمان أفندي البستاني كان في العاصمة الفرنساوية، وأن الأمير ms146 سعيد ~~باشا حليم الذي ارتقى إلى منصب الصدارة بعد مقتل شوكت باشا رغب إليه أن يكون وزيرا للتجارة ~~والزراعة، فاغتنم البستاني تلك الفرصة وباحث مندوبي المؤتمر العربي ومندوبي بيروت، ثم أبلغ ~~مطالبهم إلى الحكومة العثمانية، وأظهر لها وجوب الاتفاق معهم على الإصلاح إرضاء للأمة ~~العربية الكريمة، فأرسلت الوزارة الاتحادية مندوبين من قبلها فاتفقا مع رجال المؤتمر على ~~إجراء الإصلاح، فكان لعمل الوزارة السعيدية أثر جميل في النفوس، وقالوا: إنها إذا أنجزت ما ~~وعدت، وجب أن يسطر لها التاريخ أجمل صحيفة؛ لأنها تفتح وقتئذ عهدا جديدا لاتفاق العنصرين ~~العظيمين اللذين لا تعيش السلطنة إلا بتضامنهما واتفاقهما. # أما صورة الاتفاق الذي قبلته الحكومة العثمانية فهي: ~~(1) # يكون التعليم في جميع البلاد العربية باللسان العربي في القسم الابتدائي ~~والإعدادي، ويكون بلسان الأكثرية في القسم العالي. ~~(2) # يشترط أن يكون جميع رؤساء المأمورين ما عدا الولاة عارفين اللغة العربية، ~~أما من عداهم من المأمورين فيعينون في الولاية، وإنما يعين في العاصمة القضاة ~~ورؤساء العدلية الذين ينصبون بإدارة سنية. ~~(3) # الأوقاف الموقوفة للجهات الخيرية المحلية تترك إدارتها لمجالس الجماعات ~~المحلية. ~~(4) # تترك الأمور النافعة للإدارة المحلية. ~~(5) # العسكر يخدمون في البلاد القريبة منهم ولكن العسكر الذي يلزم إرساله إلى ~~اليمن والحجاز يكون على نسبة عادلة من جميع المملكة العثمانية. ~~(6) # مقررات المجالس العمومية تكون نافذة على كل حال. ~~(7) # يقبل مبدئيا أن يكون في هيئة الوزارة ثلاثة على الأقل من أبناء العرب، ~~وكذلك يؤخذ منهم عدد مثله بصفة مستشارين أو معاونين في النظارات، ويؤخذ اثنان ~~أو ثلاثة منهم في كل مجلس من مجالس شورى الدولة ومحكمة التمييز ودائرة المشيخة ~~وجميع الدوائر، ويؤخذ أربعة أو خمسة على الأقل في مراكز أخرى مختلفة في كل ~~نظارة. ~~(8) # يعين خمسة ولاة على الأقل من أبناء العرب وعشرة متصرفين وتزال «مغدورية» ~~الذين لم يترقوا أسوة بأمثالهم من مأموري الملكية والعدلية والعلمية. ~~(9) # يعين في مجلس الأعيان عدد من أبناء العرب بنسبة اثنين من كل ولاية. ~~(10) # يستخدم مفتشون اختصاصيون من الأجانب في الدوائر المقتضية في كل ولاية وتعين ~~وظائفهم ms147 وصلاحيتهم بنظام مخصوص. ~~(11) # يعطى مقدار من المال لسد عجز الدوائر التي تترك إدارتها للولايات، فيضاف ~~هذا المقدار إلى ميزانية الولاية ويعطى غير ذلك نصف رسوم العقارات على أن ~~يصرف للمعارف. ~~(12) # يقبل مبدئيا أن تكون المعاملات الرسمية في البلاد العربية باللسان العربي، ~~وينظر في أمر تنفيذه بالتدريج. ~~(13) # توسع سلطة المجالس العمومية ويكون نصف المجلس العمومي في بيروت من ~~المسلمين ونصفه من غير المسلمين . ا.ه. # ثم صدر هذا الكتاب والفريقان مهتمان بتنفيذ هذا الاتفاق، والألسنة تلهج بذكر الوزارة ~~السعيدية التي أقدمت عليه. # أما الأرمن فما زالوا حتى الآن يفرغون الجهد للحصول على مطالبهم، ولكن وجه الصعوبة الكبرى ~~إنما هو المراقبة الأجنبية التي يطلبونها بلسان وفد منهم يجول في عواصم أوروبا، ويسعى إلى ~~تحقيق تلك الأمنية برئاسة بوغوص نوبار باشا كبير الأرمن في القطر المصري ونجل نوبار باشا ~~الشهير. # وليس في وسع المؤرخ الذي يقرر الحقائق أن ينكر هنا حقيقة راهنة هي أن بين طلاب الإصلاح ~~الذين هالتهم نكبة السلطنة، وهبوا يطلبون لها الإصلاح بإخلاص ليساعدوها على الخلاص، ~~أناسا من ذوي الأغراض التي لا تتفق مع المصلحة العثمانية الحيوية لكنهم قليلون لحسن ~~الطالع، وهناك أناس محبون للدولة راغبون في خلاصها وإصلاحها، إلا أن الحوادث الأليمة التي ~~وقعت أحرجت صدورهم وأضعفت نورهم فشذوا في أحكامهم، واسترسلوا في أوهامهم، حتى رأينا بينهم ~~من طلب الدواء من الداء. أجل إن بينهم من طلب الحكم المطلق، ولعل هذا الفريق الضئيل من ~~الناس ذهبوا هذا المذهب بعد ما نشرته الجرائد من أن السلطان المخلوع قال يوم نقلته الحكومة ~~من سلانيك في إبان الحرب: «إن وقوع حربين وحدوث فشلين للدولة في سنة واحدة لشيء كثير وأمر ~~جليل.» فما انتهى كلام ذاك الطاغية إليهم حتى صعدوا الحسرات قائلين: «آه لو كان عبد الحميد ~~على سرير السلطنة لما أصاب الدولة ذاك الخطب.» # مهلا أيها القوم، ونظرة إلى التاريخ منذ سنة 1877 إلى اليوم، فإن التفكير القليل بعد ~~التغلب على العواطف يكفي للرجوع عن هذا التمني، ألا ما هي المسألة المقدونية التي ms148 امتلأ ~~البلقان من أجلها حديدا ونارا ودما بريئا؟ أليست إرثا من العهد الحميدي الذي كانت فيه ~~لفظة الإصلاح مشاكلة للفظة الخيانة؟ بل ما هي مملكة البلغار؟ إن هي إلا ولاية عثمانية قديمة ~~كان سوء الحكم من أسباب فصلها عن السلطنة، ثم تنبهت ونحن غافلون وصعدت ونحن نازلون حتى ~~صار لها من الحول والقوة ما يمكنها من تجريد الحسام على سيدتها القديمة؟ # وليس هذا الخسران كل ما أصاب الأمة من العهد الحميدي الذي تمناه بعض العثمانيين همسا، ~~فإن العاقل المفكر يجد فوقه ضررا أعظم وأقتل، يجد الضرر الهائل الذي أصاب الأخلاق، فجعل ~~نصف العثمانيين في دار الملك وغيرها جواسيس على النصف الآخر، بل جواسيس بعضهم على بعض. وجعل ~~السرقة والرشوة موردا مألوفا حلالا عند الألوف من الموظفين كبارا وصغارا، كما جعل ~~الفضيلة والرذيلة متساويتين، وربما عد صاحب الأولى أحمق، لا يدري كيف يسترزق. # وأضف إلى هذا الفساد العام الجهل المطبق الذي كان أصحاب العهد الحميدي يعدونه من مصلحة ~~الحاكمين، ولا يحسبون الأمة إلا بقرة حلوبا يؤخذ درها وهي تحت النير، وليس من نتيجة ~~طبيعية لذاك الفساد وتلك الجهالة إلا الخلل في جميع الدوائر العسكرية والمالية والسياسية ~~والاقتصادية والاجتماعية وتقطيع أسباب الألفة بين العناصر. # فإذا أرادت الأمة العثمانية أن تعرف نعمة الدستور فلتحكم على الحاكمين بأن ينفذوه بندا ~~بندا، وعندئذ ترى الفرق كوجه الصبح. ~~••• # أما القسم الثاني أي النتائج السياسية الخارجية، فقد ذكرنا منها الأثر الذي حدث في العالم ~~الإسلامي، وليس من الحكمة أن يغفل العثمانيون الأثر الذي حدث أيضا في أفكار السياسيين ~~الأوروبيين والصحف الشبيهة بالرسمية في الغرب، فمن ذلك أن وزير خارجية فرنسا، وجريدة التان ~~التي تنطق على الغالب بلسان وزارته، وسائر الصحف الفرنساوية الكبرى أخذت تكبر مصالح فرنسا ~~في سوريا وغيرها، وتقول: إن الجمهورية لا تسمح بحل مسألة آسيا إلا بالاتفاق معها، وسفير ~~ألمانيا في الأستانة ألقى خطبة أمل فيها أن يكون مستقبل تركيا في آسيا، وذكر «أن لألمانيا ~~مصالح عظيمة في آسيا الصغرى»، وجاءت أيام بعد وصول البلغاريين ms149 إلى جتالجه سمع فيها ~~العثمانيون اقتراحات تمجها آذانهم إشفاقا وتخفق منها قلوبهم فرقا، فكان بعضهم يقترح ~~تحويل الأستانة إلى إمارة مستقلة، وأناس يتوقعون أن تأخذها روسيا، ثم زادت الأقاويل وتنوع ~~التخمين بعد أن أرسلت الدول المذكرة التي حضت فيها الحكومة العثمانية على قبول شروط الصلح، ~~وألمعت إلى خطر يهدد الأستانة والبلاد العثمانية الأسيوية إذا أصرت الدولة العلية على رفض ~~تلك الشروط. # بيد أن الدول العظمى رأت بعد التنافس والتنافر أن تبقي باب المسألة الأسيوية مقفلا ~~فسكنت الخواطر واطمأنت القلوب في السلطنة. ~~••• # ومما يصح إدخاله في نتائج الحرب البلقانية أن الحكومة الألمانية لما رأت النصر يكلل هام ~~البلقانيين، ورأت روسيا وسائر دول الاتفاق الثلاثي تشد أزرهم، قالت: إن توازن القوات ~~الأوروبية أصبح مختلا بعد ما أظهرته ممالك البلقان، فقررت أن تسن قانونا جديدا يقضي ~~بزيادة الجيش الألماني العامل من 600 ألف إلى نحو 900 ألف جندي، فما ترامى هذا الخبر إلى ~~فرنسا حتى اضطربت من شرقها إلى الغرب وجنوبها إلى الشمال، وهبت جرائدها تلح في وجوب تعزيز ~~الجيش الفرنساوي العامل؛ لأن قوة الجيش الألماني المعد للصدمة الأولى ستربو بعد زيادته نحو ~~35 في المائة عن قوة الجيش الفرنساوي المعد للغرض عينه، ومما زاد الفرنساويين قلقا ~~وتطيرا أن الحالة المالية في ألمانيا لم تكن تسمح بإثقال عاتق أمتها، ولا سيما بعد أن ~~قامت بمشروعين حربيين في سنتي 1911 و1912، فتركا عجزا مذكورا في الميزانية العامة؛ لذلك ~~كله لم يصدق الفرنساويون أن غرض ألمانيا الوحيد هو حفظ التوازن العسكري بعد ما أبدته ~~الممالك البلقانية من القوة، بل خافوا أن يكون غرض ألمانيا المستور ما نسب إلى أركان حرب ~~الجيش الألماني من عهد قائدهم الكبير مولتكي، وهو أن تجعل ألمانيا جيشها العامل قادرا على ~~ضرب الجيش الفرنساوي العامل ضربة سريعة قاضية، فيخترق صفوفه من ثلاث جهات حتى يصل إلى ~~الأنحاء التي يعبأ فيها الاحتياطي فيمزقه قبل تعبئته وحشده. # وبعد مناقشات قوية وحملات قلمية، أعادت فرنسا خدمة ثلاث السنوات في جيشها؛ لأن إعادتها ~~تبلغ جيشها ms150 العامل إلى نحو 720 ألف رجل. # ثم زادت روسيا جيشها من جهة أخرى وحسنت طريقة التعبئة وضاعفت الخطوط الحديدية الحربية ~~في عدة أنحاء، فصار في وسعها أن تعبئ جيشا جرارا في عشرين يوما أو أقل. # ثم قامت النمسا تعزز جيشها أيضا مجاراة لحليفتها ألمانيا وحذرا من دول البلقان التي ~~ظهرت أولا في مظهر المحترم لمشيئة روسيا والمحقق لرغباتها. # بيد أن الحوادث الآتية ستبرهن لنا على أن البلقانيين وخصوصا البلغاريين ظهروا قبل فوزهم ~~في مظهر المحترم «لكبيرة الممالك الصقلبية»، ثم أعرضوا عن مشيئتها بعد فوزهم، فقامت الحرب ~~البلقانية الثانية بين الحلفاء أنفسهم كما سنشرحه. # 1 # | المذكرات الحربية لمحمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث # لما وصلنا في هذا المؤلف إلى هنا وقفنا على خلاصة لمذكرات القائد الباسل محمود مختار ~~باشا، فلم نشأ أن نختم مباحثنا عن الحرب البلقانية الأولى بدون أن نذكر مجمل رأي هذا القائد ~~الكبير الذي يمكنه أن يتقلد سيفه وهو مرتفع الرأس. # وقبل الكلام على آرائه يجمل بنا أن نذكر هنا أنه قدم مذكراته للأبطال الذين أنقذوا شرف ~~السيف العثماني في تلك الحرب، كشكري باشا وأسعد باشا ووهيب بك ورضا باشا. ولا عجب فإن ~~الشجاع يحب الشجاع. # أما وجوه الانتقاد التي ذكرها فمن أهمها أن القيادة العامة كانت تبني حسابها على العدد لا ~~على القوة الحقيقة ومقدرة الفرق، فلما احتشد في أدرنه وغيرها من تراقيه نحو 150 ألف جندي، ~~ظن ناظم باشا أن الهجوم صار ممكنا، ولكن سوء حال الجنود ظهر منذ أوائل الحرب، بدليل أنه ~~بدء بالأعمال الحربية في 18 أكتوبر سنة 1912، وما جاء 20 منه حتى أصيب قسم من الجنود بهلع ~~شديد تحت جنح الظلام، فتفرق شملهم أمام قوة ضعيفة من الأعداء، ثم حدث مثل ذاك الهلع في بترا ~~فانخلعت القلوب وتقهقرت الجنود إلى قرق كليسا نفسها بلا موجب، وبات فريق من الضباط لا يفكر ~~إلا في نفسه وأهله، فتركوا جنودهم ورحلوا. وكان معظم هؤلاء الضباط من القرى المجاورة ~~فاغتنموا فرصة الظلام لينسلوا إلى قراهم. # ثم وصف ms151 محمود مختار باشا المنظر الأليم الذي شهده يوم التقهقر من قرق كليسا، فقال: «إني ~~رأيت المدافع والأسلحة مطروحة على طريق ويزه، والجنود والفلاحين هاربين هائمين، ودلائل ~~الفزع والهلع بادية على وجوههم، فأضاعوا نصف مدافع الفيلق وقدرا كبيرا من صناديق الذخيرة ~~والأمتعة. وكان ذاك المنظر فاجعا أليما لا يوفيه حقه من الوصف إلا قلم أميل زولا. وليس ~~هذا كله نتيجة كسرة طاردنا العدو على أثرها بل هو نتيجة رعب لم يذكر التاريخ العسكري مثله، ~~فإن البلغاريين فازوا فوزا عظيما بلا قتال شديد والجنود العثمانية فشلت وهربت بلا سبب ~~قاهر.» # ثم روى المؤلف أن أحد القواد الذين كانوا تحت إمرته كتب إليه يقول: «لقد كان من أشد ~~الصعوبات قيادتنا لطوابير لا يعرف جنودها كيف يستخدمون بنادقهم، ولا يستطيع رؤساؤها أن ~~يأتوا أقل حركة قبل أن أصدر إليهم الأوامر وأذهب لتنفيذها، وكان بعض الرؤساء إذا صدر إليه ~~أمر رأيته كمن يريد البكاء والعويل، وظهر في أدنى مظاهر الذل رجاء أن يتملص من عبء ~~تنفيذه.» # ثم تطرق إلى تنظيم الفيلق الثالث بعد ذاك الخطب فذكر أنه تمكن من تأليفه، وإضافة فرقتين ~~إليه وقاتل العدو منذ 28 أكتوبر إلى أول نوفمبر شرقي بونار حصار فألحق به خسارة كبيرة، وبعد ~~معركة لوله بورغاز تقهقر مع الجيش كله إلى جتالجه حيث ألفت القيادة العامة هناك ثلاثة فيالق ~~ثم فيلقا احتياطيا، وبقي محمود مختار باشا مستلما قيادة الفيلق الثالث منها حتى أصيب ~~بجرح بالغ في 18 نوفمبر، فنقل إلى الأستانة ثم عين سفيرا في برلين وما زال فيها حتى صدور ~~هذا الكتاب. # وبعد أن بحث المؤلف في أسباب الفشل التي لا يخرج معظمها عما ذكرناه ختم بالعبارة الآتية: # وصفوة القول أن البلغاريين لم يغلبونا بل نحن كنا ضحية لسوء إدارتنا وغلطاتنا، ~~فيجب علينا أن ننظر نظرة صادقة في أحكامنا على أنفسنا، وأن نعود إلى قواعد متينة ~~سواء كان من الوجه الأدبي أو الاجتماعي أو الحربي أو السياسي، وإذا كانت الدروس ~~القاسية التي تلقيناها لا تكفي لتسييرنا في طريق ms152 الخلاص فلا شك أنا صائرون مصير ~~بولونيا. # كان أجدادنا قبيلة من الرحل، فنهض بهم جدهم إلى مقام دولة عالمية عظيمة، ثم ~~جاءت عدة أسباب فأودت بالجهد الذي بذله أولئك الأجداد الأبطال، فإذا لم نستأصل تلك ~~الأسباب أوشكنا أن نضيع استقلالنا، بل السلطنة كلها. # تلك صرخة عثماني لم يضن على دولته بالنفس ولا بالنفيس، جعل الله لصداها رنة في قلوب ~~العثمانيين طرا لعلهم يصلحون فيفلحون. # | حديث مع الأمير عزيز باشا حسن أحد القواد العثمانيين # الأمير عزيز باشا هو سليل الأسرة العلوية التي أخرجت قوادا كبارا خلد التاريخ ذكرهم، ~~وهو معروف منذ غلواء الشباب بالميل إلى الجندية، والغيرة على الدولة العلية، والسخاء على ~~أنصار الدستور العثماني، ومعدود من جملة الضباط الذين درسوا الأصول الحربية درسا كافيا في ~~ألمانيا، وأكبر دليل على أن شهرته بقيت كما وصفنا إلى يوم قرق كليسا تعيينه قائدا لإحدى ~~الفرق العثمانية في ذاك المكان. # لكن شؤم الطالع قضى بالفشل العظيم في قرق كليسا منذ ابتداء الحرب، فأصاب الأمير وفرقته ما ~~أصاب الفرق التي كانت في تلك الجهات، وأجمع الناقدون الحربيون على أن إرسال أدنى طبقات ~~الرديف إلى هناك وقلة عدد الضباط كانا السبب الأكبر في ذاك الحدث الأليم. # ومن حسن طالع بعض كبار الضباط الذين كانوا هناك وفي مقدمتهم محمود مختار باشا أنهم عادوا ~~فجبروا كسر سمعتهم العسكرية في المعارك التالية، فقامت أعمالهم فيها برهانا دامغا على أن ~~ما جرى في قرق كليسا من الرعب الغريب الفجائي بين الجنود لا يصح أن يجعل أساسا لأحكام ~~عادلة نهائية على كبار الضباط، إذ ليس في وسع ضابط في العالم أن يحرز نصرا حين يكون معظم ~~جنوده من أناس لم يشتموا رائحة البارود، ولم تكتحل عيونهم بدخانه ولم يتعلموا كيف يضعون ~~الرصاص في بنادقهم. # وعلى ذلك نقول: إن المؤرخ الذي ينشد الحقيقة لا يمكنه أن يصدر حكما باتا على الأمير ~~عزيز باشا بعد قرق كليسا وحدها، ولا سيما أن هذا القائد الذي خدم الدولة حبا في الدولة لا ~~في الراتب الذي ms153 أغناه الله عنه، أصيب لسوء طالعه بالدوسنطاريا بعد مصيبة قرق كليسا، فلم ~~يستطع مواصلة الخدمة كغيره، ولقد رأيناه كما رآه سكان القاهرة جلدا على عظم يوم قدومه ~~للاستشفاء، وشهد الأطباء الذين عالجوه بأن حالته كانت شديدة، وكل إنسان يدرك بالبداهة أن من ~~كان مريضا لا يمكنه أن يواصل القتال ليعتاض عما أفقدته إياه ظروف قرق كليسا، تلك الظروف ~~التي لم يرو التاريخ مثلها كما قال محمود مختار باشا. ~~••• # قلنا إن دولة الأمير عزيز قدم مصر للاستشفاء، وما نفض عنه غبار السفر حتى هرع إليه ~~الصحافيون يرجون محادثته فأبى أن ينبس ببنت شفه؛ لأن الحرب كانت لا تزال قائمة فلا يجوز ~~لضابط كبير لم يستقل ولم يقل، أن يبحث في الأعمال الحربية. ولما عقدت معاهدة لندرا قصده ~~واضع هذا الكتاب ورجا من دولته أن يجيبه على بعض أسئلة متعلقة بالحرب، فتكرم بالقبول وإليك ~~الأسئلة وخلاصة أجوبتها. سألناه عن تأليف الجيش العثماني قبل الحرب ويوم إعلانها فقال: # إن الحكومة العثمانية غيرت نظام الجيش سنة 1909-1910 فبعد أن كان سبعة فيالق ~~(اوردو) وفرقتين مستقلين، جعلته أربعة عشر فيلقا وعدة فرق مستقلة بعضها في الحجاز ~~والبعض في طرابلس الغرب، ثم في أشقودره ويانيه إلخ. وجعلت كل فرقة مؤلفة من ثلاثة ~~آلايات وفصيلة من النشانجية وعدد من البطاريات، وقررت أن يزاد عليها وقت الحرب ~~بلوك للهندسة، وكوكبتان من الفرسان وعدد من الباشبزق. # على أن الفيالق لم تتم لسوء الحظ بل كان الطابور في كثير من الأحيان لا يزيد عن ~~200 رجل، ونزل في بعضها إلى 30 أو 20 رجلا، ثم أعلنت الحرب والحال على هذا ~~المنوال في الجهات التي جرت فيها المعارك، وكان معظم الرديف لا يفهم شيئا من ~~الحركات العسكرية. # فسألناه عن الضباط فقال: # إن الحاجة كانت شديدة إلى الضباط، وبعض الطوابير لم يكن معه إلا ثلاثة أو أربعة ~~ضباط، وقلما كنت تجد ستة ضباط في طابور واحد مع أن الطابور يحتاج إلى 15 أو 16 ~~ضابطا، إذا كان 824 بندقية كما يجب أن ms154 يكون وقت الحرب، ومما يذكر هنا أن الحكومة ~~أرادت أن تتم العدد اللازم للطوابير فدعت الطبقات الأولى والثانية والثالثة من ~~الرديف، ومع ذاك كله لم يتم العدد المطلوب، ولم يكن في الطابور إلا نحو 150 رجلا ~~يعرفون كيف تطلق البنادق، فأحدثت جهالة الرديف وقلة الضباط خللا كبيرا. # ثم أفاض دولته في الكلام على الغلطة التي ارتكبتها وزارة مختار باشا بصرفها نحو 184 ألفا ~~من الجنود قبل إعلان الحرب بأيام قليلة، وقال: إنه لما قطع المتحالفون علاقتهم بالدولة ~~العلية وبدءوا في 18 أكتوبر الماضي بالقتال ، صدر الأمر بإتمام الفيالق من الرديف فلم تجد ~~الحكومة إليه سبيلا. وضرب لنا مثلا الخلل الذي حدث وقتئذ في ألاي حسن عزت بك، فقال: إن ~~هذا الآلاي سافر يوم صدور الأمر بصرف الجنود، ولما صدر الأمر إلى الرديف بالرجوع قبيل ~~إعلان الحرب شخص حسن عزت بك بجنوده، وما وصل إلى مكان الحشد حتى صار عدد آلايه 350 رجلا ~~فقط؛ لأن كل قائد رآه في طريقه كان يأخذ منه عددا من الجنود حتى نزل الآلاي إلى ذاك الحد ~~من الضعف. وإذا أضفنا إلى هذا الخلل أن طريق البحر كان مقطوعا فلم يكن في طاقة الحكومة أن ~~تستقدم جنود سوريا، أدركنا مبلغ الخطأ الذي نجم عن صرف تلك القوة العظيمة قبيل نشوب ~~الحرب. # ثم أدى بنا الكلام إلى الخطة الحربية والمصاب الذي حل بالجيش في قرق كليسا، فقال إن عبد ~~الله باشا قائد جيش الشرق قال لجلالة السلطان منذ البداءة: إن الجيش لم يكن مستعدا ~~استعدادا وافيا للحرب. ثم جرى حديث بينه وبين جلالته في هذا الشأن أمام المرحوم ناظم باشا ~~ومحمود مختار باشا، ولكن حدث في ذاك الوقت أن الطلاب وغيرهم تظاهروا وألحوا في طلب الحرب، ~~وقامت الدلائل على رغبة البلقانيين في دفع الخلاف إلى أقصى الحدود، فأتمر عبد الله باشا ~~بأمر جلالة السلطان واستلم قيادة الجيش في تراقيه، وكان من خطته أن يلزم الدفاع، ولكن ناظم ~~باشا أمره بالهجوم (وقد أيد محمود مختار باشا هذا الخبر ms155 في مذكراته). # وكانت الفكرة العامة أن يزحف الفيلق الثالث بقيادة محمود مختار باشا على ميسرة البلغار، ~~ويزحف الفيلق الرابع بقيادة عبوق باشا على ميمنتهم ويهجم الفيلقان الأول والثاني على الجيش ~~البلغاري، وأن تحارب فرقة الفرسان المستقلة في جهة الميمنة ويهجم في الوقت ذاته قسم من ~~حامية أدرنه على الميمنة البلغارية. # إلا أن الجيش العثماني لم يفلح لسوء الطالع في تنفيذ تلك الخطة؛ لأن الرعب الذي حدث ليلا ~~بين الرديف فكك أوصال فرقة شكري بك، وسرى منها إلى الفيلق الثالث فتقهقر الجنود إلى قرق ~~كليسا، ثم تركوها بلا نظام، ولم يدخلها البلغار إلا بعد ثلاثة أيام؛ لأنهم لم يعلموا بذاك ~~الخطب العثماني في وقته. # وكان دولة البرنس يقود فرقة المشاة الثانية من الفيلق الأول فقاتلت حتى أضناها التعب ~~والجوع وخسرت خسارة عظيمة، ولكن كثرة الرديف غير المدرب فيها أدت إلى تقهقرها بلا نظام كما ~~وقع للفرق الأخرى التي كانت في ذاك الموقع. # وعلى أثر نكبة قرق كليسا صدر أمر عبد الله باشا بحشد الجيش على خط بونار حصار ولوله ~~بورغاز عملا بمشيئة القيادة العامة، وأخذ يستعد لمعركة لوله بورغاز الكبرى. # وهنا ألمع دولة البرنس في حديثه إلى وقوع خلاف بين عبد الله باشا وناظم باشا، وذهب إلى أن ~~خطة الأول هي المثلى، ولكن ناظم باشا أصر على رأيه. # وما تصرمت أيام قليلة حتى مرض دولة البرنس بالدونسطاريا لشدة ما قاساه من شظف العيش ~~والتعب المضني، فسافر إلى الأستانة فأوروبا فمصر للاستشفاء. # | الحرب الثانية بين البلقانيين أنفسهم # أسباب نشوبها # ما أغمدت بلغاريا حسامها بعد لوله بورغاز وجتالجه وأدرنه حتى طغت وبغت وجاشت المطامع ~~الآكلة في صدرها، وساد الحزب العسكري في عاصمتها، فضربت الكبرياء على مقلتيه غشاوة كثيفة من ~~الغرور حتى أصبحت كل أقواله وأفعاله تدل على اعتقاده أن جيوش الصرب واليونان والجبل الأسود ~~لم تعمل عملا مذكورا في الحرب الطاحنة التي قامت بين الجيش العثماني والجيوش البلقانية، ~~مع أن الناقدين الحربيين أجمعوا على أن معركة كومانوفو كان أثرها في الجيش العثماني الغربي ms156 ~~شبيها بأثر معركة لوله بورغاز في الجيش العثماني الشرقي، كما أجمعوا على أن السيادة ~~البحرية التي كانت للأسطول اليوناني ألحقت بالدولة العلية من الأضرار ما يعادل تأثير إحدى ~~المعارك الكبرى التي ساء فيها طالع العثمانيين؛ لأن هذا الأسطول حال دون إرسال ألوف كثيرة ~~من الجنود السورية وغيرها إلى عاصمة الدولة في إبان الحرب، كما شرحنا في فصل ~~سابق. # لكن البلغاريين لم ينظروا إلى ذاك كله بل أخذوا يطلبون قسمة ضئزى تهضم حقوق الصربيين ~~واليونانيين معا، وأول ما طلبوه أن لا يعدل شيء في الاتفاق المتعلق بتقسيم الأراضي ~~بينهم وبين الصرب؛ رجاء أن يكون وادي واردار ومناستر داخلين في حصتهم، فأنكر عليهم الصربيون ~~هذا الطمع وقالوا في اعتراضهم عليه ما جوهره: «إن الاتفاق عقد بين حكومتي البلغار والصرب ~~قبل الحرب، وقد تضمن أن بلغاريا لا تنكص عن إرسال قوة كبيرة من جيشها لتأييد الجيش الصربي ~~إذا هدده خطر داهم من جانب النمسا، والواقع الذي قضت به الظروف أن الصرب هي التي أرسلت ~~خمسين ألف جندي من صفوة رجالها لمساعدة البلغاريين على فتح أدرنه، بدلا من أن تتلقى ~~النجدات يوم اسود وجه السياسة بين الصرب والنمسا، وهناك حجة أخرى لا تبقي وجها وجيها ~~لإصرار البلغار على ذاك الاتفاق، وهو أن حكومتي صوفيا وبلغراد لم تتوقعا يوم كتابة شروطه أن ~~الدول العظمى ستجعل ألبانيا إمارة مستقلة، وستجبر الصربيين على تركها، وستحرمهم من ثغر حربي ~~على الأدرياتيك كما فعلت إجابة لطلب النمسا. فلو كان في استطاعة الصرب أن تضم إليها جميع ~~البلدان الألبانية التي فتحتها لما عارضت البلغار في إبقاء الاتفاق على حاله.» # غير أن البلغاريين أبوا أن ينزلوا عن طمعهم في مناستر وسائر ما طلبوه بحجة أن خسارتهم ~~كانت أعظم من خسارة غيرهم، فأخذت العلاقات تتراخى يوما فيوما بينهم وبين البلغار، وصار كل ~~فريق ينظر إلى الآخر بعين حمراء من الغيظ والحقد. # وكان البلغاريون يصرون من جهة أخرى على طلب سلانيك، ويدعون دخولها قبل اليونان ويتقاضون ~~معها قوله وأراض أخرى من البلدان التي ms157 يعدها اليونان مهد وطنيتهم من سالف الزمان، وصرنا ~~نسمع بين حين وآخر أنباء مناوشات بين الجنود اليونانية والجنود البلغارية على الحدود ~~الوقتية التي عينها الفريقان بعد الحرب الأولى، وحدث أن الجنود البلغارية اجتازت غير مرة ~~شقة حرام كانت بين الجيشين هناك، فأوغر البلغار صدور اليونانيين كما أوغروا صدور الصربيين ~~عليهم، إلا أن اليونانيين كانوا يفضلون التحكيم السياسي على تحكيم السيف؛ لأن الأخبار التي ~~وردت أولا عليهم كانت تدل على أن الجيش البلغاري قوي هائل، كما روى ولي عهد اليونان لمراسل ~~التان الحربي. # ولكن تهديد البلغار لليونان صار يشتد يوما فيوما حتى اقتنعت الحكومة اليونانية والحكومة ~~الصربية بأن الاحتراس والاحتياط واجبان، فعقدتا محالفة حربية في شهر مايو سنة 1913، وأصدرتا ~~الأوامر إلى جيوشهما بالوقوف على قدم الحذر والأهبة. # وكانت الدول ولا سيما روسيا تحاول في خلال تلك الظروف أن تمنع نشوب الحرب بين الحلفاء، ~~وتحضهم على قبول التحكيم، فوافقوا على الرضا به كقاعدة، ولكن بلغاريا أبت إلا أن يكون ~~الاتفاق السابق بينها وبين الصرب أساسا للتحكيم، وطلبت حكومة الصرب أساسا آخر له، ولما ~~رأى قيصر الروس هذا التراوح بين الصقالبة، ورأى من وجه أخص أن بلغاريا ~~التي أظهرت إبان الحرب الأولى أنها تحترم إرادة روسيا ~~أخذت تتذبذب وتجنح إلى النمسا، ظهرت دلائل الغضب على روسيا من أقوالها الرسمية والشبيهة ~~بالرسمية، وأرسل القيصر إلى ملكي الصرب والبلغار كتابا قال فيه: # لما بلغني أن رؤساء حكومات البلقان سيجتمعون في سلانيك وأنه يمكن اجتماعهم أيضا ~~في بطرسبرج لحل المشاكل بين دولهم، فرحت فرحا شديدا لأني حسبت هذا المسعى دليلا ~~على رغبة الأمم البلقانية في الاتفاق على وجه حبي، وتوثيق روابط التحالف الذي أسفر ~~حتى اليوم عن أجمل النتائج. # ولكني علمت مع الحزن الشديد أن ذاك العزم لم يدخل حتى الآن سبيل التنفيذ، وأن ~~الدول البلقانية تستعد على ما يظهر لإسعار حرب «أخوية»، حرب تسود وجه المجد الذي ~~أحرزوه بالتضامن. # فبناء على الحق الذي لي والواجب الذي علي أوجه الكلام إلى جلالتكم في هذا ~~الوقت العصيب، ms158 فإن الأمتين الصربية والبلغارية فوضتا إلى روسيا في معاهدتهما أن تحل ~~ما يمكن حدوثه بينهما من المشاكل عند تنفيذ تلك المعاهدة، فأطلب إلى جلالتكم أن ~~تحافظوا على عهدكم وأن تنيطوا بروسيا حل الخلاف القائم بين بلغاريا وصربيا. # ثم ختم القيصر كتابه بأن روسيا تحفظ لنفسها حرية العمل، وأن الأمة التي تبدأ بإعلان الحرب ~~على الأخرى تكون مسئولة أمام الصقالبة ... # على أن هذا الكتاب القيصري برغم ما ينطوي عليه من التهديد والسخط لم يجد نفعا ولم يحبس ~~طمعا بل أحدث استياء في نفس النمسا؛ لأنها لا تريد أن تسمع تلك اللهجة من القيصر، وفي نفس ~~الحزب البلغاري المعارض للنفوذ الروسي (وهو المعروف بحزب ستمبولوف). ولما قوي تيار الأفكار ~~الحربية في صوفيا سقطت وزارة جيشوف الذي كان ميالا إلى السلم، وأصبحت الحرب لا مناص منها ~~ولا مندوحة عنها، ولا سيما بعد أن تفتحت الجروح القديمة وتنبهت الضغائن الكامنة على إثر ~~الحوادث، فتذكر الصربيون فشلهم في الحرب التي نشبت بينهم وبين البلغار منذ أعوام، وتذكر ~~اليونانيون الفظائع التي أحدثتها العصابات البلغارية في القرى اليونانية بمقدونيا سحابة عشر ~~سنوات، فهاجتهم كما هاجت أعمال العصابات اليونانية في القرى البلغارية دماء ~~البلغاريين. # فالطمع والحقد القديم كانا إذن يدفعان البلقانيين إلى الحرب، وكفى بهما عاملين ~~عظيمين. ~~(1) القتال بين البلغاريين والصربيين ~~(1-1) غدر البلغاريين # 1 # أدخل الغرور على البلغاريين أن عددا قليلا من جنودهم يمكنه أن يقهر عددا جما ~~من الصربيين واليونانيين، وقام في أذهانهم أن ساعة تأليف بلغاريا الكبرى أصبحت ~~قريبة، فأصدر قوادهم الأوامر إلى الجنود البلغارية المرابطة أمام الجنود الصربية ~~بأن تتقدم منذ 30 يونيو، فزحفت على طول خطها وطردت مقدمات الجيش الصربي واحتلت ~~مواقعها، وأجمع المراسلون الذين يعتد بأقوالهم على أن وزراء البلغار وكبار قوادهم ~~ظنوا أن طرد الصربيين من مواقعهم يجعل بين يدي الحكومة البلغارية ضمانات تنفعها في ~~مؤتمر بطرسبرج إن تم عقده، كما ظنوا أن هذا العمل سهل على الجيش الذي فتح ~~أدرنه. # غير أن الصربيين لم يكونوا غافلين بل أرصدوا قوة عظيمة ms159 من جيشهم وراء الخط الأول ~~للقتال، وما بلغهم اعتداء البلغاريين في ليل 29-30 يونيو حتى أرسلوا النجدات القوية ~~إلى جنودهم، وما جاء ظهر أول يوليو حتى استردوا جميع المواقع التي احتلها ~~البلغاريون، إلا ما فقدوه من جهة الميمنة فإن الجنود البلغارية بقيت ناجحة هناك، ~~ولكن هذا النجاح الجزئي لم يعوض البلغار ما فقدوه على طول الخط ولم يلبثوا أن شعروا ~~بحرج موقفهم، ثم تقدم الجيش الصربي الأول واجتاز زيتوفسكا في 3 يوليو، ثم احتل ~~كوشانه في 5 منه، وقسم جيش الجنرال كوفاتشيف البلغاري قسمين، ولما تم هذا النجاح ~~للجيش الصربي الأول التفت القائد العام إلى تحسين حالة الجيش الصربي الثالث بدلا ~~من أن يواصل الزحف إلى حدود البلغار ويحصرها مع الجيش اليوناني، فانتفع البلغاريون ~~من هذا الاحتراس الذي أبداه القائد الصربي العام، وتقهقروا من وادي سترومجه ~~(ستروميتزا)، وقد انتقد بعض الكتاب الحربيين على القائد المشار إليه أنه أضاع ~~فرصتين كان يمكنه فيهما أن يفتك بالبلغار لو واصل الزحف بعد النصر. # ولكن مكاتب التان يعتذر عنه بأن هناك سببين حملاه على ذاك الاحتراس؛ أولهما: أن ~~إرسال معظم قواته للتلاحم مع البلغاريين في جهة واحدة يجعل من الصعب إرسال النجدات ~~إلى النقط الضعيفة عند اقتضاء الحال، والثاني: أن الحكومة الرومانية قامت من جهة ~~أخرى تعبئ جيشها لتقذف به على بلغاريا، ثم أن الجيش العثماني أخذ من جهة ثالثة ~~يستعد للزحف من بولاير وجتالجه إلى تراقيه كما سترى، واليونان كانوا يزحفون إلى ~~جانب الجيش الصربي؛ أمام هذا الموقف الصعب الذي وقعت فيه بلغاريا لم يجد القائد ~~الصربي حاجة ماسة إلى الإسراع وإلحاق الخسائر بجيشه، ولا سيما أن المعارك الأولى ~~التي جرت كانت من أشد الوقعات هولا وفتكا؛ خسر فيها الصربيون نحو ثلاثين ألف رجل ~~بين قتيل وجريح، وخسر البلغاريون أكثر من هذا العدد. فقال القائد في نفسه: إن ~~الزمان يشتغل لنا، ثم أخذ يتحصن أمام البلغاريين على مسافة طويلة بدلا من أن ~~يهاجمهم، وصار البلغاريون يتحصنون أيضا أمام الصربيين وتمكنوا من الوقوف عند ms160 ~~كستنديل. # وبينما كان الصربيون على تلك الحال ينتظرون وصول اليونان إلى الجهات التي على ~~مستوى مواقعهم التي تحصنوا فيها، تمكنت يد السياسة من عقد الهدنة التي تلتها معاهدة ~~الصلح، فبقي الجيش الصربي والاثنا عشر ألفا من رجال الجبل الأسود الذين كانوا معه ~~محتفظين بمواقعهم حتى صدر أمر بصرف الجيش البلغاري. # ولما رأى البلغار فشلهم واعتقاد الناس أنهم البادئون بالشر حاولوا أن ينفوا عنهم ~~تهمة الاعتداء، ولكن الصربيين نشروا أوامر صادرة من قوادهم بالهجوم على الجيش ~~الصربي وعينوا المكان والزمان اللذين كتبت فيهما تلك الأوامر، وإليك ما نشرته إدارة ~~المطبوعات الصربية في هذا الشأن: # تشتمل أوراق الآلاي البلغاري الخامس والثلاثين التي أخذتها الجنود ~~الصربية على الصورة الأصلية للأمر الصادر من القائد البلغاري إلى الآلاي ~~الثاني من الفرقة الرابعة، وهي تدل دلالة واضحة على أن البلغاريين عقدوا ~~العزم على مفاجأة الجيش الصربي بجيشهم الرابع كله وهو مؤلف من مائة طابور ~~ومائتي مدفع تحت إمرة الجنرال كوفاتشيف وزير الحربية والقائد العام، ونحن ~~نستخلص من ذاك الأمر العبارات الآتية بنصها: # أولا: # غدا تبتدئ الأعمال الحربية بيننا وبين الصربيين من جهة ~~وبيننا وبين اليونانيين من جهة أخرى ويمتد خط الصربيين ~~أمام آلايكم على طول نهر زلتوفو. # ثانيا: # يبدأ بالهجوم على الأعداء غدا الساعة الثالثة بعد نصف ~~الليل. # ثالثا: # يجب على قسمي الآلاي أن يحضرا الساعة الثالثة بعد نصف ~~الليل إلى جهة نهر زلتوفو بغير أن يحدثا أقل ضجة وأن ~~يهجما بغتة على مقدمات الأعداء ويصلا إلى المواقع التي ~~تعين لهما. # فإذا فكر المرء في الوقت اللازم لوضع خطة هجومية كهذه، ولكتابة الأوامر وإصدارها ~~إلى كبار الضباط، لا يبقى عنده ريب في أن البلغاريين كانوا يضمرون الشر للصربيين ~~واليونانيين وأنهم أخذوا يستعدون من قبل، وروت إحدى الجرائد أن الحكومة الصربية ~~صورت بالفوتوغراف شكل ذاك الأمر حتى لا تبقي مجالا لتنصل البلغاريين من ذنب ~~الاعتداء على الحلفاء. ~~(2) القتال بين البلغاريين واليونان # بدأ البلغاريون باعتدائهم على الجنود اليونانية يوم اعتدائهم على الصربيين، فلما أيقن ~~الملك قسطنطين والموسيو فنزيلوس ms161 كبير وزرائه أن الحرب واقعة لا مناص منها اتفقا على ~~إصدار الأمر بالزحف ثم أمر الملك بنزع السلاح من 1200 جندي بلغاري كانوا في مدينة ~~سلانيك، فسلموا بعد قتال بضع ساعات، وكانت الحرب لم تعلن رسميا حتى ذاك اليوم بين ~~اليونان والبلغار، فاعترضت الحكومة البلغارية على إيقاع الجيش اليوناني في سلانيك بتلك ~~الحامية الصغيرة، والصحيح أن الحرب كانت ناشبة فعلا لما سبق من اعتداء البلغاريين على ~~الشقة الحرام. # وما كان اليوم التاسع والعشرون من شهر يونيو حتى هب البلغار إلى الهجوم الشديد من جهة ~~اليونان بينما كانوا يهاجمون الصرب، على أنهم ما لبثوا أن تقهقروا أمام الجيش اليوناني ~~الذي زحف بقيادة الملك قسطنطين كما تقهقروا أمام الصربيين للأسباب التي سنشرحها في ~~الفصل التالي. وأول معركة كبيرة طاحنة حدثت بين الجيشين هي معركة قلقيش (أو كيلكيس) فإن ~~مشاة اليونان حملوا حملات هائلة ومعهم جيش آخر من الحقد على البلغاريين، وكانت هجمتهم # 2 # على مسافة 800 متر تحت نيران البلغاريين الذين كانوا محصنين ممتنعين حتى ~~زحزحوهم عن مواقعهم وأعملوا الحراب في ظهورهم، وقد بلغت خسارة اليونان في تلك المعركة ~~على روايتهم الرسمية نحو عشرة آلاف رجل؛ أي نحو الخسارة التي أصابتهم في مقاتلة ~~العثمانيين في جميع المعارك منذ 18 أكتوبر سنة 1912 إلى أن عقد مؤتمر لندن ~~الثاني. # وبعد هذا النصر المبين صرف الملك قسطنطين همه إلى مطاردة البلغاريين حتى لا يبقي لهم ~~وقتا طويلا لاستئناف معركة كبيرة أخرى، وحتى يتمكن من وصل جيشه بالجيش الصربي قبل ~~دخول الأرض البلغارية الأصلية، ولم يكن أمامه إلا طريق واحد صالح وهو وادي ستروما من ~~دمير حصار إلى جمعه، فأخذ يتقدم والبلغاريون يتقهقرون أمامه وينسفون الجسور بعد أن ~~يجتازوها فتجددها فرق الهندسة اليونانية بعد المتاعب العظيمة. # ولما وصلت الجنود اليونانية إلى مضيق قرسنا تفاقمت عليها المصاعب واضطر المشاة إلى ~~الصعود على قمم الجبال التي على جانبي المضيق ليضطروا البلغاريين إلى تركها. فأفلحوا ~~بعد احتمال العناء الكبير من وعورة الطريق ونيران البلغار. وليس يهم القارئ أن ms162 نصف كل ~~معركة ومناوشة، فحسبنا أن نقول له على وجه الجملة إن اليونانيين قاتلوا أعداءهم أكثر من ~~عشرين دفعة في مدة زحفهم من سلانيك إلى جمعه بالا وهناك نشبت معركة عظيمة خسر فيها ~~الفريقان خسارة كبيرة، وقرر الملحقون العسكريون أن أحد جناحي الجيش اليوناني أصيب فيها ~~بالفشل وأن الهدنة التي طلبتها حينئذ رومانيا جاءته في وقتها، وقال الموسيو رينيه بيو ~~بعد عقد الصلح في بوخارست: «يمكننا اليوم أن نذكر أمرا لم يكن في وسعنا أن نبوح به في ~~وقته؛ وهو أن الملك قسطنطين لم يكن تحت إمرته إلا خمسة وثمانون ألف رجل من المشاة، ~~وكانت مهمته صعبة محفوفة بالخطر؛ لأنه كان يريد أن يمنع عدوه من ضم أطرافه وجمع قواه ~~وأن يضربه ويقهره قبل أن يستريح فاضطر للوصول إلى هذا الغرض أن يطلب من جنوده أكبر جهد ~~ينهك القوى. وكان معظم فرقه بلا احتياطي يؤيده عند الضرورة، ولشدة تعب الجيش اليوناني ~~عزم أركان حربه على الوقوف مدة من الزمن لتتمكن البطاريات من ضم أطرافها ويذوق المشاة ~~راحة لم يكن بد منها ولا غنى عنها؛ فجاءتهم الهدنة بها. وأجمعت الروايات اليونانية ~~نفسها على أن خسارة اليونان كلها بلغت أكثر من أربعين ألف رجل بين قتيل وجريح، وأن أقل ~~من ربع تلك الخسارة الكبرى لحقت بالجيش اليوناني في الحرب الأولى وثلاثة الأرباع ~~الباقية في محاربتهم للبلغاريين.» # وأجمع المراسلون الحربيون على أن اندفاع اليونان وتفانيهم في قتال البلغار كان من ~~جملة الأسباب الكبرى في زيادة خسائرهم إلى ذاك الحد؛ فهم من قديم الزمان يكرهون ~~البلغاري وكثيرون منهم يفضلون التركي عليه، ثم اشتد عندهم هذا الشعور بعد الفظائع التي ~~ارتكبتها الجنود البلغارية أيام فشلها ونكوصها. وكان ولاة الأمور وفي مقدمتهم الملك ~~قسطنطين يفرغون جهدا عظيما في إثارة خواطرهم وتوطيد قوتهم المعنوية، وهاك أنموذجا من ~~خطب صاحب التاج اليوناني، وهو ما قاله قبل معركة قلقيش الكبرى: # لا يفوتني أنه منذ عهد الملك كودوروس إلى عهد الملك باليولوغ لم يمت من ملوك ~~اليونان الذين تولوا قيادة ms163 الجيوش ملك واحد على سريره وتحت سقف قصره، واعلموا ~~أن المعركة التي سنخوض معمعانها غدا لهي من أعظم المعارك شأنا وخطرا، فأنا ~~أفكر والقلب حزين في أني لن أرى بعدها عددا منكم، وليس في وسعي أن أصافح كل ~~فرد على حدة، فأكتفي بأن أقول أيها الضباط كونوا على الدوام في مقدمة جنودكم ~~(وهنا التفت إلى ولي العهد وقال له) وأنت كن دائما في مقدمة فرقتك. # فأجابه كثير من الضباط هاتفين «إلى الملتقى في العالم الثاني.» وقد دل الإحصاء أخيرا ~~على أن عدد القتلى من الضباط كان كبيرا. # وأكد لنا وجيه يوناني أن ضابطا من أنسبائه كتب إليه من ساحة الحرب أن الموسيو ~~فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية اتفق مع ملك اليونان على توزيع كراسة جامعة لأهم ما ~~ارتكبه البلغاريون في القرى اليونانية من هتك الأعراض وإحراق البيوت والفتك بالأطفال ~~والأبرياء، فكان لهذا العمل تأثير ساحر في نفوس الجنود وغلت صدورهم غلي المرجل حقدا ~~وسخطا على البلغاريين حتى إن عشرات منهم انتزعوا بأسنانهم خدود بعض الجنود البلغارية ~~في إبان القتال. # أما خسارة البلغار في قتالهم للصرب واليونان معا فتربو على ستين ألف رجل. فإذا قدرنا ~~أن خسارتهم في محاربة العثمانيين بلغت تسعين ألفا في جميع المعارك كان مجموع خسائرهم ~~في الحربين مائة وخمسين ألف رجل لم يذهب منهم أحد إلى ساحة القتال إلا بعد أن شهد له ~~طبيب حكومته بتمام الصحة. # جرى كل ما تقدم في شهر واحد؛ لأن الحرب البلقانية الثانية كانت سريعة مدهشة فلم يكن ~~أحد أن الجيش البلغاري يذوب ذوبان الشمع أمام نيران عدوه، كما أنه لم يكن يظن في الحرب ~~الأولى - إلا القليل - أن الجيش العثماني سيفشل. ~~(3) أسباب فشل البلغار في الحرب الثانية # دهش العالم من سرعة فشل الجيش البلغاري أمام الصربيين واليونانيين بعد أن ترامت ~~شهرته وأكبر الناس قوته. ولكن من يرجع إلى أقوال مراسلي التان الحربيين في الجانبين، ~~ويطلع على الأخبار التي ترد تباعا، تزول دهشته ويعلم أن الأسباب التي أدت إلى فشل ~~الجيش العثماني الشهير ms164 بصبره وعزمه وشجاعته هي التي أفضت إلى فشل الجيش ~~البلغاري. # ورأس تلك الأسباب أن القواد البلغاريين بالغوا كما قدمنا في احتقارهم للصربيين ~~واليونانيين وتوهمهم أن الغلبة مضمونة لدولتهم. ومما يروى أن المعتمد البلغاري في ~~سلانيك كان يقول ويردد: «إن الجيش اليوناني عدم ...» فنشأ عن ذاك الاحتقار أن البلغار لم ~~يأخذوا الأهبة التامة للحرب الثانية، بل أهملوا أمورهم كما أهملها العثمانيون قبل الحرب ~~الأولى. # ومن أسباب فشلهم أن قوادهم وزعوا قواتهم على مسافات طويلة وظنوا أن الاستيلاء على ~~المواقع التي يطمحون إليها سهل هين لشدة غلوهم في احتقار أعدائهم، فكان لفريق القوات ~~البلغارية وطول خطوطها الحربية شؤما عليها، فنالها بسببه ما نال الجنود العثمانية التي ~~هاجمت في تراقيه بأمر ناظم باشا قبل أن يتم حشدها ويتم لها العدد والعدد. # ومنها أن جانبا كبيرا من زهرة ضباط البلغار قتلوا في معارك قرق كليسا ولوله بورغاز ~~وجتالجه، فأصبحوا كالعثمانيين وقت إعلان الحرب الأولى محتاجين أشد احتياج إلى الضباط، ~~ثم نشبت الحرب الثانية وهم على تلك الحال. # ومنها أنهم لم يستعدوا استعدادا كافيا لتموين جنودهم قبل زحفها بل كانت إدارتهم ~~العسكرية مختلة كالإدارة العثمانية في أكتوبر سنة 1912، فلم تأتهم الميرة والذخيرة على ~~النظام الواجب في الحروب الحديثة. وإذا كان جيشهم لم يصبه من الجوع ما أصاب الجيش ~~العثماني على وجه عام، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى سرعة نكوصهم وقصر مدة الحرب التي لم ~~تبق إلا شهرا واحدا. # ومنها أن عددا كبيرا من الجنود النظامية المدربة قتل في محاربة العثمانيين وقام ~~مقامه كثير من الرديف غير المدرب، وهو لا يصلح للهجوم كما قرر الاختصاصيون. ~~(4) فظائع البلغاريين في الحرب الثانية # غلت أحقاد البلغاريين في صدورهم من جراء ذاك الفشل الذي أصابهم، فتفجرت غيظا على ~~أهالي القرى اليونانية، وإذا صدقنا جميع الأنباء والشروح التي نشرتها جرائد أوروبا ~~وغيرها، فإن الوحوش الضارية التي يقتلها الجوع لأقل فتكا وتوحشا وفظاعة من ~~البلغاريين، وإليك ما ننقله أولا عن الموسيو جيسن الكاتب الدينمركي الذي دعاه ملك ~~اليونان للحضور مع الموسيو ms165 ألبير ترامبان مراسل الدايلي تلغراف إلى قرية نيجريتا، ~~ليبصرا الفظائع بأعينهما ويأخذا رسوم الضحايا بالفوتوغراف. فإنه بعد التحقيق كتب إلى ~~عدة جرائد ومنها جريدة التان رسالة أكد فيها حدوث الفظائع، وذكر أنه رأى بعينه الجثث ~~العديدة مطروحة على أنقاض نيجريتا، وأن نحو 1400 بيت ذهبت طعاما للنيران التي أضرمتها ~~البلغار، وأن رائحة جثث البشر والحيوانات كانت لا تزال متصاعدة يوم وصوله. # ثم روى أنه سأل رجلا اسمه جورجيوس فلانشوف عما جرى فقال له هذا الرجل بعد أن أقسم ~~بحياة أولاده إنه لا يقول إلا الصدق ولا ينطق بغير الحق: «هربت مع الهاربين لما علمت أن ~~الجنود البلغارية اجتازت الشقة الحرام على بضعة كيلومترات جنوبي المدينة، ولكن هذه ~~الجنود تمكنت من القبض علي وعلى أحد رفاقي ورمت بنا في السجن حيث لقينا رجلا ثالثا، ~~فلبثنا في السجن إلى يوم الاثنين ولم يعطنا البلغاريون شيئا من المأكل والمشرب إلا ~~دفعة واحدة سحابة المدة التي قضيناها، ولما كان يوم الثلاثاء أبصرت من النافذة أن ~~البلغاريين يستعدون لإحراق المنزل الذي كنا فيه، وكان الضباط يصدرون الأوامر للجنود ~~بجلب البترول والهشيم، ثم دخل علينا ضابط وبيده مسدس وتهددنا بالقتل إذا كنا لا ندفع ~~إليه ما حوت جيوبنا، فدفعت إليه اثني عشر دراخما، ودفع إليه رفيقي ستة، وقدم الثالث ~~الذي كان معنا اثنين ونصفا. وبعد خروجه صدر الأمر إلى الجنود بأن تطلق علينا الرصاص من ~~النوافذ، فأطلقوا خمس رصاصات فقتلوا أحدنا وجرحوا الثاني، أما أنا فلم أصب بضرر لأني ~~كنت مختبئا تحت النافذة. وبعد قليل دخلت الجنود البلغارية فوجدت أن اثنين منا ما برحا ~~في قيد الحياة، فأنحت علينا طعنا بالحراب حتى قتلت رفيقي وأغمى علي بعد ثلاث طعنات ~~في الفخذ اليمنى. ثم لما عاد إلي صوابي شعرت باحتراق في فخذي، فنظرت فإذا الجنود ~~البلغارية قد صبت علينا بترولا وألهبت النار فأطفأتها بيدي - وهاك آثار الحريق فيها - ~~ثم فررت من الباب؛ لأن البلغاريين تركوه مفتوحا، ولجأت إلى اصطبل لم يتناوله لسان ~~النيران، ومن هناك كنت أرى ms166 الجنود البلغارية تشعل النار في كل جهة من المدينة، وإني ~~لعلى تلك الحال إذا بانفجار عظيم حدث في المنزل المحترق فهلعت وهربت بالقسر عن جروحي، ~~فرآني بعض الجنود وأطلقوا علي الرصاص فأخطأوني، وما وصلت إلى الربوة القائمة جنوبي ~~المدينة حتى وقعت لا أبدي حراكا، ولما أفقت من غيبوبتي وجدتني بين أيدي الجنود ~~اليونانية وهم يعتنون بي كما يعتني الأخ بأخيه. ثم قال بعد هنيهة: «إني فقدت كل ما كنت ~~أملك، وأضعت امرأتي وأولادي، ورأيت جنود البلغار تلطخ عرض أمي بالعار والشنار.» # فبكي الحاضرون لقصته، ثم روى المكاتب فوق ما تقدم أن الذي رآه مع زميله يؤيد رواية ~~جورجيوس المذكور، وأنه زار الغرفة التي سجن فيها هذا البائس فوجد على أرضها بقايا جثث ~~بشرية. وقدر محافظ المدينة أن الذين هلكوا إحراقا وقتلا من النساء والأطفال والرجال ~~يبلغون نحو 470 نفسا. # واتصل بجريدة التان أن الأسقف جوستاف ميشيل رأى بعينه كثيرا من الفظائع التي ارتكبها ~~البلغاريون، ومما رواه أن جماعة منهم دخلوا قرية كوركوت برئاسة رجل اسمه دونسيوف، ~~فجمعوا الرجال الذين كانوا فيها وأدخلوهم إلى المسجد وأغلقوا عليهم الأبواب، ثم جاءوا ~~بالنسوة وربطوهن حول المسجد ليشاهدن بأعينهن ما يجري، وبعد قليل رموا بثلاث قذائف من ~~الديناميت فقتلت كثيرا من الرجال على أن المسجد لم يتهدم، فلما رأوا أنه ما زال قائما ~~أضرموا فيه النيران فأحرقوا نحو 700 رجل، وكانوا كلما رأوا أحدا يحاول الفرار رموه ~~بالرصاص. # ونشرت الفيغارو في 24 يوليو بتوقيع الموسيو جورج بودرون أن هذا المكاتب المعروف ~~والموسيو لابورت مكاتب الألوستراسيون والموسيو لون الذي رافق الجيش اليوناني ومعه ~~قرينته، رأوا شمالي قرية ليفونوفو جثث عدد من أعيان اليونان الذين ساقهم البلغاريون ~~كرهائن من مدينة سرس يوم تقهقرهم عنها مدحورين أمام الجيش اليوناني، فأخذوا الرسوم ~~الفوتوغرافية لتلك الجثث ونشرتها جريدة الألوستراسيون بعد أيام. # وكتب موظف روسي - والروس لا يتهمون بالتحامل على البلغاريين - فصلا طويلا شرح فيه ~~ما سمعه من الأسرى وغيرهم عن فظائع البلغاريين التي يحمى لها أنف أهل النخوة، وتنزل ms167 ~~مرتكبيها إلى درك الوحوش الضارية. # وأكدت الجرائد اليونانية أن بعض رجال العصابات البلغارية كانوا يقطعون أصابع النساء ~~وآذانهن ليلبسوا الحلي منها، وإن بعض الأصابع البشرية وجدت في جيوبهم مع ~~خواتمها. # وأرسل الموسيو بييرلوتي إلى بعض جرائد لندرا الشهيرة مقالة على أثر تحقيق أجراه بنفسه ~~قال فيها: «إني طفت في جميع أنحاء تراقيه فرأيت أن الفظائع الوحشية التي ارتكبها ~~البلغاريون تفوق كل ما تصورته وتوقعته، فإن تراقيه كلها خضبت بالدماء، وما وقع نظري ~~فيها إلا على جثث أو غربان أو أطلال تدل على القرى التي كانت هناك. وقال لي أناس من ~~الذين نجوا في هالسان: إن البلغاريين اضطروا أسرى الأتراك إلى هدم أعمدة الجوامع ~~بأيديهم وأنذروهم بالقتل طعنا بالحراب إذا ترددوا في تنفيذ أمرهم، وكانوا يصعدون ~~بضحاياهم إلى أعلى المآذن ويرتكبون معهم فظائع لا يمكن تصديقها، ولقد رأيت بعيني آبارا ~~مملوءة بجثث النساء والأطفال.» # ثم روى الموسيو لوتي أن البلغاريين كانوا ينوون أن يذبحوا جميع المسلمين في أدرنه، ~~وأن يأمروا الأرمن بذبح اليونانيين، وكان من جملة فظائعهم أنهم قطعوا ذراعي رشيد بك نجل ~~فؤاد باشا المصري وفقأوا عينه. # ولو أردنا أن ننشر لقراء هذا الكتاب جميع ما وقفنا عليه من الرسائل والفصول في وصف ~~الفظائع البلغارية لاحتجنا إلى مجلد كبير؛ لأنهم كانوا في الحرب الثانية أولئك ~~الضواري الذين رأيناهم في الحرب الأولى. ولكثرة ما نشره المراسلون من صور الفظائع ~~ألفت الحكومة الفرنساوية وفدا لتحقيق ما نسب إليهم فزار القرى والبلاد التي وقعت ~~فيها الفظائع وشهد الخراب وذوي العاهات والألوف العديدة من البيوت المحرقة، وقال أحد ~~أعضاء هذا الوفد أن الجنود البلغارية المنظمة ارتكبت من الفظائع مثل ما اقترفته ~~العصابات. # أما الحكومة البلغارية فإنها تنفي عن جيشها تلك الوصمة، ولكننا لم نجد كاتبا حربيا ~~أو واحدا من المحققين يؤيد قولها، وكل ما هناك أن بعض الكتاب يرى شيئا من الغلو فيما ~~يعزى إلى البلغار، على أننا إذا فرضنا أن ثلاثة أرباع ما نسب إليهم تخرص وتلفيق، فإن ~~الباقي يكفي لتسويد صحيفتهم التاريخية، ms168 واستهجان غريزتهم الوحشية. # 3 # | زحف الجيش الروماني إلى بلغاريا # تقدم أن رومانيا طلبت من بلغاريا مكافأة لها على التزامها الحياد مدة الحرب الأولى بين ~~العثمانيين والبلقانيين، فأبت بلغاريا أن تجيبها إلى طلبها وتراخت العلاقات بينهما حتى خيف ~~من الحرب، ولكنها لم تنشب حينئذ لسوء طالع الدولة العلية؛ لأن الدول وفي مقدمتها روسيا ألحت ~~على رومانيا في وجوب قبول التحكيم فقبلته مكرهة، واجتمع مجلس دولي في بطرسبرج فحكم باعطاء ~~مدينة سلستريا لرومانيا. # على أن هذا الحكم لم يرض الحكومة الرومانية؛ لأنها كانت تطمع في شطر كبير من دوبروجا ~~حيث يقيم عدد كبير من الرومانيين والعثمانيين. # ولما عبس وجه السياسة بين بلغاريا وبين الصرب واليونان وأخذت تتوالى بين الفريقين حوادث ~~العدوان، أبلغت رومانيا حكومة البلغار أنها لا تلزم جانب الحياد إذا نشبت حرب ثانية في ~~البلقان وهكذا كان. فإن الحكومة الرومانية أمرت بتعبئة جيشها بعد قيام الحرب، وأرسلت بلاغا ~~إلى حكومة البلغار ذكرتها فيه بالبلاغ الأول وسكوت الحكومة البلغارية عليه، وانتقدت هجوم ~~الجنود البلغارية على الصربيين واليونانيين قبل إعلان الحرب، وختمت بإعلانها أن الأمر صدر ~~إلى الجيش الروماني باجتياز حدود البلغار. # فلما رأت الحكومة البلغارية أن جيشها مدحور أمام الصربيين واليونانيين وأن الجيش الروماني ~~الذي يمكن إبلاغه إلى 600 ألف رجل عمد إلى دخول أرضها، وأن العثمانيين كانوا وقتئذ زاحفين ~~إلى تراقيه، تولاها شيء من الذهول واليأس فأكثرت من الاستغاثة بالقيصر، وكتب الملك فردينان ~~إلى الملك كارلو في طلب المعونة، والتمست ملكة البلغار من ملكة رومانيا أن تتوسط ~~لأمتها. # غير أن الجيش الروماني بقي زاحفا حتى اقترب من صوفيا عاصمة بلغاريا وضيق عليها المنافذ، ~~فأصبح البلغاريون محصورين من جميع الأنحاء، فالصربيون والجبليون من جهة، واليونانيون من ~~جهة، والرومانيون يحتلون طريق عاصمتهم، والعثمانيون يطوون بلاد تراقيه ويرفعون فيها الراية ~~العثمانية بدلا من الراية البلغارية. # فلما بلغ الضيق بالبلغار إلى ذاك الحد تركوا العناد والخيلاء، ثم اشتد إلحاح الدول على ~~المنصورين بوجوب المفاوضة في شأن الصلح، ولانت رومانيا بعض اللين فاقترحت تقرير هدنة ~~للمفاوضة ms169 الابتدائية، فقبلتها حكومات الصرب والجبل الأسود واليونان، وقد أكدت رومانيا التي ~~كانت صاحبة الكلمة الأولى والقدح المعلى أنها لا تريد سحق بلغاريا بل هي ترمي إلى غرضين؛ ~~أولهما: تعديل حدودها كما يجب لمصلحتها، والثاني: حفظ التوازن بين قوات الدول البلقانية. ~~ولا غرو فإن رومانيا لا يمكنها أن تنام ناعمة البال إذا كانت ترى بجانبها بلغاريا قوية ~~طامعة مبغضة. ~~(1) معاهدة الصلح في بوخارست # ما تقرر عقد الهدنة عملا برغبة الدول الكبرى ورومانيا، حتى أخذ مندوبو المتحاربين ~~يفدون إلى العاصمة الرومانية، فوصل مندوبو البلغار في 27 يوليو # 1 # وقابلوا رئيس الوزارة الرومانية، ثم قدم مندوبو الصرب واليونان والجبل ~~الأسود في 29 منه، وقابلوا رئيس وزارة رومانيا أيضا ، ونحو الساعة الرابعة بعد ظهر 30 ~~يوليو عقدت الجلسة التمهيدية لتقديم المندوبين بعضهم لبعض، فألقى الرئيس الروماني خطبة ~~وجيزة أفصح بها عن أمله في نجاح المؤتمر، وإبرام معاهدة مبنية على التوازن العدل، ثم ~~اقترح «لمصلحة الإنسانية» عقد هدنة لا تزيد مدتها عن خمسة أيام، فوقف الموسيو فنزيلوس ~~رئيس الوزارة اليونانية وكبير مندوبي اليونان، فشكر بالأصالة عن نفسه والنيابة عن ~~زملائه مندوبي المتحالفين ما رأوه من حسن الاستقبال وإكرام الوفادة في رومانيا، وتمنى ~~نجاح المؤتمر وإبرام اتفاق مبني على «التوازن العدل» (أعاد كلمة رئيس الوزارة الرومانية ~~بحروفها)، ثم وافق على هدنة خمسة أيام، وتلاه الموسيو تونتشيف المندوب البلغاري الأول ~~وقال: إن مندوبي بلغاريا قدموا وهم يرغبون رغبة خالصة في عقد الصلح وأمل أن يتم عقده ~~بين الخصمين على قاعدة ثابتة راسخة. # ولما مضت خمسة أيام ولم يتم الاتفاق بين المندوبين على تحديد الأراضي التي ستكون نصيب ~~كل دولة بلقانية من تركيا أوروبا، طلب رئيس الوزارة الرومانية تجديد الهدنة ثلاثة أيام، ~~وكانت مسألة ثغر قوله أهم العقبات، فدولة اليونان كانت تريدها بدعوى أن معظم أهلها ~~من اليونان، وبلغاريا كانت تصر على طلبها بحجة أنها لازمة لنجاحها الاقتصادي، وكانت ~~النمسا وروسيا تؤيدان بلغاريا، وفرنسا وألمانيا تميلان إلى إدخالها في حصة اليونان، ~~وقامت بين الجرائد الفرنساوية والجرائد الروسية مناقشة ms170 في هذا الموضوع، حتى خيل ~~لكثيرين أن قوله ستضعف أساس المحالفة الروسية الفرنساوية، وبعد مد وجزر وافق مندوبو ~~البلغار على إعطاء قوله لليونان، ولا سيما بعد ما أفهمهم الموسيو ماجورسكو أن توقيع ~~المعاهدة أمر واجب في أقرب وقت، وإلا اضطرت الحكومة الرومانية إلى إصدار الأمر إلى ~~جيشها بدخول صوفيا. # ولقد ظهر أن مندوبي البلغار كانوا يحاولون أن يحدثوا شقاقا بين مندوبي المتحالفين ~~ورومانيا، وظنوا أن التعجيل بموافقتهم على مطالب رومانيا يسهل لهم سبيل فصلها عن ~~أعدائهم، فقد روى مندوب التان الخاص الذي نعتمد عليه في هذا التفصيل أنهم لم يكتفوا ~~بمحاولة فصل رومانيا عن أعدائهم بل أرادوا خدع مندوبي هؤلاء الأعداء أنفسهم. قال: إن ~~الموسيو تونتشيف كبير مندوبي البلغار زار الموسيو باشيتش كبير مندوبي الصرب، والموسيو ~~فنزيلوس كبير مندوبي اليونان قبل الاتفاق، فذكر للأول جامعة الجنسية الصقلبية ووجوب ~~اتفاق الصرب والبلغار على مقاومة تيار اليونان، وحادث الثاني في مسألة قوله وأكد له أن ~~البلاد التي تنالها بلغاريا شرقي مقدونيا لا يمكنها أن تستغنى عن هذا الثغر، فأجابه ~~الموسيو فنزيلوس بأن النمسا تكتفي بتريستا ... فطلب إليه حينئذ المندوب البلغاري أن يفكر ~~في الأمر، وقال له: إن بلغاريا تؤثر أن يكون بلغار ومقدونيا تحت الحكم اليوناني؛ ~~لأنها تفضله على الحكم الصربي. ثم قابل الموسيو تونتشيف في اليوم التالي بعض رجال ~~الوزارة الرومانية، وأكد لهم أن بلغاريا ستوافق على كل مطالبهم بشرط أن لا تدع دولتهم ~~أعداء بلغاريا يقضون عليها ... # دس المندوب البلغاري دسيسته وهو يظن أنه أتى من البراعة ما يعجز بسمرك، غير أن ~~وزراء رومانيا ومندوبي المتحالفين ما لبثوا أن اجتمعوا فقص كل واحد منهم ما جرى له مع ~~المندوب البلغاري فزادتهم تلك الدسيسة تضامنا، ولما أفهم البلغاريون رومانيا أنهم ~~قبلوا جميع مطالبها أظهرت ارتياحها إلى تسليمهم، ولكنها أبت إلا الثبات على تضامنها مع ~~اليونان والصرب، وأفهمت المندوبين البلغاريين ما صحت عليه عزيمتها في هذا الشأن، وكان ~~من أقوى الدلائل على احتفاظها بذاك التضامن أنها لما رأت البلغار يريدون المحاولة ~~والمخاتلة ms171 بعد تسليمهم بمطالبها، لم تنكص عن تهديدهم بدخول عاصمتهم كما تقدم. # ولما ثبت للبلغار أنهم أخفقوا سعيا وأن دسيستهم بلغت منهم وأخطأت أعداءهم لم يبق ~~لهم إلا أمل واحد، هو أن تنقح الدول العظمى شروط المعاهدة؛ لأن روسيا والنمسا وإنكلترا ~~أظهرن ميلا إلى تنقيحها، فوقعوا عليها وهم لا يعتقدون أنها نهائية، وإليك ترجمتها: # المادة الأولى: # يعقد الصلح بين ملك البلغار وملوك الصرب واليونان والجبل الأسود ~~ورومانيا وورثائهم وحلفائهم. # المادة الثانية: # تبتدئ الحدود البلغارية الرومانية المعدلة (طبقا للملحق نمرة 5) ~~من غربي تورتوكاي (توتره قان بالتركية) على نهر الطونة، وينتهي جنوب ~~أكرنة (أقرانية بالتركية) على البحر الأسود. ويجب على بلغاريا أن تهدم ~~الحصون القائمة في روتشوك (روسجق بالتركية )، وسيملا وبالشيكت (بالجق ~~بالتركية) في خلال سنتين على الأكثر، وأن تؤلف لجنة مختلطة قبل مضي ~~خمسة عشر يوما لتخطيط الحدود في مواقعها، وتقسيم الأملاك التي يقطعها ~~خط التحديد، وإذا وقع خلاف عين حكم للفصل فيه. # المادة الثالثة: # تبتدئ الحدود الصربية البلغارية المعينة (طبقا للملحق نمرة 9) من ~~جبل باراتريكا على الحدود القديمة، وتمتد على خط انقسام المياه بين ~~واردار وستروما، ويخرج من هذا الخط أعلى وادي سترومجه فإنه يكون من ~~نصيب الصرب. # ثم تنتهي الحدود المذكورة عند جبل بيلاسيكا ومنه تتصل بالحدود ~~البلغارية اليونانية، ويجب تأليف لجنة مختلطة لتخطيط الحدود وتقسيم ~~الأملاك، وإذا وقع خلاف؛ يلجأ إلى التحكيم. # المادة الرابعة: # تحل المسائل المتعلقة بالحدود البلغارية الصربية القديمة بموجب ~~اتفاق بين الفريقين المتعاقدين. # المادة الخامسة: # تبتدئ الحدود البلغارية اليونانية (كما جاء في الملحق نمرة 9) من ~~أكمة سيلاسينا بلانينا عند الحدود البلغارية الصربية الجديدة، وتنتهي ~~عند مصب نهر مستا على بحر إيجه، وتؤلف لجنة مختلطة كالتي تقدم ذكرها ~~للتحديد، وتعدل بلغاريا منذ اليوم عن كل دعوى تتعلق بجزيرة ~~كريت. # المادة السادسة: # يبلغ التوقيع على معاهدة الصلح إلى المعسكرات العامة، وتبتدئ ~~بلغاريا منذ اليوم التالي للتوقيع بصرف جيشها، أما الجنود البلغارية ~~التي يكون محلها في جهات يحتلها المحاربون الآخرون فترسل إلى جهات أخرى ~~من أراضي بلغاريا، ولا تذهب ms172 إلى محلها إلا بعد جلائهم عن المنطقة ~~المحتلة في هذا الوقت. # المادة السابعة: # يبتدئ الجلاء عن الأراضي البلغارية على أثر تسريح الجيش البلغاري، ~~ويتم هذا الجلاء في خمسة عشر يوما على الأكثر. # المادة الثامنة: # يحق لجيوش رومانيا والمتحالفين مدة احتلالهم للأراضي البلغارية أن ~~يأخذوا حوائجهم بعد أن يدفعوا ثمنها، وأن يستخدموا السكك الحديدية لنقل ~~الجنود من غير أن يدفعوا غرامة عنها، أما ولاة الأمور المحليون والمرضى ~~والجرحى فيكونون تحت حماية تلك الجيوش. # المادة التاسعة: # يعيد كل فريق أسرى الفريق الآخر في أقرب ما يمكن من الوقت، وتقدم ~~الحكومات حساب المصروفات التي اقتضاها أسرهم. # المادة العاشرة: # يصدق على هذه المعاهدة بمدينة بوخارست في خلال 15 يوما أو أقل من ~~هذا الزمن إذا أمكن. # حرر في بوخارست يوم 28 يوليو الموافق 10 أغسطس على الحساب الشرقي من ~~سنة 1913. # تلك هي الشروط الأساسية لمعاهدة بوخارست، وكل من ينظر إلى الخريطة البلقانية يجد أن ~~رومانيا أخذت أرضا من أخصب أراضي بلغاريا الأصلية، وفصلت عن الأمة البلغارية نحو 280 ~~ألف نفس، وأن وادي واردار ومناستر وسائر الأراضي التي كان البلغاريون يريدون حرمان ~~الصرب منها بقيت للصربيين مع أراض أخرى كان في وسع بلغاريا أن تنالها لو تساهلت بعد ~~الحرب الأولى، كما أن سلانيك وقوله وسرس ومعظم الأراضي المجاورة لها بقيت لليونان، ~~وسترى أن أدرنه وقرق كليسا ومعظم تراقيه عادت ملكا عثمانيا. # أما حلم البلغار بتنقيح الدول العظمى لتلك المعاهدة فقد ذهب كسائر أحلامهم؛ لأن روسيا ~~والنمسا عدلتا عن طلب التنقيح، فاضطرت بلغاريا أن تقبل المعاهدة كما ذكرناها والحقد ~~يغلي في صدر مليكها ووزرائها وقوادها. ولما أصدر مليكها فردينان منشوره إلى الجيش يوم ~~صرفه ختمه بعبارة تدل على ذاك الحقد الشديد وهي: «أيها الجنود أخبروا أولادكم وأحفادكم ~~عن بسالة الجندي البلغاري وأعدوهم لإتمام العمل المجيد الذي بدأتم به ...» # | استرجاع أدرنه ومعظم تراقيه # فوز العثمانيين # ما هب البلقانيون يروون بدمائهم البلدان التي فتحوها بعد الخسارة العظمى، حتى أخذت ~~الحكومة العثمانية تجس نبض السياسة الأوروبية وتتأهب للاستفادة من ms173 الحرب الجديدة. # ولما كان اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1913؛ أي بعد ابتداء القتال بين البلغاريين ~~وأعدائهم باثني عشر يوما، صدر الأمر إلى الجيش العثماني المتأهب في جتالجه بأن يزحف إلى ~~تراقيه، ويطرد منها البلغاريين الذين تركوا عددا قليلا من الجنود في البلاد التي أبقتها ~~معاهدة لندرا ملكا عثمانيا. وما حل اليوم الخامس عشر من يوليو حتى تجاوز صدر الجيش ~~العثماني خط إينوس وميديا الذي جعلته تلك المعاهدة حدا فاصلا بين أملاك العثمانيين ~~وأملاك البلغاريين في تراقيه، وعادت الراية العثمانية تخفق على جميع البلاد الواقعة بين ~~لوله بورغاز وبونار حصار، فتظلل عظام ألوف الأبطال الذين قضوا هناك في سبيل الدفاع عن ~~وطنهم. ثم تقدم الجيش العثماني إلى بابا اسكي فقرق كليسا، ثم دخلت فرقة من الجيش أدرنه ~~بقيادة أنور بك فلم تجد مقاومة جديرة بالذكر. # وشاع في ذاك الوقت أن الحكومة العثمانية عقدت اتفاقا مع حكومتي الصرب واليونان، وأن هذا ~~الاتفاق هو الذي شد ساعدها وبعث فيها الجراءة على نبذ معاهدة لندرا والسعي في سبيل ~~الاستفادة من الحوادث الجديدة، ولكن الأيام ما لبثت أن برهنت لنا على أن اعتماد الحكومة ~~العثمانية كان أولا على نحو 200 ألف جندي كاملي الأهبة ومتشوقين إلى استرجاع سمعتهم ~~العسكرية التاريخية، ثم على التراوح والتماوج اللذين رأتها في السياسة الأوروبية، وعلى ~~صعوبة اتفاق الدول العظمى في مسألة استخدام القوة، كما ظهر من الأقوال الشبيهة بالرسمية ~~التي نشرت في برلين وتناقلتها جرائد العالم، وربما كان من مشجعات الحكومة العثمانية أيضا ~~أن روسيا كانت مستاءة من بلغاريا حانقة عليها لتذبذبها السياسي بين بطرسبرج وفينا. # فاعتمادا على ما تقدم قررت الحكومة العثمانية أن تلزم جانب الحزم والحكمة معا، فلا تنكص ~~أمام التهديد والوعيد، ولا تتمادى في المجازفة حين ترى الخطر الحقيقي قريبا داهما؛ ولذاك ~~رأيناها لم تهن عزما من أقوال سفراء الدول في الأستانة الذين نصحوا لها بأن لا تتجاوز خط ~~إينوس وميديا، ولم ينخلع قلبها خوفا من إنذار المستر إسكويث رئيس وزارة إنكلترا والسير ~~إدوارد غراي ms174 وزير خارجيتها. # وليس من فضلة القول هنا أن نذكر أهم ما يتعلق بالدولة العلية في خطبتين شهيرتين نطق بهما ~~ذانك الوزيران. قال المستر اسكويث في 12 يوليو: «وأما ما يتعلق بتركيا فقد كنا نحن - أي ~~بريطانيا العظمى ومعنا سائر الدول فيما أظن - نحسب أن تعيين الأراضي في معاهدة لندرا أصبح ~~أمرا مقبولا، وأن سلامة تركيا آسيا ستكون مضمونة مؤكدة بشرط أن تحسن إدارتها، وكنا ~~مستعدين لتقديم كل عون لتركيا بقصد أن نعضدها في أداء الواجب الكبير الذي أمامها، ولكن ~~تركيا - وهنا أريد أن أكون صريح القول - أخطأت بتمزيقها معاهدة لندرا، وصار من الواجب عليها ~~أن تستعد لفتح مسائل ليس من مصلحتها أن توضع موضع البحث والمناقشة.» # وقال السير إدوارد غراي في مجلس النواب يوم 12 أغسطس؛ أي بعد الخطبة الأولى بشهر: «وأوكد ~~أن عدم إصغاء تركيا إلى مشورة الدول في مسألة أدرنه يجر على الحكومة العثمانية عواقب ~~وخيمة لا نستطيع إنقاذها منها، وذاك يكون إما بالتضييق المالي وإما بمداخلة دولة أو دول ~~بقوة السلاح. وعندي أن تركيا ترتكب خطأ عظيما إذا لم تصغ إلى مشورة الدول في المسألة، أما ~~إذا كانت تسمع مشورتهن فأنا أعتقد أنهن يضعن أمامها مشروعا حسنا لإنشاء حدود حربية ~~موافقة لها، ولمساعدتها في إنفاذ الخطة التي قلت: «إنا نريد الاشتراك فيها»؛ أي إعانة ~~الحكومة العثمانية على الإصلاح المطلوب.» ~~••• # غير أن الحكومة العثمانية لم تفزع من هذا الوعيد؛ لأنها بقيت تلحظ من وراء ستار السياسة ~~أن الدول العظمى التي اتفقت على الكلام، لن تتفق على استخدام الحسام، وكانت تعلم من وجه آخر ~~أن الجيش البلغاري واهن القوى فلا يستطيع وحده أن يخرج الجيش العثماني من تراقيه، وأن ~~الصربيين واليونانيين والرومانيين لم يكونوا يفضلون البلغاريين على العثمانيين بعد ما عرفوه ~~وبلوه من غدر البلغار، فبقيت الحكومة العثمانية على سياسة الحزم، وأخذت من جهة أخرى تتذرع ~~بأحسن الذرائع السياسية، وتبسط ما عندها من البراهين الدامغة القوية لتقنع الدول بأن الحق ~~الدولي في جانبها، وأن حفظ النظام في الجيش العثماني، ms175 ورغبة أهالي أدرنه وسائر بلاد تراقيه، ~~وواجب الإنسانية وسلامة العاصمة العثمانية؛ كل ذلك يدعوها إلى التشبث بأدرنه وبحدود موافقة ~~للمصلحة العثمانية. وليسمح لنا القارئ هنا أن نوضح ما تضمنته دعوى الحكومة العثمانية من ~~لباب الصواب فنقول: أما قولها أن الحق الدولي كان في جانب العثمانيين فرأس البراهين عليه هو ~~أن معاهدة لندرا تتضمن مادة صريحة جلية، تقضي بأن الصلح لا يكون نهائيا إلا بعد تصديق ~~الملوك والحكومات، والمعروف المؤكد أن هذا التصديق لم يتم وأن حكومة اليونان لم توقع على ~~شروط المعاهدة، وهذا هو السبب الذي حمل السير إدوارد غراي وزير خارجية إنكلترا على التصريح ~~بأن القانون الدولي لا يحول دون عمل تركيا، # 1 # وأن اعتبارات أخرى توجب جلاءها عن أدرنه. ومما ذكره نظامي باشا المندوب ~~العثماني الأول في مؤتمر لندن لمراسل الماتين في الأستانة: «أنه لما عرض علينا نص المعاهدة ~~لنوقع عليها؛ دهشنا عندما قرأنا في المادة الأولى منها أن الصلح لا يصير نهائيا إلا بعد ~~التصديق، فطلبنا حذف هذا الشرط وعقد الصلح النهائي في لندرا، فأجابنا مندوبو المتحالفين ~~بالرفض.» فهل يصح مع ذاك كله أن تتهم الحكومة العثمانية بخرق حرمة القانون الدولي؛ لأنها ~~اغتنمت فرصة موافقة لمصلحتها قبل التصديق على معاهدة الصلح؟ # وإذا رجع المطالع إلى ما فعلته رومانيا وجد أن الحكومة الرومانية نبذت قرار مجلس التحكيم ~~الدولي الذي عقد في بطرسبرج؛ لأن حكمه لم يعجبها ثم عبأت جيشها وغزت البلاد البلغارية ~~الأصلية، فلم تقل لها الدول صاحبة التحكيم إنك احتقرت قرار مندوبينا وأهنت أوروبا، كما قال ~~بعضهم للدولة العثمانية حين نبذت معاهدة غير نهائية لتسترجع قسما من البلاد التي ~~خسرتها. # وأما كون النظام في الجيش العثماني كان يوجب التمسك بتعديل تلك المعاهدة، فظاهر من أقوال ~~عزت باشا القائد العام للجيش العثماني وأقوال أنور بك وغيره، قال عزت باشا وأنور بك: إنا لا ~~نترك أدرنه إلا بقوة السيف، وهذا القول مع دلالته على اشتغال الجيش بالسياسة، يدل من جهة ~~أخرى على أن الحكومة العثمانية لا يسعها أن تقاوم ms176 تيار الرأي الحربي إن رضيت بالجلاء عن ~~أدرنه، وإلا استهدفت للخطر. # وكل من ينظر إلى مشيئة أهالي أدرنه نفسها يجدها تؤيد مطلب الحكومة العثمانية أيضا. فإن ~~عدد سكان تلك المدينة التاريخية يبلغ نحو خمسة وسبعين ألف نفس بينهم نحو خمسة وخمسين ألفا ~~من المسلمين، فهل يعقل أن هؤلاء يفضلون الحكم البلغاري على الحكم العثماني؟ ومما لا ريب ~~فيه أن اليونانيين واليهود في أدرنه لا يختارون حكم البلغار على حكم الأتراك، فلا يمكن ~~بلغاريا والحالة تلك أن تدعي العمل بالقاعدة التي توجب إرجاع البلاد التي يقطنها البلغار ~~إلى بلغاريا وهلم جرا؛ لأن دعواها من هذا الوجه تناقض مصلحتها وتتفق مع المصلحة ~~العثمانية، وهاك فحوى مذكرة قدمها وفد مدينة أدرنه لوزارة الخارجية النمساوية، وهو الوفد ~~الذي أرسله الأهالي على اختلاف أديانهم إلى عواصم أوروبا ليقنع الدول العظمى بوجوب إبقاء ~~أدرنه للدولة العثمانية، قال: # مضت ستة قرون ونحن نعيش تحت الراية العثمانية فلم يقم لدينا مانع في سبيل القيام ~~بواجباتنا الدينية، ولما هجم البلغاريون بحجة تخليص المسيحيين من ظلم الترك هتكوا ~~أعراضنا وقتلوا أولادنا وجعلوا بلادنا أطلالا دارسة، فكانوا يعلقون مئات من النساء ~~بشعورهن، ويقتلون من لا يزيد عمره عن ثماني عشرة سنة، ويبقرون بطون الفتيات ~~المسلمات بالحراب، ويغتالون الأجنة في بطون الوالدات، وبالجملة أنهم أنسوا بفظائعهم ~~ما جرى في القرون الأولى، ونحن نجوب عواصم أوروبا لنعلن مظالم البلغار ولا نشك في ~~أننا نفوز بعطف الدول. # ثم قال: # إن عدد أهالي تراقيه كلها 1229582 نفسا، منهم 189000 بلغاري والباقون؛ أي نحو ~~1200000 نفس هم من المسلمين والبلغاريين والأروام، فكيف يسلم هؤلاء كلهم إلي أيدي ~~البلغاريين. # فإذا كانت أوروبا لا تشفق على أهل أدرنه بل تصر على تسليمهم إلى البلغار فإن ~~الأدرنيين يؤثرون سفك دمائهم إلى آخر قطرة، وإذا غلبوا على أمرهم فإنهم يهجرون ~~أرضهم؛ لأنهم لا يريدون علما غير الهلال العثماني. # أما المذكرات التي قدمها الوفد لسائر الدول العظمى فإنها لا تخرج بمعناها عما تقدم، وكل ~~ناقد بصير لا يسعه أن يقف عند ms177 قول البلغاريين: إن القوة العسكرية هي التي أجبرت ذاك الوفد ~~على تقديم تلك المذكرات؛ لأن من يسلم جدلا بضغط القوة العسكرية، لا يمكنه إلا التسليم ~~أيضا بأن المسلمين واليونانيين والإسرائيليين - وهم الغالبية العظمى - ينفرون من الحكم ~~البلغاري. ~~••• # فكل من ينظر إلى ما تقدم ويضيف إليه أن البلغاريين بعد تلوثهم بتلك الفظائع لا يسعهم أن ~~يدعوا حب الإنسانية، ولا إنقاذ الأهالي من الظلم التركي، وأن سلامة الأستانة نفسها توجب ~~تغيير خط إينوس وميديا، يعلم أن الدولة أقدمت على العمل بينما كانت دخائل السياسة الأوروبية ~~تشجعها، والحق الدولي بجانبها، ونخوة الجيش العثماني تدفعها، ومشيئة أهالي أدرنه وسلامة ~~عاصمتها وإعادة نفوذها الأدبي توجب الحزم عليها، ثم أضف إلى ذاك كله أن القوة كانت ~~لديها. ~~••• # والمأخوذ من الروايات التي يعتمد عليها أن الحكومة العثمانية لما رأت الظروف مؤيدة لها، ~~خطر لها أن لا تكتفي باحتلال أدرنه وأن تثأر من البلغار، ولكن اعتراض روسيا اشتد وظهر في ~~مظهر الجد حين تجاوز بعض الآلايات العثمانية حدود بلغاريا الأصلية، فقد زار عندئذ سفير ~~روسيا بالعاصمة العثمانية الصدر الأعظم، وألح في وجوب إصدار الأمر إلى أولئك الجنود بالرجوع ~~من أرض بلغاريا. وذكر السفير الروسي بالعاصمة الإيطالية في حديث أن روسيا لا تحارب تركيا من ~~أجل أدرنه، ولكنها لا ترضى بإعلان الحرب على بلغاريا لسحقها. # فعرفت عند ذاك الحكومة العثمانية كيف تقف عند حد الحكمة وأمرت جنودها بالرجوع من الحدود ~~البلغارية، كما عرفت كيف تواصل سياسة الحزم. # أما بلغاريا فإنها لما رأت الدول العظمى لا تساعدها إلا بالكلام، وأن روسيا على الأخص ~~تأبى أن تسفك دماء أبنائها لتعيد إليها أدرنه وسائر تراقيه، حطت من كبريائها ونظرت إلى ~~الحقيقة وجها لوجه، وطلبت إلى الدولة العلية أن تتفق معها مباشرة، فقابلت الدول العظمى ~~هذا الطلب بالارتياح، ورضيت به الحكومة العثمانية، وبناء عليه بعثت حكومة صوفيا وفدا إلى ~~الأستانة برئاسة الجنرال سافوف للاتفاق مع ولاة الأمور العثمانيين، فاتفقوا على المعاهدة ~~الآتية المعروفة بمعاهدة الأستانة. # الهلال العثماني في أدرنه. # | معاهدة الأستانة # المادة الأولى: ms178 # تبتدئ الحدود الجديدة بين الدولتين عند مصب نهر رزوايا على البحر الأسود، ~~متبعة مجراه إلى حيث تلتقي مياه نهري «بروغو» و«دليوا» على مقربة من قرية ~~كاميله، ثم تنحرف من مصب نهر رزوايا المشار إليه جنوبا بغرب فتظل «بلاق» ~~للعثمانيين، وتقام زاوية في تلك الأنحاء تنحرف شمالا بغرب ثم جنوبا بغرب ~~فتترك قرية «ماجوره» وبلدة «بيرغويلو» داخل الحدود العثمانية. ولما كان نهر ~~رزوايا يجري في زاوية على بعد خمسة كيلومترات ونصف من بلدة بيرغويلو ثم ينحرف ~~قليلا إلى الشمال سائرا على الجهة الغربية، فتبقى بلدتا «ليكودي» و«وكلادارا» ~~الداخلتين في تلك الزاوية بلغاريتين، وتظل «سيكنيغووي» و«ماروديو» و«ولفوه» ~~داخل الحدود العثمانية. # ثم يتبع خط الحدود مجرى نهر رزوايا تاركا «طورني» للبلغاريين، وينحرف غربا ~~فيمر على بعد ثمانيمائة متر من قرية «رادوسلاوس» التي تظل في حيازة الدولة ~~العلية، ويسير من هناك في خط مستقيم إلى مصب نهر «بروغو» فنهر «دليوا» مارا ~~على بعد أربعمائة متر من بلدة «كامل كوي» التي تبقى للعثمانيين. # ويتبع خط الحدود مجرى نهر «دليوا» حيث يلتقي بنهر بروغو تاركا «يامباله» ~~و«قنديلجك» و«ديلي» للعثمانيين، وينتهي شرقي «حقوف صو» التي تبقى للعثمانيين ~~أيضا، ويمر خط الحدود بين «حقوف صو» المذكورة و«صوه لي كوى» التي تبقى ~~لبلغاريا متجها شمالا بغرب، ومارا بأرقام 687 و619 و563 على الساحل. # ثم يسير إلى ما وراء قمة 563 فيترك بلدة «فاجرلق» للعثمانيين، وينحرف على ~~بعد ثلاثة كيلومترات من هذه البلدة غربيها وينتهي في نهر «غولينا». وتتبع ~~الحدود مجرى هذا النهر على بعد كيلومترين حتى يصب في نهر آخر اسمه «غولينا» ~~أيضا (نمرة 2) منبعه جنوب «قره يانلر»، وتظل متبعة حتى يفصل هذا النهر قمة ~~الجبال شمال نهر غولينا (نمرة 2) الذي يجري من جهة «ترك الإيلي»، ثم تنتهي على ~~الحدود العثمانية البلغارية القديمة على بعد أربعة كيلومترات شرقي «ترك ~~الإيلي» وشمال «إيفري بول»، حيث كانت الحدود البلغارية القديمة كثيرة ~~الانحراف. # وتفرق الحدود الجديدة عن الحدود القديمة قرب «يالابان باشي» على بعد ~~كيلومترين من كنيسة بلدة «درو يشفه موغ»، وتهبط ms179 على خط مستقيم إلى «سرك دره» ~~تاركه بلدة «درويشفه موغ» للدولة العلية، ومتبعة مجرى نهر «دكرن دره» إلى قرية ~~«يلقارلفكه» التي تظل بيد البلغاريين، ويترك خط الحدود مجرى هذا النهر قرب حدود ~~قرية يلقارلفكه متجها غربا تاركا «تونس لفله» و«ديمتري كوى» للعثمانيين، ثم ~~يتبع خط تقسيم المياه بين «بولا دره» و«دمير خان دره» حيث توضع نمرة 241 إلى أن ~~يصل إلى أبعد نقطة شمالية حيث انحراف نهر مرتزا غربي مصطفى باشا، وتبعد هذه ~~النقطة عن مدخل كبري مصطفي باشا الشرقي 3 كيلومترات ونصفا، ثم تتبع الحدود ~~خطا مستقيما إلى «كرمن دره» شمال جسر سكة الحديد، وكرمن دره هذه ساقية تصب ~~في نهر مرتزا على بعد ثلاثة كيلومترات شرقي قرية «كرمن»، ثم تنحرف الحدود ~~شمالا إلى «تازه تبه» تاركة «كرمن» للدولة العلية ومتبعة مجرى نهر «كرمن دره»، ~~إلى أن تقطع سكة الحديد في الشمال الغربي من قرية «كرمن» المذكورة، وتحاذي ~~دائما مجرى هذا النهر إلى قمة «تازه تبه»، حيث النمرة 313 مارة بأعلاها، ثم ~~تسير في خط تقسيم المياه بين نهري «أردا» و«مرتزا» تاركة مدينتي «يابلاجف» ~~و«كولجك» داخل الحدود العثمانية، وتمر بعد كولجك بساحل 449 ثم 367 منحرفة ~~جنوبا على خط مستقيم إلى نهر «اردا»، ويمر هذا الخط المستقيم على بعد كيلومتر ~~واحد قرب قرية «كيكتساسلي» تاركا هذه القرية بيد العثمانيين. # وبعد ما تصل الحدود إلى ساحل 367 حيث نهر «اردا» تتبع شاطئ هذا النهر الأيمن ~~إلى مطحنة هناك على بعد كيلومترين من قرية «إيتجيرلي»، ثم تسير في خط تقسيم ~~المياه شرقي قرية «غيداخور» مارة على بعد كيلومترين منها، وتاركة قرية ~~«دربزبنا» في الحدود البلغارية إلى أن تصل إلى بعد كيلومتر واحد من قرية «اتبرم ~~دره»، وتتبع بعد ذلك أقصر طريق إلى منبع النهر الجاري بين «أق الان» و«قابلقلي ~~كوى» مارة بنهر «قزل دلى دره»، وبعد ما تترك «كوك بيكاري» داخل الحدود ~~البلغارية تتبع مجرى نهر «قزل دلى دره» إلى منبعه، ثم تتبع أقصر طريق إلى منبع ~~نهر «ماندارا دره»، وتنحو ms180 بعد ذلك مجرى هذا النهر حتى نهر «ماريقا» في الجهة ~~الغربية من «ماندارا»، فتبقى مدينة «كازانتي» لبلغاريا، وقرى «أشاغي كبز» ~~و«اخور باينار» و«ماندارا» للدولة العلية. # ثم يسير خط الحدود بعد ذلك محازيا لمجرى نهر «ماريقا» جنوب قرية «قالدير ~~كوز»، إلى أن ينقسم النهر إلى قسمين على بعد ثلاثة كيلومترات ونصف من القرية ~~المذكورة، فيتبع مجرى القسم الأيمن من النهر ويمر قرب قرية «فريجك» ثم ينتهي في ~~بحر إيجه تاركا مستنقعات «أق صد» و«بحيرني» و«قازلي كوى» و«كبنه لي كولي» ~~للدولة العلية، و«طوزله كول» و«درنه كول» لبلغاريا. # المادة الثانية: # يجب على كل من جيشي الفريقين المتعاهدين أن يعمد إلى الجلاء عن الأراضي التي ~~دخلت في ملك الفريق الآخر بعد عشرة أيام من التوقيع على هذه المعاهدة، وأن ~~يسلمها إليه بعد خمسة عشر يوما طبقا للقواعد والعادات المتبعة، ثم يصرف جيشا ~~الفريقين في خلال ثلاثة أسابيع بعد التوقيع. # المادة الثالثة: # تعود العلاقات السياسية ومواصلات البريد والتلغراف والسكك الحديدية بعد ~~التوقيع. # وينفذ الاتفاق المختص بتعيين المفتين والمذكور بالملحق الثاني في البلاد ~~البلغارية كلها. # المادة الرابعة: # أنه رغبة في توثيق العلاقات الاقتصادية بين الدولتين يتعهد المتعاقدان بأن ~~يعودا منذ التوقيع على هذه المعاهدة إلى تنفيذ الاتفاق التجاري البحري الذي ~~عقد في 6 فبراير سنة 1911، فيبقى نافذا لمدة سنة منذ اليوم، وبأن يظهرا في ~~جماركهما للحاصلات الزراعية والصناعية كل تسهيل ينطبق على الاتفاقات المعقودة ~~بينهما وبين الدول الأخرى، ويتعهدان أيضا بأن ينفذا الاتفاق القنصلي الذي عقد ~~في 18 نوفمبر سنة 1909 للمدة نفسها (أي سنة). # ويجوز لكل من الفريقين المتعاهدين أن ينشئ قنصليات جنرالية أو قنصليات أو ~~فيس قنصليات في جميع الجهات التي يقبل فيها وكلاء دوليون من أراضي الفريقين. ثم ~~يتعهد الفريقان بأن يعينا في أقرب ما يمكن من الوقت لجنة مختلطة للمفاوضة في ~~عقد معاهدة تجارية واتفاق قنصلي. # المادة الخامسة: # يسلم كل فريق أسرى الحرب أو الرهائن إلى الفريق الآخر في خلال شهر واحد منذ ~~التوقيع على هذه المعاهدة أو أقل من شهر إذا ms181 أمكن الأمر، ويكون تسليمهم إلى ~~مندوبين اختصاصيين يعينهم الفريقان، وتحتمل الحكومة التي وقعوا في أسرها نفقات ~~هذا الأسر، ولا تدفع حكومتهم إلا رواتب الضباط. # المادة السادسة: # يمنح الفريقان عفوا تاما للذين اشتركوا في القتال أو كانوا موضع الشبهة في ~~الحوادث السياسية التي سبقت هذه المعاهدة، ويشمل ذاك العفو سكان البلاد ~~المتنازل عنها، ولا ينتهي مفعوله إلا بعد انتهاء أسبوعين يعينهما ولاة الأمور ~~الشرعيون عند احتلال الأراضي التي صارت ملكا للبلغار، ويجب إعلان هذا الميعاد ~~لجميع الأهالي. # المادة السابعة: # يعطى أهالي البلاد التي تنازلت الحكومة السلطانية عنها لبلغاريا مهلة أربع ~~سنوات ليختاروا بين التابعية العثمانية والتابعية البلغارية، ويكفي من يريد ~~البقاء عثمانيا أن يبلغ رادته ولاة الأمور البلغاريين، ثم يكتب اسمه في ~~قنصلية الدولة العلية، وإذا كان الطالب مقيما في بلاد خارجية يكفيه أن يبلغ ~~عزمه إلى قنصلية البلغار ويكتب اسمه في القنصلية العثمانية، وكل طلب من هذا ~~القبيل يعد شخصيا ولا يوجب على الحكومة العثمانية أن تقبله. أما القصر ~~فتعطى لهم مهلة أربع سنوات منذ بلوغهم سن الرشد ليختاروا تابعيتهم. # ولا يحق للحكومة البلغارية في مدة المهلة أن تدعو المسلمين للخدمة العسكرية. ~~ويلزم المسلمون الذين أبوا إلا الرعوية العثمانية أن يتركوا البلاد المتنازل ~~عنها بعد نهاية أربع السنوات، غير أنه يحق لهم أن يتصرفوا بحقوق ملكيتهم هناك، ~~فيبقوا ملاكا وينيطوا إدارة أملاكهم بغيرهم سواء كانت ثابتة أو ~~منقولة. # المادة الثامنة: # ينال الرعايا المسلمون في البلاد البلغارية كلها جميع الحقوق المدنية ~~والسياسية التي ينالها الرعايا الذين من أصل بلغاري، ويتمتعون بحرية العقيدة ~~وحرية القيام بفروضهم الدينية، وتكون عاداتهم موضع الاحترام، ويذكرون اسم جلالة ~~السلطان في صلواتهم بصفته خليفة للمسلمين، ولا يقام أي حائل دون الجمعيات ~~الدينية الإسلامية وعلاقاتها برؤسائها. # المادة التاسعة: # يتمتع البلغاريون في البلدان العثمانية بحقوق سائر المسيحيين المقيمين في ~~بلاد السلطنة. # أما البلغاريون التابعون للدولة العثمانية فيمكنهم أن يحفظوا أملاكهم الثابتة ~~والمنقولة، ولا يمس حق ملكيتهم ولا حقهم الإنساني، ويمكن الذين تركوا بلادهم ~~على أثر الحوادث الأخيرة أن يعودوا ms182 إليها في خلال سنتين على الأكثر. # المادة العاشرة: # تحترم جميع الحقوق التي كان الحصول عليها قبل ضم الأراضي (إلى بلغاريا)، كما ~~تحترم العقود القضائية التي أبرمت على أيدي الموظفين العثمانيين، ولا يمكن ~~نقضها إلا إذا قام برهان قضائي على فسادها. # المادة الحادية عشرة: # تعترف بلغاريا بصحة الملكية العقارية في الأراضي المتنازل عنها طبقا لما ~~تقرر بموجب القانون العثماني من قبل، ويظل أصحاب الأملاك المنقولة والثابتة ~~متمتعين بحقوق الملكية إذا أقاموا مؤقتا أو دائما خارج البلاد البلغارية، ~~ويمكنهم أن يؤجروا أملاكهم أو يديروا شئونها بواسطة آخرين. # المادة الثانية عشرة: ~~«خلاصتها وجوب احترام الأوقاف على اختلاف أنواعها وسائر ما يتعلق ~~بها.» # المادة الثالثة عشرة: # تحترم أملاك جلالة السلطان وسائر أعضاء الأسرة السلطانية في الأراضي ~~المتنازل عنها، ويمكن جلالته وسائر أعضاء أسرته أن يبيعوها أو يؤجروها بواسطة ~~مفوضين من قبلهم، وكذلك أملاك الحكومة العثمانية الخاصة، وإذا عرضت للبيع ~~يفضل الرعايا البلغاريون بشرط أن يدفعوا ثمنا معادلا لما يعرضه ~~الآخرون. # المادة الرابعة عشرة: # يصدر الفريقان المتعاهدان أوامرهما إلى أولياء الأمور في الولايات بأن يوجبوا ~~احترام المدافن، وخصوصا مدافن الجنود، ولا يمنعون الأقرباء والأصدقاء من ~~زيارتها. # المادة الخامسة عشرة: # يمكن رعايا كل فريق من المتعاهدين أن يقيم ويتنقل بحرية في أراضي الفريق ~~الآخر، كما كانوا في الزمن السالف. # المادة السادسة عشرة: # تنتقل جميع الحقوق والواجبات التي كانت للحكومة العثمانية إلى الحكومة ~~البلغارية فيما يتعلق بقسم الخط الحديدي (الممتد في الأراضي المتنازل عنها) من ~~خطوط شركة السكك الحديدية الشرقية، وتتعهد الحكومة البلغارية بأن تعيد إلى ~~الشركة المشار إليها جميع المعدات التي استولت عليها. # المادة السابعة عشرة: # كل ما يقع من الخلاف في تفسير أو تنفيذ المواد (12 و13 و16)، أو الملحق (نمرة ~~7) يحال على محكمة «لاهاي» لتفصل فيه. # المادة الثامنة عشرة: # تعتبر جميع الملحقات بهذه المعاهدة جزءا منها لا ينفصل. # 1 # المادة التاسعة عشرة: # يحافظ الفريقان على بنود معاهدة لندرا، إلا ما ألغي أو عدل منها بموجب ~~هذه المعاهدة. # المادة العشرون: # تعد هذه المعاهدة نافذة منذ ms183 التوقيع عليها، ويصدق عليها في خمسة عشر ~~يوما. ا.ه. # وقد وقع عليها مندوبو الفريقين، وكتبت منها نسختان في 19 سبتمبر سنة 1913. # وأجمع مراسلو عدة جرائد أوروبية ومراسلا المقطم والأهرام في الأستانة على أن كبير قومه ~~سليمان أفندي البستاني وزير الزراعة والتجارة، كان له فضل مأثور وسعي مشكور في عقد هذا ~~الاتفاق الذي انطبق على مصلحة الدولة العثمانية وكفاها مئونة حرب ثانية. # ونشرت جريدة البرلينر تاجبلاط حديثا للموسيو نانشوفتش المندوب البلغاري الذي أوفدته ~~حكومته إلى الأستانة لإجراء المفاوضات التمهيدية قال فيه: «إن البستاني أفندي أظهر في ~~المفاوضات التمهيدية براعة ووطنية كبيرة، ودل على أنه الرجل الخبير الذي يعرف كيف ~~يدافع عن مصلحة وطنه، فأهنئ الوزارة العثمانية به، وأرى أنه يجدر بها أن تفتخر ~~بمثله.» # أما الأساس الذي وضعه البستاني للمفاوضات فهو أن تبقى أدرنه وقرق كليسا للدولة العلية، ~~وأما بقية الشروط فقد تم الاتفاق عليها بعد وصول الوفد البلغاري الرسمي إلى دار ~~الملك. # وليس هناك ريب في أن الحكومة العثمانية فازت فوزا كبيرا بعقدها تلك الشروط وإلغائها ما ~~جاء في معاهدة لندرا التي ماتت عند ولادتها وانقلبت سيفا ونارا على البلقانيين، أما وجوه ~~الفوز فأولها: أن الدولة العلية نالت بدلا من حد إينوس وميديا حدا حربيا يمكنها من ~~الدفاع عن عاصمتها، والثاني: أنها استردت أدرنه ومعظم تراقيه، والثالث: أن مقامها الأدبي ~~ارتفع على أثر هذا الفوز لدى الدول الأوروبية والأمة العثمانية والعالم الإسلامي. # | قيمة البلدان التي خسرتها الدولة العلية # نعقد هنا فصلا للولايات التي خسرتها الدولة العلية بعد ما ذكرناه من الحوادث الفواجع، ~~وسيرى المطالع أن الولايات الخمس التي فقدناها، والبلاد الألبانية التي فصلتها الدول عن جسم ~~السلطنة، والجزر التي لم يجزم في أمرها حتى صدور هذا الكتاب، هي مملكة واسعة طالما كانت ~~مطمح أنظار الفاتحين من الملوك والسلاطين. # ولاية سلانيك: # أشهر مدنها ثغر سلانيك، وسيزور القائمة على مقربة من نهر ستروما والشهيرة ~~بزراعة التبغ والأرز والقطن، ومدينة أورفاني وهي ميناء على خليج باسمها، ~~وكوبريلي، وقوله التي ولد فيها محمد علي ms184 باشا رأس الأسرة الخديوية، ~~ومساحة الولاية خمسون ألف كيلومتر، وجوها على ثلاثة أقسام: بارد على ~~جبالها، ومتوسط على روابيها، وحار في سهولها، وتجارتها البذور والثمار ~~والعنب والتبغ والقطن، وعدد أهلها 1200000 نفس بينهم نحو أكثر من 560 ألف ~~بلغاري، والباقون من المسلمين والإسرائيليين والفلاخ واليونان، # 1 # وهي وطن الإسكندر ذي القرنين. # أما مدينة سلانيك، فهي قائمة داخل خليج يسمى باسمها، وعدد أهلها نحو 150 ~~ألف نفس نصفهم من الإسرائيليين والباقون من المسلمين واليونان والبلغار ~~والصرب. ومركزها من أفضل المراكز البحرية؛ لأنها قريبة من آسيا وأفريقية ~~وقناة السويس، ومشتملة على خط حديدي يصلها بالطونه وأوروبا، وكل من ينظر ~~إلى موقعها الطبيعي الجميل يتكهن لها عن مستقبل جميل، وهي أهم ثغور تركيا ~~أوروبا بعد الأستانة. # أما آثارها فأخصها سور ممتد على ثمانية كيلومترات ومشيد منذ القرون ~~الوسطى، ثم مسجد كان كنيسة للقديسة صوفيا وهو مبني على طراز مسجد أجيا ~~صوفيا الشهير في الأستانة لكنه أصغر مساحة منه، وهناك مسجدان آخران أحدهما ~~يسمى جامع إسكي جمعه والثاني جامع القديس ديمتري؛ لأنه كان كنيسة باسم هذا ~~القديس. # وهي قديمة العهد عظيمة التاريخ رأت الحروب المقدونية القديمة وأصيبت ~~بالخراب، ثم جدد كاساندر بناءها سنة 315 بعد المسيح وسماها تسالونيك، ولقد ~~بلغت شاهقة المجد في عهد الرومانيين وكانت محط رحال التجار، وسقطت تحت ~~سلطان اليونان غير مرة، ثم فتحها السلطان مراد الثاني سنة 1430، وبعد ~~معاهدة برلين اشتد طموح اليونان والبلغار إليها، وما برحت موضوع التنازع ~~بينهم حتى الساعة. # ولاية مناستر: # مساحتها 27300 كيلومتر مربع، وعدد أهلها نحو 851300 نفس، كان بينهم قبل ~~الحرب نحو 180 ألف مسلم، وأشهر مدنها مناستر وهي مدينة تجارية خطيرة، فيها ~~معامل للأسلحة ونسيج الحرير واللباد، ثم مدينة بريزرن (أوبريزرند)، ومدينة ~~إيلبصان التي فيها مياه كبريتية حارة، واوخريده القائمة على بحيرة تسمى ~~باسمها، وبرليبه المعروفة بإتقان صنع المقصات والمدى، وكاستورا القائمة على ~~بحيرة تسمى باسمها. # ومدينة مناستر تعد من المواقع الحربية المهمة بالنظر إلى ملتقى عدة طرق ~~تصلها بسلانيك واسكوب وأدرنه. ومما ms185 يذكر أن هناك خطا حديديا نال ~~امتيازه جماعة من الماليين الألمانيين، فمدوه في أراض خصيبة جدا بين ~~سلانيك ومناستر. # ولاية قوصوه: # يبلغ عدد أهلها نحو مليون نسمة، ومساحتها 27561 كيلومترا وهي عظيمة ~~الشهرة في تاريخ الصرب؛ لأن الأتراك قهروهم في سهلها سنة 1389 وفتكوا بهم ~~فتكا ذريعا، وأشهر مدنها أسكوب وبرشتينا وأشتيب. # ولاية أدرنه: # رأى المطالع من نص معاهدة الأستانة أن الدولة العلية بعد أن خسرت ولاية ~~أدرنه كلها على التقريب بمقتضى معاهدة لندرا، عادت فاسترجعت مدينة أدرنه ~~وقرق كليسا وشطرا كبيرا من تراقيه، فكان استرجاع مدينة أدرنه التي بقيت ~~عاصمة للسلطنة مدة سبعين سنة قبل افتتاح القسطنطينية ربحا كبيرا، كما ~~أوضحنا في فصل سابق. # أما أشهر المدن الأخرى الباقية للدولة من ولاية أدرنه فهي كليبولي على ~~بحر مرمرا عند مدخل الدردنيل، ورودوستو على بحر مرمرا أيضا، وإينوس عند ~~مصب نهر مريتزا (مريج)، وغيرها مما يراه القارئ في خريطة تراقيه المفصلة ~~والمنشورة في غير هذا الموضع، ومساحة ولاية أدرنه كلها 41407 كيلومترات ~~مربعة. # ولاية أشقودره: # مساحتها نحو 10700 كيلومتر مربع، وعدد أهلها نحو 322000، بينهم نحو 14000 ~~ألباني كاثوليكي، و80000 ألباني مسلم، و12000 تركي، و10000 من الفلاخ، ~~و5000 من البوهميين، و5000 من الإسرائيليين. # أما عاصمتها فمدينة أشقودره، وهي واقعة على 735 كيلومترا من الأستانة ~~ومشيدة في سهل، تكثر عندها المستنقعات فتجلب الحمى، وتنبسط لديها ~~بحيرة تسمى باسمها، وهي تشبه من بعض الوجوه مدينة «جنوى» بالنظر إلى ~~بحيرتها والنهر الذي يتسرب هناك والجبال التي أمامها، وقد فتحها الرومانيون ~~والصربيون والغوطيون والفينيقيون والمجريون ثم الفينيقيون أيضا، وفي سنة ~~1477 فتحها الأتراك وبقيت في قبضتهم حتى خسروها في هذا الزمن. # 2 ~~••• # تلك هي البلدان التي خسرناها في هذا الزمن السيئ الطالع علينا، وحسبنا لنظهر أرباح خصومنا ~~أن نذكر للمطالع إحصاء تقريبيا حديثا نشرته الجرائد الأوروبية بعد الحربين البلقانيتين ~~وبعد معاهدة بوخارست، وهو: # كانت مساحة بلغاريا 96300 كيلومتر مربع، وكان عدد أهلها 4380000 نفسا، فصارت ~~مساحتها بعد ما أخذته رومانيا من أملاكها بمقتضى معاهدة بوخارست ms186 88800 كيلومتر ~~مربع، وصار عدد أهلها 410000، أما الأراضي التي أخذتها من بلاد تراقيه فمساحتها ~~32700 كيلومتر مربع، وعدد أهلها 670000 فتكون مساحة أرضها اليوم نحو 129000 كيلومتر ~~مربع، وعدد أهلها 5050000 نفس، فهي إذن لا تزال رابحة. # وكانت مساحة أراضي اليونان 64600 كيلومتر مربع، وعدد أهلها نحو 2800000، أما ~~الأراضي التي ضمتها إليها بعد الحربين فتبلغ مساحتها نحو 56000 كيلومتر مربع، وعدد ~~أهلها نحو 1900000 نفس، فيكون مجموع أهلها الآن نحو 4700000. # وكانت مساحة أراضي صربيا قبل الحربين 48900 كيلومتر مربع، وعدد أهلها 2950000 ~~نفس، فصارت مساحتها بعد الأراضي التي غنمتها 84400 كيلومتر مربع، وعدد أهلها ~~4240000 نفس. # أما رومانيا فقد كانت مساحتها قبل الحربين 131000 كيلومتر مربع، وعدد أهلها ~~7262000 نفس، وأما الأراضي التي اغتصبتها من بلغاريا فتبلغ مساحتها 7500 كيلومتر ~~مربع، وعدد أهلها نحو 280000 نفس، وعليه يكون مجموع مساحة رومانيا بعد الحربين ~~138800 كيلومتر مربع، ومجموع أهلها 7550000 نفس. # على أنه يجدر بنا أن نكرر هنا أن هذا الإحصاء تقريبي، ولكنه قريب جدا من الحقيقة ، ثم ~~يجدر بالمطالع أن يسقط من أعداد الأهالي ألوفا كثيرة ذهبت فريسة الجوع، أو سالت نفوسها ~~على ظبى السيوف وتحت نيران المدافع. # ومما لا ريب فيه أن ربح اليونان كان أعظم من سواه بالنسبة إلى عديدهم وخسارتهم، ولا سيما ~~أنهم سينالون عدة جزر لها شأن حربي كبير وأخصها جزيرة كريت المشتملة على خليج الصودا ~~الشهير، وسيكون لتلك المواقع إذا بقيت لليونان شأن يحمل الدول التي يهمها البحر المتوسط ~~على خطبة مودتهم، وأضف إلى هذا كله الأرباح الاقتصادية، فإن الموسيو فنزيلوس رئيس وزارتهم ~~يرى دخل الولايات المكتسبة سيكون في العام المقبل نحو 4171000 جنيه عثماني. # | أفضل الوسائل لإنهاض السلطنة # خطر لنا عند الفراغ من تأليف هذا الكتاب، أن نستطلع آراء نخبة من أكابر العلماء وفحول ~~الكتاب، عن أفضل وسيلة تنهض بالسلطنة بعد كبوتها وتزيد في يقظة الأمة بعد غفوتها، فسألنا ~~من أسعدنا الحظ بالوصول إليه قبيل صدور هذا المؤلف أن يصوغ لنا فكرته الأساسية في ms187 أسطر ~~قليلة، فتكرموا بتلبية الطلب، أدامهم الله زهرا نضيرا في بستان العلم والأدب، وإليك ~~آراءهم مرتبة حسب تواريخ ورودها. ~~(1) رأي سياسي شهير # كتب إلي عالم كبير لم يشأ أن ينشر اسمه قال: «إن الأمر عويص جدا لأن في ~~السلطنة فواعل كثيرة متناقضة وبعضها خفي، ولقد سمعت مرة المرحوم نوبار باشا رئيس ~~الوزارة المصرية الأسبق يقول: إن لورد دربي ألقى عليه سؤالا مثل سؤالك وطلب منه أن ~~يرتئي رأيا أو يضع مشروعا نافعا للسلطنة العثمانية، قال نوبار: فأخذت القلم وكتبت: ~~«أن ينشأ في السلطنة محكمة مختلطة مستقلة ترفع إليها الشكاوى من المأمورين، فتحاكمهم ~~وتنفذ الحكومة ما تحكم به عليهم.» # فما أدق هذا الانتقاد، وما أرق هذا التهكم ...! ~~(2) رأي القانوني الكبير، والعالم الاجتماعي الشهير سعادة فتحي باشا زغلول # أقرئك السلام وبعد، فسؤلك هام ومطلبك أهم. # الدولة العلية رعاك الله مجموع يحتاج في سياسته وإنهاضه إلى حكمة عالية وبصر بالأمور ~~كبير، فإذا غلب الرأي الهوى وبطل التفاضل بين العناصر وأقيم وزن العدل وتساوى الناس ~~جميعا في الحقوق وفي الواجبات، وإذا خلصت نيات أهل الزعامة وصدقت عزائم ذوي الرئاسة ~~ففضلوا مصالح الأمة على المنافع الفردية، وجد الكل في طلب الإصلاح فنشروا التعليم ~~وعنوا بالأمور الاقتصادية، فاستبقوا لأنفسهم مرافق البلاد وكنوزها وذللوا السبل وأمنوا ~~السابلة وقربوا المسافات، ثم ازدرعوا واحترفوا واتجروا فأحرفوا، وإذا أحكموا نظام الجند ~~وهذبوه لا شك أن الدولة ناهضة من سقطتها، وأن الأمة ناشطة من عقالها، وأنها نائلة من ~~الحضارة والمناعة مكانا عليا. ~~(3) رأي العالم العامل الشهير، والصحافي المحنك الخبير الدكتور فارس أفندي نمر صاحب ~~المقتطف والمقطم # حضرة الفاضل، إن كان المقصود من «السلطنة» في سؤالكم «الحكومة والأمة» في حالتهما ~~الحاضرة؛ أي الدستورية، فوسائط إنهاضها متعددة منها مادي ومنها أدبي، ولكل واسطة ~~منها قوة لا يستغنى عنها وخصوصا وسائط العلم والمال، على أن في الحكومة وفي الأمة ~~رجالا من ذوي العلم وذوي المال، فلا يعوزهم إدراك ولا يسار، ولكن الذي ينقصنا هو ~~تربية الحكومة على الأخلاق القويمة والصفات المنظمة والمرقية لشئون الهيئة ms188 الاجتماعية ~~حتى نستطيع الاتحاد والتعاون على تدبير أمورنا وإنجاح أعمالنا، ونحن جماعات كما يستطيع ~~كثيرون منا اليوم تدبير أمورهم وإنجاح أعمالهم وهم أفراد. ~~(4) رأي شيخ الأدباء، وكبير الشعراء سعادة إسماعيل صبري باشا # التوظيف: # إذا أراد التركي أن يستبقي ما بقي له من ملكه فلا يفرقن بين ~~التركي وسائر الأجناس التي تتألف منها الدولة العثمانية، بل يجب عليه ~~أن يفضل في التوظيف في كل بلد أهل الكفاءة من بنيها، فلا يوظف التركي ~~في بلد غير بلده الأصلي إلا إذا كان يتعسر وجود أكفاء مثله من أبناء ~~ذاك البلد، فتتعود جميع العناصر التي تتألف منها الدولة حب الراية ~~التي تظلهم والأراضي التي تقلهم، فيقوم عندئذ وطن عثماني حقيقي ~~يحبونه ويذبون عنه في اليوم العصيب. # التعليم: # التعليم من أوجب الواجبات لنهوض الشعب العثماني مما هو فيه، ولا ~~يراد بالتعليم أن يصبح جميع الأفراد من العلماء بل يكفي أن يكون هناك ~~عدد وافر من المتعلمين يسيرون بالدولة إلى مقام الشعوب الراقية، وأن ~~يتعلم باقي أفراد الأمة ما يمكنهم من فهم قادتهم وأرباب الرأي ~~فيهم. # العدل: # العدل بسيط في معناه صعب في تنفيذه بين الأفراد، وأكبر آفاته الغرض ~~والرشوة، فإذا أرادت الدولة أن يسود فيها العدل فلتصرف كل جهدها في ~~ملاشاة هاتين الآفتين، ولتحذر من أن تستعين بالأجانب في سن قوانينها ~~وتوزيع العدل بين رعاياها، ومن أن تطلب غير أبناء بلادها لإقامة العدل ~~وسن القوانين، وإلا تعذر عليها أن تجد عدلا وطنيا متفقا مع أخلاق ~~أمتها وعاداتها. وما يقال في العدل يقال أيضا في سائر فروع الإدارة، ~~وإذا كانت الحكومة لا تجد مندوحة عن الاستعانة بالأجانب الأكفاء فلا ~~تطلبهم من حكوماتهم، بل تكلفهم وضع التقارير بعد اختبارهم لحالة ~~البلاد، ثم تأخذ النافع والموافق لعادات الأهالي من تلك التقارير دون ~~أن تجعل أصحابها موظفين رسميين. ~~(5) رأي العالم الاجتماعي الشهير الدكتور شبلي الشميل # الدولة لا تنهض إلا بثلاثة: رجال ومال ووقت، والرجال بالعلم والتربية، والمال ~~بالموارد، فهل ذلك متوفر؟ ولا سيما الوقت وحالنا في الاجتماع كما هي ms189 من قلة التكافؤ مع ~~ما هو عليه اليوم من شدة التنازع؟ والجواب على ذلك يدل على المصير. ~~(6) رأي الأستاذ الفاضل الشهير أبو شادي بك رئيس تحرير جريدة المؤيد # رأيي أن الدولة لا تنهض من سقطتها ولا تعود إلى سابق مجدها إلا إذا توفر لديها ما يأتي: # أولا: # تعميم التعليم في أنحاء البلاد وجعل الأولي منه إجباريا. # ثانيا: # إزالة التنافر بين العناصر، ولا يكون ذلك إلا بمنح كل ولاية ~~استقلالا إداريا داخليا حتى يعلم كل فرد أن اجتهاده منصرف إلى ~~بلده وإلى نفسه. # ثالثا: # إيجاد الأكفاء من الموظفين؛ إذ بغير شك أن قوانين الدولة عادلة ولكن ~~تنفيذها معدوم. # رابعا: # إصلاح جباية الضرائب بحيث تكون الضرائب متسلطة على الأعيان لا على ~~الحاصلات وتنظيم أوقات تحصيلها. # خامسا: # نزع السياسة من أفكار الجيش. # سادسا: # تعميم اللغة العربية في جميع الولايات وبين المسلمين بنوع أخص؛ وذلك ~~لأن مظهر الدولة إسلامي والقرآن عربي. ~~(7) رأي العالم الإسلامي الكبير السيد رشيد رضا صاحب المنار # الدولة كائن حي يحفظ وجودها بالسنة التي تحفظ بها حياة سائر الأحياء، وهي سلامة ~~مزاجها في نفسها ووقايته مما يعدو عليه من الخارج. # فأما سلامة مزاج دولتنا العثمانية في نفسه فإنما يكون بإقامة الشرع العادل في القضية، ~~والمساواة في الحقوق بين الرعية، وبناء إدارة المملكة على أساس اللامركزية، وجعل السلطة ~~العليا شق الأبلمة بين العنصرين الكبيرين فيها - العرب والترك - بحيث يكونان منها ~~كالعنصرين اللذين يتكون منهما الماء والهواء، وأما وقايتها مما يعدو عليها من الخارج ~~فهو الآن منوط بدول أوروبة الكبرى، فهن أصحاب المطامع فيها ومطامعهن متعارضة، وما دامت ~~كذلك كانت الدولة آمنة على نفسها من اقتسامهن إياها بالقوة، فيجب أن تتقي استيلاءهن على ~~البلاد بقوة المال والسياسة أي بالفتح السلمي، وأن تقوي مزاج الأمة بالمال والعلم ~~وإعدادها للدفاع عن نفسها، فإذا هي فرطت في مرافقها وأملاكها فباعتها للأوروبيين وبقيت ~~على تبذيرها وتوهمها أنها تستطيع أن تحمي نفسها منهن بقوتي الدولة البرية والبحرية ~~الرسميتين، ولم تجعل كل اعتمادها على الأمة فالخطر عليها من الفتح ms190 السلمي أقرب وأقوى من ~~خطر الفتح الحربي. ~~(8) رأي الكاتب النحرير الشهير داود أفندي بركات رئيس تحرير جريدة الأهرام # رأيي في إصلاح السلطنة العثمانية أن تقسم مناطق، وأن تكون كل منطقة مؤلفة من العناصر ~~المتفقة في التقاليد والعادات واللغة، فتعطى الاستقلال الإداري تبت من أموره كل ما ~~لا يتناول منطقة أخرى أو أكثر من منطقة، ويعين لكل منطقة مندوب سام يعاونه مجلس إدارة ~~يؤلف من الفنيين في الأمور المالية والإدارية والقضائية والعسكرية، ويؤخذ للمركز العام ~~جزء معين من دخل كل منطقة، وتلغى الضرائب العشرية، وتقرر ضرائب ثابتة معينة على ~~الأملاك، وتوضع قوانين للشركات على اختلاف أنواعها، ويوحد القضاء فلا يكون من ~~اختصاص رجال الدين إلا الأمور الشخصية، فتكون الدولة مؤلفة من ولايات متحدة أو مناطق ~~متحدة. # ذلك رأيي في إنهاض السلطنة بسرعة. ~~(9) رأي العالم المؤرخ جرجي بك زيدان صاحب مجلة الهلال # العلة الحقيقية في حال الدولة العثمانية اليوم فقر المملكة واضطراب الحكومة، ~~والحكومة الدستورية في أيدي الأمة، والأمة العثمانية ضعيفة الأخلاق، عريقة في الانقسام ~~بسبب ما توالى عليها من أعصر الفساد. # أما المملكة ونعني الولايات الباقية منها في آسيا، فليس فقرها أصليا فيها وكل ولاية ~~منها كانت في بعض الأزمان مملكة قائمة بنفسها، فالعراق كانت وحدها مملكة البابليين ~~والآشوريين، وبها اعتز العباسيون في إبان دولتهم، وكانت جبايتها ثلث جباية مملكتهم ~~الواسعة الممتدة من حدود الهند إلى شواطئ الأتلانتيكي، وسوريا كانت مؤلفة من عدة دول ثم ~~اعتز بها السلوقيون أجيالا وكذلك آسيا الصغرى، وظلت مدة هي أعظم أركان الدولة ~~العثمانية. # فهذه الولايات إذا أحسنت سياستها وإدارتها صارت غنية، وهذا لا يتم والأمة كما تقدم، ~~فالوسيلة المثلى للنهوض بالدولة العثمانية إنما هي ترقية الشعب وهو لا يقدر أن يرقي ~~نفسه رغم استعداده الطبيعي للرقي، وقد يقوم بذلك حاكم عادل عاقل إنما يشترط أن يكون ~~مستبدا وهذا لا يتيسر والحكومة دستورية. # فلا بد من الاستعانة بالأجانب وأسلم الطرق أن تتحالف الدولة العثمانية مع دولة تثق ~~بصداقتها، فتستعين برجالها على إصلاح حكومتها وترقية شعبها وصيانتها ms191 من مطامع الدول ~~الأخرى، بشرط أن لا يكون لهذه الدولة مطمع في الاستعمار، فإذا وفقت إلى ذلك في ~~أثناء أربعين سنة نهضت واسترجعت رونقها. ~~(10) رأي الشاعر الكاتب الطائر الصيت خليل أفندي مطران # أخي؛ سألتني عما أرتئيه لإصلاح الدولة العلية، فالذي أرتئيه إنما هو أمر واحد يلخص ~~في كلمة واحدة: التعليم. # منذ عشرين سنة أرقب حوادث الدولة وأستقري ما يجري فيها، فالذي بدا لي من شأنها في كل ~~حال: أن الحكام كانوا لا يهتمون بإصلاحها اعتمادا منهم على جهل الأمة، وعلى تسليمها ~~لهم بسبب ذلك الجهل، وأن المحكومين كانوا فاقدي الحيلة في التماس ما هو خير لهم وكانوا ~~صابرين على مضض، وربما أومض لهم بارق الإصلاح في إحدى المصادفات فتألموا منه تألمهم من ~~الرمد المفاجئ. # فهؤلاء المحكومون ما لم يتعلموا لا يقيمون لأنفسهم وزنا ولا يفرقون بين حق لهم وحق ~~عليهم، كما أن أولئك الحكام أيا كان جنسهم ودينهم يلبثون أبد الدهر متنكرين لأمتهم ~~جانين عليها، إلا حيث تضطرهم إلى الإصلاح اضطرارا وتأخذ منهم قسرا ما يأبونه عليها ~~اختيارا. # وكل ذلك لا يتم شيء منه إلا بالتعليم. ~~(11) رأي الكاتب الشهير محمد أفندي مسعود # حياة الدولة في مستقبلها، ومستقبلها في حكومة كفيلة باسترجاع مجدها المضيع، وهذه ~~الحكومة لا توجد إلا متى عرف رجالها قدر أنفسهم، فوضعوها فوق عبث الأحزاب. ~~(12) رأي الصحافي الخبير والكاتب الألمعي سامي أفندي قصيري المحرر في المقطم # لما كانت الدولة العثمانية فيما مضى دولة استبدادية قائمة على حكومة الفرد كانت تقوى ~~بقوة ذلك الفرد وتضعف بضعفه وتسعد بسعده وتشقى بشقائه، أما الآن وقد أعلن فيها الحكم ~~الدستوري مراعاة لأحوال الزمان والمكان وتبدلت حكومة الفرد بحكومة الأمة، فصلاح ~~الحكومة قائم بصلاح الأمة. ولا يكون ذلك في رأيي إلا بنشر التعليم الحر بين طبقاتها ~~والفصل بين دنياها ودينها، والتأليف بين عناصرها وطوائفها حتى تصبح جميعها كتلة واحدة ~~يحركها من أعلاها إلى أسفلها عامل واحد هو عامل الوطنية، وتجمعها من أقصاها إلى أدناها ~~جامعة واحدة هي الجامعة العثمانية. ~~(13) رأي الكاتب الشهير فرح ms192 أفندي أنطون صاحب مجلة الجامعة # إن سنة التطور # evolution # التي تحكم العالم المادي ~~والعالم الاجتماعي أمر لا مفر منه، فما السبيل إلى جعل التطور في السلطنة لها لا عليها؟ ~~لا أظن أن صديقي المؤلف يكلفني الجواب على هذا السؤال في بضعة أسطر، على أن كل ما يقوله ~~الكاتب ويفكر فيه المفكر في هذا الشأن أمر معلوم، فما تنقصنا الأقوال ولكن تنقصنا ~~الأفعال، فقد يقال: «العدل والسواء وتوسيع سلطة الولايات وقطع دابر الرشوة بحسن اختيار ~~الموظفين وشدة مراقبتهم وإصلاح المحاكم وتنظيم البوليس وتقويته، وإنشاء الطرق الحديدية ~~واستثمار الأرض ظهرها وبطنها (الزراعة والمعادن)، وإحياء الصناعة والتجارة والمستشارون ~~الأجانب وتنظيف الدوائر العليا والدنيا ... إلخ إلخ» وكلها أشياء جميلة، ولكني أرى أمرا ~~آخر مقدما عليها وإن وجد المال وقوة الإرادة لإنفاذها، وهو ما أسميه «الانسلاخ» أعني ~~به انسلاخ الرجل الشرقي القديم - وكلنا ذلك الرجل - من جلده القديم وروحه القديمة ~~واتخاذه جلدا جديدا وروحا جديدة، ومعنى هذا بكلام مجرد من الزخرف والخيال تغيير ~~السياسة التي حكمت بها السلطنة وجعلها بوزيتيفيست # positiviste # وهنا المشكلة العظمى ، فإنه يجب بناء أعمال الحكومة على ~~هذه السياسة من غير أن يصدم هذا البناء معتقدات العناصر المختلفة وأوهامها؛ أي سوق ~~التطور في طريق هذه السياسة من غير أن يؤدي إلى كسر في أعضائها، ورأس سياسة الوزيتيفست ~~أن يفصل الدين عن السياسة الدنيوية عند جميع العناصر العثمانية، وبعد هذا الفصل يمكن ~~الالتجاء إلى موحدة الأمة وبانية أساس مستقبلها أعني بها المدرسة الابتدائية ~~الإلزامية - واحدة لجميع أبناء الأمة، وبمعزل عن المذاهب الدينية لتوحيد أغراض الأمة ~~وأهوائها ما أمكن التوحيد، وجعلها أمة واحدة لا أمما متخلفة كما هي الآن. ~~(14) رأي الأستاذ القانوني الشهير عزيز خانكي بك # يجب أن تبدأ الدولة بإعطاء ولاياتها الاستقلال الذاتي الداخلي ثم تجعل الصلة بينها ~~وبين ولاياتها كالصلة بين ممالك ألمانيا والإمبراطورية، أو كالصلة بين الولايات المتحدة ~~الأمريكية والجمهورية، ثم تتعاون جميع الولايات على تكوين قوة الدولة البرية والبحرية، ~~بمعنى أن كل ولاية تشترك بنسبة ثروتها. # هذا من جهة سياسة ms193 الدولة من حيث مجموعها، أما رقي الولايات فلا أمل فيه إلا بإنشاء ~~المحاكم، ووضع القوانين النظامية على الطريقة العصرية، وإقامة المدارس، ومد السكك ~~الحديدية، وتوطيد أركان الأمن العام، وإجراء الإصلاحات العامة اللازمة لكل بلد، مثل ~~إنشاء السكك الزراعية وبناء القناطر للري، وتسهيل المواصلات البرية والبحرية، وتعميم ~~بعض النظامات الغربية مثل التلغرافات والتلفونات وتنظيم البريد داخل الولايات، وتشجيع ~~الأهالي على إنشاء الشركات للاستئثار بخيرات هذه الأقطار التي يقال إنها كلها كنوز لا ~~تنفد. ~~(15) رأي الأستاذ الفاضل الشهير إسكندر بك عمون # أصلح نظام للدولة على ما بين العناصر والولايات العثمانية من التباين في الحاجات، ~~والأخلاق، والعادات، والتقاليد، وعلى ما بين أهليها من التفاوت في الحضارة، أن تجعل ~~ممالك أو ولايات مستقلة في جميع شئونها الخاصة استقلالا تاما حتى في قوانينها، وفي ~~شكل حكومتها مع ارتباطها جميعا في الشئون العمومية على نحو نظام الولايات المتحدة ~~الأميركانية أو الممالك الجرمانية، فتسمى حينئذ الولايات أو الممالك العثمانية ~~المتحدة. # ولهذا النظام مزية على كل نظام آخر وهي: أنه النظام الوحيد الذي يمكنه أن يجمع بين ~~الولايات والإمارات العربية في جزيرة العرب وسائر الولايات الأخرى الممتازة وغير ~~الممتازة. ~~(16) رأي الكاتب العالم نجيب بك البستاني أحد مؤلفي وأصحاب دائرة المعارف ~~البستانية # أهم ما يجب لإحياء أمر الدولة العثمانية وإعلاء شأنها إنما هو العدل الصحيح في ~~الرعية، وإصلاح المالية؛ فهما أساس الملك وبهما قوام الدولة: ذلك بأن تشترك جميع عناصر ~~المملكة في الأمر على نسبة كل منها إلى المجموع، فيعهد في الوظائف إلى ذوي الكفاءة ~~وتؤدى الرواتب في مواقيتها، وتوضع المكوس على ما تطيق الرعية، وتستثمر المعادن، وتقام ~~أعمال الري والطرق الحديدية، وغيرها على السواء في جميع أقطار البلاد، وتستعمل الدولة ~~في الإصلاح وتعميم التعليم العلماء الراسخين من الشرقيين والغربيين، ويكون الانتخاب على ~~ما يضمن لكل ملة العدد النسبي من الأعيان والنواب دون محاباة أو تفاضل، فمتى حصل ذلك ~~توفرت الأموال واتحدت كلمة الجيش وساد الأمن، واستوثقت الرعية من الوازع وانتظمت الشورى ~~وحصلت الألفة بين الأمم المختلفة، وانصرف هم ms194 القائمين بالأمر إلى استصلاح الزراعة ~~وترقية الصناعة والعناية بأسباب العمران ونبذوا الشقاق، وصدقوا في حب الوطن وتعاونوا ~~على الأمر مخلصين منزهين عن المطامع الشخصية بما يزيد هيبة الحكومة ويؤيد ~~سلطانها. # يتم ذلك بإذن الله إذا امتنعت الدول عن تعكير الأمر على العثمانيين، وجرى هؤلاء نحو ~~ما تقدم ربع قرن أو ما يزيد لتنال الناشئة، وعليها المعول في الاحتفاظ بعمل الإصلاح، من ~~العلم والمدنية والمران على الأعمال ما يضمن للدولة كيانها وعظمتها وللعثمانيين اتحادهم ~~واستقلالهم. ~~(17) رأي الكاتب البليغ الأستاذ أمين أفندي البستاني # سألتني رأيي في الدولة ومصيرها: جاز بالدولة في هذا العام عبرة كبرى إذا لم تعتبر بها ~~نالها ما هو شر منها، وللدولة الآن بقية ملك هو أبعد مدى وأمنع حمى وأطيب بقعة من ~~جل الممالك الأوروبية، فهل لها أن تعدل في الباقي من هذا الملك وتمنعه حادثات الدهر؟ ~~الله أعلم. على أن الدولة لا تجهل أشراط الملك على المالك وما هو مبق له وما هو ذاهب ~~به، حتى لقد أصبحت الدلالة على وجوه الإصلاح المنشود من مبتذلات الكلام وملوكات الأفواه ~~والأقلام، فهل للدولة أن تعمل بما علمها الدهر على حين لم يبق لها من ناصر إلا ما ~~تسعى إليه من ترميم هذا الملك العزيز، وإلا فقد قضى الله بما لا دافع له ولا مانع منه، ~~وحسبكم الإشارة يا ألباء هذه الدولة، فاعدلوا بين ضروب الرعية؛ لأن دولتكم مستمدة من ~~جملتها لا من أبعاضها وقدموا الكفؤ على غيره مهما كانت نبعته ومنبت أسلته، واستعملوا ~~الأجنبي في تدبير ما أنتم ضعاف عن تدبيره، واسلكوا القصد في عملكم من غير سرف ولا ~~تفريط، وخذوا بالجديد الصالح واخلعوا القديم المبتذل، ثم أعدوا للملك عدته من رجال ~~ومال، والله الواقي في هذا الباقي. ~~(18) رأي أستاذنا الاجتماعي الكبير أحمد لطفي بك السيد مدير الجريدة # وصل في آخر ساعة لغياب حضرته عن القاهرة # راجعت نفسي فوجدتني غير حاصل على المقدمات التفصيلية اللازمة لتكوين رأي صحيح في ~~الوسائل العملية لإصلاح الدولة العلية، وإن الذين يستطيعون معرفة هذه ms195 الوسائل هم رجال ~~الدولة المشتغلون بسياستها والواقفون بأنفسهم على ما أجهله من المقدمات الضرورية لتكوين ~~رأي صحيح، غير أن لرقي الأمم وهبوطها قوانين قد تكفي لتكوين رأي إجمالي ونظري في ~~الإصلاح. # مهما كانت الأسباب التي حملت أوروبا على اضطهاد الدولة العلية، فلا شك أن وقوعها في ~~الضعف والهرم هو أهم تلك الأسباب، وليس يوجد مانع طبيعي يمنع الدولة بعد أن مسها ~~الهرم من استعادة شبابها، بالأخذ بالتعاليم الحديثة من حيث الحكم والتربية والتعليم ~~وتدبير حالها الاقتصادية على وجه يكفل لها النظام والقوة، ولست أجد في هذا الحاضر ما ~~يرجح كفة توقع الشر في المستقبل على كفة انتظار الخير، فإذا قام العنصر الحاكم باحترام ~~أطماع العناصر المحكومة والنهضة بالأمة عن الجمود إلى التسلح بجميع الأسلحة الحديثة إن ~~في التربية وإن في الاقتصاد؛ أمكن الحكم بهذه الدلائل على الإصلاح المنتظر. نعم إن ~~للظروف الخارجية دخلا في إصلاح الدولة، ولكن العثمانيين هم المسئولون وحدهم عن إجراء ~~هذا الإصلاح، عليهم عمل ما في قدرتهم والله يتولى أمر ما لا يقدرون عليه. # | ملحوظات # رأيت بعد التحقيق ومراقبة الحقائق مدة طبع هذا الكتاب أن أنشر للمطالع هنا الملحوظات ~~الآتية: ~~(1) # حمل مراسلا التيمس والتان وغيرهما حملات شديدة على الموسيو وجنر مراسل ~~الريشبوخت الذي اعتمدنا عليه في مواضع قليلة من هذا الكتاب، وسبب تلك الحملات ~~أن وجنر تفوق على جميع المراسلين في إرسال الأخبار إلى جريدته حتى اضطر أعظم ~~جرائد العالم إلى النقل عنها، ثم حدث لسوء طالعه أنه أخذ عن جريدة «مير» ~~البلغارية الشبيهة بالرسمية خبر معركة غير صحيح في أواخر الحرب الأولى، فتوسع ~~في وصف تلك المعركة الوهمية، فهب المراسلون يرمونه بصواعق غضبهم من كل جهة، ~~وكانوا على حق. # إلا أن هذا الخطأ لا يفيد أن كل ما قاله الرجل مكذوب، فهو لا يزال ظافرا ~~بثقة جريدته على الرغم من هفوته، بدليل أنها أوفدته إلى بلغاريا عند نشوب الحرب ~~البلقانية الثانية. ومعروف أن الريشبوخت هي الجريدة المقربة إلى ولي عهد ~~النمسا وإلى كبار الجيش النمساوي، فلو ms196 كان وجنر أفاكا بطبعه كما قال بعض ~~خصومه لما بقيت له منزلة عند تلك الجريدة الشهيرة. # وهناك أمر آخر معروف، هو أن وجنر كان مقربا إلى الموسيو جيشوف الذي كان ~~رئيسا لوزارة البلغار أيام الحرب الأولى، وأقوى دليل على ذلك أن الموسيو جيشوف ~~نفسه كتب رسالة بخطه إلى وجنر، فنشرها في صدر مؤلفه كما رأى مطالع هذا الكتاب، ~~ثم إن وجنر نفسه يلمع في كتابه إلى أن أخباره مأخوذة من التقارير الرسمية التي ~~تلقتها حكومة البلغار، ويقول: إن من يعرف فحوى تلك التقارير يمكنه أن يحيط بما ~~يجري في كل جهة، خلافا للمراسل الذي يقيم في جهة معينة من مواقع القتال فإنه ~~لا يرى إلا جانبا مما يحدث. # ومع ذاك كله فإن القليل الذي اعتمدت فيه على رواية وجنر لم يدحضه مراسل بل ~~أرى بالعكس أن الروايات الأخرى تؤيده، فلو كان مكذوبا ملفقا لفضحه المراسلون ~~كما فضحوه بنقد الوصف الوهمي الذي نشره بعد معركة لوله بورغاز. ~~(2) # صدر هذا الكتاب قبل أن تصدر جميع الدول البلقانية إحصاءات رسمية دقيقة ~~لخسائرها ، فاتبعنا في تقدير الخسائر أفضل طريقة تقربنا من الحقيقة وهي ذكر ~~التقدير الذي أجمع عليه معظم المراسلين الحربيين الموثوق بأقوالهم، ومما يدل ~~على حسن تلك الطريقة أن حكومة البلغار أصدرت منذ أيام إحصاء رسميا، فإذا هو ~~لا يختلف عما نشرناه إلا قليلا. # وخلاصته أن قتلاها والمفقودين من جنودها بلغوا في الحربين 52716 رجلا وعدد ~~جرحاها 104536؛ أي 157242 رجلا بين قتيل وجريح. ~~(3) # قال مراسل التيمس البلقاني: إن دولة اليونان كانت أول من حرك السواكن ~~لتأسيس الاتحاد البلقاني. ~~(4) # رأيت في الترجمة الفرنساوية لكتاب محمود مختار باشا أنه أهدى كتابه إلى ~~الآلاي الألماني الذي تعلم تحت رايته لا إلى شكري باشا بطل أدرنه وسائر الأبطال ~~العثمانيين، كما نقلت عن بعض الجرائد الأوروبية، ثم رأيت فيها أنه لم يهدد ~~الدولة العلية بمثل ما أصاب بولونيا كما رأى المطالع عند الكلام على آرائه في ~~الفشل العثماني، فهل اختلقت تلك الجرائد هاتين العبارتين؟ ~~(5) # ذكرنا في المقدمة أن ms197 المساحة الباقية للدولة العلية هي مليون و156 ألف ميل ~~مربع، والصواب أن هذه المساحة هي مساحة الأملاك العثمانية قبل الحرب ما عدا ~~البلاد الممتازة، فإذا حذفنا منها مساحة الولايات التي خسرناها بقيت مساحة ~~الباقي لها في آسيا وأوروبا أكبر من مساحات فرنسا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا ~~وإسبانيا مجتمعة. ~~(6) # كان الجيش العثماني قبيل الحرب 14 فيلقا، فلما قامت الحرب أرادت وزارة ~~الحربية أن تجعله 24 فيلقا، فلم تفلح لقلة الضباط والجنود ولشدة الخلل. ~~(7) # أسعد باشا الذي أسره اليونان في يانيه حيث كان قائدا لحاميتها، هو غير أسعد ~~باشا الألباني الذي كان في أشقودره، والذي يعاكس الآن الحكومة الألبانية ~~الوقتية. ~~(8) # قال السير إدوارد غراي وزير خارجية إنكلترا ما يفيد أن سلوك جيش اليونان كان ~~مدة الحرب أفضل من سلوك بقية الجيوش البلقانية. # خريطة قدمها سليل بيت الفضل جبرائيل بك نقلا صاحب الأهرام لصديقه مؤلف ~~هذا الكتاب، وهي توضح للمطالع مساحة كل ولاية من الولايات التي خسرتها ~~الدولة العلية، وعدد الذين خرجوا من رعويتها وهم 4956400 نسمة على التقريب، ~~قلنا «على التقريب»؛ لأن الحديد والنار فتكا بألوف كثيرة، فلا يمكن ~~الحصول على إحصاء دقيق إلا بعد مدة.أما أدرنه وسائر تراقيه فالهلال ~~العثماني لا يزال طالعا عليهما حتى الساعة، والمرجو أن يبقى هناك إلى ما ~~شاء الله. # خريطة مفصلة لتراقيه. ms198