######OpenITI# #META# URI: 1344SalimSarkis.GharaibMaktubji.Hindawi25194053 #META# Tags: literature #META# ID: 25194053 #META# Title: غرائب المكتوبجي #META# AuthorID: 50796841 #META# Author: سليم سركيس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ترجمة عن الأصل الإنكليزي‏ # فذلكة‏ # كلمة من المؤلف‏ # إهداء الكتاب‏ # فائدة من خبير لا يقرؤها إلا المصري‏ # برهاني على صدق ما أقول‏ # خاتمة‏ # ملحق حاوي خير‏ # ترجمة عن الأصل الإنكليزي‏ # فذلكة‏ # كلمة من المؤلف‏ # إهداء الكتاب‏ # فائدة من خبير لا يقرؤها إلا المصري‏ # برهاني على صدق ما أقول‏ # خاتمة‏ # ملحق حاوي خير‏ # | غرائب المكتوبجي # | غرائب المكتوبجي # تأليف # سليم سركيس # | ترجمة عن الأصل الإنكليزي # من مدير المشير المسئول إلى محرره # صديقي العزيز # بينما كنت تشرح لي أكثر الأحيان ظلم حكومتك وضغط المكتوبجي عليك وعلى ~~رصفائك من محرري الجرائد العثمانية، كنت تدهشني بأخبارك حتى بلغ من دهشتي ~~أن اقترحت عليك وضع هذا الكتاب، ليطلع على محتوياته أبناء مصر وسكانها، ~~وليقدروا نعمة الحرية التي هم فيها الآن، كما سيطلع عليه أبناء وطني ~~بلغتنا الإنكليزية. أما وقد مثلت الكتاب بالطبع فإنني أصادق على تأليفه ~~وطبعه وأفوض إليك نشره تحت اسمي ومسئوليتي، وأحفظ لنفسي ولجريدتنا ~~المشير حق طبع هذا الكتاب وترجمته، وأخطر الذين يحاولون اختلاسه إلى ~~اللغة العربية أو إلى سائر اللغات أنهم تحت المسئولية إذا فعلوا، واقبل ~~تأكيدات دعائي بالنجاح لمشروعنا العائد بالنفع إن شاء الله. # مدير المشير الإنكليزي # مصر، في 26 أفريل سنة 1896 # | فذلكة # حتى متى لا نرى عدلا نسر به # ولا نرى لولاة الحق أعوانا # مستمسكين بحق قائمين به # إذا تلون أهل الجور ألوانا # يا للرجال لداء لا دواء له # وقائد ذي عمى يقتاد عميانا # | كلمة من المؤلف # ولم أر كامرئ يرنو لضيم # له في الأرض سير والتواء # وما بعض الإقامة في ديار # يهان بها الفتى إلا عناء # قضي علي أن أولد في المملكة العثمانية من والدين عثمانيين لحكمة ~~لست أدرك غايتها، كما قضي على سائر العثمانيين أن يصيروا إلى حالة سقوطهم ~~الحاضرة؛ فلا هم في مقدمات الأمم المتمدنة، ولا هم في أخرياتها. # يعجزون بعجز حكومتهم وظلمها عن إدراك شأو سواهم، ثم لا يمكن أن يقال ~~عنهم إنهم في حالة الخمول؛ لأنهم مع كل التضييق الحاصل لهم قد تقدموا خطوة ~~مهمة ms01 في العلم والمدنية. # أما أنا فتوالت علي النكبات؛ فأول مصيبة أصبت بها أنني ولدت في ~~بيروت، فصرت بحق مولدي - وليس بإرادتي - من رعايا الحكومة العثمانية، وهذه ~~أنكى المصائب وأولاها. # والنكبة الثانية أن أهلي أرسلوني إلى المدارس حيث تلقيت شيئا من العلم، ~~فأصبحت في علمي أستحق أن يشفق علي الجاهل، وصرت أتمثل بقول الشاعر: # من لي بعيش الأغبياء فإنه # لا عيش إلا عيش من لم يعلم # والنكبة الثالثة أنني تعلمت اللغة الإنكليزية بنوع خاص، فأصبحت لا ~~أقوى على احتمال الخمول وأنا أقرأ جرائد أوروبا ومؤلفاتها وأغذي عقلي ~~بمبادئ التقدم والحرية، وهكذا تولدت في الأميال إلى نصرة الحق والرغبة في ~~مقاومة الظلم ولو كان في ذلك هدر دمي. # والنكبة الرابعة أنني بعد خروجي من المدرسة عهد إلي بتحرير جريدة ~~«لسان الحال»، فلبثت في ذلك العمل مدة 8 سنوات. وأمسكت زمام الرأي العام كل ~~تلك المدة، إلا أنني لم أقدر أن أستعمل حريتي في إدارته، فكنت كمن وضعت ~~أمامه الحلوى وهو مغرم بأكلها ثم منعته عن أن يمسها بيده، وأدركت من مطالعة ~~الصحف الأوروبية منزلة الحرية ومقام الإخباري، ولكنني لم أقدر أن أستعمل ~~شيئا من ذلك، فكنت على حد قول الشاعر: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له # إياك إياك أن تبتل بالماء # والنكبة الخامسة أنني رحلت إلى أوروبا فزرت إيطاليا وفرنسا، وأقمت في ~~إنكلترا نحو عامين أقرأ جرائدها وأجتمع على رجال الصحافة وأرباب السياسة ~~فيها، وأحضر جلسات البرلمان ومجتمعات الأدباء وأسمع خطب الخطباء، فقويت ~~في أميالي إلى الحرية وزدت تقديرا لمقام هذه الإلهة العصرية. # والنكبة السادسة والأخيرة أنني اضطررت - حفظا لمصالح سواي - أن أهجر ~~بلاد الحرية وأعود إلى بيروت، فعدت إلى تحرير «لسان الحال» تحت ضغط المكتوبجي ~~وظلم الحكومة بعد أن ذقت حلاوة الحرية. # وسبب جميع هذه المصائب والنكبات هو وجود المراقبة على جرائد تركيا عموما ~~وجرائد سوريا خصوصا؛ لأن الحكومة العثمانية اختارت وضع مراقبة صارمة على ~~الجرائد فقيدت العقول، وأرادت من ذلك أن تقتل الأفهام كما تقتل الأجسام في ~~هذه الأيام، مما ms02 سيرد تفصيله في هذا الكتاب؛ ليعلم القراء إلى أية حالة وصلت ~~حرية الأقلام في بلاد الدولة العثمانية، ويقيسوا التأخر في هذا الباب على ~~غيره من سائر أسباب التمدن والترقي. # وقد أجبت اليوم اقتراح عدد من الأدباء الذين سألوني وضع كتاب في أخبار ~~المكتوبجي علما بأنني جهينة أخباره؛ لأنني احتملت مظالمه عدة سنوات، وعند ~~جهينة الخير اليقين. # سليم سركيس # مصر القاهرة، في 25 أفريل سنة 1896 # | إهداء الكتاب # إلى جلالة السلطان عبد الحميد الأعظم # مولاي # يسوءني أنني من جملة رعاياك؛ لأنه يسوءني أن أكون عبدا، وأنت ~~عودتنا أنك تعتبر الرعية في منزلة عبيد لك بدلا من أن تتبع الحقيقة، وهي ~~أن تكون عبدا لنا، ولما كنت لا أستطيع التخلص من هذه التابعية، فعلى الأقل ~~أحاول أن أعلن للناس أنني عبدك رغما عني، وهذا كل ما أستطيع أن أفعله ~~الآن. # لكن كما أن الدول المتمدنة قد ألغت الاسترقاق والنخاسة وأعطت العبيد ~~السود حريتهم، كذلك قدر الله العلي الحكيم أن أخرج من مملكتك وأن أقيم ~~في حمى حكومة مصر العادلة، فمن هذا القطر الذي أصبح سعيدا من يوم تقلص ظل ~~نفوذك عليه أعرض لمسامعك الشاهانية ما أشكوه أنا ويشكوه سائر رصفائي في ~~تركيا من السياسة الخرقاء التي تبعتها جلالتك، وأصرح لك - غير خائف ولا ~~وجل - بأنك في سياستك هذه تسوق بلادك ورعيتك إلى خراب عاجل وسقوط ~~سريع. # إن ترقيك يا مولاي إلى عرش أجدادك قد أوجد عدة ضربات أصيبت بها ~~الدولة العثمانية، ومن جملة تلك الضربات قتل العقول، الأمر الذي تفردت ~~فيه عن سواك من السلاطين. # أنت تدري يا مولاي مقدار خوفك على حياتك؛ حتى أنك حصنت قصرك وجمعت من ~~حولك الرجال بالسلاح، كل ذلك حرصا على حياتك، وأنت فرد من الناس فكم ~~بالحري يليق بنا، نحن الأمة بأسرها، أن نحرص أيضا على عقولنا وأن ندافع ~~عنها، وهي أشرف ما وهبه لنا الله تعالى. # فإن كنا لا نقوى الآن على مقاومتك بالقوة، فإننا نحاول مقاومتك ~~بالبرهان، فإن لم تصغ اليوم لأصوات عقولنا، اضطرك ms03 الإهمال يوما ما إلى ~~الإصغاء لصوت جهوري هو صوت الشعب، والعياذ بالله من الشعب إذا اتحد ~~واتفق وأراد أن يدرك غاية شريفة معلومة فيها خيره، فإن السلاطين لا تكون ~~أمام ذلك البحر الزاخر والتيار القوي إلا: # كريشة في مهب الريح خافقة # لا يستقر لها حال من القلق # فأشفق يا مولاي على نفسك من ذلك اليوم الرهيب. # وإني أدون في هذا الكتاب بعض المساوئ الحاصلة وأرفعها هدية إلى ~~معاليك، لعل وصف أعمالك الظالمة وعمالك الأدنياء يؤثر عليك، إذن تتمثل ~~لعينيك في كتاب على حدة سينتشر بين الناس في عدة لغات فاقبله غير مأمور، ~~والأمر والفرمان لولي النعم. # المؤلف # | فائدة من خبير لا يقرؤها إلا المصري # ربما يظن بعض إخواني من أهالي مصر أن في ما سأورده في هذا الكتاب بعض ~~مبالغة؛ ولذلك فإنني أنشر هنا رسالة وردت إلي من حضرة الكاتب الفاضل ~~كليانتس أفندي فيلبيذس الخبير بأحوال الآستانة، ومعلوم أن حضرته رافق سمو ~~الخديوي في زيارته الأولى إلى الآستانة، فأخباره تؤخذ عن ثقة إن شاء الله، قال: # صديقي محرر المشير الفاضل # اطلعت على ما نشرتموه في جريدتكم الزاهرة عدد 79 بتاريخ 18 أفريل سنة ~~96 من أنكم قد عقدتم النية على طبع كتاب يتضمن أخبار ضغط الحكومة التركية ~~على جرائدها وسائر مطبوعاتها، مخصصين في ذلك أعمال مكتوبجي ولاية ~~بيروت، فرأيت من المستطاب أن أبعث إليكم بنبذة تقوم مقام مقدمة لهذا ~~التأليف الجديد عن مراقبة المطبوعات عموما والجرائد خصوصا في قاعدة ~~السلطنة التركية، رجاء أن تأتي فذلكتي هذه ببعض الفائدة لكثيرين من ~~المصريين خصوصا وغيرهم من العرب عموما، الذين ما زالوا للآن يعتقدون ~~خلاف الواقع ويكابرون في الضلالة عن تعصب أعمى وجهل أظلم من الليل ~~الحالك، فلا يصدقون الحقائق عما هو جار للآن من المظالم وشدة النير ~~الضاغط على رقاب الرعية عموما والكتيبة الأحرار خصوصا في أيام ~~الحكومة الحاضرة، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم. # لما زار حضرة صاحب السمو خديوي مصر عباس الثاني المرة الأولى ~~القسطنطينية سنة 1893 وصل إليها نحو الساعة ms04 الحادية عشرة صباحا من نهار ~~الاثنين، فأعلنت الجرائد الغير التركية التي تصدر بين الساعة الثالثة ~~والرابعة بعد الظهر وصول سموه إلى عاصمة بلاد الترك، ومن هذه الجرائد ~~المهمة جريدة اللوانت هرالد وهي إنكليزية النزعة، والثانية الأوريانتال ~~أدڨرتيزر أو المونيتور أوريانتال وسياستها روسية، فنشرت هذه الأخيرة جملة ~~افتتاحية من ألطف ما يكتب لترحب بالضيف العظيم، وأثنت فيها ثناء جميلا ~~يستطاب عند أهل الذوق السليم، مبتدئة من رأس العائلة المغفور له محمد ~~علي باشا ذاكرة - إجمالا - أعماله العظيمة وأعمال أنجاله وأحفاده الذين ~~تولوا من بعده الأريكة المصرية، منتهية بما كان معروفا عن أميال ~~وعواطف وذكاء الأمير المالك حالا. وكان لهذه الجملة التي نشرتها ~~المونيتور أوريانتال رنة في أفئدة كل الذين طالعوها يومئذ من الأتراك ~~أصحاب الذوق السليم، وخصوصا الأحرار، وكذلك عند الإفرنج الكثيرين ~~واليونان الذين لا يقل عددهم إلا قليلا عن عدد الأتراك في تلك العاصمة. ~~ومعلوم أنه لا يمكن طبع شيء أو نشره هناك قبل أن يمر أولا على أعين ~~أقلام المراقبة. وكان في رئاسة مراقبة المطبوعات الإفرنجية إذ ذاك ~~عطوفتلو ماجد باشا، وهو حفيد المرحوم فؤاد باشا السياسي الشهير، فقرأ ~~الجملة التي نحن في صددها قبل الطبع، ولم يخطر على باله أن نشر بعض سطور ~~فيها ترحب وثناء على حضرة صاحب السمو أمير مصر وآبائه وأجداده الكرام، ~~يحرك غيظ السلطان ويستوجب غضبه، فلم يمنع نشرها. وهكذا صدرت الجريدة ~~الساعة الثالثة بعد الظهر مصدرة بكلام أحلى من الشهد لكل محب لمصر ~~ولسمو خديويها وللعائلة المحمدية العلوية، وتناقلتها ألسن أهل الآستانة ~~وتاقت نفوسهم إلى مشاهدة الخديوي الشاب على أثر ما طالعوه عن عزة نفسه ~~وعواطفه الشريفة واستعداداته العظيمة. وأما السلطان فساءه جدا ولم ~~تأت الساعة الخامسة حتى أصدر إرادته بعزل ماجد باشا المشار إليه، فكدر ~~ذلك العدد العديد من سكان الآستانة الذين عرفوا حضرته وما هو عليه من ~~اللطف والإنسانية مع شرف الأصل، ولكن لم يعرف إلا الأفراد أسباب عزله، ~~وقد كتم ذلك عن السواد الأعظم من كبار الناس. انتهى. # حلوان، في ms05 مارس سنة 96 ~~(1) ما هو المكتوبجي # إن مكتوبجي ولاية بيروت اليوم هو سعادتلو عبد الله أفندي نجيب، ولكنه ~~ليس وحده المقصود في هذا الكتاب، وإنما استعملت اسم المكتوبجي لأنه أصبح من ~~الأوضاع العصرية لمراقب الجرائد، مع أن المكتوبجي - في حقيقة معناه وطبيعته ~~الأصلية - لا علاقة له بالجرائد وإنما هو سكرتير الوالي. ولكل ولاية من ~~الممالك العثمانية مكتوبجي خاص، لكن الحكومة العثمانية اختارت أن تعهد إلى ~~مكتوبجي ولاية بيروت أمر مراقبة الجرائد، فأصبح اسم الرجل معروفا بمراقبته ~~للجرائد أكثر من كونه كاتم أسرار الولاية. ~~(2) حرية الجرائد (وكيف بدأت المراقبة) # كانت سوريا أقدم مكان ظهرت فيه الجرائد السياسية والعلمية في المملكة ~~العثمانية، ولا تزال حتى الآن كثيرة فيها، تزيد على أمثالها من الولايات ~~بكثير من الجرائد. وقد كانت الحرية مطلقة لجرائد بيروت من أول نشأتها، لا ~~مراقبة عليها ولا سيطرة، يلجأ إليها المظلوم ويخافها الظالم؛ حتى لقد بلغ ~~من «الجنة»، و«الجنان» للمرحوم المعلم بطرس البستاني ومن «لسان الحال» في ~~أوائل نشأته أنها كانت تكتب بحرية لا تقل عن الحرية التي نتمتع بها ~~الآن في مصر. وكانت مصر تلجأ إلى سوريا وتنشر على صفحات جرائدها شكوى ~~أهاليها، كما يتضح للقاري من مراجعة ما كتبه المرحوم أديب إسحاق في جريدته ~~الباريزية؛ إذ نقل عن «المصباح» الذي يصدر في بيروت رسالة ملؤها حرية، ~~ودامت جرائد سوريا على هذه الحالة من الراحة والهناء والتمتع بأحسن مزايا ~~الإخباري إلى أن رأت الحكومة العثمانية ضعفها هي وتقدم الشعب السوري ~~وكثرة جرائده وميله إلى المطالبة بحقوقه على صفحاتها. ومعلوم أن للحكومة ~~العثمانية قوانين معلومة منشورة في الدستور الهمايوني، وفي جملتها قانون ~~المطبوعات الذي يجب أن تجري عليه الجرائد، وفيه تحديد الحرية المعتدلة التي ~~هي ملاك السعادة، والعقاب الذي ينال من يخالف ذلك القانون، شأن سائر ~~الحكومات المتمدنة. وكانت الجرائد خاضعة لذلك القانون، تبدي أفكارها بحرية ~~تامة متجنبة كل ما يكدر الحكومة، حتى إذا كان عام 1877 جعل سعادتلو ~~خليل أفندي الخوري صاحب جريدة «حديقة الأخبار» مديرا ~~لمطبوعات سوريا، فإذا ms06 نشرت إحدى الجرائد ~~ما تظن الحكومة أنه غير مناسب أرسل المدير تذكرة تسمى إخطارا وهذا نصها: # إلى صاحب امتياز الجريدة الفلانية # من حيث إن جريدتكم قد نشرت في عدد كذا مقالة مخالفة للرضى العالي، ~~فقد أوجبت (تخديش الأذهان)، فاقتضى إخطاركم أنكم إذا عدتم إلى مثل ذلك ~~تجري بحقكم المعاملات القانونية. # وكانت المعاملة في ذلك الحين أن الجريدة التي تخطر ثلاثا على هذه ~~الكيفية يصدر الأمر بتعطيلها لمدة معينة، ثم في سنة 1885 توفي والي ~~بيروت في ذلك الحين، وبعد أيام وردت الأخبار التلغرافية أن قد عين ~~دولتلو رائف باشا وزير النافعة واليا على بيروت، وكنت إذ ذاك أحرر جريدة ~~«لسان الحال»، وكنا نعلم أن رائف باشا المشار إليه من أعظم رجال الدولة ~~العثمانية استقامة، فعزمت الإدارة على الاحتفال باستقباله احتفالا ~~خصوصيا، وهيأت لذلك الغرض مقالة لم ينسج على منوالها من قبل وتقرر نشرها ~~يوم وصول دولة الوالي، واستعملت إدارة «لسان الحال» الحرية التامة المعتدلة ~~في بيان المساوئ الحاصلة في حكومة سوريا، وإذا توفقت للحصول على نسخة ~~تلك المقالة أنشرها في مكان آخر، وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه قدوم رائف ~~باشا - وقد وصلت عائلته إلى بيروت - صدرت إرادة سنية تلغي ذلك التعيين، ~~وعهدت بالولاية إلى رءوف باشا متصرف القدس الشريف، أما «لسان الحال» فأبقى ~~مقالته الأولى على حالها ونشرها يوم وصول الوالي، فاهتزت لها المدينة وسائر ~~الجهات التي وصلت إليها، ولم تمض بضعة أيام حتى أقامت محكمة استئناف بيروت ~~الدعوى على «لسان الحال»، فحكمت المحكمة الابتدائية ببراءته، وقد حضر ~~الجلسة ألوف من الناس وصفقوا ودعوا بالنصر للسلطان عند صدور البراءة، ولم ~~تمض 3 أيام على هذا الحكم العادل حتى ورد تلغراف من الآستانة يقضي بتعطيل ~~«لسان الحال» إلى مدة غير معلومة، وبعد مضي ستة أشهر عفي عن الجريدة، ~~وفي ذات يوم استدعي جميع أصحاب الجرائد إلى سراي الحكومة، في غرفة ~~عزتلو ميشال أفندي إده ترجمان الولاية، فأنبأنا إذ ذاك أن الحكومة قد ~~قررت ألا تصدر نسخة من جرائد بيروت إلا ms07 بعد أن ترسل مسودتها قبل الطبع ~~إلى ميشال أفندي لمراقبتها. # وهكذا بدأت المراقبة التي نحن بصددها، وقد كانت في أول الأمر مراقبة ~~خفيفة ليس فيها شيء من العنف، حتى إذا ضجر ميشال أفندي من مطالعة الجرائد ~~وخشي المسئولية انتقلت السيطرة إلى مكتوبجي الولاية، وكان يومئذ المسمى ~~جمال بك. وهو تركي لا يعرف كلمة من اللغة العربية، ثم فصل وخلفه جابي ~~زاده سعادتلو حسن فائز أفندي من أهالي دمشق ومن أخصاء مدحت باشا، فشدد ~~على الجرائد حتى كادت تزهق أرواحها، ثم آل الأمر إلى أن تعين سعادتلو ~~عبد الله أفندي نجيب المكتوبجي الحالي، وهو الذي سأورد من أعماله الغرائب ~~والعجائب. ~~(3) ذهابي إلى إنكلترا # لما يئست من تحسين الأحوال في بيروت ولم أستطع احتمال ضغط المكتوبجي ~~حسن فائز أفندي، تركت تحرير «لسان الحال» وقصدت إنكلترا حيث أقمت نحو ~~سنتين، ومن هناك كتبت إلى المكتوبجي أخبره بوصولي وأسأله الرفق برسائلي ~~التي كنت أكتبها من هناك إلى «لسان الحال» فكتب إلي الجواب الآتي: # حضرة الأديب الكامل # وصلني كتابك المبشر ببلوغك المحل المقصود سالما فسررت لذلك وشكرت ~~حسن ودادك، أما رسائلكم ل «السان» فهي عميمة الفائدة ولا تحتاج حذف شيء ~~إذا حررت عند سكون البحر الذي هاج فرحا لاستقبالكم، أتمنى لك ~~النجاح والتوفيق مؤكدا مودتي وإخلاصي للسليم. # حسن فائز # 2 ك 1 سنة 1308 # وكنت قبل مزايلتي بيروت أذهب في أكثر الليالي لزيارة المكتوبجي في ~~بيته، فذكرت له يوما ما أنني إذا تمكنت من مزايلة بيروت والوصول إلى بلاد ~~حرية يكون أول همي نشر جريدة حرة، قال: إننا نمنعها عن الدخول ونستعمل كل ~~واسطة لمنعك عن كتابتها، ولما فارقت بيروت فجأة كتبت جريدة المصباح أنني ~~ذهبت إلى لندن لإنشاء جريدة عربية هناك، الأمر الذي لم يكن يومئذ في ~~خاطري، وأول ما رأيته في جريدة المصباح التي وصلتني وأنا في لندن فلم أهتم ~~بتكذيب الخبر؛ لأنني لم أعلم أن تلك الإشاعة تكون سببا لاهتزاز رجال ~~الدولة من أكبرهم إلى أصغرهم، أما أنا فلما وصلت إلى ميناء ms08 تلبوري أخذت ~~دليل لندن وعلمت منه عنوان قنصلية الدولة العثمانية، فكتبت رسالة باللغة ~~العربية إلى حضرة القنصل الجنرال أخبره فيها عن وصولي إلى إنكلترا، وأنني ~~بصفة كوني من رعايا الدولة أحب أن أجري ما يقتضيه الواجب؛ لتعرف قنصلية ~~دولتي وتعطيني الحماية اللازمة، فورد إلي في صباح اليوم التالي رسالة ~~لطيفة من القنصلية مكتوبة باللغة العربية وأمضاها «أمين»، فلم أعرف من هو ~~أمين هذا، وحسبت أنه من رجال الأتراك الذين يكتفون بتوقيع اسمهم الأول كأن ~~السماوات والأرض تعرف من هم، ومضت على ذلك مدة طويلة ذهبت في غضونها إلى ~~لندن ثم زرت نحو ثلاثين مدينة في إنكلترا، وكنت أتردد على لندن كل أسبوع. ~~ولم أتمكن من زيارة القنصل ولم أر ما يستوجب زيارته بدون شغل خاص لعلمي ~~أن المشغول لا يشغل، وبعد أن مضى علي نحو سنة في إنكلترا كنت ذات يوم في ~~لندن أسير من جهة «كانون ستريت» فذكرت أنني على مقربة من القنصلية وقلت لا ~~بأس أن أزور القنصل وأتعرف عليه، ولا شيء يشغلني الآن، فصعدت سلما ~~ودخلت إلى باب عليه اسم القنصلية، فطرقت الباب ودخلت إلى غرفة واسعة ليس ~~فيها إلا طاولة صغيرة جلس إليها شاب لطيف، ورأيت أمامي بابا يؤدي إلى ~~غرفة داخلية وقد وقف فيه رجل لا أعرفه، فتقدم إلي الشاب وقال: ماذا تريد؟ ~~قلت: أن أرى حضرة القنصل، وأعطيته تذكرة زيارتي، فأخذها وقدمها للرجل ~~الواقف في باب الغرفة الثانية، فأخذها هذا ونظر فيها بإمعان مدة دقيقة، ثم ~~صعد الدم إلى وجهه وقدحت عينه النار وأخذ يرتجف، ثم رمى بالتذكرة إلى الأرض ~~مغضبا وقال باللغة العربية العامية: «فوت.» أي ادخل. # قلت: ومن أنت؟ قال بغضب أعظم: «أنا القنصل.» قلت: أظنني مخطئا، فقنصل ~~دولتي لا يعاملني هذه المعاملة. فاندفع بالشتيمة والتهديد وصاح بي قائلا: ~~«إنكم تخرجون من بلادكم ولا تذكرون أن لكم دولة أو حكومة، وأنت قد أقلقت ~~رأسي وأتعبتني كثيرا وصيرتني في مركز حرج أخاف منه على منصبي، فكأنك تريد ~~مزاحمتي على المنصب»، إلى غير ذلك ms09 من الكلام المهين، وأنا لا أفهم معناه، ~~بل أنتظر ريثما ينتهي من الشتيمة فأخرج، وإذا بعزتلو يوسف أفندي إلياس، ~~مهندس لبنان سابقا وصاحب امتياز سكة حديد حيفا، قد دخل فسلم علي وصافحني ~~وانعطف علي بمزيد الشوق والتودد، ثم قال: ادخل لنجلس مع أمين أفندي برهة ~~(يريد القنصل.) قلت: لست بفاعل؛ فإن الرجل أهانني كثيرا وأنا غير محتاج ~~إليه، ولا زيارته واجبة علي، قال القنصل بلطف: «تفضل يا سيدي» على أثر ما ~~رأى من إكرام صديقه يوسف أفندي لي، قلت: الآن أدخل؛ إذ لي معك كلام، لكنني ~~لا أفعل حتى ترفع تذكرتي عن الأرض؛ إذ لا آمن أن تحصل لي الإهانة نفسها. ~~ففعل ودخلت، فلما جلست قلت: ماذا أصابك يا هذا حتى عاملتني هذه المعاملة، ~~وأية علاقة لي معك وبأشغالك ومركزك، مع أنك لا تعرفني ولا أعرفك؟ قال: أنت ~~لا تعلم السبب، فمنذ زايلت بيروت ما برحت ترد إلي الأوامر من الآستانة ~~بالتفتيش عليك ومراقبتك، وأنا لا أعرف مكانك، والأوامر من هناك ترد ~~بتشديد ولا سبيل إلى إدراكك، قلت: إنما كان ذلك لأنني كنت أتجول في ~~المملكة منزها الطرف في محاسنها، لكن ما الذي ألجأ الآستانة إلى هذا؟ ~~قال: اسمع. وأخرج عدة كتب بعضها من وزارة الداخلية وغيرها من غيرها وبعضها ~~من حسن فائز أفندي مكتوبجي ولاية بيروت، مآلها أن سليم أفندي سركيس من ~~نبهاء بيروت وأحد كتابها البارعين سافر إلى لندن، والشائع أنه ينوي إصدار ~~جريدة عربية في لندن. ولما كان لم يعرض ذلك على الباب العالي. ولما كان مثل ~~هذه المشروعات الكتابية مضرا بصوالح السلطنة، اقتضى إصدار الأمر إليكم ~~مشددا بوجوب مراقبة حركات سليم المذكور وسكناته، ورفع التقارير ~~المتواصلة عن الخطب التي يلقيها والجمعيات التي يتردد عليها والجرائد التي ~~يكتب فيها، وترسل تلك المقالات إلى الباب العالي ... إلى آخره فأضحكني ~~اهتمام الدولة بهذه الأمور وقلت للقنصل: ماذا تريد مني الآن؟ قال: تذهب معي ~~إلى رستم باشا السفير، قلت: لا أفعل، قال: إذن لا تخرج من هنا إلا معي إلى ms10 ~~السفارة. قلت: أنت ترتكب أعظم خطأ؛ فلا سلطة لك علي، وكلمة واحدة ألفظها ~~من هذه النافذة تجعلك تحت سلطة أول بوليس إنكليزي، أنسيت أننا في لندن أم ~~الحرية؟ قال: لماذا لا تذهب لزيارة السفير؟ قلت: يظهر لي من معاملتك أن ~~الدولة ملأت دماغك بالخوف مني، فإذا كانت هذه معاملتك لي فكيف تكون معاملة ~~السفير! وأنا لا أحب أن أقابل دولته لئلا تحصل لي الإهانة التي حصلت هنا. ~~وفضلا عن ذلك فإن الباب العالي إنما أمرك أن ترسل إليه التقارير عن ~~تصرفاتي لا أن تقبض علي. قال: ومن لي بتلك التقارير؟ قلت: اسمح لي بساعة ~~أعود بعدها بمادة كافية لتقريرك، قال: إنك إذا خرجت تكون أفلت من جرادة ~~العيار، قلت: لدي هذه التحارير، وأخرجت تحارير من أصحاب جرائد الستاندرد ~~والدايلي تلغراف، ومن المستر ت. ب. أوكونر صاحب جريدة الشمس وعضو ليفربول ~~في البارلمانت، ومن الآنسة بريستلي إحدى محررات الصحف، ومن المستر استيد ~~صاحب مجلة المجلات حالا ومحرر البال مال غازيت سابقا، فقرأها جميعا وفهم ~~منها أن تلك الجرائد كانت تطلب مني مقالات عن تركيا وأنا لا أجيب طلبها. ~~فأخذ من التحارير بعض العبارات ليبني عليها تقريره، وانصرفت من عنده وأقسمت ~~ألا أزور قناصل الدولة في كل بلاد أزورها، وأنا أؤكد اليوم أن تلك ~~الأوامر صدرت من سخافة عقول بعض رجال المابين الذين خافوا من نشر سيئاتهم ~~بين الإفرنج. # وفي أواسط تشرين الثاني سنة 1893 بعد أن قضيت نحو سنة ونصف سنة في ~~إنكلترا، عقدت النية على عدم الرجوع إلى سوريا، فقررت إصدار جريدة حرة ~~بالاتفاق مع جون هزلمون مديرها الإنكليزي، ونشرت إعلانا وزعته على جميع ~~البلدان العربية وخصوصا سوريا وجهاتها، وهذه صورته عن النسخة المطبوعة: # رجع الصدى # جريدة سياسية إصلاحية أسبوعية من لندن تقبل جميع المقالات والرسائل ~~بدون توقيع أصحابها. # ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ~~. (سورة ~~الأعراف) ~~«قفوا على الطرق واسألوا عن السبل القويمة أين هو الطريق الصالح ~~وسيروا فيه.» (أرميا 6 : 16) # هذه الحقيقة المحزنة: أن الدولة ms11 العثمانية في خطر، وللتخلص من هذه ~~الشدائد يجب على جلالتكم أن تتناسوا العالم الماضي وتقتادوا الأمة إلى ~~مقاصد جليلة جديدة. (من رسالة فؤاد باشا عند موته إلى السلطان ~~العثماني) # رجع الصدى # طالما ارتفع من أنحاء الشرق صراخ طبق جوانب الأرض صداه، فلا غرو أن ~~يردد رجع الصدى، صراخ الأمة في أطراف المعمور، نداء الشعب يكتب بحروف من ~~نار على جبين الدهور، أصوات منقطعة، أفئدة منفطرة، تعرب عن قلوب منتظرة، ~~فإلى متى تصم الآذان، وقد ثبت من الصوت وجود اللسان، ومن حرقة البيان ~~وجود الجنان، ومن حركة الخواطر أن في السويداء رجالا، لكن حبست الألسن ~~الشرقية عن النطق بمحاسن الحرية. أستغفر الله من زلة القلم فلم يحبس لسان ~~الشرق عن الكلام، وإن حبس القلم عن تصويب السهام. إن لسان الشرقي يلهج أبد ~~الحياة ومنذ نشأ متحركا بعاطفة لم يجرؤ القلم في الشرق أن يرقمها على ~~القرطاس. وإنما كلمات اللسان تدرك دائرة واسعة يضيع الصوت في مداها، ~~فالجرائد إذن أحسن ترجمان يأتي بالمراد من الكلام سحرا حلالا. أجل، حبست ~~الأقلام فاستوثقت في درع النكد، الطالع قد جمد، واقتصر الكلام على أحب ~~وهام، أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، وقضي على الرأي العام فصار ~~حيا في جسد ميت، وماتت الصحف في الشرق قبل أن تحيا، ولعلها ماتت لتحيا ~~كما نحيا لنموت، لكن سبب هذه الميتة خوف في قلوب «الهيئة المحكومة» ألقته ~~مخاوف «الهيئة الحاكمة»، فخائف من خائف، ويالله من هذا المصير. من ثم كان ~~لصراخ الشرق - وإن همسا - صدى رددته جوانب الأرض، وهذا رجع صداه، خدمة ~~للأمة بعثناه، وترجمان أفكار أقمناه، فإن لم يفعل الخير عاجلا بقيت آثاره ~~حتى إذا جاء عهد الشرق في تقدم ونجاح قلنا يا قومنا اقطفوا من سعي ~~إخوانكم ثمرا جنيا، واعتبروه على الإخلاص برهانا سنيا، فالغاية ~~أن يقضي فرضا مأتيا. وحتى لا يقال إن هذا رجع صدى صوت شرقي فرد، وحتى ~~يزول الخوف الذي ألقته الهيئة الحاكمة في قلوب الهيئة المحكومة، وحتى يصح ~~أن هذا هو الرأي ms12 العام، وحتى لا يعذر المتقاعد عن خدمة وطنه، وحتى لا تقف ~~الأغراض الذاتية في سبيل المنفعة العمومية؛ يقبل «رجع الصدى» كل رسالة في ~~موضوع الجريدة بقطع النظر عن اسم مرسلها، أي بدون التواقيع، بل نتحمل كل ~~مسئولية، ويكون «رجع الصدى» صلة بين الأمم الشرقية والحكام. فليكتب الكتبة ~~أفكارهم من وراء الحجاب إلى أن نمزق حواشيه أو نلاشيه إن شاء الله، ~~وننشر ونقبل كل إفادة صريحة عن تقدم الغرب ونسبة الشرق إليه، وأفكار الشرقي ~~في شرقه وبيان علة التأخر وعلاجها، وتحريض الأمم على الاتحاد. # إننا لا نقصد تخصيص الجريدة لمملكة شرقية دون الأخرى؛ فالعثمانية ~~والفارسية والدولة العربية جميعها تجد في «رجع الصدى» ما يهم. وهذه ~~الجريدة لا تريد الطعن ولا تقصد المضرة ولا تبدأ بالعداء، فتصل إلى ~~المشتركين في البريد عادة الجرائد، فإذا أوقفها الخوف وحال دون وصولها ~~الظن، استنجدت بمعدات نشأتها واستعانت بما هو مخزون في رأسمالها ووضعت في ~~مقدمتها مجموع قوتها، فلا تقف الموانع في طريقها. انتهى. # وفي الوقت المعين أصدرت العدد الأول من الجريدة، وما كدت أنتهي من ~~كتابة عنوانات أعدادها حتى حضر إلى لندن عمي صاحب «لسان الحال» عائدا من ~~أميركا، فعدت وإياه إلي بيروت حيث أصدر جريدته يوميا، فحررتها مدة نصف ~~سنة، إلى أن ظهرت حادثة الأميرة نجلا، ولاح لي من دناءة حكام بلادي وجورهم ~~ما ضاق معه صدري مما سأذكره عند تعريب رواية الأميرة التي أجاز لي تعريبها ~~عن الإنكليزية مؤلفها المستر فليرتون معاون المستر بلويثز مكاتب التيمس ~~الباريزي، فرحلت مع صديقي الكريم الأمير أمين أرسلان إلى باريز، حيث أصدرنا ~~جريدة «كشف النقاب»، وبعد مدة رأيت أن للصديق المشار إليه مقدرة كافية وحده ~~على إصدار الجريدة، وأن من الصواب نشر مبادئ الحرية في جهتين، فأتيت ~~الإسكندرية وأصدرت جريدة «المشير» التي فازت بالنجاح العظيم بعناية حضرات ~~الأفاضل، وقد طرأ علي من الحوادث العظيمة والأحكام الجائرة والتهديد ~~بالقتل ما سأعود إلى ذكره عند الكلام عن «المشير». ~~(4) كيف تراقب الجرائد # بعد أن يكتب محرر الجريدة العثمانية مقالات جريدته ms13 وترتب حروفها ~~وتصلح أغلاطها حتى تصير جاهزة للطبع والتوزيع، تبعث الإدارة بنسختين منها ~~إلى المكتوبجي، وعلى المطبعة والمحرر والعملة أن ينتظروا رجوع المسودة ~~المذكورة قبل أن يبدءوا بالطبع. وترسل المسودة عادة الساعة العاشرة ~~إفرنجية صباحا، وقد تبقى عند المكتوبجي إلى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد ~~الظهر، والتعطيل شامل الإدارة والمطبعة والعملة والمحرر. # فعندما تصل المسودة إلى سراي الحكومة يأخذها العسكري الملازم في خدمة ~~سعادته من صبي الإدارة ويضعها على طاولة مولاه، ويبقى الغلام في انتظاره ~~إلى أن يرحم ويشفق، وعند ذلك يتنازل فيرسل المسودة المذكورة إلى أحد خلفاء ~~قلم المكتوبجي المسمى عبد الرحمن أفندي الحوت ليطالعها قبله؛ وذلك لأن ~~المكتوبجي الحالي عبد الله نجيب يعرف من اللغة العربية قدر ما أعرف أنا من ~~لغة آدم. ~~(5) عبد الرحمن الحوت # أما عبد الرحمن أفندي الحوت هذا فهو حوت في الحقيقة، تصل إليه المسودة ~~فيقرؤها، ولما كان يعلم حق العلم أن مراقبة الجرائد لا يقصد منها إلا ~~الاستبداد وأن لا قانون لها يجري بموجبه، أصبح المسكين يخاف من المسئولية؛ ~~فهو إذا رأى غير شيء ظنه رجلا. وهكذا يبدأ بقراءة المسودة؛ فإذا رأى ~~عبارة يعرف أنها لا ترضي المكتوبجي حذفها بحبر أسود، ثم تعرض له ~~أحيانا بعض عبارات لا يدري إذا كان يجب عليه حذفها أم لا، فيقع في حيص ~~بيص، أخيرا يضع علامة مستطيلة بحبر أحمر على جانب السطور التي تتضمن تلك ~~العبارة التي أشكل عليه أمرها. وهكذا، فمتى انتهى من مطالعة مسودة الجريدة ~~تكون قد صارت ذات خطوط سوداء وعلامات حمراء لا تحصى، فيكتب في ذيلها: # تقدم # عبد الرحمن # أي يجب أن تقدم إلى المكتوبجي، ويضع توقيعه. وفي وسع عبد الرحمن أفندي ~~المذكور أن يضيق أعظم تضييق على أصحاب الجرائد؛ لأن المكتوبجي لا يضع ~~توقيعه على المسودة إلا بعد أن يقرأها حوت أفندي، فلو أراد حوت أفندي أن ~~يقضي في قراءة المسودة 10 ساعات فليس من مانع؛ ولذلك قرر أصحاب الجرائد أن ~~تعطيه كل جريدة مبلغا من المال استرضاء له ليعجل في ms14 قراءة جرائدهم. وبعض ~~الجرائد تدفع له ذلك المال تحت ستار المصانعة؛ أي أنها تكلفه بترجمة ~~بعض أخبار عن جرائد الآستانة التركية مع ركاكة الترجمة وعدم تحصيل المعاني، ~~ثم تدفع له المال كأنه أجرة ترجمة وليس بصفة رشوة. ~~(6) عود إلى الموضوع # وبعد أن يكتب حوت أفندي في ذيل المسودة «تقدم»، يأخذه خادم الإدارة ~~إلى غرفة المكتوبجي الذي يكتفي أكثر الأحيان بأن ينظر إلى المسودة، ولما ~~كان لا يعرف اللغة العربية فهو يرى الخطوط الحمراء إلى جانب بعض العبارات ~~فلا يكلف نفسه إلى طلب ترجمتها أو الاستفهام عنها، بل يقول في نفسه: لو لم ~~يكن هنا محل ريبة وكلام سياسي لا حق للجرائد باستعماله، لما ارتاب فيها ~~حوت أفندي، ولما كان لا يهمه تعب المحرر أو راحة القراء، يأخذ قلمه ويضرب ~~به على كل عبارة عليها إشارة حمراء، وهكذا فبعد أن يكون مراد حوت أفندي ~~الاستفهام، تصبح تلك العلامة إشارة لحذف المقالة، وبعد أن يفعل ذلك يكون قد ~~حذف من المسودة 10 أعمدة وأحيانا خمسة، فيكتب في ذيل النسخة الواحدة من ~~المسودتين: # كورلمشدر # عبد الله # وهي كلمة الإجازة للإدارة التي بدونها لا يمكن طبع الجريدة. # ولا يظن القارئ أن رحلة المسودة قد انتهت الآن؛ فإنها بعد أن يوقع ~~عليها المكتوبجي تعاد إلى حوت أفندي ليحذف كل ما حذف في المسودة الثانية ~~تماما، وتعاد الواحدة إلى الإدارة وتبقى الثانية عند المكتوبجي، فتصل ~~النسخة بالحذف الذي فيها إلى محرر الجريدة المسكين، فتضطر الإدارة إلى حل ~~الحروف ويحذف العملة ما حذفه المكتوبجي ويضعون محله مقالات أخرى، ~~ويرسلون المسودة ثانية إلى المكتوبجي ليراقب العبارات والمقالات التي ~~زادها المحرر بدلا من المقالات المحذوفة، فيجري ما جري أولا، وهكذا إلى ~~أن يسمح الله بالخلاص فتطبع الجريدة ويرسل أول عدد يصدر منها مع مخصوص إلى ~~المكتوبجي فيقابله على نسخة المسودة الثانية التي حفظها عنده؛ ليرى إذا ~~كانت الإدارة قد حذفت كل شيء حذفه، ثم ترسل 3 أعداد من الجريدة وفي ذيلها ~~إمضاء صاحب الامتياز بخط يده تحت توقيعه المطبوع ms15 وهذه ترسل إلى قلم ~~المكتوبجي لتحفظ هناك، وترسل إلى الآستانة حيث يراقبها أعضاء انجمن ~~المعارف. والغريب أن مراقبة المكتوبجي وضغطه العنيف ومنعه كل ما لا يرضاه ~~عن الظهور في الجرائد لا يحميها من التعطيل، بل إذا رأى بعد طبع الجريدة ~~عبارة لم يكن قد انتبه إليها قبلا، أمر بتعطيل الجريدة، أو لو رأت ~~الآستانة مقالة لم ترض عنها، أمرت بتعطيلها أيضا. # | برهاني على صدق ما أقول # سأبدأ الآن بنشر غرائب المكتوبجي، وأريد أن أؤكد لحضرات قراء كتابي أنني ~~صادق في كل كلمة أقولها عن المراقبة؛ أولا لأنني حضرت المراقبة من أول ~~نشأتها، ثانيا لأنني كنت بنفسي أحتمل تلك المراقبة، فأنا أروي ما عرفته ~~بذاتي لا ما سمعته من غيري، ثالثا أستشهد على صحة كلامي بالبراهين القاطعة ~~التي أعزز بها أخباري، فإنني أجرب ألا أذكر حادثة إلا وفيها أسماء ~~الجرائد التي جرت لها تلك الحادثة وأسماء الأشخاص الحقيقية، فإن وجد فيمن ~~سأورد أسماءهم من يقدر أن يقول أنني مخطئ أو أنني أروي غير الحقيقة، فأنا ~~مستعد لنشر اعتراضه في جريدة المشير، وتأكيدا لقولي هذا فإذا اعترض علي ~~معترض ولم أنشر اعتراضه فله ملء الحرية أن ينشره في أي جريدة أراد. رابعا ~~سيأتي وقت يخرج بعض إخواني، الذين حرروا جرائد سوريا، من بلاد الظلم وإذ ذاك ~~فهم يؤيدون أقوالي؛ لأنهم الآن ليس في وسعهم تأييدها. خامسا سأنشر في ذيل ~~هذا الكتاب صورة مأخوذة بالزينكوكراف أي التصوير عن أصل مسودة من مسودات ~~جرائد بيروت في وقت رجوعها من عند المكتوبجي مع الحذف الذي فيها، فلا يبقى ~~مجال للريب في صحة كلامي. ~~(1) خارطة الممالك المحروسة # إن المطبعة الأميركانية الخاصة بحضرات المرسلين الأميركان رسمت خارطة ~~لتدريس طلبة العلم في المدارس، فبلغ أمرها المكتوبجي (الطيب الذكر)، ~~واستدعى مدير المطبعة أسعد أفندي واكد، وجرت بينهما المحاورة ~~الآتية: # المكتوبجي ~~: # هذه الخارطة ذات ألوان مختلفة، فلماذا فعلتم ذلك ولم تجعلوها ذات ~~لون واحد؟ # مدير المطبعة ~~: # إنما فعلنا ذلك بمقتضى قاعدة رسم الخارطات وجعلنا كل مملكة ذات لون ~~يختلف عن ms16 لون المملكة الأخرى؛ تسهيلا للتلامذة ليتمكنوا من تمييز ~~البلاد الواحدة من البلاد الأخرى. # المكتوبجي ~~: # ما بالكم إذن رسمتم المملكة العثمانية بلون أبيض ومصر بلون ~~أحمر؟! # المدير ~~: # ذلك ليسهل على الطلبة تمييز الحدود عند تحديد البلدان. # المكتوبجي ~~: # بل هي خيانة منكم، كأنكم تعتبرون مصر خارجة عن المملكة العثمانية ~~وأنها مملكة مستقلة. # فأنكر المدير تلك التهمة، إلا أن المكتوبجي أبى تصديقه وأمر بضبط ~~الخارطات جميعها، فاضطرت المطبعة الأميركانية إلى طبع الخارطة مرة ثانية ~~وجعلت كل ما كان لتركيا من أول وجودها حتى الآن بلون واحد. ~~(2) حرمتلو المسيو لوار # ذكرت جرائد بيروت اسم حضرة المسيو لوار الفرنساوي مدير البنك العثماني ~~في بيروت، فأمر المكتوبجي أن يلقبوا المدير بلقب «حرمتلو»، ولا أدري ما ~~القصد من ذلك. ~~(3) سعادة محمد على باشا # كلما أوردت جرائد بيروت اسم البرنس محمد علي باشا شقيق سمو الأمير ~~الأعظم خديوي مصر، فهي مضطرة - بأمر المكتوبجي - أن تكتبه هكذا: «حضرة ~~سعادتلو محمد علي باشا». وقد روى ذلك الاتحاد المصري قائلا: إن جرائد ~~بيروت تنزل أعضاء الأسرة الخديوية منزلة لا تليق بمقامها، ولكن أي ذنب ~~لجرائد بيروت والمكتوبجي هو الآمر الناهي! ~~(4) مصطفى بك أرسلان # قلت في عدد 21 من «المشير» إنني زرت سعادة الأمير مصطفى أرسلان قائمقام ~~قضاء «الشوف» لما رجع من الآستانة، فقال لي: «لما وصلت إلى الآستانة لم ~~أكتب على تذكرة زيارتي «الأمير مصطفى أرسلان» بل أجبروني على كتابة اسمي ~~هكذا «مصطفى بك أرسلان». قلت: وما اعتراضهم على لقب الإمارة؟ قال: «إنهم ~~لسخافة عقولهم يظنون الإمارة مخصوصة بأمير المؤمنين، مع أن لقب الإمارة ~~عندي أقدم منه في السلطنة العثمانية.» ~~(5) الحجر على كتاب «حافظ السلام» # لما توفي المغفور له قيصر روسيا، ألف حضرة الأديب نسيم أفندي نوفل ~~كتابا في ذكر مناقبه، سماه «حافظ السلام» وأرسل منه بعض نسخ إلى بيروت، ~~فصدر الأمر بالحجر عليه وعدم تسليمه لأصحابه؛ لأن فيه العبارة الآتية: ~~«جلالة الإمبراطور نقولا الثاني قيصر روسيا الأعظم وجلالة الإمبراطورة ~~المعظمة»، واعتراضهم على ذلك أن لقب «الجلالة» لا يجب أن يستعمل ms17 إلا ~~للسلطان عبد الحميد. ~~(6) عبده أفندي الحمولي # خطرت لي الآن حادثة جرت في الآستانة ليس لها علاقة مع المكتوبجي، إلا ~~من حيث إنها تبرهن على صحة ما أرويه، فقد نشرت في عدد 37 من المشير ما ~~يأتي: «لما ذهب حضرة المطرب الشهير عبده أفندي الحمولي إلى الآستانة بمعية ~~سمو الخديوي، رغب السلطان أن يسمع صوته الرخيم، وقبل الوقت المعين ~~لتشرفه بالحضرة السلطانية جاءه أحد رجال المابين وأمره أن يكتب على ~~ورقة ما يريد أن ينشده من الأدوار، ففعل وكتب الأبيات الآتية، أو ما ~~يقابلها في المعنى: # غاب عن عيني مرادي # وانهمل دمعي صبيب # عز من يشفي فؤادي # عندما غاب الحبيب # والدور الآخر: # خلعت عذاري في هواك ومن يكن # خليع عذار في الهوى سره نجوى # وكتب أيضا: # العذول أصل انتباهي # بالشمول # يا إلهي أنت جاهي # في العذول # فلما حضر السلطان أعادوا إلى عبده أفندي الأدوار المذكورة وقد حذفوا من ~~الأول لفظة «مرادي» واستبدلوها «بحبيبي»، ومن الدور الثاني «خلعت» و«خليع» ~~فيقرأ البيت هكذا: # تركت عذاري في هواك ومن يكن # بدون عذار في الهوى سره نجوى # وحذفوا من الثالث كلمة «عذول» الواردة في صدر البيت الأول وفي قافية ~~البيت الثاني واستبدلوها بكلمة الرقيب؛ لأن مرادي تشير إلى اسم السلطان ~~مراد، وخلعت وخليع تشيران إلى معنى خلع الملوك، وأما العذول فإنهم فهموا ~~أنها مشتقة من عزل يعزل. ~~(7) نسيب اللورد كرومر # ذكرت جرائد بيروت وصول حضرة اللورد نوثبروك إليها وقالت: «إنه نسيب ~~حضرة اللورد كرومر وإن حضرته قدمه إلى سمو الخديوي»، فحذف المكتوبجي ~~قولهم إنه نسيب حضرة اللورد، وأنه قدمه إلى سمو الأمير. ~~(8) احتلال الإنكليز ونيل المراد # في ساعة رضى أمر والي بيروت بتعيين الأمير سعيد أرسلان لمراقبة الصحف ~~مع المكتوبجي الذي يجهل اللغة العربية، وكان تعيينه لمدة قصيرة، ففي ذات ~~يوم استدعى المكتوبجي الأمير إلى غرفته وقد اتقدت نار الغضب والشراسة في ~~عينيه، فقال له: أتجهل أيها الأمير أني لا أزال المسئول من الدولة عن ~~الجرائد وإن عهد أمرها إليك؟ فلماذا تسمح لها أن ms18 تحرر ما يمس صوالح الدولة؟ ~~قال الأمير: «ما الذي نشرته اليوم فقد قرأت مسودتها ولم أبق ما يوجب ~~اللوم.» فازداد المكتوبجي غضبا وأخذ نسخة من جريدة البشير الكاثوليكية ~~وقال للأمير: انظر هذه العبارة: «نيل المراد» في رسالة لمكاتب الجريدة ~~المصري، فإن قصد المحرر من «نيل» نهر النيل في مصر، وما أدراك ما هي الغاية ~~من مصر والنيل مع وجود الإنكليز في القطر المصري، وأما هذه اللفظة (وأشار ~~إلى «مراد» بإصبعه) فلا أقوى على لفظها بفمي إذ يرتجف قلبي، ولا شك أن ~~المحرر يريد غاية سياسية خفية من الجمع بين النيل ومراد. فحاول الأمير أن ~~يفهم الرجل معني «نيل المراد» أي إدراك القصد ولكنه حذف المقالة ~~بأسرها، فراجع مدير البشير حضرة الوالي الذي أمر بإرجاع المقالة معتذرا عن ~~المكتوبجي بجهله لغة البلاد. ~~(9) الإمبراطور محمد علي الطرابلسي # تعين هذا الإمبراطور الجديد بإرادة سامية من حضرة سعادتلو عبد الله ~~أفندي نجيب مكتوبجي ولاية بيروت، وإليك البيان نقلا عن عدد 36 من المشير. ~~كتب إلي من بيروت مع البريد الأخير أن جريدة المصباح نشرت الإعلان الآتي: # إن قطعة الأرض المشتملة على بيت مؤلف من 4 أوض ومطبخ ودار ملك ~~محمد علي الطرابلسي معدة للأجرة، وعلى الراغبين مخابرة ~~صاحبها. # وأرسلت مسودة الجريدة إلى المكتوبجي، فلما قرأ الإعلان استشاط غيظا ~~وحذف لفظة «ملك»، فسأله الأمير سعيد أرسلان وكيل المراقبة عن سبب ذلك، قال: ~~«لا ملك إلا الذات الشاهانية»، وعبثا حاول الأمير إقناعه بغلطه، وبعد أن ~~قدح زناد الفكر طويلا قال: قد وجدت طريقة أوفق، وذلك أن أستبدل لفظة ~~«ملك» بلفظة «إمبراطور»، وهكذا فعل وأعيدت المسودة إلى إدارة المصباح وقد ~~صار الإعلان هكذا: # إن دار الإمبراطور محمد علي الطرابلسي معدة للأجرة. # فأسرع مدير المصباح إلى والي بيروت وأطلعه على المسودة، فضحك كثيرا ~~قدر ما بكى المحرر على بنات أفكاره الذاهبة ضحية جهل المكتوبجي، وعنفه ~~على جهله. ~~(10) محمد أفندي سلطا-ني # كتبت جرائد بيروت أن أحمد أفندي سلطاني زايل الثغر لزيارة شقيقه محمد ~~أفندي سلطاني المقيم في الآستانة، فحذف ms19 المراقب النون والياء من سلطاني ~~وهكذا بقي الاسم «محمد أفندي سلطا»؛ لأن السلطان لا يكون إلا لعبد الحميد، ~~وفي حادثة أخرى حذف لقب سلطاني بأسره واستبدله بمخزومي؛ لأن عائلة سلطاني ~~لها لقب المخزومي. وقد فعل مثل ذلك رامز بك قاضي بيروت لما عرضت عليه حجة ~~شرعية باسم أحد أفراد عائلة سلطاني فحذف النون والياء، ولا تزال تلك الحجة ~~بين أوراق محكمة بيروت الشرعية. ~~(11) منع الحداد على الموتى # وجد المكتوبجي ذات يوم أنه ليس في المسودة التي قدمتها له ما يليق ~~حذفه، ولكن أبى إلا أن يحذف شيئا؛ اتباعا لقول الشاعر: # إذا كنت لا تنفع فضر فإنما # يراد الفتى كيما يضر وينفع # فرأى في الجريدة ذكرت موت أحد الأهالي وعلى المقالة خط أسود، فحذفه ~~زاعما أن ذلك الخط الأسود يشوه وجه الجريدة، شوه الله وجهه كما لا ~~يزال يشوه بجهله وجه الأدب. ~~(12) لم يمت كارنو # بعد أن صدر «لسان الحال» يوميا بأيام قليلة، جاءتنا رسالة برقية من ~~صديق باريزي تنبئ بمقتل المسيو كارنو رئيس جمهورية في ليون من خنجر ~~كازاريو الشقي، فنشرت التلغراف، إلا أن المكتوبجي حذف خبر قتله وأمرنا أن ~~نقتصر على ذكر موته بقولنا: «انتقل إلى رحمة ربه»؛ لأن ذكر قتل الملوك ~~يخيف الأتراك لأنه يخيف سلطانهم، فاضطررت إلى أن أفعل ذلك مكرها. ~~(13) البويجية دعاة الجمهورية # وأرسلت الغلمان لمبيع الجريدة في الشوارع وأوعزت إليهم أن ينادوا: «موت ~~رئيس جمهورية فرنسا»، تنبيها للناس إلى الإقبال على ابتياع الجريدة، وفي ~~المساء لم يحضر الأولاد لتقديم حساب المبيع كالعادة، ثم جاءني خبر أنهم ~~جميعا في السجن، فهرولت إلى مدير البوليس أسأله السبب، قال: إنهم ينادون ~~في شوارع المدينة بالجمهورية، قلت: بل هم ينادون بموت رئيس جمهورية فرنسا، ~~قال: ألا تدري أن هذه اللفظة ممنوع استعمالها هنا؟! فوعدته ألا أعود إلى ~~ذكرها، وهكذا أطلق سراحهم. ~~(14) نعلن لحضرة العموم # وعلى ذكر الجمهورية أقول: جرت العادة أن ينشر الناس إعلاناتهم هكذا: # نعلن لحضرة الجمهور أننا قد أنشأنا مدرسة ... إلخ. # فأمر المكتوبجي أن تحذف لفظة الجمهور ms20 فيما بعد من الإعلانات وأن ~~تستبدل بقولنا «نعلن لحضرة العموم»؛ لأن كلمة «جمهورية» تخدش الأذهان، ~~وهكذا فإنك لا تجد في جرائد بيروت لفظة جمهورية على الإطلاق. ~~(15) هل الصليب مقدس # نشرت جريدة البشير الكاثوليكية أن قد وافق اليوم عيد الصليب المقدس عند ~~الطوائف النصرانية، فحذف المكتوبجي لفظة «المقدس»، إلا أن مدير البشير ~~اعترض فلم ينفع اعتراضه واضطر إلى حذف اللفظة، لكن ما لبث الآباء أن رفعوا ~~شكواهم رسميا إلى الآستانة بواسطة سفير فرنسا، فكانت النتيجة - على ما ~~يقال - عزل المكتوبجي حسن فائز لأول مرة. ~~(16) صاحب العزة # نشرت جرائد بيروت يوما ما خبرا عن أحد الوجهاء وهو صاحب الرتبة ~~الثانية، فبدلا من أن تقول: «عزتلو فلان أفندي» قالت: «حضرة صاحب الوجاهة ~~والعزة فلان أفندي»، فحذف المكتوبجي ذلك قائلا: إن العزة لله. ~~(17) موت شاه العجم # في شهر مايو من سنة 1896 هجم أحدهم على المغفور له شاه العجم ففتك به ~~برصاصة أصابته فذهبت بآمال الأعجام، ونشرت جميع جرائد العالم خبر هذا ~~المقتل الفظيع، إلا جرائد بيروت فإنها نشرت الخبر كما يأتي: # ورد قبيل عصر أمس نبأ برقي رسمي ينعي المرحوم المغفور له ناصر ~~الدين خان شاه إيران المعظم، فنكست قناصل الدول أعلامها وأسف القوم على ~~هذا المصاب الجلل. # وقد ذكرنا في عدد سابق أنهم كانوا في بلاد فارس يستعدون استعدادا ~~عظيما للاحتفال بعيد جلوسه للسنة الخمسين في السادس من هذا الشهر، ~~فوافاه القدر المحتوم فجأة في وسط ذلك الاستعداد قبيل حلول العيد ~~بيومين أو ثلاثة. رحمه الله وجعل الجنة مثواه. ~~(18) مالوك وليس ملوك # قدم بيروت أحد أفراد عائلة ملوك الشهيرة في مدينة بعلبك، وأظن أن ~~اسمه يوسف أفندي، بعد أن قضى مدة في أستراليا، فكتبت أن قد حضر إلى بيروت ~~حضرة الوجيه يوسف أفندي ملوك، فما كان من المكتوبجي إلا أن حذف اللقب ~~فأصبح الاسم يوسف أفندي، قلت له: إن في سوريا مائة ألف يوسف، قال: إن ~~الملوك لا يكونون في بعلبك، قلت: إن الرجل ليس ملكا ولكن اسمه ملوك ~~بتشديد اللام وأنا ms21 أضع الشدة على اللام، قال: إنها تفقد في الطبع، ~~فاضطرني الأمر إلى نشر الاسم هكذا: «حضرة الوجيه يوسف أفندي مالوك»، وإذ ~~ذاك سمح سعادته بنشر الاسم. ~~(19) المأمون والمكتوبجي # كنت أرسل المسودة في عهد حسن فائز أفندي مكتوبجي بيروت السابق الساعة ~~الواحدة بعد الظهر، فيعيدها إلي الساعة الرابعة وقد حذف منها 6 أعمدة لم ~~يجدها موافقة لذوقه اللطيف، فحدث ذات يوم أنني استبدلت المقالات المحذوفة ~~بمقالات كنت قد أعددتها استعدادا لمثل هذا الاستبداد، وبقي علي أن أملأ ~~فسحة عمود والبريد على وشك أن يسافر، فنقلت إلى الجريدة قصة من نوادر ~~الخليفة المأمون أخذتها بحروفها من كتاب «إعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع ~~بني العباس» ظنا مني أنها أمينة من شره، وأخذت المسودة إليه هذه المرة ~~بنفسي، فحذف قصة المأمون. قلت: لماذا؟ قال: هذه أحاديث خلافة مرت عليها ~~الأعوام ولا نريد إعادة ذكرها على الأسماع. قلت: ارحمني يرحمك الله إذ ~~يستحيل علي إصدار الجريدة اليوم إذا تم الحذف. قال: أشفق عليك إذن، وسمح ~~بإثبات القصة بعد أن أصلح فيها ما يأتي: # استبدل كلمة أمير المؤمنين بالحاكم، والخليفة كذلك، والأعرابي بالرجل، ~~وحذف اسم المأمون من كل المقالة واستبدله ب «أحد الحكام»، وهكذا نشرت ~~المقالة. ~~(20) كلام بدون معنى # فلما رأيت أنه يحذف كل مقالة مفيدة ذات معنى، أردت أن أمتحن درجة فهمه ~~ومبلغ التضييق، فكتبت مقالة سياسية تحت عنوان «الأحوال الحاضرة» في صدر ~~الجريدة، قلت فيها ما يأتي: # قد عم السلم الأرض قاطبة وقام الملوك والوزراء يعلنون مقاصدهم ~~السلمية، فذهب حشمتلو الإمبراطور كارنو الثالث قيصر روسيا إلى أميركا ~~وألقى هناك خطبة لا تختلف في لهجتها السلمية عن الخطبة التي ألقاها ~~المستر بسمارك رئيس وزارة إنكلترا في شيلي. قال فيها إنه تم عقد ~~التحالف مع حضرة الإمبراطورة أوجيني ملكة فرنسا والأرشيدوق رودلف ~~إمبراطور البرازيل، على ضم إمبراطورية سويسرا إلى جمهورية ألمانيا، ~~والاتفاق على مد خط حديدي تحت بحر البلطيق يساعد على تسهيل ~~التجارة بين أفريقيا والقوقاس، وهكذا فالعالم السياسي اليوم في راحة ~~تامة ...» إلى آخر ms22 ما هناك من الخلط والمبالغة، فصادق المكتوبجي عليها ~~وذيلها باسمه الكريم مع كلمة «كورلمشدر»، وطبعت في «لسان الحال» ~~وانتشرت بين الناس كما يذكر كل من قرأها من الأدباء. # ومعلوم أن كارنو كان رئيسا لجمهورية فرنسا ولم يخرج من فرنسا ~~مطلقا، والبرنس بسمارك كان في ألمانيا ولا علاقة له بوزارة إنكلترا ~~ولم ير بعينه بلاد شيلي، والإمبراطورة أوجيني منفية من بلادها ~~والإمبراطورية ملغاة من فرنسا، كما أن الأرشيدوق رودلف كان قد مات ~~منتحرا، والبرازيل صارت جمهورية، وسويسرا جمهورية، وألمانيا ~~إمبراطورية، وبحر البلطيق يبعد عن أفريقيا قدر ما يبعد العقل عن رأس ~~حضرة المكتوبجي، ومع ذلك سمح بنشرها. ~~(21) الجمهور # إن محرر الجريدة في بيروت لا يجوز له أن يذكر كلمة جمهور بل يجب أن ~~يقول الشعب أو القوم، وفي الإعلانات يقال عادة: «نعلن لحضرة الجمهور»، ~~فيحذفها المكتوبجي ويضع محلها القوم؛ وذلك خوفا من اشتغال أفكار القراء ~~بالجمهورية والميل إليها. ~~(22) أيها الغلاطيون الأغبياء # ورد في الإصحاح الثالث من رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية، في العدد ~~الأول ما يأتي: «أيها الغلاطيون الأغبياء من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق ~~أهكذا أنتم أغبياء؟!» # وحدث أن جريدة دينية للبروتستانت نشرت موعظة لأحد القسس، جعل موضوعها ~~قول بولس الرسول لأهل غلاطية، فلما قرأها المكتوبجي استشاط غيظا وقال: من ~~هو بولس القليل الأدب الخائن الكافر الذي تجاسر أن يشتم أهل غلطة (وهو قسم ~~من أقسام الآستانة). ~~(23) خالد # لما توفيت المرحومة زوجة المرحوم سعادتلو يوسف بك مطران في القاهرة تلك ~~الميتة المحزنة، نشرت جريدة «لسان الحال» رسالة من القاهرة في وصف الفاجعة ~~وصدرها الكاتب بهذين البيتين: # لا بد من فقد ومن فاقد # فليس بين الناس من خالد # كن المعزى لا المعزى به # إن كان لا بد من الواحد # فحذف المكتوبجي كلمة «خالد» من قافية البيت الأول واستبدلها بكلمة ~~«طائد»، فقلت له: لماذا فعلت ذلك؟ قال: اسم والي بيروت «خالد»، قلت: نعم، ~~وماذا؟ قال: لا يجوز إيراد اسم الوالي في سبيل الحزن والتعزية، قلت: الأمر ~~لسعادتكم، ولكن ما هو معنى ms23 «طائد»؟ قال: «ثابت». قلت: وما هو أصلها؟ قال: ~~من الطود. ولله دره ما أقدره على الاشتقاقات اللغوية في أمثال تلك ~~المواضع! فضحكت وخرجت، وهكذا انتشر البيت المذكور على هذه العلة ~~الخبيثة. ~~(24) مكدرا # لما قتل المسيو كارنو رئيس جمهورية فرنسا، كتبت مقالة في صدر الجريدة ~~التي كنت أحررها في بيروت ضمنتها تعزية الأمة الفرنساوية على مصابها، ~~وافتتحتها ببيتين للشاعر «الأخرس» الشهير، قال في البيت الثاني: # وإن الليالي لم تزل بورودها # تسل علينا بالأهلة خنجرا # فجمد الدم في عروق المكتوبجي وحذف «خنجرا» واستبدلها بخط يده بكلمة ~~«مكدرا»، وقصد من الكلمة ألا يرد ذكر القتل والخناجر في وصف موت الرجل ~~أو قتله. ~~(25) متى غضبت # عادت إلي المسودة ذات يوم وقد منع منها المكتوبجي حسن فائز 12 ~~عمودا؛ أي نصف الجريدة، فهرولت مسرعا إلى سراي الحكومة ودخلت عليه، فقلت: ~~لماذا منع مولاي كل المقالات وليس فيها ما يخشى منه؟ قال: إنني لا أمنع ~~نشر جميع ما منعته، ولكن أردت أن تحضر إلي بنفسك. قلت: لماذا لم تأمر ~~الغلام باستدعائي؟ قال: متى غضبت منك أمنع نصف الجريدة حتى تأتي إلي، ~~وهي أحسن رسالة وأعجل رسول، قلت: وهل أنت غاضب علي الآن؟ قال: نعم، قلت: ~~لماذا؟ قال: لأنك خائن للسلطان والدولة والأمة، فاقشعر جسدي وخفت أن يأمر ~~بزجي في السجن بعد تلك التهمة الفظيعة. ~~(26) نفر # قلت له: ما الذي ظهر لك من جنايتي؟ قال: إنه بالأمس لما رجع المطران ~~إلياس الحويك الماروني من رومية، ملأت نحو 3 أعمدة من الجريدة في وصف ~~الاحتفال بقدومه والخطب التي ألقيت أمامه، واليوم لما سافر عثمان نوري باشا ~~المشير المعظم، اكتفيت بنشر التفاصيل وقلت إنه ذهب لوداعه «نفر» من ~~الجند. ألا يعد ذلك خيانة؟! قلت: وأين الخيانة؟ قال: أنك قلت إنه لم يذهب ~~معه إلا نفر، والصحيح أنه ذهب لوداعه عدد غفير من العساكر، قلت: يا مولاي ~~خفض عليك، فالنفر في اللغة العربية لا تفيد الرجل الفرد فقط بل الجماعة، ~~قال: أنا لا أحمل القاموس في جيبي، فإذا كتبت فاكتب ms24 ما أفهمه. ~~(27) عواطف المكتوبجي الرقيقة # توفي في كفر شيما أحد أفراد عائلة كرم، وكان محبوبا، فرغب إلي مدير ~~الجريدة أن أؤبنه على صفحات اللسان تأبينا حسنا، وأن أذكر في مقام ~~التأبين حالة أرملته وأولاده وأن أكتب عنهم بعض عبارات مؤثرة؛ لعل ذلك ~~يحرك عواطف الشفقة في صدور الجمعية الخيرية لمساعدتهم، ففعلت وأخذت ~~المسودة إلى المكتوبجي بنفسي، فلما قرأ التأبين المذكور حذف العبارات ~~المحزنة المؤثرة، ولما سألته عن السبب أجاب: إن كلامك هذا يؤثر كثيرا على ~~القارئ وأنت ليس من واجباتك أن تبكي قراء جريدتك، وأصر فلم أر بدا من ~~الخضوع لأمره. ~~(28) قصيدة الفرصاد # اتصلت بي قصيدة فرنساوية ذات معان جميلة، فاقترحت على جناب الفاضل ~~اللغوي والشاعر الشهير عبد الله أفندي البستاني أستاذ البيان في مدرسة ~~الحكمة أن يعربها شعرا فأجاب، ولما تم نظمها نشرتها في «لسان ~~الحال»، إلا أن المكتوبجي - لعنه الله - منع نشرها، ولا أدري لأي سبب، ومن ~~الغرائب أنني بعدما هجرت بيروت وأقمت في لندن مدة إذا ب «لسان الحال» قد ~~ورد إلي ذات يوم وفيه القصيدة وقد سمح المكتوبجي بنشرها. ومن هنا تعلم ~~أيها القارئ أن الرجل يريد قتل العقول فقط والتضييق على الكتاب إلى أن ~~يضجروا، وإلا فكيف منع نشرها ثم سمح بذلك بعد سنتين. ولكي يدرك القارئ ~~درجة إدراك الرجل أنشر الأبيات المشار إليها؛ ليشترك معي القارئ في الدهشة ~~والاستغراب. # الفرصاد أو التوت الشامي # صورة قصيدة فرنسية تتضمن سرد حادثة، خلاصتها أن شابا اسمه بيرام ~~أحب ابنة اسمها تسبة، وكانا متجاورين لكن بين عائلتيهما نفار يمنع ~~اجتماعهما، حتى إذا عيل صبرهما اختطفها الشاب من ثغرة دار أبيها ولجأ بها ~~إلى مغارة أمامها شجرة توت ثمرها ناصع البياض، وانصرف بيرام إلى المدينة ~~يأتي بحاجاتهما، فخرجت تسبة إلى ظل التوتة ترتاح وقد ألقت رداءها على أصل ~~الشجرة، وإذا بها تسمع زئير أسد فهربت إلى المغارة، وجاء الأسد فمزق ~~الثوب وضرجه بدم باق في فمه وعلى مخالبه وانصرف، فجاء بيرام ورأى ~~الثوب فحسب أن الحبيبة كانت فريسة الليث ms25 فانتحر. # ولما هدأ روع تسبة خرجت فرأت حبيبها على تلك الحال فندبته وانتحرت ~~بجانبه، وفي القصيدة الفرنسية أن دم العاشقين سرى إلى أصول الشجرة ~~فاسود لون الثمر حدادا عليهما. # مترجمة عن الإفرنسية بقلم جناب اللغوي المدقق والشاعر المجيد عبد ~~الله أفندي البستاني أستاذ البيان في مدرسة الحكمة المارونية، إجابة ~~لاقتراح محرر المشير، إذ كان في تحرير «لسان الحال» في بيروت: # وذات صيانة عقدت يمينا # على حب امرئ عقدا مكينا # تسبته بجفن لا يبالي # إذا الأسياف زايلت الجفونا # ولكن طالما نظرت إليه # بعين قد تهيبت العيونا # وشاقته زيارتها ولكن # رأى دون اللقى حصنا حصينا # ففي أبويهما ضغن قديم # تلبث في ضلوعهما كمينا # فلم يتزاورا خوف الربايا # ولم يتكاشفا الأسرار حينا # ولكن كان كل ذا نزوع # إلى أن يخبر الإلف اليقينا # فأرسل رائدا من ناظريه # إليها يحمل الدمع السخينا # فأطلع فوق وجنتها نجوما # تريه في الدياجي الياسمينا # وأومأ باليدين إلى فؤاد # يذل لها وضيعا مستكينا # فراشت أسهما من مقلتيها # تعلمه بأنتها الحنينا # وهزت من معاطفها قناة # تحرك من شمائله السكونا # وسلت من حواجبها حساما # تقد به رءوس العاذلينا # فهب إلى لقايتها بليل # يراه ستار كل العاشقينا # ولكن كان بينهما جدار # يرد زجاجه المتسلقينا # بناه حول مربعه أبوها # بناء مثل همته متينا # فجاء بمخرقين فصار كل # يعاني الخرق خشية أن يهونا # تعاونه عليه بلا توان # وليس يني عليه لها معينا # لذا خرقاه بالعزم الذي إن # حواه سواهما دك الحصونا # فلاقاها ولاقته فمدت # إليه عند رؤيته اليمينا # وحيته بذي برد تباهي # به حبب الكئوس إذا ملينا # فرد لها تحيتها بصوت # يرد لسهم مقلتها الأنينا # وكاشفها بما في نفسه من # هواه أن يكون لها قرينا # فرفت بالجفون تصاغرا كي # يكون لرفها أبدا ركونا # وقالت قم فنهجر ذي النواحي # بلا مهل مخافة من يشينا # غدوت عقيلة لك فاتبعني # وناد وأنت بعلي يا ظعينا # وشدت وهو متبع خطاها # يجوبان السهولة والحزونا # تباري ظبية الوادي نفارا # وتفخرها وتفضلها عيونا # وإذ وصلت إلى أعلى الرواسي # رأت توتا يروق الناظرينا ms26 # فأمت توتة بسطت ظلالا # بها استذرت وفرجت الشجونا # وناطت بردة كانت عليها # بغصن فوقها ينأى الغصونا # ونادت يا حبيب فشد ليث # عليها كان قد برح العرينا # تضرج صدره بدماء كبش # عظامته به صارت طحينا # فحلت خفية منه وجارا # يقيها من براثنه المنونا # فسد الليث موضعها فألفى # رداء ظنه مرءا سمينا # فهتكه بأنياب حداد # طوال بالدم القاني طلينا # وعاد إلى العرين له زئير # قوي يملأ الوادي دنينا # فجاء حبيب ذات الخدر يبغي # لقاية من بها أمسى قمينا # فألفى ثوبها قطعا عليها # دماء تذعر الصب القنينا # فهز فؤاده هلع عظيم # تمنى بعده ألا يكونا # وصك بكفه أسفا محيا # عليه كان مدمعه هتونا # وأبنها بقول قصرت عن # معانيه الفحول الأقدمونا # وقال عليك روحي يا فتاتي # وقفت فلا تظنيني خئونا # أآنستي علام قفلت قبلي # أسرك أن أعيش فتي حزينا # ويا أسد العرين عراك ذم # تكون لدى الأسود به لعينا # ألم ترهب لآنستي عيونا # تبيد لها القساور والقرونا # فتكت بها بلا سبب مسيئا # وهذا الأمر فعل الظالمينا # فلو طالبتني عنها بنفسي # لما ألفيتني رجلا ضنينا # أتفكر أن قتلك للعذارى # ينيلك في الثرى النصر المبينا # فعزك في العرينة سوف يغدو # بقتلك غرة الأبكار هونا # فما شرف المروءة في نهوم # يكر على فريسته بطينا # وما صدق البسالة في أسود # أبادت من حوت أدبا ولينا # ولكن في فتى حر أبى أن # يظل بهذه الدنيا سجينا # فشأني أن أموت هنا بزندي # فلا أبغي من الدنيا شئونا # وأنزل مدية في صدره قد # أكب على الرداء بها طعينا # فجاءته الفتاة فأبصرته # صريعا في سبيل الظاعنينا # فضعضعها القنوط وحل بهت # عليها كاد يورثها الجنونا # تقدم مرة رجلا وأخرى # تؤخرها كفعل الممترينا # عرتها حبسة بلسانها لا # تعالن بالحديث به الخدينا # تبسم وهو محتضر فولى # فكان بقلبها العاني دفينا # فألقت نفسها جزعا عليه # وقبلت النواظر والجبينا # وقالت يا ظلوم أتتركني # أموت كآبة في العالمينا # ألم ترني الأمينة في وداد # رأيتك فيه ذا ثقة أمينا # ففي مهد المروءة قد فطرنا # وفي أرض المودة قد ربينا ms27 # أمت الصبر في قلبي شهورا # فهل أحييه يا أملي سنينا # رعيت لك الذمام فهل تراني # أهم بعيد موتك أن أخونا # تعلمني بفعل يديك بأسا # يراه الناس في قلبي رهينا # أنا بنت المنون فمن يخلني # أخاف أبي يكن عندي غبينا # ولم تلبث أن انتحرت لديه # تقول تخذت حب الموت دينا # وها أنا ذي أموت هنا وإنا # عن الدنيا بمصرعنا غنينا ~~••• # فأروى منهما الدم توتة لم # تكن تسقى أرومتها المعينا # فحدت فاكتست ثوبا رثيثا # من الفرصاد بالبلوى ضمينا ~~(29) السلطان لا يحتاج إليك # معلوم أن الجرائد الإفرنجية تضع أسماء الأعلام في مقالاتها الافتتاحية ~~بحروف كبيرة ممتازة. ولما كنت أعلم أن الحكومة العثمانية لا ترضى إلا عن ~~الذي يتزلف إليها ولو ضحك عليها، كتبت مقالة ذكرت فيها الطريقة ~~الأوروبية، وقلت إن السلطان عبد الحميد يستحق أن يمتاز عن سواه، وأن إدارة ~~الجريدة صنعت حرفا مخصوصا يمتاز عن الحروف العادية وقررت أن أنشر اسم ~~السلطان بالحرف الممتاز حيثما ورد في الجريدة، واقترحت على سائر الجرائد أن ~~تحذو حذوي، وأخذت المسودة بنفسي هذه المرة لعلي أنال رضى المكتوبجي، فلما ~~قرأها أمرني بحذف المقالة المذكورة بدعوى أن السلطان لا يحتاج إلى مثل هذا ~~الإكرام مني، قلت: إذن اضرب عليها بقلمك كما هي العادة في كل مقالة محذوفة، ~~فأبى أن يفعل وقال: احذفها أنت وضع سواها محلها وأحضر نسخة ثانية لأضع ~~توقيعي عليها؛ والسبب في ذلك أنه خاف أن يحذف مقالة تتضمن مدح السلطان، ~~فاجتمعت بعزتلو طاهر بك مكاتب جريدة سعادت التركية في الآستانة وعرضت الأمر ~~عليه، فسار إليه وتوسط في الأمر، فأبى أيضا حتى التزمت أن أفعل ما أمر به، ~~ولكني أبقيت المقالة نحو شهر ثم نشرتها بدون عنوان فأمضى عليها، وهذا يدلك ~~على أنه مستبد ولا يجري على قانون. ~~(30) الحركة فيها بركة # طبع يوسف أفندي حرفوش كتابا في الأمثال باللغتين الفرنساوية والعربية، ~~وورد في جملتها المثل الشهير: «الحركة فيها بركة»، فأمر بحذف المثل من ~~الكتاب زاعما أن لفظة الحركة تفيد الثورة. ~~(31) فكتوريا إمبراطورة الهند # نشرت النشرة ms28 الأسبوعية للمرسلين الأميركان في بيروت صورة جلالة ملكة ~~إنكلترا، وكتبت تحتها: ~~«فكتوريا ملكة إنجلترا وإمبراطورة الهند»، فحذف لقبها الأخير، ولما ~~اعترض عليه الدكتور هنري جسب الأميركاني قال له: كيف تكون هذه الملكة ~~المسيحية إمبراطورة على الهند وأهالي الهند من المسلمين؟! إلا أن الدكتور ~~جسب نشر ما أراد ولم يخضع لأوامره. ~~(32) التضييق على الأدوية # استدعاني المكتوبجي ذات يوم وقال لي: إنه لا يجوز نشر إعلان «مستحلب ~~سكوت»، قلت: ولماذا؟ قال: إنه لا يجوز لك نشر كل إعلان عن دواء جديد من ~~أوروبا، قلت: ولماذا؟ قال: لأن تلك الأدوية ربما كانت كاذبة لا تشفي من ~~مرض، أو ربما كانت مسمومة، فيجب على صاحب العلاج قبل نشر إعلانه في الجريدة ~~أن يعرض كمية منه على عزتلو نظام الدين بك مفتش صحة الولاية فيحللها وإذا ~~لم يجد فيها ما يضر يأمر بنشرها. وهكذا جرى. ~~(33) له السجود والمجد # نشرت جريدة البشير الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت مقالة عن ~~قداسة البابا، وورد فيها اسم السيد المسيح فأورده المحرر كما يأتي: «السيد ~~المسيح له السجود والمجد»، فحذف المكتوبجي الألقاب وأبقاها هكذا «السيد ~~المسيح»، فلما أعيدت المسودة على هذا الحال إلى الدير هرول حضرة الأب أنطون ~~صالحاني مدير البشير إلى سراي الحكومة واعترض على المكتوبجي فأصر على أمره ~~الأول، فدخل الأب صالحاني على دولة الوالي وكان في حضرته خليل أفندي سركيس ~~صاحب «لسان الحال»، فعرض الأب المسودة على الوالي الذي استقدم المكتوبجي ~~وسأله، فأجاب هذا أنه لا يسمح بنشر الألقاب. وإذ ذاك نظر الأب صالحاني ~~إليه نظرة الغضب وصاح به: «اعلم يا هذا أن مائة ألف إنسان ماتوا شهداء من ~~أجل هذا الاسم الذي لا تريد إكرامه.» فلما رأى الوالي أن الأمر اتصل إلى ~~هذا الحد، التفت إلى سركيس أفندي وقال: أصلح بين الاثنين، فلم يجد سركيس ~~أفندي بدا من التداخل فقال: أظن الأوفق أن نقسم الخلاف بينهما، فبدلا من ~~أن نقول له السجود والمجد نكتفي بالمجد أو السجود، وقال للأب صالحاني: إن ~~السيد المسيح لا يعتب علينا؛ ms29 فهو سبحانه لا تهمه الألقاب الفارغة. إلا أن ~~الأب صالحاني أبى ذلك وانصرف، فنشر المقالة كما هي بعد أن أطلع عليها حضرة ~~القاصد الرسولي وحضرات قناصل الدول جميعا، فخاف المكتوبجي ولم يستطع أن ~~يعاقبه، لما علم أن الأمر اتصل بالقناصل، فكتم غيظه إلى حين آخر. ~~(34) صورة المستر استيد # لما كنت في لندن عرفت المستر استيد محرر مجلة المجلات ومن مشاهير ~~كتاب الإنكليز، فلما رجعت إلى بيروت نشرت في أعداد متتابعة في «لسان الحال» ~~ترجمة حياته وكيف أمرت الملكة بسجنه وكيف هاجت نساء إنكلترا ودافعن عنه، ~~وذكرت جريدته الجديدة المسماة «بوردرلاند» التي ذكر فيها أنه يخاطب أرواح ~~الموتى، إلى غير ذلك من الأخبار التي تلذ للقراء ولا شيء فيها من السياسية، ~~فأرسل إلي المستر استيد صورته على قطعة نحاس، ولما كان اسم الرجل قد ~~اشتهر بين قراء سوريا وضعت رسمه في الجريدة، فحذفه المكتوبجي. ولما سألته ~~عن السبب قال: إن هذا الرجل كان من نحو 11 سنة يحرر جريدة البال مال غازيت ~~وكتب فيها ضد الدولة العثمانية، فلا أسمح لك أن تنشر صورته، وهكذا منعني عن ~~نشرها، وربما نشرتها في المشير ليطلع عليها القراء ويروا أي ضرر يحصل من ~~ذلك. ~~(35) اختراعاتي # لما ضايقني المكتوبجي وضجرت من المراقبة وجدت أنه لا ينجيني من صرامته ~~إلا الاكتفاء بمديح السلطان أو مالية الدولة أو جنديتها مما أكون قد ~~هيأته قبلا لهذه الغاية. ولما زار إمبراطور ألمانيا الآستانة نشرت مقالة ~~عن جندية الدولة العثمانية، كلها مديح وثناء، ثم قلت فيها إن الإمبراطور ~~لما استعرض الجيش العثماني المظفر خطب خطبة غراء قال فيها «أنه لم ير ~~حتى الآن مثل هذا الجيش في ترتيبه ومظاهر قوته» إلى غير ذلك من المديح ~~المخترع الذي لم يخطر ببال غليوم الثاني، فسر المكتوبجي من ذلك، وأغرب ~~منه أن جريدة الأهرام نقلت الخطاب المذكور ولم تقل إنها أخذته من «لسان ~~الحال» بل ادعت أنه من أخبار الآستانة ونقلا عن جرائدها، مع أن الخطاب ~~بأسره من اختراعي ولم يوجد إلا في مخيلتي. ms30 ~~(36) ألقاب الملوك # صدر أمر المكتوبجي إلى جميع جرائد بيروت كما يأتي: # لا يعطى لقب جلالة وعظمة إلا للسلطان. # يلقب الملوك والإمبراطورون بلقب «حشمتلو». # وحدث أنه بعد صدور هذا الأمر ورد اسم ملكة إنجلترا في إحدى مقالاتي ~~فلقبتها هكذا «حشمتلها» وهو مؤنث «حشمتلو»، فغضب علي المكتوبجي وتهددني ~~بتعطيل الجريدة، وأمرني أن أستعمل لها اللقب الآتي «حضرة». # ويلقب شاه العجم بلقب «شهامتلو». # ولا يسمح أن يقال عن سلطان زنجبار «السلطان فلان» بل يقال حاكم زنجبار، ~~ولا يقال لملكة الإنكليز «إمبراطورة الهند». ~~(37) ألقاب رؤساء الدين المسيحي # يقال في جرائد سوريا للبطريرك والمطران حضرة رتبتلو فلان. مثلا لو ورد ~~اسم غبطة بطريرك الروم الكاثوليك يجب أن نقول رتبتلو غريغوريوس أفندي يوسف، ~~أو مطران الموارنة نقول رتبتلو يوسف أفندي الدبس. ~~(38) المعكروني # بينما كان «لسان الحال» ينشر رسائل مكاتبه الفاضل نسيب أفندي شبلي ~~أثناء تجوله في أوروبا، نشر مقالة له عن إيطاليا فوصفها وقال إنها بلاد ~~يكثر فيها المعكروني، حتى لقد يلقب الطليان ب «أمة المعكروني»، فحذف ~~المكتوبجي ذلك زاعما أنه مما يكدر حكومة إيطاليا! كأن جرائد سوريا تحت ~~مراقبته أصبحت نظير التيمس والديلي نيوز حتى تقرأها حكومة إيطاليا وتهتم ~~بأقوالها. ~~(39) منع القصص الغرامية # كنت أنشر في «لسان الحال» بعض قصص غرامية مترجمة عن اللغات الأجنبية، ~~فصدر أمره بمنع مثل هذه القصص زاعما أنها تعلم الناس العشق. ~~(40) بحر المانش # لما رجعت من لندن كتبت رحلتي إليها وذكرت ذات يوم أنني عبرت بحر المانش ~~في ساعة و10 دقائق، فحذف المكتوبجي هذه العبارة. وقد اطلع على مسودتها أحد ~~القناصل إذ كان زائرا إدارة الجريدة، فأدهشه ذلك وقال إن المكتوبجي صاحب ~~حق، فأدهشني كلام القنصل وقلت: كيف ذلك؟ قال: إن كل إنسان يعبر المانش في ~~ساعة و10 دقائق، أما أنت فبصفة كونك من رعايا جلالة السلطان كان يجب عليك ~~أن تعبره في نصف المدة. وأراد القنصل من ذلك أن يهزأ بنا وبسلطاننا. ~~(41) اكتشاف أميركا # في شهر رمضان يصدر أمر المكتوبجي إلى محرري الجرائد أن يرسلوا المسودات ~~صباحا إلى منزله؛ ms31 لأنه لا يشرف إلى سراي الحكومة إلا مساء. فحدث ذات ~~يوم أنني أرسلت المسودة صباحا باكرا، وعند الظهر جاءني الخادم يقول: إن ~~سعادة المكتوبجي يطلب حضورك إلى منزله قبل أن يمضي على المسودة، فركبت عربة ~~لأصل حالا لأن المسافة بين الإدارة وبيته نحو نصف ساعة. فلما وصلت ودخلت ~~إلى قاعة الاستقبال، وكان من عادته أن يكون لطيفا في منزله، استقبلني ~~ومسودة الجريدة في يده وهو يرتجف غيظا وقد قدحت عينه نارا، وانهال علي ~~بالشتائم باللغة التركية التي - لحسن حظي - لا أفهمها ولكن فهمت أنه يقول ~~إنني قليل الأدب، قلت: مهلا يا مولاي، فما الذي صدر مني؟ قال: ألا تدري يا ~~هذا أنك في بلاد إسلامية تحت سلطة حاكم مسلم؟ قلت: أدري ذلك. قال: إذن كيف ~~تجاسرت على إهانة الإسلام في جريدتك؟ فارتجف قلبي خوفا وقلت لعل أحد ~~أعدائي قد دس لي دسيسة وزاد على الجريدة ما لا علم لي به، فسألته أن يريني ~~محل الخطأ وبأي كلام أهنت الإسلام، فأعطاني المسودة ووضع يده على مقالة قد ~~طوقها بعلامة زرقاء وقال: اقرأ هذا الكلام الذي كله خيانة للوطن والدولة. ~~فلما قرأت المقالة سكن روعي، وكانت المقالة المذكورة جزءا من رحلة مدير ~~الجريدة إلى معرض شيكاغو وصف فيها القسم الإسباني من ذلك المعرض، وقال إنه ~~لما وصل وجد على الباب ورقة مكتوبة في إطار ثمين مع سيف قديم وهما التصريح ~~الذي أعطته إيزابلا مع سيف الشرف «لكريستوفوروس كولومبوس مكتشف أميركا ~~عند سفره إلى القيام بالاكتشاف». فقلت للمكتوبجي: إنني لا أرى في هذا ما ~~يوجب اتهامي بالخيانة والإهانة. قال: كيف ذلك وأنت تقول إن كولومبوس هو ~~مكتشف أميركا، ألا تدري يا هذا وأنت من محرري الجرائد أن العرب هم الذين ~~اكتشفوها؟! وأؤكد للقارئ أنه لما انتهى المكتوبجي من كلامه هذا كنت أدفع ~~مائة ليرا لأتمكن من الضحك بحرية، ولكنني كتمت احتقاري له وأردت إقناعه ~~والخلاص منه، فقلت: إنما هي غلطة يسهل إصلاحها، فنحن نبقي الخبر على ~~علاته؛ لأن ذلك ما يزعمه الإفرنج، ونضيف ms32 عليه رأينا بأن العرب هم الذين ~~اكتشفوا أميركا. فقال: حسنا تفعل. وهكذا جرى، ولا يزال سعادته يتصور برأسه ~~الفارغ أنه خدم الحق والإسلام. ~~(42) القانون في رأسه # لما أكثر المكتوبجي من حذف المقالات ضجر عبد القادر أفندي القباني صاحب ~~ثمرات الفنون وزاره ذات يوم، فقال له: نرجوك أن تعين لنا خطة نجري عليها ~~في نشر مقالاتنا وترينا القانون الذي نخضع له في تحرير جرائدنا. فنظر إليه ~~سعادته وقال: ألا تدري أين القانون؟ فأجاب قباني أفندي سلبا. وإذ ذاك وضع ~~إصبعه على دماغه وقال: إن القانون هنا. فما قول القارئ في هذا ~~الاستبداد؟ ~~(43) رواية عائدة # رضي والي بيروت إجابة لطلب بعض وجهائها أن يمثل إسكندر أفندي صيقلي ~~رواية «عائدة» ثلاث ليال تحت حماية دولته، وفي الساعة المعينة بدئ ~~بالتمثيل حتى وصلوا إلى الفصل الذي يظهر فيه الجيش على المرسح حاملا ~~اللواء وقد كتب عليه: # نصر من الله وفتح ~~قريب ~~، وكان المكتوبجي في المرسح فأمر للحال بتوقيف الجوق عن ~~التمثيل. وهكذا أنزل الستار وانصرف الناس قبل أن تنتهي الرواية لغير سبب ~~إلا نشر الآية المذكورة على لواء الجيش في المرسح. ~~(44) جبانة الأفكار # نشرت في عدد 31 من المشير ما يأتي تحت عنوان «جبانة الأفكار»: # من المضحكات المبكيات ما سمعناه عن رجل في الآستانة، بل الجبانة التي ~~قبرت فيها الأفكار ولحدت فيها الهمم؛ ليعلم المصريون أنهم في جنات ~~وعيون ومقام كريم، تحت هذا المليك الذي أحب أن يعيش بين الأحرار الذين أسبغ ~~عليهم ظل الحرية الظليل بفضله وكرمه، وليعلموا ما فيه غيرهم من الحجر حتى ~~على هواجس الضمائر، ليقدروا النعمة قدرها. طلب رجل من ذوي الظهور «تاريخ ~~فلاسفة اليونان» من صاحب له ليطلع عليه، وألح عليه في الإسراع بإرساله، ~~ولما قدمه له شكره وفرح بالكتاب. وفي الغد لم يشعر المعير إلا وقد أيقظه ~~طارق على بابه وإذا هو خادم صاحبه الذي استعار الكتاب، وقبل لبس ثيابه لحق ~~الخادم الأول خادم آخر يستحث الرجل للذهاب، ولما وصل عند صاحبه ناوله ~~الكتاب فزعا جزعا وقال له: ms33 اخرج وألق الكتاب في مرحاض أو أحرقه وتعال ~~لأخبرك عن السبب الذي دعا لهذا. فخرج الرجل بالكتاب وعاد وحده، فقال له: ~~أكنت تريد خراب بيتي بكتابك وسلب نعمتي؟! فوقف الرجل مبهوتا من هذا الكلام ~~وقال: يا سيدي هذا الكتاب مطبوع في مصر منذ ستين سنة وقد تداولته الأيدي ~~وسار في الآفاق، وما سمعنا معترضا عليه إلا أن يكون في شرح مذاهب ~~الفلاسفة، ولا ضرر على الدين في نفس الأمر من شرح ذلك المذهب. فقال الرجل ~~الذي ملأ الخوف تجاويف أحشائه: لا يعنينا الكفر وغيره، وإنما البلاء كل ~~البلاء أن هذا الكتاب احتوى على فقرة تفتت فقار الظهر، وهي قوله: «تيجان ~~الملوك أسرع انصداعا من الزجاج»، أبعد قراءة هذه الجملة تحفظ الكتاب في ~~بيتك وتلقي صاحبك - بإعارته - في الهلاك وهو لا يعلم؟! فخرج الرجل وهو لا ~~يدري مواضع قدمه مما رأى. # اللهم ارزقهم عقولا يعيشون بها، وارزقنا همة تخلصنا من هذا ~~البلاء. ~~(45) جلالة الإمبراطور محمد علي الطرابلسي # تعين هذا الإمبراطور الجديد بإرادة سامية من حضرة سعادتلو عبد الله ~~نجيب أفندي (مكتوبجي) ولاية بيروت ومراقب جرائدها، وإليك البيان: # كتب إلي من بيروت أن جريدة «الصباح» نشرت الإعلان الآتي: «إن ~~قطعة الأرض المشتملة على بيت 4 أوض ومطبخ ودار ملك محمد علي الطرابلسي ~~معدة للأجرة وعلى الراغبين مخابرة صاحبها.» وأرسلت مسودة الجريدة ~~إلى المكتوبجي (الطيب الذكر) فلما قرأ الإعلان المذكور استشاط غيظا ~~وحذف لفظة «ملك»، فسأله الأمير سعيد أرسلان وكيل المراقبة عن سبب ذلك، ~~قال: «لا ملك إلا الذات الشاهانية»، وعبثا حاول الأمير إقناعه بغلطه، ~~وبعد أن قدح سعادته زناد الفكر طويلا قال: قد وجدت طريقة أوفق، وذلك ~~أن أستبدل لفظة «ملك» بلفظة «إمبراطور». وهكذا فعل وأعيدت المسودة إلى ~~إدارة المصباح وقد صار الإعلان هكذا: «إن دار الإمبراطور محمد علي ~~الطرابلسي معدة للأجرة»، فأسرع مدير المصباح إلى والي بيروت وأطلعه على ~~المسودة، فضحك كثيرا قدر ما بكي المحرر على بنات أفكاره الذاهبة ضحية ~~جهل المكتوبجي وعنفه على جهله. ~~(46) من أجل زهرة # منعني المكتوبجي ms34 عن نشر القصة الآتية في جريدة «لسان الحال»، ولا أعرف ~~لذلك سببا إلا جهله. وإني أنشرها هنا ليطلع القراء عليها ويدركوا مقدار ~~فهمه. # في ذات يوم من فصل الربيع كان يرى زائر إحدى مدن فرنسا كنيستها الجميلة ~~مزدانة بالشموع والأنوار والأكاليل. # وخرج من تلك الأبواب الخضراء شاب شريف استندت إلى ذراعه فتاة بارعة ~~الجمال تردت بثوب الإكليل وعليه الأزهار على اختلاف أنواعها، وازدان ~~شعرها بإكليل من زهر الليمون يتدلى مع شعرها المترامي على قدميها كأنه ~~يسألها شفاعة بنفسه لأنه صبيحة ذات يوم هب مع هبوب النسيم فلطم خديها وآلم ~~بنانها. # ومن وراء العروسين أقبل أهل الفتاة وأقرباؤها والمحتفلون بالعرس، واسم ~~الشاب ماركيز دي كيركو، والفتاة وحيدة الكونت كلارفيل واسمها ~~بولاند. # ومشت حفلة العرس على ما وصفنا من الأبهة يريدون الوصول إلى حيث أقامت ~~المركبات في انتظارهم. # ثم قالت السيدة بولاند لوالدها: إنه لنهار جميل يا أبي، فهل لك أن نذهب ~~إلى البيت مشاة؟ # فأجاب الكونت بالإيجاب، وهكذا ساروا في طريق القرية على ما ذكرنا من ~~الاحتفال، حتى بلغوا طريقا ضيقا فوقفوا فجأة، إذ اعترضهم في مسيرهم ~~إقبال جنازة تريد الوصول إلى الكنيسة التي خرج منها العروسان. # وكانت مظاهر الجنازة تدل على الفقر، وفي النعش المحمول فتاة ليس على ~~نعشها زهرة ولا أمامها إكليل مع أنهم في أيام الربيع. # ووراء النعش رجل يبكي وهو الحزين الوحيد، ومن معه من الرجال غرباء. ~~وعندما رأي حاملو النعش حفلة عرس الماركيز وقفوا وحادوا عن الطريق، فرفع ~~الرجل الحزين رأسه ونظر إلى حفلة العرس الزاهية بحنق عظيم وأمر حملة ~~النعش باستئناف السير، فلم يصادف أمره سامعا مطيعا. # فتقدم الكونت كلارفيل وخاطب جماعته قائلا: أيها الأصحاب، اعتبروا ~~الموتى وافتحوا الطريق لمرور النعش. # فكانوا أطوع لأمره من بنانه وأفسحوا للجنازة مجالا تمر فيه بينهم، ~~ووقفوا باحترام وإكرام ورفع الرجال قبعاتهم وأحنت السيدات الرءوس، حتى إذا ~~مر النعش بالعروس بولاند محمولا على أيدي الناس غير مغطى إلا بثوب رقيق ~~رأت ضمنه فتاة حسناء تبلغ السادسة عشرة من عمرها، ms35 فحزنت لمصابها وزاد في ~~حزنها ما رأته من عدم وجود زهرة واحدة على الأقل فوق نعش الطهارة ~~الشباب. # وفي طرفة عين أخذت زهرة من إكليل عرسها الجميل ووضعتها بلطف على النعش. ~~ورأى الحزين عمل بولاند فلانت عواطفه وستر وجهه بيده وبكى. فسأل الكونت ~~كلارفيل: من الرجل؟ قيل له إنه غريب قدم المدينة مؤخرا مع أخته وكان شديد ~~التعلق بها فمرضت وماتت، وصباح اليوم أراد أن يحتفل بجنازتها ودفنها فقيل ~~له إن في الكنيسة حفلة زواج، فلم يمنعه ذلك عن عزمه. # وعند ذلك استأنفت حفلة العرس المسير، وفي برهة وجيزة تحول قرع الأجراس ~~من الفرح إلى الحزن، وعند الباب وقف الحزين وسأل أحد الواقفين: من هي تلك ~~السيدة الحسناء؟ ~~- إن كنت تعني العروس فهي السيدة بولاند. ~~- أسعد الله حياتها. ~~••• # بعد مضي عشرين سنة على الحادثة التي تقدم ذكرها بدأت الثورة في فرنسا ~~وهب رجال العامة على الأعيان وأرسلت الحكومة المؤقتة إلى مدينة نانت ~~رجلا حاملا أوامر مشددة بالتضييق ما استطاع على ذوي المكانة. # وكان اسم هذا الحاكم كارير، فأمر أن يزج في السجن عدد غفير من ~~المظنون بهم، فجمعوا هنالك النساء والغلمان وكانوا كل يوم يغرقون في النهر ~~عددا غفيرا. وجعل في القاعة الفسيحة لجنة تشبه المحكمة يحضر إليها القوم ~~ويقسمون إلى فريقين: المظنون بهم والمحكوم عليهم، فمتى وقف أحدهم أمام ~~كارير صاح بالحرس أن هذا محكوم عليه بالإعدام، فيسرعون وينقلونه إلى السجن ~~حتى ساعة الإعدام المعينة فلا يبقون عليه. # وفي ذات يوم نادى كاتب المجلس «هنري دي كيركو» فحضر أمام الحاكم شاب ~~في الثامنة عشرة من عمره، فقال الحاكم: أنت متهم بأنك مقاوم لنا. ~~- نعم، قتلتم والدي وسأفي الدين شأني في كل حال. وإذا بصوت امرأة قد ~~اخترق الجمع قائلة بلهجة المستجير: هنري ... # فنظر كارير حوله وللحال أخذ هنري من أمامه وأحضر بدله امرأتان فسأل ~~الكبيرة: أنت والدة هذا الشاب؟ ~~- نعم، وهذه شقيقته. ~~- وما هو اسمك؟ ~~- بولاند دي كلارفيل ماركيزة دي كيركو. فأعلن كارير ختام المحاكمة ~~وقال: حكمنا على هؤلاء ms36 الثلاثة بالإعدام. # فأخذوا إلى السجن، وكان موعد الابتداء بالإعدام الساعة التاسعة مساء، ~~يقيد كل اثنين سوية ويوضعان في قارب حتى إذا بلغوا بهم منتصف النهر ~~ذبحوهم أو أطلقوا عليهم الرصاص وطرحوا جثثهم طعاما للحيوانات. # أما ماركيزة كيركو وولداها فانتظروا وقت إعدامهم بصبر وخوف، وإذا بباب ~~سجنهم قد فتح وجاءهم السجان يطلب الفتاة وحدها؛ فخرجت إلى أن صارت في غرفة ~~كارير، فانصرف الحارس ثم لما انفردا قال لها: ما اسمك؟ ~~- إيفون دي كيركو. ~~- هل تحبين والدتك؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- وشقيقك؟ ~~- وأي حب أحبه. ~~- ماذا تبذلين من أجل نجاته؟ ~~- أبذل نفسي إن وفت بالمراد. ~~- لا أسألك بذل نفسك بل أن تلتزمي الصمت، فما هو عمرك؟ ~~- 16 سنة يا سيدي. ~~- إذا حتى الآن لم تتعلمي الكذب فأصغي لكلامي، هو ذا رسالة أعهد بها ~~إليك مشترطا أنك لا تفضين ختمها حتى نصف الليل، ولا تحدثين أحدا ~~بأمرها. قد وعدت بذلك فانصرفي. # فأخذت الفتاة الرسالة ووضعتها في جيبها ونقلت ثانية إلى السجن، وقبل ~~أن تتمكن من إعلام والدتها بها تم فتح الباب ثانية ودخل الحارس وأمرهم ~~جميعا أن يتبعوه صامتين. # فساروا في الشوارع المظلمة حتى بلغوا الشاطئ، فأبدى الحارس إشارة وإذا ~~بقارب ظهر فركبوه. # ولبثوا في خوف ووجل بضع دقائق ثم رأوا مركبا قد وقفت في مركز خفي، ~~وقبل أن ينتبهوا من غفلتهم رأوا ذواتهم على ظهر تلك المركب وقد عاد الحارس ~~في قاربه إلى الشاطئ، ولما هدأ روعهم قال هنري للقبطان: ما معنى كل ~~هذا؟ ~~- معناه أنكم نجوتم. ~~- وكيف ذلك؟ ومن الذي أنقذنا؟ ~~- لا أدري، وجل ما أعلمه أنني اليوم حصلت على ورقة ضمنها مبلغ وافر ~~من النقود مآلها أن أنتظر ثلاثة أشخاص يركبون باخرتي فأذهب بهم إلى ~~إنكلترا، ومع التذكرة والمال جواز عليه توقيع كارير الحاكم. # فتعجب الثلاثة لهذا الخبر ولم يعلموا سببه، أخيرا قالت الفتاة ~~للقبطان: ما الساعة الآن؟ ~~- الثانية عشرة ونصف. # فأسرعت الفتاة وأخرجت الرسالة من جيبها وفضت ختمها وهذه صورتها: # إلى السيدة بولاند دي كلارفيل # منذ عشرين سنة في يوم ms37 زواجك وضعت زهرة من إكليل عرسك على نعش ~~شقيقتي وكانت في السنة السادسة عشرة من عمرها، فأرغب أن أفي الدين الذي ~~علي «ومن أجل زهرتك» أمنحك ثلاثة أنفس. # الإمضاء # كارير ~~(47) هواجس # جاءني صديقي الأمير أمين أرسلان ذات يوم ودفع لي 80 فرنكا من ماله ~~الخاص وسألني أن أجعل تلك القيمة جائزة لعمل يأتيه قراء الجريدة اقتداء ~~بجرائد أوروبا، وهي غيرة تذكر لجناب الأمير الكريم بالشكر العظيم. ~~فاخترت قصيدة للشاعر الفرنساوي «ألفريد دي موسيه» عنوانها «تذكري» ~~ونشرتها في «لسان الحال» باللغة الفرنساوية ثم نشرت ترجمتها نثرا حرفيا ~~لفائدة الذين لا يعرفون اللغة الفرنساوية، وعرضت على الشعراء أن ينظموا ~~القصيدة المذكورة في الشعر العربي مع حفظ كل معانيها وعدم زيادة شيء عليها ~~من المبالغات العربية، ونشرت شروط الجائزة وغير ذلك بما استغرق 4 أعمدة من ~~الجريدة، وأخذت المسودة بنفسي إلى عبد الله أفندي نجيب المكتوبجي، فلما رأى ~~المسودة أشار إلى القصيدة الفرنساوية وقال: ما هذا؟ فأعلمته بجلية ~~الخبر، فحذفها للحال قائلا: إن امتياز جريدتكم أن تنشروها باللغة العربية، ~~ثم أمرني أن أقرأ ما بقي فقرأت له ترجمة البيت الأول وهو: # إذا شابت ناصية الليل وأشرقت الشمس على قصرك البهيج ~~تذكري. # فقال: ما معنى تذكري، وإلى من يرجع الضمير؟ قلت: إن الشاعر أراد عروس ~~الشعر وهو يذكرها بزياراته، فحذف العبارة قائلا: «هذه مغموظات» أي ~~أشياء غامضة لا يفهمها، فصبرت وقرأت له ترجمة البيت الثاني وهو: «إذا أظلم ~~النهار وجاء الليل بهواجسه فتذكري»، وما انتهيت من لفظ كلمة «هواجس» حتى ~~نهض عن كرسيه مذعورا وصاح بي: «هواجس يوقتور يوقتور هواجس!» أي إنه لا ~~يمكن نشر كلمة هواجس، وما لبث أن حذف المقالة بأسرها وأبى أن أتمم له ~~القراءة، فخرجت وأنا ألعن ساعة وجد فيها والدي وأجدادي في تركيا، وسرت ~~إلى والي الولاية، وكان يومئذ خالد بك أفندي المنفي اليوم في قيصرية، وهو ~~يعرف الفرنساوية والعربية، وعرضت الأمر عليه فضحك كثيرا وقال: أما الأصل ~~الفرنساوي فلا أقدر أن أعارض المكتوبجي فيه، ولكن لا بأس من ms38 نشر العربي. ثم ~~استدعى حضرة «اللوذعي» ميشال أفندي إده ترجمان الولاية وأوعز إليه أن يخبر ~~المكتوبجي أنه لا بأس من نشر الترجمة. فدخل إده أفندي على المكتوبجي ثم عاد ~~فقال لي: الأوفق أن تضرب صفحا عن نشر هذه القصيدة؛ لأن المكتوبجي معارض، ~~وهو إذا خضع لأمر الوالي هذه المرة وسمح لك بنشرها فإنه ينتقم منك بحذف عدة ~~أمور غيرها في الأيام الآتية. فرأيت من الحكمة أن أتبع مشورته، وهكذا حذفت ~~المقالة، وكان لمسألة الهواجس رنة في بيروت ونشرتها جرائد أوروبا، وكشف ~~النقاب في باريز والدايلي كرافيك في لندره مع صورة هزلية تمثل المكتوبجي ~~وأنا أمامه وهو يرتجف وأمامه «لسان الحال» عليه كلمة هواجس. ~~(48) جنود فرنسا # ترجمت ذات يوم من الجرائد أن صحة الجنود الفرنساوية في الداهومي ليست ~~على ما يرام، فحذف المكتوبجي ذلك وأمرني أن أذكر أن صحة الجنود ~~حسنة. ~~(49) مقالات النساء # نشر «لسان الحال» بعض مقالات من أقلام السيدات، ففي ذات يوم جاء ~~المكتوبجي إلى الإدارة وسألني إذا كانت الكتابة المذكورة من النساء حقيقة، ~~فأجبته بالإيجاب، قال: من الآن فصاعدا لا تنشر مقالاتهن؛ لأن ذلك يفتح ~~عقولهن أكثر من اللازم وليس من شأن المرأة أن تهتم بهذه الأمور. ~~(50) القرآن والحديث # لا يسمح المكتوبجي للجرائد والكتب أن تورد آية قرآنية ولا الأحاديث؛ ~~زعما منه أن الكتب والجرائد تطرح على الأرض وتمزق وفي ذلك من الإهانة ما ~~فيه. ~~(51) باشا، باشه # نشرت جريدة الأحوال خبر قدوم عزتلو إلياس بك الباشا من زحلة إلى بيروت، ~~فغير لقبه من باشا إلى باشه لئلا يظن أنه نائل رتبة باشا. ~~(52) مالك هنا ياتوما # قرأ المكتوبجي رسالة فيها: «مالك هنا ياتوما» فظن أن المقصود من «مالك» ~~«ملك»، فحذفها واستبدلها بلفظة «كونت» فجاءت العبارة هكذا: «كونت هنا يا ~~توما». ~~(53) خليفة بطرس # نشرت مجلة الكنيسة الكاثوليكية رسالة ورد فيها ذكر قداسة البابا ولقبه ~~الكاتب بلقب «خليفة بطرس»، فصدر الأمر بإلغاء الجريدة فألغيت. ~~(54) مدارس، مكتب # يكره المكتوبجي ورود لفظة مدرسة ويستبدلها دائما بلفظة مكتب، لسبب ~~أجهله، فحدث يوما أن جريدة ms39 كتبت مقالة عن الهند وقالت فيها: وصل السائح ~~الفلاني إلى مدراس، فظن سعادته أن المقصود بمدراس (وهي مدينة) مدرسة، ~~فاستبدلها بلفظة مكتب. # | خاتمة # هذا قليل من كثير من براهين جهل المكتوبجي؛ أوردتها للقاري عسى أن يدرك ~~مقدار العذاب العظيم الذي يقاسيه أصحاب الجرائد في تركيا وخصوصا في ~~سوريا. # ولست أريد من نشر هذا الكتاب إلا بيان مساوئ الحكومة العثمانية، ليدرك كل ~~إنسان ما هي درجة خمولها وظلمها؛ وبالتالي ليشترك الجميع في السعي وراء ~~إكراهها على الإصلاح. # ولا يخطر للقاري أنني أريد الانتقام من المكتوبجي، فقد أنقذني الله من ~~سلطته الظالمة. # يقول بعض الجهلاء في جرائدهم أنني خائن الدولة وأنني أطعن عليها لأنني ~~أرغب سواها، وأن حكومة بيروت طردتني وأنها لا تعتبرني، وأنني كنت في بلادي ~~موضوع الاحتقار. # وأقول أنا: إنني غير خائن؛ فصديقك من صدقك لا من صدقك. وإنني لا ~~أطعن على دولتي حبا بسواها بل غيرة عليها ورغبة في إصلاحها، وإن حكومة ~~بيروت تعتبرني وإنني كنت في بلادي محل رضى الحكام وثقتهم. # ولا أعرف برهان الطاعنين؛ على أنهم لم يظهروه، شأنهم في كل كتاباتهم، ~~يكتفون بالقول ويغضون عن تقديم البرهان. # أما برهاني على صحة قولي فهو هذا الكتاب الذي ورد إلي من حضرة جابي ~~زاده سعادتلو حسن فائز أفندي الذي تولى مأمورية المكتوبجي في بيروت مدة 3 ~~سنوات، كتب إلي هذه الرسالة من يانيه عقيب رجوعي من إنكلترا، قال: # يانيه، في 24 فبراير # أيها الفاضل # قبلا بلغني عودك الوطن فسررت لسلامتك وبادرت إلى تهنئتك برجوعك ~~سالما؛ لأن صدق عبوديتك وإخلاصك لا يشك بهما إلا الحسود المعاند كونهما ~~كفيلين ضامنين لك النجاح والفلاح حالا واستقبالا بظل سيدنا ومولانا ~~الخليفة الأعظم أيده الله بالنصر والتوفيق. ولما كنت أعلم الناس بك وبما ~~جبلت عليه من الصداقة، أعد نفسي مديونا لأسعى عند سنوح الفرصة لما ~~يسرك من أسباب رضى الخليفة الأعظم، والموفق هو الله سبحانه وتعالى. وفي ~~الختام، اقبل احترام صديقك. # حسن فائز # هذا هو المكتوبجي الذي كان يضيق علي يشهد لي هذه ms40 الشهادة غير مطلوبة ~~منه ولا هو مضطر إلى إعطائها، أما المكتوبجي الحالي الذي شددت عليه ~~النكير في كتاباتي فلا يعرف اللغة العربية وهو فاسد من طبعه. # | ملحق حاوي خير # رأيت أن أتحف القراء بشيء لا يخرج عن الموضوع، وهو أن أنشر لهم ألقاب ~~السلطان عبد الحميد. فقد ذكرت في هذا الكتاب أن الحكومة العثمانية أمرت بجعل ~~لقب ملوك أوروبا حشمتلو، وأن لقب الجلالة أو العظمة لا يستعمل لغير السلطان، ~~ولكن هناك من الألقاب المستعملة لتمجيده ما لا يحصى. # تقع البلاد العثمانية من عرش السلطنة واحدة واحدة ويأتي المنافقون فيضعون ~~مواضعها الألقاب، فكلما سقطت بلدة سدوا مكانها بلقب حتى أصبحت الألقاب ~~تزيد على السبعين لقبا. ولكن إذا قابلنا بين البلاد الضائعة وبين هذا العدد، ~~وجدنا أنهم قدموا سلفا ما يكفي لسقوط بعض البلاد في المستقبل، اغتناما من ~~هذا الخير العظيم والمجد الكبير، واستعجالا بهذا الفخر السني. # وهذه الألقاب الشريفة التي يكفي بعضها للأنبياء والمرسلين وملوك الأرض ~~الفاتحين آلافا من السنين، قد جمعناها من عدد واحد من جريدة «إقدام» ~~التركية تاريخ 18 شعبان سنة 1312، ولو سمع إنسان قارئا يقرؤها لظن أنه بجانب ~~صومعة فيها راهب أو خلوة فيها عابد يتلو أورادا مملوءة بالتسبيح والتمجيد ~~والتقديس والتحميد لله سبحانه وتعالى. ولم يكتفوا من التقديس المختص بالله ~~وأسمائه ببناء اسم المفعول منه حتى بنوا منه أفعل التفضيل، فقالوا: «أقدس» ~~واستعملوه لكل ما يتعلق بالسلطان. ولم يسمع المسلمون في كتاب من الكتب ~~الإسلامية على اختلاف أنواعها ومشاربها لفظة التقديس أضيفت إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، بل الذي يعلمه المسلمون إسناد التقديس إلى الخالق سبحانه فقط، ~~فيقال تقدست أسماؤه. ويقولون الحضرة القدسية على حضرة ذي الجلال سبحانه ~~وتعالى. ومن العجيب أن هذا يفوت على الناس ولا يلتفتون إليه، وربما أطالوا ~~أعناقهم لسماعه افتخارا به. تصور أيها القارئ، الفاروق - رضي الله عنه - ~~جالسا في مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وحوله الصحابة رضوان الله عليهم يقولون ~~له: يا عمر، ومفاتيح البلاد وقواد جيوشه أمامه، ثم ms41 تصور وقوف رجل بيده جريدة ~~المشير يقول: اسمعوا أيها المسلمون ما يضاف من الألقاب إلى اسم السلطان عبد ~~الحميد الخليفة في أواخر القرن التاسع عشر، الذي ضاع ثلث ملكه والباقي - إن ~~لم يتداركه الله - على إثره. ماذا كان يقول عمر وما كان يقول الصحابة إذا ~~سمعوا القارئ يقرأ: ظل الله، سلطان البرين، خاقان البحرين، شهنشاه (ملك ~~الملوك)، ملكدار (ممسك الملك)، جهانباني (باني الدنيا)، تاجدار (ممسك التاج) ~~شهريار، كيتي سباني (الملك)، شاه جهانبان (ملك العدالة) خان، ظل يزدان (ظل ~~الله، فارسية)، ذات كروبي (صفات الذات الموصوفة بصفات الملائكة الكروبيين) ~~بادشاه، أمير المؤمنين، شهنشاهان (ملك ملوك الملوك)، خلافتبناه (ملجأ ~~الخلافة) إمام الموحدين، قدر تلوشو كتلو عظمتلو، وكيل النبي المطلق، نائب ~~الرسول، جليل المناقب، شاه عالي جاه، ذات قدسيت صفات (حميد الخصال)، دريانوال ~~(سلطان البحر)، حامي السلم، ماحي الظلم، ناشر العدل، خليفة روى زمين (خليفة ~~وجه الأرض)، سوكيلي سلطان (السلطان الحميدي)، عالمبناه (ملجأ العالم)، جنبكار ~~(ملك)، مشيد أركان الدولة، مؤيد أساس الشريعة، جامع فضائل العدالة، حامي حوزة ~~الدين، باني بنيان الدولة الثاني، وفير الآثار، عظيم الاقتدار، أعدل ~~شهرياريان عثمانيان، أعظم حكمداران زمان، حامي أعظم دين مبين، ونكهبان (حافظ) ~~أفخم شرع دين كزين، بادشاه عدل آبين وشهنشاه ديانت، بدر منير آسمان (جمع ~~سماء)، خلافت، وماه (قمر) تابنده أوج سلطت متبوع مقدس، ولي نعمة العوالم سات، ~~قومندان أقدس (ولم نعد نرى في الجرائد عنوان الغازي؛ والظاهر أنهم استبدلوه ~~بهذا اللقب)، شوكتماب أرحم وأشفق بسطو تبروز خذادن سراير خلافت عظما، ~~وجهانبان فريد مكارم نما. # أما العنوان التلغرافي لجلالة السلطان فهو هكذا: # در سعادت-خاكباي شاهانه يه؛ أي إلى غبار الأقدام الشاهانية. # والظاهر أن رجال المابين علموهم إرسالها إلى حيث يكون مرجعها، فأرسلوها ~~رأسا إلى الأقدام. # أما في الكتب فعنوانه هكذا: الوكيل مطلق صاحب نبوت وخليفة صديق سيرت ~~شهريار ذو النورين صفت بادشاه حيدرشيم، شهنشاه مفخم جهانباني مقدس ومفخم، ظل ~~الله على الأرض ولي نعمة العوالم شوكتلو قدرتلو عظمتلو ولي نعمتمز بادشاهمز ~~أفندمز حضرتلري. # ويكتب لجلالته أيضا: عتبة ms42 فلك مرتبه، سائيه مرحمت وابه سائه قدر ثوابه ~~سايه معارفوائه سائه سطوت وايه سطوتمات شوكتماب عتابه كستر مرحمت برودز. ~~انتهى والحمد لله أولا وآخرا. # أفيقوا أيها الناس، وتنبهوا للكوارث المحدقة بنا والفوادح المقبلة علينا، ~~ولا تفرحوا بهذه الألقاب التي أعطاها البعض للسلطان في جرائدهم، بل افرحوا ~~باستخلاص البلاد التي ضاعت من الدولة أو حفظ الباقي فيها. # تحفى الأقلام، وينضب الكلام. ولا يبلغ كاتب وإن ملك البلاغة واستعبد ~~الكلام، أن يصف حال الإسلام، وما أحاط به من الكروب ووقع عليه من الخطوب، وما ~~يتوقعه من النوائب ويتخوفه من المصائب، ولو تجرد مسلم عن شواغل نفسه لرأى ~~الإسلام منحنيا تحت أستار الكعبة أو بجانب نافذة من الروضة النبوية يئن أنين ~~الفاقد ويبكي بكاء الثكلى ويتوجع توجع الجريح ويتضجر تضجر المحتضر، قد ~~بح صوته لإنذار بنيه وتحذير ذويه، ولا أذن تصغي ولا عين تنظر. ms43