######OpenITI# #META# URI: 1344TaniyusCabduh.DameDeMonsoreau.Hindawi46909507 #META# Tags: novels #META# ID: 46909507 #META# Title: لا دام دي مونسورو #META# AuthorID: 26064860 #META# Author: ألكسندر ديماس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 69739264 #META# Translator: طانيوس عبده #META# Related_books: 1287AlexandreDumas.DameDeMonsoreau (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - عرس سانت ليك‏ # 2 - كيف أن الذي يفتح الباب أحيانا لا يدخل البيت‏ # 3 - كيف يصعب أحيانا التمييز بين الحلم واليقظة‏ # 4 - كيف قضت امرأة سانت ليك الليلة الأولى من زفافها‏ # 5 - كيف اجتمعت امرأة سانت ليك بزوجها‏ # 6 - توبة هنري الثالث وجهل السبب‏ # 7 - خوف الملك لأنه قد خاف، وخوف شيكو من أن يخاف‏ # 8 - كيف أن صوت الرب قد كلم شيكو بدلا من أن يكلم ~~الملك‏ # 9 - عودة دي باسي إلى حلمه، وهو يزيد اقتناعا أنه حقيقة‏ # 10 - المسيو دي مونسورو‏ # 11 - كيف أن باسي قد وجد الرسم وصاحب الرسم‏ # 12 - ديانا دي ميريدور‏ # 13 - شيكو - الدير - المؤامرة - تتويج الدوق دانجو‏ # 14 - كيف أن سانت ليك وامرأته قد لقيا في طريقهما رفيقا ~~للسفر‏ # 15 - الأب والابنة‏ # 16 - كيف علم الدوق دانجو أن ديانا دي ماريدور في قيد ~~الحياة‏ # 17 - ما حدث بين الدوق دانجو والمسيو دي مونسورو‏ # 18 - الدوق دي كيز في اللوفر‏ # 19 - الملك والدوق دانجو‏ # 20 - الدوق دي كيز والدوق دانجو‏ # 21 - شيكو ينصح باسي بالهروب من باريس‏ # 22 - هروب الدوق، ومحاولة مصالحته مع الملك‏ # 23 - مبارزة مونسورو وسانت ليك، ورامي ينقذ مونسورو‏ # 24 - عودة الدوق دانجو إلى باريس وحيلة مونسورو‏ # 25 - المكيدة‏ # 26 - الانتقام‏ # الخاتمة‏ # 1 - عرس سانت ليك‏ # 2 - كيف أن الذي يفتح الباب أحيانا لا يدخل البيت‏ # 3 - كيف يصعب أحيانا التمييز بين الحلم واليقظة‏ # 4 - كيف قضت امرأة سانت ليك الليلة الأولى من زفافها‏ # 5 - كيف اجتمعت امرأة سانت ليك بزوجها‏ # 6 - توبة هنري الثالث وجهل السبب‏ # 7 - خوف الملك لأنه قد خاف، وخوف شيكو من أن يخاف‏ # 8 - كيف أن صوت الرب قد كلم شيكو بدلا من أن يكلم ~~الملك‏ # 9 - عودة دي باسي إلى حلمه، وهو يزيد اقتناعا أنه حقيقة‏ # 10 - المسيو دي مونسورو‏ # 11 - كيف أن باسي قد وجد الرسم وصاحب الرسم‏ # 12 - ديانا دي ميريدور‏ # 13 - شيكو - الدير - المؤامرة - تتويج الدوق دانجو‏ # 14 - كيف أن سانت ليك ms001 وامرأته قد لقيا في طريقهما رفيقا ~~للسفر‏ # 15 - الأب والابنة‏ # 16 - كيف علم الدوق دانجو أن ديانا دي ماريدور في قيد ~~الحياة‏ # 17 - ما حدث بين الدوق دانجو والمسيو دي مونسورو‏ # 18 - الدوق دي كيز في اللوفر‏ # 19 - الملك والدوق دانجو‏ # 20 - الدوق دي كيز والدوق دانجو‏ # 21 - شيكو ينصح باسي بالهروب من باريس‏ # 22 - هروب الدوق، ومحاولة مصالحته مع الملك‏ # 23 - مبارزة مونسورو وسانت ليك، ورامي ينقذ مونسورو‏ # 24 - عودة الدوق دانجو إلى باريس وحيلة مونسورو‏ # 25 - المكيدة‏ # 26 - الانتقام‏ # الخاتمة‏ # | لا دام دي مونسورو # | لا دام دي مونسورو # تأليف # ألكسندر ديماس # ترجمة # طانيوس عبده # الفصل الأول # | عرس سانت ليك # كان يوم الأحد من عام 1578م موافقا لعيد وطني يعيد فيه الشعب الباريسي ويبتهج بهجة عامة، ~~فتناول جميع سكان تلك العاصمة على اختلاف درجاتهم وتباين مقاماتهم، فيشترك الجميع فيه على ~~السواء بإعداد الحفلات والولائم متسابقين إلى الافتخار بصدق وطنيتهم، وعلائم البشر والسرور ~~لائحة بين المباسم وفي ثنايا الوجوه. # فلم تكد تنتهي حفلات ذلك اليوم، وتغرب شمسه عن سماء باريس، حتى بزغت شموس من الأنوار في ~~قصر مشيد الأركان واقع على إحدى ضفتي نهر السين تجاه قصر اللوفر. # ذلك أن الملك قد صادق على زفاف حنة دي بريزاك، ابنة أحد مارشالية فرنسا، إلى نديمه وأخص ~~المقربين إليه في ذلك العهد، وهو فرانسوا دي سانت ليك. # وقد تناول العروسان الطعام مع جميع المدعوين في قصر اللوفر، حيث جرت حفلة الزفاف. # وكان الجميع بمظاهر الابتهاج والسرور ما عدا الملك الذي لم يصادق على هذا الزواج إلا بعد ~~العناء الشديد، فإنه كان عابس الوجه، مقطم الجبين، ولوائح الغضب والقسوة ماثلة بين ~~عينيه. # فلما فرغت حفلة الإكليل، دنت امرأة سانت ليك منه وشكرته، فأعرض عنها ولم يجبها بحرف ~~مما دل جميع الحضور أن الملك غير راض عن هذا الزواج، وأنه لم يصادق عليه غير ~~مكره. # ومع ذلك فلم يستغرب أحد منهم هذا لعلمهم بأن السبب فيه سر من أسرار البلاط، وأن هذا الغضب ~~سحابة ms002 صيف ستنقشع عن قريب. # أما سانت ليك فإنه نظر إلى امرأته نظرة خفية يحثها بها على السكينة والصبر، ثم دنا من ~~الملك وقد رآه يتأهب للرحيل، فوقف أمامه وقفة المهابة وقال له بلهجة الخشوع والاحترام: ~~ألا يشرفني مولاي بحضور الحفلة التي أعدها لجلالته هذه الليلة في قصر ~~مونمورانسي؟ # فأجابه الملك بمنتهى العظمة: نعم سنحضرها، وإن كنت لا تستحق مثل هذه المودة ~~منا. # ثم ارفضت الحفلة، وانصرف الملك بخاصته. # ومضى العروسان وبعض المدعوين إلى قصر مونمورانسي، فلم يكن يشغل القوم غير حديث العروسين، ~~وما لقوه من نفرة الملك منهما، وغضبه عليهما. # فكانوا يتسابقون إلى سؤال سانت ليك عن السبب في غضب الملك على ما هو مشهور فيه من صداقته ~~والميل إليه. # فكان يجيبهم بالكلام المبهم ويطمئن امرأته وحميه بقدر ما يسمح له المقام. # وأقام المدعوون ينتظرون قدوم الملك وسواه من كبار المدعوين، كملك النافار وامرأته، والدوق ~~دانجو شقيق الملك، وكاترين والدته، وغيرهم من رؤساء فرنسا. # أما ملك النافار، فقد كان ذهب إلى بيران مع امرأته للنظر في شأن حزب الهوكينوت الذي كان ~~يرأسه، فلم يعد مطمع في حضوره، وأما الدوق دانجو فإنه كان من طباعه أن يتأخر عن الجميع ~~في مثل هذه الحفلات، ولكنه يرسل رجالا أشداء كان بينهم وبين رجال الملك إحن وعدوان، فلا ~~يمر يوم حتى يكون بين الفريقين معركة يلتحم فيها القتال فتسفر عن جريح، أو يستباح فيها ~~قتيل. # وأما كاترين فإنها كانت قد بلغت ما تشتهيه من بلوغ ولدها إلى العرش، فكانت تحقق باسمه ~~أمانيها، وتتلاعب في الشئون السياسية فتقضي منها أوطارها على ما تشاء، وهي تتظاهر بانقطاعها ~~عن العالم والانصراف إلى العبادة والتزهد. # لذلك لم يكن سانت ليك يطمع في حضورها، فلم يبق بين أولئك العظام غير الملك، الذي لم ~~يكن يشغله شاغل عن مثل هذه الولائم والحفلات لفرط شغفه بالرقص، فكان صاحب الحفلة واثقا من ~~حضوره، لا سيما وقد سبق إليه وعده بذلك على ما تقدم. # وفيما هو جازع، وقد أخذ الجميع يقنطون من حضوره، ms003 إذ علا الصياح في جوانب القصر، وارتفعت ~~أصوات الضحك من جميع الحضور، فتسارعوا إلى معرفة السبب في هذا الضحك، فرأوا شيكو نديم الملك ~~لابسا لباس الملك وتاجه، وهو يتهادى في مشيته مقلدا الملك في جميع حركاته، ويمد يده إلى ~~السيدات كي يقبلنها. # وكان شيكو هذا من أشراف فرنسا، وهو وافر الذكاء، كثير الدهاء ، شديد الإخلاص لمولاه، ~~وقد دخل إلى البلاط بصفة مضحك الملك، وهي عادة جرى عليها ملوك فرنسا في ذلك العهد، وكان ~~يتجاوز الحد أحيانا في الهزل، غير أن الملك كان راضيا عنه لشدة ثقته به وحاجته إلى ~~آرائه. # ثم دخل الملك في إثره يحيط به رجاله أعداء رجال أخيه الدوق دانجو، وهم موجيرون وكاليس ~~وشومبرج والبارون أو وأبرنون، فانتظمت الحفلة وهدأ روع امرأة سانت ليك، فدنت من زوجها ~~وقالت: لم أعد أخشى أمرا بعد أن قدم الملك، ولا يسوءني غير تأخر أخيه الدوق. # فتنهد زوجها وقال: إني على عكس ما ترتئينه، فإني أخاف الملك حاضرا أكثر مما أخافه ~~غائبا؛ لأنه لم يحضر إلا لإساءتي، وسترين أن أخاه لم يمتنع عن الحضور إلا ليكيد لي. # ولم يمض على هذا برهة وجيزة، حتى أعلن الحاجب عن قدوم الكونت دي باسي، فاتجهت كل العيون ~~إلى هذا الكونت، وأحدق به الحضور من كل جانب، ولا سيما رجال الملك الذين كانوا ينظرون إليه ~~شزرا؛ لأنه كان صفي الدوق دانجو، وقد اشتهر بالبسالة والإقدام وكره رجال الملك والازدراء ~~بكل عظيم. # وكان فوق ما هو عليه من الشجاعة شريف النسب كبير النفس، وقد سأله الملك مرة أن يكون من ~~أتباعه، فأبى عليه بعظمة جعلت الملك يحنق عليه ويريد له الأذى. # وقد حاول مرارا أن ينكل به بالسياسة والقوة، فكان الدوق دانجو يحميه من كيد السياسة، وهو ~~يدفع عن نفسه بنفسه حملات رجال الملك ويسيء إليهم في كل حين حتى سئم الملك منه، وأخذ ~~يترقب الفرص للتنكيل به بواسطة رجاله. # فلما دخل هذا الكونت إلى قاعة الاجتماع، أخذ يحيل نظره بين الحضور فيرمق أعداءه، ولا سيما ms004 ~~رجال الملك بالنظر الشزر، ويبش إلى أصحابه وأصفيائه، ولم يكد يسير بضع خطوات في القاعة ~~حتى دخل في إثره ستة رجال من بطانته، بل من حاشية الدوق، وهم مرتدون بأحسن الملابس. # فجعلوا ينهجون نهج رئيسهم من احتقار رجال الملك الذين كادوا أن يتميزوا من الغيظ، وحاولوا ~~أن ينقضوا على الكونت فيقطعوه بشفار سيوفهم ، لو لم تسبق إليهم إشارة خفية من الملك ~~نفسه الذي ناله ما نالهم من قحة الكونت، فصبروا عليه ورموه بنظرات ملؤها الإنذار والوعيد، ~~نفذت إلى قلب الكونت كالسهام. # وكان شيكو ينظر إلى الفريقين وهو يخشى عاقبة تلك النظرات، فجعل يؤنب الكونت دي باسي ~~لقدومه بمثل هذه الحاشية التي لا يقدم بها الملوك، ويكلمه بلسان الملك وهو يمزج الهزل ~~بالجد، ويجمع بين القسوة واللين. # ثم أشار بطرف خفي إلى سانت ليك، فذهب إلى الكونت يحتفل به ويشكره لقدومه، ويبعده عن ~~رجال الملك حذرا من وقوع مكروه، لما كان يعلمه من جرأة الكونت الذي لا يحترم سلطة، ولا ~~يهاب مقام الملوك. # ورأى الملك أن سانت ليك قد زاد في مؤانسة الكونت، فحنق عليه ودعا به، فلما مثل بين ~~يديه وبخه على ما أظهره من إكرام هذا الرجل، لا سيما وهو يعلم أنه عدوه الألد. # فاعتذر سانت ليك بأنه ضيفه، وأنه لا يسعه إلا إكرام ذلك الضيف في منزله ... # ورأى سانت ليك أن عيني الملك قد اتقدتا لهذا الكلام بشرر الغيظ، فعقب على كلامه ~~فقال: ولكنه سيخرج من منزلي وسيكون له شأن. # فهدأ روع الملك، وسكن ثائر غضبه، ونظر إلى الكونت نظرة ملؤها الكره والاحتقار، وقال لسانت ~~ليك على مسمع من رجاله: نعم، أحب أن أفرغ من شأن هذا الرجل، فأنا أحل لكم دمه، ولكن ~~احذروا منه لأن بأسه شديد. # وكان لهذا الكلام تأثير عظيم على رجال الملك، الذين تقدم لنا ذكر أسمائهم. # فاجتمعوا حلقة في القاعة، وبينهم سانت ليك، ليتآمروا على قتل هذا البطل العظيم اغتيالا، ~~إذ لم يكن بينهم من يجسر على أن يلقاه فردا، ولما انتظم عقدهم ms005 قال أبرنون: إنني سأذهب بعد ~~حفلة الزفاف إلى الصيد. # قال دي أو: لصيد ماذا؟ ~~- لصيد الدب، فإن الملك أمرنا بذاك. # قال موجيرون: لقد فهمت وسنذهب جميعا، ولكن أتظن أن الملك يرضى بذاك؟ ~~- هو الذي أمر. # وطال اجتماعهم حتى تيقظ له الكونت دي باسي، فدنا منهم مع بعض رفاقه وقال لهم تحت ~~طي الهزل : إن من يراكم على هذه الحالة لا يشك أنكم تتآمرون. # فقال كاليس: كلا، ولكننا عزمنا على الصيد في هذه الليلة بعد خروجنا من حفلة الزفاف، ونحن ~~نتشاور في أمر هذا الصيد. ~~- ولكني لا أشير عليكم بذاك؛ لأن البرد قارص، وسينالكم منه أذى شديد؛ ولذا فلا أظن أن ~~جلالته يسمح لرجاله الأصفياء أن يركبوا متن هذا الخطر. ~~- إنما نحن نصدع بأمره، فهو الذي أمرنا أن نصطاد، فهل تود أن تكون معنا؟ ~~- كلا، لأني مرتبط غدا مع الدوق. ~~- إننا سنصيد هذه الليلة بعد انقضاء الحفلة. ~~- ويسوءني أنني مقيد في هذه الليلة أيضا، فقد ضربت موعدا في فندق التورنيل، ولا بد لي ~~من الذهاب إليه. ~~- ومن أي جهة تسير إليه، فإن السبل غير آمنة في هذه الأيام، وأخاف أن يحيق بك ~~مكروه. ~~- إني أشكر صدق ودك، وأي طريق تشير علي أن أتخذ؟ ~~- سر بالطريق الذي يؤدي إلى الفندق من وراء اللوفر. # فعلم الكونت مراده بإشارته إلى هذا الطريق المقفر الذي أصبح في ذاك العهد ساحة يلتقي ~~بها المتبارزون، وقال له: هو ذاك أيها الناصح الصادق، فسأذهب في هذا الطريق. # ثم نظر إلى الخمسة نظرة تهكم وازدراء أشعلت في قلوبهم نار الحقد، وانصرف عنهم ~~فاختلط بين المدعوين. # ولما خلا المكان بالمتآمرين قال كاليس: إني أبشركم بنيل بغيتنا من هذا الرجل، فإنه ذاهب ~~لا محالة في الطريق التي هديناه إليها. # فقال موجيرون: أنذهب بجملتنا للفتك برجل فرد؟ # فأجاب كاليس: نعم، وما يؤمننا أن يصحب معه رجاله، فيعود الوبال على من يخاطر بالذهاب إلى ~~لقائه فردا؛ ولذا فيجب أن نذهب جميعنا ما عدا سانت ليك الذي هو مضطر إلى البقاء مع امرأته، ~~ولا ms006 سيما في أول ليلة من زفافه. # فتأوه سانت ليك وقال: ليست امرأتي التي تحول دون ذهابي معكم لقضاء هذه المهمة، بل ~~الملك نفسه، فإنه أمرني أن أذهب معه إلى اللوفر، وربما أمرني أن أبيت فيه أيضا. # فقال كاليس: هذا برهان آخر يدل على شدة تعلق الملك بك؛ فإنه لا يطيق أن يفارقك ساعة ~~حتى في ليلة الزفاف. # فكظم سانت ليك غيظه، ثم سمع شيكو يناديه، فغادر رفاقه يتباحثون في المكيدة التي نصبوها ~~للكونت دي باسي، وانطلق إلى امرأته فقال لها كي تخبر شيكو بأنه قادم إليه. # وذهب للبحث عن الكونت حتى لقيه، فخلا به في إحدى الغرف وقال له: إني لم أبحث عنك يا سيدي ~~إلا لأقول لك إنه إذا كان لك موعد في فندق التورنيل، فإني أنصح لك أن تؤجله إلى الغد؛ ~~لأن الطريق مخطرة، وفيها مكامن يقدر أن يختبئ بها كثير من الرجال، أقول هذا وأنا أجلك عن ~~المهابة، وأعيذ نفسي من أن أتهمك بالخوف، ولكني قلت ما قلته من قبيل النصح والخوف عليك، ~~فتأمل وافعل ما تريد. # وعندها سمع شيكو يناديه باسم الملك، فيقول: أين أنت مختبئ، وأنت تعلم أني في انتظارك ~~للذهاب إلى اللوفر؟ # فعلم سانت ليك أن الملك مصر على عزمه، وأن ليس من الحكمة مخالفته، فقال في نفسه: لقد ~~مهدت أسباب السلام بيني وبين الدوق دانجو، بما أطلعت عليه صفيه الكونت دي باسي من ~~مؤامرة أعدائه عليه، وعزمهم على الفتك به، فلأجتهد الآن بتمهيد تلك الأسباب بيني وبين ~~الملك؛ لأن حنقه علي شديد. # ثم ودع الكونت وانطلق إلى الملك الذي كان ينتظره. # فأمر جلالته بالرحيل، وأن يعد مكان لسانت ليك في مركبته الخاصة، فامتثل القوم ~~وارفض الجمهور. # وذهب الملك، يصحبه شيكو وسانت ليك. # أما امرأته فإنها ولجت إلى غرفتها مع نسائها، فجعلت تبكي البكاء المر، وأما أبوها ~~فإنه أرسل ستة من الفرسان إلى اللوفر، كي يحرسوا صهره عند عودته منه، فعادوا إليه بعد حين ~~وهم يقولون: لم يعد لنا أمل بعودة سانت ليك هذه ms007 الليلة، فإن الملك قد رقد، وأقفلت ~~أبواب القصر. # فأخبر ابنته بما علم، فباتت ليلتها على أحر من الجمر. # الفصل الثاني # | كيف أن الذي يفتح الباب أحيانا لا يدخل البيت # يوجد بالقرب من باب سانت أنطوان قبة عظيمة، كثيرا ما ينتابها اللصوص فيكمنون بها لأبناء ~~السبيل. # وكانت هذه القبة واقعة في الطريق المؤدية إلى فندق التورنيل، وهي طريق مقفرة خالية يكاد ~~أن لا يمر بها الناس في النهار، وأما في الليل، ولا سيما في ليالي الشتاء الباردة، فلم يكن ~~يمر بها أحد لوعورة مسالكها، وكثرة المخاوف فيها. # وقد كان الجو في هذه الليلة، التي نقص بها هذا الحديث، مقتما والأفق مربدا بالغيوم ~~السوداء، والسماء تمطر كرات الثلوج من خلال الرعود القاصفة، فكأنها المدافع ترسل ~~قنابلها. # ولم يكن المار بهذه الطريق يستطيع أن يرى أحدا فيها لاشتداد الظلام، على أنه لو حدق ~~لرأى من خلال وميض البرق جماعة مختبئين في هذه القبة المتسعة، وقد كانوا يتكلمون بصوت ~~منخفض يكاد أن يكون همسا، فقال أحدهم: لقد أصاب باسي، فإن البرد في هذه الليلة لا ~~يحتمل، وإن جلدي يكاد أن يتمزق. # فأجابه صوت آخر: أنت يا موجيرون تشكو من البرد شكوى النساء، ولا أنكر أنه لا يوجد حر، ~~ولكن لو تزملت بردائك ووضعت يديك في جيوبك لذهب عنك ما تشكوه من البرد. # فأجابه صوت آخر: وأنت يا شومبرج، فإنك تتكلم كما تشاء لأني أشعر بأن شفتي تدمي من ~~البرد. # وقال آخر: إني أشعر بأن يدي قد يبستا، وأنه ليس لي يدان. # فقال كاليس: إننا إذا كنا نشكو الآن من البرد يا أبرنون، فسنشكو الحر بعد حين. # فقال أبرنون: لست أنا الذي يتحدث، فإني أخشى إذ تحدثت أن يجمد كلامي من البرد فلا ~~يبلغ إلى مسامعكم. # وفيما هم على ذلك إذ سمعوا وقع أقدام، فذعروا والتفتوا جميعهم إلى جهة الصوت ثم قال ~~أحدهم: ليس هو؛ لأن هذا القادم آت من جهة سانت بول، وقد قال باسي بأنه يقدم من جهة ~~أخرى. # فقال كاليس: ربما يكون ms008 قد وقعت له ريبة بنا فغير الطريق. # فأجابه موجيرون: أنت لا تعرف دي باسي، فإنه يمر من حيث يقول، ولو أيقن بأن الشياطين كامنة ~~له. ~~- إذا فتهيئوا للهجوم. ~~- مهلا، إني أراهما اثنين، وها هما قد وقفا أمام منزل. # ثم ومض البرق فأضاء لهم، ورأوا أن أحد هذين الرجلين قد وضع مفتاحا في قفل هذا المنزل ~~وفتحه. # فقال كاليس: هيا بنا إليهما قبل أن يلجا. # وأسرعوا عدوا إلى الرجلين. # وكان بين الفريقين مسافة، فالتفت أحد الرجلين إلى رفيقه وقد سمع وقع أقدام الكامنين، ~~فقال: ما هذا؟ # فأجاب رفيقه: لا أعلم يا مولاي، وأحسب ذاك كمينا، فهل تبيحون باسمكم أو تحرصون على ~~التخفي؟ ~~- لا هذا ولا ذاك، فلندخل إلى هذه السيدة؛ لأني أرى لها كثيرا من العشاق. # ولم يكد يتم كلامه حتى حال الكامنون بينهما وبين الباب، وقد أقبلوا عدوا وهم يصيحون: ~~ليمت! # فنظر إليهم أحد هذين الرجلين بعظمة، وقال مخاطبا كاليس بصوت أجش: لقد سمعتك يا كاليس ~~تقول ليمت! فهل بلغت منك الجرأة إلى هذا الحد؟ # فاختلج كاليس وقد علم أن مخاطبه الدوق دانجو، فركع وقال: عفوا مولاي. # وفعل جميع رفاقه مثل فعله، وقد ذعروا لهذا الاتفاق. # فقال الدوق: ألا تزالون تصيحون ليمت! # فقال أبرنون: عفوا يا مولاي، فإننا نمزح ولم يخطر لنا في بال أن سموكم تأتون إلى مثل ~~هذا المكان المقفر، في مثل هذه الساعة المتأخرة. ~~- إن هذا المزح غريب في بابه، وحيث لم أكن المقصود به فلنر مع من كنتم ~~تمزحون؟ # فقال كاليس: لقد رأينا يا مولاي أن سانت ليك قد خرج من منزله واتجه إلى هذا المكان، ~~فتعقبناه ثم غاب عنا، ورأينا رجلا يفتح باب هذا المنزل فظننا أنه صديقنا، وأردنا أن ~~نعلم السر الذي حمله على فراق امرأته في الليلة الأولى من زفافه، والمجيء إلى هذا الشارع ~~المقفر، فهجمنا عليه على ما رأيت ونحن لا نريد بذلك غير المزاح. ~~- إذا إنكم قد حسبتموني سانت ليك. # قال موجيرون: ذلك لا ريب فيه؛ لأننا لا نجسر على أن ms009 نتصدى لسموكم في سبيل ~~ملاذه. # فانتفض الدوق وقال: إني لم أقدم إلى هذا المكان جريا وراء الملاذ، بل أنا قادم إلى ~~المنجم مناساس، الذي يقيم في شارع التورنيل كما تعلمون، فاذهبوا الآن في شأنكم، واعلموا ~~بأني لا أريد أن يعلم بوجهتي أحد على الإطلاق. # فانحنى الكامنون أمامه باحترام، وذهبوا إلى حيث كانوا، فقال الدوق لرفيقه: هيا بنا لندخل ~~الآن، فقد ذهبوا ولم يبق موجب للحذر. ~~- إني أرى عكس ما يرتئيه مولاي؛ لأنهم لم يذهبوا كما توهم، بل إنهم رجعوا إلى مكمنهم في ~~القبة حيث كانوا مختبئين، وعندي أنه خير لنا لو رجعنا إلى القصر فلا نبقي مجالا للظنون، ~~وسنعود في الغد. ~~- أنت مصيب، ولكني آسف لضياع هذه الفرصة. ~~- نعم، غير أني أخبرت سموكم بأن هذا المنزل قد عقد إيجاره إلى عام، وقد عرفت أيضا أن ~~السيدة تقيم في الطبقة العليا منه، وفوق ذلك فقد اتفقت مع وصيفتها، فأعطتني مفتاح باب ~~غرفتها، ومفتاح الباب الخارجي معنا. # ولذلك، فإننا نستطيع أن نرجع متى شئنا، أما في هذه الليلة، فلا أرى من الحكمة أن ندخل إلى ~~هذا المنزل؛ نفيا للمظان، وحذرا من الشبهات. ~~- هل أنت واثق من أن المفتاح قد وافق القفل؟ ~~- أتم الثقة؛ لأني جربت ثلاثة مفاتيح حتى فتح بالرابع. ~~- وهل أقفلت الباب؟ # وكانا قد بعدا عن المنزل وخشي من الرجوع إليه لما كان يراه من مراقبة الكامنين، فقال: ~~نعم، قد أقفلته، ووضعت المفتاح بجيبي على حدة، كي لا أغلط فيه. ~~- ولكني أحب أن أعرف غاية أولئك الكامنين. ~~- إنهم يكمنون ولا ريب لعدو لهم، وما بقاؤنا في هذا المقام إلا إلقاء بأنفسنا إلى ~~الهلاك، فإن لسموكم كثيرا من الأعداء. ~~- إذا لنذهب على أن نعود. ~~- نعم، ولكن ليس في هذه الليلة؛ لأني لا أرى غير المكامن ... ويحق لي أن أخاف عندما أكون ~~بصحبة وريث التاج الفرنسي. # وكأن هذا الحديث قد أثر تأثيرا شديدا على الدوق، فاضطرب وقال بلسان يتلجلج: سر ~~بنا إلى القصر، فأنت مصيب في حذرك. # وللحال عرجا في عطفة من الطريق ms010 وانطلقا. # ولم يكد الدوق ورفيقه يبتعدان ويحتجبان عن الأنظار حتى سمع وقع حوافر فرس في الطريق ~~نفسها التي قدم منها الدوق، بالقرب من ذلك المنزل، وظهر من خلال البرق فارس عالي القامة، ~~كان يسير بفرسه الهوينى، بالرغم من اشتداد البرد وانهمار المطر، فصاح كاليس يقول: هذا ~~هو! # فقال موجيرون: إن هذا محال، فإنه فرد وقد غادرناه وبصحبته فارسان. ~~- ألا تسمع صوت سعاله الرنان؟ # ولم تخطئ فراسة كاليس؛ لأن القادم كان الكونت دي باسي بعينه، وهو يسير على جواده الهوينى ~~في هذا السبيل المخطر، لا يحفل بإنذار ولا يخشى مكيدة. # ولم يحله تحذير سانت ليك، بل أتى من الطريق نفسها التي أخبر عنها المتآمرين عند اجتماعه ~~بهم في حفلة الزفاف، وفوق ذلك فإنه أنف من أن يصحب معه رفاقه لقلة اعتداده بأعدائه، ولفرط ~~شجاعته التي بلغ بها حد الجنون. # وكان يقول في مجالسه: إني لست سوى شريف بسيط، ولكني أحمل بين جنبي فؤاد إمبراطور، وقد ~~قرأت تاريخ أبطال الرومان، فلم أجد بينهم بطلا مشهورا حتى سرت على نهجه، وسبقته في ~~جميع ما يفتخر به من الإقدام. # وكان هذا الكونت قد فكر بحديث سانت ليك، وأعاره حقه من الانتباه، غير أنه لم يكن يثق ~~به لعلمه أنه من حزب الملك وخاصته وأشد المقربين إليه؛ ولذلك فإنه خشي أن يكون تحذيره ~~إياه حيلة يريد إدخالها عليه بقصد تجربته والحط من شجاعته في عيون أخصامه، فأحب أن يؤيد ~~هذه الشجاعة التي اشتهر بها ببرهان جديد. # فأطلق سراح أتباعه وأتى بنفسه على الخطة التي رسمها، وهو يعلم أن ما وراء هذا الإقدام غير ~~الموت، غير أنه لم يعبأ بالهلاك في جانب حفظ سمعته من وصمة الأقاويل. # ولم يكد يبلغ بجواده الباب الذي كان فتحه رفيق الدوق دانجو، حتى أحاط به الخمسة الكامنون ~~من كل صوب، وانقضوا عليه والسيوف مشهرة بأيديهم انقضاض الصواعق، وهم يصيحون: ليمت ~~باسي! ليمت عدونا الألد! # فرجع باسي بجواده خطوة إلى الوراء، وجرد حسامه بمنتهى البسالة، وقال بصوت الساخر: إذا ~~أنا هو ms011 ذلك الدب الذي كنتم تريدون صيده بأمر الملك، فطيبوا نفسا، إنكم ستنالون منه ما ~~تشاءون، ولكن بعد أن ينال منكم ما يشاء. # فهجم عليه شومبرج وقال: ليكن ما تريد، ولكنك فارس ونحن على الأقدام، ومن العدل أن ~~نتساوى. # ثم طعن صدر جواده بحسامه فخرق أحشاءه، فصاح الجواد صيحة منكرة وخر صريعا. # أما الكونت فإنه قفز عنه إلى الأرض والحسام مشهر في يده، وحمل على خصمه حملة هائلة فجرحه ~~في فخذه جرحا بالغا دعاه إلى اعتزال القتال والاهتمام بجرحه. # ثم هجم على رفاقه وهو غير مكترث بالموت، فجرح كاليس وضرب بحسامه صفحا أبرنون على زنده ~~فأطار الحسام من يده. # وأخذ يجول بينهم فينال بحسامه أجسادهم ويثخنهم جراحا، وكلما أصاب واحدا عاد إلى الآخر، ~~حتى كلت قواه وأصيب بجرح بالغ أسال دمه كأفواه القرب. # وتألبوا جميعهم عليه حملة واحدة، فرجع إلى الوراء يلتمس الحائط ليدرأ به حملاتهم عليه ~~من الوراء. # فلما بلغ إليه صادف بابا، فرفسه برجله فإذا هو مفتوح، فبرقت عيناه بأشعة الأمل. # وأعاد الكرة عليهم فجرح منهم اثنين. # ثم عاد إلى ذلك الباب وقد نهكت قواه لفرط ما سال من دمائه، فولجه وتمكن من إيصاده ~~بالزلاج الحديدي بعد الدفاع الشديد، فكان له النصر العزيز بنجاته. # وبعد أن أوصد الباب مشى بضع خطوات إلى أن انتهى إلى سلم، فسقط عليه وهو لا يعي. # ثم شعر بسكوت عميق، فخيل له أنه هابط إلى ظلمة القبر، ثم أطبق عينيه وضاع رشده، ~~فلم يعد يعي لشيء. # الفصل الثالث # | كيف يصعب أحيانا التمييز بين الحلم واليقظة # وكان الكونت دي باسي بعد أن أقفل الباب في وجه أخصامه، وقبل أن يقع مغميا عليه، قد ~~تمكن من ربط جرحه البالغ بمنديل. # ولكن هذه العصابة لم تكن كافية لمنع انصباب الدماء وسيلها من جرحه بغزارة، فقضت عليه ~~بهذا الإغماء. # فحدث له بسبب ما نزف من دمائه ضعف في المخيلة أو حمى في الرأس. # ونحن نقص على القراء ما رآه هذا الكونت، أو ما خيل له أنه رآه في ms012 الحلم أو في اليقظة ~~بعد ذلك الإغماء كما رواه عن نفسه، فنقول: # أول ما فتح عينيه وجد نفسه في غرفة جميلة الأثاث، مفروشة بالبسط وجدرانها مزدانة بالصور ~~المتقنة الصنع. # ثم رأى، أو خيل له أنه رأى أشباحا أو تماثيل تحمل بأيديها ضمات الزهور والرياحين وهي ~~تخترق الجدران، وتسير منها إليه. # ثم رأى نافذتين مزدانتين بالستائر الجميلة، ورأى بينهما صورة فتاة يتلألأ وجهها بأشعة من ~~نور، وعيناها تنظران إليه بإشفاق وحنان ... # ووجد نفسه ملقى على فراش ناعم ذي أعمدة ذهبية، غير أنه لم يكن يستطيع حراكا كأن يدا ~~قوية قد ضغطت عليه، أو كأنه مشدود إلى ذلك السرير بحبال متينة. # فلم يكن يستطيع أن يحرك عضوا من أعضائه، ما خلا عينيه اللتين كان ينظر بهما محدقا إلى ~~تلك الصورة الجميلة، وشفتيه اللتين كان يبسم بهما لها، وهو معجب منذهل مما يراه من جمالها ~~الفتان. # وفيما هو محدق بها وقد خلبت لبه، وملكت شغافه، خيل له أن تلك الصورة قد تحركت ~~وتجسمت. # فبرزت منها امرأة مرتدية بثوب طويل أبيض، كأنها ملاك قد شق كبد الغمام وهبط من ~~السماء. # وهي ذات شعر أشقر طويل مسترسل على كتفيها، وعينين سوداوين ترمي بهما السهام عن قوسي ~~حاجبيها. # ولها بشرة بيضاء شفافة يكاد يظهر من خلالها سريان دمها في العروق، فيصبغ تلك البشرة ~~الناعمة بلون الورد. # وفي الجملة، فقد بلغت الغاية القصوى من الجمال، كأنها خلقت كما اشتهت. # ولم يكد باسي يراها حتى اختلج فؤاده، وحاول أن يهب من فراشه فينطرح على قدميها، ولكنه ~~شعر بأنه مقيد برباط شديد لم يستطع حله، وأنه لا يستطيع حراكا كالأموات. # وكان باسي قد رأى أشباحا وتماثيل يهبط بعضها من سقف الغرفة، ويشق بعضها الجدران، ~~فيمتزجان ويشتبك بينهما العراك، فلما برزت تلك الفتاة لم يعد ينظر إلى الأشباح وانصرف ~~نظره إليها، فجعل يغازلها بإنشاد الأشعار الرائقة. # ولكنه لم يكد يتم أشعاره فيها حتى احتجبت عن عينيه، وحال بينه وبينها رجل معصوب ~~العينين كانت تقوده إليه امرأة عجوز. # فاحتدم الكونت غيظا، ms013 وهم أن يفتك بذلك الرجل وتلك العجوز، ولكنه لم يستطع حراكا، وفيما ~~هو يتململ، وقد كاد يتميز من الحنق إذ سمع هذا الرجل يقول: أبلغت المكان الذي ~~تقودونني إليه؟ # فأجابه صوت رخيم هاجت له عواطف الكونت: نعم، قد وصلت ويمكن الآن أن ترفع العصابة عن ~~عينيك. # فحاول باسي أن يرى إذا كانت صاحبة هذا الصوت هي نفس تلك الفتاة التي ملكت قياده. # فلم يستطع أن يتحرك، ولم ير أمامه غير ذلك الرجل الذي أزاح العصابة عن ~~عينيه. # وأجال نظرا مضطربا في أنحاء الغرفة، ثم رأى سريرا كان منطرحا عليه الكونت. # فعلم أنهم لم يأتوا به إلا لعيادته. # فدنا منه وتأمل في جرحه. # وبينما هو يفحص الجرح إذ سمع باسي ذلك الصوت الرخيم، يسأل ذلك الطبيب فيقول: هل الجرح ~~مميت؟ # فأجاب الطبيب: لا أعلم شيئا الآن. # وعاد إلى الكونت اختلاجه عند سماع هذا الصوت، فحاول أن يتكلم لكنه لم يستطع. # وبعد ذلك ببرهة أحس بألم شديد في أحشائه كأن نارا حامية قد كوتها، ففقد ما كان ~~باقيا له من الشعور، ولم يعد يحس بشيء. # وقد استحال على باسي أن يعرف مدة إغمائه، ولكنه لما أفاق من ذلك الإغماء شعر بريح باردة ~~تهب على وجهه، ففتح عينيه وهو يرجو أن يرى تلك الفتاة والأشباح. # وأجال نظره في جميع الجهات، فلم ير أمامه أثرا مما كان يراه. # بل رأى على يمينه رجلا كهلا بملابس القرويين. # وعلى يساره راهبا كان يسند رأس الكونت بيديه. # وأمامه امرأة عجوزا كانت تفرك قدميه بخرقة بالية من الصوف. # ثم نظر حواليه فرأى نفسه على بساط من العشب لا تظلله غير السماء، ورأى أمامه مذبحا ~~مرتفعا، فعلم أنه في ردحة الدير، وأنه بات تلك الليلة ملقى على الطريق. # لكنه خيل له أنه حالم، فنظر نظرة انذهال إلى من حواليه، وقال بدهشة شديدة: أين أنا؟ ~~أين ذلك الرجل المعصوب العينين؟ أين تلك الفتاة الفتانة؟ بل أين أولئك الأشباح الذين ~~كانوا يشقون الجدار ويخرجون إلي من السقف؟ # فنظر الرجل إلى الراهب ms014 وقال: إنه مصاب بحمى شديدة كما يظهر من هذيانه. # ورمق الراهب باسي بنظرة إشفاق، وقال له: يجب أن تعترف يا بني، وذلك خير لك ... أما ما ~~قلته عن الفتاة والأشباح والجدران، فما هو إلا تخيل مثلته لك الحمى، والحقيقة ~~أنك كنت ملقى على الأرض فوق الثلوج التي لا يزال أثرك عليها، وقد حسبناك ميتا عندما ~~وجدناك. # فارتاع الكونت مما سمع، وللحال ذكر أنه أصيب بضربة سيف، فمد يده إلى مكان الجرح ~~فأحس بعصابة تشده. # ولكنه لم يذكر كيف وصل إلى هذا المكان، ومن الذي عصب جرحه. # فشكر الراهب والرجل والعجوز، وأعطاهم كيسا من النقود كان لا يزال في جيبه. # وسألهم أن يذهبوا به إلى قصر الكونت دي باسي. # فانذهل الحضور عند سماعهم هذا الاسم، وقالوا بصوت واحد: ألعلك من أتباع الكونت؟ ~~- كلا، بل أنا الكونت نفسه. # فأسف الجميع عندما عرفوه، وصاحوا بصوت واحد: ليحي باسي الشجاع! # ثم حملوه على الأكتاف وساروا به إلى قصره. ~~••• # وكان باسي لا يزال فاكرا بتلك الفتاة وما رآه من الأشباح، وهو لا يعلم أكان ما رآه حلما ~~أم هي الحقيقة؟ # فلما وصلوا به إلى القصر دعي بطبيبه الخاص، وبعد أن فحص جرحه وأخبره بأنه غير خطر، ~~سأله إذا كان هذا الجرح يورث هذيانا؟ # فأجابه: نعم. # فرجع الكونت إلى الافتكار، وجعل يقول في نفسه: إذا فإن تلك الصورة الفتانة لم تكن غير ~~أوهام وتخيلات مثلتها لي الحمى. # ثم يرجع فيقول: كلا، بل هي الحقيقة بعينها؛ لأني أذكر بأني أصبت بضربة حسام، فرجعت ~~لأدرأ عني حملات الهاجمين من وراء، فأصبت بابا ففتحته وولجته، ثم أوصدته في وجوه ~~أخصامي بعد العناء الشديد، وهناك سقطت على سلم مغميا علي، ولا أذكر بعد ذلك ~~شيئا. # إذا فإن ما رأيته لم يكن غير حلم، ولكنه حلم هائل، ولا أزال إلى الآن أرى الفتاة ~~والأشباح والطبيب ممثلين أمام عيني، فما عسى أن يكون هذا الحلم العجيب؟ # ثم أخذ يعيد ذكر تلك الفتاة، وهو يمثل جميع ما رآه على ما وصفناه، فقال: لا ms015 يمكن أن ~~يكون ذلك حلما، بل هي الحقيقة وستكشفها لي الأيام. # ثم سأل طبيبه ثانية عن جرحه. # فأجابه بأنه غير خطر، بل إنه طفيف وإن هذا الضعف المستولي عليه ما هو إلا لما نزف منه من ~~الدماء. ~~- إني لا أحب أن أقيم في الفراش، بل أؤثر أن أخرج من المنزل، فإني أشعر من نفسي بقوة ~~تدفعني إلى الخروج. ~~- ذلك إليك، فإذا كنت قادرا على المشي فامش، ولكني أنصح لك في البقاء، فهو خير ~~لك. ~~- كلا، إني لا أرى موجبا إليه. # وللحال دعا برئيس خدمه، وأمره بأن يهيئ له المركبة، فامتثل الخادم. # ووثب الكونت من فراشه إلى الأرض فلبس ثيابه وحده، كأن لم يكن فيه أثر للجراح. # وخطر في باله سانت ليك. # فذكر نصيحته له في ليلة الزفاف، وعلم أنه لم يحذره إلا عن إخلاص وصدق في الود. # فخرج من المنزل، وأمر سائق المركبة أن يذهب به إلى منزل سانت ليك. # الفصل الرابع # | كيف قضت امرأة سانت ليك الليلة الأولى من زفافها # علم القارئ شيئا من أوصاف الكونت باسي، وقد رأينا أن نتم وصفه زيادة في البيان ~~فنقول: # كان هذا الكونت من أعظم أبطال فرنسا في ذلك العهد، وقد اشتهر بجماله، كما اشتهر بإقدامه ~~وزلاقة لسانه وحرية ضميره وكبر نفسه، فكان الملوك والأمراء يخطبون وده، وكانت الملكات ~~والأميرات يبسمن له ألطف ابتسام. # وقد حظي بحب مارغريت ملكة النافار، التي كادت أن تتهتك بغرامه، حتى إن زوجها الملك هنري ~~كان يغار عليها منه، وهو لم يعرف الغيرة في الغرام. # وقد حنق عليه أخوها الدوق دانجو وساءه هذا الغرام، غير أنه اضطر إلى غض الطرف لشدة ~~احتياجه إلى ساعد هذا الكونت الذي كان يرجو أن يحقق به أمانيه العظيمة، وهي ارتقاؤه إلى ~~العرش الفرنسي مكان أخيه. # أما باسي فلم يكن يحفل بوداد الملوك، ولا يأبه لغرام الملكات، بل لبث مستقلا بنفسه، ~~مترفعا عن صداقة الملوك، بعيدا عن غرام الملكات. # ولبث ذلك الفؤاد الجريء الذي لم يعرف الخوف خاليا من مكامن الغرام كالجوهرة التي ms016 تخرج ~~من معدنها، فتراها عين الشمس قبل أن تمسها يد الصائغ. # وذلك أنه لم يكن في قلبه العظيم متسع للغرام الذي كان يأنف من الخضوع له والرضوخ لأحكامه؛ ~~لما فطر عليه من الأنفة والكبرياء. # وقد كان هنري الثالث تزلف إليه بالود وعرض عليه صداقته، فأبى وهو يقول: إن أصدقاء الملوك ~~خدم لهم، ولست من الذين يخدمون. # ومما لا ريب فيه أن الدوق دانجو كان رئيسا للكونت، ولكن مثله مع الدوق كان كمثل من يروض ~~الأسد، فهو رئيس له ولكنه يخدمه ويطعمه حذرا من أن يفترسه ويأكله. # وهكذا كان باسي بإزاء الدوق. # ومما كان يقوله في هذا المعنى أيضا: إني لا أستطيع أن أكون ملك فرنسا، غير أن الدوق ~~دانجو يستطيع أن يبلغ إلى هذا العرش، فلأكن إذا ملك الدوق دانجو. # وبالحقيقة فإنه كان رئيسه في الباطن كما كان مرءوسه في الظاهر. ~~••• # ولنعد الآن إلى سياق الحديث فنقول: # إنه لما وصل الكونت إلى منزل سانت ليك الذي أمر السائق أن يسير به إليه كما تقدم، قابله ~~الخدم بملء الاحترام، فسألهم عن مولاهم إذا كان لا يزال باقيا في المنزل. # فأخبروه وملامح القلق بادية في وجوههم: إنه ذهب ليلة أمس مع الملك ولم يرجع إلى ~~الآن. # فانذهل وسألهم: ألا تعلمون أين هو؟ ~~- كلا. ~~- هل امرأته في المنزل؟ ~~- نعم. ~~- استأذنوا لي منها بالدخول إليها. # فذهب أحدهم وعاد بعد حين، فدخل بالكونت إلى مدام سانت ليك التي خرجت إلى ردحة المنزل ~~للقائه. # وكانت صفراء الوجه، وعيناها محمرتان من السهر، ويتبين منهما أثر البكاء. # فلما رأته وضعت يدها في يده، وبسمت له ابتساما مغتصبا وهي تقول: إني أرحب بك يا ~~سيدي، وإن كان قدومك الآن يخيفني. # فالتبس على باسي كلامها، وقال: ماذا تعنين يا سيدتي بالذي تقولينه؟ وماذا يحملك على الخوف ~~من قدومي؟ ~~- قل الحق بالله يا مولاي، ألم تتبارز بالأمس مع زوجي؟ # فدهش باسي وقال: أنا تبارزت مع زوجك؟ ~~- نعم، فلقد خلا بك أمس وكلمك سرا، وإذ كنت من حزب الدوق وكان من حزب ms017 الملك، وعداوة ~~هذين الحزبين يعلمها الجميع، فلم يعد لدي ريب أن اختلاءكما ما كان إلا لتعيين موعد ~~المبارزة. # فبالله يا سيدي ألا ما قلت الحق، فإن زوجي قد ذهب مع الملك غير أنه لم يعد، وكيف ~~تبارزتما؟ وأين هو؟ ~~- عجبا إني كنت أتوقع أن تسأليني عن جرحي؟ ~~- أرأيت أني صادقة بزعمي، وأنكما تبارزتما ... فقل لي أهو الذي جرحك؟ ~~- كلا، فإننا لم نتبارز، ومعاذ الله أن يقع عدوان بيني وبين هذا الصديق العزيز، الذي لا ~~بد أن يكون أخبرك بما استحكم بيننا من الوداد. ~~- كيف يخبرني بذلك وأنا لم أره بعد خروجه مع الملك؟ ~~- إذا فإن ما أخبرني به الخدم من عدم رجوعه صحيح! ~~- أجل، فهي الحقيقة بعينها، وإني لم أره منذ تلك الساعة. ~~- فأين هو؟ ~~- إني لا أعلم شيئا، ولذا إني أسألك. ~~- بالله ألا ما قصصت علي هذا الأمر، فإني لا أرى أغرب منه! # فقصت عليه جميع ما تعلمه ويعلمه القراء من أمر الملك له بالذهاب معه إلى اللوفر، ~~ورجوع الحراس الذين بعثهم أبوها مع زوجها بعد أن أقفل القصر. # ولما انتهت من حكايتها قال لها باسي: نعم، لقد فهمت الآن. ~~- ما الذي فهمته؟ ~~- إن الملك قد اصطحب معه زوجك إلى اللوفر، ومتى دخل زوجك إلى اللوفر فلا يخرج منه. ~~- كيف متى دخل لا يخرج؟ # فارتبك الكونت وقال: إنك تسأليني أن أبيح لك بأسرار المملكة. ~~- غير أني ذهبت مع أبي إلى القصر، فأخبرنا حراسه أن زوجي قد خرج منه. ~~- هذا ما يؤكد لي أنه لا يزال باقيا فيه. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- كلا، بل أؤكده، وإذا شئت فأنت تقدرين أن تؤكدي كما أكدت بذهابك إلى اللوفر. ~~- ألم أقل لك بأني ذهبت إليه، وعما أجابوني به؟ ~~- وأنا أعيد عليك فأقول: أتريدين الذهاب إلى اللوفر؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأجمعك بزوجك سانت ليك. ~~- قلت لك إنه خرج من القصر. ~~- وأنا أقول لك إنه لا يزال فيه. ~~- إني لا أجد بحديثك غير ألغاز وأسرار غريبة. ~~- كلا، بل هي أسرار ملكية. ~~- أتقدر أنت على الدخول إلى القصر؟ ~~- ذلك لا ms018 ريب فيه؛ لأن ما حظر عليك لا يحظر علي. ~~- إنك تقول الآن بأن دخولي إلى اللوفر محظور علي، كيف تقول لي أن أذهب إليه لأرى زوجي ~~فيه؟ ~~- إني سأدخلك بالحيلة، فأطلعك على مكامن في ذلك القصر لا تستطيعين الدخول إليها وأنت ~~معروفة بامرأة سانت ليك. # وذلك أني يصحبني إلى اللوفر كلما دخلت إليه ، خادم في مقتبل الشباب، لا نبات بعارضيه، ~~وهو يشبهك بقوامه وبعينيه، فهل فهمت الحيلة؟ # فاحمر وجهها وقالت: ما هذا الجنون؟ ألا تحسب ذلك طيشا؟ ~~- كلا، بل هو عين الحكمة؛ لأنه ليس لدي طريقة أفضل من هذه، ولك الخيار بين الرفض ~~والقبول، فافتكري وأجيبي ... أتريدين أن تري زوجك؟ ~~- إني أبذل كل عزيز للوصول إليه. ~~- أما أنا فسأوصلك إليه ... من غير أن أكلفك بذل أي شيء. ~~- ولكن افتكر بالعاقبة. ~~- قد افتكرت بكل شيء، فإن أحببت فأنا أذهب بك إلى زوجك ولا خوف عليكما. ~~- وأنا قد قبلت ... غير أنه يجب أن أتزيا بزي خادمك هذا. ~~- ذلك لا ريب فيه، وسأبعث إليك في هذا المساء بثوب من ثيابه، فترتدين به وتخرجين من ~~المنزل وحدك إلى شارع بروفار، حيث أكون بانتظارك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعدها نذهب إلى اللوفر سوية. # فوضعت يدها بيده وجعلت تضحك وهي تقول: إن هذا الفكر مضحك يا كونت. ~~- نعم، وستضحك منه أوروبا بأسرها، بل سيضحك منه الملك نفسه بعد أن تهدأ ثورة غضبه. # وأنا شاكر لك ثقتك بي، وستجتمعين بزوجك بالرغم من الملك وعن أصفيائه. # ثم ودعها وانصرف إلى منزله ... فأرسل لها الثوب الذي وعدها بإرساله. ~~••• # وفي المساء، اجتمع الكونت وامرأة سانت ليك في الشارع المعين وبالساعة المضروبة. # وكانت حنة بملابس الغلمان، وقد زادتها ملابس الخفاء جمالا على جمالها. # فمشى الكونت أمامها بعد أن سلم عليها، ومشت وراءه مشية الغلمان وراء ~~أسيادهم. # حتى إذا وصلا إلى منتصف الطريق، رأى الكونت أن الدوق دانجو يسير أمامه على مسافة طويلة، ~~ويكاد أن يحتجب عنه لإسراعه في المسير. # فناداه بصوت مرتفع. # وما زال يصيح به حتى سمعه الدوق، فلما علم أنه الكونت ms019 أسرع إلى لقائه، فصافحه وهو يقول: ~~إني كنت أحسبك طريح الفراش لما علمت من أمر جرحك، وقد كنت ذاهبا إليك، كيف أنت؟ # فلم يشكره الكونت بكلمة وقال: إنك تلقي بي إلى المهالك عند حاجتك إلي، ولا تسأل عني ~~عند حاجتي إليك. # ولقد كمن لي أمس خمسة من أعدائك، فاستنزفوا جميع ما في جسدي من الدماء. ~~- طب نفسا أيها الكونت، فإن ذلك الدم العزيز لا يضيع هدرا، وسأخطف روحا من أرواحهم ~~عن كل قطرة سفكت من تلك الدماء. ~~- ذلك ما تقوله باللسان أيها الدوق، وإنك ستبتسم لأول من تلقاه من أولئك الأعداء. ~~- إذا كنت لا تثق بما أقول، فسر معي إلى اللوفر وسوف ترى ما يكون. ~~- وماذا عسى أن يكون يا مولاي؟ ~~- سترى بماذا أخاطب أخي الملك عن هذا الشأن. ~~- إني أعرفك يا مولاي حق المعرفة، فأنت ستناضل عني النضال الشديد وتشدد النكير عما ~~أصبت به من الغدر، وتطلب حقي بالحمية الصادقة والرأي السديد، ولكنك ستقبل أول ترضية ~~تعرض عليك عن هذا الحق. ~~- كفاك قحة أيها العنيد، واذهب معي فسترى ماذا أفعل. # ثم مشى الدوق بغير أن ينتظر جوابه، فتبعه الكونت وإلى جنبه امرأة سانت ليك فقال لها: قد ~~سمعت ما كان بيني وبين الدوق، وإني لم أفعل ذلك إلا لأزيد من حماسته، وليطول الجدال بينه ~~وبين الملك، فأغتنم هذه الفرصة لجمعك بزوجك. # وبعد ذاك عاد إلى الدوق، فأخبره بجميع ما كان في تلك الليلة الهائلة بالتفصيل. # وما زالوا يسيرون حتى انتهوا إلى اللوفر فولجوه جميعا، ولما وصلوا إلى قاعة الملك، قال ~~له الكونت: إني مفارقك يا مولاي؛ لأن لي حاجة أقضيها مع أحد الأصحاب في هذا القصر. ~~- ألا تدخل معي إلى جلالته؟ ~~- كلا، بل أنتظرك إلى أن تخرج من عنده. # فدخل الدوق إلى القاعة الملكية، وأخذ الكونت امرأة سانت ليك فأجلسها في إحدى الغرف، وقال ~~لها: انتظريني قليلا ريثما أعود. # فأقامت وحدها في الغرفة وهي ترتعد من الخوف، غير أنها كانت ترى من النافذة المكان الذي ~~ذهب إليه باسي، فكانت ms020 تستأنس بمرآه عن وحشتها وتأمن من خوفها. # الفصل الخامس # | كيف اجتمعت امرأة سانت ليك بزوجها # أما الكونت فإنه ذهب توا إلى الغرفة المحاذية لغرفة منام الملك، وهو موقن من أن سانت ~~ليك لا بد أن يكون مقيما فيها؛ لأن جلالته يحب أن يكون دائما بالقرب منه ليدعوه إليه في ~~الحال كلما تمكن منه الضجر، الذي كان داؤه العقيم. # وكان يعلم باسي أيضا أن جلالته لا يمكن أن يكون في غرفته؛ لأن أخاه الدوق دانجو قد طلب ~~أن يراه عندما دخل إلى اللوفر، فهو سيكون ولا ريب في قاعة الاجتماع. # ولذا فقد تقدم إلى الغرفة بعزم ثابت وقرع الباب، فخرج إليه حاجب من ضباط ~~القصر. # وقد كان دهشه عظيما عندما رآه؛ لأن جميع من في القصر كانوا يعتقدون أنه قد هلك. # غير أنه أظهر الجلد، وقال له وهو يبتسم: بماذا يأمر سيدي الكونت؟ ~~- إن جلالته يريد أن يكلم سانت ليك، فأين هو وماذا يعمل؟ ~~- هو في هذه الغرفة يتلهى بمقامرة شيكو إلى أن يرجع جلالته. ~~- إني أرجوك إذا أن تأذن لخادمي أن ينتظرني في هذا ~~الرواق، وأن تدعو لي سانت ليك. # فامتثل الحاجب وانصرف. # وأشار الكونت إلى امرأة سانت ليك، فأتت وأوقفها في عطفة من الرواق بحيث لا يراها ~~زوجها. # وبعد برهة أتى سانت ليك وعليه ملامح التعب، فلما رأى الكونت باسي ينتظره دهش وقال: هذا ~~أنت؟ ~~- نعم أيها الصديق، وأول ما أبدأ به حديثي شكري إياك عما بذلته لي من النصح ليلة أمس، ~~مما يدل أشد الدلالة على الإخلاص لي وصدق ودك. # فانحنى سانت ليك شاكرا، وقال: ليس الإخلاص وحده الذي دفعني إلى تحذيرك من الأعداء، بل ~~إني كرهت أن يغتال رجال جلالته بطلا مثلك، ولقد كنت أحسبك في عداد الأموات، لثقتي من أنك ~~قد ذهبت إلى لقائهم، ولما شاع في القصر من أمر قتلك. ~~- لقد كادت تصح هذه الإشاعة، فإني لم ينقذني من غدرهم غير القدر وحسن توفيقي. ~~- بل أنقذك ساعدك القوي وبأسك الشديد، وإن النجاة من خمسة وأنت ms021 وحيد فرد هي النصر العزيز ~~لك، الذي يفتخر به محبوك، وتنفطر منه أكباد الأعداء. # فبالله ألا ما أخبرتني أيها الصديق كيف كانت النجاة منهم، وكيف كانت تفاصيل هذا ~~العراك؟ ~~- إن الوقت يضيق دون تفصيلها، وسأخبرك عنها بما ستنتهزه من فرص الاجتماع وأوقات الخلوة، ~~والآن فإني لم أقدم إليك لمجرد شكرك لأن خدمة الأصحاب واجبة، ولا موجب للشكر عن قضاء ~~واجب، غير أني قدمت لأكافئك عن هذه الخدمة بخدمة مثلها. # وقبل أن أتعرض لذكرها، أحب أن أعرف شيئا عن حالك في هذا المحبس. ~~- إني على أسوأ حال أيها الصديق، يكاد يقتلني الضجر في هذا القصر العظيم، الذي بعد أن كان ~~لي جنة أرتع فيها، أصبحت فيه كمن زج في أعماق السجون، وأنا لا أختلف فيه بشيء عن ~~المجرمين، سوى أن يدي ورجلي مطلقة فلا أرصف بقيودي. # وأشد ما أقاسيه قرب جلالته مني، وبعد امرأتي عني، فإنه يكاد أن لا يفارقني ساعة، ~~ولا يرضى مني إلا بأحاديث الهزل، وأين أنا من المزاح في مثل هذا الموقف الذي وضعني فيه، ~~فإذا أرضيته فلا أوافق نفسي، وإذا وافقت نفسي فلا أرضيه؛ ولذا فإني أتقلب على نارين من ~~جفائه ورضاه، وأتراوح بين شرين من صفائه وجفاه، وكلا الويلين شر من الآخر. # وأما بعد امرأتي عني فلا أزيدك علما بما أكابده من العناء لبعدي عنها، فتصور كيف ~~يكون حال محب يبعدونه عمن يحب، ويمنعونه عن جناء الزهرة التي طالما سقاها بدموع ~~الغرام. # فقال باسي وقد تأثر لحال صديقه: وما يمنعك عن الذهاب إليها؟ ~~- هذا السجن الذي أنا فيه، ومن يحيط به من الحجاب الذين يكادون أن يعدوا علي ~~أنفاسي. ~~- وما يمنعها أن تأتي هي؟ ~~- إلى أين؟ ~~- إلى اللوفر. ~~- ما هذا الجنون؟ ~~- لا أنكر أن هذا الرأي غريب في بابه، ولكنه ممكن. ~~- بالله دع المزح أيها الصديق، فإن نفسي حزينة وصدري الضيق لا يتسع لهذا المزاح. ~~- كما تريد، ولكن إذا اجتمعت بها ألا يزول ضجرك؟ # فتنهد سانت ليك، وقال: بل أكون من أسعد البشر، ولكن أنى يكون ms022 لي ذاك؟ ~~- طب نفسا فسأجد طريقة تجمعها وإياك، والآن فقد ذكرني ضجرك خادما لي صحبته معي ~~إلى اللوفر، كان يؤنسني في أيام ضيقي ويزيل عني كل كرب بلطف حديثه ونكاته الغريبة، ~~فسأبقيه عندك يؤانسك من هذه الوحشة إلى أن يفرج الله عنك هذا الضيق. # فشكره سانت ليك وقال: عفوا أيها الصديق؛ لأن منظر الخدم يزيد من كربي الذي أنا فيه، وقد ~~أذن لي جلالته أن أحضر إلى اللوفر من أشاء من خدمي، ولكني لا أطيق النظر إليهم، فما ~~أحضر أحدا منهم. ~~- ولكن هذا الخادم ليس كسواه من الخدم. ~~- وأنا لست كسواي من الأسياد. ~~- أرجوك أن تقبل هذا الخادم. ~~- ذاك ما لا أستطيع إليه سبيلا. ~~- قلت لك اقبله؛ فإني أعرف الذي تحتاج إليه. ~~- دع المزاح أيها الصديق، ويكفيني ما أنا فيه. ~~- لا بأس في ذاك وسأدعوه. # ثم نادى امرأة سانت ليك باسم خادمه. # فاحتدم سانت ليك غيظا، وجعل يعترض على باسي الاعتراض الشديد والكونت يضحك حتى دنا ~~الخادم. # فلم يكد ينظر إلى وجهه حتى عرف أنه امرأته بملابس الخفاء، فصاح صيحة الدهشة وهرول ~~مسرعا يصافح امرأته. # فقال الكونت: ألا تزال ترفض قبوله؟ # فوضع سانت ليك يده بيد باسي، وقال له: إني أشكرك أيها الصديق شكرا لا يفيه لساني، فلقد ~~قيدتني بالولاء، وربطتني بوثاق من ودك لا انفصام له. ~~- دع الآن حديث الشكر، واحذر من أن تنظر إليها بغير نظرك إلى الخدم، فإن الحجاب إذا ~~كانوا لا يسمعون حديثنا فهم ينظرون إلينا، وافتكر الآن بطريقة تحجبها فيها عن عيون ~~الرقباء. # وفيما هم على ذاك إذ سمعوا صوت صياح من قاعة الملك، وخرج الحاجب ويده على حسامه، فقال ~~باسي: هذا الدوق دانجو يختصم مع أخيه، فاسمحا لي بالذهاب لأني أحب ألا تفوتني كلمة من ~~حديثهما. # ثم ودعهما وخرج مسرعا وهو فرح بما كاده للملك. # فلما دنا من القاعة سمع من جلالته وأخيه الحديث الآتي: # قال الدوق: إني مؤكد لجلالتكم بأن أبرنون وشومبرج والبارون دي أو وموجيرون وكاليس، ~~كانوا كامنين له بالقرب من فندق ms023 التورنيل. # قال الملك: من قال هذا؟ ~~- أنا رأيتهم بعيني. ~~- قد رأيتهم في الظلام أيها الدوق وقد كان شديدا. ~~- إني لم أتبينهم من وجوههم. ~~- كيف عرفتهم إذا؟ أمن أكتافهم؟ ~~- كلا، ولكني عرفتهم من أصواتهم. ~~- هل تكلموا معك؟ ~~- لم يتكلموا معي فقط، بل إنهم هجموا علي أيضا وحاولوا الفتك بي لو لم يعرفوني من صوتي ~~أيضا؛ لأنهم حسبوني الكونت دي باسي. ~~- أنت كنت هناك؟ ~~- نعم، أنا! ~~- وما الذي دعاك إلى الذهاب نحو هذه الجهات المقفرة في مثل تلك الساعة المتأخرة من ~~الليل؟ ~~- وماذا يهم ذاك؟ ~~- أريد أن أعرف كل شيء. ~~- إذا كان لا بد من ذاك، فأقول لك إني كنت ذاهبا إلى مناساس. ~~- مناساس اليهودي المتكهن؟ ~~- نعم، ألا تذهب أنت أيضا إلى ريجياري بائع السموم. ~~- أنا أذهب حيث أشاء لأني الملك. ~~- ليس هذا بالجواب المقنع. ~~- ومع ذاك فقد قلت لك إن باسي هو البادئ بالعدوان. ~~- باسي كان البادئ؟ ~~- نعم. ~~- وأين كان ذاك؟ ~~- في منزل سانت ليك ليلة زفافه. ~~- أتظن أن باسي يعتدي على خمسة وهو فرد، إن ذاك محال يا مولاي؛ فإن هذا الكونت شجاع ولكني ~~أنزهه عن الجنون. ~~- قلت لك إنه كان البادئ بالعدوان، وقد سمعته بأذني في تلك الحفلة، ولم يكتف بذاك بل ~~إنه جرح شومبرج، وكسر فخذ أبرنون، وكاد أن يجهز على كاليس. ~~- لم أعلم شيئا من هذا لأن باسي لم يخبرني عن شيء من هذه الجراح، فإذا صح هذا فإني ~~أهنئه بهذا الانتصار. ~~- وأنا لا أهنئ أحدا، بل أحب أن يأخذ العدل مجراه، وأن أضع حدا لمثل هذا ~~العدوان. ~~- وأنا سأرى أيضا إذا كان يوجد في فرنسا من يجسر أن ينظر إلى أعظم أمرائها، وأخ الملك ~~فيها، من غير أن يغض الطرف إجلالا واحتراما. # وعندها دخل باسي إلى القاعة فانحنى أمام جلالته، وقال: تفضل يا مولاي بقبول ~~احترامي. # فالتفت الملك إليه وقال: هو ذا باسي. # فقال الكونت: أرى مولاي يشرفني بالاهتمام بشأني. ~~- نعم، وقد سررت لمرآك، فلقد علمت عنك ما استأت له أشد الاستياء؛ ولذا فإني أحب أن ms024 ~~ترفع شكواك إلينا كي يجري العدل في مجراه. # فقال باسي: لا أجد يا مولاي سبيلا إلى الشكوى. # فالتفت الملك إلى أخيه وقال: كيف ذاك؟ وما تقول؟ ~~- أقول بأن باسي قد أصيب بضربة حسام. # فقال الملك: أصحيح يا باسي ما قاله الدوق؟ ~~- هي الحقيقة بعينها يا مولاي، ومن كان أخا لجلالتكم فهو لا يعرف الكذب. ~~- إذا كان ذاك أكيدا فما يمنعك من الشكوى؟ ~~- لا أشكو؛ لأني أريد أن أنتقم بنفسي ... وسيكون انتقامي شديدا أيها الملك ولا مرد له، ~~فلو أمرتم بقطع اليد التي أريد الانتقام بها، لبقي لي يد أخرى لذلك الانتقام. # فاصفر وجه الملك وقال: أنت شديد الوقاحة يا كونت! # ورأى الدوق أن الكونت باسي قد أغاظ جلالته بقحته، فتداخل في الأمر خشية من شر العاقبة، ~~وأن تدفع الحدة بأحدهما إلى ما لا تؤمن مغبته، فأخذ عنه الكلام وقال: إنكم وعدتم يا مولاي ~~بإجراء العدالة، وهذا غاية ما نرجوه، فلتأمر جلالتكم بفحص هذا الأمر، ومعرفة الباعث ~~لأولئك المعتدين على أن يقفوا للكونت في ذاك الكمين. # فاحمر وجه هنري وقال: كلا، بل إني أؤثر في هذه المرة أن أغض الطرف عن المجرمين، وأن ~~أشمل الجميع بعفو عام، بل أحب أن تزول تلك العداوة من الفريقين ويستتب بينهما ~~السلام ... ولذا فقل لي من كان من أولئك الخمسة أكثر إظهارا للعداء؟ ~~- هو كاليس. # قال الملك: إذا فإني آمر كاليس وباسي أن يتصافحا أمامي بهذه الحضرة. # وكان كاليس قد حضر، فذعر لهذا الأمر وقال: مولاي، ماذا أمرت؟ وما المراد بهذا؟ ~~- أريد أن تزول من بينكما أسباب البغضاء، وأن تتصافحا أمامي في الحال. # فلم يجد الاثنان بدا من الرضوخ لأمر جلالته، فتصافحا على ما يريد، وعند مصافحتهما قال ~~كاليس هامسا في أذن باسي: أؤمل أن يكون هذا السلام إلى حين. # فأجاب باسي: طب نفسا لأن الأيام بيننا وسنلتقي. # الفصل السادس # | توبة هنري الثالث وجهل السبب # ثم خرج الجميع من حضرة الملك، وخرج هو بعدهم، فذهب توا إلى غرفة سانت ليك، فرآه مضطجعا ~~على فراشه، وهو ms025 يئن متظاهرا أنه مريض. # ورأى امرأته جالسة بملابس الغلمان على مقعد في زاوية الغرفة، وهي ساترة وجهها بيديها ... ~~فلم تنهض عند دخوله، ولبثت متظاهرة بالنوم. # فقال الملك: ما بالك يا سانت ليك، ومن هذا الغلام النائم في هذه الغرفة؟ ~~- هو غلام لي يا مولاي، أحضرته من منزلي لخدمتي ... وأما أنا فمريض. ~~- لا بأس عليك، فسأرسل إليك طبيبي الخاص، والآن فهيا بنا إلى غرفتي؛ لأن شيكو ينتظرنا ~~فيها. ~~- عفوا يا مولاي، فإني مريض ولا يروق لك مجلسي. ~~- سيان عندي فإني أكتفي بمرآك، وإذا فاتني حسن لفظك فإني قانع بحسن سمعك. ~~- إذا، فسأذهب إليك بعد حين ريثما ألبس ثيابي ... لأني بملابس النوم. ~~- حسنا بشرط أن تسرع. # ثم تركه وانصرف. # فنهضت حنة منذعرة من مقعدها وقالت: كيف تذهب إليه وتتركني وحدي؟ وما يؤمنني أن يدخل أحد ~~إلى هذه الغرفة فينكشف حالي؟ ~~- لا تخشي من ذاك أيتها الحبيبة؛ لأني لا أغيب عنك أكثر من ربع ساعة؛ لأني سأتظاهر بالمرض ~~الشديد في حضرة الملك، حتى يملني أو يشفق علي فأعود في الحال، فالبثي في هذا المكان ~~إلى أن أعود، وسأوصي الحاجب فلا يأذن لأحد بالدخول إلى هذا المكان. # ثم غادرها ومضى إلى الملك فأقام عنده زمنا وجيزا ريثما انتهى من طعامه، فتمكن بحجة ~~المرض وبمساعدة شيكو على الإفلات منه، فرجع إلى امرأته والفرح ملء فؤاده. # أما جلالته فإنه أحيا الليلة بمنادمة شيكو، إلى أن دنا وقت الرقاد، فانصرف الجميع من ~~حضرته، وصعد إلى سريره فأطفئت الشموع وسادت السكينة والظلمة. # ولم يمض على ذاك ساعتان حتى خرج من غرفة صاحب الجلالة صوت هائل أيقظ جميع النيام، ثم ~~تكرر هذا الصوت فسمع الحراس أن جلالته يستغيث، فهبوا منذعرين إلى غرفته والسيوف مشهرة في ~~أيديهم، فوجدوه ساقطا على الأرض بالقرب من سريره، وعلائم الرعب بادية في وجهه المصفر من ~~الخوف، وعيناه شاخصتان، ويداه ترتجفان ارتجافا شديدا، وقد عقد لسانه فلم يستطع ~~الكلام. # ولم يجسر أحد من الحراس الذين أسرعوا إليه على سؤاله. # وفيما هم على ذاك ولا أحد ms026 يعلم السبب الذي حمل جلالته على الصياح، إذ أقبلت الملكة ~~بثياب النوم ومخائل الرعب بادية بين عينيها، فمسكت يدي زوجها المرتجفتين وأنهضته ~~فأجلسته على كرسي وسألته عما أصابه فلم يجب، فصبرت عليه برهة إلى أن هدأ روعه فقالت له: ~~بالله قل ما أصابك، فهل تريد أن أدعو الطبيب؟ # فأجابها بصوت متقطع: كلا، فليس جسدي المريض، بل إن نفسي هي المريضة وأنا في حاجة إلى كاهن ~~لا إلى طبيب. # فذهل الجميع لجواب جلالته، وأخذوا يجيلون أنظارهم في جوانب الغرفة؛ علهم ينظرون ما ~~حمله على هذا الرعب، فلم يروا شيئا. # أما الملكة فإنها أمرت في الحال أحد الحرس بالإسراع إلى الدير وإحضار رئيسه، فامتثل ~~وانطلق عدوا. # وبعد برهة أتى رئيس الدير، فزالت الغوغاء من القصر وساد السكون والخشوع فيه، وخلا جلالته ~~برئيس الدير ما بقي من ذاك الليل. # وعند الصباح أمر جلالته أن تقفل أبواب القصر ولا يدخل إليه أحد، ثم دعا جميع أصفيائه ~~وجميع رهبان الدير، فأحاطوا به في ردهة من القصر وأمرهم أن يخلعوا الثياب عن أكتافهم، وأن ~~يجلدوا أنفسهم بالسياط تكفيرا عن خطاياه، وكان هو أول من بدأ بنفسه، فلم يجدوا بدا من ~~الاقتداء به، وكلهم يجهل السبب في انقلاب جلالته وبلوغه إلى هذا الحد من التعبد، فخلعوا ~~ثيابهم وجعلوا يجلدون أنفسهم إرضاء لمولاهم. # وأحب شيكو أن يمزح حسب عادته، فبدرت إليه نظرة هائلة من جلالته تفيد أن ليس هذا وقت ~~المزاح. # فحبس لسانه عن الكلام وأخذ سوطا قويا في يده، ولكنه بدلا من أن يجلد نفسه جعل يجلد ~~سواه، فلا تسمع غير صائح من وقع ضرباته القوية وهو لا يعلم من أين ينهال عليه هذا الضرب ~~الموجع. # وداموا على ذاك ساعة حتى كلت أيديهم، وكادت أن تدمى أبدانهم، فأمرهم جلالتهم أن يذهبوا ~~معه حفاة الأقدام إلى زيارة الدير، فذهبوا بصحبته، وأقاموا في ذاك الدير يصلون ويبتهلون ~~إلى الله كي يغفر لجلالته ذنوبه إلى أن غابت الشمس، فرجع بهم إلى القصر حيث عادوا فيه إلى ~~الجلد بالسياط إلى أن ms027 دنت ساعة الرقاد، فأذن لهم بالانصراف، ولم يبق لديه غير ~~شيكو. # وإنما أبقاه ليقرأ له بعض فصول من الكتاب المقدس، أمره بتلاوتها رئيس الدير قبل أن ~~ينام. # فانصرف الجميع وفيهم سانت ليك، الذي كان جلالته انتدبه إلى هذه المهمة التي انتدب إليها ~~شيكو فأبى. # الفصل السابع # | خوف الملك لأنه قد خاف، وخوف شيكو من أن يخاف # ولما خلا جلالته مع شيكو في غرفة نومه، قال: أنت يا شيكو موضع ثقتي، والآن لقد وددت أن ~~أجعلك موضع سري فأبيح لك بما لم أجسر أن أبيح به لسواك، لما أعلمه من إخلاصك، فأنت الصديق ~~الوحيد. # وكان جلالته يتحدث بصوت يتهدج، ووجهه ناحل مصفر كوجوه الأموات، فأشفق عليه شيكو وعلم ~~أن الأمر ذو بال، فانصرف إلى جد الحديث وقال: قل يا مولاي ما تشاء؛ لأني مصغ إليك ... ~~وعسى أن أتمكن من تسكين ثائرك. ~~- كنت أود أن تسمع ما سمعت، وأن ترى ما رأيت قبل أن أقص أمري، ولكني أخشى أن تصاب ~~بما أصابني من الرعب؛ ولذا فقد ارتأيت أن أقص بعض ما لقيت مما حملني على هذا الخوف ~~فيهون عليك الأمر، فأنت سترى أمرا جللا، فإذا قصصته عليك قبل أن تراه، يهون عليك ... فأنت ~~متوقعه. ~~- لقد أحسنت وها أنا مصغ، فقل ما تريد. # فأمر الملك يده على جبينه ثم نظر إلى شيكو وبدأ في الحديث فقال: لقد نمت ليلة أمس ~~... # فقاطعه شيكو وقد نسي موقفه وغلب عليه الميل إلى المزح، فقال: وأنا كذلك! # فعبس الملك كي لا يدع مجالا لنديمه لمثل هذا الهزل وقال: ولما غفوت شعرت بهبة هواء ~~باردة مرت على وجهي، فصحوت بعض الصحو، ثم عادت تلك الهبة أيضا، فنهضت في الحال وجلست في ~~فراشي، وأخذت أجيل نظرا مضطربا إلى ما حولي عساي أرى ~~مصدر هذا الهواء، ولكن المصابيح كانت منطفئة والظلام حالكا فلم أر شيئا ... وفيما أنا ~~جالس والقلق أخذ مني إذ سمعت صوتا يقول: أيها الخاطئ الشقي ... ثم تلا الملك بصوت ضعيف ~~وقال: ثم سمعت ذاك الصوت نفسه يقول: ms028 أيها الشقي التعيس، أصغ إلي، فأنا صوت الرب الإله ~~... # فتظاهر شيكو بالاضطراب وقال: أكان صوت الرب الذي سمعته؟ ~~- نعم، ألم تقرأ في الكتب المقدسة أن الرب يكلم الملوك؟ ~~- نعم، وقد قرأت فيها أيضا أن صوت الله كصوت الرعود القاصفة، فهل كان كذلك؟ ~~- كلا، ولكن صوته كان يصل إلي كالهمس في الآذان، ومع ذاك فلم يفتني حرف من كلامه، ~~فأصغيت إليه وقد كدت أفقد حواسي لما خامرني من الهلع، فسمعته يقول: أين أنت أيها الشقي؟ ... ~~أتصغي إلي؟ ... ألا تزال غوايتك منغمسا في الشهوات، منصرفا إلى الملذات، معرضا عن ~~النظر في شئون رعاياك؟ # ثم جعل يذكر لي جميع خطاياي ويؤنبني عليها التأنيب الشديد، حتى خلت أن ساعتي قد ~~دنت. ~~- لا بأس يا مولاي، ولكن قل لي ما ذكره من أمر الذنوب لأرى إذا كان الله يعرفها كمن ~~يحيط بك؟ # فاحتدم الملك غيظا وقال: احذر من أن تعود إلى مثل هذا الارتياب، فإذا بدر منك بعدها أقل ~~ريبة فإني آمر بقتلك لا محالة. ~~- أنت مخطئ يا مولاي فيما توهمته من ريبتي؛ لأني شديد الاعتقاد بالله، وأعيذ نفسي من ~~الشك بعزته الإلهية، غير أني عجبت لصبر الله عن تقريعك إلى الآن، وهذا ما تدعوه بالشك، ~~فقل لي ما كان بعدها؛ لأني أكاد أن أشاركك في هذه المخاوف. ~~- لم يكن شيء سوى أني استغثت وسقطت على الأرض واهي القوى، فأحاط بي الحرس ودعت لي ~~امرأتي برئيس دير الجزويت، فأتى وخلوت معه طول الليل. ~~- وماذا كان بينكما؟ ~~- إني اعترفت له بجميع آثامي، وأخبرته بما سمعته من صوت الله، فقال: إن هذه عجيبة من ~~السماء، وإن صوت الله يأمرني أن أكفر عن ذنوبي، وذاك لا يكون إلا بالزهد والتقشف ~~والإحسان إلى الجزويت، فما أذنت له بالانصراف إلا بعد أن أعطيته خمسمائة ألف فرنك. ~~- حسنا فعلت، فأنت لن تنال الغفران إلا بمثل هذا الإحسان. # فتأثر هنري من كلام شيكو، وقال: ألا تزال تتكلم وتمزج الجد بالهزل، وأنت ترى ما أنا ~~عليه من الخوف، لست الملوم بل أنا اللوم ms029 علي لأني وضعتك بمنزلة الصديق، وأنزلت آمالي ~~بك. # فتصنع شيكو هيئة الجد وقال: ما حملني على المزاح يا مولاي غير ما أعلمه علم اليقين ~~بأن الذي سمعته لم يكن صوت الله، بل هو حلم هائل يدعونه بالكابوس، يكون المصاب به بين ~~النائم واليقظان فيحسب ما رآه حقيقة واضحة لا ريب فيها، وما هو إلا حلم يعتريه لانزعاجه في ~~النوم أو لتلبك في المعدة، وغيرها من الأسباب. ~~- ألا تزال على ريبك أيها الكافر؟ ~~- لست بكافر، ولكن كل ما ذكرته لي يدل على أنك كنت حالما لا مناجيا. ~~- إني لا أجيب بشيء الآن، وستسمع بأذنيك نفس ما سمعته، فأنت ستنام هذه الليلة في غرفتي ~~فتنجلي الحقيقة وتعلم غرورك. ~~- هذا ما أتمناه، ولست بنائم بل إني سأجلس على كرسي أمام سريرك وأسهر إلى أن يقرع سمعي ~~صوت الله فأوقظك. فاصعد الآن إلى سريرك ونم قرير البال. # فصعد الملك إلى السرير وأطبق عينيه، ولكنه لم يستطع الإغفاء لخوفه. # الفصل الثامن # | كيف أن صوت الرب قد كلم شيكو بدلا من أن يكلم ~~الملك # ولبث الاثنان عشر دقائق، لم ينبس ببنت شفة، ثم هب الملك من فراشه خائفا مذعورا، ~~واستوى جالسا على الأرض. # فذعر شيكو أيضا، وسأله بصوت منخفض عما دعاه إلى النهوض، فأجاب: شعرت بمرور الهواء ~~على وجهي كما شعرت به أمس، وهذه إشارة إلى أن الله يريد أن يخاطبني. # ثم مرت هبة ثانية فأطفأت شمعتين، وثالثة فأطفأت ما بقي من الشموع. # فارتجفت أعضاء جلالته من الخوف، وقال لشيكو: أصغ لأن الصوت سيتكلم. # ولم يكد يتم كلامه حتى سمع الصوت يناديه، قائلا: أيها الخاطئ التعيس، أصحوت من ~~رقادك؟ # فاصطكت أسنان هنري من الرعب، وقال: نعم، أيها الرب! ~~- أسامع أنت لما أقول؟ ~~- نعم، فلا تلق علي صواعق الغضب. ~~- لقد ظننت أنك أطعتني بما فعلته اليوم من التقشف، ولكن قد أطعتني بالظاهر لا ~~بالباطن ... ولم ترضني بالقلب، ولكنك أرضيتني باللسان. # فدنا هنري وهو يضطرب من شيكو، فقال له: أآمنت أيها الكافر؟ ~~- نعم، لقد اقتنعت ولم يبق علي ms030 غير أن تقتنع. # فدهش هنري وقال: ماذا تريد بذاك؟ ~~- أريد أن تجلسني في مكانك وتجلس في مكاني. # فأطاعه هنري وقد بدأ يفهم المراد، فلما صار شيكو في سرير الملك عاد الصوت إلى الحديث ~~فقال: ما بالك لا تجيب أيها الخاطئ؟ أرأيت كيف أن قلبك لم يطهر بعد من الذنوب؟ # فأجاب شيكو مقلدا صوت الملك: عفوك اللهم، واسبل علي ستر مراحمك، فأنت تواب ~~رحيم. # ثم أكب على أذن هنري يقول: أرأيت كيف أنه لم يميز بين الملك وبين نديمه؟ # فاحتدم هنري غيظا وقال: من أين أتى هذا الصوت؟ ~~- تأن واصبر قليلا، فسترى أمورا أخرى. # ثم عقب الصوت فقال: لقد أقررت أيها الخاطئ التعيس بأنك مجرم أثيم، فاعترف الآن بجميع ~~آثامك. # فقال شيكو: نعم، إني معترف بجميع ما ارتكبته من الآثام، وأول ما أقر به من ذنوبي ~~وأستغفرك عنه هو خيانتي لابن عمي البرنس دي كوندي وإغوائي لامرأته، وإني نادم أشد ~~الندامة. # فقال الصوت: تكلم! ~~- إني أعترف بأني اغتصبت أخي تاج بولونيا، واستبددت بالملك دونه، وهو حقه ~~الصريح. # فأجفل هنري وقال: ما شأنك وهذه الأحاديث القديمة؟ ~~- هذا لا بد منه لإغوائه ... وليوقن بأن الذي يحدثه هو الملك بعينه. # فقال الصوت: ليس هذا كل شيء، فاعترف بجميع الذنوب. ~~- وأعترف أيضا بأني اعتصبت مع والدتي كاترين دي ميديسيس على طرد صهري هنري دي نافار بعد ~~أن غيرت عليه أصحابه وامرأته أختي بعد أن فرقت عنها عشاقها. # فقال هنري وقد أخذ منه الغضب: تبا لك من وقح، ما لك وللتعرض لمثل هذه الشئون؟ # لا يجب على المؤمن أن يكتم شيئا عن الله. # فعاد الصوت إلى الحديث فقال: لا أريد أن تعترف لي بالجرائم السياسية بل الأدبية. ~~- نعم، وإنها كثيرة؛ لأني رجل ولكني أنثوي الطباع؛ كسول، فاتر الهمة، كثير المكر والخداع، ~~أسيء معاملة النساء ... ولا سيما امرأتي. # فقال الصوت: نعم، ويجب على الإنسان أن يحب امرأته كنفسه، وأن يفضلها على سواها من ~~العالمين، ولا سيما الملوك ... إذ يجب أن يكونوا قدوة لسواهم من رعاياهم. # لا أن ms031 يفعلوا كما فعلت مع سانت ليك أيها الخاطئ، بإبعادك إياه عن امرأته ليلة ~~زفافه. # فقال شيكو: عفوك يا رب! فمرني بما تشاء أصدع بأمرك. ~~- أريد أن ترجعه صباح الغد إلى منزله ... وأن تجعله دوقا وتجعل امرأته دوقة ... # وإلا فأنت من الهالكين! # فالتفت شيكو إلى الملك وقال له: يظهر أن الله محب لسانت ليك ... فانظر أيها الملك إلى ~~السقف ... ~~- ما تريد بذلك؟ ~~- أريد أن الصوت خارج منه، وأن ليس بينك وبين الله غير هذا الحائط! # فاذهب إلى الغرفة المحايدة تجده. ~~- وإن تكلم الصوت؟ ~~- أنا أجيبه ... بل سأشغله بالحديث كي لا يفطن لذهابك ... فاذهب ... # ثم دفعه بيده، فذهب الملك يمشي على رءوس أصابعه، فلا يسمع له أحد ركزا. # وفتح الباب وخرج منه إلى الغرفة، فحاول أن يقرع الباب، ولكنه رأى نورا ينبعث ~~منها. # فوضع عينه على قفل الباب، ولم يلبث أن تمكن من النظر حتى رجع إلى الوراء منذعرا، ~~وتبدلت هيئته من اصفرار الخوف إلى احمرار الغضب. # ذلك أنه رأى في زاوية من تلك الغرفة سانت ليك، واقفا بملابس النوم. # وهو قد وضع قصبة مثقوبة في ثقب من الحائط، وجعل ينفخ فيها الكلام الذي كان يحسبه الملك ~~صوت الله. # ورأى إلى جنبه امرأته أيضا بملابس النوم، وهي واضعة يدها على كتفه. # وكانت تبتسم لما يقوله زوجها. # فلما رأى الملك ما رآه، علم كل شيء وأخذ منه الغضب، فرفس الباب برجله فانكسر. # ودخل إلى الغرفة ... # فصاحت حنة صيحة منكرة، وذهبت تستتر من غضب الملك، وتحجب عريها وراء ~~السرير. # وسقط سانت ليك جاثيا على ركبتيه والقصبة في يده، ولم ينبس ببنت شفة. # فأشار الملك بمنتهى العظمة والازدراء وقال له: اخرج من هنا! # ثم جذب القصبة من يده بمنتهى الحدة، وحاول أن يضربه بها على جنبه ... # فانتصب سانت ليك واقفا وقال: لا يحق لك يا مولاي أن تضربني إلا على الرأس؛ لأني ~~شريف. # فطرح الملك القصبة على الأرض، فأسرع شيكو إلى أخذها وحال بين سانت ليك والملك. # ثم أخذ حنة بيدها إلى جنب زوجها، فوضع ms032 القصبة على رأسيهما كما يوضع الإكليل، وقال: ~~لقد ارتكبتما من العصيان في اللوفر كما ارتكب آدم وحواء من قبلكما في الفردوس ... ~~فلتخرجا من هذه الجنة، فلن تعودا إليها أبدا. # ثم همس في أذن سانت ليك يقول: لا تقم ساعة في باريس، بل امتط جوادا، واقطع عشرين ~~مرحلة قبل الصباح. # الفصل التاسع # | عودة دي باسي إلى حلمه، وهو يزيد اقتناعا أنه حقيقة # ولنعد الآن إلى الكونت دي باسي الذي تركناه خارجا من اللوفر مع الدوق دانجو، ~~فنقول: # إنه بعد أن سار وإياه إلى أن أوصله إلى قصره، استأذن منه بعد أن شكره لدفاعه عنه وانطلق ~~عائدا إلى منزله، وهو لا يفتكر إلا بذلك الحلم، وكلما أطال الافتكار فيه كلما ازداد يقينا ~~من أن ما مر به من الحوادث لم يكن حلما، وأن تلك الفتاة التي رآها لم تكن خيالا بل ~~حقيقة ثابتة، ومثال جمال فتن لبه وصيره هائما مفتونا. # فدخل إلى منزله وغير ثيابه ثم خرج منه وذهب توا إلى المكان الذي جرت فيه المبارزة، ~~وهو عازم على أن يطرق جميع الأبواب، ويلج جميع المنازل، وينفق على رشوة الخادمات كل ما ~~يملكه من المال في سبيل الوصول إلى معرفة الفتاة التي رآها. # فلما وصل إلى المكان المعهود رأى أبوابا كثيرة، ومنازلا متعددة، وهي متلاصقة ~~متشابهة. # وفيما هو يفكر بأيها يبدأ، وأيها يطرق، إذ بصر فرأى رجلا قادما إليه عن بعد يحمل ~~مصباحا، فتأهب له وظن أنها مكيدة ثانية قد نصبها له أعداؤه، وكمن له في عطفة من ~~الطريق، حتى إذا دنا منه ولم يعد بينهما غير مسافة قليلة، أجفل الكونت منه إذ سمعه ~~يقول وهو يمشي بخطوات موزونة: سبعة وتسعون، ثمانية وتسعون، تسعة وتسعون، أربعمائة. # وهكذا كان يواصل العد تباعا، فظنه الكونت سكران أو أن به جنة، فدنا منه ولم يكد ~~يتبين ملامحه حتى ذعر وانذهل إذ رآه معصوب العينين، فقرب منه وسار وراءه بحيث لا يشعر به، ~~فاستمر الرجل في مسيره وعد حتى انتهى إلى لفظ عدد ثلاثة وسبعين، فوقف ms033 ورفع العصابة عن ~~عينيه وقال: هذا هو المنزل بعينه من غير بد. # ولكنه لم يلبث أن رآه حتى أعاد العصابة إلى عينيه، وعاد إلى المسير والعدد حتى انتهى ~~إلى العدد خمسمائة وثلاثة وتسعين، فرفع العصابة عن عينيه وفحص باب المنزل الذي وجد أمامه، ~~فقال: الآن قد وصلت، وهذا هو الباب بعينه. # أما الكونت فإنه قبض على يده التي يحمل فيها المصباح، وقربها من وجهه فتأمل فيه ~~مليا وقال: ألست ذاك الطبيب؟ # فذعر الرجل وقال: نعم، وأنت ألست ذاك المريض؟ ~~- نعم، أنا هو، وما أسعدني بهذه اللقيا التي صحت بها أحلامي، وتأكد لي أن ما ~~رأيته كان حقيقة لا حلما. # ثم قص عليه أمر مبارزته مع أعدائه، وكيف أنه جرح ووجد نفسه في منزل كان فيه صبية ~~فتانة وعجوز وطبيب ضمد له جرحه، وقد رآه دخل إلى المنزل معصوب العينين. # فحكى له الرجل بأنه ذاك الطبيب، وأنهم أحضروه من منزله معصوب العينين، وردوه إليه كذلك، ~~فعلم أن في الأمر سرا وعد خطواته في الذهاب والإياب حتى لا يتيه عن المنزل متى أراد ~~الرجوع إليه، وأنه لم يأت في هذه الليلة إلا لبغية كشف هذا السر لأنه فقير، وقد أحب أن ~~يستفيد من هذه الغوامض، فطيب قلبه الكونت ووعده بالمال الجزيل، ثم عرفه بنفسه وأخبره ~~أنه جاء للغاية نفسها. # وعينه من تلك الليلة في خدمته، وجعل بعدها يذكر له كل ما رآه في ذاك المنزل مما كان ~~يعتقد أنه حلم. # فأخبره الطبيب أن كل ما رآه كان حقيقة لا ريب فيها، وأن ما جعله يشك بصحتها هو ما كان ~~مصابا به من الحمى. # ثم اتفقا على أن يبحثا سوية لمعرفة صاحبة هذا المنزل في اليوم الثاني، ولم يشأ الكونت ~~أن يدع الطبيب، بل إنه أخذه معه إلى قصره وخصص له مكانا فيه. # الفصل العاشر # | المسيو دي مونسورو # وأقام الكونت يحادث الطبيب طول ذاك الليل عن تلك الفتاة، شأن من دخل شعاع الحب إلى قلبه، ~~أول مرة في حياته، فيملأ ما فيه من ms034 الخلاء، ويطفح ذلك القلب فلا يرتاح إلا إلى الحديث عمن ~~يحب، وفي اليوم الثاني كلف الطبيب في البحث عن تلك الفتاة. # وانصرف هو إلى قصر الدوق دانجو، الذي كان قد أعد حفلة صيد للملك برئاسة المسيو دي ~~مونسورو، الذي قد عينه الملك حديثا لهذا المنصب بوساطة أخيه الدوق. # فهاج تعيينه فضول جميع المقربين من الملك وأخيه؛ لأنه كان غريبا عن باريس غير معروف ~~فيها. # ولم يكن من المرشحين لهذا المنصب الذي كان يأمل الحصول عليه كثيرون من أولئك ~~المقربين. # وكانوا يتساءلون عن السبب الذي حمل الملك على تعيينه، والدوق على الوساطة، فلا يستطيعون ~~الوقوف على شيء. # وكان من الذين هاجهم هذا الفضول أيضا الكونت دي باسي، وقد سأل الدوق فلم يقدر أن يقف منه ~~على شيء. # فلما انتظم عقد الحفلة وكان الجميع بانتظار جلالته للذهاب إلى الصيد، وفي مقدمتهم المسيو ~~دي مونسورو، اجتمع باسي بأحد أصحابه ودار بينهما الحديث عن هذا الرجل، فقال له صديقه: إني ~~لا أعرف شيئا عن هذا الرجل غير حادثة واحدة؛ لأني لم أره قبل اليوم غير مرة واحدة، ولم ~~أعرفه قبل أن يعرفنا به الدوق. # وذلك أني كنت قادما يوما من غابة ميريدور منذ ستة أشهر، فرأيت رجلا ممتطيا فرسا ~~أسود، وأمامه امرأة لم أقدر أن أرى وجهها، وهو قابض بإحدى يديه على لجام الفرس، وواضع يده ~~الثانية على فم تلك المرأة وهو يقطع الأرض نهبا بجواده. # ولم يكن بيننا غير مسافة مرمى الرصاص، فعرفت وجهه وعلمت أنه سارق لتلك الفتاة. # فصحت به فلم يقف بل زاد عدوا، فلكزت بطن جوادي بغية لحاقه وأطلقت عليه بندقيتي ~~فأخطأته. # وما زال يعدو وأنا أعدو وراءه حتى سبقني بمراحل وتوغل في الغابة، فلم أعد ~~أراه. # ولم أعلم بعدها شيئا عنه وعن الفتاة. # فعرف باسي السبب في وساطة الدوق لهذا الرجل بالمنصب الذي تولاه، وأنه لم يسرق الفتاة ~~إلا ليجعلها مقدمة لأغراضه عند شقيق الملك الذي لم يكن يؤخذ بغير هذه المكائد. # وفيما هو يحادث صديقه، إذ سمع الدوق ms035 يناديه وهو منفرد في عزلة عن الناس. # فذهب إليه، فقال له الدوق: إني ما دعوتك وأنا في هذه الخلوة إلا لأعهد إليك بأمر جلل لا ~~يعهد به إلا لمن كان مثلك من الأصدقاء المخلصين. ~~- قل ما تشاء فأنت تعرف إخلاصي. ~~- هو سر لا أحب أن يعلم به سواك، وذلك أني ذهبت منذ أيام إلى كنيسة كائنة بالقرب من مدفن ~~التورنيل، فرأيت فيها فتاة كنت أعرفها من قبل، وكنت أحسبها قد هلكت منذ ستة أشهر. # وإن لي مع هذه الفتاة شأنا هاما، وأحب أن أعرف كيف وصلت إلى باريس؟ وكيف تعيش فيها؟ ~~ومن يأتي إليها؟ وذلك لا يتم إلا بمراقبتها ... # ولا أقدر أن أعهد بهذه المراقبة إلى سواك، حرصا على هذا السر من أن يهتك، ومثلك يصون ~~مثل هذه الأسرار، ولا يأنف من قضاء مثل هذه المهمة لصديق مخلص له مثلي. # فاستغرب الكونت هذه الحكاية أشد الاستغراب، وكاد أن يعامل الدوق بالجفاء. # ثم تمثل له خيال تلك الفتاة التي يهواها، وخشي أن تكون هي نفسها تلك الفتاة التي يبحث ~~عنها الدوق، فأحب أن يقف على حقيقة الأمر. # فأخفى اضطرابه تحت مظاهر المزح، وبش للدوق وأظهر له رغبته في قضاء ما عهد به ~~إليه. # ثم سأله إذا كان يعرف منزلها؟ # فدله على نفس المنزل الذي دخل إليه باسي ورأى فيه الفتاة، فزاد اضطرابه وقال: أنت ~~سألتني أن أراقب من يدخل إلى هذا المنزل، وذلك لا يكون إلا بالليل، وكيف أستطيع أن أعرف ~~ذاك الداخل وأتبين وجهه في الظلام؟ ~~- يجب أن تتبعه حينما يدخل. ~~- وإذا قفل الباب؟ ~~- إن معي مفتاحا يفتح قفله، وأنا أعطيك إياه منذ الآن. # ثم أخذ مفتاحا من جيبه وأعطاه إياه، فأخذه منه الكونت وهو فرح به كأنه قد ولي التاج وفتح ~~أبواب الكنوز، ووعد الدوق بأن يراقب المنزل أشد المراقبة. # ثم أقبل الملك بحاشيته، فبحث الكونت بينهم عن سانت ليك فلم يره، فسأل عنه فعرف أن ~~جلالته قد نفاه. # وبعد برهة نفخ المسيو دي مونسورو في البوق، فمشى الجميع ms036 بانتظام إلى غابة الصيد. # الفصل الحادي عشر # | كيف أن باسي قد وجد الرسم وصاحب الرسم # وبقي الملك ورفاقه يصيدون إلى الساعة الرابعة، فعادوا جميعهم بموكب حافل. # واتفق أن الملك أمر أن يسير الموكب من طريق فندق التورنيل، وكان المسيو دي مونسورو قد ~~استأذن من الملك عند انتهاء الصيد، وذهب إلى حيث لم يعلم ... # ولما دنوا من الفندق المذكور أشار الدوق دانجو إلى باسي كي يدنو منه، فقال له: انظر إلى ~~هذه المنازل المتلاصقة، فإنك تجد جميع نوافذها مفتوحة، والناس تطل منها للفرجة على ~~الموكب، ألا ترى بين هذه المنازل منزلا واحدا موصد النوافذ؟ ~~- نعم. ~~- هذا هو المنزل الذي أعطيتك مفتاحه، وهو الذي تسكن فيه الفتاة، فهل أنت باق على ~~عهدك؟ ~~- نعم يا مولاي، فكن مطمئن البال، وسأصدع بأمرك. # ثم تفرق الموكب. # فذهب الكونت إلى منزله، وسأل الطبيب إذا كان علم شيئا. ~~- كلا. ~~- إني وفقت أكثر منك، وقد عرفت بالصدفة والاتفاق ما لا يمكن أن يتفق لي معرفته ~~بالسعي والجد. # ثم قص عليه ما كان بينه وبين الدوق، وكيف أنه دله على المنزل وأعطاه مفتاحه، وأنه ~~عازم على الذهاب إلى المنزل والوقوف على أسراره. # فأوصاه الطبيب بأن يكون حكيما في أعماله، وأقام معه إلى الساعة التاسعة. # وبعد ذلك خرج من المنزل وسار توا إلى تلك القبة التي كمن له فيها أعداؤه يوم أرادوا ~~اغتياله. # فلبث فيها يتربص مجيء من كان يخشى الدوق من مجيئه، وقد قال في نفسه: إنني سأصبر ~~ساعتين فأرقب الطريق لخدمة الدوق، فإذا لم يأت أحد فإني ألج المنزل وأخدم نفسي. # وطال وقوفه إلى الساعة العاشرة والنصف حتى كاد يقنط من مجيء ذلك الرجل، وفيما هو ينتفض من ~~البرد وقد فرغ صبره من الانتظار، إذ رأى من بعيد رجلين مقبلين على فرسين، يسير الواحد ~~منهما وراء الآخر، وعلم أنهما خادم ومخدوم. # فما زالا يسيران حتى وصلا إلى المنزل المعهود ووقفا على بابه، فهلع قلب الكونت وبدأ ~~يشعر بآلام الغيرة. # أما ذانك الرجلان فإن أحدهما الذي كان يسير أمام ms037 رفيقه ترجل عن جواده، فأعطى عنانه إلى ~~رفيقه، وأمره أن يقف بالجوادين بعيدا عن المنزل؛ دفعا للمظان ونفيا للريب. # ثم أخذ مفتاحا من جيبه ففتح الباب وولج فيه وأوصده وراءه وصعد على السلم، وترجل ~~الكونت دي باسي أيضا عن جواده، فربط عنانه إلى حجر ضخم تحت القبة وذهب إلى المنزل، ففتح ~~الباب بتأن وسكينة، بحيث لم يسمع صرير المفتاح ضمن القفل. # ثم دخل ووقف في أول السلم ينصت عساه يسمع صوت هذا الرجل، ولم يطل وقوفه حتى سمعه ينقر ~~على الباب بإصبعه وينادي امرأة اسمها جرتريدة فيقول: قولي لسيدتك يا جرتريدة إني قد أتيت، ~~وإني أحب أن أراها. # وانطلقت الخادمة وعادت بعد حين قائلة له: ادخل وانتظرها في قاعة الاجتماع، فسوف تأتي ~~إليك. # ودخل ذلك الرجل. # أما الكونت فإنه صعد السلم ببطء وسكينة حتى بلغ إلى آخره، فوجد أمامه غرفة لا نور ~~فيها، ودفع بابها فإذا هو مفتوح، فولج إليها وأجال نظره فيها، ورأى من خلال نور ضعيف كان ~~ينبعث من نافذة الغرفة المجاورة لها صورة معلقة على الحائط. # وتفرس بها فإذا هي نفس الصورة التي كان يحسب أنه رآها في حلمه، فوقف أمامها حائرا ~~مبهوتا واجف القلب. # ثم بصر بسقف الغرفة فرأى فيه تماثيل تشبه تلك الخيالات التي كان يراها في الحلم تتعارك ~~وتتراكض جيئة وذهابا، وتحول بينه وبين رسم من يحب. # فمشى خطوتين ... # فعثر بسرير مذهب الأعمدة، فأيقن عند ذلك أنه مقيم في الغرفة نفسها التي كان مقيما فيها ~~ليلة جرحه. # فدنا من الباب والتف بستائره ووضع أذنه على ثقب القفل، فأصغى كي يسمع حديث ذلك ~~الزائر، ولم يطل وقوفه حتى سمع أن باب قاعة الاجتماع قد فتح. # ثم سمع صوتا لطيفا حنونا يقول بلهجة الخوف والازدراء: ها قد أتيت، فما عسى أن تريد ~~مني أيضا؟ # فقال الزائر بصوت مختلج: إني مسافر غدا إلى فونتنبلو، ولذلك فقد أتيت أحيي هذه الليلة ~~بقربك. ~~- هل تحمل إلي أخبارا عن أبي؟ ~~- أصغي إلي يا سيدتي. ~~- أنت تعلم يا سيدي، ما اتفقنا ms038 عليه بالأمس، من أني لا أرضى بك بعلا لي إلا بأحد شرطين: ~~إما أن يأتي أبي إلى باريس، وإما أن أذهب إليه. ~~- ذلك لا ريب فيه، فإننا ذاهبون إليه لا محالة بعد عودتي من فونتنبلو، ولكن في انتظار ~~ذلك ... # ثم قام إلى الباب يغلقه. # فاعترضت سبيله وقالت: ذلك محال يا سيدي، فقد آليت على نفسي ألا أبيت وإياك ليلة ~~واحدة تحت سقف واحد قبل أن أقف على حقيقة ما جرى لأبي. # ثم نفخت بصافورة كانت بيدها ... # وكان هذا اصطلاح أهل ذلك العصر في استدعاء الخدم، قبل أن تخترع الأجراس. # وأتت الخادمة عندما سمعت الصفير، فقالت لها: احذري يا جرتريدة من أن تنامي، بل انتظري ~~على الباب وكوني مستعدة لتلبيتي عندما أناديك. # فامتثلت الخادمة وخرجت. # ووضع الكونت عينه على قفل الباب، فنظر من ثقبه فرأى تلك الفتاة التي أخذت بمجامع قلبه ~~مستوية على كرسي، وعلائم الرعب بادية بين ثنايا وجهها الفتان. # فخفق فؤاده وهاجت مكامن قلبه، فكاد أن يكسر الباب ويدخل إليها فيزيل أثر ذلك الرعب من ~~قلبها. # ثم نظر إلى ذلك الرجل الجالس بجانبها، فرأى أنه المسيو دي مونسورو، فذكر للحال ما سمعه من ~~صديقه عن حديث الغابة وخطف الفتاة، وقال في نفسه: إني سأقف على حقيقة هذا السر. # وعند ذلك رجع فوضع أذنه على القفل. # وسمع مونسورو يقول: لا تطمعي يا سيدتي أن يطول اضطهادك لي، فإنك الآن في باريس، بل إنك ~~الآن الكونتس دي مونسورو أي امرأتي. ~~- إذا كنت امرأتك كما تقول فلماذا لا تذهب بي إلى أبي، بل لماذا تخفيني عن ~~العيون؟ ~~- ألعلك نسيت يا سيدتي الدوق دانجو؟ ~~- وأنت ألعلك نسيت ما طالما قرعت به سمعي من أني غدوت امرأتك فلا أخشى من ~~شيء؟ ~~- لا أنكر ذلك، ولكن بقي علي بعض احتياطات يجب أن أتخذها. ~~- خذ ما تشاء من الاحتياطات، ولكن لا ترجع إلي قبل أن تكون قد اتخذتها. # فاحتدم غيظا وقال: إني أنصح لك يا ديانا أن لا تعبثي برباط زواجنا، فإنما هو ~~مقدس. ~~- وأنا من ms039 رأيك يا سيدي، فإني أحترم ذلك الزواج، ولكني غير واثقة من هذا الزوج. ~~- ذلك عجيب منك، فإن كل ما كان مني إلى الآن يحمل على الثقة الشديدة ولا يدعو إلى شيء من ~~الريب. ~~- ذلك ما تراه أنت يا سيدي، ولكني أرى عكس ما تراه. # فبرقت عيناه بشرر الغضب وقال: لقد نفد الصبر، فلك أن تقولي ما تشائين، غير أني لا ~~أعبأ بشيء من هذه الأقوال، وما أنت إلا امرأتي، وستكونين لي هذه الليلة بالرغم منك ~~... # فوضع الكونت دي باسي يده على حسامه وحاول الهجوم، ثم توقف عندما سمع الفتاة تقول وقد ~~جردت خنجرا: كن واثقا أيها الشريف من أني سأجيبك بهذا الخنجر خير جواب. # ثم نهضت مذعورة وهي تقول: احذر أن تتبعني، فإني أقتل نفسي لا محالة. # وفتحت باب الغرفة المختبئ بها باسي. # ثم أوصدت الباب وراءها ... فشعرت بيدين قد ضمتها وسمعت صوتا ضعيفا يقول لها بمنتهى ~~الحنان: لا تخشي يا سيدتي، فإني أحميك من كل من كان على الأرض. # وكادت الفتاة أن تصيح صياح الرعب، لكن معظم خوفها كان من زوجها فلم تصح، غير أنها ~~أفلتت مرعوبة من يدي الشاب، وسمعت المسيو دي مونسورو يضرب الأرض برجله من الغيظ منذرا ~~متوعدا ... ثم فتح الباب بعنف وخرج منه مغضبا لاعنا. # فاطمأنت الفتاة عندما سمعت وقع أقدامه على السلم وعادت إلى باسي، فقالت منكرة مستغربة: ~~وأنت يا سيدي، كيف أتيت إلى هنا؟ ومن أنت؟ # ففتح باسي الباب لينفذ النور وجثا على ركبتيه أمام ديانا، فقال: أنا هو ذلك الرجل ~~الذي أنقذت حياته من الموت، فكيف تنكرين قدومي؟ بل كيف يخطر في بالك أني أسيء النية لك ~~بعد هذا؟ # فضمت الفتاة يديها إلى بعضهما وقد رأت من خلال النور ذلك الوجه الصبوح الشريف، ~~فقالت: هذا أنت يا سيدي، ألعلك سمعت حديثنا؟ ~~- نعم، فوا أسفاه! ~~- من أنت؟ وكيف تدعى؟ ~~- أنا الكونت دي باسي ... # فبرقت أسرة وجه الفتاة بشعاع الفرح، وقالت: أنت هو باسي الشجاع النبيل. ثم صاحت بجرتريدة ~~تقول: لم أعد أخاف أمرا، ms040 فإني سأضع شرفي تحت حماية أنبل رجال فرنسا. # وبعد ذلك أخذت يد باسي بيديها وقالت له: قم يا سيدي، لقد عرفت من أنت، فيجب أن تعرف ~~من أنا. # الفصل الثاني عشر # | ديانا دي ميريدور # ونهض باسي وقلبه موعب فرحا؛ إذ قد لقي من أنس تلك الفتاة ما كان فوق مأموله، وجعل ينظر ~~إليها مأخوذا منذهلا، وهو لا يصدق ما يراه، ولا يجسر أن يتمادى في التصور بما ناله من ~~السعادة، وبتحقيق تلك الأحلام. # أما ديانا هذه فكانت في الثامنة عشرة من عمرها، أي كالزهرة تفتق أكمامها، فتخرج فتنة ~~للعيون. # وقد ورد وصفها في حلم باسي فلا حاجة إلى زيادة البيان، بل نكتفي بالقول إنها خلقت كما ~~اشتهت. # ولما دخلت بباسي إلى الغرفة جلست إلى جانبه فقالت: إنني قد ألقيت عليك سؤالين فأجبتني على ~~الواحد دون الآخر. ~~- نعم يا سيدتي، ولعلك تريدين الوقوف على السبب الذي وجدت لأجله في هذا المكان، وهو ما ~~ستعلمينه متى ذكرت لي ما وعدتني به من حكاية أمرك، ألم تعديني بذلك؟ ~~- نعم يا سيدي الكونت، فإني سأحدثك عن كل شيء، فقد طالما سمعت اسمك يتردد في الأفواه ~~كمثال النبل والإقدام والمروءة؛ ولذلك فإني أرى بك خير نصير لي. # فانحنى باسي شاكرا. # وعقبت ديانا قائلة: لا بد أن تكون علمت من قليل مما سمعت أني أدعى ديانا، ~~ابنة البارون ماريدور، وأنا وريثته الوحيدة؛ فإن الله لم يرزقه ولدا غيري، وقد صحب فرنسوا ~~الأول إلى مدريد، وأبلى في الحرب بلاء حسنا، فكافأه ذلك الملك العظيم خير مكافأة. # ولما عاد من إسبانيا تزوج، فلم يسلم له من بنيه ~~سواي، فانصرف جميع جنوده إلي، وكنا نقيم في قصرنا في ميريدور، وهو قصر محاط بغابات ~~كثيرة هي أملاك الدوق دانجو ... # وأنا أحكي لك الآن ما يتعلق بقصتي مع هذا الدوق ومع المسيو دي مونسورو فأقول: # كانت أول معرفتي بالمسيو دي مونسورو أنه كان في تلك الغابات غزلان ترعى فيها، وكانت شديدة ~~الألفة لي، وفيها غزالة كانت لا تأكل إلا من يدي ms041 وتكاد لا تفارقني. # واتفق يوما أني بينما كنت آتية لأطعمها إذ سمعت نباح كلاب كثيرة، ثم رأيت تلك الغزلان ~~تفر منذعرة، وقد تأخرت عنها تلك الغزالة وهي فارة معها. # فناديتها فلم تسمع. # وعدوت في إثرها وأنا أكاد أذوب حنانا عليها، فسبقني إليها صياد كان يطاردها على جواد ~~أشهب. # وأطلق عليها عيارا ناريا فسقطت على الأرض قتيلة، وسقطت أنا مغشيا علي من هول ما ~~رأيت. # ولم أفق إلا وأنا في منزلي محاطة بأبي والخدم. # أما هذا الصياد القاسي فكان المسيو دي مونسورو، وهو الذي حملني إلى منزلي، فعرفته وعرفني ~~في ذلك اليوم، وكانت هذه المعرفة سبب بغضي له وسبب حبه لي. # وجعل يزورنا من حين إلى حين فينظر إلي نظرات ملؤها الحب، لكني لم أطق تلك ~~النظرات. # ثم اتسعت علائق المودة بينه وبين أبي، ومرضت بعد ذلك، وكان يعودني في كل يوم ثلاث ~~مرات. # ولما نقهت خطبني إلى أبي، فتوسلت إليه باكية ألا يجيبه إلى هذا الطلب، وكانت أول ~~مرة رآني فيها أبي. # فطيب قلبي ووعدني بأن يصرفه عن هذا الطلب بما سيختلقه من الأعذار. # ومر على ذلك أيام وهو لم ينقطع عن زياراته، ولم أكن أجلس إليه إلا فيما ندر. # واتفق أن الدوق دانجو جاء يوما يتفقد غاباته، وأحيا له المسيو دي مونسورو ليلة راقصة، ~~كنت مع أبي في عداد المدعوين إليها. # وهناك عرفت هذا الدوق الفاسد الأخلاق، وكان لا يحول نظره عني، وكنت أشعر كلما نظرت إليه ~~أو افتكرت به بأنه سيصل إلي منه شر عظيم. # وفي اليوم الثاني خرجت إلى النزهة في الغابات، ولما عدت منها أخبرتني خادمتي أن المسيو ~~دي مونسورو قد أتى في غيابي، وخلا بأبي طويلا، وداخل الرعب قلبي من هذه الخلوة، ودخلت ~~إلى غرفتي وأنا أتوقع الإنذار بمصاب كما كان يدلني قلبي. # ولم يطل انتظاري حينا حتى فتح الباب ودخل أبي، وعلى وجهه علائم الكدر فقال لي: لا ~~تحزني يا ابنتي فإننا سنفترق بضعة أيام لسبب خطير لا حاجة إلى أن تعرفيه ولا تسأليني ms042 ~~عنه. # وانتصبت واقفة مرعوبة وقلت: كيف نفترق يا أبي؟ ~~- نعم؛ لأن هذا الفراق لا بد منه، ولكنه فراق مؤقت، ولا تجزعي واستعدي للرحيل في هذا ~~المساء إلى منزل عمتك في مدينة ليد. ~~- ألا تسير معي أنت؟ ~~- كلا، بل يجب أن أبقى نفيا للظنون؛ لأن لا أحد يعلم أين أنت ذاهبة. ~~- إذا فمن الذي يسير معي؟ ~~- لقد عهدت بخفارتك إلى رجلين هما موضع ثقتي، وستصحبك جرتريدة. # فبكيت وتوسلت. # ولم يجد بكاي نفعا ... # وعلمت أن الأمر خطير. # وإلا فإن أبي لم يكن يسمح بفراقي بعد ما رآه من خوفي، فكفكفت دموعي المنهملة ... # وجعلت أستعد للرحيل. # وفي الساعة الثامنة أقبل علي أبي، ووجدني مستعدة كما أمر، فخرج بي من المنزل إلى ~~الحديقة، ففتح بابا سريا فيها يطل على الغابات. # وكان هناك مركبة تنتظرني، فصعدت إليها مع جرتريدة، ثم ودعت أبي فسارت المركبة في تلك ~~الغابات يسير في جانبيها فارسان، وكانت ليلة باردة حالكة الأديم. # وما لبثت أن سارت بضعة أميال حتى غفوت، وما صحوت إلا وجرتريدة تهزني بيدها وعليها علائم ~~الرعب. # فانتبهت مذعورة وقلت: ما حملك على إيقاظي؟ ~~- انظري تعلمي. # ورفعت ستائر المركبة ونظرت بين تلك الغابات، وفي ذاك الظلام المخيف، ورأيت المركبة محاطة ~~بستة فرسان مقنعين، وقد أوقفوها عن السير. # وامتلأ قلبي من الرعب، وتلجلج لساني عن الكلام، فلم أستطع الاستغاثة. # وفيما أنا على هذه الحال إذ دنا مني رئيس العصابة وقال: لا بأس عليك يا سيدتي، فلا نريد ~~بك شرا، فاطمئني واتبعينا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى مكان بعيد، لا خوف عليك فيه، فأنت ستكونين كملكة. # ولم يكن هذا الكلام إلا ليزيدني خوفا على خوفي، فقلت: كيف تريد أن أطمئن؟ بل كيف يخطر في ~~بالي أن أعصاكم وأنا ابنة ضعيفة وأنتم جماعة؟ فافعلوا بنا ما تشاءون. # وللحال صعد أحد رجال العصابة إلى مكان السائق، فسار بالمركبة بغير الطريق الذي كنا نسير ~~فيه. # وسارت بقية الفرسان بحراستها. # وما زلنا نسير أربع ساعات متوالية، حتى انتهت المركبة إلى قصر شاهق، ونفخ أحد رجال ~~العصابة في ms043 بوق، وللحال فتحت أبواب القصر ودخلت المركبة منه إلى ساحة فسيحة. # فأحدقت النظر أنا وجرتريدة في تلك الأرجاء عسى نعرف منها شيئا، ولكننا لم نوفق لمعرفة ~~شيء. # ثم فتح باب المركبة، وسألني زعيم العصابة أن أنزل، فنزلت مع جرتريدة ومشينا وإياه إلى ~~القصر الذي كان يقودنا إليه رجل يحمل مصباحا، حتى دخلنا إلى قاعة جميلة فأجلسنا فيها، وقال ~~لي: أنت الآن في منزلك، وجميع من فيه تحت إمرتك، فإذا احتجت إلى شيء اقرعي الباب يهرعوا ~~إلى تلبيتك في الحال. # ثم سار بنا إلى غرفتين متجاورتين وقال: هما لكما كي لا تفترقا. # وغادرنا وانصرف. # وأقمنا تلك الليلة إلى مطلع الفجر، ففتحت النافذة ورأيت مياه النهر تجري من تحتها، ~~وقرية جميلة تبينت منازلها وعرفتها. # وعلمت عندها أني سجينة في قصر بومبه، أي قصر الدوق دانجو. # وعلمت للحال سر النظرات الهائلة التي كان يرمقني بها الدوق في الليلة الراقصة التي أحياها ~~له مونسورو. # فأدركت موقفي الخطير، وعولت على الانتحار بأن ألقي بنفسي من النافذة إلى النهر. # وعندما طلع النهار أحضروا لنا الطعام، ولم أذق منه شيئا، وفي المساء أحضروا لنا ~~الطعام أيضا، وشقت جرتريدة الرغيف ورأت فيه ورقة وأخذتها منها وقرأتها. # وإذا هي تحتوي على سطر واحد من غير توقيع، وهو: # لا تخشي شيئا؛ لأن لك صديقا يسهر عليك، وستعلمين غدا أخباره وأخبار ~~أبيك. # وسررت بهذا النبأ وصبرت إلى اليوم الثاني، ولما أحضروا الطعام شققت الرغيف ووجدت هذه ~~الرسالة وهي: # إن الرجل الذي خطفك سيحضر إلى القصر اليوم، في الساعة العاشرة ... # غير أن الرجل الذي يسعى في إنقاذك سيأتي قبله، ويكون في الساعة التاسعة، وهو يحمل ~~رسالة من والدك توصيك بالثقة به؛ لأنه يعلم أنك لا تثقين به بغير هذه ~~الرسالة. # احرقي رسالتي هذه وانتظري. # وكانت هذه الرسالة أيضا بغير توقيع. # وأقمت أنتظر وأنا لا أعرف أأطمئن أم أخاف. # وكنت أنهض من حين إلى حين إلى النافذة أطل منها آملة أن أرى ذاك الرجل الذي وعدني ~~بالمجيء لإنقاذي. # وبينما أنا على ذلك إذ ms044 قرع الباب ودخل علي زعيم تلك العصابة الذي لم أقدر أن أعرفه؛ ~~لأنه كان لا يزال مقنعا، وأعطاني رسالة ولم يرض أن يقول لي ممن هي. # ولم أجد بدا من أخذها، وأخذتها وقرأتها وهي لا تزال عندي، وسأطلعك عليها. # ثم قامت إلى خزانة وأخذت منها تلك الرسالة وأعطتها إلى الكونت دي باسي. # ولم يكد يقع نظره على عنوانها حتى اضطرب وقال: إنني أعرف هذا الخط، وهو خط الدوق ~~دانجو. ~~- نعم هو ذاك، واقرأ الآن ما كتب هذا الأمير. # ففضها باسي وقرأ ما يأتي: # إلى ديانا دي ماريدور الجميلة # إن أميرا تعيسا قيدته عوامل غرامك وتمكن حبك من فؤاده العليل سيأتي في ~~الساعة العاشرة من هذا المساء ليعتذر إليك عن تصرف مستنكر، لم يدفعه إليه غير ~~حب لا يقاوم وغرام لا يغلب. # التوقيع # فرنسوا # ولما فرغ باسي من تلاوة الرسالة عقبت ديانا وقالت: ولما تلوت هذه الرسالة هاج قلبي من ~~الخوف، ولكني كنت أرجو النجاة بعض الرجاء من الرسالة التي كانت قد وردت إلي قبلها، وما ~~كنت أخشى هذا الدوق؛ لأني كنت قد عولت على الانتحار، إذا لم يتيسر لي الخلاص. # وكانت تلك الليلة من ليالي الشتاء، حيث يكون النهار قصير الأمد، فما حانت الساعة الخامسة ~~حتى أذنت الشمس بالمغيب، وأقبل الليل فكانت السماء مزدانة بالكواكب، مشرقة بالقمر ~~التم. # ففتحت النافذة وجلست أنظر إلى مياه الغدير تنساب كالأفعوان، وتنكسر فوقها أشعة ذاك ~~الكوكب المنير. # فيعبث بها النسيم فتتماوج، وقد اتشحت بلون ذهبي يحرك سواكب القلوب. # ونظرت إلى الأشجار على ضفة ذاك الغدير، وقد طبع خيالها فوق مياهه، وارتسمت هيئة السماء ~~بكواكبها على تلك المياه، بحيث كنت أرى فلكين وروضتين وقمرين. # وذكراني بالموقف الذي أنا فيه. # ورق فؤادي لرقة ما رأيت، وجعلت أبكي بكاء مرا، ولكني ما ذكرت تلك الساعة إلا ~~واستعذبت ذلك البكاء، وشعرت بحلاوة تلك الذكرى على مرارتها. # وطال جلوسي في تلك النافذة وأنا غارقة في لجج من التصورات، إلى أن كانت الساعة ~~التاسعة. # فانتبهت من غفلة التصور إلى صوت ms045 حركة في المياه، فالتفت فإذا بسفينة تمخر في تلك ~~المياه، وفيها ثلاثة رجال يجذفون. # فناديت جرتريدة وقلت لها: هذه هي السفينة المعدة لنجاتنا فيما أظن؛ لأني أراها ~~قادمة إلينا. ~~- ربما كان ذاك. # وجلسنا ننتظر وصولها إلى أن دنت من النافذة وألقت مرساها، وتبينت أولئك ~~الرجال. # ورأيت بأشعة القمر وجه دي مونسورو، نحيلا مصفرا ، وهو يكاد يسقط من الاضطراب. # فصحت صيحة منكرة ورجعت منذعرة إلى الوراء ... # وكانت النافذة التي أنا فيها، لا تعلو عن سطح المياه أكثر من مترين، ورآني كما رأيته، ~~ونظر إلى ما داخل قلبي من الرعب، فتجاهل وقال: أظنك بانتظاري يا سيدتي. ~~- بل أنتظر سهدا يريد إنقاذي، وكنت أجهل من هو. ~~- إذا لم أكن الذي يسعى لإنقاذك فمن يكون؟ ~~- إني أسديك جميل الشكر يا سيدي، وأذكرك بما كتبته لي من أنك قادم من عند ~~أبي. ~~- نعم يا سيدتي، لقد قدرت بأنك لا تثقين بي؛ ولذا أتيت برسالة منه وهذه هي. # ثم أعطاني هذه الرسالة، ففضضتها وتلوت ما يأتي: # ابنتي العزيزة # إن الذي يعطيك رسالتي يا ابنتي العزيزة، هو المسيو دي مونسورو الذي أرسلته ~~السماء لإنقاذك من الخطر المحدق بك، ثقي به كما تثقين بي، وسيخبرك بعد إنقاذك عن ~~رغبتي الشديدة بوفائي لوعدي السابق له. # أبوك # البارون دي ماريدور # ولما انتهيت من قراءتها، قلت: إن أبي يقول إنك ستنقذني، ولكنه لم يقل لي إلى أين ستذهب ~~بي. ~~- سأذهب بك إلى قصر ماريدور حيث تجدين فيه أباك. ~~- إذا سأرى أبي. ~~- نعم، بعد ساعتين. # وسررت لهذا النبأ ... ولكني كنت أشعر بشيء من الخوف من هذا الرجل. # غير أني لم أجد بدا من الذهاب معه. # وقبلت بعد التردد الطويل، وبعد شديد توسله إلي وإقناعه إياي بالبراهين. # ثم نزلت إليه من النافذة، وأخذني بين يديه وضمني ضمة شديدة إلى صدره ... # وفيما أنا أنفر منه سقط الخمار عن رأسي إلى النهر، وصحت في طلبه، فقال: كلا، دعيه ~~يعم على المياه؛ لأن الدوق لا يلبث أن يحضر ويراه، فيعلم أنك قد انتحرت غرقا فينقطع عن ms046 ~~مطاردتنا. # لم أجب بحرف، ثم نزلت جرتريدة بعدي، وسارت بنا السفينة إلى الضفة الثانية. # ورأينا ثلاثة جياد معدة لركوبنا، فامتطيناها وسار معنا فارس أردف جرتريدة ~~وراءه. # وسرنا، ولما وصلنا إلى منعطف في الطريق بصرت ولم أجد جرتريدة في أثري، فأوقفت جوادي ~~وسألته عنها مستنكرة غيابها، فقال: اطمئني يا سيدتي، إني قد أمرت الفارس أن يسير بها في ~~طريق آخر، كي يضيع أثرك عن الدوق، فهي تسير الآن في السبل المطروقة، ولا بد أن يبلغ الدوق ~~أمرها ويحسبها إياك، ويتعقبها بدلا من أن يتعقبنا. # ووجدت جوابه مفحما، ولكني لم أزل موجسة خوفا، وامتنعت عن المسير فقال: إن لك معي ~~أيضا كتابا آخر من والدك، وسأطلعك عليه عندما نصل إلى مكان فيه نور، ولا تلبثين أن ~~تقفي عليه حتى تتبعيني راضية حيث أقودك. # وقبلت بهذا الشرط وسرت معه حتى وصلنا إلى فندق بعد مسير ثلاث ساعات. # وأول ما سألته إياه أن أطلع على الرسالة، فأعطاني إياها وقرأت ما يأتي: # أيتها الابنة العزيزة # لا بد أن تكوني قد امتثلت لإرادتي، وسرت مع الكونت دي مونسورو، الذي لا بد ~~أيضا أن يكون قد أخبرك بأن قد وقعت لسوء الحظ موقع الاستحسان من الدوق دانجو ... ~~فخطفك إلى قصر بوجي. # وانظري الآن إلى الموقف الحرج الذي نحن فيه، وإلى ما يتهددنا من العار الذي لا ~~حياة لنا بعده، إذا قدر لك الوقوع فيه لا سمح الله. # ولذا لا نجد طريقة للبعد عن هذا العار، إلا بزواجك من الكونت دي ~~مونسورو. # وأنت متى غدوت امرأته، يقف الدوق عند حده ولا يعود يجرأ على اختطافك. # وفوق ذاك فأنت تجدين بقربك زوجا يحبك، ويكون لك خير محام وخير ~~نصير. # فاجتهدي أن تعقدي هذا الزواج في الحال. # وإني أسأل الله أن يبارك هذا الزفاف، ويجعله هنيا رضيا، وينقذك من كل عدو ~~خائن. # أبوك # الذي لا يأمرك بل يتوسل إليك # البارون دي ماريدور # ولما انتهيت من تلاوة الرسالة، قال: ماذا ترتئين يا سيدتي؟ ~~- وأنت ... على ماذا عزمت إذا قبلت بما يأمرني ms047 به أبي؟ ~~- عزمت على أن أذهب بك إلى باريس؛ لأنها خير محل أقدر أن أخفيك فيه. ~~- وأبي؟ ~~- سيحضر إلينا أو نذهب إليه متى زال عنا كل خطر. ~~- حسنا، أنا أقبل بذلك ... ولكن لي شروط ثلاثة أشترطها عليك، ولا أعمل بإرادة أبي إلا متى ~~تمت. # أما هذه الشروط فهي: # أولا: # أن ترد إلي جرتريدة . # ثانيا: # أن لا تصحبني في ذهابي إلى باريس. # ثالثا: # أن لا يعقد بيننا زواج إلا بحضور أبي. ~~- إني أقبل بجميع ذلك، وأشير عليك أن لا تسافري إلا في الظلام، وأن تقيمي في المنزل ~~الذي أعددته لك في باريس وإن كان بسيطا معتزلا؛ لأن الغاية أن تكوني بعيدة عن رقباء ~~الدوق. ~~- لك أيضا ما تريد؛ لأن لا أحب إلي من العزلة في مثل هذه الأحوال. # ثم دعا بثلاثة من الفرسان، فأمرهم أن يوصلوني إلى باريس، ثم ودعني وانصرف. # وسرت في ظلام الليل مع أولئك الفرسان حتى وصلنا إلى هذا المنزل ورأيت فيه ~~جرتريدة. # وسررت برؤياها سرورا عظيما. # وفي اليوم الثاني قرع الباب ونحن جلوس على ~~المائدة، وأمرت جرتريدة أن تفتح الباب، ففتحته ودخل دي مونسورو، ووجف قلبي لمرآه وقلت: ~~ما وراءك من الأخبار عن أبي؟ ~~- لم أذهب إلى ماريدور، بل أنا قادم من قصر بوجي، حيث كنت فيه مع الدوق، وهو يعتقد أنك ~~قد انتحرت غرقا حيث رأى خمارك على المياه. # وقد كان في ريب من ذلك ... ولم أزل به حتى أقنعته، وهو سيكافئني لإخلاصي في خدمته، ~~ويعينني في وظيفة مدير الصيد. # فهلع قلبي لذكر الصيد وذكرت قتله للغزالة؛ حيث ~~كانت أول معرفتي به وزاد كرهي له. # ولبث مقيما بضع دقائق يرشدني إلى وجوب التخفي وعدم الخروج من المنزل. # ثم دلني على كنيسة بجوار البيت، وقال لي: إذا كان لا بد لك من الصلاة يوم الأحد، ~~فاذهبي إليها دون سواها. # وبعدها تحفز للقيام، فقلت: أتذهب؟ ~~- نعم، متى تأذنين بالعودة؟ ~~- أليس معك مفتاح المنزل؟ ~~- كلا، لا يحق لغير زوجك أن يكون لديه مثل هذا المفتاح. ~~- إذا ارجع متى شئت، ms048 أو متى كان لديك ما تقوله لي. # وانصرف وأنا متعجبة من حسن سلوكه؛ لأني لم أكن أتوقع منه مثل هذا السلوك. # وفي اليوم التالي كان يوم الأحد، وذهبت إلى الكنيسة وقد تقنعت بخمار ثمين يسترني عن ~~العيون. # وبينما أنا راكعة أصلي، سقط الخمار عن وجهي، فلم أعبأ به لأني كنت في بيت الله ، فلم ~~أفتكر بغير الله. # فنبهتني جرتريدة، والتفت ورأيت الدوق دانجو واقفا في باب الكنيسة مع رفيق له ~~وهو ينظر إلي بغاية التحديق، وسقط فؤادي خوفا وتقنعت جيدا بالخمار. # ولما انتهينا من الصلاة قمت لأذهب، ووجدت الدوق واقفا أمام إناء الماء المقدس، وقدم ~~لي الماء ... فتظاهرت بأني لم أره، وانصرفت مع جرتريدة. # ولكني ما خطوت بضع خطوات، حتى شعرت بأنه يتبعني مع رفيقه. # وكنت أجهل شوارع باريس، فما استطعت أن أخدعه بالمسير في طريق آخر. # وفي المساء جاء مونسورو وأخبرني بجميع ما جرى لي في الكنيسة، وقد أخبره الدوق. # وفي اليوم الثاني خرجت جرتريدة لقضاء بعض الشئون، فلقيها رفيق الدوق وسألها عني، ~~فأخبرته بأني أرملة أحد الضباط. # ورشاها بالمال وصرح لها بأن الدوق دانجو قد رآني شبيهة لامرأة كان يهواها، وعرض عليها ~~كل نفيس في سبيل مساعدته على إدخال الدوق إلى منزلي. # وكانت كل يوم تخرج فتلقى الرجل في انتظارها، وفي كل يوم يأتي مونسورو فأخبره بما ~~كان. # حتى إنه أتاني في إحدى الليالي، فقال لي بأن الدوق قد عينه مديرا للصيد، وهو يطمع أن ~~هذا المنصب يعجل بقبولي. # ثم قال لي: إن الدوق يهواني، وإنه رجل عنيد لا يحول عن مراده. # وبعدها ذكر لي أنه سيسافر. # قلت: فمن يرد عني كيد الدوق؟ # فتنهد وقال: كيف تريدين أن أحميك من مثل هذا الرجل العظيم، وأنا لا حق لي ~~بحمايتك! # وسكت، ثم ساد السكوت حينا علينا، إلى أن عاد هو إلى الكلام، فقال: والآن على ماذا ~~عولت؟ ~~- إني أؤثر أن أكون حليلة مونسورو على أن أكون خليلة الدوق، فاذهب الآن وسنرى يوم سفرك ~~في هذا الأمر. # وانصرف مهموما مفكرا، ms049 كأنما لم يثق بوعدي، أو كأنما اليأس يجول في قلبه. # ولما انصرف قمت إلى النافذة المطلة على الطريق، فما جلست حينا حتى رأيت رجلين قد وقفا ~~أمام الباب، ورأيت خمسة رجال واقفين أيضا في قنطرة. # وهلع قلبي وقلت: هذا هو الدوق ورفيقه لا محالة. # ثم سمعت أحد هذين الرجلين يقول لرفيقه: أأنت واثق من أن هذا الباب هو باب المنزل؟ ~~- نعم يا مولاي، وستتأكد من ذلك متى فتحت الباب. ~~- إذا افتح. # ووضع ذلك الرجل المفتاح في القفل وأداره به ففتح الباب. # كل ذلك وأنا ناظرة كمن ينظر إلى الموت بعينيه، وحاولت أن أصرخ وأستغيث. # ولكني قبل أن أفعل، رأيت أولئك الخمسة الذين كانوا مختبئين قد هجموا هجوما واحدا، ~~وحالوا بين الباب وبين الرجلين وهم يصيحون: إلى الموت! # ولكن هذا الرجل كان الدوق بعينه، لم يلبث أن ذكر اسمه حتى وجمت تلك الأصوات وردت ~~السيوف إلى أغمادها، ورجعوا جميعهم إلى الوراء معتذرين. # فتكلم الدوق معهم كلاما لم أسمعه، ثم غادرهم ومضى، فرجعوا إلى المكان الذي كانوا ~~فيه. # ولم يطل انتظارهم حتى أتيت أنت، وكان ما كان من هجومهم عليك ودخولك الباب الذي كان قد ~~فتحه الدوق، بعد أن أثخنتهم جراحا ... فانصرفوا عنك وهم يحسبونك ميتا، وسقطت أنت مغمى ~~عليك على السلم. # وبادرت إليك وحملتك مع جرتريدة إلى هذه الغرفة التي كنت مختبئا فيها تسمع حديثي مع ~~المسيو دي مونسورو. # وأسرعت جرتريدة وأتت بطبيب، بعد أن عصبت عينيه كي لا يعرف المنزل. # ولكنها شعرت على الطريق بأنه يعد خطواته. # فأوجسنا خيفة وخشينا أن يصل إلينا الأذى من معرفته المنزل. # واضطررت مكرهة إلى إخراجك منه، وبعد أن عصب الطبيب جراحك واطمأننا عليك ... خرج الطبيب ~~معصوب العينين تقوده جرتريدة ... # ولما عادت ساعدتني على حملك، فخرجنا بك من المنزل ووضعناك تحت المذبح على بساط من العشب، ~~وعدنا وقد أخذني الخوف عليك كل مأخذ، ولما وصلت إلى المنزل سقطت مغمى علي. # فانحنى باسي على يدها يقبلها ويقول: إنني لو بذلت حياتي في خدمتك، لما كافأتك عما ms050 ~~فعلته لأجلي. # فجذبت ديانا يدها من يده بلطف وعادت إلى حديثها قائلة: وفي اليوم الثاني، خرجت ~~جرتريدة لقضاء حاجات المنزل حسب عادتها. # ولقيت رفيق الدوق بانتظارها، فقال لها: إن الدوق يريد أن يحدثني في شأن هام، وإنه لا ~~بد من هذه المقابلة! # وتظاهرت جرتريدة أنها من حزبه وقبلت رشواه، ووعدته بهذه المقابلة بعد أربعة أيام، أي ~~يوم سفر المسيو دي مونسورو، وهو اليوم المعين لجوابي له عن عقد الزواج ... فرضي بهذا ~~الوعد. # ولما أتى المسيو دي مونسورو أطلعته على كل ما حدث، ولم أخف عنه سوى دخولك ~~إلينا. # وفي مساء اليوم الرابع رأيت وأنا جالسة إلى النافذة، أربعة رجال قادمين إلى المنزل، فلم ~~أشك أنهم الدوق وأتباعه، ثم فتح أحدهم الباب بمفتاح كان معه ودخلوا جميعهم. # فزال مني كل ريب، وأسرعت وأخذت خنجرا جعلته مشهرا في يدي لأقتل به نفسي متى تحقق ~~لي سوء قصد الدوق. # ولكني لم ألبث على هذه الحالة المزعجة حينا، حتى دخلت جرتريدة وقالت: طيبي نفسا يا ~~سيدتي؛ لأن القادم هو المسيو دي مونسورو. # ورد إلي بعض روعي وأرجعت الخنجر إلى مكانه، فبصر به وهو يدخل إلي فارتاع وقال: على ~~ماذا كنت عازمة؟ ~~- قد حسبتك الدوق فعزمت على الانتحار. # وجعل يضطرب وساد السكوت حينا، ثم افتتح الحديث فقال: أتنظرين إلى الذين صحبتهم ~~معي؟ ~~- نعم، إن الواحد كاهن وأظن الآخرين شهود. ~~- هو ذاك أيتها الحبيبة، فهل تزالين على سابق وعدك؟ ~~- نعم، ولكنك تذكر ما اتفقنا عليه من أنه لا يعقد بيننا زواج إلا بحضرة أبي. ~~- نعم، أذكر ذلك ولا أنساه ... ولكن ألا تنظرين إلى خطورة الموقف؟ ~~- إذا فسأقبل بعقد الزواج بيننا، ولكنني لا أكون امرأتك في الحقيقة قبل أن يحضر ~~أبي. # فعض شفته من الغيظ، وقال: أنت حرة في إجراء ما تشائين. # ثم نظر من النافذة وأشار بيده وهو يقول: ولكن انظري من هذه النافذة! # فالتفت ورأيت رجلا ملتفا بردائه وهو يحاول الدخول إلى المنزل، ثم دنا منه رجل ~~آخر بيده مصباح. # وارتعت لهذا المنظر وقلت: من ms051 ترى يكون هذان الرجلان؟ ~~- ومن عسى أن يكونا غير الدوق ورفيقه. # فوجف قلبي وقلت: إذا عجل بعقد الزواج. # وارتاع الكونت دي باسي وانتصب واقفا على قدميه وهو يقول: لله ما أشد تعاستي! وما أنكد ~~حظي! ... لأن الشخص الملتف بالرداء لم يكن إلا أنا ... والذي كان يحمل المصباح، لم يكن إلا ~~الطبيب! # فانقبض صدر ديانا وقالت: لست أنت التعيس بل أنا التعيسة ... لأني حسبتك الدوق، ولولا ~~ذلك لما كان حدث شيء بيننا. ~~- إذا أنت امرأته الآن! ~~- نعم، وا أسفاه منذ أمس. # ثم تنهدت وقالت: إني أخبرتك بجميع أمري ... فأخبرني الآن، كيف دخلت إلى هنا؟ # فأراها الكونت المفتاح وقال: ألم تعد جرتريدة الدوق بإدخاله إلى منزلك؟ ~~- نعم. ~~- وقد رأى الدوق المسيو دي مونسورو داخلا إلى منزلك، فارتاب به وأعطاني هذا المفتاح ~~لأكون كالرقيب عليه ... ولأدخل المنزل عند مسيس الحاجة. # فقالت له بصوت المؤنب: كيف يقبل من كان مثلك هذه المهمة؟ ~~- قد قبلتها لأني لا أستطيع أن أراك بغير هذه الواسطة، فهل تمنعين عن تعيس مثلي هذه ~~السعادة؟ ~~- معاذ الله، بل أحب أن تعود إلي دائما فتراني وأراك؛ لأن البعد يدعو إلى ~~السلوان. ~~- أنت مخطئة يا سيدتي؛ لأن مثلي لا ينسى مثلك، وقد أرسلني الله لأكون لك خير نصير، ~~وسأبدأ بنصرتك منذ اليوم، فهل تريدين أن تعلمي أخبار أبيك؟ ~~- نعم؛ لأني لا أعلم شيئا منها. ~~- سأتعهد بذلك، فاحفظي بقلبك الطاهر تذكار ذلك المخلص الأمين الذي لا يحيا إلا بك ~~ولأجلك. # فقالت ديانا وقد ظهرت عليها ملامح القلق: ولكن هذا المفتاح الذي معك؟ ~~- سأرده إليك ولا آخذه إلا من يدك، ولكن ثقي بأني مخلص لك، وأنه لو كان لك أخ لما ~~كان يخدمك بمثل هذا الإخلاص. ~~- إني أثق بك أشد الثقة، وهذا المفتاح أرده إليك ليكون دليلا على إخلاصي لك ~~واعتمادي عليك. # ونهض الكونت وهو يقول: سنعلم بعد حين حقيقة حال مونسور ... وستقفين على مجمل أحوال ~~أبيك. # ثم أخذ يدها وقبلها قبلة حارة وخرج، ووقفت ديانا على النافذة تشيعه بالنظر وعيناها ~~مغرورقتان بالدموع. # الفصل ms052 الثالث عشر # | شيكو - الدير - المؤامرة - تتويج الدوق دانجو # في اليوم التالي الذي مر بما ذكرناه من الحوادث، ذهب الملك بحاشيته العظيمة إلى الصيد ~~يروح النفس من عناء السياسة، وأقام في الغياض والمستنزهات إلى المساء. # ثم عاد في مركبته الملوكية التي كان فيها ندماؤه وشيكو يطرفه بالأحاديث المضحكة، فيطرب ~~لأحاديثه لاهيا بها عن كل أمر. # حتى إذا دنت المركبة من أبواب باريس يتقدمها الموكب الحافل، أطل شيكو منها اتفاقا ~~ورأى جماعة من الناس يهربون من وجه الموكب ويدخلون إلى فندق هناك، كأنهم يخافون من أن ~~يراهم أحد من رجال هذا الموكب الملكي. # فوثب شيكو مسرعا من المركبة من غير أن يستأذن الملك، واختبأ وراء بيت مرتفع كي لا يراه ~~أحد. # فلبث هناك حتى توارت المركبة، فانطلق مسرعا إلى الفندق المذكور. # وكان شيكو معروفا لدى الجميع بشدة إدلاله على الملك. # فاستقبله صاحب الفندق بمنتهى الإكرام، وسار به حسب أمر شيكو إلى غرفة ملاصقة للقاعة ~~الكبرى حيث كان يجتمع أولئك الرجال. # وأقام هناك ينصت إلى حديثهم، فسمع منهم أنهم كانوا يخشون أن يراهم رجال الملك. # ثم بعثوا بواحد منهم ليرى إذا كانت المركبة قد توارت ... فعاد وقال: لم يعد من خطر ~~علينا، ولا مانع لنا عن الذهاب. # فساروا جميعهم ولم يتخلف منهم غير راهب يدعى الأخ غورنفلو كان يشبه شيكو شبها ~~عظيما، ولا سيما في تقاطيع جسمه. # وكان يعرف شيكو معرفة تامة، وله معه صحبة. # وكان مدمنا للشراب مفرطا فيه، وهو سليم النية ساذج القلب على سعة معارفه ووفرة ~~اطلاعه. # فلما رآه شيكو سر لرؤياه وأيقن أنه سيعلم منه سر أولئك الرجال الذين اختبئوا في الفندق ~~هربا من الملك. # وقابله مقابلة حسنة، ودعاه إلى الطعام فأجاب الدعوة شاكرا وجلسا في قاعة ~~منفردة. # وأشار شيكو إلى صاحب الفندق أن يكثر من قناني الشراب على المائدة، ففعل. # وما زال يسقيه وهو يتلطف في سرقة سره، حتى أخذ الشراب منه وباح له بأن كثيرين من أعيان ~~المملكة سيجتمعون هذه الليلة في دير جنفياف، فيدخلون إليه بملابس ms053 الرهبان ويقولون عند ~~دخولهم كلمة سرية لا يسوغ لمن لا يقولها الدخول. # فمال عليه شيكو بالشراب، فأخبره بتلك الكلمة. # فعلم عندها أن أعيان المملكة لم يجتمعوا في الدير بهذا الشكل السري، إلا لمؤامرة يعقدونها ~~للإضرار بالملك الذي كان يحبه حبا عظيما. # فذاب شوقا إلى الاطلاع على هذه المؤامرة. # وكان غورنفلو قد أخبره أن الذين يدخلون إلى هذا الدير لعقد هذه الجمعية هم أعضاء ~~معدودون. # فمتى التأمت يعدون الأعضاء، فإذا نقص العدد يبحثون عن الغائب ومعرفة اسمه بكتابة أسماء ~~الحضور. # وإذا زاد العدد يبحثون عن الذي تجاسر على الدخول بغير إذن، ويقتلونه في الحال. # وقد ذكر له الموعد المعين للاجتماع وما يجب على الداخل أن يقول عند دخوله، وعند عدد ~~الأعضاء ... وأعلمه بكل مصطلحات الجمعية المذكورة. # ففهم شيكو كل شيء، ولم يبق عليه غير أمر واحد، وهو منع غورنفلو من الذهاب والحصول على ~~ملابسه ليرتدي بها ويذهب بدلا منه، ففكر شيكو فعلم أن الرشوة لا تفيد في هذا ~~المقام. # ولبث كاتما قصده، وجعل يسقي ذلك الراهب المسكين وهو يتظاهر أنه يشرب معه ويكب ~~الأقداح. # حتى اندلع لسان الراهب من السكر ثم تراخت عيناه وضاع صوابه، فسقط على الأرض كالميت من ~~تأثير الشراب. # وللحال قام شيكو وقفل باب الغرفة، ثم جرد الراهب من ملابسه ولبسها فوق ثيابه ولفه ~~بحصير وأرقده بزاوية من الغرفة، ودعا صاحب الفندق وأوصاه أن يحتفظ بالراهب، وأخبره بأنه ~~سكران وأنه جرده من ثيابه ولبسها بغية إضحاك الملك. # ولم يسع صاحب الفندق مخالفته في شيء، لما كان لشيكو من الشهرة والنفوذ في البلاط. # ثم انطلق شيكو مسرعا ينظر إلى ملابسه ضاحكا، وهو غير مكترث بما يحيق به من الأخطار، حتى ~~وصل إلى الدير، وكانت قد دنت ساعة الاجتماع. # فقال الكلمة السرية للبواب، ودخل إلى ردحة الدير فوجد فيها كثيرا من أعيان المملكة ~~وكبار رجالها كلهم، وجميعهم بملابس الرهبان، فلم يختلط بهم حذرا من أن يعرفوه. # وبعد أن تكامل عدد الأعضاء قرع جرس الدير ثلاثا، إشارة إلى وجوب عقد الجلسة. ms054 # فأسرع الحضور إلى الجلوس في كراسيهم، وجلس الدوق دي كيز في كرسي الرئاسة، وعلى يمينه عرش ~~عظيم لم يكن جالسا عليه أحد، وعلى يساره منبر للخطابة. # ولما انتظم عقدهم وبلغ عددهم حد التمام، قرع الرئيس بجرس أمامه وساد السكوت العميق على ~~الحضور. # ثم أشار بيده إلى أحد الأعضاء، فقام إلى المنبر وانبرى يخطب في القوم خطبة حماسية يظهر ~~فيها فساد الأحكام وشدة استبداد الملك، وأنه يجب خلعه إذ لا يصلح للملك. # فصفق له الجميع استحسانا، ولما نزل عن المنبر صعد إليه سواه، ثم تلاه آخر، إلى أن ~~بلغ عدد الخطباء عشرة، وكلهم قد خاضوا في بحث واحد ... # وهو الحث على خلع طاعة الملك، ووجوب التعاضد على تعيين أخيه الدوق دانجو. # ولما فرغ الخطباء، دخل خادم وأسر إلى الرئيس كلاما أجابه عليه بإشارة الامتثال. # ثم وقف وقال: هو ذا الدوق دانجو قادم إلينا. # ولم يكد يتم كلامه حتى دخل الدوق مصفر الوجه، وعليه ملامح الاضطراب، ودخل معه المسيو ~~دي مونسورو وهو أيضا بملابس الرهبان. # فأجال الدوق في الحضور نظرا مضطربا، ثم صعد إلى العرش فجلس فيه هنيهة ريثما سكن ثائر ~~القوم وفرغوا من التهليل، ووقف المسيو دي مونسورو فقال: أيها الكاثوليكيون الأحرار، إن ~~الدوق الجالس على هذا العرش يحب أن يتكلم فاسمعوه. # فصاح الجميع: ليحي الدوق، ليحي منقذ فرنسا ... ليعش مؤيد الكثلكة وحافظ الوطن، ~~وليسقط الظلم ومؤيدوه. # وبعد أن فرغ القوم من هذا الهتاف، وقف الدوق وقال بصوت مضطرب: أيها القوم، إني لم أستطع ~~أن أحيط بنظري الضعيف جميع أنحاء هذا المعمور المتسع ... فأوقفته على فرنسا وطني المحبوب الذي ~~نشأت فيه، فرأيت أن الدين المقدس قد تقوضت معالمه وانهدت أركانه، وأصبح ألعوبة بأيدي ~~الكفرة الظالمين، ومضغة في أفواه الهازئين، وأحبولة لقنص أغراض نصبها ذوو المآرب ~~والغايات. # وهو ديننا القويم، الذي تفيض نفسي حزنا ... لبلوغه إلى هذا الانحطاط. # وحدث هياج بين الحضور؛ لأن كلام الدوق كان فيه إشارة ظاهرة إلى وجوب الانتصار للدين، ولو ~~بإثارة الحرب على الذين قد اتهموا بالزيغ عن ms055 محجته. # وصبر الدوق هنيهة ثم عقب قائلا: ولقد وصل صوت تمرمر الشعب إلى أذني ... وهاجت عواطف ~~الدين مكامني ... وسألني نبلاء فرنسا وأعيانها أن أسرع إلى الأخذ بناصر الكثلكة، وأضعها في ~~مقامها الذي يجب أن تكون فيه، فدفعتني تلك العواطف إلى تلبية هذه الدعوة وإجابة أولئك ~~النبلاء ... فمددت ذراعي إلى أولئك المستنصرين ... # وها أنا الآن بينكم ... # فهاج الحضور هياج سرور لهذا الخطاب الوجيز ... وكان بينهم ثلاثة من أسرة لورين، كان أقربهم ~~إلى البرنس الكردينال دين لورين فخطا خطوة إليه وقال له: هل أتيت أيها البرنس إلى هذا ~~المجتمع عن رضا؟ ~~- نعم، وبملء الرضا. ~~- ومن الذي أخبرك بهذا الاجتماع السري؟ ~~- رجل هو من أشد الناس غيرة على غايتكم وتحقيق أمانكم، وهو الكونت دي مونسورو الواقف ~~بجانبي. ~~- إذا تفضل يا مولاي وقل لنا ما الذي ستصنعه من الخير لهذه الجمعية المقدسة التي ~~أنت رئيسها الآن؟ ~~- إني سأخدمها أجل خدمة ... وأرد للكثلكة مقامها الرفيع ... ولست أخدم الدين فقط، بل إني ~~أريد أيضا خدمة موطني وبلادي ... لأن الشخص الشريف هو من يخدم دينه الذي نشأ عليه ... وموطنه ~~الذي ربي فيه؛ لأن خدمة الأوطان من الإيمان، وهي خدمة مقدسة أيضا؛ ولذلك فإني سأبذل ~~قصاراي وأفرغ مجهودي فأجعل هذه الأوطان الجميلة تذوق ما فقدته من حلاوة الأمن والهناء بذنب ~~رؤسائها، وهي الغاية الجلى والقصد الوحيد الذي يدفعني إلى الانخراط في سلككم، وهذا الذي ~~جاء بي إلى هذا المكان. # فصفق الجميع استحسانا لهذا الخطاب حتى ارتجت جوانب الدير وصاح جميعهم بصوت واحد: ~~ليسقط هنري وليحي فرنسوا. # وبينما الشعب يصيح هذا الصياح دخل الكردينال إلى غرفة، ثم رجع وهو يحمل تاجا ملكيا، ~~فدنا بذلك التاج من الدوق وقال له: إن رأسك جدير بأن يزدان بهذا التاج الملكي؛ لأن جميع ~~المحيطين بك وهم من رؤساء فرنسا يخضعون لك أتم الخضوع، فالبس هذا التاج وسر بهم وبأوطانهم ~~وبدينهم إلى حيث يشاء المجد، وأنا الآن ألبسك هذا التاج برضا أولئك النبلاء وبمصادقة الحبر ~~الأعظم الذي أنا وكيله في هذه البلاد، فليكن مباركا ms056 عليك، ولتهنأ به أنت ~~وبلادك. # وعندها وضع التاج على رأسه وصاح، فصاح معه الجميع: ليحي فرنسوا الثالث ملك فرنسا ~~العظيم. # فنزل الدوق من العرش والتاج على رأسه وعليه عظمة الملوك، فجعل يتهادى بين الحضور ~~فيعينهم بالمناصب العالية، ويمن عليهم بالرتب والألقاب، وبعد أن فرغ من هذا الطواف دعا ~~الكردينال الحضور إلى الصلاة، فصلوا جميعهم وختموا هذه الصلاة بالدعاء للملك الجديد. # ثم خرج الدوق فخرج الجميع في إثره ولم يبق منهم غير عشرة أنفار من الأعيان، وثلاثة من ~~أسرة لورين، فاختبأ شيكو ليعلم ما يقصدون من بقائهم في الدير، فتبين له أن تلك الأسرة ~~القادرة لم ترد بتتويج الدوق غير إلقائه إلى التهلكة، وإسقاط الملك هنري بإثارة الأحزاب ~~عليه، والسعي لحصر الملك بتلك الأسرة التي كان يساعدها في الوصول إلى هذه الغاية البابا ~~في رومية بسعي الكردينال دي لورين أحد أعضائها. # وقد كان بينهم محام شهير يعلم الأنساب، فكتب فصلا مطولا أظهر فيه نسب أسرة لورين، ~~وأنها أقرب إلى عرش فرنسا من أسرة فالوا المالكة. # ففحص جميع الحضور هذا الفصل ونقحوه بما عن لهم من الآراء، ثم أعطوه الكردينال ليطلع ~~عليه الحبر الأعظم. # وأطفئت المصابيح فارفض الجميع وذهب كل في سبيله يبنون من آمالهم قصورا مشيدة من ~~الأوهام، وخرج شيكو وهو يعجب من هذا الاتفاق الغريب. # الفصل الرابع عشر # | كيف أن سانت ليك وامرأته قد لقيا في طريقهما رفيقا ~~للسفر # في صباح اليوم الثاني من هذه الحادثة، بينما كان الأخ غورنفلو يفرك عينيه وينظر إلى ~~نفسه ملفوفا بالحصير، وهو يعجب مما هو فيه ويحسب أنه في حلم. # كان فارسان يسيران جنبا إلى جنب في طريق غابة ماريدور التي عرفها القارئ فيما مر به من ~~سياق الحديث. # وكان هذان الفارسان سانت ليك وامرأته في ملابس الغلمان، وهما ذاهبان إلى قصر البارون دي ~~ماريدور والد ديانا، للإقامة فيه ريثما يصفح عنهما الملك. # وقد فضلا الذهاب إلى هذا القصر لشدة بعده عن باريس، ولما كان بين الأسرتين من علائق ~~الوداد. # وفيما هما يسيران فرحين ms057 بما لقياه من الحرية، وقد دخلا في الغابة، إذ سمعا صوتا ~~يناديهما عن بعد. # فالتفتا ورأيا فارسا ينهب الأرض بجواده. # فوجف قلب امرأة سانت ليك، وظنت أن هذا الفارس قد أتى يطاردهما من قبل الملك. # فحثت زوجها على الإسراع بالفرار، ولكزت بطن الجواد تريد الهرب، فأوقفها ذلك الفارس ~~الذي كأنه علم بغيتها، فجعل يصيح: بربكما قفا ولا تهربا مني، لقد أضعتما حاجة نفيسة، ~~وقد أتيت بها لأردها إليكما. # فاختلج سانت ليك عند سماعه لهذا الصوت وقال لامرأته: أتعرفين هذا الفارس؟ ~~- كلا، لأني لا أراه، ولكن يخال لي أني أعرفه؛ لأن صوته شبيه بصوت الكونت دي باسي. ~~- هو بعينه لنقف ريثما يحضر. # فوقفا وبعد هنيهة أقبل هذا الفارس وهو يقول باسما: لقد أضعت رسم زوجتك، يا سيدي ... ~~ألا يسرك أن أعيده إليك؟ # فصاح سانت ليك صيحة فرح، عندما تبين وجه الفارس وعلم أنه باسي. # فترجل الفارسان وتصافحا ... ثم دنا الكونت من زوجة سانت ليك يسلم عليها. # فقالت له باسمة: ألعلك قادم أيها الكونت من قبل الملك للقبض علينا؟ ~~- أنت لا تجهلين يا سيدتي شدة كره الملك لي، فهو لا يعهد إلي بمثل هذه المهمة. ~~- إذا، كيف كان اجتماعك بنا؟ ~~- لم يكن إلا اتفاقا؛ لأني نزلت في أول فندق في هذه الطريق، فرأيت على المائدة رسمك، ~~فسألت صاحب الفندق عنه فأخبرني بأنكما كنتما في فندقه، وقد غادرتماه منذ حين، فأخذت ~~الرسم وأسرعت في المسير حتى لقيتكما. ~~- وما الذي حملك على السفر؟ ... ألعلك مغضوب عليك مثلنا؟ ~~- كلا يا سيدتي، بل إني ذاهب إلى ماريدور لقضاء بعض المهام. # فظهرت ملامح السرور على محيا الفتاة، وقالت: إذا ستكون رفيقنا على الطريق. ~~- ذلك ما أبتهج له أشد الابتهاج، فإلى أين أنتما ذاهبان؟ ~~- إلى قرية ماريدور أيضا. # فارتعش باسي لهذا الاسم وقال: لقد فهمت الآن، فإنكما تريدان الاختباء بهذه القرية ~~الجميلة من وجه الملك كما تختبئ الحمامة بين الغصون من وجه الصياد ... فأهنئكما بما ستنالانه ~~من الراحة والصفاء. # وكنت أود لو أني ارتكبت مثل جرمكما لأعيش مثلكما ms058 في هذه الغياض سعيدا كما أنتما ~~سعيدان. ~~- إن السعادة قريبة منك إذا أردت؛ لأن من أحب أن يكون سعيدا فليتزوج. # إن السعادة معقودة بالحب. ~~- ذلك لا ريب فيه، ولكن حبا كحبكما لا يكون بين جميع الأزواج. ~~- صدقت لأن هذا الهناء غير مطرد، ولكن من كان مثلك فهو يقاس عليه؛ لأنك محبوب من ~~الجميع . # فتنهد باسي وقال: إن من كان محبوبا من الجميع، فهو غير محبوب من أحد. ~~- إذا دعني أزوجك؛ لأني سأظفر لك بفتاة يكون لك بها قرة لعينك وهناء لقلبك، فتذيقك ~~من حلاوة العيش ونعيم الحياة ما لم تشعر به من قبل. ~~- إني لا أنكر وجود النعيم يا سيدتي، ولكن هذا النعيم لم يخلق لي. ~~- أنت مخطئ؛ لأني سأجد لك هذا النعيم ... فقل لي أتريد أن أزوجك؟ ~~- نعم ولا. ~~- قد فهمت الآن؛ لأنك لا بد أن تكون عاشقا لفتاة لا سبيل لك إلى الزواج بها. ~~- هو ما تقولين يا سيدتي، وأنا أعترف لك بالحقيقة. ~~- ولكن طب نفسا، فسأشفيك من هذا الداء. ~~- ربما، ولكنني لا أظنك تقوين على إيجاد الدواء. ~~- لا، بل سأجعلك سعيدا كما تستحق. ~~- إني أؤثر أن أبقى على ما أنا فيه من الشقاء ... فما خلقت لأكون سعيدا! ~~- إذا، سر بنا إلى حيث نحن ذاهبان ... فتجد أني صادقة فيما أقول. ~~- وإلى أين أنتما ذاهبان؟ ~~- إلى قصر البارون دي ماريدور. # فاضطرب باسي وعبق وجهه بالاحمرار، ثم تجاهل بمعرفته هذا البارون، وقال بعد أن ملك روعه: ~~من عسى أن يكون هذا البارون؟ ~~- هو شخص من أصدقائنا، وهو صاحب هذه القرية التي تسمى باسمه، وله فتاة تدعى ديانا، ~~وهي من أجمل فتيات هذا الزمن. # فهيا بنا إلى هذا القصر ... فأنت واجد فيه ما ذكرته لك من النعيم. # فتنهد باسي تنهدا طويلا، أخفاه وهو يمتطي جواده. # وسار الثلاثة سيرا بطيئا إلى قصر ماريدور، وامرأة سانت ليك لا تفتر عن محادثته بشأن ~~الزواج، وهي تذوب شوقا للوقوف على سر غرامه. ~~••• # وما كان أشد عجب امرأة سانت ليك، عندما دخلوا إلى قصر البارون. # فلم ms059 يخرج لاستقبالهم غير ذلك الشيخ الجليل، وقد أحنت ظهره الأيام، وبيضت شعره ~~السنون، وأنحلت محياه الكوارث. # فبرز إلى ضيوفه وهو يتوكأ على عصاه، مرتديا بثوب أسود، إشارة إلى الحداد. # فأنكرت حنة هذا الهزال وهذا السواد، وأجالت في الغرفة نظرا مضطربا تبحث عن ~~ديانا. # فلم تجدها ... # ثم دنت من الشيخ وقد هالتها ملامح حزنه . # فقبلت يده وقالت: ألم تعرفني يا سيدي البارون؟ ~~- اعذريني أيتها السيدة؛ لأن عيون الشيوخ لم تخلق للبكاء، وإني أكاد أفقد بصري لفرط ما ~~بكيت. ~~- نعم، فإني أرى أثر الدموع بين عينيك، فلا بدع إذا لم تعرفني، لا سيما وأنا بملابس ~~الغلمان. ~~- قولي إذا من أنت، لقد أخبرتك أني لا أرى. ~~- أنا امرأة سانت ليك، وربما لا تعرفني بهذا الاسم أيضا، فأزيدك بأني أدعى حنة دي ~~بريزاك. # فصاح البارون صيحة حزن وأسف، وفتح ذراعيه للفتاة فضمها إلى صدره وهو يبكي بكاء ~~مرا. # ثم سألته حنة قائلة: ما لي لا أرى ديانا، هل هي غائبة عن المنزل؟ # فنزل هذا السؤال على قلب هذا الشيخ الحزين نزول الصاعقة، وأجاب: أنت تسألينني عن ديانا؟ ~~... # ألا تعلمين ما أصابها؟ # ثم خفت صوته، وارتجفت أعضاؤه. # ثم حبس لسانه عن الكلام، فسقط على كرسي واهي القوى وهو يشهق بالبكاء. # فاضطربت حنة وقالت: بالله يا سيدي ألا ما قلت لي ما أصابها؟ لقد أوجعت قلبي. # فرفع العجوز يديه إلى السماء وقد أفعم قلبه من اليأس، ثم قال وعيناه مغرورقتان بالدموع: ~~ويلاه! إن ديانا أصبحت من سكان القبور. # فاصفر وجه حنة وصرخت تقول: ديانا ماتت! # وصاح زوجها نفس صياحها. # وتظاهر باسي بأنه معتقد بموتها أيضا، وهو يقول لنفسه: أنت ستحبني حبا شديدا أيها ~~البارون. # أما البارون فإنه أجاب بلهجة حزن شديد: نعم، إنها ماتت وقد قتلوها، فادخلوا معي أيها ~~الضيوف الأعزاء لأني أجد في قربكم بعض السلوى. # فمسكته حنة بذراعه، ودخلوا جميعهم إلى قاعة الاستقبال حيث ساد السكوت هنيهة؛ لأنه لم يكن ~~بينهم من يجسر على افتتاح الحديث ... # إلى أن تكلم البارون مخاطبا حنة، فقال: أذكر ms060 أنك قلت لي أيتها العزيزة إنك متزوجة ... ~~فهل هذا زوجك؟ # وأشار إلى باسي. # فأجابت: كلا يا سيدي، بل هو المسيو دي سانت ليك، الجالس بجانبه. # فانحنى البارون له، ثم قال: إذا فمن هو الذي يصحبكما، ألعله أخوك أو نسيب لك؟ ~~- لا هذا ولا ذاك يا سيدي، بل هو صديق لنا وهو الكونت دي باسي الشهير، صفي الدوق ~~دانجو. # فانتصب البارون واقفا على قدميه عندما سمع اسم الدوق، واتقدت عيناه بشرر ~~الغيظ. # ثم نظر إلى باسي نظرة هائلة ... # فارتعشت حنة وقالت مخاطبة باسي: ألعله يعرفك يا سيدي الكونت؟ ~~- كلا ... يا سيدتي، فإن هذه هي المرة الأولى التي تشرفت فيها برؤيته. # أما البارون فإنه لم ينتبه لكلامها، بل رمق الكونت بنظرة ملؤها الغضب والوعيد، وقال: أنت ~~صفي هذا الوحش الكاسر، وصديق هذا الشيطان الرجيم، ثم تجسر على القدوم إلي والوقوف ~~بوجهي؟ # فنظر سانت ليك إلى امرأته، وقال: ماذا أرى؟ ... أهو مصاب في عقله؟ ... لأن كل ما نراه منه يدل ~~على الجنون ... ~~- لا أخال ذلك ... بل أظنه كارها للدوق؛ لأنه لم يغضب إلا عند ذكره. # فنظر البارون إلى حنة، وأخذ يدها بين يديه فقال: أنت تنظرين إلي نظر الرعب، وقد ~~هالك ما سمعته فلا تستغربي غضبي لذكر الدوق؛ لأنه هو قاتل ابنتي ومفجعي بمن ~~أحب. # فأدمعت عين الفتاة وقالت: إن المصاب عظيم لا سبيل معه إلى العزاء، ولكن الكونت دي باسي ~~هو أعظم نبيل في فرنسا، فلا يمكن أن يكون مطلعا على هذا الجرم الفظيع، بل يجهل مثلنا ~~حقيقة أسراره، ألا تراه يبكي معنا؟ # فالتفت الشيخ إليه وقال: أصحيح ما تقول؟ # فانحنى الكونت من غير أن يجيب. # فقال الشيخ: لا عجب إذا كان جميع الناس يجهلون موت ابنتي حتى أصحابها؛ لأني لم أكتب كلمة، ~~ولم أنبس ببنت شفة، بل حملت هذا السهم بقلبي، كما يحمل الطائر سهم الصياد تحت جناحه، ويذهب ~~به ريثما يستقر ويموت ... # فقالت الفتاة باكية: بالله تكلم أيها الشيخ النبيل؛ لأن الكلام يعزيك. # فتنهد البارون وقال: إن هذا الخائن الذي ms061 هو وصمة عار تصم النبالة والشرف، قد رأى ديانا ~~فراقت بعينيه فاختطفها إلى قصره في بوجي ... أما ديانا فإنها فضلت الموت على العار، ~~فألقت نفسها في المياه حيث ماتت غريقة ... شهيدة الطهارة والنبل. # فاضطرب الجميع لهذا الخبر، وقالت حنة: إن ذاك الإثم قد بلغ منتهى الفظاعة، ومن كان في ~~مقامك من النبل أيها الكونت، فهو لا يقيم ساعة مع هذا البرنس الأثيم. # أما باسي فإنه لم يجب بحرف، بل إنه تقدم من البارون دي ماريدور وقال بسكينة وهدوء: ~~أيسمح لي مولاي البارون بخلوة خاصة؟ # فامتثل الشيخ ونهض، فسار بالكونت إلى إحدى الغرف تاركا سانت ليك وامرأته في حيرة من هذا ~~الاختلاء، وهما لا يعلمان المراد منه. # ولما خلا الكونت بالبارون قال له: أنت قد أهنت يا سيدي رئيسي الدوق أمامي، فوجب علي ~~أن أسألك الإيضاح، ولا تحسب أني أريد الانتقاد فيما أقول، بل إن كل قصدي أن أدفعك إلى حكاية ~~أمرك تلطيفا للأحزان وتوصلا إلى الخدمة، فتفضل يا سيدي، واشرح لي عما أشرت إليه ~~من أمر هذه القصة المحزنة. ~~- اسمع لأن حديثي لا يطول وإليك البيان. # ذلك أني أعرف رجلا نبيلا يدعى المسيو دي مونسورو أحب ابنتي حبا شديدا، وخطبها ~~إلي فلم تقبل به ابنتي زوجا، ومع ذاك لقد بقي الوداد بيننا على ما كان، ولم يقطع هذا ~~الرفض العلائق بيننا، بل زاد إخلاصا فوق إخلاصه. # وكان هو من أنبأني بخيانة الدوق، وهو الذي أرشدني إلى طريق خلاصها وقدم نفسه لهذه ~~الخدمة بشرط أن أزوجه إياها؛ لأنه سيركب أشد الأخطار بمقاومته للدوق، ولا حق له ~~بحمايتها إذ لم يكن زوجها، وأنه لا يقتحم مثل هذه الأهوال إلا صيانة للشرف وغيرة على ~~العرض، فرأيت كلامه حقا، وبرهانه سديدا، وغايته نبيلة، فصادقت على ذلك وانطلق لخلاصها، ~~ولكنه وا أسفاه لم يصل إلا بعد انتحارها ... ~~- ألم يكتب لك شيئا منذ ذلك الحين؟ ~~- كلا، وما أظنه إلا ليأسه من حبوط مسعاه. # فأحنى باسي رأسه وقد علم أن مونسورو يود أن يكتم خبر حياة ديانا ms062 حتى عن أبيها خوفا من ~~الدوق. # فنظر إليه البارون وقال: هذه هي الحكاية وقد قصصتها عليك، فما تقول؟ ~~- لا أقول شيئا الآن، سوى أني مكلف من قبل الدوق أن أذهب بك إلى باريس؛ لأن سموه ~~يرغب بأن يراك. # فارتعش البارون وقال: أنا أذهب إلى قاتل ابنتي؟ ... وما عسى أن يريد مني هذا الكاسر ؟ ~~- لا أعلم، وربما كان يريد الاعتذار. ~~- كلا، لأن هذا الذنب لا يقبل الغفران، وأنا لا أذهب إلى باريس. ~~- أرجو أيها البارون أن تسمح لي بالإلحاح عليك؛ لأني ما أتيت إلا للذهاب بك. # فاحتدم البارون غيظا، وقال: إذا، سأسير وإياك والويل لقاتل ابنتي؛ لأن الملك إذا لم ~~يصغ إلي، فسيصغي إلي نبلاء فرنسا؛ لأنها لا تخلو من الأشراف. # ثم وضع يده على قبضة حسامه وقال: نعم، سأذهب معك ... لقد أنساني الحزن أن لي حساما طالما ~~كان حيلتي في المعارك. ~~- وإني أوصيك بالسكينة والصبر أيها النبيل، فأنت ستجد في باريس من ينتصر للشرف ~~والمروءة. # فليهدأ بالك وتهيأ للسفر في الغد ... # ثم خرجا من الغرفة وذهبا إلى سانت ليك وامرأته حيث أقاموا سوية بقية ذاك ~~النهار. # الفصل الخامس عشر # | الأب والابنة # وفي اليوم الثاني ذهب البارون مع باسي في طريق باريس، بعد أن استأذنا من سانت ليك ~~وامرأته اللذين بقيا في منزل البارون بعد إلحاحه عليهما بالبقاء. # وسار الفارسان يقطعان تلك المسافة الشاسعة وباسي يسكن من جأش ذلك الكهل العجوز ويطيب ~~خاطره، وينفذ إلى قلبه أشعة من الآمال كانت تعين ذاك المسكين وتسليه بعض السلوى، حتى وصلا ~~إلى باريس، فذهب به الكونت توا إلى قصره، وامتنع البارون عن الدخول؛ لأنه حسبه قصر ~~الدوق، فأعلمه أنه في منزله، فدخل وأعد له فيه أحسن الغرف. # ثم غادره وحده ريثما يستريح من عناء السفر، وذهب فخلا بالطبيب الذي كان قد جعله قبل أن ~~يسافر رقيبا على منزل ديانا، وأخبره الطبيب بأنه قد اكترى غرفة تجاه ذاك المنزل وأقام ~~فيها يراقب كل شيء في مدة تغيبه ... # سأله: ماذا رأيت؟ هل عاد المسيو دي مونسورو؟ ms063 ~~- نعم، لكنه خرج كما دخل، أي لم يستفد شيئا. ~~- كيف عرفت ذلك؟ # واحمر وجه الطبيب وتلعثم حينا. # ثم اندفع يقول: عرفت هذا من جرتريدة يا مولاي، فهي تحبني بغيرة وإخلاص، كما أن مولاتها ~~تحبك ولا صبر لها عنك ... # واختلج فؤاد باسي وقال: أهذا ما علمته أيضا من جرتريدة؟ ~~- نعم يا مولاي، وقد علمته منها أيضا بالنظر؛ لأني قد دخلت إلى منزلها ورأتني فيه، ~~وأخبرتها بأني ذاك الطبيب الذي جئت إلى منزلها معصوب العينين لمداواتك. # وكانت أشعة الفرح تسطع عند ذكرك بين عينيها، وكانت كلما رأتني تجعل حديثها معي ~~عنك. # ولا تنقطع عن ذكرك، وعلائم الحب لا تخفى على أحد، ولا سيما على العشاق. # فامتلأ فؤاد باسي سرورا مما سمع وسأله: كم مرة جاء دي مونسورو إلى المنزل؟ ~~- مرة واحدة فقط. ~~- والدوق؟ ~~- لم يحضر على الإطلاق، ولم يدخل المنزل أحد في غيابك غير مونسورو. # وتركه باسي وقد لقي بكلامه سرورين؛ أحدهما: أن ديانا لا تزال تحتقر زوجها وتبغضه، ~~والثاني: تيقنه من أنه محبوب من تلك الفتاة التي هي أول من عرف بها الهوى، وهي أول من ~~بعث أشعة الحب إلى قلبه الذي لم يعرف الغرام قبل أن يتوله بها. # ثم ذهب إلى البارون وهو مشفق عليه أشد الإشفاق؛ لأنه كان لا يزال معتقدا بموت ~~بنته. # وسار به إلى الشارع المقيمة فيه ديانا. # ولما وصلا إلى المنزل، ترجل باسي عن جواده ولبث البارون ممتطيا جواده، وهو يحسب أن ~~هذا المنزل هو للدوق. # لكنه ما لبث أن أحاط بصره بذاك البيت الصغير حتى احتدم غيظا، واتقدت عيناه بشرر الغضب ~~فنظر إلى باسي وقال: عفوا أيها الصديق، فإني لم أتعود العيش في باريس، وما أنا بواقف على ~~شيء من أسرارها، لكن الذي أراه أن مثل هذا المنزل الحقير غير جدير بسكنى رجل عظيم ~~كالدوق، ولا أظنه إلا منزل خليلة له أو حظية من حظاياه، فإذا كان ذلك فليعلم هذا البرنس ~~السافل ولتعلم أنت أيضا أن البارون دي ماريدور هو أرفع من أن يقابله الدوق ms064 في منازل ~~حظاياه، وفوق ذلك فإني أعجب منك بعد ما رأيته من نبلك كيف تقودني إلى مثل هذا المكان، ~~ألعلك تريد أن تظهر لي أن ابنتي كانت تعيش في مثل هذه البيوت، لو لم تؤثر الموت على العار ~~وتنتحر فرارا من هذا العيش الدني؟ # فابتسم باسي ابتساما صادقا اطمأن له الشيخ، ثم قال له: لا تخش أيها البارون النبيل ~~أمرا، فإنك مخطئ في جميع ما تراءى لك من التصورات، وإن هذه الفتاة التي سندخل إليها من ~~أكمل النساء، وأطهر الفتيات. ~~- ومن عسى أن تكون هذه الفتاة؟ ~~- هي امرأة نبيل من أصحابك قد أحبها الدوق. ~~- كيف تقول إنها امرأة نبيل من أصحابي، ثم تقول إن الدوق قد أحبها؟ ~~- ذلك لأني تعودت أن لا أنطق إلا بالحق في كل ما أقول، فادخل معي وسيتبين لك ~~صدق مقالي. ~~- إذا احذر، فإني عندما كنت أبكي ابنتي كنت تمسح دموعي وتقول لي تعز فإن مراحم الله ~~كثيرة، فكأنك تعدني بأن أرى أعجوبة من السماء بما تمهده لي من العزاء. # فقال له باسي وهو يبسم دائما: ادخل يا سيدي وسترى! # وترجل البارون ودخل مع باسي. # حتى إذا وصلا إلى صحن الدار برزت لهما جرتريدة، فانذهلت انذهالا شديدا لرؤيتهما، ~~ووقفت واجمة لا تعلم ماذا تقول. # وأخرجها باسي من هذا الموقف وقال لها: اذهبي إلى مدام دي مونسورو، وقولي لها بأن الكونت ~~دي باسي يريد أن يكلمها في الحال. # ثم عقب فقال لها بصوت منخفض: إياك أن تذكري لها شيئا عن البارون. # أما البارون فإنه اختلج فؤاده عندما سمع باسي يلفظ اسم مدام دي مونسورو. # فكرر هذا اللفظ بعجب شديد وهو يقول: ماذا أسمع؟ # فأخذه باسي بيده ودخل به إلى قاعة الاجتماع، وفيما هما يدخلان إذ سمع البارون صوت ديانا ~~تقول لجرتريدة: قولي للكونت دي باسي أن يدخل، فإني آتية إليه في الحال. # فارتجف البارون عند سماعه هذا الصوت وقال: إلهي! ماذا أسمع؟! # ثم فتح الباب ودخلت ديانا باسمة وهي لا تتوقع أن ترى أباها، فلما رأته ورآها ms065 صاح ~~الاثنان صيحة منكرة، وأكبت ديانا على عنق أبيها ودموع الفرح منهملة من عينيها، فسقط ~~البارون على مقعد واهي القوى، وقد كاد يقتله الفرح. # وصرخت ديانا تقول: ويلاه! ... ماذا أصاب أبي؟ وما هذا الاصفرار الذي أراه في وجهه؟ ... إلي ~~أيها الكونت، فإني أراه مغمى عليه. ~~- لا بأس أيتها السيدة، فهو سيفيق من إغمائه الذي لم يكن إلا لفرط سروره؛ فإنه كان يحسبك ~~ميتة. ~~- ويل للظالمين، ألم يكن بينهم من يشفق على قلب والد عجوز! # ثم أفاق البارون من إغمائه، فضم ابنته إلى صدره، وقد غسل وجهها بدموع الفرح. # وبعد ذلك نظر إلى باسي وقال: لقد أخبرتني أننا في منزل مدام دي مونسورو، فأين هي تلك ~~السيدة؟ # فتنهدت ديانا وقالت: وا أسفاه! أنا هي تلك الشقية يا أبي، وإن دي مونسورو هو ~~صهرك. ~~- عجبا! ... كيف يكون هذا الرجل صهري وأنا لا أعلم بهذا الزواج؟ ~~- ذاك لأني لم أكن قادرة على أن أكتب إليك حذرا من أن تقع رسائلي بيد الدوق، وفوق هذا ~~فقد كنت أحسب أنك عالم بكل شيء. ~~- إذا كان هذا، فما الذي منع زوجك عن إخباري؟ وما علة هذا الكتمان؟ ~~- إنه لم يكتم عنك هذا الزواج فقط، بل كتم عنك أيضا كوني حية ... ~~- أيصبح مونسورو صهري وأنا لا أعلم؟ إن هذا عجيب. # فقالت له ديانا بصوت المؤنب: ألست أنت الذي أمرتني بزواجه يا أبي؟ ~~- نعم، بشرط أن ينقذك مما كنت فيه. # فسقطت ديانا على كرسي، وهي تكاد أن يغمى عليها من الأسف وقالت: نعم، فلقد أنقذني من ~~العار، لكنه لم ينقذني من الشقاء. ~~- إذا فما الذي دفعه إلى أن يجعلني أعتقد بموتك وأبكيك البكاء المر وأنت حية؟ # فتأوهت وقالت: هذا ما لا أعلمه، ولكن يخال لي بأنه لم يفعل ذلك إلا تجنبا لمكيدة ~~يكيدها لي الدوق، وسيبقى الكونت معنا فيحمينا من شر هذا الدوق، أليس كذلك يا كونت؟ # فاحمر وجه باسي وقال: لا يحق لي يا سيدتي أن أتداخل في شئونكم العائلية، وقد فعلت ما ~~يجب علي فعله، فجئتك ms066 بأبيك الذي سيكون لك خير نصير، فلم يبق علي غير الاستئذان ~~بالانصراف. # فقال البارون: إن دي مونسورو لم يفعل ما فعل إلا خوفا من غضب الدوق، ولا أرى الكونت إلا ~~مصيبا في خوفه مثل هذا الخوف أيضا. # فرشقت ديانا الكونت دي باسي بنظرة ملؤها الحنان والاستعطاف، كأنها تقول له: أنت ... أيها ~~البطل الشهير ، يخلق بك أن تخاف الدوق كما خافه مونسورو! # ففهم الكونت معنى هذه اللحظة الناطقة، فتبسم ثم نظر إلى البارون فقال: أرجو مولاي ~~البارون أن يسأل ابنته إذا كانت راضية عن هذا الزواج الذي صادقت عليه؟ # فتأوهت ديانا تأوها طويلا دل على شدة شقائها، وكان خير جواب. # فقال باسي: والآن يا سيدي البارون، ألست أنت الذي أمرت ابنتك أن تقترن بالبارون؟ ~~- نعم، بشرط أن ينقذها، وإذ قد أنقذها ووفى بوعده كشريف؛ فقد وجب علي أيضا أن ~~أفي بعهودي وأسلك مسلك الأشراف، فهي إذا له وهو لها، ولا سبيل إلى الإخلاف. # فتنهدت ديانا وقالت: أواه! يا ليتني مت قبل هذا! # أما باسي فإنه نظر إلى ديانا نظرة حزن وجزع وقال: أرأيت يا سيدتي، إني كنت مصيبا حين ~~قلت بأنه لم يبق علي غير أن أستأذن بالانصراف؛ لأن أباك يحب الوفاء بما وعد. # ودنت ديانا من باسي وقالت: لا تطعن قلبي أيها الكونت الطعنة الأخيرة، فإن أبي لا يعلم ~~بعد أني أخاف هذا الرجل وأكره هذا الزوج، وأنظر إليه كما ينظر المحكوم عليه بالقتل إلى ~~الجلاد ... # فقال البارون: ولكنه أنقذك يا ديانا مما هو أشد من الموت، وعرض نفسه لأشد الأخطار كي ~~ينقذ شرفك من العار، فما هذا الكره الشديد؟ وما علة هذه الشكوى؟ # فقال باسي: نعم، إنه أنقذها أيها البارون من يد رجل أثيم، لكنه لم ينقذها صيانة للشرف، ~~بل هو قد سلك في ذلك سبيل المآرب الذاتية، ولا أحد يعلم ما هي غايته؛ لأن كل أعماله خفية ~~مغلقة، ولا يبعد أن يكون وراء هذا الحجاب سر هائل ستكشفه لنا الأيام، غير أني أقول بأني لو ~~كنت في مكان ms067 مونسورو وأنقذت ابنتك كما أنقذها، لما طلبت تعويضا عن هذه الخدمة التي ~~يقبح فيها كل عوض. ~~- ولكن فاتك أيها الكونت أنه يحبها، وذنوب الحب قريبة منال الغفران. # فبدرت كلمة من باسي وقال: وأنا ألا ... # ثم ألجمه الحياء عن أن يتم عبارته، فوجم عن الكلام. # ولكن ديانا فهمت كل ما كان يريد أن يقول ، فدنت منه وقد صبغ الحب وجنتيها بحمرة ~~الخجل، ثم قالت: إنك وقفت على دخائل قلبي، وطلبت إلي أن أقبل مساعدتك كأخ وصديق، وتذكر ~~أني قد قبلت منك هذا الإخلاص، والآن أسألك أيها الصديق، وأيها الأخ، هل تستطيع أن تساعدني ~~في شيء؟ # فقال البارون: ولكن الدوق دانجو، كيف لنا بمقاومة هذه الصاعقة التي أرسلها الله على الأرض ~~لعقاب البشر؟ # فقال باسي: طب نفسا أيها البارون، فلست من الذين يرهبون غضب الأمراء، ومع ذلك فليس ~~الدوق الذي يجب أن نحذر منه، بل ينبغي الحذر من مونسورو، فإني سأدع هذا الدوق يرجع عن غروره ~~ويكون لك عونا على صهرك. # فلم يحفل البارون بهذا الكلام، وتجسم في قلبه الخوف من الدوق، فقال: لكن إذا علم الدوق ~~بأن ديانا في قيد الحياة ... # فاستاء باسي مما سمع وقال: إن مغزى كلامك يدل على الريبة، وربما خطر لك أن مونسورو هو ~~أقدم مني في صحبة الأمراء، وأنه أرفع مني مقاما وأسمى منزلة في عيونهم، فإذا كان ذلك ~~فلندع الكلام في هذا الشأن، وارفض كل ما عرضته عليك من الخدمة ... ولا تأبه بمساعدة ~~الدوق التي عرضتها عليك، وألق معظم اتكالك على ذاك الرجل الذي جعلته موضع ثقتك ~~... # أما أنا فقد انتهيت من عملي، وقد قمت بما تفرضه علي واجبات النبل من الخدمة، فلم ~~يبق علي سوى أن أودعكم، وأدعو لكم بالهناء الدائم. # ثم قفل يريد الانصراف ... فتمسكت ديانا به وجثت أمامه على ركبتيها وهي تقول: بالله ~~لا تذهب ولا تدعنا وحدنا، فإني أتوسل إليك أن تبقى بقربنا وأن تساعدني على ما أنا ~~فيه. # فضم باسي يد ديانا بين يديه وهو يرتعش من تأثير الغرام ... وقد ms068 سقط غضبه عند توسلها ~~كما تسقط الثلوج المتراكمة لابتسام الشمس ... ثم أوقفها ونظر إليها نظرة ملؤها الحب والحنان ~~وقال: إذا كان ذلك فإني أقبل هذه الخدمة التي اعتبرها خدمة شريفة مقدسة، وثقي بأني سأخدمك ~~خير خدمة، وسأجتمع بالدوق وأنقذك مما أنت فيه قبل مرور ثلاثة أيام، وإلا فلست الكونت دي ~~باسي. # ثم اقترب منها أيضا، وقال لها همسا: نحن الآن خصمان لدودان للمسيو دي مونسورو، فاذكري ~~أنني أنا الذي أتيت إليك بأبيك، وكوني لي كما أنا لك. # فشددت ديانا على يده، وقالت: إني لا أنسى حنوك إلى الأبد. # فودعها الكونت وانصرف. # الفصل السادس عشر # | كيف علم الدوق دانجو أن ديانا دي ماريدور في قيد ~~الحياة # بينما كان الكونت دي باسي في منزل ديانا يجمعها بأبيها، ويعدها بأن يجد لها مخرجا مما هي ~~فيه، كان الملك وبطانته في قرية شارتر يصلي إلى الله في كنيستها ويتوب عن خطاياه، وهي ~~عادة له كان يجريها في كل عام في يوم مخصص. # فيقتدي به جميع أعوانه والمقربين إليه. # وكان في جملة أولئك التائبين المصلين الدوق دانجو. # ففيما هم وقوف في ساحة الكنيسة، والدوق مشتت البال ساهي الطرف، إذ شعر برجل قد التصق ~~به. # فالتفت وصاح منذهلا يقول: أهذا أنت يا باسي؟ وما جاء بك؟ ~~- نعم يا مولاي، وقد أتيت من باريس على جناح السرعة، لأكلمك في بعض المهام. ~~- لماذا لم تأت من قبل فتشترك معنا بهذا التذكار السنوي؟ ~~- ذلك لأني كنت بعيدا عن باريس منذ ثلاثة أسابيع، ولم أعد إليها إلا اليوم. ~~- وما عسى أن يكون حدث أثناء غيابك من المهام؟ ~~- إني لأجل هذا أتيتك، فعين لي موعدا أجيئك فيه. ~~- سنلتقي بعد الفراغ من الصلاة، فإنها على وشك الانتهاء، ومتى خرجنا من الكنيسة نذهب في ~~الحال إلى المنزل فنتحدث بما نشاء. # فوقف الكونت مع الواقفين. # وبعد حين انتهت الصلاة. # فخرج الجميع يتقدمهم الملك وعلى وجهه آثار الخشوع، وفي جملتهم الدوق. # فدنا من الملك واستأذن منه بالذهاب، فأذن له ... # فسار على الفور مع الكونت دي ms069 باسي حتى بلغا إلى المنزل، فاختليا فيه ودار بينهما الحديث ~~الآتي ... # فقال الدوق: اجلس أيها الصديق وحدثني بما جرى لك، فإني حسبتك في عداد الأموات، وقد ~~سر جميع أعدائك لبعدك، ولكن لندع الآن هذه الأحاديث وقل لي ما علمته من شأن تلك ~~الفتاة التي كنت تسير في إثرها، فقد عرفت شيئا من أمرك . # وقال باسي وهو يحتدم غيظا: مولاي يجب أن تحصد ما زرعت، أي العار والخجل. # فاصفر وجه الدوق وقال: ماذا تقول؟ ~~- لقد سمع مولاي ما قلته، فلا حاجة إلى الإعادة. ~~- أوضح ما تقول أيها الكونت ودع الهزل، فليس الهزل من شأنك. # وقال باسي: لست بهازل يا مولاي؛ لأن ما سمعته هو الذي أريد أن أقوله، فاذكر أمر تلك ~~الفتاة تعلم صحة ما أقول. ~~- ولكن من هي تلك الفتاة؟ ~~- هي بعينها. ~~- هل رأيتها؟ ~~- نعم. ~~- وهل كلمتها؟ ~~- نعم، ولا بدع إذا كان يظن مولاي بأنها ميتة؛ لأن كل ما فعل كان يؤيد هذا الظن. # فاصفر وجه الدوق ووقف باهتا يضطرب مغتاظا مما سمع، ولم يبال باسي بما رأى عليه من ~~سمات الغضب، بل عقب وقال: إنك يا مولاي، وإن كنت قد ألقيت بتلك الفتاة الطاهرة النبيلة ~~إلى مهاوي الفجور، غير أنها قد نجت من تلك الوهدة الشائنة، ولكنك لم تبرأ بعد من وصمة ~~جرمك الهائل؛ لأن تلك الفتاة التي نجت من مخالب الموت والعار قد وقعت بما هو أشد من ~~الموت ومن العار. # فقال الدوق وهو يضطرب كريشة بمهب الريح: قل ما أصابها؟ ~~- إن الذي أصابها يا مولاي هو أن رجلا أنقذ شرفها من العار وحياتها من الموت ... ولكنه ~~كافأ نفسه عن هذه الخدمة بما ودت لو لم يكن قدم لها؛ فإن تلك الفتاة التي كانت تدعى ~~الآنسة دي ماريدور قد اضطرت بالرغم منها أن تدعى مدام دي مونسورو؛ حذرا من أن تدعى ~~خليلة الدوق دانجو. # فاصفر وجه الدوق اصفرارا شديدا من الغيظ وقال: أصحيح ما تقول يا كونت؟ ~~- هي الحقيقة بعينها؛ لأن مثلي لا يعرف الكذب أيها الدوق. ~~- إني ms070 ما أردت بسؤالي أن أظهر عدم الثقة بكلامك، لكني أوردته على سبيل الإنكار لما ~~أتاه مونسورو؛ لأنه لم يدر في خلدي أن رجلا من أتباعي يجسر على خيانتي ومزاحمتي فيمن ~~أحب. ~~- ولماذا تستنكر ذلك؟ ~~- لأنه منكر بالطبع ... ألعلك كنت تفعل فعله ... لو كنت في مكانه؟ ~~- بل كنت أصنع أحسن من ذلك، أي كنت أحذر سيدي الدوق وأقول له إن شرفه معرض ~~للضياع. ~~- تمهل أيها الكونت واعلم أني لا أحاكم. ~~- هذا خطأ منك، فإنك إذا كنت دوقا، فأنت رجل نبيل أيضا، ومن شروط النبالة ~~الوفاء. ~~- إذا أسألك أن تكون الحكم بيني وبين مونسورو. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت، وأريد أن تحكم بالقسط بيني وبينه، ألا تعد هذا الرجل خائنا لي بعد فعله ~~الشنيع وهو يعلم نواياي؟ ~~- ما هي نواياك؟ ~~- لم تكن نيتي في اختطاف الفتاة واغتصابها، بل كان جل قصدي أن أدعها تحبني مع مرور ~~الأيام. # فابتسم باسي ابتسامة المتهكم وقال: أهذه هي نواياك يا مولاي؟ ~~- نعم، ولقد حافظت على هذه النيات إلى آخر دقيقة، بالرغم من معارضة مونسورو لي ~~فيها. ~~- ماذا أسمع يا مولاي؟ ... ألعل مونسورو كان يدفعك إلى اغتصابها؟ ~~- نعم، وهو الذي اختطفها وبعث بها إلى قصري في بوجي، وهذا كتاب منه سأطلعك عليه ~~لتستدل منه على صحة ما أقول. # ثم غادره الدوق حينا وعاد يحمل رسالة مفضوضة، فألقاها إلى باسي وقال ~~له: اقرأ. # فأخذ الكونت الرسالة بيد ترتجف، وتلا بصوت أجش ما ~~يأتي: # مولاي ... # ليطمئن بال سموكم، فإن الطير قد وقع في الشرك وستنالون ما تبتغونه من غير خطر؛ ~~لأن الفتاة مسافرة في هذا المساء إلى منزل عمتها، حيث تقيم فيه ثمانية أيام، ~~وسأخطفها في الطريق وأبعث بها إلى قصركم في بوجي، فتنالون منها ما تشاءون، وأنا هنا ~~أحول الأنظار عن كل ريب. # خادم سموكم المطيع # مونسورو # فقال الدوق: ما تقول أيها الكونت بعد أن قرأت هذا الكتاب؟ ~~- إنه خدمك أجل خدمة. ~~- تريد أن تقول إنه خانني أشد خيانة، فإنه لم يكتف باختطافها مني، بل إنه جعلني أعتقد ~~أيضا أنها ms071 لم تعد في قيد الحياة. # فأجابه الكونت يقول بلهجة المتهكم: لا أنكر أن هذه الخيانة عظيمة لا تطاق، لكن حبه للفتاة ~~يمهد له سبيل العذر عن هذه الخيانة، وقد فعل أيضا ما لست تعلمه، وهو أنه أقنع الأب ~~والابنة أنك أنت المغتصب، وأنه هو المنتصر لهما غيرة على الشرف وصيانة لكرامة الأسرات، ~~فجاء إلى قصر بوجي مصحوبا بكتاب من أبيها يأمرها فيه بالوثوق به والمسير معه، فأنقذها من ~~القصر على قارب صغير خاض فيه النهر إليها، وجاء بها إلى باريس، فما زال يعظم لها أمرك، ~~ويحذرها من عودة الوقوع في أشراكك، حتى اضطرت على الكره منها إلى إجابة مطالبه، فقبلت أن ~~تكون له امرأة، وهي عروسه منذ بضعة أيام. # فاحتدم الدوق غيظا وهدد السماء بقبضتيه وقال: من الذي ينقذه من غضبي بعد هذه ~~الخيانة الهائلة، وسترى أيها الكونت كيف يكون انتقامي! # فعبس باسي وقال: كلا يا مولاي، فإن الأمراء لا ينتقمون، بل يظهرون الجريمة ويعاقبون ~~عليها عقابا؛ لأن من كان قادرا على البطش فهو معاقب لا منتقم. ~~- وكيف ترى أن يكون العقاب؟ ~~- أن تطلق سراح ابنة ماريدور. ~~- أتظن بأن ذلك مستطاع؟ ~~- نعم، وهو سهل أيضا، فإن زواجه بها كان مغتصبا ولا يصح الزواج بالاغتصاب، فاجتهد إذا ~~بإلغاء الزواج تحسن إلى الفتاة، وتعاقب الخائن، وتنهج نهج الأمراء والأشراف، فإني يسوءني ~~أن يقال بأن الكونت دي باسي يخدم أميرا لا ينتصر للنبل والنبلاء. ~~- سيكون ما تريد أيها الكونت، لكن قل لي كيف يمكن نقض الزواج؟ وبأية طريقة ~~يلغى؟ ~~- ذلك بأن تدع أباها يبدأ بالطلب. ~~- ولكنه بعيد عنا، فهو في ماريدور. ~~- كلا يا مولاي، بل هو في باريس. ~~- ألعله في منزلك؟ ~~- بل هو مقيم مع ابنته، فاجعله يا مولاي يغير عهده فيك، ويثق بك، فيباركك ويذكر اسمك ~~بالخير ما بقي له من العمر ... لا تنظر يا مولاي إلى نبله وكرم أصله، بل اعتبر أنه أب، وأن ~~ابنته شقية، وأن هناءهما موقوف على كلمة تصدر من فمك. ~~- سأفعل جميع ذلك أيها الكونت ... فمتى أقدر ms072 أن أرى ذاك البارون؟ ~~- عند عودتنا إلى باريس، فهل أتكل على وعدك؟ ~~- طب نفسا لأني موف بما أقول. ~~- وأين أراك في باريس؟ ~~- غدا صباحا في قصر الملك. # فافترق عنه باسي وطار بأجنحة الغرام إلى ديانا ليخبرها بما كان، وإلى البارون ليعزيه ~~عما هو فيه. # الفصل السابع عشر # | ما حدث بين الدوق دانجو والمسيو دي مونسورو # وعاد الملك بحاشيته العظيمة إلى باريس. # وفي صباح اليوم الثاني أقبل الكونت دي باسي إلى القصر، وجعل ينتظر في البلاط مع الواقفين ~~في انتظار خروج الملك، وكان في جملتهم دي مونسورو. # وفيما هو واقف يتحدث مع شيكو، وينظر إلى مونسورو من حين إلى حين نظرات ملؤها الكره ~~والوعيد، إذ أتاه رسول يدعوه من قبل الدوق. # فدخل عليه ووجده جالسا في كرسيه، وبيده تلك الرسالة ينظر فيها، وملامح الغضب بادية في ~~محياه العبوس. # فنظر إلى الكونت وقال: أوصل مونسورو؟ ~~- نعم، وهو ينتظر في ردحة البلاط، فهل أنت باق على عزمك؟ ~~- نعم، وهو عزم ثابت لا يتغير؛ لأني ما فكرت في جرمه إلا ورغبت أن أسحقه سحق ~~الزجاج. ~~- وستأمر أيضا بفصل الزوجين وإلغاء هذا الزواج المغتصب؟ ~~- نعم، لأنه أمر اتفقنا عليه ولا يمكن أن أحول عنه، والآن اخرج وادعه لي لأني أريد أن ~~أكلمه. # فخرج باسي وهو موعب فرحا إلى ردحة البلاط، فنظر إلى مونسورو بملء العظمة وأخبره أن الدوق ~~يريد أن يراه. # فامتثل مونسورو ودخل إلى غرفة الدوق. # أما باسي فإنه وقف بين أصحابه يتحدث معهم وقلبه منشغل بما يجري في الغرفة. # وفيما هم يتحدثون إذ سمعوا الدوق يصيح صياح الغضب، وقد تلا هذا الصوت صوت زجاج قد كسر ~~على الأرض بحدة، فامتلأ فؤاد باسي سرورا وقال في نفسه: هو ذا الدوق قد وفى بوعده، ~~وسأكون لديانا وتكون لي. # وجعل الحضور الذين سمعوا صياح الدوق يتكهنون ويرجمون بالغيب عن السبب الذي حمل البرنس على ~~مثل هذا الغضب على مونسورو الذي اشتهر أخيرا بالميل إليه. # وفيما هم على مثل ذلك، إذ فتح باب الغرفة وخرج منها مونسورو، ms073 فخرج معه الدوق إلى الباب ~~يودعه بألطف الابتسام قائلا: إلى اللقاء أيها الصديق. # فقال له مونسورو، على مسمع من الحضور الذين ذهلوا لما رأوه من الانقلاب: إذا سأقدمها ~~في المساء لجلالته. ~~- افعل ما تشاء لأني سأهيئ كل شيء. # ثم همس في أذنيه بعض الكلام. # فانحنى مونسورو وقال: سأصدع بأمر سموكم. # ثم انحنى مسلما ، وذهب إلى أولئك المجتمعين فقال لهم وعلائم البشر بادية في محياه: ~~اسمحوا لي أيها الأسياد، أن أوقفكم على أمر تجهلونه ... وهو أن مولاي الدوق قد أذن لي أن ~~أشهر زواجي الذي عقدته منذ مدة مع السيدة ديانا دي ماريدور، التي سأقدمها في هذه ~~الليلة إلى جلالة الملك. # فنزل هذا الكلام على فؤاد باسي نزول الصاعقة، وأدار وجهه إلى باب غرفة الدوق، فوجده لا ~~يزال واقفا على الباب، فرماه بنظرة غاية في الاحتقار. # فاصفر وجه الدوق ودخل مذعورا وأوصد الباب خلفه. # أما باسي فإنه وضع يده على قبضة حسامه، وجرد بعضه وهو يلتهب غيظا. # ولكنه لم يلبث أن ذكر ديانا، حتى لطفت تلك الذكرى حدته، وعاد إليه صوابه. # فخشي إذا بقي في ذاك البلاط المكروه أن تبدر منه بادرة حدة يصنع فيها ما لا تحمد ~~عقباه. # فخرج من بين رفاقه وهو يلعن ذاك الأمير الكاذب. # وانطلق واليأس ملء فؤاده إلى منزل ديانا ... فدخل عليها وقال: احتقريني أيتها السيدة ~~وأبغضيني، لقد ظننت نفسي رجلا، وقد حسبت أني أقدر أن أصنع شيئا ... # فإذا أنا رجل خامل ضعيف لا أستطيع أمرا، حتى إني لا أقدر أن أسحق قلبي وأنزع هذه ~~الحياة الشقية. # والآن فإني أقول: أنت زوجة مونسورو الشرعية، وأنت ستقدمين لجلالته في هذا المساء، ~~وإني تعيس شقي لا حظ لي في هذه الحياة، أما الدوق دانجو فهو رجل خائن سافل. # ثم ترك ديانا وأباها وهما لا يعلمان ما يقولان. # وخرج والدم يكاد أن يخرج من عينيه، فركب جواده وأطلقه ينهب الأرض نهبا وهو لا يعلم أين ~~يسير. ~~••• # ولا بد أن يكون القارئ ينتظر أن نقص عليه السبب الذي حمل الدوق ms074 دانجو على موالاة ~~مونسورو ونقضه لعهده مع باسي. # ولذلك، فإننا نذكر ما جرى من الحديث بين مونسورو والدوق، فيقف القارئ على ما يود الوقوف ~~عليه من تفصيل هذه الحادثة، فنقول: # كان الدوق يتنازعه عاملان عندما دعا إليه بمونسورو؛ وهما خيانة هذا الرجل له بعد ثقته ~~الشديدة بإخلاصه. # وحمية الكونت دي باسي، وما أظهره في سبيل الدفاع عن البارون دي ماريدور. # وكلا العاملين قد أثارا غضبه، وهاجا مكامن حقده على ذلك الرجل الذي كان موضع ثقته في كل ~~أمر. # فلما دخل مونسورو قابله الدوق بوجه عابس وهو يكاد يتميز من الغيظ، وملامح الانتقام ~~بادية بين عينيه. # فلم يكترث مونسورو بما لقيه من برود هذه المقابلة، وتكلف هيئة عدم المبالاة فقال: ~~بماذا يأمر مولاي؟ # فقال له الدوق: لا تخش بأسا؛ لأننا منفردان بهذه الغرفة حيث نستطيع أن نتباحث فيما ~~نريده بحرية وجلاء. # فانحنى مونسورو ... ودار بينهما الحديث الآتي: # فقال الدوق: قلت لك إننا سنتكلم بحرية ومن غير خوف، فأنت خادم أمين، ولي بك من الثقة ~~بقدر ما عندك لي من الإخلاص. ~~- ذاك لا ريب فيه يا مولاي. ~~- وأنا لا أشك بذلك أيضا؛ لأنك طالما أرشدتني إلى اعتصاب أعدائي ضدي، وطالما عرضت ~~نفسك إلى الأخطار في سبيل خدمتي، ولا سيما في الحادثة الأخيرة التي تستحق عليها خير ~~الجزاء. ~~- وأية حادثة يعني مولاي؟ ~~- حادثة تلك الفتاة المسكينة ابنة البارون ماريدور. # فتأوه مونسورو، ووضع يده على عينيه، كأنه يريد أن يطرد تلك الذكرى. # فقال له الدوق: أراك آسفا على تلك الفتاة! ~~- نعم يا مولاي، أولست مشاركا لي بهذا الأسف؟ ألعلك نسيت ذلك المصاب؟ ~~- كيف أنساه؟ ... وأنت الذي اختطفت لي تلك الفتاة ... فإذا كنت أنساه، فقد وجب أن أنسى ~~صداقتك ... وجميع ما بذلته لي من الخدمات. ~~- لا تحزن يا مولاي؛ لأن موتها إذا كان ذنبا فإن الله غافر لك هذا الذنب، فإنك لم تكن ~~تريد لها مثل هذا الموت. ~~- ربما كان ذلك، لا سيما وأن موتها قد ألقى حجابا كثيفا على تلك الحادثة ~~المشئومة. # وكان الدوق ms075 يتكلم بصوت يرتجف من غيظ لم يستطع ستره ... فأدرك مونسورو للحال أن الدوق ~~عارف بدخيلة الأمر، ولم يجد بدا من التصريح فقال: أيأذن لي مولاي أن أتكلم بحرية ~~وجلاء؟ # فقال له الدوق بعظمة وانذهال: إني أعجب لما تقول! ... ولا أدري ما الذي يمنعك عن قول ما ~~تريد أن تقوله. ~~- ذلك لأني خشيت أن تستاء من اتخاذي الحرية فيما سأقول. # فقهقه الدوق ضاحكا ضحكا غريبا، يدل على أنه قد بلغ منتهى درجات الغيظ، بحيث لم يبق ~~أقل ريب لدى مونسورو فقال: ألعل سموكم تعتقدون أن ديانا دي ماريدور لا تزال في قيد ~~الحياة؟ ~~- نعم، ولم يعد مجال إلى التستر والكتمان؛ لأني لا أعلم على أي محمل يجب أن أحمل ~~تصرفك؟ # فإنك كنت تعلم شدة حزني لموت تلك الفتاة، وكنت تعلم أني لا أذوق طعم الرقاد ~~لفقدها. # فكانت كلمة منك تشفيني مما أنا فيه، وترد إلي ما فقدته من الهناء بفقدها. # ولكن هذه الكلمة لم تقلها، فكأنك كنت فرحا لأحزاني، فكيف تريد أن أعتبر هذا ~~السلوك؟ # وكان الدوق يتكلم وهو في أشد حالات الحنق. # فوقف مونسورو وقال: إن لهجة سموكم تدل على الشكوى مني، وأنكم حانقون علي. # فوقف الدوق أيضا وخطا خطوة نحوه وقال: أيها الخائن، إني أشكوك وأعزز أسباب شكواي ~~بالبراهين، فإنك قد خنتني شر خيانة، وسلبت مني تلك الفتاة التي كنت هائما بها. # فاصفر وجه مونسورو ... ولكنه لم يفقد شيئا من جرأته وثباته وقال: نعم، إن ما تقوله ~~صحيح. ~~- أتعترف بجريمتك أيضا من غير خوف أيها الوقح المحتال؟ ~~- تفضل يا مولاي واخفض صوتك بالكلام، فلقد نسيت كما يخال لي بأنك تحادث رجلا شريفا ~~وخادما صادقا. # فأخذ الدوق يضحك ضحك غيظ وهزء، فعقب مونسورو قائلا من غير أن يعبأ بضحك الدوق: خادم ~~مخلص للملك. # فوقف الدوق عندما سمع هذه الكلمة، وقال وهو يرتجف من الرعب: ماذا تعني بما قلت؟ ~~- أريد به أن مولاي لو أصغى لكلامي لعلم أن لي الحق بأخذ تلك الفتاة التي يحبها ~~سموه. # فوقف الدوق حائرا باهتا لهذه ms076 الجسارة، وهو لا يعلم بماذا يجيب. # أما مونسورو فإنه قد أتم حديثه قائلا: وإني إذا كنت قد سلبت تلك الفتاة كما يقول ~~مولاي، فذلك لأني أنا أحبها أيضا. ~~- ألا تعلم أيها الوقح أني أنا أحبها؟ ~~- هذا أكيد يا مولاي، لكن ديانا دي ماريدور لا تحبك. ~~- ألعلها تحبك أنت؟ ~~- ربما كان ذلك. ~~- كذبت، فإنك قد اختطفتها بالحيلة كما اختطفتها أنا، ونحن على السواء بإزائها. # ولكني أنا السيد، سقطت وأحبطت ... وأنت الخادم التابع نجحت وظفرت ... وهذا غاية العجب! ~~فاعلم أنه إذا كان لك الخيانة فإن لي القوة. ~~- مولاي، إني أحبها. ~~- وما يهمني ذلك، فقد كان يجب ألا تعرض نفسك لحب فتاة تروق بعين سيدك ~~ومولاك. ~~- مولاي اذكر. ~~- أتنذرني أيضا أيها الخائن؟ ~~- لا أنذرك يا مولاي، ولكني أقول لك احذر لأني أحب تلك الفتاة، وما أنا بخادمك كما قلت ~~الآن، فإن امرأتي هي لي كما أن لي الأرض التي أملكها، فلا يحق لأحد أن ينازعني فيها حتى ولا ~~الملك نفسه، ولذلك فقد أردت أن أتزوج بهذه الفتاة وتزوجتها. # فقام الدوق إلى المنضدة، يريد قرع الجرس ودعوة الخادم، وهو يقول: أنت أخذتها ولكن ~~ستردها. # فأسرع مونسورو وحال بينه وبين المنضدة قائلا: أنت منخدع يا مولاي، فلا تخطئ بالإساءة ~~إلي واعدل عن هذا القصد السيئ، فليس هو في شيء من الحكمة، فأنت إذا دعوت الخدم وأهنتني ~~أمام الناس ... # فقاطعه الدوق وقال: إذا فسترد تلك الفتاة. ~~- كيف تريد أن أردها وهي امرأتي أمام الشرع وأمام الله؟ ~~- إذا كانت امرأتك أمام الله، فأنت ستردها أمام الناس. ~~- إذا فأنت عارف بكل أمر. ~~- نعم، لأن عيني لا تغفل، ولا يمكن لمثلك أن يخونني مثل هذه الخيانة، فأنت ستلغي عقد هذا ~~الزواج المغتصب، بل أنا أنقضه بنفسي ولو عقد أمام جميع الآلهة في كل السماوات. ~~- رويدك، يا مولاي ... لقد بلغت بك الحدة إلى الجحود والكفران. ~~- لا تقطع علي الحديث ولا تعترضني فيما أقول؛ لأني آمرك أن ترد في الغد تلك الفتاة ~~إلى أبيها، وأن تستقيل من المنصب الذي قلدتك إياه، ms077 وأن تستعد للذهاب إلى المنفى الذي ~~سأرسلك إليه، وهذا جل ما أريده الآن! # فاصدع بهذا الأمر! # وإذا خطر لك العصيان، فاحذر لنفسك ... لأني أسحقك كما أسحق هذا القدح. # وأخذ الدوق عند انتهاء كلامه قدحا من الزجاج وألقاه بحدة إلى الأرض. # فوصل صوته إلى الواقفين في البلاط، وعلموا أن الدوق حانق على صفيه كما قدمناه. # أما مونسورو فإنه لم يكترث بما سمع من تهديد الدوق، وأجابه بمنتهى البرود يقول: إني لا ~~أرد تلك الفتاة، ولا أنقض عقد الزواج المقدس، ولا أستقيل من منصبي، ولا أبرح فرنسا ... ~~وفي الجملة فلا أصدع بحرف من أوامرك هذه. # فبهت الدوق وقال: لماذا؟ ~~- لأني سأستغيث بملك فرنسا، وأطلب مراحم ذاك الملك الذي وضع على رأسه التاج، وبويع في ~~دير سانت جنفياف. # فإن هذا الملك الشريف الكريم ... لا يرفض إجابة أول ملتمس يعرض عليه. # فإني أحبها وهذا خير عذر لي فيما أراه. # فقال الدوق: وأنا أيضا أحبها. ~~- هذا أكيد ... وأنت سيدي وملكي، ولكن حبي لها هو فوق كل حب. # فاصفر وجه الدوق اصفرارا شديدا، وتقدم نحو مونسورو فقبض على يده بيد مرتجفة وقال: ~~أخفض صوتك أيها الكونت ... واعرض هذا الملتمس؛ لأني مصغ إليك. # فهدأ روع مونسورو وقال: إني يا مولاي من أشد الناس إخلاصا لسموكم، وما كنت أود أن أصنع ~~شيئا مما صنعته. # ولكن هو الحب يا مولاي، وهو شديد السلطان، وقد فعلت ما فعلت مكرها مرغما. # فإذا كنت قد أذنبت، فإن الحب شافعي. ~~- قلت لك أيها الكونت إن عملك خيانة لا تقبل الصفح. ~~- إن حلمك أوسع من ذنبي، فلا أقنط من مراحمك وعفوك ... ولقد رأيتك يا مولاي أعظم أمير في ~~هذه البلاد، ثم رأيت نور المستقبل يضيء لك، ونجم سعدك يشرق في أفق المجد، ورأيتك في شاغل عن ~~هزل الغرام بجد ذلك المستقبل الخطير اللامع، فقلت: لأدع هذا الأمير العظيم يجتهد في ~~تحقيق أماني مستقبله، ولأجتهد في تحقيق أماني قلبي. # فلما دان له ما يريد وخفق فوق رأسه العلم الملكي ... # فاعترضه الدوق وقال: توقف أيها الكونت ms078 وحسبك ما قلت. ~~- إذا أنت تصفح عني؟ # فنظر الدوق إلى الحائط، فرأى معلقا عليه رسم الكونت دي باسي كأنه ينظر إليه ويؤنبه ~~على ما سيفعل، ويذكره بسابق وعده، فاختلج لمرآه وقال: كلا، لا أصفح عنك؛ لأني لا أستطيع ~~مثل هذا الصفح، والله يعلم أني لا أسألك رد هذه الفتاة كي تكون لي، بل لأن أباها يطلب ~~أن ترد إليه. # وفوق ذلك فهي تقول إن زواجك بها كان مغتصبا، وتطلب الانفصال عنك والانتقام منك. # فاعلم إذا أن من واجبات الأمراء العدل، وأني سأدع العدل يجري في مجراه ... # لأني أمير والعدل من أهم واجباتي. # فقال منسورو: ولكن فاتك يا مولاي أنه إذا كان العدل من واجبات الأمراء، فإن عرفان الجميل ~~من واجبات الملوك. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول إنه لا يخلق بالملك أن ينسى الذي أقامه على العرش وألبسه التاج، وأنت تعلم أنك ~~مدين لي بذاك التاج. # فوقف الدوق منذعرا، وقال بصوت منخفض خافت تتبين منه لهجة الرعب: ألعلك تخون الملك ~~أيضا كما خنت الأمير؟ ~~- إني لا أخون أحدا ولست بخائن، ولكني لا أخلص الخدمة إلا لمن يحسن إلي ويكافئني ~~بما أستحقه من حسن الجزاء. # فأسقط في يد الدوق، وشعر بأنه مغلوب. # فعاد إلى اللطف واللين، ونظر نظرة ثانية إلى صورة الكونت دي باسي، فتأوه تأوها ~~شديدا وقال: أنت أيها الكونت رجل نبيل، وقد علمت أني لا أستطيع موافقتك على ما ~~تريد. ~~- ولماذا يا مولاي؟ ~~- لأن ذاك غير خليق بي وبك، فاترك هذه الفتاة أيها الصديق العزيز، وأنا أعيضك عنها بما ~~تشاء. # فاصفر وجه مونسورو من الغيرة وقال: ألا تزال تحبها يا مولاي؟ ~~- كلا، إني لا أحبها، وأقسم على ذلك بأعظم الأيمان. ~~- إذا فمن الذي يجسر على أن يعترض سموكم؛ لأنها امرأتي وأنا رجل نبيل، فمن يحق له ~~أن يتدخل في شئوني العائلية؟ ~~- ذاك أكيد، ولكنها لا تحبك. ~~- إذا كانت لم تحبني اليوم، فستحبني في الغد ... وماذا يهمني إذا أحبتني أو ~~كرهتني. ~~- افعل ما أريد واجعله إكراما لي. ~~- حبذا يا مولاي لو استطعت إليه ms079 سبيلا ... ولكني لا أطيق سلوانها ... # فاحتدم الدوق غيظا وأطبق يده من الحنق، كأنه يريد أن يسحق بها ذاك الرأس الذي لم يستطع ~~أن يتغلب عليه، ثم قال: والآن ... # فقال مونسورو: أرجو من جلالتكم أن تتأملوا. # فارتاع الدوق لذكر لفظ الجلالة، وجعل العرق البارد يتصبب من جبينه، ثم قال: إذا أنت ~~عازم على إشهار أمري وإطلاع الملك على سري. ~~- لا أجد بدا من ذاك، إذا كنت تريد أن تمس شرفي، فإذا كانت خدمة الملك الجديد لا ~~تنفعني ... فإني أعود إلى خدمة الملك القديم. ~~- ويحك! ... أين أضعت شرفك وعهودك؟ ألا تعلم مقدار هذه الخيانة؟ ... ~~- نعم يا مولاي، ولكن حبي هو أعظم منها. ~~- أنت سافل دنيء. ~~- إني أحب الدوق حبا شديدا لا تذكر في جانبه السفالة. # فخطا الدوق خطوة نحوه، وقد اتقدت عيناه بشرر الغيظ ووضع يده على حسامه وهو يحاول ~~قتله. # ولكن مونسورو أوقفه بنظرة وابتسامة ثم قال: أنت لا تستفيد شيئا من قتلي؛ لأن من ~~الأسرار ما لا تدخل مع أصحابها إلى القبور، فخير لنا أن نبقى على ما كنا عليه، أنت ملك ~~شفوق رحيم، وأنا تابع مخلص أمين. # ففرك الدوق كفيه من الغيظ، حتى إنه كاد يدميهما ويمزق جلدهما بأظافره. # ثم أخذ يمشي في الغرفة بخطوات غير موزونة، وهو يكاد يجن من جسارة مونسورو الذي لم يستطع ~~أن يعاقبه على جرأته، ولا يجسر على معاداته لما بينهما من الروابط الهائلة. # فإنه لو فاه بكلمة من حادثة الدير لذهبت جميع أمانيه ضياعا، ولقتله أخوه الملك شر ~~قتل. # فقال له مونسورو: رويدك يا مولاي، ولا تذهب بك الحدة عن عرفان الجميل، فأنت من أعظم ~~الأشراف، وأنت مثال النبل في هذه البلاد ... ألا تحسن إلى رجل يبذل حياته في سبيل خدمتك، ~~وهو من أخص الأعوان، وأخلص المخلصين. # فوقف الدوق برهة يتأمل، ثم نظر إليه وقال: والآن ماذا تريد؟ ~~- أطلب إلى جلالتكم أن ... # فقاطعه الدوق وقال: تبا لك من وقح، ألا تزال تذكر هذا الاسم أيها التعيس، أتريد أن ~~أتوسل إليك كي تمتنع عن ms080 ذكره؟ ~~- سأمتنع عن ذكره يا مولاي. ~~- قل إذا ما تريد؟ ~~- أريد قبل كل شيء أن تصفح عني. ~~- لقد صفحنا عنك. ~~- ثم تصالحني مع البارون دي ماريدور. ~~- سنفعل ذاك أيضا. ~~- ثم توقع على عقد زواجي بابنته ديانا دي ماريدور. ~~-سنفعل ذاك أيضا، ثم ماذا؟ ~~- لم يبق لي سوى التماس واحد، وهو أن تتعطف على امرأتي بابتسامة يوم أقدمها ~~للملكة. ~~- هذا كل شيء؟ ~~- نعم يا مولاي، ولا أطلب غير ذاك إلا أن أوقف حياتي في سبيل خدمتك. ~~- طب نفسا، فسيكون لك كل ما تريد. # فخرج مونسورو وهو يقول في نفسه: لم يعد علي إلا أن أعلم كيف عرف الدوق. # الفصل الثامن عشر # | الدوق دي كيز في اللوفر # وفي اليوم التالي، بينما كان جلالته ينادم شيكو وهو مفكر مهموم، إذ قدم إليه رئيس الشرطة ~~وقاله له: لدي يا مولاي حديث هام، يجب أن ألقيه في الحال على مسمع جلالتكم. ~~- وماذا عسى أن يكون هذا الحديث الهام الذي تقطع علي فيه ألذ حديث خلواتي؟ # ألعل البلاد ثارت؟ ... أم خرج أمراؤها يتآمرون علي؟ ~~- هو ذاك يا مولاي، لقد حدثت مؤامرة هائلة في دير سانت جنفياف اجتمع فيها أكثر أعيان ~~المملكة، وقاموا بضع ساعات يتآمرون على مولاي الملك، فأنفقت كثيرا من المال حتى توصلت ~~إلى إدراك كنه أسرار هذه المؤامرة ومعرفة أسماء المتآمرين، فأقبلت مسرعا أخبر جلالتكم بما ~~كان تلافيا لما سيكون. ~~- حسنا فعلت أيها القائد، ولكننا عرفنا ذاك من قبل من غير أن ننفق شيئا، فهل تزيدنا ~~على ما نعلمه؟ # فأجفل رئيس الشرطة وقد كان يظن أنه هو وحده الواقف على هذا السر العميق، وقال وهو يتلعثم: ~~عفوا يا مولاي، فإني أعلم أن عين جلالتكم لا تغفل، وشهد الله بأني بذلت النفيس وخاطرت ~~بالنفس لاكتشاف هذا السر، وقد سرني معرفتكم له من قبلي؛ لأنكم قد اتخذتم ما ينبغي اتخاذه ~~من التدابير ولا ريب، فإني ما أقدمت إليكم بهذا النبأ الهائل إلا والرعب ملء قلبي؛ لأن ~~المتآمرين أشداء أقوياء لهم رهبة وبأس. ~~- خفض عليك أيها القائد؛ ms081 لأننا ذاكرون لإخلاصك، شاكرون لتيقظك، وهذه حوالة على وكيل ~~الخزانة تدل على رضانا عليك، وحسن ظننا بك، فابق على ما كنت عليه من المراقبة ... واذكر لنا ~~الآن أسماء أولئك المتآمرين ... لعله يوجد بينهم من لم يصل اسمه إلينا. # فهدأ روع رئيس الشرطة، وأخذ يشرح لجلالته ما علمه من مؤامرة الدير التي يذكر القراء كيف ~~أن شيكو قد وقف على تفاصيلها عندما تلبس بلباس الأخ غورنفلو، وولج الدير بثياب الرهبان، ~~فحضر جميع تلك المؤامرة ... # ولما فرغ من حديثه شكره الملك وأطلق سراحه. # فلم يخل المكان هنيهة للملك وشيكو حتى أقبل الحاجب يخبر بقدوم الدوق دانجو. # فكظم الملك غيظه، وتكلف هيئة الانبساط، فلقي أخاه طلق الوجه باسم الثغر. # وفيما هم يتحدثون إذ سمع من الخارج ضوضاء عظيمة، ووقع حوافر خيول كثيرة. # فأطل الجميع من النافذة فرأوا الدوق دي كيز داخلا بجواده في باب اللوفر العظيم، وهو ~~محفوف بكثيرين من أعيان المملكة وسراة الشعب، والجماهير محيطة به تدعو له دعاء الخلفاء، وهو ~~يجيبهم خير تحية تزيد تعلقهم به وحبهم له. # فذعر الملك مما رأى وقال: ما عسى أن يريد هذا الدوق بقدومه إلينا، وما هذا الموكب الحافل ~~الذي لا يركب به الملوك؟ # ثم عاد من النافذة فجلس في مكانه، فلم يقم حينا حتى فتحت أبواب القصر وعلا الضجيج ~~فيه، وتسابق الحجاب ينبئون جلالته بقدوم الدوق دي كيز. # ثم دخل الدوق ودخل في إثره كثيرون من الأعيان، وسلموا على الملك. # ثم انحنى الدوق مسلما بملء الاحترام، فلم يستطع الملك كتم غيظه فأمره بالجلوس، ثم قال: ~~لا أنكر أنك ابن عمي، وأنت أمير، ولكن قد تجاوزت بهذا الموكب الحافل المحيط بك حد ~~الأمراء، ولم يبق إلا أن تقرع لك الطبول لتكون في مقام الملوك. # فوقف الدوق وقال: تعلم يا مولاي أن الطبول في العاصمة لا تقرع إلا للملوك، وأما في ~~الولايات والأقاليم فهي تقرع لرؤساء الجيوش والأمراء، فهي إذا قرعت هنا لأمير خرج لها ~~دوي شديد وكذلك هناك. # فعض الملك شفتيه من الغيظ، وغير نسق ms082 الحديث فقال: أأنت قادم من مركز الجيش؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- أظن لم تدخل العاصمة إلا في هذا الصباح. # فاحمر وجه الدوق وقال: نعم يا مولاي، إني قدمت اليوم. ~~- إن الزيارة الآن هي شرف عظيم لنا أيها الدوق. # فقال الدوق: لا ريب أن مولاي يريد المزاح فيما يقول، وإلا فكيف يصح أن أشرف بزيارتي ~~ملكا عظيما هو مصدر كل شرف. # فقال الملك بلهجة المتهكم: أريد أن أقول يا ابن عمي العزيز إنه ينبغي على كل مؤمن حسن ~~العقيدة أن يبدأ عند إيابه من السفر بزيارة الكنائس والأديرة، وتقديم فروض الشكر لله؛ لأن ~~الملوك بعد الله. # فاحمر وجه الدوق احمرارا شديدا عند ذكر الدير، ونظر إلى الدوق دانجو نظرة ~~ارتياب. # ثم نكص برأسه ولم يجب ... # فعقب الملك بلهجة التهكم نفسها قائلا: ولقد يسرني في كل حال نجاتك من أخطار ~~الحروب، وإن كنت تعرض نفسك في كل حين إلى أشد الأخطار، فأنت بطل مجرب قد عرفت المخاطر ~~فهربت منك. # لكني أنصح لك يابن عمي العزيز، أن تلبس لباس الحكمة ولا تلقي بنفسك العزيزة إلى غمرات ~~الموت؛ لأن ذاك شديد علينا، نحن الذين لا شاغل لنا غير حفظ قواعد الدين والتفنن في أساليب ~~العبادة. # فقال الدوق: نعم يا مولاي؛ لأننا نعلم جميعا أنك رجل صالح شديد البر والتقوى، لا تحفل ~~بالملاذ ولا يلهيك أمر دنيوي عن الواجب الديني؛ ولذا جئنا إلى جلالتكم بملء الثقة. ~~- ومتى لم يكن لكم بي مثل هذه الثقة؟ ~~- عفوا يا مولاي، فإنما أردت بالثقة ثقتي بإجابة الملتمس الذي أتينا لأجله. ~~- إذا فأنتم قادمون إلينا مقترحين؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- اعرض إذا علينا ما تشاء؛ لأننا مصغون إليك. ~~- إن ما سأقوله يا مولاي أمر عظيم جلل، لم ير مثله التاريخ بغير أيام الصليبيين؛ ~~أيام كانت الناس تلتهب غيرة على حمى الكثلكة والذود عن ديننا القويم. # ولقد خصك الله يا مولاي بعرش عظيم تلتف من حوله قلوب الملايين من المؤمنين، فصن ~~الدين المكين بصولة ذاك العرش، يصن الدين عرشك فيؤيدك دعاء الشعب وينصرك ms083 ~~الله. ~~- ومن الذي يهدد ديننا أيها الدوق؟ ومما تخشى عليه؟ ~~- إني أخشى عليه من الهوكينوت، لقد انتشروا في البلاد أيما انتشار، وتفرقت دعاتهم في كل ~~الأقطار الكاثوليكية، وأصبح الشعب ميالا إلى سماع أقوالهم. # فإذا لم تبعثر تلك الكلمة وتقطع ذاك اللسان، فلا تلبث كلمتنا أن تتبعثر، ولا يلبث ديننا ~~أن يعتريه الفساد. # فنظر الملك إلى شيكو وتبادل الاثنان إشارة خفية. # ثم قال جلالته: إني ممتن لغيرتك أيها الدوق، شاكر لحسن تقواك ... ولذا فإني أظهر لك رضاي ~~عن هذا المشروع ... فقل كيف ترى أن يكون؟ ~~- أن تؤلف من أنصار الكثلكة حزبا عظيما، فتعينون جلالتكم رئيسا لهذا الحزب. ~~- هو ذاك، فاجمع كبار أولئك الأنصار، وائتني بهم لأعين عليهم ذاك الرئيس. # فظهرت على وجه الدوق علائم البشر وقال: متى يا مولاي تريد أن يكون هذا الاجتماع؟ ~~- غدا إن شاء الله. # فانحنى الدوق مسلما وخرج، فخرج معه جميع الحضور. # وأراد الدوق دانجو أن يسير في إثره. # فاستوقفه الملك وقال: ابق أيها الدوق؛ لأني في حاجة إليك. # الفصل التاسع عشر # | الملك والدوق دانجو # وكان جلالته قد أطلق سراح كل من في القاعة حتى ندمائه، فلم يفضل لديه غير أخيه ~~وشيكو. # وكان الدوق دانجو قد تمكن في حادثة الدوق دي كيز أن يخفي اضطرابه عن كل الذين كانوا ~~ينظرون إليه، ما عدا شيكو. # فإن نظراته كانت تنفذ إلى أعماق قلبه، فيستخرج جميع خباياه ويطلع عليها جلالته ~~بالرمز. # فلما خلا بهم المكان، نظر الملك إلى أخيه الدوق وقال له: أتعلم أيها الأخ العزيز أني من ~~أسعد الملوك. ~~- إذا لم تكن أنت سعيدا، فمن عسى أن يكون؟ ~~- نعم إني من أسعد البشر، وذاك أني إذا لم أتوفق إلى ابتكار الآراء الصائبة، فإني أجد ~~حولي كثيرين من المخلصين الذين يبتكرون مثل هذه الآراء. # ألا ترى ذاك المشروع العظيم الذي اقترحه ابن عمنا الدوق دي كيز؟ # فأحنى الدوق رأسه إشارة إلى المصادقة. # فعقب جلالته قائلا: نعم إنه خير مشروع؛ لأننا تحت مظاهر التحالف الديني نجهز فرنسا من ~~حدود كاليس إلى ms084 لانكيدوس، ومن بريطانيا إلى بورغونيا، بحيث يكون لنا جيش عرمرم، نزحف به إلى ~~إنكلترا وفلامندا وإسبانيا من غير أن يقع لأولئك الشعوب أقل ريبة بنا. # ومثل هذا الفكر العظيم يستحق كل عناية واهتمام، بل يستحق مبتكره أن يجازى خير الجزاء، ~~فهل تظن بأن الدوق دي كيز هو الذي ابتكره؟ # فهز الدوق رأسه وقال : أنت تعلم علمي يا صاحب الجلالة، أن الكردينال دي لورين هو أول من ~~اقترح هذا المشروع، وذاك منذ عشرين عاما، أي من عهد مذبحة برتيلماوس. # وهذه المذبحة وحدها هي التي منعت نفاذه. ~~- إذا فأنا مدين بهذا الرأي الثاقب للكردينال دي لورين. ~~- كلا. ~~- الدوق دي ماين؟ ~~- كلا. ~~- إذا فلمن؟ ~~- لي أنا يا مولاي. # فتكلف هنري هيئة الدهش وقال: أنت أيها الأخ الأمين المخلص واضع هذا الفكر العجيب، ~~وأنت الذي تسهر على نجاح المملكة بينما أنا أتيه في غياهب الخمول، وأخيرا أنت ذلك المخلص ~~الصدوق الذي كنت أحسبه في مصاف أعدائي، وإني أعد نفسي مجرما بعدها، ولا أبرئك أيضا من ~~تبعة ذاك الذنب. # فأنت تكتم عني مثل هذا الإخلاص، والآن فقد خطر لي خاطر. ~~- ما هو؟ ~~- إن هذا الحزب يحتاج إلى رئيس كما ذكرنا اليوم. ~~- ذاك لا ريب فيه. ~~- وهذا الرئيس ينبغي أن يكون شجاع القلب، ولكني لا أجد بين المحيطين بي المخلصين لي من ~~يصلح لهذه الرئاسة. # فإن كاليس شجاع، ولكنه لا يهتم بغير الغرام. # وموجيرون شجاع، ولكنه أنوف فخور. # وأبرنون شجاع، ولكنه مدلس كذاب. # وهكذا جميع أصحابي، فإن لكل واحد منهم عيبا يبعده عن مثل هذا المنصب؛ ولذا فقد خطر لي ~~أن أعين الدوق دي كيز لأني لا أجد أخلق منه لهذا المنصب. # فرعب الدوق دانجو وقال: ما تقول يا مولاي؟ أتعين الدوق دي كيز في مثل هذا المنصب ~~الخطير؟ ~~- نعم، فإن هذا المنصب الخطير يقتضي له رجل خطير أيضا. ~~- ولكن ... احرص يا مولاي ... فإن الرجل نافذ الكلمة، شديد القوة. ~~- ولذلك أردت تعيينه، فإني في حاجة إلى مثل هذه القوة. ~~- ولكن ألا تعلم يا مولاي أن الدوق ms085 دي كيز قائد الجيش العام، وأن أخاه الكردينال رئيس ~~الكنيسة، وأن الدوق دي ماين آلة في أيديهما، فكأنك تريد أن تجمع السلطتين في بيت واحد، ~~وتعززها بهذه القوة الجديدة. # وفي ذاك خطر على العرش يجب أن تخشاه. # ولو كان هذا الدوق أميرا فرنسيا لهان الأمر، وساغ لنا أن نقول إن مجد فرنسا يشغله عن ~~المطامع الذاتية، ولكنه من اللورين؛ فهو يؤثر نفسه على صالح تلك البلاد التي يخدمها ويعيش ~~في ربوعها. # فقال الملك: أنت مصيب في رأيك، وقد افتكرت في العاقبة مثلك، ولكنني أحببت أن أستطلعك ~~الرأي ... أما وقد تيقنت الآن من إخلاصك، ووثقت من صداقتك لي، فلم يعد بد من إطلاعك ~~على أفكاري بشأن هذه الأسرة ومخاوفي منها. # فاعلم الآن أني أكرهها الكره الشديد، وأضمر لها أشد الحقد؛ لأنها سبب أحزاني وعلة ~~جميع مخاوفي. # فإنه لا يمر بنا يوم حتى يسلبني أولئك الثلاثة قوة من قواي، ويطفئون نورا من أنوار ~~مجدي، سواء بالقوة أو بالحيلة والدهاء، حتى صرت أتهيب من كيدهم وأترقب الفرص ~~للإيقاع بهم. # ولكن هيهات أن يكون لي ذلك، فإن بأسهم شديد وكلمتهم مجتمعة، ولو علمت من إخلاصك من قبل ~~ما علمته اليوم، لكنا اتفقنا يدا واحدة عليهم، ونكلنا بهم شر تنكيل. # ولكن وا أسفاه! قد فات الأوان. ~~- لماذا تظن ذلك؟ ~~- لأن صدامهم بعد اشتدادهم متعب لي، وأنا أتجنب الآن كل تعب؛ ولذا فإني سأعين ~~الدوق دي كيز وأنجو من المتاعب. ~~- ذاك إليك، ولكن تخطئ في ذاك الخطأ الشديد. ~~- لا أنكر ما تقول، ولكن من تريد أن أعين بدلا منه في هذا المركز الخطير، بعد أن ~~تبين لي من حديثه أنه يريد أن يكون ذلك الرئيس؟ ~~- وأين وجه الخطر؟ ~~- إن الرجل الذي سيتولى هذا الحزب سيكون عدوه الألد. ~~- إذا، فعين مكانه رجلا قادرا مثله، فإذا أضفت قدرة هذا الرجل إلى قدرتك يكون لك ~~قوتان تغلب بهما كل قوة. ~~- هذا فكر حسن، ولكن أين أجد هذا الرجل القادر المستكمل لهذه الشروط. ~~- انظر حواليك تره. ~~- لم أعلم من تريد، ms086 إلا إذا كان مرادك شيكو. ~~- ألا ترى في القاعة غير شيكو؟ ~~- لا أرى إلاك! ~~- ألا تجد بي الكفاءة لهذا المركز؟ # فتظاهر الملك بالانذهال والعجب الشديد وقال: أنت تقبل أن تكون رئيسا لحزب كهذا؛ حيث ~~يجب على الزعيم أن يعمل ليل نهار، وأن ينظر في كل شيء من مهام العامة، ويختلط بين زعانف ~~الناس ، ويلج في كل مكان، ويراجع بنفسه كل خطاب يتلى، ويقرأ كل منشور يذاع ... أنت ~~الذي تعد بعد الملك أعظم عظيم في فرنسا، تتدانى إلى مثل هذه الأعمال، إن ذاك غريب لا ~~يحتمل التصديق! ~~- نعم، إني لا أصنع شيئا من ذاك لأجلي، ولكني أفعل كل شيء لأجلك، فإذا شئت أن تعينني ~~في مكان الدوق دي كيز، فإني أقبل المركز راضيا، فنصون عرش أسرتنا من أطماع تلك ~~الأسرة. ~~- وهو غاية ما أتمناه، لقد جعلتني في الحقيقة من أسعد الناس لقبولك هذا المركز، فأنا ~~سأعينك فيه، ولكن احرص أيها الأخ العزيز من الدوق دي كيز فإنه طويل الباع، وربما دفع ~~البلاد إلى حرب مدنية، فإنه لم يجدد البحث في هذا الحزب إلا على أمل أن يكون رئيسا له، ~~وهذا الذي أخشاه. ~~- إذا كان هذا الذي تخافه يا مولاي، فطب نفسا؛ فأنا سأتفق مع الدوق على وجه يضمن ~~السلام. ~~- متى؟ ~~- في الحال؛ لأني سأجتمع به الآن وأباحثه في هذا الشأن مليا. ~~- كيف ذلك؟ أتذهب إليه؟ أولا تعلم أنه محط لنا؟ ~~- لا تخف؛ لأني أحرص مثلك على ذلك، وإني لا أذهب إليه بل أجتمع به في غرفتي حيث ~~ينتظرني. ~~- أهو ينتظرك في الغرفة؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- كيف ذاك؟ لقد رأيته بعيني خارجا من باب اللوفر. ~~- نعم، ولكنه سيعود إلي من الباب الآخر. ~~- إذا اذهب إلى لقائه، وسنرى ما يكون. # فقام الدوق ودنا من أخيه ليقبل يده، حسب العادة المألوفة في ذاك العهد. # فجذب الملك يده مسرعا وقال: لست الآن بملكك ومولاك، بل أنا أخوك وصديقك بعدما ثبت ~~لدي إخلاصك وإخاؤك. # ولذا فإني أمد يدي إليك للمصافحة لا للتقبيل. # فصافحه الدوق وقد انطلت ms087 عليه خدعة الملك، وخرج من حضرته وقلبه ممتلئ فرحا. # ولكنه لم يكد يخرج من غرفة الملك، حتى خرج الملك أيضا من باب آخر. # ثم تبعه شيكو ... # فذهبا توا إلى غرفة ملاصقة لغرفة الدوق دانجو، كانت لمارغريت دي نافار. # ولم يكن يفصل بين الغرفتين غير حاجز رقيق من الخشب، بحيث لا يفوت الواقف المتنصت فيها ~~كلمة من المحادثات التي تدور في غرفة الدوق دانجو. # وكان ذهاب الملك إليها بإغراء شيكو، ليقفا على حديث الدوقين. # الفصل العشرون # | الدوق دي كيز والدوق دانجو # أما الدوق دانجو فإنه ذهب مسرعا إلى غرفته، فوجد الدوق دي كيز ينتظره فيها. # وقد ظهرت على وجهه علائم السأم والملالة. # وكان الملك أيضا قد جلس في مكمنه وأصغى إلى ما دار من الحديث بين الدوقين، وهو كما ~~يأتي: # قال الدوق دي كيز: إني قد استبطأتك جدا، حتى خطر لي أن جلالته قد أبقاك لديه للمباحثة ~~في شأننا الخطير. # قال الدوق دانجو: هو ذاك أيها الصديق، فلقد تباحثنا مليا في هذا الشأن الخطير. ~~- وماذا كان جواب جلالته؟ ~~- إنه مصادق على هذا المشروع، ولكنه يخشى من تعيينك رئيسا للحزب. ~~- إذا فنحن على أهبة الانخذال. ~~- وأنا أخشى ما تخشاه أيها الصديق؛ لأن جلالته أصبح كثير المظان في هذه الأيام، حتى إنه ~~ليحرص من أخلص خلصائه. ~~- يا للداهية! فإن هذا المشروع سيموت قبل أن يولد وسينتهي قبل أن يبدأ. # ثم وجم الاثنان حينا عن الكلام ... إلى أن عاد الدوق دي كيز إلى الكلام فقال: إذا، فإن ~~جلالته لم يقابلني تلك المقابلة السيئة إلا وفي نيته رفض مطلبي. ~~- هذا ما أرتئيه أنا أيضا. # هذا لا ريب فيه أيضا ... ولكني لم أدع له مجالا لنقضه، لقد بادرت إلى إسعافك بجميع ~~ما خطر لي من الوسائل، حتى تمكنت أخيرا من الفوز. ~~- كيف ذاك؟ ~~- ذاك أن جلالته قد أناط بي نقض المشروع وإبرامه ... فإذا كنت أنت رئيس الحزب فهو ساقط لا ~~محالة؛ لأنه لا يصادق على تعيينك لحذره منك ... ولكنه يقبل به على شرط واحد، وهو أن ms088 أتولى ~~أنا تلك الرئاسة. # فامتعض وجه الدوق دي كيز، واتقدت عيناه بشرر الغضب ... ولكنه لم يلبث أن رجع إلى نفسه، فكظم ~~الغيظ، وتلبس بلباس الصبر والسكينة، فقال بعد أن تظاهر بأنه يعمل الفكرة: أنت إذا كنت ~~قد قبلت بمقترح جلالته، فأنت ولا ريب خير سياسي عرفته إلى الحين. ~~- لينعم بالك لقد قبلت. ~~- كيف قبلت على الفور من غير مهلة ولا تردد؟ ألم تخش أن يقع له بك ريبة؟ ~~- نعم، ولكن الحوادث ساعدتني على سرعة القبول، ومع ذلك فإني لم أبت بالأمر، ولم أجعله ~~في حد النهاية بغية أن أراك وأقف على آرائك. ~~- كيف ذلك؟ ولماذا؟ ~~- ذلك لأني لا أعلم إلى أي حد تصل بنا هذه الحادثة. ~~- لا أقدر أن أقول إلى أي حد تصل بنا، ولا أستطيع أن أكشف لك الحجاب عن نتائج ~~أعمالنا. # إنها منوطة بالغيب، والغيب بيد الله. # لكني أستطيع أن أوضح الفائدة التي سننالها من هذا الحزب، وهي أن الحزب سيكون بمثابة جيش ~~ثان. # ولكوني أنا أتولى رئاسة الجيش العام، وبيد أخي زمام الكنيسة، سيصبح لنا مطلق السلطان ~~في البلاد إذا وحدنا كلمتنا، وجعلنا القوات الثلاث قوة واحدة. ~~- هذا لا ريب فيه، وقد فاتك أمر آخر هو أني ولي عهد الملك الذي لم يرزق ابنا يخلفه ~~إلى الآن. ~~- لم يفتني ذاك، فأنت وإن كنت ولي العهد، فيجب عليك أن لا تأمن الحوادث، وأن تحرص من ~~كل شيء. ~~- أية حوادث تعني؟ ومن أي أمر علي أن أحرص؟ ~~- أول من يجب الحرص منه هو ملك النافار. ~~- أنت واهم فيما تقول؛ لأن هذا الرجل لا يحمل على شيء من القلق؛ لأنه مهتم ~~بالغرام. # فضحك الدوق دي كيز وقال: لست أنا الواهم يا مولاي؛ لأني قد أصبت مرمى الحرص، ولكن الله ~~قد فطر فؤادك على السجية الطيبة والنية الخالصة، فأصبحت تغرك الظواهر وتثق ~~بالأعداء. # أما ملك النافار فهو أشد منك شوقا إلى عرش فرنسا، وهو يتوقع لبس ذاك التاج في كل ~~يوم. # ولذا فهو يرقب حركاتكم وسكناتكم، فلا تخفاه خافية من ms089 أمركم على الإطلاق، وعيونه وأرصاده ~~مثبتة في كل مكان، حتى في غرفكم التي تبيتون فيها. # وإني لا أجد له مثلا إلا مثل الهر الذي يشم رائحة الجرذ، فيبيت طول ليله سهران يتحين ~~فرصة لينقض بها على فريسته ويمزقها بأظافره، فهو يرقبكم كمراقبة الهر لفريسته. # ولا بد لتلك الفريسة أن تخرج من مكمنها، فتغرز فيها أظفار ذاك المراقب الذي لا ~~يغفل. # وربما لا توافقني على هذا القول الآن، ولكن اصبر ريثما يصاب من هو أسمى منك؛ أي أخوك ~~الملك. # فترى عندئذ ذاك الرجل الذي يشغل عنكم بملاهي الغرام كيف ينقض على باريس انقضاض ~~الصاعقة، ويجلس على ذاك العرش الذي لا يشغله عن الصبوة إليه شاغل من ملاذ الحياة. # وسترى عندما يصاب أخوك! # فبهت الدوق دانجو لكلام محادثه، وقد نبهت حواسه إشارته إلى مصير أخيه فقال: ماذا تريد ~~بإصابة أخي؟ ... ومن أي حادث تخشى على الجالس على العرش؟ # فقال الدوق دي كيز: إن الحوادث كثيرة في أسرتكم، وأنت تعلم ذاك كما أعلمه أنا، بل كما ~~يعلمه كل واقف على أحوال البلاط. # لقد طالما رأينا رجال تلك الأسرة وهم على أتم العافية يصابون بداء فجائي يخطف أرواحهم ~~ببضع ساعات. # فقال الدوق بصوت أجش: نعم، لا أنكر عليك ذاك، فقد قدر لرجال أسرتنا أن يكونوا عرضة ~~للأقدار وكوارث الدهر ... ولكن أخي هنري الثالث هو والحمد لله حسن الصحة، ولا خوف عليه من مثل ~~هذه الكوارث، لا سيما بعد أن نجا من معارك القتال. # فقال الدوق دي كيز: نعم، ولكن ألا تذكر يا مولاي كيف كان موت أبيك هنري الثاني؟ فإنه ~~كان في أتم عافية كأخيك، وقد نجا من معامع القتال كأخيك أيضا، لكنه أيضا لم يسلم من تلك ~~الحربة التي أجهزت عليه. # نعم إن الملكة قد قتلت به الكونت مونغوميري، ولكن جلالته مات أيضا ولم يكن موته ~~طبيعيا ... # ثم انظر إلى أخيك الملك فرنسوا، فإنه كان أيضا كأبيك وأخيك الملك هنري، ولكنه أحس ~~يوما بألم في أذنه فمات، ولا أحد يعلم علة هذا الموت ms090 وكيف وصل إليه هذا الداء. # ولكني قد سمعت كثيرين يقولون همسا بالآذان إن هذا الداء الذي أصاب فرنسوا الثاني كان ~~مسببا عن سم قتال وضعه في أذنه رجل عظيم مثله، لا نستطيع التصريح باسمه. # فاحمر وجه الدوق دانجو، فتظاهر دي كيز بعدم الانتباه، واستمر في حديثه قائلا: نعم ~~أيها الدوق العزيز، إن اسم الملك قد أصبح شؤما في هذه الأيام على حامله. # فمن يسمى بملك فكأنه قد دعي بالمنكود؛ لأن اسم الملك أصبح مرادفا لاسم النكد ~~والشقاء. # ثم انظر أخيرا إلى أنطوان دي بوربون، ألم يمت على إثر ضربة أصابته في كتفه؟ # فهل كان موت أحد من هؤلاء الثلاثة طبيعيا؟ # هذا ما أرويه عن ملوك هذه الأسرة، ولو شئت أن أعدد من أصيب من أعضائها بمثل هذه ~~النكبات والحوادث الفجائية، لطال تعدادي وضاق المقام دون حصر هذه الحوادث. # ولكني أختم كلامي، بذكر ما أصيب به الملك شارل التاسع، فإن موته كان غريبا، فهو لم ~~يصب بأذنه ولا بكتفه، بل كانت إصابته بفمه. # ألا تذكر هذه الحادثة أيها الدوق؟ ~~- كلا، ولا أعلم شيئا منها. ~~- ربما قد نسيتها لطول العهد بها، أما الحادثة الغريبة فهي أن الملك شارل التاسع قد مات ~~وهو يقلب صفحات كتاب الصيد. # وذلك أن صفحات الكتاب كانت ملوثة بدهان سام، فكان يضع إصبعه في فمه ليأخذ منه الرضاب ~~المسهل لقلب الأوراق، فترجع ملوثة بالسم، ثم يعيدها إلى فمه فيسري السم إلى ~~دمائه. # وهكذا فإن الملك قد مات مسموما. # فاحتج الدوق دانجو وقال: ماذا تقول أيها الدوق؟ ... وماذا تريد بتعداد هذه المآثم ~~والذنوب؟ ~~- إني لا أدعوها بذنوب، بل جل ما أريد أن أقوله هو أن أسرتكم عرضة للحوادث. # ألا تذكر ما جرى لشارل التاسع أيضا عندما كان في الصيد يوم أطلقت أنت عيارك الناري ~~على الفريسة التي كنتم تطاردونها، فبدلا من أن يصيب عيارك الفريسة أصاب من لم تكن تريد أن ~~تصيبه. # فجميع ذلك يدل على أن كل عضو من أعضاء أسرتكم عليه أن يحذر دائما من كل أمر. ms091 # وأن يخاف دائما من طوارق الحدثان. # فلما انتهى الدوق دي كيز من قص الحكاية الأخيرة، أراد الدوق دانجو أن يصرف التهمة عنه، ~~ويحول الدوق دي كيز عن أن يظن به ذاك الظن السيئ فقال: أنت مخطئ فيما ظننته من إطلاقي ~~العيار الناري على الملك بدلا من تصويبه إلى الفريسة؛ فإن وريث شارل التاسع هو أخي هنري ~~الثالث وليس أنا. # فأية فائدة لي من قتله وأنا لم أكن ولي عهده في ذلك الحين؟ ~~- تمهل يا مولاي، وأصغ إلي ... فأنت تعلم أكثر ما أعلم من جميع هذه الأمور. # وأنت عندما أطلقت عيارك على شارل التاسع أو على الفريسة كما تريد، كان لديك تاج بولونيا ~~الذي يدنيك من العرش الفرنسي، كما أن موت شارل التاسع يرقيك درجة في سبيل الوصول إلى ذلك ~~العرش العظيم، ولكن أخاك هنري الثالث أسرع في الحال من فارسوفيا إلى باريس وتولى ~~الأريكتين. # فلم يعد يفيدك غير ما ذكرناه من أمثال تلك الحوادث لتحقيق أمانيك. # فهل تريد الآن أن تعلم ما أقصد إليه بعد هذا الجلاء؟ # فتأفف الدوق دانجو من هذه المباحثة، وقد أراد أن يضع حدا لها، فقال: أفصح أيها ~~الدوق، وقل بأتم الجلاء عن الغاية التي تريدها من حديثك الطويل. ~~- إن ما قلته جلي واضح لا يحتاج إلى الإيضاح. # ومع ذلك فإني أوضح لك جهد الطاقة، وبقدر ما يسمح به هذا المقام الضيق. # فأقول: تقدم لي القول إن كل ملك من ملوك أسرتكم كان له حادثة أصيب فيها وكانت علة ~~وفاته. # أما الملك هنري الثالث فأنت وحدك حادثته الوحيدة وعلة مصابه التي لا يجد منها ~~مناصا. # ولا سيما متى كنت رئيس هذا الحزب العظيم، الذي سيعينك عليه بدلا مني. # فأنت تغدو بهذه الزعامة ملكا على الملك نفسه، ورئيسا على كل رئيس. ~~- إذا، فإن من رأيك أن أقبل الرئاسة. ~~- لست أرتئي قبولك فقط، بل إني أتوسل إليك أن تقبل. # فاختلج فؤاد الدوق دانجو وظهرت على وجهه ملامح البشر فقال: وأنت ماذا تصنع في ~~المساء؟ ~~- طب نفسا، فإني سأجمع ms092 جميع رجال الحزب في هذا المساء، وأبث الناس في أنحاء باريس ~~يتظاهرون برغبة جلالته في ضم هذا الحزب والمصادقة عليه. # وسأدع الجميع يتسابقون في الانخراط في سلكه والتوقيع على عقوده، بحيث ستكون باريس في هذه ~~الليلة أعجوبة من الأعاجيب. ~~- حسنا تفعل أيها الصديق، وسنلتقي في المساء. ~~- سنلتقي من غير بد، فاذكر دائما حديثنا الأخير. ~~- أذكر ذلك ولا أنساه. # ثم انقطع الصوت ... ~~••• # لم يعد الملك يسمع شيئا من حديث الدوقين، فعرف أن المحادثة قد انتهت. # وأن هذين الخائنين قد افترقا ... # فرجع مع شيكو إلى قاعته وهو يلتهب من الحنق على أخيه، وقد وقف على جميع خداعه ~~وأسراره. # فلما خلا بهما المكان قال لشيكو: ماذا تقول فيما سمعته؟ ~~- أقول إن كل ملك من ملوك أسرتكم كان له حادثة يصاب بها كما قال الدوق دي كيز. # ولكن كل ملك من هؤلاء الملوك كان يجهل ما سيصاب به، ولا يعلم شيئا من تلك الحادثة التي ~~تنذره. # فإن هنري الثاني لم يكن يتوقع أن يصاب في عينه. # وفرنسوا الثاني لم يكن يحسب أنه سيصاب في أذنه. # وأنطوان دي بوربون لم يخطر في باله أنه يموت بضربة تصيبه في كتفه. # وشارل التاسع لم يدر في خلده أنه سيموت بفمه. # وهكذا فإن كل ملك قتل غيلة وغدرا كان يجهل عدوه الذي يهدده، أما أنت أيها الملك ~~فأنت موفق أكثر من الأسلاف ... # فأنت تعرف المعرفة الصحيحة أن عدوك الذي يريد قتلك، هو أخوك؛ فتدبر. ~~- نعم يا شيكو، إن الأيام بيننا وسنرى ما يكون. # وبات الملك تلك الليلة وهو منقبض الصدر مما لقيه من كيد أخيه، وجعل يدير وسائل ~~الانتقام. # وبات الدوق دانجو وهو منشرح الصدر فرح القلب، يعلل النفس بالأماني، ويؤمل أن يرقى إلى ~~سدة العرش، ويلقي بأخيه إلى الحضيض. # الفصل الحادي والعشرون # | شيكو ينصح باسي بالهروب من باريس # ولنعد الآن إلى باسي، وهو أهم من تتطلع إليه أفكار القراء في هذه الرواية. # فإنه بعد أن خرج من منزل مونسورو، وأظهر لها حبوط مسعاه، وأنه غير قادر على ms093 إنقاذها من ~~قبضة زوجها، ذهب إلى منزله واليأس ملء قلبه. # فحم لهول ما لقيه من خيانة الدوق. # وأقام ثلاثة أيام على فراش الحمى تتنازعه عوامل الموت والحياة. # ثم تغلب الصبي على فتكات الحمى، فشفي من دائه وعاد يفكر تفكير المهموم بتلك ~~الفتاة التي خلبت قلبه، وهو لا يهدأ له بال، ولا يقر له جفن، ولا يعلم بأية وسيلة ~~يلقاها. # وبينما هو يتقلب على أحر من نار الغضا، إذ دخل عليه الدوق دانجو بحجة العيادة. # فارتاع باسي لمرآه، وتظاهر بالتوجع كي لا يضطر إلى تكلف البشاشة. # غير أن الدوق لم تخف عنه هذه المظاهرات، فكظم الغيظ وأخبره أنه في حاجة إليه في ~~المساء. # فامتنع باسي عن إجابته متذرعا بحجة الداء، فخرج الدوق يتعثر بأذيال الخيبة، وهو حانق ~~عليه أشد الحنق. ~~••• # وبعد خروج الدوق، دخل على باسي طبيبه الخاص رامي، وابتدره بالكلام فقال: ينبغي يا مولاي ~~أن تسير معي لقضاء أمر هام. ~~- وماذا عسى أن يكون ذاك يا رامي؟ وأنت تعلم ما أنا فيه من النكد والهموم. ~~- أعلم جميع ذلك يا مولاي، ولم أدعك إلى المسير معي إلا بغية تفريج هذا الهم ... # وقد خشيت من أن تجيب الدوق إلى ما طلب ... فتحبط جميع مساعينا ... # فأسرع يا مولاي واتبعني قبل أن يفوت الأوان. # وكان باسي يثق بهذا الطبيب ثقة عمياء، وقد رآه يكلمه وملامح الارتياح والبشاشة تلوح بين ~~ثنايا وجهه، فعلم أنه لا بد من المسير معه. # فأسرع إلى لبس ثيابه، وخرج في إثر طبيبه وهو لا يعلم أين يسير. # وما زالا يسيران إلى أن بلغا إلى منزل منفرد قفر، تحيط به حديقة كبيرة، فأخذ الطبيب ~~مفتاحا من جيبه وفتح به باب الحديقة، ثم دخل بسيده وقال: لقد انتهت مهمتي الآن يا مولاي، ~~فأنا سأقيم تحت هذه الشجرة، أما أنت فعليك أن تطوف في هذه الحديقة، فأنت ستجد من ريحانها ~~ترويحا للنفس وتفريجا للكربة. # فتركه باسي وسار في الحديقة حتى رأى منزلا صغيرا مستترا بين أشجارها الغضة. # فهرع إليه ... # فلما دنا منه رأى ms094 فتاة جالسة على مقعد تحت شجرة ملتفة الأغصان، وهي واضعة رأسها بين ~~يديها ومطرقة بنظرها إلى الأرض، لا تكترث بما حواليها من مناظر الطبيعة. # لكنها لم تلبث أن سمعت وقع أقدام قريبة منها حتى أفاقت من غفلتها، ولفتت لفتة ~~الغزال الشارد تنظر من القادم. # فصاح باسي صيحة الدهشة والسرور، وأسرع إليها وهو يختلج فرحا بهذه اللقيا ... لأنه لم يخطر ~~له في بال أنه سيلاقي في هذه الحديقة من يحب. # أما ديانا فإنها هشت إليه وأجلسته بالقرب منها. # فجعلا يتناجيان ويتشاكيان الغرام، إلى أن بلغ بهما الحديث إلى ذكر زوجها، فقالت: إنه ~~شديد الغيرة علي، ولا سيما في هذه الأيام، حيث كنت تمر في كل ليلة من تحت المنزل ... حتى ~~إنه اضطرني إلى السفر إلى ماريدور. # فدهش باسي مما سمع وقال: أما مروري بالمنزل، فإني من يوم أخبرتكم بخيانة الدوق إلى اليوم ~~لم أخرج من المنزل ساعة لما أصبت به من الحمى. # ولعل الذي كان يراه زوجك هو الدوق، ثم كيف يضطرك إلى السفر؟ ومتى يكون هذا؟ ~~- إنه اضطرني إلى السفر خفية كي يبعدني عن باريس، وإذ لم أجد وسيلة لإرجاعه عن عزمه، ~~فقد بالغت في الحيلة كي أجد طريقة تجمعنا قبل هذا الرحيل ... # واستعنت على ذلك بخادمتي وبطبيبك الخاص، حتى ظفرت بالمراد ونعمت بلقياك. # فاجهد الآن أنت في طريقة تجمعني وإياك في ماريدور؛ لأني أخشى أن نقيم فيها مدى ~~العمر. # فأكب باسي على يديها يلهبها بقبلات الغرام، وقال: طيبي نفسا أيتها الحبيبة، فسألحق ~~بك وهناك لا نعدم وسيلة تحجبنا عن أعين الرقباء. # فبعد أن أقام العاشقان في تلك الحديقة ما شاء الهناء، افترقا على أمل اللقاء. # وكلاهما ينشد بلسان الغرام: # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وإني لا أودعه # ثم خرج باسي، فلقي الطبيب حيثما تركه ... فذهب الاثنان إلى المنزل. # وعندما دخل باسي إلى غرفته وجد فيها كتابا باسمه، ففضه وقرأ فيه ما يأتي: # لا تقم بعد أن تقرأ رسالتي ساعة في باريس ... بل فأسرع بالرحيل إلى مكان يحجبك ~~عن ms095 العيون ... ريثما يهدأ ثائر الملك، فتعود ... # ثم ألق هذه الرسالة في النار؛ لأني إذا قد نصحت صديقي، فقد خنت ملكي ... # شيكو # فبهت باسي هنيهة، ثم علم أن الملك قد أخذ أخاه بالخيانة، وأنه سينتقم من جميع ~~أعوانه. # فدعا للحال بالطبيب وقال: أسرع بتهييء معدات الرحيل؛ لأننا مسافران في الحال إلى ~~ماريدور. # ثم ألقى الرسالة في النار وهو يشكر شيكو. # وبعد ساعة خرج مع الطبيب من أبواب باريس في طريق ماريدور. # الفصل الثاني والعشرون # | هروب الدوق، ومحاولة مصالحته مع الملك # أما الدوق فإنه خرج من منزل باسي إلى منزل الدوق دي كيز، وهو حانق على باسي طيب النفس لما ~~توهمه من خدعة الملك، فأقام مع الدوق دي كيز يتآمران إلى ما بعد منتصف الليل. # وأما الملك فإنه قد عزم العزم البات على معاقبة أخيه أشد العقاب وإبعاد كل أعوانه. # فبدأ بمونسورو، فأرسله إلى الضواحي بحجة أنه عازم على الصيد في الغد. # ثم أرسل جميع أعوان الدوق إلى جهات مختلفة، وأمر بالقبض على كثيرين منهم. # ثم أمر حراسه أن يحيطوا بغرفة الدوق، وأن لا يأذنوا له بالخروج منها. # وبعد منتصف الليل بساعة، أقبل الدوق وهو منشرح الصدر يعلل النفس بالأماني. # فدخل إلى غرفته وهو لم ير الحراس، ولم يفطن إلى أمر من انتقام أخيه. # فلما كان الصباح، حاول الخروج لمقابلة أخيه، فمنعه الحراس وأخبروه بما تلقوه من أمر ~~جلالته بشأنه. # فأجفل الدوق لهذا الخبر، وحرق الأرم من الغيظ، ثم أنذر وتوعد وحاول الخروج ~~عنوة. # ولما رأى أن ذلك محال، عاد إلى غرفته وهو يزأر كاللبوة فقدت أشبالها. # ولم يقم هنيهة حتى دخل عليه الملك وهو يبسم تبسم الهزء والاحتقار. # فدار بينهما حديث طويل، أظهر له الملك في ختامه كيف اطلع على خيانته. # ثم تركه وانصرف. # فعرف الدوق أنه لم يعد له مناص من قبضة أخيه، وجعل يفكر مهموما بوسائل ~~الخلاص. # لكنه لم يهتد إلى رأي سديد. # ولم ينتصف النهار حتى شاع خبر سجن الدوق في كل باريس، وعلم أكثر المقربين بأن الملك ms096 ~~سيصعق أخاه، وسيضربه الضربة القاضية التي طالما توقع حدوثها العارفون بأسرار ~~البلاط. # أما الدوق فإنه أقام في غرفته منفردا، وقد علم بأنه لا ينقذه من غضب أخيه ودسائس أعدائه ~~غير الهرب. # ولكن كيف يجد سبيلا إلى الفرار وهو محاط بحراس لا يغفلون عنه طرفة عين. # فلبث إلى منتصف الليل، وهو لا يقر له بال، ولا تخمد له لوعة. # وبينما هو جالس يفكر تفكير القانط، إذ بكرة قد كسرت زجاج النافذة ووقعت أمام ~~رجليه. # فأجفل الدوق، وشعر للحال أن يدا قادرة قد مدت إلى إسعافه. # ثم أكب على الكرة، فأخذها ومزق جلدها بأسنانه، فرأى في طيها رسالة. # فقرأ فيها وهو يختلج من الاضطراب ما يأتي: # إذا كنت تؤثر الحياة فافتح الخزانة الكائنة في غرفتك، تجد في علبة صغيرة فيها ~~سلما من الحرير، فعلقه في حديد النافذة تجد في انتظارك جميع معدات ~~الفرار. # محب لك # فطار فؤاد الدوق من الفرح، وأسرع في الحال إلى الخزانة، فوجد فيها العلبة وفي طيها ~~السلم. # فتركها في مكانها، وذهب إلى الباب يتفقد الحراس ... فوجدهم نائمين. # فاطمأن وأخذ السلم فعلقها في النافذة، بعد أن تأكد من متانتها وطولها، ثم نزل عليها ~~حتى بلغ إلى الأرض. # فوجد بانتظاره فارسا مقنعا فقال: من أنت؟ # فقال الفارس: طب نفسا، فأنا ابن عمك هنري. # فدهش الدوق وقال: أنت هنري دي نافار، وكيف أكافئك عن هذا الجميل؟ ~~- خير ما تكافئني به إلى الآن أن تسرع في الهرب إلى دانجو، وستجد على باب السور ~~أعوانا لك ينتظرون قدومك ... فأسرع الآن قبل فوات الفرصة. # فركب الدوق وانطلق بهما الجوادان يقطعان الأرض نهبا حتى خرجا من باريس. # فلقيا خمسة فرسان بالانتظار. # فودعه هنري وعاد إلى باريس، وانطلق الدوق مع رفاقه في طريق دانجو وهو لا يكاد يصدق ~~بالنجاة. ~~••• # لنعد الآن إلى باسي، فإنه غادر باريس مع طبيبه الخاص، فجعل يسير في الليل ويستريح ~~بالنهار ... حتى بلغ بعد ستة أيام إلى قرية ماريدور. # وكانت ديانا قد وصلت إليها قبله بيوم واحد مع أبيها، فذهب ساعة وصوله ms097 إلى زيارة ~~البارون. # فوجد هناك سانت ليك وامرأته. # فقابلاه بمنتهى الدهشة والسرور. # أما ديانا فإنها كانت تنظر إليه نظرات ملؤها الحب والحنان لم تخف عن سانت ليك ~~وامرأته. # فكانا يبتسمان لرؤية هذين العاشقين اللذين لم يستطيعا إخفاء ما يكابدانه من لواعج ~~الغرام ... # ويذكران حبهما القديم. # واغتنم باسي وديانا فرصة غياب مونسورو في باريس ، فكانا يقضيان أكثر ساعاتهما مختليين في ~~الغابات، يتناجيان ويجنيان ثمر الغرام. # إلى أن افتضح سرهما أمام سانت ليك وامرأته. # فباحت ديانا للزوجة. # وباح باسي للزوج بسر الغرام. # فجعل الزوجان يساعدانهما مكافأة لباسي عما صنعه معهما من الجميل في يوم عرسهما. ~~(كما يذكر القراء في مقدمة هذه الرواية.) # ولم يمض على قدوم باسي ثلاثة أيام، حتى شاع قدوم الدوق دانجو، فلم يجد باسي بدا من ~~الذهاب إليه. # فذهب فرآه قد أقام البلاد وأقعدها وهو يستعد ويتأهب لإثارة حرب داخلية انتقاما من ~~أخيه. # فتأهل به الدوق وأخفى ما يحمل عليه من الحقد. # ثم علم منه أن مونسورو لا يزال في باريس، وأن امرأته قد قدمت إلى القرية مع أبيها. # فأفعم فؤاد الدوق فرحا، ونسي كل ما هو فيه من القلاقل والمشاغل. # فلم يلبث أن خرج من عند باسي، حتى ذهب مسرعا إلى زيارة ديانا التي قابلته بفتور كاد ~~يحبط كل أمانيه. # وعاد في اليوم التالي أيضا إلى مثل هذه الزيارة، فقابلته بنفس الفتور. # وكان باسي حاضرا، فعلم الدوق مما كانا يتبادلانه من نظرات الغرام أن الفتاة عاشقة ~~لباسي، وأنه يضرب في حديد بارد. # فثارت فيه كوامن الأحقاد، حتى كاد يبطش بصفيه القديم، لكنه أخفى ما به من ~~الغيرة. # وعاد إلى المنزل وهو يفكر باختطاف ديانا والانتقام من باسي. # وفي اليوم الثاني، بينما كان الدوق واقفا في منزله يسرح الطرف من النافذة في الحقول، وهو ~~قانط من الحب، إذ بصر بفارس ينهب الأرض حتى وصل إلى القصر. # فترجل عن الجواد ودخل مسرعا إلى ردهة القصر. # فعرف الدوق أنه مونسورو، وأسرع إلى مقابلته لما رأى على وجهه من ملامح الاهتمام. # فلما ms098 اختليا قال له مونسورو: مولاي، إن جلالة الملكة قادمة إلى دانجو لمقابلة ~~سموكم. # فارتاع الدوق لهذا الخبر وقال: ما عساها تريد مني؟ ~~- إنها آتية لعقد الصلح بينكم وبين جلالته. ~~- ذلك محال؛ لأن أخي لا يريد الصلح بل هو يرغب بالانتقام، وما هو بأشد نزوعا مني إلى ~~الشر وتكدير كأس السلام. ~~- هو ما قلته لكم يا مولاي، وما أتيتكم إلا بالخبر اليقين. ~~- إذا فارو لي ما جرى بعد غيابي؟ وما حمل أخي إلى مبادرتي بالصلح ولم أبدأ بعد ~~بالحرب؟ ~~- هو ظنه بأن الذي ساعدك على النجاة لم يكن غير هنري دي نافار. # فأشارت عليه جلالة الملكة والدة سموكم، أن يكون وإياك على هذا العدو الطامع ~~بالعرش. # وذاك حذرا من أن تتفق وإياه. # ثم اقترحت على جلالته أن تأتي إليك وتعود بك إلى باريس، على أن تضمن لك عفوه ~~ورضاه. # فقبل جلالته بذلك ... وهي الآن قادمة، وربما وصلت بعد ثلاثة أيام. ~~- حسنا ... فاذهب واسترح في منزلك من عناء السفر، وسأعمل الروية في هذا الشأن. # فودعه مونسورو وعاد إلى منزله وهو يلتهب شوقا إلى امرأته. # الفصل الثالث والعشرون # | مبارزة مونسورو وسانت ليك، ورامي ينقذ مونسورو # أما ديانا وباسي، فلم يكونا ينتظران عودة مونسورو بمثل هذا الشوق. # فوقع قدومه عليهما وقوع الصاعقة؛ لأنه حال دون اجتماع هذين العاشقين ... اللذين حسبا أن ~~أيام سعادتهما بهذه الخلوات لا تفنى. # وبينما كان العاشقان يفتكران في طريقة تجمع بينهما، كان سانت ليك يفتكر بطريقة تمكنه من ~~مكافأة باسي بقتل مونسورو، والجمع بين العاشقين بلقاء لا فراق بعده. # فجعل ينظر إلى ديانا نظرات الغرام. # ولما لاحت له فرصة بالقرب من زوجها، تلبس أمامه بهيئة العاشق السعيد. # وجعل يروي أمامه قصصا مبهمة تدل على أن علائق الحب مستحكمة بينه وبين ديانا الذي كان ~~ضيفها مع امرأته. # وأقام على ذلك ثلاثة أيام، وهو لا يدع فرصة تمكنه من إثارة الغيرة في قلب مونسورو إلا ~~اغتنمها، حتى ترك ذلك المسكين في حالة تحمل على الإشفاق. # كل ذلك وباسي وديانا يجهلان نوايا سانت ms099 ليك، ويذللان كل صعب لاجتماعهما ... # فاهتديا إلى طريقة تمكنهما من اللقاء، وهي أن باسي كان يأتي في كل يوم فيصعد على ~~السور المحيط بالحديقة، وينزل إليها فيجد ديانا تنتظره تحت شجرة غضة في وقت معين، فينهبان ~~الملذات بينما يكون مونسورو عند الدوق يتآمر وإياه على خلع الملك. # وكان سانت ليك واقفا على جميع ذلك؛ لأن باسي كان يخبره عن كل شيء. # فينما كان مونسورو عائدا يوما من عند الدوق إذ أبصر عن بعد برجل قد خرج من الحديقة ~~متسلقا سورها، ثم قفز إلى الأرض، فامتطى جوادا وانطلق به ينهب الأرض. # فهرول مونسورو مسرعا ليتبين ذلك الرجل. # ولكنه لم يلبث أن بلغ إلى الحديقة، حتى توارى الفارس عن نظره ولم يعد يراه. # فجن من الغيرة، وأول ما تبادر إلى ذهنه سانت ليك، فالتهب صدره حنقا عليه. # ودخل إلى المنزل وهو عازم على مبارزته والانتقام منه بالقتل. # وعند الظهر، جلس أهل المنزل على المائدة، وبينهم سانت ليك، فلما فرغوا من الطعام نظر ~~مونسورو إلى سانت ليك نظرة الاحتقار وقال له بلهجة المتهكم: لي كلمة ألقيها إليك أيها ~~الضيف العزيز ... أتسمح لي بمقابلة؟ ~~- نعم، فمر بما تشاء. # فخرج مونسورو، وخرج بإثره سانت ليك حتى وصلا إلى السور. # فوقف مونسورو حيث خيل له أنه رآه وقال له: ألست أنت الذي رأيته يتسلق هذا السور ... ~~عند الصباح؟ # ففطن سانت ليك إلى ما يعلمه من اجتماع باسي بديانا، وعلم أن مونسورو رآه عند الصباح وحسبه ~~سانت ليك. # فقال في نفسه: هذه فرصة مناسبة للمبارزة، وبلوغ ما أتمناه من خدمة باسي بقتل هذا ~~الرجل. # ثم نظر إلى مخاطبه نظرة المتهكم، وقال: نعم. ~~- ماذا أردت بدخولك الحديقة على هذا النمط؟ وما كان المانع عن الدخول إليها من ~~بابها؟ ~~- لأني رأيتها مقفلة الأبواب كثيرة الحجاب، ثم رأيتها جنة دانية القطوف فهبطت إليها ~~من السماء. # فاحتدم مونسورو من الغيظ وقال: ولكن ستبقى فيها حيث طاب لك المقام، ثم سيدفن معك هذا ~~السر لأنه خليق بالكتمان. # فضحك سانت ليك ضحك الساخر، ms100 ثم قال: لك ما تشاء أيها الزوج الغيور. # فامتشق الزوج حسامه، وقال: أرى على جنبك سيفا طويلا، فإذا كنت تتقلده لغير الزينة ~~فجرده من غمده. # فجرد سانت ليك حسامه والتقى السيفان، فأخذا في مبارزة عنيفة زمنا طويلا. # حتى لاحت لسانت فرصة من خصمه، فابتدره بطعنة قوية خر بها على الأرض صريعا. # وخرج الدم من صدره يتدفق كأفواه القرب. # ثم أطبق عينيه قائلا: لتلعنك السماء. # فأكب سانت عليه، ووضع يده على قلبه فلم يشعر بحركة، فعلم أنه مات. # وللحال، مسح سيفه بأطراف ثوبه وانطلق مسرعا إلى امرأته، فخلا بها وقال: أسرعي بإعداد ~~مهمات الرحيل لأننا مسافران الساعة. # فارتاعت حنة مما سمعت وقالت: ما بالك مضطرب الصوت؟ # وما السبب في هذا الرحيل؟ ~~- لقد طعنت طعنة ترقص لها عجائز هذه القرية، ولكنها تضمن سعادة من نحب. ~~- بالله أوضح ما تقول، فلقد شغلت قلبي. ~~- لقد قتلت مونسورو، ولم يعد شيء يحول بين العاشقين. # فاضطربت لهذا النبأ وقالت: والآن ماذا نفعل؟ ~~- نسافر في الحال. ~~- وديانا؟ ~~- لا ندعها تعلم بشيء، بل نسافر خفية وسنكتب من باريس عن حقيقة الأمر. # فأسرعي بتهيئة المعدات بينما أكتب رسالة إلى باسي. # فذهبت حنة بشأنها وجلس سانت ليك على منضدة، فكتب إلى باسي ما يأتي: # أيها الصديق العزيز # أكتب إليك وأنا على أهبة الرحيل إلى باريس، لأخبرك بما دعاني إلى هذا السفر ~~الفجائي، وهو أني قتلت في هذه الساعة الكونت دي مونسورو. # ولا أخالك تظن بأني قتلته غدرا أو عدوانا، بل قد قتلته والسيف في ~~يده ... # وهو الذي دعاني إلى المبارزة ... # أما سبب هذه المبارزة، فهو أنه رأى رجلا يتسلق جدار الحديقة (وأظنك ذاك ~~الرجل). # فحسبني إياه ... # وأقبل إلي يستوضح مني عن هذا السلوك، فأفضى به الأمر إلى الموت. # أما الآن وقد خلا لك الجو، فاسمح لي أن أعزيك بوفاة هذا الفقيد ~~العزيز. # وسنلتقي في باريس، إن شاء الله. # محبك # سانت ليك # ثم طوى الرسالة ودعا الخادم، فقال له: اذهب بهذا الكتاب إلى الفندق المقيم فيه الكونت دي ~~باسي، وأعطه إياه. ms101 # وبعد ذلك سار مع زوجته في طريق باريس، بغير أن يطلع على سفرهما أحد. ~~••• # ولم يمض على ذلك ردح من الزمن، حتى شاع في جميع القرية مقتل مونسورو. # وبلغ الخبر إلى الدوق دانجو ... # فسر لموته سرورا مزدوجا؛ لأنه دفن مع هذا الرجل جميع ما كان يربط بينهما من ~~الأسرار الهائلة. # وزادت مطامعه في اختطاف ديانا. # لكنه لما وصل إليه هذا النبأ تظاهر بالحزن الشديد، وأسرع في الحال إلى زيارة منزل ~~ديانا لتعزيتها بوفاة زوجها. # وما كان أشد دهشته عندما دخل إلى المنزل، وهو يردد بين شفتيه عبارات العزاء ... # عندها وجد مونسورو مسجى على فراشه، وقد تلبس بلباس الحياة. # فأقام عنده حينا وهو مندهش من هذا الاتفاق، ثم سأله عن جرحه وعن الذي جرحه. # فأنكر مبارزته مع سانت ليك إبعادا للظنون. # وادعى أن أحد اللصوص قد اغتاله على الطريق، وطعنه بمدية لم تصب منه ~~مقتلا. # فانصرف الدوق قائلا في نفسه: يا ليتها كانت القاضية! # أما باسي، فإنه تأثر التأثر الشديد عندما اطلع على كتاب سانت ليك. # وأيقن أن صديقه قد اختلق حجة للمبارزة، كي يجد سبيلا إلى قتله. # وفيما هو عازم على الخروج من منزله إلى تعزية ديانا، إذ دخل عليه طبيبه الخاص. # ورأى عليه إشارات الكآبة، فعلم ما كان من تأثير كتاب سانت ليك عليه. # فأخبره بأن مونسورو لم يمت، بل هو جريح، وسيبرأ بعد القليل من الزمن البرء ~~التام. # فاستغرب باسي ما سمعه من الطبيب، وقال: عجبا! كيف ردت الحياة إلى هذا الرجل، بعد أن ~~نفذ إليه حسام سانت ليك؟ ~~- إن مرجع الفضل بذلك إلي يا مولاي. # ذلك أني كنت مارا من جهة منزل ديانا، فرأيت جمهورا من الناس محيطين بما لم ~~أعلم. # ثم سمعت النائحة، فعلمت أنهم يجتمعون حول جثة، فأسرعت لأتحرى الخبر. # فرأيت الكونت دي مونسورو صريعا على الأرض، غارقا في بحر من الدماء ولا حراك به. # وكانوا كلهم يعتقدون أنه ميت. # ففحصت النبض والقلب، فرأيت فيهما دلائل الحياة. # فأمرتهم بإدخاله إلى المنزل، ثم كشفت عن الجرح ms102 فإذا هو غير خطير، ولم يكن قد أغمي ~~عليه إلا لما نزف منه من الدماء. # فطيبت خاطر أهله وضمدت الجرح. # ثم تأملت بذلك الموقف الذي كنت فيه، ورأيت أن حياة هذا الرجل في يدي، وأن سعادتك ~~ونعيمك متوقفان على قتله. # فغلبت علي عواطف المروءة، فعالجته وأنقذته من الموت، وسيندمل جرحه في أقرب ~~حين . ~~- لقد أحسنت يا رامي بإنقاذ هذا الرجل، ولو لم تبادر إلى معالجته لعد عملك من أعظم ~~الجنايات، ولكنت قاتلا مجرما، إذا نسي الناس جرمك فلا ينساه الله. # الفصل الرابع والعشرون # | عودة الدوق دانجو إلى باريس وحيلة مونسورو # وبعد ذلك بثلاثة أيام أقبلت الملكة كاثرين أم الملك إلى دانجو، فقوبلت باحتفال عظيم، ~~وخرج الدوق مع جميع أعوانه إلى ظاهر القرية لاستقبالها. # ثم خلت بابنها الدوق زمنا طويلا، عقدت فيه شروط الصلح بين الملك وأخيه. # على أن يصفح الملك صفحا عاما عن أخيه وعن كل أعوانه، وعلى أن يرضخ الدوق للطاعة ويمتنع ~~عن إثارة المشاغب والفتن، ثم اتفقا على الرجوع إلى اللوفر، على أن يضمن له حسن ~~الاستقبال. # وفي اليوم التالي، أخبر الدوق جميع أعوانه بما عزم عليه من الرجوع إلى باريس. # فأخذوا يتأهبون للرحيل. # ثم خطر للدوق أن يذهب بمونسورو أيضا؛ لأنه لا يحتمل البعد عن ديانا. # فذهب إلى منزله، وأخبره بجميع ما كان بينه وبين أمه، وكيف عقد الصلح بينه وبين ~~أخيه. # وطلب إليه أن يرجع معه إلى باريس. # فتعلل مونسورو بجرحه؛ لأنه أدرك غاية الدوق. # فأقنعه الدوق بضرورة الرحيل وأنه سيجد من عناية الأطباء في العاصمة ما لا يجده في هذه ~~القرية الحقيرة، فاضطر الكونت إلى الإذعان، وخرج الدوق راضيا مطمئنا. # أما باسي فإنه اغتنم فرصة جرح الكونت دي مونسورو، فجعل يتودد إليه، ويتزلف منه حتى وقع ~~من قلبه خير موقع، ونال من قرب ديانا أكثر ما يشتهيه. # وفي اليوم الثاني سار موكب الدوق تحف به أعوانه، وقد صنعوا للكونت مونسورو محملا لعدم ~~تمكنه من الركوب. # فكان فيه أشبه بالسجن، غير أن باسي كان يؤانسه من ms103 حين إلى حين، ثم يعود إلى ديانا كلما ~~وجد عينا غافلة من الدوق. # وما زالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى باريس بعد سبعة أيام، فدخل الجميع إلى اللوفر. # فقبل الملك أخاه، وزالت من قلبيهما الأحقاد. # أما مونسورو فإنه ذهب إلى المنزل القديم الذي كانت تقيم فيه ديانا قبل الزواج، فأقام فيه ~~مع زوجته. # وذهب باسي إلى شيكو، فشكره الشكر الجزيل، ثم ذهب إلى سانت ليك الذي توصل إلى الحصول ~~على رضا الملك وعفوه، فكان بينهما حديث طويل. # أما باسي فإنه لزم منزل مونسورو، لا يخرج منه إلا إلى قصر الدوق، فيقيم بحضرته ريثما ~~تنتهي مدة الخدمة، ثم يقفل راجعا إلى منزل من يحب بحجة إشفاقه على مونسورو وتسليته في ~~مرضه. # وكان الدوق يزور أيضا هذا المنزل في كل يوم، ولكن مونسورو يقطب جبينه عند مرآه ولا يسمح ~~لديانا أن تبرز إليه، وفي كل مرة كان يعود هذا المريض، كان يجد باسي لديه وهو محفوف بإكرام ~~أهل المنزل، محبوب من الجميع. # فكان الدوق حانقا على باسي، عالما بحبه لديانا وخداعه للزوج، ولكنه لم يثبت له أمر ~~هذا الحب بالبرهان الجلي. # إلى أن زاره في إحدى الليالي حسب العادة، وكان قد قرب من أن يتماثل للشفاء. # فلم يجد باسي في تلك الليلة على خلاف المألوف. # لكنه لم يجد أيضا ديانا. # فلما دنا وقت انصرافه نهض، وبدلا من أن يذهب رأسا إلى الباب الخارجي ذهب إلى غرفة ~~ديانا. # فصاح به مونسورو: قد ضللت يا مولاي الطريق. # ولكن الدوق قد تظاهر بالصمم وفتح باب الغرفة، فرأى فيها ديانا وبالقرب منها رجل لم ~~يتبين وجهه في الظلام. # فاكتفى بما رآه وانتبه لصوت مونسورو، فاعتذر وخرج مع رفيق له كان واقفا على الباب وقفة ~~المتنصت. # فلما صارا في الطريق قال له: إن الموعد غدا يا مولاي عند منتصف الليل. ~~- وأي موعد تعني؟ ~~- موعد ديانا مع من تحب. ~~- وكيف عرفت ذلك؟ # سمعت العاشقين يتواعدان، وآخر ما سمعتها تقول له: غدا عند منتصف الليل تصعد إلي من ms104 ~~النافذة على السلم الحريرية، ونبهني إلى قدومك بالصفير. ~~- ألم تعلم صاحب هذا الصوت؟ ~~- أظنه باسي، ومع ذلك فإذا أمر مولاي فسأكمن له في الغد ساعة الموعد، فأقف على كل ~~شيء. ~~- سنكمن معا أيها الرفيق، والويل لباسي إذا كانت قد بلغت جسارته إلى هذا ~~الحد. # وكان مونسورو قد علم أيضا من أحد خدمه أن امرأته تخونه، ولكن ذلك الخادم لم يعرف ذلك ~~الرجل. # فكان أول ما تبادر إلى ذهن هذا الزوج التعيس أن ذلك الرجل لم يكن غير الدوق. # فالتهب فؤاده غيظا، وعزم على أن يكمن في الليلة الثانية خارج المنزل، وعلى أن يقتل ~~كل من يتأكد له أنه معتد على عرضه، مهما بلغ مقامه من السمو. # غير أن باسي لم يعلم بشيء من هذه المكامن، فأقبل في الليلة الثانية عند منتصف الليل، ~~حتى وصل إلى منزل مونسورو. # فرأى نورا في غرفة ديانا. # فصفر ثلاث مرات حسب الاتفاق، فأطفئ النور في الحال، ثم فتحت النافذة وخرج منها رأس ~~ديانا، التي جعلت تفحص الطريق بنظر الخائف حتى وقع بصرها على باسي من خلال أشعة ~~القمر. # فبرقت أسرة وجهها من الفرح، وقالت له بصوت الهامس: ألق إلي بالسلم لأعلقها، وأسرع ~~بالصعود لأن أهل المنزل نيام. # فأخذ باسي سلما حريرية من جيبه، ورمى بطرفها إلى ديانا فربطته إلى حديد النافذة. # ثم صعد إليها ودخل منها إلى الغرفة، فأرجع السلم إلى جيبه وعادت هي فأشعلت ~~النور. # ومن غرائب الاتفاق أنه بينما كان باسي يصعد إلى حبيبته على السلم، كما كان يصعد من قبله ~~روميو إلى لقاء جولييت. # كان مونسورو ينزل على سلم المنزل، متكئا على ذراع الخادم كي يكمن لذاك العاشق، الذي ~~أخبر عنه أنه يقدم إلى منزله كل ليلة عند منتصف الليل. # فلما وصل إلى الطريق كان باسي قد بلغ إلى الغرفة، وقد طوقته يدا ديانا تلهب فمه ~~تقبيلا. # فدهش مونسورو بعد أن أقام هنيهة، إذ لم ير أحدا ... وقال لخادمه: كان ينبغي أن أقيم من ~~المنزل وأرقب غرفتها. ~~- كلا يا مولاي، والذي أراه ms105 أنه خير لنا لو أقمنا في مكمن على الطريق. # فأنت ستقتل ذلك القادم من غير بد. # فإذا قتلته على الطريق تزول الشبهات وتدرأ عنك ملامة الناس، على أنك لو قتلته في المنزل ~~لما أمنت تقول الأعداء. # وفوق ذلك، فقد يأتي ذلك الرجل فيدخل إليها خلسة من غير أن تراه. # ولكنك لو كنت خارج المنزل، فلا بد من أن تراه عند دخوله؛ لأنه سيدخل من النافذة أو من ~~الباب. # فأذعن مونسورو لرأي خادمه وقال: أنت مصيب فيما تقول، فأين ترى أن نكمن؟ ~~- في هذه الحفرة ... لأننا سنرى فيها كل من يمر، بغير أن يرانا أحد. # ثم توجه الاثنان إلى الحفرة التي عينها الخادم، فأقام مونسورو يرقب بعين ساهرة مرور ~~الناس. # وجعل الخادم يهيئ البندقية لمولاه ويحشيها. # فلم يلبثا فترة من الزمن حتى سمعا وقع حوافر خيل. # فالتهبت مقلتا مونسورو بشرر الغيظ، وأطل من مكمنه ينظر نظرة الذئب المفترس. # فنظر فارسين يدنوان من المنزل حتى إذا بلغا إليه، ترجل أحدهما عن جواده، ثم ترجل ~~الآخر على إثره. # فربط الجوادين إلى حلقة في الحائط، وقال أحدهما لرفيقه: أظن أننا قد وصلنا متأخرين وأنه ~~أصبح في المنزل. ~~- كيف كان الحال، فإننا إذا لم نره داخلا ... فلا بد لنا من أن نراه خارجا. ~~- حسنا، ولكن كيف يتيسر لنا أن نراه؟ ~~- ذلك سهل ميسور، وهو أنك تطرق الباب فتدخل مستطمنا باسمي عن صحة مونسورو. # ومتى طرقت الباب وأحس بدخولك، فهو لا بد أن يخرج حذر الفضيحة، فأراه من غير ~~بد. ~~- حسنا ... فابتعد الآن قليلا عن المنزل ... وأنا سأطرق الباب. # ثم أعطاه لجام جواده. # أما مونسورو فإنه سمع صوت المتحادثين، ففهم أن واحدهما الدوق دانجو والآخر أورلي. # فاحتدم غيظا وقال: لقد تحققت الآن أن هذا الرجل لا يدور في عروقه دم ملكي، وليكن ~~دوقا أو ملكا، فإني قاتله لا محالة. # ثم نظر إلى الخادم وقال: أشعل الزناد، لقد آن لهذا الفاجر أن يموت. # وبينما أولي يعطي لجام الجواد إلى الدوق، إذ سمع صوت مونسورو ... ونظر إلى شرر ms106 الزناد يضيء، ~~فاضطرب من الخوف على مولاه وقال: هو ذا كمين يا سيدي، فلنسرع بالرحيل. # فقال الدوق: وأي كمين تعني؟ ~~- سمعت صوتا خارجا من هذه الحفرة، ورأيت شرر الزناد ... فلنسرع يا سيدي ... فلعل ~~الكامن في هذه الحفرة من أتباع باسي. ~~- لقد أصبت بحذرك؛ لأني أرى ما تراه فلنذهب إذا. # ثم امتطى الاثنان جواديهما وانصرفا. # فهب مونسورو من مكمنه وهو يرتعش من الغضب، وقال لخادمه: اذهب في الحال، وهيئ لي ~~المركبة ... لأني ذاهب إلى منزل الدوق. ~~- سيدي، ماذا تفعل أتذهب إليه في مثل هذه الساعة؟ ~~- نعم، وإذ لا أستطيع أن أنتقم بالسيف فلأنتقم بالحيلة. # ودخل بعد هذا القول إلى المنزل مغضبا متوعدا، فجعل يفتح الأبواب بمنتهى الحدة، ويكسر ~~كل ما وقع أمام عينيه من أثاث المنزل، حتى انتبه العاشقان. # فأسرع باسي بالهرب، فربط السلم بالنافذة ونزل منها مسرعا، فنجا مما كان يتوقعه من ~~الخطر. # وبلغ إلى الأرض آمنا. # بينما كان الدوق يسير وجلا في جهة قصره. # والكونت مونسورو يزبد حانقا، ويملأ المنزل صياحا لتأخر الخدم في تحضير ~~المركبة. # وبعد أن أعدت المركبة ركب فيها الكونت، وأمر السائق بالذهاب إلى قصر الدوق. # فسار به حتى وصل إلى القصر. # فاستأذن بالدخول، فنزل خبر قدومه على الدوق نزول الصاعقة، لكنه لم يجد بدا من ~~قبوله. # فأذن له. # فلما دخل الكونت، تكلف الدوق هيئة القلق والتودد فقال: هذا أنت يا كونت؟ وكيف ~~تقدم إلي في مثل هذه الساعة وأنت لا تزال مريضا؟ # ألا تشفق على نفسك؟ ~~- لم أقدم يا مولاي إلا لخدمة سموكم التي أوثرها على نفسي. ~~- قل إذا أيها الصديق الوفي عما حملك على المجيء؟ ~~- إن ما أتيت لأجله لا يقال أمام الناس. # فصرف الدوق من حوله بإشارة. # ولما خلا المكان بالاثنين، قال له الكونت: أراك قادما حديثا من الشوارع. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- أرى الوحل لا يزال طريا فوق رجليك. ~~- هذا صحيح يا سيدي. ~~- أتراك تمتهن غير مهنة رئيس الصيد؟ ~~- نعم، لأني قد امتهنت أيضا مهنة الرقباء على الطرق. ~~- وماذا تريد بهذه المراقبة؟ ~~- أريد ms107 أن أعرف من يمر بها. # ثم جلس على كرسي قبل أن يأذن له الدوق بالجلوس ... وقبل أن يجلس نفسه. # فقال له الدوق بلهجة المتهكم: أتأذن لي أيها الكونت بالجلوس؟ ~~- لا تتهكم يا سيدي على أصدق الناس إخلاصا في خدمتك ... وشهد الله لو تمكنت من الوقوف ~~لما جلست ... ولكنني مريض كما تعلم. ~~- إذا قل ما الذي جاء بك إلي؟ ~~- إني قادم من قبل سمو الدوق دي كيز. ~~- إذا ادن مني واخفض صوتك لئلا يسمعنا أحد. # فلما دنا منه قال له الدوق: ماذا تريد أن تقول بلسان الدوق، هل كتب إليك؟ ~~- كلا. ~~- إذا لقد اجتمعت به في المعسكر. ~~- لا هذا ولا ذاك يا سيدي، بل هو قد أتى إلى باريس. # فدهش الدوق دانجو مما سمع وقال: كيف أتى إلى باريس؟ وكيف لم أره؟ ~~- إنه لم يأت إليكم حذرا من أن يعرضكم للخطر. ~~- ولكن ألا يخبرني على الأقل بقدومه؟ ~~- لقد أخبرك يا سيدي، ألم أحضر إليك لهذا الشأن؟ ~~- حسنا، ولكن ما الذي حمله على المجيء؟ ~~- قد أتى إيفاء للموعد الذي ضربته له. # فارتاع الدوق وقال: أنا ضربت له موعدا؟ ~~- نعم يا سيدي، وأنا الذي ضربت له هذا الموعد بأمرك، وغدا يحين الأجل المضروب، فإذا ~~كنتم قد نسيتم، فابن عمكم لم ينس. # فاصفر وجه الدوق؛ لأنه كان قد عزم بعد صلحه مع أخيه أن يقلع عن الدسائس، ثم قال: نعم ~~لقد ذكرت ذلك، ولكني قد رجعت عن جميع هذه الأفكار ... # ولذا فقد نسيت هذا الموعد. ~~- إذا يجب أن يعلم الجميع ذلك، حذرا من أن يسيء ظنه بك، فيصبح عليك بعد أن كان ~~معك. ~~- لو كان معي لما عدم وسيلة في سبيل إنقاذي، أيام كان محجورا علي في اللوفر. ~~- ذلك لأنه كان أيضا غير آمن عقاب الملك، فاضطر إلى الخروج من باريس. # ولكنك عندما بلغت إلى دانجو، ألم يكتب إليك انك ~~إذا رغبت أن تمشي إلى باريس فهو سيكون معك في طليعة الجيش؟ فلست الآن بحليف الدوق فقط، ~~بل أنت شريكه بالجرم. # فعض الدوق على ms108 شفتيه من الغيظ. # ثم غير نمط الحديث فقال: قلت لي إنك آت من قبل الدون دي كيز، فماذا عهد إليك أن ~~تقول؟ ~~- كل شيء يا سيدي؛ لأنه يعلم أني موضع ثقتك وصفيك. ~~- إذا قل ما هي غايته؟ ~~- هي دائما نفسها يا سيدي، وهي جعل الدوق دانجو ملك فرنسا. # فبرقت أسرة الدوق من الفرح وقال: هل الفرصة مناسبة الآن؟ ~~- ذلك مناط بحكمتك وحسن تعقلك، وها أنا مفصح لك عن جميع ذلك بالكلام الموجز، فأقول ~~إن عيد الرب قريب، وإن الملك سيخرج حسب عادته في كل عام فيزور جميع الأديرة. # وعندما يبلغ إلى دير جنفياف، يدخل إليه فلا يخرج منه إلا وأنت في مكانه على العرش. # هذه هي الخطة التي سيجرون عليها. # هل تعترض في شيء؟ # فوجم الدوق ولم يفه بحرف. # فقال الكونت: ما بال مولاي لا يجيب؟ ~~- ذلك لأني أفتكر ... ~~- بماذا؟ ~~- أفتكر أن أخي لم يولد له ولي للعهد إلى الآن، ولن يولد له لما هو عليه من الهزال ~~وضعف البنية. # فإذا صبرت فإني أبلغ إلى ما أتوق إليه من غير أن أعرض نفسي للأخطار؛ لأنه لا يوجد ~~لعرش فرنسا وريث غيري من بعده. ~~- أنت مخطئ يا مولاي؛ لأن أمراء دي كيز إذا كانوا لا يستطيعون أن يكونوا ملوكا، فهم ~~قادرون على تنصيب الملوك، فإذا خرجت عن رأيهم فإنهم يجدون وريثا سواك. # فقطب الدوق جبينه وقال: من يجسر أن يتولى مكاني على عرش شارلمان؟ ~~- إن أسرة البوربون هي مساوية لأسرتكم في حقوق التاج. ~~- أتريد بذلك أنهم يولون ملك النافار؟ ~~- هو ذاك يا سيدي، فإنه شجاع مقدام. ~~- نعم، لكنه بروتستانتي. ~~- ألم يعتنق المذهب الكاثوليكي في مذبحة برتلماوس؟ ~~- نعم، لكنه عاد إلى سابق اعتقاده بعدما أمن الخطر. ~~- وما الذي يمنعه أن يصنع لوقاية تاجه ما صنع لوقاية حياته؟ ~~- وهل كان ما تظن؟ ... أتخال أني أدع حقوقي تضيع من غير دفاع؟ ~~- إن أعداءك من رجال الحرب أيضا. ~~- لكني أترأس الحزب الديني. ~~- وهم حياته التي يحيا بها. ~~- إني أنضم إلى أخي. ~~- لكنه يكون قد مات. ms109 ~~- إني أدعو إلى نصرتي ملوك أوروبا. ~~- إن الملوك تساعد الملوك، ولكنها لا تثير الحروب على الشعوب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن أسرة دي كيز مستعدة لكل خطب يا سيدي، حتى إلى قلب الملكية نفسها، وتأسيس ~~جمهورية كسويسرا وجينوه وفينيسيا. ~~- لكن حزبي لا يأذن بمثل هذا الانقلاب. ~~- هذا إذا كان لك أحزاب يا سيدي، أما أحزابك اليوم فهي أنا وباسي، وليس لك نصير سوى هذين ~~الرجلين. ~~- إذا فأنا ضعيف خامل، وماذا عسى أن ينتفع دي كيز من ضعفي وخمولي؟ ~~- ذلك أنك لا تستطيع أن تقدم على أمر إذا كنت فردا، أما إذا كنت يدا واحدة، فأنت ~~تصبح قادرا على كل شيء، فقل يا سيدي كلمة واحدة تغدو ملكا من غير بد. # فنهض الدوق مضطربا مذعورا، وجعل يمشي في الغرفة بخطوات قلقة، ثم وقف أمام مونسورو ~~وقال: لقد أصبت أيها الكونت، فلم يعد لي من أحزابي غير أنت وباسي. # فبرقت أسرة مونسورو من الفرح وقال: إذا لقد علمت أني صادق فيما أقول. ~~- نعم، قل الآن ما تشاء. ~~- ليس لي ما أقوله بعد ما أوضحته لك، سوى أن تصادق على مقتل الملك في الدير. ~~- إني أصادق. ~~- لا يكفي القول وحده في مثل هذا المقام يا مولاي، بل ينبغي أن تخط بيدك ما قلته ~~بلسانك. ~~- إنهم يريدون أن يتسلحوا بتوقيعي! ~~- هو ذاك يا مولاي. ~~- إذا فإني لا أكتب ولا أصادق. ~~- كلا بل تصادق يا مولاي؛ لأن الرفض خيانة تضر بك، وفوق ذلك فإني أخشى عليك ~~العاقبة. ~~- أية عاقبة تخشى؟ ~~- عاقبة الموت. ~~- أيجسرون أن يمدوا يدا أثيمة إلى أمير من الأسرة المالكة؟ ~~- نعم يا مولاي؛ لأن تلك اليد ستمد إلى الملك نفسه. # فبهت الدوق هنيهة، ثم قال: إذا سأوقع في الغد. ~~- كلا يا سيدي، بل ستوقع الليلة وفي هذه الساعة؛ لأن ذلك خير لك. ~~- ومن يكتب الصك؟ ~~- هو مكتوب وها هو. # ثم أعطاه الصك. # فأخذه الدوق وقرأه بنظر قلق مضطرب، ثم وقع عليه بيد مرتجفة، وأرجعه إلى الكونت ~~الذي كان ينظر إليه خلسة بعين تلتهب من الغضب ms110 والحنق، فأخذه مونسورو ووضعه في جيبه. # ثم نظر إلى الدوق فقال: والآن يا سيدي، فلم يبق إلا أن أنصحك باتباع الحكمة، وعدم ~~الخروج في الليل مع أورلي كما صنعت الليلة منذ وقت قصير. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أريد أنك كنت ترود حول منزل امرأة يحبها زوجها حبا يقرب أن يكون عبادة، وربما ~~دفعته الغيرة إلى قتلك حيثما يجدك. # فبهت الدوق لكلام الكونت، وقال: ألعلك تريد بتلك المرأة وذلك الزوج أنت وامرأتك؟ ~~- نعم، ولا أنكر عليك؛ فإن ديانا ماريدور هي امرأتي أمام الله والناس، وأقسم لك بهذا ~~الخنجر أنها ستبقى لي وحدي، فلا يدنو منها ملك ولا أمير. # ثم جرد خنجره، ووقف أمام الدوق وقفة المنذر المتوعد، فقال الدوق: أتنذرني ~~يا كونت؟ ~~- كلا يا سيدي، ولكني جردت الخنجر لأقسم لك عليه أن زوجتي ستكون لي وحدي. ~~- لقد فات أوان انتباهك أيها الأبله؛ لأن زوجتك أصبحت بيد سواك. # فصاح الكونت صيحة منكرة، وهز الخنجر بيده هزة القانط، ثم قال: أأنت هو هذا ~~الرجل؟ # فدنا الدوق من الجرس كي ينادي بقرعه الخدم عند مسيس الحاجة، وقال: إن منظرك يحمل على ~~الإشفاق. ~~- أنت واهم فيما تظن وأنت تقول زوجتي أصبحت في يد سواي. ~~- نعم، وأنا أعيد ما قلت. ~~- إذا اذكر لي اسم هذا الرجل؟ ~~- ألم تكن الليلة كامنا في الحفرة مع خادمك؟ ~~- نعم. ~~- إن ذلك الرجل كان مختليا في الوقت نفسه مع زوجتك في غرفتها. ~~- أرأيته داخلا إليها؟ ~~- كلا، بل رأيته خارجا من عندها. ~~- أخرج من الباب؟ ~~- كلا، بل من النافذة. ~~- أعرفته؟ ~~- نعم. ~~- إذا فاذكره لي أيها الدوق، وإلا خرجت عن موقف الرشاد. # فابتسم الدوق ابتسام الساخر، ثم قطب جبينه وقال: أقسم لك أيها الكونت بدمي الملكي، ~~وبالله العلي، أني سأخبرك باسم هذا الرجل بعد ثمانية أيام. ~~- أتقسم بذلك؟ ~~- نعم، فقد سبق إليك قسمي. # فضرب مونسورو بيده على صدره في المكان الذي وضع فيه الصك، وقال: إذا بعد ثمانية أيام ~~أيها الدوق، والويل لمن يخون. # ثم خرج مزبدا حانقا، وهو ينظر إلى الدوق نظرات الإنذار ms111 والوعيد. # الفصل الخامس والعشرون # | المكيدة # مضى على ذلك الحديث ثمانية أيام، وباسي منهمك في غرامه لا يعبأ بما يكيد له الدوق. # ومونسورو مشتغل بظنونه، لا يهدأ له بال ... وهو موجس خيفة من الدوق. # والدوق منقبض الصدر يتراوح بين الاندفاع مع تيار الغيرة والانتقام من باسي، وبين الصفح عن ~~ذلك البطل حفظا لجميله واحتفاظا بوداده، إلى أن كان اليوم الثامن. # وكان ذاك اليوم يوم عيد، والملك والدوق وجميع أتباعهما جلوس في المعبد. # وكان الدوق جالسا بين باسي ومونسورو. # فبينما هم جلوس إذ دنا رامي من باسي، وأعطاه ورقة. # فنظر إليه الدوق نظرة القلق؛ لأنه كان يعلم من جواسيسه أن هذا الرجل رسول باسي إلى ~~ديانا. # ثم قطب حاجبيه وجعل يسارق باسي النظر، فرآه قد وضع الرسالة في طي قبعته. # وجعل يقرأ ما فيها، ولوائح السرور تجول بين عينيه. # فعلم الدوق أن الرسالة من ديانا، وأنها تدعوه إلى موعد من غير بد. # فلم يطق الصبر إلى انتهاء الصلاة. # فأدار وجهه إلى مونسورو فقال: أتذكر أيها الكونت ما وعدت به منذ ثمانية أيام؟ ~~- إن مثل هذا الوعد لا ينسى يا مولاي، وأنا أنتظره بفارغ الصبر. ~~- طب نفسا فستعلم كل شيء في هذا المساء، وستنتقم من المسيء إليك شر ~~انتقام. ~~- إذا فأنت ذاكر لي اسمه؟ ~~- كلا أيها الكونت، بل إني سأريك إياه الليلة في مكانك من عروسك، فتصنع به وبها ما ~~تشاء. # ولكن النتائج لا تدرك إلا بمقدماتها، ومقدمة هذا الانتقام إغراء العاشقين. ~~- كيف ذلك يا مولاي؟ ~~- ذلك أن تذهب في الحال قبل انتهاء الصلاة إلى منزلك، فتخبر زوجتك أني مرسلك بمهمة ~~مستعجلة إلى ضواحي باريس. # ثم تودعها على أنك مسافر في الحال، وتأتي فتختبئ في قصري إلى أن تحين ساعة ~~الانتقام. # فاذهب الآن مسرعا، وإذا كنت حريصا على شرفك، فاحرص على سرك. # فنهض مونسورو، وخرج من الكنيسة خروج الظافر إلى أن بلغ المنزل. # فأخبر امرأته أنه مسافر إلى حين. # ثم أخذ معدات السفر للزيادة في إغرائها، وانطلق مهرولا إلى قصر الدوق. # وبعد انتهاء ms112 الصلاة، سار باسي بالموكب الملكي إلى أن بلغ القصر، فاستأذن من الدوق. # فصرفه وهو يبتسم له ابتسام الأبالسة. # غير أن باسي لم يفطن لهذا الابتسام لانشغال قلبه بالرسالة، وذهب وقلبه موعب فرحا إلى ~~منزل مونسورو، فولجه متذرعا بحجة الصداقة. # فقابلته ديانا على الباب، وعلائم البشر تجول بين ثنايا وجهها الجميل، وقالت: أترى ~~وصلت إليك الرسالة؟ ~~- نعم أيتها الحبيبة، وقد أتيت ممتثلا طائعا يدفعني الشوق المبرح إلى لقاء من ~~أحب. ~~- ما دعوتك أيها الحبيب إلا لنتفق على موعد للقاء، فقد اشتدت مراقبة زوجي ~~الغيور، حتى لم نجد إلى الخلوة سبيلا. # ولكن للعشاق إلها يكلؤهم بلطفه، فقد دبرت التقادير ما نسعى إليه منذ أيام. ~~- كيف ذلك أيتها الحبيبة؟ ~~- إن مونسورو قد خرج الساعة من عندي في سفر يغيب فيه يومين بأمر الدوق، وأنت الآن سجين ~~عندي إلى أن يعود. ~~- بورك من سجن أود الموت فيه. # ثم أكب على عنقها يقطعه تقبيلا، ودموع الفرح تنهل من عيون العاشقين. # أما الدوق فإنه لم يكد يلج قصره، حتى دعا بصفيه وكاتم أسراره الخاص. # فلما خلا بهما المكان، أدناه الدوق منه وقال: كن الليلة على أهبة الحذر، فقد عزمت ~~على أن أضرب الضربة القاضية. ~~- كيف ذلك يا مولاي؟ ... # وما للغضب آخذ منك هذا المأخذ؟ ~~- لقد زادت جرأة باسي، حتى إنه أصبح يتلو رسائل غرامها إليه أمامي. # وبلغ من دهاء مونسورو أنه يقيدني بالمواثيق وينذرني كما يشاء. # فأنا سأدع الواحد يقتل الآخر، وأنتقم من القاتل بالقتل، فأنال بغيتي من ~~الاثنين. # ثم قص عليه اتفاقه مع مونسورو، وكيف أنه مختبئ عنده إلى أن يجن الظلام. # فيذهب بفريق من الأشقياء إلى المنزل، حيث يجد فيه باسي وديانا على فراش الغرام. # وبعد أن انتهى من حديثه هذا قال: والآن فائتني بأربعة من القتلة الأشرار، وادفع لهم ~~قدر ما يشاءون من المال. # ثم أخبرهم إذا وجب الأمر أنني أظللهم بحمايتي، كي يقدموا على جميع ما أريد من غير ~~خوف. # ولينتظروني خارج القصر، حيث أوافيهم عند الساعة التاسعة والنصف من هذا المساء. ms113 # فامتثل الرجل لأمر الدوق ... # وانصرف في الحال لإنفاذ أمره. # أما الدوق، فإنه دخل إلى الغرفة التي كان فيها مونسورو، فاختليا ساعة طويلة، خرج بعدها ~~الدوق في شأنه، وبقي الكونت حيث كان. # الفصل السادس والعشرون # | الانتقام # بينما كان مونسورو خارجا عند الساعة التاسعة من اللوفر بعشرة من رجاله يتميز غضبا ~~وحنقا على عدو لا يعرفه، وهو ذاهب إلى منزله لقتل امرأته ومن تهواه. # وبينما كان الدوق يتردى برداء واسع يستر وجهه عن الناظرين، وهو يتأهب للخروج في إثر ~~مونسورو إلى الموضع عينه. # كان باسي وديانا جالسين على مقعد في غرفة تنبعث أشعة مصباحها الضعيفة، فيتماوج ظلها فوق ~~شعر ديانا، التي كانت تعبث بها إحدى يدي عشيقها وهو مطوق بيده الثانية عنقها الجميل، يلهبه ~~من حين إلى حين بقبلات الغرام. # وكأن العاشقين قد علما بما سطر لهما في لوح المقدور، فكانت مرتسمة على وجهيهما ~~ملامح من الحزن العميق، تكاد تضرب على نعيمهما الحاضر. # وكان كلاهما يتنهد، حتى يخاله السامع أنه في أقصى دركات الشقاء، ثم لا يلبث أن ينظر إلى ~~وجه من يحب، حتى تتبدل تلك الكآبة إلى هناء، ويستحيل ذلك الحزن إلى فرح تبتهج له النفوس ~~وتقر به العيون، فلا يعلمان أهما في شقاء أم هما في نعيم! # وبينما كان باسي يسرح طرفه بمحاسن تلك الحسناء، بصر بعينيها فإذا هما مغرورقتان ~~بالدموع. # فأجفل منذعرا وقال: ما بالك أيتها الحبيبة تبكين؟ # فلم تجبه بحرف، بل نظرت إليه بتلك العين الباكية نظرة كئيبة، ثم أرخت بنظرها إلى ~~الأرض. # وانصرفت إلى التصور والذهول فطوقها باسي بذراعيه، ومسح بشفتيه تلك القطرات ~~المتساقطة على خديها، ثم قال: بالله أيتها الحبيبة ... ألا ما أخبرتني بأحزانك، فقلد قطعت ~~قلبي بهذا البكاء. # وماذا أسال دموعك؟ بل ما يعوزك من السعادة وهي كلها بقربك وفي قبضة يدك؟ ~~- لا تذكر لي السعادة أيها الحبيب؛ لأن قلبي يحدثني بانقلابها، وأن يستحيل ذلك الهناء ~~إلى تنغيص وكمد. ~~- وأي تنغيص بالله، وأي كمد ما دام قلبانا في الغرام صافيين، لا يكدرهما هجر ولا ~~ينغصهما ms114 جفاء؟ ~~- ولكن الدهر ليس مثل قلبنا أيها الحبيب، وكأن أيامه التي لا تتشابه بالأحكام قد ~~أقسمت ألا تسعد قلبين يتشابهان في الغرام. ~~- لقد شغلت قلبي بما تقولين، وإني أقرأ بين عينيك رسالة حزن وكدر، فهل سطر لنا في ~~لوح الدهر شيء من ذلك؟ ~~- بل هي نسخة الدهر تنظرها بعيني وتسمعها بكلامي؛ لأني أشعر بسهم الشقاء ينفذ إلى ~~قلبي. # فأحمله مطرقة صامتة، لا أعيد ولا أبدي كما تحمل الحمامة سهم الصياد تحت جناحها، ريثما ~~تستقر وتموت. # فذعر باسي لما سمع وقال: إن الحمامة أيتها الحبيبة لا تقوى على انتزاع السهم من تحت ~~جناحها؛ لأنها لا تقدر عليه ... # فهل إذا كنت مثل الحمامة في طهارة قلبك، تكونين مثلها في العجز والضعف عن نزع هذا ~~السهم؟ # وبعد فمم تخشين وأنا بقربك؟ وماذا ينغصك ويدي معقودة في يدك، وغرامنا ثابت وطيد ~~لا يفصله غير الله؟ ~~- إني أخشى ذلك الله، ولا ينغصني في هواك غير تبكيت الضمير؛ لأني لزوجي قبل أن أكون لك، ~~ولكن نفسي علقت بك دون ذلك الزوج، ولم تخش معصية الله. ~~- ما بالك نادمة أيتها الحبيبة؟ أكان عقد قرانكما برضا الله؟ ألم تعقد هذا الزواج ~~يد الحيلة والإثم؟ # فهل يرضى الله عن الآثام؟ # وبعد ... فمن ربط قلبينا بهذا الوثاق إن لم تكن يد الله؟ فكيف تخشين عصيانه بهذا الغرام؟ ~~بل كيف لا تشفقين من جرح قلبي بمثل هذا الكلام؟ # فاختلجت ديانا وطوقت عنق من تحب بيديها، ثم وضعت فمها على فمه وقبلته بكلمة: ~~«أحبك.» # ولكنها لم تكد تنتهي من لفظ تلك الكلمة، حتى دوت أرجاء الغرفة بصوت هائل. # ثم كسرت النافذة ودخل منها ثلاثة رجال مدججين بالسلاح، ودخل في إثرهم رجل رابع مقنع ~~الوجه وهو يحمل بإحدى يديه غدارة، وبالأخرى حساما مجردا. # فأجفل باسي وارتاع لصيحة منكرة بدرت من ديانا، فوقف هنيهة منبهتا من غير ~~حراك. # ثم رجع إليه هداه. # وأول ما خطر له أنه تخلص من ذراعي ديانا، وجرد حسامه للدفاع. # فصاح الرجل المقنع برفاقه يقول: لا تخشوا لأنه سيقتله الخوف ms115 قبل أن تقتلوه. # فصاح به باسي يقول: كذبت أيها الجبان، فلست ممن يخافون. # وكانت ديانا قد قربت منه أيضا، فقال لها: ابتعدي عني يا ديانا، إذا كنت تحبين ~~خلاصي. # فلم تصغي إليه، بل اقتربت منه وطوقته بيديها. # فأبعدها عنه بعنف قائلا: إن حنوك هذا سيكون السبب في قتلي. # فلم تجد بدا من الخضوع ، ووقفت وراءه تصلي أمام صليب من العاج. # فقال الرجل المقنع بصوت المتهكم: لقد ثبت لي الآن ودادك يا باسي، فلله أنت من ~~صديق عرف أن صديقه مسافر، وأن زوجته تخشى المبيت وحدها، فأتى يؤانسها في ظلام ~~الليل. # فعلم باسي أن صاحب هذا الصوت هو مونسورو، فقال: أزح القناع الآن يا كونت، لقد عرفتك ~~ولم يعد من حاجة إليه. ~~- لك ما تريد أيها الصديق المخلص. # ثم أخذ القناع عن وجهه، ورمى به إلى الأرض، فظهر من تحته وجه مونسورو وهو باصفرار يشبه ~~اصفرار الأموات. # فسترت ديانا وجهها بين يديها وقالت: ويلاه! # أما باسي، فإنه نظر إليه نظرة ازدراء وقال: افعل الآن ما أنت قادم لأجله، فإما أن تقاتل ~~فتموت، أو تدعني أذهب على أن نلتقي في الغد. # فضحك مونسورو ضحكا طويلا، هلع له قلب ديانا من الخوف، وارتجف له باسي من الغيظ. # ثم قال بعد ضحكه الطويل: كلا أيها الصديق، فأنت أتيت لتنام في هذا المنزل، إذا ~~فلتنم نومة لا هبة بعدها إلى الأبد. # وبعد ذلك دخل من النافذة رجلان أيضا، وانضما إلى رفاقهما، فنظر إليهما باسي نظرة ~~هادئة وقال: لقد أصبحوا ستة، فأين الباقون؟ # فأجاب مونسورو قائلا: إنهم ينتظرون على الباب. # فوقعت ديانا جاثية على ركبتيها وهي لا تعلم ماذا تقول. # ونظر باسي إلى مونسورو فقال: ألا تعلم أيها الكونت أني من رجال الشرف؟ ~~- لا ريب عندي في ذلك، فلقد تأكدت من شرفك وإخلاصك، كما تأكدت من طهارة زوجتي ~~وعفافها. # فاحتدم باسي غيظا، ثم عادت إليه سكينته فقال: قل ما تشاء الآن أيها الكونت، فستأتي ~~ساعة الحساب، ولكني أقسم لك بالله إني ألتقي بك متى شئت ... فلا ms116 تجعل منزلك ساحة ~~للقتل. ~~- لا تقل ستأتي ساعة الحساب، بل قل أتت. # ثم أشار إلى رفاقه وقال: هلم أيها الشجعان. # فانذهل باسي وقال: إذا فأنت لا تريد مبارزتي، وأنت لست بشريف، بل أنت تريد قتلي بخناجر ~~الأشقياء. # ولكن ثق أيها الكونت، إن هذه الخيانة الشنعاء لا تروق لعيني الدوق. # فضحك مونسورو ضحكة الاستهزاء ، وقال: إن الدوق نفسه الذي أرسلني. # فأنت ديانا أنين القنوط. # ورجع باسي خطوة إلى الوراء، فرأى بالقرب منه منضدة، فوضعها بينه وبين أعدائه لتكون ~~حاجزا يقيه خناجر أولئك الأشقياء، وأشهر حسامه في وجوههم وهو يقول: تقدموا الآن، ولكن ~~اعلموا أن هذا الحسام قاطع صقيل. # فوثب إليه جميع أولئك الأشقياء وثبة كلاب الصيد على الفريسة، فكان أجرؤهم أقربهم ~~إلى الموت، وهجم عليه آخر منهم فكان نصيبه نصيب رفيقه الأول، ولم يشعر بحسام باسي وقد بلغ ~~إلى قلبه حتى صاح صيحة ألم شديدة، وانقلب يهوي صريعا إلى الأرض. # وسمع باسي صوت خطوات مستعجلة في الرواق، فظن بأنها خطوات أعداء وأنه أصبح بين ~~نارين. # فهرول مسرعا إلى الباب ليمنع دخول القادمين. # ولكنه لم يكد يبلغ إليه حتى فتح الباب، وبرز منه رجلان مدججان بالسلاح. # فما رآهما باسي حتى صاح صيحة الفرح وهو يقول: هذا أنت يا سانت ليك ... هذا أنت يا رامي ~~... # فأجاب سانت ليك يقول: طب نفسا أيها الصديق الحميم؛ لأننا قد أتينا حين حاجتك إلينا، ~~وسنحميك من خناجر أولئك اللصوص. # فنظر باسي عندئذ إلى مونسورو وقال: أتأذن لنا أيها الكونت بالمرور؟ # فلم يجبه مونسورو بحرف، بل دنا من النافذة وصاح بصوت مرتفع قائلا: إلي أيها ~~الرفاق! # فدخل ثلاثة رجال أيضا من النافذة، وانضموا إلى رفاقهم الآخرين، فركعت ديانا أمام ~~الصليب وقالت بصوت يتهدج من الحنان: رب أنقذه بعونك وفضلك. # فاحتدم مونسورو غيظا عند سماعها، وأسرع إليها والسيف مشهر بيده يريد قتلها. # فوثب إليه باسي وثبة النمر المفترس، وطعنه بحسامه طعنة وقعت في عنقه، فجرحته ~~جرحا غير بالغ وردته على أعقابه. # فهجم بالحال خمسة من رجاله هجمة واحدة على ms117 باسي، فجرح واحدا منهم، وقتل سانت ليك ~~رجلا آخر. # وصاح رامي متحمسا يقول: إلى الأمام. # فقال له باسي: كلا أيها الصديق، لا تهتم بنا الآن، بل اصرف اهتمامك إلى ديانا وأبعدها ~~عن هذا الموقف. # فأسرع رامي ممتثلا لأمر مولاه، ودنا من ديانا يحاول حملها والفرار بها، فامتنعت ~~ودافعت الدفاع الشديد وهي تقول: كلا ، لا أدعه يموت وحده بل أموت معه. # فلم يعبأ رامي بدفاعها وحملها بين يديه، فجعلت تصيح مستغيثة بباسي صياحا ~~مزعجا. # فناداها باسي قائلا: لا تخافي أيتها الحبيبة واهربي مع طبيبي، فسألحق بك بعد ~~حين. # فأخذ مونسورو غدارته وأطلقها قائلا: نعم، ستلحق بها في الحال. # فارتاع باسي وحسب أن الرصاص قد أصاب ديانا، وصاح صيحة منكرة وهجم هجوم الأسود فقتل ~~اثنين من ثلاثة كانوا قد اعترضوه في هجومه، ثم سمع رامي يقول بصوت خافت: لا تخف يا ~~مولاي، لقد تحملت الموت عنها، وقد وقعت رصاصة زوجها بصدري. # ثم خر على الأرض صريعا. # فنظر باسي نظر القانط إلى ما حواليه، فرأى سانت ليك يجول بين الهاجمين، فقال له: ~~أستحلفك بالله وبمن تحب أن تنقذ ديانا. ~~- وأنت؟ ~~- أنا رجل أدافع عن نفسي حتى الموت. # فأسرع سانت ليك إلى ديانا وقد كان أغمي عليها، فحملها وخرج بها هاربا من ~~الباب. # وصاح مونسورو: إلي أيها الرفاق! اقتلوا الخائن. # فانقض عليهم باسي انقضاض الصاعقة، فجرح العدد الكثير وقتل من قتل، واخترق صفوفهم كما ~~يخترق الرعد سكون الليل، وأبلى بهم البلاء الحسن، ولكن العدد يغلب القوة. # وهكذا فقد كانت المعركة بين كر وفر، فعندما يتكاثرون عليه يتراجع ليؤمن ظهره، ولكن ~~عندما يفتكر بحبيبته وما قد يحصل لها تنتابه قوة غريبة يعاود بها الهجوم ويجبرهم على ~~التراجع. # لقد أصيب إصابات طفيفة في أنحاء جسمه، وكانت هناك إصابة بليغة في كتفه، وعندما أمن ~~أن حبيبته قد أصبحت في مأمن، أخذ يشق طريقه بينهم ليفر من وجوههم، وكان قد قطع ~~شوطا كبيرا، ولم يزل بحاجة إلى نجدة صغيرة؛ لأن بوادر النصر بدأت تلوح له، وبينما ~~يجيل النظر ms118 في وجوه أعدائه لاح له من بعيد وجهان لصديقين، ففرح لأن الأمل بالنصر عاد إليه ~~بقوة. # | الخاتمة # لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن، فهذان الرفيقان اللذان رأى بهما بوادر الخلاص، ~~هب أحدهما لنجدته، والآخر استغل اطمئنان باسي له وغدره فطعنه طعنة نجلاء كانت ~~القاضية على هذا المحارب الشجاع. # أما صديقه الذي هب إلى نجدته فقد جمد الدم في عروقه من هول المفاجأة، وكان نصيبه طعنة ~~قوية، ولكنها لم تكن قاتلة فأغمي عليه وكان قد أصيب باثنتي عشرة طعنة أثناء ~~المعركة. # فما كان من مونسورو إلا أن صافح صديق باسي اللدود، ونظر نظرة ازدراء إلى جسد باسي ~~المضرج بالدماء، وتركه مع صديقه المغمى عليه في أرض المعركة وذهب مع رجاله. # أما بالنسبة إلى ديانا حبيبة باسي، فقد أخذها سانت ليك من يدي طبيب باسي، وأخذ يعدو ~~بها الشارع، وبعد أن ابتعد عن مكان المعركة نظر إليها فوجدها مغمى عليها لهول ~~المفاجأة. # وكان التعب قد أعياه، وفيما هو يفكر ماذا يفعل بها، تراءت له عربة خيل فأوقفها وصعد ~~هو وديانا إلى داخلها، وطلب من السائق التوجه إلى ضواحي باريس، وأودعها هناك عند صديقة ~~له تدعى جان دو بريساك، وطلب منها الاعتناء بديانا، ولهذا فقد تأخر سانت ليك عن الرجوع ~~إلى اللوفر. # ولكن بعد مضي ثلاثة أيام على ديانا في منزل جان، عانت خلالها ديانا من الحمى والهذيان، ~~وجان من السهر عليها. # وفي اليوم الرابع رأت جان أن حالة ديانا الصحية قد تحسنت، فقررت أن تأخذ قسطا من ~~الراحة، فخرجت للتنزه ولجلب حاجيات المنزل. # وبعد ساعتين عادت إلى المنزل، ودخلت توا إلى غرفة ديانا، فوجدت السرير خاليا، ~~ففكرت بأن ديانا قد صحت من هذيانها فقررت التنزه؛ لذلك أخذت تفتش عنها في ~~المنزل والجوار، ولكنها لم تعثر على أي أثر لها. # أما الذي أصيب في المعركة مع باسي فإن شيكو نقله إلى فندق بواسي، ولكنه لم يصمد أكثر من ~~ثلاثين يوما، فقد مات بعد هذه المدة في الفندق متأثرا بجراحه، وهذا الرجل هو ms119 ~~كيلوس. # أما بالنسبة للملك هنري فقد كان الحزن يغمره لأنه فقد أعز أصدقائه، وكانت طريقته ~~للتعبير عن حزنه بأنه صنع لهم ضريحا رائعا من المرمر، وأقام القداديس على راحة ~~أنفسهم. # وبعد موت أصدقاء الملك الثلاثة، لم يبق له سوى شيكو الذي لم يفارق الملك ~~قط. ms120