######OpenITI# #META# URI: 1344TaniyusCabduh.MalikNawar.Hindawi46425061 #META# Tags: literature #META# ID: 46425061 #META# Title: ملك النَّوَر #META# AuthorID: 80839092 #META# Author: ميشيل زيفاكو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 69739264 #META# Translator: طانيوس عبده #META# Related_books: 1318MichelZevaco (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - كنز الإله سيوا‏ # 2 - حي بميت‏ # 3 - مس ألن‏ # 4 - افتضاح السر‏ # 5 - دهاء النورية‏ # 6 - دهاء النساء‏ # 7 - الفشل بعد الفوز‏ # 8 - غرام الأخوين‏ # 9 - الاعتراف‏ # 10 - الفرار‏ # 11 - عثمان والبرنس دي غال‏ # 12 - الرحيل‏ # الخاتمة‏ # 1 - كنز الإله سيوا‏ # 2 - حي بميت‏ # 3 - مس ألن‏ # 4 - افتضاح السر‏ # 5 - دهاء النورية‏ # 6 - دهاء النساء‏ # 7 - الفشل بعد الفوز‏ # 8 - غرام الأخوين‏ # 9 - الاعتراف‏ # 10 - الفرار‏ # 11 - عثمان والبرنس دي غال‏ # 12 - الرحيل‏ # الخاتمة‏ # | ملك النور # | ملك النور # تأليف # ميشيل زيفاكو # ترجمة # طانيوس عبده # الفصل الأول # | كنز الإله سيوا # تبدأ حوادث هذه الرواية في كلكوتا عاصمة الهند سنة 1757، فقد كان السير روبرت ويلدن ~~سائرا على جواده عند بزوغ الفجر من شاندر ناجور إلى كلكوتا، وهو من أشراف نورمانديا، ولا ~~يزال في مقتبل الشباب، وكان يسير بين الأشجار والحقول وهو يناجي نفسه فيقول: إن الشريف لا ~~يحنث بما وعد، وقد وعدت تلك المنكودة الحسناء اللادي سيسلي - زوجة اللورد سبيرتهون حاكم ~~الهند - أن أخلصها من أخيه السير جاك الأحدب. # وقد أتى هذا الأحدب الشقي أمس إلى كلكوتا يحمل نبأ موت ليونيل الصغير ابن اللورد ~~الحاكم. # غير أن اللادي كتبت إلي أيضا في اليوم نفسه وها أنا الآن على أتم التأهب. # وفيما هو سائر رأى أمامه رجلين كان أحدهما يحمل طفلة على كتفيه، وكانا يلتفتان من حين إلى ~~حين إلى الوراء فقال السير روبرت في نفسه: ترى ألعلهما يحتاجان إلي؟ # وقد دفع جواده حتى وصل إليهما وسمع أحدهما يقول لرفيقه: لقد تعبت من حمل توبسي، وحبذا لو ~~كان هذا الفارس يضعها أمامه على جواده إلى أن نبلغ كلكوتا. # فأجابه رفيقه وهو فتى لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره: اسكت يا ناثائيل؛ فإنك ستبقى مدى ~~حياتك جبانا مستكديا دون قلب. هات طفلتك فأنا أحملها ولا نحتاج إلى هذا الرجل. # فقال له السير روبرت: أراك شديد الكبرياء أيها الفتى. # قال: نعم، ويحق لي أن أتكبر. # وقد حاول أن يستمر في سيره فأوقفه السير ms001 روبرت وقال له: أرى أنك من طائفة النور ~~الرحل، وأنك لم تقل لي هذا القول إلا لحقدكم علينا، ولكني لست ضابطا في الجيش ولا ~~عضوا في مجلس اللوردية، أي إني لست من الذين طردوكم من لندرا، وما دام رفيقك قد تعب من حمل ~~بنته فلماذا لا أحملها على جوادي وهو لا يتعب من حملها؟ # ثم التفت إلى الرجل الكهل وقال له: هات بنتك وقل لي أين أضعها حين أصل إلى كلكوتا. # قال: تفضل يا سيدي، وضعها في الحانة الكائنة عند باب العاصمة؛ فإن صاحبها يعرفني ويعرف ~~بنتي. # فأخذها فوضعها أمامه على الجواد وابتعد عنهما فقال الفتى لرفيقه: لقد أخطأت يا ناثائيل ~~بما فعلت. # قال: الحق أنه إذا رضي أن يكفل بنتي ويتولى تربيتها يكون قد أحسن إلي غاية ~~الإحسان. # قال: كيف ذلك؟ أتتخلى عن بنتك؟ ~~- بملء الارتياح؛ فإنها سيئة الطباع تزهقني ببكائها من الصبح إلى المساء، وإني أصبحت ~~مضطرا بعد موت أمها إلى أن أصحبها معي أين ذهبت، وفوق ذلك فقد حاولت أمس أن تخنق ذلك ~~الكلب الصغير، وهو كل مورد رزقي كما تعلم. ~~- لا تنس أني سأغدو يوما ملك النور. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أني في هذا اليوم أطردك أقبح طرد فإنك شر الآباء، ولا يليق بالطائفة أن تكون ~~منها. # فضحك ناثائيل وقال: إني إذا لم أصلح أن أكون رئيس عائلة فلي صفات طالما شكرتني عليها ~~الطائفة. ~~- نعم أعلم أنك من كبار اللصوص، وأنك كنت تستعين بكلبك فتنهب مخازن المجوهرات في لندرا، ~~ولكننا الآن في الهند، وأحب أن أعلم ماذا تريد أن تصنع في كلكوتا. ~~- إني آت إليها لأعلم إذا كانت المجوهرات موفورة في مخازنها كما كانت في مخازن ~~لندرا. # فنظر إليه الفتى نظر المحتقر وقال: أما أنا فلي غرض آخر من القدوم إلى كلكوتا. ~~- ما هو غرضك؟ ~~- هذا سر لا أبوح به، ولكني أخبرك كي لا ترهقني بالأسئلة أني قادم إليها للبحث عن ~~كنز. # فظهر الاندهاش العظيم على وجه الكهل، ووضع الفتى سبابته على فمه، فقال له: إني إذا ms002 اكتشفت ~~هذا الكنز يصبح أفقر فقير في طائفتنا أغنى من لورد في إنكلترا، ولا تعود بعد ذلك محتاجا ~~إلى كلبك. ~~- إذا كان ذلك فسأحاول أن أحب بنتي. # ولبثا يسيران ويتحادثان إلى أن وصلا إلى كلكوتا، وعند ذلك ودعه الفتى فقال له الكهل: ~~إلى أين أنت ذاهب يا جان؟ # قال: إلى حيث أبحث عن كنزي. ~~- هل أراك في كلكوتا؟ ~~- ربما التقينا هذه الليلة في محلتنا. ثم افترقا، فذهب الكهل إلى الحانة ليرى بنته، ~~وذهب جان في طريق المرفأ. # كانت طائفة النور تدعو هذا الفتى جان دي فرانس، فما زال سائرا حتى وصل إلى المرفأ، ~~وهناك وجد كثيرا من الجنود وعمال الميناء مجتمعين حول راقصة هندية ورجل هندي كان يعزف ~~بقيثارة، فدنا جان منهما وتفرس بوجه الهندي فقال في نفسه: نعم هذا هو. # وعند ذلك أطلق مدفع من الثكنة إشارة إلى افتتاح المرفأ؛ فتفرق الجميع، وذهب جان ~~مسرعا فسار في زقاق ضيق حتى انتهى إلى كوخ مبني بالقصب، فاضطجع على الأرض بجانب ذلك الكوخ ~~وأطبق عينيه يوهم أنه نائم. # وبعد هنيهة أقبل الهندي والراقصة، ورأى الهندي جان بجانب الباب فرفسه برجله وقال له ~~باللغة الهندية: قم من هنا أيها الكلب الدنس؛ فإن مكان هذا الكوخ كان مقدسا. # ولكن جان فتح إحدى عينيه ثم أغمضها فقالت الراقصة: إنه سكران فدعه وشأنه، ثم دخلت مع ~~الرجل إلى الكوخ وجعلا يتحدثان. # أما جان فإنه ابتسم ابتسام الظافر؛ فقد كان حديثهما يصل إليه، وكان عارفا بدقائق اللغة ~~الهندية كأبنائها. ~~••• # قبل ذلك بساعة كان فريق من الضباط الإنكليز مجتمعين في خمارة عند باب كلكوتا وهم ~~يتحدثون عن اللورد حاكم الهند ويعجبون لما يرون منه من دلائل الهم والتفكير الدائم، فقال ~~لهم أحد الضباط: لا تعجبوا أيها الرفاق؛ فقد قيل إنه اختصم مع امرأته ونفاها إلى قصر له في ~~إيكوسيا، وإنه يكره مولودها الأخير منذ ولادته. # وكان بين الحاضرين طبيب إنكليزي يدعى بولتون، فاعترضهم قائلا: لكم أيها السادة أن تقولوا ~~ما تشاءون عن اللورد إسبرتهون وعن ظلمه وتغاضيه ms003 عن واجباته في هذه البلاد، وأما إذا ذكرتم ~~زوجته اللادي فلا تذكروها إلا بالاحترام؛ فهي الملاك الذي يمثل الطهارة والفضيلة وكرم ~~الأخلاق في الأرض . # فقال الضابط: أهي حسناء مع هذه الفضائل؟ ~~- إن لها جمالا يفتك النساك. ~~- إذا كان ذلك فحدثنا بما تعلمه عن هذين الزوجين. ~~- ماذا تريدون أن تعلموا؟ ~~- لماذا أرسل اللورد امرأته إلى إيكوسيا؟ ~~- لأن أخاه الأصغر السير جاك الذي جاء أمس إلى كلكوتا قد وشى بها إلى أخيه، وحمله على ~~الشك بولادة ولديه، وقد مات ولده الصغير، وهو لو مات ولده الآخر أيضا لما حزن. ~~- كيف ذلك؟ أمات ولده الصغير؟ ~~- إن أخاه جاء بهذا النبأ. # وعند ذلك دخل رجل يحمل بين يديه طفلة، فصاح الجميع قائلين: هو ذا السير روبرت ~~ويلدن. # ودخل السير روبرت فحياهم وقال لهم: انظروا ما كان صيدي في هذا الصباح. أرأيتم أجمل من هذه ~~الطفلة؟ # وقال الطبيب: أظن أنها ابنة أحد أولئك النور الذين يطوفون في شوارع كلكوتا. # قال: هو ذاك، فاسقوني كأسا من الشمبانيا. # فصب له الطبيب كأسا وقال له: من أين أنت قادم؟ # قال: من غابات بردوان حيث كنت أصيد الفيل. ~~- وقد عدت إلى كلكوتا لتصيد النمر. أليس كذلك؟! ~~- هو ذاك. # وقد جلسوا يشربون ويتحدثون إلى أن جاءهم رسول من الحاكم يدعوهم للذهاب إلى التمرينات، ~~فانصرفوا مسرعين، وخلا السير روبرت بالطبيب فقال له: إني ما أتيت إلى كلكوتا للصيد كما ~~توهمت. # قال: نعم فإني لا أجهل علاقتك باللادي سسلي - امرأة الحاكم - وفرط احترامك إياها، وأنك ~~حاقد أشد الحقد على السير جاك، فهل علمت أن ليونيل الصغير - ابن اللورد - قد مات؟ # قال: نعم، ولكني هنا فلا يستطيع السير جاك قتل الولد الآخر. # وعند ذلك دخل ناثائيل - والد الطفلة - فلما رأته بنته تعلقت بالسير روبرت فقال لها: كيف ~~هذا يا ابنتي؟ ألعلك خفت من أبيك؟ # فأجابته قائلة وهي تبكي: نعم، فلا أريد أن أعود إليه. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يضربني. # فنظر إليه السير روبرت نظرة منكرة وقال له: ويحك أيها الرجل! أتضرب بنتك؟ أمثل هذا الملاك ms004 ~~يضربونه؟ # قال: نعم، أضربها لأنها تضرب كلبي، وهو سبب رزقي، وفوق ذلك فقد باتت حملا ثقيلا علي ~~بعد موت أمها. # فتمعن هنيهة وقال له : أتريد أن تتخلى عنها لي؟ ثم قال للطفلة: أتريدين أن تبقي معي يا ~~ابنتي؛ فإني أعلمك القراءة في كتاب فيه صور، وأشتري لك دمية تلعبين بها؟ # فطوقت عنقه بيديها الصغيرتين وقالت: نعم نعم أبقى معك. # فأخرج السير روبرت من جيبه كيسا مملوءا بالذهب فدفعه إلى النوري وقال له بملء ~~الاحتقار: خذ هذا الكيس وانصرف؛ فإنك لا تستحق أن تكون أبا، وسأتولى تربيتها. # فأخذ النوري الكيس وخرج وهو يلاعب كلبه مسرورا من هذا الاتفاق. ~~••• # في اليوم التالي أعد اللورد الحاكم حفلة صيد دعا إليها فريقا من الضباط وأعيان الإنكليز، ~~فكان بعضهم يركبون الفيلة وبعضهم يركبون الجياد. # وكان اللورد الحاكم راكبا على فيل أبيض وبجانبه الطبيب بولتون والسير روبرت على جوادين ~~وهما يسيران جنبا إلى جنب ويتحدثان، فقال له الطبيب: إذن لقد عزمت على مبارزة السير ~~جاك؟ # قال: دون شك. ~~- متى؟ ~~- حين نعود من الصيد. ~~- ولكن، أتظنه يرضى بالمبارزة؟ ~~- سأرغمه على القبول متى صفعته أمام ضباط أخيه. ~~- احذر فإن السير جاك سافل شرير؛ فقد يشيع أنك عاشق امرأة أخيه. ~~- إن أخاه لا يصدق قوله. ~~- بل إنه يثق بكل ما يقوله، وعندي أنه خير لك أن تترك الصيد وتعود إلى السير جاك فتقتله ~~وتهرب؛ فإن لأخيه هنا مطلق السلطان. ~~- سأرى في اقتراحك. # وفيما كان الموكب يسير إذ علا صياح الهنود الذين يتقدمونه، فوقفت الأفيال تضرب الأرض ~~بأرجلها، وأخذت الجياد تصهل وقد بدت عليها علائم الرعب، ثم رأوا نمرا هائلا اخترق دائرة ~~الأفيال، ووثب إلى الفرس الذي كان يركبه السير روبرت؛ فأطلقوا عليه نحو عشرين رصاصة دون أن ~~يصيبوه، ونشبت براثن النمر في صدر الجواد فانقلب صريعا إلى الأرض. # ولكن السير روبرت كان قد وثب عنه، فبينما كان النمر مشتغلا بنهش الجواد صوب السير ~~روبرت غدارته إلى أذن ذلك النمر وأطلقها فاخترق الرصاص دماغه وانقلب ميتا. # وعند ذلك ظهرت نمرة ms005 أشد هولا من النمر فقتلت اثنين من الهنود تعرضا لها ووثبت إلى ~~الفيل الأبيض الذي كان يركبه الحاكم فأطلق عليها طلقين من غدارته فلم تسقط وجعلت تمزق جلد ~~الفيل ببراثنها وهو يحاول أن يقبض عليها بخرطومه فلا يستطيع. # وقد أطلق الحاكم النار عليها أيضا فلم تسقط وجعلت تصعد على الفيل حتى شعر اللورد ~~بأنفاسها النارية تحرق وجهه؛ فصاح السير روبرت بالهنود قائلا: ويحكم لماذا لا تطلقون ~~النار؟ # فقال له الطبيب: إنهم لا يفعلون حذرا من أن يصيبوا الفيل الأبيض فإنهم من الشيعة التي ~~تعبد الأفيال البيض. # واستمرت النمرة في صعودها حتى وصلت إلى اللورد، ولم يعد يستطيع استخدام سلاحه وما شكك ~~الحضور أنها افترسته. # وعند ذلك رأوا فتى قد انقض على النمرة، ولم تكن غير هنيهة حتى سقط وإياها على الأرض، ثم ~~نهض وقد صاح صيحة انتصار؛ فإنه أغمد خنجره في عنقها وألقاها تتخبط بدمها، فلم يكد السير ~~روبرت يتبين وجه الفتى حتى صاح مندهشا وقال: هذا هو الفتى النوري الذي لقيته مع والد ~~الطفلة. # وعند ذلك أحدق الضباط الهنود بذلك الفتى، وتدانى اللورد إلى النزول عن الفيل فأدنى الفتى ~~منه وقال له: من أنت؟ وهل أنت من الهنود؟ # قال: إني نوري وأدعى جان دي فرانس. # قال: إن من كان له بسالتك فلا يخلق به أن يعيش عيش المتشردين، فهل تريد أن تكون في ~~خدمتي فأضمن لك مستقبلك؟ # فنظر إليه جان نظرة إنكار وقال: أرى أنك لم تحسن تقدير خدمتي أيها اللورد؛ فإني من ~~النبلاء، وإن نسبي يتصل بالكونت دي غرانفيل، فلا أخدم أحدا. # فاصفر وجه اللورد وأخرج كيسه من جيبه وناوله إياه، فأبى جان أن يمد يده إليه وقال: ليبق ~~كيسك في جيبك، فما أنا من طلاب الصدقة. # ثم أدار له ظهره، فخرج من الدائرة وتوارى بين الأدغال. # فقال اللورد مغضبا: لقد تجاسر هذا الوقح على رفض مكافأتي. # فقال له السير روبرت بلهجة المتهكم: ولكنه أنقذ حياتك يا مولاي، فواحدة بواحدة. # فعض اللورد شفته وقال لرفاقه: هلموا بنا أيها ms006 الأسياد؛ فإننا لا نزال بعيدين عن مركز ~~الصيد. # فهمس السير روبرت بأذن الطبيب قائلا: أما ~~أنا فسأرجع إلى كلكوتا حين نصل إلى أول عطفة ، فإني أريد أن أصطاد الرجل قبل أن أصطاد ~~النمر. # قال: إذن اركب جوادي، فسأركب أنا أحد هذه الأفيال. ~~••• # كانت أخت جان دي فرانس تلقب بملكة النور وكان جان - على حداثة سنه - مطلق النفوذ على ~~الطائفة، ليس لأنه أخو الملكة، بل لأنه كان أشد رجال الطائفة ذكاء وأبعدهم همة وأحذقهم ~~فكرا وأرقاهم نفسا، فكانوا يحبونه ويحترمونه، ولا يخالفون له أمرا كأنما أعطي حقيقة ~~سلطان الملوك. # فلما ترك اللورد كما تقدم مشى بين الأدغال إلى أن وصل إلى مكان اكتظت فيه الأشجار، فوجد ~~هناك رجلا هائل الخلقة كأنه من الجبابرة، وهو نوري من طائفة جان كانوا يلقبونه بشمشون ~~لشدة قوته. # وكان هذا الرجل مضطجعا على العشب، فلما رأى جان نهض مسرعا ووقف بين يديه بملء الاحترام، ~~فقال له جان: متى أتيت يا شمشون؟ # قال: منذ ساعة أيها الرئيس. ~~- ألم يرك أحد حين خرجت من محلة الطائفة؟ ~~- كلا. ~~- هل أتيت بمركبة النقل؟ ~~- إنها هنا وراء الشجرة. ~~- حسنا فاعلم الآن أننا سننقل على هذه المركبة من الذهب والحجارة الكريمة ما لا يوجد ~~بعضه في خزائن الملوك؛ فإني كنت أبحث عن هذا الكنز في الليل والنهار. ~~- هل وجدت مكانه يا سيدي؟ ~~- نعم؛ فإن هؤلاء الحكام يحسبون أنهم تمكنوا من الشعب، فإنهم سادوا عليهم ولكنهم لا ~~يطيعونهم إلا مكرهين، وهم لا يحلمون إلا بالاستقلال، ولكن لا بد لهم من المال الكثير، ولذلك ~~فقد اجتمعت كلمة هذا الشعب بجملته على حشد ~~الأموال، فجعل الغني والفقير والتاجر والعامل يضع كل منهم ما يتيسر له اقتصاده في صناديق ~~خاصة بالمعابد كتب عليها صناديق الإحسان، فيطوف كل يوم أحد كهنتهم فيجمع هذه الأموال ~~ويأخذها في كل أسبوع، فيذهب في ظلام الليل إلى غابة. وهناك يجد كاهنا آخر في انتظاره فيأخذ ~~منه الأموال ويقول له: اذهب واحذر أن تلتفت إلى الوراء. # فقال له شمشون: وهذا الكاهن إلى ms007 أين يذهب بالمال؟ # قال: يذهب به إلى كاهن ثالث فيأخذه منه إلى مكان سري لا يعرفه سواه. وهذا السر لا يعرفه ~~في جميع الهند غير ثلاثة من البراهمة وامرأة تحرس الكنز في الليل والنهار، وسأعرف هذا السر ~~بعد ساعة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لقد عرفت أن أحد الكهنة سيأتي في هذه الليلة بما جمعه من المال. ~~- كيف عرفت؟ ~~- إن هذا الرجل الذي سيأتي الآن يتنكر في النهار بشكل عازف بالقيثارة، ويطوف مع إحدى ~~الراقصات في شوارع كلكوتا، حتى إذا أقبل الليل خلع تنكره وعاد إلى حقيقته، فهو من أعظم ~~الزعماء وأحد العارفين بسر الكنز، وقد سمعته في صباح اليوم يحدث الراقصة بهذا الشأن، فعلمت ~~من الحديث أنه سيأتي في هذه الليلة إلى نبع الآلهة أموردافالي، وهو على قيد بضع خطوات من ~~هنا. ~~- ولكن أي شأن لي أنا في هذه المهمة؟ ~~- إنك سترى هذا الرجل حين يأتي فتتبعه وتسير ورائي على بعد مائة خطوة. # وعند ذلك سمع جان وقع خطوات فقال لشمشون همسا: إنك تعلم بأني أقلد صوت عصفور الليل فابق ~~الآن هنا إلى أن تسمعني أقلد ذلك الصوت فتأتي إلى جهة مصدره. # وقد مشى جان فوق الأعشاب إلى أن وصل إلى بقعة لا شجر فيها فنظر إلى تلك الجهات التي كان ~~ينيرها ضوء القمر، فرأى شبحا أبيض واقفا بعيدا تحت شجرة كبيرة، فقال في نفسه: لا شك أنه ~~شبح الكاهن الذي ينتظر. # وقد سار من ورائه حتى وصل إلى تلك الشجرة واختبأ وراءها، فلم تكن غير هنيهة حتى رأى ~~العازف بالقيثارة قد وصل وسمع الكاهن صاحب الثوب الأبيض يسأله قائلا: بماذا أتيت أيها ~~الأخ؟ # فأجابه قائلا: بكيسين من الذهب. # قال: هاتهما واذهب وإني أسأل آلهة الهند أن يرافقوك في طريقك، فأعطاه الكيسين ثم انحنى ~~إلى الأرض فقبل طرف ثوبه الأبيض، فقال له الكاهن: اذهب والويل لك من غضب الآلهة إذا التفت ~~إلى الوراء فانصرف الرجل ممتثلا دون أن يلتفت. # أما الكاهن فقد لبث في موقفه إلى أن توارى الرجل فانصرف عائدا ومشى ms008 جان في أثره مستهديا ~~إليه بثوبه الأبيض؛ فإن القمر كان على وشك المغيب. # وكان الكاهن يسير مسرعا إلى جهة الخرابات، فما شكك جان أن الكنز مدفون تحت خرائب هيكل ~~سيوا، وما زال في أثره حتى وصل إليها ورآه جان قد ولجها، ثم رأى لهبا ظهر لحظة وانطفأ، ~~فسار جان ودخل إلى تلك الخرابات؛ فأدرك الكاهن وهو جالس بين أدغال متكدسة من الأعشاب ~~اليابسة وقد أخذ قطعتين من الخشب الجاف وحك الواحدة بالأخرى حكا متصلا حتى خرج منهما ~~اللهب فألقاهما بين الأعشاب اليابسة، وحسب جان أنها ستلتهب من فورها، ولكن اللهب الذي ظهر ~~من الخشبتين توارى في الحال وساد الظلام. # وعند ذلك اضطجع الكاهن فوق الأعشاب على وجهه وصاح قائلا: أيتها العذراء حارسة الكنز هل ~~أنت ساهرة؟ # فسمع جان صوتا من جوف الأرض لم يتبينه. أما الكاهن فإنه ألقى الكيسين فوق الأعشاب الواحد ~~تلو الآخر، وخرج من تلك الخرابات. # وقد حبس جان أنفاسه كي لا يسمع الكاهن صوت خفوق قلبه حين مر به دون أن يراه وجعل جان يقول ~~في نفسه: ما زالت الأعشاب لم تحترق فلا شك أنها تستر مدخل الدهليز وأن الخشبتين اللتين ~~ألقاهما الكاهن إنما هما إشارة متفق عليها. # وقد صبر نحو ربع ساعة، وخطر له أن ينبه شمشون بالصفير، ولكنه خشي أن ينبه إليه الأفكار، ~~ثم ذهب إلى تلك الأعشاب بعد أن وثق من انصراف الكاهن، وجعل يزيحها عن مواضعها؛ فانكشف له ~~ثقب ضيق، ولكنه يتسع لمرور إنسان فيه. # وكان هذا الثقب مدخل دهليز في جوف الأرض، وهذا الدهليز كثير الانحناء يشبه السلم، ~~فقبض جان على خنجره ودخل من ذلك الثقب، وجعل ينزل في الدهليز حتى انتهى إلى أرض رطبة ~~مستوية. # وقد رأى عند ذلك نورا عظيما يشبه أنوار المشاعل، وسمع صوت امرأة تغني باللغة الهندية ~~فتقول: أنا ابنة ساشديفا حارسة الكنز. # قضى علي الكهنة أن أعيش كل حياتي في جوف الأرض، وأن أعيش بجانب ذهب وجواهر لا فائدة لي ~~منها. # قضوا علي أن لا أرى وجه ms009 السماء وأشعة الشمس، وأن لا أشم عطر الأزهار. # إني صبية جميلة، وحين كنت فوق الأرض كان الفتيان يلتفون حولي ويلقبونني بإلهة ~~الجمال. # قضى علي الكهنة أن أعيش بتولا، وأن لا أسمع كلمات الحب. ~~••• # وقد رأى جان أرضا متسعة فوقها قبة من أرض الهيكل، وفي وسط تلك الأرض نار لم تكن تنطفئ ~~في الليل والنهار. # ثم رأى على نور تلك النيران فتاة لم تقع العيون على أبدع منها، كانت تغني وترقص حول ~~النار، فلم تنتبه لسقوط جان، فوقف هنيهة شبه مأخوذ أمام هذه الفتاة، ثم دنا منها فوضع يده ~~على كتفها وقال لها: أنا هو الرجل الذي تنتظرينه؛ فإن الإله سيوا الذي تحرسين كنزه قد أشفق ~~عليك وأجاب ملتمسك. # ولم يكن جان أقل جمالا منها، فلما رأته وسمعت كلامه صاحت صيحة فرح، ثم طوقت عنقه ~~بذراعيها وقالت له: لنهرب لنهرب. # قال: نعم، لنهرب يا ابنة الفردوس إلى سيوا الذي أرسلني، ولكن لنأخذ معنا هذا الكنز الذي ~~تحرسينه. # فتراجعت الفتاة منذعرة وقالت: إذن ما أنت رسول الإله سيوا، ما زلت تريد سرقة الكنز ... اهرب ~~أيها المنكود ... كيف أتيت إلى هنا ومن أرشدك إلى طريق الكنز؟ اهرب أيها التاعس قبل أن يفاجئك ~~الكهنة ويقتلوك. # وكان جان قد رأى تلك الدنانير الوهاجة والجواهر البراقة فقال لها: أحبك. # فعادت إلى معانقته وقالت له: إذن لنهرب معا؛ فإني أصحبك إلى حيث تشاء ولكن دع هذا الكنز ~~في مكانه فإن الإله سيوا يصعقنا إذا سرقناه. # فهز جان كتفيه وقال لها: إني أذهب بك إلى أوربا وهي بلادي، وليس للإله سيوا شيء من ~~السلطان هناك؛ فنعيش أهنأ عيش بفضل هذا المال. # قالت: كلا فإن غضب سيوا ينزل بالناس أين كانوا؛ فاكتف بي فإنك ستجد من كنوز حبي ما لا ~~تعادله كنوز الأرض. # ثم تعلقت به وجعلت ترقص وترقصه وهي تغني وتقول: كلا لم يقض سيوا على ابنة الهيكل أن تعيش ~~تحت الأرض، إنها سترى النجوم وتستنشق أريج الزهر وتدوس رجلاها الصغيرتان على الأعشاب وتغمس ~~شفتيها بمياه الينابيع. # إن ms010 ابنة الهيكل لا تحتاج إلى الذهب واللآلئ؛ فقد ظفرت بكنز الكنوز وهو الحب. لقد جاء ~~الفتى الجميل الذي يحبني ويملأ فراغ قلبي من الحب كما تملأ الإناء أشعة الشمس. # وكانت تغني وهي ترقص رقصا سريعا وهو يجاريها ويقول في نفسه: إنها لا تلبث أن يستولي ~~عليها التعب فأستولي على الكنز. # غير أن التعب أدركه قبل أن يدركها؛ فقد كانت متعودة على هذا الرقص، وقد أسكره صوتها ~~الجميل ونظراتها الساحرة؛ فاسترسل إلى مراقصتها كما تشاء حتى انتهكت قواه وجلس على الأرض ~~وهو يلهث من التعب، فدخلت إلى غرفة في المغارة وجاءت بكأس ذهبية كان فيها سائل أصفر يشبه ~~الخمر الإسبانية المعتقة، فقالت له: اشرب ما في هذه الكأس تعد إليك قواك. # فشرب كل ما في الكأس جرعة واحدة، ولكن هذا الشرب لم يكد يستقر في جوفه حتى شعر أن جسمه ~~ينتفض من البرد كأنه ملتف برداء من الثلج، ثم شعر أن أعضاءه قد تشنجت، وأن لسانه قد ~~انعقد، ثم أطبقت عيناه وانقلب إلى الأرض دون حراك. # وعند ذلك برقت عينا الفتاة من الفرح وقالت: لقد أنقذته؛ إذ لم يبق سبيل إلى فراره؛ فقد آن ~~وقت مجيء الكهنة، وسأخفيه، وبعد انصرافهم أرد إليه الحياة ونهرب معا. # وقد أخذت يديه، وحاولت جره، ولكنها لم تكد تفعل حتى أفلتته وصاحت صيحة ذعر؛ فقد فتح باب ~~خفي في المغارة ودخل منه كاهنان يحملان مشعلين، فلما رأيا جان على الأرض صاح واحد منهما ~~قائلا: ما هذا؟ أيوجد في الأرض من يجرؤ على اكتشاف هذا السر الذي لا يعرفه سوانا؟ إني - ~~باسم إلهنا المعبود وباسم إخواننا المضطهدين وبلادنا المغتصبة ودموعنا السائلة - أحكم على ~~هذا الجريء بالموت. # فصاحت الفتاة صيحة رعب؛ إذ رأت الخنجر يلمع في يد كاهن سيوا. ~~••• # ولنعد الآن إلى سراي اللورد الحاكم، فقد كان ولده الصغير وهو لا يتجاوز الثالثة من عمره ~~نائما في سرير إحدى ردهات القصر، وبجانبه عبدان يحمل كل منهما مروحة فيطرد بها الذباب عن ~~ذلك الطفل. # وكان السير جاك أخو اللورد ms011 الحاكم وولده وهو في الرابعة عشرة من عمره جالسين على مقعد في ~~تلك الردهة غير بعيد عن السرير، فكان السير جاك ينظر إلى ابن أخيه الصغير نظرات ملؤها ~~الحقد، ثم ينظر إلى ولده ويقول له: أي إحسان أحسن به هذا الطفل الشقي، فأعدت له الأقدار ~~هذا المستقبل الزاهر؟! أما أنت مثله جميل الوجه زكي الفؤاد؟ ألا يجول في عروقك وعروقه دم ~~واحد يا جيمس؟ # فأجابه ولده: نعم يا أبي، ولكنه ابن أخيك البكر. ~~- هو ذاك، غير أن أخي شديد الهوس بصيد الحيوانات الضارية، فما يمنع أن يقتله نمر أو ~~أسد؟ ~~- وهبه قتل فإن ولده روجر يبقى حيا، وهو في أتم عافية كما ترى. ~~- ألم يكن أخوه ليونيل في أتم عافية أيضا، ومع ذلك فقد مات بين يدي حاضنته؟ ~~- وإذا مات أخوه روجر؟ ~~- تصبح أنت وريث لقب اللوردية إذا مات أخي قبلي. ~~- إن الأطفال الذين لم يخلقوا في الهند لا يعيشون إذ لا يطيقون احتمال مناخها ~~الحار. ~~- نعم، ولكن الخطر على الأطفال هنا لا يقتصر على الحميات، فقد يموتون أيضا من عضاض ~~الأفاعي وغيرها من الحشرات السامة. # وفيما هما يتحدثان سمعا صوت ناي يعزف في الطريق تحت الردهة، فقاما وأطلا؛ فرأيا رجلا ~~يلاعب الأفاعي في الطريق والناس من حوله يتفرجون. # وقد وقفا يتفرجان إلى أن شعر السير جاك بيد لمست كتفه، فالتفت فرأى السير روبرت فيلدن ~~فقال: أهلا بك أيها الصديق، فما شرفني بقدومك؟ # فتأبط السير روبرت ذراعه وقال له: إذا كانت راقت لك هذه الفرجة، فانزل إلى الطريق ترها ~~عن كثب. # وقد تبادل الأب وابنه نظرة سريعة خفيت على السير روبرت، ثم نزل الابن إلى الطريق ودخل ~~السير جاك بزائره إلى إحدى القاعات وقال له: عهدي بك أنك كنت في حفلة الصيد مع أخي، فهل ~~قتلت نمرا أم جئتني بنبأ من هذا الأخ العزيز؟ # قال: الحق أني قتلت نمرا، ولكني سئمت من صيد النمور، وجئت أبحث عن حيوان أشد فظاعة ~~منها. ~~- ما هذا الحيوان؟ ~~- هو حيوان هائل من طبعه مهاجمة ms012 أعراض النساء. # فقطب السير جاك حاجبيه ومضى السير روبرت في حديثه فقال: وهو حيوان يمشي على قدميه ~~كالإنسان، ولكن ليس له شيء من صفات الإنسان، ومع ذلك فإنه يلقب بلقب الأشراف، ويدعى السير ~~جاك إسبرتهون. # فوقف السير جاك وقد وضع يده على قبضة حسامه وأخرج السير روبرت غدارة فصوبها إليه وقال: ~~إنك إذا لم تصغ إلي بملء السكينة ألهبت دماغك، فاعلم أني لا أريد قتلك بالغدارة كما ~~تستحق، بل أريد قتلك بمبارزة كأنك من الأشراف؛ فقد وعدت ضحيتك اللادي سسلي أن أقتلك أو أموت ~~من يدك. # فاستولى الخوف على السير جاك وقال له: وإذا أبيت أن أبارزك؟ ~~- إذن فاعلم أنه لا يوجد ضابط إنكليزي في هذه البلاد لا يعرفك حق العرفان، وكلهم يحتقرونك ~~ويودون لك الموت لتنجو الإنسانية من شرورك، فلا يوجد هنا من يحميك غير أخيك. # ولكن أخاك الآن في الصيد، وهو لا يعود قبل الليل، فإذا امتنعت عن مبارزتي صفعتك أمام جميع ~~الناس، ثم قتلتك بالرصاص كما يقتلون الضواري. # فاصفر وجه السير جاك وهاج تأثره من الغضب، فقال له: ليكن ما تريد ولنتبارز الآن. # فمد السير روبرت يده إلى جهة البحر وقال له: انظر إلى هذه السفينة البيضاء، فقد اتفقت ~~معها على السفر وهي مسافرة بعد ساعة. # وإنه يوجد بجانبها قارب وضعت فيه غدارتين، وسنذهب إليه ونبعد به عن السفينة، فإذا قتلتني ~~فافعل بجثتي ما تشاء، وإذا قتلتك جعلت جثتك طعما لسمك البحار؛ فإنك لا تستحق أن تدفن في ~~الأرض كما يدفن الناس. ~~- ولكني أحب أن أرى ولدي على الأقل. # فأدرك السير روبرت أنه يحاول الفرار فقبض على ذراعه بعنف وخرج به بالرغم عنه من ~~القصر. ~~••• # بينما كان السير جاك يسير مع خصمه إلى البحر كان ولد السير جيمس قد ذهب للفرجة على ~~الأفاعي. # وقد ابتعد جميع المتفرجين احتراما له حين قدومه، حتى إن ملاعب الأفاعي نفسه تهيب ~~وامتنع عن ملاعبتها. # فأمره أن يعود إلى عمله، ثم دنا منه وهو يلاعب حية صغيرة، فهمس في أذنه قائلا: أتبيعني ms013 ~~هذه الحية بخمسة جنيهات؟ # فسقط الناي من يده لفرط اندهاشه من هذا الثمن، فقال له: أرضيت؟ أسرع بالجواب فإني ~~مستعجل. # قال: رضيت يا مولاي . # ثم أسرع فأخرج من جرابه علبة صغيرة وضع فيها الأفعى وأقفلها وناوله إياها. # فأخذها جيمس ونقده الثمن وعاد إلى ردهة القصر حيث كان ابن عمه الطفل الصغير نائما في ~~سريره. # وكان العبدان اللذان يطردان الذباب بالمراوح عن سريره قد تركا السرير وذهبا إلى آخر ~~الردهة ليتفرجا على الحاوي؛ فوقف جيمس وقفة المتردد وقد بحث عن أبيه فلم يجده، فلم يطل ~~تردده ومشى إلى السرير فأزاح الغطاء عن الطفل وفتح العلبة، فوثبت الأفعى إلى السرير فغطاهما ~~بالغطاء وانصرف دون أن يراه العبدان. # فلما عاد العبدان إلى السرير كان ذلك المركيز الصغير ابن اللورد الحاكم قد فارق الحياة، ~~وكان جيمس خرج من القصر باحثا عن أبيه. ~~••• # وبعد ذلك بنصف ساعة دوى طلقان ناريان في البحر ظهر دخانهما من قارب. # أما ذلك القارب فإنه دنا من سفينة بيضاء حتى التصق بها وكان شراعها منصوبا، فخرجت من ~~فورها من الميناء. # الفصل الثاني # | حي بميت # كان فارسان يسيران بين الحقول وقد أقفرت لهبوط الظلام، فكان الاثنان ينظران إلى كل الجهات ~~عساهما يريان قبسا يسترشدان به؛ فقد ضلا عن الطريق، وكان هذان الفارسان اللورد إسبرتهون ~~- حاكم الهند - والطبيب بولتون، فقال اللورد: أقدر لنا أن نهيم كل الليل في هذه ~~البراري؟! # فأجابه الطبيب قائلا: هذا الذي أخشاه. # قال: إني سأموت من الجوع والعطش، وإن جوادي سيقتله التعب، فأين نحن الآن؟ ~~- لا أعلم. ولكنني أظن أننا نبعد عشر مراحل عن كلكوتا، ولكن انظر ألا ترى شبحا أسود ~~يتحرك؟ ~~- نعم. ولكنه شجرة يحركها الهواء؛ إذ لا ~~يوجد إنسان بهذه الضخامة. # وعند ذلك سمعا صوت هذا الشبح يقول: جان. جان. أين أنت أيها الرئيس؟ # فقال الطبيب: لقد نجونا؛ فإني أعرف صاحب هذا الصوت، فهو شمشون الجبار. # وكان شمشون قد تبع سيده كما تقدم في الجزء السابق حين ذهب إلى الكنز وأمره أن ينتظره، ~~فانتظر كل الليل، ms014 ثم أشرق الصباح، ثم أذنت الشمس بالمغيب، فكاد يجن من خوفه عليه؛ إذ خشي أن ~~يكون الكهنة قد فتكوا به. # وقد جعل يهيم في تلك البراري باحثا عن سيده وهو يقف من حين إلى حين فيناديه بصوته ~~الجهوري فلا يجيبه غير الصدى إلى أن اتفق مرور اللورد والطبيب، فدنا منه الطبيب وقال له: ~~ماذا أصابك يا شمشون؟ ومن الذي تناديه؟ # قال: إني أنادي جان دي فرانس شقيق ملكتنا. # وكان شمشون قد عرف الطبيب؛ إذ كان مدينا له بجميل لا ينساه، فقد لقيه مرة في أحد شوارع ~~كلكوتا مصابا بطعنة خنجر في بطنه كادت تودي بحياته، فعالجه وشفاه فقال له: ألا يوجد هنا ~~مدينة قريبة؟ # قال: لا يوجد غير كلكوتا، وهي تبعد خمس مراحل. ~~- ألا يوجد مكان للمبيت؟ ~~- لا يوجد غير مضاربنا وهي تحت هذه القمة التي تراها، وستجدان فيها خير مبيت. # فقال له اللورد: إذن سر بنا إليها وسنكافئك. # ولم يكن شمشون يعلم أنه يخاطب حاكم الهند، فقال له: لكن لا بد لي من البحث عن جان دي ~~فرانس. # فقال له بولتون: إنه لا بد أن يكون رجع إلى المضارب. # قال: لقد أصبت يا سيدي الطبيب؛ فإن هذا الخاطر لم يخطر لي. # ثم مشى أمامهما، فسارا في أثره يتحدثان بصوت منخفض. # فقال له اللورد: إني أعجب بهؤلاء النور؛ فإن لهم نفوس الملوك وحالات المساكين. ألا ~~تذكر ما كان من هذا الفتى الذي أنقذني من النمر؟ ~~- هذا هو الذي يبحث عنه شمشون. ~~- نعم نعم. لقد ذكرت الآن، فهو يدعى جان دي فرانس، فما هذا الاسم الذي لقب نفسه ~~به؟ ~~- إنه يدعي بأنه من النبلاء. # فهز اللورد رأسه ضاحكا وقال: أيكون نبيلا ومتسولا في حين واحد؟ ولكنك أذكرتني بمناسبة ~~الحديث عن هذه الطائفة حكاية جرت لي في لندرا منذ ثلاثة - أو أربعة - أعوام وسأقصها عليك كي ~~لا تشعر بطول المسافة. ~~- إني مصغ إليك يا مولاي. ~~- تصور أيها العزيز أني أحببت مدة أسبوع نورية كانت تحسبني من النور؛ فقد خطر لي مرة ~~أن ms015 أذهب إلى المكان الذي يسمونه ساحة الملك. ~~- إني أعرف هذا المكان؛ فقد اختبأت فيه مدة ستة أشهر لهربي من الدائنين. ~~- وقد تنكرت بالملابس العامة وذهبت لأرى ما تفعل هذه الطبقة من الناس في هذا المكان ~~الشهير. # واتفق أن الزحام كان قليلا في تلك الليلة، وكان هناك اثنان من طائفة النور يتحدثان بشأن ~~حفلة قريبة سيعقد فيها زواج ولية عهد النور بولي عهد الدوق دي بولون. # وقد تبين لي من حديث الرجلين أن الخطيبين لم يتعارفا بعد، وأن هذا الزواج سياسي يراد به ~~التوفيق بين طائفتي النور في لندرا وباريس، وأن الخطيب سيأتي من فرنسا إلى لندرا ليعقد ~~زواجه فيها، وأن الحفلة ستكون في ساحة الملك ليلة قدوم الخطيب. # فسألت أحد الرجلين قائلا: هل العروس حسناء؟ # قال: لقد بلغ من جمالها أن أجمل سيدات لندرا لا تعد من وصائفها. # فهاج قوله رغبتي في رؤياها، وقلت له: أين يمكن مشاهدة هذه الفتاة؟ # قال: إنها تذهب في كل ليلة إلى مضارب النور المخيمين تحت جسر لندرا فتلقي عليهم ~~أوامرها. # فاكتفيت بهذا الجواب وبرحت الساحة على رجاء أن أرى تلك النورية. # وفي اليوم التالي اختبأت في مركبتي، وتمكنت من رؤياها؛ فإذا بها فوق ذلك الوصف. # وكان يصحبني خادم ذكي الفؤاد، فكان من ذكائه أنه جعلني ابن الدوق دي بولون، أي خطيب تلك ~~النورية، وخلوت بها في أحد الفنادق. # وقد بالغت في ملاطفتها حتى غفرت لي أني أدعي اللورد إسبرتهون. # وأقمت معها أسبوعا، وأحببتها حتى إني أردت أن أتوسط لطائفتها لدى اللورد المحافظ فلا ~~ينفيها من لندرا. # ولكن رجال هذه الطائفة كانوا قد أمعنوا بشرورهم حتى رجعت عن الوساطة حذرا من الفشل، ~~ونفيت الطائفة؛ فسافرت ملكتها معها. ~~- ماذا كانت تدعى هذه الحسناء؟ ~~- سينتيا. ~~- أما رأيتها بعد ذلك العهد؟ ~~- كلا. ~~- من يعلم فقد تكون في هذه المضارب التي نذهب إليها الآن. # فارتعش اللورد ولم يجب بشيء، ورأيا عند ذلك أنوارا تضيء، فقال شمشون: لقد وصلنا، وهذه ~~هي مضاربنا. # وكانت هذه المضارب مؤلفة من خمس خيام كبيرة ms016 ومركبتين ضخمتين كان يوجد فيهما كثير من ~~الآلات المختلفة وأربع بقرات وقطيع من الماعز والخراف كانت موجودة في دائرة تبلغ مساحتها ~~مائة متر، وهي مسورة بالقصب الهندي. # وكانت النار مشبوبة في ساحة في وسط الخيام، وعليها دست كبير كانت عجوزتان جالستين من حوله ~~تطبخان فيه جديا للعشاء، وأمامهما خمسة من النور مضطجعون على الأرض، وكلبان كبيران ~~ينظران إلى قوائم الجدي البارزة من الدست ويهران، وقد نفد صبرهما من الجوع، وشغلا برائحة ~~الطعام الشهية عن شم رائحة القادمين فلم يستقبلاهم بالنباح. # وكان يجري في الجهة اليسرى من المضرب حادثة أخرى، وهي أن جميع رجال الطائفة وغلمانها ~~كانوا واقفين بانتظام وقد ركز أمامهم لوح كبير من الخشب، ووقف رجل مسندا ظهره إلى هذا ~~اللوح باسطا ذراعيه عليه؛ فكان يشبه بجملته شكل صليب. # وقد برز رجل من صف الواقفين فوقف على مسافة عشر خطوات من اللوح، وعند قدميه كثير من ~~الخناجر الحادة الطرف، فكان يأخذ الخنجر ويرمي به اللوح فيشك به على قيد أصبع من وجه الرجل ~~المصلوب، ثم يأخذ غيره ويرمي به، وهكذا على التوالي إلى أن يشك الخناجر حول المصلوب وذراعيه ~~دون أن يصيبه بأذى فيصفق له الحاضرون إعجابا بفوزه، ويأتي سواه فيفعل هذا الفعل، فإنهم ~~كانوا يتمرنون على استعمال السلاح بهذا الشكل، ففي كل يوم يصلب واحد منهم فيرميه الباقون ~~بالخناجر على ما تقدم. # وقد وقف اللورد والطبيب يتفرجان على هذا التمرين الخطر دون أن ينتبه لهم رجال القبيلة؛ ~~لانهماكهم بما كانوا فيه. # أما شمشون؛ فإنه اختلط بهم، وجعل يبحث عن جان دي فرانس، فلم يره إلى أن انتبه له واحد ~~منهم فقال له: أهذا أنت يا شمشون؟ فمتى أتيت؟ # قال: الآن. فهل رأيت جان دي فرانس؟ # قال: كلا؛ فإنه في كلكوتا منذ يومين. # فتنهد شمشون، وظهرت عليه علائم اليأس، وعند ذلك رمى أحد اللاعبين آخر خنجر فأسرع سواه ~~وقال: لقد جاء دوري. # فصاح شمشون صيحة فرح؛ فقد كان هذا القادم جان نفسه، وأسرع إليه فقال له: من أين أتيت ms017 أيها ~~الرئيس؟ # قال: لا أعلم. وأظن أني أتيت من عالم القبور، ولكن اسكت الآن سنتحدث فيما بعد. # ثم أخذ الخنجر ورمى به اللوح فاخترق الخشب على قيد شعرة من أذن المصلوب. # وكان جان أكثرهم تمرينا وأحذقهم رماية؛ فشك ثمانية خناجر حول رأس الرجل، فأصبحت شبه تلك ~~الدائرة التي يرسمها المصورون من نور حول رءوس القديسين. # ولما فرغ من ذلك ذهب إلى المصلوب فانتزع الخناجر من حول رأسه، وقال لرفاقه: لقد جاء دوري ~~الآن؛ فإني غبت يومين عن المضرب. # ثم وقف في موقف ذلك المصلوب، وأمرهم أن يبدءوا التمرين به، فانبرى واحد من الحضور ورماه ~~بأربعة خناجر أصاب بها المرمى، ووقعت بجانب رأس جان في اللوح. # ثم رمى الخنجر الخامس، فأصاب قبضة أحد الخناجر المغروسة وهي من العاج، فزلف عنها وأصاب ~~كتف جان. # وقد صاح الجميع صيحة رعب، ولكن جان لم يتحرك من موضعه، وتمتم بضع كلمات بصوت ~~منخفض. # ورأى الطبيب بولتون ما كان، وأيقن أنه مصاب بجرح بالغ، فشق الزحام بعنف ووصل إليه. # أما النور فلم ينذهلوا حين رأوا الطبيب، فقد رأوه مرارا في سراي الحاكم حين كانوا يلعبون ~~فيها هذه الألعاب. # أما الطبيب فإنه أسرع إلى إبعادهم عن جان ومزق قميصه، وحاول أن يفحص الجرح. # ولكن جان اصفر وجهه ووهت رجلاه؛ فطوقه الطبيب بذراعيه كي لا يسقط، ونظر إلى الجرح فرأى ~~أن رأس الخنجر قد كسر ودخلت قطعته في كتفه، فقال لهم: أسرعوا بحمله إلى خيمته؛ فإني لا ~~أستطيع معالجته هنا. # فركضوا إليه يحاولون حمله، ولكنه أبعدهم عنه وقال لهم: دعوني؛ فإني أستطيع الوصول إلى ~~الخيمة وحدي. # وقد دخل إلى أقرب الخيم منه، وتبعه النور، فجلس على حصير وخلع قميصه، بينما كان بالتون ~~يخرج عدة الجراحة ويعد المعدات اللازمة لضمد الجرح. # ثم أمر جميع النور أن يخرجوا من الخيمة، وركع بجانب جان، وجعل يخرج قطعة الخنجر من ~~كتفه. # وكانت العملية مؤلمة جدا، غير أن جان لم يصح صيحة ألم، وبلغ من تجلده أنه لم يظهر ~~على وجهه شيء يدل ms018 على التألم، كأنما الطبيب كان يعمل بتمثال من الخشب. # فلما نزع القطعة وأتم ضمد الجرح قال له وهو يمسح الآلة: الحق يا بني أني لم أجد أشد صبرا ~~منك، وإني أحمد الله الذي قدر لي المرور بكم في هذه الساعة فأخدمك خدمة فوق ما تتصورها، فلو ~~عالجك أحد هؤلاء الدجالين لشوهك وجعلك أشل اليد. # وإني أرجو أن تطيب بعد يومين، ولكن لا بد لك أن تلزم الفراش في خلالهما. # قال: أألزم الفراش كل هذا العهد الطويل؟ # قال: هذا لا بد منه يا بني. # فتمتم قائلا: ولكن لا بد لي من الكنز أيضا. # ولم يسمع الطبيب قوله فقال له: سأعودك في الغد. # فكان الحاكم واقفا إلى تلك الساعة وقفة المتفرج، فدنا من جان وسأله قائلا: كم يبلغ عمرك ~~أيها الفتى؟ # قال: ستة عشر عاما. # فقال الطبيب في نفسه: أيكون عمره ستة عشر عاما وتكون له جرأة الأسود وإرادة القدر ومطامع ~~سياسي نمساوي. إنه لا يمر به عشرة أعوام حتى يصبح زعيم كل طائفته. # ثم وضع يده على رأسه وقال له بلهجة المشفق: إنك تتألم. أليس كذلك؟ # فأطبق جان عينيه وقال: كثيرا. ~~- ولكنك مع ذلك لا تشكو. ~~- إن الشكوى جديرة بالنساء والأطفال، ولكني شديد الظمأ؛ فأغيثوني بشربة ماء. # فأعد له الطبيب كأسا من شراب الليمون فسقاه إياه ثم قال له: نم الآن يا بني؛ فإن النوم ~~يفيدك أعظم فائدة. # فأطبق عينيه وهو يقول: أشكرك يا سيدي الطبيب. # وبعد هنيهة نام نوما هادئا فالتفت الطبيب إلى الحاكم وقال له: إن التعب أنهك جوادينا ~~والمسافة من هنا إلى كلكوتا تبلغ ثلاث ساعات. ألا ترى أن نقبل ضيافتهم وننام هنا بقية هذا ~~الليل؟ # قال: كما تشاء. # وعند ذلك فتح سجن الخيمة ودخل شمشون، وحاول أن يدنو من جان؛ فمنعه الطبيب قائلا: إنه ~~نائم فلا تزعجه. # قال: إن ملكتنا تريد أن تراكما. # فابتسم الطبيب ونظر إلى الحاكم فقال له اللورد: حسنا فهلم بنا إلى جلالتها. # ثم ذهب الاثنان إلى خيمة مزخرفة خارجة عن دائرة المضرب، ورأيا ms019 رجلين عند بابها كأنهما ~~يحرسانها في الليل والنهار، فضحك الحاكم وقال: أي فرق بينها وبين الملوك؛ فإن لها ما لهم من ~~الحاشية والحراس. # وكان القمر يتلألأ في كبد السماء، فلما وصلا إلى الخيمة خرج منها غلام لا يتجاوز عمره ~~ثلاثة أعوام، وهو جميل الوجه يشبه ابن اللورد أتم الشبه، فارتعش الحاكم حين رآه، وفتح شمشون ~~باب الخيمة وقال لهما: تفضلا بالدخول. # وقد دخل الحاكم قبل رفيقه، فوقف حائرا مبهوتا؛ إذ رأى امرأة في الخامسة والعشرين من ~~العمر، لها جمال يفتن الألباب، وهي مضجعة فوق حصير على الطريقة الشرقية، فنظرت إلى الحاكم ~~وقالت له: هل عرفتني أيها اللورد؟ # فقال بلهجة المنذهل: أميرة النور. # قالت: بل ملكتهم سينتيا. # ثم أشارت إلى شمشون أن يخرج، فقال لها اللورد: أأنت هنا؟ # قالت: نعم. وستكون ضيفنا هذه الليلة. # وعند ذلك دخل الغلام إلى الخيمة فقال اللورد للطبيب: أرجوك أيها الصديق أن تدعنا ~~وحدنا. # فخرج الطبيب وهو يقول في نفسه: لقد كنت أتوقع هذا اللقاء. # وبعد خروجه دنا الحاكم منها وقال لها: لقد كنت مخطئا إليك يا سينتيا، ولكني مستعد لإصلاح ~~خطئي. # قالت: إني لا أسألك شيئا أيها اللورد لا لي ولا لولدك هذا. ~~- ماذا تقولين؟ أهذا الغلام ولدي؟ ~~- انظر إليه؛ فهو مثالك مجسما. # فأخذه اللورد بين يديه، فجعل يقبله بلهف ثم قال لها: حسنا يا سينتيا. إن ولدك سيكون ~~غنيا قادرا؛ فإن لي مالا كثيرا بحيث أستطيع أن أهب منه مقدارا عظيما دون أن أجحف بحق ~~ولدي الشرعي، فاعهدي إلي بولدي؛ فإني أربيه خير تربية وأجعله من الأشراف. # قالت: كلا. فإنه سيكون نوريا مثل أمه، ~~ولا تستطيع أن تسلبني إياه؛ إذ تضطر إلى الاعتراف بزواجك من نورية، وهي فضيحة يجتنبها ~~الأشراف. # قال: ولكن لماذا تؤثرين عيش التشرد؟ فهل تريدين أن تعودي إلى لندرا؟ فإني أقيمك في قصر ~~وتعيشين أرفه عيش. # قالت: كلا. فإني أؤثر أن أكون ملكة في خيمتي الحقيرة على أن أكون عبدة في قصرك ~~الفخم. ~~- ولكن دعيني أنفع هذا الغلام بشيء. ~~- كلا أيها ms020 اللورد. ولكن لي ما ألتمسه منك. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن تحمي طائفتنا التي يحميها الجميع. ~~- أهذا كل ما تريدينه؟ ~~- نعم. والآن أستودعك الله أيها اللورد؛ فقد أمرت أن يحسنوا ضيافتك وضيافة رفيقك جهد ~~الإمكان. # ثم أشارت إليه أن ينصرف بجلال الملكات، فنظر إليها نظرة إعجاب، وقبل ذلك الطفل الذي لا ~~يستطيع أن يعترف به وخرج، فلقي الطبيب فقال له: تعال فإني لا أريد أن أبقى دقيقة في هذا ~~المضرب، وإذا مات جوادانا في الطريق سرنا إلى كلكوتا مشيا على الأقدام. ~~••• # كان شمشون الجبار جالسا عند فراش جان كالكلب الأمين فلم يغمض له جفن في تلك الليلة، ولبث ~~ساهرا يصغي إلى صوت تنفسات جان التي كانت تدل على أنه شديد التعب. # ثم سمعه يتنهد، واشتد صوت تنفسه؛ فوقف شمشون قلقا مضطربا. # وفتح جان عينيه فقال: إني ظمآن. # فأفرغ له في كأس شرابا كان قد أعده له الطبيب؛ فشربه بجملته وقال: رباه! كم أتوجع! ومع ~~ذلك فلا بد لي من الحصول على الكنز قبل أن ينقله البراهمة من مكانه. # فقال له شمشون: ألعلك وجدت الكنز؟ # قال: نعم، وهو أعظم مرارا من كنوز جميع ملوك الأرض. # قال: ولكن لماذا لم تدعني إليك يا سيدي؟ # قال: أصغ إلي تعلم السبب. # ثم قص عليه كل ما جرى له في جوف الأرض تحت خرابات الهيكل مع الفتاة حارسة الكنز، وكيف ~~أنها راقصته حتى أعياه التعب فسقته شرابا يشبه الخمر الإسبانية. # وهو لم يعد يعلم شيئا بعد أن أضاع رشده من هذا الشراب، ولكنه حين استفاق لم يجد نفسه في ~~تلك المغارة، بل وجد نفسه ملقى في الهواء الطلق تحت شجرة من تلك الأشجار الهندية المشهورة ~~بسموم أوراقها وظلها؛ فإن من يستظل تحتها يموت لا محالة. # وهذا النوع من الأشجار معروف في جميع الهند، فلما رأى جان أنه كان نائما تحت تلك الشجرة ~~الهائلة عجب كيف أنه لم يمت، وقال في نفسه: لا شك أن الذين ألقوني هنا باتوا يعتقدون الآن ~~أني أصبحت من عالم الأرواح. # وقد ms021 ذكر جان عند ذلك أن شرائع البراهمة تحرم سفك دم الإنسان، ولكنها لا تحرم قتله ~~بالاختناق، وأنهم يكرهون النور كرها عظيما، ويخشون أن يتدنسوا بهم، وهذا هو السبب ~~الذي حملهم على أن يلقوه تحت الشجرة السامة. # هذا الذي خيل لجان أنه حدث، فبينما كان يروي لشمشون ظنونه سمع وقع حوافر جواد، فقال له: ~~اذهب وانظر ما هذا؛ فإن جميع رجالنا قد سكروا وناموا حسب عادتهم، وأخاف أن يكون الهنود قد ~~أغاروا علينا. # فخرج شمشون وقال جان في نفسه: إني سأذهب هذه الليلة لاختطاف الكنز، وسأصحب معي شمشون، ولا ~~أبالي بجرحي ولو قتلني. # وبعد هنيهة، عاد شمشون إلى الخيمة يصحبه ذلك الفارس الذي سمع وقع حوافر جواده، فدهش جان ~~حين رأى أن هذا الفارس إنما هو الطبيب بالتون. # وكان العرق يسيل من وجه الطبيب وهو يحمل تحت وشاحه شيئا لم يتبينه جان، فقال له الطبيب: ~~إني لم أبت هنا وذهبت إلى كلكوتا، ثم عدت مسرعا منها إليك لأحدثك بشأن خطير. # فأشار جان إلى شمشون أن يخرج وقال له الطبيب والاضطراب باد في عينيه: هل نحن وحدنا ~~الآن؟ # قال: كما ترى. ~~- أواثق أنه لا يسمع حديثنا أحد؟ ~~- كل الثقة. فقل يا سيدي ما تشاء. # فنظر إليه الطبيب نظرة الفاحص وقال له: قل لي يا بني، هل أنت من أهل المطامع؟ ~~- إن لي مطامع أبناء الملوك. ~~- وهذه الأطماع أهي لخدمتك وخدمة قبيلتك؟ ~~- ثق أنه متى أصبحت ملكا على طائفة النور لا يعودون يرسفون بقيود الذل ولا يطردون عن ~~الأبواب طرد الكلاب. ~~- إذن أصغ إلي يا بني، وافترض أنهم أخذوا من طائفتكم غلاما يتراوح عمره بين الثالثة ~~والرابعة، وأنهم جعلوه ابن لورد عظيم، وأن هذا الغلام الذي ولدته أمه النورية في البراري ~~سيجلس يوما في مجلس أعيان المملكة ويجادل في شئونها زملاءه اللوردية العظام. # فقال له جان: ألعلك تهزأ بي يا سيدي وأنت تعلم أن هذا الافتراض محال؟ ~~- ولكن هب أن هذا الافتراض أصبح حقيقة. # فبرقت عيناه كنجمين يضيئان في سماء مظلمة وقال: إنه ms022 إذا حدث ذلك فإني أسفك دمي في سبيل ~~خدمة هذا الغلام، وأتمنى له أن يكون أعظم عظيم في بلاد الإنكليز. ~~- إذن، فاعلم أني قادم إليك لأخبرك أن هذا الافتراض الذي افترضناه ممكن الحدوث. ~~- كفى بربك يا سيدي؛ فإنك تضل صوابي. # فأخرج الطبيب من تحت وشاحه ذلك الشيء الذي كان يخفيه ووضعه على الفراش، وكان ملتفا بقطعة ~~من القماش؛ فأزاح القماش، وظهرت من تحته جثة طفل، فصاح جان قائلا: ويلاه ما هذا ... ابن أختي ~~سينتيا؟ # فهز الطبيب رأسه وقال: كلا. ليست هذه جثة ابن أختك فإنه في أتم عافية، ولكن الشبه عظيم، ~~حتى إنك خدعت به لأول وهلة كما ستخدع إنكلترا بجملتها. أتعلم من هو والد ابن أختك؟ # قال: نعم. فإن أختي لا تكتم عني شيئا من أمورها؛ فإن الذي خدعها يدعى اللورد إسبرتهون، ~~وهو الآن حاكم الهند. ~~- إذن. فاعلم أن هذا الغلام الميت الذي تراه الآن كان يدعى في صباح هذا اليوم المركيز ~~روجر دي إسبرتهون. أتعلم ماذا يدعى الآن؟ إنه يجب أن يدعى أميري ابن سينتيا المتوفى بلسع ~~أفعى. ~~- لله مما أسمعه! أتريد أن تستبدل ابن اللورد بابن أختي؟ ~~- هو ذاك واللورد أبو الولدين. ~~- ولكن أختي قد تموت من حزنها. ~~- كلا. فإن عزاءها على فراقه أنها ستغدو أم لورد. ~~- إنك تغويني. ~~- بل إني أريد أن أحقق أمانيك، وأجعل ابن أختك من عظماء الأرض. فوثب جان من سريره وقال: ~~ليكن ما تريد، وليعاقبني الله إذا كنت أسيء بما أفعل، فأعطني هذه الجثة، وانتظرني خارج ~~المضارب، فلا يستطيع أحد سواي الدخول إلى خيمة أختي حيث ينام طفلها. # فدفع إليه الجثة، وخرج وهو يقول: لقد كنت أعلم يقينا أن جان دي فرانس سيكون معنا، وعلى ~~ذلك فإن موت ابن اللورد سيكون مكتوما لا يعلم به إلا أنا واللورد وجان. ~~••• # بزغت الشمس، وصحت سينتيا من رقادها وهي تبتسم؛ فقد كانت حلمت أن ابنها بات له مستقبل زاهر ~~وطال حلمها كل ليلها، فلما فتحت عينيها وجدت أخاها جالسا عند فراشها وهو يبتسم فقالت له: ms023 ~~لقد حلمت حلما سعيدا يا أخي. # قال: ماذا حلمت يا أختي العزيزة؟ # قالت: حلمت أن ولدي أميري قد اشتد وقوي وصار رجلا يشبه بجماله الآلهة. ~~- سيصح حلمك يا سينتيا. ~~- ولكن العجيب أنه لم يكن يلبس كما يلبس رجال قبيلتنا، بل كان يلبس ملابس مذهبة وهو يتقلد ~~حساما مثل النبلاء، ويلقبونه بصاحب السعادة. # ثم نهضت من فراشها، وذهبت إلى مهد ولدها، فلم تكد تراه حتى تراجعت منذعرة وصاحت صيحة ~~هائلة فقالت: رباه! إن ولدي مات. # وكان جان يتوقع ما حدث، فأسرع إلى جثة ابن اللورد فحملها وقال لأخته: انظري إليه جيدا، ~~فما هو ولدك. # ثم كشف عن ذراع الطفل وقال لها: إنك تعلمين أن ولدك كان موشوما بعلامة طائفتنا، فهل ~~تجدين أثرا لهذا الوشم؟ # ولكن الأم لا تحتاج إلى مثل هذه العلامات لمعرفة ولدها فقد عرفته حين تمعنت في وجهه ~~وقالت: نعم. إنه ليس ولدي، ولكن أين ولدي؟ # قال: إن ابنك نائم الآن في مهد من الحرير والعبيد يروحون حوله بالمراوح كي لا يزعجه ~~الحر. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن ابن اللورد الحاكم مات فحل ابنك محله، وهو الآن يدعى المركيز روجر دي ~~إسبرتهون. # فسقطت على ركبتيها واهية القوى وأخذت بالبكاء، فقال لها جان: ما هذا البكاء؟ فإن ولدك ~~سيغدو سيدا عظيما من كبار النبلاء، وسيكون لوردا عظيما يحضر جلسات مجلس الأعيان ويجالس ~~الملك. ~~- ولكنه عندي شبه ميت؛ إذ لا أراه. ~~- كلا. فإننا سنلزمه لزوم ظله ونحميه من كل طارئ ونعتز به، فنخلع عن رقابنا نير الذل ~~والهوان ونشاركه في مجده. # ولكنها لم تنتبه لشيء من أقواله، واسترسلت إلى البكاء وهي تقول: أريد ولدي ... ردوا إلي ~~ولدي. # فنظر إليها جان تلك النظرات النافذة التي كان يستهوي بها قلوب رجال قبيلته وقال لها: إني ~~إذا أرجعت إليك ولدك يأتي يوم تندمين فيه الندم الشديد وتبكين بدموع من دم. # فأطرقت برأسها وجعلت تبكي وهي صامتة، فقال لها: لقد قلت لك إننا سنتبعه في كل مكان، فإذا ~~احتاج إلى دمائنا سفكناها في سبيله، وإذا أعوزه ms024 المال أعطيناه كنوزنا ينفق منها ما ~~يشاء. # فحسبت أن أخاها قد جن وقالت له: كنوزنا؟ # قال: نعم. فسيكون لنا في هذا المساء كنز لا تعادله كنوز الأرض، وسيكون المستقبل لنا ~~ولولدك. ~~••• # والآن لنبسط للقراء كيف كانت نجاة جان من قبضة البراهمة بعد أن تركناه مخدرا على الأرض ~~وخنجر الكاهن مشهر فوق صدره، وقد قضي عليه بالموت لتجاسره على الدخول إلى المغارة واكتشاف ~~أسرار الكنز. # إن الفتاة الهندية حين رأت هذا الخطر المحدق به صاحت بالكاهن قائلة: ماذا تفعل أيها ~~المنكود؟ ألا تعلم أن الإله الذي نعبده يحرم علينا سفك الدماء؟ # قال: يجب أن يموت. # قالت: إنه يموت، ولكن دون أن نسفك دمه. ~~- إذن كيف يموت؟ ~~- احمله مع رفيقك، وألقياه تحت شجرة سامة فلا يشرق عليه الصباح حتى يموت. ~~- لقد أصبت يا ناتا؛ فإنك على حداثة سنك لك حكمة الشيوخ، وسنفعل ما أشرت به. # قالت: إن موته سيكون محتما، وقد تدركه النمور فتفترسه قبل الصباح. وقد وافق الكاهنان على ~~ذلك، ودخلا إلى مكان في المغارة فأتيا بخشبة فحملاه عليها وانصرفا. # ولكن الفتاة كانت قد اغتنمت فرصة بحثهما عن الخشبة، فأسرعت إلى زجاجة صغيرة وأفرغتها في ~~فم جان، فلما ذهب الكاهنان به برقت عيناها من الفرح وجعلت تحدث نفسها فتقول: نعم إن الشجرة ~~السامة تقتل من ينام تحتها، ولكن ابنة الكهنة التي قضي عليها أن تعيش في جوف الأرض لا تريد ~~أن يموت هذا الفتى الجميل الذي حرك عوامل قلبها، ولذلك سقيته ترياقا يقيه الموت من كل ~~السموم، وسيعود إلي. # نعم إنه سيعود، فقد شعرت أن صدره يخفق خفوق صدري، وسيذكرني حين يفيق ويعود إلي فنهرب ~~معا إلى حيث يشاء. # وقد نامت، فلما صحت علمت من مقدار الخشب الذي التهمته النار أن زمن عودة الكهنة قد ~~حان. # وقد أقبلوا بعد هنيهة، فتجلدت إخفاء لاضطرابها، وسألتهم أين وضعوه؟ # قالوا: إننا وضعناه تحت شجرة سامة، ولكننا لم نجده حين عودتنا فلا شك أن النمور ~~اختطفته. # ثم تركوها وانصرفوا، فكادت تجن من خوفها عليه، وجعلت ms025 تضرع إلى الإله سيوا أن يحميه ~~ويقيه. # وفيما هي تصلي وتبتهل رأت جان داخل المغارة، فصاحت صيحة فرح لا توصف، وهجمت عليه فعانقته ~~وهي تقول: لم يكن عندي شك أيها الحبيب أنك ستعود إلي، فدفعها عنه وهو يقول: ارجعي أيتها ~~الشقية؛ فقد أردت قتلي بالسم، وألقيتني تحت الشجرة السامة. # فضمت يديها وقالت: كلا أيها الحبيب، بل إني أنقذتك من خناجر الكهنة لأني أحبك. # فضحك جان وقال: لا أعلم إذا كنت تحبينني، ولكن الذي أعلمه أني محتاج إلى هذا ~~الكنز. # قالت: إن ذلك لا يكون؛ فإني لا أسرق أموال إلهي. # قال: إني أريد الكنز. # قالت: بل إنك لا تأخذ منه شيئا، فخذني إلى حيث تشاء وسأكون عبدة لك، ولكن لندع كنز ~~الإله. # وقد عادت إلى عناقه فصدها عنه بعنف وقال لها: إن الوقت لا يتسع الآن للغرام، فهل تريدين ~~أن تتبعيني؟ ~~- نعم. ~~- ونأخذ معنا الكنز؟ ~~- كلا كلا. ~~- إذن اصبري. # ثم وضع أصبعيه في فمه وصفر صفيرا خاصا، فلم تكن غير هنيهة حتى سقط من فم المغارة شمشون ~~الجبار وناثائيل والد الطفلة التي تبناها السير روبرت. # وكان الاثنان مسلحين وهما يحملان كيسين كبيرين من الجلد، فقال لهما: قيدا هذه الحسناء ~~وكمماها كي لا تصيح. # وبعد أن امتثلا وضعا ما كان في المغارة من الجواهر والذهب في الكيسين وخرجا يتقدمهما جان، ~~فوضعوا الكيسين على مركبة، وعادوا جميعهم إلى المضارب وقد فاز جان بالكنز. # الفصل الثالث # | مس ألن # مضى سبعة عشر عاما على الحوادث التي بسطناها ربي في خلالها ابن النورية - أي ابن أخت ~~جان دي فرانس - في قصر اللورد أبيه، وكان يدعى المركيز روجر دي إسبرتهون، وهو فتى في ~~العشرين من العمر، وله جمال تام وأدب أتم. وقد بقي سر مولده مكتوما عن جميع الناس ما خلا ~~أباه وأمه وخاله والطبيب بولتون. # وكان ابن عمه السير جيمس قد اعتزل الخدمة في الجيش وأقام في قصرهم القديم في إسبرتهون وهو ~~في الثلاثين من العمر وله نظرات تدل على الحقد وشفتان رقيقتان تدلان على أنه ms026 مفطور على ~~الخبث. # ففي يوم من أيام الربيع، كان المركيز روجر سائرا على جواده يصحبه خادمه لزيارة ابن عمه ~~السير جيمس. # وما زال سائرا حتى وصل إلى الغابة المؤدية إلى منزل ابن عمه فانتبه لصهيل جواد كان يسير ~~في تلك الغابة بفارسه فقال: من عسى أن يكون هذا الفارس؟ ألعله ابن عمي قادم لزيارتي؟ # ولكنه لم يلبث أن تبين خطؤه بعد بضع خطوات فقال: ترى من هو هذا الفارس؟ # فقال له خادمه: أظنه يا سيدي ذلك الهندي الذي اشترى أرض اللورد جاك جريجور منذ ~~أسبوعين. # قال: لقد سمعت شيئا من أخبار هذا الرجل، فقد قيل إنه أتى بثروة عظيمة. # ثم واصل الاثنان سيرهما، ولما توغلا في الغابة اعترضت المركيز امرأة نورية تبلغ نحو ~~الأربعين من العمر، فقال لها: ماذا تريدين؟ # قالت: أود لو أذنت لي أن أرى طالعك؛ فإني أعرف بأسرار المستقبل. # فضحك المركيز وقال: أحق أنك تعرفين؟ # قالت: نعم. # قال: لا أرى في سماء مستقبلي شيئا من الغيوم؛ فإني في العشرين من عمري، ولي ثروة يبلغ ~~ريعها الملايين، وأنا من لوردية إنكلترا وقائد فرقة الملك. # قالت: إن الأخطار قد تهدد الملوك أنفسهم، فدعني أرى باطن كفك. # فبسط لها يده وهو يبتسم، فنظرت فيه وقالت: أرى أن خطرا عظيما يحدق بك، وخير لك أن لا ~~تذهب للصيد غدا. ~~- كيف عرفت أني سأصيد غدا؟ ~~- ألم أقل لك إني أعرف المستقبل؟ ~~- وأي خطر علي من صيد الثعالب؟ ~~- إن من يصيد الثعلب قد يلقى في طريقه دبا كاسرا. ~~- ولكن الوحوش الكاسرة لا أثر لها هنا. ~~- أنصحك أن تثق بما أقوله لك وأن لا تذهب غدا للصيد. ~~- حسنا فسوف أرى. والآن فهل بقي لك ما تتنبئين لي عنه؟ # فعادت إلى فحص يده وقالت له: إنك من العشاق يا سيدي. # فارتعش وقال: ذلك ممكن، فهل أنا مخطئ أيضا في هذا الحب؟ # فهزت رأسها وقالت: إنك قد تندم لحبك هذا. ~~- وأنت ما زلت تعلمين كل شيء، فقولي لي هل تحبني التي أحبها؟ ~~- سأجيبك في فرصة أخرى؛ ms027 إذ يوجد في يدك خط لم يكتمل بعد، والآن أستودعك الله، وأسأله أن ~~يحرسك. # فرمى لها المركيز دينارين وواصل سيره وهو يقول: ترى لماذا أندم لحبي مس ألن؟ # ثم قال لخادمه: أتعرف هذه المرأة؟ # قال: نعم، فهي نورية ترتزق من هذا التدجيل، فاطمئن يا سيدي فإن تكهناتها لا تصدق. ~~••• # كان السير جيمس في إحدى قاعات قصره، فدخل إليه خادمه وقال له: إن ابن عمك يا مولاي قادم ~~لزيارتك. # قال: كيف عرفت ذلك؟ # قال: رأيته من الشرفة قادما بجواده عند مخرج الغابة. ~~- أتعلم يا ويلسن، إن ابن عمي كتب لي رسالة؟ ~~- نعم وقد دعاك فيها إلى صيد الثعالب. ~~- وقد رفضت الدعوة لثقتي أنه سيزورني ويلح علي فأقبل. ~~- إذا كان ذلك فلماذا رفضت في البدء؟ ~~- لأنه إذا حدثت نكبة غدا في الصيد، فلا يظنون أني أنا أعددتها لاغتيال ابن عمي كي ~~أرثه. ~~- أتتوقع يا مولاي حدوث نكبة غدا؟ ~~- نعم. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن من يصيد الثعلب قد يلقى دبا. ~~- ولكن لا يوجد هنا وحوش ضارية. ~~- سيوجد وحش في الغد بلون الجواد الذي يركبه ابن عمي العزيز. ~~- إنه لا يركب غير جواده نيشون الأسود كما تعلم. ~~- حسنا، وإن لهذا الوحش ولعا بالهجوم على الجياد السود. # فنظر إليه الخادم نظرة المنذهل دون أن يفهم فقال له: سأكشف لك هذا المعمى، والآن فلنتهيأ ~~لاستقبال رئيس أسرتنا. # فخرج الخادم وجعل السير جيمس يقول: إني لا أزال أعجب كيف أنه سلم من الأفعى، فقد وضعتها ~~في سريره حين كان له من العمر ثلاثة أعوام. # وبعد هنيهة دخل المركيز، فبالغ السير جيمس بالاحتفاء به؛ فأقام عنده ساعة وقد ألح عليه ~~كثيرا حتى رضي بحضور حفلة الصيد، ثم افترقا فشيعه إلى الباب الخارجي. # وبعد انصرافه نادى خادمه وقال له: تعال الآن أخبرك بما عزمت عليه. أتذكر أني كنت في ~~الشتاء الماضي أذهب إلى هايد بارك؟ ~~- إنك كنت تذهب كل يوم يا مولاي. ~~- ذلك أنه كان يوجد عند باب هذه الحديقة الكبرى رجل يروض الوحوش الضارية، فلبثت بضعة أيام ~~أحضر هذه ms028 الألعاب إلى أن دعوت يوما مروض الوحوش وقلت له: كم تكسب في يومك؟ # قال: عشرة شلنات تقريبا. # قلت: أتريد أن تكسب ثلاثين؟ # قال: دون شك، فماذا تريد أن أصنع؟ # قلت: أريد أن تلاعب الوحوش أمامي وحدي في كل يوم. # فاتفقنا على ذلك، وجعل يلاعب وحوشه مدة ثلاثة أشهر كل ليلة من انتصاف الليل إلى الساعة ~~الثانية بعده. # وكانت الطريقة التي اخترتها هي أن يلبس براثن دب كاسر عنده أحذية من الجلد كي لا يستطيع ~~الإيذاء بها، ثم يخرجه إلى ساحة اللعب فيجد هناك رجلا يلبس ملابس الفرسان وهو يمتطي جوادا ~~أسود، فيسير بجواده حول هذا الدب ويجلده بسوطه جلدا أليما. # وقد لبث الدب يصبر على الأذى مدة ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع جعلت عيناه تتوهجان من ~~الغضب حين يرى الفارس وجواده الأسود. # ولبثنا على هذا التمرين ستة أشهر، وفي كل يوم يرى الدب الجواد الأسود ويشعر بالسياط تمزق ~~جلده إلى أن خطر لي أن أجربه آخر تجربة، فأتيت بتمثال من الخشب ألبسته ملابس الفرسان ~~وأركبته على جواد أسود، ووضعته في ساحة اللعب، ثم أمرت مروض الوحوش فنزع أحذية الجلد من ~~براثن الدب وفتح له باب القفص، فلما رأى الجواد وفارسه هجم عليهما هجوما هائلا، ولم تكن ~~غير هنيهة حتى بقر بطن الجواد وحطم التمثال الخشبي، وبات الدب ممرنا أتم التمرين. # فقال له الخادم: أين هو الدب الآن؟ # قال: لقد جاء به مروضه أمس إلى الغابة التي سنصيد فيها غدا. # قال: ولكن هذه الحفلة سيحضرها كثيرون وملابس الأشراف متشابهة، ويوجد بين جيادهم بعض جياد ~~سوداء. # قال: لقد احتطت لهذا الأمر، ولكن المركيز سيصل إلى موقف الدب قبل سواه. ~~- كيف ذلك يا سيدي؟ ~~- ذلك منوط بك، فماذا يكون من الجواد إذا وضع تحت سرجه صنارة صيد وغرست في لحمه؟ # إنه يهيج في الحال ويجمح بفارسه. ~~- كلا إنه لا يهيج في الحال، بل بعد ساعة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن تلف الصنارة بشمع ويخاط أسفلها بالسرج، فمتى سار الجواد ساعة أذابت الحرارة ~~الشمع ودخلت ms029 الصنارة إلى لحم الجواد. # والآن فإنك ستذهب في هذا المساء إلى قصر ابن عمي، فتنام هناك مع الجياد وكلاب الصيد، وإذا ~~كنت حاذقا تمكنت من وضع الصنارة تحت السرج. # قال: اطمئن، فسيكون ما أردت. # قال: وأنا متى ورثت ملايين ابن عمي ولقبه أعرف كيف أكافئك. ~~••• # وهنا لا بد لنا أن نذكر شيئا بالإيجاز عن ~~أبطال هذه الرواية الذين تركناهم في الهند منذ سبعة عشر عاما، وقد عادوا كلهم إليها الآن؛ ~~فإن اللورد إسبرتهون اعتزل منصبه في الهند وعاد إلى لندرا فمات فيها منذ عام، وهو يعتقد أنه ~~ليس له غير ولد واحد من امرأته غير الشرعية، أي ابن النورية. # وجان دي فرانس عاد مع طائفته إلى لندرا تصحبه أخته أم المركيز، وقد جاء بتلك الأموال ~~العظيمة التي أخذها من هيكل سيوا وأقام في لندرا متنكرا باسم الناباب عثمان. # وناتا الهندية التي كانت حارسة الكنز أطلق الكهنة سراحها، فحقدت حقدا عظيما على جان، ~~وجعلت تطوف أوربا باحثة عنه للانتقام. # والسير روبرت قتل أخا اللورد بمبارزة وعاد إلى لندرا مع الطفلة التي اشتراها من أبيها ~~ناثائيل النوري، فرباها وأوهم الناس أنها ابنة أخ له متوفى في الهند، وهي الآن في مقتبل ~~الشباب تدعى مس ألن، ولها جمال نادر، واللادي سسيل امرأة اللورد إسبرتهون الشرعية عادت من ~~إيكوسيا إلى لندرا يصحبها ولدها ليونيل ابن اللورد الأصغر، ولكنها أوهمت جميع الناس أن ~~ولدها قد مات حذرا عليه من بطش أخي زوجها بعد أن وثقت أنه يريد قتله، وكتمت عن ولدها نفسه ~~سر والده، فهو يعتقد أنه ابن أحد الضباط، وأن اللادي سسيل كفلته صغيرا وربته ~~عندها. # والطبيب بولتون عاد أيضا إلى لندرا وهو مع السير روبرت من أصدقاء المركيز روجر. # وكان المركيز روجر وليونيل ابن اللورد الشرعي يحبان مس ألن، وكلاهما لا يعلمان أنهما ~~أخوان، ويجهلان أنهما يحبان امرأة واحدة. # ففي الليلة التي تقدمت حفلة الصيد كان نحو أربعين مدعوا جالسين على مائدة المركيز روجر ~~بينهم مس ألن تضيء إضاءة البدر بين النجوم. # وكان ms030 الجميع يتسابقون إلى إكرامها، ويطمعون بنيل ابتسامة منها، ولكنها لم تكن تبتسم في ~~تلك الليلة، بل كانت منقبضة الصدر، حتى لقد خيل للمركيز أنه رأى دمعة سقطت من عينها. # ولما فرغوا من الطعام جيء بالخمرة الفرنساوية وحان دور شرب الأنخاب، فوقف المركيز وكأسه ~~في يده وقال: أيها اللوردية والسادة، إني أشرب نخب مس ألن الحسناء. # فشكرته الفتاة بابتسامة وقالت: وأنا أشرب نخب الكولونيل روجر. # فأجابها روجر: إن الكولونيل روجر يضع فرقته تحت أمرك. # فابتسمت وقالت: ما عدا قائدها فيما أظن. # قال: بل الفرقة وقائدها. # قالت: احذر مما تقول، فلو أعطيت هذه السيادة هنيهة لالتمست من الكولونيل التماسا. # قال: مري بما تشائين. ~~- أتفعل ما أطلبه إليك؟ ~~- دون شك. ~~- إذن إني أسألك مركز ضابط في فرقتك، فضحك وقال: أأنت التي تتولين هذا المنصب؟ # قالت: بل لفتى يتولى عمي حمايته، وأنا أحبه حب أخ، وهو ليونيل فارز. # قال: إن أخي كان يدعى بهذا الاسم حين مات وهو في سن الرضاع. # وقد عينت هذا الفتى كما تريدين، وسأجعله من أصدقائي. # فعادت إلى شرب نخبه وشاركها الجميع في شرب هذا النخب، وبعد ذلك نهضوا عن المائدة، وقال ~~لهم المركيز: لا تنسوا - أيها الأسياد - أننا سنركب الجياد في الساعة التاسعة من صباح غد، ~~وأما السيدات فإنهن يتبعننا في المركبات. # فقالت مس ألن: أما أنا فأمتطي جوادا. # فقال لها المركيز: إذا كان ذلك فإني أعد لك جوادا لا يوجد جواد يماثله في ~~إيكوسيا. # فمدت له يدها شاكرة، فقبل يدها وقال في نفسه: لم يعد لي طاقة على الصبر، وسأبوح لها ~~غدا بغرامي. # في صباح اليوم التالي ركب الجميع جيادهم وانطلقوا بها إلى الغابة، فكانت مس ألن تسير ~~بجانب المركيز ووراءهما ابن عمه السر جيمس وخادمه ويلسن. # فلما وصلوا إلى مكان الصيد ذاب الشمع وشعر جواد المركيز بوخز الصنارة، فجعل يهيج ويحاول ~~الركض والمركيز يمنعه كي لا يفارق مس ألن، إلى أن قال لها: هذه أول مرة رأيت فيها جوادي على ~~هذه الشدة. # قالت: أطلق له العنان فإني ms031 أتبعك. # فأرخى له عنانه فانطلق كالسهم، وتمكنت الفتاة من إدراكه فقد كان جواده شديدا وكذلك السير ~~جيمس وخادمه، فقد كانا لا يبعدان عنه أكثر من مائة خطوة خلافا لبقية الفرسان، فقد كانت ~~جيادهم ضعيفة فلم تتمكن من اللحاق. # أما المركيز فقد شعر أن جموح جواده غير طبيعي، وحاول مرارا أن يكبح جماحه فلم ~~يستطع. # إلى أن وصل إلى قمة عالية، وهناك صاحت الفتاة صيحة منكرة وغطت وجهها من الذعر؛ فإنها رأت ~~وحشا هائلا قد انقض من أعلى القمة انقضاض الصاعقة، وهجم على جواد المركيز فبقر بطنه ~~وألقاه على الأرض مع فارسه. # وقد حاول الوحش أن يبطش بالمركيز، وعند ذلك سمع صفير تلاه صوت رجل يقول: تون. تون. # فالتفت الدب إلى مصدر الصوت، وظهر رجل هائل الخلقة من بين الأشجار، فجعل الدب ينظر إليه ~~بعينيه الصغيرتين نظر المنذهل، فقال له الرجل: تعال. # فمشى الدب خطوتين إليه كأنما صوت الرجل سحره، فقال له: نم هنا. فامتثل طائعا، وجعل يلحس ~~قدمي الرجل. # وقد جرت هذه الحادثة بدقيقة تمكن المركيز في خلالها من النهوض؛ إذ لم يكن أصيب إلا برضوض ~~بسيطة. # أما الرجل فإنه ابتسم للمركيز وقال له: أرجو يا سيدي أن لا تكون أصبت بأذى. # قال: كلا، ولكن وحشك كاد يفترسني. # قال: إنك واهم يا سيدي، فهذا الوحش ليس لي. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول الحق؛ فقد كان لي، ولكني بعته منذ ثلاثة أعوام، فلما سمع صوتي الآن عرفني. # وكان السير جيمس وخادمه رأيا هذا المشهد من بعيد، فقال الخادم: إن مروض الوحوش قد خاننا، ~~ولا أجد خيرا من الهرب. # قال: لقد أصبت فلنذهب. # وكانت مس ألن قد اطمأنت خلافا لجوادها؛ فقد كان يرتعد، فأمر الرجل الدب أن يصعد إلى ~~القمة فامتثل، وعاد المركيز إلى محادثته، فقال له: تقول إن هذا الوحش ليس لك؟ # قال: نعم. فقد بعته حين اعتزلت مهنتي. ~~- لمن بعته؟ ~~- لرجل يدعى سيمون، وهو يروض الوحوش. # فقالت مس ألن: وكيف اتفق وجود هذا الوحش هنا؟ # قال: لا أعلم. ~~- وأنت كيف اتفق وجودك ms032 هنا؟ ~~- إني هنا بأمر الرئيس. ~~- من هو هذا الرئيس؟ ~~- هو الذي أسفك في سبيل خدمته كل دمي. ~~- ماذا يدعى؟ # فمد يده مشيرا إلى جهة الغابة وقال: هذا هو، فالتفت المركيز وصاح صيحة دهش. أما الفتاة ~~فإنها كادت أن تسقط عن جوادها حين رأته. # وقد أقبل هذا الذي يدعونه بالرئيس، فقال للذي أنقذ المركيز: لقد أحسنت يا شمشون؛ فإنك ~~أصدق المخلصين. # كان هذا الرجل جان دي فرانس الذي كان يعرفه أهل لندرا باسم الناباب عثمان. # وقد انحنى المركيز أمامه مسلما وقال: إني نجوت من الموت بأعجوبة، ويظهر أنك كنت سبب ~~نجاتي. # قال: هو ذاك. # فحاول المركيز أن يشكره ولكنه قاطعه بإشارة وقال له: انظر إلى هذه القمة، فإن صاحب الدب ~~كان مختبئا فيها لينتظر قدومك، فلما رآك أطلق عليك الوحش، ولكنه كان يوجد رجل مختبئا ~~وراءه فأغمد خنجره بين كتفيه، وأسرع في أثر الدب وغدارته في يده، فلو لم يعرف صوت صاحبه ~~القديم لأطلق عليه النار وقتله. أفهمت الآن؟ # قال: كلا. فلم أفهم السبب الذي حمل هذا الرجل على أن يطلق وحشه علي. ~~- إنه لم يكن غير آلة في يد سواه. ~~- ألي أعداء يريدون قتلي؟ ~~- إن من كان له صباك ونبلك وثروتك لا يخلو من أعداء، ورجائي أن تأذن لي بأن لا أصرح بأكثر ~~من هذا. ~~- ولكن أرجو أن تقول لي على الأقل من الذي كان مختبئا وراء مروض الوحوش وقتله. ~~- هو أنا. ~~- أنت؟ ~~- نعم. والآن أرجوك يا سيدي أن تأذن لي بالانصراف، فإني أرى رفاقك قادمين وقد تأخروا عن ~~إنقاذك، ولكنهم سيعطونك جوادا تعود عليه، فأستودعك الله. # ثم نظر إلى جواد مس ألن وقال لها: إن حزام جوادك قد ارتخى يا سيدتي فائذني لي أن ~~أشده. # وقد دنا منها فشد الحزام وقال لها همسا: يا توبسي النورية، إن الرئيس يأمرك أن تذهبي بعد ~~ثمانية أيام في الساعة العاشرة من المساء إلى ديتفورد وأن تنتظريه هناك وحدك. # ثم ودع المركيز وانصرف، فتبعه شمشون يصحبه الدب. # وعند ذلك التفت المركيز إلى مس ms033 ألن فرآها مصفرة الوجه تضطرب؛ فحسب أن اضطرابها من ~~حادثته وقال لها: ما هذا الاضطراب؟ # قالت: إني أضطرب من خوفي عليك. # قال: أعرفت هذا الرجل الذي أنقذني؟ # قالت: كلا. # وقد أطرقت برأسها إلى الأرض كأنها تريد إخفاء مخاوفها، وعند ذلك انقطع الحديث بينهما ~~لقدوم رفاق الصيد. ~~••• # أما عثمان أو جان دي فرانس، فإنه عاد من فوره إلى لندرا، وذهب إلى بائع المجوهرات وقال ~~له: أسعدت صباحا يا ناثائيل، فوقف الرجل إجلالا له وحياه باسم الرئيس، فقال له عثمان: ~~كيف مصير الأعمال؟ # قال: إنها في خير حال. # فابتسم وقال له: إذن أنت غير آسف على الزمن القديم حين كنت ترتزق من سرقة كلبك. # قال: كلا أيها الرئيس، ولكن. ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ولكني يخطر لي أحيانا بعد هذه السعادة أني وحدي. ~~- تزوج. ~~- كلا. ليس هذا الذي أعنيه، فقد مت مرة بالزواج، ولا يشتهي الموت من ذاقه، ولكنني نادم ~~لأني بعت بنتي؛ فإنها من دمي، وإني أحن إليها. ~~- إذن أنت تريد أن تراها. ~~- وا أسفاه! كيف السبيل إلى ذلك وأنا لا أعلم ما جرى لها ولا أعرف اسم الرجل الذي أخذها ~~مني. ~~- إن لندرا كبيرة، غير أن من يبحث يجد. ~~- أحق ما تقول يا سيدي؟ ~~- إنك علمت بالتجربة أني حين أتولى أمرا لا أخيب. ~~- إنها تبلغ الآن الحادية والعشرين من عمرها إذا كانت لا تزال باقية في قيد الحياة، وقد ~~كانت تشبه أمها، فهي لا بد أن تكون من أجمل الفتيات، فإذا اشتغلت معي راجت تجارتي أعظم ~~رواج. ~~- لقد عرفت الآن معنى حنوك الأبوي، ولكني سأجد بنتك، فهل هي موسومة بعلامة ~~طائفتنا؟ ~~- دون شك، فقد وسمتها حين ولادتها. ~~- أليس لها علامة أخرى؟ ~~- نعم. فقد عضها الكلب في حداثتها، ولا بد أن يكون أثر هذا العض باقيا بين الإبهام ~~والسبابة. ~~- حسنا فسأبحث عن بنتك، ولكني أشترط شرطا. ~~- ما هو؟ ~~- هو أني حين أرشدك إليها وأقول لك هذه هي بنتك تطالب بها. ~~- هذا لا ريب فيه. # فودعه وانصرف. # وفي اليوم التالي دخل ليونيل في فرقة المركيز، ms034 وقد أحسن استقباله وعينه ضابطا، وجاءت ~~أمه من الريف فأقامت متنكرة في لندرا، فلم يكن يعرف أمرها غير السير روبرت. # وأما السير جيمس ابن عم المركيز فقد كان أسفه عظيما لخيبة مساعيه، فصبر حتى اطمأن ~~وأيقن أن ابن عمه لم يعلم شيئا من حقيقة أمره، فعاد إلى الكيد له، وأغرى رجلا مشهورا ~~بالمبارزة ورشاه بالمال كي يبارز المركيز. ولم ~~يقتصر على ذلك، بل إنه اشترى حساما مقلدا من نوري ~~- وهو سيف ينكسر لأول صدمة - وأهداه إلى ابن ~~عمه المركيز. # وكان عثمان قد عرف بأمر المبارزة وعلم من النوري سر السيف، فذهب إلى المركيز وسأله أن ~~يجعله من شهوده ففعل. # وفي اليوم المعين للمبارزة أبدل سيف الرجل بسيف المركيز المقلد، وجرت المبارزة، فدارت ~~الدائرة على الرجل، فأخبره عثمان بحكاية السيف المقلد، ولكنه كتم عنه مكيدة ابن عمه، فشكره ~~المركيز شكرا حميما إذ أنقذه مرة ثانية من الموت، ولكنه كان شديد الاضطراب؛ إذ أيقن الآن ~~أن له عدوا هائلا، ولكنه لم يعرف هذا العدو؛ فإن عثمان أبى أن يخبره عنه مدعيا أنه لم ~~يعرفه بعد. # غير أنه قال له: اطمئن؛ فإذا كان لك عدو، فلك كثير من الأصدقاء، وإن عيونهم لا ~~تنام. # فلم يكن هذا الكلام إلا ليزيد هواجس المركيز؛ فإنه لم يفهم سبب هذه الصداقة ولا ذاك ~~العداء. # بعد حادثة الوحش بثمانية أيام كان عثمان يسير مسرعا على ضفة نهر التيمس إلى أن دخل إلى ~~مكان معين، فالتفت إلى ما حواليه ليرى إذا كان يتبعه أحد، فلما لم يجد ما يريبه صفر صفيرا ~~خاصا بفمه، ثم اتشح بردائه ووقف ينتظر. # وبعد هنيهة سمع صوت المجاذيف، فالتفت فرأى قاربا يدنو مسرعا إلى الشاطئ. # وكانت الساعة قد بلغت التاسعة من المساء وظلام الليل مشتد الحلك، فنظر إلى القارب محدقا ~~وقال: أهذا أنت يا شمشون؟ # قال: نعم أيها الرئيس. # فوثب عثمان إلى القارب، ونظر في ساعته فقال: لقد دنا الوقت فأسرع يا شمشون، وسر بي إلى ~~دربيتورد. # وبينما كان القارب يسير كان عثمان يحدث ms035 نفسه فيقول: سوف نرى يا مس ألن ما يكون. # وقد كان الهواء شديدا والتيار سريع الجريان، فاندفع القارب بملء السرعة. # وكان الضباب شديدا متلبدا ، حتى إن المصابيح التي كانت مضاءة على ضفتي النهر لم تكن ترى ~~لشدة تلبد الضباب. # ومع ذلك فإن شمشون كان يسير بقاربه بملء المهارة، ويدفعه بين السفن الكبرى دون أن يخشى ~~الاصطدام. # وبعد ساعة وصل إلى المكان الذي كان ذاهبا إليه، فنظر عثمان إلى منزل معتزل تحيط به ~~الأشجار على الضفة اليمنى، فلم يجد فيه أثرا للنور، فقطب حاجبيه وقال في نفسه: ترى أجسرت ~~مس ألن على مخالفة أمري فلم تحضر؟ # ثم أمر شمشون أن يرسو عند ذلك الشاطئ، وخرج من القارب فقال لشمشون: ابعد قليلا، ولا تعد ~~إلا حين أناديك بالصفير. # وقد مشى إلى ذلك المنزل، وسار بضع خطوات تحت جدرانه المظلمة وهو يقول: لا بد لنا أن تكون ~~مس ألن منا. # وفيما هو على ذلك رأى فجأة نورا قد لمع من وراء إحدى النوافذ، ثم فتحت النافذة، فدنا ~~منها وسمع صوتا يقول له: من أنت؟ # قال: أنا هو الذي تنتظرينه. # قالت: إن النافذة مفتوحة فادخل. # فتسلق الجدار إلى النافذة، ووثب منها إلى الغرفة التي كانت فيها، وهي غرفة مفروشة بالحرير ~~ومزينة بالأزهار وغير ذلك من التزيين الدقيق الذي لا يفهم أسراره غير النساء. # وعلى الجدران رسوم مصورة باليد كتب تحتها اسم ألن دلالة على أنها هي التي صورتها. # وبين هذه الرسوم رسم السير روبرت مما يدل على أن الفتاة كانت في منزلها الصيفي. # وإن تربية الفتاة في بلاد الإنكليز تختلف كثيرا عن تربيتها في سائر البلدان؛ فإن ذويها ~~يمنحونها الحرية المطلقة، فتركب الجياد، وتسير وحدها في الشوارع، وتتنزه في القوارب دون أن ~~يصحبها أحد إذا شاءت. # ولذلك كانت مس ألن متمتعة بكل ما تتوق إليه نفوس العذارى من الحرية. # وكان السير روبرت قد ذهب منذ يومين إلى إيكوسيا في بعض الشئون وترك مس ألن في لندرا مع ~~مربيتها القديمة. # ولكنها كانت تأتي في كل ms036 مساء إلى منزلهم الصيفي فتبيت فيه، وعند الصباح تركب قاربا وتعود ~~إلى لندرا. # وقد وقف عثمان أمامها، وبدأت هي الحديث فقالت: لقد أحببت أن أراك يا سيدي؛ لأني لا أزال ~~أفكر إلى الآن دون أن أدرك معنى ما قلته لي في حفلة الصيد منذ ثمانية أيام. # قال: إذن أنت تريدين أن أوضح لك معناه؟ # فأجابته بجفاء قائلة: نعم. ولا أريد أن تطيل انتظاري. # فجلس على كرسي أمامها وقال لها: إذن اعلمي أيتها العزيزة توبسي أني قادم إليك لأعقد معك ~~محالفة. # فوقفت عندما سمعت كلمة توبسي، وقد توهجت عيناها واصفرت شفتاها كأنها رأت أفعى فاجأتها، ~~وقالت له: إني أدعى مس ألن فالدن يا سيدي، وأمنعك عن أن تدعوني بغير اسمي. # فابتسم عثمان ابتسام المتهكم وقال لها: ليكن ما تريدين، فقد قلت لك إني أتيت لعقد ~~محالفة. # فنظرت إليه نظرة المحتقر وقالت: مع من تريد أن أتحالف؟ # قال: مع قوم فقراء لا يحسدونك لثروتك وألقابك، أي مع طائفة أميري النورية يا مس ~~ألن. # فضحكت ضحكا مغتصبا وقالت: أأنا أتحالف مع النور؟ إنك تقص علي حكاية شرقية. # قال: نعم. وهي حكاية هندية؛ فإن ملك النور يحبك كثيرا يا مس ألن، ويريد أن تكوني ~~سعيدة في عائلتك الجديدة. # فقالت له بلهجة المتهكم: أحق ما تقول؟ # قال: نعم. وقد خشي أن تتمادي في أطماعك؛ فأرسلني إليك كي أسديك نصيحة، وهي نصيحة أخ صادق، ~~فائذني لي أن أفترض هنيهة أنك تدعين توبسي، وأنك ابنة ناثائيل النوري. # قالت: أتم حديثك، فإنك ترى أني مصممة على أن أسمعه بجملته. # قال: وإذا صح هذا الافتراض، فإن أصحابك يسرهم أن يعقد هذا الزواج الذي يعده لك السير ~~روبرت فالدن. ~~- مع السير ليونيول؟ ~~- نعم. وهو يحبك بملء جوارحه. ~~- ولكن إذا خطر لي أن أطمع بأحسن من هذا الزواج، وأردت أن أكون يوما مركيزة؟ ~~- أتريدين الزواج بالمركيز دي إسبرتهون؟ # فقطبت حاجبيها لهذه المفاجأة وقالت: لنفترض أن هذا الاسم يوافقني. ~~- ولكن لا يوافق رجال الطائفة على الإطلاق، وليس من فائدتك أن يكونوا من ms037 أعدائك. # فاتقدت عيناها ببارق من الغضب وقالت: أيطمع أولئك الذين تدعوهم أصحابي أن يحكموا على ~~قلبي ومستقبلي ويزوجوني بما يشاءون؟ ~~- كلا. فإنهم يتركون لك الخيار فلك أن تتزوجي بمن تريدينه ما خلا المركيز. ~~- وإذا أردت أن أكون مركيزة، وأن أتشح بوشاح اللوردية، فماذا يكون؟ # فوقف عثمان وقال: يكون أن ملك النور ورعاياه يشهرون عليك حربا عوانا لا رحمة فيها ولا ~~إشفاق. # فنظرت إليه بعينين تتوهجان من الغضب وثارت في قلبها الأحقاد، فقالت: حسنا فإن توبسي ~~النورية تقبل هذه الحرب، وإني أقاتل جموعكم وحدي غير هيابة من ملككم ورعاياه، فقد ذكرت ~~الآن أيام حداثتي، وذكرت نبرات صوتك التي وصلت إلى مسمعي كالصدى البعيد، وعرفتك حق العرفان؛ ~~فأنت هو جان دي فرانس. # فكتف عثمان يديه، وجعل ينظر إليها بملء السكينة، ومضت في حديثها فقالت: نعم. أنت هو جان ~~دي فرانس، أي إنك نوري مثلي وابن الطائفة الممقوتة التي قدر لي نكد الطالع أن أكون ~~منها، وأنا خلقت لأكون من بنات الملوك. # نعم. إني أكره هذه الطائفة كرها لا تصفه الأقلام، فقد ضربت فيها وأهنت وتعذبت، وإن ذلك ~~الوحش الضاري الذي كان يقول إنه أبي كان يضربني دون ذنب، وقد أغرى كلبه بي فدعاه يعضني ~~عضا شوه يدي. # نعم. إني أكره هذه الطائفة والالتجاء إليها، وأكرهك أنت يا جان دي فرانس؛ لأني أعلم أنك ~~رئيس هذه الطائفة. ارجع أيها اللص. إلى الوراء أيها السفاك المتشرد؛ فإن هذه الثروة التي ~~تتمتع بها إنما هي من السرقة والآثام وسفك الدماء. # فكان جان يسمع حديثها وهو يبتسم، حتى إذا أتمته قال لها: احذري؛ فإني قادر أن أجعلك ~~تندمين. # قالت: اخرج من هنا أيها المتشرد؛ فإني لا أخافك. # ولكنه لبث واقفا مكانه، فهاج غضبها وأخذت سوطا كان على مقعد بجانبها فضربته به على ~~كتفه. # أما جان، فإنه لم يهجم عليها ويعصرها بين ذراعيه، بل إنه رجع خطوة إلى الوراء وقال لها ~~بصوت أجش: إنك ستبكين دما لهذه الضربة. إلى اللقاء يا توبسي. # ثم مشى إلى النافذة فوثب ms038 منها وتوارى عن الأنظار. # الفصل الرابع # | افتضاح السر # بعد ذلك بيومين، بينما كانت مس ألن جالسة في غرفتها دخلت إليها خادمة بعلبة متقنة الصنع ~~ومفتاحها فيها، فسألتها قائلة من أتى بهذه العلبة؟ # قالت: رجل لا أعرفه يا سيدتي، فقد أعطاني إياها وانصرف. # وكان يرد إليها أكثر الأحيان هدايا لا تعرف أصحابها، ولكنها كانت هدايا بسيطة خلافا ~~لهذه العلبة، فقد كانت من الذهب، وهي مرصعة بالحجارة الكريمة، فخطر لها في البدء أن ترسلها ~~إلى البوليس، ثم أرادت أن تعرف ما يوجد فيها، فأمرت الخادمة بالانصراف وفتحتها، فوجدت فيها ~~إكليلا من الماس موضوعا على وسادة من الحرير الأزرق وبجانبه ورقة مطوية، ففتحتها بيد ~~تضطرب وقرأت فيها جملة واحدة وهي: # من أراد قدر. # فمزقت الورقة مغضبة وقالت: وأنا أيضا أريد أن أعرف من هذا الفتى الوقح الذي أرسل إلي ~~هذه الهدية. # وقد أخذت تفحص تلك العلبة الجميلة فصاحت صيحة فرح؛ إذ قرأت عليها اسم الجوهري الذي باعها ~~وعنوانه، فأمرت بإعداد مركبتها، ثم أخذت العلبة وذهبت بها إلى الجوهري، فقالت له: ألم تخرج ~~هذه العلبة من مخزنك؟ # قال: نعم. # قالت: من الذي اشتراها منك؟ # فنظر في دفتره وقال: لقد اشتراها مني الجوهري ناثائيل ومخزنه في استراند نمرة 10. # فارتعشت حين ذكرت هذا الاسم؛ إذ ذكرت به اسم أبيها، ولكنها قالت في نفسها: أية علاقة لأبي ~~- وهو من اللصوص - بهذا الجوهري الغني الذي يقيم في أعظم شوارع لندرا، ثم ذهبت إليه ودخلت ~~إلى مخزنه، فاستقبلها فتى فقالت له: هل أنت الموسيو ناثائيل؟ # قال: كلا يا سيدتي، وسأدعوه لك. # وبعد هنيهة أقبل ناثائيل فارتعشت إذ عرفت به أباها، ولكنها أسرعت إلى ضبط نفسها؛ فإن ~~النساء أشد من الرجال في هذه المواقف. # أما أبوها، فإنه انحنى أمامها وقال لها: ماذا تأمرين يا سيدتي؟ قالت: لا شيء، ولكني أريد ~~أن أسألك عن هذه العلبة. # فبرقت عيناه؛ إذ عرف أنها بنته، وقد أدهشه جمالها حتى خيل له أنه يحلم، فقال: رباه ماذا ~~أرى؟ أأنت هي توبسي؟ إنك غدوت أجمل من ms039 الملكات. # فقالت له بلهجة ملؤها العظمة: إنك واهم، فما أنا هي التي تدعوها بهذا الاسم. # وقالت له خادمتها التي كانت تصحبها: أتجسر أيها الوقح أن تخاطب ابنة السير روبرت فالدن ~~بهذه اللهجة؟ # قال: إنها بنتي. ومتى كان الأب يجامل بنته؟ # ثم دنا منها، وحاول أن يعانقها؛ فتراجعت عنه بأنفة وقالت له: احذر أن تدنو مني. # قال: لقد قلت لك إنك بنتي، وسأثبت قولي بالبرهان. # وقد حاولت أن تخرج من ذلك المخزن، غير أن أباها تصدى لها عند العتبة، وجعل يتكلم بصوت ~~مرتفع، حتى احتشد الناس عند باب مخزنه؛ فخاطبهم قائلا: نعم نعم إنها بنتي. انظروا أيها ~~الناس، ألا ترون هذه السيدة الحسناء؟! إنها بنتي وقد سرقوها مني. # فتقدمت خادمتها، وحاولت أن تشق الزحام كي تدع سيدتها تمر، فاعترضها أحد الحضور، فدفعها ~~إلى داخل المخزن وقال لها: دعي هذا الرجل يتكلم. # وقال آخر: إنها بنته كما يقول، وقد سرقت منه. # فقال ناثائيل: نعم. إنها بنتي، وسأبرهن على ذلك. # فصاح الجميع قائلين: هلموا إلى البوليس. # فأشارت مس ألن إلى الحضور، وقالت: نعم سأذهب إلى البوليس وأثبت أن هذا الرجل منافق ~~محتال. # قال: بل أنت تكذبين. # قالت: أيها الناس، إني أدعى مس ألن فالدن، وأنا ابنة أخي السير روبرت فالدن، وقد ولدت في ~~لندرا. # وكانت تقول هذا القول بلهجة تدل على صدقها فانقسم الحضور إلى قسمين؛ قسم تشيع لها، وقسم ~~تشيع لأبيها. # وعند ذلك رأت أحد ضباط البحرية، فأشارت إليه أن يدنو منها وقالت له: أتريد يا سيدي أن ~~أتأبط ذراعك وتصحبني إلى إدارة البوليس؛ فإني ضحية مكيدة لا محالة. # قال: بملء الارتياح. ثم أخذ بذراعها وسار وإياها فتبعهما أبوها وجمهور من ~~المتفرجين. # وقد وصلوا إلى الإدارة، ودخلوا إلى مدير البوليس، فسمع قول الاثنين، ثم قال لناثائيل: كيف ~~تستطيع أن تثبت أنها تدعى توبسي وأنها بنتك؟ قال: بالبرهان. # قال: إني أتمنى لك أن تجد هذا البرهان؛ فإنك إذا أقنعتنا ردت بنتك إليك. وأما إذا لم ~~تقنعنا تكون أهنت سيدة من أشراف الإنكليز، فتعاقب ms040 حسب النظام بغرامة قدرها مائة جنيه، وتجلد ~~خمسين جلدة في مكان عام. # فارتعد وجعل العرق يسيل من وجهه، فقال له المدير: ألا تزال مصرا على دعواك؟ # فظهرت عليه علائم التردد، وقالت مس ألن: إذا أراد هذا الرجل أن يرجع عن دعواه فإني أغفر ~~له وألتمس من المدير أن يعفو عنه. # فهاج ناثائيل لما سمعه وقال: كلا. لا أرجع عن دعواي. # فقال له المدير: إذن هات برهانك. # قال: إني نوري الأصل، ومن عادة طائفتنا أنهم يسمون أبناءهم حين يولدون بعلامة خاصة ~~بهم. # قال: ما هي هذه العلامة؟ # قال: إنها رسم زاوية نرسمه على الكتف الأيسر ثم نسمه فلا يزول أثره مدى الحياة. # فقالت مس ألن تخاطب المدير: إنك إذا وعدتني يا سيدي بأن هذا الرجل يعاقب بأشد ما يقضي به ~~القانون رضيت أن أكشف عن كتفي. # قال: إن العقاب ينفذ فيه لا محالة إذا كان من الكاذبين. # فنادت إحدى النساء وأعطتها رداءها فجعلته شبه ستار بينها وبين الحاضرين، ثم كشفت عن صدرها ~~وخلعت أعلى ثوبها، فظهر كتفها أمام المدير وناثائيل وشاهدين. أما أبوها فقد جمد الدم في ~~عروقه؛ إذ لم ير على كتفها أثرا من هذه العلامة، وعاد المدير إلى مجلسه وهو يقول: إن هذا ~~الرجل منافق. # ثم أمر اثنين من رجاله فقبضا عليه وهو لا يكاد أن يعي من شدة خوفه. # وخرجت مس ألن، فلم تكد تتجاوز الباب حتى رأت رجلا بملابس البحارة، فعرفت من عينيه أنه ~~جان وقالت في نفسها: لقد عرفت الآن السبب في ما كان؛ فإنه أراد أن ينتقم لضربة السوط. # ثم مرت به وقد نظرت إليه نظرة المنتصر وعادت إلى منزلها. ~~••• # إن من عادة المحاكم الإنكيزية البطء في القضايا الكبرى والجنايات العظيمة، ولكنها لا ~~تتمهل في القضايا الصغرى، ولا سيما قضايا البوليس، وقد جرت على هذه القاعدة في محاكمة والد ~~مس ألن. # ثم إن السير روبرت راعه ذلك الخطر الذي كان محدقا بربيبته، وكان قد أعد عدته لاتقائه من ~~زمن بعيد فإنه حين اشترى توبسي من ms041 أبيها كان له بنت أخ يتيمة في الريف ماتت ولها عمر توبسي ~~فأخذ أوراق ولادتها وكتم أمر موتها في لندرا، وأوهم الناس أن توبسي هي بنت أخيه، فكانت تلك ~~الأوراق تثبت مدعاه. # ثم إنه كان يعرف رجلا من النور صناعته الوشم، وكان له عليه فضل، فأخذ منه دواء محا به ~~أثر الوشم عن كتف توبسي. # فلما علم بما جرى لها مع أبيها ذهب إلى مجلس العموم - أي مجلس النواب - وهو عضو فيه، فبسط ~~شكواه وقال: إن الأشراف بجملتهم قد أهينوا لإهانته، فكان ذلك باعثا إلى التعجيل بمقاضاة ~~ناثائيل فحاكموه، وحكم عليه القاضي بأقصى درجات العقوبة، وهي الغرامة والجلد في محل ~~عام. # فلما كان يوم التنفيذ ازدحم الناس في ساحة العقاب، وذهبت مس ألن على جوادها إلى تلك ~~الساحة قبل موعد التنفيذ بنصف ساعة. # وكانوا قد بسطوا النطع فوق دكة عالية، ووقف الجلاد عليها، فلما رأت هذا المنظر الرهيب ~~اصفر وجهها، ونسيت كل ما أساء إليها به أبوها في حداثتها. # ثم إن السير روبرت كان قد وعدها بأن يلتمس له العفو ولم يف بوعده، فجاءت إلى ساحة العقاب ~~على رجاء أن تلتمس له العفو بنفسها حين يأتي به الجنود. # وكان الناس يتقاطرون من كل جهة، وقد غصت بهم الساحة على رحبها، واشتد جزع مس ألن، فأرادت ~~أن تشغل نفسها، ورأت رجلا هنديا يعزف بالناي وامرأة هندية ترقص على عزفه، فدنت منهما كي ~~تتلهى بهذا المشهد، وسمعت المرأة تنشد أناشيد هندية وهي ترقص. # فكانت هذه المرأة بارعة في الجمال وهي ترقص رقصا عجيبا شغل مس ألن عما هي فيه. # أما الهندية فإنها ما زالت ترقص حتى أنهكها التعب، فجلست متربعة على الأرض على الطريقة ~~الشرقية، وأخذ الناس يلقون لها البنسات وغيرها من النقود الصغيرة. # ولكنها لم تكن تعبأ بشيء من ذلك، بل جعلت تنظر إلى السماء وقد شخصت إليها بحيث باتت شبه ~~المأخوذة، وجعلت تتحدث باللغة الإنكليزية كأنها تناجي نفسها فتقول: أنا دابي ناتا ابنة ~~الكهنة وحارسة كنز الإله سيوا، وأنا التي ms042 حكموا علي أن أعيش كل عمري في جوف الأرض لحراسة ~~الكنز وإنارته بالنيران المقدسة، وأي كنز هو؟ فإن الذهب كان متكدسا كحب الرمال واللآلئ ، ~~كأعشاب الحقول، فكنت أحرس هذا الكنز وأقول: أقدر لعيني أن لا ترى نور الشمس ولقلبي أن لا ~~يعرف الحب. وفيما أنا على ذلك تجاسر رجل من الجنس الأبيض على الدخول إلي ومحادثتي ~~بكلمات الحب. # فوضع رفيقها الهندي يده على كتفها يحاول منعها عن الكلام، ولكن مس ألن أعطته جنيهين، ~~وأمرته أن يدعها تتكلم، فمضت في حديثها فقالت: إنه كان جميلا، وكنت أحبه، ولكن هذا الرجل ~~كان خائنا؛ فإنه لم يكن يريد حبي، بل كان يريد اختلاس كنز الإله سيوا. # فقالت لها مس ألن: وماذا فعل هذا الرجل؟ أسرق الكنز؟ # قالت: نعم. ~~- كيف كان هذا الرجل؟ ~~- إني حين عرفته كان لا يزال غلاما؛ فإن هذه الحادثة جرت منذ سبعة عشر عاما. ~~- أحق ما تقولين؟ ~~- نعم. فقد كانت عيناه تبرقان كالنجوم، وشفتاه كالقرمز، وأسنانه بيضاء كاللآلئ، وشعره أشد ~~سوادا من الفحم. ~~- أكنت تحبينه؟ ~~- نعم بقدر ما أبغضه الآن؛ فإني ما اجتزت البحار وما برحت بلاد الشمس إلى بلاد الظلام إلا ~~لعلمي أنه في أوربا، ولكن أوربا كبيرة؛ ولذلك فإني أبحث عنه منذ عشرة أعوام دون أن ~~أراه. # وكانت مس ألن تسمع حديثها وقد خامرها ريب بسارق الكنز، وخطر لها خاطر بشأنه، فقالت لها: ~~ماذا تصنعين إذا وجدته؟ # فجردت الهندية خنجرا وقالت: إني طليت رأس هذا الخنجر بالسم، فمن أصيب به لا ~~يشفى. ~~- أين تقيمين في لندرا؟ # فذهلت الهندية وقالت لها: لماذا تسألينني هذا السؤال؟ ~~- لأني أظن بأني عرفت السارق. # فنهضت الهندية مسرعة، وأمسكت بلجام جواد مس ألن وقالت لها: بربك دليني عليه، ودعيني أراه ~~لحظة واحدة أكن عبدة لك ما حييت، وإذا أردت قتلي بعد ذلك فقد وهبتك دمي. ~~- قولي أين تقيمين؟ ~~- في فندق القرن الذهبي في وينغ. ~~- حسنا فسأراك. # وقد حاولت مس ألن أن تنصرف، ولكن الهندية حانت منها التفاتة إلى الناس المزدحمين فصاحت ~~صيحة منكرة وقالت ms043 لمس ألن: انظري إلى هذا الرجل فإن له نظراته. # وقد دلتها على رجل كان يشق الزحام ويسير إلى مكان النطع، فرأت مس ألن رجلا بملابس ~~البحارة، وهو الرجل نفسه الذي رأته يوم خروجها من إدارة البوليس، فقالت في نفسها: إني لم ~~أكن مخطئة بظنوني؛ فإنه جان دي فرانس. # ثم همست في أذن الهندية قائلة: هذا هو بعينه، وقد عرفته حق العرفان. # فتركتها وهجمت تريد الوصول إليه فمنعتها شدة الزحام عن أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ~~فجعلت تصيح قائلة: دعوني أمر؛ فهذا هو سارق الكنز. # ولم يكترث الناس لصياحها؛ إذ حسبوها مجنونة، ولبثوا شاخصين إلى النطع، فصاحت مس ألن صيحة ~~رعب، وغطت وجهها بيديها، ولم تستطع أن تتقدم خطوة؛ فقد تلاصق الناس حتى باتوا كالبنيان ~~المرصوص. # أما ناثائيل فقد جردوه من ملابسه العليا بحيث أصبح عاري الظهر، وربطوه إلى عمود، وأخذ ~~الجلاد السوط، وانهال عليه بالجلد، فصاح في الجلدة الأولى، وأن في الثانية، واهتز في ~~الثالثة حتى أوشك أن يكسر العمود، وفي العاشر تمزق جلده وسالت منه الدماء، فكان يصيح ~~صياحا يقطع القلوب من الإشفاق. # وكانت كل ضربة تنفذ إلى قلب مس ألن نفاذ السهم؛ فقد نسيت كل شيء في تلك الساعة الرهيبة، ~~ولم تعد تذكر إلا أن هذا الرجل الذي يتعذب إنما هو أبوها. # وفي الجلدة العشرين انقطع صياحه، وعاد إلى الأنين، وفي الثلاثين أغمي عليه، وانقلب رأسه ~~إلى كتفه؛ فأمر المدير بالكف عن الجلد، ولم تعد مس ألن تستطيع الوقوف، فأقفلت بجوادها راجعة ~~إلى جهة التيمس. # وقد نشقوا ناثائيل من المنبهات وعالجوا صدغيه بالخل حتى استفاق؛ فعاد الجلاد إلى ضربه ~~فأغمي عليه مرة ثانية؛ فأمر المدير بمواصلة الضرب إذ لم يكن باقيا غير عشر جلدات. # فلما جلد آخر جلدة استفاق من إغمائه، وحلوا وثاقه فضم قبضتيه، وهدد بها الناس كأنهم هم ~~الذين جلدوه؛ فهاج ثائرهم ونقموا عليه؛ لأنه لم يكن من عامة الشعب، بل كان معدودا من ~~الأغنياء. # فلما أمره المدير أن يذهب إلى منزله ورأى ~~ما كان ms044 من هياج الناس خاف منهم أكثر مما خاف من السياط، وخشي أن يجهزوا عليه على الطريقة ~~الأميركية، فركع أمام المدير وقال له: أرجوك أن تأمر بإرجاعي إلى السجن. # قال: كلا. فإن ذلك غير ممكن. # وقد تركه الجلاد ونزل عن الدكة، وتجمهر الناس حوله كالذئاب ينتظرون الفريسة، وعند ذلك سمع ~~صوت يقول: أفسحوا أفسحوا. # فصاح ناثائيل صيحة فرح؛ إذ رأى رجال قبيلته أقبلوا لنجدته وبينهم شمشون وجان. # فكان جان يحمل فأسا طويلا فكان يلوح به والناس يبتعدون عنه إلى أن حمل شمشون ناثائيل ~~إلى مركبة كانت تنتظر، فوضعه فيها وصعد إليها مع جان، فسارت بهم، وقال جان لناثائيل: لا ~~تجزع فسأنتقم لك. # وفي ذلك اليوم تنكرت مس ألن بزي صبيان البحارة، وذهبت إلى فندق القرن الذهبي، فجاءت ~~بالهندية فأرشدتها إلى منزل جان، وقالت لها: هذا هو منزل سارق الكنز، وهو قوي شديد فلا ~~تهاجميه مهاجمة؛ فإنك لا تقوين عليه، بل اكمني له كي تغتاليه اغتيالا. # قالت: ذلك من شأني، وإني لا أرجع عما قيدت به نفسي، فسأكون لك عبدة متى ظفرت بهذا ~~الأثيم. # فانصرفت مس ألن وهي واثقة من فوز الهندية؛ فقد علمت أنها مجنونة وأن جنونها مقصور على ~~الانتقام من ذلك الذي عبث بقلبها وسرق كنز إلهها. ~~••• # كان الإنكليز في ذلك العهد أصحاب السيادة على قسم عظيم من البلاد الأمريكية قبل تحريرها ~~واستقلالها. # وكان الأمريكيون قد كثر تمردهم واستفحل أمرهم، وثاروا على الإنكليز ثورتهم الكبرى، فلم ~~يجدوا بدا من إرسال قوة إلى تلك البلاد لقمع ثورتهم. # وكان الملك قد انتدب المركيز روجر لهذه المهمة، فتأهب للرحيل، وأعدت الدولة السفن لنقل ~~الجند، فسافر المركيز في طليعة جيش كثيف وصحبه ليونيل أخوه والسير جيمس ابن عمه. # وقد علم جان أن السير جيمس لم يتطوع في فرقة ابن عمه المركيز إلا على نية اغتياله؛ فإنه ~~كان قد اعتزل الجندية لجبنه، فخاف جان على المركيز خوفا شديدا، وجمع أربعين من رجاله ~~الأشداء، وأخبرهم بعزمه على اللحاق بالمركيز إلى أميركا، فوافقوه على رأيه، وأمرهم أن ms045 ~~يذهبوا إلى باخرة كان قد استأجرها، فذهبوا إليها وبقي هو في المنزل مع شمشون لإعداد بعض ~~المعدات. # حتى إذا فرغ من معداته خرج وفي أثره شمشون كي يذهبا إلى السفينة، ولكنه لم يتجاوز عتبة ~~الباب حتى شعر بطعنة في بطنه، وسمع صوتا يقول: هذه يد الإله سيوا التي طعنتك أيها ~~الأثيم. # وقد سقط جان بين يدي شمشون وهو يقول: إني أخاف أن يكون الجرح قاتلا فأسرع بي إلى ~~السفينة؛ فإني أريد إصدار بعض الأوامر. # وكانت التي طعنته هذه الطعنة الهندية نفسها، ولم يتمكن شمشون من إدراكها لانشغاله بجان، ~~فحمل سيده إلى السفينة، وأركنت الهندية إلى الفرار تصحبها مس ألن، وهي متنكرة بشكل غلام ~~بحار. # وقد عادت مس ألن وهي تتنهد تنهد الارتياح لوثوقها من موت جان، ولكن الخنجر لم يكن ~~مسموما كما توهمت، وقد عالج جرحه في السفينة فشفي قبل أن يصل إلى أميركا. ~~••• # ولا نصف هنا ما كان من تلك الحرب الهائلة التي نشبت بين الإنكليز والأميركان، ولكنا نقول ~~على سبيل الإيجاز إنها دامت ستة أشهر، وإن السير جيمس كاد لابن عمه المركيز عشر مرات، وكان ~~- في كل مرة يتوهم أنه فاز بقصده - يرد كيده إلى نحره؛ فإن عين جان لم تكن تغفل عن المركيز ~~إلى أن افتضح أمر السير جيمس، وعرف المركيز ذلك العدو الذي يكيد له في الظلام، فاكتفى ~~بتحقيره أمام الضباط أو بطرده من الجيش وبإرسال تقرير ضاف عنه إلى الوزارة. # غير أن كل ذلك لم يرجع السير جيمس عن قصده الهائل، بل زاده حقدا على ابن عمه؛ فانضم ~~إلى جيش العدو. # وكان يعرف منافذ القلعة التي كان المركيز يحاصر فيها، فاتفق مع أحد ضباط العدو على أن ~~يدخلا إلى القلعة من ذلك المنفذ السري لينسفا بابها الأكبر من الداخل. # وقد اكتشف جان هذه المكيدة في آخر لحظة، ودخل السير جيمس إلى القلعة، وكاد يبلغ مراده من ~~نسفها؛ فباغته مع المركيز وهو في ردهة مشرفة على البحر؛ فألقى بنفسه من فوق تلك الردهة من ~~علو شاهق ms046 إلى البحر، وأطلق الاثنان عليه نارهما فلم يعلما إذا كانا قد أصاباه لشدة ~~الظلام. # ولكنهما أتيا بمشعل وأطلا من الردهة فرأيا قاربا يسير مسرعا إلى جهة الأعداء، فلم ~~يتبينا من فيه، فنزلا إلى البحر وبحثا فلم يجدا أثر الجثة. # وقد انقضت هذه الحرب بانتصار الإنكليز، وعاد المركيز بجيشه إلى لندرا، فجرى له استقبال ~~حافل، وازدحم الناس يوم الاحتفال، وكان بين الجموع مركبة فيها سيدتان، وهما اللادي سيسل ~~امرأة اللورد إسبرتهون وأم ليونيل - وهي تعتقد أيضا أنها أم المركيز - والثانية مس ~~ألن. # وكان اللادي قد أتت لترى ولديها، غير أن الزحام كان شديدا بحيث لم تستطع المركبة أن ~~تتقدم، فقالت اللادي لمس ألن: أرى أنه خير لنا أن نسير ماشيتين. # قالت: كلا يا سيدتي؛ فإني أخاف عليك من الزحام، وفوق ذلك فإن الموكب سيمر من هنا؛ فإذا ~~وقفنا في المركبة رأينا من نريد أن نراهم. # وعند ذلك سمع صوت قرع الطبول مؤذنة بوصول الموكب، ودنت امرأة من المركبة فقالت لللادي: ~~إنك إذا كنت أما يا سيدتي فأشفقي علي فإني أم، واسمحي لي أن أصعد إلى مركبتك عساي أن ~~أرى ولدي بين القادمين. # فمدت اللادي يدها إليها فأعانتها على الصعود، وقالت لها: إنك لا بد أن تكوني بكيت كثيرا، ~~ولكنك سترين ولدك فإنه سيعود. أليس كذلك؟ # فارتعدت المرأة وقالت: نعم أيتها اللادي. # فهمست اللادي في أذن مس ألن قائلة: إنها لا شك أم جندي بسيط. # ولكن مس ألن لم تجبها، بل جعلت تنظر إلى تلك المرأة محدقة ثم تاهت في مهامه التفكير ~~كأنها تريد إزالة النقاب عن تذكار بعيد. # وعادت اللادي فقالت للمرأة: إنك ستجدين من الهناء حين تضمينه إلى صدرك ما ينسيك ما لقيته ~~من الشقاء أيام فراقه. # فلم تجبها المرأة، بل سالت دموعها، ثم جعلت تشهق بالبكاء. # وعند ذلك ضج الناس وعلت أصواتهم قائلين: هو ذا الموكب. # فوقف النسوة الثلاث في المركبة ومر بهن الموكب؛ فمر في طليعته على قيد عشرين خطوة منه ~~فارس يحمل راية جعلها الرصاص شبه منخل ms047 واسودت من الدخان. # ثم ظهر الكولونيل روجر؛ فسار أمام الجيش وهو يبتسم وقد جرد حسامه وجعل يحيي الناس فيهتفون ~~له هتافا يخرج من أفواههم كهزيم الرعود؛ فإن هذا القائد الجميل الذي قاد جيشا برمته لم ~~يتجاوز عشرين عاما. # فلما رأته تلك المرأة المجهولة صاحت قائلة: يا لله ما أجملك. # ثم سقطت مغمى عليها في المركبة. # وعند ذلك أسرع رجل فاختطف المرأة من المركبة وسار بها وهو يقول: لقد فضحت أمرك، فما هذا ~~الذي فعلته؟ # أما مس ألن فإنها رأت ذلك الرجل فاتسعت حدقتاها من الانذهال وقالت: إنه هو بعينه، وكنت ~~أحسبه من الأموات. # ثم أمسكت بذراع اللادي وقالت لها: أتعلمين من هي هذه المرأة؟ # قالت: كلا. # قالت: إنها أم المركيز روجر دي إسبرتهون؛ فقد وثقت الآن أتم الوثوق. # أما المركيز فقد كان يسير وإلى جانبه ليونيل؛ فلما وصلا إلى المركبة صاح ليونيل قائلا: ~~إنهما ... # فقال المركيز: من هما؟ # وقد التفت فرأى مس ألن، فقال له: ليونيل إنها أمي وخطيبتي. # فاضطرب المركيز اضطرابا عنيفا وقال: ماذا تقول؟ إن الفتاة التي تحبها هي ... # قال: هي مس ألن. # فتوهجت عينا المركيز وغلى الدم النوري في عروقه، ونسي أنه كان يحب ليونيل شبه أخيه، ~~فقال له بلهجة ملؤها الحقد: أأنت تحب مس ألن ... حسنا وأنا أحبها أيضا. ~~••• # ولنعد الآن إلى جان؛ فإنه اختطف أخته سينتيا وسار مسرعا في مركبته إلى منزله. # وهناك عالجها حتى استفاقت فقال لها بصوت يتهدج من الحنو: ما هذا الذي فعلته يا أختي؟ ~~أتريدين إهلاك ولدك ونحن قد سفكنا دمنا في سبيله؟! إننا ذهبنا أربعين رجلا في خدمته فعدنا ~~ونحن لا نتجاوز أربعة عشر. # قالت: أواه يا أخي! إن عذابي شديد لا يدركه غير الأمهات؛ فإني ألقى أشد العذاب منذ ثمانية ~~عشر عاما. أيكون لي ولد ولا يحق لي أن أراه وأقيم وإياه، بل لا يحق لي أن أقول له إنك ~~ولدي. إنك لو أصبت بمثل نكبتي لأشفقت ~~علي. ~~- ولكن تمعني يا أختي، فماذا كان مصير ولدك لو بقي بجانبك ms048 أما كان نوريا فقيرا معدما ~~مثلنا؛ فإني لولا طمعي بمرقاته لما تجاسرت على سرقة الكنز. # وهو بدلا من أن يكون شقيا شريدا أصبح غنيا شريفا وقائدا كبيرا ولوردا في مجلس ~~الأعيان، وهو سيتزوج أشرف فتاة من الإنكليز، ويوقع الملك بخط يده على صك زواجه، وفي هذا ~~المساء سيدعوه الملك إلى تقبيل يده ويتعشى وإياه على مائدة واحدة، فإلى أي مكان تريدين أن ~~يرتقي بعد هذا الارتقاء؟! # فلم تجبه، واستمرت في بكائها، فقال لها: أتريدين الآن أن يقذفوا به من قمة المجد التي ~~رفعناه إليها، فيسقط إلى حضيض الذل والهوان ويطردونه كما يطردون الخدم، فيقولون له: إنك لست ~~المركيز روجر دي إسبرتهون، ولست ابن حاكم الهند الشرعي، بل أنت أميري النوري اللقيط الذي ~~قضي على أهله أن يضربوا في الأرض أذلاء متشردين؟ ألا تعلمين أيتها المنكودة من هي هذه ~~الفتاة التي كنت وإياها في المركبة؟ # قالت: كلا. # قال: إنها ألد أعدائنا فهي مس ألن ربيبة السير روبرت، أي توبسي ابنة ناثائيل. أفهمت ~~الآن؟ # فأطرقت برأسها ولم تجب، فقال لها: لا أنكر أنك تتألمين لفراق ولدك، لكنك تتنعمين بفوزه ~~الباهر واسمه الشريف، وإني أريد أن أزيد نعيمه فأزوجه بأشرف فتيات المملكة، ويكون له من ~~السعادة ما لا ينال بالأماني والأحلام. # قالت: إني سأفعل ما تريده يا أخي. أتريد أن أبرح إنكلترا وأنفي نفسي في سبيل مجد ~~ولدي؟ # قال: كلا. إني لا أسألك هذه التضحية. وكل ما أريده منك هو أن لا تعرضي نفسك للافتضاح ~~كما فعلت اليوم. # قالت: سيكون ما تريد. # قال: وإني أريد أيضا أن تقسمي لي أنهم إذا أكرهوك على الاعتراف بأن روجر دي إسبرتهون هو ~~ولدك أن تتشجعي وتقولي كلا. # قالت: سأنكره إذا سألوني. # قال: إني أشعر بقلبي كأنه يكاد أن يخرج من صدري لسروره حين أفتكر بأن طائفتنا التي ~~يحتقرها أولئك المتعجرفون منذ ستمائة عام أصبح لنا واحد منها يجلس في مجالسهم ويشاركهم في ~~أحكامهم، ويأتي بأعقاب يفعلون فعله من بعده وأن كل هذا من صنعي. # وفيما هو ms049 يقول هذا القول خطرت له مس ألن، فبرقت عيناه بشعاع من الحقد وقال: إني سأسحق هذه ~~الفتاة كما يسحقون إناء الزجاج. # ثم التفت إلى شمشون وقال له: هل وجدت الطبيب بولتون؟ # قال: نعم يا سيدي، ولكن بعد العناء الشديد، وسيزورك عند الظهر. ~~- هل عرفك؟ ~~- كلا. ~~- هل عرف أني متنكر باسم الناباب عثمان؟ ~~- كلا، ولكنه ذكر أنه رآك مرة خارجا من قصر المركيز روجر. ~~- إذن؛ فهو لا يعرف لماذا دعوته إلي. ~~- إنه يتوهم بأنك مريض. # وعند ذلك سمع قرع الباب الخارجي فقال لأخته: إن الطارق هو الطبيب لا محالة، فدعيني أخلو ~~به لأني أريد محادثته في شئون خطيرة. # فخرجت، وبعد هنيهة دخل الطبيب بولتون فقال له: إنك دعوتني إليك يا سيدي فمم ~~تشكو؟ # قال: لا أشكو شيئا، ولكن أريد محادثتك فإنك أقمت مدة طويلة في الهند. ~~- اثني عشر عاما. ~~- وكنت فيها طبيب اللورد إسبرتهون الخاص. وقد اتفق في ليلة أنك ذهبت إلى مضارب النور ~~وأخذت منهم غلاما. ~~- كلا. إن ذلك لم يكن. وأي شأن لي بالغلمان؟ # فابتسم جان وقال: يسرني أن تكون كتوما، ولكنك لا تستطيع كتمان هذا السر عني، فانظر ~~إلي. ألم تعرفني؟! فنظر إليه محدقا وقال: كلا. # قال: إذا كنت لا تذكر أنك أخذت ذلك الغلام، فإنك تذكر دون شك فتى جرحه أحد النور في كتفه ~~وعالجته. # وكان الطبيب لا يزال شاخصا إلى جان، فلما سمع هذا القول الأخير قال له: ألعلك جان دي ~~فرانس؟ # قال: نعم. أنا هو. # قال: أنت ... أنت. # فخلع جان ملابسه العليا وكشف عن كتفه فإن أثر الجرح كان لا يزال ~~باقيا. # فقال الطبيب: كفى كفى. فقد عرفتك حق العرفان. # قال: إني سأقص عليك في غير هذا المقام قصتي التي تشبه القصص الخرافية لغرابتها. وأما الآن ~~فإني أريد أن أحدثك بشأنه. ~~- ألا تعلم أنه عاد إلى لندرا؟ ~~- كيف لا أعلم وأنا لم أفارقه لحظة، فأنا الذي أنقذته من الدب، وأنا الذي أنقذته عشر مرات ~~من كيد ابن عمه هنا وفي أمريكا. ~~- إذن فهو عارف بكل ms050 شيء. ~~- بل إنه لا يعرف شيئا، وهو يعتقد أنه ابن اللورد إسبرتهون الشرعي، ولكن أعداءنا لم ~~يموتوا كلهم، ولا يزال يوجد أثر هائل يفضح سرنا، وهو أن روجر موشوم بكتفه كسائر أبناء ~~طائفتنا. ~~- ولكن هذا الوشم لا يزول. ~~- بل إنه يزول بدليل أن مس ألن قد أزالته، فاعلم أنه يوجد عندي سائل يعالجون به أثر الوشم ~~أسبوعا فيزول، وهو عندي من عهد قديم فأخاف أن يكون قد فسد. ~~- إني أمتحنه عندي فأعلم فساده من صلاحه، بقي أن تجد طريقة لمعالجة المركيز به، وكيف نعلل ~~له وجود هذا الوشم على كتفه. ~~- إني سأقص عليك حكاية ترويها له، والآن فخذ هذا السائل وافحصه فمتى تبين لك أمره عد ~~إلي أخبرك بما يجب أن تفعل. # فأخذ الطبيب الزجاجة وانصرف، ونادى جان شمشون فقال له: هل استأجرت المنزل الذي كنت أوصيتك ~~أن تستأجره لأختي؟ # قال: نعم. # فدخل جان إلى أخته وقال لها: لا يجب أن تقيمي الآن هنا، فإني أخشى أن يكونوا عرفوك ~~فيتخذونك سلاحا ضد ولدك، وقد استأجرت لك منزلا تقيمين فيه مع ابنة عمي اليبسي، فأزورك كل ~~يوم متنكرا ولا يعلم أحد أين تقيمين. # ثم نادى شمشون فأمره أن يذهب بأخته إلى ذلك المنزل، وبعد ساعة لبس خير ما عنده من الملابس ~~وذهب إلى نادي الحسان. # الفصل الخامس # | دهاء النورية # كان من نظام نادي الحسان الذي ذهب إليه جان أن لا يكون أعضاؤه إلا من صباح الوجوه ومن ~~أشراف الفتيان. # وكان المركيز روجر من أعضائه؛ فأعد له أعضاء النادي حفلة تكريم بمناسبة عودته ~~وانتصاره. # غير أن المركيز كان منقبض الصدر لما علمه من مزاحمة ليونيل له في حبه، فذهب إلى النادي، ~~وبعد انقضاء الحفلة قاموا إلى موائد اللعب، وعرض أحد أعضاء النادي على المركيز أن يلاعبه؛ ~~فرضي بشرط أن يلعبا على مقادير كثيرة؛ فإنه أراد أن يشغل نفسه بالمقامرة عما هو فيه. # ولم يكن لديه في محفظته غير ألف جنيه أوراقا مالية فخسرها بمدة وجيزة، ثم لاعبه مالدن ~~فخسر كل ثروته، ثم ms051 لاعبه على قصر من قصوره فخسره أيضا. # وهنا امتنعا عن اللعب وقد اسودت الدنيا في عيني المركيز؛ إذ خسر كل ثروته، وحاول أن يخرج ~~من النادي، ولكن عثمان تصدى له فأدخله إلى قاعة معتزلة وقال له: انتظرني هنا إلى أن أعود ~~إليك. # ثم ذهب إلى خصمه في المقامرة وقال له: إن المركيز يريد أن يتنازل لك عن القصر الذي كسبته ~~منه، فتعال معي كي نكتب لك صك التنازل. # فدخل الرجل وهو لا يعلم ما يضمر له جان، فأقفل جان الباب من الداخل، وأشار إلى الرجل أن ~~يجلس أمامه، ثم أخذ من جيبه دفتر حوالات فكتب حوالة بخمسين ألف جنيه على أحد المصارف ~~الكبرى، وقال له: إني أريد أن آخذ بثأر صديقي المركيز، فهل لك أن تلاعبني على المبلغ الذي ~~كسبته منه؟ # قال: حبا وكرامة. # ثم أخرج من جيبه علبة سعوط، وأخذ منها شيئا ووضعها أمامه، فمد جان يده فأخذها وأراها ~~للمركيز فقال: انظر إلى هذه العلبة الجميلة فإن فيها سرا دقيقا لا يعرفها إلا أنا وخصمك، ~~وهو أنه كان يضعها بين يديه حين يعطيك الورق ويضغط على هذه اللؤلؤة الكائنة في وسط العلبة ~~فتمثل محلها مرآة مسطحة ينظر إليها وهو يعطيك الورق فيرى ورقك إذ ينطبع رسمه عليها. # فاصفر وجه الرجل وقال: إني لا أستخدمها ولا هي تستخدم لمثل هذا الغرض. # قال: ربما كنت مخطئا، فهلم نلعب. # وقد أخذ جان الورق فخلطه ثم أعطاه ورقا، وأخذ لنفسه والعلبة بين يديه؛ فربح كل ما خسره ~~المركيز. # وهنا غضب الرجل وقال: إنك تسرقني. # قال: نعم. إني سرقتك كما أنت سرقت المركيز، وكما كنت تسرق الناس منذ ثلاثة أعوام بهذه ~~الحيلة الشائنة. # والآن. فإني آمرك بالخروج من النادي وأن لا تعود إليه إلا إذا كنت تؤثر أن تبيت في ~~السجن. # وقد أخذ من أمامه الأوراق المالية التي كسبها من المركيز فاصفر وجه الرجل حتى صار ~~كالأموات، وقال له: ولكن رد لي علبتي على الأقل. # قال: كلا. بل أبقيها عندي تذكارا منك، وخذ هذا ms052 الخاتم بدلا منها فهو يساوي ضعف ~~ثمنها. # فأخذه الرجل وانصرف مسرعا خوف الفضيحة. # وكان الماركيز ينظر إليهما وهو شبه المأخوذ، فلما انصرف الرجل قال لجان: من أنت؟ فهل ~~أرسلك الله إلي لتقيني مما يحدق بي من الأخطار؟ # قال: إني أصدق الناس في خدمتك. ~~- بل إنك مثال الصداقة وآية الإخلاص. # قال له بصوت يتهدج: هل تحبني؟ # فعانقه عناقا طويلا وقال له: إني أحبك كما يحب الأخ أخاه. أما وقد وثقت الآن من حبي فقل ~~لي من أنت. # قال: لا تسألني كشف سر لا أريد الإباحة به، فثق بي واعلم أني ساهر عليك. ~~••• # في ذلك اليوم كان السير روبرت فالدن في منزله مع ربيبته مس ألن واللادي سيسل والدة ~~ليونيل؛ فقد كانوا ينتظرونه. # وكان السير روبرت مطرقا يفكر، ثم وقف فقال في نفسه: لا بد من النهاية. وقال لربيبته: ~~تعالي معي يا ابنتي إلى غرفتي؛ فإني أريد مباحثتك في بعض الشئون. # وقد تبعته فأقفل باب الغرفة وبدأ معها الحديث فقال: إنك بلغت الحادية والعشرين من عمرك يا ~~ابنتي، وشهد الله أني أحببتك ولا أزال أحبك كأنك ابنتي، ولذلك لا أجد الآن بدا من أن ~~أطلعك على أسرار لا يجمل إخفاؤها عنك بعد أن بلغت سن الرشاد. # قالت: ثق إني سأحتفظ بهذه الأسرار. # قال: إنه منذ سبعة عشر عاما جاءت المركيزة دي إسبرتهون، أي اللادي سيسل تسألني أن أسديها ~~نصيحة، فإنها افترقت عن زوجها وهي في عنفوان شبابها فتعين زوجها حاكما للهند وذهبت هي إلى ~~إيكوسيا، فاختبأت فيها هربا من غيرة زوجها وعنفه. # وكان لها ولدان بقي الكبير عند أبيه والثاني عندها، فأوهمت زوجها وهي بعيدة عنه أن هذا ~~الولد قد مات؛ إذ كانت تخشى أن يأخذه منها يوما على سبيل الانتقام؛ لأنه مات منذ ثلاثة ~~أعوام وهو يعتقد أن ذلك الولد لم يكن من دمه، والله يشهد أن امرأته كانت من أعف النساء ~~وأشرف الزوجات. # فتكلفت مس ألن الدهشة وقالت: كيف ذلك أللمركيز روجر أخ؟ ~~- نعم يا ابنتي. ~~- وهو يجهل ذلك؟ ~~- نعم. ms053 ~~- أين هذا الأخ؟ ومن هو؟ ~~- هو الذي سيزورنا بعد ساعة؛ فإن اللادي سيسل كتمت نسبه حتى عنه. ~~- رباه ماذا أسمع أهو ليونيل؟ ~~- نعم. إنه ليونيل. هو أخو المركيز روجر. ~~- ولكن اللورد إسبرتهون مات منذ ثلاثة أعوام، ولم تعد اللادي سيسل تخاف عنفه، فلماذا لم ~~تظهر أمرها، ولماذا لم تذهب إلى ولدها البكر؟ ~~- أنا الذي أخبرتها بموت زوجها، وكنت أعتقد ساعتئذ أنها ستذهب من فورها إلى قصر إسبرتهون، ~~ولكنني كنت واهما؛ فإنها قالت لي: إن شرائع أشراف الإنكليز شديدة العنف، فهي تمنح كل أموال ~~العائلة وامتيازاتها للابن البكر وتحرم سائر إخوته من كل حق، وهذا هو السبب من تمكن الحقد ~~من أبناء الأسرات الشريفة. ألا تذكر ما كان بين السير جاك وبين أخيه زوجي؟ # أما ولدي ليونيل، فهو يعتقد أنه ابن ضابط لا ثروة له، ومع ذلك فهو سعيد. أتحسب أنه يكون ~~سعيدا حين يعلم حقيقة نسبه ويرى نفسه محروما من كل حق؟ # فقلت لها: وابنك البكر الذي لم يعرف أمه؟ # قالت: يكفيني أنه سعيد. وإني لا أضيف شيئا إلى هنائه إذا عرفته بنفسي وبأخيه، وفوق ذلك ~~فلا شك أن أباه علمه أن يحتقرني. # وقد رأيت أنها مصيبة فيما ارتأته؛ فإنها قد تبذر بذور العداء بين الأخوين، وهما سعيدان، ~~فوافقتها على رأيها. # وتوالت الأعوام إلى أن شببت وشب ليونيل؛ فرعبت يوما إذ رأيت أنه يحبك. # ورجائي يا ابنتي أن لا تؤاخذيني لقول ينكره قلبي وتفضي بقوله واجباتي، وهو أن الأشراف ~~عندنا متضامنون متساوون لا فرق بين الشفاليه والدوق في هذا التضامن، وإني قد وهبتك قلبي ~~وثروتي، ودعوتك ابنة أخي، ولكن ضميري كان يؤنبني ويقول: أيمكن أن تأذن لتوبسي النورية ~~بالزواج من نبيل وأنت من النبلاء دون أن تكون من المذنبين؟ # ولذلك ذهبت إلى اللادي سيسل فاعترفت لها بالحقيقة؛ فابتسمت إلي وقالت: إنك قد تكون ~~مصيبا لو كان ليونيل سيعرف يوما أنه ابن اللورد إسبرتهون، ولكنه سيجهل سر مولده مدى حياته ~~ويعتقد أنه ابن ضابط فقير؛ فإذا كان ذلك فلماذا نحول دون ms054 سعادته وهو يحبها؟ # فأقنعتني حجتها، وبدأت أعود نفسي على أن أراك يوما زوجة ليونيل. # إلى أن جاء يوم خيل لي فيه أني اكتشفت سر قلبك، وعلمت أنك لا تحبين ليونيل بل المركيز ~~روجر. # فتنهدت مس ألن تنهدا طويلا، وأخذ يدها برفق فقال لها: أصغي إلي يا ابنتي؛ فإنك ما زلت ~~لا تحبين ليونيل؛ فإن التضحية التي سألتك إياها ليست عظيمة، وهي أنه يجب عليك أن تبعدي عنك ~~ليونيل وتعينيه على شقائه. # قالت: ولكنك دعوتني إلى أن أفتكر بأني سأكون امرأته. ~~- هو ذاك يا ابنتي، غير أن ذلك حدث حين كنت أتوهم أن ليونيل سيجهل سر مولده مدى ~~حياته. ~~- ألعله علمه؟ # فأجابها بلهجة تدل على أنه يكتم سرا، فقال: إنه قد يعلمه، وقد يجيء يوم يرد فيه المركيز ~~ثروته وأتعابه إلى ليونيل، وذلك يسهل عقد زواجك بروجر الذي تحبينه. # قالت: إذا كان ذلك، فثق أنه لا يمضي شهر حتى يصبح ليونيل لا يفتكر بي. # وبعد هنيهة خلت مس ألن في غرفتها، وكتبت إلى ليونيل ما يأتي: # إنك إذا كنت تحبني حقيقة أيها الحبيب وكان هذا الفراق لم ينسك من تحب فافعل ما ~~أطلبه إليك. # إننا سنجتمع بحضور أمك وعمي، وستجد مني فتورا في مقابلتك لم تتعوده، فلا تحزن ~~فإني أحبك، ولكن هناك أسبابا تقضي علي أن أتكلف هذا الفتور حرصا على ~~هنائنا. # ورجائي أن تكون هذه الكلمة كافية لاطمئنانك؛ فإني أحبك بملء جوارحي، وستقف قريبا ~~على الحقيقة. # ألن 2م # وقد أرسلت هذه الرسالة مع خادم إلى الثكنة التي يقيم فيها ليونيل، وعادت إلى غرفتها وهي ~~تقول: لا بد لواحد منهما أن يكون زوجي، ولكني لا أتزوج إلا من كان منهما مركيزا. مسكين عمي ~~فقد توهم أني أحب ... # ثم وضعت رأسها بين يديها، وخاضت في عباب التأملات، كأنها قائد يضع خطة معركة. ~~••• # بينما كانت هذه الحوادث تجري كان الملك قد فرغ من استعراض فرقة المركيز، فدنا ليونيل من ~~المركيز وقال له: أتأذن لي أيها الكولونيل أن أذهب الآن فأرى أمي؟ # فارتعش، ونظر ms055 إليه نظرة منكرة؛ فإن الغيرة كانت قد عضت قلبه ومحت بلحظة كل آثار الصداقة، ~~حتى إنه ندم وحاول أن يمد يده إليه ليصافحه ويعتذر، ولكن مثال ألن مر بخاطره في تلك ~~اللحظة، فشعر أن قلبه قد التهب وأدار وجهه كي يخفي غضبه، وأجابه قائلا: اذهب. # فحياه ليونيل التحية العسكرية وانصرف، ولكنه لم يسر خطوتين حتى رجع فنظر إليه المركيز ~~نظرة استكبار وقال له: ماذا تريد؟ # قال: ألتمس أن تأذن لي بمقابلة وجيزة. # قال: لا فائدة من ذلك. # ثم أعرض عنه وبقي ليونيل وحده وهو يحدث نفسه فيقول: ترى هل أسأت إلى المركيز وأنا لا ~~أعلم؟ # وعند ذلك دنا منه أحد الجنود وقال له: لقد وردتك هذه الرسالة يا سيدي حين كنت مشتغلا ~~بالاستعراض. # فأخذ الرسالة وتلاها فزادت هواجسه وقال: رباه ماذا حدث؟ إن المركيز يكرهني الآن بقدر ما ~~كان يحبني، وقال لي اليوم إنه يحب ألن، فلو تخير عمها بيني وبين المركيز لما فضلني عليه لا ~~محالة. # وقد ذهب واليأس ملء قلبه إلى منزل السير روبرت، حيث لقي أمه وألن، فاستقبلته ألن ~~استقبالا فاترا كاد يذهب بعقله لو لم تنظر إليه نظرة مفادها تذكر ما كتبته لك ~~فاطمأن. # وقد قام بينهم إلى الساعة العاشرة، فقام يريد العودة إلى الثكنة، وأوصلته إلى الباب فوضعت ~~في جيبه مفتاحا وقالت له: عد حالا من باب الحديقة فلي ما أقوله لك. # فذهب وقلبه موعب بالفرح والرجاء. # وبعد انصرافه قال السير روبرت لربيبته: لقد أحسنت يا ابنتي، وإني راض عنك. # قالت: مسكين ليونيل؛ إنه يتعذب كثيرا. # فتنهد وقال: هو ذاك، ولكنه سيتعزى يوما حين يغدو في مصاف اللوردية. # وكانت اللادي قد دخلت إلى مخدعها وخلا المكان لروبرت وربيبته، فقالت له: أتأذن لي يا عماه ~~أن أسألك سؤالا؟ ~~- سلي. ~~- كيف تفترض أن المركيز روجر يتنازل بالرضى؟ أم يكون ذلك بالاغتصاب؟ ~~- بل بإرجاع الشيء لصاحبه. # فتكلفت البساطة كأنها غير عالمة بشيء وقالت: إني لا أرى سببا يحمل ابن اللورد إسبرتهون ~~البكر على إرجاع أمواله لأخيه الأصغر. ~~- سأوضح ms056 لك هذا الإبهام بعد ثلاثة أيام. # ثم قبل جبينها، ودخل إلى مخدعه بعد أن أوصاها أن تدخل إلى مخدعها، فأوهمته أنها امتثلت ~~فدخلت إلى غرفتها وخرجت من باب آخر إلى الحديقة، فوجدت ليونيل ينتظرها هناك. # وقد ركع حين رآها؛ فأنهضته بيدها وقالت له: تعال نجلس تحت هذه الخيمة. # قال: يا لله كم أنت مضطربة أيتها الحبيبة. # ولكن اضطرابه كان أشد، حتى إنها كانت تسمع ~~خفوق قلبه، فأجلسته بجانبها وأخذت يده بين يديها فقالت: أيها الحبيب يجب أن تثق بي. # قال: ماذا تعنين؟ ~~- أريد قبل كل شيء أن تقسم لي يمينا. ~~- على ماذا؟ ~~- على أن تكتم ما سأقوله لك عن أمك. ~~- إني أعاهدك على الكتمان وأقسم لك. ~~- إذن؛ فاعلم أن عمي يريد تزويجي. ~~- رباه ماذا أسمع؟ ~~- اطمئن يا ليونيل؛ فإنه طامع أن يزوجني رجلا من كبار النبلاء، ولا بد لي اتقاء لغضبه ~~أن أتظاهر بالموافقة على مشروعه. ~~- وإذا وافقت إلى النهاية، فما يكون مصيري؟ ~~- أيها الناكر الجميل! ألم أقل لك إني أحبك. إني أقسم لك بأن لا أتزوج سواك. # فصاح صيحة فزع. فقالت له: اسكت؛ فإن عمي لم ينم بعد؛ فإذا انتبه لنا قضى على آمالنا وذهبت ~~أدراج الرياح. ~~- ولكن ما هو هذا الخطر الذي يتهددنا؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك شيئا الآن. ~~- وأنا أعرف أن هذا الرجل الذي يريدون أن يزوجوك به هو المركيز روجر. أليس كذلك؟ ~~- نعم هذا هو. ولكن كيف عرفت ذلك؟ # فحكى لها ما كان بينه وبين المركيز، فابتسمت ابتسام واثقة من فوزها القريب وقالت: أصغ ~~إلي فإني أقسم لك أني سأكون امرأتك قبل ثلاثة أشهر، ولكن بشرط. ~~- ما هو هذا الشرط؟ ~~- أن تطيعني. ~~- مري أطع. ~~- إن أمك قد استأجرت منزلا بجوار منزلنا فستقيم وإياها فيه ولا تزورنا إلا في النادر، ~~وأبق هذا المفتاح عندك، فتعال كل يوم عند انتصاف الليل فنجتمع في هذه الحديقة، واحذر أن ~~تخاصم المركيز. ~~- وا أسفاه! إني كنت أحبه كأخي. # وقد أقاما نحو ساعتين يجددان العهود ثم افترقا بعد أن تواعدا على ms057 اللقاء في الغد. # وعادت إلى غرفتها وهي تقول في نفسها: إن السير روبرت عمي العزيز سيكون له مني خير مساعد ~~على كشف سر المركيز، ولكنه يريد أن يستقل بالعمل. # وعند ذلك خطر لها الناباب عثمان، فاضطربت وقالت: إن هذا الرجل وحده يستطيع إحباط آمالي ~~فلا أخشى السير روبرت ولا المركيز روجر لأكون يوما مركيزة، ولكني أخاف جان دي ~~فرانس. ~~••• # وفي اليوم التالي كان المركيز روجر جالسا في غرفته وهو في أشد حالات الاضطراب؛ فقد كان ~~مفتونا بحب ألن مع أنه لم يبح لها بغرامه إلى الآن. # وكانت تتمثل له في كل سبيل، حتى إنه كان يذكرها وهو يقاتل الأعداء، فلما علم أنها خطيبة ~~ليونيل شعر أن قلبه قد انسحق، فكان يجول في غرفته كما يجول الأسد السجين في قفصه. # وكان يهيج في عروقه الدم النوري حتى يتغلب أحيانا على تربيته الإنكليزية، فيتهم نفسه ~~بالجبن لأنه لم يخاصم ليونيل فيبارزه ويقتله. # ثم يعود إليه هداه وتهيج في صدره عوامل الكرم التي فطر عليها، فيفتكر أن ليونيل كان ~~صديقه، وأنه كان يحبه كأخ، فيلعن ذلك الحب الذي ابتلي به، ويعاهد نفسه على إخماد لهيبه ~~بالصبر وتضحية هنائه في سبيل صديقه. # ثم يعود إلى الهياج فينسى كل هذه العواطف الكريمة، ويعجب كيف أن ليونيل لم يأت إليه ~~ويسأله الإيضاح عن مقابلته الجافية، وأين له أن يعلم أن ألن منعته عن مخاصمته؟ # وما زال يتغلب على هذا العذاب إلى أن خطر له أن يزور السير روبرت، ~~فكتب إليه ما يأتي: # إن المركيز دي إسبرتهون يتشرف بأن يطلب إلى السير روبرت فالدن مقابلته، ويرجوه أن ~~ينوب عنه بتقديم احترامه لابنة أخيه. # وقد أرسل هذه الرسالة مع رسول، فعاد إليه برسالة من السير روبرت تتضمن ما يأتي: # إن السير روبرت فالدن يقدم للورد إسبرتهون تحياته واحترامه، ويأسف أنه لا يستطيع ~~استقباله لاعتلال طرأ على صحته. # فمزق المركيز الرسالة وهو يتميز من الغيظ، وأطلق سراح الخادم. # وعند ذلك سمع صوت مطرقة على الباب الخارجي، فأطل من النافذة ms058 كي يرى الطارق وهو يرجو أن ~~يكون السير روبرت أرسل إليه رسالة أخرى. # ولكنه رأى امرأة مقنعة دخلت من الباب إلى الردهة، وبعد هنيهة دخل إليه خادمه برقعة زيارة ~~هذه المرأة التي لم يكن مكتوبا عليها غير الحرف الأول من اسمها وهو أ. # فأمر بإدخال الزائرة إليه، وكان قناعها كثيفا فلم يتبين وجهها، ولكنه علم من خفوق قلبه ~~أنها مس ألن. # وقد أصاب حديث قلبه؛ فقد أيقن أنها هي نفسها حين سألته بصوتها الرخيم قائلة: أتأذن لي يا ~~سيدي المركيز بمقابلة وجيزة؟ # فأخذ بيدها وهو يرتجف من الفرح وأجلسها على كرسي جانب المستوقد، فكشفت القناع عن وجهها ~~وقال لها كأنه كان خائفا أن يكون حالما: أهذا أنت؟ # وكان وجهها مصفرا وأثر الدموع لا يزال ظاهرا في عينيها، فأجابته قائلة: نعم أنا هي. ~~فقد أتيت دون أن يراني أحد لألجأ إليك. ~~- أأنت تلجئين إلي؟ ~~- لا تتسرع يا سيدي المركيز قبل أن تسمع حديثي بالحكم علي. ~~- أأنا أحكم عليك؟ إنك شديدة القسوة يا مس ألن. # فأطرقت برأسها ووضعت يدها على عينيها وقالت بصوت ضعيف كأنها تصلي: إني أتيت إليك يا سيدي ~~المركيز متوسلة؛ فعاملني بالرحمة وأشفق على أتعس امرأة في الوجود. ~~- أأنت تاعسة؟ أأنت تتوسلين؟ إني أخاف أن يكون الحزن دخل صوابي فلا أفهم ما ~~تقولين. # فنظرت إليه بعينين تبرقان كالماس الأسود وقالت له بصوت يتهدج: إن السير روبرت يريد ~~تزويجي. ~~- بليونيل؟ ~~- نعم. وقد وعده عمي بالزواج فجاء أمس يطالبه بتحقيق الوعد. ~~- أواه. لقد علمت الآن السبب بقدومك إلي فإنك أتيت تتوسلين أن لا أبارزه وأنت خائفة على ~~حياة من تحبين. # فرفعت عينيها إلى السماء وقالت: حياة من أحبه؟ ~~- نعم حياة الذي سيكون زوجك. ~~- ولكن إن هذا الزواج لا يطول؛ فإن الله سيشفق علي ويدعوني إليه. ~~- رباه ماذا أسمع ألا تحبين ليونيل؟ ~~- إني أحبه حب أخ، وهذا كل حبي. # فركع المركيز أمامها، وقد شعر أن السماء فتحت له أبواب النعيم وقال لها: أقسمي لي أنك لا ~~تحاولين خديعتي. ~~- أقسم. ~~- إذن أنت لا ms059 تحبين ليونيل؟ ~~- أكنت هنا لو كنت أحبه؟ ~~- إذن. لقد أتيت تسأليني أن أسعى لنقض هذا الزواج. أليس كذلك؟ ~~- لا فائدة من مسعاك، فقل لي أتثق بي؟ ~~- كما أثق بأمي لو كان لي أم. ~~- إذا كان ذلك، فإني أسألك أن تقسم لي يمينا كما سألتني. ~~- ماذا تريدين أن أقسم؟ ~~- أقسم لي أن تثق بإخلاصي ثقة لا حد لها، وأنك تفعل كل ما أطلبه إليك. ~~- إن قلبي لك. # فمدت له يدها، وابتسمت ابتسامة فتنت عقله، ثم قالت: أما وقد وثقت الآن أنك تحبني فسأعرف ~~كيف أدافع عن هنائنا ومستقبلنا. # وقد نهضت تحاول الانصراف، فسمعت من خارج الغرفة صوتا يقول: لا حاجة إلى الاستئذان فإني ~~أدخل دونه. # فأسرع المركيز فأقفل الباب من الداخل وهو يقول: هو ذا الطبيب بولتون. # فذعرت ألن وقالت: بولتون ... إنه سيفضح أمري إذا وجدني هنا، فأزاح المركيز ستارة عن باب آخر ~~في الغرفة وقال لها: إن هذا الباب يؤدي إلى الحديقة فاذهبي أيتها الحبيبة؛ فقد رددت الحياة ~~إلي. # وكان الطبيب لا يزال يناضل الخدم عند الباب ففتح المركيز الباب ودخل الطبيب وهو يقول: لقد ~~كنت أحسب أني أحاصر حصنا؛ فقد أصبحت غرفتك شبه قلعة. # فقال له المركيز: إني كنت نائما على الكرسي فلم أسمع صوتك؛ فاعذرني أيها الصديق. # ثم مد له يده وصافحه، فجلس الطبيب بجانبه، وجعل يتفرس بوجهه بإعجاب ويقول: لقد صدق من ~~قال إن الأسفار تحيي نضارة الشباب؛ فإني أرى إله الجمال ممثلا في المركيز روجر. # قال: ولكني عاتب عليك؛ فقد كنت أرجو أن أراك ساعة عودتي. # قال: لم يشغلني عن زيارتك شاغل، ولكني صبرت إلى أن تنتهي الحفلات الرسمية. # وقد طالما خطر لي أن أتبعك إلى أميركا، ولكن الشياطين ملأت كل جيوبي فلم تتسع ~~لسواها. # إذا كان قد أعوزك المال فلماذا لم تطلبه من وكيلي؟ فحك أذنه وقال وهو يبتسم: لقد فعلت ~~فأعطاني، ولكن النقود التي أعطاني إياها كانت أسرع مني في السير، فلما جاء موعد السفر وجدت ~~أنها سبقتني. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الخمارة. # فضحك المركيز ms060 وقال: إنكم معشر الأطباء تنهون عن الخمر وتشربونها. # قال: إن الطبيب يصف الدواء، ولكنه لا يشربه. # ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة فوضعها على المستوقد وقال: لنبدأ بالترتيب. # قال: ما هذا؟ ~~- دواء عجيب. ~~- لا أظن أنه لي فإني في أتم عافية. ~~- هو ذاك. فإنك في عافية أتمنى لك دوامها ومع ذلك فإني أحضرت هذا العلاج خصيصا ~~لك. ~~- كيف ذلك؟ # فتكلف الطبيب هيئة الجد وقال له: إني أتيت إليك أيها المركيز لمباحثتك في شئون خطيرة؛ ~~فابتسم المركيز وقال له ممازحا: إنه إذا كانت حكاياتك خفية كدوائك فإني سأرتعد من ~~الرعب. ~~- إن الحكاية تبدأ منذ سبعة عشر عاما. ~~- إذن إنها من حكايات العهد القديم. ~~- كلا أيها المركيز، فإنك أخص رجال حوادثها. ~~- إذن قصها علي فقد بدأت أهتم لها. ~~- إن حوادثها جرت في كلكوتا عاصمة الهند في عهد اللورد أبيك، فقد دخل رجلان في ليلة حالكة ~~الأديم إلى سراي أبيك وسرقا منها غلاما. ~~- من هما؟ ~~- من طائفة النور. ~~- من كان الغلام؟ ~~- أنت. ~~- يظهر أنهما لم ينجحا فإني أمامك. ~~- بل إنهما نجحا؛ فإنه حين أشرقت الشمس كنت في مضارب النور على قيد ست مراحل من قصر ~~أبيك. ~~- إنها حكاية غريبة. ~~- ولكنها أكيدة. ~~- غير أنه لم يذكرها لي أحد قبلك. ~~- لأنه لم يكن يعرف هذا السر غير ثلاثة، وهم العبد الذي كان ساهرا عليك حين رقادك وأبوك ~~وأنا، وقد مات أبوك والعبد فلم يبق غير أنا من الواقفين على هذا السر. ~~- لكن أي غرض للنور من اختطافي؟ ~~- إنهم كانوا يريدون إبقاءك عندهم رهينة كي يساوموا بك على افتدائك بمبلغ عظيم. ~~- أفعلوه لمجرد الكسب؟ ~~- بل للانتقام أيضا؛ فإن أباك كان قد طردهم من كلكوتا، وفي الليلة التالية دخل اثنان إلى ~~الخيمة التي كنت مسجونا فيها وهما مسلحان فتمكنا من إنقاذك، وكان هذان الرجلان أباك وأنا، ~~ولكن النور كانوا قد وشموا كتفك الأيسر بعلامة طائفتهم. ~~- أهي هذه العلامة الزرقاء التي أراها على كتفي ولا أعلم كيف أتت؟ ~~- نعم هي هذه العلامة التي طالما اضطرب لها أبوك؛ إذ ms061 كان يخشى أن يجيء يوم يحسبون فيه أن ~~المركيز روجر دي إسبرتهون نوري. # فوقف المركيز منذعرا وقد نظر إلى الباب الذي خرجت منه مس ألن فلم تخف هذه النظرة على ~~الطبيب، ولكنه كان قد اندفع في الحديث ولم يجد بدا من إتمامه، فقال: نعم إن هذا الخاطر ~~كان يعذب أباك، حتى إنه جرب جميع أدوية الهند لإزالة هذا الوشم فلم يتمكن من إزالته. ~~- ما هذا الخاطر الغريب؟ ومن الذي يجسر على الشك بنسبي؟ ~~- ألا تعلم أن من كان له نبلك وثروتك يكثر حاسدوه؟ ~~- ربما، ولكن ما العمل وهذا الوشم لا يزول؟ # فقال له بصوت منخفض: إني أبحث منذ عشرين عاما عن دواء يزيله فلم أهتد إليه إلا منذ ~~يومين. ~~- إذا كان ذلك أيها الصديق فهلم وجربه بي فإن الهزء والفضيحة لا يجب أن ينالا ~~أمثالي. ~~- إذن سأزورك في كل ليلة ساعة رقادك وأستعمل هذا الدواء، ورجائي أن يزول الوشم في مدة ~~أسبوع فلا يبقى له أثر. ~~- على الرحب، فتعال للعشاء معي في كل مساء، وسنبدأ من هذه الليلة. # والآن أرجوك أن تدعني وحدي هنيهة في هذه القاعة؛ فإن لدي أوامر مستعجلة أريد ~~إصدارها. # فوضع الطبيب الزجاجة في جبيه وقال له: وأنا أيضا مضطر إلى الانصراف لعيادة مريض في هذا ~~الشارع. ~~- اذهب أيها الصديق وعد بعد ساعة؛ فإني أنتظرك. فخرج بولتون حتى إذا وصل إلى ردهة القصر ~~أخرج من جيبه قفازا كان قد لقيه على الكرسي الذي كان جالسا عليه ونظر فيه فوجده قفاز ~~امرأة فضرب الأرض برجليه مغضبا وقال: لقد عرفت الآن ما هي هذه الأوامر التي يريد ~~إصدارها. # وقد خرج من القصر فلم يسر بضع خطوات حتى وقف إذ وجد مركبة تنتظر على بعد عشرين خطوة من ~~باب القصر. # وكأنما قد رابه أمرها فالتف بوشاحه ووقف وراء أحد الأبواب دون أن يراه أحد. # وبعد هنيهة رأى امرأة مقنعة خرجت من باب الحديقة؛ فصعدت إلى المركبة وأمرت السائق ~~بالمسير. # فأسرع في أثرها وهو يقول في نفسه: ليتعشى روجر هذه الليلة ms062 وحده فإني أريد أن أعرف من هي ~~هذه المرأة التي سمعت الحديث الذي قصصته على المركيز. # أما المركيز فإنه لم يكد يخرج الطبيب من عنده حتى أسرع إلى الباب الذي خرجت منه ألن فرآها ~~تجتاز الحديقة. # وأما ألن فإنها حين باتت في مركبتها جعلت تبتسم ابتسام الظافر وتقول في نفسها: لقد أصاب ~~من قال إن للنور إلها يرعاهم؛ فإن هذا الطبيب قد خدمني خدمة جليلة سأكافئه عليها متى جاء ~~وقت المكافآت. # أما الآن فسأخير جان دي فرانس بين الحرب والسلم فإذا خدمني سالمته، وإذا اعترضني فيما ~~أريده أشهرت عليه حربا عوانا أكون الظافرة فيها؛ فقد تسلحت الآن بأمضى سلاح. # وبعد نصف ساعة وقفت مركبة مس ألن عند باب منزل السير روبرت، وكان الطبيب في أثرها فعرف من ~~هي هذه المرأة التي كانت محنة المركيز. # ولم يكن السير روبرت في المنزل؛ فدخلت إلى غرفتها وكتبت هذه الرسالة: # إن توبسي تريد أن ترى جان دي فرانس، وقد عينت له موعد المقابلة الساعة العاشرة من ~~هذه الليلة في دليتفورد. # وقد غيرت نسق خطها كي تستطيع إنكاره عند الافتضاح، ووضعت الرسالة في غلاف كتب عليه هذا ~~العنوان: # إلى الشريف الناباب عثمان # في بيكاديلي # ثم أسندت كوعها إلى المنضدة وجعلت تبتسم وتقول: أليس من المضحكات أن يكون اثنان من النور ~~في مقدمة أشراف الإنكليز؟ # الفصل السادس # | دهاء النساء # عندما وصلت رسالة ألن إلى جان كان يتداول مع الطبيب بولتون، فكان جان يقول له: هل أنت ~~واثق من أن هذه المرأة كانت مس ألن؟ # قال: كل الثقة. ألم أقل لك أني قفوت أثر مركبتها؟ # فقطب جان حاجبيه وقال: أتعلم أن روجر متوله بحبها؟ # قال: لا أعجب من ذلك، فهي جميلة طماعة تريد أن تدعى مركيزة. # قال: ولكني أنا لا أريد. وهذا لا يكون، وأنا أعلم أن توبسي خصم لا يهزأ به؛ فإن لها ميلا ~~فطريا إلى الشر، ولها جرأة وصبر شديد وإرادة لا تغلب، فإذا ظفرت بي فهي لا ترحمني، وفوق ~~ذلك فإنها تسلطت على السير ms063 روبرت فلا يعمل إلا بإرادتها. # قال: ولكني أخاف أن تكون نصبت لك فخا في هذه الرسالة. # فابتسم ابتسامة احتقار وقال: إن خنجرها لا يصل إلي هذه المرة. ~~- إذن ستذهب إلى حيث دعتك؟ ~~- دون شك إني ذاهب من فوري. # ثم نادى شمشون وقال: أخبر اليبسي أن تتأهب؛ فإنها تكون في مأمن على ظهر السفينة، ثم اذهب ~~بها في قاربي وانتظرني في النهر إلى أن آتي إليك. # فذهب شمشون مسرعا وسأل الطبيب جان قائلا: ~~من هي اليبسي هذه؟ # قال: إنها المرأة التي تستحق أن تحب، فإنها مثال الخير كما أن توبسي مثال الشر. ~~- أرى أنك تحبها من تهدج صوتك. ~~- هو ذاك؛ فإني أحبها أصدق حب. # وقد نظر عند ذلك في ساعته وقال: لقد بلغت الساعة الثامنة وإن روجر ينتظرك للعشاء أيها ~~الصديق. # قال: إني ذاهب إليه، وسأعود إليك مساء غد فأخبرك بنتيجة الدواء. # وبعد انصراف الطبيب تنكر جان بملابس نوتي وذهب إلى النهر فوجد أخته وشمشون ينتظرانه في ~~القارب. # وقد صعد إليه فسأله شمشون إلى أين تريد أن تذهب؟ # قال: إلى الباخرة فولر ثم إلى ريشفورد. # فقالت له أخته: دعني أصحبك يا جان إلى حيث أنت ذاهب فأنتظرك مع شمشون في القارب. # لماذا تريدين أن تصحبيني؟ # لأني خائفة؛ فقد حلمت أمس حلما مخيفا. # إذا كنت تعتقدين بالأحلام فهلمي معي، ولكن لا تخشي علي، ثم أمر شمشون فدفع القارب إلى ~~جهة ريشفورد. # وكانت ألن قد سبقته إلى الموعد، ووقفت في ردهة المنزل تنظر إلى النهر في تلك الليلة ~~المقمرة فرأت جان قد خرج منه إلى الشاطئ، ورأت أن القارب لا يزال واقفا وفيه رجل ~~وامرأة. # وقد دخل جان إليها فاستقبلته بملء البشاشة وقالت له: أشكرك لإسراعك بتلبية دعوتي. # فانحنى أمامها، وأشارت له أن يجلس على كرسي بجانبها. # فقالت له: إنك تعلم يا عدوي العزيز أني ما دعوتك إلى مقابلتي إلا وقد عقدنا هدنة، فلا خوف ~~عليك من خيانة ما زلت عندي. # قال: وأنا رضيت عقد الهدنة فلا خوف عليك من انتقامي. # والآن، فهل ms064 لك أن تخبريني عن سبب تشريفك إياي بهذه المقابلة؟ # قالت: دون شك؛ فإني ما دعوتك إلا لأقترح عليك عقد الصلح؛ فقد رأيت أننا كفآن متوازنان ؛ ~~فأية فائدة من العداء؟ # قال: هو ذاك، وإني راض بالصلح. ~~- إن هدية العلبة التي أرسلها إلي ناثائيل دلتني على أنك عدو مخيف، ولكن نتيجة هذه ~~الحادثة دلتك أيضا على أني لم أكن مغلوبة، وفوق ذلك فقد رجحت عليك بتلك الطعنة التي أصابتك ~~بها الهندية. ~~- تريدين أن تقولي إنك التي طعنتني؛ إذ أنت التي أرشدتها إلي؟ ~~- هو ذاك، وإني بهذه المناسبة أريد أن أسألك عن أمر أشكل علي. ~~- أتريدين أن تعلمي كيف نجوت؟ ~~- نعم. ~~- الأمر بسيط؛ فقد كنت واهمة باعتقادك أن الخنجر مسموم، وذلك أن الهندي الذي يصحب الهندية ~~كان يعلم أنها مجنونة فأبدل خنجرها المسموم بخنجر عادي فلم يقتلني الجرح. # فابتسمت ألطف ابتسام وقالت: إني أريد أن أعرض عليك الصلح. ~~- ما هي شروطك؟ ~~- ليس لي غير شرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو اعتزالك. ~~- إن اعتزالي قد يكون كثيرا وقد يقل. ~~- إني منذ عام أسائل نفسي هذا السؤال، وهو: أية فائدة لجان دي فرانس وهو نوري مثلي في ~~توليه حماية المركيز روجر ابن ذلك اللورد الذي طالما اضطهد طائفتنا. ~~- أأنت سألت نفسك هذا السؤال؟ ~~- نعم. ولولا حدوث حادثة لم أكن أتوقعها لما عرفت الحقيقة. ~~- أعرفتها؟ ~~- نعم. ووثقت الآن أن المركيز روجر هو ابن اللورد إسبرتهون وسينتيا النورية أي أختك، ~~وعرفت أيضا أن الطبيب بولتون لفق له حكاية عن الوشم الذي وشم به كتفه، وأنه آخذ بمعالجته ~~فلا يمر أسبوع حتى يزول هذا الوشم كما زال وشمي. # أما هذه الحكاية الملفقة فقد يثق بها رجل بسيط القلب كالسير روبرت الذي رباني، ولكنها لا ~~تجوز علي؛ وعلى ذلك فإن المركيز روجر إنما هو نوري مثلنا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إني أحب هذا المركيز. ~~- تريدين أنك تحبين ثروته ولقبه. ~~- إنه يحبني ويريد الزواج بي، فلماذا تعترض هذا الزواج؟ ~~- لأني لم أجعله مركيزا ولوردا كي يتزوج نورية. ~~- أصغ إلي يا جان، فإني أتوسل ms065 إليك جاثية أن تغفر لي إساءتي. ~~- وأن أدعك تتزوجين المركيز؟ ~~- نعم يا جان. إني طامعة متكبرة، وإن روجر نوري مثلي، ولذلك أريد أن أشاركه في ~~مجده. # وإنك متكبر مثلي، ولم يدفعك إلى ترقية ابن أختك غير الكبرياء؛ فثق يا جان أني إذا تزوجت ~~به أكون من أشد الناس إخلاصا لطائفتكم. ~~- إن هذا محال فكوني سيدة عظيمة إذا استطعت، وأما أن أجعل ابن أختي وملكنا سلما لمرقاتك ~~فهذا محال. # فارتجفت شفتاها من الغضب وقالت له: إني توسلت إليك، فكنت من غير إشفاق، وأبيت إلا الحرب ~~فليكن ما تريد واحذر لنفسك. ~~- كما تريدين، ولكني أمهلك يوما لتتمعني. ~~- لا أريد مهلة. # فأخذ قبعته وحاول الانصراف فقالت له بصوت يرتجف: اصبر. ~~- إني مصغ إليك. ~~- احرص على ابن أختك وملكك؛ فإن عدوه سيكون له أتبع من ظله. ~~- لقد أعذر من أنذر. ~~- كلمة أيضا. ~~- ماذا؟ ~~- من هي هذه المرأة التي تنتظرك في القارب؟ ~~- اليبسي؟ ~~- تلك المصرية الحسناء. ~~- نعم. فهل غرت منها؟ ~~- إنك تحبها. ~~- أصدق حب. ~~- إذن سأكون أقوى منك، فإنك تطعنني بأطماعي أما أنا فأطعنك بقلبك. ~~- جربي. # فاتقدت عيناها ببارق مخيف وقالت له: اذهب واذكر أني أهنت نفسي ونزلت عن عرش كبريائي ~~بتوسلي إليك. ~~••• # بعد هنيهة كان جان واقفا عند الشاطئ وقد صفر فجاء شمشون بالقارب وصعد جان إليه فجلس ~~بجانب أخته فقالت له: إن هذه المرأة ستكون شؤما علينا يا جان، فإنك بينما كنت عندها سقط ~~نيزك من السماء، وهذه علامة الموت. # فأجابها مازحا: إن هذا النجم انحل برغيه فسقط. # قالت: لا تضحك يا جان، فهذه علامة الموت كما قلت لك. # وعند ذلك سمع دوي طلق ناري فصاحت اليبسي صيحة عظيمة وسقطت بين يدي جان؛ فإن الرصاصة ~~أصابتها. ~~••• # في تلك الليلة نفسها ذهبت ألن إلى حيث تقيم الهندية، فدخلت إليها وكشفت قناعها وقالت لها: ~~إنه لم يمت. # فوقفت الهندية كأنما لسعتها أفعى وقالت: من هو؟ # قالت: سارق كنز الإله سيوا. # فهزت كتفيها وقالت: إن هذا محال. ~~- لقد قلت لك إنه لم يمت. ~~- ألعلك رأيته؟ ~~- وكلمته. ms066 ~~- متى؟ ~~- منذ ساعة. ~~- إذن إن هذا الرجل تحميه قوة إلهية أو هو من السحرة. ~~- كلا، ولكن رفيقك الهندي بدل خنجرك المسموم بخنجر عادي. ~~- ذلك لا يصدق؛ فإن له قوة تحميه. # فرأت ألن أن لا فائدة من الجدال معها فقالت لها: إن هذه القوة قد تحميه من الخناجر، ~~ولكنها لا تحميه من السموم التي تبيعينها. # فتوهجت عينا الهندية من الحقد وقالت: أين أجده؟ ~~- في منزله في بيكاديلي. ~~- حسنا. فستعلمين ما يكون من أمره قبل ثلاثة أيام. ~~- إذن فاعلمي أنه يدعى الناباب عثمان الهندي، والآن أستودعك الله. وقد أسدلت قناعها على ~~وجهها وحاولت الانصراف، ولكنها سمعت أن باب دكان الهندية يقرع، فأسرعت واختبأت وراء ستارة ~~كانت تفصل بين الدكان والسرير الذي تنام عليه الهندية، وأشارت إليها أن تفتح ففتحت ودخل رجل ~~كان متشحا برداء كبير وهو يحاول إخفاء وجهه، فقالت ألن في نفسها: لا فائدة من تنكرك فقد ~~عرفتك. # أما الرجل فإنه قال للهندية: هل نحن وحدنا هنا؟ # قالت: نعم، فماذا تريد يا سيدي أتريد شراء مسابح وروائح عطرية؟ # قال: كلا. ~~- إذن. أتريد أن أكشف لك طالعك؟ ~~- ربما. ~~- هات يدك. # فبسط لها يده ونظرت في باطن كفه فقالت له: يوجد رجل تكرهه أشد الكره. ~~- هو ذاك. ~~- وقد حاولت قتله مرارا فلم تفز. ~~- لقد أصبت. ~~- ولكن يوجد طريقة للتخلص منه. ~~- ما هي؟ ~~- السم. ~~- لقد خطر لي هذا الخاطر، ولذلك جئتك لأشتري منك هذا السم. ~~- إني لا أبيع السموم يا سيدي. وقد أخطأ من أخبرك. # فظهرت علائم الامتعاض على الرجل وقالت الهندية: إني أعلم بأنهم يتهمونني ببيع السموم، ~~ولكنها تهمة باطلة؛ فإني أبيع المسابح، وأكشف الطوالع، وأرقص في الشوارع، وهذا كل ما ~~أعمله. # وعند ذلك سمعت الهندية حركة من وراء الستارة لم ينتبه لها الرجل؛ فالتفتت فرأت ألن تشير ~~إليها إشارة لم تفهمها فقالت للرجل: اصبر يا سيدي فسأريك سبحة تشتريها لا محالة. # ثم دخلت إلى ما وراء الستارة لترى ما تريده ألن، فهمست في أذنها قائلة: إن هذا الرجل ~~سينتقم لك؛ فأعطيه السم ms067 الذي يطلبه، وضعي في العلبة التي تضعين فيها السم هذه ~~الورقة. # وقد أخذت ورقة من دفترها وكتبت عليها هذه الجملة: # ابدأ بقتل الناباب عثمان إذا أردت أن تفوز. # ثم قالت لها: لا تعطيه من السم إلا بقدر ما يكفي لقتل رجل واحد فقط. # فأخذت الهندية علبة وخرجت إلى الرجل فقالت له: هذه سبحة مصنوعة من خشب الستيكنوس وهي ~~تفيدك فيما تريد. # فارتعش الرجل وقال: ماذا تعنين؟ # قالت: من محلول هذه الحبوب سم يقتل للحال، وهذه السبحة يستطيع صاحبها أن يعبث بها قدر ما ~~يشاء دون أن يصاب بأذى وأما إذا أذاب حبة منها في كأس من الخمر تستحيل إلى سم صاعق، ولكن ~~هذا السم غالي الثمن فإن الحبة الواحدة تساوي خمسة وعشرين جنيها. # قال: إذن أعطيني حبتين. # قالت: لا أستطيع أن أبيعك غير حبة واحدة؛ فإذا احتجت إلى سواها فعد إلي. # فنقدها ما طلبت وأخذ الحبة وانصرف. # فقالت ألن: هو ذا الرجل كان يحسبه الناس من الأموات وقد خرج من بين القبور. # ثم خرجت إلى الهندية فقالت لها: أصغي إلي واعلمي يقينا أنك إذا كنت لا تريدين أن يحكم ~~عليك بالموت في النار فاحذري أن تبيعي أحدا حبة أيضا من هذه السبحة. ~~- حتى هذا الرجل؟ ~~- هو على الأخص. ~~- ولكن ما أصنع إذا توعدني بالشكوى؟ ~~- أنقذك كما أنقذتك من كنز الإله سيوا، واعلمي أن هذا الرجل سيقتل جان دي فرانس قبل ~~أسبوع. ~~- هل أنت واثقة مما تقولين؟ ~~- كل الثقة؛ فإن هذا الرجل جبان، وهو يعلم أن جان يحمي عدوه، فسيقتله قبل ذلك ~~العدو. ~~- إذن سأكون عبدة له. ~~- أنسيت أنك عبدتي؟ ~~- نعم نعم. فمري أطع. ~~- إن هذا الرجل بعد أن يقتل عثمان يعود إليك كي يلتمس سما يقتل به عدوه فتوهمينه أنك ~~ستبيعينه ما أراد وتدخلينه إلى ما وراء هذه الستارة. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الصدفة قد تجعله يجلس على هذا المقعد، وفيه إبرة مسمومة تشك جلده، فإذا اتفق ذلك ~~أعطيتك من الذهب قدر ما تكسبين في مدة عشرة أعوام. ~~- ليكن ما تريدين، فسأساعد ms068 هذه الصدفة. # أما هذا الرجل، فقد كان السير جيمس ابن أخي اللورد إسبرتهون، ذلك الذي ألقى نفسه من فوق ~~الحصن في أميركا، ثم انقطعت أخباره فتوهم الجميع أنه مات. # وقد عاد إلى لندرا متنكرا، فلم يعلم حقيقة أمره غير خادمه ويلس، وهو الآن يريد شراء السم ~~كي يقتل به ابن عمه المركيز روجر. # فلما عاد إلى منزله فتح العلبة، وقرأ الجملة التي كتبتها ألن فأيقن أن له شريكا يعاونه ~~بالسر، وأنه مصيب بما أوصاه به؛ فإنه لا يستطيع أن يتمكن من ابن عمه إلا بعد أن يتخلص من ~~عثمان. # غير أن كيد ألن لم يقتصر على هذا الحد؛ فإنها بعد أن مهدت للسير جيمس سبيل قتل عثمان، ~~وبعد أن أصابت حبيبته بجرح كاد أن يودي بحياتها؛ كمنت لأخته سينتيا أم المركيز مع فريق من ~~أعوانها فاختطفتها وهي خارجة من منزلها لغرض سوف يظهر. ~~••• # والآن؛ لنعد إلى السير روبرت فالدن، فقد كان شديد التمسك بالشرف، كثير الحرص على مقام ~~الأشراف. وقد رأينا منه كيف أبى أن يزوج ربيبته بليونيل وهو يحبها كبنته كي لا يؤنبه ضميره ~~على تزويج نورية بشريف، وإنما أراد تزويجها بالمركيز لاعتقاده أن المركيز ليس ابن اللورد ~~الشرعي؛ فإنه كان أصيب مرة بجرح في كتفه إثر مبارزة كان السير روبرت أحد مشاهديه فيها، فلما ~~كشف الطبيب عن كتفه رأى روبرت هذا الوشم على كتفه، وهو يعلم أنه خاص بالنور؛ فتولدت في ~~نفسه الشكوك من ذلك العهد. # وقد كثرت هواجسه واشتد قلقه، وأراد أن يعرف حقيقة هذا السر الذي كاد يقتله، فقال في نفسه: ~~لم يبق بد من أن أذهب إلى روجر وأستوضح منه جلية الأمر، فإذا برهن لي أنه ابن اللورد ~~إسبرتهون الشرعي أعتذر إليه، وإذا لم يستطع البرهان لجأت إلى مروءته فإنه كريم الأخلاق عزيز ~~النفس لا يرضى أن يلقب بلقب سواه. # وكان قد وعد ربيبته أن يأتيها بالخبر اليقين بعد ثلاثة أيام، فبرح منزله في اليوم الثالث ~~وذهب إلى المركيز فلقي عنده الطبيب بولتون يعالج كتفه، ms069 فابتسم المركيز له وعاتبه لانقطاع ~~زياراته، فتمتم بعض كلمات اعتذار وقال الطبيب: أنا أعرف السبب الذي دعا السير روبرت إلى ~~الانقطاع عنك منذ عهد مبارزتك مع القائد مكسويل. # فقال له المركيز: إذا كنت تعرف السبب كما تقول فأسرع بإخباري عنه؛ فإني لا أزال مندهشا ~~من مناهج السير روبرت. # قال: تصور أيها المركيز أن السير روبرت فالدن - وهو صديقي منذ ثلاثين عاما - أراد يوما ~~أن يقتلني عند سريرك. # فصاح المركيز قائلا: ولكن هذا محال. # قال: سله يخبرك أني قلت الحقيقة. # فهز السير روبرت رأسه إشارة إلى الموافقة. وقال الطبيب: هل تعلم لماذا كان يريد قتلي؟ ذلك ~~لأني أبيت أن أبوح بسر أبيك المرحوم. # فقال المركيز: هذا الذي أسمعه؛ فإني أحسب نفسي حالما. أحق ما يقوله يا سير ~~روبرت؟ ~~- نعم إنه يقول الحق. ~~- أأنت أردت قتله؟ # فقال الطبيب: نعم؛ وذلك لأني أبيت أن أكشف له سبب وجود الوشم على كتفك. # فقهقه المركيز ضاحكا وقال: أراهن على أن السير روبرت توهم أني من النور. # فقال الطبيب: هو ذاك. # وكان السير روبرت توقع أن يرى المركيز يضطرب، فإذا به يضحك ويقول له: اطمئن أيها الصديق؛ ~~فإني حقيقة ابن اللورد إسبرتهون. # وقال له الطبيب: اعلم أيها الصديق أني أقسمت يمينا للورد إسبرتهون أن لا أبوح بهذا السر ~~لأحد إلا متى تمكنت من إزالة هذا الوشم عن كتفه، وقد وجدت اليوم الدواء الذي يزيله ولم أعد ~~مقيدا باليمين فاسمع ما حدث. # وعند ذلك قص عليه الحكاية نفسها التي قصها على المركيز منذ يومين، فلما فرغ من حديثه ~~احمر وجه السير روبرت من الخجل والتفت إلى المركيز، فقال له: إني لا أعذر نفسي لظنوني ~~السيئة، فهل تتفضل بمعذرتي أيها المركيز؛ فأجابه المركيز بأن مد له يده وصافحه وزالت ~~الظنون. ~~••• # وعاد السير روبرت إلى منزله، فوجد مس ألن تنتظره فقالت له: أين كنت يا عمي؟ # قال: إني قادم من عند المركيز، وقد ثبت لي الآن أن ليونيل لا يمكن أن يكون ... ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أننا خدعنا؛ فإن المركيز ms070 هو حقيقة ابن اللورد إسبرتهون. ~~- أأنت واثق؟ ~~- كل الثقة. ~~- والوشم؟ ~~- إن له حكاية قصوها علي ووثقت بها. ~~- إنك تلبث واثقا إلى أن تجد البرهان الوافي على أنهم كانوا يمثلون أمامك رواية. ~~- ماذا تقولين يا ابنتي، ألعلك جننت؟ ~~- وأنت ماذا قالوا لك عن أصل هذه العلامة. ولكن لا تقل شيئا؛ فإني أعرف الحكاية كما ~~عرفتها، فهي من مخترعات جان دي فرانس. ~~- جان دي فرانس؟ ~~- نعم، أي ملك النور، وهو أخو سينتيا التي كانت خليلة اللورد إسبرتهون وأم المركيز روجر. ~~ألم يخبروك أن النور اختطفوا المركيز في عهد حداثته من سراي كلكوتا؟ ~~- نعم. ولكن كيف عرفت ذلك؟ # فابتسمت ابتسامة السائد وقالت: أصغ إلي يا عماه؛ فإننا نسير وراء غاية واحدة، ولكن ~~الأسباب مختلفة؛ فإنك تريد أن ترى ليونيل - وهو ابن اللورد الشرعي - في مكان أبيه. ~~- ولكن كيف يكون ذلك إذا كانت الحكاية التي سمعتها أكيدة؟ ~~- بل إنها مختلقة. وأنا أتعهد بأن أبرهن لك عن اختلاقها. ~~- أنت؟ ~~- نعم ولكن بشرط. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تدع لي حريتي التامة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إني أستمهلك ثلاثة أيام على الأكثر ويوما على الأقل فأثبت لك أن المركيز روبرت هو ~~أميري ابن سينتيا النورية، وأكره هذه الأم على الاعتراف. ~~- أنت تفعلين ذلك؟ ~~- نعم إذا أردت أن أكون أنا الفكر المدبر وأنت اليد العاملة. ~~- لقد رضيت. ~~- إذن إني أحتاج هذه الليلة إلى اثنين من رجالك لأستعين بهما على اختطاف. # فنظر إليها منذهلا فقالت: ألعلك نسيت يا عمي أني نورية. إنك شريف حر الضمير فلا تستطيع ~~أن تتغلب على جان دي فرانس. ~~- ولكن أين سمعت اسم هذا الرجل؛ فإني أذكر أني سمعته من قبل؟ ~~- تذكر يا عماه. ألم تخبرني مرة أن اللورد إسبرتهون كاد أن يفترسه النمر فأنقذه رجل ~~نوري. ~~- نعم. ~~- إن هذا النوري كان جان دي فرانس. ثم ألا تذكر أن المركيز روجر كاد يبطش به الوحش في ~~الغابة وأن رجلا أنقذه؟ ~~- نعم. ~~- إن هذا الرجل كان جان دي فرانس. ثم ألا تذكر حين احتالوا على المركيز يوم مبارزته ms071 مع ~~الضابط مكسويل، فأعطوه حساما سريع الانكسار، وأن رجلا أبدل السيف بسواه؟ إن هذا الرجل كان ~~جان دي فرانس. ~~- إذن، إنه شيطان في زي إنسان . ~~- هو ذاك. ولكنه ملاك يحمي روجر من كل الأحقاد، فقد أنقذه عشر مرات من الموت في أميركا، ~~وهو يلزمه لزوم ظله أين ذهب. ~~- وإن روجر شريكه لا محالة؛ لأنه يعرف أصله. ~~- كلا؛ فإن روجر يعتقد اعتقادا واضحا أنه ابن اللورد الشرعي. ~~- إذا كان ذلك يمكن إرجاعه إلى الصواب. ~~- نعم. ولكن ليس أنت الذي تستطيع إرجاعه. ~~- كيف ذلك؟ أيشك بكلامي؟ ~~- إن الذين يخضعون لسلطة جان دي فرانس لا يثقون إلا به أو بي. ~~- أنت؟ ~~- نعم. فإن روجر يحبني أعظم حب بحيث أستطيع به مقاومة جان دي فرانس، فإذا أطلقت لي حريتي ~~جعلت ليونيل يخلف المركيز دون أن أدع الألسنة تلهج بهذا الانقلاب. ~~- ولكن ماذا يكون مصيره؟ ~~- ليتوارى معي عن العيون ويكفيه ثروة أن أحبه كما يحبني. ~~- ولكن أية فائدة لجان دي فرانس من حماية المركيز؟ ~~- إنه ابن أخته، ومن طائفته المضطهدة؛ فهو يريد أن يتخذه سلاحا ضد مضطهدي تلك ~~الطائفة. ~~- وأنت تعتقدين أنك تستطيعين مقاومة جان دي فرانس؟ ~~- بل إني واثقة من الفوز عليه إذا كنت تأذن لي أن أخرج من المنزل حين أشاء. ~~- إني أمنحك هذه الحرية فلا يهنأ لي عيش قبل أن تنحل هذه الرموز. ~~- لقد قلت لك إني محتاجة إلى رجلين يساعدانني على اختطاف. ~~- من الذي تريدين اختطافه؟ # سينتيا أم المركيز، وإن عندك خادمين شديدين، وهما نوح وبلاك، فمرهما أن يطيعاني وعلي ~~البقية. # ثم قرعت جرسا، وأمرت أن يعدوا لها مركبة. ~~••• # وقد تقدم لنا القول إنها اختطفتها، وكان اختطافها بواسطة الرجلين والهندية؛ فإنهم كمنوا ~~لها عند مدخل منزلها، حتى إذا خرجت منه دنت منها الهندية وبسطت يدها تسألها الإحسان، فبينما ~~كانت تحاول إعطاءها قطعة من النقود شعرت أن كيسا غطى رأسها وأنها حملت فوضعت في مركبة، ثم ~~سمعت تلك المتسولة تقول لها: احذري أن تصيحي إذا أردت السلامة لك ولولدك. # وبعد أن سارت ms072 المركبة قليلا قالت لها الهندية: إن هذا الكيس يزعجك كثيرا فإذا أردت أن ~~نعصب عينيك نزعناه عن رأسك فتستطيعين التنفس بحرية. # فأومأت برأسها إشارة إلى القبول، فنزعت الكيس عن رأسها، وعصبت عينيها، ثم قالت لها: إننا ~~نستطيع الآن أن نتحدث. # قالت: ماذا تريدين مني؟ # قالت: أريد أن أحدثك بشأن ولدك. ~~- ليس لي بنون. ~~- بل إنك تكذبين؟ ~~- ثقي أنك مخطئة فليس لي ولد ولا زوج. ~~- بل إننا واثقون أن لك ولدا وأنهم فرقوا بينك وبينه. ~~- لقد قلت لك إنه ليس لي ولد؛ فإلى أين تذهبون بي؟ ~~- إلى هذا الولد الذي تنكرينه. ~~- إذن سوف ترون أنكم مخطئون؛ فإن الولد يعرف أمه. # فامتنعت الهندية عن مباحثتها، وبعد ساعة وصلت المركبة إلى منزل ألن الصيفي، وهو ذلك ~~المنزل الذي استقبلت فيه جان حين أرادت محالفته، فأخرجتها الهندية من المركبة، وأدخلتها إلى ~~المنزل، فسمعت سينتيا الرجلين يتحدثان، وسمعت من خلال حديثهما اسم مس ألن فسرى الرجاء إلى ~~قلبها؛ إذ علمت أنها في منزل مس ألن، وأن أخاها جان يعرف هذا المنزل. # وعند ذلك نزعت الهندية العصابة عن عينيها، فوثقت أنها عند مس ألن، فإن جان كان قد وصف لها ~~تلك الغرفة فوجدتها كما وصف. # ثم مشت بها الهندية إلى قاعة المكتبة، فأدارت لولبا في الجدار فانفتح باب خفي، فدخلت ~~وإياها منه، فأقفلته وقالت لها وهي مجردة خنجرها: إنك سترين ولدك، ولكن احذري أن تصيحي ~~صيحة. # وقد أزاحت كتابين عن موضعهما فنفذ النور إلى تلك الغرفة من ثقبين وراء الكتابين، فقالت: ~~إنك تستطيعين أن تري من هذين الثقبين حين يأتي ولدك. # قالت: إني لا أفهم شيئا مما تقولينه، فلقد قلت لك إنه ليس لي ولد. # قالت: سوف نرى. # بعد هنيهة دخلت مس ألن إلى القاعة، فرأتها سينتيا وعرفتها، فإنها وقفت معها في المركبة ~~يوم عاد ابنها من أميركا. # أما ألن فإنها جلست على مقعد أمام الثقبين، وجعلت تحدث نفسها بصوت مرتفع فتقول: ترى ~~أيأتي. نعم إنه سيأتي. آه كم أطلبه. ولكني أخاف أن يكون تأخر وصول ms073 رسالتي إليه. # ثم قامت ففتحت نافذة تشرف على النهر، فأطلت منها وقالت: روجر! أين أنت؟ إني لا أرى قاربا ~~في النهر ولا أسمع صوت مركبة في الطريق. أواه ما أشد وقع الريب في قلوب المحبين. # فكانت سينتيا تسمع أقوالها وهي تنذهل وتقول في نفسها: عجبا كيف يقول أخي إنها عدوة روجر ~~وهي تحبه هذا الحب؟ # وعند ذلك صاحت ألن صيحة فرح وقالت: هذا هو قد حضر ... إني أسمع وقع المجاذيف في المياه ... ~~نعم نعم. هذا هو. وا فرحاه! # وكانت الهندية ممسكة بيد سينتيا فقالت لها: أرأيت كيف أن يدك تضطرب في يدي حين علمت ~~بقدومه؟ # فحكمت نفسها وقالت: كلا ليس لي ولد، وأنتم واهمون. # وبعد هنيهة دخل روجر فقبل يد ألن فقالت له: أول ما أبدأ به أيها الحبيب رجائي أن تغض ~~الطرف عن دعوتي إياك، ولكني فقدت صوابي للخطر المحدق. # قال: أي خطر هذا؟ ~~- إنه خطر يحدق بي وبك؛ فقد كدت أفترق عنك إلى الأبد. ~~- رباه ماذا أسمع؟ ~~- إن عمي أراد أن يحول بيننا؛ فقد علم بحبنا. ~~- إنه كان عندي اليوم. ~~- لا أعلم. ولكن الذي أعلمه أنه تآمر علي مع والدة ليونيل. # فاصفر وجه المركيز وقال: لقد بت أكره ليونيل بعد أن كنت أحبه كأخي. # قالت: اغفر له أيها الحبيب، فهو يحبني ويتوهم أني أحبه. ~~- وهذه المؤامرة. ~~- إنهما يريدان أن يرسلاني إلى قصر لعمي في إيكوسيا، وهناك يأتي ليونيل فيزوجاني به، ولكن ~~اطمئن فقد اكتشفت سر هذه المؤامرة، ولذلك دعوتك. ~~- إذن أنت لا تسافرين؟ ~~- كلا. ~~- ولا تتزوجين ليونيل؟ ~~- ألم أقسم لك؟ # فقالت سينتيا في نفسها: لا شك أن أخي منخدع، فكيف تكون عدوته وهي تحبه هذا الحب؟ # وعادت ألن إلى الحديث فقالت: أما وقد رأيتك الآن وأخبرتك بما كان يحدق بك من الخطر، فلا ~~يجب أن أرتكب هفوة جديدة. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أعني أن عمي علم أني زرتك في منزلك، والآن يجب أن أسرع إلى العودة إلى لندرا؛ فإني أخاف ~~أن يعود عمي من النادي فلا يجدني في المنزل. ~~- كيف ms074 ذلك؟! أأفارقك وأنا لم أكد أراك؟ ~~- لا بد من ذلك، ولكني سأعود معك فيخفينا الظلام. # فصاح صيحة فرح. فقالت له: اسكت إذ يوجد هنا خادمة جديدة تحرس المنزل، وأنا آتي إلى هنا من ~~حين إلى حين لافتقدها. # وإن قاربي يرسو عند الشاطئ، وقد أطلقت سراح النوتي الذي أوصلني لترجعني أنت فلا تجزع لأمر ~~وثق بي. ~~- أواه من ليونيل. ~~- لماذا تخافه وأنا لا أحبه؟ ~~- إني أخاف أن يكرهك عمك إلى الامتثال. ~~- لا توجد قوة تكرهني، فثق بي كما تثق بأمك. ~~- أمي؟! وا أسفاه! إني لم أعرف أمي. ~~- أكنت تحبها إذا عرفتها؟ ~~- بل كنت أعبدها. ومن هذا الذي لا يحب أمه؟ # وعند ذلك سمعت الهندية تنهدا عميقا تلاه سقوط جسم على الأرض؛ ذلك أن سينتيا كانت قد ~~أغمي عليها. أما ألن فإنها خرجت مسرعة مع المركيز. # الفصل السابع # | الفشل بعد الفوز # عندما استفاقت سينتيا من إغمائها لم تكن في تلك الغرفة التي سمعت الحديث منها؛ فإن ~~الهندية كانت قد أخرجتها إلى القاعة وعالجتها حتى استفاقت، فقالت لها: هل تستطيعين الإنكار ~~أنه ولدك؟ # ولكنها عادت إليها قواها فقالت بصوت أجش: لقد قلت لك إنه ليس لي ولد. ~~- إذا كان ذلك، فلماذا أغمي عليك حين سمعته يتكلم عن أمه؟ ~~- لأني تذكرت ولدا لي مات. والآن ألا تطلقين سراحي؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يجب أن تري مس ألن. ~~- من هي هذه الفتاة؟ ~~- هي تلك الحسناء التي تحب ولدك. ~~- وأنت تقولين إنها تريد أن تراني؟ ~~- نعم. فإنها تريد أن تجمعك بولدك. ~~- لقد قلت لك إنه ليس لي ولد، فكيف أكون أنا الفقيرة أم هذا السيد العظيم، ثم إذا كانت ~~تريد أن تراني فلماذا ذهبت؟ ~~- إنها ستعود غدا. والآن أنصحك أن تنامي على هذا المقعد؛ فإن الليل قد انتصف، وأنت في ~~حاجة إلى الراحة. # فامتثلت، وغطتها الهندية بغطاء، ثم اضطجعت على مقعد آخر كأنها تريد أن تنام أيضا، فقالت ~~سينتيا في نفسها: إني سأصبر عليها حتى تنام فأخنقها قبل أن تتمكن من الصياح وأهرب. # ولكن حدث عند ذلك ms075 ما لم تكن تتوقعه؛ فإن الباب فتح فجأة ودخل منه الخادمان فقالا للهندية: ~~أسرعي فإنهم في أثرنا وقد رأيناهم في النهر. # فقالت سينتيا: هذا أخي قادم لإنقاذنا، ثم صاحت قائلة: إلي إلي. # فأسرع الخادمان إليها فكمماها. وقالت لهما الهندية: اقبضا على يديها، فسأعمل لها عملية ~~تمنعها عن الصراخ. # فقبضا عليها، وأخرجت الهندية زجاجة فيها رشاش أصفر فأدنته من أنفها وأكرهتها على تنشقه ~~حتى تلاشت قواها وسقطت يداها، فحملوها إلى الغرفة السرية، واختبئوا جميعهم فيها، فجعلت ~~الهندية تنظر إليها وتقول: ليأتوا الآن، وليبحثوا عنك قدر ما يشاءون، إني أدعى داني ناتها، ~~وما زلت أخت جان دي فرانس، ذلك اللص الذي سرق كنز إلهي، فاعلمي أني شممتك رائحة تفقدين ~~بعدها كل حس ما عدا النظر والسمع بحيث تصبحين حية شبه ميتة. # وبعد هنيهة دخل جان وشمشون فقد كانا علما باختطاف سينتيا؛ فإن شمشون كان قد رأى عن بعد ~~رجلين يحملان امرأة إلى مركبة، وكانت المركبة بعيدة عنه فلم يستطع إدراكها، فأيقن جان أن ~~ألن قد اختطفتها، وأسرع مع شمشون إلى منزلها الصيفي، فبحثا فيه بحثا دقيقا فلم يجدا لها ~~أثرا، فاقترح شمشون أن يحرق المنزل فمنعه جان قائلا: لا أريد مداخلة البوليس، ولا بد لي ~~الآن أن أبحث عنها في منزل السير روبرت، فهلم بنا نعد إلى لندرا. # ولما ابتعدا قال أحد الخادمين لرفيقه: إنهما لن يظفرا بالأسيرة هذه الليلة، وما راعني إلا ~~خوفي أن يحرقا المنزل. # أما جان فإنه عاد مع شمشون بطريق النهر وهو ينذر ويتوعد ويقول إني سأقتل هذه الماكرة ~~جلدا بالسياط. # فقال له شمشون: إني عينت رجلا كما أمرتني لمراقبة منزل السير روبرت، ولا بد أن يكون رأى ~~ألن ليلة أمس. ~~- من هذا الذي عينته؟ ~~- جولد. ~~- إنه من الأذكياء، فلماذا لم تره اليوم؟ ~~- لقد كنت عازما على الذهاب إليه في الساعة الثامنة، ولكن عرفت ما جرى. ~~- سنراه الآن. # وقد ذهبا إلى منزل السير روبرت، ولقيا جولد، فسأله جان قائلا: ماذا رأيت؟ # قال: إن مس ألن خرجت أمس في ms076 مركبتها، ولكنكم لم تأمروني أن أتبعها، فلم أعلم إلى أين ~~ذهبت. ~~- متى عادت؟ ~~- عند انتصاف الليل. ~~- ألم تخرج بعد ذلك؟ ~~- كلا. فقد زارها في تلك الساعة فتى لم أتبين وجهه إذ كان ملتفا بوشاحه، وقد دخل من باب ~~الحديقة بمفتاح كان معه. # فقال جان في نفسه: إنه ليونيل، ثم سأله قائلا: كم أقام معها؟ ~~- نحو ساعة. فقد كنت ملتصقا بالباب وسمعتها تقول له حين خروجه: إلى اللقاء غدا. ~~- واليوم، أخرجت من المنزل؟ ~~- نعم عند الظهر. ~~- ومتى عادت؟ ~~- منذ ساعة. ~~- أعادت وحدها؟ ~~- نعم. ~~- حسنا. فعد إلى منزلك. # وقد نظر جان في ساعته وقال: إن السير روبرت لا يعود من النادي قبل انتصاف الليل، ولا يزال ~~الوقت فسيحا لدي. # ثم ذهب إلى شمشون وقال: اذهب واكمن عند باب المنزل؛ فإذا رأيت السير روبرت عاد فأسرع ~~وأخبرني، وإذا لم تجدني في هذا الزقاق فنادني بصفيرنا الخاص. # قال: ألعلك تريد الدخول إلى الحديقة يا سيدي؟ ~~- ربما. ~~- أتريد أن أكسر بابها؟ ~~- كلا، فسأدخل إليها بطريقة أخرى. # فذهب شمشون فكمن بجانب الباب، ولبث جان واقفا حيث كان الرقيب، وهو يقول في نفسه: إن ألن ~~تريد أن تتزوج بروجر، ومع ذلك فإنها تنتظر ليونيل، فلماذا تحتفظ بحب هذا الفتى ~~أيضا؟ # وكان جان قد عرف كثيرا من الأسرار، ولكنه لم يتوصل إلى معرفة سر ولادة ليونيل. # وفيما هو واقف ينتظر سمع خطوات ليونيل، ثم رآه وصل إلى باب الحديقة فالتفت يمنة ويسرة، ثم ~~أخرج مفتاحا من جيبه وحاول فتح الباب، فأسرع جان فحال بينه وبين الباب وقال له وقد وضع ~~قناعا على وجهه: لي كلمة أقولها لك أيها النبيل. # وكان ليونيل باسلا جريئا، فدهش لهذه المفاجأة، وحسب جان من اللصوص فانتهره قائلا: سر ~~في سبيلك أيها الرجل. # فلبث جان في موقفه وقال له: ألم أقل لك لي كلمة أقولها؟ ~~- لي أنا؟ ~~- نعم. لك أنت الضابط ليونيل. ~~- إذا كنت في حاجة إلى كيسي فليس فيه الليلة ما يذكر، وليس لي وقت للدفاع عنه ~~فخذه. # ثم أخذ كيسه من جيبه ms077 وألقاه إلى الأرض، فقال له جان بلهجة الساخر: لا بأس من أن تنتظرك مس ~~ألن ربع ساعة. # فاضطرب وقال له معصبا: من أنت فتكلمني بهذه اللهجة؟ ~~- إني رجل يريد أن يسدي إليك نصيحة. ~~- ما تعودت أن أسمع نصائح من يبرقعون وجوههم. ~~- إنك مخطئ، فالعاقل لا يحتقر النصيحة كيف كان مصدرها. # فسئم ليونيل من الجدال وقال له: ما هي نصيحتك؟ # قال: هي أن تعطيني مفتاح هذه الحديقة وتعود إلى منزلك فتنام، وإني أعدك أن أرده إليك مع ~~خادمي في الصباح. # قال: يعز علي أن أخترق صدرك بحسامي؛ لأنك غير مسلح، ولكن ... # وكان مع جان عصا حشوها حربة طويلة كالحسام فجردها وقال له: إذا كان لديك حسام فإني أشرفك ~~بالمبارزة تحت هذا المصباح المعلق في الطريق. أليس هذا الذي تريده؟ ~~- هو ذاك. فتفضل بكشف برقعك كي أراك. # يسوءني أني لا أستطيع إجابة سؤالك. # وقد اشتبك القتال بينهما، فقال له جان: إني غير حاقد عليك. وشهد الله أني لو لم أكن في ~~أشد الاحتياج إلى هذا المفتاح الموجود في جيبك لما قاتلتك. ولذلك لا أقتلك بل أصيبك إصابة ~~بسيطة لا يعرف سرها سواي، فستسقط مغميا عليك نصف ساعة، وهذا كل ما أحتاج إليه من ~~الوقت. # فهاج ثائر ليونيل لهذا الكلام وانقض على خصمه انقضاض الصاعقة، ولكنه لم يكد يتم هجمته ~~حتى شعر أن سيفه سقط من يده وسقط هو على الأرض لا يعي. # فقاده جان إشفاقا عليه، ثم أخذ مفتاح الحديقة من جيبه وسار إلى بابها وهو يقول: لقد جاء ~~الآن دور مس ألن فلنر ما يكون. ~~••• # كانت مس ألن قد عادت مع المركيز روجر في طريق النهر، فلما وصلا إلى لندرا أركبها مركبة ~~وفارقها بعد أن واعدها على اللقاء، فعادت إلى منزلها قبل انتصاف الليل بنصف ساعة. # وهناك غيرت ملابسها وتقلدت خنجرا صغيرا كانت الهندية أهدته إليها، فكانت تتقلده ~~دائما بعد أن شهرت حربها على جان. # ثم نزلت إلى الحديقة لتجتمع بليونيل فيها حسب عادتها في كل ليلة، فسارت بين الأشجار حتى ms078 ~~انتهت إلى مغارة في وسط الحديقة يوجد تحتها دهليز خفي. # وحكاية هذه المغارة أن القصر الذي كان يقيم فيه السير روبرت كان قديما يتصل بعهد كرمويل ~~والثورة الإنجليزية، وهو في ذلك العهد للورد شافستبوري من المتشيعين للملك، فبنى هذه ~~المغارة وبنى تحتها الدهليز، فكان يخفي فيه الأسلحة والأوراق ويختبئ هو فيه أحيانا حين ~~تشتد به المخاوف. # وكان يفصل بين المغارة والدهليز حجر كبير كان له شبه باب، فلما مرت ألن بهذه المغارة قالت ~~في نفسها: إني سأسجن سينتيا في هذا الدهليز؛ فأكون آمنة عليها فيه. # ثم تجاوزت المغارة وسارت إلى حيث كانت تلتقي بليونيل، فلم تكد تجلس على كرسي هناك حتى رأت ~~رجلا يدنو منها، فقالت له بصوت منخفض: أهذا أنت يا ليونيل؟ # فدنا منها وقال لها: بل هذا أنا. # فصاحت صيحة ذعر؛ إذ عرفت جان من صوته، وحاولت أن تهرب وتستغيث، ولكن خطر لها خاطر سريع ~~فلبثت في مكانها وقالت له: تعال فإني أنتظرك. # وكان جان بعيدا عنها ثلاث خطوات، فدنا حتى وصل إليها؛ فقالت له بلهجة الهازئ: إنك إذا ~~كنت قادما لتقتلني فقد عرفت أن تنتهز الفرص؛ فإن السير روبرت لم يعد بعد وكل من في ~~القصر نيام. # وكان جان يتوقع أن تنذعر فإذا بها تهزأ به؛ فأجابها قائلا: لا أعلم. فإن حياتك وموتك ~~منوطان بك. # قالت: إذا كنت مترددا فهلم نتباحث، فهل جئتني بأنباء عن اليبسي تلك المصرية ~~الحسناء؟ # فاتقدت عيناه ببارق من الغضب لهذه الذكرى وقال لها: إني عاهدت نفسي على أن لا أقتلك لأنك ~~امرأة، ولكن موتك منوط بك، فإذا شئت حللت نفسي من هذا العهد. # فقالت ألن في نفسها: إن ليونيل لا يلبث أن يحضر فينقذني منه فلأماطل في الحديث، ثم أجابته ~~قائلة: إني عرضت عليك الصلح فأبيت إلا الحرب. # وقد قالت هذا القول ونظرت إلى باب الحديقة، فأدرك جان معنى هذه النظرة وقال لها: إنك إذا ~~كنت تنتظرين ليونيل فسيطول انتظارك لأني دخلت إلى هنا بمفتاحه. # فسال العرق البارد من جبينها وقالت: ألعلك ms079 قتلته؟ ~~- كلا. ولكني أقسم لك إنه لا يحضر، فلا تعتمدي عليه. ~~- والآن ماذا تريد مني؟ ~~- أن تردي سينتيا. ~~- من هي سينتيا؟ ~~- لا يفيدك الإنكار؛ فإني مستعجل. ~~- إذن وضح ما تقول. ~~- إنك اختطفت أختي في هذه الليلة. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت، وإن المركبة التي حملتها وقفت عند باب منزلك الصيفي. وقد فتشت هذا ~~المنزل. ~~- أوجدت فيه أختك؟ ~~- كلا فهي هنا. ~~- لا أفهم ما تقول؟ # فقبض جان على عنقها بيديه وقال لها: سيان عندي أكنت مخطئا أم مصيبا؛ فإن موتك لا يستحق ~~الندم. # ثم ضغط على عنقها؛ فحاولت أن تجرد خنجرها فلم تستطع، فقالت بصوت مختنق: كفى كفى ~~ارحمني. ~~- أتعترفين؟ ~~- نعم. # فأفلت عنقها وقال: تكلمي. # فقالت له بلهجة المتوسل: إن العفو جميل عند المقدرة، وأنا الآن في قبضة يدك يا جان، ~~وسأخبرك أين هي أختك. ~~- إذن أنت تعترفين أنك اختطفتها. ~~- لست أنا، بل السير روبرت. ~~- وأنت شريكته؟ ~~- نعم. ~~- أتعلمين أين هي؟ ~~- نعم. ~~- قولي. ~~- بشرط أن تنقذني من غضب السير روبرت. # فدهش جان وقال لها: كيف ذلك؟ # قالت: أصغ إلي. فقد كنت مصممة أن أحاربكم جميعكم، ولكني أجد الآن أن ذلك فوق مقدرتي، ~~وأعترف أني مغلوبة، غير أني أسأت إلى نفسي بقصد الإساءة إليك، فأخبرت السير روبرت بكل الأمر ~~وقلت له: إنك نوري مثلي وإن روجر من النور أيضا، فجعلني آلة لكشف هذه الأسرار؛ فإذا ~~أخبرتك أين هي غضب علي وطردني لا محالة. # وكانت تتكلم والدموع تسيل من عينيها بحيث خدع جان بدموعها بالرغم عن حذقه واختباره، فهاجت ~~في صدره عوامل المروءة وقال لها: إنه إذا طردك أقمت بيننا وكنت على خير حال. # فهزت رأسها وقالت: إنك لا تعلم ما ألقاه من اليأس لهذا التبديل؛ فقد تعودت أن أعيش عيش ~~الترف والنعيم، وأن أكون من شريفات الإنكليز، ولذلك قاومتك وأردت أن أكون زوجة المركيز، غير ~~أني ندمت لما بدا مني، فلا تقذف بي إلى الحضيض. دعني أعيش مع الذي جعلني وريثته فلا أقاومك ~~بعد الآن. # قال: سوف نرى، فقولي لي الآن أين هي أختي؟ ms080 ~~- إنها هنا، وأنت لديك كثير من الجواسيس، فاجمعهم وتسلقوا الجدران، بل هاجموا القصر؛ فإنك ~~تجدها ولا يتهمني السير روبرت أني بحت بسره. ~~- أين هي أختي ...؟ قولي ... والويل لك إذا ماطلت. # فتكلفت هيئة الرعب الشديد وقالت: خير لي أن أعيش شقية مترددة من أن أموت في العشرين من ~~عمري، وسأرشدك إلى المكان المسجونة فيه. ~~- إذن سيري أمامي، وثقي أنك إذا صحت أقل صيحة أغمدت خنجري بين كتفيك قبل أن تصيحي صيحة ~~ثانية. # فقالت بصوت يتهدج بالدموع: إن الله عاقبني بآثامي فلا أعود إلى المقاومة. وقد مشت إلى ~~المغارة ومشى جان في أثرها على قيد خطوة، حتى إذ وصلت إلى باب المغارة وقفت وقالت له: إني ~~لا ألتمس منك غير أمر واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تقيد يدي ورجلي حين تنقذ أختك وتضع كمامة في فمي كي يثق السير روبرت أني ما ~~خنته. ~~- إني أعدك بذلك، والآن إلى أين أنت ذاهبة بي؟ ~~- اعلم أنه يوجد تحت هذه المغارة قاعة سرية لا يعلم سرها إلا أنا والسير روبرت، فخذ بيدي ~~ولندخل إليها وهناك نضيئها. ألديك كبريت شمعي؟ ~~- قال: نعم. ثم أخذ بيدها ولبث خنجره بيده الأخرى، حتى إذا دخلا المغارة أنار جان الكبريت ~~فرأى مغارة متسعة لم يجد فيها بابا فقال لها: أين الغرفة السرية؟ ألعلك هزأت بي؟ # قالت: كلا. فانظر إلى هذا الحجر الكبير فإنه يحجب بابها، فإذا أزحته عن موضعه ظهر لك من ~~تحته لولب صغير تضغط عليه فينكشف الباب، ولكني لا أستطيع إزاحة الحجر فهو ضخم كما ~~تراه. # قال: أنا أزيحه. ثم انحنى وجعل يعالج ذلك الحجر الكبير حتى أزاحه وظهر له اللولب كما ~~قالت. # فقالت له: اضغط عليه بقوة فوضع يده عليه وضغط بعنف شديد فوثبت ألن مسرعة إلى الوراء، ~~وانشقت الأرض حيث كان جان، فهوى إلى جوف تلك الهوة وصاح صيحة هائلة سمعتها ألن فضحكت ضحك ~~الهازئ وهي تقول: إذا لم يمت من السقطة فسيموت من الجوع. ~~••• # أما شمشون فإنه انتظر إلى أن عاد المسيو روبرت فجاء إلى ms081 باب الحديقة كي يخبر جان فلم ~~يجده، فصفر الصفير الخاص وصبر فلم يأت؛ فمشى إلى الزقاق باحثا عنه فلقي ليونيل صريعا ~~والدم يسيل منه، فحمله إلى أقرب مخفر وعاد إلى موقفه، فصبر إلى أن أشرق الصباح دون أن يحضر ~~جان، فقال في نفسه: لا شك أنه عاد إلى المنزل بينما كنت أوصل ليونيل إلى المخفر. # وقد ذهب إلى المنزل فوجد الطبيب بولتون يعالج اليبسي، فسأل عن جان فقالوا له: إنه لم يعد، ~~فأخبرهم بأمره واشتد قلق الطبيب عليه. # وفيما هم يتداولون دخل أحد الخدم برسالة وقال: إن أحد الخدم جاء بها وانصرف ففضها شمشون ~~وعرف خط جان. قرأها على مسمع من الطبيب واليبسي، وهي تتضمن جملة واحدة وهي: # لا تقلقوا لغيابي فسأغيب عنكم خمسة أيام فقط. # وحكاية هذه الرسالة أن ألن حين ألقت جان في الهاوية عادت إلى الموقف الذي كانت فيه على ~~رجاء أن تجد ليونيل؛ فعثرت رجلها بدفتر فالتقطته وهي موقنة أنه سقط من جيب جان حين كان ~~يحاول خنقها. # وعند ذلك ذكرت ما قاله لها جان أن ليونيل لا يحضر وأنه دخل إلى الحديقة بمفتاحه، فذهبت ~~إلى غرفتها وهي تطمع أن تقف على أسرار جان من هذا الدفتر، فلم تجد فيه غير مذكرات لا علاقة ~~لها بالمركيز. # ولكنها استفادت من ذلك أنها مرنت يدها على خط جان، ثم نزعت ورقة من هذا الدفتر كتبت عليها ~~تلك الجملة مقلدة خطه أتم التقليد، وعند الصباح أرسلت تلك الرسالة مع أحد خدمها إلى منزل ~~جان كي يطمئن رجاله عليه فلا يبحثون عنه. # وكانت قد لبثت في غرفتها إلى أن جاء السير روبرت فسألها قائلا: ماذا فعلت؟ # قالت: لقد قبضت على المركيز. وأنت ماذا فعلت؟ # قال: إني دعوت الأشراف الثلاثة الذين ذكرتهم لي للغداء عندي غدا، ولقيت المركيز روجر في ~~نادي الحسان ففعلت أيضا ما أوصيتني به، وجعلت المحادثة تدور على نادي هرمين السري. # قالت: ماذا قال المركيز؟ # قال: إنه أنكر وجود مثل هذا النادي في لندرا، ثم قال تأييدا لحجته: ms082 إنه إذا كان هذا ~~النادي موجودا كما تدعون فإني أتعهد أن أكون من أعضائه. # قالت: إذن لقد تم لنا النصر. # قال: وأنا قد فعلت كل ما أوصيتني به. فهل تريدين أن تخبريني الآن بماذا يكون؟ # قالت: كلا. ولكني وعدتك أن أبرهن لك على أن المركيز روجر هو ابن النورية سينتيا، وستقف ~~غدا على هذا البرهان أنت وأشراف الإنكليز. # قال: ألا يجمل بنا اتقاء هذه الفضيحة؟ # قالت: كلا. فإن روجر لا يتنازل لأخيه إلا إذا افتضح الأمر لدى جميع الأشراف. ~~••• # وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي ذهب الطبيب بولتون إلى المركيز ليتم عملية إزالة ~~الوشم فأخبره المركيز بأمر هذه الجمعية السرية، وبما كان من تعهده بالانتظام فيها، وأن غرض ~~هذه الجمعية معاقبة كل شريف يقدم على أعمال منكرة، وأنه ينتظر أن يأتوا إليه في هذه الليلة ~~فيدخلوه في سلك هذه الجمعية. # فأطرق الطبيب مفكرا وقال: أرى أنك اندفعت اندفاعا غير محمود، وأنك مخطئ في ذهابك إلى ~~هذه الجمعية. # قال: ربما. ولكن لم يبق سبيل إلى الرجوع حذرا من أن أتهم بالخوف. # وبعد هنيهة خرج الطبيب وهو يقول في نفسه: لقد أشغلت بالي هذه الجمعية، ولا شك أن هناك ~~مكيدة تكيدها ألن. # أما المركيز فقد جاءه في ذلك اليوم رسول مقنع من قبل الجمعية، واتفق وإياه على أن يأتي ~~إليه في اليوم التالي للذهاب به إليها. # وفي اليوم التالي جاءه ذلك الرسول عند انتصاف الليل فخرج وإياه وركبا مركبة، حتى إذا سارت ~~بهما قال له الرجل: إني سأعصب عينيك حسب قواعد جمعيتنا، فهل تقسم لي أنك لا تنزع ~~العصابة؟ # قال: أقسم. # فعصب عينيه، وسارت بهما المركبة إلى أن وقفت؛ فخرج الرجل مع المركيز ودخلا من باب، فمشى ~~وإياه بضع خطوات ثم قال له: لك الآن أن ترفع العصابة. # فرفع المركيز العصابة ونظر إلى ما حواليه، فرأى على نور القمر أنه في مقبرة، فقال له: ~~أهنا تجتمعون؟ # قال: ألعلك تخاف الأموات؟ # قال: لا أخاف الأموات ولا الأحياء. # قال: إذن اتبعني. # وسار الاثنان ms083 بين القبور حتى وصلا إلى ضريح ~~كبير من الرخام، ففتح الرجل باب الضريح وقال له: إلى مغارتك الآن. فادخل من هذا الباب تجد ~~سلما، فانزل عليه حتى تبلغ الدرجة الأخيرة فتسير في رواق صغير تجد في آخره بابا، فتقرعه ~~ثلاث مرات وتذكر اسمك. والآن أعطني حسامك. # فأعطاه حسامه، ودخل المركيز غير هياب، ونزل السلم حتى انتهى إلى الباب فقرعه، فأجابه ~~صوت من الداخل قائلا: من أنت؟ # قال: أنا الذي تنتظرونه. # قال: من أنت؟ # قال: أنا المركيز روجر دي إسبرتهون. # قال: ادخل. # ثم فتح الباب واتقدت الأنوار عند ذلك فأنارت المكان. ~~••• # ولنعد إلى سينتيا؛ فإنها بعد ساعة ذهب عنها تأثير المخدر وحلت عقدة لسانها، فأخرجوها إلى ~~القاعة بعد وثوقهم من انصراف جان، وأقاموا يتناوبون الحراسة عليها. # وفي اليوم التالي جاءت ألن فخفق قلب سينتيا، ولم تعلم أتثق بهذه الفتاة بعد ما رأته من ~~حبها لولدها أم تحذر منها وقد قال لها أخوها: إنها عدوتهم اللدودة. # أما ألن فإنها دنت منها فأخذت يدها بين يديها وقالت: آه لو تعلمين كم يسوءني أن أراك ~~جازعة وأنت أم روجر الذي لا أحب سواه في هذا الوجود. # قالت: إنك واهمة؛ فليس لي ولد. # قالت: إنك تحذرين مني وحقك أن تحذري في الظاهر؛ لأنهم لا بد أن يكونوا قد أخبروك بأني ~~عدوة ولدك، والله يشهد أني أحبه. # قالت: لقد قلت لك إنه ليس لي ولد، ولا علاقة لي بهذا الفتى الذي تذكرينه، ولكن لنفترض أني ~~أمه فكيف لا أحذر من امرأة اختطفتني في الطريق، وعهدت بحراستي إلى امرأة سافلة ~~تعذبني؟ # قالت: ومن أنبأك أن الذي حدث هنا قد جرى بأمري، بل من أنبأك أني لا أتعذب أشد مما ~~تتعذبين، ولكني لا أحاول إقناعك فإن ذلك محال كما يظهر، ولم يبق لي إلا أن أقول بأنك ~~حرة. # فصاحت سينتيا صيحة فرح، ومشت إلى الباب، ثم رجعت وقالت لها: ولكن لماذا حبستني يومين ثم ~~أطلقت سراحي اليوم؟ # فأجابتها قائلة: إذا أردت أن تعرفي السبب ~~فلا بد من أن ms084 تدعيني أفترض أنك أم روجر، إن روجر يحبني وأنا أحبه، ولكن رجلا تعرفينه حال ~~بيننا، وهذا الرجل هو جان دي فرانس؛ فإنه يحبني حبا فاسدا ، ويتعقبني منذ ثلاثة أعوام، ~~وقد آلى على نفسه إهلاك خصمه؛ إذ بات ألد عدو له فهو يخدعك ويخدع المركيز إسبرتهون، ويمثل ~~هذه الرواية الشائنة أقبح تمثيل، والآن فاذهبي إلى أخيك الذي تحبينه وتآمري وإياه - دون أن ~~تعلمي - على إهلاك ولدك روجر. أما أنا فسأقاومكم بجملتكم وحدي لأني أحبه. # إني أحبه أسمعت؟ وسأجد من حبي قوة تعينني على إنقاذه من مخالبكم، ولكن إذا كنت تحبين أخاك ~~حقيقة فاجتهدي أن تهديه سواء السبيل. # وعند ذلك دخل خادم من خدم المركيز روجر وهو يلهث من التعب فناول مس ألن رسالة وقال لها: ~~هذه رسالة من سيدي المركيز. # فأخذت الرسالة، ولم تلبث أن قرأتها حتى شهقت وسقطت مغميا عليها بين يدي سينتيا، وأسرعت ~~الهندية إليها فاغتنمت سينتيا هذه الفرصة ونظرت إلى الرسالة فقرأت فيها ما يأتي: # حبيبتي ألن، # إني سقطت في كمين، وسأموت بعد ساعة إذا لم تسرعي إلى نجدتي، فإني في قبضة جمعية ~~هرمين السرية. # وعند ذلك فتحت ألن عينيها وقالت: هلموا إلى إنقاذه إنهم سيقتلونه، وصاحت سينتيا قائلة: ~~ولدي ولدي. # فقبضت ألن على يدها وقالت لها: هلمي ... أسرعي؛ فإن كل دقيقة نفقدها تقربه من الموت. # ثم خرجتا راكضتين إلى المركبة فصعدتا إليها، وأمرت ألن السائق أن ينهب الأرض إلى سانت ~~حيل. ~~••• # والآن لندخل إلى نادي تلك الجمعية السرية قبل وصول المركيز روجر إليها ببضع دقائق، وذلك ~~في قاعة مستديرة مفروشة بالحرير، وفي وسطها مائدة من البلاط الأبيض عليها نعش مكشوف وبجانبه ~~مطرقة ومسامير، وقد وقف رجل بالقرب من تلك المائدة مقنع الوجه مرتديا بملابس حمراء وهو ~~مستند إلى حسام مجرد، وكان وقوفه في إناء كبير مملوء بالنخالة. # وأمام هذه المائدة منصة من الخشب كان جالسا عليها اثنا عشر رجلا يلبسون فرو السمور، ~~وعلى وجوههم براقع من الحرير الأبيض، وهم جالسون دون حراك كالأصنام. # وكان بينهم رجل واقفا ms085 في الوسط وراء منضدة من البلور، وهو يلبس مثل رفاقه، ولكنه كان ~~يمتاز عنهم بعقد من الكهرباء في عنقه. # وكان على تلك المنضدة كثير من الأوراق وقضيب قصير من العاج، فقرع المنضدة بالقضيب ~~استرعاء للأسماع وقال: أيها اللوردية إني جمعتكم الليلة للاحتفال بدخول عضو جديد بيننا ~~مشهود ببسالته وآدابه. # وقال له أحد الأعضاء: لقد علمنا بأمر هذا العضو، ولكننا لم نعرف اسمه. # قال: إنه يدعى المركيز روجر دي إسبرتهون. # فقال سواه: إذا كان ذلك فلا فائدة من إضاعة الوقت في امتحان بسالته فإنها مشهورة. # فقال الرئيس: لا أجد بدا قبل أن نخوض في الحديث من أن أذكركم بغايتنا من تأليف هذه ~~الجمعية، وهي معاقبة كل شريف إنكليزي يسيء، وكل جريء يجسر على انتحال ألقاب الأشراف. إذن ~~فاعلموا أنه حدثت جريمة عظيمة من هذا القبيل أبسطها لكم بكلمتين، وهي أن جريئا من طائفة ~~النور تجاسر على انتحال لقب لورد. # فظهرت علائم الاشمئزاز على الجميع، ومضى الرئيس في حديثه فقال: إني بينما كنت أعد اليوم ~~دعوة اجتماعكم لإدخال المركيز إسبرتهون في جمعيتنا وردتني هذه الرسالة التي أتلوها عليكم وهي: # إن نادي هرمين لم يهتم إلى الآن إلا بأمور ثانوية، مثل كشف حيلة نبيل يحتال في ~~سباق الخيل كي يجعل السبق لجواده، ومثل منع زواج الشريف من غنية من عامة الشعب ~~طمعا بمالها، إلى غير ذلك من الأمور التافهة التي لا تذكر بالقياس إلى الجريمة ~~التي بسطتها لكم. # وإني أسأل جمعيتكم السرية أي عقاب يستحق من يخدع شعبا بأسره وينتحل لقب سيد عظيم ~~مات وهو في المهد، ويجسر على الجلوس في مجلس اللوردية؟ # فضج الأعضاء لما سمعوه، وقال لهم الرئيس: إني ألقي عليكم هذا السؤال الذي سأله صاحب هذه ~~الرسالة، فأي عقاب يستحقه هذا الرجل؟ # فوقف أحد الأعضاء وأجاب قائلا: يجب أن ينزع عن كرسيه وهو في مجلس اللوردية، وأن يجره ~~الكناسون على الطرقات. # وقال آخر: وأنا أقترح نفيه إلى إحدى الجزر. # وقال سواه: أما أنا فأرتئي غير هذا الرأي. # فقال الرئيس: ماذا ms086 ترتئي؟ # قال: إن أول شرط من شروط جمعيتنا أن يكون أعضاؤها من النبلاء، وأن يكون جميع الأعضاء ~~متضامنين، فإذا دخل ذئب إلى قطيع يقتلونه، وكذلك إذا دخل ذئب مزور بين النبلاء فقد وجب ~~عليهم أنفسهم أن يقتلوه، وعلى ذلك فإذا ثبتت التهمة على المتهم أقترح أن يموت؛ فارتعش ~~الحاضرون وجعلوا ينظرون إلى النعش الموضوع على المائدة وإلى الجلاد. # فقال الرئيس: إن البرهان موجود، إنما يجب قبل الحكم أن نعرض هذه الجريمة على العضو ~~الجديد، أي على المركيز روجر، فمتى أبدى رأيه فتحت هذا الكتاب الثاني الذي ورد لي اليوم ~~أيضا؛ فإنه يتضمن اسم هذا المزور، وهو موجود بين أعضائنا. # فصاح الجميع قائلين: هذا محال؛ فإننا نعرف أنفسنا. # قال: لا تعجبوا فقد أنبئوني بوجود براهين. # قالوا: إذن ليصدر الحكم في هذه الجلسة، وليتأهب الجلاد لإعدام الجاني، وعند ذلك طرق الباب ~~ثلاث مرات، وذكر الطارق اسمه ففتح الباب، وكان هذا الداخل المركيز روجر نفسه؛ فوقف ينظر إلى ~~تلك الوجوه المقنعة، وابتسم حين رأى النعش والجلاد. # فسأله الرئيس قائلا: من أنت؟ # قال المركيز دي إسبرتهون: وإني قائد فرقة الفرسان. ~~- ماذا تريد؟ ~~- أريد التشرف بالانتظام في سلك جمعيتكم. ~~- هل أنت نبيل؟ ~~- نعم. ~~- ألم تقدم في حياتك على ما يمس الشرف؟ ~~- على الإطلاق. ~~- حسنا فأجب الآن على هذا السؤال، وهو: ما يستحق الرجل الذي ينتحل لقب سواه ويعبث بأشراف ~~الإنكليز؟ ~~- إن هذا الرجل لا يمكن أن يوجد. ~~- بل هو موجود. وتلا عليه الرسالة، فلما أتمها قال له روجر: إن هذا الرجل يستحق ~~الموت. # قال: هو ذاك؛ فإن هذا النعش معد له، وهذا الجلاد الذي تراه سيقطع رأسه، والآن فاسمعوا ~~الرسالة الثانية كي تعلموا اسم هذا المزور الذي حكمتم عليه: # منذ ثلاثة أيام عرضت امرأة نورية تدعى سينتيا شكواها إلى مدير البوليس، وادعت ~~أنها بدلت طفلها بطفل ابن لورد إنكليزي ذكرت اسمه، فأصبح طفلها النوري ابن اللورد، ~~وهو اليوم يعد من كبار النبلاء. # وهنا أوقف الرئيس التلاوة، وسأل روجر قائلا: ألا تزال مصرا أيها المركيز أن ms087 هذا المزور ~~يستحق الموت؟ # قال: كل الإصرار. # فعاد الرئيس إلى تلاوة الكتاب وقال: # أما هذا الطفل الذي أبدل بابن اللورد، أي ابن سينتيا النورية، فهو يدعى اليوم ~~المركيز روجر دي إسبرتهون. # فصاح روجر قائلا: هذا زور وبهتان. # وعند ذلك سمع الأعضاء صيحة أخرى وهي صيحة أم، ثم فتح باب ودخلت منه امرأة منبوشة الشعر ~~وقد جحظت عيناها فركضت إلى روجر فطوقته بذراعيها وقالت للرئيس: رحماك رحماك أشفق على ولدي. ~~ارحم شبابه، ولا تحكم عليه بالموت، فهو بريء وأنا المجرمة. أتقتلون ولدي ...؟ ولدي أميري الذي ~~لا أحب غيره في الوجود. انظروا إليه ما أجمله! # أما روجر فإنه أبعدها عنه بعنف وخاطبهم قائلا: أيها اللوردية إن هذه المرأة إذا كانت ~~قالت الحق وأثبتت أني لست ابن اللورد إسبرتهون. أرجوكم أن تنفذوا بي حكم الإعدام في ~~الحال. # ثم مشى إلى النعش فركع أمامه وقال لسينتيا: أنت يا من تدعين أنك أمي، هاتي برهانك إن كنت ~~صادقة، وأنت أيها الجلاد تأهب. # ولكنه قبل أن يتم حديثه سمع ضجيج في الخارج، ثم طرق الباب بعنف، وسمعوا صوتا يقول: ~~افتحوا باسم الشرع. # فأمر الرئيس بفتح الباب، فدخل رجل بملابس البوليس كان يتبعه رجل بالملابس المدنية واثنان ~~بملابس عمال المستشفيات، فانحنى البوليس مسلما وقال لهم: أسألكم المعذرة أيها الأسياد ~~لإزعاجكم، ولكنني ما أتيت إلا بمهمة سلمية، ولا أسألكم عن هذا النعش فما أتيت إلا لأساعد ~~الطبيب ملتون وهو طبيب مستشفى المجانين في بلدام؛ فإن مجنونة هربت من المستشفى وجنونها ~~ينحصر في كونها تدعي أنها أم فخامة اللورد إسبرتهون. # فكان لهذا الكلام أشد وقع على الحاضرين، ونظرت سينتيا إلى ما حواليها، وقد كاد يذهب ~~صوابها، ولكنها فهمت كل ما جرى؛ فدنا الطبيب من الرئيس وقال له: إني كنت طبيب اللورد ~~إسبرتهون الخاص حين كان حاكم الهند، وقد شهدت ولادة ابنه، ورأيته يترعرع حتى بلغ مبالغ ~~الشباب، فلما جاءوني بهذه المنكودة وسمعتها تدعي أنها أم المركيز أيقنت من فوري أنها ~~مجنونة، وأدخلتها إلى المستشفى. # ثم التفت إلى أحد العاملين ms088 وقال: احملها يا نيلي. # فدنا العامل منها، وعرفت سينتيا أنه شمشون، فتكلفت الجنون إثباتا لقول الطبيب، وجعلت ~~تضحك حين حملها شمشون وتقول: يا لورد إسبرتهون خير لك أن تعود من عالم الأموات كي تقنع ~~هؤلاء المجانين أن روجر ولدنا. # فلم يبق سبيل للريب بأنها مجنونة، فلما انصرفوا بها اعتذر الرئيس إلى المركيز وقال: لقد ~~ثبتت لنا شجاعتك أيها المركيز. وإننا نعترف بأنك جدير أن تكون منا، فقد رضيناك عضوا عاملا ~~في جمعيتنا. # وعند ذلك أشار الرئيس إشارة؛ فأزيلت البراقع عن الوجوه، ودهش روجر دهشا عظيما؛ إذ رأى ~~أن جميع هؤلاء الأعضاء أصحابه في نادي الحسان، فقال: يخال لي أني حالم. # فقال الرئيس: لقد كاد حلمك يكون كابوسا لو لم يحضر الطبيب ملتون. والآن فإني أقترح كتمان ~~هذه الحادثة، وموعد الجلسة القادمة بعد ثلاثة أيام. # الفصل الثامن # | غرام الأخوين # عادت ألن بعد خيبتها إلى المنزل وهي ناقمة على أولئك الأشراف الذين صدقوا رواية بولتون، ~~وأيقنت أن مساعيها لم تخب إلا بمكايد النور. ومع ذلك فإن جان لم يكن معهم؛ فإنه قتيل لا ~~شك في البئر. # وقد خطر لها أن تتفقده، فأخذت مصباحا فعلقته بحبل طويل ونزلت إلى الحديقة، فدخلت إلى ~~المغارة وفتحت باب البئر وأدلت المصباح فرأت جثة خامدة في الأرض والجرذان من حولها، فتراجعت ~~منذعرة لهذا المشهد الفظيع؛ إذ عرفت وشاح جان وأيقنت أنه مات. # ثم عادت إلى المنزل وهي تقول في نفسها: لقد هلك عدوي الآن، ولم يبق لي إلا أن أختار بين ~~روجر وليونيل وأجعله مركيزا؛ فإن ذلك منوط بالمحادثة التي ستجري بيني وبين السير ~~روبرت. # وبعد هنيهة دخل السير روبرت وهو مصفر الوجه مضطرب. # فقالت له: ما هذا الاضطراب؟ # قال: أظن أن النور قد عبثوا بنا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إني عائد من نادي الحسان، وكنت فيه لألتقط أخبار الجمعية السرية كما أوصيتني إذ قلت لي ~~إن النورية ستقول أمام أعضاء تلك الجمعية إن المركيز روجر ولدها، وكنت أتوقع أن الأعضاء ~~يتهامسون حين عودة المركيز، ولكن الأمر كان على ms089 الضد فقد عاد الأعضاء يصحبهم المركيز ~~وصداقتهم أمتن مما كانت من قبل. ~~- أصغ إلي يا عماه فسأخبرك بكل ما حدث. # ثم أخبرته بكل ما جرى ، فقال لها: إذن إن هذه المرأة مجنونة. ~~- كلا. ولكن هؤلاء النور كانوا أشد منا. ~~- بل إني سأفوز عليهم ولو اضطررت إلى أن أقول في البرلمان: إن المركيز روجر ~~مزور. ~~- كيف السبيل إلى إقناع البرلمان؟ ~~- بالعلامة الموشوم بها. ~~- لقد ذهب أثرها تماما، ولم يبق من البراهين الدالة على أصله غير أمه التي أذاع الطبيب ~~بولتون أنها مجنونة، وهو قد أبعدها الآن لا محالة. # فضرب الأرض برجله مغضبا وقال: ولكن لا بد من جلاء الحقيقة. # قالت: هذا صعب كما يظهر، ولا بد لنا من التسليم وتصديق ما صدقه سوانا. ~~- كلا. إن ذلك لا يكون. ~~- إني أتزوج ليونيل، ويبقى في عيون الناس ابن ضابط فقير. ~~- كلا كلا. وسأقتل ابن النورية. # فنظرت إليه نظرة منكرة وقالت: ألعلك نسيت أني أحبه. ~~- إذن. ماذا تريدين أن تصنعي؟ ~~- أصغ إلي جيدا يا عماه أثبت لك أني قادرة على مقاومة هذه الطائفة. ~~- هو ذاك. # ولكن حربا كحربنا لا تنتهي بمعركة واحدة. ~~- ألعلك تريدين العود إلى المعترك؟ ~~- دون شك، فقد استعملت العنف، والعنف ليس سلاح النساء؛ ولذلك وضعت خطة أخرى. ~~- ما هي؟ ~~- ألم تقل لي إنك سافرت مرة إلى الصين. ~~- نعم، ولكن أية علاقة للصين بما نحن فيه؟ ~~- ألم تر الصينيين يبيعون بضائعهم للأوربيين، فإنهم يبسطون بضائعهم فإذا أراد الأوربي ~~شراء حاجة عد الصيني الثمن على أصابعه، فإذا أراد الأوربي المساومة أرجع الصيني بضاعته، ~~فلو أمره الإمبراطور أن يبيع ذلك الذي ساومه لأبى، وأنا مثل ذلك الصيني. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أعني أني أستطيع حمل المركيز على التنازل عن لقبه وثروته لليونيل، فلا تسألني ~~لماذا. ~~- وماذا تريدين مني مقابل ذلك؟ ~~- أريد أن تسافر غدا للصيد في جبال إيكوسيا. ~~- إني أوافق على هذا السفر وأطلق لك الحرية، فماذا تصنعين في غيابي؟ ~~- أجعل ليونيل لوردا. ~~- إذن سأسافر غدا. # فعرضت له جبينها كي يقبلها حسب عادته ولكنه لم يفعل، ms090 واكتفى بمصافحة يدها، فلما ذهب إلى ~~غرفته نزع القفاز من يده التي صافحها بها وألقاه في النار، ثم تنهد تنهدا طويلا وقال: ~~إنها فتاة مسترجلة متهتكة، ولكنها ستجعل ليونيل لوردا. ~~••• # ولنعد الآن إلى الطبيب بولتون، فليست هي الصدفة التي أوقفته على سر ألن وجعلته يضربها هذه ~~الضربة القاضية. # ولا بد لنا في كشف هذا السر من أن نعود إلى الليلة التي ألقت فيها ألن جان دي فرانس في ~~البئر، فقد كانت واهمة في اعتقادها أنه مات؛ فإنه لم يقتل حين سقوطه، بل أصيب برضوض بسيطة ~~لوقوعه على أرض رطبة، وجرحت جبهته جرحا خفيفا. # وقد نهض بعد سقوطه، وامتحن أعضاءه بالتمرين؛ فوجد أنها غير مصابة بكسر، ولكنه قال في ~~نفسه: لا شك أن هذه الشيطانة قد انتصرت علي هذه المرة. # وقد أقام نحو ربع ساعة دون حراك، ثم جعل يفحص الأرض فعلم أنه في جوف بئر، فاستعان بعلبة ~~الكبريت الشمعي وأنار ذلك المكان المظلم، فرأى البئر مستديرة وأن جدرانها ملساء وهي بعيدة ~~الغور بحيث يستحيل عليه الخروج منها بتسلق الجدران، فقال في نفسه: ترى أقضي علي أن أموت ~~من الجوع؟ # ثم جعل يفكر في أمره فقال في نفسه بعد الإمعان: لا شك أن هذه البئر غير مخصصة لجمع المياه ~~فإنها محفورة في وسط مغارة ولها باب يفتح بلولب خفي وليس هذا شأن الآبار العادية، فلا بد أن ~~تكون حفرت خصيصا للالتجاء إليها في أيام المخاوف والثورات، أي إنه لا بد أن يكون فيها منفذ ~~يخرجون منه إلى خارج هذا القصر. # وكانت أرض البئر ضيقة لا تتجاوز مترين، وقد أصبح ترابها وحولا لشدة الرطوبة، فأخذ يرفع ~~تلك الوحول بخنجره ويديه حتى انكشف له بلاط الأرض، فرأى حلقة من الحديد في وسط رخامة فرقص ~~قلبه فرحا، ونزع تلك البلاطة، فانكشفت له حفرة أخرى رأى على نور الشمعة أن علوها لا يزيد ~~عن مترين فألقى نفسه فيها وراء مدخل دهليز ضيق لا يستطيع المسير فيه واقفا فسار فيه نحو ~~عشر دقائق فسمع صوت عجلات ms091 مركبة فوق رأسه فأيقن أنه باب خارج القصر، وأنه تحت أحد ~~الشوارع. # وما زال يسير في هذا الدهليز، وهو كلما توغل في السير شعر بهواء بارد يهب على وجهه حتى ~~بلغ سطح الأرض من منفذ كان مخفيا بين أدغال كثيفة رآها على نور القمر. # ولكنه لم يكد يزيح هذه الأدغال حتى رأى مكانا فسيحا كثرت فيه الأشجار والصلبان السود، ~~فعلم أنه في مقبرة وطاف فيها فوجد أنها مسورة بسور عال لا يمكن تسلقه ونظر في مكان القمر ~~من الأفق فعلم أن الساعة قد بلغت الثالثة بعد انتصاف الليل، وقال في نفسه: سأختبئ وراء هذه ~~القبور إلى أن يفتح الحفار باب المقبرة في الصبح فأخرج منه. # وقد اختبأ وراء شجرة كبيرة وهو يبتسم ابتسام الظافر ويتوعد ألن بالانتقام الفظيع. # وفيما هو في مكمنه رأى أن باب المقبرة قد فتح ثم رأى على نور القمر رجلين مقنعين دخلا إلى ~~التربة ودنوا من موقفه وهما يتحدثان فسمع أحدهما يقول لرفيقه: لقد عزمتم على قبول المركيز ~~دي إسبرتهون بينكم؟ # قال: نعم. وهل يوجد في نادي هرمين من يفضله؟ وغدا سيقابله رسولنا، وبعد غد نحتفل بإدخاله ~~في الجمعية. # وقد سمع جان هذا الحديث، ثم رآهما وقفا عند ذلك القبر الذي دخل منه المركيز إلى الجمعية ~~كما تقدم بيانه ففتحاه ودخلا. # أما جان فقد عرفهما من صوتهما، وأيقن أنهما من أعضاء تلك الجمعية السرية التي لم يستطع ~~الاندماج فيها لأنه لم يكن من أشراف الإنكليز، ثم أيقن أن حارس المقبرة متفق مع أعضاء ~~الجمعية بدليل أنهم يدخلون إليها في ظلام الليل متى شاءوا. # وقد مشى إلى الباب وكان الخادم يهم بإقفاله؛ فأشار إليه جان أن لا يقفله وانحنى الحارس ~~أمامه؛ إذ حسبه من الأعضاء. # أما جان فإنه نظر إلى وجهه الأسمر ثم وضع يده على كتفه وقال له: أرني كتفك الأيسر فإنك من ~~النور. # فاضطرب الرجل وقال له: رحماك يا مولاي لا تفضحني؛ فإن كاهن هذه الكنيسة إذا علم أني من ~~النور طردني. # قال: ماذا تدعى؟ ms092 # قال: أدعى في لندرا باستر. ~~- وفي المضارب؟ ~~- رهامر. # فنزع جان القناع عن وجهه وقال له: انظر إلي أتعرفني؟ # فركع أمامه وقال له: كيف لا أعرف ملكنا؟ ~~- إذن. لقد وجبت عليك طاعتي، فاذهب بي إلى مكان يمكن أن نتحدث به دون أن يسمعنا ~~أحد. # ثم دله على القبر الذي دخل منه الرجلان؛ فارتعش النوري وقال له: ألعلك عارف يا ~~مولاي؟ # قال: نعم. لقد رأيت رجلين دخلا إليه، فمتى يخرجان منه؟ ~~- إنهما لا يخرجان من هنا، بل من طريق آخر. ~~- إذن. نحن وحدنا الآن؟ ~~- نعم؛ إذ لا يدخل أحد إلى التربة قبل الساعة الثامنة من الصباح، والآن فإني مضطر إلى حفر ~~قبر. ~~- لمن؟ ~~- لرجل من العمال توفي في المساء وسندفنه في الصباح. ~~- أريد جثته. # فنظر إليه النوري بملء الانذهال وقال له جان: هل تستطيع أن تخبئني إلى المساء؟ # قال: نعم في هذه الغرفة التي نضع فيها الآلات. # فقال جان في نفسه: إني سأرسل هذا الحفار إلى شمشون عند الصباح كي يطمئن علي. # ثم تبع الحفار إلى تلك الغرفة، فتداول وإياه مدة طويلة وأطلق سراحه، وأقام في تلك الغرفة ~~ينتظر الليلة التالية بجازع الصبر. # وفي الليلة التالية جاءه الحفار فقال له: إن الجثة حاضرة يا سيدي، فماذا تريد أن تصنع ~~بها؟ # قال: إني أريد أن أدفنها في المكان الذي أعد لدفني فاحملها واتبعني. # فحملها وعاد جان بها إلى تلك البئر التي ألقته فيها ألن، فوضعه فيها وألقى وشاحه ~~فوقها. # وبعد ذلك بساعة كان جان عند الطبيب بولتون، فقال له الطبيب: من أين أتيت؟ # قال: من عالم الأرواح. وقد بعثت بعد الموت أمامك وأمام شمشون، ولكني ميت أمام جميع ~~الناس. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنه يجب أن يعلم الجميع منذ اليوم أني ميت، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ روجر ~~من براثن تلك النمرة التي يدعونها ألن. # وقد قص عليه كل ما جرى، وأقام عنده فوضعا تلك الخطة التي نجحت كل النجاح وقضت على آمال ~~ألن. # وعلى ذلك؛ فإن إنقاذ سينتيا في الجمعية السرية وإنقاذ روجر ms093 إنما كان بفضل جان الذي كانت ~~تحسبه ألن من الأموات. ~~••• # على أن الأخطار المحدقة بالمركيز روجر لم تقف عند هذا الحد، فإنه إذا كان نجا من ألن فلا ~~يزال له عدو أشد خطرا منها، وهذا العدو إنما هو ابن عمه السير جيمس الذي كان يتوهم أنه قتل ~~في أميركا حين ألقى نفسه من شرفة الحصن إلى البحر. # ويذكر القراء ذلك الرجل الذي جاء إلى دابي ناتا الهندية، واشترى منها حبة من سبحة إذا ~~أذيبت بكأس من الخمر كانت سما زعافا. # أما هذا الرجل فإنه كان السير جيمس فإنه لم يكن يعلم أن ليونيل هو ابن اللورد إسبرتهون ~~الشرعي لاعتقاده أنه مات وهو في المهد، فلم يكن له هم غير قتل المركيز روجر؛ لأنه وريثه ~~الوحيد، فلما فرغت جعبة مكايده عزم على قتله بالسم. # وقد عاد إلى لندرا متنكرا فيها باسم رجل من عظماء الإسبان، وعلم أن المركيز مشترك في ~~نادي الحسان، فدخل فيه وبات واحدا من أعضائه، وإنما فعل ذلك كي يتمكن من دس السم للمركيز ~~بحيلة سوف تظهر. # وأما ألن فقد اعتقدت أن الجو خلا لها بعد موت جان وبعد سفر السير روبرت، فأخذت تتمعن في ~~أمرها وتقول في نفسها: إن هؤلاء النور قد ورثوا الحقد عن زعيمهم جان، فإذا تزوجت روجر لا ~~آمن شرهم، وخير لي أن أغتنم فرصة غياب السير روبرت فأتزوج ليونيل، ثم أرى رأيي في فضيحة ~~روجر. # وقد قامت من فورها فكتبت إلى ليونيل رسالة موجزة قالت له فيها: إنها تريد أن تراه لشأن ~~خطير، فأسرع إلى موافاتها وقابلها بملء البرود، فجزعت لما رأته وقالت له: لماذا تنظر إلي ~~هذه النظرات يا ليونيل؟ # فأجابها بلهجة الساخر قائلا: أخاف أن تكوني مع الذي تؤثرينه علي، وأن أكون نغصت ~~عليك هذا اللقاء. ~~- ليونيل ... ما هذا الذي أسمعه منك؟ ألم تعد تحبني؟ ~~- لماذا أحبك وأنت لا تحبينني؟ ~~- إنك تكذب يا ليونيل. فقد انتظرتك في الحديقة فلم تحضر. وفي اليوم التالي علمت أنك جرحت ~~في مبارزة. ~~- نعم إني بارزت ms094 الرجل الذي تحبينه، والذي دخل إلى الحديقة مكاني، أي المركيز ~~روجر. ~~- ألعلك جننت! إن المركيز لم يأت إلى هنا. ~~- لا أثق بشيء مما تقولين. # فوقفت وقد تكلفت الغضب وبرقت عيناها فقالت له: اخرج من هنا فإنك تهينني. # وقد قالت له ذلك بلهجة الآمر، فطاش صواب ليونيل وخرج خروج القانطين وهو يقول: إني سأقتل ~~المركيز روجر. ~~••• # كان المركيز دائم الاضطراب بعد تلك المحادثة التي جرت له في تلك الجمعية السرية، فكانت ~~سينتيا تتمثل له بكل مخيل ويسمع صوتها تقول: إنه ولدي. بلهجة لا تخرج إلا من أفواه ~~الأمهات. # وكان الطبيب بولتون كتب إليه في اليوم التالي يخبره أنه سافر إلى أرلندا لشأن عائلي ~~مستعجل، فخامر المركيز شك، وأراد أن يستجلي الحقيقة، فركب مركبته وذهب إلى مستشفى المجانين ~~في بلدام وهو يقول في نفسه: إني أريد أن أرى هذه المرأة التي تدعي أنها أمي. # وهناك قابل المدير وقال له: هل أستطيع مقابلة الطبيب بولتون أحد أطباء المستشفى؟ # قال: إنه ليس من أطبائه يا سيدي، وليس له به أدنى اتصال. # فذهل المركيز وقال له: ألا يوجد عندكم امرأة مجنونة تدعى سينتيا؟ # قال: لا أعلم؛ إذ يوجد عندنا تسعمائة امرأة، وسأراجع السجل. كم يبلغ عمرها؟ ~~- نحو الأربعين. ~~- ما هو نوع جنونها؟ ~~- إنها تتوهم كونها أمي. ~~- هذا محال يا مولاي. فلو دخلت إلى المستشفى امرأة تدعي هذه الدعوى على فخامتكم لعلمت ~~بأمرها في الحال، ومع ذلك فسأرى. # وقد أخذ ينظر في سجل ضخم بينما كان المركيز يناجي نفسه فيقول: ترى ألعل هذه المرأة قالت ~~الحق؟ # وعند ذلك خطرت له بسرعة التصور كل حوادث حياته، فذكر الوشم الذي كان على كتفه، واهتمام ~~بولتون بإزالته، ومخاطرة الناباب عثمان بحياته في سبيل حمايته، واحتجاب بولتون بعد تلك ~~الحادثة، ونظرات تلك المرأة الحنونة التي كانت تدعي أنها أمه، وصياحها تلك الصيحة المنكرة ~~حين سمعت الأعضاء يحكمون عليه بالموت؛ فزاد به الشك، ولا سيما بعد أن أخبره المدير أن هذه ~~المرأة لم تدخل إلى المستشفى، وعاد إلى منزله وهو في ms095 أشد حالات اليأس، وقد خجل من نفسه حتى ~~إنه لم يعد يجسر على الذهاب إلى النادي، وكتب إلى نائبه في قيادة الفرقة أن يتولى عنه ~~شئونها، وبحث بحثا دقيقا عن عثمان فلم يجده. # فبينما هو جالس في غرفته في تلك الليلة دخل إليه خادم ينبئه بقدوم ليونيل، فقال له: ~~ليدخل. # فدخل، وعرف المركيز من اصفرار وجهه وتوهج عينيه أنه قادم إليه بزي عدو لا بزي ~~صديق. # أما ليونيل فإنه انحنى أمامه وقال له: إني قادم لألتمس من فخامتكم إقالتي من الخدمة في ~~الفرقة. # قال: لماذا تريد الاستقالة؟ ~~- لأني أريد مبارزة قائد أرقى مني في الفرقة، ولا يحق لي مراقبته ما زلت خاضعا ~~لأمره. # فقطب المركيز حاجبيه وقال: إذا كان ذلك فقد رضيت استقالتك، والآن قل لي من هو هذا الذي ~~تريد مبارزته؟ ~~- هو أنت أيها المركيز. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت. فإني أريد أن آخذ بثأري. ~~- تأخذ بثأرك؟ ~~- نعم. ورجائي من فخامتك أن لا تتقنع بذلك القناع الذي أخفيت فيه وجهك حين بارزتني منذ ~~عشرة أيام وتركتني شبه ميت على بلاط لندرا. # فجعل المركيز ينظر إليه بعين الانذهال ويقول: أقسم بشرفي إنك فقدت صوابك. # قال: كلا أيها المركيز، فما أنا بمجنون. ~~- أتدعي أني بارزتك ثم تقول إنك من العاقلين؟ ~~- إني لا أعلم بأنك تنكر لتصون سمعة التي بارزتني من أجلها. والآن أرجوك أن تعين موعد ~~مبارزتنا، وأن ترد لي ذلك المفتاح الذي سلبته مني كما يسلب لصوص الليل. # فمد المركيز يده ليقرع الجرس وهو لم يبق شك أن هذا الفتى مجنون. # فقبض ليونيل على يده وقال: كلا. إنك لن تقرع الجرس، وسترد لي ذلك المفتاح الذي أعطتني ~~إياه مس ألن. # وقد وقعت هذه الكلمة من فؤاد المركيز وقع شرارة في برميل بارود، فدفع ليونيل بعنف وقال ~~له: إنك مجنون ونذل؛ لأنك تحاول تدنيس سيدة جديرة بالاحترام كانت تحبني وتشفق عليك. # ثم امتشق حسامه واقتدى به ليونيل، ولكنهما قبل أن يتقارعا فتح باب الغرفة ودخلت منه ~~امرأة فحالت بينهما وهي تقول: كلا إنكما ms096 لن تتقاتلا. # وكانت هذه المرأة اللادي سيسلي، فصاح ليونيل قائلا: أمي. وانحنى المركيز أمام هذه المرأة ~~التي لم يكن يعرفها، وقال لها: شهد الله يا سيدتي أني تجاوزت مع ولدك حد الصبر، ولكنه ~~أهانني كما يهينون المتشردين. # قالت: ألا يوجد في القاعة الكبرى في هذا القصر صورة اللادي سيسلي زوجة اللورد إسبرتهون ~~الميتة منذ اثني عشر عاما. # قال: بلى. # قالت: إذن انظر إلي. # فحدق المركيز بها وقال: إن الشبه عظيم. # فأخذت بيده وذهبت به إلى تلك القاعة ووقفت بجانب الصورة وقالت: انظر إلي وإلى هذه ~~الصورة. # قال: ماذا أرى؟ ألعلك أمي؟ # قالت: لا أعلم إذا كنت أمك، ولكني أعلم أني أدعى اللادي إسبرتهون زوجة أبيك، وأن هذا الذي ~~تقاتله إنما هو ولدي الثاني، أي ابن أبيك اللورد إسبرتهون. # وكان روجر أمام التي توهم أنها أمه، فلما علم أن ليونيل أخوه نهض، فمشى إليه وضمه إلى ~~صدره وهو يقول: اغفر لي يا أخي. # ثم عاد إلى اللادي وأخذ يقبل يديها، فسالت دمعتان من عينيها على جبينه وقالت بصوت يتهدج: ~~لا شك أن السير روبرت خدعني فإنه ولدي. # ثم قبلت جبينه قبلة حادة أخص ما يقال في وصفها إنها قبلة أم. ~~••• # وفي اليوم التالي ذهب المركيز إلى النادي وهو فرح القلب باسم الثغر، فتسابق الأعضاء ~~للسلام عليه؛ فإنهم لم يروه منذ أسبوع، وقال له واحد منهم: إنك لو أتيت أمس لرأيت ~~عجبا. # قال: لماذا؟ # قال: لأنك كنت رأيت رجلا عجيبا في أطواره؛ فإن إحدى عجائبه أن له خمسة عشر اسما تبتدئ ~~بالدون رودرو بيدرو دانتس ... إلخ، وهو من عظماء الإسبان. يلبس في أصبع من أصابعه خاتمين من ~~الماس وغيره من الحجارة الكريمة، ولا شك أن له مناجم ذهب؛ فقد خسر أمس ألفين وخمسمائة جنيه ~~وهو يضحك كأنه من الرابحين أو كأنه الناباب عثمان. # فارتعش المركيز لذكر عثمان، وقال لهم: هل لكم أيها السادة أن تخبروني عما تعلمونه عن ~~الناباب عثمان؟ # فقال أحدهم: يقال إنه يتنزه في أراضيه في إيكوسيا. وقال آخر: إن ms097 هذا الرجل عجيب أيضا في ~~أطواره، فإنه بينما نراه هنا وهو مرتد بملابس الأعيان نراه يتجول في أقبح أزقة لندرا وهو ~~بملابس البحارة. # فأجابه أحدهما قائلا: ألعلها حكاية تقصها؟ # قال: بل حقيقة رأيتها؛ فقد رأيته في الليل داخلا إلى وبنغ وهو يحدث رجلا من عامة الشعب ~~ويحدثه الرجل دون كلفة كأنهما صديقان. # فارتعش المركيز لذكر النوري وأراد أن يغير الحديث فقال: لقد كنتم تتحدثون عن هذا ~~الإسباني، فمن أين أتى؟ # فقال واحد منهم: إنه قادم من أميركا وهو يقول: إنه لقي ابن عمك السير جيمس فيها. ~~- متى؟ ~~- منذ ثلاثة أشهر. ~~- هذا محال أيها السادة؛ فإن ابن عمي سقط من أعلى الحصن منذ ستة أشهر. ~~- هذا الذي قلناه له، ولكنه أثبت مدعاه، وفوق ذلك فهذا هو قد حضر، وستقف منه على ~~الحقيقة. # وبعد هنيهة دخل الإسباني فعرفوه بالمركيز فقال: إني عرفت رجلا من أسرة إسبرتهون كان ~~أسيرا لدى الجنرال جاكسون - زعيم الثائرين في أميركا - وهو يدعى السير جيمس. # فقال له المركيز: متى كان ذلك؟ # قال: منذ ثلاثة أشهر تقريبا. # قال: إذن. لقد عرفت رجلا انتحل هذا الاسم؛ فإن السير جيمس قد مات. # فابتسم الإسباني وقال: تريد أنهم حسبوه ميتا. # قال: إن من يسقط من علو خمسين مترا ويصاب برصاصتين لا يعود إلى التنزه في أرضنا. # قال: هو ما تقول، ولكن السير جيمس أصيب بجراح وقد التقطه الأميركيون وحملوه على قارب إلى ~~معسكر العصاة؛ فشفي وبات أسيرهم، ودليل صدقي أنه عهد إلي بمهمة لدى فخامتكم. ~~- أهي خطية أم شفاهية؟ ~~- شفاهية. وإني ما دخلت إلى هذا النادي إلا على رجاء فيه؛ فقد عهد إلي السير جيمس أن ~~أخبرك بشأن خطير. # قال: إذا لم يكن ذلك مما يقال أمام الحاضرين فعين موعدا لاجتماعنا. # قال: إذا شئت فاقترح علي عند انتصاف الليل أن نلعب بالشطرنج؛ فإننا نختلي في غرفة ~~ونتحدث. # قال: هو ذاك، وسنجتمع في الساعة الأولى بعد انتصاف الليل؛ فإني مضطر إلى الذهاب الآن في ~~بعض الشئون. # وقد أقام المركيز ساعة بينهم، ثم خرج ms098 من النادي فركب مركبته على أن يعود بعد ساعة. ~~••• # عندما دخلت اللادي سيسلي إلى الغرفة التي كان المركيز وليونيل يتبارزان فيها لم يكن ~~قدومها من قبيل الصدفة والاتفاق، بل كان من تدبير مس ألن؛ فإنها حين رأت ليونيل خرج من ~~عندها وهو يتوعد المركيز قالت في نفسها: إنه ذاهب الآن لمقابلة المركيز، وقد دنت النتيجة ~~التي أنتظرها، فلأسرع بإخبار أمه. # وكان منزل اللادي بجوار منزلها؛ فخرجت مسرعة من الحديقة وسارت. # اركضي يا سيدتي إلى قصر إسبرتهون ولا تتأخري لحظة؛ فإن ولديك يقتتلان. # وقد عرف القراء ما جرى؛ فإن اللادي سيسلي وصلت قبل فوات الأوان، ومنعت حدوث المبارزة، ~~وكان ما تقدم لنا بيانه من أنها باتت تعتقد أن المركيز ولدها حقيقة؛ فإن السير روبرت كان قد ~~قال لها قولا مبهما مفاده: أن المركيز روجر ابن غير شرعي للورد إسبرتهون، ولكنه لم يقل ~~هذا القول بصفة جازمة، فلما رأت ما كان من مروءة المركيز حين قابلها وحين رأى صورتها وقال ~~لها: إنك أمي، لم تتمالك عن أن تصيح قائلة: نعم. إنك ولدي. # وعند ذلك نسي المركيز ما جرى له في الجمعية السرية وما كان من صياح سينتيا، حتى إنه نسي ~~تلك الحماية الخفية التي كان يتولاه بها الناباب عثمان، وعاد إلى الاعتقاد بأنه ابن اللورد ~~إسبرتهون الحقيقي الشرعي. # وقد أقام ساعة بين أمه وأخيه لم يجد أهنأ منها في حياته، فكان يسأل أمه أسئلة مختلفة وهو ~~يعجب كيف أنها أذاعت خبر موتها، بحيث اضطرت إلى أن تخبره بكل التفاصيل عن حياتها المحزنة ~~وما كانت تلقاه من ظنون زوجها وعنفه، وكيف أن أخاه السير جاك وشى بها وشايات سافلة حتى بات ~~يعتقد أن ليونيل ليس ولده، بحيث اضطرت أن توهمه أيضا أن ولده ليونيل قد مات كي تنقذه من ~~غضبه. # فقال لها المركيز: ولكن أبي قد مات، فلماذا لم تأتي إلي بعد موته فتقولي لي: أنا هي ~~أمك، وهذا هو أخوك. # قالت: ذلك لأني كنت أخاف هذه الشرائع الإنكليزية الظالمة التي تخص كل ms099 شيء بالابن الكبير ~~وتحرم بقية الأولاد؛ فآثرت أن يبقى ليونيل كما هو على أن يظهر وأثير عوامل التحاسد ~~بينكما. # قال: إن هذه الشرائع التي تخافينها لا تسري إلا على الأشراف الذين يريدون أن يلجئوا ~~إليها أما أنا فلا فرق عندي بين الأولاد ولا أميز بين البكر عنهم في شيء. # ثم مد يده إلى ليونيل وقال له: إننا سنقتسم إرث أبيك يا أخي بالسواء، وسألتمس من الملك في ~~أول مقابلة أن يأذن لنا بالاشتراك. # فضمت اللادي روجر إلى صدرها وقالت: إنك شريف كريم يا بني. # وقد اتفقوا على أن يكتموا هذا الأمر إلى أن يعقد مجلس اللوردات أول جلسة. # ثم أوصلهما المركيز إلى منزلهما، وقبل أن يفارقهما همس في أذن ليونيل قائلا: إني تخليت ~~لك عن مس ألن، فأنت الذي تتزوجها، وقد تركه وانصرف مسرعا إلى منزله، فبكى بكاء أليما ~~لهذه التضحية التي ضحاها. # وفي اليوم التالي كتب إلى مس ألن يقول: # إني مضطر إلى مقابلتك اليوم لشأن ~~تتعلق عليه راحتي في حياتي. # فأجابته مس ألن قائلة: # في الساعة العاشرة من هذه الليلة في منزلي الصيفي. # وبعد أن تلقى هذا الجواب ذهب إلى النادي وجرت تلك المحادثة التي بسطناها بينه وبين السير ~~جيمس المتنكر بشكل إسباني، ثم برح النادي في الساعة التاسعة على أن يعود إليه في الساعة ~~الأولى بعد انتصاف الليل كي يجتمع بالإسباني. # وقد خرج في مركبته، فذكر ما سمعه في النادي بشأن الناباب عثمان، فعاوده الشك، وجعل يحدث ~~نفسه فيقول: ترى لماذا هذا الرجل يحميني؟ وما هذه العلائق السرية التي له مع ~~النور؟ # وقد عاد إلى التفكير بالطبيب بولتون وذلك الوشم الذي محاه عن كتفه وبسينتيا. وعلى الجملة ~~فقد عاوده الشك القديم، ولكنه لم يخجل هذه المرة بل قال في نفسه: إذا ثبت لي أني ابن ~~النورية، فإني أسافر سفرا لا أرجع منه، وأجعل ليونيل وريثي. # وما زالت المركبة تسير به حتى وقفت عند باب منزل ألن الصيفي، فدخل وهو خافق القلب؛ فإنه ~~سيضحي أعظم تضحية يضحيها قلب ms100 إنسان. # ولما دخل إليها ضبط نفسه وقال لها: أسألك المعذرة يا سيدتي، فقد مضى عشرة أيام دون أن ~~أخبرك بشيء من أمري. # فأطرقت رأسها إلى الأرض وقالت: وا أسفاه! لقد فهمت أيها المركيز. فارتعش وقال: ماذا ~~فهمت؟ # فأجابته بصوت منخفض متقطع قائلة: لقد فهمت أنك لا تحبني. # قال: إنك مخطئة؛ فإني أحبك اليوم كما كنت أحبك من قبل. وإذا كنت اليوم أضحي هذه التضحية ~~العظمى فلأن رجلا أخلق مني بحبك. # وهنا توقف؛ إذ رأى أن ألن تكاد أن تسقط عن كرسيها، ثم تجلد وقال لها: إن ليونيل ~~يحبك. # قالت: إني أعلم. ~~- وإنه يحبك حبا لا يوصف. ~~- ولكني أحبك. ~~- وإن ليونيل أخي. # فتكلفت الانذهال العظيم كأنها لم تكن عارفة بشيء من هذا، وقالت له: ليونيل أخوك؟ # قال: نعم. إنه ابن اللورد إسبرتهون الأصغر، وهو فتى جميل، وسيكون غنيا لأني سأقاسمه ~~ثروتي، فلا بد أن تكوني امرأته، وسيعقد قرانكما بعد ثلاثة أيام في كنيسة قصرنا. # فصاحت ألن صيحة قنوط وألقت نفسها بين ذراعي المركيز كأنها أغمي عليها. # وعند ذلك فتح الباب ودخلت خادمتها، فقال لها المركيز بصوت يتهدج: احمليها إلى غرفتها ~~وعالجيها حتى تستفيق؛ فإن قواي قد تلاشت، ولا أستطيع الوقوف أمامها. # وخرج وهو يشهق بالبكاء ويقول: رباه لقد تمت التضحية، فهبني من لدنك قوة تعينني على ~~التجلد؛ فإن الانتحار حرام. # حتى إذا سارت به المركبة استفاقت ألن من إغمائها، فأطلقت سراح الخادمة، ثم جعلت تبتسم ~~وتقول: أظن الآن أن المهمة قضي معظمها؛ فإن السير روبرت حين يعود يجدني زوجة ليونيل. # أما اللادي سيسل فستكون معي لا علي؛ لأنها تعتقد الآن أن روجر ولدها، وهي لا ترى رأي ~~ولدها من أن النورية لا يجب أن تكون امرأة لورد، فلا تعترض في زواج تتوقف عليه حياة ~~ولدها. # ومتى تم عقد الزواج يسهل علي إقناع روجر أنه ابن سينتيا وهو من أهل المروءة والكبرياء ~~فلا يرضى بعد ذلك أن يتمتع ساعة للغيب وثروته هما لسواه، ويتنازل عن حقه لليونيل، فأصبح ~~المركيزة دي إسبرتهون. # وفيما ms101 هي تناجي نفسها بهذه المطامع أنصتت مصغية؛ إذ خيل لها أنها تسمع وقع خطوات، ففتحت ~~النافذة بسرعة وأطلت منها ولكن الظلام كان حالكا فلم تر أحدا، فقالت في نفسها: لا شك أن ~~الذي سمعته كان حفيف الشجر أو صوت مسير قارب في النهر. # وبعد فما هذا الجنون ومم أخاف، إذا كان جان دي فرانس قد مات؟! # الفصل التاسع # | الاعتراف # عاد المركيز روجر إلى نادي الحسان فوجد الإسباني ينتظره، فاتفقا على اللعب بالشطرنج، ~~وتراهن أعضاء النادي، واقترح الإسباني أن لا يحضر لعبهما أحد، ثم دخل مع المركيز إلى غرفة، ~~فأقفلا بابها وجلسا بجوار نافذة مقفلة تطل على مشرف يشبه الرواق. # وقد وضعا الشطرنج بينهما على مائدة، وقال له الإسباني: لقد تعودت أن أشرب كأسا من الخمر ~~خلال اللعب، فهل توافقني على ذلك؟ # قال: دون شك، وملأ كأسين من زجاجة أمامهما فشرب كل منهما نصف كأسه وبدأ اللعب. # وكان الإسباني متختما بخاتم من الياقوت بخنصر يده اليمنى. # فبينما هو ينقل رقاع الشطرنج سقط خاتمه إلى الجهة التي كان فيها المركيز فانحنى المركيز ~~ليلتقطه واغتنم الإسباني هذه الفرصة فألقى في كأس خصمه حبة سوداء لم تلبث أن امتزجت بالخمر ~~حتى ذابت فيها. # ثم أخذ الخاتم شاكرا، فقال له المركيز: أتعلم لماذا رضيت أن ألاعبك بالشطرنج؟ # قال: دون شك؛ فإننا سنتحادث بشأن السير جيمس ابن عمك، فاعلم أن الأميركيين أنقذوه. # قال: لقد أخبرتني بذلك. ~~- وإني لقيته حين كنت بمعسكر الجنرال جاكسون فتعرفت به وعهد إلي بمهمة لديك. ~~- ما هي هذه المهمة؟ ~~- إنه يريد أن يعود إلى إنكلترا. ~~- إنها جرأة نادرة من هذا الأفعى. ~~- ولكنه نادم أشد الندامة لإساءته إليك. ~~- وأنا آسف لأني لم أقتله كما يقتلون الذئاب. # فهم أن يجيبه، وعند ذلك فتحت النافذة فجأة وهب هواء شديد أطفأ المصباح فقام الإسباني ~~لينير المصباح من المستوقد ونهض المركيز يحاول إقفال النافذة فلم ينتبه أحد منهما إلى يد ~~مدت من تلك النافذة فأبدلت موضعي الكأسين بحيث وضعت كأس المركيز أمام الإسباني وكأس ~~الإسباني أمام المركيز. ms102 # ثم أضيء المصباح، وأقفلت النافذة وعادا إلى الحديث فقال المركيز: لقد قلت لي إن السير ~~جيمس ندم على ذنوبه، وأنه يريد العودة إلى وطنه. # قال : نعم. وإني أكفل صدق توبته وندمه. # قال: لا أشير عليك أن تكفل شيئا؛ فإنه إذا عاد إلى لندرا حاكمته فحكم عليه بالإعدام، ~~وإني أشرب الآن نخب هذه الساعة. # ثم أخذ كأسه وشرب ما فيه جرعة واحدة، واقتدى به الإسباني فشرب كل كأسه جرعة واحدة، وعادا ~~إلى اللعب. # وكان الإسباني ماهرا في الشطرنج، فغلب المركيز وقام المركيز ففتح باب الغرفة وقال للذين ~~راهنوا معه: يسوءني أن أخبركم بأنكم خسرتم معي. # فدفع الخاسرون وقبض الرابحون، وأعجب الحاضرون بمهارة الإسباني. # وعند ذلك دخل عضو جديد إلى النادي فقال واحد من الحضور: هو ذا الناباب عثمان عاد إلينا ~~بعد الهجر الطويل. فحياهم عثمان وقال لهم: لقد علمت أنه جرت مراهنة عظيمة في ~~الشطرنج. # فأشاروا إلى الإسباني وقالوا: نعم هذا هو الرابح. # فقال عثمان: أحق ما تقولون؟ أهو الدون بيدرو فقال له الإسباني: أتعرف اسمي؟ # قال: لا يوجد في لندرا من لا يعرفك، فهل تريد أن تشرفني بملاعبتي بالشطرنج؟ # وكان الإسباني يود الانصراف وهو ينظر من حين إلى حين نظرة الفاحص إلى المركيز؛ فأجاب ~~عثمان قائلا: لقد فات الأوان يا سييل فإننا في ساعة متأخرة من الليل. # فقال له عثمان: إن من كان من سلالة فرنند كورتس لا يخاف ملاعبة هندي مسكين مثلي. # فقال الجميع: نعم. هذا محال؛ فإن الدون بيدرو من أعظم اللاعبين. # وقد ألحوا عليه بالقبول فلم يجد بدا من الامتثال، وقال لعثمان: إني رهين أمرك يا ~~سيدي. # فقال عثمان: إنك لاعبت خصمك منذ هنيهة دون شهود. قال: هو ذاك. # قال: أما أنا فأوثر أن يكون لكل منا شاهد فاختر شاهدك من بين الحضور. # فاختار الإسباني الصراف مكسويل، وهو الذي أدخله إلى النادي، واختار عثمان المركيز روجر، ~~فتراهن الحاضرون، ودخل الأربعة إلى قاعة اللعب. فقال الإسباني في نفسه: يخال لي أن هذا ~~النوري الذي خيب كل آمالي قد ms103 عرفني. وقد شعر بدوار خفيف حمله على محمل الاضطراب من مقابلة ~~جان. # أما جان فإنه أقفل الباب بالمفتاح من الداخل، وجلس في المكان الذي كان المركيز جالسا فيه ~~وبدأ اللعب. # فقال جان مخاطبا الصراف: إنه إذا رضي الدون بيدرو أن يلاعبني كل ليلة فلا يمضي زمن وجيز ~~حتى ينفد ماله في مصرفكم من المال. # فابتسم الإسباني وقال: سوف نرى. # فقال جان: ولكن الوقت لا يتسع له لسوء الحظ. # فاضطرب الإسباني وقال: كيف ذلك؟ # قال: ذلك أن المرء لا يعلم كم يفسح الله في أجله، وفوق ذلك فقد درست شيئا من ~~الطب. # فاشتد اضطرابه وقال: أتعني أني مريض؟ ~~- بل أعني أنك في أشد حالات الخطر من مرضك. ~~- وأنا أرى أنك تلاعبني على الطريقة الهندية. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك تحاول إخافتي. ~~- كلا. فإني أراهن أنك تشعر الآن بحرارة شديدة في صدرك لا تعلم أسبابها. ~~- لنلعب يا سيدي. ~~- كما تريد. ولكني أخاف أن لا تستطيع إتمام اللعب؛ فقد بدأ وجهك يصفر، وهذا الاصفرار من ~~تأثير الخمر التي شربتها، فهل هي جيدة؟ ~~- إنها من أفضل الخمر. ~~- أتحسبها جيدة بالرغم عن تلك الحبة السوداء التي وضعتها في الكأس؟ ~~- أرى أنك تشبه المجانين. ~~- ما أنا المجنون بل أنت، فإنك غلطت في الكأس أيها السيد العزيز. # ولم يكد جان يتم جملته حتى صاح الإسباني صيحة ألم فاصفرت شفتاه، وحاول أن ينهض فمنعه جان ~~عن النهوض وقال: ابق في مكانك فإن الموت على هذا الكرسي خير لك من الموت في الطريق. # فصعق الإسباني، وجعل ينظر إلى جان نظرة المأخوذ، والصراف والمركيز ينظران إلى الاثنين ~~منذهلين وهما لا يفهمان شيئا من هذا الحديث. # وعند ذلك التفت جان إلى المركيز وقال له: اعلم يا سيدي أن هذا الرجل الذي تراه أراد ~~تسميمك وهو يلاعبك، فوضع في كأسك سما هنديا يقتل شاربه بساعة. # قال: ماذا تقول؟ # قال: أقول الحق، فانظر إلى هذا الإسباني الكاذب كيف أن أعضاءه تتشنج من الألم، ولكن ~~اتفق لحسن الحظ أنه بينما كان ينير المصباح الذي أطفأه ms104 هواء النافذة مدت يد من وراء تلك ~~النافذة فوضعت كأسك موضع كأسه بحيث شرب الدون بيدرو كأسك المسمومة. # فاصفر وجه روجر وقد رأى تأثير السم بدأ على وجه الإسباني، فقال: ولكن أية فائدة لهذا ~~الرجل من قتلي وأنا لا أعرفه ولم أسئ إليه؟ # فلم يجبه جان، بل التفت إلى الصراف وقال له: إن المال المودع في مصارفكم باسم الدون بيدرو ~~قد دفعتموه لهذا الرجل. أليس كذلك؟ # قال: نعم. # قال: إذن. فاعلم أن الدون بيدرو قتل منذ شهرين، وأن الذي قتله وانتحل اسمه إنما هو هذا ~~الرجل. # فحاول الإسباني أن ينهض، ولكنه لم يستطع إذ كان قد دخل في دور النزع، فدنا جان منه فنزع ~~الشعر المستعار عن رأسه ولحيته وقال للصراف: انظر. # فبهت الصراف وصاح المركيز قائلا: السير جيمس؟ # فقال له جان: إن الموت قد مر بك أيضا أيها المركيز. # ثم فتح تلك النافذة التي مر منها الهواء فأطفأ المصباح ونادى قائلا: تعال يا ~~ويلس. # فدخل من النافذة ويلس خادم السير جيمس، ودنا من سيده وهو يحتضر فقال له بملء البساطة: ~~يسوءني يا سيدي أن أراك تموت، ولكن الخمسمائة جنيه التي قبضتها من هذا الهندي الكريم أفضل ~~منك؛ فإنها تضمن لي العيش بسلام، ولذلك بحت له بسرك. # غير أن السير جيمس لم يفقه كلمة من حديثه فقد كان يحتضر، وبعد هنيهة فاضت روحه وسقط إلى ~~الأرض، فانحنى جان أمام الصراف والمركيز وحاول الانصراف، فقبض المركيز على ذراعه وقال له: ~~أما هي يدك التي غيرت موضع الكأسين؟ # قال: ربما. ~~- إذن لقد أنقذتني أيضا من الموت. # فانحنى جان ولم يجب، فقال له المركيز: إنك ستجيبني إذن على أسئلتي. # قال: كلا. ~~- أريد أن أعلم على الأقل لمن أنا مدين بهذه الحماية السرية. إني أريد، أفهمت؟ ~~- وإذا أبيت أن أقول؟ ~~- إني أعرف عند ذلك كيف أكرهك على التصريح. # فابتسم جان ابتسام المطمئن وقال له: لقد كان ابن عمك السير جيمس يزاحمني في امرأة أهواها ~~وقد اختطفها مني فانتقمت منه بإنقاذك. # ثم أفلت منه وخرج ms105 من النافذة مقتفيا أثر الخادم فتوارى في الظلمات. # أما روجر فإنه وضع يده على جبينه وقال: إنه كذب. نعم إنه كاذب في ما قال. ~~••• # قبل ذلك بساعة كانت مس ألن قد استفاقت من إغمائها الكاذب، فجعلت تبتسم هازئة بمروءة ~~المركيز الذي ضحى نفسه من أجل أخيه، وقد سمعت وقع خطوات كما تقدم ففتحت النافذة وأطلت منها، ~~فلم تر ما يحمل على الريبة، فعادت وهي تلوم نفسها وتقول: ترى ممن أخاف وقد مات جان دي ~~فرانس؟ # ولكنها لم تكد تتم جملتها حتى فتح الباب فذعرت ذعرا عظيما؛ إذ رأت شمشون يصحبه نوري آخر ~~وسينتيا أخت جان، وحاولت أن تأخذ غدارة معلقة بالجدار، ولكن شمشون كان أسرع إليها منها إلى ~~الغدارة؛ فقبض عليها وكمم النوري الآخر فمها، وأوثقت سينتيا يديها، فحملها شمشون وخرج ~~الجميع بها وهي شبه مغمى عليها لاضطرابها لا تدري إلى أين يذهبون بها. # وأما ليونيل فقد كان تأثره شديدا من مروءة أخيه حين قال له: إنك تحب مس ألن وستتزوجها، ~~وكان سروره عظيما حين عرف حقيقة نسبه، وأيقن أنه من عظماء الأشراف. # وفي اليوم التالي ذهب إلى أخيه فلم يجده، ولكنه كان قد ترك له رسالة يقول له فيها: إني ~~مهتم بتحقيق سعادتك فلا تجزع وكن من الصابرين. # وقد عاد في الليل إلى أخيه فلم يجده، وفي صباح اليوم التالي ضاق صدره ولم يعد يطيق الصبر، ~~فذهب إلى منزل السير روبرت فطرق الباب وجاءه خادم فقال له: سل مس ألن إذا كانت تريد أن ~~تقابلني. # فقال له الخادم: إنها لو كانت هنا يا سيدي لما كانت استفاقت الآن. ~~- ماذا تقول؟ أما هي هنا؟ ~~- كلا يا سيدي. ~~- إذن أين هي؟ ~~- لقد وردت إليها رسالة مساء أمس فركبت مركبة وذهبت بها. ~~- من أين أتت هذه الرسالة؟ ~~- لا أدري. ولكن الذي جاء بها كان أحد خدم المركيز دي إسبرتهون؛ فقطب ليونيل حاجبيه ~~وقال: إلى أين ذهبت؟ ~~- أظن أنها ذهبت إلى منزلها الصيفي. # فاضطرب ليونيل، حتى إنه لم يعد يدري ما يصنع، وقبض ms106 على ذراع الخادم فقال له: إنك ستذهب بي ~~إلى هذا المنزل؛ فإني لا أعرف مكانه. # فلم يسع الخادم مخالفته؛ إذ كان يعلم أن له منزلة سامية عند السير روبرت، وذهب وإياه إلى ~~ذلك المنزل، فأخبرته الخادمة أن رجلين وامرأة قد اختطفوها في الليل، فهاج ليونيل هياج ~~المجانين؛ إذ أيقن أن أخاه قد اختطفها بدليل الرسالة التي أرسلها إليها، وعاد مسرعا إلى ~~أخيه، فقال له وهو يتوهج من الغضب: إنك خدعتني شر خداع. # فتراجع المركيز منذهلا وقال له ليونيل: نعم إنك اختطفت مس ألن لتجعلها خليلتك. # فصاح المركيز وقد بلغ منه الانذهال أشده قائلا: مس ألن ... هل اختطفوا مس ألن؟ # قال: إنك تعلم من ذلك فوق ما أعلم فأنت الذي ... # فقبض المركيز على ذراعه وقال له: إنك تتكلم من غير عقل، وأنا أمنعك عن أن تتهمني هذه ~~التهمات الشائنة. # وكانت لهجة المركيز تدل دلالة واضحة على صدقه، فقال له: ولكن من الذي اختطفها؟ # قال: أوضح لي أيها المنكود ما جرى بدلا من أن تتهمني. # قل ... ماذا جرى؟ # قال: جرى أنهم في الليلة الماضية اختطفوا مس ألن من منزلها الصيفي. ~~- من الذي اختطفها؟ ~~- رجلان وامرأة، وسمعت الخادمة ذينك الرجلين يدعوان المرأة باسم سينتيا. # فارتعش المركيز حين سماعه هذا الاسم وقال لأخيه: اذهب فسأجدها. # وكان الخادم الذي دل ليونيل على منزل ألن الصيفي قد دخل معه إلى غرفة المركيز، فارتعش ~~أيضا حين سمع اسم سينتيا وقال: إذا كانت هي تلك المرأة التي عرفتها؛ فإني أعرف أين ~~توجد. ~~- أتعرف أين هي سينتيا؟ ~~- نعم. بشرط أن تكون تلك النورية التي عرفتها. # فلبس المركيز قبعته وتقلد حسامه، وحاول ليونيل أن يتبعه فأوقفه وقال له: إني أقسم لك يا ~~أخي بتذكار أبينا إني رجعت عن حب مس ألن، ولم أعد أحبها إلا كأخت، وسأفرغ كل مجهودي لتكون ~~امرأتك. # قال: لقد وثقت بك، فدعني أذهب معك. # قال: إني لا أجدها إلا إذا كنت وحدي؛ فثق بي، وإني أتوسل إليك أن لا تتبعني. # فتردد ليونيل وقال له المركيز: أستحلفك ms107 بالله أن لا تتبعني. فأطرق برأسه وقال: ليكن ما ~~تريد. # وسار المركيز يصحبه الخادم، وكان يسير مستعجلا والخادم في أثره لا ينبس بحرف، حتى إذا ~~وصلا إلى زقاق ضيق كثرت فيه الوحول قال الخادم: يخال لي أن الليلة التي اختطفنا فيها ~~سينتيا. # فقاطعه المركيز قائلا: أأنت اختطفتها؟ # فاحمر وجه الخادم ولم يجب فقال له المركيز بلهجة المتوعد: قل. # قال: إني أخاف يا مولاي أن تطردني مس ألن إذا تكلمت. ~~- لا خوف عليك فإني أستخدمك. ~~- إذا كان ذلك، فاعلم يا مولاي أني اختطفت سينتيا النورية بمشاركة زميلي نوح وامرأة هندية ~~تبيع السموم. ~~- متى؟ ~~- منذ ثلاثة عشر يوما. قد اختطفناها بينما كانت تسير في هذا الزقاق. ~~- لماذا اختطفتموها؟ ~~- لا أعلم، فقد كان ذلك بأمر السير روبرت ومس ألن. ~~- مس ألن ... أهي التي أمرتكم باختطافها؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- إلى أين ذهبتم بها؟ ~~- إلى منزل السير روبرت الصيفي، وحين قبضنا عليها كانت خارجة من منزل الطبيب ~~بولتون. # فقال المركيز في نفسه: بولتون ... مس ألن. ما هذه الأسرار؟ ثم قال للخادم: امض في حديثك، ~~وأخبرني بكل ما تعلم. # قال: إننا حبسنا سينتيا في منزل مس ألن مدة يومين، وفي المساء جاءت مس ألن وقالت لها: ~~تعالي فإن حياة ابنك في خطر. # فجعل العرق يسيل من جبين المركيز وقال له: هل تبعتها؟ قال: نعم، فقد ركبت وإياها مركبة، ~~ولم أدر إلى أين ذهبنا، فإن زميلي نوح كان يقود المركبة. ~~- والآن كيف ترجو أن تجد سينتيا؟ ~~- لظني أنها عادت إلى منزلها. ~~- هذا المنزل؟ ~~- يجب أن يكون هنا في زاوية هذا الزقاق، نعم لقد عرفته؛ فهذا فهو. وقد سار به حتى أوصله ~~إلى المنزل، فقال له المركيز: اذهب الآن فلم يعد لي بك شأن. # ثم طرق الباب؛ ففتحت له فتاة حسناء تبلغ السادسة عشرة من العمر، فحياها المركيز وسألها ~~قائلا: هل سينتيا هنا؟ # فنظرت الفتاة نظرة حذر إلى الشارع وأجابته قائلة: إنك واهم يا سيدي، فلست أعرف ~~سينتيا. # وكان المركيز قد رأى ما كان من حذرها، فقال لها ms108 وهو يبتسم: لا تخافي يا ابنتي؛ فإني صديق، ~~وإن عثمان أرسلني. # ففتحت الباب وقالت: ادخل يا سيدي؛ فإن سينتيا في الغرفة العليا مع أختي. # قال : يجب أن أقابلها وحدها. # قالت: إذن تفضل بالانتظار إلى أن أخبرها. # وبعد هنيهة جاءته سينتيا؛ فخفق قلبها حين رأت ولدها، وبادرها المركيز بقوله: هل أنت التي ~~تدعين سينتيا؟ # قالت: نعم. # قال: أأنت التي تقولين إنك أمي؟ # فاصفر وجهها، ولكنها تمكنت من ضبط نفسها فقالت له: ألتمس من فخامتك معذرتي؛ إذ يظهر أني ~~كنت مجنونة، فقد كنت في الطريق حين رأيتك عائدا من أميركا، فذكرت حين رأيتك ولدا فقدته ~~كان يشبهك أتم الشبه، فاشتد بي الحزن حتى أصبت بذلك الجنون. # وكانت تكلمه بلهجة المتوسل، ويرى المركيز من اضطرابها أن عوامل خفية تتنازع في قلبها، ~~فقال لها: أقسمي لي بإلهك وبأرواح آبائك إنك تقولين الحق وإنك لست أمي. # فتراجعت منذعرة كأنها رأت هوة قد فتحت أمامها، فقال لها: أقسمي. # فرفعت يدها إلى السماء وفتحت فمها كي تقسم، ولكن يدها سقطت على ركبتها وأطبق فمها دون أن ~~تستطيع الكلام. # فصاح روجر قائلا: نعم إنك أمي. أتنكرينني وأنا ولدك؟ # فنسيت المنكودة عند ذلك أيمانها، ونسيت عهودها لأخيها، ولم تعد تذكر غير أمر واحد، وهو أن ~~هذا الفتى الجميل الذي يملأ العين قرة، وهذا القائد الباسل الذي لا يتحدثون إلا ببسالته ~~إنما هو ثمرة أحشائها؛ فصاحت صيحة حب لا تدركها غير الأمهات، وألقت نفسها بين يديه وهي ~~تقول: ولدي ولدي! ~~••• # ولنعد الآن إلى مس ألن فإنهم بعد أن قيدوها وكمموها خرجوا بها إلى قارب كان راسيا عند ~~الشاطئ، فمخر في المياه إلى سفينة كبيرة، وهناك أصعدوا الأسيرة إليها، ونزعوا الكمامة عن ~~فمها، فقالت لها سينتيا: لقد دنت ساعة عتابك يا مس ألن، وأنت التي ستتولين الحكم على ~~نفسك. # قالت: إن هذا الكلام مبهم لا أفهمه. # قالت: سوف تفهمينه؛ فإنك أنت هنا الآن في سفينة ستسافر بعد غد صباحا، فاختاري بين أن ~~تسافري فيها وبين أن تعودي إلى لندرا. # قالت: إني ms109 لا أجد الاختيار صعبا. ~~- أتحسبين؟ ~~- دون شك، فإني لا أريد السفر الآن. ~~- إنك إذا بقيت في هذه السفينة تسافر بك إلى أميركا، وهناك يضمنون لك عيشا رخيا ~~شريفا. # فأجابتها بلهجة الساخر قائلة: هذا هو اقتراحك الأول قد عرفناه، فلننظر في اقتراحك ~~الثاني. # قالت: وإذا أبيت أن تسافري نعود بك إلى لندرا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يحاكمونك أمام محكمتنا الخاصة، وينفذ فيك العقاب الذي يحكمون به، فتمعني. ~~- لا حاجة إلى التمعن. ~~- إذن تسافرين؟ ~~- كلا. ~~- أتؤثرين المحاكمة؟ ~~- والعقاب. # فتنهدت سينتيا، وأشارت إلى ربان السفينة فدنا من ألن وقال لها: إنك أسيرتي أيتها السيدة ~~إلى مساء غد فتفضلي واتبعيني. # قالت: سر أتبعك. ثم قالت في نفسها: إني لا أعدم وسيلة لإلقاء نفسي في النهر؛ فإني أجيد ~~السباحة. # وقد سجنوها في غرفة لا نافذة فيها إلى البحر، فلم تيأس وقالت: سنرى في الغد ما ~~يكون. # ونامت ليلتها، وعند الصباح دخل إليها غلام بحري بالطعام فطمعت بإغوائه لما رأته من ظواهر ~~بساطته، وقالت له: هل تريد أن تكون من الأغنياء؟ # فابتسم وقال: دون شك، فماذا يجب أن أصنع؟ # قالت: لا شيء سوى أن تساعدني على الخروج من هذه السفينة. # فضحك الغلام وقال: إن الربان يشنقني في صاري السفينة. بالسلام عليك أيتها اللادي. # ثم وضع صينية الطعام أمامها وخرج فأقفل الباب، فلم تجزع ولم تقنط، وكان مثلها مثل المريض ~~لا يزال يرجو الشفاء ويعد معدات المستقبل ولو رأى الموت ماثلا لدى عينيه، ولذلك فإنها أكلت ~~بملء الشهية، ثم وجدت كتابا في تلك الغرفة، فجعلت تتلهى بالقراءة فيه كأنها آمنة مطمئنة في ~~منزلها. # ولبثت على ذلك إلى أن حان وقت العشاء، فجاءها البحار بالطعام ولكنه لم يكن وحده هذه ~~المرة، فارتعشت ألن حين رأته وقالت له: لا شك أنك قادم إلي بنبأ جديد، فأجابها بلهجة ~~الحزين قائلا: إني قادم لأرى رأيك الأخير، فقد كنت عازما على الرحيل صباح غد، ولكني وجدت ~~الرياح موافقة للسفر، وستقلع السفينة بعد نصف ساعة. # فاصفر وجهها وقالت: إنك ستنزلني إلى البر فيما أظن؟ # قال: ms110 ذلك منوط بك؛ فقد تركوا لك الخيار. # قالت: وأنا اخترت البقاء في لندرا. ~~- إنك مخطئة؛ فإني نوري مثل شمشون وجان دي فرانس الذي قتلته ومثلك . أريد أني عارف ~~بتاريخك؛ فإنك عدوتنا اللدودة، ولكن مجلس طائفتنا أشفق على شبابك، فإذا شئت ذهبت بك إلى ~~الأنتيل أو إلى لويزيانا. ~~- كلا كلا. لا أريد الذهاب. ~~- يظهر أنك لا تعلمين ما ستلاقينه من العقاب إذا بقيت. ~~- بل إني عالمة؛ فإن النور يريدون حبسي في أحد السجون المظلمة. ~~- ربما. ~~- ولكن يوجد رجلان يحبانني، وكلاهما غني باسل، وسيعرفان كيف يخرجانني من سجني. # فهز الربان رأسه وقال: إذن لا تريدين السفر؟ ~~- كلا. ~~- لم يبق لك غير ربع ساعة للتمعن؛ فإن رجالنا قادمون إلى السفينة. ~~- ليعودوا بي إلى لندرا. أليس كذلك؟ ~~- أظن. ~~- إذن سأستفيد من هذه المهلة لأتعشى. # فخرج الربان، وهو يقول في نفسه: إني لم أجد أجرأ من هذه الفتاة. وجلست وهي تأكل وتقول: إن ~~روجر وليونيل يبحثان عني، وجان دي فرانس قد مات، فلا أقنط ولو أجلسوني على النطع. # وبعد أن فرغت من طعامها عاد إليها الربان فقال لها: ماذا ارتأيت، فقد دنا وقت ~~السفر؟ # قالت: لم أرجع عن عزمي، وإني أدعو لك بالسفر السعيد. # قال: إنك مخطئة يا توبسي، فاعلمي أني لك من الناصحين. # فألقت وشاحها على كتفيها وقالت: لقد حضر الجلادون دون شك فسر بي إليهم. # فأصعدها الربان من جوف العنبر إلى سطح السفينة. # فرأت رجلين بملابس السواد وهما مقنعان، فضحكت ضحك الساخر وقالت: أية فائدة من التقنع؟ ~~ألعلي لا أعرفكم فأين القارب؟ هلموا بنا إليه. # فدنا منها الربان وقال لها: إني أتوسل إليك يا توبسي أن تسافري، فذلك خير لك. # قالت: كلا. فإني أريد العودة إلى لندرا. # فتنهد وقال: لقد فعلت ما علي، فليفعل الله ما يشاء. # وعند ذلك عصبوا عينيها وأنزلوها إلى القارب، فساروا بها نحو نصف ساعة، ثم نزعوا العصابة ~~عن عينيها ونظرت إلى البر فلم تجد أثر المنازل، ولكنها رأت على الشاطئ رجلا يمسك أعنة ~~أربعة جياد، فقالت في نفسها: ms111 يظهر أننا سنركب الجياد، فإلى أين يريدون أن يذهبوا بي؟ # وقد أخرجوها من القارب إلى الشاطئ حيث كانت الجياد، فناداه أحد الرجال المقنعين وقال له : ~~هل لك ما تقوله لي؟ # قال: نعم. فستجد إخوانا لنا في الطريق. # فاضطربت ألن وقالت: ألا نعود إلى لندرا؟ # قال: إننا ثلاثة رجال سنصحبك، وقد تلقينا الأمر بقتلك إذا حاولت الفرار، وقد كان بوسعنا ~~أن نقيدك فوق ظهر الجواد ونربطك إلى السرج كالأكياس، ولكننا نؤثر أن تركبي مثلنا ~~فاركبي. # فلم تجد بدا من الامتثال، فركبت الجواد، وركب الثلاثة يخفرونها، فلم يسيروا بضع خطوات ~~حتى يئست ألن من الفرار؛ إذ وجدت جوادها يشبه البغال. # وبعد ساعة من سيرهم وصلوا إلى غابة، وهناك صفر أحد الثلاثة، فأجيب بصفير مثله ثم أقبل ~~ثلاثة فرسان من الغابة فانضموا إليهم واستأنفوا السير، فساروا ساعة ثم التقوا بثلاثة ~~فرسان آخرين فانضموا إليهم، وكانوا كلما التقوا بكوكبة من أولئك الفرسان يتبادلون أقوالا ~~مبهمة لم تكن ألن تفهم شيئا من معانيها؛ فاشتد خوفها - على بسالتها - حتى إنها ندمت ~~لمغادرتها السفينة. # وما زالوا يسيرون إلى أن صاح الذي كان يتقدمهم قائلا: قفوا وترجلوا عن الجياد، ودنا ~~اثنان من ألن، فأمسك كل منهما بإحدى يديها فسارا بها في زقاق ضيق والرفاق في أثرهم ربع ~~ساعة، حتى انتهوا إلى مكان رأوا فيه نورا يضيء، فقال زعيمهم: لقد دخلنا. # فوجف قلب ألن وقالت: هنا؟ # قال: نعم. فإننا فقراء كما تعلمين، وليس لنا قصور نجعل فيها محاكمنا. # فاشتد رعبها وقالت: محكمة؟ # قال: دون شك. أتحسبين أننا نعاقبك دون محاكمة؟! ثم جرها بعنف إلى مكان ذلك النور، فرأت ~~نارا مشبوبة عند باب مغارة، ودخلوا بها إلى هذه المغارة، فرأت كثيرا من الرجال متربعين ~~على الأرض وكلهم مقنعون، ثم رأت رجلا وقف وقال: لقد تكامل عددنا الآن. # فارتعدت ألن حين سمعت هذا الصوت كأنها عرفته، واستأنف الرجل حديثه فقال مخاطبا الفتاة: ~~إن صبر الذين خنتهم يا مس ألن قد نفد، وانتزعت الرحمة من قلوبهم. ومع ذلك فقد عرضنا عليك ~~الحرية، ms112 ولو رضيت أن تسافري إلى أميركا لأعطيناك ثروة، ولكنك لم تقبلي. # فصاحت بصوت ملؤه اليأس قائلة: رباه! أنشر من في القبور؟ # وعند ذلك كشف الرجل قناعه، وسقطت ألن على ركبتيها؛ إذ رأت جان دي فرانس، فقال لها: لا ~~حاجة إلى تعداد جرائمك يا توبسي فإنك تعرفينها، وقد أتت ساعة عقابك؛ فإننا اخترنا أربعة ~~وعشرين رجلا منا لمحاكمتك، وسينفذ حكمهم لا محالة؛ فلا تطمعي بالعفو. # ثم نظر إلى أعضاء المحكمة، وسأل رجلا كان واقفا على يمينه فقال: أي عقاب تستحقه هذه ~~المرأة؟ # فأجابه الرجل دون تردد قائلا: إنها تستحق الموت. # فصاحت ألن قائلة: أأموت وأنا في العشرين من عمري؟ # فقال لها جان: أترضين أن نشوه وجهك وتعيشين؟ # قالت: كلا فاقتلوني ... اقتلوني. # وعند ذلك سمع صوت عند باب المغارة يقول بلهجة ملؤها السيادة: بل إنك تعيشين ويبقى جمالك ~~عقابا لك. # فالتفت الجميع إلى هذا الرجل فلم يعرفوه إذ كان مقنعا، وصاح جان قائلا: ألعلهم خانونا، ~~فمن هذا الرجل؟ # فمشى الرجل إليه فوضع يده على كتفه وقال له بصوت منخفض: إني أدعى أميري، ويحق لي أن أحكم ~~عليكم؛ فإني ملككم. # ثم كشف قناعه ورده إلى وجهه مسرعا بحيث لم ~~يره غير جان فانحنى أمامه بملء الاحترام وقال: مر أطع فقال له: مر رجالك أن يبتعدوا. # قال: كلهم؟ # قال: ما خلاك وهذا الرجل الضخم مشيرا إلى شمشون. # فنظر جان إليهم وقال لهم: أيها الإخوان إن أميرنا الأكبر يأمركم أن تخرجوا. # فخرج الجميع ممتثلين، ولم يبق في المغارة غير جان وشمشون وألن وهذا الرجل. # وعند ذلك كشف الرجل قناعه، فصاحت ألن قائلة: روجر؟ # وقال شمشون: المركيز دي إسبرتهون. # فقال المركيز: كلا. بل أميري النوري ابن سينتيا وزعيم الطائفة الأكبر. # ثم التفت إلى ألن وقال لها: إن هؤلاء الرجال أرادوا قتلك، وأنا عفوت عنك، ولكني ما عفوت ~~إلا بشرط أن تبرحي لندرا في هذه الليلة، وأن تذهبي إلى السير روبرت في إيكوسيا، وأن ترجعي ~~عن فكرة الزواج بليونيل. # فأطرقت رأسها دون أن تجيب، والتفت روجر إلى ms113 شمشون فقال له: وأنت فاذهب بهذه الفتاة ولا ~~تفارقها إلا عند باب منزل السير روبرت، والويل لك إذا أصيبت بسوء. # فأخذ شمشون بيد ألن وخرج بها من المغارة، ونظر روجر إلى جان بفتور وقال له: لنتحدث ~~الآن. # الفصل العاشر # | الفرار # قال المركيز لجان حين خلا به في المغارة: هلم نتحدث أيها الناباب عثمان، فقد عرفت الآن كل ~~شيء، فأنت جان دي فرانس، وإنك خالي، أي أخو أمي سينتيا. # إن أمي أخبرتني بكل أمري، وكيف أنك تجاسرت وجعلتني من أعظم أشراف الإنكليز، وأنك وبولتون ~~كنتما كاذبين حين أوهمتما الأعيان في الجمعية السرية أن سينتيا مجنونة، بل إنك كذبت علي ~~حين قلت لي إني ابن اللورد إسبرتهون الشرعي. فلماذا؟ # قال: إنك ما دمت عرفت سر مولدك فلا بد لي من أن أخبرك بتفصيل ما جرى. # ثم قص عليه كل حكايته، وكيف أنه كان ابنا غير شرعي للورد إسبرتهون، وكيف أن السير جيمس ~~قتل ولده وهو في مهده بسم الأفعى، وكيف أن أباه اللورد سرقه كي لا تعود ثروته إلى ابن أخيه ~~جيمس؛ لأنه كان يعتقد أن ولده الثاني ليونيل ميت، وكيف أنه كان يراقبه الليل والنهار في ~~لندرا وأميركا وفي كل مكان ذهب إليه كي يحميه من السير جيمس، إلى آخر ما عرفه القراء من ~~أمره. # فلما فرغ من حديثه قال له المركيز: إنك إذا كنت قد أسأت إلي فقد كان شفيعك حسن القصد، ~~وإني أغفر لك ولبولتون هذه الإساءة التي لا تغتفر، فإنك لو علمت ما أقاسيه الآن من العذاب ~~لعذرتني على هذا القول، وكفى أني كنت لوردا ~~وقائد فرقة الملك ومن أعظم نبلاء الإنكليز، ثم وجدت نفسي نوريا لقيطا لا فرق بيني وبين ~~الخدم. ~~- ولكنك ابن اللورد إسبرتهون. ~~- هل أنا ولده الشرعي؟ ~~- كلا، ولكن فات الأوان الآن، ولم يعد في وسعك أن تدوس تاج المركيزية وتخلع وشاح ~~اللوردية، فقد لقينا في هذا السبيل أشد ما يلقاه بشر من العناء، وإذا كنت ترى أن وجودنا في ~~لندرا يثقل عليك فقل كلمة ms114 نبرحها بجملتنا ويبقى سرك محفوظا مدى الحياة. # فهز روجر رأسه وقال: لا تسافروا، وإذا رأدتم السفر سافرت معكم. واعلم أنه لو كان السير ~~جيمس باقيا في قيد الحياة لخشيت أن يعود اللقب والثروة إليه ولبثت على تنكري. # فقاطعه جان قائلا: ولكن ماذا يحدث بهذه الثروة إذا تركتها فإنها تعود إلى بيت ~~المال. # قال: إنك واهم، بل إنها تعود إلى وريثها الشرعي؛ أي إلى ليونيل ابن اللورد إسبرتهون ~~الثاني؛ فإنه لم يمت كما تتوهمون. # فغطى جان وجهه بيديه وقال: وا أسفاه! لقد قضي على آمالي. # وعند ذلك ظهر رجل في باب المغارة فصاح الاثنان قائلين: هو ذا الطبيب بولتون. # أما بولتون، فإنه دنا منهما وقال: إني اجتزت خمسين ميلا بست ساعات، ولكني وصلت قبل فوات ~~الأوان. # فقال روجر: ماذا حدث؟ # قال: حدث أن عدونا السير روبرت واقف على كل أمرنا. ~~- السير روبرت. ألم يكن صديق والدي؟ ~~- نعم. ولكنه الآن عدوك الألد، بل إنه عدو طائفتك بأسرها؛ فإني أرى أنك عرفت الآن حقيقة ~~أمرك فلم يبق سبيل إلى التكتم، فاعلم أن السير روبرت يشتغل بملء الجهد منذ أسبوعين، وقد ~~زار جميع اللوردية في إيكوسيا ولندرا، وسيتكلم في المجلس الأعلى بعد أسبوع حين ~~افتتاحه. ~~- ماذا يريد أن يتكلم؟ ~~- يريد أن يطلب نفي النور من جميع إنكلترا، وأنت ترى إذا كان يوافق أن تتنازل الآن عن ~~لقبك لأخيك وتدع هذا الرجل يقضي القضاء المبرم على طائفتك. # فأطرق المركيز مفكرا ثم قال: كلا، إن الجندي لا يعتزل الخدمة في يوم القتال، وسيرى السير ~~روبرت أني سأكون خير كفؤ له في ذلك المجلس، فاطمئنوا أيها الرفاق، فسأبقى المركيز دي ~~إسبرتهون وقائد فرقة الملك إلى أن تزول هذه الأخطار. ~~••• # ولنعد الآن إلى ألن فقد أوصلها شمشون إلى منزل السير روبرت، ثم تركها وانصرف، فدخلت وهي ~~تقول في نفسها: لقد نجوت الآن، وبات روجر يحتقرني، ولكن بقي لي ليونيل بشرط أن أجتمع به قبل ~~أن يلقاه روجر. # ولما دخلت إلى المنزل وجدت السير روبرت فيه وعلائم القسوة بادية ms115 في وجهه، فقالت له: متى ~~عدت يا عماه؟ # فأجابها بلهجة ملؤها الاحتقار قائلا: لقد وقفت على كل مكايدك، وعلمت أنك تجتمعين برجال ~~طائفتك وبذلك المزور المحتال الذي انتحل لقب المركيز دي إسبرتهون. # ولقد قرأت في الأمثال العربية أن أعرابية ~~اختبرت جرو ذئب وربته مع شاة لها، فلما أصبح الجرو ذئبا نسي التربية وافترس الشاة، فقالت ~~فيه: # بقرت شويهتي وفجعت قلبي # فمن أنباك أن أباك ذيب # وهكذا أنت؛ فقد ربيتك خير تربية، وجعلتك من شريفات الإنكليز، فلما تكامل هداك نسيت ~~التربية ولم تذكري إلا أن أمك نورية، فاعلمي أني لا أريد أن تقيمي في منزلي بعد الآن، ~~وسيعطيك الصراف مكسويل مبلغا من المال في كل شهر تنفقينه؛ لأني لا أريد أن تعيشي عيش ~~المتسولين، والآن خذي هذا. # ثم دفع إليها محفظة فيها أوارق مالية، فأخذتها من يده وألقتها عند قدميه وهي تقول: إني لا ~~أريد صدقتك ولا شفقة أحد. # وقد خرجت من ذلك المنزل الذي قضت فيه كل أيام حداثتها وهي تأنف أن تلتفت إلى ~~الوراء. ~~••• # وقد وجدت نفسها على بلاط لندرا لا نصير لها ولا معين، ولو أصيبت امرأة ببعض ما أصيبت به ~~لبكت بكاء الثكلى، ولكن قلبها كان قد صنع من الحديد، فكان عزاؤها عن طردها من منزل السير ~~روبرت قولها: إن هذا الرجل قد حلني من قيود الامتنان، فبت قادرة على أن أنهج مع ليونيل كما ~~أشاء. # وكان البرد شديدا في تلك الليلة والهواء زمهريرا، فمن كان في موقفها التجأ إلى أحد ~~الفنادق؛ فقد كان لديها شيء من النقود في كيسها. # ولكنها كانت مجربة تعلم أن الوقت ثمين، وأن الدقيقة الواحدة قد تغير مستقبل الإنسان ~~بجملته. # ثم إنها كانت قد رأت السير روبرت لا يزال في ثياب السفر؛ فأيقنت أنه لم يجتمع بعد ~~بليونيل؛ فذهبت مسرعة إلى مكان تجتمع فيه المركبات؛ فركبت مركبة، وأمرت سائقها أن يذهب بها ~~إلى الثكنة التي تقيم فيها فرسان الملك، وهي تعلم أن ليونيل يبيت أكثر لياليه في ~~الثكنة. # وهناك لقيت حارس الباب ms116 وقالت له: إني أريد مقابلة الضابط ليونيل في شأن خطير. # قال: إن الدخول محظور يا سيدتي، ولكنك تستطيعين أن تكتبي إليه. # قالت: لا حاجة إلى الكتابة؛ إذ يكفي أن تذكر له اسمي. # فنادى الحارس أحد الجنود فقالت له: قل للقائد ليونيل إن مس ألن فالدن تريد أن تراه في ~~الحال. # فانطلق الجندي، وبعد هنيهة أقبل ليونيل، فصاح صيحة فرح حين رآها، وقالت في نفسها: إنه لم ~~يعلم شيئا بعد. # وكان ليونيل قد لقي عذابا شديدا في ذلك اليوم؛ فإنه ذهب إلى أخيه مرتين فلم يجده، ولكن ~~المركيز أرسل له رسالة يقول فيها: إني وقفت على أثر مس ألن. فأقام كل يومه وهو يسير سير ~~الهائمين بين منزل السير روبرت ومنزل أخيه، وأقبل المساء فلم تعد ألن إلى منزلها ولم يعد ~~أخوه؛ فبات شبه المجانين. # وكانت واجباته تقضي عليه أن يبيت في الثكنة تلك الليلة؛ فعاد إليها، وجعل يتمعن في أمره ~~فتارة يثق بأخيه فيطمئن وتارة يعاوده الشك فتقتله الغيرة. # وما زال على ذلك إلى أن جاءه الجندي وأخبره بأن مس ألن تريد أن تراه؛ فذهب إلى لقائها ~~وقلبه يكاد أن يخرج من صدره لفرحه، وقال لها: أهذا أنت؟ # فمدت إليه يدها وهي في المركبة فقطعها تقبيلا، وقالت له: نعم. أنا هي، وإنك إذا لم ~~تبادر إلى نجدتي كنت من الهالكات، فهل تستطيع التغيب عن الثكنة؟ # قال: نعم. فإني أنيب عني أحد زملائي. # قالت: إذن. افعل أيها الحبيب وأسرع؛ فإن الوقت لا يتسع للإمهال. # فعاد ليونيل إلى الثكنة، فكتب رسالة إلى صديق له من الضباط يسأله فيها أن ينوب عنه ورجع ~~إلى مس ألن فصعد إلى المركبة بجانبها وقال لها: ماذا حدث أيتها الحبيبة؛ فإنك لا تعلمين ~~مقدار ما لقيت من العذاب. # فقبضت على ذراعه وقالت: ليونيل! أتحبني؟ # قال: أتسألينني إذا كنت أحبك؟ ~~- ماذا تفعل من أجلي؟ ~~- خير ما عندي دمي، وإني أسفكه في سبيلك. ~~- إذن. فاعلم أن عمي وروجر قد تآمرا على إهلاكك؛ فإن عمي هو الذي اختطفني كي يبعدني ms117 عنك ~~إلى الأبد ويزوجني بروجر. # فاصفر وجهه من الغضب وقال: إنها خيانة سافلة. # قالت: أتريد أن أكون امرأتك يا ليونيل؟ ~~- كيف تسألينني وأنت تعلمين أن هذا كل ما أرجوه في الحياة. ~~- إذن لنهرب ولنبرح لندرا في هذه الليلة إلى إحدى القرى، وهناك لا نعدم كاهنا يعقد ~~زواجنا أو يزوجوني بالرغم بروجر ... ليونيل إني أموت إذا أكرهت على الزواج ... ليونيل إني لا ~~أحب سواك. # وكانت تضغط على يده وهي تقول له هذا القول ضغطا على قلبه حتى سحرته ووافقها على ~~الهرب. # فأمرت السائق أن يسير؛ فانطلق بالعاشقين وخرجت المركبة من لندرا بينما كان السير روبرت قد ~~دخل إلى غرفة رقاده وعزم على أن يجتمع غدا بليونيل ويشفيه من حب ألن. ~~••• # مضى على ذلك ثلاثة أيام والسير روبرت مضطرب أشد الاضطراب، فإن ليونيل لم يظهر في ~~خلالها. # وكان قد سأل عنه في الثكنة، فعلم أنه خرج بعد انتصاف الليل مع امرأة كانت تنتظره في ~~مركبة، وأن هذه المرأة تدعى مس ألن فالدن، وأنها سارت وإياه في تلك المركبة، فلم يبق لديه ~~شك أنه هرب مع النورية. # وكان قد أنبأ البوليس بأمرهما، ولكن البوليس على مهارته في لندرا لم يقف على أثر ~~الهاربين، فكاد يجن من يأسه لوثوقه أن ألن لا تعود إلى لندرا إلا وهي زوجة ليونيل. # وذلك أن في إنكلترا - ولا سيما في ذلك العهد - كان الزواج سهلا، فلو ذهب عاشقان إلى دير ~~كاهن وسألاه أن يعقد زواجهما لفعل دون اعتراض، فكان هذا الخاطر يعذب السير روبرت عذابا ~~شديدا؛ لأنه كان قد آلى على نفسه قضاء أمرين؛ أحدهما أن لا يدع ربيبته تتزوج بليونيل لأنه ~~من الأشراف، وثانيهما أن يكره روجر على أن يرد ثروته لأخيه ليونيل ابن اللورد ~~الشرعي. # وفيما هو في منزله يتأهب للذهاب إلى مدير البوليس، دخل إليه خادم قال له: إن رجلا يلبس ~~ملابس التجار يريد أن يقابلك. # فأذن له فدخل، فقال روبرت في نفسه: يخال لي أني عرفت هذا الرجل. # أما الرجل، فإنه انحنى أمامه مسلما ms118 وقال له: ألا إن سيدي يعرفني دون شك. # قال: أذكر أني رأيتك، ولكن لا أذكر أين. # قال: لقد تشرفت بلقائك يا سيدي في الهند. ~~- في الهند؟ ~~- نعم. وكان ذلك مرتين: إحداهما في الطريق من شاندرناجور إلى كلكوتا، والثانية في خمارة ~~عند باب تلك العاصمة. ~~- أأنت هو؟ ~~- نعم. أنا هو ناثائيل، والد توبسي الذي جلدوه خمسين سوطا لأنه طلب أن ترد إليه ~~ابنته. # فقطب حاجبيه وقال له: والآن ماذا تريد؟ أتريد مالا؟ # قال: إن تجارتي رابحة بإذن الله، وأنا أشتغل هنا منذ خمسة عشر عاما ما شكوت فيها إلا يوم ~~جلدوني، فإن هذا الشعب الخامل لا يفتأ ينتصر للظالم على المظلوم، وقد أبوا أن يصدقوا أن مس ~~ألن الحسناء إنما هي ابنتي. ~~- أظن أنك لم تأت إلى هنا إلا لتقص علي تاريخ حياتك. ~~- كلا دون شك. ~~- إذن؛ ماذا تريد؟ ~~- إني أصبحت شيخا كما ترى، وأنا الآن غني، وليس لي وريث؛ فأريد أن ترد إلي ~~ابنتي. ~~- إني لا أعترضك؛ فإن ابنتك قد أساءت إلي بعد إحساني. ~~- لا عجب؛ فقد كانت أمها على شاكلتها. ~~- وقد طردتها من عندي. ~~- لقد عرفت ذلك أيضا يا سيدي. ~~- إذا كنت قد عرفت ذلك، فلماذا أتيت إلي؟ ~~- أصغ إلي يا سيدي، فإني أعرف أمورا أخرى أيضا. ~~- ألعلك تعرف أين هي؟ ~~- نعم. ~~- تكلم. ~~- رفقا يا سيدي. ولنبدأ بوضع شروطنا إذا أردت. # فأدرك أن لهجة العنف لا تفيد مع هذا الرجل، فقال له برفق: قل فإني مصغ إليك. # قال: إن توبسي ليست في لندرا؛ فقد هربت مع فتى جميل يهمك أمره وهي ستتزوج به. ~~- كلا. إن هذا لا يكون. ~~- إنك تستطيع منع هذا الزواج إذا تدخلت في شأنه، وأما إذا لم تتنازل إلى التدخل فإن ~~الزواج كائن لا محالة. ~~- أرى أيها الرجل أنك تعلم أين هما، وأنك تريد أن تبيعني هذا السر. ~~- لقد قلت لك يا سيدي إني لست في حاجة إلى المال. ~~- إذن؛ ماذا تريد؟ ~~- إن ليونيل أحب بنتي حبا عظيما، حتى إنه لم يعد يصغي إلا لصوت قلبه، ms119 ولا يستطيع منع ~~هذا الزواج غير رجل واحد. ~~- وهذا الرجل؟ ~~- هو أنا. ولكنك أنكرت - ولا تزال تنكر لسوء الحظ - أني أبو توبسي. ~~- سأعترف بهذه الحقيقة . ~~- إن اعترافك وحده لم يعد كافيا الآن. ~~- ماذا يجب أن أفعل أيضا؟ ~~- يجب أن تذهب بي إلى الملك. # فلم يتمالك السير روبرت عن الضحك، فقال له النوري: نعم. يجب أن تذهب بي إلى القصر ~~فتقدمني للملك وتعترف أمامه بأني والد توبسي، ثم تلتمس من جلالته أن يصدر أمرا برد ابنتي ~~إلي. ومتى صار هذا الأمر في يدي منعت الزواج. # فكره السير روبرت أن يقول أمام الملك بأنه جعل فتاة نورية ابنة أخيه وقال له: إن هذا ~~محال. # قال: إذا كان ذلك، فليتفضل مولاي بمعذرتي لإزعاجه ويأذن لي بالانصراف. ~~- بل ابق وقل لي أين هي الفتاة؟ ~~- إني لا أخبرك إلا بهذا الشرط، فإما أن ترضى به وإما أن ترضى بأن تتزوج ليونيل. ~~- كلا. إن ذلك لا يكون وأنا في قيد الحياة. # وقد أدرك السير روبرت أنه لم يبق له حيلة مع هذا الرجل، وأنه إذا أبى موافقته تزوجت تلك ~~النورية بليونيل، أي بالمركيز إسبرتهون الحقيقي؛ فرأى أنه لا بد له من الامتثال وقال: ليكن، ~~فسأذهب بك إلى الملك. # ثم أمر الخادم أن يعد مركبته، فقال له ناثائيل: لقد أصبت يا سيدي؛ فإن توبسي لا تعرف أن ~~تكون سيدة عظيمة، وهي ستكون في مخزني على خير حال. ~~••• # كان السير روبرت فالدن يعد من عظماء الرجال في لندرا، وطالما اهتز منبر البرلمان ~~لبلاغته، ومن كانت له هذه المنزلة بين قومه على ما هو فيه من شرف النسب لا يطول وقوفه في ~~أبواب الملوك. # وقد وصل إلى سراي الملك فوجد كثيرين من الناس في الردهة ينتظرون بجازع الصبر صدور الإذن ~~لهم بمقابلة جلالته، فلم يكد يذكر اسمه للحاجب حتى صدر الأمر بإدخاله قبل جميع ~~المنتظرين. # وكان الملك جالسا وحده في قاعته، فلما دخل إليه السير روبرت دهش؛ إذ رأى وراءه رجلا ~~بملابس التجار. # فأدرك سر دهشته، وبدأ الحديث فقال: ms120 إن ملوك الإنكليز من بدء عهدهم إلى عهد جلالتكم لم ~~يرق لهم مثل أن يقضوا بأنفسهم بالحق. # قال: هو ذاك. # قال: مولاي! إن هذا الرجل الذي تراه يضطرب بحضرة جلالتكم إنما هو أب منكود أنكرته ابنته، ~~وهو يلتمس من جلالتكم ردها إليه. # وعند ذلك بسط له حكاية توبسي بالتفصيل، وكيف أنه أخذها ورباها إلى أن رأى ما كان من فساد ~~أخلاقها؛ فاضطر إلى التخلي عنها، وأن أباها يطلبها الآن، ولكنها تنكره وتأبى أن تعود إليه، ~~وأنه يلتمس من جلالة الملك أن يصدر أمره الكريم برد الفتاة إلى أبيها. # وقد وجد الملك هذا الملتمس حقا؛ فنادى رئيس حراسه وأراه ناثائيل، ثم قال له: اذهب مع ~~هذا الرجل ورد ابنته إليه باسم الملك، وإذا أصرت على الإنكار بأنها ليست بنته فقل لها إن ~~السير روبرت فالدن شهد بذلك، وإن الملك وثق بهذه الشهادة. # فانحنى رئيس الحراس، وبينما كان السير روبرت يحاول الانصراف دخل إلى القاعة الملكية ~~المركيز روجر من باب آخر غير الباب العام؛ فإن الملك كان قد أذن له بالدخول إليه متى شاء ~~بصفته قائد فرقته الأكبر. # ولم يظهر على المركيز شيء من علائم الانذهال حين رأى ناثائيل في قاعة الملك خلافا للسير ~~روبرت؛ فإنه ارتعش حين رأى المركيز يحييه بيده. # أما المركيز، فإنه انحنى أمام الملك وقال: مولاي! إن فرقة الفرسان معسكرة في السراي، وقد ~~جئت أسأل مولاي أن يعين كلمة السر التي يعينها بنفسه كل يوم. # فأشار إليه الملك إشارة مفادها اصبر إلى أن نكون وحدنا. # وحاول السير روبرت الانصراف، ولكن المركيز أوقفه بإشارة وقال للملك: مولاي! إني أعد نفسي ~~سعيدا بلقاء السير روبرت في حضرة جلالتكم؛ لأني سألتمس أن أقول لكم أقوالا تهمه. # قال: قل أيها المركيز. # قال: مولاي! يوجد في فرقتي ضابط يدعى ليونيل أظن أن السير روبرت وصيه. # وإن هذا الضابط يا سيدي قد ارتكب خطأ عظيما؛ فإنه ترك الفرقة دون إذن وهرب مع فتاة ~~أفاقة محتالة خدع بها وسيتزوجها إذا لم يحل أمر جلالتكم دون ms121 هذا الزواج. # وظهرت على الملك علائم الاشمئزاز، ومضى المركيز في حديثه فقال: إن هذه الفتاة كانت تدعو ~~نفسها مس ألن فالدن، والحقيقة أنها بنت هذا الرجل الواقف بحضرة جلالتكم ويدعى ~~ناثائيل. # فجعل الملك ينظر إليهما، وقال المركيز: إن وجودهما في قاعة جلالتكم يدل على أن جلالتكم قد ~~أصدرتم أمركم بهذا الشأن. # قال: هو ذاك. # قال: إذا خرج ناثائيل التمست من جلالتكم أن تأذنوا لي بمقابلة بحضور السير روبرت. # فقطب السير روبرت حاجبيه؛ إذ لم يكن يعلم مراد المركيز، وأشار الملك إلى رئيس حراسه ~~فأخرج ناثائيل وبقي روبرت والمركيز. # وكان الملك مصابا بمرض قضى عليه بأن يكون ضيق الأخلاق، فلو لم يكن يعطف عطفا خاصا على ~~روجر لما صبر على بطئه في بيان مراده إلى هذا الحد، ولكنه نظر إليه وقال له برفق: قل أيها ~~المركيز ما تريد قوله. # قال: مولاي إني مخبر جلالتكم خبرا ستدهشون له لو لم يكن السير روبرت حاضرا ~~فيثبته. # ثم التفت إلى روبرت وقال: ألم تكن يا سيدي صديق والدي المرحوم اللورد إسبرتهون؟ # قال: نعم. # قال: وإنك تعلم أن أبي صدق بامرأته اللادي سيسل وشايات كاذبة؛ فأبعدها عنه مع ولدها ~~الثاني، وأن خوفها كان عظيما على ولدها؛ إذ كانت تخشى أن ينتقم منهما، فأوهمته أن ولده ~~الثاني ميت. # فقال الملك: كيف ذلك؟ أهو حي؟ ألك أخ؟ # قال: نعم يا مولاي، فهو ضابط في فرقتي، وإني ألتمس له العفو من جلالتكم، فهو ذلك العاشق ~~المفتون الذي هام بتلك المحتالة وهرب وإياها. # قال: إنه ما زال أخاك أيها المركيز؛ فقد عفونا عنه وأعطيناه إجازة ثلاثة أشهر. # ثم رفع يده مسلما إشارة إلى انتهاء المقابلة، فانحنى الاثنان وانصرفا. # فلما وصلا إلى الردهة قال له السير روبرت: لي كلمة أقولها لك أيها المركيز. # قال: لك أن تقول أربعا إذا أردت. # قال: إني أريد محادثتك اليوم مليا، فهل تريد أن تعين لي موعدا للقاء؟ # فأشار المركيز إلى الحديقة وقال له: إنها خالية وليس فيها أحد، فهلم بنا إليها. # قال: ليكن ما ms122 تريد. # ونزل الاثنان إلى الحديقة، وجلسا تحت شجرة غضة، فبدأ السير روبرت الحديث فقال: إني تغيبت ~~عن لندرا أيها المركيز مدة أسبوعين. # فأجابه بجفاء قائلا : نعم. وقد عرفت أيضا أنك سافرت على أثر جلسة سرية عقدت في نادي ~~هرمين كما أظن. # قال: أعرفت ذلك؟ # فأجابه بعظمة قائلا: نعم. وقد عرفت أنك اتفقت مع مس ألن على اختطاف امرأة نورية تدعى ~~سينتيا، وكانت تقول إنها أمي. ~~- إنك ما دمت قد بدأت أنت سرد هذه الحوادث، فقد هانت علي مهمتي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن هذه المرأة التي تقول أنها أمك، والتي أخذها عمال مستشفى بلدام بحجة أنها هاربة منه، ~~لم توجد فيه. ~~- إني أعرف ذلك، فقد عهدت إلى الطبيب بولتون معالجتها. ~~- ألعلك تعتقد أنها مجنونة؟ ~~- نعم. وإنك سافرت منذ أسبوعين إلى إيكوسيا، واجتمعت بكثيرين من أعضاء مجلس اللوردية ... ~~خابرتهم بشأن نفي طائفة النور. ~~- هو ذاك. فإني أريد طرد النور من إنكلترا، وهي خير طريقة لإكراه المزورين على ~~الجلاء. ~~- ولكن هذه الطائفة لا تنكر أصلها. ~~- أتعتقد ذلك؟ ~~- أصغ إلي يا سير روبرت، فلا حاجة إلى المعميات بيننا؛ فإني أعلم ماذا تفتكر. ~~- ماذا؟ ~~- إنك تحسبني ابنا غير شرعي للورد إسبرتهون، وأن أمي هي سينتيا، ولكني في عيون الملك ~~والنبلاء والناس المركيز روجر، وقائد فرقة فرسان الملك، وإني لا أقول لك إذا كنت مخطئا أو ~~مصيبا في اعتقادك؛ فإن من كان مثلي لا يتدانى إلى تبرئة نفسه. ~~- ولكن ماذا تقول إذا أثبت اعتقادي بالبراهين؟ ~~- إن براهينك ضرب من المحال، ولكن أصغ إلي فإنك معروف بإخلاصك للادي سيسل، وبأنك تحب ~~ولدها كأنه ولدك. ~~- هو ذاك؛ ولذلك أردت أن أرد له ميراث أبيه. فابتسم روجر وقال: أليس من العجيب أن تكون ~~شيخا وأن أكون فتى فتثور حدتك وأسكن؟ ألا تريد أن تصغي إلي بسكينة؟ ~~- إني مصغ. ~~- أقول إنك إذا كنت تحب ليونيل حقيقة فلا تخاطر بمستقبله؛ فقد شاطرته أموالي. # فقاطعه قائلا: إنك لو كنت ابن اللورد الشرعي ... # فبرقت عينا المركيز وقال: إني أمنعك عن أن تشك بمولدي إلى ms123 أن تبرهن لإنكلترا بجملتها على ~~صحة ما تقول. # فهاج ثائره وقال: إني أعلم كيف أكرهك على الاعتراف. # فأجابه قائلا: كفاك هياجا؛ فإننا إذا تبارزنا قتلتك لا محالة فنحرم ليونيل من وصيه ~~وحاميه الوحيد، واعلم أني فتى ويقال بأني باسل وأن إنكلترا على وشك إثارة الحرب. ألا يجوز ~~أن أقتل في غمارها وأنا في طليعة فرقتي؟ ~~- ولكني لا أشير على ليونيل أن ينتظر هذه الصدفة. ~~- وأنا أرى أنه لا سبيل إلى الاتفاق بيننا، وإنك تريد الخصام. فليكن ما أردت. ~~- ليكن. ~~- ولكنك مخطئ يا سير روبرت. ~~- لا يخطئ من يعمل بما يوحيه إليه الواجب. ~~- إذن أنت تريد الخصام. ~~- نعم. ~~- وستطلب إلى البرلمان نفي طائفة النور. ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- وأنا سأدافع عنها ... إلى اللقاء. # ثم حياه وانصرف. # فوقف روبرت مطرقا مفكرا يقول في نفسه: إن هذا الرجل شديد، فكيف السبيل إلى إكراهه على ~~الاعتراف، ومع ذلك فلا بد للحقيقة أن تظهر وأن يحل الولد الشرعي محل اللقيط. # وقد ترك الحديقة وانصرف، فلم يسر بضع خطوات حتى التقى بالطبيب بولتون، فحياه الطبيب ~~وقال له: إني كنت أحسبك في إيكوسيا أيها الصديق. # قال: لقد كنت فيها وعدت أمس. ~~- إني رأيتك خارجا من قاعة الملك، فهل أصبحت من الحاشية؟ ~~- كلا. ولكني أدخل إلى الملك حين أحتاج إلى مقابلته وأسأل العدل. ~~- ألعلهم أساءوا إليك؟ ~~- كلا. بل أساءوا إلى رجل كانوا يحسبونه ميتا وهو حي يرزق. ~~- إني أعلم ما تعنيه؛ فإنك تريد بهذا الرجل ليونيل ابن اللورد إسبرتهون الثاني. ~~- بل وريثه الوحيد بعد موت أخيه المركيز. ~~- أيها الصديق أسألك المعذرة؛ لأني لم أنتبه إلى حالتك العقلية حين رأيتك، وأنت تعلم أني ~~طبيب. # فقبض روبرت على ذراعه فهزه بعنف وقال له: إنك تعلم يقينا بأني لست من المجانين. ~~- وأنا أريد أن أعتقد هذا الاعتقاد إلا إذا عدت إلى مباحثتي في هذه الشئون؛ فإني التقيت ~~الآن بالمركيز روجر وأنت تقول إنه ميت؟ ~~- ليس هو بالمركيز روجر، بل هو ابن سينتيا. ~~- أأنت تصدق وشايات توبسي التي جعلتها ابنة أخيك؟ # فنظر ms124 إليه محدقا وقال له: إنه يجب أن تكون واقفا على هذه الحقيقة أكثر من سواك؛ فقد كنت ~~طبيب اللورد الخاص. ~~- لا شك أني أعرفها. ~~- إذن تكلم. ~~- أتريد؟ ~~- بل ألتمس منك أن تقول الحقيقة. ~~- إذن فاعلم أيها الصديق أنك على وشك الجنون، وأن خير ما تفعله هو أن تعد أمتعتك وتسافر ~~إلى أوربا؛ فإن السفر مفيد في هذه الحالات. # ثم حياه وانصرف؛ فضرب السير روبرت الأرض برجله مغضبا وقال: إن جميع الناس من حزبه فليس ~~لي به حيلة. ~~••• # ولنعد الآن إلى ألن وليونيل، فإنهما خرجا من لندرا إلى إحدى القرى فباتا فيها، وعند ~~الصباح سألها ليونيل قائلا: إلى أين نذهب؟ # قالت: إن عمي وروجر سيطوفان إنكلترا للبحث عنا، وخير ما أراه أن نذهب إلى منزل أمك في ~~إيكوسيا، وهناك ندعو كاهنا من إحدى القرى فيعقد زواجنا ثم نعود، ولا خوف علينا من ~~أحد. # فوافقها إلى ما أرادت، وسافرا إلى هوتغور فأقاما كل يومهما مختبئين في أحد ~~فنادقها. # وفي اليوم التالي أرادا استئناف السفر، فقال له صاحب الفندق: إن الخيل لا تعود قبل ~~ساعتين؛ فاضطر العاشقان إلى الصبر ساعتين مرت بهما مرور عامين، وكان ليونيل يخرج من حين إلى ~~حين إلى الطريق مفتقدا قدوم الخيل. # وفي خلال ذلك كانت ألن مختلية في الغرفة تسمع حديث الخدم في الردهة، فسمعت أحدهما يقول ~~للآخر: إني لم أر لوردا كهذا اللورد الذي مر بنا. # فأجابه رفيقه: الحق أنه أشبه بالإسبانيين منه بالهنود؛ فإن شعره الأسود يشبه جانح الغراب ~~ولون وجهه يشبه الزيتون. # فاضطربت ألن لهذا القول؛ إذ ذكرت جان دي فرانس، وعاد ليونيل إليها فأخبرها بقدوم الجياد ~~وسافرا إلى إيكوسيا. # وهناك دعا ليونيل إليه أحد الكهنة وسأله أن يزوجهما في الغد؛ فوافقه الكاهن، ولكنه اعترض ~~على أن يكون الزواج في الغد بحجة أن ذلك اليوم يوم جمعة، أي اليوم الذي صلب فيه المسيح، ~~واتفقوا على أن يكون الزواج يوم السبت. # وفي ذلك اليوم ذهب ليونيل وألن إلى الكنيسة في الساعة المعينة، وكان فيها بعض أهل ms125 القرية ~~حضروا للصلاة، ودخل في أثرهما ثمانية رجال غرباء كان أربعة منهم بملابس التجار وأربعة ~~متشحون بوشاحات تخفي ملابسهم. # حتى إذا انتهت الصلاة وأراد الكاهن أن يبدأ حفلة الإكليل وقف في باب الهيكل وقال: أيها ~~الناس، إني سأزوج ليونيل دي إسبرتهون من مس ألن فالدن، فهل يوجد من يعترض على هذا ~~الزواج؟ # فأجابه صوت قائلا: أنا. # وقد دنا هذا الرجل من الكاهن، فاضطربت ألن؛ إذ عرفت أن هذا الرجل أبوها ناثائيل، وقال له ~~الكاهن: لماذا تريد الاعتراض؟ ومن أنت؟ # قال: إني والد هذه الفتاة، وهؤلاء هم شهودي. # وعند ذلك دنا الثلاثة الذين كانوا معه، فقالوا: نعم نشهد أنه أبوها. # فصاحت ألن صيحة قنوط؛ إذ رأت أن هؤلاء الثلاثة كانوا جان دي فرانس وشمشون والمركيز روجر، ~~وصاح ليونيل بصوت يتهدج بالغضب قائلا: روجر؟ # فقالت مس ألن: إن هؤلاء الشهود كاذبون. # فتقدم عندئذ واحد من الأربعة الذين كانوا يخفون ملابسهم وأزاح الوشاح وظهرت ملابسه ~~العسكرية وقال: إني أعترض باسم الملك على هذا الزواج، وأدعو توبسي باسم الملك أن تذهب مع ~~أبيها ناثائيل. # فهجم ليونيل على أخيه وقال: أيها الشقي، ماذا فعلت؟ # فوضع المركيز يده على كتف أخيه وقال له ~~بملء السكينة: إني أنقذتك من العار؛ فإن مس ألن تدعى توبسي، وهي نورية وابنة هذا النوري، ~~وقد طردها السير روبرت فعادت لك حتى كادت أن ترميك في فخها. # فأطرق ليونيل برأسه، وسقطت دمعتان من عينيه إلى الأرض. # الفصل الحادي عشر # | عثمان والبرنس دي غال # بعد شهر من الحوادث التي تقدم بيانها خرج رجلان من سراي سانت جيمس - أي القصر الملكي - ~~وجعلا يسيران في شوارع لندرا، وكانت الليلة حالكة والضباب كثيفا والبرد قارصا، فقال أحد ~~الرجلين لرفيقه: أظن يا مولاي أننا نستطيع المخاطرة هذه الليلة. # قال: وأنا أرى رأيك يا دلتون؛ فإن دائني لا يفتكرون بي هذه الليلة. ولكني أرجوك أن تكون ~~حكيما، فلا تلقبني بلقب السمو، ولا تدعني بيا مولاي، بل ادعني جورج. # ثم تأبط ذراعه دون كلفة وقال له: إني لا أجد ms126 مناخا أقبح من مناخ بلادنا، فما هذا الضباب ~~الدائم؟ وما هذا البرد الذي لا يحتمل؟ # قال: الحق أن مناخها شديد. # قال: وإن شرائعها أشد؛ فإني لا أرى هؤلاء الناس يحترمونني وينحنون أمامي حتى أحمل ~~احترامهم على محمل التهكم، وأي احترام هذا؟ فإن الملك لا يحق له الخروج من لندرا إلا بإذن ~~خاص من البرلمان، وولي عهده لا تحفظ له خدمة إلا حين يكون في سانت جيمس أو في البرلمان، ~~فمتى خرج منهما بات فردا من أفراد الرعية يحق لدائنيه أن يقبضوا عليه أينما وجدوه. # قال: إني أعترف أن هذه الشرائع شديدة على الأسرة المالكة. # فتنهد وقال: هل يسمح ملك فرنسا أن تسري هذه الشرائع على أسرته؟ ولكن أبي شديد الضعف كثير ~~الميل إلى العامة؛ فإنه ما تقاضى عنده شريف وعامي إلا حكم على الشريف. # وهو يقول إنه يقتدي بذلك بأجداده حين كانوا في هولندا؛ فإنه يدعي أنهم كانوا يخضعون ~~لشرائع البلاد قبل رعاياهم. # قال: أية فائدة يا مولاي من الشكوى، فلا دواء لهذا الداء إلا الصبر، فاصبر إلى أن تتيح ~~الأقدار لسموك أن تجلس على عرش أبيك. # قال: اسكت وكفى! تدعوني بهذه الألقاب؟! أتريد أن أبيت الليلة في السجن؟ ~~••• # كان هذان الرجلان البرنس دي غال - ولي العهد في ذلك الحين - ~~وسكرتيره. # ولا بد لنا أن نوضح بالإيجاز سبب هذه المحادثة الغريبة بينهما، وذلك أن البرنس دي غال كان ~~معروفا بفساد السيرة، وله عيوب كثيرة أخصها المقامرة، فكان يلعب حتى خسر كل ما لديه؛ فلجأ ~~إلى المرابين، وقد كثرت ديونه وكثر مطله حتى وصلت شكوى الدائنين إلى أبيه الملك. # واتفق أن جريئا من أعضاء البرلمان وضع على منضدة الرئيس كثيرا من العرائض. # وكانت هذه العرائض شكاوى قدمها نحو ثلاثين مرابيا، يشكون من سمو ولي العهد أنه لم يف ~~ديونهم، وأنه طردهم أقبح طرد حين طالبوه بالسداد. # فتلا الرئيس هذه العرائض على الأعضاء، واضطرب المجلس، فقدم عريضة بهذا الصدد إلى ~~الملك. # وعند ذلك أمر الملك المجلس أن يصدر قرارا مفاده أن ولي ms127 العهد يعتبر لدى دائنيه كسائر ~~أفراد الرعية، وأنه يحق لكل دائن أن يحاكمه وأن يسجنه إذا امتنع عن وفاء دينه كما ~~يعاملون سائر الناس. # ثم نظر إلى ولده وقال له: إنك عضو في مجلس اللوردية بحق ولادتك، وإنك تقيم في قصر سانت ~~جيمس بصفتك ولي عهدي، فإذا استدنت ديونا جديدة ~~فإن دائنيك لا يستطيعون القبض عليك في سانت جيمس ولا في مجلس اللوردية، ولكنهم إذا لقوك ~~خارجهما حق لهم أن يقبضوا عليك، وقد أنذرتك فتدبر. # فوعد البرنس أباه أن يسير سير العاقلين، وأنه لا يتجاوز بنفقاته الميزانية المعينة ~~له. # ولكن وعده لم يقترن بالوفاء، فلم يمض عام حتى تراكمت عليه الديون، وقد أبى أبوه أن يفي ~~دينه، وأمر المجلس بتنفيذ قراره، فلم يعد ولي العهد يستطيع الخروج من قصر سانت جيمس إلا ~~متحذرا متنكرا، ولا يذهب إلى البرلمان إلا في مركبة ملكية يخفرها الفرسان. # والآن فقد عرف القراء سبب شكوى ولي العهد من البرد والضباب؛ فإنه لم يكن يستطيع الخروج في ~~رائعة النهار والتمتع بنور الشمس. # وكان يسير مع كاتم أسراره دلتون في تلك الليلة، وكلاهما يشكوان، فقال له دلتون: أف لهذا ~~البرد ما أثقله! # قال: إنه مهما يكن من ثقله فهو أخف عندي من الدائنين، وأرجو أن يكونوا الليلة في ~~أسرتهم فلا يخطر لهم أن يتبعوني. ~~- هذا ممكن. ~~- أتظن أنه لم يرنا أحد حين خروجنا من القصر؟ ~~- إني لم أر أحدا يا مولاي. ~~- إنك تطمئنني. ~~- أتأذن لي يا مولاي أن أسألك سؤالا؟ ~~- قل. ~~- أخرجت في هذه الليلة الباردة لاستنشاق الهواء أم أن لك غاية أخرى؟ ~~- بل لغاية أخرى؛ فقد أصبحت من العشاق. ~~- ومتى كنت من أهل الزهد يا مولاي، فإنك كل يوم من الغرام في شأن؟ ~~- ولكن غرامي اليوم لا يقاس به غرام. ~~- ألعلنا ذاهبان لإنشاد الأهازيج تحت مشرف منزل التي تحبها؟ ~~- ليس هناك مشرف. ~~- إن لجميع القصور في لندرا مشارف. ~~- وهي ليس لها قصر. ~~- إذن؛ إنها من نساء التجار. ~~- بل هي دونهن مقاما. ~~- إنك تدهشني يا مولاي، فمن ms128 هي هذه الساحرة؟ ~~- لا شك أنها ساحرة كما تقول بدليل أنها فتنتني بنظرة. أتريد أن أصفها لك؟ ~~- تفضل يا مولاي. ~~- إنها شقراء الشعر سوادء العينين لا تتجاوز ثمانية عشر ربيعا، وهي تلبس ملابس أهل ~~القرى، ولكنها خلقت كما اشتهيت، فلو رأتها دوقة لسرى إلى قلبها الحسد، وتمنت أن تكون في ~~مكانها، وعلى الجملة فهي جوهرة مكنونة. ~~- أين وجدت هذه الجوهرة يا مولاي؟ ~~- إن لهذا اللقاء حكاية دون شك؛ فقد كنت ذاهبا منذ ثلاثة أيام إلى البرلمان، فمررت من ~~هنا حيث نحن الآن. # وأنت تعلم أني حين أكون ذاهبا إلى البرلمان لا أكترث للدائنين؛ إذ لا يستطيعون إيقاف ~~مركبتي والحراس محدقون بها. # وقد فتحت النافذة وجعلت أبتسم للناس الذين كانوا يحيونني من الجانبين. # وفيما أنا على ذلك، رأيت تلك الفتاة التي وصفتها لك وقد وقفت تنظر إلي وإلى مركبتي ~~فابتسمت لها وأرسلت إليها قبلة في الهواء بيدي؛ فاحمر وجهها حياء وانصرفت مسرعة. # وكان يصحبني خادم ذكي رأى ما كان، فاندفع في أثرها، وأخبرني في هذا الصباح عن كل ما عرفه ~~من شأنها. ~~- أين تقيم يا مولاي؟ ~~- إنها تقيم في شارع لا يخطر لأحد أني أذهب إليه، ثم ضحك وقال: إنها تقيم في وينغ. ~~- هو ذاك يا مولاي؛ فإن دائنيك لا يمكن أن يخطر لهم أنك تتجول عند انتصاف الليل وفي مثل ~~هذه الليلة الباردة في شارع لا يقيم فيه غير الرعاع واللصوص. ~~- إذن أسرع الخطى؛ فإني أريد أن أصل إلى هذه الحسناء التي فتنتني. # فحك دلتون أذنه، ووقف موقف المتردد، فقال له البرنس وهو يضحك: ألعلك تأنف من الذهاب إلى ~~وينغ؟ # قال: كلا يا مولاي. ولكني لا أرى من الحكمة أن تخاطر بنفسك في هذا الشارع الذي لا يقيم ~~فيه غير قطاع الطرق والبحارة السكارى، وفوق ذلك فإن هذه الفتاة لا بد أن يكون لها أب أو ~~إخوة أو عشيق. ~~- كلا. فإنها تقيم في بيت صغير مع أختها المريضة وعمتها العجوز كما أنبأني خادمي، وإني ~~متقلد حسامي تحت وشاحي، وأظن أني ms129 أحسن استخدامه عند مسيس الحاجة. ~~- اسكت اسكت يا مولاي. ~~- ماذا؟ ~~- أظن أنهم يتبعوننا. ~~- ماذا تقول؟ ~~- إني أسمع منذ بضع دقائق وقع خطوات من ورائنا، وهي متناسبة مع خطواتنا. # فوضع البرنس يده على قبضة حسامه ووقف مصغيا، فسمع حديثا لم يتبينه؛ إذ كان يصل إلى ~~مسمعه شبه الهمس فقال: إنهما رجلان يتحدثان في شئونهما، فلنهتم نحن في شأننا. # ومشى فتبعه دلتون وهما يصغيان فيسمعان وقع خطوات الرجلين، فقال البرنس: لقد بدأت أن أضجر ~~منهما، فقف إلى أن يمرا ونرى ما يكون. # ولكنهما حين وقفا وقف الرجلان، فمشى البرنس إليهما وهو لا يراهما لتلبد الضباب إلى أن لاح ~~له أشباح سوداء، فصاح بهم دلتون قائلا: إنكم إذا كنتم من قطاع الطرق فقد أخطأتم بتعقبنا ~~فإننا لا نملك غير سيفين صقيلين. # فأجيب بضحك الساخر، ورأى أن الاثنين أصبحا ستة، فتراجع إلى الوراء وقال للبرنس: جرد حسامك ~~يا مولاي فقد طوقونا. # فامتشق حسامه وصاح بهم قائلا: إلى الوراء. # ولكنهم أجابوه بالضحك، ثم سمع صفيرا خاصا ورأى الأشباح محدقة به، فعاد إلى الإنذار ~~والوعيد. # وعند ذلك قال له واحد منهم بلهجة المتهكم: لقد عرفناك يا مولاي، ونحن كثيرون، فخير لك ~~التسليم إذا كنت من العاقلين. # فانقض البرنس بحسامه على الرجل الذي كلمه وتراجع الأشباح كأنهم ذعروا، فاندفع البرنس في ~~أثرهم. # ولكنه لم يسر ثلاث خطوات حتى عثرت رجله بشيء لم يره فوقع على الأرض، وأفلت الحسام من ~~يده. # وكان دلتون سقط مثله؛ فانقضوا عليهما وقيدوا أيديهما. # وعند ذلك أدرك البرنس أن هذا الرجل الذي كان يتهكم عليه إنما كان من ضباط البوليس التجاري ~~الذي كان يعهد إليه الدائنون القبض على المديونين وإرسالهم إلى السجن. # وقد توهج البرنس من الغضب وقال لهم: ويلكم أيها الأشقياء فسنقطع رءوسكم جزاء لكم. # فأجابه الضابط قائلا: إن رأسي يا صاحب السمو الملكي ثابت بين كتفي لا خوف عليه. # قال: ويحك أيها الوقح أتعرفني وتجسر ... # قال: لست أنا الذي يجسر يا مولاي على هذه الجرأة القبيحة، وإنما هو البرلمان. أما أنا ms130 ~~فإني من أخلص رعايا جلالة الملك. # فحسب البرنس أنه يستطيع إغواءه بالمال، فدفع إليه كيسه وقال: خذ هذا. # فهز الضابط الكيس كأنه يريد أن يعلم مقدار ما فيه من الدنانير ثم قال له: إن سموك مخطئ يا ~~مولاي. # قال: ماذا تعني؟ ~~- أعني أن هذا الكيس لا يوجد فيه أكثر من عشرين دينارا، ومقدار الدين الذي على سموكم ~~يبلغ ستة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي اضطررت من أجله أن أكمن لكم قرب السراي وأقبض عليكم ~~بالرغم عني. ~~- تبا لك من خائن. ~~- كلا. لست بخائن يا مولاي، فقد كنت عالما أنكم عازمون على الخروج في هذه الليلة من ~~السراي. ~~- إني سأشنقك أيها الوقح. ~~- إن الحبل المعد لشنقي لم ينسج بعد. ~~- ومتى صرت ملكا؟ ~~- إن جلالة أبيك في أتم عافية، وهو أصغر مني سنا، فمتى ارتقيت إلى العرش كنت أنا من أهل ~~القبور، فلا خوف علي من عقابك. والآن فليأذن لي مولاي أن أقول له إن البرد قارس، وإنه ~~يجدر به أن يعود. ~~- عد بي إلى سانت جيمس. ~~- كلا يا مولاي. ~~- إذن إلى أين؟ ~~- إلى السجن التجاري يا مولاي. # فارتعد البرنس لهذه الإهانة، ومضى الضابط في حديثه فقال: إني كنت واثقا من القبض على ~~سموكم في هذه الليلة، فأنبأت مدير السجن فأعد لكم غرفة جديرة بسموكم. # فطاش صوابه من الغضب وقال: أيها اللص! إنك لم تظفر بي بعد. # ثم حاول أن يقطع وثاقه فلم يستطع. # وعند ذلك سمع وقع خطوات عسكرية؛ فجعل يصيح مستغيثا ويقول: إلي ... إلي. # فأسرع صاحب الخطوات وقال: من هذا الذي يستنجد؟ # فقال البرنس: أنا هو البرنس دي غال، تجاسروا على أن يمدوا أيديهم إلي. # فدنا الرجل وظهرت علائم الدهشة على الضابط حين رأى هذا الرجل؛ فقد كان طويل القامة يلبس ~~ملابس البحارة، ولكن نبل هيئته كان يدل على أنه متنكر بهذه الملابس. # أما هذا الرجل؛ فإنه انحنى بملء الاحترام أمام البرنس، ثم نظر إلى الضابط وقال له: ويحك ~~كيف جرؤت هذه الجرأة على ولي العهد؟ # فتمتم الضابط قائلا: الرئيس! ms131 ثم أجاب الرجل قائلا: أرجو معذرتي فقد امتثلت للأمر الصادر ~~إلي. # قال: ليس لك أن تتلقى الأوامر إلا مني، وإني آمرك الآن أن تركع عند قدمي سموه؛ فإنه قد ~~يعفو عنك بعد رجائي. # فركع الضابط ممتثلا، وجعل يعتذر بلسان يتلعثم والبرنس مندهش مما يراه. # ثم أمره الرجل أن ينصرف برجاله فأسرع بالامتثال وانحنى الرجل أمام البرنس وقال له: ما كنت ~~أتمنى يا مولاي إلا أن أكون مررت بهذا المكان قبل أن يتجاسر هؤلاء الأشقياء. # وكان البرنس قد ثاب من دهشته الأولى، ولكنه لبث معجبا بهذا الرجل، فقال له: من أنت أيها ~~السيد فقد رأيت ضابط البوليس التجاري يضطرب أمامك وهو لا يضطرب أمام أحد؟! # قال: ذلك أنه مدين لي بجميل. # فقال له دلتون: ولكنك كنت تكلمه بلهجة السيادة، وسمعته يناديك متمتما بلقب ~~الرئيس. # قال: ذلك أني كنت شبه رئيسه. # فقال له البرنس: إني لا أدعك تنصرف قبل أن أعرف اسمك؛ فإني أريد أن أظهر لك امتناني في ~~الغد على مشهد من النبلاء. # قال: لا حاجة إلى ذلك يا مولاي فإني ما عملت إلا ما يجب علي، ويكفيني رضاك. # إنما ألتمس من سموكم أن يأذن لي بمرافقته إلى سراي سانت جيمس. # ولكن البرنس ذكر حين زال عنه هذا الخطر الغرض الذي كان قادما من أجله، فقال له: إني لا ~~أريد العودة إلى السراي. # قال: إن سموكم قد يكون مخطئا. # قال: إني عاشق، وأريد أن أرى من أحب. # فابتسم الرجل وقال: إني عارف بذلك يا مولاي. # فزاد اندهاش البرنس، ومضى الرجل في حديثه فقال: إنكم رأيتم يا مولاي منذ يومين فتاة شقراء ~~تلبس ملابس عامة الشعب. ~~- هو ذاك. ~~- وإن هذه الفتاة هي أخت المرأة التي أحبها؛ فإذا كنتم تريدون يا مولاي مراعاة من أنقذكم ~~من هذا الموقف ... # فلم يدعه البرنس يتمم حديثه وقال له: كفى، فإني لا أعود إلى التفكير بها مهما كلفني ذلك ~~من العناء؛ فإني مدين لك، وأنا من دم ملكي، فاعلم أني أتعهد لك بأني لا أحاول إغواء هذه ms132 ~~الفتاة. ~~- أشكركم يا مولاي. ~~- والآن. ولم يبق لي غاية من مواصلة السير فقد رضيت اقتراحك، فعد بي إلى السراي. ~~- إني ممتثل لأوامر سموكم. # وسار الثلاثة عائدين إلى القصر الملكي، فقال له البرنس: أتعلم أيها الصديق أن لك من ~~السلطة النافذة ما لم ينل بعضه ابن الملك. # فابتسم الرجل وقال: أتحسب يا مولاي أن لي هذه السلطة؟ ~~- دون شك. ~~- ليس على سموكم، إلا أن يثق بي فيستطيع بعد ذلك الطواف في الشوارع حين يشاء وكما ~~يشاء. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- كيف ذلك والدائنون يراقبونني ليل نهار، أيدعونني أسير دون اعتراض؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- إذن أنت من السحرة. ~~- ربما. ~~- إذا كان ذلك، فهبني شيئا من القوة، وثق أني لست ممن ينكرون الجميل. ~~- أتثق بي يا مولاي؟ ~~- كل الثقة. ~~- إذن. تفضل بالذهاب معي. # وكانوا قد اجتازوا في تلك الساعة جسر لندرا، وعطفوا إلى الشوارع الكبرى الجميلة، فكان ~~الرجل يسير في الطليعة مسرعا، والبرنس ودلتون يتبعانه. # وبعد ربع ساعة وصلوا إلى منزل جميل حسن الرواء، فوقف الرجل وقال: لقد وصلنا. # ثم قرع الباب ففتحته امرأة عجوز، وانحنت أمام الرجل بملء الاحترام، وقال البرنس في نفسه: ~~لا شك أنه نبيل متنكر. # ثم دخل دلتون في أثره إلى المنزل، فاجتازوا رواقا، ثم صعدوا سلما، ففتح الرجل الباب ~~وأدخلهما إلى قاعة كان يدل فرشها إنها غرفة أشغال. # وقد قدم كرسيا للبرنس ولبث واقفا أمامه باحترام، فضحك البرنس وقال له: لقد قلت لنا إنك ~~ساحر، ولكني لا أجد في هذه الغرفة ما يحمل على الرعب. # قال: إن الطريقة التي سأرشد مولاي إليها تشبه السحر لبساطتها. # قال: ما هي؟ # قال: إن الدائن يشبه الكلب الهائج، فإذا أعطيته لقمة سكت هياجه. # قال: إن الطريقة سهلة كما تقول، ولكن تنفيذها صعب؛ فإني لا أستطيع أن أعطي الدائنين ~~شيئا. # ففتح الرجل درجا وأخرج منه غلافا محشوا بالأوراق، فقال له: هذه هي قوائم حسابك يا ~~مولاي. # فوقف البرنس منذهلا، وقال له الرجل: وإن هذه القوائم معلم عليها بالوصول من ~~أصحابها. ~~- ولكن ms133 ... ~~- هذه هي يا مولاي، فتفضل وانظر فيها. # فافتقدها فوجد عليها تواقيع أصحابها، فخيل له أنه في حلم، وقال له: هل لك أن توضح لي هذا ~~المعمى؟ # قال: إن حله سهل يا مولاي، فقد وفوا جميع دائنيك ما خلا الذي كان يطالبك هذه الليلة، ~~وسيوفي حقه غدا. ~~- من الذي وفى عني هذا الدين؟ ~~- المخلصون لسموك يا مولاي. ~~- ربما كنت أنت؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- إذن من أنت؟ ~~- إن اسمي لا يدل على شيء يا مولاي. ~~- ولكني أريد أن أعرفه. ~~- فانحنى الرجل وقال: إني أدعى عثمان. ~~- أأنت هو الناباب عثمان الذي جعلك جاك روجر وريثه الوحيد؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- وأنت الذي وفيت ديني؟ # فانحنى عثمان، وقال له البرنس: إذن أنت من كبار الأغنياء. ~~- لست أنا الغني يا مولاي، بل طائفة أتولى زعامتها. ~~- ما هي هذه الطائفة؟ ~~- هذا الذي يستحيل أن أقوله لسموكم. ~~- ولكني أريد أن أعلم. ~~- ليس هذا بسري يا مولاي. ~~- أتعلم أني مدين لك بستة آلاف جنيه؟ ~~- كلا يا مولاي فلست مدينا لي بشيء. # فوقف البرنس وقد بدت عليه علائم الأنفة. # إنه لو وفى البرلمان ديوني لقبلت، وأما أن تفيها طائفة سرية فلا. ~~- أئذا أتيت يا مولاي إلى سراي سانت جيمس والتمست مقابلة سموكم، أتأذن لي ~~بالمقابلة؟ ~~- دون شك. ~~- إذن سأزور سموكم في يوم لا أستطيع أن أعينه الآن، وأطلب مكافأتي عن هذه الخدمة اليسيرة ~~التي تشرفت بتقديمها لمولاي. # فقطب البرنس حاجبيه وأدرك عثمان خوفه من هذا القيد، فقال: اطمئن يا مولاي، فلا أطلب ما ~~يمس بالشرف والواجب. # قال: إذن أبق هذه القوائم عندك؛ فإني أريد أن أبقى مدينك إلى أن أفي هذا الوعد الذي أعدك ~~به اليوم. # فانحنى عثمان وقال: لم يبق لي يا مولاي ~~غير ملتمس ألتمسه من سموكم. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تتفضلوا بكتمان ما كان بيننا. ~~- إني أعدك بالكتمان. # ثم التفت إلى كاتم أسراره وقال له: أسمعت يا دلتون؟ # فانحنى دلتون، وقال عثمان مخاطبا البرنس: والآن هل يريد مولاي أن يعود إلى ~~السراي؟ # قال: نعم. # فقرع عثمان جرسا ms134 ودخل شمشون، فقال عثمان للبرنس: إن هذا الرجل يمثلني يا مولاي في شوارع ~~لندرا، وإنكم تستطيعون أن تسيروا إلى حيث تشاءون حين يكون في خدمتكم . # ولما وصل البرنس إلى السراي ودخل إلى غرفته دهش دهشا عظيما؛ إذ رأى على منضدة جميع ~~قوائم الحساب التي رآها عند عثمان، فقد وصلت قبله إلى غرفته، مع أنه لم يقف في الطريق حين ~~خروجه من منزل عثمان، وقال في نفسه: لم يبق شك في أن هذا الرجل من السحرة. # وقد صعد إلى سريره وحاول الرقاد، ولكنه لم يغمض له جفن إلى الصباح وهو يناجي نفسه بهذا ~~السؤال ويقول: ترى ماذا يريد مني هذا الرجل مقابل الدين الذي وفاه عني، وهو ستة آلاف ~~جنيه؟ # ولما أشرق الصباح قام إلى منضدة وكتب ما يأتي: # من البرنس دي غال إلى الناباب عثمان # أيها ~~السيد # إنك أنقذتني من الدائنين ورددت إلي القوائم، ولكنني لا أزال مدينا لك، فاعتبر ~~هذا الاعتراف سندا علي بذلك الدين. # ثم نادى دلتون وأمره أن يذهب بالرسالة إلى المنزل الذي اجتمعا فيه بعثمان، وانتزع من ~~أصبعه خاتما كان منقوشا عليه شعار الأسرة المالكة وقال له: أعطه الرسالة وهذا الخاتم على ~~سبيل التذكار. # فخرج دلتون وعاد بعد ساعة وهو يحمل الرسالة والخاتم. # فقال له البرنس: ما هذا؟ # قال: ألعلك واثق يا مولاي أننا لم نكن أمس حالمين، وأن ما جرى لنا كان في اليقظة؟ ~~- وأنت؟ ~~- لست واثقا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني بحثت أدق بحث في ذلك الشارع عن المنزل وعن الناباب عثمان فلم أقف على ~~أثر. ~~- إن الرجل قد يختفي وأما المنزل ... ~~- لم أجدهما. ~~- أنا أجدهما. # ثم تأبط ذراع دلتون وخرج وإياه في رائعة النهار، فطاف جميع شوارع لندرا دون أن يقف على ~~أثر لذلك المنزل؛ فجعل دلتون يضحك ويقول: أرأيت يا مولاي؟! إننا كنا حالمين. # قال: أريد أن أوافقك على اعتقادك ولكن ذلك محال؛ فقد لقيت في طريقي كثيرا من الدائنين، ~~فكانوا ينحنون أمامي بملء الاحترام؛ مما يدل أنهم قبضوا ديونهم. # وعاد البرنس إلى ms135 السراي، فلبث بضعة أيام وهو منذهل أشد الانذهال مما اتفق له. # ثم تناسى هذه الحادثة، وكاد أن ينسى عثمان. # وبعد أسبوع، دعاه أبوه الملك إليه وقال له: يظهر أن نصائحي قد أثرت فيك. # قال: ماذا تعني جلالتك؟ # قال: لقد علمت أنك وفيت ديونك. # قال: نعم يا مولاي. # فمد إليه يده فصافحه وهو يقول: إذا كان ذلك فإني أعود إلى صداقتك، وأزيد راتبك أربعة آلاف ~~جنيه في العام. # فانحنى البرنس أمامه شاكرا وهو يقول في نفسه: لا شك أن عثمان سحر أبي فأنعم علي هذا ~~الإنعام. # ثم قال له الملك: إنك ما دمت أصبحت من العاقلين؛ فإني آذن لك بحضور المجلس الخاص الذي ~~حرمتك من حضور جلساته. # قال: لقد أغدقت علي نعمك يا مولاي؛ فإنك تسمح لي أن أهتم بشئون المملكة. # قال: إنك تعرف السير روبرت فالدن - أحد أعضاء مجلس البرلمان - أليس كذلك؟ # قال: نعم. # قال: خذ هذه الورقة التي قدمها إلينا واقرأها، فأخذ البرنس الورقة وقرأ ما يأتي: # مولاي # ألتمس من جلالتكم أن تأذنوا لي بمقابلة خاصة يحضرها سمو البرنس دي غال واثنان من ~~أعاظم النبلاء لشأن خطير يمس شرف جميع نبلاء الإنكليز. # فلما قرأها قال له أبوه: ما عساه يريد السير روبرت؟ # قال: إنه يا مولاي مشهور بغرابة أطواره، وأظن أنه يهتم بالصيد والأسفار أكثر من اهتمامه ~~بالسياسة. # ومع ذلك فإن جلالتكم قد عودتم الأشراف أن لا ترفضوا لهم مقابلة، وسنرى ما يريد. # قال: إذن اكتب له أننا سنستقبله غدا في الساعة التاسعة من المساء في قاعتنا الخاصة، ~~وسيحضر هذه المقابلة ولي عهدنا واثنان من الأشراف كما قال. # فأخذ البرنس قلما وكتب ما يأتي: # إن جلالة الملك جورج الثالث قد تفضل وأذن للسير روبرت فالدن أن يتشرف بمقابلته في ~~الساعة التاسعة من مساء غد في القاعة الخاصة. # جورج # برنس دي غال # وقد أقام البرنس مدة يتحدث مع أبيه، ثم دعاه أبوه إلى تناول الطعام معه، فذهب البرنس إلى ~~قاعته الخاصة كي يتأهب للجلوس على مائدة الملك، فقد كان من ms136 مصطلحاتهم أن لا يجلس ولي العهد ~~على مائدة الملك إلا وهو مرتد ملابس قائد الفرسان العام. # وبينما كان غلمانه يعطرونه ويلبسونه حانت منه التفاتة إلى المنضدة؛ فرأى رسالة مختومة ~~ففضها وقرأ فيها ما يأتي: # نلتمس من البرنس دي غال أن يمر بقاعة أشغاله حين ينتهي من لبس ثيابه. # فألقى هذه الرسالة في النار، وبعد أن فرغ من لباسه ذهب إلى قاعة أشغاله فصاح صيحة ~~دهش. # ذلك أنه رأى الناباب عثمان بجانب المستوقد وهو على أتم السكينة. # الفصل الثاني عشر # | الرحيل # في اليوم التالي - أي في اليوم الذي عينه الملك لمقابلة السير روبرت فالدن - ركب روبرت ~~مركبته وذهب لزيارة اللادي سيسلي قبل موعد الملك بساعة؛ فإنها لم تكن أشهرت أمرها ~~بعد. # وكان ليونيل قد برح به الوجد؛ فإنه على أنفته ونفوره من الزواج بنورية كان لا يزال يحب ~~توبسي، وقد أمرضه هذا الحب حتى أوشك أن يشرف على الموت. # فلما دخل روبرت كان ليونيل نائما، فسأل أمه عنه فقالت له: إن الطبيب يبشرنا بقرب شفائه، ~~ولكنه أول من أمس كاد أن ينتحر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه أراد أن يلقي بنفسه من النافذة، ولو لم يتفق دخول روجر في تلك الساعة ويمنعه عن ~~قصده لقضي عليه، ولكنه سكن بعد ذلك، وذهب يأسه بذهاب الحمى. # فقطب روبرت حاجيبه عند ذكر روجر وقال: إني أتيتك لأحدثك بشأن المركيز روجر. ~~- ولدي؟ ~~- المركيز روجر. ~~- إني مصغية إليك. ~~- إني لم أرك بعد ذهابي إلى قصر إسبرتهون، وقد اتصل بي أن المركيز روجر يريد أن يعترف ~~علنا بأن ليونيل أخوه وأن يشاطره ثروته. ~~- هو ذاك. فكيف تشكك الآن بمولده؟ ~~- بل لم يبق سبيل إلى الشك. ~~- تريد أنه ولدي أليس كذلك؟ ~~- كلا. إنه ليس ولدك. وقد ثبت لي ذلك بالبرهان. ~~- ما هو برهانك؟ ~~- لقد لقيت العبد الذي كان يحرس ولدك روجر حين كان خادما عند اللورد إسبرتهون، وهو يثبت ~~أن ولدك لسعته حية وهو في مهده فمات، وكان ذلك في اليوم الذي قتلت فيه السير جاك. ~~- رباه! ماذا أسمع؟! ألا ms137 يمكن أن يكون هذا الرجل كاذبا؟ ~~- كلا. بل إنه يقول الحق. ~~- وإذا لم يكن ولدي، فعلى ماذا عزمت؟ ~~- على أن ألتمس من الملك أن يجعل ليونيل مركيزا بدلا منه. ~~- وروجر؟ ~~- يعود إلى طائفة النور التي خرج منها. ~~- كلا. إن ذلك لا يكون؛ فإنه إذا لم يكن ولدي فإني أحبه كأنه ولدي، وكفى أنه كاد أن يقتل ~~ليونيل، فلما سمع صوتي ألقى حسامه إلى الأرض. ~~- تمعني؛ فإنك تسيئين إلى ليونيل وتحرمينه من لقبه. ~~- إن ليونيل نفسه لا يريد حرمان من يدعوه بأخيه. ~~- ولكنه ليس كذلك، بل هو مزور. ~~- ليس هو الذي ارتكب هذا التزوير، وفوق ذلك فإنه إذا لم يكن ولدي فهو ابن اللورد. # فنظر إليها بحزن وقال في نفسه: لا أرى ~~أحدا غيري يسمع صوت الواجب. ثم نهض فودعها وقال: أرى يا سيدتي أنه يجب أن أعمل ~~قصدي. # قالت: ماذا تريد أن تعمل؟ # قال: واجباتي. # وقد تركها وانصرف إلى دكان كان يجتمع فيه العبيد الذي يطلبون الاستخدام، فنادى واحدا ~~منهم - وهو أحد العبدين اللذين كانا في خدمة اللورد إسبرتهون في الهند - وقال له: هل أنت ~~متأهب؟ # قال: نعم يا مولاي. ~~- أتقول ما قلته لي أمام الملك؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- إذن أنت واثق أن المركيز الحقيقي قد مات. ~~- كل الثقة؛ فقد أخبرتك كيف أن الطبيب بولتون أخذه من مهده وهو ميت بموافقة اللورد، وكيف ~~أنه عاد في الليلة نفسها بطفل حي يشبهه فوضعه في مهده، وكيف أن هذا الطبيب رشاني بمبلغ عظيم ~~من المال حين علم بأني رأيته، وأمرني أن أسافر إلى سنجابور. ~~- أتعيد كل هذه الأقوال أمام الملك؟ ~~- نعم. ~~- إذن تعال معي. # فصعد العبد إلى جانب السائق، وسارت المركبة إلى قصر الملك، فلما أراد السير روبرت الدخول ~~اعترضه حاجب قائلا: الدخول ممنوع. # قال: إن الملك أرسل إلي كتابا يأمرني فيه بالحضور. ~~- ألعلك لم تعلم يا مولاي بماذا حدث؟ ~~- ماذا؟ ~~- إن الملك أصيب بالليل بعارض جنون، وقد تولى البرنس دي غال مكانه إدارة المملكة. # فاغتم السير روبرت وحاول الانصراف، وعند ذلك ms138 جاءه ضابط فقال له: أأنت السير روبرت يا ~~مولاي؟ # قال: نعم. # قال: تعال فقد أمر سمو البرنس أن ندخلك إليه. # فأمر العبد أن ينتظر في الردهة، ودخل وحده إلى القاعة الملكية، فابتسم له البرنس دي غال ~~وقال: إنك التمست مقابلة جلالة الملك؛ فأمرني أن أتولى مقابلتك عنه لأنه مريض. # ثم إنك التمست أن تكون هذه المقابلة بحضور شاهدين من أشراف المملكة فاخترت شريفين من خيرة ~~رجال بلاطنا. # ثم قرع جرسا، فدخل كاتم أسراره دلتون فأشار البرنس إليه، وقال مخاطبا السير روبرت: هذا ~~أحد الشاهدين، وهو اللورد أرشيبالد دلتون كاتم أسراره، وإن أحد أجداده قاتل بجانب الملك ~~غيليوم الفاتح. # فانحنى السير روبرت أمامه، وقرع الملك الجرس أيضا وقال: هذا شريف آخر لا سبيل إلى الشك ~~بشرفه وبسالته. # وعند ذلك فتح الباب ودخل المركيز روجر دي إسبرتهون وهو بملابس التشريفات الكبرى. # فتراجع السير روبرت كأنما هوة قد فتحت أمامه. # أما المركيز فإنه حياه وجلس إلى يمين البرنس كما جلس دلتون عن يساره، فنظر البرنس إلى ~~السير روبرت وقال له: تكلم فإننا مصغون إليك. # فبذل السير روبرت جهدا عنيفا حتى تمكن من ضبط نفسه، ونظر نظرة منكرة إلى المركيز، ثم ~~انحنى أمام البرنس وقال: إن طائفة يا مولاي قد جاءت إلى إنكلترا منذ عشرين عاما وهي طامعة ~~بالمناصب، وتنذر بأن تحل محل أبناء البلاد فيها. # قال: أوضح ما تقول. فمن هذه الطائفة؟ # قال: إنها طائفة النور يا مولاي. # فضحك البرنس وقال: لقد كنت أحسب أن أعمال هذه الطائفة مقصورة على التجول في الشوارع ~~والرقص في الطرقات. ~~- كلا يا مولاي؛ إذ يوجد واحد منهم من كبار الجوهريين. ~~- حسنا. ~~- ويوجد واحد منهم من الصيارفة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وآخر من القضاة. ~~- لم أجد إلى الآن موضع الضرر. ~~- وأخيرا، فإن واحدا منهم يجلس مع النواب في مجلس اللوردية. ~~- ما هذا القول؟ ألعلك فقدت صوابك؟ ~~- كلا يا مولاي، بل إني أقول الحق. ~~- ألديك برهان على ما تقول؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أنت تعتقد أنه يوجد نوري بين أعضاء اللوردية؟ ~~- هو ms139 ذاك. ~~- إنك تروي لنا حادثا جللا، فكيف يكون هذا الانتحال؟ ~~- إنه ابن أحد اللوردية، ولكن أمه النورية ولدته سفاحا، فحل محل ولده الشرعي. ~~- إنك إذا استطعت أن تبرهن لي عن ذلك طردت جميع النورية من المملكة. ~~- وإني ألتمس منك أن تأذن لي بتقديم هذا البرهان. ~~- ولكني أريد قبل ذلك أن تذكر لي اسم هذا المنتحل. ~~- إنه يدعى روجر دي إسبرتهون، وهو على يمينك يا مولاي. # أما روجر فإنه لم يبد عليه شيء من علائم الاضطراب، بل إنه نظر إلى البرنس وقال له بملء ~~السكينة: إني أرى يا مولاي ما يراه سموكم، وهو أن السير روبرت فالدن قد فقد صوابه. # ومع ذلك؛ فإنه إذا استطاع أن يبرهن أني نوري رضيت أن أطرد مع طائفتي. # فأجابه البرنس قائلا: لا شك أن السير روبرت اغتر بأقوال تلك النورية المجنونة التي ~~أتتك يوم عودتك من أميركا، فذكرت ولدها الميت، وادعت أنها أمك. # فقال السير روبرت: إنها كانت تقول الحق يا مولاي. ~~- هات برهانك. ~~- أتأذن لي يا مولاي أن أدخل رجلا كان في خدمة اللورد إسبرتهون حين كان حاكم الهند، فهو ~~يثبت أن روجر الحقيقي، أي أن ابن اللورد الشرعي قد مات. ~~- أين هو هذا الرجل؟ ~~- في الردهة يا مولاي. # فأصدر البرنس أمره بإدخال العبد، ولكنه قبل أن يدخل أزيحت ستارة بجانب الباب وظهر رجل ~~مختبئا وراءها وهو بملابس فرسان الملك؛ فنظر ~~إلى العبد نظرة منكرة، ثم رفع سبابته على فمه يأمره بالتكتم، ودخل وراء الستارة. # وقد ارتجف العبد حين رأى هذا الرجل واصفر وجهه الأسود، ثم أطرق برأسه إطراق المستسلم ~~للقضاء ودخل، فقال له البرنس: ماذا تدعى أيها الرجل؟ ~~- ألينيو. ~~- أكنت في خدمة اللورد إسبرتهون في الهند؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- أكان له ولد؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- وهذا الولد مات؟ ~~- لا أعلم. # فتوهجت عينا السير روبرت من الغضب لهذا الجواب غير المنتظر، وقال له: ويحك أيها الشقي! ~~ألم تقل لي إنه ... # قال: لقد قلت لك يا سيدي إن حية لسعته وإنه كان مريضا. ~~- بل قلت ms140 لي إنه مات. ~~- لا أعلم يا سيدي إذا كان قد مات؛ فقد طردوني من القصر في اليوم نفسه، وكان الطفل لا ~~يزال في قيد الحياة . # فاصفر وجه السير روبرت، ووضع يده على جبهته، فابتسم البرنس وقال لروجر: اطمئن أيها ~~المركيز فقد ثبت لنا الآن جنون السير روبرت فالدن. # ولما خرج العبد من القاعة الملكية انصرف وهو يقول: لقد كذبت، ولكنني اضطررت إلى الكذب؛ ~~فإن هذا الرجل الذي أمرني بالكتمان قد أنقذني مرة في الهند من الخناقين، فلم أجد بدا من ~~طاعته. # أما هذا الرجل، فقد كان جان دي فرانس. ~~••• # بعد ذلك بأسبوعين كان المركيز روجر مريضا في سريره، وقد اشتد به المرض حتى خشي عليه من ~~الموت. # وذلك أنه بينما كان ساهرا ذات ليلة في نادي الحسان أصيب بدوار شديد فجائي وسقط بين يدي ~~الناباب عثمان. # وقد حملوه إلى قصره وجاءوه بالطبيب بولتون فتولى معالجته. # وكان قبل ذلك بأسبوع أعلن أن ليونيل أخوه، واستأذن البرنس دي غال، واستصدر أمرا من ~~البرلمان فأشرك أخاه بثروته ولقبه؛ فانتقل مع أمه إلى قصر المركيز. # فلما جاء الطبيب بولتون وفحص المركيز قال: إنه مصاب بحمى هندية، وإنها حمى خطيرة، ولكنه ~~غير قانط من شفائها. # وقد اضطربت لندرا لمرض المركيز؛ فإن انتصاراته الأخيرة حببته إلى جميع الناس، ولا ~~سيما حين ذاع بينهم أنه لم يجر على نظام اللوردية وأنه ساوى نفسه. # ففي تلك الليلة، أي بعد أسبوعين من مرضه كان مرضه يحول إلى غيبوبة، فلم يكن يعود إليه ~~صوابه إلا في النادر. # وكان الطبيب بولتون واللادي سيسلي وليونيل واقفين بجانب سريره، وقد فتح عينيه ونظر إليهم، ~~فأسرعت اللادي إليه وأخذت يده بين يديها وقالت له بملء الحنو: ولدي ... كيف أنت ...؟ ألم ~~تعرفني؟ # وقبل ليونيل جبينه وقال له: وأنا، ألست بأخيك؟ # فبرقت عينا روجر وفتح فمه يحاول الكلام، ولكنه ما لبث أن سقط برأسه على الوسادة وعاد إلى ~~الغيبوبة. # فصاحت أم ليونيل قائلة: رباه أنقذه مما هو فيه. # وأمسك ليونيل يده وجعل يغسلها بدموعه، فنظر الطبيب ms141 إلى اللادي وقال لها بصوت منخفض: إن ~~مرضه شديد. # قالت: إنك ستشفيه. أليس كذلك؟ # قال: لا أستطيع أن أجزم بشفائه. وا أسفاه! # فجعلت تشهق بالبكاء ، فقال الطبيب: إن الموقف خطير يا سيدتي، ولا بد لي من أن أقول لك ~~الحقيقة في هذا الموقف. ~~- رباه! ماذا تريد أن تقول لي؟ ~~- إن روجر ليس بولدك. ~~- إني عارفة بذلك، ولكني أحبه كأنه ولدي؛ فإنه كريم شريف. # ثم بسطت يديها إلى السماء وقالت: رباه! خذ حياتي واجعلني فداء هذا الفتى الكريم؛ فقد كان ~~يحبني ويحترمني حب الأبناء للأمهات. # وركع ليونيل وقال: أيها الأخ العزيز، إني لا أعلم إذا كان بطن واحد قد حملنا، ولكني أعلم ~~أن أبانا واحد، وأنك أليق مني بإرث لقبه المجيد. # فأنهضه بولتون وقال له: إذن أتوافق إذا قدرت السلامة لروجر أن يكون هو المركيز الحقيقي ~~وتكون أنت ثاني أنجال اللورد إسبرتهون؟ # قال: أنقذه أيها الطبيب وإني أقسم بالله أن لا أقول كلمة في حياتي تدل أني واقف على ~~الحقيقة. # قال: إذن سأفرغ مجهودي في سبيل شفائه، فدعوني أبقى وحدي معه. # فخرج ليونيل وأمه وعيونهما غارقة بالدموع، وذهب بولتون فأقفل الباب من الداخل وعاد إلى ~~المركيز وقد فتح عينيه واستوى جالسا في سريره وعاد إليه هداه، فقال له بولتون: أسمعت ~~الحديث؟ # قال: نعم. وقد أيقنت الآن أنهما جديران بفضيحتي. # ثم نظر إلى شعار أسرة إسبرتهون المنقوش فوق المستوقد وإلى صور أعضاء تلك الأسرة المعلقة ~~على الجدران، فقال يخاطبها: أيتها الرسوم الكريمة، اصفحي عن ابن النورية اللقيط لحلوله ~~زمنا محل الابن الشرعي ولإقامته في قصر لا يحق له الإقامة فيه. # يا آل إسبرتهون، إني لا يحق لي أن أتسمى ~~باسمكم، وإن كانت دماؤكم تجول في عروقي فسأرجع سيفكم القديم إلى من يعرف أن يتقلده، وسأرجع ~~ثروتكم العظيمة إلى من يعرف كيف ينفقها في سبيل مجدكم. # ثم التفت إلى الطبيب وقال له: أيها الصديق القديم، إني فعلت الآن واجباتي، فهات الشراب ~~الذي أعددته فإني أشربه بملء الارتياح ودون خوف. # فذهب بولتون إلى منضدته، ms142 فأخذ كأسا من الفضة وأخرج من جيبه زجاجة صغيرة، فأفرغ ما كان ~~فيها في تلك الكأس وجاء بها إلى روجر. # فأخذ روجر الكأس وهو يتبسم وشرب ما فيها جرعة واحدة وقال: ما هذه النهاية! فليحفظ الله ~~المركيز ليونيل دي إسبرتهون من كل كيد. # ثم انقلب على سريره وقد أطبقت عيناه واصفر وجهه وبردت يداه. # وذهب بولتون ففتح الباب وخرج إلى حيث كان ليونيل وأمه فقال له بصوت يتهدج من الحزن: إن ~~قضاء الله لا يرد يا سيدي الكولونيل؛ فأنت الآن المركيز دي إسبرتهون، وستجلس في مجلس ~~اللوردية. # وفي اليوم التالي غصت ردهات قصر إسبرتهون بالمركبات وغصت قاعاته الرحبة باللوردية وأشراف ~~الإنكليز؛ فإن المركيز روجر دي إسبرتهون وقائد فرسان الملك قد أدركته الوفاة. # وكانوا قد وضعوه في القاعة الكبرى، وأقبل الأشراف يودعون جثته، وكان البرنس دي غال نفسه ~~قد حضر مع جميع بطانته، وسمعه الناس يقول حين انصرافه: إن الملك فقد بفقده أبسل قواده، وأنا ~~فقدت خير صديق. # وبعد انصراف البرنس أقفلت أبواب القصر، فقد انتهى عرض الجثة، وعند ذلك قال الناباب عثمان ~~لليونيل: يجب أن تخرج من هذه القاعة يا سيدي المركيز. # قال: أأترك أخي كلا ... كلا. # قال: إن هذا لا بد منه، فقد دنا وضع الجثة في التابوت، وعادة الإنكليز أنهم لا يدعون أهل ~~الميت يحضرون هذا المشهد الذريع. # فأكب ليونيل على وجه روجر ليعانقه، ويغسله بدموعه فنهض عثمان وأخرجه من القاعة. # وعاد إليها، فأشار إلى الكاهن أن ينصرف، فخرج ولبث عثمان وحده أمام روجر وهو يتحقق في ~~وجهه ويقول: إني أعددت لك مستقبلا عظيما، ولكنك أبيت. # وعند ذلك فتح الباب ودخل منه الطبيب بولتون ووراءه رجلان يحملان التابوت وهما شمشون وذلك ~~النوري حارس مقبرة سانت جيل. # فوضع عثمان أصبعه على فمه إشارة إلى السكوت، وسأله بصوت منخفض قائلا: أأعددت ~~المعدات؟ # قال: نعم فإن تشييع الجنازة سيكون عند هبوط الليل، وسندخل التابوت إلى مدفن العائلة وجميع ~~حراس المقبرة من رجالنا. ~~- أأنت واثق من الدواء الذي أعددته؟ ~~- نعم، ولكن لا ms143 يستطيع سواي استعماله. ~~- وإذا اتفق أنك مت هذه الليلة؟ ~~- يلبث روجر ميتا إلى أن يستفيق يوم الحشر في وادي يهوشافاط. # فارتعد عثمان وقال له الطبيب : ولكن المحني فسأبقى حيا إلى انتصاف الليل، وإن أبواب ~~القبر المقفلة على المركيز روجر ستفتح فيخرج منها أميري ملك النور وهو في أتم عافية. # قال: إذن افعل فعالك، واذكر أنك ضمنت حياته. # قال: لا تخف واذهب في شأنك. # فذهب جان ونقل شمشون ورفيقه روجر إلى التابوت وأقفلاه. # فقال لهما الطبيب: اذهبا الآن إلى المقبرة ولا تبرحاها واذكرا. # فقال شمشون: اطمئن فإننا لا ننسى. # ثم انصرفا فأخرج بولتون زجاجة صغيرة من جيبه وقال: إني أرتعد حين أفتكر أن حياة روجر في ~~هذه الزجاجة، وأني إذا مت ... # ولكنه قبل أن يتم جملته اضطرب وجعل العرق البارد يسيل من وجهه؛ فإنه رأى وجه رجل قد ارتسم ~~في مرآة كانت بجانبه ولم يدر من أين دخل فإن الباب كان مقفلا. # أما الرجل فإنه مشى إلى بولتون وقال له: إنك أخطأت أيها الطبيب بإبعادك الخدم وأهل الميت ~~وجان دي فرانس عنك. # فتوقع بولتون خطرا عظيما وقال: السير روبرت فالدن؟ # قال: نعم. أنا هو؛ فإنك اتخذت كل أسباب الاحتياط. لكنك نسيت أن تقفل بالمفتاح هذا ~~الباب. # فوضع الطبيب يده على قبضة حسامه وجرد السير روبرت حسامه ببطء وقال: لك الخيار الآن بين أن ~~تعطيني هذه الزجاجة وبين أن تموت؛ فإني لا أريد أن يعود روجر إلى الحياة في هذه ~~الليلة. # وقد مشى بحسامه إلى الطبيب؛ فجرى بينهما قتال عنيف لم يكن يسمع في خلاله غير صوت ~~أنفاسهما. # وكان بولتون يقاتله وهو يرتعد خوفا على روجر ويقول في نفسه: إنه إذا قتلني مات ~~روجر. # فكان هذا الخاطر يشدوه في القتال، ولكن السير روبرت كان من أشهر رجال السيف، وقد عول على ~~قتل بولتون وكسر الزجاجة. # وفيما هما يتقاتلان صاح بولتون صيحة يأس هائلة فإن حسامه قد انكسر، وشعر برأس حسام السير ~~روبرت على صدره وسمعه يقول: إني لست من الذين يقتلون الناس ms144 غيلة، ولكن أقسم بالله إنك إذا ~~لم تعطني الزجاجة قتلتك دون إشفاق. # فتراجع بولتون إلى الوراء واحتمى وراء كرسي كبير وهو يقول: من لي بسيف ... رباه لا تقض بموت ~~هذا البريء. # وعند ذلك فتح الباب الذي دخل منه السير روبرت بعنف، ودخلت منه توبسي ربيبة السير روبرت ~~وهي تحمل سيفا؛ فأسرعت بإعطائه إلى الطبيب وهي تقول: وأنا أيضا لا أريد أن يموت روجر؛ فقد ~~أنقذني من الموت، وأنا أحبه. # فأخذ السيف من يدها، وعاد الاثنان إلى القتال بأشد عنف. ~~••• # وفي الساعة الثامنة من المساء احتفل بتشييع جنازة المركيز روجر دي إسبرتهون إلى مقبرة ~~سانت جيل، حيث كان لأسرة إسبرتهون ضريح خاص. # وقد مشى في ذلك الموكب المهيب جميع نبلاء إنكلترا، وكان يتقدمهم اثنان مكشوفا الرأس؛ ~~أحدهما ليونيل الذي أصبح الآن مركيزا، والثاني أعظم نبيل بعد الملك وهو البرنس دي ~~غال. # وكان الناباب عثمان يسير بين أعضاء نادي الحسان وهو حزين القلب كاسف البال. # ووراء الجميع الطبيب بولتون. أما السير روبرت فالدن فلم يره أحد بين جموع ~~المشيعين. # وقد وضعوا التابوت على بلاطة عند مدخل الضريح، وجعل كل من المشيعين يقف في دوره عند ~~التابوت فينحني وينصرف، إلى أن جاء دور الطبيب فانحنى أمامه وقال بصوت منخفض: رحمك الله يا ~~سير روبرت فالدن. # ذلك أنه كان قد قتله ووضعه في التابوت بدلا من روجر. ~~••• # وكان رجل واقفا وراء شجرة كبيرة وهو متشح برداء كبير وقد قنع وجهه بقناع كثيف فلم يفته ~~شيء من تفاصيل هذه الحفلة. # وقد مر الناس به، فكان يراهم من وراء مكمنه ولا يرونه، فرأى ليونيل يسير وهو يشهق ~~بالبكاء، ورأى عثمان يسير وهو مطرق الرأس، ورأى البرنس دي غال يسير وإلى جانبه الدوق دي ~~سومنرست، وسمع هذا الدوق يقول للبرنس: هل تصدقون سموكم ما أشيع من أن المركيز دي إسبرتهون ~~كان من النور؟ # فأجابه البرنس قائلا: لا أعلم إذا كان البرنس نوريا، ولكن الذي أعلمه أنه لو كان النور ~~مثله لجعلتهم كلهم حين أصير ملكا من الأشراف. ms145 # فقال الرجل المقنع في نفسه: إنك شرفتني أعظم تشريف، وسأخدم عرشك بدمي. # ولما انصرف الناس خرج الرجل المقنع من مكمنه، فوجد عند باب المقبرة فارسين كان أحدهما ~~يمسك عنان جواد أدهم فترجلا عند وصوله وقدما له الجواد، ثم انحنيا بملء الاحترام وقالا له: ~~أيها الملك، إن رعاياك ينتظرون أوامرك. # أما هذا الرجل فقد كان روجر؛ فإن بولتون كان قد رد إليه الحياة بعد أن سقاه ذلك المخدر، ~~وبعد أن قتل السير روبرت ووضعه في نفسه فتقنع وشهد جنازة نفسه مع المشيعين. # | الخاتمة # كان البحر هادئا وسفينة النور تتأهب للسفر بتلك الطائفة إلى غير هذه البلاد. # وكان عند الشاطئ خلق كثير من تلك الطائفة، وبينهم أميري ملك النور أي روجر، وجان دي ~~فرانس، وشمشون، وجميع رجال الطائفة ونسائها وأولادها، وقد أحدقوا جميعهم بملكهم الجديد بعد ~~جان، فاسترعى مسمعهم ووقف بينهم فقال: أيها الإخوان، إني جمعتكم هنا لأن ساعة الرحيل قد ~~دنت، وسترفع سفينتنا مراسيها. # أيها الإخوان، إن الله إلهنا وإله جميع الناس قد وضع كلا من مخلوقاته في الموضع الذي ~~خصه به، فقال للنسر: إنك ستحلق في الفضاء وتحلق بجناحيك وتجعل الهواء مملكتك. # وقال للرجل: إنك ستنشئ المدن وتؤسس الممالك. # ولكنه قال للنوري: إنك ابن البرية، وإن هواء الحرية كان عاصفا حين مولدك، فكانت ~~الرمال تثور على خيمتك والرياح تقتلع أطنابها وأنت بعيد عن المدن والقرى. # غير أني منحتك نظر النسر النافذ، وقوة الجواد العربي السريع، وجرأة الأسد الهصور. وأردت ~~أن تكون ذلك السائح الأبدي تطوف البلاد وتجوب الفيافي وأنت آمن مطمئن، وجعلت مواطنك الدنيا ~~وحدود بلادك من القطب إلى القطب، فدع الناس العاديين يشتغلون ببناء المدن وتعيين الحدود ~~وإنشاء الممالك. أما أنت فمدنك المضارب، ومملكتك لا حد لها. # أيها الإخوان إنه إذا وجد بينكم من التذ عيش الحضارة وأنف من عيشنا عيش التشرد، وأراد ~~أن يبقى في هذه البلاد فليقف؛ فإني لا أكره أحدا على الذهاب معنا. # فلم يقف واحد منهم، بل هتفوا جميعهم بصوت واحد ارتج له الفضاء قائلين: ms146 ليحي أميري ... ~~ليحي ملكنا. # قال: إذن، لنسافر. # ثم أخذ مشعلا من يد شمشون فلوح به ثلاث مرات وقال: هذه هي الإشارة التي اتفقت عليها مع ~~ربان السفينة. # ولم يكد ينتهي من إشارته حتى أجابه ربان السفينة بإشارة مثلها وأرسل القارب لنقلهم ~~إليها. # وعند ذلك سمعوا وقع حوافر جواد يركض، ولم تكن غير هنيهة حتى وصل ذلك الجواد ورأوا عليه ~~امرأة. # وقد نزلت تلك المرأة عن جوادها وقالت: إني نورية مثلكم، وأريد أن أسافر معكم. # فصاح جان وأميري وشمشون قائلين: توبسي؟ # فقالت لأميري: نعم. أنا هي توبسي التي كانت تدعى مس ألن، ولو أخبروك بأني أنا التي أعطيت ~~السيف لبولتون فأنقذك لرضيت أن أكون منكم وأنا أسافر معكم. # قال: نعم. لقد علمت، وستسافرين معنا. # فنهضت عند ذلك امرأة وقالت بصوت مرتفع: ولكني أنا لا أريد. # وقد مشت إليها والخنجر مجرد بيدها فضج الجميع إذ رأوا أن تلك المرأة التي كان يحبها جان ~~أصدق حب، وهي التي أطلقت ألن النار عليها فأصابتها بجرح كاد يقتلها. # أما تلك المرأة، فإنها دنت من أميري وقالت له: إنك ملكنا الآن، ولا بد للملوك من ~~العدل. # قال: إني سأحكم بالعدل. # قالت: إني أدعى اليبسي، وهذه المرأة عدوتي اللدودة، وقد أصابتني برصاصة لا يزال أثرها في ~~كتفي، فألتمس طردها من الطائفة أو قبولها بمبارزتي. # فقالت ألن: لقد رضيت المبارزة. # فاضطرب جان وقال: إني لا أريد. # ولكن أميري أسكته وقال لتوبسي: أتقولين إنك ترضين مبارزتها؟ # فجردت ألن خنجرها وقالت: نعم، ولكن بشرط أن لا ينتهي قتالنا إلا بالموت، وأن لا يعترضنا ~~أحد فيه. # فأطرق جان برأسه، وجعل أميري ينظر إلى هاتين المرأتين اللتين بلغتا من الجمال بقدر ما ~~بلغتا من الحقد، ثم قال: لقد أذنت بقتالكما. # فصاحتا صيحة فرح، وقال جان: ماذا فعلت يا أميري؟ فقال له شمشون: لا يحق لك أن تعترض الآن؛ ~~فإن اليبسي كانت البادئة. # ولم ينقض المتبارزتان كما يتبادر إلى الأذهان، بل وقفت كل منهما والخنجر مجرد بيمينها ~~ويدها اليسرى إلى الأمام كترس تذود ms147 به عن صدرها وهي تنظر إلى خصيمتها كما تنظر الضواري إلى ~~الفريسة وتتأهب للانقضاض، فقالت اليبسي: إني أكرهك؛ لأنك أردت قتل جان دي فرانس، وهو شبه ~~معبودي. # فأجابتها توبسي أما أنا فلا أكرهك، ولكني أحتقرك، وأريد أن أجعلك سلما أرقى به إلى ~~حيث أشاء. # فهلع قلب جان من خوفه على حبيبته، وركض يريد أن يحول دون القتال، ولكن شمشون أوقفه في ~~مكانه وقال له: إن الملك أمر أن لا يعترض أحد قتالهما، فلا تكن أول العابثين بأمره يا ~~جان. # ونشب القتال بين الفريقين، ولكن توبسي احتالت على اليبسي فألقتها إلى الأرض وركعت فوق ~~صدرها، ورفعت يدها بالخنجر، وهمت أن تغمده في قلبها، فبسط جان يديه إلى أميري وقال له: ~~رحماك العفو العفو. # فالتفتت إليه توبسي وقالت: إنك تسأل العفو؟ # وقالت: إني أعفو، ولكن بشرط. # ثم نظرت إلى أميري وهي لا تزال راكعة على صدر خصيمتها، وقالت له: إني كنت طامعة، وشرائعنا ~~لا تحرم الأطماع وتجيز الانتقام، وبعد فإني أصلحت ما أفسدته. أليس كذلك؟ # قال: نعم. # قالت: إني يحق لي أن أغمد خنجري في صدرها؛ فإذا عفوت عنها فبماذا تكافئني؟ # فهاج في صدر روجر حبه القديم وقال: إني أجعلك ملكة. # فنهضت توبسي نهوض المنتصر وألقت بخنجرها إلى الأرض؛ فأمسك أميري بيدها وقال للجميع: ~~انحنوا أمامها فإنها زوجتي وملكتكم. # فكادت تسقط بين يديه لفرحها، وقالت له بصوت خافت: إنك تعلم يقينا أني بت أحبك أصدق حب ~~بعد أن أنقذتني، فاعلم أن حبك لا ينتزع من صدري حتى بعد الموت. ~~••• # وعند الفجر كانت السفينة تخترق عباب البحر ~~وهي تحمل النور وأموالهم. ms148