######OpenITI# #META# URI: 1344TaniyusCabduh.MutanakkiraHasna.Hindawi63846382 #META# Tags: novels #META# ID: 63846382 #META# Title: المتنكرة الحسناء #META# AuthorID: 82971647 #META# Author: جول ماري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 69739264 #META# Translator: طانيوس عبده #META# Related_books: 1340JulesMary.BelleTenebreuse (TRANSL) #META#Header#End# # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # القسم الرابع‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # القسم الثالث‏ # القسم الرابع‏ # | المتنكرة الحسناء # | المتنكرة الحسناء # تأليف # جول ماري # ترجمة # طانيوس عبده # | القسم الأول # زواج غريب # دقت أجراس الكنيسة في برين من أعمال فرنسا، ولبست السماء ثوبها الأزرق الجميل، كأنها تريد ~~أن تشارك المحتفلين بزفاف الآنسة مرسلين ابنة الكونت دي مونت كور الوحيدة إلى بيير ~~بوفور. # كان العريس غريبا عن تلك البلاد، لقي مرسلين في سويسرا فأحبها وتبعها إلى برين؛ فخطبها ~~إلى أبيها وأجابه إلى ما طلب. # وقد كان دهش الناس عظيما حين وصلت العروس بموكبها إلى الكنيسة؛ إذ كانت بملابس السواد؛ ~~فإن أباها الكونت مات منذ أسبوع، وقد تمت تأهبات العرس، فأوصى أن يحتفلوا بالزفاف في اليوم ~~المعين بعد أن بارك العروسين. فرضيت مرسلين بعد إلحاح خطيبها أن تعمل بوصية أبيها، ولكنها ~~أبت إلا أن تزف وهي بملابس الحداد، فكانت تنظر إلى زوجها حين كان الكاهن يباركها والدموع ~~تجول في عينيها الجميلتين وتتقد أحيانا ببارق يدل على الامتنان. # مضى أسبوع والزوجان أسعد خلق الله؛ فقد كان حبهما صادقا أكيدا. # وقد خرجا بعده يوما للنزهة وسارا في طريق ازدانت جانباه بالأشجار، فلما بلغا إلى عطفة ~~منه التقيا برجل فصاح الاثنان صيحة دهش، وقال الأول: من أرى؟ بيير بوفور! # وقال بوفور: جان داغير؟ # أما مرسلين فقد صاحت صيحة تختلف عن صيحتيهما؛ إذ كانت صيحة رعب، فغطت وجهها بيديها وقالت: ~~رباه، إنهما صديقان! # كان جان داغير فتى قوي العضل براق العينين جميل الوجه، وكان ساعتئذ يمتطي جواده، فلما ~~حاول أن يترجل رأى مرسلين فعاد إلى سرج جواده، وقال له بوفور: ما كنت أتوقع أن أراك هنا أيها ~~الصديق. ~~- لقد أتيت أمس بعد غياب طويل، ولا غرابة أن تراني في برين؛ فإني من أهلها، ولكن الغرابة ~~في أن أراك فيها وأنت ابن باريس. ~~- وهذا بسيط أيضا فقد تزوجت هنا منذ أسبوع، وهذه امرأتي. # فانحنى جان فقال: إني أعرفها، وقد تشرفت بأن أكون في عداد أصدقاء أبيها. # وقد تحادثا هنيهة ms001 ثم افترقا، فنظر بوفور إلى مرسلين فوجدها مطرقة واجمة، فقال لها: ما ~~بالك مصفرة الوجه أيتها الحبيبة؟ وماذا أصابك؟ فلم تجبه ولكنها ضحكت ضحكا صبيا، فقال ~~لها: ألعلك مريضة؟ # قالت: لنعد إلى المنزل. # وقد تأبطت ذراعه وسارت وإياه، فكان ينظر إليها نظرات تشف عن الحزن وهو لا يدري ما يقوله ~~لها؛ إذ لم يكن رآها مرة من قبل على هذا الحال. # ولم تكد تصل إلى البيت وتدخل إلى غرفتها حتى أصيبت بنوبة عصبية تشبه الجنون، ثم ركعت أمام ~~زوجها وقالت له: هذا هو، هذا هو، وأنت تعرفه، رباه هذا هو، فأنت تعرفه، ولست بمجنونة! ~~فأنهضها وجعل يبالغ في ملاطفتها، وقد جزع عليها أشد الجزع، ثم قال لها: لقد قلت: هذا هو. ~~فمن هو هذا؟ وماذا تعنين؟ ~~- ماذا أعني؟! أما علمت أنه هذا هو الذي عنيته بالكتاب الذي أرسلته إليك؟ ~~- أي كتاب يا مرسلين؟ ~~- الكتاب الذي أرسلته إليك حين كنا في سويسرا، لقد قلت لك هذا هو ... رباه يظهر أنه لم ~~يفهم بعد. ~~- لم يصلني منك كتاب يا مرسلين، وأقسم بالله أني لا أفهم ما تقولين. # فطبع اليأس على وجهها وقالت: أتقسم بشرفك أن كتابي لم يصلك؟ ~~- أقسم بشرفي وبحبك أني لم يصلني منك كتاب، وأني لا أفهم ما تقولين! # فوضعت يديها على كتفي زوجها ونظرت إليه نظرة طويلة نافذة كأنها تريد أن تخترق أعماق قلبه، ~~فقال لها: بربك لا تنظري إلي هذه النظرات، بل قولي لي ما هذا الكتاب الذي تعنينه. # ولكنها لم تجب، بل فتحت فمها كأنها تريد أن تتكلم ثم لا ندري ما تراءى لعينيها فمنعها عن ~~الكلام. # وقد رفعت يديها إلى السماء كأنها تستشهدها على يأسها، ثم خرجت من الغرفة بسرعة فبقي بوفور ~~وحده وهو مكتوف اليدين مقطب الجبين يقول في نفسه: ترى ماذا تعني؟! وما هذا الجنون؟! بل ما ~~هذا السر الذي تخفيه عني؟! # وقد أقام مدة طويلة على هذه الحالة، ثم انتبه ورأى أنها لم تعد إليه، فبحث عنها في جميع ~~غرف المنزل فلم يجدها ms002 ، فقال في نفسه: قد تكون خرجت إلى الحديقة، فبحث عنها فيها فلم يرها، ~~فخرج منها إلى الطريق وجعل يبحث عنها ويناديها، فلم يجب نداءه أحد، فعاد إلى القصر وسأل ~~عنها الخدم فقالوا إنهم لم يروها. # وقد حار المنكود في أمره، فأرسل الخدم يبحثون عنها، وصبر وهو شبه المجانين إلى أن انتصف ~~الليل دون أن تعود، ثم بزغت أشعة الفجر وأخذت الأدياك بالصياح، فقال: إنها ميتة لا شك، ولكن ~~أين هي؟ # وكان جميع الخدم لا يزالون ساهرين، فجعل يسألهم إذا كانت مصابة بمرض فيجيبون سلبا، ~~ولكنهم يقولون إنها عصبية المزاج شأن أكثر النساء، فحار في أمره وجعل يناجي نفسه فيقول: ترى ~~ألعلها هربت مني ... كلا فهذا محال؛ لأنها تحبني وتعلم أني أحبها أصدق حب، وأني لم أسئ إليها ~~في شيء، إذن لا بد أن تعود، ولكنها قالت إنها أرسلت إلي كتابا، وأنا لم يصلني منها شيء، ~~فما عسى أن يكون في هذا الكتاب، وما هذا السر الخطير الذي يتضمنه؟ # وقد ركب مركبة وجعل يطوف بها وهو لا يقصد مكانا معينا، وكلما لقي فلاحا أو فلاحة ~~سألهما عنها فلا يقف لها على أثر. # ولبث وهذا شأنه ثلاثة أيام إلى أن عجز عن لقائها، ورأى أنه لم يبق عليه سوى إبلاغ ~~الحكومة أمر اختفائها، فجاء قاضي التحقيق وسأله أن يبسط له بالتدقيق التام جميع الحوادث ~~التي جرت قبل اختفائها. # فامتثل بوفور وبسط له كل ما عرفه القراء، فسأله القاضي قائلا: متى عرفت السيدة مرسلين دي ~~مونتكور؟ ~~- منذ بضعة أشهر. ~~- أين تعرفت بها؟ ~~- في سويسرا؛ إذ كانت تتجول فيها مع عمتها، فأحببتها وتزوجت بها، وهذه كل حكايتي معها، ~~على أني بالرغم عن هذه المصيبة التي قصمت ظهري وبالرغم عن اختفائها الغريب لا أزال واثقا ~~من أنها تحبني كما أحبها. # ولا بد لي أن أقول لك إني غني وهي فقيرة، وإنها كانت ترى أن فقرها يحول دون زواجها برجل ~~من أهل المقامات، فكانت تنظر إلى زواجنا بشيء من الامتنان. ~~- إذن لم يكن لها مهر؟ ~~- بل ms003 إني خصصت لها من ثروتي ريعا قدره عشرة آلاف فرنك في العام. ~~- كيف كانت خطتها بإزائك حين دنو موعد الزواج؟ ~~- كان السرور يتألق في عينيها قبل وفاة أبيها. ~~- ألم تر عليها شيئا من علائم الحزن دون سبب؟ ~~- نعم؛ فقد كانت أحيانا تنظر إلي فتجول في عينيها الدموع، وذلك في أوائل عهد اتصالنا، ~~ثم لم أعد أرى منها غير علائم الفرح، ولكنها لم تكن تخلو من السويداء. ~~- كيف كنت تعلل ذلك؟ ألم تسألها شيئا عن هذا الموضوع؟ ~~- لماذا؟ وأية فائدة من هذا السؤال بعد يقيني أنها أطهر فتاة؟ ~~- ألم تجد منها ما لم تألفه قبلا منذ زواجك إلى عهد اختفائها؟ ~~- كلا. ~~- ألا تعرف لها مبغضا أو عدوا؟ ~~- إنها محبوبة من الجميع في هذه البلاد، ومن يكره الملائكة؟! ~~- هو ذاك، ولكن البغض قد يتولد من الحب، ألم يخطبها قبلك أحد؟ ~~- لم يخبرني أبوها ولا هي بشيء من هذا. # وفي اليوم نفسه أبرق القاضي إلى جرائد باريز عن اختفاء مرسلين، وذكر أوصافها فنشرت ~~الجرائد هذه الحادثة الغريبة التي باتت حديث الناس، فلا يعلمون أهي ميتة أم مختفية؟! # وقد بث القاضي رجاله في جميع تلك المنطقة يبحثون ويسألون، إلى أن جاءه واحد منهم يوما ~~وهو يعتقد بفوزه، فقال إنه لقي في الطريق مزارعا أخبره أنه رأى امرأة بملابس فلاحة تنطبق ~~أوصافها على مرسلين، وكان يصحبها فتى يدعى جان جوت ويلقب بكلوكلو، وهو جندي قديم نال ~~المدالية العسكرية، وفقد ذراعه في معركة سباستبول، وهو يرتزق الآن من الغناء في ~~الشوارع. # كان هذا الجندي محبوبا في برين لشهامته وحسن أخلاقه وبسالته، وكان غريبا في سكره؛ فإنه ~~إذا شرب نصف كأس من الخمر استخفه الطرب فجعل يرقص ويغني، فإذا شرب النصف الآخر تدحرج تحت ~~المائدة، بل إنه قد يسكر من الماء القراح إذا أوهم نفسه أنه يشرب الخمر، فيندفع في ~~الطرب. # وعلى الجملة فقد كان طروبا خفيف الروح كثير الغناء، ولم يكن له مرتزق إلا من هذا ~~الباب. # فلما سمع القاضي هذا القول من الجندي دعا إليه ms004 كلوكلو وسأله قائلا: من هي هذه المرأة ~~التي كانت معك وإلى أين ذهبت؟ # فتنحنح ولم يجب، واصفر وجه بوفور، فقال له: بربك قل ما تعلمه وإني أكافئك بمال يكفيك حتى ~~الموت. # فتنحنح أيضا، وربما كان سعاله هذا المرة من التأثر، وقال: إني لا أعلم شيئا ولا أذكر ~~شيئا. # فقال له القاضي: يستحيل أن تكون نسيت، فأجهد ذاكرتك؛ فقد كان ذلك منذ خمسة أيام فقط، فهل ~~تعرف السيدة مونتكور؟ ~~- كيف لا أعرفها يا سيدي وقد كان أبوها كولونيل، وكنت تحت قيادته في سباستابول، وكنت ~~أكثر الأحيان أتغدى مع خادمتها في المطبخ. ~~- إذن إنك تستطيع أن تكشف لنا شيئا من سر هذا الاختفاء الغريب. ~~- أين لي ذلك وأنا لا أعلم شيئا؟ ~~- لقد قال لنا أحد المزارعين إنه رأى امرأة معك، وإنها كانت السيدة مرسلين. ~~- لقد أخطأ هذا المزارع؛ فإن هذه المرأة التي صحبتني لم أرها قبل تلك المرة، ولم أعرفها ~~حتى الآن. ~~- أتقسم على صحة ما تقول؟ ~~- أقسم إذ لا بد من القسم. ~~- لماذا تقول لا بد من القسم؟ ~~- لأني لا أستطيع أن أقسم على عكس ذلك. ~~- وإذا سألتك أن تقسم بشرف الجندية وبهذه المدالية التي يزدان بها صدرك؟ # فاصفر وجهه وقال: إن الرجل الشريف لا يكذب، وليس لي ما أقوله غير ما سمعتموه. # فأطلق القاضي سراحه، وقال بوفور: أرأيت يا سيدي كيف أن جهدك قد ذهب عبثا كجهدي؟ # قال: من يعلم فقد يطول الأمر، ولكن لا بد من الوصول إلى الحقيقة، فاسمح لي الآن أن أجري ~~بعض المباحث في غرف القصر؛ فقد يمكن أن نجد رسالة أو أثرا نهتدي به. # قال: افعل يا سيدي ما تشاء. # فأخذ القاضي يبحث في الغرف، بينما كان بوفور جالسا في غرفة مرسلين وهو تائه في عالم ~~التفكير مسترسلا إلى الأحزان التي لا توصف. # أما القاضي فقد كان يبحث في الغرف يعاونه قومسير البوليس، وقد عثر على أوراق اصفر وجهه ~~بعد تلاوتها، فطواها ووضعها في جيبه وهو يقول: إن هذا السر الذي اكتشفته لا يحق لي ms005 إذاعته، ~~نعم إني وعدت الموسيو بوفور أن أطلعه على كل ما أجده، ولكن الواجب يقضي علي بأن أكتم عنه ~~سر هذه الرسائل، مسكين هذا الرجل فإنه الآن أشد الناس نكدا، ولكن بقي له الأمل. # ثم عاد إلى بوفور فسأله بوفور قائلا: ماذا وجدت؟ # قال: لا شيء. # قضت مرسلين أيام شبابها بجانب أبيها؛ فقد ماتت أمها عنها وهي طفلة. # وكان أبوها ميالا إلى العزلة في قصره؛ فلا يزوره غير الجيران، وبينهم فتى يدعى جان ~~داغير، وهو من النبلاء، وله مزرعة يتولى إدارتها بنفسه ويعيش من ريعها، وهي كل ما ~~يملك. # كان هذا الفتى ذكي الفؤاد كثير المطامع والدهاء، لا يبحث إلا عن ثروة تعينه على الاسترسال ~~إلى الملاهي، ولكنه على فرط دهائه لم يوفق إلى نيلها. # أما والد مرسلين فقد كان إيراده السنوي من مزارعه أربعين ألف فرنك، فكان جان يقول في ~~نفسه: إن مرسلين غنية وجميلة، وقد بلغت سن الزواج وأنا في مقتبل العمر، ونحن متكافئان في ~~النسب، فلماذا لا أكون ذلك الزوج؟ # أما والد مرسلين فإنه كان يأذن له بزيارته لمصداقته مع أبيه، ولكنه كان ينفر منه ليقينه ~~أنه ليس على شيء من مبادئ الأشراف. # أما جان فقد جعل كل همه استرضاء مرسلين توصلا إلى حملها على حبه، فبدأت بالميل إليه، ~~وهكذا يبدأ الحب. # وكان جريئا فكلما زادته ميلا زادها استرضاء، حتى وثق من أن الحب قد نفذ إلى قلبها كما ~~تنفذ الأشعة من الزجاج، فبدأ يواعدها على اللقاء حتى انتهى بهما الأمر إلى أنهما كانا ~~يجتمعان كل يوم بالخفاء. # إلى أن قال لها يوما: أتحبينني حقيقة يا مرسلين؟ # قالت: أنت تعلم أني أحبك بملء جوارحي فلماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لأسمع منك هذه الكلمة الحلوة فما أسرها في قلبي. ~~- أحبك أحبك. # فضمها إلى صدره وقال: إني ذاهب من فوري لأخطبك إلى أبيك. ~~- اذهب أيها الحبيب؛ فإن أبي يجيبك إلى طلبك، وأنا أنتظرك هنا وأملي ... # فتركها وذهب إلى أبيها، وهو لا يرى ما تراه مرسلين من موافقته؛ إذ كان واثقا ms006 من أنه ~~يعرفه حق العرفان. # وقد لقيه في قصره فاستقبله حسب العادة، ودار الحديث بينهما على الزراعة. # ثم أطرق جان برأسه وظهرت عليه علائم الوجل، فقال له مونتكور: ألك ما تقوله لي؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذن لماذا التردد؟ قل فإني مصغ إليك. ~~- لقد أصبت، فلا يجمل التردد مع صديق مثلك، فاعلم أن الأمر يتعلق بزواج. ~~- أتريد أن تتزوج؟ ~~- نعم. ~~- حسنا تفعل، ولا سيما إذا وجدت فتاة ترضيك. ~~- لقد وجدتها وهي لا ترضيني فقط، بل قد تيمني حبها. ~~- لقد أدهشتني! أأنت من الذين يحبون؟ ~~- لا أقول لك غير الحق. ~~- إذن إنها لعجيبة، وهل أستطيع أن أنفعك بشيء؟ ~~- لا أستطيع أن أتزوج إلا إذا كنت تريد. # فوقف مونتكور كأنما لسعته أفعى وقال: ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أنك والد التي أحبها وإني أتشرف بخطبتها إليك. ~~- إما أن تكون مجنونا أو سكران. # فامتقع وجه جان بصفرة الموت، وقبض على يد الكونت دي مونتكور فهزها بعنف، وقال: وأنت أتحسب ~~نفسك من العاقلين حتى أخطب إليك ابنتك فتجيبني بالإهانة والتحقير؟ # قال: لا أنكر أني أخطأت؛ فاجلس ولنتحدث. إنك خطبت إلي ابنتي، ولكن كان يجب أن تعلم أني ~~لا أجيبك إلى طلبك فلا تطلب المحال. ~~- ولماذا ترفض طلبي؟ لا أنكر أني لست من الأغنياء، ولكنك لا تنكر أني مثلك من طائفة ~~النبلاء، فما الذي تنكره علي؟ ~~- أتريد أن تعلم؟ إذن فاسمع؛ إنك لا تروق لي لأسباب كثيرة؛ منها أنك من أهل الكذب ~~والبهتان، وأنك زير نساء؛ فإني مهما بالغت في العزلة فما خفيت عني أعمالك المنكرة، ولست ~~موقنا أن قلبك يعبر عن مؤثرات الحب الصحيح؛ ولذلك فقد أردت خديعتي حين قلت لي إنك تحب ~~ابنتي، ولم تقل الحقيقة إلا حين قلت إنك لست من الأغنياء، فأنت لا تريد ابنتي، بل تريد ~~مهرها، ألم أقل الحقيقة؟ ~~- لقد تجاوزت الحد في قولك حتى إنه لا يمنعني عن صفعك غير أنك أبو مرسلين. # فأجابه الكونت بملء السكينة: أرأيت أنه لا يمكن أن نتفق، إذن لا تقبل أن تعترف، فأستودعك ~~الله راجيا ms007 أن تنسى طريق قصري. ~~- لا تقل الوداع، بل قل إلى اللقاء. # وقد خرج وهو يكاد يتميز من الغضب إلى حيث كانت تنتظره مرسلين، فأسرعت إليه وهي تقول: ماذا ~~حدث؟ ~~- إن أباك لا يرضى بزواجنا. # فاشتد خفوق قلبها وقالت: لماذا؟ ~~- لا أعلم، فإما أن يكون ما أصيب به من خرف الشيوخ، أو أنه يطمع بأن يجد لك زوجا أغنى ~~مني. ~~- أما قلت له إنك تحبني؟ ~~- دون شك. ~~- أما قلت له إني أحبك؟ ~~- كلا؛ فقد خشيت أن ينقم عليك. ~~- لقد أخطأت؛ فأنا سأقول له. # فضمها إلى صدره وقال لها: آه لو تعلمين يا مرسلين كم أحبك. # وفي المساء جلست مرسلين مع أبيها للعشاء، فكانت مطرقة لا تجسر على أن تنظر إليه، وهو ~~يراقبها، إلى أن شهقت فجاءة بالبكاء وقالت: إنك ستجعلني يا أبي أتعس الفتيات. # قال: ما هذا؟ وماذا تعنين؟ # قالت: إن جان داغير يحبني وأنا أحبه، وقد أخبرني بكل ما جرى بينكما، وهذا سبب ~~بكائي. ~~- هل خلوت به في غيابي؟ أين وكيف؟ # فأطرقت برأسها ولم تجب. # قال: أتعلمين كيف استقبلت هذا الفتى حين جاء لي خاطبا؟ # قلت له: إن رجاءك بقبولي يدل على أنك سكران أو مجنون. فإن هذا الرجل غير كفء لك. ~~- إني أحبه يا أبي. ~~- آمرك ألا تفتكري به، واحذري أن تقابليه أو تكلميه. # فلم تلح؛ إذ وجدت ألا فائدة من الالتحام، ودخلت إلى غرفتها فجعلت تبكي كل الليل. # وعند الصباح جاءها أحد الرعاة برسالة من جان قال فيها: # أحبك، وأنا حزين، فكيف أنت؟ # فأجابته مع الرسول نفسه: # أحبك وسأحبك مدى الحياة، إنك حزين أما أنا فأبكي. # وقضت عدة أسابيع لم يدن جان في خلالها من قصر مرسلين كي لا يثير الظنون في صدر أبيها، ~~ولكنه كان يراسلها في كل يوم، ثم أخذ يراقب الكونت، فإذا علم أنه برح القصر جاء متلصصا ~~إلى مرسلين، وأقام معها بضع ساعات يوهمها أنه صادق في هواه، ويعبث بقلبها الطاهر، إلى أن ~~وثق بأنها باتت له، فلم يكترث للأخطار وسقطت تلك الحمامة بين ms008 براثن ذلك البازي، فأصبح جان ~~واثقا أن أباها لم يبق بد له من الموافقة على زواجه بابنته بعد أن يقف على ~~الحقيقة. # وقد اتفق يوما أن الكونت وجان كانا يتنزهان على جواديهما في البراري، فالتقيا صدفة، ودنا ~~جان منه فقال له فجاءة: هل تمعنت يا سيدي الكونت؟ # فدهش الكونت لجرأته وقال له: وأنت هل بقي لك شيء من الأمل؟ ~~- إذن إن رفضك جازم لا رجوع فيه! ~~- هو ذاك، فلا تحلم بمصاهرتي يا بني وارجع إلى إغواء الفلاحات حسب عادتك، أما مرسلين ~~فهي أرفع من أن تصل إلى مقامها. # فعض جان شفته حتى كاد أن يدميها، ثم نظر إليه محدقا وقال له: استشر مرسلين إذن فهي ~~تخبرك بأنه يجب أن أكون زوجها. # ثم لكز بطن جواده فانطلق به، وعاد الكونت إلى قصره وهو مضطرب مهموم، لا يعلم مراد هذا ~~الشقي مما قاله؛ حتى وصل ولقي ابنته، فما جسر على أن يسألها؛ لأنه إما أن تكون بريئة فيكون ~~قد أساء إليها بالظن، وإما أن تكون مذنبة فيفضي الأمر إلى انتحارها وانتحاره في ~~أثرها. # وقد أخذ ينظر إليها وهو يخترق بنظراته أعماق قلبها، فلم يطمئن؛ إذ رآها صفراء الوجه حمراء ~~العينين، وأنها لم تكن تستطيع احتمال نظراته إليها، فنظرت بعينها إلى الأرض، فعلل هذا ~~الإطراق باستحيائها منه لاعتقاده أنها خجلت من أن تحب رجلا يعتقد أبوها أنه من ~~الأشرار. # وقد دخل إلى غرفته وهو يقول في نفسه: الويل له، إذا كان كاذبا في ما ادعاه فسأقضي على ~~حياته أو يقضي على حياتي. # وفي اليوم التالي ورد إلى مرسلين كتاب من جان يقول فيه: # لقد لقيت أباك وجددت الطلب فعاد ~~إلى الرفض، فلم يبق لي غير رجاء واحد وهو أن تسعي أنت إلى نيل موافقة أبيك. # فعولت على أن تعمل برأيه ودخلت إلى أبيها، فجلست بجانبه وظهر الاضطراب عليها؛ لأنها لم ~~تكن تجسر على الكلام. # إلى أن مهد لها أبوها السبيل بسؤالها عما بها، فركعت أمامه وقالت بصوت يتهدج ~~بالبكاء. # إنك تعلم يا أبي ms009 أني أحب جان داغير، وأنه يحبني، فلماذا لا تريد أن تسعدنا بالزواج؟ # قال: كلا؛ فإن هذا لا يكون. ~~- أترضى أن أكون أتعس امرأة في الوجود، وأن تكون أنت سبب شقائي؟ ~~- إنك ستنسينه وسأجد لك زوجا من أكفائك. ~~- ولكني لن أحب ذلك الزوج؛ لأني أحب جان، وماذا تنكر عليه فتنفر منه هذا النفور؟ # وقد حاولت في البدء أن تقنعه قبل أن تعترف ذلك الاعتراف الشائن. # فقالت له: إني أحبه يا أبي حبا لا ينزعه من قلبي غير الموت، نعم إنه فقير، ولكنا ~~أغنياء، وهو يحبني بملء جوارحه، وهو شقي مثلي برفضك، فلماذا لا نكون ولدين بقربك بدلا من ~~واحد، فنكون خير عزاء لك في شيخوختك؟ # وقد جعلت تقبله وتسترضيه بالبكاء والابتسام؛ فحن قلبه وقال لها: إني أحبك يا ابنتي ~~العزيزة، ولا يوجد من يحبك حبا صادقا منزها غير أبيك، فثقي به واعلمي أنه لا يريد بكل ~~ما يفعله غير سعادتك؛ فإن جان غير كفء لك. ~~- ولكني أحبه. ~~- لا تعيدي هذا القول يا ابنتي، ولا تبكي؛ فإنك لا تزالين في مقتبل عمرك، فأنت تتكلمين ~~الآن بلسان الفتاة لا بلسان المرأة، أإلى هذا الحد تريدين الإسراع بالانفصال عن ~~أبيك؟ ~~- لا ننفصل عنك يا أبي، بل نقيم عندك ونعيش وإياك. ~~- أصغي إلي يا ابنتي؛ فإن الواجب يقضي علي بأن أطلعك على كل شيء، إني لا يمكن أن ~~أوافق على زواجك بهذا الرجل؛ لأني أعرف عنه ما لا تعرفينه، وقد حضرت مولده وخبرته منذ كان ~~طفلا إلى اليوم، فله من العيوب ما لا يجوز أن يخدش بها مسامع الفتيات، ثم إنه منافق محتال، ~~فإذا قال لك إنه يحبك فهو إنما يقول ذلك بلسانه لا بقلبه؛ لأنه ليس له قلب، وإنما يدفعه إلى ~~خداعك طمعه بمالك، فإذا فقد رجاءه من هذا الباب انصرف إلى سواك من فوره. ~~- إنك تسيء الحكم عليه يا أبي. ~~- بل إني أقول الحق؛ فهو لا يطمع إلا بثروتك. ~~- كلا؛ بل إنه يحبني. ~~- أتريدين أن أبرهن لك على عكس ما تقولين؟ ~~- كيف ذلك ms010 ؟ ~~- ذلك أني أدعوه إلى هنا، ومتى حضر أظهر أمامك وأمامه أني خسرت في البورصة ثلاثة أرباع ~~مالي، وأني بت مضطرا إلى بيع مزارعي حتى هذا القصر الذي أنا فيه، فإذا رضي بك بعد ذلك أكون ~~مخطئا ووافقت على زواجكما واعتذرت إليه أمامك. ~~- أسرع يا أبي بالكتابة إليه، وأنك تنتظر قدومه لترى أنه يحبني حقيقة دون مالي. # فهز الكونت رأسه وقال: وإذا اضطرب بعد أن يعلم إفلاسي، وتردد أو اختلق حجة لتأخير موعد ~~الزواج أو تعلل بالسفر فماذا تقولين؟ # فأكبت على عنق أبيها تقبله وتقول: أسرع يا أبي بالكتابة إليه وسوف ترى. # فامتثل وكتب إليه مشترطا عليها ألا تقول له كلمة، ولا تشير إشارة تدل على هذه ~~الخدعة. # قالت: دون شك؛ فإن أقصى مرادي أن تعلم بأنك مخطئ بالحكم عليه كي يطمئن قلبك. # وفي اليوم التالي أقبل جان واجتمع الثلاثة في قاعة الاستقبال، فبدأ الكونت الحديث فقال: إن ~~ابنتي تحبك يا موسيو جان، وحاشا أن أعترض في سبيل سعادتها؛ فإني لا أطيق أن أكون السبب في ~~بكائها، ولما كان الحب بينكما متبادلا فقد وافقت على زواجكما. # فوقف جان وقد اصفر وجهه لوثوقه أن مرسلين اعترفت له بالحقيقة؛ إذ لم يكن يتوقع منه هذا ~~التساهل السريع. # ومضى الكونت في حديثه فقال: نعم، إني رضيت بزواجكما ولا أجد سببا لتأخير عقده، فتأهب له ~~وأنا سأعد معداته، وهنا لا بد لي أن أقول لك ولها كلمة تتعلق بحالتي المالية. # فأراد جان أن يعترض، ولكن الكونت أسرع إلى القول: نعم، إن من كان مثلك محبوبا لا يكترث ~~للمال، ولكن لا بد من إطلاعك على حقيقة حالي فاسمع. # إنك لو كنت من الأغنياء يا بني لكان مستقبل بنتي مضمونا ونظرت إليه باطمئنان، ولكنك فقير ~~لنكد الطالع، ومرسلين لا تمتلك شيئا، وإنك ستصير بمثابة ولدي، فلا يجمل بي أن أكتمك شيئا ~~من أمري. # فتبين الاضطراب في وجه جان، وعاد الكونت إلى الحديث فقال: كانت ثروتي منذ بضعة أيام مؤلفة ~~من أربع مزارع كبرى، ومن هذا القصر الذي ms011 أقيم فيه، وبعض العقارات، وهي خير مزارع هذه البلاد ~~كما تعلم، فاشتغلت منذ بضعة أيام في البورصة مع بعض أصحابي، ونحن نتوهم أننا رابحون، فخسرت ~~نصف ثروتي صفقة واحدة، ثم خسرت بعد ذلك ثلاثمائة ألف فرنك لم أدفعها بعد، ولكن دين للبورصة ~~دين شرف لا بد من وفائه، فلا بد لي من بيع بقية مزارعي للسداد، وبحيث لا يبقى لي غير ~~قصري والمزرعة المحدقة به، وهو ما لا يكاد يكفي للقيام بأودي. # وهذه هي حالتي، نعم، إنها لا تؤثر على حبك ولكن لا بد من إظهارها لتكون واقفا على ~~الحقيقة؛ فإني منذ عشرة أيام كنت أستطيع أن أمهر بنتي بمائتي ألف فرنك، أما اليوم فإنك ~~ستتزوجها من غير مهر وا أسفاه. # وقد نهض الكونت وجعل يمشي ذهابا وإيابا في الغرفة، وأطرق جان، فمضت دقيقة حسبتها مرسلين ~~دهرا وهي تقول في نفسها: رباه، ألعله يتردد؟ # إلى أن أجاب جان فقال: لقد أصبت فيما قلته؛ فإن خسارتك لثروتك لا تؤثر في شيء على مقاصدي، ~~فإني لا أحب مرسلين لثروتها. # فصافحه الكونت وقال: أحسنت يا جان فهذه مناهج الأشراف. # فقال جان: على أن إفلاسك نكبة لا يمكن أن تؤثر علي؛ لأني فقير لا أستطيع أن أقوم بكل ما ~~تحتاج إليه مرسلين، ولا سيما أنها ربيت في أكناف النعمة وتعودت من النفقات ما لا طاقة لي ~~عليه؛ ولذلك أخاف أن يؤثر عليها هذا التغيير، فإذا رضيت بحالتي الحاضرة فلست أنا الذي ~~يأبى. ~~- اطمئن يا بني فإن ابنتي لم تتعود عيش البذخ ولا تحب الإسراف، فلا يروعها الفقر. ~~- قد يكون ذلك ولكني ... ألا ترى أن الحكمة تقضي بأن تبقى معك إلى أن تألف هذا العيش الجديد ~~قبل الزواج، وإني لا أقترح هذا الاقتراح إلا لهنائها. # فأجابه الكونت بلهجة المتهكم: قد تكون مصيبا، ولكني أرى التعجيل بالزواج أولى؛ فإن الحب ~~يهون كل عسير. ~~- هذا لا ريب فيه، ولكن بقي سبب آخر يقضي بعدم التعجيل بالزواج؛ فإني أحب مرسلين حب عبادة ~~ولا أريد التأخير، ولكني لا أستطيع ms012 أن أنسى أيها الكونت العزيز كيف عاملتني حين خطبتها ~~إليك، وكيف أظهرت عيوبي وقلت إن زواجنا محال؟ # لا أقول هذا لأني حاقد عليك، ومعاذ الله أن أكون من الحاقدين، ولكنك إذا كنت نسيت تلك ~~الأقوال فإني لا أنساها؛ لأنها محفورة في قلبي، وقد كنت مخطئا في حكمك علي، فأنا أريد أن ~~أصبر إلى أن تنجلي لك حقيقة أمري وتثق أن النمامين قد وشوا بي إليك بما هو كذب وافتراء، ~~فاسمح لي أن أتريث إلى أن تختبرني فأكسب احترامك ومودتك، وعند ذلك لا أكون صهرك فقط بل أكون ~~ولدك. ~~- إذا كان هذا ما تريده يا بني فليكن ما تريد، وإن ابنتي تنتظر؛ أليس كذلك يا مرسلين؟ # فالتفت الاثنان إلى مرسلين، وقد تبين في وجهها القنوط، فابتسمت ابتساما مغتصبا، وقال ~~الكونت: إن ابتسامها علامة القبول، فهي تنتظر ما دمت تريد، فتعال لزيارتنا جهد إمكانك فأنت ~~هنا كأنك في بيتك. # فنهض جان ومشى إلى مرسلين فقال لها: إني أسعد الناس بما سمعته من أبيك؛ فإن هذا الإفلاس ~~زادني تقربا منك؛ فإن ثروتك كانت شبه حاجز بيننا، أما الآن فقد صرنا متساويين، فإلى اللقاء ~~القريب. # وقد ودعهما وانصرف، ففتح الكونت نوافذ القاعة التماسا للهواء، ثم قال لابنته: أرأيت يا ~~مرسلين؟ هل انجلت لك الحقيقة بالبرهان؟ # فشهقت وهي تقول: يا له من خائن، ثم سقطت مغميا عليها بين ذراعي أبيها. # وقد طال إغماؤها ساعة دون أن تستفيق حتى خشي أبوها أن تكون فارقت الحياة، فجعل يبكي ~~ويقول: ويلاه أنا الذي قتلتها. # ثم فتحت عينيها فضمها إلى صدره، وقال: ابكي يا ابنتي قدر ما تستطيعين فإن البكاء يفرج ~~الأحزان. # وقد كان يأس تلك المنكودة عظيما، حتى إنها كادت أن تحقد على أبيها، ولكنها بقي لها شيء ~~من الرجاء بعودته، فأقبل الليل ومضى اليوم الثاني دون أن يعود، وفي اليوم الثالث ورد منه ~~إلى أبيها الكتاب الآتي: # سيدي الكونت # أسألك المعذرة؛ لأني اضطررت إلى السفر إلى باريس دون أن أخبرك؛ لشغل هام، فأرجو ~~أن تبلغ أشواقي لمرسلين ms013 وأن تقبل تحياتي. # وبعد أسبوعين عاد من باريس فمضى شهر دون أن يزور خطيبته، وكان الكونت عالما بعودته ولكنه ~~لم يخبر مرسلين التي كانت معتزلة في غرفتها تبكي وتصلي؛ لأنها باتت الآن صاحبة سر إذا انكشف ~~لبسها عاره مدى الحياة، ولم يعد في وسعها كتمان هذا السر إلى أمد طويل؛ لأنها ستصبح ~~أما. # ففي ليلة دخلت إلى أبيها وقد انتصف الليل فعجب لقدومها في مثل هذه الساعة، وقال لها: ~~لماذا لا تنامين يا ابنتي؟ # قالت: أية فائدة من النوم؟ فإني لم أنم من عهد طويل. ~~- إذن أنت لا تزالين تحبينه بالرغم عما ظهر لك منه؛ فقد كنت أتوهم أن هذا الحب استحال ~~إلى احتقار. ~~- بل إلى احتقار وكره. ~~- لماذا تنحلين هذا النحول؟ # فغطت وجهها بيديها، وقالت له بصوت خافت خنقته الدموع: يجب يا أبي أن يكون جان ~~زوجي. # وقد وقع قولها على قلب الشيخ وقع الصاعقة، فوقف ونظر إليها نظرة تشبه نظرات المجانين، ~~وقال: ماذا قلت؟ إني لا أفهم ما تقولين. ~~- اقتلني يا أبي فقد حاولت أن أنتحر فلم أستطع. # فسقط المنكود على كرسيه خائر القوى، وسكت سكوتا رهيبا رعبت منه مرسلين أكثر مما كانت ~~تتوقع أن ترعب من غضبه، فجعلت تشهق بالبكاء. # أما أبوها فإنه سألها بعد هنيهة قائلا: إذن لقد كنت خليلته؟ وأخاف ألا يكون هذا كل ~~شيء! # فاعترفت له بكل أمرها، وأنها باتت على وشك الافتضاح. ~~••• # كان الكونت يريد امتحان جان حين أخبره أن البورصة ذهبت بثروته كما تقدم. # وكأنما هذه الأكذوبة كانت شؤما عليه؛ فإنه حين اعترفت له ابنته بنكبتها وردت إليه أنباء ~~من باريس تفيد أن الخسارة حدثت حقيقة، بحيث لم يبق له من حطام الدنيا غير القصر الذي يقيم ~~فيه. # وفي اليوم التالي لقي جان فقال له: لقد قلت لك بالأمس إني فقدت ثروتي وكنت كاذبا؛ لأني ~~أردت امتحانك، أما الآن فأخبرك أني أصبحت حقيقة من الفقراء؛ ولذلك لا أسألك الزواج ببنتي ~~صيانة لمصلحتك المالية، بل لصيانة شرفها وشرفك؛ فإنك صيرتها أما. # فأجابه الشقي ms014 بملء البرود قائلا: سأجيبك غدا. ~~- ويح لك أيها الغاشم مما تجيب! ألا تخشى غضبي؟ ألا تخاف قنوطي؟ # فهز كتفه وقال: الحق أني لا أخاف. ~~- إذن فاسمع، إني أمهلك إلى الغد، إلى الغد، أسمعت فاحذر. # وقد أنفق معظم ليلته على المراسلات وترتيب أوراقه. # وفي اليوم التالي ذهب إلى منزل جان، فقيل له إنه سافر إلى باريس، فتبعه إليها وذهب إلى ~~البيت الذي يقيم فيه، فوجده عند الباب يحاول الانصراف، فلم يقل له كلمة عن هربه، ولكنه صفعه ~~صفعتين، وقال: أبقي سبيل إلى اجتناب المبارزة؟ # قال: كلا، ولكني سأقتلك. # قال: هذا أمر آخر، وأنا ذاهب الآن إلى فندق الشمال في شارع الشليو لأنتظر شهودك. # وفي اليوم نفسه جاء الشهود، واتفقوا على أن تكون المبارزة بالرصاص. # وفي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي تبارز الخصمان، فأصيب جان بجرح هائل، ونظر إليه ~~الكونت والدم يتدفق من فمه، فقال: إنه سيموت وقد انتقمت لابنتي، ولكن هل أرجعت شرفها ~~المفقود؟ # أما جان فقد حملوه إلى المستشفى فبقي ستة أسابيع بين الموت والحياة، وأما الكونت فقد عاد ~~إلى ابنته فقالت له: ماذا فعلت يا أبي؟ قال: انتقمت منه بالقتل، وهو الآن في عداد ~~الأموات. # ولكنه أخطأ؛ فإن شباب جان تغلب على جرحه القاتل، فعادت إليه الحياة بعد قنوط الأطباء من ~~شفائه. # أما مرسلين فقد أصبح بقاؤها في قصر أبيها مستحيلا؛ لأن زلتها لا بد أن تظهر، فسافرت مع ~~عمتها إلى سويسرا وبقيت هناك بضعة أشهر إلى أن وضعت غلاما دعته جيرار، فأودعته مرضعا بين ~~جنيف ومدزان، وعادت مع عمتها إلى أبيها، وهي تقول لها: لقد انتزعت حياتي مني ولا أعلم ما ~~تخبئه لي الأيام، ولكني لا أتخلى عن ولدي ولو فضحت به. # وفي الربيع التالي عادت مع عمتها إلى سويسرا وأقامتا في أحد فنادق برن، وقد كان جاء إليه ~~في اليوم نفسه فتى يدعى بيير بوفور، وهو في العشرين من عمره توفي أبوه وترك له ثروة ~~كبيرة. # وكان قد أجهد نفسه في درس الحقوق، فاعتلت صحته، وهو ms015 في كل عام يأتي إلى سويسرا فيقيم فيها ~~كل الفصل عملا بإشارة طبيبه. # وقد التقى لأول مرة مع مرسلين في قاعة الفندق؛ فراقه جمالها وسمع حديثها مع عمتها فعلم ~~أنها فرنساوية. # ولم يطل الزمن بمرسلين حتى أيقنت من تعلق هذا الفتى بها؛ فإنها كانت تلتقي به كل يوم في ~~الفندق والطرق والمتنزهات، وتقول في نفسها: لقد جاء بعد فوات الأوان؛ فإني لا أستطيع أن أحب ~~ولا أن أكون محبوبة؛ ولذلك لم يكن يلقى بوفور في نظراتها شيئا من التشجيع، ثم رأى أنها ~~تجتنبه؛ فبرح الفندق فارتاحت مرسلين لبعده، ولكنها لم تكن تملك نفسها عن التنهد كلما خطر ~~في بالها، دون أن تعلم السبب في تنهدها. # وبعد أسبوع برحت برن مع عمتها إلى مدينة بال، وكأنما الأقدار كانت تهزأ من جفائها ~~وابتعادها؛ فإنها لقيته في بال ولم يكونا في فندق واحد، ولكنهما كانا يلتقيان في الحديقة ~~العمومية وفي المعرض والكنائس، فأخذت مرسلين تألفه تباعا، فإذا أتت إلى منتزه عام تجيل ~~نظرها باحثة على رجاء أن تراه، فإذا رأته أطرقت بعينيها وشعرت كل ذلك اليوم بسرور خفي، كل ~~ذلك وهي لم تعرف اسمه بعد. # وكأنما زلتها وحرمتها جعلتاها بعيدة النظر، فكانت تكبح جماح هواها حين تفتكر به، وتقول في ~~نفسها: إلى أين أنا صائرة، ألعلي جننت! أيحق لي أن أحب هذا الفتى؟ وإلى أية نتيجة يقودني هذا ~~الحب؟ # ولذلك رأت أن خير طريقة لاتقاء هذا الخطر الجديد هي أن تبرح هذه المدينة إلى مدينة ~~سواها. # وقد اتفقت مع عمتها على ذلك، وفي اليوم التالي بينما كانت تنتظر في قاعة المحطة إلى أن ~~تجيئها عمتها بتذاكر السفر، دخل بوفور في تلك القاعة فحياها بملء الاحترام، وقال لها بلهجة ~~الوجل الخائف: أسألك المعذرة يا سيدتي لجرأتي، ولكني أشعر بدافع أشد من إرادتي يدفعني إلى ~~مباحثتك. # إنك مسافرة يا سيدتي وقد لا أراك مدى الحياة، فلو تعلمين ... كلا، لا أستطيع ... إني بحثت ~~كثيرا عمن يقدمني إليك فلم أجد من يعرفك، وكل ما أرجوه يا سيدتي ms016 أن أعرف اسمك فأتمكن في ~~فرنسا من زيارة عائلتك، أما أنا فإني أدعى بيير بوفور، فإذا أردت ألا تجعليني أشقى رجل في ~~الوجود، فلا تستائي مما قلته لك ولا تسيئي بي الظن. فلم تجبه بشيء ونهضت تحاول الابتعاد، ~~فقال لها بسرعة وقد أصبح شبه المجانين: سيدتي إنك إذا سافرت فقدت أثرك؛ فقد قدر لي أن ~~ألقاك اتفاقا مرتين، وأنا لا أعلم إلى أين تذهبين، ولكني واثق من أني سألقاك مرة ثالثة، ~~فإذا أراد الله هذا اللقاء أتأذنين لي يومئذ أن أتعرف بك لتعرفيني حق العرفان؟ # فأطرقت بعينيها إلى الأرض وقالت: إذا أراد الله. # فلما ابتعد عنها ندمت على ما قالته، وقالت في نفسها: لا شك أني جننت، ولكنه لن يراني ~~بعد؛ فإني أعلم كيف أجتنبه. # وعند ذلك جاءت عمتها فقالت لها: هل أخذت التذاكر لزيريخ؟ # قالت: نعم، أما هكذا اتفقنا؟ ~~- لقد غيرت خطتي، فلا أريد السفر إلى زيريخ. ~~- أفقدت صوابك؟ ~~- ربما. ~~- إلى أين تريدين أن نسافر؟ ~~- إلى بلد تتلبد الثلوج فوق جبالها؛ فلا يمكن اجتيازها. ~~- وهذه البلدة؟ ~~- هي غرند لولد فأسرعي إلى تغيير التذاكر. # فذهبت عمتها وهي تهز رأسها، وقالت مرسلين في نفسها: إنه إذا تلاقينا هناك يكون قد صدق في ~~ما قاله، وهو أن الله يريد هذا اللقاء، على أني لا أتمنى إلا أن أعيش وحدي مع ولدي مدى ~~الحياة. # وذهبت إلى تلك القرية فأقامت فيها مع عمتها، وجعلت كل يوم تذهب وحدها إلى الجبال المحدقة ~~بها وتتنزه بين غاباتها. # فبينما هي جالسة يوما في ظل شجرة رأت رجلا ينزل من قمة عالية، فلم تتبين وجهه لشدة بعده ~~عنها. # وما زال يقترب حتى صار على بعد مائة متر منها، فكاد قلبها أن يثب من صدرها إذ عرفته، وقال ~~بلهجة تشف عن الرعب: هذا هو! # أما هو فلم يرها؛ لأنه لم يكن ينظر إلى جهتها، إلى أن دنا منها فصاح صيحة دهش ورفع قبعته ~~بملء الاحترام، وقال: أرأيت يا سيدتي أنها إرادة الله؟ # فلم تجبه، ومضى في حديثه فقال: أقسم ms017 لك بشرفي أني لم أكن أعلم بوجودك في هذه القرية، وأن ~~الصدفة وحدها قادتني إليها. ~~- إنه اتفاق غريب يا سيدي، إذا كان حقا كما أريد أن أعتقد أنك ما قفوت أثرنا. ~~- لقد أقسمت لك بشرفي يا سيدتي. ~~- لا حاجة إلى القسم؛ فقد وثقت ورجائي ألا يسوءك قولي؛ فإنك لا تعرفني ولا أجد لك فائدة ~~من معرفتي. ~~- ألم تعديني بذلك يا سيدتي، فلماذا تجفينني دون أن تعرفيني؟ ~~- أية فائدة من ذلك؟ ~~- إني أحبك وأقصى ما أتمناه تبادل هذه العاطفة. ~~- كيف تحبني وأنت لم ترني أكثر من أربع مرات؟ ~~- قد يتولد الحب من نظرة، وإن حبي طاهر شريف يا سيدتي لا أريد به غير إسعادك. ~~- إنك واهم يا سيدي، أما وقد لقيتني الآن وكشفت القناع عن ضميرك فاعلم أن إلحاحك ~~يزعجني. ~~- أهكذا تريدين أن أسافر دون رجاء؟ ~~- نعم. ~~- إذن إن قلبك مقيد؟ ~~- كلا؛ فإني لا أحب أحدا. # وقد ندمت على ما قالته؛ فإن قولها هذا قد يكون بمثابة تشجيع؛ بدليل أنه نظر إليها نظرة ~~تشف عن الاطمئنان وانصرف. # فأدركت معنى نظرته، وجعلت تقول في نفسها: ويح لي مما قلت وفعلت، ألم تنضب الدموع من ~~عيوني، فلماذا أدفع نفسي الآن في سبيل الدموع؟ وبعد فهل أستطيع أن أحبه دون أن أعترف له ~~بزلتي وأخبره بأمر ولدي؟ وكيف أبسط عاري لرجل يهبني قلبه! # وبعد، فهل الذنب ذنبي؟ إني لا أحبه ولا أستطيع ولا أريد أن أحبه. # وقد مضى أربعة أيام دون أن تراه؛ فشعرت بعاملين يتجاذبانها؛ عامل ارتياح وعامل استياء في ~~حين واحد، وهذا من غرائب أسرار القلوب. # وفي اليوم الخامس سمعت باب المنزل يطرق فلم تكترث؛ لأن عامل البريد كان يأتي أحيانا، ~~ولكنها ما لبثت حتى صاحت صيحة دهش؛ إذ كان القادم بوفور نفسه، وقد طلب مقابلة عمتها فلقيها ~~وقال لها بملء البساطة: أرجوك معذرتي يا سيدتي لتشرفي بمقابلتك على هذا الشكل؛ فإني أحب ~~مدموازيل دي مونت كور، وقد رأيتها لأول مرة في برن منذ شهر، وكانت الأقدار تدفعني إلى ~~الشوارع التي تمر ms018 فيها فأراها، ولم أعرف اسمها إلا منذ أربعة أيام، فكتبت إلى صديقي البارون ~~دي لافار في فرنسا فأرسل إلي اليوم هذا الكتاب، هو لك يا سيدتي فتفضلي بتلاوته. # فقرأت الكتاب وقالت له: إن صديقنا البارون يوصيني بك يا سيدي، فأهلا بك ولكن على ~~شرط. # قال: إني أقبل بشرطك قبل أن أعرفه. ~~- شرطي ألا تحدث ابنة أخي بحديث حب. ~~- ولكني أحبها. ~~- إنك تحبها ولكني لا أعلم أنها تحبك، ثم إني أعرف أمانيها، فلا أظن أنك أنت الذي تحقق ~~هذه الأماني؛ ولذلك رجوتك ألا تكاشفها بحبك، فهل تقسم لي؟ ~~- أقسم لك على أني أحتفظ بهذه اليمين إلى أن تحلني ابنة أخيك منها. # فأدارت وجهها كي تخفي دمعة جالت في عينها، وقالت: إني واثقة من أنها لا تحلك من هذه ~~اليمين. # وفي اليوم التالي عاد إليها فاجتمع بها وبمرسلين، فلما انصرف قالت مرسلين لعمتها: لماذا ~~أذنت له بزيارتنا؟ فإني قبل أن أعرفه لم أكن سعيدة، ولكني كنت ساكنة مطمئنة، فقضي الآن ~~على راحتي. # فذعرت عمتها مما سمعت وقالت: ماذا تعنين؟ # فلم تجبها بشيء ودخلت إلى غرفتها. # وقد أخذت بعد ذلك تتدرج إلى سؤالها، فقالت لها يوما: إنك متأثرة مني كما أرى. # قالت: كلا، بل إني مستاءة فدعيني وحدي. # وقد قالت لها هذا القول بجفاء، فلم تجبها؛ لأنها كانت تحبها؛ إذ هي التي ربتها وخصتها بكل ~~حنو قلبها. # ولكنها باغتتها بعد ساعة في الحديقة وهي تبكي، فقالت لها بلهجة المتوسل: بالله قولي لي ما ~~لك أو يقتلني الحزن. # فقالت لها بلهجة المغضب وبصوت يخنقه البكاء: كيف تسألينني عما أصابني، ألا ترين؟ # قالت: إني عجوز لا أرى شيئا ولا أفهم شيئا. # فغطت وجهها بيديها وقالت: أحبه أحبه. # وهنا استرسلت إلى البكاء، فضمتها عمتها إلى صدرها وامتزج الدمعان. # وجعل بوفور يزورهم في كل يوم، وبقي وفيا بوعده فلم يقل لمرسلين كلمة حب، ولكن أية فائدة ~~من الكلام فقد كانت العيون تترجم عن القلب ما يوحيه الغرام. # وقد زاد ذلك في اضطراب مرسلين، وتنبهت عمتها لاضطرابها، وعرفت ms019 أسبابه فقالت لها: أتريدين ~~أن أمنعه عن زيارتنا؛ فإن الوقت لا يزال فسيحا؟ ~~- كلا؛ فقد فات الأوان. ~~- ولكن تمعني يا ابنتي فإلى أين يصل بنا هذا السلوك؟ ~~- إلى المستحيل. ~~- إذا كان ذلك ألا يجدر بنا قطع العلائق معه منذ اليوم؟ ~~- بأية حجة؟ ~~- لا بد لي من إيجادها وسأبحث. ~~- حسنا، فابحثي عن سبب يمنعه دون أن يسحق قلبه؛ فقد عرفت عذاب الهجران فلا أريد أن أعذبه ~~ولا سيما ... ~~- ولا سيما أنك تحبينه، وما زلت قد قيدتني بإيجاد الحجة فخير ما أراه أن تقولي له إنك لا ~~تحبينه. ~~- لا أجسر على ذلك. ~~- تمعني يا ابنتي فإن الموقف خطير، وقد يأتي يوم لا تستطيعين فيه كتمان حبك، فما يكون ~~عندئذ وزواجكما محال؟ افتكري بابنك الذي تكتمين أمره. ~~- إذن أنا التي سأقول له لا أنت. ~~- أتجسرين؟ ~~- نعم؛ فإن الشرف يقضي علي بأن أكون جريئة وإذا ضعفت فإن ذكرى ولدي تشجعني. # فهزت عمتها رأسها إشارة إلى الشك. فقالت لها: غدا سأرجوه أن ينقطع عن زيارتنا، أوثقت ~~الآن؟ ~~- أواه يا ابنتي كم تستحقين أن تكوني سعيدة! ~~- إن السعادة ممحوة من كتاب حياتي؛ فقد قضي علي أن أشقى إلى الأبد. # وفي اليوم التالي جاء بوفور حسب عادته واقترح عليهما نزهة في الجبل، فرضيت مرسلين وهمست ~~في أذن عمتها قائلة: تلهي عنا هناك من حين إلى حين بجني الأزهار كي تفسحي لي المجال ~~لمحادثته. # وذهب الثلاثة إلى الجبل، وقبل أن يصلوا إليه سمعت مرسلين صوت رجل يغني؛ أبرقت أسرة وجهها ~~فرحا؛ إذ عرفت صاحب هذا الصوت؛ فقد كان ذلك الجندي المقطوع اليد الذي كان في خدمة أبيها، ~~ثم انصرف إلى الارتزاق من التجول والغناء. # ولم تستطع إخفاء فرحها حين رأته فقالت له: أأنت هنا يا كلوكلو؟ # قال: إني مقيم في فندق بونكور، وإني خادمك أين كنت. # وبعد أن حدثته هنيهة تركته فأخذ الثلاثة يتسلقون الجبل. # وكانت عمتها وبوفور يتقدمانها وهي ماشية من ورائهما تفكر في أمرها وتسير الهويناء، وكلما ~~التفتت إليها عمتها تستحثها على السير نظرت إليها نظرة ms020 مفادها أني أوثر أن أسير ~~وحدي. # وما زال هذا شأنهم حتى انتهت عمتها إلى قمة عالية ووقفت تشير إليها فأدركتها مرسلين، ~~ونظرت إلى قمة ذلك الجبل إلى واد عميق، ورأت في أسفله زهر البنفسج متكدسا بين الثلوج ~~والصخور في ذلك الوادي، فلم تتمالك عن إظهار إعجابها بهذه الأزهار، وقالت: يا الله، ما ~~أحلاها! وكم كنت أود لو أستطيع أن أجنيها! # وقد قالت هذا القول لعمتها ثم انصرفت إلى الحديث معها، وبعد هنيهة التفتت إلى جهة الوادي ~~فرأت بيير بوفور يهبط إلى ذلك الوادي وهي لا تعلم أنه سمعها تشتهي الأزهار، وقد اضطربت لما ~~رأته، فصاحت بملء صوتها تقول: بيير، بيير، بربك عد ولا تتقدم. فلم يسمعها بوفور بدليل أنه ~~لم ينظر إليها واستمر في هبوطه. # وكانت الحجارة تهوي تحت قدميه، وقد اتفق له مرارا أنه كان يستند في يديه إلى صخر فيهبط ~~الصخر، وصوت هبوطه إلى مسامعها فيتجسم في عينيها الخطر. # وما زال هذا موقفه وموقفها إلى أن وصل إلى موضع تلك الأزهار، فجنى منها ضمة وعاد أدراجه، ~~فاطمأنت مرسلين؛ لأن الصعود ليس فيه شيء من الخطر. # حتى إذا وصل إليها أعطاها الضمة وهو يحسب أنه قد ملك الدنيا، وكان يعد نفسه أسعد خلق الله ~~بإعطائها هذه الأزهار، فأخذتها مرسلين بيد ترتجف ولم تتمالك عن وضعها فوق فمها كأنها تقبل ~~بها من تحب، ثم أغمي عليها من فرط التأثر، فلما استفاقت من إغمائها جعلت تبكي، وقد ذهبت ~~شجاعتها وكل ما كانت عولت عليه من الصبر، فكانت تلك الدموع تنم عما كانت تحاول أن تخفيه، ~~ونسيت في تلك الساعة كل شيء من خيانة داغير إلى تدنيس شرفها إلى ولدها الصغير، وأخذت يد ~~بوفور في يديها وشدت عليها وقالت: ما هذا الجنون! ألا تعلم أنك لو أصبت بمكروه لقتلت نفسي ~~في أثرك ... رباه أتخاطر بنفسك من أجل زهرة؟ قال: بل في سبيل حبك. # وكانت هذه أول مرة صرح لها فيها بحبه بعد أن وعد عمتها بالكتمان، فحنث بوعده ~~مكرها. # وقد أقام الثلاثة ms021 هنيهة يتحدثون ويمعنون النظر في ذلك الوادي الجميل ثم عادوا، فاغتنمت ~~مرسلين فرصة بعد عمتها عنها، وهمست في أذن بوفور قائلة: ... أرجوك ألا تعود إلينا وأن ~~تنساني. # فنظر إليها نظرة المأخوذ، وهو لا يفهم شيئا مما تقول، وقبل أن يحاول سؤالها اقتربت عمتها ~~منهما، فعادوا جميعا إلى المنزل، وهناك افترقوا عند بابه، فسار بوفور مفكرا وهو مطرق ~~حزين، فدخلت مرسلين إلى مخدعها فاسترسلت إلى البكاء. # وفي اليوم الثاني جاء بوفور على عادته إلى المنزل، فقالت له الخادمة: إن السيدتين ليستا ~~في البيت. وجعل يجيء في كل يوم فتقول له الخادمة القول نفسه. # إلى أن جاء يوما ونقد الخادمة بضعة من الدنانير وقال لها: إنك تكذبين فدعيني ~~أدخل. # وليس أفصح من الدينار، فقالت له الخادمة: إني كذبت في نصف قولي، وصدقت في النصف الآخر، ~~فإن العجوز غير موجودة في المنزل، وأما الصبية الحسناء فهي فيه. # ودخل بوفور واستقبلته مرسلين وهي مطرقة برأسها، فقال لها: إذا كنت لا تحبين ولا تريدين أن ~~أعود كما تقولين فلماذا قبلت أزهار البنفسج؟ # قالت: إنها ثورة عصبية غلبتني، وبعد أفلا يجب أن أشكرك؟ # قال: ولماذا أغمي عليك إذا كنت لا تحبيني؟ # قالت: ذلك لأني خفت عليك. ~~- وماذا حدث بالأزهار؟ ~~- لا أعلم؛ فقد تكون الخادمة رمتها بعد ذبولها. # فابتسم ابتسامة تشف عن الحزن الشديد. # وقال: إذا كان ذلك؛ فهو لا يدل على أنك صادقة فيما تقولين. # فأغمضت عينها كأنها لا تجسر أن تنظر إليه؛ حذرا من أن تكذبها عيناها وقالت: نعم، لا أحبك، ~~وإن كنت تستحق أن تحب كثيرا. ~~- لماذا ألححت علي بالسفر؟ ~~- لأني شعرت بأني لن أحبك، وأية فائدة من اجتماعنا؟ ~~- هذه هي إرادتك الجازمة. ~~- نعم؛ فإني يسرني كثيرا ألا تكون خير صديق لي إذ يستحيل ... ~~- إذن أستودعك الله، وأنا مسافر كما تشائين. ~~- سر بأمن الله وثق أنك ستنساني قريبا. # فانحنى أمامها مسلما، ومضى حتى إذا دخل إلى الباب التفت فرآها مغميا عليها، ورأى رأسها ~~منقلبا على عضادة المقعد، فأسرع إلى مناداة الخادمة وقال لها: إن ms022 سيدتك مغمى عليها، ~~فأسرعي إلى فك أزرار صدرها. فدنت الخادمة منها وفكت الأزرار فسقط من صدرها ضمة من الزهر ~~الذابل، وهي تلك الضمة نفسها التي جناها بوفور من الوادي. # ولما فتحت عينيها خرجت الخادمة، فركع بوفور وأخذ يقبل يديها بلهف عظيم، فقالت له بصوت ~~يقطعه اليأس: ماذا تفعل يا سيدي أنسيت ما قلته لك؟ # فأراها ضمة الزهر، وقال لها بلهجة المنتصر: كلا، لم أنس، ولكنك كاذبة وإنك ~~تحبينني. # فأطرقت برأسها عند ذلك وأخذت تشهق بالبكاء، فتركها تبكي؛ لأن البكاء يخفف ما بها، ولكنه ~~لبث راكعا أمامها، وقال لها: إنك تحبينني يا مرسلين، فلماذا تنكرين؟ # فمسحت عينيها، ولبثت هنيهة ساكتة إلى أن خطر لها أن سكوتها اعتراف بهذا الحب، فقالت له: ~~لماذا تفتكر بي يا موسيو بوفور؟ ~~- بل؛ لأني لا أفتكر بسواك في هذا الوجود؛ فإنك ممثلة لي بكل مخيل. ~~- ولكن زواجنا على افتراض أني أحبك محال. ~~- لماذا؟ ما الذي يمنعنا عن الزواج؟ ~~- يوجد كثير من العقبات. ~~- اذكريها لي يا مرسلين فأزيلها، إني أحبك ولا عقبة تدوم في سبيل المحبين. ~~- إني حقيرة وليس لي ثروة ولا رجاء بثروة على الإطلاق. ~~- هل خطر لي أن أسألك إذا كنت غنية؟ وماذا يهمني فقرك وأنا قادر على أن أحقق كل ~~أمانيك؟ ~~- إني نشأت على الوحدة ولا أستطيع الاختلاط بالناس، ألم ترني كيف أني اجتنبت كل مجتمع إلى ~~الزواج؛ فإنه يقضي علي بمعاشرة الناس وهذا فوق طاقتي. ~~- وأنا مثلك أوثر العزلة والانفراد، وسترين معي كيف يكون هناء المحبين؛ فإني لا أسألك ~~غير اليسير من الحب. ~~- ولكني أخاف من الزواج؛ لأنه يقيدني بسيد وأنا كثيرة الكبرياء. ~~- إن الزواج لا يجعلني سيدا عليك بل عبدا لك. ~~- وفوق ذلك فلا بد من موافقة أبي، ومن يعلم ما يكون منه؟ ~~- إنه سيرضى بي زوجا لك إلا إذا كان مقيدا مع سواي. # فاغتنمت مرسلين هذه الفرصة، واتخذت من قوله الحجة التي كانت تبحث عنها ولا تجدها، وقالت: ~~لقد أصبت فقد وقع اختياره على سواك، ولا بد لي من طاعته؛ فهو ms023 أبي. ~~- هذا ممكن، ولكن أباك إذا كان يحبك لا يكرهك على الزواج مرغمة، وإني أسألك سؤالا ~~واحدا قبل انصرافي يا مرسلين، وهو هل تحبين الذي اختاره أبوك زوجا لك؟ وأنك إذا كنت ~~تحبينه أذهب فلا ترينني إلى الأبد، وإذا كان الأمر على العكس أبقى. # وقد قال هذا القول ونظر إليها نظرة نارية، فلبثت مطرقة واجمة لا تعلم ما تجيب؛ لأنها إذا ~~أجابت بما يرضيه تكون كأنها قد اعترفت بأنها تحب بوفور، ولا فرق بين هذا الاعتراف وبين ~~الجناية؛ لأنها بنت في عرفه وهي أم في عرف الحقيقة. # ثم وقفت فجاءة فأخذت يده بين يديها فضغطت عليها حتى أوشكت أن تلثمها وقالت: إني سأسألك ~~أمرا أرجو قضاءه. # قال: هو مقضي مقدما. # قالت: لا تعد إلي قبل ثلاثة أو أربعة أيام، فسأكتب إلى أبي ومتى تلقيت جوابه أكتب ~~إليك. # فتردد في البدء، ثم رأى أن طلبها عدل، فقال: ليكن ما تريدين فسأعود إليك يوم السبت؛ أي ~~بعد ثلاثة أيام. # وقد تركها وانصرف، فكسبت مرسلين بذلك فرصة ثلاثة أيام، ولكن ما عساها تصنع في خلالها، ~~فإنها إذا كتبت إلى أبيها أجابها بقوله: «إن الواجب والشرف يقضيان عليك بأن تبوحي بكل ~~شيء.» # وكيف تبوح له بسرها الذي كانت ترجو أن ينزل معها إلى القبر؟ وكيف تخونه وتكتم عنه وهي ~~ستكون زوجته مثل هذا لسر؟ # وما زالت تتردد في أمرها حتى خطر لها أن تكتب إليه، فأقامت كل ليلها وهي تكتب حكايتها، ~~حتى إذا فرغت منها ورأت ما كتبته قالت: كلا، إن هذا لا يكون. فمزقت الرسالة وألقت بها إلى ~~المستوقد. # وفي يوم السبت قالت لعمتها: أريد أن نسافر اليوم، فأعدي معدات الرحيل. # ولكنها قبل أن تخرج إلى المركبة الواقفة عند الباب للسفر دخل بوفور فوجف قلبها، ووقف ~~بوفور أمامها، وقد كاد أن يتلعثم لسانه وقال لها: ماذا تفعلين، أتهربين مني؟ # فلم تعلم كيف تفعل، وحاولت الرجوع إلى الحديقة، ولكنه استوقفها وقال لها بلهجة جافية: إنك ~~حنثت بوعدك، وصار يحق لي أن أسألك لماذا تهربين ms024 مني؟ # فتدخلت عمتها عند ذلك وقد أشفقت عليها، فقالت له: كلا، إننا لا نسافر اليوم، وثق بما ~~أقول. # فجال الدمع في عيني بوفور، وقال: لماذا لا تفتحين لي قلبك يا مرسلين؟ # قالت: لقد أصبت فعد إلي في الغد يا بيير؛ فإنك إذا عدت علمت أنك تحبني بالرغم عن كل ~~الموانع. # وكتبت إليه تاريخ حياتها وكيف كانت زلتها، بكتاب طويل، فلم تكتم عنه شيئا من أمرها، ثم ~~وضعت الكتاب في غلاف وعنونته، ونهضت به كي تدفعه إلى الخادمة فتوصله إليه. # وعند ذلك ارتعشت؛ ليس لأنها ترددت في إرسال الكتاب؛ فإن عزيمتها قد صحت هذه المرة على ~~إرساله، ولكنها سمعت صوت رجل يغني في الشارع وعلمت أنه صوت كلوكلو، ذلك الجندي القديم الذي ~~كان في خدمة أبيها، فأسرعت إلى مناداته، وقالت له: إنك تحب أبي وأنت مخلص لي أليس ~~كذلك؟ ~~- إني أقطع ذراعي الثانية في سبيل خدمتك. ~~- إذن إني أعهد إليك بإيصال هذا الكتاب إلى الموسيو بيير بوفور المقيم في فندق جنيف، على ~~أن تسلمه إليه يدا بيد. # فأخذ الكتاب وانحنى مسلما وانصرف. # وقد أقامت يومها تتجاذبها الهواجس والهموم، وسألتها عمتها عما فعلت، فأخبرتها بكل ما ~~كتبته، وقالت لها: ماذا ترين يا عمتي، أتحسبين أنه يعود؟ # فهزت رأسها وقالت: كلا يا ابنتي، لا أظن أنه يعود. # وقد ضمتها إلى صدرها والدموع تهطل من عينيها وهي تقول: يجب أن نهرب منه يا ابنتي، وسنذهب ~~إلى إيطاليا، فماذا تقولين؟ # فلم تجبها بشيء. # وفي اليوم التالي عادت إليها عمتها وقد تعالى النهار، فوجدتها لا تزال في موضعها فقالت ~~لها: إنه لم يعد يا ابنتي فلا تفتكري به، واجعلي كل اهتمامك بولدك جيرار. # فجعلت تنظر إليها نظرات المجانين، وقد ضحكت ضحكا عصبيا وجف له قلب عمتها فقالت لها: ~~تشجعي يا ابنتي وكفى. # فعادت إليها حالتها الطبيعية وقالت لها: أنت تعلمين أني أحبك، فاطمئني ودعيني وحدي؛ فإني ~~في حاجة إلى الانفراد. # فخرجت عمتها وهي تبكي، وحانت الساعة الحادية عشرة دون أن يأتي بوفور، فاسترسلت إلى اليأس، ~~غير ms025 أن يأسها لم يطل؛ فقد رأته من النافذة قادما فقالت: رباه! أهو حلم ما أراه؟ أم لعله ~~قرأ حكايتي وغلبه الحب فصفح؟ نعم، إنه يحبني بالرغم عن زلتي فهو لا شك أشرف ~~الرجال. # وقد كادت تسقط مغميا عليها حين دخل بوفور لو لم يسرع إلى إعانتها. # وقد أجلسها على كرسي وركع أمامها فقال لها: لقد رأيت يا مرسلين أني عدت إليك فهل تريدين ~~أيضا برهانا على حبي؟ # قال هذا القول جوابا على ما اقترحته عليه من قبل، وهو قولها له: «إنك إذا عدت بعد ثلاثة ~~أيام كنت حقيقة تحبني بالرغم عن الموانع.» أما مرسلين فقد اعتقدت أنه يجيبها على كتابها ~~الذي أباحت له فيه بسرها، وقد اشترطت فيه ألا يقول لها كلمة عما مضى إذا صفح ورضي بعد ~~ذلك أن يكون زوجها، فذهب انقباض نفسها واستحال إلى زهو وانتعاش، فكانت كالزهرة التي ~~تصيبها أشعة الشمس فتحييها. # ومرت بهما عدة أيام وهما على أهنأ حال حتى لقد كانت مرسلين توجس خوفا من هذه السعادة ~~وتتوقع أن تفاجأ بعدها بنكبة. # وقد كتبت إلى أبيها تنبئه بما حدث لها، وأنها لم تكتم خطيبها شيئا من ماضي حياتها، ~~فأجابها مهنئا وسألها أن تعود إليه مع خطيبها. # وعاد الاثنان إلى الكونت الشيخ، واتفقوا على أن يعقد الزواج في شهر تيموز، ولكن قدر على ~~مرسلين أن تحضر حفلة إكليلها وهي بملابس الحداد فقد توفي أبوها الكونت قبل زواجها ~~بأسبوع. # ولنعد الآن إلى سياق الحديث الأول؛ أي إلى ما جرى بعد اختفاء مرسلين؛ فإن قاضي التحقيق ~~ومعاونه وقومسيير البوليس وجدوا بوفور مغميا عليه في غرفة امرأته، فعالجوه حتى ~~استفاق. # وكانوا قد بحثوا بحثا دقيقا في المنزل، ونظروا في جميع ما وجدوه من الأوراق فسألهم ~~بوفور قائلا: ماذا اكتشفتم؟ # فقال له القاضي: لا شيء. # والحقيقة أنه كان كاذبا؛ فقد عثر بين الأوراق التي وجدها على نسخة من الكتاب الذي أرسلته ~~إلى بوفور، ولم تكن قد أشارت فيه إلى أسماء، فعلم أنها تزوجت وهي أم، وأن بوفور لم يكن ms026 ~~عالما بشيء من حقيقة أمرها، فرأى أن واجباته تقضي عليه بكتمان هذا السر عن الزوج المنكود، ~~ولكنه قال له: إن قلبي يحدثني، بالرغم عن جميع الظواهر، أن امرأتك لا تزال في قيد الحياة، ~~فلا تقنط من لقائها، فرفع بوفور عينيه إلى السماء قانطا؛ إذ لم يكن يرى ما يراه قاضي ~~التحقيق. # ولنبسط الآن ما جرى لمرسلين؛ فإنها في اليوم التالي لزواجها؛ أي حين اجتمعت هي وزوجها ~~بداغير الذي أغواها قبل الزواج، رأت من مقابلتهما أن زوجها لم يكن عالما بشيء من حكايتها ~~مع صديقه داغير، وأيقنت أن الكتاب الذي أرسلته مع كلوكلو إلى بوفور لم يصل، فأصيبت بما يشبه ~~الجنون، ورأت أن بوفور سيلح عليها بالسؤال حتى تعترف، فيعلم عند ذلك أن هذه المرأة التي كان ~~يحسبها فتاة نقية طاهرة قد عبثت به، وأنه لا يستطيع طردها بعد فوات الأوان؛ لأنها أصبحت ~~الآن تدعى باسمه، فكيف تعيش معه وقد أورثته هذا العار؟ # على أنها لم تكن مخطئة؛ فقد نهجت خير مناهج الشرف، وكتبت إليه كل حكايتها بالتفصيل قبل أن ~~تتقيد معه بقيد الزواج، وأين له أن يصدقها لو قالت له: إني كتبت إليك وأي ذنب لي إذا لم ~~يصلك الكتاب؟ # هذا ما كانت تناجي به نفسها، وهذا ما دعاها إلى إيثار الفرار على الوقوف مع زوجها في هذا ~~الموقف الرهيب، فنظرت إلى ما حواليها نظرات المجانين، فلم تجد غير ضمة ذابلة من الزهر كان ~~قدمها لها بوفور، فوضعتها في صدرها وخرجت هائمة على وجهها. # وكان كل ما تفكر به أن تسرع بالابتعاد عن المنزل كي لا يدركها حين التفتيش عنها. # وما زالت ممعنة في الفرار حتى انتصف الليل، فوجدت نفسها في غابة كثيفة الأشجار، وقد أنهك ~~التعب قواها، فلم تعد تستطيع المسير، وسقطت واهية القوى. بينما كان زوجها يبحث عنها في ظلام ~~الليل وهو ينادي من حين إلى حين: مرسلين، مرسلين. # وفيما هي تلتمس الراحة في الغابة كي تستطيع استئناف السير سمعت صوت رجل يغني، وكل ما ~~اقترب منها زاد ms027 وضوحا؛ حتى تبينت أنه صوت كلوكلو. # وبعد هنيهة دنا منها ورأى وجهها على ضوء القمر، فعرفها ولم يصدق عينيه فقال: ماذا أرى؟ ~~سيدتي مرسلين دي مونتكور هنا؟ في هذه الساعة؟! # قالت: نعم، أيها الشقي الناكر الجميل؛ فإني لم أصل إلى هنا إلا بسببك. # فدهش وقال: أنا أنكر جميلكم علي يا سيدتي؟! لا شك أنك محمومة، فتوكئي علي، وإذا كنت ~~غير قادرة على المسير فأمهليني إلى أن آتيك بمركبة. # قالت: بل، أريد أن تجيبني على ما أسألك عنه. # قال: سلي ما تشائين يا سيدتي، فأنت تعلمين أني لا أكذب. # قالت: أتتذكر يوم أعطيتك رسالة في سويسرا كي توصلها إلى الموسيو بوفور؟ فأطرق برأسه دون ~~أن يجيب. # فهزت كتفيه بيديها وقالت: يجب أن تجيب، فماذا فعلت بالرسالة؟ أما أوصلتها لصاحبها؟ # فلبث مصرا على السكوت. فقالت: ويحك! أتريد أن أنتزع الكلام من فمك أيها الشقي؟ # قال: ما هذه الحالة التي أنت فيها يا سيدتي؟ ولماذا؟ نعم، إني مخبرك بكل ما حدث، فلقد ~~أصبت بقولك إني ناكر للجميل لأني جحدت نعمتكم علي، نعم، إني شقي كما وصفتني، ولكن ليس ~~الذنب ذنبي، بل ذنب تلك العادة الذميمة التي تملكتني وهي عادة السكر، والله يعلم كم أكابد ~~منها؛ فقد صرت إذا شربت مقدار أصبع من الخمر أشعر أن المنازل تدور بي، وأصبر إلى أن يمر بي ~~منزلي فأدخل إليه. # نعم، إني أذكر الكتاب الذي أعطيتني إياه، وقد سرت به إلى الفندق، ولكن لا بد للوصول ~~إليه من المرور في الطريق، وقد سرت فيها امتثالا لأمرك، فلقيت زمرة من الأصحاب يشربون ~~الخمر فشربت معهم، وكان مبيتي تلك الليلة تحت مائدة الشراب. # ولما صحوت من سكرتي ذكرت الرسالة فقمت مهرولا إلى الفندق، ولكني حين بلغته وجدت - وا ~~أسفاه - أني فقدتها، ولم أجسر أن أخبرك بما اتفق لي؛ لأني خفت من تأنيبك، وقد برحت سويسرا ~~في ذلك اليوم؛ لأني شعرت أني أسأت إليك إساءة قد تغفرينها لي، ولكني لا أغتفرها ~~لنفسي. # هذه هي حكايتي يا سيدتي، فقولي لي بالله ms028 أني لست أنا الذي أوصلتك إلى ما أنت فيه، أو ~~ألقي نفسي في أول واد أمر به وأستريح. # وقد تنهد تنهدا طويلا، فلم تؤنبه بعد اعترافه؛ إذ أية فائدة من التأنيب؟ ولكنها كانت ~~واثقة من وفائه، فأرادت أن تستفيد فرصة التقائها به، فقالت له: أريد أن تقسم لي بأمك التي ~~تحبها كثيرا أنك لا تخبر أحدا بأنك لقيتني هنا. # قال: أقسم يا سيدتي. ~~- إني تركت القصر الآن على ألا أعود إليه، وفارقت زوجي وهو يبحث عني بحث القانطين، فلن ~~أراه ولن أرى موطني بعد الآن، وكل ما أريده هو أن يتوهموا أني ميتة، أفهمت؟ ~~- ماذا تقولين يا سيدتي؟ ~~- أقول أني أريد أن يحسبوني في عداد الأموات، وكل ذلك بخطئك، ولكني غير حاقدة عليك، فهذا ~~ما أراده لي الله. ~~- لا يمكن أن أكون السبب في شقائك، وأنا أضحي في سبيلك ... ~~- هذه هي الحقيقة يا كلوكلو فلا تنسها. ~~- الويل لي فإني سأجن إذا لم أنتحر. ~~- لا تجن ولا تنتحر، بل اذهب بي إلى أمك فإني واثقة من أنها تكتم سري كما تكتمه أنت، ~~وسأختبئ عندها بضعة أيام ثم أبرح البلاد. ~~- ولكن ما عسى يكون يا سيدتي من زوجك الذي يحبك؛ فإن بعدك عنه قد يقتله أو يصيبه ~~بالجنون؟ # فقالت في نفسها: بل إن وقوفه على الحقيقة يقتله أو يصيبه بالجنون، ثم قالت له: أترضى أن ~~أختبئ عند أمك؟ ~~- كيف تسألينني يا سيدتي؟ أعندك شك في ذلك؟ ~~- إذن لنسر منذ الآن؛ فإن ليالي الصيف قصيرة والفجر على وشك البزوغ. ~~- ولكنك تعبة والطريق طويلة إلى البيت، تبلغ للآن مراحل أقطعها أنا بساعتين، أما أنت فلا ~~تستطيعين اجتيازها في أقل من أربع ساعات، فمتى وصلنا تكون الشمس قد أشرقت فيراك جميع ~~الفلاحين. ~~- هذا أكيد، ولا سبيل إلى البقاء هنا، فماذا أصنع؟ ~~- يوجد على مسافة ربع ساعة من هنا غابة لا يمر فيها أحد، وفيها كوخ تعودت أن آوي إليه ~~فسأعد لك فيه فراشا من العشب الأخضر تنامين عليه، ولا خوف عليك؛ لأني سأتولى حراستك، وفي ms029 ~~أول الليلة القادمة أسير بك إلى أمي. # فوافقته على ذلك، وبعد هنيهة كانت مرسلين مقيمة في ذلك الكوخ، وكان كلوكلو يجمع العشب ~~ليعد لها منه فراشا، فلما عاد به إليها وجدها نائمة، فلم يجسر على إيقاظها. # وعند الصباح جاءها بشيء من الطعام، فأقامت كل يومها في الكوخ لم تخرج منه؛ حذرا من أن ~~يراها أحد. # وفي الليل سارت وإياه إلى منزل أمه، فأعدت لها غرفة وباتت فيها وهي تناجي زوجها فتقول: ~~أتغفر لي يا بيير؟ ثم تناجي ولدها فتقول: جيرار، إنك عزائي الوحيد في هذا الوجود. # | القسم الثاني # الميتة الحية # لم يكد يفتح المعمل أبوابه في مدينة كليشي من أعمال فرنسا، حتى دخلت امرأة إلى مديره ~~تلتمس عملا. # كانت هذه المرأة في ريعان الشباب، وعليها ملامح الحزن الشديد، وهي لابسة ملابس السواد، ~~فسألها المدير قائلا: من أين أتيت، وأين كنت تشتغلين؟ ~~- إني قادمة من أرنواصي، وأنا أرملة لم يبق لي مورد إلا من العمل، وأنا لم أشتغل قبل، ~~ولكني كثيرة التجلد على مشاق الأعمال. ~~- لا يكفي التجلد وحده، بل يجب أن يكون لك قوة على العمل، فكيف تشتغلين بهاتين اليدين ~~المترفتين؟! ~~- بالله لا تصدني يا سيدي، وجرب عملي فإني لا أطلب من الأجرة إلا ما يقيني من ~~الجوع. ~~- ماذا تدعين؟ # فترددت قليلا ثم قالت: مرسلين لونجون. ~~- إذن سأشغلك في مكتب الإدارة لا في المعمل؛ فإن الشغل فيه يغنيك، وأنت تحسنين الكتابة لا ~~شك، فسأشغلك بتبييض المكاتيب. ~~- أشكرك يا سيدي؛ فإنه عمل سهل علي. ~~- إذن ستبدئين العمل منذ الغد، فابحثي اليوم عن غرفة في الضواحي؛ لأن راتبك سيكون ستين ~~فرنكا فقط؛ لأن هذا آخر ما أستطيع أن أعينه الآن. ~~- وإني سأحفظ جميلك فلا أنساه مدى الحياة. ~~- بقي أن أقول لك كلمة، وهي أن أخص ما نتطلبه من العاملات عندنا الحرص على الطهارة وحسن ~~السلوك. # فأطرقت برأسها وتورد خدها من الخجل؛ ثم سالت الدموع من عينها، فقال لها برفق: أسألك ~~المعذرة عما قلته، فلم أقله لشيء من الريبة، ولكن قوانين المعمل تقضي ms030 علي بإبداء هذا ~~التنبيه لكل عاملة عند بدء العمل فيه. # فتمتمت بضع كلمات شكر وانصرفت، فبحثت كل يومها عن منزل تقيم فيه، حتى اهتدت إلى منزل عجوز ~~فاستأجرت غرفة عندها، وفي اليوم التالي ذهبت مبكرة إلى المعمل وبدأت عملها فيه. # وقد اتفق أن رئيس عمال ذلك المعمل كان مقيما مع امرأته عند تلك العجوز، فكانت تراه كل ~~يوم في المعمل وفي البيت. ~~••• # ولقد عرف القراء أن هذه المنكودة كانت مرسلين نفسها، فمر بها شهران وهي لا تفتكر إلا ~~بزوجها وولدها، فكانت تشتري الجرائد كل يوم علها تقف على شيء من أخبار زوجها، فقرأت فيها ~~أنهم لا يزالون يبحثون عنها، ثم انقطعت تلك الأخبار فانقطعت هي عن شراء الجرائد. # وكان مدير المعمل راضيا عنها لما رآه من اجتهادها، أما هي فقد أبت الأقدار إلا أن ~~تبلوها بنكبة جديدة؛ إذ شعرت أنها حامل من زوجها بوفور فكبر عليها الأمر في البدء؛ إذ كيف ~~تستطيع أن تقوم بأودها وأود طفلين وهي على ما هي فيه من الفاقة. # ثم لم يلبث هذا الهم أن تبدد فكانت تشعر بسرور عظيم حين تفتكر أنها ستضم بين ذراعيها ~~ولد ذلك الزوج الذي تحبه حبا خالدا في قلبها، فيكون ذلك الطفل خير تذكار من خير زوج، ~~فإن المولود الأول كان ابن الجريمة، ولكن الثاني هو ابن بوفور. # وقد كثر انشغالها بهذا الحادث الجديد، حتى لم تعد ترى ما يجري حولها؛ فإن الموسيو فلون ~~رئيس العمال الذي يقيم معها في البيت وفي المعمل كان يحبها وهي لا تعلم؛ إذ لم تبدر منه ~~بادرة تدل على شيء من هذا الحب. # غير أنها لو كانت على غير ما هي فيه لقرأت في عينيه ذلك الحب الذي يتأجج في صدره. # غير أن امرأة فولون كانت ترى تلك النظرات فيخامرها الشك بمرسلين. # وقد قالت لزوجها يوما: ألم تلاحظ شيئا على هذه الأرملة؟ ~~- كلا، فماذا تلاحظين؟ ~~- إن أمرها لا يخفى إلا على العميان، ولم يبق ما يحمل على الريب. ~~- إني لا أفهم ما تقولين ms031 فإن الظواهر تغش أحيانا. # فقالت له ما يخالج فكرها وسمعها، وهو مطرق الرأس، والعرق يتصبب من جبينه. # وفي اليوم التالي راقبها عند ذهابها إلى المعمل؛ فقال في نفسه: لقد صدقت امرأتي فيما ~~قالته، وبعد فما هذا الاستياء الذي يتولاني؟ وأي سلطان لي على هذه المرأة؟ أما هي حرة في ~~أعمالها. # وفي اليوم نفسه استوقفها المدير في أحد أروقة المعمل، وقال لها بلهجة القسوة والاحتقار: ~~لقد أنبأتك يا مدام لونجون يوم دخولك إلى المعمل أننا لا نقبل فيه غير الطاهرات من النساء، ~~وقد أقلتك من الخدمة فلم يبق لك عمل عندنا من اليوم. # فشمخت بأنفها مستكبرة، ولكنها ما لبثت أن أطرقت برأسها؛ فإن حالتها كانت ظاهرة للعيان ~~يستشهد بها كل محب للنمائم، وهي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا بأمر واحد؛ وهو أن تذكر اسم ~~زوجها، ولكن هذا محال، ففضلت الخجل والعار وخرجت من ذلك المعمل للدنيا لا تكاد تسعها ~~لبأسها، فكان أول من لقيته فولون رئيس العمال. # وقد أوشك هذا الرجل أن يتدله بحبها، وتنازعه عاملان من الغضب واليأس؛ أما الغضب فلأنه أحب ~~امرأة غير جديرة بالحب، وأما اليأس فلأنه سيفترق عنها. فقال لها حين رآها: نعم، لقد عرفت، ~~فإني سمعتهم يتحدثون بشأنك في المعمل، وكنت مشككا ولكن لم يبق مجال للشك. # ولم يستطع أن يتم حديثه، فقال بصوت مختنق: لقد أسأت يا مرسلين إلي وإلى نفسك ... # وهنا سالت عبراته، فمسحها بيده وهرب كي لا يفتضح أمره. # ولكن أمره افتضح فإن مرسلين قرأت سور الحب الصادق في قلبه، فقالت في نفسها: لم يبق بد ~~من مبارحة هذا المنزل؛ فإن الواجب يقضي علي ألا أبقى ساعة فيه. # ثم أسرعت إلى غرفتها فوضعت ثيابها في ملاءة وودعت صاحبة المنزل، فقالت لها: إلى أين ~~تذهبين يا ابنتي؟ # قالت: لا أعلم، على أن ذلك سيان عندي؛ فقد بقي لي بضع دريهمات تعينني على الولادة، وبعد ~~ذلك يفعل الله ما يشاء. # وعندما همت بالانصراف التقت برئيس العمال فكانت شفتاه ترتجفان من الاضطراب، فوقف في ~~وجهها ms032 وقال لها: إذن أنت ترحلين هكذا كأننا لا يعرف أحدنا الآخر إلا من ساعة، وما الذي ~~يدعوك إلى هذا الرحيل، وما الذي تشكينه منا وأنت تعلمين أننا لم ننهج معك غير مناهج ~~الأصحاب. # قالت: إني شاكرة لكم مروءتكم، وليس الذنب ذنبي إذا رحلت. # قال: كلا، لا تسافري وسأبذل جهدي في إقناع صاحب المعمل فتعودين إليه. # ثم مسح العرق عن جبينه، وقال بصوت يبدو فيه الاضطراب: وبعد فإن المعمل ليس بدير، وما أنت ~~مدينة بأعمالك لأحد. # قالت: أشكرك يا سيدي، ولكني مسافرة. ~~- لماذا؟ فإني سأجد لك عملا. ~~- كلا، فلا بد لي من السفر. # وقد نظر كل إلى صاحبه نظرة، فكانت نظرة فولون نظرة استعطاف كأنه يلتمس منها أن تبقى وأن ~~شقاءه ببعدها، ونظرة مرسلين نظرة رحمة وإشفاق؛ كأنها تقول له: لقد علمت أنك تحبني، ولكن ~~واجباتي كامرأة شريفة بالابتعاد، فيعود الهناء إلى قلبك وبيتك. # فتنهد تنهدا عميقا وقال: لقد خلقت المرأة عنيدة، وما زلت متشبثة بأفكارك، فاسمحي ~~لي أن أسديك نصيحة، وهي أنه إذا جار عليك الزمن فعودي إلينا تجدي خير ملجأ، وإذا لم تجدي لك ~~عملا فاذهبي من قبلي إلى الموسيو مونتمايور المهندس في معامل سانت المعدنية؛ فهو يدخلك من ~~فوره إلى أحد هذه المعامل. # قال هذا وتركها مسرعا؛ لأن الدمع جال في عينيه. # وفي تلك الليلة باتت مرسلين في أحد فنادق باريس الصغرى، وكانت النقود التي احتفظت بها من ~~ثمن عملها تكفيها للانتظار حتى تلد، وقد عزمت على أن تأتي بولدها جيرار بعد الولادة. # وبعد شهرين وضعت طفلة دعتها مودست، وجاءت بولدها فجعلت تعتني بالطفلين مدة عام إلى أن ~~فرغت جيوبها، ورأت أنه لم يبق بد من العمل، فذكرت وصية فولون وذهبت إلى ذلك المهندس؛ ~~فكان انذهالها عظيما إذ رأت أن فولون أصبح مديرا لهذا المعمل. # وقد اضطربت حين رأته وقالت: لم أكن عالمة، ولولا ذلك ... # فأجابها بلهجة الحزين الكئيب فقال: تريدين أنك لو علمت أني مدير هذا المعمل لما أتيت ~~إليه؟ فلم تهربين مني؟! فهل قلت لك كلمة ms033 أو نظرت إليك نظرة تنكرينها؟ # قالت: كلا، فأنت أشرف من عرفت من الرجال. ~~- إذن، ألا تكونين ظالمة فيما تفعلين؟ ~~- لقد ندمت لما بدر مني، والحق أني لو علمت أنك مدير هذا المعمل للجأت إليك؛ لأني مضطرة ~~الآن إلى العمل لإعانة ولدين. ~~- ولدين؟! # نعم؛ فقد كان الأول عند المرضع يوم كنت عندكم، وعمر الثاني لا يتجاوز العام، فتصور ما ~~يكون من هذين الطفلين لو قضي علي بالموت. ~~- أليس لك مورد من غير العمل؟ ~~- كلا. ~~- ولكن أين والد الطفلين؟ أهو فقير إلى حد أنه لا يستطيع إعالة طفلين، أو أنه فقد الشعور ~~البشري فتخلى عنك وعن ولديه؟ ~~- لا تهنه فهو من الأموات. # فأخذ يجول في الغرفة ذهابا وإيابا، وكان يتعذب كثيرا؛ لأنه يحبها كثيرا، فقال لها ~~بصوت يرتجف: أكنت متزوجة؟ ~~- بربك لا تسألني. ~~- نعم، يحق لك أن تكتمي سرك فاغفري لي، ولكني أخبرك أن امرأتي المنكودة كانت تدعوك ~~المتنكرة الحسناء، وقد فارقت الحياة. # فعزته، ثم قالت له: كيف حال ولدك روبير؟ ~~- أشكرك لأنك لم تنسيه، فهو ينمو نموا حسنا، وهو ذكي كريم القلب. ولنبحث في شأنك الآن، ~~فإنك في حاجة إلى العمل للارتزاق. ~~- بل في أشد حاجة. ~~- إنك لا تستطيعين فراق ولديك، ولكني سأذلل هذه العقبة وأخالف نظام المعمل، فأسهل لك ~~العمل في البيت، وذلك أنك تأتين في كل صباح فتأخذين الرسائل المراد نسخها، وتعودين بها في ~~اليوم التالي فتأخذين سواها، وقد عينت لك مائتي فرنك في الشهر، فهل أنت في حاجة إلى سلفة ~~الآن؟ # فشكرته وقالت: كلا. قال: إذن إلى اللقاء في الغد. # مضى على ذلك عامان ومرسلين تشتغل في المعمل نفسه، وقد زاد راتبها فعاد 250 فرنكا وهو فوق ~~حاجاتها. # وقد استأجرت منزلا صغيرا على ضفاف الترعة، ولم يكن لها من أنواع التسلية غير حديقة وراء ~~المنزل كانت تجني منها الأزهار. # على أن العمل كان أعظم سلوى لها؛ إذ كانت تشتغل إحدى عشرة ساعة في اليوم. # وقد اتفق يوم أحد أنها كانت جالسة في الحديقة وولداها يلعبان بالقرب منها، وأن ms034 رجلا يدنو ~~من الحديقة قادما إليها وهو الموسيو فولون، فدنا منها ووقف أمامها فحياها باحترام ولبث ~~صامتا يبتسم. # فنظرت إليه مرسلين نظرة تدل على الامتنان وقالت له: إني لا أنسى فضلك ما حييت يا سيدي، ~~فإني مدينة لك بحياتي وحياة أولادي. # فحلت عقدة لسانه وقال: إني أتيتك يا مرسلين كي أحدثك بأمور جدية. # قالت: إني مصغية إليك يا سيدي. ~~- إنك تشتغلين في المعمل منذ عامين، وقد يكون خيل لك بأني نسيتك مع أنك ممثلة لي الليل ~~والنهار بكل مخيل. # فاضطربت مرسلين؛ إذ توقعت أنها ستكون السبب في نكبة جديدة، وقالت: لقد عرفت من عهد بعيد ~~أنك تحبني، ولكني كنت أرجو ألا تعود إلى هذا الحديث. ~~- ثقي أنك لا تسمعين مني كلمة يخجلك سماعها؛ فإني أراقبك منذ عامين بنفسي وبواسطة غيري، ~~حتى أيقنت أن ظواهر سلوكك تنطبق على بواطنه، وإني أسألك المعذرة فقد كنت مضطرا إلى هذه ~~الثقة قبل أن أقترح عليك ما سأقترحه الآن. ~~- يحق لك أن ترتاب. ~~- وقد علمت بالتدقيق كيف تعيشين، وأنك مثال الطهارة وخير قدوة للأمهات، وهذا الذي دعاني ~~إلى زيارتك اليوم لأقول لك: إني أنا أيضا أرمل ولي طفل يتيم يحتاج إلى حنو أم، فهل تريدين ~~أن تكوني امرأتي يا مرسلين؟ # فوقفت وقد طاش صوابها لهذا الطلب الذي لم تكن تتوقعه، وجعلت تنظر إليه نظرات تشف عن ~~الرعب، وهي لا تعلم ما تقول. # فابتسم لها فولون، وقال: إني لا أسألك أن تتسرعي بإجابتي دون إمعان، ولكني سأعود إليك بعد ~~بضعة أيام، وكل ما أرجوه ألا تنسي في انتظار ذلك أني أحبك بملء جوارحي أصدق حب. # اعلمي يا مرسلين أنه ليس بيني وبينك ما يريب؛ فإن ماضيك لك وأنا واثق أنه ماض شريف، ~~وسأنتظر صابرا إلى أن أصير زوجك فتقصي علي حكايتك، ولك الخيار بكتمانها إلى الأبد؛ فإن ~~تكتمك لا ينقص ذرة من حبي، على أني لم أقترح ما اقترحته إلا بعد التروي الشديد، وإنك ~~تعرفينني حق العرفان، فتعلمين أني أضحي كل عزيز في سبيل إسعادك. # فلم ms035 تجبه ، ولكنها جعلت تبكي، وكان بكاؤها لتأثرها من هذا الإخلاص، فودعها وقال: إلى ~~اللقاء القريب يا مرسلين، وكل ما أرجوه في هذا الوجود أن تكوني أما لولدي وأكون أبا ~~لولديك. # فلما انصرف هزت مرسلين رأسها وقالت: ويح لنفسي؛ فقد صرت السبب في شقاء رجلين، وكلاهما ~~مخلص شريف، وكلاهما جدير بأن يكون سعيدا في هذه الحياة. # بعد ذلك بيومين ذهبت مرسلين إلى المعمل حسب عادتها في كل صباح، ودخلت إلى غرفة السكرتير ~~لتعطيه ما اشتغلته ولتأخذ شغلا جديدا. # ولكنها حين دخلت إلى باب تلك الغرفة رأت رجلين خارجين من غرفة فولون وهما يتحدثان، فجمد ~~الدم في عروقها؛ لأن الأول كان فولون، وأما الثاني فقد كان زوجها بوفور. # فأسرعت بالدخول إلى الغرفة، وجعلت تقول: رباه ما جاء به إلى هذا المعمل، ألعله يقتفي أثري ~~فاهتدى إلي؟ # وقد أطلت من النافذة فرأت الاثنين يتحدثان في الرواق، وتمعنت في وجه زوجها فانقبض صدرها ~~إشفاقا عليه؛ فقد رأته هزيلا غائر العينين واليأس منطبع على وجهه، فلو مثل لما مثل بغير ~~هذا الوجه. # أما زيارة بوفور لهذا المعمل فهي أن المعمل أذاع أن لديه مقدارا من الحديد للبيع، فجاء ~~ليشتريه، وهو إنما يشتغل بالتجارة ليتعزى بها عن فراق مرسلين، وهيهات أن يسليه الانهماك في ~~العمل، ولكنه كان يجرب. # وقد خرج مع فولون من المعمل، وسارا إلى جهة الترعة، فأقامت مرسلين مع السكرتير نحو ساعة ~~في تسليم الشغل القديم واستلام الجديد، وانصرفت عائدة إلى المنزل. # عندما برحت مرسلين منزلها إلى المعمل أوصت ولدها بالانتباه إلى أخته الصغيرة، فأقام ~~الطفلان هنيهة في البيت، ثم خطر لجيرار أن يتفرج على السفن الراسية في الترعة، فأخذ بيد ~~أخته وخرجا إليها. # وقد وقفا ينظران إلى السفن وبجانبهما بوفور وفولون يتنزهان على الرصيف، فابتسم فولون حين ~~رآهما وقال: إنهما ولدا امرأة صبية تشتغل عندي، ثم دنا من جيرار فقبله بينما كانت مودست تنظر ~~إلى بوفور فحملها وقبلها، ثم أرجعها إلى الرصيف، فتنهد وواصل سيره مع فولون فلم يسيرا بضع ~~خطوات حتى سمعا ms036 صياح الناس، فالتفتا، وعلما أن الطفلين المتماسكين زلت قدم أحدهما فهبط ~~الاثنان إلى الترعة. # وكان بوفور وفولون يجيدان السباحة فألقيا بنفسهما إلى المياه، فأنقذ فولون جيرار وأنقذ ~~بوفور ابنته مودست، وأسرع البحارة فحملوهم في القوارب إلى الشاطئ. # وكان الطفلان قد أغمي عليهما فعالجوهما حتى استفاقا، وطلب فولون إلى بوفور أن يصحبه ~~لإرجاع الطفلين إلى أمهما، فاعتذر وقال له: اذهب وحدك أيها الصديق. # قال: ولكنك أنقذت أحد الطفلين، ولك الحق في شكر أمهما. قال: أية فائدة من ذلك فقد فعلت ما ~~يقضي به الواجب الإنساني، وإني ذاهب لتغيير ملابسي ثم أعود إليك. ~~- افعل ما تشاء، على أن ذلك لا يمنعني عن أن أخبر مرسلين لنجون بعنوانك. # فارتعش بوفور وقال: كيف تدعى هذه المرأة؟ ~~- مدام لنجون. ~~- أتعرفها منذ عهد بعيد؟ ~~- منذ بضعة أعوام وأنا أحبها وسأتزوج بها. # فأطرق بوفور برأسه، وقال: ما هذا الخاطر الذي عرض لي! فلا شك أني مجنون. # ثم ودعه وانصرف. فذهب فولون إلى منزل مرسلين. # أما مرسلين فإنها عادت من المعمل إلى المنزل فلم تجد ولديها فيه، فنادتهما فلم يجيبا، ~~فبحثت عنهما في الحديقة فلم تجد لهما أثرا، فركضت مهرولة إلى جهة الترعة فرأت عن بعد ~~كثيرين من الناس محتشدين على ضفتها، فوجف قلبها من الرعب وحدثها بالمصيبة، فقالت: رباه ~~إنك إذا أذنت بهذه النكبة أنكرت وجودك. # وانطلقت راكضة، وقد كاد قلبها يثب من صدرها، فكان أول من لقيته فولون وهو يحمل الطفلين ~~بين ذراعيه والمياه تقطر من ثيابهم جميعا، فبادرها بقوله: اطمئني فليس ما يدعو إلى الخوف؛ ~~فقد سقطا في الترعة ولم يصابا بسوء، ألا تسمعينهما يناديانك؟ # فأخذت منه ولديها وضمتهما بعنف إلى صدرها، وقالت: لا شك أنك أنت الذي أنقذتهما فكيف ~~أشكرك؟ # قال: لقد أخطأت يا مرسلين؛ فإني لا أستطيع وحدي إنقاذ الاثنين، ولكني أنقذت جيرار. ~~- ومن أنقذ مودست؟ ~~- رجل أبى أن يسمع تشكراتك فلم يصحبني؛ لأنه يرى أنه لا شكر على الواجب. ~~- قل لي اسمه كي أحفظ جميله ما حييت. ~~- إنه يدعى بيير بوفور، وقد ms037 قلت له إنك لا بد أن تزوريه فتشكريه، وهو يقيم في شارع رومه ~~نمرة 79. # فبذلت جهدا عنيفا كي تخفي اضطرابها، ثم ودعها فولون كي يغير ملابسه، فذهبت بولديها إلى ~~المنزل، وهناك استرسلت إلى اليأس؛ إذ عاودتها الهموم القديمة، فجعلت تقول في نفسها: رباه ~~ماذا أصنع؟ أأراه؟ كلا؛ فإن هذا محال، أم أهرب من هذا البلد؛ فإنه يتردد إلى المعمل الذي ~~أشتغل فيه؟ ألا يمكن أن يراني فجاءة فيه أو في الطريق؟ مسكين إنه شديد النحول، فلا بد أن ~~يكون قد تعذب كثيرا، ومع ذلك فإن هيئته ليس فيها ما يدل على الحقد. # ولكن ما عساه يقول عني إذا لم أشكره. # وبعد الإمعان رأت أن تكتب له كلمة الشكر، فكتبت إليه كتابا لطيفا ملؤه الامتنان، وفي ~~المساء ألقته في صندوق البوسطة. # وبعد ذلك بيومين جاءها فولون فاطمأن على الولدين، ثم جلس بإزائها وقال لها: أتذكرين يا ~~مرسلين ما قلته لك منذ ثمانية أيام؛ فقد أنبأتك أني سأعود إليك لالتماس جوابك بعد أن أمهلتك ~~المهلة الكافية للتمعن. # قالت: نعم، أذكر. ~~- إذن بماذا تجيبين؟ # فتنهدت تنهدا عميقا، واغرورقت عيناها بالدموع فقالت: أسألك العفو عما سأسيء به إليك، ~~فإن طلبك وإلحاحك فيه يشرفانني، ولكني لا أستطيع أن أكون امرأتك. ~~- لماذا؟ ~~- لا تسألني، وتذكر أني ألقب بالمتنكرة الحسناء؛ فإن في حياتي سرا لا يحق لي الإباحة ~~به، فأتوسل إليك أن تنساني. ~~- أأنا أنساك يا مرسلين؟! أتحسبين هذا سهلا علي؟ ~~- نعم، إذ يكفي أن تريد. # فوضع يديه على عينيه، وقال: رباه لماذا قضيت علي أن أراها؟ # ثم وقف وقال: ألا سبيل للرجوع عن عزمك؟ # قالت: وا أسفاه. ~~- ولكن هل تمعنت مليا في الأمر؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأن تمعني يدل على أني مترددة في أمر يمكن قبوله، وأية فائدة من التمعن وقبولي ~~بزواجك من المستحيلات؟ ~~- ما هذه الألغاز التي أسمعها؟ ألا ترين مقدار عذابي؟ ~~- وأنت يا موسيو فولون أتحسب أني لا أتألم؟ ~~- ولكن قولي لي على الأقل إنك تحبينني. ~~- إني أحبك بملء جوارحي، وكيف لا أحبك وأنت المحسن ms038 إلي ؟ ~~- لست أطلب هذا النوع من الحب. ~~- إني سأحبك مدى الحياة حبي لأعز إخوتي. ~~- لا أجد في قلبك غير عاطفة الحب الأخوي؟ ~~- إن القلب لا يتسع لغرامين. ~~- إذن أنت تحبين؟ ~~- نعم. # فأطرق مليا ثم قال: إنك قضيت علي بالعذاب الدائم يا مرسلين، ومع ذلك فإني أحبك وأغفر ~~لك. # ثم تركها وانصرف وهو من القانطين، أما هي فلم تكن أقل منه عذابا، وقد أقامت يومها تفكر ~~في أمرها، وعادت في اليوم التالي إلى المعمل، ولكن فكر الابتعاد كان قد تغلب عليها، فلما ~~عادت إلى المنزل كتبت إلى فولون أنها لن تعود إلى المعمل. # وكانت قد اقتصدت شيئا من المال في خلال خدمتها يعينها على الانتظار إلى أن تظفر بعمل ~~جديد، ثم إنها كانت بارعة في الموسيقى فتمكنت من تعليم العزف على البيانو في أحد البيوت، ~~وكثر زبائنها فعاشت بفضل هذا التعليم. # مضى على هذه الحوادث عشرون عاما لم يحدث في خلالها لأبطال روايتنا أمر جدير ~~بالذكر. # وقد بلغت مرسلين خمسة وأربعين عاما فكانت كأنها ابنة ستين؛ إذ تجعد وجهها وابيض شعرها، ~~ولم يبق لها من دلائل الصبا غير صفاء عينيها ونظراتها الحلوة. # وبلغ ولدها جيرار الخامسة والعشرين، وهو جميل الوجه واللسان متين العضل، وقد جعلته أمه ~~طبيبا؛ فإنها كانت تشتغل ليل نهار في سبيل تعليمه. # أما أخته مودست فهي الآن صبية شقراء يفتن جمالها القلوب. # وكم كانت مرسلين تتعذب حين خرج جيرار من دور الطفولية، وجعل يسألها عن أبيه فيقول لها: ~~لماذا لا تخبرينني عن أبي، أليس لي أب كجميع الأولاد؟ فتقول له: كان لك أب ولكنه مات. # ثم أصبح الطفل فتى فلم يبق بد من التصريح، ولكنها قالت له يوما: لا تسألني بعد الآن ~~عن أبيك؛ فإنك تحبني أليس كذلك؟ # قال: بل أحبك وأحترمك، وهل تشكين بذلك يا أماه؟ # وكان جيرار وأخته يعتقدان أنهما من أب واحد؛ فإن أمهما لم تذكر لهما شيئا عن حقيقة ~~أمرهما، فكان الحب الصحيح يؤلف بين أعضاء هذه العائلة. # وقد اتفق أن جيرار عاد يوما ms039 إلى المنزل وهو مقطب الجبين فسألته أمه عما به، فقال: إن ~~مهنتنا صعبة شاقة، وهي هائلة في بعض الأحيان؛ فقد جيء اليوم إلى المستشفى بامرأة عجوز من ~~الضواحي كان يحملها ولدها، وهي مصابة بسرطان يحتاج إلى عملية جراحية لاستئصاله، ولكن رئيس ~~الأطباء في المستشفى يرى أن العملية يعقبها الموت لا محالة، فأبى إجراءها، والمنكودة تتألم ~~آلاما لا تطاق. # قالت: وأنت ماذا ترى يا بني؟ # قال: إني لا أرى ما يراه الرئيس، وفي اعتقادي أن العملية قد تنجح وتنجو المسكينة من ~~آلامها. ~~- إذن لماذا لا تعملها؟ ~~- لأن الرئيس يمنعني. ~~- ماذا تدعى هذه العجوز؟ ~~- لا أذكر اسمها، ولكني أذكر اسم ولدها لغرابته، فهو يدعى كلوكلو. فاصفر وجه مرسلين ~~وقالت: ماذا تقول؟ كلوكلو! ~~- نعم، فهل تذكرين هذا الرجل؟ ~~- كلا، ولكن ما زلت واثقا من نجاح العملية، فلماذا لا تجريها هنا؟ فإنه يوجد عندنا غرفة ~~لا نحتاج إليها فتقيم فيها، ويقيم ولدها معها. ~~- لقد خطر لي ذلك يا أماه، ولكني خشيت أن تحزنك آلام تلك المسكينة ويأس ولدها، بل إني ~~أخاف أن يؤلمك موتها إذا لم أنجح. ~~- بل إني واثقة بك، فجئ بها إلى هنا غدا وسأعد الغرفة. # وفي اليوم التالي جيء بالعجوز محمولة على محمل يصحبها ابنها كلوكلو، وكانت مرسلين قد ~~تغيرت كثيرا كما تقدم، فلم يعرفها كلوكلو حين شكرها، فسارت به إلى قرب النافذة وقالت له: ~~انظر إلي بإمعان لعلك تعرفني. # فتفرس في وجهها مليا وقال: كلا يا سيدتي فإني لم أرك قبل الآن، فهل تذكرين أني ~~تشرفت بالمثول أمامك؟ ~~- نعم، ولكن مضى على ذلك عهد بعيد لا يقل عن ربع قرن، وقد تغيرت كثيرا كما يظهر حتى بات ~~كلوكلو لا يعرفني، فافترض أنه ليس في وجهي تجاعيد وأن شعري لا يزال أسود و... ~~- اصبري اصبري يا سيدتي، فأنت ... ولكني أخاف أن أذكر اسمك. ~~- قل يا كلوكلو فليس يسمعنا أحد. ~~- أما أنت يا سيدتي مدموازيل مرسلين دي مونتكور؟ ~~- نعم أنا هي، ولكن احذر أن تذكر اسمي أمام أحد. ~~- لله! ما أسعدني بلقائك! ms040 فإني اليوم أسعد البشر؛ فقد كنت يئست من لقائك، ولو تعلمين يا ~~سيدتي ما أصاب الموسيو بوفور بعدما توهم أنك من المائتين؛ فقد كان في حالة تدعو إلى الإشفاق، ~~ولكني مخطئ في إعادة هذه الذكرى المؤلمة فاعذريني. ~~- لا بأس، ولكن اعلم أني أدعى أمام الناس وأمام ولدي وابنتي مرسلين لنجون، فاحذر أن تغلط ~~وتنادي بغير هذا الاسم؟ # فدهش مما سمع! وقال في نفسه: ألها أولاد؟! ولكنه خشي أن يسألها وعاد إلى أمه. # وبعد يومين أجرى جيرار العملية للعجوز، فنجحت أتم النجاح، ولم يمر بها أسبوعان حتى صارت ~~قادرة على السفر، ولكن جيرار قال لولدها: إني أنصحك ألا تذهب بأمك إلى برين فإن مناخ هذه ~~البلد لا يوافقها الآن وهي محتاجة إلى الراحة. # قال: سأعمل بنصيحتك، وسأبقى معها في هذه المدينة. # وقد ذهب إلى مرسلين يشكرها، فقال لها: إن أمي مدينة بحياتها لولدك. # أما أنا فإني مدين لك بأكثر من الحياة، فهل أستطيع أن أخدمك في شيء؟ ~~- كلا. ~~- ولكن عديني يا سيدتي أنك إذا احتجت إلى ساعد قوي وقلب مخلص يتفانى في خدمتك؛ تدعيني ~~لهذه الخدمة. ~~- إني أعدك. ~~- أشكرك يا سيدتي، وإن قلبي يحدثني بأني لا أموت قبل أن أخدمك خدمة تدل على ~~امتناني. # وقد ودعها وانصرف، وبعد شهر عاد إليها فقال: لقد جئتك باقتراح يا سيدتي لا أعلم إذا كنت ~~توافقين عليه. ~~- ما هو؟ ~~- إني بعت منزلي في بلدي، وأقمت مع أمي في مدينة كريل المجاورة لكم، وصرت فيها كأني في ~~موطني. ~~- والاقتراح؟ ~~- لقد سمعت أهل تلك المدينة الصغيرة وفلاحي القرى المحدقة بها يشكون قلة الأطباء فيها؛ إذ ~~لا يوجد هناك غير طبيب واحد، فلو أقام جيرار فيها، على ما خصه الله من الذكاء والمهارة، ~~لأصبح جميع أولئك السكان من زبائنه. ~~- لا شك عندي أنك من كرام الرجال، وسأفاوض جيرار باقتراحك فيدرسه، ورجائي أن يعمل ~~به. ~~- إذن أسرعي يا سيدتي كي لا تفوت الفرصة؛ فإن الأطباء كثيرون في هذه البلاد. # وقد شكرته، فتركها وانصرف. وأخبرت ولدها باقتراح كلوكلو فاستصوب ذلك ms041 الرأي ، وقال لها: إنك ~~اشتغلت يا أماه مدى الحياة لإعالتنا وقد آن لك أن تستريحي، فسترين ذلك وستكونين ~~سعيدة. # وقالت لها بنتها: نعم، يجب أن تستريحي يا أماه فإننا لا يشغلنا اليوم غير راحتك، فأخذت ~~مرسلين تعتقد أن الليالي السوداء قد انتهت، إلا إذا كانت الأقدار خبأت لها نكبة ~~جديدة. # وقد دخل جيرار إلى غرفته وذهبت مرسلين إلى السوق، فبينما كانت مودست جالسة وحدها تتلهى ~~بالتطريز، طرق باب المنزل، ثم دخل فتى جميل الوجه لا يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر، ~~وعليه علائم الاضطراب الشديد. # فقال: أسألك المعذرة يا سيدتي لما ترينه من دلائل اضطرابي؛ فإني ابن لويس فولون صاحب ~~المعمل المعروف في هذه المدينة، وقد أصيب أبي الآن فجاءة بفالج، وطبيبه غائب فأرشدوني إلى ~~الدكتور جيرار، فهل هو هنا؟ ~~- نعم، وسأخبره من فوري. ~~- بالله لا تتأخري لحظة يا سيدتي فإن حياة أبي بخطر. # وبعد هنيهة عادت مع أخيها، فسأله روبير فولون قائلا: هل تستطيع الذهاب معي يا ~~سيدي؟ # قال: هلم بنا. # فخرج الاثنان إلى المركبة التي كانت تنتظر عند الباب، وسارت بهما تنهب الأرض إلى قصر ~~فولون؛ فإنه أصبح من أهل القصور. # وقد اضطر جيرار إلى الإقامة طول الليل مع المريض حتى سكن روعه وزال الخطر عنه. # وعند الصباح أراد فولون أن يستبقيه، فقال له: إني لست طبيبك الخاص يا سيدي، ولا أحب أن ~~يتهموني بالاعتداء على حقوق زميلي، وسيأتي الدكتور كورديه طبيبك، فأرجو أن تخبره كيف ~~أتيت. # فقال له روبير: بل ابق يا سيدي، فهذه أول مرة احتاج فيها أبي إلى طبيب، وفوق ذلك فإن ~~الدكتور كورديه صديق العائلة، وأرجو أن تكون مثله. # وقال له فولون: هل أنت من عهد بعيد في هذه المدينة؟ # قال: منذ شهر. ~~- هذا هو السبب في أني لا أعرف شيئا عنك، حتى إني لا أعرف اسمك. ~~- إني ادعى الدكتور جيرار. ~~- أهو اسمك الأول أم اسم عائلتك؟ ~~- بل هو اسمي الأول الذي تعودوا أن ينادوني به، أما اسم عائلتي فهو لنجون. # فأطرق فولون مفكرا حين ms042 سمع هذا الاسم، ثم قال: لقد عرفت من عهد بعيد امرأة تدعى بهذا ~~الاسم وكان لها ابن وابنة. ~~- لي أخت يا سيدي. ~~- اصبر فقد عادت إلي الذكرى، إن الولد يدعى جيرار والابنة تدعى مودست. ~~- هذا اسم أختي. ~~- إذن أنت ابن مرسلين لنجون؟ ~~- نعم. ~~- وأمك ألا تزال في قيد الحياة؟ ~~- إنها تقيم معي في كريل. ~~- إذن قل لأمك أيها الدكتور إني أدعى لويس فولون؛ فإنها لم تنس هذا الاسم، وقل لها إنك ~~أنقذت حياتي؛ فإن ذلك يسرها. ~~- سأفعل يا سيدي. # وقد ودعه وانصرف، فلما لقي أمه قال لها: لقد عالجت هذه الليلة رجلا تعرفينه، وأنقذته من ~~الموت، وهو يدعى لويس فولون. # فذهلت وقالت: نعم؛ فقد عرفته منذ عشرين عاما حين كان مديرا لأحد المعامل، أما إنك ~~أنقذته من الموت بالفالج فهو قد أنقذك في حداثتك من الموت غرقا، فواحدة بواحدة. ~~- ولكنه لم يقل لي شيئا من هذا. ~~- ذلك لأنه بقي شريفا كريما كما أعهده، وقد سررت كثيرا لسلامته. # بعد ذلك بأسبوعين جاءها فولون زائرا فلم يعرفها، ولم تعرفه في البدء، ثم تعارفا، فحكى ~~لها وحكت له كل ما مر بهما في ذلك العهد البعيد، وحدثها مليا بشأن ولدها ومستقبله، وضمن ~~لها أنه سيجعله سعيدا، ثم قال لها: إني أحتفل كل عام بعيد مولد ولدي روبير، فأحيي ليلة ~~راقصة، وإني أتيت لأدعوك إليها فإن موعدها الأسبوع القادم. # قالت: أأنا أحضر حفلات راقصة، وقد مضى عهد الرقص؟ # قال: بل تحضرين إكراما لي ولولديك، ولا سيما جيرار؛ فإنه سيتعرف عندي بكبار أهل المدينة، ~~وهذه فرصة يجب اغتنامها. # فوافقته على ما أراد مشترطة عليه ألا يعرفها بأحد هناك. # وفي اليوم المعين ذهبت مع ولديها إلى الحفلة، فكانت مودست زينة الفتيات، كما كان جيرار ~~زين الفتيان. # وكان لفولون كثير من الأصدقاء في المدينة وضواحيها، وكان كثير العناية بعيد ولده الوحيد، ~~فلما دنت الساعة المعينة غصت قاعات القصر بالمدعوين على اختلاف مقاماتهم. # وقد بهرت مرسلين بما رأته من ظواهر ثروة فولون وسرها أن يكون قد بلغ هذا ms043 المبلغ منها؛ ~~لأنها كانت تحترمه وتعتقد أنه كريم القلب طاهر النفس جدير بأن يكون سعيدا في ~~الدارين. # فلما وصلت إلى القصر جلست في إحدى قاعاته واختلط ولداها مع الناس، وكان ثلاثة رجال جالسين ~~على مسافة غير بعيدة منها بينهم فولون، وهم يتحدثون ويضحكون، فعرفها فولون بالرغم عن كثافة ~~برقعها، وقام إليها فحياها وشكرها لقدومها، ووراءه ولده روبير. # غير أنه ما لبث أن صافحت يده يدها حتى شعر أن يدها ترتجف، ثم رأى أن رجليها تصطكان وأنها ~~على وشك السقوط، فأسرع إلى إجلاسها على الكرسي، وأمر ولده أن يأتيها بشراب منعش وقال لها، ~~لا شك أنك أصبت بضيق في التنفس لكثرة الزحام. ~~- هو ذاك. # ولكن الحقيقة أنها عرفت الرجلين اللذين كانا مع فولون وهما؛ جان داغير أصل نكبتها، وبير ~~بوفور زوجها. # وقد رأى بوفور اضطراب مرسلين دون أن يعرفها فجاء إلى صديقه فولون، وقال له: أأدعو ~~الطبيب؟ # فقالت مرسلين: كلا لا حاجة إلى طبيب؛ فقد زال ما أصابني. # فقال لها فولون: الحق أنك أخفتني كثيرا. ~~- أسألك المعذرة، وقد كان خيرا لي لو لم أحضر. ~~- ابقي هنا نتحدث، بينما ولدي روبير يراقص مودست، وسأخبر هذين السيدين كيف أني كنت ~~مدلها بك وكيف تلقيت غرامي. # فقالت له بصوت منخفض يشبه الهمس: بربك لا تفعل. ~~- ليكن ما تريدين. ثم قال لرفيقيه: أتشرف بأن أكون صديق مدام لنجون والدة الدكتور جيرار، ~~وقدم لمرسلين صاحبيه وهما داغير وبوفور، فشعرت المنكودة أن الأرض تميد بها لاتفاق ~~اجتماعها بهذين الاثنين، وهما الغاوي والزوج. # وكان زوجها قريبا منها ولكنه لم يعرفها لكثافة برقعها، فقال: لقد أذكرتني هذه الأسماء ~~وهي مرسلين وجيرار ومودست ذكرى بعيدة منذ عشرين عاما على الأقل، فهل نسيت يا فولون؟ ~~- لقد أصبت أيها الصديق، فهذه هي التي أنقذت بنتها من الترعة. # فقالت مرسلين: وأنا لم أنس مروءتك يا سيدي، فهي محفورة في قلبي، وفي كل يوم أدعو لك في ~~صلاتي. ~~- أشكرك، ولكن الله لم يصغ بعد إلى صلواتك. # وقد أسفرت هذه الحفلة الراقصة عن أمور كثيرة ms044 منها أن [...] # 1 # المخاوف بعد اجتماعها مع غاويها ~~وزوجها في مرقص واحد، وبعد علمها أنهما يقيمان معا في بلد واحد، ومنها أن زوجها بوفور طلب ~~إلى ولدها جيرار أن يعوده كلما وجد فرصة سانحة؛ لأنه في حاجة إلى المعالجة، وفي ذلك ما ~~يسهل على بوفور اكتشاف الحقيقة، ومنها أن روبير ابن فولون أحب مودست ابنة مرسلين، وكانت ~~نظرات حبه ظاهرة؛ حتى إنها لم تخف عن أبيه فقال لمرسلين: إني سأعمل على تزويج ولدي ببنتك ~~فأكون قد انتقمت لنفسي، وأنلت ولدي من بنتك ما لم أستطع نيله منك. # أما بوفور وداغير فقد كانا صديقين من عهد التلمذة كما تقدم لنا في الفصل الأول. # ولم يكن داغير قد تزوج فأقام بضعة أعوام في بلده بعد سفر مرسلين، ثم باع أراضيه بمائة ~~وخمسين ألف فرنك وجاء إلى باريس، فلم يكن يشغله غير السعي لنيل ثروة كبيرة كيفما اتفق، حتى ~~لو أمكنه أن يسرق أو يقتل في هذا السبيل لما تردد. # وكان يعلم أن بوفور غني فكان يبالغ في إظهار التودد له ويغتنم فرصة يأس صديقه، فيعبث به ~~كما يشاء، فكان خير عزاء له؛ لأنه كان يكلمه عن مرسلين. # وقد اتفق أن بوفور خطر له أن يشتغل بصب الحديد ليس للربح، بل للتلهي بالعمل عما هو فيه من ~~الحزن المبرح، فاقترح عليه داغير أن يشاركه وهو لم ينفق ثمن أراضيه بعد، فنجحت أعمال الشركة ~~في البدء، ثم جاء دور الخسارة على أثر الحرب، فكان بوفور يساعد الشركة بماله الخاص، فأنقذها ~~مرتين من الإفلاس، وقد قال لشريكه في المدة الأخيرة: إني لا أجد أقل دليل على إمكان نجاح ~~الشركة، فخير لك أيها الصديق أن تسترجع رأسمالك اليوم؛ فقد لا تستطيعه غدا؛ لأني لا أخاطر ~~بكل ثروتي في عمل خاسر، وقد أنذرتك فتدبر. # قال: سوف نرى، ولكني لا أرى مشروعنا بالعين التي تراه فيها. ~~- بل أنت المخطئ؛ فإن الإفلاس على الباب وفي ذلك خرابك. # فابتسم داغير ابتسام الحاسد الناقم، وقال: لقد أصبت فإني أخسر ثروتي بجملتها، ms045 أما أنت ...؟ ~~- أما أنا فأكون قد خسرت خمسمائة ألف فرنك، ولولا مساعدتي لحدث من [...] # 2 # حدوثه اليوم، فلا ~~تكن ظالما أيها الصديق وكن من المنصفين. # فلم يجبه بشيء، ولكن مراجل الحسد كانت تغلي في قلبه الحقود. # وجاء دور التصفية على أثر الخسارة التي كان يتوقعها بوفور، فقال لصديقه: هو ذا الخراب قد ~~حدث، أما أنذرتك من قبل؟ ~~- لماذا لا تمد الشركة بنجدة من مالك؟ ~~- هذا محال الآن، وقد كان يجمل بك العمل بنصيحتي يوم كنت أتوقع هذا الموقف، فلو أخذت ~~يومئذ رأس مالك الذي أرجعته إليك مرتين فما كنت في هذا الموقف الآن. ~~- إذن أنت ترفض مساعدة الشركة؟ ~~- كل الرفض. # فضم داغير قبضتيه، ولكنه لم يقل شيئا إذ لم يبق له ما يقوله. # هذه كانت حالة الاثنين حين وجدناهما في قصر فولون، أما مرسلين فقد لزمت البيت حذرا من أن ~~يراها داغير أو بوفور فيعرفانها بالرغم عن تغيير وجهها. # بعد ذلك بيومين وردت رسالة من بوفور إلى جيرار يدعوه فيها إلى عيادته، فذهب إليه وأقام ~~عنده ست ساعات أصبحا بعدها صديقين حميمين، ولكن جيرار خرج من عنده وهو منقبض الصدر، وعلائم ~~الحزن بادية على وجهه. # وكانت أمه قد اطلعت على رسالة بوفور إليه، فلما رأته حزينا ثارت الهواجس في قلبها، وأخذت ~~تستدرجه في الأسئلة فقالت له: هل ذهبت لعيادة الموسيو بوفور؟ ~~- نعم، لقد أحزنني كثيرا. ~~- لماذا ألعل مرضه شديد؟ ~~- نعم، وهو يدعو إلى الإشفاق. ~~- ألا ترجو أن ينفعه طبك؟ ~~- لا حيلة في الطب على هذا المرض. ~~- ما هو هذا المرض الذي يعجز عنه الطب؟ ~~- هو مرض اليأس المستعصي من ذكرى أليمة توقعه كل يوم إلى هوة القبر. ~~- ألعله أخبرك شيئا عما يشكوه؟ ~~- كلا، ولكني علمت من خلال الحديث أنه نكب في شبابه بحب امرأة عبثت بقلبه، والغريب أنه ~~لا يزال يهواها. # ثم ضرب المائدة بيده، وقال: ويح لهذه الشقية فقد قتلته. # فقالت له أمه بصوت المحتضر: اسكت يا بني ولا تقض عليها بحكم قبل أن تعرفها، فهل عرفتها ~~أو عرفت ms046 شيئا عنها؟ ~~- كلا ، ولكن كل ما عرفته أنها سحقت قلب رجل لم أر أكرم منه خلقا ولا ألين طباعا؛ ولهذا ~~قلت إنها شقية. ~~- لا تتسرع يا بني بأحكامك وارحمها فقد تكون جديرة بالرحمة. ~~- لماذا تدافعين عنها وأنت لا تعرفينها؟ ~~- وأنت لا تعرفها أيضا، فلماذا تحمل عليها هذه الحملات؟! ~~- لقد أصبت يا أماه، ولكن دموع هذا المنكود أثرت بي أبلغ تأثير. ~~- ألعله يبكي؟ ~~- إنه بكى بكاء الأطفال، وهذا يدل على أن جرحه لا يزال داميا. ~~- ماذا وصفت له؟ ~~- النسيان؛ أي المستحيل، وما عساي أصف له وعلته روحية، وأنا طبيب أجسام لا طبيب ~~أرواح؟ ~~- إذن فهو يكره هذه المرأة ويحتقرها؟ ~~- كلا، بل إنه يحبها ويفتكر بها في كل حين؛ فقد احتجبت عنه فجاءة، وهو إلى الآن لا يعلم ~~سبب احتجابها مع بحثه عنها خمسة وعشرين عاما، ولو سمعت هذا المسكين كيف كان يصف لي نكبته ~~لشبهته بمصباح يفرغ منه الزيت تباعا، ولا يريدون تجديد زيته، وإني أعجب كيف أنه لا يزال ~~باقيا في قيد الحياة، إلا إذا كان باقيا له شيء من الأمل، ولكن الزيت لا بد أن ينتهي ~~فينطفئ المصباح. ~~- أتحسب أنه في خطر سريع؟ ~~- بل إني أخاف أن يفضي به الأمر إلى الانتحار للنجاة من عذاب ذلك التذكار؛ فإنه لم يندفع ~~في الأشغال إلا بغية النسيان، فخسر قسما كبيرا من ثروته ولم ينس؛ ولذلك لم يعد يخيفه ~~الموت، بل صار يعده الراحة الكبرى. ~~- مسكين! ~~- ألا ترين يا أماه أن حالته تستوجب الإشفاق؟ ~~- دون شك. ~~- وإذا أمكنك تخفيف آلامه أتفعلين؟ ~~- بملء الارتياح. ~~- إذن فاعلمي أنه لا يوجد علاج في الطب يخفف عذاب هذا المسكين؛ لأنه مصاب بروحه لا بجسمه، ~~فلا يغير فيه غير العلاج الأدبي، وهذا الذي دعاني إلى الاستعانة بك في معالجته. # فقالت، وهي تحاول أن تضحك: ألعلي عديت منك يا بني فصرت من الأطباء؟ ~~- كلا، ولكنك ذكية الفؤاد طيبة القلب، وإن العزلة هي التي ستقتله وتوحي إليه هذه الأفكار ~~السوداء. ~~- لماذا؟ ألم يتزوج؟ # وقد قالت هذا القول بصوت مختنق، ms047 فقال لها: لا أعلم، ولكنه قد يكون متزوجا وقد تكون علته ~~من هذا الزواج. وعلى أية حال فإنه يجب أن تعالج فيه تلك العزلة، فإذا أقام بيننا ورأى ذلك ~~الحب المؤلف بين قلوبنا تعزى بعشرتنا وردت إليه الحياة؛ لأنه في أشد الاحتياج إلى صداقة ~~صادقة يشتغل بها قلبه، وسنعرف كيف نجد الطريق إلى ذلك القلب، فهو لا يعيش بيننا عيش غريب ~~مريض مع طبيبه، بل عيش صديق مع أصدقاء. ~~- لا شك أنك هازل يا جيرار. ~~- كيف أهزل في هذا المقام يا أماه؟ ~~- ولكن تمعن في الأمر يا بني فإن ما تقوله لي محال. ~~- ولماذا ترينه محالا وأنا لا أطلب إليك غير أن تشاركيني في شفاء رجل كريم منكوب؟ ~~- أقول محالا لأننا لا نعرف هذا المريض؛ فقد تندم إذا أقمناه في منزلنا. ~~- أراك تريدين التدرج في سوء النية بهذا الرجل، فلماذا لا تسرعين إلى القول بأنه من ~~السفاكين؟ ~~- إن المرء متى بلغ إلى عمري لا يبحث عن علائق جديدة، وستدرك حقيقة قولي متى دخلت إلى ~~عمري، ثم أنت تعلم أني أحب العزلة؛ فإني لم أعش إلا لأجلك ولأجل مودست فلم يكن يشغلني ~~سواكما في الوجود، وقد رضيت أن أحضر حفلة فولون إكراما لك ولأختك، ولكني لا أستطيع المزيد، ~~فإن هذا الرجل لا يشفى بطريقتك إلا إذا كنت وأختك توده، ولسنا على شيء من هذا. # فقالت لها مودست: أسألك المعذرة يا أماه؛ فإني شعرت بميل عجيب إلى هذا الرجل منذ ~~نظرته. # فقال جيرار بلهجة المنتصر: أسمعت؟ ~~- لا أنكر من أن مودست قد تميل إليه ... وقد ترددت عن إتمام جملتها وما عساها تقول؟ أتقول ~~إنه أبوها؟ ولكنها قالت بعد ترددها: غير أني أعجب لعطفها عليه وهي لم تكد تراه. ~~- بل اسمحي لي يا أمي العزيزة أن أعجب أنا أيضا لإنكارك عليها هذا العطف، وهو الذي ~~أنقذها من الموت؛ أليس من العدل أن تنقذه وهي قادرة على إنقاذه؟ ولذلك أسألك قبول طلبي الذي ~~يوحيه عرفان الجميل. ~~- كلا، كلا. # فرأى جيرار أنه لم يبق فائدة ms048 من الإلحاح، فسكت ، ودخلت مرسلين إلى غرفتها وهي تقول: كلا، ~~هذا محال. # ومضى أسبوع كان روبير بن فولون يختلق كل يوم فيه سببا لزيارة مرسلين، بحيث اتضح أن الذي ~~يجذبه إلى هذا البيت غرامه بمودست؛ فقد علق بها منذ الحفلة الراقصة. # ولم يكتم حبه عن أبيه، فقال له: إني أعرف هذا البيت وأوافق على زواجك بالفتاة، ولكني أحب ~~أن تعلم إذا كان هذا الحب متبادلا بينكما؛ فإن الزواج من غير حب يعقبه التنغيص. ~~- لست واثقا كل الثقة، ولكن تبين لي من أدلة كثيرة أنها تحبني. ~~- إذن أتريد أن أخطبها إلى أمها؟ ~~- ما أكرم قلبك يا أبي! ~~- إن ما أقوله طبيعي معقول، وبعد فإني مخبرك بالحقيقة؛ وهي أني أحببت مرسلين بعد وفاة أمك ~~وأردت أن أتزوجها فتكون لك أما ثانية، ولكنها أبت أن ترضى بي زوجا، فأنا اليوم سعيد بهذا ~~الاتفاق؛ لأني سأذهب إليها فأقول لها أنك أبيت أن تكوني امرأتي فسينتقم لي ولدي فيتزوج ~~بنتك. ~~- إنك يا أبي خير الآباء. ~~- وأنا أرجو أن تكون قريبا خير الأبناء، فاذهب والبس خير ملابسك، إني أردت أن تصحبني ~~إليها. ~~- نعم؛ فإن الأفضل أن أكون هناك. # وبعد ساعة كان الاثنان في منزل مرسلين فأحسنت استقبالهما. # وسألها فولون عن مودست فقالت: إنها تتنزه مع أخيها، فهل تريد محادثتها؟ ~~- بل أريد مباحثتك في شأنها. # فتظاهرت بالاندهاش، ومضى فولون في حديثه، فقال: إن كلمة تكفي بالتعبير عن مرادي وهي أن ~~ولدي يحب ابنتك، وله من الثروة ما يكفي اثنين، فهل تريدين أن يكونا زوجين؟ # فأطبقت عينيها إخفاء لاضطرابها ونسيت أن تجيب، فقال لها: ما بالك لا تجيبين، ألا تجدينه ~~كفئا لها؟ ~~- بل هو خير كفء وفي ذلك تشريف لنا، ولكني لا أعلم إذا كان ذلك من الممكنات. # فقال لها روبير: لماذا لا ترينه ممكنا؟ ~~- لأنه يشترط رضى مودست. ~~- هو ذاك، ولكني كنت أتوهم أنها راضية؟ ~~- قد تكون مخطئا يا موسيو روبير. ~~- أتحسبين أنها لا تحبني؟ # فوجمت ساكنة، ولكنها عولت على الكذب، ليس لأنها أرادت أن تبقي بنتها ms049 عندها من قبيل ~~المبالغة في حب الذات؛ بل لأنها إذا زوجتها تضطر إلى الاعتراف بأنها ابنة الكونت دي ~~مونتكور، وأن مودست بنت بوفور ففضلت الكذب على الاعتراف بهذه الحقيقة، وأجابت روبير قائلة: ~~أظن أن مودست لا تحبك كما تتوهم. ~~- هل سألتها؟ ~~- نعم، فعلمت منها أنها تعدك بمثابة صديق. # فنظر فولون إليها نظرة المرتاب، وقال لها وهو يحدق بها: أواثقة فيما تقولين؟ فإني أحب ~~روبير قدر ما تحبين مودست فانظري إلى ما فعلت به. # وهنا وقفت مركبة عند الباب فاضطربت مرسلين، وقام روبير فأطل من النافذة وعاد فقال: هو ذا ~~الآنسة مودست مع أخيها. ثم قال لمرسلين: اسمحي لي يا سيدتي أن أتولى سؤالها بنفسي أمامك، أو ~~سليها أنت أمامي يتضح لك أنك واهمة. ~~- أية فائدة من سؤال يزيد جوابه حزنك؟ ~~- أتوسل إليك أن تفعلي. # ودخلت مودست وهي لا تعلم أنها ستجد روبير وأباه فلم تتمكن من إخفاء سرورها، ولكنها أجفلت ~~حين رأت ملامح الحزن بادية في وجه روبير، فقالت له: رباه، ماذا حدث ولماذا هذا ~~الانقباض؟ ~~- لم يحدث ما يؤثر عليكم مباشرة يا سيدتي، ولكني أعده أعظم نكبة علي. ~~- إن ما يؤثر عليك يؤثر علينا يا سيدي، فهل تأذن لي أن أسألك؟ ~~- لا أجسر أن أفوه بكلمة لأني أخاف أن أسمع ما يجعل علتي غير قابلة للشفاء فسلي ~~أمك. # فالتفتت إلى أمها وكلتاهما شبه الريشة في الهواء من فرط الاضطراب. # وقالت لها: ما هي هذه النكبة التي يشير إليها يا أماه؟ # قالت: لا أعلم، ولكن الموسيو فولون جاء يخطبك لولده. # فخفق قلبها سرورا، وقالت: ماذا أجبت؟ ~~- قلت الحقيقة: أي إن هذا الطلب يشرفنا، ولكنه سابق لأوانه لأنك لا تحبين الموسيو ~~روبير. ~~- أماه ... أماه ...! # وقد أرادت أن تقول لها: إنك مخطئة وإني أحبه بملء جوارحي. ولكنها رأت أنها مقطبة الجبين ~~فأطرقت ساكنة وقد سحق قلبها؛ لأن احترامها لأمها كان أشد من حبها. # وكان روبير جالسا بالقرب منها فقال لها: بربك أجيبي فهل كنت مخطئا؟ أجيبي ~~بالله. ~~- أما سمعت يا سيدي ما ms050 قالته أمي؟ ~~- أحق ما قالته؟ ~~- هي وحدها التي يحق لها أن تجيب، فإذا رأت أن تجيب بما أجابته كانت واثقة بأنها ... تقول ... ~~الحقيقة. # وقد رأت أمها أنها تكاد يغمى عليها، فأسرعت إلى نجدتها، ونهض فولون، وقد ظهرت عليه علائم ~~الاستياء فقال لولده: هلم بنا فلم يبق لنا ما نعمله هنا. # فنهض روبير وخرج مع أبيه وهو قانط، ولكنه نظر إلى مودست فرآها تبكي. # أما مودست فإنها قالت لأمها بعد انصرافهما: لماذا قلت إني لا أحبه؟ ولماذا رفضت طلب ~~أبيه؟ ~~- أتريدين أن تفارقيني ... أتريدين أن تنسيني؟ ~~- ألا يمكن للفتاة أن تحب أمها وزوجها معا، فلماذا أسأت إلي هذه الإساءة؟ # وقد حاولت أمها أن تعزيها ولكنها صدتها عنها، وقالت لها: دعيني أبكي. # وفي اليوم التالي زار روبير صديق أبيه بيير بوفور وروى له ما جرى بالأمس، وما كان من رفض ~~مرسلين، ثم قال له: إنك صديق مودست فإنها مدينة لك بالحياة كما أعلم، ألا يمكن أن تغتنم ~~فرصة لتسألها إذا كانت تحبني؟ فإني أعتقد أنها تحبني بالرغم عما سمعت من أمها. ~~- سأفعل، ولكني أستغرب أخلاق مدام لنجون وأرى منها تجانبا ظاهرا، فلماذا لا تباحث جيرار ~~في هذا الشأن؟ ~~- لقد خطر لي ذلك وسأفعل. # وحسنا تفعل؛ فإن جيرار لا يكتمك الحقيقة. # وقد فعل، وبعد بضعة أيام خلا جيرار بأخته، وقال لها: أريد أن أباحثك في أمر يا مودست. ~~- ما هو؟ ~~- هو أني عارف بسبب حزنك. ~~- لست بحزينة كما تتوهم. ~~- لقد لقيت روبير وأخبرني. # فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: ماذا أخبرك؟ ~~- أخبرني أنه يحبك أصدق حب وأنك جعلته يقنط من الحياة، فقولي لي؛ أحق أنك لا ~~تحبينه؟ ~~- الحقيقة أني أحبه. ~~- لماذا قلت له ما يوهم بالعكس؟ ~~- لأن هذه هي إرادة أمك. ~~- إن أمك لا تريد لك اليأس. # وعند ذلك دخلت مرسلين فقال لها جيرار: إن أختي تحب ابن فولون، وأنا واثق بأنه يحبها، وهو ~~خير كفء لها فلماذا تعارضين في سبيل زواجها؟ ~~- قد يوجد أسباب يا بني. ~~- لماذا تكتمين عنا هذه الأسباب؟ ~~- لا تسألني. ~~- بل ms051 أسألك وأريد أن تجيبي. ~~- متى كان يوجد هنا إرادة غير إرادتي، أهكذا تحترم أمك يا جيرار؟ ~~- أسألك العفو يا أمي، فإني أحترمك وأحبك، ولكن انظري ما صارت إليه مودست. ~~- لا أستطيع أن أفيدها في شيء. ~~- إذن أنت تصرين على الرفض؟ # فأحنت رأسها مرتين إشارة إلى الإيجاب، وانقطع الحديث، فانصرف جيرار وهو معجب بهذا السر ~~لوثوقه أنه لا بد من وجود سر غريب تكتمه أمه حتى عن أولادها الراشدين وهذا أغرب. # ولنعد إلى بوفور فإنه ذكر ما وعد به روبير، وخرج من المنزل ليقابل مودست وأمها، ولكنه لم ~~يصل إلى الحديقة حتى شعر بدوار شديد فجلس على كرسي فيها ونادى الخادم، فأعانه على الرجوع ~~إلى المنزل، وأرسله ليدعي الدكتور جيرار، وهو يقول في نفسه: هذا بدء النهاية فقد قدر لي أن ~~أموت دون أن أقف على سر احتجاب مرسلين. # وجاء جيرار فكان أسفه شديدا إذ رآه على أسوأ حال فوصف له علاجا مقويا، وأقام عنده ساعة ~~ثم عاد إلى منزله وظواهر الكآبة بادية بين عينيه، فسألته أمه عن بوفور، فقال لها: لم يبق ~~رجاء. # فدقت يدا بيد وقالت: لا سبيل لإنقاذه؟ ~~- لا ينجو إلا بأعجوبة؛ فإن ذلك فوق قدرة الطب، ولكني أراك تهتمين به كثيرا فما هذا ~~الاهتمام؟ ~~- أما هو صديقك يا جيرار؟ ~~- لقد قلت لك من قبل إنه إذا عاش بيننا نجا وتكونين قد وفيت ما عليك من الدين. # فاختلجت اختلاجا عنيفا، وقالت: إذا كان في ذلك شفاؤه فليقم بيننا؛ فإن مودست ستحبه ~~وسيكون معنا كأنه مع عائلته. ~~- لقد فات الأوان. ~~- فات الأوان؟ ألم يبق شيء من الرجاء؟ ~~- كلا وا أسفاه. # وأقامت طول ليلها وهي تقول: رباه، ماذا أصنع؟ # وفي صباح اليوم التالي عادت إلى سؤال ولدها عنه، فقال لها: إنه ينطفئ تباعا كالمصباح حين ~~يفرغ منه الزيت، ولماذا تسألينني وماذا تريدين أن تصنعي؟ ~~- لا شيء، وما عساي أصنع؟ # وعادت إلى غرفتها وهي تناجي نفسها فتقول: من يعلم، ألا يمكن أن يفتكر بي دائما كما أفتكر ~~فيه، ألا يمكن أن ms052 أضع شيئا من الرجاء في حياته الآخذة بالزوال، وإذا عادت إليه الحياة ألا ~~أكون قد كفرت عن ذنبي؟ # وقد فتحت درجا بمفتاح كان معلقا بسلسلة في عنقها وأخرجت منه غلافا أصفر لتقادم العهد ~~به ففضته، وأخرجت ضمة من الزهر جافة كانت تحتفظ بها كأنها من الكنوز، وهي الضمة التي جناها ~~لها بوفور قبل الزواج مخاطرا بحياته في وادي سويسرا، وهي كل ما بقي عندها من ~~التذكارات. # وقد وضعتها في غلاف جديد وأرسلت من جاءها بكلوكلو فأعطته الغلاف، وقالت له: خذه للموسيو ~~بيير بوفور، واحذر أن تفوه بكلمة عني أو تدعه يعلم أني أنا مرسلة الكتاب. ثم يجب أن تذكر أن ~~هذه هي المرة الثانية التي أئتمنك فيها على هذا الكتاب. # فأطرق برأسه مستحييا، وقال: ثقي يا سيدتي أني لا أضيعه هذه المرة. # وقد أخذ الكتاب وذهب به من فوره إلى منزل بوفور، فسلمه إلى خادمه وانصرف، ففض بوفور ~~الغلاف فلم ير فيه غير ورقة بيضاء مكتوب عليها تاريخ 25 أيار سنة 1855 وضمة ذابلة جافة من ~~زهر البنفسج، فلم يحفل في البدء؛ حتى لقد توهم أن الرسالة أرسلت إليه خطأ. # وفيما هو ينظر تارة إلى الضمة وتارة إلى التاريخ ارتعش فجاءة ووثب من فراشه، وقال: كلا، ~~فما أنا بمجنون ولا حالم ولكنها الحمى. # ولكن ما هذا البنفسج الذابل؟ إنها تذكرني بتلك الضمة التي جنيتها من الوادي ولقيتها يوما ~~مخبوءة في صدرها حين أغمي عليها، وفككت الخادمة أزرارها، ما هذا بالتاريخ؟ إنما هو تاريخ ~~زواجي بها، فمن عساه يحتفظ بهذه الضمة خمسة وعشرين عاما ويرسلها لي غير مرسلين. # إذن فهي لا تزال في قيد الحياة، وهي تعلم أين أنا، والكتابة تدل على أنها حديثة بنت ~~ساعتها، وكل هذا يدل أنها موجودة معي في بلد واحد. # وكأنما هذا الرجاء قد رد إليه الحياة؛ فإنه وقف وقد شعر أن قوته عادت إليه. # وعند ذلك جاءه الطبيب جيرار، ورأى تغيره الفجائي فبرقت عيناه، وقال له: ماذا حدث؟ # قال له: لقد أظفرت بدوائي وهذا هو. ms053 # وقد أراه الضمة وقال: ألم تقل لي إن مرضي روحي، وهذا دوائي بهذه الضمة فإنها كل ~~روحي. # وبعد انصراف الطبيب نادى بوفور خادمه، وقال له: من الذي جاء بهذا الكتاب؟ # قال: فقير من الذي يغنون في الشوارع وهو مقطوع اليد. ~~- أما هو المدعو كلوكلو؟ ~~- هو بعينه يا سيدي. ~~- أريد أن تأتيني به كيفما اتفق ومهما كلفك ذلك من المال والعناء، وإن من عادته أن يتجول ~~في الضواحي، فخذ مركبتي وابحث عنه في كل مكان فلا تعد إلا به. # فامتثل الخادم وما زال يبحث عنه حتى لقيه وجاء به بعد ثلاث ساعات. # وقد خلا به بوفور، وقال له: ليست هذه المرة الأولى التي أتيح لنا أن نجتمع يا كلوكلو؛ فقد ~~رأيتك مرة منذ خمسة وعشرين عاما في قصر بتافان يوم زواجي بمرسلين دي مونتكور، فهل تذكر ~~ذلك؟ ~~- نعم، أذكره. ~~- أتذكر أيضا بعد ذلك التاريخ بيومين حين جاءوا بك إلى بتافان وما كانوا يريدونه منك ~~يومئذ؟ ~~- اسمح لي بأن أراجع ذاكرتي. ~~- إني أعينك على التذكر فإن قاضي التحقيق كان يريد أن يسألك بعض أسئلة في أمر يتعلق بمادة ~~اختفاء. ~~- لقد ذكرت، فإن المدموازيل مرسلين كانت قد اختفت، ولكني برحت تلك البلاد من عهد بعيد فلم ~~أعد إليها. # فقال بوفور في نفسه: إن هذا الرجل يكذب أو أنه يحاول الكذب. ثم سأله قائلا: من أعطاك ~~الرسالة التي جئتني بها؟ # فحك أذنه وقال: يعز علي يا سيدي أني لا أستطيع إفادتك بشيء. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أعرف الذي أعطاني إياها. ~~- هذا محال. ~~- بل هو الحقيقة يا سيدي؛ فإني بينما كنت أجول في الشوارع حسب عادتي دنا مني رجل لا أعرفه ~~فأعطاني الرسالة التي تسألني عنها. ~~- أهو رجل؟ ~~- نعم، وهو يكاد يكون من عمري؛ أي بين الخمسين والستين. ~~- ماذا كان يلبس؟ ~~- كما يلبس كالناس، فلم يكن في لباسه شيء من المميزات. ~~- أليس من الغريب أن يبحث عنك هذا الرجل حتى يجدك، ثم يأتمنك على هذه الرسالة وأنت لا ~~تعرفه؟ ~~- كلا يا سيدي؛ فإني لا أشتغل بالغناء ms054 وحده، بل إن أكثر مرتزقي من إرسالي في مثل هذه ~~المهمات، وفي كل يوم يرسلونني بمثل هذه الرسالة وأنا لا أعرفهم. ~~- وماذا قال لك هذا الرجل حين أعطاك الرسالة؟ ~~- قال لي: هل تعرف الموسيو بوفور؟ قلت: نعم. قال: خذ هذين الفرنكين واذهب إليه بهذه ~~الرسالة. وهذا كل ما كان بيننا. # فأخذ بوفور يسير ذهابا وإيابا في الغرفة، ويقول في نفسه: إنه لا يريد أن يتكلم، ومع ذلك ~~يجب أن يتكلم. ثم قال له: ألست تكذب يا كلوكلو؟ # قال: كلا يا سيدي، فما قلت غير الحقيقة. ~~- أما هي المرأة التي أعطتك الرسالة وأوصتك بالكتمان، أم تحسب أنه يجب عليك كتمان السر، ~~إن جميع الناس يعرفونك بالإخلاص ويثنون عليك وإني لاجئ إلى إخلاصك. ~~- أي معنى للإخلاص في هذا الموقف؟ فإن كل ما في الأمر أنك تسألني عما أجهله. ~~- أما أنا فإني واثق بأنك لا تقول الحقيقة، فأصغ إلي. ~~- كلي أذان للسمع. ~~- إنك منذ خمسة وعشرين عاما حين سألك قاضي التحقيق عن المرأة التي كانت تصحبك لم تقل ~~الحقيقة. # وإني واثق أن الذي أعطاك الرسالة اليوم لتوصلها إلي إنما هو امرأة لا رجل، وأنك تعرفها ~~حق العرفان. # فجعل يضحك ضحكا مغتصبا دون أن يجيب، وحاول بوفور أن يتوعده؛ فرأى أنه ليس من الذين ~~يخافون الوعيد، فأراد أن يستجلبه بالوعود الخلابة فقال له: إني لا أعيد عليك حكايتي؛ فإنك ~~تعلم كيف كان اختفاؤها، وإني أفرغ مجهودي منذ ربع قرن فلم يتيسر لي كشف الحجاب عن هذا السر، ~~ولم أعلم كيف لم أجن، بل كيف أني باق في قيد الحياة، على أني إذا لم أمت فإني شبه ~~الأموات، وهيهات أن أشفى من هذا الجرح الذي أصابني في قلبي. # وكنت أحسب بالأمس أن ساعتي قد دنت، فكنت أستقبل الموت بملء الارتياح، إلى أن جاءني هذا ~~الكتاب، فكان بارق رجاء أنار حياتي حتى لقد يقال إن التي أرسلته كانت عارفة بعلتي وعلاجها، ~~فأرسلت لي الدواء لتنقذني بالرغم عني؛ ولهذا قلت لك يا كلوكلو إنك تعرف فوق ما ms055 تقول، قل ~~الحقيقة، بل أتوسل إليك أن تقولها. ~~- يسوءني جدا يا سيدي أن تكون واهما، وألا أكون قادرا على خدمتك في شيء. ~~- تمعن يا كلوكلو فإن حياتي بين يديك، وإنك قادر على قتلي أو إحيائي بكلمة تخرج من ~~شفتيك. ~~- إنك تبالغ كثيرا يا سيدي. ~~- إني عظيم الثروة، فما عليك إلا أن تريد فتصبح من الأغنياء فماذا تريد؟ ~~- لا أريد شيئا؛ فإن أشتغل وأعيش مع أمي. ~~- إن أمك عجوز فإذا كنت ميسورا زدت في راحتها، فإذا رفضت مساعدتي تكون قد أسأت إليها ~~وإني أعطيك عشرين ألف فرنك الآن مقابل هذه الكلمة. ~~- ولكن كيف أستطيع أن أقول هذه الكلمة وأنا لا أعرفها؟ ~~- أعطيك خمسين ألف فرنك. ~~- إنك لو أعطيتني يا سيدي مليونا لما استطعت أن أفيدك بشيء. ~~- بل إنك رجل شرير. ~~- أأكون شريرا لأني أرفض ثروة وأنا لا أملك درهما. ~~- اعلم يا كلوكلو أني لا أعيش الآن إلا على رجاء أن أرى مرسلين، فإذا فقدت هذا الرجاء ~~فقدت الحياة فانظر ما أنت فاعل. ~~- أواه لو كنت أستطيع. ~~- من الذي يمنعك عن إنقاذ حياتي؟ # فأطرق برأسه دون أن يجيب، وأيقن بوفور أنه لا يبوح بما يعلمه مهما بالغ بالعطاء والدعوى، ~~فخطر له أن يعمد إلى الحيلة، وقال له: افعل ما تشاء ولكنك ستندم الندم الشديد، وسيقتلك ~~تقريع الضمير؛ لأنك رأيت رجلا يتعذب وأنت قادر على إنقاذه، فما فعلت. اذهب فلم يبق لك ~~عندي غير الكره والاحتقار. # فخرج وهو على أسوأ حالات الاضطراب، ونادى بوفور خادمه وقال له: اصحبه وسر به إلى إحدى ~~الحانات ومل عليه بالشراب، حتى إذا سكر عد إلي وأخبرني. # فامتثل الخادم مسرعا وأدركه قبل أن يخرج من المنزل وسار وإياه، وبعد ساعة بلغ الخادم ~~الغاية منه فتركه يغني من سكره، وعاد إلى مولاه فأخبره بما فعل. # كان روبير فولون قد توله بحب مودست فلم يخفف رفض أمها غرامه، بل زاده هياما. # وكان قد أخبر جيرار بأمره، وقال له: إذا قلت لي إنها لا تحبني يكون حزني عظيما، ولكن لا ~~يبقى ms056 لي حجة بخطبتها. فلقيه جيرار بعد بضعة أيام، وقال له: لقد سألت أختي فقالت إنها ~~تحبك. # فعانقه مرارا وقال له: لقد صيرتني أسعد الناس بما قلته لي، ولكن ما الذي يحمل أمك على ~~رفض طلبي؟ # قال: لا أعلم، فإنها لا تزال مصرة على الرفض، وقد أبت أن تجيب على أسئلتي. ~~- ومودست؟ ~~- تبكي وتأبى الخروج من المنزل؛ حتى إنها برحت وقد نهيتها مرارا عن التمادي في الحزن، ~~ونصحتها نصيحة أخ وطبيب، فكنت كالنافخ في رماد. ~~- ألم تشفق أمك لأحزانها؟ ~~- يظهر أنها لا تريد أن تسمع أو ترى شيئا. # وفي اليوم نفسه أخبر أباه بما كان بينه وبين أخيها، وسأله أن يعود إلى الطلب فقال له: لا ~~أجد فائدة من ذلك؛ فإن أمها شديدة العناد وأنا أعرفها من عهد بعيد. # غير أن روبير ألح على أبيه وفاز بإقناعه، فخلا فولون بمرسلين وقال لها: إني أتيت بالرغم ~~عني؛ لأن ولدي ألح علي بمراجعة الطلب. # قالت: أية فائدة من العود إلى هذا الحديث؟ ~~- هذا ما قلته له ولكني علمت أنهما متحابان، وهذا ما يحملني على الاعتقاد بأنك لا تحبين ~~بنتك. # فلم تجبه بشيء. فقال: ولكن بنتك وولدي يتحابان؟ ~~- كلا، فسل مودست. ~~- لقد سئلت وأجابت. ~~- من الذي تجاسر على سؤالها؟ ~~- رفقا يا مرسلين ولا تغضبي. ~~- لقد سألتك يا سيدي من الذي تجاسر على سؤال ابنتي بغياب أمها؟ ~~- واحد من الذين لهم الحق بسؤالها. ~~- من الذي يحق له هذا السؤال غيري؟ ~~- ولدك؛ أي أخوها، وهو الذي قال لولدي: لا تقنط فإنها تحبك، ولا بد لأمي أن توافق في ~~النهاية. ~~- محال. ~~- مرسلين، اسمحي لي أن أكلمك كما لو كنت أقرب أقربائك؛ فإني أراقبك منذ عرفتك فوجدت فيه ~~أخلاقا غريبة، ولا سيما حين أردت الاقتران بك، فمن أين أتيت ومن هو أبو ولديك؟ ~~- وأنت لماذا تسألني هذه الأسئلة، ألعلي تدخلت في شئونك؟ إني أحب الظلماء وأريد أن أبقى ~~على ما كنت عليه من التنكر، ألم تلقبوني بالمتنكرة الحسناء؟ ~~- هو ذاك، ولكن أي ذنب لي في الأمس إذا كنت ms057 أحببتك؟ وأي ذنب لولدي اليوم إذا أحب ~~بنتك؟ # وبعد، أيوجد أعجب من رفضك مصاهرتنا؟ إن معظم الأمهات يتمنين مصاهرة ولدي، ليس لأنه من كبار ~~الأغنياء، بل لأن له من الأخلاق الكريمة ما لا ينكره عليه أحد، وعلى الجملة فإنك إذا أصررت ~~على الرفض أسأت إلى ولدينا إساءة لا تغتفر، فهل تتحملين تبعة هذه الإساءة؟ # إن مرسلين لو خيرت بين الموت وبين الإباحة بسرها لآثرت الموت، وتلقته بملء الارتياح، ~~ولكنها إذا وافقت على هذا الزواج تحتم عليها أن تبوح بسرها، وأن تذكر اسم بوفور زوجها ووالد ~~بنتها، وأن تذكر اسم داغير غاويها ووالد ابنها، وقضي عليها أن تكشف كل ماضيها لزوجها، وقد ~~أصبح كالخيال، فتكون كأنها قتلته بيدها؛ ولذلك لم تجب بشيء. # أما فولون فإنه مضى في حديثه فقال: لقد قلت لك حين أحببتك من قبل إني لا أسألك شيئا عن ~~ماضيك إذا رضيت بي زوجا؛ ذلك لأن الأمر كان منوطا بي وحدي في ذلك العهد، أما اليوم فإنه ~~منوط بولدي؛ ولذلك يحق لي حين أخطب له ابنتك أن أسألك إماطة الحجاب عن سر تنكرك، فإذا أبيت ~~الجلاء حق لنا ولولديك أن نشكك في ماضيك بالرغم عما لك في صدورنا من الاحترام، فإذا تعاظم ~~الشك ألا ينقص الاحترام. # أما إذا بحت بسرك فإنك لا تجدين بيننا غير المشفق المعزي مهما كان سرك رهيبا. # قالت: لقد أصبت يا موسيو فولون فإن في حياتي سرا، ولكني لا أريد الإباحة به. ~~- لماذا لا تأتمنينني عليه وأنا صديقك كما تعلمين؟ ~~- لا أريد أن أئتمن عليه أحدا. ~~- ألعله يتعلق بشرفك؟ ~~- إنه لا يمس شرفي، ويحق لي أن أسير شامخة الرأس. ~~- ولكنك بكتمانك تفسحين المجال للظنون. ~~- لا أبالي. ~~- وقد يتهمونك أشنع التهم؛ من المرأة الساقطة التي تعاقب بالاحتقار إلى المرأة السارقة ~~التي تعاقب بالسجن. ~~- يحق لهم أن يتوهموا ما يشاءون. ~~- وولداك ألا تخافين ظنونهما؟ # فوقفت وقد اصفر وجهها كالأموات، وقالت: إنك تقطع قلبي ولا فائدة من أقوالك؛ فإني لا ~~أبوح. # فخرج من عندها مطرق الرأس مضطرب القلب، ms058 وهو لا يعلم أكان اضطراب قلبه من الغضب أم ~~الإشفاق، وذهب للقاء ولده. # ولما علم جيرار نتيجة هذه المقابلة قال لأمه: ألا تخشين على مودست من عاقبة هذه ~~الخطة؟ ~~- أية عاقبة تخشاها؟ ~~- إن الفتاة في هذا العمر تكون حادة المزاج، تكره الظلم كما يكرهه الأطفال، وأخاف أن ~~يدفعها تصرفك إلى اليأس، وكل ما أسألك إياه هو أن تراقبيها بملء العناية؛ لأني أرى حزنها ~~يشتد في كل يوم لتأثرها من ظلمك. ~~- لا تجر علي بحكمك يا بني. ~~- لست بجائر ولكنك علمتني الحرية والجلاء بالقول والعمل، ولا أعرف اسما غير هذا الاسم ~~لتصرفك. ~~- إنك شديد القسوة علي يا جيرار. ~~- ذلك لإشفاقي على أختي؛ فإنك غير عادلة معها. ~~- لا تتسرع بالحكم على أمك. ~~- إني أصبحت رجلا، بل إني الآن رئيس العائلة، وبهذه الصفة أكلمك؛ ولذلك أعيد ما قلته وهو ~~أنه يجب أن تراقبي مودست فإني أخاف حدوث نكبة تكونين أنت المسئولة عنها. ~~- ما الذي تخشاه؟ ~~- إني أخاف كل شيء. # وقد تركها دون أن يزيد كلمة على ما قال، فحاولت مرسلين أن تلازم ~~بنتها، ولكن مودست كانت تهرب منها وتحبس نفسها في غرفتها؛ حتى إنها حاولت مرة أن تدخل ~~إليها، فأبت أن تفتح لها الباب، فعادت وهي في أشد الانقباض، وقد أخذت تخاف غوائل هذه ~~الوحدة، وتقول في نفسها: رباه إني أخاف أن يفضي بها اليأس إلى الانتحار. # وقد اتفق بعد ذلك بيومين أنها بحثت عنها في المنزل فلم تجدها، فعاودها ذلك الفكر الهائل، ~~وأسرعت راكضة إلى جهة النهر وهي تخشى أن تكون قد ألقت نفسها فيه، فوجدتها جالسة عند الضفة ~~وهي تائهة في مهامه التفكير. # وكانت الشمس قد أخذت تتوارى في حجابها، وأقفرت الطريق، ولا يزال بين مرسلين وبنتها بضعة ~~أمتار فرأتها قد وقفت، ورسمت علامة الصليب وسمعتها تقول: روبير ... حبيبي روبير ... وألقت نفسها ~~إلى المياه، ولكنها لم تسقط فيها، بل بين ذراعي أمها؛ فإنها أدركتها عند الوثوب، وقبضت ~~عليها بملء قوتها حذرا من أن تفلت منها. # غير أن مودست كانت أشد منها ms059 فجعلت تحاول الإفلات بملء قوتها وهي تقول: دعيني أموت. إلى أن ~~تمكنت من الإفلات، وألقت بنفسها إلى النهر. فصاحت أمها صيحة منكرة وسقطت مغميا عليها، ~~فلما استفاقت نظرت نظرة هائمة إلى ما حولها فوجدت بنتها بين ذراعي أخيها. # ذلك أن جيرار أدرك أخته حين وثوبها إلى النهر فسقط في أثرها وتمكن من إنقاذها. # وقد سار الجميع عائدين إلى المنزل، ومودست لا تزال مضطربة الحواس لا تذكر ما فعلت، وجيرار ~~يحملها بين يديه وهو ينظر إلى أمه ويقول: أرأيت يا أمي كيف صح تكهني؟ # ألم أنبئك بتوقع مثل هذا المصاب، فلماذا لم تسهري عليها؟ # أما مرسلين فكانت تطرق برأسها فلا تجيب، وقد غلبت الآن على أمرها وامتناع اعترافها؛ لأن ~~خوفها من كتمان سرها كاد يقتل بنتها، فعولت على الإباحة به، ولكن ما أشد ما كانت ~~تعانيه. # ودخلوا إلى البيت فأخذ جيرار يعالج أخته، فلما عاد إليها صوابها رأت أخاها بجانبها يبتسم ~~ورأت أمها واقفة تبكي وتكلمها بأعذب أقوال الأمهات، فقالت لها مودست: أسألك العفو يا ~~أماه. # قالت: بل أنا التي أسألك أن تعفي، فأنا المخطئة وأنا التي أسأت إليك. أما الآن فكفاك ~~تبكين فإنك تحبين روبير وستكونين امرأته. # ثم عانقتها عناقا مؤثرا، وتنهدت تنهدا طويلا كأن قلبها كان يحدثها بأن أيام عذابها لم ~~تنته بعد. # ولكنها لم تكن تخاف على نفسها هذه المرة، بل على ولديها، وقد انقبض صدرها كما تنقبض ~~الصدور حين توقع المصيبة. # | القسم الثالث # الاعتراف # بعد هذه الحادثة ببضعة أيام كان بوفور وداغير عند النوتير؛ فإن بوفور كان يدير بيع معمله ~~الجديد وتصفيته لما لقيه من الخسارة فيه. # وكان قد قال لشريكه داغير من قبل: إنك مخطئ بعدم أخذك رأسمالك؛ فإن ما تستطيعه اليوم لا ~~تستطيعه غدا. # وقد حان الوقت لتصفية هذه الشركة الخاسرة، فكان داغير ينظر إلى شريكه نظرات تتوهج من ~~الحقد، ثم يقول في نفسه: ترى ما عسى أن يحل بي، وكيف أعيش بعد هذا؟ # وقد طال حديثهم عند النوتير، ولكن الحديث كان منحصرا بين بوفور ms060 والنوتير خلافا لداغير، ~~فقد كان ساهي الطرف مشتت البال لا يشترك في الحديث كأنما لا يعنيه، بل كان إذا سألاه عن أمر ~~لا يجيب. # وفيما هم على ذلك دخل خادم وقال للنوتير: إن في الباب يا سيدي الموسيو فولون. قال: قل له ~~ينتظرني قليلا فسأتفرغ له. # فاعترضه بوفور قائلا: ليدخل الآن إذا شئت فإنه صديق لنا لا نكتمه شيئا من ~~أمورنا. # فأمر الخادم أن يدخله، فلما دخل قال له النوتير: لك عندي يا سيدي أربعمائة وخمسون ألف ~~فرنك قيمة معملك الذي بعته باسمك في سانت دنيس، فماذا تريد أن تصنع بهذه القيمة؟ # قال: ما جئتك إلا لهذا؛ فإني في حاجة إلى قسم من هذا المال، وأود لو نلته اليوم. # قال: هذا سهل ميسور، ولكني أخاف أن تودع مثل هذا المبلغ الجسيم في قصرك وهو في عزلة تامة ~~كما تعلم. # قال: لقد خطر لي ذلك، وإني مخبرك عن السبب الذي يدعوني إلى قبض نصف هذا المبلغ على الأقل، ~~وهو أن ولدي روبير يريد أن يسافر متجولا في أكثر أنحاء الأرض، وقد يغيب بضعة أعوام. # فقال له بوفور: أيفارقك، ولماذا؟ # قال: لأنه أصبح قانطا، وأخاف أن يؤذيه هواء فرنسا إذا أقام فيها طويلا، فقلت له: سافر ~~إلى أفريقيا وآسيا وتجول في الهند؛ اذهب إلى أي مكان شئته، وأنفق قدر ما تشاء بشرط أن تعود ~~إلي معافى، بل إني مستعد أن أنفق عليه كل ثروتي. # فقال النوتير: إني سأنقدك المبلغ كله على الفور، ولكني أرجوك أن تتعشى معي دون كلفة ما ~~زلت في كرسل. # قال: إني أقبل دعوتك بملء الشكر. # قال: وأنت يا موسيو بوفور ويا موسيو داغير أرجوكما قبول دعوتي أيضا. # فقبل بوفور الدعوة، خلافا لداغير؛ فقد اعتذر عن قبولها، فألح عليه النوتير فأبى وتركهم ~~وانصرف دون وداع، فجعل يسير في الشوارع يشبه السكران، وهو تارة يقف وتارة يمشي وقد ظهرت على ~~وجهه علائم التفكر في أمر خطير، فكان يقول همسا من حين إلى حين: «إنه خاطر خطير ... إنه فكر ~~هائل.» وقد ms061 استمر على هذه الحالة ساعة أو تزيد، إلى أن مر بعطفة وكاد يصطدم برجل لو لم ~~يسرع إلى تنبيهه. # أما هذا الرجل فكان فولون، فقال له: ما بالك يا موسيو داغير فقد كدت تصدمني؟ # قال: أهذا أنت؟ # قال: نعم أنا هو، فلماذا تنظر إلي هذه النظرات الغريبة؟ ~~- لا شيء ... لا شيء. ~~- إنك رأيتني منذ ساعة، فهل حسبت أني مت فبعثت؟ فارتعد وتركه وهو مطرق الرأس. # وكان فولون يعلم أنه خسر كل ثروته، وأن شركته تحت التصفية فحسب أن اضطرابه لهذا السبب، ~~وجعل ينظر إليه مشفقا، ولكن داغير عاد إليه فقال له: ألا تخاف أن يتعرض لك شقي حين تعود في ~~الليل ومعك هذا المبلغ الجسيم؟ # قال: لا خوف علي فإني مدجج بالسلاح. # فلم يجبه وانصرف مسرعا، فتجول نحو ساعات لا يفكر إلا بأمر واحد، ثم عاد إلى المنزل ~~الذي كان يقيم فيه مع بوفور فلم يدخل إلى غرفته، بل وقف في نافذة تشرف على الطريق وقد امتقع ~~وجهه بصفرة الموت، فقال بصوت مرتفع: أربعمائة وتسعون ألف فرنك، إنها ثروة. # ثم سار فجأة إلى غرفة بوفور وحاول أن يدخل إليها، ولكنه سمع صوتين من داخلها، فعلم أن ~~أحدهما صوت بوفور وأن الثاني صوت امرأة لم يعرفه حق العرفان، ولكنه ذكره؛ صوتا كان يعرفه ~~من عهد بعيد فوقف عند الباب مصغيا، وقد كاد يحبس أنفاسه كي لا تفوته كلمة من ~~الحديث. ~~••• # كان اضطراب مرسلين لا تستطيع وصفه الأقلام؛ فقد رأت ابنتها تنتحر. # ولم تكن تفارق بنتها لحظة؛ فإنها كانت طريحة الفراش إلى أن تعافت في اليوم الثالث، فنظرت ~~إلى أمها نظرة كأنها تقول لها: ألعلك نسيت أني أحب روبير، فلماذا لم أره هنا بعد ما سبق ~~إلي وعدك؟ # وقد فهمت مرسلين معنى هذه النظرة وعلمت أنه لم يبق بد من الإباحة بسرها لبوفور ولفولون؛ ~~أما الأول فلأنه زوجها، وأما الثاني فلأنها لا تستطيع تزويج بنتها إلا بعد أن تظهر حقيقة ~~اسمها واسمي أمها وأبيها، ولما كان أبوها لا يزال في قيد الحياة ms062 فقد تحتمت مصادقته على ~~الزواج . # وهنا بدأ عذابها، وما عساها تقول لبوفور وقد جعلته أشقى رجل في الوجود مدة ربع قرن؟ وما ~~عساه يجيب حين يقف على زلتها ويعرف حقيقة مولد جيرار؟ # وكانت تعلم أن بوفور ضعيف البنية شديد الانفعال؛ فكانت تخاف عليه بوادر هذا النبأ، وأن ~~ينتهي بفاجعة، ولكنها لم تجد بدا من الإباحة أو تعرض بنتها لموت محتم، فكتبت إلى بوفور ما يأتي: # إن الذي أرسل إليك منذ بضعة أيام ضمة البنفسج الذابلة يستطيع أن يخبرك بأنباء ~~مرسلين، فإذا كان قلبك قد نسيها ولم تعد تكترث لأمرها فلا تجب على هذا الكتاب، وإذا ~~كان الأمر على العكس فادع صاحبة هذا الكتاب بكلمة تحضر إليك اليوم. # ولما فرغت من كتابته عنونته باسم بوفور، وأرسلته إليه مع كلوكلو وقالت له ينتظر الجواب. # وبعد ساعة عاد إليها بجواب لا يتضمن غير كلمة واحدة وهي: «احضري.» فتنهدت وقالت: رباه ~~هبني من لدنك قوة تعينني على لقائه. # وبعد هنيهة كانت في منزل بوفور فأدخلها الخادم إلى غرفته واختلى الزوجان. # وقد نظر إليها بوفور محدقا وقال لها: أذكر أني رأيتك يا سيدتي قبل الآن، ولكني لا أذكر ~~أين. ~~- عند الموسيو فولون. ~~- لقد ذكرتك، فأنت مدام لنجون التي أنقذت بنتها من الغرق. ~~- نعم يا سيدي، وشهد الله أني أذكرك كل يوم في صلاتي. # تفضلي يا سيدتي بالجلوس، ولنبحث فيما أتيت لأجله، أما أنت التي أرسلت إلي الكتاب ~~اليوم؟ ~~- نعم. ~~- إذن عرفت امرأتي مرسلين؟ ~~- لقد عرفتها كثيرا حتى إنها ائتمنتني على سر حياتها ودموعها. # فوضع يده على عينيه كأنما مرسلين قد تمثلت له بالذلوى وخاف أن يراها، بل خاف أن يقف على ~~سر شقائها، فقال لها: بالله يا سيدتي اذهبي ودعيني وأحزاني؛ فقد كنت على وشك الموت، وكانت ~~راحتي الكبرى فيه، ولكن قولي لي أين رأيتها؟ ~~- في باريس. ~~- أكان ذلك من عهد بعيد؟ ~~- منذ عشرين عاما. ~~- ماذا كانت تعمل وكيف كانت تعيش؟ ~~- كانت تشتغل لتعيش. ~~- أهي حية الآن؟ ~~- نعم. ~~- لماذا أرسلتك، ألعلها في حاجة إلي؟ ~~- كلا؛ ms063 فقد خف شقاؤها الآن. ~~- ماذا عملت في ذلك العهد الطويل؟ ~~- كانت عاملة، ثم جعلت تلقي دروسا في الموسيقى. ~~- أين تقيم الآن؟ ~~- لم تأذن لي أن أخبرك بعنوانها. ~~- لماذا؟ ألعلها تخاف أن أراها؟ وبعد فلماذا أرسلتك إلي وماذا تريد؟ ~~- إنها تريد عفوك. ~~- كيف يخطر لها أن أعفو بعد أن قتلتني كل يوم مرة مدة ربع قرن؟ ~~- إنها تاعسة منكودة منسحقة القلب. ~~- وأنا، أتحسبين أني كنت من السعداء، إني كنت شقيا بهجرانها، فهل استحقيت هذا الهجران؟ ~~قولي يا سيدتي ماذا تريد مني؟ ولماذا أرسلتك إلي؟ ~~- إنها تريد أن تعرف كل شيء منذ مقابلتكما الأولى في سويسرا إلى اليوم. ~~- كلمة أيضا، هل أعادت لي بواسطتك تلك الضمة الذابلة التي خاطرت بحياتي في سبيل جنيها ~~كي تعلم أني أحبها؟ ~~- نعم، وأنا عهدت بإبقائها إلى كلوكلو. ~~- لماذا أعادت لي تلك الضمة؟ ~~- لأنها علمت أنك مريض. ~~- من أنبأها بمرضي؟ ~~- لا أستطيع أن أجيب. ~~- ألعلها كانت ترجو أن أشفى من علتي الزوجية فأرسلت لي هذا التذكار؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذن هي تظن بأني لا أزال أحبها؟ ~~- كلا، وا أسفاه فهي تعلم أن الحب لم يعد من الممكنات. ~~- إني مصغ إليك يا سيدتي، فقولي ما عهدت إليك أن تقوليه. ~~- إن مرسلين تحبك يا موسيو بوفور. # فضحك ضحك القانطين وقال: كيف أصدق ذلك؟ ~~- إنها تحبك بملء جوارحها، وأنا أعرف ذلك منها؛ لأني لزمتها خمسة وعشرين عاما، فكانت كل ~~يوم تكلمني عنك. ~~- إذن ستخبرينني بكل أمرها؟ ~~- نعم. ~~- ولكن إذا كانت تحبني كما تقولين فلماذا تركتني؟ ~~- هنا تبدأ صعوبة مهمتي يا سيدي، وتبدأ تلك الحكاية المحزنة؛ فاسمح لي أن أذكرك ببعض ~~أمور. أتذكر حين عرفت مرسلين أنها كانت تفرغ مجهودها في سبيل اجتنابك؟ ~~- نعم؛ فقد كانت كذلك في البدء. ~~- إن مرسلين علمت أنك تحبها وشعرت أنها تحبك، وهذا الحب كان يرعبها. ~~- كيف تقولين ذلك وقد كانت حين تزوجتها من أسعد النساء؟ ~~- دعني أتم حديثي؛ فإن مرسلين لم تكن تستطيع أن تتزوج بك فقد كنت خير كفء لها، ولكنها لم ~~تكن كفئا لك. ms064 ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن رجلا شقيا أثيما كان قد أغواها وخدعها، وحين لقيتها في سويسرا كانت لاجئة ~~إليك لستر زلتها. ~~- زلتها؟ ~~- نعم؛ فقد كانت يومئذ أما. ~~- فصاح المنكود صيحة يأس، وقال: لقد خطرت لي أمور كثيرة أردت أن أعلل بها هربها، ولكن ~~هذا لم يخطر لي في بال، ويح لنفسي، أتزوجت امرأة ملطخة بالإثم وأنا أحسبها من الملائكة ~~الأطهار. ~~- لا تقض عليها ولا تلعنها واسمع بقية الحديث. ~~- وما عساي أسمع بعد؟ ~~- تبرئتها. # فضحك ضحك المجانين، وقال: أتريدين تبرئتها أيضا. ~~- نعم؛ فقد كانت لا تزال من أشرف النساء. ~~- وقد برهنت على شرفها بخيانة زوجها حين أوهمته أنها عذراء وهي من الأمهات؟ ~~- اسمع بقية حديثي يا موسيو بوفور ولك بعد ذلك أن تحكم عليها بما تشاء. # فهز كتفيه وقال: تكلمي. ~~- إن مرسلين كانت مجرمة؛ لأنها وقعت في الفخ الذي نصب لها. # ولكن المجرم الحقيقي هو ذلك الأثيم الذي أغواها وهي لم تكد تبلغ سن الرشاد؛ فقد كانت ~~غنية وكان فقيرا، فطمع بثروتها ثم تركها حين علم بخسارة أبيها، وقد ذهبت إلى سويسرا لإخفاء ~~زلتها، وعرفتها هناك بعد ولادتها ببضعة أشهر، وإنك تذكر دون شك كيف أنها كانت تهرب منك، ~~فلماذا لم تفهم سبب ابتعادها عنك على يقينك يومئذ من تعلقها بك؟ ~~- كيف يمكن أن يخطر لي هذا السبب وأنا أتوهم أنها نقية طاهرة؟ وكيف يخطر لي أنها تعبث بي ~~هذا العبث؟ ~~- أتحسب أنها لم تكن تتألم؟ ~~- يجب أن يكون لها قلب كي تشعر بالعذاب، ولكنها من غير قلب. ~~- بل إنك ذهبت إليها حيث كانت تختبئ، وتبعتها إلى حيث كانت تهرب، فأي ذنب لها، أما دعتك ~~مرارا إلى تركها؟ أما كنت ترى تألمها حين كنت تبثها غرامك. # لم تجتنبها، ولماذا لم تطعها وتتخلى عنها؟ ~~- إنها كانت تمثل رواية؛ إذ لم تكن تقصد بما تفعله غير تشويقي وحملي على التعلق ~~بها. ~~- أقسم لك بأنك مخطئ وأن ذلك لم يخطر لها في بال. ~~- من أنبأك؟ ~~- هي. ~~- لقد خدعتك كما خدعتني. ~~- كلا، ودليل ذلك أنها كانت ms065 تهرب منك دون أن تدعك تعلم أين هي، فكانت تجمعكما الصدفة إلى ~~أن غلبتها بحبك وبإلحاحك، فصحت عزيمتها بعد التردد الكثير على إخبارك بكل أمرها. ~~- إنها لو فعلت لفعلت واجبا يقضي به الشرف، نعم إنها كانت سحقت قلبي باعترافها ولكنها ~~كانت أنقذتني. ~~- إن مرسلين فعلت كل ما يقضي به الشرف. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- أقول إن مرسلين قامت بواجبها، وأرادت أن تخبرك شفاها بحكايتها الهائلة، ولكن أية امرأة ~~تجسر على مشافهة رجل بهذه الأبحاث؟ ~~- كان يجب أن تكتب. ~~- وهذا الذي فعلته. ~~- أهي كتبت لي؟ ~~- نعم، إنها كتبت لك كتابا مسهبا، وشرحت لك فيه كل تاريخها منذ عهد طفولتها إلى يوم ~~التقائها بك. ~~- وماذا جرى لهذا الكتاب، إذ لا حاجة إلى القول أنه لم يصلني. ~~- نعم، وا أسفاه إن مرسلين علمت أنه لم يصلك. ~~- إذن ماذا جرى لهذا الكتاب؟ ~~- عندما كانت في سويسرا قالت لك مرة هذا القول الذي لا تزال تذكره فيما أظن وهو: «ارجع ~~غدا يا بيير، فإذا رجعت كان رجوعك برهانا على أنك لا تزال تحبني بالرغم عن كل ~~شيء.» # وإني أذكرك بهذا القول الذي طالما أعادته لي مرسلين، وفي اليوم التالي كتبت إليك كتابها ~~المسهب وأرسلته مع رجل يدعى كلوكلو، فسكر قبل أن يصل إليك وأضاع الكتاب، ولكن مرسلين لم ~~تعلم بذلك؛ لأن الرجل لم يجسر على إخبارها بضياع الكتاب، وبرح سويسرا عائدا إلى ~~ترن. # ثم عدت أنت في اليوم التالي بعد قولها لك: «إذا رجعت كنت تحبني بالرغم عن كل شيء.» فحسبت ~~أنك اطلعت على كتابها وغفرت. ~~- وماذا افتكرت حين رأت أني لم أشر أقل إشارة إلى كتابها؟ ~~- قالت في نفسها إنك أكرم الناس خلقا؛ لأنها كانت كتبت لك في كتابها هذه الجملة: # ورجائي إذا عدت ألا تقول لي كلمة عما كتبته إليك، وألا تنظر إلي نظرة تدعني ~~أخجل. ~~- إذا كانت مرسلين كتبت إلي حقيقة هذا الكتاب فإنها لا تكون جانية. ~~- أتشكك في أنها كتبت إليك؟ ~~- ماذا يبرهن لي على صحة قولها. ~~- شهادة كلوكلو؛ فإنه يقول الحقيقة حين ms066 تأذن له مرسلين. ~~- أتريدين أن أصدق شهادة سكير؟ ~~- إنه صادق كريم، ولك ألا تصدقه، ولكن يوجد برهان آخر؛ وهو أنها لو لم تكتب إليك هذا ~~الكتاب فما الذي حملها على اليأس والهرب في اليوم التالي لزواجها؟ ألا تعلم السبب في ~~فرارها؟ ألم ينبئك قلبك به؟ إذن فاعلم أنها كانت تحبك وأنها تزوجت بك على اعتقادها أنك تعرف ~~ما فيها، ففي اليوم التالي لعرسها علمت أن الكتاب لم يصل إليك، وأنك لا تعلم حكاية ذلك ~~الشقي الذي أغواها، وأنها أم أنت تحسبها نقية عذراء، فكبر عليها هذا الخطأ ورأت أنه لا ~~بد أن يجيء يوم تقف فيه على الحقيقة وتتهمها أنها خانتك وخدعتك أقبح خداع، فهربت وهي لا ~~تريد غير الموت، ولكنها ذكرت أن لها ولدا يموت بموتها فسافرت على ألا تعود. ~~- أراك تدافعين عنها بملء الحماسة. ~~- أما أتيت لهذا؟ ~~- ولماذا أرسلتك إلي بعد ربع قرن، وإذا كان ما تقولينه حقيقة ولم تكن مجرمة فلماذا لم ~~تحضر بنفسها؟ ~~- إنها خافت غضبك أو دموعك. ~~- وأخيرا فبأية مهمة أتيت إلي؟ ~~- إن مرسلين عاشت بعد فراقك خمسة وعشرين عاما كانت في خلالها خير قدوة للناس، وكان ~~الجميع يحترمونها ويحبونها، ولا يذكر أحد أنه رآها يوما تبتسم، وقد علمت ولدها خير تعليم ~~على فقرها، فكان عزاءها الوحيد. ~~- ماذا يشتغل؟ ~~- إنه طبيب. ~~- لماذا تترددين في قول ما جئت لأجله؟ ~~- الحق أني أتردد. ~~- لماذا، ألعل الذي ستقولينه أشد هولا مما سبق قوله؟ ~~- إن مرسلين شقية؛ هي في حاجة إليك. ~~- مهما كان ذنبها فإني أمنحها كل مالي. ~~- ليست هي في حاجة إلى المال. ~~- إذن ماذا تريد مني؟ ~~- تريد مصادقتك على زواج بنتها. ~~- لها بنت أيضا، ثم تقولين إنها مثال العفة والطهارة! فإذا قالت إن مولودها الأول كان من ~~غاويها أفلا تكون بنتها من عشيقها؟ ~~- كلا يا سيدي لم يكن لها عشاق، بل لها الحق أن تدعو بنتها بلقب أبيها. ~~- من هو هذا؟ ~~- اعلم يا سيدي أن مرسلين حين خرجت هائمة على وجهها من منزلك، وحين كانت تعاني عذاب ms067 الفقر ~~والجوع شعرت أنها حاملة ، فارتعش بوفور وقال: متى كان ذلك؟ ~~- بعد ما فارقتك بشهرين أو ثلاثة. ~~- رباه ماذا أسمع! ~~- أتريد أن أقول لك الآن ماذا تدعو مرسلين والد بنتها، إنها تدعوه بيير بوفور؛ ~~زوجها. # فغطى وجهه بيديه وجعل يقول: رباه! رباه، هذا أكيد؟! # قالت: إني أقسم لك على صحة ما أقول، وفوق ذلك فإذا خطر لك أن تهين مرسلين الإهانة الكبرى ~~وتتهمها بخيانتك؛ فما عليك إلا مراجعة التاريخ. ~~- وثقت، وثقت. إذن إن لي بنتا. ~~- نعم، وهي حسنة ممتازة بصفاتها. ~~- وقد قلت لي إن مرسلين محتاجة إلى مصادقتي على زواج بنتها. ~~- نعم؛ فإنها تحب فتى ويحبها وهو خير كفء لها، ولكنها لا تستطيع تزويجها إلا بمصادقة ~~أبيها، وقد ترددت كثيرا في الأمر ولكن عاطفة الأمومة تغلبت عليها، وأبت أن تكون بنتها من ~~غير نسب، وهي يحق لها أن تنتسب إليك، ولا سيما أنها حاولت الانتحار حين أرادت أمها أن تحول ~~دون زواجها، فألقت نفسها في نهر الواز. ~~- إذن أين تقيم؟ ~~- في كريل. ~~- أتقيم هنا معي وأنا لا أراها، ومن يعلم فقد أكون رأيتها فلماذا لم تصحبك؟ ~~- أتريد أن تراها؟ ~~- أتسألينني إذا كنت أريد ابنتي وأنا أعيش منذ خمسة وعشرين عاما في عزلة أندب حظي ~~بزواجي، واليوم وقد بلغت حد الشيخوخة وعلمت أن لي بنتا تسألينني إذا كنت أريد أن ~~أراها؟ ~~- اذهبي بي إليها من فورك فلم أعد أطيق الصبر. ~~- ولكن اذكر أنها ليست وحدها، بل مع أخيها وأمها، فكيف أذهب بك إلى البنت قبل أن أثق من ~~صفحك عن الأم؟ ~~- كيف يمكن أن أصفح بعد ما عانيت من العذاب؟ ~~- إنها تعذبت فوق عذابك، ويجب أن تصفح عن الأم التي ليس لها ذنب يستوجب طلب الصفح. ~~- أأنا أصفح ...؟ كلا، كلا لا أستطيع. ~~- إذن لقد انتهت مهمتي، فأستودعك الله. ~~- كلا، إنك لا تذهبين، فإني أريد أن أعرف ابنتي، وسأتبعك إلى أين سرت وأكون ألزم لك من ~~ظلك. ~~- اصفح عن الأم. ~~- أهي مساومة تقترحينها علي؟ فإذا لم أصفح عن الأم ألا تردين إلي ms068 بنتي؟ إن ابنتي تحب ~~ولا تتردد عن الانتحار في سبيل حبها ثم تؤثرين أن تموت، فقولي لمرسلين إنها ليست أما، ~~وإنها غير جديرة بما تطلبه من الصفح. نعم، إني لا أرضى بهذه المساومة وأريد أن ترد إلي ~~ابنتي من غير شرط، وإذا علمت بعد ذلك أن امرأتي استحقت الصفح بما عانته من الشقاء وبحسن ~~سيرتها وحنوها على ولديها فقد أعفو، أما الآن فإني أريد ابنتي دون شرط. # فاصفر وجه مرسلين حتى خيل له أنها سيغمى عليها وركعت أمامه فقالت: لقد رضيت يا بيير ما ~~تريده دون شروط، وسأرد لك بنتك فلا تصفح عني إلا بعد أن تعلم أني أستحق صفحك. # فطاش صواب بوفور، وقال لمرسلين: أأنت هي مرسلين؟ ~~- نعم، أنا هي. ~~- أتكونين مرسلين ولا أعرفك، نعم، إنها عيناك. نعم، أنت هي مرسلين. # وقد سقط عن الكرسي شبه مغمى عليه من فرط التأثر وقال: إذن إن الدكتور جيرار ذلك الفتى ~~النابه الذكي الذي أخلصت له الود ... ~~- إن جيرار هو الذي ولد في سويسرا. ~~- من هو أبوه الذي أغواك وصيرك أما ثم نبذك حين علم أنك صرت فقيرة؟ ~~- لماذا تسألني عنه؟ ~~- لأني أريد أن أعرف ذلك، وهل هو حي؟ ~~- لا أعلم. ~~- بل تعلمين؛ لأنه لو كان ميتا لما ترددت لحظة عن قول اسمه، أريد أن أعرف اسمه يا مرسلين ~~إذ يجب أن أعاقب هذا السافل. ~~- ويلاه هذا الذي كنت أخشاه! ~~- اسمه ... إني آمرك أن تقولي اسمه؟ ~~- ارحمه يا بيير كما عفوت عني. ~~- أتطلبين له الرحمة، ألعلك تحبينه وتخافين عليه؟ # فقالت بلهجة تبين فيها الكره والاحتقار: أأنا أحبه؟ ~~- إذن، لماذا تدافعين عنه؟ ~~- لخوفي عليك. ~~- لا تهينيني. ~~- ليفعل الله ما يشاء؛ فإني لا أحب أن يبقى في قلبك أثر للريب. ~~- اسمه؟ ~~- جان داغير. ~~- هو ... هو ... ألا تكذبين؟ ~~- أقسم بولدي أني أقول الحق. ~~- إذن سأقتله لا محالة، والآن لنهتم بأمورنا؛ فإن مودست التي رأيتها في حفلة فولون زينة ~~الفتيات هي بنتي. ~~- نعم، وأنت أبوها مرتين، فأنت الذي أنقذتها من الغرق منذ عشرين عاما، وهي تحب ms069 روبير بن ~~فولون، فلم أكن أستطيع عقد الزواج بينهما؛ إذ لا بد من مصادقة أبيها، وأنت تعرف أن فولون لا ~~يزوج ولده ببنتي قبل أن يعرف ماضي حياتي، بقي عليك أن تزيل هذا الحاجز. ~~- وسأذيله دون شك؛ فإن فولون لا يتردد في الموافقة متى وقف على الحقيقة. ~~- إذن قابله في أقرب وقت ممكن؛ فإن مودست في حالة اليأس وإني أشكرك لعواطفك النبيلة التي ~~لم أشك فيها قط. # نعم، سأقابله اليوم، فهو هنا وقد لقيته صباحا عند النوتير الذي دعاني وإياه إلى العشاء، ~~وسأصحبه عند عودتنا إلى قصره فأخبره بكل شيء. ~~- ثم تخبرني عن جوابه. ~~- دون تأخير، والآن فإني أريد أن أرى ابنتي فهلمي بنا إليها. ~~- تمعن في الأمر يا عزيزي، فماذا تقول لها الآن إذا رأيتها؟ أليس الأجدر أن تأتي إلينا ~~بعد اتفاقك مع فولون فأكون قد هيأتها لمقابلة أبيها؟ بل أكون قد نلت صفحها وصفح ~~أخيها. ~~- لا يحق لأولادك أن يكونوا قضاتك، وليس لهم أن يصفحوا عنك، بل كل ما عليهم أن يمسحوا ~~دموعك، ولكن الأجدر أن تهيئيها لمقابلتي كما تقولين، أما أنا فإني ذاهب إلى النوتير حيث ~~أجتمع بفولون. # فركعت أمام زوجها، وقبلت يده وهي تقول: اصفح عني. # قال أظن أني سأصفح، ولكن ذلك لا يكون قبل اجتماعي ببنتك. # فمسحت دموعها وقالت له: أستودعك الله. # قال: إلى اللقاء القريب. # وقد خرجت وهي في أشد حالات الاضطراب، بحيث إنها لم تر رجلا كان مختبئا وراء ~~الستائر. # أما هذا الرجل فإنه حين رآها خرجت من القاعة خرج من مكمنه، وقال: إنها مرسلين دي مونتكور! ~~وإن الدكتور جيرار ولدي! فما هذا الاكتشاف؟! وكان هذا الرجل جان داغير يتنصت من وراء الباب ~~وقد سمع كل الحديث. ~~- ولما خرج من مكمنه خرج بوفور أيضا من غرفته والتقى الاثنان وجها بوجه، فجعل كل منهما ~~ينظر إلى صاحبه وشفتاه ترتجفان إلى أن بدأ بوفور الحديث فقال له: أرأيت هذه المرأة التي ~~خرجت من عندي الآن؟ # قال: كلا. ~~- لقد كذبت؛ إذ يستحيل ألا تكون قد رأيتها، ms070 أما وقد كذبت فإما أن تكون قد عرفتها وإما ~~أن تكون قد سمعت حديثي معها. ~~- أتحسب أني من الذين يصغون إلى الأحاديث من وراء الأبواب؟ وأية فائدة لي من ذلك؟ ~~- إن هذه المرأة هي مرسلين دي مونتكور؛ أي امرأتي. ~~- أوجدتها بعد هذا الفراق الطويل؟ ~~- وإن هذه المرأة كانت خليلة لك من قبل. ~~- أظن أنك تريد الممازحة. # فقبض بوفور على كتفيه فهزهما بعنف، وقال له: أتجسر على الإنكار أيها الشقي؟ # وقد كان داغير أشد كثيرا من بوفور، فلو أراد التخلص لاستطاع بأهون سبيل، ولكنه لم يفتكر ~~بذلك، فهزه بوفور أيضا وقال له: لقد عرفت الآن أنه لا بد لواحد منا أن يموت وسنتبارز ~~غدا مبارزة لا تنتهي إلا بالموت، وسأرى ساعتئذ إذا كنت تظهر من البسالة ما أظهرته من ~~السفالة يوم أغويت تلك الفتاة. # ثم نظر إليه نظرة ملؤها الاحتقار وتركه وانصرف، فلبث داغير هنيهة في موقفه، ثم دخل إلى ~~غرفة بوفور فعثر بما كان يبحث عنه فيها؛ إذ وجد فوق المغسلة مسدس بوفور، فأخذه وفحصه فوجده ~~محشوا بست رصاصات، فوضعه في جيبه وانصرف. # عندما خرج بوفور ذهب مسرعا إلى منزل النوتير على رجاء أن يلقى فيه فولون. # وقد لقيه هناك وحده؛ لأن النوتير لم يكن قد رجع بعد، فقال له: إني أراك حزينا يا موسيو ~~فولون لسفر روبير. # قال: هو ذاك؛ فإني لا أستطيع إخفاء كدري. ~~- وإذا فزت بمنع ولدك عن مبارحة فرنسا؟ ~~- هذا محال فقد أفرغت مجهودي في هذا السبيل، فلا يمكن أن تفوز. ~~- من يعلم؟ ~~- أوضح ما تقوله يا موسيو بوفور. ~~- إن ولدك يسافر لأنه يريد الزواج بابنة مرسلين لنجون. ~~- ولأن مدام لنجون لا تريده زوجا لابنتها. ~~- أيوجد مانع يحول دون هذا الزواج؟ ~~- بل يوجد مانعان؛ أحدهما: رفض مرسلين، والثاني: الأسرار المحيطة بما فيها. ~~- إن المانع الأول قد زال. ~~- ماذا تقول؟ أرضيت مدام لنجون؟ ~~- نعم، رضيت زواج روبير لمودست. ~~- أأنت الذي حملتها على الموافقة؟ ~~- بل هي وافقت من نفسها. ~~- والمانع الثاني؟ ~~- أتريد به سر ماضي هذه المسكينة؟ ~~- نعم. ms071 ~~- أنا أكشفه لك. ~~- ألعلك من السحرة؟ ~~- ربما. ~~- وهنا سمعا صوت النوتير، فقال بوفور: إن الحديث طويل، فعين موعدا لاجتماعنا غدا ~~فأقصه عليك. ~~- لماذا تؤجله إلى الغد؟ ~~- كيف نجتمع اليوم؟ ~~- هذا بسيط؛ فإنك تذهب معي هذه الليلة إلى قصري فتقص علي الحكاية في الطريق، ثم إنك ~~تذود عني إذا التقينا بلصوص؛ فإني سأحمل أربعمائة وخمسين ألف فرنك ورقا نقديا، فتبيت ~~عندي وغدا نتصيد في الغابة. ~~- لقد رضيت. # وعند ذلك دخل النوتير فانقطع الحديث بهذا الموضوع، وأرسل بوفور رسالة إلى مرسلين لم تتضمن ~~غير هاتين الكلمتين: # الرجاء حسن. # وقد أطلعت مرسلين بنتها على هذه الرسالة، وقالت لها: إن الرسالة بشأنك يا ابنتي فاطمئني، ~~ولا أستطيع أن أزيد شيئا على ما قلته، ولكنك ستعلمين غدا كل شيء. ~~••• # في الساعة التاسعة من مساء هذه الليلة خرج بوفور وفولون من منزل النوتير، فوضع فولون ~~المال في محفظة وركب مركبته مع صاحبه وسافرا. # ولم تكد تسير بهما حتى طلب فولون إلى صديقه أن يقص عليه الحديث. # قال: إني أدخل توا إلى الموضوع؛ فإنك أردت فيما مضى أن تتزوج مدام لنجون. ~~- نعم. ~~- لماذا لم تتزوجها يومئذ؟ ~~- لأنها أبت. ~~- أعرفت سبب رفضها؟ ~~- كلا. ~~- لقد رفضت؛ لأنها متزوجة. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- دون شك. ~~- أتعرف الموسيو لنجون؟ ~~- إنه غير موجود. ~~- الحق أني غير متمرن على حل الألغاز. ~~- لا يوجد ألغاز؛ فقد قلت إنه غير موجود؛ لأن مرسلين كانت تتنكر بهذا الاسم. ~~- ومن هو زوجها ألعلك تعرفه؟ ~~- نعم. ~~- قل لي اسمه فقد سئمت الاصطبار. ~~- إن زوج مرسلين يدعى بيير بوفور. ~~- فاهتز فولون اهتزازا عنيفا، وقال له بصوت مختنق: أأنت هو؟ ~~- نعم أنا هو، وإنك تعجب دون شك كيف أني أكتم عنك هذا الأمر إلى الآن. ~~- هو الحق ما تقول. ~~- إني كتمته لأني لم أكن أعلم قبل اليوم أن مرسلين لنجون امرأتي. # فنظر إليه منذهلا كأنما ظنه مجنونا، وأدرك بوفور معنى ابتسامه فهز رأسه وقال: كلا، لست ~~مجنونا فثق بما أقوله لك، ولكن لا بد لكلامي من إيضاح، وإني موضحه لك ms072 فاسمع. # وكان القمر قد تلألأ في السماء، ودخلت المركبة التي كان يسوقها فولون إلى غابة، وساد ~~السكون، فمضى بوفور في حديثه، ولكنه قبل أن يتم جملته سمع وقع خطوات بين الأدغال، فقال ~~لفولون بصوت منخفض: ألا تسمع؟ # قال: كلا، لا أسمع شيئا. # قال: أما أنا فقد سمعت وقع خطوات. ~~- إن الوحوش تكثر في هذه الغابة. ~~- ولكن خيل لي أني سمعت خطوات إنسان. ~~- بل إنك واهم. ~~- قد أكون متوهما ولكن الحذر محمود، فهل لديك سلاح؟ ~~- لقد وضعت في المركبة مسدسا وسأضعه إلى جانبي كي أزيل مخاوفك. # وعاد بوفور إلى حديثه الأول، فقص عليه حكايته بتمامها منذ عرف مرسلين في سويسرا إلى أن ~~اعترفت له بكل ماضيها، فلما فرغ من حديثه قال له: كيف رأيت؟ # قال: إن هذه المنكودة تستحق صفحك، وإن حكايتها لم تزدني إلا احتراما لها، أما أنت ... # وهنا قطع بوفور عليه الحديث وقال: والآن أما سمعت ...؟ # قال: لقد قلت لك إن الأرانب تكثر في هذه الغابة. ~~- وأنا أقول لك إني أسمع خطوات رجل يتبعنا، وإنه على قيد بضعة أذرع منا. ~~- اطمئن أيها الصديق فإن مسدسي معي وأنا لا أخطئ المرمى. # وفي تلك اللحظة ومض برق من الأدغال وتلاه صوت طلق ناري، فأجاب فولون بمثله، فدوى طلق ~~ثالث من الأدغال. # وحدث كل ذلك بثانية، فصاح فولون بصوت مختنق قائلا: ويح للأشقياء. # قال: ألعلك أصبت؟ # فلم يجبه وجعل يقول بصوت متقطع: إلي ... إلي. # ثم وقف في المركبة وقد سقط العنان من يده، وجمح الجواد، فانقلب فولون على دولاب المركبة ~~وسقط على الأرض، واستمر الجواد على جموحه فكان ينطلق انطلاق السهم، وبوفور ممسك بحديد ~~المركبة حذرا من أن يقع، وقد شعر بمادة تسيل من رأسه على وجهه فعرف أنها دم، وحسب أنه دم ~~فولون، ولكنه أحس بألم شديد فعلم أنه جريح، وأن الرصاصتين اللتين أطلقتا من الغابة أصابت ~~إحداهما فولون فقتلته وأصابته الثانية في رأسه فجرحته. # غير أنه لم يفتكر بنفسه، بل بصديقه، وحاول إيقاف الجواد الجامح فلم يستطع. # وقد التطمت المركبة ms073 بصخر فسقط بوفور منها وأصيب برضوض شديدة فأغمي عليه نحو خمس دقائق، ~~حتى إذا استفاق وجد المركبة واقفة حيث اصطدمت، فصعد إليها وذهب بها إلى حيث كان صديقه ~~فولون؛ فوجده ميتا لا حراك به. # وقد خطر له أن سبب الاعتداء قد يكون لمجرد السرقة؛ فإن فولون كان يحمل نحو نصف مليون ~~فرنك، فبحث عن المحفظة المالية في المركبة حيث كانت بينهما على المقعد فلم يجدها، ثم بحث ~~عنها بين الأدغال في مكان اصطدام المركبة فأيقن أن السارق القاتل قد ظفر بها وهرب. # ولم يكن يوجد أحد في تلك الغابة، وهي قريبة من قصر فولون، فأسرع بالمركبة إلى القصر وأخبر ~~روبير بتلك النكبة، فذهب الاثنان يصحبهما بعض الخدم إلى مكان الحادثة وعادوا بالقتيل إلى ~~القصر. # وكان أول ما فعله روبير بعد ذلك أنه أخبر النيابة برقيا بقتل أبيه فجاء القاضي يصحبه ~~أحد أنفار البوليس. # وقد أرسل القاضي برقية إلى الدكتور جيرار أخبره فيها بقتل فولون، وسأله أن يوافيه إلى قصر ~~القتيل لفحص الجثة ووضع التقرير، فعرفت عائلته بهذه النكبة، وكان وقعها عظيما ~~عليها. # وقد وصل جيرار في الوقت المعين فعزى صديقه روبير تعزية صادقة، ثم انصرف إلى فحص ~~القتيل. # وبعد ذلك ذهب الجميع إلى المكان الذي حدثت فيه الجناية وبحث القاضي بحثا دقيقا، فوجد في ~~مكان قريب من المكان الذي وقعت فيه المركبة مسدسا ملقى على الأرض، فأخذه وفحصه، وجعل كلا ~~من الحاضرين يفحصه إلى أن استلمه بوفور، فظهرت عليه علائم الانذهال وقال: إنه يشبه مسدسا ~~موجودا عندي كل الشبه؛ حتى يقال إنه هو بعينه. # فنظر قاضي التحقيق نظرة منكرة إلى بوفور وقد خامره الريب، وخلا بمعاونه فقال له: أتعرف ~~شيئا عن حالة بوفور؛ فقد رابني قوله إن مسدسه يشبه مسدس القاتل؟ # قال: إن الأمر بسيط إلا إذا بحثنا عن مسدسه في منزله ولم نجده. # قال: يقال إن حالته المالية على غير ما يرام وإنه أعلن تصفية أعماله. ~~- والذي أعلمه أنه رجل غني. ~~- لقد كان غنيا ولكنه خسر أموالا كثيرة في ms074 تجارة الحديد، وفي كل حال فسيجلي التحقيق ~~الحقيقة. # وقد خلا بعد ذلك بالدكتور جيرار وسأله أن يضع له تقريرا مدققا عن جرح بوفور، ففحصه ووضع ~~تقريره، فكانت نتيجة ذلك التقرير أن الرصاصة التي أصابت رأسه كان مطلقها في مكان أرفع من ~~مكانه؛ فأصابته من فوق إلى تحت، خلافا للرصاصة التي أصابت صدر فولون فقد كانت مستقيمة ~~السير وهو ما زاد شك القاضي ببوفور، بدليل أنه حين أراد أن يعود مع جيرار في مركبته منعه، ~~وقال له: لا أزال محتاجا إليك، وستعود في مركبتي إلى كريل. # عندما عاد الدكتور جيرار إلى منزله قالت له أخته إنه أتى خادم يسأل عنه وإنه ينتظره، فذهب ~~جيرار إليه ووجد أنه خادم بوفور، فقال له: ماذا حدث، أعاد سيدك إلى المنزل؟ وهل يتألم كثيرا ~~من جرحه؟ # قال: إنه لم يعد إلى المنزل وليس هو الذي أرسلني. ~~- إذن ماذا؟ ~~- إنك تعلم يا سيدي أن الموسيو داغير شريك الموسيو بوفور يقيم مع شريكه في منزل واحد؛ فقد ~~تركه خادمه منذ أسبوع، فلما رأيته اليوم لم يخرج من غرفته، حسب عادته، دخلت إليه وقد أحسنت ~~بما فعلت. ~~- ألعلك وجدته مريضا؟ ~~- بل وجدته بحالة تشبه الاحتضار فناديته فلم يجب؛ إذ لم يستطع أن يجيب. ~~- ماذا أصابه؟ ~~- لا أدري؛ ولكني وجدت دما كثيرا على ثيابه ولعله من رعاف شديد، وهو الآن فاقد ~~الصواب. ~~- ألعله مات؟ ~~- كلا، ولكنه على وشك الموت. # قال: إني ذاهب إليه. وبعد ربع ساعة كان هناك فقال للخادم: ابق في الغرفة المجاورة فإذا ~~احتجت إليك دعوتك. # لم يكن داغير يحتضر كما توهم الخادم، ولكن ثيابه كانت ملطخة بالدم والوحول، وقد تمعن في ~~وجهه فأيقن أنه لم يصب بالرعاف، وأن هذا الدم لم ينزف من أنفه أو فمه، فقال في نفسه: إنه ~~جريح أيضا فما معنى هذا؟ # وقد أقفل باب الغرفة من الداخل كي لا يزعجه أحد، ثم عاد إلى داغير فكشف عنه الغطاء وقال ~~في نفسه: لم أكن مخطئا فهو جريح فإنه كان مصابا برصاصة بكتفه، فعالج ms075 الرصاصة حتى أخرجها ~~وخمد الجرح . # وكان قد أغمي عليه لكثرة ما نزف من دمه، فلما استفاق نظر إلى ما حواليه نظرة تشف عن ~~الرعب، وقال لجيرار بصوت خافت: من أنت يا سيدي؟ # قال: أنا الدكتور جيرار فلا تتكلم ولا تتحرك؛ لأن ذلك يؤذيك. ~~- ولكن يجب أن أقول لك ... ~~- ستقول لي ما تريد قوله فيما بعد. ~~- كلمة فقط ... لا تقل لأحد ... فإني أنا جرحت نفسي خطأ. # وإني أستحلفك بشرفك وبشرف مهنتك التي تقضي عليك بكتمان الأسرار. ~~- لا فائدة من تنبيهي فإني أعرف واجباتي. # فأراد أن يشكره، ولكنه لم يستطع الكلام؛ إذ أغمي عليه، فقال جيرار في نفسه: لقد كذب هذا ~~الرجل؛ إذ يستحيل أن يكون جرح نفسه كما قال؛ لأن الرصاص إذا أطلق من مدى قريب ترك أثرا ~~للبارودة في مكان الإصابة ولا يوجد شيء من هذا، فلماذا كذب؟ # وهنا عاد إلى ذاكرته مقتل فولون، فنظر إلى الرصاصة التي أخرجها من الجرح بإمعان ثم وضعها ~~في جيبه. # وصحا داغير ثانية وقد استراح بعد إخراج الرصاصة، فتنهد تنهد الراحة، ولكن كانت تدل على ~~الخوف، ولا سيما حين كان ينظر إلى ملابسه الملوثة بالدماء والملقاة في زاوية من ~~الغرفة. # ولم يخف معنى هذه النظرات عن جيرار، فقال له: أود أن أعلم لماذا ادعيت أنك جرحت ~~نفسك؟ ~~- ماذا يهمك؟ ~~- إنك قد تكون ضحية هجوم، فإذا كان ذلك فلماذا لم تبلغ الحكومة؟ ~~- أي شأن للحكومة فقد قلت لك إني جرحت نفسي خطأ وكفى، فعالجني ولا تهتم لمعرفة سبب ~~جرحي. ~~- لقد وعدتك ألا أقول شيئا عن جرحك لأحد عملا بواجب مهنتي؛ إذ لا فرق بين الكاهن ~~والطبيب في وجوب كتم الأسرار. # ولكن لا شيء يمنع الطبيب أن يبحث عن حقيقة أمر يشك به، فأنا لا أعلم كيف جرحت، ولكني ~~أسألك أن تقول لي الحقيقة. ~~- إني أعيد عليك ما قلته وهو أن هذا الأمر لا يعنيك. ~~- ولكنك لو عرفت ما يجول من خاطري من الشكوك لذعرت. ~~- ولم؟ ألعلك تظن أنهم حاولوا قتلي؟ ~~- ربما. ~~- إذن؛ افترض ذلك. ~~- وإذا ms076 افترضته يبقى أن أعلم لماذا لم تبلغ الحكومة. # فاضطرب لذكر الحكومة، وأجال نظره بين الطبيب وبين الملابس الدامية، وقال: إن ذلك يعنيني ~~دون سواي ألا يمكن أن يكون ذلك الجرح نتيجة مبارزة خفية بسبب امرأة، فكيف يجوز أن أبلغ ~~الحكومة في هذه الحالة؟ ~~- فلم يعترض جيرار؛ لأن هذا التعليل كان ممكنا، ولكنه بقي مشككا، فودع الجريح وانصرف ~~على أن يعود في الغد، واحتفظ بالرصاصة. # بقي داغير منصتا إلى أن أيقن من انصراف الطبيب، فنهض من فرشه يمشي إلى الباب مشية ~~السكران، فأقفله بالمفتاح وهو يقول في نفسه: ترى كيف أعلل وجود الوحل والدم على ملابسي؛ فقد ~~يوجد إخصائيون يعرفون أن هذا التراب من تراب الغابة، فمن جاءني بهذا الطبيب الذي رأى كل ~~شيء، ولكنه لم يفهم شيئا فيما أظن، وقد جازت حيلة المبارزة عليه، ولكنها كيف تجوز على ~~الحكومة؟ ولا سيما حين تسألني عن اسم مبارزي. # على أنه لا يبوح بما رآه عملا بواجب مهنته، ولنفرض أنه أراد أن يبوح فإني أعرف كيف ~~أمنعه. # وبعد فما هذا الاتفاق الغريب، فإن جيرار ولدي وحياتي بين يديه، إذا عرف سر الجناية، ولكنه ~~لو عرفه يكتمه لا محالة، فلأنظر الآن إلى الأهم وهو إخفاء أثر الجرح. # وقد أخذ سكين صيد فقطع ملابسه قطعا صغيرة وألقاها في المستوقد، ثم فتح الباب وعاد إلى ~~فراشه، فنادى الخادم وسأله أن يأتيه بحساء، وشيء من اللحم البارد، وكأس من الخمر، فقال له: ~~أرجوك يا سيدي معذرتي لإبطائي في الحضور إليك؛ فقد ذعرت مما حدث. ~~- ماذا حدث؟ ~~- إن رجال التحقيق هم الآن في المنزل؛ فقد قتل الموسيو فولون في الليل حين كان يجتاز ~~الغابة، وأصيب الموسيو بوفور برصاصة فجرح جرحا غير خطر، والحمد لله. ~~- وأي شأن لرجال التحقيق في منزل بوفور؟ ~~- إنهم عادوا به إلى منزله؛ لأنهم لم يستطيعوا نقله في الليل. ~~- كل هذا طبيعي، فما الذي أخافك؟ ~~- لقد سمعتهم يتحدثون عن مسدس، ورأيت الاضطراب باديا على الموسيو بوفور والدكتور ~~جيرار. ~~- ألا يزال الطبيب هنا؟ ~~- إنه لقي المحققين ms077 في الطريق حين انصرافه فعاد معهم. ~~- ألم يسأل الموسيو بوفور عني؟ ~~- كلا. ~~- إذا سألك أحد عني فقل إني مريض وإني نائم. # وانصرف الخادم فقال داغير في نفسه: إنه سيذكر أننا متفقان على المبارزة، ولكنه متى علم ~~أني مريض أرجأها إلى حين شفائي، ومتى شفيت ... # أما جيرار فإنه أخرج الرصاصة من كتفي ورأيته يفحصها وهو قد أخذها دون شك؛ لأني لم أجدها، ~~وكل هذا يدل على ريبه، وإلا فما يريد من احتفاظه بها، فإذا عرف بأمرها رجال التحقيق كنت من ~~الهالكين. # وبعد هنيهة عاد الخادم بالطعام وعليه علائم الاضطراب الشديد، فقال له داغير: ماذا ~~حدث؟ # قال: نكبة عظيمة يا سيدي فقد أوقفوا الموسيو بوفور. ~~- بوفور ... قبضوا عليه؟ ~~- نعم يا سيدي كأنه من الممكن الظن بأن يتهم بقتل صديقه فولون، وهو مثال الدعة ومكارم ~~الأخلاق، فما هذا المصاب؟ # وقد وضع الطعام على مائدة بجانب السرير وانصرف، فابتسم داغير ابتسام الأبالسة وقال: ما ~~هذه الشهية للطعام فإني لم أكن أجدها في زمن العافية. # ولنقص الآن على القراء ما جرى في المنزل؛ فإن قاضي التحقيق جاء مع بوفور إلى المنزل ~~فقال له: هل لك أن تريني مسدسك؟ # قال: دون شك فتفضل بالدخول معي إلى منزلي لترى أني لست من الكاذبين، على أني لا أعلم أية ~~علاقة لي بالشبه بين المسدسين. # فلم يجبه القاضي ودخل معه إلى الحديقة، وهناك رأى بوفور جيرار خارجا منها، فقال له: هل ~~أتيت لتراني؟ # قال: كلا، بل أتيت لعيادة الموسيو داغير. # قال: أهو مريض؟ وما هي علته؟ # فأجابه بلهجة مضطربة: لم أعرف بعد. # قال: إلى أين أنت ذاهب ألا تستطيع أن تبقى معي ربع ساعة؟ # قال: كما تريد. # وصعد الجميع إلى المنزل ودخل بوفور إلى غرفته كي يأتي بالمسدس، فعاد صفر اليدين، ولكنه ~~كان يبتسم، فقال له القاضي: أين المسدس؟ قال: لم أجده ولا شك أن الخادم أخذه لينظفه. # وقد دعا الخادم وقال له: أين مسدسي؟ # قال: إنه في موضعه يا سيدي. ~~- قال: لم أجده فاذهب وابحث عنه. # فامتثل الخادم ms078 وعاد فقال: لم أجده فقد نظفته أمس ووضعته في موضعه بعد انصراف السيدة التي ~~كانت عندك. # فقال القاضي: من هي هذه السيدة؟ # قال: هي مدام مرسلين لنجون والدة الدكتور جيرار. # فقال جيرار: ما أتت تعمل أمي عندك؟ # قال: أتت تباحثني بشأن بنتها مودست وروبير بن فولون؛ ولهذا صحبت فولون إلى منزله، وقد ~~باحثته بشأن زواج أختك وولده يا جيرار. ~~- بأية صفة كنت الوسيط؟ ~~- بصفة كوني صديق فولون وصديق أمك. # فقال القاضي: لنبحث في المسدس، فكيف تعلل اختفاءه من منزلك؟ # قال: لا أدري كيف أعلله. ~~- إنك تجيبني كما يجيبون عن أمر بسيط، ألا تعلم خطورة هذا الأمر؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أجبني كيف ضاع مسدسك؟ ~~- لقد أجبتك بأني لا أعلم. ~~- ألا تشتبه بأحد؟ ~~- كلا. ~~- أما تعود أحد أن يستخدم مسدسك؟ ~~- كلا، إلا إذا كان شريكي الموسيو داغير قد أخذه في مدة غيابي. ~~- أيمكن أن يكون هو الذي أخذه؟ ~~- لا أظن؛ فإن لديه مسدسه. ~~- إنه يقيم في جناح من هذا المنزل كما أظن. ~~- نعم، وهو الآن في غرفته لأني علمت من خادمي أنه مريض. ~~- أريد قبل أن أزعجه بالسؤال أن أعرض على خادمك المسدس الذي وجدناه في الغابة. # ثم نادى الخادم وأراه المسدس، فلما رآه الخادم قال: هذا هو، فأين وجدتموه؟ # قال: أواثق أنت أنه هو بعينه؟ # قال: كل الثقة فإن في قبضته البيضاء لطخة سوداء لم أستطع إزالتها. # فنظر القاضي إلى القبضة فوجد اللطخة في المكان الذي عينه، فقال لبوفور: إذن لم يبق شك أن ~~هذا المسدس لك. # قال: كلا، فهو لي. ~~- هل لك أن توضح لي كيف أنه أخذ من منزلك واتفق وجوده مع القاتل؟ ~~- كيف أستطيع أن أعلم؛ فإن حل هذه الألغاز من واجباتك. ~~- إن حلها سهل؛ وهو أن خادمك نظف مسدسك ووضعه في مكانه فأخذته وخرجت به. ~~- هذا خطأ. ~~- بل هي الحقيقة فقد أخذته وأنت الذي أضعته في الغابة. ~~- لماذا لا تسرع فتقول إني أنا قاتل صديقي الحبيب فولون؟! ~~- إني لا أشكوك يا موسيو بوفور، ولكن لا يسعني إلا ms079 أن أخبرك أني وجدت منذ هذا الصباح أدلة ~~كثيرة تقضي علي بإيقافك. ~~- أتوقفني أنا؟ ما هذا المزاح؟ ~~- لا يمزحون في القضاء؛ فتفضل واتبعنا. ~~- إذا كنت لا تشكوني كما تقول فدعني أبقى في منزلي، وإني أقسم بشرفي ألا أبرحه قبل أن ~~تنجلي الحقيقة، وإذا كنت لا تثق بيميني فأقم معي من تشاء من رجال البوليس. # فلم يقبل القاضي وساروا به، فودعه جيرار بالنظر، وهو يكاد يذوب حزنا عليه. # فلما عاد إلى منزله سألته أمه: كيف حال الموسيو بوفور؟ وهل وجدوا القاتل؟ # قال: لقد قلت لك إن جرحه بسيط، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- إن الموسيو بوفور أوصاني ألا أكتمك شيئا، فاعلمي إذن أنه يوجد كثير من الأدلة تشهد ~~عليه. ~~- بماذا؟ أسرع بالإيضاح. ~~- إنهم قبضوا عليه. ~~- لماذا؟ ~~- لأنهم يتهمونه بقتل الموسيو فولون. ~~- لا شك أنك تمزح! ~~- بل هي الحقيقة أقولها بملء الأسف. # ثم روى لها جميع ما حدث تفصيلا، وقال لها: لا شك أن الصدفة قد قضت عليه بهذه التهمة، وفي ~~اعتقادي أنه بريء. ~~- إذا كان ذلك فلا بد لك من السعي لإنقاذه. ~~- كيف أستطيع ذلك؟ ~~- لا أعلم، فسنبحث معا عن الطريقة، نعم يجب إنقاذه يا بني فلو تعلم ... ~~- ماذا؟ ~~- ستعلم كل شيء فيما بعد، ولكن يجب عليك أن تحترم الموسيو بوفور وأن تحبه بملء ~~جوارحك. ~~- ماذا تعنين يا أماه، فإنك لا تعرفين الموسيو بوفور، وعندما رجوتك أن تأذني بإقامته بيننا ~~أبيت كل الإباء، فما الذي غيرك اليوم هذا التغيير؟ ~~- ستعلم فيما بعد كما قلت لك. # وفي اليوم التالي عاد جيرار إلى داغير واستقبله باسما، وقال له: لقد أفادني علاجك فأنا ~~اليوم في خير حال. # قال: هو ما تراه، ولكن يجب أن تحذر الانتكاس؛ فإنك لا تزال شديد الضعف. # قال: نعم؛ فقد أردت أن أنهض اليوم فلم أستطع. # فجس نبضه ونظر إلى زاوية الغرفة فلم يجد الثياب الملوثة بالدم، فقال له متظاهرا بعدم ~~الاكتراث: من الذي نظف غرفتك؟ # قال: الخادم. ~~- أظن أنك أصبت ببرد. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- من النار التي أشعلتها في المستوقد. ~~- نعم؛ ms080 فقد بردت أمس فكلفت الخادم أن يوقد النار، فدنا جيرار من المستوقد وجعل ينظر إلى ~~الرماد، فاضطرب داغير وقال له: ماذا تفعل؟ # فلم يجبه الطبيب، ولو أراد إجابته في تلك اللحظة لما استطاع لفرط اضطرابه، ثم قال له بعد ~~هنيهة: إنك ارتكبت خطأ عظيما. ~~- ما هو؟ ~~- أما أوصيتك بالسكون وألا تنهض من فراشك؟ ~~- وأنا امتثلت. ~~- أين هي الثياب التي كانت أمس في زاوية الغرفة؟ ~~- لقد أخذها الخادم حين نظف الغرفة. ~~- أين وضعها؟ ~~- لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- ستعرف يوما ما السبب. ~~- إذن سأقول لك الحقيقة، وهي أني نهضت من فراشي حقيقة، ووقفت في النافذة فرأيت فقيرا ~~يتسول فألقيت إليه هذه الثياب. ~~- أهذا هو كل شيء؟ ~~- ماذا تريد أيضا؟ ~~- أريد أن أعرف الحقيقة يا موسيو داغير؛ فإن كل ما قلته كذب محض. ~~- إنك تغتنم فرصة ضعفي فتهينني، وليس هذا عمل شريف، بل ليس هذا من الشجاعة في شيء. ~~- وأنت قد انحطيت حتى وصلت إلى الكذب، وليس هذا من شروط البسالة. ~~- وأخيرا ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أعرف لماذا أحرقت ملابسك، ولا فائدة من الإنكار؛ فقد رأيت في المستوقد قطعة ~~منها لم تأكلها النار، وهذا يفيد كثيرا قاضي التحقيق لو خامره بك ريب. ~~- ماذا عسى يريبه مني؟ أما قلت لك كيف جرحت؟ فلا تنس أن شرف امرأة متعلق بهذا الجرح، ~~ألا يحق لي أن أتخذ وسائل الحذر؟ # فحدق به جيرار كأنه يريد أن يخترق بنظراته أعماق قلبه، ولم يطق داغير احتمال تلك ~~النظرات فأغمض عينيه كي يتقيها، فتجسم الشك في قلب جيرار، وقال له: سأعودك في كل ~~يوم. # قال: لم يبق فائدة من ذلك؛ لأني شفيت، فتفضل بإرسال بيان حسابك. # قال: بل أزورك في كل يوم إلى أن تنجلي لي الحقيقة. ~~- وأنا حر في منزلي، فلا تستطيع معالجتي بالرغم عني؛ ولذلك أمنعك عن زيارتي. ~~- ذلك سهل قوله، ولكنك لا تفعله. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يوجد معي طلسم أفتح به باب منزلك حين أشاء، وهو هذا. # وقد أخذ من جيبه الرصاصة التي أخرجها من كتفه وأراه إياها، ms081 وهي داخل لفافة من ~~الورق . # فقال له: ما هذا فإني لا أرى؟ # قال: هي الرصاصة التي أخرجتها من كتفك؛ فقد وضعتها في جيبي عرضا، وحسنا فعلت؛ لأنك كنت ~~أتلفتها كما فعلت بملابسك، أما إذا بقيت معي فلا خطر عليها من التلف أو الضياع، أتعلم عما ~~أبحث الآن؟ إني أبحث عن المسدس التي خرجت منه الرصاصة، وسأجده لا محالة. # فتلعثم لسانه من الرعب حتى لم يعلم ماذا يجيب، وتركه جيرار على هذه الحالة وذهب من فوره ~~إلى مركز النيابة، ولم يكن قاضي التحقيق هناك فلقي الكاتب، وقال له: هل يمكن أن أرى المسدس ~~الذي وجد في مركبة فولون؟ # قال: ذلك سهل. # وقام فأعطاه مسدس القتيل وعاد إلى عمله، ففحصه جيرار، وأدخل فيه الرصاصة التي أخرجها من ~~كتف داغير فأيقن أنها خرجت من المسدس نفسه، وأعاده إلى الكاتب ثم شكره وانصرف، وقد استحال ~~شكه إلى يقين. # وفي اليوم التالي عاد إلى داغير فأقفل الباب من الداخل، وجلس على كرسي بجانب سريره، وقال ~~له: لا شك أنك تستطيع أن تشفى الآن من غير معالجتي، وإني مخبرك الآن بما دعاني إلى ~~الإلحاح بزيارتك. ~~- كلي آذان للسمع. ~~- ثم إني مخبرك بما فعلت وبما أريد أن أفعل. ~~- ماذا فعلت؟ ~~- فعلت ما حملني على الوثوق من أن الرصاصة التي أخرجتها من كتفك إنما أطلقت عليك من مسدس ~~المرحوم فولون. ~~- مسدس فولون؟ ~~- نعم؛ فإنه حين شعر بأنه جريح أطلق مسدسه على قاتله، ولكن النيابة تتهم الموسيو ~~بوفور. ~~- وهذا صحيح، ألم يجدوا مسدسه في مكان الحادثة؟ ~~- من أنبأك بذلك؟ ~~- خادمه الذي يخدمني الآن. ~~- هذا أكيد، ولكن ترى ما يقول قاضي التحقيق لو ذهبت إليه فقلت له: «إن الليلة التي قتل ~~فيها فولون وجرح بوفور وجد فيها أيضا جريح ثالث، وإن الطبيب يثبت بالبرهان أن الرصاصة ~~التي أصيب بها كانت من مسدس فولون، وإن هذا الجريح أحرق ملابسه الملوثة بالدماء كي يخفي أثر ~~الجريمة، وإنه سرق حقيبة فولون وأخفاها ومشى يجر نفسه جرا إلى المنزل، فلو لم يدركه ~~الطبيب لكان ms082 من الأموات.» # فقال داغير والرعب ظاهر في وجهه: هذا كذب. # قال: إن الذعر الذي يبدو في عينيك يقول بأفصح لسان هذا أكيد. ~~- والمسدس الذي وجد في الغابة؟ ~~- إنه جريمة أخرى تضاف إلى جريمتك؛ فقد كنت عند النوتير حين قبض منه فولون المال، فتركته ~~مع بوفور وعدت إلى المنزل وأنتما تقيمان فيه معا فسرقته وتركته بعد الجناية في ساحة القتل ~~كي يعرف ذلك المنكود به وليتهم بدلا منك. ~~- لماذا أعرض بوفور لهذه التهمة؟ ~~- سوف أعلم، وقد تكون فعلت ذلك لتبعد التهمة عنك، ربما يتيسر لك الفرار أو لأنك تكره ~~بوفور بعد أن خسرت مالك في شركته، والآن فإني أعتقد أنك أنت القاتل، فادحض براهيني إذا ~~استطعت. ~~- أية فائدة من دحض البرهان؟ ~~- افترض أني قاضيك، وأني أشكوك أتجيبني هذا الجواب التافه أم تدافع عن نفسك؟ ~~- ولكنك لست بقاض. ~~- إن الطبيب قد يكون قاضيا في بعض الأحيان. ~~- إنك تغتنم فرصة ضعفي لتهينني، ولو كنت في عافيتي لقذفت بك إلى الخارج. ~~- ليس هذا الجواب، فقل لي من الذي جرحك، إلا إذا أردت أن أخبر قاضي التحقيق بأمرك فيسألك ~~عني هذا السؤال. ~~- لقد قلت لك إن الشرف يمنعني عن ذكر اسمه. ~~- لو كان قولك صحيحا لما امتنعت عن أن تبوح لي به، وأنت تعلم أن سرك يدفن في صدري، إني ~~إذا شئت أقسمت ألا أبوح به لأحد. ~~- هذا محال. ~~- إذن قل لي أين كنت ليلة الجريمة؟ ~~- إذا قلت لك أين كنت أكون قد بحت لك بالسر. ~~- تكتم قدر ما تشاء فسيتولى غيري سؤالك. ~~- من هو؟ ~~- قاضي التحقيق. # فجلس في سريره وقال: كلا، إنك لا تفعل هذا. ~~- من يمنعني؟ ~~- أنا. ~~- كيف؟ ~~- بتذكيرك أنك طبيب، وأنك لا تقف على سري إلا حين مزاولة مهنتك، فشرف المهنة يدعوك إلى ~~التقيد بهذا السر، وأنت تعرف ذلك أكثر مني، فليس علي أن أرشدك إلى واجباتك. # وكان جيرار يعرف هذا الواجب؛ فإن المؤتمر الطبي تناقش في واجبات الطبيب، وطرح عليه هذا ~~السؤال وهو: «إذا اتفق أن رجلا بريئا اتهم بجريمة هائلة ms083 وأن أحد الأطباء عرف الجاني ~~الحقيقي حال ممارسة مهنته؛ هل يجوز أن يظهر الجاني الحقيقي؟» # فاتفق المؤتمر بعد الجدال على الجواب، وكان أنه لا يجوز، فتسجل في نظامهم وتحتم على كل ~~طبيب أن يحترم هذا القرار. # ولذلك أجاب جيرار داغير فقال: نعم، إن واجبات الطبيب تقضي علي بكتمان سرك، ولكنك لم ~~تستند بدفاعك إلا إلى هذه الواجبات، وعجزت عن كل دفاع، وهو ما يدل على أنك مجرم، وإذا كنت ~~لا تخافني فلماذا لا تعترف لي، وأية فائدة من الإنكار وأنا أعلم علم اليقين أنك ~~القاتل؟ # فأطرق هنيهة مفكرا ثم قال: لقد أصبت؛ فإني إذا بالغت في الإنكار حق لك أن تعتقد أني ~~بريء، فحق لك أن تخبر أني جريح، فلا أعلم ما يكون من قاضي التحقيق؛ ولذلك أرى أن أخبرك ~~بالحقيقة فتكتمها كما لو كنت شريكي، نعم إني أعترف للطبيب جيرار الذي وقف على سري بسبب ~~معالجتي، وأقول: إني أنا الذي قتلت فولون وجرحت بوفور، فانس الآن هذه الحكاية واعمل ~~بواجباتك كطبيب. ~~- وهذا البريء المقبوض عليه والمتهم بدلا منك؟ ~~- إنه قليل الحظ فليتدبر بأمره. ~~- ولكن هل خطر لك أنهم سيحاكمونه في محكمة الجنايات؟ ~~- نعم، وسيبرئونه وأنجو. ~~- قد يبرئونه ولكنه سيوصم بوصمة عار من شكوك الناس لا تمحى أبد الدهر. ~~- إنك تبالغ أيها الطبيب. ~~- وإذا حكم عليه بالإعدام، وهذا أيضا من الممكنات؟ ~~- عند ذلك تكون نجاتي مضمونة. ~~- أليس في قلبك ذرة من الحنان فتشفق على رجل يموت عوضا عنك؟ ~~- أتطلب الرحمة إلى رجل اعترف لك أنه قاتل؟ لا شك أنك من المجانين. ~~- ويح لك أيها الشقي. ~~- نعم إني شقي كما تقول، ولكني أريد أن أنقذ نفسي، ولو كنت من أهل العواطف الطيبة لما كنت ~~قاتلا سفاكا، فلنبحث في غير هذا الموضوع. ~~- لا أكتم عنك أني لم أقر على شيء بعد فيما يتعلق بجنايتك. ~~- لا تستطيع أن تقر إلا على أمر واحد وهو الكتمان. ~~- بل أستطيع وسأتمعن، ولكني أعدك أني إذا اعتمدت على إخبار قاضي التحقيق فسأدعك تسلم نفسك ~~كي يخف عقابك. ms084 ~~- أشكرك لاهتمامك بتخفيف عقابي، ولكني أوثر ألا أحتاج إلى ذلك. ~~- سأعود غدا إليك وسنرى. ~~- وأنا أنتظرك. # وقد تركه جيرار وعاد إلى منزله، فأخذ قانون الأطباء وقرأ مرارا عله يجد مخرجا يعينه ~~على الإباحة بسر المريض الذي يعالجه، والذي لم يكتشف سره إلا بسبب هذه المعالجة، فلم يجد ~~نصا يعينه على ذلك، فأقفل الكتاب مغضبا، وقال في نفسه: إني سأذهب إلى قاضي التحقيق فأقول ~~له إن الذي قبضت عليه بريء، فابحث عن الجاني الحقيقي، ولا أزيد كلمة على هذا فأكون نبهت ~~قاضي التحقيق، وكتمت سر الجاني المريض. # وقد ذهب من فوره إلى قاضي التحقيق فأحسن استقباله، ولكنه رأى الاضطراب باديا في وجهه ~~فسأله عن أسبابه فقال له: إني أتيت لأبلغك أمرا خطيرا على رجاء أن تأخذ كلامي على علاته ~~فلا تحوجني إلى تصريح. # قال: لقد أدهشتني بهذه المقدمة؛ إذ لا أستطيع التقيد بها قبل أن أسمع أقوالك. # قال: كل ما أريد قوله هو أنك مخطئ في سير التحقيق في قضية فولون، ومخطئ في قبضك على ~~بوفور. ~~- تريد أن تقول إنه بريء؟ ~~- نعم. ~~- هذا كل ما أتمناه له، ولكن لا بد لهذه الجناية من جان، فإذا كنت واثقا من براءة ~~بوفور فاذكر لي اسم الجاني؟ # فأجابه بصوت مختنق: لا أعرف اسمه. ~~- هذا ممكن، ولكن اذكر لي الأسباب التي حملتك على الاعتقاد ببراءة بوفور؟ ~~- لا أستطيع أن أزيد كلمة على ما قلته، وهو أنه بريء وأنك مخطئ خطأ هائلا بالقبض عليه، ~~فلا تسألني زيادة. # فضحك القاضي وقال: لا شك عندي أنك صادق في اعتقادك، ولكن أتحسب أن القانون يجيز لي ~~إطلاق سراح متهم بشهادة رجل يقرر أنه بريء دون أن يؤيد قوله ببرهان؟ فقل أيها الصديق ماذا ~~اكتشفت وكيف تولد عندك هذا الاعتقاد؟ # فأطرق ولم يجب، وجعل القاضي يسير ذهابا وإيابا في غرفته ثم وقف وقال له: ألعلك اكتشفت ~~سرا يدعوك نظام مهنتك إلى كتمانه؟ ~~- ليس لي ما أزيده على ما قلت. ~~- ألا تجيب حتى على هذا السؤال البسيط؟ ~~- حتى على هذا السؤال. ms085 ~~- إذن جوابك هذا يعتبر بمثابة إجابتي بالإيجاب؛ لأنك لو أردت أن تجيب سلبا لما احتجت إلى ~~التردد. نعم إنك اكتشفت سر الجناية وأنت تزاول مهنتك، فلا ألح عليك بالسؤال؛ لأن الشرف يقضي ~~عليك بالكتمان. ~~- ولكني أقسم لك بشرفي أن بوفور ضحية الخطأ وأقسم بشرفي أنه بريء. ~~- لا شك عندي أنك تعتقد صحة ما تقول. ~~- إذن هلا أرجو أن يطلق سراح هذا البريء؟ ~~- هذا أمر آخر؛ فقد قلت لك إني أثق باعتقادك أن ما تقوله حق، ولكن القانون لا يسمح لي ~~بإطلاق سراحه، والأدلة متوفرة ضده إلا إذا نقضت بالبرهان، ورجائي أن تتمكن بطريقة من ~~الطرق من إرشاد النيابة إلى المجرم دون أن تخل بواجباتك. ~~- إذن إني لم أغير شيئا بما قلته من حالة هذا المنكود؟ ~~- كلا، ولكنا نستأنس بشهادتك. # فودعه آسفا وانصرف، وبقي القاضي يناجي نفسه فيقول: ألعله وقف على سر الجناية ... لا شك ~~عندي أنه يعرف سرا يأبى الإباحة به فكيف أنتزعه منه؟ إن هذا محال؛ فإنه شديد التمسك ~~بنظامه الطبي فلم يبق إلا أن أحتال. # وقد دعا إليه أحد معاونيه وقال له: أريد أن أعهد إليك بمهمة سرية، وهي مراقبة الدكتور ~~جيرار؛ فقد أقسم لي بشرفه الآن أن بوفور بريء، فلما سألته البرهان أبى أن يظهره بحجة نظام ~~الأطباء الذي يقضي بالكتمان، والظاهر أنه اكتشف هذا السر لدى معالجته الجاني؛ ولذلك أريد أن ~~تكون له أتبع من ظله، فتعلم في كل لحظة أين يكون. # قال: لك أن تعتمد علي. # قال: احذر أن يعلم أنك تراقبه. ~~- دون شك، فإذا علم فأية فائدة من المراقبة؟ ~~- وأريد أن تأتيني بتقريرك في كل مساء. # سأفعل، وها أنا الآن ذاهب لأتنكر. # عندما خرج جيرار من عند القاضي لم يعد من فوره إلى المنزل، بل ذهب إلى داغير. # أما المعاون فإنه ذهب بعد أن تنكر إلى منزل جيرار، وجعل يرود حوله على اعتقاده أنه فيه، ~~وأنه سيقفو أثره حين خروجه منه. # وكان جيرار قد ذهب إلى داغير كما تقدم فقال له: إني قادم من ms086 عند قاضي التحقيق، وقد قابلته ~~وأخبرته بما علمته. # فاصفر وجهه وقال: إنك بحت بسر اؤتمنت عليه وما هذا شأن الأشراف. # قال: كلا، إني لم أبح بالسر في حين أنه كان يجب أن أفعل؛ لأن عدم إنقاذ رجل بريء شريف ~~كالموسيو بوفور يعد جريمة أعظم من جريمة الإباحة بالسر. ~~- إذا كنت لم تبح به فأي شأن لك مع قاضي التحقيق؟ ~~- أردت أن أخبره أنه مخطئ بسير التحقيق؛ فإن لدي براهين تدل على خطئه. ~~- أيها التاعس؛ إنك ولدت في نفسه الريب، وسيقتفي أثرك ويراقبك أين ذهبت. ~~- هذا حقه. ~~- إذن لقد أصبحت من الهالكين. ~~- وهذا ما أتمناه؛ فليس في قلبي ذرة من الشفقة عليك. ~~- احذر؛ فإنك تندم. ~~- إن وعيدك لا يؤثر علي في شيء فأنت قاتل سفاك، وأنا طبيب شريف، فأية صلة بيننا فأخاف ~~وعيدك؟ ~~- إن بيننا من الصلات فوق ما تظن، ومتى عرفت الصلة التي تجمع بيننا تأسف لما قلته للقاضي، ~~ولكن الأوان لم يفت لحسن الحظ. ~~- إني لا أفهم ما تقول فما الذي تعنيه؟ ~~- أصغ إلي يا موسيو جيرار؛ فإنك ابن رجل مجهول. ~~- ماذا يهمك مولدي؟ ~~- وإنك لم تعرف أباك حتى الآن، فإذا كنت تريد أن تعرف حقيقة أمرك فأنا أكشف لك ~~سره. ~~- أنت؟ ~~- نعم أنا. ~~- وكيف عرفت هذه التفاصيل؟ ~~- سوف ترى؛ فاعلم أن أمك من أسرة نبيلة وهي ابنة الكونت دي مونتكور، فعندما بلغت الثامنة ~~عشرة من عمرها أحبت فتى وهو أيضا من النبلاء، غير أن أباها أبى تزويجها به وهما متحابان ~~كما قلت لك، فكنت أنت الدكتور جيرار ثمرة هذا الحب. # ولكن ما بالك لا تسألني تمام الحديث ألا تريد معرفته؟ ~~- من يضمن لي أنك غير كاذب فيما تقول؟ ~~- يضمنه أمك، فلك أن تسألها حين عودتك. ~~- إذن امض في حديثك. ~~- إن الكونت دي مونتكور حين علم بزلة ابنته وافق على زواجها، ولكن الفتى كان قد مل ~~الانتظار وحالت موانع دون زواجه بها، فاضطرت إلى السفر إخفاء لزلتها. ~~- لا يوجد في الأرض موانع تحول دون زواج الشريف بفتاة يحبها وهو ms087 يريد الزواج. # ثم أطرق هنيهة ساكتا وقال: وعلى ذلك فإن هذا الرجل كان أبي. ~~- نعم. ~~- إلى أين تريد أن تصل بحكايتك، وأي شأن لها بما نحن فيه، ألعلها تغير الواقع وهو أنك لص ~~سفاك. ~~- كلا إنها لا تغير اعتقادك في ولكني أظن، بل أؤكد أنها تمنع انتقامك مني. ~~- لا أفهم ما تقول. ~~- أني أنتظر أن تسألني سؤالا وأنا مستعد لإجابتك عليه. ~~- ما هو اسم هذا الرجل؟ ما هو اسم أبي أتعرفه؟ ~~- لو لم أكن أعرفه لما قصصت عليك هذه الحكاية. ~~- من هو؟ ~~- ألم تعرف بعد من هو؟ ~~- كيف أستطيع أن أعرفه؟ ~~- إن أباك ... هو أنا. # فتراجع جيرار منذعرا كأنما لسعته أفعى وهو يقول: أأنت أبي؟ أيمكن أن تكون أحبتك ~~أمي؟! ~~- ما عليك إلا أن تسألها. # فسقط على كرسيه وستر وجهه بيديه، فلم يبك ولكنه خجل مما سمعه؛ حتى إنه أنف من النظر إلى ~~الوجود فستر عينيه وهو يقول: أنت أبي ... يا للهول أيمكن ذلك أن يكون؟! # ثم وقف وقد أصيب بما يشبه الجنون، فقال: كلا، كلا إن هذا الوحش لا يمكن أن تحبه أمي؛ فقد ~~يكون خدعها وهي في أول حلقات العمر، وبين الانخداع والحب بون بعيد. # أما داغير فإنه نظر إليه بعين المنتصر، وقال له: اذهب الآن إلى قاضي التحقيق، وقل له ما ~~تعرفه عني فإنك إذا تكلمت تكلمت أنا، فيعلم الناس أن ولدي الذي خانني، وإذا عوقبت بالشنق أو ~~بالسجن مدى العمر كان ذلك بفضل ولدي. # فقال جيرار: الويل لي من القدر! أأنا يكون لي مثل هذا الأب؟! إني ذاهب إلى أمي فأسألها؛ ~~لأني لا أزال مشككا إلى الآن. # قال: اذهب وأنا أنتظرك فإنك قد تعود، ولكن اسمع هذه النصيحة قبل انصرافك واعلم أن قاضي ~~التحقيق سيراقبك؛ لأنك أثرت فيه الظنون، فاحذر حين تأتي إلي، إذا أردت ألا تخونني، وقد ~~أعذر من أنذر، فإذا حدث لي شيء بسببك ولو كان خطأ أعتقد أنه كان منويا، والآن فاذهب إلى ~~أمك وسلها عن داغير دي مورتفال. # فخرج وهو شبه المجانين ms088 من اضطرابه حتى وصل إلى شارع منزله، فرآه المعاون الذي عهد إليه ~~القاضي أن يراقبه ولم يخف عليه ذلك الاضطراب. # وصل جيرار إلى المنزل وهو يقول في نفسه: ماذا أقول لها وكيف أخبرها أني أعرف كل ~~شيء؟ # غير أن أمه عرفت من اضطرابه أنه جاءها بأمر خطير. # فقال لها: إني أريد أن أجتمع بك يا أماه وحدنا. # قالت: ما الذي يمكن أن تقوله ولا يجوز أن تسمعه مودست؟ ~~- أرجوك يا أماه أن تقبلي رجائي. # فدخلت معه إلى مخدعها وقالت له: يظهر أنك مضطرب جدا يا بني، فماذا حدث؟ # فلم يجبها واستخرط في البكاء، فجزعت أمه لبكائه جزعا شديدا، وجعلت تعانقه وتسأله أن ~~يتكلم فقال: إني أعالج الآن الموسيو جان داغير دي مورتفال شريك الموسيو بوفور. ~~- أهو مريض؟ ~~- نعم. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إنه أخبرني بكل شيء. # فانقض هذا النبأ عليها انقضاض الصاعقة، واصفر وجهها وشفتاها وسقطت على الأرض وهي لا ~~تعي، فأسرع إلى معالجتها حتى استفاقت، فقال لها: أماه؛ إن هذا لا يمنعني عن أن أحبك حب ~~عبادة. # قالت: لا أعلم لماذا تأثرت هذا التأثر في حين أنه لا بد لك أن تقف يوما من الأيام على ~~سر مولدك، فأرجو أن تسامحني. ~~- على ماذا أسامحك يا أمي؟ فإن تأثرك هذا لم يحدث إلا لفرط حبك إياي. ~~- هو ذاك يا بني؛ فإني لم أكتم عنك اسم أبيك إلا لأني أضطر إلى الاعتراف بزلتي، وليس هذا ~~بسهل على النساء، والآن قل لي كل ما سمعته من هذا الرجل؟ ~~- خلاصة ما قاله لي أنك ابنة الكونت دي مونتكور، وأنك أحببته ولك ثمانية عشر عاما من ~~العمر، وأنك ولدت مولودا من هذا الحب وهو أنا، وأن أباك أبى أن يوافق على زواجكما ... فلما ~~قلت له إنك كاذب قال سل أمك فهي تخبرك أني لم أكذب، والآن فإني مصغ إليك. ~~- أهذا كل ما قاله لك؟ ~~- نعم. ~~- أتقسم لي؟ ~~- دون شك. ~~- ألم يكلمك عن بوفور؟ ~~- كلا، ولماذا يكلمني عنه؟ والآن أخبريني هل صدق فيما قاله هذا الشقي؟ وهل ms089 هو حقيقة ~~أبي؟ ~~- نعم؛ فإن هذا الرجل لم يصدق إلا بقوله إنه أبوك، وقد كذب في سائر ما أخبرك. ~~- بماذا كذب؟ ~~- فقد كذب حين قال إني أحببته. ~~- هذا الذي كنت واثقا منه. ~~- وأنه أراد المتاجرة بي، وكان فقيرا طماعا خلوا من كل مبدأ شريف، وكنت أنا غنية ~~فأغواني لحداثتي على رجاء أن يكره أبي على تزويجي به. ~~- إذن لقد صدق فيما قاله عن أبيك، وهو أنه أبى المصادقة على الزواج. ~~- بل كان أكذب الكاذبين؛ فإن أبي كان يأبى في البدء أن يصاهره مما كان يعلمه من فساد ~~أخلاقه، وأنه لا يطمع إلا بثروتي، إلى أن خسر أبي ثروته في البورصة وعلم داغير بالخسارة ~~فهجرني بعد أن وصمني بالعار، ولما أخبرت أبي بما كان قابله وتوسل إليه أن يكشف عنا هذا ~~العار بالزواج فأبى وتوعده بالفضيحة إذا ألح. ~~- عجبا كيف لم يقتله؟ ~~- لأنه هرب في اليوم نفسه، ولكن أبي تبعه ولقيه في باريس فصفعه كي لا يبقى مانع من ~~المبارزة، وفي اليوم التالي تبارزا، فلما عاد أبي قال لي: لقد انتقمت لك منه، فهو الآن من ~~الأموات. ولكن أبي كان واهما فإن داغير شفي من جرحه. ~~- أهذا كل شيء يا أماه؟ ~~- نعم، يا بني فهذا كل ما يتعلق بهذا الرجل أبيك. ~~- نعم، إنه أبي وإني مدين له بالحياة، ولكني لا أطيق أن أدعوه أبي، وهذا أمر يتعلق بي ~~وبضميري. ~~- وأنا واثقة بما يوحيه إليك ضميرك، فهو لا يوحي إليك غير الحق والواجب. ~~- إنك أخبرتني بكل ما يتعلق بهذا الرجل، ولكن بقي لك سر تكتمينه عني. ~~- أتريد بهذا السر مولد مودست؟ ~~- هو ذاك. ~~- فقامت إلى درج فأخرجت منه ورقة رسمية، وقالت له: اقرأ، فهذه تذكرة مولد مودست، ومنها ~~تعلم حقيقة أمرها. # فقرأ، ثم أعاد القراءة، وقال: مودست ابنة بيير بوفور وزوجته مرسلين دي منتكور؟ # فقالت له: إنك لم تقرأ خطأ يا بني. ثم قصت عليه حكايتها منذ عرفت بوفور إلى حين مقتل ~~فولدن فولون. # فأصغى إليها أتم الإصغاء حتى إذا فرغت من ms090 حكايتها ركع أمامها، وجعل يقول : أماه، أماه إني ~~أحترمك وأحبك. # فأخذت تشهق بالبكاء وهو يلاطفها؛ إلى أن سكن ما بها فقالت له: لماذا كشف لك سره وبأية ~~مناسبة؟ # قال: لا أستطيع أن أقول. # فنظرت إليه نظرة شك ولم تلح عليه بالسؤال لما تعرفه من صحة عزيمته، ولكنها قالت له: أعلمت ~~الآن لماذا أبيت أن يقيم بوفور في منزلنا؟ أعلمت الآن لماذا قلت لك إن بوفور بريء حين قبضوا ~~عليه؟ فهل لا تزال مشككا ببراءته؟ ~~- لم يبق لي أقل أثر من الشك. ~~- أتنقذه؟ ~~- كيف؟ سأفرغ مجهودي في سبيل إنقاذه ما دام بريئا وهو زوجك وأنت تحبينه. # وهنا افترقا، فجعل جيرار يناجي نفسه فيقول: كيف أنقذه وهل أستطيع إنقاذه إلا إذا بحت بسر ~~داغير؟ وكيف أبوح والإباحة محرمة علي؟ فهل توجد طريقة لإنقاذه غير هذه، وما هي، ومن يدلني ~~عليها؟ أأدع ذلك الرجل الشريف البريء يحكم عليه وهو زوج أمي التي تحبه ويحبها وهو أبو أختي ~~مودست؟ كلا، إن هذا محال ولكن كيف العمل؟ # وقد لبث مدة على هذه الحالة من التردد والهياج، ثم برح المنزل على نية الذهاب إلى داغير؛ ~~فلم يكد يخرج من المنزل حتى لقي كلوكلو واقفا أمام الباب ينتظره، فحياه وقال له: كيف حال ~~أمك؟ # قال: إنها محمومة كما تعلم. ~~- أتريد أن أذهب إليها فأعودها؟ ~~- أظن يا سيدي الطبيب، وأرجو ألا يسوءك قولي إنك تضرها بعيادتها أكثر مما ~~تفيدها. # فلم يتمالك جيرار عن الابتسام بالرغم عما هو فيه من الشواغل، ودنا منه كلوكلو فقال له: ~~أرجو أن تأذن لي يا سيدي الطبيب بكلمة، وهي أني أرى منذ نصف ساعة رجلا كبير اللحية يسير ~~ذهابا وإيابا في هذا الشارع، وهو لا ينفك عن النظر إلى منزلكم. ~~- أهذا كل شيء؟ ~~- كلا؛ فإن هذا الرجل لا يزال في مكانه، وهو الآن ينظر إلينا، ألعلك تعرفه؟ # فخطر لجيرار ما قاله له أبوه، وهو أنهم سيراقبونك فاحذر، والتفت متظاهرا بعدم الاكتراث ~~فرأى الرجل دون أن يعرفه، وقال: إنك مخطئ يا كلوكلو فإنه ينصرف. ms091 # فهز رأسه وقال: بل إنه يراقبك يا سيدي، أتأذن لي أن أكون في خدمتك؟ ~~- لك ما تشاء؛ فإني ذاهب لعيادة الموسيو داغير وأحب لأسباب خاصة ألا يعلم أحد أني ~~طبيبه، فإذا تبعني هذا الرجل فامنعه. ~~- كيف؟ ~~- لا أعلم، فعليك أن تبحث عن الطريقة. ~~- سأبحث وسأجد، أما أنا فقد كنت واثقا من أن الموسيو داغير مريض. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه منذ بضعة أيام؛ أي في ليلة مقتل فولدن كنت عائدا من كريل، وكان البدر يتوهج في ~~السماء بحيث يرى الساري الأشياء على مسافة ميل، فلما وصلت إلى الغابة رأيت رجلا خارجا ~~منها وهو يمشي مشية غريبة استلفتت نظري؛ إذ كان يجر نفسه جرا، وكان يقع وينهض وأحيانا ~~يسير ببطء، وأحيانا يجد في السير ويتألم. ~~- ألم يخطر لك أن تساعده؟ ~~- نعم، لقد خطر لي ذلك واقتربت منه حتى وصلت إليه فقلت: ألعلك مريض أم أنت تحتفل بعيد ~~باخوس إله الخمر؟ فإذا كان الأول، صحبتك إلى منزلك؛ فإن التعاون عندي من أخص واجبات ~~الإنسان، وإذا كان الثاني، أودعتك إحدى الحفر وغطيتك ببركتي. # فلم يجبني، وحاول أن يركض فأدركته وحاولت إسعافه؛ فانتهرني قائلا: اذهب عني فلست في ~~حاجة إليك. فتأمل يا سيدي مقدار دهشتي حين عرفت أن هذا الرجل إنما هو الموسيو داغير. ~~- وماذا فعلت بعد ذلك؟ ~~- تركته وشأنه؛ إذ لا يحق لي أن أساعده بالرغم عنه، ولكني لبثت أنظر إليه حتى توارى، ~~ألست تعالجه لهذا يا سيدي الطبيب؟ ~~- نعم، ولكني لا أريد أن يعلم الرقيب أني ذاهب إلى منزل داغير. ~~- وهو لن يعلم، فاذهب مطمئنا وأنا الضمين. ~~- وماذا تصنع إذا تبعني؟ ~~- يوجد طريقة سهلة يا سيدي، وهي أنك إذا سمعتني أغني النشيد الذي مطلعه: # تبسم الأزهار من بكا الأمطار # فاعلم أنه مجد في أثرك. # وإذا سمعتني أنشد: # يا شقيق البان إن صبري بان # فاعلم أنه تراجع عنك. # وإذا التبس علي أمره أنشدت القصيدة التي مطلعها: # يا طائر البان قد هيجت أشجاني # فتكون بهذه الطريقة على بينة من أمره دون أن تلتفت إليه. # قال: ms092 إنها طريقة سهلة، ولكني لا أظن أنك تحتاج إليها فإني أراه يتقدمنا. # قال: إنها خدعة يا سيدي فانظر فإنه وقف بحجة أنه يتفرج على صيد السمك، وإني أراهن بنصف ~~ثروتك أننا إذا اجتزنا عشر خطوات لا يجتاز أكثر من خمس. # قال: إني رضيت باقتراحك في الحالين فابدأ بمراقبته منذ الآن. # ومشى الدكتور في طريق منزل داغير، فلم يسر بضع خطوات حتى علا صوت كلوكلو بنشيد الحذر، ~~فلم يلتفت جيرار؛ إذ عرف المقصود، وسار في عطفة لم يكن يريد السير فيها، فعرف من الغناء أن ~~الرقيب يتبعه فلم ينتبه الرقيب في البدء، ولكن الأمر تكرر حتى لم يبق لديه ريبة. # وكان يعرف كلوكلو بالنظر، ويعلم أنه يرتزق من الغناء فعاد إليه وقال له: كم تكسب في ~~اليوم؟ # قال: نحو خمسة فرنكات. # قال: إني أعطيك عشرة الآن بشرط أن تذهب من فورك إلى منزلك فتستريح فيه كل يومك. # قال: إني أرضى هبتك بشرط أن تكون من غير شرط. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أضجر من ملازمة البيت. ~~- أنت وشأنك. ~~-وتركه فعاد إلى اقتفاء جيرار، وعاد كلوكلو إلى الغناء، فما شكك الرقيب أن هذا المغني ~~رقيب عليه فارتد إليه، وقال له: ألا يروق لك الغناء في غير هذا المكان؟ ~~- أين؟ ~~- في شارع غير هذا الشارع. ~~- أرى أنك أشد استبدادا من ملوك الصين؛ فإن هذا الشارع لجميع الناس. ~~- ولكني لا أطيق أن أراك في أثري ترهقني بغنائك كيفما مشيت، فلا شك أنك سكران. ~~- الحق أني لم أشرب كأسا بعد منذ الصباح، فإذا أردت أن تجود علي بسكرة، وإني أعرف خمارة ~~قريبة من هذا المكان، فأيقن الرقيب أنه يهزأ منه فقبض عليه وهزه بعنف، وهو يقول: أتريد أن ~~تنصرف من هذا الشارع؟ # قال: كلا؛ فإننا جمهوريون وأول شروط الجمهورية الحرية. ~~- إذن أرني الجواز الذي يؤذن لك بالغناء في الشوارع. ~~- لا يحق لأحد أن يسألني هذا السؤال ما خلا رجال البوليس. ~~- وأنا منهم. ~~- هات برهانك. # فأراه رقعة دلت على أنه من البوليس، وأراه كلوكلو جوازه، فقال له الرقيب: أرى ms093 أنك من ~~أهل العناد، ولكني أعذرك؛ لأنك سكران كما يظهر، فلماذا لا تدعني وشأني؟ # قال: إني أدعك بشرط أن تدخل معي إلى هذه الخمارة فنشرب كأسين. # قال: ليس لي وقت للسكر. # قال: وأنا أسير في الشارع كما أشاء وأغني كما أشاء. # فلما أعيته به الحيلة نادى رجلا من أنفار البوليس فعرفه بنفسه، وقال له: خذ هذا الرجل ~~إلى القومسيير. # قال: هل ارتكبت جرما مشهورا؟ # قال: كلا. # قال: إن القومسيير شديد الوطأة كما تعلم فلا أستطيع أن أذهب به دون ذنب، إلا إذا كنت ~~تصحبنا إليه. # فنفر الرقيب مغتما، ومشى وهو يتمتم وتبعه كلوكلو ضاحكا، فسار في أثره وهو يغني. # وكان جيرار قد توارى عن الأنظار، فقنط الرقيب من إدراكه وغير الطريق، أما كلوكلو فإنه ~~سار في طريق منزل داغير؛ إذ كان يعلم أن جيرار ذاهب إليه، وكان يوجد هناك مطعم يشرف على باب ~~المنزل فأقام يأكل فيه وهو يراقب الباب. # أما جيرار فإنه دخل إلى داغير فوجده جالسا على مقعد فأحسن استقباله، وقال له: لقد حسنت ~~حالي كما ترى فإني برحت الفراش. # قال: ذلك؛ لأن نفسك أشد من جسمك، وقد تغلبت إرادتك على آلامك؛ لأنك تحاول الفرار وتضليل ~~الحكومة. # قال: ما أعجب اتفاقنا في الأفكار! فهذا الذي كنت أحدث نفسي به قبل أن يخطر لك؛ لأني ~~عولت على ألا أبقى ساعة في فرنسا حين تشتد قواي، ليس لأني مشكك بوعدك من كتمان سري، بل ~~لخوفي أن تبدر منك بادرة عن خطأ يزج بي إلى أعماق السجون أو يرفعني إلى المشنقة. # والآن قل لي يا بني: هل باحثت أمك بشأني؟ ~~- إنها اعترفت لي بكل شيء. ~~- هل بقي لديك شك بأني أبوك؟ ~~- كلا، وا أسفاه، ولكن أصغ إلي؛ فإنك خدعت أمي وما أردت زواجها إلا طمعا بثروتها، ثم ~~مكرت بها حين وثقت من ضياع الثروة، فكنت أنا ابن الجريمة، أما أنت فهل ندمت حين علمت أنك ~~صرت أبا، وأنك قضيت على شرف تلك المنكودة عندما وثقت بك؟ ثم إنه كان بوسعك أن ms094 تعود إليها ~~وتتزوجها، وتجعلني ولدا شرعيا، فكيف تريد أن أبر بك؟ وكيف تطمع أن أحبك؟ ~~- إني لا أطمع إلى هذا الحد. ~~- وقد كان من الممكن أن أشفق عليك لو كنت تركت في قلب أمي ذرة من الرفق بك، ولكنك لم ~~تخلف في قلبها غير البغض والاحتقار، كلا إني لا أستطيع أن أنظر إليك نظر الابن إلى أبيه، ~~بل إني أشفق على الغريب أكثر من إشفاقي عليك؛ لأنك قاتل مجرم، وإذا كتمت سرك فلا أكتمه لأنك ~~أبي، بل لأن واجبات مهنتي تقضي علي بالكتمان. # وقد أتيتك اليوم أرجو أن تكون هذه آخر مرة أراك فيها لأخبرك بما أريد؛ كي لا أكون أخللت ~~بشيء من واجبي. ~~- إني أرفض مقدما ما ستقوله؛ لأن شروطك لا يمكن أن تكون مقبولة. ~~- ربما، ولكن لا بأس من أن تسمعها، فاسمع؛ إنك مجرم تستحق العقاب، وبوفور بريء، وهو متهم ~~بجريمتك، فاهرب من فرنسا، ولكن بشرط أن تعترف بالجريمة اعترافا خطيا، وإني أعاهدك على أن ~~لا أظهر اعترافك هذا إلا بعد أن تصبح في مأمن خارج فرنسا، فينجو بوفور وتنجو أنت. ~~- هذا محال؛ فإنهم لا يطلقون سراح بوفور. ~~- لماذا؟ ~~- لأن برهان إقرار الجاني وحده لا يكفي لتبرئة المتهم، ولا تنتقض البراهين التي ضده حتى ~~تكون براهين تبرئته قوية متوفرة. ~~- أنا أقدم عندئذ البراهين التي لا تدحض؛ إذ أكون قد أصبحت في حل من يميني، ولا سيما ~~حين ترشدني إلى المال الذي سرقته من قتيلك فأرده إلى ورثته. ~~- لا تعتمد علي بإرجاع المال فهذا محال. ~~- ولكن إرجاعه يدل على ندمك. ~~- أما قلت لك إني أرفض شروطك سلفا، وإنها غير مقبولة، فأية فائدة من البحث في هذا ~~الموضوع؟ ~~- لم يبق في قلبك شيء إنساني حتى لا تخاف وعيدا ولا تتأثر لرجاء؟ إني لا أراك بعد الآن، ~~ولكن ثق أني لا أغفل عنك طرفة عين، وسأكون لك أتبع من ظلك حتى يفتضح أمرك بصدفة الأقدار ~~فاحذر. ~~- أشكرك؛ لأنك نبهتني وسأحذر. ~~- إني أتوسل إليك لآخر مرة. ~~- وأنا أقول لك إنك تضرب في ms095 حديد بارد. ~~- إذن لتكن مشيئة الله، فأنت الذي أردت. # وقد نهض يحاول الانصراف، فلما وصل إلى الباب تراجع؛ إذ سمع كلوكلو ينشد النشيد الدال على ~~وجود الرقيب. # ورأى داغير ما كان منه فقال له: ما هذا؟ # قال: هذا يدل على أنهم يراقبونني، وأنهم دروا بأني دخلت إلى هنا أو أنهم يشكون، وأنهم ~~ينتظرون خروجي ليكونوا على ثقة. ~~- ألعلك خنتني؟ ~~- كلا، فما أنا من أهل الخيانة، ولكن يظهر أن قاضي التحقيق ذكر كلامي فخامره الشك. # فاصفر وجه داغير، وقال له: لا تخرج وانتظر. ~~- أرأيت مبلغ خوفك ولم يحدث بعد سوى أنهم يراقبونني؟ فماذا يكون منك لو خامرهم الشك فيك ~~وراقبوك؟ تمعن في الأمر واكتب لي كتاب الإقرار الذي طلبته منك والله يغفر لك. ~~- كلا. ~~- إذن لا تلم إلا نفسك عما قد يصيبك. ~~- إنك تتمنى بملء قلبك أن يتحقق هذا الخطر الذي يتوعدني. ~~- لا أنكر عليك أنك تقول الحق. ~~- ومع ذلك فإني لم أسئ إليك. ~~- لأنك لم تجدني في طريقك. ~~- لا تنس أنه يوجد بيننا صلة مقدسة؛ فإنك ولدي. ~~- وأنت لا تنس أني أحتقر نفسي حين أذكر أنك أبي؛ فإني حين أفتكر بك أفتكر بأني ابن التي ~~خدعتها أيها السافل، والذي رأيته وأراه أنه لا فائدة من استمالتك. ~~- هو ذاك. ~~- لا يوجد دليل على سفالتك أعظم من هذا الدليل. ~~- إذن سأدافع عن نفسي، ولكن دفاع القانطين؛ أي كدفاع وحش مفترس يعلم أنه سيموت. ~~- وأنا أحب أن تكون كذلك. # وقد تركه ومشى إلى الحديقة مشي المحترس واختبأ بين أشجارها، فلم يطل وقوفه حتى سمع ~~كلوكلو ينشد نشيد زوال الخطر فخرج من الحديقة إلى الشارع، ولقي كلوكلو فأخبره بكل ما اتفق ~~له مع الرقيب، وسار الطبيب عائدا إلى المنزل بعدما أوصى كلوكلو أن يأتي إليه في ~~الصباح. # وقد أخبرته أمه أنه أتى رجل في غيابه وسألها عنه وعن المرضى الذين يعودهم، ووصفت له ~~الرجل، فكانت أوصافه تنطبق على الرقيب الذي كان يقتفي أثره، فأوصاها بالكتمان ودخل إلى ~~غرفته فاختبأ فيها. # أما الرقيب فإنه عاد ms096 إلى قاضي التحقيق وقص عليه كل ما جرى له، فاستنتج القاضي من كل تلك ~~الحكاية ومن مجيء جيرار إلى النيابة وفحصه مسدس القتيل، أنه يعرف القاتل وأنه يكتم اسمه ~~لتقيده بواجب مهنته، وأن القاتل جريح وأن الطبيب قد يكون أخرج الرصاصة منه وفحص المسدس كي ~~يعلم إذا كانت هذه الرصاصة هي التي خرجت منه، فأوصى معاونه أن يراقب في الغد جيرار وكلوكلو ~~معا وأن يبالغ في التكتم حذرا من الفشل. # تقدم لنا القول إن مودست لم تر روبير بن فولون منذ مقتل أبيه؛ فإن هذا المنكود كاد أن ~~يجن من يأسه وجزعه على أبيه. # وقد حاول جيرار أن يزوره فيسليه ويعزيه فأبى أن يستقبله، ولكنه كتب إليه يقول: # إني أعلم ~~الغرض من زيارتك، فإنك خشيت علي الجنون وهو كل ما أشتهيه؛ لأنه خير علاج للنسيان. # على أن لكل شيء حدا؛ فإن الحزن أخذ يخف تباعا، فكتب إلى صديقه جيرار يخبره أنه سيزورهم ~~في الغد؛ لأنه في أشد حاجة إلى التعزية بإخلاص الأصدقاء. # وقد كان فرح مودست عظيما وكذلك جيرار خلافا لأمه، فقالت له: ألا ترى يا بني أن هذه ~~الزيارة ستجدد أحزاننا؟ ألا تعلم حقيقة موقفنا بإزاء ابن فولون؟ إن بوفور لم يتفق وجوده مع ~~فولون في تلك المركبة ليلة قتله؛ إلا لأني ذهبت إليه وقلت له: «إن مودست هي ابنتك وإني أنا ~~امرأتك، فإذا وضعت الحواجز في سبيل زواج ابنتي فليس لعدم كفاءة الزوج، بل لأني لا بد لي من ~~كشف سر زواجنا.» فلما علم بوفور أن له بنتا فرح وغفر لي بعض الغفران، وذهب إلى فولون ~~ليخبره بجلية الأمر ويزيل تلك الحواجز، فاعلم يا بني أن موقفنا الآن مع روبير مثل ما كان ~~موقفنا مع أبيه؛ أي إنه يجب إطلاعه على حقيقة أمرنا. # قال: سأتولى إطلاعه عليها. # قالت: ولكن ألا ترى أن زواج أختك به أصبح من المستحيلات؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأن بوفور متهم بقتل أبيه، فكيف يتزوج بنته؟ ~~- سأقنعه أنه بريء فيثق بما أقول. ~~- أتمنى ألا تكون منخدعا يا ms097 بني. # وفي اليوم التالي جاء روبير وعليه علائم الحزن الشديد، فأحسنوا استقباله وقال لمرسلين: ~~إنه إذا أتيح لي العزاء عن مصيبتي القادمة تكونين أنت السبب الوحيد فيه، فعديني يا سيدتي ~~تذكارا لأبي الذي كان يحبكم كثيرا، وباسم حبي لمودست ألا تعارضي في زواجنا أكن سعيدا ~~مع أحزاني. # فأجابته مودست قائلة: إن الموافقة التي تطلبها قد حصلت عليها من أمي قبل وفاة أبيك ببضعة ~~أيام. # فقال لأمها: أحق ما تقوله يا سيدتي؟ # قالت: نعم. # قال: لقد كنت أحسب أن الحياة متعذرة علي بعد فقد أبي، أما وعدك الآن فإنه أحياني ~~وأراني السعادة في الحياة بعد أن كنت أحسبها في الموت. # أما جيرار فإنه قال لروبير بصوت منخفض: يجب أن أختلي بك هنيهة أيها الصديق فتعال ~~معي. # ودخل الاثنان إلى غرفة فاختليا فيها، وبدأ جيرار الحديث فقال: اعلم أيها الصديق العزيز ~~أنه لو كان أبوك في قيد الحياة لقال لك ما سأقوله الآن. ~~- عم تتكلم؟ ~~- عن حالتنا الحاضرة وسأبسطها لك، فأرجو المعذرة لما تراه علي من علائم التأثر؛ لأني لم ~~أخف مرة على الذين أحبهم مثل خوفي الآن. ~~- لقد أرعبتني أيها الصديق فأسرع بحديثك! ~~- إنه حديث طويل مؤثر، فأصغ إلى النهاية دون أن تقطع علي الحديث. # إنك أيها الصديق لم تسألني مرة عن والد مودست. ~~- أية فائدة من ذلك، فهي التي سأتزوجها وإني موفر عليك مؤنة القول؛ فإنك لا تعرف أباك ~~وكذلك مودست، ولكن ماذا يهمني ذلك وقد عرفت بنفسي ومن أبي أن أمك من شريفات النساء؛ فلا ~~أتطلع إلى ماضيها. ~~- ولكن لا بد من معرفة ذلك الماضي. ~~- لماذا؟ ~~- لأن والد مودست موجود. ~~- هل يعترف بها؟ ~~- دون شك! فإن أمي زوجته وابنتها منه شرعية. ~~- إذن لقد عرفت ما مضى؛ فإن أمك لم تكن على وفاق مع زوجها فاضطرت إلى الافتراق عنه والعيش ~~من كسب يديها؛ لأن زوجها لم يكن من كرام الناس، ولكني أحب مودست، والعدل يقضي ألا يؤاخذ ~~أحد بذنب سواه، فإذا كان هذا الذي حدث ... ~~- كلا. ~~- إذن ماذا؟ بل لنفرض ms098 أن الأب قد وصم بوصمة عار فإن بنته ستدعى باسمي وتعيش عيشا ~~جديدا. ~~- ما أكرم قلبك أيها الصديق،! ولكن الأب لم يتدنس ولا يمكن أن يوصم بوصمة عار، فاسمع كيف ~~كان زواج أمي. # وقد روى له كل ما عرفه القراء من حكاية مرسلين دون أن يذكر له أسماء الكونت دي مونتكور ~~وداغير وبوفور، فأصغى إليه أتم الإصغاء حتى إذا أتم حديثه قال له: أهذا كل ما تريد أن ~~تقوله؟ # قال: نعم. # قال: أتريد أن أحكم بما سمعت؟ إن أمك جديرة بحبك واحترامك؛ بدليل أنها عاشت عيش الشهداء، ~~وكفى بتربية ولديها شاهدا، ولكنك لم تذكر لي اسم أبيك ولا اسم والد مودست، ولك أن تكتم اسم ~~أبيك ولكني أود أن أعرف اسم والد أختك. ~~- يحق لك أن تعرفه، ولا يحق لي أن أكتمه عنك. ~~- من هو؟ ~~- إن زوج أمي ووالد أختي هو ... ~~- ما بالك وجمت؟ ~~- إنه بيير بوفور. ~~- رباه ... ماذا أسمع ... أهو قاتل أبي؟ # وقد اصفر وجهه وجعل ينظر إلى جيرار نظرة المأخوذ، وهو لا يدري ما يقول: فأخذ جيرار بيده ~~وقال له: ما هذا الاصفرار الذي تولاك؟ ~~- يا لهول ما سمعت ... أهذا الشقي والد التي أحبها؟ ~~- خفض روعك يا روبير ولا تسترسل في الأحزان. ~~- أتسحق قلبي بهذا النبأ ثم تسألني الصبر، كلا فلم يبق أحب إلي من الموت. ~~- بل يجب أن تعيش. ~~- لمن؟ وقد فقدت مودست إلى الأبد. ~~- كلا، فلم تفقدها. ~~- ماذا تعني؟ ~~- ألم تقل منذ هنيهة إن المرء لا يؤخذ بذنب سواه؟ ~~- نعم، ولكني كنت أجهل أنها ابنة قاتل أبي. ~~- وأنا ألم أجبك أنه لا يمكن أن يوصم بعار. ~~- إنه سيجازى بالإعدام، وأي عار أعظم من هذا؟ ~~- بل إن براءته ستظهر كالشمس في رابعة النهار؛ فإن المحكمة لا يمكن أن تضل عن القاتل ~~الحقيقي، فهل تمعنت في الأمر يا روبير؟ إن بوفور كان صديق أبيك الحميم. # وكان كثير التردد إليه، فهل رأيت من أخلاقه ما يدل على أنه من أهل الشر؟ ثم إنه واسع ~~الشهرة وافر الثروة فلماذا يقتل ms099 أباك، أليسرقه كما يتهمونه وهو الغني، أم لينتقم منه وهو ~~صديقه المخلص؟! وفوق ذلك فإنه كان على وشك مصاهرتك، وقد كان مع أبيك في مركبة واحدة وأثبت ~~التحقيق وجود كمين في الغابة. ~~- ولكنك تعرف البراهين المتوفرة ضده أكثر مما أعرفها. ~~- إنها الصدفة يا روبير، ولا بد للحقيقة أن تنجلي، ولو كان يحق لي الكلام لبرأت بوفور ~~بكلمة. ~~- يظهر أنك واثق من براءته؟ ~~- كل الثقة. ~~- من أين تولدت هذه الثقة؟ ~~- أتثق بي أيها الصديق؟ ~~- دون شك. ~~- أتصدق قولي إذا قلت لك إن بوفور بريء؟ ~~- إذا أيدت قولك بالبرهان. ~~- ليس لي من البراهين ما أستطيع أن أقوله لك. ~~- إذن لديك براهين؟ ~~- نعم. ~~- هذا محال؛ لأنه لو كان لديك برهان كما تقول لما كتمته لحظة. ~~- ولكنه برهان سري؛ فلا أستطيع الإباحة به؛ فإن الأطباء يعترفون لهم أحيانا كما يعترفون ~~للكهنة. ~~- أتترك بوفور يحكم عليه وأنت تعتقد أنه بريء؟ # فمسح جيرار العرق عن جبينه، وقال: لا أستطيع أن أفعل شيئا لإنقاذه. ~~- ألا تنتقم لأبي على ما بيننا من الوداد؟ ~~- لا أستطيع أن أقول كلمة. ~~- وأنا لا أستطيع أن أصدق حرفا من أقوالك؛ فإنك تريد العبث بي، ولكني أغفر لك. ~~- إني أقسم لك يا روبير. ~~- لا فائدة من الإقسام. ~~- إن الحزن أضاع رشدك، فثق أني أقول الحقيقة. # وعند ذلك طرق الباب وسمع صوت مودست، فقال: هل علمت أن بوفور أبوها؟ # قال: كلا. # فقالت مودست من الخارج: أتأذنان لي بالدخول؟ # فلم يجيباها، ففتحت الباب ودخلت فرأت الاثنين يضطربان كأوراق الخريف، فقالت لهما: ماذا ~~حدث بينكما؟ # فقال لها روبير: اسمعي حكايتنا وكوني حكما بيننا. # فاعترضه جيرار قائلا: ماذا تفعل يا روبير؟ # فلم يحفل باعتراضه، وقال: إن زواجنا محال يا مودست. # قالت: لقد توقعت مصابا حين رأيتكما، إذن أنت لا تحبني. ~~- بل أعبدك. ~~- إذا كان الأمر كذلك فكيف تقول إن زواجنا مستحيل؟ ~~- لأن زواجنا معلق على مصير بوفور المتهم بقتل أبي. ~~- إنه بريء، وستعرف المحكمة خطأها، ومهما يكن من مصير بوفور الذي أحبه؛ لأنه أنقذني من ~~الموت فأية ms100 علاقة له بزواجنا؟ ~~- لا يحق لي أن أطلعك على هذا السر، ولكن لا بد أن تقفي عليه بعد بضعة أيام، أما الآن ~~فإن أخاك يريد أن يثبت لي براءة بوفور، وأنا أعتقد أنه مجرم، وهو يقول إن لديه براهين تثبت ~~براءته ولكنه لا يستطيع إظهارها، وأنا أقول إني لا أقنع من غير برهان، فاحكمي بيننا. # فقالت لأخيها: أحق أن زواجنا موقوف على براءة بوفور؟ # فأومأ برأسه إشارة إلى الإيجاب، فقالت: كيف تكتم عني هذه الصلة بيننا وبينه؟ # قال: ستخبرك أمك يا مودست. ~~- وما زلت تعلم أن زواجنا موقوف على براءة بوفور، وتقول إن لديك براهين تثبت براءته فما ~~يمنعك عن إظهارها؟ ~~- الشرف يا مودست فلا تلحي علي. ~~- لا أعلم كيف يمنعك الشرف عن إنقاذ بريء! ~~- بربكما لا تلحا علي، فلا أستطيع القول. ~~- اذكر يا أخي أن حياتي موقوفة على كلمة من فمك، وأني ألقيت بنفسي في النهر، وأني لولاك ~~لكنت في عداد الأموات، أتنتزع مني حياتي بعد أن أنقذتها؟ # وقال روبير: اذكر أن أبي كان يحبك، وأنه لو عاش لكان أسعد إنسان بزواجي. ~~- إنكما تعذبانني عذابا لا يحتمله بشر على علمكما أني لا أستطيع أن أقول شيئا. ~~- واذكر أيها الصديق أنه يوجد بريء يتألم ومجرم قاتل يتنعم، فإذا كتمت أمره ألا تكون ~~شريكا له بالجريمة؟ ~~- روبير، روبير! ~~- نعم، إنك تكون شريكه بالجريمة، وإن الجاني يضحك الآن عليك وعلينا؛ لأنه واثق من كتمانك ~~وشرفك، وكيف يكون شريفا من يساعد القتلة واللصوص على الفرار ويرضى بمعاقبة ~~الأبرياء. # وقد قال قوله الأخير بلهجة تبين فيها الغضب، فقال له جيرار: إني أغفر لك يا روبير وأنسى ~~كل ما قلته لي، وأغفر لك أيضا يا أختي ما توعدتني به من الانتحار؛ فقد مزقت قلبي. # ثم خرج ببطء من الغرفة وبقيت مودست فيها مع روبير، فقالت له: إذن لقد انتهى كل شيء ~~بيننا. ~~- نعم، وا أسفاه! ألم تسمعي ما قاله أخوك؟! ~~- ومع ذلك فإنك تحبني؟ ~~- لو كان أبي حيا لأخبرك بما لقيته من البأس حين كانت ms101 أمك تعارض في زواجنا. ~~- إذا كان الأمر كذلك فإنك لا تمتنع عن إجابتي على سؤال أعرضه عليك. ~~- ما هو؟ ~~- أية علاقة بين زواجنا وبين مصير بوفور؟ ~~- أتريدين أن تعلمي؟ ~~- نعم، لقد مللت من هذه الأسرار المحدقة بي. ~~- إذن فاعلمي أن بوفور هو أبوك. ~~- بوفور أبي؟ أبي قاتل أبيك! # وقد اصفر وجهها حتى خشي روبير أن يغمى عليها، وأسرع يحاول نجدتها ولكنها صدته، وقالت: لا ~~تخف فإني قوية، ولكن أنت مسكين، روبير ... يالله من هذا الهول. # ثم شمخت برأسها أنفة، وقالت: إذا كان بوفور أبي فقد صدق جيرار ولا يمكن أن يكون أبي من ~~المجرمين. ~~- إذن لماذا لا ينقذه؟ ~~- لا أعلم يا روبير؛ فإن ذلك منوط بضميره الذي لا يطلع عليه غير الله. # كان روبير قد أتى ليتعزى عن نكبته ففوجئ بنكبة أشد، أتى وملء قلبه الرجاء بالزواج فإذا به ~~يجده من المستحيلات، وقال له جيرار: إن بوفور بريء ولكنه لم يأت ببرهان، فعاد إلى منزله ~~وهو أشد الناس نكدا وقنوطا. # في اليوم التالي لهذا الاجتماع كان امرأتان في مركز النيابة؛ وهما مودست ومرسلين؛ فقد ~~كانت مودست أخبرت أمها بما علمته من روبير؛ وهو أن بوفور أبوها، وقالت لها: أريد أن أرى ~~قاضي التحقيق وأن أرى أبي. # وقد استأذنتا من القاضي بمقابلته فأذن لهما وسألهما عن سبب هذه الزيارة، فقالت له مرسلين: ~~لقد أتينا بأخبار قد تفيد التحقيق في مسألة بوفور. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إني أستطيع أن أخبرك عن السبب الذي صحب بوفور من أجله فولون ليلة القتل، فنرى منه أنه ~~يستحيل أن يكون بوفور كمن لفولون وقتله. ~~- تكلمي يا سيدتي. # فحكت له مشروع زواج بنتها بابن فولون، والموانع الأولى التي حالت دون الزواج، وكيف أنها ~~حكت حكايتها لبوفور وأخبرته ببنته، واستنتجت من ذلك أنه يستحيل أن يخطر لبوفور قتل صديقه ~~وصهره، ثم ذكرت له أن بوفور ذهب إلى فولون ليطلعه على سر مولد مودست، وكان ذلك في صباح ليلة ~~القتل، ثم قالت له: لا يمكن أن يكون بوفور سمع حديثنا الآن، ms102 فسله يخبرك بمثل ما أخبرتك ، ~~فإذا اختلف القولان فلك أن تحسبه من المجرمين. # وقد أصغى القاضي إليها وأثرت أقوالها عليه، فأخرجت مرسلين مكتوبا فأرته إياه وقالت: إنه ~~في اليوم الذي جرت المحادثة التي أقصها عليك بيني وبين بوفور اجتمع زوجي مع فولون فتباحث ~~وإياه، وأرسل إلي هذا الكتاب الذي لا يتضمن غير كلمتين وهما: # الرجاء وطيد. # فاشتد تأثر القاضي من هذه البراهين، ولكنها براهين أدبية يلجأ إليها المحامون، فيؤثرون ~~بها على اعتقاد المحلفين. وقد زاد اعتقاد القاضي ببراءة بوفور عندما استجوبه، فكان كلامه ~~منطبقا تماما على كلام مرسلين. # وقد أذن لهما بمقابلة بوفور أمامه، فكانت مقابلة شديدة التأثير؛ بكى فيها الثلاثة بكاء ~~الأطفال. # وبعد انصرافهم دخل الرقيب إلى القاضي وقال له: هل لديك أوامر تصدرها إلي؟ # قال: كلا، ولكني أوصيك بالتدقيق في مراقبة الدكتور جيرار؛ فقد بدأ يداخلني الشك في صحة ~~سيرنا بالتحقيق. # قال: حبذا لو كان جيرار يبوح بما يعلمه. # قال: هذا محال فإنه لن يبوح بحرف، وإذا لم أعثر على براهين جلية اضطررت إلى إحالة بوفور ~~على المحكمة، فاجتهد أن تجد هذه البراهين قبل ثمانية أيام؛ لأني لا أستطيع الصبر أكثر من ~~ذلك. # فخرج الرقيب وهو يقول في نفسه: نعم، سأجدها، ولكن ليس بمراقبة جيرار، بل بمراقبة ~~كلوكلو. # | القسم الرابع # يذكر القراء أن جيرار حين افترق عن كلوكلو أوصاه أن يجيء إليه في اليوم التالي. # وقد جاءه في الموعد المعين، فقال له جيرار: إن داغير على وشك الشفاء، ومتى شفي برح ~~المنزل، فأريد أن تراقبه أتم المراقبة فتعلم إلى أين يذهب، فاجتهد أن تقف على كل ما يفعله، ~~وإذا وقفت على شيء غير مألوف فأسرع بإخباري. # قال: سأفعل يا سيدي؛ فاسمح لي أن أسألك إذا كنت مشككا بداغير. ~~- لا أشكك بأحد. ~~- أما أنا فأشك كثيرا بهذا الرجل، وكفاني برهان ذلك الدم الذي رأيته فوق ثيابه ليلة ~~الجريمة، وقد روت الجرائد أن القاتل جريح فلا ريب عندي أن القاتل هو ... ~~- لا تذكر اسم أحد فقد يسمعونك. ~~- سأفعل كل ما ms103 تريده يا سيدي، وكل ما أرجوه أن تطلق يدي في العمل. ~~- ولكن بشرط أن تخبرني بكل ما يخطر لك فعله قبل الشروع فيه. # فاتفقا على ذلك، وذهب كلوكلو إلى جهة منزل داغير، وهو لا يعلم أن معاون قاضي التحقيق يسير ~~في أثره وهو متنكر أتم التنكر. # وكان يوجد في تلك الجهة فندق صغير يشرف على باب منزل داغير، فاستأجر غرفة فيه، وبعد هنيهة ~~خلا الرقيب مع صاحب الفندق؛ فأسفر هذا الاختلاء عن اتفاقهما على كلوكلو. # وفي اليوم التالي بينما كان كلوكلو جالسا وراء النافذة يراقب رأى داغير في الحديقة وهو ~~بملابس الصيد، ثم رآه وقف في الباب الخارجي فنظر يمنة ويسرة إلى الطريق، فلما لم ير ما ~~يريبه مشى في الطريق المؤدية إلى الغابة، وهو يمشي لضعفه مشية السكيرين. # وأسرع كلوكلو في أثره، وفيما هو في الطريق، التفت داغير إلى الوراء وخشي كلوكلو أن يرتاب ~~به فدنا منه وقال له: أتريد يا سيدي أن أصحبك فأخدمك في الصيد؟ # فأجابه بجفاء: كلا. # وكان كلوكلو يعلم أن داغير وبوفور قد استأجرا مكانا في الغابة للصيد فيه؛ إذ صحبهما ~~مرارا إليه، فتقدم داغير وسار إلى ذلك المكان فكمن بين الأدغال لوثوقه أنه سيأتي إليه، ~~فأقام نحو ساعة دون أن يراه، فقال في نفسه: لا شك أنه ارتاب بي فعاد أدراجه. # والحقيقة أنه عاد إلى المنزل، ولكنه لم يعد لهذا السبب، بل لأنه لم يتمكن لضعفه من ~~مواصلة السير. # أما كلوكلو فإنه عاد إلى الفندق، وقد وثق قبل الدخول إليه أن داغير في المنزل إذ رآه ~~واقفا وراء النافذة. # ودخل إلى الفندق فوجد في قاعة الطعام رجلا غريبا يأكل ويشرب ويكلم صاحب الفندق بلهجة ~~أهل الألزاس، فعرفه صاحب الفندق بذلك الغريب، وكان كلوكلو ولوعا بالشراب، فمال عليه ~~الرقيب بالكئوس حتى سكر وانطلق لسانه، فجعل الرقيب يستدرجه، فعلم منه أن داغير خسر ثروته ~~لشركة بوفور، وأنه جريح، وكاد أن يخبره بكل ما يعرفه ولكنه توقف عن الكلام لما رآه من ~~اهتمام الألزاسي، فعاد إليه شيء ms104 من صوابه. # وأدرك الرقيب ذلك منه فألح عليه بشرب كأس ثم بالثانية والثالثة، فعقد لسانه بعد ~~الانطلاق وانقلب صريعا من سكره تحت المائدة. # وعند ذلك سأل صاحب الفندق الرقيب إذا كان يريد أن يعد له مرقدا فقال: كلا، بل أبقى بجانب ~~هذا الصريع حتى يستفيق؛ فأكون أتبع له من ظله. # ونام كلوكلو نحو ساعتين، ثم استفاق من رقاده لا من سكره، فكان أول ما خطر له داغير، فقال ~~في نفسه: ويح لي! أيعهد إلي جيرار بمراقبته فأشتغل عنه بالنوم! وماذا أقول له إذا كان قد ~~سافر دون أن أراه؟ أأقول له لقد شغلني عنه السكر. إن داغير لا بد أن يكون الآن في الغابة، ~~ولا بد لي من الذهاب إليها الآن، فإذا لم أجده فيها عدت إلى مكمني في الفندق. # قال هذا وخرج من الفندق والفجر يكاد ينبثق، فسار في طريق الغابة والرقيب في أثره، حتى إذا ~~وصل إليها شعر بنعاس لا يقاوم فقال لا يشفيني من هذا النعاس غير الاستحمام في ~~البحيرة. # وسار إليها ولكنه قبل أن يبلغها ببضعة أمتار غلبه النعاس فنام بين الأدغال، واختبأ الرقيب ~~بالقرب منه ليعلم ماذا يفعل بعد أن يستفيق. # لنعد إلى داغير؛ فإنه حين رجع إلى منزله كان منهوك القوى؛ فإنه لم يكن يستطيع السير بعد، ~~غير أنه كان واثقا أن الخطر يدنو منه كل يوم، وأنه لا رجاء له بالنجاة إلا إذا تمكن من ~~الفرار، وكيف يهرب دون أن يأخذ المال الذي سلبه من فولون وخبأه في الغابة؛ فإنه لم يرتكب ~~جريمة القتل إلا لهذا المال. # ولم تكن الغابة تبعد أكثر من ساعة، ولكن هيهات أن يستطيع الوصول إليها ماشيا، فافتكر أن ~~يذهب راكبا، ودعا الخادم فأمر أن يعد له مركبة الصيد في الساعة السادسة من ~~الصباح. # ونام ليلته وهو شديد الجزع، وفي الصباح ركب المركبة وحده، وكان هو يسوقها ودفعها إلى ~~الغابة، بينما كان كلوكلو نائما بين الأدغال والرقيب ساهرا مختبئا ينظر إليه من حين إلى ~~حين. # ولما وصل إلى الغابة ms105 ومر بالمكان الذي قتل فيه فولون أغمض عينيه بالرغم عنه، وضرب الجواد ~~بالسوط كي يسرع السير ويبعد عن هذه الذكرى، كأنما العواطف الإنسانية عادت إلى قلبه الوحشي، ~~وعطف إلى جهة البحيرة حتى وصل إلى الأدغال المحدقة بها، فأوقف المركبة ومشى بين تلك ~~الأدغال. # كان الرقيب مختبئا بين تلك الأدغال يراقب كلوكلو كما قدمنا، وفيما هو على ذلك سمع وقع ~~خطوات، فالتفت إلى كلوكلو فوجده لا يزال نائما، فقال في نفسه: ترى من يكون هذا القادم؟ ~~فإني إذا بقيت في موضعي لا أراه، وإذا خرجت أخاف أن يراني. وقد التفت عند ذلك إلى كلوكلو ~~فرآه قد فتح عينيه، وأنه ينظر محدقا إلى جهة البحيرة، وقد برقت عيناه، فقال في نفسه: لا شك ~~أنه يحدث ما يدعو إلى انذهال كلوكلو، ولا بد لي أن أرى ما يجري. # وقد أزاح عند ذلك بملء العناية فرعا غليظا كان يحول بينه وبين الطريق، فرأى رجلا يسير ~~إلى البحيرة لم يستطع أن يعرفه؛ لأنه لم يكن يرى غير ظهره، حتى إذا وصل إلى المياه نظر إلى ~~ما حواليه نظرة الفاحص الخائف، ونزل إلى تلك المياه فبلغت إلى ركبتيه، فدهش الرقيب مما رآه ~~ونظر إلى كلوكلو فرآه يكاد يفترس داغير بنظراته، فقال في نفسه: لماذا كلوكلو ينظر إليه هذه ~~النظرات؟ وأي شأن لهذا الرجل في البحيرة، وهو يمشي فيها دون أن يخلع نعليه؟ وما عساه يجد ~~هناك غير الضفادع؟ # ثم اختلف المنظر فجأة فرأى أن داغير قد ارتعش ارتعاشا عنيفا؛ فإنه التفت اتفاقا وهو ~~يسير في المياه فرأى كلوكلو مضطجعا بين الأدغال وهو ينظر، فكان ارتعاشه من التقاء ~~النظرات. # ولكنه ملك نفسه بسرعة، وبعد أن وقف بضع ثوان في البحيرة عاد إلى الشاطئ، وجعل يسير ~~باحثا في التراب، كأنه يقتفي أثر طريدة يطاردها، ثم خرج من بين الأدغال وتوارى عن الأنظار، ~~فركب مركبته وانصرف عائدا إلى المنزل وهو على حالة من الاضطراب لا تصفها الأقلام؛ فإنه لو ~~لم ير كلوكلو ينظر إليه لأخرج المال الذي دفنه في ms106 البحيرة وافتضح أمره؛ إذ لا برهان على ~~الجناية أمتن من هذا البرهان. # غير أنه أخذ يبحث في الحادثة بحثا مدققا فاطمأن؛ إذ قال في نفسه: إما أن يكون كلوكلو ~~جاء إلى هنا ليصطاد، وإما أنه أتى لينام، وهو في الحالتين غير عالم بشيء من أمر الحقيبة؛ إذ ~~كيف يخطر له أني خبأتها تحت المياه؟ أما انبغاته من اجتيازي المياه فهو أمر طبيعي؛ ولذلك ~~فقد كان خوفي في غير محله. # أما كلوكلو فإنه لبث هنيهة وهو شبه المأخوذ مما رآه، ثم خطر له أن يقتفي أثره ولكنه سمع ~~صوت المركبة تسير به فسار إلى المكان الذي مشى فيه داغير من البحيرة، واقتدى به فنزل إلى ~~المياه، ومشى في نفس طريقه دون أن يعلم سر نزوله إلى الماء، ثم عاد وجلس على الضفة وأخذ ~~يفتكر بحل هذا اللغز. # وعند ذلك قطع الرقيب غصنا ورماه عند قدمي كلوكلو فوقف منذعرا، والتفت إلى ورائه فرأى ~~الألزاسي صاحبه بالأمس يضحك مقهقها ويقول له: ماذا تصنع هنا أيها الرفيق، ألعلك تصيد ~~الضفادع؟ # فاصفر وجهه من الغضب وذكر أنه هو الذي أسكره بالأمس، فقال له: وأنت ماذا تصنع هنا بدلا ~~من أن تكون نائما في الفندق؟ # قال: إني أتنزه. ~~- وفي مثل هذه الساعة يتنزهون؟ ~~- هي عادة قديمة جريت عليها. ~~- أأنت هنا من زمن طويل؟ ~~- منذ ساعة بالتقريب. # وقد غمز بعينه إشارة إلى أنه رأى ما حدث، وقال: نعم لقد رأيت ذلك الرجل الذي غاص في ~~البحيرة ورأيتك حين اقتديت به. ~~- إذن أصغ لما أقول. ~~- ماذا تريد أن تقول؟ ~~- أريد أن تذهب من هنا في الحال. ~~- كلا لا أذهب. ~~- أترفض طلبي؟ ~~- نعم. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الغابة حرة، ألم تقل لي هذا القول مرة حين كنت تراقبني في الطريق؟ # فبرقت عيناه ببارق غريب، وقال له: من أنت؟ # قال: أصغ إلي الآن بدورك إذ لم يبق فائدة من التنكر. # وقد نزع شعره المستعار ولحيته، وقال: أنا هوبتسون معاون قاضي التحقيق، أعرفتني ~~الآن؟ ~~- أتم العرفان. ~~- إذن فاعلم أن اتفاقنا بعد ما جرى ms107 خير لنا من الخلاف، ولنبحث الآن بحث العاقلين؛ فإن ~~كلينا يسعى لغرض واحد؛ فقد اختاروني لكشف الغامض عن مقتل فولون، فأنا أبحث عن القاتل. ~~- كيف تبحث عنه وهو في السجن؟ ~~- لأن السجين بريء، ولا يسر الدكتور جيرار مثل إظهار براءته، فيجب عليك أن تساعدني على ~~إظهار الحقيقة؛ لأنك تبحث عنها مثلي، وأنت مخلص للدكتور فيما أظن. ~~- نعم، وإني أحبه؛ فقد أنقذ أمي، وأنا وأمه من بلد واحد، ولي أسباب أخرى تدعوني إلى هذا ~~الإخلاص. ~~- لا أسألك أن تكشف لي أسرارك، وإني مخبرك بكل ما عرفته بغية نيل ثقتك؛ فإني أريد معرفة ~~القاتل، وإذا عرفته أكون قد خدمت الموسيو بوفور والذين يحبونه أجل خدمة، فاعلم أن أول ما ~~سعيت إليه معرفة المرضى الذين يعالجهم الدكتور جيرار، ولا بد للوصول إلى هذه الغاية من ~~اقتفاء أثره أينما ذهب، فكنت أنت أيضا تقف لي كيفما ذهبت، وتنبه الدكتور بأناشيد اصطلحت ~~عليها معه. ~~- أعرفت ذلك؟ ~~- دون شك، فاستنتجت منه أن الدكتور لا يريد أن يراقبوه، ولا تستطيع أن تنكر أنكما كنتما ~~على اتفاق. ~~- إذا لم يكن لديك غير هذا البرهان ... ~~- [ هناك] برهان آخر، وهو أنك جئت في صباح اليوم التالي إلى الدكتور، فخلوت به هنيهة، وذهبت ~~إلى الفندق الكائن تجاه منزل بوفور فاستأجرت غرفة فيه، فظهر لي جليا أنك تريد المراقبة، ~~ولكني لم أعرف في البدء من هذا الذي تريد أن تراقبه، إلى أن خرجت من غرفتك لتقفو أثر صياد ~~خرج من منزل بوفور، وكان هذا الصياد داغير كما أخبرني صاحب الفندق، فلماذا قفوت أثره؟ ألعلك ~~أردت أن تسأله صدقة؟ ~~- ما أنا من المتسولين، بل سألته إذا كان يريد أن أصحبه فأخدمه في الصيد. ~~- وقد أبى، بدليل أنك ذهبت وحدك إلى الغابة بالرغم عن شدة ضعفه، فلم يبق لدي شك في أنك ~~تراقب داغير. ~~- أي غرض لي من مراقبته؟ ~~- سوف أخبرك؛ أما مرضه فقد عرفته من صاحب الفندق ومن خادم منزله، ويظهر أن القبض على ~~شريكه وصديقه كان السبب في مرضه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك ms108 أنه مرض يوم حدوث الجناية ، وفي ذلك اليوم ذهب الدكتور جيرار لعيادته. ~~- إنك تعرف من ذلك فوق ما أعرف. ~~- ربما، فأصغ إلي يا كلوكلو؛ إن الدكتور جيرار ذهب منذ بضعة أيام إلى قاضي التحقيق وقال ~~له: إن لدي برهانا يثبت براءة بوفور، فقال له القاضي: أتعرف القاتل؟ قال: نعم. قال: من هو؟ ~~قال: لا أستطيع أن أذكره لك؛ لأن هذا السر علمته وأنا أمارس مهنتي، وواجباتي تقضي علي ~~بالكتمان. # فلم يلح عليه بالسؤال ليقينه من أنه لا يجيب، ولكنه دعاني إليه وأخبرني بما سمعه من ~~جيرار، ثم قال لي: إن الطبيب يكتم هذا السر ولكنه لا يستطيع أن يمنعنا عن معرفته بما لدينا ~~من الوسائل، فإذا تمكنا من معرفة القاتل كان سرور الدكتور عظيما؛ لأنه ينجو من تقريع ~~الضمير. # فقال له كلوكلو: أتقسم لي بأنك تقول الحقيقة؟ ~~- أقسم لك بأن كل ما قلته صحيح، وأن الدكتور يعرف القاتل، ولكن واجبات مهنته تقضي عليه ~~بالكتمان. ~~- لقد بدأت أن أفهم. ~~- هل أصبحت تثق بي الآن. ~~- كل الثقة. ~~- يسرني أن تثق بي فإننا إذا عملنا يدا واحدة وصلنا إلى الغرض الذي نسعى إليه. والآن فقد ~~قلت لك كل ما أعلمه، بقي أن تخبرني عن هذا الرجل الذي رأيناه في البحيرة؛ فإني لم أر غير ~~ظهره؛ أليس هو داغير؟ ~~- هو بعينه. ~~- هل تعلم لماذا نزل إلى المياه؟ ~~- كلا. ~~- أتقول الحقيقة؟ ~~- نعم؛ فإن الدكتور أمرني أن أراقبه، وأن أخبره بكل ما يصنع، أما قدومي إلى البحيرة فلأجل ~~أن أغتسل فيها على رجاء أن أستفيق من سكري، فغلبني النوم قبل وصولي إليها، ونمت حيث ~~رأيتني. ~~- ألا ترى ما أراه وهو أن داغير لم يأت إلى البحيرة لغسل ساقيه؟ ~~- دون شك؛ فإن له مأربا، ولكن ما هو؟ ~~- إذا بحثنا فقد نجده، ولو لم يرك وهو في البحيرة لعرفنا ما يريد، وقد أتينا إلى هذه ~~الجهة ليلة القتل وبحثنا بحثا دقيقا فلم نظفر بشيء. ~~- عم كنتم تبحثون؟ ~~- عن أموال فولون المحفوظة في كيس من جلد؛ فإن القاتل لا ms109 بد أن يكون خبأها هنا . ~~- لماذا لا يمكن أن يكون قد أخذها إلى منزله؟ ~~- كلا، لأنه أصيب بجرح من مسدس القتيل ونزف منه كثير من الدماء، فخشي أن يغمى عليه ~~قبل وصوله إلى المنزل، فإذا وجد الكيس معه كان ذلك أعظم برهان على جريمته. ~~- أتقول إنه كان جريحا؟ ~~- نعم، وهذا مثبوت من وجود الدم في الطريق. ~~- لقد فهمت الآن كل شيء. ~~- ماذا فهمت؟ # فأطرق مفكرا ثم قال: لقد وعدت الدكتور جيرار ألا أفعل شيئا قبل إخباره به، فعدني أننا ~~نخبر الدكتور بما نكتشفه قبل قاضي التحقيق. ~~- إنك تطلب مطلبا صعبا. ~~- وأنا لا أقول شيئا إلا إذا وعدتني هذا الوعد. ~~- لقد رضيت؛ فإني واثق من العثور بالقاتل كيفما اتفق. ~~- إذن فاعلم أني لقيت رجلا ليلة الجناية خارجا من الغابة، ورأيت ثيابه ملوثة بالدم ويده ~~على صدره وهو يمشي ويقع شأن السكران، أتعلم من كان هذا الرجل؟ ~~- داغير؟ ~~- هو بعينه. ~~- إذن لم يبق شك، فهو القاتل. ~~- احذر أن تكون مخطئا باتهامه كما أخطأتم حين اتهمتم بوفور. ~~- كلا؛ فإن جريمة هذا أصبحت واضحة لا متسع فيها للخطأ. ~~- والآن ماذا نصنع؟ ~~- ننصب الفخ الذي لا بد لداغير أن يقع فيه. ~~- إني مستعد لمشاركتك فيما تريد. ~~- ولكن لا بد لنا قبل العمل أن نتحقق من أمر؛ فقد قلت لك إننا بحثنا عن الكيس في الغابة ~~فلم نجده؛ لأنه مخبوء في البحيرة، وإني أراهنك على زجاجة من الخمر ... ~~- لا أقبل هذا الرهان؛ فقد عاهدت ربي ألا أذوق الخمر بعد سكرة أمس. ~~- إذن هلم بنا نبحث؛ فقد أرشدنا داغير إلى الطريق. فوافقه ونزل الاثنان إلى البحيرة، ~~فبحثا بحثا دقيقا دون أن يظفرا بشيء؛ إلى أن صاح كلوكلو صيحة فرح، فقال له الرقيب: ماذا ~~حصل؟ # قال: لقد لقيته! # وقد أخرجه من تحت المياه، وهو كيس من جلد محكم الإقفال، فأخذه الرقيب ففتحه؛ فوجد فيه ~~الأوراق المالية بتمامها، وفيه أيضا أوراق تختص بأشغال فيلون. # ولما وثق من ذلك أقفله وأرجعه إلى مكانه. # فدهش كلوكلو وقال: ماذا فعلت؟ ~~- قال: اتبعني ms110 أخبرك. # وخرج الاثنان من البحيرة فقال الرقيب: إن البرهان الذي نحتاج إليه لإثبات الجريمة هو هذا ~~الكيس، فإذا أخذناه ذهب البرهان، أما إذا تركناه في موضعه فلا بد لداغير أن يأتي يوما ~~ليأخذه؛ فنقبض عليه متلبسا بالجريمة، ولا بد أن يحضر فإنه لم يقتل إلا للحصول على هذا ~~المال، ولا عبرة في أنه رآك هنا فإنه لو خامره شيء من الريب فيك لهرب من فوره، ولكنه حمل ~~وجودك على محمل الصدفة، فذهب مطمئنا على مهل؛ ولذلك لا بد له أن يعود فهو قد يعود الليلة ~~أو غدا أو بعد أسبوعين. ~~- ونحن ماذا نصنع في انتظار ذلك؟ # قال: نراقب هذا المكان في الليل والنهار، ولا أنكر صعوبة العمل فإن هذه البحيرة محاطة ~~بالأدغال، وهو سيطوف بها دون شك باحثا مفتشا حتى يثق من خلو المكان، وهو قد يحضر في ~~الليل، ولكني أرجح حضوره في النهار؛ حذرا من الرقباء الذين تسهل عليهم مراقبته في ~~الظلام. ~~- ولكن كيف نكمن له وأين؟ ~~- إني سأبقى وحدي هنا نحو ساعة. ~~- وأنا؟ ~~- تذهب في البدء إلى الدكتور جيرار. ~~- وأخبره بكل ما حدث؟ ~~- هو ذاك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تذهب إلى الفندق الذي كنا فيه، وتطلب إلى صاحبه باسمي الحقيقي لا المستعار أن يعطيك ~~معولا وطعاما لأربعة أو خمسة أيام وغطائين من الصوف؛ فإن البرد يشتد في الليل، فننام كل ~~بدوره؛ بحيث يكون واحد منا ساهرا للمراقبة. # فانصرف كلوكلو، وبعد ساعة كان عند الدكتور فأخبره بالأمر، وذهب إلى الفندق لإتمام المهمة، ~~ثم ذهب الدكتور إلى قاضي التحقيق وقال له: أتيت أرجوك وفاء أمر، وعسى ألا أخيب. ~~- بمن يتعلق هذا الأمر؟ ~~- بالموسيو بوفور. ~~- لقد خرج أمره من يدي فلم أعد أستطيع شيئا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني أحلت أوراق الاتهام إلى المحكمة، وقد علمت الآن أنها عينت يوم المحاكمة في 5 ~~سبتمبر. # فسقط جيرار على كرسيه واهي القوى وهو يقول: يا للشقاء ألا توجد طريقة للتأجيل؟ ~~- ألعلك تريد أن تبلغ النيابة شيئا جديدا؟ ~~- أما اليوم فلا. ~~- إذن؟ ~~- ألا يمكن أن يظهر القاتل ms111 الحقيقي بعد بضعة أيام؟ ~~- لا يزال أمامك ثمانية أيام؛ فإن موعد الجلسة 5 سبتمبر كما قلت لك، فإذا حدث أمر جديد ~~تبلغني إياه، فأجري تحقيقا إضافيا، ثم لا تنس أنك مستدعى إلى المحكمة فتقول ما ~~تشاء. ~~- لا أستطيع أن أقول غير ما يمليه علي ضميري، إذ لا أستطيع أن أغير حرفا من تقريري ~~الطبي، ولكني أقول إني واثق من براءة بوفور. ~~- أما المحكمة فتقول لك هات برهانك. ~~- وبوفور أين هو الآن؟ ~~- نقل إلى سجن بوفيه. ~~- مسكين! ألا تعلم أن الحكم عليه يعد أعظم جناية؟ ~~- وهذه الجناية يكون لك اليد الطولى فيها؛ لأنك تعرف أمورا كثيرة تكتمها. ~~- لا أستطيع أن أفعل شيئا، ألا يمكن التأجيل؟ ~~- يمكن. ~~- كيف السبيل إلى نيله؟ فإن براءة بوفور قد تظهر بعد بضعة أيام. ~~- يجب أن تقدم عريضة إلى المحكمة تطلب فيها التأجيل. ~~- أتجيب بالإيجاب؟ ~~- بشرط أن تذكر سببا وجيها يدعو إلى هذا التأجيل. ~~- ولكن، هذا محال. ~~- والتأجيل أيضا محال. # فخرج جيرار قانطا والدموع تكاد أن تسيل من عينيه لإشفاقه على بوفور. # أما كلوكلو فإنه بعد أن ترك الدكتور جيرار ذهب إلى صاحب الفندق، فأخذ المعول والمئونة ~~وعاد إلى صاحبه فقال له: ماذا تريد أن تصنع بالمعول؟ # قال: سأحفر حفرة تجاه البحيرة عمقها متر وعرضها متران، وأجعل سقفها من الأدغال، فيبيت ~~فيها واحد منا للمراقبة، ويبيت الآخر على شجرة من هذه الأشجار الضخمة، فإذا جاء وبحث لا يرى ~~أحدا منا، أما نحن فنراه الواحد من خلال الأدغال والآخر من خلال الأوراق في أعلى ~~الشجرة. ~~- وما نصنع بالتراب الذي سنخرجه من الحفرة؟ ~~- ننقله بسلة الطعام إلى البحيرة. # وبعد ساعتين فرغا من إعداد الحفرة ونقل التراب، فدخل كلوكلو إلى الحفرة وصعد الرقيب إلى ~~الشجرة. # مر على ذلك بضعة أيام كان الاثنان في موقفيهما ليل نهار، فلا يغيب كلوكلو غير ساعة كل ~~يوم ليتفقد داغير فيعلم أنه لا يزال في المنزل فيعود. # أما داغير فإنه لم يكن يخاف غير خطر واحد، وهو أن تدرك جيرار الرأفة لبوفور، فيبوح بما ~~يعلم ms112 غير مكترث لواجبه الطبي، فكان يؤثر التعجيل لنجاته من هذا الخطر. # ولم يكن التقاؤه بكلوكلو عند البحيرة قد أخافه؛ إذ حمل وجوده هناك على محمل الصدفة، ولكنه ~~رأى أن يصبر بضعة أيام من قبيل الحذر. # وكان يوم المحاكمة يوما مشهودا غصت فيه القاعة بالحضور، وانقسم الناس إلى قسمين بين ~~مشفق على بوفور وواثق من براءته، وبين ناقم عليه يتمنى إعدامه، وقد دافع المحامون عن بوفور ~~خير دفاع. وسئل جيرار، فلم يزد شيئا على ما كان يقوله لقاضي التحقيق، فإذا سأله الرئيس ~~البرهان على براءة بوفور وجم وظهرت عليه علائم القنوط. # وما زال هذا دأبهم بين أخذ ورد حتى تعالى النهار وقد فرغوا من المحاكمة، وطلب المدعي ~~العام معاقبة بوفور معاقبة القاتل عمدا بإصرار، فلما فرغ المحامون من الدفاع طلب الرئيس ~~إلى المحلفين أن يختلوا ليقولوا كلمتهم في المتهم. # وعند ذلك دخل أحد الحجاب، ودنا من موقف الشهود، فنادى جيرار وقال له: هذه رسالة برقية ~~وردتك الآن يا سيدي. فأسرع إلى فض البرقية وقرأ فيها ما يأتي: # إذا لم يكن الحكم قد صدر بعد فأجلوا المحاكمة، إن بوفور بريء ونحن قادمون ~~بالبرهان. # كلوكلو # فاستوقف جيرار الرئيس وهو على أهبة الخروج وصاح قائلا: مهلا يا سيدي الرئيس، مهلا يا ~~أسيادي المحلفين إلى أن تقفوا على هذه الرسالة. # وقد دفعها إلى المحامي فقرأها مسرعا، وقال: إن هذه البرقية تتضمن ظهور براهين تثبت براءة ~~موكلي، فأنا أطلب باسم القانون توقيف الجلسة. # وقد دفع الرسالة إلى الرئيس فقرأها وقرأها القضاة، وعاد إلى بوفور شيء من النشاط، فسأل ~~المحامي قائلا: من الذي أرسل هذه البرقية؟ # قال: إنها موقعة بإمضاء كلوكلو. # وسأل الرئيس جيرار قائلا: من هو كلوكلو؟ # قال: إنه رجل من المغنين، ولكنه نبيل العواطف مستقيم السيرة، وأنا أضمن صدق ما يقوله، وقد ~~عهدت إليه بمهمة فأتمها كما أظن، ولا أعلم كيف أتمها ولكن ثق يا سيدي الرئيس أن هذه الرسالة ~~عظيمة الخطورة. # فلم يجد الرئيس بدا من توقيف الجلسة، واشتد الهرج بين الناس، وقد مضى ms113 ساعتان دون أن يرد ~~نبأ جديد. # ونحن موردون للقراء تفصيل ما حدث خلال محاكمة بوفور. # كان الرقيب وكلوكلو مواظبين على الحراسة لا يملان منها، ولا سيما أن كلوكلو اضطر مكرها ~~إلى الحنث بيمينه وعاد إلى معاطاة الخمر، غير أنه بدأ يخامره الشك بعودة داغير خلافا ~~لرفيقه؛ فقد كان اعتقاده ثابتا لا يتزعزع. # وكان يعلل تأخر داغير عن الحضور إلى البحيرة بقوله: إنه ينتظر يوم المحاكمة فيشغل الناس ~~عن مراقبته بحضورها، ولا سيما جيرار فإنه سيكون من الشهود. # ففي اليوم المعين للمحاكمة قال لرفيقه ادخل إلى الحفرة وسأصعد أنا إلى الشجرة، فإذا رأيته ~~قادما نزلت وأتيت إليك. وأقام كل في مكمنه إلى أن انتصف النهار، فرأى الرقيب من أعلى ~~الشجرة مركبة تتوغل في الغابة قادمة إلى البحيرة، فأيقن أنها مركبة داغير، وأسرع بالنزول ~~فدخل إلى الحفرة؛ حيث كان كلوكلو، وغطاها بالسقف الذي صنعه من الأدغال وشده بالخيوط؛ فجعله ~~قطعة واحدة. # وأقاما ينتظران وقد حبسا أنفاسهما، وبعد هنيهة سمعا صوت المركبة، ثم علما أنها وقفت، ثم ~~سمعا وقع خطوات داغير وقد مر بقرب الحفرة باحثا بين الأشجار والأدغال كي يستوثق من خلو ~~المكان. # فلما استوثق تنفس الصعداء وذهب توا إلى البحيرة فخاض فيها، وعند ذلك رفع الرقيب سقف ~~الحفرة قليلا وجعل يراقبه، فرآه قد مد يده إلى المكان المخبوء فيه الكيس فأخرجه من المياه، ~~وقد برقت عيناه ببارق غريب، فحمل كنزه وخرج به من البحيرة، فسار مسرعا إلى المركبة وهو ~~يحسب أنه نجا بكيسه؛ والحقيقة أن هلاكه كان بهذا الكيس؛ فإنه قبل أن يصل إلى المركبة شعر ~~بأياد قد قبضت عليه من الوراء، فألقى الكيس إلى الأرض، والتفت فرأى كلوكلو والرقيب وهو ~~يعرفهما، فهزهما بكل ما لديه من القوى بحيث تمكن من الإفلات وأطلق مسدسه فأصاب ~~كلوكلو. # ولكنه قبل أن يتمكن من إطلاق النار على الرقيب هجم عليه هجوم المستميت، فانتزع المسدس من ~~يده وضربه بقبضته على رأسه فصرعه وأغمي عليه لضعفه، فاغتنم الرقيب هذه الفرصة وقيد يديه ~~ورجليه بقيد البوليس المعروف. ms114 # ثم أسرع إلى كلوكلو ليتفقده، فقال له : ألعلك جريح؟ # قال: نعم، ولكن أظن أنه جرح بسيط. # فكشف عن الجرح فوجد أن رصاصة داغير قد اخترقت لحم كتفه دون أن تكسر العظم، فغسله بماء ~~البحيرة وربطه بمنديله، وقال له: هل تتألم كثيرا؟ # قال: لا تهتم بي؛ بل بذلك السفاك. # وكان داغير قد استفاق من إغمائه وحاول أن ينهض، فشعر أنه مقيد، وكادت عيناه تخرجان من ~~وجهه. # أما الرقيب فقد وقف أمامه وجعل يضحك، فقال له داغير: ماذا تريد مني؟ # قال: لا شيء سوى أن أقبض عليك. ~~- لماذا تقبض علي؟ ~~- لتذهب إلى محكمة الجنايات يوم القبض عليك، وتحاكم في اليوم نفسه، وهذا من غرائب ~~التوفيق. ~~- لا شك أنك من المجانين أو أنك طامع بمالي، فإذا كان هذا قصدك فخذ المال وأطلق ~~سراحي. ~~- هلم بنا؛ فإن الوقت أقصر من أن نضيعه بهذه المباحث التافهة. # فسأل كلوكلو قائلا: ماذا نصنع؟ # قال: نذهب في البدء إلى قاضي التحقيق فنريه القاتل والكيس الذي خبأه في البحيرة، ثم نرسل ~~برقية إلى جيرار لتطلع عليها المحكمة لتوقف الحكم إذا كان لم يصدر بعد، ثم ننهب الأرض ~~بمركبة داغير إلى المحكمة لنبسط ما لدينا من البراهين. # أما داغير فقد خارت عزائمه وأيقن أن كل ذلك من صنع جيرار، فحملاه إلى المركبة وسارا به ~~إلى كربل فأرسلا البرقية التي اطلع عليها جيرار في المحكمة، ثم ذهبا إلى قاضي التحقيق ~~وأخبراه بما كان، فجاء بداغير وقال له: أأنت قاتل فولون؟ # فضحك ضحك المستهزئ دون أن يجيب. # فقال له: خير لك أن تقر فقد ترحمك المحكمة. ~~- قال: لا أفهم كلمة مما تقول؛ فإن جميع أهل البلد يعرفونني ومن يتهمني بالقتل يتهمونه ~~بالجنون. # فأمر القاضي أن يأتوه بجنديين، وأمرهما أن يسيرا في حراسة القاتل، ثم قال: اصبروا إلى أن ~~أكتب تقريرا كافيا تسلمونه إلى رئيس المحكمة، والآن حلوا قيود المتهم، فامتثلوا وسأله ~~قائلا: ألا تزال مصرا على الإنكار؟ # قال: كيف يكون جواب البريء؟ أما كيس النقود فقد خبأته في البحيرة، وهو لي. ~~- ولكن ms115 الغريب أنه مكتوب عليه الحرفان الأولان من اسم القتيل، وفيه رسائل باسم فولون، ألا ~~تزال بعد هذا البرهان مصرا على الإنكار؟ ~~- نعم. ~~- لم تبق فائدة من ضياع الوقت في استنطاقك، ولكن القتيل رماك برصاصة من مسدسه ~~فأصابك؟ ~~- هذا كذب. ~~- انزع ملابسك لنرى. ~~- لا أريد، ولا يحق لك أن تتهمني. ~~- إني واثق من أنك القاتل فلا ألح عليك، وإن الذي أبيت أن تفعله هنا ستفعله هناك في ~~المحكمة. # وقد كتب تقريره فختمه، وقال لمعاونه يجب أن تسلم هذا التقرير حين وصولك إلى الرئيس، والآن ~~فاذهبوا بسلام. # فشدوا وثاق داغير وذهبوا به إلى المحكمة. # وكان الرئيس قد سئم الانتظار وأمر بإعادة الجلسة، فدخل الناس أفواجا، ووقف بوفور في مكان ~~المتهمين وجلس جيرار في مكان الشهود، فأمر الرئيس أحد الحجاب أن يدخل إليه معاون قاضي ~~التحقيق. # فارتعش جيرار مسرورا؛ إذ كان يعلم أن هذا المعاون رفيق كلوكلو، ودخل المعاون فقال له ~~الرئيس: من أنت؟ # قال: إني أدعى بنسون، وقد عهد إلي رئيسي قاضي التحقيق في كربل أن أهتم بقضية ~~فولون. ~~- ماذا تريد أن تقول؟ ~~- لدي أشياء خطيرة وبراهين لا تدحض، ولما كان لي شريك بالوصول إلى هذه النتيجة فإني ~~ألتمس من حضرة الرئيس أن يأمر بإدخاله فيسمع قولنا، وهذا الشريك يدعى كلوكلو. # فأمر الرئيس بإدخاله، فدخل وأحدقت به الأنظار، وقد كان مصفر الوجه كثير التألم من جرحه، ~~فحيا تحية الجنود القدماء وبشكل أضحك الحاضرين، وأمرهما الرئيس أن يتكلما، فرويا له كل ما ~~عرفه القراء بالتدقيق. # حتى إذا فرغا من أقوالهما أمر الرئيس بإدخال داغير، فقال له بعد الأسئلة المعتادة: إنك ~~متهم بقتل الموسيو فولون وإعداد الكمين له بغية سرقته. # قال: إنها تهمة زور. ~~- إنك تنكر وقد قبضوا عليك ملتبسا بالجريمة؛ إذ كيف تجيب عن وجودك في البحيرة وإخراج ~~الكيس منها ومجيئك إليها مرتين؟ ~~- لا أجيب بشيء سوى أني بريء فما أنا القاتل، وهذه البراهين التي تظهرونها غير ~~كافية. ~~- لقد ثبت لنا أن فولون جرح قاتله وأنت جريح من مسدس؛ فماذا تقول؟ ~~- أقول إن ms116 هذا غير صحيح. # فأمر الرئيس اثنين من الجندرمة أن يكشفوا عن صدره فظهر أثر الجرح، وسأل الدكتور جيرار أن ~~يقول رأيه في الجرح، فقرر أنه جرح من مسدس، وأن أثره يدل أنه منذ ثلاثة أسابيع. # فسأله الرئيس قائلا: كيف جرحت؟ # قال: كنت أقلب مسدسا فانطلق وأصابتني رصاصته. # فقال جيرار: هذا لا يمكن أن يكون؛ فإن المرء لا يستطيع أن يصيب نفسه في هذا ~~المكان. # فقال الرئيس: أسمعت يا داغير؟ إني أنصحك للمرة الثانية أن تعترف اعترافا تاما إذا أردت ~~أن يرحمك القضاة. # فأطرق برأسه، وقد رأى أنه لم يبق سبيل إلى الإنكار، فقال بصوت أجش: نعم، أنا هو القاتل ~~فاصنعوا بي ما أنتم صانعون. # وعند ذلك انتهت الجلسة، فأخرجوا داغير ودخل المحلفون للمذاكرة في الغرفة المخصصة لذلك، ~~فلم يطل قيامهم فيها، وعادوا، فقال رئيسهم: لقد حكمنا بالإجماع أن داغير مجرم، وحكمنا ~~بالإجماع أن المتهم بوفور بريء، وأنه لا توجد أسباب مخففة. # فأمر الرئيس بإدخال داغير لسماع الحكم واشرأبت إليه الأعناق، فأعطى جيرار خنجرا لبوفور ~~وقال له همسا: أعطه لداغير باسمي؛ فإنك ستقف بجانبه لسماع الحكم. # وتلا الرئيس الحكم، فحكم عليه بالإعدام، ودفع بوفور الخنجر لداغير وقال له: خذه من ~~ولدك. # وكأنما الندم قد ملأ قلبه في تلك الساعة الرهيبة، فنظر إلى جيرار وقال له: اغفر لي، ثم ~~التفت إلى بوفور وقال له: وأنت اغفر لي أيضا. # وقد طعن قلبه بالخنجر قبل أن يتمكن رجال الجندرمة من منعه، فأسرعوا إليه وحاولوا إنهاضه، ~~فقال لهم جيرار: لا فائدة من ذلك فقد مات. # وقد انتهت هذه الرواية كما تنتهي عادة الروايات؛ فإن بوفور غفر لمرسلين وعاش وإياها عيشا ~~حلوا أنساه مرارة الماضي. # وروبير تزوج بمودست بعد انقضاء مدة الحداد. # وأما كلوكلو فقد ضمنوا له رزقه إلى آخر أيامه، ولكنه لم ينقطع عن الشرب والغناء، وهو لا ~~يزال يغني إلى الآن. ms117