######OpenITI# #META# URI: 1344TaniyusCabduh.Rocambole01.Hindawi25791397 #META# Tags: novels #META# ID: 25791397 #META# Title: الإرث الخفي: روكامبول (الجزء الأول) #META# AuthorID: 93704168 #META# Author: بونسون دو ترايل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 69739264 #META# Translator: طانيوس عبده #META# Related_books: 1287PonsonDuTerrail.Rocambole (TRANSL) #META#Header#End# # المقدمة‏ # الإرث الخفي‏‏ # المقدمة‏ # الإرث الخفي‏‏ # | الإرث الخفي‏‏ # | الإرث الخفي‏‏ # | روكامبول (الجزء الأول) # تأليف # بونسون دو ترايل # | المقدمة # 1 # كان نابوليون الأول عائدا من مدينة موسكو بعدما نشبت فيها نار الروسيين، وقد غرق نصف ~~معسكره العظيم في مياه نهر بريزينا الثلجية، وكان السيل عرما والريح زعزعا تهب من جهة ~~الشمال، والأفق مقتما متلبدا بالغيوم السوداء، والبرد قارصا، فكانت تلك الجنود التي ~~ألقت الرعب في قلوب أوروبا المتحدة، تقاوم بقوة اليأس جواذب النعاس المميت، وتدافع ~~بعامل الأنفة ألم الجوع القاتل، وكان بعض المشاة ينازعون العقبان جثث الخيول، ومنهم من ~~كان يغلبه النوم فيرقد رقدة لا انتباه بعدها، وهم مع كل ذلك يلجئون إلى الفرار من حين ~~إلى حين خشية مدافع الروسيين ومطاردة القوزاق، وإن بين أولئك المنكودين ثلاثة فرسان قد ~~أووا إلى غابة صغيرة، وجعلوا يجردون الثلوج عن أغصان العليق، ثم أحرقوها وقعدوا حولها ~~يصطلون. # وكان أحدهم في الخامسة والثلاثين من عمره مرتديا بملابس تدل على أن له في الجيش رتبة ~~أميرالاي، وهو فوق الربعة في الرجال، أزرق العينين، قد ارتسمت على محياه النبيل علائم ~~الشجاعة والصبر، وهو ملقى بين رفيقيه، وقد تكسرت ذراعه وأثخن بالجراح. # وكان الثاني قائد مائة، وهو في مقتبل الشباب أسمر لون الوجه، ذو نظر مضطرب لا يستقر، ~~وقد جلس إلى جنب رئيسه يعينه على الاصطلاء، ولوائح الاضطراب ظاهرة على وجهه ~~العبوس. # أما الثالث فكان من جنود الحرس، وقد طار فؤاده شعاعا لجراح مولاه، فكان جالسا بقربه، ~~ودموع الحنو تنهمل من عينيه، فكان إذا سمع دوي مدافع أو أحس بوقع حوافر ينهض نهضة ~~الليث، ويسير باحثا عن جهة المطاردين، ثم يعود إلى مولاه فيغسل جراحه الثخينة بمنهل ~~الدموع. # وكان الظلام قد أقبل، وأخذ ضباب الشفق المقتم يمزج الأرض بالسماء، فنظر الأميرالاي ~~إلى قائد المائة وقال له: ما ترتئي يا فيليبون، أنقيم الليلة في هذا المكان؟ # فلم يدع الجندي مجالا للقائد، وأجاب بحماسة: مولاي، إن البرد قارص، وليس من الحكمة ~~أن نبيت في هذه الغابة؛ فإن القوزاق قريبون ms0001 منا . # فجعل الأميرالاي ينظر إليهما، ثم سأل فيليبون ثانية عن رأيه، فأجاب: لقد أصاب بستيان ~~فيما ارتآه من وجوب الرحيل؛ لأننا إذا اختفينا في هذا المكان الخطر فلا نفيق، ومتى خمدت ~~النار نموت من البرد، وفوق ذلك فإن دوي مدافع الروسيين ينذرنا بقربهم منا، فلا نجاة لنا ~~إلا بالفرار. # فتنهد الأميرالاي وقال: يا للشقاء ويا للعار! أنهرب من وجه فرقة من القوزاق، وما ~~يتحدث الناس عنا ومن عرف ما لنا من الإقدام، ولكن ويلاه من يستطيع أن يغلب الطبيعة، ومن ~~يطيق ثباتا أمام هذا البرد الهائل؟ بل كيف أقدر على الرحيل وقد وهنت قواي لفرط ما نزف ~~من دمائي؟ بالله دعوني أموت قرب هذه النار، فإن رجلي قد ضعفتا عن حملي. # قال هذا وقد صاح صيحة الألم، وانطرح أمام النار وهو على وشك الموت. # فتشاور رفيقاه بالنظر، ثم همس القائد بأذن الجندي وقال: إذا تركناه ينام، فلا نعود ~~نقوى على إيقاظه. # فمال الجندي على أذنه وقال: لا بأس من رقاده ساعة، فإني أحمله نائما على كتفي. # فأصغى القائد قليلا ثم قال: إن الروسيين على مسافة ثلاثة فراسخ منا، فلينم إذا شاء ~~ونحن نسهر بقربه. # وقد سمع الأميرالاي هذه العبارة فمد يده إلى فيليبون، وقال له: إنني أسديك أيها ~~الصديق الحميم جميل الشكر لما تظهره نحوي من الرأفة والبر بي، وإني أهنئك لثباتك أمام ~~البرد الهائل، فلو لم تكن أشجع مني وأصبر لكنت على ما تراني عليه الآن من الوهن وضعف ~~العزيمة. # فأجابه القائد قائلا: إني أقاسي من البرد نفس ما تقاسيه، غير أنك مثخن بالجراح، وأنا ~~لم ينزف مني قطرة دم، وهذا هو السبب فيما اتهمت به نفسك من الوهن وضعف العزيمة. # فشكره الأميرالاي وقال له: إصغ إلي فإني أشعر بدنو الأجل، وأحب أن أحدثك بأمر أرجو ~~ألا يثقل عليك سماعه؛ إن لي من العمر خمسة وثلاثين عاما، وقد دخلت في سلك الجندية في ~~السادسة عشرة من عمري، وارتقيت إلى رتبة أميرالاي ولي من العمر ثلاثون عاما، أريد بذلك ~~أنه ms0002 كان لي شيء من الشجاعة والصبر تدرجت بهما في سلم المعالي، وكدت أبلغ بهما منتهى ~~آمالي، وهما صفتان ما نزلتا بنفس امرئ إلا رفعتاها من دركات الخمول إلى أقصى درجات ~~التقدم، وكأني بهما الآن وقد سالتا مع دمائي النازفة من جراحي، وحل مكانهما هذا البرد ~~القارص الذي لا يحتمل، وطالما خضت المعامع، واستهدفت لسهام الخطوب، وعرضت نفسا رخصت في ~~حب الوطن إلى الأخطار، فإني أذكر معركة دفنت بها يوما كاملا تحت جثث القتلى، ويوما ~~اقتحمت صفوف الأعداء في حصار ساراكوس في إسبانيا وفي صدري رصاصتان، وأخرى في واركرام ثبت ~~على ظهر الجواد إلى نهاية القتال، وقد جرحت فخذي إحدى الحراب، وتراني الآن أشبه ~~بالأموات جسما بغير روح، جبانا يهرب من مطاردة القوزاق، كل ذلك مما أقاسي من البرد لا ~~مما نزف من الدماء. # فقال له القائد بلهجة المعزي: صبرا أيها الصديق، فسنغادر هذه البلاد المصقعة إلى بلاد ~~تسطع بها أشعة الشمس، فيخرج الأسد من عرينه. # فتنهد الأميرالاي وقال: وا شدة شوقي إلى الأوطان! ووا أسفاه فإني سأموت قبل أن أرى ~~بلادي! ثم تبسم ابتسام القانط وقال وهو يدفع جواذب النعاس القاتل: لا، لا يجب أن أنام، ~~فإن علي أن أفتكر بامرأتي وولدي قبل ذلك، فأصغيا إلي، إنكما يا صاحبي ستعيشان بعدي، ~~وسيطبع تذكار ودادي أثرا في قلبيكما، فأعيراني السمع فهذا آخر ما أحدثكما به. ثم مد ~~يده إلى فيليبون، وقال: إنني تركت أيها الصديق في فرنسا وطني المحبوب امرأة في مقتبل ~~الشباب وطفلا صغيرا، وعن قريب ستصبح تلك المرأة أرملة وذلك الطفل يتيما ... لا تقطع ~~علي حديثي أيها الصديق، فإنني أتمنى لنفسي ما تتمناه لي من العيش لأشاهد امرأتي وولدي، ~~ولكن قلبي يحدثني بقرب الوفاة، وأن تلك الأرملة وذلك اليتيم يحتاجان إلى نصير ~~أمين. # فركع بستيان على ركبتيه، واستشهد السماء بيديه وهو يقول: إني سأبذل حياتي ودمي قطرة ~~فقطرة في خدمة امرأتك وولدك إذا أصابك الدهر بمكروه. # فشكره الأميرالاي، وكان اسمه أرمان دي كركاز، ثم حول نظره إلى القائد فقال: ms0003 وأنت ... ~~أنت أيها الأخ الشفيق والصديق الصدوق ... # وكأن هذه الكلمات قد فعلت بالقائد فعل الكهربائية بالأجسام، فاضطرب عند سماعها كاضطراب ~~الريشة في مهب الريح، ولكن ذلك مر بأسرع من التصور، فلم يلبث أن عاد إلى ما كان عليه من ~~الكدر، واقترب من أرمان مصغيا إليه، فقال أرمان: أنت يا خير من عرفته في أيامي، إنك ~~ستكون سند تلك الأرملة، ووالد ذلك الطفل الصغير. # فاحمر وجه القائد، وبرقت أسرة وجهه، غير أن أرمان لم ينتبه إلى ذلك، فمضى في حديثه ~~يقول: إني لا أجهل سابق غرامك بامرأتي منذ كانت تدعى باسم ذويها، وإنك تذكر يوم خلبت ~~قلبينا بآدابها، وتزاحمنا على حبها، كيف تركنا لها الخيار في انتخاب أحدنا بعلا لها، ~~فكنت يومئذ أوفر منك حظا، واختارتني لها قرينا برضاك، فلم يكن ذلك ليقطع صلات المودة ~~بيننا؛ بل استحكمت في أثره علائق الوئام، واستوثقت عرى الإخاء؛ مما دعاني إلى شكرك في ~~حينه شكر محب عرف سر الولاء، ودعا لك الله في صلواته إذ كنت السبب في ما وصل إليه من ~~ذلك الهناء. # والآن فإن ذلك الزوج الرءوف سيزج في ظلمات الأبدية، وسيغادر تلك المرأة أرملة لا نصير ~~لها إلاك، ولا رجاء لها سواك، فأنت ستكون بعدي زوج تلك الأرملة؛ لتكون أبا لذلك ~~اليتيم. # نعم، إنك ستتزوجها من بعدي، وهذه وصيتي الأخيرة كتبتها عند نشوب هذه الحرب، وقد تركت ~~لك بها نصف ثروتي، أما الآن فإنك ستقتسمها مع امرأتي وولدي؛ لأني أثق بك وبإخلاصك، ولا ~~ريب عندي بأنك ستنفذ إرادة محبتك الأخيرة. قال ذلك ومد يده السليمة إلى جيب صدرته، فأخذ ~~منها غلافا ضخما وأعطاه لفيليبون. # فاصفر وجه القائد، وأخذ الغلاف بيد ترتجف وهو يقول: كن مطمئنا أيها الصديق، فسأمتثل ~~لأمرك إذا أصبت بمكروه، ولكنك ستبرأ من جراحك، وستعيش لامرأتك التي طبعت على قلبي خير ~~أثر من الاحترام. # فتبسم أرمان تبسم القانط الواثق بدنو الأجل، ولم ينبس ببنت شفة، بل تأوه وأطبق ~~عينيه، وقد غلبه النعاس، فقال فيليبون لبستيان: لندعه ينام بضع ساعات ms0004 نتناوب بها السهر ~~عليه. ثم أضجعاه بقرب النار وغطياه بما كان عليهما من الثياب، فلم تمر دقيقة حتى سمع ~~غطيطه. # فجلس بستيان بقرب رأسه، وجعل يزيد الضرم كلما أخمدت النار أو كادت، وهو يحاذر من وقوع ~~الشرر عليه، ويكاد يذوب حنوا على مولاه. # أما فيليبون فكان غارقا في لجج التصورات، ملقيا بنظره إلى الأرض وهو ينكتها بحسامه ~~الطويل، وكان يقطع تصوراته من حين إلى حين ناظرا إلى أرمان نظرة احتقار وانتقام، وإلى ~~بستيان نظرة حذر وتحسب، ولا بد لنا في سياق هذا الحديث من الإلماح إلى ماضي هذا الرجل ~~الذي كان يحبه أرمان محبة إخاء، ويثق به ثقة عمياء، وهو لو مثلت صورة اللؤم لما مثلت ~~بغير رسمه، نقول: إنه كان فاسد الأخلاق، كثير اللين والمكر، وهو في الأصل من رعاع ~~الطليان، تطوع في الجيش الفرنسي فلم يكن أصحابه على فقره المدقع إلا من أصحاب ~~الملايين. # ولم يمض عليه زمن يسير حتى ارتقى إلى رتبة قائد لفرط تحيله، ولاحتياج الجيش إلى قواد ~~لا لبأسه وإقدامه، فإنه كان يستر جبنه ومكره ببراقع من الرثاء. # وقد ارتبط مع أرمان منذ خمس عشرة سنة برابط متين من الوداد حتى أصبحا لا يفترقان، وقد ~~لقيا منذ ثلاثة أعوام مرت على المعركة التي نحن بصددها السيدة هيلانة ديران، ابنة أحد ~~كبار القواد، وكانت بارعة في الجمال فعلق بها الاثنان، أما هي فاختارت أرمان بعلا لها ~~على ما ذكرناه آنفا، فثارت الغيرة بفيليبون، وأضمر الشر لرفيقه كاتما أحقاده مترقبا ~~فرص الانتقام، حتى إنه أطلق عليه الرصاص في مواقع كثيرة فلم يصبه بأذى، ولم يوفق لقتله، ~~وهو في كل ذلك يظهر له التودد، وتزيد أحقاده بازدياد محبة أرمان له شأن من طبع على ~~الخسة والدناءة. # والآن فقد وجد ضالته المنشودة، وتيسر له ما كان يحلم به من الانتقام، فنظر إلى بستيان ~~الساهر على مولاه بحنو الوالدة، وقال بنفسه: إن هذا الجندي يثقل علي ويحبط مساعي. قال ~~ذلك، وانتصب على قدميه، وذهب إلى جواده. # فسأله بستيان: ماذا تفعل؟ ms0005 ~~- أريد أن أمتحن غدارتي، فإني أخشى أن تكون قد ترطبت من البرد. # وعند ذلك أخذ مسدسا، وامتحنه أمام الجندي الذي كان يراقبه بسكون وارتياح، ثم أخذ ~~مسدسا ثانيا فامتحنه كما امتحن الأول، وبعد أن وثق منهما صوب أحدهما على الجندي، ~~وقال: أتعلم يا بستيان أن لي مهارة شديدة بإطلاق الرصاص؟ ~~- هذا لا ريب فيه أيها القائد. ~~- أتعلم أني أصبت يوما قلب عدو لي بمبارزة على بعد ثلاثين خطوة؟ ~~- ذلك ممكن. ~~- ولقد فعلت أعظم من ذلك، فإني كنت أراهن على أن أصيب إحدى عيني خصمي، وكنت أربح ~~دائما، ولكني أؤثر دائما إصابة القلب؛ فإن ذلك يقتل الخصم على الفور. # فرجع بستيان منذعرا إلى الوراء لما رآه يصوب المسدس إليه، وقال بلهجة الرعب: ماذا ~~تفعل؟ # فأجابه ببرود: إني أصوب إلى القلب، فإني لا أريد لك العذاب. # وللحال أطلق عليه المسدس، فصاح ذلك الخادم الأمين من الألم، وسقط على الأرض مخضبا ~~بدمائه. # وقد دوت الغابة بصوت البارود، واستيقظ أرمان بالرغم عن نعاسه الشديد، فنظر إلى ما ~~حوله نظرة الرعب والقلق، ورأى ذلك الجندي المسكين ساقطا على الأرض ينظر إليه نظرة ~~المودع الآسف، ويده على قلبه المطعون. # ثم نظر إلى فيليبون فرأى الزبد على شدقيه، وملامح الانتقام الوحشي ظاهرة بين عينيه، ~~فنسي جراحه المؤلمة، وجلس مسرعا وهو يحاول الوقوف، ولكن فيليبون لم يمهله بل وثب عليه ~~وثوب النمر المفترس، وألقاه على الأرض فوضع إحدى ركبتيه على صدره المثخن بالجراح، وضغط ~~عليه ضغطا شديدا، وهو يقول: تبا لك أيها الغر الأبله، فلقد وثقت بي في حين كان يجب ~~أن تحذر مني كما تحذر من ألد أعدائك، أنت يا من سلبني المرأة التي كانت مطمح آمالي، ~~تلك التي لم أحب ولن أحب سواها في هذا العالم، طب نفسا فسأتزوج بامرأتك، وسأتمتع ~~بأموالك على ما أوصيت، والآن فلم يعد لك إلا دقيقة واحدة للحياة؛ إذ لا فائدة لي من ~~حياتك، فلتمت لأحيا بعدك. # فاجتهد أرمان أن يتخلص مجذوبا بميل حفظ الحياة، فعاجله فيليبون بإطلاق الرصاص، فسقط ~~أرمان ms0006 وهو يقول: يا أيها النذل! وكانت هذه آخر كلمة قالها. # أما فيليبون فغادر أرمان وقد سال نخاعه على يده الأثيمة، وبستيان وهو غارق بدمائه، ولم ~~يطلع على ذنبه غير الله. # مضى على تلك الموقعة الهائلة والجرم الفظيع أربع سنوات، أصبح في غضونها ذلك القائد ~~الوحشي أميرالايا وزوجا لأرملة ذلك النبيل أرمان دي كركاز. # وكان فيليبون يصيف مع امرأته وابنها في قصر له في كرلوفان، وهى من أحسن قرى بريطانيا، ~~وكان هذا القصر من قبل لعائلة أرمان دي كركاز، فانتقل بعضه بالإرث إلى أرملته وبعضه ~~بالوصية إلى ذلك الغادر، وهو واقع عند حدود فيتر على شاطئ البحر، تحيط به من أكثر جهاته ~~غابات كثيرة الأشجار. # 2 # وكان ظاهر القصر يدل على قدمه، وهو محاط بسور تدل آثاره أنه من عهد الصليبيين، ومزدان ~~من الداخل بأجمل التصاوير التاريخية، وقد جاء إليه فيليبون مع امرأته في أواخر أبريل ~~عام 1836، ومعهما ولدهما الذي كان يدعى أرمان باسم أبيه القتيل، فكان قد حصل على لقب ~~كونت عندما خمدت نار الثورة، فكان يعيش عيشة العزلة والانفراد مع تلك المرأة التعيسة ~~التي أصبحت بعدما علمت بوفاة زوجها أرمان، شاحبة اللون ساهية الطرف نحيلة الأعضاء، بعد ~~أن كانت من أجمل نساء عصرها كما شهد لها بذلك كل من كان يراها في بلاط نابليون ~~العظيم. # فبينما كانت يوما منذ أربعة أعوام جالسة في منزلها تنتظر عودة زوجها بملء الجزع، ~~وتتسلى على فراقه المؤلم بمداعبة ولدها الصغير، دخل عليها فيليبون وهو بملابس ~~الحداد. # ولا بد لنا أن نذكر أن هيلانة كانت تكره هذا الرجل كرها شديدا، وتؤنب زوجها ~~لموالاته وتحذره منه، غير أن أرمان كان طاهر القلب صافي السريرة، فلم يعر امرأته أذنا ~~صاغية ولم يرعها سمعا، واستمر على مودة صديقه، فكان ذلك يزيد هيلانة نفورا من هذا ~~الرجل وبغضا له، حتى إنها كانت تتشاغل عندما يزورهم أو تتمارض كي لا تجتمع به ولا ~~تراه. # فلما رأته داخلا عليها بملابس الحداد، وهيئته تنذر بالمصاب، وقفت منذعرة، وقد ارتعدت ~~فرائصها من ms0007 الخوف، فدنا منها وأخذ يدها بين يديه وهو يتكلف البكاء، وقال: لا حيلة لنا ~~يا سيدتي بقضاء الله، فلقد فجعت بزوجك، وفجعت بخير صديق لي، فلنستوف البكاء إذ نحن في ~~المصاب سواء. # ولم يمر على ذلك بضعة أيام حتى علمت الأرملة بوصية زوجها القائلة بوجوب زواجها بعده ~~بفيليبون، غير أن كره الأرملة لفيليبون كان شديدا، فعصت في بادئ الأمر إرادة زوجها ورفضت ~~الزواج بصديقه الخائن. # أما القائد، فإنه أظهر انذهاله لوصية صديقه، وأنه غير أهل لها، وكان واسع الصدر كثير ~~الصبر شديد اللين، فتوسل إلى الأرملة أن تقبله كصديق لها ولطفها فقبلته، وبقي بقربها ~~ثلاثة أعوام يتظاهر بالحشمة والوقار، ثم جعل يستعطفها بملء التودد والحنان إلى أن أخذت ~~تراجع نفسها في سابق حكمها عليه، وكانت قد سمت رتبته في البلاط الإمبراطوري، وأملت ~~لولدها خيرا بواسطته لما رأت من علو منزلته واستحالة أخلاقه، فرضيت عنه بعض الرضى، ~~وركنت إليه بعض الركون، فاغتنم تلك الفرصة، وجعل يزيد من تذلله وتصببه، وما زال بها ~~إلى أن رضيت به بعلا وأشهر قرانهما. # ولكنها لم تلبث بعد ذلك القران التعيس أن عادت إلى سابق كرهها له ونفورها منه؛ لما ~~رأته من شراسته وقسوته التي كانت كامنة في صدره كمون النار، ولما كان يظهر في الانتقام ~~من تلك الأرملة الضعيفة، فرجعت إلى عزلتها فرارا من ذلك المفترس الذي كان يبسم لها ~~أمام الناس ابتسام الحب والاحترام، ويبلوها بأشد العذاب عند اختلائهما. # وكان لا يشغل باله إلا بما يستطيع أن يسيء به إلى تلك المرأة التي لم تحبه غير يوم ~~واحد، ولا يهتم إلا بما يسهل له سبل الانتقام منها، وهي لم تسئ إليه قط بحياتها إلى أن ~~علم يوما أنها علقت بولد منه، فوجد ضالته المنشودة، وأملت عليه قريحته الجهنمية هذا ~~التصور الفظيع: «إذا مات ابنها فإن ابني يرث جميع هذه الثروة العظيمة وحده، ولا أسهل من ~~إعدام طفل لم يبلغ أربعة أعوام.» ومن ذلك الحين أخذ يترقب الفرص للوصول إلى هذه الغاية ~~الهائلة. # ولقد سبق ms0008 لنا القول أن قصر كرلوفان كان قائما على شاطئ البحر، وكان به سطح يحيط به ~~رواق ضيق كان يلعب عليه أرمان عندما تتحول عنه أشعة الشمس. # وكانت أمه كثيرة الخشوع شديدة الرغبة في الصلاة؛ إذ كانت تجد بها خير تعزية على ~~أحزانها، فتركته يوما يلعب وحده على السطح، وولجت غرفتها فجثت أمام صليب من العاج، ~~واستغرقت في صلاتها فلم تفرغ منها إلا وقد غربت الشمس وسار الظلام، فانتبهت مرعوبة ~~لهدير الأمواج، وأول ما خطر على بالها ولدها الذي لم تره بقربها. # وكان الجو قد أقتم، وثارت الرياح، وأدلهمت السماء، فلعلعت الرعود واندفع السيل كأفواه ~~القرب، فهاجت الأنواء حتى كاد صوت الأمواج يزيد على قصف الرعود؛ فخرجت تبحث عن ولدها ~~وهي تضطرب كالعصفور بلله القطر، فلم تكد تبلغ الباب حتى لقت زوجها داخلا بملابس الصيد ~~وعليه ملامح الرعب، فارتاعت لرؤياه، وانقبضت نفسها لمنظره، فلم تستطع كتمان اضطرابها ~~وسألته عن ولدها سؤال قلق وارتياب، فأجابها ببرود: إني عجبت لبعده عنك، ولو لم تسبقيني ~~بالسؤال عنه لكنت سبقتك إليه. # فاختلج فؤاد تلك الأم التعيسة، وفتحت نافذة الغرفة تطل على السطح، ونادت بصوت متقطع: ~~أرمان. فلم تسمع لصوتها صدى، ولم تجبها غير الرياح الثائرة. # وكان على الطاولة في الغرفة مصباح ضعيف يضيء بأشعته المضطربة جوانب الغرفة، فنظرت إلى ~~فيليبون، وإذا بعلائم الخوف مرتسمة على وجهه، وعيناه تضطربان اضطراب الأثيم الخائف، ~~فأحست بالخيانة وصرخت به تقول: ولدي، قل لي ما صنعت بولدي. # أما فيليبون فإنه تجلد جهد الطاقة، وقال: إني لم أر ولدك، ولم أدخل القصر إلا ~~الآن. # فلم يزدها جوابه غير ريبة، وخرجت من الغرفة هائجة تصيح: أرمان أرمان. ولكن صوتها لم ~~يسمعه غير ذلك البحر الهائج. # 3 # كان فيليبون قد عاد من الصيد، ودخل القصر منذ حين دون أن ينتبه إليه أحد من الخدم، ~~فسار اتفاقا إلى السطح الذي كان يلعب الطفل عليه. # وكان الظلام قد أقبل، فلم يسر بضع خطوات حتى عثرت رجله بألعوبة الطفل، وهي فرس صغير من ~~الخشب، فتحقق منها ms0009 وجود الولد؛ لأنه لا يفارق ألعوبته، وبينما هو يبحث عنه إذ سمع ~~غطيطا خفيفا، فسار إليه فرأى الطفل نائما بقرب حصانه الخشبي وقد تعب من اللعب. # وكان فيليبون قد صرف جميع ساعات النهار في العزلة، يجهد الفكرة لتمكنه من حيلة يلقي ~~بها الطفل في شراك الموت طمعا بأمواله وتشفيا من أمه، فلم يهتد إلى سبيل، ولم يفتح له ~~باب، فلما رآه راقدا على السطح أيقن بالفوز والظفر بأمنيته، فأخذ الطفل بين يديه، ونظر ~~إلى الجهات الأربع نظرة السارق يحاذر رقيبا، ثم ألقى به إلى البحر، ووقف في الرواق ~~يراقب سقوطه بعينين تتوقدان بنار ذلك القلب الفظ الأثيم، فهوى الطفل إلى البحر، واحتجب ~~عن مرآه بين الأمواج، فكان كفنه الأبيض ذلك العجاج المتلاطم. # ثم وقف بعد ذلك يبتسم ابتسام المنتصر، وهو يقول في نفسه: قد بلغت ما أردت؛ فإن تلك ~~الثروة العظيمة ستكون لابني من بعدي ولا دليل على جرمي، فإن ما يتبادر إلى الذهن هو أن ~~الولد قد هوى إلى البحر من نفسه ولا بد لي في ذلك، ولم يرني أحد عند دخولي فلا خوف علي ~~من التهمة. ثم لبث برهة ساهي الطرف بغير حراك إلى أن عاد إليه هدوءه وسكونه، فدخل إلى ~~غرفة امرأته، وكان ما كان من محادثتهما. # أما امرأته، فكانت قد أقلقت بصياحها القصر وساكنيه، فشغلوا جميعهم في البحث عن أرمان، ~~يجولون من مكان إلى آخر، وهي تبكي بكاء الخنساء، وتنادي ولدها بصوت متقطع يذيب قلب ~~الجماد، كل ذلك وفيليبون يسير في إثرها وهو يتكلف الحزن ويتظاهر بالقلق، وما زالوا كذلك ~~إلى أن عاد إليهم أحد الخدم وبيده قبعة الطفل وألعوبته، فلما رآهما فيليبون أظهر ~~الاضطراب، وقال: وا أسفاه! إني أخشى أن يكون قد سقط إلى البحر. فوهت قوى امرأته لخوفها ~~من هذا القول، وسقطت على كرسيها وهي توشك أن يغمى عليها من الإشفاق، فبينما الخدم ~~يحيطون بها وفيليبون يحاول أن يطمئنها ويسكن روعها، إذ دخل رجل غريب ووقف في الباب ينظر ~~إلى فيليبون نظرة العظمة والاحتقار، ms0010 فلم يكد فيليبون يتبين وجهه حتى رجع وجلا إلى ~~الوراء منذعرا، كأن الصاعقة قد انقضت عليه، واتكأ على الحائط كأن رجليه قد ضعفتا عن ~~حمله. # 4 # أما ذلك الرجل الذي ظهر على باب الغرفة وراع منظره فيليبون، فقد كان يناهز الأربعين ~~من العمر مرتديا برداء أزرق طويل، عليه إشارة حمراء كما كانت تلبس الجنود في ذلك ~~العصر، وكان عالي القامة عليه ملامح الشهامة، وقد اصفر وجهه من الغيظ عندما أبصر ~~بفيليبون، فرماه بنظرة احتقار خرجت من عينيه كالسهم المارق إلى فؤاده، ثم تقدم إليه وصرخ ~~به يقول: أيها القاتل. # فانذعر فيليبون، وقال بصوت متقطع: من الذي أرى ... بستيان؟ أدنا يوم النشور؟ أبعث من في ~~القبور؟ # فقطع بستيان عليه الكلام، وقال: نعم، أنا هو بستيان، أنا هو ذلك الرجل الذي ظننت أنك ~~قتلته وهو لا يزال حيا يرزق، نعم أنا هو ذلك الجندي الأمين الذي أطلقت عليه غدارتك، ~~فأغمي عليه لفرط ما نزف من دمائه، ثم أفاق فوجد نفسه قرب مولاه القتيل، نعم أنا ذلك ~~الخادم المطيع الذي مكث في أسر الروسيين أربعة أعوام، فعاد الآن يسألك عن دم مولاه الذي ~~هدرته غدرا وعدوانا. # ثم نظر إلى الكونتسة وقال: سيدتي، إن هذا هو الذي قتل الولد كما قتل أباه. # ولقد تعجز الأقلام وينحبس اللسان عن وصف ما كان من الكونتسة بعد أن تبينت لها تلك ~~الخيانة، وعلمت بمقتل زوجها وابنها، فزأرت كاللبوة التي فقدت أشبالها، وانقضت على ~~فيليبون انقضاض الكواسر، تحاول تمزيقه بأظافرها وهي تصيح به: أيها القاتل، إن النطع ~~ينتظرك، وسأقودك إلى الجلاد بيدي. # فكان فيليبون يهرب من وجهها، وقد شعر بدنو الأجل، وهي تجد في أثره، فبينما هي هاجمة ~~عليه إذ وقفت متكئة على كرسي وصاحت صيحة ألم أضلت صوابها. # ذلك أن المخاض فاجأها، وأحست بابن ذلك الرجل يتحرك بأحشائها، فسقطت على الأرض واهية ~~القوى بغير حراك، وكان مخاضها علة نجاة ذلك الرجل الذي عزمت أن تقوده إلى النطع، ذلك ~~الخائن القاتل الذي لم ينقذه من انتقامها سوى ولده ms0011 الذي كان يشفع به في أحشائها. # 5 # مضى على تلك الحوادث الهائلة أربعة وعشرون عاما، نعود بعدها إلى قص ما ستقفون عليه ~~من حوادث، كان بدؤها في أواخر أكتوبر من عام 1840. # كان في إحدى ليالي هذا الشهر رجل يحكم عليه من لباسه أنه فرنسي الأصل، قطع نهر التيبر ~~وسار إلى تراستاقر ماشيا مشية الفاكر المتأني. # وكان في عنفوان الشباب، له من العمر ثمانية وعشرون عاما، جميل الهيئة حسن الوجه أسود ~~العينين ذو جبين متجعد، يدل على شدة معاناة ذلك الشاب لمتاعب الحياة لندور الغضون في ~~جباه الشبان. # وكان يسير الهويناء في طريق ضيق إلى أن بلغ منزل قائم عند منتصف ذلك الطريق تعرش على ~~جدرانه الدوالي الأيرلندية، وقد تهدلت أغصانها، واختبأت عناقيدها الذهبية تحت الأوراق، ~~وكانت جميع نوافذ المنزل مغلقة، والسكوت سائدا شاملا، والنسيم بليلا لطيفا، والقمر ~~تتماوج أشعته فوق الدوالي، فلا يسمع إلا حفيف الأوراق وتململ العناقيد. # فوقف الشاب عندما بلغ الباب، وفتحه بمفتاح صغير كان في جيبه، فولج منه إلى دهليز ضيق ~~إلى أن وصل إلى سلم طويلة من المرمر كان في أسفلها غرفة فدخلها، وقد استاء إذ لم ير بها ~~أحدا، فصعد السلم بمنتهى السرعة والقلق إلى أن بلغ إلى غرفة، فوقف أمامها يلهث من التعب، ~~وطرق الباب فسمع صوتا لطيفا من الداخل قال له: ادخل. # فدخل ورأى صاحبة هذا الصوت مضطجعة على مقعد في تلك الغرفة المفروشة بأجمل ~~الأثاث. # وكانت الصبية على غاية من الجمال تكاد تبلغ العشرين من العمر، فمذ رأته نهضت مسرعة، ~~وهرعت إليه تقول ببشاشة وارتياح: لقد طال غيابك يا أرمان، فإني أنتظرك منذ حين. # فاعتذر لها أرمان وقال: إني كنت قادما إليك منذ ساعة، فأعاقتني زيارة رجل طلب إلي أن ~~أنقش له تمثالا، فكان ما كان من أمر عاقني، ولكن ما لي أراك شاحبة اللون، وعليك ملامح ~~التأثر الشديد؟ # فاضطربت الفتاة وقالت: أنت ترد ذلك؟ # فأجابها وقد أخذ يدها بين يديه، وجلس على المقعد بقربها: نعم يا حبيبتي مرتا، ~~ويسوءني جدا أن ms0012 أراك دائما قلقة البال ساهية الطرف واجفة القلب، كمن يخاف أمرا، ~~ولقد رأيتك اليوم على ازدياد، فهل تريدين أن تطلعيني على كنه أمرك؟ # فأجابت الفتاة: نعم يا أرمان، إنك مصيب بظنك، فلقد خفت اليوم كثيرا؛ ولذلك أنتظرك ~~على جمر. ~~- ممن خفت؟ وممن تخافين؟ وكيف تخافين وأنا بقربك؟ # فأسكتته الفتاة وقالت: إصغ إلي يا أرمان واعمل برأيي، فإنه يجب أن نغادر روما، فإنك ~~ظننت أني هنا بمأمن من مطاردي، وتوهمت أنه لا يهتدي إلي بهذا الشارع المنفرد، ولكن ~~ظنونك قد خابت، فإنه قد علم بوجودي بروما كما علم بذلك بفلورانسا، ويجب أن نخرج من هذه ~~المدينة العظمى كما خرجنا من تلك. # وبينما كانت تتكلم اعتراها اصفرار شديد، فسألها أرمان: أين هي فورترينا ~~الخادمة؟ ~~- إني أرسلتها كي تدعوك، فربما تكون قد سارت بطريق آخر غير الطريق التي أتيت ~~منها. ~~- ربما، ولكني موجس ريبة من تلك المرأة التي أقمتها في خدمتك، وأمرتها ألا تفارقك على ~~الإطلاق. ~~- لا تظن سوءا، فهي تؤثر الموت على خيانتي. # فنهض أرمان، وجعل يمشي في الغرفة بخطوات غير موزونة تدل على قلقه وارتيابه، ثم نظر ~~إليها وقال: ولكن ما الذي دعاك إلى طلب الرحيل؟ ~~- قد رأيته. ~~- من؟ ~~- هو. # ثم قامت إلى النافذة، وأشارت بأصبعها إلى باب على قارعة الطريق، وقالت: أمس رأيته بعد ~~ذهابك من عندي واقفا على هذا الباب وهو ينظر إلى منزلي بعين يتطاير منها الشرر، وما ~~كنت أضأت المصباح في منزلي، ولكن القمر كان مضيئا، فما وقع نظري عليه حتى صرخت من ~~الرعب وأغشي علي. # وكأنها رأته إذ كانت تقص حكايته، فعاد إليها اضطرابها إلى حد خشي عليها من الإغماء، ~~فأخذها أرمان بين يديه، وأجلسها على المقعد، ثم جثا أمامها على ركبتيه وقال: أتريدين ~~أيتها الحبيبة أن تصغي إلي؟ أتريدين أن تتكلي علي كما يتكل المؤمن على الله، وأن تثقي ~~بي كما يثق الولد بابيه؟ # فتنهدت مرتا وقالت: نعم أيها الحبيب، قل ما تشاء فليس لي سواك في هذا العالم، فإنك ~~عضدي ونصيري وأبي وأمي، فعليك ms0013 معتمدي في كل حال، وعليك اتكالي بعد الله. # ثم أنهضته وأجلسته بقربها، فأخذ يدها بين يديه وقال: إني لقيتك منذ ستة أشهر جاثية ~~عند منتصف الليل على باب الكنيسة باكية قانطة وعيناك مرتفعتان إلى الأفق، فخلت أني أنظر ~~ملاكا هبط من السماء، وكنت تبكين وتبتهلين إلى الله أن يغفر لك، فدنوت منك وكلمتك بصوت ~~لا أعلم في ذلك الحين إذا كان وجد طريقا إلى قلبك الطاهر، ولكني أذكر أنك نهضت في ~~الحال، واتكأت على ذراعي فتبعتني. # وقد كنت على ثقة مني فأنقذتك من الموت وقد كنت تطلبينه، وعوضتك عن اليأس بالأمل، فكنت ~~حينئذ من أسعد الناس، وأنت فقد برئت بعض البرء مما كنت تقاسيه، أليس كذلك؟ # قالت: نعم يا أرمان، فإنك شريف وإني أحبك. # فتنهد أرمان وقال: وا أسفاه! ما أنا إلا نقاش بسيط ليس لي اسم ولا لقب ولا موطن، فلقد ~~وجدت في البحر، ولي من العمر خمسة أعوام، وأنا معلق بما لا أعلم، أصادم الأمواج بالرغم ~~من حداثتي، وإني وإن أكن مثريا فإن صناعتي كافية للقيام بأودي وأودك، وسأجعلك امرأتي ~~بأقرب حين، ولكن لكي أحميك ألا يجب أن أعرف اسم عدوك وأطلع على سرك؟ من هو هذا الرجل ~~الذي يطاردك، وكيف لا تخبرينني عنه، ألا تظنين بي الكفاءة لحمايتك منه؟ # فأطرقت مرتا إلى الأرض، وقد احمر خداها من الخجل، ثم جعلت تختلج، وقد تبدلت تلك ~~الحمرة باصفرار شديد كمذنب اضطر إلى قرار يخاف منه، فقال لها أرمان بصوت محب حنون خرج ~~من صدره كمن يجهش للبكاء: حبيبة قلبي، لا تكتمي عني أمرا مهما كان من أمر ماضي حياتك، ~~فإن ذلك لا يؤثر شيئا على حبي لك الذي لا تضعفه قوة في هذا العالم. # فرفعت عند ذلك رأسها وقالت: وا أسفاه! إذا لم يكن الحب ذنبا فلا أخجل لماضي حياتي. ~~نعم، لقد أحببت حبا نقيا طاهرا رجلا فاسد الأخلاق لئيم دني الطبع، خدعت به وخلته ~~شريفا ولا جرم، فقد كان لي من العمر سبع عشرة سنة، فاستغواني وسرقني من ms0014 بيت أبي، ولكن ~~شهد الله أني ما لبثت أن عرفت ما انطوى عليه من الخسة واللؤم حتى هجرته وهربت ~~منه. # فوقف أرمان متأثرا وقال: قسما بحبك إني سأقتل هذا التعيس. # فأجلسته مرتا وقالت: أصغ أيها الحبيب، فإني سأقص لك أمري مع هذا الفاجر. # فجلس أرمان وعادت هي إلى حديثها فقالت: إني ولدت في بلوا من أب تاجر غني وأم من الشرفاء، وقد ماتت أمي وأنا في العاشرة من ~~عمري، فبعث بي أبي إلى الدير، وحين بلغت السابعة عشرة خرجت من الدير، فلقيت ذلك الرجل ~~الهائل. # وكان أبي قد ترك التجارة، وانسحب من الأشغال بثروة عظيمة، فمذ خرجت من الدير ترك ~~مدينة بلوا وذهب بي إلى أرض جميلة له في أورليان، وهي تبعد بضعة فراسخ عن بلوا. # وكان على بعد ساعة من منزلنا قصر جميل لضابط إيطالي الأصل فرنسي التبعة، كان يدعى ~~الكونت فيليبون. # وكان هذا الكونت يصرف مدة الصيف في هذا القصر مع امرأته وابنه الفيكونت أندريا، أكبر ~~مجرم ظهر على وجه الأرض من أيام آدم وحواء. # أما الكونت فإنه كان رجلا حاد المزاج شرس الأخلاق، بعكس امرأته التي كانت مثال اللطف ~~والدعة، والذي ظهر لي أنه كان يسيء إليها إساءة شديدة أثرت شر تأثير على مزاجها اللطيف، ~~فإن رائيها كان يظنها في الثمانين من عمرها مع أنها لم تبلغ الخمسين. # وكانت علائق الوداد بين الكونت وبين أبي متينة، فذهب بي يوما إلى قصره حيث عرفت ~~الكونتسة التي أحبتني بحنان وإشفاق، فصرت أزورها في كل يوم وهي تزداد نحولا، ولكنها ~~كانت تتعزى بقربي منها بعض العزاء. # فما مضى على ذلك شهر حتى تبينت أنها عائشة مع زوجها كغريبين في هذا القصر، وعرفت ~~ابنها الفيكونت أندريا، فتبين لي أيضا أنه لا يحب أمه على الإطلاق. # لم تزل تلك المرأة الفاضلة تزيدها العزلة وهنا والأحزان ذبولا حتى دنت ساعتها ~~الأخيرة وأحست بالنزع الشديد في ليلة برد هواؤها وأظلم جوها، وهي تقاسي ألم النزع ~~وحدها؛ لأن زوجها وابنها كانا في الصيد. # فبعثت تدعوني ms0015 إليها، فأتيت على الفور ورأيتها مسجاة على فراشها تختلج، والكاهن بقربها ~~يصلي صلاة الموت، وبعض الخدم ركع يبكون. # وكانت تبحث عبثا بنظرها الملتهب عن ابنها، ففاضت روحها الطاهرة في الساعة العاشرة، ~~وكانت آخر ما قالت: «أندريا يا أيها الابن العقوق.» وأذكر أني سمعت خادما طاعنا في ~~السن قال بصوت منخفض: «إن الفيكونت هو الذي قتل أمه.» # وبعد موتها بيومين عاد الكونت وابنه إلى القصر، وكان الفيكونت يكاد لا يفارق منزلنا، ~~فلم يمض على هذا الائتلاف ثلاثة أشهر حتى استعضنا باللسان عن العين في نقل أحاديث ~~قلبينا، ولا أعلم كيف دخل حبه إلى قلبي، ولا كيف فتنت به بعد أن علمت أنه كان السبب في ~~موت أمه، بل أعلم أنه مرت بنا ساعة آمنت به كما تؤمن الملائكة بالله، فاستسلمت إليه، ~~وضحيت - وا أسفاه - نفسا زكية على هيكل ذلك الحب الفاسد. # ومما كان يقوله لي بعد ذلك: مرتا إني أقسم لك بما تريدين من الأيمان أني سأتزوج بك. ~~كنت عندما ألح عليه بوفاء وعوده كان يتعلل برفض أبيه؛ لما بين عائلتينا من التفاوت في ~~الغنى، ويقول: إن ذلك لا يكون قبل وفاة أبي، وقد اتخذ من هذا الحاجز حجة على وجوب ~~هربنا، فقال لي يوما: ألا تذهبين معي إلى إيطاليا فأتزوج بك فيها؟ ~~- وأبوك؟ ~~- إنه يغضب حينا، ثم لا يلبث أن يرضى. ~~- وأبي؟ ~~- سندعوه إلينا. ~~- إذن فلنخبره بما عزمنا عليه، فهو لا يرفض إذا اعترفت له بما كان بيننا، ولئن يكون ~~معنا أجدر بنا وأشرف لنا من أن نكون وحدنا. # فأطرق برهة وقد ظهرت عليه علائم الارتباك، ثم قال: ذلك لا يكون أبدا، وعلينا بذلك ~~الإقرار خطر شديد؛ فإن أباك شديد المحافظة على الشرف، فلا آمن عليك منه إذا اعترفت له ~~بما كان، وإذا صفح عنك فهو لا يشترك معنا بخداع أبي، ولكن متى علم الاثنان بارتباطنا ~~الشرعي، وعلم أبي أن لا حل لذلك العقد فهو يصفح عني؛ لأني وحيده كما تعلمين، وله بي ~~مبرة وإشفاق. # وكان ذلك جل ما تتوق ms0016 إليه نفسي، وأنا أعتقد به الصلاح والإفراط في حبي، فقبلت بما ~~اقترحه علي، وكتبت إلى أبي كتابا كادت تمحو سطوره دموعي، ثم سرت مع من عشقته نفسي في ~~ليلة حالكة الأديم تكاد تكون أشد سوادا من حظي، فبلغنا مدينة ليلان بعد 8 أيام. # فاستأجر منزلا رحبا، وتعرف بأشراف ميلان الذين كان يقدمني إليهم كامرأته، فعاش فيها ~~عيشة بذخ وإسراف كانت أعظم وسيلة لتقربه من أشراف تلك المدينة وحسن علائقه مع ~~أعيانها. # وكنت دائما ألح عليه أن يكتب إلى أبي ويدعوه إلى المجيء إلينا، فكان يماطلني في ذلك ~~إلى أن قال لي يوما: قد وصلني كتاب من أبيك وأبي يدلان على سخطهما علينا، فلا أستطيع ~~الآن أن أكتب إلى أبيك في هذا الشأن، ولنصبر إلى أن تهدأ ثورة غضبهما. # فامتثلت لما أمر، وصبرت كما صبر، أما مسألة الزواج فكان يتجنب المباحثة فيها إلى أن ~~أعياني الأمر، فكتبت إلى أبي رسائل جمة لم تصله واحدة منها؛ لأن أندريا كان يأخذها من ~~الخادم كما علمت ذلك بعد حين. # ثم إني ألححت عليه يوما في طلب القران، فأخرج من جيبه كتابا، وأعطاني إياه وهو يقول: ~~إن أبي قد طعن في السن، وهو سيموت عن قريب، فأتزوج بك. # أما الكتاب: فكان من أبيه، وهذا مفاده: # إنك مخطئ يا بني بإساءتك إلى تلك الصبية وإغرائها على الفرار معك، ولكني أؤمل أن لا ~~تقترن بها، فإن بين نسبيكما ودرجتيكما بونا عظيما، وفوق ذلك فإني توفقت ووجدت لك ~~عروسا موافقة، فأسرع بالعودة ودع تلك الفتاة تعود إلى منزل أبيها. # فسقط الكتاب من يدي مما نالني من الضعف، وقلت له: على ماذا عولت؟ ~~- على أن ننتظر. ~~- ماذا تنتظر؟ ~~- موت أبي، فإني أعرف طباعه، فإذا عصيت له أمرا فهو يحرمني من إرثه لا محالة. # ثم تركني وانصرف ضاحكا كأن لم يكن شيء. # ومن ذلك اليوم ابتدأت أن أعلم أنه يريد أن يتخذني خليلة له لا حليلة، فأصبت بحمى ~~ضعضعت حواسي أياما طويلة، ثم نقهت من دائي فذهبت من يوم برئي ms0017 إلى كاهن، واعترفت له ~~بجميع ما كان، فأملني بعفو الله عني، وأمرني أن أغادر هذا الرجل وأن أعود إلى أبي، ~~فخرجت من حضرته وقد عزمت على أن أمتثل لأمره، وذهبت إلى منزله فأخبرته باعترافي إلى ~~الكاهن، وبعزمي على الرحيل، فلم يحفل بطلبي وقال لي ببرود: إلى أين؟ # فأنست من سؤاله عدم الاهتمام، وثارت بي الأنفة والأبوة، فقلت بعظمة وكبرياء: إني ~~سأذهب إلى بيت أبي. # فتصنع الاضطراب وقال: أبوك؟ # قلت: نعم أبي، وهو سيصفح عني ويغفر لي ذنبي لا ريب متى علم كيف كان خداعك لي. # فتنهد وقال بصوت الحزين الآسف: وا أسفاه! إني أكتم عنك من زمن طويل أمرا لم أكن أجسر ~~على إطلاعك عليه لرقة عواطفك، ولخوفي عليك من تأثير الأحزان، ولكني لا أجد الآن بدا ~~من إيقافك على ما كنت أكره أن أوقفك عليه؛ لأنك عزمت عزما ثابتا على فراقي. # ثم أخذ من جيبه كتابا عليه إطار أسود وقدمه لي، فأغمي علي بعد أن اطلعت عليه، وكان ~~هذا الكتاب - وا أسفاه - ينعي أبي الذي مات من الحزن لأجلي، والذي لم يقتله سواي. # قالت هذا واتكأت على صدر أرمان تبكي بكاء مؤلما، فجعل يعزيها ويلاطفها إلى أن هدأت ~~ثورة أحزانها، فعادت إلى تتمة حديثها فقالت: قلت لك إن أبي قد مات ولم يكن لي سواه في هذا العالم، فمذ رأيتني فريدة شريدة لا ملجأ ~~لي ولا نصير غير أندريا الذي كان حبه لا يزال متمكنا من قلبي، رجعت عن سابق عزمي، وعولت ~~على البقاء معه، وأنا أرجو أن يرق لمصابي ويفي بوعوده لي، فصرفت الشهور الأولى من ~~حدادي وهو يتودد إلي ويعاملني بلطف وحنان، ولكنه لم يلبث بعد حين أن غلبه الطبع وعاد ~~إلى معاملتي كخليلة، فقطعت كل رجاء، وعلمت أني كتبت أمالي على صفحات الماء. # وربما كان يحبني، ولكن حبه لي كان أشبه بحبه لكلبه أو لحصانه أو لمتاع يملكه، ثم ~~أدركه الملل فجعل حبه يتلاشى شيئا فشيئا إلى أن زال تماما، وقام مقامه الجفاء ~~والقسوة. # ولا بد ms0018 أنك تستغرب بقائي على حبه بعد ما ظهر لي من قسوته، وبعد ما تيقنته من جفائه، ~~فإني كنت معه على حد قول الشاعر: # أدعوه إلى هجرة قلبي فيتبعني # حتى إذا قلت هذا صادق نزعا # ولكنه كان يزدني جفاء في كل يوم، وآخر ما كان منه أنه علق ببائعة زهر لقيها على باب ~~أحد المراسح فشنفت قلبه، وانقطع اليها حتى سئمت الحياة، وعزمت عزما ثابتا على الهرب، ~~ولكن كيف أفر؟ وإلى أين؟ # 6 # ولا بد لي قبل أن أذكر لك أمر فراري أن أوضح لك شيئا عن أخلاق هذا الرجل وشراسته، ~~فمن ذلك أنه اختصم يوما مع ضابط نمساوي فآل بهما الأمر إلى المبارزة. # وكان من شروط المبارزة أن يكون لكل من المتبارزين الحق بالإطلاق على خصمه متى شاء، ~~فأطلق الضابط أولا فلم يصبه، فصرخت الشهود بأندريا كي يطلق النار، ولكنه لم يصغ إليهم ~~بل تقدم إلى خصمه - وقد أيقن من فراغ غدارته - حتى صار منه على قيد خطوة، فوقف الضابط مكتوف ~~اليدين باسم الثغر، ولكن ذلك اللئيم لم يتأثر لتلك البسالة، بل تقدم منه أيضا إلى أن ~~وضع غدارته بصدره، وقال: إنك لا تزال بريعان الشباب، وسيكون حزن أمك عليك ~~شديدا. # ثم قهقه ضاحكا وأطلق عليه الرصاص، فسقط المسكين يخبط بدمائه. # وقد كان مولعا بالقمار وفاتحا منزله للمتقامرين، فكان كثير التوفيق يربح في كل يوم ~~أرباحا عظيمة، ولكن حظ المقامر لا يدوم ولا يثبت على حال. # وقد اتفق يوما أنه خسر مبالغ طائلة أربت على كل ما ربحه، فانصرف جميع المدعوين، ولم ~~يبق منهم إلا البارون سبولتي، وهو كثير العناد في اللعب شديد الحظ فيه، فأقام يلعب وحده ~~مع أندريا. # وكان أندريا قد امتقع وجهه، وأخذ العرق البارد يتصبب من جبينه؛ لفرط ما خسر في تلك ~~الليلة المشئومة، فكان يلعب بحدة ويأس، بعكس البارون الذي كان يلعب بمنتهى البرود كمن هو ~~واثق من حظه. # وكان قد ذهب أكثر الليل فلم يبق أمام أندريا سوى ورقة واحدة بألف فرنك فخسر، ولما ms0019 لم ~~يعد لديه شيء، وأحس بعزم البارون على الانصراف قال له: أيها البارون إن الدراهم قد نفدت ~~مني، ولكن أبي وافر الغنى، وإني أريد أن تلاعبني على الشرف بمائة ألف ريال فقط. # فتململ البارون، ولكنه خشي أن يسيء إليه برفضه بعد كل ما كسب منه، فقبل بذلك على شرط ~~أن يلعب دورا واحدا بلعبة «الكاراتيه»، فبرقت أسرة أندريا بأشعة الأمل، وأخذ الورق ~~وقدمه لخصمه. # وإني لم أجد أشد هولا من هذا اللعب، ولا أعظم خطرا على أندريا من خسارته فيه، فإن ~~شرفه كان متعلقا على الخسارة أو الربح؛ لأنه كان على ثقة من أن أباه لا يمده بشيء، ~~وإذا خسر ولم يدفعه في اليوم الثاني حسب القواعد المقررة في المقامرة، فإنه يخسر شرفه ~~وتسقط حرمته عند أشراف ميلان. # فأخذ البارون الورق وخلطه جيدا، ثم شرعا في اللعب، فربح أندريا في مرتين أربعة أعداد، ~~ولم يبق عليه إلا عدد واحد ليربح، فخسر ذلك العدد، وربح في الدور الثاني أيضا فتساويا ~~في الأعداد، وأصبح كلاهما في حاجة إلى عدد واحد، ولكن الأرجحية كانت للبارون لأن الورق ~~كان بيده، فنظر إليه أندريا نظرة النمر المفترس وقال: ألا تريد أن نوقف اللعب ونؤجله ~~إلى الغد؟ ~~- لا حاجة إلى ذلك. # ثم خلط الورق وأعطاه، وبعد ذلك رمى ورقة إلى الأرض فكانت «الروا» وعدده واحد في قاعدة ~~هذه اللعبة، فربح البارون ونهض يقول: إنك مديوني أيها الفيكونت بمائة ألف ريال. # فقال أندريا بصوت متهدج من اليأس: لنلعب أيضا أيها البارون، فإني كثير الغنى. ~~- لم تسبق لي عادة أيها الصديق أن ألعب مرتين على الشرف، وفوق ذلك فإن الصباح قد طلع ~~وأنا في حاجة إلى النوم. # فسكت أندريا وكأن الصاعقة انقضت على رأسه، ثم جعل ينظر بجمود إلى البارون وهو يجمع ~~ذهبه وأوراقه، وأنا أراقبه حتى خشيت عليه من تأثيرات اليأس. # وبينما أنا أنظر إليه فاكرة في مصيره، وأكاد أذوب إشفاقا عليه؛ إذ رأيت عينيه قد ~~برقتا بأشعة من الأمل، واستحالت هيئته بغتة من القنوط إلى البشر، ms0020 فاعتذر إلي لكونه ~~اضطرني إلى كثرة السهر ، وقام يشيع البارون. # وكان جميع الخدم نياما، وأنا وحدي ساهرة، وقد نالني من اليأس لخسارته نفس ما ناله، ~~فلم يمض خمس دقائق حتى عاد إلى المنزل وعيناه تقدحان بشرر الغيظ، فرأيت بإحدى يديه ~~خنجرا مصبوغا بالدماء، وباليد الثانية محفظة وبها جميع ما كسبه البارون تلك الليلة ~~الهائلة، فصرخت من الرعب، وهربت من ذلك المنزل التعيس بغير أن يراني، فعثرت وأنا أعدو في ~~الحديقة بجثة البارون القتيل، فزادني ذلك رعبا على رعبي، وأسرعت في العدو وأنا لا أعلم ~~أين أسير، إلى أن بلغت للكنيسة التي رأيتني منطرحة على بابها، وكان ما كان من أمر إنقاذك ~~إياي ومسيري معك. # فقال أرمان: قد علمت الآن ذلك السر في يأسك أيها الملاك المعبود، وعلمت لماذا تلحين ~~في طلب الفرار. ~~- كلا، فإنك لم تعلم بعد كل شيء، فإن هذا الشقي قد علم بإقامتنا في فلورانسا، وبعث ~~إلي بهذه الرسالة الوجيزة وهي: «ارجعي إلي حالا، وإلا فإن عاشقك الجديد مقتول لا ~~محالة.» يريد به أنت، فهل علمت الآن السبب الذي دعوتك لأجله إلى مغادرة فلورانسا؛ لأننا ~~لو بقينا فيها لكان قتلك، فهو ذو قلب لا يعرف الرحمة، والآن فإنه يجب علينا أن نترك روما ~~أيضا؛ لأنه عالم بوجودنا فيها. # ثم طوقته بذراعيها وقالت له بحنان: لنهرب أيها الحبيب، لنفر من ذلك القاتل. ~~- كلا، لا نفارق أبدا روما، وإذا جسر على الدخول إلى هذا المنزل، فإني أريك كيف ~~أقتله. # فاختلجت مرتا كالورقة تحركها رياح الخريف، وجعلت تنظر إلى أرمان نظرة ذهول، فأخذ ساعته ~~من جيبه ونظر فيها ثم قال: إني ذاهب الآن لقضاء بعض المهام، وسأعود إليك بعد ساعة ~~فأسهر على عتبة بابك، والويل لذلك الشقي إذا جسر على الدنو من هذا المكان. # قال ذلك وخرج عاجلا وجهته نهر التيبر، وفيما هو خارج لقي الخادمة مرتي، وهي عجوز ~~كهلة أقامها في خدمتها لحراستها، فقال لها: أسرعي إلى سيدتك، واقفلي الباب جيدا، ولا ~~تفتحي لأحد على الإطلاق، فإن معي مفتاحا. # فانحنت ms0021 الخادمة وذهبت، ولكنها لم تكد تبلغ المنزل حتى سمعت صفيرا سريا، فولجت الباب، ~~وبدلا من أن تقفله كما أمرها مولاها تركته مفتوحا. # وكانت تلك الليلة حالكة الظلام، والشارع خاويا خاليا من المارة، فلما دوى ذلك ~~الصفير ظهر على إثره رجل كان يمشي الهوينا إلى أن بلغ المنزل، ففتح الباب ونادى بصوت ~~منخفض «فلورينا»، فأجابت الخادمة: ها أنا. ~~- وها أنا قد أتيت. ~~- على الرحب والسعة فإنه قد ذهب، ولكنه سيرجع. ~~- لا بأس، فإن الوقت فسيح لدينا، وقد هيأت العربة فلم يبق علينا إلا العمل. # ثم أخذ كيسا من جيبه وأعطاه إياها على سبيل المكافأة، فشكرت فضله، ودعت بالتوفيق، ثم ~~تركت المنزل وهربت. # أما هو فإنه صعد السلم إلى غرفة مرتا فطرق الباب ثلاثا، ولبث ينتظر بسكينة أن يؤذن ~~له بالدخول. # فاضطربت مرتا إذ علمت أن الطارق لا يمكن أن يكون أرمان؛ لأنه لم يحن وقت إيابه، ولا ~~الخادمة؛ لأنها اعتادت أن تدخل بغير استئذان، وفيما هي مضطربة حائرة لا تعلم ما تعمل، ~~إذ فتح الباب، ودخل ذلك الرجل فصرخت صراخ القانط، ورجعت إلى الوراء كأنها رأت الشيطان ~~بصورة ذلك الإنسان. # أما هو فلم يبال بهذا الاضطراب، ولم يكترث بما لقيه من انذعارها، بل إنه خلع رداءه، ~~وتقدم منها فقال: هذا أنا. # فقالت بصوت مختنق: أندريا! ~~- نعم، أندريا فما الموجب لعجبك. # فرجعت أيضا إلى الوراء منذعرة، ولم تحر جوابا، فدنا منها وقال لها ببرود: أيتها ~~الحبيبة، إنك هربت مني بسبب بسيط دلني على ضعف قلبك وشدة طيشك، وكان يجب أن تعلمي أنك ~~إذا تركت الفيكونت أندريا فهو لا يتركك؛ لأنك تعلمين أنه من الذين لا يدعون خليلتهم تفر ~~منهم إلى رجل عامل لا ثروة عنده ولا رزق له إلا من شغل يديه. # وكان أندريا في الخامسة والعشرين من عمره، أشقر الشعر، ربعة القامة، جميل الطلعة، قوي ~~الأعصاب، فدنا منها وهي منطرحة على المقعد بين حية وميتة، وقال لها بلطف: هيا بنا أيتها ~~الحبيبة، فإنك لا تعلمين أني لا أزال على ما كنت ms0022 عليه من حبك. # ثم أخذ بيدها، فنفرت وأفلتت منه وهي تصيح به: اذهب من هنا. # فقال لها بصوت المتهكم: إن ذهابي لا بد منه، ولكننا نذهب سواء؛ لأني ما أتيت إلا ~~لأجلك، وقد شدت لك قصرا في نابولي، فهلم بنا إليه نقيم على رغد العيش ونعيم ~~الحياة. # فرجعت مرتا منذعرة إلى أن لصقت بالحائط، وقالت: كلا، ذلك لا يكون فاذهب عني لأني ~~أبغضك. ~~- ذلك ممكن، ولكني أحبك، فالبسي شيئا يقيك البرد وهلمي بنا فإن الوقت ضيق. # ولما رأى منها ذلك النفور، وأيقن أنها لا يمكن أن تتبعه عن رضى، أقبل عليها وحاول أن ~~يحملها بين ذراعيه ويفر بها، فصرخت تستغيث: إلي يا أهل النجدة، إلي يا أهل المروءة، ~~إلي يا أهل العرض! # فلم يجبها غير الصدى، أما أندريا فإنه حملها بين يديه ومشى بها إلى الباب، وفيما هو ~~يسير بها وهي تستغيث ولا مجيب، إذ سمعت وقع أقدام سريعة على السلم، وكأنها علمت أن تلك ~~الخطوات هي خطوات أرمان، فصرخت بذلك الصوت الذي تستغيث به النساء في موقف الخطر: إلي يا ~~أرمان. # فألقاها أندريا على مقعد في ساحة الدار، وتأهب للقاء عدوه الألد. # أما مرتا فإنها لم تنقطع عن الصراخ، ولم تكف عن الاستغاثة حتى بلغ صوتها إلى مسمع ~~أرمان، فهرول إليها كالنمر المفترس. # وقابله أندريا على الباب، فصرخ به أرمان: إلى الوراء أيها المختلس. # فأجابه أندريا بمثل هذا الشتم، ثم جردا خنجريهما، والتحم بينهما القتال، فلم ير أشد ~~هولا من هذه الساعة. # أما مرتا، فإنها لم تر شيئا من هذه المعركة الهائلة؛ لأنها أغمي عليها، ووقعت قرب ~~المقعد الذي كانت عليه جثة باردة بغير حراك، فلم ينتبها إليها، وشغلا عنها بما هما فيه، ~~وكذلك الجيران والمارة فإنهم كانوا يسمعون صراخ المتقاتلين ولا يبالون، شأن سكان ~~إيطاليا في ذلك الزمن؛ لكثرة تعدد مثل هذه الحوادث، ويقولون: ليس من الحكمة أن نتداخل ~~في شئون الغير. # ومر عليهما ساعة وهما في أشد قتال حتى سالت الدماء من جسديهما، وصبغت ثيابهما بلون ~~الأرجوان، ms0023 فكانا إذا تعبا من الصدام يفترقان برهة وهما يلهثان لخفوق قلبيهما، وكلاهما ~~ينظر إلى الآخر بعين الأفعى، ثم ينقضان على بعضهما انقضاض الكواسر، وما زالا يتراوحان ~~بين النصر والفشل إلى أن لاحت فرصة لأندريا، فطعن خصمه بخنجره طعنة وقعت في عنقه؛ فسقط ~~على الأرض لا يعي، وهكذا انتصر أندريا على أرمان، وأسرع إلى مرتا وهو مخصب بالدماء، ~~فحملها بين يديه وخرج بها مسرعا فرحا وهو يقول: ظفرت بها وهي لي. # 7 # يوجد في باريس شارع عظيم بالقرب من مونتمارتر يدعى شارع بريدا يجتمع إليه الناس على ~~اختلاف طبقاتهم، ومنازله مختصة بأرباب الحرف وبعض المتمولين، وكان يحيي به في أكثر ~~الأحياء ليالي رقص عمومية يحضرها من يشاء بأزياء مختلفة، وبراقع على الوجوه يراد به ~~التستر والخفاء، جريا على عاداتهم في مثل هذه الحفلات. # وقد غص في أحد الليالي منزل أحد المصورين بالناس، من مدعو وطفيلي، فدار الرقص والتفت ~~الخصور وترنحت القدود على أطيب الألحان. # وإن بين أولئك المدعوين شابا مرتديا بملابس سوداء، وعلى وجهه برقع كان ينظر إلى ~~تلك الحفلة نظرة الازدراء، وهو واقف على شرفة تطل على الطريق، لاه عن الرقص وبهجة ذلك ~~المجلس بتأملات عميقة، وتصورات كان يجسمها التأثر فيخرجها صوتا متقطعا، بحيث لو دنا ~~منه رقيب لسمع كل ما يقول. # وكان ينظر إلى منازل باريس وقصورها الباذخة بملء السويداء، وهو يقول بصوت ~~منخفض: «هكذا تمر الحياة، وتسير بنا الأيام، وكلنا نسعى وراء السعادة، ونجد في أثر النعيم، ~~ولا ينال من ذلك إربا ولا تقضى له لبانة. ارقصوا أيها المغترون، فإنكم لا تزالون في ~~عنفوان الشباب ونضارة العمر، ولم تصلوا بعد إلى متاعب الحياة. افرحوا واضحكوا فإنكم لا ~~تهتمون بغير أنفسكم، وأعينكم غافلة عن إخوانكم الذين يتعذبون ويبكون. # يا مدينة باريز العظمى، ويا ملكة العواصم، ويا أم البلاد، فيك اجتمع النعيم والهناء، ~~وبساحتك استقر البؤس والشقاء. هنا النعيم طالع، وهناك البؤس مخيم، وأمامي الحظ مقيم، ~~وورائي الكد عامل، وعن يميني أغاني السعداء وابتسام المحبين وأحلام الآمال الذهبية، وعن ~~يساري ms0024 بكاء المنكودين وشقاء الأرامل والأيتام وأنين الموجع ودموع ابن السبيل. # هنا ضجيج مركبات الموسرين، وهناك عويل المظلومين، وصوت سياط الجائرين، وقلقلة مفاتيح ~~السارقين. أيتها المدينة العظمى لقد حويت وحدك من الفضائل والرذائل أكثر مما حوته جميع ~~ممالك الدنيا! يا بابل القديمة ويا مرسح الوقائع الهائلة، لقد عجزت شرائعك عن معاقبة ~~الجانين، وعجز أولو البر فيك عن إغاثة المساكين؛ فلا عوقب المسيء ولا كوفئ المحسن، فمن ~~لك برجل موسر طاهر الأخلاق يغل يد الظالم، ويجبر قلب البائس، ويرثي لدمع الأرملة، ويحن ~~لشقاء اليتيم؟ أواه ومن لي بالمال؟ فلو كنت مثريا لكنت ذلك الرجل.» # وقال ذلك ثم تنهد تنهدا طويلا، وحاول الدخول إلى ساحة الرقص فاعترضه أحد الرقاصين، ~~وكان متسترا بثوب أيكوسي وقال بلهجة سخرية: عفوا يا سيدي، فإني أرى تشابها بين أخلاقك ~~وثوبك المقتم. # فلم يكد يسمع الشاب صوت الأيكوسي حتى اختلج فؤاده واضطرب، ووقف مصغيا إلى حديث ~~الأيكوسي، وقد تبين له أنه سمع هذا الصوت في موقف شديد، فقال الأيكوسي: يخال لي أني ~~سمعتك تحدث نفسك بأحاديث جليلة الفائدة. ~~- ربما. ~~- ألم تقل فيما كنت تحدث به نفسك، أنك لو كان لك مال لكنت ذلك الرجل؟ ~~- نعم، يوجد مهمة عظيمة لا يستطيع أن يتولاها في هذه المدينة الرحبة إلا من كان كثير ~~المال. ~~- أنا لها، فإن أبي أصبح على أهبة الموت، وسيدع لي بعد موته دخلا سنويا يزيد على ~~المليون. ~~- أنت؟ ~~- نعم أنا. ~~- إذن انظر إلى هذه المدينة التي بلغت إلى أضعاف ما بلغته بابل من العظمة. انظر ~~إليها تر الذنوب تحتك بالفضائل، وأصوات الضحك تقترن بأنات البكاء، وأغاني الحب تمتزج ~~بدموع اليأس، والقاتل السفاك يمشي على الأرض التي يمشي عليها الورع الشهيد، ألا تظن أن ~~الرجل الحاذق الموسر يقدر أن يفرق بين هذه الأضداد؟ # فنظر إليه الأيكوسي وقال له بصوت الهازئ: لقد أصبت فيما تقول، فإن من كان مثريا في ~~هذه المدينة يعمل بها ما لا تقوى على عمله الأبالسة، فإن بها كثيرا من النساء تغري، ~~وكثيرا من البنات تباع ms0025 وتشرى، ولا أسهل على صاحب الثروة من أن يغري الفتاة التي تشتغل ~~الليل والنهار لكسب درهم تنفقه على طعامها إذا أراحها من عناء هذه الأشغال بما ينفق ~~عليها من المال، ولا أقرب إليه من إفساد ذلك الشاب الذي يعيش من عرق الكد والعمل أن ~~يشتريه بالذهب الوضاح، والمرء ميال إلى الراحة مفطور على الكسل. هذا الذي أفهمه من هذه ~~المهمة، وهذا ما كنت أجريه بفضل أموالي، لو لم أكن في غنى عنه بما هو موفور لدي من ~~أسبابه. # وكان هذا الرجل مرتديا بثوب يمثل دون جوان، وهو رجل شهير بالفساد، فأتم حديثه يقول: ~~ولا جرم إذا كنت أصرف اهتمامي إلى مثل هذه الشئون، فأني أمثل دور صاحب هذا الثوب التي ~~لا تجهل سيرته، فلا فضيلة عندي إلا ما تعتقدونه رذيلة، ولا خيانة إلا ما تتوهمونه شرفا ~~وصدقا، فإن الملاذ خلقت لي فوجب علي أن أتمتع بها وأسعى وراءها، وما الشرف والمروءة ~~والفضائل غير أحاديث أوهام. قال هذا وهو يضحك ضحك الساخر، ثم أزاح البرقع عن وجهه، فرجع ~~ذلك الشاب منزعجا إلى الوراء وصاح قائلا: أندريا! # فقال الفيكونت، وكان هو أندريا بعينه: نعم، أنا هو فهل تعرفني؟ ~~- ربما. ~~- إذن، أزح البرقع عن وجهك، عسى أن أعرف من أنت كما عرفت من أنا. ~~- لم يحن الوقت بعد، وستعرفني عند العشاء. ~~- لماذا؟ ~~- ستعلم ذلك فيما بعد. # ثم تركه ودخل إلى قاعة الرقص، فتبعه أندريا وهو يقول: عجبا! يخال لي أني سمعت هذا ~~الصوت ولا أذكر أين! # وبعد ذلك بهنيهة جلس جميع الحضور على المائدة، ورفعوا البراقع عن وجوههم حسب العادة ~~المألوفة عندهم، فلم يبق منهم واقفا ومستترا غير ذلك الرجل الذي كان يحادث أندريا على ~~الشرفة. # فاستغرب الجميع وقوفه وتستره، وقالت إحدى النساء: نحن على المائدة الآن، فاجلس وأزح ~~البرقع. ~~- لم يحن الوقت يا سيدتي، فإني آليت على نفسي أن لا أعلمكم بنفسي قبل أن أقص عليكم ~~حديثا محزنا مؤثرا. ~~- أتقص أحاديث الحزن في مثل هذا المقام؟ ~~- ولكنه حديث غرام. ~~- إذا كان حديثك ms0026 عن الحب فلا بأس، فإن حديث الغرام شائق كيف كان. ~~- ولكنه محزن يا سيدتي، وإني أخشى أن لا يقع منكن موقع القبول، أو يكون له عليكن ~~تأثير. # فصرخ الجميع قائلين: لا بأس، قل. # فاسترعاهم السمع وقال: أنا صاحب هذه السيرة التي سأقصها عليكم، وقد جرت تلك الحادثة لي منذ سنين عندما ~~كنت في ربيع شبابي ونضارة عمري، ذلك أن من الشبان من يعشق كثيرا من النساء فيتصبى ~~الواحدة حتى تحسبه أسير غرامها، ويهيم بالثانية حتى تخاله قتيل هواها، يحن إلى هذه فتظنه ~~وقع في شرك حبها، ويتشوق إلى تلك فلا تشك أن الوجد قد ملك قياده وصيره لها عبدا، أما ~~أنا فإني لم أحب إلا امرأة واحدة حبا طاهرا مقدسا، وكانت أول مرة دخل فيها الحب إلى ~~قلبي لم أكن أحبها حبا، بل أعبدها عبادة. # وكانت معرفتي بها أني رأيتها في إحدى الليالي المظلمة راكعة على عتبة باب الكنيسة ~~تبكي وتستغفر الله عما جنته باستسلامها إلى شاب عشقته فخانها، وهربت إذ تبين لها أنه ~~مجرم لص سفاك. # فارتجف أندريا عند سماعه هذا الكلام، أما الشاب فلم ينتبه إليه بل اندفع في حديثه ~~فقال: وقد أراد ذلك السفاك أن يسلبني إياها بعدما بحث وعلم أنها عندي، فدخل إلى منزلها ~~دخول السارق، وبينما هو يحاول أن يفر بها وهي تصيح وتستغيث، إذ دخلت أنا وهي مغمى عليها ~~بين يديه. # فتطاعنا بالخناجر، ولا أذكر شيئا مما كان بيننا، ولا كم دامت تلك المعركة الهائلة، ~~بل أذكر أنه طعنني بخنجره طعنة سقطت على إثرها لا أعي، ولم أستيقظ إلا بعد ساعتين فوجدت ~~نفسي غريقا في بحر من الدماء، وذلك السفاك قد هرب بمن أحب. # قال هذا ونظر إلى أندريا، فرآه أصفر الوجه، والعرق ينصب من جبينه، فعاد إلى حديثه ~~فقال: ولبثت ثلاثة أشهر أقاسي عذاب النزع، وأنا بين الموت والحياة، ولكني كنت في عنفوان ~~الشباب فتغلبت قوى الشبيبة على تلك الحمى التي كدت أصل بها إلى الموت، وشفيت من مرضي، ~~فقمت أطوف البلاد باحثا ms0027 عمن عشقتها نفسي وعن خاطفها، ذلك اللص الذي كاد ينزع حياتي ~~بنزعها مني. # وما زلت أطوف حتى التقيت بها في منزل حقير بقرية من قرى إيطاليا وحيدة شريدة، وقد غدر ~~بها وتركها بغير مستقبل وبغير مال، فماتت وا أسفاه بين يدي، وهي تبتهل إلى الله، وتسأل ~~لقاتلها الغفران. # ثم أجال نظره بين الحضور الذين كانوا محدقين به كأن على رءوسهم الطير، وقد ذهب الضحك من ~~أفواههم وتقطبت وجوههم، فقال: والآن، فإن هذا الرجل، بل هذا اللص، بل هذا السفاك، قد لقيته هذه الليلة منذ ساعة، وآن ~~لي أن أنتقم لتلك المرأة التعيسة ولنفسي. نعم، لقيت هذا الخائن فهو هنا بينكم. # ثم أشار بيده إلى أندريا وقال: وهذا هو. # وبينما أندريا يثب عن كرسيه إذ أماط الشاب اللثام عن وجهه، فصرخ جميع الحضور: هذا ~~أرمان النقاش. # أما أرمان فإنه لم يبال بانذهالهم، بل نظر إلى أندريا، وقال بصوت يتهدج من الغضب: ~~أندريا هل عرفتني؟ # وفيما جميع الحضور منزعجون يتوقعون عراكا هائلا بين الاثنين، إذ فتح الباب وولج منه ~~رجل كهل بملابس سوداء، فتقدم إلى أندريا دون أن ينظر نظرة إلى الحضور، وقال له: سيدي الفيكونت، إنك تعلم اشتداد وطأة المرض على أبيك الكونت فيليبون، وهو الآن على ~~فراش الموت يريد أن ينظرك النظرة الأخيرة؛ لينال تعزية لم تنلها سيدتي والدتك. # فاغتنم أندريا هذه الفرصة للتخلص من موقفه الحرج، ونهض فودع الحاضرين بالإشارة ~~فمشى. # أما ذلك الشيخ الذي جاء يخبره عن نزاع أبيه، فإنه مشى في إثره، وفيما هو يجيل نظره في ~~الحاضرين إذ لاحت منه التفاتة إلى أرمان، فرجع إلى الوراء منذهلا وقال: إلهي! ماذا أرى؟ إن هذه حقيقة رسم الكولونيل أرمان دي كركاز! ~~••• # أما الكونت فيليبون والد أندريا، فقد كان منذ ساعة مضطجعا على فراش الآلام، وبالقرب ~~منه خادم كهل قوي الأعصاب يهيئ له دواء. # فكان الكونت يقول لذلك الكهل: إني سأموت يا بستيان، ولم يعد لي بالحياة أقل مطمع، فهل شفيت غلك من الانتقام؟ إنك ~~بدلا من أن تقودني ms0028 إلى المشنقة، وكان ذلك ميسورا لك ولم يزل بوسعك، آثرت أن تكون ~~دائما بقربي لأذكر بمرآك سابق أيامي، فكنت تجلني بلسانك وتحتقرني بقلبك، وتدعوني ~~بمولاك وأنا لا أشعر بعذاب أشد هولا من هذه الكلمة. ألم يرتو غلك إلى الآن؟ ألم يحن لك ~~يا بستيان أن تعفو عن ذنبي الذي عوقبت فيه على الأرض، وسأجزى عنه في السماء؟ # فقال بستيان: كلا يا مولاي، إن صوت ذلك الكولونيل لا يزال يصيح بك: «أيها التعيس، لماذا ~~تزوجت بامرأتي؟» ~~- ماذا تريد مني أيضا؟ فإنك تراني أموت وليس بقربي أحد، حتى ولا ولدي. ~~- أريد أن أنتقم لتلك المرأة الفاضلة التي ماتت دون أن تتزود من وداع ولدها. أريد أن ~~تموت أيضا كما ماتت دون أن تنظر ولدك. # فاجتهد فيليبون أن ينهض من فراشه وهو يقول: ولدي ... أريد أن أرى ولدي. # ولكن الضعف كان يمنعه، فلم يستطع حراكا. # فأجابه بستيان: إن ولدك متبع أثرك، وهو مثلك فاسد الأخلاق بذيء الطباع، يرتكب كل منكر ~~ومحرم، ولكنه ولدك، ويسرك فيما أظن أن تنظر إليه النظرة الأخيرة قبل الموت. # فانهالت دموع الحنان من عيني فيليبون، وقال: ولدي ... دعني أنظر ولدي. ~~- إنك لن تراه أبدا، فهو غائب عن القصر، ولا أحد يعلم أين هو سواي، فلا تطمع ~~بمرآه. ~~- بستيان، أليس بقلبك رحمة؟ ~~- لا تذكر الرحمة، أو قل أين كان قلبك عندما قتلت الكولونيل وابنه وامرأته؟ # فتنهد فيليبون تنهد مجرم أجبر على الإقرار، وقال: نعم، إني قتلت أرمان دي كركاز ~~بالرصاص، وقتلت امرأته التي صارت امرأتي من بعده بالحزن وسوء المعاملة، أما ~~ابنه ... ~~- أتنكر أيها الخائن أنك ألقيته عن سطح المنزل إلى البحر؟ ~~- لا أنكر، ولكنه لم يمت. ~~- كيف ذلك؟ ألم يمت؟ ~~- كلا، فقد أنقذه الصيادون وذهبوا به إلى إنكلترا، وبعد أن ترعرع ذهب إلى إيطاليا، ~~ومنهما عاد إلى فرنسا، وقد عرفت ذلك منذ ثمانية أيام. ~~- أين هو الآن، وكيف عرفت ذلك؟ # فانقطع صوت فيليبون وقد بلغت روحه التراقي، فدنا منه بستيان، وقال بصوت الآمر: قل كيف ~~عرفت ذلك، وأين هو؟ ms0029 ~~- عندما خرجت المرة الأخيرة أتنزه، لقيت وأنا في المركبة، شابا يبلغ الثلاثين من ~~العمر يمشي على مهل، وكانت المركبة تسير بي سيرا بطيئا، فتبينت وجه ذلك الشاب، فرأيته ~~يشبه أرمان دي كركاز شبها تاما ضاع له رشدي، فتبعته وبحثت عنه، فعلمت أنه نقاش، لا ~~يعلم من أمر مولده سوى أن الصيادين أنقذوه من الأمواج، وأنه كان يدعى أرمان. # فقال بستيان وقد طار فؤاده شعاعا لهذا الخبر: أيها التعيس، إذا أحببت أن ترى ابنك، ~~وأن لا يدنس اسمك بما عندي من البراهين، فأرجع تلك الثروة التي تتمتع بها إلى ذلك ~~الشاب، واكتب بيدك أنك سرقتها منه، وأنا أجده. ~~- لا حاجه إلى ذلك؛ إذ لا يحق لي أن أرث أرمان دي كركاز إذا كان ابنه حيا، فما عليه ~~إلا أن يظهر حقيقة مولده، فيرجع إليه الشرع ذلك المال. ~~- ذلك لا ريب فيه، ولكن كيف يتسنى له أن يثبت كونه ابن كركاز؟ # فأشار فيليبون بيده إلى صندوق أمامه، وقال: إني لما رأيتني على فراش الموت تذكرت سابق ~~أيامي، فندمت على ما فرط مني، وكتبت تاريخ ذنوبي مضيفا إليه جميع الأوراق التي تثبت ~~نسب أرمان؛ ليكون هذا الإقرار كفارة عن ذنبي. # فأخذ بستيان الصندوق، وأعطاه لفيليبون ففتحه بيد ترتجف، وأخذ منه ملفا من الورق ~~فأعطاه لبستيان. # أما بستيان، فإنه أخذه والفرح ملء فؤاده، وقال: طب نفسا فسأجد الولد، والآن فإني ~~أسامحك عما أذنبت به إلي، وسترى ولدك. # ثم تركه وانصرف فركب في مركبة، وقال للسائق: أسرع إلى فندق بيكال. (وهو المنزل الذي ~~كانت فيه حفلة الرقص.) # وبقي فيليبون وحده يقاسي ألم النزاع وهو يلتهب شوقا لرؤية ولده، فلم يمر على انتظاره ~~ساعة حتى فتح الباب ودخل أندريا وهو بالملابس التي وصفناها، وكأنما الله اراد أن ينهي ~~حياة هذا المجرم بالعذاب، فإنه لم يكد يرى ابنه بملابس الرقص حتى أدار وجهه إلى جهة ~~الحائط، فتأوه وأسلم الروح قبل أن يتمكن ابنه من الوصول إليه. # فأخذ أندريا يده فلقيها باردة، فوضع يده على قلبه فوجده بغير ms0030 حراك، فابتسم ~~وقال: ها قد مات أخيرا، وصارت لي وحدي تلك الأموال. # ولم يكد يتم عبارته حتى فتح الباب ودخل منه اثنان، أحدهما بستيان والآخر أرمان، ~~فنظر إليه بستيان شذرا، وقال: إن هذه الأموال ليست لك، بل لك السجن الذي ينتظره أولاد مثل أبيك أيها التعس، فاعلم ~~الآن أيها الفيكونت، أن أباك قد قتل زوج أمك الأول، ثم رمى بأخيك الأكبر إلى البحر وهذا ~~هو أمامك. أما أبوك، فقد ندم وهو على فراش الموت على ما اقترفه من الذنوب، فأرجع ~~الأموال المسلوبة إلى صاحبها، وأما أنت فلست الآن في منزلك، بل في منزل أرمان دي كركاز؛ ~~فاخرج من هنا. # فنظر أندريا نظر الباهت المنذهل إلى أرمان، فأخذه أرمان ومشى به إلى شرفة تطل إلى ~~الطريق فقال: انظر إلى باريس التي أردت أن تستخدم ثروتك بها لإغراء النساء وإضلال الرجال، أما ~~أنا وقد رجعت إلي تلك الثروة، فسأنفقها لخير الأعمال، فاخرج الآن من هنا فإني سأجتهد ~~أن أنسى كوننا ابني أم واحدة، كي لا أذكر إلا ذنوبك وتلك المرأة التي قتلتها، فاذهب من ~~هذه المدينة واحذر أن أراك. # فمشى أندريا، وقد شعر بالغلبة، إلى أن بلغ الباب، فالتفت إلى أخيه وقال: إن الأيام بيننا، فإذا أردت أن تكون مثال الفضيلة، فسأكون رسول جهنم على الأرض، ~~وستكون باريس معترك القتال. # ثم خرج وهو يضحك ضحك اليأس، ويتهدد السماء بقبضتيه. # | الإرث الخفي‏ # (1) السير فيليام # كان في إحدى ليالي ديسمبر الباردة رجل ملتف برداء طويل، يمشي على رصيف سانت بول بالقرب من ~~القلعة غير مبال بالبرد وبما كان يهطل عليه من المطر، وكان يقف من حين إلى حين ينظر إلى ~~النهر السائر بالرياح الشديدة، ويحدث نفسه بكلام متقطع غير مفهوم. # وما زال يمشي إلى أن بلغ إلى منزل بالقرب من فندق لمبرت ذي الستة أقسام بعضها فوق بعض، فوقف ~~عنده ونظر إلى نافذة القسم الأعلى، فرأى عليها مصباحا موضوعا بشكل يدل على أنه إشارة متفق ~~عليها، فنظر إليه هنيهة وقال: ذلك يدل على أن ms0031 كولار في منزله ينتظرني. # ثم أدنى إصبعيه من فمه وصفر، فانطفأ المصباح للحال، وبعد عشر دقائق أجيب بصفير مثله، فدنا ~~من الباب، وما وقف هنيهة حتى سمع وقع أقدام ضعيفة، ثم تلاها صفير آخر فأسرع إلى لقاء ~~القادم، وقال له سائلا: كولار؟ # قال كولار: نعم. ~~- يسرني أنك أمين على الملتقى. ~~- ليس ما يعيقني عن خدمتك، وأرجوك أن تخفض صوتك، وأن لا تدعوني باسمي، فإني إذا عدت إلى ~~ذلك فلا أخرج منه. ~~- إنك مصيب، ولكن الشارع مقفر وليس هنا من يسمعنا. ~~- لا ضرر من الحذر، وأرى أن الأوفق أن نذهب إلى شاطئ النهر فنتحدث هناك باللغة ~~الإنكليزية، فإذا اتفق مرور أحد فهو لا يفهم ما نقوله. ~~- ليكن. # ثم مشى الاثنان إلى جهة النهر، وهما غير مكترثين بالمطر، فقال كولار: متى عدت من ~~لندرا؟ ~~- في الساعة الثامنة من هذه الليلة، وأنت ترى أني لم أضع الوقت، فقل ما فعلت أنت في مدة ~~غيابي؟ ~~- جمعت عصابة على غاية الموافقة، وإن يكن الباريسيون لا يعدلون الإنكليز في مهنتنا، ولكني ~~فعلت ما قدرت عليه، وإننا نقدر أن ندربهم في مدة وجيزة، وستراهم وتفحصهم. ~~- متى؟ ~~- الآن إذا أردت. ~~- هل اتفقت معهم على الملتقى؟ ~~- نعم، وإذا أمرت سرت بك إلى مكان بحيث تراهم واحدا فواحدا، ولا يراك منهم أحد. ~~- حسنا فلنذهب. ~~- ألا تريد أن نتفق قبل الشروع في العمل؟ ~~- لنتفق. ~~- تعلم يا مولاي أني بلغت الخمسين من عمري، فصار يجب علي أن أهتم بأيامي الأخيرة. ~~- هذا عدل، فأظهر شرطك. ~~- إني أطلب 25 ألف فرنك كراتب يدفع لي في كل سنة، وعشرة آلاف فرنك تعطى لي عند النهاية من ~~كل عمل ينجح على سبيل المكافأة. ~~- سيكون لك ذلك. ~~- والآن بقي علي أن أتفق معك على رواتب عصابتي. ~~- إني عرفت أهليتك فلم أساومك، أما عصابتك فإني لا أعرف منها أحدا. ~~- هذا حق. ~~- إذن فلنذهب إليهم، ومتى عرفتهم وخبرتهم أتفق معك على تعيين رواتبهم، ولكن قل لي كم ~~عددهم؟ ~~- عشرة، أليس ذلك بكاف؟ ~~- يكفي الآن، وسنرى فيما بعد. # ثم غادرا ms0032 ذلك المكان ومشيا، فكان كولار يسير أمام السير فيليام إلى أن بلغا إلى غطة مظلمة ~~في شارع لاتين، فسارا فيها إلى أن وصلا إلى بيت قديم متداع إلى السقوط. # ولم يكن ينبعث منه نور، مما يدل على أنه غير مأهول، فأخذ كولار مفتاحا من جيبه وفتح به ~~باب المنزل، فدخل مع السير فيليام ثم أقفل الباب وراءهما، وأشعل شمعة فأدخل السير فيليام ~~إلى غرفة وقال له: هذا هو المكان الذي تستطيع أن ترى منه رجالي دون أن يروك، من هذا الثقب ~~الموجود في الحائط. # فنظر السير فيليام، ورأى غرفة كبيرة جميلة الأثاث حسنة الظاهر، فسأل: لمن هذه ~~الغرفة؟ # فقال له كولار: هذه لرئيس عصابتي كوكيلات، وهو رجل حسن الصيت، وجميع سكان هذا الشارع ~~يحسبونه متمولا متنحيا عن الأشغال، ويغبطونه لسعادته مع امرأته التي اشتهرت عند الجميع ~~بالفضيلة. ~~- حسنا، أين كوكيلات الآن؟ ~~- ستراه عن قريب. # ثم وضع إصبعه بفمه وصفر، ففتح الباب ودخل رجل هزيل يناهز الخمسين من العمر، حاد النظر، مقطب ~~الجبين، فانحنى مسلما، ونظر إلى كولار مستفهما. # فقال له كولار: إن هذا هو الرئيس. # وقال للسير فيليام: هذا هو كوكيلات. # وبعد أن فحصه السير فيليام أشار إلى كولار أن يصرفه. # فقال له كولار: إني ضربت موعدا لرفاقك في الساعة الأولى بعد منتصف الليل، وقد حان الوقت، ~~فاذهب إلى لقائهم، أما أنا فسأبقى هنا مع حضرة الرئيس لقضاء بعض المهام. # فانحنى كوكيلات وانصرف. # أما السير فيليام فإنه جلس مع كولار أمام الثقب، وأقام ينتظر وفود العصابة، ولم يطل ~~مكثهما حتى طرق الباب، وأخذ رجال العصابة يتوافدون تباعا، وكولار يصف كل واحد منهم بين ~~مقامر ومزور وخاطف ومخادع ومفتح أقفال ومسجل وضخم الجثة فتاك، وغيرهم من أبناء الشر والوزر ~~إلى أن أتم عددهم، وبلغ إلى التسعة، وبعد أن استعرض السير فيليام هذه العصابة قاله له ~~كولار: أتريد أن يروك؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ألست راضيا عنهم؟ ~~- ليس ذلك، ولكني أحب أن لا يراني أحد منهم، وأن لا تصلهم أوامري إلا بواستطك، وسنبحث ~~غدا ms0033 في شئونهم، ونجد لكل واحد منهم عملا يوافق مهنته ، والآن إني ذاهب وسأراك غدا في نفس ~~المكان الذي رأيتك فيه هذه الليلة وبنفس الساعة. # ثم ودعه وخرج. # فدخل كولار لمقابلة رجاله، أما السير فيليام فإنه ترك هذا المنزل، واجتاز العطفة المظلمة ~~إلى أن بلغ إلى الشارع، وفيما هو يمشي على مهل وهو مشتت الفكر ساهي البال، إذ سمع صوت سائق ~~مركبة يقول له احذر، فصعد السير فيليام مسرعا إلى الرصيف ونظر إلى داخل المركبة، فاختلجت ~~أعضاؤه وصاح بصوت يتهدج من الغضب قائلا: «أرمان!» أما المركبة فكانت تسير سيرا حثيثا، ~~فلم يسمع ذاك الذي دعاه أرمان نداءه، ولم يتمكن من الانتباه إليه. # فوقف السير فيليام برهة ينظر إلى المركبة وهو يكاد يلتهب من الغيظ، إلى أن توارت عن عينيه ~~فقال: ها قد التقينا أخيرا أيها الأخ الذي يسعى إلى الفضيلة، ويعدو بمثل هذه السرعة إلى ~~مساعدة التعساء، اذهب وأنفق من الذي اختلسته مني، ولكن اعلم أني قد عدت إلى باريس ظمآن إلى ~~الذهب والانتقام. # وفي اليوم الثاني ذهب السير فيليام لمقابلة كولار، فصفر له كما فعل بالأمس، فنزل إليه وسار ~~به السير فيليام إلى ضفة النهر، وقال له: استعد فإن لدينا اثني عشر مليونا. ~~(2) كيرمور # مضى يومان على مقابلة السير فيليام لكولار، الذي خدمه في لندرا خدمات ذكرها له بالشكر، ~~وجعله يثق به ثقة لا مزيد عليها، حصل لهما فيهما ما سيقف عليه القراء في حينه، وقد حدث أن ~~مركبة يدل ظاهرها أنها من مركبات الأمراء وصلت في ساعة متأخرة من الليل إلى قصر شاهق جميل ~~الزخرف، غريب الإتقان، فلم تكد تبلغ إلى ساحة ذلك القصر حتى فتحت أبوابه، وكان مكتوبا ~~عليها بأحرف ذهبية كبيرة: قصر الكونت كركاز. # فدخلت المركبة، وفي ذلك الحين ظهر على السلم رجل كهل بيده مصباح أقبل مسرعا إلى لقاء ~~الكونت، فلما وصل إليه قال له: لقد ابتدأت أن أقلق عليك، فإنك لم تتأخر عن الرجوع إلى المنزل مثل تأخرك في هذه ~~الليلة. # فأجابه أرمان، وقد كان ms0034 هو بعينه: لا بأس في ذلك يا بستيان، فقد قضت علي بعض المهمات ~~الخيرية أن أتأخر إلى الآن. # ثم توكأ على ذراعه وصعدا سوية إلى المنزل، فسار به بستيان إلى غرفته وقال له: إنك ستنام فيما أظن؟ ~~- كلا يا بستيان، فإني مضطر إلى كتابة بعض رسائل، ولا أؤجل إلى الغد ما أقدر أن أفعله ~~اليوم. # فأجابه بستيان بلهجة أبوية: ولكنك ساع إلى حتفك بقدمك؛ فإن كثرة السهر والتعب ~~تضنيك. ~~- إن الله كريم عادل يحفظ لي قواي؛ لأني أبذلها في خدمته. # وعند ذلك قرع باب الغرفة قرعا خفيفا، ثم دخل رجل يقوده أحد خدم القصر، فوقف أمام أرمان ~~وقال: هل أنا بحضرة الكونت دي كركاز؟ ~~- نعم. # فانحنى أمامه، وأخرج من جيبه رسالة مختومة فقدمها له. # وأخذ أرمان الرسالة وفضها، ونظر إلى التوقيع فلم يجد غير كلمة «كريمور»، وقرأ ما ~~يأتي: # سيدي ... # إنك رجل ذائع الصيت كثير البر، وقد كرست ثروتك الطائلة في سبيل الخير والإحسان، وإن الذي ~~يكاتبك هو رجل ثقل عليه ذنبه، وقد دنت ساعته الأخيرة، ويجب أن يراك لبعض الشئون، وإن الطبيب ~~يقول إنه لم يعد لي من الحياة غير ساعات قليلة، فأسرع إلي فإني سأعهد اليك بمهمة خيرية لا ~~يقوى على القيام بها سواك. # كريمور # فنظر أرمان إلى الرسول وتأمله، ثم قال له: ما اسمك؟ ~~- كولار. ~~- قل من أعطاك هذه الرسالة؟ # فتصنع كولار هيئة البله، وقال: إني أسكن في منزل كريمور، وهو الذي أعطاني هذه الرسالة كي ~~أوصلها إليك. ~~- أين يسكن ذلك الرجل الذي أرسلك؟ ~~- في شارع سانت لويس. # وكان الصباح قد كاد يطلع، فلم يبال أرمان بذلك، ولا بتحذير بستيان، بل أمر بأن تهيأ ~~المركبة، ولم يمض على ذلك نصف ساعة حتى بلغ منزل كريمور، وكان كولار يسير بصحبته فنزل من ~~المركبة، وسار بأمان في فناء المنزل إلى أن وصلا إلى غرفة المريض، ورأى فيها رجلا هزيل ~~الجسم، نحيل الأعضاء، أصفر الوجه، مضطجعا في سريره يتقلب عليه من الآلام، فحيا أرمان بيده ~~وأشار عليه بالجلوس، ثم أمر ms0035 كولار بالانصراف. # ولما خلا لهما المكان قال المريض: إن مظاهري لا تدل على أني وشيك الموت، ولكن ذلك لا ريب ~~فيه، وقد أكده لي الطبيب. ~~- لا تخف أقوال الأطباء، فإنهم يخطئون. # فتنهد المريض وقال: إنك مصيب، ولكن طبيبي لا يغلط ولا يخطئ، وقد أكد أنه سينقطع لي عرق ~~بعد ست ساعات يكون به انتهاء حياتي، وليس لأجل ذلك دعوتك، بل لأكلفك بقضاء مهمة لا أئتمن ~~عليها سواك، فأرجو أن تصغي إلي. ثم تأوه وقال: إني أدعى البارون كيرماروت وليس لي وريث بعد موتي في عرف الناس والشرع، ولكن قلبي يحدثني ~~أن لي ولدا يرثني من بعدي، ولا أعلم إذا كان ذكرا أو أنثى. # وقد تقدم لي القول أن ليس لي قريب في هذا العالم، فإذا مت فليس من يبكيني، وترجع ثروتي ~~الطائلة إلى دار الأحكام لفقد الوارث. # أما ثروتي فهي عظيمة تكاد لا تحصى، ومصدرها غريب أيضا كغرابة ما ألقاه من العذاب الذي ~~جازاني به الله عقابا عن ذنب هائل اقترفته في صباي. # ذلك أني كنت في سنة 1824 قائدا في الجيش، ولم يكن لي مستقبل غير سيفي، وكانت حرب الإسبان ~~قد ابتدأت، فكانت فرقة الجيش الذي أنا فيه معسكرة في برسلون، وكنت أنا في باريس بالرخصة، ~~فسرت منها مع اثنين من الضباط للانضمام إلى الجيش، وقد كان سفرنا على الجياد، فكنا نبيت في ~~كل قرية نصل إليها عند ظلام الليل. # وإن الليل فاجأنا على بعد مرحلة من تولوز، فلم نجد سوى فندق صغير لجئنا إلى المبيت فيه ~~بحكم الاضطرار. # ولم يكن بهذا الفندق من المسافرين سوى امرأتين قدمتا من بيريناس وفي تلك الليلة، وكانت ~~إحداهما كهلة عجوزا، والثانية في عنفوان الشباب رشيقة القوام وضاحة الجبين غزالة العينين ~~صبوحة الوجه، وقد قدمت مع أمها التي وصف لها الأطباء التجول، فاضطررنا إلى مشاركتهما في ~~الحديث لما اضطررنا إليه من مشاركتهما في العشاء. # ولم تتهيبا منا، وكان لهما مزيد الثقة بنا بالنظر لملابسنا العسكرية، ولم يكن في الفندق ~~غير غرفتين فناما بهما، ms0036 أما نحن فبتنا في الفناء، وقد اتخذنا من القش اليابس رزما جعلناها ~~وسائد. # وكنا في ربيع الشباب وطيش الصبا، وليس فينا من يزيد عمره على العشرين، فأثرت بنا المدام ~~وهاجنا ما رأيناه من جمال الصبية، فاقترح أحدنا أن نقترع عليها، فقبلنا ذلك الاقتراع ضاحكين، ~~واقترعنا فأصابتني القرعة دون رفاقي. # ولم يكن في الفندق ممن يخشى غير صاحبه، فرشوناه كي يتغاضى عنا، ودخلت إلى غرفة الصبية من ~~النافذة، أما أمها فكانت تعول وتصيح، ولكن صياحها كان يسير في الهواء ولا يسمعه أحد. # وعندما طلع الصباح ذهبت برفاقي، وقد غادرت بالفندق تلك الفتاة مدنسة تعض البنان من الأسف، ~~وتدعو علي الله في خلوتها، ولم أعلم منها سوى أنها كانت تدعى تريزا، وقد رأيت في جيبي بعد ~~فرقها نوطا ذهبيا كانت تعلقه في رقبتها، ولا أعلم إلى الآن كيف وصل إلى جيبي، ولعل السبب ~~في وصوله إلي أنه انقطع عند دفاعها، فسقط في جيبي اتفاقا. # ثم ذهبت ورفاقي إلى برسلونا لننضم إلى الجيش، وفي أول معركة قتل رفيقاي، فأعددت ذلك عقابا ~~لما وإنذارا لي، وكان صوت سري يقول لي: إن الله لم يعاقبك في المعارك إلا ليبلوك بعقاب ~~أعظم. # ثم توالت الأيام ودرجت الليالي، فنسيت ذنبي إلى أن وصلت إلى الثروة، وها أنا مظهر لك كيف ~~وصلت إلي. # ذهبت يوما إلى مدريد فنزلت ببيت رجل يهودي كان يتاجر بالجلد، وقد كان أصل هذا اليهودي ~~فرنسيا هاجر وطنه سنة 1789. # وعندما جعلت سكني في منزله كان مريضا، فاتفق بعد وصولي إليه بيومين أن اشتدت عليه وطأة ~~المرض إلى أن بلغت حدا خشي عليه فيه الموت، ولم يكن يعوله في مرضه غير خادم واحد، فدعا بي ~~إليه يوما عند منتصف الليل، وقد أعياه الداء وبرحت به الآلام. # فهرعت إليه، وجعلت أعينه وأعزيه على مصابه، وهو ينظر إلي نظرة الباهت، إلى أن سألني: ما ~~اسمك؟ ~~- كيرمور دي كيرماروت. # فرجع إليه صوابه عند ذكر اسمي، وخرج بلهجة الفرح والاستغراب يقول: أنت تدعى ~~كيرماروت؟ ~~- نعم. # فرفع يديه إلى السماء، ms0037 ثم شكر الله وقال: أعطني أدوات الكتابة. # فأحضرت له ما طلب، فكتب بيد ترتجف: # إني أعترف أن كيرمور دي كيرماروت هو وريثي الوحيد دون سواه. # ثم أمضى هذه الوصية وبعد عشر دقائق أسلم الروح. # وقد وجدت بعد موته رسالة بين أوراقه تبين السبب في إعطائي ثروته؛ ذلك أن جدي البارون ~~كيرماروت كان قد أودع في زمن المهاجرة 200 ألف فرنك عند هذا اليهودي، ثم توفي ولم يعلم أين ~~كانت وفاته، وسافر اليهودي إلى إسبانيا فتاجر بمال جدي المودع عنده، وكثرت أرباحه، واتسعت ~~ثروته بفضل ذلك، فرده إلي اثني عشر مليونا، وكنت في الثلاثين من عمري عندما وصلت إلي تلك ~~الثروة الواسعة، فلم تدفعني عوامل الثبات إلى التنعم بها، بل عادت إلي تذكارات تلك الليلة ~~الهائلة، وأصبح تمثال تريزا ممثلا نصب عيني، فأخذت أطوف البلاد باحثا عنها، فلم ألق إلا ~~الخيبة، ولم أظفر بغير الفشل، وقد أدت بي خاتمة المطاف إلى باريس، فاشتريت هذا المنزل الذي ~~أنا فيه فأصابني الله بداء عضال لم تنجح فيه حيلة الأطباء، وسيقضى علي بعد ساعات ~~معدودة. # واليوم عرفت نهاية أجلي من الطبيب على ما أخبرتك، فتمثلت لعيني تلك الابنة المسكينة التي ~~دنستها بنزقي، وحدثتني نفسي أنها لا تزال بقيد الحياة، وقد علمت أنك رجل كثير الخير ~~والإحسان، وأن لديك عمالا وأعوانا يشاركونك في البحث عن التعساء ومساعدة أولي البأساء ~~ومجازاة الأشقياء، فقلت في نفسي إنك الوحيد الذي يجدها ويسلمها تلك الثروة. # فقال أرمان: إني أشكرك لثقتك بي، ولكني أخاف ما يمكن أن يكون اتفق من موت تلك الابنة، ~~وربما لم يكن لك منها ولد، فإن مناجاة الضمير قد تخطئ أحيانا. ~~- إذا كانت الابنة قد ماتت ولم يكن لي منها ولد، فإن ثروتي تكون لك تنفقها في سبل الخير ~~فتكون كفارة عن ذنبي، وأنا أعلم بأنك رجل كثير المال، ولكن ثروتي هي طائلة فإذا أنفقتها على ~~المصابين مع ما تنفقه من مالك خففت من بلوى التعساء وأعانتك على بلوغ أمانيك، والآن فإني ~~أرى على وجهك علائم ms0038 الانذهال وأراك تشير بالرفض، فبالله لا تضع الوقت في الجدال، وانظر إلى ~~الساعة فلم يعد لي من الحياة في هذا العالم غير ساعات معدودة، فانظر الآن إلى هذا الصندوق ~~الذي هو بقربك، وهذا مفتاحه معلق بعنقي، تأخذه بعد موتي وتفتح الصندوق فتجد فيه وصيتين ~~مختلفتين، إحداهما تثبت أنك أنت وريثي، والثانية تثبت أن تريزا هي الوارثة أو ولدها إذا ~~كان لها ولد، ثم إنك تجد في طي هذه الوصية الأخيرة ذلك النوط الذهبي الذي وقع من عنقها في ~~جيبي في تلك الليلة الهائلة، فإذا فتحته تجد فيه خصلة من الشعر وصورة امرأة هي صورة أمها لا ~~ريب، فعسى أن تعينك على وجودها، وليس لدي غير هذا الدليل. # ثم سكت هنيهة وقد أعياه التعب، إلى أن عاد إليه شيء من قواه، فاستحلف أرمان على قبول ~~الوصية، وقال وقد سمع قرعا على الباب: هو ذا الكاهن الذي دعوته قد حضر، فأدخله إلي فإني ~~أريد أن أعترف وأستعد لملاقاة الديان. # ففتح أرمان الباب للكاهن، وخرج من الغرفة عندما شرع بالاعتراف، ولم يمض على ذلك ساعتان ~~حتى صدق نبأ الطبيب ومات البارون، فدعا أرمان رجال الشرع في الحال، وختم على جميع موجودات ~~المنزل، فلم يأخذ منها غير الوصيتين، وذهب الجميع ولم يبق في المنزل غير كولار الذي جعل ينظر ~~إلى تلك الجثة التي لم تزل حارة، ويقول ضاحكا: أيها الأبله، إنك لو علمت السبب لدخولي في خدمتك لما أطقت أن تنظر إلي، والآن فطب نفسا ~~فإن أرمان دي كركاز رجل صافي السريرة طاهر القلب، وسيعرف السير فيليام كيف يجد الابنة وكيف ~~يغنم تلك الملايين. ~~(3) سريز وباكارا # بعد هذه الحادثة بخمسة عشر يوما كان في الطبقة الخامسة من أحد المنازل الحقيرة ابنة ~~تشتغل في غرفتها بغيرة ونشاط، وأمامها على منضدة جميع الأدوات اللازمة لعمل الزهور ~~الصناعية. # وكان يظهر من ملامح وجهها أن لها من العمر ست عشرة سنة، وهي ممشوقة القامة بيضاء كالزنبق ~~سوداء الشعر، وقد سميت بسريز، أي الكرز لحمرة شفتيها. # وكانت تشتغل وتغني، ms0039 وأشعة شمس الصباح الذهبية قد ملأت غرفتها الصغيرة التي كان معلقا في ~~جدارها قفص فيه عصفور من نوع الكناري كان يشاركها في الغناء من حين إلى حين. # فعندما كادت تصل في جمع طاقة الزهر إلى آخرها، ولم يبق لها إلا أن تحيطها بالورق، ألقتها ~~من يديها على المنضدة، ثم تنهدت وقالت: إني سأتمم هذه الطاقة بعد عشر دقائق، فأسير بها إلى ~~المعمل وبطريقي أراه. # إن يوم الأحد قد قرب، وسأكون فيه من أسعد النساء؛ فإن ليون سيصحبني مع أمه إلى المنتزه في ~~بلفيل. قالت هذا وتبسمت بعد أن تنهدت قليلا، ثم عادت إلى شغلها وهي تحدث نفسها فتقول: إن ~~ليون سيسافر إلى بلده فيبيع أرضا له فيها، وسيرقيه سيده فيجعله رئيس المعمل بعد شهرين حيث ~~يتزوج بي في ذلك الحين، ولكني أرى ذينك الشهرين بمثابة جيلين، وما أصعب الانتظار على ~~المحبين. # وفيما هي تناجي نفسها بمثل هذه الأحاديث إذ سمعت صوت غناء على السلم، تبينت منه صوت أختها ~~فقالت: هذه هي باكارا التي لا أعلم السبب في كثرة زياراتها لي في هذه الأيام بعد أن كان يمر ~~العام ولا أراها! # ثم فتح الباب ودخلت منه باكارا. # وكل من رأى هاتين الصبيتين يعلم للحال أنهما أختان؛ لكثرة ما بينهما من المشابهة، ولم يكن ~~الفرق بينهما سوى أن سريز في السادسة عشرة من عمرها، عفيفة فاضلة ترتزق من شغل يدها وتقنع ~~باليسير من العيش، وأن باكارا في الثانية والعشرين من العمر، وقد هربت منذ ست سنوات من منزل ~~أبيها مع عاشق لها كان وافر الثروة، فعاشت عيشة بذخ وإسراف، ثم تخلف لها عاشقها عن ثروة ~~عظيمة فاستبدلته بسواه، ونهجت سبل بنات الهوى. أما أبوها، فإنه مات من الحزن لما لبسه من ~~عار ابنته، فاكتفت برضى أمها عنها التي ذهبت إليها وعاشت معها في قصرها الشاهق، تاركة ~~ابنتها الثانية التي سرى إلى عروقها دم أبيها الفاضل، فلم تتبع أمها وأختها في سبيل ~~الغواية، وعاشت بعيدة منفردة عنهما عيشة طاهرة تقية، ترتزق من شغلها ms0040 وتقنع بالقليل. # وكانت لا تزور أمها ولا أختها على الإطلاق، ولا تدع لهما مجالا لزيارتهما لها؛ ولذلك ~~استغربت عندما رأت أختها داخلة عليها لما رأته من ترددها في زيارتها منذ خمسة عشر يوما، ~~وعلمت أن في ذلك سرا شاقها استطلاعه. # فجلست باكارا بالقرب من النافذة، ودار بينهما الحديث، فقالت باكارا: ألا تزالين يا سريز تحبين ليون؟ ~~- وما يمنعني عن حبه، وهو رجل طاهر القلب حسن الأخلاق. ~~- لا أنكر ذلك، ولكنه عامل بسيط، فإذا تزوج بك تعيشان عيشة فقيرة طول العمر، وتكونان ~~تعيسان. ~~- وأنا لا أرى رأيك في ذلك؛ فعندي أن الزوجين إذا توافقا وكانا متحابين لا يكونان تعيسين، ~~وفوق ذلك فإن صاحب المعمل سيعين ليون رئيسا عليه، وهو سيبيع أرضا له في وطنه، فمتى تم ذلك ~~فهو ينشئ لي محلا لبيع الزهور فنصبح من أسعد الناس، ولا يقتضي هذا المشروع من النفقات ~~أكثر من أربعة آلاف فرنك، وهذا المال ميسور لديه. # فتبسمت باكارا ابتسام احتقار، وقالت: أنت تعلمين لو سألتني أضعاف هذه القيمة لما تأخرت ~~دقيقة عن مددك. ~~- أشكر فضلك، وأعتذر عن عدم قبولي هبتك؛ فإن الابنة الشريفة لا تأخذ المال إلا من أبيها ~~أو زوجها. ~~- ولكني أختك. ~~- لو كان لك زوج، أو لو كنت على غير ما أنت عليه لقبلت. # فعضت باكارا شفتيها من الغيظ، وقالت: وما يضرك لو أخذت مني هذا المال على أن ترديه إلي ~~متى تيسر لك؟ ~~- اعذريني، فإني لا أحب أن أستدين. # ثم عادت إلى شغلها، فكانت تشتغل وتحادث أختها التي جلست بالقرب من النافذة، وقد أسندت ~~رأسها بيدها متظاهرة بعدم الاهتمام، ولكنها بالحقيقة لم تجلس إلى النافذة إلا لتتمكن من ~~النظر إلى نافذة المنزل المجاور التي رأتها مقفلة، فقالت بتمرمر: إنه ليس في البيت. # أما سريز فإنها كانت تراقبها خفية، وقد سمعت ما قالته، فقالت لها: ألا تصدقينني يا أختي ~~في القول، فإنك منذ زمن قريب جعلت تأتين إلي في كل يوم بعد أن كنت منقطعة تمام الانقطاع، ~~فما السبب في ذلك؟ # فارتعشت باكارا، ms0041 وأجابت أختها بصوت متكلف، فقالت: إني أزورك كل يوم لأني أحبك ، وفراغي ~~يسمح لي بزيارتك. ~~- ألم يكن لك ذلك الفراغ سابقا، أم لم يكن لي حب في قلبك من قبل؟ # فأفحمت باكارا عن الجواب، ولم تجد بدا من الإباحة فقالت: إني مصابة بداء عضال يقال له الحب، أقول ذلك لأن جميع الباريسيين يعلمون أن باكارا هي ~~بغير قلب تهزأ من الحب والمحبين في كل حين. نعم، أحب وقد سرت إلي هذه العلة من هذه ~~النافذة؛ ذلك أني كنت عندك منذ شهر فنظرت عيناي شابا برز كالقمر من نافذة هذا المنزل ~~المجاور، فنفذت سهام عينه إلى فؤادي، وسمعت بأذني رنين السهم في قلبي الذي لم يعرف الغرام ~~من قبل، فصادف ذلك الحب قلبا خاليا فتمكن. # فضحكت سريز وقالت: إني أعلم من تعنين بحبك، فهو جارنا فرديناند روسي. # فتنهدت باكارا وقالت: نعم، هو بعينه، وإني أحبه أكثر مما تحبين أنت ليون، وقد رأيته ثلاث ~~مرات من هذه النافذة فلم يعرني انتباها، ولم يتدان إلى النظر إلي، أنا التي ينطرح على ~~قدميها أصحاب الملايين. # وأنا لا أحضر إلى هنا إلا لأراه، وأنت ترينني كيف أنتفض عند ذكره انتفاض العصفور بلله ~~القطر، وهو غير عالم بحال قلبي، وبما يكابده من الصبابة، وأخشى إذا طال بي الأمر أن أكتب ~~إليه أو أذهب إلى منزله، فأركع أمامه وأقول: فرناند ألا تعلم أني أحبك؟ # ثم مسحت الدمع عن خديها وهو يتساقط كاللؤلؤ، وقالت: أليس من العار على المرأة أن تستسلم ~~لرجل لا تعرف اسمه ولا شيئا من أمره، وتألف السهاد في حبه، فإذا نامت لا تحلم إلا به، ولا ~~يتملل لعينيها سوى خياله؟ # نظرت إليها سريز نظرة العجب، وقد أنكرت صدور مثل هذه العواطف عن أختها. ~~- أنت تحبين إلى هذا الحد؟ ~~- نعم، وإني أكاد أجن بهواه، وها أنا منذ ساعة عندك ونظري لا يحول عن النافذة، وقلبي شديد ~~الخفوق، أليس هو بمنزله الآن؟ ~~- إنه يرجع إلى منزله في الساعة الثانية. ~~- حدثيني عنه يا سريز، وقولي لي من ms0042 هو هذا الرجل؟ وماذا يشتغل؟ وكيف تعرفينه؟ ~~- عرفني به ليون. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه اشترى أثاث منزله هذا من المعمل الذي يعمل فيه ليون، وهو الذي فرشه، وقد عرف ليون ~~في عسر مالي فساعده، والتحمت بينهما عرى الصداقة، ثم عرفني به، وأكثر الأحيان يسلم علي من ~~نافذته. ~~- إذن هو أعزب؟ ~~- نعم. ~~- ألا ترين أحدا يزوره؟ ~~- كلا. ~~- إذن فسيحبني كما أحبه. # وفيما هي تقول ذلك إذ فتحت النافذة وأطل منها فرناند، فاختبأت باكارا خلف أختها، وقالت ~~لها: هذا هو. # فجعلت سريز تحرك روافد نافذتها حتى استلفتت أنظار فرناند، فسلم عليها، ثم أظهر انذهاله لما ~~رأى أختها وراءها، وأنها تشبهها مشابهة تامة، فقالت له سريز: هذه هي أختي. # فانحنى فرناند مسلما عليها، أما باكارا فإنها انحنت على أذن أختها وتوسلت إليها أن ~~تدعوه. # وقد أثر توسلها على فؤاد سريز بما أنساها موقفها وخطورة هذا السلوك، فأشارت إلى فرناند ~~ودعته إلى الحضور إليها، فشكرها واعتذر عن عدم تمكنه من قبول هذه الدعوة؛ لاضطراره إلى ~~الذهاب إلى مكتبه، ثم سلم مودعا وأغلق النافذة. # فقالت باكارا: إنه سيذهب ولا ريب إلى زيارة امرأة، ولكني سأعلم أين يذهب، وسأكون شديدة ~~الغيرة من هذه المرأة، كثيرة الحنق عليها. ~~- وبأي حق تغارين؟ فإن فرناند لا هو زوجك ولا محب لك. ~~- سيصير أحد الاثنين. ~~- أتتزوجين به؟ # فهزت باكارا كتفيها وسكتت، فقالت سريز: أذكر أن ليون قال لي إن فرناند عازم على أن ~~يتزوج. ~~- فرناند يتزوج؟ ~~- نعم، وماذا يمنعه؟ ~~- يمنعه أني لا أريد أن يتزوج. ~~- وبأي حق؟ # فضربت باكارا رجلها في الأرض من الغيظ، وقالت: أيوجد في الحب حقوق؟ إني أحبه، وهذا هو حقي ~~الوحيد. ~~- ولكن إذا كان هو لا يحبك؟ ~~- سيحبني، فإن أصحاب الملايين تنطرح على قدمي، وتتفانى في حبي، أيصعب علي وأنا باكارا أن ~~أحب من رجل فقير. # وكانت سريز قد فرغت من جمع طاقتها، فأخذتها وخرجت بها مع أختها كي توصلها إلى معمل الزهور، ~~فقالت لها باكارا: أتريدين أن أوصلك بمركبتي إلى المعمل. # فامتنعت وقالت: لا يليق بعاملة ms0043 زهور مثلي تشتغل كل ساعات النهار لكسب فرنكين أن تركب في ~~مركبة تجرها الجياد المطهمة، دعيني أذهب على الأقدام، واذهبي كما تشائين. # ثم ودعتها سريز وذهبت. # أما باكارا فإنها صعدت إلى المركبة، وأمرت السائق أن يقف، وما زالت بها إلى أن خرج فرناند، ~~فقالت للسائق: اتبع هذا الرجل إلى حيث يذهب. ~~(4) فرناند # كان فرناند في الخامسة والعشرين من سنيه، حسن الطلعة عالي القامة وافر الأدب، وقد ربي ~~يتيما عند عم له، وتخرج في إحدى المدارس العالية، فاستخدم عندما بلغ العشرين من عمره في ~~وزارة الخارجية براتب قليل، ثم أخذ راتبه يزيد شيئا فشيئا إلى أن فاق جميع أقرانه. # وكان كثير الشغف بفن الروايات، وقد علق آماله المستقبلة على هذا الفن؛ لشدة الإقبال في ~~هذه البلاد التي لم تنشط من عقالها، ولم تبلغ ما بلغته من المدنية إلا بهذا الفن الجميل، ~~فكان يصرف معظم فراغه بين المحابر والأقلام. # وكان شديد المطامع، من ذلك أنه عشق ابنة رئيسه في الوزارة، واسمها هرمين، وهو يعلم أن دون ~~زواجه بها المصاعب الجمة، لفرط غناء أبيها ولشدة بخله، ولكنه كان كثير الأمل لتبادل الحب ~~بينهما. # وكان والد هرمين قد دعاه إلى الطعام في ذلك اليوم الذي خرجت باكارا في إثره، وكان كثيرا ~~ما يدعوه ليساعده في تأليف كتاب عزم على نشره باسمه، والاستعانة بفرناند عليه؛ لما كان ~~يعلمه من حبه لابنته، والتذرع إلى مرضاته بجميع الوسائل. # ذهب فرناند يقطع الأرض نهبا، وقلبه يخفق خفوق الأجنحة من الشوق إلى هرمين؛ إذ لم يرها ~~منذ ثلاثة أيام. # وكانت باكارا تسير في إثره إلى أن وصل إلى منزل رئيسه فولج إليه، وأمرت باكارا السائق أن ~~يقف بعيدا عن الباب، ثم نزلت من المركبة فأسدلت برقعها ودخلت إلى نفس المنزل الذي دخله ~~فرناند. # فأعطت البواب قطعة من الذهب، ثم دنت إليه مبتسمة، وقالت: أليس لك لسان؟ ~~- كلي ألسنة ناطقة بشكرك. ~~- إذن قل لي فإنك ستنال خيرا من خدمتي، من هو هذا الشاب الذي دخل الآن؟ ~~- هو مستخدم في الوزارة، ms0044 وهذا هو منزل رئيسه. ~~- ما اسم رئيسه؟ ~~- المسيو دي بيرابو. ~~- هل هو متزوج؟ ~~- نعم. ~~- هل امرأته صبية؟ ~~- كلا، فإنها تناهز الخمسين. ~~- أليس له ابنة؟ ~~- نعم، وهي على غاية من الجمال. # عضت باركارا على شفتيها، وقالت: ما اسمها؟ ~~- هرمين، وأظن أنهما متحابان. ~~- ما دعاك لهذا الظن؟ ~~- ذلك لا ريب فيه عندي؛ لكثرة تردده على هذا المنزل، فإنه يجيء أربع مرات في ~~الأسبوع. ~~- في أية ساعة يغادر هذا المنزل اعتياديا؟ ~~- في الساعة العاشرة مساء. # شكرته باكارا وأعطته دينارا ثانيا على سبيل الجزاء، ثم خرجت إلى المركبة التي كانت في ~~انتظارها. # وبينما كانت باركارا تسأل عن فرناند، كان هو يصعد السلم لا يداخله ريب بها، ولا يعلم ~~أمرا من غرامها به، حتى بلغ المنزل في الطبقة الثالثة وطرق الباب. # أما بيرابو هذا فإنه كان في أول عمره فقيرا معدما، وقد جاء باريس منذ ثلاثين سنة، فتوفق ~~للدخول في خدمة الوزارة، ثم ترقى بجده ونشاطه وتزلفه من أولياء الأمور إلى أن عين رئيسا ~~لإحدى دوائرها. # ولقد لقي عند قدومه امرأة تدعى تريزا لها ثروة وجمال، وكانت تلك المرأة قد ارتكبت هفوة لم ~~تستطع إصلاحها، أو أنها خدعت، وكان لها ابنة صرفت إليها معظم حنوها، فتقرب منها بيرابو ~~طمعا في ثروتها، وعلم أن ابنتها غير شرعية فتغاضى عن ذلك، ووعد تلك المرأة أن يكون لها ~~أبا لابنتها، فقبلته بعلا بملء السرور، ومن ذلك الحين أصبحت ابنتها هرمين معروفة ~~باسمه. # ولنعد إلى فرناند فنقول إنه عندما طرق الباب فتحت له هرمين، ولم تكد تراه حتى تلون خدها ~~بصبغة الورد، فحياها تحية المحب الوله، ثم دخل معها إلى غرفة البيانو، فجلست تعزف عليه ~~ألحانا كانت تهيج كوامن غرامهما، وتحرك عوامل قلبيهما، ثم شغلا عن حديث الألحان بأحاديث ~~الغرام إلى أن شفيا غلهما، فقال لها فرناند: يسرني أن أخبرك عن قبول روايتي في ملعب سانت ~~مارتين، وقد وعدني مديرها أنه سيمثلها في هذا الشتاء، وأنا أرجو أن ينالني من ذلك ربح عظيم، ~~فعند ذلك أجسر في محادثة أبيك ms0045 في شأن زواجنا. # فقالت هرمين بصوت منخفض: إني كنت أتحدث مع أمي أمس في هذا الشأن. # فاضطراب فرناند وقال: بماذا أجابت؟ # أجابت هرمين قائلة: إن أمي راضية عن حبنا، ولا تمانع في زواجنا؛ لما تعلمه من كرم أخلاقك، ~~وحسن مستقبلك، ولكنها تخشى معارضة أبي. # فأحنى فرناند رأسه بحزن وكآبة وقال: إني اختبرت أباك، وأنا أعلم أنه سيرفض طلبي بالنظر ~~لفقري، وهو يعلم أن لا رجاء لي إلا من مستقبلي الروائي. # فقاطعته هرمين وقالت له: إصغ إلي، إن أمي سألتني بالأمس إذا كنت على ثقة من حبك. ~~- آه يا هرمين، أعندك ريب في ذلك؟ ~~- حاشاي أن أشك بصدق ودادك، ولكني أريد أن أقول إن أمي لها نفوذ على أبي، وهي تحبني حبا ~~شديدا، وحيث إنها وثقت من صدق حبك لي بعد أن ثبت لها ذلك، فهي تبذل جهدها في إقناعه. ~~- ومتى يكون ذلك؟ ~~- في هذا المساء. # وعندها دخلت أمها فعانقت هرمين بحنو، ثم نظرت إلى فرناند وقالت له: أحقيقي يا فرناند أنك ~~تحبها؟ # فلم يجبها فرناند بحرف، ولكنه ركع أمامها ونظر إلى هرمين نظرة تكلمت عن فؤاده بأفصح ~~لسان. # فارتعشت تريزا، وقد أيقنت من صدق حبه، ثم أنهضته ووضعت يده بيد ابنتها وهي تقول: إني لا ~~أعترض في هناء ابنتي، وأنت يا فرناند إنك ستدخل مع هرمين إلى غرفة الشغل بعد العشاء، ~~وتدعني في خلوة مع أبيها. # ثم تركت العاشقين يتناغيان ويتناجيان، وانصرفت إلى إدارة شئونها البيتية، فلم يمر بهما ~~أحلى من تلك الخلوة، ولم يشعرا بأطيب من تلك الساعة، إلى أن أيقظهما من تلك الأحلام السعيدة ~~دخول المسيو بيرابو، فلم ينظرا إليه حتى أيقنا أنه مصاب بحادثة أضاعت حواسه؛ لأنه كان شديد ~~الاضطراب. ~~(5) كينيون # بينما كانت باركارا تقفو أثر فرناند كانت سريز تسير بطاقة الزهر إلى المعمل، وهي تذهب من ~~شارع إلى آخر فتهيج النفوس وتفتن العقول، وقد دارت بها العيون كالنطاق، وما من أحد كان ~~يراها إلا ويدهش من محاسنها، ويسكر بجمالها العجيب فيقرظه بما يحضره من رقيق الكلام ms0046 ورائق ~~المعاني، ولكن أذنها لم تكن تصغي لمثل هذه الأحاديث، وقلبها لم يكن يحفل بمثل هذا المديح؛ ~~لما كان يشغلها من أماني نفسها وحبها لخطيبها ليون، فكانت تمشي بوقار واحتشام لا تسمع حديث ~~الأفواه ولا تفهم لغة العيون، إلى أن وصلت إلى المعمل فأودعت فيه الطاقة، ثم قبضت أجرتها، ~~وأخذت شغلا جديدا، وبدلا من أن تعود إلى منزلها ذهبت في شارع شابون حيث يشتغل خطيبها، ~~وهي تقول: كم أكون سعيدة إذا اتفق لي أن أراه؟ # أما ليون رولاند، فإنه كان شابا يبلغ الثلاثين من العمر، أشقر الشعر، ضخم الجثة، قوي ~~الأعصاب، ولم يكن جميل الوجه، غير أنه كان صافي السريرة طاهر القلب حسن النية، عاملا نشيطا ~~شريف الأخلاق، وقد اتفق أنه حين مرور سريز كان واقفا بباب الحانوت الذي يشتغل فيه. # ولما رآها مارة أسرع إليها وسلم عليها، ونفسه تكاد تطير شعاعا من بهجة لقائها، ثم شكرها ~~لمرورها بهذا الشارع، فقالت وقد صبغ الخجل وجنتيها: إني لم أمر من هنا إلا على أمل أن ~~أراك. ~~- قد صدق ظنك، ولو لم تمري من هنا الآن لكنت قصدتك في هذا المساء؛ لأنه يجب أن أحادثك في ~~شأن مهم. # فارتاعت سريز وقالت: لقد شغلت بالي، بأي الشئون تريد محادثتي؟ ~~- لا تخافي، فليس ما يحمل على الكدر، وأول ما أبدأ به هو أني عزمت أن أذهب غدا مع أمي إلى ~~بلفيل، وسأكون من أسعد الناس حظا إذا قبلت دعوتنا وذهبت معنا. ~~- أراضية أمك بذلك؟ ~~- ذلك لا ريب فيه؛ لأنها تعلم أنك ستصيرين امرأتي بعد حين. # فأرخت سريز نظرها من الحياء، وجعلت تنكت الأرض بمظلتها، ثم نظرت إليه وقالت: أهذا المهم ~~الذي تريد أن تحادثني فيه؟ ~~- كلا، فإن هذه الحكاية قد جعلتها مقدمة لحديثي؛ لما أجد بها من السرور، وأية ساعة أشهى ~~إلي من أن أكون وإياك في منتزه واحد. أما الذي أريد أن أقوله لك، فهو أنك تعلمين ما وعدني ~~به صاحب المعمل من أنه سيجعلني رئيسا عليه بعد شهرين. # فتنهدت سريز وقالت: نعم. ms0047 ~~- والآن فإنه غير أفكاره. ~~- ماذا أرجعه عن ترئيسك؟ ~~- كلا، فإني عينت اليوم. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الرئيس الذي خلفته في منصبه قد انتهى إليه إرث من قريب له توفي منذ يومين، فاضطر ~~إلى السفر والتنحي عن الأشغال، ولكونه من مواطني فقد رجوته أن ينوب عني في بيع أرضي التي ~~كان في نيتي أن أسافر لبيعها. ~~- إذن قد رجعت عن السفر أيضا؟ ~~- نعم، وبعد ثمانية أيام يصل إلي ثمن تلك الأرض، وبعد ذلك بخمسة عشر يوما نقدر أن ~~نتزوج. # فظهرت على ملامح سريز علائم السرور، وعبق خداها بحمرة الخجل، ثم قالت: إن هذا الأجل قريب ~~جدا. ~~- وأنا أراه شديد البعد أيتها الحبيبة. # ثم ضغط بيديه على يدها، ونظر إليها نظرة توسل واستعطاف باحت بمكنونات فؤاده، واستوقفت بعض ~~المارة. # فودعته بلطف وحنو، وأفلتت منه وهي تقول: إلى الغد وسنرى. # ولم يزل واقفا يشيعها إلى أن توارت عن عينيه في شارع سانت مارتين. # وفيما هي تمشي سمعت صوتا يناديها باسمها، فالتفتت ورأت شابا بالقرب منها رفع قبعته ~~وحياها باحتشام، فدنت منه وسلمت عليه. # وكان هذا الرجل من أصدقاء خطيبها يدعى كينيون، وهو شاب في الثلاثين من عمره هزيل الجسم ~~قبيح المنظر، ولكنه كان رقيق الحاسة، لطيف الشعور، طيب النفس. # وكان سيء البخت نكد الطالع، وقد عرف ذلك من دهره فأدار له ظهر المجن، ولم يعبأ بصروفه، ~~وكان على الدوام باسم الثغر، طلق الوجه، شديد المزاح، كثير الميل إلى خدمة معارفه، وعلى الجملة ~~لم يكن له في باريس بغيض. # فلما رأى سريز استوقفها، وبعد السلام سألها عن وجهتها فقالت: إني ذاهبة إلى أم ليون ~~لأخبرها بأننا سنذهب غدا إلى منتزه بلفيل، فهل لك أن تكون معنا؟ ~~- ذلك ما أتوق إليه، لا سيما وأني أجد فرصة مناسبة لتأنيب ليون. ~~- على أي شيء تريد أن تؤنبه؟ ~~- على صداقة عقدها من عهد قريب مع رجل لا يستأهل المودة، ويجب أن يحذر منه. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- هو رجل صناعته عمل الأقفال يدعى روسينيول، وهو فاسد الأخلاق، قبيح ms0048 السيرة، بذيء السمعة، ~~وقد ساءني التحام الصداقة بينهما، وبلوغها إلى حد أصبحا فيه لا يفترقان، فرأيت أن من ~~واجباتي أن أردع ليون عن معاشرته، وأن أظهر له ما لم يعلمه من فساد أخلاقه، وبعد ذلك فله ~~الخيار بالميل إليه أو بالبعد عنه. ~~- عجبا! إني لا أعرف هذا الرجل، وأنت تقول إنه من أصدقاء ليون. ~~- نعم، وإن السبب في ذلك هو الصداقة بينهما حديثة العهد، وقلبي يحدثني أنها ستكون سيئة ~~العاقبة، وما استوقفتك إلا لما أرجوه من مشاركتك إياي بنصيحته على تجنب معاشرته وتحذيره منه، ~~فاجتهدي أن تردعيه، وأنا سأبذل مجهودي، ثم ودعها وذهب في شأنه، فواصلت سريز سيرها إلى منزل ~~أم خطيبها، وفي الوقت نفسه كان يسير في الشارع رجل كهل يناهز الخمسين، قصير القامة، نحيل ~~الجسم، مجعد الجبين، فاتر العينين، وكان لابسا ثوبا أزرق، وعلى سترته زر أحمر يشير إلى أنه ~~متقلد وسام جوقة الشرف. # ولم يكن هذا الرجل سوى بيرابو والد هرمين، فإنه كان عائدا إلى منزله ليوافي فرناند الذي ~~كان قد دعاه إلى الطعام - كما تقدم البيان - وقد اتفق أنه تقابل وجها لوجه مع سريز، فلم يكد ~~يراها حتى اختلجت أعضاؤه واضطرب فؤاده، فوقف في البدء ينظر إليها بتدله، وقد اندلع لسانه، ~~وجحظت عيناه، ثم رأى أنها لم تلتفت إليه، ولم تعره جانب الانتباه، فسار في إثرها ~~يقفوها. # ولم يكن ذلك أول ما اتفق لهذا الكهل؛ فإنه كان ينفق أكثر ساعات فراغه متجولا في الشوارع ~~يتعقب الحسان من بنات الهوى، فلم يكن يخيب منه أمل، ولا تضيع له أمنية؛ ليساره وكثرة إنفاقه، ~~مما زاد من جرأته، ولكنه ساء فاله بسريز، ولقي منها ما غير معهوده، وألجمه ما رآه بها من ~~الاحتشام بالتهجم عليها بالحديث، فاندفع يمشي في إثرها بأقدام مضطربة، وقد أعاد جمالها إلى ~~قلبه دم الشباب. # ولم تعلم سريز أنها متبوعة حتى بلغت إلى شارع مقفر ورأته وراءها، فأسرعت في مشيها فاقتدى ~~بها، فهلع قلبها وضاعفت سرعة سيرها حتى وصلت إلى منزل أم خطيبها، فدخلت وقد ms0049 عاد سكونها، ~~وأقامت عندها مدة طويلة تزيد على الساعتين. # ثم خرجت من عندها، وعندما وصلت إلى الشارع رأته واقفا على الرصيف، وعلى وجهه ملامح السأم ~~من الانتظار، فلم تجد حيلة في الرجوع، ولا بدا من مواصلة السير، فمشت ولم تسر بضع خطوات ~~حتى أدركها واستوقفها وهو يقول: سيدتي ... # فالتفتت إليه سريز وقالت له بلطف: لست يا سيدي من اللواتي تعهدهن، ولم تسبق لي عادة أن ~~أحادث في الشوارع من يتبع خطاي، فخير لك أن تمضي في شأنك. # ثم تركته وهو لا يدري بماذا يجيب، ومضت فجعل يتبعها على مسافة بعيدة بحيث يراها ولا تراه، ~~فلم تزل تسير حتى وصلت إلى منزلها فدخلت مسرعة، والتفتت وراءها فلم تره فاطمأنت، وصعدت ~~السلم وهي تغني. # أما بيرابو فإنه رآها دخلت، ولكنه لم يعلم إذا كان المنزل منزلها، فلبث زمنا طويلا ينتظر ~~إلى أن أعياه الانتظار، فذهب إلى البواب وأعطاه ذهبا كما فعلت باكارا في سؤالها عن فرناند، ~~ثم سأله عن سريز فقال له البواب: اسمح لي يا سيدي أن أقول لك إنك تنفق وقتك ومالك عبثا؛ فإن ~~هذه الفتاة شريفة. ~~- ولكني كثير الأموال. ~~- لا يجديك مالك نفعا، ولو أنفقت منه الملايين؛ لأنها ابنة طاهرة، وفوق ذلك فإنها مخطوبة، ~~ولو كان لك شأن مع أختها لكنت أحادثك بعكس ما تسمع. ~~- من هي أختها؟ ~~- هي ابنة بغي كثيرة الجمال، لها قصر شاهق ومركبات. ~~- وما اسمها؟ ~~- باكارا. ~~- أين منزلها؟ ~~- بشارع مونسي. ~~- حسنا. وتركه وانصرف، وهو مشتت الفكر مضطرب البال، وقد أصيب بذلك الداء العضال الذي ليس ~~له دواء، وهو حب الشيوخ، فأحب سريز حبا ليس فوقه حب، ومضى وهو ينظم في أفكاره الجهنمية ~~طرق غوايتها إلى أن وصل إلى منزله، وهو على ما وصفناه من القلق والاضطراب. ~~(6) بيرابو # فعندما رأته امرأته وابنته صاحتا صيحة انذهال وقلق، وقالت له امرأته: بالله قل ماذا ~~أصابك؟ وماذا اعتراك فإن هيئتك تحمل على الخوف؟ # قال بيرابو وهو يرتعش: لست في شيء مما تتوهمين، وليس بي ما يحمل على الرعب. ~~- إذن ms0050 فما علة هذا الارتعاش؟ ~~- بينما كنت مارا في الشارع، وإذا بمركبة قد جمحت جيادها كادت تصدمني لو لم تحل بيننا ~~المقادير، وقد نجوت والحمد لله من هذا الخطر، فهلم بنا إلى الطعام. ثم قدم ذراعه إلى هرمين، ~~وذهبوا جميعهم إلى المائدة. # أما فرناند فإنه لم يعبأ بهذا العذر الملفق، وأيقن أن السبب في اضطراب رئيسه هو غير ما ~~قال، فأوجس خيفة من هذا الانقلاب، وعلم أن امرأته لا تستطيع أن تحادثه في شأنه وهو على مثل ~~هذه الحال، ولكنه لم يلبث أن تغير ظنه باستحالة رئيسه من الانقباض إلى الهشاشة، مما يدل على ~~أنه اهتدى إلى طريقة تمكنه من غواية سريز. # وعندما فرغوا من الطعام دخل فرناند إلى قاعة الكتابة، ثم تبعته هرمين بإشارة أمها، ولما ~~خلا المكان ببيرابو وامرأته قالت له: أتسمح لي أن أحادثك بشأن هام؟ ~~- وما عسى أن يكون هذا المهم؟ ~~- إني أريد أن أحادثك بشأن ابنتي التي بلغت التاسعة عشر من عمرها، أي إنها بلغت سن ~~الزواج. ~~- تريدين أن تزوجي ابنتك؟ ولماذا؟ ~~- لأننا لا ندوم لها. ~~- ليكن، ولكن يجب أن نجد لها زوجا. ~~- إن الزوج موجود. ~~- هل هو غني؟ ~~- كلا، ولكن مستقبله حسن. # فهز بيرابو كتفه وقال: ولكن هذا لا يكفي. ~~- إنما هرمين تحبه بقدر ما يحبها. ~~- ما اسمه؟ ~~- إنك تعرفه وتقدره، فهو فرناند. # فوثب بيرابو عن كرسيه وقال بتعجب واحتقار: أزوج ابنتي من رجل لا مستقبل له ولا مال، ولا ~~يزيد راتبه على الألفي فرنك. إنك لا ريب قد جننت؛ فإن مثل هذه الآراء لا تصدر عن العقلاء، ~~وإذا كنت ظننت أني أصادق على هذا الزواج، فإن نفسك قد خدعتك فلا تحلمي به، فإنه لا يكون ولن ~~يكون ما زلت في قيد الحياة. # ثم جعل يمشي في أرض الغرفة ذهابا وإيابا بخطوة غير موزونة، وهو يعثر بما تصادفه قدماه، ~~ولا ينتبه كمن به جنة أو ضرب من اللمم، أما امرأته فكانت جالسة بالقرب من المستوقد، فلما ~~سمعت ما كان من جوابه أخذت تشهق وتنتحب كالأطفال، ms0051 ورآها والدمع يتساقط من عينيها فقال: إنك ~~تبكين لكوني رفضت أن أزوج ابنتك من رجل لا مال له، في حين كان يجب عليك أن تشكريني لغيرتي ~~على ابنتك التي هي ليست بابنتي، بل ابنة الصدفة، بل ابنة الزيغ والغي. # فوقع هذا الكلام على تريزا وقوع الصاعقة، ولم تكد تسمعه حتى وقفت وقد التهبت عيناها من ~~الغيظ، وقالت: إنك تهينني، وإنك من أسفل الرجال. # فعلم بيرابو أنه قد أفرط في الإساءة إليها، وحاول إصلاح ما فسد، فقال لها بلطف: تلك ~~بادرة بدرت مني، ولكنك أنت دفعتيني إلى هذا الحد. # فقالت له تريزا: إنك تعلم أني كنت منذ عشرين سنة ابنة نقية طاهرة، ولم أكن قط بغيا، ~~وأني كنت في إحدى الليالي المشئومة في فندق على مرحلة من تولوز مع أمي التي وصف لها الأطباء ~~التجول، فاغتصبني فيه أحد الجنود الأشرار وعلقت منه بهرمين، وقد اعترفت لك اعترافا جليا ~~في كل ذلك عندما طلبت أن تتزوج بي طمعا بمالي، وقدمت لك ابنتي النقية فأخذتها بين ذراعيك ~~وقلت لي: «طيبي نفسا، فسأكون أباها.» ~~- وماذا رأيت بأقوالي؟ ألم أفي بوعدي إلى الآن بشأن هرمين؟ أعندك شك بأني أبوها؟ أيعلم أحد ~~من الناس حقيقة السر؟ ~~- كلا، ولكن هذه الابنة التي وعدتها أن تحبها كما تحب ولدك تسائل نفسها في كل حين: كيف ~~يكون الرجل أبي، وكيف يعاملني بقسوة ونفور بخلاف ما يعامل به أختي؟ ~~- ذلك لأني أفضل عليها أختها، وهي ابنتي، وهذا طبيعي معقول إنما ... # فأوقفته عن الكلام بنظرة ازدراء، وقالت: إنها كما كانت تستغرب نفورك منها كانت تعجب أيضا ~~عندما تراني باكية العين، وتعلم أنك أنت السبب في هذه الدموع التي كنت أذرفها في خلوتي ولا ~~يعلم بها غير الله. # فضرب الأرض برجليه من الغضب، وقال: إنك تتهمينني بما أنا بريء منه، فإني لم أسئ إليك، ولم ~~أغتصب أموالك، فإنك إذا كنت أعطيتني مالا فقد استعضت عنه باسمي الشريف الذي ستر زلتك، ودفع ~~عنك عار الغواية، فليس لك علي شيء بعد أن غسلت باقترانك ms0052 بي ذلك العار. ~~- إنك منخدع بما يوسوس لك ضميرك؛ لأنه يوجد شيء تفضله الأم على راحتها وهنائها ونفسها ~~وشرفها، وهو هناء ولدها، ولقد رأيت مني امرأة صبورا طائعة منخفضة الرأس لا تخالف لك أمرا، ~~ولا تعصي لك إرادة، وتسأل لك العفو من الله عندما تسيء إليها، ولكن هذه الإساءة كانت للأم، ~~أما وقد أردت أن تسيء إلى ولدها، فإن هذا الرأس المنخفض سيرتفع، وهذه النفس الفاترة ستنشط ~~وتدفع عن ولدها كل مكروه ... إن هرمين تحب فرناند وهو رجل حسن الأخلاق شريف النفس بعيد منال ~~الهمة، وأنت الذي تصفه بهذه الصفات، فما لك الآن تناقض نفسك؟ وما الذي يمنعك عن الرضى بهذا ~~الزواج؟ ~~- يمنعني فقره المدقع. ~~- إنك عندما تزوجت بي لم تكن أيسر منه مالا، ولا أوسع حالا. # فقال وقد احتدم غيظا: إني عندما تزوجت بك على هذا الحال، كان لك ولد لا تعلمين ولا يعلم ~~الناس أباه، والآن ما لنا ولهذا الجدال، أتريدين أن أصادق على هذا الزواج؟ قولي فإن ذلك ~~منوط بك. # فمسحت تريزا دموعها، وقد عزمت على أن تقاومه إلى النهاية فقالت: قل ماذا تريد أن ~~أفعل؟ # فجلس أمامها وقال: اسمعي ماذا يجب أن تفعليه، إذا كنت تطلبين هذا القران، إنه يحق لك حسب ~~اتفاقنا أن تهبي ربع ثروتك البالغة مائة ألف فرنك إلى ابنتك هرمين، وأن تدعي الباقي لي أو ~~لأولادي، فإذا كنت تتركين حقك من هذا المال إلى ابنتنا الشرعية رضيت بزواج هرمين ... # فقاطعته تريزا وقالت: كلا، فإني لا أؤثر أحدا من أولادي على الآخر، وما ميزت الأمهات على ~~البنين. # فأجابها ببرود: إذا فلندع هذا الحديث، فإني اعترفت عند قراننا أن هرمين هي ابنتي الشرعية، ~~ولا حق للابنة أن تتزوج بغير رضى أبيها إلا متى بلغت سن الرشد، وهي الآن دون هذا السن وأنا ~~لا أصادق على قرانها. ~~- ليكن ما تريد، أما نحن فسننتظر، ويسوءني أنك ستضطرني إلى أن أبوح لابنتي بكل شيء من أمر ~~ماضي حياتي، وأن أذوب أمامها من الخجل. # وفيما هي تقول ذلك ms0053 فتح الباب، ودخلت هرمين فطوقت عنق أمها بذراعيها وهي تقول: أماه ، إنك من ~~أشرف النساء، ولم ترتكبي إثما تخجلين به أمام ابنتك، وإني أسألك المعذرة فقد سمعت كل ~~حديثكما، وعلمت نبلك وقداسة قلبك. # ثم تركتها ونظرت إلى بيرابو، وقالت: إن أمي لا تريد أن تجردني من حقي من مالها، ولكن يحق ~~لي أن أرفض هذ الحق، ولذلك أقبل بما اقترحته عليها. ثم انحنت أمامه بتهكم، ومشت إلى الباب ~~ونادت: فرناند، فرناند. # ولما أتي أخذته بيده وقالت له أمام بيرابو: ألا تقبل بي امرأة لك يا فرناند بغير مال؟ ~~(7) كولار # في اليوم الثاني من اتباع باكارا لفرناند، أي يوم الأحد صباحا، كان كولار الذي عرفناه ~~بزعيم عصابة السير فيليام يسير سيرا سريعا في شارع أنتين إلى أن بلغ إلى شارع النصر، فمال ~~منه إلى بستان كبير، قائم في وسطه قصر شاهق بناه أحد الأغنياء الإنكليز، فأقام فيه زمنا ثم ~~سافر وترك فيه خادما له، وقد سمح له أن يؤجره وينتفع بريعه. # وكان قد استأجره السير فيليام حين رجوعه إلى باريز من لوندره، ولا بد لنا أن نذكر شيئا ~~من سابق حاله في هذه المدينة التي أقام فيها زمنا طويلا على سعة من العيش وخصب من الحياة، ~~نقول: إنه كان معروفا في لوندره أنه من الأشراف ذوي الثروة الواسعة، وهو في الحقيقة رئيس ~~عصابة من اللصوص، وكان يسمي نفسه البارون فيليام، وقد حلق شاربيه كي لا يعرف، فكان يدخل إلى ~~أحسن البيوت، وله عشرة من أشراف العائلات، وقد جمع كثيرا من المال من مهنته اللصوصية، أنفق ~~معظمه على البذخ والإسراف، ثم غادر البلاد الإنكليزية بغتة، ولم يعلم أحد من معارفه علة هذا ~~الرحيل الفجائي؛ فكثرت الأقاويل، وتواترت الظنون، وأشيع عند الأكثرين أنه كان متلبسا بلقب ~~البارون، وأنه كان لصا سافلا، وأنه كان تلياني الأصل وإن كان يحسن الكلام باللغة ~~الإنكليزية كأبنائها، فعندما عاد إلى باريس أطلق شعر شاربيه، وصبغ شعره بصبغة سوداء، وقد ~~تغيرت ملامحه بعض التغيير، فساعدته تلك الصبغة على الخفاء. ms0054 # وكان عندما وصل كولار إلى منزله واقفا أمام مرآة في غرفة النوم يصلح صبغة شعره، وهو ~~يقول: إني منذ أشهر في باريس، وأشغالي سائرة على محور النجاح الأكيد، فإذا دامت الأبالسة على ~~الصدق في خدمتي، فإن ملايين كرماروت ستكون لي وحدي. # تبا لك يا أرمان دي كركاز من بله يحب البشر، وينفق أمواله على المساكين، طب نفسا فإنك ~~سترد تلك الملايين المؤتمن عليها إلى السير فيليام الذي عرف كيف يغير ملامحه، فلا تستطيع أن ~~تعرف أنه أخوك العزيز أندريا الذي اختلست أمواله بحجة أن أباه سرق أموال أبيك. # أما كولار فإنه شديد الذكاء، وهو وإن كان لم يخدمني في لوندرا خدمات جليلة، فإنه كان ~~غريبا فيها، أما الآن فهو في موطنه، ويعرف خفايا باريس كما يعرف خفايا منزله، فلا شك أن ~~هذه العصابة التي ألفها سيكون لي منها خير فائدة، وقد ظهر من أعمالها إلى الآن ما يبشر ~~بالنجاح الأكيد. # وفيما هو يناجي نفسه بمثل هذه الأحاديث إذ فتح الباب ودخل كولار، فحياه ثم جلس على ~~الكرسي بالقرب منه، ودار بينهما الحديث الآتي: # قال كولار: إني أتيت لأخبرك عن أمور مهمة توفقت للوقوف عليها بواسطة رجالي الذين يشتغلون ~~بالدقة والنظام. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- هذا لا ريب فيه، ودليلي عليه أننا أصبحنا على اليقين من أن مدام بيرابو هي ذات تريزا ~~التي نبحث عنها. ~~- أصحيح ما تقول؟ ~~- نعم، وإن ابنتها هرمين هي ابنة كرماروت صاحب الملايين، وليست بابنة بيرابو كما هو ~~المتعارف عند الناس. ~~- أرى من هنا يجب أن تبتدئ الرواية؛ فإن بيرابو شديد البخل، وإذا وعدناه بمليون فهو لا ~~يرفض أن يزوج ابنته، ثم نظر إلى المرآة مبتسما وقال: أما ابنته فلا إخالها ترفض من كان ~~مثلي زوجا لها. ~~- إنما للصبية عشيق، وسيتزوج بها بعد خمسة عشر يوما كما علمت. # فاصفر وجه أندريا اصفرار اليأس، وقال: هذا محال. ~~- إن ما أخبرتك به هو الحقيقة بعينها، وإن خطيب هرمين هو موظف في الوزارة ~~الخارجية. ~~- هل هو غني؟ ~~- ليس له دراهم، ولكنه محبوب. ms0055 ~~- ما اسمه؟ ~~- فرناند روشي. ~~- أين منزله؟ ~~- في شارع باريس. # فأخذ أندريا دفترا صغيرا، وكتب فيه بضعة سطور بالحرف المصري القديم، ثم سكن اضطرابه ~~فقال: وما عندك وراء هذه الأخبار؟ ~~- قبل كل شيء أحب أن أخبرك عن صداقة عقدتها حديثا مع رجل نجار. ~~- لماذا؟ ~~- لهيام قلبي بفتاة شغفت لبي، وأخذت بمجامع قلبي. ~~- أنحن الآن بمعرض الغرام يا كولار؟ أتسمح حالتنا الحاضرة أن نعشق ونهيم؟ ~~- قر بالا يا سيدي، فإن ذلك لا يشغلني فترة عن واجب خدمتك. ~~- حسنا، ولكن أية صلة بين هيامك بتلك الفتاة وبين مصادقتك لذلك النجار. ~~- أصغ إلي يا سيدي، إني لقيت حديثا فتاة جميلة الوجه، طاهرة القلب، عفيفة النفس، فهامت بها ~~روحي وحن إليها قلبي، وبحثت عنها فعلمت أنها مخطوبة، ومن المقرر أن من يحاصر قوما يجتهد ~~عند شبوب الحرب أن تدمر قلاع أعدائه، ويقطع كل مدد عنهم كي يجبرهم على التسليم؛ ولذلك عقدت ~~تلك الصداقة مع هذا النجار الذي هو خطيبها، ولا أريد بذلك إلا فساد أخلاقه طمعا بأن تنفر ~~عنه خطيبته سريز، أما هذا الشاب فإنه يدعى ليون رولاند، وله صداقة مع فرناند روشي خطيب ~~هرمين. # فأظهر أندريا علائم الرضى، وقال: تمم حديثك، فقد بزغ لي منه نور من الأمل. # فقال كولار: وقد ذهبت أمس لزيارة ليون في محل شغله، فبينما أنا عنده إذ جاءه فرناند ~~وأخبر صديقه والفرح ملء فؤاده بجميع ما كان من خطيبته وأمها وأبيها، وأنه سيتزوج بعد خمسة ~~عشر يوما، وكيف أن بيرابو رفض أولا أن يزوج ابنته من فرناند حرصا على المهر، إلى أن ~~تنازلت هرمين عن ذاك المال. # فاصفر وجه أندريا وقال: إننا في أحرج المواقف وأشدها، ولا أصعب من نزع الهوى من قلب فتاة ~~تحب. ~~- أصغ إلي، فلم أنته بعد من تقريري، واعلم أن لسريز أختا بغيا وافرة المال، وقد تهتكت ~~في حب فرناند ولم تجد صبرا عنه. # فبرقت عينا أندريا بأشعة الأمل، وقال: هل هي جميلة؟ ~~- إنها كثيرة الجمال والدلال. ~~- هل هي عاقلة؟ ~~- هي رجيحة العقل شديدة الذكاء. ms0056 ~~- إذن فهي تكفل لي غواية فرناند، وإقلاعه على حب هرمين، وسنرى في شأنها. # فقال كولار: يوجد أيضا شيء آخر لم أطلعك عليه، وهو أن والد هرمين مفتون بسريز، وقد تبعها ~~أمس، ووقف بالقرب من منزلها طويلا، ثم عاد في المساء، وسهر طول الليل متجولا تحت نوافذ ~~غرفتها. فهل أنت راض عن هذه الإفادات. # فلم يجبه أندريا بشيء عن سؤاله، وأخذ يفتكر بتلك السلسلة التي جمعت تريزا وهرمين وأمها ~~وخطيبها ورولاند، وبعد أن أمعن الفكرة طويلا نظر إلى كولار وقال: أتعرف منزل ~~باكارا؟ ~~- نعم، فهو في شارع موتسي. ~~- حسنا، فإن هذه الفتاة ستخدمني، وأنت فهل تحب سريز حبا شديدا؟ ~~- لا أعلم، ولكني رأيتها في عنفوان الشباب كثيرة الجمال، فتقت إلى أن أتخدها خليلة لي، ~~فأنا أحبها ولا أحبها. ~~- ولكن إذا احتجنا إليها؟ # فنظر إليه نظرة انذهال وحيرة، وقال: لم أفهم ما أردت! وكيف تحتاج إليها؟ ~~- لننصب منها فخا لبيرابو، ويجب قبل شيء أن نتخلص من خطيبها ليون، فإنه يثقل ~~علينا. ~~- إن هذا رأي جليل، وسأشرع في إنفاذه هذه الليلة في بلفيل. ~~- إذن لا يسوءك ذلك؟ ~~- كلا، ولا سيما أننا مضطرون إلى إجرائه، وفوق ذلك لا داعي إلى الغيرة من الكهول. # فنادى أندريا خادمه، وأمره أن يهيئ المركبة، ثم قال لكولار: يجب أن تجد لي من اليوم إلى ~~ثلاثة أيام منزلا للأجرة في الشانزليزه مع إصطبل للخيل، والآن اذهب لقضاء هذه المهمة ولا ~~تغفل عن أمر ليون. # فذهب كولار، أما أندريا فإنه ركب المركبة وسارت به إلى منزل باكارا، وكانت باكارا لا ~~تزال في غرفة النوم، وقد لسعتها عقرب الغيرة من هرمين وألفت السهاد، ولم تذق طعم الكرى، ولم ~~تكن تعرف الحب قبل أن رأت فرناند، فكانت تهزأ بالهوى وتعبث بعشاقها، وهي بغير قلب يحن وبغير ~~نفس ترحم، لا يهمها سوى جمع المال واحتقار الرجال وتركهم يقتتلون لأجلها، وهي ضاحكة لاهية، ~~ومحبها يكتئب وينتحب حتى نفذت إليها سهام الهوى، وعرفت أن لها قلبا كقلوب البشر، وأحالها ~~الحب من الحيوانية إلى الإنسانية، وجعلت ms0057 تعض يديها من الغيرة، وهي تردد بصوت منخفض اسم ~~فرناند. # وكانت قد اضطجعت على فراشها من الساعة العاشرة، وهي ترجو أن تطعم النوم، وتعلل نفسها ~~بخيال من تحب، ولم يغمض لها جفن، وما زالت تتقلب على مثل الغضى إلى أن طرق الباب ودخلت ~~خادمتها تخبرها بزيارة أندريا وبيدها رقعته. # فقالت لها: لا أريد أن أقابل أحدا، فأخبري كل من يزورني أني لست في المنزل. # وخرجت الخادمة، ثم رجعت بعد هنيهة، وقالت لها: سيدتي، إن هذا الرجل يلح في طلب مقابلتك، ~~وهو واسع الثروة كما يظهر. # وأخذت باكارا رقعة أندريا وقرأت فيها: «السير فيليام ... بارون»، ثم ألقتها على منضدة أمامها ~~وقالت: إني لا أعرف هذا الإنكليزي. # وخرجت الخادمة ثم عادت أيضا وقالت: سيدتي، إن هذا الرجل يقول إنه قادم لمخابرتك في شأن ~~مهم. ~~- ليس لي أشغال مهمة. اذهبي واصرفيه. ~~- لقد كلفني أن أذكر لك اسم رجل يقول إنه يهمك شأنه. ~~- قلت لك اذهبي، فإني لا أريد أن أعرف أمرا. ~~- ولكن هذا لا يمنعني أن أذكر لك اسم الرجل الذي كلفني أن أذكره أمامك. ~~- لقد تجاوزت الحد في عصياني، فأنا أطردك من خدمتي منذ الآن، ولا تعودي إلى هذا ~~المنزل. # أما الخادمة فلم تكترث بما سمعت، وكانت قبضت من أندريا ما جعلها تعصي هذا العصيان. قالت ~~لها ببرود: إن السير فيليام كلفني أن أقول لك إنه آت ليخابرك بشأن فرناند روشي. # ولم تكد باكارا تسمع اسم فرناند حتى وثبت من فراشها وقالت: هو آت ليخابرني بشأن فرناند، ~~قولي له إني هنا وإني مستعدة لقبوله، اذهبي وأدخليه في الحال إلى قاعة الانتظار. ثم اختنق ~~صوتها وجعلت تختلج وتضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح. ~~(8) البارون # ولبست ملابسها بسرعة، ثم دعت خادمتها فاني وأمرتها أن تدخله، فذهبت وعادت بأندريا الذي لم ~~يقع نظره عليها حتى قدرها، وعرف من رياش منزلها منزلتها من سلامة الذوق، ونظر إلى عينيها فعلم شدة ~~سلطانها على القلوب، فقال في نفسه: هذه هي المرأة التي أحتاج إليها، وسأجعل منزلها قفصا ~~لفرناند، ms0058 فلا يخرج منه قبل أن أقضي أوطاري. # وتأملت هي أيضا بدورها أندريا، فاستدلت من توقد عينيه ومن ابتسامه السحري ومن جبهته ~~الواسعة أنه شديد الذكاء، فقالت في نفسها: إنه إذا كان عدوا لي فقد لقي مني كفؤا، وإذا ~~كان صديقا فسأنتصر ولا ريب؛ لأنه سيكون لي أقوى نصير. # وبعد أن سلم عليها أشارت إليه أن يجلس، وصرفت فاني، فجعل أندريا ينظر إليها بغير تأثر ولا ~~اختلاج كمن جاء يحدثها بأشغال مهمة، ولا يعبأ بما وهبتها الطبيعة من الجمال، ثم قال: إني أدعى يا سيدتي السير فيليام، وقد أتيت لأعرض عليك خطة. ~~- قل ما تريد، ولكن احذر أن تحدثني بأحاديث الغرام، فإذا كان هذا مرادك، فإني أسألك ~~تأجيله إلى يوم آخر، لما أنا مصابة به من ألم الرأس. ~~- أعلم ذلك، فإن ألم الرأس مسبب عن قلة النوم، وإن الخيبة في الحب تعدو إلى الأرق. ~~- ماذا تعني بالحب والخيبة فيه؟ # فأجابها بسكينة: عجبا! كنت أظن أنك مفتونة بفرناند روشي، وأنك تحبينه حبا يوشك أن ~~يكون عبادة. # فارتعشت باكارا، ولكنها تجلدت فقالت: إني لا أحب أحدا أيها الميلورد. ~~- أنا دون الميلورد يا سيدتي، فإني بارون، ويسرني جدا أني خدعت. ~~- نعم أيها البارون، فقد خدعوك. ~~- ذلك لحسن الحظ. ~~- ماذا تريد بذلك؟ ~~- أريد أنه لو صح أنك تحبينه وثبت ما أعلمه من ذلك، لكنت الآن بمنتهى التعاسة. # فاصفر وجهها وقالت له بعظمة: لماذا أكون تعيسة؟ ~~- لأنه يسوء المرأة أن يفر الرجل الذي تحبه من قبضتها. # فهاجت عواطف الكبرياء من باكارا وقالت: إن المرأة التي تكون مثلي تجفو الرجال، وليس الرجال ~~الذين يجفونها. ~~- إن الرجل لا يترك امرأة وافرة الجمال مثلك إلا عندما يريد أن يتزوج. فرناند ~~سيتزوج. # فوقع هذا الإنذار عليها وقوع الصاعقة، فصاحت صيحة يأس، وسقط رأسها على الكرسي من ~~الكآبة. ~~- ها قد اعترفت أخيرا أنك تحبينه. ~~- نعم، لم يعد من مجال للكتمان، فإني أحبه حبا مبرحا لم يعد لي فيه حيلة إلى الصبر، ~~ولا جرم فهو أول سهم غرام نفذ إلى قلبي. نعم ms0059 أحبه، وهو لا يتزوج وسأمنعه عن الزواج، ولو ~~أفضى بي الأمر إلى قتل مزاحمتي عليه بيدي. # ثم تأوهت، وبدأت تنتحب انتحاب الأطفال. # فقال لها: سكني روعك يا سيدتي، فإني ما أتيت إلا لمساعدتك وإنقاذك مما أنت فيه. ~~- كيف تساعدني؟ ~~- انظري إلي وتأملي بي، ألا ترين من ملاحمي رجلا يقدر أن يفيدك إذا رضيت بي ~~حليفا؟ ~~- أنت تكون حليفي؟ ~~- أي شيء يمنعني؟ ~~- أنت تخدمني؟ ~~- كل شيء ممكن. ~~- ولكن ما الذي يدعوك إلى خدمتي؟ ولأية غاية تريد أن تحالفني؟ ~~- من المؤكد أن لي بذلك مأربا، ولولا ذلك ... # وقبل أن يتم حديثة فتح الباب ودخلت فاني وأعطت سيدتها رقعة زيارة، أخذتها باكارا وقرأت ~~فيها هذا العنوان: # بيرابو # رئيس قلم التحرير في وزارة الخارجية # ثم ألقتها بجزع إلى أعلى المنضدة وقالت: إني لا أعرف هذا الرجل، فقولي له إني لست في ~~المنزل. # فاضطرب أندريا عندما قرأ الرقعة وقال لها: يجب أن تقابليه. # ثم نظر إلى فاني وقال لها: أدخليه إلى قاعة الانتظار. # فعلمت فاني أن أندريا أصبح الآمر في المنزل، فامتثلت لأمره وانصرفت. # أما أندريا فإنه عاد إلى باكارا وقال لها: ألا تعلمين أن هذا الرجل هو والد هرمين؟ # فاختلج فؤادها وقالت: قد ذكرت الآن، إن هرمين هي خطيبة فرناند. ~~- نعم، ولذلك يجب أن تقابليه. ~~- ماذا يريد مني، وما الذي يدفعه إلى زيارتي؟ ~~- إنه أتى ليتفق معك على أمر شائن، فاصغي إليه واحذري من أن تغضبيه ولا تنهي معه أمرا، ~~بل عديه ولا ضرر من الوعود، وقولي له كي يعود إليك في الغد، وأنا سأختبئ وراء هذا الستار، ~~فأنظر إليه من حين إلى حين. # ثم دعا فاني وأمرها أن تدخل بيرابو، وذهب واختبأ وراء الستار. # دخل بيرابو وسلم بغاية الاحتشام والاتضاع، وردت تحيته بعظمة وكبرياء، ثم أشارت إليه ~~بالجلوس، فجلس وقال: أتأذن لي سيدتي أن أحادثها بما أتيت لأجله؟ ~~- قل. ~~- إنك قد علمت ولا ريب من رقعة الزيارة من أنا؟ # فأشارت برأسها إشارة إيجاب. ~~- إني واسع الثروة، وذو منصب عال في الحكومة. # فقالت بصوت ms0060 الهازئ: إني أهنئك بهذا المنصب. ~~- إني أقدر أن أقدم للمرأة تقدمات كثيرة، وأن أفيدها فوائد جمة لخطورة منصبي. # فظهرت علائم الحزن على محيا باكارا وتبسمت تبسم احتقار، فأزيح الستار للحال، وظهر منه وجه ~~أندريا، فأشار إليها بما معناه «أنسيت ما أوصيتك به، وهل تريدين أن يتزوج فرناند؟» فغيرت ~~ملامحها وظهرت بمظاهر البشاشة والأنس بما تشجع له بيرابو فقال: سيدتي إن لك أختا حسناء. ~~- إنك آت لتحدثني بشأن أختي التي علقت بحبها كما يظهر. ~~- نعم، إني أحبها حبا مبرحا ليس بعده حب. ~~- أراك تضيع وقتك عبثا في حبها، فإنها طاهرة الأخلاق حسنة السيرة. ~~- ولأجل ذلك أتيت إليك. # ونظرت باكارا إلى الستار ورأت أندريا مطلا من ورائه، كأنه يقول الزمي السكينة واحذري من ~~إغضابه، فعادت إلى بيرابو وقالت: لا علاقة لي بشئون أختي، وقد قلت لك إنها حسنة السيرة. ~~- ومع ذلك إذا أردت فربما يتيسر لك أن ... # فخطر على بال باكارا أن تبادله أختها بفرناند، وللحال عبق وجهها بحمرة الخجل، ثم استحال ~~ذلك الاحمرار إلى الغضب، وحاولت طرد ذلك الفاسق، فظهر أندريا من خلال الستار وقال لها: إنك ~~إذا طردته فإن فرناند يتزوج بعد ثمانية أيام. # فهدأ روعها وسكن هياجها وقالت: إن أختي بلهاء حمقاء، ولو اتبعت نصائحي لكانت الآن على ما أنا عليه من النعيم، ولكني ~~أعود فأقول لك إنها مطلقة التصرف، وليس لي علاقة في شئونها. ~~- وأنا أتوسل إليك أن تمدي لي يد المساعدة، فهل تريدين أن تتوسطي في هذا الشأن؟ # فتوقفت عن الجواب ونظرت إلى أندريا، فرأته يشير إليها برأسه قائلا: قولي نعم. # فأرخت عينيها إلى الأرض من الخجل وقالت: ربما. ~~- سأتقيد بفضلك إلى الأبد، ولا أجحد نعمتك مدى الدهر، فبالله ألا ما استبدلت الشك باليقين ~~واستعضت عن ربما بنعم. # فنظرت إلى أندريا ورأته يشير إليها بأن تعده، فقالت: دعني أتأمل بذلك مليا. ~~- أيطول زمن الافتكار؟ # ونهضت عن كرسيها وهي تقول: عد إلي غدا وسنرى. # فأخذ بيرابو قبعته وودعها وهو يقول: إذن تسمحين لي أن أزورك وسترينها ولا ريب. ms0061 ~~- سأراها. عد إلي في الغد. # فخرج بيرابو وقلبه يخفق خفوق قلب عاشق في أوائل الشباب، ولم يكد يغادر الغرفة حتى خرج ~~أندريا من وراء الستار، فقالت له باكارا: ما هذه الخيانة التي لا تطاق؟! ... أأبيع أختي وأزجها ~~بيدي إلى هاوية الغي والفساد؟! لا، لا. إن ذلك لا يكون ولو هلكت غراما. نعم، إن لي قلبا قد ~~من الصخر إزاء عشاقي، ولكن ذلك القلب يستحيل إلى رقة الهواء وصفاء الماء بإزاء عائلتي التي ~~خرجت عن خطتها بتلك الغواية. ذلك الأب المسكين! كلا إن ذلك لا يكون ولن يكون. # فقال أندريا: اعلمي أنه لا أحد يستطيع حل عقدة الزواج بين فرناند وهرمين غير بيرابو، وأنك ~~ترتكبين أشد الخطأ بمخالفته. # ثم اندفع يحادثها وقد طال الحديث بينهما ساعتين، فلم يعلم شيء مما كان بينهما، غير أنه لما ~~خرج أندريا كان مرتفع الرأس وعليه ملامح النصر، فشيعته باكارا ورأسها مطرق إلى الأرض ~~والدموع تجول في عينيها. أما سريز الطاهرة النقية فقد كانت مجال بحثهما، وقد عزمت باكارا ~~على تضحيتها ذهابا مع تيار حبها الفاسد. ~~(9) حنة # بزغت أنوار شمس الأحد المنتظر بفارغ الصبر من سريز، فنهضت من فراشها، ورتبت غرفتها ~~الصغيرة، وأخذت تشتغل في تزيين ثوبها الجديد إلى أن قربت ساعة الظهيرة فلبسته، وعزمت على ~~الذهاب إلى منزل خطيبها الذي كان ينتظرها مع أمه للذهاب إلى بلفيل على ما قدمناه. # وفيما هي تحاول الذهاب فتح باب غرفتها ودخلت فتاة قابلتها سريز بمنتهى الاحتفاء ~~والإكرام. # أما هذه الفتاة فقد كانت جارة لسريز، وهي من ذوات النسب والأدب، عاشت في عهد أبيها ~~الكولونيل بالدر عيشة سعة وهناء، إلى أن أحنى عليها الدهر بوفاة أبيها وغادرها يتيمة فريدة، ~~ليس لها من يعتني بشئونها غير حاضتنها جرتريدة. # ولم يترك لها أبوها من المال إلا قدرا يسيرا يكاد لا يقوم بأودها، ولا ينطبق على اسمه ~~الشريف المنزه عن كل وصمة وشين، فكانت تعيش من ربا ذلك المال على غاية من الاقتصاد، وقد ~~أقلعت عن معاشرة أترابها من ذوات اليسار كي ms0062 لا يطلعن على ما استحالت إليه حالها من العوز، ~~فتركت قصر أبيها الشاهق واستعاضت عنه بغرفتين صغيرتين بالقرب من غرفة سريز، فألف بينهما ~~الجوار، وجمعت بينهما صلة الأدب والعفاف، غير أن سريز كانت تعرف حقيقة نسبها وسابق حياتها، ~~فكانت تجلها وتحترمها غاية الاحترام. # وكان اسمها حنة، ولها من العمر ثماني عشرة سنة، وهي على غاية من الجمال تدل ملامحها على ~~أنها من أصل كريم، وهي بيضاء اللون شقراء الشعر ممتلئة الجسم رشيقة القوام، وكل ما بها يدل ~~على جمال نادر المثال. # فلما فرغا من أحاديث السلام قالت لها حنة: إني آتية إليك أيتها الصديقة أسألك قضاء مهمة، ~~راجية أن يكون لي منها خير وفائدة، ومأمولي أن تجيبيني إلى رجائي. ~~- أنت يا سيدتي ترجينني بعد ما ثبت لك من إجلالي لقدرك واحترامي لمقامك. إني لك بجملتي ~~فمري بما تشائين. # فاحمر وجه حنة وشكرتها، ثم قالت: إن حاضنتي جرتريدة قد شاخت وأضعف بصرها توالي الأيام، ~~وقد خدمتني منذ ولدت، وما زالت تدأب ساعية في كل ما يئول إلى راحتي، إلى أن أوهى عزمها ~~الكبر، فوجب علي السعي في راحتها؛ إذ هي عندي بمثابة الأم الحاضنة، ولأجل ذلك يقتضي أن يكون ~~لي مال. ~~- عندي مئتا فرنك وضعتها في بنك الاقتصاد، فإذا شئت إني أذهب الآن وأحضرها لك. ~~- أشكر فضلك، فإني لا أحب كسب المال من هذا السبيل، بل أريد أن أشتغل. ~~- أنت يا سيدتي تشتغلين وأنت فتاة شريفة النسب؟! ~~- إن الشغل هو الشرف الثاني، ولعله الشرف الحقيقي، فلماذا يخجل منه الأشراف؟ أصغي إلي فإني ~~تعلمت في المدرسة الخياطة والتطريز، وقد مهرت فيهما كثيرا، وإذا كنت تحبينني ذهبت بي لأحد ~~المعامل لأتفق معه على الشغل فيه أو في منزلي. ~~- أنت تذهبين إلى المعمل سيدتي؟! كلا، إن ذلك لا يوافق من كان في مقامك، وعندي رأي ~~حسن. ~~- ما هو؟ ~~- هو أني أعرف مخزنا للتطريز بالقرب من معمل الزهور الذي أشتغل فيه، وإن رئيسة هذا ~~المخزن صديقة لي، فسأحضر لك شغلا منه في كل أسبوع وعندما ms0063 تنتهين منه أرجعه، فأوفر بذلك عليك ~~مشقة الذهاب والإياب، ولا ينالني من ذلك أقل عناء؛ لأن هذا المخزن بجوار مخزن الزهور، وأنا ~~مضطرة إلى الذهاب كل أسبوع. # فعانقتها وهي تقول: ما أشد كرمك! وما أطيب قلبك! ~~- إذن إنك تقبلين؟ ~~- نعم أيتها الحبيبة، إني أقبل اقتراحك مع الشكر. والآن دعيني أسأل عنك إني منذ أسبوع لم ~~أرك. ~~- أنا بخير وعافية، وليس لي ما أخبرك عنه سوى أن ليون قد رقي إلى رئيس، وأظن أنه بعد خمسة ~~عشر يوما سيتم بيننا عقد القران. ~~- أهنئك أيتها الحبيبة، وأدعو لك بتمام السعادة؛ لأنك أهل لكل هناء، وقد سررتني جدا بهذا ~~النبأ، حتى إني لا أملك عيني عن البكاء. ~~- إن هنائي لا يتم ولا يكمل إلا إذا أجبتني إلى ما سأرجوك به، فإني منذ يومين أتردد في ~~التماس هذا الطلب منك. ~~- قولي أيتها الصديقة ما تشائين، فلا أخالف لك إرادة، وإني أتوق إلى خدمتك، ولا سيما بعد أن ~~بدا لي منك ما بدا من كرم الأخلاق. ~~- عفوا يا سيدتي، فإن ما أحب أن ألتمسه منك هو أني سأذهب اليوم مع ليون وأمه في بلفيل، ~~وما أشد ما يكون سرورنا إذا كنت معنا. أقول هذا وأنا التمس العفو عن هذا الطلب؛ لأني لم ~~أتجرأ عليه إلا لما لي عليك من الدالة. ~~- سأذهب معك بطيب خاطر، وسيكون لي من الأنس بينكم أوفر نصيب. ~~- إذن تنتظرينا في البيت حيث نمر بك جميعنا في الساعة الرابعة. # فأجابتها بالقبول، ولبثت عندها هنيهة، ثم ودعتها وانصرفت. # فأفعم قلب سريز الصغير سرورا بما لقته من مؤانسة حنة، وخرجت من منزلها إلى منزل ليون وهي ~~تغني كما يغرد العصفور على الأشجار أغاريد الصباح. # فأقامت حينا مع أم ليون، ثم جاء ليون وبرفقته كينيون الذي استوقف سريز على الطريق وحذرها ~~من معاشرة كولار لخطيبها، فأخبرته سريز عن قبول حنة بالذهاب معهم، فسر بذلك وقال: وأنا أيضا ~~قد دعوت صديقا لي حسن العشرة مزاحا اسمه كولار، فسيكون يومنا من أبهج الأيام. # فامتعض وجه سريز وكينيون ms0064 لذكر هذا الرجل، وبينما ليون يطنب في مديح صديقه طرق الباب ودخل ~~كولار، فسلم على الجميع، ثم دنا من ليون وقال: ما أتيت أيها الصديق إلا لأعتذر إليك عن عدم ~~تمكني من الذهاب إلى الدعوة التي دعوتني إليها، فإن أبي قد قدم منذ ساعة من قريته وقد أصيب ~~بمرض عضال، فاضطررت إلى ملازمته، واغتنمت فرصة رقاده للقدوم إليك في طلب الاعتذار. # ثم ودعهم وخرج من المنزل، فركب مركبة سارت به إلى قهوة تدعى بقهوة مصر، فنزل ولقي فيها ~~رجلين كانا في انتظاره، فأمرهم بتغيير ملابسهم، ثم غير هو أيضا زيه وركبوا جميعا في ~~المركبة، وأمر السائق أن يسير بهم إلى بلفيل. # أما ليون وأمه وسريز فإنهم ذهبوا إلى منزل حنة، فوجدوها تنتظرهم ولا شيء يعيقها عن الذهاب ~~وذهبوا جميعا إلى بلفيل. ~~(10) فاتح الأقفال # بينما كان ليون وأمه والصبيتان ينزلون من المركبة ليسيروا إلى فندق بلفيل، كان ثلاثة رجال ~~مختبئين وراء الفندق يراقبونهم، وهم كولار واثنان من عصابته؛ أحدهما يدعى نيكولو، والآخر ~~فاتح الأقفال، فقال لهما كولار مشيرا إلى ليون: انظرا هذا الرجل الذي يدخل الفندق مع هؤلاء ~~النساء، وتأملاه جيدا، فهو نفس الرجل الذي أتينا لأجله. # فقال نيكولو: حسنا لقد عرفناه. # وقال فاتح الأقفال: وأنا لم أنس حرفا مما علمتنيه. # فقال كولار: أعد علي ما علمتك لأعلم إذا كنت ذاكرا. ~~- إني أدخل مع نيكولو ونجلس في القاعة التي يجلسون بها، ثم أتظاهر كأني رأيت هذا الرجل ~~فأصبح منذهلا، ثم أركض إليه وأسلم عليه وهو سيدهش ولا ريب لأنه لا يعرفني من قبل، فأقول ~~عجبا أتنكر صداقتي أمام السيدات، ألست ليون رولاند عاشق باولينا، وإن لك منها ولدين، فيغضب ~~عند ذلك ويحاول الإنكار، فأقول ما بالك تتظاهر بنسيان هذه الفتاة، وقد قلت لك إن باولينا ~~هي الشقراء التي تسكن في شارع التمل، فيشتمني ويكذبني، فألكمه ويفتح باب الخصام، وعلى نيكولو ~~البقية. # قال كولار: حسنا، واجتهد أن تنجح. وأنت يا نيكولو احذر من الفشل، واجتهد أن تقتله بضربة ~~واحدة، والآن لقد آن ms0065 أوان العمل، وادخلا إلى الفندق، أما أنا فإني أنتظركما في الشارع ، ~~وسأهيئ لكم سبل الفرار إذا دعت الحاجة. # ثم تركهما ومضى، ودخلا إلى الفندق وهما غير مرتابين بشيء، ولكنهما لو انتبها لكانا رأيا ~~رجلا متخفيا مثلهما، كان واقفا وراء صخر فسمع كل ما دار بينهما وبين كولار، وعندما دخلا ~~في الفندق دخل معهما. # وكان هذا الرجل طويل القامة قوي الأعصاب، بين الثلاثين والخامسة والثلاثين من عمره، وهو ~~بالرغم من تستره بملابس الفعلة كان يستدل من يديه على أنه من الأعيان، وأنه لم يلبس هذه ~~الثياب إلا بغية التخفي. # وقد كان شاهد كولار ورفيقيه فارتاب بهم، ولذلك كمن لهم وراء الصخر، وسمع حديثهم دون أن ~~يروه، وعندما دخلا إلى الفندق سار بإثرهما وهو يقول: ستعلمان أيها اللصان على من تدور ~~الدوائر، وكيف أن عيون أرمان دي كركاز لا تغفل عن مراقبة الأشرار. # وقد علم القراء ولا ريب أن هذا الشاب لم يكن سوى أرمان دي كركاز الذي كان يتستر كل يوم ~~بأزياء مختلفة، ويطوف جميع أنحاء باريس ليسد عوز المحتاجين، ويكشف ظلامة المظلومين، فتبع ~~ذينك اللصين إلى أن دخلا إلى الفندق. # أما ليون، فإنه دخل إلى قاعة الفندق، ولم يكن جاء إليها أحد بعد، وجلس حول منضدة مستديرة، ~~وجلست حنة على يمين أمه وسريز على يسارها بجواره، ولم تمض هنيهة حتى دخل نيكولو وفاتح ~~الأقفال، وجلسا حول منضدة بالقرب منهم، فاستاء ليون لما رآه من ملابسهما وخجل أمام ~~حنة. # ثم دخل بعد ذلك أرمان وجلس حول منضدة تجاه ليون وبالقرب من اللصين، فطلب ما يشربه، وجعل ~~يتأملهما بإمعان بما أراب نيكولو، فقال لرفيقه: ما شأن هذا الرجل؟ وما أتى ليعمل هنا؟ ~~- يظهر أنه قوي الأعصاب شديد القوى. ~~- لم ينظر إلي شزرا كأني عدو له؟ ~~- لينظر كما يشاء، فإن العيون لا تخلق إلا للنظر. # وعند ذلك التفت إلى ليون الذي كان يحدق بأرمان فتكلف الانذهال، وقال: أهذا أنت أيها ~~الصديق؟ # فانذعر ليون وقال: أتكلمني أنا؟ ~~- عجبا ألم تعرفني؟ ~~- أظن أنك غلطان. ~~- وأنا ms0066 لا أظن ذلك، ألست ليون؟ ~~- نعم. ~~- ليون رولاند؟ ~~- نعم، ولكني لا أعرفك. # فأجابه بوقاحة وهزء: أظن أنك لا تتجاهل عن معرفة صديقك القديم إلا لوجود نساء معك. ~~- إنك تهين أمي. # فلم يكترث باعتراضه وأتم كلامه فقال: أنسيت خليلتك باولينا التي ... # فلم يدعه أرمان يتم حديثه ونهض عن كرسيه، فضغط على عنقه بيد من الفولاذ وهو يقول: خسئت ~~أيها النذل، فلن تنال مآربك. # فصرخ بصوت مختنق: إلي يا نيكولو. # أما نيكولو فإنه للحال أخذ مدية من المنضدة، وانقض على أرمان يحاول طعنه بها. # وأخذ أرمان من جيبه مسدسا وصوبه إلى وجه نيكولو، وهو ضاغط باليد الثانية على عنق فاتح ~~الأقفال. # وإشهار السلاح الناري على الشجاع القلب الأبي النفس يكاد لا يكون له تأثير، وإذا أشهر على ~~لص جبان دنيء الطبع منحط النفس، فهو يرتجف أمامه ويهلع له قلبه من الخوف، وهكذا فإن سلاح ~~أرمان قد أفزع اللص إلى أن انذعر منه، ورجع حتى لصق بالحائط. # فقال له أرمان وكان لم يزل قابضا على عنق فاتح الأقفال: ألق هذه المدية من يدك، واحذر من ~~أن يبدو منك ما يريبني بك، وإلا قتلتك في الحال شر قتلة. # فامتثل نيكولو لهذا الأمر الذي نزل عليه نزول الصاعقة، فقال أرمان لليون: اعلم أن لك ~~عدوا ألد، بعث إليك بهذين اللصين ليقتلاك، ولم يأتيا إلى هذا الفندق إلا لهذه ~~الغاية. # ثم قص عليه جميع ما سمعه وعلمه من مباحثتهما مع كولار، وعاد إلى اللصين فقال: إذا كنتما ~~تؤثران الحياة اخرجا من هذا المكان. # فلم يجدا بدا من الامتثال وذهبا وهما يتوعدان. # ولما خرجا وسكن النساء، ولا سيما حنة التي كان ينظر إليها أرمان بإمعان، جاء ليون فشكره ~~شكرا جزيلا، ثم دعاه إلى تناول الغذاء معهم، فحاول أن يرفض وهو يتردد عن القبول، إلى أن ~~صادف نظره نظر حنة، فكانت كأنها تقول له: «حبذا لو بقيت معنا لنفيك حقك من الشكر.» فقبل ~~الدعوة وجلس بينهم. # أما اللصان فإنهما انطلقا والخيبة رائدهما إلى أن لقيا كولار فأخبراه بما ms0067 كان، فغضب ~~عليهما أشد الغضب لجبنهما، ثم سألهما عن اسم ذلك الرجل الذي رد كيدهما، فلم يعرفاه، قال: ~~إذن أنا أعرف اسمه، اجلسا معي وراء هذه النافذة إلى أن يمر. # وقد طال انتظارهما ساعتين حتى سئموا، ثم سمعوا وقع أقدام، فأطل فاتح الأقفال من النافذة ~~ورجع منذعرا وهو يقول: هذا هو. # ونظر كولار فرأى أرمان وقد تأبطت حنة ذراعه، ووراءهما ليون وأمه وسريز، فصاح صيحة انذهال ~~وقال: هذا أرمان! ~~(11) ليلة الرقص # لم يكد كولار يتيقن أن الذي أحبط مساعيه هو أرمان، ولم يكد يراه حتى ترك رفيقيه، وهرول ~~مسرعا إلى الشارع فركب مركبة، وأمر السائق أن يسوق الجياد خببا إلى سانت لازار نمرة 75، أي ~~إلى بيت أندريا، فسارت به الجياد تنهب الأرض حتى بلغت المنزل بنصف ساعة، فوقفت ونزل كولار ~~ورأى أندريا في مركبته مستعدا للسير، فأوقفه للحال وقال له: يجب أن ترجع إلى ~~المنزل. # فقال له أندريا: ماذا حدث؟ وما الذي يضطرني إلى الرجوع؟ ~~- سأخبرك متى اختلينا. # ورأى أندريا من ملامح كولار ما يدل على الاهتمام. # فامتثل ودخلا إلى المنزل، ولما خلا بهما المكان قال أندريا: أخبرني الآن ما الذي ~~طرأ؟ ~~- حدث ما ذهب بأمانينا أدراج الرياح. ~~- عن أي أمنية تعني؟ ~~- عن الإرث فإن أرمان يقتفي أثرنا. # فاصفر وجه أندريا من الغضب، وضرب على المنضدة بيده وهو يقول: إذن فهو يريد أن ~~يموت. # ثم هدأت سورة غضبه، فحدثه كولار بجميع ما كان في بلفيل، ثم قال له بعدما انتهى من سرد تلك ~~الحادثة: إنك تعلم أن ليون وخطيبته يعرفان فرناند، وهما الآن يعرفان أرمان، وأقل كلمة تحدث منهما ~~بشأن تريزا ولو على سبيل الاتفاق، تمكنه من الوقوف على صاحب الإرث وتحبط جميع مساعينا، ألا ~~تعلم أن فرناند أخبر ليون عما دار بين تريزا وزوجها من الحديث يوم كلمته بشأن زواج ابنتها ~~هرمين بفرناند، وكيف أن هرمين علمت أنها لم تكن ابنة بيرابو، أيبعد أن يخبر ليون أرمان عن ~~ذلك كما أخبرني، وأن يعلم أن هرمين ابنة كرماروت كما علمنا ms0068 نحن؟ # فأجابه أندريا ببرود: وأنا من رأيك. ~~- أهكذا تجيبني، وأنا أكاد أجن خوفا من الفشل؟ # فأجابه وهو يبتسم تبسم احتقار: كنت أظنك أشد ذكاء مما أراك. ~~- ولماذا؟ ~~- لأنك فقدت حواسك عند أول حادثة، فما يكون من أمرك لو أصبت بأمر جلل؟ فاعلم الآن أن مثل ~~أرمان الوصي على هذا الإرث مثل الراعي، ومثل الإرث مثل القطيع، ومثلنا مثل الذئاب، فنحن ~~نحاول افتراس هذا القطيع، وهو يحاول الدفاع عنه، فالقتال بيننا متوقع في كل حين. وقد قلت لي ~~إن أرمان له معرفة بليون؟ ~~- نعم. ~~- ولكن أرمان لم يتعرف بعد بفرناند؟ ~~- هذا ممكن. ~~- إذن يجب أن نمنع واسطة التعارف بينهما. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أمر هين، ولا ينقضي هذا اليوم حتى أجد طريقة موافقة. ~~- ولكن إذا أجهزنا على ليون، فإن سريز تخبر أرمان. ~~- سنجد طريقة لسريز أيضا. ~~- سريز؟ أيخطر على بالك قتل سريز أيضا؟ ~~- كلا، ولكننا سنرجو المسيو بيرابو أن يحتفظ بها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك إذا بقيت على حب الفتاة فسنرى. ~~- ولكن فرناند ... فإن أكثر أصحاب ليون يعلمون علاقته معه، وله مقام جليل عندهم لاستخدامه ~~في الوزارة، فإذا فقد ألا يسأل أصحاب فرناند عنه؟ ~~- ربما، ولكن طب نفسا، فسينال فرناند حظه من الشرك مساء غد، والآن أجبني هل استأجرت لي ~~منزلا في الشانزليزه؟ ~~- نعم، وهو منزل وفق مرادك. ~~- حسنا، فسأراه صباحا لأني مضطر في هذه الليلة أن أذهب إلى حفلة راقصة في الوزارة ~~الخارجية، حيث أتعرف بوالد هرمين. ~~- إذن ستراه في هذه الليلة؟ ~~- نعم، سأراه مع امرأته وابنته، والآن فإني ذاهب لأرى باكارا، فارجع إلى هنا في الليل، ~~وانتظرني إلى أن أعود مهما تأخرت. # ثم افترقا، فذهب كولار بشأنه وأندريا إلى باكارا، فلما وصل إلى منزلهما ورأته فاني أسرعت ~~إلى سيدتها وقالت: سيدتي هو ذا الإنكليزي قد عاد، أتسمحين له بالحضور مرتين في يوم واحد؟ ~~فقالت لها باكارا بقسوة وجفاء: ليس هذا من شئونك، فاذهبي وأدخلي إلي السير فيليام في الحال. ~~وبعد هنيهة دخل أندريا فجلس بالقرب منها، وقال لنتحدث الآن. ~~- بماذا؟ ms0069 ~~- أصغي إلي، إنك كنت صباحا شاحبة اللون مضطربة، والآن فإنك على عكس ما كنت عليه، والسبب ~~في ذلك أنك كنت في الصباح تحبين فرناند حب يأس، وأنت قانطة من قربه، والآن فإنك تحبينه حب ~~رجاء، وتأملين أنه يحبك ويكون بقربك بعد حين. ~~- ربما. ~~- والآن تنتظرين غدا زيارة بيرابو. ~~- ذلك لا ريب فيه، فهل امتنع عن الحضور؟ ~~- كلا، ولكني أتيتك بخير علاج ينزع به من قلب هرمين حب فرناند. # فبرقت أسرة عينيها من السرور، وقالت: أصحيح ما تقول؟ ~~- نعم، وسيكون فرناند بعد يومين منطرحا على قدميك. # فطار فؤادها من الفرح وقالت: قل ماذا تريد أن أضحي لأحظى بهذا النعيم. ~~- لا أريد سوى أن تجلسي على هذه المنضدة، وتكتبي ما أمليه عليك. فامتثلت باكارا وأملى ~~عليها أندريا ما يأتي: # حبيبي فرناند # هي ذي أربعة أيام لم أرك بها، وأنا أحسبها أربعة أجيال، أقول أربعة أجيال يا حياة دمي ~~ويا ملاكي المعبود؛ لأنك تعلم أن حبيبتك باكارا لا تعيش إلا لأجلك كما أنك لم تعش إلا ~~لأجلها أيها الناكث العهد، قبل أن تلهو عنها بشأنك الجديد كما تقول. ولا جرم، فهذه طباع ~~الرجال الذين يحبوننا حبا يكاد يكون عبادة، ثم يصادفون ابنة ذات حشمة كما يقولون تتبسم ~~بابتسام البلهاء، ولها من المهر مائتا ألف فرنك، فيميلون إلى الزواج بها رغبة في مهرها ~~دونها. # وأظن أنك عندما ترتكب هذه الهفوة، وتبلغ الغاية من هذه السياسة الخرقاء، سياسة المطامع ~~السافلة، ستجد واسطة لتقدمني إلى امرأتك، فإن البارون يريد أن يتزوج بي، فسأكون أنا امرأة ~~محتشمة أيضا، وأقسم لك بكل ما هو عزيز لدي أني سأحضر عرسك من غير بد؛ لأنه لا أحب إلي من ~~أن أراك بالملابس الرسمية متأبطا ذراع امرأتك المحتشمة. # إنك لم تتزوج بعد أيها القاسي، وأراك تهملني قليلا، وإنك أقسمت لي أنك لن تحب سواي في ~~هذا العالم، فهذه هي أيمانك! وماذا يمنعك من أن تزور في كل يوم حبيبتك باكارا التي ستحافظ ~~على حبك إلى آخر نسمة من حياتها؟ # إني أكاد ms0070 أجن من غيرتي، فاعلم أنك إذا لم تزرني في هذه الليلة فسيكون بيني وبين خطيبتك ~~ما تكرهه. # يدي في يديك، وشفتاي على شفتيك. # باكارا # فلما انتهت من كتابة الرسالة، نظرت إلى أندريا كأنها تسأله عن الغاية من هذه ~~الرسالة؟ # فقال لها وهو يبتسم: ألم تفهمي إلى الآن المراد من هذه الكتابة؟ ~~- كلا، وقد ابتدأت أن أرى نفسي ألعوبة بين يديك تديرها كيف تشاء. ~~- ستفهمين كل شيء، فاكتبي الآن العنوان هكذا: # إلى المسيو فرناند روشي # في شارع ماريس # فكتبت. قال: اكتبي أيضا على هذه الرسالة هذه الحاشية: # إن خادمتي فاني ستحمل إليك هذا الكتاب، فاحذر من أن تغازلها، فإنني وإن أكن على ~~ثقة من مداعبتك لها كما أكدوا لي، فلا أريد أن أصدق أنك تتدانى إلى حب خادمة غرفتي ... ~~آه من الرجال! # فعندما انتهت قال لها أندريا: والآن أيتها العزيزة إنك لا تفهمين المراد من هذا الكتاب ~~إلا غدا، أي عندما يقع في يد هرمين. ~~- آه، لقد فهمت كل شيء الآن، ولكن من الذي يوصله إليها؟ ~~- أبوها بيرابو. ~~- هو بعينه؟ ~~- أتريدين إذن أن نبيع سريز لهذا الكهل بغير ثمن؟ ~~- هذا أكيد. ~~- إن فرناند سيتناول الطعام غدا عند رئيسه، وبعد انصرافه يجدون هذا الكتاب على منضدة، أو ~~على بساط الغرفة، فيفتحونه ويقرءونه وهو كاف لنزع حب فرناند من قلب هرمين إلى الأبد. ~~- هذا لا ريب فيه، ولكن أتظن أن بيرابو يقبل بهذه الخيانة؟ ~~- يقبل بكل شيء لأنه يحب سريز، والآن اسمحي لي أن أذهب إلى منزلي؛ لأنني أريد أن أستعد ~~للحفلة الراقصة التي كما أخبرتك سأتعرف فيها ببيرابو. ~~- إذن، فهو لا يحضر في هذا المساء؟ ~~- كلا، ولكنه سيأتي غدا من غير بد. ~~- وعندما يأتي، فماذا ينبغي أن أعمل؟ ~~- تطلعيه على الرسالة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تقولين له إنك تحبين فرناند، وإنه إذا سمح بزواجه بابنته فهو لا يرى سريز على الإطلاق، ثم ~~تعطينه الرسالة وتقولين له أن يجتهد في أن تطلع عليها هرمين، وأن تكتب لخطيبها بعد ذلك ~~سطرين بخطها يشيران إلى انحلال عقد ms0071 الخطبة بينهما، وتعديه أنه متى أتم ذاك تجمعيه ~~بسريز. ~~- أتظن أنه يقبل؟ ~~- لا أظن بل أؤكد، وسترين غدا يكون. ثم ودعها وانصرف. # وبعد ساعتين ذهب إلى حفلة الرقص، فعرفه الوزير بجميع من وجد في تلك الحفلة من الأعيان، ~~وعرفه الجميع باسم السير فيليام، وكثر التحدث بشأنه، وقيل إنه راغب في الزواج، فجعلت ~~الأمهات تتهافت وتتنافس في إكرامه، ثم عرفه أحد العاملين في الوزارة بالمسيو بيرابو، وتعرف ~~بواسطته بهرمين، فرقص معها مرتين، وبذل قصارى جهده في مرضاتها حتى أعجبت بجماله وأدبه وحسن ~~عشرته، وعند منتصف الليل ترك الحفلة وذهب إلى منزله وهو يقول: إنها جميلة، فإذا وفقت إلى ~~الحصول عليها وعلى ملايينها أكون من أسعد البشر. ~~(12) الرسالة # إن بيرابو كان رجلا شحيحا مفرطا في محبة الذات، وقد أثر عليه كثيرا احتقار امرأته له، ~~وما رآه من كرم هرمين يوم رفضت حقها من المهر بمنتهى العظمة والجلال، غير أن حبه للمال ~~أنساه كل ما لقيه من الإهانة، فصادق على زواج هرمين بفرناند، وجعل من ذاك الحين يبالغ في ~~إكرام فرناند، ويزيد من ملاطفته ومؤانسته. # وفي اليوم الثاني من اتفاقه مع باكارا، وأخذه منها تلك الرسالة التي أملاها أندريا، ذهب ~~إلى الوزارة حسب عادته، ودعا فرناند، فلما أتى قال له: إنني أحب أن أطلعك على مسألة سرية ~~سأكشفها لك، ولكني قبل أن أنسى أقول لك: إن امرأتي وهرمين تنتظرانك اليوم للغذاء. # فاختلج فؤاد فرناند من الفرح، وظهرت على محياه علائم السرور. # فقال بيرابو: وإنهما بعد الغذاء يذهبان لحضور تمثيل رواية جديدة دعيتا إليها، وحبذا لو ~~أقمت مقامي ونبت عني بمرافقتهما. ~~- إنني رهين أمرك، ولا أحب إلي من الرضوخ والامتثال لإرادتك. ~~- أشكر فضلك، والآن فأصغ إلي، فإنني مطلعك على كل أمري، ومعترف لك بما يحسبه البعض ذنبا ~~من أشد الذنوب. نعم أيها الصديق، وربما كان ذاك ذنبا، فإن من تجعد جبينه وغارت وجنتاه وجحظت ~~مقلتاه فقد فات حد الصبا، ولكن إذا شاب رأسي فإن قلبي لم يشب، وأنا الآن عاشق مفتون. # ولم يطق فرناند ms0072 أن يملك نفسه، وقال له بدهشة واستغراب: أنت يا سيدي تعشق ؟ ~~- نعم، فلا تقطع علي الكلام، إنني أحب كما يحب الفتى وهو في العشرين من عمره، وأرجو أن لا ~~تخونني في سري. ~~- معاذ الله يا سيدي أن أخونك في سرك، فقل ما تريد. ~~- لقد بدأت بإقراري، فوجب علي أن أبلغ به إلى النهاية. أقول إن التي أحبها فتاة في مقتبل ~~شبابها لم تر عيناي أجمل منها صورة ولا أبهج منظرا، ولقد بلغت من الجمال ما يفوق حد الوصف، ~~فكأنها خلقت كما اشتهت، ولذلك فتنت بها، ولو تراها رؤيتي لهمت بها نفس هيامي. # فتبسم فرناند تبسم ازدراء، وقال: ليسمح سيدي أن أسأله إذا كان هذا الحب بل هذا الهيام ~~متبادلا. # لا أعلم شيئا من ذاك، غير أن من بلغ سن الكهولة يغض الطرف ويتسامح في هذه الشئون، والذي ~~أعلمه أنني أحب هذه الفتاة حبا يضيع صوابي ويعيقني عن واجباتي، فإن رئيسنا سيحيي في هذا ~~المساء ليلة أنس، ولا أجد بدا من الذهاب بنفسي أو إرسال من ينوب عني، وقد علمت الآن أنني ~~أؤثر الملتقى بتلك الفتاة على جميع الحفلات، وعلى قضاء كل ما يدعونه بالواجبات. ~~- إذن فسأذهب من قبلك، وأعتذر عنك. ~~- حسنا، ولكني لا أحب أن تعلم امرأتي وابنتي شيئا من ذلك، بل أود أن تعلما أنني ذهبت ~~إلى تلك الحفلة. ~~- ماذا تريد أن أفعل؟ ~~- أريد أن ترافقهما إلى التمثيل، وبعدها ترافقهما معتذرا أن أحد أصدقائك عازم على السفر ~~في الغد، وأنك ذاهب مع زمرة من الأصدقاء إلى إحياء ليلة وداع عنده، ثم تذهب إلى منزلك فتلبس ~~ملابسك الرسمية، وتعود منه إلى منزل الرئيس فتنوب عني في حضور هذه الحفلة. # فأجابه فرناند بالقبول وهو شديد الأسف لاضطراره إلى البعد عن هرمين في هذه الليلة، ثم ~~غادره وذهب إلى هرمين، فقابلته بمنتهى البشاشة والحنان، وذهبوا جميعا إلى قاعة التمثيل، ~~وعادوا منها في الساعة الخامسة، واستأذن فرناند منهما على الشكل الذي اتفق مع حميه، ومضى إلى ~~منزله. # أما بيرابو فإنه عاد إلى المنزل ms0073 في الساعة السادسة، وبعد أن تناولوا الطعم دخلوا جميعا ~~إلى قاعة البيانو، وجلست هرمين تعزف على تلك الآلة أشجى الأنغام، وجلس بيرابو بالقرب منها ~~وهو يتكلف عدم المبالاة، أما تريزا فإنها صرفت اهتمامها إلى إصلاح نار المستوقد، وفيما هي ~~تنحني لأخذ الملقط، عثرت برسالة مفتوحة فأخذتها دون أن تنظر إليها وأعطتها لزوجها وهي تقول: ~~إن هذه الرسالة لك ولا ريب. فأخذها بيرابو وقرأ بصوت عال هذا العنوان: «إلى المسيو فرناند ~~روشي» ثم قال: إن هذه الرسالة لفرناند وليست لي، وقد سقطت منه دون أن ينتبه إليها. # أما هرمين، فإنها لم تكد تسمع اسم فرناند حتى تركت البيانو، وتقدمت من بيرابو يدفعها الشوق ~~إلى الاطلاع على هذه الرسالة. # وقال بيرابو وهو يتكلف السذاجة: إن هذا العنوان غريب في بابه، ويظهر أنه مكتوب بيد امرأة، ~~بدليل هذه العبارة المكتوبة بعد العنوان، وهي «بواسطة خادمة غرفتي». فارتعشت هرمين واحمرت ~~وجنتاها، ثم استحال ذلك الاحمرار إلى اصفرار، وجعلت تختلج، وقد حدثها قلبها بمصاب ~~جلل. # أما بيرابو فإنه تظاهر أنه يقرأ الرسالة بغير اهتمام كمن يريد أن يقف عرضا على علائق ~~صهره، ولكنه ما لبث أن قرأ سطرين منها حتى صاح صيحة انذهال وإنكار، وقرب من النور ليتم ~~قراءة الرسالة بجلاء. # وعندما فرغ من تلاوتها تكلف الانفعال، ودنا من امرأته التي كانت واقفة تراقب ملامح زوجها ~~وترتعش من الخوف، فقال لها: هذه الرسالة من باكارا المومس البغي الشهيرة، مرسلة إلى الذي ~~أردت أن تصاهريه، فأهنئك بهذا الصهر الفاضل، وأرجو أن تقرأي هذه الرسالة كما قرأتها. # فأخذت تلك الأم المسكينة تقرأ هذه الرسالة التي خطتها يد الزور والباطل، والتي أهينت فيها ~~ابنتها أقبح إهانة، ولم تبلغ إلى آخرها حتى صرخت صراخ اليأس وأغمي عليها، وأسرع زوجها إلى ~~مساعدتها، وأخذ يصيح ويدعو الخدم، ويكثر من الجلبة والاهتمام ليدع وقتا لهرمين كي تطلع هي ~~أيضا على الرسالة. # أما هرمين فإنها أخذت الرسالة وقرأتها إلى آخرها بغاية السكينة والهدوء، وبعد أن أتمت ~~تلاوتها جعلت تنظر إلى أمها وإلى بيرابو ms0074 نظرة يأس وهي لا تنبس ببنت شفة ولا تذرف دمعة، إلى ~~أن أفاقت أمها من إغمائها، فعانقتها عناقا طويلا والدموع تنهل من عينيها كالمطر، ثم نظرت ~~هرمين إلى بيرابو وقالت له بصوت متهدج كمن يجهش للبكاء: إنك سترجو ولا ريب المسيو فرناند أن ~~ينسى ارتباطنا السابق. # فأجابها بيرابو وهو يتصنع الغضب: إذا جسر هذا التعس على الرجوع إلى هنا تلقى ما هو أهل ~~له. ~~- سكن جأشك يا أبي، فإن المسيو روشي لن يكون بعلا لي. # ثم مشت بعظمة إلى المنضة وكتبت ما يأتي: # سيدي # لقد طرأت حادثة لا أجد حاجة إلى ذكرها ألجأتني إلى العدول عن اتفاقنا السابق، وإنني ~~سأدخل الدير بأقرب حين، فأرجو أن تنقطع عن زيارتنا فإنها ستكون بغير فائدة. # وبعد أن وقعت على هذه الرسالة، أعطتها لبيرابو فقرأها وقال: لقد أحسنت، وأنا سأرسلها إليه ~~في حينه. ثم قال في نفسه وقد كاد يطير من الفرح: بشراي، فإن سريز هي لي. وبعد ذلك خرج من ~~المنزل والرسالة في جيبه، فركب مركبة وقال للسائق: أسرع بي إلى شارع مونستي - أي منزل ~~باكارا. ~~(13) فاني # بينما كان بيرابو قادما إلى منزل باكارا، كانت باكارا مختلية مع أندريا في غرفة صغيرة ~~كانت تعدها لمقابلة أصدقائها المخلصين، وهي فيها بمأمن من أن تسمع حديثها فاني، التي كان من ~~عادتها أن تسمع كل محادثات سيدتها بوقوفها على أبواب الغرفة التي تقابل فيها زوارها. # وكانت باكارا ساعتئذ مضطربة الفكر صفراء الوجه، والدمع يترقرق في عينيها. أما أندريا فكان ~~هادئا ساكنا، يبسم من حين إلى حين ابتسام الهزء والسخرية، وقد دار بينهما الحديث ~~الآتي: # قالت باكارا: أيبلغ بي الحب إلى هذا الحد من الدناءة، فأبيع أختي بيع السلع؟ ~~- لا يغرب عنك أيتها العزيزة أن الإنسان في هذا العالم لا يربح شيئا دون أن يخسر ما ~~يقابل ذاك الربح، وأن بيرابو سيفرق بين ابنته وبين فرناند لأجلك، أليس من العدالة أن يناله ~~ما نالك من الفائدة؟ ~~- ولكنها أختي التي سأضحيها. ~~- إنك لا تضحينها، بل تعملين لسعادتها ونعيمها. ms0075 ~~- إنها نقية طاهرة لا ترغب في معيشة البغي والفساد، فهي تريد أن تتزوج. ~~- لا بأس، فإنها ستكون بعد حين من الزمان من أسعد النساء، وسيكون لها قصور وخيول ~~ومركبات كما لك الآن، أليس ذاك خيرا لها من أن تشتغل الليل والنهار لسد عوزها، وأن تتزوج ~~برجل عامل قذر الملابس، خشن اليدين، يسومها الخسف والعذاب وهوان العيش؟ ثم إنها بعد أن تقيم ~~زمنا يسيرا مع بيرابو ريثما يتم مأربك من فرناند تنفصل عنه، وتعاشر شابا غنيا ذا ثروة ~~واسعة ينفق عليها بكرم وسخاء، فلا يمضي عليها العام حتى تغدو في أحسن حال. والآن فإن الساعة ~~بلغت الثامنة والنصف، وإن بيرابو يكون ولا ريب قد تمم حيلته، فاثبتي الآن في عزمك، وإلا فإني ~~أذهب إلى هرمين وألقي الحجب بينك وبين فرناند، فلا ترينه إلى الأبد. # فأحنت باكارا رأسها ولم تجب بكلمة. # قال لها: قومي إلى المنضدة، واكتبي ما أمليه عليك. # فامتثلت وكتبت بإملائه ما يأتي: # يا أختي العزيزة # إنني في أشد موقف الخطر، فإذا لم تسرعي إلي فأنا هالكة لا محالة، ولا تسمح لي الحال بأن ~~أذهب اليك ولا أن أقص عليك ما أنا فيه وما أنا عليه من الاضطرار إلى نصرتك، ولكني أعلمك فقط ~~أن تأخرك عن الحضور ينتج عنه خطر على مستقبلي وعلى حياتي؛ فأسرعي أيتها الأخت العزيزة ~~بالذهاب حين اطلاعك على الرسالة إلى شارع الحية نمرة 19، واسألي عن مدام كوكليت، وقولي لها ~~إنك آتية من قبلي، وحينئذ تعلمين ما الذي يجب أن تفعليه لإنقاذ أختك. # باكارا # ولما انتهت من كتابة الرسالة سقط القلم من يديها، وجرى الدمع في عينيها وهي تقول: مسكينة ~~أختي. # وفيما أندريا يلاطفها ويسكن من شجنها، إذ قرع جرس الباب الخارجي فقال: هذا هو ~~بيرابو. # فنهضت باكارا لتذهب إلى غرفة الاستقبال العمومية، فقال لها أندريا: إذا كان القادم بيرابو ~~اعلمي منه أولا ما حدث، ثم ارجعي إلي قبل أن تعديه بشيء. # فمسحت عن خديها آثار الدموع، وأصلحت شعرها، ثم دخلت إلى الغرفة، وأمرت فاني بإدخال الزائر، ms0076 ~~فدخل وكان بيرابو. # وقد دخل إليها وعليه ملامح الفوز، وحياها ببشاشة واحتشام، ثم أعطاها الرسالة التي كتبتها ~~هرمين إلى فرناند، وقرأتها بسرور لا يوصف، وعندما انتهت إلى آخرها قالت بصوت منخفض: إنه لن ~~يتزوج وقد قضي الأمر على وفق مرادي. # أما بيرابو فإنه انتظرها إلى أن فرغت من القراءة، فقال: والآن يا سيدتي، ألا تجرين شيئا ~~لأجلي؟ # ولم تجبه بشيء بل قالت له: اصبر وانتظرني قليلا إلى أن أعود إليك. # ثم تركته ومضت إلى أندريا وأخبرته بما كان بينهما، وأعطته الرسالة، فتلاها مرارا وهو ~~يقول: قد تم الأمر على أكثر ما كنا نرجو، وهو فوق المأمول. # ثم نظر إلى باكارا وقال لها: والآن أيتها العزيزة، اذهبي إلى بيرابو وقولي له أن يذهب في ~~الساعة العاشرة إلى شارع الحية نمرة 19، وأن يسأل هناك عن مدام كوكليت، وأن يعتمد عليها ~~بالحرص على سريز. ~~- أهذا كل ما تريده؟ ~~- نعم، وحذريه أيضا من أن يبوح بأمر لفرناند إذا سأله عن السبب في قطع العلائق وعن رسالة ~~هرمين، وعندما يذهب ارجعي إلي لأطلعك على ما يجب أن نصنعه بهذه الرسالة، واعلمي أنك إذا ~~صبرت وعقلت، فإن فرناند يكون عندك ولا يخرج إلا بأمرك. # فخرجت باكارا والفرح ملء فؤادها، أما أندريا فإنه نادى فاني وقال لها: اركبي في مركبة ~~سيدتك وخذي هذه الرسالة إلى أختها سريز، وإذا سألتك عنها لا تجيبي بشيء، بل قولي إنها في ~~أشد حالات القلق، وخذي هذه الدنانير واستعيني بها على حالك. # وبعد ذلك ذهب أندريا من منزل باكارا، وأمر السائق أن يسير به إلى شارع الحية نمرة ~~19. ~~(14) بيرابو # أما فاني فإنها ركبت مركبة سيدتها، وسارت بها إلى سريز، وكانت سريز قد قضت عدة ساعات من ~~النهار في منزل صديقتها حنة، وأحبت أن تستعيض عما أضاعته من الوقت في النهار بالشغل في ~~الليل، ولما دخلت فاني رأتها منكبة على شغلها تعمل بمزيد الرغبة والاجتهاد. # وانذهلت عندما رأت فاني قادمة إليها في مثل هذه الساعة، ولكنها لم تلبث أن قرأت رسالة ~~أختها حتى ms0077 استحال انذهالها إلى حزن عميق وقلق عظيم، وقالت: بالله قولي ما أصاب أختي؟ ~~- لا أعلم، ولكنها كانت شديدة الاضطراب عندما سلمتني هذه الرسالة، حتى إني خشيت عليها من ~~الجنون. # ونهضت سريز ولبست ثيابها بمنتهى السرعة، وقالت لفاني: أسرعي إليها وأخبريها عن ~~ذهابي. # ثم خرجت من المنزل، وذهبت إلى أقرب محل تجتمع فيه المركبات، واستأجرت واحدة منها، وقد ~~أنفت من الركوب في مركبة أختها، وقالت للسائق: أسرع بي إلى شارع الحية نمرة 19. # وكان قلبها يخفق وهي موجسة أشد الخوف على أختها، إلى أن بلغت بها المركبة إلى ذلك المنزل، ~~فطرقت الباب بيد ترتجف ففتح لها، ولما دخلت رأت الظلام سائدا ولم تجد أحدا، فقالت بصوت ~~مرتفع: ألا يوجد بواب في هذا المنزل؟ # وأطلت امرأة عجوز من أعلى السلم، وبيدها مصباح فقالت: من هذا؟ ~~- إني أتيت لأرى مدام كوكليت، فهل هي هنا؟ ~~- نعم أنا هي، اصعدي. # وصعدت سريز وقد اشتدت مخاوفها؛ لخشونة صوت تلك العجوز، ولما رأته من قذارة ذلك المكان، ~~حتى وصلت إليها فقالت: سيدتي، إني أتيت من قبل أختي باكارا. # واستحال عنف العجوز إلى الرقة والحنان، وقالت لها: اتبعيني. # ثم فتحت بابا كان مقفلا، ودخلت منه في رواق طويل مظلم، حتى انتهت منه إلى غرفة ضيقة ليس ~~بها من الأثاث غير مقعد قديم وكرسي طويل ومنضدة عليها قنديل من النحاس، وكل ما فيه كان يحمل ~~على الريبة، ودخلت إليها، وقالت لسريز بصوت تكلفت فيه جهد اللطف: ادخلي أيتها ~~الحبيبة. # وامتثلت سريز، وجعلت تراوح نظرها بين تلك الغرفة، ووجه تلك العجوز، وهي تستغرب كيف أن ~~أختها التي تعيش بمنتهى البذخ والسعة يكون لها علاقة واتصال بمثل هذ المرأة وفي مثل هذا ~~المنزل. # وقالت لها العجوز: إنك آتية من قبل باكارا؟ ~~- نعم، إنها أختي. ~~- حسنا، اجلسي. ~~- سيدتي إن أختي قد كتبت لي أنه يجب أن أجيء إليك، وأني أنا وحدي القادرة على إنقاذها مما ~~هي فيه. ~~- هذا لا ريب فيه، اجلسي قليلا ريثما يأتي الذي سيحدثك بشأنها، فقد آن له أن ~~يحضر. ms0078 # ثم وضعت المصباح الذي بيدها على المستوقد، وخرجت قبل أن تدع وقتا لسريز أن تسألها وأوصدت ~~الباب. # وجلست سريز وهي عرضة للانذهال، وكانت تنظر إلى تلك الغرفة، وتتصور تلك العجوز، وتتذكر ~~رسالة باكارا، وتتأمل بذلك السكون السائد في هذه الغرفة التي لم يكن يسمع بها غير دقات ~~الساعة وخفقان قلبها، وكادت تجن من الخوف، ولم يطل انتظارها إلى الساعة العاشرة حتى سمعت ~~حركة من ورائها، والتفتت فرأت بابا من الورق لم تكن نظرته قبل قد فتح ودخل منه رجل وأوصد ~~الباب من ورائه، ثم دنا ومد إحدى يديه إليها للسلام بمنتهى البشاشة، ورفع بالثانية قبعته ~~التي ظهر من تحتها تجعد جبينه، ولم تزدها هذه البشاشة غير قلق، ورجعت خطوة إلى الوراء، وهي ~~تقول: أأنت هو الرجل الذي أنتظره؟ ~~- نعم. # ثم أخذ بيدها وقال لها: تفضلي بالجلوس لنتحدث. # وسحبت يدها من يده، ولبثت واقفة وقالت: إن أختي باكارا ... ~~- نعم، وهي بارعة في الجمال تكاد تضاهيك في محاسنها. ~~- وقد كتبت لي ... ~~- إني عالم بكل شيء. ~~- إنها في حالة خطرة ... ~~- خطر شديد. ~~- وإنه يجب علي أن ... ~~- نعم، إنها تثق بك جدا، وتتكل عليك، فهلم واجلسي بالقرب مني لنتحدث في هذا الشأن. هل ~~تخافين مني؟ ~~- لا. # وكانت لا تفهم شيئا من حديث بيرابو، وكانت شديدة البعد لسلامة نيتها عن أن تسيء الظن ~~بمثل هذا الشيخ، وأن تعلم حقيقة نياته، وامتثلت لإشارته، وجلست على مقعد بالقرب منه، فقالت ~~له بصوت شجي يلين الجماد: أتوسل إليك أن تنقذ أختي. ~~- هذا لا ريب فيه، وهو غاية ما أسعى إليه، ولكن لنتحدث أولا بشأنك. # ثم أخذ يدها وحاول تقبيلها. # ورجعت إلى الوراء، وجعلت تنظر إليه بريبة وانذهال. # واقترب منها جيدا، وقال لها: تفرسي بي جيدا، ألم تعرفيني؟ # فتذكرته سريز للحال، وقالت: نعم، أذكر يوم تبعتني إلى منزلي. # ثم نهضت مسرعة وحاولت أن تهرب، ولكنها افتكرت بأختها وقالت في نفسها: إن هذا الرجل لم ~~يتبعني في ذلك الحين إلا لمحادثتي في شأن أختي. فخف ما عندها ولبثت ساكنة لا ms0079 تبدي ~~حراكا. # فقال لها بيرابو: يخال لي أني تراءيت لك بمظاهر القسوة، ولا أظن السبب في ذلك إلا تجاوزي ~~سن العشرين، ولكني أوكد لك أنك ستكونين راضية عني، وسأتصرف معك بشرف ونزاهة، أصغي إلي، إني ~~كثير الوجاهة والمال، وستلقين عندي جميع ما تتوقين إليه من السعادة والنعيم، وإني ... # ولم تدعه سريز يتم حديثه، وقد علمت كل شيء حتى خيانة أختها الهائلة، فركضت إلى الباب تريد ~~الفرار، ولكنه كان موصدا. أما بيرابو فإنه تبعها وحاول أن يضمها إليه، فأفلتت منه وصرخت ~~تستغيث وتقول: إلي أدركوني ... # ولم يجبها غير قهقهة بيرابو الذي بعد أن فرغ من ضحكه أعاد الكرة عليها، وأخذها بين يديه ~~وضمها إلى صدره، فهبت لديها قوة من السماء مما أثار فيها من الغضب، وإن الحدة تضاعف القوى، ~~ودفعته دفعة عظيمة فانطرح على الأرض، وأسرعت إلى المنضدة، وتسلحت بالمصباح النحاسي الذي كان ~~عليها. أما بيرابو فإنه بعد أن نهض من سقطته ورآها وبيدها ذلك المصباح تزيد حنقا، أحجم ~~عنها، ثم ثارت به عوامل الغرام، وذكر أنه ليس في المكان غير مدام كوكليت التي أعطاها مبلغا ~~وافرا من المال، فوعدته بالسكوت والتغاضي عنها، فهجم عليها وهي تصيح وتستغيث. # وفيما هو ماسك بها وهي تدافع عن نفسها بشهامة ويأس، إذ فتح الباب فجأة وولج منه رجل، فبدلت ~~صراخ اليأس بصيحة الفرح، وقد علمت أن العناية بعثت إليها بمن ينقذها من هذا الوحش الضاري، ~~ولكن بيرابو لم يتبين وجه هذا الرجل حتى جمد الدم في عروقه، وتمتم قائلا: السير ~~فيليام! # وكان هذا الرجل هو نفس السير فيليام أي أندريا، فدخل وبيده مسدس أشهره على بيرابو الذي ~~أحنى رأسه عندما عرفه، وهو يكاد يذوب من الخجل، فمشى إليه بعظمة واحتقار، ثم رجع إلى سريز ~~وقال: لا تخشي أيتها الفتاة، ولا بأس عليك، إن الله أرسل إليك من يصون طهارتك، وينقذك من ~~أيدي الأشرار. # ثم رجع خطوة إلى الباب ونادى قائلا: كولار. # ودخل كولار في الحال من الباب الذي دخلت منه سريز، فعرفته أنه صديق ms0080 خطيبها، فركضت إليه ~~واحتمت به كما يحتمي الطفل بأمه في مواقف الخوف. # فقال له أندريا: إني أعهد إليك بإرجاع هذه الفتاة إلى منزلها، وإذا أصيبت بمكروه أنت ~~المسئول عنها. # وتكلف كولار الانذهال، وقال: إنها بالحقيقة السيدة سريز كما أخبروني. # وقد اكتفى بما ذكره، ولم يوضح شيئا من مقاله، وأخذ بيدها فخرجا من ذلك المنزل وهي واثقة ~~به مزيد الثقة، وداعية للسير فيليام. ~~(15) الميثاق # بعد أن ذهبت سريز مع كولار بقي أندريا مع بيرابو في الغرفة نفسها، وقد لبثا هنيهة ينظر كل ~~منهما إلى الآخر نظرة الأعداء في ساحة القتال، إلى أن ذهب أندريا وأوصد الباب، وعاد إلى ~~بيرابو فقال: يخال لي يا سيدي أنك المسيو بيرابو رئيس قلم في وزارة الخارجية، وأنك والد السيدة هرمين ~~التي تشرفت بالرقص معها ليلة أمس، وإني أراك اليوم في منزل مشتبه تحاول اغتصاب فتاة شريفة ~~وتلقي بنفسك إلى ... # فقاطعه بيرابو وقال: ماذا يعنيك؟ ~~- أنا لا يعنيني ذلك أبدا، ولكن يجب أن تعلم أن هذه الفتاة في السابعة عشرة من عمرها، ~~وأنك قد حاولت اغتصابها قهرا وغلابا، وهذا الذنب من أكبر الجرائم وما وراءه غير السجن. ~~أفهمت الآن؟ # وأصغى إليه بيرابو وهو ينظر بملء الخوف إلى المسدس في يده، فأتم أندريا حديثه وقال: ولكي تصل إلى هذه النتيجة، أي لكي تبدل ثيابك التي تدل على منصبك العالي بثياب ~~المجرمين، وتستعيض عن تلك النياشين التي تعلقها على صدرك بقيد يوضع في رجلك، ويستحيل اسمك ~~الذي هو رئيس قلم في وزارة الخارجية إلى اسم مجرم مغتصب، لا ينبغي إلا شاهدان يشهدان أمام ~~القاضي على جرمك الفظيع. ~~- إذن أنت تريد هلاكي؟ ~~- إن أمر هذه الفتاة يهمني، وسأشهد مع كولار على ما رأيناه. # فجثا بيرابو على ركبتيه وقال: رحماك إن كلمة منك تزجني إلى أعماق السجون. # وكان هذا الشيخ وقحا مع الأدنى متذللا للأعلى، قويا مع الضعيف جبانا مع القادر، فجعل ~~يتوسل إلى أندريا وهو يبكي بكاء الأطفال، فأنهضه أندريا وقال: كفاك الآن توسلا، واجلس ~~أمامي لنتحدث. # فقال بيرابو ms0081 وقد استحالت ملامحه من اليأس إلى الأمل: أتعفو عني؟ ~~- كلا، ولكني سأجتهد أن أتفق معك، وإن لم أكن قاضيا قادرا على سجنك، ولكن لي الآن سلطان ~~عليك وعلى حريتك وشرفك ومنصبك، وسأرى إذا كنت أستطيع أن أحصل على مطلوبي بهذا ~~السلطان. # فظن بيرابو أن أندريا طامع بالمال فقال له: أتريد مالا؟ نعم، إني لست بغني، ولكن قل كم ~~تريد؟ # فهز أندريا كتفيه مبتسما وقال: إني أريد أكثر مما تظن. ~~- إذن أنت تريد خرابي؟ ~~- ليهدأ روعك فلست بحاجة إلى مالك، وأصغ إلي. # فتنهد تنهد الراحة، ونظر إلى أندريا نظرة إجلال، فقال أندريا: إن لك ابنة وقد رقصت معها ~~ليلة أمس. ~~- نعم. ~~- وقد عقدت خطبتها إلى فرناند روشي. ~~- هذا أكيد. ~~- إنك أخطأت في ذلك، فإن ابنتك قد أعجبتني، ويسرني أن تكون زوجة لي، والآن أصغ إلي. إن ~~هرمين ليست بابنتك الشرعية، أليس هذا أكيدا؟ ~~- نعم. ~~- إنها ابنة رجل لا يعلم اسمه سواي، وقد مات تاركا 12 مليونا، ولا يعلم سواي أيضا ~~بوصيته، وقد أوصى بها أن يبحث عن تلك المرأة، فإذا كان لها ولد منه تعطى له جميع هذه ~~الملايين، أفهمت الآن؟ # فأدرك بيرابو جلية الأمر، وجعلا ينظران إلى بعضهما كلصين دهم أحدهما الآخر، ثم اضطرا إلى ~~الاتفاق بعد أن كان كل منهما يريد قتل الآخر. # فقال أندريا: إنني إذا تزوجت بابنتك فستكون هذه الملايين لها، وسيكون لك منها نصيب، وإذا ~~أبيت فإني أكتم اسم أبيها فتخسر هذه الثروة الواسعة. # فقال بيرابو وقد هاجت به أطماعه: ستتزوجها من غير بد. ~~- إذن أصغ إلي الآن، إنك رجل أهل لكل جريمة، كثير الشهوات ولكنك ضعيف العقل، فلا تستطيع ~~أن تخوض في مضمار المآثم بغير مرشد، أما أنا فسأكون ذلك القائد، وستكون آلة بيدي أديرها كيف ~~أشاء. ~~- قبلت، وسأكون لك أطوع من العبيد. # ثم اختليا، ولم يعلم أحد ما دار بينهما، غير أنه لما خرج بيرابو كان قد وقع على شروط تقرر ~~في بعضها موت فرناند. ~~(16) أمين الصندوق # في اليوم الثاني من تلك الحادثة جاء ms0082 بيرابو في الساعة العاشرة حسب عادته، وكان قد اطمأنت ~~نفسه لوعود أندريا ، لا سيما بما يتعلق بسريز، فمما قال له: طب نفسا يا عماه، فإن اليوم الذي ~~تزف إلي ابنتك تجد على باب منزلك مركبة فيها كيس ملآن من الذهب، وبقربه سريز، فتذهب بها إلى ~~خير بقعة خارج باريس، وتقضي معها شهر العسل. # وكان أندريا ضاغطا على بيرابو بثلاثة أمور: أولها خوفه من تهمة الاغتصاب وهو شر الذنوب، ~~ثم حبه لسريز وما يجد بها من الهيام المبرح، ثم طمعه بملايين ذلك الإرث الخفي. فلما دخل إلى ~~غرفته في الوزارة على ما قلناه دخل إليه فرناند، ولم يكن قد وصلت إليه تلك الرسالة الهائلة، ~~فكان باسم الثغر طلق المحيا، شأن السعداء في الحب، فحيا رئيسه وقال: إني آت لأخبرك عن حفلة ~~الأمس. ~~- عسى ألا تكون قد ضجرت، فهل حدثوك عني بشيء؟ ~~- نعم، وقد تملحت لك عذرا لعدم حضورك. ~~- حسنا فعلت، والآن أيها الصديق إنك قد أصبحت من أشد خلصائي، فلا أجد بدا من أن أطلعك ~~على جميع سري فأصغ إلي. إن هذه الفتاة قد ملكت قيادي، واسترقت فؤادي، وأنا الآن مضطر إلى ~~الذهاب إليها، فأرجوك أن تنتقل إلى غرفتي وتنوب عني في قضاء الأشغال، ثم أعود بعد ساعة، ~~وسأترك لك مفاتيح الصندوق، فإذا جاء أحد ليقبض شيئا فادفع له من هذا الصندوق. # وكان يوجد في هذا الصندوق اعتياديا ألف جنيه بين ذهب وأوراق مالية، واسمه صندوق ~~المساعدات السرية. # وكانت تلك الغرفة التي فيها بيرابو قاعة واسعة، وعلى الباب الخارجي خادمان لنقل أوامره ~~إلى سائر المأمورين، فقال بيرابو لفرناند: اذهب الآن واقفل غرفتك وعد إلي. # فامتثل فرناند. # أما بيرابو فإنه فتح الصندوق بمنتهى الخفة، وأخرج منه محفظة خضراء وأخفاها في جيبه، ثم ~~أقفل الصندوق وعاد إلى مجلسه، ولما دخل فرناند أعطاه المفاتيح، وخرج بعد أن أوصى المأمورين ~~أن يعتمدوا على صهره فيما يعرض لهم من الأشغال أثناء غيابه، ثم ركب مركبته وأمر السائق أن ~~يسير مسرعا إلى سانت لازار. # ولم يطل مكوث ms0083 فرناند في غرفة حميه حتى دخل إليه أحد الخادمين فقال له: إن على الباب رجلا ~~يحمل إليك رسالة. # فأمره بإدخاله فدخل. # وكان هذا الرجل كولار، والرسالة هي الكتاب الذي كتبته هرمين. # فوصل منها إلى أبيها ومنه إلى أندريا الذي عهد إلى كولار بإيصاله، ففض فرناند الرسالة ولم ~~يكد يأتي في تلاوتها على آخرها حتى امتقع لون وجهه، وأحس أن الأرض أعقبت عليه، وكان كولار ~~قد قال له: إن امرأتين إحداهما كهلة والثانية صبية قد كلفتاه بإيصال هذه الرسالة. فعلم ~~أنهما تريزا وهرمين، ثم قرأ الرسالة مرة ثانية، فأضاعت رشده ونسي موقفه، فخرج من تلك الغرفة ~~مهرولا بغير قبعة وبغير رداء، وهو يرجو أن يراهما على الطريق، ولم يكن معه غير مفاتيح ~~الصندوق. # مضى على ذلك ساعة ولم يعد فرناند، وقد عاد بيرابو ولم يجده، فتكلف الانذهال ودعا بالخادم ~~فقال له: أين فرناند؟ # إنه ذهب بعدما ذهبت. ~~- عجبا! أيذهب قبل أن أعود؟ ~~- أظن أنه في غرفته؛ لأن قبعته لا تزال هنا. # وجعل بيرابو يبحث عنه في جميع الغرف، ثم عاد إلى أشغاله وهو يتظاهر بالتعجب والقلق، وفيما ~~هو جالس إذ دخل عليه رجل وبيده صك يريد قبض قيمته، فقال له بيرابو: إن مفاتيح الصندوق ليست ~~معي، فانتظر قليلا. # فلبث ذلك الرجل منتظرا حتى أعياه الانتظار، فتلبس بيرابو بالغضب، ودعا الخادم وقال له: ~~اصعد إلى الطبقة العليا وابحث عنه، ولا بد أن يكون فيها؛ لأن قبعته ورداءه لا يزالان ~~هنا. # فذهب الخادم ثم عاد وقال: إن فرناند خرج من الوزارة. ~~- أيخرج من غير قبعة إن هذا مستحيل. ~~- إن الحارس قد أكد لي خروجه، وقد قال إنه شاهده يركض في الطريق من جهة الباستيل. # واصفر وجه بيرابو، وأخذ يردد في ذاته: هذا محال، إن فرناند شريف. ~~- لقد غاب عني أن أخبرك أنه قدم إليه رجل على إثر خروجك برسالة، ولما قرأها ذهب. # فتنهد بيرابو تنهد ارتياح، وقال: لا شك أنه ورد إليه نبأ مكدر اضطره إلى الذهاب، وإني ~~أؤثر أن يكون ذلك على ms0084 أن يكون ما تسرعت في تصوره. # ثم قال للخادم: اذهب إلى أمين الصندوق العمومي، وقل له أن يأتي إلي. # فذهب الخادم وعاد مع أمين الصندوق، فقال له بيرابو: إني نسيت مفاتيحي فأعطني ~~مفاتيحك. # وأخذها منه ثم أسرع إلى الصندوق ففتحه، وللحال رجع إلى الوراء منذعرا واصفر وجهه ووقف ~~ساكتا قلقا لا يبدي حراكا. # فقال له أمين الصندوق: ماذا أصابك؟ # وسكت بيرابو هنيهة ثم قال: ألم نضبط بالأمس حساب الصندوق سوية؟ ~~- نعم، وأذكر فيه اثنين وثلاثين ألف فرنك، منها أوراق مالية قيمتها ثلاثون ألفا كانت ~~موضوعة في طي محفظة خضراء. # فقال بيرابو بصوت مختنق: إن تلك المحفظة قد سرقت، وقد سلمت مفاتيح الصندوق منذ ساعة إلى ~~فرناند روشي، لثقتي به، ولاضطراري إلى الخروج. # ثم غطى وجهه بيديه كمن يريد أن يظهر خجله لعزمه على تزويج ابنته برجل لص. # ولم يمض على ذلك مدة وجيزة حتى شاع أمر فرناند عند جميع عمال الوزارة، وكان الجميع يتلقون ~~هذا النبأ بالارتياب؛ لإجماعهم على احترام فرناند ولثقتهم من أمانته، ولكن كل ما مر به من ~~الحوادث كاستيلائه على مفاتيح الصندوق، وخروجه من الوزارة راكضا يدل على وقوع التهمة عليه، ~~ولا سيما تركه قبعته ليوهم أن خروجه مؤقت فلا يلتفت أحد إليه، ولا يبحث عنه قبل أن يتمكن ~~من الفرار، وكانوا يعلمون أنه لم يكن ذا يسار، فتوهموا أنه طمع بما اؤتمن عليه من المال، ثم ~~مرت الساعات ولم يعد فثبت الجرم وقضي على هذا البريء. ~~(17) الشرطة # بينما كانت هذه الحوادث تجري في الوزارة كان فرناند التعيس يعدو في شارع سانت لويز حتى ~~وصل إلى منزل بيرابو، فصعد إليه وطرق الباب ففتحت له الخادمة، ولما عرفته اعترضت سبيله ولم ~~تدعه يدخل، فقالت له: إن المسيو بيرابو قد ذهب. ~~- إني أريد أن أرى السيدات. ~~- إنهن خرجن أيضا. ~~- إذن أنتظرهن. # وأبعد الخادمة محاولا الدخول، فاعترضت أيضا في سبيله وقالت: إن انتظارك لا يجديك ~~نفعا، فإنهن غادرن باريس، ولا يرجعن إليها قبل ثلاثة أيام. # فارتعش فرناند وقال: هذا محال. ms0085 ~~- ولكن هي الحقيقة أظهرتها لك حسبما بلغتها. # ورجع فرناند وهو يتعثر في مشيته كالشارب الثمل، ومشى في الأسواق مشية المجانين، وهو لا ~~يعلم أين يسير، وقد أخذ منه اليأس بعدما تيقن من سفر هرمين، وتغلب على عواطفه حتى أضاع ~~رشده، ثم اشتدت عليه تلك الأزمة، فسقط على قارعة الطريق مغميا عليه، وتسارع إليه الناس ~~للاعتناء به، وفيما هم يهتمون بإنهاضه إذ مرت بهم مركبة فوقفت للحال ونزلت منها فتاة عليها ~~مظاهر الغنى، واخترقت الجماهير حتى وصلت إلى فرناند وأحنت عليه إحناء الأم على ولدها، ثم ~~وضعت يدها على قلبه، ومذ أحست بحركة فيه صاحت صيحة فرح وهي تقول: حبيبي فرناند. # فابتعد عنها جميع الناس، وكلهم واثق أن انصرافه لم يكن إلا عن يأس في الحب، أما تلك ~~الفتاة وكانت باكارا فإنها أمرت السائق أن ينقل فرناند إلى المركبة، ثم صعدت في إثره خببا ~~إلى منزلها. # ولم يفق فرناند إلا بعد أن وصل إلى منزل باكارا، فظن نفسه رأى حلما، ونظر حوله باندهاش ~~فوجد نفسه في سرير بملابس النوم في تلك الغرفة الحريرية التي كانت باكارا تستقبل بها ~~أندريا، ولم يكن قد بقي من النهار إلا بقية نور ضعيف تنير تلك الغرفة البديعة الرياش، فغالط ~~نفسه وعاوده الظن أنه يحلم، فأطبق عينيه كأنه يريد أن يستتم ذلك الحلم، ولكنه لما عاد ~~وفتحهما وجد شخص امرأة منحنية عليه كما تنحني الأم على طفلها، ثم أخذت يده وقالت له بصوت ~~حنون رن في أعماق قلبه: أنت محموم. # فأجابها وهو في حالة الذهول: أين أنا؟ # فأجابته باكارا وصوتها يتهدج: أنت في منزل صديقة. # ثم دنت من الموقد وأضاءت شمعتين كانتا عليه، فتأملها فرناند مليا، وصاح مندهشا وهو يظن ~~أنه في حضرة ملاك لا في حضرة إنسان. ~~- إن الطبيب يأمرك بالراحة، فلا ينبغي أن تتكلم ولا تتحرك؛ لأن مرضك شديد حتى إنك سقطت في ~~الشارع مغميا عليك، ولو لم أكن حاضرة ... # فقاطعها وقال: أكنت حاضرة؟ # فقالت وقد ورد الخجل وجنتيها: كنت مارة من هناك اتفاقا، ms0086 فعرفتك وحملتك في مركبتي. ~~- عجبا! أتعرفينني! ~~- نعم، أولا تعرفني أنت؟ # فقال وهو يمر يده على جبينه: أجل، أذكر أني رأيتك. # فقالت وقد أطرقت بنظرها إلى الأرض: أنا أخت سريز. ~~- أجل، ولقد تذكرت الآن، ويخيل لي أني رأيتك عندها في النافذة. ~~- هو ذاك، ولكن سنتحدث في هذا الشأن مليا غدا أو بعده، أما الآن إنك في حاجة إلى ~~الراحة، ولا ينبغي أن تتكلم فاهدأ وكن عاقلا. # ثم انحنت عليه كما تنحني الأخت على أخيها وقبلته في جبينه قبلة رجف لها فؤاده واضطربت ~~أعضاؤه، وكاد يعاوده الظن أنه في حلم لا في حقيقة، ثم شعر بأنفاسها تهب في وجهه وقلبها يخفق ~~في صدرها فوق صدره، وخيل له أنه قد سمع كلمة خرجت من شفتيها الورديتين همسا، كما يهمهم ~~نسيم الماء، تلك الكلمة التي ما وقعت في قلب رجل إلا اهتزت لها كل عروقه، والتي لا شبيه لها ~~إلا رنة العود في قلب الحزين، أو صوت المطرب في أذن النشوان، ولا يقولها أحد بمثل تلك ~~اللهجة والحنان إلا أفواه النساء، وهذه الكلمة هي «أحبك»، وهي كلمة تختلج لها كل نفس، فكيف ~~إذا كانت نفس ابن عشرين. ~~••• # ولما طلع الصباح ومرت نسائمه الباردة على جبهة العليل، ففتح عينيه ووجد باكارا واقفة ~~تجاهه وقد ضمت رأسه بين يديها، وألقت عليه نظرات غرامها وانعطافها، وهي تكرر له هذه العبارة ~~على اتفاق إمعان واختلاف روي «أحبك وأهواك». # وفيما هي كذلك وقد أخذها الحب وأطلقت عقدة لسانها أيدي الصبابة والهوى، طرق أذنها صوت جلبة ~~ووقع أقدام كثيرة تدنو من بابها، فوثبت إلى السرير مسرعة، وارتدت أول ثوب وقع تحت يديها، ~~ودنت من الباب فسمعت صوتا من ورائه يقول: افتحوا باسم الحكومة. # فعلمت أنهم رجال الشرطة على بابها، وداخلها الرعب والخوف منهم، مع علمها بأنها لم تجن في ~~حياتها ذنبا يستوجب دخول حاكم في أمرها، إلا إذا كان ذنب الغرام الذي لا حكومة فيه، ولكنها ~~تجلدت وفتحت الباب، وإذا بكبير الشرطة قد دخل عليها ووراءه اثنان من رجاله، وحياها ms0087 بأدب ~~ولطف، واعتذر عن دخوله في مثل تلك الساعة وقال: لا تخافي يا سيدتي، فإنما أنا أطلب رجلا ~~يدعى فرناند روشي، فهل هو عندك؟ # فأجابه فرناند من سريره: هو أنا يا سيدي فماذا تريد؟ ~~- أأنت فرناند روشي الموظف في وزارة الخارجية؟ ~~- أجل. ~~- إذن البس ثيابك واتبعني، فأنا آت في طلبك بأمر من المدعي العام. # فاصفر وجه الفتى لهذه العبارة، وقال: يا رب ماذا تراني صنعت؟ # فأجابه الشرطى بعنف: لا أعلم، فالبس ثيابك واتبعني. # فنهض فرناند راجفا مذهولا وهو لا يدري أنه ارتكب ذنبا، وارتدى ملابسه وهو يضطرب حتى ~~إذا أتمها نظر الشرطي إلى تابعيه وقال لهما: اقبضا على هذا الرجل. # وكان فرناند قد تمالك وتشدد، فقال: ما بالكم تقبضون علي؟ وأي ذنب جنيت؟ # فقال له الشرطي: إن رئيسك ائتمنك بالأمس على مفاتيح صندوقه، فاختلست منه محفظة تحتوي على ~~ثلاثين ألف فرنك. # فصاح فرناند صياح الإنكار والدهش وقال: أنا أسرق، أنا أرتكب جريمة الاختلاس! إن هذا زور ~~واختلاق. ثم وهت قواه وسقط بين أيدي الشرطة وهو قريب من الإغماء، فأخذوه بالرغم عنه. # أما باكارا فكانت واقفة منذهلة من شدة ما ترى، حتى إذا خرج الشرطة بأسيرهم وثبت من مكانها ~~وثبته منكرة، وقد استنارت عيناها بفكر خطر في خاطرها، وتجلت لها حقيقة المكيدة على وجهها، ~~وهمت أن تجري في إثر الجماعة وتنزع حبيبها من أيديهم، وتقول لهم: قفوا ليس هو الفاعل بل ~~السير فيليام، ولكن خانتها قواها واحتبس لسانها، وسقطت على الأرض مغشيا عليها. # وعند ذلك فتح باب غرفتها ودخل منه أندريا، فنظر إليها بسكون وهدوء، وهو يتبسم تبسم ~~الأبالسة، وقال في نفسه: لقد حسبت لك هذا الحساب، وقد حذرت لنفسي ما أمكن. ثم قرع جرسا ~~أمامه، فدخلت فاني ومعها رجل قصير بلباس الأطباء، وهو أحد رجال العصابة الذين جلبهم كولار ~~لخدمة هذا المحتال، فقال أندريا: ضعي سيدتك في سريرها، وانضحي وجهها بالماء حتى تفيق، وأنت ~~تعرفين الدور الذي عليك. ثم التفت إلى الرجل وقال: أما أنت فستكون بصفة الطبيب على حسب ms0088 ما ~~اتفقنا. ثم تركهما وانصرف. # ولما فتحت عينيها بدأت باسم فرناند تكرر لفظه، حتى إذا رجع رشدها نظرت إلى فاني، وقالت: ~~أين أنا؟ وماذا جرى؟ ثم نظرت فرأت الطبيب المتصنع جالسا على كرسي بجانبها، فصاحت مذعورة: من ~~هذا الرجل؟ ~~- هو الطبيب يا سيدتي. ~~- عجبا! إذن أنا مريضة؟ ~~- نعم، ومريضة جدا. # وعند ذلك نهض الطبيب وجس نبضها، وقال: هذا هو اليوم الثامن من أيام الحمى. # فصاحت مستنكرة: اليوم يوم الثامن؟! # فقال الطبيب وهو ينظر إلى الخادمة: إن الحمى قد خفت، ولكني أخشى أن لا يكون الهذيان قد ~~زال، أو أن يكون مصيره إلى الجنون. # فصرخت باكارا وقد استوت جالسة: أمجنونة أنا؟ ويلاه ماذا جرى؟ وأين فرناند؟ # فالتفت الطبيب إلى الخادمة وقال: انظري، فقد عاودها الجنون! # فقالت باكارا: لكني لست مجنونة. ثم أمسكت الخادمة وأدنتها منها، وقالت لها: انظري إلي يا ~~فاني وأصدقيني الخبر، أمريضة أنا؟ ~~- نعم يا سيدتي، ومن ثمانية أيام. ~~- ذلك مستحيل، فقد كنت الآن سليمة، وكان الشرطي هنا. ~~- لم يأت إلى هنا على الإطلاق. ~~- عجبا! وفرناند كان بجانبي. ~~- إن فرناند لم يأت إلى منزلك قط، وأنا لا أعرفه إلا بالسماع عندما تذكرين اسمه وكنت ~~مريضة. # فبهتت باكارا وقالت: أمجنونة أنا حقيقة، أم أنا في حلم؟ ~~- بل كانت الحمى شديدة عليك ثمانية أيام. ~~- ذلك مستحيل وألف مستحيل. ثم عادت تحدث نفسها وتقول: إنني لست بمجنونة ولا حالمة، بل أنا ~~مخدوعة مغرورة، وأخذت فرناند أمس عن الطريق مغشيا عليه، وجئت به في مركبتي، واستدعيت له ~~طبيبا ولكن غير هذا الطبيب. # فقاطعها الطبيب المتصنع وقال للخادمة: إن هذا النوع من الجنون يسمى اختلال الشعور، ولا ~~يمكن شفاؤه إلا باستعمال الحمام البارد كل ساعتين. # وكأن تلك العبارة كانت ضربة قاضية على باكارا، فغطت وجهها بيدها وأخذت تبكي، حتى إذا سكن ~~روعها وخفف الدمع تأثرها عادت إلى صوابها، وعاودتها الحقيقة التي خفيت عنها، وقالت: كل هذا ~~من أعمال فيليام. ثم جعلت تنقل نظرها بين الخادمة والطبيب عساها تستشف منهما ما يدلها على ~~الحقيقة، فلم ms0089 يظهر على وجههما شيء، فنهضت من سريرها مسرعة ووقفت تجاه مرآتها، وقالت : عجبا! ~~ليس في هيئتي ما يدل على ما يقولون، وليس هذا الوجه وجه مريضة، بل أراني على أتم عافية. ثم ~~نظرت نظرة ثانية إلى فاني، فلم يؤثر عليها ذلك النظر الحاد شيئا، بل ثبتت على تمثيل دورها، ~~وقالت لها: عودي يا سيدتي إلى فراشك، ذاك خير لك. # فقالت باكارا: إنك توهمت أن هذا الإنكليزي وافر الثروة، وأنه سيكون لك من هباته ما يغنيك ~~عن الخدمة، ولكنك جريت شوطا بعيدا، واقتحمت أمرا مستحيلا، فلست من الذين يعبثون بهم إلى ~~هذا الحد. # ثم ذهبت مسرعة إلى منضدة، وأخذت خنجرا كان عليها، وقالت لذلك الطبيب المتصنع: إذا جرأت ~~على الدنو مني فأنت ميت لا محالة. # فاختلجت فاني واضطربت رجلاها من الخوف، أما الطبيب المتصنع فإنه لم يكترث بهذا الإنذار، ~~ونظر نظرة خفية إلى فاني أعادت إليها ما فقدته من الجسارة، فقالت لبكارا: أتريد سيدتي أن ~~أساعدها على لبس ثيابها؟ ~~- نعم اتبعيني. ثم سارت أمامها وهي تقول في نفسها لا أراني مجنونة، بل أراني أعقل مما كنت، ~~ولا يزال فرناند ممثلا أمام عيني، وأنا أذكر أمر الشرطة، وكيف ساقوه إلى السجن بدعوى ~~اختلاس، بقي أن فاني تخدعني، ولا ريب في أن كل ذلك من صنع فيليام. وفيما هي تلبس ثيابها ~~نظرت إلى فاني فرأتها تمسح عينيها كأنها تبكي لما ألم بسيدتها، فقالت في نفسها: إن هذه ~~الخادمة تمثل دورها على ما ينبغي من الإتقان، وقد بقي لدي برهان واحد أقدر أن أميط به ~~الحجاب عن هذه الخديعة؛ إني أذكر أنه كان بعنق فرناند نوط ذهبي فيه خصلة من شعر حبيبته، ~~وإنني قد قطعت سلسلة هذا النوط بأسناني لفرط ما ألم بي من الغيرة، وخبأته تحت فراش السرير، ~~فإذا كان باقيا في مكانه فقد كشفت سر هذه الخائنة، وإلا فإن ما ادعته من حلمي وجنوني حقيقة ~~لا ريب فيها. وللحال تركتها وذهبت إلى غرفتها، فمدت يدها وهي تختلج إلى المكان الذي خبأت ~~فيه ms0090 النوط، فعثرت به وأخذته والفرح ملء فؤادها، حتى إذا سكنت عوامل سرورها عادت إليها حكمتها، ~~وأيقنت من مكيدة أندريا فقالت: سأنتقم سريعا، وسأذهب بتلك البلهاء إلى رئيس البوليس لتثبت ~~عنده جنوني، وسيرى السير فيليام أنني أشد منه دهاء. # ثم رجعت إلى فاني فأتمت لبسها وقالت لها: إن الهواء بليل في هذا النهار والجو صاف، وقد ~~أيقنت من صدق مقالك؛ فإني أشعر بضعف وفتور فلا أجد بأسا من النزهة واستنشاق الهواء النقي في ~~مثل هذا اليوم. لم يبق لدي ريب بأني كنت أحلم، فإن حب فرناند قد تمكن مني بحيث أضاع رشدي، ~~ولعل ذلك الحلم والجنون مسببان عن الحمى. # فقالت لها الخادمة: لا شك في ذلك، فإنك كنت لا تفترين عن ذكر اسمه الليل والنهار في مدة ~~هذه الحمى، وتتحدثين عند انتباهك بأحاديث تثبت جنونك، وقد زالت الآن والحمد لله تلك ~~الأعراض، فعليك الوقاية، وعندي أنه خير لك لو لبثت في منزلك إلى أن تتماثلي ويبعد عنك كل ~~خطر. ~~- كلا، فإنني مصممة على الذهاب فأسرعي واتبعيني؛ لأني لا أحب أن أسير وحدي. ثم مشت أمامها ~~فتبعتها وهي تتظاهر بالقلق الشديد إلى أن خرجت من المنزل، فوجدت مركبتها بانتظارها فصعدت ~~إليها، ثم تظاهرت أنها نسيت منديلها، فأرسلت فاني كي تعود به، واغتنمت فرصة غيابها وقالت ~~للسائق: بأي يوم نحن من الأسبوع؟ ~~- يوم الخميس. ~~- ألم تذهب بي بالأمس إلى شارع سانت لويس؟ ~~- نعم. ~~- أتشهد بذلك لدى رئيس البوليس؟ ~~- نعم. ~~- الآن، فاصبر إلى أن تعود فاني، فسر بنا إليه، ولا تدعها تعلم بشيء من ذلك. # وقد أيقنت باكارا أن أندريا يسير على خطة مبهمة ضدها وضد فرناند، ولكنها لم تعلم شيئا ~~من سر الخطة وغايتها، فعزمت على أن تطلع رئيس البوليس على الأمر بالتفصيل توصلا إلى كشف سر ~~هذه الخيانة، وقد كان لها معرفة به بواسطة عشيقها القديم. # فلما عادت فاني سارت بهما المركبة حتى بلغت إلى منعطف يؤدي إلى شارع مونتمارتر، فعرجت ~~عليه وسارت به، فانتبهت باكارا، ورأت أن السائق يسير في غير ms0091 الطريق التي أمرته أن يسير ~~بها، ففتحت نافذة المركبة واستوقفت السائق، وفيما هي تؤنبه إذ فتح باب المركبة بغتة، وصعد ~~إليها ذلك الطبيب المتصنع الذي رأته في منزلها، ثم أغلق الباب وجلس بقربها؛ فصاحت صيحة رعب، ~~أما هو فلم يبال بصياحها، وقال لها ببرود هازئا: إنك تخاطرين بحياتك بخروجك من منزلك، فإنك ~~معتلة، ويجب علي أن أمنعك عن كل ما يعود عليك بالأذى شأن كل طبيب صادق مع مرضاه. وبينما هو ~~يحادثها كانت المركبة تسير في شارع مونتمارتر. # فأيقنت باكارا أن سائق مركبتها قد باع نفسه مثل فاني لفيليام، وقالت للطبيب: أين تذهب ~~بي؟ # أنزل الطبيب المتصنع جميع ستارات المركبة وقال لها: ذاهب بك إلى مونتمارتر، فاحذري من أن ~~تفتحي الستائر ولا تستغيثي، فإن الهواء والغضب يضران بك، وقد فك أثناء حديثه أزرار صدرته ~~وأخرج من تحتها خنجرا، فجرده من غمده وقال: إن هذا أنجع دواء لتسكين الهياج، ولك بعد ذلك ~~الخيار. # فأحست باكارا أنها مغلوبة، وأن حياتها في خطر إذا استغاثت، فعادت إلى سكونها وقالت: لقد ~~ثبت لدي الآن أني مجنونة، فسر بي حيث شئت فلا أعصي أمرا، ولكن قل لي أين تذهب بي. ~~- لقد قلت لك إننا ذاهبون إلى شارع مونتمارتر. ~~- ولكن إلى أين؟ # فأجابها بمنتهى البرود، إلى مستشفى المجانين. ~~(18) المركبة الصفراء # لقد تركنا كولار ذاهبا بسريز إلى حيث أمره السير فيليام، فكان يقول لها: لا تجزعي أيتها ~~السيدة واطمئني، فإني سأصحبك وأدافع عنك. # أما سريز فإنها لم توجس منه خيفة؛ لعلمها أنه صديق خطيبها، ولإنقاذه إياها من أيدي ~~بيرابو، فكانت تسير إلى جنبه مطمئنة حتى وصلا إلى الشارع، وكان هناك مركبة صفراء كانت تنتظر ~~كولار، فتقدم منها وطلب إلى سريز أن تصعد إليها، فعادت المخاوف إلى سريز، وخشيت من أن تعرض ~~بنفسها لخطر جديد، فقالت له: لماذا لا نذهب على الأقدام؟ ~~- إن منزلك بعيد. ~~- إنني قادرة على المسير. ~~- أما أنا فإني أتعب، ولا أستطيع أن أحتمل مثل هذه المشاق. ~~- دعني إذن أسير وحدي. ~~- إنني أخاف أن يقفو ms0092 أثرك ولا تجدين من يحميك. ولم يجد خيرا من هذه الحجة لإرهابها ، ~~فأطاعته وصعدت إلى المركبة، فصعد في إثرها وأمر السائق بالمسير. # وكان اضطراب سريز شديدا، ولم تنتبه إلى سرعة سير المركبة حتى بلغت بها إلى جسر السين، ~~ورأت أنها قد عرجت إلى جهة الشمال في طريق الإينفاليد، فقالت برعب وقلق: إن السائق قد ضل، ~~ولا أدري إلى أين يذهب بنا. ~~- أنا أعلم. ~~- ولكنه قد سار في غير الطريق التي يجب أن يسير بها. ~~- كل السبل تؤدي إلى الجهة المقصودة. # فقالت سريز، وقد تضعضعت من هذا الجواب: دعني أنزل، فإني لا أريد أن أذهب في هذا ~~الطريق. # ثم حاولت أن تفتح باب المركبة فوجدته محكم الإيصاد، فنظرت إلى الشارع فألفته خاليا ~~مقفرا، فجعلت تستغيث بصوت مختلج لم يجبه غير الصدى. # أما كولار فإنه أشعل غليونه، وقال لها: لا تزعجي نفسك بصراخ لا يجديك، فليس هنا من يسمعك، ~~وإذا أصغيت إلي تعلمين أني لا أريد بك شرا. ~~- قل ما تشاء، إني مصغية إليك. ~~- إني صديق ليون. # فعادت الطمأنينة إلى فؤادها عند ذكر اسم خطيبها، وقالت: إذن فلماذا لا تذهب بي إلى ~~منزلي؟ ~~- لأن ذلك ليس بوسعي؛ لأن ليون بخطر شديد، وإذا عدت إلى منزلك تعرضينه للموت. # فارتاعت سريز وقالت بملء الرعب: ليون يموت؟ ~~- نعم، إذا رجعت إلى منزلك. ~~- ولكن ما هذا الخطر الذي يتهدده، كيف أن بعدي عنه ينقذه؟ ~~- هذا سر لا أستطيع أن أبوح به؛ لأنه سر سواي، ولكني أقول لك أنت إذا لم تطيعيني طاعة لا ~~حد لها فإن خطيبك يموت قبل الغد. # وجعلت سريز تختلج اختلاج ريشة بمهب الريح، وأخذ صوتها يتهدج. ~~- إني أطيعك ولا أخالف لك أمرا، ولكن بالله ألا ما أنقذت خطيبي. ~~- الآن سررتني وسكنت مني روعي، فإني أشفق على ليون نفس إشفاقك عليه، فالبثي الآن بقربي ~~وكفي البكاء، فلم يعد من خطر عليه، ولا تسأليني شيئا بعد ذلك؟ ~~- رحماك، واسمح لي أن أسألك سؤالا واحدا. ~~- تكلمي. ~~- وصلتني منذ ساعتين رسالة من أختي. ~~- أعلم ذلك واسمها ms0093 باكارا. ~~- وقد كتبت لي بها أن حياتها في خطر، وأني وحدي القادرة على إنقاذها، فإذا لم أسرع إلى ~~مساعدتها في شارع الحية، فهي تموت. # فتصنع كولار الغضب، وقال: إن أختك قد بلغت منتهى الخيانة، فإنها قد نصبت لك شركا مذموما ~~لتلقيك في أيدي بيرابو، وليست على شيء من الأخطار. # فاسترسلت سريز في البكاء، وهي تقول: أيمكن أن تخون الأخت أختها؟ ~~- نعم، وحبذا لو استطعت أن أبوح لك بهذا السر، ولكني في ذلك أعرض حياتي وحياة ليون للموت، ~~وربما كان لك حظنا من الموت. ~~- بالله إذا كان في موتي إنقاذ ليون فاقتلني. # فأخذ كولار يدها بين يديه، وضغط عليها بتودد وحنان وهو يقول: لا تخشي أمرا، فإنني عندما ~~يتاح لي أن أبوح بهذا السر تقفين على الحقيقة، وتعلمين أني خير صديق. ثم انقطع الحديث ~~بينهما، وزادت المركبة في سرعة المسير، حتى إذا بلغت إلى سنت جرمين خارج البلدة عاد الرعب ~~إلى سريز، فقالت: أتسير بي إلى محل بعيد؟ ~~- كلا، سنصل إلى وجهتنا بعد ساعة. ~~- إلى أين نحن ذاهبون؟ ~~- لا أقدر أن أقول، ويجب علي الآن أن أعصب عينيك! # فصرخت سريز صراخ الرعب، فقال: تذكري سابق وعدك لي من إنك تطيعينني، وأن حياة ليون متوقفة ~~على امتثالك. ثم أخذ منديلا من جيبه فعصب عينيها دون أن تبدي أقل اعتراض، وقال لها: لا ~~تبحثي أبدا عن المحل الذي تذهبين إليه، فإن ذاك مما يضر بنا. فسكتت سريز وهي بمنتهي ~~الانذهال تخال نفسها في حلم، فلم تنبس بكلمة، ولم تبد إشارة، حتى وقفت المركبة، فقال لها: قد ~~وصلنا فهات يدك لأساعدك على النزول. ثم فتح باب المركبة ونزل وإياها. # وكانت المركبة قد وقفت في سهل متسع أمام حائط طويل، ففتح كولار بمفتاح كان في جيبه، وقاد ~~سريز وهي معصوبة العينين، فمشت معه عرضة للاضطراب والخوف، وقد سمعت وقع أقدام وهي تسير مع ~~كولار، ثم سمعته يقول: «هو ذا العصفور.» وسمعت صوتا خشنا أجابه: «لقد أعددت القفص.» ثم شعرت ~~أن كولار قد ترك يدها، فمدتها ms0094 حالا إلى العصابة وأزاحتها عن عينيها، ثم تطلعت بنظر قلق، ~~وكان شفق الصباح قد بدأ يتوقد، فرأت نفسها في حديقة واسعة الأرجاء محاطة بسور طويل، وفي وسط ~~هذه الحديقة منزل صغير، فحولت نظرها إلى الجهات الأربع فلم تجد أقل أثر للمساكن، ثم نظرت ~~بعد ذلك إلى الذي سمعته يخاطب كولار، فرأت امرأة عجوزا تناهز الستين قد جعدت وجهها الأيام، وهي ~~بمنتهي القبح؛ فرجعت سريز إلى الوراء منذعرة وقد أخذ منها الرعب. فدنت منها تلك العجوز، ~~وكان اسمها مدام فيبار، فأخذت بيدها وتوددت إليها توددا عظيما لم يكن إلا ليزيد من خوفها ~~ورعبها، فصرخت مستغيثة بكولار الذي بعد عنها، وتظاهر أنه لم يسمع نداءها، فكانت تناديه وهو ~~يمشي مسرعا، وقد قبضت عليها العجوز بيد من حديد، فلم يمكنها الإفلات واللحاق به، حتى وصل ~~إلى الباب الذي دخل منه فخرج وأقفله وراءه. # فأخذت العجوز تسكن جأشها، وتطيب قلبها، وهي تسير بها حتى وصلت إلى المنزل، فأدخلتها إلى ~~غرفة بها مستوقد، وقالت: اجلسي هنا وتدفئي، فإن البرد شديد، وثوبك مبتل من المطر، وسأحضر لك ~~شيئا من الشراب يعينك على الدفء. # فأبت سريز وقالت بجزع ويأس: كلا، لا أريد أن أبقى هنا، أريد أن أعود إلى باريس. ~~- إن المسافة شاسعة، وإنك ستؤذين قدميك الجميلتين. ~~- كلا، فإن لي مقدرة وقوة على الرجوع، وإذا تعبت في الطريق أستريح. # فتنهدت مدام فيبار، وقد تكلفت هيئة الرفق والإشفاق. # قالت سريز: نعم، إن لي قوة على المسير، وليس ما يتعبني في سبيل ذهابي إلى ليون. ~~- من هو ليون؟ أهو عشيقك؟ ~~- ألا تعرفين ليون؟ ~~- كلا! # فداخل سريز الريب، وقالت: إذا كنت لا تعرفين ليون، فإنك لا تعرفين شيئا من سر هذه ~~الحادثة! ~~- وماذا تريدين أن أعرف؟ ~~- كيف؟ ألم يخبرك كولار أنه أتى بي إلى هنا؛ لأن حياة ليون خطيبي بخطر؟ فضحكت مدام فيبار ~~وقالت: كولار قال لك ذلك؟ ~~- نعم. ~~- وهل صدقته؟ # فارتاعت سريز وقالت: أليس ذلك بصحيح؟ # فعادت مدام فيبار إلى ضحكها وقالت: حقا، إن كولار من أعظم المضحكين، كما ms0095 أن هذا الحديث ~~من أطرب المضحكات. # فجثت سريز على قدميها وتوسلت إلى تلك العجوز وهي تبكي وتقول: بالله إلا ما قلت لي أين أنا ~~وما يريدون مني؟ ~~- ذلك هين سهل، فإن أحد الأغنياء العظام رآك فأحبك وأنت تعلمين البقية. ~~- ليس ذلك بصحيح. # ثم ذكرت بيرابو فقالت: بل هي الحقيقة بعينها، فإن رجلا وحشي الأخلاق حاول ... ولكن رجلا ~~شابا قد أنقذني منه وسلمني إلى كولار ليوصلني إلى منزلي. # فضحكت ضحكا شديدا ثم قالت: هذا هو الفتى الذي أخبرتك عنه، وأنت الآن في منزله. فصاحت ~~سريز صيحة يأس. ~~(19) المستنطق # ندع الآن سريز، لنعود إلى فرناند الذي تركناه خارج غرفة باكارا، فنقول: إنه كان يسير ~~بينهم وهو يخال أنه يحلم، إلى أن وصلوا به إلى الحديقة، ورأى الخدم تنظر إليه بغرابة ~~واندهاش، فأيقن أنه في يقظة، ثم افتكر بما يتهمونه به، وأن لا يد له بهذه الخيانة، فثار ~~الدم في عروقه وحاول أن يتخلص من الشرطة، ولكنهم كانوا ثلاثة أشداء فأحاطوا به وتغلبوا ~~عليه، وكان يقاومهم كلما لاحت له فرصة، واشتدت عليه الذكرى فقال له رئيسهم: إنك فرد ونحن ~~ثلاثة، فدفاعك لا يفيدك شيئا ولكنه يثبت جريمتك، وما يؤثر عليك أن تحاكم وأنت بريء كما ~~تقول؟ فإذا صح ذاك وهو ما أتمناه لك، فإن المحكمة لا تلبث أن تطلق سراحك، ولا ينالك شيء من ~~الإهانة. # فقنع فرناند مكرها، وسار معهم بغير دفاع حتى وصلوا إلى السجن فأدخلوه إليه، فلبث فيه ~~ساعة وهو منهوك القوى فاقد الرشد، وكان يؤثر الموت على أن يتهم بسرقة، وهو مشهور عند الجميع ~~بالنزاهة والعفاف، فكان يذكر باكارا، ثم الجنود، فالتهمة، فالسجن، فكتاب هرمين، وواحدة من ~~هذه المصائب تكفي لأن تهيج أعظم الناس رشدا؛ فيزبد كما تزبد الجمال، ثم ينكس برأسه إلى ~~الأرض متأملا بما أحاط به من الكوارث، ويرى أن كل ما مر به من الحوادث يثبت تلك الجريمة ~~الهائلة، فيتهدد السماء بقبضته، ثم يجد أن كل ذلك لا يفيده، ولا يجد بابا لتبرئة ساحته ~~فتصغر نفسه، ويسترسل ms0096 إلى الدموع، ويبكي بكاء الأطفال، وكان يعود بعد ذلك إلى الافتكار ~~بهرمين ، وكيف بعثت إليه بتلك الرسالة، وهو لم يجن ذنبا يستحق هذه الإهانة، فينسى موقفه وما ~~هو متهم به إلى أن يفيق من غفلة تصوراته، ويرى نفسه منفردا في ذاك الحبس الضيق حبس ~~المجرمين، فيفقد صوابه ويعود إلى ما كان عليه. # وكان يقول: إن مفاتيح الصندوق معي، وقد تركت الوزارة حاسر الرأس، وأنا أعدو في الشوارع ~~كالمجانين، وبدلا من أن أعود وأرجع المفاتيح إلى رئيسي بقيت معي إلى أن فتشوني، وقد وجدوني ~~عند مومسة كثيرة المطامع، فهل بقي ريب بأني اختلست هذه النقود لأنفقها في سبيل مرضاتها؟ ~~ولكني لم أسرق شيئا والمفاتيح كانت معي، فكيف سرق هذا المال؟ بل كيف وجدت عند تلك المرأة؟ ~~وإذا صح أن المال قد سرق فمن السارق؟ ومن أتهم وأنا المسئول؟ ومن يدافع عني وليس لي غير ~~بيرابو الذي أصبح خصمي؟ إلهي أنت خلقتني بشرا وهذا فوق طاقة البشر. وفيما هو على ذلك دخل ~~عليه شرطي، وذهب به إلى الاستنطاق، فاستنطق على ما يأتي: # قال المستنطق: أنت هو الذي يدعى فرناند روشي؟ ~~- نعم. ~~- إنك متهم بجرم هائل، وكل ما لدينا من الأدلة يثبت جرمك، فإن رئيسك قد اضطر في الساعة ~~العاشرة من صباح أمس إلى الخروج، فنقلك إلى غرفته، وأتمنك على مفاتيح الصندوق، الذي تحقق ~~بعد إثبات أمين الصندوق العام أنه كان يحتوي على ثلاثة آلاف فرنك ذهبا، وثلاثين ألفا ~~قراطيس مالية. ~~- لم يكن لي علم بهذا لأني لم أفتح الصندوق. ~~- ولكن مفاتيحه كانت معك؟ ~~- نعم. ~~- وقد وجدوها في جيبك عند تفتيشك؟ # فأشار فرناند إشارة إيجاب. ~~- وإن رجلا قد قدم إليك قبل خروجك، ولم نعلم عنه شيئا إلى الآن، فمن هو هذا ~~الرجل؟ ~~- لا أعرفه، فإني لم أره سوى مرة واحدة. ~~- احذر من أن تضلني بإنكارك، وقل، ألم يكن هذا الرجل شريكك في الجرم؟ # فأجاب فرناند بصوت خرجت فيه الحقيقة من أعماق قلبه: أقسم لك أنه لا يمكن أن يكون لي شريك ~~لأني بريء. ms0097 ~~- ولكن من هو هذا الرجل، وماذا يبتغي منك؟ ~~- قد أحضر لي رسالة . ~~- ممن؟ # فاختلج فرناند وأرخى نظره إلى الأرض، ثم قال: ذلك ما لا أقدر أن أبوح به؛ لأن الرسالة قد ~~وردت إلي من امرأة شريفة لا يليق بي أن أصرح بذكرها في هذا الموقف. ~~- إني كنت أتوقع منك مثل هذا الجواب الذي تحاول فيه الدفاع عما أنت متهم به، ولكن المسيو ~~بيرابو قد أوقفني على الحقيقة، فإنك كنت مزمعا على أن تقترن بابنته، أليس كذلك؟ # فتوسل إليه فرناند أن لا يذكر هذا الشأن، فقال المستنطق: وقد علمت أن لك خليلة! # فقال فرناند بكراهة ونفور: لا صحة لما يقال. # فلم يحفل المستنطق بجوابه واستمر في الحديث، فقال: وإن هذه الخليلة تدعى باكارا، وهي ~~كثيرة الدلال شديدة التلهف إلى المال، فلا يبعد أنك لأجل مرضاتها ولشغفك بها قد ... # فقاطعه فرناند بحدة وقال: إني لم أعرف هذه الفتاة قبل أمس. # فقال المستنطق بلهجة الناصح: اعلم أن الإقرار في مثل هذه الشئون أولى من الإنكار الذي لا ~~فائدة منه سوى تعظيم ذنبك. # فأجاب فرناند بلهجة جعلت المستنطق يثق ببراءته بالرغم عما لديه من البراهين: أقسم لك يا ~~سيدي إني بريء. ~~- هذا ما أتمناه لك، ولكن كيف تنطبق سرقة هذا المال وخروجك من الوزارة على ما كنت عليه من ~~الاضطراب، واحتجابك، والقبض عليك في منزل تلك المومسة؛ على براءتك؟ # فرفع فرناند عينيه إلى السماء، وقال: إن الله عظيم عادل، فهو يكشف سر هذه الخيانة، وإني ~~أقسم بجلاله إني بريء. ~~- سيذهب بك الآن جنديان إلى منزلك ومنزل خليلتك ويفتشان؛ فإذا لم يجدا بهما المحفظة نرى ~~في شأن تبرئة ساحتك. # فصاح فرناند والفرح ملء فؤاده: هلموا إلى حيث تريدون، فإني بريء. # فدعا المستنطق جنديين وقال لفرناند بلطف ودعة: سر معهما، وعسى أن تبرئ ساحتك، وتنجو من ~~هذا العار. # فذهبوا جميعا حتى وصلوا إلى منزل باكارا، ثم ركبوا مركبة وذهبوا إلى شارع مونسي. # وكانت باكارا قد خرجت من المنزل مع فاني كما تقدم، ولم يكن في المنزل ms0098 غير الخدم، فبدءوا ~~بتفتيش الغرف حتى بلغوا إلى الغرفة التي كان نائما فيها فرناند، وبعد أن فتشوا في خزائنها ~~ولم يعثروا على شيء، نظر أحدهم فرأى رداء رجل معلق، فقال: هو ذا رداء رجل، وعسى أن يكون ~~رداء المتهم، فلنفتش فيه. # وكان هذا الرداء لفرناند، وذلك أنه عندما سقط مغميا عليه في الطريق كان مرتديا به، ولم ~~يفطن إليه عندما أخذته الجنود، فبقي عند باكارا، ولما رأى الجنديين يشيران إليه قال: هذا ~~الرداء لي. # وجلس على كرسي وعليه لوائح عدم المبالاة، أما الجندي فإنه أخذه وقال: إنه ثقيل، وأظن أن ~~المحفظة في جيبه. # ثم مد يده إليها، فأخرج منها تلك المحفظة الخضراء بنفسها فارغة من المال، فقال لفرناند: لا ~~أظنك تقوى بعد ذلك على الإنكار. # أما فرناند فلم يجبه بحرف، ولكنه صاح صيحة يأس وسقط مغميا عليه، فانتصر أندريا بما كاده ~~للبريء، وأصبحت تبرئته ضربا من المحال. ~~(20) البحث عن تريزا # بينما كان أندريا يدير بحذقه هذه الحادثة، وقد زج بفرناند بالسجن بتهمة الاختلاس، وحبس ~~باكارا في المستشفى بعلة الجنون، وحجر على سريز في منزل مدام فيبار، ففرقهم عن بعضهم، وأبعد ~~كل من يحتمل أن يوقف أرمان دي كركاز على آثار تريزا وابنتها، وكان أرمان يسعى بملء الغيرة ~~والنشاط لإيجاد تلك المرأة وولدها، ليدفع إليهما ملايين البارون كرماروت المؤتمن ~~عليها. # وكان يستعين على ذلك ببستيان وببوليس سري، ولم يكن إلى الحين الذي رأيناه فيه يقفو أثر ~~الرجلين في بلفيل قد وقف على شيء من أثر تريزا، فوصل إلى تلك القرية في حينه، ومنع ذلك ~~الاعتداء عن ليون رولاند، ولا يزال يذكر القارئ أنه كان قبل دعوة ليون، فلما عزموا على ~~الرحيل قدم ذراعه إلى حنة، وسار الجميع إلى منزل سريز. # ومن غرائب القلب في سرعة تأثره وتقلبه أنه لا تكاد تسري إليه النظرة أحيانا حتى تفعل فيه ~~لأول وهلة فعل سواها بعد طول الممارسة والتكرار، كأنما هي بين الحب والكره وقع السعادة ~~والشقاء، فإن كليهما يملأ القلب عند وقوعه، وكثيرا ما ms0099 تختلف نظرتان فتكونان بدء الحب ~~الأكيد أو البغض الشديد عند أول مقابلة منهما في الغراء، وهما زهرة ورد يتهاداها القلبان من ~~طريق العيون في الحب وفي الكره، سهمان مسمومان تتراشق بهما القلوب عن قسي الجفون، وهو سر من ~~أسرار الطبيعة لا يعرفه إلا من يعرف سر الوداد والبغضاء، ولعله تشابه القلبين أو تباينهما ~~جملة حتى يمتزجا أو يتنافرا في لحظة عين كما يمتزج النور بالنور، ويتنافر الضياء بالظلام، ~~ولقد كان من هذا القبيل نظرة أرمان إلى حنة؛ فإنه لم يكد يقع نظره عليها حتى شعر أن جمالها ~~يملأ فؤاده، كما يملأ النور العين عند انفتاحها، وأنها ارتسمت على جوارحه كما يرتسم أثر ~~الختم عند الطباعة، وأنه قد أصبح لها وهو يعلم أنها أصبحت له بدافع الأمل الذي يرجوه فيها، ~~واعتقاده أن من القلب إلى القلب دليلا، وما أدري هل استحسان النظرة هو الذي ينشئ هذا الأمل ~~والاعتقاد، أم هما ينشئان تلك النظرة، ويكونان رائد القلب إلى العيون: # والذي حارت البرية فيه # داء قلب بنظرة العينين # وإن الذي زاد أرمان ميلا إلى حنة وحنوا عليها، ما استشفه في ظاهر هيئتها من ذلة ~~الانكسار وآثار الشقاء والحزن، وهي آثار قد تفعل في القلب الشريف أحيانا ما لا تفعله طلائع ~~الحسن والازدهاء. فلما وصل القوم إلى منزل سريز، دخلت إلى منزلها ودخل معها ليون وأمه، أما ~~حنة فإنها اعتذرت وسألت أرمان أن يوصلها إلى منزلها، فسار وإياها وقال: إلى أين تريدين أن ~~أوصلك؟ ~~- إلى شارع مسلي. # وفيما هما يمشيان قال: أتعرفين سريز حق المعرفة؟ ~~- نعم أعرفها أيام كان أبوها حيا، وكنا جيران. ~~- عجبا! فإني أرى من تباين حالتيكما ... # فقاطعته الفتاة وقالت: صدقت يا سيدي، ولكن المصائب والشقاء تناسب بين القلبين في الألفة ~~أكثر مما يناسب بينهما المقام. # ثم تنهدت تنهدا طويلا رق له قلب أرمان وقال لها: أتراك يتيمة؟ ~~- نعم، فإن أمي قد ماتت من بضعة أشهر، وأبي راح قتيلا في ساحة الحرب. # وعند ذلك وصلا إلى منزل الفتاة فودعها، وقبل يدها باحترام، ms0100 وعاد إلى منزله مفكرا مهموما ~~وهو يقول: أتراني لا أزال فتيا، أم لا يزال في قلبي وتر لم تنقر عليه أصابع الغرام؟ # ولما كان الصباح دعا إليه بستيان فقال له: البس ثوبك العسكري، واذهب في الحال إلى شارع ~~مسلي نمرة 11، واجتهد أن ترى فيه منزلا معدا للأجرة، وإذا لم تجد فادفع للبواب قدر ما ~~يشاء ليخلي لك أحد المنازل المأهولة، فإن ذلك لا يصعب عليه، وبعد أن تجد ذلك المنزل تنقل ~~إليه الأثاث ثم تذهب إليه فتقطن فيه باسم باستيان، أما هذا المنزل نمرة 11 فإن ابنة تدعى ~~حنة ساكنة فيه، ويهمني أمرها جدا، وأول ما تشرع به عندما يتيسر لك أن تكون بجوارها هو أن ~~تفحص عنها، فقد علمت أنها ابنة رجل كريم النسب، وقد أحنى عليها الدهر بوفاة أبيها وفقد ~~ثروتها، ثم تجتهد أن ترتبط معها بالعلائق الوثيقة، فإن ما بلغته من العمر يدفع عنك كل ريبة. ~~فاذهب الآن وعد إلي سريعا في كل حال لأعلم ماذا فعلت. # وبعد أن ذهب بستيان قام أرمان إلى مكتبته فأخذ منها دفترا ضخما، وكتب فيه بالخط المصري ~~هذين الاسمين «ليون رولاند في شارع البوربون، وسريز في شارع التامبل»، ثم كتب تحتهما هذه ~~المذكرة: «يجب البحث عن الغاية التي دفعت نيقولا وفاتح الأقفال إلى الاعتداء على ليون ~~وخطيبته.» وبعد أن فرغ من الكتابة أخذ يقلب صفحات الدفتر، ثم غلبت عليه الهواجس فغرق في ~~تأملات عميقة. # وما زال على أتم الذهول حتى قرع الباب ودخل بستيان فقال: إن تلك الابنة التي أرسلتني لأبحث عنها تسكن في الطبقة الرابعة من المنزل، وقد توفقت ~~لإيجاد منزل مقابل له فاستأجرته بستمائة فرنك، وبعد ذلك ذهبت إلى البواب واستطلعت منه كنه ~~أمر الصبية، فقال لي: إنها تدعى حنة بالدر وإنها حسنة التربية، أما أجرة منزلها فهي ~~ثلاثمائة فرنك، وهي عائشة مع خادمة لها طاعنة في السن شديدة الطوع لها، وهي حسنة السيرة ~~جدا لا تزور ولا تزار، وقد أخبرني البواب أنه شاهد منذ يومين نورا في غرفتها ms0101 بعد منتصف ~~الليل، ففحص عن ذلك فعلم أنها تشتغل أشغالا يدوية، ولم يكن يراها تشتغل قبل هذا ~~العهد. # وقد كانت من قبل تسكن منزلا كبيرا في شارع شابون إلى أن ماتت أمها، ولم يبق لديها من ~~المال ما يتيح لها أن تعيش في بذخها السابق، فتركت ذلك المنزل الأنيق، واستبدلته بهذا ~~المنزل الحقير بغية الاقتصاد، ويظهر أنها اضطرت لفقرها أن تعيش من أشغال يدها، وهي حسنة ~~الصيت وافرة الأدب، وجميع معارفها من الأعيان. # وبينما كان بستيان يقص أخبار حنة كان قلب أرمان يختلج بعاطفة سرية، وقد طفح سرورا بما ~~سمع. # ثم قال بستيان: وقد علمت أيضا من البواب أنه كان عندها في منزلها القديم بيانو، وعندما ~~استبدلت منزلها لم تنقله إليه، مما يدل على أنها اضطرت لفقرها إلى بيعه. # فقال أرمان: إذن اذهب واشتري بيانو قديم الطراز، وأنا أعلم أنك لا تعرف أن تعزف على هذه ~~الآلة، ولكني أرغب إليك أن تشتريها وتنقلها لمنزلك، ثم تدعي أن منزلك ضيق، وأن هذه الآلة لا ~~يمكنك أن تبيعها؛ لأنها كانت لابنتك وهي آخر تذكار بقي لك منها، فترجو السيدة أن تسمح لك ~~بأن تودعها عندها. # فامتثل بستيان ومضى لينفذ أمر سيده. أما أرمان فإنه وضع رأسه بين يديه، وانتقل إلى عالم ~~التصور والخيال، فصورت له أوهامه تذكار تلك الفتاة مرتا، التي طالما أحبها وطالما حاول ~~إنقاذها من أندريا الخائن، فلم يقدر على ذلك. # وكان هذا الخيال الذي هو خيال حبه الماضي المشئوم، قد تجلى لديه بكمال صورته كأنه يغالب ~~غرامه الجديد، ولكنه لم يمكنه أن يقوى عليه؛ لأن ذلك الحب القديم لم يبق منه إلا أثر صغير، ~~وقد محت باقيه تقلبات الأيام في ذلك القلب الذي ملأته ظلمة الأحزان، حتى لم يعد يغير فيه ~~الأمل إلا نورا ضعيفا يحلي من وراءه صورة المحبوبة الجديدة، وتنبت من تحت أكداره زهرة ~~الحب الجديد كما تنبت الوردة تحت الشوك، وكما يخضر غصن الآس بين المقابر، وإنما كان ذلك ~~لأن القلب لا يزال يحب ما دام ms0102 حيا، وكل حب قديم يحدث فيه لا يكون إلا رمادا تلوح من تحته ~~نيران الحب الكامن؛ ولذلك لم يكد خيال مرتا يمتثل لعينيه إلا نظر من ورائه تلك البسمة ~~الحلوة على شفتي حنة، كأنها اليقظة تمحو الأحلام، والنور يبدد غياهب الظلام، والذي كان ~~يساعده على زوال تلك الصورة الماضية هو ما كان يتصور معها من تذكار أندريا عدوه، الذي طالما ~~طبع على فؤاده من ذكرى المصائب ما لا يكاد يمحوه كرور الأيام، ثم قال في نفسه: كيف يكون حظي ~~لو أحببت هذه الفتاة، ثم ظهر بيننا خيال أندريا الجهنمي وعرف بحبنا، وكاد لنا كيدا كما ~~فعل في أمي وأمه وحبيبتي وحبيبته؟ ~~(21) بستيان # وكانت حنة قد أصيبت بنفس ما أصيب به أرمان من الحب، وهي وإن تكن قد رأته بملابس الفعلة ~~غير أنها أيقنت لما رأته من حسن أدبه وكرم أخلاقه أنه بلباس التخفي، وأنه يستر تحت تلك ~~الملابس نفسا طاهرة، وأدبا وافرا، ومنزلة عالية بين أرباب المقامات، ولم تكن تعرف الحب ~~من قبل، فصرفت معظم ليلتها بالتصورات المقلقة، ونهضت في الصباح باكرا، وهي على ما كانت ~~عليه من الاضطراب، فاستسلمت إلى التأملات ولم يوقظها من تلك الغفلة غير صوت بستيان الذي كان ~~منهمكا حينئذ في نقل أثاثه وهو يتباحث مع البواب بصوت مرتفع في شأن البيانو، وأين يجب أن ~~يضعه، فأشار عليه البواب أن يودعه في منزل السيدة حنة، وكان على اتفاق مع بستيان في ذلك ~~الشأن، بحيث إنه كان يتكلم بصوت مرتفع بلغ إلى مسمع حنة، فاختلج له فؤادها اختلاجا ~~شديدا. # وكان بعد ذلك أن بستيان دخل إلى حنة، فتعرف بها واستأذنها بوضع البيانو عندها، حسبما أوعز ~~إليه أرمان، ولما رتب منزله ولم يعد لديه ما يشغله فيه أقفله وخرج منه، فاستأجر مركبة، وأمر ~~السائق بالذهاب إلى شارع سنت كاترين، وفيما تسير به المركبة حانت منه التفاتة، فرأى مركبة ~~قادمة من جهة الباستيل وهي تسابق في مسيرها الهواء، وكان يقود هذه المركبة شاب عليه ملامح ~~الأشراف، وبالقرب منه خادم ms0103 كان جالسا وراءه مكتوف اليدين، فحدق بستيان نظره في ذلك الشاب، ~~ولم يكد ينتبه إليه حتى صاح منذعرا: يا إلهي! إن هذا أندريا وقد صبغ شعره بالسواد. # ثم نظر إلى السائق وقال: إنك إذا تمكنت من أن تسير في إثر هذه المركبة بحيث لا تحتجب عنك، ~~فإني أجازيك خير الجزاء. # فضرب السائق الجواد بالسوط، فانطلق يعدو كالسهم، وما زال يسير في إثر المركبة حتى وقفت ~~أمام قصر جميل بهيج المنظر، فنزل الشاب منها، ودخل إلى القصر مسرعا. أما بستيان فإنه أوقف ~~المركبة على بعد قليل، وتقدم إلى مركبة الشاب فوقف أمام الجواد، وجعل يكلف أن يفحصه وقد ~~أعجب به، ثم نظر إلى الخادم وقال له: أيبيع سيدك هذا الجواد؟ ~~- لا أعلم، وإذا شئت فاسأله عن ذلك. ~~- من هو سيدك؟ ~~- إنه إنكليزي يدعى السير فيليام. ~~- وأين منزله؟ ~~- هو الذي تراه أمامك. ~~- أهو الذي كان يسوق المركبة بنفسه وكنت وراءه. ~~- نعم. # فتركه بستيان ودخل إلى ذلك القصر، فأوصله أحد الخدم إلى غرفة أندريا، واستأذن له بالدخول ~~فدخل. # وكان أندريا قد غادر باريس منذ ثلاثة أعوام، فتغيرت هيأته بعض التغيير، ولكنها لم تكن ~~تخفى على بستيان الذي رباه منذ نشأته. فلما رآه اندهش وظهرت منه إشارة الانذهال بالرغم منه، ~~فلم يحفل بها أندريا، فقال بستيان: إني رأيت ذلك الجواد الكريم الذي كنت تسوقه، وقد أعجبت ~~به غاية الإعجاب. # فأجاب أندريا بلهجة إنكليزية: إنه من خير الجياد، وقد أعطيت فيه ستة آلاف فرنك فأبيت ~~بيعه. ~~- ألا تزال إلى الآن تأبى هذا الثمن؟ ~~- نعم. # وعند ذلك نهض أندريا فذهب إلى منضدة وأخذ سيكارة، فقدمها إلى بستيان الذي رأى به عرجا، ~~فصاح وقد نسي موقفه قائلا: هذا هو بعينه. # وكان ذلك أن أندريا قد كبا به الجواد مرة في حداثته، فكسرت رجله وبقي فيها هذا العرج، ~~فلما رآه بستيان يعرج لم يعد عنده شك به. # أما أندريا فإنه سمعه يقول: «هذا هو بعينه.» التفت إليه وقال بغاية الهدوء: أتعرفني يا سيدي، ~~إني لم أرك قبل الآن؟ ms0104 ~~- لقد قيل لي إنك تدعى السير فيليام، وهذه أول مرة أرى فيها إنكليزيا ذا شعر ~~أسود. ~~- لست إنكليزيا بل أنا أيرلندي. # فقال بستيان ببرود: أظن أنك ولدت في فرنسا. ~~- إنك غلطان يا سيدي فيما ظننت. ~~- لا أراني غلطانا، بل إنك مولود في فرنسا بقصر كارلوفان. # ثم وقف وقال: وإن أباك يدعى فيليبون. ~~- أعود وأقول لك إنك مخطئ. ~~- وأنا أقول لك أيضا إن أباك الكونت فيليبون، قد تزوج بأرملة الكولونيل أرمان دي كركاز، ~~وإن له منها ولدا وهو أخوك. ~~- ليس لي أخوة ولم أولد بفرنسا، وليس أبي الكونت فيليبون، بل أنا وحيد، ولدت في أيرلندا، ~~وأدعى السير فيليام. ~~- إن أخاك يدعى الكونت أرمان دي كركاز، كما أنك تدعى الفيكونت أندريا. # فأجابه أندريا ببرود أدهش بستيان قائلا: إنك مخطئ، فإني لم أسم بهذا الاسم. ~~- أصغ إلي أيها الفيكونت، إن أخاك قد بحث عنك طويلا في جميع الأنحاء، وهو قد غفر لك وعفا ~~عنك، وعزم على أن يقاسمك ثروته، فإن قلبه الشريف لا يعرف الحقد، ولا سيما وأنتما ابنا أم ~~واحدة، فهو يود أن تعيشا في منزل واحد، وقد تيسر لي بعد ما بذلت من العناء في التفتيش عنك ~~أن أجدك، فلماذا تحاول الاحتجاب عني. # فأجابه أندريا بغاية الهدوء والسكينة: إني أقسم لك إنك مخطئ، وإني لا أعرف الكونت دي ~~كركاز، ولا اسمي الفيكونت أندريا، ولم أتشرف برؤياك قبل الآن. # أما بستيان فإنه رأى مسعاه قد أخفق، وقد بذل ما لديه من الوسائل، فإنه استعمل في بادئ ~~الأمر الحيلة، ثم ذكر له ثروة أرمان الواسعة، وأن أخاه يبحث عنه في كل مكان ليشاطره هذه ~~الثروة، آملا أن تثور به المطامع، فيخلع ثوب الخفاء ويعترف باسمه الحقيقي، فذهبت جميع ~~آماله أدراج الرياح. # وكان بستيان على كهولته شديد الأعصاب متين القوى، فلما رأى إخفاقه ثار به الغضب، فتقدم من ~~أندريا، وقبض عليه بيدين من الفولاذ، وهو يقول: أيها الفيكونت، إنك لا تستطيع أن تخدعني ~~طويلا، وستعرف الآن أنك لست بالسير فيليام؟ # فتصنع أندريا الانذهال، وأجابه ms0105 باللهجة الإنكليزية المعهودة قائلا: ألا تريد أن تدعني ~~وشأني، فقد ابتدأت أن أحسبك مجنونا؟ ~~- لتعلمن أيها الفيكونت أني أشد منك ساعدا، وأني قادر على خنقك ببضع ثوان، فاحذر من أن ~~تستغيث إذ لا يجديك الصراخ نفعا. ~~- إذن تريد قتلي؟ ~~- كلا، بل إني أريد أن أجردك من ثيابك، وأكشف عن صدرك لأتبين فيه علامة أعهدها من قبل، ~~فإني رأيتك عاريا مرارا كثيرة في حداثتك، وكنت أرى تحت ثديك الأيمن شامة سوداء. ~~- إن بصدري كثيرا من تلك الشامات، وستحقق ما أرتك عيناك من الأوهام. # ثم أفلت منه ونزع ثوبه ومزق قميصه، فظهر من تحته صدر كثير الشعر ملآن من تلك الشامات ~~السوداء التي تسميها النساء حبات الجمال، فارتاع بستيان مما رآه، ورجع إلى الوراء، وقد علا ~~وجهه الاصفرار، وهو يقول: ليس هو إياه ولكن الشبه شديد. # وكان السير فيليام هو ذات أندريا، ولكن لم يدر بخلد ذلك الكهل الطيب السريرة أنه صبغ شعره ~~بلون السواد، وأخفى كل أثر يعرف فيه. # ووقف الاثنان بعد ذلك ينظر كل منهما إلى الآخر إلى أن افتتح أندريا الحديث، فقال: إن كل ~~ما ظهر لي منك يدل على الجنون، فأنت دخلت إلي وأنا لا أعرفك، ودعوتني باسم رجل لم أسمع ~~بذكره في حياتي، وعندما أظهرت لك خطأك بلطف وأدب هجمت علي هجوم الكواسر، فأنا أعتبر أنك ~~أهنتني. # فأجاب بستيان بصوت المتوسل، وقد شعر بما ارتكب من الخطأ: أسألك أن تتعطف بالإصغاء إلي دقيقة واحدة. فاعلم الآن أن أندريا الذي دعوته بالفيكونت ~~أندريا والذي يشبهك شبها غريبا، هو رجل شرير وأهل لكل الذنوب، وإن له أخا يدعى الكونت ~~أرمان دي كركاز له من النبل ومكارم الأخلاق بقدر ما لذلك الخائن من الدناءة والشؤم والإقدام ~~على كل منكر. أما ذلك الخائن، فهو شديد الحقد على أخيه الذي رد إليه الشرع ثروة واسعة كان ~~سلبها أبوه من أبيه؛ إذ هو أحق منه بها، وقد سافر منذ ثلاث سنوات من باريس على إثر ذلك وهو ~~يجد ولا ريب وراء وسائل الانتقام؛ ms0106 لأنه على ما أبنت لك أهل لكل شر، وإني أحب الكونت دي ~~كركاز كما يحب الأب ابنه، وهو يحب فتاة طاهرة الأخلاق، فإذا علم بأمرها ذلك الخائن، فهو لا ~~يعدم وسيلة لغوايتها؛ لأنه هو شديد المكر كثير طرق الغواية. وقد علمت الآن أن الذي دفعني ~~إلى التصرف معك، على ما أنكرته علي، لم يكن إلا ذلك الشبه الغريب، ومع ذلك أعتذر إليك ~~وأسألك الصفح عما كان. # فلبث أندريا هنيهة يفتكر ثم قال له ببرود: إن ذلك الحديث الذي قصصته علي جليل الفائدة، ~~ولكنه لا يرضيني تمام الرضى، ولا أجد سبيلا للعفو عما أسأت إلي به؛ لذلك أسألك أيضا أن ~~تخبرني عن اسمك وعن محل سكنك، فإني لم أقتنع بسلامة قصدك. # فأجابه بستيان، وقد وقع عليه هذا الكلام وقوع الصواعق: إني أدعى بستيان. # فأجابه أندريا باحتقار: بستيان ماذا؟ ~~- بستيان فقط؛ فإني نشأت في باريس، وولدت بها دون أن أعرف اسم أبي، ولكن نابوليون العظيم ~~قلدني وساما في معركة واغرام، وسماني قائدا في فرقة الحرس. # فقال أندريا: لا بأس في ذلك، فإن بيني وبينك شيئا من التكافؤ، وقد قلت لك إني لم يسعني ~~قبول عذرك، فأنا أسألك ترضية عما فرط منك. ~~- ليكن ما تريد، فقد علمت اسمي، وإني أقيم في شارع سنت كاترين في منزل الكونت أرمان دي ~~كركاز. ~~- حسنا، وسأبعث لك بشهودي بعد غد؛ لأني مقيد اليوم وفي الغد. ~~- إنك تجدني طوع أمرك عندما تشاء. # ثم أخذ من جيبه رقعة زيارة فوضعها على المستوقد وحيا أندريا وذهب، فشيعه إلى خارج ~~الباب. # ولما خلا أندريا بنفسه جعل يضحك ضحك الساخر، وهو يقول بنفسه: إني كنت أجهل أن أخي العزيز ~~عاشق، وقد كنت أظن أنه اكتفى بما لقيه من حبه السابق، إلى أن أعلمني بذلك بستيان، فصح ما ~~قيل: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود.» أما الآن فإنه ذهب وهو واثق من أني غير أندريا، وإن ~~العدو الخفي أشد هولا من العدو الظاهر، وسيكون ذلك الأخ العزيز شاهده بلا ريب، فسنتقابل ~~وجها لوجه، وسأعلم ms0107 كيف أقنعه أني أيرلندي الأصل، حتى إذا تزوجت بهرمين أطلب منه ملايين ~~كرماروت فيدفعها لي بغير صعوبة. # وفيما هو في هذه التأملات إذ وردت عليه رسالة من كولار ففضها، وقرأ بها ما يأتي: # إن الفتاة التي يحبها أرمان دي كركاز تدعى حنة دي بالدر، وهي بارعة في الجمال ومنزلها في ~~شارع مسلي. # فسر بهذا النبأ وقال: سأجتهد بعد أن أقتل بستيان بأن أتخذها خليلة لي. # أما بستيان فإنه خرج من منزل أندريا أصفر الوجه شديد الاضطراب، وذهب إلى أرمان فقص عليه ~~جميع ما كان بينه وبين السير فيليام، فارتاع لذكر أندريا إلى أن تيقن أن السير فيليام شبيه ~~له وليس هو بعينه، فاطمأن ولم يعد يشغله سوى منع هذه المبارزة بإحدى الوسائل لخوفه على ~~بستيان. وبعد أن فرغ بستيان من حكايته قص عليه ما كان بينه وبين حنة، فسر لنجاحه وقال ~~له: اذهب إلى منزلك الجديد واختلق عذرا يمكنك من زيارة حنة، ولا تخرج من عندها إلا حينما ~~تسمع قرعا على باب منزلك، وأكون أنا القارع، فتخرج وتشيعك هي بالطبع إلى الباب حيث أكون ~~أنا هناك. ~~- قد فهمت. # وذهب للحال لينفذ ما عهد إليه، ولم يكد يخرج بستيان من الباب حتى دخل خادم المنزل، وفي ~~يده رسالة، ففضها أرمان وقرأ هذه السطور: # إنه في شهر أكتوبر عام 1800، أي في غضون الحرب الإسبانية، ذهبت فتاة صبية تدعى تريزا مع ~~أمها إلى قرية بجوار فونتنبلو، فأقامتا فيها فصلي الشتاء والربيع، وعندما رجعتا كانت الفتاة ~~حبلى، ولا يعلم هل كانت أرملة أم أنها ارتكبت خطأ، وقد ولدت في آخر الربيع ابنة دعتها ~~هرمين، ثم أقامت عاما كاملا في مارلوت، وسافرت في آخر أكتوبر إلى باريس، فأشيع في مارلوت ~~أنها ذهبت لتتزوج، ويؤكدون أنها تزوجت برجل مستخدم في الوزارة. # هذا هو مفاد الرسالة التي لم يهتم بها أرمان كثيرا؛ لكثرة ما كان يرد عليه من أمثالها في ~~كل يوم، ولكنه أخذ دفتر مذكراته، وكتب فيه بالخط المصري: # يجب البحث إذا كان يوجد رجل في ms0108 وزارة الخارجية قد تزوج في آخر شهر أكتوبر من سنة 1800 ~~بابنة تدعى تريزا ، وإذا كان لها ابنة تدعى هرمين. # ثم أرجع الدفتر إلى مكانه، وذهب إلى منزل بستيان الذي كان ساعتئذ عند حنة، فقرع الباب، ~~وجاء الأمر طبقا لما تصوره، فإن بستيان عندما سمع القرع استأذن من حنة، فخرجت تشيعه إلى ~~الباب الخارجي حيث كان أرمان ينتظر وقلبه شديد الخفوق. # فلم تكد تراه حتى عرفته فاصفر وجهها، واختلج فؤادها، ولكنها تجلدت وانحنت مسلمة عليه ~~بابتسام، ثم دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب. أما أرمان فلم يخف عليه اضطرابها، فكان سروره لا ~~يوصف. ~~(22) الرسالة # مر على ذلك يومان، وقد جرى من الحوادث ما عرفه القراء؛ كأسر سريز في منزل مدام فيبار خارج ~~باريس، وسجن فرناند لاتهامه بالسرقة، وحبس باكارا في مستشفي المجانين، واتفاق أندريا مع ~~بيرابو على الزواج بهرمين. فبينما كان أندريا جالسا في منزله في اليوم الثاني من اتفاقه ~~على المبارزة مع بستيان، وهو قد نال جميع ما يبتغيه من إبعاد جميع من يخشى أن يعترضوا في ~~سبيل مساعيه، بحيث لم يبق عليه سوى إقناع هرمين على الزواج به ليفوز بتلك الملايين، إذ دخل ~~عليه بيرابو، ودار بينهما الحديث الآتي: # فقال بيرابو: إني أتيت لأخبرك عن سفر هرمين وأمها. ~~- إلى أين سافرتا؟ ~~- إلى بريطانيا، فإن لنا فيها بعض الأنسباء، ولا إخال أن فرناند يستطيع الوصول ~~إليها. # فأجابه أندريا ضاحكا: يقتضي له للوصول إليها أن تصادق الحكومة على سفره. ~~- ذلك مستحيل فإن جرمه قد ثبت، وسيحكم عليه بأقرب حين. ~~- ألا توافقني يا عماه على رأيي، وهو أن الحكومة تقدر أن تعثر على المجرم الحقيقي. # فارتعش بيرابو وقال: ذلك لا ريب فيه. ~~- إذن إن هرمين وأمها قد سافرتا. ~~- أجل، إن هرمين قد حاولت الانتحار في بادئ الأمر، ثم الآن لانت بعض اللين ورضيت ~~بالسفر. ~~- إن السفر خير بلسم لجراح الأحزان، وإن العشاق يسافرون باليأس ويرجعون بالنسيان، فلا ~~دواء لمثل هذه الأمراض خير من السفر. ~~- لا ريب عندي بشعائر هرمين، لا سيما عندما ms0109 تعلم جريمة فرناند. ~~- كلا، لم يحن الوقت بعد لإطلاعها على ذلك؛ حذرا من أن يؤثر عليها تأثيرا لا تحمد عقباه، ~~وإن النساء غريبات الأطوار، فربما زادتها خيانة من تحب تعلقا به. وفي كل حال يجب أولا أن ~~يصدر حكم المجلس. ~~- كما تشاء. ~~- بقي علي أن أسألك إذا كان يمكنك أن تعرفني بأنسبائك في بريطانيا عندما أذهب إليها. ~~- لقد افتكرت بذلك من قبل ورتبته على أحسن منوال؛ فإن كبير العائلة شديد الولع بالصيد، محب ~~لكل راغب فيه، ولا أيسر لك من أن تتظاهر بشدة الميل إلى الصيد، فتلتحم بينكما العلائق، ~~وتتصل إلى العائلة فلا يمضي الشهر إلا وأنت صهري. ~~- وعند ذلك تنعم بسريز وبحظك من الملايين. ~~- يجب أن أصبر شهرا كاملا، إن ذلك لأجل طويل، وإني أكاد أجن من شوقي إليها. ~~- ذلك منوط بك، فإذا أمكنك أن تزف هرمين إلي بعد أسبوع تكون لك سريز، وهذه هي طريقتي واحدة ~~بواحدة جزاء. ~~- لا أراك مصيبا في ذلك؛ لأنك تعلم ما ينالني من الفائدة بزواجك هرمين، وأنت وحدك ~~تعرف. ~~- تريد أن تقول إني وحدي أعرف المودعة عنده تلك الملايين، ولكن ألا يتفق لذلك الرجل ~~المودعة عنده أن يعلم اتفاقا أو بإحدى الطرق اسم الوارث، فإذا أعطيتك سريز الآن، واتفق بعد ~~ذلك حصول هرمين على الإرث، فإنك ترفض لتستأثر دوني بالملايين. ~~- ولكن أنسيت أني المجرم الحقيقي في مسألة فرناند؟ ~~- لم أنس ذلك، ولكن الرابطين أشد من الرابط، ومن كان مثلك فإنه يتحمل كل عار لكسب ~~الدراهم، ولكنه ينفق ذلك الدرهم في سبيل غرامه، ولا أشد من غرام الشيوخ، فإذا أعطيتك سريز ~~فإنك تلبث في خدمتي، ولكنك تخدمني ببطء كشريكك في الجرم، وأنا أريد أن تخدمني بغيرة كعاشق؛ ~~لذلك أعود فأؤكد لك أني في اليوم الذي أتزوج فيه بهرمين تنعم أنت بسريز، ولندع الآن الخوض ~~في هذا إذ لا فائدة منه، واعلم أني سأذهب بعد بضعة أيام إلى بريطانيا، فعليك أن تستأذن من ~~الوزارة فتذهب قبلي إلى امرأتك وابنتك، واجتهد أن تكتب لي في كل ms0110 يوم عن هرمين، وأن تمهد لي ~~السبيل. ~~- سأعمل كما أشرت وسأسافر اليوم. # ثم ودعه وانصرف، وخرج أندريا بعده، وذهب إلى السفارة الإنكليزية حيث اجتمع بصديقين له ~~فيها، وعرض عليهما ما كان بينه وبين بستيان، وسألهما أن يكونا شاهديه، فقبلوا وخرجوا سوية من ~~السفارة، فرجع أندريا إلى منزله، وذهب الشاهدان إلى منزل الكونت أرمان دي كركاز ليتفقا مع ~~بستيان على شروط المبارزة، فلم يجداه بل وجدا أرمان الذي بذل ما في وسعه لمنع المبارزة، فلم ~~يجد إلى ذلك سبيلا؛ لما اشتهر به الإنكليز من العناد في مثل هذا الموقف، فاتفقوا على أن ~~المبارزة تكون بالسيف، ويكون الملتقى في الساعة السابعة من الغد في غابة بولونيا، ثم تركاه ~~وذهبا إلى أندريا فأخبراه بما كان، وبعد أن ذهبا وردت إلى أندريا رسالة من كولار هذا ~~نصها: # أكتب إليك الآن من منزل فتاة بجوار منزل حنة قد أغويتها بحيث أصبحت آلة في يدي أديرها ~~كيف أشاء. وقد وثقت الآن أن بستيان لا يبيت هذه الليلة في منزله الجديد، فلا يبقى أحد ~~بجوار حنة، بحيث يخلو لنا الجو، فتدبر وسأحضر إليك بعد قليل للمداولة في هذا الشأن. # أما حنة فإنها كانت قد اجتمعت مرارا ببستيان، فعلمت منه نزاهة قصد أرمان وشغفه بها وشدة ~~رغبته بالاقتران بها؛ ما زاد حبها له وحقق أمانيها، ثم زارها أرمان فحقق بالعيان ما كانت ~~علمته بالخبر، بحيث أصبحت لا تحلم إلا بتلك الأماني الزاهرة، ولا تحدث نفسها إلا بحب أرمان ~~وبما ستلاقي معه من الغبطة والسعادة، وكانت قد استوثقت بينهما العلائق، فكان يكثر من زيارتها ~~على قدر ما يسمح له المقام. # وقد علم القراء أنه عندما أتى شاهدا أندريا كان بستيان في منزله الجديد، فذهب إليه أرمان ~~وتباحث مليا بشأن البراز، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع بحيث سمعت حنة بعض حديثهما، وعلمت أنه ~~سيحصل مبارزة ولكنها لم تعلم اسم المتبارزين، وكان آخر ما قال أرمان لبستيان: يجب أن تذهب ~~الآن لترتب هذا الأمر المكدر، وأنت تعلم أنها تحبني بقدر ما أحبها، ms0111 ويسئوني أنني لا أستطيع ~~زيارتها في هذا المساء، حيث علينا أن ننام باكرا، وأما غدا فإنك تأتي إليها من قبلي ~~وتخطبها رسميا بالنيابة عني. ثم انصرفا. # فاختلجت حنة لما سمعت وسقطت على كرسي في حالة تقرب من الإغماء وتقول: رباه! ما عسى أن يكون ~~هذا الأمر المكدر! # ولبثت بعد ذلك ساعتين وهي غارقة في بحار الهواجس والقلق، إلى أن قرع الباب، فانتبهت من سبات ~~غفلتها ونظرت إلى حاضنتها جرتريدة داخلة وبيدها رسالة مختومة، فقالت: لقد كلفني رجل لا أعرفه ~~بأن أعطيك هذا الكتاب، ثم دفعته إليها ومضت، وفضت حنة ختامه وقرأت ما يأتي: # أول ما أبدأ به سؤالك المعذرة عما جسرت عليه من مكاتبتك. # فظنت أن هذا الكتاب قادم إليها من أرمان، فبحثت آخره لترى التوقيع فرأته غفلا، فعادت إلى القراءة: # إني أحبك يا سيدتي، وأول مرة نظرتك علمت أن قلبي قد شغل بعد ذلك الخلاء بهواك، وإن بك وحدك يناط مستقبل سعادتي. # فوضعت حنة يدها على قلبها وهي تقول: رباه! هذا هو. ثم استمرت في ~~قراءتها: # إني واسع الثروة أيتها الحبيبة، وقد رأيتك ملاكا طاهرا، فأعددت لك جنة أعيش فيها على ~~قدميك متى أراد الله تحقيق هذه الأماني، ولا أصح من تسميتها بذلك المنزل الأنيق الذي تحيط ~~به الأشجار، وتكتنفه الرياحين والأزهار، وتئن فيه الأنهار لتغريد الأطيار حيث تناجي بلسان ~~الهوى وتكشف أسرار القلوب؛ لأنك ستقيمين فيه، ومنازل الملائكة هي الجنات. # أيتها الحبيبة، إني لم أجسر أن أبوح لك بغرامي؛ لأني معرض لخطر عظيم، فإني سأبارز عدوا ~~لي في الساعة السابعة من الصباح. # فما قرأت هذه الفقرة حتى شعرت أن الأرض قد انطبقت عليها، فصاحت صيحة عظيمة، وسقطت على ~~الأرض مغشيا عليها. # وعندما أفاقت من إغمائها وجدت نفسها مضطجعة على سريرها، وأمامها حاضنتها جرتريدة وفتاة ~~حسناء عليها ملامح الضنك، وفي عينيها ما يدل على المكر والرياء. # وكانت هذه الفتاة هي التي أغواها كولار، وكتب في منزلها رسالته السابقة إلى أندريا، وقد ~~سمعت صيحة حنة قبل إغمائها وسقوطها واستغاثة جرتريدة، ms0112 فأتت مدفوعة من كولار الذي كان باقيا ~~عندها، وعرضت على جرتريدة مساعدتها فقبلتها. # أما حنة فإنها لم تلبث عندما استفاقت أن عادت إلى الافتكار بأرمان، وأنه في خطر عظيم، ~~فعزمت على أن تذهب إلى منزله، وتبذل كل ما تستطيع في سبيل منع هذه المبارزة، ثم رأت خيالا ~~قد انتصب أمام عينيها وخيل لها أنه يقول: «لا يجب على المرأة الشريفة أن تمنع من تهواه عن ~~أن يخاطر بحياته للدفاع عن شرفه.» وكان هذا الخيال خيال أبيها، فنهضت من فراشها فركعت أمام ~~صليب معلق في الحائط وصلت، ثم رجعت إلى الفراش فمكثت ريثما تناولت قليلا من المرق، ولم يمر ~~على ذلك عشر دقائق حتى استرخت عيناها وشعرت بنعاس عظيم لم تستطع مقاومته، وثقل رأسها فانطرحت ~~على الفراش، وكانت جرتريدة جالسة بالقرب منها على كرسي طويل. # وبعد ذلك بساعة فتح باب الغرفة، ودخل إليها رجل ومشى إلى فراش حنة وهو يضحك ضحك الساخر ~~ويقول: خليلتي قد أتمت واجباتها على ما يرام، ووضعت في القدر جميع ما أعطيتها من المرقد ~~بحيث أن صوت المدافع لا يقوى على إيقاظ خليلة السير فيليام المستقبلة. وكان هذا الرجل هو ~~كولار. # استيقظت حنة عند الضحى وقد نفدت أشعة الشمس إلى غرفتها، فنظرت إلى ما حولها فلم تر ذلك ~~الصليب الذي كانت تصلي أمامه بالأمس داعية لأرمان، وقد وجدت نفسها نائمة بملابسها على مقعد ~~في غرفة متسعة، يرى من نوافذها أنها محاطة بالأشجار المرتفعة. # وقد رأت في وسط تلك الغرفة البديعة الأثاث سريرا ذا عواميد موشحة بالذهب، وستائر من ~~المخمل، وفيها جميع ما تحتاج إليه العذارى من كل ما يروق للعين ويحلو للنفس، وجميع أدوات ~~الزينة مما يتفاخر به عظماء باريس، وتماثيل ومرائي مرتبة أحسن ترتيب، مما يدل على سلامة ذوق ~~مرتبها، وفي الجملة فإن هذه الغرفة كانت محتوية على كل ما تحلم به العذارى. # وقد خيل لها أنها في حلم عندما رأت نفسها في غير منزلها، وفي غرفة توافق ذلك الكتاب الذي ~~ورد إليها وهي تظنه من ms0113 أرمان، فأخذ العرق ينصب من جبينها، وهي تجهد النفس ولا تقدر على حل ~~شيء من هذه الألغاز، فقامت ومشت في أرض الغرفة ضائعة الصواب موجعة القلب، وهي لا تزال تعتقد ~~أنها في حلم، ثم فتحت إحدى النوافذ فهب في وجهها نسيم الصباح البليل، وأطلت منها على روضة ~~غناء كثيرة الأشجار، وسمعت تغريد الأطيار، فتمثلت لها تلك الجنة التي ذكرت في كتاب أرمان، ثم ~~أخذت تفحص جميع الأشياء الموجودة في الغرفة المجهولة عندها، فتحققت أنها في يقظة، وأخذ ~~الخوف يداخل قلبها وهي تقول: ترى أين أنا؟ وكيف جيء بي إلى هذا المنزل الذي تدل ظواهره على ~~أنه خارج باريس؟ وما لي لا أرى حاضنتي جرتريدة؟ ويلاه! أفي يقظة أنا أم في منام؟ كلا، إن ذاك ~~غريب لا محالة. ولكن نسيم الصباح الذي كان يبرد جبينها الملتهب، وأشعة الشمس التي كانت تتدفق ~~على الحقول الخضراء، وتغريد الطيور التي كانت تتناجى في الشجر وتتناغى فوق رءوس القضب، وحفيف ~~الأشجار وتمايل الغصون التي كانت ترقص لنغمات النسيم؛ كل ذلك كان يثبت لها أنها في يقظة. ~~وفيما هي تتأمل في تلك الغرفة، وقع نظرها على رسالة مفتوحة على المستوقد، فأسرعت إليها وأول ~~ما نظرتها رأت أن خطها هو نفس خط رسالة الأمس، فأخذتها إذ أيقنت أنها من أرمان وقرأت ما ~~يأتي: # الساعة التاسعة صباحا # لقد تبارزت في الساعة السابعة فانتصرت، وأنا سليم لم أصب بشيء. # فصاحت صيحة فرح وقالت في نفسها: ما يهمني بعد ذلك أن أعرف أين أنا، فإن الذي تحبه نفسي ~~حي. ثم عادت إلى الرسالة تتم تلاوتها فقرأت: # دخلت إلى غرفتك أيتها الحبيبة فرأيتك نائمة فلم أوقظك، بل إني لثمت جبينك الوضاح كما ~~يقبل الأخ أخته، ورجعت على الأثر بملء السكون. # أيها الملاك المحبوب، إنني أتصور فرط انذهالك عندما تستيقظين، وتجدين نفسك في مكان لا ~~تعرفينه من قبل، وتجهلين كيف وصلت إليه، وأية يد قادرة اغتنمت فرصة رقادك ونقلتك إلى هذا ~~القصر، بل إلى هذه الجنة التي لم تشد إلا لأجلك، فاطمئني ms0114 أيتها الحبيبة إنني لا أحبك حبا ~~بل أعبدك عبادة، وإن تلك اليد القادرة لا تستخدم قوتها إلا لخدمتك، فإن تلك اليد هي ~~الحب. # فرجف قلب حنة ونظرت إلى ما حولها نظرة قلق ورعب، وقالت في نفسها: كيف يمكن أن ذلك الرجل ~~الذي سمعته بالأمس يقول لبستيان «إنك ستخطبها لي في الغد رسميا» أن يجري على هذا السيل، ~~أتراه يريد أن يتخذني خليلة له، وأنه اغتنم فرصة رقادي. ولم تجسر أن تطلق ظنها إلى ما وراء ~~ذلك وعادت إلى تتمة الرسالة: # أيتها الحبيبة، إني رجل شريف، وأريد أن أبقى أهلا لحبك الشريف، فإنك تحبينني بقدر ما ~~أحبك، فتجدين نفسك على ما كنت من الطهارة، ومع ذاك فإني أسألك الصفح والمعذرة، فقد انتشلتك ~~لأنني لم أستطع الصبر على ما رأيتك فيه من ضيق العيش، وأنفت من أن أراك تأوين إلى منزل ~~حقير، وعلمت بأنك لا ترضين بالرحيل معي قبل أن يتم بيننا القران، فالتجأت إلى الحيلة، ~~وأغريت خدم المنزل، ووضعت في طعامك مرقدا، حتى إذا غفوت بتأثير ذاك المرقد نقلتك إلى مركبة ~~مقفلة سارت بك كل الليل حتى وصلت إلى هذا المكان، ولكني أعود فأقول لك اطمئني؛ لأنك في ~~منزلك، وستكونين امرأتي في أقرب حين. # فوضعت حنة يدها على قلبها، وهي تحاول تسكين خفقانه، ثم عادت إلى الرسالة فقرأت: # واعلمي أيتها الحبيبة، أنه قد يمر على المرء في حياته حوادث غريبة محاطة بالأسرار ~~الخفية، فإني بالأمس كنت معرضا لخطر البراز وقد انتصرت فيه بحول الله، وأراني اليوم في خطر ~~شديد أعظم من الأول، أما الأول فقد أنقذني منه ساعدي، وأما الثاني فلا ينقذني منه سواك، ~~فانتبهي إلى ما أطلبه منك. # إن في ذاك سرا أيتها الحبيبة لا يتعلق بي وحدي ولا يسوغ لي إفشاؤه، وقد يمر عليك في هذا ~~المكان بضعة أيام لا ترينني فيها، فاطمئني وثقي بي لأنني أحبك. إذا لم تبحثي أبدا أين أنت، ~~وإذا كنت لا تحاولين مغادرة هذا المنزل، وإذا كنت لا تسألين الخدم الذين جعلتهم منذ اليوم ms0115 ~~في خدمتك أقل سؤال، أكون في مأمن من هذا الخطر، وإلا فإن أقل مخالفة تجرينها تقضي علي ~~بالموت، فتدبري واعملي بما يدعوك إليه واجب الحب. # وسيصلك مني رسالة في كل يوم، ثم لا تقلقي لبعد جرتريدة عنك، فإنني قد أخذتها معي لأنها ~~تعلم بحبنا، وهذا أيضا من الأسرار التي لا أستطيع أن أبوح بها لك الآن. فأستودعك الله ~~أيتها الحبيبة على أمل اللقاء القريب. # وكان هذا الكتاب غفلا كالكتاب السابق، أي بغير توقيع. ~~(23) المبارزة # لندع حنة الآن تعيد تلاوة هذا الكتاب الغريب، ولنعد إلى أرمان وبستيان، فنقول إنهما خرجا ~~من منزل بستيان، وذهبا توا إلى منزل أرمان حيث دخلا إلى قاعة السلاح، وامتحن أرمان بستيان ~~بلعب السيف فوجده متين الساعد، ولكن لعبه قديم لا ينطبق على القواعد المقررة في هذا العصر ~~بما جعله في قلق عليه، ثم دخل كل إلى غرفته وناما باكرا، وعند الساعة السادسة استيقظ أرمان ~~فأيقظ بستيان، وقال له: هلم بنا الآن؛ إذ يجب علينا أن نصل قبلهم، فإن الفرنسيين لا ~~يتأخرون. # ثم ذهبا إلى غابة بولونيا، فلم يلبثا هنيهة حتى قدم مسير فيليام مع شاهديه، وفيما هم في ~~المركبة نظر إليهم أرمان، فاختلج واضطرب عندما رأى أندريا، وأشار إليه وهو يقول لبستيان: هل ~~أنت واثق من أنه ليس أندريا بعينه؟ ~~- إنني على أتم الثقة كما ثبت لي بعد الامتحان. # ثم وقفت المركبة ونزل أندريا منها مع شاهديه، فتبادلوا التحية، ودار بين أرمان وشاهدي ~~أندريا الحديث الآتي: # قال أرمان: نحن الآن يا سيدي في موقف حرج يتيح لنا المداولة بصراحة وجلاء، فلا يؤخذ ~~كلامنا في غير مأخذه بما يمكن أن يتناول منه مس كرامة أو ظن، لسوء قصد، وإنني أستأذن منكما ~~فألقي عليكما هذا السؤال: أتعرفان السير فيليام من زمن طويل، وهل تعتقدان أنه ~~أيرلندي؟ ~~- إننا نعرفه منذ شهرين، وقد اطلعنا على أوراقه العائلية، فهي تثبت أنه السير فيليام وأنه ~~أيرلندي. ~~- لم يعد عندي ريب في ذاك، وإن كان الشبه عظيما بينه وبين أخي. والآن فإنني أرى ms0116 أسباب ~~البراز طفيفة جدا بحيث يجب التساهل فيه، لا سيما وأن التباين شديد بين سني ~~المتبارزين. ~~- ونحن الآن على رأيك؛ لذلك نقترح أن يكف عن المبارزة عند أول جرح، وأن لا يقصد أحدهما قتل ~~الآخر. ~~- ليكن ما تريد، وليسرع في القتال. # فخلع المتبارزان سترتيهما وفحص الشهود السيفين، ثم أعطيت الإشارة، فبدأ العراك، وكان ~~بستيان شديد الهياج في القتال خلافا لأندريا الذي كان يقاتل بأتم السكون، كأنه يريد أن يقلد ~~الإنكليز بجميع حركاتهم. أما أرمان فإنه علم لأول وهلة أن بستيان دون خصمه، يفضله بالثبات ~~وقوة الساعد، ولم يمض على مبارزتهما خمس دقائق حتى صح ظن أرمان، فإن أندريا دحر بستيان ووضع ~~سيفه بصدره، فعفى عنه، ولم يدع الحسام يصل إلى جسمه، فأوقف أرمان القتال، ولم يعد لديه أقل ~~ريب بأن السير فيليام هو إيرلندي، بدليل ما رآه من عفوه عن بستيان بعد المقدرة عليه، وهي ~~شهامة لا يعرفها أندريا. # وبعد أن أوقف القتال واعترف بستيان بأنه مغلوب، تقدم أندريا وصافحه، ثم أشار إلى الحضور ~~فقال: اسمحوا لي الآن أيها السادة أن أظهر لكم السبب الذي حملني على البراز بعد أن قدم لي ~~خصمي من الاعتذار ما هو كاف. ذاك أنني كنت يوما جالسا في أحد المنتديات مع بعض مواطني، ~~فدار بيننا حديث عن البراز فأنكره مواطني وقالوا إن الشرفاء لا يتبارزون، أما أنا فقد ~~اعترضت عليهم، وأثبت وجوب المبارزة، وأخذت أترقب الفرص كي أثبت ما قلته بالفعل، ثم ما كان ~~بيني وبين خصمي، فعزمت على مبارزته تأييدا لقولي ورفضت قبول ذلك الاعتذار. # وبعد أن قال ذلك تقدم من أرمان فقال: يا سيدي الكونت، إني أشبه أخا لك تبحث عنه منذ حين ~~في سائر الأنحاء. ~~- لا أنكر وجود الشبه بينكم، ولكنكما تختلفان بالشعر فإن شعره أشقر وشعرك أسود. ~~- ومع ذلك فإنني أريد أن تزورني يوما، فأطلعك على أوراقي التي تثبت لك حقيقة ~~نسبي. # فاعتذرا له اعتذارا حسنا. # أما أندريا فتكلف هيئة ودية وأشار إلى الجميع، فقال: لا ريب أيها السادة أن ms0117 كلا منكم قد ~~أحب امرأة واحدة في حياته على الأقل، أما أنا فإنني أعشق الآن فتاة ملكت لبي، وقد أسكنتها ~~بين الغابات لشدة غيرتي عليها، ولم أستطع أن أراها مساء أمس لاضطراري إلى الاجتماع بكم في ~~هذا الصباح. # ثم التفت إلى أرمان فقال له: إنني أكون لك من الشاكرين أيها الكونت إذا تفضلت وأوسعت في ~~مركبتك مكانا لشاهدي، كي أستأثر بمركبتي وحدي؛ فإنني غير راجع إلى باريس. # فأحنى أرمان رأسه إشارة إلى القبول، وصعد أندريا إلى المركبة، وهو يقول: أليست السعادة ~~الحقيقية أن يجتمع العاشق بمن يحب، وعندي أن من يحب خطيبة له يجب عليه أن يخفيها عن جميع ~~العيون. # فافتكر أرمان بحنة، واختلج قلبه، أما أندريا فإنه ضرب الجواد بالسوط وقال لأرمان بصوت ~~الهازئ: إذا احببت امرأة فإني أشير عليك أن تحافظ عليها كما يجب. # فاصفر وجه أرمان وافتكر ثانية بحنة، فملأ قلبه الخوف. # وسارت مركبة أندريا تعدو به كالبرق الخاطف ساعات طويلة إلى أن بلغت إلى ذاك المنزل الذي ~~جلست فيه حنة وسريز، وهو منزل مدام فيبار، ففتح بابا سريا ودخل منه، فنظر إلى الرمل وإذا ~~عليه أثار أقدام، فتنهد تنهد الفرح، وقال: وقع الطير في الشرك وقد أصبحت حنة لي. # وفيما هو يسير في الروضة، رأى كولار مضطجعا تحت ظل شجرة على غاية الاطمئنان، فدنا منه ~~وقال: ما وراءك من الأخبار؟ # فنهض كولار ووقف أمامه بإكرام واحترام، وقال: إنها لا تزال نائمة؟ ~~- في أية ساعة تركت المرقد؟ ~~- في الساعة العاشرة. # فنظر أندريا إلى ساعته وقال: الآن ثمانية وهي لا تفيق قبل العاشرة. ثم مشيا سوية ودخلا ~~إلى ذاك المنزل الأنيق، فولجا تلك الغرفة التي تركنا فيها حنة منذهلة مستغربة لوجودها في مثل ~~هذا المكان، وكانت ساعتئذ نائمة، فدنا منها وتفرس في وجهها، ثم قال: إني أهنئ أخي أرمان ~~لسلامة ذوقه، فهي بالحقيقة على غاية من الجمال. وبعد ذلك سأل كولار عن سريز فقال: إنها لا ~~تزال تبكي وتشكو من معاملة مدام فيبار. # فاغتاظ أندريا من ذلك، وقال ms0118 له: اذهب وادع لي مدام فيبار، وأخبر سريز بأني قادم ~~لزيارتها. # فذهب كولار وجلس أندريا بالقرب من منضدة، فكتب إلى حنة الرسالة التي مر ذكرها، ثم نهض ووقف ~~أمام حنة فجعل ينظرها ويقول: إنها بارعة الجمال وهي الآن متأثرة من المرقد فلا تشعر بشيء، ~~ولو كان سواي لكان ينتقم انتقاما أشد وأقسى، وأنا لا أريد جسم هذه الفتاة بل إني أريد ~~قلبها، فهي قد ابتدأت أن تحب أرمان وستنتهي بأن تحبني، وقد كان يتمثل أرمان لها بالأمس شخص ~~الفضيلة، ولكني سأدعها ترى فيه بعد ذلك المكر والدناءة والخداع، وأنه مخادع وقد انتحل اسمي ~~ليتمكن به من غوايتها، فسأكون أنا أرمان الحقيقي بعينها، ويكون أرمان المنتحل الخائن. # وبعد أن انتهى من تصوراته قرع الجرس، فدخلت الخادمة وكان أعدها لخدمة حنة، فأمرها أن تدعو ~~جميع الخدم، ولما أتوا قال لهم: إنني أعطي كلا منكم مائة دينار إذا كنتم تظهرون أمام هذه ~~السيدة النائمة أنني أنا الكونت أرمان دي كركاز، وإذا كنتم تجعلونها تعتقد بذلك، وإلا فإنني ~~أطردكم جميعا. # ثم صرفهم وخرج في إثرهم وهو يقول: سينطلي مثل هذا المحال على سريز أيضا، فإذا لم تقتنع ~~حنة من الخدم، فهي تقتنع ولا ريب من صديقتها سريز! ~~(24) الوعود # لقد تركنا سريز مغميا عليها في منزل مدام فيبار، وبعد أن أفاقت من إغمائها نقلتها إلى ~~غرفة عالية حسنة الأثاث، ثم تركتها ومضت في شأنها بعد أن أقفلت الباب عليها، وكان أول ما ~~بدأت به سريز بعدما رأت نفسها وحيدة بهذه الغرفة، أنها أسرعت إلى الباب وحاولت فتحه والخروج، ~~ولكنها رأته مقفلا فأخذت تصيح وتستغيث، ولكن لم يجبها غير الصدى، ولما لم تستطع شيئا أخذت ~~تبكي بكاء الأطفال. وعند الظهر دخلت عليها مدام فيبار بآنية طعام فرفضت أن تأكل، فتركتها ~~وخرجت فأقفلت الباب من المخارج، وفي المساء عادت إليها بالطعام فرفضت أيضا، فلم تكترث مدام ~~فيبار بذلك، وفعلت نفس ما فعلته عند الظهر، وفي اليوم الثاني تغدت بالقليل من الطعام، ~~وأرادت أن تخرج من الغرفة، فمنعتها ms0119 العجوز وعاملتها أسوأ المعاملة. # ومضى على سريز في ذلك المجلس ثلاثة أيام حتى نضب الدمع من عينيها، وكادت تجن من اليأس، ~~وفيما هي ذات يوم متكئة على النافذة فتح باب غرفتها ودخل منه السير فيليام، فلما رأته صاحت ~~صيحة رعب شديدة، وركضت منذعرة إلى آخر الغرفة كمن تريد الهرب. # أما السير فيليام فكان هادئا مبتسما، وقد تكلف هيئة اللطف والاحترام، فرفع قبعته وانحنى ~~مسلما بمنتهى الأدب، وقال: اطمئني يا سيدتي، فإني رجل شريف. # فلبثت بمكانها تنظر إليه نظرة القلق والريبة، وقد ذهب عنها بعض ذلك الرعب، فقال لها بصوت ~~رقيق: أصغي إلي يا سيدتي، فإني سأخبرك بما لا تعرفينه. ~~- أيمكن يا سيدي أن تكون أنت الآمر بجميع ما كابدته من المتاعب والإهانة؟ # فتصنع أندريا الغضب وقال: من الذي جسر على ذلك؟ ~~- تلك العجوز الشمطاء، التي قالت لي أنهم أتوا بي إلى هذا المكان بقصد أن ... # فقاطعها أندريا وقال: كل ما قيل لك كذب وزور، وسأنتقم لك. # فقالت سريز وقد تهدج صوتها وأجهشت بالبكاء: إني أسيرة في هذه الغرفة منذ ثلاثة أيام، ولم ~~أعلم شيئا عن ... # فلم يدعها تتمم وقال: تريدين أن تقولي إنك لم تعلمي شيئا عن خطيبك ليون رولاند ... اطمئني، ~~ولينعم بالك فإن خطيبك يستحق حبك، وسأجعل لك مهرا يتسع فيه حالكما بحيث تعيشان على أتم ~~السعادة. # فتنهدت سريز تنهد الفرح، وقالت: لم أكن أصدق أبدا يا سيدي ما كانت تقوله لي هذه ~~العجوز. ~~- ماذا كانت تقول لك؟ ~~- إنه لم يؤت بي إلى هنا إلا بأمرك ... لأنك شاب واسع الثروة، وأنا صبية فقيرة ... ~~- فتظاهر أندريا أنه التهب من الغيظ، وقال: أنا الكونت أرمان دي كركاز، أرتكب مثل هذه ~~الدناءة! ~~- أنت يا سيدي هو الكونت أرمان دي كركاز؟ ~~- أجل يا ابنتي، وقد عرفت خطيبك ليون بواسطة خادمي بستيان الذي قد رأيته ولا ريب، فهو ذلك ~~الرجل الذي أنقذكم من أخصامكم في فندق بلفيل. ~~- أجل، أجل، إني أذكر ذلك وقد عرفته. ~~- إذن فأصغي إلي ولا تخشي أبدا، فإنك حسناء فاضلة وكذلك ms0120 ليون، فهو أهل لك، وأنا سأكون ~~لك بمثابة أب أو أخ، فإن مدام فيبار قد قالت شيئا من الحقيقة، وهو أنه قد أتي بك إلى هنا ~~بأمري، ولكن ما قالته لك من أني أريد غوايتك إفك وبهتان، والذي يجب علينا الآن هو إنقاذ ~~ليون وحنة. # فصرخت سريز بمنتهى الانذهال: حنة! ~~- نعم، حنة دي بالدر التي أحبها حبا مبرحا، والتي ستكون امرأتي في أقرب حين، فإنها ~~أصيبت أيضا بنفس ما أصبت به أنت، وإني أراك شديدة الاضطراب لهذه الحوادث الغريبة التي تمر ~~عليك كألغاز، فأصغي لي أوضحها لك، فلنبدأ بك أولا ثم نعود إلى حنة، فأنتما قد أصبتما بمصاب ~~واحد. # إنك تحبين ليون وهو يحبك، وقد كنتما اتفقتما على أن يكون قرانكما بعد خمسة عشر يوما، وإن ~~لك أختا شقية بغيا باعتك بيع السلع إلى رجل غني قادر على أن يقتحم أشد الأمور، وهذا ~~الرجل هو بيرابو رئيس القلم في الوزارة، وهو الذي أنقذتك منه، واضطررت إلى نقلك هنا كي ~~تكوني بمأمن من كيده ريثما يدعى إلى المجلس ويحاكم بما جنت يداه، وهو لا يستطيع أن يأتي ~~إليك وأنت في هذا المكان، أفهمت الآن؟ ~~- فما الذي دعاك أن تعاملنا بمثل هذا الإحسان؟ ~~- إني رجل واسع الثروة، وقد أوقفتها لصنع الخير ودفع كل شر، ولدي رجال صادقون أبثهم في ~~جميع الأنحاء، فيطلعوني على كل شيء، وهم الذين أعلموني بما كان بين أختك وبيرابو من الاتفاق ~~بشأنك، والآن فأصغي إلي فإني أكلمك عن حنة. # ثم وضع يده على قلبه، وقال: إني أحبها حبا ليس فوقه حب، وقد كانت معرضة لخطر يشبه الخطر ~~الذي كنت أنت معرضة له؛ ذلك أن بستيان خادم غرفتي قد انتحل اسمي وتقدم إليها باسم الكونت ~~أرمان دي كركاز. # فقالت سريز بانذهال: بستيان الذي كان معنا في بلفيل؟ ~~- أجل، هو بعينه وقد توهمتم يومئذ أن الصدفة قد بعثت به إليكم لإنقاذكم من ذينك اللصين ~~اللذين لم يكونا إلا رفيقيه، والسبب في ذلك أن بستيان هذا قد رأى حنة، واقتفى أثرها ms0121 ~~مرارا، وعلق بها، فاتفق مع شريكيه عندما رأى حنة ذاهبة معكم إلى بلفيل، ومثل هذه الرواية ~~المضحكة التي تعلمينها، بحيث اضطررتم بعدما شاهدتم من شهامته أن تدعوه إلى ذلك العشاء، ثم ~~ذهبتم إلى منزلكم فاغتنم هذه الفرصة لإيصال حنة، التي سرها ما رأته فيه من الشهامة إلى ~~منزلها، وإنك لا تعرفين هذا الرجل إلا بالنظر، أما أنا فقد عرفته بالخبر، فهو أهل لكل شيء، ~~فلما رأى ميل حنة إليه انتحل اسمي فتسمى بأرمان دي كركاز، وأعطى اسمه لرجل كهل استأجر ~~منزلا باسم بستيان بجوار منزل حنة، فتعرف هذا الرجل بها، وأخبرها أنه كان له سابق صداقة مع ~~أبيها، فلما وثقت به أخذ يخبرها عن ميل الكونت دي كركاز إليها، ويحدثها بشهامته ومكارمه، ثم ~~زارها ذلك الخائن المتلبس باسمي، وأظهر لها ما يؤيد كلام شريكه المنتحل اسمه، فأحبته عندما ~~تأكد لها أن حبه شريف، وأن ما وراءه إلا الاقتران. # فاضطربت سريز وقالت باشمئزاز: ذلك محال! فإن مثل حنة دي بالدر لا يمكن أن تحب ~~خادما. ~~- وإنها كانت تحسبه الكونت أرمان، وهو حسن الظواهر، فخدعت به وقد أطلعت على هذا السر ~~الغريب اتفاقا؛ لأن خادمي هذا كان يفتخر أمام رجالي بأن حنة دي بالدر تحبه. وإذا كنت أحبها ~~حبا شريفا طاهرا، كمن يحب الفتاة التي سيتزوجها، ورأيت أنها قد تدلهت في حب ذلك الخائن ~~الذي كان يتلبس باسمي، فقد أسقيتها مرقدا، وجئت بها في الليل إلى هذا القصر بعد أن كتبت ~~لها كتابا بغير توقيع. # فصرخت سريز بفرح: أهي هنا الآن؟ ~~- أجل وسترينها، فهلمي معي إليها. # ثم أخذ بيدها وخرجا من الغرفة سوية، وفيما هما في طريق الروضة صادف مدام فيبار، فنظر ~~إليها شذرا وقال لها بقساوة: إن زوجك كان رجلا صادق الخدمة، وإني أراك على عكس ذلك، فإني ~~عهدت إليك الاعتناء بهذه الفتاة فأوسعتها شتما وسبابا، وعاملتها أسوأ معاملة؛ لذلك أكتفي ~~بطردك. # وفيما هو يقول ذلك أشار إليها بطرف خفي ففهمت مراده، وانصرفت وهي تتكلف هيئة ~~الكدر. # ولما وصلا إلى غرفة ms0122 حنة قال لسريز: أصغي إلي جيدا، فإن حنة لا تزال نائمة ولا تستيقظ إلا ~~عند الساعة العاشرة، عندما أكون سافرت؛ لأني مضطر إلى التغيب ثمانية أيام في قضاء بعض ~~الشئون المهمة، وإنك ستقيمين معها إلى أن أعود بحيث تكونين بمأمن من أختك الخائنة، ومن ~~مطاردة بيرابو اللذين سينالان من العقاب ما يكونان فيه قدوة لسواهما، وإني سأكتب لها كل يوم ~~وستقعين على رسائلي إليها، فلا تظهري لها سوى أن الذي يحبها الحب الأكبر هو الكونت أرمان دي ~~كركاز، وليس ذلك الخائن بستيان، وإني أرجو أن يكون لرسائلي تأثير عليها، فتمحو من قلبها حب ~~ذلك السافل. # فنظرت إليه سريز متعجبة وقالت: كيف لا تنسى حبه بعد أن تعلم بدناءته، ولا يقتضي لأن تهواك ~~إلا أن تراك. ~~- إذن أودعك على أمل اللقاء القريب، فإني مضطر إلى السفر، ولا يوافق أن تراني ~~الآن. ~~- قل لي بالله متى أرى ليون؟ ~~- لا أقدر أن أفيدك بالتدقيق، ولكن ثقي بي واصبري قليلا، وإني أقسم لك أنك ستزفين إليه ~~بعد خمسة عشر يوما. # ثم تركها وقلبها مفعم بالأمل، وانصرف فلقي كولار بانتظاره فقال له: لقد تم كل شيء وفق ~~المراد، فإني لم أسرق امرأة أرمان فقط، بل قد سرقت اسمه ايضا، والآن فلننظر في شأن الملايين؛ ~~إذ قد شفيت نفسي من الانتقام. ~~- هذه هي النقطة المهمة. ~~- وأنا من رأيك، والآن فإني مسافر إلى بريطانيا لأقترن بهرمين. # وهكذا، فإن أندريا قد انتصر بجميع أعماله؛ فإنه سجن فرناند، واستولى على حنة وسريز، ووضع ~~باكارا في مستشفى المجانين، بحيث لم يعد في وسع الكونت أرمان دي كركاز أن يجد الوارث ~~لملايين البارون كرماروت. ~~(25) قلق ليون # مر يوم على اختطاف سريز، التي كانت تمر كل مساء بالمعمل الذي يشتغل فيها خطيبها، وكان ~~ليون ينتظرها في الباب الخارجي في وقت معين، وقد انتظرها ذلك اليوم حسب العادة، فلم تمر به، ~~فقلق وظن أنها مريضة أو أصيبت بسوء، فصبر بملء الجزع إلى أن أقفل المعمل، وانطلق مسرعا إلى ~~منزلها، فقرع الباب فلم يجبه ms0123 أحد، فظن أنها ذهبت إلى الشارع في بعض الشئون، فلبث منتظرا ~~إلى أن تعود ، وقد طال انتظاره حتى عيل صبره، فنزل إلى البواب وسأله عن سريز فقال له: إنها ~~ذهبت أمس مساء ولم تعد إلى الآن. ~~- كيف ذلك وهل ذهبت وحدها؟ ~~- كلا، بل قد ذهبت مع فاني، خادمة باكارا، وأظن أن أمها أو أختها أصيبت بمكروه، بدليل ما ~~رأيت على وجهها عند خروجها، من ملامح القلق. # فارتاع ليون لذكر باكارا؛ إذ كان يخشى دائما منها، ولم يكد ينتهي كلام البواب حتى تركه ~~وذهب مهرولا إلى شارع مونسي حيث منزل باكارا، فوجد الأبواب والنوافذ مقفلة، فقرع الباب ~~قرعا شديدا فلم يجبه أحد، وكان في زواية الطريق حمال وقد اعتاد خدمة المنزل، فلما رأى ~~ليون يقرع الباب ذلك القرع الشديد تقدم منه وقال له: لا يوجد أحد في المنزل، فإن صاحبته قد ~~سافرت في هذا الصباح. ~~- ذلك مستحيل، ألا تعلم أين ذهبت؟ ~~- كلا. # فاختلج فؤاد ليون وتأكد له أن باكارا قد اختطفت سريز، فترك ذلك المكان وهو يكاد يجن من ~~اليأس، وذهب إلى أمه آملا أنها تفيده شيئا عن سريز، فألفاها لا تعلم شيئا، فذهب إلى صاحب ~~المعمل الذي كان يشتغل فيه وهو يرجو أن ينفعه شيئا برأي سديد، وكان صاحب هذا المعمل رجلا ~~عاقلا محبا لليون، فسكن جأشه وطيب قلبه، وقال إن خطيبته قد ذهبت ولا ريب مع أختها، ~~ووعده أن يذهب معه غدا إلى دائرة البوليس فيعرضون الشكوى، فذهب ليون إلى منزله، ونام تلك ~~الليلة على أحر من الجمر، فلم يغمض له جفن، وعندما طلع الصباح ذهب إلى منزل سريز، فقيل له ~~إنها لم تعد، فتوجه إلى منزل باكارا فوجد الأبواب مقفلة، فذهب إلى صاحب المعمل وانطلقا ~~سوية إلى دائرة البوليس، فأخبرا الرئيس بما علماه عن اختفاء سريز، فقال لهما: إن البنات ~~التي تخطف في باريس يكون اختطافهن في الأغلب الأعم عن طوعهن، ومع ذلك فسأنظر في هذا الشأن، ~~فارجعا إلي بعد يومين. # وكان هذان اليومان لدى ليون أشبه بعامين، ms0124 فخرج من عند الرئيس وقلبه مفعم من اليأس، فارتأى ~~أن يذهب إلى منزل حنة عساه أن يعلم منها ما يوقفه على سر اختطافها. فذهب ولما وصل لم ير غير ~~جرتريدة جالسة في المنزل، وهي تنوح وتبكي البكاء الأليم، فعلم منها أن حنة قد اختطفت، وأنها ~~قد تركت رسالة هذا نصها: # حبيبتي جرتريدة # إنك ستستيقظين فلا تجديني؛ لأني قد سافرت إلى مكان لا أستطيع أن أخبرك عنه، ولأجل ذلك لا ~~أقدر أن أسميه، أما السبب في هذا السفر الفجائي، فهو أني أريد الهرب من الكونت أرمان دي ~~كركاز الذي لا أحبه لألحق بالرجل الذي هامت به روحي، والذي لا أقدر أيضا أن أسميه، فاطمئني ~~أيتها الحبيبة، وربما نلتقي بعد حين. # فقص عليها ليون خبر اختطاف سريز، وفيما هما يتحادثان سمعا وقع أقدام على السلم، فأطلت ~~جرتريدة بحيث رأت القادم هذا الكونت أرمان دي كركاز، فنظره ليون وقال بمنتهى العجب: هذا ~~الذي رأيناه في بلفيل وأنقذنا من اللصوص. # وكان القادم الكونت أرمان بعينه يصحبه بستيان، فإنه بعدما سمع من أندريا ذلك التحذير على ~~إثر المبارزة، اشتد قلقه على حنة ولم يهدأ له بال، فأسرع مع بستيان إلى زيارتها وهو يقول: إن ~~قلبي يحدثني بمصاب جلل. # وعندما وصل إلى ذلك المنزل وجد جرتريدة تشهق وتنتحب، فعلم بوقوع المصاب، وأعطاه ليون ~~رسالة حنة، فلم يتم قراءتها حتى سقط على المقعد واهي القوى وهو يقول: إن ذلك صنع أندريا، ~~وهو الذي رأيناه. ~~(26) رسالة بيرابو # ولنعد الآن إلى بيرابو وهرمين اللذين تركناهما على ما عهده القراء فيهما من التأثر من ~~الكتاب الذي كتبته باكارا إلى فرناند. # وقد أفضى اليأس بهرمين إلى أن قالت لأمها على إثر هذه الحادثة: أماه إني أحب أن أدخل الدير، ولا أريد الزواج. ~~- إنك تدخلين إلى الدير، وتتركينني وحدي؟ # وكان صوت تريزا يتهدج من الحنان بما أثر تأثيرا شديدا بهرمين، فقالت: كلا يا أماه، بل ~~أبقى بقربك ما دمت حية، وما دفعني إلى هذا القول غير اشتداد الأحزان. # ثم أكبت على عنق ms0125 أمها تعانقها وتبكي البكاء الشديد. # طال هذا البكاء زمنا طويلا إلى أن سكن جأش هرمين، فقالت لأمها: إني لا أستطيع أن أمكث ~~ساعة في باريس، فهل لك أن نذهب لزيارة عمتي مدام كرمارك. # فقبلت أمها هذا الاقتراح بفرح لا يوصف؛ لأنها كانت ترجو أن يخفف السفر أحزانها، فأجابتها ~~بالقبول. # وعند منتصف الليل عاد بيرابو إلى المنزل، فأخبرته امرأته باقتراح هرمين بوجوب السفر الذي ~~يمهد للعشاق سبل السلوان، فصادق هو أيضا على هذا الطلب، ليس حبا بشفاء هرمين بل لرغبته أن ~~يكون حرا في غيابهما عن باريس فيمرح كما يشاء. وهكذا فإنهما عند الصباح سافرتا إلى ~~بريطانيا، ولما وصلتا إليها قابلتهما مدام كرمارك بمزيد التودد والاحتفاء. # وكانت مدام كرمارك امرأة عجوزا عائشة مع زوجها في قصر واسع تكتنفه الأشجار وتحيط به ~~الغابات والحقول، وكان مولعا بالصيد بحيث كانت تقضي جميع ساعات نهارها بعزلة، فلا ترى ~~أمامها غير الخدم؛ لذلك أنست بلقائهما وتعزت برؤياهما مما كانت تلقاه من ضجر الوحدة ~~والانفراد. # وبعد يومين من ذلك استأذن بيرابو من الوزارة لاحقا بهما، حسبما كان الاتفاق بينه وبين ~~أندريا، وكانت جودة الهواء وما كانت تلقاه هرمين في تلك البرية من جمال الطبيعة قد لطف ~~أحزانها، فلم تسكب دمعة بل كانت تبتسم بعض الأحيان إذا سمعت نكتة مضحكة، وربما كان ذلك منها ~~من قبيل التصنع إرضاء لأمها التي كانت تذوب لهفا على ما أصابها، والتي كانت تخشى عليها في ~~كل حين أن يفعل الحزن في جسمها النحيف ما تفعل ريح الشتاء بأوراق الشجر. # ولم تكن هي ولا أمها تنتظران بيرابو، فاندهشتا جدا لرؤياه. أما هو فإنه عانقهما عند ~~وصوله بغاية الحنان، وأظهر لهما من التودد ما لم تكونا تعهدانه فيه، وفي يوم وصوله أخذ بيد ~~امرأته بعد أن قاما عن المائدة، وخلا بها فقال: أصغي إلي فإني لا أجهل أنك تسيئين بي الظنون، وليس لك بي ثقة المرأة بزوجها، ولكني أتيت ~~لأباحثك في شأن هرمين التي أحبها كما تحبينها أنت ... إني كنت أعلم من قبل ms0126 فساد أخلاق فرناند ~~الذي رمانا بهذه النكبة؛ ولذلك كنت أرفض مصاهرته، ولم أقبل به زوجا لهرمين إلا لما رأيته ~~من رغبتك، وحذرا من أن أسوءك بهذا الرفض، فإن هذا الرجل التعس لم يرتكب فقط ما تعلمينه من ~~خيانة لهرمين، بل إنه قد ارتكب ذنبا من أعظم الذنوب. أتعلمين ما كان مراده من زواج هرمين؟ ~~إنه لم يتزوج بها إلا لينفق مهرها على خليلته التي أوصلت به إلى هذا الشقاء. # وكانت والدة هرمين لا تزال تحب فرناند، فقالت لزوجها: بالله كفى، ولا تحكم على هذا الشاب ~~بمثل هذه القسوة. ~~- إنك لا تعرفين شيئا بعد. # فقالت وهي تضطرب: وما عسى أن يكون قد طرأ أيضا؟ ~~- إن فرناند في السجن. # ثم قص عليها جميع ما حصل لفرناند من اتهامه بالسرقة، ومن القبض عليه في منزل باكارا، ~~ووجود الدراهم المسروقة عندها، ولما انتهى من هذه الحكاية قال: وستنشره الصحف بعد صدور الحكم، ولأجل هذا قد حضرت اليوم كي أطلعك على هذا النبأ؛ فإني ~~أخشى أن تقف هرمين على جرم خطيبها بإحدى الصحف فتصاب بما لا ينجع فيه دواء، والآن لم يبق ~~علينا سوى أن نطرد هذه الأفكار من مخلية هرمين، فإن المسمار يدفع المسمار، والحب الجديد يدفع ~~الحب القديم. # فقالت تريزا والدموع تنهل من عينيها لما سمعته عن فرناند: ماذا تعني بالذي قلته؟ ~~- أتذكرين حفلة الرقص الأخيرة التي حضرناها في وزارة الخارجية؟ ~~- نعم، وماذا تريد بهذا السؤال؟ ~~- أتذكرين أيضا الشاب الإنكليزي الذي عرفك به سفير إنكلترا، والذي رقص مع هرمين؟ ~~- نعم، إني أذكره وإنه يدعى السير فيليام. ~~- نعم هو ذاك. فاعلمي الآن أن هذا الشاب شريف الحسب حسن الأدب وافر الثروة، وقد علق بحب ~~هرمين حين رآها في تلك الحفلة، وقد زارني مرتين بعد السفر كما ... # فقاطعته تريزا وقالت: إن هرمين متى أحبت رجلا فلا تحب سواه. ~~- ولكنها متى علمت أن ذلك الذي تحبه قد خدعها وخانها بدناءة، ثم متى علمت أنه لص، فلا ~~يبقى في قلبها أثر من حبه. فإذا رأت شابا شريفا ms0127 جميلا، قد اجتمعت جميع الصفات الحسنة ~~فيه يحبها، فلا يبعد أن تبادله هذا. ~~- إنك قلت إن هذا الشاب يحب هرمين. ~~- إنه يحبها كثيرا. ~~- كيف يمكن أن يحبها، وهو لم يجتمع بها إلا مرة واحدة؟ ~~- إن روميو أحب جولييت وهو لم ينظرها إلا نظرة واحدة. ~~- شهد الله أني إذا لقيت رجلا يقدر أن يرد إلى ابنتي قلبها المسلوب أنطرح على قدميه، ~~وأقول له: «رحماك أنقذ ابنتي مما هي فيه.» ~~- وإن ذلك الرجل هو السير فيليام. ~~- إذن يجب أن نعود إلى باريس. ~~- لا حاجة إلى ذلك، بل هو يأتي إلى هنا، وإني سأكون من أسعد البشر إذا يسر الله هذا ~~الزواج، فإن الرجل عريق النسب وثروته تقدر بالملايين، ولا أقرب من أن تحبه هرمين متى حصلت ~~بينهما العشرة؛ لما هو عليه من الذكاء، وطيب الحديث، ووفرة الآداب، وما شاكل من كل ما تتوق ~~إليه نفوس الأديبات. # وما زال بها حتى أقنعها، واتفقا على اتخاذ الوسائل اللازمة لتحببه إلى هرمين، ثم افترقا ~~فدخل بيرابو إلى مخدعه، وكتب إلى أندريا ما يأتي: # أيها الصهر العزيز # لم أزل بامرأتي حتى أقنعتها، وأصبحت آلة بيدنا نديرها كيف نشاء، ولم يبق عليك سوى أن ~~تسرع بالحضور، وأن تكتب لي قبل سفرك. # وقد وصلت هذه الرسالة إلى أندريا بعد خروجه من عند سريز، فخلا بكولار وقال له: إني مسافر ~~الآن لأهتم بالملايين، وسأدعك أمام عدو هائل يجب أن تخافه. ~~- ألعلك تريد به أرمان دي كركاز. ~~- هو ذاك. ~~- طب نفسا فسأراقبه. ~~- إن فرناند بالسجن، ولا يمكن أن يخرج منه، فيجب أن تحرص الحرص الشديد على سريز ~~وحنة. ~~- لا تخشى من هذا القبيل. ~~- بقي علينا عدو أشد هولا من الجميع، وهو ليون رولاند. ~~- أتريد أن يموت؟ ~~- هذا ما أرتئيه، أيستطيع نيقولا أن يقتله؟ ~~- لا ريب فيه، ولكن كيف يقتله، وفي أي مكان؟ ~~- إنك لا تزال أبله ضعيف الرأي، أيصعب عليك أن تدعه يذهب خارج باريس بإحدى الطرق؟ ~~- لقد خطر لي فكر، وهو أن ليون يعتقد أني صديق له، وسأذهب به ms0128 في الليل إلى بوجيفال بدعوى ~~أني علمت أن سريز مختبئة هناك، ويكون نيقولا مترقبا حضورنا فنقضي عليه. ~~- هذا فكر حسن، ولكن لا تفعل شيئا قبل أن أكتب لك. # ثم ألقى إليه بعض أوامره، وودعه وسافر إلى بريطانيا. ~~(27) جموح المركبة # وكانت قد استحكمت العلائق بين مدام كرمارك وضيوفها، فبينما كانوا يوما جلوسا على ~~المائدة، وذلك بعد وصول بيرابو بيومين، دخل مأمور البريد وقدم إلى بيرابو رسالة ففضها، وقرأ ~~ما يأتي: # سأسافر بعد ساعة حيث أنتظرك في سنت مالو التي تبعد خمس عشرة مرحلة عن القرية التي أنتم ~~فيها، فأسرع إلي عندما تقف على هذه الرسالة لأني بانتظارك. # فنهض بيرابو وقال: لقد جاءني رسول من قبل الوزارة، وهو ينتظرني في سانت مالو، فيجب علي أن ~~أسرع في المسير إليه. # ثم انحنى على كتف امرأته وقال لها سرا: إني ذاهب لألاقي السير فيليام، وسأعود عند ~~الغروب، فاذهبي مع هرمين لملاقاتي. # فأمرت مدام كرمارك أن تهيئ له المركبة، فركب فيها وسار ينهب الأرض نهبا حتى وصل إلى سنت ~~مالو، وكان أندريا قد سبقه إليها منذ ربع ساعة، فاجتمعا وقال له أندريا: كيف مسير ~~أعمالنا؟ ~~- على أتم النجاح، فإن امرأتي أصبحت تميل إليك أشد الميل؟ ~~- حسنا، فكيف عزمت على أن تعرفني بأهل المنزل الذي أنت فيه؟ ~~- إن البارون دي مادي هو صديقك، وهو ابن أخت مدام كرمارك، ومنزله بجوار منزلها، وستدخل ~~القرية عندما يحن الظلام فتسأله الضيافة، وعلي تتميم الأمر. أما الآن فإن طريقنا إلى المنزل ~~وعرة المسالك. ~~- أعرف ذلك. # وبالحقيقة فإن أندريا يعرف تلك الطرق أتم المعرفة؛ لأنه كان يسكن على عهد أبيه فيليبون في ~~قصر كارلوفان، كما يعلمه القراء، وهذا القصر واقع في البراري نفسها. ~~- عجبا! كيف تعرف هذه الطرق؟ ~~- إني أعرفها أكثر منك. ~~- إذن تذهب إلى مغارة الذهب، وتجلس على تلك القمة العالية المشرفة على الأوقيانوس، حتى إذا ~~مرت امرأتي وابنتها تجدانك جالسا في ذلك الخلاء مستغرقا في تأملاتك المحزنة. ~~- حسنا، ولكن لدي طريقة أفضل، ذلك أني أنقذك على مرآها من خطر ms0129 عظيم. ~~- تنقذني أنا؟ ~~- نعم، فأصغي إلي. # ثم اتفق وإياه على ما سيقف عليه القراء في حينه. # وافترقا، فذهب بيرابو على مركبته لملاقاة امرأته وابنته، وذهب أندريا على جواده من طريق ~~آخر إلى القمة الكائنة أمام مغارة الذهب. # ولم يكن أشد خطرا من تلك الطريق التي سار فيها بيرابو على المركبة، فإنها كانت ضيقة لا ~~يزيد عرضها على ثلاثة أمتار، وهي شديدة الارتفاع يحيط بها من الجهة اليمنى وديان عميقة ~~كثيرة الصخور، ومن الجهة اليسرى البحر الأوقيانوس، وهي كثيرة الشعاب بحيث إن أشد الخطر فيها ~~كان على المركبات التي إذا جمحت بها الجياد تسقط بها إما إلى ما وراء البحر، وإما إلى ~~الوديان، ومع ذلك فقد كان المنتزه العام لأهالي تلك القرى؛ لكثرة ما يكتنفها من جمال ~~الطبيعة، ولا سيما في شهر نيسان، التي تساق هذه الحادثة في غضونه. # وبينما كانت هرمين وأمها سائرين الهوينا في تلك الطريق لملاقاة بيرابو، إذ رأتا جوادا ~~كريما يرعى الكلأ، فدنتا منه فأبصرتا عليه سرجا مزركشا بالخيوط الذهبية على غاية من ~~الدقة في الصناعة، مما يدل على أن صاحبه من أولي اليسار، ثم حومتا بنظرهما لتبحثا عن صاحب ~~هذا الجواد، فرأتا على قمة عالية رجلا فاخر اللباس جالسا على صخر مرتفع، وهو واضع رأسه بين ~~يديه ينظر إلى الأرض نظرا ساهيا وهو غارق في بحار تصوراته، فاختلج فؤاد الأم وقالت في ~~نفسها: لا ريب بأن هذا الفارس هو السير فيليام. # أما هرمين فإنها أنكرت وجود هذا الشاب على مثل هذه الحالة من العزلة التي تدل على منتهى ~~الكآبة، فقالت لأمها: ترى ما شأن هذا الرجل، وما علة انفراده في مثل هذا المكان؟ ~~- ربما كان مصورا يمثل جمال هذه المناظر، فيرتزق منها. ~~- ذلك محال؛ فإن مصورا يرتزق من عمل يديه لا يكون له مثل هذا الجواد، وفوق ذلك إني لا أرى ~~أمامه معدات التصوير. ~~- إذن فهو سائح، وقد استوقفته هذه المناظر البهجة. ~~- لا هذا ولا ذاك يا أماه، بل هو رجل منكود، وقد التجأ إلى هذه ms0130 البراري لترويح النفس، ~~وللتأمل بعظمة الله. # فارتعشت أمها في البدء ثم اختلج فؤادها بعاطفة سرور وأمل؛ لأنها رأت أن هرمين قد نسيت ~~مصابها، فاشتغلت عنه بمصاب الغير وقالت في نفسها: إذا كان هذا هو السير فيليام فإن مقابلة ~~واحدة تكون كافية في مثل هذا المكان، ولا شيء يؤلف بين القلوب مثل الأحزان. # وقد عزمت أن تجعله أمام ابنتها مثالا للفضيلة كي يروق بعينيها. # وكانت الشمس قد ابتدأت تصفر مؤذنة بالمغيب وهي تلقي بأشعتها الباردة على ذلك العباب، ~~فترقص أشعتها الذهبية على أمواجه الزاخرة، وتدبج الحقول الخضراء بأبهج الألوان. فنهض ذلك ~~الشاب واتشح برداء طويل، ثم ذهب إلى جواده فامتطاه، وسار به إلى جهة سان مالو، ولم تستطع ~~هرمين أن تتبين وجهه، ولكنها قدرت أن تعلم أنه في شرخ الشباب، وظهر لها من مشيته وسهيانه ~~أنه منقبض الصدر شديد الحزن، وما زالت تشيعه بالنظر إلى أن غاب في أعماق الوادي. # وكانت قد اتفقت مع أمها لملاقاة بيرابو، فأوجست خيفة لطول غيابه إلى أن رأت عن بعد نقطة ~~سوداء كانت تدنو منها وتتسع حتى تمثلت بهيئة مركبة، فعلمت أنها مركبة أبيها. ثم سمعتا صوت ~~استغاثة من تلك المركبة، عقبه صوت بارود ارتج له الوادي، فنظرتا فإذا بالمركبة قد وقفت ~~فأيقنتا أنها في خطر، وكانتا واثقتين من أنها تحمل بيرابو، فجعلتا تركضان إلى أن بلغتا ~~إليها، فإذا بالجواد قد سقط ميتا، وبيرابو خارج المركبة يصافح السير فيليام ويشكره الشكر ~~الجزيل، ولما رآهما تقدم منهما وقال: إني مديون لهذا النبيل بالحياة؛ فإن جواد المركبة قد ~~جمح، ولو لم يطلق عليه الرصاص لكانت سقطت المركبة بي إلى الوادي. # وبينما كان بيرابو يقص على تريزا وهرمين ما كان من الجواد، كان أندريا مطرقا بنظره إلى ~~الأرض، إلى أن انتهى من حديثه، فرفع عينيه ونظر إلى هرمين، وصاح صيحة كآبة وانذهال، ثم انحنى ~~عليها مسلما، ووثب مسرعا إلى جواده، فسار به يقطع الأرض نهبا. # فأخذوا ينظرون إلى بعضهم، وكلهم يقول: من هذا الرجل الغريب الأطوار؟ # ثم قال ms0131 بيرابو: يخال لي أني نظرت هذا الشاب قبل الآن. # قالت تريز: وأنا كذلك، ولكني لا أذكر أين. # قالت هرمين: وأنا أيضا نظرته قبل ذلك، وقد عرفته فهو السير فيليام الذي عرفنا به سفير ~~إنكلترا في حفلة الرقص التي أحيتها الوزارة الخارجية، وأذكر أني رقصت معه أيضا. # فقال بيرابو: إذن ما الذي دعاه إلى هذا السلوك الغريب، ولماذا غادرنا بهذه السرعة؟ # فقالت هرمين، وقد أثر عليها ما رأت عليه من الكآبة: إنه عندما نظر إلينا تنهد تنهدا ~~طويلا عميقا، ثم صاح صيحة أسف، وقد كان قبل جالسا على هذا الصخر، ساهي الطرف مشتت البال ~~لا يعبأ بجمال هذه البراري، ولا يكترث بتلك الأمواج التي قد ذهبتها أشعة الشمس، مما يدل على ~~أنه بلغ أقصى درجات الكآبة. # فقال بيرابو: ذاك يدل على أنه عاشق منكود. # فتنهدت هرمين وقالت: مسكين هذا الشاب. # وحول بيرابو الحديث إلى غيره، وقال: إن الجواد قد قتل، فكيف نرجع إلى المنزل. ~~- إننا نذهب على الأقدام، فإني أعرف طريقا قريبة. # ثم تأبطت ذراع أمها، ومشت معها مشيا سريعا كأنها تريد أن تدرك الشاب الذي حمل فؤادها ~~على الشفقة عليه، ولا سيما بعدما رأته نظر إليها فاصفر وجهه وتنهد، وكانت تبحر بنظرها في ~~جميع الجهات آملة أن ترى ذاك المنكود الذي ماثلها في اليأس، ورأت أنه يكابد من الأشجان نفس ~~ما تكابد. # أما أندريا، فإنه ما زال يسير إلى أن وصل إلى منزل كرمارك، وقد كان قد جن الظلام فأوقف ~~جواده أمام الباب وقال لأحد الخدم: قل لسيد هذا المنزل إن غريبا تائها يسأله ~~الضيافة. # فهرول الخادم مسرعا إلى مدام كرمارك، ووصف لها هيئة أندريا وملابسه، ثم قال لها: إنه ~~تائه يسأل الضيافة. ~~- أسرع بإدخاله، فإن هذا المنزل معد للضيوف منذ تشيد. # فذهب وعاد به، وانحنى أمامها مسلما، وقال: أسألك يا سيدتي الصفح والمعذرة، فإني تهت في ~~هذه البرية، وقد أظلم الليل فلم أعلم أين أنا. # فأشارت إليه بالجلوس وقالت: إن قصري معد منذ أعوام لقبول الغرباء والتائهين، ولكل من ms0132 ~~يلتجئ إليه. # فقبل يدها باحترام، ثم عاد فقال: إنني ذاهب يا سيدتي إلى قرية مانوار لزيارة صديق يدعى ~~البارون دي مادي، وقد ضللت الطريق. # فظهرت على وجهها علائم البشاشة، وقالت: أنت صديق البارون دي مادي؟ إنه ابن أختي وأنت الآن ~~في منزلك. ~~- لم أكن أعلم ذلك من قبل، وإنني أشكرك في كل حال، وأرجو أن تسمحي أن أتسمى لديك، فإني ~~أيرلندي الأصل وأدعى السير فيليام. # فانحنت بدورها. # فقال أندريا بلهجة محزنة: إنني أضرب الأرض وأطوف الليل والنهار جائلا دون غاية ومن غير ~~قصد. ~~- عجبا! كيف تجول من غير قصد؟ ~~- وا أسفاه! نعم يا سيدتي، إنني أخترق الهضاب والبطاح وأجوب الفلوات، وأتجول في البلاد ~~كقانط لا يقبل العزاء، أو كمجرم يفر من القضاة وما أنا مجرم، بل أنا قانط لأني محب غير ~~محبوب ولا يمكن أن أحب، وقد كنت منذ ساعتين تائها في هذه البراري ليس لي وجهة غير منزل ~~صديقي البارون، وأنا أظنني بعيدا عمن أحبتها نفسي وهامت بها روحي، ولكني عدت فوجدت تلك ~~الضالة المنشودة، فلم تكن رؤياها إلا ليهيج مكامن أشجاني. ~~- كيف رأيت التي تحبها في هذه القرية؟ ~~- نعم، وعندما رأيتها هربت منها، فلكزت بطن الجواد وأنا لا أعلم أين أسير ولا أصغي لصوت ~~قلبي المنكود، فسار بي الجواد يسابق الرياح إلى أن جن الظلام، وسلك سواء السبيل، ثم وقف ذلك ~~الجواد الكريم أمام هذا المنزل الكريم، فدلني بأنه أعقل مني، وأنا لا أعلم إذا كنت بعيدا عن ~~قرية صديقي البارون أو قريبا منها، فالتجأت إلى هذا المنزل إلى أن أهتدي إلى وجهتي، وأنا ~~أسألك صفحا وألتمس منك عفوا. ~~- كفى يا سيدي لا تعتذر، فإنني أشكر العناية التي أضلتك الطريق، وأرسلت إلي هذا الضيف ~~النبيل. # فانحنى أندريا وقبل يدها ثانية باحترام، ثم دار بينهما الحديث الآتي: # قالت: ألا تبالغ في حديث غرامك؟ ~~- كلا يا سيدتي، فإن حبي لا أصفه إذ لست أنصفه، ولا أعده إذ لست أحده، وليس هو حب بل هو ~~جنون بل هو داء قاتل لا ms0133 يعمل فيه دواء ولا تنفذ فيه حيل الأطباء. ~~- ولكن ألا يمكن لتلك المرأة أن تحبك؟ ~~- ليس لي ذرة من الأمل. ~~- إذن هي من غير قلب. ~~- إنها من أشد الناس شعورا، وأعظمهن تأثيرا، وقد اجتمعت بها كل الصفات التي تجعل المرأة ~~تعبد عبادة لا تحب حبا. # فتبسمت تبسما خفيفا، ثم قالت: أهي متزوجة؟ ~~- كلا، فهي عذراء. ~~- إذن أنت متزوج؟ ~~- كلا يا سيدتي، فإني لا أزال عازبا، ولي من العمر ثمانية وعشرون عاما، ومن المال ما ~~يقدر بالملايين. ~~- وما يمنعك عن الاقتران بها؟ # فأجابها بصوت نفذ إلى أعماق قلبها: إنها تحب سواي. ~~- إن حديثك بمنتهى الغرابة، فإني منذ أربعين عاما في هذه القرية، وليس بها الآن من ~~العذارى غير فتاتين؛ إحداهما السيدة ب. والثانية السيدة ر. ولا بد أن تكون إحداهما التي ~~صادفتها بهذه الضواحي. ~~- كلا يا سيدتي، فإني لا أعرف هاتين الصبيتين. ~~- إذن أين لقيتها، وهل كانت في مركبة أم كانت تسير على قدميها؟ ~~- كانت تمشي. ~~- أكانت وحدها؟ ~~- كلا، بل كانت مع أمها تسيران في طريق سانت مالو. ~~- إلهي ماذا أسمع، أليست تدعى بهرمين؟ # فوضع يده على قلبه وتنهد طويلا، ثم قال: أواه! نعم هي بعينها. ~~- إنها نسيبة لي، وهي ابنة بيرابو رئيس قلم في الوزارة الخارجية. # فتنهد ثانية وقال: نعم. ~~- إني أعجب يا سيدي كيف أن مثل هرمين تبلغ من فساد الذوق إلى أن لا تحب مثلك، وترغب عنك ~~بسواك. ~~- إنها تحب شابا لا يستحق حبها، فهو غير أهل لها. ~~- كيف ذلك؟ ومن هو هذا الشاب؟ إنني أريد أن أدقق البحث في هذا الشأن، وهي آتية ~~فسنرى. # فصاح أندريا صيحة اندهاش وقال: أهي آتية إلى هنا؟ ~~- لا ريب في ذلك، فإننا ننتظرها للعشاء. # فنهض مسرعا وقال: أستودعك الله يا سيدتي، فإني لا أطيق النظر إليها، وليس بوسعي أن أقف ~~أمامها. # ثم خرج مسرعا بغير أن يدع لها مجالا لمنعه. # وبعد أن مثل هذه الرواية المضحكة، وسار إلى منزل صديقه البارون دي مادي، ووصل بيرابو ~~وهرمين وأمها إلى المنزل، فوجدا مدام ms0134 كرمارك على غير ما عهدوها من البشاشة، فسألوها عما ~~أصابها فقالت: إني أعجب لأطوار الإنكليز، فإنهم كثيرو الشواذ في معاملاتهم. # فإجابها بيرابو: عن أي إنكليزي تعنين؟ ~~- ألم تصادفوه في مسيركم؟ ~~- من ذاك؟ ~~- السير فيليام. # فقال بمزيد الاندهاش: كيف رأيته، وأنا أبحث عنه في كل مكان؛ لأني مديون له بحياتي؟ ~~- كيف ذلك؟! # فقص بيرابو حديث المركبة وجموح الجواد. # قالت: كل ذلك يدل على أنه من نبلاء القوم، وقد جاء إلى هنا منذ حين بحجة أنه تائه عن ~~الطريق، ثم ذهب لأنه لم ... وكادت تظهر السبب في رحيله، ثم رأت أن ذلك لا يوافق قصه أمام ~~هرمين، فأرادت إبعادها بحيلة فقالت لها: أرجوك أن تذهبي إلى المطبخ وتحثي الطاهي على تهييء ~~الطعام. فذهبت هرمين، ولما خلا بهم المكان قالت مدام كرمارك: أتعلمان أن السير فيليام عاشق ~~مفتون. فأشار بيرابو برأسه إشارة إيجاب، قالت: أتعلم ذلك؟ ~~- نعم، إنه قد توله بحب هرمين، وقد خطبها من شهر. ~~- أرفضت طلبه؟ ~~- لم أرفضه إلا لأن هرمين كانت مخطوبة، وهي على أهبة الزواج. # ثم قص عليها حديث فرناند روشي، وكيف ارتكب ذلك الإثم الذي زج بسببه في السجن، وهتك حرمته ~~بما دعا إلى حل هذا العقد بينهما. # فارتاعت مدام كرمارك وقالت: عجبا! كيف أن هرمين تحب مثل هذا السافل؟ # فأجابتها تريزا: إنها تحبه حبا ليس فوقه حب. ~~- يجب نزع هذا الحب من قلبها، فهو يشينها، ويجب أن تحب السير فيليام من غير بد، فهو من ~~نبلاء القوم، شريف الحسب، وافر الأدب، واسع الثروة، حسن السمعة، ولا أجد لها عذرا في رفض حبه، ~~فيجب أن نتفق جميعا على إقناعها إذا لازمت الإصرار على هذا الغي، وسأشرع بتمهيد هذا السبيل ~~منذ الآن؛ إذ ينبغي قبل كل شيء أن يحصل التعارف بينهما. ثم دعت بخادمها وقالت له: أعطني ~~أدوات الكتابة. فأتاها بها، فكتبت إلى البارون ما يأتي: # يا ابن أختي العزيز # إنه قد زارني منذ خمسة أيام نسيبي بيرابو مع امرأته وابنته التي لها ولع بالصيد وشغف ~~بركوب الخيل، وأنا ms0135 أعلم أن عندك السير فيليام، فإذا رأيت أن تحضره معك في الغد فنذهب سوية ~~إلى الصيد، وأكون لك من الشاكرين. # وأعطت الكتاب إلى خادمها وقالت له: سر إلى ابن أختي، وارجع إلي حالا بالجواب. ~~••• # بينما كان السير فيليام مجدا في الاستيلاء على قلب هرمين، كان أرمان يبحث مع ليون ~~وبستيان عن حنة وسريز، وقد فرق رجاله الخفيين في جميع أنحاء باريس، فلم يقفوا لهما على أثر. ~~وكان أرمان شديد الحزن لبعد حنة، وكان يبكي لفرقها البكاء المر، وفي اليوم الرابع من ~~اختطافها كان جالسا في منزله وهو مشتت البال ضائع الرشد، فدخل عليه ليون رولاند الذي أصابه ~~من فقد سريز نفس ما أصاب أرمان، وقال له: يظهر يا سيدي الكونت أن الشقاء قد أحاط بجميع ~~معارفي، وإن لي صديقا طاهر الأخلاق أحبه كأخ وقد رزئ بمصاب. ~~- من هو هذا الصديق؟ وما أصابه؟ # فأعطاه ليون رسالة مفتوحة، وقال له: اقرأ يا سيدي الكونت. # فقرأ أرمان ما يأتي: # صديقي العزيز ليون # إنك الرجل الوحيد الذي أقدر أن أكتب إليه، وأسأله مساعدة وعزاء، فإني كنت يوم آخر عهدي ~~بلقاك من أسعد البشر؛ لقرب اقتراني بمن أحب، وكنت محترما في عيون الناس، أما اليوم أيها ~~الصديق فإني مطرود من خدمتي، متهم بالاختلاس، منطرح في أعماق السجن، ولا أعلم أين يقذفون بي ~~بعد الحكم علي. فتعال أيها الصديق لأراك المرة الأخيرة، فإن الشقاء سيقتلني، وأظنني أموت ~~قبل صدور الحكم، محبك. # فرناند روشي # فلما أتم أرمان قراءة الرسالة سأل ليون عن فرناند، فقال له: إنه مستخدم في الوزارة ~~الخارجية، وإنه في السجن منذ أربعة أيام. ~~- بأي ذنب قد سجن؟ ~~- لا أعلم، ولكني أقسم أن فرناند لا يمكن أن يجترم ذنبا يعاقب عليه بالسجن ~~والطرد. ~~- أين منزله؟ ~~- هو ذلك المنزل المقابل لمنزل سريز. ~~- أكان له معرفة بحنة؟ ~~- ربما، فإنه كان يراها كثيرا مع سريز. ~~- إن كان ذلك فهو من الغرابة بمكان؛ فإن أربعة أشخاص متعارفين قد احتجبوا تقريبا في وقت ~~واحد، مما يدل على أن يدا واحدة ms0136 قد وضعت هذه الحوادث، ولكن لماذا ولأية غاية؟ ومن هو ~~الفاعل؟ إن ذلك من الأسرار المغلقة التي يصعب حل رموزها، فلنذهب إلى فرناند عسى أن نقف منه ~~على شيء. # ثم ذهب الاثنان إلى السجن، واستأذنا بزيارة فرناند فأذن لهما، فلما شاهده أرمان حن إليه ~~قلبه، وهاجت به عواطف الشفقة؛ لما رأى على ملامحه من اليأس والانفعال، فقال له: إنك لم ترني ~~قبل ذلك ولا تعرفني، ولكن سأهتم بشأنك وآخذ بناصرك لأسباب لا يمكن التصريح بها الآن، ولأني ~~أعتقد ببراءتك، غير أني أحب أن أعرف بالتدقيق بما يتهمونك وكيف أنت هنا. # فقال فرناند: إنهم يتهمونني باختلاس ثلاثين ألف فرنك من صندوق الوزارة الذي كانت مفاتيحه ~~معي. ثم قص عليه حكايته من حين ائتمنه بيرابو على المفاتيح، وكيف أعطاه كولار الرسالة من ~~هرمين، إلى أن قبض عليه بمنزل باكارا. # ولما انتهى من حكايته نظر أرمان إلى ليون وقال: لم يبق لدي ريب بأن اتهام هذا الشاب ~~بالاختلاس، واختطاف حنة وسريز صنع يد واحدة، وقد صار يجب أن أرى باكارا. # فقال ليون: وا أسفاه! هي أيضا قد احتجبت، ولا يعلم أحد بمكانها. # فقال فرناند: وإن الأغرب من ذلك وجود المحفظة في جيب سترتي التي كانت معلقة في منزل ~~باكارا، وأنا لم أمسها على الإطلاق. # فقال أرمان: ثق أيها الشاب أن الحقيقة ستتضح عن قريب، وإنه يهمني حل هذا اللغز أكثر ما ~~يهمك، فأخبرني الآن عن خطيبتك هرمين أهي جميلة؟ فأجابه فرناند ببساطة: لا أعلم، ولكنني ~~أحبها. ~~- هل هي غنية؟ ~~- كلا، وفوق ذلك فإن بيرابو لم يسمح بقراني بها إلا على شرط أن تجرد من مهرها الذي يصل ~~إليها من أمها، وأن بيرابو ليس بأبيها. ~~- هل تزوجت أمها مرتين؟ ~~- كلا، ولكنها قد ارتكبت هفوة في صباها، وإن والد هرمين غير معروف. # فتذكر أرمان تلك الرسالة التي أتته من قبل، وكان بها أن امرأة تدعى تريزا قد ارتكبت هفوة ~~في مارلوت، فولدت بنتا ثم تزوجت برجل مستخدم في الوزارة في باريس، فقال في نفسه: ألا ms0137 يمكن ~~أن تكون هي تلك المرأة التي بحثت عنها منذ حين؟ وقد علم من فرناند أن والدة هرمين تدعى ~~تريزا، فتأكد لديه أنها ابنة البارون كرماروت صاحب الملايين المؤتمن عليها، وقال في نفسه: ~~إن هذه الحادثة ستكشف لي جميع هذه الأسرار. # ثم ودع فرناند وقد وعده بأن يزوره في اليوم الثاني، ولم يذكر شيئا من أمر ذلك الإرث ~~الخفي الذي ستحصل عليه هرمين، وذهب مع ليون إلى منزله، فأخذ ذلك النوط الذي أعطاه إياه ~~البارون كرماروت وهو على فراش الموت؛ ليكون كعلامة يعرف بها صاحبة الإرث على ما تقدم في ~~موضعه من سياق هذا الحديث كما يذكر القراء. # وقد عزم على أن يذهب إلى منزل بيرابو فيتحقق الأمر، ثم عدل عن ذلك بغية التأني، وقال ~~لليون: لا ريب عندي ببراءة فرناند، وأن الرجل الذي رماه بهذه التهمة يريد أن يتزوج بهرمين، ~~ولكن إذا صح ذلك ألم يقدر ذلك الرجل أن يفسخ بينهما عقد الخطبة بغير هذه الواسطة، وبعد فكيف ~~أن فرناند بعد أن أغمي عليه في الطريق وجد في منزل باكارا التي هي أخت سريز، وكيف أن باكارا ~~وسريز وحنة قد احتجبن تقريبا في يوم واحد؛ إن ذلك يدل على أن فاعل هذه الفعلة لم يدفعه ~~إليها الغرام وحده، بل له بذلك مآرب أخرى، وربما كانت مآربه عظيمة، فإذا صح أن مدام بيرابو ~~هي التي أبحث عنها من زمن طويل، فستكون ثروة ابنتها 12 مليونا قد ائتمنني عليها البارون ~~كرماروت، ولا أحد غيري يعلم هذا السر، أيمكن لذلك الذي ألقى التهمة على فرناند بقصد إبعاده ~~عن هرمين أن يكون عارفا بهذا السر، وكيف يتاح له معرفة ذلك، وهب أنه عرف بذلك الإرث الخفي، ~~وأن هرمين هي الوارثة، فما السبب في اختطاف سريز وأختها وحنة. # فقال ليون: أظن أن باكارا هي التي فعلت كل ذلك، فإنها مشغوفة بفرناند. ~~- ذلك لا يمكن أن يكون، فإنها إذا كانت تحبه فهي لا تريد له ضررا، وما أظنها إلا آلة قد ~~أدارتها يد قوية، ولا ms0138 أحد سوى باكارا يقدر أن يفيدنا عن ذلك المجرم، فيجب أن أرها من غير بد ~~مهما تجشمت من المشاق. # ثم أطرق مليا، فطرأت على باله حنة، وتذكر ابتسام السير فيليام السخري، فطار فؤاده ~~شعاعا وقال: كل ذلك من صنع أندريا. # وللحال دعا بستيان وقال له: ألا تزال واثقا أن السير فيليام هو غير أندريا؟ ~~- لا ريب عندي في ذلك، فقد امتحنته بغاية التدقيق. ~~- ولكن قلبي يحدثني بأنه هو بعينه، لا بأس من أن تنظره مرة ثانية، فإنك مديون له بزيارة، ~~فاذهب الآن إليه على الفور، واجعل حديثك معه على غاية التودد، واجتهد أن تدعه يكثر من ~~الحديث، فقد رابتني لهجته التي يستشف منها المدقق أنها فرنسية محضة. # فذهب بستيان، ثم عاد بعد قليل، وقال: إنه غادر باريس، وقد قال لي خادمه إنه ذهب إلى ~~أيرلندا، وسيعود إليها بعد خمسة عشر يوما. # فارتاع أرمان وخشي أن يكون هذا الذي اختطف حنة، وسار بها إلى تلك البلاد. # وكان قد أرسل ليون إلى منزل بيرابو فعاد أيضا مسرعا، وقال: إن مدام بيرابو قد سافرت مع ~~ابنتها إلى بريطانيا من يوم قبض على فرناند. # فضرب على جبهته بيده، وقال: أقسم أن كل ذلك من صنع أندريا. # وفيما هو يتمايل إذ دخل خادم غرفته وقال له: يا مولاي، إن امرأة على الباب تقول إنك ~~تعرفها وهي تطلب أن تراك. ~~- لتدخل. # فلما دخلت ورآها صاح صيحة انذهال وقال: هذه باكارا. ~~••• # ولكي نظهر كيف أن باكارا قد جاءت إلى منزل أرمان وهي لا تعرفه، ينبغي أن نعود إلى حيث تركناها ~~مع الطبيب المتصنع تسير في المركبة إلى مونمارتر فنقول: يذكر القراء أنها كانت جالسة في المركبة بين خادمتها فاني وبين ذلك الطبيب المتصنع، وأنها ~~عندما حاولت أن تستغيث أشهر عليها الخنجر فارتاعت وسكنت، ثم إنها بعد حين همت أن تثب من ~~المركبة فأمسكها بيديه، وقال لها: اختاري بين أن تكوني في مستشفى المجانين أو أن تكوني في ~~السجن مع المجرمين. # فأجفلت باكارا وقالت: أنا أزج في السجن! ms0139 وأي جرم ارتكبت؟! ~~- إنك ارتكبت جرم السرقة، فإن لك شركة في سرقة المحفظة المحتوية على ثلاثين ألف فرنك التي ~~سرقها عشيقك فرناند من الوزارة، وقد قبض عليه في منزلك. ~~- إذن فهو بالحقيقة سارق! ~~- لا أعلم إذا كان هو الذي سرق المحفظة، أو إذا كان أحد أعدائه قد وضعها في جيبه، ولكن ~~الذي أعلمه أن الشرطة قد ألقوا القبض عليه في منزلك حيث وجدوا المحفظة في جيبه بما كان فيها ~~من المال. ~~- أوجد المال عندي؟ ~~- نعم، في غرفتك الذاتية. # فانطرحت داخل المركبة واهية القوى وهي تقول: إلهي ماذا أسمع؟ # وعند ذلك وقفت المركبة، ففتح بابها ودخل أندريا، وقال لفاني: اصعدي أنت واجلسي بجانب ~~السائق، ودعيني أجلس مكانك. # فامتثلت، أما باكارا فإنها نظرت ابتسام أندريا السخري، فقالت: لقد عرفت من قبل أن ذلك من ~~صنعك. ~~- هذا مما يثبت لي رجحان عقلك، فلا تضيعي مني تلك الثقة فيك، واعلمي أني لا أريد بك ضررا، ~~وربما اتخذتك خليلة بعد حين، فإنك وافرة اللطف بارعة الجمال، ولكني أسعى وراء أمر خطير، وإن ~~حريتك تعرقل مساعي، وربما كانت عقبة في سبيلي، فاضطررت إلى أسرك مكرها بضعة أيام من قبيل ~~الحذر والاحتياط، وسترد إليك حريتك بعد ذلك، وتعوضين أضعاف ما خسرته. ~~- أنا لم أسئ إليك قط، فلماذا تريد أن تسيء إلي؟ ~~- ألم تفهمي بعد أني شديد الشغف بك، وقد اضطررت إلى أن أحجبك عن العيون حذرا ~~عليك. ~~- مما تحذر علي، فإني لم أسرق المحفظة. ~~- ولكن السارق وجد عندك، والمحفظة وجدت في غرفتك. ~~- يا للخيانة! إنه بريء. ~~- ربما، ولكن من صالحي أن يكون هو المجرم. ~~- أنا لا أرضى بذلك، وسأظهر مكرك وخيانتك أمام الشرع. ~~- كيف تقدرين أن تثبتي براءته، وقد وجدته الشرطة في منزلك، وفي جيبه المحفظة والمال، ~~فكأنك بذلك تقودين نفسك بيدك إلى السجن، وتثبتين أنك شريكته في الجريمة، ومع ذلك فإني أخيرك ~~بين السجن وبين مستشفى المجانين، وعندي أنه خير لك أن تلزمي السكون؛ فلا مرد لما قضي به ~~عليك، ولا يمر بك ثمانية أيام حتى ms0140 تنفرج عندك الأزمة، وتعودي إلى منزلك فلا يحنق عليك ~~البارون. ~~- أنا كتبت له أن ذلك زور وبهتان. ~~- ومع ذلك فقد ورد اليوم إلى البارون رسالة بخطك، ويظهر أن كاتبها قد أجاد تقليد الخط حتى ~~لم يدع للبارون أقل شك فيها. # فصاحت باكارا صيحة منكرة، وعلمت أنها أصبحت في قبضة هذا الرجل يفعل بها ما يشاء. # وعند ذاك وقفت المركبة على باب المستشفى، فقال لها: لقد تم الاتفاق بيننا على أن تكوني ~~هادئة، وذلك خير لك على ما أبنته. ~~- ولكن ماذا يجري بفرناند أيحكمون عليه؟ ~~- لا تخافي، فإن فرناند متهم بسرقة، وهذا ما يدعو هرمين إلى ترك حبه والاقتران بي! ~~- ومتى اقترنت بك فماذا يكون؟ ~~- يكون أنني أبرئ فرناند من تهمته. # فصاحت باكارا صيحة الفرح، وقالت: بالله كيف ذلك؟ ~~- هو سري، فاسمحي لي بكتمانه. ~~- وهم يطلقون سراح فرناند؟ ~~- نعم، ويقترن بك! # فتنهدت الفتاة وأحنت رأسها كمن يستسلم للقضاء، وقالت: افعل ما تريد! # وعندها نزل السائق، وقرع باب المستشفى، وأدخل المركبة إلى ساحته، فنزل أندريا وأقفل الباب ~~على باكارا والطبيب، وذهب إلى رئيس المستشفى فقال: إنني أريد أن أستودعكم فتاة مجنونة تدعى ~~أليس هوتية، وهي معشوقتي، وأنا أريد أن أتولى النفقة عليها، أما جنونها فقد أصابها على إثر ~~حادثة جرت لها مع مومسة شهيرة تدعى باكارا غارت هذه الفتاة منها على عشيقها حتى اختل عقلها، ~~وأصبحت تزعم أنها هي نفس باكارا. # قال الرئيس: لا بأس، فسنجتهد في علاجها. # فدفع له أندريا أجرة شهر مقدما، وانثنى إلى المركبة فأخرج منها باكارا، وقال لها: لقد ~~أصبح اسمك الآن أليس، وإنك مجنونة غيرة من باكارا حتى صرت تعتقدين أنك هي بعينها، وهذا كل ~~جنونك، أفهمت؟ ~~- إنك شيطان مريد! ~~- لا بأس، ولكن افتكري بإنقاذ حبيبك. # ثم خاطبها بصوت عال فقال كمن يملق مجنونا: تعالي يا حبيبتي أليس لتنظري هذا المنزل الذي ~~اشتريته لك حديثا. # ثم تأبط ذراعها وسار بها حتى أدخلها إلى الغرفة المعدة لها، فتركها هناك بحجة أنه يرى ~~الحديقة، وخرج فاستدعى طبيب المستشفى، وقص ms0141 عليه حكاية جنونها المزعوم، وأنه قد أصابها منذ ~~ثلاثة أيام، ورأى الطبيب فاني تتبع سيدتها فقال: من هذه الفتاة؟ ~~- هي خادمة أليس، أفلا يمكن أن تبقيها معها تسهيلا لخدمتها؟ ~~- لا بأس في ذاك، فهو يفيد العليلة. # فعاد أندريا إلى باكارا فوجدها جالسة حزينة، فعزاها بلطف وقال: لا تجزعي، فإن حبسك لا يطول، ~~فقد أبقيت معك خادمتك فاني. ~~- بل أبقيتها جاسوسة علي. ~~- أنا ذاهب وسأراك غدا. # ثم ودعها وانصرف، ودخل الطبيب على إثره وهو يقول: اعذريني يا سيدتي إذ دخلت بلا استئذان. # فتقدمت إليه باكارا، وقالت: قد عرفت من أنت يا سيدي، فإنك طبيب هذا المكان! # فانذهل الطبيب لرقتها وسكونها، وعادت فقالت: إنني أعلم أيضا أين أنا، وأعلم أنك قادم ~~لتفحصني. # فزاد انذهال الطبيب من هذا الثبات الذي يدل على العقل. # وعادت باكارا وقالت: لا تحسب أني أرتكب الحماقة التي يرتكبها كل داخل إلى هذا المكان، ~~ويكون أول كلامه لك غير مجنون. # فابتسم الطبيب بسمة الريب، وأدركت معنى ابتسامه فقالت له: أنا أبرهن لك على ذلك. # فجلس الطبيب إلى جانبها، وأخذ يدها وقال: إن داءك غير عضال، وعلاج أيام قليلة يكفي ~~لشفائه. # فنظرت إليه نظرة هادئة، وقالت: أتسمح لي أن أكلمك، وتصغي إلى آخر ما أقوله؟ ~~- تكلمي يا سيدتي. ~~- ألا يحصل أحيانا أن يأتوك بأناس عقلاء أصحاء يزعمون أنهم مجانين رغبة في إخفائهم عن ~~أعين الناس. # فاضطرب الطبيب وقال: ذلك ممكن، فهل أنت من أولئك المظلومين. # فأخذت يده بلطف وهزت رأسها، واستوت جالسة شأن كل امرأة تعودت الدلال واستهواء القلوب، ~~وقالت: اسمع لأقص عليك حكاية غريبة ندر أن تسمع بمثلها في هذه الأيام. فعاد الطبيب ظنه أنها ~~مجنونة، ولكنه صبر إلى النهاية وأصغى، فقصت عليه حكايتها بالتفصيل من يوم أحبت فرناند إلى ~~يوم إلقاء القبض عليه بتدقيق وبيان غريب، وقالت: إنها مستعدة لتأييد أقوالها بشهادة كل ~~الذين عرضوا لها في هذه الحكاية، ثم دلت الطبيب على منزلها في شارع مونسي، وسألته أن يذهب ~~إليه ويجتمع فيه بأمها فتتجلى له الحقيقة. # فأثر ms0142 كلامها على الطبيب وقال لها: إني ذاهب الآن إلى منزلك، فأفحص الأمر بنفسي، فإذا صح ~~الأمر كما تقولين فإني أكون لك محاميا لا طبيبا، وسأعود إليك في المساء، ثم تركها ~~وانصرف. # جلست باكارا في غرفتها تنتظر الأجل المضروب على أحر من الجمر. # وكان أندريا قد قدر ذلك من قبل؛ فاتفق مع مومس كثيرة الدهاء وأقامها بمنزل باكارا، وقد ~~علمها ما تقول، فلما جاء الطبيب حكت له قصة باكارا كما رواها له أندريا، فلم يعد لديه ريب ~~بجنونها، وعاد إلى المستشفى وهو آسف عليها. # ولما رأته باكارا داخلا عليها صاحت صيحة فرح، واستهلت حديثها معه بالشكر له والثناء ~~عليه، ثم قالت: إنك قد رأيت أمي ولا ريب، وثبت لك الآن أني غير مجنونة، فجل ما ألتمسه منك ~~الآن أن تسير معي إلى دائرة البوليس، فتوضح مكر السير فيليام، وتنقذ ذلك التعيس البريء من ~~عذاب السجن. وعند ذلك دخلت فاني فنظرت إلى الطبيب نظرة استفهام أجابها على سؤالها بابتسامة ~~حزينة تدل على الشفقة، ثم قال: لقد بدأت بها أعراض الجنون، ويجب أن تستحم بالماء البارد. # فصاحت باكارا صيحة منكرة، وقد سمعت ورأت كل شيء، فقالت: إذن أنا مجنونة حقيقة. # فأجابها الدكتور: لا بأس يا سيدتي، فإن داءك غير عضال، وستنقهين منه بزمن يسير إذا لزمت ~~السكون. ~~- ألم تذهب إلى منزلي، ألم تر أمي وخدمي فيه؟ ~~- ذهبت يا سيدتي، ورأيت فيه باكارا. # ففطنت حينئذ لحيلة أندريا، واسترسلت إلى اليأس فهاجت هياج المجانين، ثم هدأت ثورتها، وعاد ~~إليها سكونها، فوضعت رأسها بين يديها، وجعلت تبكي بكاء مرا، وفيما هي على ذلك إذ سمعت ~~الدكتور يقول لفاني: لقد التمست من رئيس المستشفى أن يسمح لك بالبقاء ليلا بقرب سيدتك، فأبى ~~علي ذلك، ولكنه سمح أن تزوريها في النهار، وأن تبقي بقربها إلى الساعة العاشرة مساء فقط. ~~فلم تنبس ببنت شفة، وجعلت تفكر بما سمعته من الدكتور عند خروج فاني من المستشفى في كل ~~يوم. # ثم ذهب الدكتور، فبقيت باكارا في غرفتها مع فاني، فنظرت إليها ms0143 باكارا وقالت: إنك تمثلين ~~رواية مضحكة، ولكنها ستكون مفجعة، وتنالين جزاء ما جنته يداك. ~~- ستتأكد سيدتي بعد حين أنني من أشد الناس تعلقا بها، ستظهر لها الأيام حقيقة ما ~~أقول. # ولما دنت الساعة العاشرة عزمت فاني على الذهاب، فقالت لسيدتها: إنني ذاهبة، وسأعود في ~~صباح الغد، فهل تريدين أن أحضر لك شيئا معي؟ ~~- نعم، أحضري لي علبة الشغل التي في غرفتي. ~~- أستودعك الله يا سيدتي إلى الغد. ~~- إلى الغد. ثم قالت بصوت منخفض، وقد التهبت عيناها بشرر الانتقام: إلى الغد أيتها ~~الخائنة، وسترين كيف يكون جزاء الخائنين. # ولبثت طوال الليل تهيئ في فكرها سبيل الفرار، ولما طلع الصباح عادت إليها فاني بعلبة ~~الشغل، وكان فيها لفافة كبيرة من الخيوط القطنية الثخينة، وكانت قد طلبت العلبة لأجل هذه ~~الخيوط فأخذتها منها، وتظاهرت كل النهار بالبشاشة بما سر الحكيم، ودعاه أن يضاعف لها أوقات ~~الاستحمام، وعند الساعة الثامنة قالت لفاني: إنني أحب أن أنام، فأغلقي نوافذ الغرفة، ورتبي ~~لي السرير. وبينما كانت تغلق النوافذ نظرت إليها باكارا، ثم نظرت إلى نفسها بالمرآة كأنها ~~تريد أن توازن بين القوتين، وأخذت خنجرا كانت قد خبأته في صدرها، ثم هجمت على فاني هجوم ~~الأسد على فريسته، ووضعت يديها في طوقها حذرا من أن تستغيث، ثم ألقتها على الأرض، فركعت على ~~صدرها، وأشهرت عليها الخنجر وهي تقول: إذا استغثت أو فهت بكلمة فإنك ميتة لا محالة. ~~- عفوا سيدتي ومرحمة! # فاستعرت مقلتا باكارا من الغضب حتى خيل لفاني أن ساعتها الأخيرة قد دنت، وقالت: إنك ~~تقولين إني مجنونة، والجميع هنا يعتقدون بجنوني، فإذا قتلتك لا أعاقب بقتلك؛ إذ ليس على ~~المجانين حرج. ثم أدنت الخنجر من صدرها وقالت: احذري من أن تفوهي بكلمة وإلا قتلتك بغير ~~إشفاق، واعلمي أنني أريد الخروج من هذا المكان، ولا أحد سواك يستطيع مساعدتي على ~~ذاك. ~~- كيف أستطيع إخراجك فإن الأبواب مقفلة؟ ~~- إنهم يفتحونها لأجلك؛ لأنك تخرجين كل يوم الساعة العاشرة. ~~- ولكنهم لا يدعونك تخرجين معي. ~~- أعرف هذا، ولكنك ستبقين وأخرج مكانك، ms0144 فاعلمي الآن أنني أشد منك ساعدا، وأنني مسلحة بهذا ~~الخنجر، وأنني إذا قتلتك فلا حرج علي؛ لأنهم يحسبونني مجنونة، فاختاري إذن بين الامتثال ~~وبين الموت. ~~- مري بما تشائين. ~~- انهضي واخلعي ثيابك في الحال. # فامتثلت فاني وخلعت ما عليها من الثياب. ~~- أعطني الآن علبة شغلي. فأحضرتها لها وهي تكاد تجن من الخوف، فأخذت باكارا لفافة الخيوط ~~وأمرتها أن تضم بعضها إلى بعض وتجدل حبلا رفيعا، فامتثلت، ولما انتهت أخذت باكارا الحبل، ~~وقالت لها: أديري يديك إلى الوراء. ففعلت، وربطتهما باكارا بذلك الحبل رباطا وثيقا، ثم ~~ربطت رجليها، وبعد ذلك خلعت ثيابها، فلبست ثياب فاني وقالت لها: قولي لي كيف تخرجين من هذا ~~المكان، وإياك أن تكذبي بحرف واحد، فإنني أعود إليك فأميتك شر ميتة، واذكري أنني ~~مجنونة. ~~- يوجد في آخر الرواق بابان؛ أحدهما إلى جهة اليسار، وهو الباب الذي يخرج منه المجانين ~~إلى الحديقة، والآخر إلى جهة اليمين فتخرجين من ذاك الباب إلى رواق آخر طويل حيث تجدين في ~~آخر ذاك الرواق بابا كبيرا، وهو باب المستشفى العام. ~~- أما كان يسألك البواب شيئا؟ ~~- لم أخرج غير مرة واحدة، وقد سألني من أنا، فقلت له أنا خادمة السيدة التي دخلت إلى ~~المستشفى بالأمس، ثم فتح لي الباب فذهبت. ~~- ألم يتبين وجهك؟ ~~- كلا، فإنه فتح لي الباب وهو يقرأ في جريدة، وفوق ذاك فإن النور ضعيف. # وخرجت باكارا بعد أن أقفلت الباب، واستوثقت من صدق فاني، وذهبت في الطريق التي أشارت ~~إليها حتى وصلت إلى آخر الرواق، فوجدت البواب منهمكا في القراءة، فسألته أن يفتح الباب وهي ~~تقلد صوت فاني، ففتح دون أن ينظر إليها، فخرجت وهى تظن أنها تحلم ولم تصدق أنها تمكنت من ~~الفرار، فجعلت تركض في الشارع المقفر وهي تلتفت إلى الوراء من حين إلى حين شأن الهارب ~~الخائف، ثم وقفت في عطفة الشارع تفتكر أين تذهب، فإنها خشيت من الرجوع إلى منزلها حذرا من ~~أندريا، ولعلمها أنه رشا جميع خدم المنزل بحيث أصبحوا جميعا في قبضة يده، وخطر لها ms0145 أن تذهب ~~إلى عشيقها البارون؛ لأنه هو وحده القادر على إنقاذها وإنقاذ حبيبها فرناند، لما له من ~~النفوذ والوجاهة، فمشت حتى مرت بها مركبة فركبتها، ودلت السائق على منزل البارون فسار بها ~~إليه. # وكانت كثيرا ما تأتي إلى ذاك المنزل فتبيت فيه، وقد عرف جميع الخدم أنها عشيقة البارون ~~سيدهم فكانوا يتملكونها ويكرمونها، ولما دخلت أنكر عليها الخدم لباس الخادمات، وحسبوا أنها ~~تريد مزاحا، فأمرت أحدهم أن يدفع إلى السائق أجرته وهي غير مكترثة بعجبهم، وسألتهم عن ~~البارون، فقالوا: إنه خرج منذ حين. قالت: أتعلمون أين ذهب؟ قالوا: كلا. قالت: حسنا ~~سأنتظره. ثم ذهبت إلى غرفته الخصوصية وانطرحت على مقعد فيها. # ولما كانت الساعة السابعة دخل عليها البارون فأيقظها، وكان قد وردت إليه رسالة مزورة عن ~~لسانها تخبره فيها أنها سافرت مع أمها وتغيب بضعة أيام، ولما أفاقت من نومها قال مندهشا: ~~ألم تسافري بعد؟ # فضحكت وأخبرته بأمرها، وكيف أنهم خدعوها وأرسلوها مجنونة إلى البيمارستان، وكيف خلصت منه، ~~وكيف أقامت مقامها في منزلها امرأة سواها باسمها، وأنها قادمة إليه ترجو مساعدته وإسعافه، ~~وأن يعطيها مبلغا من المال تستعين به على أمرها؛ لأنها أخذت من منزلها ولا مال ~~معها. # فنقدها البارون ما شاءت، وسألها عن الإسعاف الذي تطلب فقالت: هو أن تكتب لي تذكرتين إلى ~~مدير الشرطة، وقاضي التحقيق؛ لأن لي معهما شأنا أريد أن يسعفاني فيه، وأن يسمعا ما أنصه ~~عليهما منه، وأن لا يسألها أكثر من ذلك، فأطاعها البارون كما هو دأبه وكتب لها ما سألته، ~~فوضعت الرسالتين في جيبها شاكرة مسرورة، وكانت قد استبدلت ثياب الخادمة بما كان لها من ~~الثياب في منزل عشيقها البارون، ثم ركبت في الساعة الثامنة من الصباح مركبة، وانطلقت مسرعة ~~إلى مدير الشرطة. # وكان البارون معروف المقام لدى هؤلاء القوم، فلما قرأ المدير رقعته أمر بإدخال باكارا ~~إليه، وكان يهمه أن يراها لما شاع من وجود فرناند عندها، وأنهم قبضوا عليه بتهمة السرقة ~~فاستقبلها وهو يقول: يسرني أن أراك يا سيدتي؛ لأن المحكمة ms0146 تلح علي من يومين أن أقبض عليك، ~~ولكن يظهر قدومك لي بنفسك أنني لا أحتاج إلى هذا الأمر؛ لأنني سأعرف منك شيئا. ~~- نعم، وهو شيء مهم. ثم قصت عليه في حديث طويل كل حكايتها مع السير فيليام، وكيف اتهم ~~فرناند افتراء وزورا إلى آخر ما يعرفه القراء مما في علمها من هذا الشأن، وبينما هو منذهل ~~من حديثها وغرابة تلك الخدعة قالت: والآن أتسمح لي أن أقابل فرناند في حبسه؟ ~~- ذلك يحتاج إلى إذن قاضي التحقيق. # فأعطته الفتاة التذكرة التي معها باسم القاضي، وأضاف هو من عنده سطرا، وأرسلها مع أحد ~~الحجاب، ولم يلبث أن جاءه الجواب بالإذن، فأمر الحاجب أن يوصلها إلى سجن فرناند، وسألها أن ~~ترجع إليه بعد نهاية المقابلة. # وكان قبل دخولها عليه بقليل خرج من عنده ليون والكونت أرمان بعد أن أطمعاه بالخلاص من ~~ورطته، ولما دخلت إلى سجنه وجدته في جانب سريره مهموما مفكرا، فدنت منه وطوقته بذراعها، ~~فاندهش من مرآها في بادئ الأمر، حتى تبسم بالرغم عنه كما يتبسم العاشق لمعشوقه المسيء إليه، ~~وينسى إساءته عند أول وهلة من مرآه، ثم خطر له ما وصل إليه من إساءتها واعتدائها، فدفعها عنه ~~بازدراء وقال: أتتبعيني إلى هنا؟ ~~- رويدا يا فرناند، إنك تكون ذا حق باحتقاري، ولكني أرجو منك أن تسمع لي ما أقول، وأن ~~تعي برهان براءتك من ذلك كما ألقيه عليك. ~~- أتقرين الآن بأنني غير مجرم. ~~- بل أقر أكثر من ذاك، أي بأسماء المجرمين الحقيقيين. ~~- عجبا! إلى هذا الحد؟ # فتنهدت الفتاة وغطت وجهها بيديها، وقالت: ويلاه! إنه لا يصدقني، ولا يزال يحسبني شريكتهم ~~في الذنب. # وكان في صوتها رنة حنو وحزن رق لها قلب فرناند، وتلطف معها وقال: ألم تكوني أنت الساعية ~~في هلاكي؟ ~~- عجبا يا فرناند! أيسعى إنسان في إهلاك من يهواه؟ # ثم ركعت أمامه وشخصت إليه بعينين مغرورقتين بالدمع، وقالت له بصوت الحزين اللائم: إنه لو ~~كان لي عرش لأعطيتك إياه. # وكان صوتها اللطيف ومنظرها المؤثر قد فعلا في قلب فرناند حتى ms0147 رق لها وأنهضها وهو يقول: ~~صدقت، فإن من المستحيل أن تسعي في إهلاكي ما دمت تقولين إنك تحبينني، فتكلمي وأفصحي عما ~~تعلمين. # وأخذت يده برفق، وقالت وهي تنظر إليه نظرة ملؤها الحنو والغرام: عفوا يا فرناند إذا ~~تجاسرت وقلت لك إنني أهواك، أنا التي لا أستحق أن تهواني ولست إلا فتاة ساقطة، ولكن براءتي ~~من ذنبي إليك تستلزم أن أقر لك بهواك، وما أنكر عليك أنني لست أهلا لك، ولا مستحقة لودادك، ~~ولكني أسمع أن الحب الحقيقي يظهر من الأدناس ويصلح فاسد القلوب، ويكون داعي مغفرة وسماح من ~~عند الله الذي يغفر كثيرا لمن يحب كثيرا. ~~- نعم؟ ثم ماذا؟ ~~- إني أنا باكارا المرأة الساقطة لدى الجميع، قد شعرت أنني صرت خيرا مما كنت من يوم علق ~~قلبي بهواك، وصرت أحسب أنني أصبحت شريفة يوم دخل إلى قلبي شعاع من الأمل بأنك تهواني، ولكن ~~عفوا إذا انطلق لساني في شكوى الغرام، فإنما أنا قادمة لأجلك وساعية في خلاصك، فاسمع ما ~~أقول لك. ثم مسحت مدامعها وشددت صوتها، وقالت: إن أول مرة رأيتك فيها يا سيدي كنت في ~~النافذة عند أختي، وكنت أنت في نافذتك، ولكنك لم تكلمني ولم تنظر إلي، وأظن أنك لم تشعر ~~بوجودي أيضا، ولكن ذلك لم يمنعني عن غرامك عند أول نظرة إليك، وعند أول خفوق من فؤادي، عند ~~تلك النظرة فأحببتك، ولكن لا تسل كيف، إني بكل ما يمكن للقلب أن يحب، ومن تلك اللحظة أخذ الحب ~~فؤادي وعقلي وكل حياتي بأسرها؛ لأنك تعلم أن امرأة مثلي مارست أصناف الرجال، ولعبت بقلوب ~~الفتيان، واستهوت نفس العاشقين، لا يدخل الحب قلبها إلا اغتصابا، ولكنها متى أحبت فهي ~~مجنونة هواها لا تحسب فيه للعواقب حسابا. # ثم عادت فركعت بين يديه، وهو يبسم لها تبسم الظافر على المرأة المفتخر بامتلاك فؤادها، ~~وقال: مسكينة أنت. ~~- قف. لا تشفق علي؛ لأنني لا أستحق منك شفقة ولا رحمة، بل احتقارا وكرها. ~~- إذا كان الأمر كذلك، فأنا أسامحك وأعفو عنك. ~~- اسمع فليس ذاك كل ms0148 الأمر؛ فلقد مر علي يوم مشئوم أخبرتني فيه أختي أنك عازم على ~~الزواج. # فاضطرب الفتى لهذه العبارة، وقال: هو إذن؟ أنت التي كتبت ... # فقاطعته وقالت: لا لست وحدي، بل أنا وهو. ~~- من هو؟ ~~- هو الوحش الضاري السير فيليام. ~~- إنني لا أعرف هذا الرجل. ~~- ستعرف من هو؛ فإنني يوم علمت أنك عازم على الاقتران كنت في بيت أختي، وكنت أنت في ~~نافذتك فتطارحنا السلام، وخرجت أنت وكانت مركبتي لدى الباب فركبتها وانطلقت في إثرك حتى ~~وصلت إلى منزل عروسك، فنزلت أنا وسألت عنها، فقيل إنها تدعى هرمين، وأن أباها يدعى بيرابو، ~~فعدت إلى منزلي حزينة كئيبة تتنازعني الأفكار من كل جانب، ولكن فكر حرمانك من عروسك لم يكن ~~قد خطر لي بعد، فقضيت ليلي مسهدة الجفن على فراشي، واسمك يتردد بين شفتي حتى الصباح، فدخل ~~علي رجل، بل شيطان بصورة إنسان يقال له السير فيليام. # فقال فرناند منذهلا: ولكني لا أعرف هذا الرجل! ~~- أما هو فقال لي: إنك تحبين فرناند، وأنا أحب ابنة بيرابو. # فارتعش فرناند لهذا الخبر، وعادت باكارا وقالت: وإذا بوالد هرمين تقدم إلي من وراء ~~فيليام، وهو يقول لي إنه مغرم بأختي، ثم دخل فيليام معي في حديث طويل كله دهاء وخداع، لم ~~أذكر منه سوى أنه لعب بعقلي واستولى على فكري، وبعت أختي سريز لوالد خطيبتك على أن يمنعك من ~~زواج ابنته. # وهنا أخذت باكارا في البكاء الشديد، وأخذ فرناند يدها وقال: لا بأس، أنا أسامحك. ~~- قف لا تسامحني الآن، فإنني لم أقل لك كل شيء، أما السير فيليام فإنه بعد أن أتم اتفاقنا ~~على هذه الصفقة الخاسرة، أملى علي رسالة إليك أشكو لك فيها غرامي، كأنك عشيقي من زمن مديد، ~~وجعلني أهزأ بالفتاة التي ستصير عروسك، وأذكرك بأنك وعدتني بأنك لا تسلوني ولو تزوجت. # وقاطعها فرناند وقد أخذ يستنير من الأمر، وقال: أكتبت كل هذا؟ ~~- نعم، ودفعت الرسالة إلى بيرابو، وقد احتال فألقاها في أرض بيته يوم كنت تأكل عنده، بحيث ~~وجدتها هرمين بعد ذهابك وقرأت ms0149 ما فيها. # فجمد فرناند كأنه أصيب بصاعقة، وأدرك السبب الذي دعا هرمين إلى النفور منه ، ولكنه بقي ~~جاهلا أمر السرقة وتدبيرها، وعادت باكارا إلى حديثها: والآن وقد عزمت على إنقاذك، وأن أتهم ~~هذين الشقيين مكانك. ~~- ولكن اذكري أن أحدهما والد هرمين. # أحنت رأسها وجرت على خدها دمعتان فطرتهما يد الغيرة من أعماق قلبها، وقالت: نعم. إنك ~~تهواها، ولكن ما يهمني ذلك فأنا سأسعى في إنقاذك وتلافي ما بدر من إساءتي إليك، وإذا أصبحت ~~سعيدا بعد ذلك بمن تهواها خففت عني وقر العذاب. # وتذكر فرناند عند ذاك زيارة الكونت أرمان وقوله له يجب أن نبحث عن باكارا، فاضطربت ~~أفكاره، وقال: لقد أتاني رجل الآن، ووعدني بإنقاذي أيضا، وهو يريد أن يراك، وقد كان معه ~~ليون خطيب أختك، ثم خرجا قبل دخولك بقليل، وهو يدعى الكونت أرمان دي كركاز، ومنزله في شارع ~~كاترين، اذهبي إليه وانظري ماذا يريد. # فأخذت باكارا رأس السجين بين يديها وقبلته في جبينه قبلة عاشق مفارق، وقالت: لا بد من ~~تبرئتك، ولو آل الأمر إلى اتهام نفسي مكانك، وويل لك يا سير فيليام، وكن على حذر. ثم خرجت ~~بعزة وكبرياء كأن غرامها الصحيح قد جعلها عند نفسها من أطهر النساء، وعادت إلى مدير الشرطة ~~وزادته إيضاحا في الأمر، ووعدته بأنها لا تخرج من باريس، وأنها مستعدة لإجابة الحكومة عند ~~استدعائها. ثم ذهبت إلى منزل الكونت أرمان فدخلت عليه وهو يقول لليون: لا يمكن أن تنحل هذه ~~الدسيسة إلا إذا قابلنا باكارا. # ولما رآها ليون داخلة وثب إليها وهو يقول: أين سريز، وماذا فعلت بها؟ # فاصفرت الفتاة وقالت: أليست في منزلها؟ ~~- لا، لقد فقدت منذ ثلاثة أيام. ~~- ويل لهم لقد خطفوها! ~~- ومن هم! ~~- السير فيليام وبيرابو. # ولما لفظت اسم فيليام نظر أرمان إلى بستيان، وقال: أرأيت أنني عرفته وهو أندريا ~~بعينه. # ثم سكت ليون، وأخذ بيد باكارا، وقال: تكلمي ولا تخافي، نحن من أصدقائك. # وقصت عليه القصة التي حكتها لفرناند، فارتجف الكونت من هول ما سمع وقال: قد وضح ms0150 الأمر ~~الآن، فإن يد أندريا في كل هذه الأمور ولا أقدر عليها منه، وهو قد عرف أن بنت بيرابو هي ~~ابنة كرماروت، وقد اتفق مع بيرابو على هذا الأمر، وكلاهما مشتركان في هذه السرقة التي اتهم ~~بها فرناند. # ثم صرف باكارا وهو يقول والغيظ يحنقه: احذر أيها الأخ العزيز، فقد فتحت بيننا حربا لا ~~هدنة فيها ولا شفقة. ~~••• # وقد كشف أرمان تقريبا الحجاب عن هذه المكيدة، وثبت لديه أن بيرابو شريكه فيها، فأخذ ~~يتراوح بين رأيين؛ إما أن يشكوهما إلى الشرع، وإما يحتال لبلوغ مآربه من إنقاذ فرناند وحنة ~~وسريز، أما الرأي الأول فقد خشي أن يفشل فيه؛ إذ ليس لديه من الشهود غير باكارا، وفوق ذلك ~~فإن السير فيليام غائب عن باريس، وإن إشهار جريمة بيرابو يمس بكرامة هرمين، أما الرأي ~~الثاني فهو شديد الخطر غير مضمون النجاح، غير أنه رأى أن يسير، فإذا فشل فيه عاد إلى الأول، ~~وعلى هذا أمر باكارا أن لا تخرج من المنزل، وأوصى ليون أن يأتي إليه في كل يوم، وأن يدخل من ~~باب سري في الحديقة، وأخذ يسعى في التفتيش على حنة وسريز، وأول ما شرع به أنه أحاط برجال ~~المنزل الذي ذهبت إليه سريز في شارع الحية، وهو المنزل الذي دهمها فيه بيرابو، واختطفها منه ~~كولار، فأمر أن يراقبوا جميع من يدخلون إليه ومن يخرجون منه. # أما فاني فإنهم انتبهوا إليها في الصباح وهي في آخر رمق من الحياة، فحلوا قيودها، وعلموا ~~منها كيف كان هرب باكارا، فأطلقوا سراحها، وذهبت توا إلى منزل السير فيليام لتخبره بما ~~جرى، وكان قد سافر، فأخبرت كولار الذي جمد لهذا النبأ كمن أصيب بالصاعقة، وقال في نفسه: إذا ~~اجتمعت باكارا بليون فقد ضاعت كل آمالنا، وذهبت أمانينا أدراج الرياح. وقد عزم في البدء أن ~~يكتب إلى السير فيليام يستقدمه، ولكنه رأى أن رجوعه يؤخر عقد الزواج وكسب الملايين، فعدل عن ~~ذلك وقرر الإسراع في قتل ليون، وذهب يبحث عنه في المحل فلم يجده فيه، وأخبره ms0151 رئيسه بما حل ~~به بعد فقد خطيبته من اليأس، فتركه وانصرف يبحث عنه في جميع الأنحاء حتى لقيه في الساعة ~~الخامسة خارجا من منزل أمه، فدنا وسلم عليه، وقال له بصوته الكئيب: كيف أنت أيها ~~الصديق؟ ~~- إني أكاد أجن من اليأس. ~~- إني أعرف كل شيء أيها الصديق، وشهد الله إننا في هذا المصاب سواء، أنت تعلم حبي ~~لك. # فاختلج ليون وقال: أنت تعرف كل شيء؟ ~~- نعم، أعرف أيها الصديق أن سريز رحلت عنك. ~~- قل إنها قد اختطفت. ~~- لا، بل قل إنها قد سافرت، فإن الصبايا يختطفون في بلدة مثل باريس. # أجابه ليون بصوت خشن قائلا: إن سريز ابنة شريفة. ~~- لا أنكر ذلك ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ # فأجابه بلهجة حزن، ولكني أعرف ما أقول. # فأمسكه ليون بذراعيه وهزه بعنف، وهو يقول: أنسيت أنها ستكون عروسي؟ ~~- وإن تكن قد اختطفت. ~~- نعم، إني سأنتقم لها، بل سينتقم لها عني الكونت. # ارتعش كولار وقال: عن أي كونت تعني؟ ~~- الكونت أرمان دي كركاز، فقد عرفنا مرتكب هذا الجرم. ~~- كيف عرفتموه؟ ومن هو؟ ~~- هو ذاك الإنكليزي المحتال، أريد به السير فيليام. # بذل كولار معظم ما لديه من القوة حتى تمكن من إخفاء انفعاله، وقال في نفسه، قد غلبنا ~~وذهبت الملايين، ثم رجع إليه سكونه وقال لليون: إني كنت قادما عندما لقيتك من المعمل الذي ~~تشتغل فيه، أحببت أن أراك كي أحادثك بشأن سريز. ~~- أتعلم شيئا عنها؟ ~~- نعم، ولأجل هذا أتيتك، ولكن المقام لا يسمح لي بمثل هذه الأبحاث، فاذهب معي إلى قهوة ~~قريبة أظهر لك ما تود معرفته في هذا الشأن. ثم ذهبا وجلسا حول منضدة معتزلة. # فقال كولار: إني صديقك، ولا أحب لك الزلل والخطأ. ~~- أي زلل وأي خطأ؟ ~~- إني أعلم ما لا تعلمه. # فصرخ به ليون: كفاك ألغازا، وقل لي ما تعلمه من شأن سريز. ~~- لا أعلم شيئا، ولكني رأيتها أمس في بوجيفاك. # قال ليون وقد ظهرت عليه ملامح السرور: إنك رأيتها أمس في بوجيفاك، قل مع من كانت؟ وكيف ~~رأيتها؟ ~~- رأيتها في مركبة مقفلة. ms0152 # فارتاع ليون وجعل العرق ينصب من جبينه، وقال: قل مع من رأيتها؟ # فظهر من كولار أنه يتردد، فهزه ليون وصاح به يقول: إنك ستقتلني بهذا التردد، فبالله إلا ما ~~قلت لي مع من رأيتها. ~~- رأيتها مع شاب أسمر اللون وعليه ملامح الأغنياء. # قال ليون بلهجة الحزين: إن هذا محال. ألم تكن تستغيث؟ # فقال كولار: مسكين أنت يا ليون، إنك لا تعرف أخلاق النساء، فإني رأيتها على أتم السكون، بل ~~رأيته يحدثها وهي تبتسم له ابتسام الرضى والحب. # فهاج ليون لما سمع وقال: إنك تكذب، وأنت منخدع، فليست سريز التي رأيتها؟ ~~- إنها هي بعينها، فلم أخدع ولا أنا كاذب. ~~- إلى أين كانت تسير؟ ~~- في طريق الوادي، فلم أعلم بعد ذلك شيئا لأني لم أتبعها. # فقال بلهجة الانتقام: كولار إنك ستذهب معي إلى بوجيفاك حيث نبحث سوية عن سريز، وسنبيت ~~هناك إذا لم نتوفق للقائها إذا الظلام قد أقبل. # فتظاهر كولار أنه يفتكر ثم قال: نعم، سأذهب معك وسنجدها بإذن الله، غير أني لا أستطيع ~~مبارحة باريس قبل ساعة، فانتظرني ريثما أعود. ثم ودعه وانصرف، وارتأى ليون بعد ذهابه أن يخبر ~~الكونت أرمان كي لا يفوته شيء من أمر هذه المكيدة، فكتب له رسالة أوقفه فيها على ما دار ~~بينه وبين كولار، وكيف أنه سيذهب معه بعد ساعة إلى بوجيفال، ثم ختمها وخرج ليبحث عمن يوصلها ~~إليه، ولقي اتفاقا صديقه المخلص كينيون، وأطلعه على جلية الأمر، وكلفه أن يوصل الرسالة إلى ~~الكونت. # وقال له كينيون: إني ناصح لك أن لا تسير مع هذا الرجل ولا تثق به، فإنه يضمر لك كيدا وقد ~~حذرتك منه مرارا. ~~- إنك مخطئ في رأيك به، فهو لي ولا بد من الذهاب إلى بوجيفال. ~~- أنت بعد ذلك وشأنك، لقد بذلك لك ما يجب علي من النصح، ولم يبق علي سوى أن ألتمس منك ~~أمرا واحدا. ~~- ماذا؟ ~~- هو أن لا تخبر صديقك كولار بهذه الرسالة التي سأذهب بها إلى الكونت. ~~- أعدك بأني لن أحدثه بشأنها. # ثم افترقا فرجع ليون ms0153 إلى القهوة وذهب كينيون إلى منزل أرمان فأعطاه الرسالة، وأخبره عن ~~سوء ظنه بكولار وأنه يكيد لليون. # قال أرمان: إذن هلم معي إلى حيث ليون، وإننا سنسير بأثرهما إلى بوجيفال متنكرين. أما ~~كولار فإنه ترك ليون وذهب توا إلى نيكولو وأمره أن يسير مع رفيق له إلى بوجيفال، وأوقفه ~~على المكيدة، ثم عاد إلى ليون ووجده بانتظاره، وركب وإياه مركبة وسارا. # ولم يكن ليون يفكر سوى بأمر واحد، وهو أن يجد سريز وينتقم من خاطفها، وكان يهيج هياج ~~المجانين ويتهدد السماء بيده، ثم يعود إلى السكون وتهدأ عاصفة غضبه، ويضع رأسه بين يديه ~~ويفكر تفكير الحزن. # وقد رأى ليون أن الليل قد جن، فنظر إلى كولار وقال: إن الظلام قد ادلهم، والأفق مربد ~~بالضباب، فكيف نبحث عنها في الليل الدامس؟ قال كولار: إن الظلام أفضل من النور، وفي مثل هذه ~~الشئون أؤثر أن نصل ليلا فنبيت في فندق بوجيفال، وهو فندق يقدم إليه أكثر خدم الأغنياء في ~~تلك الجهات، فربما علمنا منهم ما يدلنا على مكان سريز. وقنع ليون بهذا الجواب، وعاد إلى ~~تأملاته. # وما زالت المركبة تسير حتى وصلت إلى مارلي وأوقفها كولار بإشارة، وقال لليون: إن الطريق ~~إلى الفندق لا تسير فيها مركبات، ولنذهب على الأقدام. ونزل الاثنان ومشيا. # وكان هذا الفندق الذي تكلم عنه كولار واقعا على ضفة النهر بالقرب من طاحونة كبيرة تديرها ~~مدام فيبار التي طردها أندريا أمام سريز كما يذكر القراء، ولم يكن معها غير صبي يبلغ ~~الثالثة عشرة من سنه يدعى روكامبول، وهو غاية في المكر والدهاء. # فلما وصل ليون وكولار وجدا العجوز والصبي يلعبان بالنرد، وحياهما كولار تحية صديق، ثم ~~تبادل إشارة خفية، فقال كولار: إننا نريد المبيت الليلة في هذا الفندق، فهل لديك غرفة موافقة ~~لنا؟ ~~- نعم. وأمرت روكامبول أن ينير لهما الغرفة الصفراء. # وصعد الصبي وصعدا بإثره، فأنار لهما الغرفة، وسألاه أن يحضر لهما زجاجة خمر، ولما عاد بها ~~قال كولار لليون: دعني أسأله عساي أن أعلم منه شيئا. # ثم ms0154 أشار بعينيه إشارة سرية: أتصدقني في الحديث يا روكامبول؟ ~~- إني لا أكتمك أمرا يا سيدي كولار، وأنا لا أعرف الكذب، قل ما تشاء. ~~- ماذا حدث عندكم في هذا الأسبوع؟ ~~- لم يحدث شيء جديد. ~~- ألم يجئ من باريس إلى هذه الضواحي أحد من الأغنياء؟ ~~- نعم، قد جاء منذ حين شاب قيل إنه إنكليزي واسع الثروة. # فارتعش ليون وقال: هذا السير فيليام الذي طالما حدثتنا باكارا عن مكره. # قال كولار: ألا تعلم أين يسكن هذا الإنكليزي؟ ~~- كلا. ~~- أهو متزوج أم أعزب؟ ~~- لا أعلم شيئا من ذلك. ~~- أتقدر أن تصفه لي؟ ~~- نعم، لقد رأيته مرة، وهو يناهز الثلاثين من العمر، أسمر اللون، خفيف شعر الشاربين. # قال كولار: كفى هذا بعينه. # ثم سمع روكامبول أن العجوز تناديه، فهرول مسرعا إليها. # وقال لليون: أوعيت كلام الصبي، فإنه لا يعلم شيئا من أمر سريز كما يظهر. ~~- إنه يعلم كل شيء، ولكنه لا يريد أن يقول. # ثم سمع كولار وقع أقدام على السلم، فأشار إلى ليون أنه يلزم مكانه وفتح الباب وأطل منه ~~ورأى روكامبول ووراءه نيكولو ورفيقه، وتبادل معهما إشارة، وعاد إلى ليون فدار بينهما الحديث ~~الآتي، وهما يشربان الزجاجة، وقال كولار: أتعلم يا ليون أن هذا الفندق كثير الخطر، وقد يقتل ~~فيه المرء من يريد قتله ولا يعلم بجريمته أحد؟ # فنظر إليه ليون باندهاش، فابتسم كولار ابتسام الأبالسة وقال: نعم، إن القتل في هذا المكان ~~لا يكون إلا خنقا، وتلقى الجثة تحت حجر الطحن، ثم تدفعها المياه، ولا يعلم بعد ذلك أكان موت ~~صاحب الجثة قتلا أم اتفاقا. # وارتاع ليون وقال: أيوجد هنا قتلة؟ ~~- إذا اقتضى الحال. # فنظر إليه ليون وهو يحسبه سكران، وقال: كيف إذا اقتضى الحال؟ ~~- إذا كان يوجد من تثقل علي حياته، فإذا قتلته فإني لا أحسب قتله ذنبا كبيرا، ولنفرض ~~أنك أنت الذي حياته تثقل علي. # فصاح ليون مستنكرا: أنا! ~~- لنفرض أنك أنت كذلك، وأنك صديق رجل يثقل علي أيضا نظير الكونت أرمان دي كركاز مثلا، ~~وإني لذلك احتلت عليك، وجئت ms0155 بك إلى هذا المكان. ~~- إنك لتخيفني يا كولار بهذا المزاح. ~~- لا بأس ولنفرض أيضا ... ثم نقر بيده على الحائط وقال: تعالوا يا أصحابي لقد وقع الطير في ~~الشرك. ولم يكد يتم كلامه حتى دخل نيكولو وفاتح الأقفال، فأدرك ليون سر الأمر بما رأى ~~عليهما من هيئة الغدر، ووثب من مكانه، وتناول سكينا كانت أمامه، وقال لكولار: أتريد أن ~~تقتلني؟ ~~- نعم، لأنك تثقل علي! # فرجع ليون حتى لصق بالحائط ورفع سكينه وقال: تقدموا الآن. # فتناول نيكولو زجاجة الخمر الفارغة وضربه في رأسه، فانكسرت وسالت دماؤه وسقط على الأرض ~~صريعا، وهجم عليه الثلاثة، وتناول كولار منديلا كبيرا، ووضعه في عنق ليون الجريح وهم ~~بخنقه، وإذا بدوي رصاص ونور قد سطع، وسقط كولار مصابا برصاصة في صدره. # وكان مطلق الرصاصة الكونت أرمان نفسه، فإنه لما أخبره كينيون بذهاب ليون إلى بوجيفال مع ~~كولار، داخله ريب في أمر هذا الرجل وسار بمركبته في إثرهما كما يعلم القراء، حتى أدركهما على ~~الطريق، وتمكن من رؤية كولار في المركبة، وتذكر أنه رآه مرة حين جاء لاستدعائه إلى منزل ~~البارون كرماروت صاحب الملايين، فزادت شبهته فيه، وعلم أنه كان ملازما للبارون وقد وقف ~~على سر الملايين، وداخله الريب بأنه هو الذي أطلع أندريا على ذلك السر، فاقتفى أثره حتى رآه ~~صعد مع رفيقه إلى الفندق، ثم رأى صاحبيه القاتلين قد تبعاه، فأخذ كينيون الذي جاء معه ~~وتوارى به وراء نافذة الغرفة التي جرت بها الحادثة، إلى أن جرى الأمر أمامه، ورآهم يهمون ~~بقتل ذاك المسكين، فأطلق تلك الرصاصة من النافذة، كانت السبب في خلاصه، ثم وثب إلى الغرفة ~~والغدارة في يده، وعرفه نيكولو في الحال، فخرج برفيقه مسرعا، وتركا صاحبهما ميتا وهربا، ~~فمرا على صاحبة الفندق وأخبراها بالأمر، فتظاهرت بأنها أغمي عليها من الخوف. # وصعد روكامبول وهو يصيح: إلى القاتل إلى القاتل. # وبادره كينيون وتهدده بالقتل إذا لم يسكت، فسكت مكرها. # وتقدم أرمان إلى كولار ورآه لا يزال حيا وهو ينظر إليه ويقول: لقد ظفرت علي هذه ms0156 المرة، ~~ولكن رئيسي سينتقم لي. ~~- ويحك! أتموت كذا بغير إقرار ولا ندم؟ ~~- هيهات أن تعرف مني شيئا! ~~- ولكن بالله أخبرني أين حنة وأين سريز؟ ~~- تريد أن تعرف ذلك، إذن فاعلم أن حنة قد أصبحت معشوقة السير فيليام، وغير هذا لا أقول ~~شيئا. # ثم أطبق عينيه على إثر هذه الكذبة الشنعاء، ومات والدم يتدفق من فمه، فتقدم الكونت إلى ~~الصبي روكامبول، وقال له: أتعرف أنت شيئا من أمر هؤلاء اللصوص؟ # ونظر إليه الغلام نظرة الشجاع الباسل، وقال: نعم، أعرف كل شيء. # فصاح أرمان صيحة الفرح: إذن أخبرني أين حنة وسريز؟ # ورفع كينيون سكينه على صدر الولد وقال: تكلم أو تقتل. ~~- لا أقول شيئا، فاقتلوني إذا شئتم! # وقال الكونت: دعه، قد يتكلم. # ثم التفت إلى الصبي وقال له: أتريد أجرتك؟ ~~- نعم، وإلا اقتلوني لأن الحياة بغير مال لا خير فيها! ~~- كم تريد؟ ~~- عشرة دنانير أولا. ~~- فرمى له الكونت كيس دراهمه وقال: خذ ولكن تكلم. ~~- إن كولار قد كذب عليك. إن الفتاة التي تبحث عنها ليست عشيقة السير فيليام، ولم ترد أن ~~تستسلم له. ~~- وأين هي؟ ~~- على عشر دقائق من هنا محبوسة في بيت، وأنا أدلك عليه. ~~- هلم بنا. # وتقدم الفتى أمامهم، ثم التفت إلى الكونت وقال: أظن أن هذا الخبر يساوي أكثر من عشرة ~~دنانير؟! ~~- إذا وجدت حقه سأعطيك خمسين. ~~- إذا كان ذلك فنعم وكرامة. # ثم خرج أمامهم حتى مر بالعجوز، وهي تتظاهر بالإغماء، فدنا منها بحجة أنه يريد إيقاظها ~~وهمس في أذنها أن اهربي في الحال، فإني سأغشهم ولا أدعهم يعلمون شيئا. ثم مر يقودهم وهو ~~يقول: إن الفتاتين في وسط النهر. وسار بهم على جسر هناك حتى إذا توسط الماء نظر فرأى كينيون ~~إلى جانبه، فدفعه بكلتا يديه فسقط في النهر، والتفت إلى الكونت وقال: السلام عليك يا كونت، ~~فإنك لا تعرف من أمر حنة شيئا. ثم وثب وثبة سابح ماهر، وغاب في النهر تحت الظلام قبل أن ~~يفيق الكونت من انذهاله، فعاد أرمان حزينا إلى الفندق، فوجده خاليا من ms0157 صاحبته، فأخذ ليون ~~الجريح، وترك جثة كولار غارقة بدمائها في تلك الغرفة. ~~••• # بينما كان أرمان مجدا في إنقاذ ليون وهو يجد بالبحث عن حنة وسريز، كان أندريا يعمل على ~~غزو قلب هرمين، وقد تذرع إلى ذاك بجميع الوسائل بحيث أصبح جميع من يحيط بها من أنصاره، وقد ~~ذهب من منزل مدام كرمارك على ما علمه القراء إلى صديقه البارون مادي، وخف صديقه لاستقباله ~~بغاية التودد، ورأى على وجهه ملامح الحزن، وسأله عن علة هذه الكآبة، فقص عليه حديث غرامه ~~بهرمين، وأن لا رجاء له من هذا الحب، وتأثر البارون تأثرا شديدا وقال: طب نفسا فإنك نبيل ~~في قومك جميل الطلعة كثير المال، فلا تيأس من حب هرمين، وستكون امرأة لك في وقت قريب؛ فإنها ~~أهل لمثلك وأنت كفء لها، وهي نسيبتي وأنت صديقي، وسأخدمك في هذا الشأن كما أخدم نفسي. فشكره ~~أندريا بلهجة الموجع القلب. # وفيما هما على العشاء وردت على البارون رسالة مدام كرمارك، فسر بها وقال: قد وجدت طريقة ~~حسنة لأعرفك بهرمين؛ ذلك أني سأدعو أسرتها غدا إلى الصيد وستكون معنا. ثم قام إلى منضدة ~~وكتب إلى مدام كرمارك رسالة يدعوها بها مع بيرابو وامرأته وابنته إلى الصيد غدا في وادي ~~سيبرس، ثم بعث بها إليها مع رسولها. # وقد رقد أندريا تلك الليلة وقلبه يطفح بالأمل. # وعاد الرسول إلى مدام كرمارك، ولما اطلعت على الرسالة سرت بها غاية السرور وقالت لهرمين: ~~إن البارون دي مادي يدعونا غدا إلى الصيد، فهل تذهبين؟ # قال بيرابو: إننا نذهب من غير بد، فلا أجد أجمل من الصيد في هذه الوديان. # وكانت هرمين قد تعودت ركوب الخيل، ولكنها لم تر في حياتها صيد الوحوش البرية، فسرت بذلك ~~ووعدت بالذهاب. # وقالت مدام كرمارك: يظهر من هذه الرسالة أن السير فيليام سيكون من المدعوين. واختلج قلب ~~هرمين ولم تجب بشيء، بل تركتهم وانصرفت إلى غرفتها وهي تفكر، وكانت لا تزال تحب فرناند، ~~ولكن حبها له كان حبا بغير أمل كما يحبون الأموات، وقد علمت أنه ms0158 غير أهل لها، فكانت تجتهد ~~أن تنساه، وكان قلبها يحدثها بأنه سيكون للسير فيليام شأن في حياتها، وكانت تفكر به وترتعش ~~وهي لم تره غير مرتين، وتأملت تلك الليلة وهي تحلم به أحلاما مزعجة. # ولما طلع الصباح تأهبوا للرحيل، وامتطت فرسا كريما وسارت مع أمها وبيرابو وخادم، وفيما ~~هم على بعد مرحلة من الوادي سمعوا صوت النفير وعواء الكلاب، فقال لهم الخادم: أسرعوا ~~واتبعوني، إنهم يحصرون الوحش وقد دنا أجل صيده. # وكانت الساعة العاشرة من الصباح، والشمس تتوقد في قبة الفلك، فترقص أشعتها الذهبية على ~~الغصون، وتقع من خلال الأوراق على الأرض كالدنانير، ولم يكد الخادم يسير أمامهم حتى دفعوا ~~الجياد، وانطلقت بهم مسرعة تخترق تلك السهول، تمرق مروق السهم في الفضاء حتى بلغوا الوادي، ~~وعلا نباح الكلاب، وأول ما رأته هرمين ذلك الوحش البري الذي يطاردونه وهو يزأر زئير السباع ~~وعيناه متقدتان بشرر الغيظ والرعب، وكان يعدو على غير هدى بين الصخور، ثم رأت بعده الكلاب ~~تهاجمه من كل صوب وتسد عليه سبل الفرار، ورأت بعد ذلك على بعد يسير فارسا راكبا على فرس ~~سود كالليل يقفز به من فوق الصخور، وسيماء الشجاعة والإقدام تلوح على ذاك الفارس الذي ظهر ~~أنه في عنفوان الشباب، ثم تبين لها أن ذاك الفارس هو السير فيليام، فخفق قلبها خفوقا لا ~~يوصف، ثم رأته قد ترجل عن جواده وتقدم من الوحش بقلب جسور ثابت، وضرب الكلاب بالسوط ففرقها ~~عنه، ثم هاجم الوحش مهاجمة مستبسل يرى الموت سهلا في رضى من يهواها. # ونظرت هرمين إلى ذاك الرجل الذي يخاطر بحياته أمامها في سبيل ضربة تستحسنها، ورأته قد ~~التحم مع الوحش في عراك عنيف حتى لم تعد تميز بينهما، ثم نظرت فرأته قد طعن الوحش بخنجره ~~طعنة شديدة غرق فيها إلى اليد، وسقط ذلك الحيوان الهائل صريعا، وأثر ذلك المنظر بهرمين ~~تأثيرا شديدا حتى سقطت على الأرض مغشيا عليها، وتسارعوا إليها ونضحوا وجهها بالماء، ~~فاستفاقت ورجع الجميع إلى القصر، وكلهم ينظر إلى أندريا نظرة العجب ms0159 والإكرام، وهو يقول في ~~نفسه: لقد استتب لي النصر، وإذا لم أفز بقلبها بأقرب حين ، كنت أبله لا أستحق هذه ~~الملايين. ~~••• # ولنعد الآن إلى حنة التي تركناها في تلك الغرفة، وقد استفاقت، وجعلت تقرأ الرسالة التي ~~تحسبها من الكونت أرمان الذي كانت تحبه حبا شديدا، وجعلها تغفر له إساءته في ذلك التصرف ~~الغريب، ولم يدخلها شيء من الريب، بل إنها كانت تشفق عليه وتخشى أن يصاب بمكروه من ذلك ~~الخطر الذي كتب لها عنه، وفيما هي على ذلك فتح الباب ودخلت فتاة وقالت: إن سيدي الكونت قد ~~أقامني في خدمتك. وهمت حنة أن تسألها أين هي وكيف أتت إلى هذا المكان، ثم ذكرت الرسالة التي ~~أوصيت بها أن تجتنب الأسئلة وسكتت، وقالت الفتاة: لقد قدر سيدي الكونت ما ستلاقيه من الضجر ~~في الاعتزال والوحدة، فأرسل إليك صديقة تودين أن تكون معك! ~~- ومن هي هذه الصديقة؟ وما اسمها؟ ~~- اسمها سريز. # ولم تكد تتم كلامها حتى دخلت سريز، وصاحت الفتاتان صيحة فرح وتعانقتا. # وأخذت كل من الفتاتين تسأل الأخرى عن السبب في وجودهما في هذا المكان، ولكنهما لم تعلما ~~شيئا، واتفقتا على أن تجتنبا البحث في هذا الشأن عملا بما أوصاهما، وانصرفتا عن كل ذلك ~~الحديث إلى بث الهوى وشكوى الغرام. # وعند المساء دخل كولار فنظرت إليه حنة نظرة قلق، فسكنت سريز روعها وقالت إنه خادم الكونت، ~~أما كولار فإنه انحنى أمام حنة وقال لها: إني يا سيدتي آت من قبل الكونت بهذه الرسالة. ~~فتلتها حنة وكل فحواها أنه اضطر إلى البعد عنها بضعة أيام لشاغل مهم، وأنه سيعود إليها ~~بأقرب حين ويقترن بها، وأنه سيرسل لها في كل يوم رسالة مع كولار، ويوصيها أن تثق به، وقد ~~حذرها بالختام من الخروج من المنزل غاية التحذير، وبعد أن فرغت من تلاوتها قال لها كولار: ~~إذا أحببت أن تجيبي على هذه الرسالة، فأنا أوصل رسالتك إلى سيدي الكونت. فاحمر وجه حنة، ~~وقالت له: نعم، سأجيبه فانتظرني. # ثم قامت إلى منضدة، وكتبت له رسالة ms0160 لم تذكر بها شيئا من غرامها، بل أظهرت له بها شدة ~~استغرابها لسلوكه، وأنها لا تقدر أن تحكم بشيء على هذا السلوك المستغرب قبل أن تراه، ويوضح ~~لها سر الأمر، ثم ختمتها بالدعاء له، ورجائه بسرعة العودة، وبعد ذلك أعطتها لكولار، فأخذها ~~وانصرف. # وفي اليوم الثاني لم يعد كولار ولا وردت رسالة، فقلقت لذلك وانتظرت إلى الغد، ثم مر عليها ~~أربعة أيام، ولم يعد كولار الذي كان قتل كما تقدم؛ فاشتد قلق الفتاة، وثبت لديها أن حبيبها ~~قد أصيب بذاك الخطر الذي كتب لها عنه. # وفيما سريز تسكن روعها وتطيب قلبها، دخلت خادمة غرفتها وأعطتها خمس رسائل، ودهشت حنة ~~وطار قلبها من الفرح، ففتحت جميع تلك الرسائل وقرأتها واحدة فواحدة، وكان بالرسالة الأخيرة ~~إشارة إلى قرب من تحب، ولم تتمالك نفسها من الفرح، وأكبت على عنق سريز وهي تقول والدمع ~~يجول في عينيها: بشرى، فهو حي لم يمت. ثم أفاقت من ذلك السرور فسألت الخادمة عمن أتى بهذه ~~الرسائل. ~~- روكامبول. ~~- من هو روكامبول؟ ~~- صبي نسيب لكولار. # أما روكامبول، فإنه بعد أن وثب إلى النهر أسرع في السباحة إلى أن بلغ الضفة فاختبأ كل ذلك ~~الليل في إحدى الحانات، وقد قدم إلى مدام فيبار فأخبرها بما صنع مع الكونت إيثارا لخدمة ~~السير فيليام الذي سيحسن إليه الجزاء متى وقف على هذا الصنيع، فأخبرته بحديث حنة وسريز مع ~~السير فيليام وشدة احتفاظه بهما، فذهب روكامبول عند الصباح إلى الخمارة فنقل جثة كولار إلى ~~القبور، وأزال آثار الدماء، ثم أقفل الفندق، وكتب على الباب «أقفل الفندق لإفلاس صاحبه» ثم ~~سار إلى المنزل الذي فيه حنة، وأخبر جميع الخدم أن كولار سافر في شأن مهم، وأنه أنابه مكانه ~~لحين رجوعه، فأطاع الجميع كما كانوا يطيعون كولار، وبعد يومين أخبرته الخادمة أن حنة شديدة ~~القلق لتأخر الرسائل عنها، فأدرك روكامبول أن الرسائل التي كانت تأتي بها إلى حنة، فذهب ~~حالا إلى باريس وأخذ تلك الرسائل الخمس التي أعطاها للفتاة كما تقدم. # أما حنة فإنها عندما ms0161 علمت بقرب قدوم الكونت فرحت فرحا لا يوصف، ونامت تلك الليلة براحة ~~وسكون، وهي تحلم بأمانيها الزاهرة. # ولما طلع الصباح تزينت أحسن زينة زادتها جمالا على جمالها، وفيما هي تنظر إلى المرآة ~~وتتبسم، دخلت عليها الخادمة وقالت: سيدتي قد جاء الكونت. فصاحت حنة صيحة فرح وقد اضطرب ~~فؤادها اضطرابا لا يوصف، وسقطت على المقعد وهي قريبة من الإغماء. ~~••• # أما أرمان فإنه بعد أن رأى ما رآه من مكر الصبي، ولم يجد حيلة لإنقاذ كينيون، عاد إلى ~~الفندق وهو يرجو أن يرى فيه المرأة فتدله على حنة وسريز، فلم يجد غير جثة كولار سابحة ~~بالدماء، ففتش بالضواحي فلم يعثر على أحد، فعاد واليأس ملء فؤاده إلى باريس، وعند وصوله ~~لقيه بستيان وأعطاه تقريرا بعث به أحد رجاله السريين وهذا مآله: # إن الرجل المعروف في باريس باسم السير فيليام لم يسافر أبدا إلى الهافر، بل ذهب إلى ~~بريطانيا إلى صديق له يدعى البارون دي مادي. # فلما انتهى من تلاوته تأمل هنيهة ثم قال لبستيان: لم يعد لدي أقل ريب بأن هذا الرجل هو ~~أندريا بعينه، وانه لم يسافر إلى بريطانيا إلا ليجتمع فيها بهرمين ويغريها على الزواج به، ~~فإذا لم تسرع لإنقاذها فهو يبلغ مآربه؛ لذلك يجب أن تسافر في الحال إلى بريطانيا، فتقف على ~~مجرى الأحوال، وتكتب لي كل يوم عما يكون. # فسافر بستيان، وكان الجميع يعرفونه في تلك الضواحي، فعلم منهم ما كان من أمر الصيد، وكتب ~~إلى الكونت في اليوم الثاني من حضوره ما يأتي: # لم أكد أصل حتى علمت عن أندريا، أو عن السير فيليام إذا أردت، ما تهتم بمعرفته؛ فهو ضيف ~~البارون دي مادي، وقد ذهب أمس إلى الصيد بصحبة البارون وبيرابو وهرمين، فقتل وحشا هائلا ~~بطعنة خنجر، وكان ذلك على مرأى من هرمين فأغمي عليها، وهو الآن في منزل مدام كرمارك جالس ~~على المائدة إلى جانب هرمين. ويتحدثون هنا بأن زواجها سيكون وشيكا. # أما أندريا فإنه قد فاز أتم الفوز، وأنست به هرمين فمالت إليه بعض ms0162 الميل. # وكان قد علم بوجود بستيان في كرلوفان فلم يعبأ بذلك، ولكنه كان قلق البال لانقطاع أخبار ~~كولار عنه. # وبينما هو عائد ذات ليلة من منزل كرمارك إلى منزل البارون عند منتصف الليل، وهو يسير على ~~جواده في ذلك الممر الضيق الخط، الذي سبق وصفه للقراء، والبدر منير في قبة الفلك يملأ ~~بأشعته ذلك البحر الهائج وتلك الوديان الساكنة، إذ رأى عن بعد رجلا مقبلا إليه يمشي ~~الهوينا، ولما دنا منه انذعر كمن طلعت عليه أفعى؛ إذ تبين له أنه بستيان ورآه مسلحا وهو ~~أعزل، فتمالك روحه وحياه منذهلا كأنه يستغرب وجوده في هذا المكان، ثم دار بينهما الحديث ~~الآتي: # فقال بستيان: إني أعجب لما بدا منك من الانذهال لمرآي، مع أنك تعلم أني أتيت من ~~باريس. ~~- إني أعلم ذلك، ولكني دهشت لوجودك في هذا المكان عند منتصف الليل. ~~- لأني كنت بانتظارك، إن لدي ما أقوله لك. ~~- إني مصغ، فقل ما تشاء. ~~- علمت أنك تسعى للاقتران بهرمين ابنة بيرابو، وأنك لم تأت إلى هنا إلا لهذه ~~الغاية. ~~- ذلك ممكن. ~~- وقد علمت أن هذه الفتاة واسعة الثروة. ~~- كلا، فإن مهرها لا يتجاوز الخمسين ألف فرنك، وصل إليها من أمها، وهو مهر لا يكاد ~~يذكر. ~~- ربما، ولكنها سترث ثروة طائلة؛ لأن البارون كرماروت قد ترك لها بعد مماته اثني عشر ~~مليونا كما تعلم. ~~- إنها ثروة واسعة، ولكني لا أعلم شيئا من ذلك. ~~- نعم، وإنك تعلم أيضا أن الوصي على هذه الأموال هو الكونت أرمان دي كركاز. # فاضطرب أندريا وقال: قلت لي إنك كنت بانتظاري، فهل أنت تنتظرني للمباحثة في مثل هذه ~~الشئون؟ وهل في مثل هذا المكان يتباحث الناس؟ ~~- سوف ترى أن هذا المكان يفضل على سواه، فتفضل بالنزول عن جوادك واجلس معي على هذا الصخر، ~~لأني سأحدثك عن امرأة تعرفها ويهمك شأنها. ~~- من هي هذه المرأة؟ ~~- إنك تعرفها يا سيدي حق المعرفة، وهل نسيت أنك حبستها في مستشفى المجانين؟ # اصفر وجه أندريا وقال بمنتهى الاضطراب: أخرجت من المستشفى؟ # فقال بستيان بصوت ms0163 الهازئ: أرأيت يا سيدي كيف خانك الجلد؟ نعم، إنها هربت من المستشفى، وأتت ~~إلى الكونت أرمان. # فصاح أندريا صيحة يأس، وعض على شفته من الغيظ حتى كاد يدميها. # فقال له بستيان: أرأيت الآن أن ما أحدثك به شديد الأهمية جدير بالإصغاء؟ فتفضل إذن ~~بالنزول عن جوادك لنجول في هذا الحديث. # وحاول أندريا الامتناع، فأخذ بستيان غدارة من جيبه وصوبها عليه، وهو يقول: تخير بين أن ~~تنزل أو تموت. # وارتاع أندريا ونزل عن الجواد حذر الموت وقد علم أنه مغلوب. # وأسرع بستيان إلى امتطائه وصوب الغدارة على أندريا، وقال: إنك إذا حاولت الفرار أقتلك ~~بغير إشفاق، فأصغ إلي الآن. إن باكارا قد أفلتت من ذلك السجن الذي وضعتها فيه، وحدثت الكونت أرمان بجميع ما كان من ~~اتفاقكما مع بيرابو، ومن الرسالة التي استكتبتها إياها إلى يوم سرقة المحفظة، واتهام فرناند ~~وهو بريء، والآن وقد ثبت لنا أن الفيكونت أندريا يحاول الاقتران بهرمين، طمعا بما سترثه من ~~الملايين. ~~- إذن لا تزال تعتقد أني هو نفس أندريا؟ ~~- نعم، ولم يعد لك سوى سبيل للنجاة مما أنت فيه؛ ذلك أن تعدل عن الزواج بهرمين، ثم تدلنا ~~على المكان الذي خبأت فيه حنة وسريز، وتغادر هذا البلد في الحال، وفي مقابل ذلك فإني مكلف ~~من قبل أخيك الكونت أرمان، أن أنقدك خمسمائة ألف فرنك وإلا فإني قاتلك لا محالة. وصوب عليه ~~الغدارة مرة ثانية. ~~- إذا قتلتني فإنك لا تعرف أمرا. ~~- إذن قل أين حنة وسريز؟ # فقال أندريا بصوت القانط المغلوب: إنهما في بوجيفال في منزل محاط بروضة واسعة قرب الوادي، ~~وهما في حراسة امرأة تدعى مدام فيبار. ~~- احذر من أن تحاول الهرب فإني أقتلك، وإنك ستبقى في هذا الأسر عندي إلى أن أخبر الكونت ~~بما كان، ويكتب لي أنه وجد الفتاتين، وإن كنت كاذبا فيما تقول فإني أقتلك بغير رحمة، والآن ~~سر أمامي إلى كارلوفان. # فمشى أندريا وهو لا ينبس بكلمة، وبعد أن هدأ روعه نظر يمنة ويسرة ورأى ذلك الممر، وعلى ~~يمينه البحر العجاج ms0164 وعلى يساره ذلك الوادي العميق، فقال في نفسه: إن عثرة واحدة من الحصان ~~تكفي أن تلقي براكبه إلى هذه الأعماق. وكان معه خنجرا، ففطن إليه وجعل ينظر إلى الهوة، وكان ~~الجواد شديد القرب منها، فتظاهر أنه عثر وسقط على الأرض، فاستل خنجره بأسرع من لمح البصر، ~~وطعن الجواد في بطنه طعنة شديدة؛ فصاح ذلك الجواد صيحة منكرة، وهوى براكبه إلى ~~الوادي. # فوقف أندريا يشاهد ذلك السقوط ساخرا وهو يقول: حقا إن هذا المكان يفضل على سواه. # ورجع أندريا إلى منزل البارون، وبات تلك الليلة قرير العين، وفي اليوم التالي خلا بهرمين ~~وبثها جواه بلهجة يأس وحزن عميق، فألفاها لا تزال معلقة بفرناند، ولكنه أنس منها إشفاقا ~~عليه لما مثل أمامها من القنوط، فأيقن من الفوز؛ لعلمه بأن الإشفاق هو أقرب الطرق المؤدية ~~إلى الحب، وكان يقول في هذا المعنى: إن درجات الحب تتألف من ثلاث هي: عدم المبالاة، ~~والشفقة، والحب، وإن بين هذه الدرجات مسافات تعد بالسنين وبالأيام، وقد يحتاج إلى أعوام ~~للوصول من عدم المبالاة إلى الشفقة، وأما من الشفقة إلى الحب فقد يصل المرء بأيام قلائل، ~~وربما وصل بيوم أو بساعة. # وفي اليوم الثاني بينما كانت مدام كرمارك جالسة في قاعة الاجتماع مع بيرابو وتريزا وهرمين، ~~دخل الخادم بجرائد باريس، فأخذت واحدة منها وتصفحتها، ثم وقع نظرها على أصل عنوانه «سرقة في ~~الوزارة»، فاسترعت سمع الحضور وقرأت بصوت مرتفع ما يأتي: # حدث في الأسبوع الغابر أن أحد عمال وزارة الخارجية قد اختلس ثلاثين ألف فرنك. # واضطربت هرمين وتبسم بيرابو تبسم الأسف، واندفعت مدام كرمارك في القراءة فقالت: # وكان ذلك أن رئيس هذا المستخدم اضطر إلى الذهاب، وأعطاه مفاتيح الصندوق، ولما عاد وجده ~~قد اختلس ذلك المال وهرب، وقد قبضت الحكومة عليه بمنزل خليلته وزجته في السجن. أما هذا ~~السارق فإنه يدعى فرناند روشي. # فصاحت هرمين صيحة منكرة وسقطت مغميا عليها بين يد أمها، وعند ذلك فتح الباب ودخل أندريا، ~~فعلم ما حدث لأول نظرة، وأسرع إلى هرمين وأخذ ms0165 زجاجة من جيبه ونضح وجهها بما فيها إلى أن ~~أفاقت، وأخذ الجريدة وقرأ ذلك الفصل ، ثم ألقاها إلى الأرض وهو يقول: إني أعلم هذا من ~~قبل. # وبعد ذلك خلا بهرمين في حديقة المنزل، وهي تكاد تجن من اليأس، فقال لها: ما يكون جزائي ~~منك إذا أنقذته من السجن وبرأت ساحته أمام الشرع؟ ~~- أني أحبك. # ثم ألقت بنظرها إلى الأرض، وقالت: وإن لم أحبك، فإني أرضى بك بعلا على الأقل. ~~- إذن سأنقذه. ~~- افعل يا سيدي، وهذه يدي لك منذ الآن. ~~- إني مسافر الساعة إلى باريس. ~~- ارحل، وعندما تعود أزف إليك، وأكون امرأتك. # فوعدها ورحل في الحال إلى بوجيفال، وكم بلغ من أسفه عندما وصل وعلم من روكامبول ما مر من ~~الحوادث، وكيف كان قتل كولار؛ لأنه كان معتمدا عليه في إنقاذ فرناند بأن يدعه يعترف أمام ~~القضاة أنه هو الذي ارتكب جرم السرقة، وليس فرناند، ثم خطر له خاطر فقال لروكامبول: أين ~~دفنت جثة كولار؟ # قال: إنها لم تدفن، وهي لا تزال في قبو الفندق. ~~- أصغ إلي. إني أجد على وجهك ملامح الذكاء، وقد رأيت أنك تؤثر خدمتي بدليل خداعك للكونت، ~~فوجبت علي مكافأتك، وسأعينك في خدمتي خلفا لكولار. والآن إني أريد أن يظهر للشرع أن قاتل ~~كولار هو نيكولو وليس أرمان. ~~- كيف يكون هذا؟ ~~- هو سهل هين، ويقتضي أن تشهد مع مدام فيبار أمام القاضي، أنه هو القاتل. # فنقده أندريا مبلغا وافرا من المال وقال: أعطها هذه الدنانير، فهي تطلق عقدة لسانها، وعد ~~إلي في الليل لنذهب سوية إلى الفندق. # فذهب روكامبول ودخل أندريا إلى غرفة حنة التي تركناها قد سقطت على المقعد عندما أنبئت ~~بقدوم أرمان، ولما رأت أندريا داخلا إليها وهي تنتظر أرمان، صاحت صيحة شديدة ورجعت إلى ~~الوراء. # وكان يتوقع مثل ذلك، فدعا بسريز وبجميع الخدم، فساعدوه على إقناع الفتاة أنه هو نفس الكونت ~~أرمان دي كركاز، وأن الذي كانت تحبه باسم أرمان لم يكن إلا خادمه. # ثم تركها على أمل العودة إليها بعد أسبوع للاقتران بها، ms0166 فلبثت حنة حائرة ساهية وخيال أرمان ~~ممثل أمام عينيها. # أما أندريا فإنه كان يعلم أن لكولار خليلة في لوندرة، فكتب إليها بتوقيع كولار هذه ~~الرسالة: # حبيبتي إملي # إني سأعود إليك بعد ثلاثة أيام من غير بد، فقد توفقت بالحصول على مال كثير نقدر أن نعيش ~~به سعيدين، إن لدي الآن ثلاثين ألف فرنك، وإليك بيان السبب في كسب هذا المال، إنه من أغرب ~~المضحكات؛ ذلك أني كنت أطوف يوما بشارع سانت لويس، ولما قربت من وزارة الخارجية دعتني فتاة ~~كانت تسير مع أمها، دفعت إلي رسالة كي أوصلها إلى صاحبها وقد نقدتني أجرتي، وقرأت على ~~الغلاف هذا العنوان «فرناند روشي - في وزراة الخارجية»، ففضضت الرسالة وقرأتها، وعلمت أنها ~~من خطيبته التي تدعى هرمين تخبره فيها أنها فسخت عقد الخطبة، وسرت بالرسالة وأنا أضحك حتى ~~بلغت الوزارة، وسألت عن فرناند فأدخلوني إليه، وكان وحده في غرفة متسعة، وأمامه صندوق نقود ~~مفتوح، رأيت فيه محفظة فيها كثير من القراطيس المالية، فحدثتني نفسي بسرقتها، وبعد أن ~~أعطيته الرسالة وتلاها نظرت إليه وإذا بوجهه قد أقتم بظلام اليأس، وخرج من تلك الغرفة وهو ~~يعدو كالمجانين دون أن ينظر إلي، فأسرعت إلى المحفظة، وأخذت ما فيها من المال، ووضعتها في ~~جيب سترته ثم خرجت أترقبه، ورأيته بعد حين خارجا من الوزارة، وهو يحمل في سترته تلك ~~المحفظة دون أن يعلم أنه سيكون له مع الوزارة شأن. # وقد ظهر للقراء من هذه الرسالة، اعتراف كولار بأنه هو الجاني، وأن فرناند بريء، وقد قلد ~~فيها أندريا خط كولار تقليدا رائعا لا يختلف عن الحقيقة. # وبعد أن أتم كتابتها قدم إليه روكامبول وأخبره بقدوم مدام فيبار، ثم سار وإياه إلى ~~الفندق، وأخرجا جثة كولار من القبو، ووضعاها في الغرفة التي قتل فيها، وأخذ أندريا تلك ~~الرسالة التي كتبها، ووضعها بجيب كولار وقال لروكامبول: اذهب الآن إلى مدام فيبار، وقل لها ~~أن تسرع إلى دائرة الشرطة، وتخبر الرئيس بما كان من قتل كولار، وأن القاتل هو نيكولو، وأن ~~ذينك ms0167 اللصين كانا يأتيان بكثرة إلى فندقها، وأنها سمعت كولار يقول في تلك الليلة التي قتل ~~فيها لرفيقه أنه سيسافر قريبا إلى لوندرة، وأنها سمعت بعد ذلك دوي الغدارة، فصعدت معك إلى ~~الغرفة ورأيتما كولار ميتا، وأنذركما هؤلاء بالقتل إذا بحتما. # فذهب روكامبول مسرعا. # وعند الصباح ذهبت مدام فيبار إلى رئيس الشرطة، وأخبرته بكل ما ألقاه إليها روكامبول، فقبض ~~على نيكولو، وذهب رئيس الشرطة إلى الفندق، ونظر جثة كولار، وفحص جيوبه، ورأى بها ذلك الكتاب ~~الذي كتبه أندريا، فلما اطلع عليه سر سرورا مزيدا لبراءة فرناند التي لم يعد فيها ريب ~~بعد تلك الرسالة، فأمر بدفن الجثة، وعاد إلى السجن وأطلق سراح فرناند، الذي ذهب توا إلى ~~منزل الكونت أرمان، فوجد به ليون وباكارا وأرمان الذي كان قلق البال على بستيان؛ لأنه لم ~~يكتب له منذ خمسة أيام، فقص عليهم كيف كان إنقاذه، وكيف أن رئيس الشرطة اطلع على كتاب في ~~جيب كولار القتيل يعترف به أنه هو السارق، فثبت لأرمان أن كل ذلك صنع أندريا، وأنه لم ينقذ ~~فرناند إلا إرضاء لهرمين! # وفيما هم يتباحثون في هذا الشأن فتح الباب، ودخل خادم قصر الكونت في كارلوفان وعليه ملامح ~~الكآبة، فقص على الكونت حديث موت بستيان المفجع، وأنهم رأوا جثته على شاطئ البحر، وكيف أنهم ~~رأوا جواده مطعونا بخنجر. # فأزبد وجه أرمان وكاد يتميز من الغضب، وأمر بإعداد المركبة وقال: هلم بنا إلى ~~بريطانيا. # بعد أن وثق أندريا من نجاة فرناند، وأخبر هرمين وذويها بما كان من إنقاذه وتبرئته، فتنهدت ~~هرمين تنهد القانط المستسلم إلى القضاء، وقالت: لقد وعدتك يا سيدي بالقران، ولا أزال على ~~وعدي. # وسر الجميع بذلك، واتفقوا على أن يكون القران بعد يومين. # ولما دنا اليوم المعين احتفل في منزل مدام كرمارك بعقد الزواج بغاية الاحتفاء، وكان ~~الحضور كثيرين، والمنزل يكاد يلتهب بالأنوار، ولم يبق غير التوقيع على شروط الزواج ليفوز ~~أندريا بتلك الملايين. فبينما المسجل يقرأ تلك الشروط دخل خادم وقال لسيدة المنزل: سيدتي إن ~~على الباب ms0168 الكونت أرمان دي كركاز مع رفاق له. # ثم دخل الكونت فانحنى أمام مدام كرمارك، وقال : عفوا يا سيدتي إذ جسرت ودخلت إليكم بمثل ~~هذه الساعة، فإني لم أقدم على ذلك إلا لسبب خطير؛ إنني يا سيدتي حامل وصية البارون كرماروت ~~الذي توفي منذ شهرين عن ثروة طائلة تبلغ اثني عشر مليونا. # والتفت إلى أندريا وقال: أليس كذلك؟ # فاصفر وجه أندريا وقال: لا أعرف هذا البارون، ولا علم لي بشيء من أمر هذه الثروة. # ولم يجبه أرمان وعاد إلى سيدة المنزل، وقال: أتأذن لي سيدتي بإبعاد المسجل ريثما أبين لكم ~~حقيقة تجهلونها؟ # فذهب المسجل إلى قاعة المدعوين، ودنا أرمان من والدة هرمين وبيده ذلك النوط الذهبي الذي ~~أعطاه إياه البارون كرماروت، فقال لها: أتعرفين يا سيدتي هذا النوط؟ # فأخذته تريزا، ولم تكد تراه حتى اختلج فؤادها، وعادت إليها ذكرى تلك الليلة الهائلة، فتورد ~~خداها بحمرة الخجل، وأرخت نظرها إلى الأرض، وقالت: نعم. # فقال لها أرمان بصوت منخفض: إن هذا الرجل قد تاب عن ذنبه، وقد عاقبه الله عقابا شديدا، ~~وكلفني بعده أن أسأل له منك الصفح. # ثم عاد يخاطب بيرابو بصوت مرتفع، فقال: يجب يا سيدي أن تغير شروط الزواج، فإن السيدة ~~هرمين ليست بابنتك، بل هي ابنة البارون كرماروت وهي صاحبة الملايين. # فصاح بيرابو صيحة منكرة، ونظر إلى أندريا فرآه مضطرب كمن صعق أو كمن به جنة. أما هرمين ~~وأمها، فكانتا ترتجفان كورق الخريف يحركه الهواء. # ودنا أرمان من أندريا وحدق نظره وقال: إني لو تأخرت ساعة لكنت زوج هرمين وفزت ~~بالملايين. # فشمخ أندريا بأنفه وأجاب: لا علم لي بهذه الملايين، وسيان عندي إن كانت عروسي غنية أو ~~فقيرة، فإن لدي من المال ما يكفيني ويكفيها. ~~- وأنا أعلم عكس ذلك؛ فإنك كنت زعيم لصوص في لندرا، وقد هربت منها إلى باريس، فصبغت شعرك ~~وانتحلت اسما غريبا، ثم علمت من كولار بوصية البارون، وأن هرمين هي وريثته، فنصبت المكايد ~~السافلة للاقتران بها، ولكني وقفت على جميع كيدك، ورددته إلى نحرك. # ثم ms0169 نظر إليه نظرة احتقار، وذهب إلى الباب ونادى: فرناند فرناند ... # فارتعش أندريا وأمسكت هرمين بيد أمها حذرا من أن تقع، ودخل فرناند ونظر إلى بيرابو نظرة ~~منكرة، ودخلت في إثره باكارا وهي بملابس الراهبات فركعت أمام هرمين، فقال فرناند: لسنا الآن ~~أمام المحاكم ولا بحضرة القضاء، بل نحن بحضرة عائلة أنت رئيسها لسوء بختها وهي لا تخونك، ~~وأنا أسألك الآن أن توضح لها كيف كانت سرقة المحفظة، وأن تعترف بأني لم أسرق المال. # ودنت باكارا وقالت: إني يا سيدي كنت امرأة خاطئة، وأنا أجتهد الآن بالتكفير عن ذنوبي التي ~~ارتكبتها عندما كنت أدعى باكارا. # ثم قصت على الجميع سابق حبها لفرناند، وتلك الرسالة التي كتبتها بإملاء السير فيليام ~~وبالاتفاق مع بيرابو. # وقال أرمان لأندريا: أرأيت أيها الشرير كيف انتصر الخير على الشر، أسمعت يا ~~أندريا؟ # ثم أشار بيده إلى الباب، وقال له بملء الاحتقار: اخرج من هنا. # وأخذ بيد فرناند وضمها إلى يد هرمين، وهو يقول: إنك أهل لها وهي أهل لك، فليبارككما ~~الله. # فركع فرناند على قدميه، ونظرت إليه باسمة ودموع الفرح في عينيها. # أما أندريا فإنه خرج وعيناه تتوقدان بجمر الغضب، ومر بأرمان فقال: إنك انتصرت أيها الأخ، ~~ولكن ساعتي لم تأت بعد، وسوف ترى كيف أنتقم. # وقالت تريزا لزوجها: أؤمل يا سيدي أن لا تحضر زفاف هرمين، وأرجو أن تذهب في الحال إلى ~~باريس. # فخرج بيرابو كما خرج أندريا، واليأس ملء فؤاده. # ونهضت باكارا وقالت: وأنا لا أستحق أيضا أن أحضر هذا الزفاف، فأستودعكم الله، وأدعو ~~للعروسين بالرغد والهناء. # ثم حاولت الخروج فأوقفها أرمان وقال لها: تعالي واستندي علي، فإنه مهما كانت ذنوب المحبين ~~كثيرة وعظيمة فإن الله يغفرها لهم؛ لأنهم كفروا عنها بما قاسوه من العذاب. # وقال أندريا لبيرابو وقد ركبا مركبة البريد عائدين إلى بوجيفال، تعال معي إن سريز ستكون ~~لك وستكون لي حنة. ~~••• # ويذكر القراء أننا تركنا حنة مشغولة البال من وداع أندريا لها وتظاهره بحبها، وما ألقاه ~~عليها من عبارات ذلك الغرام المصطنع، ms0170 الذي يشبه تجربة الشيطان للإنسان، وقد كان مضى عليها ~~إلى ذلك اليوم ثمانية أيام من ذهاب أندريا عنها، وهي لا يقر لها قرار من غريب ما سمعت ورأت. ~~إنها أصبحت مخدوعة مأخوذة لا تدري إلى أي الرجلين تميل، إلى الذي أحبته أو إلى الذي قال لها ~~أنا هو، وبالتالي أتحب الجسم أم الاسم؟ وهل تهوى الخادم الذي أنقذها أم الرجل الحقيقي الذي ~~انتحل ذلك الخادم اسمه؟ ثم تغالبها أفكارها، ويقوى عليها جمال من تهواه، فتقول لرفيقتها ~~سريز: لا يمكن أن يكون ذلك الرجل خادما، ولا يمكن أن يخدعني قلبي. # فلما كانت في مساء ذلك اليوم سمعت مركبة دخلت الدار، ودخل عليها الخادم، وقال: قد أقبل ~~مولاي الكونت دي كركاز. # ثم خرج ودخل أندريا مسرعا إليها وركع أمامها وقبل يدها، وقال: لقد سمح لي الدهر أن أراك ~~أخيرا. # فنظرت إليه ورأت على وجهه ذلك الجمال الجهنمي الذي لا يمكن للشيطان أن يتزيا بأحسن منه، ~~فخانتها قواها وصاحت صيحة منكرة وهي تحسب أنها في حلم لا في يقظة، فأخذها بين يديه وهو ~~يخاطبها: يا حنة، ويا حبيبتي، ويا حياتي، ها قد حضرت إليك، ولا فراق يفصل بيننا بعد فأنت ~~ستصبحين عروسي. # فأطبقت الفتاة عينيها وهي ترتجف تحت عوامل وجد ونفور لا يمكن إيضاحهما، ثم تمثلت لها صورة ~~أرمان، فاضطربت في مكانها. # والتفت السير فيليام إلى سريز وكانت واقفة تنظر إليهما، وقال لها: إنك سترين حبيبك ~~قريبا، وغدا تزفين إليه. # فسقطت الفتاة على كرسي من هذه المفاجأة، فنهض إليها أندريا وسقاها بعض نقط من زجاجة كانت ~~معه، فانتعشت واستوت جالسة، فقال لها: اذهبي إلى الغرفة التي كنت فيها في وسط الحديقة ~~وانتظري قليلا، فإن ليون آت إليك. # ثم أوصلها إلى الباب فانطلقت مسرعة مستبشرة بقرب اللقاء، وخلا له الجو، فعاد إلى حنة ~~وعيناه تبرقان بنار الانتقام، وانطلقت سريز مسرعة إلى تلك الغرفة المنفردة، وهي لا ترى في ~~طريقها أحدا من الخدم، كأن القصر أصبح خاليا لا أنيس به سواها، حتى بلغت غرفتها فوجدت ms0171 فيها ~~مصباحا منيرا، ولكنها لم تسمع حسا ولا حركة فجلست على كرسيها، وإذا برجل قد ظهر بغتة ~~فصاحت وهي لا تعي: ليون! ولكنها لم تلبث أن تأملته حتى صرخت من الرعب، وعرفت أن الداخل عليها ~~بيرابو ذلك الشيخ القبيح المكروه، فأقفل الباب وراءه وتقدم إليها قائلا: ما أسعدني بلقاك ~~أيتها الحبيبة! # فنهضت سريز من مكانها مذعورة وهربت من وجهه إلى آخر الغرفة، فقال لها ضاحكا: ما هذا الذي ~~تفعلينه؟ أتهربين من وجه من يهواك؟ # ثم أقبل عليها فهربت من وجهه، ووقعت وراء منضدة تحول بينها وبينه، فقال لها هازئا: كفى ~~مداعبة وجنونا يا حبيبة قلبي، فإنك لا تلبثين أن تتعبي، ويكون لي ما أريد. # فصاحت الفتاة مستغيثة: ليون ... ليون ... # فأجابها الشيخ: لقد ضحكوا عليك؛ فإن ليون لا يأتي، وأنا الذي أتيت مكانه، وها نحن الآن ~~وحدنا والباب مقفل، فلا أمل لك بالنجاة مني. # فعادت الفتاة تصيح مستغيثة وتهرب من وجهه وهو يتبعها حتى تعبت، واستولى على جسمها خدر ~~شديد، فخانتها قواها، وأظلم النور في عينيها، وقد أثر فيها الشراب الذي سقاها إياه أندريا ~~تأثيره المطلوب، فسقطت على الأرض لا قوة بها ولا حراك، فهجم عليها الشيخ كما يهجم النمر على ~~فريسته الساقطة، وإذ بصوت أوقفه مكانه، والتفت فرأى رجلين لدى الباب، ثم رأى أحدهما قد هجم ~~عليه وضربه، وألقاه على الأرض، ووضع ركبته على صدره، وقال: ويل لك أيها الشيخ الأحمق، لقد ~~أتيتك في أواني. # وكان ذلك الفتى ليون رولاند، والذي معه أرمان دي كركاز، وفتحت سريز عينيها وقالت: أنقذني ~~فقد كدت أموت. # ثم أدارت عينيها في الغرفة وأبصرت أرمان وقالت له والشرب يحبس لسانها: حنة ... في البيت ... ~~أسرع أنقذها. # وكان السبب في قدومهما أنهما بينما كانا عائدين إلى باريس كان أندريا قد وصل إلى مجلس ~~الفتاتين، وصرف من فيه من الخدم وخاطب روكامبول: قد انتهت حراستك، فاذهب الآن وأنا ذاهب في ~~رحلة، وسأدعوك متى احتجت إليك. # تم وعده بمكافأة حسنة، ولكنه لم يدفع له شيئا، ورأى الغلام لوائح الكدر ms0172 على وجهه، فعلم ~~بفراسته أنه لم ينجح في مسعاه، وأن آماله قد خابت أو كادت تخيب، فانطلق عائدا إلى باريس، ~~وفيما هو في وسط الطريق قابله أرمان وليون وهما عائدان إلى باريس كما أسلفنا، فعرفاه في ~~الحال أنه الغلام الذي خدعهما ورمى رفيقهما في النهر، فانقض عليه ليون، واحتمله بين يديه ~~إلى غابة هناك، وجرد خنجره على صدره، وتهدده بالموت إذا صاح، والتفت إلى أرمان وسأله: ماذا ~~تصنع به الآن؟ ~~- نستنطقه عن محل الفتاتين. # ثم وضع الخنجر على صدره وقال له: تكلم أو تقتل. # وكان الغلام قد قدر في فكره أن أندريا قد أحبط مسعاه، وأن لا أمل بنيل مكافأة منه، وأن ~~الكونت أغنى منه وأصدق في وعده، فرأى أن يبوح بالأمر، بعد أن يستوثق من نيل المكافأة ~~اللازمة عليه، فأجابه: ماذا تريد مني؟ # فسأله الكونت: أن تخبرنا أين حنة وسريز؟ ~~- لا أدري إلا إذا أعطيتماني ما أريد. ~~- وما تريد؟ ~~- ألف دينار. ~~- هي لك فتكلم. # فأخبرهما بجلية الأمر، وأن الفتاتين على خطر إذا لم يسرعا لإنقاذهما في تلك الساعة، وأقسم ~~له الكونت أن يعطيه ما طلبه، فسار الفتى بين أيديهما إلى بوجيفال حتى أوصلهما إلى غرفة سريز ~~حيث رأياهما داخلين على غرفة ذلك الشيخ الفاسد، وحيث قالت سريز لأرمان: أسرع وأنقذ ~~حنة. # وأخذ الغلام بيد أرمان وقال له: تعال يا مولاي فأنا أدلك على مكانهما. # ثم سار به مسرعا إلى غرفتهما، فسمع صوت أندريا يخاطبها: أحبك يا حنة وستكونين لي. ~~- أما أنا فلا أحبك. # ثم استنار فكرها بغتة وقالت: إنك لست الكونت، فإن الرجل الشريف لا يفعل هذا. # ورأى أندريا أن اللين لا يفيد معها، فانتفض في مكانه وتطاير بريق الغضب من عينيه، وقال: ~~نعم، إني لست الكونت، بل أنا أندريا المغضوب عليه، وأخو الذي تحبينه، وأكرهه كما يكره ~~الملاك الشيطان، ولا بد من أخذك بالرغم عنه. # ثم هجم عليها وطوقها بذراعيه، وقبل شفتيها تلك القبلة الفاسدة التي يرتعش لها جسم كل ~~امرأة شريفة، وقال لها: إنك في قبضة يدي ms0173 وهيهات لأرمان أن ينقذك مني. # ولم يتم كلامه حتى سقط الباب مكسورا، ودخل أرمان كالصاعقة وقال: بل يخلصها منك بالرغم ~~عنك، فاركع واستغفر الله فقد قربت ساعة مماتك. # فاصفر وجه أندريا وخانته شجاعته لدى الموت، فسقط راكعا على ركبتيه، والتفت أرمان إلى ~~حبيبته وسألها: إن هذا الرجل قد أهانك فهو يستحق الموت، ولكنه أخي من أمي، فماذا تريدين أن ~~أصنع به؟ ~~- اعف عنه بالله. # فرفع أرمان غدارته من جبهة أندريا، وقال له: إني أعفو عنك الآن باسم تلك الوالدة، وباسم ~~مرتا التي كنت السبب في هلاكها، وباسم هذه الفتاة الطاهرة التي دنستها بشفتيك، فاذهب ملعونا ~~من الله والناس، وعسى أن الله يشفق عليك يوما أنت يا من لم يشفق على أحد. # وبعد ثمانية أيام من هذه الحادثة أقيمت صلاة حافلة في كنيسة باريس، اقترن بها الكونت أرمان ~~بحنة، وفرناند بهرمين، وليون بسريز، وكان إلى جانبهم على هيكل الكنيسة امرأة لابسة السواد ~~تصلي وتبكي وهي بأثواب الراهبات، وقد أصبحت تدعى الأخت لويزا، وكانت من قبل تدعى ~~باكارا. # مقدمة‏ # ربيبة الدير‏ # مقدمة‏ # ربيبة الدير‏ # | ربيبة الدير # | ربيبة الدير # | أم روكامبول (الجزء الأول) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | مقدمة # دقت نواقيس الدير قبل أن ينبثق نور الفجر مؤذنة بالصلاة، فتهافت الرهبان إلى ~~المصلى. # وبينما الرهبان يصلون صلاة الفجر، كان داغوبير قد بدأ أعماله وامتزجت أصوات مطرقته بأصوات ~~الرهبان. # إن داغوبير هذا كان حدادا وبيطارا في ذلك الدير، ولكنه لم يكن من الرهبان ولا يتصل بهم ~~بغير الجوار. # وهو فتى في الثانية والعشرين من عمره، متين القوى، وافي الذراعين، عظيم الزندين، مدمج ~~المفاصل، تظهر الشجاعة بين عينيه، ولا يخلو وجهه من الجمال. # كان والد داغوبير وأجداده إلى عهد بعيد يتوارثون هذا الاسم توارثهم مهنة الحدادة والبيطرة ~~في جوار الدير، حتى كان نبلاء أورليان يقولون: لو كان نسب الأسرات بتقادمها لكان هذا الحداد ~~مساويا لنا في الحسب. # ثم إن رهبان الدير كانوا يموتون ويحل سواهم محلهم فيه، كذلك أعضاء عائلة داغوبير فإنهم ~~كانوا ms0174 يتوارثون تلك المطرقة وتلك الدكان، كما تتوارث الملوك التيجان. # ولهذه العائلة حكاية كان يتناقلها الناس كما يتناقلون أحاديث الخرافات، وهي أن جد هذه ~~العائلة كان يتصل تاريخه بعام 1350. # وكان للكهنة والنبلاء في ذلك العهد مطلق السلطان، فاتفق يوما أن حراس غابات الدير جاءوا ~~بهذا الرجل إلى الرئيس مكتوف اليدين، واتهموه أنه اصطاد أيلا في تلك الغابات، فأمر رئيس ~~الدير بجلده خمسين سوطا وبدفع غرامة كانت فوق طاقته، وسجنه إذ لم يستطع دفعها. # واتفق في ذلك اليوم أنهم انتخبوا رئيس الأديرة العام، والعادة أن الرئيس العام حين ~~ينتخبونه يأتي إلى هذا الدير فيقيم فيه يوما، ثم يذهب مع رئيسه إلى مركز رئاسته ~~العليا. # وكان حصان رئيس الدير قد حفت حوافره، وليس في تلك القرية بيطار غير داغوبير السجين، فأمر ~~الرئيس بإحضاره من سجنه وأمره أن ينعل فرسه، فأبى الرجل لحقده على الرئيس، فقال له: إذا ~~أصررت على الرفض أمرت بشنقك. # فأجابه بملء السكينة: إني مستعد للموت. # فغضب الرئيس ولكنه كان مضطرا إلى مرافقة الرئيس الأكبر، فكظم غيظه وقال له: لماذا لا ~~تريد أن تنعل فرسي؟ ~~- لأنك أسأت إلي ولم تعوضني شيئا. ~~- إني أصفح عنك وأتخلى عن الغرامة التي فرضتها عليك. ~~- إن هذا التعويض لا يكفيني. ~~- إذن سل ما تشاء فإني أمنحك كل ما تريد. ~~- إني أريد أن تمنحني أرضا يسير فيها الماشي ثلاث ساعات في أي مكان أردته من أملاك ~~الدير. ~~- قد منحتك ذلك. ~~- وأريد أن تأذن لي ببناء منزل ودكان للحدادة. ~~- قد أذنت لك. ~~- وأريد أن تكون هذه الأرض والمنزل والدكان حقا لأعقابي يتوارثونها من بعدي. ~~- قد منحتك هذا الحق أيضا. # ثم كتب له صكا بهذه المنح، فأنعل له فرسه وتمكن من مرافقة الرئيس العام. # وتوالت السنون والقرون فكانت تلك الدكان عند باب الدير لا يشتغل فيها غير أعقاب داغوبير، ~~فكانوا مع الرهبان على أتم خير وسلام. # أما داغوبير هذا الذي بقي من تلك العائلة في عهد هذه الرواية فكان يدعى جان ~~داغوبير. # وقد كان في مقتبل الشباب كما قدمناه، ms0175 ولم يبق من تلك العائلة سواه، ومع ذلك فإنه كان لا ~~يزال عازبا، إما لخوفه من الزواج، وإما لأنه لم يجد بعد من تشاركه في هذا القيد. # ولقد قلنا إن الرهبان كانوا يصلون صلاة الفجر، وداغوبير يقرع السندان بمطرقته فيوقظ ~~الأطيار من سباتها؛ لأن الفجر لم يكن قد انبثق بعد. # وفيما هو ذلك سمع وقع حوافر جواد، فذهل لقدوم هذا الجواد بمثل هذه الساعة، وترك مطرقته ~~وقام إلى الباب ليرى من القادم، فرأى فارسا ينهب الأرض بجواده وهو قادم من جهة سولي، فقال ~~في نفسه، لا شك أن هذا الفارس من النبلاء، وهو ذاهب إلى قرية سانت ألبير لحضور حفلة ~~العيد. # غير أن هذا الفارس لم يتجاوز الدير؛ فإنه حين وصل إلى دكانه أوقف الجواد، ونادى داغوبير ~~فقال له: أهنا الدير الذي يدعونه دير أبناء الله أيها الصديق؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- ألا يزال الأب جيروم رئيسه؟ ~~- نعم. # وكان أمام هذا الفارس على الجواد فتاة صغيرة، فحملها بين يديه وترجل عن الجواد وهو ينظر ~~إلى الفتاة نظرة حنو وإشفاق، ثم دخل بها إلى دكان الحداد دون أن يهتم بجواده، ووضع الفتاة ~~برفق قرب النار؛ فإن البرد كان شديدا قارصا. # وكانت الفتاة زرقاء العينين بارعة الجمال شقراء الشعر، فجعل داغوبير ينظر إليها معجبا ~~بهذا الجمال الملائكي. # أما الفارس فقد كانت علائم الاضطراب بادية بين عينيه، فالتفت إلى داغوبير وقال له: أرجوك ~~أيها الصديق أن تقرع باب الدير؛ إذ يجب أن أقابل الأب جيروم في الحال. # فقال له داغوبير: إني لو قرعت الباب ساعة لما فتحوه. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الرهبان منشغلون الآن بصلاة الفجر، ونظام الدير لا يأذن بفتح الباب قبل ~~انتهائها. # فأجابه بلهجة الجازع: ولكن لا بد من مقابلة الرئيس. ~~- يستحيل ذلك يا سيدي قبل انتهاء الصلاة، وهي لا تنتهي إلا حين شروق الشمس فيفتح ~~الباب. # فتنهد الفارس وقال: وأنا يستحيل علي الصبر، وا أسفاه! إذ يجب أن أكون عند شروق الشمس ~~بعيدا عن هذا المكان. # وكان هذا الفارس في الخمسين من عمره، ms0176 تدل ملابسه على أنه من نبلاء الريف، وهي من المخمل ~~الأصفر مزدانة بشرائط من الفضة ، وكانت الوحول قد اتصلت بها مما يدل على أنه اجتاز مسافة ~~عظيمة. # وكانت الفتاة قد جلست على كرسي قرب النار، فلما دفئت تثاقل جفناها فأطبقتهما ~~ونامت. # فأشفق داغوبير عليها وقال للفارس: أتأذن لي أيها النبيل أن أصعد بها إلى سريري فتنام فيه ~~مرتاحة؟ # فلم يجبه الفارس، بل خرج من الدكان وقرع باب الدير بعنف شأن القانط، فلم يجبه أحد، ولم ~~يسمع غير أصوات الرهبان يصلون. # واستمر يقرع الباب ربع ساعة دون فائدة فعاد إلى دكان الحداد، فرأى داغوبير أن دمعة سقطت ~~على خد الفارس. # أما الفتاة فكانت لا تزال نائمة. ~~••• # كان حزن الفارس شديدا، حتى إن داغوبير لم يجسر أن يقول له شيئا بشأن قرعه باب ~~الدير. # أما الفارس فإنه دنا من الفتاة وناداها باسم حنة، ففتحت الفتاة عينيها وقالت: إني متعبة ~~جدا فدعني أنام، ثم أطبقت عينيها وانحنى رأسها الجميل على كتفها. # فنظر الفارس عند ذلك نظرة غريبة إلى داغوبير، وقال له: إني أسفك دمي في سبيل فتح باب ~~الدير الآن. # فتأثر داغوبير تأثرا عظيما ليأس الفارس، وقال له: أتريد يا سيدي أن أكسر باب ~~الدير؟ ~~- كلا، فإننا نضيع الوقت، وقد أغضب بذلك رئيس الدير، وأنا في حاجة إلى رضاه. # ثم نظر إلى داغوبير كأنما قد خطر له خاطر وقال: ماذا تدعى؟ ~~- داغوبير. ~~- أأنت من أهل هذه البلاد؟ ~~- إني ولدت في هذا البيت وسأموت فيه. # فنظر إليه نظرة الفاحص وقال: إن هيئتك تدل على أنك شريف القلب. # فأجابه بلهجة الإعجاب: إنك لو سألت جميع أهل المقاطعة لما حكموا على عائلة داغوبير إلا ~~كما حكمت أنت علي. # فذكر الفارس ذكرى بعيدة وقال له: أليست هي عائلتكم التي نالت امتياز الإقامة بجوار الدير ~~منذ أربعة قرون؟ ~~- نعم. ~~- لقد وثقت بك الآن؛ فإن لعائلتكم شهرة بعيدة بالوفاء. ~~- قل يا سيدي ما تريد، فإني ما خدعت أحدا ولا أبدأ بخداعك. # فنظر الفارس إلى الفتاة وقد جال الدمع في ms0177 عينيه، ثم قال لداغوبير: إن هذه الفتاة التي ~~تراها ليس لها سواي في هذا الوجود يحميها. ~~- لعلك قريبها؟ ~~- إني أبوها وعمها وأخوها؛ إذ ليس لها سواي، ولكني مضطر إلى الافتراق عنها عاما أو ~~عامين، وربما فارقتها أكثر من ذلك، ويجب علي أن أكون في باريس في هذا المساء، وأن أبرح ~~فرنسا بعد يومين إلى أميركا، فإن شرفي وسعادة هذه الفتاة موقوفان على سفري. ~~- ألعلك يا سيدي تريد إبقاءها عند الأب جيروم؟ ~~- نعم، وسأعهد إليك بقضاء هذه المهمة. # ثم أخرج خاتما من إصبعه ومحفظة من جيبه، أما الخاتم فقد كان منقوشا عليه شعار النبلاء، ~~وأما المحفظة فقد كانت محشوة بالأوراق المالية. # فدفع الخاتم والمحفظة إلى داغوبير وقال له: عندما يفتح باب الدير اذهب بالفتاة إلى الأب ~~جيروم وأعطه الخاتم والمحفظة، فإنه متى رأى الشعار على الخاتم عرف من أنا ومن هي ~~الفتاة. ~~- سأفعل يا سيدي كل ما أمرتني به. ~~- بقي أمر وهو أننا في زمن كثر فيه الاضطراب وأخذ الشعب يجاهر باستيائه حتى بتنا نخشى ~~هبوب الثورة، على أن الشعب إذا ثار فإنما يثور على النبلاء والرهبان، وقد ينقض على هذا ~~الدير ويعجز الأب جيروم عن حماية الفتاة، فهل تتولى حمايتها إذا اتفق ذلك؟ ~~- إني أحميها كما يحمي الأب ابنته في مواقف الشدائد، وأزود عنها مكروه الشعب، فإني من ~~الشعب. # فالتفت الفارس فرأى صليبا معلقا في الجدار، فقال له: أقسم لي بالصليب أنك صادق فيما ~~تقول. ~~- أقسم به وبكل مقدس في السماء أني أسفك دمي قبل أن تسقط شعرة من رأسها. ~~- حسنا، والآن أستودعك الله وأرجو أن يقيك ويقي هذه الفتاة. # ثم دنا من الفتاة وهو يضطرب حنوا، فقبلها وقال لها: الوداع أيتها الحبيبة، وليحرسك الله ~~فإنك من ملائكته. وخرج مسرعا يتبعه داغوبير، فصافحه مودعا وامتطى جواده وسار به ينهب ~~الأرض، فلبث داغوبير واقفا يشيعه حتى توارى عن الأنظار. # ثم دخل إلى دكانه وكان الفجر على وشك البزوغ، فكانت الفتاة لا تزال نائمة، فحملها بين ~~يديه وصعد بها إلى منزله. # وكان ms0178 داغوبير قد احتفظ بسرير أمه وأبقاه على حاله بعد موتها تذكارا لها، فإنها ماتت منذ ~~خمسة أعوام، وقد وضع فوقه صليبا، فلما صعد بالفتاة إلى تلك الغرفة شعر بعاطفة احترام، ~~وأنكر أن ينومها في سريره، فرفع الصليب عن سرير أمه وأنام الفتاة عليه ثم عاد إلى ~~دكانه. # وكان الرهبان لم يفرغوا من صلاتهم بعد، فهم أن يعود إلى عمله غير أنه خشي أن تستيقظ ~~الفتاة من صوت المطرقة، فامتنع عن العمل وجلس عند باب الدكان ينظر نظرات ساهية إلى الغابة ~~الفسيحة المنبسطة أمام الدير. # وفيما هو يسرح النظر في تلك الغابة رأى نورا أحمر من جهة الغرب يتعاظم ويمتد من فوق ~~أشجار السنديان، فتعجب لهذا النور المتصل بعنان السماء، وقال في نفسه إنه لا يمكن أن يكون ~~نور الشفق، ثم رأى كأن السماء قد باتت كتلة من نار، فأيقن أنها حريقة قد شبت في أحد القصور ~~أو في إحدى المزارع. # ولم تكن الحرائق نادرة في ذلك العهد، فإن المجاعة وقحل المواسم وفداحة الضرائب واستبداد ~~النبلاء هاجت الفلاحين، فتألفت منهم عصابات تطوف في حقول الأغنياء فتحرق المزارع ~~والقصور. # وقد ثبت داغوبير في يقينه من هذه الحريقة؛ لأن أصوات الرهبان انقطعت فجأة وأخذت أجراس ~~الدير تدق دقات خاصة بالاستغاثة، فتجيبها أجراس من الأماكن المجاورة بمثل دقاتها إشارة إلى ~~التأهب. # ثم رأى أن باب الدير قد فتح وخرج منه جميع الرهبان، فساروا إلى جهة النار وفي طليعتهم ~~الأب جيروم وهم يبلغون مائة راهب. # فدبت الحماسة في صدر داغوبير وهم أن يسير في أثرهم، غير أنه تذكر الفتاة واليمين التي ~~أقسمها على الحرص عليها فبقي في مكانه. # أما الفتاة فإنها كانت لا تزال نائمة. ~~••• # كان الأب جيروم رئيس هذا الدير طويل القامة عريض المنكبين، تتقد عيناه ذكاء ويضيء فيها ~~بارق الشباب. # وكانت الأديرة في ذلك العهد كغرف الجيش، فكان لكل فرقة رئيس فعلي ورئيس اسمي، وأما ~~الكولونيل فكان يشتري هذا المنصب بالمال ولا يكون له منه غير شرف الانتماء إليه، وأما ~~الكولونيل الفعلي فهو ms0179 الذي كان يتولى قيادة الفرقة، ويبلغ هذا المنصب بجده ~~واستحقاقه. # وكذلك الأديرة في ذلك العهد ، فقد كان لكل دير رئيس شرف ممن يميلون إلى مثل هذا الجاه، ~~ورئيس عامل يتدرج فيه من أدنى الدرجات باجتهاده إلى مقام الرئاسة. # أما الأب جيروم فقد كان من الفريق الثاني، وهو من أهل الجد والذكاء والهمم العالية، فدخل ~~إلى الدير راهبا بسيطا ورقي فيه حتى بلغ الرئاسة العليا، وأما الرئيس الاسمي فلم تطأ ~~قدماه ذلك الدير. # وإن لدخول الأب جيروم إلى الدير حكاية سرية، فإنه في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة وذلك ~~منذ خمسة عشر عاما، كان فارسان يسيران في غابة هذا الدير وقد فتحت ميازيب السماء وانهالت ~~الأمطار كأفواه القرب حتى وقفا عند باب الدير. # وكان أحدهما مرتديا بملابس النبلاء، وكان الآخر خادما كما يظهر؛ فإنه حين ترجل عن جواده ~~ألقى عنانه إليه، ثم مد إليه يده وقال له: أستودعك الله يا متى، إلى الأبد ... ولا أنسى ~~إخلاصك في خدمتي ما حييت. # فتلقى الخادم هذا الوداع بالبكاء، وأكب على يد سيده يقبلها ويغسلها بدموعه وهو يقول: ~~أتدخل يا سيدي إلى الدير وتنقطع عن العالم هذا الانقطاع، وأنت الغني النبيل الذي أجمع الناس ~~على حبه واحترامه؟ ~~- ذلك لا بد منه، الوداع فاذهب بأمن الله. # ثم أشار إلى خادمه بيده إشارة منعته عن العودة إلى الحديث، فاندفع في البكاء وقاد جواد ~~سيده بعناية وسار ماشيا في الغابة، وهو كلما خطى خطوة يلتفت إلى الوراء فيرى سيده واقفا ~~تحت المطر عند باب هذا الدير الذي من يدخل إليه لا يخرج منه إلا إلى ظلمة الأبد. # أما السيد فإنه لبث واقفا حتى توارى الخادم بالجوادين عن الأنظار، فقرع باب ~~الدير. # وفي اليوم التالي احتفل الرهبان بتدشين هذا الراهب الجديد، وبدأت أعماله الشاقة التي لا ~~بد أن يعملها كل منتظم في سلك الرهبنة حين دخوله. # وبعد عشرة أعوام أصبح هذا الراهب البسيط رئيسا لذلك الدير، ولم يعلم أحد حقيقة اسمه، ولا ~~تلك النكبة الهائلة التي دعته إلى اعتزال ms0180 العالم في مقتبل الشباب والانصراف إلى خدمة ~~الله. # ولكنه نال شهرة واسعة في تلك المقاطعة بالتقوى والإصلاح وحسن الإدارة، فزالت حين تولى ~~الرئاسة شكاوى الناس من جور الرهبان وانقطعت المظالم وحسنت سيرة الرهبان، فلم تعد تخشى ~~النساء التنزه في الغابات. # وقد تقدم لنا القول إن الحرائق كانت كثيرة في تلك الأيام، فاشتهر الأب جيروم في خلالها ~~بالغيرة والجرأة والإقدام، فإنه كان إذا شبت النار في موضع أسرع إليها في طليعة رهبانه، ~~واقتحم النار غير هياب فلا يعود إلا بعد إخماد النار. # ولذلك لم يذهل داغوبير لشبوب النار، ولكنه استاء لعدم تمكنه من المساعدة في ~~إطفائها. # ولبث الحداد واقفا عند باب دكانه إلى أن أشرقت الشمس وملأت أشعتها الكون، ورأى أن أنوار ~~الحريقة قد خمدت وانقطع صوت أجراس الاستغاثة. # فصعد من دكانه إلى الغرفة النائمة فيها الفتاة، ووقف عند السرير يتأمل ذلك الجمال الذي لم ~~ير أطهر منه جمالا وأبدع مثالا. # وكانت لا تزال نائمة وهي تبتسم كأنها حالمة بما يدعو إلى الابتسام، فشعر داغوبير أن قلبه ~~يضطرب ويخفق حنوا، وود لو طال غياب الرهبان كي يبقى معها في هذا الموقف. # وفيما هو يتأمل محاسنها تنهدت ثم فتحت عينيها، فنظرت إلى ما حولها نظرا تائها ونادت ~~عمها، ثم استقر نظرها على داغوبير فعرفته وقالت له: أنت هو الذي كان يضرب الحديد ~~بالمطرقة؟ # فاضطرب وقال لها بلهجة تشف عن الاحترام كأنه يكلم فتاة في العشرين من عمرها: نعم يا ~~سيدتي. ~~- إذن أنا في منزلك؟ ~~- نعم. ~~- وأين هو عمي؟ # فتلعثم داغوبير ولم يدر كيف يعلل لها عن سفره، ثم تشجع وقال لها بصوت حنون: إن عمك قد ~~سافر، ولكنه سيعود، وقد أوصاني أن أعتني بك في مدة غيابه. # فلم يظهر عليها شيء من الخوف، ولكنها نظرت إلى وجهه المسود من الدخان وقالت له: إن وجهك ~~أسود لكنه يدل على الصلاح. ~~- إذن أنت غير خائفة مني؟ ~~- كلا. ~~- أتبقين عندي إلى أن يعود عمك؟ ~~- دون شك. # وعند ذلك سمع داغوبير صوت رجل يناديه من الدكان، ms0181 فقال لها: ابقي هنا إلى أن أقضي حاجة هذا ~~الرجل فأعود إليك. # ثم نزل إلى الدكان فلقي فيها أحد الرهبان المنوط به إرسال البريد، وهو يريد نعلا لجواده ~~فقال له: إني خشيت ألا أراك وأن تكون بين الذين ذهبوا لإطفاء النار. ~~- كنت أود أن أكون، ولكن حال دون ذهابي بعض الموانع، فأين شبت هذه النار؟ ~~- في قصر دي بوربيير فالتهمته. ~~- أهو هذا القصر الجميل الذي بني حديثا ولم يسكنه أحد بعد؟ ~~- هو بعينه، ولكن أصحابه أقاموا فيه منذ أسبوع قادمين إليه من باريس. ~~- إنهم أغنياء وسيعيدون بناءه. # فهز الراهب رأسه وقال: لم يبق من يشيده فقد مات أصحابه. ~~- كيف ماتوا؟ أبالنار؟ ~~- هذا ما يرويه الرواة. ~~- كم يبلغ عددهم؟ ~~- إنهم ثلاثة، رجل عجوز وسيدة وولد صغير، لا أعلم إذا كان ذكرا أو أنثى. # فارتعش داغوبير وقال: ألم يجدوا جثثهم؟ ~~- كلا، فإن الخدم تمكنوا من النجاة، وأما أصحاب المنزل فلم يرهم أحد حين شبوب ~~النار. ~~- ولكن ماذا يدعون؟ ~~- الكونت والكونتس دي مازير. ~~- أهم قادمون من باريس؟ ~~- نعم، لكن لهم أقرباء في هذه المقاطعة. # وكان داغوبير يحدثه ويشتغل بنعل الفرس، فلما أتم عمله ركب الراهب جواده وانطلق. # وحاول داغوبير عند ذلك أن يعود إلى الفتاة لكنه رأى كثيرا من العصابات عائدين من محل ~~الحريق، فاستوقفهم وقال لهم: لعلكم عائدون من المحل الذي شبت فيه النار؟ # وكانوا كلهم يعرفونه، فأجابه أحدهم: نعم. ~~- أعرفوا الذي وضع النار؟ ~~- نعم، قد عرفوه. ~~- من هو؟ ~~- هم أصحاب القصر أنفسهم. # فدهش داغوبير دهشا عظيما، ولم يعلم كيف يمكن أن يكون ذلك. ~~••• # وعاد محدثه إلى الحديث فقال: يظهر أن الأب وأم الفتاة كانوا ينوون الانتحار من زمن ~~بعيد. # فارتعش داغوبير وقال: أكان ولدهما بنتا؟ ~~- نعم. ~~- ولكن كيف عرف أن أصحاب القصر هم الذين أضرموا النار فيه؟ ~~- لقد عرف من أمرهم أنهم جاءوا ليلا في مركبة، فدخلوا إلى القصر وعادت المركبة إلى ~~باريس، وكان يصحبهم ثلاثة خدم، فكان الخدم يبيتون في فسحة كبيرة تطل على الحديقة في الدور ~~الأرضي، بحيث إنهم ms0182 تمكنوا من الفرار حين شبت النار، خلافا لأسيادهم فقد كانوا مسجونين في ~~غرفة بابها من الحديد كما يقال، فحاول مخمدو النار فتح هذا الباب وكسره فلم يستطيعوا، فكانت ~~النار تلتهم القصر، وأصحابه لا يفوهون بحرف. ~~- لكن جميع ذلك لا يثبت أنهم هم الذين قد أضرموا النار. ~~- بل إن هناك برهانا آخر يثبته، وهو أنهم أرسلوا كتابا إلى مدير الناحية كتبوا على ~~غلافه هذه العبارة: «لا يفتح قبل الساعة السادسة»؛ أي بعد الحريقة، فإن النار كانت التهمت ~~كل شيء في تلك الساعة وجعلت القصر وساكنيه رمادا. ~~- وماذا كان يتضمن هذا الكتاب؟ ~~- الاعتراف بأنهم هم الذين أضرموا النار بغية الانتحار. # ثم تحدثوا مع داغوبير هنيهة بشأن هذا السر الغريب الذي لم يتمكن أحد من حله ~~وانصرفوا. # فعاد داغوبير إلى الفتاة فوجد أنها قد عادت إلى النوم، فتركها نائمة وذهب إلى الدير ~~لمقابلة الأب جيروم. # فلما رآه الأب جيروم نظر إليه نظرة جفاء وقال له بلهجة المؤنب: لقد كان من عادتك أن تكون ~~في طليعة المقدمين على إطفاء الحرائق، ولكني لم أرك اليوم معنا. ~~- هو ذاك يا سيدي غير أني لم أستطع الذهاب معكم هذه المرة. ~~- لماذا؟ # وكان في الغرفة راهب آخر، فنظر داغوبير إلى الرئيس وقال له: ألتمس منك يا سيدي أن تصغي ~~إلى حديثي، وأن تأذن لي بمحادثتك على انفراد. # فأشار الرئيس إلى الراهب فانصرف، وعند ذلك أخبره داغوبير بذلك الفارس الذي جاءه قبل ~~الفجر، وأعطاه الخاتم ووضع على الطاولة محفظة الأوراق المالية. # فأخذ الرئيس الخاتم وما لبث أن تمعن فيه حتى اصفر وجهه، واضطربت أعضاؤه فقال لداغوبير: ~~أين هو هذا الفارس؟ ~~- لقد سافر وأودع عندي الفتاة. ~~- ألم يقل لك متى يرجع؟ ~~- إنه غير عازم على الرجوع يا سيدي، لكنه قال لي إنك متى رأيت شعار الخاتم تعلم كل ~~شيء. # فزاد اضطراب رئيس الدير وقال: لكن لماذا غادر الفتاة عندك؟ ~~- كي أودعها عندك. ~~- عندي أنا؟ ~~- نعم. # فجعل الأب جيروم يقلب الخاتم وينظر فيه متمعنا إلى أن عرفه، فقال: اللهم عفوك، فقد ms0183 أنرت ~~قلبي بنور السكينة، فنسيت كل ما في الوجود. # ثم نظر إلى داغوبير، وقال له : أين هي الفتاة؟ ~~- عندي وهي نائمة في سرير أمي الآن. ~~- أرآها أحد عندك؟ ~~- كلا. ~~- إذن عد إلى دكانك واحرص كل الحرص على هذه الفتاة، ثم عد إلي بعد ساعة فإني في حاجة ~~إلى الانفراد والتفكير. # فانحنى داغوبير وانصرف. # أما الأب جيروم فإنه أخذ المحفظة فوضعها في جيبه، وذهب إلى هيكل الكنيسة فأنار شمعة في ~~حين أن شعاع الشمس كان يملأ الكنيسة أنوارا وأقفل الباب كي لا يدخل إليه أحد. # ثم أخذ يفحص الخاتم وكان كبيرا ضخما تبلغ استدارة فصه حجم الدينار، وهو ينفتح فينجلي عن ~~مكان يسع الفولة الكبيرة. # ففتحه فوجد في داخله ورقة بيضاء مطوية طيات كثيرة، فاضطرب قلبه وانصب العرق من جبينه ~~وقال: رباه! إني اعتزلت العالم ولكنه لم يعتزلني، وأردت الانقطاع إلى خدمتك ولكن الذين ~~أحبوني من قبل أبوا إلا أن يكدروا صفو اعتزالي. # ثم ركع وجعل يصلي، حتى إذا أتم صلاته فتح تلك الورقة المطوية ونظر فيها فإذا هي بيضاء لا ~~كتابة فيها. # غير أنه يعلم سر الكتابة المخفية التي كانت شائعة في ذلك العهد، فأدنى الورقة البيضاء من ~~نور الشمعة وصبر قليلا، فظهرت كتابة دقيقة بحروف سوداء، فقرأ فيها ما يأتي: # عزيزي موري # أول ما أبدأ به سؤالك المعذرة عما أثقل به عليك بعد انقطاعك عن العالم وانصرافك ~~إلى خدمة الله، وإنما كتبت لك هذه السطور لما كنت أخشاه من استحالة الاجتماع ~~بك. # لقد مضى على افتراقنا أيها الصديق عشرون عاما، ولكن مهما بلغت من العزلة ~~والانقطاع إلى الله، فإنك لا تنسى ذلك الصديق القديم. # ألم نحب حبا واحدا ونتعذب عذابا واحدا، غير أنك لجأت إلى الدير فأمنت الشقاء ~~وبقيت أنا عرضة للعواصف. # وها أنا آتي اليوم إلى أخي بالسلاح، ذلك الصديق القديم الذي اتشح الآن بثوب ~~الرهبان فأقول له: هلم أيها الأخ لمساعدة أخيك، تعال أيها الصديق لنصرة ~~صديقك. # إنك أردت أن تنسى الماضي فهربت منه ولكنه تبعك، وأنا ms0184 الآن أسألك أيها الصديق، ~~باسم الصداقة القديمة وباسم تلك التي أحببناها سوية أن ترأف بهذه الفتاة التي لا ~~نصير لها سواي في هذا الوجود، ولكن حين تقرأ هذه السطور أكون قد برحت هذه البلاد ~~فلا يبقى للفتاة سواك. # إني مسافر إلى البلاد الأميركية، ولا أعلم إذا كنت أعود منها، أما هذه الفتاة ~~التي أستودعك إياها فإن جميع الناس يعتقدون أنها ميتة، وهذه خير وسيلة لإنقاذها من ~~الموت. # إنك سترى بعد ساعة على بعد ثلاث مراحل من الدير الذي تقيم فيه قصرا يحترق لا ~~يدركه أهل النجدة إلا وقد التهمته النار. # وغدا يقول الناس الذين شاهدوا الحريق إن صاحب هذا القصر وامرأته وابنته البالغة ~~من العمر تسعة أعوام قد ماتوا بالنار، فدعهم أيها الصديق يقولون هذا القول ولا ~~تكذب موت الفتاة، فإنها تلك الفتاة التي ائتمنتك عليها وهي «ابنتها»، ولا حاجة لي ~~أن أخبرك بشقاء تلك الأسرة، التي طالما أخلصنا لها وسفكنا في سبيلها دمنا، فإنك ~~خبير به مثلي. # والآن فقد أرسلت لك ما بقي معي من المال لتنفقه على تربية الفتاة، فإذا بلغت ~~العشرين من عمرها وعدت من البلاد الأميركية أتولى أنا أمرها وتكون مهمتك قد ~~انقضت. # أما إذا لم أعد، فلا بد لك عند بلوغها هذا السن أن تذهب إلى ذلك المنزل الذي كنا ~~نقيم فيه معا في باريس حين كنا من الحراس. # وهناك تدخل إلى الغرفة التي كنا نبيت فيها، فتبحث وراء المدخنة وتزيل قشر الجدار ~~فتجد رخامة فتزيلها فتنكشف لك عن شبه خزانة تجد فيها صندوقا، وهذا الصندوق يحتوي ~~على ثروة هذه الفتاة الطائلة، وتجد فيه أيضا كتابة تنبئك عن اسمها. # هذه هي المهمة التي يعهد إليك بقضائها صديقك القديم راوول دي مواليبير، الذي كان ~~أخاك بالسلاح حين كنت تدعى أرنو دي نوفوازي. # راوول # فلما أتم الأب جيروم تلاوة هذا الكتاب ضم يديه وقال: أيتها التذكارات الماضية المؤلمة، ~~لقد حسبت أني نجوت منك وأنك لا تجسرين على العودة إلي من أبواب هذا الدير. # ثم تنهد وقال: إذن ms0185 قد ماتت تلك الحبيبة. # وركع فقال: اللهم إني ألتمس لها الرحمة، وأسألك العفو عن هذا الالتماس. # ولبث حينا طويلا وهو راكع يصلي، حتى إذا فرغ من الصلاة نهض وقد أشرق وجهه بنور البشر ~~كأنما الصلاة قد أزالت اضطرابه، فأخذ ذلك الكتاب وقد عاد إلى لون البياض وزالت الكتابة عنه ~~بعد ذهاب تأثير النور، فطواه وأعاده إلى الخاتم. ثم أطفأ الشمعة وخرج من الهيكل إلى باب ~~الدير وهو يبارك الرهبان الذين كانوا ينحنون له بملء الاحترام حين مروره بهم، فلما خرج من ~~باب الدير ذهب توا إلى دكان الحداد. # أما داغوبير فلم يكن يشتغل في ذلك الحين، بل كان واقفا عند باب دكانه ينتظر بفارغ الصبر ~~أن يدعوه الرئيس. # فلما رأى الرئيس داخلا إليه اصفر وجهه، ولم يجسر أن يسأله عن شيء. # فقال له الأب جيروم: أين هي الفتاة؟ # فأجابه بصوت مضطرب: إنها فوق، في الغرفة. ~~- ألا تزال نائمة؟ ~~- نعم. # فصعد الرئيس السلم المؤدي إلى تلك الغرفة، وتبعه داغوبير وقلبه يخفق خفوقا شديدا، فإن ~~قلبه ما حن في حياته على أحد حنوه على هذه الفتاة. # ووصل الرئيس إلى الغرفة فوقف عند بابها كأنه لا يجسر على الدخول، ثم مشى إلى ذلك السرير ~~الذي كانت نائمة عليه وهي لا تزال تبتسم وتحلم خير الأحلام. # فما لبث أن تمعن في وجهها الصبوح حتى تجهم وجهه. # ولعله رأى أن البنت تشبه الأم فاضطرب هذا الاضطراب، ولكن عواطف الكاهن انتصرت على عواطف ~~الرجل، فأشار إلى داغوبير كي يدنو منه، ثم قال له همسا: لعلك تشفق على هذه الفتاة وتريد ~~لها الخير؟ ~~- إني أسفك دمي من أجلها. ~~- إنك رجل طاهر القلب يا داغوبير، ورجائي أن تقضي المهمة التي انتدبتك إليها بشأن هذه ~~الفتاة. # فارتعش داغوبير وقال: دون شك يا سيدي فمر بما تشاء. ~~- إن هذا الفارس الذي جاءك بها وقرع باب الدير دون فائدة يجهل بلا شك نظام الدير، ولكنك ~~تعلم أن النساء لا يدخلن إلى ديرنا ولو كن في عهد الحداثة. ~~- نعم يا سيدي إني ms0186 أعرف هذا النظام. ~~- ومع ذلك فإن هذا الفارس الذي بعد الآن عنا وقد لا يعود عهد إلي بالعناية بهذه ~~الفتاة، وسافر وله بي ملء الثقة، فهل تجد نفسك خليقا بأن تحبها كما تحب أختك لو كان لك ~~أخت؟ ~~- دون شك يا سيدي، بل أحبها كما أحب نفسي وأحنو عليها حنان الأمهات على الرضيع. ~~- أتتعهد بحمايتها وبالدفاع عنها حين الاقتضاء؟ ~~- لقد قلت لك يا سيدي، إني منذ بضع ساعات لم أكن أعرفها أما الآن فإني أسفك دمي من ~~أجلها. ~~- إذن فاعلم الآن أن منزلك قد بات منزلها، فإني عهدت بها إليك. # ثم أعطاه محفظة الأوراق المالية والخاتم، فأشار إلى الموضع الذي يفتح في الخاتم وقال له: ~~إني أصبحت كهلا عرضة للموت في كل حين، فإذا مت فافتح هذا الخاتم تجد فيه ورقة مطوية، تبدو ~~لك لأول وهلة أنها بيضاء لا كتابة فيها، فإذا عرضتها لحرارة شمعة ظهرت الكتابة جلية وقرأت ~~جميع ما تحتويه، فعلمت أنه لا بد لك من السفر في خدمة الفتاة إذا كنت في ذلك الحين فارقت ~~الحياة. # فأخذ داغوبير المحفظة والخاتم فوضعهما في خزانته؛ حيث يضع ما يقتصده من الأموال وعاد إلى ~~الرئيس. # فقال له الرئيس: ليس هذا كل ما أطلبه إليك، فإن بعد ثلاثة أيام يتفق عيد القديس هيبرت ~~فيحضر كثير من النبلاء لزيارة هذا الدير، ويزورك بعضهم لتجديد نعل أفراسهم، فيجب أن تخبئ ~~الفتاة لبعد رجوعهم ولا تدع أحدا منهم يراها حتى الرهبان. # فأجابه داغوبير بملء البساطة: إن إخفاءها يا سيدي ثلاثة أو أربعة أيام قد يكون من ~~الممكنات، أما إذا كنت تريد أن أبقيها عندي فلا أستطيع إخفاءها عن عيون الناس لزمن ~~طويل. ~~- ولكننا من الآن إلى انصراف الزائرين نجد وسيلة نتجنب بها فضول الناس وتساؤلهم على ~~إبقائها عندك، فهل لك أقرباء؟ ~~- لم يبق لي غير عمة في شاتونيف. ~~- إذن قل إنها ابنتها فتقطع ألسنة الفضول. # وكانا يتحدثان همسا تجنبا لإيقاظ الفتاة، غير أن الفتاة تحركت في مضجعها فقال له ~~داغوبير: إنها بدأت تستيقظ. # فأخذ ms0187 الأب جيروم يدها بيد تضطرب فلثمها، وخرج مسرعا من تلك الغرفة كأنه قد ارتكب جريمة ~~بتقبيل يد تلك الفتاة، لفرط التشابه بينها وبين أمها. # وعند ذلك فتحت عينيها، فلم تجد أمامها غير داغوبير فجعلت تنظر إليه وهي تبتسم. # | ربيبة الدير # 1 # بعد ستة أعوام مضت من الحوادث التي بسطناها في مقدمة هذه الرواية، كان شاب في مقتبل ~~الشباب يترجل عن جواده في الغابة المجاورة لدير أبناء الله. # وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر، والشهر شهر نوفمبر، فكان الطقس جميلا والسماء صافية ~~والهواء باردا عليلا. # وكانت ملابس الشاب تدل على أنه من نبلاء القرى، فهو يلبس ثوبا مخمليا أخضر، ووشاحا ~~عليه شرائط فضية، وحذاء يبلغ إلى ركبته، وعلى جنبه بوق، وعلى كتفه بندقية، مما يدل على أنه ~~يصطاد. # وكان في التاسعة عشرة من عمره، وهو جميل الوجه أشقر الشعر ناعم اليدين أزرق العينين يدل ~~سكونهما على الكآبة. # وكان قد ربط جواده إلى إحدى أشجار الغابة، غير أن هذا الجواد كان يسمع من حين إلى حين ~~نباح الكلاب وصوت أبواق الصيد فيصهل ويحفر الأرض برجليه، كأنه يريد الإفلات من قيده والذهاب ~~إلى مصدر الأصوات. # أما الفتى فإنه اضطجع فوق العشب، فأسند رأسه إلى إحدى يديه وجعل ينظر إلى السماء الصافية ~~بعينيه وبقلبه وهو تائه في مهامه الخيال. # وبقي على ذلك نحو نصف ساعة، إلى أن سمع صوتا نبهه وأيقظه من سبات خياله، فالتفت إلى مصدر ~~الصوت فلم ير أحدا، وقال في نفسه: إن هذا الصوت صوت وثوب بين الأدغال، فلا بد أن يكون ~~صاحبه «بنوات». # ولقد أصاب في ظنه فإنه لم يكد يتم عبارته حتى رأى فتى قد وثب وظهر أمام الجواد. # وكان هذا الفتى يبلغ نحو السادسة عشرة من العمر، وقد وهبته الطبيعة بنية شديدة وجمالا ~~بديعا ورشاقة نادرة وعقلا سليما، ولكنها أبت إلا أن تشوه جماله بحدبة في ظهره فنغصت عليه ~~عيشه رغم تلك المواهب. # وكان الناظر إلى هذا الفتى - لأول وهلة - يستقبح منظره لحدبته، ولكنه إذا رآه عن قرب رأى ms0188 ~~عينين تدلان على السلامة ووجها يشير إلى الذكاء. # وكان شديد القوى ضعيف الحركات سريع العدو إذا طارد غزالا جرحه الصياد أدركه وسبق الكلاب ~~إليه. # وقد كانت أمه ولدته في هذه الغابة، فنشأ فيها يتيما منذ الولادة وألف العيش بين الغابات ~~والأدغال، فكان لا يطيب له الرقاد إلا في ظلال الأشجار، ولا يقتات إلا من نبات الحقول وما ~~يصطاده من الأطيار، فكان نبلاء تلك الناحية وجميع الذين أذن لهم الرهبان بالصيد في تلك ~~الغابة يعرفونه ويحبونه؛ لسلامة قلبه وشرف مبادئه وشدة ميله إلى الحرية والاستقلال، فقد رغب ~~الكثيرون منهم في استخدامه، ولكنه كان يأبى الخدمة على فقره ويؤثر الحرية على ~~التقييد. # فلما وثب وصار قرب الجواد التفت الفتى المضطجع ورآه، فأجفل الأحدب وقال له: أسألك العفو ~~يا سيدي الكونت، فإني أخشى أن أكون قد أيقظتك. # فابتسم له الفتى وقال: كلا يا بنوات، فإني لم أكن نائما. ~~- إذن كيف ذلك يا سيدي لوسيان؟ ألم تشترك معهم في الصيد؟ ~~- نعم، ولكني ضللت عنهم فاضطجعت هنا إلى أن أستريح. ~~- إذن قم يا سيدي إلى جوادك، وأنا أهديك إلى الرفاق فإني أعرف مكانهم. ~~- كلا يا بنوات، فإني غير راغب بالصيد مع ابنة عمي، وقد تعبت فآثرت الراحة. ~~- ولكنهم سوف يظفرون بالأيل الذي يطاردونه منذ الصباح، ألا تريد أن تكون معهم ساعة ~~الفوز؟ ~~- كلا، فإني سأقيم هنا إلى أن تغيب الشمس فأعود إلى بوربيار. ~~- أتعود إليها من طريق الغابة؟ ~~- كلا، بل من طريق سولي. # فابتسم الأحدب ابتساما معنويا وقال: أي إنك ستمر بالدير؟ # فارتعش الكونت لوسيان ونظر إلى الأحدب نظرة قلق. # وكأنما الأحدب أدرك معنى قلقه، فوقف أمامه بملء الاحترام وهو يحمل قبعته بيده وقال له: ~~لقد عرفتني يا سيدي الكونت منذ عهد بعيد، فهل سمعت من تكلم عني كلمة سوء؟ ~~- كلا يا بنوات، فإنك من أهل السلامة والصلاح. ~~- بل من أهل الغيرة والكتمان يا سيدي، فمن ائتمنني على سره لا يخرج سره من صدري ما ~~حييت. # فنظر إليه الكونت نظرة تائهة وقال له: أحقا ما ms0189 تقول؟ ~~- حبذا لو أذن لي سيدي الكونت أن أتكلم بحرية. ~~- تكلم. ~~- أظن أن سيدي يخطئ بالطواف غالبا حول جدران الدير وشراء نعل فرسه من عند ~~داغوبير؟ # فاحمر وجه لوسيان ورأى الأحدب ذلك، فقال له: إنك أذنت لي يا سيدي أن أتكلم بحرية؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذن أتأذن لي بمواصلة الحديث؟ ~~- تكلم. ~~- ثق يا سيدي أن داغوبير طيب القلب نبيل الشعور، ولكنه شديد البنية متين الساعد فإذا كدره ~~أحد ... # فقاطعه لوسيان وقال له بعنف: ومن يحاول تكديره؟ ~~- بمناسبة المدموازيل حنة، فإن الناس يقولون إنها ابنة عمته وآخرون يقولون إنها ابنة عمه، ~~ولكنه يحرص عليها حرص اللبؤة على أشبالها، إن هذه الفتاة يا سيدي التي يسميها بعضهم ربيبة ~~الدير ويدعوها بعضهم مدموازيل حنة ما خلقت لفلاح مثلي ولا لنبيل مثلك، أما داغوبير فإنه ~~يكلمها بملء الاحترام وهو حاسر الرأس، ونحن نعلم يقينا أنه لا يخطر لأحد من النبلاء عندنا ~~أن يجعلها امرأته، والذي أراه أنه خير لك ألا تكثر التردد على دكان داغوبير. # فلبث لوسيان مطرقا مفكرا، ثم هم أن يجيبه فحال دون ذلك ما سمعاه من نفخ أبواق الصيد ~~ونباح الكلاب، ورأيا ذلك الأيل الذي يطارده الصيادون قد مر بهما مرور السهم، والكلاب في ~~أثره، فأسرع لوسيان إلى جواده فامتطاه، وجرى بنوات في أثر الكلاب منقادا بسليقته ~~الفطرية. # وعند ذلك أقبل فارسان وفارسة، وكان لوسيان ممتطيا صهوة جواده بحيث خيل لأولئك الفرسان ~~أنه لم يبرح الصيد، بل إنه كان في طليعة المطاردين. # وكانت الفارسة أول من بدأ الحديث، فقالت: هو ذا لوسيان. # وقال أحد الفرسان: أين كنت أيها الكونت؟ # وقال له الآخر: أرأيت الأيل؟ ~~- إنه مر بي منذ هنيهة. # فقالت الفارسة: إنه سيسقط إذن في مستنقعات الدير. # فأجابها لوسيان: إني أرى رأيك يا ابنة عمي الحسناء. # أما هذه الفتاة فقد كانت بارعة الجمال، وهي سوداء العينين سوداء الشعر، لها دلال الإناث ~~ونشاط الغلمان. # فقالت له بلهجة تكاد تكون لهجة سيادة: ولكن من أين أنت قادم؟ وكيف افترقت عنا؟ ~~- أسألك العفو يا ابنة ms0190 عمي، فقد تهت عنكم ولم أسمع نفخ الأبواق إلا الآن، ولكن خطر لي أن ~~الأيل سيمر بهذه الجهة فأتيت إليها. # فهزت الفتاة كتفيها ولكزت بطن جوادها، فانطلق بها في تلك الغابة دون أن تتدانى إلى مجاوبة ~~هذا الفتى الذي كان يدعوها ابنة عمه. # 2 # وكان الجواد ينطلق بها وهي ثابتة فوق ظهره ثبوت الرواسي، حتى كانت ديانا نفسها إلهة ~~الصيد. # أما لوسيان والفارسان فإنهم لما رأوها دفعت جوادها لم يجدوا بدا من الاقتداء بها والسير ~~في أثرها. # وكان الأيل المنكود قد انتهكت قواه وأوشكت الكلاب أن تظفر به، فكانت تنهشه كلما أدركته ~~نهش الحيوان المفترس، وكان يدافع عن نفسه بقرنيه العظيمين دفاع المستبسل المستميت إلى أن ~~يجد مخرجا من أنيابها فيفر وتعود إلى مطاردته. # وكانت مدموازيل أورور؛ أي ابنة عم لوسيان تنهب الأرض بجوادها في أثر الأيل وهي تدنو منه ~~من حين إلى حين. # وكان الأيل قد دنا من المستنقعات، فلما وصل إليها والصيادون في أثره علم بالسليقة أنها ~~ستكون سبب هلاكه، فعاد عنها ودخل بين الكلاب والصيادين بسرعة البرق، وانطلق بين ~~الأدغال. # وقد راعهم هذا الانقلاب الفجائي، فعادوا إلى مطاردته بين الأدغال والفتاة أشدهم تحمسا، ~~ولكنه كان أسرع عدوا من الجياد. # وكان أدلاء الصيد والكلاب يتقدمون الصيادين، فلم تمض هنيهة حتى سمعوا نفخ البوق يشير ~~إلى أنهم رأوه، فانطلقت الجياد إلى جهة مصدر الصوت. # وما مر بضع دقائق حتى سكت البوق فجأة، وانقطع نباح الكلاب، وسمعوا أصوات بشر ~~يتشاتمون. # فلما وصلت مدموازيل أورور ورفاقها إلى تلك الجهة الصادرة منها الأصوات رأت ما لم يكن يخطر ~~لها في بال، وهو أن الأيل كان جريحا وقد سقط على الأرض فاحتاطت به الكلاب كالنطاق، وهناك ~~نحو عشرة من الفلاحين يتهددون ويتوعدون بمناجلهم وفئوسهم، ودليل الصيد واقف لا يجسر على ~~الدنو منهم. # ذلك أنه حدث أمر يعد في هذه الأيام بسيطا مألوفا لا مأخذ فيه، ولكنه في ذلك العهد - عهد ~~الاستبداد وسلطة النبلاء - كان يعد من الجرائم الفظيعة النادرة. # وهو أن الأيل انطلق ms0191 في الغابة بين الأدغال ودخل إلى حقل مزروع، فأسرع أحد الفلاحين ورمى ~~ساق الأيل بمنجله إشفاقا على زرعه، فأصابه بجرح خطير وسقط على الأرض. # فلما رأى الفلاحون ما كان من رفيقهم أكبروا عمله؛ إذ كان جرأة نادرة في ذلك العهد، ~~وأيقنوا أن الصيادين النبلاء سينتقمون منه شر انتقام، فبادروا لنجدته. # أما دليل الصيد فإنه حين رأى ما جرى، رفع سوطه وهم أن يضرب ذلك الفلاح. # ولكنه رأى أن إخوانه قد تكاثروا من حوله فخاف شر العاقبة، واستعاض عن السوط باللسان ~~فشتمهم أقبح شتم إلى أن قال لهم: سوف ترون أيها الأشقياء ما يكون من عقابكم. # فأجابه الفلاح الذي رمى الأيل: ليعاقبنا أسيادك بما يشاءون، واحذر أن تدنو خطوة منا فلا ~~يكون نصيبك غير الموت. # وكان لدى الدليل سلاح ناري ولكنه خشي أن يطلقه، فعاد إلى الشتائم وعادوا إلى ردها. # وعند ذلك وصلت مدموازيل أورور ورفاقها وقد اتقدت عيناها بنار الغضب، وجعلت تضطرب اضطراب ~~ذلك الأيل الجريح. # أما الفلاحون فإنهم حين رأوها قدمت يصحبها رفاقها النبلاء وعدد عظيم من الحاشية، رعبوا ~~وأركنوا إلى الفرار بحيث لم يبق منهم غير ذلك الفلاح الذي رمى الأيل. # وكان شابا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، وهو طويل القامة هزيل لكن عينيه كانتا تتقدان ~~ببارق الشهامة. # فرفعت مدموازيل أورور سوطها فقالت له: ويحك أيها التعس الشقي! كيف جسرت على قتل الأيل ~~الذي أصطاده؟ # فضم الفلاح يديه إلى صدره وقابل نظراتها النارية دون اكتراث وقال: اضربي إذا أردت فإن ~~الحق للقوة وأنتم الأقوياء الآن، ولكننا سننال قريبا هذه القوة وهذا الحق. # فأنزلت الفتاة سوطها دون أن تضربه، فقال لها أحد الفرسان الذين يصحبونها: أتريدين أن ~~أترجل عن جوادي وأؤدب هذا الوقح؟ ~~- كلا، فإني أحب قبل ذلك أن أعرف السبب الذي دعاه إلى هذه الجرأة. # فأجابها الفلاح قائلا: إنني لم أجترئ عليك يا سيدتي، وشهد الله أني حين ضربت الأيل لم ~~أكن أعرف أصحاب الكلاب التي كانت تطارده، ولكني أسفت على هذا الزرع من دوس الأرجل؛ فإني ~~أعيش ms0192 منه مع أولادي. # فقال له دليل الصيد وقد تشجع لقدوم الجماعة: لقد كذبت أيها الشقي. # ثم هجم عليه يريد ضربه، فأوقفته الفتاة وقالت للغلام: أتعلم من أنا؟ ~~- نعم، أعلم أنك مدموازيل أورور دي مازير. ~~- ألديك شك بعد هذا العرفان أني قادرة على سجنك؟ ~~- إذا خطر لك هذا الخاطر فليس من يمنعك عن سجني، ولكن عملك يزيد نقطة على كأس الشقاء التي ~~أوشكت أن تطفح. # فغضبت الفتاة والتفتت إلى رفاقها فقالت: أسمعتم ما يقول هذا الفلاح الفيلسوف، إنه يجسر ~~على المجادلة وإبداء الأفكار. # فقال لها أحد الفرسان: ألا ترين أنه يستحق العقاب الأليم؟ # وقال آخر: إني يا سيدتي لو كنا في غير هذا الزمن لرجوتك أن تصفحي عن هذا الرجل، ولكننا ~~أصبحنا في زمن تجاسر فيه الشعب على أن يرفع رأسه المنخفض ولا يرهبنا في كل حين؛ ولذلك أرى ~~أنه يجب أن يؤدب هذا الغلام خير تأديب يكون به عبرة لسواه من المتمردين. # فنظرت إليه الفتاة قائلة: أهو رأيك؟ ~~- نعم يا سيدتي. # وعند ذلك التفت إلى دليل الصيد فقال له: جرد هذا الفلاح من ملابسه واجلده في البدء عشرين ~~جلدة، ثم اربطه بذيل فرسك واركض به إلى الدير وادفعه إلى السجان بأمرنا. # أما الفلاح فإنه لم يجد متسعا من الوقت للدفاع أو للفرار أو التماس العفو؛ لأن السماء ~~أرسلت إليه مدافعا لم يكن يخطر له في بال. # وكان هذا المدافع لوسيان ابن عم أورور، الذي كان يناديه الأحدب «سيدي الكونت». # فإنه قبل أن يصل الدليل إلى ذلك الفلاح، سار إلى وسط الحلقة وقال للدليل بلهجة السيادة: ~~إنك أيها الرجل في خدمتي وقد وجبت عليك طاعتي، فاحذر أن تمس هذا الرجل بسوء. # فصاحت الفتاة والفارسان صيحة دهش. # أما لوسيان فإنه اقترب من ابنة عمه دون أن يتدانى إلى النظر إلى الرجلين وقال لها: أسألك ~~العفو يا ابنة عمي، فقد دعتني ثلاثة أمور إلى فعل ما فعلت؛ أحدها أنهم أمروا دليل الصيد وهو ~~في خدمتي أن يعمل عملا وحشيا لا يحتمل ارتكابه في ms0193 هذا العصر الذي نحن فيه، والثاني أن ~~هذه الكلاب كلابي وبالتالي فإن الأيل التي تطارده كلابي ملكي ، فإذا أهين أحد بسببه فأنا ~~الذي أهان دون سواي. # فاتقدت عينا الفتاة ببارق من الغضب، ولكنها ابتسمت ابتسام المتهكم وقالت له: قد سمعت ~~السببين يا ابن عمي العزيز، فهل لك أن تقول الثالث؟ # فأجابها بملء السكينة: إني متى ذكرت لك السبب الثالث أصبحت من رأيي، وهذا السبب هو أن هذا ~~الفلاح الذي تريدين عقابه إنما قتل الأيل في حقله؛ أي في بيته، ومن يحق له أن يعارض رجلا ~~في منزله؟! # فقال هكتور دي بوليو وهو أحد الفارسين: يظهر يا سيدتي الكونتس أنك لم تعرفي ابن عمك ~~بعد. ~~- لقد عرفته الآن حق العرفان. ~~- إنه فيلسوف من أصدقاء الشعب، ومن خير تلامذة جان جاك روسو وفولتير. # فالتفت لوسيان إلى هذا الرجل وقال له: إني لا أسمح أن أستاء من ممازحتك يا سيدي البارون؛ ~~لأنك ضيفي وضيف أمي، ولكني أقول لك إن هذا الفلاح إذا كان قد أخطأ، فإن معاقبته على ما ~~اقترحه صديقنا الشفالييه تعد جريمة، ومن منا يرضى لنفسه أن يكون من أهل الجرائم؟ # أما الفلاح فإنه حين تدخل لوسيان في أمره ذهبت جرأته وسالت الدموع من عينيه، فنظر إلى ~~لوسيان نظرة ملؤها الشكر والامتنان وقال له: أسألك المعذرة يا سيدي، على أني لو علمت أن ~~الصيد صيدك لما أقدمت على قتل الأيل ولو أفسد كل زرعي. # فقال له لوسيان: لا بأس عليك فاذهب في شأنك، وإذا أتلفت كلابي بعد الآن شيئا من زرعك ~~فأخبرني أعوض عليك ما أتلفته. # أما مدموازيل أورور فإنها التفتت إلى الفارسين بينما كان الفلاح يسير إلى منزله، وقد اصفر ~~وجهها من الغضب فقالت لهما: ألا تريان أن ابن عمي قد أهانكما إهانة عظيمة؟ # فقال لها الشفالييه ببرود: إني أرى رأيك يا سيدتي، وسأبرح قصره هذه الليلة. # وقال المسيو بوليو: وأنا أفعل فعلك. # فأجابهما لوسيان: افعلا ما يحلو لكما. # ثم قال لدليل الصيد: أما أنت فعد بالكلاب إلى القصر. # وعند ms0194 ذلك حيا الجماعة وأطلق لجواده العنان. # فشيعته ابنة عمه بنظرات ساهية، وقالت بلهجة شفت عن الكره والاحتقار : من كان يظن بأنهم ~~يعدونه زوجا لي، ولكن هذا لن يكون. # فقال لها الشفالييه: ولكن لوسيان لم يخطر له هذا الخاطر. # ثم ابتسم ابتسام المتهكم وقال: إن قلبه لا يتسع لحبين. # فارتعشت الفتاة واصفر وجهها لكنها لم تجب. # أما الشفالييه فإنه همس في أذن رفيقه قائلا: إن لوسيان قد عاملنا معاملة الرفيع للوضيع، ~~ولكني أقسم لك إني سأنتقم منه شر انتقام. # وعند ذلك سار الفارسان والفتاة بطريق سولي. # 3 # لنعرف الآن قراء هذه الرواية بلوسيان وابنة عمه. # كان لوسيان يدعى الكونت دي مازير، وكانت ابنة عمه تدعى مدموازيل أورور، وهي من أعرق ~~الفرنسيين حسبا، وقد لقبت بكونتس في بافاريا مكافأة لها عن خدمات أبيها الجليلة للأسرة ~~الملكية، وبرحت ألمانيا مع أبيها منذ بضعة أعوام عائدة إلى فرنسا فأقامت فيها. # أما لوسيان فقد جاء مع أمه للإقامة في قصر دي بوربيير، وهو ذلك القصر الذي نشرنا خبر ~~احتراقه في مقدمة هذه القصة. # ويذكر القراء أن ذلك القصر قد التهمته النار بجملته منذ ستة أعوام، وقيل يومئذ إن أصحابه ~~الكونت دي مازير وامرأته قد التهمتهم النار فيما التهمت. # وكان محيط بهذا القصر أراض شاسعة، ولم يكن لصاحبه غير وارثين، وهما لوسيان ابن أخيه وأخوه ~~والد أورور. # فجاء لوسيان وأمه، وعاد والد أورور بابنته من ألمانيا فاقتسما الإرث، فكان حظ لوسيان ~~القصر وما يحيط به وحظ والد أورور الأراضي. # وكانوا كلهم غرباء عن هذه المقاطعة التي أقاموا فيها، فإن الكونت الذي التهمته النار وخلف ~~لأخيه وابن أخيه هذا الإرث كان قد اشترى تلك الأراضي قبل احتراق القصر بعام. # وكان إيراد هذا الإرث الذي خلفه يبلغ نحو المليون، غير أن الإشاعات تكاثرت بعد موته ~~بالنار أن ثروته لم تكن قاصرة على الأراضي، بل إنه ترك مبلغا طائلا مؤلفا من أوراق مالية ~~وضعت في صندوق صغير. # فبحث الورثاء بحثا مستفيضا إثر هذه الإشاعة عن الصندوق دون أن يجدوه. ms0195 # ثم تعاقبت الأيام على هذه الإشاعة فمحتها من الأذهان. # أما الورثاء فقد كانوا يعيشون عيشة بذخ ورخاء، لا سيما مدموازيل أورور فقد كانت بارعة ~~الجمال مولعة في الصيد، وقد طالما تمنى الفتيان الأغنياء خطبتها غير أنهم كانوا يشيعون أن ~~ابن عمها لوسيان سيخطبها فيتراجع الخطاب آسفين. # على أنه مع هذا النسب وهذا التقارب كان يوجد في العائلتين شبه انفصال، فإن لوسيان كان ~~يزور منزل عمه وأورور كانت تزور منزل ابن عمها خلافا لوالدته ووالدها، فإنهما كانا لا ~~يتزاوران على الإطلاق ويبالغ كل في اجتناب الآخر، فإذا التقيا اتفاقا حيا كل منهما الآخر ~~ببرود كأنهما غريبان. # وما خلا ذلك فقد كانت العائلتان عائشتين بملء الرخاء والهناء، فإن لوسيان كان يدعو كثيرا ~~من أصحابه إلى حفلات الصيد، فكان كثير البشاشة مطلق الوجه، تبدو آثار النعيم بين ~~عينيه. # وكان الفلاحون يحبونه بقدر ما كانوا يكرهون ابنة عمه، فإنه كان كثير البشاشة وكانت هي ~~كثيرة التيه والخيلاء. # غير أنه حدث له انقلاب فجائي منذ بضعة أشهر، فامحت آثار تلك البشاشة وتمكنت منه السويداء ~~وذهبت رغبته بالصيد. # فكان يظهر بمظاهر الفتور مع ابنة عمه، بعد أن كان لا يطيب له العيش إلا بقربها. # أما أورور فكانت كثيرة الإعجاب بنفسها، شديدة التيه بجمالها، فكانت تعلل انقلاب ابن عمها ~~من الطيش إلى الرزانة، ومن الزهو إلى السويداء لأنه قد بلغ مبالغ الرجال، وأثر حبها على ~~قلبه هذا التأثير فناء في مهامه التفكير. # وكانت تعبث به منذ الحداثة، وقد تعودت السيادة عليه، ورضيت أن تكون امرأة له منذ أراد ~~أهلهما هذا الزواج. # لكنها لم تكن تحترمه، بل تعده ضعيفا بسيطا، وتمني نفسها باستعباده بعد القران. # أما وقد بسطنا أخلاقها واعتمادها على نفسها وتعودها السلطة على ابن عمها، فلا بد أن يدرك ~~القارئ عجبها حين لقيت من ابن عمها ذلك الجفاء وتلك المقاومة في حادثة الصيد، فإنها كانت ~~تحسبه عبدا لها، وقد رأت فجأة أن هذا العبد قد تمرد وخلع عن عاتقه نير العبودية. # فغضبت غضبا شديدا، خلافا لرفيقيها ms0196 الفارسين فإنهما تلقيا هذه الحادثة بملء ~~الارتياح. # وكان أذكى الفارسين ميشيل دي فالون، فلما أطلقت أورور العنان لجوادها تبعها الفارسان فلم ~~يستطيعا اللحاق بها، فالتفت الشفالييه إلى رفيقه وقال له: أرى أيها الصديق أن مدموازيل ~~أورور لا بد لها أن تقف، وإن من الحذق ألا يحذو جوادانا حذو جوادها في الركض فقد أعياهما ~~التعب. ~~- لقد أصبت، فإن جوادي سيسقط صريعا. ~~- إذن لنغتنم فرصة اختلائنا فنسير الهويناء ونتحدث. ~~- بماذا تريد أن نتحدث، وأية فرصة نغتنم؟ ~~- نتكلم بجلاء أيها الصديق. ~~- هذا جل ما أبتغيه. ~~- إنك تعشق الكونتس؟ ~~- بل إني مفتون بها. ~~- وأنا كذلك أيها الصديق، فإن غرامي لا يقل عن غرامك. # فنظر البارون إلى الشفالييه نظرة منكرة، غير أن الشفالييه لم يعبأ به وقال له: أرجو ألا ~~تدفعك الغيرة إلى الحقد علي، فإن اتفاقنا ميسور إذا شئت. ~~- أصغ إلي، فإنه لو خطر لنا منذ ساعة أن نبسط حبنا للكونتس لما كان حظنا غير الجفاء ~~والاعتراض. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكده. ~~- والآن؟ ~~- أصغ إلي كل الإصغاء، فإني وإياك فقيران بالقياس إلى الكونتس، ولو جمعت ثروتي وثروتك ~~لما بلغت ربع ثروتها. ~~- لا أنكر ما تقول، ولكن ماذا تريد بهذا القول؟ ~~- أريد أننا نستطيع الآن التفريق بين لوسيان وابنة عمه إلى الأبد ونغتنم فرصة هذا ~~التفريق. ~~- إن هذا قد يكون، ولكن الكونتس لا يمكن أن تكون زوجة الاثنين. ~~- هو ذاك، فإني توقعت ما تقول، ولكن لنتفق الآن على إلقاء النفرة بين الخطيبين. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك يعمل كل لنفسه. ~~- لقد أصبت ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- كيف نستطيع الوصول إلى هذه الغاية؟ ~~- إن لوسيان يعشق ... ~~- إنه يعشق ابنة عمه. ~~- كلا. # فاضطرب البارون فوق سرج فرسه وقال: من يعشق إذا كان لا يعشق ابنة عمه؟ ~~- ألم تذهب مرة إلى نواحي الدير؟ ~~- بل ذهبت ألف مرة. ~~- إذن لقد عرفت داغوبير. ~~- بلا ريب، فإني أشتري من محله نعال جيادي. ~~- ألم يتفق أنك رأيت مرة في محله فتاة جميلة، يقولون إنها قريبة داغوبير؟ ~~- نعم، وهي بارعة الجمال. ~~- إذن فاعلم أن لوسيان مفتون ms0197 بها. # فضحك البارون وقال: لعلك تمزح أيها الصديق؟ ~~- كلا، بل أقول الحق. ~~- وهل تجهل ابنة عمه هذا الغرام ؟ ~~- كل الجهل، فإذا شئت أخبرناها بأمره منذ الليلة، فإني أعرف أخلاق الكونتس فهي شديدة ~~الكبرياء، فإذا علمت أن ابن عمها يهوى فتاة قروية ويؤثرها عليها، نفرت منه كل النفور وكان ~~بينهما فراق الأبد. ~~- ولكن مهما بلغت النفرة بينهما فإن أهلهما يوفقون بينهما؛ لأنهم راغبون في هذا ~~الزواج. ~~- إنك مخطئ في هذا الظن؛ لأنك لا تعلم من أخلاق الكونتس ما أعلم، فإنها إذا رغبت أمرا لا ~~يثنيها عنه شيء. # فتنهد البارون وقال: حقق الله هذا الرجاء. # وعند بلوغهما من الحديث إلى هذا الحد، وصلا بجواديهما إلى مكان كثير الأدغال فرأيا ~~الكونتس واقفة في انتظارهما. # فلما رأتهما ابتسمت وقالت لهما بلهجة المتهكم: لا بد لكما أن تحكما أن فرسي أسرع من ~~فرسيكما. # فقال لها الشفالييه: نسألك العفو أيتها الكونتس، فقد بذلنا جهد الطاقة للحاقك فلم ~~نستطع. # فأجابت: وأنا قد انتظرتكما، ولكن أتعلمان في أي طريق ذهبت الكلاب؟ ~~- إنها سارت في أقرب طريق يؤدي إلى بوربيير كما أمر صاحبها. ~~- ولوسيان؟ # فابتسم الشفالييه ابتسامة دلت على ما فطر عليه من المكر وقال: إن لوسيان يسير في غير هذا ~~الطريق. ~~- ماذا تعني بذلك يا شفالييه؟ # فابتسم البارون وقال: إن صديقي الشفالييه يحب النميمة يا سيدتي الكونتس فلا ~~تصدقيه. # فقطبت حاجبيها وقالت: إني لا أفهم الألغاز، فأرجوك يا شفالييه أن تخبرني بجلاء عن الطريق ~~التي سار فيها لوسيان؟ ~~- إنه سار يا سيدتي في طريق الدير. # فابتسمت الفتاة ابتسامة الاحتقار وقالت: إنه ليس فيلسوفا فقط، بل إنه من أهل التزهد ~~والعبادة. ~~- إنه لم يذهب بطريق الدير من أجل هذا. ~~- إذن ما هي غايته؟ ~~- إنه يوجد عند باب الدير دكان حداد بيطري. ~~- لعل نعل فرسه سقط؟ ~~- إنه يسقط باستمرار قرب محل هذا البيطري. ~~- إني لا أفهم ما تقول يا حضرة الشفالييه. ~~- إذن فاعلمي يا سيدتي أن لهذا البيطري قريبة بارعة في الجمال. # فاصفر وجه الكونتس عند ذلك، كأنما عقرب الغيرة ms0198 قد لسعتها، ونظرت إلى الشفالييه بعينين ~~تتقدان من الغضب وقالت: لعلك تمزح يا سيدي؟ ~~- معاذ الله يا سيدتي أن أجسر على ممازحتك في هذه الشئون، ولكني أقول لك الحقيقة وهي أن ~~لوسيان ابن عمك وخطيبك قد فتن بفتاة قروية يلقبونها بربيبة الدير. # فهاجت عوامل الكبرياء في صدر الفتاة وتبدل اصفرار وجهها بالاحمرار، فنظرت إلى الفارسين ~~نظرة شفت عن العظمة وقالت: أقسم لك يا سيدي أنه إذا كان ما يقوله الشفالييه أكيدا فإني لن ~~أكون أبدا الكونتس دي مازير. # فقال الشفالييه: إني لا أكذب يا سيدتي، وإذا شئت برهنت لك عن صدقي. ~~- متى؟ ~~- متى أردت. ~~- إذن هات برهانك إذا كنت من الصادقين. # وقد ظهرت على وجهها عند ذلك علائم الاحتقار لابن عمها والنفرة منه، حتى إن الفارسين وثقا ~~من نجاحهما فيما يبغيان، وفرحا فرحا لا يوصف. # 4 # كان الكونت لوسيان في خلال ذلك سائرا في طريق الدير، وقد اتخذ أقرب الطرق المؤدية ~~إليه. # ولكنه لم يبعد نحو مائة خطوة حتى سمع وقع ركض من ورائه بين الأدغال، فالتفت فرأى أن الذي ~~يركض في أثره كان بنوات الأحدب. # فوقف لوسيان حتى وصل إليه فقال له: من أين أنت آت؟ ~~- من أقفر الطرق، فإني خشيت أن أكون عرضة لانتقام أهل سولي. ~~- لماذا ينتقمون منك؟ ~~- لأنهم يكرهون مدموازيل أورور، فإذا عرفوا أني كنت معكم بعد تلك الحادثة لا أسلم من ~~انتقامهم. ~~- ولماذا يكرهون ابنة عمي؟ ~~- لأنها شديدة على الفقراء، فهم يكرهونها بقدر ما يحبونك؛ ولذلك أريد أن أكون في خدمتك ~~حين تريد الصيد وحدك، وأما إذا كنت مع ابنة عمك فإن في خدمتك كل الخطر. ~~- إذن لقد أحسنت بانتصاري لهذا الفلاح. ~~- لقد أحسنت كل الإحسان يا سيدي، بل ربما تكون قد اجتنبت مصابا شديدا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن هذا الرجل الذي أرادت ابنة عمك معاقبته يحبه قومه ويخضعون له كل الخضوع، وهو في كل ~~يوم أحد يخطب بهم في الخمارة ويحمل على النبلاء والكهنة والرهبان حملات منكرة، فيصغون إليه ~~إصغاء تاما حتى إنهم باتوا يعتقدون ms0199 اعتقاده بالنبلاء وهو أنهم بلية الفقراء. # فأطرق لوسيان مفكرا وقال: أهو قال هذا القول؟ ~~- نعم يا سيدي وقد انضم الجميع إلى لوائه، فلو جلدته ابنة عمك بسياطها لكان انتقام ~~الفلاحين شديدا. ~~- كيف يكون انتقامهم؟ # فارتعش الأحدب كأنه خشي الزيادة في التصريح وقال: غير أني لا أعلم إذا كانوا يقولون هذه ~~الأقوال وهم يستطيعون تأييدها بالأفعال، والذي أراه أنهم لا يجسرون. # فعلم لوسيان أنه لا يريد أن يجاهر بكل ما يعلمه فقال له: إنك تعلم يا بنوات أني أحبك، ~~وأنك تستطيع أن تقول لي كل شيء دون أن تصاب بمكروه. ~~- هذا لا ريب فيه عندي يا سيدي. ~~- قل إذن كيف يكون انتقامهم؟ ~~- سأخبرك يا سيدي. # ثم وضع يده دون كلفة على جواد لوسيان وقال له: لقد بات النبلاء في عيون الفلاحين فريقين: ~~فريق يحبونه ويخدمونه وفريق يكرهونه ويضمرون له الحقد، فإنني أعرف كثيرين يثنون عليك في كل ~~مجلس، ولكنني أعرف كثيرين أيضا لو دعوهم إلى إحراق قصر ابنة عمك لأجابوا الدعوة ~~راضين. ~~- لماذا؟ ~~- لأن ابنة عمك وأباها يكرهان الشعب، والشعب يكرههما أشد الكره، فإن الفلاح في حقله إذا ~~رأى طائرا يسبح في الفضاء ما شاء ثم يستقر على شجرته، وأيلا يجتاز عشر مراحل ثم يأوي إلى ~~زرعه، إنه لا يخطر له في بال أن هذا الطائر وهذا الأيل ملك النبلاء والرهبان، فإذا قال ~~النبيل إن هذا الطائر لي ولا يحق لأحد صيده، فإننا نخضع لقوله مكرهين ولكننا لا نفهم ما ~~يقول. # وإنه يوجد بيننا من النبلاء من قدم عهد التصاقهم بنا إلى مائة عام ومائتين، فهؤلاء ~~النبلاء لا نكرههم بل نكون لهم عونا حين الاقتضاء، ولكننا نكره أولئك النبلاء الذين قدموا ~~حديثا إلينا. ~~- من كان منهم مثلي؟ ~~- كلا، فإنهم يحبونك لأنك لين العريكة كثير البشاشة، ولكنهم يكرهون أولئك الذين يحملهم ~~الصلف على استعبادهم كابنة عمك مثلا فإنهم لا يحبونهم. ~~- وعمي؟ ~~- وعمك كذلك، فإنه سجن منذ عام ستة من الفلاحين لأوهى الأسباب، حتى إن زعيمهم قال منذ عهد ~~قريب: لقد آن أوان ms0200 الانتقام من هذا البيت. ~~- ولكن كيف ينتقمون؟ ~~- بالنار، فإنهم يعتقدون أنها عقاب الآخرة؛ أي عقاب الله. # فأطرق لوسيان مفكرا ، وفرغ الأحدب من حديثه، وسار الاثنان حتى كادا يدنوان من الغابة، ~~فهم بنوات بالانصراف وقال له: أستودعك الله يا سيدي. ~~- كيف ذلك؟ أتتركني؟ ~~- إني راجع إلى الغابة. ~~- ألا تصحبني إلى الدير؟ ~~- لا شأن لي يا سيدي في الدير. # وفرك الأحدب أذنه دون أن يتم كلامه. # فقال له: ثم ماذا؟ ~~- إني اصطدت بضعة طيور خبأتها في جيوبي، وأخاف أن يراها الرهبان معي فإنهم لا يأذنون لنا ~~بالصيد في الغابة. # فأخذ لوسيان ريالا من جيبه ودفعه إليه، فرده الأحدب وقال له: إني حين أرافقك في الصيد ~~وأقود كلابك، فإنما أفعل ذلك لما أجده من السرور في خدمتك واللذة في الصيد، فما أنت مدين لي ~~بشيء. # فرد لوسيان الريال إلى جيبه، وقال له: ماذا تصنع بهذه الطيور التي اصطدتها؟ ~~- أبيعها. ~~- إذن اذهب بها في هذا المساء إلى منزلي وأنا أشتريها منك. ~~- حبا وكرامة يا سيدي. ~~- والآن أترافقني إلى قرب باب الدير أم لا تزال خائفا من الرهبان؟ ~~- أصحبك إلى حيث شئت، ورجائي ألا تنسى ما نصحتك به بشأن داغوبير. # فحاول لوسيان أن يبتسم، فلم يستطع لاضطرابه وقال له: إني لا أريد لأحد شرا، ولكن نعل ~~فرسي قد سقط، ولا بد لي من الذهاب إليه؛ إذ لا يوجد بيطري سواه. # وسار الاثنان حتى اقتربا من محل داغوبير، فرأى الأحدب عن بعد أن النار خامدة فيها، فابتسم ~~وقال للكونت: يظهر أن داغوبير غير مقيم في محله أو أنه يشتغل في الدير، فإني لا أرى ناره ~~ولا أسمع صوت مطرقته. # ثم وصلا إلى باب الدكان، فجعل الأحدب ينادي داغوبير وهو لا يجيب. # وبعد هنيهة شعر لوسيان باضطراب شديد، ذلك أن نافذة الغرفة التي هي فوق الدكان قد فتحت، ~~وبرز منها وجه فتاة تفتن الجماد بجمالها وقالت: إن داغوبير ليس هنا. # أما الفتاة فكانت حنة التي يلقبها أهل تلك الناحية بربيبة الدير. # فلما رآها لوسيان رفع قبعته احتراما ms0201 وقد عبق وجهه احمرارا، وقال لها: أين هو داغوبير يا ~~سيدتي؟ ~~- لعلك محتاج إليه؟ ~~- نعم، فإن نعل فرسي قد سقط. # فابتسمت الفتاة وقالت: إنه يسقط كثيرا يا سيدي. # فاضطرب لوسيان وقال لها الأحدب: أين هو داغوبير يا سيدتي؟ ~~- إنه في الدير، فإن الأب جيروم قد دعاه إليه. # فقال لوسيان: إذن سأنتظره إلى أن يعود. # أقفلت الفتاة النافذة ونزلت إلى الدكان وقالت له: تفضل يا سيدي بالدخول فإن البرد ~~يؤذيك. # ثم أخذت بيدها البيضاء حبل منفخ الحداد، وجعلت تجره بغية إيقاد النار لتدفئته. # أما بنوات فإنه ذهب إلى باب الدير فقرعه، ففتح له أحد الرهبان وقال له: ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أرى داغوبير. ~~- ذلك محال الآن فإنه يتداول مع الأب جيروم، فما تريد منه؟ ~~- نعل فرس. ~~- إذا كنت تريده من أجل هذا يا بني فلا فائدة من إخباره؛ لأن الرئيس مريض وقد دعاه إليه ~~لمداولته في أمور خطيرة. # فعاد الأحدب إلى الدكان، وكان لوسيان قد ربط جواده عند بابه وجلس قرب النار يتحدث مع ~~ربيبة الدير الحسناء، أما الأحدب فكان ينظر إليهما نظرة المعجب بهما، ويقول في نفسه: ما ~~أخلق هذين الملاكين بالاتحاد فقد خلق كل منهما للآخر. # 5 # ولندخل الآن بالقارئ إلى داخل هذا الدير، ونبسط السبب الذي دعا الرئيس من أجله ~~داغوبير. # إن الأب جيروم كان قوي البنية متين الأعضاء لا يزال في دور الكهولة، غير أنه أصيب فجأة ~~بمرض خفي على الأطباء فكانت قواه تنحط تدريجيا في كل يوم. # وكان هذا حاله منذ شهر حتى بات لهزاله كالخيال، فكان يقضي جميع مهامه الرئيسية على ~~استفحال مرضه، ولكنه لا يفرغ من قضاء هذه المهام حتى يشعر أن التعب قد أضنكه وأنهك ~~قواه. # وكان في خلال مرضه إذا اعتدلت الحرارة خرج من الدير متنزها إلى دكان داغوبير، فيجلس عنده ~~وهو يتأمل محاسن تلك الفتاة، فيعود إلى تذكار الماضي وتتقد عيناه ببارق الشباب، ثم يطرق ~~برأسه ويبتسم ابتسام السويداء. # وفي ذلك اليوم كان الطقس معتدلا فكان داغوبير يرجو أن يزوره الرئيس، ms0202 ولكنه انتظر عبثا ~~إلى أن حانت الساعة الرابعة، فجاءه أحد الرهبان وقال له: إن المرض قد اشتد بالرئيس وهو ~~يدعوك إليه لشأن خطير. # فامتثل داغوبير وذهب مع الراهب إلى غرفة الرئيس، فأشار الرئيس إلى الراهب بالانصراف وبقي ~~وحده مع داغوبير، فبدأ الأب جيروم الحديث وقال له: إني أشعر بضعف شديد، ولكني أعرف أعراض ~~هذا الداء وما أنا في خطر منه، غير أني دعوتك إلي يا بني لأحدثك بشأن خطير فاجلس ~~بجانبي. # فجلس داغوبير وقال له: مر يا سيدي بما تشاء. # فقال له الرئيس: لا بد أن تكون علمت بأني أريد محادثتك بشأن حنة. # فأطرق داغوبير برأسه وقال: نعم. ~~- إن هذا الداء الذي ألم بي حمى بطيئة سرت إلي عدواها في زمان الشباب من بلاد بعيدة، ~~حين كنت جنديا، ثم عاودتني الآن بعد أعوام كثيرة. # وقد عاودتني مرة منذ خمسة عشر عاما، وكنت راهبا في هذا الدير فلزمت الفراش ستة أشهر، ~~ولكني كنت راهبا بسيطا في ذلك العهد فلم ينتبه لأمري أحد. # أما الآن فإن جميع الأنظار متجهة إلي، وأرى كثيرين من الطامعين في منصبي ينتظرون موتي ~~بفارغ الصبر. # فإن الطمع يدخل في نفوس رجال الدين كما يعلق بسواهم من الناس، فإن الإنسان إنسان كيفما ~~كان. # على أنه إذا قدر لي الموت يا بني فلا أموت بهذا الداء الذي أشكو منه الآن، ورجائي أن أعيش ~~كثيرا لخدمة الله ونجاح هذا الدير وسعادة تلك الفتاة التي اؤتمنت عليها، ومن أجل هذا دعوتك ~~إلي، فقل لي الآن كم تبلغ الفتاة من العمر؟ ~~- إنها بلغت السابعة عشرة. ~~- بقي لدينا ثلاثة أعوام للقيام بما انتدبنا إليه يا صديقي، ولكن الثلاثة أعوام تعادل في ~~بعض الأحوال ثلاثة قرون، ومن يعلم ما يحدث في خلال هذه السنين الثلاث. # إن هذا الصديق سافر منذ سبعة أعوام ولكنه لم يعد، فلا بد أن يكون قد مات، وفي كل حال فأية ~~فائدة من الانتظار؟ إذن يجب أن نتأهب للسفر. ~~- إني مستعد للسفر إلى أقصى حدود الأرض. ~~- كلا، بل إلى باريس، ms0203 وأنت تعلم يا بني أن رؤساء الأديرة لا يستطيعون مبارحة أديرتهم إلا ~~بعد استئذان الرئيس الأعظم، وقد أرسلت التماسي وسيجيبني الرئيس إليه فيما أظن، فإذا كنت غير ~~مخطئ في تشخيص علتي فإن قواي تعود إلي بعد شهر فأسافر وإياك. ~~- أتسافر معنا حنة؟ ~~- دون شك، فإننا نبحث عن ثروتها ثم ... # وهنا توقف الأب جيروم. # فاضطرب داغوبير وقال: ثم ماذا؟ ~~- إن حنة من بيت نبيل، وهي وافرة الثروة، فلا بد أن يتزاحم عليها الخطاب، فلا نعدم رجلا ~~بينهم سليم القلب يخطبها؛ إذ لا بد من تزويجها. # فأجابه داغوبير بصوت مختنق: هذا لا ريب فيه. ~~- والآن قل لي، أما كنت ترى أحدا من الشباب النبلاء يرود حول الدير وحول دكانك بحجة ~~الصيد أو شراء نعل لفرسه؟ ~~- لقد أصبت فقد رأيت كثيرين منهم يتذرعون بمثل هذه الحجج للنظر إلى الصبية لا سيما واحدا ~~منهم. ~~- أهو شاب؟ ~~- نعم، يبلغ العشرين. ~~- أهو جميل؟ ~~- نعم. ~~- إنه غني دون شك ونبيل. ~~- إنهم يدعونه الكونت دي مازير. # فوقف الأب جيروم منذعرا حين سمع هذا الاسم وبدت عليه علائم الاحتقار، فقال: أي اسم ذكرت ~~لي؟ # فبهت داغوبير وقال: الكونت دي مازير يا سيدي، وهو فتى حسن السمعة لا يذكره أحد إلا ~~بالخير. ~~- ويح لهذا الشقي. ~~- إني أعجب يا سيدي من احتقارك لهذا الفتى بعد إجماع قومنا على حبه واحترامه، ولو علمت ~~قبل اليوم أن الفتاة غنية وأنه يجب تزويجها من نبيل غني مثلها لما اخترت لها غيره ~~زوجا. ~~- لعله يحبها؟ ~~- أظن. # فزادت ظواهر احتقار الرئيس وقال: كيف عرفت ذلك؟ لعله اجتمع بها؟ ~~- إني حين أشتغل في دكاني يا سيدي، ولا يكون لديها ما تعمله في المنزل تأتي إلي فرارا ~~من الوحدة، فتحادثني وهي تشتغل بإبرتها وأحادثها وأنا أشتغل بالمطرقة، وذلك منذ سبعة أعوام ~~إلى اليوم. # وقد اتفق يوما منذ ستة أشهر أن جاءني فتى لإصلاح نعل جواده، وهو لوسيان، فرآها عندي ~~وحادثها، وبعد أسبوعين رجع إلي، ثم جعل يجيئني كل أسبوع بنفس الحجة، وماذا تريد أن أصنع ~~به يا سيدي؟ ms0204 وأي لوم علي. ~~- لا لوم عليك ولا تثريب. # ثم ساد السكوت هنيهة بينهما، وعاد الرئيس إلى الحديث فقال: أصغ إلي الآن يا بني، فإنك ~~على كونك فلاحا وحدادا فإن بين جنبيك قلبا يتسع للنبل أكثر من اتساع قلوب أولئك النبلاء، ~~ولكن حائلا عظيما يعترض بينك وبين حنة. # فأطرق داغوبير دون أن يجيب. ~~- ولقد كنت أؤثر ألف مرة، أن أراها امرأتك على أن تكون امرأة الكونت لوسيان، فإن هذا ~~البيت قد تلطخ بالدماء. # واعلم يا داغوبير أني اعتزلت العالم وأصبحت من رجال الله، ومن كان راهبا مثلي فقد وجبت ~~عليه الرأفة والمساهلة والإغضاء، غير أني ما سمعتك تذكر هذا الاسم حتى نسيت موقفي وثارت في ~~تلك العواصف القديمة، فهاجت من نفسي المكامن. # داغوبير، إن هذه الفتاة لا أمان لها في منزلك ما زال هذا الكونت يجيء إليك، فإذا اضطررت ~~في سبيل طرده إلى سحق رأسه فافعل ولا حرج عليك. # قال له داغوبير: كفى يا سيدي فقد كفاني ما سمعت، وثق أن لا خوف على الصبية. # فرفع الأب جيروم يديه إلى السماء وقال: رباه هبني من لدنك قوة أستطيع بها الذهاب إلى ~~باريس لإنقاذ الفتاة من مخالب الأثمة، ولا أسألك بعد هذا غير الموت. # ثم نظر إلى داغوبير وقال له: ماذا فعلت بالخاتم؟ ~~- إنه في إصبعي. # فنظر الرئيس إلى الخاتم منذهلا فإن هذا الخاتم الذهبي قد اسود واستحال لونه إلى لون ~~الحديد. # فقال له داغوبير: لا تعجب يا سيدي، فإن الخاتم هو نفسه وإنما سودت لونه بالدخان كي لا ~~أستلفت إليه أنظار أهل الفضول، فإن من كان فقيرا مثلي لا يلبس عادة مثل هذه الخواتم ذوات ~~الشعار. ~~- لقد أصبت يا بني، والآن فقد فهمت قصدي. ~~- نعم. ~~- إذن، احرص كل الحرص على حنة إلى أن أتمكن من السفر. ~~- اعتمد علي يا سيدي. # وهنا أطلق الرئيس سراحه. # فانصرف داغوبير حتى إذا وصل إلى باب الدير قال له الحاجب: إنهم محتاجون إليك. ~~- أين؟ ~~- في الدكان. # فخفق قلب داغوبير وخرج من الدير، فرأى عند باب دكانه ms0205 جوادا ورأى رجلا واقفا قربه، فعرف ~~أن الرجل كان بنوات الأحدب وأن الجواد جواد الكونت لوسيان. # فهاج غضبه ودخل فجأة إلى الدكان، فرأى الكونت لوسيان جالسا قرب حنة وهي محمرة ~~الوجه. # 6 # ولنعد الآن إلى مدموازيل أورور، فقد تركناها مصفرة الوجه من الغضب وهي تسأل الشفالييه ~~برهانا عما قاله لها من حب لوسيان لحنة، فقال لها الشفالييه: إني مستعد لإبداء البرهان يا ~~سيدتي الكونتس عندما تريدين. ~~- إني أريده الآن، فقل، إني مصغية إليك. ~~- إن برهاني يا سيدتي لا يقال بل ينظر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أتقنعين إذا رأيت لوسيان في دكان الحداد؟ ~~- كلا، فإنه قد يكون دخل إليها لإصلاح نعل فرسه. ~~- وإذا رأيته جالسا بجانب الفتاة يحدثها وينظر إليها نظرات غرام؟ # فاتقدت عيناها وقالت: يكفي به برهانا. ~~- هذا الذي أردت أن أظهره لك يا سيدتي. ~~- كيف؟ ~~- إن لوسيان قد ذهب الآن دون شك إلى البيطري، فإني رأيت جواده يعرج، ولا شك أن الفتاة ~~ستكون في الدكان، فإنها تقيم فيها عادة بعد الظهر، فإذا شئت يا سيدتي ذهبنا إلى مستنقعات ~~الدير على الجياد، فنغادر جيادنا فيها ثم نذهب على الأقدام فنختبئ بين أشجار الغابة ~~المقابلة لدكان داغوبير وهناك ترين ما أخبرتك به فيحقق الخبر. # فثارت العواصف في قلب أورور وقالت: لقد رضيت، هلموا بنا. # فنظر الشفالييه إلى البارون نظرة انتصار، وتقدمت الفتاة الفارسين إلى المستنقعات فتبعها ~~الفارسان يسيران فوق جواديهما جنبا إلى جنب، فقال البارون للشفالييه: أواثق أنت مما ~~تقول؟ ~~- إني واثق كل الثقة. ~~- أرأيت حقيقة أن جواده كان يعرج؟ ~~- نعم، وسوف ترى حقيقة أنه قرب الفتاة. # وبعد عشر دقائق وصلوا إلى المستنقعات، فربطوا جيادهم فيها وساروا في الغابة حتى وصلوا إلى ~~شجرة باسقة كثيرة الفروع محاذية للدكان، فاختبئوا وراءها وقال الشفالييه: انظري يا سيدتي، ~~ألا ترين جواد لوسيان عند باب الدكان؟ ~~- نعم. ~~- تعالي إلى الجهة اليمنى تري داخل هذا الدكان. # وكان داغوبير في ذلك الحين لا يزال في الدير، فذهبت الكونتس إلى الجهة اليمنى فرأت رجلا ~~وامرأة جالسين. # أما الشفالييه فإنه قال: ms0206 إن الوقت لا يزال فسيحا لدينا، فلنصبر لا سيما وأنه غير عازم ~~على الرحيل كما يظهر. # وكانت الشمس قد توارت في حجابها وأوقدت حنة مصباحا في الدكان، فكانت أورور ترى كل شيء في ~~داخلها، فلما رأت لوسيان بجانب حنة ينادمها عضت الغيرة قلبها وشدت على قبضة السوط الذي ~~بيدها حتى كادت تسحقها. # ورأى الشفالييه ما ظهر من غيرتها، فقال لها: كيف رأيت يا سيدتي؟ أوثقت الآن مما قلته ~~لك؟ # فأجابته بلهجة القنوط: نعم، لقد برح الخفاء، ولكن اطمئن فسوف أنتقم أفظع انتقام من هذا ~~الخائن الأثيم. # فقال لها البارون: أما وقد وثقت يا سيدتي من خيانته، فلنعد إلى جيادنا فلا فائدة من ~~البقاء هنا. # فأجابته: كلا، إني أحب أن أرى كل شيء ... وأريد أن أصبر إلى النهاية. # وفي ذلك الحين، كان داغوبير قد خرج من الدير ورأى جواد لوسيان مربوطا إلى باب دكانه، ~~فثار ثائره وانقض على الدكان انقضاض الصاعقة. # فلما رأته حنة زاد احمرار وجهها، أما لوسيان فإنه اصفر ووقف، فقال لوسيان: إني أنتظرك منذ ~~ساعة. # فأجابه داغوبير: ليس لدي الآن نعال حاضرة، وقد انقضى النهار فلا وقت لصنع نعل ~~جديدة. ~~- ولكن جوادي يعرج. ~~- يوجد في سولي بيطري فاذهب إليه، ثم أرجوك يا سيدي الكونت أن تأذن لي بأن أعهد إليك ~~بمهمة خاصة. ~~- لي أنا؟ ~~- نعم. # ثم مشى إلى الباب، فعلمت حنة أنه لا يريد أن يكلمه أمامها، فصعدت إلى المنزل وهي ~~تضطرب. # أما داغوبير فإنه لما رآها صعدت، رجع إلى الدكان فنظر إلى الكونت وقال: إني أعهد إليك ~~بمهمة خاصة كما قلت لك، ولكني أحب أن أسديك نصيحة. # فهاجت عوامل الكبرياء في نفس الكونت وقال له: أنت تسديني نصيحة! ~~- نعم يا سيدي، ويجب أن تسمعها، ونصيحتي هي أن جوادك غير صالح ويجب استبداله. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه كثير الحاجة إلى النعال. ~~- لعلك تريد أني أحضر كثيرا على دكانك؟ ~~- إني لا أريد أن أوضح كلامي، افهمه كما تريد. # وقد قال هذا القول وأطرق بعينيه، أدرك لوسيان قصده وقال له: أصغ إلي ms0207 يا داغوبير فإني ~~شاب نبيل غني. ~~- إني أعرف كل ما تقوله يا حضرة الكونت. ~~- وإني أحب قريبتك. ~~- وأعرف هذا أيضا. ~~- وليس في طباعي شيء من طباع أمثالي النبلاء، بل إني أحتقر صلفهم وكبرياءهم، ولا أتزوج ~~إلا المرأة التي أحبها. # فلم يجبه داغوبير بشيء. ~~- وقد قلت لك إني أحب قريبتك، فهل تريد أن أجعلها الكونتس دي مازير؟ # وكان الكونت يتوقع أن يستقبل داغوبير هذه المنة بملء السرور، غير أنه لم يبد عليه شيء من ~~ظواهره، بل قام إلى مطرقته الضخمة فتسلح بها وقال له: أصغ إلي يا سيدي الكونت، إن قريبتي ~~لم تخلق لك، وأعلم أني حداد فقير وأنك سيد عظيم، ولكني غير خاضع لك ولا سلطان لك علي؛ ولذلك ~~أمنعك من الدخول إلى محلي. ~~- ماذا تقول؟ إنك مخطئ يا داغوبير. ~~- هذه آخر كلمة أقولها، فاعلم الآن أنه مهما بلغ ارتفاعك وضعتي وغناك وفقري، إني أقتلك ~~إذا عدت إلى هذا البيت. # وقد قال هذا القول بصوت منخفض لم تسمعه حنة، ثم قال له: اخرج من هنا. # فاصفر وجه لوسيان من الغضب والخجل ولم يجب. # فرفع داغوبير المطرقة فوق رأسه وقال له: قلت لك اخرج. # وكان لوسيان من رجال الشهامة والنبل، فوقع هذا الكلام عليه وقوع الصواعق ووضع يده على ~~قبضة خنجره؛ إذ لم يكن لديه سيفه في تلك الساعة، وهم أن يجرده ويطعنه به. # غير أن داغوبير كان أسرع منه، فإنه انقض عليه وقد أدرك قصده فحمله بين يديه كما يحمل ~~المطرقة وخرج به من الدكان من غير أن يفوه بكلمة ووضعه فوق سرج جواده، وقال له: امض في ~~شأنك واحذر أن ترجع. # وكان داغوبير مشهورا بين قومه بالقوة، حتى كانوا يضربون به المثل فيقولون: فلان قوي ~~كداغوبير. # فلما وجد الكونت نفسه فوق فرسه، جمد الدم في عروقه وكبر عليه الأمر، فلم يثب من ذهوله حتى ~~حاول الرجوع إلى الدكان وهو يزبد من الغيظ بالرغم من نصح الأحدب له بالرجوع والاكتفاء بما ~~حدث، ولكن داغوبير كان قد أسرع إلى الدكان وأقفل ms0208 بابه وصعد إلى المنزل غير مكترث لوعيد ~~الكونت. # أما لوسيان فإنه جعل يضرب باب الدكان بقبضة خنجره ويقول: افتح أيها الشقي ، فلا بد لي من ~~قتلك ولو صعدت إلى الغمام. # فلم يفتح الباب كما كان يتوقع، بل فتحت النافذة وأطلت منها حنة وقالت له بلهجة بينت عن ~~يأسها: أسألك بالله يا سيدي الكونت ألا تهيج غضب قريبي. # فقال لها الكونت: إن قريبك قد أهانني إهانة لا تغتفر جزاء لقولي بأني أحبك، وإني أريد أن ~~أجعلك ... # أما حنة فإنها أقفلت النافذة قبل أن يتم جملته. # وفي الوقت نفسه فتحت نافذة أخرى، وهي نافذة داغوبير وأطل منها الحداد وقال له: يظهر يا ~~سيدي الكونت أنك فقدت رشدك، وإني أنصحك بالانصراف. ~~- بل إني سأقتلك شر قتل أيها الشقي، فقد جسرت على ما لم يجسر عليه أحد من قبلك، وسأحرقك ~~وأحرق منزلك بالنار. ~~- أما أنا فسأخمد تلك النار المتصاعدة إلى رأسك. # ثم احتجب داغوبير هنيهة وصاح الأحدب بالكونت يقول له: احذر! غير أن لوسيان لم يجد سبيلا ~~للحذر، فإن داغوبير عاد مسرعا إلى النافذة يحمل كوز ماء كبير فكب جميع ما فيه من الماء ~~البارد فوق رأس الكونت. # انتفض لوسيان انتفاض العصفور بلله القطر، وقد سكن تأثره لانشغاله بتأثير تلك المياه، ثم ~~عاوده الهياج وهم أن يعود إلى الباب ويحاول كسره ولكنه تراجع منذعرا؛ إذ سمع صوت ضحك يشبه ~~ضحك الساخر. # فغلى الدم في عروقه من الغضب والتفت إلى مصدر الصوت وكان من الغابة، فرأى فيها أشباحا ~~وسمع أيضا صوت ضحك سخري. # فلكز بطن جواده ودفعه إلى تلك الأشباح، وعند ذلك رأى نور مشعل قد بزغ فجأة وهو من تلك ~~المشاعل الخاصة بأهل الصيد، فوقف خجلا مبهوتا؛ إذ رأى على نور ذلك المشعل البارون ~~والشفالييه وبينهما ابنة عمه الكونتس، وهي لا تزال تضحك ضحك الساخر وبين عينيها علائم ~~الاحتقار والغضب. # أما الكونتس فإنها نظرت إليه، وقالت له بلهجة المتهكم المنتقم: أراك يا ابن عمي العزيز قد ~~أحييت العصور السالفة، إنك وحدك تحاصر حصنا حصينا ms0209 لاختطاف فتاة. # ثم ضحكت ضحكا شديدا وقالت: نعم، إن الحصن لم يكن إلا دكان حداد، وإن الفتاة لم تكن إلا ~~قروية من رعاة الخرفان، ولكن ذلك كان سائغا في العصور الوسطى، فأهنئك ببسالتك. # وعند ذلك ذهبت مع رفيقيها إلى حيث ربطوا الجياد، وقف لوسيان لا يعي ولا يدري ما يصنع لفرط ~~اضطرابه، ولبث واقفا وهم يتوغلون في الغابة حتى تواروا عن الأنظار. # فثاب من دهشته وتمثل له ضحك الكونتس ونظرات الفارسين كسهام من نار، فقال: إني لا أستطيع ~~مبارزة امرأة، ولكن هذا الشفالييه سيرى مني ما يؤدبه خير تأديب. # وكانت الجماعة قد احتجبت عن نظره غير أنه كان لا يزال يرى نور المشعل، فدفع فرسه إلى جهة ~~النور فرأى ابنة عمه تسير إلى جانب الشفالييه. # وكان بنوات الأحدب يثب وراء فرس لوسيان ويحاول أن يخفف وطأة هياجه، ولكن الغضب كان ~~متمكنا من نفس الكونت فلم يحفل بكلامه، إلى أن قال الأحدب بلهجة المتوسل: بالله قف يا سيدي ~~واسمع ما أقول. # أوقف الكونت فرسه وقال: ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أسألك إذا كنت تنوي اللحاق بهم. ~~- دون شك. ~~- أشير عليك يا سيدي ألا تفعل. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك في أشد حالات الهياج، فقد يدفعك الغضب إلى فعل ما لا تود أن تفعله، وعندي أنه خير ~~لك أن تسير في هذا الطريق الذي يؤدي توا إلى قصرك بدلا من التعريج بسولي، فإن جوادك يعرج ~~وطريق سولي شاقة السير. ~~- أتصحبني إلى القصر؟ ~~- نعم يا سيدي، وهي فرصة أغتنمها لمحادثتك. # فأطرق الكونت هنيهة مفكرا، ثم قال: هلم بنا وسر بجانبي. # فمشى الأحدب بجانبه وقال له: لقد كان هذا اليوم يوم شقاء يا سيدي الكونت، ولو اتبعت ~~نصيحتي منذ البدء لما أصابك شيء من هذا، وأصغ إلي يا سيدي، فإني لا أعرف البارون دي بوليو ~~فلا أقول عنه خيرا ولا شرا، ولكني أعرف الشفالييه حق العرفان. ~~- وما رأيك فيه؟ ~~- إنه من رجال الشر والمكر. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكده لك يا سيدي، وأزيدك أنه مفتون بالكونتس أورور، وهو الذي ms0210 قال لها كل ~~شيء. ~~- ماذا قال؟ ~~- أخبرها أنك تختلف دائما إلى محل الحداد، وأنك عاشق لقريبته. # فعاود لوسيان الغضب عند سماع اسم داغوبير وقال: أما هذا فسأعاقبه شر عقاب. ~~- إنك مخطئ يا سيدي كل الخطأ إذا انتقمت منه. ~~- كيف أكون مخطئا بعدما رأيت ما بدر منه؟ ~~- لأن داغوبير قد فعل ما يجب عليه، فإن الشرف يا سيدي لا ينحصر بأهل الجاه والمال والنبل، ~~وقد أردت إغواء قريبته فلم يطق الصبر على هذا العار. # فاهتز لوسيان فوق فرسه واضطرب حتى أوشك أن يسقط، ثم قال له: أتظن يا بنوات أني أريد ~~إغواءها؟ ~~- إن الظواهر يا سيدي تدل على صدق هذا الظن. ~~- ولكنك مخطئ، فإني أحب حنة. ~~- أرأيت كيف أني صادق بظنوني؟ ~~- هو ذاك، ولكني إذا كنت من رجال الأنساب فلا أتقيد بها، وقد أحببت تلك الفتاة ورأيتها من ~~أهل الطهر والفضيلة والعفاف فلم أكترث لما يحول بيني وبينها من تباين المقام، وأردت أن ~~أتخذها امرأة لي. # فصاح الأحدب صيحة دهش وقال: أحقا ما تقول؟ ~~- كل الحق، وقد جاهرت بنيتي لداغوبير فكان جزائي منه ما رأيت. ~~- أأنت واثق يا سيدي أنه سمع اقتراحك؟ ~~- كل الثقة. ~~- أفهم مرادك؟ ~~- دون شك، فإني كلمته بأتم التصريح والجلاء. ~~- إنه أمر عجيب يحار فيه عقلي. # ثم أطرق هنيهة وقال: إذا كان الأمر قد اتفق كما رويته يا سيدي، فلا شك أن داغوبير قد ~~ارتكب خطأ عظيما، ولكني أعرف داغوبير حق العرفان وألتمس منك يا سيدي أن تعدني ~~وعدا. ~~- ما هو؟ ~~- هو ألا تشكو داغوبير ولا تنتقم منه قبل أن تراني. ~~- ماذا تريد أن تصنع؟ ~~- أريد أن أراه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أقف على حقيقة أفكاره وأعود إليك صباح غد إلى قصرك، فأخبرك بما يكون، على أن تفي بوعدك ~~ولا تعاقبه بشيء قبل أن أعود. ~~- سأفي، فمتى تذهب إليه؟ ~~- الآن. ~~- إذن إلى اللقاء غدا. # فغادره الأحدب عند ذلك عائدا إلى داغوبير، وبقي الكونت وحده في الغابة. # 7 # وكانت النجوم تسطع في السماء ولكنها لا تكشف اربداد الظلام، وقد ساد السكون ms0211 في تلك الغابة ~~المتسعة فسادت السويداء على الكونت، وتلاها حزن عميق أسال الدمع من عينيه، فإن أصوات ضحك ~~ابنة عمه والفارسين كانت لا تزال تدوي في أذنه. # ثم جعل يفتكر بحنة فيتمثل له كيف أنها أقفلت النافذة بعنف حين جسر على المجاهرة لها ~~بهواه، وجعل يسير الهويناء وهو يقول في نفسه: لا شك أن هذا اليوم من شر أيام الشقاء، فإنه ~~اختصم مع ابنة عمه، بل أصبح هزءا في عينيها؛ إذ رأت ذاك الحداد يطرده أقبح طرد. # وهنا عاودته عاطفة الانتقام ولكنه جعل يسأل نفسه فيقول: ترى ممن أنتقم؟ أمن ابنة عمي ~~أورور؟ ولكنها مصيبة في هزئها بي، ألست خطيبها منذ شببت عن الطوق؟ ألم أكن خائنا نذلا في ~~عينيها؟ فكيف لا يحق لها أن تهزأ بي؟ أم تراني أنتقم من داغوبير؟ وأي طيش أعظم من هذا ~~الطيش؟! وإذا أسأت إليه بالانتقام فكيف أتقرب من قريبته وقد أقمت بيني وبينها مثل هذا السد؟ ~~بقي هذا الشفالييه الذي قال لي عنه بنوات إنه من أهل الشر والدسائس، وهو مصيب فيما قال، ولا ~~شك أن هذا الرجل حمل ابنة عمي على التجسس علي؛ فهو خائن نمام وسيلقى ما يستحقه من العقاب، ~~إني سأذهب إليه غدا وأسأله الإيضاح والترضية، فإذا أباها علي صفعته وأدركت من مبارزته ~~والانتقام منه ما أريد. # وكان لوسيان يبحث عمن ينتقم منه شفاء لغله، فلما استقر على هذا الخاطر سكن ثائر غضبه وخف ~~جأش هياجه. # ثم ذكر ما لقيه من انذهال الأحدب حين أخبره عن صدق نيته في عزمه على الاقتران بحنة، فعلل ~~انذهاله تعليلا معقولا، وهو أنه في ذاك العهد كان التباين عظيما بين الأشراف وبين الطبقة ~~العامة، فلا يخطر لأحد في بال أن يتدانى النبلاء إلى الاتصال بالعوام بصلة القران، ولا يجول ~~في بال أحد أن كونتا عظيما يتزوج فتاة قروية؛ ولذلك خف ما عنده وقال في نفسه، إن داغوبير ~~معذور، فلا شك أنه حسبني هازئا به وأني أحتال عليه بمثل هذه الوعود؛ تذرعا إلى إغواء ~~الصبية، ms0212 ولكن الأحدب سيزيل هذا الشك من نفسه ويقوم بالمهمة التي انتدبته بها خير ~~قيام. # وكان لوسيان في مقتبل الشباب، وهو جميل غني ، فلم يخش ألا يروق في عيني حنة، وكان يعلم ~~أن أمه تكاد تعبده، فلم يخف أن تحول دون هذا الزواج، وماذا بقي إذا كانت له حنة؟! # وعند ذاك شعر فجأة أنه بات يكره ابنة عمه كرها شديدا، ولم يعد يبالي بما كان منها وما ~~سيكون، وأما الشفالييه فإنه سيدعوه إلى المبارزة وينتقم منه لهزئه به شر انتقام. # وكان لوسيان يحدث نفسه بهذه الأحاديث، والجواد يسير به حيث يشاء، فاجتاز به مسافة بعيدة ~~وهو لا يشعر، حتى بات على مسافة نصف مرحلة من قصره، ووصل إلى مكان من الغابة تشعبت فيه ~~الطرق، فانتبه عند ذلك من سبات تصوراته ونظر إلى ما حواليه، فرأى على اشتداد الظلام شبحا ~~أسود اعترضه فعلم أنه فارس. # وعند ذاك أوقف جواده، فوضع يده على غدارته وقال: من القادم؟ # فأجابه الشبح بصوت الهازئ: لا تخف يا سيدي الكونت، فما أنا من اللصوص. فظهرت على وجه ~~الكونت علائم السرور الوحشي؛ إذ علم أن صاحب الصوت كان الشفالييه صاحب النميمة، فدنا منه ~~بجواده وقال له بصوت يضطرب من الغضب: أهذا أنت يا سيدي الشفالييه؟ ~~- نعم يا حضرة الكونت. ~~- كيف غيرت طريقك؟ فقد رأيتك سائرا في طريق سولي. ~~- ذاك لأني كنت أرجو أن أراك. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أعطيك رسالة عهد إلي بإيصالها إليك. ~~- ممن الرسالة؟ ~~- يجب أن تعلم أنها من سيدتي الكونتس. # فقال له لوسيان بلهجة شفت عن الاحتقار، هاتها فسأقرؤها عندما أصل إلى النور. ~~- لا حاجة إلى الانتظار يا سيدي الكونت؛ إذ لدي مشعل، فإذا شئت أنرته فقرأت الرسالة على ~~نوره. ~~- لا أجد فائدة في قراءة الرسائل الآن، لا سيما وأني في حاجة إلى محادثتك. ~~- محادثتي أنا؟ ~~- نعم يا حضرة الشفالييه، فإني أود مباحثتك في أمور خطيرة. ~~- ما عسى أن تكون هذه الأمور الخطيرة؟ ~~- هي يا شفالييه أنك رجل سافل. # وكانت الإهانة عظيمة، غير أن ms0213 الشفالييه تجلد وتظاهر أنه لم يحفل بها فقال: ولماذا تدعوني ~~بسافل؟ ~~- بل إنك سافل وخائن معا. # فاحتفظ الشفالييه بسكينته وقال له: إنك إذا كنت تريد أن تجعل هذه الشتائم مقدمة للقتال ~~فلا فائدة منها. ~~- لماذا؟ ألعلك لا تبارزني؟ ~~- ليس هذا الذي أعنيه، بل أريد أن أقول إنه لا فائدة من الشتم، فإذا كنت تريد قتالي تجدني ~~غدا رهن أمرك. ~~- بل اليوم. ~~- إنك تمزح يا سيدي الكونت. ~~- كلا، بل أريد أن يكون قتالنا في هذه الساعة، ولا إخالك تمتنع إلا إذا سرى الخوف إلى ~~قلبك. ~~- إنك تعلم يا كونت أني لا أخاف، ولكن أنقتتل هنا في ظلام الليل من غير شهود؟ ~~- نعم. ~~- ولكن ليس لدينا سيوف. ~~- إن في خنجر الصيد غنى عن الحسام. ~~- يظهر أنك لا تريد مبارزة بل مجزرة. ~~- أريد قتالا لا يفصل فيه بيننا غير الموت. ~~- ليكن ما تريد أيها الكونت العزيز، ولكن بقي هناك أمر أراك لم تفطن إليه. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن من يقتل رفيقه منا يحسب في عرف الشرع والناس سفاكا مغتالا لا قاتلا في ~~براز. # قال: أتظن ذلك؟ ~~- دون شك، فقد عرف من رأى ما كان منا في الغابة أن كلانا يكره الآخر، وهذا القتل في ~~الغابة دون شهود يوسع مجال الظنون ويحمل على محامل الاغتيال. ~~- إنك تعترف إذن بأنه يجب أن أكرهك؟ ~~- وإني لست مخطئا في حملك على هذا الكره، فقد رأيتك في حالة تدعو إلى الهزء فما تمالكت ~~عن الضحك. ~~- وأنا رأيت هذا الهزء لا يغسل إلا بدمك. ~~- ليكن ما تريد، ولكنك إذا قتلتني الآن فليس ما يمنع ابنة عمك عن القول إنك قتلتني ~~انتقاما لكتاب قطع علاقتها معك، وإنك قتلتني لأني كنت أنا حامل هذا الكتاب، وأما إذا قتلتك ~~أنا فإن الأقوال تختلف. ~~- ماذا يقولون؟ ~~- يقولون إني عاشق الكونتس، وإني قتلتك للتخلص من مزاحمتك. # فرأى لوسيان أن براهينه جلية لا تدحض، فاقتنع بها وقال له: إذن إلى الغد، فأحضر شهودك ~~وأنا أحضر شهودي. # قال: وأين تريد أن يكون القتال؟ ~~- هنا حيث نحن ms0214 الآن. ~~- ليكن ما تريد، ولكنك تعلم أني لا أبيت في هذا المكان لأنتظر الغد، فلنعد معا إلى ~~المنزل. # فأجابه الكونت بجفاء: إن الطرق لجميع الناس. # فلم يجبه الشفالييه وسار بجواده الهويناء وتبعه الكونت، فكانا يسيران في طريق ~~واحد. # ولنعد الآن إلى الأحدب، فإنه حين غادر لوسيان ذهب توا إلى داغوبير فلقيه يشتغل في دكانه ~~فدخل إليه. # أما داغوبير فإنه حين رآه قطب حاجبيه وقال له: ماذا أتيت تعمل أيها الشقي؟ # فقال له الأحدب: لماذا تشتمني يا داغوبير وأنا لم أسئ إليك؟ ~~- هو ذاك، ولكنك كنت مع هذا الكونت الذي عاملته بما يستحقه من الطرد. ~~- إنك أخطأت يا داغوبير؛ فإن الرجل طاهر القلب شريف النفس لا يحتقر العامة خلافا لجميع ~~النبلاء. ~~- لا أنكر ما تقول. ~~- وهو يحب حنة. # فاتقدت عينا داغوبير ببارق من الغضب وقال: اسكت. ~~- لماذا تريد أن أسكت؟ إنه يحبها حبا طاهرا نقيا، وهو يريد زواجها لا إغواءها كما ~~توهمت. # وكان الأحدب يتوقع أن يرى من داغوبير ما يدل على الانذهال أو الشك، ولكنه لم يظهر شيئا ~~من ذلك، بل جعل يطرق الحديد بمطرقته دون أن يجيب. # فقال له الأحدب وقد راعه سكوته: لقد قلت لك يا داغوبير إنه يريد أن يتزوجها. # قال: أعلم ولكني لا أريد. ~~- أنت لا تريد أن يتزوج الكونت دي مازير حنة؟ ~~- نعم. ~~- ولكن هذا جنون محض. # فألقى داغوبير مطرقته ودنا من الأحدب، فوضع يده الضخمة فوق كتفه وقال: إن الكونت لوسيان ~~لا يكون زوجا لحنة ما دمت في قيد الحياة. ~~- ولكن لماذا؟ ~~- لأني لست وحدي الذي يأبى هذا الزواج، بل إن الذي يأباه رجل عظيم أثق به كما أثق ~~بالله. ~~- من هو هذا العظيم؟ ~~- هو الأب جيروم. # فبهت الأحدب وأطرق يفكر، فقال له داغوبير: لا ريب عندي أن الكونت قد أرسلك إلي. ~~- هو ما تقول، فلا أنكر عليك. ~~- إنك الآن عرفت جوابي الأخير فاحمله إليه كما تلقيته. # فخرج الأحدب من الدكان فقال في نفسه، إن الكونت لا يزال في الغابة ولا بد لي من ms0215 إدراكه ~~قبل أن يصل إلى المنزل. ثم دخل إلى الغابة وأطلق ساقيه للريح في الطريق التي سار فيها ~~لوسيان. # 8 # بينما كان الكونت والشفالييه يسيران في الغابة أحدهما في أثر الآخر دون أن يتحادثا سمع ~~لوسيان صوت ركض من ورائه. # وكان القمر قد بزغ في تلك الساعة يخترق الغيوم ويتهادى متألقا في السماء بين النجوم، ~~فالتفت لوسيان فرأى أن هذا الراكض كان بنوات الأحدب، فخفق قلبه وأوقف جواده في ~~الحال. # والتفت الشفالييه أيضا ولكنه لم يستطع أن يسأل الكونت عن السبب الذي حمله على ~~الوقوف. # غير أنه تباطأ في السير وجعل يلتفت إلى الوراء من حين إلى حين وقد عرف بنوات وأنه رسول ~~لوسيان. # أما الأحدب فإنه وصل إلى لوسيان، فقال له وهو يلهث تعبا: إني كنت موقنا من إدراكك في ~~الغابة ولهذا عدت إليك. ~~- ولماذا عدت إلي؟ ألم نتفق على أن تزورني غدا؟ ~~- هو ذاك، ولكني رأيت داغوبير. # فلم يجبه لوسيان بشيء وصبر وهو يضطرب إلى أن يخبره الأحدب بما جرى، فبدأ الأحدب الحديث ~~فقال: لقد رأيت يا سيدي أن داغوبير يفتكر كما كنت أفتكر. ~~- ماذا يفتكر؟ ~~- أن زواجك بمدموازيل حنة محال. ~~- تريد أنه يرفض هذا الزواج؟ # فأحنى بنوات رأسه إشارة إلى الإيجاب. # فارتعد لوسيان وقال: أي عذر تجاسر على انتحاله هذا الرجل؟ ~~- عذره أن أمر تزويج الفتاة غير منوط به. ~~- بمن؟ ~~- بالأب جيروم. ~~- رئيس الدير؟ ~~- هو بعينه. # فعاد الرجاء إلى قلب لوسيان وقال: إذا كان ما يقوله حقا فإن الأمر سهل ميسور، نعم إني ~~لا أعرف هذا الراهب، ولكن يقال إن أصله من النبلاء وإنه دخل إلى الدير بسبب حادث غرام، ~~فسأذهب إليه وأخبره بغرامي ورجائي أن يثق من سلامة قصدي ولا يعترض سبيلي. # فهز الأحدب رأسه وقال: لا تتوسع في مجال الأمل يا سيدي الكونت. # قال: ولماذا؟ أتظن أن الراهب يرفض طلبي؟ # قال: لا أعلم ما يكون بعد اجتماعك به، ولكن الذي أعلمه أنه هو الذي يرفض الآن. # قال: كيف عرفت ذلك؟ ~~- من داغوبير، وهو لا يكذب. ms0216 # فاصفر وجه الكونت وقال: ولكن ماذا يحمله على هذا الرفض؟ ~~- لا أعلم يا سيدي، ولكن الذي رأيته من غضب داغوبير على اشتهاره بالسكينة أنهم قد حدثوه ~~عنك ... وأنهم أصدروا إليه الأوامر بشأنك. ~~- من الذي يصدر الأوامر إلى داغوبير؟ ~~- الأب جيروم، فإنك تذكر يا سيدي أنه حين وصلنا إلى دكان داغوبير كان لا يزال في ~~الدير. ~~- هو ذاك. ~~- إنه كان مختليا مع الأب جيروم، فلما خرج من الدير لم يكن على ما عهدته به من الدعة ~~والسلامة، بل إني رأيت الشر باديا بين عينيه. # فلم يدعه الكونت يتم حديثه، وقال له: أصغ إلي يا بنوات، أتريد أن أرسلك بمهمة إلى الأب ~~جيروم؟ ~~- بملء الرضا يا سيدي. ~~- إنك تذهب إليه في هذه الليلة نفسها، وترجوه عني أن يأذن بمقابلتي صباح غد بعد ~~الصلاة. ~~- سأذهب يا سيدي، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- يجب أن تعطيني كتابا إليه؛ فإن الفقراء أمثالنا لا يأذنون لهم بدخول الدير، فإن ~~الرهبان يعاملوننا بنفس العنف الذي يعاملنا به النبلاء. # فاغتم لوسيان لهذا الطلب؛ إذ لم يكن لديه في تلك الغابة شيء من أدوات الكتابة. # فقال له الأحدب: وفوق ذلك يا سيدي، فإنه لا يستطيع أحد دخول الدير بعد أن تمضي الساعة ~~التاسعة. # فنظر لوسيان في الساعة فوجد أنها لم تتجاوز الثامنة، ورأى أنه لم يبق له غير واحد من ~~أمرين؛ وهما: إما أن يرجع عن إرسال الرسالة في هذه الليلة، أو أنه يجب إرسالها في الحال ~~لضيق الوقت، وإذا ذهب إلى المنزل وكتب الرسالة فيه فات الأوان. # على أن الانفعالات النفسية مهما اختلفت واشتدت فلا تعادل في شدتها تأثير الغرام، فإن هذا ~~الكونت كان يحاول منذ نصف ساعة قتل الشفالييه، أما الآن فقد تذكر أن هذا الشفالييه الذي ~~سيقاتله غدا لديه قلم من الرصاص ودفتر في جيبه ومشعل، فندم لاختصامه معه. # غير أن الندم على الخطأ أوجد فيه الرغبة في الإصلاح وقد تمثلت حنة في خاطره، فهان عليه أن ~~يكلم الشفالييه ويسأله قضاء مهمة كما يسأل الصديق الصديق. # وعند ذلك ms0217 لكز جواده فسار به والأحدب يتبعه، حتى وصل إلى الشفالييه فقال له: إننا سنقتتل ~~غدا أليس كذلك؟ ~~- هذا ما أردته أنت ولا سبيل إلى مراجعتك. ~~- هو ذاك، ولكنك من أهل الظرف والأدب فلا أجد ما يمنعني عن أن أسألك قضاء مهمة. ~~- قل ما تريد. ~~- أريد قلمك الرصاص وورقة من دفترك. ~~- هما لك، وأزيدك أني أنير لك المشعل فإنك تريد الكتابة دون شك. ~~- لا حاجة إلى المشعل فإن نور القمر يغنيني عنه. ~~- كما تريد. ثم أعطاه الدفتر والقلم فأخذهما لوسيان وكتب الرسالة الآتية: # إن الكونت لوسيان دي مازير المقيم في قصر دي بوربيير يرغب في مقابلة «نيافة الأب ~~جيروم رئيس الدير» في أقرب فرصة ممكنة لمباحثته في شأن خطير. # وهو يلتمس من نيافة الأب جيروم أن يتفضل ويسمح بمقابلته له صباح غد بعد انتهاء ~~الصلاة. # لوسيان دي مازير # ثم انتزع الورقة من الدفتر ودفعها إلى الأحدب وقال له: اذهب بهذه الرسالة إلى حيث قلت لك، ~~وعد إلي غدا بالجواب. # فأخذها الأحدب وانطلق يعدو بين أشجار الغابة. # أما لوسيان فإنه رد الدفتر والقلم، وقال للشفالييه: أشكرك يا سيدي كل الشكر. ثم مشى إلى ~~جانبه وهما ساكتان مطرقان لا يتكلمان. # ومر بهما عدة دقائق وهما ساكتان إلى أن بدأ الشفالييه الحديث فقال: لقد تشرفت الآن فخدمتك ~~خدمة رأيت أنها جليلة، فهل تريد أن أرشدك إلى طريقة تكافئني بها عن هذه الخدمة؟ ~~- أكون لك من الشاكرين، ولكن بشرط ألا تدعوني إلى مصافحتك. ~~- دون شك، فإن قتالنا غدا لا بد منه في كل حال. ~~- إذن تكلم. ~~- لا شيء يروعني يا سيدي الكونت مثل السكون والوحدة، ولا يزال لدينا نحو نصف مرحلة للوصول ~~إلى القصر، فإذا شئت خففنا مشقة هذا السير بالمحادثة. ~~- بأي أمر تريد أن نتحدث؟ ~~- لا فرق عندي في ذلك، ولكن إن شئت تحدثنا عن الأب جيروم رئيس الدير. # فارتعش لوسيان ارتعاشا لم يخف على الشفالييه، فقال في نفسه، أرى أنني قد ظفرت به. # 9 # وعند ذلك بدأ الشفالييه الحديث فقال: إنك أيها الصديق ms0218 دعوتني خائنا سافلا، فلم يبق ~~سبيل لمنع قتالنا، غير أنه لما كانت العادة ألا يوضح المتبارزان شيئا في ساعة المبارزة ~~فقد أخبرك الآن بما مضى. ~~- إذن تكلم يا سيدي فإني مصغ إليك. ~~- إنك عاملتنا معاملة الرفيع للوضيع أنا وابنة عمك والبارون بسبب ذلك الفلاح، فكبرت علي ~~هذه المعاملة حتى حملني الغضب على القول إنك اقتبست حب الفلاحين من ترددك على ~~الحداد. ~~- أنت قلت هذا القول؟ ~~- وهذا كل ما قلته، ولكن ابنة عمك تحب الاطلاع على كل أمر، فأرادت أن تعلم السبب في ترددك ~~على داغوبير، فسألتني وسألت البارون، فقال لها البارون: إنك لا تذهب إلى دكان الحداد إلا ~~بسبب قريبته الحسناء، وقد أشرت له بيدي وعيني إشارات مختلفة، ففهم إشاراتي ولكنه لم يمتنع ~~عن التصريح، إما لحقده عليك وإما لكونه من أهل البلاهة. # فقال له لوسيان: وماذا أجابت ابنة عمي؟ ~~- إنها أنكرت هذه الوشاية كل الإنكار وأقسمت أن ذلك لا يمكن أن يكون، وكنت أقول لها هذا ~~القول، ولكن هذا البارون الأبله أبى إلا الإصرار على قوله حتى اتصل إلى مراهنة الكونتس على ~~أنك مقيم الآن مع مدموازيل حنة، فاستاءت الكونتس ورضيت بالرهان، وطلبت إلي أن أصحبها مع ~~البارون إلى دكان الحداد، فلم أجد بدا من الامتثال، وأنت تعرف بقية ما حدث. ~~- أحقا إن الأمر جرى كما رويته؟ ~~- هو ما قلته لك يا سيدي الكونت فلست من الكاذبين. ~~- إذا كان الأمر كذلك فإني أعتذر عما بدر مني وأرجوك قبول عذري. ~~- إذا كان للحب شهداء فللصداقة شهداء أيضا، ويسوءني أنك عاملتني تلك المعاملة الجافية، ~~فقد كان بوسعي أن أسديك نصيحة. # فهاجت في صدر لوسيان عاطفة الكرم وقال له: إني قد اعتذرت إليك أيها الصديق عما بدر مني، ~~والآن أمد يدي لمصافحتك إذا شئت. ~~- إني شديد الحرص على صداقتك لما أعلمه من سلامة قلبك، فكيف أرفض اقتراحك. ثم مد إليه يده ~~فصافحه وقال له وهو يبتسم: إن خصامنا لم يشهده أحد فلا نحتاج بعد الصلح إلى إظهار ما دعانا ~~إليه لأحد. ~~- لقد ms0219 أصبت. ~~- إذن لقد عدنا إلى صداقتنا القديمة. ~~- دون شك. ~~- إذن نتكلم بما تقتضيه الصداقة من الجلاء والإخلاص، فهل أنت حقيقة تعشق هذه ~~الفتاة؟ ~~- أنا مفتون بها. ~~- ولكن ألا تعلم أيها الصديق أن هذا الحب يحول دون زواجك بالكونتس؟ ونعم إنها كتبت إليك ~~كتابا دفعتها إليه الحدة، ولكن غضب النساء سريع الزوال. ~~- سيان عندي الآن غضبها ورضاها، فإني لا أحبها ولن أحبها ولا أكون لها زوجا. ~~- ما هذه الأقوال يا كونت؟ أبلغ حبك لتلك الفتاة هذا المبلغ فأضاع رشادك؟ ~~- إذا كان في هذا الحب ضياع الرشاد، فأنا ضائع الرشد لأني سأتزوجها. ~~- لا شك أنك مجنون. ~~- بل إني عاقل لا أتقيد بالتقاليد، وغاية أمري أني أريد أن أكون سعيدا. ~~- أنت الكونت دي مازير أقدم رجال النسب تتزوج قروية خاملة. ~~- إن عرش الغرام لا يرقى إليه على سلم الأنساب، وكفى بصدق الغرام نسبا. ~~- شأنك وما تريد، فأنت ولي نفسك، غير أنه يجدر بك أن تنوي هذه النية من قبل. ~~- لماذا؟ # فابتسم الشفالييه وقال: لأنك كنت نجوت من ذاك الماء الذي تدفق عليك من النافذة. ~~- لقد أخطأت أيها الصديق، فإني لم أجازى هذا الجزاء إلا حين جاهرت بهذه النية. # فدهش الشفالييه وقال: ماذا أسمع؟ لا شك أني من الحالمين. ~~- بل هي الحقيقة أرويها لك أيها الصديق كما اتفقت. ~~- إذا كنت صرحت لهذا الحداد بنيتك وعزمك على الزواج بقريبته، فأي عذر انتحله ~~للرفض؟ ~~- يقول إن زواج الفتاة غير منوط به، بل بالأب جيروم. ~~- إن كان كذلك فقد فهمت كل شيء. ~~- قل ماذا فهمت؟ ~~- فهمت أن هذا الراهب سيصر على رفض هذا الزواج أكثر من إصرار داغوبير. # فبهت لوسيان وقال: لماذا؟ # وكان الشفالييه كثير المكر شديد التفنن باختراع الحيل وتلفيق الأحاديث، فأطرق هنيهة ثم ~~قال له: ألم تجد أن هذه الفتاة الحسناء التي تحسبها قروية مترفة الكف ناعمة البنان صغيرة ~~القدمين. ~~- ماذا تريد بهذا؟ ~~- أريد أن هذه النعومة لا توجد عادة في النساء القرويات؛ ولذلك فقد تبادر إلى ذهني أن هذه ~~الفتاة قد تكون من أسرة ms0220 نبيلة. # فصاح لوسيان صيحة فرح وقال: حبذا لو صح ما تقول، فلا أجد بينكم معارضا لي في ~~زواجها. ~~- ولكني أرى أن الرهبان قد استولوا على ثروتها. # فتحمس لوسيان وقال: إذا ثبت ذلك بسطت حمايتي عليها وطالبت الدير بثروتها. ~~- ولكنك لا تستطيع ذلك إلا إذا كنت زوجها. ~~- وما يمنعني أن أكون زوجا لها؟ ~~- الأب جيروم، فإنه يؤثر أن يزوجها فلاحا لا يجسر على المطالبة بحقها فتبقى الثروة ~~لأولئك الرهبان. ~~- ولكني أحب حنة ولا أجد بدا من الاقتران بها. ~~- إن هذا محال إذا نهجت النهج الذي رسمته لنفسك. ~~- إذن ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- دعني أسألك في البدء ماذا كتبت للأب جيروم؟ ~~- سألته أن يأذن لي بمقابلته. ~~- إنه سيرفض طلبك. ~~- أتظنه يفعل؟ ~~- بل أؤكد، فاصبر إلى الغد، فإذا كان جوابه الرفض كما أتوقع، فأنا أرشدك إلى طريقة تسهل ~~لك سبيل الزواج بمن تحب. # فمد لوسيان يده إلى هذا الصديق الكاذب وشكره شكر الممتن لفضله. # فقال الشفالييه وقد تكلف لهجة الإخلاص: كفى أيها الصديق، فقد وصلنا إلى القصر. # وكان دليل الصيد قد تقدمهم إلى المنزل، فروى جميع ما حدث في الغابة وما كان من اختصام ~~لوسيان مع ابنة عمه، وتنوقلت هذه الحادثة بين أهل القصر حتى بلغ خبرها إلى أم لوسيان، غير ~~أن الكونتس لم تحفل بهذا الخصام لاعتقادها أنه حادثة عارضة وأن الصلح بين الخطيبين سهل ~~ميسور. # فلما دخل لوسيان والشفالييه استقبلتهما الكونتس حسب العادة، فأقام لوسيان بينهما مدة ~~وجيزة بعد العشاء ثم اعتذر ودخل مضجعه، وهو يود لو محق الليل وأشرق الصباح فيعلم ما يكون من ~~جواب رئيس الدير. # ولم يكد يشرق الصباح حتى هب لوسيان من رقاده وأقام ينتظر الأحدب بفارغ الصبر، فلم يطل ~~انتظاره حتى أقبل الأحدب يحمل رسالة من الأب جيروم، فأخذها لوسيان بيد تضطرب وقرأ ما يأتي: # سيدي الكونت # إني مريض لا تسمح لي العلة بمقابلة أحد، وفوق ذلك فليس بيني وبينك من المهام ما ~~يدعو إلى المقابلات الخاصة، إلا إذا كنت تريد مقابلتي في شأن يتعلق بصالح ms0221 الدير، ~~فإذا كان ذاك فأرجو أن تقابل وكيلي فإنه ينوب عني في قضاء هذه المهام. # الأب جيروم # فحمل لوسيان الكتاب وذهب به إلى الشفالييه وهو يزبد من الغضب، فدفعه إليه وقال: لقد كنت ~~مصيبا في ما توقعته. # فقرأ الشفالييه الكتاب ثم رده إليه وقال له: أتريد الآن أن أرشدك إلى الطريقة التي وعدتك ~~بها. ~~- بلا ريب، ولأجل هذا أتيتك. ~~- ألا تزال عازما على الاقتران بحنة؟ ~~- كل العزم، فلا يحول دون هذا القصد حائل. ~~- إذن فاعلم أن طريقتي بسيطة جدا. ~~- ما هي؟ ~~- هي أن تختطفها. # ففكر لوسيان وقال: ولكن الأب جيروم حريص عليها. ~~- نغتنم فرصة انشغاله مع الرهبان بصلاة الصبح. ~~- وداغوبير؟ ~~- أنا أتعهد به. ~~- كيف؟ ~~- إني أزيله عن طريقك. ~~- أترتكب جناية؟ ~~- كلا، ولكني أستطيع إبعاده عنك ثمانية أيام، وفي خلال هذا الأسبوع تتمكن من الذهاب ~~بالفتاة إلى باريس، وهناك يعقد زفافكما أول كاهن تراه. # ثم ضحك ضحك الفوز والانتصار، وقد أيقن أن الكونت لوسيان بات في قبضة يده يتصرف به كيف ~~شاء. # 10 # ولنعد الآن إلى مدموازيل أورور التي تركناها سائرة في طريق سولي يصحبها الشفالييه ~~والبارون، فإنها كانت تسير دون أن تفوه بكلمة، وقد احترم الفارسان سكوتها فلم ~~يكلماها. # ولما وصلت إلى سولي، التفتت إلى الشفالييه وقالت له: إني أريد أن أعهد إليك بإيصال رسالة ~~إلى ابن عمي الكونت لوسيان دي مازير. # فانتزع الشفالييه ورقة من دفتره ودفعها إلى الكونتس، فكتبت إلى ابن عمها كتابا مؤلما ~~فقطعت به معه كل علاقة واتصال، فأخذه الشفالييه وسار إلى لوسيان كما تقدم. # أما أورور فإنها سارت مع البارون عائدة إلى منزلها، فكانت ساكنة وعلائم الغضب بادية بين ~~عينيها، ولكنها مع ذلك تصغي إلى حديث البارون، فإنه كان يحدثها بحكاية ربيبة الدير تلك ~~القروية التي فتن بها لوسيان وآثرها عليها. # على أن البارون لم يكن يروي لها حكاية حنة الحقيقية، بل كان يقص عليها من أمرها ما كان ~~يتناقله الناس والإشاعات المختلفة فيها، حتى كان من جملة ما رواه عن هذه الفتاة أنها ابنة ms0222 ~~رئيس الدير الشرقي، ولدت سفاحا وعهد إلى الأب جيروم بتربيتها. # فكانت أورور تسمع أحاديثه دون أن تجيب، وكان البارون صابرا على جفائها. # ولكن الأمل كان ملء فؤاده، فكان يقول في نفسه إنه سيصحبها إلى منزلها وستدعوه إلى مناولة ~~العشاء معها دون شك، فيغتنم هذه الفرصة للفوز باسترضائها على مزاحمة الشفالييه. # على أن رجاءه قد خاب، فإنهما حين اجتازا الغابة ودنوا من المنزل، وصلا إلى عطفتين ~~إحداهما تؤدي إلى منزل الكونتس. # أوقفت جيادها ومدت يدها للبارون فصافحته وقالت له: إني أشكرك شكرا جزيلا يا سيدي ~~البارون، وها قد بلغت إلى منزلي فلا حاجة إلى إزعاجك بإيصالي إليه. # فاستاء البارون استياء شديدا وحاول أن يلح عليها بإيصالها إلى المنزل، غير أنها لم تدع ~~له وقتا للكلام فإنها ودعته وأطلقت لجوادها العنان. # وقد جرت شوطا بعيدا وهذا البارون واقف في مكانه وهو حائر مبهوت. # أما أورور فإن العواصف كانت هائجة في صدرها، وقد كبر عليها أنها لم تعد تستطيع أن تستعيد ~~بجمالها لوسيان، فباتت تعده من أسفل الرجال لا سيما بعد أن تحول عنها لافتتانه بفتاة قروية ~~لا نسب لها يعرف وقد ربيت في دكان حداد بين عصبة رهبان. # غير أن أورور على كبريائها كانت عادلة، فإنها رأت حنة على نور المصباح المضيء في دكان ~~داغوبير فاعترفت بأنها من أجمل الفتيات، وقد رسمت الغيرة وجهها في مخيلتها حتى كانت تراها ~~كلما فكرت بها كأنها أمامها، إلى أن وقف جوادها عند باب المنزل فأسرع الخدم إليها، وفتحت ~~عند ذلك نافذة وظهر منها رأس شيخ. # وكان هذا الشيخ والد أورور، فقال لها: كيف عدت يا أورور؟ ألا تتعشين في بوبيير؟ # فأجابته بجفاء: كلا. ~~- لماذا؟ # فلم تجبه بشيء، ولكنها ألقت عنان جوادها لأحد الخدم وصعدت إلى المنزل. # وكان أبوها مصابا بداء النقرس وقد اشتد عليه الداء في ذلك اليوم حتى ضيق أخلاقه. # فلما صعدت ابنته إليه استقبلها بجفاء وقال لها: أنت تعلمين أني أؤثر العزلة حين تشتد ~~علي أعراض هذا الداء، فلماذا عدت بعد عزمك على ms0223 العشاء في بوربيير؟ ~~- إني لم أعد يا أبي إلا لاشتداد هذه الأعراض عليك. # فابتسم أبوها ابتسام المشكك وقال: إنك ما عودتني يا أورور مثل هذا البر بي فقولي الحقيقة، ~~فلا بد أن يكون هناك سبب دعاك إلى الحضور قبل العشاء. ~~- لقد أصبت يا أبي. ~~- إذن أخبريني بما جرى. ~~- إني اختصمت مع لوسيان. ~~- إنه خصام غرام. # فاتقدت عينا الفتاة ببارق من الحقد، وجلست أمام أبيها فقالت له: لعلك متمسك يا أبي ~~بتزويجي من لوسيان؟ ~~- دون شك يا ابنتي، فلم يبق من أسرتنا إلا أنت وهو، ويجب أن نحصر ثروتنا بينكما. ~~- ولكن هذا محال يا أبي، فإني لا أريد الزواج بلوسيان. ~~- إنك ورثت يا ابنتي من أمك بعض تسرعها، فإني حين كنت خطيبها وهي من نساء الشرف في بلاط ~~بافاريا، كانت تقول مثل قولك إذا استاءت مني أقل إساءة. # أجابت: إني غير متسرعة كما تقول، فاعلم يا أبي أن لوسيان لن يكون زوجي، وإني أؤثر أن أكون ~~عروسة الموت على أن أكون عروسة له. # فأكبر أبوها الأمر وقال لها: أجد ما تقولين؟ ~~- كل الجد، فإني أكره لوسيان وأحتقره. ~~- ولكن ماذا حدث؟ وماذا بدر منه؟ ~~- إنه لا يحبني. ~~- أواثقة أنت مما تقولين؟ ~~- نعم، وقد وثقت بأنه يحب سواي. ~~- إذا كان ذلك فإنه ذنب لا يغتفر. ~~- هو أذنب هذا الذنب. ~~- إن هذا محال، فإني أعرف ما ينطوي عليه صدر لوسيان. ~~- ولكني لم أقل لك إلا الحقيقة. # فهز كتفيه وقال: إني أعرف جميع النبلاء في هذه الضواحي فلم أجد في قصورهم فتاة جديرة ~~بمزاحمتك فيه. # أجابت: إنه لم يعشق من في القصور، بل عشق فتاة قروية تقيم في دكان حداد. # وقد قالت هذا القول بصوت يتهدج من الغضب. # أما أبوها فإنه ضحك ضحكا عاليا وقال: أمن أجل هذا اختصمتما؟ # فتأثرت الفتاة لضحكه وقالت: يظهر أنك لم تصدقني يا أبي. # وكان أبوها من مشاهير أهل الدعارة في عهد صباه، فقال لها: بل إني واثق من صدقك فيما ~~تقولين، ولكن هذا يدل على أن لوسيان ابن أبيه؛ ms0224 أي ابن أخي. ~~- إني لم أفهم ما تريد. ~~- أريد أن لوسيان يحبك حبا مقدسا لا شك فيه، ولكنه أراد أن يتلهى بمغازلة تلك الفتاة ~~إلى أن يتم قريبها صنع نعل فرسه. # ثم قهقه ضاحكا وقال: لعل تلك الفتاة جميلة؟ # فاصفر وجه أورور من الغضب، وبلغت منها الحدة أنها مزقت قفازها بأسنانها. # أما أبوها فإنه لم يكترث لغضبها وقال لها: وماذا عليك من مغازلته لتلك القروية؟ فإنه في ~~مقتبل العمر ولا بد له من الاندفاع في تيار الشباب، حتى إذا تم عقد القران بينكما انصرف عن ~~هذه السفاسف ومنح تلك الفتاة هبة تعينها على الزواج. # فأنفت أورور من سماع هذه الكلمات البذيئة المعاني، السافلة المبدأ، وخرجت من غرفة أبيها ~~مغضبة، وظواهر الأنفة والاشمئزاز بادية بين عينيها، فدخلت إلى حجرتها وكتبت رسالة إلى والدة ~~لوسيان وأرسلتها مع أحد الخدم، ثم تعشت وحدها. # ولم تكن أورور تحترم أباها فزادها كلامه الأخير احتقارا له، وكانت تعلم أنه جرى شوطا ~~بعيدا أيام صباه في ميادين الدعارة والفساد. # وكانت قد سمعت مرة من امرأة عمها كلاما دعا إلى انقطاع الزيارات بينها وبين أبيها، فكانت ~~تقول في نفسها: لا بد أن يكون أبي قد ارتكب ذنوبا لا تزال تتمثل في ضميره إلى الآن. # ثم ذكرت ما بينها وبين أبيها من التباين في الأخلاق والمبادئ حتى أوشكت أن تنكر نفسها؛ إذ ~~لم يخطر لها أن أباها يكلم ابنته بمثل ما كلمها به. # وهنا تاهت في مهامه التفكير وعادت بتصورها إلى عهد الحداثة، فذكرت أن أباها كان يقيم في ~~البلاط الملوكي في ميونخ، وأنها رأت مرة رجلا دخل إليه، فكلمه بلهجة تشف عن الغضب ~~والاحتقار، وذكرت أن أباها كان يدعو هذا الرجل: «يا أبي»، ثم ذكرت أن هذا الرجل خرج من حجرة ~~أبيها وهو يقول: إني أشكرك، ولم يعد بيننا أدنى اتصال. # وكانت في ذلك العهد صغيرة تلعب في القاعة، فلم يفطن لها المتحدثان وقد تجسمت الآن الذكرى ~~في مخيلتها فقالت: لا بد أن يكون لأبي سر عظيم ولا ms0225 بد أن يبوح لي بهذا السر. # وعند ذلك خرجت من حجرتها وعادت إلى حجرة أبيها، فقال لها بلهجة المتهكم: أراك عدت إلي، ~~فهل سكن ثائر غضبك؟ # فأجابته ببرود قائلة: إني قد بلغت الرشاد وبات يحق لي الوقوف على أسرارنا ~~العائلية. ~~- أية أسرار يا ابنتي؟ وماذا تريدين أن تعرفي؟ ~~- أريد أن أعرف السبب الذي دعا إلى هذا التقاطع بينك وبين امرأة عمي، فإن كلا منكما ~~يحاذر أن يرى الآخر. # فاصفر عند ذلك وجه أبيها وجعل ينظر إليها نظرة الفاحص، فقاومت نظراته وقالت له بلهجة ~~السيادة: إني أريد أن أعلم. # 11 # وكانت تقول هذا القول وعلائم صدق العزيمة بادية بين عينيها، حتى إن أباها اصفر وجهه ~~واضطرب وقطب حاجبيه. # ولكن اضطرابه لم يطل، فإنه عاد إلى سكينته وابتسم ابتسام الساخر، وقال لها: أتعلمين يا ~~ابنتي، إنك تسألينني سؤالا يصعب الجواب عليه. ~~- مهما يكن من أمرك معها، فلا يخلق كتمانه عن ابنتك. ~~- وماذا تظنين أن يكون بيني وبينها؟ فإن غاية ما بيننا فتور دعت إليه أخلاقها الغريبة، ثم ~~إني أعلم أنها لا تحبني ولذلك ترينني منقطعا عن زيارتها. ~~- إني قد أكتفي بهذا السبب الذي ذكرته لو كنت لا أزال في عهد الحداثة، ولكنه لا يجوز ~~علي الآن وقد بلغت سن الرشاد. ~~- إذن ماذا تريدين أن أقول لك؟ ~~- الحقيقة. ~~- ليكن ما تريدين، فاعلمي إذن أن امرأة عمك لا تحبني ولا تحترمني. ~~- لماذا لا تحترمك؟ ~~- لأني كنت سيئ السلوك في عهد صباي. ~~- أهذا هو كل السبب؟ ~~- نعم. ~~- فهزت كتفيها وقالت: أرى يا أبي أني لم أفصح معك القول، فهل تريد أن أصرح؟ ~~- دون شك. ~~- إنك ربيتني يا أبي وغرست في نفسي فكرة الزواج بلوسيان، وكذلك الكونتس امرأة عمي فقد ~~عللت ابنها لوسيان بزواجي منذ الحداثة، ولكنك مع ذلك تحاول اجتناب الكونتس وهي تحاول ~~اجتنابك. ~~- هو ذاك، فماذا تستنتجين من ذلك؟ ~~- لم أستنتج شيئا من ذلك بعد، ثم إن ما بينكما لا يدل على الفتور فقط بل على الكره ~~الشديد فإنها قد تجاهر بكرهك، وأنت إذا ms0226 ذكر اسمها أمامك يصفر وجهك. ~~- إني لم أفهم قصدك بعد. ~~- أتريد أن تفهم كل ما يجول في خاطري؟ ~~- إني مصغ إليك. ~~- أرى يا أبي أنه يوجد بينك وبين الكونتس دي مازير سر هائل ... وربما كان بينكما أيضا ~~... # وهنا توقفت عن الكلام كأنها لم تجسر على إتمام الحديث، فقال لها أبوها: ماذا ترين بيننا ~~أيضا؟ ~~- عفوك يا أبي، فإني مدينة لك بالاحترام وأخشى أن أتجاوز حده إذا قلت هذه الكلمة التي ~~توقفت عن قولها، ولكنها تحرق شفتي. ~~- قوليها ولا بأس عليك. ~~- أخاف أن يكون بيننا ما هو فوق السر. ~~- لعلك تريدين القول إن بيننا جريمة؟ # فأطرقت أورور برأسها ولم تجب. # وساد السكون هنيهة بينهما، إلى أن عاد أبوها إلى الحديث فقال: إني لا أستطيع يا ابنتي أن ~~أقول لك شيئا، فقد يكون سرا أو فوق السر كما تقولين، غير أني لا أستطيع أن أبوح لك بشيء ~~إلا بعد زواجك. ~~- ولكني قلت لك إني لا أريد أن أتزوج لوسيان. ~~- ولكنك ستتزوجين سواه؛ إذ لا بد لك من الزواج، وعند ذلك أي حين تستبدلين اسم والدك باسم ~~ذلك الزوج نعود إلى تتمة هذا الحديث. # فألحت عليه وقالت: ما يمنعك أن تقول اليوم ما تريد أن تقوله غدا؟ ~~- إن ألمي شديد يا أورور، فلا تلحي علي أو حسبت إلحاحك عصيانا لإرادتي. # ثم قرع جرسا أمامه، فدخل خادم حجرته فقال له: أنر يا بنيامين طريق ابنتي وأوصلها إلى ~~حجرتها وعد إلي، فإن أعراض الداء شديدة علي الليلة. # وهكذا خرجت أورور من حجرة والدها مع ذلك الخادم الشيخ. # أما ذلك الخادم، فقد كان قديما في خدمة هذا البيت حتى إنه نشأ فيه وولدت أورور مدة ~~خدمته. # فلما رآها تضطرب ورأى عينيها تتقدان، أدرك شيئا من حقيقة ما جرى فأوصل الفتاة إلى حجرتها ~~وهو ينظر إليها نظرات حزن لم تخف عن الصبية، فدخلت وهي متأثرة من والدها ومن نظرات ذلك ~~الخادم تأثرا شديدا، وقالت في نفسها: إنه إذا كان هناك سر فلا شك أن بنيامين عارف بهذا ms0227 ~~السر. # وكان بنيامين هذا ألماني الأصل يدعى فرينز، فلما رجع إلى فرنسا مع والد أورور سماه سيده ~~بنيامين. # وكانت والدة أورور ألمانية أيضا، فاتصل بنيامين بخدمتها قبل أن تلد أورور، وقد ماتت الأم ~~وابنتها طفلة فلم تكد تذكرها. # ولكن جميع تذكارات الحداثة عادت إليها في هذه الليلة، فذكرت أن بنيامين كان يبكي بكاء ~~شديدا حين وفاة أمها، بل ذكرت أنها سمعت حديثا جرى بين الخادم وبين والدها، فذكرت أن ~~الخادم كان يقول له: كلا، لا أبرح هذا المنزل؛ لأنها قبل وفاتها أمرتني ألا أفارق ابنتها ~~لحظة. # وهو حديث غريب بين خادم ومخدوم. # بل ذكرت أيضا أن بنيامين كان يعبدها عبادة في زمن حداثتها، ثم أخذت ظواهر حنوه تتناقص ~~تدريجيا حتى بات كأنه لا يكترث بها، فكيف حدث هذا الانقلاب؟ # عزمت أورور في هذه الليلة أن تعلم كل ما أشكل عليها من هذه الحوادث، فلم تعد تفتكر ~~بلوسيان بل كانت أفكارها منصرفة إلى أمها. # وأقامت في غرفتها وصبرت إلى أن سمعت صوت إقفال حجرة والدها، فخرجت من غرفتها ولقيت ~~بنيامين خارجا من عند والدها، ووضعت يدها على كتفه وقالت له: اتبعني. # وسارت به إلى حجرتها وأقفلت الباب. # وقد لبث بنيامين واقفا في حضرتها تأدبا فقالت له: اجلس يا بنيامين، فإني سأحدثك وإن ~~حديثنا سيطول. # وامتثل الخادم وجلس قربها، فقالت له: إنك عرفت أمي يا بنيامين، أليس كذلك؟ # فقال لها الخادم الشيخ: نعم يا سيدتي. # وقد اضطرب وسالت دمعة على خده. # وقالت له أورور: لماذا لم تحدثني عنها؟ ولماذا انقلبت هذا الانقلاب وبت تنهج معي مناهج ~~الاحتراس والتحفظ بعدما عودتني الحب الأكيد في زمن الحداثة. # وأطرق الشيخ دون أن يجيب. # وسألت: وأخيرا عما حدث بين أبي وامرأة عمي، وما يدعوهما إلى الكره؟ # وارتعش الشيخ لقولها، وقال لها: لماذا تسألينني هذه الأسئلة يا سيدتي؟ # أجابته بلهجة أثرت عليه تأثيرا عظيما: ذلك لأني أريد أن أعرف كل شيء، ولماذا لم تذكر لي ~~أمي مرة في جميع مدة اتصالك بنا؟ أجب إني أريد أن أعرف ms0228 كل شيء. # واتقدت عيناه ببارق دل على تولد إرادة فجائية في نفسه وقال: اعلمي يا سيدتي أن أمك لم ~~يكن لها غير صديق واحد حين فارقت هذه الحياة، وهذا الصديق كان أنا. ~~- ألم تعهد إليك بالعناية بي؟ ~~- نعم. ~~- لعل أبي طردك بعد وفاتها من المنزل، أليس كذلك؟ # فدهش وقال: كيف عرفت هذا؟ ~~- إني سمعت الحديث حين كنت طفلة، ولا يزال عالقا في ذهني إلى اليوم. ~~- إذن اعلمي أن أمك عهدت إلي بمهمة، وإذا كنت ترين أني لم أقم بقضائها، وإذا رأيت مني ~~هذا التحفظ الشديد عقب ذلك الحب القديم، فذلك لأني لا أراك تنهجين مناهج أمك في شيء. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- إن أمك كانت من ملائكة الله يا سيدتي، وأنت أصبحت متكبرة عنيفة شديدة الوقع على ~~الفقراء، قليلة الاكتراث بمصائب البؤساء، وشتان بينك وبينها، فأنت وإياها على طرفي ~~نقيض. ~~- وإذا ثبت إلى رشادي، واقتلعت هذه الطباع من نفسي وتخلقت بأخلاق أمي؟ # فجثا الشيخ على ركبتيه واغرورقت عيناه بالدموع وقال: أرى أنك بدأت تشبهينها؛ لأن صوتك لا ~~يختلف عن صوتها. ~~- بل أريد أن يكون لي قلبها، وقد قلت لي إن أمي عهدت إليك بمهمة، فما هي هذه ~~المهمة؟ ~~- سوف ترين، فتفضلي بانتظاري يا سيدتي. # ثم تركها وخرج من الغرفة وغاب هنيهة، ورجع يحمل صندوقا صغيرا من خشب الأرز ووضعه أمام ~~الفتاة وقال لها: هذا ما أمرتني أمك أن أسلمك إياه وهي على فراش الموت حين تبلغين سن ~~الرشاد. # ثم دفع إليها مفتاح الصندوق، فأخذته وفتحت الصندوق بيد ترتجف ووجدت فيه مدالية ~~وأوراقا. # وقد استلفتت المدالية في البدء نظرها، فأخذتها ونظرت فيها فإذا هي رسم امرأة، ولكنها لم ~~تكد تتبين الرسم حتى صاحت قائلة: رباه! ماذا أرى؟ لعلي جننت؟ # ذلك أن هذا الرسم كان يشبه تلك الفتاة التي رأتها عند داغوبير شبها عجيبا حتى كأنه ~~رسمها، فالتفتت إلى بنيامين وقالت له: بربك قل لي، من هي صاحبة هذا الرسم؟ # فلم يجبها بنيامين بحرف وخرج من الغرفة تاركا الصندوق أمام أورور. # 12 # مر ms0229 بذلك ثلاثة أيام، كانت أيام رموز وأسرار إذا صدقت تلك الحوادث التي جرت في قصر ~~بوربيير، وهو القصر الذي يقيم فيه لوسيان وأمه الكونتس دي مازير. # إن والدة لوسيان لم تكترث بخصام ابنها وخطيبته، وكانت تعتقد أنه سيذهب في الصباح إليها ~~ليصالحها. # غير أن لوسيان لم يفعل شيئا من هذا، فإنه ركب في الصباح جواده يصحبه الشفالييه وقد لبس ~~كلاهما ملابس الصيد. # وكانت أمه تراقبهما من وراء زجاج النافذة، حتى ابتعدوا وهي تحسب أن ابنها ذهب توا إلى ~~خطيبته ليسترضيها، ويذهب بها إلى الصيد. # غير أن رجاءها قد خاب؛ لأن لوسيان رجع في المساء وحده لأن صديقه الشفالييه رجع إلى ~~منزله. # فدخل لوسيان إلى حجرته لتغيير ملابسه، واغتنمت أمه هذه الفرصة وعلمت من دليل الصيد أن ~~ابنها لم يذهب إلى منزل أورور خطيبته وأنها لم تحضر حفلة الصيد. # ورجعت إلى غرفتها ودعت ابنها إليها وقالت له: لا يزال لدينا ساعة قبل أوان العشاء فلنتحدث ~~في خلالها. # ونظر لوسيان إلى أمه، ورأى أن هيئتها تدل على الجد والخطورة. # وكانت والدة لوسيان بين العمرين، ولكنها أقرب إلى عهد الشباب منها إلى عهد الكهولة كما ~~تدل ظواهر جمالها، في حين أنها بلغت الخامسة والأربعين. # وكانت ممشوقة القوام، شقراء الشعر، سوداء العينين، إذا ابتسمت دل ابتسامها على الترفع ~~واحتقار ما يبدو لأنظارها، ومعظم هيئتها تدل على العظمة والجلال. # وكانت مثل الكونت دي مازير والد أورور كثيرة السويداء، إذا تاهت في مهامه التفكير ظهر ~~أنها متعبة البال وأن في حياتها سرا من الأسرار التي يؤلم تذكارها. # غير أن لوسيان لم يكن مثل أورور، فإنه لم يكترث لظواهر أمه ولم يكن يحاول أن يكتشف ~~أسرارها، ولم يخطر له أن يبحث عن ماضيها في حال من الأحوال. # فلما نادته أمه وجلس قربها يسمع ما تريد، قالت له: لقد بلغت الآن سن الرشاد يا بني، وقد ~~آن لي أن أكلمك كما أكلم الراشدين. # فذعر لوسيان لملامح جدها، وقال لها: ماذا عسى أن تقولي لي يا أماه؟ ~~- إني أريد ms0230 أن أحدثك بشأن مستقبلك، فإنك اختصمت منذ يومين مع ابنة عمك الكونتس أورور، في ~~حين أنك تعلم علم اليقين أنها ستغدو امرأتك. # فأطرق لوسيان دون أن يجيب . # فقالت له: إن أورور تهواك يا لوسيان. ~~- كلا. ~~- كيف ذلك؟ لعلها كتبت لك أنها تكرهك؟ ~~- كلا. ~~- إذن على أي شيء تعتمد في ثقتك أنها لا تهواك؟ ~~- على هذه الرسالة. # ثم أعطاها الرسالة التي كتبتها أورور وأرسلتها إليه مع الشفالييه يوم حادثة الصيد، ~~فأخذتها أمه وقرأت ما يأتي: # يا ابن عمي # أنت بت عالما مثلي دون ريب أنه لم يبق فائدة من هذه المواربة التي قد تنتهي ~~بيننا إلى ما لا تحمد عقباه، فارجع عن خطبتي لأني لا أستطيع أن أهواك، ولنعش قريبين ~~لا خطيبين، فإن زواجنا محال. # ابنة عمك # أورور # فلما أتمت تلاوته قالت له: إن هذا الكتاب يدل على محاولتها نكايتك. ~~- ربما، ولكنه يتضمن أمرا آخر لا ريب فيه. ~~- ما هو؟ ~~- هو أنها لا تحبني. ~~- أنت مخطئ يا بني، فإن النساء لا يؤخذن بأقوالهن. ~~- إذا كنت مخطئا في عرفان قلبها، فلست مخطئا في عرفان قلبي. ~~- كيف هذا؟ ~~- إني لا أحبها. # فاضطربت أمه ونظرت إليه نظرة تشف عن الانذهال العظيم، ثم قالت له: ما معنى هذه الأقوال يا ~~لوسيان؟ ~~- إنها الحقيقة. ~~- ما هذا يا بني؟ هل جننت؟ ~~- إني لا أحب أورور ولا أكرهها، ولكني لا أريد أن أتزوجها. ~~- لماذا؟ # فاحمر وجه لوسيان ولم يجب. # وكأنما هذا السكوت قد أثر على أمه، واستشفت منه دلائل العزم الأكيد، فقالت له: أرى أنه لا ~~بد لي أن أذكر لك أمورا كنت أؤثر الإغضاء عنها. # ونظر إليها لوسيان منذهلا وقال: ماذا تعنين يا أماه؟ وما هذه الأمور؟ ~~- أنت تعجب دون ريب حين تراني مصرة على تزويجك بأورور، في حين أنت تراني أكره أباها أشد ~~كره. ~~- هي الحقيقة، فقد خطر لي مرارا ذاك الخاطر دون أن أستطيع تأويله. ~~- لقد آن أوان الإباحة بكل شيء. ~~- تكلمي يا أماه إني مصغ إليك. ~~- لقد كان لأبيك يا بني شقيقان، أحدهما والد ms0231 أورور والآخر كبير بيت دي مازير. # وكانت أسرة مازير فقيرة ولكنها عريقة بالنسب، فتزوج عمك الأكبر أميرة ألمانية فنال منها ~~ثروة عظيمة. # فمنذ سبعة أعوام؛ أي بعد وفاة والدك بزمن طويل، احترق قصر عمك فالتهمته النار مع امرأته ~~وولده، وهو هذا القصر الذي نقيم فيه الآن، وقد اتصل إلينا بالإرث وأعدنا بناءه. ~~- لعلنا ورثنا أمواله؟ ~~- نعم، ولا. ~~- إني لا أفهم ما تقولين. ~~- إن رجال الشرع حين جردوا ثروة عمك صاحب هذا القصر الذي ورثناه منه، قالوا إن ثلاثة ~~أرباع هذه الثروة مفقود، وإن المال المفقود كله أوراق مالية موضوعة في صندوق صغير من ~~الحديد، غير أن هذا الصندوق لم نجده فلم نرث غير الأرض، فاقتسمناها مع عمك والد ~~أورور. ~~- ألم تعلموا من أخذ الصندوق؟ ~~- كلا، ولكن أصغ لي، فإن لعمك المتوفى قصرا في باريس في شارع باي، كان الصندوق فيه، فلما ~~كان عمك المتوفى هنا دخل لص إلى القصر في باريس ومعه شريكان، فأوثقوا حارس القصر وكمموا فمه ~~غير أن الحارس عرف اللص بالرغم من تنكره. ~~- لعله تمكن من سرقة الصندوق؟ ~~- هذا ما نظنه. ~~- ولكن أية علاقة يا أماه بين هذه السرقة وبين كرهك عمي والد أورور؟ ~~- إن ذلك اللص الذي عرفه حارس القصر كان عمك والد أورور. # وقف لوسيان منذعرا وقال: رباه! ماذا أسمع؟ أيمكن هذا أن يكون؟ ~~- لقد كان، فإننا لو افترضنا أن الحارس قد خدع به فكيف اختفى الصندوق؟ # فسكت لوسيان هنيهة ثم قال: أرأيت يا أماه كيف أني لا أستطيع الاقتران بأورور؟ ~~- لماذا؟ ~~- كيف تسألينني وأنت تقولين إن أباها سرق المال؟ فهل تريدين أن أتزوج ابنة لص؟ ~~- إني أريد أن تتزوجها كي يعود هذا المال إليك بعد وفاة أبيها، وليس ذاك اليوم ببعيد، فإن ~~مرضه شديد. # فقاطعها لوسيان وقد بدت عليه علائم الكراهة والاشمئزاز وقال: يشهد الله يا أماه أعبدك ~~وأحترمك ولا أحب حبا يعادل حبي لك في هذا الوجود، ورجائي أن ما أردت قوله الآن غير ~~تجربتي. # ثم حيا أمه وحاول الانصراف، فأدركت أمه أنها ms0232 تسرعت في إخباره مثل هذه الأمور مرة واحدة ~~وقالت له: إذا كان الأمر كذلك، فلندع أمر هذا الزواج في الوقت الحاضر. ~~- بل وفي كل حين، وأرجو ألا تحدثيني به فإنه محال. وبعدها فتح الباب ودخل الخادم وقال: ~~إن العشاء يا سيدتي قد تهيأ. # فدخل لوسيان مع أمه إلى قاعة الطعام فتعشيا ثم افترقا. # ودخلت أمه إلى غرفتها فجعلت تقول في نفسها: إني قد أخطأت خطأ عظيما بعدم مراقبة لوسيان، ~~فإن قراءة كتب الفلاسفة قد جعلته يحتقر المال ويميل إلى مبادئهم، وقد أخطأت أيضا بما رويته ~~له عن عمه، ولكني أرجو أن يصلح اجتماعه بأورور ما أفسدته بتسرعي. # وفيما هي تناجي نفسها دخلت عليها تنوان وهي وصيفتها، فقالت لها الكونتس: أرأيت لوسيان يا ~~تنوان؟ ~~- نعم، إنه يتنزه في الحديقة ولكن ملامح الغضب بادية بين عينيه، ولا شك بحت له ببعض ~~الأسرار. ~~- نعم، فلقد أخبرته بشأن عمه. ~~- أخطأت يا سيدتي خطأ لا يغتفر، لا سيما وأنت تتهمين والد أورور نفس التهمة التي يتهمك ~~بها. ~~- لم أفهم ما تقولين؟ ~~- إن الكونت إذا كان يريد تزويج ابنته أورور بلوسيان فلاعتقاده أنك أنت سارقة ~~الصندوق. # فذهلت الكونتس وجعلت تنظر إلى الوصيفة نظر الفاحص دون أن تتكلم. # 13 # إن هذه الوصيفة كانت تبلغ عمر سيدتها الكونتس، وهي ليست على شيء من الجمال، ولكن في ~~عينيها سر عجيب ولنظراتها تأثير غريب. # وكانت من إحدى قبائل النور، قدمت إلى باريس في صباها تلتمس الرزق، فاقتبست في تلك العاصمة ~~من الدهاء والحيلة ما جعلها في طليعة الماكرات من بنات حواء. # وبعد أن ارتكبت جميع أنواع الموبقات، سنحت لها فرصة فاتصلت لدهائها بوالدة لوسيان وكانت ~~لها وصيفة دون أن تعرف حقيقة ماضيها، فلم يمض بها ردح من الزمن حتى باتت سيدة القصر المطلقة ~~لها الكلمة النافذة والقول الفاضل فيه، حتى إن لوسيان نفسه كان يخشاها والكونتس لا تخرج في ~~شيء عن رأيها. # ولم يكن دخولها في خدمة الكونتس إلا لمآرب لها، فقد وقفت لمكرها على أسرار الكونتس، وكانت ~~تعرف مصطلحات ms0233 فن التنجيم فكانت تتذرع بها إلى بلوغ غاياتها. # فلما دخلت إلى الكونتس وقالت لها: إن الكونت يعتقد أيضا أنك أنت سارقة الصندوق. # ساد السكون هنيهة بينهما، ثم قالت لها الكونتس: لقد تقدم لك أنك ألمت لي مثل هذا القول، ~~فكيف تبرهنين عليه؟ # فقالت لها النورية: على ماذا تريدين البرهان؟ أعلى اعتقاد الكونت أنك السارقة؟ # قالت: نعم. # فجلست تنوان النورية قربها وقالت لها: إذن فاعلمي أن والد أورور نفسه قال لي هذا ~~القول. ~~- متى؟ وكيف كان ذلك؟ ~~- إني ذهبت برسالة إلى مدموازيل أورور فلم تكن ساعتئذ في القصر لانشغالها بالصيد، فلقيني ~~أبوها واستقبلني استقبالا حافلا وأجلسني بجانبه، ثم جعل يسألني الأسئلة العديدة، فكان مما ~~قاله لي: أتعلمين يا تنوان أن سيدتك تعيش عيش اقتصاد لا ينطبق على ثروتها الطائلة؟ # فقلت له: ولكن ثروة سيدتي لا تزيد عن ثروتك، فقد اتصلت إليكما من مصدر واحد واقتسمتماها ~~على السواء. # فهز كتفيه وقال: والصندوق؟ ولكن لا بأس فابنتي ستجده إذا أنكرت الكونتس وجوده. # فقاطعتها الكونتس وقالت: أهو قال هذا القول؟ ~~- نعم. ~~- أكانت لهجته صادقة؟ ~~- إني تبينت صدقه في اعتقاده من لهجته ومن عينيه. ~~- إذا كان كذلك، فلا أبالي بعد الآن بما حدث من المقاطعة بين لوسيان وأورور، فإنه يجد ~~كثيرا من الفتيات الغنيات يتزاحمن عليه. ~~- وفوق ذلك يا سيدتي، فإن أخلاق أورور مناقضة لأخلاق لوسيان أتم التناقض فلا يجدان في ~~زواجهما ساعة هناء. # غير أن الكونتس لم تكن تفتكر بولدها أورور، بل كانت منصرفة باهتمامها إلى الصندوق، فقالت ~~للنورية: إذا كان والد أورور لم يسرق هذا الصندوق، فمن سرقه؟ وأين هو؟ # فاتقدت عينا نورية لهذا السؤال الصريح وقالت: إني واثقة يا سيدتي من أنك تصغين لي إلى ~~النهاية. # قالت: تكلمي. ~~- إخالني واثقة من معرفة السارق. ~~- من هو؟ ~~- هو الكونت دي مازير نفسه، بكر هذه العائلة وتارك الإرث. ~~- ما هذا الجنون يا تنوان؟ إن الكونت قد التهمته النار مع امرأته وابنته. # فابتسمت النورية وقالت: أأنت واثقة يا سيدتي أن الابنة قد احترقت أيضا في القصر؟ ms0234 # فارتعشت الكونتس وقالت: إذا لم تكن قد احترقت فأين هي؟ وماذا جرى لها؟ ~~- إنهم وجدوا جثتي الكونت والكونتس ولكنهم لم يجدوا جثة الفتاة. ~~- من أنقذها؟ ~~- لا أعلم الآن . ~~- أتظنين أن لاحتجاب الفتاة علاقة بالصندوق؟ ~~- دون شك، فإن ما يحتويه هذا الصندوق من المال الجزيل إنما جعل مهرا لهذه الفتاة. # فاضطربت الكونتس وقالت: أحق ما تقولين؟ ~~- هذا ما بدا لي، وفوق ذلك فإن صناعة التنجيم لا تدع خفيا إلا أظهرته. ~~- أتظنين أن الكونت قد أحرق نفسه بالنار؟ # بل أعتقد اعتقادا راسخا. ~~- إذن من أنقذ الفتاة؟ ولكنها لم تكد تقول حتى احمر وجهها ومرت في خاطرها ذكرى بعيدة ~~فقالت: هو هو دون شك. # وقد عرفت النورية هذا الرجل الذي عنته الكونتس دون أن تلفظ اسمه، فقالت لها: لعلك تعنين ~~يا سيدتي راوول دي مورليير؟ ~~- نعم. ~~- ألم يقولوا لك يا سيدتي إنه قتل في البلاد الأميركية؟ ~~- هو ذاك. ~~- إنك صدقت أقوالهم يا سيدتي، أما أنا فلم أصدقها. ~~- فاضطربت الكونتس وقالت لها: لا تذكري أمامي اسم هذا الرجل، فإنه مجلبة للشر وشؤم ~~علي. # فضحكت النورية وقالت: لا يجلب الشر يا سيدتي غير الخوف وتقريع الضمير، وإذا كنا قد قتلنا ~~الأم فقد يتفق أن الذي كان يزال يذكرها أنقذ ابنتها. # ولم يكن موقف المرأتين في تلك الساعة موقف خادمة ومخدومة، بل موقف آثمتين اشتركتا في ~~جريمة هائلة، فكانت الكونتس ترتعش وتضطرب والنورية تنظر إليها وتبتسم، ثم رجعت الكونتس إلى ~~سكينتها فقالت: أظن يا تنوان أن خوفنا لا محل له، فإن راوول قد مات، وفوق ذلك فإنه لم يكن ~~في هذه البلاد حين شبت النار في القصر. # قالت: إنك مخطئة يا سيدتي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أتذكرين يا سيدتي جاك؟ ذلك الجزار الشيخ الذي كان يقول إن الكونت قد وضع النار بيده في ~~القصر. ~~- نعم، وهو قد مات. ~~- ولكنه أخبرني قبل موته أنه رأى فارسا في ليلة الحريق جاء إلى دكانه فربط جواده في إحدى ~~أشجار الغابة وتعشى عند الجزار، فلما اربد الظلام برح دكان الجزار بعد أن ms0235 سأل عن الطريق ~~المؤدية إلى قصر بوبيير. ~~- على ماذا يدل ذلك؟ ~~- في اليوم الثاني رأى الجزار هذا الفارس يخترق الغابة وأمامه فوق جواده ولد صغير. # فاضطربت الكونتس اضطرابا شديدا وقالت: رباه! لعل يوم عقاب الله قد دنا؟ # فأجابتها تلك النورية الهائلة: إني لا أثق بالله، ومن عرف أن يخفي جريمته ويتقي العقاب لا ~~يعاقب. # فارتعدت الكونتس وقالت: اذهبي عني، فما أنت إلا شيطان رجيم، وإني بت أخافك. # غير أن النورية بقيت في مكانها وقالت: أرى أنه يجدر بسيدتي أن تسمع بقية حديثي وتعلم كل ~~ما أعلمه بدلا من أن تخافني. ~~- تكلمي. ~~- إنك أخطأت بما أخبرت به ابنك عن عمه الكونت دي مازيير والد أورور. ~~- إن لوسيان لم يعد راغبا في زواج أورور، فلا بأس بما قلته. ~~- إنك مخطئة يا سيدتي، فليس والد أورور الذي حال دون هذا الزواج، وهو لو كان من الأبرار ~~الصالحين لما رضي لوسيان بهذا الزواج. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الصياد يستطيع أن يطارد أرنبين، ولكن الرجل لا يستطيع أن يهوى امرأتين، فإن ابنك يا ~~سيدتي بات من العشاق. # فدهشت الكونتس وذكرت أن ابنها قد تغيرت أخلاقه منذ شهرين، فبات منقبضا مفكرا مهموما ~~بعد زهو، ثم قالت لها: بمن هو مفتون؟ ~~- إني لا أستطيع أن أذكر لك اسم التي يهواها؛ فإني لا أبرح القصر كما تعلمين ولا أعلم ما ~~أسمعه، غير أني أقول لك إن لوسيان يعود إلى القصر متأخرا ساعتين وثلاثا عن رجال ~~الصيد. ~~- ماذا تستنتجين من ذلك؟ ~~- أستنتج أولا أن لابنك عشيقة يزورها بعد الانتهاء من الصيد، ثم أرى أن الشفالييه يعلم ~~من أمره أكثر مما أعلم. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- سمعت هذا الشفالييه يقول لابنك وهما خارجان إلى الصيد: اعتمد علي يا لوسيان تجد أن ~~الأمور تجري على ما تريد، ولا أظنه يسأله الاعتماد عليه إلا في هذا الغرام. # فقالت لها الكونتس: اذهبي عني الآن يا تنوان، واحذري أن تروي كلمة من حديثنا لأحد. ~~فابتسمت النورية وانصرفت دون أن تجيب. # وفي اليوم التالي لم يذهب لوسيان إلى ms0236 الصيد فاجتمعت به أمه وقالت له: إذا كنت غير راغب في ~~الزواج يا بني بابنة عمك، فليكن ما تشاء وثق أني لا أحدثك عنها بعد الآن. # فعانقها لوسيان فرحا مسرورا وقال لها: لا شك عندي أنك خير الأمهات. # وعند ذلك دخل الشفالييه، فخفق قلب الكونتس وقالت في نفسها: لا بد لهذا الشفالييه أن يبوح ~~بكل شيء. # 14 # كان هذا الشفالييه عائدا من قصر بوربيير، فلما دخل على لوسيان وأمه نظر إلى لوسيان نظرة ~~معنوية باغتتها الكونتس، فقالت في نفسها: لا شك أن بينهما سرا لا بد لي من الوقوف ~~عليه. # وجلسوا جميعهم حول مائدة العشاء، فكان لوسيان باش الوجه منبسط النفس لما رآه من موافقة ~~أمه على عدم زواجه بابنة عمه، فلما فرغوا من العشاء دعت الكونتس الشفالييه إلى ملاعبتها ~~بالشطرنج. # وكانت تقصد بذلك الاختلاء معه، فإنها كانت تعلم أن ابنها يكره الشطرنج كرها شديدا بحيث ~~لا يجلس في مجالس لاعبيه. # وقد اتفق لها ما أرادت، فإنه بعد أن أحضر الخادم لهما الشطرنج أقام لوسيان معهما هنيهة ~~ونزل إلى الحديقة. # وعند ذلك خلت الكونتس بالشفالييه فقالت له: إنك صديق ولدي الحميم، أليس كذلك يا ~~شفالييه؟ ~~- أتشكين بذلك يا سيدتي؟ ~~- ليس لي أقل ريب، ولهذا أردت أن أكلمك بشأنه على انفراد، فإن ولدي يخبرك بسرائه وضرائه، ~~وأنت واقف على جميع أسرار قلقه دون شك. ~~- هو ذاك يا سيدتي، فإني أعلم أن العلائق فاترة بينه وبين ابنة عمه. ~~- إنهما مختصمان. ~~- ولكنه خصام لا خطورة فيه. ~~- وفوق ذلك فقد علمت أنه يعشق سواها، وأريد أن أعرف منك تلك التي يعشقها. # فنظر إليها الشفالييه متكلفا الانذهال دون أن يجيب، فقالت له: إني لست من الأمهات ~~الظالمات، فإذا كان لوسيان يأبى الزواج بابنة عمه فلا أعترضه فيما يريد وليتزوج من يشاء، ~~غير أني أريد أن أعرف تلك التي يهواها. # فسر الشفالييه لما رآه من عدم إصرار الكونتس على زواج ابنها بابنة عمه؛ فإن ذلك يمهد ~~له سبيل الزواج بها، وقال للكونتس بعد أن تظاهر بالتردد: ms0237 إنك تسألينني يا سيدتي أن أبوح لك ~~بسر قد تكون الإباحة به خيانة. ~~- إني لم أفهم ما تقول. ~~- افترضي يا سيدتي أنني بدلا من أن أحدث أما ذكية الفؤاد مثلك أكلم أما ملأ قلبها ~~الحنو. # فقاطعته وقالت له بخيلاء: لقد كنت من نساء البلاط يا سيدي الشفالييه. # فانحنى الشفالييه وقال: لولا يقيني يا سيدتي من ذكائك لكنت آثرت الكتمان على خيانة ~~لوسيان؛ ولذلك أعترف لك بما أعلمه من أمره وأبدأ بالقول إنه حقيقة عاشق مفتون، ولكني أرجو ~~ألا يكون من وراء ذلك ضرر. ~~- ولكن من هي التي يهواها؟ ~~- هي فتاة في منزل حداد يلقبونها بربيبة الدير. # فضحكت الكونتس ضحكا عاليا وقالت: من هو هذا الحداد؟ ~~- إنه يدعى داغوبير. ~~- والفتاة؟ ~~- إنها تدعى حنة، وهي في السادسة عشرة من عمرها، ولها أدب جم وجمال عظيم. ~~- أشكرك يا سيدي الشفالييه، فقد طمأنتني بعد أن كنت شديدة الاضطراب. ~~- هذا ما أوده يا سيدتي غير أن هذه الفتاة قد سلبت عقل لوسيان. # فضحكت الكونتس وقالت: إن هذا الغرام يكلفه بعض المال، وهذا كل ما فيه من الخطر، فقص علي ~~حوادثه فإني أجد بها تسلية عظيمة، ولنبدأ بالحداد فقل لي أين يقيم هذا الرجل؟ ~~- عند باب الدير. ~~- لقد عرفته، فهل هذه الفتاة بنته؟ ~~- كلا، بل هي قريبته. ~~- وكيف لقبت بربيبة الدير؟ ~~- أظن أنها لقبت بهذا اللقب لأن الرهبان يتولون حمايتها. # فضحكت وقالت: إذن لا يروق في عيونهم هذا الغرام. ~~- لا تضحكي يا سيدتي، فإن الأمر أشد خطورة مما تظنين، لا سيما وأن نسب هذه الفتاة مجهول ~~لا يعلمه أحد. ~~- ألم تقل إنها قريبة داغوبير؟ ~~- نعم، وإنما رويت إشاعة من الإشاعات المتناقلة عنها، ومن هذه الإشاعات أن داغوبير كان ~~يريد الزواج منذ ستة أو سبعة أعوام ويبحث مع مريديه عن عروسة له، ولكنه رجع فجأة عن هذا ~~القصد لانتقال هذه الفتاة إلى منزله دون أن يعلم أحد كيف أتت حق العلم، ولكن الشائع أنها ~~بنت الأب جيروم. ~~- من هو الأب جيروم هذا؟ ~~- هو رئيس الدير، وحياة هذا ms0238 الراهب مكتنفة بالأسرار، وقد كثرت الإشاعات فيه. ~~- تقول إن الفتاة جيء بها إلى داغوبير؟ ~~- نعم. ~~- أهي التي ولع بها ابني؟ ~~- إن ولوعه بها شديد يا سيدتي، حتى إنه يريد أن يتزوجها. # فضحكت الكونتس ضحكا عاليا استاء له الشفالييه، فحادثها عن سبيل الانتقام بجميع ما جرى ~~لابنها مع داغوبير وأنه طلب مقابلة رئيس الدير فأبى أن يقابله. # غير أن الكونتس لم يسؤها شيء مما جرى لولدها، وقالت للشفالييه: إذن هذه الفتاة ~~حسناء؟ ~~- إنها خلقت كما اشتهت. ~~- ولا يعلمون أصلها؟ ~~- إن في أصلها ثلاثة أقوال؛ الأول: إنها قريبة داغوبير، والثاني: إنها بنت الأب جيروم ~~ولدت سفاحا في أيام غروره قبل أن يأتي إلى الدير، والثالث: قول آخر تفرد بروايته جزار ~~القرية. # فارتعشت الكونتس وقالت: ماذا يقول هذا الجزار؟ ~~- يقول إن فارسا جاء في صباح يوم إلى داغوبير، فأودع عنده تلك الفتاة التي يهواها ابنك ~~لوسيان. ~~- وماذا جرى للفارس؟ ~~- إنه سافر ولم يعد يعلم أحد ما جرى له بعد ذلك. # فأطرقت الكونتس مفكرة ثم قالت: كل ما قلته لي مفكه ما خلا مسألة الزواج، فإن لوسيان ~~لا فرق عنده بين العامة والنبلاء. ~~- ولكننا بالقرب منه، نراقبه فنقيه هذا الخطر. ~~- كيف نقيه؟ ~~- بإبعاد داغوبير عند الاقتضاء وبمغافلة الأب جيروم واختطاف الفتاة. ~~- إن ذلك سهل بالقول لا بالعمل، وفوق ذلك فإنك على طول عشرتك لولدي لم تختبره حق ~~الاختبار، فإنك إذا اختطفتها تزوجها. # فابتسم الشفالييه وقال: إذا لم أكن قد أحسنت اختباره يا سيدتي فقد أحسنت صداقته، فلا يعقد ~~هذا الزواج وأنا ساهر عليه. # قالت: بورك فيك يا شفالييه، وأنا سأكون لك عونا في انتزاع هذه الوساوس من صدره فينجو من ~~هذا الخطر المحدق به بإذن الله. ~~- وعسى أن يحقق الله رجاءنا ويرجع لوسيان إلى هداه. ~~- إني واثقة من صداقتك وأنك ستلزمه لزوم الظل، والآن فإنك ذكرت لي أن حياة الأب جيروم ~~تكتنفها الأسرار، فهل لك أن تذكر لي ما تعلمه من الإشاعات عنه؟ ~~- حبا وكرامة يا سيدتي. # فاتكأت الكونتس على كرسيها وجعلت تسمع بملء ms0239 الإصغاء حكاية الأب جيروم. # 15 # وقد قص لها جميع ما عرفه القراء من الإشاعات عن الأب جيروم، وزاد على ذلك هذه الحكاية وهي ~~أن الأب جيروم قبل دخوله إلى الدير قدم مع خادم له، فأقام في فندق يومه، وفي المساء ذهب إلى ~~الدير، فعاد الخادم إلى ذلك الفندق وحده في اليوم التالي وهو يبكي بكاء شديدا، فلم يعلم ~~أحد منه شيئا عن مولاه سوى أنه لم يدخل إلى الدير إلا لنكبة غرام. # فقاطعته الكونتس وقالت: ألم تعرف اسمه الحقيقي؟ ~~- لم يعرف منه سوى أن صاحبة الفندق روت أنها سمعت خادمه يناديه بعض الأحيان باسم ~~أموري. # فدهشت الكونتس دهشا عظيما وقالت: أموري؟ ~~- نعم يا سيدتي، لعلك تعرفين هذا الاسم؟ # فثابت الكونتس من دهشتها وابتسمت قائلة: إن بيت أموري بيت قديم، وأذكر أني عرفت رجلا من ~~هذه الأسرة كان حارسا في بلاط الملك السابق. ~~- ألا يمكن أن يكون الأب جيروم؟ ~~- كلا، فإن ذلك الحارس لم يكن على شيء من مبادئ الزهد والنسك، وقد سررتني أيها الشفالييه ~~بما رويته لي من هذه الأقاصيص لا سيما في ما تعلق بغرام ولدي لوسيان، ولكني أعترف لك أنك لو ~~لم تعهد لي بمراقبة لوسيان لكان خوفي عليه عظيما، فإنه كثير الإقدام لا يحفل بالتقاليد ولا ~~يكترث بالأنساب، فهو في ذلك على مذهب فلاسفة اليوم. ~~- كوني مطمئنة يا سيدتي فلا خوف عليه من مغبة هذا العار وأنا ساهر عليه. ~~- أتتعهد لي بمراقبته الليل والنهار؟ ~~- بل أقسم لك. ~~- وإني أريد منك عهدا آخر وهو ألا تخبر لوسيان بما جرى بيني وبينك، وأرى أنه يجب أن ~~توافيه إلى البستان أو الحديقة؛ إذ لا بد أنه يتنزه الآن فيهما ويناجي نفسه بأماني الغرام، ~~فلا تولد في نفسه الشك. ~~- لقد أصبت يا سيدتي وها أنا ذاهب إليه. # ثم قبل يدها وانصرف للاجتماع بلوسيان، فلم يخرج من الغرفة حتى نادت الكونتس وصيفتها ~~النورية فقالت لها: أظن أنك غير مخطئة يا تنوان. ~~- بماذا؟ ~~- باعتقادك أن ابنة الكونت دي مازير لم تمت. ~~- إني واثقة ms0240 كل الوثوق. ~~- ولكن أتعلمين أين هي؟ ~~- كلا. ~~- إذن فاعلمي أنها تقيم على مسافة مرحلتين من هنا في محل رجل حداد عند باب الدير، وهي ~~الفتاة نفسها التي يعشقها لوسيان، ثم أتعلمين من هو رئيس الدير؟ ~~- هو الأب جيروم. ~~- هو ذاك، ولكنه كان يدعى قبل الدخول إلى الدير أموري. ~~- إني لا أعرف هذا الرجل. ~~- لقد نسيت أن أخبرك بهذه الحوادث القديمة، ولكن إذا كان هو نفس أموري الذي عرفته من قبل ~~فهو صديق راوول الحميم، وقد أحبها. ~~- أحب من؟ ~~- أحبها هي. # فقطبت النورية حاجبيها، ورجعت الكونتس إلى الحديث فقالت: ولكن إذا كانت ربيبة الدير ابنة ~~الكونت دي مازير كما تبين لي، فلا شك أن الأب جيروم هو نفس أموري الذي عرفته. ~~- وماذا تستنتجين من ذلك؟ ~~- أستنتج أن صندوق الأوراق المالية موجود لدى الأب جيروم. ~~- هذا لا ريب فيه. # فاتقدت عين الكونتس وأجابت: لا بد لي من الاستيلاء على هذا المال. # فابتسمت النورية ابتسام الأبالسة وسألت: من أخبرك يا سيدتي بجميع هذه الأمور؟ ~~- الشفالييه دي فولون. ~~- أيعلم أن ابنة الكونت لم تمت؟ ~~- إنه لا يعلم شيئا من هذه الأسرار ما خلا أن داغوبير الحداد عهد إليه منذ ستة أعوام ~~بتربية هذه الفتاة التي يعشقها ولدي لوسيان. # فأطرقت النورية هنيهة مفكرة، ثم قالت: ألا يمكن لسيدتي أن تستغني عن خدمتي يومين؟ ~~- ماذا تفعلين في خلالهما؟ ~~- أعلم إذا كانت الفتاة هي حقيقة ابنة الكونت دي مازير. ~~- أتذهبين إلى الدير؟ ~~- بل إلى دكان الحداد. ~~- بأية حجة؟ ~~- إن الحجج كثيرة. ~~- ولكن بماذا تستعينين على كشف هذه الخبآت؟ ~~- بتضلعي في فن التنجيم. ~~- ولكنها فنون خرافة، إذا صدقت الظواهر فيها مرة كذبت ألفا. # فابتسمت النورية وقالت: أكذبت فيك مرة يا سيدتي؟ ~~- هو ذاك، وقد يكون صدق ما تنبأت لي عنه من قبيل الاتفاق، وما كنت أحسبك ممن يعتقدون بهذه ~~الترهات. ~~- كيف لا أعتقد بها وقد تركت بما دلتني عليه ولدي. # فدهشت الكونتس وقالت: أنت لك ولد وأنا لا أعلم؟ ~~- نعم، وإنما كتمت عنك أمره؛ إذ لم أجد مجالا ms0241 لرواية خبره، لا سيما وأني عولت على ~~الابتعاد عنه دهرا طويلا. ~~- لقد أدهشتني بهذا الخبر، فأين ولدته؟ وأين تركته؟ وكيف عولت على الابتعاد عنه؟ ~~- إني ولدته سفاحا فوق قمة في قرية يوجيفال، وعهدت بتربيته إلى امرأة صاحبة حانة تدعى ~~مدام فيبار، أما السبب في ابتعادي عنه فهو اتصالي بك والتصاقي بخدمتك، وهذا التنجيم الذي ~~تعلمته في بلادي منذ الحداثة. ~~- وما كشف لك التنجيم؟ ~~- إني نظرت في يد ولدي بعد ولادته فذعرت لتلك الظواهر، وأيقنت أنه سيكون له في هذا الوجود ~~أعظم شأن، وسيجري فيما يمر به من أدوار الحياة شوطين؛ شوطا يكون فيه رسول جهنم على الأرض، ~~وشوطا يكون فيه من ملائكة الله ولذلك سميته روكامبول. ~~- ما معنى هذا الاسم الغريب؟ ~~- إنه في لغتنا النورية يراد به الملكان، وهما ملاك الخير وملاك الشر، وقد جمع هذان ~~النقيضان بولدي فإنه في بدء أمره ستكون راؤه رعبا، وواوه وزرا، وكافه كفرا، وألفه إثما، ~~وميمه معرة، وباؤه بلية، ولامه لؤما، ثم ينقلب بعد تفاقم شره فتصبح الراء رحمة، والواو ~~ورعا، والكاف كمالا، والألف إحسانا، والميم مبرة، والباء بركة، واللام لواذا، فبينما هو ~~حليف الأبالسة إذا هو من رسل الله؛ ولذلك أردت الابتعاد عنه حذرا من بطشه إلى أن يفرغ من ~~شوطه الأول ويعيش عيش الأبرار فأنضم إليه إذا فسح في الأجل. ~~- أهو الآن في شوطه الأول؟ ~~- إنه يتمرن عليه. # فابتسمت الكونتس وقالت لها: لا جرم أن الحية لا تلد إلا الحية يا تنوان. # فأجابتها أم روكامبول بمثل ابتسامتها وقالت: والطير لا يقع إلا على شكله يا كونتس. # فلم تظهر الكونتس استياء من هذا التلميح لما كان يصل بين المرأتين من الأسرار، وعادت إلى ~~حديثها الأول فقالت: إذن ستذهبين غدا إلى دكان هذا الحداد. ~~- بل أذهب الليلة، فلا أبقي إلى الغد ما أقدر أن أفعله الآن. ~~- ولكن ألا تخافين أن تجتازي الغابة في ظلام الليل؟ # فضحكت تنوان ضحك الأبالسة وقالت: إن من لا يخاف الله، فلا يخاف الإنسان. ~~- ولكن المسافة لا تزيد عن ساعتين، ms0242 فإذا ذهبت الآن فأين تبيتين بقية الليل؟ ~~- ولكني سأذهب بعد ساعتين فأصل عند الفجر. ~~- إذن مري السائق يعد لك المركبة. ~~- بل إني أعدها بنفسي، وسأركب المركبة المعدة لنقل الخضر وأسوقها أنا، فلا أحب أن يعلم ~~أحد أين أسير. ~~- افعلي ما بدا لك، فقد عودتني ألا أعترضك فيما تريدين. ~~- وأنا أرجو ألا تندمي لثقتك بي؛ لأني كما أخلصت لنفسي أخلصت لك. # ثم تركتها وانصرفت إلى الإصطبل، فأعدت العلف للجواد وعادت إلى غرفتها وتأهبت ~~للرحيل. # 16 # بينما كان الجواد يأكل علفه كانت الكونتس في غرفة نومها نائمة في سريرها، وأم روكامبول ~~تتأهب للرحيل وقد تزينت بملابس النور. # وكانت غرفتها ملاصقة لغرفة الكونتس يفصل بينهما باب داخلي يفتح من الغرفتين. # وبينما كانت النورية تنظر إلى نفسها في المرآة وقد فرغت من اللبس، سمعت الكونتس تصيح ~~صياحا مزعجا ففتحت الباب وأسرعت إليها، فلما رأتها الكونتس صاحت صيحة أخرى وقالت لها: آه ~~لو عرفت ماذا جرى! # وكانت علائم الذعر بادية في وجه الكونتس، وقد امتقع لونها وغارت عيناها وقالت لها بصوت ~~مختنق: إني رأيتها ... وأنا لم أكد أغفو، وقد صحوت لصوت سمعته، ففتحت عيني ورأيت نورا أبيض ~~هنا عند الباب. # فضحكت تنوان وقالت: لقد أوشكت هيئتك أن تخيفني، فما هذا الجنون؟ # واصطكت أسنانها من الخوف وقالت: قلت لك إني رأيتها. ~~- من هي التي رأيتها؟ # فأجابتها وهي لا تكاد تفسر اللفظ من الرعب: «هي ... هي»، وقد رأيتها مصفرة الوجه، ثم نظرت ~~إلي بعينين تتقدان نارا، وقالت لي: احذري أن تمدي يدك بسوء إلى ابنتي، أو تموتي أفظع ~~موت. # فحاولت تتوان أن تتكلم، ولكن الكونتس قاطعتها وقالت لها: حين قالت لي هذا القول كانت كتلة ~~من نور أبيض، ثم تحولت إلى شعلة من نار بعد أن أتمت وعيدها وتوارت عن الأنظار، فشعرت عندئذ ~~أنهم قبضوا علي وربطوا يدي ورجلي، ثم ألقوني في مركبة وساروا بي، فكان الناس يسيرون ~~أفواجا في جانبي المركبة وهم ذاهبون بي إلى ساحة الموت الرهيب، ولكني لم أعلم كيف يكون ~~موتي، وعندها صحت ms0243 صيحة منكرة فاختفى كل شيء. # فضحكت تتوان وقالت: تريدين أنك صحوت من الرقاد. ~~- إني لم أكن نائمة. ~~- بل كنت نائمة وأنت لا تعلمين فأصابك الكابوس. ~~- ليس ما رأيته حلما، بل قد رأيتها حقيقة وسمعت صوتها. ~~- إن الأموات لا يرجعون. ~~- بل روحها التي تمثلت لي، ولا سبيل معك إلى الجدال فإنك لا تعتقدين بشيء. ~~- إني لا أعتقد إلا بحقائق العلم وبذلك القدر المرسوم في خطوط الأيدي. ~~- إذن أعيدي النظر في يدي، وأخبريني إذا كان قد تغير ما كتب لي في لوح المقدور، فأنت نفسك ~~تعترفين أن خطوط اليد تتغير. # ثم بسطت يدها للنورية وقد خف ما خامرها من الرعب، فتأملت تنوان مليا في خطوط تلك اليد ~~وقالت: إن خطك لا يزال على ما كان عليه، فستكونين من أغنى الناس. ~~- متى؟ ~~- في وقت قريب. ~~- أأجد الصندوق؟ ~~- نعم. ~~- وهذه الفتاة التي نحسبها ابنتها؟ ~~- سأخبرك بذلك غدا. # ثم غيرت الحديث فجأة كأنما خطر لها خاطر فقالت: انظري إلي جيدا يا سيدتي، ألا أشبه ~~بملابسي النوريات؟ ~~- هو ذاك. ~~- ألا يحسبني الناظر إلي من اللواتي يقرأن الطوالع ويكشفن غوامض المستقبل؟ ~~- إنك منهن وهذه المهنة مهنتك. ~~- إني ذاهبة، ورجائي ألا تسترسلي إلى الأوهام وأن تنامي نوما هادئا. ~~- إني واثقة بقريحتك الجهنمية، فاذهبي واعلمي أني أنتظر عودتك بفارغ الصبر. # ثم ودعتها وانصرفت وركبت المركبة، ودفعت جوادها فسار بها وحدها في ظلام الليل إلى ~~الغابة. ~~••• # بينما كانت تنوان تجتاز الغابة غير هيابة، وقد أوشكت أن تبلغ نهايتها كان جرس الدير بدأ ~~يدق داعيا إلى صلاة الفجر. # وكان داغوبير قد صحا من نومه، فنزل من منزله إلى دكانه وكان يمشي بحذر خوفا من أن تصحو ~~حنة. # وقد كان منزل داغوبير يتألف من غرفة واحدة كبيرة، فلما جاءته حنة شطر الغرفة شطرين وجعلها ~~غرفتين، وأقام كل منهما في غرفة. # وكان داغوبير قبل أن تجيء حنة إلى منزله يبدأ عمله قبل الفجر غير مكترث للرهبان، وبات بعد ~~مجيئها يشفق على راحتها إشفاقا شديدا، فلا تسمع لمطرقته صوتا قبل أن تطلع الشمس، فكان ms0244 ~~يشتغل قبل شروقها أشغالا لا دوي لها. # وفي ذاك اليوم نزل داغوبير في الساعة الخامسة من صباحه وأوقد النار، ولكنه لم يعمل عملا، ~~بل كان مفكرا مهموما، وقد كان هذا دأبه منذ ثلاثة أيام فلم يلف إلا على هذه ~~الحالة. # وفيما هو على ذلك، سمع دوي مركبة، ثم سمع أن المركبة وقفت عند باب دكانه، وأن هذا الباب ~~قد قرع، ففتحه ووجد أمامه تنوان. # فدخلت تنوان إلى الدكان وقالت له: إن نعل الجواد قد سقط، وقد أتيتك لتصنع لي سواه. # ثم اقتربت من النار تتدفأ ونظرت إلى داغوبير نظرات كهربته وقالت له: أراك قد استأت ~~لحضوري، بل أراك مترددا في صنع النعل، فهل ذاك لأني فقيرة أكسب رزقي من استطلاع ~~البخت. ~~- لست ممن يحتقرون الفقراء؛ لأني منهم، ولكنني منذهل لملابسك، هل أنت من النور؟ ~~- إن ملابسي قد دلتك خير دلالة على أصلي. ~~- أتتجولين وحدك في هذه المركبة؟ ~~- لقد كان لي زوج قضي عليه فبت وحيدة كما تراني. ~~- إلى أين أنت ذاهبة؟ ~~- إلى بيبتهافر. ~~- لعلك مضطرة إلى الإسراع بالوصول إليها؟ ~~- لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لأني لا أستطيع أن أصنع النعل قبل شروق الشمس. ~~- لا بأس فسأنتظر. # وقد علمت أنه لا يريد أن يوقظ الفتاة، ولبثت أمام النار تصطلي وداغوبير ينظر إليها معجبا ~~بأمرها، إلى أن بدأ الحديث معها وقال: أتحترفين مهنة استكشاف الطوالع؟ ~~- هو ذاك. ~~- كيف ذلك؟ أبالورق؟ ~~- بالورق وبالنظر إلى الأيدي. # فمرت غمامة بمخيلة داغوبير وظهرت عليه علائم التردد. # أما النورية، فإنها جعلت تنظر إليه نظرات ممغطسة جذبت بها حواسه. # 17 # وكان داغوبير واقفا يحدثها وينظر إليها، ثم غض بصره ولم يستطع مقاومة تلك النظرات التي ~~اخترقت نفسه، وشعر أن لهذه المرأة سلطانا عليه. # وكانت قد قالت له إنها تكشف مخبآت المستقبل، فشعر بميل عظيم إلى معرفة ما خبأته له ~~الأيام، لا سيما وأنه كان حزين القلب منقبض الصدر منذ ثلاثة أيام. # أما سبب انقباضه فهو أنه باغت حنة في غرفتها ورآها تبكي وعلم لفوره السبب في بكائها؛ وهو ~~أنها ms0245 تحب ذلك الفتى النبيل الذي طرده من دكانه أقبح طردة وهو لوسيان، امتثالا لواجب مقدس ~~لم تعرفه الفتاة ولم يعرفه داغوبير نفسه؛ فإنه آلة بيد الأب جيروم. # وكان داغوبير يفكر في جميع هذه الأمور بينما كانت النورية تسلب إرادته بتلك النظرات وهو ~~واقف موقف الخائف المتحير. # وإنما كان خوفه وحيرته لأن الدين يحرم استكشاف الطوالع؛ لأن المستقبل بيد الله. # غير أنه ظهرت عليه فجأة علائم العزم الأكيد، فنظر إلى النورية وقال لها: لعل استكشاف ~~الطالع كثير النفقة؟ ~~- إني أقبض ريالا من النبلاء. ~~- ومن كان فقيرا مثلي لا أقبض منه شيئا. # فاستفزته الأنفة وقال: إن ذلك لا يكون؛ لأني لا أقبل شيئا مجانا على فقري، وإذا شئت ~~أنعلت جوادك فكان ثمن النعل مقابل الأجرة. ~~- رضيت، هات يدك. # وبسط لها كفه وجعلت تتأمل في باطنه بإمعان. # ويذكر القراء أن داغوبير كان قد وضع في إصبعه ذلك الخاتم الذي ائتمنه عليه الأب جيروم، ~~وأنه قد سوده بالدخان كي يذهب لونه الذهبي ولا يستلفت الأنظار إليه. # غير أن النورية رأت الخاتم وتمعنت فيه خلسة، وعلمت لفورها أنه ليس من الحديد، كما أنها ~~رأت آثار الشعار فيه فاتقدت عيناها ببارق الرجاء وقالت في نفسها: لا شك أن هذا الخاتم يتضمن ~~سرا لا بد لي من الوقوف عليه. # وكانت من الدواهي الماكرات، فلم تظهر اكتراثا لهذا الخاتم وانصرفت إلى خطوط يد داغوبير ~~وقالت له: إني أبدأ بوصف أخلاقك، فإنك حاد المزاج. ~~- هو ذاك. ~~- ولكنك طاهر القلب سليم النية. # وكانت تقول هذا القول بلهجة الثقة، غير أن داغوبير جعل يضحك لكلامها وقال لها: أبنعل جواد ~~تهبينني هذه الهبات؟ إنك لا ريب كثيرة الكرم. # ثم قال: إني أفتخر بهذه الصفات. ~~- وأنت ثابت الإرادة إذا عزمت على أمر لا تنثني عنه. ~~- لقد صدقت. ~~- ثم إنك ألوف حسن الوفاء لمن تحب، ولكن مزاجك يتغلب عليك أحيانا فتحزن من تحبه دون أن ~~تريد. # وهنا ارتعش وذكر حنة وبكاءها فعاوده الانقباض. ~~- هذه هي أخلاقك، أما مستقبلك فهو أنك ستغدو سعيدا ولكنك تلقى ms0246 كثيرا من العثرات. ~~- أنا أكون سعيدا؟ وكيف تأتيني هذه السعادة؟ # وكانت النورية لا تزال تنظر في يده، ثم اضطربت فجأة وقالت له: ماذا أرى؟ ~~- ماذا؟ ~~- إن هذا محال. ~~- ولكن ماذا رأيت؟ # وظهرت على النورية علائم الاضطراب، ورأى أن اضطرابها أخذ بالتزايد فقال لها: قولي ماذا ~~رأيت؟ ~~- أرى أنك ستغدو من الأغنياء وتكون من النبلاء. ~~- ما هذا المزاح؟ ~~- لست أمزح، بل أقول الحقيقة، فإنك سوف تتقلد سيفا وتلبس الثياب المذهبة. # وهنا ذهب كل تأثيرها عليه دفعة واحدة؛ إذ لا يخطر له في بال أن يغدو في حين واحد غنيا ~~نبيلا من رجال السيف. # غير أن النورية لم تكترث لعدم تصديقه نبوتها، فقد كانت منشغلة البال بهذا الخاتم الذي في ~~إصبعه، حتى أوشكت أن تنسى المهمة التي جاءت من أجلها. # وكان الفجر قد انبثق، وبدأ ثغر السماء يبتسم استبشارا لطلوع الشمس، وانقطعت أصوات ~~الأجراس في الدير إشارة إلى انتهاء الرهبان من الصلاة. # ثم أخذ الرهبان يخرجون أفواجا من الدير، فيذهب بعضهم إلى الحقول للاشتغال بالزراعة، ~~وبعضهم إلى معامل الصنائع فيشتغل كلهم فيها بما تعلمه من المهن. # فنظر عند ذلك داغوبير إلى النورية، وكانت تائهة الفكر فقال لها: سأنعل جوادك الآن إن ~~النهار قد تعالى. # ثم مشى يريد الخروج إلى الجواد فاستوقفته وقالت له: أرى أنك لم تثق بما قلته لك. # أجابها ضاحكا: كلا، ولكني سأنعل جوادك على كل حال. ~~- ولكني واثقة كل الثقة، وما زلت تنعل الفرس دون أجرة فأرني يدك الثانية. # وبسط لها يده اليسرى فارتعشت بعد أن تمعنت فيها وقالت: إنها تشبه اليد اليمنى والخطوط ~~الدالة على السعادة واحدة. # ثم أظهرت دهشة، فقال لها داغوبير: ما هذه الدهشة؟ لعلك رأيت شيئا جديدا؟ ~~- نعم، إنك ستسافر. # فاصفر وجهه عند ذلك؛ لأن الأب جيروم قال له منذ ثلاثة أيام إنه سيسافر إلى باريس. # ثم قطب حاجبيه وقال لها: إنك قلت الحقيقة هذه المرة لأني سأسافر، ولكن متى؟ ~~- إنك مسافر اليوم. # وعاد ابتسام الشك إلى شفتيه وقال لها: لا أظن. # وإنما قال ذلك ms0247 لوثوقه من أن الأب جيروم لا يزال مريضا، وهو لا يسافر إلا بعد ~~شفائه. # وعند ذلك تركها وخرج إلى الجواد فلم توقفه النورية. # وفيما هو آخذ بصنع النعل، جاءه أحد الرهبان وقال له: تعال حالا يا داغوبير. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الدير. ~~- لعلك محتاج إلي؟ ~~- كلا، بل الأب جيروم يريد أن يراك. ~~- ولكني مشتغل الآن بصنع نعل لجواد هذه المرأة. ~~- إنها تنتظر. # فقالت النورية: لا بأس، إني غير مستعجلة. # فوقف داغوبير موقف الحائر، فإن حنة كانت في غرفتها وخشي أن تجتمع مدة غيابه بهذه ~~النورية. # غير أن الراهب كان يلح عليه، فلم يجد بدا من الذهاب معه وبقيت النورية وحدها في الدكان، ~~فوضعت رأسها بين يديها واسترسلت إلى التفكير. # وكانت تنوان تعتقد كما قدمناه بخطوط الأيدي، فجعلت تقول في نفسها: ما هذا الاتفاق الغريب؟ ~~وكيف يغدو هذا البيطري الفقير الحقير غنيا نبيلا؟ ذلك مكتوب في كفه لا ريب فيه. # وفيما هي تفكر في أمره سمعت صوتا فوق رأسها، فالتفتت ورأت حنة نازلة على السلم الخشبي ~~الموصل بين الغرفة والدكان، وهي تنزل ببطء. # ولما تبينت النورية وجهها جمد الدم في عروقها وقالت: ماذا أرى؟ إني لو كنت أعتقد بعودة ~~الأرواح لقلت إن هذه الفتاة «هي». # ذلك أن حنة كانت تشبه امرأة عرفتها النورية شبها غريبا، ورجعت إلى مخيلتها ذكرى تلك ~~المرأة. # 18 # كان داغوبير قد ذهب إلى الدير وهو يعتقد أن حنة لا تزال نائمة، غير أن الفتاة لم تكن تعرف ~~النوم منذ ثلاثة أيام، فإنها كانت تظهر في النهار منقبضة النفس وتحتجب في الليل فتسترسل إلى ~~البكاء. # ولم تستطع أن تقول كلمة لداغوبير حين طرد لوسيان ذلك الطرد القبيح، فإنها حين همت بسؤاله ~~فقاطعها فقال لها: إني مخلص لك، أسفك دمي في سبيلك، ولكن لا تسأليني لماذا طردت هذا ~~الفتى. # فسكتت الفتاة ولم تعد تسأله شيئا، ولكن انقباضها كان يخترق نفسه ويقع في قلبه وقع ~~السهام. # فلما ذهب داغوبير إلى الدير لم تكن نائمة كما يتوهم، وقد سمعت قرع باب محله ms0248 حين جاءت ~~النورية، فحسبت أن الطارق هو الأحدب فوجف قلبها؛ إذ كانت تعلم أنه رسول لوسيان، فقد رأته ~~حين أوفده لمقابلة داغوبير. # ولذلك نهضت من سريرها ووضعت أذنها على ثقب الباب المؤدي إلى الدكان، فسمعت كل ما جرى من ~~الحديث بين داغوبير وبين النورية. # فلما علمت أن داغوبير ذهب إلى الدير وأن النورية باقية وحدها في الدكان، نزلت إليها ووقفت ~~في أسفل السلم تنظر إليها نظرات الانذهال لزيها الغريب. # أما النورية فإنها وقفت لها احتراما وحيتها بلقب مدموازيل. # فقالت لها حنة: لست من السيدات ... بل أنا فتاة فقيرة من طبقة العمال. # فابتسمت النورية وقالت: إن الفلاحات لا يكون لهن هذه الأيدي الناعمة المترفة. ~~- لعلك تستطلعين البخت؟ ~~- هو ذاك يا سيدتي، فإذا أذنت لي أن أنظر في يدك أنبأتك بأمور كثيرة يهمك أن تقفي ~~عليها. # فاحمر وجه حنة وقالت: ولكن، إذا رجع داغوبير ورآني معك تكدر. ~~- لماذا يا ابنتي؟ ~~- لا أعلم. ~~- ولكني أنبأته بمستقبله، ولو كان ذلك منكرا لما رضي به لنفسه. # فاطمأنت الفتاة بعض الاطمئنان وغلبها شوق الوقوف على أسرار المستقبل، فبسطت لها يدها كما ~~فعل داغوبير من قبل. # ونظرت النورية إلى باب الدير، فلما وثقت أنه مقفل أخذت يد الصبية وجعلت تنظر فيها فقالت: ~~ماذا أرى؟ # فاضطربت حنة وقالت لها بصوت يرتجف: ماذا ترين؟ ~~- أرى أنك معشوقة، وأن الذي يهواك فتى جميل نبيل يريد أن يتزوج بك ويجعلك من النبيلات ~~فإنه كونت. # فصاحت الفتاة صيحة ذهول لما رأته من صدق هذه المنجمة. # ورجعت النورية إلى الكلام وقالت: إنك ستكونين كثيرة الغنى يا سيدتي. # فابتسمت حنة وقالت: أتهزئين بي؟ ~~- كلا يا ابنتي، بل أقول الحقيقة. # ولم تكن حنة تكترث بالغنى، فانصرفت إلى أميال قلبها وقالت لها: لقد قلت لي إني ~~محبوبة. ~~- هو ذاك، والذي أحبك قد تدله بهواك. # فارتجفت حنة وقالت: ولكن ألا يعترض هذا الحب صعاب؟ ~~- نعم، ولكن هذا الفتى النبيل الذي يحبك سيتغلب على جميع الصعاب، ثم إن هذه الصعاب لا ~~تكون من جهة أهله. ~~- إذن ممن؟ ~~- من ms0249 أهلك، أو من الذين يقولون إنهم يحبونك. # فافتكرت حنة عند ذلك بداغوبير، وقالت لها تنوان: لا تستائي لذلك يا سيدتي؛ لأني أقرأ ~~مستقبلك في يدك كما تقرئين أنت في الكتاب، فأعلم ما سطر لك في لوح المقدر، والذي أراه أن من ~~يهواك سيفوز على جميع الصعاب. # وعند ذلك سمعتا أن باب الدير قد فتح، ورأت حنة أن داغوبير قد خرج منه فأفلتت إفلات الظبي ~~وقالت للنورية: أرجوك لا تقولي لداغوبير إنك رأيتني. # ثم تركتها وصعدت إلى غرفتها، فبقيت تنوان وحدها. # وبعد هنيهة وصل داغوبير فقال للنورية: إنك إذا كنت قد تنبأت لي بأمور لا أستطيع تصديقها، ~~فقد قلت لي أيضا أمورا أكيدة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لقد قلت لي إني مقبل على سفر، وقد صدقت نبوءتك لأن الأب جيروم رئيس الدير أمرني بالسفر ~~اليوم. ~~- لعله يرسلك إلى محل بعيد؟ ~~- إلى أورليان. ~~- إذا كنت قد صدقت في بعض نبوءتي، فلماذا لا أكون صادقة في جميعها؟ ~~- أتعنين أني سأكون غنيا نبيلا؟ ~~- هو ذاك، فقد قرأت ذلك في يدك كما قرأت نبأ سفرك. # فضحك داغوبير لها دون أن يجيب، وأخذ يصنع لها نعل الفرس حتى إذا أتمه قال لها: إنك ~~تستطيعين أن تسافري الآن. ~~- أشكرك يا سيدي، وسوف ترى أن نبوءتي كانت صادقة فلا تذكرني إلا بالخير. # فضحك وقال لها: وأنت سوف ترين أن نعل فرسك متينا، فلا تذكريني إلا بالثناء، وواحدة ~~بواحدة جزاء. # وسارت تنوان في مركبتها وهي توهمه أنها سائرة في طريق بيتهافر حتى إذا توارت عن أنظاره، ~~عطفت إلى الغابة وسارت فيها حتى وصلت إلى قصر بوربيير في الساعة الثامنة من الصباح. # وكانت الكونتس لا تزال نائمة، ولكن تنوان كانت تدخل إليها حين تشاء دون استئذان. # ففتحت الباب الموصل من حجرتها إلى حجرة الكونتس، ووجدتها مضطجعة في سريرها دون نوم ~~واحمرار عينيها يدل على أنها لم تنم تلك الليلة، فلما رأتها داخلة إليها فرحت لقدومها وقالت ~~لها: ما وراءك من الأخبار؟ # فأخذت تنوان كرسيا ووضعته قرب سريرها وجلست عليه، ثم قالت لها: ms0250 لقد صدق ما كنت ~~أتوقعه. ~~- أهي بنت المركيز؟ ~~- هي بعينها، ومن يراها يحسب أنه يرى أمها لشدة الشبه بينهما، ولا بد أن يكون عارفا بسر ~~مولدها ويجب ألا نتغاضى. ~~- ماذا تقصدين؟ # فاتقدت عينا النورية وقالت: هذا الرجل عثرة في سبيلنا يجب إزالتها أو تزوج بالفتاة وكان ~~له المال. ~~- إنك مجنونة يا تنوان؟ ~~- كلا، بل إني واثقة مما أقول بعد أن رأيت ما رأيت. ~~- ماذا رأيت؟ ~~- إني قرأت في عينيه سور الغرام والإقدام، وعلمت من خطوط يده أنه سيصبح من الأغنياء، وهذه ~~الفتاة مقيمة عنده منذ حداثتها في منزل واحد، وهو هائم بها لا شك، وإذا لم نحل بينه وبين ~~تزوجها وأصبح له الصندوق وما فيه. ~~- أأنت واثقة أنها الفتاة التي نبحث عنها؟ ~~- لم يبق بعد اجتماعي بها سبيل للريب. ~~- إذن أوافقك على وجوب إبعاد داغوبير وإزالته من طريقنا. ~~- هذا ما اقترحته عليك؛ إذ لا بد منه، ولكن كيف الطريقة؟ ~~- إني أعهد إليك بهذه المهمة، والشفالييه سيكون لك خير معين. # فابتسمت النورية ابتسام الأبالسة وقالت: لقد أحسنت باختيارك الشفالييه، فإنه لا يقف عند ~~خطر، ويستسهل كل صعب في سبيل أغراضه ولا سيما في هذه المهمة فله منها فائدة. # وعند ذلك خلت المرأتان، وكانت الكونتس قد خف ما عندها من الاضطراب الذي لقيته في ذلك ~~الحلم الرهيب، فطلبت إلى النورية أن تحدثها بجميع ما اتفق لها في رحلتها. # فحكت لها كيف اجتمعت بداغوبير، وكيف عرفت من خطوط يديه أنه سيغدو غنيا من ~~النبلاء. # فقالت لها الكونتس: أتعتقدين حقيقة بما تقولين؟ ~~- بلا شك، فلا بد أن يغدو هذا الرجل ثريا نبيلا. ~~- ذاك محال ولا أصدقه. ~~- ولماذا لا تصدقين يا سيدتي؟ إني حين اتصلت بك كنت نورية أطوف في الشوارع لقراءة البخت، ~~فتنبأت لك عن مستقبلك وكشفت لك أحداث ماضيك. # وكان ذاك سبب اتصالي بك، أكذبت في شيء مما قلته لك؟ ألم يحدث كل ما تنبأت به؟ ~~- هو ذاك. ~~- إن مستقبل كل شخص مكتوب في يده، ولكن لا يعرف أن يقرأه غير القلائل من ms0251 الراسخين في هذا ~~الفن. ~~- إذا كان ذلك، فلا بد لداغوبير أن يغدو غنيا نبيلا ويتزوج حنة وينال الصندوق، فلا ~~نستطيع أن نحول دون سعادته. ~~- لقد أخطأت يا سيدتي، فإنك تجهلين أصول هذه المهنة ولا تعرفين سوى ما يبدو لك من ~~ظواهرها، فإن خطوط الكف تدل على المستقبل دلالة لا ريب فيها، غير أنه بين هذه الخطوط أخاديد ~~تضيق وتنفرج فتغير تلك الدلائل، فالمرء قد تكون خطوط كفه تدل على السعادة؛ لأن بها أخاديد ~~منفرجة بين الخطوط، فإذا ضاقت يصبح لهذه الخطوط دلائل أخرى قد تكون دلائل بؤس وشقاء، أريد ~~أن مستقبل الإنسان قد يتغير بقتل ذاك الإنسان أو إنقاذه. # فاقتنعت الكونتس بتعليلها وقالت: أتمي حديثك. # فأخبرتها النورية عند ذلك بأمر الخاتم الذي وجدته في إصبع داغوبير، وكيف رأت أنه قد سوده ~~بالدخان إخفاء للونه الذهبي، وشعاره الدال على أسرة صاحبه. # فارتعشت الكونتس وقالت: ألهذا الخاتم شعار؟ ~~- نعم. ~~- أتذكرين رسم هذا الخاتم وحجمه بالتدقيق؟ # فلم تجبها النورية، ولكن أخذت ورقة وقلما ورسمت على الورقة الخاتم أصدق رسم وعرضته على ~~الكونتس. # فلم تكن الكونتس تراه حتى صاحت صيحة دهش وقالت: إن هذا خاتم الكونت دي مازير، عرفته من ~~رسمه الغريب. ~~- أي كونت؟ ~~- الكونت الذي احترق بهذا القصر. ~~- إذن، لقد أحسنت بذهابي إلى هذا البيطري؛ إذ لولا هذه الزيارة لما علمنا بأمر ~~الخاتم. ~~- ولا بد لنا من الحصول على الخاتم مهما كلفنا ذلك من الجهد والمشاق؛ إذ لا بد أن يكون في ~~جوفه ورقة مكتوبة. ~~- وما تظنين أنه يوجد في هذه الورقة؟ ~~- لا شك أنها تتضمن الإرشاد إلى موضع الصندوق الذي نبحث عنه فلا نجده، وقد اتهمت والد ~~أورور واتهمني بسرقته. ~~- إنك ذكرت لي الشفالييه دي فولون منذ هنيهة، وهو رجل ثابت العزم جدير بالإقدام على كل ~~أمر في سبيل غايته. ~~- أترين أن له غاية؟ ~~- نعم، فهو مفتون بمدموازيل أورور. ~~- أواثقة مما تقولين؟ ~~- كل الثقة. ~~- إذن لقد اتضح لي الأمر، فإن اختصام ولدي مع ابنة عمه كان بمكائد الشفالييه، ولكن كل ذلك ~~يفيد ms0252 يا تنوان إذا كانت ربيبة الدير هي حقيقة ابنة الكونت دي مازير. # لقد قلت لك إن من يراها لا يفرق بينها وبين أمها كريتشن. # فاضطربت الكونتس وقالت: لا تذكري أمامي هذا الاسم. ~~- ليكن ما تريدين، ولكن ثقي أنها ابنتها. ~~- إذا كانت هي ابنتها وكان الخاتم هو الذي أعرفه، وكان الأب جيروم هو الذي كان يدعى أموري ~~من قبل، فأنا أخبرك بما ينبغي أن يكون قد حدث. ~~- إني مصغية إليك. ~~- لقد عرفت أن اثنين كانا يحبان والدة الفتاة؛ أحدهما أموري وهو رئيس الدير، والثاني رجل ~~يدعى راوول لم تعرفيه، ولا بد أن يكون راوول نفس الرجل الذي جاء بالفتاة إلى الأب جيروم ~~فأودعها عند داغوبير، أما الخاتم فإنه يتضمن دون شك سر الصندوق، فمن ناله نال ذلك المال، ~~ولكن يجب أن نحذر ونتوقع عودة راوول. ~~- ماذا ترين أن نصنع؟ ~~- إن ولدي يحب حنة وحنة تحبه، أليس كذلك؟ ~~- حبا ليس بعده حب. ~~- إذن يجب أن يتزوجا. ~~- وهذا الذي أراه. ~~- وإن الشفالييه سيكون لنا خير معين في هذه المهمة، ولا يجب أن يعلم شيئا من سرنا، ولكني ~~لا أعلم كيف نستطيع استخدامه في أغراضنا دون أن يعلمها. # فابتسمت النورية وقالت: اطمئني يا سيدتي ودعيني أكون الفكر المرشد وتكوني اليد ~~العاملة. # وعند ذلك نقر باب الغرفة نقرا خفيفا، ودخل لوسيان وهو مصفر الوجه وكل ما به يدل على ~~الاضطراب، فذعرت أمه لما رأته وقالت له: ماذا حدث؟ # قال: أحب أن أكلمك في خلوة يا أماه. # فأشارت الكونتس إلى تنوان إشارة، فانصرفت وقالت لابنها: اجلس بجانبي وأخبرني بماذا ~~حدث. ~~- إن نافذة غرفتي تشرف على البستان كما تعلمين، وقد رأيت في صباح اليوم من تلك النافذة ~~تنوان داخلة إليه بمركبة، ورأيت على عجلات المركبة وحلا أصفر لا يوجد منه إلا في الغابة، ~~فأحببت أن أعلم أين كانت، فنزلت إلى البستان وسمعت البستاني يقول لها: إن نعل الجواد جديد، ~~فأين صنعته؟ فقالت له: عند البيطري المقيم عند باب الدير. ~~- أهذا الذي تضطرب من أجله يا بني؟ ~~- نعم، ms0253 فإني أحب أن أعلم ما دعا تنوان إلى الذهاب إلى تلك الجهة. # فأخذت الكونتس يد ولدها بين يديها، وقالت له بلهجة حنو: أصغ إلي يا لوسيان، إنك لا تحب ~~ابنة عمك وتهوى فتاة فقيرة تريد أن تتزوجها، أليس كذلك؟ # فذعر لوسيان وقال لها: من أخبرك بذلك؟ # فابتسمت الكونتس وقالت له: لقد أنبأني به قلبي، وأنت لا تعرف يا لوسيان قلوب الأمهات، إنك ~~ولدي الوحيد وليس لي سواك في هذا الوجود، فكيف أعترض سعادتك! تزوجها يا بني إذا كان في ذلك ~~نعيمك فلا هناء لي إلا بهنائك. # فصاح لوسيان صيحة فرح، وأكب على صدر أمه يعانقها ودموع السرور تذرف من عينيه. # بعد ذلك ببضع ساعات؛ أي بعد أن حسب لوسيان أن أبواب النعيم قد فتحت له، كانت أمه الكونتس ~~مختلية مع الشفالييه دي فولون. # وكانت تقول له: إنك لا تعرف من لوسيان ما أعرفه، فإنه خلق قبل عصره، وهو يحب فتاة الدير ~~حبا يقينا، فلو أردت إقناعه أن زواجه بها محال لما بينهما من تباين المقام، لما فهم هذا ~~القول؛ إذ هو يحسب جميع الناس سواء، ولذلك أذنت له بزواجها. # فدهش الشفالييه وقال: أنت يا سيدتي تأذنين لابنك وهو الكونت دي مازير أن يتزوج فلاحة لا ~~يعرف أصلها؟ # فابتسمت الكونتس وقالت: إننا نجد ألف سبب لتأخير هذا الزواج، وفي خلال ذلك يثوب إلى رشده ~~وتبرد لوعة غرامه، أما الآن فيجب أن نصنع كل ما يريد. ~~- لقد فهمت مرادك يا سيدتي، فليكن ما تريدين. ~~- ألم تقل لي إن رئيس الدير والبيطري يحرسانها؟ ~~- نعم. ~~- أيوجد طريقة لمغافلتهما واختطاف الفتاة؟ ~~- إني أتعهد بذلك يا سيدتي. ~~- بورك فيك، فهذا الذي كنت أتوقعه منك، وما زال الأمر كذلك فلنسرع بالعمل ولنتداول ~~فيه. ~~- شأنك وما تريدين. # فنادت الكونتس عند ذلك تنوان، فلما جاءت قالت لها: اجلسي بيننا يا تنوان فإننا في حاجة ~~إلى آرائك السديدة. وأقام أولئك الثلاثة يتآمرون على لوسيان بينما كان هذا الفتى الطاهر ~~القلب السليم النية يصطاد العصافير في البستان. # 19 # وبعد أن فض ms0254 مجلسهم، ذهب الشفالييه إلى لوسيان وقال له: ألا تروق لك المحادثة أيها ~~الصديق؟ # فأجابه لوسيان بملء السذاجة: في أي أمر تريد الحديث؟ ~~- وأي حديث يشغلنا الآن غير حديث غرامك، فقل لي ألا تزال تحبها ومصرا على ~~زواجها؟ ~~- لا أنثني عن هذا العزم ما حييت. ~~- وإذا سألتك أن تطلق يدي في أمرك، أتمنحني هذه السلطة؟ ~~- بلا ريب. ~~- إني أسألك أن تطيعني طاعة لا حد لها. ~~- سأطيعك في كل ما أردت. ~~- إذن فاسمع، إن أمك توافق على زواجك بها، أليس كذلك؟ ~~- لقد رضيت بهذا الزواج صباح اليوم. ~~- ولكن يوجد اثنان لا يرضيان به، وهما الأب جيروم وداغوبير. ~~- لماذا؟ ~~- لا أعلم، فلا بد أن يكون هناك سبب عظيم، ولكن ما زال هذا دأبهما فلا بد لنا من ~~الاستغناء عن موافقتهما. ~~- ماذا نصنع؟ ~~- إن أبواب الدير تقفل في الساعة التاسعة من المساء، فلا يخرج الرهبان منه إلا في صباح ~~اليوم التالي بحيث لا يبقى من حارس على الفتاة غير داغوبير. ~~- وكفى به حارسا، فإنه يدافع عنها دفاع اللبؤة عن أشبالها. ~~- لنفترض أن داغوبير غاب عن منزله، وأنك ذهبت إلى هذا المنزل عند منتصف الليل، فقرعت بابه ~~وفتحت لك حنة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يصبح الأمر منوطا بك، فإن حنة تحبك كما أظن. ~~- إن الحب متبادل بيننا على السواء. ~~- إذن تبسط لها عند الاجتماع حقيقة موقفها وتظهر لها أنها أسيرة في أيدي الظالمين، وأنك ~~تريد أن تجعلها كونتس، فإذا أحسنت التعبير عن عواطفك وعرفت أن تتكلم بلغة أهل الغرام فإن ~~حنة توافق على أن تتبعك، فتردفها وراءك فوق الجواد فلا يستفيق الرهبان من رقادهم حتى تكون ~~اجتزت الدير بمراحل. ~~- ولكن إلى أين أسير بها؟ ~~- إلى هنا؛ أي إلى منزل أمك فإنها قد وافقت على زواجك، وليس في ذلك معرة ما زلت تأتي بها ~~إلى أمك؛ إذ يتضح نبل غايتك متى اشتهر الأمر. # فسر لوسيان سرورا لا يوصف، ثم انقبض فجأة وقال: ولكنك لم تفطن لأمر، وهو أن داغوبير ~~لا يفارق منزله ودكانه لحظة. ~~- إني أضمن غيابه عن ms0255 المنزل. ~~- أنت تتعهد بإبعاده؟ # فابتسم الشفالييه وقال: نعم أنا أتعهد فاطمئن، والآن قل لي أترى بنوات الأحدب ~~غالبا. ~~- إني أراه كل يوم ولا بد أن يكون الآن في المطبخ، فقد جاء يسأل إذا كنا عازمين على الصيد ~~غدا. ~~- إذن ادعه الآن ومره أن يطيعني كما يطيعك. ~~- ولكن ... # فقاطعه الشفالييه وقال له: لقد وعدت أن تطيعني وتثق بي، فحافظ على وعدك وافعل ما قلته ~~لك. ~~- سأفعل. ثم نادى أحد الخدم وأمره أن يدعو له الأحدب، فلما جاء قال له: أريد منك يا بنوات ~~أن تصحب الشفالييه، وأن تطيعه كما تطيعني. # فنظر الأحدب إليه نظرة إنكار كأنه يقول له: إني أؤثر أن تأمرني بالذهاب إلى الموت على أن ~~تأمرني بطاعة هذا الرجل. # فأدرك لوسيان قصده؛ إذ كان يعلم كرهه للشفالييه وقال له بلهجة السيادة: إني أريد أن ~~تطيعه. # وعند ذلك قال الشفالييه: اذهب الآن وأعد لي الجواد. ~~- لعلك تريد الذهاب إلى الغابة؟ ~~- ربما. # فمشى الأحدب وهو يتمتم قائلا: إن الكونت بات يثق بهذا الشفالييه، ولكن اعتقادي راسخ أنه ~~من رجال الشر. # وبعد ساعة كان الاثنان يسيران في الغابة، وقد امتطى الشفالييه جواده وتبعه الأحدب ~~ماشيا. # حتى إذا توسطا في الغابة ووصلا إلى طريق ضيق فيها وقف الشفالييه وقال في نفسه: إنه إذا ~~صدقت تنوان، فإن داغوبير قد سافر إلى أورليان ماشيا، ولا يوجد غير هذا الطريق بلا بد له من ~~العودة الليلة؛ إذ لا يدع الفتاة تبيت وحدها في المنزل. # ثم التفت إلى بنوات وقال له: أتعرف يا بنوات طريقة نصب الفخاخ للثعالب والأيل؟ # قال: لا يوجد خدعة يا سيدي من خدع الصيد لا أعرفها. ~~- إني لم أر إلى الآن هذا النوع من الصيد، وأحب أن أراه الليلة، وقد أحضرت معي ~~الفخ. ~~- كما تريد، ولكن هذا المكان لا يصلح لنصب الفخاخ؛ إذ هو طريق عام والأيل لا يمر ~~به. ~~- ولكني أريد أن تنصبه هنا. ~~- أهنا في وسط الطريق؟ ~~- نعم. # فنظر إليه الأحدب نظرة إنكار وقال: أرى أن سيدي الشفالييه يريد أن يصطاد ms0256 إنسانا لا ~~أيلا. ~~- ربما. ~~- إذا كان ذلك، فإني لا أشترك معك يا سيدي؛ فإني لا أحب صيد الناس. # فغضب الشفالييه وقال له: لعلك نسيت أيها الوقح أن الكونت أمرك بطاعتي؟ ~~- هو ذاك، ولكن الكونت قد لا يكون عارفا بقصدك. ~~- بل هو عارف. # فذعر الأحدب وتراجع إلى الوراء، فأخرج الشفالييه غدارة وصوبها إلى الأحدب وقال له: إذا ~~حاولت الفرار فاعلم أني أقتلك دون إشفاق. # فرأى الأحدب أن الموقف حرج، وحاول أن يطيل الوقت بالجدال فقال له: ما زال الكونت لوسيان ~~عارفا بقصدك كما تقول فلا أجد بدا من طاعتك ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ لعلك تريد أن تعرف الرجل الذي أريد إيقاعه في الشرك؟ ~~- نعم. ~~- هو رجل أساء إلي وإلى الكونت. ~~- إذن ليكن ما تريد، ولكنك تعلم يا سيدي أن الرجل لا يؤخذ بالشرك كما يؤخذ الأيل. ~~- تريد أن الأيل يسير منخفض الرأس فيعلق الشرك بعنقه ويخنقه، خلافا للرجل فإنه يسير ~~مستوي القامة فيعلق الشرك بساقيه ولا يقتله. ~~- هو ذاك، وأرى يا سيدي أنك تعرف طريقة نصب الفخاخ كما أعرفها، فانصب الفخ أنت. ~~- لا بأس فسأنصبه أنا، فأمسك جوادي. # ثم ترجل عن جواده ووضع غدارته في جيبه وأخذ من حقيبة كانت على الجواد ذلك الفخ؛ لينصبه ~~بشكل لا يستطيع المار بذلك الطريق الضيق أن يسلم منه. # وكان القمر يتألق في السماء ويضيء ضوء النهار، فلم يكد يتم نصب الفخ حتى سمع الأحدب يصيح ~~صيحة دهش، فأسرع إليه وقال له: ماذا جرى؟ # وكان الأحدب جالسا القرفصاء على الأرض وهو ينظر في آثار قدم عليها، فقال له: لقد عرفت ~~صاحب هذه القدم. ~~- من هو؟ ~~- هو داغوبير البيطري عند باب الدير. ~~- أحقا ما تقول؟ ~~- إنه هو الذي مر بهذا الطريق، وإنك قد نصبت الفخ له دون شك. ~~- ربما. ~~- ولكني لا أريد أن يؤخذ داغوبير كما تؤخذ الثعالب. ~~- لماذا لا تريد؟ ~~- لأنه صديقي. # فشاغله الشفالييه بالحديث، ثم هجم عليه فجأة فقبض على عنقه وألقاه إلى الأرض وهو يقول: ~~إنك إذا صحت أقل صياح خنقتك دون رحمة. ثم ms0257 حمله بين يديه فوضعه فوق جواده ووثب إلى ظهر ~~الجواد، فأطلق له العنان وسار الجواد ينهب الأرض إلى قصر بوربيير والأحدب عليه أمام ~~الشفالييه وهو ضاغط عليه فلا يستطيع حراكا. # 20 # ولنعد الآن إلى الدير حين ذهب إليه داغوبير بدعوة رئيسه، فإن الأب جيروم كان قد شفي فجأة ~~من هذا المرض الخفي الذي أصابه، فلما جاءه داغوبير قال له: إن الوقت قد أزف يا بني، فإني ~~أجد من نفسي قوة تعينني على هذا السفر الذي أخبرتك عنه. ~~- إني مستعد يا سيدي للذهاب معك إلى حيث تريد. ~~- ولكني لا أستطيع مبارحة ديري، إلا بإذن خاص من الرئيس العام المقيم في أورليان؛ ولذلك ~~سأرسلك يا بني بهذا الكتاب إلى الرئيس. # ثم أعطاه كتابا ضخما مختوما بالشمع بختم الدير، فأخذه داغوبير وقال: أيجب أن أذهب ~~الآن؟ ~~- كلا، بل نسافر بعد الظهر، وفي خلال ذلك تخبر حنة بعزمنا على السفر كي تتأهب له. # فأخذ داغوبير الكتاب وعاد إلى دكانه، فوجد تنوان النورية وحدها فإن حنة كانت قد أسرعت ~~بالعودة إلى غرفتها كما تقدم. # وبعد أن ذهبت تنوان وبقي داغوبير وحده يشتغل، نزلت إليه حنة فحيته وقبل جبينها كما عودها ~~منذ الحداثة، ثم جلست بجانبه فقال لها: إني مسافر اليوم إلى أورليان بأمر الأب ~~جيروم. ~~- أهي بعيدة من هنا؟ ~~- سبع مراحل. ~~- متى تسافر؟ ~~- عند غروب الشمس. ~~- متى تعود؟ ~~- بعد انتصاف الليل، ولكني سأقفل باب الدكان حين انصرافي، فإذا طرقه طارق فاحذري أن تفتحي ~~إلا إذا كان الطارق أنا، أتعدينني بذلك؟ ~~- بلا ريب. ~~- بقي أمر يجب إخبارك به وهو أننا مسافرون كلنا غدا. # فارتعشت حنة وقالت: من كلنا؟ ~~- أنا وأنت والأب جيروم. # فاصفر وجهها وقالت: إلى أين نسافر؟ ~~- إلى باريس. ~~- ما عسانا نصنع في باريس؟ ~~- نذهب إليها للبحث عن ثروتك. ~~- أنا لي ثروة! ~~- نعم فإنك ثرية، وربما وجدنا عائلتك أيضا. # فقالت بلهجة الأسف: ألم تقل لي مرات إن أهلي قد ماتوا؟ ~~- هو ذاك، ولكن ألا تذكرين اليوم الأول الذي أتيت به إلى هنا؟ ~~- نعم أذكر ذلك ms0258 فقد كنت صغيرة، وجاء بي إلى هنا عمي راوول، ولكنك قلت لي أيضا إنه ~~مات. ~~- إني كنت أحسبه ميتا، غير أن الأب جيروم يقول إنه حي. # فظهرت عليها علائم السرور وقالت: أهذا أكيد؟ ~~- هذا ما يقوله الأب جيروم، وربما وجدنا عمك في باريس. # فعادت الفتاة إلى الانقباض، ثم تنهدت وقالت: إن عمي قد يخطر له أن يبقيني عنده. ~~- ذلك ممكن. # فاضطرب صوتها وقالت: إذن لا أعود إلى هنا؟ # فقال لها بلهجة تشف عن الحزن العميق: ألم أقل لك إنك من النبلاء، وإنه لا يمكن أن تعيشي ~~كل العمر في منزل حداد فقير مثلي. # فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: إني سعيدة هنا. ثم عانقت داغوبير وجعلت تقول وهي تبكي: ~~إني أحبك ولا أحب أن أفارقك. ~~- إذن، إذا رأيت عمك ألتمس منه أن يأذن لي بالبقاء معك في خدمتك. # وكان من حق هذا الجواب أن يخفف دموعها، ولكنها بقيت تسيل وصعدت إلى غرفتها فجعلت تشغل ~~نفسها بإعداد الطعام. # وعند الظهر جلست مع داغوبير على المائدة، فلم تكن تبكي ولكنها كانت حزينة منقبضة تأكل ~~بدون شهية. # وبعد ذهاب البيطري عادت فاسترسلت إلى البكاء. # أما البيطري فإنه خرج من المنزل واليأس ملء قلبه، فكان يقول في نفسه: إني أعلم يقينا ~~السبب في بكائها، فإنها لا تبكي إشفاقا على فراقي بل على فراق هذا الكونت. وتوغل في الغابة ~~فجعل يبكي بدوره بكاء أشد من بكائها. # وما زال يسير وهو على هذه الحالة من القنوط حتى وصل إلى أورليان، فدفع إلى الرئيس العام ~~رسالة الأب جيروم وأخذ جوابه، ثم رجع لفوره وهو يوسع الخطى. # وكان القمر على وشك الزوال وقد حجب نوره تكاثف أشجار الغابة، فما زال يسير وهو مشتت ~~البال، حتى وصل إلى موضع الفخ في ذلك الطريق الضيق، فشعر فجأة أنه التطم به ثم شعر أن ساقيه ~~قد تقيدا، وعلم لفوره أنه سقط في فخ الثعالب. # 21 # ولنعد الآن إلى الشفالييه دي فولون، فإن القراء يذكرون أنه وضع بنوات الأحدب أمامه فوق ~~الجواد وانطلق في ms0259 تلك الغابة إلى قصره. # وقد حاول الأحدب أن يصيح ويستغيث، ولكنه لقي من وعيد الشفالييه وغدارته ما حمله على الخوف ~~والسكوت. # وما زال سائرا به على هذا الشكل حتى وصل إلى قصره، فنادى الخدم ودفع الأحدب إليهم فقال ~~لهم: خذوا هذا الفتى فاربطوا يديه ورجليه وضعوا كمامة في فمه، ثم ألقوه على هذه الحالة في ~~القبو إلى أن أفرغ من مهمتي فإنه يثقل علي. # فقال له الأحدب: لو علم الكونت أنك مسيء إلي هذه الإساءة لما رضي أن تكون بينك وبينه ~~معرفة وولاء. # فقال له الشفالييه: إن الذنب ذنبك، فقد أمرك الكونت أن تطيعني فأبيت الامتثال. ~~- إن لوسيان طاهر القلب نبيل الأخلاق، فلو علم ما أردت عمله في الغابة لما أمرني أن ~~أطيعك. ~~- قلت لك إنه يعلم. ~~- وأنا أقول لك إنه لا يعلم، فإنه يترفع عن الإساءة إلى الناس. # فغضب الشفالييه لهذا التكذيب والتقريع وأخذ سوطه فجلده به جلدا مؤلما، ثم قال للخدم: ~~احملوا هذا الوقح إلى حيث أمرتكم، وعودوا إلي في الحال فإني محتاج إليكم في هذه ~~الليلة. # فقيدوا الأحدب وكمموه وألقوه في قبو المطبخ وعادوا إلى سيدهم، فأمر اثنين منهم ليتبعوه، ~~فتبعاه وعاد بهما إلى حيث وضع الفخ في الغابة فدلهما عليه وقال لهما: إني نصبت هذا الفخ ~~لرجل سيمر بهذا الطريق بلا ريب ويعلق به، فاكمنوا بين أشجار الغابة حتى إذا رأيتماه علق في ~~الفخ قيدا رجليه ويديه قبل أن تطلقاه من الشرك، فإنه شديد وله قوة الثيران. # فقال له أحدهما: لعلنا نعرف هذا الرجل يا سيدي؟ ~~- نعم، فهو داغوبير البيطري. ~~- لقد عرفناه يا سيدي، فماذا نصنع به بعد ذلك؟ ~~- تنتظراني حتى أعود. # ثم تركهما وانصرف واضطجع الرجلان على العشب بين الأشجار. # وبعد ذلك بساعة سمع أحد الخادمين وقع أقدام، فنبه رفيقه وقال له: أعد الحبل فهذا رجلنا قد ~~وصل. ~~- إنه في يدي. # ثم اقترب القادم، فحبس الخادمان أنفاسهما. # كان القادم داغوبير، فلما وصل إلى الفخ وسقط به أسرع الشقيان وانقضا عليه، فلم يثب من ~~دهشته حتى ms0260 رأى أنه بات مقيد اليدين والرجلين بقيد وثيق. # وكان شديد القوى فبذل جهدا عنيفا كي يقطع قيده فلم يتمكن، فجعل يصيح ولكن الرجلين كمماه ~~فانقلب صياحه إلى أنين. ~~••• # أما الشفالييه فإنه ذهب إلى قصر بوربيير، فوجد لوسيان وأمه وتنوان لا يزالون ينتظرونه، ~~فلما وصل وجدهم مجتمعين في غرفة الكونتس. # وكانت الكونتس قد اتفقت مع ولدها حين غياب الشفالييه اتفاقا تاما، فقد قالت له: إنك ~~تحب يا بني هذه الفتاة، ومعاذ الله أن أعترضك في سبيل سعادتك، غير أن البيطري لا يغفل عنها ~~طرفة عين. # فهاجه الغضب؛ إذ ذكر إهانة البيطري وصبه الماء على رأسه فقال: إني سأؤدب هذا الشقي فأجعله ~~عبرة لسواه. ~~- ولكنك إذا أدبت البيطري يبقى أولئك الرهبان، وهم يحرصون على الفتاة أشد مما يحرص ~~البيطري عليها، واعلم يا بني أني ما كنت لأوافق على هذا الزواج الذي يشيننا لو لم أكن قد ~~رأيت أن هذه الفتاة غير وضيعة كما يدل ظاهرها. ~~- ولكن أية فائدة للرهبان من الحرص عليها؟ ~~- إنا يا بني في زمن ضاعت فيه حقائق الدين، وبات رجال الله أشد تمسكا منا في متاع ~~الدنيا، فإن هؤلاء الرهبان والقسس على ما يبدو من ظواهر نبلهم وزهدهم في الدنيا واشتغالهم ~~للآخرة في خدمة الله أشد منا حرصا على المال وسعيا لاكتسابه، حتى إن بعضهم قد يدفع بهم ~~الطمع والشراهة على اكتسابه من غير الوجوه المحللة المشروعة. ~~- ماذا تريدين بذاك يا أماه؟ ~~- أريد أن الفتاة التي تحبها قد لا تكون قريبة داغوبير كما يقولون، بل قد تكون من أسرة ~~نبيلة وأن الرهبان قد ضبطوا ثروتها. ~~- أيمكن ذاك؟ ~~- هذا الذي أعتقده. ~~- ولكن إذا كان كما تقولين كانوا القيمين عليها، فماذا أصنع؟ # فابتسمت الكونتس وقالت: أتكتم عني أسرارك يا بني، ألا تدري أني واقفة على جميع أمرك؟ فإن ~~الشفالييه أخبرني بكل شيء. # فاحمر وجهه وقال: أحقا ما تقولين؟ ~~- إن داغوبير سيغيب اليوم عن منزله بحيث تبقى الفتاة وحدها في المنزل. # فأخذ لوسيان يد أمه فقبلها وقال لها: إنك لا شك من ms0261 خير الأمهات، وعلى ذاك فإنك تأذنين ~~باختطاف حنة؟ ~~- نعم، على أن تأتي بها إلى هنا فتبقى تحت حمايتي إلى يوم الزواج. # فكاد لوسيان يجن من فرحه، وجعل يعانق أمه إظهارا لامتثاله. # وعند ذاك دخل الشفالييه، فقالت له الكونتس ولوسيان بصوت واحد: ماذا حدث؟ ~~- لقد جرى كل شيء وفق ما أردناه، فهلم أيها الصديق واركب جوادك فقد آن الأوان. ~~- والبيطري؟ ~~- إنه سقط في الفخ. ~~- كيف كان ذاك؟ ~~- إن الوقت لا يتسع الآن لإخبارك بهذه التفاصيل. # فقالت الكونتس: ائذن لي بكلمة أيها الشفالييه، وهي هل بات البيطري في قبضتك؟ ~~- سيكون في قبضتي بعد ساعة. # ثم التفت إلى لوسيان وقال: هلم بنا. # فامتثل، وخرج الاثنان حتى إذا ركبا جواديهما قال الشفالييه: إني لا أقتصر على نيلك مرادك ~~ممن تحب، بل إني أريد الانتقام لك ممن أساء إليك دلالة على إخلاصي في صداقتك، فإنك لا تزال ~~تذكر الماء البارد الذي صبه البيطري عليك، أما انتقامي منه فإني اصطدته كما يصطادون الثعالب ~~بالفخاخ. # وهنا قص عليه كيف نصب الفخ للبيطري، فارتعد لوسيان وقال: لا أنكر استيائي من هذا الرجل، ~~على أني لا أريد أن يبلغ انتقامي منه هذا الحد، فإني أريد تأديبه لا قتله وهذا الفخ يخنقه ~~دون شك. ~~- كلا، فقد نصبته بشكل إذا سقط فيه تقيدت رجلاه دون أن يصاب بأذى، فاطمئن بالا فما زلت ~~من المشفقين. # وسار الاثنان حتى قربا من موضع الفخ، فصفر الشفالييه ولم يكد يدوي صفيره في تلك الغابة ~~حتى أجيب بمثله، وهي إشارة اتفق عليها مع خادميه فأيقن أن داغوبير بات في قبضتيهما، وأطلق ~~لفرسه العنان وهو يقول للوسيان: اتبعني فقد سقط في الفخ. # فتبعه حتى وصلا إلى حيث كان الخادمان، فوجدا أنهما قيدا داغوبير وكمماه وألقياه إلى ~~الأرض. # وكان يضرب الأرض برأسه ويئن أنينا مزعجا كأنه يحاول الانتحار ليأسه فلا يجد إلى الموت ~~سبيلا. # فدنا منه الشفالييه وقال له بلهجة الساخر: أرأيت نتيجة الاعتداء على النبلاء أيها ~~الوقح؟ # فنظر داغوبير إلى محدثه ورأى على نور القمر وجه لوسيان، ms0262 فهاج ثائره وتحرك حركة عنيفة فكاد ~~يقطع قيده، ثم أدرك عجزه فنظر إلى لوسيان نظرات تتقد بنار الغضب وعاد يضرب برأسه ~~الأرض. # فدنا لوسيان من الشفالييه وهمس بأذنه قائلا: أول ما أشترطه أيها الصديق ألا يساء إلى ~~هذا المنكود بشيء فقد كفاه ما يلقاه. ~~- لا فائدة لنا من الإساءة إليه، وإنما نريد إقصاءه، وسأحبسه في القبو مع الأحدب. # فاضطرب لوسيان وقال: أحبست بنوات؟ ~~- نعم؛ لأنه يخدعك ويخونك. ~~- إن هذا محال. ~~- بل هي الحقيقة أرويها لك في غير هذا الموضع، فهلم بنا الآن إلى منزل داغوبير فإن الوقت ~~غير فسيح. # وقد سمع داغوبير هذه الكلمات الأخيرة، فأن أنينا هائلا خرج من صدره كزئير ~~الأسود. # فارتعش لوسيان وتوجع لمصابه، فقال للشفالييه: هلم بنا، فإني لا أستطيع النظر إلى شقاء هذا ~~التعس. # فأمر الشفالييه خادميه أن يذهبا بداغوبير إلى حيث سجنوا الأحدب، فقطع الخادمان غصنين ~~ضخمين ووضعاه عليهما وحملاه فوق الغصنين على كتفيهما وسارا به إلى منزل الشفالييه. # وكان جميع الخدم قد عادوا إلى النوم، فلم يشعروا بقدوم الخادمين بالأسير. # أما الخادمان فإنهما أدخلا داغوبير إلى المطبخ وفتح أحدهما باب القبو والمصباح بيده، فلم ~~يكد ينزل درجتين في سلمه حتى صاح صيحة قنوط؛ إذ لم يجد الأحدب في القبو. # 22 # وعند ذلك ترك الخادمان داغوبير ملقى على الأرض وبحثا عن الأحدب في القبو وجميع أنحاء ~~القصر فلم يقفا له على أثر. # وذهلا إذ لم يدع أقل أثر لفراره، لا سيما وأنه كان موثقا بحبل لا سبيل إلى قطعه. # ولنعد الآن إلى الأحدب فنبسط كيفية فراره من سجنه بعد وثوق الشفالييه وخدمه من استحالة ~~الفرار. # فقد كان هذا الفتى ذكي الفؤاد شديد الصبر على المكاره، فلما رأى أن القوة في جانب ~~الشفالييه عمد إلى الحيلة فتظاهر بالتسليم والرضوخ لما قدر له؛ لأنه كان يعلم يقينا أن ~~الشفالييه يقتله إذا كابر. # وقد كانوا قيدوا يديه وجعلوهما وراء ظهره بحيث بات نحو نصف ساعة لا يستطيع حركة لمتانة ~~القيد. # وكان ملقى على ظهره، فبينما هو على ms0263 هذه الحال سمع أصواتا غريبة فوق رأسه. # ثم شعر كأن أنفاسا تهب على وجهه، ثم صاح صيحة منكرة إذ أحس بالجرذان والفيران تصوصي من ~~حوله، فذعر ذعرا عظيما حتى إن الرعب ضاعف قوته فتمكن من الجثو على ركبتيه. # غير أن الجرذان بقيت تطوف حوله وهو يئن أنينا مزعجا؛ إذ لم يكن يستطيع الدفاع. # على أن الجرذان أجفلت لأنينه فهربت بحيث تمكن الأحدب أن يبلغ زحفا إلى الجدار ويستند ~~عليه فيقي ظهره عضها. # ولكن الجرذان لم تلبث أن عادت إليه، وكأنها أيقنت ووثقت من عجزه فلم تعد تحفل به. # وعضه أحدها عضة مؤلمة هاجت أعصابه، وزادت قوته فتمكن من قطع قيد ساقيه فوقف وجعل يركض في ~~هذا القبو المظلم وقد ملء قلبه رعبا، فكان يدوس برجليه تلك الجرذان وهي تبلغ ~~المئات. # وظل العراك بينه وبين الجرذان نحو ربع ساعة وهو يركض كالمجانين، فيبلغ برجليه من رءوسها ~~ما تبلغ أنيابها من لحمه، فقد صعد بعضها على جسمه حتى بلغ وجهه. # فكان إذا شعر بدبيبها على خده ألقى نفسه إلى الأرض ومرغ وجهه فيها فتقلب عليها تقلب ~~الملسوع، ثم رجع إلى الوقوف فكان إذا سحق بقدمه جرذا صاح صيحة ألم، فأجابه الأحدب بمثلها ~~لأن رفاق الجرذ القتيل كانت تنتقم للفور. # ولبث على ذلك حتى أعياه التعب وأوشك أن يسقط، فرجع واستند على الجدار كي يستريح هنيهة ثم ~~يرجع إلى الصراع. # غير أنه سمع فجأة أن جموع الجرذ أخذت تهرب منذعرة، كأن السماء أرسلت نصيرا لهذا ~~التعس. # وفيما هو منذهل يفكر في أسباب رحيلها رأى نقطتين تتقدان كأنهما نجمان يتألقان في سماء ~~مظلمة. # فأيقن أنهما عينا هر وجد منفذا إلى القبو، فكان السبب في خلاصه من أفظع موت. # وكان الهر واقفا فوق سلم، فخيل للأحدب أن هذا الهر معلق في القبة؛ إذ لم يكن يرى السلم ~~لشدة الظلام، ولكنه حين أمن شر الجرذان عاد إليه رشده، فأيقن أن الهر فوق سلم. # وخطر له خاطر سريع ولده في نفسه موقفه الحرج، فمشى إلى جهة الهر ms0264 حتى عثر بالسلم، فصعد ~~درجاته وهو مكتوف اليدين فلم يعد يرى عيني الهر لأنه خاف من الأحدب كما خافت الجرذان منه ~~فهرب. # أما الأحدب فإنه حين بلغ آخر السلم شعر أن رأسه قد التطم بخشب تحرك إثر الالتطام. # فعلم أنه باب يفتح من أرض المطبخ وينزل منه إلى القبو، فرفعه برأسه فارتفع وصعد درجة وهو ~~يفتح الباب برأسه حتى وصل إلى آخر درجة من السلم فوثب منه إلى أرض المطبخ. # وكان المطبخ مظلما كالقبو غير أن أشعة القمر كانت تنفذ إليه من إحدى نوافذه فكان يرى ما ~~حواليه. # وقد رأى في ما رآه المستوقد، فقال في نفسه: لا بد أن يكون فيه بقية نار خلال ~~الرماد. # وقد خطر له عند ذلك خاطر غريب، فإن المستوقد كان منخفضا فنبش رماده برجله فانكشف عن بقية ~~نار، ورأى قرب المستوقد أعشابا جافة تستخدم للوقيد فاستعان بفمه على وضع هذه الأعشاب فوق ~~النار، ثم جعل ينفخ فيها فالتهبت وتعالى لهيبها. # فأدار ظهره عند ذلك ووضع يديه المكتوفتين فوق ذلك اللهيب بشكل عرض فيه الحبل ~~للنار. # فاحترقت قميصه، ثم احترقت يداه، ولكن الحبل احترق معهما وانقطع. # فألقى نفسه في الحال إلى الأرض فتمرغ فوقها بحيث انطفأ لهيب القميص، ثم أسرع إلى موضع ~~الماء البارد ووضع يديه فيه فخف ما كان يجده من الألم. # وجعل يبحث في المطبخ حتى عثر بزجاجة زيت فصبها فوق يديه المحترقتين فساعد الزيت على تخفيف ~~آلامه. # ولما انتهى من ذلك وبات مطلق اليدين لم يعد يخطر له سوى الفرار، فخرج من المطبخ إلى ~~البستان، فاعترضته الكلاب وهمت أن تنبح، ولكنها كانت تعرف صوته لاشتراكه في جميع حفلات ~~الصيد. # وجعل يناديها بأسمائها ويبتعد حتى وصل إلى سور البستان، فتسلق الجدار ووثب منه إلى ~~الخارج. # وانطلق يعدو في الغابة حتى وصل إلى الموضع الذي نصب فيه الفخ فلم يجد له أثرا، وقال في ~~نفسه: إما أن يكون داغوبير قد سقط في الفخ، وإما أن يكون الشفالييه قد يئس منه لعدم مروره ~~في ذلك ms0265 الطريق، فرفع الفخ. # ولذلك رأى أن يذهب في البدء إلى دكان داغوبير، ويقف على الحقيقة. # 23 # ولنعد الآن إلى لوسيان وصديقه الشفالييه، فإنهما بعد أن أمر الشفالييه خادميه بالذهاب ~~بداغوبير إلى القبو سار الفارسان في طريق الدير، فقال لوسيان لرفيقه: قل لي الآن ماذا فعل ~~بنوات؟ ~~- أراد خيانتنا. ~~- هذا محال، فقد عرفت الفتى حق المعرفة. # وأخبره الشفالييه بجميع ما اتفق إلى أن قال له: إن الأحدب عرف من آثار الأقدام في الطريق ~~الذي نصب فيه الفخ أنها آثار البيطري، وأن الفخ قد نصب له فأبى الرضوخ لأن البيطري ~~صديقه. # فلما علم لوسيان أن الأحدب صديق داغوبير وهو كان يرسله بمهمات إليه بات يكره الاثنين، ~~وقال لصديقه: لقد أحسنت كل الإحسان؛ لأن عوام الشعب باتوا متفقين علينا يتآمرون على التنكيل ~~بنا كل يوم، وهذا ما جرته علينا أفكار الفلاسفة التي تساهلت الحكومة في أمر نشرها، فكانت ~~وبالا علينا نحن النبلاء، وأخذت تنتشر بين هذا الشعب. # إلا أن لوسيان لم يكن يرتئي رأي رفيقه فلم يناقشه في هذا الموضوع، وسأله عما فعل بالأحدب ~~فأخبره. # وسأله: وماذا تصنع بداغوبير؟ ~~- كما صنعت بالأحدب. ~~- لعلك تطيل سجنه؟ ~~- إلى أن يتم عقد زواجك بحنة، فإنه إذا خرج من السجن قبل الزواج ذهب إلى رئيس الدير ~~وأخبره بما اتفق، فأفسد عليك الأمر؛ لأن الأب جيروم إذا وقف على الحقيقة قبل فوات الأوان، ~~ذهب إلى رئيس الدير العام فأقام الدنيا وأقعدها واسترجع منك الفتاة. # وعلى ذلك يجب أن نحتاط كل الاحتياط، وإني واثق من رجالي ولا خوف من إفلات البيطري ~~والأحدب، فإذا أحسنت السلوك كانت حنة طوع إرادتك بعد ساعة وتذهب بها إلى أمك، وفي اليوم ~~التالي تسافر بها إلى باريس. ~~- إذن ستحتفظ بداغوبير والأحدب؟ ~~- نعم. ~~- ولكنك لا تسيء إليهما؟ ~~- أعدك وعد صادق. ~~- إذن أنا ذاهب إلى حنة. # فنظر الشفالييه في ساعته وقال: كلا، لم يحن الوقت بعد؛ إذ يجب أن ننتظر حتى يبدأ الرهبان ~~بصلاة الفجر. # فتنهد لوسيان وتاه في فيافي التصورات، وكان يحسب كل ما هو ms0266 فيه حلما؛ لأنه سيختطف حنة وقد ~~أسر البيطري ووافقت أمه على زواجه، وكل ذلك لم يكن يخطر له في بال. # ثم إنه مضى به ثمانية أيام لم يقف في خلالها على شيء من أخبار ابنة عمه أورور. # وكان يفكر في جميع هذه الأمور وهو ساهي الطرف، والشفالييه ناظر إليه يقرأ أفكاره ولا ~~يكلمه إلى أن نظر لوسيان إليه فجأة، وقال له: إني خائف أيها الصديق. ~~- مما الخوف؟ ~~- أخشى ألا توافقني حنة على الفرار؛ لأنها تحترم داغوبير أشد الاحترام. ~~- ولكنها تحبك أشد حب. ~~- هو ذاك، ولكنها ربيت تربية دينية، وهي تعتبر داغوبير قيما عليها، فأخاف أن يغلب دينها ~~حبها فيمنعها عن ارتكاب هذه الهفوة. ~~- إذن قل لها الحقيقة، وهي أنها ضحية الرهبان وأن داغوبير آلة في أيديهم. ~~- وإذا أصرت على الإباء؟ ~~- عندها ترجع إلي ونختطفها بالقوة، ومتى وصلت إلى منزلك ورأت أمك يخف ما عندها؛ إذ توقن ~~عندئذ من نبالة قصدك. ~~- سأذهب على بركة الله وليفعل الله ما يشاء. # وعندها أوقف الشفالييه جواده فجأة، وقال للوسيان بصوت منخفض: اصمت وأصغ. # وأصغى لوسيان هنيهة، ثم قال لرفيقه: ماذا سمعت فإني لم أسمع شيئا؟ ~~- لقد خيل لي أني سمعت وقع أقدام بين الأدغال. ~~- ربما كان ذلك صوت مسير حيوان. ~~- ربما، ولكني قلق البال. ~~- ما يحملك على القلق؟ ~~- إني لو لم أكن واثقا أن بنوات الأحدب سجين، لقلت أن هذا الصوت صوت وثبه. ~~- إنك واهم أيها الصديق، فربما كان الذي سمعته صوت حفيف الأوراق. ~~- ربما، فلنواصل السير. # وسار الفارسان ولم يبتعدا قليلا حتى رجع الشفالييه إلى الوقوف، وقال: إني لست مخطئا هذه ~~المرة، وقد سمعت الصوت نفسه ولا بد لي أن أتحقق. # ثم دفع جواده إلى جهة مصدر الصوت، فطاف هنيهة باحثا وعاد وقال: أظن أني مصاب بدوي في ~~أذني لأني لم أر أحدا. ~~- قد يكون ذلك صوت سير حيوان كما قلت لك، ولنواصل السير فقد اقتربنا من الدير. ~~- بل أرى الأفضل أن أنتظرك هنا. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك إذا كنت وحدك قد تفتح لك حنة ms0267 الباب، وأما إذا رأتني فلا يمكن أن تفتحه. ~~- لقد أصبت أيها الصديق. ~~- إذن سر، فإذا أصرت على الرفض ورأيت أنك محتاج إلي، فصفر لي أحضر إليك في ~~الحال. # فتركه لوسيان وانصرف وبقي الشفالييه وحده ينتظره، فما مضت هنيهة حتى ارتعش؛ إذ سمع ذلك ~~الصوت السري للمرة الثالثة. # ولكن الصوت كان قريبا جدا منه، فقال في نفسه: لم يبق لدي ريب أن الصوت صوت أقدام ~~لص. # وعند ذلك أخذ مسدسه من جيبه، ودفع جواده إلى الغابة. # ولم يكد ينتقل به من مكانه حتى أصيب برصاصة بندقية، فصاح صيحة ألم وانقلب يهوي عن جواده ~~إلى الأرض متضرجا بالدماء. # 24 # ولا بد لنا لمعرفة هذا القاتل من اتباع الأحدب حين خروجه من القبو، وقد تركناه متوجها ~~إلى منزل داغوبير ليعلم إذا كان قد سقط في الفخ، أو سلم منه فينذره إذا وجده في منزله بأن ~~لوسيان يريد اختطاف حنة. # وكان يعرف جميع طرق الغابة، وقد وثق أن لوسيان يبغي اختطاف الفتاة بدليل اتفاقه مع ~~الشفالييه على أسر داغوبير. # وجعل يسير بسرعة الغزلان في أقصر الطرق المؤدية إلى الدير، وهو يرجو أن يبلغ إليه قبل ~~وصول الكونت والشفالييه، فإما يجد البيطري ويخبره أو لا يجده ويحول دون بغية الكونت في ~~الحالين. # وفيما هو يعدو في تلك الغابة وقد احتجب القمر بالغيوم، سمع فجأة صوت رجل يقول له: من ~~أنت؟ # فذعر وقال: أنا بنوات. ~~- لقد أخفتني يا بنوات. # وعرفه الأحدب من صوته وقال له: أهذا أنت يا جاك؟ # وكان هذا الرجل الفلاح الذي أساءت إليه الكونتس أورور في بدء هذه الرواية لقتله الأيل ~~التي كانت تطارده. # ودنا الأحدب منه وقال له: لقد بكرت بالصيد يا جاك. ~~- كلا، إن الفجر سوف ينبثق، وقد حسبتك أحد حراس الغابة فخفت منك. # وكان الأحدب قد رأى عن بعد فارسا قبل أن يرى جاك يسير في طريق الدير، فحسبه داغوبير وجعل ~~يثب بغية إدراكه، حتى التقى بجاك فحال دون قصده، فقال لجاك: إني أراك قادما من جهة الدير، ~~أرأيت داغوبير؟ ms0268 ~~- كلا. ~~- ولكن من هو الفارس الذي يسير في طريق الدير؟ ~~- ليس هو فارسا بل فارسين لم أعرفهما لأني لم أتبينهما. ~~- وا أسفاه! إني أخشى أن يكون أصيب داغوبير بمكروه. # ثم أخبره بجميع ما عرفه عن المكيدة. # فغضب الفلاح وقال : يجب أن نضع حدا لعسف هؤلاء الذين يدعون أنفسهم نبلاء، وما هم إلا من ~~أسافل الرعاع. ~~- إذا كان الذين رأيتهما فارسين لا بد أنهما الكونت والشفالييه، هلم نتبعهما فإنهما ليسا ~~بعيدين عنا. # وعند ذلك جعل الاثنان يعدوان إلا أن الأحدب رأى رفيقه لا يستطيع مجاراته في العدو. # ورجع إليه وقال له: إنك لا تستطيع إدراكهما معي أيها الصديق، فأعطني بندقيتك. ~~- أتريد أن تقتل بها لوسيان؟ ~~- كلا، بل الشفالييه الذي دفعه إلى ارتكاب هذا المنكر. ~~- خذ، إني أود قتل كل نبيل يتذرع بنبله إلى الشر. # ولم يكن بنوات هذا قد أساء إلى أحد في حياته، فقد فطر على الصلاح، إلا أن الانتقام هاج ~~بصدره وسهل له ارتكاب الجريمة، لا سيما وأنه كان لا يزال يشعر بألم شديد في يديه من ~~الحرق. # وأخذ البندقية وجعل يثب بين الأدغال في أثر الفارسين، وبجنب الطريق العام حتى أدركهما على ~~قيد عشرين خطوة. # ورأى أن لوسيان قد انفصل عن الشفالييه فوضع البندقية على كتفه وصوبها على الشفالييه، ثم ~~أطلقها عليه مرتين وأصابه إصابتين إحداهما في كتفه والأخرى في صدره فسقط صريعا وانتقم ~~الأحدب منه. # وكان لوسيان قد بعد نحو ثلاثمائة متر عن الشفالييه وسمع دوي البندقية ولكنه لم يسمع صيحة ~~الشفالييه فحدثه قلبه بمصاب، إلا أنه كان قد اقترب من منزل داغوبير ورأى عن بعد نورا يضيء ~~فيه، فارتجف قلبه وقال في نفسه: إن حنة قد تكون في انتظاري. # ولم يعد يفتكر بذلك الدوي، وقال: قد يكون ذلك من أحد الصيادين. # ودفع جواده إلى منزل داغوبير، وهو يكاد يسقط عنه لفرط اضطرابه. # فلما اقترب من المنزل أوقف جواده، وترجل عنه وربطه في إحدى أشجار الغابة، ومشى إلى ~~المنزل، ورأى أن النور ينبعث من الدكان لا من ms0269 المنزل. # ووجف قلبه واقترب من الدكان ووضع عينه على ثقب الباب، فلم يكد ينظر إلى الداخل حتى تراجع، ~~وقد اصفر وجهه، وجمد الدم في عروقه. # ذلك أنه رأى حنة جالسة في وسط الدكان ولكنها لم تكن وحدها، بل كان معها امرأة أخذت يدها ~~بين يديها دون كلفة، وهي تحدثها وتبتسم لها ألطف ابتسام. # أما تلك الفتاة فقد كانت خطيبته السابقة، مدموازيل أورور ابنة عمه. # 25 # ولا بد لنا لإيضاح السبب في وجود الكونتس أورور عند ربيبة الدير في هذه الساعة المتأخرة ~~من الليل، أن نعود بالقارئ إلى منزل هذه الكونتس. # لقد تركناها وقد فتحت ذلك الصندوق الذي أعطاها إياه الخادم الشيخ بنيامين، وإنها أخرجت ~~منه مدالية فيها تمثال امرأة وصاحت صيحة دهش حين رأت تلك الصورة؛ لأنها كانت تشبه ربيبة ~~الدير شبها عجيبا، ونادت عند ذلك بنيامين، ولكنه كان قد انصرف حين دفع لها ~~الصندوق. # ولبثت أورور حائرة مترددة لا تعلم أتنادي بنيامين أيضا، أم تتم فحص ما حواه الصندوق إلى ~~أن أقرت على الرأي الأخير. # ووجدت في ذلك الصندوق كتابين، كتب على أحدهما: «إلى ابنتي تفتحه حين تبلغ الخامسة عشرة من ~~عمرها»، وعلى الثاني: «إلى ابنتي تفتحه بعد الكتاب الأول بعامين.» # فقالت أورور في نفسها: إني قد بلغت الآن الثامنة عشرة من عمري فصار يحق لي فتح ~~الكتابين. # وعند ذلك ذهبت إلى باب حجرتها وأقفلته من الداخل، وعادت إلى الكتابين ففضت الأول منهما ~~وقرأت ما يأتي: # إلى ابنتي الحبيبة # أكتب إليك هذا الكتاب من ميونخ، وأنا في شر حال وقد اجتمع الأطباء حول سريري ~~يتشاورون في أمري. # إن هؤلاء الأطباء الذين أنارهم العلم لم يتفقوا على مرضي، ولكنهم اتفقوا على موتي ~~فرأى بعضهم أني أعيش أيضا ثلاثة أشهر، وارتأى آخرون أني أموت بعد أسبوعين. # إني كنت مطبقة عيني حين قضوا علي هذا القضاء المبرم فحسبوني مغميا علي، ~~ولكني كنت أسمع ما كانوا يقولون فذعرت يا ابنتي ذعرا شديدا حين سمعت بأذني القضاء ~~علي بالموت، إلا أني لم أخش الموت ms0270 حبا بالحياة فقد طالما ناديت رسوله، ولكني ~~خشيته لأنه سيكون السبب في التفريق بيني وبينك. # إنك لا تزالين طفلة حين أكتب هذا الكتاب يا أورور، فإن قدر لك أن تفتحيه بعد ~~موتي؛ أي بعد أن تفصل بيننا هوة الأبد. # إني لا أعلم ما يكون مصيرك بعدي، فإما أن تكوني ابنة قلبي وأحشائي أو تكوني ابنة ~~الأحشاء فإني أكون بعيدة عنك، ولكن عيني بنيامين الوفي المخلص الأمين ستنظران إليك، ~~وهو الذي يعلم حقيقة مصيرك. # إن أباك يا ابنتي الحبيبة مذنب عظيم، بل أجسر على القول إنه من أهل الجرائم، فهل ~~تكونين ابنتي أو ابنته؟ وهل تمزج طباعه وأخلاقه الفاسدة في دمائك أم ترثين من ~~أخلاقي؟ هذا هو الشك الهائل الذي لا يروعني سواه وأنا أنزل درجات القبر. # إنك حين تفتحين هذا الكتاب تكونين قد بلغت مبلغا من الصبا يعينك على درس أخلاق ~~والدك، فإذا قدر لك أن تفتحيه فارثي لحال أمك واعلمي أنها ماتت موت الشهداء. # إن بيني وبين والدك الشفالييه دي مازير سرا هائلا يا ابنتي لا يخلق أن تعلميه ~~وأنت لا تزالين في مقتبل الشباب، فإذا بلغت الثامنة عشرة من عمرك يدفع إليك بنيامين ~~كتابي الثاني فتقفين على هذا السر وتعلمين ما يجب أن تصنعيه، ويعلم بنيامين أي ~~الخلقين ورثت من والدك وأمك. # الوداع يا ابنتي، بل إلى اللقاء، فإني أحب أن أموت متزودة بهذا الأمل المعزي وهو ~~أن نفوس الصالحين تلتقي في العالم الأخير. # أمك # كريتشن # فلما قرأت أورور هذا الكتاب أصيبت بذهول شديد، ثم جعلت تناجي أمها باكية فتقول: عفوك يا ~~أماه، فإن أخلاق أبي قد أفسدت نفسي ولكن روحك الطاهرة ستصلح ما فسد. # وأخذت ذلك الكتاب وجعلت تقبله، ثم اهتزت فجأة وقد ذكرت ما كتبته لها عن ذلك السر، فتاقت ~~إلى الاطلاع عليه وفضت الكتاب الثاني وقرأت ما يأتي: # إنك إذا قرأت يا ابنتي هذا الكتاب تكونين قد اقتبست حقيقة من أخلاق أمك. # ولذلك أستطيع أن أخبرك بكل شيء ... إنك تجدين في الصندوق الذي يعطيك إياه ms0271 بنيامين ~~دفترا، وهذا الدفتر يتضمن تاريخ حياتي، فقد قلت لك في كتابي الأول إني أموت موت ~~الشهداء، ذلك أني مت مسمومة يا ابنتي في منزل والدك. # إنهم دسوا لي في الطعام سما هائلا منذ عامين يقتلني تباعا، كي لا تظهر ~~جريمتهم للعيون. # افتحي الدفتر واقرئي ما فيه تعلمي كيف ماتت أمك التعيسة وتعرفي أسماء ~~قاتليها. # وإني أخبرك يا ابنتي قبل أن أودعك الوداع الأخير، أنه يوجد فتاة تزيدك سنا تتصل ~~بك بأشد أواصر القربى، وأنت لا تعلمين أن هذه الفتاة أختك وتحسبين أنك ~~وحيدة. # فلما وصلت أورور إلى هذه الجملة صاحت صيحة دهش وسقط الكتاب من يدها. # ولما ثابت من دهشتها قامت إلى جرس دقته دقا عنيفا وفتحت الباب للحال ودخل بنيامين، فقد ~~كان واقفا قرب الباب لوثوقه أنها ستدعوه إليها لتسأله، فوجد الدمع يجول في عيني أورور فقال ~~لها: هو ذا أتيت يا سيدتي، فبماذا تأمرين؟ ~~- أريد أن تخبرني كل شيء. ~~- ماذا تأمرين يا سيدتي أن تعرفي؟ ~~- أريد أن أعرف لماذا لم يقل لي أبي؟ ولماذا لم تقل لي أنت إن لي أختا؟ ~~- هي الحقيقة، فلك أخت. ~~- ولكن أين هي؟ وماذا جرى لها؟ لعلها ماتت؟ ~~- لا أعلم. # فقالت بصوت يضطرب: إني قرأت الكتابين يا بنيامين وأريد أن أعرف كل شيء. ~~- لعلك قرأت الكتاب الثاني إلى نهايته؟ # فارتعشت وقالت: كلا. ~~- إذن أتمي قراءته. # فأخذت الكتاب من الأرض وأتمت قراءته، فقرأت ما يأتي: # إن لك أختا، وقد حاولوا قتلها كما قتلوني، إلا أن رجلا مخلصا لنا أنقذها، وأنا ~~لا أعلم إذا كان يستطيع إخفاءها عن أعين أولئك القتلة الآثمين، ولكني أسأل الله أن ~~يقيها من هذه الوحوش الضارية. # إني لا أعلم يا أورور أين تكون أختك حين تقرئين هذا الكتاب، ولكنك إذا كنت قادرة ~~باسلة، فاجعلي همتك البحث عنها وحمايتها من كيد المعتدين. # الوداع، بل إلى اللقاء فإني أنتظرك في السماء؛ حيث نجتمع لدى الديان نصير ~~المظلومين. # أمك # كريتشن # فنظرت أورور إلى بنيامين وقالت له: إذن لي أخت، ولكن لماذا لم ms0272 يخبرني أبي بها؟ ~~- لأنه يحسبها ميتة. ~~- أهي ميتة؟ # فأجابها بنيامين بصوت منخفض: لا أعلم، ولكن موتها أفضل من حياتها. # فاضطربت أورور وتوقعت الإباحة بأمر خطير لم تجسر على السؤال عنه، فأخذت الدفتر وجعلت ~~تقلبه بين يديها وهو الدفتر المتضمن تاريخ حياة أمها وبيان أسماء قاتليها. # وكان الدفتر مختوما بالشمع الأسود، فكانت تدني يدها من ذلك الختم فتقشعر منه كأنه نار ~~يحرقها ولا تجسر على مسه. # وفيما هي على ذلك، أصاب نظرها تلك المدالية المرسومة فيها صورة المرأة، فاختلجت وقالت ~~لبنيامين: من يمثل هذا الرسم؟ # فأجابها بصوت يتهدج: إنه رسم أمك يا سيدتي. # فصاحت الكونتس صيحة دهش وقالت: إذن لقد بت واثقة أن أختي لا تزال في قيد الحياة. # وعندها خرج بنيامين وقرأت أورور ما يأتي ... # 26 # إن أسرة ولدتر كارلوتنبورج هي أقرب أقرباء الأسرة المالكة في بافاريا، ولم يكن باقيا من ~~هذه الأسرة النبيلة إلا فتاة وهي الأميرة هيلانة. # إن هيلانة دي كارلوتنبورج كانت بين الثامنة والعشرين والثلاثين من العمر، وهي بارعة ~~الجمال كثيرة الدلال والإدلال، فكانت سمر النوادي العالية في حلقات المتحدثين. # وقد كان رغب في زواجها كثير من الأمراء غير أنها أبت إجابة أحد من خطابها احتفاظا ~~باستقلالها. # إلا أنهم كانوا يتحدثون همسا في الآذان أنها متزوجة زواجا سريا منذ بضعة أعوام برجل ~~نبيل يدعى الكونت دي مازير. # وكان هذا الكونت في الثلاثين من عمره، تدل ظواهره على الغنى وهو فقير، ولكنه نال منصبا ~~كبيرا بفضل المساعدة الخفية فأرسله ملك فرنسا سفيرا لمملكته إلى بلاط ميونخ. # فبعد أن تولى هذا المنصب بعامين استدعي فجأة إلى باريس لسبب موت أحد أخويه. # وكان أخوه قد مات عن أرملة وطفل صغير يبلغ بضعة أشهر، وهو فقير أيضا مثل أخيه الكونت ~~السفير. # ففي اليوم التالي لسفره لوحظ أن البرنسيس هيلانة لم تكن في البلاط، وعلموا بعد يومين أنها ~~سافرت إلى باريس، فلم يبق شك لدى جميع نبلاء ميونخ أنها متزوجة حقيقة بالكونت دي ~~مازير. # وكانت هذه الأميرة كثيرة الغنى يحبها الملك حبا ms0273 شديدا أبويا ولا يصبر على فراقها، ~~فكانت كثيرة الإدلال عليه تنال بنفوذها عليه كل ما تريد. # وهي شديدة الكبرياء، ومن أخلاقها الغيرة وحب الانتقام، ولم يكن لديها من المخلصات لها إلا ~~فتاة فرنسية ولدت في ألمانيا، فكانت لهذه الأميرة صديقة ووصيفة ، وقد وهبتها الطبيعة جمالا ~~باهرا فكان هذا علة شقائها. # إن هذه الفتاة كانت تدعى كريتشن، وأما اسم عائلتها فقد كانت تجهله. # إلا أن الأميرة كانت تعلم اسم عائلة كريتشن ولكنها لم تكن تخبرها به لسبب خفي لم تستطع ~~إدراكه على شدة اتصالها بها. # وكل ما كانت تعرفه كريتشن عن عائلتها أن أباها قدم إلى ميونخ مضطهدا فقيرا، فتزوج نبيلة ~~من نساء تلك العاصمة، وأن أباها مات بعد شهر من موت أمها وهي لم تبلغ العام من العمر، ولم ~~يعلم أحد كيف كان موتهما ما خلا رجلا كان خادما في منزلهما يدعى فريتز. # فلما بلغت كريتشن الخامسة عشرة من عمرها ورد إلى فريتز كتاب من فرنسا، فسافر إلى فرنسا ~~على إثر ورود الكتاب تاركا كريتشن لعناية امرأته. # وقد طال غياب فريتز فمرضت امرأته وماتت بعد ستة أشهر لسفره، فباتت كريتشن فريدة وحيدة في ~~هذا الوجود. # إلا أن عين العناية كانت ترمقها، فإنه لم يمر بها على انفرادها ثلاثة أيام حتى وقفت مركبة ~~تجرها أربعة جياد وعليها شعار النبلاء وخرجت منها سيدة وهي البرنسيس هيلانة دي كارلوتنبورج، ~~فإن الأميرة كانت مرت منذ بضعة أشهر بهذا البيت ورأت كريتشن فأثر بها جمالها وأرادت أن ~~تجعلها في حاشيتها. # فلم تجد كريتشن بدا من القبول؛ إذ باتت وحيدة في الوجود. # على أن فريتز لم يكن قد مات كما توهمت كريتشن، فلما عاد من فرنسا إلى ميونخ وعلم بأن ~~كريتشن عند الأميرة تجهم وجهه، وذهب إلى قصر الأميرة فالتمس مقابلتها، فوجد أن كريتشن باتت ~~في أرقى منزلة لدى البرنسيس، فلم يجسر على أن يسألها الفرار معه، ولكن البرنسيس أذنت ~~بمقابلته، فخلا بها مليا، ولم تعلم كريتشن ما دار بينهما من الحديث في ذلك الاجتماع إلا ms0274 ~~بعد زمن طويل. # غير أن فريتز أقام منذ ذلك اليوم في قصر الأميرة خصيصا لخدمة كريتشن، فكان يلازمها ~~ملازمة ظلها كأنها مهددة بخطر سري هائل. # ومر عامان، وفي ذلك العهد سافرت الأميرة إلى باريس وصحبت معها كريتشن وفريتز. # وكانت كريتشن قد تربت أفضل تربية في قصر الأميرة وتعلمت خير تعليم، وقد ترعرعت وباتت فتنة ~~الناظرين بجمالها حتى إن الكونت دي مازير الذي كان لا يكاد ينظر إليها في بدء دخولها في ~~خدمة الأميرة بات الآن مدلها مفتونا بها. # وكانت الأميرة قد تزوجت حقيقة بالكونت دي مازير، وإنما بقي هذا الزواج مكتوما لأن ملك ~~بافاريا أبى الموافقة عليه. # أما الكونت فقد كان في مقتبل الشباب، وهو جميل الوجه حلو الحديث كثير التفنن خلافا ~~لكريتشن، فقد كانت على أتم السلامة، فلم يستطع قلبها الصغير مقاومة عيني هذا الكونت فعلقت ~~في شركه، وكانت الأميرة لا تعلم شيئا مما جرى بينهما، على أن الكونت كان قد أقسم لكريتشن ~~أنه عشيق الأميرة وليس زوجها كما يشيعون، وأنه سيتزوج كريتشن، فصدقته الفتاة لسلامة نيتها ~~وسقطت في حبال غرامه. # وكانت مدة إقامة الأميرة في باريس قصيرة لا تتجاوز شهرين، غير أن كريتشن كانت تصحب ~~الأميرة إلى الأوبرا فكانت تدهش الناس بجمالها، وقد اتفق يوما أنها كانت في صحبة البرنسيس، ~~فلقيهما اثنان من حراس الملك وأظهرا لها ودادا عظيما. # وكان أحدهما يدعى الكونت دي بوفوازين، والآخر راوول دي مورليير. # ففي اليوم التالي ورد إلى كريتشن كتابان من هذين الحارسين، فعثر فريتز اتفاقا على أحد ~~هذين الكتابين وهو كما يأتي: # سيدتي # إني رأيتك ساعة واحدة فأحببتك، ولي صديق وفي رآك كما رأيتك وأحبك كما أحببتك، ~~وكلانا يضع نفوذه وثروته رهن خدمتك، وأقسم كلانا أن يبقى على وفاء صاحبه إذا قدر ~~لأحدنا أن ينال حظ رضاك عنه دون الآخر. # وكان هذا الكتاب موقعا عليه باسم الكونت دي بوفوازين ولم يصل إلى كريتشن. # أما كتاب راوول فقد وصلها، ولكنها كانت وا أسفاه تحب الكونت دي مازير، ولم تكن لتقابل ~~راوول لو ms0275 لم يكن قد ورد إليها منه كتاب آخر في منتهى الخطورة. # وهنا توقفت أورور هنيهة عن القراءة، وقالت: رباه! إن كريتشن هذه كانت أمي. # ثم عادت بعد استرسالها إلى التفكير إلى تلاوة كتاب راوول الثاني، فقرأت ما يلي: # إلى مدموازيل كريتشن دي فلارس # لقد عرفنا يا سيدتي باتفاق غريب اسمك ورسم عائلتك، فأنت من بقايا أسرة أقسمت ~~مع رفيقي على أن نسفك في سبيل الإخلاص لها دماءنا. # وإن كلينا يا سيدتي يحبك أصدق حب، وكلانا يرجو تحقيق رجائه بزواجك، ولكننا لا ~~نخدمك من أجل الحب وحده، بل إن الذي يدفعنا إلى هذه الخدمة واجب مقدس يجب علينا ~~قضاؤه. # إنك يا سيدتي على جمالك وطهارة قلبك وكونك من ملائكة الله، يحيط بك أعداء ~~أشداء لا بد لنا أن ننقذك من قبضتهم. # وكلانا شريف وفي، فاعتمدي على وفائنا وشرفنا، واعلمي أنه يجب أن نراك في ~~هذه الليلة نفسها كي تعلمي ما يحدق بك من الأخطار. # وإن مقابلتك في قصر الأميرة محال، ولكن يوجد منزل مقابل لذاك القصر يدخل إليه ~~من رواق ضيق، فإذا كنت لا تشكين بولائنا فاحضري إليه في الساعة الثامنة من مساء ~~اليوم تجديني في انتظارك مع صديقي الكونت دي بوفوازين فإننا نقيم سواء في هذا ~~المنزل. # المخلص الوفي # راوول دي مورليير # غير أنه حال دون قصدها عزم الأميرة على الرجوع إلى ميونخ في اليوم ~~نفسه. # وكان الفارسان قد رشوا أحد خدم القصر فأوصل إلى كريتشن هذه الرسالة، واضطرت ~~كريتشن أن تبقى مع الأميرة كل ذاك اليوم لإعداد معدات السفر فلم تفارقها ~~لحظة. # حتى إذا خرجت الأميرة مع حاشيتها إلى المركبات دنا الخادم من كريتشن وأعطاها ذاك ~~الكتاب. # وقد ركبت الأميرة والكونت دي مازير في المركبة الأولى، وركبت كريتشن وسيدة لابسة ~~ملابس الحداد ومعها طفل صغير في المركبة الثانية. # أما السيدة التي كانت لابسة ملابس الحداد فقد كانت أرملة أخي الكونت دي مازير ~~الذي مات حديثا، وقد رضيت بالسفر إلى ألمانيا والعيش مع أخي زوجها في منزل ~~الأميرة. # وأما كريتشن ms0276 فإنها لم تستطع فتح الكتاب إلا في المحطة الأولى. # ولما أقبل المساء وصلوا إلى سانوتياري فنزلوا في أحد فنادقها، وهناك أطلعت كريتشن ~~فريتز على كتاب راوول، فقرأه فريتز واصفر وجهه وقال لها: لم يعد لي بد يا سيدتي من ~~أن أقول لك الحقيقة، فإن الاسم الذي ذكر في الكتاب هو اسمك الحقيقي. ~~- ولكن كاتب الكتاب يقول إن لي أعداء أشداء، فكيف يكون لي أعداء؟ # فاضطرب فريتز وقال: إن أعداءك يا سيدتي هم أعداء أبيك وجميع أسرتك. ~~- لعلك عرفت أبي؟ ~~- إنه مات بين يدي. # وعندها أخذ فريتز يقص عليها تاريخ أسرتها فقال لها: إن أسرتك فرنسية وقد كانت ~~شهيرة في القرن الماضي، وقد أسر جدك في حصار مجدبورج وسقط في قبضة البارون ولدتر ~~وهو جد البرنسيس هيلانة. # وكان لهذا البارون امرأة صبية حسناء في حين أنه كان شيخا قبيحا شريرا، وكان ~~جدك المركيز دي فلارس جميلا وهو في الخامسة والعشرين من عمره فأحبته البارونة، ~~ولما عقد الصلح بانتهاء الحصار جاء جدك المركيز إلى فرنسا وقد انثنى عن حب البارونة ~~وحسب أن سر غرامهما لم يعلم به أحد، غير أنه كان منخدعا في ظنونه. # وبعد أن عاد إلى فرنسا تزوج، فلم يمر بزواجه ثلاثة أشهر حتى ماتت امرأته بعد أن ~~لقيت آلاما لا تطاق ولم يدر أحد من الأطباء حقيقة مرضها. # وبعدها بشهرين هاجم المركيز جدك عصابة متنكرة فأثخنوه جراحا وتركوه صريعا وهم ~~يعتقدون أنه لقي حتفه. # ولكنه لم يمت، بل شفي من جراحه وتزوج ثانية بعد هذه الحادثة بعام، فولدت له ~~امرأته ثلاثة بنين. # ومضى على زواجه عشرون عاما، فبينما هو نائم ذات ليلة في المنزل دخل بعض الأشرار ~~إلى غرفة رقاده وقتلوه بالخناجر، فأفرغت الحكومة مجهودها في البحث عن القاتل فلم ~~تقف له على أثر. # وكان أبناء المركيز قد شبوا، فمات اثنان منهم بذاك المرض الخفي الذي ماتت به ~~امرأة جدك الأولى، أما الولد الثالث فقد وردت إليه رسالة خالية من التوقيع هذا نصها: # احذر لنفسك فإن أباك المركيز قد ms0277 أغوى امرأة البارون ولدتر كارلوتنبورج، ~~وهذا هو السبب في ما تلقاه عائلتك من النكبات المتتابعة. # أما الولد الثالث فهو أبوك يا سيدتي، وقد كان له صديقان أصغر منه سنا وهما ذانك ~~الحارسان اللذان كتبا لك. # وكان يوجد في باريس في تلك الأيام ابن البارون ولدتر الأكبر، وهو شقيق البرنسيس، ~~فخاصمه أبوك وقتله في مبارزة، وكان شاهده في المبارزة صديقاه دي بوفوازين ~~وراوول. # فلما قتل البرنس، وكان الملك قد جعله برنسا قبيل مقتله حسب أبوك أن جذوة الأحقاد ~~العائلية قد خمدت، ولم يكن له من العمر غير ثلاثين عاما، فأراد الزواج استبقاء ~~لاسم عائلته؛ إذ لم يبق منها سواه. # ولكنه أخطأ في حسابه فإنه في اليوم التالي لزواجه وجد امرأته مخنوقة في سريرها، ~~فملأ الرعب قلبه وبرح باريس متنكرا وقد غير اسمه، فأقام في ميونخ متنكرا باسم ~~شارل ريتربرج، وهناك تزوج أمك وبعد عامين ولدتك، وذاك منذ ستة عشر عاما، لكنها ~~ماتت بعد ولادتك موتا فجائيا، وبعد بضعة أيام مات أبوك، ولكنه تمكن قبل مفارقة ~~الروح من أن يقص علي هذا التاريخ العائلي المحزن. # فلما فرغ فريتز من حكايته قالت له كريتشن: إذن إن هذه الأميرة التي أعيش في ظلها ~~هي ابنة قاتلي أسرتي؟ ~~- نعم. ~~- إذا كنت تعرف ذاك، فكيف تركتني أقيم في منزلها؟ ~~- إن الأقدار أرادت أن تكوني في منزلها يا سيدتي، فإن أباك حين برح فرنسا باع ~~جميع موجوداته فيها، وقد أمرني وهو على فراش الموت أن أنتظر إلى أن تبلغي الرابعة ~~عشرة من عمرك فأذهب إلى باريس لاسترجاع ثروتك. # فلما بلغت هذا العمر سافرت إلى باريس امتثالا لأمر أبيك، فبحثت بحثا مستفيضا ~~عن تلك الثروة فلم أظفر بها؛ لأن جدتك كانت قد أدركتها الوفاة، ولم يكن يعرف مكان ~~هذه الثروة إلا صديقي أبيك وهما دي بوفوارين وراوول، ولكني لم أعرفهما في ذاك ~~الحين. # فلما عدت بالخيبة إلى ميونخ وعلمت أنك في قصر الأميرة جمد الدم في عروقي من ~~الإشفاق عليك، وأسرعت إلى قصر الأميرة فالتمست مقابلتها وكنت عازما ms0278 على قتلها إذا ~~لم تأذن لك بالخروج معي من قصرها. # إلا أني لقيت منها ما أثناني عن هذا العزم، فإنها أظهرت لي حنوها عليك وحبها إياك ~~والدموع تذرف من عينيها، ودلائل الصدق بادية في لهجتها، ثم قالت لي: إني لست سفاكة ~~ولا أنا من أهل الانتقام، وإني أصلح ما أفسده آبائي بذلك الحقد القديم ويكون ذاك ~~الإصلاح بإحساني إلى هذه الصبية. # ثم تنهدت وقالت: والآن خذها إذا شئت، ولكني أقسم لك بالله العلي أني لا أنتقم ~~منها قياسا على ما جرت عليه أسرتي مع أسرتها، بل إني أحبها كما تحب الأخت ~~أختها. # وهنا عادت إلى البكاء فلم يبق لدي شك بصدق نيتها وسلامة طويتها. # هذا ما أعلمه من سر عائلتك وأنت تعرفين البقية، فانظري الآن في أمرك، فإذا كنت ~~خائفة فارجعي إلى باريس وأقيمي فيها بحماية ذينك الحارسين، وإذا كنت واثقة من ولاء ~~الأميرة فابقي في قصرها. # فخطر لكريتشن في تلك الساعة الكونت دي مازير وقالت لفريتز: بل أبقى مع الأميرة ~~فإن ثقتي بها شديدة. # وإنما أرادت البقاء مع الأميرة لهيامها بالكونت دي مازير. ~~- إذن عولت على الرجوع إلى ألمانيا؟ ~~- نعم. ~~- ليحرسك الله ويقيك شر الأعداء. # وفي اليوم التالي سافرت الأميرة مع كريتشن إلى ألمانيا فوصلت إلى ميونخ بعد ~~ثمانية أيام، وكان الكونت قد زاد هياما بها وهي بلغت في هواه حد الجنون. # فلما وصلت أورور في قراءة هذا الدفتر إلى هذا الحد، وضعت رأسها بين يديها وقالت بصوت ~~منخفض تكلم نفسها: ترى من هو فريتز هذا الوارد ذكره في هذا الدفتر؟ لعله بنيامين؟ # فأجابها بنيامين ذاك الخادم العجوز الأمين وهو واقف وراء كرسيها: نعم يا سيدتي، أنا هو ~~فريتز، وسأخبرك ببقية الحكاية المؤثرة. # فوضعت أورور الدفتر على الطاولة وأصغت إلى حديث بنيامين. # 27 # كان بنيامين شيخا قوي البنية طويل القامة، وقد ابيض شعره واتقدت عيناه، فكان له عمر ~~الشيوخ وهمة الفتيان. # فلما جلست أورور تصغي إلى حديثه وجلس أمامها قال: نعم إني مخبرك بسر عائلتك؛ فقد آن لك أن ms0279 ~~تقفي على كل مكنون من أمورها. ثم قص عليها ما يأتي فقال: إني كنت واثقا ثقة تامة من إخلاص ~~الأميرة هيلانة لأمك كريتشن ولحنوها عليها بحيث لم أعد أراقبها مراقبتي الأولى لاعتمادي في ~~ذلك على الأميرة. # ثم إني كنت لم أبلغ بعد حد الكهولة فما عركني الدهر وما خبرت قلوب البشر؛ ولذلك لم أدقق ~~في البحث عما طرأ على أمك من التغيير، فإنها استحالت من حال إلى حال، فبعد أن كانت باسمة ~~الثغر طلقة المحيا أصبحت مفكرة مهمومة تبدو عليها آثار الكآبة في كل حين، فكنت أقول في نفسي ~~إن هذا الانقباض قد تولاها بعد أن وقفت على مصائب عائلتها، ولا بد أن يمحو مرور الأيام هذه ~~الذكرى من مخيلتها فتعود إلى فطرتها. # غير أني كنت مخطئا في تعليل انقباضها، فإن السبب فيه كان حبها للكونت وعبث الكونت ~~بها. # وقد ساعد الكونت وأمك على هذا الحب حالة البرنسيس في ميونخ؛ فإنها كانت متزوجة الكونت ~~حقيقة، غير أن الكونت لم يكن يحبها، وإنما كان يستخدم حبها لأغراضه، فكان يحضر إلى قصرها في ~~كل يوم، ولكنه كان يقيم في دار السفارة بحيث وثقت أمك لسلامة نيتها أنهما غير زوجين وأن ~~الكونت سيتزوجها كما وعدها بعد ذلك العبث. # ولم تكن الأميرة عارفة بشيء من أسرار هذا الغرام، غير أن امرأة أوقفتها على كل خفي، وكانت ~~هذه المرأة تلك الأرملة التي جاء بها الكونت دي مازير إلى ميونخ، وأقامها في قصر الأميرة؛ ~~أي امرأة أخيه الذي مات في باريس عنها وعن طفل صغير ... # فقاطعته أورور وقالت: ألم يكن هذا الطفل ابن عمي لوسيان؟ # قال: بلى يا سيدتي، فإن الكونت دي مازير كان يحب عائلته، وكان ملك بافاريا راضيا عنه ~~يريد له الخير، فاغتنم هذا الرضى الملكي فجاء بامرأة أخيه وابنها، فأقامهما في قصر الأميرة ~~هيلانة، وجاء بأخيه الثالث فجعله من رجال التشريفات في بلاط الملك. ~~- من هو أخوه الثالث؟ أليس أبي؟ ~~- بلى هو أبوك الشفالييه دي مازير، وقد رأى أمك كريتشن فأحبها، وهو يعلم ms0280 أن أخاه المحسن ~~إليه يحبها حبا لا يوصف، ولكنه لم يبال بأخيه. # وأما امرأة عمك؛ أي والدة لوسيان، فإنها حين رأت أمك المرة الأولى نفرت منها وكرهتها ~~كرها شديدا لحسد منها. # غير أن الكونت دي مازير لم يكن يحب حبا أكيدا من جميع من كان حوله غير كريتشن. # وجعلت الأيام تتوالى وأمك تبالغ في إخفاء غلطتها، حتى دنت الأيام التي لا يمكن بها للنساء ~~أن يسترن هذه الزلات، وقد كانت في كل حين تتوسل إلى الكونت أن يرحمها ويفي بوعده بزواجها، ~~فكان يعللها بالرجاء ولا يفي بما وعده. # إلى أن دنا موعد ولادتها، ولم يعد للكونت حيلة في التسويف، فكتب إلى باريس وطلب أن ~~يستدعوه، فأجابه وزير الخارجية إلى ما طلب. # فلما ورده الإذن بالسفر وعلمت الأميرة بسفره أرادت أن تسافر معه، غير أن ملك بافاريا حال ~~دون بغيتها ومنعها عن السفر، فسافر الكونت وحده وقد وعدها أنه لن يغيب غير بضعة ~~أسابيع. # ولم يكن أحد في القصر قد وقف على زلة أمك غير امرأة عمك والدة لوسيان، وهي امرأة شريرة ~~كثيرة المطامع لا تقف في سبيل أغراضها عند حد من الجرائم، في حين أن الناظر إليها يحسبها من ~~ملائكة الله لجمالها. # أما مطامع والدة لوسيان فهي أنها رأت أن الأميرة كثيرة الضعف، وأن الأطباء قد رأوا أنها ~~في الدرجة الأولى من السل، وأن هذا الداء الوبيل لم يبلغ منها مبلغه بعد لكثرة العناية ~~بها، فقالت في نفسها: إنها إذا أصيبت بتأثير شديد قتلها التأثير، ولم تفدها عناية. # وقد كانت تعلم أنها تزوجت الكونت، وأنها لم ترزق منه بنين، فإذا ماتت فإن الكونت يرث ~~مالا كثيرا من ثروتها الطائلة. # وكانت والدة لوسيان لا تزال في ريعان الشباب والجمال، فكان رجاؤها أن تتزوج الكونت بعد ~~موت زوجته الأميرة. # وما زالت تعلل نفسها بهذا الرجاء حتى وقفت على غرامه بكريتشن، فكان غرام الكونت بأمك ضربة ~~قاضية على آمالها، فوضعت عند ذلك خطة هائلة ولدتها لها قريحتها الجهنمية، ووصيفة نورية هي ~~شيطان رجيم ms0281 بصورة إنسان، فجعلت منذ ذلك الحين تتودد إلى كريتشن حتى باتت صديقتها الحميمة، ~~وباتت أمك لسلامة طويتها لا تكتم عنها شيئا من أسرار قلبها لاعتقادها بصدق إخلاصها. # فلما أوشكت كريتشن أن تصبح أما باحت بسرها لوالدة لوسيان فقالت لها: لا تخافي، فأنا ~~أنقذك من هذا الخطر. # فوثقت كريتشن بها واختلقت والدة لوسيان أسبابا تدعوها إلى السفر، ثم احتالت على الأميرة ~~حتى أذنت لكريتشن بمرافقتها فسافرتا. # وكان الكونت دي مازير لا يزال في باريس، وقد كان ينكر أمام جميع الناس ما أشيع عن زواجه ~~بالأميرة، فذهبت والدة لوسيان إليه فتظاهرت أنها تجهل أمر زواجه، وقالت له: إني جئت ألتمس ~~منك إصلاح غلط ارتكبته إشفاقا على اسم عائلتك النبيل. # فارتعش الكونت وقال لها: ماذا تقصدين بذلك؟ ~~- إنك أغويت كريتشن ويجب أن تتزوجها. # وكان لوالدة لوسيان نفوذ على الكونت، بل كان يحترمها احتراما شديدا لأنها كانت طامعة ~~بزواجه، فكانت تظهر أمامه بخير المظاهر مما يدعو إلى الاحترام، فاعترف لها الكونت عند ذلك ~~بجميع أمره، وأخبرها أنه متزوج زواجا شرعيا بالأميرة. # فقالت له: إذا كان ذلك كما تقول، فإن زواجك كريتشن محال، ولكن يجب أن تنقذ هذه المنكودة ~~مما هي فيه، فإن اليأس سوف يقتلها. # ثم أخبرته أنها جاءت بكريتشن إلى باريس، وأنها مقيمة معها في منزل للأميرة في شارع أباي، ~~وأنها باتت قريبة من الولادة، فهي في حاجة قصوى إلى العناية الشديدة. # فكاد الكونت يذوب حنوا على كريتشن؛ لأنه كان يحبها حبا أكيدا، وسار مع امرأة أخيه ~~إلى ذلك المنزل الذي كانت تقيم فيه. # وهناك أقسم لها الكونت أنه يحبها حبا أكيدا، وأنه لا بد له من الزواج بها، ولكنه أقسم ~~للأميرة هيلانة أنه لا يتزوج إلا بعد أن تبلغ الأربعين من عمرها، وهي قد بلغت الآن السادسة ~~والثلاثين من العمر فلا بد إذن من الصبر أربعة أعوام. # ثم جعل يعرب لها عن عواطف قلبه، ويظهر لها مكنونات غرامه بلغة وجدت سبيلا إلى قلبها ~~الضعيف، فصدقت وعوده وغفرت له. # أما الكونت فإنه لم ms0282 يكن كاذبا في هذا الوعد، فإنه كان يرى أن حياة الأميرة قصيرة، فإن ~~أخاه الشفالييه كان يرسل إليه التقارير عن صحتها في كل يوم، وقد أثر بها فراق الكونت ~~تأثيرا عظيما، فزاد صحتها اعتلالا. # وكان ملك بافاريا لا يزال مصرا على عدم الإذن لها بالسفر، فكانت تكتب كل يوم إلى الكونت ~~تسأله الإسراع بالعودة، فيعللها الكونت بقرب رجوعه ويقول إنه لا يستطيع تعيين موعد الرجوع؛ ~~لأنه مضطر إلى البقاء في باريس لأشغال خطيرة جدا، فكانت والدة لوسيان تكيد المكائد في ~~خلال ذلك دون أن يدري أحد بمقاصدها، وذلك أن امرأة نورية تدعى تنوان كانت متصلة بها فكانت ~~لها شر معين، وقد جاءت في ذلك اليوم من بافاريا ... # فقاطعته أورور وقالت: أهي تلك المرأة نفسها التي لا تزال في قصر امرأة عمي؟ ~~- هي نفسها. # فقالت له بصوت يضطرب: أتم حديثك يا بنيامين فإني أراه عجيبا. ~~- إن تنوان هذه كانت تستكشف الطوالع، وكانت الأميرة هيلانة من أهل التطير والاعتقاد ~~بالأوهام الباطلة، فكانت تنوان تستكشف طالع الأميرة وتخبرها بما يوافق أغراضها بالاتفاق مع ~~والدة لوسيان، ثم تكتب إليها كل يوم عما تحدثه مكائدها في نفس تلك الأميرة. # وما زالت بها حتى غرست في نفسها بذور الغيرة، فأيقنت أن الكونت لا يحبها، وأن قلبه منشغل ~~في باريس، فكادت تجن لغيرتها، وكل ذلك بحسن دهاء هذه النورية. # ولم تكن تستطيع السفر إلى باريس لأن الملك لم يأذن لها، فأفضت بها الغيرة إلى إرسال تنوان ~~إلى باريس للاستطلاع وموافاتها بالخبر اليقين. # وقد وصلت النورية تلك الليلة إلى القصر المقيمة فيه كريتشن ووالدة لوسيان، وكان وصولها ~~إليه حين خروج الكونت دي مازير منه. # ولا شك أن والدة لوسيان كانت تنتظر قدومها، فإنها نزلت لاستقبالها إلى آخر السلم، ~~وعانقتها معانقة الأخوات ثم قالت لها: إلى أين وصلت بنا الحوادث؟ ~~- إلى حيث أردنا، فإن الأميرة تكاد تجن من الغيرة. ~~- وكيف صحتها؟ ~~- على ما يشتهيه أعداؤها. ~~- والشفالييه دي مازير؟ ~~- إنه مدله بغرام كريتشن، فإنه يأتي كل يوم إلى قصر الأميرة ms0283 يسأل عن زمن عودتها. ~~- أتظنين أنه لا يعرف شيئا من أمرها؟ ~~- بل أؤكد. # فاتقدت عينا والدة لوسيان ببارق من الرجاء وقالت: لقد دنت الساعة. # ثم ذهبت بالنورية إلى حجرة معتزلة في القصر كي لا تعلم كريتشن بقدومها إلى باريس. # 28 # ولم يدر أحد ما جرى بين تلك النورية الداهية وبين والدة لوسيان الطامعة، غير أنه في ~~الليلة التالية دعيت إلى القصر ولادة مشهورة في باريس ففحصت كريتشن وقررت أنها ستلد بعد ~~ثمانية أيام أو أقل. # فلما انصرفت الداية اختلت تنوان بوالدة لوسيان خلوة طويلة، وفي فجر اليوم التالي سافرت ~~النورية عائدة إلى الأميرة. # وقد استأجرت مركبة بريد خاصة، وكانت تنثر الذهب وتقتل الجياد جريا، فسارت بها المركبة ~~سيرا متصلا أربعة أيام وثلاث ليال، وفي الليلة الرابعة وصلت إلى قصر كارلوتنبورج، فوجدت ~~الأميرة قد زادت اعتلالا، وقد تمكنت منها الحمى. # فلما رأتها الأميرة برقت عيناها وقالت لها: ماذا فعلت؟ أرأيت الكونت؟ # فتكلفت تنوان هيئة الكآبة، وقالت: إنه يا سيدتي من الخائنين. # فتطاير الشرر من عينيها وقالت: أهو خانني؟ ومن هي التي أحبها؟ # قالت: سيدتي، إني أقسمت يمينا مغلظة ألا أبوح لك باسم تلك الفتاة السافلة التي اغتصبت ~~منك قلب الكونت. # فهاج غضب الأميرة وقالت: ولكني أريد أن أعلم؟ ~~- إني أقسمت يا سيدتي ألا أبوح باسمها، ولكني لم أقسم بأني لا أذهب بك إلى باريس وأثبت ~~لك هذه الخيانة بالبرهان. ~~- أهي في باريس؟ ~~- نعم، وإن الخائنة ستغدو أما بعد أربعة أيام، فتعالي معي إلى باريس تحضري ولادتها ~~وتمتعي النفس بسرور الكونت بهذا المولود. # فانقض عليها هذا الكلام انقضاض الصواعق، وبلغت منها الغيرة حد الجنون، فلم تعد تكترث ~~لأوامر الملك، وأمرت بإعداد المركبة وسافرت خفية مع تنوان. # فكانت الحمى وتأثير هذا الخبر قد أثرا بها تأثيرا بليغا، فلم يمر بها اليوم الأول من ~~السفر حتى انتهكت قواها، ولكنها أبت الوقوف والراحة، واستمرت على السير، فكانت تصاب في ~~الطريق بإغماء شديد كان يطول عدة ساعات، فإذا عادت إلى رشدها أخذت تنوان تشجعها، تهيج مكامن ms0284 ~~غيرتها فتأمر بمواصلة السير. # وسارت المركبة حتى وقفت عند فندق النسر الأسود لاستبدال الجياد، وكانت الأميرة مغميا ~~عليها في ذلك الحين. # أما تنوان فإنها أطلت من المركبة فرأت فارسا وقف أيضا عند باب الفندق وثيابه ملوثة ~~بالوحول وجواده يلهث تعبا، فرأى النورية وأشار إليها إشارة، فالتفتت النورية إلى الأميرة ~~فرأت أنها لا تزال مغميا عليها، فأشارت مثل إشارته فدنا منها وأعطاها رسالة. # ففتحت تنوان الرسالة وقرأت ما يأتي: # تقول الداية إنها لا يبدأ مخاضها إلا بين الساعة الثامنة والتاسعة من المساء، ~~فاجتهدي أن تؤخري قدومك كي تصلي حين الأوان. # فقالت تنوان للفارس: حسنا، قل لها سيكون ما تريدين. فودعها الفارس وانطلق بجواده. # أما تنوان فإنها أمرت السائق ألا يستبدل الجياد؛ لأن الأميرة مضطرة إلى الراحة، ثم أمرت ~~بنقل الأميرة وهي لا تزال مغمى عليها إلى الفندق. # ثم إنها لم تبذل شيئا من الوسائل في سبيل إيقاظها من إغمائها، بل تركتها على حالها حتى ~~تعالى النهار واستفاقت من نفسها فوجدت أنها مضطجعة في سرير، وأن تنوان جالسة في كرسي عند ~~سريرها، فذهلت وقالت لها: ما هذا الذي أنا فيه؟ وأين نحن الآن؟ # قالت: إننا يا سيدتي في شاتو ياري، وإنما اضطررت إلى إراحتك في هذا الفندق لما رأيت عليك ~~من دلائل التعب، فما جسرت على مواصلة السفر قبل أن تستفيقي. # وكان التعب قد أنهك قوى الأميرة، غير أن الغيرة شددت أعصابها فقالت لها: كلا، لا أريد ~~الراحة بل أريد مواصلة السير في الحال. # فأمرت تنوان عند ذلك بإعداد المركبة، وبعد نصف ساعة عادت بهما إلى السير في طريق باريس، ~~والأميرة مضطجعة في المركبة وهي مطبقة العينين كأنها تحاول الرقاد، وأين لها النوم وهي ~~كأنها نائمة فوق جمر. # حتى إذا اقتربت من باريس فتحت عينيها فجأة وقد اتقدتا بشهاب من نار، فشدت على يد تنوان ~~وقالت لها: لقد علمت. ~~- ماذا علمتي يا سيدتي؟ ~~- اسم مزاحمتي في الكونت. # فأجابتها بلهجة المتهكم: أحقا ما تقولين؟ ~~- إنها كريتشن، وقد كان يجب أن أفطن لغرامها قبل ms0285 الآن. # فقالت لها النورية: لك يا سيدتي أن تظني ما تشائين، أما أنا فإني لا أنكر ولا أثبت ما ~~تقولين. # فارتعدت الأميرة وقالت: نعم، نعم ... هي بعينها، ولكني سأعذبها أشد العذاب، وأنكل بها أفظع ~~تنكيل، ويح لهذا الإنسان ما أكفره بالنعمة! # إني أحسنت إلى هذه الفتاة وعفوت عنها في حين أن أباها قتل أبي، وحنوت عليها حنو الأمهات، ~~فكان جزائي منها أنها سلبتني قلب من أحب وعاملتني بالجحود والكفران ... نعم، لقد صدق القائل ~~حين قال: اتق شر من أحسنت إليه، إلا أن خيانتها إذا كانت شديدة فسيكون انتقامي أشد. # فقالت لها تنوان: إنك يا سيدتي سيدة عظيمة، وما أنا إلا نورية حقيرة، ولكن أهل بلادي ~~يعرفون أساليب الانتقام أكثر مما يعرفها جميع الناس. ~~- كيف ينتقمون في بلادك؟ ~~- إني لو كنت يا سيدتي في مكانك لما انتقمت من خصيمتي بالقتل، فإن عذاب القتل لحظة، بل ~~انتقمت بما هو أشد من القتل فقتلتها كل يوم مرارا. ~~- ماذا كنت تصنعين؟ ~~- إني أبدأ فأسلبها ولدها الذي ستلده. # فبرقت عينا الأميرة وقالت: وبعد ذاك؟ ~~- أكرهها على الزواج برجل لا تحبه، ويكون هذا الرجل من أهل الشر والفساد فأجعله آلة بيدي ~~لتعذيبها. # فقالت لها الأميرة: لقد أصبت يا تنوان، فإن حقدي عليها لا يموت بموتها ولا يبرد غليلي إلا ~~الانتقام منها في كل يوم. ~~- أتجرين إذن على طريقتي؟ ~~- دون شك. ~~- ولكن الانتقام يا سيدتي على ما أعرفه أنا مادة لطيفة منحصرة في زجاجة رقيقة، بحيث إن ~~أقل ارتجاج يصيبها يكسرها ويسيل تلك المادة التي هي فيها. ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- أعني إذا استحسنت خطتي وجب أن تجري عليها إلى النهاية. ~~- سأفعل، فما هي خطتك؟ ~~- هي أن تبتسمي لخصيمتك وتتظاهري بالصفح عنها، فتخفي ما في قلبك من الحقد. # فابتسمت الأميرة، ثم استحالت هيئتها للفور من اليأس إلى الزهو وقالت لها: إني وريثة ~~البارون ولدتر، ذاك الذي أباد عائلة بأسرها، ومثلي يعرف أن يخفي غضبه تحت ظواهر الرضا ~~والابتسام. # ففرحت تنوان فرحا شديدا وقالت لها: إذن لم يبق لدي شك ms0286 أنك ستنهجين النهج الذي أضعه لك ~~وتدركين به ما تتمنين. # وعند ذاك رسمت لها تنوان خطتها الهائلة، وظلت المركبة سائرة حتى بلغت القصر قرب انتصاف ~~الليل، فنزلت الأميرة منها وهي نشيطة بعد أن كانت تشبه الأموات كأنما محادثة تنوان قد أعادت ~~إليها القوى . # وكانت ظواهر هذا القصر تدل على اضطراب ساكنيه، فلما صعدت إلى الدور الأول سمعت صراخا ~~شديدا، فقالت لها تنوان: إنها تتألم آلام الولادة فهل تسمعين؟ ~~- نعم، ولكن أين هو الكونت؟ ~~- لا بد أن يكون عندها؛ إذ لا يفارقها في مثل هذه الساعة. ~~- إني سأعاقبه أيضا شر عقاب. # فقالت النورية بصوت منخفض: اذكري يا سيدتي ما أوصيتك به. ~~- لقد أصبت، فإذا خانني الجلد لأول وهلة فلا يخونني بعد الآن. # إذن هلمي معي فسأوصلك إلى غرفتها؛ أي إلى غرفتك يا سيدتي، فإن الكونت أقام خليلته في ~~غرفتك في نفس قصرك. # فذكرت الأميرة عند ذاك والدة لوسيان وقالت: وهذه أيضا ستنال حظها من عقابي. ~~- إنك إذن تكونين مخطئة مسيئة إليها، فإنها هي التي أخبرتني بخيانة الكونت، وهي مخلصة لك ~~منتهى الإخلاص. # وكانت الأميرة تسير متوكئة على كتف النورية، وكلما مشت خطوة زاد ارتفاع الصراخ حتى بلغت ~~إلى الغرفة التي كان يخرج منها الصوت، فدفعت بابها ففتح ورأت كريتشن تعض يديها من الألم، ~~ورأت الكونت دي مازير قربها يبكي لتوجعها بكاء الأطفال. # 29 # على أنه كان لكريتشن ثلاثة يحمونها، وهم فريتز والكونت دي بوفوازين وراوول. # ويذكر القراء أن راوول كتب إلى كريتشن يوم سفرها مع الأميرة إلى ميونخ فلم تتمكن من فتح ~~كتابه إلا بعد السفر، مما دعا إلى الإباحة لها بجميع ما بسطناه عن نكبات عائلتها. # غير أن فريتز كان واثقا من إخلاص الأميرة، فلما وصلوا إلى ميونخ حمل كريتشن على أن تكتب ~~كتاب الشكر لراوول، وأن تخبره أنها آمنة من كل خطر. # فلما عادت كريتشن مع والدة لوسيان إلى باريس كي تستر زلتها كان فريتز مسافرا. # فلما وافاها إلى باريس لم يعلم شيئا في البدء مما جرى، ولكنه عرف ms0287 الحقيقة بعد بضعة أيام ~~فقال في نفسه: إن ابنة سيدي قد أهينت، ولا بد للكونت أن يغسل عارها بالزواج. # ذلك أنه لم يكن عالما أن الكونت دي مازير متزوج زواجا شرعيا بالأميرة هيلانة. # ولما وقف على حقيقة حالة كريتشن خطر في باله أن يستعين بالكونت دي برفوازين وراوول، فذهب ~~إليهما وأخبرهما بجميع ما اتفق، فأقسم له الحارسان أن ينتقما لشرف الفتاة. # وكان كلاهما يعشقها ويتألم دون أن يبوح بهواه، وهما يودان سفك دمائهما من أجلها، فاتفقا ~~على قتل الكونت إذا أبى أن يتزوجها. # وفي اليوم التالي لقدوم الأميرة إلى باريس، أسرع فريتز إلى الحارسين وهو يكاد يجن من ~~يأسه، وأخبرهما أن كريتشن قد وضعت بنتا بحضور الأميرة، وأن كريتشن قد رعبت لقدومها فأغمي ~~عليها وأصيبت بعد الإغماء بحمى شديدة، وأنهم يخشون الآن على صوابها. # فقال راوول: بل إننا نخشى أيضا على حياتها؛ لأن الأميرة لا بد أن تنتقم منها لاغتصابها ~~قلب من تهواه. # فأخبرهما فريتز أن الأميرة احتقرت الكونت وأهانته، غير أنها صفحت عن كريتشن وتجاوزت عن ~~ذنبها. # فهز راوول رأسه شأن المشكك وقال: إن بيت هذه الأميرة لا يعرف التجاوز عن الزلات، فإنهم ~~كتموا أحقادهم ثلاثة أجيال كان الأعقاب في خلالها يتوارثون الانتقام. # وعند ذلك اتفق الحارسان على أن يذهب أحدهما، وهو الكونت دي بوفوازين إلى حيث تقيم كريتشن ~~فيحملها من الأميرة، وأن يذهب راوول إلى دي مازير فإما أن يكرهه على الزواج بكريتشن أو ~~يقتله. # أما الأميرة فإنها جرت على الخطة التي رسمتها لها تلك النورية الجهنمية، فتظاهرت بالعفو ~~عن كريتشن والإشفاق عليها، وتوددت لها توددا عظيما أنساها ما هي فيه. # أما الكونت فإنه حين رأى الأميرة دخلت إلى غرفة كريتشن أسرع بالفرار من وجهها اتقاء ~~لبوادر غضبها وهاجر إلى باريس، فذهب إلى قرية في الضواحي تدعى ماريس. # وهناك لقيه راوول وبادره بالحديث قائلا: إن سبب زيارتي يا سيدي الكونت لا يخطر لك في ~~بال، ولكني أقول لك إني كنت صديق المركيز دي فلارس. # ولم يكن الكونت يعرف ms0288 شيئا من تاريخ كريتشن فقال: إني لا أعرف هذا المركيز. ~~- إن المركيز يا سيدي والد كريتشن، تلك الفتاة المنكودة التي أغويتها. # فاصفر وجه الكونت وقال: كريتشن! ~~- نعم، ولا بد لك الآن أن تكون علمت سبب زيارتي. ~~- ولكن يا سيدي ... # فقاطعه راوول وقال: لا سبيل إلى الاعتراض فيما لا يفيد؛ إذ يجب عليك أن تتزوج هذه الصبية ~~وترد لها شرفها. ~~- يسوءني جدا يا سيدي أن أرفض هذا الطلب؛ لأنه مستحيل، ولكني ... # غير أن راوول لم يدعه يتم حديثه، بل صفعه على وجهه فانقطع سيل المحادثة والمخابرة، ولم ~~يعد بد من المبارزة بعد الصفعة. # وكان المنزل الذي اختبأ فيه الكونت من غضب الأميرة محاطا بحديقة متسعة. # وقام الاثنان إليها وكلاهما يتقلد سيفه، وجرت بينهما مبارزة عنيفة، فتقارعا بالسيفين مدة ~~طويلة دون أن يفوها بكلمة، إلى أن وجد سيف راوول سبيلا إلى صدر الكونت فاخترقه، وسقط ~~الكونت مجندلا والدم يتدفق من فمه. # غير أن الكونت لم يمت، فحمله راوول إلى سريره، ولما ذهب الخادم لإحضار الطبيب أشار الكونت ~~إلى راوول كي يدنو منه، وقال له بصوت متقطع: أرجوك يا سيدي أن تصفح عني، فقد أبيت الزواج ~~بكريتشن لأني متزوج. # فصاح راوول صيحة دهش وقال: أنت متزوج! ~~- نعم، وامرأتي البرنسيس هيلانة دي ولدتر، إلا أني أحببت كريتشن حبا صادقا، وإني الآن ~~على فراش الموت، فغاية ما ألتمسه منك يا سيدي في هذه الساعة أن تتولى حماية كريتشن لأن ~~الأميرة من أهل الحقد والانتقام. # ثم أغمي على الجريح. # وفي الوقت نفسه الذي جرت فيه هذه المبارزة، كان الكونت دي بوفوازين مختليا مع الأميرة ~~هيلانة في المنزل الذي وضعت فيه كريتشن مولودها، فأقسمت أنها لا تقتصر فقط على الصفح عن ~~كريتشن، بل إنها ستتولى حمايتها، وتحافظ على حبها وحب ابنتها، فوثق الكونت بصدق كلام ~~الأميرة. # وهنا توقف بنيامين عن مواصلة الحديث للاستراحة، بعد أن قال: وا أسفاه! فلو أنقذنا أمك في ~~ذاك اليوم من مخالب هذه الأميرة لبقيت عائشة إلى الآن. # فذرفت الدموع من عيني أورور، ms0289 وقالت له: أتم حديثك يا بنيامين. # 30 # وعاد بنيامين إلى تتمة الحديث فقال: إن الكونت دي بوفوازين خدع بأقوال البرنسيس كما خدعت ~~أنا. # أما هؤلاء النسوة الثلاث؛ أي الأميرة ووالدة لوسيان وتنوان النورية فقد اتفقن حتى بتن ~~شخصا واحدا لا يعمل إلا للانتقام. # وكانت النورية تدير أعمالهن، وقد بدأت بتنفيذ خطتها الجهنمية في اليوم التالي لولادة ~~كريتشن. # وأما الأميرة فقد مرضت على أثر ما أصابها من الاضطراب، ورأت والدة لوسيان أن حياة هذه ~~الأميرة باتت قصيرة، فرأت أن الزمن قد حان لتنفيذ مأربها بواسطة تنوان. # وقد كان لهذه النورية نفوذ شديد على الأميرة، لا سيما بعد صدقها باكتشاف خيانة الكونت، ~~فلم تكن الأميرة تخالفها في أمر. # وكذلك والدة لوسيان، فقد رأت أن لهذه النورية فضلا عظيما عليها بما بلغت إليه من ~~المنزلة لدى الأميرة، وبما كانت تعد لها من أسباب الوصول إلى غايتها، فكانت تمتثل لها في كل ~~ما تريد. # وباتت تلك النورية الآمرة الناهية في الحقيقة، وهي في الظاهر من الوصيفات. # وأما الكونت دي مازير فقد لبث شهرين وهو بين الموت والحياة، غير أن شبابه وقوة بنيته ~~تغلبا على الموت، فشفي من مرضه وزال عنه الخطر. # وكانت الأميرة قد غفرت له ذنبه بالظاهر، وذهبت إلى منزله فأقامت مدة إلى أن زال الخطر ~~فأخبرته بعزمها على الرجوع إلى ألمانيا. # وكان ملك بافاريا العجوز قد توفي في خلال هذين الشهرين، وخلفه أحد أعضاء العائلة، وأذن ~~للأميرة بإعلان زواجها السري بالكونت دي مازير. # ومع ذلك فإن الأميرة طلبت إلى زوجها الكونت ألا يعود إلى ميونخ، وأن يتم معالجته في ~~باريس. # وكان ذلك بإيعاز من النورية لأغراض لها تظهر فيما بعد. # أما راوول فإنه بعد أن جرح الكونت جعل يزوره في كل يوم، حتى تمكنت الألفة بينهما، وباح له ~~الكونت بأسرار قلبه. # فأخبره أنه يحب كريتشن حبا صادقا، وأن امرأته مصابة بمرض قاتل، فهو لا بد له من الزواج ~~بكريتشن متى قضي على زوجته وبات مطلق السراح. # وكانت والدة لوسيان قد أدركت هذا ms0290 القصد بفضل هذه النورية، فرأت أنه لم يبق بد من وضع ~~حاجز شديد بين كريتشن وبين الكونت؛ فإنها كانت تطمع بزواجه بعد موت الأميرة، والتمتع بما ~~يرثه من أموالها الطائلة. # أما هذا الحاجز بينهما فقد كان الشفالييه دي مازير شقيق الكونت وهو من حجاب ملك ~~بافاريا. # فإن هذا الشفالييه - وهو أبوك يا أورور - كان يشبه والدة لوسيان في الدهاء والمكر ونكران ~~الجميل، فإن أخاه الكونت جاء به من باريس وعينه في منصب رفيع في بلاط الملك ودر عليه ~~الأرزاق بفضل الأميرة، فكان جزاؤه منه أنه كان يكرهه ويضمر له السوء، في حين أن أخاه لم يكن ~~يريد له إلا الخير. # فاعتمدت والدة لوسيان على هذا البغض، وجعلت الشفالييه حليفها على تنفيذ أغراضها. # أما كريتشن فإنها عادت بعد شهرين مع الأميرة إلى ألمانيا، فكفلت الأميرة ابنتها وتعهدت ~~بتربيتها. # فسرت كريتشن بهذه العناية الظاهرة، وباتت تحتقر الكونت بعد أن تبين لها كذبه وعلمت أنه ~~زوج الأميرة. # فانصرفت بجميع آمال قلبها إلى ابنتها، ولو لم تعد تكترث بشيء في الوجود ولولا هذه الطفلة ~~لاسترسلت إلى اليأس وانتحرت بعدما ثبت لها خيانة الكونت. # إلا أن هؤلاء النسوة الثلاث اللواتي تعاهدن على الانتقام من هذه المنكودة، كان الفوز ~~مضمونا لهن بفضل الشفالييه أخي الكونت. # فقد تقدم لنا القول أن الشفالييه كان يهوى كريتشن، فلما ذاع خبر ولادتها وعلم أن أخاه قد ~~أغواها زاد حقده عليه بقدر ما اشتد حقده على كريتشن، وهذا أقصى ما كانت تتمناه والدة ~~لوسيان. # وقد أدركت النورية منه ذلك الحقد والحنق، فخلت به يوما وقالت له: أرى أنك بت تكره ~~كريتشن، أليس كذلك؟ ~~- إني بت أكرهها بقدر ما كنت أهواها. ~~- وأخوك الكونت؟ ~~- إني أكرهه أيضا، فقد خدع الفتاة التي أحببتها وأغواها وهو من المتزوجين. ~~- إذا كنت تريد الانتقام فقد أعددت لك وسائله، فإن أخاك الكونت لا يزال يعشق كريتشن، وهو ~~يتوقع موت زوجته الأميرة ليتزوج بها. # فاتقدت عينا الشفالييه ببارق من الأمل وقال: لا أحب إلي الآن من الانتقام. ~~- أتريد أن ms0291 تعذب كريتشن وتلقي اليأس في قلب أخيك؟ ~~- ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- إنك على علو منصبك في بلاط الملك لا تزال محتاجا إلى المال لفقرك، وأنت تعرف مقدار ~~ثروة الأميرة، فهي عازمة على أن تمنح كريتشن مهرا يبلغ مقدار دخله مائة ألف فرنك في ~~العام. ~~- أتشترط في ذلك أن أتزوجها؟ ~~- هو ذاك، وحسنا تفعل يا سيدي، فإنك إذا تزوجتها على هذا الشرط تمتعت بمالها وانتقمت من ~~أخيك الكونت الذي يسلبك من تحب، ومن كريتشن التي تحتقرك وتجدك غير أهل لها، فمتى ملكت ~~زمامها انتقمت منها كما تشاء. ~~- إني راض بهذا الاقتراح على ما فيه من الحيف؛ لأن الانتقام مسرة الآلهة. # ثم افترقا، فذهب الشفالييه وهو موطد العزم على الاقتران بكريتشن، وعادت النورية إلى ~~الأميرة ووالدة لوسيان وأخبرتهما بما كان. # وفي المساء جاء الشفالييه إلى قصر الأميرة، فاجتمع بكريتشن وقال لها: إن الإخوان متكافلون ~~متضامنون، وقد أساء إليك أخي إساءة لا يستطيع إصلاحها، فأنا أتولى إصلاحها عنه؛ كي لا ينال ~~شرف بيت دي مازير بسوء، إنك يا سيدتي لا نصير لك ولا معين لابنتك ولا اسم لها، فهل تريدين ~~أن أكون لك زوجا ولابنتك أبا ونصيرا؟ # وقد تلبس بلباس الخداع، واندفع يظهر من المروءة ضروبا خدعت بها كريتشن، وحسبته صادقا ~~في ما يظهره من المروءة والإخلاص، فنظرت إليه وهي تبكي وأجابته بمثل إخلاصه فقالت: هيهات يا ~~سيدي أن تجد في قلبي غراما، فقد مات غرامه، ولم يبق متسع فيه لغير الهم والحسرات. # قال: إنك مسترسلة إلى اليأس أيتها الحبيبة وأنت لا تزالين في نضارة الحياة، ومثلك لا تيأس ~~وقد أحبها مثلي، فسأجلك إجلال العبادة وأكون لابنتك خير والد، فلا تجدين في عشرتي غير ~~الهناء الدائم، وأنا لا أسألك غير أن ترضي بي زوجا؛ كي أقيك وأقي ابنتك غدر الزمن. # فخدعت كريتشن بظواهر إخلاصه وأخذت يده بين يديها فقالت: إنك شريف يا سيدي طيب السريرة، ~~فإني إذا كنت لا أستطيع أن أحبك فإني أحترمك وأجعلك من أسعد الأزواج. # وقد رضيت تلك المنكودة به ms0292 بعلا، وبدأت خطة النورية الهائلة تنفذ منذ ذلك الحين. # وتزوجت كريتشن به، فلما أعلن هذا الزواج وباتت كريتشن في منزل الشفالييه جاهرت الأميرة ~~بأنها لا تريد التخلي عن الطفلة، وطلبت إلى الزوجين أن يقيما في قصر فرضي الاثنان وانتقلا ~~إلى القصر. # وفي ذلك اليوم خرج من ميونخ فارسان وسافرا إلى باريس، وكان هذان الفارسان راوول ودي ~~بوفوازين، فإنهما كانا مختبئين في ميونخ للمحافظة على كريتشن، حتى إذا علما بزواجها ~~بالشفالييه قالا: إنها باتت زوجة لرجل نبيل فهو يتولى حمايتها عنا، ولم يبق لنا شأن في هذه ~~العاصمة. # وكان الكونت دي بوفوازين يحب كريتشن حبا عظيما، فلم يره أحد بعد ذلك في باريس. # وقد تكاثرت الإشاعات عنه في ذلك العهد واختلفت الروايات، غير أن الأكثرين كانوا مجمعين ~~على أنه قنط لغرامه من الحياة، فالتجأ إلى أحد الأديرة وانقطع لخدمة الله، وهي الرواية ~~الصادقة، فإن دي بوفوازين هو الآن رئيس الدير الذي يدعى الأب جيروم ولا يدري بسره ~~أحد. # أما الكونت دي مازير فإنه شفي في هذه المدة من جرحه، فعاد إلى ميونخ وعلم هناك أن كريتشن ~~صارت زوجة لأخيه فاسترسل في البدء إلى اليأس، ولكنه لم يمر به عهد قريب حتى تناسى غرامه ~~القديم. # وقد كان مثلنا جميعا واثقا بصدق الأميرة وعفوها عن كريتشن، كما أنه كان واثقا مثلنا ~~أيضا أن أخاه الشفالييه يحبها ويجعلها من النساء السعيدات. # وأما الأميرة فكانت لا تزال تقاوم ذلك الداء الذي كاد يودي بها، فأشار عليها الأطباء ~~بالسفر إلى إيطاليا فسافرت إليها مع زوجها الكونت، وبقيت كريتشن في القصر مع زوجها ~~الشفالييه فولدت منه بنتا ... وهي أنت يا أورور. # وهنا توقف بنيامين هنيهة فمسح دمعة قطرت فوق خده، وعاد إلى الحديث فقال: إن الأميرة قد ~~سافرت وتركت انتقامها في القصر. # ولم تكد تسافر حتى بدأ الشفالييه عذابها، وبدأت النورية تسميمها، ورفعت والدة لوسيان نقاب ~~الرياء والتدليس فجاهرت بعدائها. # أما أنا فلم أكن أستطيع إنقاذها من أولئك الظالمين، وقد ذعرت ذعرا قويا حين شاهدت أمك ~~قد ms0293 أخذ منها الضعف والوهن، فإن تلك النورية الهائلة قد سقتها سما هائلا يقتل بعد نزع ~~طويل. # وكانت قد ولدتك في ذلك الحين، فإذا ابتسمت لك نسيت آلامها وعذابها، وإذا افتكرت بأختك ~~انقبضت نفسها، فإن الأميرة أخذتها معها إلى إيطاليا مبالغة في الانتقام. # مضى على ذلك عامان كانت أمك تزيد في خلالها اصفرارا ونحولا ويأسا، فإن السم كان يفسد ~~دمها والشفالييه يعذبها ويؤلمها كل يوم بذكر زلتها مع أخيه، ووالدة لوسيان لا تنفك عن ~~نكايتها، إلى أن استفحل يأسها فدعتني إليها وقالت لي: إني يا فريتز مشرفة على الموت. # فصحت صيحة ذعر لما شاهدت من دلائل ضعفها وإشرافها حقيقة على الموت وقلت: ما أصابك يا ~~سيدتي؟ ~~- إنهم دسوا لي السم يا فريتز وصارت أيامي معدودة، فأقسم لي أنك تسهر على ابنتي من بعدي ~~... # فقاطعته أورور وقالت: إذن أنت واثق أن أمي ماتت مسمومة؟ ~~- كل الثقة يا سيدتي، فإن نزعها دام خمسة أعوام، ثم أراحها الله من عذابها، فأطفئت كما ~~ينطفئ المصباح إذا فرغ الزيت منه. ~~- ومن الذي دس لها السم؟ ~~- تنوان النورية. ~~- أكان ذلك بموافقة الأميرة؟ ~~- بل بأمر والدة لوسيان امرأة عمك. ~~- وأبي؟ ~~- إنه كان يعلم بهذه المؤامرة، وقد وافق على التسميم. # فصاحت أورور عند ذلك صيحة هائلة واتقدت عيناها نارا وقالت: إنك مت يا أمي ميتة الشهداء ~~ولكن ابنتك ستنتقم لك أفظع انتقام. # 31 # وساد السكوت هنيهة بين بنيامين وأورور فبدت علائم الرعب والاشمئزاز على وجه ~~الفتاة. # وكانت عيناها في البدء قد اتقدت ببارق الانتقام، فأنذرت وتوعدت بالانتقام لأمها. # غير أن البارق انطفأ فجأة واصفر وجهها حتى باتت كالموتى، ثم أحنت رأسها وأطرقت بعينيها ~~إلى الأرض وقالت كأنها تخاطب نفسها: «ولكنه أبي.» # فقال لها بنيامين: يجب علي الآن يا سيدتي أن أقص عليك هذه الفاجعة المؤلمة. # فقالت له بلهجة اليأس: قل فإني مصغية إليك. ~~- إن أمك يا سيدتي أدركتها الوفاة والكونت دي مازير لا يزال في إيطاليا مع زوجته ~~الأميرة. # ولما حضرت ساعة وفاة أمك وكنت وحدي عند سريرها، أعطتني ms0294 هذين الكتابين مع الصندوق وأقسمت ~~لها أن أراقبك الليل والنهار وأن أحميك من كيد المعتدين. # أما الأرملة امرأة عمك التي تسكن الآن في قصر بوربيير مع ولدها لوسيان، فكان لا يأتيها ~~كتاب من إيطاليا حتى تختلج بعد تلاوته وتنقبض نفسها. # ذلك أنها كانت تتوقع في كل يوم أن ترد إليها أخبار السوء عن الأميرة؛ لطمعها بزواج ~~الكونت، فإن تلك الأميرة قد سافرت وهي في حالة من الاعتلال تدعو إلى القنوط. # غير أن الله أبى أن تنفذ مآرب أهل الشر، فقضى على مطامع تلك الأرملة وذهبت آمالها السافلة ~~أدراج الرياح، فإن الأميرة بدلا من أن يفتك بها الداء كما تتوقع لها امرأة عمك، أفادها ~~هواء البلاد وسماؤها الصافية فردت إليها الحياة وباتت كأنها في أتم صحة وعافية. # وبعد ثلاثة أعوام من سفرها عادت إلى بلاط ميونخ فدهش أهل البلاط حين رأوا تلك الأميرة ~~المكلولة عادت إليها نضارة الشباب فزادتها جمالا. # وكان الكونت قد علم بموت كريتشن فبكاها بالسر؛ إذ كان لا يزال في قلبه بقية من ذاك الحب ~~القديم الذي هاجه الموت. # وقد أعادت الأميرة معها ابنة كريتشن الأولى؛ أي أختك. # وكان الكونت غير عالم بحقيقة السبب في موت أمك فلم يخطر له في بال أنها ماتت مسمومة، وأن ~~أخاه الشفالييه وامرأة أخيه الميت والأميرة والنورية قد اتفقوا جميعهم على قتل هذه ~~المنكودة؛ إذ لم يكن عارفا بهذا السر غير رجل، وقد باح له به. ~~- من هو هذا الرجل يا بنيامين؟ ~~- هو أنا. ~~- وماذا فعل الكونت بعد ذلك؟ ~~- إن الجناية حفرت هوة عميقة بينه وبين امرأة أخيه فلم تعد تكترث لصحة الأميرة؛ إذ لقيت ~~أن الكونت لا يتزوج بها بعد أن غمست يدها في ذلك الدم الطاهر المسفوك. # ولم يكن يستطيع أن يعاقب أحدا أو ينتقم من أحد، فإن الجميع كانوا بحماية الأميرة شريكتهم ~~بالجريمة. # ولم أعد أعلم شيئا مما جرى لهذه العصابة عصابة اللؤم والفساد سوى أن الأميرة باعت كثيرا ~~من أملاكها ووهبت جانبا مما بقي لأسرتها وسافرت مع الكونت ms0295 إلى باريس تصحبها ابنة كريتشن ~~الأولى؛ أي أختك ابنة الكونت دي مازير. # وقد أقامت مع زوجها عاما كاملا في باريس، إلى أن بنى الكونت قصر بوربيير الذي يقيم فيه ~~الآن الكونت لوسيان وأمه فأقامت فيه مع زوجها والفتاة. # ولم أعلم بعد إقامتها فيه غير ما يعلمه سكان هذه النواحي. ~~- أتعني بذلك احتراق القصر بساكنيه. ~~- نعم، أعلم أني أخالف الناس فيما يزعمون من احتراق الفتاة أيضا وأسباب هذا ~~الحرق. ~~- ما هي أسبابه؟ ~~- لقد ارتأى كثيرون أن النار قد شبت في القصر قضاء وقدرا، وعندي أنه لم يكن للقدر يد في ~~هذا الشأن، بل إن الكونت قد أحرق القصر عمدا بعد أن سجن نفسه مع الأميرة في غرفة بابها من ~~الحديد كي لا يستطيعا كسره والهرب من النار. ~~- إذن فقد مات منتحرا؟ ~~- ومنتقما أيضا، فإن الأميرة لم تنس إساءته إليها حين عشق كريتشن وهو لم ينس فظاعة ~~انتقامها من كريتشن لسلبها ابنتها وقتلها بالسم، فكانت تحاول الانتقام منه بكل ما تفننه ~~الحياة لأمثالها من نساء الشر، حتى يئس منها ومن الحياة وهاجت في نفسه كوامن الانتقام للشر ~~فأحرقها وأحرق نفسه بالنار. ~~- والفتاة؟ ~~- أنقذها راوول. ~~- أتظن ذلك أكيدا؟ ~~- بل أؤكده، فإن راوول قد زار الكونت في القصر قبل احتراقه، والآن فاعلمي يا سيدتي أن ~~أباك الشفالييه ووالدة لوسيان امرأة عمك كانا لا يزالان في ميونخ حين مات الكونت، فلم يجدا ~~بعد البحث والتنقيب شيئا من المال النقد ولم يقتسما غير القصر والأرض. # على أنه أشيع أنه يوجد صندوق يحتوي على ثروة عظيمة من الأوراق المالية، فبحثا عنه بحثا ~~مدققا فلم يعثرا به. # وعند ذلك وقع الخلاف واشتد النفار بين أبيك وامرأة عمك، فكان أبوك يتهم امرأة عمك أنها ~~سرقت الصندوق كي تبقى الثروة كلها لابنها لوسيان، وهي تقسم الأيمان المغلظة أن أباك السارق، ~~والحقيقة ضائعة بين الاثنين، فإن كليهما بريء من السرقة. ~~- ولكنك تقول إن الصندوق موجود؟ ~~- نعم، وقد جعل ما فيه من المال مهرا لأختك، ولكني لا أعلم أين هو الصندوق وأين ms0296 هي ~~أختك. ~~- ولكني أعلم أين هي أختي. # فدهش بنيامين وقال لها بصوت يضطرب حنوا: أواثقة يا سيدتي أن أختك لا تزال في قيد ~~الحياة؟ ~~- كل الثقة فقد رأيتها. ~~- ولكن أين؟ ~~- على بعد مرحلتين من هنا ... في دكان البيطري المقيم عند باب الدير. # فارتعش بنيامين وذكر ما كان يتحدث به الناس في شأن الفتاة المقيمة عند البيطري، وشدة ~~تباين الأقوال فيها، ولكنه لم يكن رآها؛ فإنه لم يكن يخرج من المنزل إلا للتنزه في الحديقة، ~~ولا يعرف أحدا من سكان الضواحي. # أما أورور فقد باتت واثقة أن حنة أختها، فقالت لبنيامين: يجب أن تتخذ اليوم حجة تمهد لك ~~مبارحة القصر. ~~- سأجد هذه الحجة. ~~- فتذهب توا إلى الدير وتدخل إلى دكان البيطري. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ترى تلك الفتاة التي يربيها داغوبير، فترى أنها أمي بعينها لا تختلف عنها في ~~شيء. ~~- كيف تعرفين ذلك وأنت لا تعرفين أمك؟ ~~- إنها تشبه هذه الصورة المرسومة في هذه المدالية، أما هي صورة أمي؟ ~~- دون شك، ولكن هل أنت واثقة من وجود هذا الشبه؟ ~~- لا سبيل إلى الريب؛ فإني قد رأيت الفتاة ولا تزال صورتها مطبوعة في ضميري. ~~- متى رأيتها؟ ~~- أمس مساء، فلما فتحت هذا الصندوق الذي أعطيتني إياه ورأيت هذه الصورة في المدالية دهشت ~~للشبه بينهما حتى حسبت في البدء أن هذا الرسم رسم ربيبة الدير. ~~- رباه! أيمكن ذلك أن يكون؟ # فنهضت عند ذاك أورور وذهبت إلى النافذة تستنشق الهواء العليل، فإن النجوم كانت قد اصفرت ~~في الأفق لأشعة الفجر المتألقة. # وكانت السكينة سائدة فانصرفت أورور إلى التأمل وتاهت في مهامه التفكير وبنيامين واقف ~~وراءها يحترم تأملها ولا يكلمها بحرف. # وبعد هنيهة عادت من النافذة فجأة إلى بنيامين، فأخذت يده بين يديها وسألته: إن الطبيعة ~~ساكنة والسكوت سائد، ولكن قلبي تثور فيه العواصف، إن الابنة لا تنتقم من أبيها يا بنيامين ~~ولو كان قاتل أمها، ولكنها تنتقم من الذين اشتركوا في هذه الجريمة الهائلة. ~~- ماذا تقصدين يا سيدتي؟ ~~- ألم يكن لأبي شركاء في هذه الجريمة؟ ~~- هو ذاك، ms0297 بل قد كان ذنبه أخف من ذنبهم، فإن الذي كاد هذا الكيد والدة لوسيان. ~~- ستنال حظها من العقاب. ~~- والتي دبرتها تنوان النورية؟ ~~- وهذه سأسحقها سحق الزجاج، ولكن يجب قبل كل شيء أن أنقذ أختي. ~~- لعلها في خطر؟ ~~- في خطر عظيم، فإن ابن عمي لوسيان يحبها وأخاف أن يفضي هذا الحب إلى ما لا تحمد ~~عقباه. # فارتعد بنيامين وقال: كلا، كلا، إن هذا لا يكون، إن ابن قاتلة الأم لا يمكن أن يهوى ~~ابنتها. ~~- هو ذاك، فسأتولى أختي بحمايتي فلا يمسها طامع بأذى ولا تنالها يد الأشرار. # وعلى ذاك فقد أصبح للوسيان أربعة أعداء يحولون دون زواجه بحنة، وهم الأب جيروم وداغوبير ~~وبنيامين وأورور. # وعند ذلك قال لها بنيامين: أواثقة أنت من الشبه بين ربيبة الدير وبين أمك؟ ~~- إنك ستراها بعينك وترى ما رأيت. # وهنا قطع حديثهما صوت جرس خرج من غرفة الشفالييه أو والد أورور، وكان الدق عنيفا، فأسرع ~~بنيامين ليرى ما جرى له، وأخذت أورور صورة أمها حين كانت في العشرين من عمرها فجعلت تقبلها ~~وتذرف الدموع. # التوبة الكاذبة‏ # التوبة الكاذبة‏ # | التوبة الكاذبة # | التوبة الكاذبة # | روكامبول (الجزء الثاني) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | التوبة الكاذبة # 1 # في يوم صفت سماؤه واعتل هواؤه، كانت مركبة تسير سيرا حثيثا عائدة إلى باريس من ~~الضواحي، وهي جميلة الرونق، تدل ظواهرها على أنها مركبة رجل من النبلاء، وقد جلس في ~~مؤخرها خادمان مرتديان أجمل الملابس التي يرتدي بها خدمة الأغنياء، وكان في هذه المركبة ~~رجل يناهز الأربعين من العمر، وامرأة لا تزال في عهد الشباب ونضارة الصبى، وبينهما طفل ~~صغير تقف عند رؤيته الأبصار معجبة بجماله البديع. # وكان الأب والأم يعبثان بشعر هذا الطفل الجميل، وهما ينظران إليه نظرات حنو لا ~~يفهم سره غير الأباء والأمهات. # وكان هذا الرجل الكونت أرمان دي كركاز والمرأة قرينته، والطفل طفلهما ولد على إثر ~~زواجهما الذي عرفه القراء في القسم الأول من هذه الرواية، وكانت المركبة تسير بهما في ~~طريق ضيق، وهما يتجاذبان أطراف الحديث، ms0298 ودلائل البشر والسعادة تلوح بين ثنايا وجهيهما ~~فتعرب عما يختلج بنفسيهما من الحب والحنان. # وكان أرمان ينظر إلى ولده، ثم ينظر إلى امرأته ويقول: ما أهنأ الحب! وما أجمل ثمرة ~~الزواج! لقد جعلتني سعيدا في الأرض حتى بت غير طامع بسعادة السماء! # وكانت حنة تسمع قوله ويغلبها الحنو، ولا تجيبه بغير الدموع. # ثم جعل الزوجان يذكران ما لقياه من الهناء في إيطاليا، وكانت حنة تحن إلى هذه البلاد ~~وتذكرها بالشوق والارتياح، وقال لها أرمان: ألعلك تؤثرينها على باريس؟ ~~- إني أفضل كل بلد مهما صغرت في عيون الناس على تلك العاصمة السوداء؛ لقد لقينا بها ~~من الأحداث السيئة ما يدفعني عند ذكرها إلى الحزن والاكتئاب. # فاضطرب أرمان وقال: لقد شغلت فؤادي أيتها الحبيبة، وما إخالك إلا تعسة في سكنى ~~باريس، لقد سمعتك مرة تذكرينها بخوف، وتذكرين معها أخي أندريا؛ ألعلك تخافينه إلى ~~الآن؟ ~~- إني لا أكتمك أيها الحبيب، لقد كنت أخافه خوفا شديدا لما عرفت به من الميل إلى ~~الانتقام وقدرته على الشر، أما الآن فقد زالت هذه الأوهام بتقادم الأيام عليها، وأنا لا ~~أخاف باريس، ولكني أفضل البعد عن الناس؛ لأن العالم بأسره قد جمع فيك، ومتى كنت ~~وإياك فردين أكون مع العالم أجمع. # فابتسم أرمان وهو يعلم أن امرأته قد أرادت أن تتنصل بهذا الكلام العذب من مخاوفها، ~~فقال لها: ليطمئن قلبك أيتها الحبيبة؛ فإن أخي فارقنا فراقا لا لقاء بعده. ثم سكت ~~هنيهة سكوت المتأمل وقال: إنني في اليوم الثاني من زواجنا أرسلت مع ليون رولاند مائتي ~~فرنك هبة إلى هذا الأخ الجبار، وتعهد لي في مقابل ذلك تعهدا كتابيا أن يبرح ~~فرنسا إلى أميركا، حيث يجد مجالا متسعا للذنوب أو للنسيان أو للندم، ولا أعلم ما من ~~أمره بعد ذاك، غير أني وثقت أنه سافر إلى أميركا، كما علمت من تقارير البوليس السري ~~الذي لا تخفاه خافية. # وقبل أن يتم أرمان حديثه سمع سائق المركبة يصيح منذعرا ويقول: احذر. ثم أوقف ~~المركبة مضطرا بعد أن كرر الإنذار ms0299 مرارا. # فاضطرب الزوجان وسأل أرمان السائق عما أصابه، فأجابه وقد سكن روعه لزوال الخطر: ~~لقيت رجلا منطرحا على الطريق، فما استطعت اجتنابه لضيق الطريق، ولم يسمع صوت تحذيري ~~ويجتنب الخطر. ~~- إنه سكران ولا ريب. ثم نادى واحدا من الخادمين اللذين كانا في مؤخر المركبة، ~~وقال له: اذهب وانظر في شأن هذا الرجل. # ثم لم يتمالك أن ذهب في إثره وخرج من المركبة، وتبعته امرأته حتى أشرفا على الرجل ~~الممدد على الطريق، وإذا به رجل حافي القدمين ممزق الملابس، وعلائم الشقاء بادية ~~على وجهه الضئيل، وهو في حالة تقرب من الإغماء. # فأشفقت حنة عليه وقالت: يا له من بائس مسكين! لقد قتله الجوع. # ونادى أرمان أحد خدمه قائلا: أسرع بزجاجة الشراب. # ثم أخذها من الخادم، وجعل يسقي بيده من شرابها المنعش ذاك الرجل المسكين، غير أنه لم ~~يلبث أن حدق به حتى اضطرب قائلا: ما هذا الشبه الغريب؟! إنه لا يفرق عن أخي بشيء! ~~ودنت منه حنة أيضا، ورجعت إلى الوراء منذعرة وقالت: هو بعينه ولا مجال للريب. # وأقام أرمان هنيهة وهو مكب عليه ينشقه الروائح المنعشة حتى استفاق من إغمائه، فجعل ~~يقول بصوت متقطع كصوت الحالم: لقد عضني الجوع. أين أنا؟ كيف سقطت في الأرض؟ # ثم جعل يقلب طرفه بين الحاضرين حتى استقر على أرمان، فحدق به تحديق المنذهل، ثم ~~ظهرت عليه دلائل الخوف والذعر حين تبينه، فأجفل وحاول التخلص من يديه، ولكن رجليه ~~لم تقويا على حمله، فسقط ثانية على الأرض. # ولما رآه أرمان على هذه الحال جال الدمع في عينيه من الحنو، وصاح به: أأنت ~~أندريا؟ # فأجابه الشحاذ بصوت مختنق: من هو أندريا ... إنه مات ولا أعرفه، وأنا أدعى جيروم ~~الشحاذ. وقد نطق بهذه الكلمات بصوت يتلجلج، وحاول الإفلات ثانية من أيدي الخادم، ~~فخانته قواه وسقط أرضا مغميا عليه، وقد صبغت هيئته باصفرار الموت. # فنسي أرمان جميع ما ارتكبه أخوه من الذنوب، ولم يذكر غير شيء واحد، وهو أن هذا الرجل ~~البائس أخوه، وسرت هذه العاطفة الشريفة نفسها ms0300 إلى قلب امرأته؛ فأمرت وأمر الخادمين أن ~~يحملاه إلى المركبة، فلما نقلاه إليها أمر السائق أن يذهب مسرعا إلى باريس. # ولم يفق أندريا من إغمائه الطويل إلا وهو مسجى فوق سرير في غرفة أخيه، وحوله ~~الطبيب وجميع من في المنزل، فدنا أرمان منه وقال له: طب نفسا ، إنك الآن عندي، أي في ~~بيتك وبيت أخيك. فنظر إليه أندريا نظرة المنذعر، ثم قال له: كلا لست بأخيك، بل أنا رجل ~~متشرد لا مأوى له ولا زاد، بل أنا رجل شقي ينتقم مني الله بعدل لفرط ما أسأت إلى الله ~~وإلى الناس، بل أنا ذلك المذنب الأثيم التائه في بوادي الندامة يلتمس الغفران، ويقتله ~~تقريع ضميره مرارا كل يوم. # وصاح أرمان صيحة فرح وقال: وا فرحتاه! إنك رجعت عن غرورك، وثبت إلى رشدك؛ فأسرع ~~إلى أحضان أخيك، واعلم أن أمنا واحدة، وقد حملتنا في بطن واحد. # فقال أندريا بصوت أجش: أنسيت الذي قتل هذه الأم؟! ثم تنهد تنهد القانط وسأله: ~~ألا تعدني يا أخي بإطلاق سراحي حين أثوب إلى العافية فأسير في طريقي. إن قطعة من ~~الخبز وكأسا من الماء يكفيان، ولا يحتاج جيروم الشحاذ إلى أكثر من هذا. # وأشفق أرمان عليه، وقال: ما أصابك؟ وما هذا الشقاء الذي بلغت إليه؟ ~~- إنه شقاء اختيار لا شقاء اضطرار، لقد مثلت لي ذنوبي بشكل رائع هائل فندمت ولم أجد ~~بدا من التكفير عن تلك الذنوب، وذلك أنك أعطيتني حين مبارحتي باريس مائتي ألف فرنك، ~~فما أنفقت منها فلسا، ولا تزال وديعة في مصارف نيويورك ليوزع رباها بأمري على ~~المستشفيات؛ لأني لست في حاجة إلى شيء، وقد حتمت على نفسي أن أطوف الأرض، وأمر بالناس ~~متذللا مستجديا؛ فلا آكل غير فضلات خبز المحسنين، ولا أبيت إلا على الطرق، فأفترش ~~الأرض وألتحف السماء، وعسى أن يغفر الله لي بعد هذا التكفير، إنه لغفور رحيم. # فبرقت أسرة أرمان من الفرح باهتداء أخيه، وقال له: لقد كفى ما كفرت به، وأنا أضمن ~~لك عفو الله، وأغفر لك جميع ms0301 ما أسأت به إلي. ثم طوقه بذراعيه وقال له: كلا، إنك ~~تعيش في منزلي كما يعيش الأخوان، ابق أيها الأخ الحبيب بيننا، إنك ستكون سعيدا مع ~~أخيك وامرأة أخيك وابن أخيك. # 2 # مضى على ذلك شهران تعافى في خلالها أندريا، وكان لا يزال مقيما في منزل أخيه، ولكنه ~~كان يتقشف تقشف الزاهدين أمام أخيه، ويجلد نفسه بالسياط، لا يطالع غير الكتب المقدسة، ~~ويشتغل النهار كله في محل تجاري، فيعطي جميع ما يكسبه لامرأة أخيه كي توزعه على ~~الفقراء، ولا ينام في الليالي الباردة إلا على الأرض، وهو يجري جميع ذلك دون أن يدع ~~أحدا في المنزل يقف على ما يصنع بنفسه لشدة مبالغته بالتكتم في الظاهر، غير أن أخاه ~~أرمان كان يراقبه مراقبة شديدة فيقف على جميع ما يصنعه، ويخبر امرأته بما يراه، فكانت ~~تعجب بندامته إعجابا شديدا، حتى باتت تحسبه من الأبرار الصالحين وتشفق عليه إشفاق ~~أخيه، وطالما طلبت إلى زوجها أن يلح عليه ويكرهه على تغيير خطته والإشفاق على نفسه، ~~فكان يظهر لها عجزه عن إرجاعه، حتى وثق الزوجان أن حياته لا تطول. # وفيما هما يتباحثان ليلة في شأنه، قال أرمان لامرأته: لقد خطر لي رأي أرجو أن ~~أتمكن به من إنقاذ حياة هذا الأخ التائب. ~~- وما عسى أن يكون هذا الرأي؟ ~~- تعلمين أني حين سفري وإياك إلى إيطاليا عهدت إلى أصدقائنا فرناند روشي، وليون ~~رولاند والأخت لويزا أن ينوبوا عني بإغاثة البائسين، ودفع نكبات الفقر عن أولئك العمال ~~والعاملات الذين تصدهم المروءة عن الالتماس وارتكاب المحرمات، ولا يجدون من رواتبهم ~~القليلة ما يردون مكائد الدهر ويدفعون به غدر الزمان، أولئك هم الفقراء والفقيرات، وليس ~~الفقير ابن السبيل الملتمس ما بأيدي الناس. ~~- أعلم جميع هذا. ~~- ولقد وفى أولئك الأصدقاء بجميع ما عهدت به إليهم، فوقوا كثيرات من البنات غوائل ~~السقوط، وأنقذوا كثيرا من الفتيان من مخالب اليأس، فجرى ذلك مشروع الخير في مجراه، ~~ولكن مشروع العدالة لم ينفذ بعد. ~~- ماذا تريد بهذا القول؟ ~~- أصغي إلي، لقد التقى منذ ms0302 عشرة أعوام رجلان في مرتفع يشرف على باريس، فأشار أحد ~~الرجلين بأصبعه إلى تلك العاصمة وجعل يقول: «يا مدينة باريس العظمى، ويا ملكة العواصم، ~~بك اجتمع النعيم والهناء، وبساحتك استقر البؤس والشقاء، يا بابل القديمة إن الذنوب ~~فيك تحثك بالفضائل، وأصوات الضحك تقترن بأنات البكاء، وأغاني الحب تمتزج بدموع اليأس، ~~والقاتل السفاك يمشي على الأرض التي يمشي عليها الورع الزاهد، وقد عجزت شريعتك عن ~~معاقبة المجرمين، وعجز أولو البر فيك عن إغاثة البائسين، فما عوقب مسيء، ولا كوفئ ~~محسن، ومن لك برجل موسر شريف يغل يد الظالم، ويجتر قلب البائس، ويرثي لدمع الأرملة، ~~ويحن لشقاء اليتيم.» # ثم أشار الآخر بأصبعه إلى العاصمة قائلا: «يا ساحة الملذات، ونعيم الدنيا وقطب ~~الأماني، لقد وصفت بجمال نسائك، واشتهرت بالبدائع، فمن لي بالذهب الكثير أستغوي ~~بها الفتيات الطاهرات، وأشتري به النفوس الشريفة فأصرفها إلى الغواية، وأستخدمها فيما ~~أريده من التمتع بملاذ الشباب.» # إن هذا الرجل، بل هذا الداهية الذي كان يتفوه بهذا الكلام كان أخي أندريا الذي بات ~~اليوم من المساكين، وكان ذلك الرجل المشفق الذي كان يتمنى الثروة لإنفاقها في سبيل ~~إغاثة الملهوف زوجك أرمان، وقد ظفر كلانا بما كان يرجوه ويتمناه. أما وقد تاب أخي توبة ~~لا رجوع بعدها إلى المعاصي، فقد رأيت أن أستخدمه لردع شرور الفاسقين؛ فإنه إذا كان قد ~~رجع عن الغي والضلال والمنكرات فإنه أعلم بأصحاب الآثام، وأبصر بطرق منع الشرور، ومثل ~~هذا الرجل الحاذق الذي يعد من النوابغ إذا جرد قريحته لمقاومة الشر يدفع كثيرا ~~من البلاء عن أخيه الإنسان. # ثم إنك تعلمين أني معين بوليسا سريا لهذا الغرض، فإذا عينت أخي رئيسا لهذا ~~البوليس السري يبلغ بحسن إدارته أقصى درجات الكمال. # فاستصوبت حنة هذا الرأي وقالت: لا أظن أن أخاك يأبى قبول هذه المهمة، فأنه إذا كان ~~يزهد للاستغفار، فإن دفاعه عن الأبرياء ومقاومته للشر تدنيه أكثر من التقشف. # وفيما هما يتباحثان إذ دخل خادم الكونت وأعطاه غلافا ضخما يتضمن كتابا مسهبا، ~~ففضه أرمان وجعل يقرأ ms0303 ما فيه كما يأتي: # إن بوليس سيدي الكونت السري أخذ الآن بالبحث عن جمعية سرية عقدت حديثا في ~~باريس، وقد ظهر أن هذه الشركة متشعبة في جميع العاصمة، ولم نقف بعد على شيء من ~~طرقها في الإجراء، ولا عرفنا رئيسها وأعضاءها. غير أنه تبين لنا أن الغرض من ~~هذه الشركة أن يتحصل أعضاؤها على جميع الوسائل السرية المشوشة لنظام العائلات؛ ~~فيستخدمونها للإنذار والتوصل لما يريدونه من الأغراض، وقد بذلنا الجهد للوقوف ~~على أسرارها فلم نظفر بعد بشيء، ولكنا لا تفتر لنا همة عن اقتفاء ~~أثرها. # ولم فرغ أرمان من تلاوة هذا الكتاب أخبر امرأته بمضمونه وقال: إن الله أرسل لنا ~~أندريا لمقاومة هؤلاء اللصوص. # ثم دعا خادمه وأمره أن يذهب ويدعو له أخاه أندريا. # إن من عرف الفيكونت أندريا، أي السير فيليام، أي أخا أرمان دي كركاز، أي ابن الكونت ~~دي فيليبون، على ما مثل في رواية الإرث الخفي السابقة ينكره متى رآه الآن، وقد امتقع ~~لونه وهزل جسمه، وهو بملابس تدل على الزهد، فإذا مشى أرخى نظره إلى الأرض، وإذا تكلم ~~نطق بصوت ضعيف، وإذا نظر إلى محدثه نظر إليه نظرة الضعيف للقوي، وقد ذهب رواؤه ~~القديم، وخمدت جذوة نظراته الجهنمية. # وكان لا يجسر أن يطيل النظر إلى امرأة أخيه، كأن مرور أربعة أعوام لم يمح آثار ~~ذنوبه وإساءته إليها، فلما قدم إلى أخيه وقف أمامه وأمام امرأته وقفة الذليل وقال: ~~ها قد أتيت فماذا تحتاج مني؟ ~~- إني دعوتك لأني محتاج إليك. # فبرقت عين أندريا بأشعة الفرح وأضاف: حبذا الموت في خدمتك. ~~- إني لا أطلب إليك أن تموت بل أن تحيا. # وقالت امرأة أخيه: أي أن تعيش كما يعيش الناس. # ثم أخذت يده بين يديها وضغطت عليها بحنو وإشفاق، فاحمر وجه أندريا وحاول أن يجذب ~~يده وهو يخاطبها: لست أهلا يا سيدتي لحنوك، فما أنا غير أثيم شريد. # فتنهدت حنة ورفعت عينيها إلى السماء وهي تضيف: لا شك إنه من الأبرار. # وأضاف أرمان: إنك تعلم أيها الأخ العزيز أني ms0304 موقف نفسي ومالي لعمل الخير، وأنا أرجو ~~مساعدتك لي في هذه المهمات. # فارتعش أندريا وأجاب: أيبقى الخير خيرا إذا تدنس بيدي الأثيمة؟ # فرد أرمان: إني لا أطلب إليك أن تعمل الخير، بل أن تساعدني على مقاومة الشر. # ثم دفع إليه التقرير الذي ورده من البوليس السري. # وبعد أن قرأه أندريا وهو يظهر العجب والدهشة، أضاف أرمان: إنك قد شقيت في توبتك وندمك ~~شقاء عظيما كان شفيعا لك إلى عفو الله، والآن فعد إلى ما كنت عليه من النشاط ~~والذكاء والجرأة النادرة كي تستطيع أن تقاوم أولئك اللصوص. # وأطرق أندريا هنيهة ثم أجاب: سأكون ذلك الرجل. # فسر الكونت غاية السرور وقال: الآن قد وثقت من كشف الستر عن هذه الجمعية ~~الهائلة. # وفيما هم على ذلك فتح الباب، ودخلت منه امرأة لابسة ملابس سوداء كما تلبس الراهبات، ~~ولم تكن هذه المرأة بل تلك الفتاة غير التى عرفها قراء روايتنا السابقة باسم ~~باكارا، وقد مات كل شيء من تلك الفتاة التي كانت من أشد بنات الهوى غدرا، ولم يبق ~~فيها حيا غير جمالها النادر الذي لا يقيدها بشيء، وقد استبدلت اسمها القديم باسم ~~الأخت لويزا، على أننا نستسمح القراء ونبقي لها اسمها، فتبدو لهم بذلك الحال الغريب ~~الذي كانت تسعى أن تخفيه بالملابس الضخمة، ولكن الوردة لا يستر جمالها ما يحيط بها من ~~الشوك، غير أن هذه الفتاة التي عرفت أسرار الهوى، ثم تابت بعد أن حبسها أندريا في ~~مستشفى المجانين لم تبق من مظاهر التجمل غير ذلك الشعر المنسدل على كتفيها ~~كالأراقم السوداء. # ولما دخلت باكارا هشت إليها مدام دي كركاز ومدت لها يدها للسلام، فظهرت على ~~وجهها علائم الخجل، كما بدت هذه العلائم على وجه أندريا. فقام أرمان وأمسك بيدي ~~باكارا وأخيه وخاطبهما قائلا: لقد كنتما شيطانين على الأرض تتعاونان على الشر، ~~فأصبحتما بعد توبتكما ملاكين، فتعاونا الآن على الخير. # ثم وضع يد باكارا بيد أخيه، فنظرت باكارا إلى أندريا وهي تقول في نفسها: لقد خدع ~~أرمان وخدعت امرأة أرمان؛ فإن ms0305 مثل هذا القلب لا تصل إليه التوبة. # 3 # بينما هذه الحوادث تجري في بيت أرمان كانت حادثة أخرى تجري بعد ساعة في شارع ~~آخر. # وكان الليل حالك الأديم، والضباب كثيفا، حتى إن المار بذلك الشارع لم يكن يستطيع أن ~~يهتدي لسبيله على كثرة أنوار الغاز؛ لشدة عصف الهواء الذي كان يهب على تلك الأنوار ~~فيقبض ألسنتها من حين إلى آخر. وكان في عطفة من ذلك الشارع بيت كبير حسن الظاهر، فلما ~~انتصف الليل كثر طرق باب هذا البيت ودخل إليه خمسة رجال الواحد بعد الآخر، فكان ~~الداخل منهم يدخل من الباب العام فيسير عدة خطوات في دهليز طويل حتى يبلغ إلى باب سري ~~في حائط الدهليز، فيطرقه ثلاث مرات متوازنة، فيجيبه صوت من الداخل قائلا: أين تذهب، ~~ألعلك أتيت لتسرق خمري؟ # فيجيبه الطارق من الخارج: كلا، فإن الحب صالح (وهي جملة مصطلح عليها بينهم). # فيفتح الباب عند ذلك، ويدخل الزائر ويجد بصيصا من النور ينبعث من مصباح ضعيف، ويرى ~~أمامه سلما طويلة، ولكنها غير ذاهبة صعدا كالسلالم المألوفة، بل إنها كانت تخترق جوف ~~الأرض، فينزل منها الزائر حتى يصل إلى غرفة متسعة رصفت بها براميل الخمر بعضها فوق بعض، ~~وفي صدر هذه الغرفة منضدة حولها خمسة كراسي مصفوفة، ويرى جالسا على المنضدة شابا ~~جميل الطلعة، لا يتجاوز عمره الثامنة عشرة، وأشعة الذكاء تتوقد من عينيه، فيحيي هذا ~~الغلام تحية المرءوس، ثم يجلس في مكانه من القاعة. # وكان عدد الحضور خمسة ما عدا الرئيس، فكان أحدهم حسن الملابس، وفي عروة ثوبه إشارة ~~تدل على أنه من أصحاب الوسامات، والثاني يناهز الثلاثين، والثالث شيخ عجوز تبدو عليه ~~مظاهر القوة، والرابع غلام يبلغ سن الرئيس، والخامس شاب تدل هيئته على أنه من خدم ~~البيوت الكبيرة. # ولما تكامل عدد المدعوين نظر إليهم الرئيس وحدثهم قائلا: إن جمعيتنا أيها ~~السادة يطلق عليها عنوان الجمعية السرية، وأعضاؤها أربعة وعشرون عضوا، ليس بينهم من ~~يعرف الآخر، على أن لكل منهم الحق بالوقوف على نظام هذه الجمعية، وأخص ms0306 بنوده أن يطيع ~~الأعضاء طاعة عمياء لا حد لها رئيسنا الذي لا يعرفه أحد سواي؛ لأني الوسيط بينه ~~وبينكم. # فانحنى الأعضاء عند ذكر الرئيس إشارة الاحترام. # وأضاف: وقد صدر أمر الرئيس أن تجتمعوا أنتم الذين دعوتكم دون سواكم كي يعرف بعضكم ~~بعضا؛ لأنكم ستشتركون بعمل واحد، نؤمل أن يعود علينا بالخير العميم، ولا أعلم شيئا من ~~ذلك؛ فإن مهمتي بينكم أن أنقل إليكم أوامر الرئيس السري، كما أتلقاها منه. # ثم التفت إلى أحد الأعضاء فناداه بلقب ماجور، وقال: إنك تزور كثيرا من الأسرات ~~النبيلة. # فأجاب المأجور: أجل. # فجعل الرئيس يقلب أوراق كتاب كتب عليها رموز اصطلاحية، إلى أن عثر بما يبحث عنه ~~فسأله: ألك معرفة بالمركيزة فان هوب؟ وهل أنت مدعو إلى الحفلة الراقصة التي ستحييها ~~ليلة الأربعاء القادمة؟ ~~- أجل. ~~- أليست هذه المركيزة إسبانية أميركية تزوجت بهولاندي وعمرها الآن 30 ~~عاما؟ ~~- أجل. ~~- أهي غنية كما يقولون؟ ~~- إنهم يقدرون دخلها السنوي بمليون فرنك. ~~- أصحيح ما يروى عنها أنها تحب الفنون الجملية، وأنها كانت تتعلم صناعة النقش منذ ~~عهد قريب؟ # فنهض أحد الحاضرين وقال: ذلك لا ريب فيه، فإني كنت أستاذها. # وأضاف الرئيس: أصحيح أن زوجها يغار عليها غيرة شديدة، وأنه لا يتجاوز الأربعين من ~~العمر؟ ~~- إنه بات بغيرته مضرب المثل، ولكنها غيرة في غير موضعها؛ لأن المركيزة معروفة ~~بالطهارة والعفاف. # فأومأ الرئيس بيده إلى أحد أعضاء الجمعية، وأضاف: إنك ستصحب معك ليلة الرقص المسيو ~~شاروبيم وتعرفه بالمركيز. # وكان شاروبيم هذا في مقتبل الشباب، وله جمال عجيب لقب من أجله بأسماء الملائكة، ~~ثم عرف به الماجور، وبعد ذلك قال له: أليس للمركيزة علاقة مودة مع امرأة تبلغ الخامسة ~~والثلاثين؟ ~~- أجل، وهي أرملة تدعى مدام ملاسيس، لقيتها مرارا كثيرة عند المركيزة. ~~- ألم تكن متهمة بواجباتها الزوجية في حياة زوجها؟ ~~- هي تهمة يدري بها الأكثرون. ~~- ولكن المركيزة لا تعلم شيئا من حياتها السابقة، وتحسبها من أفضل النساء، وكذلك ~~الدوق مايلي الشيخ فإنه يهواها ويحاول أن يتزوجها فيحرم حفيده الكونت مايلي من إرثه ~~العظيم، وقد ms0307 أوشك أن يسقط هذا الكونت في مهاوي الإفلاس. ~~- بل سقط ولم يبق له من ماله غير الندم على ما فات. # فالتفت الرئيس إلى أحد أعضاء الشركة وقال له: إن هذه الأرملة التي نذكرها محتاجة إلى ~~رجل يدير منزلها ويكون لها وكيلا في أعمالها، فاذهب إليها واعرض عليها خدمتك. # فأحنى الرجل رأسه إشارة الامتثال، فقال له الرئيس: إنك كنت بالأمس مستخدما في قصر ~~الدوق مايلي الشيخ وطردت منه؟ ~~- بل إني دعوته إلى طردي امتثالا لأوامركم. ~~- هو ذاك ولكنك نسيت أن ترد الدوق مفتاحا كان ائتمنك عليه، وهو مفتاح حديقة بيت ~~الأرملة، ولا بد أن تكون قد عرفت عوائد الدوق، وكيف ينفق وقته في مدة خدمتك له. ~~- أجل، لقد خبرته خبرة تامة، شأني في معرفة جميع من أخدمهم. # فأبدى الرئيس علامة الرضى وقال له: إنك تذهب في الغد إلى صانع أقفال فتصنع مفتاحا ~~آخر مثل المفتاح القديم وترده إلى الدوق، وتبقي المفتاح الآخر معك فتدفعه إلى ~~هذا. # وأشار بيده إلى أحد أعضاء الجمعية. # ولما فرغ من ذلك قال للحضور: إنكم الآن قد عرفتم بعضكم بعضا، فانصرفوا إلى شئونكم ~~وستردكم التعليمات إلى منازلكم. # ثم فض الجلسة وتفرق الحاضرون، فلم يبق في الغرفة إلا الرئيس الصغير، وعند ذلك ~~سمع طرقا على باب سري؛ فدنا من الباب وأجاب: ادخل أيها السيد فقد انصرف الجميع. # ففتح الباب وظهر منه أندريا وهو يقول بلهجة الساخر: لقد أعجبني منك يا روكامبول أنك ~~ترأس الجلسات كما يرأسها القضاة. # أما روكامبول الذي يظهر الآن بمظاهر السيادة فما هو إلا روكامبول الذي عرفه القراء في ~~آخر رواية الإرث الخفي، أي ابن الأرملة فيبار الذي أطلع أرمان على دسيسة أندريا ~~حينما كان يريد اغتصاب عروسه، وقد سافر بعد هذه الحوادث مع أندريا إلى نيويورك، ~~فتبناه أندريا وأحسن إليه لما توسم فيه من الذكاء، ثم جعل يدربه ويعلمه أسرار ~~مهنته إلى أن نبغ فيها، ولما رجع من نيويورك إلى باريس صحبه معه وجعل يشاركه في كل إثم ~~وزور، حتى ألف أخيرا هذه العصابة ms0308 التي تقدم ذكرها، فعينه رئيسا بالظاهر ~~عليها وبقي هو الرئيس الحقيقي. # فلما دخل أندريا عليه حاول أن يخبره بما كان من أمر العصابة، فقاطعه: لا حاجة لي بذلك ~~فقد سمعت كل شيء، بل إني في حاجة إلى الطعام فأعد لي أفخره؛ لأني لم أبتلع شيئا منذ ~~الصباح. ~~- إذن، لندخل إلى البيت حيث تجد فيه جميع ما نشتهيه. # ثم دخل الاثنان يتأبط كل منهم ذراع الآخر، وأندريا يقول: سترى أيها الأخ العزيز ~~كيف يكون الانتقام. # 4 # ولما بلغا إلى داخل البيت الذي كانا يجوزان إليه من أبواب سرية دخلا إلى غرفة الطعام، ~~وجلسا حول المائدة يأكلان ويتحدثان، وقد افتتح الحديث أندريا فسأله: كيف حال ~~الصندوق؟ # فأجابه روكامبول: أي صندوق تعني؟ أصندوق الشركة أم صندوقي الخاص؟ ~~- بل صندوقك؛ فإني أعلم ميزانية الشركة. ~~- لقد ذهب معظم مالي بما أخسره في المقامرة، فقد خسرت أمس مائة جنيه، وأنت الذي ~~أمرتني أن أخسر. ~~- هو ذاك؛ فإنه يجب على المرء أن يزرع كي يجني، ومن يحسن الزرع يحسن ~~الحصاد. ~~- وإني أنفق كثيرا على هذه الخليلة التي لا أعلم كيف أرضيها، وهي كالحوت لا يرويه ~~شيء يلتهمه. ~~- إنك ستطلق سبيلها في القريب العاجل، فلم يعد لي بها حاجة وقد أدركت منها ما ~~أريد. # فأجابه روكامبول: وقد جمعت نفقاتها ونفقات المنزل وخسائر القمار فبلغت 40 ألف فرنك في ~~هذا الشهر، ولا يمضي على ذلك زمن يسير حتى تفرغ جيوبي. ~~- لا بأس فسأملؤها إذا كنت تحسن الطاعة والسلوك. # فنفر روكامبول وقال: لعل مولاي يشكو مني قصورا في طاعتي وامتثالي؟ ~~- كلا، ولكننا مقدمون على أمر خطير يجب فيه الطاعة العمياء. ~~- أيطلعني سيدي على حقيقة ما ينويه؟ ~~- نعم، فإن لي بك ملء الثقة، وما أتيت إليك في هذه الليلة المدلهمة إلا لهذا الغرض، ~~ولا بد لي قبل إطلاعك على ما أريد من مقدمة صغيرة، وهي أن الطاعة والحب والإخلاص ومعرفة ~~الواجبات كلها كلمات لا معنى لها في قاموسنا، ومن كان مثلنا لا يدفعه إلى الإخلاص غير ~~الفائدة والصالح، وهذا هو خير ms0309 تعريف لما يدعوه الناس بالصداقة، ودليل ذلك أنك لو عثرت ~~على رجل أشد مني في مواقف الذكاء، وأفادك مما أفيدك لتخليت عني ونقضت عهدك، أو تكون من ~~زمرة الجهال، ولكنك لا تجد الآن؛ فأنا أطلعك على شيء من مقاصدي دون أن أخشى منك نقض ~~عهد. # فأعجب روكامبول بكلامه وأجاب: إني طوع لإرادتك ، فمر بما تشاء. ~~- لنبدأ من الأمور بأهمها. فقل كيف رأيت روايتي المضحكة في دخولي إلى بيت ~~أخي؟ ~~- هي خير ما رأيته على مسارح التمثيل، فقد أتقنت تمثيلك والإغماء على قارعة الطريق، ~~حتى لقد خدعت به أنا على ما أعرفه من حقيقته، ولو لم أكن أنا ذلك السائق الذي كان ~~في مركبة أخيك لداستك المركبة، ثم إن توبتك وندمك وجميع ما تبديه من مظاهر الصلاح لا ~~يقوى على بعضه أشهر الممثلين، ولكني لا أظنك تستطيع أن تعيش طويلا على هذا التقشف ~~والزهد. ~~- إني أعيش دهرا عيشة الأذلاء كي أروي غلي من الانتقام، وإن الانتقام أعرج ~~بطيء السير، ولكنه يصل. # ثم أخذ أندريا يتأمل هنيهة، وهو يعد أصابعه فقال: نبدأ بالكونت أرمان لأنه أعظم ~~أعدائي. ~~- وأنا أبدأ بخنجري فإنه أفضل سلاحي. ~~- كلا لم يحن الوقت بعد. ثم أتليه بامرأته حنة؛ فإنها لم تحبني بعد ولكنها ~~ستحبني، ثم أتليها بباكارا، فإنها ستبكي بكاء شديدا حين أقبض عليها وتندم الندم العظيم ~~لإفلاتها من مستشفى المجانين. # فقاطعه روكامبول: ولكنها في جمالها وذكائها، وخير لك أن تكون صديقتك. ~~- لدي أفضل منها، وهي ستكون لك بدلا من خليلتك، إذا أحسنت السلوك. # ثم عاد إلى حسابه وأضاف: وبعد باكارا يأتي فرناند روشي؛ فقد اتهمناه بالسرقة فلم ~~نفلح، ولا نفوز الآن أيضا بمثل هذه التهم، فإنه من كبار الأغنياء. ولكننا سنمثله ~~للقضاء قاتلا سفاكا، والثروة لا تعصم الأغنياء من جريمة القتل. ~~- وما عساك تصنع بامرأته هرمين؟ # فأجابه أندريا ببرود: إن هذه المرأة قد تنازلت إلى حبها، فرفضت حبي؛ ولذلك سأسحق ~~كبرياءها بقدمي وأرمي فؤادها بهوى يحط مقامها ويصم حياتها الحاضرة والمستقبلة بوصمة ~~عار لا تمحى، فأجعل عرضها ms0310 مضغة الأفواه وأزج بها إلى الحضيض. ثم أضاف: وبعد ذلك يأتي ~~دور ليون رولاند؛ فلقد قتل هذا الأبله كولار رئيس عصابتي السابق، ودم رجالي لا يذهب ~~هدرا. ~~- وماذا تصنع بامرأته سريز؟ ~~- الحق أني لا أريد بهذه المرأة شرا، ولكن والد هرمين لا يزال مفتونا بها، حتى لقد ~~جن في هواها، وقد وعدته وعودا أحب أن أنقضها. ~~- أهذا كل ما تبغيه من الانتقام؟ ~~- أجل. ~~- وحنة امرأة أخيك؟ ~~- إني لا أكرهها بل أحبها. # وكأن هذه الكلمة التي خرجت من فم هذا الرجل الهائل كانت قضاء مبرما على أرمان دي ~~كركاز، وحكما بموته لا يدفع. # فسأله روكامبول: لقد أخبرتني بأسماء الذين تريد الانتقام منهم، ولكنك لم تقل لي شيئا ~~عن طريقة الانتقام. # فابتسم أندريا ابتسام الأبالسة وقال: إن من يريد الانتقام لا يكشف طرق الانتقام، بل ~~يبقيها مكتومة في صدره. # فغير روكامبول مجرى الحديث وقال: إذن فقد عولت على أن تستمر على زهدك ~~الحاضر. ~~- أجل. ~~- أفي مثل هذا الشتاء القارص تنام بغرفة لا نار فيها؟ ~~- إن في قلبي من نار الانتقام ما يكفيني للاصطلاء. ~~- أتشتغل جميع ساعات النهار في ضبط الحسابات ومسك الدفاتر في مخزن حقير؟ ~~- كلا، فإن أخي العزيز قد كفاني مئونة هذا العمل الشاق، فجعلني رئيسا لبوليسه ~~السري. # ثم أخبره بجميع ما كان بينه وبين أرمان، وكيف أنه سيضل هذا البوليس فلا يدعه يقف على ~~شيء من أسرار جمعيتهم السرية. ولما انتهى من حديثه سأله روكامبول: لقد كتمت عني طريقة ~~انتقامك، أفتكتم عني أيضا هذا السر الذي ألفنا من أجله هذه الجمعية؟ ~~- نعم، أخبرك بما يجب أن تعلمه، أي بالمقدمات التي لا بد من إيقافك عليها، فاسمع: إن ~~هذا المركيز الذي يدعى فان هوب والذي يقدرون ثروته بالملايين، لو لم يتزوج لكانت ~~ثروته تقدر بأضعاف ما هي عليه الآن، وذلك أنه كان لهذا المركيز عم فقير، فبرح وطنه ~~الهولندي في صباه وسافر إلى الهند، فدرت له أخلاف الثروة وتزوج بامرأة هندية، فولدت ~~له بنتا ترك لها مهرا يبلغ عشرين مليونا، وقد ms0311 ذهب المركيز فان هوب منذ عشرة أعوام ~~لزيارة عمه في الهند، فأقام عنده زمنا طويلا وأحبته ابنة عمه حبا شديدا، وقد جاهرت ~~به لأبيها وأخبرته أنها لا تتزوج سوى ابن أخيه. فرضي الأب بهذا الزواج وتوافق عليه ~~العاشقان. # وكان المركيز قبل الخطبة عازما على الطواف حول الأرض، فأجل الزواج إلى انتهاء ~~الطواف وودع الخطيبة ورحل. # وقد بدأت رحلته من جزائر الأتيل، حتى إذا بلغ إلى هافانا رأى فيها فتاة شغفت ~~لبه وملكت قياده، فنسي ابنة عمه وحنث بوعوده واقترن بتلك الفتاة. # فقال روكامبول: يا له من أبله! أيترك عشرين مليونا كي يمتثل لصوت فؤاده ~~الضعيف؟ ~~- ولكن امرأته غنية أيضا، وهو يحبها حبا بلغ به حد العبادة، غير أن هذا المركيز لم ~~يفطن لتلك الجذوة التي أشعلها في قلب ابنة عمه، فقد كانت تحبه حبا لا يحيط به وصف ولا ~~تزال، وقد مضى على زواجه ثمانية أعوام، وهي تحبه ذلك الحب الشديد ولكنه حب مقرون ~~بالانتقام. ~~- إذن تكرهه؟ ~~- كلا، بل إنها تعبده، ولكنها تريد الانتقام من خصيمتها فيه، ومن كان له عشرون ~~مليونا فلا يصعب عليه مثل هذا الانتقام. ~~- هذا ميسور، وأنا أتعهد لها بقتل امرأة المركيز إن أعطتني مائة ألف فرنك. # فقال أندريا ببرود: إنها ستعطيني خمسة ملايين. # فدهش روكامبول وقال: متى وعدتك؟ ~~- منذ عام. ~~- أتعدك بهذه الثروة الطائلة منذ عام، وتصبر عليها إلى الآن؟ # فضحك أندريا ضحك الساخر وقال: إنك لا تزال على سابق عهدي فيك، فإنك تستطيع أن تكون ~~يدا عاملة منفذة، ولكنك لا تقدر أن تكون الرأس المدبر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأن الهندية لا تريد الاقتصار على قتل المركيزة، بل إنها تريد أيضا الزواج ~~بالمركيز، وإذا كان هذا المركيز يحب امرأته هذا الحب، فهو لا يتزوج سواها إذا فجع بها ~~بعد عهد قريب، بل قد يقتل نفسه بعد قتلها، فنخسر الملايين؛ ولذلك يجب أن يكره المركيز ~~امرأته قبل أن تموت أو تقتل، ولا يجب أن يحب غير ابنة عمه الهندية، ولا نقبض الملايين ~~الخمسة إلا بهذا الشرط. # فقال ms0312 روكامبول: لقد بدأت أن أفهم، ولكنه عمل شاق يحتاج إلى الدهاء الكثير. ~~- وليس الجزاء بيسير. ~~- وأين رأيت هذه الهندية؟ ~~- رأيتها في نيويورك. فاسمع حكايتها فإنها لا تخلو من الفكاهة. # 5 # قبل أن نرجع من نيويورك، وذلك منذ بضعة أشهر، بينما كنت راجعا إلى المنزل في ~~المساء، رأيت مركبة يسوقها أربعة جياد تسير سير الهوينا، وفي صدرها صبية تدل هيئتها ~~على أنها بين الخامسة والعشرين، أو الثلاثين من العمر، فاستوقف نظري ما رأيته بهذه ~~الصبية من عينين متوقدتين كأنهما تخرج منهما شهب النار ووجه متجهم بالسويداء، وملامح ~~تدل بجملتها على الاسترسال بالملاذ. غير أن تجهمها على صباها وظواهر غناها كان يشير ~~على أن في حياتها سرا من الأسرار، فوقفت أنظر إليها نظرة الفاحص، وأنا أبعد عنها عدة ~~أمتار، ونظرت إلي وحدقت بي، ثم برقت أسرة وجهها كأنها تقول: هذا هو الرجل الذي أبحث ~~عنه. ثم أمرت السائق بالوقوف فوقف، أما أنا فإني دنوت من المركبة وجعلت أنظر إليها ~~نظرات تخترق النفس، ثم قلت لها: ماذا تبتغين؟ قالت بصوت أجش، تبدو من نبراته علائم ~~الظمأ إلى الانتقام: أريد رجلا قويا. ~~- إنك نكبت نكبة غرام؛ فغدوت كاللبوة فقدت أشبالها. ~~- هو ذاك؛ فإني أحب وأكره لحد الموت. ~~- إن الانتقام يقتضي له المال الكثير. # فقالت ببرود: أيكفي 20 مليونا؟ # فلم أنبس بعد ذلك بحرف، وصعدت إلى المركبة فجلست بالقرب منها، فسارت بنا المركبة ~~سيرا حثيثا حتى بلغنا إلى قصرها، فنزلت وأخذت يدها ودخلنا إلى إحدى قاعات المنزل، ~~فأقفلت الباب وأجلستني أمامها، ثم قالت: إني لم أرك غير الآن، ولا أعلم من أنت ولا من ~~أي بلاد أتيت، ولكني قرأت في عينيك ما دلني على أنك ذلك الرجل الذي أبحث عنه من دهر ~~طويل يكون عوني فيما أبغيه من الانتقام. ~~- لقد صدق نظرك، فأنا هو ذلك الرجل. ~~- إني أهوى ابن عمي وأريد أن أتزوج به. ~~- إذن فلا بد من قتل امرأته. ~~- أصبت وليس أسهل من قتلها، فإن لدي كثيرا من الخدم إذا أمرت أحدهم بقتلها لا ms0313 يعود ~~إلا مخضبا بدمائها، ولكنها إذا ماتت مثل هذه الميتة زاد شفقة بها، ولا أنال منه ~~شيئا. ~~- إذن كم تعطي الرجل الذي يزيل جميع هذه الموانع ويجعل ابن عمك يهيم بك. ~~- أعطيه كل ما يريد، فاطلب ما تشاء. ~~- أطلب خمسة ملايين. ~~- أتموت امرأته موتا فظيعا وينساها زوجها؟ ~~- أجل. ~~- ومن يقتلها؟ ~~- زوجها. # فصاحت صيحة فرح وقالت: لك ما طلبت من الملايين. ~~- إذن اطمئني فسيقتلها بيده ويلعنها بعد قتلها، ويعود إليك بعد شهرين من ترمله فيجثو ~~مستغفرا على قدميك. # فنهضت إلى منضدة عليها أدوات الكتابة، وأخذت ورقة فكتبت عليها حوالة على أحد مصارف ~~باريس بخمسمائة ألف فرنك، فدفعته إلي وهي تقول: خذ هذا المبلغ لنفقاتك ~~الأولية. # ثم كتبت لي تعهدا بالملايين الخمسة أقبضها حين انتهاء العمل، فأخذت الحوالة ~~والتعهد وقلت: إني مسافر غدا إلى باريس، فاصبري وكوني على ثقة مني، فإذا ورد إليك ~~كتاب من بوجيفال قرب باريس دون توقيع أدعوك فيه للحضور؛ فاحضري في الحال. # ثم تركتها ومضيت وبعد يومين سافرت إلى باريس. # فقال له روكامبول: ألم ترها بعد ذلك؟ ~~- نعم، فقد رأيتها أمس، وهي تنتظر في باريس منذ يومين. # ثم تبسم ابتساما علم روكامبول من خلاله أن المركيزة فان هوب حكم عليها بالموت، ~~وبيعت حياتها بخمسة ملايين فرنك. # وبعد ذلك قال له روكامبول: بقي أن أسألك سؤالا آخر، وهو ما شأن الأرملة مالاسيس ~~معنا؟ ~~- إنها عماد روايتنا، فإنها بالظاهر لا علاقة لها مع المركيزة فان هوب، ولكنها في ~~الحقيقة يدها العاملة؛ وذلك أن زوج المركيزة صديق للدوق دي مايلي، عشيق الأرملة، ~~وسيتزوجها إذا ترك وشأنه، ويحرم حفيده من إرثه. ~~- أيهمك هذا الحفيد؟ ~~- ولكنه يدفع على الأقل خمسمائة ألف فرنك إذا مات الدوق قبل أن يحرمه من ~~الإرث. ~~- ولكن ملايين الهندية أعظم من آلافه وخير لنا لو تجردنا لها. ~~- هو ما تقول، ولكن لدينا أسبابا كثيرة تقضي علينا بالتجرد للأمرين؛ وذلك لأن ~~المركيز وامرأته لا يعرفان حقيقة علائق الدوق الشيخ مع الأرملة، ولكنهما يعلمان فقط أنه ~~هائم بها، وأن المركيزة تحب ms0314 الأرملة حب الإخاء، وتحسب أنها من أعف النساء، فهي تتمنى أن ~~تراها زوجة الدوق، غير أن هناك أمرا آخر، وهو أن المركيز شديد الغيرة على زوجته، وقد ~~اتفق مرة أن حفيد الدوق الشيخ طمع بحب المركيزة ولم يفز بشيء، فبات المركيز يكرهه ~~أشد الكره؛ ولذلك فإنه يتمنى أيضا أن يتزوج الدوق بالأرملة كي ينتقم بحرمان حفيده من ~~الإرث. # وبهت روكامبول: أهذا كل ما تريد أن تقوله، فإني لم أفهم شيئا من هذه الألغاز، ولم ~~أر شيئا من التحام المسألتين. ~~- ستنجلي لك هذه الألغاز في المستقبل القريب، ولكنها منحصرة بكلمتين وهما: إن سقوط ~~امرأتين متفقين أهون من سقوط امرأة واحدة، وذلك إذا أصيبت هذه الأرملة بسهام الغرام وهي ~~تكاد تبلغ سن الكهولة، حيث يبلغ الغرام فيه إلى أقصى الحدود؛ فإنها تعترف بهذا الحب ~~لصديقتها المركيزة، ومتى أحبت المركيزة شاروبيم الجميل، وهو من أعضاء جمعيتنا تقتدي ~~بالأرملة وتبوح لها بهواها. ~~- إن هذا لا ريب فيه، ولكن ... # فقطب أندريا حاجبيه قائلا: كفى ... لا أزيد حرفا على ما قلت. # ثم قام يريد الذهاب، فسأله روكامبول: بقيت مسألة مالية أرجو أن توضح لي ~~أمرها. ~~- قل. ~~- إننا اتفقنا أن نقتسم ما نكسبه بجمعيتنا السرية، فيكون النصف لك والربع لي والربع ~~الباقي لبقية الأعضاء، فهل تكون قسمة ملايين الهندية على هذه القاعدة؟ ~~- بالتقريب، فإني سأعطيك مليونا، والأعضاء مليونا، وأبقي لنفسي ثلاثة ~~ملايين! # فأحنى روكامبول رأسه دون أن يجيب، فأدرك أندريا استياءه وقال بلهجة المؤنب: أنسيت أني ~~سأتزوج بامرأة أخي، وأن هذا الزواج يقتضي له كثير من النفقات؟ # فابتسم روكامبول وقال له وقد رآه يهم بالذهاب: متى أراك؟ ~~- بعد ثلاثة أيام! ~~- ومتى أستبدل الخليلة القديمة بالجديدة؟ ~~- متى عرفت أن تصبر! # ثم ودعه وخرج، فركب مركبة وسارت تقطع به شوارع باريس في تلك الليلة المدلهمة، حتى ~~وصلت إلى عطفة شارع مونتمارتر فاستوقفها ونزل، ثم أطلق سراحها ومشى قليلا إلى أن وصل ~~إلى بيت مرتفع، ونظر إلى نافذة الدور الأخير فرأى نورا ضعيفا ينبعث منها فقال: إنها ~~لا تزال تنتظرني. ms0315 # ثم تقدم إلى الباب وصعد إلى الدور الأول حتى بلغ إلى آخر بيت فيه، ولما طرقه سمع ~~صوت فتاة من الداخل تقول: من الطارق؟ ~~- هو الذي تنتظرينه. ففتحت له الباب ودخل. # 6 # وكانت الغرفة التي دخل إليها حقيرة الأثاث، تدل على أن صاحبتها حديثة العهد في مهنة ~~الغواية، فسرح أندريا نظره فيها، ثم نظر مبتسما إلى تلك الفتاة التي كانت تنتظره فيها، ~~وهي فتاة في مقتبل الشباب تناهز العشرين من العمر، وتجول بين عينيها ملامح الذكاء على ~~جمال بارع وعينين تعرفان مصارع القلوب. # وحكاية هذه الفتاة أنها خرجت من المدرسة وهي في الخامسة عشرة من سنيها، فزوجها ~~أهلها على الكره منها بشيخ عجوز، وأقامت معه على أحر من نار الغضى ثلاثة أعوام، ثم ~~أفلتت من قيده كما يفلت العصفور من القفص، وانطلقت في سبيل الغي والضلال حتى أدركت ~~أسرار هذه المهنة الشائنة. # وقد التقى بها أندريا وهو يبحث عن امرأة يستخدمها في سبيل مكائده، وهي تبحث عن رجل ~~يحقق أطماعها الواسعة، فتعارفا وتواعدا على أن يزورها في منتصف الليل، دون أن ~~يطلعها على شيء من مقاصده، ولما حان الموعد أقبل إليها كما قدمناه، وجلس أمامها قرب ~~نار خفيفة، وجعل يفحص سماتها فحص المدقق الخبير، وهو معجب بجمالها النادر، وبما كان ~~يتوسم فيها من مخائل الذكاء. وبعد وقت قصير قال: لقد آن لي أن أطلعك على مقاصدي، ~~اعلمي قبل كل شيء أني واقف على أسرار حياتك، عالم بجميع ما تعانيه من الشقاء، فهل ~~تريدين الخروج من هذا الشقاء واستبدال هذه الغرفة الحقيرة بقصر جميل في أشهر شوارع ~~باريس؟ # فبرقت أسرة عينيها وحسبت أنه فتن بجمالها، وقالت: ومن يأبي سكنى القصور؟ ~~- هو قصر بديع في شارع مونسي تكتنفه حديقة غناء كان من قبل لفتاة مومس كان ~~يلقبها عشاقها باسم باكارا، باتت تدعى الآن الأخت لويزا. # فضحكت ضحك الساخر وقالت: لقد عرفت من صواحبي شيئا من تاريخ هذه التائبة البلهاء، ~~وما فعلت بقصرها، ألعلها تريد بيعه الآن؟ ~~- كلا! فإنه لي بل لك إذا ms0316 كنت ترغبين، وقد اشتريته بما فيه من الأثاث منذ ثلاثة ~~أشهر بمائة ألف فرنك، وعينت فيه الخدم والخادمات، وأرسلت إليه الخيل والمركبات ~~... # فقاطعته تقول بصوت الوجل المضطرب: أتهديني كل هذا كما تقول؟ ~~- هو لك إذا كنت توافقينني فيما أريد. # وضربت الأرض برجلها وقد نفد صبرها، ثم قالت بلهجة المتهكم: ماذا تبتغي مني؟ ألعلك ~~عاشق لي ! # فابتسم أندريا قائلا: لو أردت هذا الغرام لما حالت دونه مظاهري. ~~- إنك تجاوزت عهد الشباب وبلغت الخمسين. ~~- كلا، إني لم أبلغ الثلاثين، ولو أردت الغرام كما قلت لعرفت طريق قلبك بالرغم من ~~هذه المظاهر. ~~- ولكنك تجعل طريقك من هذا القصر. ~~- بل بغير هذا القصر. ~~- ربما، قد تكون منزلتك فوق منزلة البشر. ~~- لنعد الآن إلى حديثنا، فقد قلت لك أني سأعطيك القصر وأعين لك الخدم ~~والخادمات، وأهبك الخيل والمركبات، وأزيدك ألف فرنك أدفعها لك في كل شهر لنفقاتك ~~الخاصة، ولكني سأعتمد عليك مقابل ذلك في كثير من الأمور الخطيرة. ~~- إذن أنت تريد المضاربة بجمالي. ~~- هو ذاك، فإني أطلب إليك غواية شاب تبلغ ثروته اثني عشر مليونا، غير أن غوايته ~~ليست بالأمر اليسير؛ لأنه متزوج ويحب امرأته حب العشاق. # فقالت بلهجة الواثق: كن مطمئنا، سأنزع هذا الحب من قلبه. ~~- إذن أمهلك ثلاثة أشهر. اسلبي أمواله وانهبي فؤاده كما تشائين على أن ترديه إلي ~~خاملا مخبولا، وهذا كل ما أبتغيه. ~~- والملايين؟ ~~- هذا أمر خاص بي، وسنتفق عليها في غير هذا المقام لأني لا أكترث بها الآن! ~~- ألا تخبرني عن اسم هذا الرجل؟ ~~- نعم، فهو فرناند روشي. # ثم نهض فودعها قائلا: إلى الغد. # فشيعته إلى الباب وهي منذهلة لا تصدق ما سمعته، وقبل أن يخرج سألها عن اسمها ~~فقالت: حنة. ~~- إنه اسم مبتذل لا يخلق بمن ستمثل مثل دورك فغيريه. ~~- أي اسم تختاره لي؟ # فنظر إلى عينيها الزرقاوين نظر المبهت من جمالها وقال: إني أستبدل اسمك بلقب ينطبق ~~على صفاء عينيك، فأدعوك الفيروزة. # فضحكت وقالت: ليكن ما تريد. # ثم تركها أندريا وذهب مسرعا إلى بيت أخيه، فرأى النور مضيئا ms0317 في غرفة الكونت، وقرع ~~الباب ودخل، فانذهل الكونت لما رآه وقال: أين كنت! # فأجاب أندريا: كنت في باريس، ألم تجعلني رئيسا لبوليسك السري؟ ~~- وماذا علمت؟ ~~- لقد وقفت على أسرار الجمعية السرية، ولكني لا أطلعك على شيء الآن، فنم مطمئنا ~~واعلم أن أعضاءها لا يزالون ضعفاء، وسأبدد شملهم قبل أن يشتدوا. # ثم ودعه وخرج إلى غرفته ، فأوصد بابها من الداخل وأخذ من خزانته كتابا خطيا ~~ضخما مكتوب عليه من الخارج بحروف كبيرة هذا العنوان: «تاريخ حياتي الثانية»، وكان يكتب ~~فيه كل يوم بضعة أسطر، ففتحه وهو يقول: إنه رأي مبتدع سيكون له شأن خطير في تحقيق ما ~~أبتغيه، ولقد أحسنت بما كتبته في صدره من الإشارة إلى أنه كتاب خاص لا يحق لأحد أن ~~يطالع فيه. ثم كتب في إحدى صفحاته ما يأتي: # 3 ديسمبر # لله ما أشد شقائي وما أعظم ما قاسيت في هذا المساء! لقد تمثلت لي حنة، ~~امرأة أخي بشكل آلهة الجمال تلك التي أحبها حبا ليس بعده حب ... رباه عفوك ~~وتب علي، لقد تقطع قلبي اليوم حين رأيت زوجها يقبلها أمامي، واسبل ~~علي ستر رحمتك فإني أحبها منذ اختطفتها وجعلت بيني وبينها هوة عظيمة بهذا العمل ~~الفظيع. # ثم أطبق الكتاب وابتسم ابتسام الأبالسة وهو يقول: إنها متى وقفت على هذه السطور، ~~وعلمت حبي الصحيح، فلا تمانع عن الزواج بي بعد قتل زوجها. # 7 # عرف القراء مما قدمناه عن باكارا كيف استحالت هذه الفتاة إثر توبتها، لقد كانت تبالغ ~~بالزهد حتى باتت تشبه النساك الزاهدين، واقفة حياتها على خدمة البائسين، وإلقاء ~~البذور الصالحة في نفوس الفتيات، ومساعدة أرمان دي كركاز فيما كان ينفقه في سبيل الخير، ~~فاشتهرت بهذه المعيشة الصالحة وأصبحت ملجأ المعوز اليتيم، وكان الفقراء يتوافدون إلى ~~منزلها أفواجا، والرجال الأغنياء يأتونها من كل فج يلتمسون منها توزيع حسناتهم على ~~الفقراء البائسين. # على أنها مع شدة زهدها وانقلابها، كانت لا تزال حريصة على بعض من آثار خلاعتها ~~السابقة، فقد كان لها في منزلها الرحيب غرفة خاصة لا ms0318 يدخلها أحد من الخدم، ولا يلجها ~~سواها، وفي هذه الغرفة جميع ما كان لديها من أدوات التبرج والتزين، ولعلها أبقتها ~~كي تذكر برؤيتها أويقاتها الهائلة، فتكون خير دافع لها إلى الاسترسال في ~~التوبة. # وكان في صدر الغرفة صورة كبيرة تمثل فرناند روشي وهو نائم على سرير، إشارة إلى ~~الليلة التي حمل فيها إلى منزلها كما عرف القراء في القسم الأول من هذه الرواية، وفي ~~جدار آخر صورتها وهي مجردة حنجرا تريد قتل خادمتها فاني إشارة إلى خادمتها ~~السابقة في مستشفى المجانين. وكانت في كل ليلة تدخل إلى هذه الغرفة وتنظر إلى صورتها، ~~فتبدو عليها علائم الاشمئزاز والنفور، وتنظر إلى صورة فرناند حبيبها القديم فتنطبع على ~~محياها الجميل دلائل الخشوع، وتنطلق عيناها بالدموع، فتركع أمام الرسم وتصلي. # ثم تخرج من الغرفة فتنفي هذه الذكرى من مخيلتها، ولا تفتكر إلا بمشاريع الإحسان ~~والترقي إلى الله بما تصنعه من الخير، ولا يزال هذا دأبها منذ بدأت توبتها إلى هذا ~~العهد من سياق الحديث. # ولقد تقدم لنا القول إن نساء الخير كن يأتينها ليعهدن إليها توزيع حسناتهن ~~السرية، فاتفق أنه بعد يومين مضيا على اجتماع أندريا بالفتاة التي نعنيها بالفيروزة، ~~قدمت المركيزة فان هوب إلى منزل باكارا وطلبت أن تراها، فأجفلت باكارا حين علمت بقدوم ~~المركيزة، وكأنها خجلت من نفسها أن ترى أعظم نبيلة بين عقائل باريس تنسى حياتها السابقة ~~وتزورها في منزلها، فقابلتها مطرقة باستحياء. # أما زيارة المركيزة فلم تكن إلا لأنها ورت إليها رسالة من عائلة فقيرة تلتمس منها ~~الإحسان، وجاءت إلى منزل تلك العابدة كي تعهد إليها إيصال إحسانها إلى تلك ~~العائلة. # ويسمح لنا القارى أن نسدل الحجاب على تلك المقابلة الأولى بين هاتين المرأتين اللتين ~~سيؤلف بينهما الشقاء فيما سيجيئ من فصول هذه الرواية، غير أننا نقول إن هذه الليلة كانت ~~موعد الليلة الراقصة التي تحييها المركيزة في قصرها، وهي الحفلة التي سيقدم فيها ~~شاروبيم الجميل أحد أعضاء اللجنة السرية للمركيزة، كما تقدم في فصل سابق. # 8 # بعد ساعتين من ms0319 زيارة المركيزة، كان رجلان يسيران إلى منزلها لحضور الليلة الراقصة ~~وهما شاروبيم والماجور العضوان العاملان في الجمعية السرية، وكان شاروبيم يقول لرفيقه ~~الذي كان يريد تقديمه للمركيزة: إني لم أعلم المراد من تقديمي لهذه المركيزة، فهل تعلم ~~أنت شيئا من ذلك؟ ألا تعرف رئيسنا؟ ~~- لا، فإني أتلقى أوامره بواسطة روكامبول. ~~- ألا ترى أننا نركب متن الطيش والغرور حين نقبل أن نقاد كالعميان؟ # فقال له الماجور: وأي ضرر علينا من ذلك لا سيما أنت؛ فإن غاية ما يطلب إليك أن تحمل ~~المركيزة على حبك، وما أنت بصديق لزوجها فترتكب خيانة، وغاية ما تلقاه من الخطر في ~~تمثيل دورك هذا أنك تضطر إلى مبارزة المركيز؛ فهل تخاف هذه المبارزة؟ ~~- إذا كان هذا كل الخطر، فإني أسير كما تريد، بل كما يريد رئيسنا. # وانطلق الاثنان حتى بلغا إلى بيت المركيزة فدخلا إليه. # ولم يكن قد تكامل عدد المدعوين، وكان المركيز وصديقه الدوق مايلي والشيخ يتخطران في ~~قاعة الاستقبال ذهابا وإيابا، ولما دخل الماجور وشاروبيم قدمه بيده للمركيز، ~~فسلم عليه المركيز، ولكنه ما لبث أن رأى جماله النادر حتى هلع قلبه، فانحنى أمامه ~~الاثنان ثم انصرف إلى المركيزة، وكانت جالسة في زاوية من القاعة العمومية، وأمامها حفيد ~~الدوق مايلي والأرملة مالاسيس صديقتها، وهي تروي لها أحاديث مضحكة كان يعاونها فيها ~~حفيد الدوق، فقدم الماجور رفيقه شاروبيم إلى المركيزة كما قدمه للمركيز. # وبينما كانت المركيزة معجبة بشاروبيم تحادثه بارتياح وتنظر إليه نظرة الاستحسان، إذ ~~دنا رجل عليه ملامح الإنكليز، فوضع يده على كتف الكونت مايلي حفيد الدوق وأشار إليه أن ~~يتبعه، فتبعه الكونت منذهلا لأنه لم يكن يعرفه من قبل. # أما الإنكليزي فلم يكن إلا أندريا، وقد تلبس بملابس الإنكليز وقلد لهجتهم وسائر ~~حركاتهم بحيث لم يعد يفرق عنهم في شيء، وقد دعا نفسه السير أرثير وتعرف على ~~المركيز بواسطة أحد أصحابه، فدعاه إلى ليلته الراقصة. # وسار أندريا والكونت حتى بلغا إلى قاعة مشرفة على القاعة العمومية، فجلسا إلى منضدة ~~وافتتح أندريا الحديث فقال: أسألك ms0320 المعذرة أيها الكونت، فإني ما دعوتك إلا لمباحثتك ~~بأمر هام. ~~- قل ما تشاء، فإني مصغ إليك. # فأشار أندريا إلى الأرملة وقال: ما رأيك بهذه المرأة؟ # فالتفت الكونت ورأى الأرملة، فأجفل مضطربا وقال: لا رأي لي فيها! # فابتسم أندريا ابتساما معنويا وقال: إنها حسناء. # فقال الكونت: إنها تبلغ الأربعين. ~~- كلا، إنها لا تتجاوز الخامسة والثلاثين، ولكنها لم تبلغ بعد العشرين في عين جدك ~~الدوق. # واصفر وجه الكونت وجعل ينظر إلى أندريا نظر المستطلع، فاستطرد أندريا الحديث ~~قائلا: إن هذه الأرملة التي كانت زوجة عطار ستغدو زوجة دوق وتحمل اسم أسرتك بعد ~~شهر، وأنا أعلم أنك تتوقع ذلك منذ عهد بعيد، غير أني أرجوك أن لا تنظر إلي هذه ~~النظرات، وأن تصغي إلى النهاية لأني لك من المخلصين. # واستبشر الكونت خيرا بحديثه وقال: قل إني مصغ إليك. ~~- إنك وريث الدوق الوحيد وهو ذو ثروة واسعة، فإذا تزوج هذه الأرملة انتهت الثروة ~~إليها، غير أني أعرف رجلا يستطيع منع هذا الزواج وإبقاء الثروة لوريثها الشرعي. # فاصفر وجه الكونت وقال: من هذا الرجل؟ ~~- هو أنا يا سيدي. # وعند ذلك دخل أحد الخدم وصاح معلنا قدوم فرناند وامرأته حسب عادة الإفرنج في الحفلات ~~الكبيرة. # 9 # واختلج فؤاد أندريا عندما نظر فرناند وهرمين، غير أنه ما لبث أن عاد إلى رشده دون أن ~~ينتبه إليه الكونت، أما الكونت فإنه اندهش لما قاله له أندريا وقال له: أنت تستطيع ~~إبقاء إرثي؟ ~~- نعم، إذا وافقتني فيما أريد. ~~- لا بد أن يكون لك شروط، فاقترح ما تشاء. # وابتسم أندريا وقال له: أخبرك قبل كل شيء أني لا أريد منك درهما من مالك، على أنك لو ~~طلب إليك أن تدفع مليونا مقابل حصولك على إرث الدوق، أما كنت تدفع ~~المليون؟ ~~- أدفعه بملء الرضى. ~~- إذن، اطمئن فإني لا أسألك مالا كما قلت، واعلم أن هذا الدوق الذي سترثه رجل شيخ، ~~وقد تمكن الغرام من قلبه الضعيف حتى أصبح كل حياته، وإذا فقد تلك الأرملة التي كوته ~~بهواها، فهو مائت لا محالة، ms0321 ولكن هذه الأرملة على ما كانت عليه من الخفة والطيش كانت ~~شديدة الحرص على كتمان غوايتها السابقة، حتى إنه لم يبق أثر من آثارها يستند عليه ~~في سبيل إرجاع الدوق عنها، ثم إن العاشق قد أعياه حبها، فهو لا يحفل بمثل هذه ~~البراهين؛ ولذلك فإنه يجب أن يعلم بالبرهان ما طالما علمه بالخبر، وليس لدي شيء من ~~هذه البراهين الحسية. # فاضطرب الكونت وقال: على ما عولت إذن؟ ~~- على أن أوجد هذا البرهان. ~~- إنك لا تريد مالا جزاء عن هذا الصنيع، فلا بد أن يكون لك مطلب آخر. ~~- هو ذاك، فليس في هذا العالم شيء مجاني، وليس لي مطلب غير الانتقام من امرأة أساءت ~~إلي. ~~- عجبا أتصنع جميع ما أنت عازم على صنعه من أجل الانتقام من امرأة؟ ~~- إني إنكليزي. # وجم الكونت كأن هذا الجواب قد أفحمه، ثم قال له: كيف تريد أن تنتقم، فإني سأكون يدك ~~في هذا الانتقام كما أرى. ~~- هو ما رأيت، والذي أطلبه إليك هو أن تحتال على تلك المرأة حتى تحبك. ~~- لا أحب إلي من ذلك، ولكن هذه المرأة قد تكون فاضلة طاهرة بحيث لا يمكن جذب ~~فؤادها بالزمن القصير. ~~- إني أمهلك قدر ما تشاء. ~~- وإذا تزوج الدوق قبل إنتهاء المهلة ألا يفسد كل شرط؟ # فحدق به أندريا تحديق المستطلع ثم قال له: إن بين جنبيك قلبا شريفا، فإذا أقسمت ~~بشرفك أن تفي بعهودي كما أفي بعهودك، أنلتك مأربك قبل أن تنيلني مأربي. ~~- أقسم لك بما تشاء، غير أن هناك أمرا قد يحول بين قلبها وقلبي، وهو أنها قد لا ~~تحبني مهما بذلت في مرضاتها من الجهد. ~~- عدني أنك تبذل جهدك هذا وتخضع لما أرشدك به، فإذا فعلت جميع ذلك دون أن تنجح فإني ~~لا أطالبك بشيء. # فأقسم له الكونت على الوفاء، وقال له: بقي أن تذكر لي اسم هذه المرأة. # فقال أندريا بصوت منخفض: لم يحن الوقت بعد، غير أنه قد يحدث في هذه الليلة براز ~~بين رجلين يكون أحدهما زوج المرأة، وتكون أنت أحد ms0322 الشاهدين، ومتى عرفت المرأة وربما ~~تعرفها في هذه الليلة تبتدئ معها بتمثيل دورك، والآن فإني أستودعك الله إلى أن نلتقي، ~~فكن حريصا على كتمان هذا السر أشد الكتمان؛ لأن أقل هفوة تبدر منك قد تهدم جميع ما ~~تبنيه. # ثم حياه وانصرف، فاختلط بين اللاعبين في قاعة اللعب ودخل الكونت إلى قاعة ~~الرقص. # ودارت المخاصرة على أنغام الموسيقى إلى أن وهت قوى الراقصين، فذهبت النساء إلى ~~المقصف مع بعض الرجال، ودخل بعض الرجال إلى قاعة اللعب حتى غصت بهم، وكان بعضهم يلعبون ~~لعبة الباكاراه على منضدة كبيرة كان حواليها كثير من الناس بينهم أندريا متنكر باسم ~~إنكليزي، وروكامبول متنكر باسم كونت، فدخل فرناند روشي والورق بيد روكامبول فقامره ~~فرناند فخسر، ثم الثانية والثالثة والرابعة وروكامبول يربح منه دائما، ثم أظهر ~~روكامبول كأنه قد طمع بالربح، فعرض جميع ما لديه من النقود للمراهنة، فأجفل الحاضرون ~~لجسامة المبلغ ولبثوا هنيهة يترددون إلى أن دفعت الجسارة فرناند روشي، فأخرج من جيبه ~~جميع ما كان معه من الأوراق المالية وقال لروكامبول: أنا أراهنك، وهذا المال. # فنظر إليه روكامبول، ثم أعطى الذي بيده إلى جاره وقال له ببرود: إني تنازلت عن حقي ~~بالورق. # فاحمر وجه فرناند من الغضب وقال لروكامبول: ماذا تريد بذلك يا سيدي؟ ~~- لا أريد شيئا سوى أني تنازلت عن الورق، وذلك من حقوقي بنظام اللعب. ~~- ولكنك قد بسطت أموالك على المنضدة، وجعلت تطلب منذ حين من يراهنك عليها، فكيف ~~تمتنع حين تقدمت لمراهنتك؟ ~~- ذلك لأني وجدت الانسحاب أفضل. # ثم ترك المنضدة وانصرف؛ فساد السكون بين الحضور لهذه الإهانة الظاهرة، وبات كلاهما ~~يخشى عقباها، أما أندريا فإنه نظر إلى الكونت مايلي الذي كان جالسا بالقرب منه، نظرة ~~خفية فهم منها أن فرناند هو زوج المرأة التي طلب إليه إغواؤها، فهمس في أذن أندريا ~~وسأله قائلا: من هو هذا الشاب الذي ترك الورق؟ ~~- الفيكونت دي كمبول. ~~- والآخر؟ ~~- فرناند روشي زوج المرأة التي أخبرتك عنها والتي رقصت وإياها منذ حين، أفهمت ~~الآن؟ # فأجاب الكونت وهو يضطرب: ms0323 نعم، لقد فهمت كل شيء. # 10 # أما فرناند فإنه غادر غرفة اللعب وذهب يبحث عن روكامبول، فلقيه في إحدى الغرف وهو ~~بمعزل عن الناس، فبدأ معه بطلب الاعتذار عن إهانته، فأبى روكامبول، وما زالا يتدرجان من ~~العتب إلى الملامة إلى الاحتجاج حتى انتهى بهما الأمر إلى المبارزة، فرفع إليه فرناند ~~رقعة الزيارة المكتوب فيها اسمه وعنوانه وقال له: إلى الغد . # فأبى روكامبول أن يؤجل المبارزة إلى اليوم التالي، مدعيا أنه سيسافر إلى إيطاليا ~~في الصباح وقال له: نتبارز الآن! # ووافقه فرناند وانطلق إلى القاعة العمومية يبحث فيها عن شاهد له، وكانت هذه أول مرة ~~يزور فيها قصر المركيز فان هوب، ولم يلق بين المدعوين أحدا من أصدقائه المخلصين، ~~وفيما هو يبحث إذ لقي الماجور، وهو أحد أعضاء الجمعية السرية كما تقدم، فاستأنس ~~بلباسه العسكري، والتمس منه أن يكون شاهدا له في مبارزته بعد أن قص عليه حكاية ~~الخصام، فقبل الماجور راضيا، وجعل الاثنان ينتظران عودة روكامبول الذي كان يبحث أيضا ~~عن شاهد له بين جمهور المدعوين. # أما روكامبول فإنه كان يبحث عن أندريا المتنكر في تلك الحفلة باسم السير أرثير، وقد ~~لقيه في إحدى الغرف المعتزلة وهو جالس يحادث بيرابو والد هرمين وعاشق سريز باهتمام، ~~ونظر إليه روكامبول نظرة معنوية أجابه أندريا بمثلها، فوقف معتزلا عنهما يتوقع تتمة ~~الحديث. # وقد عرف القراء من القسم الأول من هذه الرواية حكاية بيرابو والد هرمين، وكيف أنه ~~يهوى سريز، وقد كاد يفتك بها بمساعي أندريا لو لم ينقذها أرمان ورولاند، غير أن حب ~~الشيوخ لا يزول من نفوسهم مهما تعاقبت عليه الأيام وحالت في سبيله العقبات. # وحكاية هذا الرجل أنه بعد أن فشل في اغتصاب سريز خرج مع أندريا ثم انقطعت أخباره، ولم ~~يعلم منها شيء. وبعد أن مضى على اختفائه سنة كاملة ورد إلى صهره فرناند روشي كتاب من ~~أحد مستشفيات المجاذيب، أخبر فيه أن حماه يقيم في هذا المستشفى خارج باريس منذ عهد ~~طويل لإصابته بالجنون، وأن الداء قد خفت وطأته ms0324 في هذه الأيام فتمكنوا من معرفة ~~اسمه، وأرسل فرناند في الحال من أتى به إلى باريس وأقام في منزله مع ابنته، فزالت عنه ~~أعراض الجنون، ولم تكن تعود إليه إلا حين تذكر أمامه كلمة سريز، ولكن جنونه كان ~~لطيفا هادئا يميل به إلى الهزل المقبول والنكات المضحكة، بحيث لم يكن يمنعه عن زيارة ~~الأسرات. # وقد لقيه أندريا في تلك الليلة فعرفه بنفسه؛ لأنه لم يستطع أن يعرفه لتخفيه، وعاد ~~معه إلى حديث سريز ومشروع انتقاله الجديد، وزخرف له القول حتى أقنعه أن سريز باتت في ~~قبضته، فطار فؤاد بيرابو من الفرح، وقبض على أندريا بيد من حديد، وبات طوعا له في كل ~~ما يريد، وكان آخر ما ختم به الحديث معه أنه سيعرفه بالكونت مايلي، وطلب إليه أن ~~يعرفه بابنته هرمين، فرضي بذلك هذا الشيخ شاكرا وهو مستعد لتضحية كل عزيز في سبيل ~~تحقيق أمنيته بسريز، وعند ذلك أخذه أندريا وسار به إلى الكونت مايلي حفيد الدوق، وعرف ~~كل منهما بالآخر وأخبر الكونت سرا أن بيرابو قدمه إلى ابنته هرمين، ثم غادرهما ~~وعاد إلى روكامبول وأخبره بجميع ما صنع، وأنه ترك فرناند يبحث عن شاهد قال: أنا شاهدك، ~~فامض بنا واحذر أن تنسى ما علمتك إياه، ولا تصبه إلا في المكان الذي أخبرتك ~~عنه دون أن تقتله، فإني أريد أن أبلغ منه الآن ما هو أشد من القتل. ~~- سيكون ما تريد. وذهب الاثنان لمقابلة فرناند ولقياه في انتظارهما! وقد كان فرناند ~~بعد أن لقي شاهده أخبر امرأته أنه ذاهب لمشروع خيري لا سبيل إلى تأجيله، وطلب إليها أن ~~تعود مع أبيها عند انتهاء الحفلة، ولما عاد روكامبول بشاهده خرج الجميع من القصر دون أن ~~ينتبه لهم أحد. # أما الكونت مايلي فإنه تعرف على هرمين ورقص معها تلك الليلة، وفيما هو ينتقل من ~~مكان آخر في تلك الغرفة الواسعة، لقي الأرملة مالاسيس وهي تتأهب للخروج مع الدوق، ~~فابتسمت له مكرهة وقالت: لقد رأيتك مع الشيخ بيرابو، فهل راقت لك عشرته؟ وهل ms0325 هو ~~مجنون كما يقولون؟ ~~- كلا، بل إنه قد يكون أوفر منك عقلا. ~~- أصحيح ما تقول؟ ~~- نعم، وفوق ذلك فإنه يقص حكايات غريبة. ~~- قل لي شيئا منها. ~~- إنها حكايات طويلة ما شاقني منها غير حكاية واحدة، وهي قصة شيخ شريف يحاول أن ~~يتزوج بامرأة خادعة وأن يحرم أسرته من إرثه، ثم انحنى أمامها وابتسم لها ابتسام ~~الهازئ وانصرف. # فاصفر وجه الأرملة من الغضب والحقد، ثم التفتت فرأت الدوق قادما إليها، فنظرت إلى ~~حفيده الكونت وضحكت ضحك الواثقة من الفوز وهي تقول: الأيام بيننا يا كونت، وسنرى لمن ~~يكون الإرث. # 11 # ثم خرجت شامخة الأنف وقد تأبطت ذراع عاشقها الدوق حتى بلغت إلى موقف مركبتها، فصعدت ~~إليها وقالت للدوق بلهجة حنان شغفت لبه: ألا تصعد معي! # فتلجلج لسانه من الفرح قائلا: وأية ساعة أبرك عندي من ساعة أكون فيها ~~بقربك؟! # ثم صعد فجلس بجانبها وأمر السائق أن يسير إلى منزلها، فقالت: إني أرى المنزل قريبا ~~في هذه الليلة، فلنذهب إلى الشانزليزه. # فأخذ الدوق يدها وقبلها قائلا: إن إشارتك أمر لا مرد منه. # وسارت المركبة الهوينا والعاشقان واجمان إلى أن افتتحت الأرملة الحديث فقالت: إني ~~أغتنم فرصة هذه الخلوة كي أخبرك بأمر قد تدهش له لعدم توقعك إياه، ذلك لأني سأسافر ~~سفرا قد يطول إلى عدة أعوام. # فأجفل الدوق وجمد الدم في عروقه فلم ينبس ببنت شفة، فعادت الأرملة إلى تتمة حديثها ~~فقالت: وسأسافر صباح غد. # وعند ذلك حلت عقدة لسان الدوق، فسألها بلهجة المأخوذ: أحقيقة ما تقولين، ولماذا ~~تسافرين؟ وإلى أين؟ ~~- إني أسافر لأسباب أعلمها، ولا أستطيع التصريح بها. ~~- إذن تريدين قتلي! # وقد تبينت الأرملة لهجة الصدق من قوله؛ فأيقنت أنه قد جن في هواها فقالت: كيف ~~أريد قتلك، ألعلك جننت؟ ~~- إذا لم أكن قد جننت، فإني على وشك الجنون، فبالله أيتها الحبيبة قولي لي الحقيقة ~~وكفاك مزاحا. ~~- لم أكذبك يا سيدي الدوق؛ فإني مسافرة في صباح الغد. # فأجاب بلهجة القانط: ولماذا تسافرين؟ ~~- كي ينساني الناس في باريس. ~~- كيف ذلك وممن تطلبين ms0326 أن ينساك؟ # فأجابته ببرود: إني أطلب ذلك منك قبل كل الناس. # فزاد ذهول الشيخ الدوق ولم يرد جوابا، أما الأرملة فإنها عادت إلى حديثها، وما ~~زالت تستطرد من حديث إلى آخر، حتى ذكرته بما وعده إياها بالزواج، وكيف أنها باتت ~~من أتعس النساء لاعتمادها على هذه الوعود. # فقال لها: إني لن أحنث بوعدي، ولا أزال طوعا لك فيما تريدين. ~~- لقد فات الأوان؛ فلقد علمت اليوم حقيقة مقامي حين كنا في قصر المركيزة، وعلمت ~~حقيقة موقفي من حفيدك الوقح. ~~- وما شأن حفيدي؟ # فتظاهرت بالبكاء وهي تقول: إنه قال لي الليلة كلمات مرة شائنة لا أجسر على إعادة ~~قولها، فلم أجد بعد ذلك بدا من الرحيل. # وكانت تمثل دورها تمثيلا غريبا حتى طار فؤاد هذا الشيخ المسكين، وقال لها وقد ~~جحظت عيناه من القنوط: سأري هذا الوقح كيف يجب عليه أن يحترم الدوقة مايلي. # فلما سمعته الأرملة يدعوها بامرأته تظاهرت بالتأثر الشديد، فصاحت صيحة شديدة ~~وسقطت مغميا عليها فوق صدر الدوق. # أما الدوق فإنه أمر السائق أن يسير في الحال إلى قصره، وكان قريبا من الطريق التي ~~كانت تسير المركبة فيها، فسارت تقطع الأرض نهبا حتى وصلت إلى القصر، فأخرج الأرملة من ~~المركبة وأمر الخدم فحملوها إلى غرفته ووضعوها فوق سريره، وهي لا تزال متظاهرة ~~بالإغماء. فجعل الدوق يعالجها بالمنعشات وهي تنظر إلى ملامحه من خلال أهدابها الطويلة، ~~إلى أن خطر لها أن تستفيق بعد أن قطعت فؤاد عاشقها، فأجالت نظرها في ما حولها وعلمت ~~أنها في غير منزلها فقالت له: بربك أين أنا؟ وكيف أتيت بي إلى هذا المنزل؟ ~~- اطمئني؛ فأنت في منزلي. # فسترت وجهها بيديها وقالت: رباه! وماذا عسى أن يقول الناس؟ ~~- إنك في منزلي أي في منزلك؛ إذ لا يمر ثلاثة أسابيع حتى تصبحي زوجتي، أي الدوقة ~~مايلي. # فصاحت الأرملة صيحة إنكار دون أن يغمى عليها؛ لأنها رأت أن الإغماء لم يعد يفيدها، ~~وقالت: لقد هتكت شرفي بما فعلت، وإنك لن تدخلني إلى منزلك كعروسة بعد أن حملتني ~~كخليلة ms0327 على مرأى من الخدم. # ثم وثبت إلى الأرض غضبى، وقالت بلهجة المتهكم: لقد أصاب حفيدك حين قال إنك تسرق إرثه ~~لتهبه إلى خليلتك. # ثم أخذت قبعتها دون أن تلبسها وخرجت وهي تقول: الوداع أيها الدوق وداعا أبديا، ~~واعلم أنك هتكت شرفي، ولكني أعفو عنك، وليسامحك الله. # ثم خرجت مسرعة دون أن تدع له وقتا لإمساكها، وانصرفت عائدة إلى منزلها والفرح ملء ~~قلبها، لوثوقها من أن الدوق لا بد أن يسرع إليها ويدركها قبل أن تسافر؛ لأنه كان لديه ~~مفتاح خاص لحديقة منزلها، يجيء كل ليلة من هذه الحديقة، فيدخل إلى غرفتها دون أن يعلم ~~به أحد من الخدم. # فلما وصلت إلى المنزل أمرت خادمتها أن تعد لها أمتعة السفر، حتى إذا أقبل الدوق علم ~~صدق عزمها. فلما أتمت المعدات أطلقت سراح الخادمة وجلست في سريرها تضرب أخماسا ~~لأسداس، وتتوقع من دقيقة إلى أخرى قدوم الدوق، ولبثت على ذلك إلى أن أشرق الفجر، فسمعت ~~وقع أقدام على السلم المؤدية إلى غرفتها، فاختلج فؤادها وأسرعت إلى صندوق السفر ترتب ~~الثياب فيه، ثم سمعت صرير المفتاح في القفل، ثم فتح الباب فأجفلت إجفال الظباء ورجعت ~~منذعرة إلى الوراء؛ ذلك لأن هذا الرجل الذي دخل غرفة نومها في الساعة الرابعة بعد ~~منتصف الليل، وفتح الباب بمفتاح خاص لم يكن الدوق، بل كان بعلا ما عرفته من ~~قبل. # 12 # ولنعد الآن إلى فرناند وخصمه، فإنه بعد أن لقي فرناند شاهده وهو الماجور، ولقي ~~روكامبول شاهده وهو أندريا، خرج الأربعة خلسة من قصر المركيز دون أن يشعر بهم أحد، حتى ~~إذا بلغوا إلى قارعة الطريق قال روكامبول لفرناند: إن مخازن الأسلحة مقفلة الآن، غير ~~أن منزلي قريب، فإذا شئت مررنا به فأخذنا سيفين، وإلا فإننا نوقظ أحد أصحاب هذه ~~المخازن. # فقال فرناند: لا حاجة إلى ذلك، فإن سيفيك يغنيانا عن إيقاظ الناس في هذه الساعة ~~المتأخرة من الليل. # فشكره روكامبول وسار الأربعة إلى منزله، فأخذوا منه سيفين متساويين في الطول، ثم ~~انطلقوا إلى محل قريب مقفر، ms0328 ولما أيقنوا بخلائه أخذ الشاهدان السيفين وفحصاهما فحصا ~~مدققا، ثم أعطيا سيفا لكل من الخصمين وأوقفاهما في موقف القتال. # وكان أندريا تمكن في خلال مسيرهما أن يخلو بروكامبول فقال له: أعلمت أيها الحبيب ~~أن تصيبه كما علمتك. ~~- أجل، حفظت كل شيء. ~~- إذن، فاحذر أن تقتله فإني لا أريد أن يموت الآن، وألا تدع حسامك يدخل في كتفه إلا ~~بقدر ما علمتك. ~~- كن مطمئنا؛ فلا يكون إلا ما تريد. # وأمر الشاهدان الخصمين أن يقتتلا، فانقض كل منهما على الآخر انقضاض الصاعقة، ~~ولبثا مدة طويلة بين هجوم ودفاع إلى أن فاجأ روكامبول خصمه فرناند بضربة وقعت في ~~كتفه، فاختلج لها فرناند وانصب الدم من كتفه بغزارة، ثم اصفر وجهه ووهت رجلاه، فسقط ~~على الأرض لا يعي لفرط ما نزف من دمائه، وعند ذلك أسرع الشاهدان إليه فأوقفا المبارزة ~~وانصرفا إلى العناية بالجريح، وعند ذلك دنا أندريا من روكامبول وقال له همسا: لقد ~~أحسنت، ولكن احذر من أن تكون قد قتلته. # 13 # وقد رأى الماجور أن فرناند قد سقط على الأرض، ولم يكن واقفا على شيء من أسرار أندريا ~~بشأنه، فأسرع لمساعدته كما تقضيه الواجبات، غير أن روكامبول حال بينه وبين فرناند، ~~فانحني عليه وقال له: إن مهمتك قد انتهت أيها الماجور، فارجع إلى منزل المركيز أو إلى ~~منزلك كما تشاء، ودعني أعتني بهذا الجريح. # فأيقن الماجور أن فرناند قضي عليه بحكم صادر من الجمعية السرية، وأخذ سيكارة من ~~جيبه فأشعلها من مصباح المركبة، وانطلق مطرق الرأس يفكر في أمر هذه الجمعية، وما يحيط ~~بها من الأسرار. # وعند ذلك انحنى أندريا على فرناند وكشف عن جرحه فوجده بالغا، غير أنه ليس بخطير؛ ~~فأمر روكامبول أن يحضر له ضمادة من المركبة، فامتثل وضمد له جرحه، ثم حملاه برفق إلى ~~المركبة، فجلس أندريا بقربه وأمر روكامبول أن يسوق المركبة إلى منزل الفيروزة، أي منزل ~~باكارا القديم. # فسارت المركبة الهوينا رفقا بالجريح، إلى أن بلغت ذلك المنزل ففتحا بابه وحملا ~~فرناند، وهو لم يستفق بعد من ms0329 إغمائه لفرط ما نزف من دمائه. فاستقبلتهم الفيروزة وقد ~~باتت في قصرها الجديد شبيهة بالملكات، فتبسم لها أندريا معجبا بجمالها وقال: هو ذا ~~الطير، فهل أعددت القفص؟ ~~- كن مطمئن البال، فلا يفلت منه إلا متى أردت له إطلاق السراح. ~~- أعلمت ما يطلب منك؟ ~~- طب نفسا، فسأمثل دوري خير تمثيل. ~~- وأين الطبيب؟ ~~- ها هو بالباب، وقد أمرت جميع الخدم بالنوم طوعا لأمرك. ~~- أحسنت. والآن فلننظر في هذا الجريح. # فأقبل الطبيب يفحص جرحه، وهو من صنائع أندريا، فقال له: أيطول زمن شفائه؟ ~~- سبعة أو ثمانية أيام، إلا إذا أردت أن يطول. ~~- كلا، فاعتن به خير عناية، وامتثل لأوامر صاحبة المنزل. # ثم قال لروكامبول: نذهب الآن إلى قصر المركيز، فلم يعد لنا عمل هنا. # وقبل أن يذهب همس في أذن الفيروزة يقول: إني أنتظر منك رسالتين كل يوم. # ثم ودعها وانصرف مع روكامبول. # وكانت الساعة الرابعة بعد منتصف الليل، فذهب إلى قصر المركيز فان هوب وانخرطا في سلك ~~الراقصين دون أن يشعر بهما أحد، ثم اختليا في زاوية القاعة، وجعلا يراقبان الراقصين ~~فوجدا الكونت مايلي حفيد الدوق يراقص هرمين زوجة فرناند، ورأيا شاروبيم أحد أعضاء ~~جمعيتهما السرية يراقص المركيزة فان هوب، وهي تبتسم له بلطف ودلال. # فقال أندريا: ألست ترى المركيزة كيف تبتسم معجبة بجمال شاروبيم؟ ~~- أجل. ~~- فقد ذكرتني ابتسامتها تبسم أولاد شارل الأول للمعان فأس الجلاد، وهم ~~لا يعلمون أنه سيقطع رأس أبيهم بعد حين، وهكذا المركيزة غير أنها تبتسم للخنجر وليس ~~للفأس. ~~- ومن عسى أن يكون الخنجر، ألعله شاروبيم؟ ~~- كلا، ولكنه سيضع هذا الخنجر بيد المركيز المفتون بزوجته. # ثم تبسم تبسما تضطرب له الجريمة نفسها وترتعش لرؤيته الشياطين. # 14 # ولنعد الآن إلى فرناند روشي، فلقد غادرناه مغميا عليه في منزل تلك الفتاة التي ~~استخدمها أندريا لغوايته، فلما أفاق من إغمائه نظر إلى ما حوله نظرة المنذهل؛ إذ رأى ~~نفسه في مكان لم يعرفه، وفي غرفة مزدانة بأفخر الرياش، غير أنه لم ير بين أثاثها ~~شيئا كان يعهده من قبل، فعلم أنه ms0330 في غير منزله، ولم يذكر ما هو فيه إلى أن تحرك في ~~فراشه فشعر بألم شديد أعاد إليه رشده، وذكره أمر المبارزة، وكيف أن خصمه أصابه ~~بكتفه، فعلم أنه أغمي عليه لما نزف من دمائه، وأن شاهده أو خصمه حمله إلى هذا المكان ~~القريب. # وفيما هو يفكر مهموما حائرا فتح باب الغرفة التي هو فيها، وولج منها رجل بملابس ~~سوداء، فمشى إلى سرير الجريح مشيا خفيفا حتى وصل إليه، فأخذ يده دون أن ينبس بكلمة ~~وجس نبضه وهو يقول: إني أراك محموما يا سيدي، وهو دليل حسن. # ثم حل ضماد جرحه وطهره، فعلم فرناند أنه طبيب وقال له: أترى جرحي بالغا ~~خطرا؟ ~~- إنه بالغ، ولكني أرجو أن لا يكون خطر فيه، وفي كل حال فإنك لا تستطيع الخروج قبل ~~أسبوع. # فلم يحفل فرناند بهذا القول لانشغاله بمعرفة المكان الذي هو فيه، فقال للطبيب: أين ~~أنا؟ أفي المستشفى؟ ~~- كلا يا سيدي. ~~- إذن إني في منزل شاهدي أو خصمي؟ # فتكلف الطبيب هيأة البساطة وقال: لا أعلم شيئا من هذا يا سيدي، وجل ما أعرفه ~~أني دعيت لمعالجتك منذ ساعتين، فلم أر في هذا المنزل غير فتاة. ~~- صفها لي لعلها امرأتي. ~~- فتاة تناهز العشرين جميلة شقراء ربعة القوام، وقد رأيتها منحنية فوق سريرك تستعين ~~بخادمتها على تنظيف جرحك. ~~- ألم تر رجالا في البيت؟ ~~- كلا. # فاضطرب فرناند وقال: إذن أين أنا وما هذا السر؟ فإن الفتاة التي وصفتها لي ليست ~~امرأتي. # وطال الحديث بينهما دون أن يتمكن فرناند من الوقوف على شيء، وبقي مسجى فوق ~~سريره وهو غائص في بحار التأملات. # وفيما هو سارح في عالم الخيال، فتح الباب ودخلت منه امرأة تتهادى في مشيتها، وقد برزت ~~في حلة من الجمال تدهش لها العيون، إلى أن استقرت أمام سرير فرناند فنظرت إليه نظرة ~~المشفق وقالت له بصوت رخيم: كيف أنت؟ # فتلجلج فرناند وقد دهش بجمالها ولم يدر كيف يجيب، ثم حاول أن يتكلم فوضعت بنانها ~~المترف الناعم فوق فمها الصغير وهي تقول: اسكت فإن ms0331 الكلام يؤذيك. # وعند ذلك اقترب منها الطبيب وقال لها بلهجة الاحترام: سيدتي، إن حالته الصحية متحسنة، ~~ولم يعد لبقائي حاجة، على أني سأرجع بعد ساعتين. # فأطلقت الفتاة سراحه وخرجت معه، غير أنها لم تصل إلى الباب حتى سمعت فرناند يناديها، ~~فرجعت إليه وهي تبتسم له ألطف ابتسام، فقال فرناند: إنك أمرتني بالسكوت، ولكني أستحلفك ~~بالله أن تجيبي على سؤال واحد. # فقالت له مبتسمة: سل ما تشاء. ~~- إن لي امرأة أحبها وتحبني، وهي لابد أن تكون في أسوأ حال لغيابي. ~~- طب نفسا، فلقد علمت امرأتك أنك ستغيب عنها بضعة أيام لأشغال خطيرة. # ثم نظرت إليه نظرة دلال تسبي فؤاد العابد وقالت: وأنا أسألك سؤالا واحدا أرجو أن ~~تجيبني عليه. ~~- مري يا سيدتي بما تشائين. ~~- هو أن تعلم أنك بمنزل امرأة أنقذت حياتك من الخطر، وهي لا تسألك مقابل ذلك غير ~~السكوت. # ثم غادرته مبتسمة وانصرفت. # فعاد فرناند إلى هواجسه، ثم اشتدت عليه الحمى وعقبها الهذيان، فأصبح يخلط بين زوجته ~~والفيروزة وخصمه في المبارزة، إلى أن نام فتمثلت له هذه الفتاة في منامه بأجمل ~~مثال، ولما أفاق من رقاده وجدها واقفة أمام سريره وعيناها شاخصتان إليه يجول فيهما ~~الدمع الكاذب، كأنها كانت شفقة لما كانت تسمعه من هذيانه. فلما رأته صحا مدت يدها ~~إلى يده تجسها، فأخذ فرناند يدها وقد أثر به حنوها وأدناها من فمه، فقبلها ~~قبلة حارة تدل على امتنانه، ثم لم يلبث أن عادت إليه الحمى وجعل يذكر زوجته، فاغتنمت ~~الفيروزة فرصة عودة الحمى إليه وقالت له: لقد خدعتك حين قلت لك إني أخبرت زوجتك ~~خشية عليك من التأثير، أما وقد زال ما كنت أتوقعه من الخطر، فإنك تستطيع الآن أن تكتب ~~ما تشاء إلى السيدة هرمين، مدام روشي. # فدهش فرناند وقال: أتعلمين اسمي؟ ~~- لو لم أكن أعرفك لما كنت الآن عندي. ~~- لقد أصبت. # ثم عاد إلى ذكر زوجته فقال: إني لا أستطيع الكتابة. ~~- لا بأس، فإني أكتب عنك، وفي كل حال فإنك تستطيع التوقيع. # ثم تركته وقامت إلى ms0332 المنضدة وكتبت كتابا إلى هرمين قالت فيه بلسان زوجها أنه تبارز ~~مع شاب من أجل فتاة، فأصيب بجرح غير خطير، وأنه مقيم في منزل تلك الفتاة، وأن الطبيب ~~أمره أن لا يخرج قبل ثمانية أيام، وقد كلف تلك الفتاة أن تكتب إليها بيدها البيضاء ~~يطمئنها عنه، إلى غير ذلك من هذه الجمل التي تثير الغيرة في قلوب الزوجات. وجعلت كلما ~~كتبت سطرا تنظر إلى فرناند وتكلمه، حتى علمت أن الحمى قد تمكنت منه، وأن لم ~~يعد يستطيع القراءة، فأتت إليه وقرأت أمامه هذا الكتاب الذي كتبته، ولكنها كانت تقرأ ~~غير ما كتبت، ثم أعطته القلم كي يوقع عليه اسمه تحت هذا الكتاب، وخبأته في درج ~~في غرفة أخرى. وعادت إلى الجريح فاستمرت جالسة إلى أن فارقته الحمى وثاب إلى رشده، ~~فرأى الفتاة أمامه وهي تنظر إليه نظرة الملائكة، فأخذ يدها وقبلها قبلة اشتياق وهو ~~يقول في نفسه: أيمكن للرجل أن يحب امرأتين؟ # أما هي فإنها أفلتت منه إفلات الظبي، وقد عبق وجهها بالاحمرار، ثم عادت إليه ~~وحدثته كما تحدث الأخت أخاها قائلة: أرجوك أن تنام وتستريح، وأن لا تتحرك حركة ~~عنيفة، وسيعودك الطبيب بعد قليل، أما أنا فسأعود إليك بعد حين. # وبعد ذلك خرجت إلى غرفتها، فتزيت بزي بسيط كما تلبس البنات العاملات، وخرجت من ~~منزلها وركبت مركبة وقالت للسائق: سر بي إلى شارع سانت أنطوان، وقف بي في أول عطفة ~~شارع. # 15 # ولا بد لنا هنا من إيضاح خطة أندريا الهائلة، فإنه كان يقسمها بين الفائدة والانتقام، ~~أما الفائدة فهي ما كان يرجو أن يكسبه من الهندية وهو خمسة ملايين، بعد أن يدع المركيز ~~فان هوب يثق من بغي زوجته ويقتلها بيده، ثم يتزوج بعد ذلك بابنة عمه الهندية، فكان ~~يستخدم شاروبيم الجميل لإغواء المركيزة، ويستخدم الأرملة صديقة المركيزة لهذه الغواية، ~~ثم إنه كان يطمع بفائدة أخرى ينالها من أموال فرناند روشي الذي سلط عليه الفيروزة ~~وعلمها طرق إغوائه وابتزاز أمواله. # أما انتقامه فإنه كان يحاول أن ينتقم من ms0333 جميع أعدائه القدماء، مبتدئا بأخيه الكونت ~~أرمان، فإنه قد تلبس أمامه بلباس التوبة الكاذبة، وظهر أمام زوجته بمظاهر الأبرار. ~~وكان يكتب كل يوم بضعة سطور في مذكرته اليومية تشير إلى ما يقاسيه من حبه لامرأة أخيه، ~~وما يكابده من العناء في سبيل قمع نفسه عن هذا الجور، ذاكرا ذنوبه السابقة بالندم ~~الشديد، ثم يضع هذه المذكرات بحيث تقف عليها امرأة أخيه، حتى إذا قرأتها في غرفته أشفقت ~~عليه، وبين الشفقة والحب مسافة قصيرة. # وكان يريد بذلك أنه متى تمكن من خدعة أخيه وحمله على الوثوق به، دفع روكامبول إلى ~~قتله بمبارزة، فيغدو أندريا بعد قتل أخيه قيما على ولده وزوجا لامرأته، فيجري على ~~ما جرى عليه أبوه قبله. # ثم إنه كان يحاول الانتقام من باكارا لأنه علم أنها غير منخدعة بتوبته، وخشي أن تتصدى ~~له في سبيل انتقامه، وتحول بينه وبين أغراضه؛ فقرر قتلها. أما فرناند فإنه كان يريد ~~أن ينتقم منه بتجريده من أمواله، وبقتله بيد صديقه ليون رولاند، وذلك أنه جعل الفيروزة ~~تسطو على الاثنين وترمي في شرك غرامها الفؤادين، فتظهر أمام فرناند بالمظهر الذي ~~عرفناه، وتتمثل أمام ليون بزي عاملة فقيرة تلتمس العمل في معمله لإنقاذ أبيها من ~~الشقاء، ولهذا فإنها عندما خرجت من لدن فرناند غيرت ملابسها ولبست ملابس العاملات، ~~وانطلقت إلى غرفة حقيرة أقامت فيها رجلا أعمى كانت تقول لليون أنه أبوها، وكان يريد ~~أندريا بهذا الحب المزدوج أن يلقي التحاسد بين العاشقين دون أن يعرف أحدهما الآخر، ثم ~~يحمل ليون على قتل فرناند في ظلام ليل دامس كما سيجيء بيانه بالتفصيل. # وكان آخر ما في كنانته الجهنمية من السهام أنه كان يريد أن ينتقم من هرمين زوجة ~~فرناند، فيهتك عرضها ويجعلها مضغة بالأفواه، ولهذا فقط سلط عليها الكونت مايلي حفيد ~~الدوق، ووعده بمنع زواج الدوق بالأرملة، وإبقاء أمواله العظيمة له إذا تمكن من ~~إغوائها وتمثيلها للعيون على ما يريد مما يخالف الشرف وواجبات الزواج. هذه هي مقاصد هذا ~~الرجل الهائل التي يدور عليها محور ms0334 هذه القصة. ~~••• # ولنعد الآن إلى الفيروزة، فإنها خرجت بلباس العاملات إلى الغرفة التي أقامت فيها ~~أباها الكاذب كما قدمناه، فأتى ليون إلى تلك الغرفة كي يساعد ذلك الأعمى المنكود، ~~فتلبست أمامه بلباس الفتيات الطاهرات، وأثارت في فؤاده مكامن غرام جديد. # ثم فارقها على أن يعود إلى أبيها في اليوم التالي كي ينظر إلى أمره، وفي نفسه الضعيفة ~~من غرامها القوي أشياء. فلم يكد يخرج من تلك الغرفة حتى خرجت في إثره، فركبت مركبة ~~وأسرعت بالرجوع إلى منزلها الذي تركت فيه فرناند، وهي تقول في نفسها: لقد وقع ليون، ~~فلننظر في ملايين فرناند. # فلما بلغت إلى المنزل غيرت ملابسها، ودخلت إلى غرفة فرناند، فألقته جازعا ~~لفراقها، وقد ظهر الحب بين ثنايا وجهه، فابتسمت له وقالت: كيف أنت؟ ~~- بخير لولا ما كنت أشكوه من الوحدة. ~~- هو حق ما تقول؛ فإن المريض أشبه بالمسجون. # فحاول أن يجيبها، ولكنها وضعت أصبعها فوق شفتيها القرمزيتين وقالت وهي تبتسم له: دعني ~~أتمم حديثي. # ثم أضافت: إن السجين ينتظر كل يوم بذاهب الصبر أن يأتي إليه حارسه بالزاد، وكذلك ~~المريض فإنه يتوقع كل ساعة، متى كان منفردا، أن يأتي إليه ممرضه، فينتهي الأمر ~~بالسجين أن يحب الحارس، وبالمريض أن يحب الممرض. # فقاطعها فرناند وقال: يا سيدتي، إن ضجري من وحدتي لم يكن لذلك السبب. ~~- لا ريب عندي فيما تقول؛ فإنك تنتظر أنباء زوجتك. # فاختلج فرناند واضطرب وجعل يفتكر بهرمين، غير أن الفيروزة نظرت إليه نظرات ملؤها الحب ~~والحنو خلبت لبه ونسي هرمين. # ودام بهما الحال على ذلك ثمانية أيام، وهي في كل يوم تجذب قطعة من فؤاده، وتسترق ~~بقية عقله، حتى أصبح لا عقل له ولا قلب. # فلما كان اليوم الثامن، وقد شفي جرحه وأصبح قادرا على الذهاب، دخلت إلى غرفته وجلست ~~بقربه وقالت: إنك تعلم بأني لا أستطيع أن أخبرك باسمي ولا اسم الشارع الذي أنا فيه، وقد ~~آن زمن رجوعك إلى منزلك لتعافيك، ولكني لا أطلق سراحك قبل أن تقسم لي أنك تمتثل لما ~~أريد. ms0335 ~~- إني أقسم لك بما تشائين. ~~- إنك لا تخرج من هنا إلا بعد أن أعصب عينيك، فتخرج بك مركبة إلى أن تبلغ إلى مكان ~~معين، وعند ذلك تزيح العصابة عن عينيك وتقرأ هذا الكتاب الذي أعطيك أياه الآن، فتعلم ما ~~أريد منك. # فحار فرناند بين هذه الألغاز، وقال: ليكن ما تريدين، فمتى أذهب؟ ~~- الآن. # ثم أخذت منديلا فعصبت به عينيه، وقادته بيدها حتى وصلت به إلى الباب الخارجي، وكانت ~~مركبتها تنتظر قرب الباب، فأصعدته إليها وودعته وهي تقول: كن وفيا ~~بالقسم. # وسارت المركبة تقطع به الأرض نهبا، فاجتازت جميع شوارع باريس حتى انتهت إلى شارع غير ~~مطروق، فأوقفها السائق وقال لفرناند: هنا أمرتني سيدتي أن أقف. # فنزع فرناند العصابة عن عينيه، ونزل من المركبة وانطلق مسرعا إلى زاوية مقفرة ~~بالشارع، ثم فض غلاف الكتاب، وقد سأم صبرا وقرأ ما يأتي: # أيها الصديق # إنك أوشكت أن تشفى أتم الشفاء، بحيث أصبحت قادرا على الرجوع إلى زوجتك ~~التي تحبك وتنتظر عودتك بذاهب الصبر، فأودعك وداعا لا لقاء بعده. وأسألك أن لا ~~تعود بعد ذلك إلى مبارزة أحد، فإذا جال يوما ذكري في خاطرك فقل أن الحياة ~~تكتنفها الأسرار، ولا تبحث عني لأنك لا تراني وذلك لأني مقيدة، وبحثك عني ~~يعرضك لأخطار شديدة، ثم لأنك مقترن بامرأة تهواها وتهواك. الوداع، ولا تفتكر ~~بي إلا كما تفتكر في حادثة جرت لك في حلم، واعلم أن الأحلام خير أوقات ~~الحياة. # فاضطرب فرناند عند الفراغ من تلاوة الكتاب وقال: إني سأجدها ولو ذهبت إلى أقصى مكان ~~في الأرض. # 16 # في اليوم التالي لحمل فرناند إلى منزل الفيروزة، كان أندريا عند منتصف الليل في منزل ~~روكامبول، وقد جلس هذان الاثنان حول منضدة، فكان أندريا يتعشى ويأكل أفخر المآكل نافضا ~~عنه غبار الزهد في منزل أخيه، وكان روكامبول يتلو عليه تقارير أعضاء الجمعية السرية، ~~مبتدئا بتقرير شاروبيم. # وكانت خلاصة تقرير شاروبيم أنه راقص المركيزة فان هوب، فظهرت عليها ملامح الاضطراب، ~~وأنه بسط مقدمة غرامه فتكلفت عدم المبالاة، وأنه لقيها ms0336 في اليوم الثاني في أحد ~~المنتزهات، فاحمر وجهها حين سلم عليها وبرحت المنتزه دون سائر المتنزهين، كأنها ~~تحاول الفرار منه، إلى غير ذلك من هذه المقدمات. # فقال أندريا: إنه لم يصنع بعد شيئا يذكر، ولكن اضطرابها واحمرار وجهها حين ~~لقياه، خير دليل على أنها خطت الخطوة الأولى في سبيل غرامه. # ثم قال: ما لديك غير هذا التقرير؟ # ففتح روكامبول محفظة كبيرة وأخرج منها ملفا مكتوبا عليه «الأرملة ملاسيس»، ففتحه ~~وقرأ فيه ما معناه أن هذه الأرملة عادت إلى منزلها عند منتصف الليل، وبينما هي مقيمة في ~~غرفتها سمعت وقع أقدام، فحسبت أن القادم هو الدوق إذ لا يزورها أحد في مثل هذه الساعة ~~المتأخرة من الليل، غير أن القادم لم يكن الدوق بل كان أرثير كامبي أحد أعضاء جمعيتنا، ~~فأجفلت حين مرآه وحاولت أن تصيح، غير أنه أقفل الباب بهدوء وجلس بقربها، فلم يعلم ما ~~دار بينهما، ولكنه لم يخرج من منزلها إلا عند بزوغ الفجر. # وكان هذا التقرير أن هذه الأرملة تخرج كل يوم في الساعة الثانية بعد الظهر فلا تعود ~~إلا في الساعة الرابعة، وأن الدوق زارها في صباح اليوم التالي للحفلة فوجدها منشغلة ~~بإعداد معدات السفر، ودار بينهما حديث طويل، فكان الدوق يلتمس منها وهو راكع أمامها أن ~~ترجع عن السفر، وما زال بها حتى أقنعها على البقاء على شرط أن يتزوج بها قريبا، وأن ~~يسافرا على إثر الزواج إلى إيطاليا، وأن لا يزورها ولا يحاول أن يراها قبل أن توزع ~~رقاع الدعوة لحضور حفلة الزواج. # فقال أندريا: إن مسألة هذه الأرملة تسير سيرا خلافا لمسألة المركيزة والكونت مايلي، ~~ولكن النصر مضمون لمن يتمكن أن يصبر. ثم قال له: ألم يردك شيء عن ~~الفيروزة؟ ~~- أجل. # وأخرج ملفا مكتوبا عليه ليون رولاند، فكان خلاصة ما فيه أن الفيروزة تأتي كل يوم ~~بملابس العاملات في الساعة الثانية بعد الظهر إلى الغرفة التي يقيم فيها الأعمى الكاذب، ~~وأن ليون يأتي كل يوم متعللا بعيادة هذا الأب ويحادث الفتاة مليا، فإذا ms0337 ذهب إلى ~~معمله ذهبت هي في إثره إلى منزلها. وقد بدأ ليون يفتن بها، فإنه حين يأتي يسأل خادمة ~~البيت إذا كان والد الفتاة فيه، فإذا أجابت بالإيجاب اضطرب واصفر وجهه. # فتبسم أندريا وقال: وقع الطير في القفص. # ثم أخذ من جيبه كتابا من الفيروزة وقرأ ما يأتي: # أظن أن زمن عذاب سريز قد دنا، فإن زوجها الأبله سقط في الفخ، وهو في كل ساعة ~~يراني يحاول أن يجثو أمامي ويكاشفني بحبه، فيمنعه حضور أبي، ولكني أقرأ صورة ~~الهيام بين عينيه، وعندي أن دور هذا الأب قد انتهى، ويجدر إرساله بالظاهر إلى ~~إحدى المستشفيات كي يخلو الجو لليون ويكاشفني بما يريد. إني أنتظرك في الموعد ~~المعين كي أتلقى أوامرك الجديدة وأعلم ما ينبغي أن أعمل. # فأعاد أندريا الرسالة ثم أدناها من الشمعة وأشعلها، ونظر إلى روكامبول فقال: لننظر ~~الآن في أمر هذه الملايين، فإن هذه المركيزة فاضلة محقة لزوجها، ولكنها بدأت أن تحب ~~شاروبيم بالسر، فينبغي علينا أن نساعده كي نحملها على الإباحة بهذا الحب. ~~- أتظن ذلك سهلا ميسورا؟ ~~- ليس هو بالشيء السهل، غير أن كل شيء ممكن في الوجود، فاعلم الآن أنهم سيمثلون ~~رواية بعد غد في الأوبرا، وستحضرها المركيزة دون ريب فتقيم في لوج خاص بها. ~~- أجل. ~~- فاذهب غدا إلى شاروبيم وأخبره بأنك ستبارزه وتجرحه جرحا بسيطا في يده لا ينال ~~منه أدنى مشقة، ولكنه يؤثر تأثير إشفاق على المركيزة. # فدهش روكامبول وقال: وكيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك تستأجر في الأوبرا اللوج الملاصق للوج المركيزة وتقيم شاروبيم فيه، ثم ~~تزوره في لوجه وتخاصمه بصوت مرتفع يبلغ إلى مسامع المركيزة، لتلاصق اللوجين، خصاما ~~يدعو إلى المبارزة بينكما، وتعين موعد المبارزة، وتذكر نمرة منزل شاروبيم، واسم ~~الشارع المقيم فيه، بحيث لا يفوت المركيزة حرف من جميع هذه التفاصيل. # قال روكامبول: فهمت كل شيء. ~~- بقي أمر واحد، وهو أنك تدع شاروبيم يستأجر غدا المنزل الكائن تحت منزل الأرملة ~~ملاسيس صديقة المركيزة، وهو معد للإيجار وكائن ببينار نمرة 40، فإن نوافذ منزل ~~الأرملة تطل ms0338 على هذا المنزل، والمركيزة تزور صديقتها في أكثر الأيام. ~~- كفى، قد فهمت كل شيء. # وعند ذلك تركه أندريا وانصرف إلى منزل الفيروزة، فلقيها تنتظره فقال لها: اذهبي غدا ~~إلى غرفة أبيك وخذيه إلى مستشفى ديبوا وانتظري تعليماتي الجديدة. # فبرقت أسرة الفيروزة وقالت: وفرناند؟ ~~- صبرا، فإن ملايينه تستحق شيئا من الصبر. # 17 # بينما كانت المركيزة في اليوم التالي تتأهب للذهاب إلى الأوبرا وزوجها واقف أمامها ~~ينظر إليها نظرة العاشق المفتون، إذ دخل أحد الخدم وأخبرهما بقدوم الماجور غاردن (وهو ~~أحد أعضاء الجمعية السرية وصديق المركيز)، فأمره المركيز بإدخاله وقد سر لحضوره؛ ~~لأنه كان مولعا بلعب الشطرنج، وهو يبحث منذ حين في ضميره عن صديق ينوب عنه بمرافقة ~~امرأته إلى الأوبرا؛ لأنه كان يؤثر الشطرنج على حضور الملاعب، ولما دخل الماجور طلب ~~إليه أن يصحب امرأته إلى الأوبرا بدلا منه، على ما عرف به من الغيرة عليها، وذلك لأن ~~هذا الماجور قد تجاوز عهد الشباب بمراحل، وهو صديق البيت منذ عهد بعيد، فقبل شاكرا ~~وهو لم يأت إلا لهذا الغرض مدفوعا من روكامبول، أما المركيز فإنه ودعهما واعدا ~~امرأته أن يوافيها إلى الملعب عند تمثيل الفصل الأخير من الرواية ومضى، فذهب الماجور ~~والمركيزة في إثره إلى الأوبرا، ودخلا إلى اللوج الخاص بالمركيزة ووجدا القاعة غاصة ~~بالناس. # وفيما هما يجيلان النظر بالحضور إذ دخل شاب إلى لوج مقابل للوجهما، وجعل ينظر إلى ~~الناس بنظارته وهو يبسم تارة ويتجهم أخرى، حتى وقع نظره على لوج المركيزة فانحنى أمامه ~~مسلما، فنبهها الماجور إليه وقال: أتعرفين هذا الشاب؟ ~~- نعم، لقد قدموه إلي في الليلة الراقصة، وهو أسوجي كما قيل لي. ~~- نعم، غير أنه مولود في فرنسا وهو من أسرة نبيلة، عاقل وافر الذكاء، غير أنه على فرط ~~ذكائه حاد المزاج شديد النزوع إلى الخصام كثير المبارزات، ممرس بإطلاق الرصاص ولا يخطئ ~~مرماه، وندر أن سلم مبارزه من الموت. # فأجفلت تنظر إلى اللوجات القريبة منها، فرأت شاروبيم باللوج الملاصق، ثم رأت روكامبول ~~ينظر إليه نظرات الحقد، فوجف ms0339 قلبها وخشيت أن يكون بين الاثنين ما يدعو إلى ~~المبارزة. # ولما انتهى الفصل الأول من الرواية، سمعت طرقا على باب لوج شاروبيم، ففتح وسمعت ~~الحديث الآتي: # قال الداخل وهو روكامبول: هل أنا بحضرة الكونت أومسكار دي فرني (وهو اسم ~~شاروبيم). # وقال شاروبيم: هو أنا. ~~- أتأذن لي بخلوة معك لشأن خطير؟ ~~- ليكن ما تريد. ~~- إني أدعى الفيكونت دي كامبل. ~~- قد تشرفت بمعرفتك في منزل المركيزة فان هوب منذ ثمانية أيام. # واختلج فؤاد المركيزة وأسندت رأسها إلى جدار اللوج وهو من الخشب الرفيع؛ كي لا تفوتها ~~كلمة من هذا الحديث. # فقال روكامبول: إني أقمت ثمانية أيام أبحث عن اسمك ومنزلك ولم أعلمهما إلا الآن حين ~~أخبرني باسمك أحد الأصدقاء. ~~- إني مستعد لإرضائك يا سيدى في كل ما تريد فقد عرفت اسمي، وأما منزلي فهو في شارع ~~ببينار نمرة أربعين، غير أني أعجب لما أراه من انشغالك بي والبحث عني. ~~- ذلك لأني لقيتك في منزل المركيزة، فأحببت أن أعرف اسمك. ~~- ألعلك مكلف بقضاء مهمة سرية؟ ~~- كلا يا سيدي، فإني لا أهتم إلا بأشغالي الخاصة، وإذا أذنت لي أوضحت لك ما ~~أريد. ~~- قل ما تشاء، فإني مصغ إليك. ~~- تذكر إننا كنا نقامر في منزل المركيزة في تلك الليلة الراقصة، وكنا على طاولة ~~واحدة. ~~- أذكر ذلك ولا أنساه. ~~- وكنت من الرابحين في تلك الليلة، وكان الورق بيدي فدفعته إلى سواي وقمت، فخاصمني ~~أحد اللاعبين، وبالاختصار فإني تركت الحفلة لمبارزة خصمي فبارزته بسرعة زائدة ~~وتغلبت عليه، ثم عدت حالا إلى الحفلة كي أرصد حسابي مع بقية اللاعبين الذين سمعت ~~منهم حين ذهابي كلمات مرة اضطررت إلى الصبر عليها لانشغالي بمبارزة ذلك الخصم، وكنت ~~أنت من الذين قالوا عني إني قد اتخذت المقامرة مهنة لي، ولكني عندما رجعت لم أجدك بين ~~الراقصين واللاعبين، أما وقد رأيتك الآن فقد جئت أسألك أن تعتذر إلي عما ~~قلت. ~~- يسوءني أن لا أعتذر إليك، فقد تعودت أن لا أندم عما أفعل، ولا أرجع في شيء ~~مما أقول. ~~- إذن، أفلا تسحب كلامك؟ ms0340 ~~- كلا! ~~- لم يبق لي إلا أن أسألك عن المكان الذي تريد فيه أن أرسل إليك شهودي. ~~- لقد قلت لك إني أقيم في منزل في شارع ببينار نمرة 40. ~~- بقي أن ألتمس منك أمرا واحدا، وهو أن تكون المبارزة هذه الليلة لأني مضطر إلى ~~السفر في الصباح. ~~- ليكن ما تريد لأني أجد الأمر سهلا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني رأيت في هذا اللوج المجاور لنا، وهو الذي تقيم فيه المركيزة فان هوب، ~~الماجور غاردن وهو من أصدقائي وسأسأله أن يكون شاهدي، فانتظرنا عند منتصف شارع ريشليو ~~مع شهودك. # ثم ودعه روكامبول وخرج وقد اضطرب فؤاد المركيزة؛ إذ لم يفتها سماع حرف من هذا ~~الحديث، وجعلت تمعن الفكرة في إيجاد وسيلة لمنع هذه المبارزة، فأغلق في وجهها كل باب ~~إلا إذا تداخلت بين المتبارزين، وفي ذلك أعظم مساس بشرفها؛ إذ لا وصلة قربى بينها وبين ~~المتبارزين تشفع بالوساطة، وبينما هي تفكر مهمومة والماجور متشاغل عنها بالنظر إلى ~~الحضور إذ سمعت صوت شاروبيم يخاطب صديقا له، فعادت وسمعته يقول لصديقه ما يأتي: إني ~~أعترف لك بأمر لم يدعني إلى إفشائه غير ما أنا فيه من الخطر، وذلك أني سأبارز رجلا ~~شديدا، وخير ما أرجوه أن يكون الظافر فأبلغ من الموت ما طالما تمنيته. ~~- أراك مللت من الحياة وأنت لم تتجاوز بعد عهد الشباب. # فتنهد شاروبيم وقال: بئس الشباب إذا كان رائده الخيبة وكانت حلاوته مرارا ~~وعذابا، واعلم أيها الصديق أني أحب امرأة حبا مبرحا، ولكنها لا تعلم شيئا من حبي ~~لها، ولا أحب أن تعلم سر غرامي إلا بعد أن أموت وأزج في ظلمات الأبد. ~~- ويحك ما هذا القنوط ألعلك جننت؟ ~~- لم أجن إلا بهواها، وخلاصة أمري أني سئمت الحياة لأني أحب حبا لا رجاء فيه ولا ~~أمل لي بمكاشفتها به في الحياة، فأنا أرجو أن تعلمه بعد موتي وأن تكون رسولي بهذا ~~البلاغ. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني سأدفع إليك رسالة مختومة أكتب فوق غلافها عنوان من أحب، وأضع هذا ~~الغلاف ضمن غلاف آخر لا ms0341 كتابة عليه، فإذا قتلت في المبارزة تمزق الغلاف الأبيض ~~وتضع الرسالة في صندوق البريد، وإذا سلمت من الموت وهو ما لا أرجوه، تعيد إلي ~~الرسالة كي أدفن سرها بصدري إلى أن ييسر الله لي موتا آخر. # فبهت صديق شاروبيم ثم قال: أهذا كل ما تريد؟ ~~- نعم، وقد بقي علي أن أستحلفك بإنفاذ هذه المهمة. فأقسم له صديقه على تنفيذها ~~وغادره وانصرف. # أما المركيزة فقد هلع قلبها من الخوف، وأيقنت أن هذا الرجل قد خلب قلبه حبها، وأنه ~~سيبحث عن الموت بحث الراغب فيه لما تولاه من القنوط، فحارت في أمرها، غير أنها فطنت ~~لأمر أملت أن يكون فيه نجاة شاروبيم، وهو أنها سمعته يقول أنه سينتدب الماجور ليكون أحد ~~شاهديه، فقالت في نفسها: إنه لا بد أن يأتي الآن لإخبار الماجور أمامي، فإذا سمعت ~~الحديث تداخلت في الأمر ولا تلحقني وصمة هذه المداخلة لأني ما سعيت إليها. # غير أن فأل المركيزة قد ساء؛ فإن شاروبيم لم يتزحزح من لوجه، بل نزع ورقة من دفتر ~~جيبه وكتب عليها للماجور يرجوه أن يكون شاهده في المبارزة المتقدم ذكرها، وأرسلها إليه ~~مع إحدى خادمات المرسح، فأعطته إياها أمام المركيزة وهي تقول إنها من شاروبيم، فعلمت ~~المركيزة مضمونها وحاولت أن تدع الماجور يطلعها على كنهها فلم تنجح لشدة مبالغته ~~بالكتمان، وما زالت تستنبط الحيل لحمله على الإقرار وهو يصرفها عن مرادها، إلى أن قدم ~~زوجها المركيز فاستأذن الماجور وانصرف ذاهبا للقاء شاروبيم، أما المركيزة فإنها عادت ~~مع زوجها بعد انتهاء الرواية إلى القصر، وباتت من إشفاقها وخوفها بليلة العين. # ولم تستيقظ من رقادها إلا في الساعة الحادية عشرة من الصباح، وهي مختلة مشردة الفكر ~~لا تعلم ما تعمل لتطمئن على شاروبيم، وفيما هي والهة حائرة إذ دخلت عليها وصيفتها تحمل ~~إليها كتابا من صديقتها الأرملة تدعوها فيه إلى زيارتها لشأن خطير، وكانت تعلم أنها ~~تقيم في منزل مجاور لشاروبيم، فطار فؤادها سرورا وأسرعت فركبت مركبتها وانطلقت إلى ~~منزل تلك الأرملة. # ولما خلت بها أخبرتها ms0342 الأرملة على سبيل الاتفاق أن شابا منزله تحت منزلها أتي به ~~أمس محمولا على الأكف، لإصابته بجرح بالغ على إثر مبارزة. # فصاحت المركيزة صيحة رعب وسقطت مغميا عليها، فأسرعت الأرملة بقرع الجرس، وعند ذلك ~~دخل الخادم وهو من صنائع أندريا، فلما رأى المركيزة مغميا عليها، نظر إلى الأرملة ~~متبسما وقال: وقع الطير في الشرك. ~~- أوشك أن يقع، فإنه بدأ يلتقط الحب. # وكانت هذه الأرملة في عداد الذين وقعوا في فخاخ أندريا، فباتت يده العاملة في غواية ~~المركيزة لطمعها بزواج الدوق الشيخ، وكان خادمها يحمل إليها أوامر أندريا فتصنع بها ~~مكرهة مضطرة؛ لأنه كان لديه أدلة تثبت حبها لأحد أعضاء الجمعية السرية، ورسائل إليه ~~بخطها إذا وقعت بأيدي الدوق نفر منها وقذف بها إلى الحضيض. فلما صحت المركيزة من ~~إغمائها هشت لها الأرملة وأظهرت لها أنها واقفة على سر غرامها وقالت: خففي عنك ~~أيتها الحبيبة، فإن جرحه لا خطر فيه، وهو سيبرأ في زمن قريب. # فظهرت علائم السرور بين ثنايا وجهها، ثم تجهم جبينها وعبق خداها بحمرة الخجل حين ~~علمت أنها باحت بشيء من سرها، وأرخت عينيها إلى الأرض كالمذنب النادم وهي تقول: رباه ~~ماذا صنعت؟ # فأخذت الأرملة يدها وقالت: لقد كنت لي صديقة، أفلا تريدين أن أكون لك ~~أختا؟ # ثم جعلت تهون عليها الخطوب، وتستدرجها إلى الإباحة بغرامها حتى بلغت منها ما تريد، ~~وبعد حين خرجت المركيزة عائدة إلى قصرها، وقد فتحت لها الأرملة هوة الشقاء. # 18 # بينما كان ليون رولاند يسهر الليل مفكرا حائرا بأمر تلك الفتاة التي خلبت لبه، ~~والكونت دي مايلي يحاول أن يجذب قلب هرمين وقد بات مستودع سرها، إذ كان يتزلف إليها ~~بلباس الإخاء وهي تثق بوداده الكاذب وتخبره بما اقترفه زوجها، فيعدها خيرا، ويذكر ~~لها من أحوال الفيروزة ما يضرم نار الحقد في قلبها، وقد اتفق وإياها على أن لا تخبر ~~زوجها حين يعود إليها بشيء مما تعلمه عن هذه البغي إلى أن يجد وسيلة لإبعادها. # فوثقت بوعوده وجعلت تتغذى بقرب ولدها عن بعد ms0343 هذا الزوج، وبينما كانت الأرملة تفتح هوة ~~الضلال كي تزج بها صديقتها، وبينما كان أندريا يراقب جميع هذه الحوادث ويعمل على ~~إغواء امرأة أخيه المحسن إليه، وبينما كانت جميع هذه الدسائس التي استنبطتها قريحة ~~السير فيليام تسير على ما يريد، كان فرناند روشي ينزل من مركبته بعد أن أزاح العصابة عن ~~عينيه ووقف في عطفة الشارع يتلو كتاب الفيروزة. # فلما أتم تلاوة الكتاب اصفر وجهه وقال: لا بد لي أن أراها ولو سافرت إلى أقصى ~~المعمورة. # ثم مشى مشية المفكر المهموم إلى أن وصل إلى منزله ودخل إليه دون أن يدري أين هو، حتى ~~انتبه وهو في الحديقة إلى صوت ولده يناديه من النافذة بصوت الجذل المندهش، فوجف فؤاده ~~وسرت إلى نفسه عواطف الحنو، فأسرع إلى لقاء هذا الولد، فبلغ إليه وهو في حجر أمه واندفع ~~يعانق الاثنين ويقبلهما قبلات صادقة، أنسته حب الفيروزة الكاذب إلى حين. # وكان بينه وبين امرأته حديث طويل، فأخبرهما بحديث مبارزته واعتقاله كما شاء، وتظاهرت ~~بتصديقه كي لا يعود إلى الجفاء، وبات تلك الليلة في منزله وهو على أحر من الجمر، وكان ~~إذا تمثلت له الفيروزة تشاغل عنها بمداعبة طفله إخفاء لبوادر غرامه ~~الشديد. # ولما كان الصباح ركب فرسا عربيا أصيلا، وخرج إلى النزهة في الغابات كما تعود ~~فاطمأنت هرمين لما رأته من ظواهر حبه القديم، ولم تعد تخطر لها خيانته في بال، فلما ~~حان وقت الغذاء لم يرجع، فانتظرته إلى العشاء فلم يعد، وانتصف الليل فلم يحضر؛ فعادت ~~إليها هواجسها وأقامت في نافذة غرفتها منتظرة دون أن يكتحل جفنها بالرقاد حتى طلع ~~النهار، فرأت باب الحديقة قد فتح ودخل منه ذلك الفرس الذي كان يمتطيه فرناند دون ~~فارسه، وكان يقوده أحد الخدم، فهلع قلبها ونادت الخادم وسألته عن زوجها، فقال: إنه دفع ~~إلي الفرس كي أرجعه إلى المنزل، وكان ذلك مساء أمس خارج باريس. # قالت: كيف أعطاك الحصان ولماذا؟ ~~- إنه كان يطارد مركبة فيها فتاة حسناء عليها ملابس السفر، فلما أدرك المركبة ~~استوقفها فوقفت، ms0344 وتباحث مع الفتاة بحثا طويلا تبينت من إشارته أنه يدعوها إلى ~~الرجوع إلى باريس، وكأنه قد أقنعها فنظر إلى الشارع فرآني واقفا أنظر إليهما، فكتب ~~نمرتي في دفتره ثم قال: خذ هذا الجواد وانتظرني في غابة بولونيا إلى الساعة الثانية ~~بعد منتصف الليل، إذا لم أعد إليك أرجعه في الصباح إلى منزلي. ثم دلني على المنزل ~~ودفع لي أجرتي وعاد إلى المركبة فركب بجانب الفتاة وعاد كلاهما إلى باريس. # دقت هرمين يدا بيد وقد أيقنت أن زوجها قد علق بتلك البغي، وللحال خرجت من المنزل ~~فركبت مركبة وأمرت السائق أن يسير بها إلى منزل الكونت دي مايلي كي تستشيره في أمرها، ~~فقد باتت تثق به وثوق الأخ بأخيها. # وحكاية فرناند أنه خرج للتنزه صباحا في غابات بولونيا كما تقدم، وفيما هو يسير ~~الهوينا إذ أبصر مركبة تسير على مسافة بعيدة عنه مسير المستعجل المسافر لأمر خطير، ~~تجرها أربعة جياد، دفعه الفضول إلى تعقب هذه المركبة لا سيما بعد أن رأى فيها فتاة ~~وأمتعة سفر، وما زال يتعقبها حتى أوشك أن يدنو منها، فعلم أن تلك الفتاة لم تكن إلا ~~الفيروزة، وذكر ما كتبته إليه عن عزمها على مغادرة باريس. # وكان في مؤخر المركبة خادمة غرفة الفيروزة، فتظاهرت أنها تلتفت إلى ورائها اتفاقا، ~~حتى إذا رأت فرناند يسير بإثر المركبة أظهرت الانذهال وقالت لمولاتها كلمة لم يسمعها ~~فرناند لبعده عنها، ولكنه علم أنها أخبرتها بأمره؛ وذلك لأن الفيروزة أمرت السائق ~~بالإسراع، فضرب الجياد بسوطه الطويل فاندفعت تنهب الأرض وتسبق الرياح. # وحسب فرناند أنها تريد الفرار منه، فلكز بطن جواده وأطلقه في إثرها، وما زال يطاردها ~~حتى أدركها بعد أن خرجت من أبواب باريس وسار جواده بجانب مركبتها. # نظرت إليه وصاحت صيحة انذهال، ثم قالت: كيف أنت هنا وما أتيت تعمل؟ # فتلعثم لسانه ولم يدر ماذا يجيب، ولكنها أجابتها عيناه بلغة تفصح أكثر من أبلغ ~~الكلام عن مراد القلوب، فابتسمت له وقالت: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- لا أعلم. ~~- ومن أين أتيت؟ ~~- من ms0345 باريس. وقد سكن اضطراب فرناند وقال: وأنت إلى أين تذهبين؟ ~~- إني مغادرة باريس كما ترى. ~~- أيطول غيابك عنها؟ # فأرخت عينيها وقالت بصوت يتهدج: سأغيب عاما على الأقل. # فاضطرب فرناند وقال: كلا، إن هذا محال. ~~- كيف تراه محالا وأنت تراني مسافرة على الطريق! ثم أشارت إليه مسلمة بيدها وهي ~~تقول: إني ذاهبة إلى فلورنسا لأقضي فيها بقية الشتاء، فأستودعك الله واذكر ~~كتابي. # غير أن فرناند قد عزم عزما أكيدا ، فاستوقف السائق وقال لها: سيدتي قلت لك أن سفرك ~~محال لأنك لا تستطيعين السفر الآن. # فقطبت حاجبيها وقالت: من يمنعني عن السفر؟ ~~- أنا، وذلك لأني أقفو أثرك حين خروجك من باريس لأني أود محادثتك في شأن خطير، فإن ~~أبيت علي ذلك، فإني ألقي نفسي بين دواليب مركبتك. # قالت وهي تبتسم تبسم الرضى: إني لا أريد لك الموت، ماذا تريد؟ # ثم أوقفت المركبة ونزلت منها ونزل فرناند عن جواده، فتأبط ذراعها وسار وإياها إلى ~~فندق قريب وهو يقول: إننا سنتغدى في هذا الفندق ونتباحث فيه، فإما تعودين إلى باريس أو ~~تسافرين بعد الغداء. # وذهب بها إلى الفندق، فدار بينهما حديث طويل أسفر عن رضى تلك الفتاة بالرجوع مع ~~فرناند إلى باريس بعد أن تعاقدا على الحب واستوثقت منه بأشد المواثيق، وفي المساء عادا ~~إلى باريس فذهبا إلى منزلها، وكان جواد فرناند لا يزال يرافق المركبة، فأمرت خادمها عند ~~الصباح بإرجاعه إلى منزله بعد أن علمته ما يقول كما علمناه حين سألته هرمين. # 19 # ولنعد الآن إلى باكارا التي ستمثل أعظم دور في هذه الرواية العجيبة، فنقول إنها بعد ~~أن تابت إلى الله توبة صادقة إثر غرامها بفرناند، جعلت قصاراها إغاثة المعوزين ودفع ~~نكبات الدهر عن البائسين بالإنفاق عليهم من مالها الخاص، ومستعينة بأموال الكونت دي ~~كركاز، وكانت صارفة معظم اهتمامها إلى إنقاذ البنات الفقيرات من وهدة البغي الذي يدفعهن ~~إلى هاوية الجوع، وما يلقينه من المسكنة والمذلة. # وقد اتفق لها في تلك الليلة التي وقع فيها فرناند بشرك الفيروزة أنها أنقذت ثلاث ~~أخوات ms0346 إسرائيليات من السقوط في هذه الهاوية، فجعلت الكبرى وصيفة لإحدى ربات القصور، ~~وأدخلت الثانية في أحد معامل الخياطة، وعادت بالصغرى إلى منزلها وهي تؤمل متى طالت ~~صحبتها لها أن تجعلها تعتنق الديانة المسيحية لفرط تعصبها بدينها بعد أن تابت تلك ~~التوبة الصادقة. # وكانت الفتاة الإسرائيلية بارعة الجمال، وقد بالغت باكارا بملاطفتها حتى استأنست بها ~~وتعلق بها فؤادها، فلما عادت بها إلى المنزل خصصت لها غرفة فيه، وأوصت بها الخدم ~~خير وصاية، وفيما هي تلقي عليها الإرشاد وتبث فيها روح الفضيلة كي تستأصل من نفسها ما ~~خلفته دواعي الشقاء من مبادئ البغي والفساد، إذ دخلت عليها الخادمة تخبرها بقدوم ~~أختها سريز، وكانت لا تزورها إلا في النادر لانصرافها عن الزيارات. # وفرحت بقدومها فرحا شديدا، غير أنها ما أوشكت أن تراها حتى تراجعت منذهلة لما رأته ~~من شحوبها ونحولها، ثم أكبت على عنقها تقبلها باكية وهي تقول: أختاه ماذا ~~أصابك؟ # ولم يكن نحول سريز إلا لما لقيته من انشغال زوجها بحب سواها وهيامه بالفيروزة، وهو ~~يحسبها إحدى العاملات، فشكت لأختها جميع ما تلقاه من انحراف ليون عنها، وقالت إنه ~~لولا ولده لما قدم إلى البيت، وإنه لا يأتي من محل عمله إلا حين الحاجة الشديدة ~~لافتتانه بمن يهواها، وإنه لا يعاملها إلا بالنفور، وإذا عاتبته ابتدرها بالقول الغليظ ~~والسخط والحدة إلى غير ذلك مما يفسد عيش الزوجين، وآخر ما قالته أنها باتت تخشى عليه ~~أن يصاب بالجنون؛ فإنه حين يبيت في المنزل يلبث طول ليله سهران يجول في ردحة البيت لا ~~يكلم أحدا ولا يريد أن يكلمه أحد. # فسمعت باكارا جميع قول أختها وهي آسفة متوجعة، ثم سألتها أتعرفين هذه الفتاة التي ~~يهواها؟ ~~- كلا! ~~- أتتهمين أحدا بإغرائه على هذه الخيانة؟ ~~- كلا. # وجعلت تبكي وهي متكأة على صدر أختها بكاء الأطفال، وفيما هي تعزيها وتعدها الوعود ~~الجميلة إذ دخلت الخادمة تقول: سيدتي، إن الفيكونت أندريا يطلب مقابلتك. # فأجفلت سريز عند سماع اسمه، ونظرت إلى أختها نظرة الخائف الوجل، ثم قالت: قلبي ~~يحدثني بأنه ms0347 لم يسلبني قلب زوجي سوى هذا التائب. # فاضطربت باكارا وقالت: وأنا أرى ما ترينه، فإن توبته كاذبة وستفضحها الأيام؛ فاذهبي ~~الآن كي أرى ما يريد، واطمئني فإن نفور زوجك لا يطول. # وذهبت سريز فدخل في إثر ذهابها أندريا، فسلم على باكارا ووقف وعيناه مطرقتان إلى ~~الأرض، إلى أن أمرته بالجلوس فجلس بإزائها وجعل كل منهما ينظر إلى الآخر نظر من ~~يفحص خصمه قبل القتال كي يعلم مبلغ قوته وإذا كان كفؤا له. # وساد السكوت بينهما إلى أن افتتحت باكارا الحديث فقالت: هل اكتشفت شيئا من أمور ~~الجمعية السرية؟ # فأجابها: نعم، وأخص ما علمته أن معظم أعضائها من النساء، وأنها ترتكب من المنكرات ~~الفظيعة ما لا يخطر في بال، وأن رئيستها امرأة. # فدهشت باكارا وقالت: من هي هذه المرأة؟ # فقال أندريا: أصغي إلي ودعيني الآن أخبرك بما أتيت من أجله، فإن رجلا ينبغي علي ~~وعليك أن نحبه بقدر ما أسأنا إليه، في خطر شديد. # فاختلج فؤاد باكارا وقالت: من عسى أن يكون هذا الرجل، ألعله فرناند؟ # فأطرق إطراق الأسف والحزن وقال: هو يا سيدتي بعينه. # فجزعت باكارا وصاحت: رباه! ماذا أصابه أهو مريض؟ قل أي خطر تعني؟ ~~- كلا ما هو بمرض، ولكنه وقع في شرك تلك الجمعية الهائلة، فسلطت عليه امرأة ~~أحبها حبا مبرحا. # وكأن الصاعقة قد انقضت على باكارا؛ فقد تأججت في فؤادها براكين الغيرة، وهاجت ~~مكامن حبها القديم حتى أوشكت أن يغمى عليها، وذلك أنها كانت لا تزال تهوى فرناند، ~~ولكنها شغلت عن هواه بعد زواجه بتوبتها الصادقة، فلما رأته قد نقض عهد الزوجية ثار ~~حبها القديم، حتى أوشكت أن تنقض عهد التوبة. # وكأن أندريا قد علم ما يجول في خاطرها، فعاد إلى ذكر عشيقها فقال بلهجة الآسف: إنه ~~يحب فتاة بغيا يلقبها الشبان بالفيروزة لصفاء عينيها، وهي تقيم في منزلك القديم في ~~شارع مونسي. # فصاحت باكارا صيحة منكرة، وقد جحظت مقلتاها واصفر وجهها، فتكلف أندريا هيئة ~~الحزن وجعل يقص عليها حوادث عشق فرناند كما أراد مبتدئا بجرحه على ms0348 إثر المبارزة، ~~وحمله إلى منزل تلك العشيقة، ثم أظهر لها كتابين بخط الفيروزة أحدهما إلى هرمين ~~والآخر إلى رئيسة العصابة، فلما قابلت باكارا بين الخطين ورأت أنهما واحد أيقنت بصدق ~~اكتشافه، ولكن قلبها كان يحدثها أنه خائن، وأن توبته ومظاهر نسكه خداع وتضليل، وأن ~~يده هي التي ضربت هرمين وأختها سريز بغية الانتقام، ولكنها لم تظهر شيئا من ذلك بل ~~تظاهرت بتصديقه لما يقول، وجعلت تراقب بعينيها النقادتين جميع سكناته وحركاته. # وبعد أن انتهيا من حديث العصابة قال لها: إن أخي الكونت أرمان يدعوك في الساعة ~~العاشرة من هذه الليلة لنجتمع في منزله للمباحثة في هذا الشأن الخطير. فوعدته ~~بالذهاب، ونهض أندريا يحاول الانصراف، وفيما هو يسلم عليها دخلت الفتاة اليهودية التي ~~تقدم ذكرها ووقفت بإزاء باكارا، فنظر إليها أندريا نظرة فضحت سره لفرط إعجابه ~~بجمالها، ولم يدر في خاطره أن باكارا تراقبه، فقبل يدها وانصرف وفي نفسه من تلك ~~الفتاة اليهودية أشياء. # أما باكارا فرجعت بعد أن شيعته إلى الخارج وهي تقول: لقد كنت مشككة بك، أما الآن ~~فقد أصبح الظن حقيقة لا ريب فيها، وقد ثبت لي أنك من الخائنين. # وسمعتها الفتاة تقول هذا القول فقالت: لقد صدقت يا أماه، فإنه نظر إلي نظرة جف ~~لها قلبي وأذكرتني نظرات ذلك الشيخ الذي كان يزور أمي في تلك الليلة، فلم تنتبه باكارا ~~لكلامها ودخلت إلى مخدعها، فكتبت إلى أرمان دي كركاز تسأله أن يقابلها في الساعة ~~الثامنة بدلا من العاشرة، والتمست منه أن تكون هذه المقابلة سرية لا يعلم بها أحد، ثم ~~ختمت الكتاب وأرسلته مع خادمها إلى الكونت، فذهب به وعاد بعد حين يحمل جواب الكونت ~~بالإيجاب. # فلما حان الموعد أرخت على وجهها نقابا كثيفا وذهبت إلى الكونت، فألفته ينتظرها في ~~قاعة منزله في الحديقة، ودار بينهما حديث طويل عن أندريا، فأظهرت له جميع ما يخامرها من ~~الريبة بأخيه، إلا أن الكونت كان يناقضها في جميع ما تقول لأنه كان يرى بعينيه كل ليلة ~~ما يعانيه أخوه من ms0349 العذاب، وكان يراقبه في بعض الليالي من قفل الباب، فيراه يجلد نفسه ~~حتى تنتهك قواه، ويقرأ أسفار الشهداء حتى تغمض عيناه فينام على الأرض دون غطاء بعد أن ~~يغير نظام الفراش كي يظن الخدم أنه نام عليه، ولا يفطنون إلى أنه نام على ~~الأرض. # فلما يئست باكارا من إقناعه قالت: لا بأس من أن تبقى على اعتقادك فيه، ولكني سأراقبه ~~في الليل والنهار وأصرف كيده عنك بإذن الله، ولا ألتمس منك غير أمر واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تكتم ريبتي هذه عنه، وعن زوجتك، وعن جميع أعوانك. ~~- سأفعل ما تريدين. ~~- أتقسم لي على الكتمان؟ ~~- أقسم لك وأبر باليمين. # فودعته باكارا وانصرفت وهي تقول في نفسها: لقد انتصرت على هذا الشيطان المريد ~~وأنا بغي مومس، وسأنتصر عليه الآن وأنا نائبة مؤمنة ليس لي نصير عليه غير الله، وكفى ~~بالله نصيرا. # 20 # بينما كانت باكارا عائدة إلى منزلها، وهي تدعو الله في ضميرها كي ينصرها على أندريا، ~~كان أندريا جالسا قرب منضدة في منزل روكامبول، وهو يتداول مع تلميذه بشأن العصابة، وقد ~~أخبره بجميع ما فعل وبزيارته لباكارا وإطلاعها على حب فرناند؛ فأجفل روكامبول ثم سكن ~~روعه ووقف أمام رئيسه وقفة الاحترام وقال: أتأذن لي أن أسألك عما أشكل علي فهمه من ~~أعمالك؟ # فابتسم له أندريا وقال: قل ما تشاء. ~~- إنك استكتبت الفيروزة رسالتين، واتفقت مع الكونت مايلي والأرملة مالاسيس، فكأنك قد ~~أخبرتهم بأسرار جمعيتنا وأخبرتهم بحقيقة فرناند، فأي قصد تريد من إظهار هذه الحقيقة ~~التي يجب أن تبالغ في كتمانها، أليس في ما فعلت خطر علينا؟ # فقال أندريا ببرود: أي خطر تعني؟ ~~- أولا أنك قلت الحقيقة بتمامها ومهدت لأخيك الكونت السبيل الذي نسعى ~~إليه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ثم إنك أوقفت الفيروزة على بعض سرنا، وهي إنما ينبغي أن تكون آلة صماء في ~~أيدينا. # فقاطعه أندريا وقال: كفى! إنك لا تزال جاهلا لدقائق أسرار الصناعة؛ فأصغ إلي الآن ~~لتعلم حقيقة هذه الخطة التي أشكلت عليك؛ فإن هذه الجمعية السرية مؤلفة من رئيس ~~وهو ms0350 أنا، ونائب وهو أنت، وأعضاء يعدون بمثابة الآلات العاملة كالفيروزة والأرملة ~~والماجور والكونت وغيرهم، ولكل جمعية سرية في الأرض من الماسونية إلى جمعيتنا سر دقيق ~~يكون خاصا بالرئيس المدبر، وقد يطلع هذا الرئيس نائبه على نصف هذا السر، ويوقف ~~الأعضاء على ربعه، ولكن السر بجملته يبقى مكتوما في صدره. أما الفيروزة والأرملة ~~والكونت دي مايلي فإنهم لا يعلمون شيئا من أسرارنا، فإن هذا الكونت يعتقد بخداعه ~~لهرمين وإغوائها أنه ينتقم لرجل شريف، وهو لم يخابر بذلك غير السير أرثير الإنكليزي، ~~وأين له أن يعلم أنني والإنكليزي واحد. وفوق ذلك فإنه رجل نبيل وقد أقسم بشرفه أن لا ~~يبوح باسم السير أرثير، وأما الأرملة فإنها لا تعرف أحدا منا غير خادمها فانتير، ~~وبيدنا من رسائلها ما يجعلها أطوع لنا من ظلها، لا سيما وهي لا تزال طامعة بزواج الدوق، ~~ولا تجهل أن رسالة واحدة من هذه الرسائل يقف عليها الدوق تحبط جميع أمانيها، وفوق ذلك ~~فهي لا تعلم شيئا من أسرارنا، ولو علمتها وأرادت أن تبوح بها فإنها لا تستطيع أن تتهم ~~أحدا غير ذلك الخادم، ولا خطر علينا من اتهامه. وأما الفيروزة فإنها لا تعلم من ~~أسرارنا سوى أننا نريد استخدامها في سلب أموال فرناند، وهي التي ستتولى سلبه بإرشادنا، ~~فهي شريكة لنا ومثل هذه البغي الفقيرة لا تخوننا وهي تطمع بتلك الملايين. ~~- بقي علي أن أجيبك على اعتراضك الثاني، وهو كيف أني أطلعت أرمان وباكارا على ~~الحقيقة، وذلك لأنه سيعتمد علي بعد هذا، لا سيما إذ حقق ما أخبرته به ووجده صحيحا لا ~~ريب فيه، فنأمن بوليسه السري، لأني أديره كيف أشاء، وأنا لم أخبره بعد إلا بحب فرناند ~~لتلك الفتاة، وهو أمر لا بد من أن يظهر. وأما باكارا فلأنها ستخدمنا بعد ذلك أجل خدمة ~~دون أن تريد. # فبهت روكامبول وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن باكارا سيكون أول ما تجريه أنها تقابل الفيروزة، وتحاول إرجاعها عن فرناند، ~~وقد علمتها ما تقول. ثم تذهب إلى فرناند وتحذره من تلك ms0351 الفتاة مظهرة له أنها لا ~~تريد غير الاحتيال على سلب أمواله، فيزيد فرناند حبا بخليلته؛ لأنه يرى أنها لم تقبل ~~منه هدية إلى الآن، وأنها غير طامعة بشيء من ماله، فيعلم أن باكارا قد غارت منها وأنها ~~تتهم تلك الفتاة. # فلما أتم أندريا كلامه قال لروكامبول: أفهمت الآن؟ ~~- نعم، قد فهمت كل شيء. ~~- إذن فأصغ إلي الآن لتعلم ما يجب أن تعمله في الغد، ذلك أنه يجب أن تمتطي حصانا ~~وتذهب عليه إلى الشانزليزه في الساعة الثانية بعد الظهر، فتجول حول المنتزه. وبينما أنت ~~سائر الهوينا تمر بك مركبة فيها رجل وامرأة هما الفيروزة وفرناند، فتدنو بجوادك من ~~المركبة فتنظر إلى المرأة نظرة احتقار وتحيي فرناند تحية احترام، ثم تقول له: أعرفتني ~~يا سيدي؟ فيجيبك هو لا ريب بالإيجاب؛ لأنه لم ينس مبارزتك بعد، وعند ذلك تقول له: ~~إنني عندما بارزتك يا سيدي، وجرحت بعد منتصف الليل أغمي عليك فارتأيت بالاتفاق مع ~~الشهود عدم حملك إلى منزلك كي لا تصاب زوجتك بسوء عندما تراك على تلك الحال، ورأينا أن ~~نحملك إلى منزل تلك الفتاة المجاور لمحل الحادثة. # أما هذه الفتاة التي حملتك إلى منزلها، وهنا تشير إليها باحتقار، فقد كانت عشيقة لي ~~وقد خدعت بها وارتكبت خطأ حبها، فاشتريت لها ذلك المنزل الذي تقيم فيه وفرشته لها ~~بأحسن الرياش كما رأيت حين كنت فيه، وجعلت لها المركبات والخيول المطهمة إلى غير ذلك ~~مما يفعله كل شاب يغتر مثلي بجمال هذه الحظايا وزخارف أقوالهن الكاذبة، وقد سافرت على ~~إثر مبارزتي وحملتك إلى منزلها. فلما عدت اليوم من سفري علمت أنك خلفتني في قلبها ~~وفي منزلها، وأن لك وحدك الحق في الركوب معها في هذه المركبة التي اشترتها ~~بأموالي. # فأجفل روكامبول وقال: ألعلك تريد بذلك أن فرناند يتحمس فيدفع لي ثمن المنزل والفرش ~~والمركبات والمجوهرات، وجميع ما تقتنيه تلك الفتاة؟ # فأجابه أندريا بلهجة الساخر: لقد علمت بعض الشيء، فإن الفيروزة ستغادر هذا القصر بعد ~~هذه الحادثة كما علمتها، فتستأجر غرفة حقيرة تقيم ms0352 فيها وهو ما يرضاه فرناند، ~~ولكنه يثق بعد ذلك من حبها ويكرهها على قبول جميع ما تحتاج إليه من قصر جديد ومجوهرات ~~ومركبات جديدة، إلى غير ذلك مما سيكلفه نصف مليون على الأقل. ~~- وهذا المال؟ ~~- نعطي الفيروزة 50 ألف فرنك منه، ويدخل الباقي لصندوق الشركة تحت الحساب ... ~~ولنعد الآن إلى فرناند، فإن حديثك معه على ما تقدم لا بد أن يدعو إلى مبارزة ~~بينكم، ولكن الفيروزة تصلح بينكما لأنه سيكون لها أطوع من بنانها. # فأظهر روكامبول إشارة الامتثال وقال: أهذا كل ما تريد مني؟ ~~- كلا، بل بقي لي حاجتان: إحداهما أن توصل كتابي هذا (وأعطاه رسالة ضخمة) إلى أدايي ~~ناتها الهندية وتحمل إلي جوابها. والثانية أن تذهب غدا إلى معلم السلاح المعروف في ~~شارع رشوات نمرة 41، وتطلب إليه أن يعلمك ضربة السيف المعروفة باسم «مائة ريال»، ~~فإنها سميت بهذا الاسم لأن أجرة تعليمها مائة ريال. ~~- وما الفائدة من تعليمها؟ ~~- إنك متى أتقنتها تستطيع أن تطعن خصمك طعنة تقتله قتلا بطيئا بحيث يستطيع أن يكتب ~~وصيته قبل أن يفاجئه الموت. # فذعر روكامبول وقال: أقضي علي أن أقتل أحدا؟ ~~- أجل. ~~- متى؟ ~~- ربما كان ذلك بعد خمسة عشر يوما. ~~- من هو هذا الرجل المنكود؟ ~~- هو الذي سأتزوج أرملته. # فأحنى روكامبول رأسه وهو يقول: مسكين أرمان دي كركاز. # أما أندريا فلم يحفل بكلامه، ولكنه قام فودعه على أن يراه بعد يومين، وذهب ليجتمع ~~مع أخيه وباكارا في الساعة العاشرة، غير أنه بينما كان ذاهبا إلى منزل أرمان وهو ~~يعد له وسائل الموت، كانت باكارا عائدة من ذلك المنزل وهي تعد لصاحبه وسائل ~~الحياة. # 21 # لم نبسط في ما تقدم من فصول هذا القسم غير مقدمات تلك المكائد الهائلة التي أسس ~~أركانها أندريا، ونحن آخذون الآن ببسط نتائج تلك المقدمات وسرد حوادثها العجيبة فنقول: ~~في اليوم الثاني لاجتماع أندريا بروكامبول، كان فرناند روشي في منزل الفيروزة وقد جلس ~~إليها يعرب عن غرام فؤاده، وهي تظهر له حبا أكيدا خالصا من شوائب الغايات، ~~فتلفق له من ms0353 حوادث ماضيها قصصا تلبسها حلة الازدراء، مبينة له فضائل الحب ~~الصحيح، وكيف أنه إذا دخل إلى القلوب الأثيمة طهرها من الآثام، إلى غير ذلك مما كانت ~~تجعله مقدمة لما ستنصبه له من حبائل دهائها، وكانت تقف معه موقف المشفق الحنون فتذكر له ~~واجباته الزوجية، وتلتمس منه أن يسلوها ويعود إلى زوجته، فكان يصغي إليها إصغاء ~~المفتون بجمالها، وقد شغل فؤاده هواها فأعماه عن دهائها بحيث بات يحمل نصحها على ~~محامل الإخلاص الصحيح ، فتبدو لعينيه بمثال الفضيلة والكمال، ويقاطعها كلما ألحت ~~عليه بالقبل الحارة. # فما زالا على ذلك إلى الساعة الثانية، وهو الموعد الذي عينه أندريا لروكامبول، ~~فاقترحت عليه أن يخرجا للنزهة، فركبا مركبة وانطلقت بهما حسب أمرها إلى ~~الشانزليزه. # وبينما كانت المركبة تسير بهما الهوينا وهما يتناجيان مناجاة الأطيار، إذ بصر بها ~~فرآها قد امتقع وجهها وجعلت تضطرب كالريشة تقاذفها الهواء؛ فأجفل فرناند لمنظرها وقال: ~~ماذا أصابك؟ # فلم تجبه ولكنها نظرت نظرة إلى الطريق ثم غطت وجهها بيدها، فنظر فرناند إلى حيث ~~تطلعت فرأى روكامبول ممتطيا جواده وهو يسير بإزاء المركبة ويبتسم للفتاة ابتسام ~~الاحتقار، ولكنه حين رأى فرناند ينظر إليه رفع قبعته وحياه باحترام، ثم هنأه ~~بسلامته من الجرح واندفع في محادثته على ما علمه أندريا وذكرناه في الفصل ~~المتقدم. # وكان يتكلم والفيروزة مطرقة الرأس تتنهد، وفرناند مصغ إليه أتم الإصغاء، فلما فرغ من ~~حديثه قال فرناند ببرود: طب نفسا أيها الصديق، فسترجع إليك جميع أموالك. # فقال له روكامبول بازدراء: لا حاجة لذلك، فإني أهب هذه الفتاة تلك الأموال. # فأجابه بعظمة: كلا، فإنها لا تقبل شيئا دون إذني. # فنظرت عند ذلك الفيروزة نظرة احتقار إلى روكامبول، وقالت: كلا، لا أقبل شيئا. # فانحنى روكامبول أمام فرناند وقال: ولكني أؤمل أن نلتقي بعد أن اغتصبت مني تلك ~~الفتاة؛ فإن لدينا حسابا آخر نرصده، وهو ليس حساب المال. ~~- هو ذاك، فنوفيك غدا حساب المال، ونرى حسابك الآخر بعد الغد. ~~- حبذا ذاك يا سيدي لو لم أكن مضطرا إلى السفر بعد الغد، فلنرجئ ms0354 هذا الحساب ~~الأخير إلى الأسبوع القادم. ~~- ليكن ما تريد، وسأرسل لك شهودي بعد ثمانية أيام. # ثم أمر السائق بالعودة إلى المنزل، فعادت بهما وفرناند يتميز من الغيظ، حتى إذا بلغا ~~إليه أخذت الفيروزة بالبكاء، ثم تظاهرت بالغشيان، فلما أفاقت من الغشيان وقفت أمامه ~~موقف التائب النادم، وقالت: دعني وشأني أيها الحبيب وعد إلى زوجتك، فقد بدأت أكون ~~شؤما عليك. # 22 # وطال حديث العاشقين، فكانت تسأله وتلح عليه أن يسلوها وهو لا يزداد بها إلا تعلقا ~~وهياما ويدفع البرهان، إلى أن تظاهرت بأن حبه قد تغلب عليها، فقالت: إني أرضى أن ~~أعيش وإياك، إذا قبلت شروطي. # فطار فؤاده فرحا وقال: سلي ما تشائين فإني أقبل كل شرط. # فتنهدت طويلا وقالت: إصغ إلي يا فرناند، إني قد شغفت بحبك وأحببتك حبا أكيدا ~~صالحا، فصغرت في عين نفسي وتمثل ماضي أيامي الأثيمة بشكل رائع مخيف سئمت لأجله ~~الحياة، ولكني قبل أن ألقي تلك النفس إلى هاوية الغواية، كنت فتاة طاهرة شريفة. ~~فإن أهلي زوجوني بالرغم عني بشيخ عجوز حملني لسوء طباعه على الفرار منه، وأنفق جميع ~~مهري على السكر والمجون، بحيث لم يبق لي من ذلك المهر سوى عشرة آلاف فرنك، ولا تزال ~~هذه الأموال لدي أحترس عليها؛ لأنها وصلت إلي من أشرف مورد، وقد زادت من رباها إلى ~~الآن ألفي فرنك. # فقال فرناند وهو لم يدرك قصدها: ما تريدين من هذا القول؟ # قالت: أريد أن أعيش من ربا هذا المال، ومن شغل يدي كما تشتغل العاملات. # فأجفل فرناند وقال: أنت تعيشين هذه العيشة التعيسة وأنا أغنى الأغنياء؟ ~~- نعم، ولا أكون منكودة بل أكون من أسعد النساء. ويكفيني من نعيم الحياة أن فرناند ~~يحبني وأنا أحبه. # فحاول فرناند الاعتراض، ولكنها أسكتته بما اتخذته من مظاهر الحب، وقالت: هذا هو ~~شرطي الذي وعدت أن تقبله مني كيف كان؛ فاعلم الآن أنك مخير بين الرفض والقبول، وأني ~~لا أرجع عن هذا الغرام. # فأطرق فرناند إطراق المتأمل، وجعل ينكث الأرض بعصاه فقالت: على ماذا عولت؟ ~~- لا ms0355 يسعني إلا الامتثال لما تريدين. ~~- أتخضع لي في كل ما أريد؟ ~~- أجل. ~~- إذن قم الآن واذهب إلى زوجتك، فإنك لم ترها منذ يومين، ولا تعد إلي إلا في ~~صباح الغد. # فحاول فرناند أن يعترض، ولكنها ضربت بيديها مغضبة على منضدة، وقالت: لقد وعدتني ألا ~~تخالفني فيما أريد. # فامتثل فرناند وخرج مطأطئ الرأس، والحب ملء فؤاده، فوقفت ترمقه من النافذة حتى إذا ~~رأته يسير في الشارع سير المخبول قهقهت ضاحكة، وقالت: لقد بلغت من قلبه ما رجوت، وسأبلغ ~~من ماله ما أريد، فما أجهل الرجال! # ثم غيرت ملابسها فتزيت بزي العاملات وانصرفت إلى غرفتها الحقيرة لتمثل ~~دورها الثاني مع ليون رولاند. # وكان ليون قد فتن بها حتى لم يعد يطيق صبرا على فراقها، وقد أرسل أباها إلى ~~المستشفى كي يخلو له الجو معها، وهو يعتقد أنها عاملة وأن ذلك الأعمى أبوها، وكانت ~~الفيروزة قد مدت له حبل هواها، حتى حسب أنها باتت رهن حبه وطوع إشارته، فلما رأى ~~أندريا أن خدعته قد نجحت وأن الهوى قد برح بذلك العامل المسكين، أمر الفيروزة أن ~~تقاطعه وتهرب منه على ما علمها. فذهبت إلى غرفتها وكتبت إليه كتابا تخبره فيها ~~أنها لم تعد تحتمل الإقامة معه لأن شكوى زوجته قد بلغت إلى قلبها، فهي تودعه ~~وداعا أبديا، وتبرح تلك الغرفة إلى غيرها في شارع لا تسميه، حذرا من أن ~~يتبعها. # فلما انتهت من الكتاب نادت البوابة، وكانت مدام فيبار التي عرفها القراء في القسم ~~الأول من هذه الرواية، فأعطتها الكتاب وقالت لها أن تعطيه لليون حين حضوره، ثم أخبرتها ~~أن تقول له إنها رأتها في مركبة بديعة مع شاب عليه مظاهر النعمة، وانصرفت عائدة إلى ~~منزلها كي تهتم بأمر فرناند تاركة أمر النظر في إتمام مسألة ليون لرئيسها السير ~~فيليام. # 23 # بينما كانت الفيروزة تبرح غرفتها الصغيرة وهي بملابس العاملات إلى منزلها في شارع ~~مونسي، كانت باكارا تطرق باب ذلك المنزل، أي منزلها القديم، ففتح لها الخادم وسألها: ~~ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن أرى سيدتك. ms0356 ~~- إنها لم تعد بعد. # فدخلت باكارا بعظمة وهي تقول: لا بأس، فاذهب بي إلى قاعة الاستقبال لأني أريد أن ~~أنتظرها فيها. # فامتثل الخادم وذهب بها إلى القاعة، فلما وصلت إليها صرفته في شأنه وجلست تنتظر، ولم ~~يطل جلوسها حتى عادت الفيروزة إلى منزلها، ثم دخلت إلى القاعة لترى الزائرة وهي تعلم ~~أنها باكارا. # وكانت الفيروزة لا تزال بملابس العاملات وعلى رأسها قبعة بيضاء، فحسبت باكارا أنها ~~إحدى خادمات القصر، وقالت: ألم تحضر سيدتك بعد ؟ ~~- نعم يا سيدتي، قد حضرت. ~~- إذن فأخبريها أني أنتظرها. # فذهبت الفيروزة وأغلقت الباب ثم قالت: عفوك يا سيدتي، فإني لبست هذه الملابس لبعض ~~الأغراض، وأنا هي السيدة التى تريدين أن تريها والتي يلقبونها بالفيروزة. # فنظرت إليها باكارا عند ذلك نظرة الفاحص الخبير وقالت: أحقيقة أنت هي؟ ~~- نعم يا سيدتي، إني مستعدة لخدمتك، وإن أكن لم أتشرف قبل الآن بمعرفتك. ~~- إن لي اسما آخر غير الذي قرأته على رقعة زيارتي، ولا بد أن تكوني قد سمعت بهذا ~~الاسم، فإنه باكارا. # فأظهرت الفيروزة عند ذلك حركة عجبية جمعت بين الإعجاب والانذهال والاحترام، فقالت: ~~أنت هي باكارا؟ ~~- كلا، ولكني كنت أدعى بهذا الاسم حين كنت تائهة في بوادي الغي والضلال، أما ~~اليوم فقد تبت توبة صادقة عما اقترفته من الآثام، وصرت أدعى مدام شارمت كما ترينه ~~على رقعة زيارتي. # فأحنت الفيروزة رأسها وقالت: نعم، لقد علمت بتوبتك أيضا، ولكني كنت أذكرك كل يوم ~~بما أجده في هذا المنزل الذي كنت تقيمين فيه قبلي، وكل ما فيه يدل على سلامة الذوق ~~وحسن الاختيار. ~~- كيف علمت أني كنت أقيم في هذا المنزل؟ ~~- علمته من سائق مركبتك الذي كان في خدمتي. ~~- ألم يخبرك عني سوى هذا؟ # فتلبست الفيروزة بملابس السذاجة وقالت: إنه كان يخبرني بكل ما يعلمه من أمرك ~~ومعاملتك لعشاقك، فكنت أجعلك مثالا لي لخداع أولئك الأغرار، حتى إني كنت أقلدك ~~في كل شأن، لما بلغت من الشهرة، بل إني أبقيت جميع ما في هذا المنزل على حالته القديمة ~~كي لا ms0357 أخرج عن تقليدك في شيء. # فابتسمت لها باكارا وقالت: ألم يخبرك هذا السائق أيضا كيف أني خرجت من منزلي ~~هذا؟ ~~- نعم، فلقد قال لي إنك أنت التي كان يترامى الأمراء على أقدامك ويموتون لكلمة تخرج ~~من فمك، بل كنت تفتخرين بأن قلبك لا يعرف الهوى، ولكن نفذت أشعة الغرام إلى هذا القلب ~~وأحببت ذلك الحب الذي كنت تجهلينه، فتخليت عن كل هوى واعتزلت الناس وجميع ما كان ~~يحيط بك من السعادة من أجل هذا الحبيب، أليس ذلك أكيدا؟ ~~- إنه إذا لم يصدق كله فقد صدق بعضه، والآن أتمي حديثك ألم يخبرك هذا السائق شيئا ~~عن الذي كنت أحبه؟ ~~- نعم، ولكني أسألك الصفح يا سيدتي، فإني أخاف إذا قلت أن يكون هذا السائق كاذبا ~~فيما أقول، أو أكون قد فتحت منك جرحا قديما قد اندمل بتقادم الأيام. ~~- لا بأس قولي ما تعلمين. ~~- أخبرني هذا السائق أن ذلك الحبيب الذي خرجت لأجله من نعيمك كما خرجت حواء من ~~الفردوس، لم يكن غير لص. # فلم تضطرب باكارا بل قالت لها: أصدقتيه فيما يقول؟ ~~- بل قال لي أيضا أن الجنود قبضوا عليه في منزلك، وأخرجوه منه وأنت مغمى عليك، فلما ~~عاد إليك رشادك وعلمت بما كان، خرجت من ذلك المنزل تائهة والهة لا تلوين على أحد، فلم ~~يعلم ما كان من أمرك. ~~- أهذا كل ما علمته؟ ~~- نعم، ولكني قلت في نفسي إنك لا بد أن تكوني قد أفرغت جهدك في سبيل إنقاذه. ~~- لقد أصبت في ما ظننته، ولكن أنقذته براءته لأنه لم يكن سارقا. # فتظاهرت الفيروزة بالسرور وقالت: إذن أنت سعيدة وإياه؟ ~~- كلا، لأنه كان يحب سواي. # فانذهلت الفيروزة وقالت: أتراه تخلى عنك؟ ~~- بل أنا تخليت عنه، فقولي لي ألم تعلمي اسمه من ذاك السائق؟ ~~- كلا، لقد أخبرني عن صفاته ولم يذكر لي اسمه، لأنه كان يجهله. # فحدقت بها باكارا وقالت: أصحيح ما تقولين؟ # فتنهدت الفيروزة وقالت: هي الحقيقة بعينها، ومن ولج الحب الصحيح في قلبه بعد ~~الكذب عن لسانه. ~~- ألعلك أحببت هذا الحب؟ ms0358 # فوضعت يدها على قلبها وقالت: إصغي لي يا سيدتي، لقد كنت منذ أسبوعين أنظر إليك بعين ~~الخيال، وأعجب بك أشد الإعجاب. أما وقد رأيتك حقيقة ورأيت علائم الصلاح بادية بين ~~ثنايا وجهك، فقد تبدل ذلك الإعجاب بالاحترام، وأحببت أن أطلعك على حقيقة ما ~~أعانيه كي يكون لي من كلامك الصالح بعض العزاء. # واعلمي يا سيدتي أني لا أزال أجهل القصد من زيارتك، ولكن مهما يكن هذا القصد فهو نبيل ~~لا يمنعني عن أن أبوح لك بسري، فقد تسدين إلي نصيحة تخرجني من هذا الموقف الحرج ~~الذي أنا فيه. # فتظاهرت باكارا بالإشفاق عليها وقالت: قولي ما تشائين، فلعلي أفيدك في ما ~~تؤملين. ~~- إن هذا المنزل الذي ترينني فيه هو لرجل كان يحبني فاشتراه لي ووهبني أثاثه، واتفق ~~منذ أسبوعين أن كان عازما على السفر إلى لندرا، فخرج في الليلة التي كان عازما في ~~صباحها على السفر وجلست أنتظره على هذا الكرسي إلى أن دقت الساعة الثانية بعد منتصف ~~الليل، فسمعت طرقا شديدا على الباب الخارجي، ثم سمعت أن باب الحديقة قد فتح، فأسرعت ~~كي أرى من القادم، فرأيت عشيقي ومعه رجلان يحملان رجلا سالت دماؤه وهو مغمى عليه، ~~فعلمت أنه تبارز مع عشيقي فجرحه وحمله إلى منزلي كي يتعالج فيه. # ثم سكتت كأنها تخاف أن تتم حديثها، ولكن باكارا شجعتها على إتمامه، فاندفعت ~~في حديثها، وذكرت لها كيف أن فرناند أقام عندها ثمانية أيام، وكيف أنها أحبته وأشفقت ~~عليه لأنه متزوج، فأخرجته من منزلها معصوب العينين كي لا يهتدي إذا أراد الرجوع إليه، ~~ثم أخبرتها عن سفرها في اليوم التالي، وكيف أن فرناند لقيها خارج باريس وحملها على ~~الرجوع، إلى غير ذلك مما علمه القراء. فلما أتمت حديثها قالت لها باكارا: والآن على ~~ماذا عولت؟ ~~- عزمت على أن أرجع عن هذا العيش الذميم، فأهجر هذا القصر واستأجر غرفة حقيرة ~~فأعيش من عمل يدي شأن العاملات الشريفات. # فقالت لها باكارا وهي منذهلة مما تسمع: أتفعلين ذلك؟ ~~- أجل، أفعله ما زال يحبني، ولا ms0359 أريد منه سوى حبه فلا يقال إني أحببته لابتزاز ~~أمواله. # فما كادت باكارا تسمع هذا القول حتى وقفت مغضبة، وقد اتقدت عيناها بشرر الغيظ، ثم دنت ~~من الفيروزة فهزت كتفيها هزا عنيفا وقالت: إنك داهية شديدة الذكاء، إلا أنك ~~تكلمين باكارا، وإني طالما مثلت قبلك مثل هذه الأدوار على هذه المراسح. # وكان قد تمكن الحقد من باكارا بحيث لم يكن يعوزها سوى الخنجر لقتل مزاحمتها على ~~فرناند، أما الفيروزة فإنها لبثت في مكانها دون أن تظهر شيئا من ملامح الخوف، ولكنها ~~نظرت إلى باكارا نظرة المنذهل، وقالت: لقد رابني انقلابك ياسيدتي، فإما تكوني قد ~~جننت أو أنك تهوين الذي يهواني وأهواه. ~~- نعم، فلقد صدقت في قولك الأخير. # ثم عادت فجلست على كرسيها متكلفة هيئة الوداعة والسكون، وقالت: إصغي إلي الآن كما ~~أصغيت إليك، واعلمي أن هذا الرجل الذي تزعمين أنك تحبينه، أحببته أنا منذ أربعة أعوام، ~~ولم أغير طريقة حياتي إلا من أجل هذا الغرام، ولا أنكر أنك قد تكونين أحببته حبا ~~أكيدا، فإذا كان ذلك فبرهني على هذا الحب الأكيد كما برهنت عليه أنا من قبل. # فأظهرت الفيروزة الانذهال وقالت: ألا تكفي ملابسي هذه للدلالة على صدق هذا ~~الحب؟ ~~- كلا، ليس هذا ببرهان. # فأسرعت الفيروزة إلى خزانة في الغرفة المجاورة، ثم عادت تحمل غلافا كبيرا، ففتحته ~~وجعلت تنثر ما فيه من الأوراق. # فقالت باكارا: ما هذا؟ ~~- انظري! # ثم التقطت ورقة من الأرض وقالت: هذا عقد بيع تام الشروط للمنزل الذي أنا فيه، وهو ~~الذي وهبني إياه عشيقي الفيكونت دي كامبل. # ثم أخذت ورقة ثانية وقالت: هذه أسهم مالية قيمتها 160 ألف فرنك أعطاني إياها ~~الفيكونت؟ وهذه أوراق أخرى تبلغ فائدتها ستة آلاف فرنك في العام. ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- اقرأي هذا الغلاف، أليس مكتوبا عليه اسم الفيكونت؟ ~~- أجل. ~~- إذن فاقرأي هذا الكتاب الذي كتبته إليه، ووضعت في طيه هذه الأوراق. # فأخذت باكارا الكتاب وقرأت ما يأتي: # سيدي الفيكونت # أرجو عفوك؛ فلقد خدعتك حين تظاهرت بحبك، ولم أكن أحب سوى أموالك، ولقد ms0360 ~~كرهت هذه الأموال بعد مقابلتنا بالأمس، فأنا أرجعها إليك الآن مع حجة المنزل ~~الذي يعود إليك، فاحضر لاستلامه متى شئت. # الفيروزة # فلما أتمت باكارا تلاوة الكتاب قالت الفيروزة: ألديك شك بعد ذلك بصدق حبي ~~لفرناند؟ ~~- نعم، ولو كان فرناند فقيرا كما كان عندما أحببته أنا، لعددت ردك الأموال إلى ~~الفيكونت خير برهان، إلا أن فرناند واسع الثروة، وهو قد يعوض عليك أضعاف ما ~~بذلته. ~~- إن هذا قد يكون، ولكني لا أحبه لماله وهو ذا برهان آخر. # ثم دفعت إليها كتابا كانت مزمعة أن ترسله إلى فرناند، كتبت فيه ما يأتي: # صديقي المحبوب # إذا كنت قد رضيت بشروطي التي عرضتها عليك اليوم، ورضيت أن تحبني فقيرة ~~معدمة لا مال لي سوى الغرام الصادق؛ فلا تزورني في منزلي بل في شارع بلانش ~~نمرة 17. # الفيروزة # فما كادت باكارا تتم تلاوة الكتاب حتى نظرت إليها نظرة ملؤها الوعيد، ثم انقضت عليها ~~انقضاض الصاعقة، وقبضت بيديها على عنقها وضغطت عليها ضغطا شديدا حتى أوشكت أن تخنقها؛ ~~فصاحت الفيروزة صياح المختنق، أما باكارا فإنها خففت ضغطها وقالت لها: إن حياتك بين ~~يدي، فاصدقي القول وإلا فإنك مائتة لا محالة. # فقالت الفيروزة وقد اعترت وجهها صفرة الموت: ماذا تريدين؟ ~~- قولي الحقيقة، أتحبين فرناند؟ ~~- لا أحبه حبا، بل أعبده عبادة. ~~- إذن، فإني أمهلك دقيقة واحدة لتختاري فيها بين رجوعك عن حبه وبين الموت! # فقالت الفيروزة بعظمة دهشت لها باكارا: لا حاجة إلى المهلة فقد اخترت الموت، فإذا ~~شئت فاقتليني، ولكن لتعلمي أنه يحبني فوق ما أحبه وأنه ينتقم لي. # فوقع هذا الكلام وقعا شديدا على باكارا؛ فأنت أنين المتوجع وأفلتت فريستها، لأنه ~~خطر لها أن فرناند يموت بعدها إذا قتلتها لفرط حبه لها، ولكنها أرادت أن تجرب معها ~~تجربة أخرى فقالت: لا تخافي الآن، فإني لا أقتلك لأنك تحبين فرناند، ولكني أقتلك دون ~~إشفاق إذا لم تطيعيني مدة ساعة. ~~- ماذا تريدين أن أصنع؟ ~~- اقرعي الجرس ومري السائق أن يهيئ المركبة. # فامتثلت الفيروزة طائعة وهي تجهل ما تريد. أما ms0361 باكارا فإنها أخذت الأوراق التي نثرتها ~~الفيروزة من الغلاف، وفيها حجة المنزل والكتابان اللذان قرأتهما وألقتهما جميعا في ~~النار، ثم نادت الخادمة وأمرتها أن تحضر لمولاتها قبعة ورداء، ولما عادت بهما ذهبت ~~بالفيروزة إلى خارج المنزل وركبت وإياها المركبة التي أمرت بإعدادها، وأوعزت إلى السائق ~~أن يسير إلى شارع بيسي، أي إلى المنزل الذي تقيم فيه باكارا، ولما وصلتا إليه دخلتا ~~فذهبت باكارا إلى خزانتها؛ فأخرجت منها أوراقا مالية تبلغ قيمتها 160 ألف فرنك، وفيما ~~هي تقفل الخزانة أقبلت إليها الفتاة اليهودية فقبلتها ونادت الخادمة وقالت لها: إني ~~سأغيب يومين عن المنزل، فاحرصي على هذه الفتاة كل الحرص ولا تحرميها شيئا مما تطلبه. ~~ثم ذهبت مع الفيروزة وأمرت سائق المركبة أن يسير بها إلى المسجل؛ فأجفلت الفيروزة ~~وقالت: ما حاجتنا بالذهاب إلى المسجل؟ ~~- إننا نذهب إليه لنسجل عنده عقد بيع منزلك. ~~- ولكنه للفيكونت وليس لي. # فقالت باكارا: لا بأس، ولا فرق لدى الفيكونت بين أن يسترجع أمواله ذهبا أو ~~عقارا. ~~- ومن يشتري هذا المنزل؟ ~~- أنا التي سأشتريه، فإني ما تبت إلى الله ورجعت عن حياتي السابقة إلا لحبي ~~لفرناند ولاعتقادي أنه يحب امرأته الشرعية، فضحيت ما ضحيت في سبيل حبه غير نادمة ~~على شيء. أما الآن وقد نسي حبه لزوجته، فلم أجد بدا من نسيان توبتي؛ لأنه إذا كان ~~يريد أن يحب فتاة مثلك، فأنا أولى بهذا الحب. # فبهتت الفيروزة وقالت: إذن عزمت على أن تعودي إلى حياتك السابقة؟ ~~- هو ذاك، فإن كل فتاة تزج بنفسها إلى هاوية الغواية فقد قدر عليها أن لا ~~تخرج منها إلا إلى حين، كما يخرج الغواص رأسه من الماء ليتنفس الهواء. وأنت فإنك قد ~~تصبحين شريفة طاهرة ما زال فرناند يحبك وما دمت تهوينه، غير أن هذا الحب لا يلبث أن ~~يزول حتى تعودي إلى حياتك السابقة، ولقبك القديم وهو الفيروزة كما عدت أنا إلى لقبي ~~وهو باكارا. # ولما وصلت إلى هذا الحد من الحديث، وقفت المركبة عند باب المسجل، فدخلتا إليه وبعد أن ms0362 ~~كتب لهما عقد البيع عادتا إلى المنزل، فأمرت باكارا الفيروزة أن تكتب للفيكونت أنها ~~مرسلة إليه أمواله وثمن المنزل، ففعلت، وأخذت باكارا كتابها ووضعته ضمن غلاف ووضعت في ~~طيه ثمن البيت أوراقا مالية، ثم ختمته وأمرت الخادم أن يحمله في الحال إلى الفيكونت، ~~وبعد ذلك نظرت إلى الفيروزة وقالت لها: هو ذا المنزل قد عاد إلي بجميع أثاثه، فهل لك ~~حاجة فيه بعد؟ ~~- أريد أن أكتب لفرناند. ~~- كلا، إني أريد أن يأتي إلى هذا المنزل فيراني فيه بدلا منك. ~~- إني أقبل بذلك بشرط أن تخبريه أين أقيم. ~~- أقسم لك أني أخبره، اطمئني. # وعند ذلك دخل الخادم وهو يقول: هو ذا الحمال الذي أمرتني بإحضاره. ~~- ليدخل. # دخل الحمال وأمرته الفيروزة أن يحمل صندوق أمتعتها، ثم ودعت باكارا وداع الفائز ~~المنتصر وانصرفت، فاستوقفتها باكارا وهي خارجة وقالت: أصغي إلي واسمعي مني هذه الكلمة ~~الأخيرة، وهي أنك إذا عبثت بفرناند وسلبته درهما واحدا، فإني لا أعفو عنك بل إني ~~أبحث عن خنجر خبأته وأغمده في صدرك. # فخرجت الفيروزة دون أن تجيب بحرف على هذا الإنذار، ولحقت بالحمال، فلما أدركته خارج ~~الباب قال لها: الحق إنها قوية فقد كادت تخنقك بيديها. ~~- كيف علمت هذا؟ ~~- ذلك لأني حضرت المعركة، وكنت مختبئا في الغرفة المجاورة سمعت ورأيت كل شيء، وأنا ~~الذي لبست ثياب السائق وذهبت بك إلى منزلها ثم إلى المسجل. # فعلمت الفيروزة من صوته أنه أندريا وانذهلت لإقدامه الغريب، فقال لها: إن هذه ~~المرأة شؤم علي، وفي وسعها أن تلقي بي إلى الحضيض إذا علمت بأني أنا الذي أدبر ~~هذه المكيدة، وهي قالت لك أنها تغمد خنجرها في صدرك إذا سلبت فرناند، أما أنا فأقول لك ~~أني أشويك على النار الحامية إذا خطرت لك خيانتي. # وبينما هما يذهبان كانت باكارا جاثية تصلي، وقد أنهت صلاتها بقولها: رباه عفوك، إني ~~لم أعد إلى حياتي السابقة إلا لكي أنقذ فرناند، بل أنقذهم جميعا. # 24 # ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بعد أن ترك فرناند والفيروزة على ما تقدم ms0363 برح ~~الشانزاليزه وذهب إلى معلم السيف ليدرس عليه الأمثولة التي أمره أندريا بتعلمها، وبعد ~~ذلك ذهب إلى منزل الهندية يحمل إليها كتاب أندريا، فلما قابلها دفع الكتاب إليها، نظرت ~~إلى عنوانه أنه من السير فيليام، اتقدت عيناها وفضت الغلاف فقرأت الكتاب مسرعة كأنها ~~تريد أن تلتهم سطوره. # ولم يعلم ماذا دار بين هذه النمرة الهندية وبين هذا الأسد الباريسي من الحديث، غير ~~أنهما بعد أن تباحثا مباحثة طويلة غادرها، فركب مركبة وذهب إلى قصر المركيز فان هوب ، ~~فدخل وسأل عن المركيز فقيل له إنه لم يعد، ولكنه علم أن المركيزة في المنزل، فأمر ~~الخادم أن يخبرها بقدومه وتبعه إلى قاعة الاستقبال، فقام ينتظر فيها، وبعد حين أقبلت ~~المركيزة فحيته مبتسمة، ولكنها لم تتمالك من إظهار انقباضها؛ لأنها ذكرت حين رأته ~~أنه عدو شاروبيم، ولكنها لم تجد بدا من مجاملته ومحادثته، وما زالت وإياه يتباحثان في ~~الأحاديث المألوفة حتى أتى المركيز، فذهب بروكامبول إلى غرفة أشغاله كي يخبره بالسبب ~~الذي أتى من أجله. # ولما اختليا ولم يكن روكامبول قد زار المركيز غير مرة واحدة، فعرفه بنفسه وقال له: ~~عفوك يا سيدي، فإني ما أتيت إلا لشأن خطير قد يثقل عليك، ولكني لا أجد بدا من إخبارك ~~به، ثم أني لا أجد بدا لإطلاعك على ما أتيت لأجله من أن أخبرك بشيء من تاريخ حياتي ~~لشدة علاقته بهذا الشأن. # فأظهر المركيز الانذهال وقال: قل ما تشاء، فإني مصغ إليك. # فقال روكامبول: كنت يا سيدي منذ عام في مدينة نيويورك، وليس لي من العمر غير أربعة ~~وعشرين عاما، فكان لي من الجرأة والإقدام والمطامع ما ينطبق على هذه السن، وقد لقيت في ~~هذه المدينة العظمى فتاة غريبة العادات والأخلاق بارعة الجمال، وهي تسمى باسم أسرتك ~~لأنها تدعى مسز دابي ناتها فان هوب. # فدهش المركيز وقال: إنها ابنة عمي، وقد مات أبوها في الهند، فكيف هي في ~~نيويورك؟ ~~- لقد كانت فيها، أما الآن فهي هنا في باريس. ~~- ألعلك قادم من قبلها؟ ~~- نعم، هي التي ms0364 أرسلتني إليك، ولكنك وعدتني يا سيدي أن تسمع حديثي. ~~- نعم، وها أنا مصغ إليك. # فقال روكامبول: إني عندما لقيتها في نيويورك بذلت جهدي مع كثيرين غيري من أعيان تلك ~~العاصمة للتعرف بهذه الهندية، فكنت الفائز دون سواي، وبلغ من جسارتي أني كاشفتها ~~بغرامي، فكانت تصغي إلي وتبتسم ابتساما حزينا لا يظهر إلا على شفتي من لقي عناء ~~شديدا في جهاد الحياة، وقالت لي: إن القلب الكريم لا يحب غير مرة واحدة، وقد أحببت هذا ~~الحب. فاضطرب المركيز عند سماع هذا القول، غير أن روكامبول تظاهر أنه لم ينتبه إليه ~~واندفع في حديثه فقال: ولكني لم أقتنع بجوابها، وترددت عليها كثيرا وكل يوم ~~أكاشفها بهذا الغرام، فلم تكن تحتفل بي إلى أن مدت لي يدها يوما وهي تقول: أتريد ~~أن تكون صديقا لي؟ فقبلت تلك اليد وقلت لها: سأكون ما تشائين فدعيني أرجو على ~~الأقل. فهزت رأسها وقالت: لعلك ترجو رجاء باطلا، فلقد مات الحب في قلبي. # ثم نظر روكامبول إلى المركيز وقال له: أسألك العفو يا سيدي، فإني لم أذكر لك جميع هذه ~~التفاصيل إلا لغرض واحد، وهو أن أظهر لك أن ابنة عمك كانت تحب حبا قديما برح بها ~~وألقى في قلبها اليأس. # وكانت تدعوني دائما إلى زيارتها، فما زلت اختلف إليها ستة أشهر حتى شعرت بأني أصبحت ~~عاشقا مفتونا بها، ولكنها لم تشأ أن تقف معي إلا موقف الصديق، ثم طرأ علي من الشئون ~~ما دعاني إلى الرجوع إلى باريس، فعدت إليها منذ عام، وكأن ملاذ هذه العاصمة وزخارف ~~الحياة فيها شفتني من ذلك الغرام، فنسيت كل ما مضى، إلا أني أصبحت اليوم وإذا بكتاب ورد ~~إلي من ابنة عمك تقول فيه هذا القول المتقطع. ثم أطلعه على كتاب بخط الهندية يتضمن ما يأتي: # أنا في باريس. أسرع إلي، فلم يبق لي من الحياة إلا ساعات معدودة، وإني ~~أعتمد على صداقتك. # فقرأه المركيز وعرف أنه خط ابنة عمه، وصاح منذعرا: بربك قل لي ماذا أصابها، أهي ~~ميتة أم ms0365 لا تزال في قيد الحياة؟ ~~- كلا، فإنها لم تمت بعد، فأصغ إلي، إني عندما قرأت هذا الكتاب أصابني من ~~الاضطراب ما أصابك، فأسرعت إليها فوجدتها جالسة على مقعد شرقي، وهي تبتسم حسب عادتها ~~وليس بين ثنايا وجهها ما يدل على ما جاء في كتابها، فدهشت وحسبت أنها أرادت ~~المزاح. # وكأنها علمت ما كان يجول في نفسي، فمدت إلي يدها وقالت: إنك تراني في أتم ~~عافية، إلا أنه لا يمر بي ثمانية أيام حتى أفارق هذه الحياة. # فذعرت وقلت: كيف ذلك؟ # فأجلستني بقربها وقالت: أتعلم أيها الصديق السبب الذي رفضت من أجله هواك وقنعت ~~بصداقتك؟ ذلك أنه ليس لي الآن من العمر إلا ثلاثين عاما، ولكنني أحببت وأنا في الخامسة ~~عشرة من عمري حبا بلغت به حد القنوط، ولم أكن أنظر وأنا في الهند إلا لهذه العاصمة ~~الفرنسية التي دفنت بها قلبي. # فدهشت لقولها وقلت: ألعل هذا الرجل الباريسي قد جن فتعامى عن هواك. ~~- كلا، ولكنه أحب سواي. ثم تبسمت وقالت: أتعلم أيضا لماذا أتيت إلى باريس؛ إني ~~أتيتها ورجائي أن أراه مطلق القياد، أو أراه مطلق القلب، ولكني علمت - وا أسفاه - أنه ~~لا يزال يهواها، وعلمت أني لم يعد لي رجاء في الحياة. # فما تمالكت أن أخذت يدها وجعلت أغسلها بدموعي وأقول: # أتموتين هكذا في صباك # حلوة يفتن الجماد هواك # بالله سيدتي إلا ما رجعت عن هذا القصد السيئ، واشغلي نفسك عن ذلك الحب القديم. ~~- لقد فات الأوان وقضي الأمر. ثم أخذت زجاجة صغيرة فارغة كانت على منضدة أمامها ~~قائلة: لقد شربت عند الصباح ما كان في هذه الزجاجة، وهو سم زعاف. # فوقف المركيز وهو لا يملك نفسه من الاضطراب، فأجلسه روكامبول وقال له: أصغ يا سيدي ~~لتتمة الحديث؛ فلقد قالت لي إن هذا السم بطيء التأثير، لا يحدث آلاما ولكنه يقتل بعد ~~ثمانية أيام، وليس لهذا السم إلا دواء واحد، ولكنه لا يوجد في القارة الأوروبية لعدم ~~وجود هذا السم فيها، فهو لا يوجد إلا في الهند، وعلى ذلك ms0366 فقد أصبح موتي محتما لأنه لا ~~يمكن إحضار الدواء من الهند في هذا الزمن الوجيز. وقد دعوتك إلي كي أودعك وداعا ~~أبديا، ثم لأعهد إليك بقضاء مهمة أرجو أن لا يثقل قضاؤها عليك. # فقلت وأنا أجهش للبكاء: مري سيدتي بما تشائين. قالت: أريد أن أبعث بك إلى الرجل ~~الذي أحببته وأنا أموت من أجله؛ كي تلتمس منه أن يحضر إلي، فإني أحب أن أتزود منه ~~بنظرة قبل الموت. # فاصفر المركيز اصفرار الأموات، وقال له: وبعد ذلك؟ ~~- لا حاجة إلى أن أقول لك شيئا بعد ذلك، فإن الرجل الذي أحبته وأقدمت على الموت ~~من أجله هو أنت. # فوقف المركيز عند سماع كلمة روكامبول الأخيرة، ولكن رجليه وهنا حتى أوشك أن يسقط، ~~فأسند يده على الكرسي كي لا يقع. # 25 # وكان بين الرجلين سكوت طويل خشي روكامبول على إثره أن يصاب المركيز بموت فجائي، فتخسر ~~الجمعية السرية أملها الوحيد، وهو الملايين الخمسة التي وعدت الهندية بدفعها لأندريا، ~~ولكنه لم يلبث هنيهة حتى تبدل خوفه بالانذهال، فإنه رأى المركيز زال عنه التجهم ~~وعاد إلى السكينة، فقال لروكامبول: ألم تخبرك ابنة عمي باسم السم الذي شربته؟ ~~- نعم، ولكني لا أذكر بالتدقيق لغرابته، فقد قالت أنه خلاصة عصير ورق شجر يدعى ~~«مانسانيليه» ينبت في جزائر الأنتيل، وأنه ممزوج بورق شجر يدعى «ليلياس». # فافتكر المركيز هنيهة ثم قال ببرود: لقد صدقت ابنة عمي، فلا يوجد لهذا السم إلا ~~دواء واحد، ولا يوجد هذا الدواء إلا في الهند. ثم جعل يقص على روكامبول تأثير هذا السم ~~إلى أن قال عن دوائه، حجر أزرق نادر الوجود لا يوجد إلا في أحشاء الأفاعي التي لها ~~ثلاثة رءوس، تبدو منها بشكل قسم مثلث الزوايا، وهي سوداء الظهر وبطنها ذو لون أصفر ~~براق كلون الذهب، فلا يوجد إلا في نواحي لاهور وفيرايور، على أن هذا الحجر الغريب لا ~~يوجد في أحشاء جميع هذه الأفاعي، بل إنه شديد الندور فيها، حتى إنه لا يكاد يوجد غير ~~حجر واحد بين أحشاء عشر حيات؛ ms0367 ولهذا فقد غلا ثمن هذا الحجر حتى إنه يبلغ في بلاده ~~ألفي جنيه، ولا يوجد منه إلا لدى بعض الأفراد، فإذا شرب أحد الناس مثل هذا السم الذي ~~شربته ابنة عمي فإنه لا علاج له إلا هذا الحجر، وذلك أنه يوضع في قدح ماء فتنحل ~~أجزاؤه في الماء ويصبح أزرق بلون الحجر المذاب فيه، فإذا شرب المسموم المزيج شفي للحال، ~~ولكن لشفائه شرطا وهو أن هذا الدواء لا يؤثر إلا بعد أن يمر بالمسموم سبعة أيام، وإلا ~~فلا يكون له شيء من التأثير. # فقاطعه روكامبول وقد اضطرب لما رآه من بروده، وقال له: تسمح لي يا سيدي أن أظهر ~~انذهالي مما أراه منك؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخبرك أن ابنة عمك قد تجرعت السم وأنها أرادت الموت من أجلك، وإن كنت ~~بريئا من انتحارها، وأنك تعلم أنه لا يوجد للسم الذي شربته إلا دواء واحد، وأن هذا ~~الدواء لا يوجد منه في هذه البلاد، وأنك تعلم جميع هذا يا سيدي، وبدلا أن تيأس لنكد ~~هذه الفتاة ويضيع رشدك لمصابها، أراك تحدثني بتاريخ هذا السم وترياقه دون أن يبدو منك ~~شيء من الاكتراث. # فابتسم المركيز وقال: إن كلمة واحدة تبطل عجبك، وهي أن المركيزة مخطئة بزعمها أن ~~الحجر لا يوجد منه في باريس، ثم مد يده اليسرى وقال لمحادثه، انظر إلى هذا الخاتم ~~الثخين الذي ألبسه في خنصري، وإلى هذا الحجر فيه الذي يشبه الفيروز. # فنظر إليه روكامبول وقال: ما هذا الحجر الأزرق؟ ~~- هو ترياق ذلك السم، وقد اشتريته حين كنت في الهند، وذلك منذ اثني عشر عاما، ولم ~~يخطر لي في بال أنني سأشفي بمذوبه ابنة عمي. # ثم نهض فنهض معه روكامبول وخرج الاثنان إلى منزل الهندية، وفيما هما على الطريق قال ~~له المركيز: إني لا أجد بدا من إخبارك ببعض أمري كي تعلم أني لست بخائن، ولكني شقي ~~تعس؛ ذلك أني سافرت منذ ثلاثة عشر عاما أريد الطواف حول الأرض، فبدأت طوافي بالذهاب ~~إلى هافانا الإسبانية، وتعرفت فيها بعائلة أقمت معها ms0368 ستة شهور، وهي عائلة امرأتي ~~المركيزة، ثم برحت هافانا إلى الهند بعد أن أحببت التي غدت اليوم امرأتي وعاهدتها على ~~الزواج، فلما وصلت إلى الهند نزلت في منزل عمي والد دابي ذاتها، فأحبتني هذه الفتاة ~~حبا غريبا ورضيت بي زوجا لها، إلا أني كنت منشغل القلب مرتبط العهد، فرجعت إلى ~~هافانا وتزوجت التي كنت أحبها وصحبتها إلى أوروبا، وعشت معها للآن بأحسن عيش وأنا ~~أحسب أني قد برحت من بال ابنة عمي إلى أن أخبرتني اليوم بأمرها، وأنا لم أسمع بذكرها ~~منذ ذلك العهد، أفلا تحسبني شقيا بعد هذا؟ # فتلبس روكامبول بلباس الكآبة وقال: الحق إنك جدير بالإشفاق، فإنك السبب في موت الفتاة ~~ولكنك بريء من انتحارها. # فقال المركيز: إنها لا تموت ما زلت أحمل الدواء بيدي. ~~- بل إنها ستموت يا سيدي؛ لأنك سترى أنها لا تريد هذا الدواء. ~~- ولكني أكرهها على شربه. ~~- إنك لا تستطيع إنقاذها إلا إذا أحببتها. # فتنهد المركيز وقال: أيمكن للقلب أن يعلق باثنين، وأنا لا أزال أحب امرأتي كما ~~كنت أحبها يوم الزفاف، ولكني سأنقذ ابنة عمي لأني سأحبها كما يحب الأخ أخته. # وعند ذلك وصلت المركبة إلى منزل الهندية، فدخل الاثنان وجعلا ينتظران قدوم صاحبة ~~المنزل في قاعة الاستقبال، فما طال انتظارهما حتى أقبلت تتهادى وقد استبدلت ملابسها ~~الهندية بملابس باريسية، وتأنقت بالتجمل على جمالها، فباتت فتنة العيون بحيث ذهل ~~المركيز حين رآها وهو يحسب أنه سيرى فتاة همجية من فتيات الهند، أما هي فإنها سلمت على ~~زائريها، ثم قالت لابن عمها باللغة الإنكليزية لجهلها الفرنسوية: إني ألتمس منك خلوة ~~أطلعك فيها على بعض الشئون السرية. ثم اعتذرت من روكامبول وتأبطت ذراع المركيز ~~فدخلت وإياه إلى قاعة أخرى، وبعد أن أوصدت بابها جلست على مقعد شرقي وأجلسته بقربها ~~وقالت: إني أشكرك يا ابن عمي العزيز لإسراعك بتلبية دعوتي، وأرجو أن لا تقاطعني فيما ~~أقول، وأن تصغي إلي أتم الإصغاء فاسمع. إنك حين جئت إلى الهند ونزلت في منزل أبي منذ ~~اثني عشر عاما، كنت ms0369 عند ذلك في حداثة عمري لا أدرك شيئا من أسرار القلوب وأمور ~~الحياة، وكنت أنت جميل الوجه غض الصبى، وقد طالما سمعت أبي يقول لي «إنك ستتزوجين ~~ابن عمك»، حتى أفضى بي الأمر إلى حبك. # وقد أحببتك وأنا لا أعلم أنك كنت مقيد القلب واللسان، فلما سافرت من عندنا جعلت ~~أتوقع عودتك كل يوم وأعد الساعات والأيام، إلى أن جعلت أعد الأعوام دون أن تعود، ثم ~~علمت السبب في جفائك الطويل، وعلمت أنك تزوجت سواي، ولو لم يحل البحر خصما بيني ~~وبين تلك المرأة في ذلك اليوم الذي علمت فيه هذا المصاب، لهجمت عليها هجوم العقبان ~~الكاسرة وأغمدت خنجرا في صدرها. # اضطرب المركيز وقد رأى الانتقام يتقد في عينيها، ولكنها لم تقل هذا القول حتى ~~عادت إلى الابتسام، وقالت: لا تخشى على امرأتك، فقد أصبحت اليوم غير ما كنت فيه أمس، ~~وصرت متمدنة بعد طول اختلاطي بالمتمدنين، أما الدم الهندي الذي يثور في عروقي ثورة ~~البراكين، وذلك الانتقام الذي كنت أستحل معه قتل النفوس، فقد صرفته لنفسي فلا يتناول ~~شره إلاي، غير أني أحببت أن أتزود بنظرة أخيرة قبل الموت، كي أقول لك إنك ممثل ~~في فؤادي منذ نظرتك النظرة الأولى، ولم تبرح منه إلى الآن، وإني أحببتك اثني عشر ~~عاما كنت تنام ملء جفنيك، ولم أكن أبيت ليلة من حبك إلا بليلة الملسوع. # ولم يكن مثل حبي لك إلا مثل تلك الأمراض الوبيلة التي لا ينجح فيها دواء، ولا سبيل في ~~شفائها إلى حيلة طبيب، وقد أتى ذلك اليوم الذي طفح فيه كأس قنوطي، فرزحت تحت حملي ~~الثقيل وكرهت الحياة، ولم يكن هذا اليوم غير يوم أمس. ثم أخرجت من صدرها زجاجة صغيرة ~~فيها بقية من سائل أحمر، وقالت له: لقد شربت السم النقيع وسأموت بعد ثمانية ~~أيام. # فاصفر وجه المركيز حين نظر إلى الزجاجة، وعلم أنه ذات السم الذي وصفه له روكامبول، ~~فقال لابنة عمه بلهجة حنان صادقة: كلا أيتها الحبيبة، إنك لا تموتين وأنا أحمل هذا ~~الحجر، ms0370 وهو دواء السم الذي شربتيه، ثم أخذ يدها بين يديه وقال لها: اذكري أن أبوينا ~~كانا أخوين متحابين، فلما لا نقتدي بهما بهذا الحب؟ # فصاحت صيحة فرح، ولكن المركيز لم يمهلها أن تتكلم حتى أتم جملته، فقال: ألسنا أبناء ~~هذين الأخوين؟ ألا يجب علي أن أحبك كما أحب أختي؟ # فاصفر وجه الهندية، وانطفأ ذلك النور الذي اتقد في عينيها، وقالت: إنك قد جننت ~~دون شك! أتعرض حب الإخاء على فتاة تنتحر ليأسها من الغرام؟ ألق بهذا الخاتم حيث ~~شئت فإنه لا ينقذني من الموت لأني غير طامعة بالحياة. # فركع المركيز أمامها وقال لها: بربك ارجعي عن هذا القصد السيئ، واذكري ما بيننا من ~~صلة النسب. ~~- إني ذكرت هذا النسب وجعلتك وريثي الوحيد، بحيث تزيد ثروتك 30 مليونا بعد ثمانية ~~أيام. ~~- بالله لا تعيدي هذا القول، فإني لا أريد ملايينك بل حياتك. # ووقفت الهندية عند ذلك قائلة: انظر إلي، ألا تجدني حسناء؟ ~~- بل إنك بارعة الجمال. ~~- ألست أجمل من امرأتك؟ # فأطرق برأسه إلى الأرض وقال: نعم. ~~- أكنت تحبني لو لم تكن موجودة؟ ~~- محب شغف! # فأنت أنين المتوجع قائلة: وإذا ماتت؟ # فقال المركيز بصوت يتهدج: إن المرء قد يحب الأموات، وقد ألبث على حب امرأتي حتى بعد ~~الموت. # فاصفر وجه الهندية من الغيرة، ثم خطر لها خاطر ظهر من بريق عينيها، فقالت: إذا ~~طلبت إليك حلف يمين غليظة قد أوافق على الحياة بعدها، أتقسم لي هذه اليمين أنا التي ~~أموت من أجلك؟ ~~- أقسم لك بما تريدين كي تبقي في قيد الحياة. ~~- إني سأطلعك على أمر هائل يضطرب له قلبك وعقلك، أتقسم لي أن تطيعني طاعة عمياء إلى ~~أن أظهر لك البرهان الجلي عما سأخبرك به؟ ~~- إني أقسم بتربة أبي أن أطيعك فيما تريدين. ~~- إذن فإني أسألك الآن سؤالا. ~~- سلي. ~~- ألم تقل إنه إذا لم تكن امرأتك موجودة فإنك تحبني؟ ~~- نعم، ولا أزال أعيد ما أقول. ~~- وإذا كانت تلك المرأة خائنة لعهدك؟ # فصاح المركيز صيحة غضب وقال: احذري من أن تشتميها. ~~- ولكني أقول ms0371 الحقيقة، وهي أنك ستحبني متى عرفت هذه الحقيقة. # فلم يجب المركيز بحرف، ولكنه قام إلى منضدة لقي عليها خنجرا، فأخذ الخنجر وهو ~~يقول: إنك أخطأت بشرب السم، لأنك لا تموتين بالسم بل بهذا الخنجر. # 26 # كل من عرف هذا المركيز وخبر أخلاقه وعلم ما فطر عليه من الدعة والسكون ورقة الطبع ~~ينكره أشد الإنكار، وقد رآه يزبد إزباد الجمال، وقد اصفر وجهه ورجفت شفتاه وبرقت ~~عيناه بريق الخنجر المطرب في يده. # وقد أشهر هذا الخنجر وحاول أن يغمده في صدر تلك الفتاة التي جسرت على تدنيس سمعة ~~امرأته، واتهامه بأقبح العيوب، ولكنه رأى ابنة عمه واقفة أمامه تستقبل الموت بابتسام ~~وهي تقول: إذا أبيت أن تنتظر البرهان فاغمد هذا الخنجر في صدري. # وكأن المركيز قد ذكر اليمين التي حلفها، أو هاله ابتسام ابنة عمه للموت وذكرها ~~للبرهان، فرمى الخنجر إلى الأرض وقال وهو يوشك أن يتميز من الغيظ: إذن هاتي برهانك، ~~واعلمي أنه إذا كان كلامك حقا فلست أنت التي تموتين بل هي، وليست هي التي تكون ~~امرأتي بل أنت. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- نعم، فأسرعي بالبرهان. ~~- إذن فأصغ إلي، إنك تعلم أن حياتي بيدك الآن، وأني لم يبق لي في هذه الحياة ~~غير سبعة أيام، فإذا لم تجد منذ اليوم إلى اليوم السابع رجلا جاثيا أمام امرأتك ~~يغازلها في منزل غير منزلك، فأبق هذا الخاتم في يدك ودعني أموت. ~~- أتبرهنين لي أيضا على أنها خائنة؟ ~~- نعم، على شرط أن تطيعني كما أقسمت. ~~- إني لا أرجع بقسمي. ~~- إذن فاذكر أنك رجل، وأنه ينبغي على الرجل العاقل عند المصيبة أن يدفن حزنه في أعماق ~~قلبه، وأن يكتم ما يجول في ضميره ولا يظهر سره بين ثنايا وجهه حتى يعثر على البرهان ~~الذي يخرجه من موقفه؛ كي لا يفسح لعدوه مجال الحذر ويصبح مضغة في الأفواه، فإذا عرفت ~~هذا فاذهب الآن إلى منزلك وكن مع امرأتك على ما عودتها، دون أن تبدر منك بادرة ~~تدل على الريبة إلى أن أسلمك هذين المذنبين. # فوقع ms0372 هذا الكلام وقع الصاعقة على رأس المركيز؛ لأن ابنة عمه كانت تتكلم بلهجة الواثقة ~~المطمئنة وقال: ألا تذكرين لي اسم هذا الرجل؟ ~~- كلا، لم يحن الوقت بعد، ولكني أرد إليك هذا الخنجر الذي كنت تحاول قتلي به، ~~كي تغمده في صدر من خانتك لا في صدري. # ثم أخذت الخنجر عن الأرض وأعطته إياه وهي تقول: اذهب بسلام، وكن حكيما واعمل بما ~~أوصيتك. # فأخذ الخنجر من يدها وقال: سأطيعك فيما تريدين، ولكن اعلمي أن هذا الخنجر لا بد له أن ~~يدفن في قلب واحدة منكما، فإما أن يغمد في صدر النمامة الكاذبة، أو يخترق قلب ~~الخادعة الخائنة. # ثم انصرف يمشي لاضطرابه مشية السكران، فشيعته ابنة عمه إلى الباب وبقيت تودعه ~~بالنظر إلى أن غاب عن عينيها، فعادت إلى روكامبول الذي كان ينتظر في القاعة على أحر من ~~جمر الغضا، فقال لها: أمضى؟ ~~- نعم، لقد ذهب واليأس ملء فؤاده، وهو واثق من خيانة امرأته، ولكنه يطلب ~~البرهان. # فأجابها روكامبول ببرود: إنه سيرى خيانة امرأته بالعين. ~~- أواثق أنت مما تقول؟ لأن بهذا البرهان تتعلق حياتي. ~~- إني واثق ملء الثقة، فإن ثروتنا متوقفة أيضا عليه. ~~- ولكنك تجهل أمرا، وهو إذا وجد امرأته برئية فإني مائتة لا محالة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أولا إنه يقتلني. ~~- وإذا منعناه عن قتلك، فكيف تموتين وأنت لم تشربي السم به؟ ~~- ذلك لأني سأشربه. ~~- وأية فائدة من شربه؟ ~~- إن الحجر الأزرق الذي يشفي شارب السم يقتل مذوبه من لم يشربه، فإذا أراد أن ~~يشفيني بعد سبعة أيام وسقاني محلول الحجر الذي في يده، ولم أكن قد شربت السم فإني أموت، ~~وإذا كنت قد شربته فإني أشفى، وفي كل حال لقد عولت متى يئست من الزواج به على ~~الموت. ~~- اطمئني، فإنك ستتزوجين به. # فأخرجت الهندية عند ذلك زجاجة السم من صدرها وشربت ما فيها دفعة واحدة، ثم وضعتها ~~بسكينة على المنضدة وقالت: لا يحييني الآن إلا حجره الأزرق. # فقال روكامبول وقد كان يثق ثقة عمياء بقريحة أستاذه: قلت لك اطمئني، فستكوني زوجة ~~المركيز. ms0373 # 27 # ولنعد الآن إلى باكارا، فإنها بعد أن اشترت من الفيروزة منزلها القديم وأطلقت ~~سراحها، بقيت وحدها في المنزل، كان أول ما فعلته أنها طردت جميع من كان فيه من الخدم، ~~ولكنها أبقت خادمة غرفة الفيروزة، وهى تؤمل أن تعلم منها شيئا من أسرار سيدتها، إلا أن ~~أندريا كان يتوقع حدوث جميع ما مر من الحوادث، فأحضر للفيروزة خادمة جديدة، فلما ~~سألتها باكارا عن سيدتها القديمة أخبرتها جميع ما حدث بالأمس بينها وبين فرناند، وكيف ~~أنها لبست بعد ذهابه لباس العاملات ، وعزمت على مبارحة القصر والإقامة في غرفة صغيرة ~~تعيش فيها من كسب أيديها، فلم تستفد منها باكارا شيئا، ولكنها أبقتها في عملها وقالت ~~لها: سيحضر غدا فرناند، فمتى حضر أدخليه إلى قاعة الاستقبال، ولا تذكري له شيئا من ~~أمري. # فامتثلت الخادمة، وأقامت باكارا طول ليلها ساهرة وهي تعمل الفكرة في طريقة تنقذ بها ~~فرناند، وترد قلبه إلى زوجته وولده. # ولما كانت الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، أقبل فرناند حسب اتفاقه مع الفيروزة، ~~وفيما هو منتظر إذ فتح الباب ودخلت منه باكارا وهي بالملابس التي كانت تلبسها في عهد ~~غوايتها السابقة، فما صدق نظره حين رآها إلى أن أقبلت إليه تبتسم ومدت له يدها ~~للسلام، فتلعثم لسان فرناند وقال: من أرى هنا، ألست مدام شارمت؟ # لقد خدعتك عيناك، فإني كنت بالأمس مدام شارمت، أما اليوم فإني باكارا. ثم قدمت ~~كرسيا لفرناند وقالت له: أشكرك لأنك أول قادم يهنئني بالعودة إلى حياتي السابقة، ~~وقد تفاءلت خيرا بقدومك. # فبهت فرناند وقال: ماذا أسمع، ألعلك جننت؟ # فابتسمت باكارا وقالت: ألمثل هذا أتيتني في هذه الساعة المتقدمة من الصباح؟ # فزاد انذهال فرناند ولم يعلم كيف يجيب، فقالت: ما هذا السكوت؟ ألعلك لم تكن تتوقع أن ~~تراني هنا وأنت آت لترى الفيروزة؟ # فاضطرب فرناند وقال: ربما ... ~~- لقد ساء فألك؛ فإن الفيروزة قد باعتني هذا المنزل وبرحته منذ أمس. ألا تذكر هذا ~~المنزل حين كان لي من قبل وكنت فيه؟ # قال فرناند: كفى مزاحا، وأوضحي ms0374 لي هذه الألغاز. ~~- إني لا أمزح. ولا ألغاز، فإن المنزل قد اشتريته والفيروزة برحته. # فزاد انذهال فرناند وقال: أنت التي كنت مثال الفضيلة والطهارة أربعة أعوام، لا ~~يذكرك الناس إلا بالخير والثناء، أتستطعين العودة إلى حياتك السابقة؟ # فقهقهت باكارا ضاحكة: لا تكثر المواعظ والنصح؛ فقد تجد أولى مني بهما، بل أصغ لهذا ~~الحديث الذي أقصه عليك، فقد كان في سالف الزمن امرأة مكروهة ينظر إليها الناس نظرات ~~الاحتقار لاسترسالها للغي والضلال، واتفق يوما أنها رأت في السماء الزرقاء نجمة تضيء، ~~وكانت هذه النجمة نجمة الحب، وكان الرجل الذي أحبته موظفا فقيرا ولكنه كان يحب فتاة ~~طاهرة نقية، ويرجو الاقتران بها ... # فقاطعها فرناند وقال: كفى، لقد علمت من تعنين. ~~- إذا كنت عرفته فسأقص الغرض من سرد الحكاية. فاعلم أن هذه المرأة ارتكبت جريمة من ~~أجل من تحب، ثم ندمت على ما فعلت فأنقذت من تحبه وسهلت له طرق الاقتران بالفتاة ~~التي كان يحبها، ولما رأته سعيدا بالقرب منها تابت إلى الله عن حياتها السابقة توبة ~~صادقة، وخلعت عنها اسم باكارا فاستبدلته باسم مدام شارمت. # فقال لها فرناند: أرأيت كيف أنك تمزحين، فإنك ما تزالين مدام شارمت. ~~- لقد خدعت أيها الحبيب؛ فإن الحب قد ردني عن حياتي السابقة، وهذا الحب قد ~~أعادني إليها، ولا تعجب لما أقول؛ فإني لما رأيت من قبل خصيمتي فيك كانت فتاة طاهرة ~~رجعت القهقرى، ولبست حلة الفضيلة ولم تكن في الحقيقة غير حلة لليأس، أما وقد باتت تلك ~~الخصيمة من بنات الهوى، وهي لا توازيني في شيء بل هي فتاة ساقطة لا أدب لها ولا شرف ~~... # فصرخ بها فرناند يقول: كفى، فإنك تهينين التي أحبها. # أما باكارا فإنها لما سمعت إقراره وجف فؤادها، فوضعت يدها على جبهتها ولبثت صامتة وهي ~~أشبه بالأموات، إلا أن فرناند لم يكترث لما حل بها فقال: إذا كان هذا المنزل منزلك ~~كما تقولين، فهل لك أن تخبريني أين ذهبت صاحبته القديمة؟ # فقالت باكارا بعظمة: معاذ الله أن أكتم عنك محلها، فإنها تقيم ms0375 في شارع بلانتين نمرة ~~17. ثم صرفته بإشارة من يدها، فانحنى مسلما ومضى. # فلما أصبحت وحدها، وجعلت الدموع تسيل من عينيها وهي تقول: رباه، إني أردت إقناعه ~~بالحجة والبرهان، فتغلبت عواطف قلبي على عقلي. # 28 # بعد ذلك بساعتين وقفت مركبة باكارا أمام منزل أختها سريز، فخرجت منها ودخلت إلى ~~المنزل، فوجدت أختها على أسوأ حال وقد قرح البكاء جفنيها، وبعد حديث طويل علمت منها أن ~~زوجها ليون وقع في شرك إحدى العاملات، وأنها كتبت إليه بالأمس كتابا قاطعته فيه، ~~فتمكن منه القنوط حتى عول على الانتحار، ثم أخبرتها أنه أراد أن يلقي بنفسه من ~~النافذة وهو يحسبها نائمة، فوثبت إليه ولم تتمكن من إرجاعه عن قصده إلا بعد أن ~~ذكرت له ولده الصغير، فحن فؤاده وذهب إلى الطفل النائم وجعل يقبله وهو يبكي بكاء ~~الأطفال، ثم خرج من المنزل بعد أن عاهدها على أن لا يقدم على الانتحار. # فعجبت باكارا وأشفقت على أختها ثم سألتها: كيف علمت بهذا الكتاب الذي ورد ~~إليه؟ ~~- رأيته في جيبه. # فسألتها إحضاره، وكان هذا الكتاب الرسالة التي كتبتها الفيروزة في غرفتها عند مدام ~~فيبار، ولما وقفت عليها باكارا وتأملت بخطه، صاحت صيحة منكرة وقالت: الخط واحد ~~والمرأتان واحدة، فما هذا السر؟ # ثم افتكرت هنيهة وعادت إلى أختها فقبلتها وهي تقول: اطمئني أيتها الأخت العزيزة، ~~فإن ليون سيعود إلى حبك ويرجع عن هذه الداهية في أقرب حين. # وحاولت سريز أن تعلم من أختها شيئا عما ذكرته من اتفاق الخطين والمرأتين، ولكن ~~باكارا لم تجبها بشيء، بل اقتصرت على تطمينها وخرجت فركبت مركبتها وذهبت إلى منزلها ~~الذي كانت تقيم فيه باسم مدام شارمت، فسألت الخادمة إذا كان قد زارها أحد في مدة ~~غيابها، فأجابت: لقد أتى الفيكونت أندريا أمس مرتين، وقد أتى اليوم أيضا منذ ساعة وترك ~~لك هذه الرسالة. ففضتها باكارا وقرأت ما يأتي: # سيدتي # لدي كثير من الشئون الخطيرة الخاصة بالجمعية السرية يجب إطلاعك عليها، وأن ~~أراك في القريب العاجل. # الإمضاء # أخوك بالتوبة: أندريا # فمزقت الرسالة ms0376 وألقتها في النار وقالت للخادمة: إذا جاء يسأل عني فقولي له أني ~~لست بالمنزل. ثم دعت جميع الخدم وقالت لهم: إني قد أبيع هذا المنزل وقد أبقيه، وأغيب ~~عنه عدة أيام، فإذا أبقيته فإنكم تبقون في خدمتي، وإذا بعته أطلقت سبيلكم وكافأتكم خير ~~مكافأة. # فأسرعت الفتاة اليهودية إليها بعد خروج الخدم وقالت لها: وأنا ماذا تصنعين بي؟ ~~- إنك ستكونين معي حيث أكون. # فأظهرت لها فرحا عظيما وجعلت تبكي، فسألتها باكارا عن السبب في بكائها، فقالت لها: ~~ذلك لأني خفت خوفا شديدا من الرجل الذي زارك أمس واليوم، وترك لك الرسالة. ~~- لماذا خفت منه؟ ~~- لأنه كان ينظر إلي نظرات ذلك الرجل الذي كان ينومني تنويما مغنطيسيا كل ليلة ~~بالرغم عني. # فعجبت باكارا لأمرها وسألتها: من هو هذا الرجل؟ # فحكت لها اليهودية حكايتها، وخلاصتها أن أحد المشتغلين بصناعة التنويم كان يعطي أمها ~~كل يوم عشرة فرنكات كي تأذن له بتنويم ابنتها. # فزاد عجب باكارا وسألتها: أكنت تنامين؟ ~~- لم أكن أريد النوم، ولكنه كان يحدق بي تحديقا شديدا، فأنام مكرهة وحين أصحو ~~من الرقاد الكاذب كانت أمي تقبلني ضاحكة وهي تقول: إنك قابلة للتنويم، وستكفينا شر ~~الفقر. # وكانت باكارا مصغية لحديث الفتاة أتم الإصغاء، ثم غاصت في تأملاتها وذكرت أنها كانت ~~تستخدم هذا النوم في أيامها السابقة لتعلم حقيقة أميال عشاقها، ثم ذكرت أن الذين ~~كانوا ينامون هذا النوم كانوا يخطئون في معرفة خفايا القلوب مرات، ولكنهم كانوا مصيبون ~~في بعض الأحيان، وعند ذلك برقت أسرتها بأشعة الأمل وقالت في نفسها سوف أرى؛ فقد أقف على ~~أسرار أندريا بتنويم هذه الفتاة. # 29 # ثم عادت إلى الفتاة الإسرائيلية، وبعد سكوت قليل دار بينهما الحديث الآتي، فقالت ~~باكارا: إذن فإن هذا الرجل كان ينومك؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- أكنت تخافين؟ ~~- خوفا شديدا. ~~- ولو خطر لي أن أنومك، ألا تخافين أيضا؟ ~~- كلا، بل أنام بملء السرور؛ لأني أحبك ولا أخافك. ~~- إذن فاجلسي أمامي. # فامتثلت الفتاة وذهبت باكارا وأوصدت الباب والنوافذ، ثم عادت وجلست أمام الفتاة ~~وحدقت بها ms0377 تحديقا طويلا، وهي تقول لها: نامي. فكانت الفتاة تنظر إليها وهي لا ~~تستطيع أن تقاوم نظراتها، وما زالت تحدق بها وهي تأمرها بالنوم حتى تثاقلت عيناها، ثم ~~أطبقت جفنيها وسقط رأسها على جانب الكرسي، فشعرت باكارا بسرور عظيم وقالت للفتاة ~~النائمة: أنائمة أنت؟ فأجابتها وهي مغمضة العينين قائلة: نعم. # ودار بينهما ذلك الحديث التالي، فسألتها باكارا: أي نوم تنامين؟ ~~- النوم الذي أمرتني أن أنامه. ~~- انظري إلي، وقولي لي ماذا ترين، وبأي شيء أفتكر؟ ~~- إنك تفتكرين به. ~~- بمن؟ ~~- بذلك الرجل الذي أتى، وكان ينظر إلي. ~~- أترين هذا الرجل؟ ~~- نعم، نعم، إني أراه! ~~- أين هو؟ ~~- لا أعلم، إني لا أراه جيدا. اصبري ... إنه يسير في شارع كبير عريض. ثم مدت يدها ~~مشيرة إلى الغرب. ~~- أترين كنيسة في هذا الشارع؟ ~~- نعم. ~~- أين يذهب هذا الرجل؟ ~~- إنه يمشي مسرعا، إنه يسرع جدا. هي ذي مركبة. ~~- أصعد إلى المركبة؟ ~~- كلا، بل إنه صادفها. # ثم كأن هذه الفتاة النائمة قد انصرفت أفكارها إلى المركبة ومن كان بها، فأخذت تقول: ~~ما أجمل هذه المرأة! ~~- أية امرأة تعنين؟ ~~- إنها امرأة جميلة لم أرها من قبل. ~~- إذن، فلماذا انصرف فكرك إليها؟ ~~- لأنها آتية إلى هنا. ~~- إلى هنا! إلى منزلي؟ ~~- نعم، وهي جميلة جدا ولكنها شديدة الحزن. ~~- ولماذا هي حزينة؟ # فوضعت الإسرائيلية يدها على قلبها وقالت: لأنها تشكو. ~~- ألم تعرفيها؟ ~~- كلا، ولكنها قد أتت من قبل إلى منزلك. ~~- أكانت تزورني دائما؟ ~~- كلا، فإنها لم تزرك غير مرة واحدة. ~~- وهي آتية إلى منزلي كما تقولين؟ ~~- نعم، فإني أراها قادمة، وهذه مركبتها الجميلة قد مرت فوق الجسر، إنها تجاوزته، ~~مرت بالشارع الجديد الموصل إلى منزلك، إنها دنت من المنزل وأنه أراها الآن جليا. ~~ما أسرع هذه الجياد! وما أجمل هذه المركبة! ها هي قد قربت من الباب. وقفت أمام باب ~~منزلك. # فدهشت باكارا دهشة عظيمة لأنها سمعت صوت مركبة وقفت على باب منزلها، وبعد هنيهة دخلت ~~الخادمة تحمل بيدها بطاقة المركيزة فان هوب، فقالت لها: اذهبي بها إلى قاعة الاستقبال ~~وقولي لها ms0378 أني قادمة في الحال. # ثم عادت إلى الفتاة فسألتها: من يوجد عندي في قاعة الاستقبال؟ ~~- هي هي التي رأيتها في المركبة. ~~- ماذا ترين بها؟ ~~- انقباضا شديدا. ~~- أتعلمين أسباب حزنها؟ ~~- نعم، فإنها تحب. ~~- انظري إليها وانبئيني عن أحوالها. # فلم تجب الفتاة في البدء، ولكنها ما لبثت أن تراجعت منذعرة إلى الوراء وقالت: هذا ~~هو؟ ~~- من هو؟ ~~- الرجل الذي يزورك وينظر إلي نظرات تخيفني. # فعلمت باكارا أنها تقصد أندريا فقالت لها: أين ترينه؟ ~~- إنه يصعد سلم منزل في الشارع مع رجل في مقتبل الشباب. ~~- بماذا يتحدثان؟ ~~- بها، بتلك المرأة الحزينة التي أتت إليك. # فعلمت باكارا أن أفكار الفتاة لم تنصرف إلى أندريا إلا لعلاقته بالمركيزة، فقالت لها: ~~ماذا يقولان عنها؟ ~~- لا أعلم، لا أفهم شيئا، ولكنهما يريدان قتلها. # فاضطربت باكارا وقالت: لماذا؟ انظري جيدا في نفسيهما. ~~- لا أعلم، إني لم أعد أرى شيئا. ثم سقط رأسها على كتفيها واستغرقت في سبات نوم ~~عميق، وكانت باكارا تعلم أن التنويم المغناطيسي لا يصلح أن يسمى علما صحيحا يبسط ~~أسرار المستقبل، ويكشف خفايا القلوب، ولكنه قد يدل بعض الدلالة على تلك الأسرار ويصدق ~~في بعض الأمور، كما اتفق صدق الفتاة حين أشارت إلى قدوم المركيزة، فانقطعت عن سؤال ~~الفتاة، وتركتها نائمة في الغرفة، ثم ذهبت لاستقبال زائرتها فوجدتها حزينة منقبضة الصدر ~~كما قالت لها اليهودية. # وكانت المركيزة قد زارت باكارا كي تسألها عن تلك الفتاة التي كلفتها بإرسال ~~إحسانها إليها والسؤال عنها، وأخبرتها باكارا أنها أتمت المهمة التي انتدبتها لها، ~~وذكرت لها عن أخلاق الفتاة ما رغبها باستخدامها في منزلها، وطلبت أن تراها فلم يسع ~~باكارا إلا الامتثال، وذهبت معها إلى حيث تقيم تلك الفتاة البائسة لتختبرها ~~بنفسها. # وبينما كانتا ذاهبتين بالمركبة، مر بهما فارس كان يمتطي جوادا كريما، ولما رأى ~~المركيزة رفع قبعته وحياها بمنتهى الاحترام، فردت المركيزة تحيته وقد عبق وجهها، ثم ~~اصفرت وبرقت عينها بريقا يدل على كره الفارس، فلم يغب عن باكارا شيء من اضطرابها، ~~وخطر في بالها ما قالته لها ms0379 الفتاة الإسرائيلية عن حزن المركيزة وحبها، فحسبت أنها ~~مولعة بهذا الفارس الذي حياها، فطبع رسمه في ذاكرتها. # وبعد ذلك بساعة عادت باكارا بعد أن قضت مهمة المركيزة، وفيما هي عائدة رأت ذلك الفارس ~~نفسه يسير بجواده الهوينا، فخطر لها أن تعرف اسمه، وللحال نادت السائق وأمرته أن يقفو ~~أثره على مسافة بعيدة، فامتثل وما زال يسير متعقبا الفارس حتى بلغ إلى منزله، وأسرع ~~أحد الخدم فأخذ الجواد ودخل سيده إلى المنزل. # أما باكارا فإنها نادت حمالا كان واقفا على قارعة الطريق، فسألته: أتعرف هذا ~~الرجل الذي كان يمتطي جوادا، ودخل إلى المنزل؟ # فقال لها: نعم، إني أعرفه فهو الكونت دي كامبول، وقد أخبرني خادمه أنه تبارز منذ ~~ثلاثة أيام مع رجل فجرحه. # وعادت باكارا وقد كادت تشرف على هذا الخطر الذي كان ينذر المركيزة، بحيث تكفيها كلمة ~~واحدة لإماطة الحجاب عن هذا السر الخطير. # 30 # وفي اليوم التالي أظهرت باكارا لجميع عارفيها أنها عادت إلى حياتها السابقة وعادت عن ~~توبتها، وذلك أنها خرجت مع صديقة قديمة لها من بنات الهوى الشهيرات، وتزيت بزيها ~~وانطلقت تجول في المنتزهات المألوفة، ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى عرف جميع أهل المجون ~~بهذا الانقلاب الغريب، أما باكارا فإنها عادت إلى منزلها واليأس ملء قلبها؛ لأنها خشيت ~~أن لا تفوز بما تسعى إليه من الخير فتخسر سمعتها الصالحة، وتسقط إلى الحضيض، ولما دخلت ~~إلى غرفتها أخبرتها الخادمة أن الفيكونت أندريا ينتظرها في القاعة. فاضطرب فؤادها عند ~~ذكره وقالت لها: دعيه ينتظر. ثم أحضرت الفتاة الإسرائيلية فنومتها حتى إذا نامت دار ~~بينهما الحديث الآتي، فسألتها باكارا: أتستطيعين أن تنظري ما وراء هذا الجدار؟ # فقالت الفتاة النائمة: نعم. ~~- إذن فانظري إلى قاعة الاستقبال وأخبريني من تجدين فيها. # فأجفلت الفتاة وهي مغمضة العينين وقالت: هو ... هو! ~~- من هو؟ ~~- الرجل الذي ينظر إلي ويخيفني. ~~- أتقدرين أن تنظري إلى نفس هذا الرجل وتعلمي ما يجول فيها. ~~- لا أجد غير الظلام، ولكنه يفتكر بأمور سافلة. ~~- أيكرهني؟ ~~- كما يكره الموت. ~~- أيكره سواي ms0380 أيضا؟ ~~- نعم، نعم، أجد رجلا عالي القامة أسمر اللون، يكرهه أكثر مما يكرهك. # فعلمت باكارا أن هذا الرجل هو أخوه الكونت دي كركاز، فسألتها: أيفتكر بي الآن؟ ~~- كلا. ~~- ألعله يفتكر بالرجل الأسمر؟ ~~- كلا. ~~- إذن بمن يفتكر؟ # فاضطربت الفتاة اضطرابا شديدا وقالت: إنه يفتكر بي أنا. # 31 # وكان أندريا قد هاله انقلاب باكارا الفجائي، وأمعن الفكرة في هذا الانقلاب؛ فلم يهتد ~~إلى سبب، ولم يعلم مرادها منه، وقد بقي طول ليلته مفكرا مهموما تتردد في مخيلته ~~ثلاث مسائل: أصدقت باكارا توبته؟ وهل توبتها صادقة وقد رجعت عنها بالظاهر كي تنقذ ~~فرناند من مخالب الفيروزة، أم أنها عادت حقيقة إلى حياتها السابقة لما رأته من خيانة ~~فرناند لامرأته؟ # وقد كان يرجح هذا الفكر الأخير لاعتقاده أن الغيرة حملتها على نقض توبتها، ولكنه بقي ~~مشككا في أمرها، وقال في نفسه: إنني سأزورها؛ فإذا كانت تريد حقيقة إنقاذ فرناند ~~فلا بد لها أن تطلعني على قصدها كي أشاركها في إنقاذه، فإني أنا الذي أخبرها بهذا السر، ~~وإذا كتمت عني ما تبذله من المساعي لا يبقى لدي ريب باحتراسها مني وعدم وثوقها من ~~توبتي. # ولكنه لم يطمئن له خاطر لأنه كان يخشاها لما عرفه من شدة دهائها، وبقي يمعن الفكرة ~~إلى الصباح، فلم يغمض له جفن حتى استقر على رأي وهو الحكم بالموت على باكارا؛ وذلك ~~لاعتقاده أنها إذا عرفت بمقاصده فلا بد من موتها، وإذا كانت تعتقد بصدق توبته فلا بد من ~~موتها أيضا كي لا تزاحمه بغيرتها. # وقد تركناه في منزل باكارا الجديد، وإنما قدم إليها لسببين: أحدهما بغية الوقوف على ~~أسرارها، والآخر رجاؤه أن يرى تلك الفتاة اليهودية التي عزم على اختطافها لما لقي من ~~حبها، فإن هذا الرجل الذي جردته أمياله الشريرة من عواطف الإنسانية لم يلبث أن رأى ~~تلك الفتاة حتى شغف بها شغفا لم يكن يخطر له في بال، وكان إذا رآها يضطرب وتبدو علائم ~~غرامه الفاسد بين ثنايا وجهه، وبمثل هذا الاضراب تمكنت باكارا من الشك والريبة ~~بإخلاصه ms0381 في توبته. # وأما باكارا فإنها لما علمت من اليهودية حين نومتها ما أرادت أن تعلمه، تركتها ~~وأقبلت إلى قاعة الاستقبال التي كان ينتظرها أندريا فيها، فتظاهرت بالاندهاش حين رؤياه، ~~ثم اعتذرت إليه لتأخرها عن الحضور. # وذهل أندريا لما رآه من مظاهر انقلابها ولباسها الجديد، أما هي فإنها دنت منه وقالت ~~له: إنك يا سيدي الفيكونت كنت في مقدمة المذنبين، ثم أصبحت على أتم الصلاح، فلا بد لك ~~من أن تشفق على خاطئة مثلي إذا كان قد دعاها الحب إلى التوبة، فقد حملها هذا المحب نفسه ~~على نقضها؛ وذلك أني حين علمت أن فرناند مولع ببغي مثلي، خلعت ثوب التوبة وعدت إلى ~~البغي، أي إني كنت مدام شارمت فأصبحت باكارا، والآن وقد بات يفصل بيني وبينك هوة ~~عميقة، وإنك ستشفق علي دون ريب لصلاحك، ولكنك لا تراني بعد الآن، أليس كذلك؟ # ثم تراجعت عنه والتفتت إلى صديقة لها كانت أتت لزيارتها، فقالت لها: أتذهبين معي إلى ~~الغرفة؟ # فلبس أندريا قبعته وخرج مطرق الرأس، وهو يقول بصوت مرتفع كي تسمعه: ليأخذ الله بيدك ~~ويرشدك إلى محجة الصواب. ثم خرج من المنزل، وذهب إلى الفيروزة وهو مقتنع بأن باكارا ~~واثقة من توبته أشد الوثوق. # وبعد حين خرجت باكارا مع صديقتها القديمة، فركبت مركبة ذهبت بهما إلى غابة بولينا، ~~وكان من يعرفها من المتنزهين ينظر إليها، وهو منذهل مما يراه من رجوعها إلى سبل ~~الفساد بعد أن اشتهرت بتوبتها منذ أربعة أعوام. # وكان بين المتنزهين رجل يقال له البارون دي مينيرف، يصحب في مركبته شابا روسيا ~~يدعى الكونت أرتوف، فلما رأى باكارا مع إحدى بنات الهوى لم يتمالك عن إظهار دهشته ~~ولفظ اسمها، فقال له الروسي: من هي باكارا؟ ولماذا انذهلت حين رأيتها؟ ~~- عجبا! ألم تسمع بهذه الفتاة؟ ~~- كلا، فإني ما برحت بطرسبرج إلا منذ بضعة أسابيع. ~~- ألم تسمع بها في تلك العاصمة؛ فإن اسمها قد اشتهر في جميع العواصم. ثم سأله وقد ~~تنبه إلى حداثة سنه: كم عمرك؟ ~~- عشرون عاما. ~~- لقد كنت صبيا ms0382 في عهد هذه الفاتنة، فإنها أشد أمثالها خطرا، وهي زكية اللسان ~~رشيقة التعابير، حتى إن رجال المراسح يختلفون إليها كي يسرقوا من ألفاظها ما يدمجونه في ~~سلك رواياتهم، ولقد فتن بها كثير من الأمراء وأعاظم الرجال، فإن أحد كبار الموسيقيين ~~بلغ به هواها إلى الجنون ولا يزال مجنونا إلى الآن، والبارون ... باع ما لديه لإرضائها ~~ثم انتحر بعد إفلاسه، والبرنس لي ... قتل نفسه في سبيلها. # فارتعد الكونت وقال: ما هذه المرأة؟ ألعلها دون قلب؟ ~~- هو ذاك أيها الصبي، فإذا أحببت أن أعرفك بها فأسرع بجوادك كي ندركها. # فامتثل الروسي وسار الاثنان يعدو بهما الجوادان حتى وقفت المركبة في ظل شجرة باسقة، ~~فدنا البارون مع رفيقه من المركبة وقال: إنها باكارا ولم أخطئ. # فالتفتت باكارا، ولما رأت البارون قالت: هي بعينها وقد انبعثت، ولكن بعثها سر من ~~الأسرار. ~~- ولكنك ستبوحين لي بهذا السر في غير هذا المكان. ثم أشار إلى رفيقه وقال لها: إني ~~أقدم لك صديقي الكونت أرتوف، وهو شاب روسي لا يعلم عدد ما لديه من القرى، وقد أنفق ~~عمره وهو يحصي عدد الفلاحين في أراضيه، ولم يبلغ إلى المجموع بعد. # فأحنت باكارا رأسها وحيته باحترام، فقال لها البارون: هو ذا رجل لا يتيسر لك أن ~~تلقيه في مهاوي الإفلاس. # فقالت له ضاحكة: إذن سيكون شاذا عن القاعدة، وفي كل حال فسنرى فإني سأحتفل بتدشين ~~منزلي القديم وعيشي الجديد بعد يوم، وأنا أبدأ بدعوتكما كي تكونا في مقدمة ~~المدعوين. # فحياها البارون والكونت، وانصرفا إلى النادي الذي يجتمعان مع أصحابهما فيه. # 32 # وكان في ذلك النادي كثيرون من أصدقائهم، وبينهم روكامبول باسم الكونت كامبول، ~~وشاروبيم باسم البارون دي فرني وغيرهما، فلما دخلا إلى النادي وجدا أعضاءه، وكلهم في ~~مقتبل الشباب، يتحدثون بشأن باكارا ورجوعها عن توبتها، وهم بين مصدق ومشكك. فكان ~~أحدهم يقول: إني رأيتها اليوم في غابات بولونيا مع إحدى بنات الهوى. فيناقضه آخر ~~ويقول: أنى ذلك! وقد شبهت لك. ثم يقول آخر: قد تكون صحبت تلك المرأة لغرض ms0383 من ~~الأغراض. # وما زالوا بين مصدق ومكذب إلى أن دخل البارون دي مينرف والكونت أرتوف الروسي، ~~فلما سمعهم البارون يتجادلون، وكان روكامبول من فريق المنكرين، قال له: إنك مخطئ في ~~اعتقادك، فقد رأيت باكارا بعيني وكلمتها. # فظن روكامبول أن لأندريا يدا في رجوعها إلى حياتها السابقة، وسكت عن الاعتراض، ~~فقال معظم الحاضرين: ولكن كيف رجعت عن توبتها؟ وهل هي غنية؟ ~~- لا أعلم، ولكنها إذا لم تكن غنية فسيكون لها من أموال صديقي الكونت ما تشاء. # وأشار إلى الكونت الروسي، فقال الكونت: قد تنال مني ما تريد ، ولكني لم أقرر شيئا ~~بعد بشأنها. # فقال له شاروبيم: حسنا فعلت. ~~- لماذا؟ ~~- لا بد لي قبل ذلك أن أخبرك بشيء من أحوالي وماضي حياتي ومهنتي. فاعلم أني إسباني ~~الأصل، أميركي المولد، باريسي الموطن، غير أن نسبي يتصل بالدون جيان، ومهنتي غواية ~~النساء كما كان يصنع جدي الذي أنتسب إليه. # فضحك الحاضرون لمزاحه، أما شاروبيم فإنه عاد إلى حديثه فقال: ولقد خدعت كثيرا من ~~النساء، ولكني لا أزال طامحا إلى غواية اثنتين، إحداهما كليوباترا ملكة مصر. # فضحك الجميع ضحكا شديدا، ثم طلبوا إليه أن يخبرهم باسم الثانية، فقال: هي باكارا ~~المعروفة بأنها دون قلب، إلا أنه كان يفصلني عن كليوباترا ما بيني وبينها من الأدهار، ~~وكان يفصلني عن باكارا عيشتها الطاهرة وتوبتها التي لم يكن يشك أحد بصدقها، أما وقد ~~عادت إلى العيش، فلا يفصلني عنها شيء بعد الآن. # فقال له البارون صديق الروسي: إنك ستضيع وقتك عبثا، فإن باكارا لا تحب سوى الذهب، ~~ومهما بلغ من جمالك فإنك لا تبلغ شيئا من قلبها، ولو تلبست بلباس جدك الدون جيان؛ ~~لأنها دون قلب، ومن كان مفلسا فإن الملوك أنفسهم لا تستطيع نيل حق منه. ~~- ولكني سأعرف أين أجد منها حقوقي. # فانبرى له عند ذلك الكونت الروسي وقال له: أتأذن لي بكلمة؟ ~~- بل بعشرين. ~~- إنك تدعي أنك قادر على غواية باكارا. ~~- لا أدعي ذلك ادعاء، بل أعتقده اعتقادا. ~~- ألعلك واسع الثروة؟ ~~- كلا، فإن إيرادي لا يتجاوز ms0384 ثلاثين ألف فرنك في العام. ~~- أما أنا، فإن إيرادي يبلغ عشرين مليونا، وربما تجاوز هذا القدر، وقد عزمت على أن ~~تكون لي. ~~- إذن فستفعل فعلي. ~~- نعم، فهل لك أن تعقد رهانا بسيطا؟ ~~- أجل، بملء الرضى. ~~- إني أمهلك خمسة عشر يوما، فإذا ظفرت بفؤادها وحملتها على حبك، فإني أدفع لك ~~خمسمائة ألف فرنك في هذا المكان الذي نحن فيه. ~~- أقبل. # فصاح الجميع قائلين: وإذا خسر الرهان؟ # فأجاب الروسي ببرود: إنه ليس بغني أراهنه على المال، ولكنه إذا لم يفز بحمل باكارا ~~على حبه بعد هذا الأجل المعين ، فإني أقتله. # فأجفل الحاضرون، وقد رأوا من ملامح الكونت الروسي أن وجهه يتجهم من الغضب، وأنه لم ~~يمزح فيما يقول، وقالوا لشاروبيم: ماذا تقول في هذا الاقتراح؟ ~~- إنه شرط صعب يقتضي له الإمعان والتفكير. # وقال البارون دي مينرف: بل إن تنفيذه محال. # فقال الروسي: لماذا؟ ~~- لأننا في فرنسا، وهي بلاد لا تأذن شرائعها لأحد ببيع النفوس وشرائها، فإذا قبل ~~شاروبيم أن تقتله، فإن الشريعة الفرنسية لا تقبل. ~~- إني درست شرائع بلادكم، وأنا أعلم منها ما تعلمون. إلا أني أجد لهذه العقدة حلا ~~بسيطا يتيسر فيه بيع النفوس، وذلك أنه إذا خسر خصمي الرهان تبارزت وإياه بالمسدسات، ~~إلا أن مسدسه يكون خاليا من الرصاص ومسدسي محشوا، فيموت في عين الحكومة موت ~~المبارز، وفي عين الحقيقة موت الخاسر في وجميعكم من أهل النبل والشرف، فإذا قتلته على ~~هذا الشكل، فإنكم تكتمون دون ريب حقيقة السبب في قتله. # وصاح الجميع: كلا إن هذا محال! ~~- إذن فليرجع عن قصده. # فقال شاروبيم: كلا، إني لا أرجع عنه. ~~- إذن إنك تقبل شرطي، إلا إذا كنت تخشى الفشل بالرهان. ~~- أقبل بشرطك. # وأقبل الجميع على شاروبيم يسألونه التروي والإمعان، ولكنه بقي مصرا على ما قال، ~~إلى أن رأى روكامبول أنه قد استفحل، وأن هزله قد انقلب إلى جد، فتقدم من الكونت ~~الروسي وقال له: إن المسيو شاروبيم نسي حين راهنك يا سيدي على حياته، أنه مقيد ~~بتعهد لا يستطيع الإفلات منه، ورجائي ms0385 أن لا تعتبر هذا الرهان جديا إلا بعد أن أخلو ~~هنيهة معه، وأخابره بشأن خاص. ~~- ليكن ما تريد. # فأخذ روكامبول شاروبيم ودخل به إلى إحدى غرف النادي وقال له: ويحك ماذا فعلت؟ أتخاطر ~~بحياتك من أجل مبلغ من المال ستربح ضعفه دون عناء؟ وبعد فكيف تخاطر بحياتك وهي ليست ~~لك! # فدهش شاروبيم وقال: إذا لم تكن حياتي لي، فلمن تكون؟ ~~- إنها لنا، أي للجمعية، فإذا لم يأذن لك الرئيس بعقد هذا الرهان فلا حق لك ~~بعقده. ~~- ولو رفض هذا الريئس وأبيت الامتثال، فماذا يكون؟ ~~- يكون أنك لا تنال الموت من مسدس روسي بل من خنجر فرنسي، ولا أعلم من يقتلك، ولكنك ~~إذا أبيت الامتثال فإنك مائت لا محالة. ~~- ومتى يصدر أمر الرئيس؟ ~~- في الغد. ~~- إذن أنتظر للغد. # وعاد به روكامبول إلى القاعة وقال للروسي: لقد قضي الأمر يا سيدي. ~~- كيف؟ أبالرفض أم بالقبول؟ ~~- لا هذا وذاك، ولكنه سيتمعن في هذا الشأن إلى الغد. ~~- إني أمهله إلى الغد، بشرط أن يحق لي زيارة باكارا في المساء. ~~- يحق لك ذلك. # فأخذ الروسي يد صديقه البارون ثم حيا الحاضرين وانصرف. # وبعد ذلك خرج روكامبول وشاروبيم، ثم افترقا على أن يحمل إليه روكامبول جواب الرئيس في ~~الغد، فذهب روكامبول إلى منزله فوجد أندريا ينتظره فيه، فسر روكامبول لرؤياه وقال: ~~لدي أمور خيرة يجب إطلاعك عليها. ~~- ما هي؟ ~~- أولا، إن باكارا خلعت ثوب التوبة وعادت إلى حياتها القديمة. ~~- عرفت ذلك فما لديك أيضا؟ ~~- شاروبيم يريد أن يراهن على حياته، وقد أوقفت هذا الرهان إلى أن أستشيرك. # ثم أخبره بجميع ما حدث، فقطب أندريا جبينه ثم خاض في تأملات عميقة إلى أن استقر ~~على رأي، فقال: ليعقد هذا الرهان، فلا ضرر فيه علينا. # فدهش روكامبول وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه قبل أن تحضر كنت أفكر في طريقة لقتل باكارا، فلما أخبرتني بهذا الرهان وجدت ~~الطريقة. # ثم أمره أن يخبر شاروبيم أن الرئيس يأذن له بقبول الرهان، وانصرف تاركا روكامبول في ~~أشد الانذهال لما يحيط به من ms0386 الأسرار. # 33 # كانت باكارا جالسة في غرفة منزلها الجديد، وبينما هي مستغرقة في خلواتها تسأل الله ~~الغفران عن هذه الحياة الجديدة، التي لم تكن تريد بها سوى إنقاذ فرناند وجميع أشخاص هذه ~~الرواية من مخالب أندريا، إذ سمعت صوت جسم ثقيل قد سقط في الحديقة، فأسرعت إلى النافذة ~~وأطلت منها، فرأت رجلا قد تسلق الجدران وألقى بنفسه منه إلى الحديقة، ثم جعل يمشي ~~إلى المنزل فصعد السلم، وهي تراه دون أن يراها، إلى أن بلغ الغرفة التي هي فيها وقرع ~~بابها بلطف، ففتحت باكارا الباب دون أن تتهيب، ودخل منه هذا الرجل ورفع قبعته مسلما ~~عليها باحترام عظيم. # فاندهشت باكارا حينما رأته، ولكنها قابلته بابتسام ورحبت به ترحيبا لطيفا حل ~~عقدة لسانه، وجعل يعتذر إليها عن قدومه وتسلقه جدار منزلها بأعذار تظاهرت ~~بقبولها. # وكان هذا الرجل الكونت الروسي، وقد أتى ليغزو قلب باكارا متسلحا بملايينه، فلما ~~استقر به المقام جلست باكارا بقربه وخاطبته: كفاك اعتذارا وأصغ لي فإني أعلم بشيء من ~~مقاصدك، وأحب أن أوقفك على شيء من أمري فاسمع. # إنك لقيتني اليوم وهي أول مرة رأيتني فيها فرقت في عينيك، ودفعتك ثروتك وشهرتي ~~السابقة إلى غزو فؤاد لم يتمكن أحد من الاستيلاء عليه، كما أخبرك صديقك البارون دون ~~ريب، وهو لا بد أن يكون أخبرك بكثير من الأمور الشائعة عني. # فأراد الكونت أن يجيب، ولكنها منعته عن الكلام بإشارة، واستطردت حديثها قائلة: إنك لا ~~تزال أيها الكونت في مقتبل الشباب فتيا لا يتجاوز عمرك العشرين، وهو العمر الذي لا ~~يقف بصاحبه عن حد، أما أنا فقد بلغت السابعة والعشرين، ولكني جريت شوطا بعيدا في ~~مضمار اللهو والغرور، حتى كأني قد بلغت ضعف عمري، وقلبت جميع صفحات الحياة في حين أنك ~~لم تقرأ بعد الصفحة الأولى من كتابها؛ ولهذا فقد حق لي أن أكلمك بلهجة السيادة إذا ~~أذنت. ~~- تكلمي يا سيدتي كيف تشائين؛ فإنك السيدة الآمرة كيف كنت. ~~- إني بالأمس كنت أجهل كل شيء عنك حتى اسمك، أما اليوم فإني ms0387 أعرف ما يجول في خاطرك، ~~فأصغ إلي ولا تشك بما أقول ولا تبتسم هذا الابتسام الدال على الريبة، فلقد دلوك ~~علي أمس، وقالوا لك هي ذي امرأة حسناء لا رحمة عندها ولا قلب لها، وما أحبت في حياتها ~~سوى المال، فقلت لهم إني في شرخ الشباب وثروتي لا عد لها، وسأجد بين جنبي هذه ~~الحسناء قلبا يحب، أليس كذلك يا سيدي؟ # فانحنى باسما وقال: هو ما تقولين. ~~- إلا أني أقسم لك بأنك خدعت لانخداعهم، فإني لا أستطيع أن أحبك ولا طمع لي بمالك، ~~وإذا أردت أن تتبين الصدق في قولي؛ فانظر إلي، فإني لا أنظر إليك نظرات الأمس، بل ~~أقف في موقف طبيعي تبدو فيه حقائق النفس بما ينبعث من خفاياها من العيون، فتعلم أني على ~~غير ما يظنه بي أولئك الأغرار. # ونظر إليها الكونت فرأى علائم الحزن الشديد بادية بين ثناياها، وعلم أن لها سرا ~~تخفيه، ولكنه لم يتمالك عن أن يظهر حبه؛ فابتسمت له ابتسام الأم لطفلها، وقالت له: ~~إنك لا تزال فتى، ومن كان له سنك فإن قلبه يكون طاهرا لم تدنسه عوادي الأيام بعد، ~~فينطبع عليه كل قول شريف، ويصادف القول الصالح خير هوى في ذلك الفؤاد. انظر إلي تجد ~~امرأة مسكينة تمثل دورا فوق طاقتها، بل تجد امرأة صالحة تجل نفسها التائبة عن ~~الانغماس في حمأة الآثام، وهي تسألك الغوث بإخلاص دفعها إليه ما رأته يتقد بعينيك من ~~أشعة الصدق، وما يجول بين ثناياك من علائم النبل والطهارة والشرف. # وكان الكونت ينظر إليها وهو منذهل مما رأى وسمع، فتبين الصدق من لهجتها، ورأى ~~دمعة قد سقطت على وجنتها، فعلم أن الناس قد خدعوا بها، وأنها ليست دون قلب كما يشيعون ~~عنها، بل علم أنها أرفع مما مثلها له رفاقه، وأن لديها حزنا عظيما تكتمه عن جميع ~~الناس، وتستره بمظاهر الخلاعة والمجون، ثم حسب أنه أساء إليها بتجرئه على زيارتها؛ فقال ~~لها: لقد أصبت يا سيدتي حين دعوتني فتى، فإني لولا حداثتي وطيش صباي لما تجاسرت ms0388 على ~~الإساءة إليك، ولكني أعتذر تائبا عن هذا الذنب. # فقاطعته باكارا قائلة: قل، أتريد أن تقسم يمينا؟ ~~- أقسم لك بما تشائين. ~~- أتقسم لي بشرفك وبشرف الأمة الروسية التي تنتسب إليها أنك لا تذكر حرفا أمام أحد ~~من الناس عما دار بيني وبينك من الحديث؟ ~~- أحلف حلفة وفي صادق. # فنظرت إليه باكارا بإمعان نظرة الفاحص المتردد في أمره، ثم قالت له: إني أفضلك على ~~سواك وأجعلك مستودع سري، مع أني لم أعرفك قبل الآن، وذلك لما توسمته فيك من دلائل ~~الخير والشرف ولحاجتي إلى معين، فاعلم الآن أن لي سرا من الأسرار الخطيرة لا يمكن ~~الإباحة به لأحد من الناس، إلا أن قلبي يحدثني أنك ستكون لي خير صديق. ~~- إني الآن ذلك الصديق. ~~- سوف نرى، سأسألك قضاء أمر دون أن أكلفك شيئا من المال، فلقد كنت من قبل كما ~~قيل لك لا أعبد سوى المال، أما المرأة التي تراها أمامك الآن، فإنها لم يعد لها مطمع ~~في مال أو جمال، وإذا قدر لها أن تحب فإنها تعيش من كسب أيديها كي تكفر عن هذا ~~الحب. # فقاطعها الكونت وقال: كفى يا سيدتي ولا تذكري المال، فإنه من سفاسف الأمور لدي، ~~وأخبريني بهذه المهمة. ~~- إنك أتيت طامعا بحبي، وقد قلت لك إني لا أستطيع أن أحبك ولا أن أدعك تحبني لسبب ~~قد تعلمه في مستقبل الأيام، وغاية ما أسألك إياه أن تكون لي صديقا مخلصا، وأن تطيعني ~~طاعة الإخلاص إذا اقتضت الحال. ~~- سأكون لك أطوع من البنان. ~~- إذن فستكون أمام أصحابك وفي عيون العالم أجمع عشيقي، وأتظاهر أنا بحبك بحيث تكون ~~السيد المطلق في هذا المنزل. # فدهش الكونت وقال: ما هذه الألغاز؟ ~~- هو سر خفي لا أستطيع أن أبوح به لأحد، واعلم أيها الصديق أني لا أستطيع أن أحب ~~أحدا، وأن قلبي لا يسعه إلا أن يتجرد لحب الله، وأني سأمضي الآن خاشية باكية مصلية، ~~إلى أن أنفق النهار متظاهرة بالخلاغة والمجون والاسترسال ظاهرا في الغي والضلال، فلا ~~تسألني أن أبوح بسري، ولكني ms0389 إذا بحت به يوما فلا يعلمه سواك. # وأنا أعلم أن أمري يشكل عليك، فإن المرأة إما أن تكون شريفة طاهرة، وإما أن تكون على ~~عكس ذلك، غير أنه لا بد لي من الجمع بين الطهارة الباطنة والغواية الظاهرة لهذا السر ~~الغريب، الذي لا بد لك أن تعلمه، كما يحدثني قلبي، فإذا شئت أن تكون صديقي وعضدي، ~~جعلت اعتمادي بعد الله عليك. # فتأثر الكونت من كلامها وقال: إني أوقف لك يا سيدتي قلبا لا ينبض فيه سوى ~~الإخلاص، وقد أحسنت في اعتمادك علي، فإني إذا كنت لا أزال فتيا فإني سأكون رجلا ~~عند الاقتضاء يحق الاعتماد عليه عند المهمات، وسأكون لك خير صديق لا يطلب إليك سوى ~~الصداقة. # ثم ركع أمامها وقبل يدها باحترام، فقبلت باكارا جبينه وأنهضته وهي تقول: إنك ~~شريف ونبيل، ويكفيني عزاء أنك عرفتني دون سواك. ~~- إني منذ الآن عبد لك تدفعين بي إلى حيث تشائين، وبإشارة منك ألقي بنفسي إلى غمرات ~~الموت. # ثم استأذنته هنيهة وخرجت إلى إحدى الغرف، وعادت تحمل أوراقا مالية قيمتها مائة ألف ~~فرنك، فدفعتها إليه، فدهش الكونت وقال: لم هذا المال؟ ~~- هو المال الذي ستنفقه علي. ألم نتفق على أن تكون عشيقي في عيون الناس؟ وإذا ~~كنت عشيقي فلا بد لك من أن تشتري لي أمامهم كل يوم ما يروق في عينك من النفائس. ~~- ذلك لا ريب فيه، ولكن ألعلك نسيت أني أثرى الأثرياء، وأن إيرادي يعد ~~بالملايين. ~~- كلا، بل أنت نسيت أني صديقتك في الحقيقة لا عشيقتك، فكيف أستطيع قبول شيء منك؟ ~~وأنا قد رضيت أن يحتقرني الناس مكتفية بأن تحترمني أنت. # فوجم الكونت، وأخذ المال ثم خطر في باله الرهان الذي عقده مع شاروبيم، ولم يجد بدا ~~بعدما عرف من فضائل باكارا ما عرف من أن يطلعها على كل شيء، فقص عليها بلهجة ~~النادم جميع ما دار بينه وبين شاروبيم في النادي، فأصغت إليه باكارا بانتباه ~~شديد. # ولما فرغ من حكايته نظر إلى وجهها، فرآه قد امتقع فقال لها: ألعلك تعرفين ms0390 هذا ~~الرجل؟ ~~- كلا، إني لم أره في حياتي. ~~- إذن، لماذا اصفر وجهك؟ # أجابته باكارا بصوت منخفض: ذلك لأني بدأت أظن أن الله قد أرسلك إلي، فاقبل ~~الرهان. # فاندهش الكونت وقال: كيف يسعني قبوله بعد أن علمت أن هذا الشاب لا يمكن له أن ~~يستغويك، وبالتالي أكون كأني قد حكمت عليه بالقتل وهو بريء. # فقالت له باكارا بصوت أجش: وكيف علمت أن هذا الرجل لا يستحق الموت؟ # وقد قالت هذا القول بلهجة الواثقة من وجوب موته، كالقاضي يحكم على الجاني وهو مطمئن ~~الضمير بعد ثبوت الجناية. فطأطأ الكونت رأسه، وقد علم أنها تكتم سرا هائلا. # ودقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، فقالت له باكارا لقد دنا موعد الفراق أيها الصديق، ~~فعد لي في ظهر الغد للغداء، واحضر بمركبتك وخدمك كي يقفوا بها على الباب، فيعلم ~~الناس أنك في منزلي. # ثم مدت له يدها فقبلها وخرج وهو يقول: ما هذا السر العجيب في القلوب، إني دخلت إلى ~~منزلها وأنا أعتبرها اعتبار بنات الهوى، فما خرجت من عندها إلا وأنا أحترمها احتراما ~~لا مزيد فيه، حتى لقد ألقي بنفسي إلى الموت من أجلها، فما هذا التأثير؟ ألعلي ~~أحبها؟ # أما باكارا فإنها دخلت بعد ذهابه إلى الغرفة التي كانت تنام فيها الفتاة اليهودية، ~~فألفتها لا تزال مستيقظة، وكانت باكارا قد بدأت تعتقد بصدق أقوالها في نومها، ولكنها لم ~~تكن قد علمت منها إلى الآن سوى أن أندريا يكرهها ويكره أخاه وفرناند وليون، وأنه يحاول ~~قتل المركيزة فان هوب بواسطة حبها لرجل جميل هو شاروبيم، وقد بقي عليها أن تعلم كيف ~~يدبر أندريا هذه المكيدة الهائلة، ومن هم أعوانه فيها، فأجلست الفتاة بإزائها، وجعلت ~~تطيل التحديق بعينيها وهي تقول لها: إني آمرك أن تنامي. حتى نامت نومها ~~المغناطيسي. # 34 # ولنعد الآن إلى شاروبيم، فإنه بعد أن غادر روكامبول جعل يفكر وهو سائر إلى ~~منزله تفكير النادم لدخوله في هذه الجمعية السرية، وما وراءها من الأخطار والقيود إلى ~~أن بلغ منزله، فدخل غرفته وحاول أن ينام، ولكنه ms0391 أطل من النافذة فرأى مصباحا قد وضع ~~خاصة في نافذة الأرملة ملاسيس، وهي علامة متفق عليها بينها وبينه؛ فعلم أنها ~~تنتظره، وللحال خرج من منزله وصعد إليها، فجعلت تؤنبه تأنيبا شديدا لخروجه من ~~منزله، وقد قالت له إن المركيزة كانت مشفقة عليه أشد الإشفاق، فكانت تزورها كل يوم كي ~~تطمئن عليه، ولكنها حين علمت أنه لم يقم في الفراش غير أسبوع، وأنه خرج من المنزل ~~أمس انقطعت عن زيارتها لاطمئنانها. # فعض شاروبيم شفته من الغيظ وقال: متى تزورك؟ ~~- إنها لا تزورني إلا بعد ثمانية أيام كما أخبرتني، وذلك إما لاطمئنانها عليك أو ~~لأنها تريد أن تنساك، وعلى كل حال فإنك قد ارتكبت خطأ عظيما بخروجك من المنزل، فقد كان ~~يجب أن تبقى متمارضا فيه كي يزيد حنوها عليك ويكثر تردادها علي، والآن فماذا تريد أن ~~أعمل؟ # فوجم شاروبيم هنيهة ثم افتكر بروكامبول فقال: غدا سأخبرك. ~~- بل اكتب لي لأني أخشى أن يزورني الدوق فجأة ويجدك عندي، وهو شيخ غيور، فتفسد علي ~~أمري. # فوعدها بالكتابة إليها وانصرف إلى منزله، وهو لا يعلم أيفتكر بالمركيزة أم بباكارا، ~~ولكنه جعل يفتكر فلا يجد غير المصاعب والأخطار. # وفي اليوم التالي وردته رسالة روكامبول وهي تتضمن إذن رئيس الجمعية له بالمراهنة على ~~باكارا، فذهب إلى النادي الذي جرى فيه حديث الرهان، وأخبر جميع أصحابه أنه عزم على قبول ~~الرهان، وفيما هو يفتخر سلفا بالفوز سمع البارون دي مينزف يقول لأحد أصحابه: انصحه كي ~~لا يقبل الرهان. # فالتفت شاروبيم وقال: لماذا؟ # فقال له البارون: ذلك لأن الكونت أرتوف قد سبقك إلى باكارا، وهذا كتاب منه يدعوني إلى ~~الغداء معه عندها. # ثم أعطاه الكتاب، فقرأه إلى آخره ورده إليه وهو يبتسم ابتسام الهازئ، فقال له ~~البارون: ألا تزال على عزمك؟ ~~- بل زدت إصرارا، وسوف ترى لمن يكون النصر. # ثم برح النادي وذهب للقاء روكامبول حسب الاتفاق، فأخبره بما دار بينه وبين الأرملة، ~~وكيف أن المركيزة انقطعت عن زيارة الأرملة بحيث لم يعد أمل بإغوائها إلا إذا تمكن ms0392 ~~من الاختلاء بها، فقال له روكامبول: ونحن لم يعد لنا من الوقت سوى سبعة أيام، فإذا ~~لم نفز بعدها خسرنا كل شيء. أما هذه الخلوة فسنعدها لك. ~~- متى؟ ~~- في هذه الليلة عند الأرملة ملاسيس. ~~- أيجب أن أكتب إليها؟ ~~- لا حاجة إلى ذلك؛ فإنا أعددنا كل شيء، إلا أنه يجب أن تكون في منزلك في الساعة ~~الثامنة. # وقبل أن يفترقا أخبره شاروبيم بما جرى له في النادي بشأن الرهان، وكيف أنه أخبر ~~أصحابه بقبول هذا الرهان، فقال روكامبول في نفسه: إن أندريا يرى هذا الرهان مفيدا ~~ولكني أراه ضربا من الجنون. ثم قال لشاروبيم: لقد أحسنت في قبولك؛ إذ لا بد لك من ~~الفوز. # وفيما هما يتكلمان مرت بهما مركبة الكونت الروسي وباكارا، فقال له روكامبول: هذه ~~فرصة مناسبة لإخبار الكونت بقبولك، فاذهب إليه لأن مركبته قد وقفت. # وكانت باكارا قد اتفقت مع الكونت على أن تطمع شاروبيم بها لأغراض لها ستظهر في سياق ~~الكلام، فلما قابلها شاروبيم هشت له وأكرمته، فأخبر الكونت أنه قبل برهانه، أما ~~باكارا فإنها لم تظهر شيئا من الاستياء، بل إنها قالت لشاروبيم حين انصرافه: إنكما ~~الآن بمثابة الخصمين إذا تبارزا وجب أن يكونا متكافئين بالسلاح، ولهذا فإني أأذن لك كما ~~أذنت للكونت أن تجيء إلى منزلي متى أردت كي لا يمتاز عنك في شيء. # فشكرها شاروبيم، ثم قبل يدها وانصرف. # أما باكارا فإنها أتمت نزهتها مع الكونت، وعند عودتها طلبت إليه أن يذهب بها إلى ~~منزله، فامتثل دون أن يعرف ما تريد، حتى إذا بلغا إليه جعلت تفحص غرفه ثم صعدت معه إلى ~~السطح، فجعلت تنظر إلى المنازل المجاورة إلى أن وقع نظرها على منزل تحيط به حديقة ~~كبيرة، فسألته: لمن هذا المنزل؟ ~~- إنه لخصمي شاروبيم. # فأطرقت باكارا هنيهة إطراق المتأمل ثم نظرت إلى الكونت وقالت: إني أسألك أن تتخلى لي ~~عن منزلك هذه الليلة دون أن تسألني عن السبب. # فامتثل الكونت وهو لا يفقه شيئا من هذه الأسرار. # ولما نزلا عن السطح دخلت إلى ms0393 غرفة الكتابة وكتبت إلى خادمتها ما ~~يأتي: # ألبسي الفتاة اليهودية ملابسها في الساعة الثامنة من هذا المساء، واحضري بها ~~إلى منزل الكونت أرتوف في شارع بوبينار حيث أنتظرها فيه. # باكارا # 35 # يذكر القراء أن روكامبول وعد شاروبيم أن يعد له خلوة مع المركيزة، ففي مساء ذلك ~~اليوم ورد إلى المركيزة كتاب من وكيل منزل صديقتها الأرملة، يخبرها فيه أن سيدته ~~أصيبت بمرض فجائي باتت بعده في خطر الموت السريع، وأنه قد تجاسر على أن يكتب إليها ~~لأن سيدته قد فقدت رشدها، ولم تعد تعي على شيء، فأسرعت المركيزة لزيارة صديقتها ~~فرأتها على ما وصفها الخادم بحالة تقرب من الاحتضار، ولقيت الطبيب بقربها ينظر إليها ~~نظر القانط. # وكان الطيبب ووكيل المنزل والأرملة وخادمتها من صنائع أندريا، وكل واحد يمثل الدور ~~الذي أمر بتمثيله، غير أن الأرملة أتقنت تمثيل الاحتضار حتى كانت دموع المركيزة تسيل ~~إشفاقا عليها. # ولفق لها الطبيب ما شاء عن هذا المرض الفجائي، إلى أن أخبرها بيأسه من شفائها، ~~ولكنه بقي له أمل وحيد بتغيير قد يحدث لها في الليل، فإذا لم يحدث لها شيء من ذلك فلا ~~رجاء بحياتها، غير أنه يجب السهر عليها، فهاجت المروءة بصدر المركيزة وقالت: أنا أسهر ~~على هذه الصديقة، فعسى أن ينقذها الله مما هي فيه. ثم دعت فانتر وهو وكيل المنزل فأعطته ~~رسالة إلى زوجها المركيز أخبرته فيها بمصاب صديقتها، وأنها اضطرت إلى البقاء عندها هذه ~~الليلة وطلبت إليه أن يحضر إليها في الصباح كي يعود بها، فأخذ الرسالة وانصرف ثم خرج في ~~إثره الطبيب، بعد أن وصف لها دواء تستعمله متى عاد إليها رشادها. # وجلست المركيزة بإزاء سرير هذه الصديقة الكاذبة تنتابها الهواجس والأفكار، وكانت ~~نوافذ الغرفة مقفلة بأمر الطبيب، فبينما المركيزة تجيل نظرها، رأت نور مصباح يضيء في ~~إحدى غرف المنزل المجاور، فعلمت أن النور في منزل شاروبيم وأنه لا بد أن يكون فيه، فجعل ~~فؤادها يضطرب اضطراب ذلك النور. ثم انطفأ النور وساد السكوت. # وبعد هنيهة سمعت وقع أقدام ms0394 ووجف فؤادها، وحدثها قلبها أن القادم هو شاروبيم، فما ~~طال انتظارها حتى صدق ظنها، ورأت شاروبيم داخلا وقبعته بيده، فأظهر الانذهال حين رآها، ~~ثم دنا منها فحياها باحترام وقال: إني عدت الآن إلى منزلي يا سيدتي فأخبروني أن مدام ~~ملاسيس في خطر شديد، فلم يسعني إلا الإسراع للاطمئنان عنها، وكنت أرجو أن أرى خادمتها ~~غير أني رأيت الأبواب مفتوحة، ولم أر أحدا فتقدمت حتى بلغت غرفتها وأنا لا أعلم ~~شيئا حتى الآن، فاصفر وجه المركيزة، وأوشك لسانها أن ينعقد مما تولاها من الاضطراب، ~~غير أنها تغلبت على عواطفها وقالت : أشكرك يا سيدي لاهتمامك بأمر صديقتي، وهي الآن ~~نائمة كما ترى، وأرجو أن يكون نومها دليل خير. # فانحنى شاروبيم شاكرا ثم قال: إذا كان الأمر كذلك، فأذني لي يا سيدتي ~~بالانصراف. # وقد قال هذا القول وهو يؤمل أن تستوقفه، غير أن المركيزة لم تحقق أمانيه، بل إنها ~~ردت له التحية بأحسن منها، فمشى شاروبيم مشية القلق المضطرب، حتى إذا وصل إلى الباب ~~خطر له أن يعود، فأقفل الباب وعاد إلى المركيزة وهي تكاد تسقط من الاضطراب، وقال لها: ~~عفوك يا سيدتي، فإني لا أستطيع الذهاب قبل أن أبوح لك بخطأ ارتكبته. # فأجفلت المركيزة وسألته: أي خطأ؟ # فقال شاروبيم بصوت تكلف فيه لهجة الاضطراب: خطأ كذبي عليك الآن، نعم يا سيدتي فلقد ~~كذبت عليك. ثم سكت وجعل ينظر إليها كي يعلم ما يكون من تأثيرها، فرآها قد سقطت على ~~كرسيها كأن رجليها لم تقويا على حملها، غير أنها ما لبثت أن استقرت على الكرسي حتى ~~هبت لها قوة من لدن السماء، فتمكنت من إخفاء اضطرابها وأجابته بسكينة: لا أعلم يا ~~سيدي أي كذب تعني، فتفضل بالجلوس وقل ما تشاء؛ فإني مصغية إليك. # فلبث شاروبيم واقفا وقد تلبس بلباس الحزن والسويداء، وقال: إني عدت إلى منزلي ~~وعرفت بمرض جارتي الآن كما قلت لك، غير أني ما أتيت لمنزلها بغية السؤال عنها، بل ~~لدافع أشد وهو أني علمت يا سيدتي من بواب المنزل أن ms0395 مدام ملاسيس مريضة وأنك ~~عندها. # فحاولت المركيزة أن تعترضه وتوقفه عند حده، فقال لها شاروبيم بصوت الملتمس: بالله يا ~~سيدتي ألا ما أصغيت لي إلى النهاية، فإني اختلائي بك بعد الآن محال، وإذا لم أخبرك ~~بأحزاني، وأبوح لك بما أقدمت عليه من الجرأة، فلا أستطيعه بعد؛ لأني سأودع باريس بل ~~أوروبا بأسرها وداعا أبديا بعد ثمانية أيام. # فوجف فؤاد المركيزة وقالت: أتسافر؟ ~~- نعم، ولا أحمل في قلبي غير حب واحد قد تزول حياتي ولا يزول، وإن تلك السيدة التي ~~أحببتها لا يفصل بيني وبينها غير تلك الهوة العميقة، وهي طهارتها وفضيلتها لأنها غير ~~مطلقة القياد. # ثم دنا خطوة منها فركع أمامها وقال: سيدتي، إني لن أراك بعد الآن، وقد ينقضي العمر ~~ولا يذكر اسمي أمامك، غير أنك إذا خطر لك في ساعات خلوتك خاطر حزن، فاذكري بين هذه ~~الأحزان ذلك الرجل التعس الجاثي أمامك، لا يسألك غير أن تأذني له بلثم أطراف ~~ثوبك. # وكان شاروبيم يرجو أن تنهضه بعد هذا الاعتراف، غير أنها سمعت حديثه إلى النهاية دون ~~أن تخونها عواطفها، وهي تجد منه أشد الوجد، غير أن الله الذي يصون الطاهرات أرسل ~~إليها روحه الأمين، فصانها من مواقف الزلل، فنهض شاروبيم وانحنى مسلما، ثم خرج يمشي ~~بطيئا إلى أن توارى عنها؛ فتنهد تنهد من سلم من خطر شديد، وسرت لتصاممها عن صوت ~~قلبها وانصرافها إلى سماع صوت الواجب الشريف، ولبثت جديرة بأن تحمل اسم زوجها. أما ~~الأرملة فإنها لم يفتها حرف من ذلك الحديث، ولكنها كانت متظاهرة بالنوم. # ولنعد الآن إلى باكارا؛ فإنها بينما كان شاروبيم يحاول إغواء المركيزة، كانت ~~باكارا في منزل صديقها الكونت الروسي، وقد أرسلت إليه خادمتها الفتاة اليهودية، فلما ~~وصلت استأذنت من الكونت وخلت مع الفتاة فأنامتها النوم المغنطيسي، ثم أدارت وجهها إلى ~~جهة منزل شاروبيم وقالت للنائمة: أريد أن أعرف ما يفعل هذا الرجل الآن. # ثم خرجت بها بعد أن أيقظتها إلى حيث كان ينتظرها الكونت، فقالت له: إني عائدة الآن ~~إلى المنزل لأن ms0396 شاروبيم سيزورني، فعد إلي في الغد. # فانذهل الكونت وقال: كيف عرفت أنه يزورك؟ ~~- سيزورني بعد ساعة. ثم قالت له باسمة: لقد عرفت ذلك؛ لأني أشتغل بالكهانة ~~والسحر. # 36 # ولما وصلت باكارا إلى منزلها وجدت به رسالة من شاروبيم يخبرها فيها أنه سيزورها بعد ~~ساعة ويذكرها بالرهان، فلما اطلعت عليها زادت ثقتها بالتنويم المغنطيسي، وعلمت أن ~~اليهودية تصدق حين تنويمها بأكثر ما تقول، فنومتها أيضا وعلمت منها ما تريد أن ~~تعلمه بشأن زيارة شاروبيم، ثم خرجت إلى قاعة الاستقبال تنتظره فيها إلى أن حضر في الوقت ~~المعين، فمدت له يدها وقالت باسمة: أهلا بالرجل الهائل. # وكان شاروبيم قد سر بهذا الاستقبال، فقال لها: إني قد أستحق أن ألقب بهذا ~~اللقب غير أني ... # فقاطعته باكارا وقالت: دعني أباحثك بأمر خاص قبل أن تخوض في أبحاثك، وأعلم أني قد ~~أفرغت جهدي كي أقنع الكونت أرتوف بالرجوع عن الرهان فلم أنجح. # فقال لها شاروبيم منكرا عليها هذا الجهد: لماذا أردت أن تقنعيه؟ ~~- لأنه قد حمله على محمل الجد. ~~- وإذا حمله هذا المحمل؟ ~~- إنك لا تعرف هذا الروسي، فإنه إذا كان مجدا لا تكون عاقبته محمودة. ~~- إن ذلك سيان عندي. ~~- لا تقل سيان فلقد كنت جميلة ولا أزال، وقد اشتهرت بعدم الاكتراث؛ فأنت الآن ~~تخاطر لإغواء امرأة بحبك، وهي امرأة لا قلب لها كما يقولون، فإذا كنت حقيقة كما يقولون ~~فلا بد لك أن تخسر الرهان، وبالتالي فلا بد للكونت من قتلك. ~~- إنه يقتلني ولا حرج عليه، فإن ذلك لا ريب فيه، إنه حقه. ~~- ولكن إذا كنت الفائز؟ ثم حدقت به تحديق الساخر، فلم يسعه إلا الإطراق بنظره ~~استحياء إلى الأرض، فأتمت حديثها وهي تقول: ألست يا سيدي قد أردت أن تراهن على حبي ~~بالمال؟ # وكأن هذا الكلام قد انقض على شاروبيم انقضاض الصاعقة، فأجفل منه إجفالا شديدا ~~وعلم أنه ارتكب بهذا الرهان ما لا يرتكبه الأشراف. # فعادت باكارا إلى هزئها السابق، ثم قالت: إنك قد جريت في هذا الرهان شوطا بعيدا، ~~وسلكت مسلكا لا ms0397 يسلكه العقال؛ ألم يقل لك الناس أني فتاة دون قلب؟ ~~- نعم، ولكن من كان مثلي لا يصدق هذه الأقوال. ~~- ربما تكون قد أصبت، غير أنه كان يجب عليك في كل حال أن تستشيرني قبل أن تعقد هذا ~~الرهان الشائن، غير أنك قلت في نفسك إني قد اشتهرت بجمالي وعرفت طرق القلوب من النساء ~~فلا بد لي من الفوز، ثم جعلت تفتخر برهانك في النوادي، وأنت لو أجريت فيه على مناهج ~~العقل لأمكن لك أن تعرف طريق قلبي. إنك ... ثم توقفت عن الكلام تنظر إليه. ~~- إذن أنت تعتبرين أنني سأكون الخاسر في هذا الرهان؟ ~~- هذا ما أراه إلا إذا ... ثم قطعت كلامها أيضا لتسمع ما يقول. ~~- أرى أنك تقترحين شروطا، اقترحي ما تشائين؟ ~~- أريد أن أقتنع بها قبل كل شيء أنك لا تحبني وتريد إغوائي من أجل كسب المال ~~فقط. ~~- ألعلك تشكين بهذا؟ وما حاجتي بالمال وأنت أعظم جواهر الأرض؟ ~~- إذا كان ذلك فارجع إذن عن هذا الرهان إذا أردت أن أحبك. ~~- إني لا أريد غير هذا الحب. ثم عض شفته من الغيظ وهو يخشى أن تكون قد علمت ما يجول ~~بنفسه. ~~- إذن أصغ لي وبعد ذلك أنت مخير بين أن تزورني أم تنقطع عن زيارتي، أما الذي ~~أقترحه عليك فهو أن تكتب الآن إلى الكونت تخبره برجوعك عن الرهان. ~~- وإذا كتبت هذا الكتاب؟ ~~- إني أغفر لك. # فأطرق شاروبيم هنيهة إطراق المفكر المهموم، ثم استقر رأيه على الخضوع فقال: ليكن ما ~~تشائين. ~~- إذن، قم إلى هذه المنضدة واكتب ما أمليه عليك. # فقام شاروبيم وهو يضطرب وأخذ القلم بيده، فأملت عليه ما يلي: # سيدي الكونت # أرجو أن تتناسى ما أخطأت به إليك، وأن تعتبر رهاننا لغوا غير معمول ~~به. # فتوقف شاروبيم عن إتمام الكتابة وقال: إن هذا اعتذار محض لا أكتبه لأني لم ~~أخطئ. ~~- بل تكتب كل ما أمليه عليك متى علمت أن خضوعك يرضيني، وأنه لا يكون وراءه غير ~~الحب. فامتثل شاروبيم مكرها مضطرا، وأتم الرسالة على مثال ما تقدم، حتى ms0398 إذا فرغ ~~منها أخذتها منه وهي تقول باسمة: بقي عليك أن تقبل يدي وتأخذ قبعتك وتنصرف ~~بسلام. # فأجفل شاروبيم وقال: إلى أين أذهب؟ ~~- إن الليل قد انتصف، فإذا أردت أن تحب فابدأ بالخضوع. ~~- متى أعود؟ ~~- بعد غد. # فقبل يدها وانصرف وهو يفكر بالكتاب الذي كتبه إلى الكونت، وخسارة ما يرجو أن ~~يكسبه من المال، غير أنه خطر له خاطر أخرجه من هذا الموقف، فانطلق مسرعا إلى النادي ~~حيث رأى الكونت فيه، فخلا به وقال له: خرجت الآن من عند باكارا، فأكرهتني بدلالها على ~~أن أكتب إليك كتابا أنقض فيه الرهان لأنها لا تحب أن يراهن عليها. ~~- لقد أصابت. ~~- فكتبت إليك الكتاب مكرها، ولكني أسرعت إليك كي أنقض بكلامي ذلك الكتاب، فيبقى ~~الرهان معقودا بيننا. ~~- ليكن ما تريد. ~~- إذن أرجوك أن تحسب الكتاب لغوا متى وصل إليك على شرط واحد، وهو أن تقسم لي بشرفك ~~أن لا تخبر باكارا بحرف مما دار بيننا، كي لا تعلم أمر عودنا إلى الرهان. فأقسم له ~~الكونت على الكتمان ثم افترقا. # وفي اليوم التالي ذهب الكونت الروسي إلى باكارا فاستقبلته وقالت له: إني سأخبرك بأمر ~~تظن أنه لا يعلمه سواك. # فقال لها الكونت: أي أمر تعنين؟ ~~- ما قاله شاروبيم لك أمس عند منتصف الليل. # فذهل الكونت وقال: كيف عرفت ذلك؟ ~~- بل عرفت ما دار بيكما من الحديث، ألم يقل لك أنه لا يرجع عن رهان وينقض بالقول ~~ما كتبه بالقلم؟ # فذكر الكونت اليمين التي حلفها وقال: كلا، إنه لم يقل لي شيئا من هذا. # فأجابته باكارا بلهجة الحنو: إنك شريف وكل شريف يبر بيمينه، غير أني قلت لك أني ساحرة ~~أخرق حجب الغيب، وقد علمت جميع ما قاله لك شاروبيم، ولكن هذا الرجل لا يعلم أنه حكم على ~~نفسه بالموت، ثم سكنت هنيهة وقالت: إن هذا الرجل لو لم يكن غير نذل خسيس يفتخر بإغواء ~~النساء لكنت أكتفي بطرده من هذا المنزل، غير أن شره لا يقتصر عند هذا الحد، فهو رجل ~~مجرم سفاك، رضي ms0399 أن يكون آلة صماء بيد رجل داهية لا يعرف اسمه، وهو يشاركه بجريمة ~~هائلة يضيع عندها كل رحمة وإشفاق. # فحاول الكونت أن يسألها، غير أنها قاطعته وقالت: لا تسلني شيئا؛ فإن ما أقوله لك ~~سر خفي لا يسعني إظهاره الآن، ولكني أريد أن ألقي عليك هذا السؤال، وهو أني إذا كشفت لك ~~يوما بالبرهان الجلي مكائد هذا القاتل السفاك، ثم دفعته إليك وقلت لك أنه قد خسر ~~الرهان فحق لك قتله، أتقتله؟ ~~- أقسم لك أني أقتله دون شك؛ فإنه يستحق الموت مرتين. # 37 # تركنا الفيروزة تعبث بفرناند وليون كما يشاء فيليام ، وهي قد غادرت زوج سريز هائما ~~مفتونا لا يستقر على حال من يأسه، ويبحث عنها في كل مكان ولا يجدها، وتركت فرناند ~~متولها بحبها، وهو يحسبها هائمة وأنها من فضليات النساء لإيثارها الفقر على الغنى، ~~ورفضها ما كان لها من النعمة، غير أن فرناند لم يكن يطيق أن يراها تقيم في غرفة حقيرة، ~~فما زال بها حتى أقنعها على سكنى القصور، فاشترى لها قصرا بديعا وفرشه بأجمل الأثاث، ~~وأحضر لها المركبات وأصائل الجياد بحيث تكلف عليها نصف مليون أول دفعة من ثمن هذا ~~الحب الشائن. # غير أن أندريا لم يكن غرضه الاقتصار على كسب مال فرناند، بل إنه كان يريد سلب ماله ~~وشرفه وحياته، وقد بدأ بسلب المال والشرف، فبقي عليه سلب الحياة. وكان قد هاج مكامن ~~الغرام في صدر ليون وفرناند وجعلهما يحبان امرأة واحدة ابتغاء إثارة الغيرة في قلب ~~ليون، وحمله على قتل مزاحمه، ولهذا دفع الفيروزة إلى مقاطعة ليون والاحتجاب عنه، حتى ~~أوشك أن يجن من يأسه، وجعل يبحث عنها كل يوم في جميع أنحاء باريس وهو لا يهتدي إليها ~~لفرط مبالغتها في الاحتجاب، فلما رأى أندريا أن وقت الانتقام قد دنا، أمرها أن تمر ~~بمعمل هذا الرجل كي يراها، ثم علمها ماذا تصنع حين اجتماعه بها. فلبست أفخر ما لديها ~~من الثياب، وركبت خير المركبات التي اشتراها لها فرناند، وأمرت السائق أن يسير الهوينا ~~في ms0400 الشارع الذي يوجد فيه معمل ليون، فامتثل السائق، ولما مرت المركبة بباب المعمل نظرت ~~ليون جالسا على كرسي، مطرقا بنظره إلى الأرض، فمرت دون أن ينتبه إليها فاستمرت في ~~مسيرها، ثم عادت فألقته واقفا على الباب ينظر إلى المارين نظرات القلق ~~المضطرب. # وقد استلفت نظره صوت المركبة، فنظر إليها وهي لا تزال بعيدة عنه عدة أمتار، فاستوقف ~~بصره حسن رونقها، ولباس سائقها وجمال جيادها، فأطال النظر بها حتى مرت به، ورأى ~~الفيروزة تنظر إليه دون اكتراث كأنها ما عرفته من قبل، ثم ذكر أنها كانت عاملة فقيرة ~~ورأى ظواهر نعمتها فجن من الغيرة، وعلم أنها لم تصده إلا لانشغالها بسواه من ~~الأغنياء، فأسرع يعدو وراء مركبتها، حتى عثر بمركبة معدة للأجرة، فركب فيها ووعد ~~السائق بجزاء حسن إذا أدرك مركبة الفيروزة. # فاندفعت المركبة في إثرها حتى أدركتها حين دخلت إلى حديقة القصر، فاستوقفها ليون ~~وأطلق سراحها، ثم ذهب إلى القصر الذي أقفل بابه بعد دخول الفيروزة، فطرقه بكلتا يديه ~~وهو يود لو تمكن من كسره، فخرج إليه البواب وقال له: ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أرى سيدتك في الحال. ~~- لا بأس في ذلك، غير أن سيدتي لا تستقبل إلا من تعرفه. # فذكر له ليون اسمه، فاستوقفه البواب وذهب إلى الفيروزة يخبرها بأمره، ثم عاد إليه ~~فقال: إن سيدتي لا تعرفك، ولكنها تستقبلك لتعلم ما تريد. # وطاش رأس ليون وقال في نفسه: إما أن أكون منخدعا وإما أن تكون قد أنكرتني. ولكنه تبع ~~الخادم حتى أوصله إلى غرفة الاستقبال وتركه فيها وانصرف، فجلس ليون يفكر تفكير ~~المهموم، ثم نظر إلى ما يحيط به من مظاهر الثروة، وذكر أن الفتاة قالت حين عرض عليها ~~اسمه إنها لا تعرفه، فخشي أن يكون منخدعا وأن تكون تلك الفتاة قد تمثلت له بالتي ~~يحبها، وحاول أن يخرج من القاعة ويفر، إلا أنه ما لبث أن نهض عن كرسيه حتى فتح الباب ~~ودخلت الفيروزة، فصاح صيحة الفرح المستبشر قائلا: هي ... هي بعينها. ثم أسرع ~~إليها. # ولكنها تراجعت ms0401 عنه ونظرت إليه نظرة إنكار وهي تقول: أأنت ليون رولاند الذي طلب أن ~~يراني؟ # فانقض هذا الكلام عليه انقضاض الصاعقة، وسقط على كرسي وقد عقد لسانه عن ~~الكلام. # وقالت له: يظهر أنك قد غلطت بي يا سيدي! ~~- كلا، يستحيل أن يخلق الله فتاتين تتشابها إلى هذا الحد، وأنت أوجيني ابنة غارين ~~التي طالما أظهرت لي حبها وأظهرت لها حبي. # فأظهرت الفيروزة عدم الاكتراث ثم قالت: أعيد عليك القول يا سيدي، إنك مخطئ فإني لا ~~أدعى الآنسة أوجيني، بل أدعى مدام دولار. # فجثا ليون على ركبتيه وقال لها: بالله كفي، فإني أبحث عنك منذ ثمانية أيام، ولا ~~تخدعيني إلى هذا الحد. إني لا أعلم ما أصبحت عليه الآن، ولكني أعلم أنك ابنة غارين ~~التي كان أبوها عاملا عندي، وأني أحببتك ولا أزال مفتونا بك بعد احتجابك، وجعلت أعدو ~~في إثر مركبته كالمجانين حتى عرفت منزلك ووصلت إليك، فلا تقطعي قلبي بهذا ~~الإنكار. # وكانت الفيروزة تصغي إليه صامتة، حتى إذا فرغ من حديثه قالت له بإشفاق: انظر إلي ~~جيدا تعلم أنك مخطئ. ~~- كلا، إن الله لا يخلق مثلك؛ لأنك تكفيه لفتنة عباده. # فهزت الفيروزة رأسها وقالت: قل لي شيئا عن تلك الفتاة التي تحبها. ~~- إنها ابنة أحد عمالي، وهي فتاة عاملة. ~~- إذا كان ذلك فانظر بما يحيط بك من النعمة، أيمكن أن يكون للعاملات مثل هذا ~~الرياش؟ # فأطرق ليون برأسه لأن البرهان قد غلبه، فلم يعلم ماذا يقول، وأن أنين المتوجع، ~~فقالت له: خفض عليك، وأصغ إلي فإني سأزيل هذا الاعتقاد الراسخ في ذهنك، ولنفرض ~~الآن أني أنا هي تلك الفتاة العاملة التي تحبها والتي احتجبت عنك كما تقول. # فصاح ليون: نعم، أنت هي. # فأجابته باسمة: لنفرض أني أنا تلك الفتاة وأني كنت عاملة فقيرة حين كنت تحبني، فلا بد ~~لي إذن أن أكون من بنات الجن، وإلا فكيف تتبدل حالي من الفقر المدقع إلى أقصى درجات ~~الغنى في مدة ثمانية أيام. وإذا كنت لا تزال بعد هذا على اعتقادك فلندخل في ms0402 باب ~~الافتراض، فإنه باب واسع، ولنفرض أولا أن والدي غارين كما تقول كان له أخ، وأن هذا ~~الأخ قد سافر إلى البلاد الأمريكية ثم عاد في هذه الأيام وهو من أصحاب الملايين، فأقام ~~ابنة أخيه في هذا القصر. # فهز ليون رأسه وقال: هذا مستحيل. ~~- إذن لنفرض افتراضا ثانيا، وهو أن هذه الفتاة العاملة حين احتجبت عنك لقيت غنيا ~~هنديا أو أميرا روسيا، فأحبها وخرجت منك إليه. # فعضت الغيرة قلب هذا المسكين، ووثب عن كرسيه يصيح: هو ذاك، أرأيت الآن كيف أني لم ~~أخطئ؟ ~~- لا تنس يا سيدي أني أفترض افتراضا، ثم إنه إذا كانت ثروتي قد تغيرت بثمانية ~~أيام، فإن آثار العمل لا تزول من يدي في هذا الزمان الوجيز، انظر إلى يدي أترى عليها ~~آثار الاشتغال بالصناعة؟ # وأطرق بنظره إلى الأرض دون أن يجيب، فقالت الفيروزة: لنفترض أيضا فرضا ثالثا، وهو ~~أن ابنة غارين لم تكن ابنة غارين، ولم تكن عاملة حين عرفتها، بل كانت على ما أنا عليه ~~الآن. ~~- كلا، إن هذا محال. ~~- إذن، اختر ما تشاء بين أن أكون ابنة غارين العاملة، أو مدام دلاكور التي تراها ~~الآن. # فغطى ليون عينيه بيديه وقال: رباه! أحقيقة ما أراه أو حلم من الأحلام؟ ~~- اسمع بقية الافتراض، إن هذه الفتاة كانت من أشد بنات الهوى دلالا، ولكنها كانت تحب ~~الحوادث والأسرار والغرائب، وقد اتفق أنها رأتك يوما فشغفت بك؛ وذلك لأن الحب كثير ~~العجائب، فقد يحب المرء بنظرة واحدة، فتزيت بزي عاملة فقيرة حتى يحبها هذا العامل ~~الفقير؛ لأنها لو بدت له بمظاهر ترفها لأحجم عنها، ثم لما عاشرته علمت أنه رجل محتهد ~~شريف وأن له امرأة تحبه وطفلا صغيرا. # فصرخ ليون بسرور كاد يقتله: إذن أنت هي، ولا سبيل بعد للإنكار. # فابتسمت الفيروزة وأجابته: ربما. # فحاول ليون أن يركع أيضا أمامها، ولكنها نظرت إليه نظرة اضطراب لها، ولبث في مكانه ~~فأتمت حديثها تقول: إن ما تريده المرأة يريده الله، وهو مثل صادق، ولهذا فإن تلك الفتاة ~~تزيت بزي العاملة ms0403 كي تحملك على حبها، ففازت بك وبلغت منك ما تريد، إلا أنه لنكد ~~الناس أن لكل شيء نهاية، وعلى هذا فإن الحب مهما اشتد فإنه يزول عند حدوث طارىء، وقد ~~كان هذا الطارئ أن تلك الفتاة ذكرت أنها تسيء إلى رجل شريف، وأنها من بنات الهوى ~~الشهيرات، وأنها تلقب بالفيروزة، ولكنها كانت تحب هذا العامل حبا شديدا، فآثرت أن ~~تعيش تعسة منكودة بالبعد عنه، وقاطعته كي لا تسيء إليه بحمله على الافتتان بها، لأنها ~~تحبه حبا أكيدا، ولكنه متزوج وله طفل صغير أولى بحبه منها، فإذا جفته فقد ينساها ~~بتقادم الأيام ، دون أن تغادر في فؤاده أثرا من الاحتقار. # وكانت تقول هذا القول وهي تتظاهر بالتأثر الشديد، حتى إن ليون نظر إليها فرأى دمعة قد ~~سقطت على وجهها، ولم يستطع أن يضبط نفسه بل أكب عليها يقبلها، وهو يقول باكيا: ~~أنت هي ... لا تنكري بالله وكفاني ما صبرت. # فجعلت تبكي لبكائه وتقول: أنا، أجل أنا هي ... أنا التي أحبتك وخدعتك، ولا تريد أن تراك ~~... اذهب عني فقد عرفت الآن من أنا، وعرفت أنك لا تستطيع أن تحبني. ~~- كيف أستطيع فراقك؟ ~~- كيف تحبني وأنا امرأة ساقطة، أؤثر أن يقتلني الغرام على أن تحتقرني، فانساني ولا ~~تفتكر بغير امرأتك وولدك، فإني مسافرة إلى البلاد الأمريكية. ~~- إني أسافر معك، ولو ذهبت إلى أقصى المعمورة. ~~- كلا، بل أسافر وحدي لأنك مقيد بحب سواي. # فركع ليون أمامها وقال: إني لا أحبك حبا بل أعبدك عبادة، وسأكون لك أتبع من ظلك ~~وأطوع من بنانك. ~~- لا ريب عندي في حبك، ولكني أخشى أن تحتقرني لأني من بنات الهوى. ~~- أقسم لك بكل عزيز في الأرض ومقدس في السماء أني أنسى الماضي وأحترمك أجل ~~احترام. ~~- إذن فلنهرب ولندع هذه العاصمة السوداء التي لا يلقي فيها المرء سوى الخجل ~~والذنوب، إلى بلاد نجني فيها ثمرات الحب دون رقيب. # فجن هذا المنكود من فرحه وقال: لنسافر حيث تشائين. # ولكنه ما لبث أن تفوه بهذا القول حتى مرت بخاطره امرأته سريز، وتمثلت ms0404 له حاملة ~~على ذراعها طفله الصغير وهو يبتسم له ابتسام الملائكة الأطهار، فتنبهت منه عواطف ~~الأب وأجفل وهو يقول: ولدي! # فتراجعت الفيروزة إلى الوراء وقد اصفر وجهها وقالت: أرأيت كيف أنه يجب أن نفترق ~~فراقا أبديا لأن لك امرأة وولدا؟ # ثم تركته مسرعة، فبرحت القاعة وأقفلت بابها، فبقي المسكين وحده وهو لا يعلم ما يعمل. ~~ولكنه لم يطل انتظاره حتى فتح الباب ودخل خادم يحمل إليه رسالة، ففتحها وتلا فيها ~~ما يأتي: # وإن لك امرأة وولدا، سوى أنك إذا كنت تحبني كما أحبك، فلا ينبغي أن تحب ~~امرأتك، بل خذ ولدك ولنهرب به، فإني سأحبه كما تحبه أمه، وسأكون له خير ~~أم. فاختر بين أن تدعني أسافر وحدي، فلا تراني إلى الأبد، وبين أن تسافر ~~معي، فإذا شئت السفر، احضر بولدك غدا، بل هذه الليلة إذا أردت، ولا تكتب لي ~~لأني لا أرجع عن هذا العزم. # فلما أتم ليون قراءة الرسالة وضعها في جيبه، وخرج من هذا المنزل الجهنمي بحالة تحمل ~~على الإشفاق. # 38 # وكانت الرسالة من إملاء أندريا، وذلك أنه كان مقيما في غرفة مجاورة للقاعة يسمع جميع ~~الحديث، ولما غادرت الفيروزة ليون وحده دخلت إلى الغرفة المقيم فيها أندريا، فأمرها أن ~~تكتب الرسالة المتقدمة. ولما ذهب ليون أملى عليها رسالة لفرناند تخبره فيها أنها ستغيب ~~عنه يومين بشأن خاص، ثم قال لها: إنك تجدين في صباح الغد مركبة على باب المنزل، وسائقها ~~من أعواني فاعتمدي عليه، وإذا حضر ليون مع ولده ولا بد له أن يحضر، اركبي معه هذه ~~المركبة ودعي السائق يسير حيث يشاء، وإذا سألك ليون أين تذهبين فقولي سوف تعرف متى ~~بلغنا المحطة الأولى، وهناك يخبرك السائق بما يجب أن تفعليه. ~~- سأمتثل لجميع ما تريد دون أن أعلم شيئا من هذه الأسرار التي تحيط بي، فإني أغوي ~~فرناند لابتزاز أمواله، وأغوي هذا العامل المسكين لأنك تريد أن أغويه، ولكن ما عسى أن ~~يكون بعد فراره من امرأته؟ وما عساي أصنع بهذا الطفل؟ ~~- أما المرأة فإنها ms0405 تدبر نفسها كما تشاء، وأما الطفل فإني سأضعه في أحد ملاجئ ~~اللقطاء. # ووجمت الفيروزة، وهي لا تعلم ما الذي يدعوه إلى هذا الانتقام، أما أندريا فإنه ذهب من ~~عندها إلى الكونت مايلي حفيد الدوق الذي عاهده على إغواء هرمين زوجة فرناند، فوجده ~~نادما على ما فعل، وقد سرت إليه روح شريفة أرجعته عما كان عازما عليه من الإغواء ~~السافل. ورجع أندريا من عنده وهو موجس شرا من نقض الكونت لعهده وإفلات هرمين من ~~انتقامه، وقد تشاءم بهذا النقض وعده دليلا على بدء حبوط أمانيه. # أما ليون رولاند فإنه أخذ الرسالة وانطلق بها إلى معمله، وأخذ يقرؤها ويعيد قراءتها ~~مرات كثيرة فتتنازعه العوامل المتناقضة، وبينما هو يميل إلى اختطاف ابنه واللحاق ~~بالفيروزة، تتمثل له امرأته سريز صائحة نادبة فراق زوجها وولدها، فيجفل قلبه من ~~الفيروزة ويذكر واجباته الزوجية، ثم يذكر الفيروزة ويتمثل له جمالها النادر وألفاظها ~~الرخيمة، ويجن غراما بها وغيرة عليها، وينسى كل واجب لدى هذا الغرام. واستمر على هذه ~~الهواجس ساعات طويلة يمشي في معمله ذهابا وإيابا وهو ضائع الرشد مبلبل الحواس، حتى ~~تغلبت عليه عواطف الأبوة والمروءة، فدعك الرسالة بيديه وألقاها مغضبا في أرض المعمل، ~~ثم برحه دون أن يقفل بابه وصعد منه إلى منزله. # وكانت الساعة قد بلغت الثانية بعد منتصف الليل، وجميع من في المنزل نيام، ولما خلا ~~بغرفته هاله ما يحيط به من السكوت، وعادت إليه هواجسه السابقة، وذكر الفيروزة وكيف أنها ~~ستسافر ولا يعود يراها، فهجات به مكامن ذلك الغرام الفاسد، وعزم عزما أكيدا على ~~اختطاف ابنه غير مكترث بتلك الوالدة المسكينة، وقام إلى غرفتها يمشي على رءوس أصابعه، ~~ودنا من سرير الطفل الذي كان بجانب سريرها، وأخذه من السرير واحتمله بين يديه، ثم حاول ~~الخروج به. # وكأن الله أبى أن يلقي عليه تبعة هذه الجريمة، فإنه عثر وهو يمشي بكرسي فسقط ~~الكرسي، واستيقظت سريز لصوته ورأت ولدها بين يديه وهو يحاول الخروج به، فصاحت صيحة أم ~~توجس خطرا على ولدها. # أما ليون فإنه ms0406 أرجع الطفل إلى مهده وخرج من المنزل دون أن يصغي لنداء امرأته قائلا: ~~احتقريني ما شاء الاحتقار، فما أنا إلا نذل أثيم. # ثم برح المنزل هائما على وجهه لا يعرف أين يستقر حتى قاده يأسه إلى نهر السين، وذكر ~~ولده ثم ذكر الفيروزة، وعزم أن يلقي بنفسه في مياه النهر، ولكنه شعر بيد قوية قبضت عليه ~~وأرجعته إلى الوراء، والتفت فرأى رجلا شديدا عرف أنه خادم الفيروزة وانتهره وقال له: ~~ما تريد مني؟ ~~- أريد أن أمنعك عن الانتحار. ~~- لماذا؟ ~~- لأن سيدتي تموت لموتك وهي تنتظرك الآن، ولا يمنعها عن السفر إلا حضورك ، فاذهب ~~معي. # وكأن ذكرى الفيروزة هاجت فيه حب الحياة وردت إليه بعض صوابه، وذكر ما سيلقاه بقربها ~~من النعيم، وانطلق يجري مع الخادم مطرق الرأس لا يفتكر إلا بما سيلقاه. # أما سريز فإنها لما سمعت من زوجها ما سمعت، وأنه قد خرج من المنزل خروج المجانين، ~~خرجت في إثره راجية أن تدركه على باب الطريق، ونزلت إلى السلم وعندما بلغت إلى منتصفه ~~رأت باب المعمل مفتوحا، وقد كان نسي ليون أن يقفله لذهوله، فحسبت أنه فيه ودخلت إليه ~~تبحث عنه، ولم تجده ولكنها لم تكن تشكك أنه فيه، وأوقدت شمعة وجعلت تطوف في الغرفة ~~مفتشة حتى بلغت إلى غرفته الخصوصية ولم تجد أحدا. وبينما هي تجيل نظرها إذ رأت ورقة ~~مدعوكة وملقاة على الأرض، وهي الرسالة التي أرسلتها الفيروزة إلى ليون تغريه بها على ~~اختطاف ابنه والفرار معها. وأخذت سريز الرسالة وما لبثت أن قرأتها وعرفت ما فيها حتى ~~عرفت قصد زوجها من حمل الطفل، وصاحت صيحة منكرة وسقطت مغميا عليها. # وعند الصباح أقبل العمال يشتغلون ورأوا امرأة سيدهم لا تزال مغميا عليها، وعالجوها ~~حتى صحت من إغمائها وحملوها إلى المنزل. وقد اتفق أن باكارا جاءت لزيارتها في تلك ~~الساعة لانشغال بالها عليها، ولما علمت ما كان من أمر زوجها وقرأت رسالة الفيروزة وعلمت ~~أن ليون قد رحل، هاجت هياج اللبوة فقدت أشبالها، وقالت: إن الفيروزة لا تموت ms0407 إلا من ~~يدي. # 39 # ولنعد الآن إلى السير فيليام أو السير أرثير أو أندريا، فإن هذا الرجل الهائل ~~عندما برح منزل الكونت مايلي كما قدمناه، ذهب توا إلى روكامبول الذي كان ينتظره في ~~منزله لتلقي أوامره، وأخبره روكامبول بجميع ما كان بين شاروبيم والمركيزة، وأظهر له ~~ريبه من الفوز لما لقيه من عدم اكتراث المركيزة. فهزأ به أندريا وقال: إنها إذا كانت ~~غير مكترثة به كما توهمت، لما سمعت جميع حديثه ولأوقفته عند أول كلمة قالها، ولكنك لا ~~تزال غرا جاهلا حديث العهد بهذه المهنة. ~~- كيف نرجو الفوز ولم يعد لنا من الوقت سوى ستة أيام؛ لأن الهندية شربت السم أمس ~~وإذا ماتت قبل فوزنا بإغواء المركيزة فكيف تظفر بالملايين، وإذا كانت لم تظهر إشارة حب ~~لشاروبيم إلى الآن، فكيف نرجو أن نغويها، وفوق ذلك أن شاروبيم أخبرها أنه راحل عن هذه ~~الديار، فكيف يتيسر له لقاؤها بعد هذا القول؟ ~~- أما إغواء المركيزة فلا نريد به سوى الظاهر، وسيان تهتكت بحبه أم اقتصرت على ما هي ~~عليه الآن من الرضى عنه والرأفة به، وإن الغرض الذي نسعى إليه وهو أن يباغت المركيز ~~شاروبيم والمركيزة في غرفة واحدة، وأما اجتماع شاروبيم بها فهو أمر ميسور لدي. ~~- أين يجتمعان؟ ~~- في منزل الأرملة وقد أوقفت المركيز على ما ينبغي، بحيث يكفيه أن يرى امرأته مع ~~شاروبيم لإثبات خيانتها. فاطمئن واستعد للسفر. # ثم أخبره بجميع ما كان من أمر ليون، وأمره أن يتزيا بزي سائق مركبة كي يسوق ~~المركبة التي تسافر بليون والفيروزة، وأخبره بجميع ما ينبغي عليه أن يفعله. # وبعد ساعتين كانت المركبة واقفة على باب منزل الفيروزة وروكامبول ينتظر فيها بزي ~~سائق، ثم أقبل مع الخادم كما تقدم، ولما رأته الفيروزة أسرعت إليه وتأبطت ذراعه ~~وسارت به إلى المركبة واندفع معها يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وكأنها خشيت منه عاقبة ~~هذا التردد فجعلت تغازله وتكشف له كوامن حبها ما أنساه امرأته وولده، فصعد معها إلى ~~المركبة وسارت بهما تنهب الأرض حتى خرجت من ms0408 باريس واجتازت مسافة مسير ساعة في طريق ~~نورمانديا. # إلا أن ليون ما لبث أن عادت إليه هواجسه، وذكر امرأته وولده، وعلم أنه يأتي أمرا ~~جنونيا لا يقدم عليه العاقلون، ثم تمثل له ولده وهو يناديه ويتبسم له ابتسام ~~الملائكة فاتحا ذراعيه لضمه، فثارت في فؤاده عواطف الأب وأفلت يده من يد الفيروزة وصاح ~~بغتة بالسائق يقول: قف فلا طاقة لي بارتكاب هذه الخيانة. # فخطر للفيروزة خاطر سريع، وقالت له: ليكن ما تشاء، أتريد العودة إلى باريس؟ ~~- أجل. ~~- إذن، نفترق إلى الأبد. # واختلج ليون وجعل الواجب الشريف والحب الفاسد يتجاذبان فؤاده الضعيف، ولكن الواجب قد ~~انتصر، فصاح أيضا بالسائق وقال: قف، فإني لا أريد أن أفارق ولدي. # فنادت الفيروزة السائق وأمرته أن يقف ثم قالت لليون: يعز علي أن أفارقك، إلا أني لا ~~أستطيع أن أدعك في هذه البراري المقفرة، فإننا نبعد خمس مراحل عن باريس. ~~- لا بأس، إني أعود ماشيا على الأقدام. ~~- كلا، بل ترجع بك المركبة. # ثم أمرت السائق أن يرجع بهما إلى باريس. # وكان روكامبول قد سمع جميع الحديث فقال لها: إن الخيل قد تعبت يا سيدتي، ولا طاقة لها ~~بالرجوع وقد دنونا من محطة قريبة، فإذا شئت وصلنا إليها واستبدلنا الجياد ثم ~~نعود. ~~- إذن، فأسرع إلى هذه المحطة. # فدفع روكامبول الجياد وليون مطرق بعينيه إلى الأرض لا يجسر أن ينظر بهما إلى ~~الفيروزة، حتى وقفت المركبة أمام فندق منفرد، فنادى روكامبول أصحابه وللحال فتح الباب ~~وخرج منه فانتير وهو الخادم الذي وضعه أندريا في منزل الأرملة مالاسيس، وقد تزيا بزي ~~أصحاب الفنادق، فقال له روكامبول: أسرع وأعد لي جوادين قويين أعود بهما إلى ~~باريس. # ثم أومأ إليه بخفة، فعلم فانتير المراد، وقال: لا سبيل للحصول عليهما قبل ~~ساعتين. # وكان ليون والفيروزة يسمعان الحديث، فتظاهرت الفيروزة بالسرور وطوقت ليون ~~بذراعيها وهي تقول: إني سأتزود منك ساعتين. # فأطرق ليون، وقد أخذت تلك العواطف الفاسدة تتغلب على فؤاده، فمسكت الفيروزة بيده ~~وصعدت به إلى الدور الأول يتقدمهما صاحب الفندق وهو ms0409 خادم الأرملة، وأعد لهما غرفة ~~خاصة وأمرته الفيروزة أن يحضر لهما ما يأكلان ويشربان، فخرج مسرعا وعاد يحمل طعاما ~~باردا وزجاجة مختومة من الخمر، فوضع الطعام على مائدة وأخذ يفض ختم الزجاجة، وهو يشير ~~بطرف خفي إلى الفيروزة، فعلمت أن في الزجاجة مخدرا أخبرها عنه روكامبول. # وهذا المخدر الغريب في بابه، أحضره معه أندريا حين كان في البلاد الأميركية، وهو ~~مسحوق نبات يمزج بالشراب فلا يغير طعمه ولونه ورائحته، فإذا شربه المرء تخدرت ~~حواسه جميعها ما عدا حاسة السمع، بحيث يسمع جميع ما يقال أمامه دون أن يرى أو يستطيع ~~حراكا مدة يوم كامل. # فلما أتم الخادم فتح الزجاجة، وضعها على المائدة وخرج، فأخذتها الفيروزة وصبت ~~منها في كأسين وجعلت تنادم ليون وتشاغله عن امرأته وولده بأطيب الحديث، وتذكر له ما ~~ستلقاه من لواعج الوجد بعد فراقه، ثم سقته ما بالكأس فشربه جرعة واحدة، وأدنت كأسها من ~~فمها ثم أرجعته نافرة منه ورمته مدعية أنها وجدت فيه ذبابة، واستدعت صاحب الفندق فأمرته ~~أن يحضر لهما زجاجة غيرها، فلما أحضرها جعلت تشاركه بشربها لخلوها من المخدرات. # وما مضى على ذلك هنيهة حتى أحس ليون بفتور في جميع أعضائه، ثم تثاقلت عيناه فجعل ~~يتثاءب تثاؤبا شديدا، وهي تتظاهر بالانذهال من نعاسه حتى أطبق جفنيه وسقط لا يعي، ~~فأسرعت إلى نداء صاحب الفندق وأحد خدامه، وقالت لهما وهي تعلم تأثير المخدر وأنه يسمع ~~جميع ما تقول: احملا الزوج العزيز إلى سرير، واحذرا من أن تزعجاه فإنه منذ يومين لم ~~ينم. # فحملاه ووضعاه على السرير، فأخذت كرسيا وجلست بإزائه وجعلت تناغيه بألطف الأصوات ~~وتودعه بأرق العبارات، كأنها تحاول أن تسافر وتتركه نائما كي تهرب، فكان يسمع كل ما ~~تقول لكنه لا يستطيع أن يبدي حركة لتأثير هذا المخدر القوي. # وفيما هما على ذلك إذ سمع من خارج الغرفة صوت رجل شديد يسأل صاحب الفندق بلهجة ~~السيادة، فيقول: ألم تمر بك مركبات في هذه الليلة؟ ~~- نعم، لقد مرت بنا مركبتان إحداهما لرجل إنكليزي، وقد استراح ms0410 هنيهة وسافر، والثانية ~~لرجل وسيدة وهما بائتان عندنا في هذه الليلة. # فصاح هذا الرجل صيحة فرح، ثم استتلاها بالشتائم والسباب وقال: إن جهنم قد بعثت بي إلى ~~هذا المكان لأعاقب الخائنين. # أما الفيروزة فإنها أجفلت حين سماعها هذا الصوت وقالت: يا ويلتاه! إنه يطاردني فما ~~عساه به وبي يصنع؟ # وكان ليون رولاند سامعا فخاف خوف الفتاة وأفظع؛ إذ لا يطيق الدفاع وهو كما علمت لا ~~صاحيا ولا يهجع. # أما صاحب الصوت فإنه استدل من صاحب الفندق على الغرفة التي يقيم الرجل والمرأة، فركض ~~إليها مسرعا ورفس بابها برجله فانكسر الباب، وخرج منه دوي شديد، ودخل الرجل حتى إذا ~~رأى الفيروزة هجم عليها وقبض على شعرها وهو يقول: أين المفر الآن وأنت في يدي؟ # فركعت الفيروزة وقالت: رحماك! أشفق علي. ~~- لا رحمة ولا إشفاق، فلا بد من قتلك وقتل هذا الرجل الذي تخونيني من أجله. ~~- رحماك، وإذا لم ترد الإبقاء علي، فأبق عليه. ~~- كلا، بل تموتين وإياه. # ثم هجم كأنه يريد قتل ليون، وهو يقول: سيسيل دمه على يديك، ثم تموتين بعده شر ~~موت. # غير أن الفيروزة حالت بينه وبين ليون كأنها تريد الدفاع عنه أو الموت قبله، وجعلت ~~تستعطفه وتتملقه، فلا يزيد إلا عتوا. كل ذلك وليون سامع جميع الحديث، ولا يستطيع أن ~~يبدي حراكا كالنائم يصاب بالكابوس، ولكنه كان ينتظر الموت في كل لحظة. # وكان هذا الرجل قد لان فؤاده لاستعطاف الفيروزة، لا سيما حين قالت له: إني أتبعك حيث ~~تشاء، وأحبك حبا أكيدا إذا أبقيت على هذا الرجل إذ لا ذنب له. ~~- أتقسمين على ذلك؟ ~~- أقسم لك بإله السماء والأرض أني أكون لك أتبع من ظلك وأطوع من بنانك، بشرط أن لا ~~تتعرض له بأذى. ~~- إذن هيا بنا نعود إلى منزلك في باريس، والويل لك إذا خطرت لك الخيانة في بال أو ~~حنثت باليمين. # ثم أخذها بيدها، وخرجا من تلك الغرفة إلى قاعة الفندق في الدور الأول. # 40 # ولم يكن هذا الرجل سوى روكامبول، وقد اتفق مع الفيروزة ms0411 على تمثيل هذه الرواية التي ~~وضعها أندريا، فلما باتا وحدهما في القاعة، قال لها روكامبول: الحق أنك لو كنت ممثلة ~~على المسارح، لكنت الآن من أشهر الممثلات. # فسرت الفيروزة من هذا الثناء وقالت: الآن ألا تخبرني بحقيقة هذا الدور الذي ~~مثلناه، فإني لا أفهم منه شيئا، بل كنت فيه شبيها بالآلة الصماء. ~~- ولكني لا أستطيع أن أخبرك شيئا، لأني أنا نفسي مثلك يديرنا رئيسنا الحاضر. ~~- وما لديك من الأوامر الآن؟ ~~- ينبغي أن تذهبي في الحال إلى باريس وتقيمين في منزلك بانتظار الرئيس. ~~- ألا تعود معي؟ ~~- لا، فإن مهمتي لم تنته بعد. # وعند ذلك خرج فأعد المركبة وعاد فأخذها إليها، وسارت بها تنهب الأرض عائدة إلى ~~باريس، فلما بلغت إلى منزلها علمت أن فرناند قد زارها مبكرا وأنه خرج من منزلها منذ ~~ربع ساعة فقط، ثم أعطاها أحد الخدم رسالة من أندريا يأمرها فيها أن لا تخرج من ~~المنزل، وأن تنام إلى أن يأتي عند الغروب فيوقظها ويباحثها بشئون خطيرة، فنامت وقد ~~أنهكها التعب إلى أن حان الأجل المضروب، ففتحت عينيها ورأت أمامها أندريا وهو يقول: ~~كفاك نوما وهيا بنا نتحادث. # فجلست في سريرها ودار بينهما الحديث الآتي، فقال أندريا: أيعجبك هذا القصر الذي أنت ~~فيه؟ ~~- كل العجب. ~~- وثلاثمائة ألف فرنك تضاف إليه. ~~- إن هذا لقليل، فإن فرناند يعطيني أكثر من هذا. ~~- إنك منخدعة، ولو كانت ذاكرتك جيدة لعلمت أن فرناند لم يكن له اتصال بك ~~لولاي. ~~- هذا لا ريب فيه، ولكن ... ~~- بل إن هذا يدل على أن فرناند لا يستطيع أن يفيدك بشيء إلا إذا أردت. ~~- كيف ذلك، أليس له الحق أن يصنع ما يريد؟ ~~- كلا. ~~- إذن تريد أن تقول أنك الوصي عليه، ولكن هذا ليس أكيدا، ولو شئت أن أنهب جميع ~~أموال فرناند لقدرت. # فقال لها أندريا بصوت الهازئ المستخف: لقد كنت أحسب أن لك عقلا راجحا، وأنك ~~تعلمين بأني أشتغل لنفسي لا لسواي. # فعضت على شفتها من الغيظ وقالت: لقد نسيت أنك تريد سمسرة. ~~- نعم، وإن سمسرتي تبلغ ms0412 ميلونين. # فوثبت الفيروزة من مكانها قائلة: لا شك أنك مجنون، فإن من يطمع بالكثير فاته ~~القليل، وما دام فرناند يحبني فهو يصنع دون شك ما أريد. # فقال أندريا دون أن يبدو عليه شيء من علامات التأثر: إنك منخدعة، فإن كلمة واحدة ~~تصدر مني إلى فرناند تكفي لهجرانه لك إلى الأبد، فإن لدي إحدى رسائلك إلى ليون ~~رولاند. # فاصفر وجه الفتاة من الغيظ، ثم قالت: ولكني أقر له بكل شيء، وهو يحبني ولا بد له ~~من الصفح عني. # فأخرج أندريا خنجرا وقال لها بأتم السكينة: بقي هذا الخنجر، فإنه يفعل دون شك أشد ~~مما تفعله الرسالة. # فمدت الفيروزة يدها إلى الحائط تحاول أن تضغط على زر كان فيه قصد مناداة الخدم، ~~ولكن أندريا عرف قصدها، فقهقه ضاحكا وقال: فاتك أيتها الحسناء أن جميع من في القصر ~~من أعواني، وأني إذا أردت قتلك فهم يساعدونني على إخفاء آثارك. # فسقطت يد الفيروزة عن الزر وتنهدت تنهدا عميقا، فقال لها أندريا: أصغي إلي وخففي ~~من مطامعك وانظري إلى ماضيك منذ عهد قريب تجدي أنك كنت في أشد حالة من الفقر، ثم انظري ~~إلى حاضرك تجدي أنني قد وهبتك قصرا يبلغ ثمنه مع رياشه نحو المليونين، وفوق ذلك فإني ~~سأهبك أيضا ثلاثمائة ألف فرنك، أفلا يكفيك جميع هذا، أم أنت تؤثرين العودة إلى حالتك ~~السابقة؟ # فأطرقت الفيروزة إطراق الواجم المقنع، ثم قالت: أمل علي شروطك، فإني راضية بما ~~تريد. # فجلس أندريا بإزائها وقال: إذن فقد رضيت. # فأنت قائلة: ولكن هذين المليونين سيطول العهد بالحصول عليهما. ~~- كلا، بل إنا سنقبضهما غدا إذا أحسنت الطاعة. ~~- أراك شديد القناعة، فإن فرناند وافر الثروة، فكيف تقنع منه بالمليونين؟ ~~- إنك منخدعة بثروته كسائر الناس، فإنه عندما تزوج بهرمين كان فقيرا لا يملك ~~شروى نقير، وكان مهرها اثني عشر مليونا، إلا أنها حين عقد الزواج لم تخصه إلا ~~بثلاثة ملايين، وقد أنفق منها على القصر ورياشه نحو مليون، ولم يبق له إلا ~~مليونين. ~~- بقي أن أعلم كيف نحصل على هذين المليونين. ms0413 ~~- إن ذلك سهل ميسور، وهو أني سأعطيك خمس حوالات قيمتها 50 ألف فرنك تسأليه أن يوقع ~~عليها بالقبول، وهو سيقبلها دون ريب لأنها مبلغ زهيد. ~~- وأين المليونان إذن؟ # فأخرج أندريا الحوالات مكتوبة من جيبه وقال: انظري إلى هذا الحبر، فإنه إذا مسح عن ~~الورق زالت جميع آثاره، وإذا وقع فرناند على الحوالات بالحبر العادي مسحت عنها ~~الكتابة السابقة ويبقى الإمضاء أكتب فوقه ما أريد. # فبهتت الفيروزة لكلامه ثم أخذت الحوالات، وجعلت تقلب نظرها فيها، فرأت أنها بعيدة ~~الآجال فقالت: إن فرناند لا يلبث أن تعرض عليه الحوالة الأولى حتى يفطن للتزوير ويبعث ~~بي وبك إلى أعماق السجون. ~~- لقد أصبت، ولكن ليس فرناند الذي سيدفع هذه الحوالات بل امرأته ستدفعها بعد موته ~~حرصا على اسمه. # فأجفلت الفيروزة وقالت: ألعلك عزمت على قتله؟ ~~- نعم! ~~- كلا ... إني أوافقك على كل شيء وأشاركك في كل جريمة، أما جريمة القتل فإن يدي لا ~~تنغمس فيها. # وأخرج أندريا الخنجر من جيبه ثانية ووضعه على منضدة أمامه، وهو يقول: لا شك أنك ~~بلهاء، فإنك تدافعين عن حياة الآخرين وأنت أولى بالدفاع عن حياتك. # وهالها بريق الخنجر وانقادت صاغرة إليه، ودار بينهما حديث طويل لا ندري خلاصته إلا أن ~~نتائجه ستظهر قريبا. # ولما فرغا من هذا الحديث أمرها أن تكتب رسالة إلى فرناند تدعوه بها إلى العشاء معها، ~~ففعلت وخرج أندريا على أن يعود حين يجيء فرناند فيختبئ في إحدى الغرف. # أما الفيروزة فإنها أوقدت المصابيح بجميع المنزل، كأنما هي تعد ليلة راقصة، ثم ~~جعلت تنتظر قدوم فرناند، وفي الساعة التاسعة أقبل هذا المفتون فاختلقت له حديثا ~~ملفقا عن السبب الذي دعاها إلى الغياب، وجلست وإياه على المائدة تسقيه من خمرها ومن ~~عينيها كئوسا أضاعت رشاده، وجعلته آلة في يديها حتى سألها عن السبب في هذا الانقلاب ~~الشديد، فأخبرته بأن لها عما مدينا وأنها تشفق عليه وعلى شرفه وسوى ذلك، إلى أن ~~سألها عن مبلغ دينه. ~~- خمسون ألف فرنك. # وضحك فرناند ضحك الهازئ وقال: أتحزنين لهذا المبلغ الزهيد، ms0414 وأنا صاحب ~~الملايين؟ # ثم هزته أريحية الحب ونشوة المدام، وقام إلى منضدة يريد أن يكتب حوالة على صرافه ~~بالقيمة، فمنعته الفيروزة وقالت: ليس هذا الذي أريد، بل إني أسلك التوقيع على خمس ~~حوالات يبلغ مجموعها هذه القيمة. # ولم يخطر الشر لفرناند في بال، وقال: هات الحوالات. # ودخلت الفيروزة إلى الغرفة المجاورة حيث كان مختفيا أندريا، وقالت له: لقد وقع الطير ~~في الشرك فهات الأرواق. فأخرج أندريا من محفظته الحوالات التي تقدم ذكرها، ~~وأعطاها إياها، فذهبت بها إلى فرناند حيث وقع عليها جميعها كما تريد وهو لا يعي من ~~شدة سكره ما يفعله، فحملتها وذهبت بها إلى أندريا فأخذها والفرح ملء فؤاده وأعادها إلى ~~المحفظة، وهو يقول: عودي إلى فرناند وتأهبي، فإن رجل الخنجر سيأتي قريبا. # وكانت الفيروزة قد ذكرت موقفها الهائل وتمثلت لها تلك المعركة العظيمة التي ستجري ~~بين العاشقين فقالت: رباه! ماذا أفعل وما يكون من أمرى في هذه المعركة؟ # فقال لها أندريا: إنك تختبئين بعد أن تطفئي المصباح. ~~- ولكنه يقتلني بعد ذلك. ~~- لا تخشي، فإننا سنجيء لإنقاذك. ~~- وما يكون من نتائج هذا القتل؟ ~~- إن البوليس يقبض عليك، ويسألك عما جرى في المنزل، فتقولين إن لي عاشقين دفعت ~~بأحدهما الغيرة إلى قتل مزاحمه، فيطلقون سراحك وتعودين آمنة إلى ما كنت عليه، فخرجت ~~الفيروزة مطرقة الرأس، وهي خائفة أشد الخوف وعادت إلى فرناند. أما أندريا فإنه ما لبث ~~بعد أن خرجت الفيروزة وساد السكون في تلك الغرفة المختبئ بها، حتى سمع تنفس إنسان من ~~ورائه، فالتفت منذعرا فرأى على نور النار الضعيفة في المستوقد خيال إنسان ورأى في إحدى ~~يدي ذلك الخيال سلاحا يلمع، فوجف فؤاده، وقال في نفسه: ألعله قدم أحد لنصرة ~~فرناند؟ # 41 # ولنعد الآن إلى روكامبول، فلقد تركناه في الفندق بعد رجوع الفيروزة ينتظر أن ~~يصحو ليون من رقاده، أما المنكود فإنه كان على ما وصفناه صاحيا في زي نائم من تأثير ~~المخدر الذي شربه، وقد لقي أهوالا شديدة في رقاده، فإنه كان يسمع ما دار بين ms0415 الفيروزة ~~وعشيقها وينتظر الموت في كل لحظة، فلما ذهب بها ما لبث أن اطمئن على نفسه لسلامته من ~~الموت حتى عادت إلى فؤاده لواعج الغيرة تعضه بأنيابها المسنونة، وهو لا يستطيع أن يبدي ~~حراكا، ثم شعر من نفسه أن نومه قد طال، وفيما هو كذلك إذ فتح صاحب الفندق غرفته وقال: ~~إنه لا يزال نائما، ألعله سينام نوما إلى الأبد؟ فسمعه ليون وخشي إذا طال نومه أن ~~يدفنوه حيا، ثم جعل يذكر جميع الحوادث التي كان يقرؤها في الجرائد عن دفن الأحياء ~~لحسبانهم في عداد الأموات، فينخلع قلبه من الخوف. # وما زال على هذه المخاوف المقلقة إلى أن أذنت الشمس بالمغيب، ففتح عينيه وجعل ينظر ~~نظرات الرعب إلى ما حوله، ثم جعل يحرك يديه ورجليه كأنه غير مصدق بصحوه وعوده إلى ~~الرشاد، واستوى جالسا في سريره فجعل يستعرض في سره ما مر به من الحوادث، وهو يحسب ~~أنه كان بالكابوس الذي يعرض لبعض النائمين المزعجين في النوم. # ثم إنه أراد أن يتحقق جميع ذلك، فنادى صاحب الفندق حتى إذا صعد إليه كان أول سؤال ~~ألقاه عليه قوله: أين هي؟ ~~- من هي؟ ~~- السيدة التي كانت معي. # فأجابه بصوت المتهكم: إنها يا سيدي أتت معك، ولكنها عادت مع سواك إلى ~~باريس. # فصاح ليون صيحة منكرة؛ إذ ثبت لديه أنه لم يكن حالما، وأن جميع ما مر به كان حقيقة ~~ثابتة لا ريب فيها، فوثب من سريره إلى الأرض، وخرج من الغرفة خروج المجانين، حتى إذا ~~بلغ إلى باب الفندق العمومي سمع صوت رجل يناديه، فالتفت فرأى روكامبول بزي سائق وهو ~~جالس إلى مائدة عليها أكل وشراب، فقال: ماذا تريد؟ ~~- إني عائد إلى باريس، فإذا شئت صحبتك معي إليها. ~~- إذن أسرع بإعداد المركبة. ~~- ألا تشرب كأسا؟ ~~- ويحك كيف يخطر لي الشراب وأنا على هذه الحال. ~~- رويدك يا سيدي، واجلس معي قليلا إلى أن أفرغ من الطعام، وإذا شاركتني بهذه الزجاجة ~~قصصت عليك أمر الفتاة التي أتيت بها ثم ذهبت مع سواك، وأطلعك على ms0416 سرها. ~~- أنت تعرف سرها؟ ~~- نعم، ولكني لا أطلعك عليه إلا على شرط الشرب معي. ~~- رضيت، فقل ما تعلم. # فصب له روكامبول كأسا، فشربه جرعة واحدة وهو يذوب تلهفا للاطلاع على هذا السر، ~~وصب له روكامبول كأسا فشربه جرعة ثانية، وقال: أبدأ فأقول لك إني كنت في خدمة هذه ~~الفتاة التي تعشقها، وهي فتاة مخلصة النية لطيفة الشعور، إلا أن عشيقها الذي استردها ~~منك اليوم لا رحمة في فؤاده ولا إشفاق عنده؛ فإنه يعاملها شر معاملة ويضربها الضرب ~~المبرح حتى أنها باتت تؤثر الموت على صحبته. # فسخط وأخذ مدية كانت على المائدة، فقبض عليها وضرب بها المائدة كأنه يضرب ذلك الرجل ~~وهو يقول: لا بد من قتله. # وصب له روكامبول كأسا ثالثة وجعل يفضح أعمال هذا العشيق، ويذكر له عيوبا لا ~~تحتملها النفوس، ثم يذكر في مقابل ذلك ما تقاسيه الفيروزة من العناء والمتاعب، وأنها لا ~~يتسنى لها الراحة مما هي فيه إلا إذا مات هذا الجاني، وكان كلما ذكر له نادرة سقاه ~~كأسا فزاده تحمسا، إلى أن اشتد سكر ليون وعاهده روكامبول على أن يوصله إلى ~~مزاحمه، وعاهد نفسه على أن يقتله شر قتلة. # ولما رأى روكامبول أن المدامة قد نهبت من عقل هذا الصانع المنكود بقدر ما يريد، قام ~~عن المائدة وأعد المركبة ودعاه للسفر، فأسرع ليون إليها وهو يتهادى في مشيته من ~~الشرب، وقد جحظت عيناه من الغضب، وسارت بهما إلى منزل الفيروزة حتى بلغت إليه والفيروزة ~~عند ذلك مع فرناند، بعد أن أخذت منه الحوالات المزورة على ما تقدم. # أما ليون فإنه صعد مشهرا بيده الخنجر وهو هائج هياج المجانين، وكان روكامبول ~~يتقدمه كي يرشده إلى الغرفة التي يقيم فيها فرناند، ولما قرب أن يدنو منها أشار له عنها ~~بيده وخرج مهرولا وهو يقول في نفسه: لقد فعلت ما وجب علي، ولتفعل الفيروزة ما ~~يجب. # وأسرع ليون إلى الباب يريد اقتحامه إذ لم يكن مفتوحا، فتصدى له أحد الخدم وحاول منعه ~~عن التقدم، فضربه ليون بيده ضربة ms0417 سقط في إثرها على الأرض، وأسرع إلى الباب فوجده ~~مقفلا ولكنه رأى النور من ثقبه، فطرقه فلم يفتح له، بل سمع أنه أقفل مرة ثانية، ~~وجعل يطرق الباب مغضبا وهو يقول: افتحي إني لا أريد بك شرا، بل أريد قتل الظالم. ~~افتحي أو أقتحم الباب. # أما فرناند فإنه دهش لهذا الحادث الذي لم يكن يخطر له في بال، ثم رأى من إنذار هذا ~~الطارق واصفرار الفيروزة واضطرابها ما زاد في هواجسه، فسألها من هذا وماذا ~~يريد؟ ~~- ألا تسمع أنه يريد قتلك؟ ثم تظاهرت بمظاهر الإقدام وقالت: إنه عشيق قديم لي نسيت ~~أن أخبرك عن أمره، فاهرب بالله إنه شديد الغيرة. # وكان فرناند قد شرب حتى سكر، فهاجت غيرته أيضا وأخذ سكينا عن المائدة وهو يقول: ~~ليدخل ولنرى من يقتل الآخر. # فما أوشكت الفيروزة أن تستعطفه حتى كسر الباب ودخل منه ليون، وأسرعت الفيروزة إلى ~~الشمعة التي كانت تنير الغرفة فألقتها على الأرض بحيث انطفئت، وساد الظلام قبل أن يرى ~~أحدهما الآخر، ثم هربت إلى غرفة ثانية ولكنها لم تكد تخرج وتسود الظلمة في تلك الغرفة ~~حتى فتح باب آخر وظهر منه نور عظيم شق حجاب الظلام، وأظهر للعاشقين موقفهما الهائل ~~الشديد. # 42 # تقدم لنا القول إنه حين أعطت الفيروزة الحوالات لأندريا وخرجت من الغرفة التي كان ~~فيها للاجتماع مع فرناند، رأى أندريا على نور النار المشبوبة في المستوقد شبح إنسان، ~~ولما رأه جعل يحدق به ويتراجع على بسالته منذعرا إلى الوراء، حتى لم يعد يطيق ~~الرجوع لبلوغه إلى الحائط، وعند ذلك تقدم منه الخيال حتى بلغ إليه، وشعر أندريا ~~بأنفاسه تهب على وجهه، فانذعر وقال: من أنت؟ وماذا تريد؟ # أما الخيال فإنه لم يجبه بحرف، بل إنه قبض على عنقه بإحدى يديه، ووضع على جبهته ~~باليد الثانية معدنا باردا علم أندريا في الحال أنه حديد مسدس، ثم سمع صوتا نسائيا ~~يقول: يجب أن تعطيني الحوالات وإلا فأنت مائت لا محالة. # فاضطرب أندريا لأنه علم أن هذا الصوت صوت باكارا، وأنه ms0418 إذا لم يرجع إليها الحوالات ~~قتلته دون شك، فمد يده إلى جيبه وأخرج الحوالات دون تردد، إلا أن باكارا لم تمسها ~~بيدها بل بقيت قابضة على عنقه وقالت له: ألق هذه الحوالات في النار، ولم يسعه إلا ~~الامتثال وألقاها وهو يكاد يذوب إشفاقا على زوال مطامعه. # وكانت باكارا متشحة برداء طويل لا يخفي منظرها عمن يعرفها، إلا أن أندريا كان ~~متنكرا تنكرا عظيما، بحيث يستحيل على باكارا أن تعرفه، ولكن باكارا أرادت أن ~~تتبين وجهه فقالت ببرود: إذا أحببت الحياة فينبغي عليك أن تطيعني. # فقال بلهجة الإنكليز: إني أطيعك في جميع ما تريدين. ~~- خذ هذه الشمعة وأشعلها من نار المستوقد. # فامتثل أندريا، وقالت له: أشعل الثانية فإن أمثالنا يجب أن يعرف بعضهم بعضا. # وامتثل أيضا وأنار الشمعة الآخرى، وصوبت إليه مسدسها وقالت: إن من كان لصا ~~أثيما مثلك يسرق مليونين وثلاثمائة ألف فرنك بأقبح الحيل، لا بد له أن يحمل خنجرا في ~~جيبه، فأسرع يا حضرة الميلورد وألقي خنجرك إلى الأرض، وأنا قلت لك ميلورد لأنك قد تقمصت ~~فصرت إنكليزيا. # ولما رأت أنه يتردد صوبت إليه المسدس أيضا، وقالت: إذا تأخرت دقيقة واحدة ~~فإنك مائت. وقد صوبته إلى الرأس، فعلم أندريا أن لا حيلة معها، ففك أزرار ثوبه وأخذ ~~الخنجر وقدمه لها وهو يؤمل أنها متى مدت يدها لاستلامه انقض عليها وجردها من سلاحها ~~فكان له الفوز، غير أنه ساء فأله، فإن باكارا كانت أشد منه دهاء، وكأنها قد أدركت قصده ~~فقالت: كلا، بل ألقه إلى الأرض. # فألقاه مكرها وهو يرجو أيضا أن تنحني لأخذه، غير أنها وضعت رجلها عليه وجعلت ~~تتفرس به وهي تقول بنفسها: أظن أن هذا الرجل هو أندريا بعينه، ولكنه قد غير هيئته ~~تغيرا شديدا بحيث لا أستطيع الحكم عليه إلا من عينيه، فإنهما هما هما لم ~~تتغيرا. # ولما فرغت من تمعنها تراجعت إلى الوراء وهي لا تزال مصوبة المسدس، وقرعت على باب ~~الغرفة مرتين ففتح الباب ودخل منه رجلا حسبه أندريا في بادئ الأمر أحد ms0419 خدام الفيروزة، ~~ولكنه لم يكن إلا الكونت أرتوف الروسي صديق باكارا، وقد دخل مسلحا بمسدس أيضا، ~~فأومأت بيدها إلى أندريا، وقال للكونت: إني أعهد إليك مراقبة هذا الرجل، وحذار من أن ~~يفر. ~~- كوني مطمئنة، فإن قبضتي شديدة ومسدسي لا يخطئ. # ثم أخذت شمعدانا فيه كثير من الشموع وأشعلتها جميعا، ودخلت بها إلى الغرفة التي كان ~~فيها فرناند وليون يوشكان أن يقتتلا، على ما عرفه القراء، فلما دخلت وهي تحمل هذه ~~الأنوار ورأتها الفيروزة فعلمت أنها باكارا، صاحت صيحة رعب ووقفت في مكانها لا تعلم من ~~الذعر كيف تفر. # وكان المنظر هائلا يستوقف الأبصار، فإن ليون كان يحمل بيده الخنجر وهو كالهائم على ~~وجهه لا يعرف أين يغمده ويبحث بين الظلمات عن صدر فرناند، وهو لا يعرفه، وفرناند أصفر ~~الوجه لا يزال يتمايل من السكر واقفا في مكانه ينتظر أن يقتله هذا العدو اللدود، وهو ~~لا يعرف من هو، ولما تبدد الظلام بنور باكارا ورأى كل منهما الآخر صاحا صيحة ~~إنكار، ورمى ليون الخنجر من يده إلى الأرض، ثم ما لبث أن رأى باكارا حتى أطرق بنظره ~~إطراق الخجل النادم، وكذلك فرناند فإن باكارا حلت فيهما حلول القضاء، ولم تكن إلا ~~رسول السلام. # وبعد أن صبرت عليهما هنيهة وهي تبتسم لهما ابتسام المؤنب الظافر، وضعت مصابيحها على ~~المائدة ثم التقطت خنجر ليون ودنت من الفيروزة وهي توشك أن تسقط على الأرض من الرعب، ~~وقبضت عليها بيد من حديد وقالت لها وهي مصوبة الخنجر إلى صدرها: اختاري الآن بين أن ~~تموتي أو أن تبوحي بكل شيء. # وجعل ليون وفرناند ينظر كل منهما إلى الآخر نظر الوجل والانذهال، وهما لا يدركان ~~شيئا من هذه الأسرار، وضغطت باكارا على الفيروزة وسألتها: أيتها الأفعى اعترفي لليون ~~بأنك تريدين وضع ابنه بين اللقطاء، وأن كل ما جرى أمس لم يكن إلا رواية تمثيلية، وأنك ~~كنت السلاح القاتل بل أنت التي كنت تدفعينه إلى قتل فرناند، اعترفي أو تموتي. # ثم أدنت الخنجر من عنقها ووخزتها به وخزا ms0420 خفيفا، ولما شعرت بالألم ورأت أنها لا ~~نجاة لها إلا بالصدق قالت: رحماك، إني أعترف بكل شيء، وإن كل ما قلتيه حق لا ريب ~~فيه. # فصاح ليون صيحة منكرة وكاد يمزقها بيديه، أما باكارا فإنها أدنت الخنجر أيضا من عنق ~~الفيروزة، وقالت لها: اعترفي الآن أيضا أمام فرناند أنك دعوتيه إلى التوقيع على حوالات ~~تبلغ قيمتها مليوني فرنك لا خمسين ألفا كما أوهمتيه، ثم إنك لم تقتصري على ذلك بل إنك ~~أردت قتله، وبعت حياته بثلاثمائة ألف فرنك ... اعترفي في الحال أو استعدي للموت. # ولم تعد الفيروزة تملك نفسها من الرعب، وقالت: نعم، كل ما تقولينه حق . ~~- والآن قولي للاثنين أنك سحقت قلبيهما وعبثت بشرفهما، وأنك لولاي لكنت قتلت ~~الاثنين، قولي لهما إذا كنت تؤثرين الحياة عن ذلك الشيطان المريد الذي كان يدفعك إلى ~~هذه الآثام، فإنك لم تكوني إلا آلة بين يديه. # ثم ضغطت عليها ضغطة أضاعت صوابها، ووخزتها بالخنجر تريد حملها على الإقرار، فتراءى ~~للفيروزة أن ما بنته من صروح الآمال قد تهدم بلحظة واحدة، وأنها سقطت إلى الحضيض ~~وستعود إلى حالتها الأولى من الفقر المدقع، ثم هالها هذا الموقف الشديد من ذلك الخنجر ~~البراق الذي كان يخز عنقها من حين إلى آخر، فقضي على عقلها وأجابت باكارا بضحك عصبي ~~شديد تبين منه أنها قد جنت لهول ما لقيت، فرفستها باكارا برجلها وقالت: لم ~~يعد لنا بك مآرب بعد أن ضاع صوابك. # ثم التفتت إلى فرناند وليون وقالت لهما: اتبعاني إلى هذه الغرفة المجاورة كي أريكما ~~ذلك الرجل الجهنمي الذي يطاردكما منذ أمد بعيد، ويحاول سلب شرفكما وحياتكما وأقوالكما. ~~اتبعاني فإنه في هذه الغرفة. # ثم مشت أمامهما حتى بلغت إلى باب الغرفة التي يقيم فيها أندريا والكونت الروسي، وفتحت ~~بابها بعنف، ولكنها لم تكد تفتح الباب حتى خرج دوي مسدس شديد اضطربت له جوانب المنزل، ~~وتبعه صوت سقوط جسم على الأرض، فارتجفت باكارا منذعرة وقالت: هو ذا العدل قد نفذ، فإن ~~الكونت قد قتل أندريا رسول إبليس على ms0421 الأرض. # 43 # إلا أن باكارا أخطأت بحسن ظنها بالعدالة، فإن هذا الرجل الأثيم لم يقتل بل إنه فر من ~~القضاء قبل أن يضربه الضربة القاضية. وإليك تفصيل الحديث: إن أندريا والكونت أرتوف لم ~~يفتهما شيء مما جرى داخل الغرفة التي كانت فيها باكارا، وقد سمعا كل شيء فكان أندريا ~~ينظر تارة إلى باب الغرفة التى يحميها الكونت أرتوف، وينظر طورا إلى نافذة مفتوحة تشرف ~~على الحديقة، فخطر له أن يلقي بنفسه من هذه النافذة، ولكنه لم يكن يستطع إلى ذلك سبيلا ~~لفرط عناية الكونت بمراقبته، وما زال على هذه الحال إلى أن فتحت باكارا الباب بذلك ~~العنف الذي قدمناه، فالتفت الكونت منشغلا بما سمع عن أندريا، فهب أندريا إلى ~~النافذة بأسرع من لمح البصر وألقي بنفسه منها إلى أرض الحديقة، فجن الكونت أرتوف من ~~يأسه وأطلق عليه نار مسدسه دون أن يعلم إذا كان أصابه أو أخطأه. # وسمع سقوط جسمه على الأرض، ثم تلاه سكوت حسب بعده أن الرصاصة قد أصابته وأنه قد سقط ~~قتيلا. # أما باكارا فإنها ذعرت ذعرا شديدا، وصاحت صيحة القانط: ألعله نجا؟ # فقال لها الكونت: إذا كان قد نجا من الرصاص، فهو قد قتل إثر سقوطه؛ لأني لا أسمع ~~له حسا. # وعند ذلك أقبل الجميع على النافذة علهم يرون شيئا من آثاره، فسمعوا صوت مشي ~~أقدامه وعلموا أنه فر، فتراجعوا جميعهم إلى القاعة، فأخرجت باكارا من صدرها رسائل ~~الفيروزة إلى ليون وأطلعت عليها فرناند وهي تقول: أتعرف هذا الخط؟ # فتبينه فرناند وقرأ جميع تلك الرسائل، وعلم أنه كان آلة بيد تلك الفتاة، وأنه ~~مدين بشرفه وحياته وأمواله لباكارا، وكذلك ليون فإنهما لم يعد يعوزهما برهان على ~~الجريمة. فجعلت عند ذلك باكارا تؤنبهما تأنيبا لطيفا، وتذكر كلا منهما بواجباته ~~الزوجية إلى غير ذلك من ضروب النصح، وهما يكادان يذوبان من الخجل والامتنان، فصرفتهما ~~إلى منزلهما وهي تقول لهما عودا إلى ما كنتما فيه من الرغد والهناء، وكونا مطمئنين مع ~~نسائكما وبنيكما، فإن الذي سيسهر على هنائكما ليس ms0422 له بنون، وليس في قلبه حب، ولا يخطو ~~خطوة إلا في سبيل خيركما. # فذهب الزوجان إلى منزليهما وقد نسيا ذلك الحب الشائن القديم، وحملت الفيروزة إلى ~~مستشفى المجانين، وعادت باكارا مع الكونت أرتوف إلى منزلها وهي مشتتة البال، قانطة ~~الفؤاد، لإفلات أندريا من قبضتها. # أما أندريا فإنه عندما ألقى بنفسه من النافذة سقط على أرض كثيرة العشب، فلم يصب ~~بأذى، ونهض فهرول مسرعا إلى باب الحديقة فألقاه مقفلا، فالتفت إلى نوافذ المنزل ليرى ~~من حركة أنواره إذا كانوا يطاردونه، فرأى أن الأنوار لا تزال في قاعة الاستقبال، وعلم ~~أنهم تيقنوا من فراره، وقنطوا من لحاقه، فتسلق جدار الحديقة وسقط منه إلى ~~الشارع، ثم مشى قليلا حتى لقي مركبة فركب فيها وذهب إلى روكامبول. # وكانت علائم القنوط بادية في وجهه، فلما رآه روكامبول ذعر وقال له: ماذا دهاك؟ ~~- لقد فشلت وأنا قادم فارا من الموت، ولم يكن بيني وبينه إلا لحظة. # ثم أخبره بجميع ما كان من خسارته للمليونين بعد أن وصلا إلى يده، وكيف أن فرناند قد ~~نجا من الموت، وليون سلم من تبعة القتل، إلى غير ذلك مما عرفه القراء، فأجفل روكامبول ~~وقال له: ألعل باكارا قد عرفت من أنت؟ ~~- لا أعلم، فإن هذه المرأة أصبحت لدي سرا من الأسرار، والذي أراه أن جميع مساعينا ~~ستخفق بسببها إذا لم تسرع إلى إهلاكها، فإنها تتصدى لنا في كل سبيل، وما راعني غير ~~إنقاذها لفرناند. # فهز روكامبول رأسه وقال: أراك تأسف لنجاة فرناند فوق أسفك لفقد ملايينه. ~~- هو الحق ما تقول، إني أكرهه كرها شديدا لا أحفل بعده بالملايين. ~~- إنك رئيس جمعيتنا، فلا حق لي أن أعترضك في أمر، ولكني لا أجد بدا من القول إنك ~~قد تماديت في الرغبة بالانتقام، حتى إنك بت تؤثره على مصلحتنا، ولا أنكر أن الانتقام ~~مسرة الآلهة، غير أن الآلهة من أهل الخلود ولديهم فسحة من الأجل يستطيعون معها بلوغ ~~الانتقام وغيره من أغراض النفوس، خلافا للإنسان، فإن مجال العمر لديه أقصر من أن يصرفه ms0423 ~~لغرض واحد، ولقد خلقت كونتا وربيت في أكناف النعمة، فلم تعد تكثرت للمال، أما أنا ~~فلا أكتمك أن اسمي ولقبي عارية، وأني لا أخدمك وأعرض نفسي للأخطار إلا كي أظفر بمغنم ~~أعيش بعده آمنا شر الفقر ونكد الأيام. ولكننا لا نكاد نظفر بغنيمة حتى يعرض لنا ~~انتقامك فنخيب فيها، مثال ذلك ما جرى مع فرناند، فإنك لو لم تدخل ليون في روايته ~~وتشركه في حب الفيروزة لما تنبهت لنا باكارا. # وكان أندريا يصغي إليه حتى أتم حديثه فقال له ببرود: لقد طالما قلت لك إنك لا تزال ~~صبيا لا تدرك شيئا من خفايا الصناعة، ولا تصلح إلا أن تكون آلة صماء. # فكبر هذا القول على روكامبول وقال: كيف ذلك؟ ~~- إنك لو تدبرت الأمر لعلمت أن جميع ما دبرته من المكائد لم يكن الغرض منه ~~إلا المال أولا، ثم الانتقام ثانيا. أضرب لك مثالا على ذلك نفس حادثة فرناند، فإننا ~~لا نستطيع سلبه المليونين إلا بتزوير الحوالات المزورة التي لا يمكن قبضها وهو في قيد ~~الحياة لئلا يفتضح أمرها، وإذا كنت أنا وأنت لا نجرؤ على قتله، فلم أجد بدا من ~~إغواء مزاحم له في غرامه على هذا القتل، أفأكون مخطئا إذا وضعت الخنجر بيد ليون وجمعت ~~بين المال والانتقام؟ ثم إنك لو تمعنت قليلا لوجدت أننا نمثل الآن ثلاثة أدوار ~~يبدو لك من بعضها ظواهر الانتقام المحض، أما الغرض منها في الحقيقة فهو المال؛ أما ~~الأول فهو دور فرناند، وقد مضى البرهان عليه، وأما الثاني فهو دور الفتاة الهندية وهو ~~مالي بحت، وأما الثالث فهو دور أخي أرمان، فإني لا أريد قتله والزواج بأرملته لمجرد ~~الانتقام والشغف بامرأته، بل لأستأثر بملايينه من بعده. والآن فإني أرجو أن تكتفي بما ~~ذكرته لك من الأدلة، ولنعد إلى حديث الأشغال. # فأطرق روكامبول واجما وقال: ليكن ما تريد. ~~- لنبدأ بباكارا، فإني أصبحت أخافها، وأرى أنه لم يعد بد من قتلها. ~~- لنقتلها، ولكن كيف تريد أن يكون هذا القتل بالخنجر أم بالخنق؟ ~~- لا هذا ولا ms0424 ذاك، إذ لا سبيل لنا إليها، فإن جميع خدمها مخلصون لها، وفوق ذلك فإن ~~قتلها وقتل المركيزة ينبه أنظار الشرع إلينا، بل إننا نقتلها بالسم الذي أحضرناه من ~~البلاد الأميركية، وهو سم غريب لا نعلم من خواصه سوى أنه يميت كسواه من السموم، ولكنه ~~يقتل بالشم وباللمس وبالذوق، ومن غرائب أمره أنه إذا شربه المرء أو شمه أو لمسه تحدث له ~~على الفور نشأة كنشأة السكر، وينطلق لسانه بمكنونات فؤاده، فلا يكتم سرا من أسراره، ~~ثم يفاجئه الموت العاجل دون أن تبدو عليه آثار التسمم. ~~- إنه فكر حسن، ولكن كيف السبيل إلى تسميم باكارا به، وليس لنا اتصال بها؟ ~~- بواسطة شاروبيم، ألم تقل لي أنه يذهب إليها في كل ليلة؟ ~~- هو ذاك، إن شاروبيم لا يروق له قتلها؛ لأنه يخسر الرهان بموتها وما يطمع به من كسب ~~الرهان. ~~- لكننا نضع في يده هذا السم دون أن يعلم ما يحمل، وذلك أنك تلبس في يديك قفازين من ~~الجلد الثخين، وتضع على وجهك حجابا من زجاج كي لا تلمس السم ولا تشمه، ثم تأخذ قطرة من ~~هذا السم وتضعها في زجاجة من العطر الفاخر، وبعد أن تختمها تدفعها إلى شاروبيم وتقول ~~له: خذ هذه الزجاجة وأهدها إلى باكارا، فإنها إذا تنشقت رائحتها المنعشة هاجت فيها ~~عواطف الحنان وبلغت من حبها لك ما تريد، فإن لهذا العطر خاصة في إثارة العواطف ~~النفسانية يدفعها إلى الحنو. # فأظهر روكامبول سروره وقال: إنها خير طريقة للانتقام من باكارا والاطلاع على ~~أسرارها. ~~- سأرسل لك السم بعد ساعة، والآن فأصغ إلي كي أخبرك بما يجب صنعه بشأن ~~الهندية. # وخلا به فاختط له خطة هائلة سنقف على تفاصيلها فيما سيجيء. # 44 # وفي اليوم التالي بينما كان شاروبيم مقيما في منزله، وردت عليه رسالة مكتوبة بخط ~~نسائي فما شكك أنها من باكارا، وفتحها فإذا هي تدعوه إلى الحضور إلى منزلها عند منتصف ~~الليل، غير أنها لم توقع على الرسالة، فلم يكترث لذلك وجعل يبني صروح الآمال ويعلل ~~نفسه بكسب الرهان ms0425 وقبض النصف مليون، وفيما هو على ذلك إذ دخل عليه روكامبول وقال: أبشر ~~فسنظفر بالخمسة ملايين وتأخذ النصيب الأوفر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- اجلس على مائدة الكتابة، واكتب ما أمليه عليك إلى المركيزة. # فلم يسع شاروبيم إلا الامتثال، فأخذ القلم بيده، وأملى عليه روكامبول ما يأتي: # سيدتي # أعلم أني لا أخطر لك في بال، ولكني أجسر على الكتابة إليك لأن ما ألتمسه منك ~~يتعلق عليه نعيمي وحياتي، فلا إخالك ترفضين طلبي وقد جبلت على اللطف ومكارم ~~الأخلاق، وأشبهت الملائكة في كل شيء، على أني أكتب إليك هذه السطور بيد ترتجف، ~~لأني تجرأت على الكتابة إليك، كما تجرأت على أن أرفع عيني إلى وجهك المشرق بنور ~~الفضيلة والشرف. # ولقد قلت إن هذا الكتاب تتعلق عليه حياتي ونعيمي، على أني لا أريد بها نعيمي ~~وحياتي خاصة، فقد سئمت الحياة ويئست من كل نعيم بعد أن عولت على أن أهيم ~~على وجهي، ولكني أريد بهما حياة ونعيم من لا نصير لهما في هذا العالم ~~إلاي. # وأنا مسافر غدا إلى الهند سفرة لا أوبة بعدها، ورجائي أن تمني علي بمقابلة ~~أخبرك فيها بشأن هذه الأم المنكودة، وعسى ألا أخيب. # ولما فرغ شاروبيم من الكتابة قال: أتظن أن هذا الكتاب يقنعها ويحملها على ~~مقابلتي؟ ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- وماذا تريد أن أحدثها عن أمي، وأنا لا أم لي؟ ~~- لا يجب أن تحدثها عنها بشيء، فإن هذه المقابلة ستكون في منزل الأرملة مالاسيس، وهي ~~تكون غائبة عن المنزل، فمتى قدمت المركيزة تجثو أمامها وتكلمها بلهجة محب سعيد في ~~غرامها منذ عهد بعيد، وقد بلغ في حبها أقصى ما يرجو، إلى غير ذلك من الأقوال الدالة على ~~تمكن الحب بينكما. # فاعترض عليه شاروبيم وقال: كيف أستطيع أن أذكر أمامها مثل هذه الأقوال، فإنها توقفني ~~بنظرة عند حدي؟ ~~- إنها لا تجد وقتا فسيحا، فإنك عند أول جملة تقولها تخرج رصاصة من مسدس المركيز ~~فتخرق صدرها. # فأجفل شاروبيم وقال: ألعلك تطمئني بذلك؟ ~~- لا تخش فإن رصاصة المركيز لا تخطئ، وهو من ms0426 مشاهير الرماة. ~~- ولكنه إذا قتلها، فلا بد له من قتلي بعدها. ~~- كلا، فلقد أقسم أن لا يقتل سوى امرأته، وأن لا يعترض بسوء لسواها؛ إذ إنه يرى أن ~~الذنب في تلك الجرائم لا يجب أن تلقى تبعته إلا على المرأة، فإنها لو أرادت صيانة نفسها ~~لما تجرأ الرجل عليها. # فطاب خاطر شاروبيم واطمأن، ثم جعلا يتنقلان بالحديث إلى أن دفعه روكامبول إلى الحديث ~~عن باكارا، فأخبره عن الرسالة التي وردت إليه وأطلعه عليها، فقال له روكامبول: لا شك ~~أنها منها، وإن تكن خالية من توقيعها وهو ما يدل على أنها تحبك حبا أكيدا. ~~- لم يعد لدي ريب بحبها بعد أن أكرهتني على الرجوع عن الرهان، فإنها أرادت بذلك أن ~~تستبقيني لحبها لي، وأن تستبقي الكونت الروسي لطمعها بأمواله، وهي لا تعلم أني جددت ~~الرهان بالسر، إلا أن الذي يسوءني منها أنها لا تزال واقفة معي في مواقف ~~المتردد. ~~- أأنت واثق من أنها تهواك؟ ~~- لا ريب عندي، ولكني أخشى أن يطول ترددها فينقضي الأجل المفروض بيني وبين الكونت ~~وأخسر الرهان، وليس بعد خسارته كما تعلم سوى الموت. # فأخرج روكامبول زجاجة العطر المسموم من جيبه وقال: إني سأخدمك أجل خدمة، فانظر إلى ~~هذه الزجاجة العطرية، فإن من يفض ختمها ويشم رائحة عطرها تهيج منه مكامن الغرام، ~~ويندفع في القول إلى أن يبوح بجميع ما في فؤاده من الأسرار. فخذها إليها فإنها من ~~العطور الشهيرة وستقبلها منك راضية شاكرة، وقبل أن تدفعها إليها أخبر الكونت أنك واثق ~~من كسب الرهان، فاتفق معه على أن يسمع حديثكما في غرفة مجاورة، حتى إذا خلوت بها وهو ~~مختبئ بجواركما أعطيتها الزجاجة، فتفضها وتشمها وعند ذلك تبوح لك بغرامها وسائر مكنونات ~~صدرها، فتبلغ منها ومن الكونت ما تريد. إنما يجب عليك أن تحذر من أن تشم ذلك العطر لئلا ~~تحدث لك نشأته، فتبوح بأسرارنا. # فسر شاروبيم سرورا عظيما لهذه الهدية النفيسة، وأخذ الزجاجة من روكامبول شاكرا ~~ثم خرج الاثنان يتنزهان في غابات بولونيا. # 45 # ولما كان المساء، ms0427 ذهب شاروبيم إلى النادي الذي يقيم فيه الكونت الروسي، فخلا به وقال ~~له: أتذكر يا سيدي الكونت الرهان المعقود بيننا؟ ~~- أذكره ولا أنساه. ~~- إنما أردت تذكيرك به لاعتقادي أني كسبته. # فقال له الكونت بسكينة: إني أهنئك بفوزك، ولكني لا أقنع إلا بالبرهان. ~~- إذا كنت تعرف خط باكارا فاقرأ هذا الكتاب. # ثم أعطاه الرسالة التي وردت إليه في الصباح، فأخذها الكونت وتلاها ثم ردها إليه وهو ~~يقول: إنك مخطئ فليس الخط خطها. ~~- ربما كنت مخطئا، ولكن الرسالة إذا لم تكن من خطها فهي من إملائها، وفي كل حال فقد ~~كسبت الرهان. # فقال الكونت: إن هذا البرهان غير كاف، ولا يسعني الاقتناع إلا حين أسمعها تقول لك: ~~أحبك. # فذكر شاروبيم ما أوصاه به روكامبول، وقال له: إن هذا سهل ميسور، وذلك أنك تزورها في ~~هذه الليلة ثم توهمها أنك انصرفت، وتعود فتختبئ في الغرفة المجاورة للقاعة أو المجاورة ~~للغرفة التي تكون فيها، وليس ذلك عليك بعزيز، فإنك قادر على شراء الخدم بالمال، فإذا ~~قبلت بهذا الشرط فاحضر الليلة. ~~- رضيت وموعدنا هذه الليلة. ~~- لا تنس أن تصحب معك المال. # فأجابه باسما: وسأصحب المسدس أيضا. # فانحنى شاروبيم مسلما وقال: لقد أصبت، فلا نعلم لمن يكون النصر. # ثم افترقا، فدخل شاروبيم إلى قاعة اللعب، وذهب الكونت إلى باكارا، ثم اجتمع شاروبيم ~~بروكامبول، وأخبره بما جرى بينه وبين الكونت الروسي، وعند منتصف الليل، وقد دنا موعد ~~اجتماعه بباكارا برح النادي وذهب إليها. # وكانت باكارا قبل ذلك بساعة مختلية مع الكونت أرتوف، فكانت تقول له: إني لم أكن أثق ~~بالتنويم المغناطيسي فبات لي الآن به ثقة شديدة، وذلك لأني قد وقفت به على أسرار غريبة ~~بفضل تلك الفتاة اليهودية التي ألقتها الصدفة بين يدي، فإني علمت منها منذ خمسة أيام أن ~~شاروبيم قد ذهب إليك وفاوضك بأمر تجديد الرهان، ولولاها ما تمكنت من إنقاذ ليون ~~وفرناند الذي طالما أحببته، ولا بد أن تكون قد علمت الآن لماذا حكمت على شاروبيم منذ ~~أول يوم لقيته فيه بأنه رجل ms0428 خائن لا يستأهل الإشفاق. والآن فإني غير مستائة من هذا ~~الرجل لأنه قد راهن علي، فإن ماضي حياتي يستوجب مثل هذه الإهانة، إلا أنني علمت من ~~هذا التنويم أنه يطارد امرأة شريفة، وأنه لا بد له من إعدامها إذا لم أتداركه، إلا أني ~~لا أعلم شيئا من قصده، وهو ما أذوب تلهفا لمعرفته، ولا بد من معرفته مهما كلفني ~~الأمر. ~~- اطمئني فسنقف على حقيقة هذا السر. ~~- إن ذلك لا يتيسر لنا إلا إذا حملناه على شراء حياته. ~~- هو الحق ما تقولين، وسنرى في شأنه، لكني ألتمس منك إجابتي إلى سؤال، وهو أن تخبريني ~~عن الرجل الذي نجا من قبضتنا أمس . # فتنهدت باكارا وقالت: إنه رسول جهنم على الأرض، وعندي أنه هو الذي يدير جميع هذه ~~الفتن والدسائس، ولكني لم أجد سبيلا إلى إظهاره، فإنه يبالغ في الخفاء والتنكر إلى حد ~~يستحيل معه على الأبالسة نفسها أن تعرفه. وإنما كتمت أمره لأني لو بحت بسره لما ~~صدقني أخوه ولا أحد من الناس، فقد اشتهر بتوبته الكاذبة، وبالغ بالمظاهرة في التزهد ~~والتقشف، حتى بات يحسبه الجميع أنه مثال التقوى والصلاح، وما هو بالحقيقة غير شيطان بزي ~~إنسان. # ثم جعلت تقص عليه جميع ما مر بنا من أحاديث أندريا في روايتنا الأولى، إلى أن أتت ~~على ذكر جميع مكائده، فذعر الكونت وقال: أأنت واثقة من أن أسيرنا بالأمس كان هو ~~بعينه؟ ~~- كل الثقة، فإنه يتنكر على جميع الناس دوني؛ لأني أعرفه من عينيه، ولو بقي في قبضتنا ~~أمس لذهبت به مكبلا إلى أخيه، وجعلته يعترف أمامه بتوبته الكاذبة. ~~- لا تيأسي من الظفر به، فإن الأيام بيننا ولا بد لنا من القبض عليه متلبسا بجناية ~~من الجنايات، فنحمله على الاعتراف بجرائمه كرها، ونريح أخاه من مكره. # وفيما هما على ذلك إذ دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، وكان الكونت قد أخبرها بما دار ~~بينه وبين شاروبيم، فدفعته إلى الغرفة المجاورة وقد سمعت وقع أقدام شاروبيم على السلم ~~وقالت: هو ذا قد أتى، فاختبئ إلى أن ms0429 نرى ما يكون؟ # وبعد لحظة طرق الباب ودخل شاروبيم، فتظاهرت باكارا بالانذهال لرؤياه وقالت باسمة: كيف ~~تزورني دون إذني؟ # فاختلج فؤاد شاروبيم وخطر في باله ذلك الكتاب، وقد خشي أن يكون الكونت قد زوره ~~ليبعث به ويظفر بالرهان دونه، ولكنه تجلد ودنا باسما من باكارا، فقبل يدها وهو ~~يقول: ألعلي عصيت أوامرك؟ ~~- نعم، ألم أقل لك أول أمس أني لا أريد أن تزورني قبل ثلاثة أيام، فكيف زرتني قبل ~~انقضاء هذا الأجل؟ # فجلس شاروبيم أمامها وقال: ما أجملك بهذا التصنع والتكلف؟ ~~- أأنا أتكلف؟ ~~- نعم، أليس هذا الكتاب منك؟ # فأخذت باكارا الرسالة وقالت له بمنتهى السذاجة: ومن كتب إليك هذا الكتاب ؟ ~~- أنت. ~~- كلا، فإني لم أخط حرفا منه. ~~- ولكنك أمليته. # فلم ترد وابتسمت، فكان ابتسامها نصف إقرار، فتنهد شاروبيم تنهد الفرح ووثق في ~~الحال من كسب الرهان، وعند ذلك خطرت في باله زجاجة العطر التي أعطاه إياها روكامبول، ~~فأخرجها من جيبه وقال أسألك أن تأذني لي بتقديم هذه الهدية العطرية، فإنها من خير ~~العطور النادرة. # فأخذتها باكارا وجعلت تقلبها بين يديها على نور المصباح ثم قالت له: ما عسى أن يكون ~~هذا العطر؟ ~~- هو عطر هندي ذو رائحة عجيبة يندر وجود مثلها في هذه البلاد. # فداخل الريب باكارا في أمر هذا العطر، وخشيت أن يكون منوما، بل إنها تمادت في ~~ظنونها وحسبته سما زعافا؛ لأن خيال أندريا قد تمثل لها في تلك الساعة، ولكنها ~~كتمت ما أوجسته، ثم نهضت كأنها تحاول فتحها وجعلت تبحث عن آلة تفتحها بها، فلم تجد ~~فقالت: ائذن لي هنيهة ريثما أفتحها وأعود إليك. # ثم خرجت بها إلى حيث يختبئ الكونت، فأومأت إليه بيدها أن يتبعها وذهبت به إلى الغرفة ~~التي كانت فيها الفتاة اليهودية، فأجلستها أمامها ونومتها التنويم المغناطيسي ثم ~~قالت لها: إني آمرك أن تري من يوجد عندي في القاعة. # فقالت الفتاة لفورها: يوجد فيها رجل ينتظرك. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- هو الذي يقيم في المنزل المجاور لمنزل الأرملة. # فعلمت باكارا أنها تريد به شاروبيم، ms0430 وعرضت عليها زجاجة العطر وقالت لها: من أعطاني ~~هذه الزجاجة؟ ~~- هو. ~~- ما يوجد فيها؟ # فضغطت الفتاة على الزجاجة بيدها، ثم أدنتها من جبهتها ولبثت هنيهة تتأمل، ثم ردتها ~~منذعرة وهي تقول: إن فيها سما قاتلا. ~~- أيقتل في الحال؟ ~~- كلا، بل إن من يشربه أو يشمه يصيبه ما يصيب السكارى، فيبتدئ بإباحة جميع أسراره ثم ~~يجعل يهذو هذيانا شديدا، ثم يموت شر ميتة بعد عذاب شديد. # فاكتفت باكارا بما سمعته، ثم أيقظتها وقالت لها: اذهبي فنامي نومك الطبيعي. # وخرجت مع الكونت إلى الغرفة التي كان مختبئا فيها وقالت له: ابق فيها على حذر، وأنا ~~داخلة إلى هذا القاتل. # ودخلت إلى شاروبيم ولكنها خبأت الزجاجة في صدرها وجلست أمامه على كرسي وقالت له: ~~إذن فقد خدعت وسقطت في الفخ. # وكانت تقول له هذا القول بلهجة المتهكم، وقد هرب الابتسام من شفتيها، فاختلج فؤاد ~~شاروبيم وسألها: أي فخ تعنين؟ ~~- أريد به الرسالة التي قادتك إلى هنا، إلا إذا كانت من مخترعاتك. ~~- ألست أنت إذن التي كتبتها؟ # فقهقهت ضاحكة وقالت: لقد بلغت البلاهة منكم معشر الرجال أنكم تحسبون أن نظرة واحدة ~~منكم تكفي لافتتان النساء بكم. ~~- ولكنك ألم تأذني لي بزيارتك؟ ~~- أتريد أن أكلمك بحرية وجلاء؟ ~~- لا أحب لدي من هذا. ~~- إذن فاسمع ... أتعلم لماذا قبلتك في منزلي بدلا من أن أطردك كما تستحق لتجرؤك ~~ومراهنتك علي كما يتراهنون على الجياد؟ ذلك لأني كنت أعرف عنادك وثقتك من نفسك، ~~فعلمت أنك مائت لا محالة، فإذا أصررت على الرهان وأردت إنقاذك من الموت ... انظر إلي ~~أترى بين ملامحي ما يدل على الشر والتلذذ بقتل الناس؟ إن باكارا لا تطيق أن يقتتل رجلان ~~من أجلها؛ ولهذا فقد أذنت لك أن تزورني وبالغت في ملاطفتك كي أحملك على الرجوع عن هذا ~~الرهان الشائن الخطر، فإن الكونت أرتوف يقتلك دون إشفاق لو تم عقد هذا الرهان وكان ~~الفائز فيه، بل كان ينوب في قتلك عن العدالة، فإنك تجرأت على إهانة امرأة ليس لها أخ ~~ولا أب ولا زوج ms0431 يحميها. # فطاش رأس شاروبيم مما سمع وقال: إذن فأنت لا تحبينني؟ # فضحكت ضحك الهازئ وقالت: لا شك أنك مجنون. # ثم دفعت يده التي كان يقدمها لها بأشد احتقار، وعند ذلك فتح باب الغرفة المجاورة ~~وطلع منه الكونت أرتوف طلوع القضاة، فكان كالصاعقة انقضت على رأس شاروبيم، فصاح صيحة ~~القانط وجعل يتراجع منذعرا لمرآه حتى استند إلى الجدار. # وكان بيد الكونت مسدس، فمشى به إلى شاروبيم وقال له: إني يا سيدي قد أحضرت معي المال ~~كما طلبت، وأحضرت معه هذا المسدس فاستعد للموت حسب الاتفاق، فإنك لم تفز بقلب ~~باكارا. # 46 # قبل هذه الحادثة بساعة كان روكامبول في منزل دايي ناتها الهندية ، فلما رأته أقبل فرحت ~~وقالت: لقد طال غيابكم حتى حسبت أنكم تخليتم عني وغادرتموني أموت بالسم الذي ~~تجرعته، فإنك تعلم أنه لا يشفيني منه غير خاتم المركيز. ~~- اطمئني فسيكون هذا الخاتم لك غدا، فإننا إذا لم نشفق على صباك أشفقنا على ~~الملايين التي سنقبضها منك. # فاطمأن قلبها وقالت: كيف يكون قتل المركيزة؟ ~~- ستعلمين ذلك متى تم القتل وأصبحت زوجة لابن عمك، والآن تفضلي بالجلوس إلى هذه ~~المنضدة كي أملي عليك رسالة إلى ابن عمك المركيز. وامتثلت له وأملى عليها ما يأتي: # احضر إلي أيها الصديق في الساعة السابعة من المساء لأخبرك بالأسف الشديد ~~كيف أني وفيت بوعدي، ولأطلعك على الحقيقة التي تعلم منها صدق أقوالي السابقة ~~بالبرهان، وتعلم أين تجد الخائنين. # ثم وقعت على الرسالة ودفعتها إلى روكامبول، فقبل يدها وطمنها وانصرف وذهب ~~توا إلى منزل الأرملة ملاسيس، واستقبله الخادم فانتير وهو من أعضاء العصابة وأدخله ~~إلى الأرملة. # ولم تكن الأرملة تعرفه من قبل، ولكنها رأته مرة عند المركيزة في حفلة راقصة، فأشارت ~~إليه بالجلوس وهي تظهر استغرابها من هذه الزيارة، فأدرك روكامبول ذلك منها وقال لها: ~~لا تعجبي لزيارتي في هذه الساعة المتأخر، بل اعلمي أن خادمك فانتير من رجالي، وفي هذه ~~الإشارة كفاية. ~~- نعم، لقد خطر لي هذا الخاطر حين رأيتك. ~~- إذن فاعلمي أني أتيت الآن أسألك ms0432 قضاء مهمة سيكون جزاؤك عن قضائها زواجك ~~بالدوق. # فاختلجت الأرملة وعلمت أن المهمة خطيرة تعادل الجزاء، ثم قالت: إني مصغية إليك يا ~~سيدي، فقل ما تريد. ~~- أريد أن أملي عليك رسالة للمركيزة فان هوب. # واستعدت الأرملة للكتابة، وأملى عليها روكامبول ما يأتي: # صديقتي العزيزة # إن شاروبيم يلح بأن يراك في المساء، فاحضري إلى منزلي في الساعة الثامنة ~~لتعزية هذا العاشق الغيور الذي لا يتكلم منذ حين إلا بأحاديث السيوف والمسدسات، ~~ولا يزال مصرا على قتل زوجك. # فوقفت الأرملة عن الكتابة وقالت: ما هذا الذي تمليه علي؟ ~~- اكتبي وستعلمين كل شيء. # فامتثلت وعادت إلى الكتابة، فأملى عليها روكامبول ما يأتي: # في الساعة السابعة أبرح المنزل، وأطلق سراح فانتير كي يخلو لكما الجو، فاحضري ~~في الساعة الثامنة حسب العادة حيث تستقبلك خادمتي فاني، وهي تخبر بقدومك ~~الأميركي الجميل. # فلما انتهت الأرملة من كتابة هذه الرسالة قال لها روكامبول: وقعي عليها. # فكتبت اسمها في ذيلها وهي لا تفهم شيئا من هذه الألغاز، فأخذها روكامبول ووضعها في ~~جيبه ثم قال لها: لقد كان يسعك أن ترفضي مطالبنا الآن؛ لأن رفضك لها لم يكن يكلفني غير ~~إبطال زواجك بالدوق، أما الآن وقد أصبحت لنا فلا بد لك من طاعتنا في جميع ما نريد، فإن ~~عصياننا لا يتوقف عليه إبطال زواجك فقط بل حياتك. # وأجفلت منذعرة قائلة: حياتي؟ ~~- نعم، فإن المرء لا يعلم متى تأتي ساعته، فقد تكونين خارجة في مركبتك فتنكسر وتدوسك ~~دواليبها، وقد تكونين مارة على الطريق فيدهسك أحد الفرسان، وسوى ذلك من أسباب الموت ~~التي لا تخطر للمرء في بال، ولكنها قد يتفق حدوثها لكل إنسان. # وجعل العرق البارد يتصبب من جبهة الأرملة دون أن تجيب بحرف، إلى أن قال لها ~~روكامبول: لقد انقضى كل شيء وأظن أنك تخلصين في طاعتنا. ~~- نعم، سأطيعكم فيما تريدون. # وعند ذلك دار بينهما الحديث الآتي، وقال روكامبول: أتحبين المركيزة حبا ~~شديدا؟ ~~- نعم، لقد كانت من خير صديقاتي قبل اليوم، وقد جعلتموها من أعدائي. ~~- حسنا فعلنا، وذلك لخيرك. ms0433 # فانذهلت وقالت: كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأنك إذا فقدتيها يكون حزنك عليها ضعيفا. ~~- كيف أفقدها؟ ألعلها مسافرة؟ ~~- نعم، ولكن سفرها في طريق الموت. # وأجفلت الأرملة وقالت: رباه ماذا أسمع؟ ~~- لا بأس عليك، واجلسي الآن لنتحدث فقد يزول عنك الرعب ... # ولا نعلم ما دار بينهما إلا أنها عندما فارقها روكامبول شيعته بمظاهر الرضى وهي تقول: ~~إلى اللقاء غدا في الساعة السادسة، ثم دخلت إلى غرفتها ولبست ثيابها وركبت مركبة وذهبت ~~مسرعة إلى منزل المركيزة. # وكانت المركيزة وحدها في المنزل، وذهلت لزيارة الأرملة ولا سيما حين رأت آثار ~~الاضطراب بادية في وجهها، إلا أن الأرملة أدركت منها ذلك الاستغراب وقالت: إني ما أتيت ~~في هذه الساعة المتأخرة إلا لفرط تأثري مما شاهدت، فإني لا أطيق النظر إلى ~~الدموع. ~~- ومن الذي بكى أمامك؟ ألعله الدوق؟ ~~- إنه عاشق لا ريب فيه، ولكنه لا يبكي فإن الشيوخ تنضب الدموع من عيونهم ولا يبكي إلا ~~الشبان. ~~- إذن فمن هذا الشاب؟ ~~- أصغي إلي أيتها الصديقة، فإني أتيت لألتمس منك إجراء عمل خيري. ~~- قولي ما تشائين لقد شغلت بالي. ~~- إن هذا الشاب الذي تكلمت عنه سيبرح فرنسا غدا ويفارقها فراقا أبديا، بل ~~فراق رجل قنط من الحياة وأراد أن ينسى أحزانه وأشجانه في البلاد النائية، فأتى وانطرح ~~على أقدامي. # واختلج فؤاد المركيزة وعلمت أنها تريد شاروبيم، ولكنها لبثت صامتة فقالت الأرملة: إنك ~~قد علمت لا شك من هو الشاب الجسور والجبان في وقت واحد، وهو رجل يحبك حبا شديدا منذ ~~عهد بعيد، ولكنه ما زال يكتم هذا الحب في صدره حتى كاد يفتك به، وقد تجرأ أخيرا فباح ~~لك بشيء من هذا الحب، فانذهلت المركيزة وقالت لها: أتعرفين هذا؟ ~~- نعم فلقد باح لي بكل شيء. # فأطرقت المركيزة برأسها إلى الأرض وعادت الأرملة فقالت: إن هذا الرجل التعس بل هذا ~~الرجل القانط قد بعثني إليك وغادرته يبكي بكاء الأطفال. # نظرت إليها المركيزة نظرة المستغرب وقالت: لا شك أن دموعه قد أثرت عليك تأثيرا ~~شديدا، حتى إنك أتيت إلي بمثل هذه ms0434 المهمة، فلقد نسيت كما يظهر أن لي زوجا وأن كل ~~نظرة أو كلمة من رجل آخر تكون إهانة لهذا الزوج. # فاستدركت الأرملة وقالت: لقد أسأت بي ظنك أيتها الصديقة، فإني ما أتيت إليك من ~~أجله بل من أجل أمه. ثم أخرجت من جيبها الكتاب الذي أملاه روكامبول على شاروبيم كما ~~يذكر القراء وقالت لها اقرأي. # قرأته المركيزة وكانت تظهر ملامح التأثر بين وجهها حين تلاوته، فلما أتمت قراءته ~~قالت: ليكن ما تريدين وسأذهب غدا إلى لقائه في منزلك. فقبلتها الأرملة شاكرة ~~وأقامت عندها هنيهة ثم انصرفت، فلقيها روكامبول وأخبرته أن المركيزة ستحضر في الأجل ~~المضروب. # وفي اليوم الثاني وردت رسالة الهندية إلى المركيز، وهي الرسالة التي أملاها عليها ~~روكامبول ومآلها أنها تدعو المركيز إليها لإطلاعه على البرهان، فعادت إليه الهواجس ~~وحاول مرارا أن يدخل إلى امرأته فيحملها بالكره على الإقرار، غير أنه ذكر اليمين التي ~~أقسمها لابنة عمه، وهي أن لا يبوح لامرأته بشيء، فرجع عن غيه وكانت الغيرة تنهشه وتعض ~~فؤاداه بأنبابها، حتى لم يعد يطيق صبرا على احتمال حالته الشديدة. # وقد خطر له أنه إذا ثبتت الجريمة على امرأته وقتلها يقتل نفسه أيضا، ثم تذكر أنه ~~أقسم لابنة عمه أنه يتزوجها بعد قتل امرأته، ولكنه قال في نفسه: إن الموت يحل من كل ~~عهد. فعزم على الانتحار الأكيد ودخل إلى غرفته فكتب وصيته، موصيا بجميع أمواله ~~للفقراء، ثم ختمها ووضعها في درج ونادى أقدم الخدم عنده وقال له: يوجد في هذا الدرج ~~أوراق مالية قيمتها 50 ألف فرنك وكتاب مختوم، فإذا غبت عن باريس أو إذا مت فإنك تأخذ ~~المال لك، وتأخذ الكتاب إلى المسجل، ولكني أسألك أن تكتم السر فإننا لا نعلم ما ~~يكون. # ثم أعطاه مفتاح الدرج وانصرف ذاهبا إلى ابنة عمه الهندية كي يسمع منها ذلك ~~البرهان. # وكان روكامبول وفانتير خادم الأرملة عند الهندية حين قدوم المركيز، فلما علمت الهندية ~~بقدومه قالت لروكامبول: هو ذا المركيز قد قدم، فهل نحن متأهبون لكل شيء؟ ~~- نعم، استقبلي ms0435 المركيز وأنا ذاهب فلا أعود إليك إلا في الساعة العاشرة، وسيبقى خادم ~~الأرملة عندك كي يدل المركيز على المنزل. ثم تركها وانصرف، فأمرت الهندية خادم الأرملة ~~أن يدخل المركيز إلى قاعة الاستقبال فامتثل. # ولما دخل المركيز ذهل لمرآى ابنة عمه ولشحوب وجهها، وكأنها علمت سبب انذهاله فقالت ~~باسمة: إن ما تراه من الشحوب في وجهي هو من آثار السم. فمد المركيز يده وأراها ~~الخاتم في أصبعه وقال: إذا كنت قد قلت الحقيقة فإن شفاءك بهذا الخاتم. ~~- إني أؤيد قولي بالبرهان. # فاقترب المركيز وقال: هاتي برهانك إن كنت صادقة! ~~- أتعرف ذلك الشاب الجميل الذي يلقب بشاروبيم لفرط جماله؟ # فأجفل المركيز وتذكر أنه رآه مرة يلاطف امرأته في قصره وقال: نعم أعرفه. ~~- إنه هو الذي أعنيه، وإن امرأتك لم تخنك إلا من أجل هواه. # واشتد غضب المركيز وقال: البرهان، البرهان. ~~- إنه يقيم في منزل مجاور لمنزل الأرملة ملاسيس صديقة امرأتك الحميمة، وقد جرح مرة ~~في مبارزة وكانت امرأتك تزوره في كل يوم. # وأعاد المركيز قوله بصوت يتهدج من الغضب: البرهان، البرهان. ~~- اصبر ستعلم كل شيء، فإن هذه الأرملة واقفة على سر العاشقين، وإن المركيزة تحسب أنها ~~في مأمن من انتشار هذا السر، واصبر أيضا فسأعطيك برهانا آخر. ثم قرعت بجرس كان على ~~الطاولة، فدخل فانتير في الحال. # وقالت الهندية للمركيز حين دخوله: هو ذا خادم الأرملة. # ونظر المركيز إليه نظرة احتقار وقال لابنة عمه: ما حاجتي بهذا الرجل؟ ~~- إنه الرجل الذي يخبرك بأنه رأى امرأتك عند الأرملة، وأنها كانت تجتمع في منزلها ~~بشاروبيم ... # فزاد احتقار المركيز وقال: ليس هذا بالبرهان، ولا أتدانى لسماع شهادة خادم يتهم ~~امرأتي. # وابتسمت عند ذلك الهندية ابتساما هائلا، وأخرجت من صدرها رسالة، وهي الرسالة التي ~~أملاها روكامبول على الأرملة وخلاصتها أن الأرملة تدعو المركيزة إلى الإسراع للقاء ~~شاروبيم الذي تهواه، قبل أن تحمله الغيرة على الفتك بزوجها. # ولما قرأها المركيز قالت له الهندية: أتشك بعد ذلك فيما أقول؟ ~~- نعم، لا أقتنع إلا إذا رأيت الاثنين مجتمعين. ~~- إذن ms0436 اتبع هذا الرجل إلى منزل الأرملة الآن تجد شاروبيم جاثيا أمام امرأتك، وقد خلا ~~المنزل ولم يبق فيه سواهما. ~~- إذن لقد دنا زمن العقاب والانتقام. # وصاحت الهندية عند ذلك متألمة من تأثير السم وقالت: أسرع أيها الحبيب إني ~~سأموت. # فقام المركيز وأخرج الخاتم من أصبعه ودفعه إليها وهو يقول: إنك إذا كنت صادقة فهذا ~~الخاتم ينقذك من الموت، وإذا كنت كاذبة فإني أعود إليك حيث تموتين بالخنجر لا بالسم. ~~ثم أمر الخادم أن يسير أمامه وقال: استغفر ربك على الطريق، فإنك إذا كنت كاذبا قتلتك ~~على الأثر. # وخرج الاثنان وركبا مركبة وسارت بهما حتى بلغت منزل الأرملة، وقاده الخادم إلى غرفة ~~الأرملة وخبأه فيها، ولما خرج فانتير من الغرفة لقيته الخادمة فاني على بابها، وقالت ~~له على مسمع من المركيز وهي تتجاهل أنه موجود في الغرفة: ابق هنا إلى أن أعود، فإني ~~ذاهبة لإخبار شاروبيم بأن المركيزة آتية. # فاضطرب وزالت كل ريبة لديه من كذب ابنة عمه، وعزم على قتل امرأته وعشيقها. # أما فانتير فإنه خرج مسرعا وهو يقول في نفسه: لقد قمت بواجباتي فليقتلها كما يشاء، ~~وبينما هو خارج لقي مركبة قد وقفت على الباب كأنها تنتظر أن تعود بصاحبتها ميتة خارجة ~~من عالم الأحياء. # 47 # ولنعد الآن إلى شاروبيم، لقد تركناه في موقف تهلع له قلوب الجبابرة من الخوف، ~~وقد صوب الكونت مسدسه على رأسه وقال له: لقد خسرت الرهان ولا بد لك من الموت، فجعل ~~شاروبيم يرتجف من الخوف وينظر إليه نظرة المتوسل، فقال الكونت: إني أمهلك ثلاث دقائق ~~كي تستغفر الله وتستعد للموت. # وكان شاروبيم قد عاد إليه صوابه في هذه المهلة فقال: لا أنكر أني خسرت الرهان، ولكن ~~لا بد لي من ملاحظة أبديها، وهي أنه بدلا من أن تقتلني وتعرض نفسك لمعاقبة ~~القوانين الفرنسية، اقتلني تحت ظاهرة المبارزة وأمام شاهدين كما اتفقنا من قبل، فتبلغ ~~غرضك من قتلي دون أن يعاقبك الشرع، وذلك أننا نتبارز بغدارتين أحدهما محشوة وتكون لك، ~~والآخرى فارغة وتكون لي. ms0437 ~~- أية فائدة لك من ذلك إذا كنت مقتولا في الحالتين؟ أما أنا فإني أرضى أن أكون ~~مسئولا لدى الشرع. ~~- إن فائدتي أني أريد أن أموت موت الأشراف في ساحة مبارزة، لا مقتولا قتل ~~المجرمين. # ولم يجبه، لكن باكارا ضحكت ضحكا عاليا ثم قالت: أتتكلم عن الأشراف وأنت لا صلة ~~بينك وبين الشرف. # فنظر إليها نظرة منكرة وقد علم أنها هي التي قضت عليه بالموت وليس الكونت، أما باكارا ~~فلم تحفل به وقالت: إن الشريف لا يبارز سوى الشريف، وقد راهنك الكونت حين كان منخدعا ~~بك منذ أيام، أما الآن يعلم أنك عضو عامل في عصابة لصوص. ثم التفتت إلى الكونت قائلة: ~~أيها الصديق ، اقتل هذا الأثيم، فإن قتله قد يسر المركيزة فان هوب. # ولما سمع شاروبيم اسم المركيزة علم أن باكارا واقفة على كل الدسيسة، وصاح قائلا: ~~رحماك إنني ألتمس العفو. # أما الكونت فإنه أخرج مسدسه من جيبه وقال: لقد انتهى زمن المهلة، اركع واستعد ~~للموت. # فركع شاروبيم أمام قدمي الكونت وقال وقد اصطكت أسنانه من الخوف: رحماك يا سيدي ~~الكونت، واعف عني، فما أنا إلا خائن أثيم، وإنني أستحق أن تحتقرني وتدوسني بقدميك، ~~فاحتقرني كما تشاء واصفح عن دمي، فإنني أفارق هذه البلاد فراق الأبد. ثم جعل يبكي وينظر ~~نظر المستعطف المتوسل إلى الكونت وإلى باكارا، فدنت باكارا عند ذلك منه وقالت: قل، ~~أتريد أن تعيش؟ ~~- إنني أصنع لك جميع ما تريدين إذا أبقيت على حياتي. ~~- إذن فإنك تستطيع أن تشتري حياتك بشرطين؛ أحدهما أن تقول لنا أية علاقة لك ~~بالمركيزة فان هوب. # فقال شاروبيم بفرح: نعم، نعم إني أقول كل شيء على شرط أن تحميني منهم، فإنهم يقتلونني ~~دون ريب. ~~- من هم الذين يقتلونك؟ ~~- أعضاء الجمعية السرية. # فقالت باكارا: اعلم قبل كل شيء أني واقفة على جميع أسراركم، فلا تكتم شيئا، وإذا ~~أردت أن تعيش أحميك من هذه العصابة. ~~- نعم يا سيدتي إني أقول كل شيء. ثم اندفع في القول فباح بجميع ما عرفناه من علائق ~~هذه الجمعية، ms0438 ومحل اجتماع أعضائها، وأسماء أولئك الأعضاء، وشدة خضوعهم لرئيس مجهول لا ~~يعلم اسمه سوى روكامبول، ثم باح لها بجميع ما عهد إليه أن يصنعه مع المركيزة فان هوب، ~~والفخ الذي نصب لها، وحديث ملايين الهندية، إلى غير ذلك مع جميع ما كان يعرفه. # ولما فرغ من كلامه قالت له باكارا: إني أعرف جميع ما ذكرت، ولم يبق علي سوى ~~معرفة اسم الرئيس، ولا يمكن العفو عنك إلا إذا بحت بهذا الاسم. # فاستخرط شاروبيم بالبكاء وقال: إني أقسم بالله العظيم إني لا أعرف اسم الرئيس، وإن ~~الفيكونت دي روكامبول هو الذي يعرف كل شيء. ~~- حسنا، سنرى إذا كنت كاذبا. # ونهض شاروبيم وهو يحسب أنه قد نجا، فقالت له باكارا: إنك لم تنج بعد، فإنك لم تنفذ ~~إلا الشرط الأول، وقد بقي الشرط الثاني. ~~- إني مستعد لتنفيذ جميع ما تريدين. # فأخرجت باكارا زجاجة العطر من صدرها وقالت له: ماذا يوجد في هذه الزجاجة؟ # وكان شاروبيم يعلم من أمرها غير ما لقنه إياه روكامبول، فقال لها: إنها تتضمن ~~عطرا هنديا يهيج الأعصاب. ~~- أليس فيها سم؟ ~~- كلا. ~~- إذن أجربها بك. # فقبل شاروبيم وهو لا يخطر له في بال أن أندريا قد ملأها من السم النقيع بغية قتل ~~باكارا. # وأعطته باكارا الزجاجة وقالت: فض ختمها وتنشق منها إذا كنت صادقا، فإن هياج ~~الأعصاب لا يضر. # وامتثل شاروبيم وفتح الزجاجة ثم جعل يتنشق رائحتها وهو لا يعلم أنه يتنشق الموت، ولما ~~فرغ من ذلك قالت له باكارا: اجلس الآن هنا تحت حراسة الكونت إلى أن أصدر لك أمرا ~~جديدا، فإني لا أستطيع إطلاق سراحك لأني أخشى بعد أن بحت بأسرار العصابة بأن تخبرها ~~بما أكرهت على فعله. # ثم خرجت وهي تقول للكونت: احرص عليه أشد الحرص. وبرحت منزلها وركبت مركبة وقالت ~~للسائق: اذهب بي إلى قصر المركيزة فان هوب. # وكان الليل قد انتصف، فلما بلغت إلى القصر طلبت مقابلة المركيزة. # فقال لها أحد الخدم: إنها نائمة يا سيدتي. ~~- لا بأس أيقظوها، فإني قدمت إليها لأمر خطير. ms0439 # ولم يجد بدا من الامتثال، وبعد هنيهة أمرت المركيزة بإدخالها إليها. # ودار بينهما حديث طويل أطلعتها باكارا على جميع الدسيسة، وعلى جميع ما صنعت لإنقاذها ~~إلى آخر ما تعلمه من أسرار هذه المكيدة الهائلة. # واضطربت المركيزة وقالت: لا بد أن يكون المركيز بأشد حالات القنوط. ~~- لا بأس لأنه سيفرح غدا، فإني قد ملكت جميع أعضاء هذه العصابة، ولم يبق سوى ~~واحد. # ثم مررت يدها على جبهتها كأنها ذكرت أمرا وقالت لها: يجب عليك طاعتي في كل شيء إذا ~~أردت السلامة لك ولزوجك ومعاقبة أولئك الأشرار، وأول ما أبدأ به هو أني أسألك أن ~~تعطيني ذلك الخاتم الذي يلبسه زوجك كل يوم، وهو الخاتم ذو الفص الأزرق. ~~- لماذا؟ ~~- إنه سر لا أستطيع أن أبوح به الآن. ~~- إنه يخلعه عادة كل ليلة قبل النوم، ولكني إذا أخذته فلا بد له من طلبه في ~~الصباح. ~~- أليس له بين الخواتم الكثيرة خاتم يشبه هذا الخاتم. ~~- نعم، اصبري إلى أن أبحث. # ثم تركتها وذهبت تبحث في صندوق المجواهرات إلى أن عثرت بخاتم يشبهه أتم الشبه، فدخلت ~~إلى غرفة ملابس المركيز دون أن يشعر بها، وأخذت ذلك الخاتم ووضعت مكانه الخاتم الذي ~~يشبهه، ثم عادت به إلى باكارا فأعطتها إياه. # فقالت لها باكارا: بقي أمر واحد يا سيدتي، وهو أنه لا بد لك الآن من مغادرة هذا ~~المنزل والذهاب معي إلى منزلي إلى أن أكشف تلك الأسرار في الغد. # ودهشت المركيزة وقالت: كيف أبرح منزلي في منتصف الليل؟ وماذا عسى أن يقول ~~المركيز؟ ~~- ليقل ما شاء، فإن حياتك في خطر، وذلك أن الهندية لا بد أن تقول للمركيز بأنك ~~ستقابلين شاروبيم في الساعة الثامنة من مساء الغد. ~~- ولكني لا أذهب إلى هذا اللقاء المشئوم. ~~- لقد أصبت، ولكنك لم تعرفي بعد أخلاق الرجال، فقد تهيج الغيرة في صدر زوجك فيقتلك ~~قبل أن يقف على البرهان، ثم يقتل نفسه كي يستريح. # وارتعدت المركيزة وقالت: إذن إني أذهب معك حيث تشائين. # ثم خرجتا وذهبتا إلى منزل باكارا دون أن ms0440 يشعر بهما أحد غير وصيفة المركيزة، غير أن ~~المركيزة كانت تثق بهذه الوصيفة، فأمرتها أن لا تذكر أمام المركيز شيئا من زيارة ~~باكارا، وأمرت الخادم مثل هذا الأمر قبل انصرافها. # وبينما كانت باكارا عند المركيزة، كان السم قد أثر بشاروبيم فجعل يبوح للكونت أرتوف ~~بجميع أسرار حياته وهو يضحك ويتعب شأن السكارى، ودام على ذلك مدة ساعة إلى أن باح بجميع ~~مكنونات فؤاده، ثم استحال هذا الزهو والسرور إلى انقباض شديد عقبه نزاع أليم وصراخ ~~شديد، فما طال به الأمر حتى سقط صريعا على الأرض، فعلم الكونت أن الفتاة اليهودية قد ~~صدقت بجميع ما قالت، وأن الزجاجة لم يكن عطرها غير سم هائل . # فلما عادت باكارا والمركيزة وعلمتا من الكونت أن شاروبيم قد مات من السم، قالت باكارا ~~للمركيزة: إننا قد صفحنا عن حياته، ولكن الله أراد أن يرميه بالفخ الذي كان يريد لي ~~الموت فيه، فلنستغفر الله. # ثم ركعتا بالقرب منه وجعلتا تصليان عن نفس هذا الأثيم المنكود. # 48 # تركنا المركيز فان هوب في الغرفة التي خبأه فيها فانتير خادم الأرملة، فأقام فيها ~~متربصا وبيده المسدس لقتل امرأته التي كان هائما بحبها منذ اثني عشر عاما، فكان يحس ~~بالعرق البارد ينصب من جبينه حين يسمع أقل حركة بالقرب منه. # وقد خطر له لفرط ما أصابه من العذاب أن يقتل نفسه، ولكنه تراجع عن هذا القصد لاعتقاده ~~أنه يخدم امرأته وعشيقها أجل خدمة بانتحاره، إذ تتزوج به بعد موته. فهاجت بصدره ~~الغيرة حتى عول قتل الاثنين. # ودقت الساعة الثامنة، وهو الأجل المضروب، ولم تحضر حتى فرغ صبره، وعزم على الخروج من ~~مخبأه، فسمع أن الباب قد فتح، ونظر من ثقب باب الغرفة التي هو فيها، فرأى امرأة علم ~~من ملابسها أنها خادمة المنزل. # وكانت هذه الخادمة فاني، وقد أدخلها أندريا في خدمة الأرملة لأنها كانت منخرطة في سلك ~~العاصبة، فجلست تلك الخادمة على كرسي بالقرب من باب الغرفة المختبئ فيها المركيز وجعلت ~~تناجي نفسها بصوت يسمعه المركيز، وبلهجة المتأففة المغضبة، ms0441 فتقول: أف لهذه الخدمة ما ~~أتعبها وما أكثر مشاقها! فإنه إذا كانت هذه الأرملة تمتهن شر المهن فإني أمتهن أيضا ~~أشدها تعبا، وذلك لأني أضطر أن أنتظر على الباب ساعة كل ليلة، وماذا علي الآن إذا ~~ذهبت، فإن هذه المركيزة قد تعرف أن تدخل وحدها، فقد كاد يقتلني البرد. # فأجفل المركيز وعض شفتيه من الغيظ، لأنه علم أن سر امرأته بات مضغة في فم خادم ~~وخادمة، فذهب من فؤاده كل حنو لامرأته وعزم على قتلها بفظاعة منكرة، وفيما هو على ذلك ~~فتح الباب ودخلت امرأة فقالت: هي ذي المركيزة. # ولكنها ما لبثت أن رأتها حتى تراجعت منذعرة إلى الوراء، وكادت تسقط من الخوف. # ونظر المركيز من ثقب الباب وهو يحسب أن الداخلة كانت المركيزة، فرأى أنها امرأة حسناء ~~ولكنها غير امرأته، أما تلك المرأة فإنها كانت باكارا، فلما دخلت إلى الغرفة خلعت ~~ردائها الذي كانت متشحة به، وتقدمت من فاني وهي خادمتها القديمة التي خدعتها في ~~المستشفى كما يذكر القراء في الرواية السابقة، فقبضت على خناقها وضغطت حتى كادت ~~تخنقها، فصاحت صيحة شديدة من الألم، فأفلتتها باكارا وقالت لها: إذا أردت النجاة من ~~الموت فاجلسي أمامي نتحدث. # فجلست فاني وهي تضطرب من الخوف وقالت لها: ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن أحادثك، فقولي ماذا تعملين هنا؟ ~~- إني أنتظر سيدتي. ~~- كذبت فإن سيدتك قد خرجت من المنزل، وهي لا تعود إليه إلا في مننتصف الليل. # فعلمت فاني أنها واقفة على شيء من السر، فقالت: بل إني أنتظر صديقة لسيدتي. # وقد دار بينهما الحديث الآتي، فقالت باكارا: ومن هي هذه الصديقة؟ # فترددت فاني عن الجواب، فأخذت باكارا خنجرا من صدرها وجردته من غمده، ثم أدنته من ~~الشمعة الموقدة حتى ظهر بريقه وقالت لها: أتعرفين هذا الخنجر؟ # وحاولت فاني أن تهرب ولكن باكارا قبضت عليها بيد من حديد وأجلستها في مكانها مكرهة، ~~ثم قالت: قولي من هي هذه الصديقة؟ ~~- المركيزة فان هوب. ~~- انتبهي جيدا إلى ما ستجيبينني إليه، فإني سأسألك كما يسأل القاضي المجرمين، وحذار ms0442 ~~أن تكذبي بحرف. # فعلمت فاني أنها تقتلها دون شك، فقالت: سليني ما تشائين فإني أجيب. ~~- لقد قلت أن المركيزة فان هوب هي صديقة لسيدتك. ~~- نعم. ~~- وهي ستجيء في هذا المساء؟ ~~- نعم، وقد كان حقها أن تحضر الآن. ~~- ماذا تأتي لتعمل في هذا المنزل إذا كانت سيدته غائبة عنه؟ ~~- إنها تأتي إليه لتجتمع فيه بشاب. ~~- من هو هذا الشاب؟ ~~- هو شاروبيم. ~~- لماذا تريد الاجتماع به؟ ~~- لأن المركيزة قد وصل إليها كتاب منه، وقد أوصلت الأرملة مالاسيس هذا الكتاب إليها ~~أمس. ~~- ماذا يتضمن هذا الكتاب؟ ~~- لا أعلم حقيقة فحواه، غير أن الذي علمته أن شاروبيم يريد أن يهاجر فرنسا بحيث لا ~~يعود إليها، وهو يلتمس من المركيزة أن تقابله بحضور الأرملة. # فهزت باكارا الخنجر بيدها وقالت: أتحب المركيزة شاروبيم؟ # فأيقنت فاني من دلائل إنذارها أنها واقفة على كل شيء، وأنها إذا كذبت أقل كذبة تقتلها ~~دون شك، فأجابتها: كلا، إنها لا تحبه. ~~- إذن فما الغرض من قدومها إلى هذا المنزل؟ ثم قالت لها: احذري من الكذب، فليس في هذا ~~المنزل من يشاهدني، بحيث إنك إذا كذبت أقتلك دون إشفاق. ~~- إذن فاعلمي الحقيقة، وهي أن سيدتي الأرملة تخدع المركيزة لخدمة شاروبيم، ولشاروبيم ~~فائدة من إغواء المركيزة، غير أنه لما كانت المركيزة امرأة شريفة فقد حسبوا ... ~~- من هم الذين حسبوا؟ ~~- مدام ملاسيس وخادمها فانتير وآخرون. ~~- قلت لك لا تكتمي أمرا، فلا وقت لنا للتردد. # ثم هزتها بيدها وأشهرت عليها الخنجر، فارتاعت فاني وباحت لباكارا بجميع أسرار ~~الدسيسة، إلى أن انتهت من كلامها، فأشارت بيدها إلى الغرفة المختبئ فيها المركيز، وقالت ~~لها: إن زوجها مختبئ الآن في هذه الغرفة. # وعند ذلك فتح باب الغرفة وبرز منه المركيز وهو أصفر الوجه والدموع تجول في عينيه، ~~فتقدمت منه باكارا وقالت له: إن الله يا سيدي أبى أن يعين أهل الشر والفساد، ولقد سمعت ~~كل شيء كما ظهر لي، فما أنت في حاجة بعد إلى برهان على طهارة امرأتك وعفافها، على ~~أنك إذا أردت أيضا برهانا آخر اتبعني ms0443 إلى حيث أنا ذاهبة. # 49 # بينما كانت هذه الرواية تمثل في منزل الأرملة، كانت رواية أخرى أبلغ منها في ~~التأثر تمثل في منزل الهندية، وذلك أنه عندما برح المركيز وفانتير منزلها شعرت ~~الهندية بألم السم، فأخذت الخاتم الذي أعطاها إياه المركيز ووضعته في كأس من الماء، حتى ~~إذا انحل الفص الذي فيه، شربت مزيج الماء وشفيت من أعراض السم. # وقد وضعت الخاتم في الكأس وتشاغلت عنه عشر دقائق إلى أن يتم انحلاله، ثم عادت ونظرت ~~إلى الكأس فرأت أن ماءها لم يتغير، وأن فص الخاتم لا يزال على حاله، فخافت وخشيت أن ~~يكون الحجر قد فقد تأثيره لانتقاله من بلاده إلى بلاد غريبة، أو لتقادم عهده، ولكنها ~~لبثت تنتظره وهي محدقة بماء الكأس حتى مرت بها ساعة وهي في هذا الموقف الشديد دون أن ~~يتغير الماء، فأدركت أنها مائتة لا محالة، ونسيت المركيز وغرامها القديم لتعلقها ~~بأهداب الحياة، ومثل الموت لديها بأقبح الصور، فصاحت صيحة شديدة وسقطت على مقعد ~~بالقرب منها وقد وهت رجلاها لفرط ما أصابها من اليأس. # وعند ذلك فتح باب الغرفة التي كانت فيها ودخل منه رجل تصحبه امرأة مقنعة بقناع ~~كثيف. # وكان هذا الرجل الكونت أرتوف والتى تصحبه المركيزة، فدهشت الهندية لمرآها، أما الكونت ~~فإنه مشى إلى المنضدة التي كان عليها الكأس ونظر إلى الخاتم فيها، ثم التفت إلى الهندية ~~وقال لها: أليس هذا الخاتم الذي وضعته في الكأس هو الذي تركه لك المركيز؟ ~~- نعم. ~~- أليس محلول حجره يشفي من السم الذي شربته؟ ~~- نعم. ~~- لقد أخطئت يا سيدتي، فإن حجر هذا الخاتم لا تذيبه المياه ولا يشفى السموم، فإنه ~~جوهرة من الجواهر العادية، أعطاك إياها المركيز وهو يحسبه أنه ذلك الخاتم الذي أحضره من ~~الهند، غير أنه أبدل بشبيهه، وإذا أردت زيادة في البيان والتفصيل، فسلي هذه ~~السيدة تخبرك بكل شيء. # فرفعت المركيزة عند ذلك البرقع عن وجهها، وكانت الهندية قد رأتها مرة حين قدومها ~~إلى باريس، فطبعت صورتها في مخيلتها. # ولا يسع الكاتب وصف ما ms0444 لقيته هذه الهندية من التأثير حين رأت عدوتها اللدودة، فإنها ~~نسيت موقفها الهائل، وأنه لم يعد لها نجاة من الموت لاستبدال الخاتم بسواه، ولم تذكر ~~غير أمر واحد وهو أن هذه المركيزة التي كانت تحسبها في عداد الأموات لا تزال حية، وأنها ~~أتت إليها كي ترى نزعها الأخير، وأن الدسيسة لم تفلح، وأنها وقعت هي في الشرك الذي ~~نصبته لسواها، فاتقدت عيناها، وخرج منها شرر الانتقام، فقالت لعدوتها: إذن لا تزالي ~~حية؟ # فأجابتها المركيزة بلطف: إن الله قد أنقذني، وقد أتيت إليك كي أغفر لك يا سيدتي ~~وأصفح عما أسأت به إلي. # فاضطربت الهندية وقالت: أنت تغفرين لي؟ إني أؤثر كل الموت على هذا الغفران ، ولا شك ~~أن زوجك قد غفر لك جريمتك، أما أنا فإني أموت ولا أصفح عنك. # ثم نظرت إلى ما حولها تلتمس خنجرا أو آلة قاتلة، فلم تجد فأطبقت يدها منذعرة وهجمت ~~عليها تريد تمزيقها بأسنانها، ولكنها لم تستطع أن تبلغ إليها وهوت من تأثير السم، وخرج ~~الزبد من شدقيها. # فدنت منها المركيزة وقالت لها بلهجة حنو: إنك في حالة نزاع، أتموتين هكذا دون أن ~~تستغفري الله؟ # فاشتد هياج الهندية وقالت: إني لا أعتقد إلا بسيفا إله جهنم، ولا ألتمس منه إلا أن ~~يرسل ناره على رأسك ويحيط بك بأبالسته. # فلم تغضب المركيزة لكلامها وقالت لها: إنك يا سيدتي في حالة شديدة، ولا تؤاخذين ~~فيما تقولين، ولكنك إذا كنت تحبين الحياة فقولي كلمة واحدة، قولي إنك رجعت عن بغضي ~~والحقد علي فتحيي. # فأجابتها بالشتائم والسباب وقال: قبحت حياة تكون من عندك. # إلا أن المركيزة لبثت على سكونها ووداعتها، فأخرجت من جيبها خاتم المركيز الأصلي ~~المحتوي على ترياق السم، وقالت: هو ذا شفاؤك في يدي، وقد أتيت لأنقذك من ~~الموت. # وكأن هذه الكلمات قد جذبت إليها آمال الحياة، فحدقت بالمركيزة تحديقا طويلا ثم ضحكت ~~ضحكا عاليا مؤثرا، وقالت: إذن فإن الترياق معك وحياتي بين يديك. ~~- نعم، وأنا ما أتيت إلا لإنقاذك. ~~- لقد ذهبت مساعيك عبثا فانصرفي في ms0445 شأنك، أني أؤثر الموت على حياة تدب إلي ~~منك؛ لأني أكرهك وأنفر منك نفور الظلمة من النور. # ثم أنت أنين الموجع، فخرج أنينها من صدرها كزئير السباع. # وعند ذلك فتح الباب ودخلت منه باكارا والمركيز، فلما رأت الهندية ابن عمها قالت له: ~~ألعلك خفت واضطربت يدك، فرجعت عن قتل هذه الأثيمة؟ # فصاح بها المركيز: اسكتي أيتها الخائنة، فإنها من الملائكة الأطهار، وما أنت إلا ~~رسول جهنم على الأرض. # ثم رجع إلى امرأته، فركع أمامها وقال: إن هذه المرأة قد نمت بك، ووشت عليك أقبح ~~وشاية، فاغفري لي إساءة ظني واغفري لها فإنها ستموت. # فأكبت المركيزة عليه تعانقه باكية وهي تقول: لقد ظهرت براءتي وعلمت الآن أني جديرة ~~بحمل اسمك الشريف، وقد صفحت عن هذه المسيئة إلي وإليك، فاصفح عنها أنت أيضا ~~وأنقذها من الموت. # فنهض المركيز وقال: ليكن ما تريدين. # ثم أخذ منها الخاتم وألقاه في كأس ماء وقال لابنة عمه: هو ذا الترياق في الماء، فإذا ~~أردت الحياة فالتمسي العفو من تلك المرأة الشريفة التي أردت تدنيسها ~~بوشاياتك. ~~- كلا، لا أطلب عفوا ولا أريد مرحمة، فالموت خير من الحياة. # ثم جعلت تتقلب على مقعدها وتئن من آلامها أنينا موجعا، والجميع ينظرون إليها ~~مشفقين معجبين من هذا الحقد الدفين، إلى أن زادت آلامها عن حد احتمالها وجعلت تصيح ~~صياحا منكرا وتتلوي تلوي الأفعوان، فعاد إليها رشدها وتمثلت لها لذة الحياة، وضاق ~~صبرها عن احتمال آلامها فقالت: هات الكأس ... اسقني الترياق. # فأسرع المركيز إليها بالكأس وقال: هو ذا الكأس، بقي أن تسأليها العفو. # فامتثلت صاغرة والتمست منها العفو، ثم مدت يدها تريد أخذ الكأس، فأسرعت باكارا ~~واختطفته من يده وقالت: إذا كانت هذه الفتاة تريد الحياة، فلتقل لنا أسماء شركائها ~~بالجريمة الذين أرادت أن تدفع لهم الملايين الخمسة. # فقالت الهندية بصوت خافت من النزع: إنهما اثنان. # فقالت باكارا: اذكري اسميهما. ~~- إن أحدهما يدعى الكونت روكامبول. # فاضطرب المركيز وذكر روكامبول، وقال: إن هذا سيموت من يدي. # فقالت باكارا: اذكري اسم الآخر، اسم ms0446 الزعيم. # فقالت الهندية، وقد أطبقت عينيها وخفت صوتها: عرفته ... في نيويورك. ~~- اذكري اسمه. # وكانت ترجو أن تذكر أمام جميع الحاضرين اسم السير فيليام، فيفتضح أمره أمام الشهود ~~وتبلغ منه في إقناع أخيه ما تريد. # ففتحت الهندية فمها لتنطق باسمه، غير أن صوتها اختنق، فمدت يدها إلى الكأس دون أن ~~تستطيع الكلام، فعادت باكارا إلى الإلحاح بذكر اسمه ومنعت عنها الكأس، فحاولت الهندية ~~أن تذكر الاسم غير أن قواها خانتها، فصرخت صرخة منكرة وانقلبت مائتة دون أن تتمكن من ~~الإباحة باسم أندريا، كأن إله الشر لا يزال باسطا حمايته عليه. # 50 # وبينما كانت الهندية يقطع السم أحشاءها، وقد عقدت آمالا خائبة على خاتم المركيز، ~~كان أندريا ملتفا بردائه وواقفا في زاوية بالقرب من منزل الأرملة متربصا، فخرج ~~الخادم فانتير ومر بالقرب منه دون أن يراه، فعلم أندريا أن المركيز مختبئ بالغرفة، ~~وجعل ينظر متوقعا من حين إلى حين أن يسمع دوي مسدس هذا الزوج الغيور. # فمرت الساعة الثامنة والنصف دون أن يسمع هذا الصوت الذي يكسبه خمسة ملايين، فخطر ~~السوء في باله، وأول ما تبادر إلى ذهنه باكارا، فصبر عدة دقائق أيضا ثم عول على الدخول ~~إلى المنزل، وذلك بعد أن خرجت منه باكارا والمركيز بزمن وجيز، فدخل ولم يجد أحدا، فجعل ~~يجتاز من غرفة إلى غرفة حتى بلغ الغرفة التي فيها فاني، فوجد تلك الخادمة القديمة في ~~خدمته جالسة على كرسي وهي قد وضعت رأسها بين يديها وأطرقت إطراق من أصيب بخطب جليل، ~~ثم رأى خنجرا على مائدة بقربها، فوجف فؤاده وأيقن أنه من آثار باكارا، فأخذه ودنا من ~~الخادمة، فلما رأته فاني حسبت أنه آت لقتلها فانطرحت على قدميه تستجير منه به، أما ~~أندريا فإنه قبض على شعرها ووضع الخنجر على عنقها وقال: قولي أين شاروبيم؟ ~~- إنه لم يحضر. ~~- وباكارا؟ ~~- إنها ذهبت مع المركيز. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى منزل الهندية. # فعلم أندريا أنه فقد كل رجاء، وأن هذه الخادمة قد خانته فطعنها بخنجره طعنة إلى ~~قلبها، ثم غادرها مخضبة بدمها ms0447 وانطلق وهو يقول: إذا نجوا جميعهم من قبضتي، فإن أرمان لا ~~ينجو. # ومشى مشي المفكر المهموم، ولكنه بدلا من أن يفر من أعدائه ذهب للقائهم، فتزيا ~~بزي توبته، وانطلق إلى منزل الهندية. # ويذكر القراء أن روكامبول برح منزل الهندية على أن يرجع إليها بعد ساعة، فذهب إلى ~~النادي وأقام فيه ساعة وهو يحلم بالملايين إلى أن حان الموعد المعين، فخرج مسرعا ~~عائدا إلى منزل الهندية وهو يغني في طريقه غير مكترث بشيء، حتى بلغ إلى المنزل فدخل ~~دخول الآمن المطمئن، ومشى إلى الغرفة المقيمة فيها الهندية، فدخل وهو لا يخطر له في ~~بال أنه يجد فيها هذا الخليط من أعدائه، فلما تجاوز عتبة الباب ورأى الهندية ميتة ~~والمركيز وامرأته والكونت وباكارا يحيطون بها، علم أن نجمه قد هوى، فصاح صيحة المندهش ~~وقالت باكارا: هو ذا واحد منهما قد سقط في الشرك. # أما المركيز فإنه دنا منه وقال: إني لا يصدني شيء عن قتلك الآن، ولكني لا أريد قتلك ~~إلا بمبارزة، فانزل معي إلى الحديقة. # غير أنه قبل أن يثوب روكامبول إلى رشاده من هول ما رآه، وقبل أن يتمكن من إجابة ~~المركيز، فتح مصراعا الباب بشدة وانقض رجل منهما انقضاض الصاعقة على روكامبول، ~~فطعنه بخنجره في صدره طعنة قوية ألقته على الأرض يتخبط بدمائه وقال: أيها اللص إني ~~أطاردك منذ شهر، وكلما عثرت بك تنجو مني، أما الآن فقد قضي عليك وقضي على هذه ~~الجمعية السرية الهائلة من بعدك إذ لم يعد لها رئيس. # وكان هذا الرجل القاتل المتلبس بالتوبة والصلاح أندريا، ذلك الرجل الزاهد الناسك رئيس ~~بوليس أخيه أرمان، فلم يبق ريب لدى الحاضرين بصلاحه، وصعقت باكارا لخذلانها ولما ~~رأته من جرأة هذا الرجل الذي يعرف أن يبلغ النصر من طرق الفشل والخذلان، وقالت في ~~نفسها: لقد انتصر الشر على الخير أيضا. غير أن باكارا كانت تثق بالله وكان الله ~~معها. # 51 # ندخل الآن في القسم الأخير من هذه الرواية الهائلة، ولا بد لنا أن ندع بعض أشخاصها ~~للاهتمام ms0448 بأرمان دي كركاز، فنقول: بعد ثلاثة أشهر مضت على الحوادث المتقدمة، كان رجل ~~طريح الفراش في منزل صغير وأمامه امرأة عجوز تنظر إليه بحنو، فنظر إليها العليل وقال ~~لها: بأي يوم نحن يا أماه؟ ~~- في الرابع عشر منه. ~~- أتعلمين أني طريح هذا الفراش منذ ثلاثة أشهر؟ ~~- نعم، فإن نجاتك من الموت كانت من العجائب الخارقة. ~~- إن الأبالسة قد أخذت بيدي، فإن ساعتي لم تحن بعد ولكني لا أجد بدا من الخروج ~~للتنزه، فقد سئمت العيش في هذا الفراش. ~~- إن النزهة تفيدك يا بني، ولكنك لا تستطيع الخروج قبل أن يحضر الرئيس. ~~- تبا له من رئيس، فلقد كاد يبعث بي إلى الدنيا الآخرة، ولكنه رجل نابغة، وأنا أجد ~~لذة في الامتثال له. # وكان هذا الشاب روكامبول بعينه، وتلك العجوز التي يناديها بأمه لم تكن إلا مدام ~~فيبار. وحكايته أنه بعد أن طعنه أندريا تلك الطعنة الهائلة سقط على الأرض مغشيا عليه ~~أمام الهندية المائتة، ثم انصرف جميع من كان في غرفتها، وهم الكونت الروسي وباكارا ~~والمركيز والمركيزة وأندريا، كل في شأنه وخلا المكان للخدم، فسرقوا كل ما عثروا عليه ~~من أمتعة الهندية وحليها، حتى إنهم جردوا روكامبول من ملابسه فسلبوها أيضا وفروا ~~بها. # وفي اليوم التالي اتصل الخبر برجال الحكومة، فأقبلوا إلى المنزل ورأوا الهندية مائتة ~~والمنزل مسروقا، وروكامبول طريحا بالقرب من الهندية وفيه بقية رمق، ففتشوا جيوبه ~~علهم يجدون بها ما يدل على اسمه، فلم يجدوا شيئا، فحملوه إلى المستشفى وهم يؤملون أن ~~يعلموا حقيقة الأمر بعد أن يعود إلى رشده. # غير أن الحقيقة بقيت مكتومة عنهم؛ فإن روكامبول حين عاد إلى رشده اتصل به هذيان ~~الحمى، فكان كلما أتاه رجال التحقيق يجدونه في هذيانه فلا يعلمون منه أمرا، ولم يكن ~~هذيان روكامبول طبيعيا بل إنه كان يتكلفه تكلفا كي يتنصل من رجال البوليس؛ وذلك ~~لأنه عندما صحا من غشيانه جعل يتذكر ما مضى، فذكر أنه رأى الهندية مائتة وأن أعداءه ~~كانوا محيطين بهما، وأن رجلا هجم عليه وطعنه بخنجر، ms0449 ولكنه لا يعرف من هو هذا الرجل، ~~ولم يعلم شيئا سوى ذلك من سر هذه الحكاية، وما كان من تقول الناس عنه بها، إلى أن سمع ~~ممرضتين في المستشفى يتباحثان بشأنه وهما تحسبان أنه نائم، فكانت إحداهما تقول للأخرى: ~~لا إخال رجال التحقيق يقفون على شيء من أمر هذا الجريح، فإنه أصبح دائم الهذيان. # فأدرك روكامبول أن البوليس يترقب أن يصحو كي يستنطقه ويقف على الحقيقة منه، فجعل عند ~~ذلك يتكلف الهذيان تكلفا؛ حذرا من البوليس وهو يتوقع أن يأتيه الفرج من باب ~~يجهله. # وطال به العهد حتى يئس الأطباء من شفائه وقنط رجال البوليس من استنطاقه، إلى أن أتت ~~يوما امرأة عجوز إلى المستشفى، وادعت أن الجريح ولدها فأدخلوها إليه، وكانت هذه ~~العجوز مدام فيبار، فلما دخلت إليه وضغطت على يده وقالت له وهي تعانقه باللغة المتعارفة ~~بينهما: احذر من أن تخالفني فيما أقول. # ففطن روكامبول للأمر وجعل يكلمها بلهجة الولد وتكلمه بلهجة الأم. # وأتصل الأمر بالبوليس، فأقبل يسأل تلك الأم عن هذا الولد، فلفقت لهم حديثا ~~طويلا مآله أن ولدها كان خادما في أحد القصور في الهند، ثم اتصل بفتاة هندية فشغفت به ~~شغفا شديدا، وكانت تغار عليه غيرة عجيبة وتتهمه تهمات باطلة، وتخاصمه في كل يوم ثم ~~يصطلحان، فما كان يسعه إلا الامتثال لها لفرط ثروتها، إلى أن قالت: وكان آخر عهدي به ~~أنه كان مع هذه الهندية في باريس، وقد قرأت في إحدى الجرائد أن فتاة هندية وجدت ميتة ~~في منزلها، ووجد شاب جريح أمامها، فما زلت أبحث عنه حتى علمت أنه في هذا المستشفى ~~فأتيت إليه. # فصدقها رجال البوليس لما رأوه من انطباق قصتها على قضية الفتاة، ثم حملته من ~~المستشفى إلى منزلها وأقامته فيه. # وقد عرف القراء من حديث روكامبول مع مدام فيبار أنها كانت تنتظر قدوم أندريا، فلم تزل ~~بانتظاره حتى قدم أندريا إلى منزلها، وكانت المرة الأولى التى رآه بها روكامبول، فدار ~~بينهما عتاب طويل تنصل منه أندريا، وكانت حجته في طعنته ms0450 النجلاء أنه رآه محاطا ~~بأعدائه، وأنهم لا بد لهم من قتله، فسبقهم إليه وهو يرجو بذلك أمرين؛ أحدهما أن لا تكون ~~الطعنة قاضية عليه، وثانيهما أنه إذا لم يكن له بد من الموت، فخير لأندريا أن تموت من ~~يده كي تنفي عنه تهمة الاشتراك بالجريمة، وكي يفيد الشركة في مماته كما كان يفيدها في ~~حياته، أما إذا قتله أعداؤه فإنه لا يفيد ولا يستفيد. # فاقتنع روكامبول أو تظاهر بالاقتناع، فأطلق أندريا سراح مدام فيبار وأقام مع تلميذه ~~يضع له خطة جديدة شرا من الأولى للفتك بأخيه الكونت أرمان دي كركاز، فبدأ روكامبول ~~يشكو من حرارة البيت المقيم فيه، فقال له أندريا: يجب عليك الشكر، فإن هذا البيت الحقير ~~أخفاك عن عيون باكارا. # وكان اسم هذه المرأة قد أثار العواصف في فؤاده، فلمعت عينه بشعاع من الحقد وقال: إنها ~~قد انتصرت علي، ولكننا لا نزال في بدء المعترك، وحقيقة الغلبة لا تكون إلا لمن يفوز ~~الفوز الأخير. ~~- لا شك عندي بفوزك، إنما لا بد لك من الاعتراف بأننا فقدنا سبعة ملايين، أي ملايين ~~الهندية وفرناند. ~~- نعم ولكننا سنغنم ضعفها. ~~- إن هذا محال، وليس كسب الملايين بالأمر السهل الميسور. # فلم يتدان أندريا لجوابه، بل قال: إنك كنت كونتا أسوجيا ففقدته، أتحب الآن أن ~~تعود إلى مثل هذه الألقاب؟ # فابتسم روكامبول وقال: الحق أني تعودت على ألقاب الشرف، فلم يعد لي لذة إلا ~~بها. ~~- إذن فإني أمنحك لقب مركيز برازيلي، وهو أفضل من لقبك القديم؛ إذ لا بد لك من ~~الترقي لإخلاصك، فأنت تدعى منذ اليوم دون إينيجو والمركيز دي لوس مونتس، وإنك من أسرة ~~عريقة في النسب مقيمة في البرازيل منذ مائة عام، ثم إنك إسباني الأصل وقد خسر أجدادك ~~ثروتهم في إسبانيا، ونال أبوك ثروة نادرة في البرازيل بتجارة المواشي، وأنت آت الآن ~~إلى باريس لتنفق فيها شيئا مما جمعه أبوك من الملايين. ~~- لقد رضيت، ولكنك إذا منحتني اللقب فكيف لك أن تمنحني المال، ونحن قد أنفقنا النصف ~~مليون الذي قبضناه ms0451 من الهندية. ~~- كن آمنا، إذا نفذت ثروتنا فإن ثروة أخي الكونت لم تنضب بعد. ~~- كيف ذلك؟ أتطلب إليه أن يمدك بالمال؟ ~~- كلا، ولكنه أعطاني أمس مائة ألف فرنك كي أنفق منها في سبيل مقاومة الشرور ومساعدة ~~البائسين. # فضحك روكامبول وقال: من هم أولئك البائسون؟ ~~- نحن، وهذا المال يكفينا ثلاثة أشهر إذ إننا ننفقه باقتصاد فلا نشتري المنازل ~~والأثاث حسب عادتنا، بل نستأجرها وبدلا من أن نقيم في قصر خاص فإنك تقيم في فندق عظيم ~~شأن كبار النزلاء، وسأجد لك خادما أسود يكون من أتباعك، أي إني سأصبغ فانتير، فقد ~~أخرجته من خدمة الأرملة ملاسيس، ثم إني سأحصل على كتاب توصية بك لأخي العزيز الكونت ~~أرمان كي تستطيع الدخول إلى منزله متى شئت بما ينبغي لمقامك من الإكرام؛ لأن جميع ~~أعمالنا ستكون في منزله وسنخص عنايتنا به دون سواه. # وسر روكامبول بهذا المشروع الجديد، وقال: لقد أحسنت غاية الإحسان بهذا ~~التخصص. ~~- أتعلمت ضربة السيف التي أمرتك أن تتمرن عليها؟ ~~- أتم التمرين. ~~- اذهب وتأهب للسفر في الساعة العاشرة إلى الهافر، وأقم فيها إلى أن تصل إليك ~~أوامري. # ثم أعطاه ما يلزمه من المال لهذا السفر، فقبضه روكامبول وقال له: بقي أن تقول لي ~~مقدار حصتي من الغنيمة متى قتلت أخاك الكونت ووصلت إليك أمواله؟ ~~- إني أمنحك إيرادا سنويا قدره 40 ألف فرنك، وجواز سفر للبلاد الأميركية. ~~- كيف ذلك؟ أتفارقني متى استغنيت عني؟ ~~- نعم، لقد عولت متى ورثت أخي أن أرث منه كل ما لديه من المال وامرأة وولد، حتى عزمت ~~على أن أرث أيضا طباعه فأصبح من رجال الخير، ومتى أصبحت صالحا فأية حاجة لي بلص ~~مثلك؟ # فضحك الاثنان ثم افترقا، فذهب أندريا إلى منزل أخيه وتزيا روكامبول بزي فقراء ~~العمال وسار إلى الهافر كما أمره أندريا. # 52 # بعد ثمانية أيام مرت على سفر روكامبول، عاد إلى باريس راكبا مركبة بديعة وقد غير ~~ملامحه فأصبح لون وجهه كلون النحاس، وكان جالسا وراء مركبته عبد أسود لم يكن إلا ~~فانتير، فوقفت المركبة على ms0452 باب أحسن فندق في باريس، وأسرع فانتير ونادى الخدم باللغة ~~الإسبانية، وأمرهم أن يحملوا أمتعة سيده إلى خير مكان من الفندق. # أما روكامبول فكان أول ما اهتم له أنه نادى وكيل الفندق وطلب إليه أن يرسل رسالة ~~أعطاه إياها إلى الكونت أرمان دي كركاز، وهذا نص الرسالة: # سيدي الكونت # أسألك المعذرة للخطة التي سأسلكها بإزائك، لأني لا أعلم إذا كانت تنطبق على ~~المصطلحات الفرنسية، لقد أتيت من البرازيل إلى باريس كي أقيم فيها بضعة أشهر، ~~وأعطاني صرافي في ريو دي جانيرو حوالات على عميله في الهافر، وهو المسيو أربان ~~مورتونت، فأخبرت هذا العميل أني لم أعرف أحدا في فرنسا، فأعطاني كتاب توصية ~~إليك. # وقد وصلت يا سيدي الكونت إلى باريس منذ ساعة، فتجرأت على الكتابة إليك ~~ملتمسا أن تؤذن لي بزيارتك كي أسلمك هذا الكتاب. # المركيز دون إينيجو دي لوس مونتس # فذهب الرجل بكتاب روكامبول إلى أرمان، وبعد ساعة أقبل أندريا موفدا من قبل أخيه ~~للسلام على هذا المركيز والإتيان به إليه، ثم أخذه وسار به إلى قصر أرمان. # ولما كانا على الطريق جعل أندريا يتأمل تلميذه ويعجب بحسن إتقانه التقليد، فقال له: ~~كأنك قد خلقت أميرا، فإنك لا تفرق في ملامحك عن الأمراء. # فأجابه روكامبول: ذلك لأني تخرجت في مدرستك. ~~- ومما يسرني منك أنك أتقنت تقليد أهل البرازيل، بحيث تجوز الحيلة على أرمان؛ إذ لا ~~يوجد أقل شبه بينك الآن وبينك حين كنت تدعى الكونت كامبول. ~~- نعم، إلا أني أخشى أن تعرفني باكارا إذا رأتني. ~~- لا خوف علينا منها بعد الآن، وقد باتت تعد في مصاف القديسين. ~~- أواثق أنت من ذلك، ثم إذا كنت واثقا فهل غفرت لها؟ # فضحك أندريا ضحك الساخر، وقال: كيف أغفر لمن خسرت بسببها سبعة ملايين، واثني عشر ~~مليونا أخرى. ~~- إذن، فما أعددت لها من العقاب؟ ~~- أعددت لها عقابا لا يخطر في بال إنسان، وسأخبرك عن جميع ذلك متى حان وقت ~~الانتقام، أما الآن فلا أستطيع التفكير إلا بأرمان، فهل أنت واثق من نفسك أنك ms0453 أتقنت ~~ضربة اليسف التي أمرتك بتعلمها؟ ~~- كل الثقة، ولكني معجب لأمر، وهو أنك تعرفني بأخيك وتصادقني معه ثم تأمرني بقتله، ~~فلماذا هذه الصداقة إذا كان لا بد بعدها من القتل؟ # ولم يتدان أندريا إلى مجاوبته على ما سأل بل قال: اعلم يا حضرة المركيز أنك شاب ~~جميل، ويجول في عروقك الدم الإسباني، أي إنك كثير الشهوات، ثم إن امرأة أرمان دي كركاز ~~شقراء جميلة، ولا بد إذن للمركيز دي إنجو من أن يحب الكونتس دي كركاز، ثم يجب على هذا ~~المركيز أن يكون نذلا خسيسا جسورا مقداما، لا يحفل بفضائل النساء ولا يكترث لشرف ~~الأرواح، ويتحتم عليه أن يظهر غرامه لتلك الحسناء. # فأجفل روكامبول وقال: ماذا أسمع؟ وكيف تغريني على حب الكونتس امرأة أخيك وأنت مشغوف ~~بها كما تقول؟ # فتنهد أندريا وقال: إنك لا تزال غرا أبله، أفلا تعلم أن القصد من ذلك أن أتداخل ~~في الأمور، وأبارزك فأكون قد دافعت عن شرف امرأة أخي بدمي، فيجمل صنعي لدى أخي ولدي ~~امرأته وأبلغ منهما بعض ما أريد؟ # فقال روكامبول: وكيف إذن تريد أن أقتل أخاك؟ ~~- إنه لا يعلم بأني بارزتك من أجل امرأته إلا بعد حين، وعندما يعلم ذلك فهو لا يقابلك ~~إلا بالحسام. # وأطرق روكامبول رأسه إلى الأرض وقال: لقد أصبت، فإني قصير النظر في الأمور، والحق ~~أنك من النوابغ. # وعند ذلك وصلا إلى قصر أرمان، فنزلا من المركبة ودخلا إليه. # 53 # ولنعد الآن إلى باكارا والكونت أرتوف، فنقول إنه بعد حادثة الهندية خلت باكارا ~~بالكونت في منزلها وقالت له: إنك تعلم الآن حقيقة ما كنت أسعى إليه، فلقد أخبرتك كل ~~شيء، ولذلك بقيت وحدك غير واثق من توبة أندريا دون الجميع. ~~- ذلك لأنهم لم يروا ما رأيت، ولم يعلموا ما علمت من أمره. ~~- نعم، فإن جرأة هذا الرجل لا تقف عند حد، وبعد أن قبضت على رفيقه وأوشكت أن أظفر به ~~وأحمله على الإقرار باسم رئيسه الأثيم، خرج إليه فقتله كي يأمن إقراره ويظهر للحاضرين ~~بمظاهر الصلاح. أما ms0454 سمعته حين أقبل يعاتبني بعد تلك الطعنة لأني أردت مطاردة الجمعية ~~السرية وحدي دون أن أعتمد عليه؟ # فقال الكونت: إننا أخطأنا منذ البدء، فقد كان يجب علي أن أقتله حين ظفرنا به المرة ~~الأولى. ~~- نعم، كنا منعناه عن ارتكاب آثام جديدة. ~~- أتحسبين أنه يعود إلى الشر بعد ما لقيه من أخطاره؟ ~~- إنه فطر عليه، وإن مر يوم لا يرتكب فيه إثما لا يعده من أيامه، ثم إن هذا ~~الرجل لا يكترث للمال، ولكنه ظمآن للانتقام من أخيه. ~~- أتحسبين أنه يقتله؟ ~~- يطمع بأكثر من حياته، فإنه يريد ثروته وامرأته وولده كما فعل أبوه من قبل بأبيه، ~~وفوق هذا فإنه لا يطيب له خاطر إلا بقتلي؛ فقد كشفت دسائسه وحبطت مساعيه مرات كثيرة، ~~فهو لا يغفر لي. ~~- إذن، يجب أن يموت. # فابتسمت باكارا وقالت: إنك رجل شريف، غير أنه لا سبيل لنا إلى قتله الآن، وأخص ما يجب ~~أن أسعى إليه أن أدعه يثق بي ويحسبني واثقة من إخلاصه في توبته، وهو ما سأظفر به بعد ~~ساعة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه سيزوني الآن كما أخبرني في رسالة بعثها إلي، ولا أعلم القصد من هذه ~~الزيارة سوى أني أظن أنه يريد سبر غوري للوقوف على حقيقة ظني به، وسيلقى كفؤا له في ~~السياسة، فإني سأدعه يخرج مقتنعا بوثوقي من توبته، وهو سيحضر قريبا فاختبئ في هذه ~~الغرفة المجاورة حيث تسمع كل ما يدور بيننا من الحديث. # ولم تكد تتم كلامها حتى دخلت الخادمة تخبرها بقدوم أندريا، فأمرتها بإدخاله وأسرع ~~الكونت إلى الاختباء. # ودخل أندريا وكان بملابس التوبة، فجلس بالقرب من باكارا ودار بينهما الحديث الآتي، ~~فقال أندريا: إني أتيت يا سيدتي لأباحثك في أمور خطيرة. ~~- قل ما تشاء يا سيدي، فإني مصغية إليك. ~~- لا بد لي قبل أن أذكر شيئا من سابق أحوالي وأحوالك، فلقد كنت من بنات الهوى ثم ~~ارتجعت عن هذا العيش الذميم وعشت عيشة صلاح، ولقد كنت أشر منك فإني كنت لصا قاتلا ~~سفاكا، إلا أني عدت أيضا بإلهام من ms0455 الله مثلك إلى التوبة، ولكني رأيت بين الناس من ~~لم يثق بتوبتي ومنهم أنت، وذلك أنه بينما عهد إلي أخي أرمان مطاردة تلك الجمعية ~~السرية الهائلة رأيت من ملامح وجهك ما استدللت منه أنك غير واثقة بصدق توبتي. # فأطرقت باكارا بعينها إلى الأرض إطراق النادم وقالت: إنني أعترف بصحة ما تقول. ~~- ولقد أثرت بي شكوكك، إلا أنني حسبتها عقابا لي من الله، وعلمت أنه جل جلاله ~~لم يغفر لي بعد، ومن يعلم فلقد يكون جال في ظنك أنني واحد من رجال تلك العصابة ~~الشريرة. ~~- هو ما تقول يا سيدي الفيكونت، فلقد ظننت هذا الظن. ~~- ولهذا فلقد طاردت رجال العصابة كما كنت أطاردهم دون أن تشركيني بشيء، والغريب أننا ~~وصلنا إلى غاية واحدة دون أن أعرف الطريق التي سلكت فيها. ~~- أتريد يا سيدي أن أعترف لك بكل شيء؟ ~~- تكلمي. ~~- إنك قتلت أمس بخنجرك ذلك الرجل في منزل الهندية، فكان خير برهان للحاضرين على صدق ~~توبتك، إلا أنني لا أزال على ريب منك وألتمس منك أن تزيل مني هذا الريب ببرهان دامغ، ~~فإنه يثقل علي. ~~- إن ظنونك هي يد الله التي تعاقبني على آثامي السابقة، فأنا لا أحاول إقناعك، بل ~~أنحني صاغرا أمام هذه اليد المنتقمة، ولا أهرب من عقاب الله. # فتظاهرت باكارا بالتأثر الشديد وقالت: رباه! ماذا أسمع؟ فإنك إذا كنت صادقا فيما ~~تقول فإن الندم على سوء ظني بك سيقتلني لا محالة. # ففرح أندريا فرحا شديدا دون أن يظهر عليه شيء من آثاره، وقال لها: إذا حلفتك ~~يمينا أتبرين باليمين؟ ~~- إني أبر بيميني ولو حلفتها للص أثيم. ~~- إذن، فأقسمي لي إنك لا تبوحين بالسر الذي سآتمنك عليه. ~~- أقسم لك أني لا أبوح بسرك. ~~- إذن فابحثي في أعماق قلبك الذي نفذت إليه مدة أشعة الغرام الصحيح، تعلمين ~~حقيقة السبب في توبتي. ~~- ماذا أسمع؟ ألعلك أصبحت من العاشقين؟ ~~- نعم، فإني بعد أن فقدت جميع آمالي السابقة شعرت أن قلبي الحجري يحب، وأني أحب تلك ~~المرأة التي أردت تدنيسها حب احترام لا حد ms0456 له. # ثم أطرق برأسه وقال: هذه المرأة هي امرأة أخي أرمان. # فصاحت باكارا صيحة الندم، وقالت: أسألك العفو، فلقد زالت الآن ظنوني. # ثم ركعت أمامه تستغفر عما أساءت إليه من قبل، ونظر إليها أندريا فرأى دمعة تسيل على ~~خدها، فلم يشكك بحسن اعتقادها، فتكلف هيئة المنقبض الحزين وقال: لقد علمت الآن ~~متاعب هذا الوحش الضاري الذي كاد يفترس الفتاة الوحيدة التي أحبها، ومقدار ندامته ~~بعد التوبة؟ # فتنهدت باكارا ومدت يدها إليه، وهي تقول: نعم، لقد عرفت كل شيء، وبقي أن أظهر لك ~~برهاني أيضا عن ثقتي بتوبتك. # ثم أخرجت مسدسا من جيبها، وقالت: إنك عندما أرسلت لي كتابك في هذا الصباح تخبرني ~~فيه أنك تريد زيارتي، كنت لا أزال مشككة بك، وحسبت أنك تريد قتلي، فتسلحت بهذا السلاح ~~للدفاع عن نفسي، والآن فإني أدفعه إليك دلالة على ثقتي بتوبتك وحسن ظني بك. # فركع أندريا بدوره أمامها وشكرها شكرا بالغا، ثم بكى أمامها وأسال من عينيه نفس ~~الدمع الكاذب الذي أسالته باكارا من قبل. # ولم يكن حائرا بين الداهيتين غير الكونت أرتوف، فإنه لم يكن يعلم أيهما أشد في هذه ~~الحرب الشديدة التي كان سلاحها السياسة، ولم يعلم أيهما أقنع الآخر، أما باكارا ~~فإنها أنهضت أندريا، وقالت له: لنبحث الآن بالأمور الجدية فقد وثق كلانا بالآخر، ~~ولنعد إلى ذكر الحادثة، فإنك طعنت الرجل الذي كان يدعى الكونت كامبول بخنجرك، ~~ولكنه لم يمت بل نقل إلى المستشفى. ~~- إني أعرف ذلك، ولكن حياته وعقله في خطر. ~~- هو ذاك، ولكنه في عنفوان الشباب فقد يتغلب صباه ويشفى مما هو فيه، وعندي أن لهذا ~~الأثيم شريكا بل شركاء في آثامه، وأنه يجب أن نحمله على الإقرار بأسماء شركائه. ~~- إني أرى رأيك ولا بد من مطاردته أين ذهب، فإن بوليسي رابض على أبواب المستشفى، ~~وجواسيسي في داخله يقيدون عليه كل كلمة يقولها، فلا تخفى خافية من أمره. ~~- وأنا سأفعل فعلك. # ثم اتفق الاثنان على ذلك وافترقا، فخرج أندريا وهو يعتقد أنه خدع باكارا أو أنه بات ms0457 ~~في مأمن منها لوثوقها من توبته. # ولما اجتمع الكونت ببكارا قال: لقد عجبت بجميع ما فعلته، إنما أشكل علي أمر ~~لم أعلم قصدك منه. ~~- ما هو؟ ~~- كيف خابرته بشأن الجريح، وكيف عهدت إليه مراقبته ونحن نسعى للقبض عليه وإبعاده عنه ~~لأنه شريكه؟ ~~- إني خابرته بشأنه كي تزيد ثقته بي، وعهدت إليه مراقبته كي يعودا إلى الاجتماع وكيد ~~المكائد، فيتيسر القبض عليهما متلبسين بالخيانة، لا سيما وهو قد بات لا يخشاني الآن، ~~ويحسب أن الجو قد خلا له، ثم أشركته في البحث عنه كي يتردد علي دائما، وهو لا بد ~~فاعل لأنه قد توله بحب الفتاة اليهودية التي هي عندي، وهي التي تجره إلى افتضاح أمره، ~~ولا أستطيع أن أزيدك الآن شيئا على ما قلت، على أني أقول لك أن هذا الأثيم لا يفلت ~~هذه المرة من قبضتي. # فأطرق الكونت مسلما بما تقوله دون أن يجيب. # 54 # وكان الكونت أرمان مقيما في منزله الصيفي خارج باريس، وهو منزل جميل تكتنفه الأشجار ~~واقع في قرية صغيرة بمعزل عن المنازل، فكان يزوره روكامبول في مصيفه ثلاث مرات في ~~الأسبوع، ولقد أعجب الكونت بذكائه وما كان يتكلفه من البساطة في أقواله غاية الإعجاب، ~~خلافا لامرأته فإنها كانت تنفر من هذا المركيز الجديد، وتوجس منه شرا، ولكنها كانت ~~تكتم مخاوفها عن زوجها. # وكان لأندريا غرفة خاصة في هذا المنزل، ولكنه كان يبيت أكثر لياليه في باريس، واتفق ~~أن أرمان اضطر ليلة إلى المبيت بباريس لدعوة وردت إليه من أحد المحتاجين إليه، ولم تكن ~~هذه الدعوة إلا من ابتكار أندريا، فكلف الكونت أخاه التائب أن يبيت في المصيف كي لا ~~تبقى امرأته وحدها، فامتثل وكان عندها في المساء. # وتعشيا سوية ثم سهرا إلى الساعة العاشرة، ودخل كل إلى غرفته، فأخذت زوجة أرمان ~~كتابا وجعلت تقرأ فيه، وانسل أندريا من غرفته فخرج من المنزل وجعل يمشي على تلك ~~الرمال حتى أبصر عن بعد شبحا نائما، فقال في نفسه: لا شك أنه روكامبول، وإنه مقيم ~~في المكان الذي ms0458 عينته له، فلما وصل إليه رآه إنه هو بعينه، فسر به وقال له: ~~يعجبني أنك حريص على الأوقات. ~~- نعم، فهل أنت مستعد؟ ~~- أتم الاستعداد، فهل حفظت ما علمتك إياه؟ ~~- طب نفسا فسأقول لها جميع ما علمتني أن أقوله. ~~- إذن، اتبعني. # ورجع الاثنان إلى منزل الكونت أرمان، فسر أندريا حين رأى النور لا يزال في غرفة ~~امرأة أخيه، وأن باب مشرف الغرفة المطل على الحديقة لا يزال مفتوحا لاشتداد الحر في ~~تلك الليلة. # وكان في تلك الحديقة شجرة باسقة تتصل أغصانها بذلك المشرف، فدله أندريا عليها وقال ~~له: إن طريقك من هذه الشجرة، والآن فاصبر هنيهة إلى أن أعود إلى غرفتي، وبعد ذلك اصنع ~~كما علمتك. # وتركه أندريا ودخل إلى المنزل، فصعد إلى غرفته دون أن يشعر به أحد، أما روكامبول فإنه ~~صبر خمس دقائق، ثم تسلق هذه الشجرة حتى دنا من مشرف الغرفة ودخل منه إلى الغرفة التي ~~تقيم فيها حنة. # وكانت حنة جالسة على كرسي طويل وبيدها كتاب تطالع فيه، وهي تنقطع عن القراءة من حين ~~إلى حين مفتكرة بزوجها أرمان، ولما رأت هذا الرجل قد هبط عليها من الشجرة جمد الدم في ~~عروقها من الرعب، ثم تبينت أنه هو المركيز إينجو، فحاولت أن تستغيث ولكن الخوف عقد ~~لسانها فلم تنبس بحرف، ولبثت جامدة في مكانها دون حراك. # أما هذا اللص فلم يتأثر لهذا الموقف، بل إنه انحنى أمامها مسلما وقال لها: إني ألتمس ~~عفوك يا سيدتي وأعتذر عن دخولي إليك كما دخلت، ثم أسألك أن تأذني لي بإظهار السبب في ~~هذه الخطة الغريبة التي سلكتها. # فحسبت أنه صادق في اعتذاره، وأنه لا بد من سبب خطير دفعه إلى فعل ما فعل، إلا أنها لم ~~تطمئن لكلامه ولبثت في مكانها لا تستطيع أن تفر ولا أن تستغيث، ووضع روكامبول يده إلى ~~صدره وقال: سيدتي، إني رجل نبيل أعلم بما يجب على مثلي من الاحترام لمثلك، فلا تحكمي ~~علي قبل أن تسمعي ما أقول، واعلمي أني لم أدخل إلى منزلك ms0459 في منتصف الليل دخول اللصوص ~~إلا لسبب خطير ودافع عظيم لا يغلب، وأنا أجثو أمامك وأستحلفك بأقدس الأسماء وأحبها إليك ~~أن تتمهلي في أمري، فلا تطرديني من حضرتك ولا تنادي أحدا من أتباعك قبل أن تسمعي ~~كلامي. # وكان يتكلم بلهجة المستعطف المتوسل، وبلهجة احترام شديد آنست منه حنة شيئا من ~~الاطمئنان، فحلت عقدة لسانها وقالت له: تكلم. # فقال روكامبول: إن الذي سأقوله لك يا سيدتي هو سر دقيق لا يمكن لأحد أن يطلع عليه ~~الآن، وقد تعذر علي الحضور مع زوجك الكونت، وخشيت إذا لم أطرق باب منزلك في هذه ~~الساعة المتأخرة أن يسوء ظن من في المنزل، لا سيما أن زوجك غائب عنه. ثم وضع يده على ~~قلبه وقال: إن هذا السر في هذا القلب، وقد أوشك أن ينفجر منه؛ إذ لم يعد له طاقة على ~~احتماله. # وكأن حنة قد علمت ما يريد أن يقول، فارتجفت أعضاؤها وقالت له بعظمة وكبرياء: ماذا ~~تريد بهذا القول؟ # ولم يكترث لها روكامبول بل ركع أمامها وقال: سيدتي، أصغي إلي. # أما هي فلم تجد قوة للاستغاثة لما داخلها من الرعب، ووقفت جامدة دون حراك كالواقف في ~~ساحة قضاء ينتظر تلاوة الحكم عليه بالإعدام. # فقال روكامبول دون أن يغير شيئا في لهجة احترامه: إني خلقت يا سيدتي في بلاد ~~حارة المناخ، ونشأت بين قوم كنت كالملك عليهم وكانوا كالعبيد لي، فنشأ بي حب الأثرة ~~وعدم المبالاة بالصعاب، لأني لم ألق في حياتي من يعترضني فيما أريد، وقد أتيت ~~حديثا إلى باريس كي أبحث عن شريكة لي تشركني في هذا الملك الذي لا حد لسلطانه، وهذه ~~الشهرة التي لا حد لاتساعها. # وحسبت حنة أن هذا الشاب يحاول الزواج حقيقة، وأنه يتلمس مساعدتها في طلب تلك الزوجة ~~التي اختارها، فقال روكامبول: ولقد وجدت الآن هذه المرأة، وأنا أعبدها كما يعبد المؤمن ~~ربه، غير أن مصطلحات الناس قد وضعت بيني وبينها هوة عميقة بحيث يتعذر اجتيازها، ولكني ~~يا سيدتي في مقتبل الشباب وقد تعودت أن لا أحتفل ms0460 بالمصائب، فلا عبرة عندي بالمستحيل، ثم ~~إن هذه المرأة التي تحول بيني وبينها الشرائع والعادات قد أقسمت على أن تكون لي، وعلى ~~أن أذهب بها فأعيش تحت سماء بلادي الصافية الزرقاء، وأن أضع لها صولجان الملك على عبيدي ~~وأعيش مدى العمر عبدا لها. # ولم يبق ريب لدى حنة في قحته وجرأته عليها، فأوقفته عن تتمة حديثه بإشارة وقالت: ~~ألمثل هذه الأقوال الفاسدة قد أتيت إلي؟ ~~- قد تكون فاسدة يا سيدتي، ولكنها صادقة صادرة عن قلب تنبض فيه عروق الإخلاص والحب ~~الصحيح. ~~- ولكنك قد نسيت من أنا، وغفلت عن أن زوجي الكونت أرمان دي كركاز قد فتح لك أبواب ~~منزله. ~~- كلا، وا أسفاه! فإني لم أنس شيئا من ذلك. # ثم ركع أمامها وقال: والآن يا سيدتي، فلا بد أن تكوني عرفت تلك السيدة التي أبذل ~~الحياة في سبيل رضاها وأعبدها عبادة الالهة. إن تلك السيدة التي أقسمت على أن أفوز ~~بحبها وأحكمها في قلبي هي أنت. # ونهض بعد هذا القول ومشى خطوة إليها يريد تقبيل يدها، فارتجفت حنة منذعرة وصاحت بصوت ~~خنقه الخوف: إلي إلي ... # ولم تكد تتم استغاثتها حتى فتح الباب بعنف، وأسرع رجل منه إلى روكامبول فصفعه صفعة ~~شديدة على خده وهو يقول: تبا لك من نذل أثيم! # 55 # وكان هذا الرجل الذي أرسلته العناية لإغاثة حنة، بل الذي أرسل نفسه لنصرتها هو ~~أندريا، وقد احمرت حدقتاه من الغضب، ونفض غبار الزهد والمسكنة عن وجهه، فظهر بمظاهر ~~الأبطال الأشداء، حتى حسبت حنة أنها ترى زوجها أرمان، فاطمأن فؤادها وقالت: ألف شكر ~~لأنك أنقذتني. # أما أندريا فلم يكترث لهذا الشكر وقال لها: قبل كل شيء يجب أن يبقى سر هذه الإهانة ~~مكتوما بيننا. # ثم التفت إلى المركيز، أي إلى روكامبول وقال: إنك نذل أثيم. # فلم يجب روكامبول بشيء ولكنه تظاهر بالخوف الشديد، فأخرج أندريا مسدسه من جيبه ~~وقال له ببرود: اختر الآن بين أن تموت موت اللصوص، أو بين أن تصغي إلي. # فخضع روكامبول للقوة وقال: بل إني أصغي، فقل ms0461 ما تشاء. ~~- إن هذه السيدة التي تجاسرت على إهانتها هي امرأة أخي، أريد بذلك أنه لم يعد ~~بد لأحدنا من الموت. # فانحنى روكامبول إشارة إلى الامتثال، ثم تابع أندريا: بقي أن مبارزتنا لا يجب أن يعلم ~~سببها أحد، وإن حياتك الآن بين يدي، فأنا لا أبقي عليك إلا إذا أقسمت لي بشرفك أن لا ~~تبوح بسر سبب المبارزة لأحد من الناس. ~~- أقسم لك بشرفي على الكتمان. ~~- ثم إن المبارزة لا يجب أن تكون إلا بعد غد، كي لا يسيء أخي ظنه بك، فإنه يعلم أني ~~أبيت الليلة هنا، وأخشى إذا تبارزنا غدا أن يعلم شيئا من السر. ~~- ليكن ما تريد. ~~- والآن، فاخرج كما دخلت، وانزل من هذه الشجرة دون أن يشعر بك أحد. # فامتثل روكامبول وخرج دون أن ينظر إلى حنة. ولما خلت حنة بأندريا شكرته شكرا جزيلا، ~~فقال لها: لا سبيل إلى الشكر، فقد دافعت عن شرفي بدفاعي عن شرفك، والآن فنامي مطمئنة إذ ~~لا خوف عليك وأنا في جوارك. ~~- إني داخلة، ولكني ألتمس منك كما تلتمس الأخت من أخيها، أن لا تبارز هذا ~~الرجل. ~~- حبذا ذلك إرضاء لك، ولكن المبارزة لا بد منها. ~~- كلا، فإني لا أطيق أن تخاطر بحياتك، فإذا أصررت على هذه المبارزة فإني أخبر أرمان ~~بحقيقة أسبابها؛ لأني لم أتقيد بيمين على الكتمان. ~~- إذن فإنك تعرضين زوجك لأخطارها، لأنه إذا علم بجسارة المركيز فلا يقعد ساعة عن ~~مبارزته، واعلمي الآن أني لا أحب إهراق الدماء، ولا أميل إلى المبارزات التي تحرمها ~~الأديان، غير أنه قد يعترض المرء من الحوادث ما يكرهه على الخضوع لتلك الشريعة ~~السامية التي يسمونها الشرف. ولو أخلاق الرجال كما عرفتها لما سألتني الرجوع عن ~~المبارزة، فإن هذا المركيز إذا لم يعاقب على جرأته، فإنه يجعل اسمك مضغة في الأفواه، ~~ويتحدث بما جرى في جميع النوادي. # فذعرت حنة وقالت: يا للخيانة! # فضغط أندريا على يدها وقال لها: أتريدين أن يبارزه أرمان، ذلك الرجل الشريف الذي إن ~~أصيب بمكروه - ولا سمح الله - يقع ms0462 هذا المكروه بكثير من العائلات التي تعيش من بره، ~~أما أنا فأية فائدة من حياتي بعد أن تدنست بالآثام وأصبحت فردا لا عائلة لي؟ # فقالت له حنة: ما هذا القول؟ أليس لك في هذا المنزل أخ وأخت يحبانك؟ # فوضع أندريا يده على جبينه ثم قال: إنك نبيلة وإنه نبيل، ولكني كيف أستطيع أن أنسى ~~ذنوبي الماضية، وإذا بارزت هذا الرجل، فإما أن أقتله فأعاقبه على جرأته، أو يقتلني ~~فأموت من أجلك، ويكون قتلي خير كفارة عن ذنوبي. # وقبل أن تجيب قال لها: أصغي ألا تسمعين صوت مركبة؟ ~~- نعم. ~~- إنها مركبة أرمان دون شك، فأسرعي إلى غرفتك إذ لا يجب أن يرانا سوية، ولكني أسألك ~~قبل الافتراق إن تتعهدي بكتمان ما جرى في هذه الليلة. ~~- سأكتم كل شيء. ~~- وأن تأذني بالمبارزة. ~~- إن الأمر شديد. ~~- ولكنه واجب. ~~- آذن، فاذهب وسأدعو لك الله وعسى ألا أخيب. # وافترق الاثنان فذهب كل إلى غرفته، إلا أن المركبة لم تكن مركبة أرمان كما وهم ~~أندريا، لأن أرمان لم يعد إلا في الساعة الخامسة من الصباح. # ونام أندريا نوم المطمئن الواثق من فوزه في الدسيسة، لا سيما بعد ما رآه من إشفاق حنة ~~عليه. وفي اليوم التالي برح القرية إلى باريس، فكان أول ما أجراه أنه غير هيئته وذهب ~~إلى الفندق الذي يقيم فيه روكامبول، فلقيه في انتظاره ولكنه كان مقطب الجبين عابس ~~الوجه، فضحك أندريا وقال: ألعلك غاضب لصفعة أمس؟ ~~- وإذا دققت في حسابي، فإني أضيف إليها ضربة الخنجر. # وقد قال بلهجة جد خشي أندريا عواقبها، فقال له: ألعلك تمزح؟ ~~- كلا، فلقد دنا الزمن الذي ينبغي أن أقر فيه معك على حال. ~~- ماذا تريد بذلك؟ ألعلك تنوه عن حصتك من الغنيمة؟ ~~- هو ذاك، فإني أريد أن يكون بيدي ما أستند عليه بعد الفوز في الحصول على الإيراد ~~الذي وعدتني به، وهو الخمسون ألف فرنك. ~~- إن طلبك حق وعدل، غير أنه كيف يمكن أن أدفع لك قبل أن أقبض؟ ~~- لقد فكرت بذلك، فرأيت حل المشكلة سهلا ميسورا، ms0463 وذلك أن تكتب لي صكا عليك ~~بقيمة مليون فرنك، وتوقع عليه باسمك الحقيقي وهو أندريا، وصي ابن المرحوم الكونت ~~أرمان دي كركاز، ثم تجعل التاريخ عن السنة القادمة. ~~- لقد أصبت فإن الأمر سهل. ~~- إذن أتكتب لي هذا الصك؟ ~~- نعم، ومتى أردت. ~~- إني أريده الآن. # فأجابه أندريا: كلا، بل أكتبه لك بعد غد؛ لأن من ينتظر قبض مليون فلا بد أن يكون ~~حكيما، وأنا في حاجة الآن إلى حكمتك. # فامتثل روكامبول وقال: ليكن ما تريد، فسأنتظر إلى بعد غد. # 56 # ورجع أندريا إلى الكونت فأخبره باضطراره إلى مبارزة المركيز لسبب خطير، وأن المركيز ~~قد أهانه إهانة لا سبيل بعد إلى المسالمة، ولا تغتسل إلا بالدماء، ثم طلب إليه أن ~~يكون شاهده، وأن يجد له الشاهد الآخر. فبذل الكونت جهده كي يقف منه على السبب، غير أن ~~أندريا كان مصرا على الكتمان، فعلم الكونت أن هذا الزاهد الورع لم يقدم على ~~المبارزة وقتل الأرواح ومخالفة الشرائع الدينية إلا لأمر خطير، وأن هذا المركيز قد ~~أهانه إهانة لا تغتفر، فرضي أن يكون شاهده وذهب إلى صديقه فرناند روشي يلتمس منه أن ~~يكون الشاهد الثاني، فوجده في منزله ووجد عنده باكارا. # وكانت هرمين زوجة فرناند قد أحبت باكارا حبا شديدا، بعدما علمت أنها أنقذت ~~زوجها من القتل والخراب، فأصبحت تثق بها ثقة غريبة، وتعهد إليها بتوزيع حسناتها على ~~السائسين. وقد دعتها إليها في ذلك اليوم لمثل هذه الأغراض، فلما دخل أرمان طلب إلى ~~فرناند أن يختلي به لشأن هام، ودخل وإياه إلى غرفة مجاورة للقاعة التي كانوا فيها، ~~فأوجست باكارا خيفة من هذه الخلوة وأظهرت مخاوفها لهرمين، ثم استأذنت منها أن تقف على ~~باب الغرفة فتسمع ما يقوله أرمان، ووقفت مصغية على الباب فعلمت أن أندريا يريد مبارزة ~~المركيز، وأن أرمان وفرناند سيكونا شاهديه، فدهشت لما سمعت وأخبرت هرمين بما سمعته بعد ~~أن طلبت إليها أن تكتم ذلك. ثم ودعتها وذهبت إلى الكونت الروسي فأخذته وذهبت به إلى ~~منزلها، فدعت الفتاة اليهودية ونومتها وسألتها ms0464 عن المبارزة وعن أندريا والمركيز، ~~فكانت تجيب بكلام متقطع محصله أن هذا المركيز أشقر اللون، وليس هو أسمر كما يبدو من ~~وجهه، ولكنه متنكر لأنه لا يريد قتل أندريا بل قتل أرمان. # فأجفلت باكارا وقالت للكونت: لا شك أن هذا المركيز هو روكامبول، فإننا فقدنا أثره منذ ~~خمسة عشر يوما، ولكنه إذا كان كما أظن فما الذي يحمله على المبارزة مع أندريا إلا إذا ~~صدقت الفتاة وكان يريد قتل أرمان. # فقال لها الروسي: إن هذا محال، فإن الشهود يقفون في معزل عن المتبارزين، فإذا أصاب ~~أحدهم رصاص المبارز فلا يحمل على محامل الخطأ بل على سوء القصد، وفوق ذلك فإنه إذا كان ~~أندريا يريد قتل أخيه فلا يقتله على هذا الشكل العامي المبتذل بعد صبره الطويل، ولا بد ~~أن يكيد له مكيدة لا دخل له فيها بالظاهر. ~~- ربما كنت مصيبا؛ فإن كلام الفتاة كان مبهما غير جلي، وفي كل حال فإني أحب أن ~~أحضر وإياك هذه المبارزة. ~~- ذلك مستحيل؛ إذ لا يحضرها غير الشهود. ~~- نعم، ويحضرها خدامهم. ~~- ماذا تريدين بذلك؟ ~~- عرفنا شاهدي أندريا، فهل تعرف شاهدي المركيز. ~~- علمت اليوم أن أحدهما صديقي البارون دي مينرف، وهو الذي عرفني بك إذا كنت ~~تذكرين. # فصفقت باكارا بيديها من السرور وقالت: لقد بلغنا المراد؛ إذ إن هذا الصديق لا ~~يخالفك في مراد، فاتفق معه على أن تكون أنت سائق المركبة وأنا خادمها، ومتى تنكرنا ~~فلا يعرفنا أحد. ~~- سأفعل ما تريدين وسأذهب إليه الآن. # وفي اليوم التالي اجتمع الخصمان والشهود في إحدى غابات باريس، فصعد الكونت الروسي مع ~~باكارا إلى شجرة عالية كي لا يفوتهما شيء من المبارزة، فلما نظرت باكارا إلى روكامبول ~~عرفته من عينيه. # وأخذ الشهود غدارتين فحشوهما، وفيما هم يشتغلون بحشوها انفرد أندريا بأخيه وقال له: ~~إني قد أكون في عداد الأموات بعد عشر دقائق، فهل لك أن تجيبني إلى طلبي الأخير؟ # وكان أرمان يحبه حبا شديدا، فأوشك أن يضمه إلى صدره من الحنو والجزع عليه، ولكنه ~~تجلد وقال: ألعلك تشك ms0465 بإجابتي؟ ~~- أتقسم لي على تنفيذ إرادتي؟ ~~- أقسم بأقدس أيمان. ~~- إن إرادتي الأخيرة أيها الأخ العزيز هي أن تذهب بامرأتك وولدك بعد قتلي إلى قصرك في ~~كارلوفان فتقيم فيه شهرين لا تعود في خلالهما إلى باريس، ولا أستطيع الآن أن أظهر لك ~~مرادي بهذا الطلب، ولكني كتبته وهو في طي هذا الغلاف، فإذا قتلت فلا يحق لك فتحه إلا ~~في كارلوفان، وإذا لم أقتل أرجعته لي دون أن تعلم ما فيه. # ثم أخرج غلافا ضخما من جيبه وأعطاه إياه وعاد إلى ساحة المبارزة. # وعند ذلك أعطى الشهود كلا من الخصمين غدارة وأوقفوهما في موقفهما بعد أن خططا ~~المسافة بينهما، ثم صفق فرناند بيديه ثلاثا إشارة إلى بدء المبارزة، فاندفع الاثنان ~~وجعل كل منهما يزحف إلى الآخر زحفا بطيئا، إلى أن بدأ روكامبول فأطلق الرصاصة الأولى ~~على خصمه فأخطأه، ثم أطلق الثانية فالثالثة فوقعتا على الأرض دون أن تصيب واحدة منهما ~~أندريا. # ولم يكن لكل واحد منهما حق بأن يطلق أكثر من ثلاث طلقات، فأيقن الحاضرون أن أجل ~~المركيز قد دنا، وباتوا يتوقعون له الموت في كل لحظة. أما أندريا فإنه مشى إلى خصمه أي ~~شريكه مشيا بطيئا، حتى بلغ إليه فوضع غدارته في صدره وقال: إن حياتك الآن بين يدي ~~وأنا أهبك إياها على شرط. # فقال له روكامبول مغضبا: إنه يحق لك قتلي، فاقتلني لأني لا أعتذر ولا ألتمس ~~الغفران. ~~- إني لا أسألك الاعتذار، ولكني أشترط عليك شرطا تستطيع قبوله. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن تقسم بشرفك على أن لا تذكر السبب في مبارزتنا مدى الحياة، وأن لا تعود إلى ~~مثل هذا السبب. ~~- قد رضيت، وأنا أقسم لك بشرفي على ذلك. # فأطلق أندريا غدارته في الفضاء ثم قال: لقد انقضى كل خلاف بيننا، وأنا أعتبر الآن ~~حضرة المركيز من الأشراف. # فسر الجميع لما أظهره أندريا من مكارم الأخلاق. # وخلا أرمان بأخيه قائلا: كيف عفوت عنه بعد المقدرة؟ ~~- ليغفر عني الله. # أما باكارا فإنها عادت مع الكونت إلى منزلها وهي تعلم أن المبارزة ms0466 خدعة، وأن هذين ~~اللصين متفقان على أمر خطير، ولكنها لم تستطع أن تدرك شيئا من هذه الألغاز، فقررت ~~أن تنصب فخا تقتنص به روكامبول كي تحمله على الإقرار. # وكان في باريس امرأة شهيرة بالجمال وهي من بنات الهوى، وكانت من خير صديقات باكارا ~~أيام غوايتها، فدعتها إليها واتفقت معها أمام الكونت الروسي على أن تعطيها مائة ألف ~~فرنك على أن تساعدها في ما تريده من هذا المركيز، وقبلت الفتاة واتفقت معها باكارا على ~~أن تحيي ليلة راقصة، يكون فيها المركيز دي روكامبول من جملة المدعوين إليها بواسطة أحد ~~أصدقائه، ثم أخبرتها أن هذا الرجل متنكر، ولكن يمكن معرفته من أثر جرح كبير في صدره، ~~فإذا تمكنت من الكشف عن صدره وتحقيق هذا الأثر ، نقدتها مائة ألف فرنك، فرضيت الفتاة ~~شاكرة وخرجت تسعى في إعداد الحفلة، وخرج الكونت في إثرها إلى صديقه البارون مينرف وقد ~~كان شاهد روكامبول في المبارزة والتمس منه أن يدعو المركيز إلى تلك الحفلة ~~الراقصة. ~~••• # ولنعد الآن إلى أندريا، فإنه ركب مركبة أخيه وعادا إلى المصيف فبرحا باريس، ~~وفيما هما على الطريق طلب إليه أندريا أن يرجع إليه الغلاف. # فقال له أرمان: إذن، فلا سبيل للاطلاع على ما فيه؟ ~~- كلا يا أخي، وستقف على جميع ذلك في مستقبل قريب، والآن فإني أسألك أن تفي بوعدك لي ~~وتسافر مع امرأتك وولدك، وأنا معكم إلى كارلوفان. ~~- سأفي بوعدي ونسافر صباح الغد. # ولما وصلا إلى المنزل سرت حنة بسلامة أندريا سرورا عظيما كاد يفضح سرها، ~~وأخبرها أرمان بما اقترحه عليه من السفر في الغد، فعلمت أنه يريد إبعادها عن المركيز، ~~ووافقت راضية على هذا السفر. # وبعد الغد رجع أندريا إلى باريس وهو واثق من نجاح مقاصده، فتنكر بزي الإنكليز وذهب ~~إلى الفندق الذي يقيم فيه روكامبول، فوجده ينتظره فيه ودار بينهما الحديث الآتي، فقال ~~أندريا: ألعلك خفت في الصباح؟ ~~- الحق أني خفت بعض الخوف. أصغ إلي، لقد خطر لي أني لما كنت واقفا وحدي على ~~جميع أسرارك، فقد أردت أن ms0467 تتخلص مني لأنك قد خطر لك خاطر الاستقلال. ~~- وأنا أقول الحق أيضا إنه خطر لي هذا الخاطر، وما أرجعني عنه سوى حبي لك. ~~- بل حاجتك إلي، فإنك لا تستطيع الاستغناء عني ولا سيما في هذه الأيام، وإذا أردت ~~فأنا أعترف لك أيضا بأنه قد خطر لي أن أقتلك. ~~- كيف خطر لك هذا الخاطر؟ ~~- لأني لا أزال أشعر بألم خنجرك في صدري، وأنت تعلم أني أحسن الرماية، فلو أردت قتلك ~~لما أخطأت المرمى. ~~- ولكن كيف تعيش دوني أيها التعيس؟ ~~- هو السبب الوحيد الذي أرجعني عن قتلك. ~~- إذن فنحن أكفاء، كلانا لا يستغني عن الآخر، فلنبحث الآن بأمورنا الخطيرة، فإني ~~مسافر غدا إلى كارلوفان لأتفقد ذاك القصر؛ لأني أريد أن أقيم فيه بعد زواجي بالكونتس ~~حنة دي كركاز. ~~- وأنا ما ينبغي أن أفعل؟ ~~- تقيم في باريس ثلاثة أيام، ثم تسافر منها إلى سانت مالو حيث تنتظر فيها ~~تعليماتي. ~~- وماذا أفعل في هذه الأيام الثلاثة؟ ~~- تتمرن على ضربة السيف التي أمرتك أن تتعلمها، ثم تهتم بأمر باكارا. ~~- ألعلك دبرت المكيدة؟ ~~- مكيدة هائلة فاسمع، إنك تبدأ قبل كل شيء باختطاف الفتاة اليهودية التي ~~عندها. ~~- وأين أضعها متى اختطفتها؟ ~~- أصغ إلي، إني لقيت في الهافر حديثا رجلا من لندرا كان منخرطا في سلك عصابتي ~~حين كنت فيها، وقد نجح بأعماله بعدما فارقته حتى أصبح الآن صاحب سفينة تجارية وهو ~~ربانها، وقد خطر لي أن أرسل باكارا على سفينته هذه إلى جزائر المركيز، وهناك يلقيها ~~الربان بين تلك القبائل المتوحشة التي تتباهي بأكل لحوم البشر، فيجعلها زعيم تلك ~~القبيلة وليمة في أحد الأعياد. ~~- إنه انتقام جميل، ولكن كيف السبيل إلى تنفيذه؟ ~~- ينفذه جون إيرد ربان السفينة، فإنه سيشحن بضاعة من الهافر إلى أستراليا، وهو خاضع ~~لي مع بحارته، وإنه الآن في باريس فقد قدم إليها أول أمس، وقد لقيته أمس واتفقت معه على ~~أن يحمل باكارا إلى تلك الجزائر فقبل، وهو إما أن يلقيها في إحدى صحارى تلك البلاد أو ~~يبيعها بيع السلع إلى زعيم تلك ms0468 القبيلة. ~~- كل ذلك حسن معقول، ولكن كيف السبيل إلى تسليم باكارا إلى ربان السفينة؟ ~~- إن ذلك سيكون عملك في مدة هذه الثلاثة أيام، فتبدأ أولا باختطاف اليهودية وتودعها ~~عند مدام فيبار بعد أن توصيها بالاحتفاظ عليها والعناية بها، وعندما تصبح في قبضتها ~~ترسل رسالة دون توقيع إلى باكارا تخبرها فيها أن أحد العبيد قد اختطف الفتاة، وأنه ذهب ~~بها إلى الهافر، ثم تكتب في الرسالة أن هذا العبد سافر على سفينة إنكليزية اسمها فولر ~~وهي ذاهبة إلى أوسيانيكا، فلما تقف باكارا على هذه الرسالة تسرع بالسفر إلى الهافر، ~~فتعلم هناك أن هذه السفينة قد برحت ميناء الهافر إلى سانت مالو، فتذهب إليها وتجد ~~السفينة فيها، وعندئذ فلا بد من النزول إلى السفينة لترى فتاتها فيفعل الربان ~~الباقي. ~~- كن واثقا من الفوز، وسافر فسأصنع جميع ما تريد، ولكن بقي سؤال أحب أن أسألك ~~إياه، وهو لماذا أردت أن ترسل باكارا إلى سانت مالو وأنت قادر على إنزالها إلى السفينة ~~من الهافر؟ ~~- ذلك لأن سانت مالو لا تبعد غير غلوة عن قصر أخي الذي سأكون فيه بعد غد، ومتى وصلت ~~السفينة إليها أكون فيها، إذ لا بد لباكارا أن تعرف من هو المنتقم. ~~- لله درك، ما أشدك في الانتقام! ~~- نعم فإن الانتقام مسرة الآلهة، والآن فاسمع، إنك ستختطف الفتاة من منزل باكارا ~~وتودعها عند مدام فيبار، وبعد ثلاثة أيام تحضر إلى سانت مالو مع ربان السفينة وفانتير، ~~وهناك أهيئ لك أسباب مقابلة ثانية مع امرأة أخي حيث يباغتكما أرمان. ~~- كفى، فقد عرفت كل شيء. ~~- بقي دور واحد، وهو أنه يجب أن تعرف جون إيرد ربان السفينة، وبعد ذلك اذهب إليه غدا ~~عند الصباح واذكر له اسم فيليام علامة للتعارف، ثم دله على الفندق النازل فيه. # وفيما هو يتأهب للذهاب إذ وردت على روكامبول دعوة البارون دي مينرف إلى الليلة ~~الراقصة التي أعدتها باكارا لاقتناص روكامبول، عرضها على أندريا مستأذنا إياه ~~بالذهاب إليها. ~~- لا بأس من ذهابك، بل يجب أن يعرفك كبار القوم ms0469 كي لا يبقى لأحد مظنة فيك، وانصرف في ~~شأنك. # بينما كان أندريا وروكامبول في اختلائهما، كانت مدام ألفونس وهي تلك الفتاة الحسناء ~~التي استحضرتها باكارا لإعداد الليلة الراقصة في منزلها، قد قدمت إلى باكارا، وقالت ~~لها: إن الحفلة أعدت ووزعت أوراق الدعوة، وقد أتيت الآن كي تخبريني بما ~~ينبغي أن أفعل. # فلفقت لها باكارا حديثا طويلا خلاصته أن هذا المركيز متنكر، وأنه حين كان في ~~شكله القديم كان من ألد أعداء الكونت الروسي، وأنه لص سفاك، وأنه لم يتنكر إلا بغية ~~قتل الكونت وقتلي. ~~- وماذا تريدين أن أصنع به؟ ~~- إننا لا نزال في ريبة من أمره ولا نستطيع معرفته إلا إذا تمكنا من الكشف على ~~صدره، فإذا كان صدره سليما لا أثر فيه للجراح كنا مخطئين بسوء ظننا به، وإذا كان في ~~صدره أثر جرح حديث كان هو ذاك اللص السفاك، فبتنا منه على حذر وقبضت المائة ألف فرنك ~~التي وعدك بها الكونت في كل حال. ~~- سأفعل ما ترين، وغدا يرد إليك مني كتاب. ثم ودعتها وذهبت فلبثت باكارا في ~~منزلها وهي واثقة من الظفر وحمل هذا الشقي على الإقرار. # 57 # وفي اليوم التالي أرسلت مدام ألفونس إلى باكارا تقول فيها أن المركيز، أي روكامبول، ~~تمادى في السكر تلك الليلة وهو لا يزال نائما عندها، وأنها كشفت عن صدره فرأت أثر جرح ~~كبير في الجهة اليمنى من صدره، وأن هذا الجرح حديث، ثم اغتنمت فرصة سكره فوضعت على ~~منديلها مادة روحية دلكت به يده، فظهر أن لون بشرته ناصع البياض، وأن لونه الأسمر لم ~~يكن غير دهان، ثم ختمت كتابها بسؤالها عما يجب أن تصنعه. # ولما وقفت باكارا على هذه الرسالة فرحت فرحا لا يوصف لصدق ظنونها، وخرجت مسرعة إلى ~~الكونت أرتوف، فأطلعته على الرسالة وقالت له: يجب الإسراع قبل فوات الأوان. ~~- ماذا تريدين أن أفعل؟ ~~- نبدأ وندعو إلينا مدام ألفونس. # فوافقها الكونت ودعوها، فلما أتت قصت عليهما جميع ما كتبته بالتفصيل. # فقالت لها باكارا: والآن ألا يزال في منزلك؟ ms0470 ~~- قد ذهبت منه منذ ساعة، ولكنه عاهدني على الرجوع في هذه الليلة. ~~- هل بعت منزلك خارج باريس؟ ~~- كلا، فهو لا يزال لي. ~~- إذن، اكتبي لهذا المركيز كي يوافيك إليه في هذه الليلة، وأخبريه أنك ما فعلت ذلك ~~إلا لخوفك من عشيقك لشدة غيرته عليك. # وامتثلت مدام ألفونس وكتبت الرسالة بشكل لا يوجس منه روكامبول أقل ريب، ثم ختمتها ~~وأرسلتها إليه، فقالت لها باكارا: اذهبي الآن إلى منزلك خارج باريس وسأوافيك إليه بعد ~~ساعة مع الكونت، فأتنكر أنا بصفة الخادمات ويتنكر الكونت بزي سائقي المركبات، ومتى ~~اجتمعنا أخبرك بما يجب أن نصنع. ~~••• # ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بعدما افترق عنه أندريا ذهب لمقابلة الربان، فقيل ~~له إنه لم يعد فأقام ينتظره مدة طويلة حتى عاد ، فتعارفا وجعل الربان يعتذر عن تأخره ~~عن الموعد المعين، وافتتح اعتذاره بقوله إنه يوجد اثنان أخلص لهما أشد الإخلاص، وهما ~~السير فيليام والرجل الذي أعاقني عن موافاتك اليوم، أما هذا الرجل فإن قصتي معه غريبة ~~تشبه الحكايات الموضوعة، فأصغ إلي أقصها عليك. # وأصغى إليه روكامبول وهو يرجو أن يستفيد من حكايته، فقال الربان: كنت في السنة ~~الماضية في أمستردام، وقد شحنت سفينتي بضائع إلى الهند، وكان معي في السفينة فتاة ~~بورتغالية أحببتها وأحبتني حبا ليس بعده حب، ولما كنا في أمستردام أنزلتها إلى ~~المدينة وأقمتها في أجمل فندق إلى أن يتم شحن السفينة. # وفيما أنا في ليلة جالس على ظهر السفينة، إذ استوقف نظري شبوب نار هائلة في الشارع ~~الذي كانت فيه الفتاة، ونظرت بالنظارة المكبرة فرأيت النار تشب في نفس الفندق الذي ~~نزلت فيه حبيبتي، وعند ذلك أسرعت مهرولا كالمجانين إلى البر، ولما بلغت الفندق رأيت ~~النار قد شبت في جميع أطرافه، ونظرت تلك الفتاة تصيح وهي واقفة على الشرفة، صياح اليأس ~~ولا سبيل إلى إنقاذها، فهلع قلبي لصراخها، ونظرت حولي عساي أجد منفذا إليها، ورأيت ~~سلما خشبية نصبت على الجدار المحترق، ورجلا في مقتبل الشباب تسلق تلك السلم غير ~~مكترث للموت حتى بلغ إلى ms0471 الشرفة، فاحتمل الصبية وعاد بها وخشب السلم يلتهب تحت قدميه، ~~حتى وصل بها الأرض، وقد أغمي عليها من الرعب، فأكبر الناس بسالته وجعلوا يهتفون له ~~معجبين بهذه المروءة، أما أنا فإني اقتحمت الجمع حتى وصلت إليه، فجعلت أقبل يده ~~شاكرا ودموع الفرح تنهل من عيني، وكانت المرة الأولى التي خرجت فيها الدموع من عيني، ~~كما كانت أول مرة دخل فيها الحب إلى قلبي، وحتمت على نفسي أن أسفك دمي في خدمة هذا ~~الرجل، وأن أكون له عبدا ما حييت، ولهذا لو سألني السير فيليام أن أتخلى له عن سفينتي ~~وجميع أموالي لفعلت، ولكن لو سألني هذا الكونت أن أقتل السير فيليام لما تأخرت. # فأجفل روكامبول وقال له: من هذا الكونت؟ ~~- هو شاب غني روسي يدعى الكونت أرتوف. # فوقع هذا الاسم على روكامبول وقع الصاعقة، وقال في نفسه: قدر لأندريا أن يفشل حين ~~الانتصار، وأن تأتيه الخيبة والعثرات من حيث لا يدري. ولكنه كظم ما به وسأله: كيف لقيت ~~الكونت؟ ~~- لقيته اليوم اتفاقا قبل أن أجيء إليك. # فقال في نفسه: قبح من اتفاق، فما فسد أعمالنا غير الصدفة، فإنه إذا رأى هذا الربان ~~بشأن اختطاف الفتاة اليهودية إلى أن استقرا على أمر واتفقا على أن يتقابلا في ~~المساء. # وعاد روكامبول إلى الفندق، فدعى إليه فانتير وأخبره بما عزموا عليه من اختطاف ~~اليهودية، ثم أمره أن يذهب إلى مدام فيبار ويخبرها، ثم يبحث وإياها عن أنجع الطرق ~~لاختطافها، وأن يأخذ التعليمات اللازمة عن منزل باكارا وعن طريقة البلوغ إلى ~~الفتاة. # وذهب فانتير وعاد إليه في المساء وأخبره أن مدام فيبار ذهبت إلى المنزل بصفة متسولة، ~~وعلمت جميع غرفه ومنافذه، حتى إنها طبعت أقفال أبوابه بالشمع كي تصنع مفاتيح لها وتدخل ~~المنزل دون أن يشعر بها أحد، وفوق ذلك فقد علمت أن باكارا لا تعود إلى المنزل قبل ~~انتصاف الليل، وأنه لا يوجد فيه سوى اليهودية والخادمة والخادم الكهل، فسر روكامبول ~~وأمر فانتير أن يذهب إلى صانع الأقفال ليصنع المفاتيح، ثم يذهب إلى ms0472 مدام فيبار ويأمرها ~~أن تراقب في الغد باكارا كي تعلم متى تخرج منه. # وبعد ذلك ذهب روكامبول لمقابلة ربان السفينة، وقد خطر له حين ذهابه هذا الخاطر، وهو ~~أنه إذا شاركنا الربان في اختطاف الفتاة عرف البيت وقد يتفق أن يرى فيه الكونت وباكارا، ~~وفوق ذلك فإن من العار على من بلغ هذا المبلغ في مهنتنا أن يحتاج إلى ثلاثة أشخاص ~~لاختطاف صغيرة، ثم إننا إذا استغنينا عن مساعدة الربان في اختطاف الفتاة فإننا لا ~~نستغني عنه في إيصال باكارا إلى القبائل المتوحشة، ولما كانت باكارا لا تفارق هذا ~~الكونت الروسي فقد وجب قتل الكونت في الحال. # ولما فرغ من الخطة وصل إلى المكان الذي ينتظره فيه الربان، وأخبره أن اختطاف الصبية ~~أصبح ميسورا لأنها تخرج وحدها من المنزل، ووافقه على مقابلته في الغد، ثم رجع إلى ~~الفندق ولقي فانتير وساومه على الكونت بعشرة آلاف فرنك، يدفع نصفها مقدما والنصف ~~الآخر بعد القتل، ووضعا الخطة اللازمة لليهودية. # 58 # في الساعة التاسعة من تلك الليلة قدم إلى منزل باكارا روكامبول وفانتير، وهو في صباغه ~~الأسود ومدام فيبار، وكان فانتير قد أحضر مفاتيح المنزل، فأخذها روكامبول وجعل يفتح ~~الأبواب، ودخل الثلاثة دخول اللصوص، تتقدمهم مدام فيبار، لأنها كانت عارفة بخفايا ~~المنزل، ولما بلغوا إلى صحن الدار وقفوا يتشاورون، فقال روكامبول: أين غرفة ~~الخادم؟ # فقالت مدام فيبار: إنها في الطابق العلوي. ~~- لا خوف علينا منه. وأين غرفة الخادمة؟ ~~- هي أمامك. ~~- إذن لندخل إليها أولا إذ لا خوف علينا إلا منها. # ثم دخل الثلاثة إلى غرفة هذه المسكينة، فاستيقظت مذعورة وحاولت أن تصيح، وأطبق عليها ~~روكامبول إطباق القضاء وتعاونوا جميعهم على ربط فمها بمنديل وقيدوا رجليها ويديها، ثم ~~ربطوها إلى سريرها كي لا تستطيع أن تزحف إلى الخارج، ودخل الثلاثة إلى غرفة اليهودية ~~فانتبهت أيضا من رقادها وهبت من سريرها واجفة الفؤاد من الذعر، فبادرتها العجوز ~~قبل أن تصيح وأسرعت إلى ربط فمها، ثم تراجع الثلاثة بأمر روكامبول الذى قال: كيف السبيل ~~إلى الذهاب ms0473 بها، فإننا إذا وضعناها في مركبة فلا نأمن السائق أن ينم بنا، وإذا حملناها ~~فلا نمشي بها خطوات حتى تنتبه إلينا الشرطة. # فقالت العجوز: لا دواء إلا الإرهاب. ثم أخذت خنجر فانتير ودنت من الصبية، ففكت ~~رباط فمها ووضعت الخنجر على عنقها وهي تقول: إننا لا نريد بك شرا، ويجب أن تتبعيني ~~إلى منزلي، وإذا فهت بكلمة واحدة على الطريق فإن هذا العبد يقتلك بهذا ~~الخنجر. # ثم أعطت الخنجر لفانتير، فأخذه ووقف أمام الفتاة، فقالت لها العجوز: البسي ثيابك في ~~الحال. # وجعلت تلبس ثيابها ورجلاها تضطربان من الخوف حتى أتمت لباسها، فتأبط روكامبول ~~ذراعها وخرج بها إلى الطريق، فمشى فانتير وراءهما ومشت العجوز أمامهما وقادتهما في طريق ~~لا ينتابه الناس، سيما في الليالي الممطرة، وما زالوا يسيرون حتى بلغوا منزل العجوز، ~~فسلمها روكامبول الفتاة وعاد مطمئنا آمنا لمقابلة الربان، فألفاه ينتظره في المكان ~~المعين، فأخبره باختطاف الفتاة وودعه على أن يقابله في سفينته يوم تصير فيها ~~باكارا. # ثم ذهب إلى الفندق فلقي فانتير ينتظره فيه، فقال له: كيف حال الفتاة؟ ~~- إنها على أسوأ حال من النكد والخوف، ولكن مدام فيبار باذلة جهدها في ~~ملاطفتها. # فقال روكامبول: إنها ستأنس بها، فقد تعودت هذه مؤانسة الفتاة، وأنت مذ فرغت مهمتك ~~من اختطافها لم يبق عليك غير قتل الكونت. ~~- وأنت بقي عليك دفع الثمن. ~~- هاك نصفه، وسأدفع لك النصف الآخر بعد القتل حسب الاتفاق. فقبض المال وانطلق يكمن ~~للكونت. # أما روكامبول فإنه لما فرغ من جميع هذه المشاغل ذكر الرسالة التي أرسلتها إليه مدام ~~ألفونس تدعوه فيها إلى موافاتها في منزلها خارج باريس، فجعل يتردد في الذهاب إليها، ~~فتتمثل له بجمالها النادر، وذكر أنها تخدع حبيبها من أجله وأنها أظهرت له من اللطف ~~والإيناس في الليلة الراقصة ما يزال مؤثرا فيه، ثم رأى أنه لم يعد لديه عمل يعمله، ~~فحن إلى لقائها وبرح الفندق، فركب مركبة وأمر سائقها أن ينطلق به إليها. # وبعد ساعة كانت تسير به المركبة سيرا حثيثا حتى وصلت إلى ms0474 المنزل المطلوب، فأطلق ~~روكامبول سراحها وهو غير حاسب لشيء، وطرق الباب الداخلي ففتحت له صبية بملابس الخادمات ~~وأوصلته إلى القاعة التي كانت تقيم فيها مدام ألفونس، ثم تركته ومضت في شأنها دون أن ~~يتمكن روكامبول من النظر إلى وجهها. # فلما دخل إلى القاعة رأى مدام ألفونس متكئة على مقعد طويل، فابتسمت له وشكرته ~~لقدومه إليها في هذه الليلة الممطرة، وجعلت تنادمه وينادمها حينا إلى أن قطعت عليه ~~الحديث وهي تتفرس في وجهه وقالت له: ما هذا الشبه الغريب؟ # فاضطرب روكامبول وقال: أي شبه تعنين؟ # فلم تجبه ولكنها جعلت تحدق به هنيهة وقالت: لولا لحيتك وشعرك الأسود ... ثم ~~توقفت عن الكلام وعادت إلى التحديق به. # فسئم روكامبول وقال: أي شبه تعنين يا سيدتي؟ ~~- إنك على سمرة وجهك وسواد شعرك تشبه شبها عجيبا رجلا أبيض البشرة أشقر ~~الشعر. # فزاد اضطراب روكامبول وقال: من هو هذا الرجل؟ ~~- رجل أسوجي يدعى الكونت دي كامبول. # فقال دون اكتراث: إني لا أعرفه. ~~- إنه برح باريس منذ ثلاثة أسابيع، وقد ظهر أنه كان من الأشقياء، وأن له حديثا ~~غريبا تعرفه خادمتي، ولكنه كان متصلا شروره وآثامه بكثير من الأسرات النبيلة، فقد كان ~~يزور قصر المركيز فان هوب. # وكانت هذه المرأة تقص عليه هذه الأقوال كأنها تقولها اتفاقا، غير أن روكامبول شغل ~~باله لحديثها وقال في نفسه: ما عساها تريد من هذا الحديث؟ فعادت المرأة إلى حديثها ~~وقالت: وقد أصيب هذا الكونت بضربة خنجر كادت تودي بحياته قبل احتجابه، وقد كانت الطعنة ~~هنا في هذا المكان من الصدر، وأشارت بيدها إلى أثر الجرح في صدره. # فأجفل روكامبول وقال: لماذا تقصين علي سيرة هذا الرجل؟ ~~- لأنه يشبهك. ~~- كيف يشبهني إذا كان أبيض اللون وأنا أسمره، وإذا كان شعره أشقر كما تقولين وشعري ~~حالك السواد؟ ~~- لكن خادمتي تقول غير ذلك وسترى! # ثم قرعت بجرس أمامها ففتح الباب ودخلت منه باكارا المتنكرة بزي الخادمات، فدنت منه ~~وقالت له بلهجة الساخر: على الكونت دي كامبول السلام. # فوجف فؤاد روكامبول لأنه علم أنها ms0475 باكارا وقال في نفسه: لقد وقعت في الشرك. ولكنه ~~اطمأن حين افتكر أنه مسلح، وأنه لا يرى أمامه إلا امرأتين، غير أن هذا الاطمئنان لم ~~يطل فإنه بينما كان ينظر منذعرا إلى باكارا رأى أن بابا آخر قد فتح، ودخل منه ~~الكونت أرتوف الروسي وهو حامل بيديه غدارتين، فعلم روكامبول أنه لم يعد له نجاة من ~~قبضة باكارا، ولكنه قال في نفسه: إذا قتلت فسينتقم لي فانتير بقتل الكونت، وينتقم لي ~~أندريا بإرسال باكارا إلى القبائل المتوحشة. فكان ذلك أكبر عزاء له في الساعة ~~الهائلة. # وكان روكامبول ثابت العزيمة شديد الجرأة، إذ أصر على إنكار أمره، فلم يحفل بالوعيد ~~ولو رأى الموت نصب عينيه، غير أنه كان وافر الحكمة شديد الدهاء، فقال في نفسه بسرعة ~~التصور: إنه لم يعد لي سبيل إلى إنكار نفسي بعد أن عرفوني، ولا أرى سبيلا للنجاة ~~إلا بالإقرار، فأنا أعترف لهما بكل شيء دون حديث قتل الكونت وإرسال باكارا على سفينة ~~جون إيرد؛ إذ لا يعلمان شيئا من ذلك، إذا قتل الكونت وسافرت باكارا، فلا يخشى شيء ~~من إقراري. وعند ذلك دار بينهم الحديث الآتي، فقالت باكارا: كفاك يا حضرة الكونت ~~تنكرا فقد عرفناك، وأجبنا على ما نسألك عنه إذ لا فائدة من ضياع الوقت. ~~- ليكن ما تريدين، فسلي ما تريدين. ~~- أتذكر أن آخر مرة تشرفنا فيها بلقائك كانت في منزل دابي ناتها الهندية؟ ~~- أذكر ذلك ولا أنساه، فإني كنت عشيق تلك الهندية وقد لقيتها ميتة، وأصبت بطعنة ~~خنجر. ~~- كذبت، فإنك لم تكن عشيق تلك الفتاة ولم تكن عشيقتك. ~~- كيف تعرفين ذلك؟ ~~- أعرفه كما أعرف أنك لست بابن تلك العجوز التي أخرجتك من المستشفى. ~~- ذلك أكيد. ~~- ولست أيضا الكونت دي كامبل، فإن الأشراف لا يغيرون أسماءهم ويشتركون مع اللصوص، ~~ولا ينخرطون في سلك تلك العصابة السرية التي كان يرأسها السير فيليام. ~~- إذا كنت تعرفين ذلك فماذا تريدين أن تعرفي مني؟ ~~- ستعرف ما أريده منك، ولكن عليك أن تعلم قبل كل شيء أنك في قبضة يدنا، ms0476 وأن هذا ~~المنزل معتزل عن الناس، وأن الليل قد انتصف، فإذا استغثت فلا يجيبك إلا الصدى. ~~- إذن فأنتم تريدون قتلي. ~~- ربما قتلناك إذا امتنعت عن الإقرار. ~~- بماذا ينبغي أن أقر؟ ~~- بحقيقة ما تعلمه عن السير فيليام، فإذا سلمتنا هذا الرجل فقد نعفو عنك؛ إذ إن حبل ~~حياتك معقود بإقرارك. ~~- ماذا تريدين أن أقول عن الفيكونت أندريا الذي تدعونه السير فيليام، فإن طعنه إياي ~~بالخنجر أعظم برهان على أني ليس لي أقل اتصال به. # فالتفت باكارا عند ذلك إلى الكونت أرتوف قائلة: إن هذا الرجل لا يريد أن يقر، فاقتله ~~دون تأخير. ~~- ليكن ما تريدين. # ثم فتح زناد الغدارة وصوبها إلى رأس روكامبول، فهلع قلبه وقال: قف سأقول كل ~~شيء. ~~- إذن أسرع بالقول. ~~- سليني أجيبك. ~~- أكان السير فيليام شريكك؟ ~~- نعم. ~~- أتقر هذا الإقرار أمام أخيه الكونت دي كركاز. ~~- غير أن الكونت قد سافر إلى كارلوفان مع أخيه. ~~- إذن فاكتب إقرارك كما أمليه عليك. # فلم يسع روكامبول إلا الامتثال، وجلس قرب المائدة فأملت عليه ما يأتي: # هذه آخر ساعة من ساعات حياتي، ومن كان في هذا الموقف فلا يستطيع الكذب ~~والبهتان، ثم إن الكونت أرتوف واقف فوق رأسي وغدارته مصوبة إلى قلبي، وهو ~~يطلب أن أعترف بذنوبي وأبوح باسم الرجل الذي يقودني منذ عهد بعيد في طريق ~~الآثام، فأنا أعترف الآن أن هذا الرجل الذي يتلبس بلباس التائبين وحشو قلبه ~~المكر والدهاء، إن هذا الرجل الذي كان رئيسي وكنت يده العاملة حين حاول أن ~~يحمل ليون رولاند على قتل فرناند روشي بواسطة الفيروزة، وحمل المركيزة فان هوب ~~على قتل امرأته، إن هذا الرجل الأثيم الذي دفعني في سبل الجرائم والذنوب هو ~~الفيكونت أندريا شقيق الكونت أرمان دي كركاز. # ثم أمرته أن يوقع على الرسالة، فوقع عليها وأخذتها باكارا وقالت للكونت: إنه إذا ~~اطلع عليها أرمان لا بد أن يفتح عينيه ويعلم حقيقة أمر أخيه. ~~- ربما، ومع ذلك فسأقول أنا كل شيء. # فقالت باكارا: لقد خدعت فإنك لا تستطيع أن تقول شيئا. # واستنكر ms0477 روكامبول قائلا: لماذا؟ ~~- لأنك ستموت. # فاصفر وجهه وعلم أنه كتب لنفسه الموت، إنما كتبه بهذا الإقرار. # فقالت له باكارا: لقد أسأت إلى نفسك فيما كتبته، إذ لولا كتابتك لما كنا نجد بدا ~~منك لإقرارك أمام الكونت أرمان، أما الآن فإن خطك يكفي، ولا بد لك من الموت. # فقال لها روكامبول بصوت المتهكم: إنك تتعجلين يا سيدتي بقتلي. ~~- ألعل لديك ما تقوله؟ ~~- لدي سر يساوي أكثر من حياتي. ~~- قل وسترى. ~~- إني أعتبر هذا السر عظيما، ولهذا فقد قلت إنه يساوي أكثر من حياتي، وأنا الآن أريد ~~بيعه لكما. ~~- إننا نشتريه بحياتك إذا كان خطيرا كما تقول. ~~- ذلك لا يكفيني، فإن أردتم قتلي فاقتلوني ولكنكم لا تعلمون شيئا. ~~- إذن سنقتلك. ~~- غير أنكم ستندمون الندم الشديد لرفضكم ما طلبته، حين ترون أن الصاعقة قد انقضت على ~~رجل تحبونه وكنتم قادرين على إنقاذه. # وارتعشت باكارا وخشيت أن يكون ذلك الرجل فرناند، وعادت إلى مسالمته وقالت: ما زلت ~~سائرا في سبيل الموت، فقل عن الثمن الذي تريده لإفشاء هذا السر. ~~- مائة ألف فرنك، ومتى علمتم السر فإنكم أرأف من أن تقتلوني. ~~- أهذه كلمتك الأخيرة؟ ~~- نعم! ~~- إذن فأنت تريد أن تموت؟ ~~- إني أفضل ألف موت على أن أبيع سرا دون ثمن. ~~- وإذا لم يكن سرك مساويا لهذا الثمن؟ ~~- إنه يساوي أكثر من المبلغ الذي عينته. ~~- قبلت، فقل الآن إذا كان لك ورثاء لأدفع لهم المال. # واضطرب روكامبول ولم يعد يشكك بموته وقال: إنكم لم تفوا بعهودكم، فإني لم أطلعكم ~~على السر كي أورث الناس من بعدي. # وصوب الكونت الغدارة إلى صدره قائلا: لم يبق لك في هذه الحياة سوى دقيقتين، ~~فاذكر اسم الذي تريد أن يقبض المال. # وبينما كان روكامبول ينظر إليه وقد جمدت عيناه من الرعب، إذ فتح باب ودخل منه رجلان ~~عظيما الجثة هائلا المنظر ووقفا موقف الخدم أمام الكونت ينتظران أمره، ولم يعد ~~يشكك بدنو الأجل. # 59 # كان هذان الرجلان اللذان دخلا من خدم الكونت قد أحضرهما معه من روما للمحافظة عليه، ~~وهما ms0478 من أشد خدامه خضوعا له، وقد رآهما روكامبول يحملان كيسا عظيما حين دخولهما، ~~فخطر له أن الكونت يريد أن يقتله حسب النمط الشرقي، فيضعه في الكيس ويلقيه من نافذة ~~المنزل إلى النهر الذي كانت تتكسر أمواجه على جدرانه. # وقال له الكونت وهو ينظر إلى الكيس: قلت لك إنه لم يعد لك سوى دقيقتين في ~~الحياة، فاذكر لي اسم وريثك كي أدفع له المال. # فنظر إليه روكامبول نظرة الخائف القانط دون أن يجيب، وعند ذلك تقدمت باكارا من ~~الكونت وسارت به إلى آخر الغرفة وسألته: لا تقتل هذا الرجل، فقد يحمله الخوف على ~~الإقرار بأسرار أخرى. ~~- إنك أعطيتني في هذا الصباح سلطانا مطلقا، ودعيني أفعل ما أشاء واخرجي الآن مع ~~هذه المرأة التي سيغمى عليها ودعيني أفعل ما يجب. ~~- لا تقتله لأني لا أريد. ~~- اذهبي لأنه ينظر إليك. # فخرجت باكارا مؤملة بشفقة الكونت؛ لأنها لم تطق أن تكون السبب في قتل هذا ~~الشاب. # أما الكونت فإنه رجع إلى الخادمين وأشار لهما إشارة خاصة، فحل أحدهما قيود الكيس ~~ودنا الثاني من روكامبول وقبض عليه بيد من حديد، وعاد الكونت وقال لروكامبول: قل لمن ~~تريد أن أدفع المال. # وقد خطر لروكامبول خاطر غريب يخطر لهؤلاء اللصوص عند الشدة، ونظر إلى الكونت أرتوف ~~وقال له: ألعلك تريد قتلي غرقا؟ ~~- إن نهر المارن بعيد الغور، ولا بد أن تكون قتلت في حياتك الأثيمة بعض الأبرياء مثل ~~هذه القتلة، فاذكر اسم وريثك. # فقال روكامبول: إني لا أتدانى إلى طلب العفو منك، ولا أريد أن يكون وريثي غير ~~الصدفة. ~~- ماذا تريد بالصدفة؟ ~~- إنك ستلقي بي إلى المياه، أليس كذلك؟ ~~- نعم، وستلقى إليها حيا ضمن هذا الكيس، بعد أن تسد عليك منافذه. ~~- ميتة شرقية، ولكن نهر المارن ليس له عمق البوسفور، أريد بذلك أن جثتي قد يعثر بها ~~أحد الصيادين؟ ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ومتى عثر الصياد بجثتي فهو لا بد أن يبحث في جيوبي فيرى فيها الحوالة التي أعطيتني ~~إياها على بنك روتشيلد، فيقبضها ويكون وريثي. ~~- إنه فكر حسن ms0479 وليكن ما تريد، ثم جعل يحادث الخادمين باللغة الروسية، ونسي روكامبول ~~المال وجعل يفتكر بذلك الخاطر الذي خطر له، وأمل فيه النجاة ولم يخش إلا أمرا واحدا، ~~وهو أن يقيدوه قبل وضعه في الكيس. # ولما فرغ الكونت من حديثه مع الخادمين نظر إلى روكامبول قائلا: يعجبني منك ما ~~تظهره من عدم الاكتراث للموت، مما يدل على بسالتك، ومن له مثل هذا الصبر على الخطوب ~~فلا بد من مراعاته بعض المراعاة في مثل هذه المواقف. # فقال له بلهجة الساخر: أشكرك لكرم أخلاقك. # فقال الكونت: جرت العادة بإغراق المجرمين أن يقيدوا أيديهم وأرجلهم، ومنهم من ~~يدعونهم مطلقي الأيدي، إذا طلبوا ذلك وأريد مراعاتهم، فمن أي فريق أنت؟ ~~- من الفريق الثاني. ~~- إذن تدخل الكيس من تلقاء نفسك دون أن يمسكه أحد. # وتمكن روكامبول من إخفاء فرحه وقال: نعم. # وعند ذلك كلم الكونت الخادمين باللغة الروسية، فتركا الكيس في الأرض وابتعدا ~~عنه. # وحاول روكامبول أن يزج نفسه فيه، فسأله الكونت: ألا تؤمن بالله؟ ألا تصلي قبل ~~الموت؟ ~~- نعم، لقد أصبت. ثم ركع وجعل يتمتم هنيهة ونهض، فسلم سلام الأبطال القدماء ودخل ~~في الكيس، وأشار الكونت إلى الخادمين وربطوا الكيس من فوق رأسه رباطا وثيقا، وذهب ~~أحدهما إلى النافذة المطلة على النهر وفتح مصراعيها، وحمل الثاني روكامبول ضمن الكيس ~~وألقاه من النافذة، فشق عباب الماء وكان له دوي شديد. # أما الكونت فإنه أمر الخادم أن يقفل النافذة فأقفلها، ثم أمره أن يفتح الباب ففتحه ~~ودخلت منه باكارا، ولما علمت أنه ألقاه في النهر قالت له بصوت المؤنب: أعصيتني ~~وقتلته؟ ~~- نعم، فإذا كان قد مات فلقد عاش بموته كثيرون. # 60 # بعد ذلك بساعة خرجت باكارا من منزل مدام ألفونس يصحبها الكونت أرتوف، وكانت نفسها ~~منقبضة لقتل روكامبول، فقد كانت تحب أن يبقي عليه الكونت بعد إقراره، لاعتقادها أنه ~~لم يكن غير آلة بيد أندريا، وما زالت تسير بهما المركبة حتى بلغت إلى منزلها، ~~فاستوقفتها وودعت الكونت أرتوف وحاولت الدخول إليه، فوجدت الباب مفتوحا خلافا ~~للعادة، فأوجست ms0480 شرا ودخلت إلى الفسحة الخارجية، ورأت أن باب المنزل الداخلي مفتوح ~~أيضا، ونادت الخادمة فلم تجب، فأعادت النداء دون أن تسمع من مجيب، وعند ذلك وقفت ~~تصغي وقد ساد السكون بعد انتصاف الليل، فسمعت أنينا صادرا من غرفة تلك الخادمة، فعلمت ~~أنه قد فاجأها مصاب، ولم تجزع لفتح الأبواب وما سمعته من الأنين، بل إنها دخلت إلى ~~المنزل ببسالة تندر في الرجال حتى بلغت إلى غرفة الخادمة، فسمعت ذلك الأنين ونادتها فلم ~~تجب، وحاولت أن تفتح الباب فوجدته مقفلا، فرفسته برجلها ففتح، وأنارت الغرفة ~~فوجدت تلك المسكينة مقيدة اليدين والرجلين، مكمومة الفم على ما تركها روكامبول، ~~فأسرعت إلى حل رباطها وسألتها منذعرة: ماذا حدث؟ ~~- لقد اختطفوا الفتاة يا سيدتي بعد أن تركوني كما رأيت. ~~- من هم الذين اختطفوها؟ ~~- ثلاثة، وهم امرأة عجوز وشاب وعبد أسود. # فصاحت باكارا صيحة منكرة: إن هذا العبد خادم المركيز وشريك روكامبول، وقد أصبت فإن ~~هذا الشقي مات دون أن يعترف بكل شيء. # إلا أن باكارا كانت منخدعة، فإن روكامبول لم يمت، بل إنه أفلت من كفنه وإليك ~~البيان: إنه بينما كان الكونت أرتوف يلح عليه بذكر اسم وارثه ليدفع له المائة ألف فرنك، ~~وبينما باكارا تلتمس من الكونت أن يبقي عليه، كان روكامبول يقول في نفسه إن لدي ~~خنجرا خبأته تحت صدرتي، وإن الكيس الذي سيضعوني فيه متسع بحيث لا يعيق يدى عن ~~الحركة، ثم إنهم سيلقونني في نهر المارن من موضع مرتفع، ولكن هذا النهر بعيد الغور، ~~فسأصل إلى غوره حيا، وعند ذلك أشق الكيس بخنجري وأصعد منه إلى سطح الماء ~~فأنجو. # فلما دخل إلى الكيس وجعل الخادمان يربطان فم ذلك الكيس، أدخل روكامبول يده من تحت ~~صدرته وقبض على قبضة الخنجر، ثم لبث واقفا دون حراك، حتى إذا ألقوه في الماء أخرج ~~الخنجر قبل أن يبلغ إليها، فوصل إلى منتهى عمق النهر بعشر ثوان ومزق الكيس وهو من ~~المشمع بخنجره، فأخرج منه يديه ورجليه دفعة واحدة، وحين أصبح حرا ضرب الأرض برجليه ~~وذهب ms0481 صعدا حتى بلغ إلى سطح الماء، فتنفس الهواء وغاص مسرعا حذرا من أن يروه من ~~النافذة، ولكن الظلام كان مشتد الحلك، وقد أقفلت النوافذ حين إلقائه منها. # وكان روكامبول من الماهرين في السباحة لأنه ربي بين الأنهار، فما زال يسبح غائصا ~~تحت الماء، وكلما انقطع نفسه صعد متنفسا حتى بلغ الشاطئ فصعد إليه وهو لا يصدق ~~بالنجاة، وجعل يبتعد عن هذا المنزل وهو يلتفت في كل حين حذرا من أن يتبعه أحد، إلى أن ~~وصل إلى صخر مرتفع، فاختبأ وراءه وجلس يراقب المنزل الذي كان فيه، وأقام ساعة مبتل ~~الثياب وأعضاؤه ترتجف من البرد، حتى رأى أن الأنوار قد انطفأت، ثم لم يمض على ذلك ~~هنيهة حتى سمع مركبة خرجت من ردهة المنزل، فعلم أن من فيه قد رجعوا إلى باريس، وجعل ~~يركض مقاومة لتأثير البرد إلى جهة خمارة كان رآها حين قدومه إلى المنزل، حتى وصل إليها ~~وهو لا يزال بملابسه المركيزية الدالة على السعة والثروة، فاحتفل به صاحب الحانة؛ إذ لم ~~يتعود أن يتشرف بزيارة مثل هؤلاء النبلاء. فأخرج روكامبول دينارا من جيبه ودفعه ~~إليه، فأمر أن يعد له نارا للتدفئة وأن يحضر له شيئا من الشراب، ثم طلب إليه أن ~~يعطيه ما لديه من الثياب، فأعطاه ثوبا من ثيابه، فخلع المبتل بعد أن أخذ منه الحوالة ~~ولبس ثوب الحانة، وقد أخبره أنه سقط في النهر اتفاقا. # ثم تركه وجعل يمشي إلى أن لقي مركبة فركبها وذهب إلى مدام فيبار، فأيقظها ورأى ~~اليهودية قائمة عندها، فأخبرها بجميع ما حدث له، وكان الصباح طلع فأمرها أن تذهب وتتردد ~~حول منزل الكونت أرتوف كي تعلم إذا كان قتله فانتير، وأن تكتم حديثه أمام أعوانه لأنه ~~عزم على ألا يعود إلى فندقه، بل يسافر رأسا إلى لقاء أندريا، فذهبت العجوز بعد أن ~~أقفلت الباب وراءها حذرا من فرار الصبية، ونام روكامبول في سريرها. # وفي الساعة التاسعة أقبلت العجوز فأيقظته وقالت له: أظن أن الكونت قد قتل. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني رأيت ms0482 فانتير والإنكليزي الربان خارجين من الفندق الذي كنت فيه في الساعة ~~الثامنة وعليهما ملامح السرور. # فطرب روكامبول وأجاب فلأذهب للقاء السير فيليام؛ إذ لم يبق لي ما أعمله في ~~باريس. # ونهض فخرج من منزل العجوز، وذهب توا إلى بنك روتشيلد، فقبض المائة ألف فرنك حوالة ~~على بنك لندرا، وذهب إلى حيث ينتظره أندريا. # أما أندريا فكان مقيما مع أخيه في كارلوفان يدهشه بظواهر قداسته، ويظهر له كل يوم ~~آية جديد من آيات توبته، وكان أرمان يذوب تشوقا إلى معرفة سر مبارزة أخيه مع المركيز، ~~وفي كل يوم كان يسأله عن هذا السر، فيماطله إلى أن أخبره أخيرا أن المركيز قد تجرأ ~~على امرأته ودخل ليلا إلى منزلها إلى آخر ما يعرفه القراء من هذا الحديث، فغضب أرمان ~~غضبا شديدا وأقسم أنه لا بد له من قتل هذا الرجل السافل الذي يتجرأ على أطهر امرأة، ~~فطيب أندريا خاطره وغادره وهو فرح القلب كي يقابل روكامبول ويعلمه كيف يقابل امرأة ~~أخيه مرة ثانية. # وكان اتفاقه مع روكامبول أن يقابله في سانت مالو، فلما بلغ إليها وجده ينتظره في ~~المكان المعين، فسر به أندريا وأثنى عليه، فقال له روكامبول: أتعلم من أين أنا ~~آت؟ ~~- ألست قادما من باريس؟ ~~- كلا، بل أتيت من دار الأبدية. # فضحك أندريا وقال: لا أظنك أتيت، إذ لا أجد في وجهك أثرا من آثار الأبالسة. ~~- ربما كان ذلك لأني لقيتك، فأزالت بركات قدسك من وجهي تلك الآثار، ولكني ما أتيت إلا ~~من قعر نهر المارن. ~~- ألعلك غرقت فيه؟ ~~- لا بل أغرقوني. # ثم قص عليه جميع ما جرى له بالتفصيل، فاصفر وجه أندريا إلى أن أخبره بما علمه من ~~العجوز عن قتل الكونت أرتوف، فطاب خاطره ولم يعد يخشى لقاءه مع جون إيرد، فقال له: ~~يجب السرعة الآن، فإذا كان الكونت قد قتل فإن جون إيرد سيقضي على باكارا، فلا يبقى ~~علينا غير قتل أرمان. # ثم جعل يعلمه كيف يصل إلى امرأته حنة، فدله على المنزل وأرشده إلى مدخل الغرفة ms0483 ~~التي تقيم عادة فيها، وهي غرفة مجاورة لغرفة يشتغل فيها زوجها، بحيث لو نادته بأخفض صوت ~~لسمع نداءها، وقال: إذا احتجت إلى أن تكلمها فكلمها كما كلمتها المرة السابقة، ~~ولكنك لا تحتاج إلى الكلام، فإنها ستصيح حين تراك فيسرع إليك زوجها، وهو رجل شريف ويثق ~~بأنك شريف أيضا، فيبارزك وتطعنه بالسيف تلك الطعنة الإيطالية التي تعلمتها. فاذهب الآن ~~على بركات الأبالسة. ~~- إني لا آمن أن يقبض علي خدام الكونت حين يرون أني قتلت سيدهم ويسلمونني ~~للشرطة. ~~- وماذا عليك منهم، فإنك قتلت خصمك بالمبارزة وهي غير ممنوعة. ~~- وماذا أصنع بعد قتله؟ ~~- إنك تذهب إلى سانت مالو حيث توافيني فيها. ~~- أين؟ ~~- في سفينة الربان الإنكليزي، إذ لا بد لي من وداع باكارا. # ثم أطلعه على رسالة وردت إليه من الهافر من جون إيرد يخبره فيها بالفوز، وأنه سيسافر ~~بباكارا إلى جزائر المركيز. # وافترق الاثنان، فذهب أندريا إلى سانت مالو، وذهب روكامبول إلى قصر كارلوفان. # وكان الظلام قد خيم والخدم في القصر يتأهبون لإعداد العشاء، وحنة جالسة في غرفتها ~~تتلهى بالتطريز وتنتظر قدوم زوجها إليها كي يذهب بها إلى المائدة، وبينما هي على هذه ~~الحال إذ طرق باب غرفتها، فحسبت أن الطارق أرمان وقالت له: ادخل. # ولما فتح الباب ورأت أن الداخل لم يكن زوجها بل كان المركيز، صاحت صيحة ذعر وصرخت ~~تقول: إلي يا أرمان! # فركع روكامبول أمامها وقال لها: لماذا تخافي أيتها الحبيبة وأنا موقف حياتي في سبيل ~~رضاك؟ # ولكن لم يكد يتم حديثه حتى انقض عليه رجل انقضاض الصاعقة، وهو يزبد من الغضب إزباد ~~الجمال، وكان هذا الرجل أرمان. # أما روكامبول فقد كان يتوقع هذه المباغتة، فمد يده إلى جيبه وقبض فيها على غدارته ~~للدفاع، ولم يكن في يد أرمان سلاح ولكنه كان قوي العصب والعضل، وقد زاده الغضب قوة ~~وبأسا، فقبض على كتف روكامبول بيد من حديد وأنهضه بعد أن كان راكعا، وكان الغضب قد ~~أضاع صوابه فقبض على عنقه يريد خنقه، فجعل روكامبول يصيح بملء صوته إلي ... إلى ms0484 القاتل ~~... إلى السفاك ... # فلما سمع الكونت كلمة السفاك عاد إليه رشده، ورفع يده عن عنقه وتراجع عنه خطوة إلى ~~الوراء وهو ينظر إليه بعينين تتقدان من شرر الغيظ، وقال له: لقد أصبت، فإنك وإن كنت ~~قد دخلت إلى منزلي دخول اللصوص، فإني لا أقتلك دون أن يكون لك سلاح تدافع به عن ~~نفسك. # ثم هجم عليه وصفعه بإحدى يديه على وجهه، وأخذ باليد الأخرى سيفين كانا معلقين على ~~الجدار. # وعند ذلك تراكض الخدم مسرعين إلى الغرفة، فأمر الكونت بعضهم أن يعتني بامرأته التي ~~أغمي عليها، وأمر الآخرين أن يذهبوا بالأنوار إلى الحديقة، وخرج يتبعه روكامبول إلى ~~الحديقة التى جعلاها ساحة لهذا المعترك، وهناك قال للخدم: إنه إذا قتلني هذا الرجل، ~~فلا يقبض أحد عليه. # ثم أخذ الاثنان يتقارعان بسيفهما لا يحضر مبارزتهما غير الخدم. # 61 # وبينما كان الكونت وروكامبول يتبارزان، كان أندريا يسير آمنا مطمئنا إلى سانت مالو ~~وهو يلتفت من حين إلى حين إلى قصر كارلوفان، فيخفي البعد أنواره حتى احتجبت تلك الأنوار ~~عن عينيه، فقال في نفسه: هو ذا قد انطفأ آخر نور من عائلة كركاز. وابتسم ابتسام ~~الأبالسة وهو يقول: لقد ظفرت بعد صبري الطويل. # ثم نظر إلى جهة البحر فرأى أن سهما ناريا عقبه أسهم جعلت تشق كبد السماء، فانتعش ~~جسمه من الفرح وقال: هو ذا الربان قد ظفر بباكارا وحبسها بالسفينة، وهذه الأسهم هي ~~الإشارة المصطلح عليها بيننا. # وانطلق مسرعا إلى الميناء وعزم على أن يذهب إلى السفينة في أول قارب يصادفه، ولما ~~مشى قليلا سمع صوت رجل يناديه، ونظر إليه منذهلا فإذا هو جون إيرد ربان السفينة، ~~فحياه الربان باحترام وقال له: قد أتيت لأذهب بك إلى السفينة فإنهم ينتظرون ~~فيها. # ففرح أندريا وقال: أوقع الطير في الشرك؟ ~~- نعم، بحسن تدبيرك. ~~- كيف رأيت جمال باكارا؟ ~~- إنها تستحق أن تكون ملكة لتلك القبائل المتوحشة الذاهبة إليها. ~~- بل إني أؤثر أن يمزقوها حية ويولموا عليها الولائم. ~~- ربما كان هذا نصيبها، أفلا تزورها وتودعها بكلمة؟ ~~- إني ما ms0485 أتيت إلا لهذا. امض بنا. # ثم ركب الاثنان قارب السفينة وجرى بهما حتى بلغ إلى السفينة، فصعد إليها فقاده الربان ~~إلى قاعة فيها وقال له: فسأرسل إليك باكارا. # ولم يمض هنيهة حتى دخلت باكارا وقالت له: أهذا أنت يا سيدي الفيكونت؟ # فضحك أندريا ضحكا عاليا وقال لها: لست بسيدك الفيكونت، بل أنا السير فيليام الذي ~~عرفته من قبل. # فنظرت إليه باكارا باحتقار وقالت له: إني أعرف أن تلك التوبة لم تكن غير كاذبة، وأن ~~نار انتقامك كانت كامنة تحت رماد الغش والتدليس، ثم إني أعلم أن هذا الرجل بل هذا الوحش ~~الضاري الذي أحبطت جميع مساعيه الشريرة وأمانيه الأثيمة يكرهني إلى أن يتمنى لي ~~الموت. ~~- لقد أصبت أيها العزيزة، فإن جميع الذي لفظت به حق لا ريب فيه . ~~- وإني أعلم أيضا أنه اختطف تلك الفتاة التي كنت أربيها في منزلي، وكان يحبها حب ~~الفجار الفاسقين. ~~- إنها جميلة هذه الفتاة، وإن مدام فيبار ستربيها في باريس بدلا منك. # فقال له ربان السفينة الذي كان يسمع الحديث: لقد أخطأت يا حضرة السير فيليام؛ لأن ~~الفتاة ليست في باريس بل هي في سفينتي. # ونظرت باكارا إلى أندريا فرأته يصفر ويضطرب، فقالت له بلهجة الهازئ: لقد صدق المثل ~~القائل إن لكل صارم نبوة، فلقد كنت رجلا لا يحتفل بالنظام الإنساني ولا يكترث للشرائع ~~المقدسة، ولا قيمة لديه لحياة الناس، بل كنت تمشي إلى غايتك لا تلوي عنها مشي الظل ~~الزاحف، فما كنت تجد في سبيلك حجر عثرة تصدك عن قصدك، غير أن الله نظر إلى شرك ~~وأراد أن يوقفك عند حد في آثامك، فوضع نصب عينيك هذه الفتاة التي كان يضطرب لها فؤادك ~~على خلوه من عواطف الإنسان. # فضحك أندريا أيضا وقال للربان: إذا كانت الفتاة هنا، فلماذا لا تحضرها لي لنسمع ~~حديثها بدلا من حديث هذه المرأة؟ # فأجاب: ها أنا ذاهب لإحضارها. # ولما خلا أندريا بباكارا قال لها: لقد خسرت بمسألة فرناند خمسة ملايين، ولو لم أتمكن ~~من الفرار لكنت قتلتك. ~~- كان ينبغي ms0486 أن تقتل. ~~- ربما، ولكني لم أجد بدا من مكافأتك، فلقد أعددت لك جزاء غريبا، أتعلمين ما ~~هو؟ # وردت باكارا دون اكتراث: كلا، فما هو؟ ~~- إنك الآن في سفينة تدعى فولر، ربانها من رجالي وستسير هذه السفينة اليوم إلى ~~اوسيانيكا، أما جزاؤك فهو أني أمرت هذا الربان أن يلقي بك في إحدى جزر القبائل ~~المتوحشة، حيث يصنعون كل يوم وليمة على قطعة من جسدك الترف الناعم. # ثم قهقه ضاحكا وهو يحسب أن باكارا ستصيح الرعب وتسقط متوسلة على قدميه، غير أنها ~~كانت تسمع حديثه متبسمة، ولما فرغ منه قالت له: لقد أخطأت يا حضرة المنتقم، فلست أنا ~~التي سأذهب إلى هذه القبائل المتوحشة بل أنت. # وحين انتهت إلى هذه الكلمة أزيح الستار عن باب الغرفة، وولج منه رجل وقال له: لقد ~~كنت تحسبني ميتا فيما أظن. # ورجع أندريا منذعرا إلى الوراء، لأن هذا الرجل كان الكونت أرتوف. # 62 # ولنظهر الآن السبب في قدوم الكونت أرتوف، فنقول إنه حين ألقى روكامبول في البحر ~~عاد مع باكارا ومدام ألفونس إلى باريس، فأوصل باكارا إلى منزلها وذهب بمدام ألفونس إلى ~~منزله كي يدفع لها المائة ألف فرنك حسب الاتفاق. # وقد تقدم لنا القول إن فانتير كان قبض من روكامبول نصف أجرته عن قتل الكونت أرتوف، ~~وتعهد أن يقتله في تلك الليلة، فتربص له على باب النادي الذي كان يسهر فيه إلى ~~الساعة الحادية عشرة، فلم يخرج، ثم رأى سائق مركبته يعود بها في طريق منزله دون أن يكون ~~فيها الكونت، فحسب أنه يريد أن يسهر في منزل باكارا، وللحال ركض حتى أدرك المركبة، ~~فتعلق بها ثم دخل تحتها مستندا على قاعدة الدواليب، ولما بلغت المنزل فتح البواب ~~الباب الخارجي ودخلت إلى الردهة ودخل فانتير فيها، فأقام مختبئا بين دواليبها ساعة ~~حذرا أن يعود السائق لغرض من الأغراض، وبعد ذلك طلع من مخبئه، وكان يعرف منزل الكونت ~~لصداقته مع الخدم، فانسل دون أن يشعر به أحد من الخدم لأنهم كانوا نياما، وفتح الباب ~~بمفتاح خاص ms0487 ثم ولج إلى غرفة مجاورة للغرفة التي ينام فيها الكونت وتربص مختبئا ~~فيها. # ولبث في مكانه حتى عاد الكونت مع مدام ألفونس ودخل إلى غرفته، وسمع فانتير صوتها ونظر ~~من ثقب الباب فرأى مدام ألفونس، وعلم أنها المرأة التي ذهب إليها روكامبول، فعجب لهذا ~~الاتفاق وأنصت لحديثهما كي لا تفوته كلمة منه، فرأى أن هذه المرأة جلست على مقعد جلوس ~~المضطرب وقالت: أمر فظيع وهائل. # فقال لها الكونت: لا أنكر ما تقولين، ولكنه كان واجبا لا بد منه، فقد رأيت بعينيك ~~وسمعت بأذنيك، فعلمت ما أعلمه من آثام هذا الرجل. ~~- وأنا لا أنكر أيضا أنه أثيم، ولكن أكان يجب قتله لهذه الآثام؟ # فاضطرب فانتير في مكمنه وقال: عن أي رجل يتكلمان؟ ألعله روكامبول؟ # ثم سمع الكونت يقول معترضا: كيف لا يجب قتله، ولو أبقينا هذا المركيز الكاذب أما كان ~~قتل الكونت أرمان؟ # فجعل العرق البارد ينصب من جبينه وقد أيقن أن روكامبول مات، وأنه لم يعد له رجاء ~~بقبض المال منه. # أما مدام ألفونس فإنها أعيت عن الجواب، ولكنها لبثت مستنكرة للقتل فقال لها الكونت: ~~إنك ستكتمين هذا السر في كل حال. ~~- لا بد لي من كتمانه لأني شريكة لكما بقتل هذا المسكين. ~~- بقي أن أدفع لك المائة ألف فرنك التي وعدتك بها. # ثم ذهب إلى خزانته ففتحها وأخرج منها أوراقا بهذه القيمة وهو يقول: ليس لدي اليوم ~~غير هذه القيمة فخذيها. ~~- كلا، فإن هذا المال ثمن دم ذلك المسكين وهو ورثني الشقاء. # وألح عليها فأبت فقال لها: إذن خذيها وضعيها في صندوق الصدقات المعلق على باب ~~كنيسة نوتردام، وهذه مركبتي إنها توصلك إلى الكنيسة، ثم تذهب بك إلى منزلك. ~~- أحسنت، فإن التبرع بهذا المال على الفقراء سيكون كفارة عن ذنوبي. # وأخذت المال وودعته وانصرفت. # وبينما كان الكونت ينزع ثيابه لينام كان فانتير يقول في نفسه: إن روكامبول مات بعد أن ~~أباح بأسرار السير فيليام، ولا بد أن يكون الكونت وباكارا قد اتخذا الوسائل اللازمة ~~لإنقاذ أرمان دي كركاز من ms0488 مخالب أخيه، فإذا قتلت هذا الكونت فلا أستفيد من قتله شيئا، ~~لا سيما وأنه لم يبق في خزانته شيء من المال، وخير لي أن اتفق مع هذا الكونت، فقد ~~يعرض علي ما خسرته بموت روكامبول. # وعند ذلك فتح باب الغرفة المختبيء فيها، ودخل وبيده الغدارة على الكونت، وكانت الكونت ~~قد خلع ثيابه وصعد إلى سريره وأخذ يقرأ في كتاب، فلما رأى هذا الأسود داخلا إليه وبيده ~~غدارة يصوبها إليه ذعر لمنظره، غير أنه تجلد ولم يظهر شيئا من دلائل الخوف، بل ~~قال له بسكينة: من أنت وماذا تريد؟ # فوضع فانتير الغدارة على المستوقد، ودنا من سرير الكونت، ووقف بإزائه وقال: إنك يا ~~سيدي الكونت رجل شريف لا تخل بوعد، ولو صدر هذا الوعد منك إلى لص. ~~- ذلك لا ريب فيه، ولكن من أنت وماذا تريد؟ ~~- أنا لص وقد أوشكت أن أكون قاتلا، أما ما أريده فلا أنطق به إلا إذا تعهدت لي أن ~~تسمعني دون أن تنادي خدمك فيطردوني. ~~- قل، وأنا أتعهد لك بسماع جميع حديثك. ~~- إني دخلت منزلك يا سيدي الكونت دخول اللصوص، ولكني لم أكن أبغي سرقة مالك بل ما هو ~~أعز من المال. ~~- ألعلك كنت تريد قتلي؟ ~~- نعم، وقد كنت مدفوعا إلى قتلك بأجرة معينة قدرها عشرة آلاف فرنك قبضت نصفها ~~مقدما. # وابتسم الكونت وقال: أحب أن أعرف اسم هذا الرجل الذي يقدر حياتي بهذه ~~القيمة. ~~- إنها قيمة زهيدة يا سيدي الكونت، ولكنك من الأغنياء. # وابتسم الكونت أيضا وقال: لقد علمت الآن السبب في عفوك عني، فلقد قلت في نفسك أن ~~الكونت غني وقد يمنحني ضعف هذه القيمة، فإذا كان ذلك فإني أمنحك عشرين ألف فرنك فاذهب ~~بسلام. ~~- أشكرك يا سيدي جزيل الشكر، إلا أني لم أتشرف بالمثول أمامك لهذا السبب وحده. ~~- لأي سبب؟ ~~- إنك يا سيدي تراني أسود اللون، غير أني إذا إغتسلت بالماء السخن ودهنت جسمي ببعض ~~المواد صار أكثر بياضا من جسمك. ~~- ماذا أسمع؟ ألست إذن عبدا أسود؟ ~~- كلا يا سيدي، ولكن دخولي في ms0489 خدمة المركيز دون إينجو اضطرني إلى أن أصبغ جسمي بلون ~~أسود. ~~- أنت كنت في خدمة هذا الرجل؟ ~~- نعم. ~~- وهو الذي دفع لك خمسة آلاف لتقتلني؟ ~~- نعم. ~~- لقد أحسنت إذن برجوعك عن قتلي، لأنك لو قتلتني لخسرت الخمسة آلاف الأخري. ~~- لقد عرفت يا سيدي، لأني سمعت ما كنت تحدث به تلك السيدة. ~~- إذن أخبرني الآن بماذا تريد؟ ~~- إنك وعدتني أولا بأن تمنحني عشرين ألف فرنك، ثم تسمع جميع حديثي. ~~- سأفي بالشرطين. ~~- إذن، اعلم أن لهذا المركيز الذي قتلته اسما ثانيا. ~~- عرفت ذلك. ~~- إنما بقي أمر ثان لم تعلمه، وهو أنه لدي سر هائل يختص بشخص تحبه، فإذا وقفت عليك ~~فإنك تساومني بمشتراه. # فاضطرب الكونت وقال: من هو هذا الذي أحبه؟ ~~- أعيد عليك يا سيدي ما وعدتني به من إطلاق سراحي بعد الوقوف على أسراري، ثم أذكرك ~~أني رضيت بعشرين ألف فرنك مقابل رجوعي عن قتلك، إلا أن السر الذي سأطلعك عليه يساوي ~~أكثر من هذا الثمن، وسأذكر لك اسم الشخص كي تعلم خطورة هذا السر، إنه باكارا. # وانذعر الكونت وقال: باكارا ... ألعلها مهددة بخطر؟ ~~- وبخطر عظيم. ~~- وهل تستطيع الإباحة به؟ ~~- دون شك. ~~- إذن اذكر المبلغ الذي تريده وقل لي. ~~- لا تظن يا سيدي إني أطمع بك، ولكن الخطر الذي يتهدد باكارا أشد من الموت، ومثل هذا ~~السر لا يباح بأقل من مائة ألف فرنك، فهبني هذا المبلغ وأنا أعاهدك على أن أسلمك أيضا ~~هذا الرجل الذي تطارده دون أن تتمكن من القبض عليه، والذي لم يكن روكامبول أو المركيز ~~سوى آلة في يده. ~~- ألعلك تعني السير فيليام؟ ~~- نعم. # فأشار الكونت إلى منضدة وقال له: أدنها مني كي أكتب لك حوالة على بنك إذ ليس لدي ~~شيء من المال. # فامتثل فانتير وبينما هو يدني من المنضدة، إذ فتح الباب بغتة ودخلت منه باكارا وهي ~~منذعرة شاحبة اللون، فقالت قبل أن ترى فانتير: إنهم دخلوا إلى منزلي في الليل واختطفوا ~~الفتاة. # ثم رأت فانتير فصاحت صيحة منكرة لأن الخادمة روت لها أن بين ms0490 الذين اقتحموا المنزل كان ~~يوجد رجل أسود. # أما الكونت فإنه وثب من سريره ولبس عباءة وأسرع إلى باكارا، ووضع يدها بين يديه وقال ~~لها: لا تخافي إن هذا الرجل ... # وقاطعه فانتير قائلا: إن هذا الرجل هو أحد الذين اختطفوا الفتاة. ثم قال لباكارا: لا ~~تخشي يا سيدتي، إن الفتاة ترد إليك سالمة في الغد. # وعند ذلك قدم المنضدة حتى وضعها قرب الكونت، فقال له: اعلم يا سيدي السفاك أنك ~~لو عاهدت رجلا من عوام الناس لحنث بعهده معك، إن هذه السيدة الآن بقربي ولا خوف عليها، ~~ولكني من النبلاء ولا يحنث النبيل بما يعد. # فابتسم فانتير وقال: إن وجود السيدة باكارا بقربك لا يبعد عنها الخطر الهائل الذي ~~ينذرها، إذا لم أتكلم وأذكر اسم ذلك المنتقم. # فقالت باكارا: من هو هذا الرجل وما شأنه؟ # فروى لها الكونت بجميع ما كان بينه وبين فانتير، فقال: إني أعيد عليك ما قلت، وهو ~~أني إذا ذكرت لك اسم رجل لا يعلم بوجوده في باريس سواي، تتلاشى عن السيدة كل ~~المخاطر، وتقبض على السير فيليام كما تشاء. # فأجابه الكونت بأن وضع ورقة وكتب عليها حوالة على بنك روتشيلد بمائة ألف فرنك ودفعها ~~إليه، فوضعها فانتير في جيبه والتفت إلى باكارا قائلا: لا أعلم يا سيدتي ماذا فعلت مع ~~السير فيليام فاستحققت منه هذا الكره الوحشي، واعلمي الآن أنه لو لم يحسن إلي الكونت ~~أرتوف ويعطيني من النقود ما يكفيني لأن أعيش عيشة صالحة إلى نهاية أيامي، لتمكن ~~السير فيليام من أن ينفذ بك انتقامه الهائل، فإن لديه الآن رجلا يحكم على عصابة لصوص ~~تعهد للسير فيليام أن يحملك على سفينة إلى جزائر المركيز، ويلقيك فيها بين مخالب ~~قبائلها المتوحشة. # وإن هذا اللص السفاك مدين لرجلين يخلص لهما إخلاصا شديدا، وأحد هذين الرجلين ~~السير فيليام، وهو يقتل نفسه من أجل السير فيليام، ولكنه يقتل السير فيليام من أجل ذلك ~~الرجل الثاني. # فسأله الكونت منذهلا: من هو هذا الرجل؟ ~~- هو أنت يا سيدي. # فزاد عجبه وسأله: ms0491 من هو هذا اللص؟ وما اسمه؟ ~~- إنه رجل أنقذت حبيبته من النار. # فتذكر تلك الحادثة وسأله: أهو ربان إنكليزي؟ ~~- نعم، وهو يدعى جون إيرد، فإذا أمرتني يا سيدي أحضرته إليك من فندقه ~~حالا. # فنادى الكونت أحد الخدم قائلا: خذ بإحدى مركباتي هذا الرجل إلى حيث يريد وارجع به ~~إلي. # فذهب فانتير إلى الفندق الذي يقيم فيه الربان وأيقظه من رقاده قائلا: هل أنت مستعد ~~لاختطاف السيدة؟ ~~- نعم، إني لا أعصي أمرا للسير فيليام. ~~- ولكنك إذا عرفت من هي هذه السيدة، فإنك ترجع عن طاعته. ~~- من هي؟ ~~- هي حبيبة الكونت أرتوف. # فذعر الربان مما سمع وأجاب: إذن لا بد لي من قتل السير فيليام لأنه اقترح علي مثل ~~هذه الخيانة. ~~- إن الكونت يتوقع منك أحسن من ذلك، فهو يريد أن تذهب بالسير فيليام إلى هذه ~~القبائل المتوحشة بدلا من باكارا. # فأجاب الربان ببرودة الإنكليز: ليكن ما يريد الكونت. ~~- إذن لنذهب إليه. # وذهب الاثنان إلى الفندق الذي يقيم فيه روكامبول، وذلك لأنه خطر لفانتير أن يسرق جميع ~~ما يجده لدى روكامبول بعد أن علم بقتله، ولما خرجا من هذا الفندق شاهدتهما مدام فيبار ~~وعلى وجهيهما علائم السرور، فأيقنت أن فانتير قتل الكونت أرتوف، وأخبرت روكامبول بما ~~تقدم، وبعد هنيهة وصلا إلى الكونت أرتوف فأمرهما أن يختطفا الفتاة اليهودية من منزل ~~العجوز، ففعلا وعادا بها إلى باكارا، وفي اليوم التالي ذهبوا جميعهم إلى باخرة الربان ~~ما عدا فانتير، فإنه أخذ الأموال التي منحه إياها الكونت وسافر بها إلى لندرا. # 63 # لقد تركنا أرمان وروكامبول يتلاحمان على ضوء المشاعل التي كان ينيرها الخدم، وكان ~~روكامبول معتمدا في مبارزته على الضربة الإيطالية التي تعلمها وهو واثق من التغلب ~~على الكونت، فكان يقاتله بسكينة وبرود خلافا للكونت، فإنه كان هائجا أشد الهياج، فلما ~~ضاق ذرع روكامبول ورأى أن خصمه خبير بفنون القتال، وأنه يوشك أن يتغلب عليه، عمد إلى ~~الضربة الإيطالية إلا أنه ما لبث أن بدأ بمقدماتها حتى علم الكونت قصده وصاح به: خسئت ~~أيها ms0492 الغادر، فإني تعلمت هذه الطعنة قبلك. ثم انقض عليه انقضاض الصاعقة وضربه ~~ضربة شديدة وقعت في أعلى صدره، فصاح روكامبول صيحة ألم وسقط على الأرض. # وعند ذلك رمى أرمان سيفه إلى الأرض وسكن ثائر غضبه، فأسرع إلى خصمه فضمد له جرحه وأمر ~~الخدم أن يحملوه إلى غرفة في فناء القصر، ثم أمر أحدهم أن يسرع بإحضار الطبيب وكأنه قد ~~نسي جميع ما كان من خصمه، فجلس بإزاء سريره يعتني به ويعامله معاملة الصديق ~~الرءوف. # ولما حضر الطبيب كان روكامبول مغميا عليه لفرط ما نزف من دمائه، فاستفاق من إغمائه ~~وسمع الكونت يسأل الطبيب: ألعل الجرح خطير؟ ~~- إنه شديد الخطورة يا سيدي، قد يفضي إلى الموت. # ورأى الكونت أن روكامبول قد فتح عينيه، فأشار للطبيب بالصمت. # ودنا الطبيب وجس نبض روكامبول ثم أشار لأرمان أن يتبعه، فتبعه إلى نهاية الغرفة ~~وجعل يحادثة بشأن الجريح. # أما روكامبول فإنه اضطرب اضطرابا شديدا من الموت، وذكر أن أندريا كان السبب في جميع ~~ما أصابه من الشدائد، وما يلقاه الآن من خطر الموت، فحقد عليه وقال في نفسه: لا بد لي ~~من الانتقام من هذا الرجل الذي لم يقتلني غير مبالغتي بالاعتماد عليه، فكان يتنازعه ~~عاملان وهما الخوف من الموت وكره أندريا الذي جرعه هذا الكأس. # وفيما هو على هذه الحالة من الاضطراب، دنا الكونت من سريره وقد فرغ من محادثة الطبيب ~~وقال له: كيف أنت الآن؟ # فأجابه روكامبول: أود يا سيدي الكونت أن أخلو بك ساعة فأبوح لك بسر خطير لا أحب أن ~~ينزل معي إلى القبر. # فأشار أرمان إلى الطبيب فانصرف وقال لروكامبول: قل فإني مصغ إليك. ~~- إني سمعت الطبيب يا سيدي يقول أن ساعاتي باتت معدودة، فأردت أن تعرف من أنا وكيف ~~اتصلت بك قبل أن أموت، فاعلم يا سيدي أني لست المركيز دون إينجو، وما أنا من أهل ~~البرازيل. # فسأله أرمان منذهلا: إذن من أنت؟ ~~- إني الآلة المنفذة لأغراض رجل يدعونه الآن السير أرثير. # فاضطرب أرمان لأنه ذكر أنه سمع هذا ms0493 الاسم، وتابع روكامبول: وأنا يا سيدي الذي تبارزت ~~مع فرناند روشي، وكان اسمي في ذلك الحين الكونت دي كامبول، وحملت فرناند مع السير أرثير ~~إلى منزل الفيروزة، ثم قص عليه جميع ما جرى في منزل الفيروزة إلى أن أخبره كيف أن ~~باكارا أحبطت جميع مساعي السير أرثير واضطرته إلى الفرار. # فاضطرب أرمان وقال له: من هو أرثير هذا؟ وكيف لم يعلم بآثامه أخي؟ # فابتسم روكامبول وقال له: أصغ لي يا سيدي، فإن السير أرثير هذا كان له كثير من ~~المشروعات الأثيمة، وقد أشركني في جميع آثامه، فكان الرأس المرشد وكنت اليد العاملة، ~~وقد خطر له يوما أن يدع المركيز فان هوب يقتل امرأته كي يزوجه بابنة عمه ~~الهندية. ~~- كيف ذلك؟ أهي تلك المرأة التي وجدت ميتة في قصرها أمام عشيقها الذي قتلته؟ ~~- لقد خدعتم يا سيدي، فإن هذا العشيق الكاذب لم يكن إلا أنا، ولم يكن الذي طعنني ~~بالخنجر غير السير أرثير. ثم ذكر له تفاصيل جميع هذه الحكاية، وهو يذكر له أندريا باسم ~~السير أرثير، إلى أن تولد الشك في نفس أرمان فقال له وقد فرغ صبره: من هو أرثير هذا؟ ~~ومن أين أتى؟ ~~- سأشرح لك عنه ما تريد، فأمهلني إلى أن أتم حديثي، واعلم أن هذا السير عندما حبطت ~~جميع أمانيه بقي له رجاء واحد، وهو أن يتزوج السيدة حنة دي كركاز متى أصبحت أرملة، ~~ولهذا قد علمني هذه الطعنة الإيطالية وأمرني أن أقتلك. # وصاح أرمان صيحة رعب مما سمع، وعاد روكامبول إلى حديثه فقال: واعلم يا سيدي أني ما ~~تجاسرت على حب السيدة دي كركاز ولا رفعت إليها نظري مرة لحسابي الخاص. # فقال أرمان بصوت يضطرب: إذن ما هذه المبارزة مع أخي أندريا؟ ~~- أمعن بي النظر يا سيدي لعلك تعرفني، وسأعينك على معرفتي، ألا تذكر تلك الليلة ~~في بوجيفال حين وضعت خنجرك على عنقي وطلبت إلي أن أرشدك إلى حيث تقيم حنة ~~وسريز؟ # فذكر أرمان للحال تلك الليلة الهائلة وقال: لقد عرفتك فأنت روكامبول. ~~- نعم يا سيدي، ms0494 وأنا أيضا ذلك الرجل الذي كان بين خدمك، والذي كان يركب وراءك في ~~المركبة حين لقيت أخاك أندريا منطرحا على الطريق كأنه على وشك الموت، أما السير أرثير ~~فقد كان يدعى من قبل السير فيليام، وأنت تعلم أن السير فيليام هو الفيكونت ~~أندريا. # وصاح أرمان صيحة منكرة وكاد يسقط من فرط تأثره. # فقال روكامبول: وهو يا سيدي الذي يعلمني الطعنة الإيطالية منذ ثلاثة أشهر، وهو الذي ~~دلني منذ ساعتين على الطريق التي أصل بها إلى غرفة امرأة أخيه. # فذكر أرمان جميع ما قالته له باكارا عن أندريا وقال: تبا له من خائن. ~~- إن ما قلته لك يا سيدي صحيح لا ريب فيه، على أنك إذا كنت مرتابا في صحة ما ~~قلته فإن لدي برهانا دامغا، ولكني لا أقوله لك مجانا بل أبيعك إياه بيعا، ولا ~~تحسب يا سيدي أن الندامة دعتني إلى الإباحة بأسرار أندريا، بل هو الانتقام؛ لأني ما ~~أحببت أن أموت وحدي. # فقال أرمان: إذن قل برهانك. ~~- إن باكارا مهددة الآن بخطر هو شر من الموت، فإذا بحت بهذا السر سلمت من ~~الخطر، وإلا فإنها تقع في شرك السير فيليام. ~~- أسرع وقل ما تريد ثمن هذا السر. ~~- أن تعدني أولا أنه إذا أخطأ الطبيب ولم أمت فلا تسلمني إلى الشرطة. ~~- أقسم لك بشرفي على أن تخرج من منزلي حرا. ~~- ثانيا أن تعطيني يوم أخرج من منزلك مائة ألف فرنك وجواز سفر إلى إنكلترا. ~~- سأعطيك ما طلبت فقل. # فأخبره عند ذلك بجميع ما كاده أندريا لباكارا، وأنهما لا بد أن يكونا الآن في سفينة ~~الربان الإنكليزي. # فهلع فؤاد أرمان من الخوف على باكارا، ونادى أحد الخدم وطلب إليه أن يسرج له جوادا ~~في الحال، وبعد عشر دقائق ركب جواده وسار ينهب به الأرض إلى الميناء. فقال روكامبول في ~~نفسه: مت أيها الشقي وعزائي أني لا أموت وحدي. # 64 # لنعد الآن إلى السفينة، فلقد غادرنا أندريا منقلب السحنة منذعر الفؤاد حين طلع ~~عليه الكونت أرتوف، وهو يحسب أن فانتير قد ms0495 قتله كما أخبره روكامبول، فلما رآه ضاع صوابه ~~وجعل يقلب طرفه بين الكونت وباكارا وينظر إليهما نظرات اليأس؛ لما كان يعلمه أن ~~اجتماع هذا الكونت بالربان يقضي عليه، فعلم للحال أنه وقع في الشرك الذي نصبه، وساد ~~سكوت هائل بين الثلاثة، فلم يتكلموا إلا بالنظر. # ولقد كان يجول في ذهن أندريا إلقاء نفسه إلى البحر والفرار، أو الهجوم بخنجر على ~~باكارا أو الانتقام منها بالقتل، إلا أنه لم يستطع تنفيذ شيء من ذلك؛ لأن قوته قد تلاشت ~~وفقد رشده شأن كبار المجرمين حين يباغتون بخطر لا يتوقعونه، فبدأت باكارا الحديث ~~فقالت بصوت هادئ ثابت خرج من فمها كالقضاء المبرم: لقد دنت ساعة العقاب يا حضرة ~~الفيكونت أندريا، ويا جناب السير فيليام. # فرفع أندريا رأسه وحاول أن يجيب، فانقض عليه الكونت أرتوف انقضاض الصاعقة، فقبض على ~~عنقه بيد من حديد ووضع خنجره على صدره ينذره بالموت، فجعل أندريا يصيح بصوت مختنق: ~~إلي ... يا جون ... إلي أيها البحارة، ثم حاول أن يجرد خنجره، فلم يخرج نصف نصاله حتى ~~ألقاه الكونت على الأرض ووضع ركبته فوق صدره، ولم يعد يستطيع حراكا. # وعند ذلك أتمت باكارا حديثها فقالت: لقد قلت لك ياحضرة الفيكونت إن حبك الفاسد لهذه ~~الفتاة اليهودية كان السبب في سقوطك، فلقد أشركت في اختطافها جون إيرد وروكامبول، ~~وعهد هذا الأخير شريكك بالآثام إلى فانتير أن يقتل الكونت، ولكن فانتير خانكم جميعا ~~وكان ذلك بقضاء من الله كي تنقطع شرورك من الأرض. # فأن أندريا أنين الموجع السقيم، وجعل الزبد يخرج من شدقيه، فقالت باكارا: كان جون ~~إيرد شقيا لصا مثلك، ولكنه كان له بين جنبيه قلب يعرف الامتنان، وقد أحسن إليه ~~الكونت فأخلص له وانقلب من خدمة اللصوص إلى خدمة الأشراف، أعلمت الآن كيف وقعت في ~~الشرك؟ # وقال له الكونت: إنك تستغيث فلا يغيثك أحد، وتطلب الإشفاق عليك فلا تجد مشفقا؛ لأنك ~~لم تشفق على أحد، فاستسلم للموت فسينفذ فيك قضاء الله. وعلم أندريا أنه مقضي عليه، فجعل ~~يستعطف ويقول: رحماكم. # فقالت ms0496 له باكارا وهي تبتسم ابتسام المتهكم: ألعلك كنت رحمتني لو وقعت في ~~قبضتك؟ # فهاج الحقد بصدر أندريا حتى أنساه موقفه الحاضر وقال: كلا. ~~- أما أنا فلو كنت أسأت إلي وحدي لكنت صفحت عنك، غير أن الذين أسأت إليهم ~~كثيرون. # فلمعت عيناه ببارق من الأمل وعاد إلى التوسل والاستعطاف. # غير أن أمله لم يطل فإن باكارا قالت: لست أنا التي أحكم عليك الآن، بل الكونت ~~أرتوف، بل جميع أولئك الذين أسأت إليهم، فانظر. # وحين قالت هذا القول أزيح الستار عن باب الغرفة، فارتعش أندريا حيث إنه رأى على ~~مقعد طويل المركيز فان هوب، وعلى يمينه الكونت مايلي، وعلى يساره فرناند روشي، ووراءهما ~~ليون ورولاند والفيروزة التي جنت وهي تضحك وتبكي في حين واحد، وبالقرب منها الفتاة ~~اليهودية. # فلما رأى أندريا هذا المنظر الهائل صاح يقول: رحماكم! # نظرت باكارا إليه وقالت: هم أولاء الذين أسأت إليهم قد أصبحوا قضاتك الآن. ثم نظرت ~~إليهم جميعهم وقالت لهم: من أراد منكم أن يعفو عن هذا الأثيم فليرفع يده؟ فلم يرفع ~~يده بينهم غير الفتاة اليهودية. فقالت باكارا: انظر إلى هذه الفتاة التى أردت أن ~~تدنسها، فإنها وحدها التي صفحت عنك، ولذلك فإنك لا تموت، ولكنك إذا سلمت من الموت ~~فلا تسلم من العذاب. # وعند ذلك تولى الكلام عنها الكونت أرتوف فقال: نحن الآن في البحر، وصاحب هذه ~~السفينة حاكم فيها تطيعه النوتية كما تطيع الجنود قوادها، وأنت أيها الخائن قد اخترعت ~~لنفسك العقاب، فستفذف بك هذه السفينة إلى أحد شواطئ جزيرة المركيز، فتلقى من توحش ~~قبائلها جزاء ما جنته يداك، غير أنه لما كنت قادرا على الشر بحيث يخشى لفرط ~~دهائك أن تفلت من السفينة وتعود إلى أوروبا، ثم لما كان الأفعى ينزعون أسنانها حين ~~يخشون نفث سمها القاتل، فقد رأيت أن أنزع منك تلك القوة كي لا يكون لك بعد ذلك سبيل إلى ~~الشر. ثم تكلم كلاما باللغة الروسية، فدخل الروسيان اللذان عرفهما القراء في حادثة ~~روكامبول حين ألقياه في النهر، وكان أحدهما ms0497 يحمل غدارة محشوة والآخر يحمل موسى، ~~فأمرهما الكونت فقبضا على أندريا، ثم تراجع فجلس على المقعد الذي كان يجلس عليه فرناند ~~ورفاقه، فقال الكونت: إنك كنت تغري النساء بجمالك، وتغري رجالك بفصاحة لسانك، ~~فسيشوه هذا الوجه ويقطع هذا اللسان كي تصبح عبرة لبني البشر. # وفيما هو يقول ذلك إذ دخل جون إيرد وقال: أسرعوا فلقد أقبلوا! # فقال الكونت: من هم؟ ~~- لا أعلم، إني رأيت أربعة رجال يسرعون إلى سفينتي بقارب. # قالت باكارا: لعله أرمان. # فهاج الحقد بصدر أندريا وقال: إن أرمان قد قتل. # فذعر الجميع لهذا النبأ، ما خلا الكونت وباكارا، فإنهما كان يحسبان أن روكامبول قد ~~مات. # قال لهم أندريا: إنكما تحسبان روكامبول ميتا، وقد نجا من الكيس الذي ألقيتماه في نهر ~~المارن، وقتل الكونت منذ ساعة وفر. # فذعرت باكارا وقالت: إذا كان ما تقوله صحيحا فاستعد لأفظع موت. ثم خرجت مسرعة إلى ~~ظهر السفينة، فأخذت منظار الربان ونظرت به إلى القارب، فرأت أرمان فيه على نور المشاعل: ~~فرجعت مسرورة الفؤاد وقالت: كذبت أيها الخائن، فهو ذا أرمان قد أتى ولكنه أتى بعد فوات ~~الأوان، فلا تؤمل أن يشفع بك. # وعند ذلك أصدر الكونت إشارة إلى خادميه الروسيين، فسقط الستار بين الحاضرين وبين ~~أندريا؛ إذ لا يجب على القضاة أن يحضروا تنفيذ العقاب. # 65 # ولم يكد يصعد الحاضرون إلى ظهر السفينة حتى رأوا أرمان مسرعا إليها مع ثلاثة من ~~خدامه، وكلهم مسلحون، ولكنه ما لبث أن رأى باكارا حتى تراجع منذهلا إلى الوراء ~~قائلا: ماذا أرى؟ ~~- إن الله معنا يا سيدي الكونت، فلنشكر الله. ~~- وأندريا الخائن أين هو؟ ~~- إنه يلقى العقاب الذي يستحقه. # ثم أخذته بيده إلى حيث كان الجالسون على المقعد، فسمع أندريا يئن أنينا يخرج من صدره ~~كزئير الوحوش، فتقطع قلبه من الإشفاق، وذكر أن أما واحدة حملتهما فاسترسل إلى ~~عواطف حنوه ونظر إلى باكارا قائلا: إنه أخي ... # ولم يكد يتم هذا القول حتى انقطع الأنين، وخرج صوت غدارة يدوي في جوانب ~~السفينة. # فساءلهم أرمان: ماذا أسمع ms0498 ألعلهم قتلوه؟ ~~- كلا، تعال وانظر. # ثم أزاحت الستار، فتراجع أرمان منذعرا لما رآه. # ذلك أن أحد الخادمين قطع لسانه بموسى، فجعل الدم يسيل من فمه فيخضب الأرض، وأطلق ~~الآخر غدارة محشوة بارود، فسقط على وجهه فشوهته تشويها هائلا وفقأت إحدى ~~عينيه. # وعند الفجر سارت السفينة بأسيرها المشوه إلى القبائل المتوحشة. ~~••• # أما أرمان فإنه عاد إلى منزله والحزن ملء فؤاده، فأخبر روكامبول بما كان، وقال له: ~~إنه مهما يكن من سابق شرورك، فإني سأفي بوعدي لك ومنحك المائة ألف فرنك التي وعدتك ~~بها، فمتى خرجت من قصري معافى تقبضها من الوكيل. # ثم برح كارلوفان مع امرأته وولده وعاد إلى باريس. # وتمكن روكامبول في خلال معالجته من الولوج إلى غرفة أندريا، فسرق جميع ~~أوراقه. # وبعد شهر تزوج الكونت أرتوف بباكارا وسافر بها إلى روسيا . # وفي اليوم نفسه سافر روكامبول إلى لندرا بأموال أرمان دي كركاز وأوراق أستاذه ~~أندريا. # الغادة الإسبانية‏ # الغادة الإسبانية‏ # | الغادة الإسبانية‏ # | الغادة الإسبانية‏ # | روكامبول (الجزء الثالث) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده‏ # | الغادة الإسبانية # 1 # كانت الباخرة الفرنسية مويت، وهي من البواخر التجارية قادمة من لفربول إلى ~~الهافر. # وكان النسيم بليلا والجو صافيا والبحر ساكنا، هدأت مياهه فباتت كمياه البحيرات، ~~فكان ربان تلك الباخرة يسير على ظهرها ذهابا وإيابا وهو ينظر إلى ما يكشف الفضاء من ~~الصفاء نظرة رضى؛ إذ لم يكن يكدر ذلك الجو الرائق غير دخان سيكاره الكثيف، ثم كأنه قد ~~تعب من المسير، فجلس على مقعد قرب أحد المسافرين وقال له: إذا لبث الطقس على ما هو عليه ~~الآن فإننا نصل صباح الغد إلى ميناء الهافر، فأرى فرنسا بعد فراقي لها أربعة ~~أعوام. # وكان لباس المسافر وجموده يدلان على أنه من الإنكليز، ولهذا فقد كلمه الربان ~~بالإنكليزية، غير أن المسافر جعل يحادثه بالفرنسية الفصحى، فأجابه: إذن أتظن أننا نبلغ ~~الهافر صباح الغد؟ ~~- نعم، إلا إذا ثارت عاصفة أو فاجأتنا الأقدار بمصيبة لا نتوقعها. # ثم أخذ الربان منظاره وجعل يراقب فيه جهات الفضاء الأربع، وقال: إن ms0499 السماء صافية ~~والمياه هادئة، فسأعهد بقيادة السفينة إلى الربان الثاني وأنام الليلة مطمئن البال. ~~وبعد هنيهة ودع المسافر وانطلق إلى غرفته، فبقي المسافر وحده على المقعد، فجعل ينظر ~~إلى مغيب الشمس حتى توارت في حجابها، ثم أسند رأسه إلى يده وأخذ يناجي نفسه فيقول: «ما ~~لقلبي قد اضطرب لمغيب الشمس، وما هذا التأثر الذي أجده حين أرى أشعة القمر الذهبية ~~ترقص فوق هذه المياه، وقد عهدت قلبي خلوا من الإحساس، وما أنا من عالم الخيال أو ~~الشعراء. وبعد فما هذا التشوق للوطن، وما هذا الارتياح الذي أشعر به حين قربي من هذا ~~الوطن بعد طول الغربة، فإني أحتقر من يشكو وحشة الاغتراب بالحنين إلى الأوطان، بيد ~~أني أشعر بأن قلبي يخفق سرورا حين أعلم أننا سنبلغ غدا إلى الهافر، ألعلي أصبحت ~~شريفا لطول عشرتي للأشراف، وأصبحت ذا قلب يحن بعد اختلاطي مع ذوي العواطف؟ كلا ولكن ~~هذا القلب الصخري لا يخفق هذا الخفوق لقرب وصولنا من الهافر، إلا لأن هذا الميناء لا ~~يبعد سوى خمس ساعات عن باريس.» # وقد ذكر باريس كما يذكر الطفل اسم أمه، ثم قال: أيتها العاصمة الجميلة، إنك بلد رجال ~~الجرأة والإقدام، فلا يفوز فيك غير رجال المطامع والنوابغ من أهل المكر والدهاء، فلقد ~~أقمت أربعة أعوام في بلد الضباب - أي عاصمة الإنجليز - لا أغمض عيني إلا على رجاء أن ~~تتمثل لي بالحلم باريس، تلك العاصمة الزهراء مرسح المطامع وميدان أصحاب العقول ~~الراجحة. # ثم تنهد وقال: نعم، إني أقمت في لندرا أربعة أعوام، وقد حان لي الآن أن أعود إلى ~~بلادي، ولقد نسي سكانها أني كنت أدعى الفيكونت دي كامبول، والمركيز دون أينجو، ورئيس ~~الجمعية السرية، وتلميذ السير فيليام. # ثم نهض روكامبول وكان هو بعينه، ونزل إلى غرفته في السفينة وأخذ ملفا من الأوراق، ~~وجعل يقلب فيها ويقول: أف للسير فيليام وللغته الهيروغليفية، ومن لي بحل رموزها! ~~فلقد كان يكتب لشدة دهائه بلغتين، فيطلعني على أسرار الواحدة ويكتم عني الأخرى، فلقد ~~مضى بي أربعة أعوام أقرأ ms0500 هذه الأوراق دون أن أتمكن من حل طلاسمها، وكلما دنوت خطوة ~~من أسرارها بعدت ميلا. مثال ذلك أني أقرأ بهذه الأوراق التي سرقتها ما ~~يأتي: # يوجد في باريس في قصر ... في شارع ... # وقد كتب اسم القصر والشارع باللغة السرية التي لا أفهمها، ثم أقرأ ما ~~يأتي: # إن هذا القصر يسكنه المركيز والمركيزة دي وابنتهما، ~~ويبلغ المركيز من العمر ستين عاما، والمركيزة خمسين، وابنتهما ثمانية عشر. أما ~~المركيز فهو غني يبلغ إيراده مليونا في العام، ولهذا المركيز ولد إذا كان لا ~~يزال في قيد الحياة فإن عمره يبلغ الآن أربعة وعشرين عاما، ولهذا الولد قصة، ~~وهي أنه عندما كان عمره عشر سنوات أدخل في سفينة إنكليزية من بواخر شركة ~~الهند بصفة نوتي، ولم يظهر شيء من أثره بعد ذلك، بحيث لا يعلمون إذا كان ميتا ~~أو هو في قيد الحياة، فإن المركيزة تجهل مصيره، ولا يعلم أين هو سوى المركيز، ~~ولا بد له من أن يدفن هذا السر معه، فإنه لم يفارق ولده في عهد الطفولة ويرسله ~~نوتيا في البحار، ويكتم أمره عن امرأته إلا لسبب عظيم، إلا أن أمه لا تزال ~~ترجو أن تراه، فإذا رجع هذا الولد، فإنه يرث ثلاثة أرباع ثروة أبيه حسب نظام ~~تلك العائلة، ويبقى الربع لأخته، وعلى ذلك فيمكن أن ~~... # إلى هنا انتهت الكتابة الواضحة، وقد كتبت تتمة الحديث باللغة الهيروغليفية الخاصة ~~بالسير فيليام، فكأنه يقول لي: يوجد في لندرا في منزل مشرف على الشارع كنز مدفون، وأين ~~لي أن أعرف هذا المنزل فأجد ذاك الكنز! # ثم دفع هذه الأوراق مغضبا لإبهامها، وقال في نفسه: إن غاية ما أعرفه أنه يوجد مركيزة ~~ترجو أن يعود إليها ولدها، وأن ما يمكن الاستفادة به من ذلك أن أكون ذلك الولد، فإننا ~~بعمر واحد، وقد غادرته طفلا فهي لا تعرفه الآن، ولكن كيف أفعل هذا وأنا لا أعرف ~~اسم المركيزة، ولا أين تقيم؟ ولو ذكر لي السير فيليام اسم الشارع على الأقل لهان الأمر، ~~ولكنه حمل سره معه ms0501 إلى جزائر المركيز. # ووالله إني أشفق على هذا الرجل وأحسده في حين واحد، أما إشفاقي عليه فلأنه ما شرع في ~~مكيدة إلا بناها على أمتن دعائم الحكمة وحسن التدبير، ولكنه لم يفلح بأمر لما خص به ~~من نكد الطالع، وأما حسدي له، فلما أوتيه من الدهاء وبعد النظر في الأمور. ومن أين لي ~~عقل هذا النابغة! # وما أوشك روكامبول أن يتم هذه المناجاة، حتى سمع صوت ضجيج وتهافت المسافرين إلى ظهر ~~السفينة، وصوت الربان يصدر أوامره الشديدة إلى البحارة، فقال في نفسه: ما هذا الانقلاب؟ ~~إني غادرت الربان منذ ساعة آمنا مطمئنا، وهو الآن يضطرب وينادي البحارة، فما معنى ~~هذا الانقلاب؟ # ثم برح غرفته وصعد إلى ظهر السفينة، فوجده يلقي الأوامر والبحارة يطوون الشراع، ~~وعلائم الذعر بادية في وجوه المسافرين، ومع ذلك فإن البحر كان لا يزال على سكونه، والجو ~~على صفائه، فلم يفقه روكامبول معنى هذا الهياج، ودنا من أول مسافر لقيه وكان يلبس لباس ~~رجال البحرية وسأله: أتأذن لي يا سيدي أن أسألك عن السبب فيما أراه من ذعر المسافرين ~~واهتمام البحارة بطي القلوع. # فأجابه المسافر: ذلك لأن العاصفة ستفاجئنا. ~~- أين العواصف، وأنا لا أجد سحابة في السماء؟ ~~- إنك لا تراها لأنك لست من رجال البحرية، فخذ هذا المنظار وانظر إلى أسفل الجهة ~~الغربية من الأفق. # وأخذ روكامبول المنظار ووجهه إلى الجهة المشار إليها، ورأى غمامة صغيرة تشبه ~~الشراع، فقال: ما عسى أن يكون وراء تلك الغمامة؟ ~~- ما وراءها سوى العاصفة، فإنها ستتسع وتمتد حتى تعم بعد ساعة جميع هذا الفضاء، فتنقض ~~منها الصواعق، وتزبد مياه هذا البحر الساكنة، فترقص السفينة على أمواجها كما تضطرب أشعة ~~القمر الآن فوقها، بحيث لو أغفل شراع دون طي غرقت السفينة لا محالة. # وكان الرجل يتكلم بما يدل على خبرته في فن البحار، فعجب روكامبول وسأله: أمثل هذه ~~الغمامة الصغيرة تحدث هذه الأنواء العظيمة؟ # فابتسم المسافر وأجاب: إني بحري والبحارة يندر أن يخطئوا بما يبدو لهم من أدلة ~~الأنواء. ~~- إذن فلا بد ms0502 من العاصفة. ~~- نعم، وستكون شديدة هائلة. ~~- أنحن في خطر أكيد؟ ~~- ربما، إلا إذا أراد الله لنا السلامة، فإنه يبدد هذه العواصف، إلا أني أرى الخطر ~~جليا، وقد أكون مبالغا فيما قلت، على أن الذي يحملني على الرجاء ما أراه من اهتمام ~~الربان وحسن طاعة الملاحين ودربتهم، فإني إذا كنت الآن مسافرا فقد كنت بحارا مثل ~~هؤلاء، وقد تعلمت هذا الفن في سفن شركة الهند. # فاضطرب روكامبول لما سمعه، وتذكر أوراق السير فيليام التي كان يقرؤها منذ حين، فقال ~~للمسافر كي يجره إلى الحديث: أعرفت مدينة الهافر من قبل؟ ~~- كلا، وأنا ذاهب إلى باريس لأرى فيها أما وأختا لم أرهما منذ ثمانية عشر عاما؛ ~~أي منذ سافرت بحارا في سفن الهند، ولم يكن لي في ذلك العهد من العمر سوى عشرة ~~أعوام. # فلما سمع روكامبول هذا الكلام نسي العاصفة وأخطار الغرق، بل نسي الوجود وانصرف بجملته ~~إلى التأمل بهذا الشاب، ولم يصب في حياته بما أصيب به من التأثر حين كشف له هذا ~~البحار دون أن يعرف أسرار تلك الأوراق، وتراءى له أن أبواب المستقبل قد فتحت أمامه، ~~وأن الصدفة أقبلت تبتسم له أجمل ابتسام، ولكنه ضبط اضطرابه وقال له بلهجة سرور: إذن أنت ~~فرنسي؟ # وهز البحار رأسه وأجاب: إنك تعجب كيف أشتغل في سفن الهند وأنا فرنسي، إلا أن لذلك ~~سرا عائليا لا يسعني إفشاؤه. # ثم أمسك منظاره من يد روكامبول وقال: أرجو أن تأذن لي يا سيدي بمبارحتك الآن؛ لأني ~~ذاهب إلى غرفتي كي أجعل أوراقي في مأمن من المياه إذا نكبنا بغرق السفينة، فإني قد ~~وضعتها في حقيبة من الحديد الرقيق وسأتمنطق بها، وإن ألقيت نفسي إلى الماء لا ~~تبتل. # ولما انصرف خاض روكامبول في عباب تصوراته، وقد جعل جل قصده التزلف إلى هذا البحار ~~بصداقة تحمله على الوثوق به والإباحة له بجميع سره، وقد سار في مجال هذا التصور إلى مدى ~~بعيد، حتى إنه خطر له أن يكون بدل هذا البحار عند أمه وأخته، ولكنه اضطرب حين ms0503 بلغ إلى ~~هذا الحد من التصور، وكأنه لم يجسر على تتمته، ثم اشتدت عزيمته حين تذكر السير ~~فيليام الذي لم يكن يشفق على أحد، وذكر ما كان يقوله له: «وهو أن الحياة معترك، ولا بد ~~للفوز في المعارك من القتل، وأن عزاءنا على قتل الناس كثرة الناس في الأرض.» # ولبث واقفا على ظهر السفينة غير مكترث لما يكتنفها من المخاطر، وجعل يردد في ~~تفكيره هذه الكلمات: «إنه فرنسي ... اشتغل في إحدى سفن شركة الهند ... ترك باريس منذ ثمانية ~~عشر عاما ... دخل إلى السفن وهو في العاشرة من عمره كي يتعلم فن البحارة. # إن جميع ما سمعته من هذا الرجل ينطبق أشد الانطباق على ما قرأته في أوراق السير ~~فيليام.» # وفيما كان روكامبول غارقا في لجج تصوراته، كانت تلك الغمامة التي لم تكن ترى إلا ~~بالمنظار تمتد وتتسع، كما تنبأ به المسافر، حتى ملأت ذلك الفضاء الوسيع وتوارى القمر ~~في ضبابها المتلبد، ثم هبت الرياح فكانت خفيفة في بدء هبوبها، ولكنها جعلت تزيد ~~وتضعف تباعا حتى أوشكت أن تكسر الصواري. # وكان صوت العاصفة يصل من بعيد فيبلغ إلى السفينة كزئير الأسود، والناس قد هلعت ~~قلوبهم، وبات دوي أصواتهم يمتزج بين دوي الرعود وبين رجال يجأرون إلى الله بالدعاء، ~~ونساء تعول وتنتحب، فيطبق صراخها الفضاء، وبحارة يصيحون وهم يتسلقون الصواري ليطووا ~~القلوع، فتصدهم زوابع الهواء. # وكان روكامبول واقفا بين هذا الخليط مشتت البال، منشغلا عن اضطراب الناس من حوله ~~لما كان يجول في خاطره من أمر هذا المسافر، وبقي على هذا الذهول إلى أن رده إلى هداه ~~المسافر نفسه، فاحتك به قائلا: أرأيت ما كان من أمر هذه الغمامة؟ # والتفت روكامبول ورآه بقربه وقد خلع ما كان عليه من الثياب، فلم يبق سوى قميصه ~~وبنطلونه، وكانت حقيبة أوراقه مشدودة إلى وسطه بمنطقة من جلد، فقال له: إني أراك قد ~~بالغت في الحذر؛ لأني لا أجد ما تجده من مخاطر الغرق. ~~- أراك نسيت أننا في بحر المانش، وعلى عشر مراحل من الشواطئ، وقد ms0504 تدفع الرياح سفينتنا ~~فتلتطم برصيف أو بصخر فتتحطم، ثم ألا ترى السرعة التي تسير بها السفينة من الشمال إلى ~~الجنوب مع أن القلوع مطوية؟ أصغ إلى صوت الربان، وهو قديم في هذه المهنة، كيف أن ~~أوامره التي يصدرها تدل على القنوط! # ولم يكد هذا البحار يتم قوله، حتى سمع الربان يقول: اقطعوا الصاري الأكبر! # وجعل البحارة يضربونه بالفئوس حتى سقط، وكان له دوي شديد، وفي الوقت نفسه صاح صيحة ~~رعب: هو ذا الأرض! # أما روكامبول فلم يبد عليه شيء من علائم الخوف. # 2 # ولكنه حين رأى أن الخطر محدق بالسفينة، والخوف سائد على جميع ركابها، رأى أن من ~~الحكمة أن يقتدي برفيقه المسافر ويتحذر، فغادره وأسرع إلى غرفته، فخلع ما عليه من ~~الثياب الخارجية، وأخذ ما لديه من النقود وأوراق السير فيليام ووضعها جميعها بمنطقة من ~~الجلد لا ينفذ إليها الماء وشدها إلى وسطه، وصعد إلى ظهر السفينة والتقى برفيقه ولازمه ~~وهو يقول في نفسه: إما أن نغرق معا أو ننجو معا. # وكانت السفينة لا تستقر على حالة من القلق، تتقاذفها الأمواج كما تشاء العواصف ومهاب ~~رياحها، فتندفع كالجواد المطلق الجامح لا يثنيه شيء عن اندفاعه، فقال البحار وهو ينظر ~~إلى الجو المريد: لقد قضي الأمر. # وأجاب روكامبول: كيف ذلك؟ ~~- انظر إلى آخر الأفق في الجنوب، ألا ترى غمامة أقل سوادا من بقية ~~الغمام؟ ~~- نعم. ~~- إن الأرض هناك وهي تبعد عنها ثلاث مراحل، ولا بد لسفينتنا من الالتطام بها. # ولم يكد يتم حديثه حتى ارتجت السفينة ارتجاجا عظيما لاصطدامها بأحد الصخور العظيمة ~~الناتئة، فصاح الربان بالبحارة: أسرعوا إلى إنزال القوارب. # إلا أن البحار لم ينتظر إنزالها، بل أشار إلى روكامبول أن يتبعه، وألقى بنفسه إلى تلك ~~اللجج الثائرة، واندفع روكامبول في إثره وجعل الاثنان يسبحان إلى جهة البحر نحو ساعة ~~حتى تعب روكامبول وتأخر عن رفيقه، والتفت إليه وشجعه قائلا: تجلد، لقد بلغنا ~~إلى صخر قريب نستريح عليه. # فتشجع روكامبول وجعل يبذل ما بقي له من الجهد وهو يؤنب نفسه ms0505 لتقصيره قائلا: ما هذا ~~الوهن؟ أأجعل طعاما للأسماك على بعد ميل من البر؟ وأضعف عن اللحاق بهذا الرجل الذي ~~سأكون بعده أغنى مركيز. # إلا أن جهده لم يطل، فإنه لم يسبح مسافة وجيزة حتى شعر بأن قواه قد نهكت، فصاح ~~يستنجد برفيقه وجعل يغوص تحت الماء ويرتفع فوقها إلى أن شعر بيد قبضت على شعره، ثم أغمي ~~عليه فلم يع على شيء. # وعندما صحا من إغمائه قلب نظرا حائرا فيما كان يراه حواليه، فرأى أن أشعة الشمس قد ~~بددت جيش الظلام، وأن العاصفة قد استبدلت بالسكينة، ثم رأى أنه لم يكن غريقا في ~~أعماق الأوقيانوس، بل كان ممددا على رمال بلغت إليها حرارة الشمس، وجففت ثيابه ~~المبتلة من الأمواج. # ونهض وجعل يمشي على تلك الرمال، ورأى نفسه فوق صخر عظيم متسع يحيط به الماء من جميع ~~جهاته، وذكر أن رفيقه أشار له إلى هذا الصخر وأنه قبض على شعره حين استنجد به، ولم ~~يعد يذكر شيئا، ولكنه أيقن أن رفيقه البحار - أي المركيز - قد أنقذه، ثم قال في ~~نفسه حين لم يجده: ألعله وضعني في هذه الجزيرة وأتم مسيره إلى الميناء القريبة، فإذا ~~كان ذلك فكيف أجده؟ # وكأن هذا الرجل الهائل نسي موقفه الشديد، وأنه في جزيرة صغيرة قد يموت بها جوعا قبل ~~أن يجد بها أحدا، فلم يفتكر إلا بأطماعه بالفتك بهذا الرجل الذي أنقذه من ~~الموت. # وجعل يمشي في أرض هذه الجزيرة المقفرة مشي العاجز السقيم لفرط ما لقي من عناء ~~السباحة، ويتفقد هذه الجزيرة كي يعلم مقدار بعدها عن البر، وفيما هو يمشي إذ سمع عن ~~بعد صوت إنسان يستغيث، فأسرع إلى الجهة التي خرج منها الصوت حتى بلغ إلى هوة عميقة، ~~سمع أن الصوت صادر منها، وعلم أنه صوت رفيقه البحار، فدنا منها ورأى عمقها نحو ستة ~~أمتار. # ولما رأى روكامبول يطل عليه صاح صيحة الفرح وقال: لقد خشيت أن أموت ولا تسمع ~~ندائي. ~~- معاذ الله أن يحل بك مكروه، فقد أنقذتني من الموت وسأنقذك منه. ms0506 # ثم جعل روكامبول يتأمل بالحفرة وعمقها ويبحث بحث المدقق، فعلم أنه إذا لم ينجده ~~منها فلا سبيل له إلى الصعود، وأنه يموت فيها جوعا دون شك، فاتقدت عيناه ببارق الفرح ~~الوحشي وقال في نفسه: إن الأقدار خادمة لي والصدفة من عبيدي. # أما المركيز فقد قص على روكامبول السبب في سقوطه، فقال: إني بينما كنت متمددا بالقرب ~~منك أعالجك كي تستفيق من إغمائك، شاهدت سفينة تسير في عرض البحر، فوقفت وجعلت أركض إلى ~~الشاطى وأنا أشير بيدي إليها وأنادي رجالها. # وبينما أنا أركض غير منتبه وعيناي شاخصتان إلى السفينة، سقطت في هذه الحفرة، ولو لم ~~تسمع ندائي لهلكت من الجوع. # فأجاب روكامبول: طب نفسا أيها الأخ المشفق، فقد وجدت أخا مشفقا مثلك، إلا أنه ~~كيف السبيل إلى إنقاذك؛ فإني لا أستطيع أن أنزل إليك، وليس لدي حبل أرفعك به؟ ~~- إنك تجد على مسافة عشرين خطوة من هذه الحفرة قرب المكان الذي كنت نائما فيه، ~~غدارتي وحقيبة أوراقي ومنطقة من جلد، وهي طويلة كنت ألف بها وسطي خمس مرات، فاذهب ~~وأت بها فإنها كافية لإنقاذي، فإنك ترسل إلي أحد طرفيها لأتعلق به وتسحبني بالطرف ~~الثاني. ~~- ليطمئن بالك، وها أنا ذاهب حالا. # ثم ذهب روكامبول يمشي الهويناء وهو يخاطب نفسه: إن هذا الصخر مقفر قد لا يمر به ~~الصيادون مرة في العام، وإذا لم أنقذه من الحفرة فلا يجد من ينقذه، وعلى ذلك فإذا أخذت ~~أوراقه وسبحت إلى هذا البر القريب أصبح مركيزا غنيا لا ريب فيه، وبعد هل أنا رميته ~~في الحفرة لأنقذه منها؟ إن الصدفة قد عرضت لي فلأتمسك بأهدابها؛ لأنها لا تعرض في كل ~~حين، وفي كل حال فإنه إن كان قد أحسن إلي في هذه الحياة وأنقذني من الموت وأعطاني ~~لقبه وماله، فسأنفعه في الآخرة؛ لأن الله سيسجل اسمه في دفتر الشهداء. # وبعد أن قال هذا القول ذهب إلى المكان الذي دله عليه، فوجد الحقيبة والمنطقة ~~والغدارة، فجلس على الرمال وبدأ يفتح الحقيبة وأخذ يفحص ما فيها من الأوراق ms0507 مطمئنا، ~~فكانت أول ورقة عرضت عليه شهادة مركيز من شركة سفن الهند، وهي مكتوبة باسم فريدريك ~~ألبرت دي شمري، ولد في باريس في 25 يوليو سنة 1800، وله من العمر 28 عاما. # فخاطب روكامبول نفسه: لقد علمت الآن أني صرت أدعى فريدريك دي شمري، وأني اشتغلت في ~~سفن الهند، فلأنظر في بقية الأوراق. # ثم أخذ رسالة طويلة مكتوبة بخط رفيع متطاول، فعلم أنه خط امرأة، وكان عنوان هذا ~~الكتاب «ولدي العزيز» والتوقيع عليه «المركيزة دي شمري»، فقال روكامبول: الحق يقال، إن ~~السير فيليام قد خدمني في حياته وفي مماته، ولولا أوراقه لما غدوت الآن مركيزا في مقام ~~النبلاء. ثم قرأ تحت التوقيع «شارع فانو نمرة 17 في القصر»، وبعد ذلك أخذ في تلاوة هذه ~~الرسالة وهذا نصها: # أرسل هذا الكتاب إلى وزارة البحرية الإنكليزية، ورجائي أن يصل إليك ولو بعد ~~حين، وأن تسرع بعد تلاوته إلى أمك وأختك، كما يرجو أبوك الذي ندم عند احتضاره ~~لسوء ظنه، وإني لم أعلم يا ولدي العزيز إلا الآن بذلك السر الذي دفع أباك إلى ~~الإساءة إلي وإبعادك عني، وإليك الحديث: كان المركيز دي شمري يقيم منذ 16 ~~عاما بعيدا عني لا يكلمني، وكان يرسل إلي راتبا في كل شهر أنفقه علي ~~وعلى أختك، وقد طالما بكيت أمامه وتوسلت إليه أن يطلعني على سر هذا ~~الجفاء، فلم أفز منه بمراد، على أننا كنا في عيون الناس نتشارك بالسعادة ~~والهناء، وفي الحقيقة كنا من أشد الناس نكدا، حتى حسبنا أن أباك أصيب بضرب ~~من الجنون. أما سر هذا الجفاء فهو أن أباك لم يكن منذ ثلاثين عاما على شيء من ~~الثروة، سوى أنه كان كولونيلا في الجيش، وكنت أنا فقيرة مثله، فتزوج بي ~~زواج غرام، وكنت أول ثمرة من ثمرات هذا الزواج، وعندما بلغت الخامسة من عمرك، ~~تغيرت حالة أبيك فجأة، فإن ابن عمه كبير هذه الأسرة كان أغنى الأغنياء ~~فقتل في مبارزة. # وقبل أن يموت هذا المركيز ببضعة أعوام، اضطر أبوك إلى السفر في حملة ms0508 الجرائر، ~~فأقامني عند قريبته المركيزة دي شمري في قصره خارج باريس، ولما عاد أبوك اضطر ~~إلى الاستقالة، بحيث بلغنا بعد استقالته إلى أقصى درجات الفقر، فخدم في إحدى ~~المناجم بصفة كاتب، ولكن عهد شقائنا لم يطل؛ فإن المركيز هكتور شمري جرح ~~جرحا خطيرا في مبارزة ضمان بعد أن كتب وصيته، وقد أوصى بجميع ماله إلى أبيك، ~~وحرم أختا له وهي ابنة المركيز دي شمري من غير زوجه، فحقدت هذه المركيز حقدا ~~عظيما علي، ووشت بي وشاية هائلة لم أعلم بها إلا أمس. # وحكاية هذه المركيزة أنها ترملت وهي في عنفوان الشباب، وكان ابنها هكتور لا ~~يزال طفلا فلم تستطع الزواج؛ لأن زوجها اشترط عليها في وصيته أن لا تتزوج بعده ~~أو هي تحرم من حق الإرث، إلا أنها ارتكبت هفوة ولدت بعدها بنتا وأخفتها في ~~البدء عن العيون ، ثم جاءت بها إلى قصرها، وكانت تقول إنها يتيمة وقريبة لها. ~~أما أخيها المركيز فقد علم سرها، ولهذا فإنه حرم أخته من الإرث وأورث ماله ~~لأبيك، ومن ذلك العهد بدأ انتقام تلك المرأة. # وقد اتفق أنه بعد قتل هذا المركيز بثلاثة أشهر ولدت أنا أختك، وكان عمرك خمسة ~~أعوام، أيضا ماتت هذه المركيزة فذهب أبوك إليها وحضر ساعة احتضارها، فقالت له ~~أقوالا أملاها عليها الحقد الدفين، وكانت علة شقائي أعواما طوالا؛ لأنها ~~كانت السبب في إبعادك عني. # فقال روكامبول في نفسه: ما هذا الكتاب؟ إنه يشبه الحكايات الموضوعة، ~~فلأتم قراءة هذه الحكايات. واندفع في قراءة تتمة الرسالة، فقرأ ما يأتي: # اعلم يا ولدي العزيز، أنه بعد أن عاد أبوك من عند المركيزة بثمانية أيام، ~~خطفوك من منزلي وبقي سر اختطافك دهرا طويلا مكتوما عني حتى حسبتك في أعداد ~~الأموات. # وكان عمرك حين اختطافك عشرة أعوام، وكنت تحب في ذلك العمر أن تنام في غرفة ~~وحدك. # وفي أحد الأيام دخل الخادم إلى غرفتك كي يوقظك ويمرنك على ركوب الخيل كما ~~كنت تحب، فلم يجدك فيها، وبحث عنك في الحديقة وفي كل مكان من ms0509 القصر دون أن ~~يقف على أثرك. # وكان أبوك غائبا عن باريس في تلك الليلة، وأخبرت البوليس بأمر اختطافك فذهبت ~~أبحاثه عبثا، وكتبت إلى أبيك أخبره بهذه المصيبة فوردني منه كتاب لم يظهر فيه ~~شيئا من عواطف الوالدين، على أنه عاد من سفره بعد شهر فرأيت أن شعوره قد ~~ابيضت، وحسبت أن ذلك كان تأثير تلك المصيبة، ولكنه منذ ذلك العهد لم يكلمني ~~كلمة إلا أمام الناس، ولم ينظر إلى أختك نظرة حنو، ولم يذكر اسمك مرة في خلال ~~هذه المدة الطويلة التي بلغت ستة عشر عاما. # وفي أوائل العام الماضي لزم الفراش لانحراف ألم به، ثم اشتدت وطأة علته فلم ~~يكن يؤذن لي ولأختك أن ندخل إلى غرفته، إلى أن وسطت في ذلك أحد القسيسين، ~~فأذن لي بالدخول إليه وهو في حالة الاحتضار، وقال: لقد دنت ساعة الموت ولا ~~أحب أن ألقى الله وفي قلبي أثر من الحقد، ولذلك فإني أصفح عنك. # فاضطربت حواسي وقلت له: إن الصفح يكون عن المجرمين، فأي ذنب ارتكبته؟ # وقد كانت لهجة الصدق ظاهرة من ملامحي، فتأوه وقال: رباه! ألعل المركيزة ~~كانت كاذبة نمامة؟ # ثم أخذ رسالة من بين أوراقه كتبتها إليه المركيزة قبل وفاتها بيومين، ودفعها ~~إلي وهو يقول: اقرئي هذه الرسالة. فأخذت الرسالة بيد مرتجفة وقرأت فيها ما ~~يأتي: # يابن عمي العزيز # إن ولدي العزيز هكتور قد جعلك وريثا لجميع أمواله، فحسبت لبساطة ~~قلبك أنه جعلك الوريث الوحيد دون أخته ودوني لأن هذا الإرث من حقك، على ~~أنه لم يخصك بإرثه لهذا السبب، بل إنه أراد أن يحرم أخته التي أربيها ~~في منزلي بصفة قريبة، وما هي في الحقيقة إلا ابنتي، ثم إن هناك سببا ~~ثانيا وهو أنه كان يحب امرأتك، وهو لم يدفع أمواله إليك بل لابنته ~~التي تحسب أنها ابنتك. أما وقد اعترفت لك بالحقيقة، فأرجو أن تعتني ~~بأمر ابنتي من بعدي، فإنها باتت صبية، وما تركته لها قد لا ~~يكفيها. # المركيزة دي شمري # أعلمت الآن يا ولدي السبب الذي دعى ms0510 أباك إلى احتقاري، فقد كان يحسبني من أحط ~~النساء العابثات بالواجبات، ويحسب أن أختك عار عليه لاعتقاده أنها بنت الجريمة، ~~وذلك لأني ولدتها في منزل المركيزة التي أرادت لحقدها علي أن تدنس شرفي قبل ~~موتها، فلقيت أشد العذاب لجفاء أبيك في ذلك العهد الطويل. # ولما قرأت هذه الرسالة الكاذبة جثوت راكعة أمام سرير أبيك، وسألت الله أن ~~يلهمه إلى سبيل السداد، فيثق ببراءتي قبل أن يموت، وقد أراد الله أن يجيب ~~ندائي، فإن أباك أيقن مما رآه وسمعه مني بطهارتي، فسألني الصفح بدلا من أن ~~يصفح عني، وفاضت روحه الكريمة وهو يباركني. # وقد أخبرني قبل أن تحضره الوفاة أنه هو الذي اختطفك، وسوى ذلك من التفاصيل ~~التي علمت منها محل وجودك، فعد أيها الحبيب إلى أحضان أمك؛ لأنها تنتظرك ~~بفارغ الصبر. # إلى هنا انتهت رسالة المركيزة إلى ولدها ، فتناولها روكامبول ووضعها مع أوراق الشهادة، ~~ثم بدأ يقرأ الأوراق الباقية في الحقيبة ورأى بينها مذكرات كتبها البحار عما لا ~~يزال عالقا بذاكرته عن اختطافه، وكيف أن أباه أخذه من الغرفة التي كان نائما فيها ~~وذهب به إلى الهافر، وهناك سلمه إلى ضابط إنكليزي في إحدي السفن، إلى غير ذلك من ~~المذكرات التي قرأها روكامبول بإمعان شديد. # ولما أتم قراءتها جميعا قال: إن جميع هذه الأوراق تثبت أن هذا البحار هو ابن ~~المركيز دي شمري، ولكنه لا يستطيع الخروج من الحفرة إلا بإذني، ثم إني لا أجد فائدة من ~~قتله، فإن هذا السجن الذي هو فيه كاف لقتله. # وعند ذلك أرجع الأوراق إلى الحقيبة وشدها بالمنطقة إلى وسطه، وذهب إلى الشاطئ فرأى ~~أن البحر عاد إلى السكون، وأن أرض فرنسا لا تبعد عنه أكثر من ساعة، فألقى نفسه في البحر ~~وراح يسبح مجدا إليها. # 3 # في الساعة الثالثة بعد ظهر أحد أيام المرافع، كان شارع سانت كاترين بباريس غاصا ~~بالناس، إلا أن اجتماعهم في ذلك الشارع لم يكن لفرجتهم على ملك المرفع، ولا على الذين ~~يمرون أفواجا وهم بملابس تستوقف الأبصار، بل ms0511 إنهم كانوا محتشدين أمام ملعب صغير يسمعون ~~فتاة حسناء تدعوهم إلى الدخول للفرجة على سلطان القبائل المتوحشة، وتحكي لهم عنه حكاية ~~عجيبة تدفعهم إلى الدخول، فيدخلون ويخرجون أفواجا. # وقد مرت في ذلك الحين مركبة تقل شابا جميل الطلعة عليه ملامح النبل والذكاء، فلما ~~رأى الناس محتشدين على باب هذا الملعب أوقف المركبة، حتى إذا سمع الفتاة تقص حكاية زعيم ~~القبائل المتوحشة، نزل من المركبة ودفع للفتاة 20 فرنكا دون أن يتدانى إلى إرجاع ~~الباقي مما زاد عن أجرة الدخول، فأعجبت الفتاة بكرمه، ودخل وهو غير مكترث لها إلى حيث ~~كان هذا الزعيم، فرأى منظرا تتأثر له القلوب القاسية. # ذلك أنه رأى على منصة الخشب، رجلا مشوه الخلقة تشويها عجيبا، وقد وشم وجهه ~~بنقوش مختلفة الألوان، بين أزرق وأخضر وأحمر، وفي خديه وسائر وجهه ندوب، بل أخاديد ~~توشك أن تبرز منها العظام، وفي مكان عينيه حفرتان إحداهما عظيمة ذهبت بعينه بجملتها، ~~والثانية أصغر من أختها إلا أنها أبقت على شيء من العين الأخرى، وقد شقت أنفه فعلقت فيه ~~حلقة نحاسية عظيمة، وهو فوق هذه النكبات أبكم لا يتكلم، ولكن الذي يعرضه للفرجة كان ~~يقول إنه يفهم اللغة الإنكليزية. # ومما زاد في منظره غرابة ذلك اللباس الذي كان يلبسه، فقد كان يلبس ثوبا مرقعا جمع ~~بين معظم أصناف الأجواخ والأصواف على اختلاف أصنافها وألوانها، ولبس في رأسه قبعة ~~جعلت بشكل تاج وزينت بريش الطيور وأذنابها، وعلى الجملة إنه كان لا يفرق عن ~~الحيوان إلا بأنه لا ذنب له، ولكن منظره كان يحمل على الإشفاق والذعر معا، فلا يراه ~~المتفرجون حتى يتراجعوا عنه منذعرين، ويخرجوا من ذلك الملعب مستعيذين. # ولما دخل الزائر الجديد جعل يتأمله ساعة، وكلما زاد تفرسا به زاد ذهوله، وبقي ~~يتفرس به والمتوحش منشغل عنه بطعامه إلى أن تفرق الناس من حوله، فنادى صاحبه وقال: ~~لقد سمعتك تقول إنه يفهم اللغة الإنكليزية، أحقيقة ما تقول؟ ~~- نعم يا سيدي، وإذا شئت فامتحنه. # فدنا المتفرج من المتوحش وقال له بالإنكليزية: على أية ms0512 سفينة عدت إلى أوروبا، أعلى ~~فيلتون أم برسفرانس أم فولر؟ # ولما سمع المتوحش اسم السفينة الأخيرة ارتعش، وتزحزح لاضطرابه عن المنصة التي كان ~~جالسا عليها، فعلم المتفرج ما أراد أن يعلمه من هذا السؤال، وخرج إلى الفتاة وقال لها: ~~ما يكون منك هذا الرجل الذي يعرض المتوحش للفرجة؟ # فأطرقت عينيها وقالت إنه زوجها. # فعلم المتفرج أنه خليلها فقال لها: أتريدين أن تكسبي مائتي فرنك؟ ~~- لا أحب إلي من هذا الكسب؟ ~~- متى أراك وأين؟ ~~- تراني في هذا الملعب متى أقفلت أبوابه في الساعة الثانية. # فألقى إليها دينارا وذهب. # وفي الساعة الثانية عاد إليها فرآها تنتظره في إحدى غرف الملعب، وهي جالسة على كرسي ~~وبالقرب منها المتوحش نائم على الأرض لا غطاء له سوى ثوبه الرقيق، فسألها: أتعرفين ~~اللغة الإنكليزية؟ ~~- كلا! # فدنا عند ذلك من المتوحش وأيقظه وقال له بالإنكليزية: لا تخف فإني صديق لك، ولا بد ~~أنك تذكر تلميذك القديم روكامبول. # فظهر على المتوحش من علائم السرور ما لا يحيط به وصف. # فقال له المركيز دي شمري أو روكامبول: إني أبكيك منذ خمسة أعوام، ويسوءني أن ألقاك ~~على هذه الحالة، إلا أني أتعزى بأني سأخفف شقاءك. # ثم عاد إلى الفتاة وقال لها: ألعلكم تكسبون من عرض هذا المتوحش كثيرا؟ ~~- كلا، بل إن إيرادنا منه لا يفي بنفقتنا عليه، لا سيما في هذه العاصمة فإن كل من ~~رآه ينفر منه ولا يعود، ولم يعد لي طاقة بالإنفاق عليه والانتقال به إلى بلدة ~~أخرى. ~~- إني أكفيكم مئونته، بل أشتريه منكم إذا أردتم بيعه، فإني أشفقت عليه وأحب أن أعالجه ~~عله يطيب من هذه الندوب. # ففرحت الفتاة وباعته المتوحش بألف فرنك، دفعها لها على الفور مع المائتي فرنك التي ~~وعدها بها، ثم ألبسه لباسه من ثياب الفتاة وخرج به، فركب معه المركبة التي كانت تنتظره ~~على الباب وأمر السائق أن يسير إلى شارع سيرسانس. # 4 # ولما خلا روكامبول بأندريا، لأن هذا المتوحش لم يكن غير السير فيليام؛ أي الفيكونت ~~أندريا، الذي تقدم ذكر عقابه ms0513 في رواية التوبة الكاذبة، وكان اجتماعهما في أحد ~~منازل روكامبول السرية، فقال له روكامبول: لقد خلا لنا الجو الآن، فأصغ إلي كي أخبرك ~~بأنك إذا كنت وهبتني لقب مركيز مستعار، فقد صيرت نفسي مركيزا ثابتا لا ريب فيه؛ إذ ~~إني أدعى الآن المركيز دي شمري. # ولهذه المركيزة الجديدة حديث طويل، ولكن اعلم أن أخاك الكونت أرمان دي كركاز ... # فاضطرب أندريا حين سماعه اسم أخيه، وسر روكامبول لما رآه من اضطرابه، فقال له: ~~يسرني أن أراك عائدا من جزائر المركيز بحقدك القديم؛ لأن ذلك يدلني على أنك لا تزال ~~السير فيليام، فلا أعدم فوائد دهائك، فاعلم أيها الصديق القديم أنني عندما بارزت أخاك ~~الكونت وكنت أرجو أن أظفر به بتلك الطعنة الإيطالية، رأيت أنه يعلم دقائقها أكثر مني، ~~فانجلت المبارزة على ظفره بي فجرحني جرحا بالغا، وكان من إحسانه أنه عالجني في قصره، ~~فاغتنمت تلك الفرصة وسرقت أوراقك من غرفتك في ذلك القصر، وهي التي أعانتني على الدخول ~~في سلك النبلاء وصيرتني كما تراني مركيزا من أغنى الأغنياء. # ثم قص عليه جميع ما نعلمه من حديث السفينة والغرق، وكيف ترك المركيز الحقيقي في ~~الحفرة إلى أن قال: وعدت سباحة إلى أن بلغت الشاطئ الفرنسي وأموالي وأوراق المركيز ~~معي، ولما أعملت الفكرة وجدت أن هذه الأوراق بعد بعد المركيز عن أمه وأخته ثمانية ~~عشر عاما، ومشابهتي إياه بعض الشبه، وكوننا في عمر واحد، كل ذلك لا يكفي لإثبات ~~مركيزيتي، بل يجب أن أكون بحارا ماهرا، وأن أعرف الهند وأخلاق قومها وعاداتهم ~~وشيئا من لغتهم إلى غير ذلك مما كان يعرفه المركيز، فعدت في اليوم التالي إلى ~~لندرا وهناك اتفقت مع أحد التراجمة الذين يسافرون إلى الهند، سافرت معهم إليها وأقمت ~~فيها ستة أشهر، وكنت في كل يوم أختلط مع البحارة والضباط حتى عرفت كل ما ينبغي ~~عرفانه، أطلقت سراح الترجمان وعدت إلى فرنسا، فوجدت تلك الأم المسكينة قد ماتت قبل ~~وصولي بيومين، ولعلها ماتت من الفرح، فقد كتبت إليها أخبرها بقدومي، ورأيت ms0514 شقيقتي وهي ~~غضة الصبى بارعة الجمال، فعانقتها عناق الأخ وعرفتني بخطيبها، ثم دفعت إلي أموال ~~أبي المركيز، فصرت من ذلك العهد أدعى المركيز دي شمري. # أما هذا المنزل الذي أتيت بك إليه الآن فهو أحد منازلي السرية التي استخدمها لأغراضي، ~~وسأقيمك في منزلي الخاص كي تكون بقربي في كل حين، غير أنه لا بد لي من أن أدعو طبيبا ~~ينظر في وجهك، فعساه يتمكن من إزالة هذا الوشم الكريه. # وعند ذلك دعا خادمه وأمره أن يدعو له أحد الأطباء الأخصاء بهذه العاهات. # انطلق الخادم مسرعا، وذهب روكامبول إلى المطبخ فأحضر لأندريا ما تيسر من الطعام، ~~جعل يزدرده بشراهة تدل على شدة جوعه، إلى أن حضر الطبيب فلفق له روكامبول حكاية خلاصتها ~~أن هذا الرجل كان بحارا تحت إمرته، وكان له عدو شديد احتال عليه حتى تمكن من ~~إبقائه على شاطئ إحدى الجزر المتوحشة، ففعل به أهلها ما فعلوه، ثم باعوه إلى أحد ~~البحارة فباعه إلى أحد أصحاب الملاعب، إلى أن عثر به هذه الليلة فعرفه واشتراه وقدم به ~~كي يعالجه، ثم سأله إذا كان يمكن إزالة هذه الندوب والوشم من وجهه، ففحصه الطبيب فحصا ~~مدققا وقال: لا ريب أن هذا الوشم من آثار تلك القبائل المتوحشة، وأظن أني أستطيع ~~إزالته. ~~- والندوب؟ ~~- إن آثارها لا تزول. ~~- وعيناه؟ ~~- إن إحداهما طفئت فلا رجاء منها، والثانية في أشد حالة من الخطر، وفي كل حال سأعود ~~غدا في الساعة العاشرة أفحصه على نور النهار. ~~- حسنا، وستراني بانتظارك. فودعه الطبيب وانصرف. # عاد روكامبول إلى أندريا وقال: إننا سنفرغ جهدنا بإزالة هذه الآثار من وجهك، فلا تطمح ~~أن تعود إلى سابق حالك، فتغوي بجمالك الكونتس حنة دي كركاز امرأة أخيك، ولكننا نحاول أن ~~نخفف شيئا من قبح هيئتك. # ارتعد أندريا عندما سمع اسم شقيقه وابتسم ابتساما هائلا، فقال روكامبول: طب ~~نفسا، سأصنع لك جميع ما أستطيعه، والآن اسمح لي بفراقك إن للمركيز دي شمري أختا ~~وصهرا يسكن معهما، فلا بد له من العودة إلى قصره. فرأى ms0515 على مائدته رسالة وردت إليه في ~~المساء وهذا نصها: # إن الدوق والدوقة دي سالاندريرا يتشرفان بدعوة ~~المركيز ألبرت دي شمري إلى طعام العشاء عندهما يوم ~~الأربعاء. # فقال روكامبول في نفسه: إن أعمالي مع هذه الأسرة جارية في أحسن مجرى. ثم نام نوم ~~المطمئن الآمن من الحاضر والواثق بالمستقبل. # وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي ذهب إلى المنزل الذي أقام فيه أندريا، فوجد ~~الطبيب قد سبقه وفحصه الفحص الدقيق، فقال روكامبول: ماذا شاهدت؟ ~~- إني أستطيع إزالة بعض الآثار من وجهه، بحيث يظهر بعد ذلك كأنه قد انفجر مرجل أمامه، ~~فأصابه رشاش مواده وشوهته، إلا أني أخشى أن يذهب ما بقي من بصره ويصبح أعمى بعد هذه ~~المعالجة. # فتركه روكامبول ودخل إلى الغرفة المقيم فيها أندريا ووضع أمامه أدوات الكتابة وسأله: ~~ألا تزال قادرا على الكتابة؟ # فأخذ أندريا القلم وكتب هذه الجملة : إني شديد الظمأ للانتقام، وأذكر كل شيء. # فأجاب روكامبول: إذن أغمض عينك، واكتب لأرى إذا كنت تستطيع الكتابة في الظلام؛ إذ لا ~~يمكن أن تحادثني إلا بالكتابة، وقد نضطر إلى المحادثة في الليل. # فأطبق أندريا عينه الوحيدة وكتب: إني إذا عميت أعرف أعدائي باللمس بل بالوحي. ~~- إذن تمرن على الكتابة وأنت مغمض العين. # ثم تركه وعاد إلى الطبيب وقال: اشرع في معالجته، فلا حاجة له بالبصر. # 5 # بعد هذه الحوادث المتقدمة بشهر كان أندريا في قصر روكامبول الذي يقيم فيه مع شقيقته ~~وصهره، وقد وفى الطبيب بما تعهد به وأصلح وجه أندريا إلا أنه أعماه. # ودخل روكامبول إليه وجعل يعزيه لفقد بصره، غير أن أندريا كان قد قنط من كل شيء، فلم ~~يعد له عزاء إلا بفوز تلميذه والانتقام له من أعدائه، فقال له روكامبول: إني لا أعلم ~~إذا كنت تفتكر كما أفتكر، إلا أني لو كنت في مقامك لكنت أقول في نفسي إني قد تمتعت ~~بجميع ملاذ الدنيا، وطالما انتصرت على الناس وفتكت بهم كما شاءت مطامعي، إلى أن ظفر بي ~~أعدائي فشوهوا وجهي، وقطعوا لساني، وأعموا عيني ms0516 مما يحلو معه القنوط والموت، غير أني ~~لا أحب الموت قبل الانتقام من هؤلاء الأعداء. # فهز أندريا رأسه إشارة إلى الموافقة على هذا الكلام، فتابع روكامبول: إني سأنتقم ~~لك من أعدائك وهم أعدائي أيضا متى لاحت لنا فرصة الانتقام، والآن فإني أصبحت بفضل ~~أوراقك كما كنت أنت في أول عهدك؛ أي رجلا في مقتبل الشباب، وافر المطامع، لا يروق لي ~~غير المسابقة في حلبة هذه الحياة والبلوغ إلى أقصى ما توحيه إلي الأماني، فإذا ~~أرشدتني بمقياس ذكائك وأوضحت لي السبل بدهائك، فزت بفوزي وسررت لسروري؛ فأكون ~~عزاء لك وسلوى عما أنت فيه. # فهز أندريا رأسه أيضا مرات كثيرة إشارة إلى المصادقة، فقال له روكامبول: إنما يجب ~~أن تعلم أني إذا كنت قد أنقذتك من الملعب بصفتي روكامبول، أي تلميذك القديم، فقد أحسنت ~~بعمل ما تدعوني إليه واجبات الإخلاص، فما أسأت أيضا فيما صنعت بصفتي المركيز ألبرت دي ~~شمري، ولو كان رجل سواي فعل ما فعلت لقال في نفسه إني قد أخطأت فيما صنعت؛ إذ لا يجب ~~أن يقف أحد على سري الهائل، إلا أني أرى سوى هذا الرأي، وأقول إن السير فيليام رجل شديد ~~الدهاء وافر الذكاء، فإذا كان مرشدي في ما أطمع بنيله من الآمال بلغت ما أريد، وربما ~~وصلت إلى منصب السفارة والوزارة، بل ربما بلغت إلى العرش، فإن أطماعي لا تقف عند حد ~~وذكاؤك لا ينتهي عند غاية. # فاختلج أندريا على كرسيه عند سماع هذه الكلمات، وظهرت على وجهه علائم الرضى، فتابع ~~روكامبول: والآن أيها الصديق، بل أيها الأستاذ المرشد، إني سأقص عليك مشروعاتي وأنت ~~تشير علي، ولا أخرج عن آرائك، غير أنه لا بد لي قبل الشروع بذلك أن أبدي لك فكرا ~~جديدا ربما كان صوابا، لقد كنا نجري في أعمالنا السابقة على قاعدة تبين لنا ~~خطؤها بعد الاختبار، وهي أننا كنا نستعين على الشر برجال الشر، وعندي أن خير كفيل للفوز ~~بصنع الشر أن نستعين على تنفيذه برجال الخير والصلاح؛ فإن ذلك أضمن في الفوز ms0517 وفي نيل ~~الأغراض لبعد الشبهات. # فتهلل وجه السير فيليام وهز رأسه كأنه يقول أحسنت. # وتابع روكامبول: إني منتحل اسم المركيز دى شمري، ومنذ أربعة أشهر تحيط بي شقيقتي وهي ~~من النساء الأشراف، وزوجها رجل شريف، ومعظم أصحابي من نخبة الأسرات النبيلة، وسأقص عليك ~~علائقي مع هؤلاء الأشراف، فتجد بعد ذلك سبيلا إلى استخدامهم فيما تريد، فإن الشر ~~والمكائد لا يخطران لهم في بال، وأبدأ بذكر قصتي فأقول: إني حين أتيت باريس ماتت أمي المركيزة، فكان موتها من حسن حظي؛ لأن الأم قد ~~تعرف ابنها ولو غاب عنها عشرين عاما، وكانت شقيقتي مخطوبة، ولما مضت ثلاثة ~~أشهر على وفاة أمي تزوجت شقيقتي خطيبها، وأقام الاثنان عندي إلى أن تنتهي ~~مدة الحداد، أما أنا فإني تصرفت تصرف النبلاء، كأني خلقت مركيزا من ~~بطن أمي، ولا جرم لقد مثلت على مسرحك كثيرا من الأدوار، وأصبحت علائقي كثيرة ~~مع أشهر أسرات باريس وغيرها من الأسرات العريقة بالنسب، كعائلة الدوق دي ~~ساندريرا الإسباني، فإن هذا الدوق من عظماء الإسبان وليس له سوى فتاة في نضارة ~~العمر، وهي التي سترث أمواله التي لا تحصيها أقلام الحاسبين. # وقد كثر ترددي على هذا البيت، وفي كل يوم ألقى دليلا جديدا من الفتاة على ~~ميلها لي، حتى لقد بت أحسب أنها تحبني، وكذلك أمها الدوقة فإنها ترحب بي ~~ترحيبا عظيما كلما ذهبت إليهم، ولم يبق علي سوى هذا ~~الدوق. # فهز أندريا رأسه بشكل خاص كأنه يقول سوف نرى في أمره، فقال: والآن فإن لدي مشروعين ~~خطيرين قد يدعو فوزي بالواحد منهما إلى فوزي بالآخر، أحدهما مشروع زواجي بهذه الغادة ~~الإسبانية النبيلة، والثاني أن صهري الجديد ربما ورث في عهد قريب إرثا عظيما سنبحث ~~فيه عند نيله، فإن لي فيه مآرب. # ولنعد الآن قليلا إلى أعدائك بل أعدائي، فإننا بتنا واحدا كما أرى، ولنبدأ ~~بأخيك إرمان دي كركاز. # فظهرت على وجه أندريا علائم الحقد الهائل، كأن إحسان أخيه وتقادم العهد على ما كان ~~بينهما لم يطفئ ذلك الحقد الكامن في ms0518 صدره كمون النار في الحجر، فقال روكامبول: إني ~~وجدت إرمان لا يزال من رجال الصلاح، يقضي معظم وقته في صنع الخير، ولا تزال امرأته تحبه ~~ولا يزال ابنه بقربه. # وبحثت أيضا عن باكارا، فعلمت أنها قد تزوجت بالكونت أرتوف، ولكن سبب هذا القران ~~سر غامض لم يقف عليه أحد. # ورأى روكامبول أن علائم الحقد والرعب قد ظهرت على وجه أندريا حين ظهر له اسم باكارا، ~~فقال له: إن حقدك على أخيك وسعيك للانتقام منه كان السبب في هلاكك مرتين، فخير لك أن ~~تتخلى عنه وتنصرف إلى الانتقام من باكارا، فإنها علة مصابك، في حين أن أخاك لم يكن يريد ~~لك إلا الخير، ثم إني لا بد لي من مقاومة باكارا للانتقام منها، ولخوفي من أن تحول دون ~~ما أبغيه من القران بالإسبانية، فإن هذه المرأة قد أحبطت جميع آمالي حينما كنت الفيكونت ~~دي كامبول، فأخشى أن تحول دون مقاصدي وتفسد علي أمري وأنا أدعى المركيز دي ~~شمري. # وكان روكامبول يخشى باكارا وهو لا يعلم أنها في باريس، ولا يعلم كيف أنها تستطيع أن ~~تحبط مساعيه في قرانه، وسنوضح كل ذلك في مكانه من هذه الرواية الهائلة. # 6 # ولا بد لنا قبل الخوض في حديث باكارا أن نذكر شيئا من حكاية هذا الدوق الإسباني ~~وفتاته، لشدة علاقته بهذه الرواية، فنقول: # كان هذا الدوق من عظماء الإسبان وأعظم أغنياء تلك البلاد، ولم يكن له وريث غير فتاة ~~بارعة في الأدب والجمال، فكان يقدم بها كل عام وبامرأته إلى باريس، فيقيم فيها ستة ~~أشهر ثم يعود إلى بلاده. # وكان لهذا الدوق ابنا أخ، أحدهما يدعى الدون بادرو والثاني يدعى الدون جوزيف، ~~ولما رأى أنه لم يرزقه الله مولودا ذكرا يرث اسمه النبيل، عزم على أن يزوج ابنته ~~بابن أخيه الدوق، كي ينحصر الإرث بالعائلة. # وكان الدوق جوزيف يجيء معهم كل مرة إلى باريس، ويزورهم في كل يوم، فكان الناس يتحدثون ~~أنه هو الذي سيتزوج الصبية، غير أنه تعاقب على هذه الزيارات عامان فجعل ms0519 الناس يقولون ~~إنه لا بد من حائل يحول دون هذا الزواج، فتهافت الخطاب على قصر الدوق وكلهم من علية ~~القوم وكبار النبلاء، ولكن الفتاة كانت ترد جميع خطابها وتعتذر بأنها لا تزال ~~صغيرة ولا رغبة لها بالزواج. # وكان الحائل بينهما مرض أخيه الدون بادرو، فإنه كان عليلا منذ أربعة أعوام، وقد ~~أصيب بمرض غريب عضال عجز عنه الأطباء وقنط الدوق من سلامته، فانصرف بآماله إلى ابن ~~أخيه الدوق جوزيف، وأراد أن يزوجه ابنته بعد وفاة أخيه لأنه كان يحبه، إلا أن الفتاة ~~كانت تكرهه؛ لأنها كانت تحب أخاه، وكان كرهها له ظاهرا لم يخف على عين روكامبول ~~النقادة، حتى إنها كانت إذا التقت في منزلها بروكامبول والدون جوزيف تظهر ميلها إلى ~~روكامبول، وتنفر من ابن عمها بقدر ما تسمح لها قيود المجاملة وروابط النسب، ولولا حب ~~أبيها له لما اقتصرت في النفور منه عند هذا الحد. # فترجح لدى روكامبول أنها تحبه، وكان كلما حاول أن يكاشفها بغرامه يستشير أندريا ~~فيقول له: اصبر، فإن الثمرة لم تنضج بعد، وإذا كانت تكره ابن عمها وتحبك كما تقول، فلا ~~بد أن يحملها كرهه وحبك إلى أن تكون البادئة في بثك هواها، وعند ذلك أجد لك حيلة لإقناع ~~أبيها. # فيمتثل روكامبول ويقتصر على مناجاتها بلغة العيون، وهي أنفذ رسول إلى القلوب. # إلا أن نبوءة أندريا قد صدقت، فإنه لم يمض على ذلك أسبوع كان روكامبول لا ينقطع في ~~خلاله عن زيارة الدوق، حتى لقيه خادم الفتاة يوما وهو خارج من منزلها ودفع إليه رسالة، ~~ففضها روكامبول فإذا هي من ابنة الدوق تدعوه فيها إلى التنكر عند منتصف الليل، ~~وموافاتها إلى حديقة القصر من باب سري أرسلت إليه مفاتيحه، فأخذ روكامبول الرسالة وأسرع ~~إلى أندريا، وهو يكاد يطير من الفرح وأخبره بشأنها، فقال له بعد أن تأمل مليا ~~(وكان يخاطبه بالكتابة): ليس هذا اللقاء لقاء غرام، فإن مثل ابنة الدوق لا تدعوك إليها ~~عند انتصاف الليل إلا لأمر خطير، ومن هنا ستبدأ روايتك، فاحرص على ms0520 أن تظهر أمامها ~~بمظاهر كبار النبلاء، واحذر من أن تبدر منك بادرة أو أن يدفعك غرور الصبى إلى المجاهرة ~~بما لا يستحب، فإن عظماء الإسبان شديدو التمسك بالشرف، ولهم فيه كثير من التقاليد، ~~فلا يغفرون زلة. # فاتعظ روكامبول بمواعظ أستاذه، وغادره إلى النادي الذي يجتمع فيه بأصحابه، حتى إذا ~~دنا الأجل المضروب ذهب إلى منزله السري فتنكر وانطلق إلى الحديقة، ففتح بابها ~~بمفتاحه وجعل يمشي تحت أشجارها مشية السارق حتى بصر بها جالسة تنتظره على مقعد من ~~الرخام في ظل شجرة، فتعارفا وجلس بالقرب منها وجعل يكلمها بملء الاحترام. # وبعد أن اعتذرت له بصوتها الرخيم عن الخطة التي سلكتها معه واجتماعها به في منتصف ~~الليل في خلوة سرية، قالت له: إني لم أفعل ما فعلت إلا لثقتي بنبلك، وقد دعتني هذه ~~الثقة إلى أن أعتمد عليك في أمل جلل، فهل تكون موضع ثقتي ؟ ~~- بل سأكون من أخلص خدمك. ~~- إذن خذ هذه الأوراق، فقد كتبت فيها تاريخ أسرتي وبعض حوادثها، فمتى وقفت عليها ~~وتمعنت بها، تعد إلي لأخبرك بما أريد منك. # ثم أعطته الأوراق، فتناولها روكامبول قائلا: ومتى تأمريني أن أعود إليك؟ ~~- غدا في مثل هذه الساعة. ~~- أين نجتمع؟ ~~- في هذا المكان. # وقبل روكامبول يدها ثم انحنى أمامها بملء الاحترام وخرج، فانطلق مسرعا إلى منزله ~~السري، فخلع ثياب التنكر وذهب إلى قصره، وصعد إلى الغرفة التي ينام فيها أندريا ~~فأيقظه وأخبره بما كان، وقال: اسمع كي أتلو عليك هذه الأوراق. # وجعل يقرأ عليه جميع ما كتبته الغادة الإسبانية. # وكانت خلاصة هذه الأوراق أن الفتاة أظهرت فيها أخلاق أبيها، وعزمه على أن تبقى ألقابه ~~وأمواله منحصرة في أسرته، ولهذا فقد أراد تزويجها بالدون بادرو شقيق الدون جوزيف، ثم ~~ذكرت أنها تهوى ابن عمها هذا، وأنه مريض منذ أربعة أعوام، وهنا أخذت تقص حكاية غريبة ~~محصلها أن الدون جوزيف حسد أخاه الدون بادرو على خطبته لها وقرب تمتعه بأموال ~~أبيها، فاتفق مع بدوية يهواها اسمها فاطمة دست السم لأخيه في الطعام، فأصيب على ms0521 ~~أثره بهذا الداء العياء، وقد ذكرت كيف وقفت على الدسيسة، فقالت إنها كانت جالسة في ليلة ~~اشتد حرها تحت شجرة في حديقة قصر أبيها في إسبانيا، وبينما هي تستنشق النسيم من حفيف ~~الأوراق، إذ سمعت صوت الدون جوزيف وفاطمة يتحدثان في تلك الحديقة دون أن يرياها، بشأن ~~هذا السم وبدء أعراضه، فكانت تقول له فاطمة: طب نفسا، إن أخاك قد يعيش أربعة أعوام، ~~ولكنه يعيش عليلا وتزداد علته في كل يوم إلى أن يتلاشى، فارتاعت الفتاة مما سمعت ~~وأسرعت إلى ابن عمها، إلا أن الدون جوزيف حين رآها وعلم أنها سمعت حديثه مع فاطمة، ~~انفرد بها وقص عليها قصة أفظع من هذه، وهي أن أباها الدوق قتل أخاه، أي والد الدون ~~جوزيف قتلا سريا، وأن أباها لا يريد أن يزوجها بابن أخيه إلا ترضية له عما فعله ~~بأبيه، ثم قال لها: إنك إذا بحت بسري بحت أنا بسر أبيك، فاختاري بين ~~الفضيحتين. # ومما جاء في هذه الأوراق أن الدون بادرو حين رأى نفسه عليلا، وأن الأطباء عجزوا عن ~~شفائه، التمس من عمه أن يزوج ابنته لأخيه الدون جوزيف، فأجابه الدوق إلى هذا الملتمس، ~~وكان بينه وبين ابنته نزاع شديد أسفر عن اضطرار الفتاة إلى قبول الدون جوزيف زوجا لها ~~بعد وفاة أخيه، وهي تعلل نفسها بأن تجد مخرجا لها من هذا الزواج الشائن، إلى أن علمت ~~أخيرا بأن بادرو أصبح في حالة النزاع، وأنه لم يعد لها مناص من الزواج بهذا القاتل، ~~فالتجأت إلى المركيز دي شمري وهي تؤمل أن يجد لها وسيلة تنقذها مما هي فيه. # هذا ملخص لأوراق الغادة الإسبانية، وكان روكامبول يتلوها معجبا بهذه الأسرار، ~~وأندريا يصغي إليه أشد الإصغاء، حتى إذا أتم تلاوتها سأله: ماذا ترى؟ # فكتب على اللوح الحجري يجيب: أرى أن يجب أن تقصر اهتمامك على اقتفاء أثر الدون جوزيف، ~~والتربص له في كل مكان حتى تقف على جميع أسراره، فلا بد أن تكون حياته محاطة ~~بالأسرار، ومتى تمكنت من الوقوف على شيء منها ms0522 أسرع إلي وأخبرني. ~~- وماذا أجيب الفتاة بعد تلاوة الأوراق؟ ~~- اذهب إليها غدا في الوقت المعين، وأظهر لها أنك أهل لكتمان سرها وجدير ~~بإعانتها، وانهج معها أحسن مناهج الاحترام. # فودعه روكامبول وولج إلى غرفته ونام نوم المطمئن، وفي الليلة التالية ذهب في الأجل ~~المضروب إلى الحديقة، فلقيها تنتظره فبدأ معها بخطاب طويل أظهر لها فيه تأثره من ~~مصابها وإكراه أبيها لها على زواجها برجل سفاك قاتل، ثم وعدها بأن ينقذها منه في أقرب ~~حين، فأجفلت الفتاة وقالت: ألعلك تريد قتله بالمبارزة؟ # فتنهد روكامبول وأجاب: أمجنون أنا فأقدم على قتله بمبارزة يتضح أمرها لجميع الناس، ~~فتقصيني عنك؟ # فتبسمت الفتاة وقالت: إني إذا كنت الآن بإخلاصي أحسن فتاة، فسأكون أحسن امرأة إذا ~~نجوت من هذا القاتل. ~~- اطمئني يا سيدتي، فلا يمر أسبوعان حتى يلقى جزاءه وتصبحين حرة مطلقة من عهود ~~أبيك. # وإنما توغل بهذا الوعد لشدة ركونه إلى السير فيليام، واعتماده على قريحته ~~الجهنمية، ثم قبل يدها باحترام وودعها وانصرف. # 7 # أما هذا الدون جوزيف فقد كان من دهاة الرجال، وكان عاشقا لامرأتين، إحداهما فاطمة ~~النورية وهي التي شاركته في تسميم شقيقه، وقد أتى بها من إسبانيا إلى باريس، فأقامها في ~~بيت محتجب في أحد الشوارع الحقيرة وحصرها فيه لغيرته عليها، بل لحذره من أن تختلط ~~بالناس فتفشي سره، وكانت توافقه على هذا الاحتجاب لشدة شغفها به، فإنها لم يدفعها إلى ~~مشاركته بالجريمة غير الحب، فكان يذهب إليها كل ليلة متنكرا في الساعة العاشرة، فيقيم ~~عندها إلى منتصف الليل، وقد عين لخدمتها عبدا أسود وعجوزا، فكان هذان الخادمان ~~رقيبين عليها. # أما المرأة الثانية فقد كانت من بنات الهوى، وهي محظية لأحد الأغنياء الروسيين، وقد ~~اضطر هذا الفتى إلى السفر ثلاثة أشهر، وسمعت بإسراف الدون جوزيف وفرط ثروته وشدة دهائه، ~~فأرادت أن تقتنصه بالخدعة واحتالت عليه حيلة غريبة، وهي أنها كتبت إليه كتابا دون ~~توقيع قالت له فيه إن امرأة شريفة مشغوفة به تريد أن تحاذر أيضا من أن يعرف منزلها، ~~فإذا أحب أن ms0523 يأتي إليها معصوب العينين فلينتظر في شارع عينته له، إلى أن ~~يوافيه خادمها الذي يعرفه فيأتي به إليها. # فلما وقف الدون جوزيف على هذا الكتاب هاج به شوق غريب إلى معرفة هذه المرأة؛ فقبل ~~بشروطها وذهب إليها معصوب العينين. # فلما تقابلا رأى من جمالها وأدبها ودلائل انشغافها به ما أدهشه، ثم زاد ميلا إليها ~~حين أخبرته أنها زوجة كونت روسي شديد الغيرة شرس الطباع، وأنه جاء بها من بلاده إلى ~~فرنسا، وهي بها منذ زمن طويل دون أن تتمكن من معرفة أسرة من أسراتها، لفرط احتجابها ~~وغيرة زوجها، ثم لفقت له حديثا طويلا أخبرته فيه أنها رأته في الأوبرا عدة مرات، ~~وأنها علقت به وعرفت اسمه من وصيفتها، فما زالت صابرة على هواه إلى أن سافر زوجها ~~حديثا فكتبت إليه هذا الكتاب. # وكان من أمره أنه عشقها عشقا مبرحا نسي بعده حبه لفاطمة، ولكنه لبث يزور فاطمة ~~متنكرا كل ليلة، ويزور عشيقته الأخرى معصوب العينين، ويختلف إلى ابنة عمه في النهار ~~لوثوقه بأنها ستكون امرأته بعد موت أخيه، الذي كانت ترد الأخبار عنه في كل بريد مشيرة ~~إلى أنه أصبح على وشك الموت. ~~••• # ولنعد الآن إلى روكامبول، فلقد تقدم لنا القول إن أندريا أشار عليه بمراقبة ~~جوزيف، فامتثل لنصيحته وخرج في تلك الليلة إلى منزله السري، فتنكر وذهب إلى منزل ~~الدوق الإسباني، فكمن له عند الباب في الزمن الذي يخرج فيه، ولم يطل انتظاره حتى رأى ~~الدون جوزيف خارجا من المنزل وهو يمشي مطرق الرأس، فاقتفى أثره وجعل يتبعه إلى أن دخل ~~إلى منزل، وكان هذا المنزل خاصا بالدون جوزيف، فصبر روكامبول وهو لا يعرف أنه منزله ~~نحو نصف ساعة، إلى أن رآه خرج منه وقد غير زيه فلبس ملابس العمال، ووضع قبعة كبيرة ~~على رأسه سترت بعض وجهه، غير أنه لم يخف على روكامبول وقال في نفسه: لقد صدق أندريا، ~~فإن حياة هذا الرجل مكتنفة بالأسرار، فلأتعقبه. # وما زالا يسيران وكلاهما متنكر بزي يستر حقيقته عن العيون، حتى بلغ ms0524 الدون جوزيف إلى ~~منزل في شارع حقير، فأخذ مفتاحا من جيبه وفتح به باب المنزل، ثم ولج إليه من دهليز ~~طويل، فقال روكامبول: لا شك أن له خليلة في هذا المنزل يغار عليها. # وأقام يتخطر ذهابا وإيابا في ذلك الشارع وهو يراقب الباب، إلى أن عيل صبره ~~وانتصف الليل، وعند ذلك سمع صرير المفتاح في قفل الباب، فرأى الدون جوزيف خارجا منه ~~وسمع صوت فتاة تودعه ألطف وداع. # فقال روكامبول في نفسه: إن الليل قد انتصف وهو عائد لا شك إلى منزله، فلأدعه يذهب ~~في شأنه ولأفحص هذا البيت. # ثم دنا من المنزل، فقرأ نمرته وجعل يرود في أكنافه، حتى علم جميع ما ينبغي أن يعلمه، ~~ثم عاد إلى أندريا وأخبره بكل شيء، وتلقن منه التعليمات اللازمة. # 8 # مضى على ذلك يومان، لم تفتر فيهما همة روكامبول عن تعقب الدون جوزيف والوقوف على ~~دخائل منزل فاطمة، وكانت تنتظر عشيقها الإسباني في كل ليلة. # ولقد يتبادر إلى الذهن حين ذكر هذه النورية أنها كانت عجوز شمطاء، ترجم بالغيب وتكشف ~~المخبئات، شأن أمثالها من النوريات، غير أنها كانت فتاة باهرة الجمال غضة الصبى، وكانت ~~في بدء عهدها راقصة في المسارح، فطافت أوروبا ورقصت بمسارح العواصم الكبرى، فكانت تحوم ~~حولها الأبصار إلى أن رآها الدون جوزيف، فعلق بها وما زال بها حتى شغفت بهواه وتركت ~~المسارح من أجله، فكانت ساكنة في إسبانيا، وإذا قدم إلى باريس قدمت معه إليها. # وكان الدون جوزيف قد تأخر تلك الليلة عن ميعادها، فلما جاءها استقبلته عاتبة غضبى ~~لتأخره، فأنكر عليها عتابها ودار بينهما الحديث الآتي فقالت النورية: لقد طال غيابك ~~حتى حسبت أنك غير عازم على الحضور. ~~- أسبق لي عهد أيتها الحبيبة بالتخلف عنك؟ ~~- ذلك أكيد، ولكني لا أنكر عليك ما أشعر به من الغيرة. ~~- أتغارين علي؟ وممن تغارين؟ ~~- أغار عليك من كل مجتمع تختلط به ولا أستطيع أن أكون معك، بل أغار من خدمك الذين ~~يستطيعون أن يروك في كل حين، بل أغار عليك منك ومن ms0525 الهواء الذي تتنشقه، بل ... # فقاطعها الدون جوزيف وقال ضاحكا: ما هذا الجنون؟ ~~- هو جنون كما تقول، ولكنك لو كنت مثلي سجينا في هذا المنزل، بل في القفص المذهب، ~~وقد خطر عليك الخروج منه ومنعت من الوقوف في المشرف ومن الإطلال من النافذة، وكنت ~~أنا في مكانك أتنشق الهواء المطلق، وأعاشر من أردت، وأعرض جمالي على جميع الناس، أما ~~كنت تغار علي؟ ~~- ربما، ولكنك تعلمين أني لا أحب سواك في هذا الوجود. # فقالت له بصوت المتهكم: حتى خطيبتك؟ # فهز كتفيه وقال: ألعلك تعلمين أنها تكرهني وتحتقرني، ثم أتظنين بأنها تغفر لي قتل ~~أخي خطيبها، وإذا غفرت لي، فهل أغفر لها ذلك الكره؟ ~~- إني أرجو على الأقل أن لا يحصل هذا الغفران. ~~- اطمئني أيتها الحبيبة، وثقي بأني لا أتزوجها إلا لطمعي بمركز أبيها؛ إذ لا أحب ~~سواك. ~~- إني أصدقك في جميع ما تقول حين تكون بقربي، وحين تنظر إلي عيناك الجميلتان، ولكنك ~~حين تكون بعيدا عني فإخال أن النساء الجميلات يحطن بك من كل جانب، ولا أتمنى إلا أن ~~يكون لهؤلاء النساء رأس واحد. # فقال الدون جوزيف باسما: لماذا؟ ~~- لأقطع هذا الرأس. ~~- إذن فأنت تعيسة في باريس؟ ~~- نعم، ولا سيما حينما أكون بعيدة عنك، فإني أذكر أيامي الماضية وأسري الحاضر، إلى ~~أن تجهش عيناي بالبكاء، ولكني لا آسف لتلك الأيام الخوالي؛ لأني أحبك، ولا أطلب الخلاص ~~من أسري؛ لأنك بقربي، غير أني لم أعد أطيق الإقامة في باريس، لشدة ما ألاقيه من ~~متاعب الوحدة والضجر. ~~- صبرا أيتها الفتاة، فإننا سنبرحها في القريب العاجل، فتعودين إلى ربوعك. # فسرت البدوية وقالت: أحق ما تقول؟ ومتى نبرحها؟ والى أين نسافر؟ ~~- إلى قاديكس. # فأمعنت الفتاة وقالت: لقد علمت الآن السبب في رجوعك، أليس هو لأن أخاك الدون بادرو ~~على فراش الموت؟ # فابتسم الدون جوزيف ابتساما هائلا دون أن يجيب، فقالت له النورية: لو لم أحبك أبلغ ~~حب لما ارتكبت معك جريمة تسميم أخيك. # وفيما هي تكلمه نظرت إلى منديل كان يعبث به بيده، ورأت حرفين مكتوبين ms0526 عليه، فأجفلت ~~أيما إجفال، واستحالت تلك الغزالة الأنيسة إلى لبؤة ثائرة، فاختطفت المنديل من يده، ~~وركضت إلى المستوقد وأخذت خنجرا كان عليه، فجردته من الغمد وهي تقول: أيها الخائن، ~~قل من أية امرأة وصل إليك هذا المنديل، أو أشك هذا الخنجر بصدرك؟ # فاصفر وجه الإسباني وتلعثم لسانه، ثم قال قولا متقطعا: إنه منديلي. ~~- كذبت، فإنه منديل امرأة، وما هذان الحرفان المكتوبان فيه من حروف اسمك؟ # فتمالك روعه وقال: صدقت، ولكنك لو أمعنت النظر بهما لعلمت من هي صاحبة ~~المنديل. ~~- قل من هي وإلا قتلتك، فإنك لم تعرف بعد من أنا. # فضحك الدون جوزيف ضحكا عاليا وقال: إنك مجنونة دون شك، ألا ترين هذين الحرفين ~~يوافقان الحرفين الأولين من اسم خطيبتي؟ # فأعادت فاطمة النظر إليهما ثم سقط الخنجر من يدها، وقالت: إنك فزت بإيجاد هذا ~~البرهان، وإلا فإنك كنت في عداد الأموات. ~~- إن البرهان لم أتكلف إيجاده، فإن ما قلته هو الحق، وفوق ذلك فإني لا أخاف ~~وعيدك. ~~- لقد أخطأت في عدم خوفك، فإنك تذكر دون شك حين أحببتك، ورضيت أن أودع جميع ملاذ ~~الحياة، وأكون عبدة لك، ذلك القسم الذي قسمته وهو أني متى رأيت دليلا على خيانتك أقتلك ~~دون إشفاق. ~~- أذكر. ~~- أتحسب أني أحنث بيميني؟ ~~- كلا. ~~- إنك مهما انغمست في الشر والخيانة، لا بد أن تكون مؤمنا بالله، فإذا كان ذلك ~~فأقسم لي بهذا الإله الذي نعبده نحن البدويات، إنك لم تخن عهدي. ~~- أقسم لك بالله إني ما خنتك ولا أخونك. ~~- ولكني رأيت في الليلة السابقة حلما لا أزال موجسة شرا منه إلى الآن؛ وهو أني ~~رأيتك في مرقص تخاصر امرأة، وأنك كنت تحب هذه المرأة وتهمس في أذنها أحاديث ~~الغرام. ~~- وهل تصدقين الأحلام؟ ~~- وهل أنا إلا نورية؟ ~~- صدقت، فإنكم السابقون في حلبة الأوهام، ولكن هذه الفتاة التي تمثلت لك أني ~~أخاصرها في الحلم لا يمكن أن تكون إلا أنت. ~~- كلا، فإنها كانت لابسة صليبا في عنقها، وما أنا بمسيحية فألبس صليبا! ~~- إذن فإن حلمك كاذب؛ لأني لا أحب ms0527 سواك. ~~- يمكن أن يكون كلامك صادقا. # فضاق صدره من كثرة غيرتها وقال: نعم، فماذا تريدين بعد ذلك؟ # فاستاءت لجوابه وقالت: أريد أن تعلم أن الوثاق الذي بيننا لا يحل. ~~- ذلك لا ريب، فإنه وثاق الحب. ~~- كلا، بل وثاق الجريمة، وأصغ إلي الآن فإنك كنت مطلقا من هذا الوثاق إلى اليوم ~~الذي دفعني فيه هواك إلى الاشتراك معك بقتل أخيك، أما الآن وقد غمست يدي في دمه كي تحظى ~~بخطيبته، فلم يعد لك براح من يدي، وأصبحت لي بجملتك كما أنا لك بجملتي، وذلك إلى ~~آخر العهود، فإن قيود الجرائم لا تحل. ~~- ما دخل الجرائم الآن بيننا، وما بالك لا تحدثيني بأحاديث الغرام؛ إذ هي ألذ للسمع ~~من هذه الأحاديث، وفوق ذلك فما أنا قتلت أخي ولا أنت، بل إخوتك الذين دسوا له السم في ~~الدسم. ~~- صدقت فإنهم أشرار يرتكبون كل ذنب من أجل المال، ثم إنهم لم يقتلوه من تلقاء أنفسهم، ~~بل كان ذلك بمالك وبواسطتي، فنحن القاتلان، وإني إذا أمرتهم أن يقتلوك فلا يتأخرون، ~~وأقول ذلك تحذيرا لك من خيانتي. # فنهض الدون جوزيف وقال: لا شك أنك جننت لعدم ثقتك بي وباليمين التي حلفتها. # ثم التف بردائه وقبل جبينها وخرج، فخرجت معه وشيعته إلى الباب، فذهب وهو يقول في ~~نفسه: إن هذه المرأة واقفة على سري، وهي تنذرني في كل حين؛ فلا بد إذن من قتلها. # أما فاطمة فإنها وقفت هنيهة على الباب تشيعه بالنظر حتى بعد عنها، فعادت إلى القاعة ~~التي كانت فيها، ولكنها ما لبثت أن دخلت إليها حتى تراجعت منذعرة؛ لأنها رأت فيها رجلا ~~كأنه قد صعد إليها من جوف الأرض، لأن المنزل ليس له غير باب واحد. # وكان هذا الرجل واقفا وسط الغرفة، وهو مشهر الخنجر الذي سقط من يد النورية، فذعرت ~~المرأة وقالت له: من أنت؟ ~~- صديق. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أكلمك عن الدون جوزيف. # ثم أشار إليها إشارة الآمر أن تقفل الباب، فامتثلت فاطمة لما تولاها من الرعب، ~~وأقفلت الباب وعادت إليه ms0528 وقالت: قل ماذا تريد مني؟ إني مصغية. # ثم دار بينهما الحديث الآتي، فقال الرجل الغريب: أتدعين فاطمة؟ وأنت خليلة الدون ~~جوزيف؟ ~~- نعم، ألعلك تعرفه؟ ~~- إني أعرف المرأة التي يحبها ويخونك من أجلها. # فاحتدمت فاطمة غيظا وهاجت مكامن غيرتها، فقالت له: إنك كاذب فيما تقول. ~~- أصغي الآن فإني متى بحت لك بأسرار تحسبين أنك واقفة عليها وحدك، تثقي حينئذ ~~بأقوالي. ~~- قل فإني مصغية إليك. ~~- فاطمة، إن للدون جوزيف أخا يدعى بادرو. # فقالت وهي تضطرب: أتعرفه أيضا؟ ~~- ربما، وإن هذا الأخ في حالة النزع الآن وسيموت قريبا، أي إنه سيموت مسموما والناس ~~يحسبون أنه مصاب بمرض شديد. # فرفعت فاطمة عينيها إلى هذا الرجل ونظرت إليه نظرة انذهال وهي تقول: أتعرف هذا ~~السر؟ ~~- أعرف أنك والدون جوزيف قتلتما الدون بادرو. # فركعت فاطمة أمامه وقالت: عفوا ومرحمة. كأن هذا الرجل قاضيا، وكأنها في موقف ~~قضاء. # فضحك الرجل ضحكا عاليا ثم قال: إن هذا الأمر لا يعنيني، وسيان عندي إذا عاش الدون ~~بادرو أو مات فلا تخافي. ~~- إذن فماذا تريد مني؟ ~~- أما كنت تقولين الآن للدون جوزيف ... ~~- وكيف عرفت؟ أكنت معنا؟ ~~- لا تهتمي بذلك ويكفي أني عرفت، والآن أما كنت تقولين له: إنك إذا خنتني أغمد ~~خنجري في صدرك. ~~- نعم، قلت هذا القول وأقسمت على قتله إذا خانني. ~~- إذن، إذا كنت تبرين باليمين التي حلفتيها، فإني أريك الدون جوزيف يخاصر المرأة ~~التي يحبها. # فهاجت الغيرة في فؤادها وقالت: متى وفي أي مكان؟ ~~- بعد ثمانية أيام في حفلة راقصة. ~~- ماذا أسمع؟ إن ما تقوله قد رأيته في الحلم، ومن عسى تكون أيها الرجل، ألعلك ~~شيطان؟ # فضحك وقال: ربما. ~~- أنت الشيطان نفسه. ~~- وماذا يفيدك أيتها الفتاة أن تعلمي إذا كنت الشيطان نفسه؟ # وكان يقول هذا القول وهو ينظر إليها نظرات غريبة ويضحك، فخافت الفتاة وحاولت ~~الهرب. # فأسرع وأجلسها على كرسيها وقال: لماذا تخافين مني وأنا صديق لك؟ ~~- أنت صديقي؟ ~~- نعم. ~~- ولكني لم أرك في حياتي. ~~- أما أنا فقد عرفتك منذ عهد طويل، وها أنا أقص عليك أمرك ms0529 مع الدون جوزيف؛ فإنك جئت ~~إلى باريس منذ عام؛ لأن الدون جوزيف كان فيها. ~~- هذا أكيد. ~~- وكان هذا الإسباني يحبك في هذا العهد ويغار عليك من العيون، فأمرك أن تدخلي إلى ~~باريس في ظلام الليل. ~~- وهذا أكيد. ~~- وإنك تقيمين في هذا المنزل مع امرأة عجوز كانت حاضنة لك، ومع خادم أسود، وقد كان ~~الاثنان في خدمتك حينما كنت في إسبانيا، وكانا يخدمانك في أغراضك الغرامية قبل أن تحبي ~~الدون جوزيف. ~~- وهذا أيضا أكيد. ~~- والآن فإن الدون جوزيف قد اشتراهما بالمال، فباتا أطوع له من البنان. ~~- وهل يخدعانني؟ ~~- ستعلمين ذلك فيما بعد، والآن فأصغي إلي، إنك منذ عام أي منذ دخولك إلى هذا ~~المنزل، لم يدخل إليه إلا الدون جوزيف؛ وذلك لفرط انشغافك فيه، أما حاضنتك فهي تشيع ~~أمام جيران منزلك أنك مصابة بداء السرطان، وأنك جئت إلى باريس كي تتعالجي فيه، وهم ~~يحسبون أنك طريحة الفراش منذ ذلك العهد إلى الآن؛ لأنهم لم يروك. والآن فهل كفاك ما ~~قلته لك؟ وهل تثقين بكلامي؟ ~~- لا بد لي من هذه الثقة؛ لأني أراك واقفا على جميع أسراري. ~~- وإذا ثبت لك أن الدون جوزيف يهوى سواك ويخونك أتصدقين؟ ~~- ربما صدقتك ووثقت من أقوالك، إلا أنه لا بد من البرهان في كل حال. ~~- سأقدم لك هذا البرهان بعد ثمانية أيام. # فأطرقت فاطمة برأسها إلى الأرض ولم تجب، فقال لها الرجل باحتقار: لقد أخطأ ظني ~~بك، فلقد كنت أحسب أن لك قلبا يتأثر ويلذ له الانتقام، ألم تقولي إنك عازمة ~~على قتل الدون جوزيف إذا أثبت لك خيانته، فما بالك الآن ضعفت وأصبحت على وشك ~~الإغماء؟ ~~- إنك منخدع بي، ولا تعلم من أنا. # فابتسم ابتسام الهازئ المستخف وقال: بل أعرفك حق العرفان، فإنك امرأة ضعيفة تقيد ~~فؤادها بسلاسل الغرام. ~~- قلت لك إن فراستك قد أخطأت بي، فإنك ترى بشرتي تشف عن العروق الزرقاء، ولكن تحت ~~هذه العروق أعصاب قدت من الفولاذ، وإن اليوم الذي تطعن يدي صدر الدون جوزيف بخنجر، ~~يخترق هذا الخنجر صدره النصاب. ms0530 ~~- هذا الذي كنت أود أن أسمعه منك. ~~- إنما هات برهانك على خيانته، وأنا أقتله لا محالة. ~~- لا أصدقك إلا إذا أقسمت. # فرفعت النورية يدها باحترام ثم قالت: إننا معشر النور لنا ديانة سرية لا تشبه الدين ~~المسيحي ولا الإسلامي في شيء، وقد تلقنت أسرار هذه الديانة التي يجلها جميع الناس ~~لحرص النور على كتمانها، وأنا أجلها كل الإجلال؛ ولذلك فإن كل نوري يقسم بمعتقده السري، ~~وهو لا يحنث بيمينه ولو دفعه البر به إلى الموت، فأنا أقسم لك بمعتقد آبائي وبهذه ~~الديانة السرية التي لا يحق لنا الإباحة بسرها إلا لمن يعتقد بها، أنني أطعن الدون ~~جوزيف بخنجري حين أراه مع غريمتي. ~~- إذن، فإني أثق بقولك بعد هذا اليمين. ~~- وأنا أنتظر البرهان. ~~- سترينه، غير أنه يجب أن تعلمي أن الانتقام لا يفلح إلا حين يسير مع صفة ينبغي أن ~~تكون ملازمة له وهي الحكمة، ثم إنه يجب أن يكون الانتقام مقرونا بالكتمان. ~~- أعرف ذلك. ~~- وينبغي أن تكوني دائما باسمة الثغر طلقة المحيا، كي لا يداخله فيك أقل ريب، واعلمي ~~أنه لم يرني أحد دخلت إليك، ولا يعرف أحد الطريق التي سلكتها، وسأعود إليك لأراك بعد ~~ثلاثة أيام. ~~- أتعود إلي بالبرهان؟ ~~- ربما. ~~- إذن، فسأتكل عليك. ~~- أصغي إلي، فإني لم أتم نصيحتي بعد، واحذري من الحاضنة ومن هذا الخادم الأسود كما ~~تحذرين من الموت. ~~- لماذا؟ ~~- ستعلمين ذلك فيما بعد؛ إذ لا أستطيع أن أخبرك به اليوم. ثم ذهب إلى المستوقد وكان ~~عليه آنية صينية فرفعها وقال لها: إني سأضع لك في كل ليلة رسالة تحت هذه الآنية في ~~الوقت الذي تنتظرين فيه قدوم الدون جوزيف، فاقرئيها تجدي بها تعليماتي، والآن فإني ~~منصرف ولا يجب أن تعرفي كيف أذهب وكيف أتيت. # ثم أخذ من جيبه عصابة حمراء وقال لها: يجب أن أعصب عينيك. # وتعاظم ذهول النورية، ولكنها لم يسعها إلا الامتثال فقالت: افعل. # فعصب عينيها وقال لها: عدي على أصابعك إلى المائة والخمسين، ومتى أكملت عدها ارفعي ~~العصابة. # وجعلت تعد على أصابعها إلى ms0531 أن أتمت العد، فأزاحت العصابة فما رأت أمامها أحدا، ~~فرفعت يديها إلى السماء وقالت: لا شك أنه شيطان. # 9 # في الساعة العاشرة من الليلة التالية ذكرت فاطمة وصية ذلك الرجل الذي باتت تعتقد أنه ~~الشيطان، ورفعت الآنية عن المستوقد ووجدت تحته رسالة وحقا صغيرا، فخفق فؤادها ولم ~~يعد لديها شك أنه الشيطان بعينه، ثم فتحت الرسالة فرأت مكتوبا فيها ما ~~يأتي: # إنك تجدين بجانب هذه الرسالة حقا صغيرا فيه رشاش ~~أبيض، ذوبيه في كأس واشربيه، وإذا لم تفعلي حين اطلاعك على الرسالة وقبل ~~مجيء الدون جوزيف، فإنك مائتة لا محالة. # ففتحت فاطمة الحق ووجدت فيه ذلك الرشاش، فما ترددت عن شربه، ولم يكن امتثالها ~~حذرا من الموت كما جاء في الرسالة، غير أنها قالت في نفسها: إن هذا الرجل الذي تمثل ~~لي لم يكن إلا الشيطان بعينه، وهو الذي أرسل لي هذا الرشاش لقصد أجهله، ولكن لا شك عندي ~~بأن الشيطان يحميني، فإنه معبودنا نحن معاشر النور الذي لا نعبد سواه. # ولم تكد تشرب الرشاش مندفعة إلى شربه باعتقادها أنه مرسل إليها من معبودها، حتى سمعت ~~وقع أقدام الدون جوزيف فوجف فؤادها؛ لأنها باتت واثقة من أنه يخونها، وخطر لها أن تفتك ~~به، ولكنها ذكرت وصية الذي تعتقده الشيطان، فهدأت روعها واستقبلت عشيقها بمظاهر البشر ~~والسرور. # أما الدون جوزيف فإنه لم يستقر به المقام حتى أخرج من جيبه زجاجة وقال: لقد وردني ~~اليوم هذا الشراب من إسبانيا، وهو من أفخر أنواع الشراب. # ثم نادى الخادم وقال: أحضر كأسين، فإني أريد أن أشاطرها الشراب. ~~••• # ولنعد الآن خطوة إلى الوراء لنبسط ما كان من الدون جوزيف بعد أن غادر فاطمة، ~~فإنه خرج من عندها مغضبا عليها، وقد عول على قتلها لأمرين: أنه لم يعد يحبها بعد أن ~~نشبت في فؤاده مخالب تلك المرأة التي كانت تدعي أنها زوجة الكونت الروسي، والثاني ~~أنه بات يخافها خوفا شديدا، ولا يجسر على تركها؛ لأنها واقفة على جميع أسراره. # وكان لهذا الإسباني خادم بل مستشار يدعى ms0532 زامبا، وحكاية هذا الخادم أنه حكم عليه ~~بالإعدام في إسبانيا لجريمة ارتكبها، ففر من القضاء والتجأ إلى الدون جوزيف، فأمنه ~~وأدخله في خدمته، وعند ذلك تنكر هذا الخادم كي لا تعرفه الشرطة، وأصبح مقيدا ~~بجريمته وبات أطوع للدون من بنانه. # وكان الدون جوزيف يثق به ثقة شديدة، لوثوقه من أنه لا يستطيع خيانته حذرا من أن ~~يسلمه مولاه إلى القضاء، وكان يأتمنه على أسراره ويستخدمه في جميع أغراضه، حتى أصبح مع ~~مرور الأيام مستشارا في السر، وهو في الظاهر خادم غرفته، وذلك لما لقيه من رجاحة عقله ~~وحسن استنباطه وشدة مقدرته في المكر والدهاء. # ولما برح الدون جوزيف منزل فاطمة ذهب إلى منزله، فلقي فيه خادمه زامبا ينتظره، وحكى ~~له ما كان من أمر فاطمة وتصميمه على قتلها، فأشار عليه زامبا أن يقتلها بالسم، وأعطاه ~~سما قاتلا مزجه بذلك الشراب الذي حاول الدون جوزيف أن يشرب ويسقي فاطمة منه. # أما فاطمة فإنها أخذت الزجاجة وفضت ختمها بيدها، ثم صبت شرابها بالكأسين وأخذت ~~كأسها، ولما أدنته من فمها داخلها الشك وقالت في نفسها: إنه ربما كان يريد تسميمي. ~~ولكنها اطمأنت حين رأته قد شرب ما في الكأس وشربت كأسها. # وأقام عندها يحدثها بأطيب الأحاديث، وهي تجامله أحسن مجاملة، إلى أن انتصف الليل ~~فودعها وهو يقول: إياك والغيرة علي؛ لأني لا أحب سواك في هذا الوجود. # ثم خرج، ولما صار في الطريق رثى لتلك الفتاة وقال: مسكينة، أنها ستموت في عنفوان ~~الشباب، ولكني لم أقتلها إلا عملا بناموس تنازع البقاء؛ إذ لم يكن بد لأحدنا من ~~الموت. # وكانت فاطمة قد خرجت معه حسب عادتها إلى الباب الخارجي، ولما عادت إلى القاعة التي ~~كان فيها، تراجعت منذعرة لأنها رأت فيها ذلك الرجل الذي كانت تعتقد أنه الشيطان، وكان ~~جالسا على المقعد ينتظر عودتها، فمد يده دون أن يحفل بانذعارها إلى الزجاجة وقال ~~لها: أشربت من هذا الشراب؟ ~~- نعم. # وكان معلقا بالجدار قفص فيه ببغاء جميل، فقام إلى القفص وأخرج منه الببغاء، ثم أخذ ms0533 ~~قطعة سكر عن المائدة وصب فوقها بضع نقط من فضلة الكأس التي شربت منه فاطمة وقدمها ~~للببغاء، فأكلها وقالت له فاطمة وقد عجبت لصنعه: ماذا تفعل؟ # ولم يجبها، ولكنه أشار بيده إلى الببغاء، فرأت أنه جعل يصفق بجناحيه برهة، ثم ~~انقلب مائتا لا حراك به. # وقال لها الرجل عند ذلك: إن هذا الشراب يقتل الإنسان بليلة، فإن الدون جوزيف قد سقاك ~~أقتل السموم، وهو إنما أراد قتلك كي يخلو له الجو مع التي يحبها. # فصاحت صيحة منكرة ثم قالت: لا بأس، فإني سأحيا إلى الغد وأقتله. ~~- وأية فائدة لك من قتله إذا كان قد شرب السم معك، فلا بد له أن يموت حين ~~تموتين. ~~- لقد أصبت، ولكن لماذا قتلني إذا كان يريد أن يموت هو أيضا؟ لقد طاش رأسي في بوادي ~~هذه الأسرار. # فضحك من اضطرابها وقال: إن كشف النقاب عن هذا السر سهل ميسور، وهو أنه شرب ضد السم ~~الذي سقاك إياه قبل أن يشربه، فشرب وهو آمن مطمئن. ~~- أواه! لقد عرفت الآن كل شيء، ولكنه لم يحسب حساب خنجري، وإذا لم يكن لي بد من ~~الموت ... # فقاطعها وقال: لقد أخطأت أيضا، فإنك لا تموتين. ~~- كيف لا أموت وقد شربت هذا السم، ورأيت فعله في الببغاء؟ ~~- ذلك لأنك شربت ضد السم، وهو الرشاش الأبيض الذي وضعته تحت الآنية. # فركعت فاطمة وقد رسخ في ذهنها أنه الشيطان، وقالت له: لقد علمت أنك أبي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألست الشيطان؟ # فأدرك في الحال اعتقادها وقال: ربما، وفي كل حال فأنت مدينة لي بحياتك وبانتقامك من ~~هذا السفاك. ~~- سأقتله دون رحمة؛ إذ قد ثبت لي الآن أنه كان يريد قتلي، فبرهن لي عن خيانته، واذكر ~~لي اسم تلك الخليلة التي يهواها لتعلم أني أبر بيميني. ~~- سترين هذا البرهان قريبا. # فقالت له بإلحاح: متى؟ فقد نفد صبري عن قتل هذا الخائن. ~~- صبرا، فإن الساعة قد دنت وأصغي إلي، فإن هذا الخائن قد سقاك السم بيده، وعلم أنك ~~مائتة في الغد، ولكنه لم يخجل من أن ms0534 يمد يده إلى وداعك ويقول لك: إلى الغد. وهو يعلم ~~أنه سيراك جثة باردة، فإذا رآك غدا حية ترزقين فلا بد له من أن يسعى في قتلك بطريقة ~~أخرى، وإذا رأى أن السم لم ينجح فهو سيلجأ إلى الخنجر، ولكن لا تخشي فإني بقربك ~~أحميك، إنما يجب أن تتمي تمثيل دورك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن تظهري له الحنو والانعطاف، وتبالغي بإظهار الغرام كما كنت تصنعين من ~~قبل. ~~- ولكنه سيعلم أني شربت ضد السم. ~~- ذلك لا ريب فيه، وهو سيتهم خادمه؛ لأنه لا يعلم مقدرتي وسلطاني، ولكنك ستزيلين ~~شكه فتنامي غدا إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، فإذا جاء الدون جوزيف أظهري له أنك ~~تشكين ألما في الرأس وتثاقلا في الأجفان، ثم تقولين له إنك شربت أفيونا، وإن ذلك ~~من تأثير الأفيون، فإن الأفيون يكون ترياقا لبعض السموم. والآن فإني ذاهب فاقتربي مني ~~لأعصب عينيك، ولا تنسي أن تبقي العصابة إلى أن تعدي مائة وخمسين. # ثم عصب عينيها وقال لها: احذري من خادميك أشد الحذر. # 10 # كان من عادة الدون جوزيف أنه متى خرج من منزل فاطمة يعود إلى منزله، فيتنكر بزي ~~جديد، ثم يأخذ خادمه زامبا ويذهب إلى شارع مقفر، فيرى هناك رجلا ينتظره بمركبة فيطلق ~~سراح زامبا ويدنو من الرجل، فيعصب عينيه ويسير به إلى تلك المرأة التي كان يهواها، وهي ~~إحدى بنات الهوى كما قدمناه، غير أنها كانت توهم الدون جوزيف أنها امرأة كونت، ~~وأنها تعصب عينيه كي لا يعرف منزلها فلا يزورها إلا حين تدعوه إليها، مغتنمة فرصة خلو ~~المنزل. # وكان الدون جوزيف قد ولع بالفتاة وأحبها حبا عظيما ليس بعده حب لمعشوق، وقد علمت ~~من سائق مركبتها أن الدون جوزيف كان يأتي إلى الشارع المقفر مصحوبا بخادمه، فأنكرت ~~عليه صحبة الخادم حذرا من أن يقف على شيء من سرها، وأكد لها أنه واثق منه، واندفع ~~مع تيار حبه فباح لها بسر هذا الخادم، وكيف أنه محكوم عليه بالإعدام في إسبانيا، وقد ~~هرب من الموت ولجأ إليه، فدخل ms0535 في خدمته بعد أن تنكر بحيث بات آمنا منه أشد ~~الأمان. # ويذكر القراء أن روكامبول عندما أخبر أستاذه أندريا بالكتاب الذي أرسلته إليه ابنة ~~الدوق قال له: يجب أن تقتفي أثر الدون جوزيف وتترصده حتى تقف على جميع أسراره، وأن ~~روكامبول تبعه مرة فعلم أنه يذهب متنكرا إلى فاطمة، ثم تبعه في ليلة أخرى فرآه قد عاد ~~إلى منزله، فتنكر بزي جديد وذهب إلى ذلك الشارع المقفر الذي كان ينتظره فيه ~~السائق، ثم رأى أن السائق قد عصب عينيه وسار به في مركبته، فركب مركبة وسار في إثره حتى ~~عرف المنزل الذي دخل إليه، وفي الليلة نفسها عرف صاحبة ذلك المنزل، وعاد إلى أستاذه ~~فأخبره بجميع ما رآه وتزود بتعليماته. # وفي اليوم التالي ذهب إلى تلك الفتاة وهو متنكر وأخبرها بما رآه، ثم اتفق وإياها ~~على أن تخدمه في بلوغ أغراضه من الدون جوزيف، وفي مقابل ذلك فإنه يطلق لها السراح بسلبه ~~على ما تشاء ويزيدها من عنده مبلغا من ماله، فرأت هذه المومس أنه قد وقف على سرها، وأن ~~شروطه موافقة لها، فرضيت بها في الحال وأخبرته بجميع ما عرفت من أسرار الدون جوزيف، وفي ~~جملتها سر خادمه زامبا. # فعلمها روكامبول ما ينبغي أن تصنع، ثم تركها ومضى إلى لقاء زامبا، فترصده أمام ~~منزل سيده إلى أن خرج فناداه وقال له: أنت الذي يدعى زامبا؟ ~~- نعم. ~~- أنت في خدمة الدون جوزيف؟ ~~- نعم. ~~- وهل أنت مخلص له؟ ~~- دون شك. ~~- إذن تعال معي إلى هذه القهوة القريبة، فإني أحب أن أحدثك بأمر خطير. # فامتثل له زامبا، وسار الاثنان إلى قهوة قريبة فجلسا بمكان منفرد منها ودار بينهما ~~الحديث الآتي، فقال روكامبول: إنك تدعى زامبا كما تقول، وأما الدون جوزيف فقد جعلك في ~~خدمته كي تنجو من الإعدام. # فاختلج فؤاد زامبا ووهت رجلاه حتى أوشك أن يسقط على الأرض؛ إذ لم يخطر في باله أن ~~الدون جوزيف يبوح بسره لأحد، فقال روكامبول: إنه لم يمض على فرارك غير ستة أعوام، ~~وهذه المدة ms0536 غير كافية لإنقاذك من حكم الإعدام؛ أي إن كلمة واحدة تصدر مني إلى بوليس ~~باريس تدعه يقبض عليك ويسلمك مكتوف اليدين إلى الحكومة الإسبانية، فينفذ فيك الإعدام، ~~ومهما يكن من نفوذ مولاك فإنه لا يستطيع إنقاذك. ~~- قل ما تريد مني. وقد علم أن هذا الرجل لا يبيعه حياته بثمن بخس. ~~- يوجد اثنان بأيديهما حياتك أو مماتك، الأول هو الدون جوزيف. ~~- والثاني؟ ~~- هو أنا، اعلم الآن أن الدون جوزيف لم يكتم سرك، ودليل ذلك أني أعرفه. # فتهدد زامبا الفضاء بقبضته وقال: سأنتقم شر انتقام. ~~- إذن فإن إخلاصك له لا يدوم. ~~- كيف تريد أن يدوم بعد هذه الخيانة؟ ~~- وإذ كنت تخلص له في الخدمة، فما ذلك إلا من قبيل الخوف. ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- وإذا طلبت إليك أن تخونه. ~~- أنت؟ # فابتسم روكامبول وقال: نعم أنا، إني أشد من الدون جوزيف، وأريد أن أسحقه ولا أستطيع ~~أن أصل إلى هذه الغاية إلا إذا ساعدتني عليها، ولا تحسب أني سأعتمد على هذا السر الذي ~~أعلمه عنك فأبخسك حقك، بل إني أدفع لك فوق ما تطمع به، ولنبدأ الآن بالحساب، فقل لي ~~كم يبلغ كسبك من الدون جوزيف. ~~- ألف ريال في العام. ~~- وكم تسرق منه؟ ~~- عشرة آلاف فرنك على الأقل. ~~- وماذا تؤمل منه؟ ~~- إني أرجو متى تزوج الدوق أن أكون مدير منزله، فأمر بأمواله كما أشاء. ~~- إن أملك سيحبط؛ لأن الدوق جوزيف لن يتزوج ابنة الدوق، وإذا تزوجها فإنه ~~يقتل في ليلة الزفاف. # وبرقت عين زامبا وجعل يتأمل روكامبول تأمل لص يختبر لصا مثله، وأدرك أن محدثه ~~أشد منه دهاء، غير أنه لم يخطر له أن الذي يريد قتل الدون جوزيف هو نفس ذاك الطامع ~~بزواج ابنة الدوق، بل أيقن أن هذا الرجل يخلص إخلاصا عظيما لتلك المرأة البولونية التي ~~يهواها الدون جوزيف، وأن الغيرة قد دفعته إلى استخدامه. # وقال روكامبول: إنه إذا بقي الدون جوزيف حيا فهو لا يعلم شيئا من خيانتك، وإذا مات ~~تقبض من المال ما يعزيك عن فقده، واعلم الآن أنه ms0537 متى أخبرتني بما يصنعه مولاك في شارع ~~روشة كل ليلة أنقدك عشرة آلاف فرنك، ومتى أصبح زواج الدون جوزيف بابنة الدوق مستحيلا ~~أدفع لك مائة ألف فرنك، وفي خلال ذاك فإني أدفع لك راتبا قدره ألف فرنك في كل ~~شهر. # ثم أخذ ورقة قيمتها ألف فرنك وقال: هذه الورقة على الحساب. # وعند ذاك أخبره زامبا بحديث فاطمة، فما أبقى على شيء من أسرار العاشقين، وكان ~~روكامبول يصغي إليه أشد الإصغاء، ولما فرغ من حديثه سأله عن المواعيد التي يذهب بها ~~إليها، وعن مداخل المنزل، وأخبره بكل شيء وزاد عليه أنه يوجد في منزلها مدخل سري لا ~~يعرفه غير زامبا والدون جوزيف؛ وذاك لأن الدون جوزيف كان شديد الغيرة عليها حين قدمت ~~إلى باريس، ولم يكتف بالخادمين الذين وضعهما في منزلها جواسيس عليها، بل إنه بنى ذاك ~~المنفذ إلى غرفة نومها، وجعل بينه وبين الجدار محلا سريا يقف فيه فيسمع كل حديث ~~يجري في الغرفة دون أن يراه أحد، وإذا أراد الدخول إلى الغرفة ضغط على زر فينفتح باب ~~يؤدي إلى الغرفة. # وقال له روكامبول: أريد أن تذهب بي إلى هذا المنفذ وتجعلني بذاك المكان السري. ~~- متى؟ ~~- غدا حين يكون الدون عند فاطمة. # وقد عرف القراء الآن كيف توصل روكامبول إلى الدخول إلى منزل فاطمة دون أن تراه، ~~ويسمع كل حديثها دون أن تراه، وينقله إليها حتى باتت تعتقد أنه الشيطان الذي يحميها. ~~أما عزم الدون جوزيف على تسميم فاطمة، فقد عرفه روكامبول من زامبا، وهو الذي أعطاه ذاك ~~الرشاش وهو ضد السم، وقد وجدته فاطمة تحت الآنية وشربته، فأمنت الموت. # في اليوم التالي لتسميم فاطمة ذهب الدون جوزيف إليها ودخل إلى غرفتها حسب العادة قبل ~~أن يرى الخادمة، فأجفل حين رأى خليلته تستقبله باسمة، وهو يحسب أنه سيراها جثة باردة، ~~أما فاطمة فإنها لم تظهر شيئا من انفعالها عملا بوصية شيطانها، وجلست تنادمه ~~وتمازحه، غير أن الدون جوزيف كان يتكلف المباسطة لانشغاله بالسم، وكيف أنه لم يقتلها ~~على ثقة من ms0538 تأثيره، ونظر إلى وجهها ورأى عليه أثر الضنك، وقال لها: ما بالك متعبة؟ ~~ألعلك لم تنامي ليلة أمس؟ ~~- كلا، بل ذاك من كثرة النوم، فإنك تعلم أني متعودة شرب الأفيون، غير أني أفرطت أمس ~~في شربه فطال نومي، ولما صحوت أصبت بصداع شديد. # وأقام عندها هنيهة وخرج وهو يحسب أن السم لم يؤثر بها لأنها شربت بعده ذاك ~~الأفيون، وعول على قتلها بطريقة أخرى. # ولما خرج من عندها ذهب إلى منزله، فتنكر بزي جديد وانطلق إلى منزل البولونية حسب ~~العادة، فوجدها حردة غضبى، وأجفل من غضبها؛ لأنه كان يحبها حبا مبرحا، وما زال يلح ~~عليها بالسؤال عن سبب غضبها حتى أخبرته بأنها عالمة بحبه لفاطمة، وأنه لا يطمئن لها ~~خاطر، بل لا تقبله في منزلها إلا متى عاد إليها بمنديل مصبوغ بدم الفتاة. # وكان روكامبول قد علمها أن تسأل هذا السؤال، أما الدون جوزيف فلم يستاء لطلبها ؛ لأنه ~~كان معول على قتل الفتاة، ولكنه خرج من عندها مفكرا مهموما؛ إذ لم يهتد لطريقة ~~تضمن له قتلها. # ولما بلغ إلى منزله وجد زامبا ينتظره فيه، فأخبره بما كان من نجاة فاطمة واقتراح ~~البولونية، وسأله رأيه بقتلها، فأشار عليه بإغراء خادمها الأسود على قتلها بالمال، ~~وإعداده له، فوافقه على هذا الرأي. # وفي صباح اليوم التالي دعا إليه الخادم الأسود واتفق معه على قتلها في المساء، وانطلق ~~زامبا إلى المكان الذي يجتمع فيه مع روكامبول وأخبره بجميع ما كان. # أما روكامبول فإنه سر من هذه الجريمة الجديدة وقال في نفسه: لقد قبضت على الدون ~~جوزيف وفزت بابنة الدوق. # ثم ذهب إلى منزله وتنكر بالزي الذي كانت تراه فيه فاطمة، وذهب إليها من المنفذ ~~السري، وبينما هي جالسة على مقعدها إذ التفتت فرأته وراءها دون أن تعلم، فاستعاذت منه ~~به وخرت له ساجدة لاعتقادها أنه معبودها. # فقال: قلت لك أن تحذري من خادمتك وخادمك، والآن خذي هذه الحبة وتدبري في حيلة ~~تستطيعين بها أن تدعي الخادمة تبتلعها عند المساء دون أن تعلم، ثم احرصي ms0539 أشد الحرص من ~~الخادم، أما أنا فسأعود إليك في المساء واعصبي عينيك حسب العادة لأني أريد الذهاب. ~~فعصبتها وعدت للمائة والخمسين، ثم أزاحت العصابة فلم تجد ذاك الشيطان. # ولما توارت الشمس في حجابها، أخذت تلك الحبة فوضعتها بتينة يابسة أخذتها من صحن كان ~~أمامها فيه تين ونقل، ودعت خادمتها وجعلت تشاغلها بالحديث وهي تأكل، ثم أعطتها التينة ~~التي وضعت فيها الحبة، فأخذتها الخادمة وأكلتها وهي لا تحسب حسابا لما فيها. # وبعد ذلك بساعة عاد إليها روكامبول وعلم منها أن الخادمة قد نامت من تأثير المخدر ~~الذي شربته، وسألها: وأين الخادم؟ ~~- هو في المطبخ. ~~- حسنا، فلنحمل هذه الخادمة إلى سريرك. # فانذهلت فاطمة وقالت: ما هذه الأسرار؟ ~~- ستعلمين كل شيء. # ثم ذهب وإياها، فحمل الخادمة ووضعها على سرير فاطمة في غرفتها، وأطفأ روكامبول ~~المصباح وخرج بفاطمة إلى الغرفة المجاورة وقال لها: إن الدون جوزيف أغرى خادمك الأسود ~~على قتلك بالخنجر، والآن فإن هذا الخادم سيدخل إلى غرفتك فيقتل الخادمة شريكته ~~بالمؤامرة عليك وهو يحسب أنه يقتلك ولا يدري، وإنما أطفأت المصباح لأن السود يخافون ~~ارتكاب الجريمة على النور، ويؤثرون القتل في الظلمة، فقفي بإزائي واحبسي أنفاسك إذا ~~استطعت، فسترين العجب. # وكانت النار موقدة في المستوقد، فيخرج منها نور ضعيف، ورأيا من نوره هذا العبد الأسود ~~يدخل إلى غرفة سيدته وهو يخفف الوطء حذرا من إيقاظها، وبيده خنجر عريض النصل، فما ~~زال يمشي وعليه ظواهر الخوف إلى أن وصل إلى السرير وسمع غطيط الخادمة، فما شك أنها ~~فاطمة وطعنها بخنجره طعنة شديدة غرق في جنبها إلى النصاب واخترق قلبها، فماتت دون أن ~~تنتبه أو تصيح صيحة ألم لتأثير المخدر. # أما الخادم فإنه ترك الخنجر مشكوكا بقلبها وأنار شمعة كي يتحقق قتلها، ويسرق ما يخف ~~حمله من غرفتها، ولكنه ما لبث أن أنارها حتى شعر بيد قوية قبضت على عنقه، وسمع صوت ~~سيدته تقول له: لم تقتلني أيها التعس، بل إنك قتلت شريكتك بالجريمة. # ووضع روكامبول خنجره على عنقه وقال: إذا كنت تريد الحياة ms0540 فقل الحقيقة. # فهلع فؤاده من الخوف وقال: رحماك فإني أقول كل شيء. ~~- من أمرك أن تقتل سيدتك؟ ~~- الدون جوزيف. ~~- أتثبت ذلك أمام القضاء إذا وعدتك بالإبقاء عليك؟ ~~- إني أقسم لك بأعظم الأقسام على الامتثال لما تريد. # والتفت روكامبول إلى فاطمة وقال لها: أسمعت؟ # ثم عاد إلى الخادم وقال له: ألم يعطك الدون جوزيف منديلا؟ ~~- نعم، وها هو. # ثم أخرجه من جيبه. # فأخذه روكامبول وأراه لفاطمة وقال لها: أليس هذا المنديل شبيها بالذي كان معه وقال ~~لك إنه منديل ابنة عمه؟ # فتأملته وهي تكاد تتميز من الغيظ وقالت: إنه يشبهه أتم الشبه. ~~- إذن فاعلمي أنه منديل خليلته، وليس منديل ابنة عمه كما قال. # ثم عاد إلى الخادم فقال: لماذا أعطاك الدون جوزيف هذا المنديل؟ ~~- لأصبغه بدماء سيدتي وأحمله إليه. ~~- إذن اصبغ المنديل بدماء الخادمة، وإذا أردت الحياة فاذهب به الآن إلى الدون جوزيف ~~ولا تقل له كلمة عما جرى، بل دعه يعتقد أنك قتلت سيدتك، وبعد أن تعطيه المنديل ~~تهرب إلى حيث تشاء، واعلم أنك إذا خالفتني بشيء مما أمرك به، فلا مناص لك من ~~القضاء. ~~- سأفعل ما تريد يا مولاي. # أما روكامبول فإنه تركه يغمس المنديل بدماء الخادمة وقال لفاطمة: خذي الآن مجوهراتك ~~وكل شيء ثمين لديك في هذا المنزل واتبعيني. ~~- إلى أين؟ ~~- ستعلمين متى وصلت. # وبعد ذلك بعشر دقائق خرج روكامبول وفاطمة، وتبعهما الخادم فسار إلى منزل الدون جوزيف، ~~ورأى زامبا ينتظره على الباب فقال: ما فعلت؟ ~~- قضي الأمر. ثم أعطاه المنديل وأركن إلى الفرار. # 11 # بينما كان روكامبول يسير بفاطمة إلى حيث لا تدري، وبينما كان الخادم الأسود يذهب إلى ~~منزل الدون جوزيف ليعطيه المنديل المصبوغ بدماء الخادمة، كان الدون جوزيف ينتظر بذاهب ~~الصبر قدوم زامبا إليه بهذا المنديل. # وكان الخوف قد بلغ مبلغا عظيما من الدون جوزيف؛ لأنه كان يعلم شدة غيرة فاطمة، وبات ~~يخشى أن تفاجئه ليلة اقترانه بابنة عمه وتدفعها الغيرة إلى أن تبوح بسره أمام جميع ~~الحضور وتقول: هو ذا قايين الذي قتل أخاه، ms0541 وأنا كنت شريكة له بهذه الجريمة. لأنه كان ~~يعلم أنها لا تصبر على حبه، وأنها جديرة بأن تقدم على أكثر من هذا الإقرار، فقرر قتل ~~فاطمة منذ خطر له هذا الخاطر المخيف. # ومما زاده إصرارا على قتلها أن البولونية التي يهواها طلبت إليه قتل فاطمة، ثم إنها ~~أرسلت إليه في اليوم التالي تقول فيها: # إن المركبة ستنتظرك عند منتصف ~~الليل حسب العادة، فإذا أعطيت سائقها المنديل مصبوغا بدم، فاصعد إليها واحضر ~~إلي، وإلا فعد من حيث أتيت. # وبينما كان الدون جوزيف غارقا في لجج هواجسه، إذ دخل عليه زامبا فأعطاه المنديل وهو ~~يقول: قضي الأمر وستحظى بلقاء امرأة الكونت. # ففرح الدون جوزيف فرحا وحشيا، وأخذ المنديل بلهف وطواه مع الرسالة التي وردت إليه، ~~ووضعهما بجيبه، ثم ترك خادمه وذهب إلى لقاء السائس الذي كان ينتظره حسب الاتفاق، فقال ~~له السائس: ما لون منديلك؟ ~~- أحمر. ~~- إذن فاصعد. # ثم عصب عينيه حسب العادة وانطلق به إلى منزل البولونية، فلما وصل إليها لم يجدها فيه، ~~بل وجد وصيفتها، فدفعت إليه كتابا من مولاتها كتبت إليه فيه ما ~~يأتي: # لا أعلم إذا كنت وفيت بوعدك فقدرت أن تأتي إلي ~~في الموعد المعين، وفي كل حال فإنه يستحيل علي أن أراك في هذه الليلة؛ لأن ~~زوجي الظالم قد عاد فارث لحالي، واعلم بأن حبي لك يفوق كل حب، ثم إني لا أعلم ~~إذا كنت أستطيع أن أراك غدا، ولكني أرجوك أن تبقى في منزلك ولا تخرج منه من ~~الصباح إلى الساعة الخامسة، ولا تستقبل أحدا من زائريك، وأطلق سراح جميع خدمك ~~طول النهار؛ لأني إذا رأيت أنك وفيت بوعدك، وأحضرت إلي ذلك المنديل، ~~فقد أزورك مبرقعة الوجه، فتفتح لي باب منزلك بيدك، وإذا لم أحضر في النهار في ~~الساعة الخامسة، فاذهب حيث تشاء وعد في الساعة العاشرة، فقد يمكن أن أزورك في ~~الليل، وفي كل حال أطلق سبيل خدامك في النهار ~~والليل. # فاختلج فؤاد الدون جوزيف عند قراءة الكتاب وقبله مرارا، ثم وضعه في جيبه ms0542 ودفع ~~المنديل إلى الوصيفة، ورجع إلى منزله فأخبر زامبا بما كان وأمره أن يطلق الخدم غدا ~~وينطلق معهم. # ذاك ما كان من الدون جوزيف، أما روكامبول فإنه أخذ فاطمة التي كانت تنقاد إليه انقياد ~~الأطفال، فركب معها مركبة وعصب عينيها وهما على الطريق، وذهب بها إلى منزله السري، ولما ~~دخل بها إلى القاعة أزاح العصابة عن عينيها وقال لها: انظري إلى ما حولك، فإنك في حبس ~~جميل. ~~- ألعل إقامتي تطول في هذا المكان؟ # وجعل روكامبول يحسب ويعد على أصابعه ثم قال: أربعة أيام. ~~- لماذا؟ ~~- كي تنتظري فيه ساعة الانتقام، واحذري من أن تخرجي من المنزل أو تطلي من النافذة، ~~وسآمر خادمي أن يقتلك إذا فعلت شيئا من ذلك. ~~- سأفعل كما تريد، ولا يصعب علي سجن أربعة أيام، فقد تعودت الحبوس في عهد الدون ~~جوزيف. # وتركها روكامبول ودخل إلى غرفته، وأقام فيها ربع ساعة ثم خرج متنكرا بزي جديد ، ~~ولما رأته فاطمة أنكرته، ولكنه تبسم لها وكلمها فعرفته من صوته، وزادت وثوقا من ~~أنه الشيطان بعينه، فقبلت يده قبلة عبادة وقبلها في جبينها قبلة حنو، ثم ~~حذرها ثانية من الإطلال من النافذة، وخرج فنادى خادمه وأوصاه بالعناية بها والاحتراس ~~عليها، وأن لا يجيبها بشيء إذا سألته عنه، بل يقول إنه حديث العهد بخدمته، ثم سأله إذا ~~كان ذهب إلى قصره وأحضر له رسائله فقال: نعم ولا يوجد غير رسالتين. # فأخذهما روكامبول وفض الأولى وكانت من ابنة الدوق، فقرأ ما يأتي: # سيدي المركيز # إننا سنسافر بعد ثمانية أيام إلى إسبانيا، وربما حضرنا فيها مأتم ذلك المريض ~~المنكود، ولما كان لا بد لنا من وداع معارفنا في باريس، فقد قرر أبي أن يدعو ~~جميع أصحابنا إلى مأدبة في يوم الأحد، وأنت من جملة المدعوين، فأرجوك أن تحضر ~~لأني أحب أن أراك. # فوضع روكامبول الرسالة في جيبه وقلبه مفعم فرحا، ثم فتح الرسالة الثانية فكانت من ~~البولونية التي يهواها الدون جوزيف تخبره فيها بأنها لم تستقبل الدون جوزيف في هذه ~~الليلة كما أمرها، وأنها ms0543 تنتظره في الساعة الحادية عشرة حسب الاتفاق. فكشف روكامبول عن ~~ساعته ورأى أن الوقت قد دنا، فأسرع إلى لقائها فوجدها تنتظره، فقال لها: أسرعي وأرسلي ~~السائس إلى لقاء الدون جوزيف. ~~- لعله قتلها وعاد بالمنديل؟ ~~- إنه عاد بالمنديل مصبوغا بدم كلب، وهو يظن أنه دم فاطمة، وسأخبرك بكل شيء، أما ~~الآن فاكتبي ما أمليه عليك. # ثم أملى عليها الرسالة التي أخذها الدون جوزيف من الوصيفة كما قدمناه، وخلا بها فقال: ~~لا بد لي الآن أن أطلعك على السر فاسمعي. # ولم يكن تلميذ السير فيليام من الذين يبوحون بأسرارهم لبنات الهوى، ولكنه بعد أن ~~حملها بالمال والوعيد على أن توافقه بالمؤامرة على الدون جوزيف لفق لها حديثا فقال: ~~إننا بعد أن بلغنا إلى ما نحن عليه الآن لم يعد يخلق بأحدنا أن يكتم شيئا عن ~~الآخر، فاعلمي إذن أن الذي يدفعني إلى كيد الدون جوزيف هو أنه سلبني مرة خليلة لي ~~كنت أحبها فأغواها بالمال، فأقسمت في البدء على أن أنتقم منه، ثم إني لما علمت أنه ~~عازم على الزواج بابنة عمه، راهنت أحد الأغنياء بمائة ألف فرنك على أن أبطل هذا ~~الزواج، وإذا فزت وكسبت الرهان كان المبلغ لك وعشت به سعيدة مدى الحياة دون أن أكون ~~خسرت شيئا، ثم إنك تذكرين أني أنا الذي علمتك كيف تحتالين عليه وتغرينه على قتل ~~فاطمة. # وقاطعته البولونية قائلة: ألعلها المرأة التي كنت تحبها؟ ~~- ربما، ولما عولت على الانتقام منه رشوت جميع خدامه، وهم الآن خدامي بالباطن، ~~يطلعونني على أعماله، فلما أغري الخادم الأسود أخبرني الخادم بالأمر وأمرته أن يقتل ~~كلبا ويغمس المنديل بدمه، ففعل وهو الذي ساعدني على اختطاف فاطمة. # فضحكت البولونية ضحكا عاليا وقالت: إنها خير خدعة، ولكنك لم تقل شيئا عن غرضك من ~~هذا الكتاب الذي أمليته علي للدون جوزيف. ~~- أردت به أن يبقى في منزله بانتظارك، ولا يعلم شيئا مما جرى في منزل خليلته، ثم ~~أردت أن يزيد ولوعه بك حين يضطر إلى انتظارك، فما هاج الحب مثل حدوث المصاعب ms0544 ~~فيه. ~~- هو الحق ما تقول، غير أن الدون جوزيف لا بد له أن يعلم أن خليلته لم تقتل وأن ~~الدم كان دم كلب. ~~- إنه سيعلم ذلك، أما أنت فيجب أن تبقي واثقة من قتل فاطمة. ~~- أأراه غدا؟ ~~- نعم، وسأخبرك غدا بما يجب أن تفعليه. ~~- ولكني لا أعلم إلى الآن كيف يكون انتقامك؟ وكيف تستطيع إبطال زواج الدون ~~جوزيف؟ ~~- ذلك أن فاطمة أسيرة عندي الآن، وقد وعدتها أن أريها الدون جوزيف يرقص معك في ~~الليلة الراقصة التي سيحييها الجنرال الإسباني، فإذا رأته فاطمة يخاصرك تنقض عليه ~~بغدارتها. # فأجفلت البولونية وقالت: إن هذا الانتقام لا يوافقني؛ لأني أخشى أن تدور الدائرة فيه ~~علي. ~~- لا شك أنك بلهاء، إني لا أريد بالانتقام القتل، بل أريد به الفضيحة، ولذلك فإني ~~سأحشو الغدارة بيدي ولا أضع فيها غير البارود. # فاطمأنت وقالت: إنها ستكون فضيحة هائلة. ~~- وأية فضيحة أبلغ من أن يوجد الرجل أمام خطيبته في محفل حافل بالسيدات النبيلات، وهو ~~محاط بخليلتين تتنازعان وتتخاصمان عليه، والآن إني ذاهب وسأراك غدا كي أخبرك بما يجب ~~أن تفعليه. # ثم تركها وذهب إلى منزله ودخل إلى غرفة أندريا وأخبره بكل شيء، وبعد أن تلقن ~~تعليماته دخل إلى غرفته ونام. # وفي اليوم التالي ذهب في الساعة الخامسة إلى قصر الدوق إجابة للدعوة، ووجد هناك معظم ~~نبلاء باريس، وكان فريق منهم ملتفا حول ابنة الدوق وبينهم الدون جوزيف، فدخل روكامبول ~~وجلس بالقرب من ابنة الدوق مع الحاضرين، وكان الحضور يتحدثون بأحاديث مختلفة إلى أن قطع ~~الحديث أحدهم وقال: أعلمتم بالمقتل الفظيع الذي جرى أمس في الشارع المجاور لهذا ~~القصر؟ # فحدقت عيون الجميع بالمتكلم وقالوا: كلا، لا علم لنا بشيء! وأي مقتل تعني؟ # فأخرج المتكلم جريدة من جيبه وقال: اسمعوا، إني سأتلو عليكم تلك الحكاية ~~الغريبة. # فنظر روكامبول نظرة سرية إلى ابنة الدوق وأشار إليها إشارة خفيفة كأنه يقول لها: ~~أصغي إلى الحديث. # واندفع الرجل يتلو حديث فاطمة والقتل الذي جرى أمس في منزلها، وكانت هيئة الدون ~~جوزيف تستلفت الأنظار، وكان ms0545 كلما اندفع الرجل بالقراءة يشير روكامبول إشارة إلى ابنة ~~الدوق التي علمت أن للدون جوزيف علاقة عظيمة بالحادثة. # وما زال الرجل يقرأ عليهم إلى أن قال: ولم تكن القتيلة تلك الفتاة النورية المقيمة في ~~ذلك المنزل، بل كانت خادمتها، وقد وجدت مضرجة بدمائها على سرير مولاتها. # وعند ذلك اضطرب الدون جوزيف اضطرابا شديدا، حتى أوشك أن يسقط لفرط ما ألم به من ~~ذاك الخبر الذي انقض عليه انقضاض الصاعقة؛ لأنه كان يحسب أن فاطمة قد زجت في هوة ~~الأبدية، فإذا هي لا تزال حية تسعى. # وكان روكامبول قد تمكن في ذلك الوقت من الدنو من ابنة الدوق، فقال لها همسا: إن ~~القتيلة هي وصيفة فاطمة، وإن القاتل هو العبد الأسود، وإن المغري على القتل هو ابن عمك، ~~وقد طعن الخادمة في الظلام وهو يحسب أنه يطعن فاطمة. # ثم اختلط المدعوون وتمكن روكامبول من الاختلاء مع ابنة الدوق هنيهة قال لها فيها: ~~إن الدون جوزيف قتل أخاه بالاشتراك مع فاطمة كي يصل إليك، وأراد قتل فاطمة كي لا تحول ~~بينه وبينك، فإذا أردت أن أنقذك ينبغي عليك أن تطيعيني طاعة لا حد لها. ~~- إني أقسم لك أن أطيعك بكل شيء. ~~- إذن يجب أن تحضري الليلة الراقصة التي سيحييها الجنرال الإسباني. ~~- إني مدعوة إليها وسأحضر. ~~- وتصحبين معك هذا الوحش المفترس الذي يسمونه الدون جوزيف. ~~- سأفعل كل ما تريد. # وفي الساعة التاسعة تفرق المدعوون، فخرج الدون جوزيف وهو ضائع الرشد واجف الفؤاد، ~~تتمثل له فاطمة وخناجرها وإخوتها بكل مخيل، إلى أن بلغ إلى منزله ودخل إلى غرفته، وأول ~~ما رآه على طاولته كان كتابا عرف من عنوانه أنه من فاطمة، فأسرع إلى فضه وقرأ فيه ما يأتي: # لا تضطرب ولا تخش تلك الفتاة التي أردت قتلها، والتي أحبتك حبا لا ~~يحيط به وصف، وأنك وإن كنت قد أسأت إلي إساءتين بانشغالك عن حبي وبعزمك ~~على قتلي، ولكني أحبك ولن أحب سواك. وإذا كنت لا أنتقم منك، فذلك لأن حبي ~~القديم يشفع فيك، ثم ms0546 إني أصفح عنك لأنك لم تعتمد قتلي إلا لخوفك من أن أقتلك، ~~وذلك لما بدا لك من غيرتي حين شهرت عليك خنجري. # والآن، إني سأكتم عنك كيف تخلصت من الموت، وسأحمل معي هذا السر؛ لأنك لن ~~تراني بعد في هذا العالم، وعندما يصل إليك كتابي أكون برحت باريس، وبعد ثلاثة ~~أيام أكون قد غادرت فرنسا ولا أعود إليها، فإذا أردت أن تبقى حيا وأن تعيش ~~سعيدا، فلا تبحث عني ولا تحاول أن تعرف أين أنا، بل اقتد بي لأني لا أبحث ~~عنك، وإذا بدر منك شيء مما حذرتك منه، فإن خناجر إخوتي لا تزال مسنونة. # الوادع وكن سعيدا مع التي أحللتها محلي من قلبك، أما أنا فسأحاول أن ~~أنساك. واطمئن فإن السر الذي كان يوثقنا بقيوده لا يخرج من صدري، ولا يعلم ~~أحد أننا اشتركنا في تسميم أخيك الدون بادرو. # الوداع إلى الأبد. # فاطمة # فقرأ الدون جوزيف هذا الكتاب مرارا وهو غير مصدق أن هذه الفتاة التي كانت تغار ~~عليه من النسيم تصفح عنه هذا الصفح، إلى أن وثق أخيرا من أنها لا تزال تحبه، وأن هذه ~~الرسالة لم تكن خدعة، فطمأن باله ونظر عرضا إلى الساعة المعلقة أمامه، فرأى أنها قد ~~أوشكت أن تبلغ الحادية عشرة، فخطرت له حبيبته البولونية، وخشي أن تكون قد أتت في مدة ~~غيابة، فأسرع وهو واجف القلب إلى البواب، وسأله إذا كانت قد أتت امرأة مبرقعة. ~~- لا. ~~- ألم تر مركبة وقفت بقرب الباب؟ # وفيما هو يقول ذلك، إذ سمع صوت مركبة قادمة، فوقف ينتظرها إلى أن دنت من المنزل، ~~فوقفت وخرجت منها فتاة مبرقعة علم الدون جوزيف أنها صاحبته، فطار لبه سرورا وصاح صيحة ~~فرح، ثم تأبط ذراعها ودخل وإياها إلى المنزل، وقد نسي فاطمة وجميع حوادثها. # ودار بينهما حديث طويل، وأقامت عنده هنيهة ثم خرجت بعد أن اتفقت معه على أن يحضر لها ~~تذكرتين لحضور الحفلة الراقصة التي يحييها الجنرال الإسباني لها ولوصيفتها؛ لأن الدون ~~جوزيف كان لا يزال يعتقد أنها امرأة كونت ms0547 روسي. # 12 # في الليلة المعينة لتلك الحفلة الراقصة التي كان يحييها الجنرال الإسباني، كان قصره ~~غاصا بالمدعوين، وكانت الجموع تفد إليه من الرجال والنساء وجميعهم بملابس التنكر، ~~غير أنه لم يكن بد للداخل من تقديم ورقة الدعوة على الباب، فما كان يقرأ من تولى ~~استلامها غير أسماء الكونتات والبارونات والدوقات وأعظم نبلاء الباريسيين. # ولم يكن أحد يعرف الآخر بتلك الأزياء الغريبة، إلا من كان منهم على اتفاق مع صديق ~~أو صديقة فيخبره عن الزي الذي سيتنكر به فيعرفه به. # وكان روكامبول قد اتفق مع البولونية على اللباس الذي تلبسه، وعلم من ابنة الدوق ~~لباسها ولباس الدون جوزيف، فلما كانت الساعة العاشرة وقد تكامل عدد المدعوين، جاء ~~روكامبول مع فاطمة وكان متنكرا بزي امرأة، وهي متنكرة بزي غريب يستلفت الأنظار، ~~فأدخلها إلى المرقص وأوقفها في مكان وقال لها: لا تبرحي هذا المكان حتى أعود ~~إليك. # وذهب إلى البولونية وقال لها : هو ذا الدون جوزيف، وقد عرفتيه لا شك من لباسه الذي ~~أخبرتك عنه. ~~- نعم. ~~- اذهبي إليه وخذيه إلى هذا الرواق وعاتبيه عتابا غراميا، فإذا رأيت هذه الفتاة ~~(وأشار إلى فاطمة) مرت بكما، فارفعي صوتك ودعي أحاديث عتابك تصل إلى مسامعها. ~~- أهذا كل شيء؟ ~~- نعم. # فتركته وانصرفت إلى الدون جوزيف. # أما روكامبول فإنه ذهب إلى فاطمة وقال لها: انظري إلى هذين المجتمعين في الرواق، فإن ~~أحدهما الدون جوزيف، والثاني هي خليلته التي تخلى عنك من أجلها، فإذا أردت أن تشفي ~~غليلك من الانتقام فأطيعيني في كل ما أريد. ~~- إني لا أخالفك بشيء بعد أن علمت أنك معبودي. ~~- إذن اذهبي ومري بالقرب منهما كي تسمعي بأذنك ما يقولان، وإياك أن تصنعي شيئا قبل ~~أن يصل إليك أمري. # فامتثلت فاطمة وذهبت تسمع ما يقوله العاشقان، ولما دنت منهما رأتها البولونية، تذكرت ~~وصية روكامبول فجعلت تعاتب الدون جوزيف بصوت مرتفع عتابا هاج كوامن الغيرة والحقد في ~~صدر فاطمة حتى أوشكت أن تبطش به، ولكنها ذكرت قول شيطانها فابتعدت عنهما وجعلت تنتظر ~~روكامبول وهي تكاد تجن ms0548 من القنوط. # أما روكامبول فإنه حين تركها ذهب إلى ابنة الدوق وقال لها: انظري يا سيدتي إلى ابن ~~عمك الدون جوزيف، ألا ترينه يتكلم مع امرأة في ذاك الرواق؟ ~~- نعم. ~~- إنها خليلته، ثم انظري إلى المرأة الثانية الواقفة بقربهما، ألا ترين علائم الجزع ~~واليأس بادية عليها من حركاتها وتململها؟ ~~- نعم. ~~- إنها خليلته الثانية التي هجرها، والتي أراد قتلها؛ أي إنها فاطمة، وهي آتية ~~للانتقام منه. # فتأففت ابنة الدوق واشمأزت من هذا الرجل السافل الذي يمد يده لقرانها وهو منغمس في ~~الرذائل، فقال لها روكامبول: أستحلفك بالله يا سيدتي أن تدعي الاعتلال وتبرحي القصر، ~~لأنه ستحدث فيه أمور هائلة لا طاقة لك باحتمالها. # فارتعشت ابنة الدوق وقالت: ما عسى أن يجري؟ ألعله يقتل؟ ~~- كلا، بل ستضربه يد الله ضربة قاضية. ~~- رباه! إني أغفر له، فاصفح عنه أنت. ~~- لقد فات الأوان يا سيدتي وقضي القضاء المبرم. # ونظر روكامبول إلى فاطمة فرأى أنها تنظر إليه كأنها تقول له: لم يعد لي طاقة على ~~الصبر، فقال لابنة الدوق: أستحلفك بالله يا سيدتي وبكل عزيز لديك أن تعودي إلى منزلك في ~~الحال. ~~- ليكن ما تريد، وها أنا ذاهبة إلى أمي فأعود بها في الحال. # فشكرها روكامبول وافترقا، فذهبت ابنة الدوق إلى أمها وشكت لها صداعا مؤلما أصابها، ~~وأنها لم تعد تستطع البقاء، فأخذتها أمها وخرجت بها عائدة إلى منزلها. # ولما رأى روكامبول أنها خرجت دعا إليه فاطمة وقال لها: ماذا سمعت من هذين ~~العاشقين؟ ~~- سمعت ما كنت أؤثر ألف موت على سماعه، ولو لم يصدر إلي أمرك بالصبر لما صبرت لحظة ~~على قتله، فقد سئمت الحياة. ~~- إن ساعته قد دنت فاتبعيني. # فتبعته فاطمة إلى إحدى الغرف، فأخذ من جيبه زجاجة فيها سائل أحمر وقال: اشربي ما في ~~هذه الزجاجة، فإنها تشدد ساعدك. ~~- إن ما بقلبي من الانتقام يغنيني عن كل شدة، ولكني أشربه لأني لا يخلق بي أن أخالف ~~لك أمرا. # ثم أخذت الزجاجة فشربت ما فيها جرعة واحدة وألقتها على الأرض، وعند ذلك أخذها ms0549 ~~روكامبول وسار بها يبحث عن الدون جوزيف حتى رآه في قاعة منزويا مع البولونية، وفي هذه ~~القاعة بعض المدعوين فقال لها: إني أسلمك إياه الآن، فافعلي به ما تشائين. # ثم تركها وهرول مسرعا، فبرح القصر عائدا إلى منزله وهو يقول في نفسه: لقد ساءني قتل ~~هذه الفتاة، فإنها كانت تطيعني طاعة لا حد لها، فجرعتها سما يقتل شاربه بربع ساعة، ~~ولا أنكر أنه عمل وحشي، ولكن الحوادث قد قضت عليها؛ لأنها إذا قبض عليها بعد قتل ~~الدون جوزيف فقد تقر أمام المحاكم بأنه قتل أخاه كي يتزوج بابنة الدوق، وهو إقرار ~~شائن لأسرتها يقصيني عنها، أما إذا ماتت على إثر قتلها الدون جوزيف، يموت هذا السر معها ~~وأتزوج أنا ابنة الدوق. # 13 # في اليوم التالي لهذه الحفلة الراقصة كان المركيز دي شمري - أي روكامبول - يتناول ~~طعام الغداء في النادي الذي يجتمع فيه مع أصحابه، وهو جالس على مائدة وعلى مائدة أخرى ~~أربعة من أعضاء هذا النادي، وقبل أن يتم طعامه دخل شاب جديد من أعضائه فجلس على مائدة ~~روكامبول وقال له بصوت سمعه الجميع: ألعلك كنت أمس في مرقص الجنرال الإسباني؟ ~~- نعم، وأنت؟ # فقال له الشاب: كيف تسألني هذا السؤال، ولا يبدو عليك شيء من أثر الاهتمام؟ ~~- لماذا تريد أن أهتم؟ ~~- كيف ذلك؟ ألعلك لم تعلم بما جرى؟ ~~- علمت أن الحفلة كانت حافلة. ~~- أهذا كل ما علمته؟ ~~- وأن امرأة الجنرال أزاحت البرقع هنيهة عن وجهها، فكانت من أبدع ما تراه ~~العيون. ~~- أبقيت في الحفلة إلى انتهائها؟ ~~- كلا، بل إني بارحتها عند منتصف الليل. ~~- لقد علمت إذن. ~~- أما أنا فلم أعلم. ~~- أريد أن أقول إني علمت السبب في جهلك لما حدث. ~~- ماذا عسى أن يكون حدث؟ ألعل صاحبة الحفلة أغمي عليها، أم أن زوجها غار من أحد ~~الملتفين حولها فأظهر هذه الغيرة؟ ~~- بل حدث ما هو أبلغ من ذلك، والحق أيها المركيز إني لا أرى أبسط منك، ولا أكثر سلامة ~~من قلبك. # فصاح الجميع وقد فرغ صبرهم: قل لنا ماذا حدث؟ ms0550 ~~- حدث أن الدون جوزيف ابن أخ الدوق سالاندريرا قد قتل أمس في تلك الليلة الراقصة ~~التي انقلبت إلى مأتم. # فصاح الجميع منذعرين: كيف قتل؟ ومن قتله؟ ~~- قتلته امرأة، وتفصيل هذه الحكاية أن الدون جوزيف كان يهوى امرأتين، وكل منهما تغار ~~من الأخرى عليه، وقد اتفق أن الاثنتين كانتا في المرقص، فبينما كان الدون جوزيف يكلم ~~إحداهما، إذ دنت منه الأخرى وأزاحت البرقع عن وجهها وقالت له: أعرفتني أيها الخائن؟ ثم ~~استلت خنجرا وطعنته به في قلبه طعنة نجلاء خر على أثرها صريعا على الأرض دون أن ~~ينبس بكلمة، فأسرع الناس واحتاطوا بها من كل جانب، وقد حسبوا في البدء أنها مجنونة، ~~وبينما هم يسألونها أسئلة مختلفة إذ اصفر وجهها وصاحت صيحة عظيمة، ثم سقطت على الأرض ~~لا تعي. # فقال روكامبول: ألعلها أغمي عليها؟ ~~- كلا، بل إنها ماتت مسمومة، فقد وجدت زجاجة فارغة فيها بقية من سائل أحمر، حكم أحد ~~الأطباء الذين كانوا في الحفلة، أنه سم نقيع قاتل. # فقال روكامبول ببرود: لقد عاقبت نفسها كي لا يعاقبها القضاء. ~~- ولكن الغريب في هذه الحادثة التي تشبه الروايات المحزنة أنها ختمت بفصل ~~مضحك. # فقال الجميع: كيف ذلك؟ ~~- إن الفتاة الأخرى التي كان يحدثها الدون جوزيف عندما رأت قتل حبيبها سقطت مغميا ~~عليها، فلما فرغ الناس من الاهتمام بالقاتلة عادوا إليها ونزعوا الحجاب عن وجهها، فأجفل ~~بعض من عرفها من الشبان وصار كل واحد منهم يقول للآخر: البولونية ... البولونية. ولم ~~يكن النساء يعرفنها، وكن يعجبن لعجب الشبان حتى أخبرهن أوقحهم بأنها أشهر بنات الهوى، ~~واتصل خبرها بالجنرال فغضب غضبا شديدا وقال لها: كيف تجاسرت على الدخول إلى منزلي ~~وأنت كما يقولون؟ # قالت: إنك أنت الذي دعوتني إليه. وأخبرته أن الدون جوزيف أحضر لها ورقة ~~الدعوة. # فطردها من القصر، ثم حضر البوليس فحملت القتيلة إلى دار الحكومة وحمل القتيل إلى ~~قصره، ثم تفرق الناس ونزل الستار على آخر فصل من هذه الرواية. # فعجب الجميع لهذا الاتفاق الغريب، أما روكامبول فإنه نهض وقال: إذن لا ms0551 بد لي من تعزية ~~الدوق لوفاة ابن أخيه العزيز. # ثم تركهم يتحدثون بهذا الحديث وذهب إلى قصر الدوق كي يعزيه على قتل ابن أخيه، فأخبروه ~~أنه لا يقابل أحدا، فترك رقعة الزيارة وانطلق إلى أستاذه السير فيليام. # 14 # عندما وصل روكامبول إلى منزله رأى صهره الفيكونت فابيان، وهو زوج أخته المركيزة، فقال ~~له الفيكونت: أما علمت بما جرى في حفلة الجنرال الإسباني؟ ~~- نعم، وقد كنت في الحفلة. ~~- عجبا أتكون عارفا مثل هذه الحوادث الخطيرة، ثم تكتمها عني وأنا وإياك في منزل ~~واحد؟ ~~- إنما كتمتها عنك لأني برحت الحفلة قبل الحادثة، ولم أعلم بها إلا الآن! ~~- إن الدون جوزيف قتل قتلا فظيعا، غير أن عزاءك في موته أنه خطيب ابنة الدوق. ~~قل لي ألا تزال تحب تلك الفتاة؟ # فتظاهر روكامبول بالخجل وقال: إنكم تتهموني بحبها، وأنا لم يخطر لي حبها في ~~بال. ~~- إني أعلم منك أكثر ما تعلمه عن نفسك، وسواء أنكرت هذا الحب أم بحت به، فسننظر في ~~أمرك؛ لأن الخطيب قد مات موتا شائنا بين خليلتين وخلا لك الجو. # فأطرق روكامبول وقال: ولكن قبره لا يزال مفتوحا. # فابتسم الفيكونت وقال: إنه سيغلق فاطمئن، فسأخدمك أجل خدمة. # ثم دخل الاثنان إلى المنزل، فذهب صهره إلى امرأته، وذهب روكامبول إلى أندريا فأوقفه ~~على جميع ما حدث وسأله تعليماته، فكتب له على اللوح الحجري: «اصبر إلى أن يردك كتاب ~~من ابنة الدوق أو تقابلها.» # فدخل روكامبول إلى غرفته وأقام ينتظر فيها هذا الكتاب إلى الساعة الثامنة، فلم يحضر، ~~فذهب إلى النادي ولبث فيه إلى منتصف الليل، ثم خرج منه فلقي عند بابه رجلا عرف أنه ~~خادم ابنة الدوق، فأعطاه رسالة وانصرف، فأخذها روكامبول والفرح ملء قلبه، وركب مركبة ~~وسارت به تنهب الأرض إلى المنزل، حتى إذا بلغه ذهب توا إلى غرفة أندريا ففض الكتاب ~~وتلاه عليه. # وخلاصة هذا الكتاب أنها ذكرت فيه كيف أنهم أتوا بالدون جوزيف قتيلا إلى القصر، وأنها ~~وإن كانت تعتقد أنها القاتلة؛ لأنها أغرت روكامبول على قتله، فإنها ms0552 لا تستطيع أن تخفي ~~ما نالها من التأثر الشديد، ثم ذكرت له أنهم وجدوا في جيب الدون جوزيف كتابا من ~~فاديكس يشير إلى موت أخيه الدون بادرو، وأنها لا تنكر على الدون جوزيف أن يحضر إلى ~~المراقص في الليلة التي يرد فيها نعي أخيه؛ لأنها تعلم أنه سفاك أثيم، وأنه هو الذي ~~قتل أخاه بالسم فلا يكترث بموته، ثم طلبت إليه أن يحضر إليها لأنها تريد أن ~~تراه. # ولما أتم روكامبول تلاوة الكتاب قال لأندريا: ماذا ترى؟ # فأخذ أندريا لوحه الحجري وكتب عليه: لقد خطوت خطوة كبيرة، فإن ابنة الدوق تحبك ~~وخطيبها قد مات، ولكن ... # وهنا قطع الكتابة وجعل يفتكر، فقال له روكامبول: ولكن ماذا؟ # فكتب أندريا: «إن الدون سالانديرا من عظماء الإسبان ومن كبار الأغنياء، لا سيما وأن ~~ثروته ستزيد أضعافا بما سيرثه من الدون بادرو والدون جوزيف، أما أنت فإنك مركيز وغني، ~~ولكن شتان بين ثروتك وثروته، ومقامك ومقامه .» # فقال روكامبول: وما علي من التباين بين الحالتين إذا كانت تحبني؟ ~~- أصبت، إنما أحب أن أعلم إذا كان قد تقدم لطلبها أحد غيرك من النبلاء. # فقال روكامبول: نعم، فلقد خطبها من قبل رجل عرفناه في أدوارنا السابقة، وهو الرجل ~~الذي كنت تغريه على إغواء هرمين؛ أي الكونت دي مايلي الذي أصبح الآن دوقا بعد موت ~~قريبه الدوق الذي مات دون أن يتزوج الأرملة، غير أن طلبه قد رفض. # فقال أندريا: ذلك لأن الدون جوزيف كان خاطبا للفتاة وكان لا يزال في قيد الحياة، أما ~~الآن فقد يمكن بعد شهر أو شهرين أن يعود إلى هذا الطلب ويفوز، وهنا كل الخطر. # فقال روكامبول: لقد أصبت، غير أني لا أخشى الدوق دي مايلي، بل إني أخشى باكارا ~~لاتصالها بأسرته. # فاضطرب أندريا عندما سمع اسم باكارا، وبدت علائم الغضب على وجهه المشوه، فقال ~~روكامبول: لقد قلت لك إن باكارا باتت تدعى الكونتس أرتوف، وهي الآن في روسيا مع ~~زوجها، غير أنها ستعود في أوائل الشهر القادم، ولقد رأيت كثيرين من الناس الذين ms0553 عرفوني ~~حين كنت أدعى الكونت دي كامبول وحادثتهم، فما عرفني منهم أحد وأنا أحمل لقب ~~المركيز، إلا أني أخشى أن تعرفني باكارا؛ فإن تنكري لا يخفى عليها، أما باكارا وزوجها ~~فقد عرفا الدوق سالانديرا منذ سنتين في مياه ويسبادن، وبات الكونت أرتوف صديقا للدوق، ~~وباتت باكارا صديقة لابنة الدوق وأمها، وعلى ذلك فإني أخشى أن يكون الكونت أرتوف هو ~~الذي طلب ابنة الدوق للدوق مايلي، وأن تحبط باكارا مساعينا كما أحبطتها من قبل إذ لم ~~نبالغ في الحذر؛ لذا فإني أرى أن الاهتمام بشأن باكارا أولى من كل اهتمام، فإن الدوق ~~وامرأته وابنته لا بد أن يسافروا بجثة الدون جوزيف إلى إسبانيا. # فوافقه أندريا بهز رأسه مرات متوالية، فقال روكامبول: واعلم بأني لا أخرج عن أمرك في ~~شيء، بقي أن تعلم أني لا أستهجن كرهك لأخيك الكونت دي كركاز، فقد كان السبب الأول في ~~شقائك، غير أنه يجمل بك الآن أن تتخلى عنه مؤقتا، فإنك لو تدبرت في ماضيك لعلمت أن ~~كرهك له ومحاولتك الانتقام منه كانا علة حبوطك في جميع مساعيك، ولو كنت قد تخليت ~~عنه من قبل وجعلت كل اهتمامك في باكارا لما فقدت لسانك وبصرك، ولكنت ظفرت بتلك الفتاة ~~اليهودية التي أحللتها في أعظم محل من قلبك. # فاصفر وجه أندريا عند ذكر اسم اليهودية، ورأى روكامبول ذلك الاصفرار، فعلم أنه لا ~~يزال يحبها، فقال له: إذا ساعدتني على الانتقام من باكارا ومنعها عن التعرض لي، فزنا ~~عليها وكانت لك تلك اليهودية مكافأة لأعمالك. # فظهرت على وجه أندريا علائم الفرح الوحشي ووافق روكامبول على كل ما قال، فغادره ~~روكامبول ومضى وهو واثق من الفوز. # وفي اليوم التالي ركب مع صهره مركبة مجللة بالسواد، وذهب إلى قصر الدوق لحضور جنازة ~~الدون جوزيف، فقد تقرر أن يصلى عليه في الكنيسة، ثم تحنط جثته كي تدفن في ~~إسبانيا. # ولما كانوا في الكنيسة والناس منشغلون برش المياه المقدسة على الميت، دنا خادم ابنة ~~الدوق من روكامبول وأعطاه رسالة منها، فأخذها روكامبول ودسها ms0554 في جيبه، ثم انتظر إلى ~~أن انتهت المراسيم. # ثم عاد مسرعا إلى أستاذه أندريا وقرأ عليه هذه الرسالة؛ وهي كما يأتي: # إننا مسافرون غدا إلى سالاندريرا نحمل جثة الدون جوزيف إليها لدفنها في مدفن ~~العائلة، ولا أريد بل لا أطيق السفر قبل أن أراك، فأحضر الليلة عند منتصف الليل ~~إلى الحديقة في المكان المعهود. # فلما أتم قراءتها قال: ماذا ترى؟ ~~- أرى أنه يجب أن تذهب للقائها. ~~- ما هذا الذي أعنيه، بل إني أسألك رأيك في الرسالة. فكتب أندريا: إن رأيي هو أنه يجب ~~أن تحتفظ بجميع هذه الرسائل، حتى إذا نستك وهي في إسبانيا أو تزوجت بالدوق مايلي أو ~~دوق سواه، تضع له هذه الهدايا في العلبة التي تضع فيها هدية العرس. فضحك روكامبول ~~وتحدث معه هنيهة ثم تركه وانصرف إلى النادي، فأقام فيه إلى انتصاف الليل، وعند ذلك ~~ذهب للقاء ابنة الدوق، فوجد أنها تنتظره في الحديقة. # ودار بينهما حديث طويل افتتحته ابنة الدوق بشكر روكامبول عن خدمته الجليلة، ثم أخبرته ~~أن أباها بات يمقت البلاد الإسبانية لكثرة ما لقي فيها من المصاعب، وأنه سيقيم في ~~باريس، وما زالا ينتقلان من حديث إلى حديث ويتناجيان باللحاظ إلى أن ناب اللسان عن ~~العيون، فتشاكيا وتناجيا وتوافقا على الحب إلى الموت، ثم افترقا وقد اتفقا على ~~المراسلة، فودعها روكامبول وهو يمسح دمعة عن خده لا ندري من أين نزلت، فشهقت ابنة ~~الدوق بالبكاء وهي تقول: أحبك. وذهب روكامبول وهو يتأوه ويتنهد. # 15 # خرج روكامبول والفرح ملء قلبه وهو يقول في نفسه: لقد ظفرت بما ابتغيته، وأصبحت هذه ~~الأموال الإسبانية في قبضة يدي، ثم جعل يمشي وهو غارق في بحار هذه الهواجس غير مكترث ~~بالمطر المتساقط عليه، ولا زال يمشي إلى أن أيقظه من سبات تصوراته صوت امرأة تستغيث، ~~فأسرع إلى المكان الذي خرج منه الصوت، فرأى امرأة تحاول أن تتخلص من رجل وهو يمسك بها ~~فيجرها تارة، ويضربها بحمق كلما امتنعت عن اللحاق به، ولا ندري ما دفع روكامبول إلى ~~إنقاذ ms0555 تلك الفتاة، وما هاج في صدره تلك المروءة إلا أن يكون قد طمع بغنم من هذا ~~الانتصار، فجرد خنجره وصاح بالرجل صيحة أرهبته، فذعر كما يذعر اللصوص عندما يفاجئهم ~~مفاجئ، ثم لما رأى الخنجر يلمع في الظلام بيد روكامبول ترك الفتاة وأركن إلى الفرار، ~~فدنا روكامبول منها وقال: اطمئني، لا خوف عليك وأنا بقربك. # فقالت له الفتاة بصوت الخائف: بربك لا تتخلف عني ولا تدعني وحدي، فإنه يعود إلي ~~ويقتلني دون شك. # فارتعش روكامبول عند سماع صوتها وقال في نفسه: إني سمعت هذا الصوت قبل الآن، غير أن ~~الظلام كان مدلهما فلم يستطع أن يرى وجهها، ولكنه مسك يدها وقال لها: لا تخشي ~~وهلمي معي فأوصلك إلى محل تأمنين فيه. فمشت المرأة معه إلى أن بلغا إلى مركبة واقفة في ~~الشارع، فتبين وجهها على نور مصباحها، وارتجع منذعرا إلى الوراء وهو يقول: ~~باكارا! # وكان ذهول روكامبول عظيما حتى إنه لم يتمالك رشده ، ونسي أنه إذا تظاهر بمعرفة باكارا ~~أمامها فكأنه يدعوها إلى أن تعرفه، غير أن المرأة أجابته وهي منذهلة أيضا: إنك واهم يا ~~سيدي، فما أنا بصاحبة هذا الاسم الذي ذكرته. فجعل روكامبول يتفرس في وجهها بإمعان، ~~فرأى أنها باكارا بعينيها وشفتيها وطولها وشعرها وصوتها وكل ملامحها، غير أنها كانت ~~أهزل من تلك التي تدعى منذ أعوام بالكونتس أرتوف، وهي لابسة أحقر الملابس، فوقف ~~روكامبول بإزائها ساكنا باكتا وهو يقول في نفسه: إما أن تكون تشابهها وهو من غرائب ~~الاتفاق، وإما أن تكون هي باكارا بعينها، فإنها كانت تتنكر أحيانا حين تحوجها بعض ~~الأعمال الخيرية إلى التنكر، ولكنها إذا كانت باكارا فما شأنها مع ذلك الرجل السكير ~~الخامل الذي كان يكلمها كمن له السلطان عليها، مما يدل على علائق سابقة بينهما، ~~وكانت ظواهره تدل على الاضطراب الشديد، غير أن المرأة لم يظهر عليها أنها انتبهت إلى ~~شيء من ذلك، ففتح روكامبول باب المركبة ودفعها إليها وهو يقول: لقد خدعت، فإنك ~~تشبهين شبها غريبا امرأة عرفتها من قبل. ~~- لا شك ms0556 بانخداعك؛ لأني ما رأيتك مرة في حياتي. # ثم دخل في إثرها إلى المركبة وقال لها: إلى أين تريدين أن أذهب بك؟ # فاحمر وجه تلك المرأة وقالت: ليس لي منزل يا سيدي، فقد كنت مقيمة مع هذا الرجل ~~الذي أنقذتني منه، ولكنه كان يسيء إلي إساءة لا تحتمل حتى اضطررت إلى الفرار منه في ~~هذه الليلة، وجعل يبحث عني حتى لقيني، وكان بيني وبينه ما عرفت. ~~- لا بأس! # ثم همس في أذن السائق اسم الشارع الذي كان فيه منزله السري، فسار بهما وعند ذلك سألها ~~روكامبول عن اسمها فقالت: ريبيكا. ~~- أيهودية أنت؟ ~~- كلا، غير أن أمي كانت يهودية. ~~- وأبوك؟ # فتلجلج لسانها وقالت: ما عرفت أبي غير مرة واحدة، فإني ابنة الحب الشائن، وقد أرتني ~~إياه أمي مرة وكان معه امرأته الشرعية وفتاة صغيرة شقراء تشبهني أتم الشبه، وربما ~~كانت المرأة التي عرفتها وحسبتني إياها. ~~- أكان أبوك غنيا؟ ~~- كلا، بل كان من العمال، وكانت أمي تحبه كثيرا، وكأن تماديها في غرامها أساءه، ~~فغادرها مع طفلتها وهي أنا وتزوج بسواها زوجة شرعية. # وكان روكامبول يعرف حقيقة تاريخ باكارا وسريز فقال في نفسه: لا يبعد أن تكون ريبيكا ~~هذه أخت باكارا. ثم قال لها: قلت إن أباك كان من العمال، أتعلمين ما كانت ~~مهنته؟ ~~- نعم، فقد كانت تقول لي أمي إنه حفار. ~~- أتعلمين أين كان يشتغل؟ ~~- في معمل أنطوان. ~~- لم يعد شك عندي الآن بأن تلك الفتاة الشقراء التي أخبرتني عنها هي ~~أختك. ~~- أهي المرأة التي تعرفها؟ ~~- نعم! # فهاج مكامن حقد دفين في صدر ريبيكا ظهر باتقاد عينيها وقالت: إذن فاعلم أن تلك التي ~~تدعوها باكارا هي أختي حقيقة، وهي التي جردت أبي من كل عاطفة حب لي، وهي التي ~~زجتني إلى الحضيض الذي أنا فيه، فأصبحت من بنات السبيل وسرت إلى ذلك السير ~~الشائن؟ ~~- كم عمرك الآن؟ ~~- 32 عاما. # وقال روكامبول في نفسه: إنها أكبر من باكارا بعامين، وسنرى ما يقول أندريا، وكيف ~~يستفيد من هذه اللقطة العجيبة. # وعند ذلك وقفت المركبة عند ms0557 باب منزله، فنزل وأنزلها وقال لها: ادخلي معي فإني سأحدثك ~~بأمور تسرك. ثم دخل بها إلى قاعة فاخرة الرياش فأجلسها بإزائه، ودار بينهما الحديث ~~الآتي، فقال روكامبول: قصي علي الآن تاريخ حياتك بجملته، فقد بات يهمني ~~كثيرا. # فابتسمت ابتسام الحزين وقالت: إن من كان مثلي لا يروق سماع قصته. ~~- لا بأس، فقصي علي كل شيء؛ إذ قد أكون عونا أرسلني إليك الله، فلقد قلت إنك ابنة ~~غرام، وإن أمك كانت تحب أباك حبا شديدا. ~~- بل كانت تعبده عبادة، ولما هجرها كنت طفلة لا يزيد عمري عن عام، ثم ماتت أمي وعمري ~~خمسة أعوام، فتولت تربيتي جارة لنا إلى أن بلغت الخامسة عشرة من عمري. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نهجت في مناهج أمي، وسرت في ذلك السبيل الشائن الذي تسير فيه كل فتاة تربت في ~~مهد الرذيلة ولم تجد من يردعها، فأحببت أول شاب ابتسم لي وقال: إنك حسناء. ~~- من كان هذا الشاب؟ ~~- تلميذ من التلامذة الأغراب، فكنت أذوق حلاوة العيش مرة وأمج علقمها مرات، ثم جعلت ~~أنهض من هوة فأسقط في غيرها حتى صرت إلى هذا الرجل الذي أنقذتني منه. ~~- إذن أنت تكرهين أختك باكارا التي تشبهك هذا الشبة الغريب؟ ~~- كما أكره الموت. ~~- وأنا أيضا. ~~- أنت تكرهها أيضا؟ ~~- لأني أحببتها كثيرا وقد داستني بقدميها، فإذا كنت تكرهينها كما تقولين وهيأت ~~لك وسيلة للانتقام منها، أتقبلين؟ # فقالت وقد ظهرت عليها مظاهر الفرح الوحشي: كيف لا أقبل وإذا لم أستطع أن أحب فإني ~~أريد أن أكره، وإنما يعيش المرء كيما يضر وينفع، ولكن كيف لي أن أنتقم؟ ~~- سأساعدك وأخدمك أجل خدمة. ~~- أتقسم بشرفك؟ ~~- سأفعل خيرا من ذلك، وهو أني سأهبك هذا المنزل الذي أنت فيه الآن، ومتى عرفت ذلك ~~فلا يبقى لديك شيء من الريب. # فنظرت إليه نظرة المنذهل قائلة: أصحيح ما تقول؟ ~~- إني أعيد عليك ما قلته، وهو أن هذا المنزل لك، والخادم الذي فيه تحت مطلق ~~سلطانك، وأنا سأزورك في كل يوم. ~~- كيف ذاك؟ ألك منزل آخر غير هذا تقيم فيه؟ ~~- نعم، ms0558 فإني غني وستذوقين معي حلاوة العيش. ونهض وقال: إني ذاهب الآن وسأعود إليك ~~غدا. # ثم دعا الخادم وقال له: إنك ستكون طوع أمر هذه الفتاة، إنما تكون مسئولا عنها، فلا ~~تدعها تخرج من هذا المنزل. # فانحنى الخادم إشارة إلى الامتثال، ووقفت ريبيكا حائرة لا تعلم كيف أرسلت لها ~~الأقدار هذا الرجل، أما روكامبول فإنه ركب مركبة وانطلق إلى منزله، ودخل إلى غرفة ~~أندريا الذي كان ينتظر عودته بذاهب الصبر، ليعلم ما جرى بينه وبين ابنة الدوق، فقص ~~عليه روكامبول جميع ما كان بينهما، وما حدث من تبادل العهود، وسفرها إلى إسبانيا ~~واتفاقها على المكاتبة بالسر إلى أن تعود مع أبيها إلى باريس، فكانت علائم السرور تبدو ~~على وجه أندريا، ولما فرغ من حديث ابنة الدوق أخبره بأمر ريبيكا، وأنها تشابه أختها ~~باكارا كما تتشابه نقط الماء، وأنه حصرها في منزله السري إلى أن قال: والآن فقد أتيت ~~أستشيرك في شأنها؛ لأني لا أعلم كيف أستفيد من هذه اللقية، وما حبستها في منزلي إلا ~~لعلمي بأنك من رجال القرائح النابغة، وأنك لا بد أن تجد فائدة عظيمة من هذا التشابة ~~الغريب، لا سيما وأن ريبيكا تكره أختها باكارا، ولا أحب إليها من الانتقام ~~منها. # فأطرق أندريا يفكر وقد خاض في بحار تأملاته عدة دقائق وروكامبول لا ينبس بحركة؛ كي ~~لا يقطع عليه تصوره، إلى أن فرغ أندريا من التفكير فأخذ اللوح الحجري وكتب فوقه: اذهب ~~الآن ونم مطمئنا، وعد إلي عند الصباح. ~~- ألعلك اهتديت إلى السبيل؟ ~~- إني لا أزال في الطريق، ولا بد لي من الوصول. # فانصرف روكامبول طائعا ممتثلا لأستاذه، وهو واثق أشد الوثوق من قريحته الجهنمية، ~~وعاد إليه في صباح اليوم التالي، فوجد أن أندريا لم ينم بعد وقد صرف ليله بالإمعان ~~والتفكير، فقال له: ألعلك اهتديت؟ ~~- نعم. # ثم كتب على لوحه يسأله متى تعود باكارا من روسيا. ~~- بعد ثمانية أيام. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- بعض الثقة. ~~- إذن فاعلم أنه لا بد من إيجاد شاب حاد المزاج ضعيف العقل، ms0559 بحيث يمكن أن يحب امرأة ~~الكونت أرتوف؛ أي باكارا، حبا صادقا شديدا، ومتى وجدت هذا الشاب نبلغ من باكارا ما ~~نريد. # فأجاب روكامبول: يخال لي أني حزرت خطتك الهائلة، أما هذا الشاب فسأجده دون شك، وأنا ~~ذاهب لأراه عند أختي في ساعة الغداء. # 16 # إن الذي جعل روكامبول يفتكر بأخته وبهذا الشاب الذي يتغدى عندها، هو أنه عندما كان ~~عائدا أمس مع صهره من جنازة الدون جوزيف قال له صهره: إن صديقك رولاند دي كايلت هو ~~الآن في باريس، وقد أرسل لي كتابا اليوم يقول فيه إنه سيزورني غدا ويتغدى عندي، فلا ~~تأكل غدا في النادي حسب عادتك. # فأجابه روكامبول بالقبول دون أن يفتكر بهذا الشاب؛ إذ لم يخطر له في باله اقتراح ~~أندريا، فلما غادر أندريا ذهب إلى أخته، فوجدها مع زوجها ورولاند في قاعة الاستقبال، ~~فقال له صهره: لقد جئت في الوقت المناسب، فإنك ستسمع قصة رولاند وهي جميلة دون شك ~~كجميع حكايات غرامه، ألم تقل لي بالأمس إن العشاق لا يكتبون إلى أصدقائهم؟ ~~- نعم، وهذا ما أرتاب به؟ ~~- ولكنك مخطئ، فإن رولاند كتب لي. # فالتفت روكامبول وقال له: ألا تزال عاشقا أيها الصديق؟ # فتنهد قائلا: نعم، وا أسفاه! # فقال الفيكونت فابيان: ولكنه لا يعشق أميليا كما تعهد، بل إن حبا جديدا طرد ذلك ~~الحب القديم. # فقال روكامبول: مثل المسمار يدفع المسمار ويحل محله. ~~- هذا ما جرى لصديقنا رولاند، فإنه برح باريس واليأس ملء قلبه عله يجد سلوى عن ~~غرامه بالسياحة والأسفار، فشفي من هذا الداء بعد ثلاثة أشهر، غير أنه شعر في بدء الشهر ~~الرابع أن قلبه بات خليا، وأنه لا يستطيع أن يحيا دون غرام، فعاد من ألمانيا مكبلا ~~بقيود حب جديد. # فقال روكامبول: ألعله شغف بإحدى الألمانيات؟ ~~- كلا، فإن التي يحبها روسية، ولا أعلم التفاصيل، ولكن رولاند سيقصها علينا. # فاختلج فؤاد روكامبول عندما سمع كلمة روسية، وقال رولاند: يسوءني أني في حاجة إلى هذه ~~التفاصيل أكثر منك. # فقال روكامبول: ألعلك تهزأ بنا؟ ~~- كلا، فإن المرأة ms0560 التي أحبها ... # ثم توقف مترددا إلى أن قال: إن هذه المرأة لم أرها غير مرة. ~~- أأحببتها من نظرة؟ ~~- نعم، حبا يشبه العبادة! # فقال روكامبول بلهجة الهازئ: إنك هربت إلى روسيا كي تنسى حب الفرنسية، وقد رجعت إلى ~~باريس كي تنسى حب الروسية. ~~- إني لم أكد أراها حتى جننت بها، ولم أكلمها كلمة واحدة. ~~- لا أجد لك شبها إلا الإناء ملؤه البارود، إذا دنت منه الحرارة هب والتهب، وأنت ~~كذلك فإن نظرة واحدة تثير منك مثل هذا الغرام، والحق أن مثل هذا الحب لا يوجد إلا في ~~الروايات. ~~- وإن حبي حكاية. ~~- أيمكن أن أقرأها؟ ~~- بل إنك تسمعها لأني سأقصها عليك وهي بسيطة محزنة كسائر حكايات الغرام؛ فإني كنت ~~قادما من حديقة بادن فرأيتها فيها، وكنت قد شفيت من غرامي القديم وعزمت على الرجوع ~~إلى باريس، فدعاني أحد أصدقائي إلى حفلة راقصة وقال لي: تعال معي فسأريك الليلة أجمل ~~امرأة، وهي الكونتس أرتوف. # فاضطرب روكامبول اضطرابا شديدا لم ينتبه إليه أحد، وأتم رولاند حديثه فقال: ثم ~~أخبرني صديقي بحديث هذه الكونتس، فقال لي إنها كانت تدعى باكارا، وهي من أشهر مومسات ~~باريس، وقد قدر لها أن تنقلب من الشر إلى الخير، فأحبها الكونت أرتوف الروسي ~~وتزوج بها، فلما سمعت اسم باكارا وكنت سمعت بشهرتها، أحببت أن أراها في تلك الحفلة، ~~ورقصت معها، فما انتهى الرقص إلا وقد ذهبت بعقلي. # فقال روكامبول وقد أخفى اضطرابه: أهذا كل الحديث؟ ~~- كلا، فإني عندما خرجت من تلك الحفلة سكرت كأني مصاب بحمى شديدة، فلم أنم طول ~~ليلتي وهي تتمثل لي بكل مخيل حتى خشيت أن أكون جننت. # فقال فابيان: لا يجب أن تخشى شيئا، فإنك منذ عهد بعيد محسوب من المجانين. # فابتسم رولاند وعاد إلى حديثه فقال: وفي اليوم الثاني أقسمت على أن ألحقها حتى أحملها ~~على حبي، ولو اضطررت إلى أن أصيغ النجوم لها عقودا، فأخذت أطوف في ذلك اليوم ~~المنتزهات علي أراها، فما وقفت لها على أثر، وفي الساعة الخامسة ذهبت إلى الفندق ~~الذي ms0561 كانت مقيمة فيه، فقيل لي إنها سافرت إلى هلدبرج، فذهبت إليها في ذلك ~~المساء. # فقال روكامبول: ألعلك رأيتها؟ ~~- بل أنقذتها من الموت! # فقاطعة روكامبول قائلا: لقد تقدم لك القول إنك ما رأيتها غير مرة، وإنك لم ~~تكلمها كلمة واحدة، فكيف تقول الآن إنك أنقذتها من الموت؟ ~~- إن ما أقوله حقيقة لا ريب فيه. # فقال فابيان: وأنا أقول إن جنونك لم يعد جنون غرام، بل جنون أكيد. ~~- إنك عندما تسمع حكايتي ترجع عن كلامك هذا. # فصاح الجميع: إذن لنسمع الحكاية. # وجعل بعضهم يهزأ وبعضهم يسكت الهازئين، إلى أن استرعاهم روكامبول السمع وقال: لنسمع ~~الحكاية، فقد قلت أيها الصديق إنك لم تكلمها كلمة. ~~- لم أرد بذلك أني لم أكلمها على الإطلاق، فقد كلمتها بضع كلمات حين كنت ~~أراقصها. # فقال روكامبول: ولكنها كلمتك دون شك؛ فقد سمعت عن هذه المرأة أنها كانت كثيرة ~~الكلام حين كانت تدعى باكارا. ~~- لقد كانت كذلك حين كنت أراقصها، ولكنها لم تفه بكلمة حين أنقذتها من الموت؛ ~~لأنها أغمي عليها. ~~- وعندما عادت إلى رشدها ألم تشكرك؟ ~~- لم تجدني لأنني سافرت، ولكني لم أسافر طائعا مختارا، بل إنهم طردوني. # فعجب الجميع ببدء قصته وطلبوا إليه أن يقص عليهم الحديث بجملته، فقال: إن باكارا أو ~~الكونتس برحت مدينة بادن في صباح الليلة الراقصة، وذهبت مع زوجها إلى هدلبرج فاقتفيت ~~أثرها في الحال، وذهبت إلى تلك المدينة وعلمت أن زوجها قد سافر إلى فرنكفورت، وأنها ~~مقيمة في منزل جميل على شاطئ البحر، ثم علمت أنها ستنتظر هناك زوجها مدة شهر إلى أن ~~يعود. # وقد رأيت أنه لا يليق أن أزورها؛ لأني ما رأيتها غير مرة واحدة في تلك الحفلة ~~الراقصة، فجعلت أترقب الفرص كي أراها، فعلمت في اليوم التالي أنها تخرج إلى قارب صغير ~~تتنزه فيه، ومعها اثنان من القوزاق هائلا الجثة، تلوح عليهما ملامح الفظاعة والشراسة، ~~فعلمت أن زوجها قد جعلهما حارسين عليها. # فذكر روكامبول هذين الرجلين اللذين قد وضعاه في الكيس وألقياه إلى النهر، واختلج جسمه ~~لهذه الذكرى، وتابع ms0562 رولاند قائلا: وقد ترصدتها عدة مرار وتصديت لها في طريقها، فإذا ~~سلمت عليها من بعيد ردت السلام ببرود وقلة اكتراث، فصبرت وجعلت كل يوم أركب قاربا ~~وأتنزه مثلها بإزاء قاربها، إلى أن اتفق يوما أن الرياح عصفت فجأة، فانقلب القارب ~~وسقطت منه باكارا إلى البحر ومعها الرجلان، فألقيت بنفسي وقلت هو ذا الفرصة قد دنت، وما ~~زلت أصادم الأمواج حتى بلغت إليها قبل البحارة، فأنقذتها وهي موشكة إلى الغرق، وسبحت ~~بها مغميا عليها إلى القارب. # وكان البحارة قد أسرعوا إلينا جميعا، فاحتملوا القوزاقين وباكارا إلى قارب، وسبحت ~~أنا إلى قاربي وقد أنقذتها من الموت. # فلما كان اليوم التالي لبست أفخر ملابسي وتطيبت وذهبت لأزور تلك التي كانت مدينة لي ~~بحياتها وأنا واثق من حسن استقبالي، فلما طرقت الباب فتح لي أحد هذين الرجلين، فما لبث ~~أن رآني حتى أقفل الباب بوجهي ولم يرد علي بحرف، على أني عدت إلى منزلي وأرسلت ~~إليها رسالة هنأتها فيها بالسلامة، فكتبت لي تقول: إن الكونتس أرتوف لا تنسى أنها ~~مدينة بحياتها للمسيو رولاند دي كايلت، وأنها تؤمل أن يزورها بعد أسبوعين في باريس ~~لتفيه تشكراتها. فلما قرأت رسالتها علمت أنها تقول بعبارة صريحة إنها لا تريد أن تراني ~~في هدلبرج، وفي الوقت نفسه ورد لي كتاب من عمي يستعجلني فيه بالحضور إلى باريس، فلم أجد ~~بدا من الحضور، وها أنا الآن بينكم أنتظر رجوع هذه الفاتنة بفارغ الصبر، ولكنها ستعود ~~قريبا ولا بد لي أن أراها، ولا بد لها أن تحبني. # ولما انتهى من حكايته وعلم روكامبول أنه مغرم مفتون بباكارا، ترك الحفلة وأسرع إلى ~~أندريا، وقال: لقد وجدت الرجل المطلوب. ~~- الرجل الذي سيحب باكارا؟ ~~- بل الذي يحبها. # فابتسم أندريا ابتساما هائلا وقال: وأنا وجدت أيضا، فاسمع. # ثم خط له خطة هائلة سيقف عليها القراء في الفصول التالية. # 17 # بعد أن خلا روكامبول بأندريا خلوة طويلة سرية، تركه وانصرف إلى ريبيكا أخت باكارا، ~~وكانت هذه الفتاة لا تزال بين مصدقة ومكذبة لما رأته، فإنها ms0563 بعد أن كانت تجول في الأزقة ~~تلتمس قوت ليلة من طرق النكد، وبعد أن كاد عشيقها السكير يقتلها أصبحت في منزل أنيق ~~وفرش فاخر، ولديها خادم يقف أمامها بملء الاحترام ويناديها بألقاب السيادة. # وكان روكامبول يقول في نفسه وهو قادم إليها: إنني إذا ألبست هذه الفتاة شالات باكارا ~~وملابسها الثمينة، فلا تعود تفرق شيئا عنها لشدة ما بينهما من التشابه، وهي ذكية ~~الفؤاد مثلها، فلا بد لخدعة أندريا أن تنجح. # فلما وصل إليها استقبلته شاكرة فرحة، فسألها عما إذا كانت قد سرت بهذا ~~المنزل، فقالت: إني سررت سرورا لا يوصف، ولا أتمنى إلا أن يكون لي مثله. ~~- إني أعددت لك خيرا منه، فهلمي معي إلى المنزل الجديد. # فوجف قلب الفتاة وخشيت أن يكون هازئا بها، ثم تبينت من وجهه الصدق وقالت في ~~نفسها: قد يكون وقع في غرامي. # فاطمأنت وسارت معه حتى بلغ بها إلى منزل في شارع باسي، تكتنفه حديقة صغيرة وعليه ~~ملامح الجلال ، ثم دخل بها إليه وأدخلها إلى قاعة الاستقبال، فإذا هي مفروشة من أجمل ~~فرش، وجعل يذهب بها من غرفة إلى غرفة، وهي منذهلة لما تراه وتحسب أنها حالمة، إلى أن ~~ذهب بها إلى غرفة خاصة بملابسها، فجلس وإياها وقرع جرسا، فأسرعت خادمة بارعة في الجمال ~~وقالت: ألعل مولاتي تدعوني؟ ~~- نعم، إنها تريد أن تلبس ثيابها، وغدا تأتي إليها الخياطات. # ثم نهض وقال لريبيكا: إنك الآن في منزلك وأنا ذاهب، ولكني سأعود إليك في المساء ~~فأتعشى معك، واعلمي الآن أنه لديك في هذا المنزل طباخة ووصيفة وخادم وسائق مركبة ~~وجوادان. # ثم قبل جبينها وخرج، فبهتت ريبيكا وقالت: لا شك أنه فتن بي وسأخلص له الحب؛ لأنه ~~يعرف طرق قلوب أمثالي. ~~••• # ولنسبق الآن روكامبول وندخل قبله إلى منزل الدون جوزيف الذي استقبل فيه البولونية ~~قبل أن يقتل، فنقول إن جثته لم ترسل إلى منزله كما يعلم القراء، بل أرسلت إلى ~~منزل الدوق. # وكان زامبا ينتظر مولاه في تلك الليلة التي قتل فيها، حتى إذا انتصف النهار ولم ms0564 ~~يعد، ذهب إلى قصر الدوق ليسأل عنه، فأخبروه أنه قتل، فعلم للحال أن ذلك من صنع ~~الرجل المتنكر؛ أي روكامبول، وجعل يقول في نفسه: إنه لو عاش سيدي وتزوج ابنة الدوق، ~~لكان جعلني وكيل منزله، أما الآن وقد مات ماذا أصنع؟ أأسرق ما في منزل الدون جوزيف وأفر ~~هاربا؟ ولكني قد لا أنجو من القضاء، وهب أني نجوت فليس في منزله مما يسرق أكثر من ~~عشرة آلاف فرنك، وهي لا تكفيني شر العوز في المستقبل، وخير لي أن أتزلف للدوق فإنه كان ~~يحب الدون جوزيف، فربما أبقاني في خدمته، فقد أستفيد فائدة عظيمة لوقوفي على سر هذا ~~الرجل المتنكر، الذي لم يعد لدي شك أنه هو الذي أغرى على قتل الدون جوزيف كي يتزوج ~~ابنة الدوق، ولكن ما بال هذا الرجل المتنكر لم أره منذ ثلاثة أيام؟ ألعله لم يعد في ~~حاجة إلي بعد أن أدرك قصده؟ # وفي كل حال فلا بد لي من البقاء في منزل الدون جوزيف أتولى حراسته إلى أن أرى ما ~~يكون. # وكان قد عاد إلى المنزل وجعل يفتش في خزائن القتيل ويسرق ما فيه من المال، وفيما هو ~~على ذلك إذ سمع قرع الباب الخارجي، فبادر إلى إقفال الخزائن، وأسرع إلى الباب ففتحه ~~فرأى ذلك الرجل المتنكر الذي كان يفكر فيه. # ولم يكن هذا الرجل غير روكامبول، فإنه عندما ترك ريبيكا ذهب إلى منزله السري فتنكر ~~وقدم إلى منزل الدون جوزيف كي يرى زامبا، فلما رآه انحنى مسلما عليه حتى كاد يبلغ ~~الأرض، فقال له روكامبول: هل أنت وحدك؟ ~~- نعم. # فدخل وأمره أن يوصد الباب، فأحكم إيصاده ودخل الاثنان إلى إحدى الغرف ودار بينهما ~~الحديث الآتي، فقال روكامبول: أتقدر أن تخبرني عن قتل الدون جوزيف؟ ~~- عجبا كيف تسألني هذا السؤال وأنت أعلم بالتفاصيل مني! ~~- لا بأس أخبرني بكل شيء. ~~- إن الدون جوزف مات قتيلا بخنجر فاطمة، وأظن أنك أنت الذي وضعت في يدها هذا ~~الخنجر. ~~- ربما كان ذلك، ولكن أتعلم السبب فيه؟ ~~- كلا. ~~- ذلك لأن ms0565 الدون جوزيف كان يبغي الزواج بابنة الدوق. ~~- إذا كان هذا الزواج قد ساءك فأنت تخدم دون شك رجلا آخر يريد أن يتزوج بها؛ إذ ~~لا أظن أنك أنت الراغب بزواجها. ~~- أرى أنك رجل نبيه ذكي الفؤاد، فقد أصبت، وأنا أخدم سواي في هذه المهمة كما كنت ~~تخدم سواك، فلنتفق إذن إذا أمكن الاتفاق. # فجلس زامبا جلسة الواثق من شدة الحاجة إليه وقال: كل اتفاق ممكن بين عاقلين. ~~- إنما أسألك قبل كل شيء أن لا تنسى أني واقف على سرك، وأنك محكوم عليك بالإعدام، ~~وأني أستطيع أن أبعث بك إلى المشنقة حينما أريد. ~~- وأنا ألتمس منك أن تكون كريما ورحيما. ~~- سأكون كما تريد، فاعلم الآن إن طمعت أن تكون وكيل منزل ابنة الدوق، وستكون وكيلها ~~بعد زواجها، غير أنه يجب من أجل ذلك أن تخدم في الوظيفة التي سأعينها لك إلى أن يتم هذا ~~الزواج. ~~- أخدم أينما أردت. ~~- لي صديق يثقل وجوده علي، وأحب أن أضع في منزله من يراقبه، وهو الدوق دي ~~مايلي. ~~- عرفت هذا الدوق بالنظر. ~~- وغدا ستذهب إليه، ويكون لديك كتاب توصية من ابنة الدوق. ~~- من ابنة الدوق، وكيف لي أن أحصل على هذا الكتاب؟ ~~- سأرسله لك بالبريد. # ثم تركه روكامبول ومضى إلى منزله السري، فدعا خادمه وقال: لقد أعفيتك من خدمتي وضاعفت ~~راتبك. # فأجفل الخادم وقال: كيف ذلك يا مولاي؟ ~~- ذلك أني سأعينك في خدمة رولاند دي كايلت لمراقبة أحواله، وستذهب إليه بهذا ~~الكتاب. # ثم كتب إليه كتابا إلى صديقه رولاند يوصيه بهذا الخادم الأمين وأعطاه للخادم، وقال ~~له: انصرف بهذا الكتاب إليه وعد إلي غدا لأخبرك بما يجب أن تصنع. # فأخذ الخادم الكتاب وهرول فرحا بهذا المورد الجديد. # وفي الساعة السادسة من المساء ذهب روكامبول إلى ريبيكا، فوجدها تنتظر وقد أصبحت ~~بملابسها الجديدة فتنة للعيون، وفيما هما يتعشيان قال لها: لا بد أن يكون قد خطر لك ~~بأني أحببتك، وأني أريد أن أتخذك لي خليلة. # فعجبت ريبيكا وقالت: ما عسى أن يكون قصدك إذن مما تنفقه ms0566 علي؟ ~~- إني أريد أن أجعلك من النساء النبيلات، وأن تكوني جديرة بالاسم الذي تدعين ~~به؟ # فزاد عجب الفتاة وقالت: ألعلي تقمصت وصار لي اسم جديد؟ ~~- نعم، فإنك تدعين منذ الآن الكونتس أرتوف؛ أي باكارا شقيقتك العزيزة. # 18 # كان رولاند دي كايلت فتيا لم يتجاوز عشرين عاما، وكان على حداثة سنه كثير الغرور ~~بجماله، وشديد الإعجاب بنفسه ومقدرته على فتنة النساء، ولكنه كان على هذا الغرور ضعيف ~~العقل كثير الخيلاء، لا يراعي حرمة النساء، حتى إنه يندر إذا كلم امرأة أو رأى منها ~~ابتسامة أن يسلم عرضها من فلتات لسانه، فيتباهى أمام إخوانه بأن فلانة تتمنى رضاه، ~~وفلانة تذوب هياما به، شأن كثيرين ممن يأخذ بهم الغرور من الشبان فيجعلون فضيلات ~~النساء مضغة الأفواه وسمر النوادي، والويل لمن تبسم لهم ابتسامة رضى، وتكلمهم كلمة ~~حلوة، فإنها لا تنجو من مخترعات غرورهم. # وهذا كان شأن رولاند؛ فإنه عندما عاد إلى باريس يحمل بفؤاده حب باكارا الجديد، جعل ~~يطوف على أصحابه، وكلما عثر بواحد منهم حدثه بحديث الكونتس أرتوف بجملته، وقال له: ~~إنه سر أودعك إياه فلا تبح به لأحد، وما زال على ذلك حتى شفى غليله، واتصل هذا السر ~~بنحو ثلاثين من أولئك الأصحاب. # وكان يقيم وحده في منزله، وليس معه فيه غير الخادم جرمين الذي أرسله إليه روكامبول، ~~وقد طاف يوما كاملا فلم يجد صديقا جديدا يبوح له بغرامه الجديد، حتى إذا عاد إلى ~~منزله لم يجد أمامه غير خادمه، فجعله في زمرة أصدقائه وباح له بسره، ثم عهد إليه أن ~~يراقب مجيء الكونتس، فجعل الخادم يذهب كل يوم بحجة الاستفسار عن رجوعها من خدامها، ~~ويذهب إلى روكامبول فيأخذ منه التعليمات اللازمة. # وقد مضى على دخوله في خدمته سبعة أيام دون أن يحدثه بأمر جديد عنها، إلى أن عاد ~~رولاند إلى منزله في اليوم الثامن وسأل خادمه إذا كان علم أمرا جديدا، فقال: لقد علمت ~~من خدام الكونت أنهم ينتظرون عودته بعد ثمانية أيام. ~~- والكونتس؟ ~~- لو كنت تعلم يا سيدي بما ms0567 أتيتك به من الأنباء لكنت تجازيني خير جزاء؛ فإن الكونتس ~~لا تعود مع زوجها. ~~- ويحك ماذا تعني؟ ~~- أعني أنها الآن في باريس وحدها. # فاختلج فؤاد رولاند سرورا وقال: أين أقامت؟ أفي قصرها؟ ~~- كلا، بل إنها استأجرت منزلا في شارع باسي وأقامت فيه متنكرة، وقد علمت ذلك من ~~وصيفتها التي تحبني وأحبها، ولكنني لا أزال أجهل نمرة المنزل، ولا بد لي أن أعرفها في ~~هذا المساء. # فطار فؤاد رولاند سرورا وقال لخادمه صنيعة روكامبول: إنك إذا عرفت نمرة المنزل ~~أجازيك خير الجزاء. # وفيما هما على ذلك إذ طرق الباب ودخل صديق جديد يدعى أوكتاف كان غائبا عن باريس، ~~وكان من أخص أصدقائه، فسر رولاند بقدومه وأخبره بجميع أمره مع باكارا إلى أن أخبره ~~بحديث خادمه، فقال له صديقه: إنها لم تتنكر وتأتي إلى باريس قبل زوجها إلا بقصد أن ~~تراك، وفي جميع ذلك مما يدل على أنها مفتونة بك، وكيف لا تحبك بعد أن أنقذتها من الموت ، ~~بل كيف لا تهواك وقد خصك الله بجمال بت فيه فتنة النساء. فسر رولاند وجعل يفتل ~~شاربيه مختالا. # وفيما هما يتحدثان إذ دخل الخادم يحمل كتابا إلى مولاه، فأخذه رولاند وفضه على ~~عجل، فقرأ فيه ما يأتي: # إذا كان رولاند دي كايلت هو ذلك الرجل النبيل ~~الذي تدله عليه ظواهر أعماله، وإذا كان خليقا باسمه وبذلك الحب الذي غرسه في ~~قلب المرأة المدينة له، فليركب جوادا في الساعة الحادية عشرة من المساء، ~~وليذهب إلى شارع باسي وينتظر. # فلما أتم قراءته عرف أنه من باكارا، فدفعه إلى صديقه وهو لا يصدق ما يراه من ~~الفرح، فقرأه أوكتاف وقال: لم يعد شك أنها مفتونة بك. ~~- نعم، غير أن الخط ليس خطها. # فهزأ به أوكتاف وقال: ألا تظن أن لها وصيفة تأتمنها على سرها وتستكتبها مثل هذه ~~الرسائل الخيرة؟ فاقتنع رولاند وخرج مع صديقه إلى النادي لمناولة الطعام. # وكان هناك روكامبول وصهره فابيان، فدار الحديث بين الحضور على أبحاث شتى، إلى أن عاد ~~رولاند إلى حديث غرامه، ms0568 فجعل يخلو بكل واحد من أصدقائه ويخبره بحديث الرسالة، إلى أن ~~أفضى الدور إلى فابيان، ولما باح له بكل شيء جعل يؤنبه لما يبديه من الطيش والغرور، ~~وقال: إنك والكونت من أصدقائي، وقد بحت لي بسرك مع امرأته فأوقفتني أصعب موقف، على ~~أني لا أزال أشكك في هذه الرسالة، وأعتقد أن أحد أصدقائك أراد أن يمازحك فكتبها إليك، ~~وفي كل حال فإن الكتمان أجدر بك، وإلا فإنك تعرض نفسك لمبارزة الكونت أرتوف. # فهاجت الكبرياء بصدر رولاند وقال: أتحسب أني أخشى مبارزته؟ ~~- كلا، ولكنك تخشى مقابلة تلك المرأة بعد أن تقتل زوجها، وفي كل حال فإنه يجدر بك ~~صيانة عرض تلك المرأة إذا كنت تحبها كما تقول، وإلا فأي حب هذا؟ # فأطرق رولاند وهو لا يعلم بماذا يجيب، وما صدق أن دخل بعض أعضاء النادي إلى الغرفة ~~التي كان فيها حتى غير الحديث، ثم أفلت من فابيان ونصائحه واندمج مع أصدقائه الآخرين ~~وهو لا يلويه شيء عن الافتخار بهذا الحب الجديد، وما زال في النادي إلى أن حان الموعد ~~المضروب، فخرج من النادي وركب جواده وانطلق للقاء باكارا وهو موجس خيفة من تحذير ~~فابيان، وهو أن هذه الرسالة قد يكون كتبها له أحد أصدقائه على سبيل المزاح. # 19 # وكانت الليلة ممطرة، ولكن رولاند لم يبال بالمطر لما كان يتأجج بصدره من نار الوجد، ~~فجعل يسير مسرعا بالجواد إلى أن وصل إلى الشارع المعين، فوقف ينتظر فلم ير أحدا وقد ~~أقفر الشارع من المارة لانهمار المطر. # وما زال يسير ذهابا وإيابا في مسافة محدودة لا يتعداها إلى أن حان منتصف الليل، أخذ ~~يرجح ظنون فابيان وسئم من نفسه لإباحته بسره لجميع أصدقائه، حتى جعلهم يهزءون به هذا ~~الهزء، ولكنه بقي له شيء من الرجاء فلم يخب رجاؤه، ففيما هو واقف في الطريق والمطر ~~ينهمر عليه، إذ لقي مركبة تدنو منه حتى وصلت إليه فأوقفها سائقها ونزل منها رجل، فدنا ~~منه، وقال له: ألعلك رولاند دي كايلت؟ ~~- نعم. ~~- تفضل إذن بالتخلف عن جوادك ms0569 والركوب في هذه المركبة إلى حيث ينتظرونك، أما جوادك ~~فسأحتفظ به إلى حين عودتك. فامتثل رولاند وهو لا يصدق ما يسمع، ودخل في تلك المركبة ~~فأقفل بابها من الخارج، وانطلقت به مسرعة إلى منزل الحبيب. # وبعد مسير عشر دقائق وقفت المركبة على باب منزل كبير، فأراد رولاند أن يفتح باب ~~المركبة فوجده مقفلا من الخارج، فحاول أن يرى من زجاج نافذتها، فرآه مصبوغا بدهان ~~بحيث لا يستطيع أن يرى شيئا، فعلم أن باكارا أرادت بهذا الحذر أن لا يعرف طريق ~~منزلها. # ولم يطل انتظاره، فإن باب المركبة فتح من الخارج ورأى رولاند خادما يقول له: ~~تفضل يا سيدي واتبعني. فتبعه إلى قاعة مفروشة بأجمل الرياش منورة بنور ضعيف، فأدخله ~~الخادم إليها وانصرف، فرأى رولاند ريبيكا التي تمثل دور باكارا جالسة قرب المستوقد، ~~فلم يشكك رولاند أنها امرأة الكونت لشدة الشبه بينهما، ودنا منها فأخذته بيدها ~~البيضاء فقبلها باحترام وقال لها: ما أرق قلبك! وما ألطف شعورك! # فابتسمت له ابتسام الحزين بعد أن جذبت يدها من يده باضطراب وقالت: تفضل يا سيدي ~~بالجلوس بقربي. وكان رولاند يعتقد أنه يحب امرأة الكونت أرتوف حبا شديدا، فتلجلج ~~لسانه عن الكلام حين رآها، كذلك ريبيكا فإنها كانت تمثل دور الغرام، فلم تنبس بحرف ~~كأنها لا تجسر أن تفتح الحديث. # وكان روكامبول قد علمها دورها حتى أتقنته، فلما رأت رولاند يضطرب ولا يجسر أن يتكلم ~~بدأت هي بالحديث، فقالت باسمة: إذن أنا مدينة لك بحياتي. # فقال رولاند وقد حلت عقدة لسانه: حبذا يا سيدتي لو تمكنت من أن أجعل حياتي في ~~كل ساعة فداءك. # فابتسمت وقالت: إنك لا شك مجنون. ~~- ذلك لأني جننت بحبك. # فتنهدت وقالت: أريد أن أقول إن كلينا مجنون، إني أحبك أيضا. ثم غطت وجهها ~~بيدها، فخيل لرولاند أنه رأى دمعة نفذت من خلال أصابعها، ثم مسحت تلك الدمعة وكأنها ~~ذكرت أنها امرأة الكونت أرتوف، وأنها مقيدة بقيود الواجبات، فقالت لرولاند وكان لا ~~يزال واقفا أمامها: اجلس على هذا الكرسي بجانبي، واحذر ms0570 أن تبدو منك ما أنكره عليك وإلا ~~... ~~- وإلا ماذا؟ # فقالت بلهجة الممازح: وإلا أقصيتك عني فلا تعود تراني. # فاطمأن رولاند للهجتها وامتثل لها فجلس بقربها، فوضعت يدها بيديه وقالت: ~~لنتحدث. ~~- أي حديث يا سيدتي يفصح عما أجد من غرامك؟ ~~- تريد أن تقول إنك منذ لقيتني لم تعرف طعم الرقاد، وإنك لم تنم إلا على أمل أن ~~ترى طيفي في الأحلام. # فوضع يده على قلبه وقال: هو ما تقولين أيتها الحبيبة، فإنني لقيت ما لا تقوى النفوس ~~على احتماله. ~~- وقد وصلتك رسالتي، فتلوتها مرارا وأتيت إلي وأنت كالثمل من شدة الرجاء، إنك ~~تريد أن تقول لي جميع هذه الجمل التي أسبقك إلى قولها، فإنك ترى أني جربت في حلبة هذا ~~العمر شوطا بعيدا، وقرأت جميع تواريح الغرام، فباتت فقراته وفصوله في محفوظي. ~~- لا أرى إلا أنك فتنة العيون، وأني أحبك. # فابتسمت وقالت: لو لم أكن واثقة من حبك أكنت تراني في خلوة معك، أما وقد عرفت سر ~~قلبي فلا بد لي من أن أوقفك على شيء من أسرار حياتي؛ فاعلم أني لم أخلق نبيلة كما ~~تراني، بل إنني قبل أن أكون امرأة الكونت أرتوف كنت أدعى باكارا، ألم تسمع ~~بباكارا؟ ~~- ذلك سيان عندي، فإني أحبك. ~~- أصغ إلى تتمة حديثي، فإن باكارا عرفت أنها لا قلب لها يشعر بالحب، ولكن الحب نفذ ~~إلى قلبها يوما كما تنفذ أشعة الشمس إلى الآنية فتملؤها شعاعا، فلما تبت عن عيشي ~~السابق وأصبحت امرأة الكونت أرتوف، أقسمت على أن أحترم اسمه الشريف، وأن أكون من أطهر ~~النساء فما نكثت بهذا العهد، وأحببت زوجي أربعة أعوام حبا يشبه العبادة. # ثم غطت رأسها بيديها وتظاهرت أنها تضطرب، وبعد حين نظرت إليه بعين يترقرق الدمع فيها ~~وقالت: كيف اعترضتني في سبيلي؟ وكيف لقيتك؟ وما لقيت منك؟ فإني ما لبثت أن رأيتك حتى ~~اختلج فؤادي وعلمت أن لك سلطانا علي لا يغلب، فبينما أنا الكونتس أرتوف إذ غدوت ~~فجأة باكارا، وبات هذا الكونت النبيل الذي طالما أحبتته سمجا في عيني ms0571 حتى لم أعد ~~أطيق النظر إليه. ثم جعلت تبكي بعد هذا القرار بكاء شديدا وتقول: رباه! ما هذا الحب ~~وما أصعب مواقف الغرام! # فذهب عقل رولاند ولم يدر ما يقول، فجثا أمامها وجعل يقبل يدها وهو يقول بلسان ~~متلجلج: أحبك. # غير أن ريبيكا رأت أنه يجمل بها الاندفاع، فجذبت يدها من يده بلطف وقالت: رولاند، إن ~~زوجي سيحضر بعد ثلاثة أيام. # فتنهد وقال: ثلاثة أيام فقط؟ ~~- نعم، وا أسفاه! فقد أصبحت أمقته أشد المقت، فارث لحالي فإن هنائي بصحبته أربعة ~~أعوام سينقلب إلى شقاء شديد لا قبل لي باحتماله. # فتحمس رولاند وقال: أتهربين معي؟ ~~- إلى أين؟ فإننا لو ذهبنا إلى آخر المعمورة لأدركني وقتلني شر قتلة. ~~- أتخشينه وأنا بقربك؟ ~~- إنه يقتلك أيضا، وأنا لا أريد لك الموت، بل أن تعيش لي وتحبني، فلنبق هنا ~~إلى أن أجد سبيلا يجمعني وإياك، ولكنك ستدفن سري في أعماق قلبك، أليس كذلك؟ ~~- أعندك شك بهذا؟ # وقد نسي في تلك الساعة أن سره يتحدث به ثلاثون من أصدقائه. # قالت: ولا تأسف حين يكون زوجي في باريس إذا لم أستطع أن أراك كل يوم، بل اصبر كما أنا ~~صابرة. ~~- سأصبر إلى أن نجد وسيلة كما تقولين. ~~- إذن فاذهب الآن وسنجتمع غدا. ~~- أين؟ ~~- في هذا المنزل، فتأتي إلى الشارع على جوادك، وتنتظر إلى أن توافيك المركبة التي ~~وافتك اليوم. # فامتثل رولاند وقبل يدها بلهف ثم خرج، فشيعته باسمة إلى الباب، فلقي المركبة تنتظره ~~فركب فيها وانطلقت به إلى حيث كان ينتظره الخادم بجواده، فامتطى الجواد وانطلق يعدو به ~~إلى النادي حيث كان يرجو أن يجد فيه أحدا من أصدقائه، فيبوح له بهذا السر الذي كاد ~~ينفجر بقلبه، ولكنه لم يجد أحدا منهم، فانقلب راجعا إلى منزله يمشي مشية الحزين لضيق ~~صدره بهذا السر، مع أنه لم يكن في حياته على ما هو عليه من الفرح بهذا الاجتماع. # ونام فلم يحلم تلك الليلة إلا بباكارا، وظل نائما إلى الظهر، فلما فتح عينيه سمع جرس ~~الباب الخارجي يدق، فظن ms0572 أن صديقه أوكتاف قام لزيارته، ولكن ظنه أخطأ فإن القادم كان ~~المركيز دي شمري؛ أي روكامبول، فدخل إلى غرفته وقال باسما: أتدري لماذا أتيت ~~لزيارتك؟ ~~- كلا! ~~- إني أتيت لظني بأنك في حاجة إلى صديق، وفيمن يكتم سرك ويعينك بإخلاصه على ما أنت ~~فيه. ~~- لقد أحسنت، فإن لدي سرا سيقتلني دون شك إذا بقي مدفونا في قلبي. # فجلس روكامبول على طرف سريره وجعل رولاند يقص عليه ما جرى له في ليلة أمس. # 20 # وكأن الصدفة أرادت أن تخدم روكامبول أجل خدمة؛ وذلك أنه في اليوم التالي لتلك ~~الليلة التي كانت ريبيكا تمثل فيها دور الكونتس أرتوف، كانت هذه الكونتس؛ أي باكارا، ~~سبقت زوجها إلى باريس بيومين، فقدم هو عن طريق الرين وبلجيكا لقضاء بعض المهام، وقدمت ~~هي عن طريق ستراسبورج ولورين، وهي أخصر الطرق إلى باريس، وقد ذهبت توا إلى قصرها، ~~وكان الخدم متأهبين لاستقبالها، وجلست هنيهة إلى أن استراحت من مشاق السفر، ثم طلبت ~~رسائلها التي وردت، فجعلت تطالعها حتى رأت بينها ورقة نعي الدون جوزيف الذي كان يحول ~~بين الدوق مايلي وبين ابنة الدوق دي سالاندريرا، فاختلج فؤادها عند تلاوتها هذا النبأ، ~~وقامت في الحال إلى مكتبها فكتبت إلى الدوق مايلي تعلمه بقدومها وتدعوه إليها، وأرسلت ~~كتابها مع أحد الخدم، ثم كتبت كتابا آخر إلى أختها سريز تخبرها بحضورها، وجعلت تنتظر ~~حضور الدوق. # وكان الدوق مايلي يبلغ الثلاثين من العمر، وهو وافر الثروة عريق النسب جميل الطلعة، ~~وكان يحب ابنة الدوق سالاندريرا حبا عظيما، وتعرض لخطبتها غير أن أباها رفض لعزمه ~~على تزويجها بالدون جوزيف. # فلما أتى الدوق مايلي وجد باكارا تنتظره في غرفة أشغال زوجها، وأمامها منضدة عليها ~~دفتر ملئت صفحاته بخط تدل ثخانة حروفه على أنه خط رجل، فقال لها: كنت أحسب يا سيدتي ~~أني سأرى معك الكونت. ~~- إن زوجي لا يحضر إلا بعد ثلاثة أيام، ولولا هذا النبأ الذي علمته منذ ساعة لكنت ~~انتظرت حضوره فدعوتك إلي. ثم أعطته ورقة نعي الدون جوزيف، فاصفر وجهه ولم ms0573 تخف ~~حالته على باكارا، فقالت له: ألا تزال تهوى ابنة الدوق؟ ~~- نعم وا أسفاه! وإنما أتأسف لأنه حب لا رجاء فيه. ~~- إني أراك قانطا على أنك لو قرأت هذا الدفتر الذي تراه أمامي لتبدل يأسك ~~بالرجاء. # فذهل وقال: ما هذا الدفتر؟ ~~- صبرا الآن وأجبني على أسئلتي، أليس لعائلتك فرع في روسيا؟ ~~- نعم في أودسا، إن أخا جدي وهو الشفاليه دي مايلي ذهب في عهد لويس الخامس عشر مع ~~الدوق دي شوازيل الذي تعين سفيرا لفرنسا في بطرسبرج، فأحب فتاة من حاشية الإمبراطور ~~كانت وافرة الثروة وتزوج بها، فعين عند ذلك كولونيلا في الجيش الروسي، وقد ولد ~~له ثلاثة بنين استوطنوا روسيا ونسوا أنهم فرنسيون، فلم يعد لهم أقل علاقة بنا، وأذكر ~~أن عمي لقي في حربها مع روسيا سنة 1812 كولونيلا روسيا يدعى باسم عائلتنا وتقاتل ~~معه. ~~- إني أريد أن أحدثك عن هذا الكولونيل نفسه، فإنه هو الذي أعطاني هذا الدفتر إليك، ~~وقد لقيناه هذا العام في أودسا، وقد دعانا إلى حفلة راقصة في قصر الحاكم، فلما سمعنا ~~باسمه ذهلنا، فأخبرنا أنه من أصل فرنسي، وحكى لنا هذا التاريخ الذي حكيته. # ثم استحكمت حلقات الصداقة بينه وبيننا، وبعد زيارات كثيرة أخبرته بأمرك وأنك تحب ابنة ~~الدوق سالاندريرا، ولكنهم يرفضون طلبك، فانذهل عمك وقال: كيف يرفضون طلبه؟ قلت: لأن ~~الدوق سالاندريرا لم يخلف مولودا ذكرا، وهو يود أن يورث ألقابه واسمه لابن أخيه الدون ~~جوزيف. قال: إنه مصيب في ما يرتئيه، ولكن الدوق مايلي هو قريب الدوق سالاندريرا. # ارتعش الدوق وقال: أنا قريب سالاندريرا؟ ~~- ربما. ثم أتمت حديثها متبسمة وقالت: ألم يكن أحد أجدادك من أركان الحرب في عهد ~~لويس الخامس عشر. ~~- نعم. ~~- ألم يكن من فرقة الشرف التي سارت إلى إسبانيا مع الملك فيليب الخامس؟ ~~- يظهر أنك تعرفين تاريخ عائلتي كما أعرفه. ~~- بل أكثر مما تعرفه؛ فإنك لم تكن تدري أن أحد أجدادك هذا تزوج في العاصمة ~~الإسبانية. ~~- كلا. ~~- إذن اقرأ هذا الكتاب الطويل الذي كتبه إليك عمك الروسي قبل ms0574 سفرنا؛ فتعلم ما كنت ~~تجهله. # أخذ الدوق مايلي الدفتر وجعل يقرأ ما فيه بلهف شديد حتى أتمه، وهي حكاية طويلة يظهر ~~منها أن لعائلة مايلي اتصالا شديدا بعائلة سالاندريرا، غير أن هذا النسب مكتوم عن ~~الناس، ولكن عمه الروسي قال له في آخر كتابه: إن لديه كتابا بخط والده الدوق دي ~~سالاندريرا، وكتابا آخر بخط رئيس الأساقفة يثبتان هذا النسب، وأنه مستعد لإرسال ~~الكتابين إليه إذا كان زواجه بالتي يحبها متوقفا على إثبات هذا النسب. # فلما أتم الدوق قراءة هذه الحكاية لبث هنيهة مفكرا مطرقا ثم قال: إذن لم يبق ~~حائل بيني وبين هذه الفتاة بعد موت خطيبها؟ ~~- إن هذا لا ريب فيه، فإن الدوق لم يرفض طلبك إلا لوجود من هو أقرب إليه منك وهو ~~الدون جوزيف، والآن فلم يبق لدينا غير أمر واحد، وهو الحصول على هذين الكتابين ~~اللذين أشار إليهما عمك لإثبات النسب، ومتى وردا إليك أتعد بنيل ما تبتغيه من زواج ابنة ~~الدوق، فاذهب إلى منزلك واكتب لعمك عن اضطرارك إلى هذين الكتابين، ثم أرسل لي كتابك هذا ~~فإني أبعث به مع واحد من خدامي القوزاق. ~~- متى يرد الجواب؟ ~~- بعد أسبوعين، ومتى ورد الكتابان وعادت عائلة سالاندريرا إلى باريس أتولى المخابرة ~~عنك في هذا الشأن الخطير على ثقة من النجاح فيه. # فودعها الدوق وخرج وهو يحسب نفسه حالما لقرب تحقيق آماله. # أما باكارا فإنها عادت إلى قاعة الاستقبالات، فرأت أن أختها سريز تنتظرها، فكان سرور ~~الأختين بالتقائهما لا يحيط به وصف، فلما سكنت عوامل شوقهما قالت لها سريز: عجبا كيف ~~تكتبين لي أنك وصلت منذ ساعة وأنا رأيتك أمس؟ # فذهلت باكارا وقالت: أين رأيتني؟ ~~- رأيتك أو خيل لي أني رأيتك أمس في الساعة الثانية في الشارع الكبير، وكنت ~~راكبة في مركبة يجرها حصان واحد، فما تمالكت حين رأيتك من أن أصيح صيحة دهش ~~واستغراب. ~~- إني كنت في هذه الساعة قادمة من نانسي، وكان بيني وبين باريس عدة أميال، ولا بد أن ~~تكوني رأيت امرأة تشبهني، فقد ms0575 كان منذ ستة أعوام يوجد امرأة تشبهني أتم الشبه. # فأطرقت سريز وقالت: ربما كانت «هي». # وقد أشارت بقولها هي إلى أختها دون أن تجسر على التصريح باسمها، فلم تكترث باكارا ~~لذلك وقالت: إن الخلق يتشابهون. # ولم يخطر لها في فكر ما ستجره عليها هذه المشابهة من بلاء. # 21 # وفي اليوم التالي لاجتماع باكارا بالدوق مايلي، بينما كان روكامبول جالسا في المكان ~~السري، وهو متنكر بالزي الذي كان يلقى به زامبا، إذ طرق الباب ففتح للقادم، وكان ~~زامبا الذي عينه روكامبول في خدمة الدوق، كما عين خادمة في خدمة رولاند؛ كي لا ~~تخفاه خافية من أعمال الاثنين. # فدخل زامبا وهو يبتسم تبسم الظافر، فأدرك روكامبول معنى هذا الابتسام وقال له: ما ~~وراءك من الأخبار؟ ~~- جئتك بخبر هام. ~~- ما هو؟ # تعلم أنه بات للدوق ثقة عظيمة بي بعد أن أعطيته كتاب توصية الغادة الإسبانية، فجعلت ~~أدرس طباعه منذ ثلاثة أيام حتى عرفته حق العرفان، فهو يحب ابنة الدوق يا مولاي حبا ~~شديدا ، وأصبح كل ما لقيني يسألني عنها أسئلة متواترة تدل على شغفه، غير أني كنت ~~أتبين من أسئلته أنه لم يكن طامعا بزواجها، وبقي على هذا اليأس إلى ليلة ~~أمس. # فوجف قلب روكامبول وقال: ماذا حدث أمس؟ ~~- وردته أمس رسالة من الكونتس أرتوف تدعوه فيها إليها، فاضطرب الدوق عند تلاوتها ~~وهرول مسرعا إلى زيارتها، وعاد بعد ساعتين وعليه ملامح التأثير، ولكنه تأثير فرح ~~وصفاء. ~~- ألعلك عرفت لماذا؟ ~~- كلا، ولكننا سنعرف السبب إذا فتحنا هذا الكتاب الذي عهد إلي الدوق بإرساله إلى ~~الكونتس أرتوف قبل أن ينام، ولا يزال نائما إلى الآن فإنه صرف ليلته بالقراءة. ~~- وماذا كان يقرأ؟ ~~- دفترا ضخما ربما جيء به من عند الكونتس. ~~- سوف نرى. # ثم أخذ الكتاب من زامبا وفتح درجا، فأخذ منه غلافا يشبهه، فكتب عليه عنوان باكارا ~~مقلدا خط الدوق أتم التقليد، وفض الكتاب فرأى في طيه كتابا آخر إلى ابن عمه ~~في أودسا، وكان فحوى كتاب باكارا أنه يسألها فيه مراجعة كتابه إلى ابن ms0576 عمه، حتى إذا ~~رأته موافقا أرسلته مع خادمها إلى أودسا كما وعدت، وكان فحوى كتابه إلى ابن عمه أنه ~~يطلب إليه إرسال الشهادتين الدالتين على نسبه وقرباه من عائلة سالاندريرا. # فلما قرأهما روكامبول اصفر وجهه، ولكنه لم يعلم حقيقة هذا اللغز، فقال لزامبا: لا ~~بد لي من قراءة هذا الدفتر الذي أتى به من عند الكونتس. ~~- غدا يكون عندك؛ لأن لدي مفاتيح جميع خزائن الدوق. # فاطمأن روكامبول وأعطاه كتاب باكارا وذهب به إليها، وفي اليوم التالي عاد إليه ~~بالدفتر فأخذه روكامبول وانطلق به مسرعا إلى أستاذه أندريا فتلاه عليه، وأخبره بكتاب ~~الدوق إلى باكارا، ففكر أندريا مليا، ثم كتب على لوحه الحجري: لا بد للدوق مايلي من ~~فوزه مع حليفته باكارا، إلا إذا استحال على باكارا مساعدته، وبذلك يجب أن تتم الدور ~~الذي شرعنا بتمثيله. ~~- سنتمه كما تريد. ~~- لا ينبغي أن يموت الكونت أرتوف؛ لأن موته يدفع باكارا إلى الاهتمام بأمر الدوق كي ~~تتعزى عما هي فيه. ~~- إذن فما نفع الدور الذي تريد أن نمثله؟ ~~- ستعلم النتيجة يوم مبارزته مع رولاند. # فنظر روكامبول إليه نظرة ارتياب وقال: أرى أن الحزن والشقاء قد ذهبا بصوابك. # فابتسم أندريا ابتسام الساخر وقال: إنك لم تغير عهدي فيك، فإنك لا تزال غرا أبله ~~جاهلا بدقائق أسرار المهنة على طول تمرنك فيها. # فاستاء روكامبول وأجاب: إذا كنت لا تريد قتل الكونت أرتوف، فلماذا تريد حمله على ~~المبارزة؟ ~~- ذلك أني أريد أن أصيره مجنونا في ساعة المبارزة. ~~- أرى أني أنا الذي سيغدو مجنونا لأني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز. ~~- ستفهم كل شيء حين الأوان، والآن فإن باكارا لا بد أن تكون أرسلت رسولا إلى أودسا ~~للحصول على أوراق نسب الدوق مايلي، ولا بد لهذا الرسول أن يعود بالأوراق قبل شهر، فلما ~~يرجع لن تستطيع باكارا أن تهتم بالدوق مايلي لانشغالها بزوجها وجنونه وتلطيخ سمعتها، ~~غير أنها حين ترد إليها الأوراق ترسلها إلى الدوق، ومتى وصلت إليه عرضها على الدوق ~~سالاندريرا، إذن فلا بد من الحصول ms0577 على هذه الأوراق. ~~- لا نستطيع الحصول على الأوراق إلا إذا قتلنا الرسول. ~~- إن الكرة الأرضية غاصة بسكانها، فلا تؤثر عليها نقص واحد أو اثنين. ~~- حسنا وبعد ذلك؟ ~~- يجب قتل الدوق مايلي. # فأجفل روكامبول وقال: ألعلك تريد إرسالي إلى المشنقة؟ ~~- حقك أن تكون معلقا عليها منذ عهد بعيد، ولكنك ستنجو منها الآن كما نجوت من قبل، ~~وما عليك الآن إلا أن تنفذ أوامري دون أن تعترض علي في شيء. ~~- ماذا تريد أن أفعل؟ ~~- أريد أن تذهب إلى ريبيكا وتملي عليها هذا الكتاب: # حبيبي رولاند # لا أستطيع - وا أسفاه - أن أكون حرة في هذه الليلة، غير أني أرجوك أن تكون في ~~منزلك غدا في الساعة الخامسة، فسأزورك فيه. # التي تحبك # فأجاب روكامبول: هذا كل ما ترومه؟ ~~- هو كل ما أطلبه إليك الآن، فاذهب عني لأني أحب أن أستريح. # 22 # فتركه روكامبول ومضى إلى ريبيكا، فأملى عليها الكتاب المتقدم وأرسله إلى رولاند، فذهب ~~رولاند حسب عادته إلى جميع أصحابه، وجعل يخبرهم بأمر الرسالة، وكان من الذين أطلعوا ~~على هذا السر روكامبول؛ أي صديقه المركيز دي شمري، فلما ذهب روكامبول إلى منزله لمناولة ~~الغداء، لقي صهره فابيان فخلا به وقال له: أتحب رولاند؟ ~~- إني أحبه حبا شديدا، وفوق ذلك فإني مسئول عنه أمام والده، فإنه يكتب إلي في كل ~~أسبوع يوصيني بالعناية به والحرص عليه. ~~- إذن فاعلم أنه سيوقفك بعد أسبوع في أشد موقف؛ لأنه سيدعوك لتكون أحد شاهديه في ~~قتاله مع الكونت أرتوف. # فهز فابيان كتفيه وقال: إني لا أصدق حرفا من حديث حبه للكونتس. ~~- إنك مخطئ في زعمك، فقد زارها أمس في منزل سري في شارع باسي، ثم إنها ستزوره اليوم ~~في منزله، فإنها كتبت إليه. ~~- لا شك أن الكتاب مزور. ~~- ربما كان ذلك، وفي كل حال يجب ردعه عن تماديه، فقد جعل عرض الكونت مضغة الأفواه، ~~ومتى عاد الكونت واتصل به شيء من هذه الأحاديث يقتله لا محالة، والذي أراه أنه يجمل بك ~~الآن أن تذهب إليه في منزله؛ فإنه ينتظرها ms0578 فيه وتردعه عن هذه الخطة المنكرة، فإنك مسئول ~~عنه كما تقول. ~~- أحسنت، وها أنا ذاهب إليه الآن، وعسى أن أوفق لردعه. # ثم افترقا فذهب روكامبول إلى النادي، وانطلق فابيان إلى منزل رولاند، فوجده وعلائم ~~الجزع بادية عليه، فقال له: ما بالك قلقا، ألعلك تنتظر زيارة أحد. ~~- إني أنتظرها (أي الكونتس). ~~- لقد قلت أيها الصديق إنك منخدع، فإن التي تحبها وتزعم أنها تحبك ليست الكونتس ~~أرتوف. ~~- ومن عسى تكون؟ ~~- ربما تكون إحدى بنات الهوى لقيتك في بادن، فانتحلت هذا الاسم كي تتمكن من ~~إغوائك. # وكأن رولاند قد مست كبرياؤه فقال له: أتريد أن تعلم الحقيقة؟ ~~- نعم. ~~- إن الكونتس أرتوف ستكون هنا بعد عشر دقائق، وسأجتمع بها في هذه القاعة التي نحن ~~فيها، فإذا أردت أن تتأكد بأني غير منخدع فادخل إلى هذه الغرفة المجاورة وانظر إليها من ~~ثقب القفل، فتعلم الحقيقة إذ تراها مرأى العين. # وما أوشك أن يتم حديثه حتى قرع الباب الخارجي، فارتعش رولاند وقال: إنها أتت، فإذا ~~شئت أن تراها فأسرع إلى هذه الغرفة المجاورة. ~~- نعم أريد أن أراها، فأظهر لك انخداعك. ~~- إذن أسرع بالاختباء. # فامتثل فابيان ودخل إلى الغرفة، ثم أغلق بابها ووضع عينه على ثقب القفل. # وبعد هنيهة دخلت إلى القاعة امرأة مبرقعة الوجه وقالت لرولاند: ألعلك وحدك؟ # فاختلج فابيان لسماعه هذا الصوت وحدق النظر من ثقب الباب، وكانت قد أزاحت البرقع عن ~~وجهها، فكاد يسقط على الأرض لدهشته ولشدة تأثيره؛ لأنه رأى الكونتس بعينها، ولم يعد ~~لديه شك بما كان يقوله رولاند، وإنما خدع لشدة الشبه بين باكارا وريبيكا، حتى إن ~~الناقد البصير لا يستطيع التمييز بينهما إلا إذا كانتا بإزاء بعضهما. فلما أيقن من أنها ~~امرأة الكونت، رجع عن الباب فجلس على كرسي في آخر الغرفة كي لا يرى ولا يسمع، وهو يقول ~~في نفسه: إن المرأة إذا سقطت في هوة الرجس وتدنست بالآثام فلا رجاء بإصلاحها، ولا ~~تكون مظاهر توبتها غير كاذبة، فما أشد شقاء من ينخدع بهذه المظاهر ويتزوج إحدى هؤلاء ~~التائبات، ms0579 فإن الوحل يجف إذا أصابته أشعة الشمس فيستحيل إلى تراب، ولكنه لا يلبث أن ~~يعود وحلا عند أول رشاش يصيبه من المطر. # أما ريبيكا فإنها جلست بإزاء رولاند، وهو يوشك أن يطير سرورا بها، وقالت له: أتعلم ~~أن الكونت سيحضر غدا؟ # فهدد رولاند الفضاء بقبضتيه وقال: يا ويله إذا اجتمعنا، فلا يلاقي غير ~~الموت. ~~- حبذا ما تقول! ولكن أتدوم على حبي متى أصبحت مطلقة القياد. ~~- بل أعبدك عبادة، وكيف لا أحبك وأنا أريد أن أقتله من أجلك. # فأخذت يده بين يديها وقالت: لعلني أجد طريقة تجمعني وإياك إلى الأبد، أما الآن فليس ~~لي من سعادة لقياك غير ليلة واحدة سأصرفها برمتها معك، ولأجل هذا أتيتك فاذهب الآن إلى ~~الأوبرا واستأجر اللوج الأول فيها، وأنا أوافيك إليه في الساعة العاشرة، ثم نعود سوية ~~إلى محل نستر به حبنا عن العيون. ~~- ألعلك ذاهبة الآن؟ ~~- نعم، فقد صحبتني امرأة تنتظرني على الباب بالمركبة، وما هي إلا رقيبة علي، فلا ~~أحب أن أحملها على الريبة بي إذا أطلت الإقامة عندك. # ثم أفلتت من يديه إفلات الظبي وخرجت وهي تقول: لا تنس الأوبرا. # وبعد ذلك دخل فابيان، فقال له رولاند: أسمعت بأذنك ورأيت بعينيك؟ ~~- نعم، وبئست الساعة التي علمت فيها هذه الحقيقة الهائلة، والآن فلم يبق لي إلا أن ~~أسديك النصيحة، وهي أن تكتم هذه الحقيقة عن جميع إخوانك، لا إشفاقا على عرض هذا ~~الكونت المسكين، بل رحمة لنفسك فإنه رجل شديد. # ثم خرج دون أن يسلم عليه لفرط تأثيره، فلما وصل إلى منزله رأى فيه المركيز ألبرت ~~فريدريك دي شمري، فسأله عما رأى، وكأنه لا يعلم شيئا عن هذه الحوادث. # فأجاب رأيت أن رولاند لم يكن منخدعا، وأن امرأة الكونت أتت بنفسها إليه، وستجتمع به ~~هذه الليلة في الأوبرا في لوج واحد، وربما رفعت برقعها وعرضت وجهها لجميع ~~الحضور. # فرد روكامبول: إنها قد تقدم على أكثر من هذا، وعندي أن رولاند بات مقضيا عليه لا ~~محالة، فإن الكونت أرتوف سيدري بخيانة امرأته إثر عودته، ms0580 فيقتلها ويقتله ثم يقتل نفسه، ~~غير مكترث بالحياة بعد فقد الشرف. # وعند ذلك دخل الخادم ودفع كتابا لروكامبول فاصفر وجهه؛ إذ رأى عليه طوابع أجنبية ~~وعلم أنه من ابنة الدوق، فاستأذن صهره وذهب إلى غرفته ليطالع هذا الكتاب. # وكان الكتاب من ابنة الدوق وهو يتضمن تفصيل سفرها، وشدة تأثر أبيها لفقد قريبيه ~~وانقسام حبل أسرته، ثم ذكرت له أنه بعد أن خفت لواعج أبيها كاشفتها أمها بأمر الزواج، ~~ووصفت لها الدوق دي مايلي مثنية على آدابه، واشترك معها أبوها فذكره أمامها بالخير، مما ~~يدل على رضاه عنه، غير أن ابنة الدوق ختمت كتابها بتجديد علائق الحب مع روكامبول، وعادت ~~إلى شكره لإنقاذها من الدون جوزيف كأنها تطلب إليه إنقاذها من الدوق مايلي ~~أيضا. # فلما أتم تلاوته ذهب به لأندريا وقرأه عليه، فأخذ لوحه الحجري وكتب عليه: يجب أن ~~تسرع بشأن باكارا، وأن لا تهتم بشأن ابنة الدوق إلى أن تعود. ~~- ماذا يجب أن أصنع بشأن باكارا؟ ~~- يجب أن تجد ذلك الطبيب الذي عالجني، فإنه خبير بجميع أنواع السموم، وإن بين هذه ~~السموم سما لا يقتل شاربه، ولكنه يذهب بعقله إلى حين، فإذا تمكنت من الحصول منه ~~على هذا السم بلغتك ما تريد. ~~- ماذا تبغي أن أصنع بهذا السم؟ ~~- ستعلم ذلك حين إحضاره. # فذهب روكامبول ممتثلا وهو يفكر في حيلة تمكنه من إغراء هذا الطبيب على إعطائه ~~السم المطلوب. # 23 # ولنعد الآن إلى رولاند، فإنه ذهب في الساعة التاسعة إلى الأوبرا، وأقام في اللوج ~~الذي اتفق مع ريبيكا أن ينتظرها فيه، وكان جميع أصحابه قد علموا بهذا الموعد فجاءوا إلى ~~الأوبرا كي يتأكدوا صدق رولاند، فلما كانت الساعة العاشرة رأوا أن امرأة أدخلت إلى لوجه ~~وجلست بإزائه، ولكنهم لم يتبينوا وجهها لأنها أقامت إلى انتهاء التمثيل دون أن تزيح ~~برقعها، غير أن الفضول دفعهم إلى معرفتها، فتصدوا لها ولرولاند عند خروجهما من اللوج ~~ووقفوا في ممرهما، وكان معهما روكامبول، فلما خرجا ونظرت إليهم أشار إليها روكامبول ~~إشارة خفية، فأزاحت البرقع كأنها ms0581 تريد إصلاحه، فرآها الجميع وأيقنوا أنها الكونتس أرتوف ~~لشدة ما كان بينها وبين باكارا من الشبه، ثم اقتفوا أثرهما إلى أن رأوهما دخلا إلى منزل ~~رولاند، فرجعوا وكلهم يعجبون بما رأوه ويتوقعون لرولاند القتل العاجل. # أما روكامبول فإنه انفصل عنهم، وفي اليوم التالي تنكر وذهب إلى منزله السري، وأقام ~~فيه ينتظر قدوم زامبا إليه بخبر جديد، فما طال انتظاره حتى جاءه هذا الخادم وأخبره أن ~~الكونت أرتوف وصل إلى باريس في هذا الصباح، وأن امرأته أرسلت إلى الدوق مايلي هذه ~~الرسالة، فتصفحها روكامبول فإذا هي تخبره فيها بقدوم زوجها، وأنهما ينتظرانه في هذا ~~المساء، وأن زوجها طال اشتياقه إلى باريس ونواديها، فهو ينتظر زيارة الدوق مايلي ثم ~~يذهب وإياه إلى ناديه، فلما أتم قراءتها ردها إلى زامبا وقال له: يجب أن أقف على ~~أخبار سيدك كل يوم بالتفصيل، وإذا تعذر عليك القدوم إلي فاكتب لي. # فانصرف زامبا ممتثلا، وبقي روكامبول فجعل يضحك ويقول في نفسه: لقد كنت أبحث عن ~~طريقة أتمكن بها من جمع رولاند بالكونت أرتوف، وقد وجدت هذه الطريقة نفسها، فإن الدوق ~~دي مايلي ورولاند مشتركان في ناد واحد، وسيأخذ الكونت صديقه الكونت أرتوف إلى هذا ~~النادي فيجتمعان. # ثم غير زيه وذهب إلى ريبيكا، فجلس إلى منضدة وأخرج من جيبه رسالة من خط باكارا، ~~فقلد خطها تقليدا عجيبا، وكتب رسالة بهذا الخط المقلد إلى رولاند وأعطاها لريبيكا ~~وقال لها: اذهبي بها في الساعة العاشرة إلى منزل رولاند. ~~- أيكون فيه؟ ~~- كلا، بل يكون في النادي، لكنك تعطين هذه الرسالة إلى خادمه وتأمرينه أن يذهب بها ~~إلى سيده في النادي فيمتثل، أما أنت فإنك تدخلين إلى المنزل وتنتظرينه فيه إلى أن يحضر ~~فتقيمين معه ساعة، ثم تذهبين دون أن تحددي له موعد آخر. ~~- أهذا كل شيء؟ ~~- نعم، وتقولين أيضا إن زوجك الكونت أرتوف قد ذهب إلى النادي مع الدوق مايلي، ~~فاغتنمت هذه الفرصة للحضور إليه. # ثم أعطاها الرسالة وعاد إلى منزله، فتلبس بلباس المركيز ومضى إلى منزل أخته ~~المركيزة. # وفي ms0582 الساعة العاشرة من المساء ذهب مع صهره فابيان إلى النادي، وكان فيه رولاند ~~وأوكتاف ومعظم أعضاء ذلك النادي الذين كانوا واقفين على سر رولاند، وفيما هم جالسون على ~~طاولة اللعب إذ ورد كتاب إلى فابيان من الكونت أرتوف، يقول فيه إنه قادم إلى النادي مع ~~الدوق دي مايلي وهو يرجو أن يراه فيه، فأوقف فابيان روكامبول على هذه الرسالة وقال له: ~~إن الكونت سيلتقي الآن برولاند، وعندي أنه يخلق بنا إبعاد رولاند تلافيا لهذا ~~اللقاء. # فأجاب روكامبول: وماذا عليه من هذا اللقاء، أتحسب أن رولاند سيقول للكونت إني أحب ~~امرأتك؟ ~~- كلا، ولكنه سيقف معه موقف الوقح المنتصر، فيثير منه الظنون، فخير له أن نحتال في ~~إبعاده. ~~- إن ذلك محال، فإنه يلعب الآن، وفوق ذلك فإنه يخسر فلا سبيل إلى إخراجه. # فالتفت فابيان إلى جهة الباب وقال: لم يعد سبيل إلى ذلك، فإن الكونت قد ~~حضر. # ولم يتم كلامه حتى دخل الكونت أرتوف والدوق دي مايلي، فأقبل الجميع يهنئون الكونت ~~أرتوف بعودته، وينظر بعضهم إلى بعض ويتغامزون، وقام فابيان فسلم عليه وقام له ~~روكامبول فاحتفل به الكونت احتفالا عظيما، وقد تنكر عليه فلم يعلم أن هذا المركيز ~~الجديد قد وضعه منذ خمسة أعوام في كيس وألقاه في النهر. ثم جاء به الدوق مايلي إلى ~~طاولة اللعب التي كان عليها رولاند، وعرفه بجميع من كان حولها حتى انتهى إلى رولاند، ~~فحياه الكونت باحترام وقال له: إني أغتنم هذه الفرصة لشكرك يا سيدي باسم امرأتي التي ~~أنقذتها من الموت، فإنها مدينة لك بحياتها. # فتناظر الحضور نظرات الهزء، أما رولاند فإنه اكتفى بأن يقول له: إني عملت ~~واجباتي. # وعاد إلى اللعب وعلائم عدم الاكتراث بادية عليه، فهمس روكامبول بأذن صهره وقال: ما ~~هذا الأبله؟ # فتنهد فابيان وقال: إنه يسعى إلى حتفه بظلفه؛ إذ لا بد أن يقتله الكونت. # ولما رأى فابيان قحة رولاند خشي وخامة العاقبة، فاقترح على الكونت - كي يشغله عن ~~مراقبة الحضور - أن يدخل معه ومع روكامبول والدوقة إلى غرفة ثانية يلعبون ms0583 بالورق، فقبل ~~الكونت شاكرا ودخلوا جميعهم إلى الغرفة وبدءوا باللعب. # وخلا الجو لرولاند ورفقائه، فجعلوا يبحثون في شأن الكونت ورولاند كما يريدون، من هازئ ~~به ومشفق عليه، كل ذلك ورولاند يبتسم ابتسام المنتصر إلى أن قال أحدهم: لا شك أن الكونت ~~غير مرتاب بشيء، وإلا لما وقف الأمر عند هذا الحد. # فقال آخر: ولكن رولاند اصفر وجهه عندما رآه حتى يقال إنه اضطرب وخشي من أن ينظر ~~إليه. # فتحمس رولاند وقال: لقد أخطأت أيها الصديق، بل إني سأبحث عنه وأجلس وإياه على طاولة ~~واحدة كي تعلم أني لا أهاب نظراته. # ثم ترك اللعب وذهب يبحث في غرف النادي حتى انتهى إلى الغرفة التي كان فيها الكونت، ~~فدنا من الطاولة التي كانوا يلعبون عليها وجلس تجاه روكامبول واشترك معهم باللعب، وكان ~~الكونت جالسا في الجهة المقابلة له، غير أنه كان منهمكا باللعب، فلم ينتبه إلى ما كان ~~يظهره رولاند من القحة والميل إلى إظهار العداء، ولم يكن يخشى سوء عاقبة هذا الاجتماع ~~غير فابيان. # وفيما هو يلعب مع اللاعبين إذ دخل خادم النادي وقدم له كتابا ففضه وألقى الغلاف ~~إلى الأرض، ثم ما لبث أن تلاه حتى ابتسم ابتسام الظافر وأعطاه لروكامبول وهو يقول له ~~بصوت منخفض: إنه منها. كأنه نسي أن الكونت مقيم بينهم. # فعلم فابيان أن الكتاب من باكارا، فنهض عن كرسيه وأسرع فاختطف الكتاب من يد روكامبول ~~وقال لرولاند بصوت المؤنب المازح: إنك لا تشفق على أحد، أليس من الظلم أن تثلم عرض ~~هذه الممثلة، وأنت تعلم أنها ذات زوج؟ # وبينما رولاند في انذهاله من هذه المفاجأة، ولا يعلم أيغضب أم يضحك لقول صديقه، أدنى ~~فابيان الرسالة من الشمعة وأحرقها بحيث لم يبق من أثرها غير الغلاف الذي ألقاه ~~رولاند على الأرض، ثم قال له: اذهب أيها الصديق إلى موعدك، وكن حريصا على ~~الأعراض. # فقام رولاند وقد نسي كل شيء عند ذكر الموعد، وسلم بملء القحة وخرج، فذهب للقاء ~~ريبيكا التي يحسب أنها باكارا، وعاد اللاعبون إلى اللعب ms0584 غير أن الكونت كان مقطب الجبين ~~لا سيما من كل ما أجراه رولاند. # وبعد ساعة فرغوا من اللعب، فذهب فابيان والدوق دي مايلي إلى منزليهما، وبقي روكامبول ~~والكونت فأخذ كل منهما جريدة من جرائد المساء وجعل يطالع أنباءها، وكان روكامبول يقرأ ~~ويراقب الكونت، فيراه ساهي الطرف والجريدة بيده كأنه يفكر بتلك الرسالة، وإسراع ~~فابيان إلى اختطافها وإحراقها إلى أن أبعد كرسيه ورجع بها إلى الوراء، فالتفت وهو ~~يصلحها إلى الأرض، فرأى غلاف الرسالة فانحنى وأخذه، وما كاد يقع نظره على خطه حتى ~~اصفر وجهه اصفرارا شديدا، وأوشك أن يسقط من اضطرابه، فقال روكامبول في نفسه: لقد ~~قضي الأمر وعرف الخط. # ثم ترك الغرفة وانصرف وهو فرح القلب بنجاح مساعيه وهو يقول في نفسه: إن الليل قد ~~انتصف، فإذا لم يحدث شيء فوق الحسبان فإن الأمور تجري على ما أريد؛ وذلك أن باكارا إما ~~تكون قد عادت من عند أختها، أو أن تكون باقية عندها، فإذا كانت قد عادت فإن الكونت قد ~~تدفعه الغيرة والغضب إلى قتلها، وإذا كانت لم تعد فلا بد للكونت من الذهاب إلى ~~رولاند، وفي كلتا الحالتين فإن الفوز لي. # أما الكونت أرتوف فإنه كان كلما أعاد النظر إلى خط الغلاف يزيد اضطرابا، فإنه أيقن ~~أن الخط خط امرأته، وإنها هي التي راسلت رولاند، ثم أيقن أن هذا الرجل أنقذها من الغرق، ~~وأنه كان يراسلها، وقد حاول أن يزورها عدة مرات، وأن فابيان بل جميع أعضاء النادي ~~واقفون على سر علائقها مع رولاند، وخطر له أن فابيان لم يحرق الرسالة إلا لأنه يعلم بما ~~فيها، وأن نظرات أصحاب رولاند وتغامزهم لم تكن إلا عليه، فهاجت به الغيرة حتى أوشك أن ~~يجن، وأسرع إلى الخروج من النادي إلى منزله. # ولما وصل إليه رأى مركبة على الباب، فسأل البواب: لمن هذه المركبة؟ فأخبره أنها ~~لامرأته. ~~- متى عادت؟ ~~- الآن. # فصعد الكونت إلى غرفتها، وكانت لا تزال بالملابس التي كانت فيها عند أختها سريز، وهي ~~باسمة الثغر طلقة المحيا، وعليها جميع ms0585 دلائل السرور، ولكنها ما لبثت أن نظرت إلى زوجها ~~حتى راعها اصفراره، فقالت له: ما بالك؟ ألعلك لعبت فخسرت؟ ~~- ألعل نقص مالي ينقص من حبك لي. # ثم وضع يده على جبينه كمن يريد أن يفتكر قبل أن يقدم على أمر هائل، فأعاد هذا ~~التفكير بسكينة وقال لها: أتسمحين لي أن أضع يدي على قلبك؟ # فلم تفهم باكارا شيئا من مراده وأخذت يده ووضعتها على قلبها، فكان ينبض النبض ~~العادي، وكانت شفتاها تبسمان فقالت له: ما بالك أيها الحبيب، وما هذه الأمور التي ~~تجريها؟ ألعلك جننت؟ ~~- كلا، ولكني على وشك الجنون، أتسمحين لي أن أسألك بعض الأسئلة؟ # فابتسمت وقالت: سل ما تشاء يا حضرة قاضي التحقيق، ولنر فلعلي مذنبة! # فقال الكونت ببرود: لا أعلم، فقولي لي متى عدت؟ ~~- الآن. ~~- من عند أختك؟ ~~- دون شك. فأطرق الكونت يفكر، ثم نظر إلى باكارا فرآها هادئة ساكنة لا أثر في ~~وجهها للاضطراب، فقالت له باكارا: يظهر أنك غيور. ~~- هذا أكيد. ~~- إذن فتصرف بما أعطيته من سلطة الزواج، وسل ما تشاء. ~~- أما قلت لي مرة إن رولاند دي كايلت أرسل لك عدة رسائل كاشفك فيها بغرامه؟ ~~- نعم، وقد فعل ذلك في بادن، ثم عاد إليه في مدينة هلدبرج حين أنقذني من ~~الغرق. ~~- يظهر أنه بات له عليك حق إنقاذك من الموت. ~~- إني أعرف هذا الشاب، فهو في مقتبل العمر كثير الغرور، فقد لا يبعد أن يكون روى ~~حادثة غرقي وإنقاذي رواية خدشت سمعتي واتصلت إليك، غير أني ألتمس منك أمرا. ~~- سلي ما تشائين. ~~- إنك دعوت بعض الأصدقاء إلى شرب الشاي عندك في مساء غد، فأذن لي أن أدعو هذا ~~الفتى فنشكره لإنقاذي من الغرق، وبعد ثمانية أيام يرسل إليك بطاقة زيارته حسب العادة، ~~فترسل له رقعتك وينقضي كل شيء كما أرجو، فإننا مدينون لهذا الرجل. ~~- أهذا كل ما تريدين أن تقوليه؟ ~~- وما أقول غير هذا؟ ~~- ألم تنظريه بعد عودتك إلى باريس؟ # فقالت بملء السكينة: كلا. # فاقتنع الكونت بعض الاقتناع لما رآه من سكينتها، ولكنه قال: ms0586 إنه أمر غريب. # فأخذت باكارا يده بين يديها وقالت: أوضح لي كل شيء أيها الحبيب، إنك طاهر القلب نبيل، ~~وأنت تعلم أني أحبك حبا شديدا، فلا يخلق بي أن أقف أمامك موقف المجرمين. ~~- وهذا الذي يسوءني. # فأجفلت باكارا وقالت بلهجة السيادة: إني أسألك بدوري فأجبني من أين أتيت؟ وماذا سمعت؟ ~~وماذا قيل لك؟ ~~- إني أتيت من النادي الذي ذهب بي إليه الدوق دي مايلي، وقد لقيت فيه رولاند دي ~~كايلت، ولقيت من قحته ما لا أنساه. ~~- لا ينبغي أن تعجب من قحته، فقد تجاسر أن يرسل لي رسائل غرامه وهو لا يكاد يعرفني. ~~أهذا كل شيء؟ ~~- كلا فقد كان هذا الفتى مع فريق من أصحابه وكلهم على شاكلته، فكانوا ينظرون إلي ~~نظرات تهكم ويتغامزون. ~~- إنه لأمر خطير كما يظهر، فلا بد أن يكون رولاند قد اختلق عني ما يمسني، وفي هذه ~~الحالة فلا بد من تأديبه. وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك فإنه بينما كان رولاند جالسا على طاولة اللعب، أحضر له خادم النادي رسالة ~~ففضها وقال: إن هذا الكتاب ورد إليه من سيدة لها مقام كبير، وهي تنتظره في منزله. ثم ~~رمى الغلاف إلى الأرض، وأعطى الرسالة إلى المركيز دي شمري الذي كان في جواره، فأسرع ~~فابيان إلى اختطافها وإحراقها، وبعد ذلك ذهب اللاعبون وذهب رولاند، فلما وجدت نفسي ~~وحيدا في الغرفة أخذت المغلف عن الأرض وعدت به إليك وهذا هو. # فأخذته باكارا وما أوشكت أن تقرأ العنوان وتتبين الخط حتى اصفر وجهها، ثم وثبت عن ~~كرسيها منذعرة كأنما لسعتها أفعى وقالت: رباه ماذا أرى! فإن الخط خطي لا ريب فيه، فمن ~~زور هذا العنوان؟ ومن كتب بيدي؟ ثم سقطت على كرسيها وهي قريبة الإغماء، وكانت جميع ~~مظاهر انذعارها واضطرابها صادقة لا سبيل إلى الارتياب فيها؛ حتى إن الكونت جثا أمامها ~~على ركبتيه وقال: أسألك العفو، فإني تجاسرت على إساءة الظن بك. # فأنهضته باكارا وقبلته بجبينه ثم قالت له: وكيف لا تشك وبيدك مثل هذا ~~البرهان؟ ~~- مهما كان من أمر هذا ms0587 البرهان، فما كان ينبغي أن أشك بك، على أن هذا الرجل التعس لا ~~بد أن يموت غدا، وها أنا ذاهب لأعين شهودي ونتفق على موعد المبارزة. # فأوقفته باكارا وقالت: بل ابق هنا وأصغ إلي فتعلم أني غير مخطئة. ~~- قولي ماذا تريدين أن أصنع؟ # فأخذت باكارا الغلاف وقالت: إن هذا الخط يشبه خطي شبها غريبا، فإما أن يكون رولاند ~~قد تمكن من تقليد خطي كي يفتخر أمام إخوانه بعلائقه معي، وإما أن يكون هذا التشابه من ~~قبيل الاتفاق كما يتفق تشابه الوجوه، ويكون رولاند يحب امرأة يشبه خطها خطي من قبيل هذا ~~الاتفاق. ~~- إن هذا مستحيل. ~~- لا شيء مستحيل في الأرض. ~~- إذا كان رولاند يحب امرأة يشبه خطها خطك؛ فما معنى هذه النظرات من إخوانه؟ وما معنى ~~تغامزهم علي؟ ~~- هل انتقدت على هذه النظرات قبل أن تعثر بالغلاف؟ ~~- كلا. ~~- إذن فقد أثار بك الغلاف هذه الهواجس، ومثل لك هذه النظرات تغامزا عليك، على أني ~~لا أزال أقول إن رولاند إما أن يكون تعسا مجرما، وفي هذا المقام فلا بد من عقابه شر ~~عقاب بعد إظهار جريمته للجميع، وإما أن تكون هذه الخيانة من عند الصدفة والاتفاق ... انظر ~~إلي أيها الحبيب، وسل نفسك: أيمكن لامرأة رفعت مقامها حتى بلغت إليك وتجاسرت على ~~حمل اسمك الشريف، أن تبلغ من نكران الجميل إلى حد الخيانة؟ # ثم شهقت بالبكاء، فحن الكونت إليها وضمها إلى صدره وقال: إني أريد أن أعرف العالم ~~أجمع أنك خير امرأة على الأرض. # ثم سكت الاثنان سكوتا قصيرا إلى أن بدأت باكارا الحديث فقالت: أتأذن لي أن أتولى ~~هذا الأمر بنفسي كما كنت تأذن لي من قبل. ~~- نعم، فافعلي ما تشائين. ~~- إني سأدعو رولاند إلى شرب الشاي عندنا غدا، وأنت تراقبه كما تريد حتى إذا تجاسر ~~على أن يخرج عن حدود الاحترام سلمته إليك. ~~- حسنا فليكن ما تريدين. # فقامت عند ذلك إلى منضدة وكتبت إلى رولاند هذه الرسالة: # سيدي # لم أنس أني مدينة لك بالحياة، فأذن لي أن أشكرك بذلك وأن ms0588 أدعوك إلى ~~زيارتنا مساء كي تشرب الشاي عندنا مع بعض الأصدقاء؛ كي أظهر لك شكري ~~وامتناني. # الكونتس أرتوف # ثم طوت الرسالة وتركتها على المنضدة كي يأخذها الخادم صباحا إلى رولاند، وبعد حين ~~ترك الزوجان الغرفة التي كانا فيها ودخلا إلى غرفة النوم، وكل منهما يفكر في ~~شأن. # وفي الوقت نفسه فتح باب ودخل منه زامبا، فانقض على الرسالة وقرأها ثم نسخها، وخرج ~~دون أن يشعر به أحد، فذهب توا إلى منزل روكامبول السري؛ إذ قال له إنه ينتظره فيه إلى ~~الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فلما رآه روكامبول علم أنه يحمل خبرا جديدا، فقال ~~له: ما وراءك من الأخبار؟ # فأطلعه زامبا على نسخة الرسالة، فسر روكامبول سرورا عظيما بها؛ لأنه لو لم يقف ~~عليها لذهبت جميع مساعيه أدراج الرياح، ثم أطلق سراح زامبا وواعده إلى الغد، وانطلق بعد ~~ذلك إلى ريبيكا، فأملى عليها كتابا لرولاند وانصرف. # 24 # وفي اليوم التالي أقبل أوكتاف على صديقه رولاند قبل أن يخرج من منزله، فقال له: إني ~~أراك باسم الثغر فرح القلب، فما شبهك إلا فرنسوا الأول الذي كان ينام على مركبة المدفع ~~ليلة القتال. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني أراك قرير العين ناعم البال، كأنك غير خائف من شيء. ~~- ومما أخاف؟ ~~- من الكونت أرتوف. ~~- لا أعلم لماذا يجب أن أخافه. ~~- لأنه سيعلم قريبا بكل شيء فتتبارزان، وقد روي عنه أحاديث كثيرة تدل على شدة هوله ~~في المبارزة، فإنه ما بارز خصما إلا قتله. ~~- أنا سأقتله، فإن الشواذ من لوازم كل قاعدة. # وفيما هما على ذلك إذ دخل الخادم يحمل كتابا إلى رولاند، فأخذه وفضه مسرعا لأنه عرف ~~الخط، وقرأ ما يأتي: # حبيبتي رولاند # إني أكتب إليك في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، مغتنمة فرصة رقاد زوجي ~~الظالم لأخبرك بأنه قد ثارت عاصفة وستنقض على رأسي، كأن الليالي قد غيظت من ~~تساقينا الهوى فدعت بأن نغص، وذلك أني أخطأت خطأ عظيما حين كتبت لك أمس بخط ~~يدي لحذري من وصيفتي التي أستكتبها فحرقت رسالتي، ولكنك ms0589 أبقيت الغلاف فوقع بيد ~~زوجي الكونت وعرف الخط، وجاء إلي وهو يتميز من الغضب، وكنت قد رجعت من عندك ~~حتى خشيت أن يقتلني، ولكني قد تشجعت وهبت لي قوة عظيمة تجاه هذا الموقف الخطر، ~~فكذبت وأنكرت وقلت تشابه الخط من قبيل الاتفاق، وهو يتشابه كما تتشابه الوجوه ~~فصدقني، ولكنه بقي له شيء من الريبة بي، فطلب إلي أن أدعوك كي تشرب الشاي ~~عندنا مساء غد وغرضه من هذه الدعوة أن يراقبنا، ويتمعن بحركاتنا ونظراتنا، ~~فاحذر من أن تبدر منك بادرة أيها الحبيب، فإن نظرات المحبين لا تخفى على ~~الحاذقين، ولا تتجاوز معي حد الاحترام وأنا سأكون كذلك، فأمثل البساطة والطهارة ~~خير تمثيل، فإذا اقتديت بي وكنت حكيما نجونا وعدنا إلى ما كنا فيه. # والآن فإني أستودعك الله إلى الغد، كلا فإني سأكون غدا غريبة عنك، إذن ~~أستودعك الله إلى لقاء تمهده لنا الصدفة ... أحبك. # وكانت هذه الرسالة خالية من التوقيع، فلما أتم رولاند تلاوتها دفعها إلى أوكتاف، ~~فقرأها وقال: إني أود أن أخسر سنة من حياتي وأكون مدعوا إلى تلك الحفلة كي أرى ما ~~يكون منك فيها. # وعند ذلك طرق الباب مرة ثانية ودخل الخادم بكتاب آخر، وكان هذا الكتاب من باكارا ~~الحقيقية تدعوه فيه إلى شرب الشاي في منزلها كما اتفقت على ذلك مع زوجها. # وفي الساعة التاسعة من المساء ذهب رولاند إلى منزل الكونت، وكان عدد المدعوين قد تم ~~وبينهم روكامبول وصهره، فكان روكامبول خائفا من أن تعرفه باكارا، ولكنه اطمأن لأنه حين ~~قدم لها باسم المركيز دي شمري حادثته بأمور كثيرة، فلم يظهر منها شيء يدل على ريبتها ~~به. أما رولاند فإنه كان يعامل باكارا بملء الاحترام والكونت يراقبه، فلم ير منه ما ~~يدل على شيء من آثار الحب، فلما انقضت السهرة وانصرف المدعوون كان رولاند آخر ~~المودعين، فقبل يد باكارا في أشد حيرة؛ لأنها لا تعلم ما كان يعنيه بهذا الامتثال إذ ~~لم تأمره بشيء، ولكنها قالت في نفسها: إنه ربما كان يريد بذلك أنه لم ms0590 يزرني في مدينة ~~هدمبرج؛ لأني لم أدعه فعد ذلك امتثالا. # ولما انصرف الجميع عادت إلى زوجها فقالت له: ماذا رأيت؟ ~~- رأيت أننا ظلمنا هذا الشاب بريبتنا به، فإني لم أر منه إلا كل احتشام ~~وأدب. # وفي اليوم التالي خرج الكونت يتنزه بعد الظهر على جواده حتى وصل إلى محل تباع فيه ~~أشهر المرطبات، وهي حديقة مقسمة إلى غرف صغيرة يفصل بينها خشب رقيق، فدخل إلى إحدى ~~هذه الغرف وطلب كأسا من الشراب، وفيما هو يشربها سمع صوتا من الغرفة المجاورة لغرفته ~~عرف أنه صوت أوكتاف الذي تعرف به أمس في النادي، فأصغى بالرغم عنه إلى حديثه مع ~~رفيقه، فسمع أوكتاف يقول: كنت أود أن أكون أمس في الحفلة التي كانت في منزل الكونت ~~أرتوف. # فأجاب رفيقه: لا بد أن يكون رولاند قد تصرف بحشمة وأدب. # فارتعش الكونت وقال في نفسه: لماذا يتكلمان عن رولاند في معرض الكلام عني؟ # فقال أوكتاف يحادث رفيقه: إني لقيت رولاند اليوم، فأخبرني أن كل شيء قد تم على ~~مرامه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن رولاند كان يمثل رواية في ما أبداه من مظاهر الحشمة، ولكني أعجب من ~~الكونتس كيف أنها كانت باسمة الثغر ماهرة بإظهار عدم الاكتراث وإخفاء مظاهر الخجل، حتى ~~إنها كانت تحادث رولاند كأنها قد رأته للمرة الأولى. # فقال له رفيقه: لا تثق بأقوال رولاند، فإنه كثير الغرور مهذار. ~~- بل أنت ثق بأن الكونتس تحبه. ~~- أرأيتها في منزله؟ ~~- كلا، ولكني رأيتها معه في الأوبرا. ~~- أكانت مسفرة عن وجهها؟ ~~- كلا، ولكنها عند خروجها من اللوج الذي كانت فيه مع رولاند تصديت لهما في الممر، ~~ورأيتها قد أبعدت البرقع عن وجهها فعرفتها. # فشعر الكونت أرتوف عند سماعه هذا الكلام أن العرق البارد ينصب من جبينه، أما أوكتاف ~~فإنه أتم حديثه فقال: وفوق ذلك فإني صديق رولاند وهو لا يكتم عني أمرا، ويطلعني على ~~جميع رسائله، وقد علمت منه أن الكونتس كانت تستقبله في منزل في شارع باسي، ثم إني كنت ~~عنده في صباح أمس، فورد إليه ms0591 كتاب أوقفني عليه، وكان من الكونتس وقد قالت له فيه: إنها ~~أرسلت كتابا آخر غير هذا يتضمن دعوته إلى منزلها، غير أن هذا الكتاب كان بخط وصيفتها، ~~والكتاب الآخر المتضمن للدعوة كان بخطها، فإن باكارا تعرف أن تحذر. ~~- ولكن رولاند يسعى إلى حتفه بظلفه، فإن خصمه قوي شديد. # فقال أوكتاف: لقد قلت مثل هذا القول لرولاند، وأن من يجسر على الزواج بباكارا لا بد ~~أن يكون من الأشداء. # غير أن أوكتاف قبل أن يتم كلامه سمع من ورائه صوتا شديدا صعق له، فالتفت فرأى ~~أمامه الكونت أرتوف وقد اصفر وجهه فأصبح كالأموات، وجعل الشرر يقذف من عينيه وانقض ~~على أوكتاف وشد عليه فألقاه على الأرض راكعا، ثم قال له بصوت يتهدج من الغضب: أنا هو ~~الكونت أرتوف، ولا يمنعني عن قتلك الآن غير ما أجده من حداثة سنك، وأنه لا بد أن يكون ~~لك أم تبكي عليك، ثم لا ينقذك من قبضتي غير أمر واحد. # وكان هياج الكونت شديدا حتى إن هذين الغلامين باتا يرتجفان أمامه كما يرتجف التلميذ ~~المسيء أمام معلمه، وجعل أوكتاف يعتذر فأنهضه الكونت وقال له: إنك لا تنجو مني إلا إذا ~~أقسمت لي بأنك تذهب إلى منزلك، فتقيم فيه يوما وليلة لا تخرج منه ولا ترى ~~رولاند. # فأقسم أوكتاف، فقال الكونت: احذر من أن تنكث عهدك إذا أردت أن تسلم من الموت، فإني لا ~~أريد قتلك بل قتله. # ثم أطلق سراحه، فانصرف مع رفيقه وهو يقول: لقد قضي على رولاند القضاء ~~المبرم. # 25 # يذكر القراء ذلك الطبيب الذي عالج أندريا وأزال عن وجهه آثار ذلك الوشم الذي كان ~~يشوهه أيما تشويه، وقد كان لهذا الطبيب شهرة بعيدة في باريس وفي المنتديات العلمية، ولا ~~سيما بالسموم؛ إذ كان من أشد الأطباء خبرة بها، وكان هذا الطبيب واسمه صموئيل يقيم في ~~منزل واسع تكتنفه حديقة غناء، فيصرف معظم أوقاته بالبحث والمطالعة والوقوف على ~~الدقائق العلمية. # ففي اليوم نفسه الذي كان فيه الكونت أرتوف يتنزه وقد لقي أوكتاف، وسمع ms0592 منه تلك ~~الكلمات الهائلة كما تقدم، كان روكامبول قد ذهب لزيارة صموئيل الطبيب، فأوقف مركبته ~~خارج الحديقة ودخل به الخادم إلى الغرفة التي كان يشتغل فيها الطبيب، وكان يدعوها غرفة ~~السموم لوجود جميع أنواعها فيها بين قاتل ومشوه ومغن وذاهب بالعقل إلى غير ذلك. # ولما دخل روكامبول كان الطبيب جالسا على طاولة وعليها كثير من الكتب صف بعضها فوق ~~بعض، بحيث باتت تحجبه عن عيون الداخلين، وكان يفحص بنظارة إحدى الأوراق السامة فحصا ~~مدققا حول انتباهه إليها، بحيث لم يشعر بدخول المركيز إليه إلا حينما نبهه الخادم ~~وأعلن له اسم المركيز دي شمري، فأسرع الطبيب لاستقباله وقابله مقابلة تدل على علو ~~مكانته عنده، فقال له روكامبول: أسألك المعذرة عن مضايقتي لك في أشغالك، ولكني مررت ~~ببابك فذكرت أني مدين لك بإصلاح هذا البحري المسكين (يشير إلى أندريا)، وأني تأخرت عن ~~إظهار امتناني لك إلى الآن، فأتيت كي أصلح هذا الخطأ. # ثم أخذ من جيبه ورقة مالية بقيمة ألف فرنك ووضعها بلطف واتضاع على الطاولة ، ثم لما ~~انتهى من حديث المجاملة قال له روكامبول: ألا تزال عاكفا على طلب العلم والتنقيب عن ~~غوامضه؟ ألم يكفك ما بلغت إليه وأنت اليوم إمام العلماء وحجة الأطباء؟ # فأجابه الطبيب باتضاع ورفق: إن هذا العلم يشبه أعماق الأوقيانوس الهندي التي يطلبها ~~الغواص لاستخراج اللؤلؤ، فهو كلما غاص فيه يزيد عثوره على مخبآته، ثم يخرج لسطح الماء ~~وقد كادت أنفاسه تنقطع، فلا يلبث أن يملأ رئتيه من الهواء ويستريح حتى يعود إلى ما كان ~~فيه من الغوص واستخراج اللؤلؤ الثمين، وهكذا العلماء فإنهم يغوصون في لجج هذا العلم، ~~فكلما اكتشفوا شيئا بدت لهم أشياء لم يروها من قبل، فلا يزالون على ذلك إلى أن تتلاشى ~~قواهم ولا يستطيعون أقل جهد. # فقال روكامبول: إذن فما نقول نحن الجهلاء إذا قضي علينا أن نندمج معكم ونغوص في هذه ~~اللجج كل يوم؟ # فابتسم الطبيب وعاد روكامبول إلى الكلام فقال: لقد كنت أمس في مجلس دار فيه الحديث ~~على العلم ms0593 والعلماء، فجعلتك سمر هذا الحديث وقلت إن لديك مجموعة من السموم الهندية لا ~~يوجد منها في أوروبا، منها ما يميت ومنها ما يشفي من الموت. # فابتسم الطبيب وقال: بل منها ما يذهب بالعقل، ومنها ما يشفي من الجنون. ~~- إني أعرف هذا السم الذي يذهب بالصواب. ~~- إن هذا الذي تعرفه مشهور في أوروبا، ثم إن الجنون الذي يحدثه لا يكون إلا ~~وقتيا. ~~- وقد سمعت أحدهم يذكر سما هنديا من مدينة جافا، يقول إنه إذا شربه المرء جن ~~جنونا طويلا. ~~- إن لدي منه في مجموعتي، أتريد أن تراه؟ ~~- لا بأس فقد رويت حكاية عن تأثير هذا السم تشوقت بعدها أن أراه. # فقام الطبيب إلى واجهة معلقة في الجدار، وأخرج الزجاجة الثالثة من الصف الأول وجاء ~~بها إلى روكامبول، فرآها تحتوي على رشاش يشبه الدقيق، فحكى له الطبيب تاريخ هذا السم ~~وقال: إنه ورق شجرة لا تنبت إلا في جافا، يؤخذ ورقها فيجفف ويسحق حتى يغدو كما ~~تراه، فإذا وضع درهم من المسحوق في كأس ماء أو شراب وشربه المرء جن وبقي مجنونا ~~مدى الحياة، غير أن الغريب في هذا السم أنه الداء والدواء في حين واحد، فإن شاربه لا ~~يشفى منه إلا به، وذلك بأن يسقى منه ثانية مقادير لا سبيل إلى بيانها لتعلقها ~~بحالة المسموم به وأعراض جنونه ومدتها، إلى غير ذلك مما لا يفهم تفصيله غير ~~الأطباء. # فأظهر روكامبول عجبا شديدا بملء البساطة، وذهب الدكتور فأرجع الزجاجة إلى محلها، ~~وفيما هو عائد إلى روكامبول إذ فتح باب الغرفة بعنف ودخل إليها خادم الطبيب ووراءه ~~اثنان عليهما ملامح الذعر وهما يصيحان: أدركنا! ~~- ماذا حدث؟ # فقال أحدهما: إن أحد خدم البيوت الكبيرة لطمته مركبة فسقط على باب منزلك وهو لا ~~يعي. # فاعتذر الطبيب وقال له: لقد عينتك حارسا لغرفتي إلى أن أعود. # ثم خرج في إثر الجماعة لمعالجة الخادم المغمي عليه على باب الحديقة الخارجي حتى وصل ~~إلى هذا الرجل المغمي عليه، فنزع عنه ثيابه وفصحه فحصا مدققا، فلم يجد به أثرا ms0594 لرض ~~أو جرح، فأمر أن ينضحوا وجهه بالماء البارد ويدلكوا صدغيه بالخل، ففعلوا ووقف بينهم ~~ينتظر النتيجة، ولم تمض هنيهة حتى استفاق الرجل كأنه لم يصب بشيء، ولم يكن هذا ~~الماكر إلا زامبا، صنيعة روكامبول. # بينما كان الطبيب يعالج هذا المريض الكاذب كان روكامبول وحده في غرفة الطبيب، وقد عرف ~~موضع الزجاجة، فأسرع إليها وأخذ منها المقدار الكافي لجرعتين أو ثلاث، ثم وضع هذا ~~الرشاش في ورقة وطواها كما يطوي الصيدلي مثل هذه الأوراق ووضعها في جيبه، وبعد ذلك أرجع ~~الزجاجة إلى موضعها وجلس على كرسيه ينتظر عودة الطبيب، وهو يقول: لقد أجاد زامبا غاية ~~الإجادة في تمثيل دوره، ولا سيما أنه ترك لي الوقت اللازم لمباحثة الطبيب، وسأجازيه خير ~~جزاء، ومهما أعطيته يكون قليلا بالقياس إلى ما سأقبضه من ملايين ابنة الدوق، فإن ~~درهما واحدا من هذا الرشاش يشغل باكارا بزوجها وجنونه. # وما زال يعلل النفس بهذه الأماني إلى أن عاد الطبيب، فجالسه ساعة وانصرف عائدا إلى ~~منزله وهو يحسب أنه نال السعادة بهذا الرشاش، حتى إذا وصل إلى منزله رأى على بابه ~~مركبة، فسأل الخادم: من الذي قدم فيها؟ ~~- الكونت أرتوف جاء لزيارتك وهو الآن في القاعة مع صهرك. # فأسرع روكامبول إلى القاعة وقد أيقن أن الكونت قد عرف كل شيء، فلما دخل رأى الكونت ~~واقفا وعيناه متقدتان، ورأى فابيان مضطربا أشد الاضطراب، ولكنه سر عندما نظر ~~روكامبول كأن عينيه كانتا تقولان لقد أتيت في حين الحاجة إليك، فوقف روكامبول في باب ~~القاعة وجعل ينظر إلى الاثنين نظر الفاحص المنتقد، وإليك السبب في زيارة الكونت. # بعدما لقي الكونت أرتوف أوكتاف، وعرف منه خيانة امرأته على ما تقدم، خرج من الحديقة ~~فأمر الخادم أن يذهب بجواده إلى منزله، وركب مركبة وأمر سائقها أن يذهب به إلى منزل ~~المركيز دي شمري، وكان غرض الكونت أن يرى فابيان؛ لأنه تذكر أن فابيان اختطف الرسالة ~~التي وردت لرولاند في النادي وأحرقها، فقال في نفسه: إنه لا بد أن يكون فابيان واقفا ~~على ms0595 سر رولاند، فإن هذه الحادثة وما علمته من أوكتاف وتغامز أعضاء النادي؛ جميع ذلك ~~كان يثبت خيانة باكارا أتم الثبوت. # ولكنه كان لا يزال يحب امرأته حبا عظيما، فأراد أن يقف على الحقيقة من فابيان لشدة ~~وثوقه بنبله، ولهذا فإنه لم يذهب إلى منزله بعد ما علمه من أوكتاف حذرا من أن يدفعه ~~الغضب إلى قتلها، وكان لا يزال يحبها إلى الآن ولكن حب قنوط. # وكان فابيان في ذلك الحين مقيما في غرفته يكتب فيها بعض الرسائل، فلما دخل عليه ~~الكونت أرتوف ورأى ما كان عليه من الاضطراب أجفل لرؤيته وخف لاستقباله، غير أن الكونت ~~بقي واقفا في مكانه وقال له: إني أتيت لأحدثك بشأن خطير أيها الصديق، فقل لي: ألست ~~بصديق رولاند دي كايلت؟ # فاختلج فؤاد فابيان لذكر اسم رولاند وقال: نعم ولا، وذلك لأن بيني وبين هذا الفتى ~~عشرة أعوام فلا يصح أن يكون عشيري، ولكن أباه صديق لأبي وقد أوصاني به خير ~~وصاية. ~~- لكنك صديقي الحميم منذ سبعة أعوام. ~~- هذا لا ريب فيه وسأحفظ لك عهد الصداقة ما حييت، ولكن ما بالك مضطربا إلى هذا ~~الحد؟ ~~- ذلك لأن الكونت أرتوف ورولاند سيقتل أحدهما غدا، في مثل هذه الساعة. # فوقف فابيان وقد بدت عليه علائم الاضطراب وقال: ماذا حدث؟ ~~- أحب قبل أن أجيبك أن أسألك بعض أسئلة، ورجائي أن تجيبني عليها لما بيننا من روابط ~~المودة. ~~- سأجيبك فسل عما تشاء. ~~- إنك أول أمس اختطفت رسالة وردت إلى رولاند في النادي وأحرقتها، فلماذا تصرفت ~~هذا التصرف؟ ~~- ذلك لأن رولاند فتى كثير الغرور. ~~- ليس هذا الجواب الذي أطلبه أيها الصديق. ~~- إن رولاند كان يحاول مس عرض امرأة، بعرض رسالتها إليه على أصدقائه. # فقال الكونت وقد سكن جأشه، ولكن كما يقر الأسد قبل الوثوب، وكما يسكن الجو قبل انقضاض ~~الصاعقة: لا شك أنك عرفت تلك المرأة أيها الصديق، ولولا ذلك لما تعرضت لإحراق ~~رسالتها. ~~- ذاك أكيد. ~~- وليس أنت وحدك الذي عرفتها، بل كان يعرفها كل من كان يلعب معنا من أعضاء ms0596 ~~النادي. ~~- ذاك أكيد أيضا، فإن رولاند لا يعرف أن يكتم سرا. ~~- إذن لم يعد فائدة من إحراق الرسالة ما دام جميع الحضور يعرفون تلك المرأة، بقي ~~أن زوج تلك المرأة كان بينكم وهو لا يعلم أمرا من خيانة امرأته، أليس ذلك أيها الصديق؟ ~~إني أستحلفك بشرفك أن تقول الحق. # فأطرق فابيان استحياء وقال: هو الحق ما تقول. ~~- إني لا أسألك اسم هذا الزوج التعس المنكود الذي أصبح شرفه وعرضه مضغة في أفواه ~~الصبيان، بل أسألك أن تصغي إلي فاسمع، إنني بعد ذهابك من النادي بقيت فيه وحدي، فأخذت ~~غلاف الرسالة الذي ألقاه رولاند إلى الأرض، وتمعنت في خطه فرأيت أنه خط امرأتي، فذهبت ~~إلى منزلي وأعطيتها هذا الغلاف فذعرت له وصاحت صيحة دهش بدت فيها علائم الصدق التي لا ~~تنقض حتى وثقت من براءتها، وأيقنت أن هذا المنافق قد قلد خطها لغرض سافل ~~دنيء. # فحسب فابيان أن الكونت ليس له غير هذا البرهان فقال: إن هذا ممكن، فإن رولاند يقدم ~~على كل شيء. # فقال الكونت: أصغ إلي فإني لم أتمم بعد. ثم قص عليه جميع ما علمه من أوكتاف ~~بالتفصيل إلى أن فرغ من الحكاية. # فقال: إني كنت منذ ساعة مشككا أحسب أن رولاند قد زور الخط، أو أن تشابه الخطين من ~~قبيل الاتفاق، ولم يكن يشكل علي غير السبب في إحراقك للرسالة، أما الآن فقد علمت أنك ~~عارف الحقيقة بجملتها، وقد أتيت إليك كي أقف منك على هذه الحقيقة بتفاصيلها. # قال فابيان: أتراني مضطرا مكرها إلى قول كل شيء؟ ~~- هذا ما أراه، وإلا فإنك تدعوني إلى قتل رولاند دون مبارزة. # فصاح فابيان صيحة إنكار. # فقال الكونت: إذن أثبت لي أنت الذي أحترمه وأجله خيانة امرأتي، فإني أقاتل رولاند ~~قتال مبارزة وأقتله قتل الأشراف، وإذا قلت إنها بريئة فإني أثق بكلامك وأرجع عن كل ~~شيء. # فأصبح فابيان في شر موقف يتصارعه عاملان من الشرف والإشفاق، ولكن الشرف تغلب عليه ~~فقال بصوت مختنق: أرسل شاهديك إليه أيها الكونت. # جمد الدم في ms0597 عروق الكونت ووهت رجلاه؛ إذ انقض عليه هذا التأكيد انقضاض الصاعقة، ولكنه ~~ضبط نفسه وقال: إني واثق مما تقول أيها الصديق، ولكن أليس لديك برهان تقوله لي؟ ~~- وا أسفاه أيها الصديق! إني رأيت الكونتس في منزل رولاند. # وفي هذا الموقف الحرج وقبل أن يتم فابيان جملته المتقدمة، دخل روكامبول، فلما رآه ~~الكونت كظم غيظه ومد يده فسلم عليه متكلفا الابتسام، ثم ارتد إلى فابيان وقال: إنك ~~كنت صديقي وقد برهنت لي الآن أنك لا تزال ذلك الصديق. ~~- بل سأكون صديقك إلى آخر العمر. ~~- إذن لا أسألك لتأييد هذا القول برهانا مستحيلا، كأن أطلب إليك أن تكون شاهدي في ~~مبارزتي لرجل هو من أصحابك. # فقال فابيان باشمئزاز: لقد كان صديقي من قبل، أما اليوم فإني أحتقره بقدر ما كنت ~~أميل إليه. ~~- بل أطلب إليك ما هو أيسر من ذلك، فإني لا أحب أن أعود اليوم إلى منزلي، وأرجوك أن ~~تخفيني هنا إلى الغد. # فقال له روكامبول: إنك يا سيدي في منزلك ونحن الضيوف فيه. # فشكره الكونت وجلس أمام طاولة، فكتب إلى امرأته ما يأتي: # سيدتي # كنت بالأمس مشككا والآن فلم يبق في نفسي أثر للريب، فلا تنتظري عودتي ~~إلى المنزل؛ إذ لا أعود إليه، بل لا تنتظري أن تريني إلى الأبد، فإني أرجو أن ~~أقتل غدا رولاند دي كايلت، وإذا سلمت من الموت فإني أغادر فرنسا بعد ~~ساعة. # إني أحببتك من قبل وأنا أصفح عنك الآن. # كونت أرتوف # ثم طوى الرسالة فأعطاها لفابيان وقال له: إني سأغيب ساعة وأعود، وتركهما وانصرف ~~ذاهبا إلى منزل رولاند. # وكان رولاند في منزله وقد وصلت له رسالة من ريبيكا وهو يحسبها من باكارا حسب العادة، ~~تثني عليه فيها لحسن تصرفه في حفلة أمس وتدعوه إلى انتظارها في منزله إلى الساعة ~~الخامسة؛ إذ إنها ترجو أن تزوره، فبقي في منزله حتى إنه أطلق سراح خادمه كي يخلو له ~~الجو، وفي الساعة الثانية طرق باب منزله فرقص فؤاده سرورا لاعتقاده أن باكارا قادمة ~~إليه، فأسرع وفتح الباب، ms0598 ولكنه ما لبث أن رأى الكونت أرتوف حتى ذعر وتراجع إلى الوراء، ~~فقال له الكونت: إني أتيت يا سيدي لأباحثك في شأن هام، فأذن لي أن أدخل إلى منزلك، ~~فإن مثل حديثي لا يقال على الأبواب. # ثم دخل قبل أن يجيبه، فدخل أول غرفة لقيها مفتوحة، ووقف ينتظر فيها رولاند الذي ~~تأخر عنه لإقفال الباب. # وكان رولاند ثاب من دهشته وذهب اضطرابه بزوال أعراض الدهشة الأولى، فعاد إليه رشده ~~وعلم من لهجة الكونت ومن اتقاد عينيه أسباب زيارته له، وأنه عارف بكل شيء، فأدخله ~~إلى الغرفة التي كان فيها وهو شامخ الرأس وسلم عليه وهو يبتسم ابتسام الاحتقار، ثم ~~قال له: أيريد سيدي الكونت أن يعلمني بالسبب الذي شرفني من أجله بهذه الزيارة؟ # فأجابه الكونت: كلمة واحدة تفصح عن السبب، وهي أني عارف بكل شيء. # فلم يتكلف رولاند الاحتجاج أو الإنكار، بل قال له: إني رهن أمرك وسأقبل كل ~~شروطك. ~~- شرطي أن نتبارز أولا بالمسدسات، ثم بالسيف إذا اقتضت الحال؛ أذ لا يخفاك أنه يجب ~~أن ينطرح أحدنا ميتا في ساحة القتال. ~~- ليكن ما تريد. ~~- وسنتبارز غدا في الساعة السابعة صباحا، وسنلتقي في غابة فانسان بدلا من غابة ~~بولونيا. ~~- حسنا وستجدني مع شهودي. # وعند ذلك أحنى الكونت رأسه مودعا وخرج، فشيعه رولاند إلى الباب، وهناك نظر كل واحد ~~منهما إلى الآخر نظرة حقد كانت أنفذ إلى قلبيهما من السهم المسنون. # أما رولاند فإنه كتب إلى صديقه أوكتاف بما حدث، وكلفه أن يدعو صديقا له فيكونان ~~شاهديه. # وأما الكونت أرتوف فإنه ذهب إلى صديقه الدوق دي مايلي وقال له: أرجو أيها الصديق أن ~~تكون غدا شاهدي، فإني سأبارز رولاند دي كايلت. # فذعر الدوق وقال: لماذا هذه المبارزة؟ ~~- لا بد أن تعلم السبب، فهو أني كنت أحسب نفسي أمس إلى صباح اليوم من أسعد البشر، ~~فعلمت الآن أني من أشقاهم. ~~- ما هذا اليأس؟ وأي شقاء تعني؟ ~~- لا شيء سوى أني محب غير محبوب، وقد كنت أحسب أن المرأة إذا تابت عن ذنوبها ms0599 تصبح من ~~ملائكة السماء، ولكني أخطأت في هذا الزعم؛ فإن المرأة متى سقطت في هوة الفساد، فلا بد ~~لها مهما بلغ من توبتها أن تعود إلى هذه الهوة. ~~- رباه! ماذا أسمع أيمكن ذلك أن يكون؟ أيمكن أن الكونتس ... # فقاطعه الكونت بإشارة وقال له: لا تذكر اسمها أمامي، فقد محتها الجريمة من صفحات ~~قلبي. # 26 # بينما كانت هذه الحوادث تتوالى، كان يجري في قصر الكونت أرتوف حادث أشد تأثيرا منها، ~~وذلك أنه بعد أن خرج الكونت أرتوف من منزله يتنزه كما تقدم، خرجت باكارا في إثره ~~لشراء بعض حاجات لها، ولم تعد إلا في الساعة الثالثة، فوجدت فيه رسالة لها. # ولم تكن هذه الرسالة من الكونت أرتوف كما يتبادر إلى أذهان القراء، بل كانت من ~~رولاند، فقد كتب لها ما يأتي: # يا ملاكي المحبوب # إن الذي يحبك ويحبك إلى الأبد يقيم منذ ساعة على أحر من جمر الغضا، ولولا ~~خوفي من أن تكوني قتيلة لأسرعت إليك، فقد خرج زوجك الآن من عندي وقد عرف كل ~~شيء ، وسنتبارز غدا مبارزة لا تنتهي إلا بموت أحدنا، وكنت أتمنى أن أموت من ~~أجلك لولا ما أخشاه عليك من انتقام هذا الظالم، على أني سأحيا كي أحميك، فاكتبي ~~لي كلمة كي أطمئن عليك، كلمة واحدة بحق السماء. # رولاند دي كايلت # وكان أحضر هذا الكتاب خادم رولاند وهو خادم روكامبول، فجاء به إلى المنزل وأعطاه إلى ~~الخادم، فقال له: إن هذا الكتاب إلى الكونتس من أختها سريز، ولكنها أوصتني أن أسلمه ~~لها يدا بيد، فهل تتعهد عني بتسليمه على هذا الشرط؟ ~~- لا شك في ذلك، فإن سيدتي قد وصلت الآن، وهي وحدها في المنزل. # ثم أخذ منه الكتاب وأعطاه لباكارا بعد أن قال لها إنه من أختها سريز، ولكنها قبل أن ~~تفض ختمه وتقرأ ما فيه سمعت صوت مركبة وقفت على الباب، فأطلت من النافذة وهي تحسب أنها ~~مركبة الكونت، ولكنها انذهلت أشد الذهول لأنها رأت أختها سريز نزلت من المركبة، فانشغل ~~قلبها لزيارتها وأسرعت لاستقبالها، ms0600 والكتاب لا يزال مختوما بيدها، فقالت لها: ويحك ~~أجننت؟ ~~- لماذا؟ ~~- أتكتبين لي كتابا ثم تجيئين في إثر الكتاب؟ # فانذهلت سريز وقالت: أي كتاب تعنين؟ فإني لم أكتب لك شيئا. ~~- هذا الكتاب الذي في يدي، أما أنت أرسلتيه إلي وأمرت الخادم أن يسلمني إياه ~~يدا بيد؟ ~~- كلا، فلم يكن شيء من ذلك. # فأسرعت باكارا إلى فض الكتاب، وأول ما وقع نظرها على توقيع مرسله، وقرأت اسم رولاند ~~دي كايلت، ثم قرأته فانذعرت، ووقع الكتاب من يدها وهي تقول: رباه! أفي يقظة أنا أم في ~~حلم؟ # فأخذت سريز الكتاب من الأرض وقرأته أيضا وقالت: إني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز يا ~~أختي، ومن هو رولاند هذا؟ ~~- إني ما رأيته غير مرتين، وما كلمته أكثر من جملتين، فماذا يعني بهذا الكتاب؟ ~~- ومن هو هذا الرجل الذي سيبارزه ويخشى عليك منه؟ # فلم ترد عليها باكارا وجعلت تقول: رباه! ما هذا المصاب، فلقد أوشكت أن أجن! # وعند ذلك فتح الباب ودخل الخادم برسالة وقال: إنها من الكونت. # فأخذتها باكارا بيد ترتعش، فلما تلتها صاحت صيحة القانطين وسقطت مغميا عليها، وقد ~~عرف القراء فحوى هذه الرسالة التي كتبها الكونت في منزل فابيان. # وبعد ربع ساعة أفاقت من إغمائها، ولكنها كانت شبيهة بالمجانين، فقالت لأختها بصوت ~~مختنق: هلمي معي فإني أريد أن أذهب إلى هذا الرجل الذي قلد خطي، وبلغ من السفالة إلى ~~هذا الحد. # ثم خرجت معها فركبتا مركبة وسارتا إلى منزل رولاند، وكانت باكارا في الطريق لا تفوه ~~بكلمة، فلما وصلت المركبة إلى منزل رولاند نزلت سريز وقال لأختها: انتظريني فسأقابل هذا ~~الرجل وأعود إليك بما يكون. # ثم تركتها وصعدت إلى منزل رولاند، فطرقت بابه وهي تضطرب. # ولم يكن خادم رولاند في المنزل، ففتح لها رولاند وانذهل حين رآها، فقالت له: إني ~~أدعى يا سيدي مدام ليون رولاند، وأنا أخت الكونتس أرتوف. # فاندهش رولاند لهذه الزيارة واستقبلها خير استقبال، فقالت له: إن أختي يا سيدي ~~تنتظرني في المركبة الواقفة على بابك الخارجي. # فظهرت على ms0601 رولاند علائم السرور وقال: ألم يقتلها؟ أسلمت من شره؟ الحمد لله وألف ~~شكر لك يا سيدتي، فلقد كدت أجن من الخوف عليها. # فقالت سريز كأنها لم تسمع ما قاله: إن أختي في المركبة، وهي لا فرق بينها وبين ~~المجانين؛ لأنها لم تعلم شيئا من رسائلك. ~~- ألعل زوجها لم يعد إلى المنزل؟ ~~- إنها لم تفهم شيئا من كتابك ولا من كتاب زوجها. # ثم عرضت عليه كتاب الكونت فقرأه وقال: لقد عرفت سبب اضطرابها، ولكن لتعلم يا سيدتي ~~أني سأحميها لأني أحبها. # فقالت سريز وقد طاش رأسها: اعلم يا سيدي أنه إما أن يكون هناك اتفاق غريب خدعت به، ~~أو أنك من أشد الناس حطة ونذالة، فإن أختي ما نظرتك غير مرتين وما أحبتك، ولم يكن لها ~~بك أدنى اتصال. # فقال رولاند ببرود: عفوك يا سيدتي، فلقد كنت أحسب أن أختك أوقفتك على أسرارها بدليل ~~قدومك إلي، وأنها تنتظرك على باب منزلي، وفي كل حال فلا يسعني أن أتغاضى عن شتمك لي، ~~فما أنا بنذل، وإن أختك تستقبلني في منزل لها في باسي منذ ثمانية أيام، وقد أتت بنفسها ~~إلى منزلي هذا ثلاث مرات. # فصاحت سريز صيحة اشمئزاز وهي تحسب أن الرجل قد جن، كأنما هذا الإقرار قد أثر بها ~~تأثيرا شديدا، حتى إنها لم تعد تدري ماذا تجيب، ولكنها أسرعت إلى الخروج من غرفة ~~رولاند، ونزلت على السلم مهرولة حتى بلغت إلى حيث أختها، فأمسكتها بيدها وجرتها وهي ~~تقول: اصعدي معي إلى هذا الخسيس؛ فإنه يقول إنه ذهب إليك في باسي وأتيت إليه في منزله، ~~أسرعي فإن الرجل لا شك مجنون. # فهاجت هذه التهمة بباكارا ووثبت من المركبة، فصعدت السلم مقتفية أثر أختها، وكان ~~رولاند لا يزال واقفا على باب منزله الداخلي، فلما رأى باكارا صاح صيحة الفرح وأسرع ~~إليها وقد فتح ذراعيه لضمها إليه، فصدته باكارا بعنف وقالت له: إنك رجل سافل أو إنك ~~معتوه لا عقل لك، ويحك! بأي حق تريد معانقتي؟ # فتراجع رولاند وقال: عفوا أيتها الحبيبة! فما ms0602 أنا بسافل وما جننت إلا بهواك، ~~وخطئي الوحيد هو أني كنت أحسب أختك واقفة على سرنا. ~~- وأي سر تعني؟ ومتى كان بيني وبينك أسرار أيها الرجل؟ # فأطرق رولاند لحظة ثم نظر إليها وقال: إني أسألك بدوري إذا كنت قد جننت أم أنك ~~تمثلين دورا لا يخطر لي ببال. # فسقطت باكارا واهية القوى على كرسي وغطت رأسها بين يديها وهي تقول: يا لك من رجل ~~سافل! # فدنا منها رولاند وهو واثق أشد الثقة من أنها المرأة التي يهواها؛ لأنها لا تتميز عن ~~ريبيكا إلا بصفاء عينيها، غير أنه لقيها بحالة اضطراب شديد لم يعد بعده سبيل إلى ~~معرفة ذاك الفرق، ثم قال لها بصوت منخفض: اذكري أيتها الحبيبة اجتماعنا في باسي، بل ~~اذكري أنك كنت أول أمس جالسة على نفس الكرسي الذي أنت جالسة عليه الآن، وأني كنت ~~جاثيا على ركبتي أمامك. # فاتقدت عينا باكارا بلهيب الغيظ ورفعت يدها تريد صفعه. # وعند ذلك خطر خاطر لسريز، فأمسكت يد أختها وقالت: لقد علمت كل شيء يا أختي ، ~~فاطمئني واذكري تلك المرأة التي تشبهك، والتي خدعت بها فحسبتها إياك حين ~~رأيتها. # فانتعش فؤاد باكارا وقالت: رباه! عسى أن يكون ذاك صحيحا. # وعند ذلك استحالت إلى السكينة بعد ذاك الغضب، وأخذت يد رولاند وقالت له بلهجة ~~الاستعطاف: هو ذا وجهي معرض للنور، فتمعن فيه جيدا تعلم أنك عشقت امرأة ~~تشبهني، وأن هذه المرأة قد قلدت خطي، انظر إلي جيدا ... إني أتوسل إليك وألتمس ~~منك هذا التمعن راكعة أمامك على ركبتي. # وكانت نبرات صوتها تشف عن صدق أكيد، حتى إن رولاند تأثر وارتعش، ولكنه ما لبث أن ~~قال: كلا، إن التشابه إلى هذا الحد محال، فإن الصوت والوجه والشعر واحد، وفوق ذلك فهذه ~~الرسائل التي أرسلتيها إلي بخطك، وهذه التي أرسلتيها بخط وصيفتك، ألم تكتبي لي في هذه ~~الرسالة جميع ما حدث بينك وبين زوجك حين عودته من النادي. # ثم أعطاها الرسالة، فلما قرأتها باكارا علمت أن كل شيء يدل على أنها مجرمة، وأن فكرا ms0603 ~~حاذقا قد دبر هذه المكيدة، فصاحت صيحة يأس وسقطت مغميا عليها، فأسرع رولاند وسريز ~~إلى إنهاضها عن الأرض، وجعلت سريز تصيح وتستغيث، أما رولاند فقد تزعزع اعتقاده لما رآه ~~من دلائل الصدق على الأختين. # وقد أسرع خدام المنازل المجاورة عندما سمعوا صوت الاستغاثة، فطلبت إليهم سريز أن ~~يساعدوها بنقل أختها قبل أن تستفيق إلى المركبة، فحملوها إليها، وعند ذلك قالت لرولاند: ~~ألتمس منك يا سيدي أن تأتي إلى منزلي بعد ساعة، فإنه لا بد من وجود سر هائل يجب أن ~~نكشفه. # فوعدها رولاند بالذهاب وقد اشتد اضطرابه، حتى إنه خشي أن يكون قد أساء إلى هذه المرأة ~~إساءة لا تغتفر. # أما سريز فإنها ذهبت إلى منزلها بأختها وهي مغمي عليها؛ حذرا من أن يفتك بها الكونت ~~حين يراها. ~~••• # بينما كانت المركبة تسير بسريز وأختها، خرج رجل من مركبة كانت واقفة منذ حين على ~~مسافة 50 خطوة من منزل رولاند، فدفع أجرة المركبة ودخل إلى منزل رولاند، ولم يكن هذا ~~الرجل إلا روكامبول، وكان باب رولاند لا يزال مفتوحا، فدخل روكامبول وهو يقول في نفسه: ~~إن المقابلة كانت من غرائب المضحكات. # وتقدم إلى القاعة التي يجلس فيها رولاند، فألقاه ضائع الرشد مشتت البال، فقال ~~له: لقد عرفت كل شيء أيها الصديق، فإن الكونت أرتوف زارك في منزلك، وإنكما ستتبارزان ~~غدا، فلم أجد بدا من زيارتك، وقد علمت من حكاية الكونت أرتوف، أن صديقك أوكتاف كان ~~علة هذه الفضيحة. # فقال له رولاند دون أن يهتم لحديثه: لقد علمت كل شيء كما تقول، فهل علمت أن الكونتس ~~أرتوف خرجت من هنا قبل دخولك. # فتظاهر روكامبول بالانذهال وأجاب: رباه! ماذا أسمع أتبلغ جسارتها إلى ذاك ~~الحد؟ ~~- بل قد حدث ما هو أشد من ذلك. # ثم قص عليه ما جرى بينه وبين باكارا وسريز وهو يميل بحكايته إلى تصديق الأختين إلى ~~أن أتم حديثه، وكان روكامبول يصغي إليه أتم الإصغاء، فلما رأى اعتقاده قد تزعزع قال له ~~وهو يبتسم: كم عمرك يا رولاند؟ ~~- أربعة وعشرون ms0604 عاما. ~~- إذن فإن عذرك ظاهر؛ لأنك لا تزال صغيرا تجهل مكائد النساء، فإذا كنت عرفت شيئا ~~من حبهن فقد غابت عنك من مكائدهن أشياء. ~~- ماذا تريد بهذا القول؟ ~~- أريد أن باكارا وأختها قويتان وأنهما قد عبثتا بك؛ إذ لا يوجد شبيهة لباكارا كما ~~تزعمان، وهي نفسها التي أحبتك ثمانية أيام باتت عدوة هائلة لك في مدة ساعتين. # فذهل رولاند وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك حين علم الكونت كل شيء لم يذهب إلى منزله، بل كتب إلى امرأته، فأسرعت باكارا مع ~~أختها إليك، وقد اتفقتا على تمثيل هذا الدور ونجحتا فيه كما يظهر؛ لأنك أصبحت تعتقد - ~~كما أرى - أنه يوجد شبيهة لباكارا، ولو لم يتفق قدومي إليك لكنت تماديت في اعتقادك هذا ~~حتى تحسب نفسك مخطئا إلى الكونت، فتعتذر إليه غدا، ثم تقول له: إني ما عرفت الكونتس ~~ولم يكن لي بها اتصال غرام، بل كنت منخدعا بامرأة تشبهها، فإذا شئت أن تقتلني فافعل، ~~ولكني أقسم لك بشرفي أن امرأتك طاهرة بريئة! وعند ذاك يلقي الكونت حسامه إلى الأرض، ~~وتبطل المبارزة، ثم تبحث وإياه عن تلك المرأة، التي لا توجد إلا في مخيلة باكارا، فلا ~~تجدانها. ~~- ومنزل باسي؟ # فأجاب روكامبول بلهجة الاستغراب: ألعلك عرفت هذا المنزل؟ أما كنت تذهب إليه في ~~مركبة مقفلة مسدودة النوافذ، ألا يمكن أن يكون المنزل في غير هذا الشارع؟ # فأطرق رولاند وقال: لقد أصبت. # فقال روكامبول متمما حديثه: إنه بعد أن تبحث أنت والكونت ثلاثة أو أربعة أيام دون ~~أن تجدا شبيهة باكارا، يخف غضب الكونت ويعود إلى الثقة بطهارة امرأته. ~~- ولكننا لا نجد شبيهة باكارا فتراجعه الظنون. ~~- كلا، فإن باكارا تكون في خلال هذه المدة قد أثبتت لزوجها براءتها، كما تكون قد ~~أثبتت له أيضا أنك أنت المذنب، وأنك أنت الذي أردت إخفاء شبيهتها كي تبقى الشبهات ~~متمكنة في نفوس أصحابك من أنك تحب الكونتس حقيقة، وأنك اختلقت هذه الحكاية كي ~~تنقذها. ~~- ولكن ذلك عمل سافل لا تقدم عليه باكارا. ~~- بل إنك فتى غر لا تعرف ms0605 شيئا من مكائد النساء وأحقادهن، فإن باكارا لا تصفح عنك ~~إلى الأبد، ولا تنسى أنك أنت الذي دنست سمعتها بإفشاء سرها أمام أصحابك. # فأطرق رولاند هنيهة يفتكر ثم أجاب: لقد أصبت أيها الصديق، فإنها تلعب بي كما يلعب ~~الغلمان بالكرة فاطمئن؛ لأني قد وقفت في مواقف الحذر. # وبعد أن تركه روكامبول كتب رولاند إلى سريز يعتذر إليها عن عدم حضوره، ثم أعطى الكتاب ~~لخادمه وذهب إلى النادي كي يرى أصحابه، بل يخبرهم بجميع أمره. # 27 # أما روكامبول فإنه ذهب إلى منزله، فوجد فيه الكونت أرتوف وصهره فابيان، وكان الكونت ~~بعد أن ذهب إلى رولاند والدوق دي مايلي، وبعد أن كتب إلى باكارا ذاك الكتاب الذي صعقها، ~~عاد إلى فابيان فكتب عدة رسائل وفابيان جالس أمامه لا يجسر أن يفتح الحديث، فلما فرغ ~~الكونت من كتابه قال لفابيان: إني أحب أن أجعلك منفذ وصيتي، ألك ما يمنعك عن قضاء هذه ~~المهمة أيها الصديق؟ # فنظر إليه فابيان منذهلا وقال: ماذا يدعوك إلى كتابة وصيتك الآن، وأنت واثق من قتل ~~خصمك؟ ~~- ولكني قد أقتل. ~~- إن الله أرحم من أن يجازيك هذا الجزاء؛ إذ لا بد للفضيلة أن تنتصر ولو بعد ~~حين. ~~- أصبت على أن كتابة الوصية محمودة في كل حال. # فأجاب فابيان وقد تبين قصدا هائلا من ملامحه: إنك لا تزال تحب هذه المرأة يا ~~كونت. ~~- نعم، وعلى الكره مني. ~~- وإذا لم يقتلك خصمك فماذا تصنع؟ ~~- أقتل نفسي! # ثم تنهد وقال: أصغ إلي فإني قسمت تركتي إلى قسمين: القسم الأول وهو أملاكي في ~~روسيا وسيرثها أهلي من بعدي، والقسم الثاني أملاكي في فرنسا فإن إيرادها يبلغ مائة ألف ~~فرنك في العام، وأنا أريد أن أجعلك منفذا لوصيتي عن هذا القسم ... لا تقطع علي الحديث ~~أيها الصديق؛ لأني أعلم ما تريد أن تقوله لي، واعلم أني إذا لم أقتل في المبارزة ~~غدا فسأقتل نفسي؛ لأن سعادتي كانت متعلقة بهذه المرأة التي ما أحببت سواها، فملأت ~~جميع فراغ قلبي، فلم يعد لهذا القلب رجاء بالحياة ms0606 بعد أن سحقته تلك الخيانة، فإذا ~~قتلت غدا هذا الفتى فإنه قد قتلني قبل أن أمد له يدا، فاعجب لقاتل يقتله مقتول! أما ~~الموت فهو أشهى الأمور لدي وكفى به معزيا عما أنا فيه، والآن فهل تكون منفذ ~~الوصية؟ # فتنهد فابيان وقال: نعم. ~~- إذن سأدع هنا وصيتي وجميع رسائلي، فإذا كان الغد ... # وعند ذلك دخل روكامبول، فأجاب فابيان بإشارة يريد بها أنه فهم المقصود. # أما روكامبول فإنه دنا من الكونت وقال له: لقد أمرت الخدم يا سيدي أن يهيئوا لك غرفة ~~بإزاء غرفتي. # فشكره الكونت وقال: إذن لنذهب إليها ولندع فابيان مع امرأته، فقد حان وقت العشاء، ~~ولا أحب أن أظهر أمامها بمظهر الاضطراب. # ثم خرج روكامبول بالكونت وصعد به إلى منزله، فقال له: أتريد أن نجلس على مائدة ~~الطعام؟ # فابتسم الكونت ابتسام الحزين وقال: لا أجد شهية للأكل. ~~- إنه لا يجمل بك أن تبيت فارغ المعدة، وأنت مضطر إلى المبارزة في الصباح. ~~- أصبت، وامتثل امتثال الأطفال. # ولما فرغا من الطعام أتاهم الخادم بالقهوة، فقال له روكامبول : أنصحك نصيحة، وهي أن لا ~~تشرب هذه القهوة، بل اشرب كأسا من هذا الشراب. # وأشار إلى زجاجة على المائدة، فقال الكونت: لماذا اخترت ذاك الشراب دون ~~سواه؟ ~~- لأنه يساعدك على النوم، وأنت محتاج إلى الرقاد في هذه الليلة للراحة. ~~- بل للنسيان، فهات من شرابك. # فصب له روكامبول كأسا وصب لنفسه من شراب آخر، فسأله الكونت: لماذا لا تشرب أنت ~~من شرابي؟ # فضحك روكامبول وقال: لأني لست محتاجا للنوم مثلك. # ثم شرب الاثنان، وعند ذلك نظر روكامبول إلى الساعة المعلقة وقال في نفسه: إننا في ~~الساعة السابعة الآن، وفي الساعة السادسة من الصباح ستكون المبارزة. # وبعد أن أقاما على المائدة هنيهة، دخل الكونت إلى الغرفة التي أعدت له، وذهب ~~روكامبول إلى أستاذه أندريا فقال له: لدي أيها الأستاذ كثير من الأمور التي تحب أن تقف ~~عليها، فإن باكارا شبيهة بالمجانين، وقد قابلت رولاند، ولولاي لكان اعترف ذاك الأبله ~~للكونت بأنه يهوى شبيهة امرأته. # ثم ms0607 قص عليه جميع ما جرى، فلما أتم حديثه سأله: أواثق أنت من تأثير السم الذي سقيته ~~للكونت أرتوف، وأنه يتم جنونه بعد اثنتي عشرة ساعة؟ # فهز أندريا برأسه إشارة المصادقة. ~~- وإذا اتفق أن المبارزة حدثت قبل الجنون؟ # فكتب أندريا على لوحه الحجري: يكون ذلك لنكد رولاند، ألعلك مشفق عليه؟ ~~- إنك لم تعلمني الإشفاق. # فكتب أندريا: كن مطمئنا، فإن أعراض الجنون تظهر في الساعة السابعة، وتحول دون ~~المبارزة. # وفي صباح اليوم التالي نهض روكامبول باكرا وأيقظ الكونت، فشكره الكونت وارتدى ثيابه ~~مسرعا، ولكنه شعر بدوار في رأسه فلم يكترث له، وخرج فركب مركبة وذهب بها إلى الدوق دي ~~مايلي شاهده في المبارزة، وسار الاثنان إلى المكان المعين فلقيا رولاند ~~وشاهديه، فسلم كل فريق على الآخر بإحناء الرأس، وبعد اتفاق الشهود وقف الخصمان ~~موقف القتال. # وكان روكامبول قد سبقهما إلى محل المعركة متنكرا، ووقف بحيث يرى جميع ما يجري دون ~~أن يراه أحد، وكانت عند ذلك الساعة السابعة، بينما كان الشهود ينتظرون بدء القتال رأوا ~~أن الكونت قد حمل سلاحه ومشى إلى رولاند، فظن الجميع أنه سيقتل خصمه دون شك، ولكنه ~~بدلا من أن يطلق عليه النار جعل يكلمه خلافا للقواعد المعروفة في المبارزات، فكان ~~أول ما قاله: إننا يا سيدي في موقف لم يعد ينفع فيه الاعتذار، ولا بد لأحدنا من ~~الموت. # فأجفل روكامبول وخاطب نفسه: ألعل أندريا والطبيب يهزأان بي، فإن الوقت قد حان ولا أرى ~~عليه شيئا من أعراض الجنون. # فقال رولاند مجيبا الكونت: لقد صدقت يا سيدي، وها أنا مستعد لقتالك. # فقال الكونت بسكينة وأدب: ما تظن يا سيدي بفتى ضعيف العقل أحب امرأة لم تهواه على ~~الإطلاق. # فأنكر عليه رولاند هذا الكلام وقال: ما لنا وللعود إلى تلك الأبحاث؟ ~~- عفوك يا سيدي ودعني أتم كلامي. # فهز رولاند كتفيه إشارة إلى عدم المبالاة وقال: قل ما تشاء. ~~- إن تلك المرأة لم تكن تهواه، فعول على الانتقام منها بالنميمة عليها وتخديش سمعتها، ~~فجعل يظهر لجميع إخوانه الأغرار أن المرأة ms0608 تهواه. # فأوقفه رولاند وقال: إنك تتمادى في القول يا كونت، فقف عند حدك. # فأجابه الكونت بصوت الملتمس: بالله دعني أتم حديثي. # فانذهل رولاند وجميع الشهود؛ لأن الكونت كان يخالف نظام المبارزة مخالفة ظاهرة لا ~~تخفى على أحد، فدنا الشهود منه بضع خطوات، أما الكونت فإنه أتم كلامه فقال: لحسن الحظ ~~يا سيدي أن الرذيلة مهما تمكنت من النفس؛ فإن أضعف شعاع ينفذ إليها من أشعة الفضيلة ~~يتغلب عليها ويلقي صاحبها في مهاوي الندامة. # فنفد صبر رولاند وقال له مغضبا: ماذا تريد بهذه الأقوال؟ # فتحمس الكونت وقال له: أصغ إلي بحق السماء، فإن تتمة حديثي يتعلق عليها شرف ~~امرأتك. # فجمد رولاند من الذهول وقال له: امرأتي! # فسقطت الدموع من عيني الكونت وقال: نعم يا سيدي الكونت أرتوف، فلقد وشيت بامرأتك ~~الكونتس أسفل الوشايات، فاصفح عني. # فوقعت هذه الكلمات الأخيرة وقع الصاعقة على رولاند وعلى الشهود، أما الكونت فإنه عاد ~~إلى حديثه فقال: إني يا سيدي الكونت أدعى رولاند دي كايلت، كما أنك تدعى الكونت ~~أرتوف، وكلانا شريف ونبيل و... # فقاطعة رولاند وقال: أنا الكونت أرتوف وأنت رولاند دي كايلت؟ لا شك يا سيدي أنك ~~مجنون! # لقد كنت يا سيدي في عداد المجانين حين تجاسرت أن أرفع نظري إلى تلك المرأة الجميلة ~~النبيلة، ولكنك ستصفح عني دون شك فتصافحني وتقبل اعتذاري. # ثم جثا على ركبتيه أمام رولاند وهو يقول: عفوك يا سيدي الكونت. # فصاح الشهود منذعرين: إنه مجنون! # وفكر روكامبول في نفسه: لا شك أن أندريا من الأنبياء، فها هو قد جن عند الساعة ~~السابعة تماما كما قال. # ودنا الدوق دي مايلي من رولاند وهمس في أذنه قائلا: اقبل جميع أعذار هذا المسكين، ~~فإنك لم تعد الآن أمام الكونت أرتوف، بل أمام تعس منكود، ذهب صوابه بذهاب شرفه، ~~وداست امرأته على عقله بأقدام حبها السافل. # وبعد ذلك ببضع ساعات كان روكامبول يحدث أندريا بجميع ما رآه من جنون الكونت أرتوف ~~الغريب، فقال له: إنه لا يزال يعتقد أنه رولاند وقد ركب إلى ms0609 جنبه رولاند في مركبة ~~واحدة، وأراد الذهاب معه إلى منزله كي يعتذر إلى باكارا التي يعتقد أنها زوجة رولاند، ~~فكان يعتذر إليه طول الطريق إلى أن بلغوا إلى منزل الكونت أرتوف، فلم يجدوا باكارا فيه، ~~فحبسوه في قصره وذهب كل في شأنه، والآن فقل لي أية فائدة لنا من جنون الكونت ~~أرتوف؟ # فأجابه أندريا بلوحه الحجري: إن الأطباء سيصفون له السفر مداواة لجنونه، فلا بد ~~لباكارا من السفر معه ومغادرتها باريس، فيخلو لك الجو وتأمن شرها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- بعد ذلك تضعف قوة الدوق دي مايلي ونستطيع التفرغ له آمنين مطمئنين. ~~- ألعلك قررت أمرا بشأنه؟ ~~- نعم. ~~- أتطلعني على الخطة التي رسمتها؟ ~~- كلا، فاكتف الآن بتنفيذ أوامري ولا تناقشني في شيء، بل اطمئن ... فليس الدوق دي ~~مايلي الذي سيمنعك عن الزواج بغادتك الإسبانية. # 28 # بعد ذلك بثلاثة أيام ورد إلى الكونت مايلي من باكارا الكتاب الآتي: # أيها الدوق العزيز # إن امرأة دنس بنو الشر شرفها، وضربتها يد القضاء ضربة لا قيام لها بعدها، ~~تكتب إليك لتودعك وداعا ربما كان أبديا ، ولست أدري إذا كنت في عداد الذين ~~يثقون بخيانتي، ولكنك رجل نبيل طاهر القلب عف الضمير، إذا كنت تتهمني كما ~~يتهمني الناس بتلك الخيانة التي اختلقتها قريحة جهنمية، فإنك تحفظ لي دون شك ~~شيئا من العهد القديم، لا سيما حين تعلم أنك كنت الرجل الوحيد الذي افتكرت به ~~حين خروجي من باريس. # إننا نسافر غدا، فقد وصف الأطباء السفر لزوجي العزيز، وقالوا إن هواء سويسرا ~~ومناظر جبالها قد يعيدان إليه صوابه، وما أسعد ذلك اليوم الذي تصدق فيه ظنون ~~الأطباء، على أني عالمة بأن زوجي حين يعود إليه صوابه يطردني من داره طرد ~~المجرمات، ويأنف من أن ينظر إلي؛ لأني لم يعد لي أقل أثر في قلبه، بل ربما ~~قتلني أيضا، ولكني لا أهتم لحياتي وسأخاطر بكل شيء في سبيل شفائه؛ لأنه لا ~~يزال في عنفوان الشباب، ولا بد لجرحه أن يندمل بتقادم الأيام. # ومع كل ما أنا فيه أيها الصديق - أواه! ms0610 دعني أرجو أن تسمح لي بأن أناديك بهذا ~~اللقب - فلا أحب أن أغادر باريس دون أن أهتم بأمرك، فقد وردني اليوم كتاب من ~~قريبك في روسيا يقول فيه إنه وصل إليه رسولي الذي يحمل كتابي، وأنه سيرسل معه ~~بعد ثلاثة أيام الأوراق التي تثبت علاقة نسبك بالدوق سالاندريرا. # وعلى ذلك، فسيصل هذا الرسول قريبا إليك، ويعطيك هذه الأوراق التي تبلغك ما ~~تريد من الزواج بابنة الدوق، أما أنا فسأكتب للدوق سالاندريرا وأخبره بأمر ~~نسبك، وأعيد عليه ما كتبته من قبل؛ وهو أن تكون زوج ابنته، ولا شك أن الدوق ~~لم يصل إليه بعد نبأ شقائي، وسأكتب إليه بلهجة المرأة التي لا تزال سعيدة، ~~فانتبه لنفسك واعمل ما يجب عليك، فقد علمت أنا ما يجب علي. # الوداع أيها الصديق فارث لحالي، ولا تحتقر دعائي لك؛ فإني لا أزال طاهرة ~~بالرغم عن المرجفين. # الكونتس أرتوف # فتأثر الدوق عند قراءته هذا الكتاب وقال في نفسه: إن قلبي يحدثني أنها غير مجرمة، ~~وفي كل حال فإني لا أسمح لأحد أن يهينها أمامي . # وكان الدوق يحاول الخروج من منزله عندما ورد إليه هذا الكتاب، فلما فرغ من تلاوته ~~أعاده إلى غلافه ووضعه على طاولته وانصرف، وكان زامبا يراقبه، فلما خرج سيده دخل إلى ~~غرفته، فنسخ الكتاب وذهب بنسخة إلى روكامبول في منزله السري الذي كان هذا الأخير ينتظره ~~فيه وهو متنكر بالشكل الذي يعرفه فيه زامبا، وكان منهمكا بتلاوة كتاب ورد إليه من ابنة ~~الدوق تقول فيه إن أباها يعهد إليها بعد موت الدون جوزيف اختيار الزوج الذي ترضاه، ~~وإنهم عائدون من إسبانيا فيصلون إلى باريس بعد ثلاثة أيام، وفي الختام طلبت إليه أن ~~يجيئها إلى الحديقة عند منتصف الليل حسب العادة. # فلما دخل زامبا أخفى روكامبول كتاب ابنة الدوق، فأطلعه على نسخة كتاب باكارا إلى ~~الدوق دي مايلي، فأجفل لهذا الخبر وقال في نفسه: لقد أخطأ ظن أندريا، فإن باكارا لم ~~يشغلها جنون زوجها عن خدمة الدوق، ولكنه أخفى اضطرابه وقال لزامبا أن يعود ms0611 إليه في ~~الساعة الثامنة، فانصرف وبعد ذهابه غير روكامبول شكله وذهب يستشير أستاذه ~~أندريا. # وبينما مركبته تسير به وهو يمعن الفكرة بكتاب باكارا، إذ قطع خيط تصوره صياح السائق ~~بقوله: احذر ورجوعه بالمركبة إلى الوراء، فالتفت روكامبول عندما تبين هذا الرجل؛ لأنه ~~عرف أنه فانتير وكيل منزل الأرملة مالاسيس، الذي خان أندريا وأفشى سره للكونت أرتوف، ~~فكان السبب في قطع لسان أندريا كما تقدم في رواية التوبة الكاذبة، فجعل فانتير يشتم ~~السائق دون أن يرى من فيها؛ لأن روكامبول احتجب في داخلها حذرا من أن يعرفه، واستمر ~~السائق يمشي هنيهة فأوقفه روكامبول ونزل وقال له: اذهب بالمركبة إلى المنزل، أما أنا ~~فسأعود ماشيا. ذاك لأنه خطر له أن يقتفي أثر فانتير كي يعلم حقيقة حاله. # ولما شفى فانتير غله من شتم السائق جعل يمشي في الشارع، واقتفى روكامبول أثره حتى بلغ ~~إلى منعطف الطريق، فأسرع إليه وسأله أن يولع سيكارته من سيكارته، قد أراد بذلك أن يعلم ~~إذا كان يعرفه بالنظر إليه، فأعطاه فانتير سيكارته ونظر إليه دون اكتراث، فأيقن ~~روكامبول أنه لم يعرفه، وما زال يتعقبه حتى وصل إلى منزله في شارع حقير، فأخذ مفتاح ~~غرفته من البواب وصعد إليها، وبعد حين عرف روكامبول من هذا البواب أن فانتير يدعو نفسه ~~جوناتس، وأنه في أشد حالة من الشقاء، حتى إن صاحب الغرفة طرده منها عدة مرات لامتناعه ~~عن دفع الأجرة. # ولما عرف روكامبول جميع ما يريد معرفته عاد إلى منزله وذهب توا إلى أندريا، فأخبره ~~بكتاب الغادة الإسبانية، وبكتاب باكارا إلى الدوق مايلي، وبلقائه بفانتير، فأمعن أندريا ~~الفكرة طويلا ثم قال له بلوحه الحجري: يجب أن يكون فانتير من رجالنا؛ كي نرسله بشأن ~~خطير إلى إسبانيا. # فدهش روكامبول وسأله: ماذا يصنع في تلك البلاد؟ ~~- يذهب لسرقة كتاب باكارا إلى الدوق سالاندريرا من كيس البوسطة قبل وصوله إلى ~~الدوق. ~~- وإذا كان الكتاب قد وصل إلى الدوق؟ ~~- ذلك غير ممكن، فإنه قد برح إسبانيا أمس، أما الكتاب فإنه يسير إلى إسبانيا ms0612 والدوق ~~خارج منها فيتقابلان على الطريق. ~~- لقد فهمت قصدك، وسيكون ما تريد أن يكون. # 29 # بينما كان فانتير عائدا إلى منزله في اليوم التالي، ناوله البواب كتابا باسمه عليه ~~علامة المركيز، فانذهل فانتير وقال: ألعل أحد النبلاء في حاجة إلي؟ # ثم فض الكتاب بلهف وأسرع بنظره إلى التوقيع، فاصفر وجهه وخارت قدماه، ذلك أنه قرأ ~~«السير فيليام»، وبعد أن ملك روعه أخذ يقرأ الكتاب فقرأ ما يأتي: # عزيزي فانتير # بل أيها اللص القديم الخبير بأساليب المهنة، إني عدت إلى باريس من سفر طويل ~~بعد أن طفت حول الأرض، وأنا الآن في خير حالة بفضل مؤازرة بعض إخوان، غير أني ~~أصبحت بعين واحدة، ولكن إذا كانت باكارا قد قطعت لساني، فإن ذلك لا يمنعني عن ~~أن أصدر الأوامر بالكتابة، فاعلم الآن أن عصابتي تهتم منذ شهرين في البحث عنك، ~~وقد بحثت في جميع أنحاء لندرا وباريس حتى عثرت بك، وأصبحت الآن في قبضتي بحيث ~~أستطيع أن أبلغ منك ما أشاء وأشويك شيا على النار، وأقطع لسانك انتقاما منك؛ ~~لأني أعلم ما يعانيه المرء من الشقاء بعد قطع لسانه، ولكني لا أصفح عنك بعد ~~خيانتك لي إلا إذا رضيت أن تدخل في خدمتي وتكون لي عبدا، فإذا قبلت فتنزه ~~الليلة أمام باب منزلك، وإذا أبيت فاستعد لما أنذرتك به. # السير فيليام # فضعضع هذا الكتاب رشد فانتير لشدة خوفه من أندريا، وأول ما خطر له أن يهرب من ~~انتقامه، ولكنه قال في نفسه: لا بد أن يكون قد وضع الجواسيس من حولي، فلا سبيل إلى ~~الفرار، ثم إنه لو لم يكن في حاجة إلي لكان قتلني دون أن يرسل إلي مثل هذا ~~الإنذار. # وعندما خطر له هذا الخاطر اطمأن باله وجعل يتمشى أمام منزله ذهابا وإيابا كما أوصاه ~~السير فيليام في الكتاب. # وبعد ساعة أتى رجل من ورائه وهمس في أذنه: السير فيليام! # وكان هذا الرجل روكامبول، فالتفت إليه منذعرا، وجعل يحدق به دون أن يعرفه، فخاطبه ~~روكامبول بلهجته العادية: هلم بنا يا ms0613 فانتير إلى هذه القهوة نتحدث فيها. # فعرفه فانتير من صوته وصاح منذعرا: روكامبول؟ ~~- أجل أنا هو، وقد بعثني إليك السير فيليام لترصيد حساب قديم بيننا. # ورأى فانتير المسدس بيد روكامبول، فخاف خوفا شديدا وجعل يعتذر إليه عن الخيانة ~~السابقة بأنه اضطر إليها مكرها، وأنه مستعد للدخول في سلك العصابة متعهدا أن لا ~~يخونها حتى الموت. # فتظاهر روكامبول بقبول عذره وذهب به إلى قهوة منعزلة، فأخبره بالمهمة التي ينتدبه ~~إليها، وهي سرقة الرسائل الذاهبة من فرنسا إلى إسبانيا باسم الدوق سالاندريرا، وأرشده ~~إلى طريقة سرقتها من كيس البريد، ثم أعطاه ألفي فرنك ليستعين بها على رشوة حامل البريد ~~إذا تعذرت لديه الوسائل، ووعده بعشرة آلاف أخرى إذا نجح في مسعاه، ففرح فانتير بهذه ~~المهمة الجديدة التي أنقذته من مخالب أندريا ومن نكد الفقر، وقال له: أقتل إذا اضطررت ~~إلى القتل؟ ~~- لا بأس، ولكن تجنب إهراق الدماء ما أمكنك. # فسافر فانتير لساعته إلى إسبانيا، وعاد روكامبول إلى أندريا، فأخبره بما كان ثم قال ~~له: إني لا أعلم إلى الآن أية فائدة لنا من سرقة هذا الكتاب! ~~- ذلك أن الدوق مايلي يضطر بعدها إلى أن يخبر الدوق سالاندريرا بنسبه الجديد، ~~وبالشهادات التي تثبت قرابته منه. # فرد روكامبول منذعرا: وإذا وصلت هذه الشهادات إلى الدوق مايلي؟ # فضحك أندريا وأجاب: إن الذي سيحضر بها من روسيا خادم باكارا، إذا شئت أن يصل إليه ~~سالما فافعل. # فأدرك روكامبول قصده وأجاب: حسنا، فسنكمن له منذ الليلة في الطريق. ~~••• # بعد ذلك بثلاثة أيام عاد فانتير يحمل كتاب باكارا وهو فرح القلب بنجاح مسعاه، وفي ~~اليوم نفسه دخل روكامبول إلى أندريا يحمل جريدة وسأله: أتريد أن أقرأ فصلا من هذه ~~الجريدة؟ # فهز أندريا رأسه إشارة إلى الرضى، وقرأ روكامبول ما يأتي بعنوان جريمة ~~هائلة: # حدثت جريمة هائلة منذ يومين في غابة سنارت، وذلك أنهم ~~وجدوا في الطريق العام جثة منطرحة على بطنها، وهي جثة رجل ظهر من ملابسه أنه ~~قوزاقي، وقد حسبوا في البدء أن الموت لحادث أو مرض، ms0614 غير أنه تحقق بعد ذاك أن ~~الرجل كان مطعونا بخنجر في قلبه، وأنه مات على الأثر، وقد ثبت أن قاتله من ~~اللصوص؛ لأنه لم يوجد شيء في جيوبه من النقود، فأخذ البوليس في البحث عن الجاني ~~... إلخ. # ولما فرغ روكامبول من تلاوة هذه القطعة أخذ من جيبه ملفا من الأوراق وخاطب أندريا: ~~اسمع لأقرأ لك هذه الأوراق التي تثبت نسب الدوق دي مايلي وقرابته من الدوق سالاندريرا ~~قبل أن أحرقها. # وبعد أن أتم قراءتها قبض أندريا على يده بيسراه، وكتب باليمنى على لوحه الحجري: احفظ ~~هذه الأوراق وإياك أن تحرقها. # فانذهل روكامبول وسأله: وأية فائدة لنا من إبقاء الدلائل على قرابة العائلتين؟ # فابتسم أندريا وكتب: إن العاقل يجب أن يتوقع كل شيء، فإن ابنة الدوق مهما كانت تحبك ~~الآن فقد تتغير عليك، بل قد تضطر إلى عدم الزواج بك، وعدا ذاك فإن الدوق مايلي يدفع ~~أكثر من مليون فرنك ثمن هذه الأوراق. ~~- لقد أحسنت، ولكن ماذا أصنع بالأوراق؟ ~~- احفظها. ~~- وإذا فتشوا منزلي وعثروا عليها عندي، ألا تثبت جريمة القتل علي؟ ~~- إنك قد نسيت أنك تدعى الآن المركيز دي شمري لا روكامبول، وأنك بعيد عن ~~الشبهات. # فاقتنع روكامبول ووضع الأوراق بجيبه، ثم خرج من عند أندريا كي يخبئ الأوراق بمحل أمين ~~في منزله، ولكنه قال في نفسه: إني قد أموت فجأة أو أقتل في حادث، ولا أحب أن يهان ~~اسمي بعد الموت، وخير لي أن أخبئها في منزلي السري، فإني معروف فيه باسم آخر. فعزم على ~~تخبئتها في المنزل السري. # وفي المساء عاد روكامبول إلى منزله، فوجد فيه رسالة من ابنة الدوق تخبره فيها أنها ~~وصلت في الصباح مع أبيها وأمها إلى باريس، ودعته إلى موافاتها في الحديقة في الموعد ~~المعين، فلما انتصف الليل ذهب إلى لقائها فوجدها تنتظره على مقعد خشبي تظلله شجرة ~~كبيرة، فأسرع إليها روكامبول وأخذ يدها فقبلها قبلة حارة مزج فيها الحب بالاحترام، ~~وجعل الاثنان ينظر كل منهما إلى الآخر، وهو لا يعرف كيف يفتح الكلام، إلى ms0615 أن تظاهر ~~روكامبول بأنه تغلب على تأثره من هذا اللقاء فقال: هذه أول ساعة منذ شهر شعرت أن ~~لي قلبا يعرف لذة الحياة، فإني لم أكن عاشقا إلا بالتذكار. # فضغطت ابنة الدوق على يده، بينما تابع كلامه: إني بعد سفرك كنت أعد الأيام، ثم لما ~~علمت بعزمك على الرجوع صرت أعد الساعات، ثم لما وردني كتابك اليوم أصبحت الدقائق عندي ~~أعواما، فما أتعب الحب وما أهناه! ~~- مهما كان من جزعك فأنت لم تبلغ به بعض ما كان؛ وذاك لأنه كانت تردك رسائلي في كل ~~بريد فتعلم كل أخباري، أما أنا فلم يردني شيء منك، وكنت في أشد حالة من الجزع لانقطاع ~~أخبارك، حتى كنت أتمادى في ظنوني عندما كنت أناجيك في خلواتي، وأحسب أنك قد نسيت ~~عهدي. # فقال روكامبول بلهجة العاتب: أهكذا تسيئين ظنك بمن يموت من أجلك وهو باسم ~~الثغر؟ # وجرت بين العاشقين معاتبات حلوة، إلى أن ختما على هذا الحديث بقبلات الغرام، ثم ~~تنهدت الفتاة وقالت: إني أتيت إلى باريس وأنا أتقلب بين الخوف والرجاء، وهما رجاء ~~لقياك والخوف من ذلك الخطر الجديد الذي يتهددني. # فأجاب روكامبول بلهجة المتحمس: أي خطر تخافين وأنا بقربك؟ ~~- إنك أنقذتني من مخالب الدون جوزيف، ولكنك لا تستطيع إنقاذي من إرادة أبي، فإنه بعد ~~أن سمح لي أن أختار الزوج الذي تميل إليه روحي كما كتبت لك، رجع عن عهده، وهو الآن ~~يرغب إلي أن أقترن بالدوق دي مايلي؛ لأنه شديد التمسك بالألقاب، والحرص على الاتصال ~~بالأسرات القديمة. # فتنهد روكامبول وأجاب: لقد فهمت أيتها الحبيبة، فإنه لا ينظر إلي بالعين التي ~~ينظر بها إلى الدوق دي مايلي، فما أنا دوق، وبيني وبينه تفاوت عظيم في مراتب ~~الثروة. ~~- إني أهواك وكفاني بقلبك النقي ونفسك الطاهرة ثروة لا تنضب ومجدا لا ~~يبارى. # فأجاب روكامبول، وقد رأى أن الوقت قد أزف للتظاهر بالكرم والمروءة: أصغي إلي يا ~~سيدتي وافحصي في أعماق قلبك، فلعلك لا تجدين فيه سوى حب ولده حب الاعتراف ~~بالجميل. # فأنكرت الفتاة قوله وقالت: ms0616 أتجسر على هذا الظن؟ ~~- أجل، فقد تكونين حسبت أنك مقيدة بحبي لأني أنقذتك من رجل تكرهينه. لا تنظري إلي ~~هذه النظرات أيتها الحبيبة، وكوني حكيمة عاقلة، فإذا كان أبوك يريد أن يزوجك بهذا ~~الدوق النبيل، فلا تخالفيه. # فذعرت الفتاة من كلامه وقالت: ما هذه القسوة؟ ألا تعلم أني أهواك؟ ~~- اجتهدي أن تنسيني، أيتها الحبيبة، كما أني سأجتهد لإكراه قلبي على نسيانك. # فأخذت الفتاة يده على يدها وقالت: إني أهواك هوى لا ينسى، فاحفظ عهدي كما أنا حافظة ~~عهدك. ألا تعلم أني أقسمت يمينا على هواك ما حييت، وأني لا أتزوج سواك. # ثم فاضت عيناها بالدموع، فركع روكامبول أمامها وأقسم لها مثل يمينها، فجدد ~~العاشقان العهود، وأقسما على أن يهربا إلى أقصى البلاد إذا لم يكن بد لهما من ~~الافتراق. # وبعد ساعة خرج روكامبول وسار وهو مطرق الرأس يفكر بهذه السعادة الجديدة، ولا ينظر إلى ~~شيء مما حوله حتى بلغ إلى ضفة نهر السين وهو سائر إلى منزله. # وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فانتبه لغناء بعض النوتية في قارب ، ثم نظر ~~أمامه فرأى امرأة عجوزا تسير وهي تحمل مصباحا، فأخرج سيكارة من جيبه ودنا من تلك ~~العجوز وسألها أن يولع سيكارة من مصباحها، فلما سمعت العجوز صوته ورأت عينيه صاحت صيحة ~~فرح قائلة: ولدي روكامبول! كيف عدت؟ ومن أين أتيت؟ # فذعر روكامبول وعرف أنها مدام فيبار، ثم أيقن أنها عرفته من صوته ومن عينيه، فلم يجد ~~سبيلا للإنكار ولفق لها حكاية طويلة عن حاله، ثم سألها عن حالها فأخبرته أنها لا ~~تملك قوت ليلة، وأنها تشتغل مع فانتير، ولكنهما لم يرزقا شيئا منذ أمد بعيد لشدة ~~تيقظ الشرطة. # فأجفل روكامبول من ذكر علائقها مع فانتير، لا سيما وقد عرفته بهيئة المركيز، فخاطبها: ~~لا بأس عليك يا أماه، فسأنقذك مما أنت فيه من العسر! # ثم أخرج من جيبه دينارين وقال: خذي الآن هذه النقود، وسأزورك غدا فأنظر في ~~أمرك. # وبينما كانت مدام فيبار تأخذ الدينارين مبتهجة بهما وتضعهما في جيبها، قبض ms0617 روكامبول ~~على عنقها وضغط عليه ضغطا شديدا، فصاحت صيحة اختناق ثم سكتت فحسب أنه قضى عليها، وكان ~~قريبا من ضفة النهر فحملها بين يديه وألقاها فيه، ثم أسرع الخطى إلى أن بلغ إلى شارع ~~فركب مركبة وانطلقت به مسرعة إلى المنزل. # 30 # في اليوم التالي لاجتماع روكامبول بابنة الدوق، دخل زامبا على سيده الدوق دي مايلي ~~ولفق له حديثا خلاصته أن ابنة الدوق سالاندريرا كانت تكره الدون جوزيف كرها عظيما، ~~وأنها كانت إذا ذكر لها الدوق دي مايلي يعبق وجهها إشارة إلى أنها تهواه، وقد أنهى ~~هذه القصة الملفقة بقوله: إن الدوق قد وصل إلى باريس مع امرأته وابنته منذ أمس. # فسر الدوق سرورا عظيما وقام من مكتبه فكتب إلى الدوق سالاندريرا الكتاب الآتي: # سيدي الدوق # إني أكتب إليك هذا الكتاب وفي يقيني أن الكونتس أرتوف قد كتبت إليك عن القربى ~~التي تصل بيني وبينك، وهو ما أرجو بعده أن تسمح لي بزيارتك لأوقفك على حقيقة ~~هذا النسب الجديد. # الدوق دي مايلي # ثم أعطى هذا الكتاب لزامبا وقال له: أسرع به إلى الدوق، وائتني بالجواب. # فأخذه زامبا وانطلق به مسرعا إلى روكامبول في منزله السري، فاطلع عليه روكامبول وقال ~~له: يجب أن تجري مع ابنة الدوق على ما علمتك، ثم يجب أن تحرق ذاك الدفتر الذي أعطته ~~باكارا للدوق دي مايلي، فإنك تعلم أين خبأه سيدك. ~~- نعم، فإنه وضعه في صندوق خشبي صغير، يضعه عادة فوق طاولة الكتابة. ~~- إذن، فاذهب الآن إلى الدوق الإسباني بجوابه، وارجع إلي لأخبرك ما يجب أن تصنع، ~~ولا تنس ابنة الدوق. # فذهب زامبا تاركا روكامبول ينتظر عودته إلى منزل الدوق الإسباني، فطلب إليه خادم ~~الغادة الإسبانية أن يستأذن له مولاته بمقابلتها، ففعل وأذنت له، فدخل ورأى عندها ~~وصيفتها، ونظر إليها نظرة فهمتها ابنة الدوق فصرفت الوصيفة، وعندها وقف زامبا أمامها ~~موقف الخشوع والاحترام وقال: أتأذنين لمجرم أن يسألك العفو والرحمة؟ # ثم ركع أمامها فقالت مندهشة: أي ذنب ارتكبته؟ ~~- إني خنتك يا سيدتي. ~~- كيف تستطيع خيانتي ms0618 وما أنت بخدمتي؟ ~~- ذاك أني كنت خادما للدون جوزيف وقد جعلني رقيبا عليك، لا تأنفي من النظر إلي ~~يا سيدتي فإن الخيانة عظيمة، ولكني كنت مخلصا لمولاي وقد وجب له علي الخضوع. ~~- أراقبتني؟ ~~- أجل وإذا سمحت لي سيدتي أخبرتها كيف كان ذلك. ~~- تكلم. ~~- إن الدون جوزيف كان يعلم أنك لا تحبينه، وأنك لم ترضي به خطيبا إلا امتثالا ~~لإرادة أبيك، ثم إنه كان يعلم أو كان يظن بأنك تهوين سواه فعهد إلي أن أراقب الطريق ~~في جوار المنزل؛ لأنه كان يعتقد أنك قد تكونين تهوين الدوق دي مايلي. # فظهرت على وجه الفتاة علائم الاشمئزاز، غير أن زامبا لم يكترث لذاك وأتم كلامه ~~قائلا: بينما كنت ليلة أراقب حسب عادتي، رأيت رجلا دخل من باب الحديقة وقد قاده ~~خادمك إلى داخلها. # فغضبت وقالت: اسكت أيها الشقي، كفى! ~~- ألتمس من سيدتي أن تسمع حديثي إلى نهايته، فقد تصفح عني متى علمت كل شيء. وإني رأيت ~~هذا الرجل فأقام ساعة وخرج منها يسبقه خادمك كما دخل. # فاصفر وجه الفتاة وقالت: أعرفت الرجل؟ ~~- كلا ، ولكنه لم يكن الدوق دي مايلي. # ولما رأى زامبا أنها تنهدت تنهد الفرج تابع: فأخبرت الدون جوزيف في اليوم ~~التالي بما شاهدت فقال: ما دام ذاك الرجل هو غير الدوق الذي أكرهه كرها لا يوصف فلا ~~أخاف مزاحما، غير أني آمرك أن تراقبه وتعرفه، غير أن الدون جوزيف قتل في اليوم ~~الثاني ولكن ... # ثم توقف عن الكلام فقالت: أتم حديثك. ~~- ولكني عرفت الرجل الذي قتل سيدي وسأنتقم منه شر انتقام. # فاصفر وجه الفتاة وخشيت أن يكون واقفا على حقيقة السر، فقالت: من هو ~~القاتل؟ ~~- هو الدوق دي مايلي يا سيدتي. # فكادت الفتاة تقول له: كلا ليس هو القاتل! # ولكنها خشيت عاقبة هذا الإنكار، وأن يعلم هذا الخادم أنها واقفة على سر القتل، فأطرقت ~~برأسها إلى الأرض وسكتت، فقال زامبا: إني حين أيقنت أن الدوق قتل سيدي أقسمت أن أنتقم ~~منه؛ ولذا ترينني جاثيا على ركبتي أمامك. # فذهلت وقالت: إنك لم ms0619 تخدعني في شيء أيها الرجل، فإنك خدمت سيدك، ولا أعلم عن أي خطأ ~~تريد مني أن أصفح عنك. ~~- سيدتي، إني تجاسرت على تزوير كتاب توصية لي إلى الدوق دي مايلى، كي أتمكن من الدخول ~~في خدمته. ~~- أقبل أن يستخدمك؟ ~~- أجل، وأنا الآن خادم غرفته. # فاشمأزت وحاولت أن تطرده، ولكنها فكرت أن ذاك الرجل مضطلع على بعض سرها، وأنه رأى ~~رجلا يدخل إليها من الحديقه، فسكتت هنيهة دون أن تجيبه بشيء، ثم قالت: حسنا، إني لا ~~أنكر ذاك الكتاب، إنما قل لي ماذا تريد أن تصنع بالدوق؟ ~~- أريد أن أنتقم منه وأمنعه عن القران بك. # فوجف فؤادها وقالت: ألعله لا يزال يفتكر بي؟ ~~- بل إنه لا يشغله شاغل عنك، ولا يحلم إلا بقرانك، وإذا أذنت لي يا سيدتي أن أتمادى ~~بالكلام أظهرت لك من دناءة هذا الرجل ما ينفر منه كل طبع شريف. ~~- قل. ~~- إن الكونتس أرتوف وذاك الدوق قد اتفقا من ثمانية أيام على طريقة تسهل للدوق أسباب ~~الزواج بك، وذلك قبل نكبة الكونتس الأخيرة. ~~- أيه نكبة تعني؟ ~~- الحق أنت لا تعلمين شيئا لأنك كنت مسافرة، وحكاية هذه النكبة أن زوجها علم بأنها ~~تخونه مع شاب يدعى رولاند دي كايلت، فاتفقا على المبارزة، واشتهرت الفضيحة في جميع ~~باريس، غير أن المبارزة لم تحدث لأن الكونت أرتوف أصيب بالجنون في ساحة ~~القتال. # فأجفلت الفتاة لأنها كانت تعتقد أن باكارا مثال الصلاح، وقالت: ما ذاك الأمر ~~الهائل؟ ~~- أصغي إلي يا سيدتي، فستعلمين من أحوالها ما هو أشد منه، فإن هذه المرأة كانت ~~مرتبطة أشد الارتباط مع الدوق دي مايلي كما يظهر، وقد أتت إلى منزله من ثمانية أيام، ~~وكنت أنا في الغرفة المجاورة للغرفة التي كانت فيها مع الدوق بحيث سمعت بعض حديثها، ~~فإنها حين دخلت جلست قربه دون كلفة، وقالت له: لقد خطر لي اليوم خاطر عجيب، وهو أن ~~أجعلك دوقا إسبانيا. ~~- لقد حاولت هذا الأمر مدة فلم تنجحي. ~~- ذاك لأن الدون جوزيف كان في قيد الحياة، أما وقد زال هذا ms0620 الحائل الآن، فقد خطر لي ~~خاطر غريب، وهو أن أجعلك من أنسباء الدون سالاندريرا، وذلك أني ألفق حكاية سرية ~~عائلية، بلسان عمك المقيم في روسيا. # ثم اقتربت منه وجعلت تكلمه بصوت منخفض، فلم أعد أسمع شيئا. # فارتاعت ابنة الدوق لما سمعته من هذه الأسرار ولم تجب بشيء، فقال لها زامبا: إذا ~~كنت تثقين بي يا سيدتي، فإني أفضح هذا الدوق أعظم فضيحة. # وعند ذلك دخلت الوصيفة وقالت لزامبا: إن سيدي الدوق يأذن لزامبا بالذهاب إليه. # فانحنى زامبا أمام ابنة الدوق وقال لها: سترينني مرة أخرى. # وذهب بكتاب مولاه إلى الدوق، فأخذ الدوق الكتاب منه وقرأه مرارا وهو يظهر العجب ~~والاستغراب؛ لأنه لم يفهم شيئا، وبعد ذلك أرسل إليه الكتاب الآتي: # سيدي الدوق # لم يصلني كتاب من الكونتس أرتوف كما تقول، وقد يكون كتابها قد أرسل إلى ~~إسبانيا، ثم يعود إلي منها إلى باريس، وفي كل حال فإني لا أعلم أي قرابة ~~تعني، وأنا أنتظرك في منزلي للوقوف منك على هذه التفاصيل. # الدوق ساندريرا # فأخذ زامبا هذا الكتاب وانطلق به إلى روكامبول الذي كان ينتظره، فلما قرأه قال له: هل ~~كان الدوق دي مايلي لابسا ثيابه حينما تركته؟ ~~- كلا، بل كان بلباس النوم. ~~- أين يضع مفاتيحه عادة؟ ~~- على مائدة الكتابة. ~~- اذهب إذن وأعطه هذا الكتاب واغتنم فرصة انشغاله بتلاوته ولبس ثيابه؛ فاسرق ~~المفاتيح، حتى إذا شاء أن يأخذ الدفتر لا يجد مفتاح الصندوق الموجود فيه، فيذهب إلى ~~الدوق ويعده بإطلاعه عليه, وبعد ذهابه تحرق الدفتر والصندوق, ثم تضع النار في جميع أثاث ~~غرفته وتخرج فتصبح النار؛ كي لا يشك بك ويعلم أن احتراق الدفتر كان قضاء وقدرا. ~~- فهمت كل شيء وسأمتثل لكل ما تريد، ثم تركه وانصرف مسرعا بالرسالة إلى ~~مولاه. # وكان الدوق دي مايلي ينتظر زامبا بفارغ الصبر، فلما عاد إليه بكتاب الدوق اضطرب وقال: ~~أسرع بإعداد ملابسي وقل للسائق يعد المركبة، ثم دخل إلى غرفته فلبس ثيابه بسرعة، فسرق ~~زامبا المفاتيح في خلال ذلك، غير أن الدوق لم يفطن ms0621 للمفاتيح والدفتر، بل ركب مركبته ~~وأمر السائق أن يسرع به إلى منزل الدوق الإسباني، فخلا الجو لزامبا وأخذ صندوق مولاه ~~فسرق ما فيه من الأوراق المالية وأخذ الدفتر فألقاه في المستوقد، وأضرم النار في ~~الصندوق وفي ستائر الغرفة وأثاثها، ثم أقفل باب الغرفة وخرج إلى حيث كان يقيم الخدم، ~~فجعل يحادثهم مطمئنا نحو ربع ساعة إلى أن تصاعد الدخان وعلموا باحتراق غرفة الدوق، ~~فأسرع بعضهم إلى إطفائها، وهرع آخرون لإخبار رجال المطافئ وفي مقدمتهم زامبا. # أما الدوق دي مايلي فإنه لما وصل إلى منزل الدوق الإسباني استقبله خير استقبال، ~~فأخبره الدوق دي مايلي بجميع ما عرفناه من نسبه الجديد، فأظهر الدوق الإسباني دهشا ~~عجيبا وسر سرورا عظيما للنبأ، غير أنه بقي مشككا لعدم وجود أثر له في أوراق ~~فانتير، فقال: إني أخشى أيها الدوق أن تكون منخدعا، وحبذا لو أطلعتني على كتاب قريبك ~~الروسي. ~~- إن ذلك سهل ميسور فإن الكتاب في منزلي، ثم أستأذنه وخرج لإحضار الدفتر، فلم يطل ~~غيابه وعاد مصفر الوجه وعلائم الاضطراب الشديد بادية عليه، فذعر الشيخ لهيئته وقال: ~~ما أصابك؟ ~~- ذهبت إلى منزلي لإحضار الدفتر فرأيت النار ملتهبة فيه، ورجال المضخات يشتغلون ~~بإطفائه، فلم يحترق منه غير تلك الغرفة التي وضعت فيها ذلك الدفتر. # وكان الصدق باديا في لهجته، فطيب الدوق خاطره وقال: لا بأس من احتراق الدفتر، فإن ~~عمك الروسي لا يزال على قيد الحياة، وهو سيرسل إليك سواه. ~~- بل إني أنتظر منه ما هو خير من ذلك؛ أي الأوراق المثبتة هذا النسب، ويسوءني أن ~~الرسول قد أبطأ، فقد كان ينبغي أن يكون هنا منذ يومين. ~~- لا بد له أن يحضر، فأقام عنده ساعة وكانت الفتاة حاضرة اجتماعهما، فلما انصرف ~~ودعه الدوق الإسباني إلى الخارج وقال له: متى وردت هذه الأوراق أسرع وأخبرني ~~بها. # ولما خلا الدوق بابنته أخبرها بحديث الدوق وقال لها: إذا ثبتت هذه الأوراق كنت من ~~أسعد البشر، وكنت امرأة ذاك الدوق. # فظهر النفور منها وأوشكت أن تبوح بما حدثها به زامبا، ms0622 غير أنه دخلت إحدى الزائرات ~~فكفتها مئونه الإباحة؛ لأنها أخبرت الدوق الإسباني وامرأته بحكاية باكارا وجنون الكونت ~~أرتوف. # فأجفل الدوق للحكاية الغريبة وبدأ الظن بالدوق دي مايلي، وحسب لعلاقته مع باكارا ألف ~~حساب. # أما ابنة الدوق فإنها دعت إليها روكامبول وأخبرته بجميع ما جرى، وحكت له حكاية زامبا، ~~فطيب خاطرها وقال: إذا كان ما قاله زامبا صحيحا، فلا بد لي من إظهار خداع ذاك ~~الدوق. # 31 # ولنعد الآن إلى فانتير الذي أرسله روكامبول لسرقة كتاب باكارا إلى الدوق من ~~البريد الإسباني، فإنه بعد أن تمكن من سرقة ذاك الكتاب وعاد به إلى باريس، جعل يفكر ~~بأمره ويقول في نفسه: إن روكامبول لا يدفع عشرة آلاف فرنك في سبيل الحصول على ذاك ~~الكتاب إلا إذا كان يتضمن سرا عظيما يعود عليه بفائدة تساوي أضعاف هذه ~~القيمة. # فخطر له أن يفتحه وهو في المحطة، ولكنه ذكر أندريا، فوجف فؤاده من الخوف، وجعل يتردد ~~في أمر فتحه وهو سائر إلى منزله حتى بلغ إليه ودخل إلى غرفته، فدهش لأنه رأى امرأة ~~ممددة في سريره . # فلما شعرت المرأة بوقع أقدامه انتبهت جالسة في السرير، فصاح فانتير مندهشا: مدام ~~فيبار، كيف أنت نائمة في سريري؟ ومن أين أتيت؟ ~~- إني آتية من نهر السين، وقد قمت من بين الأموات؛ إن روكامبول ذاك الشقي الخائن الذي ~~ربيته وأحسنت إليه إحسان الأمهات قد ألقاني في النهر، وهو يحسب أنه أماتني خنقا، ~~فلما سقطت فيه أسرع إلي بحارة كانوا يصيدون في قارب فأنقذوني، فكتمت أمر روكامبول ~~وجئت أختبئ في دارك كي لا يشك في موتي؛ لأني أريد أن أضربه الضربة القاضية. ~~- أنت تقولين ما لا تفعلين، فإنك لا تلبثين أن تريه حتى يعاودك الحنو وتنسي جميع ~~إساءته إليك. ~~- كلا، فلقد ذهب كل حنو من قلبي بعد ما لقيته من خيانته، لا سيما وأنه حسن الحال، فقد ~~رأيته متختما بالماس، وعليه دلائل الثروة الواسعة، لا شك أنه مقدم على أمر عظيم، وقد ~~خشي مني حين رآني عرفته. ~~- أحادثته؟ ~~- بلى، فلقد ms0623 ذكر لي أنه عاد بثروة واسعة من لوندرا، وأن أندريا قد مات. # فقاطعها فانتير، وقد بدت على وجهه ملامح السرور وسألها: أقال لك إن أندريا ~~مات؟ ~~- نعم. # فأطرق فانتير هنيهة ثم قال: لا بأس، فسنجد طريقة للانتقام منه، والآن فاطمئني لأن ~~لدينا ما ننفق مدة طويلة، وخذي الآن فاشتري لنا ما نأكله فإني أكاد أموت جوعا. # ولما خلا المكان بفانتير قال في نفسه: إن أندريا قد مات وروكامبول لا أخافه، فلأفتح ~~هذا الكتاب فقد يكون لي منه خير جزيل. # ثم فتح الكتاب وقرأ فيه جميع ما كتبته باكارا إلى الدوق الإسباني، ففكر في نفسه: ~~يظهر أن باكارا تريد تزويج الدوق دي مايلي بابنة الدوق سالاندريرا، وأن روكامبول يريد ~~منع هذا الزواج بدليل اهتمامه بسرقة الكتاب، وأنه لا شك باذل جهده بالحصول على الأوراق ~~التي تثبت حقيقة نسب الدوق دي مايلي وقرابته من الدوق الإسباني، ولا يبعد أن يكون ~~روكامبول قد تقمص كونتا أو مركيزا، وأنه يريد الزواج بابنة هذا الدوق؛ إذن فإن ~~الحرب ستكون شديدة بين باكارا وروكامبول، أما أنا وقد وقفت على هذا السر فإلى أي ~~الفريقين أنضم؟ لنبدأ بروكامبول، فإني لو ختمت هذا الكتاب وعدت به إليه، فإنه لا ~~يعطيني إلا بقية العشرة آلاف فرنك، هذا إذا لم ينتبه إلى أني فتحت الكتاب، وإذا انتبه ~~فلا يعدم وسيلة يتمكن بها من قتلي بعد أن يعرف أني اطلعت على سره. # وأما باكارا، فإنها قد تكون جاهلة عودة روكامبول، وأنه يحاول الانتقام منها، فإذا ~~انضممت إليها وأطلعتها على السر، فقد أكسب منها ثروة تغنيني عن هذه الأعمال ~~الشائنة. # ولما رأى أن كفة باكارا قد رجحت، وضع الكتاب في جيبه، وعند ذلك عادت مدام فيبار فأكل ~~معها وتركها على أن يعود قريبا، ثم ذهب توا إلى منزل الكونت أرتوف، وسأل بواب المنزل ~~عنه فعلم فانتير منه نكبة باكارا وجنون الكونت، وقنط قنوطا شديدا لذهاب آماله أدراج ~~الرياح وفكر في نفسه: لا بد أن يكون لروكامبول يد في جنون الكونت وحادث ~~باكارا. ms0624 # ثم قال في نفسه بعد الإمعان الشديد: إنه إذا كانت باكارا مسافرة، فخير لي أن أرى ~~الدوق دي مايلي نفسه وأطلعه على ذاك السر. # ولكنه رجع عن هذا العزم وقال: إني أنفقت العمر وأنا أشتغل لغيري، فلأشتغل الآن ~~لنفسي؛ لأن هذا الدوق قد يعلم مني السر، ثم ينفحني بقليل من النقود لا يسد عوزا ولا ~~يغني من فقر. # وعند ذلك دخل إلى قهوة في الشارع الذي كان فيه، وخطر له أن يبدأ بالكمون أمام منزل ~~الدوق سالاندريرا؛ كي يعلم إذا كان روكامبول يزوره، ثم أخذ جريدة وجعل يقرأ فيها فأصاب ~~نظره إعلانا مفاده أن الدوق دي مايلي يحتاج إلى سائق إنكليزي لمركبته، فصفق بيديه ~~سرورا وقال: هو ذا الصدفة قد بدأت تخدمني، فإني أعرف اللغة الإنكليزية كأبنائها، وقد ~~احترفت هذه المهنة عشرة أعوام، فلأذهب الآن إلى الدوق، وربما قدت يوما مركبة ~~عرسه. # ونهض في الحال وذهب إلى الدوق مايلي، بعد أن تنكر وتقلد الإنكليز، فعرض عليه ~~خدمته وقبله على سبيل التجربة، فنزل فانتير إلى الإصطبل يفحص الجياد، وذهب الدوق في ~~زيارته الخصوصية. # وبعد ذلك دخل زامبا غرفة مولاه وجلس فيها يتأول بما صار إليه أمره، وفيما هو على ~~ذلك إذ دخل عليه أحد خدم المنزل، فقال له: يوجد رجل على الباب يريد أن يراك. ~~- من هو ذاك الرجل؟ ~~- لا أعلم! # ثم وصفه له، فعلم زامبا أنه سيده الحقيقي؛ أي روكامبول، وأمر الغلام أن يدخله في ~~الحال، فجاء به الغلام وانصرف. # فلما خلا روكامبول بزامبا قال له: إني جئتك لأمرين خطيرين عندي؛ أحدهما أن تطرد ~~السائس من الإصطبل، وتعين السائس الجديد الذي سأرسله إليك. ~~- هذا سهل، فما أمرك الآخر؟ ~~- الثاني هو أن تستلفت أنظار الدوق حينما يعود إلى هذا الفصل المنشور بهذه ~~الجريدة. # ثم أعطاه الجريدة، فأخذها زامبا وأجاب: وبعد ذلك؟ ~~- بعد ذلك تنظر ما يكون من أمر الدوق بعد تلاوته هذا الفصل، وتأتي إلي فتخبرني ~~بجميع ما يحدث. # ثم تركه وانصرف، فشيعه زامبا بملء الاحترام إلى الباب الخارجي. # وبعد هنيهة ms0625 عاد الدوق فلقي زامبا وبيده الجريدة فسأله: ما هذه الجريدة التي ~~بيدك؟ # فتظاهر زامبا بالاضطراب وأجاب: قد اشتريتها لك يا سيدي خاصة؛ لأنها تتضمن مقالة ~~عن تفصيل مقتل رجل في غابة سنارت، بين ميلين وباريس. ~~- ولماذا يهمني هذا القتل؟ ~~- ذلك لأني أخشى أن يكون ذاك الرجل المقتول نفس الرسول الذي ينتظره مولاي الدوق من ~~روسيا. # فاضطرب الدوق اضطرابا شديدا، وأخذ الجريدة وجعل يقرأ المقالة بملء الاهتمام. # وكانت خلاصة تلك المقالة أن هذا الرجل قتل بخنجر، وأن جثته عرضت في ليو سانت فلم ~~يعرفها أحد، وأنه يوجد في صدره وعلى يديه وشم، وأنه كان قادما من روسيا، ولكنه لا يوجد ~~في جيوبه من النقود مما يظهر على أن اللصوص قتلوه. # فلما أتم الدوق تلاوتها تأمل برهة ثم قام إلى مائدة الكتابة، فكتب إلى الدوق ~~الإسباني ما يأتي: # لا أعلم كيف أحاطت المصائب بهذه الأوراق التي أنتظر ورودها من أودسا؛ لأني ~~حين عدت إلى منزلي قرأت في جريدة المحاكم أن رجلا قتل في غابة سنارت، وأخشى ~~أن يكون رسولي؛ ولذا فإني مسافر إلى ليو سانت حيث تعرض الجثة الآن، وأرجو في ~~كل حال أن أعثر على هذه الأوراق وأرسلها إليك غدا صباحا؛ لأني مسافر وأعود ~~دون أن أتوقف. # ثم ختم الرسالة وأعطاها لزامبا قائلا: اذهب بهذه الرسالة إلى الدوق. # ثم ركب جوادا من الإصطبل وانطلق يعدو به إلى روكامبول. # أما فانتير فإنه صعد إلى الدوق فرآه على أشد حالة من الاضطراب وبيده جريدة المحاكم، ~~فحفظ اسم الجريدة ووقف ينتظر أمر مولاه، فقال له الدوق: تأهب للسفر في الحال إلى ليو ~~سانت. # فامتثل فانتير وخرج، فأمر السائس أن يعد المركبة، وأسرع إلى بائع جرائد بالقرب من ~~القصر، فاشترى منه تلك الجريدة وقرأ فيها تلك المقالة، فقال في نفسه: إن يد روكامبول ~~منغمسة في هذا الدم المسفوك دون شك، وهو الفصل الثاني من الرواية؛ لأني أنا مثلت ~~الفصل الأول بسرقة الكتاب، وهو مثل الفصل الثاني بسرقة الأوراق. # وبعد هنيهة أقبل الدوق وكانت المركبة قد ms0626 أعدت، فركب بها وأمر السائق أن يسير، ~~حتى إذا مر بمنزل الكونت أرتوف أوقفه ودعا البواب إليه وسأله: أعرفت الرسول الذي ~~بعثته الكونتس إلى روسيا؟ ~~- أجل، وهو لم يعد إلى الآن. ~~- أتعرفه جيدا؟ ~~- أجل، إني أعرفه منذ عشرة أعوام، وأنا أدخلته في خدمة الكونت. ~~- أرأيت صدره عاريا في مدة عشرتك له؟ ~~- أجل رأيته مرات كثيرة وفيه كثير من الوشوم، وعلى جنبه الأيسر وشم آخر يمثل رجلا ~~عاريا إلى وسطه وهو يحمل مدفعا بيديه. # فاكتفى الدوق بما سمع وأمر فانتير أن يواصل السير، فما زال يسير حتى وصل إلى ليو سانت ~~بعد منتصف الليل، فدخل إلى فندق وسأل صاحبه عن الجريمة التي حدثت وعن المكان الذي عرضت ~~فيه الجثة، فذهب به يدله عليها وذهب فانتير في إثرهما. # فلما رآها الدوق وفحصها رأى ذلك الوشم الذي أخبره به بواب منزل الكونت أرتوف، فأيقن ~~أنه رسوله ووقف وقفة الحائر المضطرب، وهو لا يعلم إذا كان هذا القتل بسبب الأوراق أم ~~أنه كان من قبيل الاتفاق، غير أن فانتير لم يدع له وقتا لإطالة التمعن ، فإنه ما أوشك ~~أن نظر الجرح حتى عرف الخنجر، فدنا من الدوق وقال له بالإنكليزية: لقد عرفت الجرح ~~وعرفت السلاح. # فارتعش الدوق وحاول أن يسأله، غير أن فانتير أوقفه بإشارة وخاطبه بصوت منخفض: لا تقل ~~كلمة أمام هؤلاء الحراس. # ثم خرج الدوق وفانتير، فقال فانتير: لم يعد لنا شغل في المكان فلنعد إلى ~~باريس. فأجفل الدوق من لهجة فانتير؛ إذ كان يكلمه بدون كلفة، ونظر إليه نظرة ~~المستغرب، فقال فانتير: لا يستاء مولاي أني أكلمه بهذه اللهجة، وإذا أذن لي أن ~~أكلمه بحرية وأراد أن ينسى هنيهة أني سائق مركبته، إنه لا يندم عما فعل. ~~- إذن تكلم. ~~- ليس هنا يا سيدي؛ فإن الحديث يطول. فزادت دهشة الدوق ومشى أمامه إلى ~~المركبة. # ركب فانتير بإزائه وسارت بهما المركبة يقودها الدوق، فبدأ فانتير الحديث وتكلم ~~باللغة الفرنسية، قال: لم يمض علي ليلة في خدمتك بعد، ومع ذلك أني أعرف سرك وأول ms0627 ~~ما أبدأ به هو أنك عاشق لابنة الدوق سالاندريرا. # فقال له الدوق بعظمة: ماذا تقول؟ ~~- ليعلم مولاي أننا نسير في ظلام ليل دامس، فإذا كلمني دون كلفة فلا يجد من ~~يؤاخذه؛ إذ لا يجد من يراه، ولو سمح لي أن أتكلم لشرحت له حقيقة موقفه، وربما فرجت ~~أزمته الحاضرة. ~~- قل ما تشاء. ~~- قلت لك يا سيدي إنك تعشق الغادة الإسبانية. ~~- هذا أكيد. ~~- وإن الكونتس أرتوف التي كانت تدعى من قبل باكارا خطبتها لك فرفض أبوها. ~~- وهذا أكيد أيضا. ~~- ولكن باكارا عرفت بعد ذلك قريبا لك في روسيا، فعرفت منه أنه يوجد قربى بينك وبين ~~الدوق سالاندريرا. # فزاد انذهال الدوق وقال: كيف عرفت جميع هذا؟ ~~- من الكتاب الذي أرسلته باكارا إلى الدوق الإسباني، فوصل إلي قبل أن يصل إليه، وهو ~~لا يزال معي. # فذعر الدوق وقال: كيف هذا؟ ومن أنت أيها الرجل؟ ~~- إني يا سيدي ذاك الرجل الذي سينقذك من خطر عظيم، فعندك أعداء لا تعرفهم جعلوا أقصى ~~مرادهم أن يحولوا دون زواجك بابنة الدوق. ~~- من هم أعدائي؟ ~~- ستعرفهم بعد حين، وأرجو أن تكتفي الآن بأن تعلم بأنهم هم الذين سرقوا كتاب باكارا، ~~وهم الذين قتلوا الرسول القادم من روسيا وسلبوه الأوراق. # فغضب الدوق وقال: أتعرف هؤلاء الأسافل وتشاركهم في سرقة الكتاب، ثم تدخل في ~~خدمتي؟ ~~- إني ما دخلت في خدمتك وما تنكرت بهذا الزي الذي تراني فيه إلا لأفضح أمرهم، ~~إنهم أشداء يجب معهم الحرص الشديد. ~~- وأية غاية لك من فضيحتهم بعد أن كنت في عدادهم؟ ~~- لا غاية لي غير أن أحصل منك على مكافأة تغنيني في مستقبل أيامي عن مثل هذه الأعمال ~~الشائنة، واعلم يا سيدي أنك الآن لا تعلم سوى أن لك أعداء، ولكنك لا تعرف شيئا من ~~أمرهم، ولا تدري كيف تتقيهم، فإذا كنت لا أخلص في خدمتك فإنك لا تتزوج ابنة الدوق، على ~~أنك إذا عملت بما أقوله لك واتبعت مشورتي فلا بد لك من الزواج. ~~- قل ما تريد أن يكون جزاؤك؟ ~~- قبل أن أعين المال ms0628 أسأل مولاي أن يتعهد لي بإبقائي في خدمته سائقا لمركباته، وأن ~~لا يعلم أحد من الناس بما يدور بيني وبينك، وأن تتبع مشوراتي، وأن لا تسألني أقل سؤال ~~عما أجريه. ~~- إني أتعهد لك بجميع ذلك. ~~- إذن فلنبحث بأمر الجزاء، اعلم يا مولاي أني كهل قد ناهزت الخمسين، وقد فطرت على ~~الكسل بحيث لا أستطيع احتمال تعب الأعمال، فأنا أطلب من مولاي إيرادا سنويا قدرة 26 ~~ألف فرنك. ~~- أي إنك تريد خمسمائة ألف فرنك. ~~- هو ذاك يا سيدي، غير أني لا أقبض منك فرنكا قبل ليلة زفافك، فإذا بلغت مرادك من ~~هذا الزواج دفعت لي هذا المال، وإلا فإني لا أطالبك بشيء. ~~- لك ما تريد على شرط أن ترجع لي الأوراق المسروقة. ~~- سأجدها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ليذكر مولاي ما تعهد به، فإذا كان يريد أن يصل إلى نتيجته المطلوبة فلا يسألني ~~عن شيء. ~~- ليكن ما تريد، ولكني أسألك مسألة واحدة فقط، وهو أيطول الزمن الذي تجد فيه هذه ~~الأوراق؟ ~~- لا أستطيع أن أعين الزمن، غير أنه لا يقل عن أسبوع. # وهنا انقطع الحديث إلى أن بلغت المركبة إلى مكان تظهر منه مياه نهر المارن على أشعة ~~القمر، فقال فانتير: انظر إلى هذا النهر يا سيدي، فإن أحد أعدائك ألقي فيه ضمن كيس ~~منذ خمسة أعوام، ولكنه مزق الكيس بخنجره قبل أن يبلغ إلى العمق، وتمكن من النجاة، ~~ومثل هؤلاء الأعداء الأشداء ينبغي معهم كل حذر، فإني ما أقدمت على مقاومتهم والانضمام ~~إليك إلا وأنا مخاطر بحياتي أشد الأخطار. # 32 # ولما وصلت مركبة الدوق إلى منزله كان جميع من في القصر نياما، فدخل فانتير إلى ~~الإصطبل بعد أن قال للدوق: احذر من جميع من في منزلك. ~~- أأحذر من زامبا أيضا؟ ~~- منه على الأخص، فإن جميع ما أراه منه يحملني على الريبة به. # فتركه الدوق وصعد إلى غرفته، فرأى على مائدته كتابا عرف أنه من الدوق الإسباني، ~~ففضه للحال وتلا فيه ما يأتي: # سيدي الدوق # اضطررت إلى السفر سفرا فجائيا مع عائلتي بضعة أيام، ms0629 وإنه قد عرض لنا من ~~الحوادث التي لا يسعني ذكرها ما يدعوني إلى الرجوع عن ذلك الاتحاد الذي نوينا ~~على إجرائه، أرجوك لا تلح علي بعد في هذا الشأن وأن تقبل احترامي. # الدوق سالاندريرا # وقد دعا الدوق الإسباني إلى قطع علائقة مع الدوق مايلي ما رآه من كذبه في أنبائه، فقد ~~أخبره أن باكارا أرسلت إليه كتابا فلم يصل الكتاب، وأخبره أن عمه أرسل له دفترا حكى ~~له فيه قصة اتصاله بعائلة سالاندريرا، فلما طلب إليه الاطلاع على هذا الدفتر قال له إنه ~~احترق، وأخبره أخيرا أنه أرسل رسولا إلى روسيا ليحضر له الأوراق التي تثبت نسبه، ثم ~~قال إن الرسول قتل، فدعت جميع هذه الأسباب مع ما عرفه أخيرا من خيانة باكارا، وأنها ~~كانت في سابق عهدها من بنات الهوى، إلى أن يرسل الدوق الإسباني هذا الكتاب إلى الدوق ~~مايلي، أما ما أشار إليه في كتابه من أمر السفر، وهو أنه عازم على شراء أرض في ضواحي ~~باريس من فابيان صهر روكامبول فهو حقيقي. # فلما اطلع الدوق مايلي على هذا الكتاب، ورأى أن قطع العلاقة ظاهر فيه لا يحتمل الشك؛ ~~سقط الكتاب من يده لفرط تأثره، ولكنه ما لبث أن عاد إليه الأمل بفانتير، فأخذ الكتاب ~~ونزل إلى حيث كان فانتير، فأشار إليه أن يدنو منه. # ثم لما خرجا من الإصطبل ناوله الكتاب دون أن ينبس بكلمة، فأخذه فانتير وقرأه، ثم جعل ~~يتأمل الغلاف والختم بإمعان وقال: لا بأس، فلا بد أن تحين ساعة تعرف فيها الحقيقة، ~~ولكني أرجوك أن تخبرني عن الذي أحضر لك هذا الكتاب. ~~- زامبا دون شك. ~~- إذن اعلم أن هذا الرجل يخونك، إن الكتاب قد فتح قبل أن يصل إليك، وهي حقيقة لا ~~تخفى على من كان مثلي من أرباب المهنة، ولكنها تخفى عليك. # فأجفل الدوق وقال: أترى لأجل من يخونني؟ ~~- لا أعلم، ولكني أرجح أنه يخدم أعداءك الذين سرقوا كتاب باكارا وقتلوا الرسول؛ لأن ~~أعداءك لا يمكن أن يعلموا بكتاب باكارا، وبأنك تنتظر الرسول ms0630 من روسيا إلا من ~~رجالك. ~~- لقد أصبت. ثم خطر له في الحال إحراق غرفته وإحراق الدفتر فيها، فأيقن أن زامبا ~~يخونه وقال: لا بد لي من طرد هذا الخائن وعقابه. ~~- كلا، بل يجب أن تبقيه. ~~- كيف أبقي هذا الخائن في منزلي بعد ثبوت خيانته؟ ~~- نعم، ولو عشت مثلي بين أولئك الأشرار لعلمت الفائدة التي يمكن نيلها من عدو متستر ~~وهو يحسب أنك واثق به. ~~- إذن افعل ما تريد. ~~- بل أنت افعل ما أقوله لك، اصعد الآن إلى غرفتك واجلس في سريرك، وعندما يدخل زامبا ~~أظهر أمامه أنك بأشد حالة من اليأس، وأنا أتكفل بالباقي. ~~- ألا أكتب للدوق الإسباني؟ ~~- كلا. ~~- لكنه يسافر. ~~- ليسافر. # فاضطرب الدوق وقال: إني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز. ~~- لا ينبغي أن تفهم، فإني قد وضعت خطتي، وليعلم مولاي أن نفعي لا يكون إلا ~~بزواجه. # فرجعت ثقته بفانتير وأجاب: لقد أصبت، افعل ما تشاء. # ثم تركه وانصرف فانتير لينام. ~~••• # وفي الساعة نفسها التي أحضر فيها زامبا كتاب الدوق الإسباني إلى الدوق دي مايلي ~~المتضمن لقطع العلائق، كان روكامبول جالسا أمام أستاذه أندريا يخبره بشأن الكتاب وبعزم ~~الدوق الإسباني على السفر، فقال له أندريا بلوحه الحجري: لقد أحبطت مساعي الدوق، ولكنك ~~لم تخبرني شيئا عن فانتير، ألم يعد بعد؟ ~~- كلا، فإن غيابه يشغل بالي. # ففكر أندريا هنيهة ثم تابع: إن هذا الرجل قد خاننا كما خاننا من قبل، ولكنه لا ~~يستطيع أن يستفيد بشيء من الكتاب؛ لأن باكارا سافرت، على أنني أخشى أن يتصل إلى غيرها، ~~وفي كل حال فإنه يجب أن نفرغ من أمر الدوق دي مايلي. # فارتعش روكامبول وقال له: ألا تقول لي شيئا عن خطتك التي أنفذها كالآلة الصماء؟ ~~وماذا تبغي من إدخالي سائسا في إصطبل الدوق دي مايلي؟ ~~- إني لا أقول لك شيئا؛ لأنك لا تزال على غرور الصبى ولم تمرنك التجارب بعد، اكتف ~~بتنفيذ أوامري. ~~- ليكن ما تريد، فماذا أفعل غدا؟ ~~- تتناول أولا الطعام مع أختك وصهرك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تذهب وتتنزه. ~~- وبعد ذلك؟ ms0631 ~~- تتوجه إلى النادي وتسلي نفسك بالمقامرة. ~~- أراك تهزأ بي! ~~- هو ما تقول، ولكن بعد أن تعود من النادي وقبل أن تذهب لوداع ابنة الدوق، تعال إلي ~~لأخبرك لماذا يحتاج الدوق دي مايلي إلى سائس مثلك في إصطبله. # فانصرف روكامبول ففعل كما أوصاه، وفي اليوم التالي عاد إليه وسأله: إني فعلت جميع ما ~~أوصيتني به، فهل تقول لي الآن لماذا يحتاج الدوق إلى سائس؟ ~~- أجل، فهل سمعت بهذا المرض الذي يسمونه «الجمرة الفارسية»؟ ~~- إنه مرض قتال يصيب الخيل والأبقار فيفتك بها. ~~- وهو إذا أصاب الناس قتلهم أيضا. # 33 # لقد تركنا الدوق جاعلا كل اعتماده على فانتير في أزمته التي ضاق صبره عن احتمالها، ~~أما فانتير فإنه لما أصبح وحده جعل ينظر في موقفه ويقول: إن اثنين يتنازعان على هذه ~~الغادة الإسبانية، وهما الدوق دي مايلي وروكامبول، ولكني لا أدري إذا كان روكامبول ~~يشتغل لغيره أو لنفسه، فقد تعود هذا الجسور أن يتقمص كل يوم في نفوس الكونتية ~~والبارونات، وهنا السر، إذا كان يشتغل لنفسه فأي مركيز هو الآن؟ وماذا يدعى؟ وكيف لي ~~أن أعلم ذلك ؟ وإذا كان يشتغل لغيره فإني أبحث منذ يومين ولا أهتدي لشيء، ولا يعلمون أن ~~أحدا طلب ابنة الدوق غير الدوق دي مايلي، على أن مدام فيبار أخبرتني أنها رأت روكامبول ~~قادما من الطريق المؤدية إلى منزل الدوق الإسباني، وأنه كان لابسا أفخر لباس، إذن لا ~~بد أن يكون قادما من ذلك المنزل حين رأته، وقد يتفق أن ابنة الدوق أحبته، وأنه يكيد ~~هذه المكائد من أجل زواجها، وعلى ذلك لا بأس من أن أكمن له في تلك الطريق ليلتين أو ~~ثلاثا لعلي أهتدي إلى حل ذاك اللغز. # ثم قام لساعته فتنكر وذهب إلى الشارع الذي كان فيه منزل الدوق، فجعل يسير فيه ~~ذهابا وإيابا وهو يراقب الباب، ولبث في مكمنه إلى منتصف الليل، فرأى رجلا قدم إلى ~~باب الحديقة ففتحه بمفتاح خاص ودخل وأقفله من ورائه، فقال فانتير: لا أعلم إذا كان هذا ~~الرجل روكامبول أو ms0632 سواه، ولكنه عاشق ابنة الدوق دون شك، وسنعلم من هو هذا ~~المزاحم. # وبعد ساعة خرج الرجل نفسه كما دخل من باب الحديقة، فرأى فانتير أن رجلا شيعه إلى ~~الباب فمد الرجل - وكان روكامبول - يده إلى جيبه وأخرج منها نقودا فأعطاها للرجل ~~الذي شيعه، فسمع فانتير أن الرجل شكره ودعاه بمركيز، ثم أقفل الباب ومضى روكامبول في ~~شأنه ذاهبا إلى منزله السري، فدخل إليه وأوقد شمعة، فقال فانتير في نفسه: لقد عرفت ~~الآن أين تسكن أيها المركيز وسنرى في أمرك، ثم صبر هنيهة إلى أن أطفئ النور، فحسب أنه ~~دخل إلى سريره لينام، فذهب في شأنه، أما روكامبول فإنه أطفأ الشمعة وخرج من باب آخر ~~يؤدي إلى شارع آخر غير الشارع الذي كان واقفا فيه فانتير. # وفي اليوم التالي ذهب فانتير متنكرا بملابس الخدم إلى منزل روكامبول السري، وقال ~~للبواب: أين حضرة المركيز إني أحمل كتابا له؟ ~~- أي مركيز تعني؟ فليس في هذا المنزل من يلقب هكذا. ~~- أريد به ذلك الشاب الذي يسكن في الطابق الأول. ~~- إنه يدعى المسيو فريدريك. ~~- لا بأس، فهو الذي أعنيه ألعله في منزله؟ ~~- كلا، لقد سافر منذ ساعة، وهو لا يعود إلا بعد ثلاثة أيام. # وكان فانتير يكلم البواب ويفحص المنزل، فرأى أن له منفذين، فترك البواب وهو يقول في ~~نفسه: لا شك أني أبله، لقد حسبت أمس أنه نام حين أطفأ الشمعة، ولكنه خرج دون شك من ~~الباب الآخر، فإن من يطمع بزواج ابنة الدوق سالاندريرا لا يسكن مثل هذا البيت الحقير، ~~ولا يكون اسمه المسيو فريدريك. ~~••• # ولنعد إلى روكامبول، فإنه بعد أن أمر زامبا أن يطرد السائس من إصطبل الدوق ~~مايلي، وبعد أن امتثل زامبا كما أمر، قدم روكامبول بزي سائس فأدخله زامبا في الخدمة ~~بدلا من السائس المعزول، فلما تقرر قبوله استأذن السائق وهو فانتير كي يذهب لإحضار ~~ملابسه، فأذن له ولم يعرف أحدهما الآخر لمبالغتهما في التنكر. # أما روكامبول، فإنه ذهب إلى منزله فغير زيه وانطلق إلى أندريا فأخبره بما فعل، ~~وسأله ms0633 تعليماته فقال له: ينبغي عليك الآن أن تذهب إلى غرفتك فتأخذ دبوسا غليظا وتضعه ~~في علبة، ثم تذهب في الصباح فتتنزه في جهة مونتفوكون. # فظن روكامبول أنه يهزأ به، فقطب جبينه وقال: ما علاقة الدبوس وتنزهي في هذه الجهة ~~بدخولي في صفة سائس في إصطبل الدوق؟ ~~- سوف تعلم، فإنك تذهب إلى تلك الجهة التي يلقون فيها الخيول المصابة بالجمرة ~~الفارسية، ولا بد أن تلقى فيها جوادا أصيب حديثا بهذا الداء، فإذا عثرت به خذ ~~الدبوس من العلبة وشكه ببطن الجواد، ثم أرجعه إلى العلبة واقفلها، واحذر أن يكون في يدك ~~أقل خدش حين تمس هذا الدبوس المغموس بدم الجواد. # فبرقت عينا روكامبول وقال: أظن أني علمت مرادك. ~~- كلا إنك لا تعلم شيئا فاسمع؛ إنك بعد أن تغمس الدبوس بدم الجواد المريض تذهب به ~~إلى منزل الدوق دي مايلي. ~~- أأشك به الدوق؟ # فهز أندريا رأسه هازئا وأجاب: كلا، بل تشك به بطن الجواد الذي يفضله الدوق على سائر ~~جياده. ~~- لماذا تريد أن يسري ذاك المرض إلى جواده دونه؟ # فغضب أندريا وقال له بلوحه الحجري: قلت لك مرارا لا تسألني عن شيء، بل اكتف بتنفيذ ~~أوامري. # فأجاب روكامبول: إني لا أصفح عنك لاحتقارك لي، إلا إذا تزوجت ابنة الدوق. ~~- إنك لا تحرم زواجها إلا إذا قضي علي بموت فجائي، والآن اذهب لم يعد لي ما ~~أقوله لك. # فذهب روكامبول ممتثلا إلى تلك الجهة، فلقي جوادا مصابا بهذا الداء وغمس دبوسه ~~بدمائه، ثم عاد مطمئنا فذهب إلى النادي وأقام فيه إلى أن حان موعد اجتماعه بابنة ~~الدوق فذهب إليها، وأخبرته أنها مسافرة مع أبيها وأمها إلى قرية في جوار باريس؛ وذلك أن ~~أباها يريد شراء أرض في تلك الضواحي. ~~- لقد عرفت هذا، فإن الأرض أرض صهري، وهو سيذهب معكم تصحبه أختي. # فسرت سرورا عظيما وسألت: إذن ستذهب معنا؟ ~~- كلا، بل سأتبعكم بعد أربعة أيام؛ كي يكون صهري وأختي قد رشحاني لخطبتك لدى أبيك ~~وأمك، فقد علمت أختي بسرنا. # ولبث العاشقان ساعة ثم افترقا، ms0634 وفيما كان روكامبول عائدا يسير على ضفة النهر، إذ رأى ~~كثيرا من الناس محتشدين في المكان الذي ألقى فيه مدام فيبار، فأسرع الخطى واختلط بين ~~المحتشدين؛ فرأى أن فريقا من البحارة مجتمعون حول فتاة أنقذوها من الغرق، فسأل أحدهم: ~~ما شأن هذه الفتاة؟ ~~- لا ندري، سوى أن هذا الأسبوع قد بات موسم الانتحار عند النساء، فإننا خلصنا الآن ~~تلك الفتاة، ومن ليلتين خلصنا امرأة عجوزا كانت مشرفة على الاختناق. # فأجفل روكامبول وسأله: وكيف انتحرت تلك العجوزة؟ وما هي صفاتها؟ ~~- لقد قالت لنا إنها انتحرت لفقرها ويأسها، فجمعنا لها من النقود ما تيسر. ثم وصف ~~له صفاتها فوجف قلب روكامبول، وأيقن أنها مدام فيبار، وقال في نفسه: إني لم أجهز عليها ~~حين خنقتها لثقتي أنها ستموت غرقا. # ثم أسرع إلى أندريا وكان نائما، فأيقظه وأخبره بما سمع عن مدام فيبار، فأطرق أندريا ~~مليا ثم قال: ألم تعلم شيئا عن فانتير إلى الآن؟ ~~- كلا، وقد بت أخشى أن يلتقي بمدام فيبار وهي تعرفني إذا رأتني. ~~- لا بأس، إنك سوف تجدها؛ لأن الشارع الذي تقيم فيه غير متسع الأرجاء، والآن قل لي ~~أذهبت إلى مونتفوكون؟ ~~- نعم. ~~- أغمست الدبوس بدماء الجواد المصاب؟ ~~- نعم. ~~- إذن فاذهب الآن ونم، وعند الصباح اذهب إلى إصطبل الدوق وشك دبوسك ببطن جواد ~~الدوق. # وفي صباح اليوم التالي ذهب روكامبول بعد أن تنكر بزي سائس إلى إصطبل الدوق، وفعل ~~ما أمره به أندريا. # 34 # في الساعة العاشرة من الليلة نفسها كان فانتير كامنا أمام منزل روكامبول السري، وفي ~~جيبه حلقة علق بها عدة مفاتيح مختلفة، وبعض الآلات التي لا يستغني عنها اللصوص لفتح ~~الأبواب، ثم جعل يخطر ذهابا وإيابا أمام ذلك المنزل يترقب غفلة بوابه للدخول إليه، ~~بعد أن أيقن أن روكامبول قد سافر منذ الصباح كما أخبره البواب، إلى أن دقت الساعة مؤذنة ~~بانتصاف الليل، فوثق أن روكامبول قد سافر حقيقة؛ إذ لم يعد حسب عادته، واغتنم فرصة ~~موافقة فدخل إلى المنزل وفتح بابه بأحد المفاتيح التي كانت معه، ms0635 ودخل فرأى الظلام ~~سائدا ولا أثر لوجود أحد في البيت، ولكنه قال في نفسه: لا بد أن يكون في هذا البيت ~~خادم أو طباخ. # فأخذ من جيبه شمعة فأشعلها، وأخذ بيده الأخرى غدارة وجعل يمشي على رءوس أصابعه فيفحص ~~كل غرفة حتى تفقد جميع البيت، وأيقن أنه لا يوجد فيه أحد، فأضاء مصباحا نقالا ~~وجده في غرفة المائدة وأطفأ شمعته، ثم قال في نفسه: لأبحث الآن عن هذه الأوراق التي ~~تثبت نسب الدوق مايلي، لا بد أن يكون روكامبول قد خبأها في هذا المنزل. # وعاد يتفقد الغرف حتى بلغ إلى غرفة المكتبة، فلقي فيها صندوقا ضخما، فعالجه حتى ~~فتحه، وبحث فيه فوجد كثيرا من النقود وأشياء مختلفة فلم يحفل بها، ولكنه لم يجد أثرا ~~للأوراق، فشغل قلبه وجعل يفتش في جميع الخزائن دون أن يعثر على شيء، حتى خطر له أن يفتش ~~المكتبة، وقال في نفسه: إني أعرف كثيرين من الذين يخبئون الأوراق المالية بين صفحات ~~الكتب، ولا يبعد أن يكون روكامبول فعل مثل ذلك. # فأخذ يفتش كل كتاب في المكتبة فيمسكه من طرفيه ويهزه فلا يسقط منه شيء، وفيما هو ~~على ذلك إذ سمع صرير مفتاح في قفل الباب، فأقفل المكتبة في الحال وأطفأ المصباح، واختبأ ~~وراء ستارة الغرفة، ثم سمع وقع أقدام في الرواق، ثم سمع احتكاك عود من الكبريت، ~~فأشعلت شمعة ودخل بها ذلك القادم إلى المكتبة وهو يغني، فعرف فانتير من صوته أنه ~~روكامبول، وكان ينظر إليه من خلال الستارة وبيده الغدارة محشوة فحار في أمره؛ لأن صوته ~~يدل على أنه روكامبول وهيئته لا تدل على شيء من ذلك؛ إذ إنه كان متقمصا بهيئة المركيز ~~دي شمري. # أما روكامبول فإنه وضع شمعته على المائدة وفتح المكتبة، فأخرج منها كتابا ضخما أحمر ~~الجلد، ففتح أول ورقة منه فتفقدها ثم أعاد الكتاب إلى محله، فقال فانتير في نفسه: لقد ~~فتشت الكتاب فلم أجد فيه شيئا، ولا بد أن تكون الأوراق فيه، وقد تفقده ليطمئن ~~على كنزه الثمين. # وبعد ms0636 أن اطمأن روكامبول على الأوراق أطفأ الشمعة وخرج وهو يغني، فلما سمع فانتير ~~إقفال الباب صبر هنيهة إلى أن تحقق بعد روكامبول، ثم أضاء الشمعة وأخرج ذلك الكتاب ~~وهزه فلم يسقط منه شيء، فجعل يقلب صفحاته بيده صفحة صفحة، حتى وصل إلى الصفحة البيضاء ~~في آخره فرأى أنها ثخينة غير متناسبة مع أوراق الكتاب، فرقص فؤاده من الفرح، وأيقن أن ~~الأوراق مخبوءة بين ورقتين. # وعند ذلك أخرج مدية رقيقة الشفرة من جيبه وحاول أن يفصل بينها، ولكنه خشي أن يخدشها، ~~وخطر له أن لا يبقي أثرا لسرقته، فأسرع إلى المطبخ وغلا الماء على النار حتى تصاعد ~~بخاره، فوضع ورقة الكتاب فوق البخار هنيهة حتى سال غراؤه، ففصل الورقتين وأخرج من ~~بينهما تلك الأوراق المثبتة لنسب الدوق؛ وهي شهادتان مكتوبتان على ورق رفيع، فخفق قلبه ~~سرورا وهو يحسب أنه ملك زمام السعادة، وقرأهما حتى إذا أتم قراءتهما وضعهما في جيبه، ~~وأخذ ورقتين تناسبهما من الورق الأبيض ووضعهما بين صفحتي الكتاب بدلا من الشهادتين، ثم ~~ألصقهما بصمغ كان على الطاولة، وأعاد كل شيء إلى مكانه، وخرج من ذلك المنزل بعد أن أطفأ ~~النور وبلغ منه ما يريد. # وكانت الساعة الأولى بعد منتصف الليل، فأسرع إلى قصر الدوق كي يعطيه الشهادتين، غير ~~أنه لم يستطع أن يراه لأنه كان نائما، فقال في نفسه: لا بأس، فسأعطيه إياها في ~~الصباح. # ودخل إلى الإصطبل ليتفقد الجياد، فرأى جوادا نائما على الأرض والزبد يغطي شدقيه، ~~فنادى أحد البيطريين وقال له: ماذا أصاب الجواد؟ # فأجاب: لا أعلم؛ لأنه أصيب بعارض فجائي منذ خمس ساعات، وهو يعض نفسه ولا يستقر على ~~حالة، وقد أتى الدوق بنفسه فتفقده عدة مرار. # فدنا فانتير منه، وفحص الجواد فحصا مدققا دون أن يمسه بيده، فعلم أنه مصاب بالجمرة ~~الفارسية، وقال: لا خير منه ولم يعد يصلح إلا للمجزرة. # وكان روكامبول قد شك بطن هذا الجواد بالدبوس الحامل لمكروب هذا الداء، كما ذكر ~~القراء. ~~••• # لنعد الآن قليلا إلى ذكر ما حدث على إثر ms0637 ذلك، فإنه بعد أن فعل روكامبول بهذا ~~الجواد ما فعل قدم زامبا وأمر السائس - أي روكامبول - أن يسرج للدوق جوادا، فأسرج ~~له في الحال الجواد المطعون، فركبه الدوق وذهب ليتنزه، وبعد ذلك دنا روكامبول من زامبا ~~وقال: سر بي إلى الغرفة التي يقيم فيها الدوق عادة لكتابة رسائله. # فامتثل زامبا وسار أمامه حتى دخل إليها، فرأى طاولة للكتابة وأمامها كرسي ضخم مجلل ~~بالمخمل، فقال: أيجلس على هذا الكرسي حين يعود؟ ~~- نعم، وهي عادة مطردة له في كل يوم حين يعود من النزهة بهذا الجواد الذي حبه حبا ~~عظيما، يدخل إلى هذه الغرفة فيجلس على هذه الكرسي ويكتب رسائله. ~~- أفي كل يوم يفعل هذا؟ ~~- هي قاعدة باتت مطردة لديه لم يتحول عنها منذ عرفته. ~~- حسنا، ثم أخرج من جيبه علبة ملأى بالدبابيس وجعل يشكها في أطراف الكرسي من الجهات ~~التى تسند إليها الأيدي حتى فرغ، ثم خرج مع زامبا وعادا إلى الإصطبل. # وعند الظهر عاد الدوق من نزهته وجلس على كرسيه يكتب رسائل، فلما فرغ منها وضع يديه ~~على طرفي الكرسي مستندا عليها كي ينهض، فشكت الدبابيس يديه فصاح صيحة ألم، ثم نادى ~~خادم غرفته زامبا وقال له مغضبا: كان ينبغي أن تضع هذه الدبابيس في مكانها حين تفرغ من ~~استعمالها لا أن تشكها في ساعدي الكرسي، فأطرق زامبا متظاهرا بالخجل، ورأى أن كف الدوق ~~قد خدش وجالت منه نقطة دم. # أما روكامبول بعد أن وثق من أن الدوق خدشت يده قال في نفسه: لم يعد لي ما أعمله ~~في هذا المنزل الآن، فلأذهب للتفتيش عن مدام فيبار وعن فانتير فإنهما أصبحا خطرا ~~علي، ثم خرج وذهب إلى داره وأقام فيه إلى أن أقبل الليل، فسار إلى منزل مدام فيبار ~~فلم يجدها، ثم ذهب إلى المنزل الذي يقيم فيه فانتير فطرق الباب كمن يستأذن في الدخول؛ ~~لأنه كان مفتوحا من الداخل، فسمع صوت مدام فيبار وهي في سريرها تقول: ادخل. فولج ~~وأقفل الباب من الداخل، ثم أسرع إليها وهي في سريرها ms0638 وقبض على عنقها وهو يقول: أنا ~~روكامبول فاحذري من أن تصيحي؛ لأني لا أريد بك سوءا، بل أريد أن أتباحث معك. فلم تستطع ~~العجوز أن تقول كلمة لما تولاها من الرعب، فقال روكامبول: قلت لك إني لا أريد بك ~~سوءا، بل أريد لك كل خير، فقد ندمت لما ظهر مني من قبل وذكرت ما لك علي من حق ~~التربية؛ فأتيت أستغفر منك، إذا كنت لا تريدين أن أسيء إليك احذري من الصياح، وإلا ~~قتلتك في الحال. # فحلت عقدة لسانها وقالت: رحماك لا تقتلني. # فلطف روكامبول لهجته وقال: لا تخشي يا أماه وانظري إلي، ألا تجدين بين عيني ما ~~يدل على الندم؟ وها أنا أرفع يدي عن عنقك، ولكني أحمل بيدي هذا المسدس واحذري من ~~الصياح. # فهدأ روعها قليلا وقالت: ماذا تريد مني بعد أن أردت قتلي وألقيتني في النهر؟ # إنك تعلمين يا أماه أني أحبك حبا صادقا، ولكنك حينما لقيتيني تلك الليلة ناديتني ~~بصوت مرتفع وأنا الآن مركيز. # فصاحت العجوز منذهلة: كيف ذلك؟ أتكون مركيزا ثم تترك أمك تعضها أنياب الجوع، بل ~~تقتلها كي تتخلص منها؟ ~~- بالله يا أماه لا تذكري لي تلك الجريمة فقد بكيت كثيرا، ولا أزال كلما ذكرتك أبكي، ~~ثم طوقها بذراعيه وجعل يقبلها. # فحن قلبها وقالت: إذن ندمت؟ ~~- كل الندم. ~~- وبكيت أيضا؟ # فتهدج صوت روكامبول وقال وهو يجهش بالبكاء: نعم ولا أزال أبكي. # وكانت هذه العجوز التي عاشت بين الدماء والجرائم لا يحن قلبها إلا لروكامبول، ولا تحب ~~سواه في الوجود؛ لأنها ربته وهو في المهد وتبنته فغذته بلبانها، فلما سمعت أقواله ~~حملها حبها له على تصديقه وغلبها الحنو وبكت، فقال لها روكامبول: إذن فقد صفحت ~~عني؟ # فقبلته بدورها وقالت: كل الصفح. والآن قل لي هل أنت حقيقة مركيز؟ ~~- نعم، وفوق ذلك فإن ثروتي تعد بالملايين. ~~- أرجعت عن العيش السابق؟ ~~- وأي فائدة لي بعد من ارتكاب الموبقات وإني غني نبيل. ~~- أتحبني دائما؟ ~~- لولا ذلك لما أتيت إليك، وسأهبك ثروة تعيشين بها أرغد عيش مدى الحياة. ~~- إذن ms0639 اسمع، إني سأحدثك بأمر هذا الخائن فانتير الذي يتعقبك ويحاول تسليمك ~~للشرع. # ثم قصت عليه جميع ما عرفناه من أمر فانتير معها، وكيف أنه قدم منذ ثلاثة أيام، وفض ~~ختم كتاب كان معه، وكيف أنه عاهدها على الفتك بروكامبول. # وكان مما قالته له إنه دخل سائقا في منزل الدوق، فاضطرب روكامبول وذكر في الحال أن ~~السائق الذي رآه في إصطبل الدوق دي مايلي يشبه فانتير بالقامة وضخامة البطن وتقاطيع ~~وجهه بعض الشبه، وأنه رآه يعرج بالرجل اليمنى عرجا خاصا بالذين يحكم عليهم ~~بالليمان والقيد بالسلاسل، ثم ذكر أيضا أن ذاك السائق لم يدخل في خدمة الدوق إلا منذ ~~يومين، فأيقن أنه فانتير. # ولما أتمت العجوز حديثها قال لها روكامبول: لا بأس يا أماه، فسننظر في أمر هذا الرجل ~~الذي يريد قتلي، فإذا جاء انتبهي من أن تقولي له شيئا عني، بل تجاهلي أمامه أنك ~~رأيتني، وكوني معه على ما يريده، والآن خذي هذه النقود واشتري بها خير ما تحتاجين إليه ~~من اللباس، وسأشتري لك في هذا الأسبوع منزلا كبيرا تعيشين من إيراده مدى ~~الحياة. # ثم أعطاها ورقة بنك قيمتها ألف فرنك وقبلها مودعا، ثم وعدها أن يزورها في الغد ~~وخرج وهو واثق منها. # وكان الليل قد انتصف فذهب توا إلى منزله السري حين كان فانتير فيه يبحث عن الأوراق، ~~فلم ينتبه روكامبول إليه كما تقدم، وغادر المنزل فسرق فانتير الأوراق وذهب آمنا كما ~~قدمناه. # غير أن روكامبول قبل أن يصل إلى منزله خطر له أن يعود إلى منزله السري لبعض الشئون، ~~فدخل إليه بعد خروج فانتير، وأشعل عودا من الكبريت كي ينير به المصباح، فرأى أن ~~المصباح في غير الموضع الذي تركه فيه، فأجفل وخطر له أن سارقا دخل إلى البيت، فأخذ ~~المصباح وأسرع إلى غرفة المكتبة فرأى نقطة ماء على المائدة، وهي من الماء الحار الذي ~~استعان فانتير بحرارته على فتح صفحتي الكتاب، فطاش برأسه وأيقن من السرقة، فبادر إلى ~~المكتبة في البدء وأخرج الكتاب الذي كان مختبئا فيه ms0640 الأوراق وفتحه، فرأى أثر الصمغ ~~الذي فيه، ففتح الصفحتين وأخرج الورقتين اللتين كانتا بينهما، فإذا هما من الورق الأبيض ~~وضعتا بدلا من الشهادتين؛ فكاد يضيع صوابه من الغيظ، ولا شك أن السارق فانتير، ولا ~~شك أنه سائق مركبات الدوق، والآن لم يبق لي غير رجاء واحد، وهو أن يكون الدوق نائما ~~لئلا يصل إليه فانتير. # عند ذلك أسرع إلى غرفة الملابس وتنكر بزي السائس وانطلق - بعد أن تسلح بغدارتين ~~وخنجر - إلى منزل الدوق دي مايلي، فلقي في الإصطبل فانتير واثنين من السياس منهمكين ~~بشأن الجواد المصاب، وسمع فانتير يقول لأحدهما: إن الجواد مصاب بشر الأمراض، ولكني لا ~~أدري كيف اتصل به هذا الداء؛ لأنه لم يخرج من الإصطبل منذ يومين. # فوافقه السائس على استغرابه وقال له: ربما كان ذلك من صنع السائس الذي طردتموه ~~أخيرا، ففعل ما فعل بالجواد على سبيل الانتقام. # ولم يحفل فانتير بتعليله وأجاب: أأتى الدوق لتفقد الجواد؟ ~~- نعم، إنه حضر مرتين في المساء. ~~- وهل مسه بيده؟ ~~- جملة مرار؛ لأن الجواد لم يكن يأنس إلا به، فكان يمسح الزبد عن شدقيه بمنديله ، ~~ويمسح جلده بيده. # فارتعش فانتير وقال: ألم يعضه؟ ~~- بل كان يلحس يده بلسانه. # وكان روكامبول يسمع كل هذا الحديث فقال في نفسه: لا شك أن فانتير لم يقابل الدوق ~~بعد، ولا شك أن أوراقي لا تزال معه، وفي ذلك الحين دخل زامبا إلى الإصطبل وسأل عن ~~الجواد، فأجاب فانتير: إنه على وشك الموت، قل لي أنام الدوق؟ # أجاب زامبا: إن الدوق مريض. ~~- أهو الذي أرسلك لتسأل عن الجواد؟ ~~- نعم. ~~- أيمكن أن أراه لأخبره بحقيقة أمره؟ ~~- إنه في سريره، وسأسأله إذا كان يريد أن تذهب إليه. # ثم خرج من الإصطبل، ولما بلغ إلى الرواق رأى روكامبول قد تصدى له وأمره بصوت منخفض: ~~اتبعني. # فامتثل وسار معه حتى اجتازا الرواق ولم يعد يراهما أحد، فخاطبه روكامبول: إذا لم ~~تنفذ أوامري في الحال خسرنا كل شيء. # فأجفل زامبا وسأله: ماذا حدث؟ ~~- حدث أنه إذا قابل هذا السائق الدوق، ms0641 ذهبت أتعابنا أدراج الرياح! ~~- إن ذلك ميسور، سأعود إليه وأقول إن الدوق مريض لا يستطيع أن يقابل أحدا. ~~- قل لي كيف حاله؟ ~~- إنه مصاب بحمى شديدة وقد تورمت يده. ~~- أدعي إليه طبيب؟ ~~- كلا. # فوقف روكامبول يفتكر هنيهة ثم قال له: إنه يوجد ثلاث غرف متسعة قبل غرفة الدوق، إذا ~~تكلم أحد بصوت مرتفع في الغرفة الأولى أيصل كلامه إلى غرفة الدوق؟ ~~- كلا، إن المسافة بعيدة. ~~- حسنا، اصعد إلى مولاك وقل له إن الجواد بحالة حسنة، ولا تذكر كلمة عن السائق، ~~وخذ بي إلى الغرفة الأولى. # فامتثل زامبا وصعد أمامه السلالم حتى وصل إلى الغرفة، ففتح بابها وقال له: ادخل. فدخل ~~روكامبول قائلا: اذهب الآن إلى الدوق، وعد إلي في الحال. # وبعد هنيهة عاد زامبا فخاطبه روكامبول: انزل إلى الإصطبل وقل للسائق إن الدوق يريد ~~أن يراه، واصعد به إلي وامش أمامه وبيدك شمعة منورة، فمتى دخلت إلى هذه الغرفة أطفئ ~~الشمعة وألقها إلى الأرض، ثم اقبض على ذراعه على هذا النمط كما أفعل بك الآن. وهنا ~~علمه كيف يقبض عليه، وتابع: اذهب في الحال قبل أن تفوت الفرصة. # وانطلق زامبا مسرعا فوجد فانتير ينتظر عودته بفارغ الصبر، فقال له: هلم معي لأن ~~الدوق ينتظرك. # ولم يكن فانتير يعرف بعد مداخل القصر ومخارجه، فسار في إثر زامبا حتى دخل به إلى ~~الغرفة التي كان فيها روكامبول، فأطفأ الشمعة وانقض عليه فقبض على ذراعيه كما تعلم، ~~وفي الوقت نفسه، وقبل أن يتمكن من الصياح شعر بيد وضعت على فمه، وخنجر وضع على ~~عنقه، وسمع صوتا منخفضا يقول له: أنا روكامبول أيها الأبله، فإذا نطقت بكلمة فإنك ~~مقتول. # 35 # لما سمع فانتير صوت روكامبول وشعر بوخز خنجره في عنقه، وهت ركبتاه من الخوف، وضاع ~~رشده حين أيقن بالخطر المحدق من حوله، فجعل يقول: بالله اعف عني ولا تقتلني. # أجاب روكامبول: اصمت ولا تفه بحرف. # وقال لزامبا: أمسكه جيدا. # ثم عاد يخاطب فانتير بتهكم قائلا: إن من كان لصا خائنا مثلك فهو لا يخلو ms0642 من ~~السلاح. # وجعل يفتش في جيوبه وأخرج منها مسدسين، ثم أخرج من حزامه خنجرا عرفه من قبضته، فقال ~~له: إن هذا الخنجر لي وقد سرقته مني منذ ساعة، أما الآن وقد جردتك من سلاحك فلنتحدث ~~قليلا. # فعاد فانتير إلى التوسل والاستعطاف وهو يختلج من الرعب، فقال له روكامبول: إذا فهت ~~بكلمة دون أن أأمرك بالكلام قتلتك في الحال. ثم خاطب زامبا: أطلق الآن إحدى يديه وخذ ~~الخنجر وضعه بين كتفيه، وإذا بدرت منه حركة اقتله بسرعة. # ووضع روكامبول خنجره في فمه كي يستخدم كلتا يديه، ثم أخذ قماش الستائر ومزقه قطعا ~~طويلة وربط بها رجلي فانتير ويديه، وأخذ منديله فكم به فمه كي لا يستطيع الاستغاثة، ~~وبعد أن انتهى من جميع ذلك قال لزامبا: دعه الآن وأنر المصباح. # فلما أضاءه قال له: ضع المصباح على المستوقد، واقفل جميع الأبواب واذهب بسلام ~~وانتظرني خارج الباب. # فامتثل زامبا وأقفل الأبواب وخرج. # ولما خلا المكان بهذين اللصين دنا روكامبول من فانتير وخنجره بيده، ففك رباط فمه ~~وقال بلهجة الهازئ المتهكم: يجب قبل كل شيء أن أخبرك بحقيقة الحالة؛ إن الدوق دي مايلي ~~الذي لا بد أن يكون قد وعدك بمبلغ جزيل ثمن الرسالتين اللتين سرقتهما من عندي لا يستطيع ~~أن يستفيد منهما بشيء؛ لأنه لم يعد له في الحياة غير ساعات معدودة؛ إذ إنه مصاب ~~بالجمرة الفارسية كجواده، فخير لك أن ترد لي الرسالتين حالا لتشتري بهما حياتك، ثم إني ~~أخبرك أيضا أن زامبا هو عبد لي يخضع لي في جميع ما أريده، ولهذا تراني أتصرف في ~~المنزل كأنه منزلي، فإن لم تسلمني الأوراق التي سرقتها من عندي منذ ساعة أقتلك وأذهب ~~في شأني، ولا خوف علي من أحد؛ لأن زامبا وبواب منزلي السري لا يعلمان من ~~أنا. # أجاب فانتير: إنك مركيز. # ولما سمع روكامبول كلمة مركيز رفع خنجره وقال: قل من أنا، أسرع وقل اسمي إذا ~~شئت أن تسلم من الموت. # فذعر فانتير لما رآه من اضطراب روكامبول وأجاب: مولاي عفوك، فإني ms0643 أعلم أنك مركيز، ~~ولكني لا أعرف اسمك. # فتنهد روكامبول تنهد المنفرج بعد ضيق وقال له: لقد عرفت ما أريد أن أعرفه منك، ~~وما دمت تجهل اسمي فإنك تجهل منزلي، وعلى ذلك فإن الوقت فسيح أمامي وسأقتلك حينما ~~أشاء. # فزاد اضطراب فانتير وقال: ماذا تريد مني؟ ~~- الأوراق. ~~- خذها، إنها في بطانة صدرتي. # فظل روكامبول ماسكا الخنجر بيده اليمنى، ومد يده اليسرى إلى بطانة صدرة فانتير وأخرج ~~منها الأوراق، وبعد أن فحصها فحصا مدققا قال له: أتريد أن أبرهن لك عن أن دي مايلي لم ~~يبق له غير ساعات معدودة في الحياة، انظر إلي. # ثم أدنى الشهادات من الشمعة فأحرقها، وقال: إن هذه الشهادات لا قيمة لها إلا عند دي ~~مايلي، وحرقي لها دليل على أنه مائت، ولم يعد الآن ما يمنعك عن الإقرار ~~التام. ~~- إني أعترف لك بكل شيء على شرط أن تصفح عني ولا تدعني وشقائي، سلني عما تريد. ~~- ماذا فعلت في إسبانيا؟ ~~- قتلت مأمور البريد وسرقت الكتاب، ثم عدت إلى باريس وفتحته فعلمت كل شيء. ~~- كيف عرفت أني مركيز؟ ~~- من مدام فيبار. # ثم قص عليه جميع ما دار بينه وبين مدام فيبار من الحديث والمؤامرة عليه، فلما وثق ~~روكامبول من صدقه قال له: لم يبق عليك إلا شيء واحد وهو أن تنضم إلى أتباعي، فإن من ~~لا يستطيع أن يكون قائدا، فخير له أن يعود جنديا. ~~- ألعلك تستفيد مني بشيء؟ # فضحك روكامبول ضحك الساخر وأجاب: لو لم يكن لي فائدة منك لقتلتك بسرعة؛ لأنك تستحق ~~القتل لخيانتك لي ولرئيسي. ~~- إذا كان ذلك إني أقسم بالله إني لا أخونك بعد ذلك. # وعند ذلك دنا روكامبول منه ففك قيوده وقال: هلم بنا. # أما فانتير فإنه رأى بعينه أن الشهادتين قد أحرقتا، وأن الدوق في حالة النزع، فعلم ~~أنه لم يعد له بد من الانقياد إلى روكامبول، فسار في إثره حتى بلغ به إلى منزله ~~السري فقال له: لو تنبهت قليلا وأرجعت المصباح إلى مكانه لما علمت بسرقتك. # فتنهد فانتير، ولكن روكامبول ms0644 أشفق عليه وقال: اطمئن إن سرقتك لم تكن لتنفعك؛ لأن ~~الدوق مسموم منذ يومين. ~~- والآن اجلس على المائدة واكتب ما أمليه عليك إلى مدام فيبار. # ثم أملى عليه ما يأتي: # إن مسألتي مع روكامبول تمنعني عن أن أراك اليوم، ولكني سأزورك في هذا المساء، ~~فنامي في سريرك ودعي المفتاح على الباب؛ لأني سأحضر بعد منتصف ~~الليل. # ولما انتهى من الكتابة ووقع باسمه على الرسالة أظهر انذهاله، وقال: ماذا تريد بهذه ~~الرسالة الغريبة؟ ~~- سترى ما هو أغرب من ذاك؛ لأني سأعود إلى ربط رجليك ويديك وكم فمك لتبقى في هذا ~~المنزل أسيرا إلى مساء غد. # فذعر فانتير وبدت عليه ملامح العصيان، فاستل روكامبول خنجره وقال له: أتريد أن تعود ~~إلى ما كنا فيه من الخلاف بعد أن اتفقنا؟ # فخاف فانتير وقدم يديه للتقييد، فشد روكامبول وثاقه وأقفل الباب عليه ~~وخرج. # 36 # في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي دخل روكامبول إلى غرفة أستاذه أندريا وقال: ~~أتذكر حين لقيتك وأنقذتك مما كنت فيه ما قلت لك بعد اجتماعنا؟ إني قلت لك يومئذ إنك ~~من النوابغ، ولكنك على سمو عقلك وشدة دهاك، ليس لك غير عيب واحد كان السبب في جميع ما ~~تقدم لك من الفشل والخذلان؛ وهو أنك تستخدم رجال الشر لتنفيذ الشر، ولو كنت تستخدم ~~رجال الخير لهذا القصد السيئ لكنت من الفائزين؛ لأن الكريم الشريف لا تخطر له المفاسد ~~في بال خلافا للماكر الشرير، فإنك إذا استخدمته لغرض فطن لقصدك، وكان أول ما يجول في ~~خاطره أن يستأثر بالنفع دونك، مثال ذلك: فانتير؛ إنك ركنت إليه في المرة الأولى فخانك ~~وقطع لسانك وذهب ببصرك، ثم ركنت إليه في المرة الثانية فكاد يصعد بي إلى المشنقة لو لم ~~أنتبه له ويخدمني الاتفاق في إحباط سعيه. # ثم قص عليه حكاية فانتير ومدام فيبار بجميع تفاصيلها إلى أن أخبره بأنه غادره عنده ~~مكبلا موثقا. # فضحك أندريا ثم افتكر هنيهة وأخذ لوحه الحجري، وكتب عليه ما يأتي: إن الدوق دي مايلي ~~في حالة النزاع ms0645 ولم يعد لك حاجة بزامبا، وفانتير خائن وقد أحبطت جميع مساعيه فلا ~~نستطيع أن نأمنه بعد الآن، ومدام فيبار عرفتك ولا يجمل بك أن تكون عبدا لها؛ أي يجب ~~أن تتخلص من هؤلاء الثلاثة مرة واحدة. # فصفق روكامبول بيديه وأجاب: هذا ما خطر لي، وإني أفتخر أن يتوارد خاطري مع خاطرك، ~~غير أني لا أعلم كيف يكون هذا القتل وأين تمثل هذه الرواية. ~~- إنها ستمثل في غرفة مدام فيبار، أما طريقة قتلهم سأخبرك عنها، اذهب الآن إلى ~~مدام فيبار وانظر إذا كان يوجد تحت غرفتها قبو، وتفقد ذلك القبو ثم أخبرني بتفاصيله؛ ~~لأن عهدي بهذه المنازل أن يكون فيها أقبية واسعة. # فامتثل روكامبول وذهب توا إلى مدام فيبار فألقاها تنتظره، فلاطفها وجدد وعده لها ~~بشراء البيت الذي باتت ليلتها طامعة به، ونفحها بمبلغ آخر من النقود، فبكت من سرورها، ~~ثم حادثها بشأن الانتقام من فانتير. # واتقدت عيناها بشر الغضب، وقالت: أين هو الخائن الذي يريد أن يفجعني بك لأمزقه ~~بأسناني؟ ~~- سنرى، والآن افتحي لي هذا القبو الذي في غرفتك؛ لأني أحب أن أتفقده. # فقامت مدام فيبار وأزاحت خشبة كبيرة كانت تغطي مدخل القبو عند باب الغرفة، فانكشف عن ~~هوة عميقة فقال لها: هاتي السلم إني أحب أن أنزل إليه. # فامتثلت وأحضرت السلم، فأنزله روكامبول حتى استقر على أرض القبو، وأسنده إلى الحائط ~~وأضاء شمعة ونزل وحده وجعل يتفقده. # وكان القبو خاويا خاليا؛ إذ لا مئونة لهذه العجوز لتخزنها فيه، وبينما كان روكامبول ~~ينظر في جدرانه؛ إذ رأى أحدها مبتلا بالماء دون سواه، فقال في نفسه: لا بد أن يكون ~~لهذا الجدار شأن. # وأقبل يفحصه فحصا دقيقا فرأى الماء يخرج من ثقب رفيع في أنبوبة في جوف الجدار يسيل ~~منها إلى المجاري العمومية، فخطر له في الحال خاطر هائل وأخذ خنجره وأزاح الطين المتلبد ~~فوق الأنبوبة حتى انفرجت له وظهر ثقبها الرفيع، فشق تلك الأنبوبة بخنجره ووسع ثقبها، ~~فجعل الماء يخرج منها بقدر ثخانة الإصبع. # وأقام في ذلك القبو ساعة يفحص ms0646 انصباب الماء فيه حتى غمرت المياه قدميه، فقال في نفسه: ~~إذا دام انصباب الماء على هذا القياس ولا بد أن يدوم، فإنها ستبلغ عند منتصف الليل إلى ~~نصف علو القبو؛ أي علو مترين، وهذا القدر يكفي. # ثم صعد السلم مطمئنا حتى بلغ إلى الغرفة، فأخرج السلم وأعاد الخشبة - وهي باب القبو ~~- إلى ما كانت عليه. # أما مدام فيبار فإنها كانت منذهلة لا تعلم شيئا من قصد روكامبول، ولم يتوان ~~روكامبول إلى إخبارها، بل قال لها: انتظريني الليلة، فسأحضر إليك وأخبرك عن الذي سنصنعه ~~بفانتير. ~~- وإذا أتى قبل أن تحضر، فما أخبره؟ ~~- إنه لا يحضر، وكوني واثقة من ذلك، إنما لا تخرجي من غرفتك. # ثم تركها وعاد لمنزله، فغير ملابسه وعاد إلى أندريا وأخبره بجميع ما صنع، فأخذ ~~أندريا لوحه الحجري وكتب عليه سطورا كثيرة كان روكامبول يقرؤها وهو واقف وراءه، ولما ~~أتم كتابته كتب تحتها: أفهمت؟ ~~- نعم، ويا له من فكر هائل! # فابتسم أندريا معجبا بأفكاره الجهنمية، وذهب روكامبول مطرق الرأس يتمعن بإنفاذ هذه ~~الخطة. # وفي الساعة السادسة من المساء قابل روكامبول زامبا وسأله عن حالة الدوق ، فأجاب: إنه ~~في أسوأ حالة، وقد قنط الأطباء من شفائه. ~~- اعلم الآن أن سيدي الذي يريد أن يتزوج بابنة الدوق أمرني أن أبلغك رضاه عنك، وهو ~~سيجعلك وكيله بعد الزواج دون شك، ثم أمرني أن أمنحك ألفي فرنك على سبيل المكافأة عن ~~حادثة الدوق والدبابيس، ذلك عدا عن المكافأة العظيمة التي ستنالها بعد الزواج، غير أنه ~~يسألك أيضا قضاء أمر لا بد منه. ~~- إني مستعد لكل أمر، فقل أطع. ~~- إنه يريد الانتقام من هذا السائق الإنكليزي الذي دخل في خدمة مولاك وكاد يحبط جميع ~~مساعينا. ~~- أيريد قتله؟ ~~- ذلك لا بد منه. ~~- متى وأين؟ ~~- اذهب بعد ثلاث ساعات إلى القهوة التي كنا نجتمع فيها، فأذهب بك لأخبرك بما يجب أن ~~تصنع، ولا تنس أن تحضر معك أحسن خنجر عندك. # 37 # وفي الساعة الثامنة من مساء تلك الليلة قدم روكامبول إلى بيت مدام فيبار وطرق ms0647 ~~بابها، فدنت من الباب وقالت بصوت منخفض: من أنت؟ # فذكر روكامبول اسمه، ففتحت ودخل يصحبه زامبا فقال لها: لقد أحضرت هذا الرجل لأنه ~~يريد أن نتحدث قليلا مع فانتير. # ثم أقفل الباب وقال لزامبا: أطلعك على المهمة التي انتدبتك إليها، والتي تكون بعدها ~~وكيل من يتزوج ابنة الدوق. # فقالت مدام فيبار متحمسة: إن المهمة هي قتل فانتير. # فرد زامبا منذهلا: أيدعى السائق فانتير؟ # أجاب روكامبول: نعم، إنه اسم لا يشير إلى أن صاحبه من أصحاب النفوذ، غير أنه إذا بقي ~~في قيد الحياة فهو يحول دون تحقيق أمانيك، وربما ألقى بك في هوة السجن المؤبد لتعيش ~~بقية عمرك مقيدا بالسلاسل. # فهلع قلب زامبا لهذا الإنذار ورد: إذن سيموت. # وأمر روكامبول مدام فيبار أن تضيء المصباح وتحضر سلم القبو، فامتثلت وهي لا تعلم ~~شيئا من خطته، ففتح روكامبول باب القبو وأنزل السلم إليه، ثم أخذ المصباح بيده ونزل ~~درجات السلم حتى بلغ إلى نصفها وشعر بالماء وقال في نفسه: إن علو الماء قد بلغ مترين ~~وهو يكفي لإغراق إنسان. ورأى أن الماء لا يزال يخرج من الأنبوبة بمعدله الأول ، فاطمأن ~~خاطره وصعد وقال لزامبا: إنك ترى هذا القبو الذي نزلت إليه، أصغ إلي الآن، إنك ~~ستقتدي بي وتنزل إلى هذا القبو كما نزلت، وهو ملآن بالماء لأن الأمطار الأخيرة نفذت ~~إليه وجعلته بئرا. # فأجفل زامبا وقال: أيمكن للمرء أن يغرق فيه؟ # أجاب روكامبول مبتسما: إنه يغرق ولا يغرق، وذلك أنك ستنزل إلى القبو أنت وفانتير، ~~فيغرق هو، وأما أنت ستصبح وكيل من يتزوج ابنة الدوق. ~~- إني لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- إني موضح لك هذا اللغز، ألا ترى السلم في القبو؟ ~~- نعم. ~~- ألا ترى أن مدخل القبو عند عتبة الباب؟ ~~- نعم. ~~- إنه عندما يأتي فانتير يكون الظلام سائدا وباب القبو مفتوحا، فإذا فتح الباب ~~ودخل سقط في الهوة، أعلمت الآن؟ ~~- نعم علمت، وأما أنا فماذا أعمل بالقبو؟ ~~- إنه شديد المهارة بالسباحة، وإذا ترك وشأنه في القبو فهو يعوم فوق المياه عدة ms0648 ~~ساعات ويستغيث بصوته العالي إلى أن يرده المدد؛ ولذلك ينبغي أن تخمد أنفاسه ولا ~~تبق له مطمعا في الحياة. ~~- سأعمل، ولكن بأية وسيلة أخمد أنفاسه؟ # إنك تقف على آخر درجة متصلة بالماء من درجات هذا السلم، فمتى سقط فانتير في الماء، ~~أول ما يخطر له أن يلتمس ما يتمسك به ولا يجد غير السلم، وإذا دنا منه ومسك به تطعنه ~~بخنجرك طعنة نجلاء تقضي عليه، ثم تصبر هنيهة إلى أن تعلم أنه مات فتناديني، وعند ذلك ~~أنير لك الطريق لتصعد. ~~- إذن إني مستعد للنزول، وهذا خنجري بيدي، وكن واثقا من قتله. # وعند ذلك أنار له روكامبول منفذ القبو، ونزل زامبا درجات السلم حتى بلغت رجله إلى ~~الماء فنزل درجة ووقف، وعند ذلك أطفأ روكامبول المصباح وانزوى في الغرفة مع مدام فيبار، ~~فقالت له: أأنت واثق أن فانتير سيحضر؟ ~~- كل الثقة، فقد كان أسيرا عندي أطلقت سراحه ووعدته أن أعطيه خمسين ألف فرنك. ~~- لماذا يأتي إلي؟ ولماذا تعطيه خمسين ألف فرنك؟ ~~- جزاء قتلك؛ إذ إنه يحسب بأنه آت لقتلك. # ارتعشت العجوز وقالت: يقتلني أنا؟ ~~- ألا تعلمين أنه خائن يبيع بنيه بالمال، قد وعدك بجزاء حسن إذا ساعدتيه على ~~فضيحتي، وأنا وعدته بجزاء حسن إذا ساعدني على قتلك، فانطلت عليه الحيلة، ووقع في الفخ ~~الذي نصبه لي. # وفيما هما على ذلك إذ سمعا وقع أقدام، اضطرب فؤاد روكامبول وقال: اسكتي، ها هو قد ~~حضر، ثم سمعا صوت المفتاح في القفل، ثم فتح الباب فمشى فانتير ثلاث خطوات وكانت خطوته ~~الرابعة في الهوة المفتوحة، فسقط في القبو وصاح صيحة عظيمة، أسرع روكامبول إلى باب ~~القبو ووضع أذنه على مدخله ونام فوقه كي يسمع ما يجري بين زامبا وفانتير. # كان أول ما سمعه أن فانتير جعل يقذف الشتائم واللعنات لا يجيبه غير صدى هذا القبو ~~المتسع المظلم، ثم جعل يسبح بيديه ورجليه وقد قنط من بلوغ صوته إلى المسامع لما سمعه من ~~تجاوب الصدى، وبقي يسبح ويقذف نحو عشر دقائق، ثم انقطع الصوت ووقفت ms0649 الحركة، قال ~~روكامبول في نفسه: إنه قد عثر بالسلم وسنرى ما يكون من زامبا، ولكنه لم يكد يتم مناجاته ~~حتى سمع صرخة قوية عقبها صوت سقوط جسم ضئيل في المياه، ثم انقطع الصوت، قال روكامبول: ~~لقد قضي أمره وانتهى الفصل الأول من هذه الرواية، فلنباشر تمثيل الفصل ~~الثاني. # ثم نهض فلقيته مدام فيبار فقالت: ماذا جرى؟ ~~- لقد مات دون شك، إني لا أسمع له حسا، وبعد حين وجيز سمع صوت زامبا يناديه، أمر ~~العجوز أن تضيء المصباح، ففعلت ثم ذهب به إلى باب القبو وفتحه، وقال لمدام فيبار: تعالي ~~وانظري يا أماه، قرفصت العجوز على حافة الهوة وجعلت تحدق على نور المصباح لتنظر جثة ~~فانتير، لما رأتها قالت: لقي هذا الخائن جزاء خيانته. # وضع روكامبول المصباح أمامه وقال: لم أقتله لهذا يا أماه، بل لأنه كان واقفا على ~~أسراري. # فذعرت العجوز وحاولت أن تقف لما تولاها من الخوف، غير أن روكامبول كان أسرع منها، ~~فإنه ضغط على عنقها بيديه ضغطا قويا وهو يقول: إنك لا تسلمين هذه المرة. وبعد أن أتم ~~خنقها قذف بها إلى القبو، سقطت في الماء جثة جامدة لا حراك فيها. # وعند ذلك قال لزامبا: اصعد الآن فقد انتهى كل شيء. فجعل زامبا يصعد درجات السلم وهو ~~فرح القلب بنجاح مهمته، وكان روكامبول من ورائه فلما ظهر رأسه من القبو بادره روكامبول ~~بطعنة خنجر قوية بين كتفيه، صاح صيحة ألم وانقلب يهوي فوق رفيقه، وتم بذلك تمثيل الفصل ~~الثالث من هذه الرواية. # أما روكامبول فإنه أخرج السلم من القبو بأتم سكينة فوضعه في مكانه، ووضع الباب فوق ~~القبو، ثم أطفأ المصباح وخرج من الغرفة، وانسل إلى الشارع العام دون أن يراه أحد وهو ~~يقول: إني لم أجد بين هؤلاء الثلاثة أشد بلها من زامبا؛ لاعتقاده بأني أرضى أن يكون ~~وكيلي بعد أن أتزوج بابنة الدوق وأغدو من عظماء الإسبان. # وذهب إلى منزله السري فغير زيه وعاد مركيزا نبيلا، ثم انطلق إلى النادي ودخل ~~وهو يغني غير مكترث ms0650 لشيء كأن يده الأثيمة لم تنغمس بقتل ثلاثة منذ ساعة، وهناك علم أن ~~الدوق دي مايلي قد مات مسموما، ورأى الأسف باديا على جميع الوجوه، فلم يسعه إلا إظهار ~~الأسف معهم، وأقام بينهم إلى الساعة الأولى بعد منتصف الليل، ثم برح النادي إلى منزله، ~~فوجد على المائدة كتابا من الغادة الإسبانية أرسلته إليه من القرية التي ذهبت إليها مع ~~أمها وأبيها وصهره فابيان وأخته، وكانت خلاصة الكتاب أن أخت روكامبول قد ذكرته أمام ~~الدوق الإسباني، ولمحت تلميحا عن حب أخيها لابنته، فأظهر الارتياح وهي تدعوه إلى ~~موافاتهم في تلك القرية، راجية أن يعودا منها زوجين شرعيين. # ففرح روكامبول بهذا الكتاب فرحا لا يوصف، ودخل إلى غرفة أندريا وأخبره بجميع حوادث ~~الليل وبموت الدوق مايلي وبكتاب الغادة الإسبانية، فظهرت علائم السرور على وجه أندريا ~~وقال لتلميذه الهائل بلوحه الحجري: تأهب للسفر صباحا، واعلم أنه يجب أن أسافر ~~معك. ~~- ما شأنك معي في هذا السفر؟ # قال: ذلك كي أوقع على شروط زواجك، وإن قلبي يحدثني أنه إذا لم أكن معك لا يعقد ~~هذا الزواج. # فلم يعبأ روكامبول بكلامه وأجاب: أتظن أن حديث قلبك يصدق؟ ~~- لا أظن بل أؤكد، وخذ عني هذه الكلمات واطبعها على ذاكرتك بحروف من نار، وهي أنا ~~النور الذي يضيء نجمك، فإذا لم أكن موجودا ينطفئ نور هذا النجم. # 38 # بينما كانت هذه الحوادث التي رويناها تتوالى في باريس، كانت تجري في مدينة نيس حادثة ~~لها علاقة شديدة بهذه الرواية. # ويذكر القراء أن باكارا قد ذهبت بزوجها المنكود إلى تلك المدينة كما وصف له الأطباء، ~~فاستأجرت منزلا جميلا على شاطئ البحر، وكان يصحبهما طبيب خاص حكم على الكونت أرتوف أن ~~يعتزل الناس ما أمكن، وأن لا يفارق امرأته لاعتقاده أن هذه الطريقة تعجل في شفائه، ~~على أن حالة الكونت لم تتغير، وما زال يعتقد أنه يدعى رولاند دي كايلت، وليس الكونت ~~أرتوف، ثم اتسع هذا الاعتقاد منه حتى بات يحسب أن الكونت أرتوف طلق امرأته، وأن ~~باكارا تبعته بعد ms0651 طلاقها من زوجها إلى نيس لشدة شغفها به. # وكان بين الأجانب المقيمين في نيس ضابط إنكليزي خدم مدة طويلة في الهند، وكان يرى ~~باكارا وزوجها كل يوم حين خروجهما للنزهة، فتوصل الضابط إلى السلام عليهما لكثرة ~~التقائه بهما. # وبينما كانت باكارا جالسة في غرفتها صباح يوم، إذ دخلت خادمة غرفتها تحمل إليها رقعة ~~زيارة الضابط الإنكليزي، فدهشت لهذه الزيارة، ولكنها خرجت لمقابلته واستقبلته في القاعة ~~الكبرى وجلست بإزائه، فبدأ هذا الضابط بالحديث وقال: أرجو ألا يسوء سيدتي ما تراه من ~~إقدامي على زيارتها، ولم يدفعني إليها غير الرجاء بنفعها لما علمته من جنون زوجها، ~~واعلمي يا سيدتي أن هذه المدينة لا يأتي إليها غريب حتى تتجه إليه الأنظار، ولا يمضي ~~عليه زمن يسير حتى يعلم الغرباء أمثاله بجميع أمره. # قالت باكارا: إذن لقد عرفوا حكايتي. ~~- نعم يا سيدتي، لقد عرفوها بتفصيلها، وانقسم الناس بشأنك قسمين بين مصدق ومكذب، ~~وخاضوا في تأويل أسباب جنون الكونت إلى أن قدم أمس أحد الأعيان من باريس فأخبرنا ~~... # ثم توقف عن الحديث وقال: عفوك يا سيدتي، فإنك لو بحثت في أعماق قلبي لما رأيت غير ~~الاحترام. # فقالت باكارا وهي لا تعلم إلى أين يريد أن يصل بحديثه: إني أعلم بما حدثوك، واسمح ~~لي قبل إتمام حديثك أن أقول إن رجلا شقيا لا مبدأ له ولا شرف زج بنا إلى هذا ~~الشقاء بنميمة كاذبة. ~~- لم أشكك لحظة يا سيدتي بما تقولين، واسمحي لي أن أكلمك عن زوجك وجنونه، فلقد ذكر ~~لنا هذا الباريسي أمرا غريبا، وهو أن جنون الكونت كان فجائيا لا يتقدمه شيء من ~~العوارض المعروفة، وقد ظهر الجنون في ساحة المبارزة. ~~- ذاك أكيد. ~~- وأن جنونه حمله على الاعتقاد بأنه هو خصمه، وأن خصمه يدعى الكونت أرتوف. ~~- وا أسفاه يا سيدي! إنه لا يزال يعتقد هذا الاعتقاد. ~~- ولكن الغريب في هذا الجنون أنه غير عادي. ~~- إنه كان يحبني، وقد اعتقد أخيرا أنني ... # فقاطعها الضابط قائلا: كلا يا سيدتي، فإن زوجك قد سقي سما فجن. # فاندهشت ms0652 باكارا وأجابت: كيف عرفت ذلك؟ ثم أيوجد بين السموم ما يذهب بالعقل؟ ~~- نعم يا سيدتي، إني خدمت بالهند وأقمت سنة في مدينة جافا، وعلمت أنه يوجد في هذه ~~الجزيرة شجرة إذا جففت أوراقها وطحنت كان شربها داعيا إلى الجنون، وقد رأيت ~~كثيرين من الذين جنوا بهذا السم، ومن أخص ما رأيته من الأعراض أن المجنون به ينكر ~~نفسه ويحسب أنه سواه، وهذا ما أصاب زوجك. # فارتعدت باكارا وقالت: إن زوجي لم يذهب إلى الهند، ولا يعرف أحدا في باريس من ~~الهنود. ~~- أعرف ذلك يا سيدتي، غير أن من تجاسر على النميمة بك وكاد مثل هذه المكائد لك، ~~فهو يجسر أيضا على تسميم زوجك. # فوجف قلبها وقالت: إذا صح ما تقول فإني أخشى أن لا يكون لهذا التسمم دواء. ~~- بل إني أعرف طبيبا حاذقا بشفاء هذا الجنون، وهو طبيب نال شهرة واسعة في الهند، ~~وقد لقيته منذ شهر في باريس، وعلمت أنه يقيم فيها منذ عهد طويل، وأن له شهرة عظيمة في ~~فرنسا أيضا، وقد اشتهر خاصة بمعالجة تشوه الوجوه وإزالة الوشوم والشفاء من الجنون شهرة ~~خاصة، وهو يدعى صموئيل ألبرت، فإذا دعوته يا سيدتي لمعالجة زوجك، فإني أرجو أن يشفيه ~~سريعا. # فظهرت علائم الرجاء على محيا باكارا وقالت: كلا لا أدعوه إلي، بل أنا أسير إليه كي ~~لا يطول انتظاري. ~~- لقد أحسنت يا سيدتي، واحذري من أن تثقي بغير هذا الطبيب، واعلمي أن الأطباء ~~يتحاسدون، ولا تقولي شيئا أمام طبيب الكونت، بل اختلقي حجة أمامه للسفر بزوجك إلى ~~باريس. # فشكرته باكارا شكرا جزيلا، وودعها الضابط وذهب في شأنه. # وفي اليوم التالي ركبت باكارا مع الكونت مركبة البريد وبرحت نيس إلى ليون، وركبت منها ~~السكة الحديدية إلى باريس. ~~••• # بينما كانت باكارا ذاهبة بزوجها إلى باريس، كان رولاند دي كايلت عازما على السفر من ~~باريس إلى الريف؛ إذ قد ورد إليه نعي عمه، فرأى أن الفرصة موافقة للبعد عن باريس بعدما ~~رآه من ابتعاد الناس عنه إثر حادثة الكونت، واحتقار أصحابه له ms0653 بحيث لم يبق له بينهم ~~غير أوكتاف لاتفاقه وإياه في مبادئ الغرور. # ولما وصل إليه نعي عمه تأهب للسفر وذهب لوداع صديقه أوكتاف قبل الرحيل، وفيما هو ~~سائر بمركبته شعر أن المركبة وقفت لازدحام المركبات ووقوفها عن المسير لمرور موكب، حتى ~~إن معظم الذين كانوا في تلك المركبات نزلوا منها، فأطل رولاند من مركبته وجعل ينظر إلى ~~الناس وإلى ازدحام المركبات، ورأى بالقرب منه ريبيكا التي يحسبها الكونتس أرتوف، فصاح ~~صيحة دهش سمعتها الفتاة، والتفتت إليه فما وسع رولاند إلا أن يحني رأسه مسلما عليها، ~~فردت تحيته بابتسام ولم يعد لدى هذا المسكين من شك أنها تحبه حبا أكيدا، وأنها ~~اضطرت أمام أختها أن تمثل دورها، ثم رآها وضعت سبابتها على فمها تشير إليه بالصمت، ~~غير أن رولاند تجاهل قصدها ونزل من المركبة للقائها، فأسرعت إلى مركبة في الطريق، ~~فصعدت إليها وقالت للسائق بصوت مرتفع كي يبلغ إلى مسمع رولاند: إلى شارع باسي نمرة ~~43. # فارتجف رولاند وقد علم أنها تريد أن يزورها في ذلك المنزل، وذهب إلى صديقه أوكتاف ~~وأخبره بهذا الاتفاق حين اضطراره إلى السفر، فقال له صديقه : خير لك أن تسافر لتقضي ~~مهمتك وتعود بعد غد؛ لأن ابتسامتها لك يدل على أنها لا تزال تهواك فهي تنتظرك الليلة، ~~ومتى رأت أنك لم تحضر فلا بد لها أن تكتب إليك، وتكون في ذلك الحين قد عدت إلى باريس ~~وقضيت شئونك التي لا يمكن تأجيلها. # فامتثل رولاند لنصيحة صديقه أوكتاف وركب القطار الذي يخرج من باريس في الساعة ~~الثامنة، ولما بلغ إلى المحطة الأولى وصل إليها أيضا في الوقت نفسه القطاران الخارج من ~~باريس والداخل إليها في أول محطة، ووقف القطاران دقيقتين لنزول الركاب وصعودهم. # وكان هذا القطار قادما من ليون، فجعل رولاند ينظر إلى الركاب دون اكتراث، حتى أصاب ~~نظره ركاب الدرجة الأولى، فصاح صيحة منكرة لأنه رأى بين أولئك الركاب باكارا وزوجها ~~الكونت، وهو قد رآها منذ ساعة تسير إلى شارع باسي، فأوشك أن يضيع رشده وأسرع إلى ms0654 النزول ~~من القطار الذي كان عائدا بباكارا إلى باريس، ولكن القطار كان قد سار فلم يستطع ~~إدراكه. # 39 # وصاح منبه القطار يدعو الركاب إلى الصعود إليه، ثم نظر إلى رولاند فرآه محدقا بذلك ~~القطار المسافر، فنبهه إلى الصعود، غير أن رولاند قال له: إني عزمت على الرجوع إلى ~~باريس، وسأنتظر القطار القادم في هذه المحطة. # فصفر المنبه بصفارته وانطلق القطار سائرا إلى الريف. # أما رولاند فإنه انتظر هنيهة إلى أن قدم قطار، فركب به وعاد إلى باريس، ولما وصل إلى ~~المحطة سأل عن رئيس القطار الذي قدم رأسا من ليون، فأرشد إليه فقابله رولاند وقال ~~له: أأنت رئيس القطار الذي قدم الآن من ليون؟ ~~- نعم، وقد وصلت به منذ نصف ساعة. ~~- أرأيت بقطارك امرأة شقراء وجميلة كان معها رجلان؟ ~~- نعم، وهم الكونتس أرتوف وزوجها وطبيبه. # فاضطرب رولاند وقال: إني أرى على صدرك إشارة تدل على أنك منعم عليك بوسام، وأنك من ~~رجال الشرف؛ ولهذا فإني أستحلفك بهذا الوسام الذي تتقلده أن تقول لي: هل الكونتس أرتوف ~~حضرت بهذا القطار من ليون؟ ~~- نعم يا سيدي، وأنا الذي أعنتها على الصعود إليه في محطة ليون. # فشكره رولاند وخرج وهو شبيه بالمجانين، فركب مركبة وأمر سائقها أن يسرع به إلى شارع ~~باسي نمرة 43، فذهب السائق إلى ذلك المنزل، فأطلق رولاند سراحه ودخل، فقرع الباب وأجابه ~~صوت امرأة من الداخل: من أنت؟ # فلم يجب بل جعل يقرع الباب إلى أن فتحت له خادمة، فقال لها: أين سيدتك؟ # فتلجلج لسانها وأجابت: إنها لم تعد بعد. ~~- لا بأس، فسأنتظرها. # غير أنه رأى من عين تلك الخادمة أنها غير صادقة في قولها، فنظر إليها نظرة المتوعد ~~وقال لها: اختاري بين أن أنقدك عشرة جنيهات، وبين أن تذهبي معي إلى رئيس البوليس حيث ~~يسألك عن بعض الشئون. # فتظاهرت الخادمة بالخوف وقالت: إن سيدتي تطردني من المنزل إذا أدخلتك إليها دون ~~إذنها، غير أني سأخاطر لأجلك هذه المخاطرة فاتبعني. # فسار رولاند في إثرها وصعدا إلى الدور الثاني من هذا ms0655 المنزل، حتى انتهت به الخادمة ~~إلى غرفة نوم ريبيكا، فقال لها: دعيني وحدي واذهبي بشأنك. فتركته وانصرفت. # أما رولاند فإنه دخل إلى غرفتها دون استئذان فوجدها نائمة، فوضع يده على كتفها ~~فهبت من رقادها منذعرة، ثم ثابت إلى رشدها حين رأت رولاند فقالت: كيف أتيت؟ وكيف ~~جسرت على الدخول إلى غرفتي دون إذني؟ ~~- ذلك أيتها الحبيبة لأنك أخبرتني اليوم بنمرة منزلك حين ذكرتيها للسائق بصوت ~~مرتفع. # فأنكرت ريبيكا ثم قالت له: لا بأس، وحيث قد أتيت فاجلس أمامي. # فجلس رولاند أمامها وقال لها بلهجة المتهكم: أتريدين يا سيدتي الكونتس أن تخبريني ~~بشيء عن حالة زوجك الكونت؟ ~~- إنه لا يزال مجنونا، وقد أرسلته إلى نيس. ~~- أيقيم فيها زمنا طويلا؟ ~~- لا أعلم، فإن ذلك مناط بطبيبه. ~~- لقد أصبت، ويظهر أن طبيبه استحسن أن يعود به إلى باريس فعاد في هذا المساء. ~~- من الذي عاد؟ زوجي؟ ~~- كلا، بل الكونت أرتوف، وكانت تصحبه امرأته الكونتس. # وكانت ريبيكا شديدة الجرأة غير أنها لم تستطع أن تقاوم نظرات رولاند، وجعل وجهها ~~يحمر ويصفر في آن واحد لما تولاها من الاضطراب، وعند ذلك نهض إليها رولاند وقال ~~لها: لقد انقضى زمن التضليل، وأصبحت عالما الآن أنك لست الكونتس أرتوف، بقي علي أن ~~أعرف من أنت، فاذكري اسمك. # وكان رولاند ينظر إليها نظرات إنذار، علمت بعدها أنه لم يعد لها حيلة، وأن الإنكار ~~لا يجديها نفعا، فضحكت ضحكا شديدا دون أن تجيب، فصاح بها رولاند صيحة شديدة وقال: ~~أيتها الشقية اذكري اسمك أو أقتلك في الحال دون إشفاق. # ثم قبض على عنقها وضغط عليه، فصاحت: رحماك لا تقتلني، إني أدعى ريبيكا. # فرفع رولاند يديه من على عنقها وقال: من أية عائلة؟ ~~- لا عائلة لي، وأنا من بنات الهوى. ~~- من الذي دعاك إلى تمثيل هذا الدور الشائن؟ ~~- رجل لا أعرفه. # فاحتدم رولاند غيظا وعاد إلى التهديد فقال: لقد كذبت. ~~- أقسم بالله إني لا أعرفه. # ولكن رولاند لم يبال بقسمها فقال: إذن إنك تريدين الموت. # ثم عاد إلى الضغط على ms0656 عنقها فصاحت الفتاة وقالت: دعني فسأخبرك بكل شيء، ولكني أقسم لك ~~إني لا أعرف اسم هذا الرجل، فقد لقيني ليلة فقادني إلى منزل لا أعرفه، ثم جاء بي في ~~اليوم التالي إلى هذا المنزل، وقال لي: ينبغي أن يكون اسمك من الآن فصاعدا الكونتس ~~أرتوف. # فأفرج عنها رولاند وقال لها: أتقولين جميع ذلك للكونتس الحقيقية؟ # فذعرت الفتاة وقالت: كلا. # فلما قالت هذا القول نظر إلى ما حوله، فرأى سكينا على المائدة بقرب سريرها واختطفها ~~وأسرع إليها فوضعه على صدرها، وقال: اختاري بين الموت وبين أن تذهبي معي إلى منزل ~~الكونتس. # وكانت صحة وعيد رولاند بادية في عينيه، فأيقنت الفتاة أنها لا ينقذها منه غير ~~الامتثال فقالت: ليكن ما تريد، هلم بنا. # وبعد هنيهة خرج الاثنان فركبا مركبة سارت بهما إلى منزل الكونت أرتوف، وكانت ريبيكا ~~تقص على رولاند جميع ما تعلمه من أمر روكامبول إلى أن وصلت المركبة إلى منزل الكونت، ~~فنزل منها رولاند مع ريبيكا وسأل الخادم عن الكونتس، فقال له: إنها أتت في هذا المساء، ~~وهي الآن عند أختها، فإنها لم تعد بعد. ~~- لا بأس، فسأنتظر عودتها مع هذه السيدة؛ لأني أتيت إليها بشأن خطير. # فأدخلهما إلى قاعة الانتظار، وكان على وجه ريبيكا نقاب كثيف. # 40 # أما باكارا فإنها بعد أن وصلت إلى باريس غادرت زوجها في المنزل مع طبيبه الخاص، وذهبت ~~إلى أختها سريز فأخبرتها بالسبب الذي دعاها إلى الرجوع إلى باريس، ثم ذهبت وإياها إلى ~~الطبيب صموئيل، فاستقبلهما خير استقبال. # وكان الطبيب عالما بحكاية باكارا وجنون زوجها، فقال لها: أظنك يا سيدتي آتية إلي ~~بشأن زوجك. ~~- نعم وا أسفاه! لأنه لا يزال على حاله ولم يفده الطب إلى الآن في شيء، وأنا أرجو أن ~~تتمكن من شفائه لما بلغت إليه من الشهرة. ~~- لا أستطيع أن أحكم في شيء قبل أن أرى الكونت، وأعلم بالتفصيل كيف بدأت معه أعراض ~~الجنون. # إن جنونه كان فجائيا، وهو يعتقد أنه ذات الرجل الذي كان يريد مبارزته، ولا يزال ~~ينكر نفسه ms0657 إلى الآن. # ثم أخذت باكارا تذكر جميع أعراض الجنون إلى أن انتهت إلى قصة الضابط الإنكليزي، ~~فأخبرته أن هذا الضابط يعتقد أن زوجها مسموم، وأنه هو الذي أشار عليها بعرض أمره على ~~الطبيب صموئيل. # فارتجف الطبيب عندما سمع لفظة التسمم، وقال: إنه لا يوجد غير نوعين من السموم ~~يحدثان الجنون أحدهما مشهور في أوروبا، ولكن الجنون الذي يحدث عنه لا يكون خطرا، ولا ~~تنطبق أعراضه على ما ذكرته لي من أعراض جنون زوجك، والنوع الثاني غير معروف إلا في ~~الهند، ولا يوجد منه في أوروبا إلا في منزلي، وعجيب أن تلك الأعراض تنطبق على أعراضه، ~~فهل ذهب زوجك إلى الهند؟ ~~- كلا. ~~- ألعله يعرف أحدا فيها؟ ~~- كلا. # ففكر الطبيب هنيهة ثم قال: إذا صح ما قاله الضابط الإنكليزي، فلا بد أن يكون ~~الكونت قد شرب السم قبل زمن المبارزة بليلة، ثم لا بد أن يكون بات تلك الليلة في ~~المنزل. ~~- كلا يا سيدي، إنه لم يبت في المنزل، ولكني أرجح أنه بات في منزل الدوق دي مايلي، ~~فإنه كان شاهده في المبارزة، وهو يقول لنا كل شيء. ~~- ألعلك تجهلين يا سيدتي أن الدوق مات أمس؟ # فهبت باكارا منذعرة وهي تقول: كيف مات الدوق وهو غض الصبى وفي ريعان شبابه؟ # فلم يجبها الطبيب، ولكنه أخذ جريدة كانت أمامه ودلها على خبر نعيه فيها، فقرأته ~~باكارا ثم ضغطت على الجريدة وقالت والدمع يجول في عينيها: كيف مات هذا المنكود؟ ~~- بالجمرة الفارسية، وقد سرت إليه العدوى من جواد كان يحبه. # وساد السكوت هنيهة إلى أن عاد الطبيب إلى محادثتها بشأن زوجها فقال: مما يزيد عجبي أن ~~هذا السم الذي شربه الكونت لا يوجد منه إلا في جافا وعندي، وليس لدي منه غير ثلاث أوراق ~~طبية، فكيف توصل هؤلاء الأثمة إليه؟ # ثم نهض إلى الخزانة الزجاجية الموجود فيها هذا السم، وأشار بيده إلى حق فيه رشاش ~~ناعم، فقال: هذا هو السم. ~~- إذا كان لا يوجد منه إلا عندك كما تقول، ألا يمكن أن يكون قد ms0658 سرق من ~~منزلك؟ ~~- إن هذا مستحيل؛ إذ لا يدخل هذه الغرفة إلا أنا وخادم لي به ثقة شديدة، وفوق ذلك ~~فإني حين أخرج من الغرفة أقفل بابها بحيث لا يمكن الدخول إليها، ومع ذلك فقد قلت لك إن ~~لدي من هذا السم ثلاث أوراق، وسأزن ما في هذا الحق فأعلم إذا كان ~~مسروقا. # ثم أخرج من درج مكتبه ميزانا صغيرا، وأحضر الحق من الخزانة، فأفرغ ما فيه في ~~ورقة وزن السم، فاضطرب واصفر وجهه لأنه وجد أنه ينقص ستة عشر غراما، وقال: لقد ~~سرقت! # فوقع هذا القول عليهما وقع الصاعقة، وجعل الطبيب ينظر تارة إلى باكارا وتارة إلى ~~السم نظر البلاهة وهو لا يصدق، إلى أن قال: إن هذا السم لا يمكن أن يسرق إلا إذا ~~نسيت أن أقفل الخزانة وتركت باب الغرفة مفتوحا وخرجت منها، ولم يحدث شيء من هذه ~~الأسباب الثلاثة. # ثم قرع الجرس يدعو خادمه فأقبل الخادم، وهو رجل عجوز يناهز الستين كان يثق به الطبيب ~~ثقة لا حد لها، ولكنه سأله: أتعلم ما كان في هذا الحق؟ ~~- نعم، فقد كان فيه سم قاتل. ~~- لقد سرقوا منه ستة عشر غراما فاستخدموها لجريمة هائلة. # أجاب الخادم بلهجة تبين منها الصدق: إن ذاك مستحيل. # فالتفت الطبيب إلى باكارا وقال: أسمعت يا سيدتي؟ ~~- أنا لا أتهم هذا الرجل. # فعاد الطبيب إلى الخادم وسأله: تذكر جيدا، ألا تذكر أنه دخل أحد إلى الغرفة في ~~مدة غيابي منذ شهر؟ ~~- كلا. ~~- ألم تلاحظ أني نسيت مفاتيح الخزانة على الطاولة في حين من الأحيان؟ ~~- كلا. ~~- ألا تذكر أنه دخل أحد إلى غرفتي ثم خرجت منها وبقي فيها؟ ~~- نعم أذكر شيئا من ذلك، فلقد زارك رجل منذ أسبوعين أو ثلاثة، وفيما هو مقيم معك ~~اضطررت إلى الخروج لمعالجة خادم صدمته سيارة، وكانت الخزانة مفتوحة، وأسرعت إلى الذي ~~صدمته المركبة ولم يكن مصابا بشيء. ~~- غير أن زائري يستحيل عليه سرقة السم. # فقالت باكارا: لماذا؟ ~~- لأنه خيرة النبلاء وهو المركيز دي شمري. ~~- عرفته، فهو ابن عم الكونت ms0659 فابيان، وهو قد خدم دهرا طويلا في الهند. ~~- هو بعينه. ~~- إن هذا الرجل شريف لا يمكن اتهامه. ~~- هو ما قلته يا سيدتي. # ثم غرق الطبيب في هواجسه، وخطرت له مباحثته مع روكامبول بشأن هذا السم خاصة، فقال: ~~لقد ذكرت الآن يا سيدتي أني قد تباحثت مع هذا المركيز بشأن السموم عامة وهذا السم ~~خاصة، وأنه سألني أسئلة كثيرة عن تأثيره وطريقة استعماله وزمن فتكه، إلى غير ذلك، حتى ~~إنه طلب إلي أن يراه فأريته إياه. # ففكرت باكارا وقالت: إن جميع ذلك يشير إلى أنه هو السارق، غير أن ذلك ~~مستحيل. ~~- ليس من مستحيل في الأرض، وإذا صدق فإن المركيز هو الذي سقاه للكونت، على أنه إذا ~~كان جنون زوجك من هذا السم، فإني أتعهد بشفائه شفاء عاجلا مضمونا. # فأظهرت باكارا من الفرح ما لا يوصف وشكرت الله، فقال لها الطبيب: عودي يا سيدتي إلى ~~منزلك وسأزورك غدا عند الظهر لأفحص الكونت فحصا مدققا، وسنجد من الله معونة لمعرفة ~~الأثيم الجاني. # فودعته باكارا وانصرفت، فأوصلت أختها إلى بيتها، وعادت إلى منزلها وهي تقول في ~~نفسها: إن المركيز دي شمري لا يمكن أن يقدم على هذه الخيانة، ومهما يكن فإن ثقتي بهذا ~~الطبيب باتت عظيمة، حتى إني أصبحت واثقة من شفاء زوجي العزيز. # ولما بلغت إلى منزلها أخبرتها الخادمة أنه يوجد في قاعة الانتظار شاب وسيدة ينتظران ~~عودتها. ~~- ما اسمهما؟ ~~- لا أعلم، غير أني أكرر أني رأيت الشاب مرة في هذا المنزل. ~~- والمرأة؟ ~~- لم أستطع أن أتبين وجهها لأنها مبرقعة الوجه، ولكن قامتها تشبه قامتك أتم ~~الشبه. # فتركتها باكارا ودخلت إلى القاعة، فرأت رولاند. # وكأنما حية لسعتها حين رأته، فصاحت صيحة الدهش وتراجعت منذعرة إلى الوراء، غير أن ~~رولاند دنا منها وركع أمامها، فنظرت باكارا إليه وإلى هذه المرأة التي تشبهها أتم الشبه ~~وقالت لرولاند: قم يا سيدي، فقد عرفت الآن كل شيء. # غير أن رولاند بقي راكعا، فعادت باكارا إلى ريبيكا وقالت لها: من أنت يا من ~~تشبهيني هذا الشبه العجيب؟ ms0660 وكيف تجاسرت على سرقة اسمي؟ # فقالت ريبيكا ببرود: إني يا سيدتي ابنة أبيك، واسمي ريبيكا. # فسكن غضب باكارا وقالت بلهجة الحنو والإشفاق: إذن أنت أختي؟ نعم، فلقد ذكرت الآن، فقد ~~حكت لي أمي حكايتك عدة مرات. # فقالت ريبيكا: يسرني منك ما أراه من إشفاقك علي بعد أن سببت لك من المصائب ما ~~لا يحمل معه من الإشفاق، فأصبحت أقرب إلى عيشة التوبة والصلاح بفضل هذا الحنو، ولا ~~سيما بعد أن دعوتني أختك. # ثم ركعت أمامها بجانب رولاند وقبلت يدها وهي تشرق بالدموع، فتأثرت باكارا لما ~~رأته وقالت لها: انهضي أيتها الأخت العزيزة فقد صفحت عنك، وأنت يا سيدي فإنك لا تزال ~~في مقتبل الشباب ولا شك أنهم خدعوك، فإن قلبك الصغير لا يسع مثل هذ الشر العظيم، فأنا ~~أسامحك أيضا، غير أن هذه المصيبة التي نكبتني بها لا تذكر بإزاء مصيبة هذا الرجل ~~النبيل الذي لقبني باسمه، فيجب علينا أن نتعاون للوصول إلى معرفة ذلك الجاني الأثيم ~~الذي مثل هذا الدور الهائل وخدعنا جميعنا على السواء. # فنظر رولاند إلى ريبيكا وقال: أنت التي حضرت بك إلى هذا المنزل بعد الإنذار الشديد ~~قولي الحقيقة الآن. ~~- نعم سأقول كل شيء. # ثم قصت على باكارا جميع حكايتها مع روكامبول ورولاند بالتفصيل، وكانت باكارا مصغية ~~إليها أتم الإصغاء، فلما أتمت حديثها سألت باكارا رولاند: كيف كانت تصلك رسائلي؟ ~~- كان يحملها إلي خادم كان عندي وكان يقول لي: إن له علاقة مع وصيفة الكونتس أرتوف، ~~فهي تعطيه رسائل سيدتها وهو يوصلها إلي. ~~- لقد قلت إن الخادم كان عندك، ألعلك طردته؟ ~~- كلا، بل إنه سرقني وهرب. ~~- ومن أدخله في خدمتك؟ ~~- أوصاني به صديق لي يدعى المركيز دي شمري. # فذعرت باكارا وقالت في نفسها: ما شأن هذا المركيز؟ وبماذا أسأت إليه؟ فإن جميع ~~القرائن تدل على اشتراكه بهذه الجرائم! # وبعد أن افتكرت هنيهة قالت لرولاند: إنك يا سيدي إذا كنت لا تزال في طيش الصبى، فإن ~~لك قلبا شريفا ورثت دماءه من أبيك، فهل تقسم لي بهذا ms0661 الشرف بأنك تمتثل لي في جميع ~~ما أريد؟ ~~- إني أقسم لك بشرفي وبشرف آبائي أني أكون أطوع لك من البنان، وسأنشر حديث غروري ~~وانخداعي بين جميع سكان باريس كي ... # فقطعت باكارا حديثه وقالت: أول ما أسألك إياه أن لا تفوه بكلمة عن جميع ما علمته، وأن ~~تدع الناس على اعتقادهم الأول بي؛ ولذلك فإن أختي ريبيكا ستبرح باريس في صباح غد مبرقعة ~~الوجه بحيث لا يراها أحد، فإن ساعة براءتي لم تحن بعد. # 41 # في صباح اليوم التالي هب الدكتور صموئيل من رقاده فدخل إلى غرفة شغله، وبدأ بمطالعة ~~جرائد المساء، فاستلفت نظره مقالة بعنوان «جريمة عظيمة» بدأت كما ~~يأتي: # كثرت الجرائم في هذه الأيام دون أن يتمكن رجال الأمن ~~من معرفة الأثيمين؛ فقد نشرنا من قبل حادثة مقتل القوزاقي الذي كان قادما من ~~روسيا إلى باريس، أما اليوم فإننا ننشر حادثة أشد فظاعة، وهي أن سكان إحدى ~~الحارات في شارع مونتمارتر رأوا في المساء أن المياه تخرج بغزارة من باب غرفة ~~تسكنها امرأة تدعى مدام فيبار، وبعد أن أيقنوا أنه لا يوجد أحد في الغرفة ~~وخافوا خطر المياه المتدفقة، أسرعوا إلى استدعاء الشرطة. # فأقبل رجال الشرطة وكسروا الباب، فوجدوا أن المياه تخرج من قبو بعد امتلائه، ~~ورأوا رجلا منزويا في إحدى زوايا الغرفة والدماء تسيل من كتفه وهو يحدق ~~بعينيه تحديق المجانين، فأخرجوه ونضحوا المياه من القبو، فظهر لهم قتيلان ~~أحدهما مدام فيبار صاحبة الغرفة وقد وجدت مخنوقة، والآخر يدعى فانتير، وهو ~~مطعون بخنجر، أما الرجل المجنون فقد عرف بعد التحقيق أنه يدعى زامبا، وقد ~~كان خادم غرفة الدوق دي مايلي ... إلخ. # فلما أتم الطبيب تلاوة المقالة شغل باله أمران، أحدهما جنون زامبا الناتج عما لقيه ~~من الرعب، والثاني مقتل هذا الرجل في نفس اليوم الذي مات فيه سيده الدوق دي مايلي، فذهب ~~إلى المحل الذي عرضت فيه جثتا القتيلين، ففحصهما فحصا دقيقا، ثم ذهب إلى المستشفى ~~الذي نقل إليه زامبا وطلب أن يراه، فما أوشك أن ينظره حتى ms0662 تراجع منذعرا؛ إذ علم أنه ~~نفس الخادم الذي ادعى أن العربة صدمته حينما كان المركيز دي شمري عنده، فخرج ~~لمعالجته تاركا المركيز في غرفته كما عرف القراء. # وعند ذلك غادر المستشفى وذهب إلى منزل الكونت أرتوف، فاستقبلته باكارا وأخذته إلى ~~الحديقة، حيث كان الكونت جالسا على مقعد وهو يرسم على الرمل بعصاه الحرف الأول من اسم ~~باكارا، غير مكترث بشيء مما حوله، فإذا أتم رسمه محا الحرف نفسه، وهكذا دون ~~انقطاع. # وكان الطبيب يراقبه، فلما أيقن أنه لا يهتم إلا بأمر واحد، علم أنه مسموم لا محالة ~~بذلك السم الهندي، فالتفت إلى باكارا وقال: اطمئني يا سيدتي فإني سأشفيه بإذن الله، ~~واسمحي لي أن أسألك سؤالا واحدا، وهو هل كانت علاقاتكم وطيدة مع الدوق دي ~~مايلي؟ ~~- نعم. # فأخرج الجريدة من جيبه وطلب إليها أن تقرأ ذلك الفصل الذي قرأه، فلما قرأته قرأت اسم ~~فانتير ومدام فيبار، جمدت عيناها وقالت: كل ذلك من صنع أندريا. # وكان الكونت لا يزال يرسم رسمه على الرمل، فلما ثابت باكارا من دهشتها أشارت إلى ~~الطبيب أن يتبعها، وخلت به فقالت: إن كل ما قرأناه وعلمناه يدل على حدوث الجريمة، ولكن ~~الظلمات تكتنفنا فلا نعلم شيئا أكيدا، وينبغي أن نخرج من هذه الظلمات إلى النور، ~~ولنبدأ بما عثرنا عليه أمس، فلقد ثبت لنا أن السم قد سرق من غرفتك. ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- ثم إنك أصبحت واثقا أن السارق هو المركيز دي شمري. ~~- لم يعد لدي أقل شك، فلقد ذكرت إلحاحه علي بالحديث بشأن هذا السم. ~~- وقد ثبت لك اليوم أن جنون زوجي كان لشربه السم. ~~- وذاك أكيد أيضا. ~~- إذن اسمع ما حدث لي. # ثم قصت عليه حديث رولاند وريبيكا بالتفصيل، إلى أن قالت له: إن ريبيكا لا تعرف ~~الرجل الذي كان يغويها، ولكنها عرفت المنزل الذي كان قادها إليه في أول ليلة لقيها، وهو ~~في شارع سوسانس. # فأجفل الطبيب وقال: إن للمركيز دي شمري منزلا في الشارع يستقبل فيه باسم ~~فريدريك. ~~- ألعلك ذهبت إلى ذاك ms0663 المنزل؟ ~~- عدة مرات، فقد كان يدعوني إليه لمعالجة رجل بحار مقطوع اللسان، وشوهت القبائل ~~المتوحشة وجهه بالوشوم. # فارتعدت باكارا عند سماعها قول الطبيب وقالت: أتقول إنه مشوه مقطوع اللسان؟ # فتعجب الطبيب لاضطرابها وقال: هل تعرفين الرجل؟ # كيف لا أعرفه وأنا التي قطعت لسانه بعد أن لاقيت منه الأهوال الشداد، فإن الرجل الذي ~~قال عنه المركيز دي شمري إنه بحار إنكليزي ما هو إلا الفيكونت أندريا؛ أي السير ~~فيليام. # وعند ذلك قصت باكارا عليه حكاية أندريا إلى أن قالت: إن فانتير ومدام فيبار كانا ~~من أعوانه، ولقد حاربت هذا الرجل أربعة أعوام حروبا هائلة كنت المنتصرة في ختامها، ~~ولا شك أن فانتير وتلك العجوز لم يقتلا إلا بأمره، ولا شك أيضا أن المركيز دي شمري ~~كان آلة بيد أندريا، فانتقم مني بما صنعه بزوجي وبثلم شرفي، غير أنه إذا كانت فائدة ~~أندريا الانتقام، فأية فائدة لهذا المركيز من هذا الانتقام؟ # انذهل الطبيب مما سمع وقال: إن هذا سر غامض! ~~- أنت واثق من أن زامبا الذي رأيته في المستشفى هو نفس الخادم الذي عالجته عند باب ~~منزلك حين سرق منك السم؟ ~~- أتم الثقة. ~~- إذن لنبدأ به، إنه لا شك شريك السارق، ولم يعد لدي ريب الآن أن الدوق دي مايلي ~~سيد هذا الخادم قد مات مسموما باليد نفسها التي دست السم للكونت أرتوف، ولا أعلم ~~الآن حقيقة هذا الرابط السري الذي يوثق بين أندريا والمركيز وزامبا، غير أن هذا الخادم ~~كان يدعى زامبا حقيقة، فقد كان قبل أن يخدم الدوق خادم الدون جوزيف الذي قتلته خليلته ~~في مرقص الجنرال الإسباني منذ شهرين، وقد كان الدون جوزيف هذا خطيب ابنة الدوق ~~سالاندريرا. # فقال الطبيب: نعم، لقد سمعت بشيء من هذا. ~~- لا أعلم الآن لماذا دخل زامبا في خدمة الدوق بعد قتل سيده، ولكن هذا اتفاق غريب؛ ~~وهو أن سيده كان خطيب ابنة الدوق، وكان الدوق دي مايلي يحبها أيضا وقد طلب الاقتران ~~بها، وكان ينتظر أوراقا خطيرة من روسيا تحمل الدوق الإسباني على ms0664 الرضى بتزويجه ابنته ~~متى اطلع عليها، على أننا مع جميع ما عرفناه لا تزال تحيط بنا الظلمات، أتعرف أين ~~نجد النور الذي يبدد هذا الظلام ويكشف لنا الغامض عن هذه الأسرار؟ ~~- أين؟ ~~- في عقل الرجل المفقود الذي يسمى زامبا، أتظن أن شفاءه من الممكنات. ~~- نعم، وقد يشفى بسرعة، فإن جنونه لم يحدث إلا على أثر الرعب الذي تولاه. ~~- إذن اعلم أنه إذا كان هذا البحري المشوه هو أندريا، وإذا كان المركيز دي شمري ~~آلة بيد أندريا، وإذا كان الدوق دي مايلي قد مات مسموما؛ فإن الدقائق تعد ~~بالساعات. ~~- ولماذا؟ ~~- يجب السرعة، فإن قريحة أندريا الجهنمية لا تقف عند حد فضيحة امرأة وقتل رجل. ~~- إذن فلنسرع، وأول ما أطلبه إليك أن تسألي أحد أصحابك من ذوي النفوذ أن يساعدني ~~لدى الحكومة، فتأذن لي بمعالجة زامبا في منزلي. ~~- إن ذلك سهل ميسور. ثم قامت من ساعتها وكتبت كتابا مطولا بهذا الشأن إلى الكونت ~~أرمان دي كركاز وأعطته للطبيب، فأخذه وودعها وصار به إلى الكونت أرمان. # وبعد ثلاث ساعات ورد إليها كتاب من الطبيب يقول فيه إنه فاز بمراده، وإن الكونت ذهب ~~بنفسه معه إلى دار الحكومة، وإن زامبا عنده في بيته. # فلما قرأته قالت في نفسها تخاطب أندريا: إنك قد عدت إلى القتال، ولكني سأظفر بك ~~أيضا، وفي هذه المرة لا أبقي عليك، ولا أكتفي بتشويه أعضائك، بل أريح الأرض من ~~وجودك. # غير أن باكارا أخطأت، فليست هي التي ستقتل السير فيليام. # 42 # بعد ثلاثة أيام من الحوادث المتقدمة قدمت باكارا إلى منزل الطبيب صموئيل، فأخبرها ~~أن زامبا قد عاد إليه صوابه، وأنه عازم على أن يبوح بكل شيء، فدعوه إلى غرفة السموم، ~~وجعلت باكارا تسأله وهو يجيبها، ثم لما انتهت من أسئلتها جعل يخبرها بما عرفه من شأن ~~هذا الرجل المتنكر، وكيف أنه تنكر بزي سائس وشك الدبابيس بكرسي الدوق دي مايلي، ~~فأدمى يديه وسرت إليه العدوى من جواده. # ثم ذكر لهم بالتفصيل جريمة المؤامرة على فانتير، وقتل مدام فيبار، وكيف ms0665 أنه سمع تلك ~~العجوز دعته روكامبول. # فصاحت باكارا صيحة منكرة، وذكرت دون أن تريد اسم أندريا، غير أنها ما لبثت أن ثابت من ~~دهشتها حتى انكشفت تلك الأسرار بعض الانكشاف، وأيقنت أن روكامبول أراد قتل هؤلاء ~~الثلاثة خشية على سره من الافتضاح، فقالت للطبيب ولرولاند الذي كان يصحبهما: دعاني ~~أسأل هذا الرجل، فإني أعلم من هذه الأسرار ما لا تعلمان. # ثم التفتت إلى زامبا وقالت له: اعلم أيها الرجل أنك في قبضة الحكومة التي عهدت إلى ~~الطبيب صموئيل معالجتك، فمتى شاء الطبيب ردك إليها، أصغ إلي الآن فإنك قد اعترفت ~~بإقرارك أنك أنت الذي قتلت فانتير، ويكفي أن يشهد الطبيب والمسيو رولاند عليك، فلا ~~يكون جزاؤك إلا الإعدام. # فاصطكت أسنان زامبا من الخوف وأجاب: عفوك يا سيدتي! ~~- إن العفو مناط بإقرارك بكل شيء. # فيأس زامبا عند ذلك ولم يجد له منقذا إلا الإقرار التام، فحكى لها كيف أن روكامبول ~~اطلع على سر جريمته التي ارتكبها في إسبانيا، فاستعبده من أجلها، وذكر لها جميع ما ~~كان يحدث بينهما في شارع سرسانس. # فقالت باكارا عند ذلك لرولاند: أعرفت الكونت فابيان؟ ~~- نعم، إنه من خير الناس . ~~- وكيف علائقه مع ابن عمه المركيز شمري؟ ~~- إنها على أحسن حال، فإن الكونت يحبه حبا شديدا. # فعجبت باكارا من ذلك وقالت لزامبا: أعرفت المركيز شمري؟ ~~- نعم، رأيته مرتين، إحداهما في منزل الدوق سالاندريرا، والثانية في جنازة الدون ~~جوزيف. # فسألت باكارا الطبيب عند ذلك أن يتحفظ على زامبا في منزله، فأمر خادمه بالذهاب به إلى ~~الغرفة المعدة له، بعد أن وعده خيرا، ولما خلت باكارا برولاند والطبيب قالت لهما: ~~إني أرى أن تسميم زوجي وتسميم الدوق دي مايلي وقتل الدون جوزيف جميعها صنع يد واحدة، ~~وأن صاحب هذه المكيدة كان يحاول أمرا واحدا، وهو إبعاد هذين الخطيبين عن ابنة الدوق ~~الإسباني ليزوجها برجل ثالث، أما هذا الرجل فلا أعرفه، ولا أخشى إلا أن يكون روكامبول ~~الذي لا يقف بجرائمه عند حد، ولكني لا أدري كيف يجسر هذا اللص ms0666 على الطمع بزواج ابنة دوق ~~من أعظم عظماء الإسبان، ولكني أرجح أنه يخدم سواه في هذه المهمة. # أما أوجه تهمة المركيز دي شمري فهي متعددة: منها أنه أرسل خادما إلى رولاند ~~فمثل دورا مهما في الخيانة التي اتهمت بها، ومنها أنه هو الذي سرق السم الذي ~~تسمم به زوجي، ومنها أنه كان يقيم في منزل سري له في شارع سرسانس، وهو المنزل الذي ~~كان يعالج فيه البحار الإنكليزي، وقد كان زامبا يجتمع به في ذلك المحل نفسه؛ أي إن ~~الطبيب عرفه فيه باسم المركيز دي شمري كما عرفه زامبا باسم روكامبول في اليوم الأخير، ~~فهل حدثت جميع هذه الجرائم لخدمة المركيز دي شمري؟ وإلا فأية علاقة بينه وبين روكامبول؟ ~~وهل يمكن أن يكون الاثنان واحدا؟ إن ذلك لا يصدق. # فقال رولاند: إن للمركيز دي شمري شهرة واسعة، وليس بين أصحابه من يذكره بسوء، وعندي ~~أنه يستحيل أن يكون له أدنى اتصال بمثل هؤلاء اللصوص. ~~- لم يبق إذن إلا أن يكون روكامبول قد تقمص بالمركيز دي شمري؛ لأن هذا المركيز ~~فارق أهله صغيرا وعاد بعد أعوام طويلة، فلا يبعد أن يكون هذا اللص وقف على سر هذه ~~العائلة وجاءها بصفة ابنها وهو واثق من موته، أو أنه قتله واطلع على أوراقه، فإني ~~أعرف كثيرا من أمثال هذه الحكايات. # فقال رولاند منكرا عليها هذا الظن: إن كل شيء ممكن، ولكنك يا سيدتي رأيت المركيز ~~وأنت تعرفين روكامبول كما تقولين. ~~- نعم، ولكني ما رأيته غير مرة ولم أنتبه إليه، ولم يعد لي بد من أن أراه؛ لأن ~~هذا الشك قد تمكن مني فلا يزول. # أجابها رولاند: إن ذلك سهل، فإني أدعوه إلى منزلي للطعام، وتختبئين في غرفة لترينه ~~وتسمعين كلامه كما تشائين. # فقال الطبيب: إن ذلك غير ميسور الآن؛ لأن المركيز قد غادر باريس منذ ثلاثة ~~أيام. # فقالت باكارا: ألعله سافر وحده؟ ~~- كلا، بل صحب معه ذلك البحار المشوه الذي تقولين إنه أندريا. ~~- إنه أندريا دون شك، ولكن أعلمت أين سافر؟ ~~- نعم، إنه ms0667 ذهب إلى أرض لصهره يريد بيعها للدوق سالاندريرا، وقد ذهبت العائلتان ~~منذ أسبوع، ولحق بهما المركيز منذ ثلاثة أيام. # فقالت باكارا: إني أعرف هذه الأرض، ولا بد لي أن أرى المركيز. # ثم قالت لرولاند: احضر إلي في صباح غد، واحرص أشد الحرص على أن تبوح بشيء مما ~~سمعت؛ لأن كلمة واحدة تخرج من فمك، تفسد جميع ما أنا شارعة فيه. # ثم ودعتهما وعادت إلى منزلها. # وفي اليوم التالي جاء رولاند حسب الاتفاق، فذهل إذ رأى باكارا مرتدية بملابس الغلمان، ~~ومتأهبة للسفر، فقالت له: إني تنكرت بهذا الزي كي يسهل اختلاطي بخدام الكونت ~~فابيان، فأرى المركيز كل حين. ~~- ألعلك ذاهبة إلى تلك الأرض؟ ~~- بل إني ذاهبة معك إلى أرض عمك المجاورة لها، فهلم بنا إليها، وإني أرجو أن أتبين ~~فيها وجه المركيز على ما أشاء. # فامتثل رولاند لها وخرج الاثنان فركبا مركبة وسارت بهما إلى تلك الأراضي، غير أنهما ~~ذهبا بعد الأوان؛ لأن أندريا وروكامبول سبقاهما بأربعة أيام جرى في خلالها من الحوادث ~~ما سنقصه على القراء. # 43 # وليس في هذه الأراضي التي أراد الدوق سالاندريرا شراءها من صهر روكامبول سوى أنها ~~زراعية طيبة المناخ ، وفيها قصر قديم البناء تنبسط أمامه مروج خضراء، تنتهي بواد عميق ~~هائل نشأت الصخور في جوفه، واشتهرت تلك الأرض بذلك الوادي. # وكان فابيان وامرأته والدوق وابنته أقاموا جميعا في هذا القصر المتسع، وجعلوا يخرجون ~~كل يوم للصيد في الأراضي الفسيحة، فيقضي الدوق الإسباني حاجتين؛ وهما النزهة وفحص تلك ~~الأرض التي عزم على شرائها. # وقد تمكنت الصداقة في هذه الأيام القلائل بين امرأة فابيان وبين الغادة ~~الإسبانية، حتى أفضت إلى أن الغادة باحت لها بحبها لأخيها، وأنها تخشى معارضة ~~أبيها. # وكانت امرأة فابيان تحب روكامبول حبا شديدا لاعتقادها أنه أخوها، وهي لم تصحب ~~زوجها بهذه الحيلة إلا تمهيدا لزواجه بابنة الدوق بما تبذله من المساعي في هذا السبيل، ~~فكانت تؤنس الشيخ وتلاطفه حتى مال إليها ميلا عظيما، وباحثته مرارا بشأن أخيها ~~بأحاديث مزوقة جعلت لروكامبول مكانة عظيمة ms0668 في نفس الدوق، فرضي عنه كل الرضى. # وكانت تكتم جميع هذه الأحاديث عن الغادة الإسبانية، ولكنها كلما خلت بها أملتها ~~خيرا إلى أن قالت لها ابنة الدوق يوما: أراك تكتمين عني أمورا كثيرة، وكلما سألتك ~~عما يجري بينك وبين أبي تدعينني إلى الصبر وتحملينني على الرجاء. ~~- نعم، ولا أزال أدعوك إلى الرجاء. ~~- سأرجو كما تشائين، ولكن ألا تقولين لي على أي أمر تعتمدين في هذا الرجاء؛ لأن أبي ~~لم يقل لي كلمة بعد عن المركيز. ~~- إذن، أصغي إلي لأني سأخبرك بكل شيء، إن أباك يحبك حبا يقرب من العبادة، ولا ~~أكتمك الآن ما يحملني على هذا الرجاء ما قاله لي، وهو أنه سيدع لك الخيار في انتقاء ~~الزوج الذي تهواه نفسك. # فظهرت علائم السرور على محيا ابنة الدوق وقالت: أهو الذي قال لك هذا الكلام؟ وبأية ~~مناسبة جرى الحديث؟ ~~- أتذكرين يوم ذهبت مع أمك وزوجي للنزهة، وبقيت أنا مع أبيك في القصر. ~~- نعم. ~~- بينما كنت أتنزه وإياه في الحديقة سألني: إني أعجب كيف أن أخاك المركيز لم يحضر ~~معنا؟ فاضطربت عند ذلك اضطرابا لم يخف على الدوق، وسألني عن أسباب اضطرابي، فقلت ~~له عند ذلك إن أخي يحب حب يأس، وإن هذا الحب الذي لا رجاء فيه حال دون قدومه إلى هذه ~~القرية، فعجب أبوك وقال: كيف ذلك؟ ألعل تلك الفتاة التي يهواها مقيمة في القرية؟ قلت: ~~كلا، بل إنها أتت إليها منذ ثلاثة أيام. فلما قلت هذا الكلام الصريح اضطربت اضطرابا ~~عظيما، وكنت أحسب أن حياتي متعلقة بتلك الكلمة التي ستخرج من فم أبيك، بل كنت أخشى ~~أن يقول لي: إن أخاك عظيم الجسارة. غير أنه لم يقل شيئا من ذلك، ولكنه دهش لسؤالي ثم ~~قال: أأنت واثقة مما تقولين؟ قلت: كل الثقة يا سيدي لأني أخته. قال: أيحبها حبا ~~شديدا؟ قلت: ليس وراء حبه حب؛ لأنه عاش في بلاد الهند ولم يعرف الهوى قبل أن يرى ~~ابنتك، فملكت شغافه وتمكن حبها من فؤاده أي تمكن، حتى بت أخشى ms0669 عليه من الهلاك؛ ~~لأنه يكتم أمره في صدره، وهو يعلم أن عائلة سالاندريرا أعرق نسبا من عائلته وأبعد ~~شهرة. # فقاطعني أبوك قائلا: إن عائلتي يا سيدتي أكثر شهرة غير أنها ليست أعرق نسبا. قلت: ~~وفوق ذلك يا سيدي إن التباين عظيم بين ثروتك وثروته. فابتسم الدوق وقال لي بانعطاف: ~~إننا متى اشتركنا زال التباين. ثم أضاف بكآبة: إني عزمت يا سيدتي عزما أكيدا أن أطلق ~~لابنتي الحرية باختيار الزوج الذي تريده، وذلك لأني اخترت لها ثلاثة خطاب فقضي ~~عليهم جميعا حتى تشاءمت من نفسي، وبت أشفق على من يقع عليه اختياري من ~~الخطاب. # فاختلج فؤادي عند هذا القول وقلت: إذن إذا كانت ابنتك تحب أخي أيمكن أن ... فقاطعني ~~قائلا: إنها تغدو دون شك المركيزة دي شمري في أقرب حين، ولكني أخشى أن لا يكون هذا ~~الحب متبادلا بينهما، وأن تكون ابنتي تحب سواه. # فصحت صيحة فرح وقلت: سترى أنها تحبه، وإذا شئت أن تمتحن ذلك فاذكر اسمه عرضا ونحن ~~على المائدة، ثم انظر إليها فترى ما يكون. أجاب: حسنا سأمتحن هذا الامتحان. # وقد فعل ذلك، فإنكم بعد أن رجعتم من النزهة وجلسنا جميعا على المائدة، ذكر أبوك اسم ~~أخي، ثم نظر إليك ونظرت معه، فرأيت أن وجهك قد احمر احمرارا شديدا، وابتسم لي أبوك ~~ابتساما خفيا أشار فيه إلى اقتناعه من تبادل الحب، وبعد أن قمنا عن المائدة خلا بي ~~وقال لي: لقد أصبت فيما قلته لي، فاكتبي لأخيك أن يحضر. وقد كتبت له أمس. # فنهضت ابنة الدوق وأكبت على عنق امرأة فابيان تقبلها، فجعلتا تتعانقان وكل منهما ~~تنادي صاحبتها بأختي. # وكان الكتاب وقد وصل إلى روكامبول، كما يذكر القراء، فأخذ أندريا وسافر معه. # وفي اليوم التالي خرج الدوق وامرأته وابنته وفابيان وامرأته من القصر للنزهة، فلم ~~يمشوا بضع خطوات حتى سمعوا صوت مركبة قادمة، فوقفوا ينتظرون قدومها لندور قدوم ~~المسافرين إلى هذه القرية، وكانوا كلهم يتكهنون عن القادمين بها ما عدا ابنة الدوق ~~وامرأة فابيان، فإنهما كانتا موقنتين أن ms0670 القادم هو المركيز دون سواه. # ولم يطل وقوفهم حتى وصلت المركبة وكان فيها روكامبول وأندريا، فلما رآهم روكامبول ~~وثب مسرعا إلى صهره وأخته فعانقهما، وسلم على الدوق وامرأته وابنته باحترام شديد ~~ممزوج بمظاهر الكآبة، ثم قال لهم: إني أحضرت معي ذلك البحار المسكين لتغيير الهواء، ~~فقد كان يضنيه انحباسه في المنزل. # فقالوا جميعا: حسنا فعلت. # وعادوا إلى المنزل فوضعوا أندريا في غرفة خاصة، وعينوا أحد خدام القصر لخدمته، ثم ~~خرجوا جميعا للنزهة ثانية، فعلم روكامبول من أخته ومن ابنة الدوق كل ما تقدم لنا ~~بيانه، ففرح فرحا لا يوصف وأيقن من زواجه بتلك الغادة الإسبانية التي كلفته ~~إهراق كثير من الدماء، وعرضته لأشد الأخطار، وبعد ذلك انضم إلى الدوق وفابيان، ~~وكانا يتحدثان بأمور الصيد، وقد اتفقا أن يخرجا في الغد لصيد الدب، فقال لروكامبول: ~~أتخرج معنا غدا للصيد؟ ~~- بملء الرضى، فإني تعودت صيد الوحوش الكاسرة في الهند، ولا أحب إلي من هذا ~~الصيد. # ولما عادوا إلى القصر دخل روكامبول إلى غرفة أندريا، فأخبره بجميع ما كان، فظهرت ~~علائم السرور على وجه هذا الرجل الذي لم يعرف قلبه الحب الصحيح إلى أن أصيب بتلك ~~النكبة وانقطعت آماله من غرور الحياة، فعادت إليه العواطف الإنسانية، وأصبح يحن إلى ~~روكامبول ويحبه حب الآباء للأبناء، فضغط ضغطا شديدا إشارة إلى ما تولاه من الفرح، ~~وأخذ لوحه الحجري وكتب عليه كتابة طويلة أرشد فيها تلميذه إلى طريقة يعرض فيها ~~حالة الدوق للخطر في الصيد، ثم ينقذه من الخطر. # فعلمها ودخل إلى غرفته، فنام نوم المطمئن وهو يحلم طول ليلته بملايين الإسبانية وتاج ~~الدوقية. # وخرج في اليوم التالي الدوق وفابيان وروكامبول بحاشية كبيرة من الخدم وقواد الكلاب، ~~وقد التمس روكامبول من الدوق أن يوليه إدارة هذا الصيد ففعل، فأصدر روكامبول أوامره ~~للخدم أن يطاردوا الدب في جهة عينها لهم، إلى أن وصلوا إليها، فعين موقف الدوق ~~فجعله بعيدا عن فابيان، واختبأ هو على مسافة قريبة منهما بين الأدغال، فجعلوا ينظرون ~~قدوم الوحش بفارغ الصبر، وكلهم متأهب ms0671 على صهوة جواده لقتاله. # وبعد ساعة علا نباح الكلاب وقدم الوحش من جهة الدوق، فصوب الدوق بندقيته عليه وأطلق ~~النار فأخطأه، فهاج غضب الدب فأطلق النار عليه ثانية فجرحه جرحا بالغا، غير أن الوحش ~~لم يسقط بل هاج هياجا عظيما وهجم على جواد الدوق ونشب أنيابه في ساقه، فسقط الجواد ~~بفارسه على الأرض، وأيقن الدوق من الموت فرمي بندقيته واستل خنجره للدفاع به الدفاع ~~الأخير، وشعر بأنفاس الدب تهب على وجهه وهو يمزق صدر الجواد، ولكنه قبل أن يصل الوحش ~~إليه سمع دوي بندقية ورأى أن رصاصة وقعت في ظهر الدب، فترك الوحش الجواد منذعرا والتفت ~~إلى الوراء ليرى هذا العدو الجديد. # والتفت الدوق بعده فرأى روكامبول هاجما عليه بجواده، ورأى الوحش هاجما عليه، فأطلق ~~عليه روكامبول رصاصة ثانية، ثم ترجل عن جواده فاستل خنجره وهجم على الوحش بعد أن ~~أصابه رصاصه بجراح بالغة، وما زالا يتجولان وروكامبول يحذره ويلتمس منه مطعنا حتى ~~ظفر به وطعنه بخنجره طعنة صادقة بقلبه، فانقلب الدب صريعا يتخبط بدمائه. # وفيما هو يمسح خنجره بجلده غير مكترث لشيء، إذ دنا منه الدوق وقال له بصوت يتهدج: ~~اركع يا بني واشكر الله معي، فلقد نذرت إليه نذرا وأجابني إلى دعائي. # فقال روكامبول: أي نذر هو يا سيدي؟ ~~- إني كنت منذ خمس دقائق بين مخالب هذا الوحش الكاسر، فنذرت إلى الله أن أجعلك ~~ولدا لي إذا سلمت من هذا الخطر، وقد سلمت منه وأنت الذي أنقذتني. # فوجف قلب روكامبول وأجاب: أنا ولدك؟ ~~- نعم يا بني، عرفت كل شيء فإنك تحب ابنتي وهي تحبك، ولا بد لكما من القران. # وعند ذلك رأى روكامبول أن حسن الذوق والمجاملة يقضيان عليه بالإغماء، فتظاهر أنه أغمي ~~عليه من السرور وسقط على الأرض لا يعي. # فأسرع الدوق إليه وجعل يفك أزرار ثوبه وينادي فابيان إلى أن أتى لنجدته، فرأى ~~روكامبول أنه قد حان له أن يفيق من ذلك الإغماء الكاذب، فلما استفاق رأى أمامه الدوق ~~وفابيان، فقال الدوق لفابيان وهو يضطرب: أصغ ms0672 إلي أيها الفيكونت، إن ثلاثة خطبوا ~~ابنتي فلقي كل حتفه دون أن يحقق أمانيه من الزواج، حتى لقد بت أخشى على المركيز ~~وهو الخطيب الرابع، ولما كان المركيز قد أصبح ولدي وكنت مدينا له بالحياة؛ فلنسرع ~~بعقد زواجه على ابنتي لأن هذا الزواج لا بد منه في القريب العاجل، بل إني أريد أن يكون ~~غدا وهو يوم أحد، فتول عني إبلاغ الكنيسة هذا الزفاف الذي سنحتفل بالإعلان عنه غدا ~~دون شك. # 44 # وفي يوم الأحد، أي في اليوم التالي، وعظ الكاهن في كنيسة تلك القرية الصغيرة، وأعلن ~~الناس أنه سيحتفل قريبا بزواج المركيز فريدريك ألبرت أرنوريه دي شمري أحد ضباط البحرية ~~في الهند الإنكليزية، على المدموازيل كسبسيون ابنة الدوق سالاندريرا. # وفي الساعة الرابعة بعد الظهر جاء المسجل إلى القصر، فخلا بالدوق ساعة، ثم خرج به إلى ~~القاعة العمومية حيث كان ينتظرهما الفيكونت فابيان وامرأته وامرأة الدوق وأندريا وهو ~~جالس بينهم بملابسه الرسمية، وكان روكامبول والغادة الإسبانية جالسين بمعزل عن الحضور ~~يتناجيان الغرام. # فجعل المسجل يكتب شروط الزواج أمام الدوق وفابيان الذي كان ينوب عن روكامبول، وقد ذكر ~~فيها ثروة روكامبول وخطيبته، وأن الدوق يحق له أن يورث ألقابه واسمه للمركيز دي شمري ~~بعد وفاته، فيتسمى المركيز باسمه ويلقب بالدوق سالاندريرا حفظا لنسب العائلة؛ إذ ~~ليس لها وريث ذكر. # وبعد أن أتم الكتابة أقبل الجميع وفي مقدمتهم روكامبول وخطيبته، فوقعا على صك ~~الزواج، ثم تلاهما الباقون إلى أن انتهى الدور إلى أندريا، فقاده روكامبول إلى الطاولة ~~وأعطاه القلم. # فأدمعت عينا أندريا حنوا على تلميذه، وجعل القلم يرتجف بيد هذا الرجل الجهنمي الذي ~~لم يرتجف بيده الخنجر! # 45 # في مساء ذلك اليوم الذي فاز فيه روكامبول بما يبتغيه بعد جده الطويل، وبعد أن قتل في ~~هذا السبيل النورية ومرضعتها والدون جوزيف والدوق دي مايلي وفانتير ومدام فيبار، وبعد ~~أن هتك عرض باكارا وذهب بعقل زوجها، وبعد أن قتل المركيز شمري وزامبا كما يظن، كان ~~الليل مدلهما والحر شديدا، والرياح تهب حارة والسماء ms0673 متلبدة بالضباب، وعند منتصف ~~الليل جعل الرعد يقصف والبرق يتألق في تلك السماء المظلمة. # وكان جميع سكان القصر نياما، ولم يبق صاحيا غير روكامبول، فكان يسير في غرفته ~~ذهابا وإيابا سير المضطرب يتنازع فؤاده عاملان لا يعلم إلى أيهما يخضع. # وكان يقف خلال مسيره فيضع يديه على جبهته، ثم يعود إلى السير بخطوات غير متوازنة تدل ~~على اضطرابه، ثم يدنو من زجاج النافذة فيفتحه وينظر إلى ذلك الوادي السحيق الذي يشرف ~~عليه القصر، فيتراجع منذعرا ويعود إلى مشيه المضطرب. # فما أصاب هذا الرجل وقد أدرك أقصى أمانيه، فوقع على صك الزواج وتعين القران ~~الديني في الليلة التالية؟ ألعله أصيب بنكبة بعد التوقيع على الصك، أم تأخر الزواج ~~لعارض فجائي؟ # كلا، إنه لم يصب بشيء من ذلك، ولكنه كان مضطربا لأنه كان يحاول الإقدام على أمر ~~هائل تنازعت فيه مصلحته وعواطفه، إذا صح القول بأن لهذا السفاك الجهنمي عواطف إنسان ~~دون أن نهين تلك الكلمة. # وكان يناجيه أثناء سيره المضطرب صوتان: صوت حب الذات والأثرة الوحشية التي كمنت في ~~فؤاد لص قاتل يريد أن يمحو جميع براهين ذنوبه السابقة، وصوت يقرع ضميره ونفسه ويذكره ~~واجب الإشفاق والامتنان وعرفان الجميل. # غير أن لكل نزاع نهاية، وقد انتهى تنازع نفسه بالإصغاء إلى الصوت الأول، فرفع رأسه ~~بعد انخفاض وقال: لا بد لي من الانتهاء، فسأغدو من عظماء الإسبان، ولا يجب أن يبقى في ~~هذه الأرض من يعرف جرائمي واسمي القديم. # وعند ذلك امتنع تردده، فزرر ثوبه ولبس قبعته وفتح باب الغرفة، فخرج منه يحمل ~~مصباحا، ودخل إلى غرفة أندريا فوجده في سريره ولكنه لم يكن نائما، فقال له: أراك مثلي ~~أرقا، ألعل الحر منعك عن النوم؟ # فأشار برأسه إشارة إيجاب، فقال روكامبول: وأنا كذلك، وقد زاد على الحر أني سأتزوج ~~غدا، وكيف يستطيع المرء رقادا ليلة زفافه؟ ثم إني أتيتك لأحدثك بمشروعاتي في ~~المستقبل. # فابتسم أندريا ابتساما معنويا كأنه يريد أن يقول لتلميذه: ألعلك مللت الشر بعد ~~بلوغك منتهى ما طمعت فيه، وأردت ms0674 أن تكفر عن ذنوبك بصنع الخير؟ # فأدرك روكامبول معنى ابتسامه وقال: هو ما تظن؛ إذ أصبحت في غنى عن ارتكاب ~~الموبقات. # ثم أعطاه سيكارة وقال: هلم بنا نخرج إلى السطح فنتحدث مليا ونأمن شر هذا ~~الحر. # فامتثل أندريا وخرج به روكامبول بعد أن ألبسه ثيابه إلى السطح المشرف على الوادي، ~~وجلسا هناك على حافة السطح يتحدثان الواحد بلسانه والآخر بإشارات رأسه ويديه، فقال ~~روكامبول مفتتحا الحديث: أتعلم يا عماه أني قد نلت ما لا ينال وغدوت من عظماء ~~الإسبان، وأنا لا أعلم أين ولدت، وقد ربيت في خمارة، فنشأت بها سفاكا لا يقف ~~بجرائمه عند حد؟ # فهز أندريا رأسه إشارة إلى الموافقة وهو يبتسم إعجابا بتلميذه، فقال روكامبول: إن ~~صفحتين تكتبان من تاريخ حياتي تكفيان لإرسالي إلى ليمان طولون، وأربع صفحات تبعث بي ~~إلى المشنقة، ولكنك تعلم أن هذه الصفحات الأربع لا يأذن المركيز شمري سالاندريرا أن ~~تكتب، ولقد أرشدتني يا عماه إلى التخلص من الذين وقفوا على بعض أسراري، فقتلت ~~الثلاثة ودفنتهم في قبو واحد، فلم يعد الآن في الأرض من يعلم أن المركيز دي شمري ~~كان يدعى روكامبول إلا أنت يا عماه. # فابتسم أندريا ابتساما كأنه يقول له: إنك تعلم أني لا أخونك، وأني أحبك كما يحب الأب ~~وحيدا له. # فلم يحفل روكامبول بما رآه وقال: أتعلم أين نحن الآن؟ إننا في أقصى مكان من سطح هذا ~~القصر الشاهق، وهو مكان منعزل لا يحيط جار، ولا تبلغ الأصوات منه سكان القصر، فلو أراد ~~أحدهم قتل إنسان فيه لما سمع استغاثته أحد. # ولم يكن أندريا يستطيع المحادثة؛ لأن لوحه الحجري لم يكون معه، فكان روكامبول يتولى ~~الحديث وحده فقال بعد سكوت قصير: إن الفضيلة خير ما تستنير به النفوس يا عماه، ولا سيما ~~لمن سار مسيري في طريق الآثام، ولهذا فسأكون من فضلاء القوم إرضاء لعروسي، وأغدو في ~~طليعة رجال الخير والإحسان كما تقتضيه ثروتي الطائلة ومركزي العظيم. # فصفق أندريا بيديه إشارة إلى الانذهال من استحالة أخلاق تلميذه، فقال ms0675 روكامبول: ~~لا تعجب أيها الأستاذ، فلقد ألقت تمثيل دور المركيز دي شمري حتى بت أصدق نفسي، ولا ~~أحسب إلا أني ولدت مركيزا ولم أدع يوما بروكامبول، ولم أعرف أبدا هذا الرجل ~~السافل الجهنمي الذي يدعى السير فيليام. # وقد قال هذا القول وجعل يضحك ضحكا شديدا، فلم يستاء أندريا، وحمل تلك الإهانة على ~~محمل المزاح. # ثم عاد روكامبول إلى الحديث فقال: لقد أحسنت إلى نفسي حين لقيتك وأنت تعرض على ~~المسارح لقبح سحنتك وتشويه خلقتك، فأنقذتك وذلك لأنك أرشدتني خير إرشاد في مسائل الدون ~~جوزيف والدوق دي مايلي والكونت أرتوف، وليس من ينكر أنك داهية شديد الذكاء، غير أن ~~لديك عيبين عظيمين يا عماه، أحدهما أنك لا تزال تكره أخاك الكونت إرمان دي كركاز كرها ~~شديدا، فإذا لم أضع حدا لكرهك فقد تدفعني إلى الانغماس في جرائم أخرى؛ كي تشفي غلك ~~دون الانتقام، وأنا أحب أن أعيش عيشا صالحا أحفظ به كرامة اسمي الشريف. وعيبك الثاني ~~أنك تجاهر بمبدأك، فقد علمتني يوما هذه القاعدة، وهي أنه إذا اشترك اثنان في جريمة ~~وجب على القوي منهما أن يقتل الضعيف. # فلما سمع أندريا هذا القول ملأ الشك قلبه، وحاول أن يقف فوضع روكامبول يده على كتفه ~~وقال له ضاحكا: اجلس أيها الأبله ودعني أتمم حديثي فاسمع، إننا الآن يا عماه جالسان ~~على حافة سطح تحته واد سحيق كثير الصخور يبلغ عمقه نحو مائة متر. # فأجفل أندريا وأيقن من قصد روكامبول، فحاول النهوض غير أن روكامبول أسرع إلى عنقه ~~يضغط عليه بيديه كما فعل بمدام فيبار وقال له: يعز علي أن يكون بيننا هذا الفراق، ~~ويكون هذا جزاؤك مني، غير أني أعمل بما علمتني، ومثل المركيز دي شمري لا يجب أن ~~يعرف السير فيليام. # وعند ذلك ضغط ضغطا شديدا على عنقه، فوثب أندريا مدفوعا بحفظ الحياة، وهب هبة ~~شديدة فتخلص من روكامبول وحاول الفرار، غير أنه لم يعلم أين يفر وهو لا يرى، فأتى ~~روكامبول وحمله يريد إلقاءه إلى الهوة، فجرى بينهما نزاع هائل ms0676 أسفر عن تغلب روكامبول ~~عليه فألقاه إلى الأرض، ووضع ركبته على صدره ويده على فمه، وقال له بلهجة المتهكم: لا ~~تقنط لهذا الموت؛ فسنلتقي في جهنم ولا تعدم وسيلة للانتقام. # ثم دفعه إلى الهوة، فانقلب يهوي في ذلك الوادي السحيق. # فسمع روكامبول صوت سقوط جسمه وتحطمه على الصخور، ثم انقطع الصوت وساد ~~السكون. # وعند ذلك قصف الرعد وأبرقت السماء برقا متصلا أنار الأرض كما ينيرها ضوء الشمس، ~~فرأى روكامبول على ضوء البرق المتألق جثة أستاذه أندريا ملقاة في أسفل الوادي، وذكر في ~~الحال ما قاله في حياته وهو: «أنا النور الذي يضيء نجم سعودك، فإذا هلكت انطفأ ~~النجم.» # فجثا روكامبول على ركبته وقد هاله ما فعل فقال: رباه! لقد خفت، أنا الذي لم أعرف ~~الخوف! # وحق لروكامبول أن يخاف، فقد أطفأ بيده تلك الشمعة الجهنمية التي كان يسترشد بها في ~~ظلمات الآثام، وأما أندريا فقد زجته ذنوبه إلى الهوة الأبدية، فقتل باليد التي ~~طالما دفعها للقتل وصح فيه قولنا: # هكذا عاقبة الإثم فما # لقي الإنسان إلا ما صنع # بشر القاتل بالقتل فمن # زرع الشر جنى مما زرع # انتقام باكارا‏ # انتقام باكارا‏ # | انتقام باكارا # | انتقام باكارا # | روكامبول (الجزء الرابع) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | انتقام باكارا # 1 # بعد مضي نحو شهرين على الحوادث التي سبق ذكرها في رواية الغادة الإسبانية، كانت مركبة ~~بوستة قد سافرت من أورليان في الساعة العاشرة من المساء تجري في أرض تورين، نحو الساعة ~~الخامسة من الصباح على الطريق العمومية، المؤدية من تورين إلى مدينة صغيرة تدعى ج ... ~~توجد على نحو ثلاثة فراسخ منها أرض أورنجاري، التي ماتت فيها منذ 18 عاما المركيزة دي ~~شمري أم المرحوم هكتور دي شمري، والآنسة أندري برينوت. # وكانت المركبة المذكورة تقل رجلين قد اشتهرا عند القراء، وهما الفيكونت فابيان دي ~~أشمول والمركيز فردريك ألبر أنوري دي شمري؛ أي: بطلنا روكامبول. # وكان روكامبول يومئذ كالخيال الذي لا حراك له، أصفر اللون حائر البصر، تبدو على وجهه ~~علائم القلق، وينبئ منظره ms0677 أنه واقع في شرك حزن قاتل؛ لأن رفيقه كان ينظر إليه، فيراه ~~غائصا في لجة عميقة من الأحزان، ينظر إلى جانبيه نظر رجل قد تملك الجزع نفسه، وضاقت ~~عليه الدنيا برحبها. # قبض الفيكونت على يد المركيز قبضة إشفاق، وقال له: ألا تدري أيها الصديق أنك ~~تخيفني؟ # فتكلف روكامبول الابتسام، وأجاب: أنا أخيفك أيها الصديق؟! ~~- نعم. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- إن رؤيتك على هذه الحالة من القلق والغم منذ شهرين لم أعلم لها سرا. ~~- ليس في ذلك ما يخيف، ومعرفة هذا السر سهلة جدا. ~~- مهما تكن معرفة هذا السر سهلة، فإنني لم أدركها بعد. ~~- أما تعلم أنني أحب ابنة الدوق سالاندريرا؟ ~~- وماذا يحزنك من ذلك، وأنت ستتزوج بها بعد ستة أسابيع؟ # فهز روكامبول رأسه، وقال: إن نفسي حزينة ضعيفة الأمل، وكان صوته مختنقا حتى لم يكد ~~فابيان يسمعه. # فقال الفيكونت: إني أشعر أنك ضعيف العواطف، وليس لك جلد وصبر على حلول ~~المقادير. ~~- بربك لا تذكر لي هذا الكلام، فإنه يزيدني حزنا. ~~- كنت أظنك أيها الأخ العزيز أكثر صبرا، وأقوى جلدا على تقلبات الأيام وطوارق ~~الحدثان، ولا سيما أن ما تستعظمه مما ألم بك ليس في الحقيقة شيئا عظيما، إن حظك ~~السعيد الذي تطلبه إنما قد تأخر إلى ستة أسابيع، فستقترن بعدها بابنة الدوق سالاندريرا، ~~وتكون أسعد حظا وأوفر سرورا، وإذا كانت المقادير السيئة قد قضت بموت أبيها في صباح ~~اليوم، الذي كان تقرر فيه قرانكما، فكان من الضرورة تأخير هذا القران، فما ذلك من ~~الأسباب التي توهن عزمك، وتضعف أملك لتهرع إلى هذا اليأس الذي أنت فيه، وبالله كيف لا ~~يكون من الضرورة تأخير هذا القران، وقد التزمت هذه الغادة الإسبانية أن تبدل حلتها ~~البيضاء بحلة سوداء حدادا على أبيها، وعلى خادمك البحري أيضا، الذي مات ضحية العاصفة ~~القوية في نفس الليلة التي مات فيها صاحبنا الدوق سالاندريرا. # فتنهد روكامبول ولم ينبس بكلمة. # فعاد فابيان إلى كلامه، وقال: إن الغادة الإسبانية لم تكن تستطيع الاقتران بك في ~~اليوم التالي لوفاة والدها، وكان من ms0678 الضرورة أن يتأخر زمن الزواج طبقا للعادة المتبوعة ~~عند الإسبانيين في الحداد، ولا شك أن هذه الغادة لا تزال تحبك كالمحبة السابقة، بل إن ~~محبتها تزيد مع توالي الأيام، وهل مر عليك يوم واحد لم تحصل فيه على رسالة ودية منذ ~~ضمها مع والدتها قصر سالاندريرا، حيث احتفل بجنازة الدوق؟ ~~- كلا؛ فهي تراسلني كل يوم. ~~- ومع ذلك فأنت حزين قلق البال بدون انقطاع، تندفع مع تيار الهواجس الكاذبة، حتى كأنك ~~في حلم عميق تصدق فيه كل ما يبدو لك ويمر ببالك، ولقد مضى بضعة أيام وأنا وأختك بلانش ~~امرأتي في قلق وخوف من حالتك الحاضرة. ~~- إنني أقاسي في نفسي عذابا كعذاب الموت. ~~- أجننت أيها الصديق؟! أما ترى أن يوم سعدك سيحل في القريب؟ ~~- ومن يعلم ذلك؟ # لفظ روكامبول هذه الجملة الوجيزة والاضطراب آخذ منه أشد مأخذ، ثم ما لبث أن تظاهر ~~بالسكينة والدعة، ورفع رأسه وهو يتكلف الابتسام، وقال: كأنك أنت لا تكترث للهواجس، ولا ~~تضطرب منها؟ ~~- كلا، فلا تأثير لها علي. ~~- إذن، فما أسعد حظك! ~~- كأن في نفسك شيئا تريد قوله: وإلا ماذا تعني بهذا الكلام؟ ~~- أريد أن أقول: إنني قد طالما علقت الآمال بالسعادة ونيل المنى ، وما زال يبدو في ~~خاطري أنني أنخدع ببارق الآمال، ولا أقصد غير السراب، وقد حلمت حلما راعني جدا، وما ~~زلت موجسا خيفة من مغزاه، وقد كان في الليلة التالية لموت الدوق سالاندريرا، وذلك ~~البحري التعيس ولتر بريت. ~~- وما هو هذا الحلم؟ ~~- هو أني بعد أن أغمضت عيناي حلمت أن رجلا يوقظني فاستيقظت في الحلم، وإذا برجل يلبس ~~أثوابا بيضاء قد تقدم مني، وجلس عند موضع قدمي من السرير، فحدقت به فرأيته البحري ولتر ~~بريت، ولكني رأيته على غير هيأته الماضية، فليس عليه شيء من علائم التوحش، وليس أعمى ~~العينين كما كان، فمنظره جميل وعيناه صحيحتان زرقاويتان، وابتسامته ابتسام رجل عظيم، ثم ~~إنه ما لبث أن نظر إلي قائلا: إنني انتقلت إلى الحياة الثانية، وما أتيت إليك إلا ~~لأخبرك بالمستقبل ... وأشار بيده إلى ms0679 السماء من النافذة المفتوحة، وأراني بين الغيوم ~~المتكاثفة نجمة زاهرة، فهذه النجمة كانت عندئذ سافرة زاهية، ثم لم يكن أكثر من لحظة ~~عين، حتى رأيتها كأنها تضطرب، ثم سقطت في الفضاء واضمحلت ولم يبق لنورها أثر. ~~- ومن الذي لا يضحك عندما تقص عليه هذا الحلم، ويعلم اضطرابك منه. ~~- بالحقيقة إنني أعتقد أن هذه النجمة هي نجمة حياتي. ~~- ما هذا الجنون؟ ~~- ونفسي تحدثني بأنه من المستحيل أن أقترن بالغادة الإسبانية. ~~- لو لم تكن عاشقا لعددتك مجنونا، ولكن العشاق تكثر عليهم الهواجس، ولا سيما أنك قد ~~زاد ما اتفق من موت الدوق، وتأخير الزواج هواجس بالك المتغلبة عليك، فهرعت إلى الحزن ~~واليأس على أنك في الحقيقة ستنال عن قريب غاية مناك، وإنني متحقق بأنك ستقترن بابنة ~~الدوق سالاندريرا، وهي ستصير المركيزة دي شمري قبل مضي شهرين. # فكأن كلام فابيان كان يعيد إلى روكامبول بعض الآمال، فانتعش قلب روكامبول، وقال ~~لفابيان وهو يبتسم عن أمل وفرح: عسى أن يحقق الله أملي فمن اتكل عليه لا يخيب، وأنا قد ~~رجعت الآن إلى نفسي، فظهر لي أن اليأس الذي جنحت إليه ما كان إلا من كثرة هواجسي ~~الكاذبة، وأن الأولى بي أن أعود إلى الرجاء والاتكال على الله. # فقال فابيان: الحمد لله فإن مرادك قريب المنال، فاجتهد أن تطرد عن خاطرك كل هاجس ~~كاذب، وأن تبدو دائما مستريحا مطمئن البال لا يبدو عليك أثر من علائم الحزن ~~واليأس. ~~- سأجتهد في كل ذلك، ولا أكون إلا كما تقول، ولكن هل نقيم مدة طويلة في ~~الأورنجاري؟ ~~- إننا ليس لنا فيها أشغال نروم قضاءها، وما مجيئنا إليها إلا للتنزه وترويح النفس، ~~وأنت لم تذهب إليها منذ أتيت من بلاد الهند، وأنا قد تركت أشغالي لأجل الحضور بك إليها، ~~فلا غرو إذن إن قضينا فيها أياما قليلة نشاهد أماكنها الجميلة، ونشرح الصدر بطيب ~~هوائها. # فتنهد روكامبول تنهد جزع لما سمع أن مدة أيامهما فيها ستكون طويلة. # تابع فابيان: لما تتنهد وتجزع، فإنني قد اتبعت نصيحة طبيبك صاموئيل إليوت، فهو ms0680 الذي ~~أشار إلي بإطالة هذه السفرة بالأورنجاري من أجل شفاء نفسك، وزوال الهم عن ~~قلبك. # فارتعش روكامبول من سماع هذا الكلام، ولم ينطق بكلمة. # فقال فابيان: إن الطبيب الذي عرضت عليه حال صحتك مرارا كثيرة منذ دخولنا إلى باريس ~~قد انفرد بي منذ أيام، وقال لي: إنني أصنع حسنا إذا سافرت بك من باريس مدة أيام؛ لأجل ~~تغيير الهواء، وقد أردت تلبية إشارته وعرضت عليك السفر إلى الأورنجاري فرضيت به. # فقال روكامبول وقد تناول يد فابيان، وتظاهر بالسكينة: ربما كان الطبيب مصيبا بما ~~أشار به، فإنني أشعر أن ضيق الصدر عن الصبر هو الذي يسبب آلامي، وكثرة الغم تسقمني، ~~وتكثر هواجس نفسي، ولكن يجب أن أكون اليوم أبعد عن الهم من الأمس، وأن لا أميل إلى ~~التخيلات الكاذبة التي تشتد علي، وتسبب علتي، ثم قال وهو يبتسم: ويجب أن أنتظر بكل ~~سكينة أيام سعادتي الآتية. ~~- أتعدني بذلك؟ ~~- نعم؛ أعدك به وعدا صحيحا. # وعند ذلك أراد فابيان أن يغير هذا الحديث؛ ليزيل عن خاطر روكامبول كل شيء يمكن أن ~~يؤثر عليه، فقال له: أين نحن الآن من أرض الأورنجاري؟ وأطل رأسه من نافذة المركبة؛ ليرى ~~الناحية التي هما سائران فيها، ففعل روكامبول فعله، وجعلا يرسلان بصريهما إلى جوانب تلك ~~الأرض التي تسير المركبة عليها. # وكان ذلك اليوم من متوسط شهر أبريل، والساعة تقرب من الخمسة ونصف من المساء والسماء ~~صافية الأديم، خالية الآفاق من الغيوم، وكانت المركبة التي تقل فابيان وروكامبول تجري ~~عندئذ بين مروج خضراء تتصل بمدينة س ... التي تكاد المركبة تصل إليها، وكان ذلك اليوم يوم ~~السبت، أو بالأولى يوما من أيام المواسم. # وكانت الطريق عندئذ تكاد تزدحم بالذاهبين إلى هذه المدينة من سائر القرى، وهم يسيرون ~~عليها بين مشاة على الأقدام، وركب على الخيول وعلى العربات، وقد زادت الطريق ازدحاما ~~بهم ولا سيما عندما وصلوا إلى قرب المدينة، فهناك ظهرت عليهم ملامح المسرعين لمشاهدة ~~شيء عظيم، وجعل يزاحم بعضهم بعضا في دخول المدينة. # وكان يظهر من ملامحهم وكثرة ms0681 عددهم أنهم يحضرون إلى المدينة لمشاهدة مشهد عظيم، وكانوا ~~كلهم يقصدون ساحة الموسم، أو ساحة المهرجان، وقبل أن يصل راكبو الخيول والمركبات إلى ~~المكان المذكور، كانوا يلتزمون أن ينزلوا عن خيولهم ومركباتهم، ويسيرون على أقدامهم؛ كي ~~لا تدوس خيلهم أحدا من الجموع المزدحمة في الطرق حول ساحة المهرجان، فلم يشعر فابيان ~~وروكامبول إلا والمركبة قد وقفت، ونزل خادم الفيكونت أي: خادم فابيان عن كرسيه، وتقدم ~~من النافذة وقال: لا تستطيع المركبة التقدم إلى الأمام، ومن المحال أن تتقدم عن هذا ~~الحد، فدهش روكامبول وسأله عن السبب، فأجاب: سيحل قضاء الموت بعد خمس دقائق في ساحة ~~المهرجان، والأسواق جميعها مزدحمة بالناس والخيل والعربات عند هذا الحد، ولا يدعونها ~~تتقدم خطوة؛ إذ لا سبيل لها. # فما كاد روكامبول يسمع لفظ القضاء حتى أجفل، واهتز من الجزع فتنهد فابيان، وقال: لقد ~~فهمت الآن لماذا يحتشد الناس، ويتسابقون إلى دخول هذه المدينة، فقد كنا ظننا أن كثرة ~~الوفود ناتجة عن كون هذا اليوم من أيام المواسم، ولكن مثل هذه الجموع الغفيرة، وهذا ~~الازدحام الشديد لا يكون لأجل ذلك. # وبينما المركيز والفيكونت يسرحان أبصارهما من نافذة المركبة؛ إذ نظرا على مسافة مائة ~~متر منهما آلة قطع الرؤوس مهيئة في ساحة يحيط بها الجنود، ثم يحيط بهم من كل جانب ~~جماهير غفيرة من الناس، وهم يشخصون أبصارهم في هذه الآلة المخيفة، ويتساءلون عما جنى ~~الأثيم المحكوم عليه بالإعدام، ويكادون يرتجفون هولا من شدة العبرة التي نالتهم من ~~رؤية الآلة الهائلة، ومنظر هذا المشهد المخيف. # أما فابيان فإنه أمر بأن تساق المركبة راجعة من حيث وصلت، فقال له السائق: لا أستطيع ~~العودة الآن؛ لأن وراءنا جماهير يتوافدون وهم مزدحمون ازدحاما، بحيث يجب أن ننتظر حلول ~~القضاء الهائل حتى يرجع الناس الذين وراءنا، فنكون نحن بعدهم أول الراجعين من الذين ~~أمامنا. # فتنهد الفيكونت، وقال: بالله ما هذا المشهد الفظيع، الذي ستبصره الآن عيوننا بالرغم ~~عن إرادتنا؟ # أما روكامبول فحين سرح بصره في آلة الإعدام استولى الرعب على قلبه، ms0682 وحول وجهه عن ~~النافذة كي لا يراها، فكأنه لم يهرق في عمره دما، ولم يشهد مشهدا مؤثرا من مشاهد ~~القتل والخنق، التي كانت يده آلة في زمانه السابق، وكأن هواجسه الشديدة قد مثلت له أن ~~هذه الآلة إن لم تكن مهيئة له في نفس ذلك الوقت، فهي ستهيأ له قريبا وتهرق دمه ~~بمشهد أشد تأثيرا على الناس من المشهد الذي كان يراه، وبينما هو وفابيان صامتان ~~متأثران؛ إذ سمعا امرأة بالقرب من المركبة تقول لرفيقتها: الويل لهذا الجاني التعس، فإن ~~ساعته قد دنت، وسيعدم في الساعة السادسة. # وكان بالقرب من المرأتين رجل لا يزال راكبا على حماره يدير أذنيه إلى كل متكلم؛ ~~ليعرف حقيقة الجريمة التي جناها ذلك الشقي المزمع إعدامه، فلما سمع كلام المرأة سألها ~~قائلا: وماذا صنع هذا التعس، فاستحق هذا الجزاء الشنيع؟ ~~- قتل امرأة تعسة كانت قد ربته كولد لها. ~~- وكيف قتلها؟ ~~- خنقها بيده القاسية، ولم يشفق عليها وهي عجوز لم يبق لها في الحياة غير أيام ~~قليلة، فقطع حبال أيامها ظلما غير مكترث بعاقبة فظاعته. # فلما سمع روكامبول كلام هذه المرأة اقشعر بدنه، وارتجفت أعضاؤه من شدة الخوف، واصفر ~~لون وجهه حتى كاد يموت خوفا وجزعا. # ثم سأل الرجل المرأة: وكم يبلغ من العمر هذا الشقي المحكوم عليه؟ ~~- عمره ثمانية وعشرون عاما. # فزاد روكامبول ارتعادا ويأسا، وهو مصغ إلى تتمة الكلام. # ولم تكد المرأة تنتهي من كلامها حتى جعل القوم من كل جهة يلفظون قائلين: ها هو قد ~~ظهر، يعنون المحكوم عليه، ولم يلبثوا أن سادت بينهم السكينة، وشملهم الهدوء ولم يعد لهم ~~غوغاء تسمع، كأنه لم يكن في ذلك المكان جموع تضج وتلغط. # وفي الوقت نفسه بينما كان فابيان منحني الرأس متخشعا يصلي إلى الله عن هذا التعس ~~المزمع إعدامه، أخذ روكامبول يتكلف هيئة فابيان وعمله، فخانته الحال وشعر في نفسه بقوة ~~غالبة، رفعت أبصاره رغما عن إرادته إلى آلة الإعدام، وجعل يزداد ارتجافا من شدة ~~الخوف، والعرق البارد يتصبب من جبهته، ولكن فابيان كان ms0683 منشغلا عنه بصلواته فلم ~~يرد. # فأول ما وقع عليه نظر روكامبول سطح آلة الإعدام يقف عليها رجلان، ما هما غير مساعدين ~~للجلاد بقبض الأرواح، ثم لم يلبث أن رأى رجلا يصعد على سلم الآلة وهو أصفر الوجه من ~~الخوف، يدل منظره أنه لا يزال في ريعان العمر، وهو حليق شعر الرأس مكشوف العنق؛ لأنه ~~غرض الآلة القاطعة. # وكان الرجل المحكوم عليه بالإعدام يصعد على سلم الموت، وهو مرتجف الأقدام واهن القوى ~~من الرعب، يعينه على الصعود اثنان من ورائه هما الجلاد والكاهن. # ولم يمض بضع ثوان حتى رأى روكامبول هذا الجاني التعس، الذي لا يزال في ريعان الشباب ~~قد ذبلت نضارة وجهه، وبان كأنه شيخ قد أخذت السنون من جماله ورونقه، كما أخذت من قوته ~~وهو بين الكاهن الذي يدني الصليب من فمه، ويطلب له المغفرة من السماء وبين الجلاد، الذي ~~يقف كأنه فارغ الصبر ينتظر الأمر بإعدامه. # وما كادت تتوالى بضع ثوان حتى رأى روكامبول أن هذا التعس قد استلمه الجلاد من يد ~~الكاهن، وقدمه إلى الأمام حيث وضع عنقه تحت شفار الآلة. # فزاد ارتعاد روكامبول واضطراب بصره، فجعل يدير في تلك الآلة بصرا قلقا، وفؤاده يخفق ~~خفوقا قويا كأنه نفس المقدم للإعدام، وعندئذ ضج القوم ضجيجا مؤلما من فظاعة ~~المشهد، وسقط رأس المجرم وروكامبول يهتز من الاضطراب، ويكاد يموت من شدة رعبه، فأغمي ~~عليه وسقط قرب صهره لا يعي. # 2 # لنترك الآن روكامبول وفابيان في هذه السفرة، ولنعد إلى باريس لنرى ما كان بعد سفر ~~روكامبول عنها، ففي ذات ليلة نحو الساعة التاسعة من المساء كانت الكونتس أرتوف جالسة ~~قرب المستوقد بمنزلها الكائن في شارع بانينار، وكان عندها الدكتور صموئيل إليوت، وهو ~~جالس لا يجول معها في الأحاديث، ولا يكلمها في شيء، فنظرت إليه وقالت له بعد أن كانت ~~ساكتة منذ ربع ساعة: أتعلم أيها الدكتور أنه الآن قد مضى شهران كاملان على سفري إلى ~~فرنش كونتي مع رولاند دي كايلت؟ ~~- نعم؛ أعرف ذلك. ~~- ويظهر أنك منذ ذلك ms0684 الوقت لا تريد أن تسألني عن أمر من الأمور كما كنت ~~أوصيتك. ~~- نعم فقد تبعت إرادتك، وما عدت أسألك عن شيء بعدما عرفت أنك لا تريدين ذلك. # فتنهدت الكونتس أرتوف، وقالت: بالحقيقة إنني لم أطلب إليك أن تعدل عن سؤالي عن كل ~~شيء؛ إلا لأنني أرى نفسي امرأة قد قضت أيامها بين الشرور والأعمال الفظيعة، فهي ترى أنه ~~أولى بها أن لا تحدث أحدا بأمر من أمورها، وأن تخفي جميع أسرارها في زوايا صدرها، ~~وتتوب عن سلوكها الماضي توبة كاملة، ولكنني اليوم أرى أنني يجدر بي أن أخفي عنك كل شيء ~~من أسراري إلا الأمر المهم، الذي لا بد لي من إظهاره لك؛ إذ ذلك أولى بي من ~~إخفائه. # فأحنى الدكتور رأسه ولم يجب بشيء. # فأتمت الكونتس كلامها، وقالت: أظن أن الساعة قد أتت الآن لأظهر لك فيها هذا السر ~~المهم، وأطلعك على ما صنعت وعلى ما أريد أن أصنع؛ لنصل إلى الغاية التي نسعى ~~إليها. ~~- إنني مصغ إليك فتكلمي. ~~- أريد أن أخبرك بالتفصيل عن سفرنا إلى فرانش كونتي، وما كان لنا من الحوادث في هذا ~~السفر، حيث تركنا رفيقنا رولاند. # ثم جلست الكونتس جلوسا حسنا شأن من يريد أن يحدث حديثا طويلا، وأتمت كلامها ~~فقالت: إنك لا تجهل أنني سافرت من باريس على مركبة بوستة مع المسيو دي كايلت، ولا بد ~~أنك تتذكر أنني غيرت زي النساء، وتزييت بزي الرجال، وكان يخالني من ينظر إلي في هذا ~~الزي المستعار شابا في مقتبل العمر لا يزيد سنو عمره عن الثمانية عشرة، وقد قطعت كل ~~الطريق، وأنا أتظاهر بأنني وكيل رولاند. # أما القصر الذي مات فيه دي كايلت، وأقام ابن أخيه قيما عليه، فقد كان يبعد منا ثلاثة ~~فراسخ بالطريق العمومية، ولا يبعد غير فرسخ ونصف فقط إذا سلكت إليه بطريق مختصرة تمتد ~~بين الغابات المتصلة بقصر هوبا، فوصلنا إلى كليت بعد ثماني وأربعين ساعة مضت على خروجنا ~~من باريس. # وقد قضت التقادير أن يذهب إلى قصر هوبا المركيز دي شمري ms0685 والفيكونت والفيكونتس دي ~~أسمول، والدوق الإسباني وامرأته وابنته، وقد كنت أظن ويجول في خاطري أن المركيز دي شمري ~~ما هو إلا روكامبول نفسه، ولكني كنت من ذلك بين الشك واليقين، فرأيت من الضرورة أن ~~أتحقق من ذلك، ففي أول ليلة لوصولنا قلت لرولاند: يجب أن تذهب إلى الفيكونت دي ~~أسمول. # فأجابني متعجبا: وماذا تريدين بذلك، وقد تراخت بيننا العلائق الودية منذ مثلت ذلك ~~الدور الكبير؟ ~~- إنك تحتج في زيارتك له بأنك إنما أتيت إليه لأمر ذي أهمية، يختص بأشغال ناجحة تتعلق ~~به وبك. ~~- نعم الرأي الذي ارتأيتيه فهو موافق غاية الموافقة؛ لأن عمي في السنة الماضية قد ~~اشترى له طاحونة لم يدفع ثمنها تماما حتى اليوم. ~~- إذن فاذهب إليه بهذه الحجة. ~~- ولأي غرض؟ ~~- لكي تأتي به إلى هنا مع المركيز، فإنه يجب أن أرى هذا الرجل. ~~- ولكنه يعرفك. ~~- كلا فهو لا ينظرني؛ لأنني أختبئ فأراه دون أن يراني. # أما رولاند فهو منذ عرف حقيقة خطئه إلي صار يطيعني طاعة عمياء، وهذا الشاب المعروف ~~بالطيش إلى هذا الحد صار في مدة أيام قليلة تبدو عليه ملامح الكبر، كأن هذه البضعة أيام ~~كانت كعشر سنوات مضت من عمره. # فقال لي: إنني مطيع، فمتى تريدين أن أذهب؟ ~~- غدا صباحا. # ففي اليوم التالي هب باكرا، وسار على الطريق ماشيا يحمل على كتفه بندقية، فجعل يجوب ~~أرضا مرملة واقعة بين كليت وهوبا، فما كاد يتوغل فيها حتى التقى برجل صياد كان قد ~~رافقه إلى الصيد مرارا كثيرة. # فحين قابل هذا الرجل رولاند تنهد، وقال له: لقد فاتك صيد ناجح. ~~- متى؟ ~~- قبل أمس أي: يوم السبت. ~~- وأين فاتني ذلك؟ ~~- في الغابة السوداء، حيث كان الفيكونت دي أسمول وصهره المركيز دي شمري مع رجل إسباني ~~ودوق وهم قد صادوا دبا. ~~- ومن هو هذا الذي صاده منهم؟ ~~- هو المركيز ... وهنا أخبر رولاند كيف تمكن روكامبول من قتل هذا الدب، ثم أضاف إلى ~~كلامه أن الزواج قد تقرر. ~~- وأي زواج تعني؟ ~~- زواج المركيز بابنة الرجل الإسباني. # فقال رولاند، وقد ms0686 أخفى الدهشة التي تولته: ومتى يكون هذا الزواج؟ ~~- قرئت أمس ورقة الزواج في الكنيسة بعد الذبيحة، التي تقام الساعة الحادية عشرة من ~~الصباح، وأظن أن القران سيتم هذا اليوم. # أما رولاند فقد قال لي إنه عندما سمع من الرجل هذا الكلام أخذ منه الغضب مأخذا ~~عظيما، حتى جعل يرتجف من شدة غيظه، ولو لم يتمسك بحبل الجلد والصبر لسقطت البندقية من ~~بين يديه لشدة ارتجافه، ولكن هذا الخبر الذي علمه قد فقه أفكاره، وجعله يتبصر فيما ~~أرسلته لقضائه. # ثم ترك الرجل وجعل يواصل سيره، وهو يقول في نفسه: إن شقيا نظير المركيز دي شمري لا ~~يقدر أن يتزوج ابنة الدوق سالاندريرا، ولا يمكنني الوقت من الرجوع على الأقدام إلى ~~الكونتس أرتوف لأطلعها على ذلك، فأنا أواصل السير لأرى وحدي في هذا الأمر. # وكان يسير سيرا سريعا، وهو لا يدري ماذا يصنع ليمنع هذا الزاوج، أو بالأقل ليؤخره ~~عن ميعاده، ولما كاد يصل إلى حيث يذهب كان الوقت نحو الساعة الثامنة من الصباح. # وكانت الثلوج قد كست تلك الطرق حلة بيضاء أثناء الظلام، فلما اقترب رولاند من المكان ~~الذي يقصده، رأى على الطريق آثار الأقدام باقية على الثلوج، ورأى أثر أقدام حصان تظهر ~~له على طريق مختصرة تؤدي إلى قصر هوبا. # فخالج فكر رولاند أن آثار هذه الأقدام ما هي إلا من أهل ذلك القصر، وأنهم خرجوا منه ~~باكرا كي يقضوا جميع الأمور اللازمة، التي لا بد منها في وقت القران، ولكنه لم يكد ~~يصعد على الأكمة التي يوجد عليها القصر المذكور، حتى بدا له راكب عجوز يسير نحوه فتأمله ~~رولاند، فإذا به طبيب كبير السن يقيم في بلدة قريبة تدعى أولناي كان يعرفه منذ ~~صغره. # فتقدم حتى دنا منه وحياه، وبعد أن تبادلا التحية سأله رولاند: من أين تأتي في هذا ~~الصباح؟ ~~- من هوبا. ~~- أزرت فيه مريضا؟ # فأحنى رأسه دلالة على ذلك، ثم قال: نعم إنني قد زرت مريضا، ولكني أتيت إليه ~~متأخرا. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- إن الدوق قد مات. ~~- أمات ms0687 الدوق؟ ~~- نعم. ~~- الدوق دي سالاندريرا؟ ~~- نعم هو. ~~- وكيف مات؟ ~~- مات بعلة فجائية شديدة، وحين وصلت إليه رأيته يتردد الأنفاس الأخيرة، فلم يعد لي ~~حيلة وقد مات على أثر وصولي. # وأخبر هذا الطبيب رولاند بسبب موت الدوق، فقال: إنه قبل أمس قد ذهب للصيد مع آخرين، ~~فاعترضهم دب هائل، فاستولت رجفة شديدة على الدوق من كثرة خوفه، وقد أدت إلى ~~موته. ~~- نعم؛ وقد التقيت في طريقي بصياد، فأخبرني هذا الخبر، ولكن كيف أدى ذلك إلى ~~موته؟ ~~- حين اشتد عليه الخوف، وتمكنت منه هذه الرجفة الشديدة أثر ذلك على دمه تأثيرا ~~عظيما، ففسدت دماؤه وفاجأه داء السكتة فمات. ~~- ومتى كان ذلك؟ ~~- في هذه الليلة نحو الساعة الحادية عشرة من المساء. ~~- وهل عرفوا به حال وقوع هذا الداء عليه؟ ~~- لم يعرفوا به حتى الصباح؛ لأنه لم يستطع نداء أحد، وحين دخلوا إليه في هذا الصباح ~~وجدوه في حالة خطرة. ~~- أليس خادمه الذي دخل إليه أولا؟ ~~- كلا فهو المركيز. ~~- وأي مركيز؟ ~~- المركيز دي شمري صهر الفيكونت دي أسمول، والذي سيتزوج ابنة الدوق دي ~~سالاندريرا. ~~- لقد ذكرت هذا المركيز فإني أعرفه. # فعاد الطبيب إلى حديثه، وقال: يظهر أن هذا المركيز أيضا قد بات بليلة الملسوع، ~~وحق له أن يأرق، فإنه يحب تلك الغادة الإسبانية، وكان يرجو أن يتزوجها في اليوم ~~التالي، وإذ لا يحق له أن يدخل إلى غرفة خطيبته دخل إلى غرفة عمه، ولكنه ما لبث أن دخل ~~إليها حتى جعل يستغيث، وينادي الخدم وسكان القصر، فأسرعوا إليه فوجدوا الدوق سالاندريرا ~~قد سقط من سريره إلى الأرض، وليس فيه ما يدل على الحياة. # وكان المركيز دي شمري قد خدم في البحرية، وهو يعرف شيئا من فن الجراحة، فأسرع إلى ~~فصد عمه بساعده، وأرسلوا أحد خدم القصر على جواد إلي يدعوني، فوصلت ولكن بعد فوات ~~الأوان؛ لأن الفصادة قد تأخر وقتها ولم تفد هذا المريض، إلا أنها أخرت موته ساعتين فمات ~~بين يدي. ~~- ما هذه المصيبة الفادحة. ~~- لا أنكر أن الخطب عظيم غير أنك لم ms0688 تعلم غير نصف الحادثة. ~~- لا أفهم ما تقول. ~~- أريد أن هذا القصر لم يمت فيه واحد بل اثنان أحدهما الدوق. ~~- والآخر؟ ~~- الإنكليزي النوتي الأعمى الذي أحضره معه المركيز. # فعلم رولاند أنه أندريا، وقال له: كيف مات هذا النوتي؟ ~~- يظهر أنه سقط عن السطح إلى الوادي، فإن غرفته تشرف على السطح، وقد خرج يستنشق ~~الهواء فزلت قدمه، وهوى إلى ذلك الوادي السحيق، فرأى الفلاحون جثته مهشمة على الصخور، ~~فأخذوه وحملوه إلى القصر، فكان لموته تأثير شديد حتى إن المركيز دي شمري أغمي عليه ~~حين رآه قتيلا. # فأظهر رولاند اندهاشه لهذه الحادثة، وحادث الطبيب هنيهة، ثم افترقا فذهب الطبيب ~~بشأنه، وبقي رولاند وحده وهو حائر فيما يعمل، فإنه لم يجد الفرصة مناسبة للذهاب إلى قصر ~~الدوق، ولكنه وثق من أن موت الدوق سيؤخر زواج المركيز دي شمري، فقال في نفسه: إن الوقت ~~فسيح لدينا، ثم وضع بندقيته على كتفه وعاد إلى قصر عمه. # أما أنا فقد انذهلت انذهالا عظيما حين رأيته أسرع في عودته، وزاد في دهشتي ما ~~أخبرني به من تلك الأحاديث، فإن حديث رولاند دعاني إلى الإمعان، فقلت في نفسي بعد هذا ~~التفكير: إنه لا بد لموت الدوق أن يؤخر هذا الزواج، ومهما يكن من حب الغادة الإسبانية ~~للمركيز، فإنها لا تستطيع أن تزف إليه قبل الثلاثة أشهر حسب الاصطلاحات الموضوعة، ~~ولا سيما لدى الإسبان، فإنهم شديدو الحرص على عاداتهم. # فلما رآني رولاند أفكر سألني: على ماذا عولت؟ ~~- عزمت أيها الصديق على أن نعود إلى باريس. ~~- ألا تريدين أن تنظري المركيز؟ ~~- ذلك لا بد منه؛ لأني لا أزال مشككة بأمره وأحسب أنه روكامبول، فإذا صحت ظنوني، وكان ~~هذا اللص متقمصا بالمركيز دي شمري، فلا بد أن يكون المركيز الحقيقي موجودا، وبالتالي ~~فلا بد من إيجاده لإظهار حقيقة روكامبول. ~~- هذا لا ريب فيه، غير أننا نحتاج إلى وقت طويل لإيجاد هذا المركيز. ~~- ما دام الزواج قد تأخر ثلاثة أشهر على الأقل بسبب وفاة الدوق، فإن الوقت فسيح ~~لدينا. ~~- إذن فكيف عزمت ms0689 على أن تنظري المركيز؟ ~~- إني سأتنكر بزي الخدم، وسيدفنون الدوق والإنكليزي، فأرى الرجل دون أن يراني إذ لا ~~بد له من حضور الجنازة. # 3 # قالت باكارا: وفي اليوم التالي غيرت ملابسي بملابس أحد خدم رولاند، وذهبت مع خادم كان ~~رولاند يأتمنه، وله صحبة مع خدم قصر الفيكونت فابيان دي أسمول صهر ذلك المركيز الكاذب، ~~فاختلطنا مع خدم القصر، ونظرت جثة ذلك الأعمى، ثم نظرت المركيز كما أشاء وعدت إلى ~~رولاند. ~~- فأسرع إلى استقبالي وقال: ما رأيت؟ ~~- رأيت ذلك الأعمى وهو أندريا، ورأيت ذلك المركيز وهو روكامبول. ~~- أأنت واثقة مما تقولين؟ ~~- كل الثقة؛ لأن هيئة هذين الرجلين لا تخفى علي مهما تشوه أندريا، وتنكر ~~روكامبول. ~~- وماذا يجب أن نعمل الآن؟ ~~- أما أنت فلا يجب أن تعمل شيئا، بل يجب أن تقسم لي بشرفك على أن تبقى في القرية، ~~ولا تعود إلى باريس إلا حينما آذن لك بالرجوع. ~~- وأنت؟ ~~- أما أنا فإني سأسافر في المساء؛ إذ يجب أن أعلم ما حدث للمركيز دي شمري ~~الحقيقي. # وفي اليوم نفسه غادرت رولاند في القرية لا يعلم ماذا يعمل، ورجعت إلى باريس. # فلما سمع الطبيب صموئيل جميع ما قالته باكارا، وكان مصغيا إليها أتم الإصغاء ، ودهش ~~دهشا عظيما من جرأة روكامبول، وقال: إن ما أقدم عليه هذا اللص لا يقدم عليه أحد، ويجب ~~أن نضربه الضربة القاضية ونريح الأرض من شروره. # فقالت باكارا: صبرا أيها الصديق واسمع تتمة حكايتي، فإني لم أفرغ بعد واعلم بأنه لا ~~يكفي أن أعلم بأن المركيز دي شمري هو روكامبول؛ لأن مثل هذا اللص الحاذق لا يتنكر باسم ~~سواه، ولا يدخل في عائلة شريفة، ولا يختلط بالشعب الباريسي دون أن يكون قد اتخذ ~~الاحتياطات الشديدة، وبالغ في إخفاء آثاره السابقة التي تظهر اسمه الحقيقي. # ثم إنه لا بد أن يكون لديه أوراق، وأدلة وشهادات جمة تثبت أنه ذلك المركيز، الذي إما ~~أن يكون قتله وتنكر باسمه، أو أنه سرق أوراقه واستخدمها لأغراضه، فاسمع ماذا ~~صنعت. # إني عند وصولي إلى باريس ms0690 أسرعت إلى الكونت إرمان دي كركاز، فرويت له جميع ما سمعت ~~ورأيت. # وكان ذاك الكونت يعتقد أن أخاه السير فيليام قد هلك بين القبائل المتوحشة، فجمد رعبا ~~عندما علم بشروره الأخيرة، وأنه مات قتيلا في واد بضواحي باريس. # ثم سألت الكونت رأيه، فقال لي: إن يد الله وراءنا فإن موت الدوق سالاندريرا في اليوم، ~~الذي كانت ستزف فيه ابنته إلى ذاك اللص السفاك دليل على أن الله أراد تأخير الزواج؛ ~~كي نتمكن من غل يد ذاك اللص، وأنه لم يأذن بموت الدوق إلا اجتنابا لمصيبة أعظم، وهي ~~وقوع الفتاة الطاهرة بين مخالب الوحش الضاري. ~~- إني من رأيك يا سيدي الكونت، ولكني لا أعلم كيف نغل يد ذلك اللص. # فقال الكونت دي كركاز: يجب أن لا نغفل عن أمر خطير، وهو أننا إذا فضحنا روكامبول، ~~وأظهرنا اسمه الحقيقي فإننا نفضح عائلة شريفة تتناولها أقلام الجرائد، فيظهر للناس ~~قاطبة كيف أن هذه المرأة الطاهرة أحبت لصا سفاكا، وهي تعتقد أنه أخوها، بل إننا نهين ~~كثيرا من العائلات التي فتحت أبوابها لاستقبال هذا الرجل، الذي لا ينبغي أن يكون مقره ~~إلا في أعماق السجون. ~~- ولكننا لا نستطيع أن ندع هذا اللص يلقب نفسه بالمركيز دي شمري. ~~- لا ريب في ذلك، غير أننا قبل أن نبدأ في نزع اللقب منه يجب أن نعلم ما حدث لذلك ~~المركيز الحقيقي، الذي اختلس منه روكامبول هذا الاسم. # وكان الكونت دي كركاز مصيبا فيما قال، فعزمنا في الحال على السعي في كشف الحجاب عن ~~غوامض هذه الأسرار. # وأول ما خطر لنا هو أن نعلم كيف كانت عودة روكامبول إلى باريس، فجعلنا نبحث حتى علمنا ~~بعد يومين أن الذي يدعي أنه المركيز دي شمري وصل إلى باريس يوم وفاة أمه فيها، وأنه ~~كان الرجل الوحيد الذي سلم من الغرق؛ لأن الباخرة التي قدم عليها غرقت، وذلك منذ ثمانية ~~عشر شهرا. # فلما وقفنا على هذه التفاصيل قال لي الكونت دي كركاز: إنه يرجح أن المركيز دي شمري ~~الحقيقي وروكامبول اتفق ms0691 وجودهما سوية في تلك الباخرة التي غرقت، فإذا صح ظني فإنه يسهل ~~علينا أن نعلم الحقيقة؛ وذلك لأن المركيز دي شمري كان عائدا من الهند، فلا بد له من ~~المرور بلندرا ولا بد للأوراق الموجودة مع روكامبول أن يكون عليها كتابة من الأميرالية ~~البحرية، وبالتالي فلا بد أن نجد في لندرا ضباطا يعرفون المركيز من الذين خدموا في ~~الهند، سواء كلكيتا أو في بمباي. ~~- إن ذلك ممكن لا سيما وأنه يرد في كل يوم إلى لندرا سفن من شركة الهند. ~~- إن المركيز الحقيقي إذا كانوا رأوه في لندرا؛ فهو إما أنه كان من جملة ركاب الباخرة ~~التي غرقت، وإما أن يكون قتل قبل سفرها، فإذا كان الأول يكون قد فقد واستولى ~~روكامبول على أوراقه، وإذا كان الثاني فإننا نستطيع الوقوف على آثاره في لندرا. ~~- لقد فهمت ما تقول وسأسافر إلى لندرا غدا. ~~- وأنا أسافر معك أيضا، فإن رأيين أحسن من واحد. # وفي اليوم التالي سافرت مع الكونت دي كركاز، وبعد اثنتي عشرة ساعة وصلنا إلى لندرا، ~~فكان أول ما شرعنا به أننا ذهبنا إلى الأميرالية البحرية، وسألنا عن المركيز دي شمري، ~~فأخبرنا أحد الموظفين أنه يذكر بأنه كتب الكتابات المألوفة على جواز المركيز دي شمري ~~منذ ثمانية عشر شهرا، وقال لنا: إنه يذكر أيضا بأن هذا المركيز ضابط بحري في الهند ~~الإنكليزية وهو مستقيل. # وأخبرنا ضابط في الأميرالية أنه يعرف المركيز، وأنه خدم وإياه في سفينة واحدة، فقلنا ~~له: أواثق أنت من أن الذي قدم جوازه إلى الأميرالية هو نفس المركيز دي شمري؟ ~~- كل الثقة وأذكر أيضا أني سلمت عليه، وباحثته في أمور كثيرة، ثم أخذ دفترا ضخما ~~فقلب صفحاته ونظر فيها، وقال: كان يصحبه حين حضوره القائد جوكسن وهو من أصحابه الأخصاء، ~~أما هذا القائد فلا بد أن يكون الآن في لندرا؛ لأنه قدم إليها عائدا من إفريقيا منذ ~~عشرة أيام، فإذا أحببتم أن تروه، فإنكم تجدونه دون شك في فندق جنوا في شارع ~~بلغراف. # فشكرنا هذا الضابط ثم ms0692 غادرناه، وانطلقنا مسرعين إلى هذا الفندق، وكان القائد جوكسن ~~موجودا فيه. # فذهل هذا القائد في البدء لأسئلتنا الكثيرة إلى أن أخبره الكونت كركاز باسمه، وأنه ~~لا يسأله عن المركيز إلا لأمر عائلي، فقال عند ذلك ما يأتي: إن المركيز شمري كان من ~~أخلص أصدقائي، وقد سافر منذ ثمانية عشر شهرا من لندرا إلى فرنسا على سفينة شراعية، ~~وكنت من الذين ودعوه. ~~- أتعرف هذه السفينة؟ ~~- نعم، اسمها مويات. ~~- أرأيته صعد إليها؟ ~~- بل رأيتها سافرت به، وبقيت واقفا على الرصيف أودعه بالإشارات إلى أن توارت السفينة ~~عن الأنظار. # وكان هذا جميع الذي نريد أن نعرفه؛ إذ ثبت لنا أن المركيز دي شمري الحقيقي سافر دون ~~شك في السفينة التي غرقت. # فلما غادرنا القائد جوكسن وخلوت بالكونت، قال لي: لم يعد لدينا شك الآن أن أوراق ~~المركيز قد سرقت، سواء كانت السرقة في السفينة أو بعد غرقها، فإذا كانت سرقت في ~~السفينة فلا بد أن روكامبول كان موجودا فيها، وإذا كانت بعد غرقها فقد يكون حدث ~~اتفاقا أن روكامبول كان على الشاطئ متى غرقت فيه السفينة، وأنه عثر بجثة المركيز فسرق ~~الأوراق. ~~- هذا لا يمكن احتماله. ~~- لماذا؟ ~~- لأن روكامبول لا يعود إلى فرنسا إلا إذا دفعه أمر خطير إلى العودة إليها، فاستصوب ~~الكونت كلامي. # ولم يبق علينا بعد ذلك إلا أن نستطلع بعض الأمور من البوليس، فذهبنا إلى إدارة قلم ~~الجوازات، وعلمنا منها أنه يوم سفر السفينة مويات أخذ منها رجل جوازا باسم السير ~~أرثير، ثم وصف لنا أوصاف هذا الرجل كما هو مبين عنده في الكتاب، فوجدنا أنها تنطبق أشد ~~الانطباق على أوصاف روكامبول. # وبعد ذلك عدنا إلى الهافر، فدقق الكونت كركاز بالاستعلام عن غرق تلك السفينة، فعلم ~~أنه لم يسلم أحد من ركابها غير أنه كانوا يشيعون أن أحد أصحاب قوارب الصيد في إيترات ~~كان يقول: إن رجلا عليه ملامح رجال البحرية قد بلغ سباحة إلى الشاطئ. # فذهبنا من الهافر إلى إيترات، ولم تكن حادثة غرق السفينة قد تنوسيت بعد، فأخبرنا ms0693 ~~الصيادون الذين كنا نسألهم أنهم جميعهم يذكرون الحادثة، وأن معظم الغرقى قذفت الأمواج ~~جثثهم إلى الشاطئ. # ولما أوشكنا أن نقنط من معرفة الحقيقة قال لنا أحد الصيادين: إذا شئتم أن تعرفوا ~~الحقيقة بتفاصيلها فاسألوا الصياد فانتيال إنه يعلم جميع التفاصيل. # فدعونا هذا الصياد وسألناه عما يعلمه، فأخبرنا أنه لم يسلم من ركاب السفينة غير رجل ~~واحد، ولكننا لم نعرف اسمه، فإنه لم يحدثنا بكلمة بل اكتفى أنه اشترى منا رداء ~~ولباسا. ~~- وأين ذهب؟ ~~- ركب مركبة وسار بها إلى الهافر، ويظهر أنه قضى ليلة قبل وصوله في جزيرة صغيرة قريبة ~~من الشاطئ، ثم إنه يوجد شاب آخر قد نجا من ركاب السفينة، ولكن هذا الرجل لم تطأ أقدامه ~~الأرض. # فتعجبنا من البيان، وقلنا: ماذا تريد بذلك؟ ~~- إن لذلك حكاية غريبة، وهي أنه بعد غرق السفينة بثلاثة أيام كنت عائدا مع ابني في ~~قارب إلى الهافر، فرأينا سفينة كبيرة ذات ثلاثة صواري عليها علم نروجي وهي شاحنة خشبا ~~من الشمال، وكنا قد اصطدنا صيدا كبيرا، وكان البحر هادئا فاقتربنا من السفينة قصد أن ~~نبيعها سمكا من صيدنا، فصعد ابني إليها فعرض سمكه على الربان فاشترى منه، وقال له: ~~أغرقت سفينة حديثا عند تلك الشواطئ؟ فقال ابني: نعم، وحكى له عن غرق موبات، فسأله ~~الربان، إذا كان نجا أحد من ركابها، فقال له: لم يسلم غير واحد، فإنه نجا سباحة حتى بلغ ~~الشاطئ، فقال الربان: إذن فإن الذين نجوا اثنان. # ثم أخذ ولدي بيده وذهب به إلى غرفة، فرأى فيها سريرا ممدودا عليه شاب يناهز الثامنة ~~والعشرين من عمره، وهو منطبق العينين كأنه نائم وأمامه طبيب السفينة. # فسأل الربان الطبيب كيف حاله قال: أرجو أن أشفيه، ولكن شفاءه يطول وأخشى متى شفي ~~جسمه يذهب عقله. # وعند ذلك أخبره الربان أن الشاب المنطرح على السرير ضائع الرشد، وليس عليه من الملابس ~~غير بنطلون وقميص، وجده بحارة السفينة منذ ساعتين مغميا عليه في حفرة كائنة في جزيرة ~~صغيرة، وقد كان البحارة نزلوا إليها لجمع الأصداف ms0694 فعثروا به. # ثم أخبره الربان أنهم يرجحون بأنه سقط في الحفرة بالليل، وأنهم عندما وجدوه كان في ~~وشك الموت. # فقال الكونت: أواصلت السفينة النروجية سيرها؟ ~~- نعم واصطحبت معها الشاب. ~~- أعرفت اسم تلك السفينة؟ ~~- نعم فإنها تدعى إنفسييل، وكانت رافعة راية نروجية. # فوضع الكونت يده على جبينه كمن يتذكر أمرا، ثم قال: لقد ذكرت الآن فلقد قرأت منذ ستة ~~أشهر في جريدة إسبانية أن إحدى البوارج الإسبانية أسرت سفينة نروجية ذات ثلاثة صواري، ~~وقبضت على بحارتها وهم اثنا عشر رجلا فحكمت عليهم بالليمان. # قالت باكارا: ولما قال الكونت هذا القول أعطى الصياد دينارين مكافأة له عن تعليماته، ~~ثم قال لي: أظن أننا قد أصبحنا عارفين مقر المركيز دي شمري الحقيقي. # هذه هي الحكاية التي قصتها باكارا على الطبيب صموئيل، فلم نجد بدا من ذكر بعضها مما ~~لا غنى عن إيضاحه في سياق هذه الرواية، فنقف من حديثها معه عند هذا الحد، ونقول: إنها ~~في اليوم التالي برحت باريس مع الطبيب في رحلة سرية سيعلم القراء تفاصيلها والغرض ~~منها. # ثم نذهب بالقارئ إلى البلاد الإسبانية، حيث نجد فيها كثيرين من أبطال هذه الرواية ~~العجيبة. # 4 # هو ذا الفجر قد انبثق وتفجرت أشعته اللامعة على قمم الجبال، وسكنت مياه البحر، فكانت ~~نسمات الصباح تنقش على صفحاته زردا، وكانت مياهه لا تزال زرقاء تشبه زرقة السماء التي ~~كسف الفجر أنوار نجومها. # وكانت الجبال الشامخة تشرف على ذلك البحر، الذي كانت فيه السفن الشراعية كالحمائم ~~عائدة بالصيادين مشحونة بالأسماك، وبينها مدينة بيضاء القصور بنيت منازلها على ~~الطريقة المغربية، وكان أهلها لا يزالون نياما في ذلك الصباح. # أما هذه المدينة فهي كاديس ميناء الأندلس، وهي لا تزال حافظة أثر سلطانها المغربي ~~الذي فارقها، والدمع ملء عينيه، وهو يعلم أنه فارق الأقطار الإسبانية فراق ~~الأبد. # وكان المار في شوارع تلك المدينة الضيقة عند تبلج الفجر يجدها خالية قفراء؛ لأن ~~سكانها كانوا لا يزالون نياما غير أن باب فندق الأندلس فيها فتح، وخرج منه شاب جميل ~~مرتد بملابس ms0695 يظهر من حسن هندامها على بساطتها أنها باريسية، وكان يصحب هذا الشاب امرأة ~~حسناء على كتفيها شال من الكشمير الثمين، وقد تأبطت ذراعه وسار الاثنان إلى جهة البحر، ~~فكان الشاب يقول لها: سترين يا حبيبتي هرمين أجمل منظر تبتهج له النفوس، وهو شروق الشمس ~~وأنت في البحر. ~~- لقد رأيت هذا المنظر في العام الماضي حين كنا مسافرين من الهافر إلى بليموث. # وكان هذا الشاب فرناند روشي وامرأته هرمين، اللذين عرفهما القراء فيما تقدم من فصول ~~الرواية. # فابتسم فرناند لزوجته، وقال لها: إن الأوقيانوس المحيط يشبه البحر المتوسط، كما يشبه ~~الزجاج البراق الألماس، وإن سماء أوروبا تشبه سماء الأندلس كما تشبه الأشعة المنعكسة ~~نور الشمس. # ثم ذهب الاثنان إلى الميناء وهما يتحادثان. # وكان فرناند قد رجع إلى زوجته بعد ذلك الهجر القديم، الذي دعاه إليه شغفه بتلك الفتاة ~~التي كانت تلقب بالفيروزة، وكان يسافر في ذلك العهد مع امرأته سائحا في إسبانيا، ~~فبعد أن ذهب إلى غرناطة برحها قادما إلى قاديس. # وكان يقول لها وهما سائران إلى الميناء: أتعلمين أيتها الحبيبة أن قومندان الميناء، ~~القائد بيدرو هو ابن عم الجنرال الإسباني صديقنا الذي يقدم في كل شتاء لباريس؟ ~~- كلا لم أعرف ذلك من قبل. ~~- إذن فاعلمي أنه عندما كنت منهمكة في ترتيب ملابسك أمس اغتنمت فرصة انشغالك، وأرسلت ~~إليه كتاب التوصية الذي أعطاني إياه ابن عمه الجنرال ليلة سفرنا ... ~~- وهل أجابك على ذلك الكتاب؟ ~~- نعم ولذا فقد بادرت إلى إيقاظك قبل الفجر؛ كي لا تفوتنا نزهة البحر شروق الشمس، ~~ولكن أتعلمين كيف نتنزه في هذا البحر الهادئ؟ ~~- في إحدى سفن الصيد دون شك. ~~- كلا أيتها الحبيبة في سفينة القومندان نفسه، وهو الذي سيصحبنا في هذه الرحلة ~~الفجرية. ~~- يظهر أن هذا الرجل رقيق الحاشية، وأنه يبالغ في إكرامنا. ~~- وستكون بحارة السفينة من الأشقياء المحكوم عليهم بالليمان لاستفحال شرورهم. # ورأى فرناند أنها أجفلت، وخافت من أولئك الأشقياء، فقال لها: اطمئني فإنهم سيكونون ~~أشد وداعة من الحمام بحضرة القومندان. # وعند ذلك وصلا إلى الشاطئ، ms0696 فرأيا تلك السفينة بانتظارهما، فلما رآهما القومندان هرع ~~إلى استقبالهما وأنزلهما إلى سفينته، وكان فيها اثنا عشر رجلا من أولئك الأشقياء مقيدة ~~أرجلهم بالسلاسل الضخمة، وأربعة من جنود البحرية. # وبعد أن تبادلوا التحيات المألوفة أمر القومندان أن ترفع المراسي، ثم نظر إلى أحد ~~أولئك المجرمين، وقال له: لقد وليتك قيادة السفينة يا حضرة المركيز. # وكان المجرم الذي ناداه القومندان باسم مركيز شاب جميل الطلعة، رشيق القد، أزرق ~~العينين، أشقر الشعر، وعلى محياه ملامح الاكتئاب غير أن هيئته كانت تدل على الأنفة ~~والسلامة خلافا لرفقائه المجرمين، فلما سمع أمر القومندان انحنى أمامه احتراما، وشرع ~~بقيادة السفينة بمهارة فائقة تدل على أنه ممرن في فنون البحر. # فقال أحد المجرمين لرفيق له: إن هذا المركيز حسن البخت، وقد بات القومندان يحبه ~~ويميزه علينا، حتى لقد بت أخشى أن يطلق سراحه ويوليه مكانه. # فانتهره رفيقه، وقال له: كفاك حقدا على هذا الرجل، فإنه يفضلنا جميعا بلين أخلاقه ~~وحسن آدابه، وإنك لا يدفعك للهزء به غير حسدك. # فتمتم المجرم بكلمات لا تفهم، ثم سكت خوفا من أن يسمعه القومندان. # وكانا يتكلمان باللغة الإسبانية وفرناند قريب منهما، فلم تفته كلمة من حديثهما؛ لأن ~~فرناند كان يعرف هذه اللغة، وقد هاج به الفضول إلى أن يعلم السبب في تلقيب ذلك المجرم ~~بالمركيز، فدنا من القومندان، وكان يحادث امرأته هرمين، وقال له: إني عجبت لأمر الشاب ~~الذي دعوته بمركيز، فكيف أتاه هذا اللقب، بل كيف وجد بين المجرمين على ما يبدو منه من ~~ظواهر السلامة والدعة. # فابتسم القومندان وقال: لقد تولتني قبلك الدهشة، فإني عندما توليت رئاسة الميناء، ~~وذلك منذ تسعة أشهر، حكم على هذا الشاب بالسجن والقيد خمسة أعوام. # فتأثرت هرمين لنكبته، وكانت تنظر إليه نظرة إشفاق، وقالت للقومندان: أي ذنب جناه، ~~ولماذا حكم عليه؟ ~~- ذلك لأنه وجد في سفينة قرصان نروجية أسرتها إحدى مدرعاتنا، فحوكم بحارتها ومن ~~جملتهم هذا الشاب في مجلس عسكري، وحكم عليهم بالسجن خمسة أعوام. # فقالت هرمين بلهجة ظهر منها عدم التصديق: أيمكن ms0697 لهذا الشاب أن تكون مهنته النخاسة، ~~فيسرق العبيد ويبيعهم بيع السلع؟ ~~- نعم يا سيدتي ... ~~- ألعله نروجي؟ ~~- كلا فإنه يقول: إنه فرنسي ولكني أرى من لهجته أنه إنكليزي. ~~- إني أعجب كيف تكون هذه الملامح النبيلة في وجه قرصان نخاس. ~~- بل هو أعظم من ذلك يا سيدتي، فإنه بلغ من التزوير مبلغا لم يخطر لأحد من قبل حتى ~~لقد كاد يقنعني فيما يدعيه. ~~- كيف ذلك؟ # فسار القومندان بفرناند وزوجته إلى محل فسيح في آخر السفينة، وقال: تصوري يا سيدتي أن ~~رفقاءه لا ينادونه إلا بلقب مركيز. ~~- أهو مركيز حقيقة؟ ~~- هذا ما كان يدعيه، ويحاول أن يحملني على تصديقه، وهي حكاية لطيفة سأقصها عليكما ~~فاسمعا. # 5 # إنه في اليوم التالي لدخوله إلى السجن التمس هذا المركيز أن يقابلني، فأشفقت عليه ~~وأذنت له بهذه المقابلة، وقد دهشت كما دهشتما لحسن منظره وملامح نبله، فقال لي: إني ~~يا سيدي أدعى المركيز ألبرت أونوريه دي شمري، وقد كنت في البحرية الإنكليزية ~~الهندية. # فصحت صيحة انذهال لقوله، ولكنه لم يأبه لي فأتم حديثه وقال: إني ولدت يا سيدي في ~~باريس، وفارقت عائلتي وليس لي من العمر غير عشرة أعوام فما رأيتها بعد ذلك. # وقد رجعت منذ شهر من الهند إلى لندرا بعد أن استقلت من الخدمة، وعزمت على الرجوع إلى ~~فرنسا لورود كتاب لي من أمي تدعوني فيه إلى الحضور، فسافرت من لندرا على باخرة تجارية ~~كانت مسافرة إلى الهافر. # ولما قربنا من الشواطئ الفرنسية هبت عاصفة شديدة، فجنحت السفينة فغرق ركابها ونجوت ~~أنا سباحة، وكان يحاول النجاة معي شاب إنكليزي، فأنقذته من الغرق وصعدت به وهو مغمى ~~عليه إلى جزيرة صغيرة. # وكان الليل حالك السواد وقد أصبت بعطش قوي، فوضعت رفيقي وهو لا يزال مغميا عليه ~~على الرمل، وجعلت أمشي في الجزيرة ألتمس ما خلفه الشتاء في إحدى حفرها، وبينما أنا أمشي ~~زلت قدمي وسقطت في حفرة عميقة استحال علي الخروج منها، فبقيت فيها إلى أن أشرق ~~الصباح. # ولما رأيت أن صعودي منها محال جعلت أستغيث ms0698 بملء صوتي راجيا أن يكون رفيقي عاد إلى ~~رشده فيسمعني، فما أخطأ ظني وأسرع إلي فأخبرته بما أصابني وقلت له: إني تركت منطقتي ~~وغدارتي وحزامي على الأرض، ثم رجوته بأن يأتي بذلك الحزام إلي فأتعلق به، وأصعد عليه من ~~الهوة. # فذهب الشاب، وكان هذا آخر العهد به فتوالت الدقائق والساعات، ثم أقبل الليل ولم يحضر ~~فتغلب علي الجوع والعطش والقنوط والضعف، فانطرحت مغميا علي، ولم أعلم ما جرى لي بعد ~~ذلك، غير أني حين استفقت رأيت نفسي ممددا فوق سرير في سفينة يحيط بي بحارة ما عرفتهم ~~من قبل. # ثم عرفت بعد أن سألتهم أنهم وجدوني بين حي وميت في هوة، وأني بعد أن أفقت من إغمائي ~~أصبت بحمى قوية عقبها هذيان اتصل بضعة أيام، ثم نقهت من علتي فارتأى ربان السفينة أن ~~يجعلني بحارا لقلة البحارة. # قال القومندان: ولما رآني هذا المخادع مصغيا إليه متأثرا لكلامه أتم حديثه، فقال: ~~ولكني علمت بعد ذلك أن السفينة سفينة قرصان، غير أني كنت مكرها على الخدمة فيها، وقد ~~حاولت الفرار فأنذروني بالقتل، ولما رأى الربان أني ماهر في فن البحارة رقاني إلى درجة ~~نائب ربان، وما زلنا نحترف هذه المهنة الشائنة حتى قبضت علينا الحكومة الإسبانية، وهذا ~~هو السبب يا سيدي في أن المركيز دي شمري يوجد مع المجرمين مكبلا بالقيود. # قال الربان: فلما انتهى المركيز الكاذب من حديثه أشفقت عليه إشفاقا شديدا؛ لأني كنت ~~أتبين الصدق الأكيد من لهجته لا سيما، وقد قال لي: إنه عرض أمره على المجلس الحربي فلم ~~يصغ إليه، ولكنه يلتمس مني أن أكتب إلى لندرا وباريس في شأنه، فوعدته عند ذلك أن ~~أكتب. # قال فرناند: وهل كتبت؟ ~~- كتبت دون شك في اليوم نفسه لوثوقي من صدقه إلى أن ورد إلي الجواب، فعلمت أن حديثه ~~ملفق، وأن حكايته كاذبة، فإن المركيز دي شمري موجود في باريس، حتى إنه أوشك أن يتزوج ~~منذ شهرين بابنة وطنينا الدوق دي سالاندريرا، ولكن الدوق مات موتا فجائيا يوم ~~الزفاف، فتأجل اقترانه ms0699 إلى انقضاء مدة الحداد. # فأظهر فرناند اندهاشه من هذه الحكاية الغريبة، وبينما القومندان يتكلم كانت هرمين ~~تنظر إلى المركيز بإمعان، وتقول: أيمكن لهذا الشاب أن يكون منافقا إلى هذا الحد، وليس ~~في ملامحه ما يدل على ذلك؟ # ثم دنت من زوجها، وقالت له بصوت منخفض: أرجوك أن تستأذن لنا القومندان بمحادثة الرجل ~~حين رجوعنا إلى البر، فإني أراه نبيلا بعيدا عن المنكر والنفاق، وقد أكون صادقة ~~بظنوني. # قال: لا بأس فسألتمس منه هذا الالتماس. # وعند ذلك أشرقت الشمس تبعث أشعتها الذهبية، فتخرق قمم الجبال وتبسط على مياه البحر، ~~فيلاعبها نسيم الصباح، وترقص الأمواج احتفاء بها، فنسي الجميع عند ذاك المنظر حديث ~~المركيز معجبين بجمال الطبيعة. # 6 # بينما كان الكونت إرمان دي كركاز يطالع بريده بعد هذه الحوادث المتقدمة بأسبوعين، أخذ ~~رسالة وجد عليها طوابع إسبانية، فاستلفتت نظره وفضها مسرعا، ونظر إلى التوقيع فإذا هي ~~من فرناند روشي، فقال في نفسه: ما عسى أن يريد مني هذا الصديق، وما دعاه إلى كتابة هذا ~~الكتاب الطويل؟ ثم جعل يقرأ ما يأتي: # سيدي الكونت ... # لو لم نلق من مكائد الخيانة أشدها، ونشترك من صروف الدهر بأمرها، ونعمل ~~يدا واحدة في كثير من الأحيان؛ لدفع غارات الزمان ورد كيد الإنسان، لما كنت ~~كتبت إليك هذا الكتاب؛ لأن ما أكتبه إليك من أغرب ما خطته يد الجرائم في هذا ~~الباب فاسمع. # أعرفت في باريس هذا الشاب الجميل الذي كان في البحرية الهندية الإنكليزية، ~~وهو المركيز دي شمري ابن عم الكونت فابيان دي أسمول؟ # إني عرفته قبل سفري إلى إسبانيا فقد عرفني به أحد الأصدقاء ... # فإذا كنت عرفت هذا الرجل أو سمعت بهذا الاسم، فاعلم أني وجدت في قاديس رجلا ~~يدعى بهذا الاسم، وهو يدعي أيضا أنه خدم في الهند في البحرية، وأنه أيضا ~~ابن الكولونيل دي شمري شقيق بلانش دي شمري، التي تزوجت الفيكونت فابيان منذ ~~عام، ثم يضيف إلى هذه الأقوال كثيرا من التفاصيل بلهجة يتبين منها الصدق، ولا ~~تحمل على شيء من الشك. ms0700 # إذن فإن المركيز الأول هو الآن في قصره في باريس، وهو سيتزوج المدموازيل ~~سالاندريرا، والمركيز الثاني في قاديس، ولكن أتعلم أين وفي أية حالة، إنه في ~~السجن مكبل بالقيود محسوب في مصاف المجرمين ... لا تدهش لما تقرأ، واقرأ ~~البقية. # وهنا ذكر له فرناند جميع ما تقدم لنا ذكره من أمر السجين، وحكايته ~~للقومندان، ولما فرغ من جميع ذلك قال له: # إني التمست من القومندان بناء على طلب امرأتي أن يأذن لي بمحادثة هذا ~~المركيز؛ لأنها كانت تعتقد أنه بريء. # وقد أذن لنا القومندان، وذلك أنه دعانا إلى العشاء في منزله، واستدعى المركيز ~~فقال له أمامنا: إني قصصت حكايتك في هذا الصباح على ضيفي فاستغرباها، ورغبا أن ~~يسمعاها من فمك. # وكان المركيز واقفا يحمل قبعته بيده وهيئة كآبته تقطع القلب من ~~الإشفاق. # فانحنى أمامنا باحترام، ثم نظر إلى القومندان فابتسم ابتسام الحزين، وقال له: ~~إنك أبيت أن تصدقني يا سيدي القومندان، ولكني أرجو أن تصدقني السيدة وزوجها، ~~وهما مثلي فرنسيان. # فهز القومندان كتفيه إشارة إلى أن اعتقاده راسخ بكذبه، ثم استأذن منا وتركنا ~~وإياه. # فقص علينا المركيز نفس القصة التي قصها علي القومندان بلهجة صادقة، ولما ~~أتم حكايته قلت له: ألا تعلم أنه يوجد في باريس مركيز يدعى المركيز دي شمري، ~~وأن جميع نبلاء باريس عرفوه؟ ~~- إن ذلك محال إلا إذا ... ثم وقف مترددا. # قلت: قل إلا ماذا؟ ~~- إلا إذا كان الذي أنقذته، ثم صاح صيحة قانط، وقال: لقد عرفت كل شيء، فإن ~~الرجل قد سرق أوراقي واختلس اسمي، وهو يعتقد أني ميت. # قلت: إن هذا صعب التصديق، فإن المركيز دي شمري الموجود الآن في باريس روي ~~عنه أنه حزن حزن الخنساء على أخيها حين وفاة أمه. # فما قلت هذا القول حتى شعرت كأن الصاعقة قد انقضت على رأس هذا المسكين، فجعل ~~يصيح ويقول: أمه ... أمه ... أي: أمي التي ماتت، وعند ذلك وهت رجلاه وسقط على ~~الأرض، وهو ينتحب ويبكي بكاء الأطفال، ويذكر أمه بأشجى الألفاظ. # فلم أشكك بعد هذا البرهان ms0701 الجلي بصدق كلامه، وأنه هو المركيز الحقيقي. # وفي ذلك الحين دخل علينا الربان، فوجدني مع امرأتي محيطين بهذا التعس المنكود ~~نعزيه على مصابه، ونبكي لبكائه فأجفل لما رآه؛ لأنه كان لا يزال معتقدا بأنه ~~من الكاذبين، ولكني عندما رويت له ما جرى مال إلى التصديق، فأخبرته أني سأكتب ~~إليك ووعدني أنه سيبذل جهده لإطلاق سراح المركيز، وهو الآن قد أخرجه من السجن، ~~فجعله في خدمته الخاصة تخفيفا لشقائه. # والآن فاعلم يا سيدي الكونت لماذا أكتب لك، فإن المركيز سواء كان صادقا أو ~~كاذبا، فإنه يقول: إن لعائلته أرضا تدعى الأورنجرى وإن فيها قصرا كبيرا، ~~وهو يقول إنه يوجد في القصر صورة تمثل رسمه، وهو في التاسعة من عمره، وإنه قد ~~مثل في الرسم لابسا لباس الأيكوسيين، وعلى رأسه قلنسوة عليها ريشة عقاب، وصورة ~~عليها خطوط زرقاء وبيضاء، ورجلاه عاريتان إلى الركبتين. # ثم إنه كشف أمامنا عن ساقه، وأرانا لطخة حمراء تشبه آثار الخمر على القماش ~~الأبيض، وقال لنا: إن اللطخة مرسومة في الصورة بشكلها وحجمها، ولونها كما هي ~~الآن. # ولذا يا سيدي الكونت قد كتبت لك هذه التفاصيل، فإذا رأيت تلك الصورة، وعثرت ~~بهذا الأثر فيها، فإن المركيز هو المركيز الحقيقي دون شك ، وإن مركيز باريس أعظم ~~منافق خداع عرف إلى الآن. # وأنا أرجو بعد أن تقف على حقيقة هذه التفاصيل أن تشير علي بما يجب أن أصنعه ~~في شأن هذا الرجل، فإني لا أقدم على أمر قبل أن ترد إلي مشورتك ~~والسلام. # فرناند روشي # فما أوشك الكونت أن يتم قراءة الكتاب، حتى دخل خادم غرفته يخبره بقدوم الكونتس أرتوف، ~~فسر الكونت لقدومها، وأسرع وهو يقول: لقد وجدته. # فاندهشت باكارا، وقالت: ماذا وجدت؟ ~~- بينما كنت عازما على الكتابة إلى إسبانيا أستعلم عن تلك السفينة، التي فقدنا فيها ~~آثار المركيز دي شمري وردتني رسالة من إسبانيا عن هذا المركيز. ~~- من الذي كاتبك من إسبانيا؟ ~~- فرناند. # فارتعشت باكارا عند ذكر اسم فرناند، كأنها لا تزال تحبه، وقالت: ماذا عمل؟ ~~- إنه وجد المركيز ms0702 الحقيقي، ثم أخذ الرسالة وأعطاها إياها فتلتها بإمعان، وعلائم ~~الدهشة تبدو عليها حين تلاوة كل سطر، فلما أتمتها قال لها الكونت إرمان: ماذا ~~ترتئين؟ ~~- إن الآنسة سلاندريرا لا تزال في إسبانيا والمركيز الحقيقي فيها، فيجب إذن أن أذهب ~~إلى تلك البلاد. ~~- أنت تذهبين إلى إسبانيا؟ ~~- نعم وسأصحب معي الطبيب صموئيل وزامبا خادم الدون جوزيف، والدوق دي مايلي ~~المتوفيين. ~~- إذن فما ينبغي أن أكتب لفرناند؟ ~~- لا تكتب له شيئا، فإني سأصل إلى قاديس في اليوم الذي يصل فيها كتابك إليها؛ لأني ~~مسافرة غدا، فأية فائدة من كتابك؟ ~~- ولكن هذه الصورة التي ذكرها فرناند في كتابه؟ ~~- سأحصل عليها. # فقال إرمان: إني تعودت يا سيدتي الكونتس أن أثق ثقة عمياء من فوزك بكل ما تفعلين، ~~فاذهبي بأمن الله واصنعي كما تشائين. ~~- سأسافر غدا كما قلت لك، غير أني أرجوك أن تكتب كتابا ثانيا إلى قنصل فرنسا في ~~قاديس. ~~- سأكتب له في المساء. ~~- والآن أعطني كتاب فرناند، فإني أحتاج إلى مراجعة ما تضمنه من التعليمات. # فأعطاها إياه، وعند ذلك نهضت، فودعته ووعدته أن تكتب إليه من قاديس ومضت. # وفي الساعة نفسها بعد أن أخذت الكتاب كتبت إلى الطبيب صموئيل ترجوه أن يحضر معها، وقد ~~عرف القراء ما جرى بينهما من الحديث عند اجتماعهما، فإنها عندما أخبرت هذا الطبيب أنها ~~ستسافر وإياه في الغد إلى إسبانيا، قالت له: أتظن أن زامبا قد شفي من جنونه شفاء ~~أكيدا؟ ~~- لا ريب عندي في شفائه التام. ~~- أيستطيع أن يصحبنا في هذه الرحلة؟ ~~- نعم. ~~- إذن يجب أن تسأل قاضي التحقيق، الذي أذن لك بمعالجته بواسطة الكونت كركاز أن يأذن ~~لك أيضا بالذهاب به إلى إسبانيا، وأرسله إلي في المساء. ~~- سأفعل ما تشائين ولكنك لم تقولي لي شيئا عن السبب الذي نذهب من أجله إلى ~~إسبانيا. ~~- إننا نذهب لنجد المركيز دي شمري. ~~- أهو في إسبانيا؟ ~~- إنه في سجن قاديس، فاذهب وأعد معدات سفرك وأرسل إلي زامبا. ~~- وماذا نصنع بالكونت أرتوف زوجك؟ ~~- نصحبه معنا. ~~- إن هذا محال فإنه آخذ في النقاهة، ms0703 وأخشى عليه إذا صحبناه معنا أن ينتكس، ولكني ~~سأعين للاعتناء به طبيبا من إخواني، فيعالجه بطريقتي. # وافقته باكارا على ذلك وانصرف، وبعد ذلك بنصف ساعة قدم إليها زامبا، وقد عاد إليه ~~صوابه ولم يبق له شيء من أعراض الجنون، فسلم على باكارا باحترام ولبث واقفا ينتظر ~~أوامرها. # فقالت له باكارا: ألا تزال تذكر حالتك وموقفك الخطر؟ فإنك محكوم عليك بالإعدام في ~~إسبانيا، وأنت في باريس أسير تحت مسئولية الطبيب صموئيل، فإذا بلغ هذا الطبيب الحكومة ~~أنك شفيت من جنونك تعود إلى قبضة الحكومة الفرنسية. # فركع زامبا أمامها وقد وجف قلبه لذكر المحاكم والجرائم، وقال: ارحميني يرحمك ~~الله. ~~- إن الحكومة الفرنسية تبدأ بالبحث في قضيتك، ثم لا تزال تنتقل من تحقيق إلى تحقيق ~~حتى تنتهي إلى معرفة حقيقة حالك. ~~- إذن أنت تريدين تسليمي إلى الحكومة؟ ~~- كلا، إلا إذا لم تطعني. ~~- إنك تعلمين يا سيدتي بأني سأكون لك أطوع من العبيد. ~~- لا أريد أن تكون عبدي الآن، بل أكتفي أن تكون خادمي في السفر. ~~- وإلى أين تريد سيدتي السفر؟ ~~- إلى إسبانيا. ~~- ويلاه إن الحكم بالإعدام صدر علي في إسبانيا وهناك القضاة ... ~~- إنك عشت فيها أربعة أعوام في خدمة الدون جوزيف بعد صدور الحكم عليك. ~~- هذا أكيد ولكن الدون جوزيف ... ~~- إنك ستكون أيضا آمنا في خدمتي على نفسك، فلا يمسك أحد بسوء. # فأحنى زامبا رأسه، وقال: سأمتثل لما تريدين. ~~- والآن أتعلم لماذا أكرهك على السفر معي؟ ~~- كلا. ~~- إن الآنسة سالاندريرا في إسبانيا، وأنا أذهب بك إليها؛ لأني أريد أن تخبرها كيف مات ~~الدون جوزيف والدوق مايلي. ~~- وإذا فعلت ذلك أأنجو من المحاكم؟ ~~- إنك ستنال العفو في اليوم الذي يقبض فيه على ذلك الرجل، الذي جازاك عن صدقك في ~~خدمته بضربة خنجر، فيرسل إلى السجن أو إلى المشنقة. # 7 # وفي اليوم التالي في الساعة الثامنة من المساء سافرت باكارا، وبصحبتها الطبيب صموئيل ~~وزامبا جالسا وراء المركبة. # وكانت باكارا متنكرة بزي الغلمان، كما فعلت حين سافرت مع رولاند دي كايلت، فكانت ~~تمثل فتى من الأسرات ms0704 النبيلة في المستعمرات يسيح في أوروبا مع مؤدبه وخادمه، غير أنها ~~لم تكتف بعقد شعرها كما فعلت في المرة الأولى، بل إنها قصته غير مشفقة عليه، وجعلته ~~كشعر الفتيان كي يتم الشبه ولا يبقى مجال للشك. # أما زوجها الكونت أرتوف، فإنه بقي في باريس وقد عين له الطبيب صموئيل طبيبا يراقبه ~~حسب إرشاداته، وقد كانت حالته تحسنت تحسنا بينا. # وفي اليوم التالي لسفرها كانت مركبتها تجتاز أرض التورين، وقد وصلت عند غروب الشمس ~~إلى قرية صغيرة، فقالت للطبيب: إني لم أقل لك بعد إلى أين نحن ذاهبون. ~~- كيف ذلك ألم تقولي: إننا ذاهبون إلى إسبانيا؟ ~~- نعم ولكننا سنقف قبل ذهابنا إليها في مكان يبعد مرحلتين عن هذه القرية التي نحن ~~فيها. ~~- أين ذلك؟ ~~- في الأورانجري وهي أرض المركيز دي شمري. # فعجب الطبيب لكلامها، ولكنه قبل أن يسأل قاطعته بإشارة، وقالت له: ألم تشر على ~~المركيز، بل على الرجل الذي اختلس هذا الاسم النبيل أن يذهب إلى الأورانجري، كما أوصيتك ~~تبديلا للهواء لما أصابه من الهزال. ~~- نعم وقد قال لي إنه سيسافر. ~~- إنه سيسافر في هذا المساء من باريس فيصل إلى أرضه غدا، ونكون قد سبقناه إليها ~~بليلة. ~~- ألعلنا ننتظره في قصره فيها؟ ~~- كلا، بل ننام هذه الليلة في القصر. ~~- لماذا؟ ~~- ستعلم ذلك فيما بعد، واكتف الآن بأن تعلم أن السائق الذي يقود مركبتنا سيسقط ~~المركبة بنا في حفرة واقعة عند مدخل بستان القصر. # وكان الطبيب قد تعود من باكارا أنها تكتم سرها، فلا تبوح به إلا عند الاقتضاء، فلم ~~يلح عليها بمعرفة السر، ولم يكترث لوقوعه في الحفرة. # وبعد ساعة كانت الشمس قد غابت، وساد الظلام، والمركبة قد دنت من ذلك البستان، فاندفعت ~~المركبة بسرعة عظيمة. # وعند ذلك قالت باكارا للطبيب: احذر فقد وصلنا إلى الحفرة. # ولم تكد تتم قولها حتى سقطت المركبة في تلك الحفرة. # وكانت باكارا والطبيب قد رجعا إلى الوراء، وتأهبا فلم يصبهما ضرر خلافا لزامبا فإنه ~~سقط عن كرسيه من وراء المركبة، وجعل يصيح ويستغيث بصوت ms0705 مرتفع، وكذلك السائق. # وما زالا يستغيثان حتى فتح باب البستان، وخرج أربعة من الفلاحين يتقدمهم رجل كهل ~~كان نافذ الكلمة بينهم، فأخرجوا زامبا من الحفرة، وقد ابتلت ثيابه بمائها، وتلوثت ~~بوحلها وخرج الطبيب وباكارا وهي بملابس الغلمان كما تقدم. # ثم أخرجوا المركبة وجيادها، وفيما هم يخرجونها رأت باكارا دولاب المركبة قد انكسر، ~~فأظهرت أسفها، وبعد أن شكرت زعيم أولئك الفلاحين لاهتمامه بهم قالت له: إن دولاب ~~المركبة قد انكسر، ونحن مضطرون إلى اجتياز ثلاث مراحل بعد أن نصل إلى المحطة فأين نحن ~~الآن؟ # فأجابها الزعيم، وكان اسمه أنطوان: إنكم في أرض الأورانجري ملك المركيز دي شمري، وهذا ~~القصر قصره وأنا وكيله. # فقالت باكارا وهي تمثل دورها أتقن تمثيل: إني أعرف هذا المركيز وصهره الفيكونت دي ~~أسمول من أخلص أصدقائي. ~~- إذا كنت تعرف يا سيدي مولاي المركيز، فاسمح لي أن أدعوك باسمه إلى المبيت الليلة في ~~قصره إلى أن يصلح دولاب المركبة. ~~- لا بأس إنما أرجوك أن تقول لي كم يقتضي من الوقت لإصلاح الدولاب؟ ~~- عند الصباح يكون قد تم إصلاحه، فتستطيعون مواصلة السير. # وعند ذلك مشى أنطوان أمامهم، فتبعوه إلى داخل القصر، ودخل بهم إلى القاعة الكبرى ~~المعدة للاستقبال، ثم تركهم وانصرف كي يعد لهم عشاء فاخرا. # ثم جلسوا جميعا على المائدة إلى أن حضر الطعام، فجعلت باكارا تحادث أنطوان، فقالت ~~له: أيأتي المركيز دائما إلى قصره؟ ~~- إنه لم يزره منذ عودته من الهند. ~~- إذن فسأنبئك نبأ تسر له، وهو أن المركيز سيكون هنا غدا، فقد كنت وإياه في ~~النادي أول أمس، فأخبرني أنه مسافر غدا إلى أرضه في الأورانجري، وهو قد برح باريس أمس، ~~فلا بد أن يكون هنا غدا كما قلت لك. # ففرح أنطوان فرحا عظيما، وقال: إذن سأرى هذا المركيز قبل أن أموت، فإني ما رأيته ~~إلا صغيرا كما هو ممثل بهذا الرسم، أي: وهو في التاسعة من عمره ثم أشار بيده إلى صورة ~~معلقة في الجدار. # فأخذت باكارا المصباح بيدها ودنت من الصورة، فجعلت تتأملها بإمعان ms0706 شديد، فقالت في ~~نفسها: إنها الصورة التي فصلها فرناند في كتابه، وهذه هي البقعة الظاهرة فوق ساقه تشبه ~~لطخة الخمر فوق الثوب الأبيض. # ثم نظرت إلى أنطوان، وقالت له: عجبا أهذا المركيز؟ ~~- نعم وهو في التاسعة من عمره وهذه الصورة تمثله أحسن تمثيل. ~~- إذن فقد تغير تغيرا عظيما بحيث يستحيل على من لم يره من ذلك العهد أن يعرفه ~~الآن. ~~- إني لم أره منذ عشرين عاما، ويندر جدا أن تبقى للشبان الملامح التي كانت لهم في ~~دور الطفولية. # وبعد أن تحادثا قليلا خرج أنطوان لبعض الشئون، ودخل زامبا فقالت له باكارا: إنك لص ~~ماهر، أليس كذلك؟ # فانحنى زامبا دون أن يجيب، ولكنه كان يشير بانحنائه إلى الامتثال. # فقالت باكارا: إذن سأعهد إليك بمهمة تعود فيها إلى مهنتك القديمة، أترى هذا الرسم ~~المعلق في الحائط؟ ~~- نعم. ~~- يجب أن تسرقه، واعلم أننا سنبيت الليلة في القصر، ونسافر في الساعة الخامسة من ~~الصباح، فانزع الرسم من الإطار المحيط به وضعه بين ثيابنا، واحذر من أن يراك ~~الوكيل. ~~- سأفعل يا سيدتي ما تريدين. # وعند ذلك عاد الوكيل إلى الغرفة، فقالت له باكارا: لقد قلت لك إني صديق لمولاك ~~المركيز، ولكني لم أقل اسمي، فإني شريف برازيلي أسيح متجولا في أوروبا يصحبني مؤدبي، ~~وقد أقمت في باريس سنة كاملة، فعرفت في خلالها المركيز وكان من أخلص خلاني وهذه رقعة ~~زيارتي. # فأخذ الوكيل رقعة الزيارة، ورأى عليها تاج المركيزية فعلم أن صاحبها من النبلاء، ~~وانحنى أمامها باحترام عظيم. ~~- أعتمد عليك بإصلاح المركبة، بحيث أستطيع السفر عليها عند الفجر. ~~- كل الاعتماد يا سيدي، فإن العمال لا ينامون قبل إنجازها. # ثم رأى الوكيل أن هذا السائح ومؤدبه يريدان أن يناما، فنادى خادما كهلا مثله، وأمره ~~أن يذهب بهما إلى الغرفة التي أعدها للزائرين. # ولما كانت الساعة الرابعة قرع زامبا غرفة باكارا قرعا خفيفا، وكانت قد استيقظت منذ ~~حين، ولبست ملابسها ففتحت له الباب، فدخل وقال لها: إن المركبة يا سيدتي معدة ~~للسفر. ~~- والصورة؟ ~~- في المركبة. ~~- ألا تخشى أن ms0707 ينتبه الوكيل لفقدها؟ ~~- لا أظنه ينتبه يا سيدتي فإنها موضوعة قرب باب الغرفة، وباب القاعة يبقى دائما ~~مفتوحا بحيث يحجبها، وفوق ذلك فإن الوكيل لا يزال نائما وسنسافر قبل أن يصحو. # وكان زامبا مصيبا في ظنه، فخرجت باكارا يتقدمها زامبا إلى أن وصلت إلى المركبة، ~~فوجدت الطبيب ينتظرها فيها والسائق متأهب للرحيل. # ولما صعدوا جميعهم إلى المركبة شاهدوا الوكيل يركض مسرعا إليهم، وقد كان نومه ثقيلا ~~فاضطر الخدم إلى إيقاظه، فأسرع إلى ضيوف مولاه يعدو كالمجانين، وهو يخشى أن لا ~~يدركهم. # فقالت له باكارا: أرجوك أن تهدي سلامي إلى المركيز، ثم شكرته لحسن ضيافته ونفحته ~~بورقة مالية، وأشارت إلى السائق بالرحيل، فسارت الجياد تنهب الأرض نهبا حتى تجاوزت ~~القرية، وبلغت إلى الطريق العام. # وفي خلال هذه المدة كان الوكيل أنطوان عاد إلى القصر، وهو مهتم بهبة باكارا أكثر من ~~اهتمامه بقدوم المركيز، فدخل إلى القاعة كي يقفل أبوابها، وكان لا بد له عند ذلك من ~~إعادة النظر إلى صورة المركيز، الذي سيراه غدا بعد فراق عشرين عاما، ولكنه ما لبث أن ~~رفع نظره إليها حتى صاح صيحة القانط؛ لأنه رأى الإطار ولم ير الصورة. # وعند ذلك دخل عليه أحد الخدم، وقال: أرأيت هذا الشاب الصغير الذي بات عندك أمس، إني ~~أراهن على ما تشاء بأنه لم يكن غلاما بل امرأة بزي غلام. # وكان الاضطراب قد بلغ مبلغا عظيما من الوكيل، فقال له: ليكن ما يشاء فإن الذي أعرفه ~~أنه سرق صورة المركيز. # ثم خرج من القاعة، وانطلق يعدو وهو يحاول اللحاق بعربة المركيز، ولكنها كانت قد ~~ابتعدت بعدا شاسعا، فرجع قانطا وقد ضاقت به الدنيا على رحبها، وأقبل الخادم يعزيه، ~~ويقول: إنها لا شك امرأة وإنها عاشقة للمركيز، فسرقت صورته ولا بد للمركيز أن يعرفها، ~~فيسترد الصورة منها إذا شاء. # 8 # ولنعد الآن إلى المركيز الكاذب إلى روكامبول، الذي غادرناه مغميا عليه في المركبة ~~حين رأى آلة القضاء قد قطعت رأس ذلك المجرم. # وقد كان صهره فابيان معه كما تقدم، ms0708 ولكنه حين وقعت الآلة على عنق ذلك المسكين أغمض ~~عينيه، فلما فتحهما رأى روكامبول بجانبه مغميا عليه، فذعر وأمر السائق أن يسرع إلى ~~القصر حتى إذا بلغ إليه نزل فابيان، وأمر بإحضار طبيب في الحال، ثم نقلوا روكامبول إلى ~~غرفة، وهو لا يزال مغميا عليه. # وبقي على ذلك إلى أن حضر الطبيب، ففحصه وعلم السبب في إغمائه، فقرر أن هذا الإغماء ~~غير خطر، وأنه ما دعا إليه غير الرعب والتهيج العصبي الناتج عما أصابه من الانفعال ~~النفساني، ثم قال: إنه سيفيق من نفسه دون واسطة، غير أنه قد يصاب بعد ذلك بحمى يصحبها ~~هذيان مؤقت لا يحمل على الخوف. # ومع ذلك فإنه لم يجد بدا من وصف علاج، كما تقتضيه واجبات المهنة، فكتب العلاج ~~وانصرف. # ولم يطل تحقيق نبوءة الطبيب، فإن روكامبول أفاق على أثر ذهابه من إغمائه، ففتح عينيه ~~وجعل ينظر نظرا تائها إلى ما حوله، فرأى أنه في مكان لم يعرفه من قبل، ولم ينظر صهره ~~فابيان الذي كان جالسا على كرسي بجانب السرير، ثم بدأت الحمى كما قال الطبيب، فجعل ~~يقول: أين أنا؟ ويجيل في الغرفة نظرا قلقا مضطربا، فلا يذكر شيئا مما هو فيه، وحاول ~~أن يجلس في سريره فلم يستطع . # كل ذلك وفابيان جالس بقربه لا يجسر على الدنو منه حذرا من إزعاجه. # ثم بدأ معه دور الهذيان، فوضع يده على جبينه، وقال: لقد ذكرت الآن ... إني رأيت الجلاد، ~~نعم رأيته وكان عاري اليدين ... فضحك عندما رآني وأراني الخنجر، ثم جعل يضحك ذلك الضحك ~~العصبي الذي يصاب به من يتولاه الرعب أو القنوط. # فدنا صهره عند ذلك، وحاول أن يمسك يده، فصاح به روكامبول: إلى الوراء، ارجع ولا تدن ~~مني، أأنت آت كي تقبض علي؛ لأني أنا أيضا قتلت أمي التي ربتني خنقا بيدي ... ارجع ~~فإني سأنجو منك، ويا طالما أفلت من أعماق السجون، ونجوت من أعماق البحار ... فإني أدعى ~~... إن اسمي الحقيقي ... # وهنا توقف عن الكلام كأنما بارق من الصواب قد لاح له حين ms0709 هذيانه، فامتنع عن ذكر اسمه ~~ولكنه قال: إنك تريد أن تعرف اسمي، ولكنك لن تعرفه. # ثم عاد إلى ذلك الضحك المؤلم، وجعل بعده يبكي وينطق بألفاظ متقطعة وجمل مقتضبة، فكلما ~~أوشك أن يظهر شيئا من حقيقة أمره يختلط هذيانه بالصواب، فتقتضب الجمل وتلتبس معانيها، ~~ثم تراجع إلى الوراء كأنما الرعب قد تولاه، وجعل يصيح بصوت مختنق: إلى الوراء أيها ~~الجلاد، إلى الوراء وأشفق على نفسك. # وقد دامت هذه النوبة نحو ساعتين، ثم نام بعدها نوما هادئا إلى المساء. # ولما صحا من رقاده لم يبق أثر للهذيان، وعادت إليه سكينته، ولكنه بقي متعجبا لوجوده ~~في مكان يجهله. # وكان صهره لا يزال في غرفته، فلما رآه قد فتح عينيه ورأى ما هو عليه من السكينة دنا ~~منه، فأخذ يده بيده، وقال: كيف أنت الآن يا ألبرت؟ # فنظر إليه روكامبول بانذهال، وقال له: أهذا أنت ... أين نحن الآن؟ ~~- إننا في قرية ج، على بعد ثلاث مراحل من الأورانجري. ~~- ولماذا توقفنا في هذه القرية؟ ~~- لأنك كنت مريضا. ~~- أنا مريض؟! وكيف مرضت؟ ~~- إنك كنت مصابا بحمى شديدة على أثر إغماء أصابك. ~~- عجبا، ولماذا أغمي علي؟ # فتردد فابيان في جوابه غير أن روكامبول ذكر السبب، وقال: نعم لقد ذكرت الآن المقصلة ~~وذلك الرجل الذي قطع رأسه فيها. # فقال فابيان: نعم هو ذاك أيها الحبيب، وقد هالك ذلك المنظر الهائل، حتى إنك لم تطق ~~احتماله، فأغمي عليك وحملناك وأنت فاقد الرشد إلى هذا المكان. # وكان روكامبول قد نفض عنه غبار الحمى، فانقضى هذيانه وعادت إليه الحكمة فقال: ما هذا ~~الضعف الذي تولاني فكنت أشبه بالنساء، ولا بد أن أكون أصبت بالحمى. ~~- هو ذاك وقد عقب تلك الحمى هذيان. # فذعر روكامبول وخشي أن يكون باح بأسراره وهو لا يدري، فقال: ألعلي أصبت ~~بهذيان؟ ~~- كان هذيان شديد حتى إنك كنت تقول أشياء لم أسمع أغرب منها. ~~- كيف ذلك؟ وماذا قلت؟ ~~- إن حديث هذا الرجل الذي قضي عليه بالإعدام، وحكوا لنا أمره قبل إعدامه قد أثر ~~عليك تأثيرا عظيما، حتى ms0710 أصبحت تحسب أنك أنت هو ذلك المجرم المقضي عليه. ~~- ما هذا الجنون؟ ~~- ولبثت ساعة كنت في خلالها تحسب أنك أنت الذي خنقت أمك التي تبنتك، وتعتقد أن الجلاد ~~قادم للبحث عنك. # فاضطرب قلب روكامبول، وخشي أن يكون صهره قد اطلع على سره، فنظر إليه نظر ~~المستطلع. # غير أن فابيان ابتسم له، وجعل يحدثه بجميع أخبار هذيانه بسلامة لا يداخلها شيء من ~~الشك. # فارتاح بال روكامبول، وأيقن أنه لم يبح بشيء، ثم تشدد ونهض من سريره، فسأله فابيان: ~~كيف أنت الآن؟ ~~- على أحسن حال. ~~- إذن، أتستطيع مواصلة السفر إلى الأورانجري، والمبيت فيها هذه الليلة؟ ~~- دون شك، وها أنا سألبس ملابسي فنسافر بعد العشاء. # وعند ذلك خرج فابيان وأمر بإعداد المركبة للرحيل. # ولما خلا المكان بروكامبول جعل يتخطر في أرض الغرفة ذهابا وإيابا، وهو يؤنب نفسه ~~لما أبداه من الضعف، ويقول: أيغمى علي؛ لأني نظرت رجلا يشنقونه كأني لم أر ميتا ~~قبلا ولم أسفك دماء، ثم أصاب بالحمى وأهذي بكلامي، فأذكر مدام فيبار فإنه ضعف شديد، ~~وإذا جدت بي حادثة أخرى كهذه، كنت من الهالكين؛ لأنه لو اتفق أنه كان لفابيان أقل ريب ~~بي، وحاول أن يعلم حقيقة أمري، لما فاته شيء من أسراري، ولقضي على تلميذ السير ~~فيليام. # وكأنما أندريا قد تمثل له حين خطر في باله، فأجفل مرتعدا، وقال في نفسه: لقد أخطأت ~~الخطأ الشديد بقتل هذا الرجل، فإنه كان مرشدي في كل سبيل ومعيني في كل معضلة، أما الآن ~~فقد ندمت لفقده، وبت أرى المشنقة منصوبة لقتلي، حتى إني أكاد أسمع صوت مطارق العمال ~~الذين ينصبونها. # ثم سمع وقع أقدام صهره فابيان، فانقطع حبل هواجسه، وقال في نفسه: ما هذا الجنون؟ ومتى ~~كان روكامبول يخضع للهواجس، ويخشى نكبات الأقدار؟ وأيه حاجة لي بهذا الرجل وقد مات؟ ~~ألست المركيز دي شمري، وخطيب ابنة الدوق، فلأمشي إلى الأمام ولأكن جريئا مقداما فقد ~~كان يقول السير فيليام: إن الجرأة مفتاح الصعاب؟ # وعند ذلك دخل صهره فابيان، وقال له: هلم بنا إلى المائدة، ms0711 فإن الشمس قد غابت ولا بد ~~أن تكون جائعا. ~~- هو ما تقول؛ لأن شهيتي عظيمة. # ولبس روكامبول ملابسه بسرعة، ثم خرج الاثنان إلى المائدة، وبعد أن أكلا برحا ذلك ~~الفندق، فركبا مركبة وسارت بهما إلى الأورانجري. # وكان روكامبول يعرف هذه الأرض ومداخل القصر، وجميع خدمه، فلما بلغ إليه مع صهره أظهر ~~حنينا عظيما، وجعل يذكر عهد حداثته، وجميع ما يعرفه من أحوال تلك الأرض. # ثم أقبل الخدم وجعلوا يقبلون يديه، فرحين مسرورين بعودة مولاهم ما خلا وكيل الأرض ~~أنطوان، فإنه لم يكن موجودا بينهم، وقد كانوا يعجبون كيف عرفهم. # ثم إنه نادى أحدهم باسمه، وهو الذي قال لأنطوان: إن باكارا لم تكن غير امرأة متنكرة ~~بزي الغلمان، وقال له: أين الوكيل أنطوان؟ وكيف لا أراه بينكم؟ ~~- إنه ذهب إلى قرية ج. ~~- إنني قادم منها فكيف لم أره فيها؟ وما دعاه إلى السفر؟ ~~- إنه سافر يا سيدي المركيز في الصباح؛ كي يقدم شكواه للحكومة، لقد سرقونا في هذه ~~الليلة. ~~- كيف سرقوكم وما سرقوا؟ ~~- اسمع هذا الحديث الغريب يا سيدي، فقد قدمت أمس مركبة، وعند مرورها قرب البستان سقطت ~~في حفرة فانكسر دولابها، وكان فيها ثلاثة سياح، وهم: فتى في مقتبل العمر - يقول إنه من ~~أصدقائك، ومؤدبه ، وخادمه. ~~- ما اسم هذا الرجل؟ ~~- لا أعلم، ولكن أنطوان قد عرف اسمه. ~~- أهو هذا الفتى الذي سرق؟ ~~- نعم. ~~- وماذا سرق؟ ~~- سرق صورة مولاي المركيز التي كانت تمثله طفلا، وكانت معلقة ضمن إطار في جدار ~~القاعة الكبرى. # فصاح روكامبول صيحة اندهاش، وعادت إليه هواجس الشر. # 9 # وعاد الخادم إلى إتمام حديثه، فقال: ومما يدل على أن الفتى كان يعرف سيدي المركيز أنه ~~أنبأنا بقدومه. ~~- بقدومي أنا؟ ~~- نعم يا سيدي فقد قال لأنطوان: إنك ستقدم إلى أرضك في اليوم التالي، فصدق فيما ~~أخبر. # فحار روكامبول في أمره، وقال لصهره: أتذكر أنك أخبرت أحدا بسفرنا؟ ~~- لا أعلم، فإني لا أذكر شيئا من ذاك. # فقال الخادم: إن الفتى يا سيدي قال إنه رآك في النادي، وإنك أنت أخبرته بعزمك ms0712 على ~~السفر في الغد. ~~- ماذا أسمع؟ وما هذه الألغاز؟ فإني منذ ثلاثة أشهر ما ذهبت إلى النادي! # ثم دخلوا جميعا إلى القاعة، فأراهما الخادم إطار الصورة المسروقة، فوقف روكامبول فوق ~~كرسي، وجعل يمعن النظر في طريقة إخراج الصورة من إطارها، فوجف قلبه وعلم أن يدا ماهرة ~~نزعتها من موضعها، ثم التفت إلى الخادم، وقال له: اذكر لي شكل الفتى. ~~- إنه ربعة القوام، أشقر الشعر، هزيل. ~~- أعرف أنطوان اسمه كما تقول؟ ~~- لا بد أن يكون عرفه، فإنه أعطاه رقعة زيارته واسمح لي يا سيدي أن أقول: إن أنطوان ~~طاهر القلب شديد الإخلاص، ولكنه متعنت في رأيه لا يسمع نصحا، ولا يجري إلا ما يخطر في ~~باله. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه ذهب إلى تلك القرية كي يعرض شكواه، وفاته أن من يحضر في مركبة لسرقة رسم لا ~~يكون من عوام الناس. ~~- هذا لا ريب فيه ولا شك أن أنطوان بسيط القلب. # فتشجع الخادم لما سمعه، وقال: أتأذن لي يا مولاي أن أقول كلمة؟ ~~- قل. ~~- أظن أن هذا السارق كان له فائدة عظمى بسرقة الصورة، حتى إنه قد يبذل في نيلها كل ~~عزيز. # ثم دنا من روكامبول، وقال له بصوت منخفض: إن الفتى لم يكن غير امرأة متنكرة بثياب ~~الغلمان. # وكان فابيان قد سمع ما قاله الخادم، فقهقه ضاحكا، وأجاب: لم أكن أتوقع هذا ~~الختام. # غير أن روكامبول خطرت له في الحال أوصاف ذلك الفتى، وهي أنه ربعة القوام هزيل أشقر ~~الشعر لا نبات في عارضيه، فارتجف ولم يبتسم لضحك صهره، بل إن العرق البارد جعل ينصب في ~~جبينه، وقال في نفسه: ... باكارا! # فدنا منه فابيان، وقال: ماذا فعلت يا ألبرت؟ ألعلك محبوب إلى هذا الحد؟ وكيف تسمح ~~بمثل هذا الغرام، وأنت على أهبة الزواج بابنة الدوق؟ # ولم يكد فابيان يتم كلامه حتى سمعوا وقع حوافر جواد، فأطل الخادم من النافذة، وقال: ~~هو ذا أنطوان قد رجع. # فقال فابيان: ستعلم الآن كل شيء، ادخل يا ألبرت إلى غرفتك؛ لأن المسكين سيجن ~~سرورا برؤياك، ms0713 وأنا سأقابله وأعلم منه كل شيء. # فدخل روكامبول إلى غرفة قاده إليها الخادم، وهو موجس شرا عظيما لا يعلم سره ~~فيتلافاه، فوقف أمام نافذة الغرفة، وجعل ينظر إلى أنطوان الشيخ، وقد ترجل عن جواده وقال ~~لفابيان وعلائم السرور بادية في ثنايا وجهه: إن مولاي لا بد أن يكون في القصر! ... وقد ~~عرفت ذلك من القرية التي كنت فيها، فقد أعطتني إدارة البريد كتابا إليه وصله إلى باريس ~~بعد سفره. ~~- من أين أتى هذا الكتاب؟ ~~- من إسبانيا. # فلما سمع روكامبول كلامه فرح فرحا عظيما، وقال للخادم الذي كان لا يزال معه: أسرع ~~وأحضر لي الرسالة التي أتى بها أنطوان. # وكان روكامبول قد نسي في تلك الساعة سرقة الصورة وهواجسه ورعبه وباكارا، حين سمع بذكر ~~تلك الرسالة، فلم يطل انتظاره حتى عاد بها الخادم إليه ففضها، وجعل يقرأ فيها بينما كان ~~صهره فابيان يسأل أنطوان عن حادثة الصورة. # أما الرسالة فقد كانت من خطيبته كونسبسيون ابنة الدوق الإسباني، وهي كما يأتي: # أيها الحبيب # هو ذا ثمانية أيام قد مضت دون أن أكتب لك فيها حرفا، ولا بد أن يجول في ~~خاطرك أني نسيت عهدك على أني لا تمر بي دقيقة من دقائق حياتي دون أن أناجيك ~~فيها، فإن حياتي لك. # ولقد كتبت إليك آخر كتاب قبل هذا من سالاندريرا، حيث أقمت فيها مع والدتي ستة ~~أسابيع نبكي على ذلك الوالد الحنون، الذي اختطفته يد المنية من بيننا ليلة ~~زفافنا، وندعو له الله في خلواتنا، وعسى أن يجيب دعواتنا ويحشره في زمرة ~~الأبرار. # والآن أيها الحبيب فإني أكتب إليك من جرنادييز وهي أرض لنا قضيت فيها عهد ~~الطفولية، وهي واقعة بين قاديس وغرناطة في قلب تلك الجنة المغربية، التي ~~يدعونها بلاد الأندلس. # وفي هذه الأرض يتنازع في مخيلتي تذكاران من السعادة والشقاء، أحدهما ملذات ~~الطفولية وأخراهما نكد الشباب، فإن في هذه الأرض سقت تلك النورية التي كانت ~~تهوى الدون جوزيف، ذلك السم النقيع للدون بادرو فأودت بحياته الطاهرة. # ولا يخطر في بالك أني ms0714 أتيت هذه الأرض مندفعة بتلك الذكرى، فإن قلبي بجملته لك ~~بل إني أتيت إليها مع أمي؛ كي أعجل عقد قراننا. # وأنت تعلم أن عادات الإسبانيين شديدة في الحداد، ولو قدر الله أن يبقى أبي في ~~قيد الحياة ساعتين لكنت الآن امرأتك أمام الله والناس، ولكنه أبى علينا هذا ~~النعيم، فغادرنا باريس نصحب تلك الجثة الباردة إلى سالاندريرا فاستقبلنا أسقف ~~غرناطة، وهو من أقارب أمي، فبقي معنا بعد الاحتفال بدفن الجثة ثمانية أيام كان ~~يمتزج دموعه بدموعنا، وقبل ذهابه خلا بأمي، وتداول معها في أمر لم أعلمه إلا في ~~هذه الأيام، وهذه خلاصته أنقلها إليك وهي: إن أمي والأسقف تداولا في شأن وفاة ~~أبي ليلة عرسي، وبما لقيته من العناء لهذا الاتفاق الغريب، حتى إنهما كانا ~~يخشيان علي عاقبة تلك الأحزان، فجعلا يفكران في طريقة تعجل عقد قراننا تخفيفا ~~لأحزاني، فقال الأسقف: إن أصول الكنيسة لا تؤذن بزواج الأبناء بعد موت والديهم ~~قبل مضي شهرين ونصف على الأقل، ثم إن هناك مصاعب أخرى وهي العادة عند نبلاء ~~الإسبان بإطالة زمن الحداد احتراما للآباء، فلو نقضنا ذاك العهد لقامت علينا ~~قيامة الأشراف، وسلقونا بألسنة حداد. ~~- إني أعرف جميع ما ذكرت ولذا بت قلقة البال على ابنتي لما أعلمه من شغفها ~~بخطيبها. ~~- اسمحي لي أن أسألك بعض أسئلة قبل إبداء رأيي، فهل عقدت شروط الزواج بينكم ~~وبين المركيز؟ ~~- نعم. ~~- وهل أورث صهره اسمه وألقابه؟ ~~- نعم. ~~- إذن فإن الأمر سهل، وهو أن الملك في حاجة إلى سفير من النبلاء يرسله إلى ~~البرازيل، وقد كان عزم على تعيين زوجك الدوق في هذا المنصب، ولما عزم على ~~الكتابة إليه واستدعائه فاجأه خبر نعيه، وهو لا يزال حائرا فيمن يعينه. # فقالت أمي: وأية علاقة لما تقول بتعجيل الزواج؟ ~~- اسمعي، فأنت تعلمين أن الملك لا يخيب لي رجاء، وسأذهب إلى مدريد وألتمس ~~منه تعيين المركيز دي شمري في ذاك المنصب. ~~- لم أفهم بعد. ~~- إنه لا يعنيه إلا متى صار إسبانيا، ولا يصير إسبانيا إلا متى تسمى باسم ~~الدوق ms0715 سالاندريرا، ولا يتسمى بهذا الاسم إلا متى تزوج بابنتك، فمتى عرف الناس ~~أن المملكة تحتاج إلى سفير ترسله في الحال إلى البرازيل، وأن الملك وقع اختياره ~~على صهرك بطل عتبهم، وعلموا أن إرادة الملك قضت بتعجيل الزواج؟! # فصفقت أمي سرورا وافترقا، فذهب الأسقف إلى مدريد بعد أن أوصى بكتمان الأمر ~~مني وذهبنا إلى غرناطة. # وبعد شهر ورد إلى أمي كتاب من الأسقف يقول فيه: إن الأمور تجري على ما يريد، ~~وأمرها أن تسافر بي إلى هذه الأرض التي أكتب لها منها ~~الآن. # 10 # وبعد يومين ورد إليها هذا الكتاب الثاني، وخلاصته: # إن الأسقف قد تباحث مع الملك في هذا الشأن، فوعده جلالته أنه سيمر في أرضنا ~~اتفاقا ويعزي أمي لمصابها، ثم يعين ابنتها من نساء بلاط المملكة دلالة على ~~احترامه للدوق الفقيد، ولما كانت نساء البلاط ينبغي أن يكن متزوجات، وقد صدر ~~أمر الملك بتعييني في بلاطه، فلا بد إذن من زواجي وهو خير واق لنقول ~~الناس. # فلما اطلعت أمي على هذا الكتاب أخبرتني عند ذلك بكل شيء، فاسمع الآن ما حدث ~~بعد ذلك. # إننا أصبحنا يوما وإذا بخادمة غرفتي دخلت إلي منذعرة، وهي تقول: سيدتي إن ~~الملك والملكة دخلا بموكبهما، وهما الآن على الباب. # فخرجت مضطربة فرأيت أمي قادمة إلي، فذهبت بي لاستقبال جلالتهما. # وجعل الملك والملكة يعزيان أمي، وأقاما في قصرنا ساعتين، ثم خلت الملكة بأمي ~~وعند انصرافها مع الملك قالت لي: إني عينت بين نساء بلاطي مدام شمري ~~سالاندريرا. # فهزتني هذه الكلمات كما تهز الرياح أوراق الخريف، حتى إني تلعثمت فما عرفت ~~كيف أشكرها غير أن أمي تولت عني تلك المهمة. # وبعد ذهابها بساعتين قدم إلينا الأسقف ودعانا إلى الذهاب إلى قاديس، حيث نقيم ~~في منزله مدة إقامة الملك في تلك المدينة، وسأكتب لك منها بعد ثلاثة ~~أيام. # هذا ما أكتبه إليك الآن أيها الحبيب، وفي كل حال فكن متأهبا للسفر قريبا ~~إلى إسبانيا، فإن يوم سعادتنا غير بعيد. # خطيبتك # كونسبسيون # فتلا روكامبول الكتاب والتأثر باد في ms0716 وجهه، فنسي موقفه الشديد ولم يخطر في باله غير ~~أن ابنة الدوق تهواه، وأن ملكة إسبانيا اهتمت في شأنه، وأن أعداءه قد هلكوا وانقرضوا، ~~فقال في نفسه: ممن أخاف ولماذا هذا الاضطراب؟ ألقتلي ذاك الرجل الذي يدعي نجم سعادتي؟ ~~وماذا حدث لي الآن مما يحملني على المخاوف؟ # ثم ضحك من أوهامه، وقال: إذا كان لا بد لي من الموت، فلا أحب أن أموت إلا ~~سفيرا. # وبعد ذلك خرج كي يرى فابيان الذي ذهب للقاء أنطوان. # وكان أنطوان أخبر الفيكونت فابيان بجميع الحوادث التي جرت قبل سرقة الصورة بأدق ~~تفصيل، فلما فرغ من تفاصيله سأله فابيان، ماذا يدعى الشاب الذي سرق الصورة؟ # فأخرج أنطوان من جيبه رقعة الزيارة التي تركتها باكارا، وأعطاها لفابيان، فأخذها منه ~~فابيان وتركه وانصرف ذاهبا إلى قاعة الأكل، ودنا من المصباح الموضوع على المستوقد كي ~~يقرأ الاسم على نوره، وكان أنطوان قد تبعه إليها. # وفي ذلك الحين ظهر روكامبول على باب القاعة، وسمع فابيان يقرأ هذا الاسم: «المركيز ~~دون أنجو دي لوس مونتس». # فلما طرق الاسم مسمعه تراجع إلى الوراء منذعرا؛ لأن الاسم لم يكن غير الاسم الذي ~~اختلقه له أندريا حين عهد إليه إغواء امرأة أخيه الكونتس دي كركاز، كما تقدم في رواية ~~التوبة الكاذبة. # ولحسن حظه أن فابيان وأنطوان كان ظهراهما من جهة الباب، فلم يريا ما أصابه من الرعب ~~والاصفرار حين تلاوة الاسم. # أما فابيان فإنه قلب الرقعة بيده، وقال: إني لا أعرف صاحب هذا الاسم. # ثم التفت فرأى روكامبول واقفا في الباب، فقال له: أتعرف المركيز دون أنجو دي لوس ~~مونتس؟ # وكان روكامبول قد ضبط نفسه في هذه الفترة، وعاد إليه سكونه فأجاب صهره ببرود قائلا: ~~كلا. # أما الوكيل أنطوان، فإنه أسرع إلى روكامبول وهو يحسب أنه مولاه المركيز، فصاح صيحة ~~فرح وقال: مولاي المركيز أهذا أنت؟ # وكأنه أراد أن يعانقه، ولكنه وقف متهيبا فقال له روكامبول: لا بأس أيها الشيخ تقدم ~~وعانقني. # فهجم عليه أنطوان عند ذلك، وعانقه عناقا طويلا ثم قال ms0717 له: تعال معي إلى نور ~~المصباح؛ كي أرى ما بقي في وجهك من آثار الطفولية. # وبعد أن حدق به انفك راجعا وهو يقول: عجبا إنه لا يوجد في وجهك أقل أثر من ملامحك ~~القديمة، ولو رأيتك خارج القصر لاستحال علي أن أعرفك. # فقال روكامبول: أما أنا فقد عرفتك، أتعلم أنك لا تزال كما كنت في عهد الشباب؟ ~~- ومع ذلك فإني قد تجاوزت السبعين من عمري. # وكان لا يزال يحدق به، فقال: من الغريب أنك لا تشبه نفسك في شيء حين كنت في عهد ~~الحداثة. # فخفق فؤاد روكامبول، وقال في نفسه: أيجسر هذا الأبله على فضيحتي؟ # وعند ذلك قطع فابيان كلام أنطوان، وقال لروكامبول: إذن فلا تعرف صاحب هذه ~~الرقعة؟ ~~- كلا! ~~- غير أن الخادم يوسف يقول إن هذا الفتى كان امرأة متنكرة بثياب الغلمان. ~~- إني لا أعلم شيئا من تلك الألغاز، وفي كل حال فقد أحسن أنطوان بتقديم شكواه إلى ~~الحكومة. ~~- وأنا من رأيك. # ثم أعطاه رقعة الزيارة التي تركتها باكارا، فلما وقع نظره عليها علم في الحال أنها ~~الرقعة التي كان يستعملها حين كان يدعى باسم ذاك المركيز البرازيلي، وأن أشائر ~~المركيزية نفسها وقطع الرقعة، والحروف المطبوعة عليها، ولون الورق كل ذلك واحد ... # بعد ذلك بساعتين كان روكامبول في غرفته يمشي فيها ذهابا وإيابا بخطوات غير ~~موزونة. # وكان يقول في نفسه: لم يعد لدي شك الآن بأن ذاك الفتى الأشقر الذي جاء إلى القصر، ~~وتسمى بالاسم الذي كنت أدعى به من قبل، وسرق رسم المركيز دي شمري القديم لم يكن من ~~الفتيان، بل كان امرأة، وأن تلك المرأة لم تكن إلا باكارا. # وعندما خطر في باله ذاك الخاطر وقف خائفا، وداخل فؤاده شك هائل فقال: لماذا سرقت ~~صورة المركيز؟ # وفي الحال انتقل بتصوره إلى المركيز دي شمري الحقيقي، الذي تركه ملقى في الحفرة في ~~الجزيرة، ينتظر أن ينتشله منها، وكان يعتقد أنها ستكون قبرا له لصعوبة خروجه منها، ~~فقال في نفسه وهو يرتعش: أيمكن أن يكون ذاك المركيز قد نجا ms0718 من الموت، وعاد إلى باريس؟ ~~وإلا فما قصد باكارا من سرقة الصورة؟ # وعند ذلك طرق باب غرفته، وكان الطارق أنطوان فأذن له روكامبول بالدخول فدخل، وكانت ~~الساعة قد آذنت بانتصاف الليل. # فقال الوكيل: أرجوك يا مولاي معذرة لدخولي إليك في تلك الساعة المتأخرة، ولكني أسمع ~~خطواتك من ساعتين، فخشيت أن تكون محتاجا إلى شيء. # فابتسم له روكامبول، وقال له: لست بحاجة إلى شيء الآن. # فحاول أن يخرج غير أن روكامبول أوقفه، وقال له: اجلس أمامي لنتحدث. # فجلس أنطوان وعاد إلى التحديق بروكامبول، وقال: عجبا! ما هذا التغيير الذي طرأ عليك، ~~فإن المرء مهما تغيرت ملامحه، فلا بد أن يبقى له شيء من الملامح القديمة. # فجعل روكامبول يحدق بذلك الشيخ بدوره، وقال: وأنا لم يبق لي شيء من تلك ~~الملامح؟ ~~- كلا فإني لا أجد منها أثرا لا في ابتسامتك ولا في نظراتك، حتى إن لون عينيك قد ~~تغير وهو من الغرابة بمكان، فإن لون العين لا يستحيل كأنما قد غيروك في الهند كما ~~يبدلون الأحداث في مهودهم. # فضحك روكامبول ضحك الساخر، وقال له: لا شك أنك مجنون! # ثم إنه جلس على كرسي، وقال له: أعني على خلع حذائي، ودعني بعد ذلك وشأني، فإني ~~أريد أن أنام. # ومد له رجله اليمنى، فركع أنطوان وعالج الجزمة التي كان يلبسها روكامبول، فأخرجها من ~~رجله، وانكشف من تحتها بطة ساقه. # وكان على المستوقد مصباحان ينبعث منهما نور متألق، فجعل أنطوان يمعن النظر في ساق ~~روكامبول، ثم خرجت من فمه صيحة تشير إلى الدهشة العظيمة والإنكار. # فسأله روكامبول: ماذا أصابك؟ ~~- تقول: ماذا أصابني، أليس هذا ساقك الأيمن؟ ~~- دون شك. ~~- إنه كان يوجد على هذا الساق بين البطة والركبة أثر لا يمحى ولا يزول. ~~- لا شك أنك مجنون قم وامض عني. ~~- كلا لست بمجنون، فأين ذاك الأثر؟ ~~- إنه قد زال مع مرور الأيام، ألا تعلم أن آثار الندوب والجروح تزول من الأجسام ~~بتوالي الزمن عليها؟ # فلم يبق ريب عند ذلك لدى أنطوان، فوقف وقال له: لقد كذبت ms0719 فإن ذاك الأثر لم يكن جرحا ~~أو ندبة، بل كان بقعة حمراء خليقة في ساقك لا يمكن زوالها. # فهاج غضب روكامبول وقال: ويحك أيها الشقي! أتجسر على تكذيبي؟! # فصرخ الشيخ يقول: إنك لست بمولاي وما أنت المركيز دي شمري. # فانقض كلامه على روكامبول انقضاض الصاعقة، وخشي الفضيحة، ولكنه تجلد وقال له: ليس ما ~~يمنعني أيها الوقح أن أرمي بك النافذة لولا حبي لك، ولو لم يكن لك علي حق ~~التربية. # غير أن أنطوان قد تغلبت عليه عواطف العدوان، فقال له: إذا كنت المركيز دي شمري كما ~~تقول، فاكشف عن صدرك أمامي. ~~- لماذا؟ ~~- اكشف عن صدرك. ~~- أتأمرني أمرا أيها الوقح. ~~- اعلم يا سيدي أنه إذا اتضح أني كاذب، فلك أن تعاقبني بما شئت، وإذا أبيت أن تكشف ~~صدرك أمامي ناديت جميع من في القصر، وقلت أمامهم: أنك لست بالمركيز. # فكان لذاك الإنذار تأثير شديد على روكامبول فلم ير إلا الامتثال للشيخ، ففتح صدرته ~~وفك أزرار قميصه، ثم كشف عن صدره فأخذ أنطوان المصباح بيده، وجعل يتمعن في ذلك الصدر ~~المكشوف حتى إذا أتم فحصه أرجع المصباح إلى موضعه، وقال له متهكما: إنك لو كنت المركيز ~~دي شمري حقيقة لوجب أن يكون لك ثلاث شامات تحت ثديك الأيسر، فما أنت غير مزور محتال، ~~ولا بد أن تكون فتكت بالمركيز أيها القاتل السفاك. # وعند ذلك ابتعد عنه وحاول أن يصيح مستغيثا، فانقض عليه روكامبول، وقبض على عنقه وجعل ~~يقول له: اصمت واسمع ما أقول. # 11 # غير أن الشيخ كان يحاول الإفلات منه، ويصيح بصوت المختنق لشدة الضغط عليه، فيخرج ~~متقطعا كالأنين، فلما رأى ذلك منه روكامبول خلع عنه رداء المركيزية، وعاد لصا ~~سفاطا، فضغط على عنق الشيخ ضغطا شديدا حتى جعل الزبد يخرج من فمه، وجحظت عيناه، ~~ولكنه مع ذلك كان يدافع دفاعا شديدا بالرغم عما يتطلبه سنه من الضعف، غير أن أيدي ~~روكامبول كانتا قد نشبتا في عنقه كما تنشب الكلاليب، فلم يستطع صراخا ولكنه لبث ~~يئن. # وعند ذلك دقت الساعة مشيرة ms0720 إلى انتصاف الليل، وكان جميع من في القصر نياما، فقال له ~~روكامبول: كفاك تئن أو أقتلك، وإذا قتلتك فلا يشعر بي أحد؛ لأن الجميع نيام. # غير أن الشيخ لم ينقطع عن الدفاع ومحاولة الاستغاثة، فجذبه روكامبول وألقاه على ~~الأرض، ثم وضع ركبته فوق صدره ويداه لا تزالان على عنقه، وقال له: إنك ترى نفسك تحت ~~رحمة يدي، فإذا لم تنقطع عن الصراخ خنقتك دون إشفاق. # فلم يستطع الشيخ أن يجيبه، ولكنه نظر إليه بعينيه الجاحظتين نظرة ملؤها الاحتقار، ~~وحاول أن يتخلص أيضا. # وحاول روكامبول أن يجرب معه التمليق، فقال: إني أجعلك غنيا فأعطيك مائة ألف فرنك، ~~وأهبك المنزل الذي في آخر البستان إذا طاوعتني فيما أريد، فإن المركيز مولاك قد مات، ~~وأنا هو المركيز الحقيقي لدى جميع الناس، ومهما تقل فلا تجد من يصدق أقوالك ... قل الآن ~~أترضى بما وعدتك به، وتكتم هذا السر؟ # ثم أفرج قليلا عن عنقه كي يسمع جوابه، فلم يجبه بغير هذا القول: إلى الوراء أيها ~~القاتل السفاك إلى الوراء. # فقال له روكامبول: إذن فلم يعد بد من قتلك فاستعد للموت، ثم ضغط على عنقه ضغطا ~~شديدا، وهو لا يستطيع حراكا؛ لأن ركبة ذلك اللص كانت فوق صدره ولكنه لم يخنقه. # وكان جميع من في القصر نياما كما قدمنا، ولما كان هذا الشيخ المسكين لا يستطيع ~~حراكا ولا صراخا، كان الوقت فسيحا لروكامبول للإمعان فيما هو فيه، فذهبت عنه آثار ~~الرعب، وعادت إليه سكينته المعتادة، فقال للشيخ: إني في شرخ الشباب وأنا قوي الساعد ~~متين العضل كما ترى، فلا رجاء لك بالخلاص مني؛ لأنك عارف بسري، ولا يجب أن يعرفه أحد ~~سواي، إذن فلا بد من قتلك وسأفتكر بطريقة موتك. # وعند ذلك جعل روكامبول يقول في نفسه: إني إذا قتلته بالخنجر أو خنقته بيدي، فلا بد أن ~~يروا في الغد أثر الخنجر في صدره، أو أثر اليدين في عنقه. # وفيما هو يفتكر شعر أن دبوس رباط رقبته قد برز منه صعدا ولمس عنقه. # وكأن هذا الدبوس ms0721 قد أوحى إليه فكرا هائلا، فابتسم ابتسام الظافر لفكره الجهنمي، ~~وقال له: ستموت أيها الأبله من يدي، وسيحسب الناس أنك مت بالسكتة الدماغية. # وفي الحال أدار ذلك الشيخ المسكين الذي انتهكت قواه، فقلبه على بطنه وركع على ظهره، ~~وكان بالقرب منه مخدة السرير، فوضعها تحت فمه كي يمنعه عن الصياح، ثم قبض على عنقه من ~~القفا بيده اليسرى، وأخذ بيده اليمنى الدبوس من صدره فشكه في مخه. # فانتفض الشيخ انتفاضا هائلا ألقى روكامبول طريحا على الأرض، ونهض لحظة ثم انقلب ~~صريعا لا حراك به، فإن الدبوس اخترق نخاعه وأماته في الحال. # أما روكامبول فإنه أسرع إليه والرعب ملء قلبه لخوفه من صياحه، فوجده لا حراك به، وعند ~~ذلك اطمأن باله فأخذ المصباح بيده، واجتذب الدبوس من مخ ذلك الخادم الأمين. # وكان الدبوس قد ثقب في مخه ثقبا رفيعا بقدر جرمه، لا يبدو أثره للعين، ولم يسل غير ~~نقطة صغيرة من دمه البريء فمسحها ذلك السفاك بيده، وأعاد ترتيب شعور الشيخ البيضاء إلى ~~ما كانت عليه، فاختفى أثر الدبوس أتم الاختفاء. # ثم قال في نفسه: إن سر هذا الموت لا يدركه غير حكيم ماهر، وهو سيخفى على طبيب هذه ~~القرية الحقيرة؛ لأنه دون شك دجال، فإذا قلنا أمامه إنه مات بالسكتة الدماغية؛ وافق على ~~قولنا أتم الموافقة. # وبعد أن مسح دبوسه وأرجعه إلى مكانه أقبل يفحص عنق الشيخ وقبضتيه، فما وجد فيها أقل ~~أثر يكشف حقيقة ما كان بينهما، فوقف ينظر إلى وجهه المصفر وقوف الظافر المطمئن، ثم ~~ابتسم ابتسام الأبالسة، وقال: لقد أخطأ من يقول: إن حسن الذاكرة من نعم الله، فإن هذا ~~الأبله لم يقتله غير ذاكرته إذ إنه لو لم يذكر ذلك الأثر في ساق المركيز، وتلك الشامات ~~في صدره لما قضي عليه بالموت، ولأبقيته حيا يتمتع بالوكالة عني في أملاكي. # ولما انتهى من تأبينه حمله إلى زاوية الغرفة وغطاه، ثم قال: لنبحث الآن في هذه الحالة ~~الحاضرة، فإنه يجب قبل كل شيء أن أضع هذا الرجل في ms0722 غرفته وعلى فراشه؛ إذ يجب أن يجدوه ~~ميتا فيها، ولكن أين هي غرفته فإني لا أعرف شيئا من أحوال هذا القصر فلنبحث. # وخرج من غرفته وبيده المصباح، فأقفل بابها وأخذ مفتاحها من قبيل الحذر، وجعل يمشي في ~~الرواق مشي اللص الخائف. # وكان روكامبول قد تنكر منذ عامين بزي الشحاذ، وأتى إلى القصر مستطلعا أحواله، فعرف ~~كل شيء من أمره، ولكنه لم يخطر في باله أنه سيضطر إلى قتل وكيله، فلم يهتم بمعرفة ~~المكان الذي ينام فيه هذا الوكيل المنكود. # وكان يعلم أن الخدم ينامون في الدور الثاني، ولكنه كان يرجح أن أنطوان بصفته وكيلا ~~في القصر يميز نفسه عن الخدم، وينام في الدور الأول لا سيما بعد غياب مواليه عن القصر ~~أعواما طويلة. # فلما بلغ إلى منتصف الرواق وقف وبيده المصباح، وقال في نفسه: إن هذا الأبله قد طرق ~~باب غرفتي، ودخل علي وقال إنه كان يسمع صوت خطواتي فلا بد إذن من أن تكون غرفته ~~ملاصقة لغرفتي، وإلا فلا سبيل له إلى سماع صوت. # فدنا من الغرفة المجاورة فرأى فيها نورا ضعيفا، فأطفأ مصباحه واقترب من الباب، فوضع ~~عينه على ثقب القفل، وجعل ينظر من خلاله موجودات الغرفة، فكان أول ما رآه طاولة كان ~~عليها مصباح، ورأى بجانب المصباح علبة للتبغ ذكر أنه رآها بيد الشيخ في أول ~~الليل. # ثم نظر إلى الجدار، فرأى معلقا عليه أسلحة وملابس ورداء طويلا كان رأى الشيخ ~~مرتديا به، فلم يبق لديه شك أن الغرفة غرفة القتيل. # فأصغى أتم الإصغاء؛ كي يعلم إذا كان يوجد أحد في الغرفة، ولما وثق من خلوها دفع الباب ~~ودخل ففحص الغرفة فحصا مدققا، ووجد على الطاولة جريدة ملفوفة بقطعة من الورق مطبوع ~~عليها هذا العنوان «إلى الموسيو أنطوان وكيل قصر الأورنجري»، فلم يبق لديه شيء من ~~الشك، فأنار مصباحه وخرج إلى غرفته، فحمل القتيل على كتفه، وجاء به إلى الغرفة فجرده من ~~ثيابه، وألبسه ملابس النوم ووضعه في سريره، وفتح الجريدة فقلب صفحاتها ثم ألقاها إلى ~~الأرض؛ ms0723 كي يقال إنه كان يقرأ قبل أن يموت هذا الموت الفجائي. # ولم يبق عليه إلا صعوبة واحدة، وهي إقفال الغرفة من الداخل والخروج منها؛ كي لا يبقى ~~مجال للشك أنه مات حتف أنفه، وبعد الإمعان رأى فوق الطاولة التي بإزاء السرير نافذة ~~واحدة، فصعد إلى الطاولة وفحصها، فوجد أنها تشرف على الرواق، ففرح فرحا وحشيا ونزل ~~فأقفل باب الغرفة من الخارج، ثم عاد إلى الطاولة، فصعد منها إلى النافذة وسقط إلى ~~الرواق. # فلما وصل إلى حجرته اطمأن خاطره، وتنهد تنهد المنفرج بعد ضيق شديد، وقال: ليس من يشك ~~في الغد أن هذا الشيخ قد مات بالسكتة الدماغية، ثم عاد إلى كتاب خطيبته ابنة الدوق ~~يتغزل بمعانيه، ويعلل النفس بما سيناله من الوجاهة في البلاط الإسباني، وبتلك السعادة ~~التي سينالها كأن يده الأثيمة لم تتلطخ بدم ذلك القتيل المنكود. # وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي دخل روكامبول إلى غرفة صهره، وهو باسم الثغر ~~وعليه ملامح السعادة والهناء، فدفع كتاب خطيبته إلى صهره، وقال له: ما رأيك في هذا ~~الكتاب؟ # فأخذه فابيان وجعل يقرأه بإمعان وهو يتبسم، فلما أتم قراءته قال له: أرى أنه يجب أن ~~تغدو إسبانيا في أقرب حين. # وفيما هما يتباحثان إذ أقبل عليهما خادم وعليه ملامح الذعر، فأخبرهما بوفاة ~~أنطوان. # فأجفل روكامبول، وقال له: ويحك! كيف مات هذا الخادم الأمين؟ ~~- إننا وجدناه يا سيدي ميتا في غرفته وهو في فراشه. # فقال روكامبول، وقد أخذ الكدر منه كل مأخذ: مسكين! فلقد مات مسرورا بي وما قتله إلا ~~الفرح. # 12 # ولنعد الآن إلى إسبانيا حيث تركنا فرناند روشي مع امرأته هرمين في قاديس، بعد أن علما ~~من قومندان الميناء ما ذكرناه بشأن المركيز دي شمري الحقيقي، فنقول: إنه بعد مضي خمسة ~~عشر يوما على ما تقدم كانت سراي الحكومة في قاديس مزينة أجمل الزينة، والشعب الإسباني ~~تتقاطر جماهيره في الشارع المؤدي إلى السراي. # وذلك لأن الملكة كانت تقيم في ذلك الثغر منذ خمسة عشر يوما للاستحمام بمياه البحر، ~~وكانت ms0724 قد وعدت المجلس البلدي بحضور حفلة أعدها لمساعدة فقراء المدينة. # فبدأت المركبات تتوارد إلى السراي منذ الساعة التاسعة صباحا، فتنزل من فيها من ~~الزائرين والزائرات، ثم تعود فتقف في مواضعها المعينة. # وكانت الحفلة حفلة رقص اختلفت فيها أزياء المدعوين، وقلدت فيها ملابس جميع العصور ~~والشعوب، بحيث باتت مناظر تلك الأزياء الغريبة مما تدهش الأبصار. # وكان نظام تلك الحفلة أن الرقص يبدأ الساعة التاسعة، ويسوغ للراقصين والراقصات أن ~~يلبثوا متنكرين إلى منتصف الليل، وعند ذلك تحضر الملكة فتسفر البراقع عن جميع الوجوه ~~احتراما لجلالتها؛ إذ لا يسوغ أن يقف أحد من رعيتها أمامها موقف التنكر. # فلما دقت الساعة التاسعة أقبلت مركبة يظهر من شكلها أنها فرنسية إلى السراي، وخرج ~~منها رجلان وامرأة، فكان أحد الرجلين متنكرا بملابس رجال البلاد في عهد لويس الخامس ~~عشر، وكانت المرأة لابسة لباس المركيزات وهي متأبطة ذراعه. # وكان كلاهما سافر الوجه، فلما رآهما المتفرجون ذكروا أنهما رأوهما مرات كثيرة في ~~الملاعب، وفي شاطئ البحر والمنتزهات العمومية؛ إذ إنهما كانا فرناند روشي وامرأته ~~هرمين. # أما الرجل الآخر الذي كان يصحبهما، فقد كان متنكرا بزي حرسي من الحرس الإمبراطوري ~~الروسي، وهو شاب جميل الطلعة لم ينبت الشعر في خديه، أشقر الشعر، حاد النظر، تدل هيئته ~~على الثبات وقوة الإرادة، وكان أيضا كرفيقيه مسفر الوجه. # فلما دخل إلى القاعة الأولى بعد فرناند وامرأته، أحدقت به الأبصار لجماله، وقال ~~إسباني من المدعوين إلى الحفلة لرفيق له: من هذا الفتى المرتدي بملابس الحرس ~~الروسي؟ # فأجابه رفيقه: إنه روسي حقيقة. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- إنك تسأل سؤالا يصعب الجواب عليه، فإن اسمه ينتهي بلفظة «سكي» أو «أوف» كثير ~~الحروف، بحيث يستحيل التلفظ به إلا بعد حفظه مرات كثيرة. ~~- ومتى قدم إلى قاديس؟ ~~- منذ ثلاثة أيام ... ~~- وأين يقيم؟ ~~- في فندق أستيري ولا تسألني غير ذلك، فإن هذا كل ما أعلمه. ~~- الحق أنه بارع الحسن يفضل بجماله النساء. # وبينما كان الإسبانيان يتحدثان بشأن هذا الحرسي، كان ذاك الفتى الجميل يطوف في قاعات ~~السراي مع فرناند وامرأته، ms0725 وهم يبحثون عن قومندان الميناء العسكري. # فلما عثروا به تبادلوا التحية، ثم أخذ الروسي القومندان وسار به إلى حديقة السراي، ~~وجلسا في محل منفرد لم يكن فيه أحد، ودار بينهما الحديث الآتي، فقال الروسي: أنجحت في ~~مهمتك؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- لا تنادني بألقاب النساء، ثم لنتكلم باللغة الفرنسية مبالغة في الحذر. ~~- ليكن ما تريدين ... عفوا فقد غلطت وليكن ما تريد ... ~~- قل الآن ما فعلت. ~~- ذهبت في هذا الصباح، إلى القصر الذي تقيم فيه الملكة والملك فالتمست من جلالته، أن ~~لا يسألني عن السبب، ونلت منه حرية الأجراء، وذلك بعد أن قلت له: إن شرف أسرة من أعرق ~~أسرات البلاد الإسبانية نسبا يتعلق على تصرفي هذا، فاسمعي الآن بيان الخطة التي عزمت ~~على أن أتبعها. ~~- قل لنرى. ~~- إنه سيحضر الآن فيتجول بين الراقصين والراقصات، وهو مقنع الوجه إلى أن ينتصف الليل ~~فيترك الحفلة وينصرف. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يعود إلى الحفلة بعد انصراف الملكة ... ~~- ويزيح القناع عن وجهه؟ ~~- كلا؛ إذ لا يوجد كثير من الناس. ~~- إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تريد أن يبرح الحفلة عند حضورها ويعود بعد ~~انصرافها؟ ~~- ذلك؛ لأنه مهما كانت براءته تامة جلية في أعيننا، فإنه لم يتبرأ بعد تبرئة رسمية، ~~وإذ كان لا يزال من المجرمين في عين القضاء، فلا يجمل حضوره حفلة تحضرها الملكة، فإن ~~ذلك يحسب إهانة لها وللقضاء. ~~- لقد أصبت وأما هي فماذا يكون من شأنها؟ ~~- إنها تبقى في الحفلة بعد ذهاب الملكة. ~~- أتحضر حفلات الرقص بالرغم عن واجب الحداد؟ ~~- نعم ولا جناح عليها في شيء، فإن جلالة الملكة قد عينتها بين نساء بلاطها، وحيث تكون ~~الملكة يجب عليها أن تكون، وأما بقاؤها في الحفلة بعد ذهاب الملكة، فستأمرها الملكة ~~بالبقاء دون أن توضح لها الأسباب. ~~- ألم تسألك الملكة شيئا؟ ~~- كلا فإني جثوت أمامها وقلت لها: إن ما ألتمسه من جلالتك سينقذ من العار أنبل أسرة ~~إسبانية، فاكتفت بذلك ولم تسألني شيئا. # فقال الروسي: إن الأمور تجري في خير المناهج. # ثم أخذ برقعا مخمليا من جيبه، ms0726 ووضعه على وجهه الجميل وقال للقومندان: دعني أفارقك ~~الآن، فإني ذاهبة لمراقبة ذاك الرجل الذي تحميه إنما قل لي: أأنت واثق من أن الفتاة ~~لابسة ثوبا أسود وعلى كتفها شريطة حمراء؟ ~~- كل الثقة. ~~- وهو ماذا يلبس؟ ~~- إنه يبقى بثوبه العادي، ولما كان البرقع يستر وجهه، فلا يعرف أحد حقيقة أمره، ~~ويحسبون أنه متنكر بملابس المجرمين. # ثم دخل الاثنان إلى قاعات الرقص وهناك افترقا، فذهب القومندان يبحث عن فرناند روشي ~~وامرأته، وذهب الروسي إلى القاعة الأولى التي لا بد لكل مدعو من المرور بها حين قدومه، ~~وجعل يراقب عند بابها وهو مقنع الوجه لا يعرفه أحد. # وأقام عدة دقائق يراقب في هذا الموقف، إلى أن دخل رجل استلفت أنظار الحضور بلباسه ~~الغريب، وجعلوا يتحدثون بأمره وكلهم ينظر إليه ضاحكا معجبا. # وكان ذاك الرجل ربعة القوام، تدل خطواته وثبات أقدامه، وسرعة انتقاله على أنه لم ~~يتجاوز عهد الشباب، وهو مقنع بقناع كثيف يحجب وجهه عن العيون. # على أن جميع حركاته وشكل سلامه كانت تدل على أنه من كبار النبلاء. # أما الذي كان يدعو الناس إلى العجب منه، فإنه كان مرتديا بملابس المجرمين المحكوم ~~عليهم بالأشغال الشاقة. # فكان أحد الحاضرين يقول: ما هذا الثوب المخيف؟ ويقول آخر: لا شك أنه إنكليزي؛ إذ لا ~~تخطر هذه الغرابة إلا في خواطر الإنكليز. # واتفق في ذلك الحين مرور القومندان، فقالت له إحدى السيدات على سبيل المزاح: ألعلك يا ~~حضرة القومندان دعوت محابيسك لحضور الحفلة؟ ~~- نعم ولكن اطمئني يا سيدتي؛ لأني ما دعوت إلا أعقلهم، ولا تخشي هذا المجرم؛ لأنه من ~~الأشراف. # ثم تركها القومندان وانصرف ومشى المجرم أيضا، فسار بأثره الروسي حتى إذا بلغ القاعة ~~الثالثة وضع الروسي يده على كتف المجرم، وقال له: أتلعب لعبة الباكارا يا سيدي؟ # فارتعش المجرم وأجابه بصوت منخفض: نعم يا سيدي. ~~- إذن، اتبعني. # ثم تأبط ذراعه وسار به إلى قاعة لم يكن فيها رقص، وكان فيها بعض المدعوين يتكلمون ~~بأصوات منخفضة. # وكان بينهم امرأة لابسة لباسا أسود، وعلى كتفها شريطة ms0727 حمراء، ولكنها جالسة بمنعزل عن ~~الحاضرين لا تكلم أحدا، فدل الروسي المجرم عليها وقال له: تعال معي إليها. # وكانت هذه الفتاة غائصة في بحار من التأملات العميقة، فلما شعرت بدنو الرجلين منها، ~~ورأت ملابس ذلك المجرم ذعرت لمرآه، وبدت عليها علائم الخوف. # فقال لها الروسي: لا تخافي يا سيدتي؛ فإن المجرمين الذين يحضرون مثل هذه المراقص لا ~~خطر منهم. # فاطمأنت الفتاة وابتسمت معجبة بهذا اللباس، وجلس الروسي بإزائها فقال لها: إنك أتيت ~~يا سيدتي من فرنسا قريبا أليس كذلك؟ # فانذهلت الفتاة؛ لأنها كانت متنكرة أشد التنكر، وقالت له: ألعلك تعرفني؟ ~~- نعم وإذا كنت تريدين فإني أذكر لك اسمك. # ثم دنا منها وقال لها همسا: إنك تدعين يا سيدتي كونسبسيون دي سالاندريرا، ولم ~~أتجاسر على الدنو منك؛ إلا لأنك قادمة من فرنسا. # فجعلت ابنة الدوق تنظر إليه متمعنة، وقد خيل لها أنها سمعت هذا الصوت من قبل، ثم ~~قالت: ألعلك فرنسي؟ ~~- إني روسي كما ترين من ملابسي التي ألبسها، وأما صديقي هذا ... # ثم أخذ بيد المجرم وقدمه لابنة الدوق سالاندريرا قائلا: إن هذا المجرم من أشرف ~~العائلات. # فانحنى المجرم أمامها باحترام شديد أزال ما بقي في فؤادها من آثار الرعب لمنظره، فردت ~~تحيته ودعته إلى الجلوس بجانبها. # فنهض الروسي عند ذلك، وانحنى أمام المجرم وهمس بأذنه قائلا: إياك على الأخص أن تذكر ~~أمامها اسمك، ثم تركهما ومضى. # فلما خلا المكان بالمجرم وابنة الدوق دار بينهما الحديث الآتي، فقالت الفتاة: إذن، ~~أنت فرنسي؟ ~~- نعم، يا سيدتي. ~~- وأنت قادم من باريس دون شك؟ ~~- إني لم أر بلادي يا سيدتي منذ عشرين عاما، وا أسفاه! ~~- إذا كان ذلك، فكم يكون عمرك؟ ~~- سأبلغ الثلاثين بعد بضعة أشهر. ~~- إذن فقد غادرت بلادك وأنت في العاشرة من عمرك؟ ~~- وا أسفاه! هي الحقيقة ما تقولين. ~~- وسكنت في إسبانيا بعد ذلك؟ # فارتعش المجرم، وقال: إني لم أعرف إسبانيا إلا منذ إحدى عشر شهرا وأنا في قاديس غير ~~أني قبل ذلك ... ثم وقف مترددا. ~~- قل يا سيدي إني مصغية إليك. ms0728 # فقال بصوت فيه لهجة الكآبة أثر على ابنة الدوق تأثيرا عظيما: إنه قد يتفق يا ~~سيدتي وجود امرأة تحضر حفلة راقصة، وهي بملابس الحداد، كما تفعلين ويتفق أيضا وجود رجل ~~في هذه الحفلة لا يحق له لبس الحداد كما اتفق لي. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أريد يا سيدتي أن حزني شديد يخترق أعماق القلب ولا يدري به أحد. ~~- إذن فقد تعذبت كثيرا؟ ~~- ولا أزال أتعذب. # وقد قال تلك الكلمات الأخيرة بلهجة حزينة اضطرب لها قلب الفتاة، ولكنه أسرع بعد أن ~~تنهد إلى الحديث، فقال: لقد التمست يا سيدتي أن أقدم إليك فإنك قادمة من العاصمة التي ~~طالما حن قلبي إليها، ولا أحب إلي من الكلام عن ذاك الموطن العزيز الذي تركت فيه من ~~أحب، فلقد ذكر عن لطفك ما دفعني إلى أن أقدم إليك دون أن أتردد أو أخشى الخيبة. # وسكت الاثنان بعد ذلك سكوتا قصيرا، فإن ابنة الدوق تضايقت في أمرها حين رأت نفسها ~~منفردة بهذا الرجل الذي اختارها كاتمة لأسراره دون أن يعرفها، ثم كأنما الرغبة الفطرية ~~بالنساء للوقوف على الأسرار دفعتها إلى الاطلاع على أمره، فذهب ما عندها من الوجوم، ~~وقالت له: ألعلي أستطيع خدمتك في شيء يا سيدي؟ # فقال المجرم بلهف: حدثيني يا سيدتي بأحاديث باريس ، فإن اسم هذه العاصمة حبيب إلى ~~قلبي. # ولبث الاثنان ساعتين يتحدثان في تلك القاعة الخالية من الراقصين، فتحدثا عن باريس ~~وفرنسا وأخلاق الباريسيين، فإن كل كلمة كان يسمعها ذاك المنفي الذي فارق الوطن منذ ~~عشرين عاما تدعوه إلى العجب والانذهال، وتدفعه إلى الأسئلة والاستفهام، فإنه كان ~~باريسيا ولكنه لا يعرف باريس، وكان فرنسيا ولكنه لا يعرف فرنسا إلا كما يعرفها من ~~يقرأ رواياتها من الغرباء عنها. # غير أنه كان حنون الصوت عذب الكلام رشيق التعبير، فكانت الفتاة تصغي لأقواله وهي تشعر ~~أنها منجذبة إليه بجاذب سري. # وعند ذلك دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، فارتجف المجرم ونهض مسرعا. # 13 # فنظرت ابنة الدوق إلى اضطرابه منذهلة، أما المجرم فإنه قال لها: عفوك يا ms0729 سيدتي؛ فإني ~~مضطر إلى الذهاب. ~~- وإلى أين أنت ذاهب؟ # فوضع أصبعه على فمه وقال: إن هذا سر من الأسرار. # ثم أخذ يدها، وتجاسر على تقبيلها وقال: إنك لا تبرحين المرقص قبل الساعة ~~الثالثة. ~~- لماذا؟ ~~- لأني في الساعة الثالثة أكون قد عدت إليه. # ثم انحنى أمامها مسلما باحترام شديد، وانصرف. # فجعلت ابنة الدوق تراقب خطواته إلى أن غاب عن أبصارها، فجعلت تقول في نفسها: ما هذا ~~الرجل؟! وما هذا النظام السري الذي تخضع له القلوب هذا الخضوع؟! فإني ما رأيت وجه هذا ~~الرجل ولا عاشرته من قبل، ولا عرفت شيئا من أمره، ولكن لهجة صوته الحزينة تميل إليه ~~القلوب، ولا بد أن يكون قد أصيب بنكبة شديدة أورثته هذه الكآبة الحنونة، وهو يبالغ في ~~كتمان أمره. # ثم نظرت إلى ما حولها فرأت أنها وحدها في القاعة، فقامت تحاول الاختلاط بالناس. ~~ولكنها ما لبثت أن رأت الفتى الروسي قد دخل وهو لا يزال مقنعا، فدنا منها وقال: ماذا ~~فعلت بصديقي؟ ~~- إنه تركني فجأة حين دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل. ~~- إني أعلم سر انصرافه في هذه الساعة، ولكن هذا السر غير مختص بي ولا يسعني إفشاؤه، ~~على أنك لو سألتني يا سيدتي إفشاء أسراري الخاصة لما تمنعت عن الإباحة لك بها. ~~- أنت محاط بالأسرار أيضا؟ ~~- هي أسرار غريبة يا سيدتي. ~~- وما يهمني إذا كان لا علاقة لي بها؟! ~~- لا شيء، ولكنها على عكس ما تظنين. ~~- وأيه علاقة لي بأسرارك يا سيدي؟! إني لا أفهم ما تقول، ولا أعرف من أنت. ~~- هذا أكيد ولكننا قد التقينا مرات عديدة في مجالس باريس، وأنا أعرف كثيرين من معارفك ~~حتى إني أعرف المخلصين لك أيضا. # فارتعشت ابنة الدوق، وقالت: أصحيح ما تقول؟ ~~- لا ريب فيما أقوله، ودليل ذلك أني أقص عليك شيئا من تاريخ حياتك إذا أحببت. # فقالت له بقلق: من أنت؟ ~~- إنك ترين أيتها السيدة الحسناء أننا في حفلة رقص يجوز فيها التنكر. ~~- إذن، فلا تقول لي من أنت. ~~- كلا، ولكني مقابل هذا الكتمان أخبرك بأمور ms0730 لا تعلمينها بعد أن تتذكري كثيرا مما ~~تعلمينه، مثال ذلك أني أعلم كيف مات الدون جوزيف خطيبك الثاني. # فاضطربت الفتاة واصفر وجهها تحت البرقع، وعاد الروسي إلى الحديث، فقال: وأعلم أيضا ~~كيف مات الدوق دي مايلي. # وكان روكامبول كتم عنها موت الدوق، فصرخت قائلة: كيف ذلك؟ أمات الدوق؟! ~~- إنه مات يا سيدتي في ذات اليوم الذي ذهبت فيه من باريس مع أبويك إلى أرض الفيكونت ~~فابيان لشرائها. # فذعرت الفتاة، وقالت: من أنت أيها الرجل العارف بجميع تلك الأمور؟ ~~- إنك ترين أيتها الحسناء أني من حرس جلالة إمبراطور روسيا. ~~- ولكن ذلك لا يدل على اسمك. ~~- إني أدعى أرتوف. ~~- أرتوف؟ ~~- نعم يا سيدتي، فإنك تعرفين هذا الاسم، وأنا قريب الكونت أرتوف ذلك التعس المنكود ~~الذي خدعته امرأته كما يقال، وقد عرفت حكايته دون شك فإنه ذهب عقله وهو يحاول مبارزة ~~رولاند دي كايلت. ~~- لقد سمعت بهذه الحادثة يا سيدي، فقد تناقلتها الأفواه. # ثم قالت بلهجة الساخر: أما أنت فلا بد أن تكون عرفت تفاصيلها من الكونتس أرتوف ~~نفسها؟ # ورأى الروسي أن اسم الكونتس أرتوف قد أثر ثأثيرا سيئا على الفتاة، فقال لها: إنك ~~إذا أذنت لي يا سيدتي أخبرتك بأمر تجهلينه. # فقالت له مظهرة عدم الاكتراث: إني أأذن لك فقل ما تشاء . ~~- أتأذنين لي أيضا يا سيدتي أن أذهب بك إلى الحديقة؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأريك شخصا تعرفينه، ولا يخطر في بالك أنه في قاديس. ~~- الحق يا سيدي أنك مكتنف بالأسرار والألغاز. ~~- ألم أقل لك يا سيدتي إني أعرف شيئا من أسرارك؟ # فأظهرت إشارة دلت بها على ريبها، فقال لها الروسي: مثال ذلك أنك كتبت أمس إلى خطيبك ~~المركيز دي شمري. # فخفق فؤاد ابنة الدوق، وجعل ذراعها يرتجف تحت ذراع الروسي، ولكنها كانت تسير معه إلى ~~الحديقة مندفعة بحب الوقوف على هذا السر؛ وكي ترى ذلك الرجل الذي قال لها الروسي إنها ~~تعرفه، وقد خطر لها أن هذا الرجل يمكن أن يكون «هو» المركيز دي شمري. # وكان الروسي يسير بها إلى الحديقة، وفيما هو ms0731 نازل وإياها على سلم القصر قال لها: لا ~~تحسبي أيتها السيدة الحسناء أني أبالغ في ما ترينه من التحوط والكتمان إلا لأمر ~~خطير. # فضاق ذرع الفتاه، وقالت له بلهجة الجازع: أوضح لي يا سيدي إذن هذه الألغاز. ~~- ستعلمين كل شيء فاتبعيني. # ثم سار الاثنان في رواق طويل تكتنفه الأشجار من الجانبين، ولم يكن يمر به غير بعض ~~المتنزهين. # وكان يوجد في آخر الرواق غرفة أو كوخ من الخشب تغطيه الخضرة، ولم يكن فيها غير مصباح ~~واحد معلق في وسط سقفها. # ففتح الروسي باب الكوخ، ودخل فتبعته ابنة الدوق، فرأت فتاة جالسة على مقعد وهي مقنعة ~~بقناع كثيف ومتنكرة بملابس النور. # وكانت هذه الفتاة تنتظر قدومها دون شك، كما ظهر من نهوضها وبادرتهما بالتحية. # فانذهلت ابنة الدوق؛ لأنها لم تكن ترى في تلك الليلة غير أسرار يشكل عليها فهمها، ~~فأغلق الروسي عند ذلك باب الكوخ، وقال لابنة الدوق: إننا الآن وحدنا، وسأريك هذا الشخص ~~الذي قلت لك: إنك تعرفينه، وفاء للوعد. # ثم أشار إلى المتنكرة النورية، فأزاحت البرقع عن وجهها، ووقفت بقرب المصباح. # فصاحت ابنة الدوق صيحة انذهال وقالت: من أرى ... الكونتس أرتوف؟ # فجعل الفتى الروسي يضحك ضحكا عاليا، ثم وقف بإزاء تلك التي دعتها بالكونتس أرتوف، ~~فأزاح القناع عن وجهه وقال: انظري إلي أيضا يا سيدتي فإن في منظري ما يدهشك. # فلما رأته ابنة الدوق صاحت صيحة أخرى، وجعلت تجيل نظرها بينهما وقد بدت عليها علائم ~~الانذهال الشديد، والحيرة الغريبة؛ ذلك لأنها كانت ترى أمامها امرأتين كلتاهما الكونتس ~~أرتوف وكلتاهما باكارا، ولم تر فرقا بينهما إلا بالملابس، فإن إحداهما كانت متنكرة ~~بملابس النوريات، والأخرى بملابس حرسي روسي. # فقالت لها حينئذ باكارا، وكانت هي المتنكرة بلباس الفتيان: أتعلمين يا سيدتي أينا ~~الكونتس أرتوف؟ ~~- إني أحسبني حالمة فلا أفقه شيئا من هذه الألغاز. ~~- كلا؛ بل أنت في اليقظة. ~~- إذن فقد ذهب عقلي الآن، وما أنا إلا من المجانين وإلا فما معنى ما أراه؟ ~~- انظري يا سيدتي إلى هذه الفتاة، فإنها أختي وهي ms0732 تدعى ريبيكا، ولكنها أختي من أبي، ~~فإن أمها يهودية. # فنظرت ابنة الدوق عند ذلك إلى الفتى الروسي، وقالت: إذن أنت الكونتس أرتوف ~~بالحقيقة. # وشفعت كلامها بابتسام دل على الاحتقار، فعظم ذلك عند باكارا وعلمت أنها أرادت ~~احتقارها لاشتهار حادثتها في باريس، فقالت لها: سلي هذه السيدة حتى تجيبك أنها هي التي ~~أحبها رولاند كايلت، وكان يحسبها الكونتس أرتوف وليس أنا. # فقالت ريبيكا: نعم؛ أنا هي، وقد دفعت إلى تمثيل هذا الدور الشائن. # فصاحت ابنة الدوق صيحة جديدة، ولكنها لم تكن صيحة اندهاش؛ ذلك أنها رأت بعد ما علمته ~~أن حجابا كثيفا قد انجلى عن بعض الحوادث الغامضة لديها، غير أنها لم تعلم كل شيء بل ~~إنها أوشكت أن تعلم. # ولما كانت هذه الفتاة من نبلاء الأسرات الإسبانية، فقد وبخها ضميرها لاتهامها باكارا ~~بالخيانة، فمدت يدها إليها وقالت لها مستغفرة: أسألك العفو يا سيدتي فقد تجاسرت على ~~اتهامك بما أنت بريئة منه. # فابتسمت باكارا ابتسامة حزينة، وقالت: لست أنت وحدك يا سيدتي التي تفردت باتهامي، بل ~~إن جميع أسرات باريس قد حكمت علي حكما صارما لا يطاق. ~~- ولكنها سترجع إلى ما هي مدينة لك به من الاحترام، كما رجعت أنا حين تشتهر ~~الحقيقة. ~~- كلا فلم يحن الوقت بعد. ~~- لماذا؟ ~~- لأن لدي مهمة خطيرة يجب أن أهتم بها قبل الاهتمام بنفسي. # ولما رأت باكارا أن انذهال ابنة الدوق قد بلغ أقصاه، قالت لها: لا تنذهلي يا سيدتي، ~~فستعلمين كل شيء وستحمديني لاهتمامي بشئون غيري قبل الاهتمام بشئون نفسي، والآن فاسمحي ~~لي أن أسألك ألست مقيمة مع سيدتي الدوقة والدتك في قاديس، في منزل قريبك أسقف ~~غرناطة؟ ~~- نعم. ~~- أليس هذا المنزل خارج المدينة، وهو على شاطئ البحر تتكسر الأمواج على ~~جدرانه؟ ~~- نعم. ~~- إذن أرجوك أن تكوني على سطح المنزل غدا في مثل هذه الساعة، أي: بعد منتصف ~~الليل. ~~- ولكن ألا تقولين لي ... ~~- لا أستطيع أن أقول شيئا الآن يا سيدتي سوى أن أخبرك بأنك معرضة لخطر هائل. ~~- رباه! ماذا أسمع؟! إنك تخيفينني. ~~- لا ms0733 بأس فاسمحي لي بالذهاب. # ثم أخذت البرقع وتقنعت به، فقالت لها الفتاة: ألا أراك بعد هذه الليلة؟ ~~- ربما ولكن لا تنسي أن الساعة قد بلغت بعد منتصف الليل. # فارتعشت الفتاة، وقالت: ماذا تعنين بذلك؟ ~~- أعني أن الرجل المتنكر بملابس المجرمين قد وعدك أن يعود إلى المرقص في هذه الساعة ~~ويجب أن تقابليه. ~~- وأية علاقة بيني وبين ذاك الرجل؟ ~~- ذلك ما لا أستطيع أن أقوله أيضا إنما حين ترينه قولي له: «إني رأيت الكونتس، وإنها ~~تأذن لك بأن تقص علي قسما من حكايتك.» # ثم أشارت باكارا إلى أختها ريبيكا أن تتبعها، فوضعت برقعها على وجهها وعند ذلك حيت ~~باكارا ابنة الدوق، وقالت لها: ابقي في مكانك هذا فسأرسله إليك. # وعند ذلك خرجت الأختان، وبقيت ابنة الدوق في موضعها، وكانت قد تلاشت قواها لفرط ما ~~سمعت من الغرائب، لا سيما حين علمت أنها معرضة لخطر هائل، فجلست على مقعد في ذلك الكوخ، ~~ووضعت رأسها بين يديها، وقالت: رباه ما هذه الأسرار؟ # وأقامت وحدها عدة دقائق فكانت الأنغام الموسيقية يحملها نسيم الليل، فيجتاز بها أشجار ~~تلك الحديقة الغناء، فتبلغ إلى مسامعها رخيمة شجية لا يزاحمها غير حفيف الأوراق، ولكنها ~~كانت بعيدة عن الإصغاء إليها لانصراف بالها إلى حديث باكارا، وما أورثتها من المشاغل ، ~~حتى إنها أرادت أن تفتكر بمن تهواه نفسها أي: بخطيبها المركيز دي شمري فلا تجد للافتكار ~~به سبيلا لشدة اضطرابها. # ولم يكن يصغي قلبها إلا لذلك الصوت السري، الذي كانت تخرج نبراته الحنونة من فم ذلك ~~الرجل الذي تزيا بزي المجرمين، وهو أشد وداعة من الحمام كما يستدل من لطف حركاته، ومن ~~صوته الحنون الرخيم، فكان يشغلها من أمر هذا الرجل شاغلان أحدهما ما وجدت في نفسها من ~~الارتياح إليه، والآخر شدة توقها إلى الوقوف على حكايته. # وفيما هي غائصة في بحار تأملاتها إذ سمعت وقع أقدام، فرفعت رأسها ورأت رجلا واقفا ~~على باب الكوخ، وكان هذا الرجل هو بعينه أي: ذلك المجرم الذي شغلها هذا ~~الانشغال. # غير أنه لم ms0734 يكن مقنعا كما رأته قبل منتصف الليل، بل كان حاسر الوجه فأثرت هيئته على ~~ابنة الدوق تأثيرا عظيما. # وكان هذا المجرم يناهز الثلاثين من العمر، وهو أشقر اللحية أزرق العينين ينبعث منهما ~~أشعة تمتزج بين الكآبة، ومظاهر الذكاء، ومجمل هيئته يدل على السلامة والدعة. # فدنا منها وقبل يدها باحترام، وقال لها: إن الكونتس أرتوف يا سيدتي قد أخبرتني الآن ~~أنك في هذا المكان من الحديقة و... # ثم توقف مترددا عن الكلام، فشجعته ابنة الدوق بابتسامة، فقال باضطراب: وأنك ~~تنتظرينني يا سيدتي. ~~- هو الحق ما تقول يا سيدي فإن ما قالته لي الكونتس، وما قلته لي أنت قد هاجا مكامن ~~الفضول مني. # فابتسم ابتساما كئيبا، وسكت. # أما ابنة الدوق فإنها دعته بإشارة للجلوس بقربها، وقالت له: إن الكونتس تأذن لك أن ~~تحكي لي شيئا من حكايتك. # فمرت غمامة كثيفة فوق مخيلة الشاب، وكان يحاول دون شك أن يبدأ بقص حكايته، غير أنه ما ~~لبث أن تأهب للحديث حتى رأى أن باب الكوخ قد فتح بعنف، وبرز منه رجل وجف قلب ابنة ~~الدوق عند رؤياه. # وكان هذا الرجل لابسا ملابس تدل ألوانها وشكلها على أنه من حراس السجون. # غير أن هذا الحارس لم يحفل بما رآه من اضطراب ابنة الدوق، بل إنه نظر إلى الفتى ~~الجالس بقربها، وناداه باسمه وهو نمرة 30؛ لأن كل سجين يستبدل اسمه بنمرة خاصة به ~~فينادى بها. # ثم قال له: ينبغي أن تعود، إنه يجب أن تعود في الساعة الرابعة، وإن الساعة الآن ~~الثالثة ونصف، فلم يبق لك من الحرية غير نصف ساعة أيها المركيز. # ولما قال هذا القول بلهجة الآمر تركه وانصرف، فلما رأت ابنة الدوق أنه خرج نظرت إلى ~~هذا الشاب الذي دعاه حارس السجن بنمرة 30، ثم دعاه بالمركيز، وقالت له - والرعب ملء ~~فؤادها: من هذا الرجل؟ وماذا يريد؟ وماذا يبغي من قدومه إلى هنا؟ # فأجابها بلطف: إنه أتى يا سيدتي يبحث عني. ~~- يبحث عنك أنت؟ # فلم يجبها الفتى ولكنه رفع الوشاح الذي كان يغطي ساقه، ms0735 وقال لها: انظري يا ~~سيدتي. # فذعرت ابنة الدوق ذعرا شديدا؛ لأنها رأت سلسلة من الحديد مربوطة في ساقه، وهي قيد ~~المجرمين في السجون وتراجعت إلى الوراء. # فقال لها بكآبة ولكن دون خجل: إن هذا الرجل يا سيدتي هو حارسي، وإن الثوب الذي ألبسه ~~لا أريد به التنكر في هذه الحفلة الراقصة، بل إني مجرم حقيقي أكرهت على لبس هذا ~~الثوب، واستبدل اسمي بنمرة فهم يدعونني نمرة 30. # 14 # ولقد يتوقع القارئ أن يغمى على ابنة الدوق من الذعر، أو أنها تخاف مما رأته فتصيح ~~وتستغيث وتفر هاربة من هذا المجرم، غير أنها لم تفعل شيئا من ذلك. # وذلك أن هذا الرجل كان مجرما حقيقيا، ولم يعد لديها ريب في أمره بعد أن رأت في ~~رجله القيد. # غير أن لهجته كانت لهجة النبلاء، ورواء عينيه يدل على السلامة والخلوص، حتى إنه عندما ~~أكد لها أنه من المجرمين كان يكلمها بكآبة ونبل تظهر أن شدة بعده عن مواقف الذنوب، فهدأ ~~ثائر روعها وقالت: لا بد أن يكون هذا المسكين ضحية أغلاط القضاء، وأن له حكاية غريبة، ~~فلم يجد سبيلا إلى إظهار براءته مما هو متهم به. # وقد استحال نفورها منه وانذعارها من قيده إلى استئناس به وارتياح إليه، فقالت له: لقد ~~رأيت قيدك يا سيدي، ولكني واثقة من براءتك فبأية جريمة قد اتهموك؟! ثم مدت إليه يدها ~~إشارة إلى ارتياحها. # فأخذ يدها وبرقت عيناه من السرور والامتنان، وقال: أشكرك يا سيدتي ألف شكر لما تفضلت ~~به علي من حسن الظن، ولأنك لم تصدقي أني من المجرمين. ~~- لا يمكن أن أحسبك مجرما؛ إذ ليس في نظراتك ما يدل على الذنوب، أما وقد ثبت لي أنك ~~بريء فأرجوك يا سيدي أن تقص علي أمرك بتفاصيله، بل يجب أن تحكي لي جميع حكايتك، فإن لي ~~شفاعة لدى الملكة وسأذهب إليها، وأنطرح على قدميها فلا تخيب رجائي. # فابتسم الشاب وقال: أشكرك يا سيدتي، فإن الوقت لم يحن بعد، وفوق ذلك فإن إطلاق سراحي ~~وتبرئتي لا يتعلقان بالملكة. ms0736 ~~- رباه! ما هذه الألغاز؟ وبمن إذن يتعلقان؟ ~~- ربما كانا يتعلقان بك دون سواك. # فزاد انذهال ابنة الدوق حتى لم تعد تصدق ما تسمع، وقالت له: بي أنا؟! وكيف ذلك؟ إني ~~لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- قلت لك يا سيدتي ربما كان أمري متعلقا بك، وفي كل حال فإن الوقت لم يحن بعد لكشف ~~هذه الغوامض المشكلة عليك. ~~- ولكني أرجوك أن توضح لي شيئا من هذا، فإني أحسب نفسي حالمة أو أصبحت في عداد ~~المجانين. ~~- وا أسفاه! يا سيدتي إني لا أستطيع ... ~~- إذن قل لي على الأقل منذ أي حين أنت في ... # وتوقفت عن لفظة السجن؛ إذ لم تجسر على قولها. # فشكرها بالنظر، وقال: إني في سجن قاديس منذ أحد عشر شهرا، وقد حكم علي بالتكبيل ~~بالقيود خمسة أعوام. ~~- وبأي ذنب أنت متهم؟ ~~- بالنخاسة يا سيدتي، وقد كنت في ذلك العهد دون شك في باريس، ولكن لا بد أن تكوني ~~قرأت في الجرائد أن دارعة إسبانية أسرت سفينة أسوجية شراعية ... ~~- نعم، نعم ... أذكر ذلك! ~~- وكانت هذه السفينة تشتري العبيد فتخبئهم في عنابرها، وتبيعهم بيع السلع للراغبين ~~فيهم. ~~- لقد ذكرت جيدا الآن، فإن أبي قرأ لنا هذه الحادثة. ~~- وقد حكم على ربانها ونائبه وتسعة من بحارتها بالسجن، وكنت أنا نائب ذلك ~~الربان. ~~- أنت ... أنت تحترف هذه المهنة؟ # فنظر الشاب إليها نظرة ملؤها السويداء، وقال لها: إنك ترين يا سيدتي أني أصبحت ~~مضطرا إلى أن أحكي لك شيئا من حكايتي. ~~- ولماذا لا تحكيها بجملتها؟ ~~- لأنه غير مأذون لي أن أذكر اسمي أو اسم عائلتي، ولا أن أقول الآن أين صرفت عشرين ~~عاما خارج موطني. ~~- إذن قل لي ما تستطيع قوله. ~~- كنت يا سيدتي منذ عامين مسافرا على سفينة من إنكلترا إلى فرنسا، وكنت ممنطقا ~~بحزام علقت فيه حقيبة وضعت فيها أوراق ولادتي، وشهادة خدمتي بصفة ضابط في البحرية ~~الإنكليزية، فثارت عاصفة شديدة أغرقت السفينة ومن فيها، ولكني نجوت من الغرق سباحة، ~~وأنقذت معي شابا كان رفيقا لي في هذا السفر، وعمره لا يزيد ms0737 عن عمري ولا ينقص. # وهنا أخبرها بجميع ما جرى له في تلك الجزيرة المقفرة مما عرفه القراء، غير أنه عمل ~~بما أوصته باكارا، فلم يذكر اسمه ولم يشر إلى سرقة أوراقه، ثم ذكر لها كيف وجده البحارة ~~مغميا عليه، وهو بحالة تقرب من النزع لما تولاه من الضعف من الجوع والعطش، فأخذوه إلى ~~سفينتهم وعالجوه حتى شفي، فأكرهوه على الخدمة في السفينة بصفة بحار، ولما رأوا أنه ~~ماهر في المهنة جعلوه ربانا ثانيا للسفينة. # فقالت له ابنة الدوق - وكانت تسمع حديثه بإصغاء تام: لماذا لم تقص أمرك بتفاصيله ~~حين قبضوا عليك؟ ~~- لقد حكيت كل أمري، ولكنهم لم يصدقوني في شيء. ~~- ألم تقل إنه كان لديك أوراق تثبت مولدك وحقيقة حالك؟ ~~- نعم ... ولكني عندما استفقت من إغمائي في السفينة لم أجد تلك الأوراق معي، وهي لا بد ~~- وا أسفاه! - أن تكون باقية في تلك الجزيرة. ~~- أليس لك عائلة في باريس؟ ~~- نعم أم وأخت ... ~~- لماذا لم تلتجئ إليهما؟ ~~- لقد التجأت إلى قومندان الميناء، وحكيت له جميع أمري فصدق حديثي، وكتب إلى باريس ~~فأجابوه أني منافق مخادع، وأن الرجل الذي اتخذت اسمه موجود في باريس يراه سكانها كل ~~يوم. ~~- ماذا أسمع ... إن هذا مستحيل. ~~- ولكنها الحقيقة يا سيدتي. ~~- ولكن كيف تقول أن ... # وقبل أن تتم كلامها فتح الباب فجأة، وظهر الحارس فنادى نمرته، وقال: هلم بنا فقد ~~بلغت الساعة الرابعة ... # فنهض الفتى منذعرا، فودع ابنة الدوق، وشكرها لرفقها به واعتنائها بأمره. ~~- كيف ذلك، أتنصرف الآن؟ # فقال: لأنه لا بد لي من الانصراف، فإنهم لم يسمحوا لي بالخروج من السجن إلا من قبيل ~~المجاملة، التي لا يطمع بها أحد المسجونين، وقد حان الوقت فلا بد من الانصراف. ~~- إذن فسأذهب بنفسي، وأرى قومندان الميناء فإنه كان صديقا حميما لأبي. ~~- ألتمس منك يا سيدتي أن لا تفعلي شيئا من هذا، فإنهم يسعون أجمل سعي في سبيل ~~إنقاذي، وكل مداخلة جديدة تسد علي منافذ الخلاص. ~~- ليكن ما تريد، أفلا أراك بعد الآن؟ ~~- ربما يا سيدتي، وهذا غاية ms0738 ما أرجوه. # ثم تركها وانصرف مع حارسه، وغادر تلك الفتاة تائهة حائرة لا تعلم أفي يقظة هي أم في ~~منام. # وقد حملت رأسها بين يديها، وجعلت تعيد في مخيلتها جميع ما مر بها من الحوادث الغريبة، ~~وبعد أن أمعنت في التفكير جعلت تسائل نفسها، فتقول: كيف اتفق للكونتس أرتوف أن تعلم أمر ~~هذا الرجل وهو قد عاش عشرين عاما خارج بلاده، بل كيف اتفق أن يكون لي دخل في جميع هذه ~~الحوادث، فقد قال: إن تبرئته وحريته يتعلقان بي دون الملكة، فما المراد بهذه الأقوال؟ ~~وما معنى هذه الأسرار؟ # وقامت تمعن الفكرة هنيهة، فلما لم تهتد إلى حل هذه المعميات نهضت، فغادرت ذلك الكوخ ~~وذهبت إلى قاعات الرقص. # وكانت الحفلة قد قاربت النهاية، فإن قاعات كثيرة فرغت من الراقصين، وقصرت الشموع حتى ~~إن بعضها ذاب وانطفأ، فلم يضعوا بدلا منه وسكتت أصوات الموسيقى. # فذكرت ابنة الدوق عند ذلك أنها جاءت إلى هذه الحفلة بأمر خاص من الملكة، وأنه كان ~~يصحبها إليها قريبة لها تدعى المركيزة دورنا جوزيفين، فتركتها حين قدومها في إحدى ~~قاعات اللعب في بدء الحفلة، ثم انشغلت بباكارا وبذلك المجرم حتى نسيتها، ولكنها عادت ~~إلى الحفلة ورأت نفسها وحيدة ذكرت تلك القريبة، وجعلت تبحث عنها، فذهبت في البدء إلى ~~القاعة التي تركتها فيها فما وجدتها. # وبينما هي تبحث عنها في القاعات، إذ نظرت خادما يطفئ الشموع في إحدى القاعات، فعرفته ~~في الحال وقالت منذهلة: زامبا. # وكان هو بعينه فوقف أمامها باحترام، وهو يظهر انذهاله أيضا. # فقالت له: كيف أنت هنا؟ ~~- إني خادم غرفة رئيس المجلس البلدي يا سيدتي ... ~~- متى دخلت في خدمته؟ ومتى رجعت من باريس؟ ~~- منذ وفاة الدوق دي مايلي ... # فأثر هذا الاسم تأثيرا جديدا على ابنة الدوق، فقد ذكر أمامها مرتين في تلك ~~الليلة، وفي المرتين ذكر بمناسبة موته. # فنظرت إلى زامبا وهي ترتعش، وقالت له: إذن فقد مات حقيقة هذا الدوق؟ ~~- منذ شهرين يا سيدتي. # فنظرت الفتاة إلى ما حولها، ورأت أن القاعات خالية من ms0739 الناس، فجلست على كرسي وقالت ~~لزامبا: أخبرني كيف كانت وفاة هذا المنكود؟ # فابتسم زامبا ابتساما معنويا، وقال: إن الجرائد يا سيدتي نشرت أنه مات بالجمرة ~~الفارسية. ~~- ما هو هذا الداء؟ فإني لم أسمع به. ~~- إنه مرض يصيب الخيل فيقتلها ... ~~- وكيف اتصل بالدوق؟ ~~- قالت الجرائد يا سيدتي ... # فقاطعته ابنة الدوق وقد طوت مروحتها بسأم، وقالت: لا أسألك عن آراء الجرائد، بل أسألك ~~عما علمته أنت من أمر موته، فإنك كنت خادم غرفته. ~~- هذا أكيد يا سيدتي. ~~- إذن فأنت تعرف أكثر من الجرائد كيف مات؟ ~~- هذا أكيد أيضا، ولكن لا بد لي أن أذكر لسيدتي ما قيل! ~~- قل ماذا يقولون. ~~- إن الدوق كان عنده جواد مولع به ولعا شديدا، وقد أصيب هذا الجواد بداء الجمرة، ~~وكان الدوق مفرطا في حبه، فكان يعتني به اعتناءه بنفسه دون أن يحذر، فاتصل به المرض ~~بالعدوى فمات، وهذا ما كانت ترويه الجرائد ويتناقله عنها الناس ... ~~- أليست هي الحقيقة، أم أن الدوق مات بغير هذا المرض الغريب؟ ~~- هي الحقيقة بعينها يا سيدتي غير أن العدوى ما سرت إليه من الجواد ... ~~- أوضح يا زامبا؛ فإني لا أفهم ما تقول ... ~~- إن الدوق يا سيدتي قد مات بالجمرة كما مات الجواد، إلا أن كلا من الدوق والجواد ~~أصيبا بالمرض كل على حدة دون أن يعدي أحدهما الآخر، وأن يكونا قد ماتا بمرض ~~واحد. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأن الجواد قد شك بطنه بدبوس طويل يحمل مكروب هذا الداء من بطن جواد ميت كان مصابا ~~فيه. ~~- والدوق؟ ~~- أما الدوق فإنه كان في اليوم نفسه جالسا على مائدته يكتب رسائله، فلما فرغ من ~~الكتابة وحاول النهوض استند بيديه على الكرسي الذي كان جالسا عليه، وصاح صيحة ألم ~~سمعتها؛ لأني كنت في الغرفة المجاورة، فأسرعت إليه ووجدت أن الدم يسيل من إحدى ~~يديه. # وتوقف زامبا عند ذلك وجعل ينظر إلى ابنة الدوق، فعلم أنها لم تفهم شيئا، فاستطرد ~~حديثه قائلا: وقد سال الدم من يده يا سيدتي؛ لأنها أصابت دبابيس كانت مشكوكة بوسادة ~~الكرسي، وكانت ms0740 الدبابيس تحمل أيضا ذات المكروب الذي أصيب به الجواد. ~~- عجبا! ومن الذي شك الدبابيس في كرسيه؟! ~~- أنا ... ~~- أنت ... كيف أنت ... إذن فلا بد أن تكون وضعتها خطأ. ~~- كلا يا سيدتي بل قصدا. ~~- ماذا تقول أيها الشقي ... ~~- لقد فعلت ما فعلت يا سيدتي؛ لأني كنت أكره الدوق كرها شديدا بعد ما علمت أنك لا ~~تحبينه. # فصاحت ابنة الدوق صيحة رعب وإنكار، وقد هالها أمر الجريمة لاعتقادها أن هذا الخادم لم ~~يدفعه إليها غير حبه القديم للدون جوزيف، وقالت له: ويحك أيها الشقي! أتحسب أنك تسرني ~~بقولك إنك ارتكبت مثل هذه الجريمة من أجلي، وتظن أني سأتركك من دون عقاب، لقد ساء فألك ~~وسترى ما يكون. # فأجابها زامبا بملء السكينة قائلا: كلا يا سيدتي فإني ما شككت الدبابيس في وسادة ~~الكرسي بغية إرضائك. ~~- إذن فلأي غرض شككتها أيها الشقي الخائن، ألعل الدون جوزيف أوصاك بارتكاب هذه ~~الجريمة قبل موته؟ ~~- لا هذا ولا ذاك يا سيدتي ... # فسكتت الفتاة سكوتا قصيرا، ثم قالت: إذن فلأي سبب قتلته؟ ألعلك تحمل عليه حقدا ~~خصيصا؟ ~~- كلا، فإن الدوق كان من نبلاء القوم، فلا متسع لأن يحقد عليه حقير مثلي، وفوق ذلك ~~فقد كان شريف المبدأ لا يميز بين الخدم والأسياد لاعتقاده أن الجميع واحد في الإنسانية؛ ~~فكان من المحسنين إلي ... ~~- إذا كان ما تقوله صدقا فما حملك على قتله؟ ~~- الخوف. # فبهتت ابنة الدوق، وقالت له: أي خوف تعني؟ وممن كنت تخاف؟ ~~- يوجد رجل يا سيدتي يعرف أمورا لم يكن يعرفها غير الله والدون جوزيف، وأنا وقد كان ~~هذا الرجل يعرف أني محكوم علي بالإعدام في إسبانيا، فكان قادرا بكلمة تخرج من فمه أن ~~يسلمني إلى الجلاد فينزع رأسي. ~~- ما هذه الأمور الهائلة التي أسمعها؟ ~~- إن هذا الرجل يا سيدتي أمرني أن أقتل الدوق، فلم أجد بدا من الامتثال. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- لم أكن أعرف اسمه من قبل وقد عرفته هذه الأيام، إلا أنه لم يؤذن لي أن أصرح ~~به. ~~- أتكتم اسمه عني أيها الشقي؟! ~~- إني أضطر ms0741 إلى كتمانه مكرها إلا أن سيدتي إذا شاءت أن تعلم أكثر مما علمت مني عن ~~وفاة الدوق، وكثيرا غير تلك من أمور تجهلها ويهمها أن تعرفها، فلتسأل الكونتس ~~أرتوف. # ثم انحنى مسلما باحترام واحتجب عن الأبصار. # 15 # وكانت ابنة الدوق قد نهضت عن كرسيها، وحاولت القبض على زامبا وإكراهه على الكلام، ~~ولكنه أفلت قبل أن تتمكن من القبض عليه، فسقطت على كرسيها لفرط ما تولاها من الشواغل ~~بعد تلك المعميات. # وقد كانت أتت إلى هذه الحفلة وهي منقبضة الصدر لوفاة أبيها، ولكن قلبها ملؤه الأمل ~~بالمستقبل. # ثم رأت نفسها أنها ستخرج من الحفلة والهواجس ملء فؤادها، والرعب يفعل في قلبها حتى ~~أوشكت أن تصاب بالحمى، وخالت أنها حالمة، وأن جميع ما مر بها من تلك الحوادث الهائلة ~~لم يكن سوى أضغاث أحلام. # وكانت تدور في مخيلتها تذكارات ذلك المجرم، وتسمع صوته الرخيم يرن في أذنيها، فينقبض ~~صدرها إشفاقا لمصابه وحنوا على نكبته، ثم يخطر في بالها أحاديث الكونتس أرتوف ورواية ~~زامبا، فتضطرب حواسها وتصاب بذهول عظيم. # إلا أنه لحسن حظها قدمت إليها في هذه الساعة المركيزة جوزفين قريبتها، بعد أن بحثت ~~عنها في جميع القاعات، وفي جميع أنحاء الحديقة وأروقتها، فلما رأتها سرت سرورا ~~عظيما كأنها قد قنطت من لقائها، وقالت: أين كنت أيتها الحبيبة؟ # فأظهرت ابنة الدوق مثل انذهالها، وقالت لها: إنما كنت أبحث عنك. ~~- وأنا أيضا لم أدع مكانا في القصر حتى بحثت فيه، أتعلمين أن الفجر قد انبثق، ونحن ~~لا نزال في المرقص؟ ~~- إذن فلنذهب ... # فنظرت إليها المركيزة على نور مصباح قريب، فذعرت لمنظرها، وقالت لها: رباه! ماذا ~~أصابك؟ وما علة هذا الاصفرار في وجهك؟ ~~- إني رأيت أحد المدعوين إلى الحفلة بملابس المجرمين. ~~- وأنا رأيته أيضا، فإن زيه من أغرب الأزياء، ألعلك خفت منه؟ ~~- لقد خفت خوفا شديدا؛ لأني لقيته في الحديقة وكنت أتنزه فيها وحدي. # وقد تخلصت ابنة الدوق بهذه الكذبة من إلحاح قريبتها بالسؤال. # وكانت مركبتهما تنتظر على الباب، فودعتا رئيس المجلس البلدي، وخرجتا إلى ms0742 المركبة، ~~فذهبت بهما إلى القصر الذي تقيم فيه ابنة الدوق، وأمها خارج المدينة على شاطئ البحر، ~~فلما بلغتا إليه ودعت ابنة الدوق قريبتها، ودخلت إلى المنزل أما المركيزة فإنها عادت ~~بالمركبة إلى منزلها في داخل المدينة. # فلما دخلت ابنة الدوق إلى غرفتها رأت خادمتها تنتظرها فيها، فأعطتها غلافا فيه كثير ~~من الأوراق. # فتعجبت الفتاة، وقالت: من أين هذا الغلاف؟ ~~- لا أعرف يا سيدتي الذي أحضرها، ولكنها لك. ~~- الذي أحضرها لي؟! ~~- في الساعة التي ذهبت فيها سيدتي إلى الحفلة الراقصة، فقد أحضرها رجل يظهر من ملابسه ~~أنه من الخدم، فقال لي: يجب أن تقرأ سيدتك هذه الأوراق حين رجوعها، وقد سألته عن مرسلها ~~فلم يجبني وانصرف. # قالت: دعيني الآن وحدي. # ثم دنت من المصباح ونظرت إلى الغلاف، فقرأت عليه بحيرة كبيرة: «تاريخ الكونت إرمان ~~دي كركاز وأخيه السير فيليام، وتلميذ هذا الأخير روكامبول.» # فقالت في نفسها: ما عسى أن يكون هذا التاريخ؟ ومن هو السير فيليام وروكامبول؟ فإني ما ~~سمعت بهذين الاسمين، أما الكونت دي كركاز فلم أره إلا مرة واحدة؛ فأية علاقة لي بهذا ~~التاريخ؟! وما هذه الغرائب التي تتوارد أمامي من أول هذا الليل؟! # ثم فتحت الغلاف فرأت فيه دفترا ضخما، ورأت ورقة منفصلة عنه مكتوبا فيها ما يأتي: # عندما يقع هذا الدفتر بيد المدموازيل سالاندريرا تكون قد عادت من المرقص، ~~الذي لا بد أن تكون وقفت فيه على كثير من الغرائب، ومرسل هذا الدفتر يلتمس منها ~~أن تقرأ جميع صفحاته لخطارتها؛ ولتعلقها بمصلحة ~~مقدسة. # فقالت في نفسها: لنر ما في هذا الدفتر! # وكانت تحسب أنها ستقرأ فيه حكايه ذلك المجرم الذي رأته في المرقص، ففتحته وجعلت تقرأ ~~ما فيه بإمعان شديد. # وكان هذا الدفتر قد كتبته بجملته يد باكارا، وهو يتضمن خلاصة تلك القصة التي عرفها ~~القراء منذ قتل والد إرمان الكونت دي كركاز إلى ذكر العقاب الهائل، الذي عاقبت به ~~باكارا أندريا على السفينة فويلر. # على أن باكارا لم تشر أقل إشارة إلى عودة روكامبول، وقد اختفت ms0743 آثاره في الدفتر حين ~~سفره إلى إنكلترا. # ولبثت ابنة الدوق تقرأ حتى الساعة العاشرة من الصباح، وهي تغلب النعاس منتصرة عليه ~~بوقائع الرواية الهائلة، فما تركت الدفتر إلا بعد أن أتت على آخره، وقرأت آخر كلمة ~~منه. # فلما فرغت منه وهي لم تكن تعرف بين جميع أشخاص هذه الرواية غير الكونتس أرتوف تولاها ~~الانذهال، وجعلت تقول في نفسها: أية علاقة لي بهذه الحكاية؟! ولماذا أرسلتها لي ~~الكونتس؟! إذ لا شك أنها هي التي أرسلتها. # ولم يكن يخطر في بال هذه الفتاة العذراء أن ذاك المركيز الجليل دي شمري، التي تدلهت ~~في حبه وأصبحت خطيبته، كان ذلك اللص السفاك الذي نشأ في خمارة مدام فيبار؛ إذ لا يخطر ~~لأحد سواها أن روكامبول والمركيز دي شمري واحد. # ثم إنها لم تجد في تلك الحكاية أقل أثر لذلك المجرم، الذي لقيته في المرقص، فحارت في ~~أمر هذا الدفتر وضاق صدرها لهذه الغوامض، وانكمشت نفسها لكثرة ما قرأت من الجرائم ~~الهائلة، فخرجت من غرفتها إلى الرواق المطل على البحر؛ كي تجلي عن نفسها بمناظره ~~الفسيحة صدأ هذه الهموم واستندت على رخام الرواق، وجعلت تسرح أنظارها في تلك المياه ~~الزرقاء. # فكانت مياهه ساكنة هادئة والنسيم بليلا يداعب هذه المياه، فيعقد فوقها زردا ينعش ~~منظره الصدور، والجبال مشرفة عليه تكتنفه من يمينه وشماله مفروشة ببسط العشب الخضراء، ~~والشمس تتوهج وتتوقد فوق المياه فترقص أشعتها الذهبية لهيمنة النسيم. # وكان فؤاد ابنة الدوق قد ارتاح لهذه المناظر البهية، فنسيت حديث الدفتر ورجعت بتصورها ~~إلى الماضي، فانصرفت بأفكارها إلى من تحبه، وجعلت تعد على أصابعها الأيام التي مضت على ~~إرسالها إليه كتابها الأخير، وتقول: لا بد أن يكون وصل كتابي إليه يوم الثلاثاء، ونحن ~~الآن في يوم الجمعة فإذا أجابني عليه حين وصوله فلا بد أن يرد إلي اليوم كتابه ~~العزيز. # وكانت تناجي نفسها بهذه الأماني وهي تسرح نظرها في عرض البحر المحيط، وتتبع بأبصارها ~~سفينة شراعية كانت تجول، وتحاول الدنو من الشاطئ. # وكانت السفينة جميلة الرواء سريعة الحركات ms0744 تجري في تلك المياه بخفة الأسماك، فراقها ~~منظرها ودخلت إلى غرفتها، فأحضرت منها نظارة مكبرة وعادت إلى الرواق، فما أوشكت أن ~~توجهها إلى السفينة، وتضعها على عينيها حتى ذعرت وأصيبت باضطراب شديد. # ذلك أن هذه السفينة كانت لقومندان الميناء، وأن ابنة الدوق رأت بنظارتها البحارة، ~~فعلمت من ثيابهم الحمراء أنهم من المجرمين. # وكانت السفينة تدخل إلى الشاطئ مسرعة، والشاطئ يبعد عن مدخل القصر الذي كانت فيه ابنة ~~الدوق 30 ذراعا. # وكان المنظار لا يزال بيد ابنة الدوق، فلما رأت أن السفينة تدنو اضطرب قلبها؛ لأنها ~~رأت جميع من كان في السفينة، فلم تعرف منهم غير اثنين وهما قومندان الميناء وهو، أي: ~~ذاك المجرم الذي رأته في المرقص، فحاولت أن ترجع إلى غرفتها، غير أن قوة عظيمة تغلبت ~~على إرادتها، فلبثت في موضعها طائعة مكرهة. # ولم تعد في حاجة إلى المنظار، فإن السفينة اقتربت منها حتى باتت تميز أشخاصها بالنظر ~~المجرد، ورأت أن ذلك المجرم كان يتولى قيادة السفينة، ورأت أنه قد رفع نظره إليها ~~وابتسم فزاد اضطرابها، ولم تعد تعلم ماذا تصنع لا سيما بعد أن رأت القومندان يسلم عليها ~~بالإشارة، وأن السفينة قادمة إلى موقفها خاصة كأنما القومندان يريد زيارتها. # ثم طويت قلوعها وجعل بحارتها يجدفون حتى بلغوا بها إلى الشاطئ، فنزل القومندان وحيى ~~ابنة الدوق بالإشارة ثم صعد إليها، فلبثت في موقفها تنظر إلى السفينة وإلى ذلك المجرم ~~فيها، غير أنه كان مطأطأ الرأس كأنه يخشى أن ينظر إليها. # وأقام القومندان معها هنيهة يتحادثان عن المرقص، ثم عاد إلى سفينته فأقلعت به، غير أن ~~ابنة الدوق لبثت في مكانها تنظر إلى ذلك المجرم، وهي تشعر بعاطفة سرية تجذبها ~~إليه. # وعند ذلك دخلت خادمة غرفتها إليها وأعطتها كتابا قائلة لها: إنه من فرنسا. # فصاحت ابنة الدوق صيحة فرح، ونسيت ذلك المجرم ثم فضت ختام الكتاب مسرعة وهي عالمة أنه ~~من روكامبول. # 16 # ولندع الآن قاديس عائدين إلى روكامبول، حيث تركناه وقد فتك بذلك الشيخ المنكود دون أن ~~يعلم بجريمته ms0745 غير الله. # فإن سكان الأورانجري رأوا ذلك الشيخ ميتا في غرفته، فحكوا أنه مات فجائيا ودفنوه ~~آسفين عليه، وبعد ذلك بأسبوع سافر قاتله المركيز فردريك ألبرت أونوريه دي شمري إلى ~~باريس. # وقد نهض يوما مبكرا فجلس على كرسي أمام نافذة تشرف على حديقة القصر، وجعل يسرح نظره ~~في مناظرها الجميلة غير أن علائم القلق الشديد كانت بادية في وجهه، ثم وضع رأسه بين ~~يديه كأن هذه المناظر الخضراء لم ترقه، وجعل يناجي نفسه فيقول: إنهم سرقوا الصورة ~~وتركوا لي رقعة زيارة طبع عليها اسم كنت أسمى به من قبل في عهد أندريا وإرمان، ~~وقال الخادم: إن الشاب الذي سرق الصورة كان امرأة متنكرة بزي الغلمان، ومن عسى تكون هذه ~~المرأة غير باكارا، وما هذه المعميات؟ ألعلها واقفة على أسراري؟ # إنها ما عرفتني إلا باسم المركيز دي شمري، فهل رأتني غير مرة بزي آخر فعلمت أني ~~روكامبول؟ وأين ذلك ومتى؟ فإنها لم ترني غير مرة واحدة، وذلك في منزلها، وأذكر أنها ~~نظرت إلي عرضا نظرة لم تظهر فيها شيئا من الاهتمام، وهي لو كانت عرفتني فيها لعلمت ~~ذلك من اضطرابها أو انذهالها، ولكنها لم يبد منها شيء؛ لأني كنت محدقا بها أراقبها ~~أشد مراقبة، فأين إذن رأتني؟ # ثم إننا لو افترضنا أنها عرفتني، وأنها إذا طاردت المركيز دي شمري فهي تطارد ~~روكامبول، فلماذا سرقت صورة المركيز الحقيقي؟ ألعل هذا المركيز في قيد الحياة؟ # لما بلغ بتصوره إلى هذا الحد ذعر، وجعل قلبه يخفق خفوقا شديدا، ثم قال: لم يبق ~~لدي ريب أنه إذا كان المركيز حيا، فقد قضي علي قضاء مبرما وبت من الهالكين، وخير ~~ما ينبغي إجراؤه في هذا الموقف الحرج أن أسرع بمغادرة باريس والسفر إلى إسبانيا، فأتزوج ~~ابنة الدوق. # وإني أرى كل شيء قد جرى في خير المناهج، فإن جميع الذين كانوا واقفين على سري، وهم: ~~فانتير، وأندريا، وزامبا، ومدام فيبار، والشيخ أنطوان. قد هلكوا وانقرضوا، وجميع نبلاء ~~باريس يشهدون عند الاقتضاء بأني هو أنا المركيز الحقيقي ذلك ms0746 فضلا عن الأوراق التي تؤكد ~~حجتي. # غير أنه إذا كان المركيز الحقيقي الذي أحسبه ميتا قد نفض غبار الموت، وإذا كانت ~~باكارا قد اتصلت به، فإن جميع هذه الحسابات ضائعة. # وعند ذلك سمع أن باب غرفته يطرق، فقام إلى الباب وفتحه، وكان القادم إليه صهره ~~فابيان، فقال له: يسرني أيها العزيز أن أراك نهضت من الرقاد. ~~- لماذا؟ ~~- إذ يجب علينا أن نخرج في الحال. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى السفارة الإسبانية، فقد أعددت كل شيء لتغيير تبعتك، ولم يبق إلا أن توقع على ~~الأوراق التي ستعرض عليك. ~~- لقد عجلت في قضاء هذه المهمة؛ فألف شكر لك. ~~- ذلك لأني أحب السعادة، ولأنه ينبغي أن تسافر مساء غد إلى إسبانيا. ~~- سأذهب دون شك، ولكني لا أزال قلقا على كثرة سعادتي. ~~- من أي شيء؟ ~~- من الصورة؛ فإن سرقتها لا تزال تقلقني. ~~- لا أخالفك هذا القلق؛ فإن سرقتها تشغل البال. ~~- إني أخاف أن تكون إحدى المومسات قد سرقتها، وذهبت بها إلى ابنة الدوق لشأن سافل؛ ~~لأن أمثال هؤلاء النساء يقدمن على كل شيء. ~~- لا تخش شيئا من ابنة الدوق؛ فإن قلبها قد ختم على حبك. ~~- لا ريب عندي في حبها. ~~- حتى إنهم لو برهنوا لها غدا أنك مجرم تستحق السجن، لما رجعت عن حبك. # فضبط روكامبول نفسه عند ذكر السجن ، وقال: هذا لا ريب فيه. # وكان روكامبول قد أتم لبس ثيابه عند ذلك، فخرج الاثنان إلى السفارة، ووقع روكامبول ~~على جميع الأوراق التي عرضت عليه. # وقد لقيا في السفارة ذلك الجنرال الإسباني ابن عم قومندان الميناء في قاديس، وهو ذلك ~~الجنرال الذي قتل الدون جوزيف في منزله في الليلة الراقصة، فسلم روكامبول عليه وعندما ~~أتم التوقيع على الأوراق قال له: إني مسافر إلى إسبانيا فهل أستطيع خدمتك فيها ~~بشيء؟ # فابتسم الجنرال ابتسام الحزين، وقال له: إني منفي متطوع لا يريد أن يسمع كلمة عن ~~وطنه، ثم قال له: متى عزمت على السفر يا حضرة المركيز؟ ~~- غدا مساء. ~~- وإلى أين تذهب؟ ~~- إلى قاديس. # فابتسم أيضا وقال لفابيان: ms0747 إني أعلم السبب في ذهابه، فإنه قد عرف الطريق إلى قلب ~~ابنة الدوق. ~~- نعم ولكنه يحبها حبا شديدا. ~~- إذا أردت أيها المركيز أن أعطيك كتابا إلى ابن عمي قومندان الميناء فعلت ~~بارتياح. ~~- أقبل كتابك بشكر وغبطة. ~~- ولا أجد بدا أيضا من أن أحملك كتابا إليه، فقد كتب لي عن حكاية عجيبة لم أكن ~~لأطلعك عليها لو لم تقل لي إنك ذاهب إلى قاديس. ~~- ما هي هذه الحكاية العجيبة؟ ~~- إنك خدمت مدة طويلة في الهند، أليس كذلك؟ ~~- مدة طويلة، لا تنقص عن 18 عاما. ~~- أكان يوجد تحت إمرتك نوتي فرنسي؟ ~~- ربما كان ذلك ولكني لا أتذكر، فقد كان تحت أمري كثيرون من البحارة، ثم تطلع إلى ~~الجنرال تطلع المستطلع، وقال له: ولماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- ستعلم السبب، فاسمع إنه يوجد بحار لم تعلم تبعته بعد، ولكنه يقول: إنه فرنسي، ويبدو ~~أن هذا البحار خدم في الهند بقيادتك؛ لأنه يعلم جميع عاداتك وعلائقك وأخلاقك وذوقك، وكل ~~علائقك مع عائلتك. # فارتعش روكامبول، وقال له: كيف ذلك؟ ~~- إن هذا الرجل قبض عليه مع رفقاء له في سفينة قرصان، وحكم عليه بالسجن. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أتعلم كيف تجاسر هذا الرجل أن يدافع عن نفسه؟ ~~- كيف أستطيع أن أعلم؟ # فضحك الجنرال الإسباني ضحكا عاليا، وقال: إنه ادعى بأنه المركيز دي شمري. # ولو سمع هذه المباغتة من الجنرال غير روكامبول، لكان اصفر لونه واضطربت أعضاؤه؛ لأن ~~حياته موقوفة على هذا المركيز. وقد قيل له فجأة إنه لا يزال حيا يرزق، ينذره ~~بالفضيحة والسجن، بل بالموت موت المجرمين السفاكين غير أن تلميذ أندريا تمالك نفسه، فلم ~~يبد عليه شيء من ملامح اضطرابه الداخلي، بل إنه ابتسم بسكينة طالما أنقذته من أصعب ~~المواقف حين كان رئيسا للجمعية السرية في عهد أستاذه، وقال بلهجة المتعجب: إن هذا ~~التزوير عظيم، لا يقدم عليه غير الأشداء. ~~- وأنا من رأيك، فأصغ إلى تتمة حديثي. ~~- قل يا سيدي الجنرال، فقد شغلتني هذه الحكاية لغرابتها. ~~- إن هذا المزور تمكن من إقناع ابن عمي قومندان المرفأ في ms0748 قاديس على أنه هو المركيز ~~دي شمري. ~~- لا عجب في ذلك، فإن ابن عمك لا يعرف عائلتي، ولا يعلم أني مقيم في باريس. ~~- فلما وثق ابن عمي من حكايته الملفقة كتب إلي منذ بضعة أشهر يخبرني بحكاية هذا ~~الرجل، ويسألني إرسال التفاصيل عن عائلة دي شمري إلى غير ذلك من هذه الأبحاث. # فقال روكامبول ضاحكا: وماذا أجبت يا سيدي الجنرال؟ ~~- أجبت ابن عمي أن هذا الذي يدعي أنه المركيز دي شمري كاذب منافق؛ لأن المركيز دي ~~شمري من أصحابي، وكان أمس من المدعوين إلى حفلة راقصة أعددتها في منزلي في ~~باريس. ~~- ما هذه الغرائب؟! إن جسارة هذا الرجل لم نقرأها حتى في القصص. ~~- ولكنك ذاهب إلى قاديس فسترى فيها دون شك الرجل. ~~- ذاك لا ريب فيه، ولقد خطر لي خاطر يا حضرة الجنرال، فاكتب لي كتابا إلى ابن ~~عمك. ~~- إني عرضت عليك هذا الكتاب. ~~- نعم ولكني أحب أن تقدمني إلى ابن عمك باسم غير اسمي الحقيقي. ~~- لأي قصد؟ ~~- لأني أحب أن أقيم في قاديس ثمانية أيام متنكرا، بحيث أستطيع أن أرى هذا الرجل كما ~~أريد، وأسمع حكايته العجيبة من فمه. ~~- ليكن ما تريد، وسأرسل لك في هذا المساء كتابا بعنوان ابن عمي القومندان بيدرو ~~أوصيه بك خير وصاية، فبأي اسم تريد أن أقدمك إليه؟ ~~- باسم الكونت بولاسكي، وتخبره أني من أعيان بولونيا. # فابتسم الجنرال وأجاب: سأرسل لك الكتاب في المساء. # ثم ودعه وافترقا. # وكان الكونت فابيان يتحادث في ذلك الحين، مع السفير الإسباني، في الطرف الآخر من ~~القاعة، فلم يسمع كلمة واحدة مما دار بين الجنرال الإسباني وروكامبول. # فدنا منه روكامبول، وقال له: هلم بنا الآن إلى دائرة البوليس لنأخذ الجواز. # بعد ذلك ببضع دقائق بينما كان فابيان وروكامبول ذاهبين بمركبتهما إلى دائرة البوليس، ~~مرت بهما مركبة كان فيها صديق لفابيان، فأشار كل منهما إلى مركبته بالوقوف وحيى ~~الثاني. # وكان الرجل يدعى سيرفيل، وهو شاب من رجال القضاء درس الحقوق مع فابيان في مدرسة ~~واحدة، وتعين حديثا قاضيا للتحقيق. # فقال ms0749 له فابيان: من أين آت؟ ~~- من منزلي في سانت لويس. ~~- وإلى أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى المجلس. # فابتسم فابيان، وقال له: إنك من حين تعينت قاضيا للتحقيق لم يعد أحد يراك. ~~- لا تذكرني بمنصبي أيها الصديق، فإنك تهيج أحزاني. ~~- لماذا؟ وأي حزن يعتريك من مثل ذاك المنصب الرفيع؟! ~~- ذلك لأن أول عمل عهد إلي التحقيق فيه كان أعقد من ذنب الضب، ولا أزال تائها في ~~ظلماته. ~~- في أي تحقيق؟ ~~- في مقتل مدام فيبار والحادثة التي حصلت في غرفتها. # فارتعش روكامبول ارتعاشا شديدا حين سماع القاضي، ولكنهما لم ينتبها إلى اضطرابه؛ ~~لأنه كان داخل المركبة. # فسأله فابيان: إني لم أسمع بهذا القتل، فكيف اتفق؟ ~~- إنها مشكلة من أصعب المشاكل أيها الصديق، فقد وجدوا منذ شهرين في غرفة تلك العجوز ~~المياه قد فاضت في قبو تحت غرفتها، ووجدوا جثتين طافيتين فوق المياه إحداهما جثة العجوز ~~صاحبة الغرفة وهي مخنوقة، والثانية جثة رجل مطعون بخنجر، ولقد تبين أنه من مشاهير ~~المجرمين. ~~- ما هذه الحادثة الهائلة؟ # ثم رأوا رجلا حيا جالسا في زاوية من الغرفة. # فارتعد روكامبول ارتعادا عظيما؛ لأنه علم الآن أن زامبا لم يمت. # فقال فابيان: إنه كان القاتل دون شك. ~~- كلا أيها الصديق فقد كان هو أيضا مجروحا بظهره وثيابه مبتلة؛ مما يدل على أنه كان ~~في المياه ونجا منها. ~~- لا بد أن تكون سألته عن هذه الجناية. ~~- لم أستطع أن أسأله شيئا؛ لأنه كان مجنونا. # وهنا تنفس روكامبول الصعداء وبقي له شيء من الأمل. # فقال القاضي: إن ذاك المجنون لم يكن يتكلم غير الإسبانية والبرتغالية، وقد سلم إلى ~~طبيب حاذق يتولى معالجته حتى إذا شفي نستطيع أن نعرف الحقيقة. ~~- من هو هذا الطبيب؟ ~~- إنه الطبيب المشهور صموئيل. # فالتفت فابيان إلى روكامبول، وقال له: إنه طبيبك الخاص. # وبعد ساعة عادا إلى القصر بعد أن أخذ روكامبول جواز السفر إلى إسبانيا، فما صدق ~~روكامبول أن افترق عن صهره فابيان حتى دخل إلى غرفته، وأوصد بابها وارتمى على مقعد وهو ~~يوشك أن يجن من ms0750 اليأس، فقال: إن المركيز الحقيقي في قيد الحياة، وزامبا لم يمت ... لقد ~~فقدت كل شيء، وما أنا إلا من الهالكين. # غير أن اليأس لا يتمكن في صدر روكامبول، ولا يلبث أن يحل محله الرجاء، فإنه عندما رأى ~~أن الأخطار تحيط به من كل جانب، وأمعن في موقفه الحرج الشديد، هبت إليه جرأته النادرة ~~فاتقدت عيناه ببارق من الأمل، وزال عن قلبه كل خوف، وقال في نفسه: أنا الغريق، وما خوفي ~~من البلل؟! وسأمثل الدور الأخير من الرواية، فإما أن أفقد كل شيء أو أنال كل ~~شيء. # 17 # وفي صباح اليوم التالي خرج روكامبول من منزله ماشيا على الأقدام، بعد أن أمر خادم ~~غرفته بإعداد مهمات سفره، وبرح شارع فرنيل ذاهبا إلى شارع سيرنس، حيث جعل فيه منزله ~~السري. # وكان خادم ذلك المنزل لم يره منذ شهرين، غير أن روكامبول قد عوده على مثل هذا ~~الغياب، بحيث لم يجسر الخادم أن يسأله كلمة عن غيابه. # فدخل روكامبول إلى تلك الغرفة العجيبة، التي كان يعدها لتغيير سحنته وأزيائه عندما ~~يريد التنكر لغرض من أغراضه الجهنمية، فأخذ من الملابس والبراقع، والمواد الكيماوية ما ~~وقع اختياره منها، وهي مواد يستطيع بها تغيير لون جلده كما يشاء. # ثم وضع جميع هذه الأشياء في صندوق، وأقفله بقفل سري، وحمله بنفسه إلى المكان الذي ~~يقيم فيه البواب، وطلب أن يحضر له حمالا. # فامتثل البواب وهو مندهش مما يراه، وعاد بعد حين بحمال لقيه في الشارع، فأعطاه ~~روكامبول الصندوق، وأمره أن يتوجه به إلى منزله في شارع فرنيل. # ثم إنه بدلا من أن يسير في أثر الحمال تركه يسير في شأنه بعد أن دله على منزله، وذهب ~~إلى شارع سانت أونوريه، حيث يقيم الدكتور صموئيل إليوت. # ولم يجد حاجة إلى التنكر في هذه المرة؛ لأنه لم يخطر له في بال أن هذا الطبيب متفق مع ~~باكارا على إهلاكه، ثم إنه وجد حجة معقولة في زيارته لذاك الطبيب، ومعرفة ما حدث لزامبا ~~عنده، وهي أنه مسافر وأنه يريد أن ms0751 يقابل هذا الطبيب، فيقول له: إني سأبرح باريس في هذا ~~المساء إلى إسبانيا لأتزوج فيها ابنة الدوق سالاندريرا، وسأسافر في اليوم التالي لزواجي ~~إلى البلاد الأميركية، فأنا آت لأودعك قبل هذا السفر الطويل، ولأسألك أن تعطيني كتب ~~توصية إلى أصحابك في تلك البلاد؛ لأنك من أبنائها وقد نشأت فيها. # وقد وجد روكامبول أن هذه الحجة مقبولة، فقال في نفسه: إني لا أبرح منزله حتى أعلم ~~حقيقة شأن زامبا ومبلغ جنونه. # غير أنه دهش دهشة عظيمة حين بلغ إلى ذلك المنزل، وأخبره بوابه بسفر الطبيب فسأله: ~~كيف يستطيع طبيب أن يغادر زبائنه على كثرتهم في باريس؟ إن هذا محال! ~~- ولكنها الحقيقة يا سيدي. ~~- متى ذهب؟ ~~- منذ ثمانية أيام. ~~- وإلى أين ذهب؟ ~~- لا أعلم، ولكنك إذا سألت في شارع بيبينيار يخبروك. # فارتعد روكامبول لاسم الشارع الذي تقيم فيه باكارا، وسأله: ألعله يقيم في ذلك ~~الشارع؟ ~~- كلا؛ ولكنه يعالج فيه عظيما من عظماء الروسيين أصيب بالجنون. # فاستند روكامبول على الباب، وقد كاد يضيع صوابه، ولكنه ضبط نفسه بسرعة، وقال: لقد ~~علمت الآن، فإنه يعالج روسيا يدعى الكونت أرتوف. ~~- هو ما تقول يا سيدي، فقد ذكرت اسمه الآن. # فتركه روكامبول وذهب، فلما وصل إلى الشارع تراكمت عليه الهموم، فاشتدت هواجسه ووهنت ~~قواه حتى أوشك أن يسقط. # واتفق مرور مركبة في ذلك الحين، فركب بها وأمر السائق أن يذهب به إلى شارع سيرسنس، ~~فسارت به إلى حيث يريد وهو ضائع الرشد مشتت الحواس. # غير أن مدة يأسه لم تطل، فلم تسر به المركبة مسافة قصيرة حتى ثاب إليه رشده، وتمثلت ~~له تلك الأخطار المحيطة به، فقال في نفسه: لقد أصاب أندريا فيما أنذرني به من أفول نجم ~~سعدي حين يموت. # والآن فإن الكونت أرتوف الذي سقيته ذلك السم فذهب بعقله، يعالجه الطبيب صموئيل الذي ~~سرقت منه ذلك السم، وعلى ذلك فلا بد لهذا الطبيب أن يعلم كيف أصيب الكونت بالجنون، ~~ومن يدري فقد يعلم أني أنا الذي سرقت منه السم. # ثم إن الطبيب الذي يعالج ms0752 زوج باكارا قد يكون علم منها جميع تاريخي، واتفق معها على ~~هلاكي. # وعندما خطر له هذا الخاطر المخيف جمد الدم في عروقه من الرعب، ونادى السائق، فقال له: ~~توجه بي إلى منزل الكونت أرتوف في شارع بيبينيار. # وقد خطر له ما يخطر للقانطين في موقف الخطر الأكيد، فقال في نفسه: سأذهب إلى باكارا ~~فأقرأ ما في نفسها من عينيها، وأعلم كيف يجب أن أنهج في القتال، وأتخذ حجة في ذهابي ~~إليها، إني آت من قبل صهري صديق الكونت أرتوف للسؤال عن صحة زوجها والاطمئنان ~~عنه. # وعند ذلك دخلت المركبة إلى ساحة منزل الكونت أرتوف، فحكم روكامبول لأول وهلة أن ~~أصحابه غائبون عنه؛ لأنه رأى النوافذ في الدور الأول مقفلة جميعها. # ولما وقفت المركبة نزل منها روكامبول وتقدم إلى الباب، فدنا منه البواب وقال له: ~~بماذا يأمر مولاي؟ ~~- إني أرى النوافذ مقفلة، فهل أسيادك غائبون عن المنزل؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- متى برحوه؟ # فبدت ملامح التردد على البواب، غير أن روكامبول تكلف من هيئة النبل جهد ما استطاع، ~~وقال له: إني أدعى البارون دي كيروف وأنا ضابط روسي أتيت من بطرسبرج إلى باريس لأرى ~~فيها خالي الكونت أرتوف. # فوقف البواب موقف الاحترام حين علم أنه قريب مولاه، وأجاب: إذن فإن سيدي يعلم المصيبة ~~التي فاجأت سيدي الكونت. ~~- نعم علمت أنه أصيب في عقله، ولكنهم يرجون له الشفاء العاجل، كذلك فقد كتبت لي ~~الكونتس أن الذي يتولى علاجه هو الدكتور صموئيل إليوت. ~~- نعم يا سيدي وهو من أشهر الأطباء. ~~- وأسيادك غائبون كما تقول؟ ~~- إن سيدتي أمرتني بالكتمان، ولكني لا أظنها تريد كتمان هذا الأمر عنك. ~~- ذلك لا ريب فيه، وهي تعلم أني آت خاصة من بطرسبرج لأراهم. ~~- إن سيدي الكونت مقيم الآن في أرض له في فونتيناي. ~~- مع الطبيب صموئيل؟ ~~- كلا، بل صحبه أحد تلامذة هذا الطبيب الذي عهد إليه العناية به مدة غيابه. ~~- إذن، فإن الطبيب غائب؟ ~~- نعم يا سيدي فقد سافر مع الكونتس منذ 10 أيام. ~~- إلى أين ذهبا؟ ~~- لا أعلم ms0753 وليس من يعلم وجهتهما، فإنهما لم يخبرا أحدا. ~~- سأعلم ذلك في فونتيناي. # ثم ترك البواب وركب مركبته وانصرف. # ولم يذهب روكامبول إلى فونتيناي - كما قال - فإن ما قاله له البواب، وهو أن الطبيب ~~سافر مع باكارا منذ عشرة أيام قد أرشده إلى معرفة شيء من هذه الحقيقة الهائلة، وذكره ~~بما قال له خادمه في الأورنجراي، وهو أن الفتى الذي اتهم بسرقة الصورة لم يكن ~~غلاما، بل كان امرأة متنكرة بزي الغلمان، ثم إنه كان يصحبه رجل بصفة مؤدب، ذكر له من ~~أوصافه ما ينطبق على أوصاف الطبيب صموئيل، وخادم تشبه أوصافه أوصاف زامبا، فلما انتهى ~~روكامبول بذكراه إلى هذا الحد قال في نفسه: لم يبق ريب الآن أن الدكتور صموئيل وزامبا ~~كانا يصحبان باكارا، وأنهم قد اشتركوا في سرقة الصورة ... # وبعد حين وصلت المركبة به إلى منزله في شارع فرنيل، فدخل إلى غرفته وكتب إلى خطيبته ~~ابنة الدوق الكتاب الآتي: # خطيبتي العزيزة ... # لم أر ولم أقرأ غير شيء واحد في كتابك، وهو أن ساعة السعادة قد دنت، ولست ~~أبالي بالدوقية، ولا يسرني أن أكون من عظماء الإسبان، وسفيرا لإسبانيا إذ لا ~~مطمع لي بسواك، وإذ كنت لا أستطيع أن أنالك إلا بعد نيل هذه الألقاب، فأنا ~~أقبلها امتثالا لك. # توسعي في لومي أيتها الحبيبة كما تشائين، فإن كتابك إلي وصل باريس منذ خمسة ~~أيام، ولكني لم أفتحه إلا في صباح اليوم وإليك بيان السبب: إني كنت غائبا عن ~~باريس، فقد ذهبت مع صهري فابيان لزيارة أرض لنا في التورين لإقامة عشرة أيام في ~~قصر الأورانجري، والعودة إلى باريس، وقد فاتني أن آمر بإرسال رسائلي إلى ~~الأورانجري. # فأقمنا في ذلك القصر ثمانية أيام بين اضطرابات شديدة؛ وذلك أننا حين وصولنا ~~وجدنا خدام القصر مضطربين مسلحين تأهبا للطوارئ، وعلمنا أن وكيل القصر قد سافر ~~مسرعا إلى المدينة المجاورة. # وذلك لأن القصر قد سرق، ولكنها سرقة غريبة لا تخطر في بال، والحكاية أن ~~مركبة بريد سقطت في حفرة قرب باب بستان القصر فكسر ms0754 دولابها، وكان فيها شاب ~~طلب الضيافة إلى أن يتم إصلاح مركبته، فأضافه الخدم لقوله إنه من أصحابي، وفي ~~الصباح أصلحت مركبته فسافر، ولكن أتعلمين ماذا سرق؟ # إن ذلك لا يخطر لي في بال، فإنه سرق صورة تمثلني حين كان لي من العمر تسعة ~~أعوام، وكانت هذه الصورة معلقة في جوار القاعة الكبرى. # أما السبب في سرقة هذه الصورة، فلم أقف عليه إلا حين عودتي إلى باريس، ويمكنك ~~أن تعرفيه بالتلميح عنه، والرجوع إلى حياتي السابقة في زمن لم أكن أحلم فيه ~~بسعادتي المستقبلة، أيام كان يدفعني غرور الصبا وخلو الفؤاد من الحب الطاهر ~~الشريف إلى الاندفاع في حلبة الملاهي. # وما زلت على هذا الطيش إلى أن لقيتك في غابات بولونيا، فعلمت كيف يكون الحب ~~الصحيح، ولكني كنت قد غادرت امرأة شقراء، وتخلفت عنها دون أن تتخلف عني. # وقد سألتني هذه المرأة أن أهبها تذكارا مني، فكنت أرفض طلبها، إلى أن أعياها ~~الأمر فسرقت رسمي كما علمت الآن. # وفي هذا المقام ألتمس منك العذر أيتها الحبيبة لجسارتي لهذا الإقرار، ولكني ~~لم أجد بدا منه إذ يجب أن أحذرك؛ كي لا تستطيع تلك المرأة أن تتخذ تلك الصورة ~~سلاحا تحاربني به أمامك، فإني أحبك ولا أريد أن يدخل إلى قلبك شيء من الشك ~~بصدق حبي. # والآن فاسمعي ما جرته هذه السرقة من المصائب، فإن وكيلي في قصر الأورانجري، ~~وهو شيخ عجوز كان يخلص لي أشد الإخلاص هالته سرقة الصورة، وأثرت عليه تأثيرا ~~عظيما، فمات - رحمه الله - موتا فجائيا، فأسفت لموته أسفا شديدا؛ لأنه ~~مات بسببي، وبقيت مع صهري في القصر إلى أن شيعت الجنازة، ووري هذا الخادم ~~الأمين في التراب. # هذه هي الأسباب التي منعتني أيتها الحبيبة عن الاطلاع على كتابك قبل صباح ~~اليوم. # ولمثل تلك الأسباب سيطول زمن سفري إلى أربعة أو خمسة أيام، إلى أن أتمكن من ~~الحصول على جوازات السفر، والتجنس بالجنسية الإسبانية، وإنهاء جميع شئوني ~~الخاصة، وفي كل حال فسأكون بعد ثمانية أيام جاثيا على ~~قدميك. # محبك # ألبرت ms0755 # وكان يرمي بهذا الكتاب إلى غرضين، أحدهما أن يهيئ ابنة الدوق لما ستجريه باكارا بشأن ~~الصورة فيضعف تأثيرها، والثاني أن تمكنه من السفر إلى قاديس، والإقامة فيها متنكرا ~~أربعة أو خمسة أيام؛ لأن ابنة الدوق لا تنتظر قدومه بعد ذلك الكتاب إلا بعد ثمانية أيام ~~على الأقل. # وقد قال في نفسه: إني قد قتلت الدوق دي مايلي، والدون جوزيف، وأندريا، وجميع الذين ~~كان وجودهم مثقلا علي، ولكني إذا لم أقتل السجين في سجن قاديس، فلا أكون قد فعلت ~~شيئا وأغدو من الهالكين. # ثم إنه لما شعر بحرج موقفه وما يحيط به من الأخطار هبت إليه قوة عظيمة، ورجعت له ~~جرأته النادرة، وإقدامه الغريب وفظاعته الوحشية، وتلك السكينة الفطرية فيه الدالة على ~~مبلغ قوته. # وقضى بقية ذلك اليوم بين صهره فابيان وأخته بلانش إلى أن حان موعد السفر، فركب ~~المركبة وشيعه إليها صهره النبيل، فصافحه مصافحة الإخوان وتلك المرأة الطاهرة، فقبلته ~~قبلة صادقة وهي تحسبه أخاها فقبلها روكامبول، وقد أحس بدموعها تنفجر على خده فتأثر ~~لحنوها، وقال في نفسه: لا شك أني خلقت لأكون نبيلا؛ إذ لا أجد أشهى إلي من العواطف ~~الصادقة. # ولكنه ما لبث أن اندفعت به المركبة، وبعد عن ذلك الموقف حتى ابتسم تلك الابتسامة ~~الجهنمية، التي تعلمها من أستاذه القديم وقال: لقد سرت في طريق القتال، فإما الفوز وإما ~~الموت، وإما أن أكون دوقا إسبانيا أو أزج في ظلمات سجن قاديس. # 18 # في اليوم التالي لتلك الحفلة الراقصة، التي أحياها المجلس البلدي، وجرت فيها تلك ~~الحوادث التي يعلمها القراء كانت مركبة بريد يجرها أربعة بغال، تدخل في الساعة الثامنة ~~من المساء إلى ساحة فندق السحرة. # وهو الفندق الذي يقيم فيه فرناند روشي وزوجته. # ولم يكن في هذه المركبة سوى سيد واحد عليه مظاهر النبلاء، وبين يديه أربعة من الخدم ~~كانوا في المركبة بين جالس أمامه، وبين جالس في مؤخر المركبة، وبين جالس بجانب ~~السائق. # فنزل هذا السيد من المركبة، وأسرع إليه الخدم، فجعلوا يمشون أمامه إلى الفندق ms0756 بين ~~صفوف مستخدميه، الذين كانوا واقفين بملء الاحترام؛ لما رأوه من ملامح ضيفهم الدالة على ~~العظمة. # وهو رجل يظهر من وجهه أنه في الخمسين من سنه، ربعة القوام، هزيل، أصفر الوجه، مجعد ~~الجبين، وكان لابسا ثوبا طويلا فوق ثيابه مبطنا بالفرو الأشقر، وله لحية شقراء تشبه ~~بلونها لون ذلك الفرو. # أما عيناه فكانتا تتقدان، وترسلان أشعة تدل على ما في نفس صاحبهما من الهمة ~~والإقدام. # وكان أحد خدامه يتكلم جميع اللغات الحية خلافا للثلاثة الآخرين، فإن كلا منهم لم ~~يكن يتكلم غير لغة واحدة، ومجموع لغاتهم الثلاث الروسية والبولونية والألمانية؛ ولذلك ~~كان الأول عليهم وقد تشرف بمهمة الترجمة لمولاه؛ لأنه لم يكن يعرف اللغة الإسبانية، ~~فأخبر صاحب الفندق وزوجته أن مولاه عظيم من عظماء بولونيا، يدعى البارون ونسلاس ~~بولاسكي، وهو من الأغنياء العظام، فقد زوجته دون أن يلد له منها بنون، وقد فقدها منذ ~~عشرين عاما، ولكنه لا يزال يندبها وهو يسيح في جميع أنحاء الأرض بغية نسيانها. # فبينما كان صاحب الفندق يسمع حديث هذا الترجمان معجبا به، كانت زوجته قد سمعت بعضه، ~~فأسرعت إلى ذلك السيد البولوني وذهبت به إلى خير محل في الفندق. # وكان فندق السحرة هذا قائما في محل مجاور للميناء، فأعطته صاحبته محلا فيه يطل على ~~البحر؛ كي يسر بمناظره الجميلة، ثم تركته وانصرفت ، وصعد الخدم يحملون إليه ~~أمتعته. # أما البارون فلم يكترث بهم، بل إنه خرج إلى المشرف، وجعل ينظر منه إلى ما حول الفندق ~~نظر الباحث المستطلع. # وكانت أشعة الشفق لا تزال تملأ الكون نورا، وتصبغ السماء بأنوارها الذهبية، فأشار ~~البارون إلى أحد خدمه، وأمره أن يفتح أحد الصناديق وأخرج منه نظارة مكبرة، وعاد إلى ~~موقفه في المشرف، فجعل ينظر في المنظار إلى ما حوله وهو يعرف قاديس قبل اليوم. # فكان أول ما أصاب نظره بناية ضخمة، فعلم أنها سراي الحكومة، ثم حول منظاره إلى مكان ~~آخر، فرأى بناية أضخم من الأولى جدرانها مائلة إلى السواد، فاستلفتت أنظاره وتأملها ~~طويلا، وقد كانت هذه البناية ms0757 دار السجن. # ثم أدار منظاره إلى الجهة اليمنى كأنما منظر السجن قد أثقل عليه، فرأى قصرا جميلا ~~مبنيا فوق قمة على شاطئ البحر المتوسط يحيط به بستان كبير، مزروع بأشجار الليمون ~~والرمان، فاستوقف منظر هذا القصر الجميل انتباهه، ففحصه فحصا مليا، ثم نظر إلى ~~ترجمانه وكلمه باللغة الإنكليزية. # فخرج ترجمانه وعاد بعد حين وجيز مع صاحب الفندق، فقال الترجمان: إن مولاي البارون ~~يريد أن يعرف صاحب هذا القصر الجميل، المبني فوق هذه القمة على شاطئ البحر، فأجابه صاحب ~~الفندق: إنه لأسقف غرناطة غير أن الأسقف لا يقيم فيه الآن، فقد تخلى عنه للدوقة ~~سالاندريرا وابنتها، وهما تقيمان فيه الآن. # انحنى البارون احتراما لهما، وكان هذا جميع ما يريد أن يعرفه، ثم أخذ من جيبه محفظة، ~~فأخرج منها رقعة زيارة عليها اسمه وتاج البارونية، فكتب عليها بقلم من الرصاص اسم ~~الفندق النازل فيه، وبعد ذلك أخرج من جيب آخر محفظة كبرى، ففتحها بحيث ظهرت فيها ~~الأوراق المالية مكدسة، ثم أخرج منها كتابا كان عليه عنوان السنيور بادرو قومندان ~~الميناء في قاديس، فوضع الكتاب ورقعة الزيارة على الطاولة، وأشار لصاحب الفندق بيده ~~إليها. # فأخبره الترجمان أن مولاه يريد إيصال هذا الكتاب إلى قومندان الموقع، فإنه مرسل من ~~ابن عمه الجنرال، وهذه الرقعة من البارون. # فانحنى صاحب الفندق بملء الاحترام، ثم أخذ الرقعة والكتاب ومضى. # وعند ذلك أشعل البارون سيجارا، وجعل يتفقد الفندق وصعد يطوف في رواقاته بحجة ~~الرياضة، والتنزة إلى أن يتهيأ طعام العشاء. # وفيما هو يجتاز رواقا قرب غرفته رأى امرأة تتأبط ذراع رجل، فأجفل لمنظرهما، ولكنه لم ~~يستطع أن يتحقق أمرهما لعدم وجود نور في ذلك الرواق، أما الرجل والمرأة فإنهما استمرا ~~في سيرهما دون أن ينتبها إلى هذا البارون البولوني. # فنزل البارون من الباب الخارجي، وبعد نصف ساعة صعد إلى غرفته، وتناول طعام العشاء ~~فيها وأكل بشهية فائقة. # ولما فرغ من الطعام دخل إليه صاحب الفندق يحمل بيده دفترا ضخما، وهو سجل يقيد فيه ~~أسماء النازلين في فندقه، فيكتب ms0758 كل مسافر فيه اسمه بخطه، ويذكر تحت اسمه نوع أعماله ~~وتبعته والبلد التي جاء منها. # فنظر البارون إلى هذا الدفتر بيد صاحب الفندق، وظهر عليه أنه لم يفهم المراد منه، ~~فوضع صاحب الفندق الدفتر على الطاولة، وقال للترجمان بعض كلمات ترجمها للبارون، فهز ~~رأسه إشارة إلى المصادقة، وأخذ الدفتر فجعل يقلب صفحاته ويقرأ الأسماء المكتوبة فيه ~~منتظرا أن يأتيه صاحب الفندق بأدوات الكتابة. # وفيما هو يقلب الصفحات إذ قرأ اسما ارتجف له، وذكر في الحال الرجل والمرأة اللذين ~~رآهما في الرواق قبل العشاء؛ لأن هذا الرجل البولوني كان يعرفهما كما يظهر، أما الاسم ~~الذي قرأه فهو فرناند روشي من باريس. # وكان هذا الشريف البولوني قد اضطرب اضطرابا شديدا حين قرأ هذا الاسم، غير أنه تمالك ~~نفسه فلم يظهر عليه شيء من ملامح اضطرابه الداخلي، وكتب اسمه في السجل بأتم البرود ~~والسكينة. # وبعد ذلك خرج الجميع فلم يبق في الغرفة غير هذا الشريف البولوني، فجلس على كرسي ~~طويل، وجعل يناجي نفسه بهذا الحديث ويقول: أي روكامبول إنك في موقف شديد، فإما أن تكون ~~بلغت منك البساطة حد البلاهة، أو أنه يجب أن تعلم أمورا كثيرة من وجود فرناند وامرأته ~~في قاديس، فإنهم لا بد أن يكون لهما علاقة بالدون بادرو قومندان الموقع، ولا بد لهذا ~~القومندان أن يكون أخبرهما بأمر السجين الذي يدعي أنه المركيز دي شمري الحقيقي، ولا بد ~~أيضا أن يكونا قد كتبا إلى باريس، وأرجح أنهما كتبا إلى الكونتس أرتوف، فإذا لم تكن ~~باكارا في قاديس، فهي ستحضر إليها دون شك. # وفيما كان البولوني يناجي نفسه بهذه الأحاديث؛ إذ سمع أنهم يطرقون باب غرفته بلطف ~~فأذن للطارق بالدخول. # وكان روكامبول عند ذلك جالسا على كرسي طويل وراء الطاولة، التي أكل عليها وفوقها ~~المصباح، بحيث إن الداخل عليه لا يرى وجهه من الباب لعدم وقوع نور المصباح على وجهه ~~خلافا للداخل، فإن وجهه يكون معرضا لهذه الأشعة، بحيث إذا التفت روكامبول ~~يراه. # فدخل الترجمان وكان هو الطارق، فقال: إن ms0759 خادم غرفة قومندان الميناء في الباب. # وكان هذا القومندان قد تلقى كتاب روكامبول، فأسرع إلى إجابته أنه ينتظر زيارته في ~~الغد، وعهد بإرسال الجواب إلى رجل أدخلته باكارا في خدمته في الليلة التالية لتلك ~~الحفلة الراقصة. # فلما أخبر الترجمان روكامبول أن الخادم واقف بالباب التفت إليه، ثم حول وجهه عنه ~~بسرعة وقد ذعر ذعرا شديدا؛ لأنه علم أن هذا الخادم كان زامبا. # ومن غريب الاتفاق، أن اللباس الذي كان متنكرا به روكامبول في قاديس، كان نفس اللباس ~~الذي كان يتنكر به حين كان يقابل زامبا في باريس. # ولكن لحسن حظه لم ير زامبا وجهه؛ لأنه كان في الظل كما قدمنا، أما روكامبول فإنه ~~أشار في الحال إشارة خفية للترجمان فخرج، وبعد خروجه دخل زامبا فأخذ منه الكتاب دون ~~اكتراث، وهو واضع منديله على وجهه كي يستره ووضعه على الطاولة، ثم رجع خطوتين إلى ~~الوراء، ودخل إلى غرفة صغيرة كانت ضمن الغرفة الكبيرة، وبعد أن لبث فيها برهة قصيرة خرج ~~منها وعرض وجهه للنور أمام زامبا، فتراجع منذعرا إلى الوراء وقد عرف أنه الرجل الذي ~~كان يستعبده في باريس. # وكان روكامبول يحمل بيده مسدسا، فصوبه إلى قلب زامبا ووضع أصبعه على شفتيه إشارة إلى ~~الصمت، وقال له باللغة الفرنسية الفصحى وليس باللغة الإنكليزية كما كان يكلمه من قبل: ~~يظهر أننا صديقان من عهد بعيد. # فاضطرب زامبا من المسدس، وقال: نعم فقد عرفتك من عهد بعيد ... ~~- إذن فأصغ إلي واجلس أمامي لنتحدث؛ إذ لدينا كثير من المهمات التي يجب النظر فيها ~~... # فجعل زامبا يرتجف ارتجافا شديدا حتى كاد يقع، وقال له: ليكن ما تريد. ~~- اجلس وسكن روعك فإني أراك ترتعش ارتعاش النساء، ثم شفع قوله بضحكة عالية، وأسرع إلى ~~الباب فأقفله من الداخل وعاد إلى زامبا، وجلس أمامه فجعل يضحك ويلعب بالمسدس وهو يصوبه ~~إليه. # 19 # لقد تركنا ابنة الدوق سالاندريرا تفض أختام الكتاب الذي ورد إليها من باريس، وقد ~~عرفته للحال من خطه أنه من خطيبها. # ومثل هذا الكتاب يرد إليها ms0760 من خطيب تهواه يشغلها بالطبع عن سواه، ويطرد من مخيلتها ~~تلك المؤثرات التي شغلتها في الحفلة الراقصة ولو إلى حين، فقرأت الكتاب وأعادت تلاوته ~~ثلاث مرات، فكان المركيز دي شمري يتمثل لها في خلال السطور. # أما الكتاب فهو الذي كتبه روكامبول يوم سفره إلى ابنة الدوق، فأخبرها فيه عن سرقة ~~الصورة بالشكل الذي أراده، ثم أخبرها أنه لا يستطيع مبارحة باريس قبل ثمانية أيام ~~لإعداد مهماته. # ولكنه سافر في اليوم نفسه مع ذلك الكتاب متنكرا باسم البارون ونسلاس كما علمناه، ~~ونزل في الفندق الذي كان ينزل فيه فرناند روشي وزوجته. # فلما شفت ابنة الدوق غلها من تلاوة كتاب خطيبها دفعته إلى أمها، فقرأته وقالت معجبة: ~~لا أدري كيف يقول: إنه لا يحضر قبل ثمانية أيام، ألا يعلم أن جلالة الملكة لا تقيم إلى ~~الأبد في قاديس، وأنها قد تبرحها قبل مجيئه وأنه لا بد أن يقدم لها وللملك بصفة ~~رسمية. # فتمتمت الفتاة تقول: ثمانية أيام ... إنها دهر طويل فما أصعب الانتظار! # فابتسمت الدوقة، وقالت: إذن أنت تحبينه حبا شديدا يا ابنتي. # فعبق خداها بالاحمرار وأطرقت بنظرها مستحيية، فكان استحياؤها أبلغ جواب. # ثم عادت إلى التأمل بمياه البحر، فكانت فرحة القلب بما كانت ترجوه من قرب حضور ~~المركيز، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى الحوادث التي مرت بها في الليلة الراقصة حتى ~~تولاها الانقباض، وبدت على وجهها الجميل ملامح الكآبة والانكماش. # وكانت كلما أرادت طرد هذه الأفكار من مخيلتها بالإفكار بروكامبول، غالبتها تلك ~~الحوادث، وتمثل لها ذلك السجين بمظاهر رجل شريف نكبه القضاء وحاربته الأقدار، فحنت ~~لمصابه ورثت لبلواه إلى أن أعياها أمره، ولم تجد سبيلا لإبعاده عن تصورها، فقالت في ~~نفسها: هب أن الرجل كان صادقا فيما يقول، فأي دخل لي في شأنه؟ أليس من الحمق والشين أن ~~أفتكر به أكثر مما أفتكر بخطيبي، وما هذا السر بحنيني إليه؟ # ثم وضعت يدها على جبينها تحاول طرد ذاك الفكر، كأنها لم تتجاسر على إتمامه. # وانقضى النهار، فذكرت ابنة الدوق الموعد الذي ms0761 اتفقت عليه مع الكونتس أرتوف، فكانت ~~كلما قربت ساعة الموعد يزيد سأمها ويفرغ صبرها، فقد كان يتنازعها عاملان من شوق إلى ~~معرفة تلك المعميات، ومن رعب كان مستوليا عليها وهي لا تعلم السبب فيه. # غير أنها حملته على ما جاء في رسالة باكارا التي كتبتها إليه في مقدمة الدفتر، من ~~أنها لها دخل في حوادث تلك الرواية الهائلة التي قرأتها، ولكن الذي كان يدهشها أنها لم ~~تكن تعرف أحدا من الأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها. # فصرفت جانبا من الليل مع أمها إلى أن تركتها الدوقة، ودخلت إلى غرفتها لتنام، فعادت ~~الفتاة إلى موقفها السابق في الرواق المشرف على البحر؛ وذلك لأن باكارا قالت لها في ~~الحفلة: قفي على الرواق عند انتصاف الليل وانتظري. # وكان جميع من في القصر نياما، ولم يبق للموعد المضروب غير نصف ساعة، فوقفت ابنة ~~الدوق في ذلك الرواق مسندة كوعها إلى الرخام، وجعلت تنتظر وتتأمل ذلك الفضاء الواسع، ~~فلا ترى غير النجوم لاشتداد الظلام، فجزعت وجعلت تعد الدقائق كما تعد الساعات، وتصغي ~~إلى كل حركة تسمعها من البحر؛ لعلمها أن الكونتس ستحضر في سفينة، ولكنها على جزعها ~~وخوفها لم تتمالك عن الافتكار بذلك المجرم السجين. # ثم خيل لها أنها تسمع صوت حركات متشابهة، فعلمت أنها أصوات المجاذيف، وجعل قلبها ~~ينبض نبضا شديدا، فأطلت إلى الجهة التي خرج منها الصوت، فشاهدت شبحا يدنو مسرعا إلى ~~جهة القصر، فما شكت أنها سفينة الكونتس أرتوف التي تنتظرها على أحر من الجمر. # ووصلت السفينة إلى الشاطئ، فخرج أحد بحارتها فربطها بحبل إلى حلقة من الحديد في ~~الشاطئ، ثم خرجت امرأة من السفينة، وصعدت سلم الرواق الذي كانت تقيم فيه ابنة الدوق، ~~فتراجعت الفتاة إلى آخر الرواق كأنها خشيت أن تستقبل تلك الزائرة. # فأسرعت إليها باكارا، وقالت لها بعد التحية: ألعلك وحدك؟ ~~- نعم فإن أمي قد نامت. ~~- وأنا أيضا قد أتيت وحدي. # فارتعشت ابنة الدوق، وسألت: من الرجل الباقي في السفينة؟ ~~- بحري من بحارة الميناء. # فبدت على ابنة الدوق ملامح الاكتئاب، ms0762 كأنها كانت تتوقع أن يكون هذا الرجل المجرم الذي ~~لم يكن يبرح من بالها، فأخذت باكارا بيدها وقالت لها: إني كنت عازمة على إحضار زامبا ~~معي. ~~- ألعلك تعرفينه؟ ~~- كيف لا أعرفه، وقد اتفقت وإياه على أن يأتي إلي الليلة؟ ولكني انتظرته إلى الساعة ~~الحادية عشرة فلم يأت، فاضطررت إلى الحضور وحدي. ~~- ألعلك كنت محتاجة إلى زامبا؟ ~~- نعم وذلك؛ لأنه يعرف كثيرا من الأمور التي يهمك شأنها، وهو يستطيع أن ينقلها إليك ~~أحسن مما أنقلها أنا. # فارتعشت الفتاة وأجابت: ألعلك تريدين مباحثتي أيضا بشأن الدوق دي مايلي؟ ~~- ربما. ~~- أتأذنين لي يا سيدتي بكلمة؟ ~~- تفضلي. ~~- يظهر أن الدوق دي مايلي قد مات مسموما، وأنا مشفقة عليه غاية الإشفاق، غير أني لا ~~أراني مضطرة أن أسكب الدموع الغزيرة عليه، بعد أن كاد المكائد في سبيل الحصول على رضى ~~أبي، لتزويجه بي. ~~- العفو يا سيدتي، فإني ما أردت أن أصحب معي زامبا إليك إلا لجلاء الغامض من هذه ~~المكائد، فإن ذلك الرجل قد خدم الدون جوزيف والدوق دي مايلي، وهو يعرف كل شيء. # فذكرت ابنة الدوق أن الكونتس أرتوف كانت تذكر الدوق دي مايلي بالخير أمام ~~أبيها. # فقالت: إني أعلم يا سيدتي أن الدوق كان من أصحابك، وكنت تحاولين مرات كثيرة أن تبرهني ~~عن فضله أمام المرحوم أبي. ~~- إني لم أكن أبرهن إلا عن الحقيقة. ~~- أية حقيقة تعنين يا سيدتي؟ ~~- هي أن الدوق دي مايلي كان من أسرة سالاندريرا. ~~- إن هذا ما كان يدعيه، وليس هو من الحقيقة في شيء. ~~- بل هو الحقيقة بعينها، فأصغي إلي يا سيدتي كي أكشف لك النقاب عما تجهلين، إن هذا ~~الكولونيل الروسي الذي هو من أسرة دي مايلي لا يزال حيا موجودا في أودسا، وكان لديه ~~أوراق حقيقية لا ريب فيها تثبت أن الدوق دي مايلي من أسرة سالاندريرا. ~~- إذا كان ذلك أكيدا، فلماذا لم يظهر هذه الأوراق؟ ~~- إنه أرسلها إلى قريبة الدوق. ~~- وهي لم تصل إليه؟ ~~- كلا فإن الرسول الذي كان يحملها قتل في غابات فنسان. ~~- وسرقت ms0763 منه الأوراق، أليس كذلك؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إن لهجتك يا سيدتي تدل على أنك واثقة كل الوثوق من صدق هذه الأقوال، ولكني أؤكد ~~أنهم خدعوك كما خدعوني. ~~- ومن تظنين أنه خدعني؟ ~~- الدوق دي مايلي. # فهزت باكارا رأسها، وقالت: كلا يا سيدتي بل إنهم خدعوك بشكل هائل، ولا يزالون يخدعونك ~~إلى الآن. ~~- أتظنين أن الأوراق كانت موجودة؟ ~~- بل أؤكد وهذا لا ريب فيه عندي. ~~- إذن؛ فكيف اتفق أن الدوق دي مايلي قد خلا بي مرة، واعترف لي ولا أنكر أنه لم يعترف ~~اعترافا جليا، ولكنني علمت منه كل شيء؟! ~~- ماذا علمت يا سيدتي؟ وبماذا اعترف لك؟ ~~- بأن الأوراق لا أثر لها. ~~- إني أعلم أن الدوق قد تمتم بعض الكلمات حين اضطررته إلى الإجابة. ~~- كيف تعرفين ذلك وقد كنت وإياه دون ثالث بيننا؟ ~~- كلا يا سيدتي، فقد كان أبوك في غرفة مجاورة يراكما ويسمع كل ما تقولين. ~~- غير أن الدوق كان يحسب أنه منفرد بي. ~~- إنك منخدعة أيضا يا سيدتي، فقد وصل إليه كتاب منك في ذلك الصباح، وكان في الكتاب ~~أنه سيوجد في خلوتكما من يسمع حديثكما. ~~- كلا إن هذا محال لا صحة له في شيء. ~~- إن كتابك لا يزال موجودا. ~~- لا صحة لذلك، فإني لم أكتب شيئا من هذا. ~~- إن الكتاب عندي فادخلي معي يا سيدتي إلى غرفتك. ~~- لماذا ؟ ~~- كي أريك الكتاب؛ إذ لا يوجد نور في هذا المشرف. ~~- هلمي بنا يا سيدتي، وأظن أن واحدة منا قد فقدت صوابها. # ثم أخذتها بيدها، وقالت لها: هلمي معي، إنما أرجوك أن تخفضي الصوت ما استطعت؛ كي لا ~~تستيقظ أمي؛ إذ لا أحب أن تعلم شيئا من هذه الأحاديث. # ودخلت الاثنتان إلى الغرفة، فأنارت ابنة الدوق مصباحا، وعند ذلك أخرجت باكارا من ~~صدرها ملفا من الورق مربوطا بخيط من الحرير وقالت لها: خذي هذه هي رسائلك إلى الدوق ~~دي مايلي. ~~- رسائلي إلى الدوق؟! إذن فأنت التي فقدت صوابها يا سيدتي؛ لأني لم أكتب إلى الدوق ~~غير رسالة واحدة في حياتي. # ثم نظرت ms0764 نظرة الفاحص إلى تلك الرسائل، فما تبينت الخط حتى صاحت مجفلة منذعرة: إن الخط ~~خطي لا سبيل إلى إنكاره، ولكني لم أراسل الدوق. # وقد أصابها في هذه الحادثة نفس ما أصاب باكارا منذ بضعة أشهر حين عرض عليها زوجها ~~الكونت أرتوف تلك الكتابة، التي كانت تشبه خطها أتم الشبه إنها نفسها خدعت بها، ولم ~~تجد سبيلا لإنكاره. # وعند ذلك أسرعت ابنة الدوق إلى فض الرسائل، ودنت من المصباح، فلما تلتها صاحت قائلة: ~~لا شك أني مجنونة أو قد مثل لي حلم رهيب. ~~- إنك غير حالمة يا سيدتي، بل إنك تسمعين الحقيقة كما هي دون زيادة ولا نقصان. ~~- إذن، فقد كتبت أنا هذه الرسائل؟ ~~- كلا، ولكنهم قلدوا خطك أتم تقليد. # فوضعت الفتاة يدها على جبينها، وقالت: أوصلت جميع هذه الرسائل إلى الدوق؟ ~~- كلها. ~~- وكان يظن أنها مني؟ ~~- بل كان واثقا يا سيدتي، وقد نزل معه هذا الاعتقاد إلى القبر. ~~- رباه إن هذا تزوير هائل! ~~- لا أنكر عليك ما تجدينه من فظاعة هذا التزوير، فاقرئي يا سيدتي إلى النهاية. # فامتثلت الفتاة، وجعلت تقرأ تلك الرسائل التي خطتها يد روكامبول، وكان يرسلها بواسطة ~~زامبا إلى الدوق مايلي، كما عرف القراء في رواية الغادة الإسبانية أي: الجزء الثالث من ~~هذه القصة. # فلما توغلت في قراءتها قالت: رباه! ماذا أرى؟! لقد انجلت الغمامة عن عيني وفهمت ~~الآن. ~~- تقولين: إنك فهمت؟ ~~- نعم؛ فإن الدوق كان يحسب أني أحبه. ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- وإنه كان يحسب أنه يوجد عدو له يحول دون زواجنا. ~~- كان يظن أن ذاك العدو هو أمك، فإنه مات وهو يعتقد أن أمك كانت الحائل الوحيد دون ~~زواجك به. ~~- ومن كان يحمل إليه تلك الرسائل؟ ~~- زامبا. ~~- تبا له من شقي خائن. ~~- ولكنه لم يكن غير آلة بيد سواه. ~~- أليس هو الذي كان يقلد خطي؟ ~~- كلا. ~~- من عسى أن يكون هذا المزور الجريء؟ ~~- سيقول لك زامبا عن اسمه. ~~- ولكن زامبا يقول إنه هو الذي سمم الدوق. ~~- هذا أكيد أيضا، غير أنه لم يكن غير آلة ms0765 كما قلت لك، ويجب البحث عن الدافع له إلى ~~هذه الجناية الخفية. # فجعل العرق البارد ينصب من جبين ابنة الدوق لما تولاها من الذعر، وقالت: رباه! ما هذه ~~الألغاز ألا تكشفين لي الحجاب عنها؟ ~~- لا أستطيع الآن وسأجلو لك كل شيء فيما بعد، وفي كل حال فلا بد من وجود زامبا؛ لأنه ~~هو وحده يستطيع أن يقول كل شيء. ~~- أيقول لي اسم الشخص الذي دفعه إلى قتل الدوق دي مايلي؟ ~~- نعم، أما هذا الشخص فهو كهل ذو لحية شقراء وشعر أحمر، وقد كان واقفا على أسرار ~~زامبا، وهو يستطيع في كل حين أن يرسله إلى المشنقة. ~~- ألعل زامبا فعل ما فعله خوفا منه؟ ~~- إنه ارتكب الجريمة لخوفه ولأمله بالمكافأة. ~~- ألا تقولين لي - على الأقل - السبب الذي قتل من أجله الدوق؟ ~~- إن الذي قتله كان يخشى أن يتزوج بك. ~~- إذن فإن خصمه كان راغبا بزواجي؟ ~~- هي الحقيقة التي خرجت من فمك. ~~- احذري يا سيدتي فقد قلت كلمة كبيرة؛ لأنه لا يوجد غير اثنين طلبا الزواج بي. ~~- أعلم ذلك حق العلم. ~~- وأن أحد الخطيبين هو الدون جوزيف. ~~- لقد مات قبل موت الدوق. ~~- وأن الثاني يدعى ... ~~- إني لا أشكو أحدا. # فقالت الفتاة بكبرياء: إن الثاني يا حضرة الكونتس يدعى المركيز دي شمري وكلامك يدل ~~... ~~- قلت لك يا سيدتي: إني لا أشكو أحدا ، وفوق ذلك فإن المركيز دي شمري لا يزال في عهد ~~الشباب، ولقد قلت لك: إن الشخص الذي دفع زامبا إلى قتل الدوق تجاوز حد الصبى، ثم أخبرتك ~~أن هذا الشخص أشقر اللحية أحمر الشعر، وليس للمركيز شيء من هذه الأوصاف. # فتنهدت ابنة الدوق تنهد المنفرح؛ لأن كلام باكارا الأخير نفى التهمة عن خطيبها ~~المركيز، وقالت لها: غير أني أرى أنه لا يزال يوجد من يحبني حبا خفيا؟ ~~- ربما. ~~- ومن هو هذا المحب الخفي؟ ~~- ألم تقرئي الدفتر الذي أرسلته إليك؟ ~~- قرأته كله. ~~- ولكنك لم تفهمي شيئا؟ ~~- إن الذي أشكل علي فهمه في هذه الحكاية هو أني لم أعلم أية علاقة بيني وبين ms0766 ~~أشخاصها الذين لا أعرف منهم أحدا. ~~- ذلك لأن الحكاية لم تتم بعد. ~~- ماذا تعنين بذلك؟ ~~- أعني أنها لا تزال في حاجة إلى الخاتمة. ~~- وأية خاتمة تعنين، فقد قرأت فيها أن السير فيليام شقيق الكونت إرمان دي كركاز قد ~~مات. ~~- كلا فإنه لم يمت إلا منذ أربعة أشهر. ~~- مهما يكن من أمره فهو بعيد عن أوروبا. ~~- إنه عاد إلى باريس منذ عام. # وكانت باكارا قد مثلت أندريا في تلك الحكاية أفظع تمثيل، بحيث لم تتمالك ابنة الدوق ~~عن إظهار رعبها عندما سمعت باكارا تخبرها بعودته، فلما رأت باكارا أنها ذعرت أسرعت ~~إلى تطمينها، فقالت لها: لا تخافي؛ فقد مات موتا حقيقيا منذ أربعة أشهر دون أن يسر ~~قلبه بنجاح المكيدة الهائلة، التي خطتها قريحته الجهنمية. ~~- ما هي هذه المكيدة؟ ~~- كان الغرض منها زواجك. # فصاحت الفتاة صيحة رعب منكرة، وقالت: تزويجي أنا ... أكان يريد أن يتزوجني. ~~- كلا، لم يكن يريد أن يجعلك زوجته، بل كان يحاول أن يزوجك تلميذه. ~~- ومن هو تلميذه هذا؟ ~~- إنه شاب شديد المكر يدعونه روكامبول. ~~- روكامبول؟ أليس هو هذا اللص الذي كان يحاول إغراء الكونتس دي كركاز؟ ~~- هو بعينه. ~~- وهذا اللص كان يريد أن يتزوج بي؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- رباه! ماذا أسمع؟ ~~- إنه كان يريد أن يتزوج بك، وقد ضمن له أستاذه أندريا الفوز. # فجعلت ابنة الدوق تضطرب، وتقول: ما هذه الجسارة النادرة؟ ~~- ولكن روكامبول كان ناكرا لجميل أستاذه، فإنه قتل السير فيليام، وخسر بموته كل أمل ~~من الفوز. # ولما اتضح ذلك لابنة الدوق لبثت حينا واجمة منصعقة بما سمعته من تلك الأخبار ~~الهائلة، وقد ثارت في هذا البدء عاصفة كبريائها حين علمت أن لصا سفاكا مثل روكامبول ~~تجاسر على الطمع بزواجها، ثم تلا هذه العاصفة سكون حزن، وبلاهة يصعب وصفهما، إلى أن ~~ثابت من المؤثرات فنظرت إلى باكارا، وقالت لها بكبرياء: إن جميع ما تقولينه لي يا سيدتي ~~هائل وحشي، ولا شك أني قد أصبت بعقلي فسمعت الحديث إلى آخره، بل لا شك أني قد أصبت ~~بالبلاهة ms0767 لما بدا علي من ظواهر تصديق الحديث. ~~- سيدتي؟ ~~- ولكني أفترض أن ما تقولينه أكيد، وتفترض أيضا أنه اتفق وجود لص في باريس يدعى ~~السير فيليام، وشقي يدعى روكامبول، وأن هذين الاثنين قد اتفقا وتجاسرا على تزويجي ~~بأحدهما. ~~- هذه هي الحقيقة بعينها ولا ريب فيها. ~~- قلت لك: إني أفترض ومع ذلك فلو سلمت بهذه الحقيقة وأتى روكامبول يخطبني. ~~- تريدين أن تقولي إنك ترفضينه. # فلم تتنازل ابنة الدوق إلى إجابتها. # أما باكارا فإنها لم تتكدر لكبرياء الفتاة، وما بدا عليها من مظاهر الاستهزاء ~~والاستخفاف، بل قالت لها: لقد سبق وعدك لي يا سيدتي أن تصغي لحديثي إلى النهاية. ~~- وسأحافظ على هذا الوعد فقولي ما تشائين. ~~- إنه منذ عهد بعيد يا سيدتي أي: منذ ثلاثين عاما حين عودة الملكية إلى فرنسا قدم ~~رجل إلى باريس، ودعى نفسه الكونت سانت هيلانة، وقد عينه الملك كولونيلا في الجيش، ~~ففتحت له قاعات باريس الكبرى أبوابها، وكان الأعيان يستقبلونه بإجلال يوافق ~~مقامه. # فبينما كان ذاك الكولونيل عائدا يوما من حفلة استعراض الجيش، وهو في ملابسه الرسمية ~~الباهرة اصطدم كتفه بكتف شحاذ متسول كان واقفا مع المتفرجين، فمد هذا الشحاذ يده إليه ~~يصافحه، وناداه باسم بسيط خلو من كل لقب أو رتبة، فصده الكولونيل ودفعه باشمئزاز وأنفة، ~~فارتفع صوت الشحاذ، وكثر اللغط وكان بين الاثنين خصام شديد حكم فيه المجلس بعد بضعة ~~أشهر. ~~- لقد عرفت هذا الحكاية، ولكني لا أجد لها علاقة بما أنا فيه. ~~- ذلك لأنك لا تعلمين يا سيدتي، أن أندريا قد هذب تلميذه روكامبول أتم تهذيب، وألبسه ~~خير لباس يتمكن من أن يجعله زوجك. # فابتسمت الفتاة وقاطعتها، فقالت: إن من كانت مثلي لا تنخدع بمن يقلد الأعيان تقليدا ~~وهو ليس منهم. # فأجابتها باكارا بتهكم: أتحسبين يا سيدتي أنك لا تنخدعين؟! ~~- بل أؤكد، حتى ولو قدموا لي المسيو روكامبول باسم جنرال، فلا أنخذع به. ~~- ليكن ما تريدين، والآن فاسمحي لي قبل أن أندفع إلى الحد الذي رسمته لنفسي، أن أكلمك ~~عن رجل أظن أنه استلفت بعض ms0768 انتباهك في الليلة الماضية. # فصبغ الدم وجنتيها، وقالت وهي ترتعش: ألعلك تريدين أن تحدثيني بشأن هذا الشاب الذي ~~كان مرتديا بملابس المجرمين؟ ~~- هو ما تقولين يا سيدتي. # فزادت دقات قلبها، وقالت: ألعلك تريدين أن تقولي لي أيضا إن له علاقة بي. ~~- نعم يا سيدتي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الكونت سانت هيلانة الذي اختصم مع الشحاذ كان مجرما سفاكا، فقتل الكونت ~~الحقيقي وتسمى باسمه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وأن روكامبول تلميذ أندريا قد اقتدى بذلك السفاك؛ كي يكون له مقام في الهيئة يتمكن ~~به من البلوغ إلى العائلات الكبرى. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- أقول إن روكامبول كان يحسب أنه قتل ذلك الرجل الذي رأيتيه أمس في الحفلة الراقصة، ~~وكان بملابس المجرمين، ولكن هذا المسكين لم يمت كما يظن بل احتجب عنه لوجوده في ~~السجن. ~~- الرجل الذي رأيته أمس؟ ~~- هو بعينه! ألم يقل لك في الليلة الماضية إن العاصفة أغرقت السفينة التي كان فيها، ~~فالتجأ إلى جزيرة صغيرة، وأغمي عليه فلم يجد نفسه إلا في سفينة عبيد أسوجية؟ ~~- نعم أخبرني كل هذا. ~~- ثم إنه أخبرك بكل ما جرى له بعد ذلك، ولكنه لم يقل لك إنه حين نجا وسبح إلى الجزيرة ~~كان يصحبه رجل آخر نجا مثله بالسباحة. ~~- وماذا فعل به هذا الرجل؟ ~~- تركه ملقى في الحفرة، وهو واثق من أنه سيموت فيها إلى أن أنقذه رجال السفينة ~~الأسوجية. ~~- وما كان غرض هذا الرجل؟ ولماذا تخلى عنه بالحفرة؟ # فهزت باكارا كتفيها، وأجابت: إن الرجل تخلى عنه؛ لأنه كان يدعى روكامبول، وقد تركه ~~بعد أن استولى على أوراقه وجوازه وملابسه. ~~- لقد فهمت الآن أليس أن روكامبول قد تسمى باسم هذا المنكود حين كان يريد أن ~~يخطبني؟ ~~- هو ما تقولين، فإنه لم يتداخل مع العائلات إلا بعد تنكره بهذا الاسم، وقد استولى ~~بهذا التنكر الغريب على جميع ثروة ذلك المسكين، وصار من الأغنياء الشرفاء، حتى إنه بات ~~يؤمل أن يتزوج بك. ~~- إن ما أسمعه غريب يا سيدتي، فإني عاشرت جميع الأعيان في باريس، وعرفت معظم أسراتها ~~ورأيت كثيرين ms0769 من شبانها، فلم أجد بينهم من تحمل هيئته وأحاديثه على شيء من ~~الريب. ~~- تذكري جيدا يا سيدتي. ~~- لماذا تريدين أن أجهد نفسي بالتذكر، وأنت تستطيعين بكلمة واحدة إماطة الحجاب، ~~فتذكرين اسم المجرم الذي يدعى روكامبول، وقد سرق اسم هذا البحار المنكود وثروته ~~وألقابه؟ # وكانت باكارا تكلمها إلى ذلك العهد ببساطة، كمن يقص حكايته في مجلس، ولكنها عندما رأت ~~أن ابنة الدوق تلح عليها بمعرفة الاسم الذي ادعاه روكامبول، ارتسمت على وجهها علائم ~~الجد والكآبة، وقالت: إنك يا سيدتي من أشرف العائلات الإسبانية، وتجول في عروقك أطهر ~~الدماء، فأنت بمقام أسرتك العظيمة تشبهين تلك الشجرة الضخمة، التي تهزها الرياح الشديدة ~~ولكنها لا تقتلعها؛ ولهذا تجاسرت وأتيت إليك، وأنا أعلم بأن الحقيقة سيكون وقعها شديدا ~~هائلا عليك، وعزائي بإبلاغك هذا الخطب الشديد أنك ستكونين بعد ملاقاته آمنة من كل ~~طارئ. # فوقفت ابنة الدوق مضطربة مصفرة الوجه، وقالت: أنا مهددة بهذا الخطر؟ رباه! ماذا حدث ~~وما عسى أن يكون أصابني؟ ~~- إني أتيت لإنقاذك أيتها الفتاة المنكودة. ~~- ماذا أسمع ... تكلمي أوضحي ما تقولين، فإني لم أعد أطيق الصبر تكلمي ... # فترددت باكارا هنيهة، ثم قالت: إن الرجل الذي رأيتيه بملابس المجرمين في الحفلة ~~الراقصة، هذا الرجل الذي سرقوا اسمه ولقبه، وثروته أتعلمين ماذا يدعى؟ إنه يدعى ~~المركيز فريدريك ألبرت أنوريه دي شمري، وهو المركيز الحقيقي أما أنت فإنك ما أحببت إلا ~~روكامبول! ... # أما ابنة الدوق، فإنها لم تصح صيحة ولم تقل كلمة، ولكنها تراجعت خطوتين إلى الوراء، ~~ثم انقلبت على ظهرها مغميا عليها. # وعند ذلك فتح باب الغرفة، ودخلت منه الدوقة، فلما رأت ابنتها دون حراك وباكارا ~~بجانبها صاحت: أواه! لقد قتلت ابنتي؛ فإني سمعت كل شيء. # 20 # مر على هذا المشهد المتقدم بضع ثوان كانت المرأتان تخالهما دهرا، ولكنهما بعد أن ~~جعلت كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى هنيهة، وأسرعتا بعدها إلى الفتاة المنطرحة ~~أمامهما، فحملتاها ووضعتاها على السرير الذي كان في الغرفة. # ثم دنت باكارا من جرس موضوع على المائدة، وحاولت أن تقرعه ms0770 كي تستدعي الخدم غير أن ~~الدوقة منعتها، وقالت لها: لا تفعلي؛ فلا أحب أن يعلم الخدم شيئا من هذا. # وأسرعت إلى غرفة، فأحضرت زجاجة رائحة منعشة وزجاجة خل، فوضعت الرائحة قرب أنفها، ~~وجعلت تفرك صدغيها بالخل، فلم يمر ربع ساعة حتى استفاقت من إغمائها وفتحت ~~عينيها. # وقد نظرت أولا إلى أمها، ثم إلى باكارا وهي منذهلة لاتفاق وجودهما معا، ثم ضربت ~~جبهتها بيدها بغتة، وقالت بلهجة غريبة: لقد تذكرت أيتها الكونتس. # ولم تكد تتم كلامها حتى وثبت من سريرها، ودنت من باكارا التي تراجعت خطوتين؛ كي تدع ~~الدوقة تدنو من ابنتها، فقالت بسكينة تامة: خشيت المرأتان أن تكون مقدمة الجنون: سيدتي ~~انظري إلي جيدا، فإني أدعى كونسبسيون دي سالاندريرا. # فعلمت أمها أنه سيجري بين ابنتها وبين باكارا أمور هائلة، غير أنها لم تجسر على ~~المداخلة، بل لبثت بعيدة عنهما ساكتة تنظر إلى ابنتها نظرات الخوف والإشفاق. # فقالت لها باكارا: إني أعلم يا سيدتي اسمك، وقد اضطرب صوتها؛ لأنها أدركت صعوبة ~~موقفها. ~~- إنك متى عرفت اسمي يا سيدتي تعرفين أيضا أني إسبانية أي: إني أعرف أن أكره وأن أحب ~~إلى أبعد مدى الحب والكره، ولما كنت آخر من بقي من أسرة سالاندريرا، فإني أشعر أن دماء ~~آبائي تجتمع كلها في عروقي. # وبرقت عيناها على أثر كلامها، ثم تابعت: إني قد أغمي علي لأول وهلة، ولكني أذكر ~~الآن كل ما تقدم حادثة إغمائي، وإن جميع كلامك قد طبع في ذاكرتي بحروف دهرية لا ~~تمحى. # وقد أرادت باكارا أن تجيبها غير أنها قاطعتها بإشارة ملؤها الكبرياء، وتابعت: إنك ~~أخبرتني قبل إغمائي أن الرجل الذي أحببته، وكاد يكون زوجي لم يكن المركيز دي شمري أليس ~~كذلك؟ # فأحنت رأسها بكآبة إشارة إلى الإيجاب. ~~- وأنت تقولين: إن المركيز دي شمري الحقيقي هو في سجن قاديس. ~~- نعم يا سيدتي. ~~- وأن الرجل الذي تسمى باسمه في باريس هو لص سفاك، وقد كتبت حكايته خاصة؛ كي تطلعيني ~~عليها. ~~- نعم وهذا اللص هو روكامبول. ~~- انظري يا سيدتي إلى سريري ألا ms0771 تجدين قربه صليبا؟ ~~- نعم ... ~~- إذن فاسمعي يمين إسبانية من أسرة سالاندريرا، التي يتصل شرف نسبها منذ ألف عام، إني ~~أقسم لك بهذا الصليب المقدس إنه إذا كان ما تقولينه أكيدا، وكان هذا الرجل الذي أحببته ~~اللص روكامبول فإنه سيعاقب، وإن حبي له يستحيل إلى كره عجيب ينطبق على جسارته النادرة ~~برفع أنظاره إلي، ولمس يده ليدي، فأعذبه عذابا لا يخطر في بال أحد من أهل هذا الجيل، ~~ولم يحدث مثله إلا في القرون الوسطى المظلمة. # وكانت ابنة الدوق تتكلم بصوت منخفض وبلهجة شديدة تدل على مبلغ انفعالها، فإن عينيها ~~كانتا تتقدان وتنفذ منهما الأشعة كوميض البرق، وقد اصفر جبينها وبدت بأعظم مظاهر الجلال ~~والعظمة والكبرياء، فكان يظهر أن دماء جميع أجدادها قد تسربت بجملتها إلى ~~عروقها. # ثم توقفت هنيهة عن الكلام، ونظرت إلى أمها فرأت عينيها تغرورقان بالدموع، وإلى ~~الكونتس أرتوف فرأتها مطرقة بنظرها إلى الأرض تفكر بنكبتها، فعادت إلى الكلام ووجهته ~~إلى باكارا فقالت: وأما إذا كنت كاذبة فيما تقولين، أو كنت منخدعة، أو كان جميع ما بدر ~~منك زورا وبهتانا، وكان هذا الرجل الذي أحببته أهلا لحبي، فإني أقسم بشرف أجدادي إني ~~لا أشكوك إلى المحاكم انتقاما منك، بل إني أنتقم لنفسي، ثم أخذت بيدها خنجرا كان على ~~الطاولة وتابعت: إذا كنت كاذبة فلا تموتين إلا من يدي بهذا الخنجر. # فرفعت باكارا رأسها وأجابت ببرود: اعلمي يا سيدتي أني لم أنهج هذا النهج، ولم أخبرك ~~بهذا الخطر الهائل الذي كان ينذرك إلا وتوقعت أن أسمع منك ما سمعت، ولو لم تكن لدي ~~البراهين الكافية المسببة لما قلته لك لما تجاسرت على إبراز هذه الحقيقة؛ لعلمي بمقدار ~~تأثيرها عليك، أما وقد تحملت هذه النكبة التي لا يقوى عليها سواك بمثل ما بدا منك من ~~الأنفة، فلا أجد الآن ما يمنعني عن تتمة الحديث فأصغي إلي. # إنه منذ عامين توفيت المركيزة دي شمري في قصرها في سانت جرمين، وكانت آخر لفظة ~~خرجت من فمها اسم ولدها. # وكان بالقرب من سريرها ms0772 عند نزاعها فتاة وفتى، وهما راكعان يبكيان فدخل رجل لا قلب له، ~~فأخذ الشاب بيده وطرده من المنزل، وعاد إلى الفتاة، فقال لها: بلانش، إني أخوك. ثم ركع ~~أمام سرير المركيزة، وهي جثة باردة وجعل يبكي بكاء شديدا، كأنما هو ابن المركيزة ~~الحقيقي وقد فجع بفقدها. # وفي اليوم التالي تبارز مع ذلك الرجل انتقاما لأمه، فارتفع شأنه في العائلات وأيقن ~~الناس أنه المركيز دي شمري لا ريب فيه. # فقالت الفتاة: إلى أين تريدين البلوغ بحديثك وأنا أنتظر البراهين؟ ~~- سأظهر لك يا سيدتي إنما يجب قبل ذلك أن تعلمي كيف كنت، وكيف كان مركزي حين كشفت سر ~~هذا المنافق، وعلمت أنه روكامبول يتنكر باسم المركيز. ~~- كلا، إني أريد البرهان. ~~- ما هذا الإلحاح والتقاطع؟! هو ذا الأبواب أمامك، فأقفليها إذا كنت تخشين أن أهرب، ~~فإنك أنذرتيني بالقتل إذا كنت كاذبة، وأنا أفتح صدري لخنجرك متى يئست من إقناعك غير أنه ~~لا بد لك من الإصغاء إلي. # فشعرت ابنة الدوق أنها مخطئة بإلحاحها، وقالت لها: تكلمي يا سيدتي وها أنا مصغية ~~إليك. ~~- إن ذلك اليوم الذي هتكت فيه أسرار ذلك الماكر كنت أرى فيه فتاتين أمامي، إحداهما يا ~~سيدتي أنت، فقد كنت معرضة لخطر الزواج بهذا السافل، ولكن الخطر كان يمكن ملافاته، ~~والثانية يا سيدتي هي تلك المرأة التي قضى عليها نكد الطالع أن تكون أقل حظا منك، ~~فإنها منذ عهد بعيد تنادي ذلك السفاك بأخيها، فتصافحه وتعانقه وتحبه كما تحب الأخت ~~أخاها، وهي لا تعلم أن يدها كانت تصافح تلك اليد الملطخة بدم أخيها الحقيقي. ~~- يا للهول! ~~- وقد علمت يا سيدتي أنك شديدة صبورة، فإذا أخبرتك بالحقيقة تستطيعين الصبر عليها ~~خلافا لبلانش دي أسمول، فإنها إذا علمتها مني تموت لا محالة. ~~- ماذا تعنين أيتها الكونتس، ألعلك تريدين أن أتولى أنا إخبارها بالحقيقة؟! ~~- كلا ... فإن السر سيبقى مكتوما عنها، أما البرهان الذي تطلبينه بإلحاح، فهو الصورة ~~التي تمثل المركيز الحقيقي، فإن الرجل المقيم الآن في السجن يشبهه شبها غريبا حين كان ~~في عهد ms0773 الطفولة، ولما كنت قد رأيته أمس، وعرفت هيئته فإنك تعلمين أنه هو المركيز ~~الحقيقي حين تنظرين إلى صورته وهو صغير. # ثم عرضت عليها الصورة، فما لبثت ابنة الدوق أن تأملتها حتى صاحت صيحة دهش؛ لأنها رأت ~~أن الصورة تشبه السجين بالعينين والفم والابتسام، وتلك الهيئة الدالة على التفكير، ~~وقالت: كيف عثرت على هذه الصورة؟ ~~- إن زامبا سرقها. ~~- من أين؟ ~~- من قصر الأورانجري في التورين. # فذكرت ابنة الدوق للحال ذلك الكتاب الذي ورد إليها من روكامبول، وما كتبه لها عن ~~الصورة، فدنت من باكارا فهزتها بعنف، وقالت: أعطيني برهانا واحدا يدل على أن الصورة ~~هي صورة المركيز دي شمري، وأنها أخذت من قصر الأورانجري أصدق كل شيء. # فوضعت باكارا أصبعها في آخر الصورة وقالت لها: إنك خبيرة يا سيدتي في فن التصوير ~~فاقرئي هذه الكلمات المكتوبة المخطوطة بالدهان الأحمر؛ تعلمي من ذلك اللون أنها بعيدة ~~العهد. # فقرأت ابنة الدوق تلك الكلمات، وهي توقيع المصور واسم المركيز واسم القصر، وفحصت ذلك ~~الدهان فعلمت أنه قديم منذ عشرين عاما على الأقل، وذكرت أن روكامبول كتب لها أن الصورة ~~سرقت من قصر الأورانجري، ورأت أن الرسم يشابه السجين أتم مشابهة، فلم يبق لديها ريب ~~بصدق أقوال باكارا، فمدت لها يدها تصافحها، وقالت: أرجوك الصفح أيتها الكونتس؛ فقد أسأت ~~بك الظن. # ثم تلاشت قواها بعد أن ثبتت لديها تلك الحقيقة الهائلة، فسقطت على كرسي طويل، وهي ~~تقول: رباه! ما أشهى الموت! # فأسرعت إليها باكارا والدوقة وجعلتا تعزيانها. # بعد ذلك بساعة كان الفجر قد بدأ ينبثق، فبرحت باكارا القصر ونزلت من المشرف إلى ~~السفينة، فذهبت بها إلى الميناء. # وكان فرناند روشي ينتظرها، فقال لها - وهو منشغل البال: ما وراءك؟ ~~- لقد قضي الأمر ... ~~- أعلمت كل شيء؟ ~~- كما أعلم أنا وأنت بحيث لم يعد يفوتها شيء؟ ~~- ألم تمت لذلك الخبر الشديد؟ ~~- لقد تركتها بين يدي والدتها، وهي مصابة بحمى شديدة، ولكنها باتت آمنة من كل ~~خطر. ~~- أتحسبين أنه لم يبق خوف عليها؟ ~~- هذا لا ريب فيه، فإن تنازع ms0774 الحب والكره سينقذها ... ~~- ما تعنين؟ ~~- أريد أنها أحبت ذلك اللص السفاك روكامبول حبا شديدا، ولا بد لذلك الحب أن يتحول ~~إلى بغض أشد. ~~- هذا لا ريب فيه، ولكن أي حب سيتنازع مع البغض؟ # فابتسمت باكارا، وقالت: إنها لا يمر بها أسبوع حتى تتولع بحب المركيز دي شمري ~~الحقيقي. # فارتعش فرناند، وقال: إذا حدث ذلك، فما نصنع؟ ~~- كن مطمئنا؛ فإن لدي خطة لا أستطيع إظهارها لك الآن. # ثم تأبطت ذراعه، وقالت له: سر بي الآن إلى الفندق ثم اذهب إلى قومندان الميناء واسأل ~~عن زامبا؛ فإني انتظرته أكثر من ساعة فلم يحضر، وقد بت منشغلة البال في أمره؛ فإني لا ~~أزال أخشى الخيانة. # وسار الاثنان فأوصلها فرناند إلى الفندق الذي كانت مقيمة فيه مع خادمتها، والطبيب ~~صموئيل في شارع معتزل بعيد عن الفندق الذي يقيم فيه فرناند وروكامبول. # ولما وصلت إلى باب الفندق رأت رجلا مقيما على بابه، فاندهشت اندهاشا عظيما حين ~~رأته؛ لأنه كان زامبا. # 21 # ولنعد الآن إلى البارون بولاسكي، أي: روكامبول الذي تركناه مشهرا مسدسه على زامبا، ~~الذي كاد يجن من رعبه، فإنه لم ينس بعد هول هذا الرجل وسلطانه السابق عليه. # ولم يكن يخطر له في بال أنه سيلقى هذا الداهية؛ ولذلك أتى برسالة قومندان الميناء ~~آمنا مطمئنا، وهو موطد النفس بعد إيصال الرسالة على الذهاب إلى باكارا ، التي كانت ~~عازمة على أن تصحبه معها إلى ابنة الدوق؛ كي يخبرها بحقيقة أمر روكامبول. # فلما رأى أن البارون الألماني لم يكن غير روكامبول، وأن هذا الشيطان المريد يشهر عليه ~~المسدس علم أنه لم يبق حائلا بينه وبين الموت فتراجع إلى الوراء، والذعر ملء قلبه، ~~وقال له ببساطة الأطفال: ألعلك تريد قتلي مرة ثانية؟ # فضحك روكامبول ضحكا عاليا، وقال له: إن من لا ينجح في المرة الأولى، فلا بد له من ~~أن ينجح في الثانية غير أني لا أريد قتلك اليوم، بل قد سررت جدا بلقياك. # وكان زامبا قد عادت إليه جرأته لما رآه من بشاشة روكامبول، فقال له: ms0775 ولكني أنا لم ~~أسر بهذا اللقاء. # فجلس روكامبول على كرسي، وصوب المسدس إلى زامبا، وقال له: إن الأبالسة لم تنقذك من ~~الموت في المرة الأولى إلا خدمة لي؛ لأنها علمت بأني لا أزال محتاجا إليك ... ~~- ربما تكون الأبالسة قد أصابت، غير أني أخشى أن ينطلق المسدس، فتخسر انتفاعك ~~بي. ~~- كلا ... فأصغي إلي الآن ... إني قد تسرعت بإرادة قتلك في ذلك القبو، غير أنك لو كنت في ~~موقفي لفعلت فعلي دون شك، فإني سمعت حركة من خارج الغرفة، فاضطررت إلى قتلك وإقفال ~~القبو. ~~- ليس هذا يا سيدي، ولكنك كنت واثقا من أني علمت اسمك الحقيقي، ونحن في تلك الغرفة ~~فلم تجد بدا من قتلي ... # فارتعش روكامبول وقال: كيف عرفت اسمي؟ ~~- لأن مدام فيبار دعتك أمامي باسم روكامبول. ~~- إنه اسم مختلق أريد به التنكر. ~~- ولكنه اسم مشهور كما يظهر، كما أني أعلم أيضا اسمك الآخر ... ~~- أي اسم تعني؟! ~~- الاسم الذي تسمى به أمام العائلات. # فاصفر وجه روكامبول اصفرارا خفيفا لم يخف عن زامبا مما زاد في جرأته، فقال: أرجوك ~~العفو يا سيدي؛ فقد رأيت أني أسأت إليك بهذه الأخبار، حتى بت أخشى أن ينطلق المسدس الذي ~~بيدك. ~~- أهذا الذي يخيفك؟ ~~- لا أنكر عليك الحقيقة يا سيدي، غير أني لا أخاف على نفسي بل عليك ... ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه إذا خرجت الرصاصة من المسدس خرج معها دوي شديد، فيسرع إليك رجال الفندق، ~~وينزعون عن وجهك هذه اللحية الحمراء، وعن رأسك الشعر المستعار، وعن خديك ذلك اللون ~~الأصفر، وعن جبينك تلك الغضون المصنوعة، فتبرز للعيون شابا من مشاهير باريس، وعضوا ~~في أعظم منتدياتها. ~~- اسكت أيها الوقح ... ~~- إذن فقد رجعت عن قتلي اليوم؛ لأني عارف حقيقة أمرك يا حضرة المركيز دي شمري؟ ~~- أتعلم اسمي الحقيقي أيضا؟ ~~- أعلم أكثر من هذا، فدع المسدس إذا أردت أن تعلم الحقيقة. # وقد تغير موقف اللصين بعد هذا الإقرار، فبعد أن كان روكامبول صاحب السلطة والسيادة ~~على زامبا، أصبحت تلك السيادة لزامبا بعد أن برهن له أنه يعرف أسراره. # فقال ms0776 له روكامبول بصوت يتهدج من الاضطراب: إذن فأنت تعلم اسمي؟ ~~- بل أعلم أيضا أنك عازم على الاقتران بابنة الدوق سالاندريرا. # فصوب روكامبول مسدسه إلى زامبا، وقال له: وبعد ذلك؟ ~~- إنك تستطيع قتلي يا سيدي المركيز غير أنك إذا علمت كل ما أعلمه، وعلمت بأني قادر ~~على نفعك لرجعت عن هذا القصد السيئ. ~~- ليكن ما تريد، فقد عفوت عنك، فقل الآن ما تعلم. # فابتسم زامبا ابتسام الساخر، وأجاب: إنك كريم الأخلاق يا سيدي المركيز، ولكني لا أريد ~~أن أبيعك أسراري بحياتي بل بثروتك. # فراع روكامبول ما رآه من سكينة زامبا، وأجابه: حسنا فسأعطيك من هذه الثروة ما ~~يكفيك. ~~- إني لا أقنع بالقليل. ~~- سأعطيك ما تشاء بعد أن أتزوج بابنة الدوق. # فضحك زامبا بدوره ضحكة تقطع لها فؤاد روكامبول من الغيظ، ثم أجابه: لقد كان من حسن ~~طالعك أنك أتيت في هذا المساء. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك لو أتيت في الغد لفات الأوان دون شك. ~~- كيف يفوت الأوان؟ وماذا تعني؟ ~~- أعني أنك لو لم تأت في هذا المساء لكانت علمت ابنة الدوق غدا كل شيء؛ أي إنها ~~علمت أنك أنت روكامبول، وأن المركيز دي شمري الحقيقي ... ثم توقف عن الكلام وتراجع خطوة ~~إلى الوراء. # فقال له روكامبول: يا ويحك! أتعرف هذا أيضا؟ ~~- أعرف أن المركيز دي شمري في سجن قاديس. # فنظر إليه روكامبول نظرة من أصيب بالبله لما كان من شدة وقع هذا الكلام عليه، غير ~~أن زامبا لم يعد يحفل به، فقال له: أترى كيف أصبحنا صديقين، وكيف أصبحت في مأمن ~~منك؟ ~~- قل ماذا تعلم أيضا ... ~~- اجلس أمامي ولنتحدث، فإني واثق من أننا سنتفق. ~~- وأنا واثق كل الثقة. ~~- إن الذين يحترفون حرفتنا يتفاهمون بالإشارة، فإذا شئت أن نتفق، فدع الآن مركيزيتك ~~ودعني أكلمك بغير إضافة ألقاب السيادة، التي لا فائدة منها غير تطويل الجمل. # فأن روكامبول من غيظه، وقال: تكلم كيف شئت، وقل ما تعلم. ~~- إذن فاعلم أنه يوجد امرأة تقتفي آثارك، وقد عهدت إلي أن أبحث عنك. ~~- ما اسمها؟ ~~- الكونتس أرتوف. ~~- إني ms0777 أعرف ذلك. ~~- وقد سرقوا صورة من قصرك في الأورانجري. ~~- من الذي سرقها؟ ~~- أنا. ~~- أنت؟ وماذا صنعت بها؟ ~~- أعطيتها للكونتس أرتوف. ~~- تبا لك من خائن. ~~- كيف تعد ذلك خيانة، فإني خدمتك فجازيتني بالقتل، وخدمتها فجازتني خير جزاء وهي تعلم ~~حقيقة أمري كما تعلمه أنت. ~~- وأين هي الآن هذه الكونتس؟ ~~- هنا في كاديس. ~~- يا للشقاء! ~~- ومعها الصورة وهي ستعرضها على خطيبتك العزيزة، ثم تقدم لها المركيز دي شمري؛ أي ~~المركيز الحقيقي وليس أنت. ~~- إذن لقد دنت ساعتي وخسرت كل شيء. ~~- إلا إذا تداخلت أنا في أمرك. ~~- كيف تتداخل في أمري؟ وماذا تستطيع أن تفعل؟ ~~- إني أستطيع أن أزوجك ابنة الدوق، وأعبث بباكارا، وأغرق المركيز الحقيقي وأصيرك ~~دوقا من عظماء الإسبان إذا أردت. # وكان زامبا يتكلم بلهجة الواثق من الفوز فيما يقول، فجعل روكامبول ينظر إليه، وقد علق ~~به كل رجائه. # ساد السكوت مدة بين هذين اللصين، غير أن عيونهما كانت تتكلم بأفصح لسان، وقد خفض جانب ~~روكامبول، وذل بعد عزته، وأطرق برأسه إطراق المغلوب الخاسر، ثم أيقن أن زامبا يصلح أن ~~يكون شريكه في آرائه، فأعاد النظر إليه، وسأله: إذن فأنت تريد المساومة؟ ~~- ربما. ~~- ما هي شروطك؟ ~~- إن شروطي مسهبة، كثيرة التفاصيل، أيها الصديق العزيز. # قال هذا وجلس على الكرسي الذي تركه روكامبول. # وكان روكامبول قد وضع مسدسه على الطاولة حين أيقن أنه لا فائدة له من قتل زامبا أو ~~إنذاره؛ فمد زامبا يده بسكينة وأخذ المسدس. # فلما رآه روكامبول ذعر ذعرا شديدا، وأسرع إلى زامبا كي يغتصب منه المسدس، غير أن ~~زامبا صوبه إلى رأسه، وقال له: خير لك أن تبقى مكانك مطمئنا، فإني أعرف أن أدير ~~المسدس كما تعرف أن تديره أنت، ويكفي أقل كلمة منك لقتلك، فقد ينطلق من يدي إذا بدر أقل ~~بادرة منك، فلا يكون حظك غير الموت العاجل. # ولما رأى زامبا أن كلامه قد أثر على روكامبول أمره بالجلوس فامتثل، فقال له متهكما: ~~أي يا حضرة المركيز ... أكنت تعاملني في باريس حين كنت صاحب السلطان المطلق ms0778 خيرا مما ~~أعاملك الآن، بعد أن خلعت عنك تلك السلطة؟ ~~- وبعد ... ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أعرض عليك شروطي. ~~- وأنا مستعد لسماعها ... ~~- أولا إني أريد أن أكون وكيل قصرك وأملاكك، بعد أن تصير زوج ابنة الدوق سلاندريرا ~~كما كان اتفاقنا من قبل ... ~~- لقد قبلت ... ~~- ثم إني أرجو مولاي الدوق سالاندريرا شمري أن يعقد معي اتفاقا ... ~~- على أي شيء؟ ~~- لا تخف فسأملي عليك صورة الاتفاق، ولكني لا بد لي قبل ذلك أن أشرح لك الحالة ~~بتفاصيلها. ~~- تكلم. ~~- إن الكونتس أرتوف في قاديس. ~~- لقد قلت لي ذلك ... ~~- ولديها صورة المركيز الحقيقي، وهي عازمة على أن تعرضها على ابنة الدوق، ثم تقدم لها ~~المركيز. # فقال له روكامبول وقد تمكن منه الرعب: اسكت. ~~- كلا لا يجب الصمت يا سيدي، فإني إذا لزمت الصمت فلا تعلم شيئا، اعلم الآن أنه يوجد ~~أمر لا ينبغي أن تنسى خطارته. ~~- ما هو؟ ~~- هو أنه إذا اجتمعت الكونتس أرتوف بابنة الدوق تقضي بإهلاكك، وتخسر كل شيء. ~~- ولكن باكارا ليس لديها برهان. ~~- إن لديها الصورة وفوق ذلك أخبرتها بكل شيء. # وكأن روكامبول قد نسي أنه أصبح في قبضة زامبا وقف وصاح به، وهو يزبد من الغيظ: ويحك ~~أيها الشقي الخائن! كيف أطلعتها على كل شيء؟! # غير أن زامبا لم يحفل بغضبه، فاكتفى بتصويب المسدس إليه، وقال له بملء السكينة: إني ~~لم أكتف بأني حكيت لها كل شيء بالتفصيل منذ موت الدون جوزيف إلى موت الدوق دي مايلي، ~~بل وعدتها أن أبوح بكل شيء أيضا إلى ابنة الدوق سالاندريرا، وأن أعطيها تلك الرسائل ~~التي كنتم سيادتكم توقعون عليها باسمها بعد تزوير خطها، وكنت أنا أحملها إلى الدوق دي ~~مايلي، فأخبره أنها من ابنة الدوق. ~~- كيف وصلت إليك هذه الرسائل. ~~- إنها لم تصل إلي، ولكني أنا وصلت إليها؛ وذلك أني سرقتها من خزانة الدوق المرحوم ~~بعد وفاته. ~~- وستراها ابنة الدوق؟ ~~- لا يمكن أن تراها إذا تم اتفاقنا، وإذا لم يحدث بيننا مصاعب في هذا الاتفاق، فإني ~~أخدع الكونتس أرتوف، وأحضر لك صورة المركيز ms0779 الحقيقي فتتلفها، ثم تفتك بهذا المركيز ~~المسجون في سجن قاديس، فتلبث ابنة الدوق مقيمة على هواك وتقترن بها بعد أسبوعين. # فارتعش فؤاد روكامبول، وبرقت عيناه بأشعة الأمل، فقال له: قل إذن ما هذا الاتفاق الذي ~~تريد أن نتعاقد عليه؟ ~~- إنه لا يزيد عن أربعة سطور. ~~- وما هو؟ ~~- اجلس على هذا الكرسي أمام مائدة الكتابة، فأملي عليك ما يجب أن تكتبه. # وكان زامبا يلقي إليه هذه الأوامر، وهو يلعب بالمسدس إرهابا لروكامبول وتقليدا له ~~فيما كان يفعله من قبل، فعلم روكامبول أنه بات بجملته في قبضة هذا الرجل يعبث به كما ~~يريد، فلم يسعه إلا الامتثال وجلس على مائدة الكتابة، ثم أخذ القلم بيده وجعل ينتظر، ~~فأملى عليه زامبا ما يأتي: # في اليوم الواقع في ... كنت في قاديس في فندق السحرة وحدي مع زامبا خادم غرفة ~~الدوق دي مايلي سابقا، وخادم غرفة السنيور بادرو قومندان ميناء قاديس الآن، ~~فصرحت لزامبا المتقدم ذكره بما يأتي: إني لست المركيز ألبرت فردريك أونوريه دي ~~شمري، كما يظن الناس بل إني أدعى روكامبول، وقد سرقت أوراق المركيز دي شمري ~~الحقيقي. # وهنا توقف زامبا عن الإملاء؛ لأن روكامبول توقف بعد أن كسر القلم مغضبا، وقال: إذا ~~كان يخطر في بالك أني أعترف كتابة مثل هذا الاعتراف، فلا شك أنك أصبحت من ~~المجانين. ~~- ربما كان ذلك غير أن إمضاءك على ما كتبته الآن لا بد منه. ~~- لا أمضي ولو فقدت يميني. ~~- إذن فإنك لا تتزوج ابنة الدوق، وتذهب إلى سجن قاديس مؤقتا إلى أن ترسل إلى سجون ~~فرنسا. # فاهتز روكامبول اهتزازا عصبيا، واحمرت حدقتاه من الغيظ، وأوشك أن يبطش بزامبا، ~~ولكنه تراجع عن هذا القصد لخوفه من المسدس، ولحذره من عاقبة الطيش. # 22 # وساد السكوت هنيهة بين الاثنين اللذين بات أحدهما محكوما من الآخر، بعد أن كان ~~الحاكم المطلق عليه، ثم ضرب روكامبول الأرض برجله، وقال: إذن فأنت تريد إعدامي أيها ~~الشقي؟ # فضحك زامبا ضحك التهكم، وأجاب: أية فائدة لي من إعدامك؟ فلو كنت أريد ذلك لما ms0780 احتجت ~~إلى أن أستكتبك هذه السطور، بل كنت أطلق عليك المسدس وأبلغ هذا المراد، غير أنه لا ~~فائدة لي من قتلك، ومتى أخبرتك بالسبب الذي دفعني إلى حملك على كتابة هذا التقرير تذعن ~~لي، وتنقطع عن المقاومة. # فنظر إليه روكامبول نظراته السابقة كأنه يأمره بالإيضاح. # فقال زامبا: إني خدمتك بضعة أشهر بأكثر مما كنت تطمع به من الإخلاص، فإذا كنت أخلصت ~~لك لخوفي منك، فقد كان معظم إخلاصي لما وعدتني به من الوعود الصالحة. ~~- ولا أزال مستعدا للوفاء بهذه الوعود. ~~- إنك أكدت لي مثل هذا التأكيد قبل أن تلقيني في القبو، وتطعنني تلك الطعنة ~~النجلاء. ~~- هذا أكيد وأنا أقر بخطئي. ~~- أما أنا فقد استكتبتك هذه السطور؛ لأني أخاف أن يحلو لك هذا الخطأ مرة ثانية فتعود ~~إليه. ~~- وماذا تريد أن تصنع بهذه السطور؟ ~~- إني أضعها في غلاف وأختمه بالشمع، ثم أذهب به إلى أحد رجال القضاء فأدفعه إليه، ~~وأقول له: هذه وصيتي قد أودعتها هذا الغلاف، وسأزورك في كل شهر، فإذا مر شهر ولم ترني ~~فافترض أنني مت، وافتح الغلاف فتجد الوصية أفهمت الآن يا حضرة المركيز؟ # فهز روكامبول رأسه إشارة إلى المصادقة، وهو مشتت البال. # فقال زامبا: إن هذه السطور ستضمن لي طول البقاء يا سيدي روكامبول، أليس كذلك؟ كفاك ~~ذهولا ... تشجع ووقع عليها فتتزوج ابنة الدوق. # غير أن روكامبول بالرغم من الاسم الذي كان يجذب فؤاده بقي يتردد، وهو ينظر محدقا إلى ~~زامبا كأنه يريد أن يخترق حجاب نفسه، ويعلم ما في أعماقها من الأسرار ثم سأله: أهذا كل ~~ما تطلبه ... ~~- نعم ... وليس لي مأرب آخر. ~~- أصحيح ما تقول؟ ~~- إني أعجب كيف ترتاب بصحة قولي، وأية فائدة لي من خدمة المركيز الحقيقي؟! ألعله ~~يعينني وكيلا لأملاك سالاندريرا؟! ~~- إذا كان حقا ما تقول فإنك لا ترفض أن تكتب بضعة سطور، كالسطور التي كتبتها أنا ~~فخذ القلم كي أملي عليك ... # ثم أملى عليه ما يأتي: # إنهم يدعوننى زامبا، ولكن اسمي الحقيقي هو «جان الكانثا»، وأنا برتغالي وقد ~~حكم علي بالإعدام ms0781 لارتكابي جريمة القتل في ... إلخ. # فقال له زامبا: إذا كان هذا كل ما تبغيه فهو سهل ميسور. # ثم كتب جميع ما أملاه عليه بوضوح، وجاء ووقع على ما كتبه باسمه الحقيقي؛ أي: جان ~~الكاتثا. # وعندها مد روكامبول يده يريد أخذ الورقة، فأسرع زامبا إلى تصويب المسدس، وقال له: إني ~~لا أسلمك الورقة إلا متى كتبت أنت أيضا ما أمليته عليك، ووقعت عليها باسمك الصحيح ~~فنتبادل الورقتين. ~~- ليكن ما تريد. # ثم أخذ القلم فوقع على السطور التي كان زامبا أملاها عليه من قبل، وأخذ كل منهما ورقة ~~الآخر فوضعها بجيبه. # وبعد ذلك نهض زامبا، وقال: إني ذاهب الآن. ~~- إلى أين؟ ~~- للاهتمام بأشغالك؛ فإنك ستنال الصورة غدا. ~~- قبل أن تراها ابنة الدوق؟ ~~- دون شك. ~~- وسجين قاديس؟ ~~- نقتله ... ~~- متى؟ ~~- غدا مساء، غير أني أرجوك أن تجيبني إلى سؤال، وهو أنك أتيت إلى قاديس؛ كي تتزوج ~~فإذا كان هذا قصدك، فلماذا أتيت متنكرا باسم البارون بولاسكي؟ ~~- ذلك لأني أردت أن أرى المركيز. ~~- المركيز الحقيقي. ~~- نعم ... ~~- إذن كنت عارفا بأمره من قبل. ~~- بجميع تفاصيله. ~~- إن تنكرك لا يفيدك بشيء، وكان من حسن حظك أنك لقيتني فلا ينفعك غير خدمتي في هذه ~~المهمة، والآن فاقرأ هذا الكتاب الذي جئتك به من عند القومندان، فقد شغلت عنه ~~بي. # ففض روكامبول الكتاب وقرأه، فلما أتم تلاوته قال له زامبا: لقد فاتني أن أقول: إن ~~سيدي القومندان يدعوك غدا إلى العشاء، وستجد عنده دون شك المركيز دي شمري. # فانتهره روكامبول، وأجاب: اسكت أيها الوقح أيوجد غيري من يسمى باسم المركيز دي ~~شمري؟ ~~- لم يحن الوقت بعد، إنما غدا ترتاح منه الراحة الأخيرة، ثم وضع المسدس في ~~جيبه. ~~- لماذا أخذت المسدس؟ ~~- لأني أحتاج إليه وسأرده إليك في الغد. # ثم ودعه وانصرف دون أن يزيد كلمة على ما قال: فلما انتهى إلى الشارع قال في نفسه: إن ~~الكونتس أرتوف تنتظرني منذ ساعة في الميناء، وهي لا بد أن تكون اتهمتني بالخيانة لتأخري ~~عن موافاتها. # وعندما لفظ لفظة الخيانة توقف، وجعل يقول ms0782 في نفسه: إن الانتقام مسرة الآلهة كما ~~يقال، وأنا أراه مسرة الإنسان أيضا، فإني عندما يخطر لي خاطر الانتقام من روكامبول، ~~الذي أراد قتلي، أشعر بارتياح عظيم، ولكن العاقل من يرجو الفائدة بالانتقام، وأية فائدة ~~لي إذا خنت روكامبول؟ # ولا تزال الوسائط ميسورة لجعله دوقا إسبانيا وتزويجه بابنة الدوق الإسباني، فإذا ~~فعلت ذلك فإني أنال منه ثروة أصبح بعدها من الأغنياء، وأكون في مأمن من غدره بفضل هذا ~~الإقرار الذي استكتبته إياه، وكنت قبل خروجي من غرفته أهزأ به وأضمر له كل شر، أما الآن ~~فلا بد لي من الانتباه بينه وبين أعدائه، وبين انتقامي وفائدتي، فماذا أصنع؟ وإلى أي ~~الأمرين أميل؟ # إني إذا أنقذت روكامبول من موقفه الشديد أكون خادعا لنفسي، خادما لرجل لا أرجو له ~~غير الشر مخالفا لعواطف انتقامي. # غير أني إذا أنقذته أصبح من الأغنياء، ولا أتوقع بعد مثل تلك الفرصة بعد بلوغي حد ~~الشيب إذن، فإن إنقاذه أفضل لي من إعدامه. # ولأبحث الآن لأرى إذا كان إنقاذه ممكنا، فإن ابنة الدوق خطيبته لا تعلم إلى الآن ~~شيئا من حقيقة أمره، فإني قد اتفقت مع باكارا على أن لا تعلم هذه الحقيقة إلا مني، ~~وهذه الكونتس تنتظرني الآن في الميناء؛ كي نذهب معا إلى ابنة الدوق، فإذا ذهبت وإياها ~~في قارب صغير، فلا أسهل علي من إغراقها في الطريق، وهو خير ما يجب أن أعول ~~عليه. # ثم ابتسم ابتسام الرضى لرجائه بالفوز في هذه الخطة الهائلة، واندفع يسرع الخطى إلى ~~الميناء؛ كي يلتقي بباكارا حيث كانت تنتظره. ~~••• # وكانت الساعة تدق عندما وصل إلى الميناء مؤذنة بانتصاف الليل، فلم يجد باكارا، ولكنه ~~سمع أصوات المجاذيف ورأى خيال قارب صغير يبتعد، فخشي أن تكون باكارا سبقته. # ورأى قاربا صغيرا راسيا في الميناء وفيه بحار يدخن بغليونه، وهو يتأمل النجوم، ~~فدنا وسأله: أتعلم أيها الصديق من الذي يسير إلى الصيد عند انتصاف الليل في هذا ~~القارب؟ # وأشار إلى الجهة التي سمع منها صوت المجاذيف. # فأجابه النوتي: ليس الذي ذهب ms0783 فيه بصياد. ~~- من هو إذن؟ ~~- سيدة تريد التنزه مغتنمة سكون البحر. # فامتقع وجه زامبا، وقال في نفسه: لقد فسد كل حساب، فإن هذه المرأة هي الكونتس أرتوف، ~~وهي ذاهبة دون شك إلى ابنة الدوق لتريها الصورة، وتطلعها على كل شيء، إذن فإن روكامبول ~~سيئ الطالع ولا بد لي من التخلي عنه. # ثم ترك الصياد وجعل يطوف في شوارع المدينة إلى الساعة الثالثة، وتوجه إلى الفندق ~~المقيمة فيه باكارا، وجلس على بابه ينتظر عودتها. # فلما عادت باكارا عند بزوغ الفجر رأته جالسا على باب الفندق كما تقدم، فأسرع زامبا ~~إليها وحياها بملء الاحترام، فقالت: لقد دعوتني إلى انتظارك ساعة، فما معنى هذا ~~الإبطاء؟ # فأشار زامبا بيده إلى فرناند، وأجاب: متى خلوت بك يا سيدتي أخبرتك بكل شيء. ~~- تكلم أمامه. ~~- أرجوك المعذرة يا سيدتي، وأسأل سيدي الصفح فإن ما أريد أن أقوله لك سر عظيم لا ~~يقال أمام اثنين. ~~- لا بأس، اتبعني. # ثم ودعت فرناند وصعدت إلى الغرفة المعدة لها في الفندق، فتبعها زامبا حتى إذا خلا ~~بهما المكان دار بينهما الحديث الآتي، فقالت باكارا: إني أرى على وجهك ملامح الجد ~~والاهتمام. ~~- ذلك لأن الأمر خطير. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يتعلق بروكامبول. # فارتعشت باكارا، وقالت: ما وراءك من أخباره؟ ~~- كل أمر خطير؛ فقد لقيته الليلة. ~~- ماذا تقول؟! ألقيت روكامبول؟ ألعله هنا؟! ~~- نعم؛ فهو في قاديس. ~~- متى أتى إليها؟ ~~- منذ بضع ساعات، وقد جاءها متنكرا باسم البارون بولاسكي. ~~- لا شك أنك مجنون. ~~- كلا يا سيدتي، بل إن ما قلته هو الحقيقة. ~~- أرأيته بعينك؟ ~~- بل كلمته أيضا، وهو الذي دعاني إلى التأخر عن موافاتك في الوقت المعين، فقد كنت ~~عنده. ~~- ولكن أية غاية له بالقدوم إلى قاديس متنكرا؟! ~~- إنه أتى لتغيير الهواء فيها أولا، ثم لقتل المركيز دي شمري. ~~- كيف عرف أن المركيز حي؟ ~~- إنه يعرف كل شيء، فقد عرف نصف هذه الخفايا في باريس. ~~- والنصف الآخر؟ ~~- عرفه مني. ~~- إذن فلم يعد بد له من الفرار وسينجو من قبضتنا. ~~- كلا، فإنه ينام الآن آمنا مطمئنا، وهو ms0784 يحلم دون شك بزواجه بابنة الدوق. ~~- قل إذن ما حدث بالتفصيل. ~~- ليكن ما تريدين يا سيدتي. # ثم أخبرها بجميع ما كان بينه وبين روكامبول، وأراها الورقة التي خط عليها اعترافه ~~بخطه وتوقيعه باسمه الصحيح، ثم قال لها: أظن أننا نستطيع بهذا الإقرار أن نفعل به ما ~~نشاء. ~~- نعم؛ فلا بد من إرساله إلى السجن المؤبد، أو إلى ساحة الإعدام. # وأقامت باكارا مع زامبا نحو ساعة يتحادثان، فلم يعد يعلم أحد ما جرى بينهما، ولكنه ~~عندما خرج زامبا ذهب إلى فندق السحرة حيث يقيم روكامبول، ودخل إليه فقال له: هذه هي ~~صورة المركيز التى وعدتك بإحضارها. # ثم فتحها وأراه البقعة الظاهرة بها. # فأخذها روكامبول بيد مرتجفة، وقال: ما أصنع بها؟ # قال زامبا: أحرقها، فإنه إذا ذهبت آثارها زالت الموانع بينك وبين ابنة الدوق. # وكان زامبا يقول هذا القول بلهجة المتهكم، غير أن روكامبول لم ينتبه إليه لانشغاله ~~بالصورة، ولأن السير فيليام قد مات. # 23 # بعد يومين مرا على اجتماع زامبا وروكامبول كانت مركبة خارجة في الليل من قاديس متوجهة ~~إلى قصر أسقف غرناطة، الذي تقيم فيه الدوقة سالاندريرا وابنتها. # وكان يوجد في هذه المركبة رجل وامرأة، أما الرجل فكان فرناند روشي، وأما المرأة فكانت ~~باكارا، ولكنها متنكرة بملابس الرجال كما أتت من باريس. # فكان فرناند يقول لها: ألم يحن الوقت بعد لإطلاعي على هذه الأسرار الغامضة؟ # فابتسمت له باكارا، وقالت: نعم فسأوقفك على بعضها فسلني أجبك، أو أنا أبدأ بسؤالك ~~فإنك قد أشكل عليك دون شك، كيف أني أريد أن تحب ابنة الدوق المركيز دي شمري ~~الحقيقي؟ ~~- نعم؛ ولكنك قلت لي إنك لا تريدين أن تسوقي روكامبول إلى المحاكمة؛ لأن مدام دي ~~أسمول تعتقد أنه أخوها، وقد أحبته حبا أخويا. ~~- هذا أكيد. ~~- غير أن الذي لم أفهمه هو أنه لو تحققت أمانيك وأحبت ابنة الدوق المركيز الحقيقي، ثم ~~تزوجت به بدلا من هذا الجسور روكامبول، ألا تخشى ابنة الدوق أن تظهر الحقيقة في مستقبل ~~الأيام؟ ~~- لا أظن. ~~- ألا تعلم الفيكونتس دي ms0785 أسمول هذه الحقيقة؟ ~~- كلا! ~~- غير أني لا أرى ما ترينه، أو أني لا أفهم ما تقصدين. ~~- إذن فأصغ إلي؛ فإني سأطلعلك على خطتي بتفاصيلها، فاعلم أن المركيز دي شمري قد أثر ~~بلطفه وكآبته تأثيرا شديدا على ابنة الدوق، التي لم تكترث له في بدء الأمر لتعلقها ~~بحب روكامبول، فلم تفهم سر ذلك التأثير، ولكنها ستفهمه الآن. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- سأبذل الجهد بإدخال الحب إلى هذين القلبين، فإذا نجحت فيما أقصده وأنا واثقة من ~~النجاح، فلا أسهل من أن يحل المركيز في محل المركيز الكاذب. ~~- أتظنين؟ ~~- بل أؤكد؛ فإنهم ينتظرون في باريس الذي يحسبون أنه المركيز الحقيقي، وكل شيء مهيأ ~~لعقد الزواج الذي سيكون قرانا بسيطا في كنيسة قصر سالاندريرا، لا يحضره أحد بسبب ~~الحداد، وبعد عقد القران يسافر العروسان إلى مدريد، وهناك يأخذ المركيز أوراق تعيينه من ~~جلالة الملك سفيرا لدى البرازيل، ويسافر مع زوجته في اليوم نفسه. ~~- إلى البرازيل؟ ~~- دون شك. ~~- لم أفهم بعد ... ~~- هب أن هذه الاستحالة قد تمت، وأن المركيز دي شمري نال ما كان يطمع بنيله روكامبول، ~~فتزوج ابنة الدوق وعين سفيرا في البرازيل، فإنه سيقيم في تلك البلاد عشرة ~~أعوام. ~~- لقد بدأت أفهم. ~~- وإن روكامبول يشبه المركيز بقوامه أتم الشبه، ويشبه ذلك اللص في ملامحه بعض الشبه، ~~فإذا مضت عشرة أعوام، فإن تلك الملامح تتغير، فإذا رأته أخته الفيكونتس دي أسمول بعد ~~ذلك العهد الطويل في باريس، فلا تشك بأنها ترى أخاها. # لقد فهمت الآن كل شيء، غير أن الذي أراه أنه يوجد كثير من المصاعب في سبيل هذه ~~الأمنية. ~~- لا شك أننا سنلقى مصاعب لا تقاوم، غير أننا نسعى من وراء هذا القصد، ويد الله من ~~ورائنا. ~~- وبعد ذلك، فماذا تصنعين بهذا اللص روكامبول؟ # فبرقت عيناها، وقالت: سأؤدب به رجال الشر، وسترى. ~~- بقي أمر لا يزال مشكلا علي فهمه، وهو أنه ما زال روكامبول موجودا هنا متنكرا، ~~فلماذا لا تقبضين عليه؟ ~~- إني سأكتم عنك هذا السر ثلاثة أيام ثم أخبرك بكل شيء. # وعند ذلك وصلت ms0786 المركبة إلى قصر الأسقف، فنزلت باكارا وفرناند ودخلا، فكان أول من ~~قابلهما الدوقة، فإنها حين رأت باكارا أسرعت إليها وصافحتها بلهف، كأنها كانت تنتظر ~~قدومها، فسألتها باكارا عن ابنتها، فأخبرتها أنها بكت بكاءا شديدا غير أنها عادت بعد ~~ذلك البكاء إلى سكينتها، ثم قالت لها: إنها سألت عنك مرات كثيرة، وهي ترغب أن ~~تراك. ~~- أين هي الآن؟ ~~- إنها في غرفتها منذ الصباح، جالسة أمام نافذة مشرفة على البحر، وهي تنظر إليه بشرود ~~بت أخاف عاقبته. ~~- إني لا أرى ما ترين يا سيدتي، بل إني بت أرجو كل خير. ~~- عسى أن يحقق الله رجاءك. ~~- أتأذنين لي أن أدخل إليها وحدي؟ ~~- كما تشائين. # وتأبط فرناند ذراع الدوقة، وسار بها إلى قاعة الاستقبال، بينما كانت باكارا ذاهبة إلى ~~غرفة ابنة الدوق، فلما بلغت إليها قرعت بابها ثلاث مرات فلم يجبها أحد، ففتحت باكارا ~~الباب ودخلت فرأت ابنة الدوق مستندة على النافذة تنظر إلى البحر، كما قالت أمها وهي ~~غارقة ببحار الهواجس. # فأغلقت باكارا الباب وتقدمت إليها حتى دنت منها، وهي لا تنتبه حتى لمستها بكفها، ~~فانتبهت من ذهولها والتفتت إليها، فقالت باضطراب: أهذا أنت يا سيدتي الكونتس؟ # فضمتها باكارا إليها وعانقتها بحنو شديد، وهي تقول: مسكينة فلا بد أن تكوني قد تألمت ~~كثيرا. # وكأن تلك الكلمات قد أثارت كبرياء الفتاة، فنظرت إلى باكارا نظرة إنكار، وقالت : أخطأت ~~يا سيدتي الكونتس، فإني لم أعد أفتكر إلا بالانتقام. ~~- سننتقم لك في وقت قريب. ~~- بل أريد أن يكون الانتقام اليوم؛ إذ لا صبر لي على الانتظار، غير أني أشعر أني ~~أحتقر ذاك الشقي احتقارا شديدا، حتى إنني أخشى أن أرجع عن انتقامي منه؛ لأنه غير أهل ~~لانتقامي. ~~- سيدتي، إنه غير أهل لانتقامك، ولكنك إذا كنت تستنكفين الانتقام من ذاك اللص، فإنه ~~يحق لك معاقبته، والمعاقبة غير الانتقام، حتى إنني أتجاسر وأقول: إنه لا يحق لك أن ~~تصفحي عنه، فإن ذلك الرجل قتل وارتكب جميع الموبقات، أفلا يجب أن يسحق كما تسحق ~~الحية القاتلة؟ ~~- إذن، اكشفي أمره ms0787 وسلميه للشرع. ~~- كلا ... فلم يحن الوقت بعد. ~~- ماذا تريدين أن تصنعي قبل تسليمه؟ ~~- يجب أن نفتكر قبل عقاب هذا اللص. ~~- لقد علمت ما تقصدين، فإنني كنت أفتكر طول ليلي هذا الفكر؛ إذ يجب قبل كل شيء أن ~~يخرج المركيز دي ... شمري ... من السجن. ~~- نعم ... لقد أصبت. ~~- سأكتب للملكة وإذا دعت الأحوال ذهبت إليها. # فأوقفتها باكارا عن الحديث، وقالت: إنني أريد قبل أن أسدي إليك نصيحة أن ألتمس منك ~~أمرا. ~~- تفضلي يا سيدتي وسلي ما تشائين. ~~- أسألك أن تأذني للمركيز دي شمري بمقابلة. # فاصفر وجه ابنة الدوق، وكادت تسقط على الأرض، غير أن باكارا أسرعت إليها فأخذتها ~~بيدها، وقالت لها: هلمي بنا إلى الرواق المشرف على البحر. # وكان القمر ساطعا ترقص أشعته على الأمواج، وتظهر القوارب فيه كما تظهر في ضوء ~~النهار، فأشارت باكارا بيدها إلى جهة الميناء، وقالت لها: انظري ألا ترين قاربا صغيرا ~~يدنو من القصر، ألا ترين فيه رجلين؟ إن أحدهما هو المركيز. # فاتكأت ابنة الدوق على كتف باكارا، وجعل فؤادها يخفق خفوقا شديدا، فلم تعد تشكك ~~باكارا أنها تهواه. # وجعلت كلتاهما تنظر إلى ذلك القارب يدنو من القصر، وكل منهما تفكر في شأن، إلى أن دنا ~~منهما فرأت ابنة الدوق فيه رجلين أحدهما كان منحنيا على المجاذيف، والآخر واقفا في ~~مؤخر القارب، فما أوشكت أن ترى ذلك الرجل الواقف حتى توردت وجنتاها لما تولاها من ~~التأثير. # ثم وصل القارب إلى الشاطئ، فألقى المرسى ونزل منه ذلك الشاب الذي كان واقفا فيه إلى ~~الرصيف، وجعل يصعد السلم المؤدي إلى الرواق. # وكان هذا الرجل المركيز دي شمري الحقيقي، غير أنه لم يكن بملابس المجرمين كما رأته ~~ابنة الدوق في الحفلة الراقصة، بل كان مرتديا بملابس ضابط في البحرية، فزادت تلك ~~الملابس ثقة ابنة الدوق به حتى لم يبق لديها أقل شك فيه، وجعلت تسائل نفسها بعد أن ~~رأته في تلك الملابس، كيف أنها فضلت تلميذ السير فيليام على هذا الشاب الجميل ~~النبيل. # على أن المركيز دي شمري لم يكن ms0788 أقل اضطرابا منها؛ ولذلك حين سلم عليها مقبلا يدها ~~لم يكن يعرف كيف يكلمها لتلعثم لسانه واضطرابه. # أما ابنة الدوق فإنها ابتسمت له ألطف ابتسام، ثم دنت من باكارا، وقالت لها همسا: ~~أرجوك يا سيدتي أن تذهبي إلى القاعة حيث تجدين أمي، وأن تدعيني هنيهة مع ~~المركيز. # فضغطت باكارا على يدها إشارة إلى أنها عالمة بما سيجري بينهما، وخرجت دون أن تجيب ~~بكلمة. # فلما خلا المكان بالمركيز وابنة الدوق، ولم يكن يحيط بهما غير سكون الليل الهادئ، ~~وتحت أقدامهما مياه البحر وفوق رأسيهما تلك القبة الزرقاء المرصعة بالنجوم جعل كل منهما ~~ينظر إلى الآخر بضع دقائق، فلا هو يجسر على أن يسأل كيف أنها طلبت أن تنفرد به، ولا هي ~~تجسر على مفاتحته بالحديث إلى أن تغلبت على نفسها، ونظرت إليه نظرة الحزين المكتئب، ~~وقالت له: لقد عرفت الآن يا سيدي اسمك وتاريخك، وعلمت أنهم سرقوا أوراقك كما أنك قد ~~علمت أنت أيضا أن الذي تجاسر على سرقتها ... # فقاطعها المركيز، وقال لها: إني أعلم يا سيدتي أنك من أشرف النساء وأسوأهن ~~حظا. ~~- كلا يا سيدي إني لا أريد أن أكلمك عن نفسي، بل عن سواي فإن رجلا لصا سفاكا تنكر ~~باسم رجل شريف، وتعرض لي وقد تجاسر ذاك الشقي أن يرفع نظره إلي، فخدعت باسمه الذي ~~اختلسه حتى أحسب أنني أحببته، وأنا مستعدة أن أتحمل كل عقاب وأن أسمع الناس يقولون من ~~حولي: إن ابنة الدوق سالاندريرا أوشكت أن تتزوج برجل سفاك. غير أنه يا سيدي يوجد بالقرب ~~مني ومنك سيدتان شريفتان قد تتحملان مثل عقابي، وهما أمي وأختك. ~~- لقد فهمت يا سيدتي ما تريدين، فإني إذا أظهرت نفسي ظهر مكر ذلك السفاك، فكانت تلك ~~الفضيحة داعية إلى قتل أمك وقتل أختي، ومعاذ الله أن أدعهما يتحملان أقل سوء من أجلي! ~~فأجلي يا سيدتي زواجك بهذا الشقي إلى أجل غير محدود، وأنا أتنازل عن اسمي وعن ثروتي، ثم ~~أقتل ذاك الرجل فتتظاهرين أنت بالبكاء على خطيبك، وتبكي أختي ذلك الذي ms0789 كانت تحسبه ~~أخاها، فيسلم شرفنا جميعنا من الأذى، ولا يقول أحد إن لصا أثيما تجاسر على أن يسرق ~~اسمي، وأن يلمس يد أشرف فتاة، وإني أكتفي أن تنقذيني من السجن، فلعلي أرى ولو مرة في ~~حياتي تلك الأخت العزيزة. # وكان المركيز يتكلم بلهجة المكتئب، وقد هاجت عواطف حنوه، فسقطت دمعة من عينه على خده، ~~ثم انسكبت على يد ابنة الدوق التي كانت بين يديه، فأثرت بها تأثيرا شديدا، وقالت له: ~~لقد كنت يا سيدي منخدعة، ولكن بين جنبي قلبا نبيلا لا يعرف البهتان، فأنا أنفق حياتي ~~كلها على قدمي ذلك الرجل الذي يمد إلي يده في حين الشدة. # فلم يجسر المركيز على أن يتظاهر بإدراك قصدها، فقال: ماذا تقولين يا سيدتي؟ ~~- أقول: يا سيدي المركيز إنك رجل كريم نبيل، فهل تريد أن تخلصني من العار، وتنجي أمي ~~من القنوط، وتنقذ أختك التي تحبها حب العبادة؟ ~~- مري يا سيدتي أطع. # فقالت بصوت ثابت أجش: أتريد يا سيدي المركيز أن تتزوجني؟ # فصاح المركيز صيحة فرح وركع أمامها، وهو يقول: نعم ... نعم ... لأني أحبك. # فأجابته الفتاة بصوت يتهدج من التأثير: وأنا أيضا، فإني أشعر بأني سأحبك. # 24 # بينما كان فرناند روشي وباكارا ذاهبين إلى القصر، الذي تقيم فيه الدوقة وابنتها كان ~~البارون بولاسكي، أي: روكامبول يسير في مركبته إلى قصر قومندان الميناء. # وذلك أن القومندان زار روكامبول في الفندق النازل فيه، فدعاه إلى مناولة الطعام عنده ~~في المساء. # فلما كان المساء ذهب روكامبول في الموعد المعين، فاستقبله القومندان باحتفال عظيم على ~~الباب الخارجي، ودخل به إلى القاعة الكبرى فأقام معه هنيهة، ثم اعتذر منه فخرج إلى غرفة ~~ثانية لقضاء بعض الشئون. # وعند ذلك دخل زامبا، وهو خادم القومندان - كما يذكر القراء، فدنا من روكامبول ~~باحتراس، وبعد أن التفت حواليه التفات المتحذر قال له: إن لي كلمتين أقولهما لك ثم ~~أمضي، فقل لي أوصلتك رسائلي؟ ~~- نعم؛ فقد قلت لي فيها أن أبقى في الفندق طول النهار. ~~- ألم تخرج منه أبدا؟ ~~- كلا ... ~~- إذن فكل شيء ms0790 يجري على ما تريد. ~~- ماذا تعني بهذا القول؟ ~~- أريد أن أحدثك بأمور كثيرة غير أن الوقت لا يسمح لي الآن، فاعلم أن الأمر سيتم في ~~هذا المساء. ~~- أي أمر؟ ~~- قتل المركيز دي شمري، فقد دبرت كل شيء، وفي هذه الليلة لا يبقى في الوجود غير مركيز ~~واحد. # فاضطرب روكامبول، وقال: أحقا ما تقول؟ ~~- كل الحق، فاسمع الآن، إنك بعد العشاء يجب أن تظهر أمام القومندان أنك ترغب التنزه ~~في البحر لصفاء الجو، وسكون البحر أو غير ذلك من الحجج. ~~- سأجد حجة لهذه النزهة، وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك يضع القومندان في خدمتك قاربا صغيرا يقوده خادمه وأحد المجرمين. ~~- ومن يكون هذا المجرم؟ ~~- المركيز دي شمري. ~~- أتظن أنه يرسل معي المركيز؟ ~~- بل إنني واثق. ~~- والخادم؟ ~~- اصمت فسأخبرك بكل شيء؛ إذ لا بد لي الآن من الذهاب. # وبعد ما خرج زامبا دخل القومندان ومعه امرأته، فعرفه بها وأقاموا في تلك القاعة ~~هنيهة، ثم فتح باب قاعة الطعام، وأقبل زامبا يدعوهم إلى المائدة، فخرجوا جميعهم من قاعة ~~الاستقبال إلى قاعة الطعام، وجعل روكامبول يتحفهم بخير أحاديث الموائد مما تعلمه من ~~أستاذه أندريا، ومن ألفته لعشرة الأعيان والظرفاء. # وقد فرغوا من الطعام في الساعة الثامنة ونصف، فدعا القومندان ضيفه إلى شرب القهوة في ~~الرواق المشرف على البحر، فجعل روكامبول يتغزل بالنجوم السابحة في الفضاء، وبصفاء ~~السماء تغزل الشاعر حتى استطرد في أوصافه البحر، وأشار إلى رغبته بالتنزه فيه، فأسرع ~~القومندان ونادى زامبا، فقال له: قل لأحد المجرمين ليعد قاربا لنزهة البارون واذهب أنت ~~مع المجرم في خدمته، فامتثل زامبا وخرج. # أما روكامبول فإنه تظاهر بالانقباض حين ذكر المجرم، وكان القومندان قد شعر بمخاوفه، ~~فقال له: لا تخش؛ فإن المجرم الذي سنرسله معك من أفضل الذين لدي من المجرمين، وفوق ذلك ~~فسأرسل معه خادم غرفتي الخاص. # وبعد ذلك قدم زامبا، وأخبر مولاه أن القارب قد أعد لركوب البارون، فودع روكامبول ~~القومندان وسار مع زامبا إلى البحر. # فقال له زامبا على الطريق: إننا نستطيع الآن أن نتكلم ms0791 فأصغ إلي، إننا سنذهب ومعنا ~~المركيز إلى عرض البحر، ونخرج من الميناء فنحتجب وراء صخورها عن الأنظار. ~~- وأية فائدة من هذا الحذر والظلام كاف لسترنا عن العيون؟ ~~- لست من رأيك؛ فإن إطلاق النار على الرجل كاف لفضيحتنا. ~~- إذن نقتله بالخنجر، فهو أقرب إلى الغاية. ~~- كلا ... لأن الطعن بالخنجر لا يضمن الموت السريع، ولا بد أن تذكر ذلك. ~~- كفى ما مضى ولا تعد إلى مثل هذا التلميح. ~~- كما تريد، إن رصاصة المسدس تضمن هذا القتل، وها أنا الآن أرد إليك مسدسك فخذه ~~واقتله به على غرة، فإنه قوي نشيط، فإذا علم بقصدك تضطر معه إلى عراك عنيف. # فأخذ روكامبول المسدس ووضعه في جيبه. # وسار الاثنان حتى بلغا إلى الشاطئ الراسي فيه القارب، وكان فيه المركيز دي شمري ~~بملابس المجرمين. # فدنا زامبا من روكامبول، وقال له همسا: لا تقتله إلا حين أقول لك كلمة خاصة تكون ~~الإشارة بيننا إلى وجوب قتله. ~~- وهذه الكلمة؟ ~~- هي أن أقول حين بلوغنا عرض البحر: «أيها المركيز أخبرنا بقصتك، فإنك مركيز حقيقي ~~كما يقال.» ~~- وعند ذلك أطلق عليه؟ ~~- نعم؛ فإنه يوجد في مسدسك ست رصاصات، فإذا اضطررت فأطلقها عليه كلها إلى أن ~~يموت. ~~- كن واثقا، فسأقتله برصاصة واحدة. # ثم نزلا إلى القارب، فارتعش روكامبول حين رأى ذلك المركيز بملابس المجرمين، وقد كان ~~رآه في تلك الباخرة قبيل غرقها منذ عامين بملابس الضباط، ولا يمكن اللص أن يرى الرجل ~~الذي سلبه إلا أن يصاب بمثل هذا الاضطراب، غير أن اضطراب روكامبول كان شديدا، حتى إنه ~~أوشك أن يسمع دقات قلبه، ثم اصفر وجهه كأنه قد نسي أنه متنكر، فلا خوف من أن يعرفه ~~المركيز. # ولكن هذا الاضطراب لا يطول في قلب مثل قلب روكامبول، فما لبث أن عاد إلى السكينة، ~~وذهب فجلس في مؤخر القارب وأدار ظهره للمركيز، فجعل هذا السجين يجذف وانطلقت ~~السفينة. # وكان زامبا جالسا أمام روكامبول، فقال له بصوت منخفض: إن المركيز يعرف الإنكليزية، ~~فكلمه بها. # فهز روكامبول يده مشيرا إشارة نفي، ثم قال له ms0792 همسا: إنه قد يعرفني من صوتي. # وعند ذلك دنا زامبا فجلس بقرب المركيز، وأخذ مجذافا فساعده بالتجذيف حتى خرج بهم ~~القارب، فقال له المركيز: إننا نستطيع الآن نشر الشراع. # فأجابه زامبا: كما تشاء يا حضرة المركيز. # ثم نهض المركيز فنشر الشراع، ولما أتم مهمته سأل زامبا قائلا: إلى أين تريد أن ~~نسير؟ ~~- إلى عرض البحر. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تسير بالقارب إلى ذلك الصخر البعيد الذي يبدو لنا بشكل نقطة سوداء. # فامتثل المركيز ودفع القارب إلى حيث أمره. # وعند ذلك دنا زامبا من روكامبول، وقال له: أليس من الغريب أن أصدر أوامري للمركيز دي ~~شمري، وأن أقف أمامك في مواقف الاحترام. # فضغط روكامبول عليه ضغطا شديدا، وقال له همسا: كفى، فلا تعد إلى هذه ~~الأبحاث. # أما ذلك المركيز الحقيقي، الذي مدت إليه ابنة سالاندريرا يدها تسأله الزواج، فإنه كان ~~يصدع بأوامر زامبا، ويسير بالسفينة كما يريد دون أن يظهر عليه شيء من الاكتراث بما كان ~~يتحدث به زامبا وروكامبول بأصوات منخفضة. # وكانت السفينة تسير بسرعة عظيمة إلى أن بلغت القصر، الذي تقيم فيه الدوقة سالاندريرا ~~وابنتها، فقال زامبا بلهجة المتهكم للسجين: أتعرف يا حضرة المركيز صاحب هذا ~~القصر؟ ~~- نعم؛ فهو لأسقف غرناطة ... ~~- أهنا تقيم خطيبة سميك؟ # فأجابه المركيز بعظمة: ليس لي سمي. # فالتفت زامبا إلى روكامبول، وقال له بصوت منخفض: انتبه؛ فقد آن الأوان. # وكان القارب قد اجتاز أسوار القصر، فبات خارجا عن الميناء والمركيز جالس فيه أمام ~~مصباح خلافا لزامبا وروكامبول، فقد كانا مقيمين في مؤخر القارب لا تصل إليهما أشعة ذلك ~~النور. # فعاد زامبا إلى محادثته، فقال له: كيف تقول إنه ليس لك سمي؟ ~~- ذلك لأني أقول الحقيقة. ~~- ومن هو المركيز دي شمري؟ ~~- هو أنا! ~~- والذي يقيم في باريس؟ ~~- هو مزور محتال. # وكان روكامبول في ذلك الحين أخرج المسدس من جيبه، وحمله بيده متأهبا للإطلاق حين ~~صدور الإشارة المتفق عليها. # أما زامبا، فإنه قال للمركيز: إذن فأنت مركيز حقيقي! فإذا كان ذلك فقص علينا ~~حكايتك؛ فلا بد أن تكون غريبة. ms0793 # غير أن المركيز لم يجد مجالا للجواب، فإن روكامبول أطلق عليه المسدس، فانقلب المركيز ~~في السفينة، وصاح صيحة شديدة، فأطلق روكامبول عليه ثلاث رصاصات من مسدسه، فصاح المركيز ~~صياحا مؤلما، وحاول أن ينقض على روكامبول غير أنه انقلب على ظهره، وسقط في البحر ~~فوارته الأمواج عن الأبصار. # وعند ذلك أسرع زامبا إلى تولي أمر الشراع، وهو يقول لروكامبول: أهنئك الآن؛ فقد أصبحت ~~مركيزا حقيقيا لا ريب فيه. # 25 # وقد فرح روكامبول في بدء الأمر فرحا وحشيا لا يوصف لتخلصه من هذا المركيز، وأطل ~~من القارب كي يرى جثة المركيز المقتول، فلم ير لها أثرا، وأيقن أن الأمواج قد ~~ابتلعتها. # وساد السكون هنيهة بين هذين اللصين، ثم قال زامبا لروكامبول: تول أنت أمر الدفة ~~وأنا أتولى أمر الشراع؛ إذ لا بد أن تكون خبيرا في هذه المهنة. ~~- نعم؛ فلقد كنت في حداثتي بحارا في بوجيفال. ~~- إذن سر بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث ننام. ~~- أتعود إلى قاديس؟ ~~- إلى أين إذن تريد أن تعود إذا لم نعد إليها؟ ~~- والقتيل؟ ~~- إنه مات. ~~- أعرف أنه مات، ولكن كيف نوضح سبب اختفائه. ~~- إن أمره منوط بي فلا تخف؛ لأني سأقول للقومندان إنك قتلته. ~~- ويحك! أجننت؟! ~~- كلا، فإن القومندان سيشكرك لقتله أجمل الشكر. # وكان زامبا قد نال السيادة المطلقة على روكامبول في هذين اليومين، فلم يسع روكامبول ~~غير الامتثال له؛ لأنه بات واثقا به أتم ثقة، وسار بالسفينة عائدا إلى قاديس. # فلما سارت السفينة في الخطة التي رسمها قال له زامبا: والآن يا حضرة الدوق دي شمري ~~سالاندريرا والنبيل المختلط، اسمح لي أن أوقفك على حقيقة حالتنا، فلقد قلت لك إني ~~سأخبرك بأمور كثيرة. ~~- قل؛ فإني مصغ إليك. ~~- لقد قلت لك قبلا إنه لم يعد سبيل للخوف من الكونتس أرتوف. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد؛ فإنها برحت قاديس في هذا المساء. ~~- لماذا؟ ~~- كي تعود إلى زوجها، فإنه بات في حالة النزع. ~~- وابنة الدوق؟ ~~- لم تر الصورة، وقد سافرت باكارا وهي تعتقد أن ابنة الدوق عالمة بكل شيء، وأنها لم ms0794 ~~تعد تخفى عليها خافية من حقيقة أمرك. ~~- كيف ذلك؟! فإني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز. ~~- ذلك لأنني خدعت الجميع من أجلك فاسمع: إن باكارا خافت في بدء الأمر أن تفاجئ ابنة ~~الدوق بالحقيقة؛ حذرا عليها من سوء العاقبة، فأرادت أن تتلطف بإطلاعها على الحقيقة ~~بالتدريج، فبدأت بأن قدمت لها المركيز دي شمري. ~~- ماذا تقول؟ ~~- لا تخف؛ فإن المركيز قد حكى حكايته لابنة الدوق، ولكن باكارا منعته عن أن يبوح ~~باسمه إلى أن يحين الوقت اللازم، وقد عهدت إلي باكارا أن أقدم الصورة، وأن أنبهها إلى ~~اسم المكتوب فيها؛ كي ترى بعد ذلك الشبه بينها وبين المركيز، وتعلم من تاريخها أنها ~~قديمة لا ريب فيها وأنك خداع محتال. # ثم إنه ورد إلى باكارا تلغراف يفيد أن زوجها بعد أن تماثل إلى الشفاء أصيب فجأة ~~بالفالج، وأنهم ينتظرون موته في القريب العاجل، فلم تجد بدا من الرحيل إلى زوجها، ~~فعهد إلي بقضاء المهمة، وأعطتني الصورة فأعطيتك إياها. ~~- دون أن تراها ابنة الدوق؟ ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- وهي لا تعلم أن هذا السجين الذي رأته المركيز الحقيقي؟ ~~- إنها لا تعلم شيئا على الإطلاق، فإني ذهبت إليها بحجة تقديم احترامي لها، والتماسي ~~منها أن تدخلني في خدمتها. ~~- وماذا أجابتك؟ ~~- أجابتني أنه يجب أن ألتمس منك هذا الالتماس بعد بضعة أيام؛ أي: بعد عقد الزواج؛ فإن ~~كل شيء قد أعد لحفلة القران. # فبرقت أسرة روكامبول، وقال: أقالت - حقيقة - هذا القول؟ # فابتسم زامبا ابتسامة هزء لم يرها روكامبول لاشتداد الظلام، وقال: لماذا تعجب من ~~قولها ألا تعلم أنها تحبك؟ ثم إنها واثقة من أنك لا تزال في باريس، ودليل ذلك أنها ~~أعطتني كتابا لك كي أضعه في البوستة. ~~- كتابا لي؟ ~~- نعم؛ وهو معنون باسمك في شارع فرنيل في باريس. ~~- وهل وضعته في البوستة؟ ~~- ما هذا القول؟! أتحسبني أبله إلى هذا الحد؟! ~~- إذن؛ ماذا صنعت به. ~~- إنه معي، ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج الكتاب ودفعه إليه. ~~- ماذا أرى؟! أفتحته أيها الذميم؟! ~~- كيف لا أفتحه؟! ألسنا ms0795 الآن شريكين، ويجب أن أعلم من أمورك ما تعلمه؟! ~~- لا أعلم الآن ما يصدني عن أن أسيل دماغك، فإنه لا يزال بمسدسي رصاصتان. ~~- يمنعك عن قتلي الحكمة. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك إذا قتلتني يفتضح أمرك، ألعلك نسيت ذلك الإقرار الذي كتبته بخطك؟ ~~- وماذا صنعت به؟ ~~- إني أودعته أمس عند أحد القضاة مختوما، وقلت له: إذا مضى أسبوع دون أن تراني ~~فافتحه. ~~- يسرني أنك أهل لي وأنني أهل لك، وسنتفق إلى آخر العمر، والآن خذ عني هذه الدفة ~~ودعني أقرأ كتاب ابنة الدوق. # فامتثل زامبا وأدنى روكامبول المصباح منه، ففتح الكتاب وقرأ ما ~~يلي: # أيها الحبيب # سأبرح مع أمي مدينة قاديس صباح غد، وقد تعجب لهذا السفر غير أن سببا لا بد ~~من ذكره لك، وهو أن الملكة غادرت قاديس بعد أن قالت لي: «الوداع أيتها ~~المركيزة، إنني أنتظرك مع زوجك في مدريد بعد خمسة عشر يوما، وأريد أن تصيري ~~دوقة، فابرحي قاديس الآن إذ يجب أن يعقد قرانك في سالاندريرا، كما يقتضيه ~~واجب الحداد.» # هذا هو السبب الذي دعانا إلى السفر، ونحن ننتظرك في قصر سالاندريرا، وسيعقد ~~قراننا قربي أسقف غرناطة، فإنك تعلم أن الزواج المدني غير موجود في إسبانيا، ~~وليس فيها غير الزواج الديني. # ثم لا أكتمك أنني أخبرت قريبي الأسقف بجميع ما كان بيني وبينك من حين تصادفنا ~~إلى حين الخطبة، وما كتمت عنه غير مسألة الدون جوزيف، فلامني أشد اللوم ~~لاندفاعي معك، وقال لي: إنه لا يجب أن تنظري المركيز قبل الزواج، فليحضر إلى ~~سالاندريرا متى شاء غير أنه لا يحق له أن يراك، إلا في ساعة عقد القران، ولا ~~يحق لك أن تخرجي من غرفتك قبل ذلك العهد. # وهذا آخر ما سأحتمله من الظلم أيها الحبيب، ولكن لا سبيل إلى مخالفة هذا ~~القريب، فإنه شيخ شديد المحافظة على التقاليد القديمة، التي كانت سائدة في ~~إسبانيا منذ قرنين، وهي أن الخطيب لا يحق له أن يرى خطيبته إلا في الكنيسة حين ~~عقد القران، فيدخل كل منهما من باب، ويلتقيان ms0796 أمام الهيكل. # فلنمتثل له إذ لا سبيل لمخالفته، وعلى ذلك فإنني أنتظرك في سالاندريرا بعد ~~ثمانية أيام؛ لأن زواجنا سيعقد في 14 من الشهر الجاري، وهو تاريخ تتفاءل به ~~عائلتنا خيرا، فاحضر في 13 أو في صباح 14 الجاري، فإذا حضرت في 12 فلا تصعد ~~إلى القصر إرضاء للأسقف، بل أقم في منزل الصيد، وقد صدر الأمر إلى وكيل هذا ~~القصر لاستقبالك. # إلى اللقاء أيها الحبيب، فاصبر على التقاليد القديمة التي لا بد من رعايتها، ~~فإن ساعة الهناء آتية وكل آت قريب. # خطيبتك # كونسبسيون # وقد تلا روكامبول الكتاب بإمعان شديد، فلما أتم تلاوته قال لزامبا: إنك فتحت الكتاب ~~فلا بد أن تكون قرأته؟ ~~- قرأته دون شك. ~~- ما رأيك فيه؟ ~~- أرى أننا في اليوم السابع من الشهر، وفي اليوم الرابع عشر منه تصبح زوجا لابنة ~~الدوق. ~~- لا أنكر ذلك ولكني أسألك عن رأيك في هذا الزواج الغريب. ~~- وما وجه الغرابة فيه؟ ~~- إنني لا أستطيع أن أرى خطيبتي إلا ساعة عقد الزفاف. # فابتسم زامبا، وقال: يظهر أنك لا تعرف أسقف غرناطة، فإنه رجل بسيط القلب إلى حد البله ~~شديد التمسك بالتقاليد، حتى إنه يحسب في كل أحواله أنه لا يزال في عهد شارلكان. ~~- أتعرف أنت سالاندريرا؟ ~~- نعم؛ فقد أقمت فيها ثلاثة أشهر مع الدون جوزيف. ~~- صف لي منزل الصيد الذي ذكرته لي ابنة الدوق في كتابها. ~~- إنه منزل جميل ستكون فيه على ما تريد. ~~- وما رأيك الآن؟ ~~- أرى أنه يجب أن تبقى في قاديس متنكرا بزيك هذا خمسة أيام. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نذهب كلانا إلى سالاندريرا، وفي الطريق تغير زيك، وتستبدل البارون بولاسكي بالمركيز ~~دي شمري الكاذب. ~~- قل: الحقيقي، أيها الوقح؛ إذ لا يوجد الآن مركيزان. ~~- لا تؤاخذني فقد نسيت أنك قتلته، ثم جعل يضحك ضحكا شديدا لم يحمله روكامبول على ~~شيء من محامل الريب. # وبعد ذلك بعدة دقائق دخل القارب إلى الميناء، فطوى زامبا الشراع، وجعل يجذف حتى وصل ~~إلى الشاطئ المبني عليه منزل القومندان. # وكان القومندان يتنزه في الرواق، فقال روكامبول ms0797 لزامبا. ~~- ماذا عزمت أن تصنع بشأن المركيز؟ ~~- كن مطمئنا ودعني أتكلم. # ثم نزل زامبا إلى الشاطئ، فتبعه روكامبول حتى وصلا إلى القومندان، فقال القومندان ~~لزامبا باللغة الإسبانية: لماذا أسرعت بالرجوع؟ ألعل حضرة البارون أصيب ~~بالدوار؟ ~~- كلا يا سيدي، بل إن المركيز أصيب به. ~~- أي مركيز تعني؟ ~~- المجرم السجين. ~~- فانذهل القومندان، وقال له: أين هو الآن؟ ~~- لقد مات يا سيدي؛ فإن البارون قتله. # وكان روكامبول يتظاهر أنه لا يفهم شيئا من هذا الحديث؛ لأنه أخبر القومندان أنه لا ~~يعرف اللغة الإسبانية. # أما القومندان فإنه انذهل انذهالا عظيما لما حدثه به زامبا، وقال له: ويحك! ألعلك ~~تمزح فيما تقول؟! ~~- كلا يا سيدي، فإن هذا الذي كان يدعو نفسه مركيزا كان يظهر بأنه يحاول الفرار منذ ~~عهد بعيد، وذلك أنه حين بلغ بنا إلى عرض البحر قال لنا: «إنكما تعرفان أن تديرا القارب، ~~أما أنا فإني أعرف أن أسبح.» ثم ترك الدفة وألقى نفسه في البحر، وعند ذلك عامله البارون ~~معاملة بولونية. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه كان معه مسدس فأخرجه من جيبه، وأطلقه على الهارب بسكينة الإنكليز فقتله ~~للحال. # فأسرع القومندان إلى روكامبول، وقال له بالإنكليزية: لقد أحسنت يا سيدي غاية الإحسان ~~بما فعلت، فإن قتل الهاربين من السجون مأثرة عندنا تستحق كل ثناء. # فقال له روكامبول: إني عملت ما يجب علي؛ إذ لم أطق أن تتحمل من أجلي تبعة فرار هذا ~~المجرم الذي أرسلته لخدمتي. # وفي اليوم التالي جاء زامبا إلى الفندق المقيم فيه روكامبول، وأعطاه نسخة من جريدة ~~تطبع في مدريد، فقرأ فيها حكاية قتل المجرم السجين مشفوعة بالثناء العظيم على قاتله ~~البارون بولاسكي، فقرأها روكامبول وهو يضحك من تغفل القومندان. # 26 # مضى على هذه الحادثة خمسة أيام كان روكامبول يزور في خلالها القومندان، وقد أعد لضيفه ~~حفلة راقصة حضرها روكامبول بزي البارون بولاسكي، فكانت الفتيات يتهافتن على مراقصته ~~لاشتهاره بقتل السجين، الذي كان يحاول الهرب، على ما كان عليه من القبح بزيه الذي كان ~~متنكرا فيه، فإن للشهرة لدى أكثر ms0798 النساء مقاما فوق مقام الجمال. # وكان زامبا يأتي إليه في كل يوم، وقد أخبره بأن باكارا قد سافرت إلى باريس، وأن ~~الدوقة وابنتها قد سافرتا إلى سالاندريرا، فصرف روكامبول تلك الأيام الخمسة بالتنزة في ~~حدائق تلك المدينة ومينائها. # وفي اليوم الخامس جاء زامبا، وقال له: لقد حان زمن الرحيل إلى سالاندريرا. # فقال روكامبول: إني متأهب للسفر فقد سئمت الانتظار، ألا ترافقني في هذه ~~السفرة؟ ~~- كيف لا أصحبك؟! ألا يجب أن أحضر قران أسيادي؟ ~~- ماذا تعني بأسيادك؟ ~~- ألعلك نسيت أنك عينتني وكيلا لثروتك بعد الزواج؟ ~~- لقد أصبت، فلنسافر. # وذهب روكامبول إلى منزل القومندان، فودعه مدعيا أنه وردت إليه أنباء خطيرة تدعوه إلى ~~سرعة العودة إلى بلاده، وعاد إلى زامبا فركب وإياه مركبة، وانطلقت بهما إلى ~~برسلونه. # وقد برح قاديس وهو متنكر بزي البارون، فلما وصل إلى برسلونه ذهب إلى أحد فنادقها ~~للاستراحة، فاختلى مع زامبا في غرفة وهناك خلع رداء التنكر، وعاد إلى الشكل الذي عرف ~~به في باريس، وهو شكل المركيز دي شمري. # وفي المساء برحا برسلونه وسافرا إلى بمبلين فأقاما فيها، وذهب زامبا يبحث عن جوادين ~~للسفر عليهما إلى سالاندريرا؛ لأن الطريق إليها لا تصلح لسير المركبات، ثم عاد بعد أن ~~قضى هذه المهمة، وجلسا حول مائدة معتزلة في الفندق يتعشيان. # فلما فرغا من العشاء اقترح زامبا على روكامبول أن يشرب زجاجة من الخمر، فقال له ~~روكامبول: ألم تشرب على المائدة؟ ~~- نعم، ولكني ظمآن وقد أعجبني خمر هذا الفندق، ثم إني أريد أن أشرب أيضا لقصد آخر، ~~وهو أننا سنجتاز مسافة طويلة لا بد لنا فيها من المسامرة على الطريق، وقد تعودت أن لا ~~ينطلق لساني إلا متى ارتويت من الشراب؛ ولذلك فسأكون لك خير نديم ينسيك مشاق السفر ~~الطويل. # ثم تركه هنيهة؛ كي يضع العلف للجوادين وعاد يطلب زجاجة، فجعل يكرع منها الكأس في أثر ~~الكأس حتى فرغت، فطلب زجاجة أخرى وصب منها كأسا فشربه، وقال: إن الشرب يفرح قلبي، ومتى ~~كنت فرحا أحب جميع الناس. # فكان روكامبول ms0799 يضحك منه، ولكنه كان يخشى عاقبة شربه؛ لأنه رأى أن أعطافه تترنح من ~~السكر. # ثم جعل لسانه ينعقد وأصبحت حركاته بطيئة فزاد خوف روكامبول، غير أنه لم يجد بدا من ~~مسالمته، فصب له كأسا، فشربها زامبا، وقال: الحق أنك تعجبني يا سيدي الدوق، وغدا ~~سيكون فرحي عظيما لا يوصف. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك ستتزوج غدا ابنة الدوق، وثق يا سيدي أنني لا أفرح من أجل تعييني وكيلا ~~لأملاكك، بل إني أحبك. ~~- إذن، فلا يهمك أن تكون وكيلي. ~~- لا أحب هذا المنصب، إلا لأني سأكون دائما بقربك، أتحسب أن الصداقة لا تكون إلا حيث ~~تكون الفائدة؟ ~~- إذن فأنت صديقي؟ ~~- إلى آخر العمر. ~~- أتبرهن لي عن هذه الصداقة؟ ~~- عندما تريد. ~~- أحب أن أعرف ما يكون برهانك. ~~- لقد طرأ لي خاطر بديع. ~~- ما هو هذا الخاطر؟ ~~- أتقول يا سيدي الدوق: إني لست صديقا؟ ~~- أنا لم أقل ذلك، ولكني أقول: إن الذي دعاك إلى هذه الصداقة هو أنك ستغدو وكيلي ~~و... # فضحك زامبا ضحكا عاليا، وقال: إنك تريد أن تشير إلى هذه الورقة التي استكتبتك ~~إياها؟ ~~- نعم. ~~- ألعلك خائف منها؟ ~~- كلا ... ولكنها لو لم تكن موجودة لما أخللت بوعدي، وسيان كانت لديك أو فقدتها، فإنك ~~ستكون وكيلي وصديقي في حين واحد. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- أقسم لك خير الأقسام إنني لا أنكث بوعدي لك، وأية فائدة لي من الغدر بك، فإذا لم ~~أعينك وكيلا فلا بد من تعيين سواك. ~~- إذا كانت هذه الورقة تسيئك؟ # فقاطعه روكامبول، وقال: ليس أنها تسيئني فقط، بل إنها تنغص عيشي، وأنا أعلم علم ~~اليقين أنك لا تستخدمها ما زلت حيا؛ إذ لا فائدة لك من فضيحتي، ولكن أليس الإنسان ~~معرضا للموت الفجائي، فإذا أصبت - لا سمح الله - بهذا المكروه، أفلا يفتح القاضي ~~الغلاف الموجود فيه إقراري كما أوصيتك ويطلع على كل شيء؟ # فقهقه زامبا ضاحكا، وقال: ألعلك صدقتني؟ ~~- بماذا؟ ~~- بأنني أودعت إقرارك عند أحد القضاة إلى آخر ما لفقته من هذا الحديث. ~~- الحق أنني صدقتك، ولا أنكر عليك، فماذا صنعت به؟ ~~- إنني ms0800 أودعته جيبي وهو معي الآن. ~~- إنك تمزح دون شك. ~~- كلا ... وسأطلعك عليه. # ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج منه تلك الورقة التي استكتبها روكامبول، فلما رآها ~~روكامبول اضطرب اضطرابا شديدا، ونظر إلى المائدة فرأى سكينا فهم أن يقبض عليه، ويطعن ~~زامبا التماسا لهذه الورقة، غير أن زامبا لم يمهله فإنه قال: إنك تريد برهانا عن ~~صداقتي فانظر إلى هذا البرهان. # ثم أخذ الورقة فأدناها من المصباح، وجعل يحرقها إلى أن أصبحت رمادا. # فجن روكامبول من فرحه، وقال: ماذا تصنع؟ ~~- إنني أحرق ما كتبته لثقتي بك، فإنني ضامن أنك لا تخدعني وأنك ستفي بما وعدت. # فسر روكامبول سرورا عظيما، وقام إلى زامبا فضمه إلى صدره، وقال له: ستكون خير ~~صديق لي ما حييت فلا يفرق بيننا جاه وتباين ثروة ومقام. # وكان يظهر من زامبا أنه قد ضاع رشده من السكر غير أنه ما لبث أن نهض، وقال: هلم بنا ~~إلى السفر، فإن ركوب الجياد وصفاء الهواء يذهبان عني ثقل هذه النشاة. # غير أنه بقي يترنح، فقال له روكامبول: توكأ علي ... # ففعل وخرج الاثنان من الفندق، فأسرجا الجوادين. # ثم دنا زامبا من جواد روكامبول، ففحص سرجه، وقال له: لقد وضعت لك في عيني السرج ~~مسدسين محشوين، فإن الطريق التي سنجتازها مقفرة وعرة حتى لقد يقتل السالك فيها دون أن ~~يعلم أحد بخبره. # فاختلج فؤاد روكامبول، وقال في نفسه: لقد أخطأت أيها الصديق بإحراقك الورقة، فإنها ~~كانت خير واق لك من الموت. # 27 # وركب الاثنان جواديهما فكانت أعراض السكر لا تزال بادية على زامبا، غير أنه جعل يشتد ~~بالتدريج، فلما بعدا عن المدينة قال له روكامبول: سر أمامي كي تهديني إلى ~~الطريق. # فأبى وقال له: إن الطريق لا تزال متسعة، بحيث نستطيع أن نسير فيها جنبا إلى ~~جنب. # ثم دنا منه وجعلا يتحدثان. # وكان الطقس صافيا والهواء بليلا، ونور القمر ساطعا، فما زالا يسيران حتى ظهرت ~~أمامهما سلسلة جبال، فانعطف زامبا في منعرج، وسار في طريق تلك الجبال وهو يقول: هذه هي ~~الطريق ms0801 إلى سالاندريرا. # فلحق به روكامبول وسار بجانبه، فدار بينهما الحديث الآتي فقال زامبا: إننا سنخترق هذه ~~الجبال، وأنا واثق من أننا لا نلقى في طريقنا أحدا من الناس، إلا بعض اللصوص الذين ~~يكمنون للمسافرين. ~~- ألعلك خائف منهم؟ ~~- كلا؛ فإن الذئاب لا تأكل بعضها بعضا، ثم إننا بعد أن نخترق هذه الجبال سنمر بطريق ~~ضيقة تشرف على هوة سحيقة لا حد لعمقها كما يقال. ~~- وماذا تهمنا هذه الهوة؟ ~~- لا يهمنا أمرها، ولكني أحببت أن أبين لك الطريق التي نسلكها. ~~- وأين هي هذه الهوة؟ ألعلها بعيدة من هنا؟ ~~- كلا ... فإنها قريبة جدا، وقد ذكرتها لك؛ لأنه ما مر أحد بها إلا انكمش قلبه وتولاه ~~الخوف والذعر. ~~- لماذا؟ ~~- لأن اللصوص يكمنون بالقرب منها، فإن قتلوا من يقع بأيديهم من المسافرين ألقوه فيها ~~إخفاء لأثره، حتى باتت تلقب بمقبرة المسافرين، ومن أخطارها ضيق الطريق المشرفة ~~عليها، فلا يستطيع فارسان أن يمرا بها - جنبا إلى جنب - لضيقها، بل يضطر أحدهما أن ~~يسير أمام الآخر، فإذا بوغت المسافر سقط بجواده إلى الهوة، فلا يعلم به غير ~~الله. ~~- أحقيقة ما تقول عن عمق هذه الهوة؟ ~~- لقد رأيتها بعيني في رائعة النهار، فما استطعت أن أرى عمقها، حتى إنك إذا ألقيت ~~فيها حجرا ضخما لم تسمع صوت هبوطه؛ إذ يستقر في غور بعيد من ذلك ما أرويه لك عن حادثة ~~جرت أمامي، حين كنت في خدمة الدون جوزيف، وهي أنه خرج يوما من سالاندريرا لصيد الذئاب، ~~فجعلنا نطارد ذئبا حتى بلغ إلى تلك الطريق الضيقة، فأطلق عليه الدون جوزيف رصاصة أصابت ~~منه مقتلا، فسقط يهوي إلى تلك الهوة السحيقة، فأسرعنا لنرى أين سقط فلم نر له ~~أثرا. ~~- ألعل فم الهوة متسع؟ ~~- يبلغ اتساعه نحو مترين بحيث يسقط فيها الفرس والفارس. # فارتعش روكامبول، وقال: ألا تزال بعيدة عنا؟ ~~- كلا، فقد قربنا منها جدا، وها نحن قد دخلنا في الوادي فلا يمر بنا ربع ساعة حتى ~~نبلغ إليها، ولكنك لا تستطيع أن تراها لنكد الطالع، فإن القمر قد احتجب عن ms0802 الأفق وبتنا ~~في ظلام دامس. ~~- لا بأس، فسنأتي إليها مرة في النهار، ثم لكز بطن جواده فسار حثيثا يتبعه زامبا، ~~وكان روكامبول يفتقد المسدسين من حين إلى حين. # ثم وصلا إلى الطريق الضيقة، فتقدم زامبا من روكامبول؛ كي يرشده إلى الطريق وجعل يسير ~~أمامه ساكتا، وهو غارق في لجج التصورات فلم يزعجه روكامبول، وجعل هو أيضا يفتكر، ~~ويتمعن في خطة رسمها لنفسه. # وبعد ربع ساعة صحا زامبا من ذهوله، وقال لروكامبول: هو ذا الهوة فقد بلغنا ~~إليها. ~~- إني لا أرى شيئا؛ فإن الظلام دامس. # فترجل زامبا عن جواده، وقال له: اصبر فسترى. # ثم أخذ حجرا ودنا من الهوة فألقاه فيها، وقال له بعد حين: أسمعت صوت سقوطه؟ ~~- كلا، ولا بد أن تكون شديدة العمق، فإني سمعت صوت احتكاك الحجر بالعشب على جدرانها، ~~ولكني لم أسمع صوت بلوغه إلى الأرض. ~~- إنها أعمق مما تظن. # ثم بحث عن حجر أضخم من الأول، فحمله بيديه وحاول أن يلقيه في الهوة، غير أنه قبل أن ~~يتمكن من إلقائه أخرج روكامبول المسدس وأطلق عليه النار. # فصاح زامبا صيحة هائلة، وانقلب إلى الأرض ثم هوى إلى الهوة دون أن يسمع روكامبول صوت ~~سقوطه، فضحك ضحك المنتصر، وقال: لا شك أن الأبالسة أخذت بناصري، فلقد تخلصت من أشد عدو ~~لي. # وعندما بزغ الصباح وصل بالمركيز فردريك ألبرت دي شمري الذي لم يبق سواه يسمى بهذا ~~الاسم إلى قرية صغيرة، فكان أول كلمة قالها سؤال أحد القرويين عن قصر سالاندريرا، ~~فأرشدوه إلى الطريق، وأخبروه أنها تبعد خمس ساعات عن هذه القرية، فذهب إلى أحد الفنادق، ~~فأكل ثم نام فيه إلى غروب الشمس، فركب جواده وسار إلى سلاندريرا، وهو يناجي نفسه بأماني ~~السعادة، ويبني القصور في إسبانيا. # 28 # وفي الساعة العاشرة وصل فسأل عن قصر الصيد، كما أمرته ابنة الدوق وذهب إليه فاستقبله ~~الوكيل استقبالا حافلا، وأعد له مائدة فاخرة. # فأكل روكامبول بشهية عظيمة، وقد وجد على المائدة زجاجة من الخمر أيقن أن ابنة الدوق ~~أرسلتها إليه خاصة من ms0803 القصر، فشربها بجملتها ووجد بها لذة عظيمة، ولكنه بعد فراغه من ~~الطعام شعر بأن الخمر أثر عليه تأثيرا عظيما على فرط إدمانه على شرب الخمور، فحسب أن ~~الغرفة تدور، ولم يعد يستطيع القيام. # فأسرع إليه وكيل القصر، وقال: لا بد أن يكون أثر عليك هذا الخمر؛ لأنه عتيق فتوكأ علي ~~كي أوصلك إلى الغرفة التي تنام فيها. # فاتكأ روكامبول عليه، وسار معه حتى أوصله إلى غرفة مفروشة بأفخر الرياش، فقال في ~~نفسه: لا بد أن تكون كونسبسيون قد أمرته بإعداد هذه الغرفة والمبالغة بإتقان فرشها، ~~فإني أجد ما فيها يدل على حسن الذوق. # ولكنه ما لبث أن صعد إلى السرير، حتى أطبق عينيه ونام نوما عميقا تمثلت له السعادة ~~في أحلامه بأبدع مظاهرها، فرأى نفسه دوقا إسبانيا وزوجا لأشرف وأغنى فتاة، ثم انتقل ~~بأحلامه إلى البرازيل حيث عين سفيرا إسبانيا لدى إمبراطورها، وما زال يتنقل فوق ~~قنن هذه الأماني الجميلة إلى أن بلغت الثامنة من الصباح، فشعر أن يدا تهزه ففتح عينيه ~~منذعرا وهو يود أن تبقى له تلك الأحلام، فرأى وكيل القصر واقفا أمامه وقفة الاحترام، ~~وقد حمل قبعته بيده، وقال: ليعذرني مولاي إذا تجاسرت على إيقاظه، فقد بلغت الساعة ~~الثامنة وأزف الوقت. # ففرك روكامبول عينيه، ووضع يده على جبينه كمن يتذكر، وقال: لقد أصبت؛ فإن موعد الزفاف ~~في الساعة التاسعة. # ثم وثب عن سريره إلى الأرض، وهو يقول: أليس من العار أن أنام يوم زفافي إلى مثل هذه ~~الساعة المتأخرة. # فقال له الوكيل: ليأذن لي مولاي المركيز أن أخبره ببعض التفاصيل. ~~- عن أي شيء؟ ~~- عن حفلة الزفاف. # فنظر إليه روكامبول دون أن يفهم ما يريد، وقال له: قل ما تشاء. ~~- إنه في إسبانيا يجب على كل نبيل أن يتزوج حسب التقاليد، التي كانت جارية في القرون ~~الوسطى. ~~- ألعلهم يريدون أن ألبس خوذة ودرعا؟ ~~- كلا، ولكنهم سيلبسونك قبعة تستر جميع وجهك، ويكون معك فريق من الرهبان. ~~- ما شأن هؤلاء الرهبان؟ ~~- إنهم يقبضون عليك وتكون خاضعا لأوامرهم. ~~- إلى متى؟ ~~- إلى ms0804 حين انتهاء حفلة القداس. ~~- أهذا كل ما يطلبونه مني؟ ~~- نعم، وقد حضر الرهبان وهم هنا الآن. ~~- ماذا يريدون؟ ~~- يريدون أخذ سيادتكم إلى الكنيسة. # فأطل روكامبول من نافذة الغرفة المقيم فيها، فرأى الكنيسة تحيط بها أشجار باسقة، ولم ~~ير أحدا من الناس، وكل شيء حولها يدل على الكآبة، فانقبض صدره وقال في نفسه: ما هذا ~~العرس الذي يشبه الجنازة؟! # أما الوكيل فإنه عاد إلى حديثه، فقال: إن الرهبان ينتظرونكم يا مولاي. ~~- لماذا ينتظرونني فهذه الكنيسة أمامي، وأنا أعرف الطريق وحدي. ~~- إنك لا تدخل إليها من هذا الباب الذي تراه يا سيدي، بل من باب آخر عينه أسقف ~~غرناطة. ~~- إن هذا الأسقف مجنون كما يظهر. ~~- إنه شديد التمسك بالتقاليد يا سيدي، وهو يريد أن يشبه زواجك بابنة الدوق بزواج ~~المدموازيل كينا جوند دي سالاندريرا، الذي جرى من أربعمائة عام مع السنيور لورانزو دي ~~ألفيمار في ملك فرديناند الكاثوليكي. ~~- كيف جرى ذلك الزواج؟ ~~- إن هذا القصر الذي نحن فيه الآن كان كنيسة في ذلك العهد، فقدم إليها الزواج ليلة ~~زفافه كما قدمت أنت، وبقي فيها طول ليلته منعكفا على الصلاة، ثم جاء إليه أربعة من ~~الرهبان فعصبوا عينيه، وألبسوه ملابس العرس، وهي قميص بسيط من الكتان يلبس فوقها ثوب ~~راهب. # فقاطعه روكامبول، وقال: إن هذه التقاليد لا تطاق، ولم يعد لدي شك أن أسقف غرناطة من ~~أعظم المجانين. ~~- وأنا من رأيكم يا سيدي، وأظن أن المدموازيل كنسبسيون تشترك معنا بهذا الحكم، فإني ~~سمعتها أمس تقول لهذا الأسقف: «إن هذه التقاليد لا تحتمل في عصرنا الحاضر.» ~~- وماذا أجابها الأسقف؟ # قطب حاجبيه وسكت فلم تجد ابنة الدوق بدا من السكوت؛ لأن هذا الأسقف شيخ عجوز وثروته ~~تعد بالملايين، وهو لا وارث له سواها. # فهان عند روكامبول ما يلقاه من الضجر عند ذكر الملايين، فقال له الوكيل: وفوق ذلك فإن ~~سيدتي قد أعطتني كتابا؛ كي أسلمه لكم وهذا هو. # فأخذ روكامبول الكتاب وفضه مسرعا، فوجده خاليا من التوقيع، ولكنه عرف أنه خط خطيبته ~~ولم يكن يتضمن ms0805 غير هذين السطرين: # صبرا أيها الحبيب فلم يبق غير بضع ساعات؛ كي يغدو المركيز دي شمري زوجا ~~لكونسبسيون دي سالاندريرا. # فلما أتم تلاوته قال في نفسه: سأصبر كما تشاء، فإن كل عذاب يعرف أجله يخف ~~وقعه. # ثم قال للوكيل: إذن فإنهم سيعصبون عيني؟ ~~- نعم؛ إذ لا بد من ذلك. ~~- وفي أية طريق يسيرون بي إلى الكنيسة؟ ~~- بدهليز تحت الأرض يصل بين هذا القصر وبين الكنيسة. ~~- وأسير به معصوب العينين؟ ~~- ويحيط بك الرهبان. ~~- ما أشبه هذا الزواج بزواج العميان! أيريدون أن أتزوج وأنا معصوب العينين؟! ~~- كلا؛ فإنهم يزيحون العصابة عن عينيك في الكنيسة. # وعند ذلك طرق الباب، فقال الوكيل: هو ذا الرهبان قد حضروا. # ثم ذهب ففتح لهم الباب. # ودخل الرهبان الأربعة فذعر روكامبول لمرآهم، وخرج الوكيل بعد أن انحنى أمامهم ~~باحترام. # فدنا أحدهم من روكامبول، وقال له باللغة الإسبانية: هل أنت مستعد أيها الأخ؟ # فقال روكامبول في نفسه: ماذا أرى ألعلهم يحتفلون بإدخالي في الماسونية، ثم ضحك وقال: ~~نعم؛ إني مستعد. # فاقترب أحدهم وعصب عينيه بعصابة سوداء، فلم يعد يرى بعد ذلك شيئا، ولكنه بقي له ~~حاستا السمع والإحساس، فسمع أولئك الرهبان يتلون صلاة لاتينية ارتعشت أعضاؤه حين ~~سماعها، فإنها كانت صلاة العصر التي تتلى عن نفوس الأموات، وأحس أن أحدهم دنا منه، ~~وجعل ينزع عنه ثيابه، ثم ألبسه بعد ذلك ثوبا لم يستطع أن يعرف لونه. # ولكنه عندما لمسه علم أنه ذلك الكتاني الذي أخبره عنه الوكيل، ثم شعر أنهم ألبسوه فوق ~~القميص ثوبا أثقل منه، فعلم أنه ثوب الرهبان الذي أخبره عنه الوكيل أيضا. # وبعد ذلك تأبط أحدهم، وقال له: هلم بنا. # فسار معهم وهو لا يعلم أين يسير، ولكنه ما لبث أن مشى حتى عاد الرهبان إلى الصلاة ~~اللاتينية، فعاد صدره إلى الانقباض. # وأحس روكامبول في البدء أنهم ينزلون به درجات سلم، ثم انتهت تلك الدرجات، فسار في ~~طريق مبلطة بضع دقائق، فشعر أن الهواء قد زادت رطوبته، وعلم أنه يخترق ذلك الدهليز تحت ~~الأرض الذي أخبره ms0806 عنه الوكيل. # وبعد حين قال له أحد الرهبان: ارفع رجلك واصعد. # فامتثل روكامبول، وجعل يمشي معهم مدة ساعة لم تكن تنقطع فيها صلاة الرهبان الخاصة ~~بالأموات. # ثم شعر فجأة أن الهواء قد تغير، وتبدلت رطوبته بحرارة، فعلم أنه ترك الدهليز. # ثم سمع أصوات أبواب تفتح وتغلق، فما زالوا يمشون به حتى شعر أنه يمشي على بلاط من ~~الرخام، فأوقفوه وقال له أحد الرهبان: ارفع العصابة عن عينيك. # فما صدق روكامبول أن سمع هذه الكلمة حتى أزاح العصابة، وجعل ينظر إلى ما حوله نظرا ~~مضطربا، فرأى أنه واقف في مكان يبلغ عرضه ستة أقدام تحت قبة مرتفعة مثل قباب الكنائس، ~~ورأى أمامه صورة كبيرة تمثل المسيح، وعلى يساره صورة كبيرة تمثل زواج إحدى بنات ~~سالاندريرا مع الدون ألفامير، وعلى يمينه صورة أخرى كبيرة استلفتت أنظاره، وهي تمثل ~~العقابات الفظيعة المختلفة التي كانت تجري في العصور الوسطى، وقد كتب تحتها تاريخ هذه ~~العقابات وأسبابها. # غير أن روكامبول اضطرب لمنظرها، ولم يستطع أن يقرأ الكتابة، فأدار نظره إلى الرهبان ~~الذين كانوا يصحبونه، فوجد أن ثلاثة منهم قد احتجبوا، ولم يبق غير واحد كان واقفا ~~وراءه ساكتا لا يتكلم. # وفيما هو ينظر حوله مندهشا مما يراه فتح أمامه ستار ظهر من ورائه أولئك الرهبان ~~الثلاثة، الذين كانوا يرافقونه وهو معصوب العينين، وكان أمامهم أتون كبير تتأجج فيه ~~النار الموقد، وفي وسط النار حلقة من الحديد. # فذعر روكامبول لمرأى النار، وما كان يحيط بها من الكلابات والمطارق على أن جميع ذلك ~~مر أمام عينيه بسرعة، ثم نزل الستار. # وعقب نزول هذا الستار فتح ستار آخر أمام صورة المسيح ظهر من ورائه هيكل تتقد فيه ~~آلاف من الشموع، وفيه كاهن يصلي، فردت إلى روكامبول روحه، وقال في نفسه: لا شك أن ~~هذا الكاهن ينتظر قدوم الخطيبين. # ثم نزل الستار وفتح ستار ثالث، وكان قلب روكامبول يدق دقات شديدة، فرأى امرأة مرتدية ~~بملابس بيضاء تقدم، وهي ماسكة بيد فتاة أخرى متشحة بملابس السواد. # فعرف روكامبول للحال أن ms0807 تلك الفتاة هي خطيبته ابنة الدوق، غير أنه بينما كانت ~~المرأتان تتقدمان إلى الهيكل نزل الستار، فاحتجبا عن نظره، واحتجب الهيكل وشموعه، ولم ~~يجد روكامبول أمامه غير ذلك الراهب الذي بقي معه، فنظر إليه كأنه يستطلع كنه هذه ~~الأسرار، ولكنه ما لبث أن نظر إليه حتى نزع الراهب القبعة عن رأسه، فصاح روكامبول صيحة ~~منكرة، وتراجع منذعرا إلى الوراء. # 29 # إن هذا الراهب الذي ذعر منه روكامبول، وخافه هذا الخوف كان زامبا بعينه الذي رآه ~~روكامبول يسقط أمامه في تلك الهوة الهائلة، وكان يحسب منذ لحظة أنه من الأموات. # فلم يصدق عينيه حين رآه، وحسب أن خياله قد تمثل له ثم ما لبث أن تيقن منه حتى أخذ ~~يتراجع إلى الوراء، وقد جحظت عيناه من الرعب، وأخذ يبحث عن منفذ يهرب منه، ولكن الأبواب ~~كانت مقفلة جميعها، فأسند ظهره إلى الحائط وعيناه محدقتان بزامبا. # أما زامبا فإنه كان ينظر إلى روكامبول نظر الساخر حين تراجعه، ثم ضحك ضحكا شديدا، ~~وقال: كيف رأيت الآن يا حضرة المركيز ألا أجيد الاحتيال كما تجيده أنت؟ # فلم يجب روكامبول وظل ينظر إليه مرعوبا. # فقال زامبا: لقد حسبتني أيها الأبله ميتا من السكر، فظننت أني أحرقت اعترافك لمجرد ~~إرضائك. # ثم جعل يضحك ضحكا عاليا هازئا به، أما روكامبول فلبث جامدا لا يتحرك ~~كالأصنام. # وعاد زامبا إلى حديثه، فقال: لقد علمت منك أنك لست لصا صادقا، فإن اللصوص حسب ~~مبادئهم لا يخون بعضهم بعضا، ولكنك سافل دنيء لا تجازي من يخدمك بغير القتل، فلقد ~~حاولت المرة الأولى أن تقتلني في باريس، فطعنتني من الوراء شأن الخائنين الجبناء، ثم ~~حسبت بعد ذلك أني أصفح عن خيانتك، وأنسى لذة الانتقام ... ثم لما رأيت أنك أصبحت في قبضتي ~~عرضت علي المال الوفير، وأنت تحسبني راضيا بتلك الوعود، ولكنك أخطأت يا حضرة الدوق، ~~فلو عرض علي تاج إسبانيا، ومملكة الهند لما تخليت عن الانتقام من عدو يخونني، أعلمت ~~الآن؟ # ثم قل لي بعيشك فقد عهدتك خبيرا بأساليب الاحتيال، ألم يكن ms0808 حديث الهوة التي لفقته لك ~~متقنا لا شك فيه؟ وكيف يخطر لك في بال أن عمق هذه الهوة لا يبلغ عدة أقدام، وأن أرضها ~~مفروشة بالعشب الأخضر؛ كي لا يسمع صوت الحجر الذي إذا ألقي فيها فتحسبها عميقة؛ وكي ~~لا يرض جسمي إذا سقطت فيها؟ ثم كيف يخطر في بالك أن المسدس لم يكن محشوا بالرصاص، ~~بل بالبارود وحده وقد وضع في سرج جوادك بعد نزع الرصاص؟ # ولكني أعذرك لانخداعك، فقد أطلقت علي مسدسك، فتظاهرت أن الرصاصة وقعت في صدري، وصحت ~~صياح المتألمين وسقطت في الهوة، ألم أمثل دوري خير تمثيل أيها المركيز؟ # ثم جعل يضحك غير أن روكامبول ثاب من دهشته، وذكر أنه رأى خطيبته، وأنه لا يفصل بينه ~~وبينها غير ستار رقيق، فوضع أصبعه على فمه، وقال: اسكت أو اخفض صوتك ... إنني سأعطيك جميع ~~ما تطلبه ... قل أتريد ثروتي بجملتها؟ ~~- لماذا تريد أن أخفض صوتي؟ ~~- لأن خطيبتي وراء الستار تنتظرني. ~~- أتظن أنها تنتظرك؟ # فجعل العرق البارد ينصب من جبين روكامبول، وقال: أما هي الآن وراء الستار أمام ~~الهيكل؟ ~~- نعم؛ إنها هناك ولكني نسيت أنك ستتزوج، وأنهم قد ألبسوك ملابس العرس، أتعلم يا حضرة ~~المركيز ما هو هذا القميص الذي ألبسك إياه أسقف غرناطة تحت ملابس الرهبان؟ # ثم دنا منه ونزع عنه ثوب الراهب، بحيث ظهر القميص لروكامبول فما لبث أن رآه حتى صاح ~~صيحة منكرة؛ لأنه كان ذلك القميص الأحمر، الذي يلبسه المجرمون في السجون. # وعند ذلك دنا زامبا من الجدار، وأدار لولبا فيه، فارتفع ستار آخر وظهرت كنيسة غاصة ~~بالناس، فرأى روكامبول رجلا جاثيا أمام الهيكل، وبجانبه كونسبسيون والأسقف أمامهما ~~يعقد عقد القران. # أما الرجل فكان المركيز دي شمري الحقيقي، الذي حسب روكامبول أنه قتله وجعله طعما ~~للأسماك. # وفي الحال أدار اللولب ثانية، فنزل الستار ودنا من روكامبول الذي كان مستندا إلى ~~الجدار حذرا من أن يقع، وقال له: لا يخلق بنا أن نكدر على المحتفلين حفلتهم، وأصغ إلي ~~الآن فقد تعلمت مما كنت أراه في مسارح ms0809 التمثيل أنه لا بد لكل رواية من ظهور خفاياها في ~~آخر فصل منها. # وإذ قد بلغنا إلى الفصل الأخير من روايتنا، فلا بد لي من إظهار غوامضها؛ كي لا يفوتك ~~شيء من أسرارها، فاعلم الآن أن المركيز دي شمري الحقيقي وليس أنت، أي المركيز الذي ~~تعقد الآن حفلة زواجه بابنة الدوق سالاندريرا لم يمت كما توهمت، ولم يفعل به رصاص ~~مسدسك إلا كما فعل بي، وذلك أني نزعت الرصاص من المسدس، ولم يبق فيه غير البارود، فلما ~~أطلقت مسدسك عليه تظاهر أنه أصيب برصاصة، وألقى نفسه في البحر كما ألقيت نفسي في ~~الهوة، فغاص تحت المياه، وكان الظلام شديدا فلم تره حين بلغ الشاطئ تحت منزل ابنة ~~الدوق. # ثم بأنه عندما تهان ابنة نبيلة كابنة سالاندريرا من مجرم سفاك مثلك، فهي تنتزع من ~~قلبها كل رحمة وإشفاق في سبيل الانتقام؛ ولذلك فإني عندما سألتها أن تكتب إليك ذلك ~~الكتاب الذي ألقاك في الفخ لم تتأخر هنيهة عن الكتابة. # فعلم روكامبول عند ذلك كل شيء، وأيقن أنه لم يخسر ابنة سالاندريرا ودوقيتها وملايينها ~~ومركيزيته ومقامه، والأموال التي اغتصبها، بل إنه قد خسر أيضا حياته؛ لأنه رأى نفسه ~~محاطا بأعدائه من كل جانب. # وكأنما هذا الموقف الشديد الذي بات فيه قد زاده جرأة لما تولاه من القنوط، فلم يحفل ~~بما قاله زامبا، وابتسم له ابتسام الهازئ المستخف بالموت، فأجابه زامبا بأن ضغط على زر ~~آخر ، ففتح ستار ظهر من ورائه أولئك الرهبان الثلاثة يوقدون النار، التي تقدم لنا وصفها، ~~فأيقن روكامبول أنهم الجلاد ومساعداه. # ثم رأى وراءهم شخصا رابعا، فهلع قلبه لمنظره، وذكر ذلك الشعر الذي قاله دانتي أبو ~~الشعراء الإيطالي، وهو «هنا يقطع كل رجاء». # أما هذا الشخص فكان امرأة لابسة ملابس سوداء، كما يلبس القضاة وكانت هذه المرأة ~~باكارا ... # كثيرا ما يتفق للمجرمين أن تخور قواهم، ويغمى عليهم في مقاعدهم حين يسمعون صدور ~~الأحكام من أفواه القضاة، غير أن روكامبول لم يكن من أولئك المجرمين، فإنه كلما زاد ~~موقفه حرجا ms0810 زاد جرأة بقدر ازدياد قنوطه يزيد إقدامه. # غير أنه لم يجد سبيلا للإقدام في تلك الساعة الرهيبة، فاكتفى بالجرأة وعدم المبالاة ~~بالموت، وجعل ينظر إلى باكارا نظرات الاحتقار كمن يريد أن يموت موت الأبطال، ثم قال لها ~~بلهجة المتهكم: لقد عرفت أنك كنت تسيرين من وراء زامبا وتدفعينه إلى ما فعل، فإن هذا ~~الأبله ليس من رجالي. # فقالت له باكارا ببطء: لا تشتم ولا تتهكم؛ فإن ساعتك قد دنت. # فشتمها شتما قبيحا، وقال لها: إني أهزأ بك وبكل ما فعلتيه، ونعم إنك تستطيعين قتلي، ~~غير أني لا أكترث للموت؛ لأني لم أكن مركيزا ولكن ابنة أعظم عائلة في إسبانيا أحبتني، ~~والكونتس دي أسمول دعتني أخاها. # ثم ضحك ضحك الهازئ، وقال: ثم إني هتكت عرضك، وجعلتك مضغة في الأفواه بعد أن أصبحت ~~مثال التوبة الصادقة، وذهبت بعقل زوجك، فاقتليني الآن كما تشائين فقد انتقمت لموتي قبل ~~أن أموت. # ثم برقت عيناه ببريق من الإنذار الجهنمي، كأنما روح أستاذه السير فيليام قد مرت ~~بعينيه. # غير أن باكارا قالت له بهدوء: إنك منخدع يا روكامبول، فإننا لا نريد قتلك! ~~- إذن، فماذا تريدين مني؟ ~~- انظر إلى ثوبك فإنه من ملابس المجرمين، وانظر إلى هذه الحلقة التي تحمى في النار ~~المتأججة، فإنها ستطوق ساقك ويربط بها قيدك، فإن من كان مثلك لا يكفيه عقاب الموت؛ ~~لأنه راحة لك، بل إن عقابك ينبغي أن يكون بالسجن المؤبد، حيث يندفع السجان بالسياط على ~~كتفيك، ولا تلقى أثناء الليل وأطراف النهار غير الذل والشقاء والقنوط، وذكرى أيامك ~~السابقة في باريس، أليس هذا العقاب أشد من الموت؟ # ثم أشارت إلى الرهبان، فهجموا عليه وألقوه على الأرض وهو يصيح، ويقاوم دون جدوى، فلما ~~تمكنوا منه رفع الجلاد ساقه إلى السندان، وأخرج آخر تلك الحلقة المحمية من النار، ~~فأطفأها بالماء ووضعها على ساقه والدخان يتصاعد منها، ثم طواها وطرق بها الساق. # ولما انتهوا من وضعها تركوه ملقى على الأرض، وهو لا يستطيع حراكا لما ناله من ~~الألم. # ودنت منه باكارا، فقالت ms0811 له: إنك أرسلت المركيز دي شمري إلى السجن، فمن العدل أن تحل ~~محله فيه، وأردت أن تتزوج ابنة الدوق باسمه، فمن العدل أن يحل محلك منها، وإنما عاملناك ~~دون إشفاق؛ لأنك لم تشفق على أحد. # فصاح روكامبول يقول: لقد ساء فألك فإني سأتظلم أمام القضاة، وسأخبرهم بأنكم كنتم ~~قضاتي، فلا أريد أن يحكم علي إلا في المحاكم. ~~- إنك منخدع أيضا، فإن الحكم عليك قانوني، وقد وقع عليه في المراجع العالية، فإذا ~~كان قد نفذ فيك العقاب داخل هذا الدير دون أن يقف على أمرك أحد، فما ذلك إلا صيانة ~~لشرف أسرتين نبيلتين، وسيبقى سرهما مكتوما بالرغم عنك في سجن قاديس إلى الأبد، فإنك ~~ستكون باسم ذلك الرجل الذي كان يدعي أنه المركيز دي شمري، فلا يصدقه أحد أفهمت ~~الآن؟ ~~- لا! فإن هذا المركيز لا يشبهني بشيء، وسيرى السجانون والمسجونون أنني غير ذلك ~~المركيز. ~~- إنك لا تزال منخدعا، فاعلم أنه قد يتسنى لبعض المسجونين أنهم يحاولون الفرار، ~~فيشوهون وجوههم كي لا يعرفهم أحد متى باتوا خارج السجن، ويأمنون مطاردة الجنود. # فصاح روكامبول صيحة رعب؛ لأنه علم كل شيء ولكن الصيحة كانت آخر ما قاله، فإن يدا ~~شديدة ضغطت على عنقه، وربض آخر على صدره كي يمنعه من الحركة، ثم أخذ راهب ثالث زجاجة، ~~وصب ما فيها بإناء، بل به خرقة من الكتان، ثم وضعها على وجهه من الأنف إلى ~~الذقن. # فأحس روكامبول بألم شديد لا يطاق، ولم يستطع أن يصيح أو يتخلص. # وقد فعلوا ذلك به بسرعة زائدة، ثم رفعوا عن وجهه الخرقة، ودنا زامبا منه فأخرج مرآة ~~من جيبه وقال له: انظر إلى وجهك. # فنظر روكامبول إلى تلك المرآة، وأن أنينا شديدا؛ لأنه رأى أن وجهه قد تشوه أتم ~~تشويه، بحيث لم يعد يعرف نفسه؛ لأنهم شوهوا وجهه بسائل الزاج. # وفي ذلك الوقت كانت أجراس كنيسة سالاندريرا تقرع، وكان المركيز دي شمري خارجا مع ~~امرأته ابنة الدوق سالاندريرا. # 30 # بعد ذلك بخمسة أيام كان الفيكونت فابيان دي أسمول جالسا مع ms0812 امرأته، وهي ظاهرة عليها ~~علائم الانقباض، تشكو إلى زوجها انقطاع أخبار أخيها روكامبول عنها منذ سفره إلى ~~إسبانيا، وهو يلاطفها ويعزو هذا الانقطاع إلى انهماكه في شئون زواجه. # وفيما هما على ذلك دخل خادم يحمل رسالة من إسبانيا، فأسرع الاثنان إليها وفضها فابيان ~~فقرأ ما يأتي: # شقيقتي العزيزة ~~بلانش # إنني أكتب إليك وزوجي العزيز مقيم بجانبي في مدريد ينظر ما أكتب، وإني أحب أن ~~أكتب إليك كثيرا من الأمور، فلا أعرف كيف أبدأ، ولكن لا بد لي من القول قبل كل ~~شيء أن أخاك أصبح زوجي، وأني بهذا الزواج من أسعد النساء. # إن عقد زواجنا قد تم أمس، وقد عقده لنا أسقف غرناطة في قصرنا في سالاندريرا ~~بحضور أمي والموظفين عندنا. # وكان ينتظرنا على باب الكنيسة مركبة للسفر، وفيها أحد أركان حرب جلالة الملك، ~~فسافرت فيها مع ألبرت إلى مدريد، وقدمت زوجي بنفسي إلى الملكة، فاستقبلته خير ~~استقبال وقالت له: إني يا حضرة الدوق دي شمري سالاندريرا قد وقعت اليوم على ~~الأوراق القاضية بنقل جميع ألقاب الدوق دي سالاندريرا إليك، وكنت عزمت من قبل ~~على تعيينك سفيرا لمملكتي في البرازيل، غير أني خشيت عليك وعلى امرأتك مناخ ~~تلك البلاد، فعينتك لمثل هذا المنصب في الصين، حيث تغيب عن أوروبا أربعة أعوام ~~على الأقل، وأنا أعلم بأن هذه المهمة شاقة صعبة عليك، ولكني أؤمل أن يخفف عنك ~~حبك لامرأتك أثقالها. # ولما فرغت من إلقاء أوامرها قدمت له يدها، فقبلتها ثم دعتنا إلى العشاء على ~~مائدتها الخاصة. # ويسوءني أيتها الحبيبة أننا سنفترق عنك أربعة أعوام، غير أن عزائي أن ألبرت ~~قد دخل في سلك السياسة، فبدأ بالمنصب الذي ينتهي إليه أمل الطامعين أي: إنه بدأ ~~بمنصب سفير، وهو خير ما يطمع به رجال السياسة بعد الصبر الطويل. # والآن فإننا سنسافر بعد يومين، وستبقى أمي في إسبانيا، ولكنها ستحضر إلى ~~باريس في الشتاء القادم، فتحدثيها عنها بما تشتهين. # إن ألبرت يحب أن يكتب لكم بالرغم عما هو فيه، ولا يزعجك هذا القول، فإنه ms0813 ~~بينما كان يفتح أمس زجاجة كسرت، ودخلت قطعة من زجاجة في سبابة يده اليمنى ~~فجرحتها، بحيث لا يستطيع الكتابة بيده اليمنى عدة أيام؛ ولذلك فهو يكتب لك ~~باليد اليسرى. # الوداع أيتها الحبيبة، وعسى أن نلتقي في باريس قريبا بإذن الله، والسلام ~~عليك وعلى زوجك العزيز فابيان. # كونسبسيون # وقد أضاف المركيز دي شمري الحقيقي بضعة أسطر على هذا الكتاب بيده اليسرى، وإنما ~~اختلقوا حكاية جرح يده؛ كي لا تنتبه الفيكونتس دي أسمول إلى تغير الخط؛ لأنها تعرف خط ~~روكامبول. # وبعد أن اطمأن خاطر الفيكونتس على أخيها تركها زوجها فابيان، وذهب إلى النادي فوجد ~~فيه العديد من أصحابه وأصحاب روكامبول، ولم يكن حديثهم غير زواج المركيز دي شمري بابنة ~~الدوق، وليس بينهم من يعرف شيئا من حقيقة حال روكامبول. # وبينما فابيان جالس بينهم إذ دخل رولاند دي كايلت، فعجب أعضاء النادي لقدومه بعد طول ~~احتجابه عنهم، وكان معظم عجبهم مما رأوه من دلائل الرزانة بعد ما عهدوا به من الطيش ~~والنزق. # غير أن رولاند لم يحفل بعجبهم، فحياهم بوقار إلى أن وصل إلى فابيان فسلم عليه، وقال ~~له: أتأذن لي يا سيدي الفيكونت بمقابلة؛ فإني قادم من منزلك ولم أرك؟ # فعجب فابيان، وقال له: إن العلائق مقطوعة بيننا، فما يدعوك إلى هذه المقابلة؟ # وكان فابيان يكلمه بلهجة تشف عن الاحتقار، فلم يحفل به رولاند، وقال له: لا أنكر عليك ~~حقك بهذا الاحتقار، غير أني ألتمس منك أن تأذن لي بهذه المقابلة. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- لا أطلب إليك أن ترجع عن اعتقادك السابق بي، ولكني أسألك أن تزورني هذا المساء في ~~منزلي. ~~- لأي قصد؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك شيئا الآن، غير أني ألتمس منك مقابلة باسم الصداقة القديمة ~~المؤسسة بين عائلتينا. ~~- حسنا فسأذهب، ففي أية ساعة تريد أن يكون اللقاء؟ ~~- في الساعة التاسعة من المساء. # 31 # قبل أن نتبع الفيكونت دي أسمول إلى منزل رولاند، نذهب بالقارئ إلى قصر الكونت إرمان ~~دي كركاز، فنقول: كان هذا الكونت جالسا في غرفته قبل هذه ms0814 الحادثة المتقدمة ببضع ساعات، ~~وكان يقرأ في جريدة إسبانية حادثة فرار المركيز دي شمري من سجن قاديس وتشويه وجهه، ~~والقبض عليه على ما مثلته باكارا، وهو لا يفهم شيئا من هذه الألغاز. # وبينما هو مضطرب في أمره إذ دخل عليه فرناند روشي، فسر بلقياه سرورا عظيما وبعد ~~أن جلس أمامه أخبره الكونت بخلاصة ما قرأه في الجريدة، وأنه لم يعلم شيئا من هذه ~~المعميات، فقال له فرناند: إني أتيت الآن من إسبانيا، وسأخبرك بكل شيء. ~~- قل إذن ماذا حدث؟ ~~- تم كل شيء. ~~- كيف ذلك؟ ~~- تزوج المركيز بابنة الدوق. ~~- أي مركيز؟ ~~- المركيز الحقيقي الذي كان في سجن قاديس. ~~- إذن فما هذه الجريدة، وأي مركيز تعني بتفاصيلها؟ # فابتسم فرناند، وقال: ذلك من صنع باكارا، فإنها أخرجت من السجن المركيز الحقيقي، ~~ووضعت بدلا منه روكامبول باسم ذلك المركيز، بعد أن شوهت وجهه أبشع تشويه؛ كي لا يعرف ~~السجان والمسجونون وجهه. # ثم أخبره بجميع تلك الحيلة بالتفصيل كما قدمناه. # فأعجب الكونت إرمان بدهاء باكارا، وقال له: أين هي الآن تلك الكونتس ~~العزيزة؟ ~~- لقد تقدمتني بساعة ولا بد أن تكون الآن في باريس. # وبينما الاثنان يتحدثان بحديثهما إذ دخل خادم يحمل إلى الكونت رسالة منها، فعضها وقرأ ~~فيها ما يأتي: # أيها الكونت العزيز # لقد عهدت إلى فرناند أن يخبرك بكل ما جرى، وأنا أكتب إليك الآن على عجل؛ كي ~~أخبرك أن عدونا العام قد قص جناحاه، ولم يبق علينا غير الاهتمام بتبرئتي من ~~تلك الوصمة الشائنة، التي وصمني بها قبل الانتقام منه؛ ولذلك فإني أنتظر قدومك ~~إلي في هذا المساء في منزل المسيو رولاند دي ~~كايلت. # الكونتس أرتوف # أما باكارا فإنها وصلت إلى باريس قبل أن يصل إليها فرناند بساعة، فذهبت توا إلى ~~أختها سريز، وسألتها عن زوجها الكونت، فأخبرتها أنه بخير، وأن حالته قد تحسنت تحسنا ~~عظيما، بحيث عاد إليه بعض صوابه وصار يعرف أنه الكونت أرتوف، وليس رولاند دي كايلت كما ~~كان يعتقد في بدء جنونه. # فسرت باكارا سرورا لا يوصف؛ لأنها عدت ms0815 ذلك خير مقدمة لشفائه، ثم ذهبت بأختها ~~سريز إلى أختها ريبيكا. # فسارت الأخوات الثلاث إلى منزل باكارا، فوجدت فيه رسالة من رولاند، ففضتها بلهف وقرأت ~~فيها ما يأتي: # وصلتني رسالتك من مدريد أول أمس، وأنا في كايلت فامتثلت لأمرك، وأسرعت إلى ~~باريس وها أنا الآن فيها أنتظر أوامرك. # فأخذت باكارا ورقة في الحال وأجابته قائلة: «إني مرسلة إليك أختي ريبيكا، فهي تخبرك ~~بما أريده منك، والآن أسرع إلى الفيكونت دي أسمول، واطلب إليه أن يكون في منزلك في ~~الساعة التاسعة، وسأكون أنا أيضا فيه في تلك الساعة.» # ثم كتبت إلى إرمان دي كركاز الرسالة التي تقدم شرحها، وبعد أن أرسلت ريبيكا إلى ~~رولاند قالت لأختها سريز: هلمي بنا الآن إلى حيث يقيم زوجي، فقد سبقني الطبيب صموئيل ~~إليه؛ ليعلم إذا كانت حالته العقلية تسمح له أن يراني. # 32 # في الساعة التاسعة من مساء اليوم نفسه جاء الفيكونت فابيان إلى منزل رولاند، حسب ~~الاتفاق فوجد رولاند بانتظاره، وبعد أن احتفل به خير احتفال دار بينهما الحديث الآتي، ~~فقال فابيان: أرأيت كيف أني كنت حريصا على اللقاء على ما بيننا من النفور؛ وإنما أتيت ~~لأنك طلبت إلي هذا اللقاء باسم عائلتينا؛ ولأرى شؤونك الخطيرة التي دعوتني ~~إليها. ~~- إني قادم يا سيدي من قرية فرانش كونته، حيث كنت فيها لتسوية إرث عمي. ~~- لقد عرفت هذا. # وقد كنت أنت أيضا في تلك الجهة في قصر هوتبا، حين توفي الدوق دي سالاندريرا فجأة، ~~وكنت أود مقابلتك هناك، فما تيسرت لي المقابلة، والآن فإني ما طلبت إليك هذا اللقاء، ~~إلا لأطلب منك الإيضاح عن الخطة التي نهجتها معي. ~~- إني كنت صديقك، بل إني كنت أعد نفسي بمثابة أخيك الكبير، فأنظر إليك بعين الإخاء ~~وأقوم ما اعوج من مناهجك، وأصلح ما فسد من أمورك بيد الإخلاص إلى أن علمت يوما ~~... # فقاطعه رولاند وقال: إني أعلم ما تريد أن تقوله لي: فإنك تريد أن تقول: بأني تجاسرت ~~يوما على إهانة امرأة، ووصمتها بوصمة عار لا تمحى فلم تجد ms0816 بدا من احتقاري؛ لأني ما ~~جريت مجرى النبلاء أليس هذا الذي تريد أن تقوله لي يا سيدي؟ # فسكت فابيان وكان سكوته أبلغ جواب. # غير أن رولاند لم يحفل بهذا السكوت، ومضى في حديثه فقال: إني لم ألتمس منك يا سيدي ~~هذه المقابلة؛ كي أرجعك عن سابق اعتقادك بي، وأنا أحتمل احتقارك لي؛ لأن مهمة اجتماعي ~~بك غير خاصة بي. ~~- بمن؟ ~~- بتلك المرأة الطاهرة التي دنست سمعته أي: الكونتس أرتوف. # فابتسم فابيان ابتسامة هزء، وقال له: ألعلك تريد أن ترجع لها شرفها المفقود؟ ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- أمام من؟ ~~- أمامك قبل كل الناس. # فاستاء فابيان وقال: إنك تعلم بأننا لم يعد بيننا ذلك الوداد القديم، الذي يؤذن لك ~~بممازحتي إلى هذا الحد. ~~- إني لا أمزح بل أقول الجد. ~~- أي جد هذا؟! ألعلك نسيت أني رأيتها من ثقب باب غرفتك في تلك الغرفة، وسمعت ما كان ~~يدور بينكما من الحديث؟ ~~- يحق لك يا سيدي أن تقول لي جميع هذا القول، ويسوءني أني لا أستطيع أن أجيبك الآن، ~~ولكني سأبرهن لك بعد بضع دقائق بأصدق البراهين. # فجعل ينظر إليه نظر الفاحص، وهو يحسب أنه فقد صوابه، ثم قال له: أتنتظر قدوم ~~زائر؟ # وعند ذلك طرق الباب فتركه رولاند، وذهب ففتح ودخل يصحبه الكونت إرمان دي ~~كركاز. # فزاد عجب فابيان؛ لأنه كان يعلم أن رولاند لا علاقة له مع إرمان، وبعد أن عرف ~~رولاند كلا من زائريه بالآخر، قال له فابيان: ألعلك كنت تنتظر حضرة الكونت؟ ~~- نعم ... ولكني أنتظر شخصا ثالثا أيضا وهو الكونتس أرتوف. ~~- أفي عزم الكونتس أن تحضر إلى هنا؟ # فلم يجبه رولاند؛ لأنه سمع طرق الباب وخرج ليفتح. # وفي خلال ذلك دار الحديث الآتي بين فابيان وإرمان، فقال له إرمان: أتعرف يا سيدي ~~الفيكونت الكونتس أرتوف حق المعرفة؟ ~~- نعم؛ فإن زوجها كان من أخلص إخواني. ~~- أتظن أنها مذنبة كما يقولون؟ ~~- وا أسفاه! يا سيدي إني واثق كل الثقة؛ لأن لدي برهانا لا يدحض. ~~- أما أنا فإني أعتقد أنها بريئة خلافا لما ms0817 يعتقده الناس. # فابتسم فابيان ابتسام الحزين، وقال: يظهر يا سيدي الكونت أنك دعيت إلى هذا المنزل ~~لنفس السبب الذي دعيت أنا من أجله؟ ~~- ربما كان ذلك كما تقول. ~~- إن المسيو دي كايلت كان من أصدقائي، ثم قطعت بيننا العلائق لسوء سلوكه مع ~~الكونتس، ولكنه أقبل يسألني أن أوافيه اليوم في الساعة التاسعة إلى منزله. ~~- وأنا وردني كتاب من الكونتس بهذا المعنى. ~~- ولست أعلم كيف يستطيع رولاند أو الكونتس أن يبرهنا لنا عن خطأ الناس فيما ~~يعتقدون. ~~- أما أنا فإن ثقتي شديدة. ~~- إذن فإنك لا تعلم ما أعلمه، فإني كنت ليلة مختبئا في هذا البيت ورأيتها ~~فيه. ~~- رأيت من؟ ~~- الكونتس أرتوف، وقد رأيت رولاند على ركبتيها، وسمعت حديث الغرام بينهما. # فقاطعه إرمان وقال: أرأيتها بعينك؟ أأنت واثق مما تقول؟ ~~- وا أسفاه! نعم يا سيدي، وليس لدي بتهتكهما أقل شك. # وقد حاول إرمان أن يجيب، ولكنه لم يجد سبيلا فإن الباب فتح عند ذلك، ودخلت منه ~~امرأة فأزاحت البرقع عن وجهها، وسلمت على إرمان وفابيان فانحنيا أمامها بملء الاحترام ~~فإنها كانت باكارا. # غير أنه في الوقت نفسه فتح باب مشرف على القاعة ودخلت منه امرأة، فما أوشكت أن تزيح ~~قناعها حتى تراجع إرمان وفابيان منذعرين؛ ذلك أنهما رأيا أن تلك الداخلة كانت باكارا ~~نفسها، وقد وجدا في تلك القاعة اثنتين لم يعلما أيتهما الكونتس أرتوف من شدة ما كان ~~بينهما من الشبه. # وساد السكوت بين الأشخاص الخمسة، الذين ضمتهم تلك الغرفة، فكان فابيان يقلب طرفه بين ~~تينك الامرأتين، وهو لا يعلم أيتهما الكونتس أرتوف الحقيقية. # أما إرمان دي كركاز، فلم يطل تردده ونظر إلى الاثنتين نظر الفاحص، ثم دنا من باكارا ~~فوضع يده بيدها، وقال: أنت هي الكونتس. # أما فابيان فقد ظهرت بين ثناياه علائم البله، وجعل يقول: لا شك أني حالم. # غير أن إرمان قال له: كلا يا سيدي فإنني قد علمت كل شيء، وأن تلك المرأة التي رأيتها ~~... # وعند ذلك دنت ريبيكا من فابيان، وقالت له: إني أنا تلك المرأة ms0818 التي رأيتها في هذا ~~المنزل يا رولاند. # وكانت باكارا تنظر إلى هذا المشهد، وتبتسم ابتسام الحزين، ثم قالت تخاطب إرمان ~~وفابيان: أسألكما العفو يا سيدي، فإني ما دعوتكما إلى هذا المنزل إلا لأبرئ نفسي من ~~تلك الوصمة التي وصمني بها رجال المكر والدهاء، فلاقوا جزاء ما كانوا يصنعونه، ولا بد ~~لي أن أبرأ أمامكما؛ كي أبرأ أمام جميع الناس. # فقال فابيان مشيرا بيده إلى ريبيكا اليهودية، التي كانت مطرقة بنظرها استحياء إلى ~~الأرض: من هي هذه المرأة؟ # فأجابته باكارا: إنها أختي من أمي، وقد كانت تكرهني كرها شديدا، فسول لها هذا ~~الكره أن تكون آلة صماء بيد عدو لي هائل. # فأجفل فابيان لذكر العدو، وقد حسب أن باكارا تعني به رولاند، فنظر إليه نظرة احتقار ~~شديد. # غير أن باكارا علمت ما كان يجول بنفسه فقالت له: لقد أخطأت يا سيدي فليس رولاند ذلك ~~العدو، بل إنه نفسه كان آلة صماء. # ثم مدت يدها إلى رولاند، وقالت له: لقد دفعك نزق الشباب إلى فعل ما فعلت، وها أنا ~~صافحة عنك، بل إني سأبرهن للفيكونت أنك أهل لصداقتي. # وعند ذلك قصت باكارا على الحاضرين جميع تلك الحكاية، التي ذكرناها دون أن تذكر اسم ~~روكامبول. # فقال إرمان: عرفت الآن ذلك العدو. # أما فابيان فإنه لم يعلم شيئا، وقال: من عسى يكون هذا الرجل الجهنمي، الذي يجسر على ~~ارتكاب مثل هذه الذنوب الهائلة؟ # فقالت باكارا: عفوك يا سيدي ائذن لي كتمان اسمه، فإن أمره سيبقى مكتوما إلى الأبد، ~~ولكني لا أكتمك أنه نال فوق ما يستحق. # فقال الفيكونت: ألعله عوقب؟ ~~- نعم؛ إنه زج في السجن وسيموت فيه ... # وبعد ذلك بساعتين دخل الفيكونت فابيان ورولاند دي كايلت إلى النادي، الذي أهين فيه ~~اسم الكونت أرتوف منذ بضعة أشهر، وبات أعضاؤه واثقين من أن الكونتس كانت تحب رولاند، ~~وقد خانت زوجها من أجل هواه. # وكان جميع الأعضاء مجتمعين في تلك الساعة يتقامرون على طاولة واحدة. # فوقف فابيان بينهم، وقال لهم بصوت جهوري: أسألكم أيها السادة أن ms0819 تدعوا اللعب هنيهة، ~~فإني محدثكم بشأن خطير. # ولما رأى فابيان أن الأنظار اتجهت إليه قال لهم: إني أدعوكم جميعا إلى الأوبرا يوم ~~الجمعة القادم. # فقال بعضهم: ألعلهم سيمثلون رواية جديدة؟ ~~- كلا بل إني أدعوكم؛ لتنظروا فيها امرأة لفحتها نار النميمة وهي الكونتس أرتوف، ~~وتروا بجانبها امرأة أخرى تشبهها شبها غريبا، بحيث يستحيل على الناظر إليهما أن يعلم ~~أيتهما الكونتس، وإني أقسم لكم بالشرف المقدس أن صديقي رولاند قد خدعته تلك المرأة التي ~~تشبه الكونتس، وأن الكونتس أرتوف من أطهر النساء. # فذهل الجميع لهذا النبأ الخطير، غير أنهم وثقوا كل الثقة من كلام فابيان، وزالت عن ~~باكارا وصمة العار. # 33 # ولنعد الآن إلى باكارا، فإنها ذهبت مع أختها سريز إلى حيث يقيم زوجها والطبيب صموئيل، ~~فلما وصلت إلى المنزل فتح لها الباب الطبيب نفسه، فنظرت باكارا إليه محدقة تستطلع من ~~هيئته ما تريد معرفته عن صحة زوجها، فأخذ يدها وقال: اطمئني يا سيدتي فإن أمل الشفاء ~~قريب. # ثم أخذ بيدها وصعد تتبعه سريز إلى القصر، وأقامها في غرفة خاصة غير أن باكارا فرغ ~~صبرها، وقالت له: إني أريد أن أراه. ~~- كلا يا سيدتي فلم يحن الوقت بعد، غير أني أعود إلى تطمينك، فإن كل خطر زال ~~عنه. ~~- إذن فلماذا تمنعني عن رؤياه؟ ألعل يوجد ما يحول دون هذا اللقاء؟ ~~- كلا يا سيدتي، إنما أطلب منك أن تسمحي لي أن أسألك سؤالا واحدا؟ ~~- تكلم وأسرع. ~~- إذا خيروك بين أن تنظري زوجك في الحال، فتؤخري شفاءه وبين أن لا تنظريه إلا بعد بضع ~~ساعات، ويكون شفاؤه قريبا فأي الأمرين تختارين؟ ~~- أوضح يا سيدي الطبيب ما تقول، فلقد شغلت بالي. ~~- إذن فأصغي إلي، إن الدواء الذي عالجت به الكونت قد فعل به فعلا شديدا، وسار به ~~سيرا سريعا إلى الشفاء، وهو لا يزال مجنونا غير أن شكل جنونه قد تغير، فهو يعرف الآن ~~أنه الكونت أرتوف، ولم يعد ينكر نفسه كما كان يفعل من قبل؛ ولهذا يا سيدتي أخشى إذا ~~أذنت له برؤياك أن ms0820 ينتكس. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه إذا رآك تعود إليه الذكرى القديمة. # فأطرقت باكارا برأسها، وقالت: اشفه يا سيدي فإني أؤثر شفاءه، ولو قضي علي أن لا ~~أراه إلى الأبد. ~~- كلا يا سيدتي إنك تبالغين في مخاوفك، فإني لا أسألك أن تحتجبي عنه غير بضع ساعات ~~فقط. # وما زال بها حتى اطمأنت لوعوده، فقال لها: عودي الآن إلى المنزل، واجتهدي أن ترسلي ~~إلي الفيكونت فابيان في صباح الغد. # فخرجت باكارا والدموع ملء عينيها، وعادت مع أختها سريز، وهي لا تعلم شيئا من مقاصد ~~الطبيب، فاجتمعت بالفيكونت فابيان، وأخبرته بما يطلب إليه الطبيب. # وفي اليوم التالي ذهب فابيان إلى القرية التي يقيم فيها الكونت أرتوف، فاستقبله ~~الطبيب صموئيل وخلا به مدة طويلة علمه خلالها ما يجب أن يصنع. # وبعد أن فرغ من حديثه تركه، ودخل إلى غرفة الكونت أرتوف، وكان لا يزال نائما فإن ~~الطبيب كان خدره تلك الليلة، وعالجه المعالجة الأخيرة فاستيقظ الكونت، وجعل يدير في ~~الغرفة نظرا مضطربا حتى استقر نظره على الطبيب، فقلب طرفه فيه مرارا، وقال له: من ~~أنت؟ # فقال الطبيب: أنا طبيبك يا سيدي. ~~- وما شأن الطبيب عندي؟ هل أنا مريض؟ ~~- لقد كنت مريضا يا سيدي الكونت واليوم شفيت بإذن الله. ~~- أطالت مدة مرضي؟ ~~- ثلاثة أشهر. ~~- ما هذا النبأ الغريب، إني لا أذكر شيئا من هذا وأين أنا الآن؟ ~~- إنك في منزلك في قرية فونتيناي. ~~- ألعلك تهزأ بي؛ فإني لا أذكر أن لي قصورا في هذه القرية؟! ~~- كلا يا سيدي وسأقدم لك صديقا إذا نظرته تذكر كل شيء، ثم صفق بيديه ففتح الباب ~~ودخل فابيان. # فلما رآه الكونت ضرب جبينه بيده، وصاح صيحة يأس وهو يقول: لقد ذكرت كل شيء. ثم تراجع ~~إلى الوراء حتى لصق بالجدار، وهو ينظر إلى فابيان نظرة المنذعر: أأنا في يقظة أم أنا في ~~حلم؟ كلا، بل أنا في يقظة فإني نمت في منزلك ليلة المبارزة ... ولكن ماذا حدث بعد ~~ذلك؟ # فدنا منه فابيان، وقال له: إني سأخبرك بكل شيء. # وعند ذلك خرج الطبيب ms0821 من الغرفة، وبقي الكونت وفابيان منفردين. # 34 # وأخذ فابيان يد الكونت، وقال له: سكن روعك واجلس بجانبي، فسأخبرك بكل شيء كما ~~وعدتك. ~~- قل فإني مصغ إليك. ~~- إنك كنت مجنونا أيها الصديق. ~~- ذلك أكيد كما يظهر لي؛ لأني لا أعلم كيف أتيت إلى هذا المنزل. ~~- إنك هنا منذ شهر، ولكنك قبل أن تأتي إلى هذه القرية كنت في نيس. ~~- ما هذه الغرائب التي لم أسمعها، فإني لا أذكر شيئا منها، وقبل ذلك أين كنت؟ ~~- كنت في منزلك في باريس حيث كانوا يعالجونك فيه. ~~- ومن أي حين ذهب عقلي؟ ~~- منذ ثلاثة شهور. # فوضع الكونت يده على جبينه كي يتذكر، ثم قال بعد هنيهة: كيف كان جنوني؟ وفي أي ~~حين؟ ~~- في حين كنت عازما على مبارزة خصمك رولاند دي كايلت، وقد ذهب صوابك في ساحة ~~المبارزة فجثوت أمام خصمك، ثم اختلط عقلك فحسبت خصمك الكونت أرتوف، وحسبت نفسك رولاند ~~دي كايلت. ~~- رباه! ماذا أسمع؟! أصحيح ما تقول؟ ~~- أقسم لك بالشرف. ~~- وبعد ذلك ماذا جرى؟ ~~- ذهب الشهود بك إلى منزلك. ~~- إلى منزلي أنا في شارع بيبينار؟ ~~- نعم أيها الصديق. ~~- ولكني أرجو أنها كانت غائبة على الأقل. # وقد أضمر عن زوجته باكارا؛ لأنه لم يجسر على أن يذكر اسمها. ~~- بل كانت فيه. ~~- وقد رأتني؟ ~~- نعم، وهي التي كانت تتولى العناية بك، وهي التي ذهبت بك إلى نيس. ~~- أواه! إنها خيانة لا تغتفر، ولا بد لي من الانتقام. ~~- إني أتيت لأقترح عليك هذا الانتقام ؛ إذ يجب قتل رولاند والمرأة التي أحبته، فإنها ~~لم تقف بخيانتها عند حد، وقد اغتنمت فرصة جنونك للتمادي في غيها. # فاصفر وجه الكونت من الغيظ، وقال: إن دور الجنون قد انقضى وقد بدأ دور الانتقام ~~الرهيب، وسيرى الخائنان كيف تكون عواقب الإثم. # فأخذ فابيان رسالة من جيبه وقال له: خذ واقرأ أيها الصديق. # ثم أعطاه رسالة لا توقيع فيها، ولكن خطها يماثل خط باكارا. # وكانت هذه الرسالة إحدى الرسائل التي كانت ترسلها ريبيكا إلى رولاند، فيقلد فيها ~~روكامبول خط باكارا تقليدا عجيبا، ms0822 بحيث لا يشك عارف خطها أنها هي التي كتبته. # فأخذها الكونت أرتوف، وقرأها ولم تكن تتضمن غير هذا السطر ~~وهو: # أنتظرك في الساعة الحادية عشرة في المنزل ~~الصغير. # فلما قرأها الكونت قال له فابيان: أرأيت كيف أنها تنتظره؟ # فاضطرب الكونت أرتوف، وقال له: أين هو هذا المنزل؟ ~~- في باسي، وقد استأجرته خاصة لهذا الغرض. ~~- ومتى يجتمعان؟ ~~- اليوم ... ~~- أتعرف المنزل؟ ~~- نعم ... ~~- إذن هلم بنا فإن صدري يكاد ينفجر. # فوافقه فابيان ونادى الكونت خادم غرفته، فألبسه ملابسه بسرعة عظيمة، وخرج الاثنان من ~~القاعة ومرا بالحديقة، فجعل الكونت ينظر إلى ما يحيط به نظرة المنذهل، ثم قال لفابيان: ~~تقول أني هنا منذ شهر؟! ~~- نعم أيها الصديق. ~~- أكنت أتنزه تحت هذه الأشجار؟ ~~- كل يوم. ~~- إني لا أذكر شيئا من هذا، ولا بد أن تكون رؤياك التي شفتني من جنوني. ~~- كلا، بل إن الذي شفاك دواء هندي عالجك به الطبيب صموئيل، الذي رأيته في منزلك ~~الآن. ~~- كل ما سمعته غريب. ~~- إنك سترى أغرب من جميع هذا عند رجوعك من باسي. ~~- لماذا لا تقول لي الآن عن هذه الغرائب القادمة؟ ~~- كلا، لا أقول شيئا إلا بعد أن تشفي غليلك من الانتقام. # ثم أخرج من جيبه الداخلي خنجرا، فأعطاه للكونت، وقال له: انتقم بهذا الخنجر فهو أسرع ~~في قضاء الحاجات. # فأخذه الكونت، وقال له: كن واثقا؛ فإن يدي لا تضطرب. # وبلغ الاثنان وهما يتحادثان إلى باب الحديقة، وكانت مركبة فابيان تنتظر فركباها، وأمر ~~فابيان السائق أن يسير إلى شارع باسي، وعين له نمرة المنزل، فسارت المركبة سيرا حثيثا ~~حتى بلغت إلى المنزل المعين، فوقفت ونزل منها الاثنان، فقال الكونت أرتوف: انظر إلي، ~~ألا ترى وجهي مصفرا؟ ~~- نعم! ~~- إن هذا الاصفرار دليل الغضب عندنا نحن الروسيين أهل الشمال، فإن كل روسي إذا أهين ~~تذهب منه عواطف الإشفاق، ويذكر أنه تتري من أصل جنكيز خان. # فلم يجبه فابيان ودنا من باب ذلك المنزل الذي كانت ريبيكا تستقبل فيه رولاند، وطرقه ~~ففتحت له خادمة، ولما رأت هذين الرجلين تظاهرت بالاضطراب، ms0823 وقالت لهما: إن سيدتي ليست ~~بالمنزل. # فقال فابيان: كلا بل إنها في منزلها ولا تجزعي منا فنحن أصدقاء رولاند. # ثم دخل وتبعه الكونت قبل أن يدع لها وقتا للاعتراض، فمشى أمام رفيقه حتى اجتاز الدور ~~الأول، فنظر إلى الكونت فرآه يمشي بأقدام ثابتة، غير أن اصفرار وجهه كان يشبه اصفرار ~~الأموات، وكانت عيناه تتقدان ويتطاير منهما اللهب. # فوضع فابيان أذنه على أحد الأبواب، وقال للكونت: تعال واسمع فإني أسمع صوتيهما، فأتى ~~الكونت ووقف يصغي إلى تلك الأصوات فاضطرب وهاج هياجا شديدا؛ لأنه سمع صوتا يعرف ~~صاحبه. # ثم نظر من ثقب قفل ذلك الباب، فرأى الكونتس أرتوف جالسة على مقعد، وبجانبها رولاند ~~ماسكا يديها، وهي تنظر إليه نظرات العشاق، وتقول له بغنج ودلال: إذن فإنك لا تزال ~~تهواني. # فقال لها رولاند: أحبك حبا لا يفنى و... # ولكن الكونت لم يدعه يتم حديثه، فإنه دفع الباب برجله فانكسر، ودخل وهو يزأر زئير ~~الأسود والخنجر مشهر بيده. # وفي الوقت نفسه وبسرعة البرق فتح باب آخر مقابل للباب الذي كسره، ودخلت امرأة فحالت ~~بين الكونت وبين العاشقين، فما أوشك الكونت أن ينظر إليها حتى وقف وقفة الأبله، وسقط ~~الخنجر من يده، فإن تلك المرأة التي دخلت كانت الكونتس أرتوف أيضا، ولكنها كانت أكثر ~~جمالا وأنضر شبابا من الكونتس أرتوف الأخرى. # فلما رأت ما كان من سقوط الخنجر من يد الكونت وانذهاله دنت منه بمظاهر الكبرياء، ~~ووضعت يدها على كتفه، وقالت: أية هاتين المرأتين الكونتس أرتوف أيها الزوج ~~العزيز؟ # فصاح الكونت صيحة فرح، وقد عرف كل شيء، ثم جثا أمام باكارا يلتمس منها العفو فلم ~~يستطع أن يقول كلمة وسقط مغميا عليه. # وعند ذلك دخل الطبيب وقال لباكارا: اطمئني يا سيدتي؛ فإن هذه الحادثة الأخيرة ~~أنقذته. # وفي المساء كان الكونت أرتوف لا يزال منحط القوى إثر إغمائه، وكان جالسا على كرسي ~~كبير في منزل باسي، وأمامه باكارا والطبيب صموئيل ورولاند دي كايلت الذي صافحه الكونت ~~مصافحة الإخوان، فزال ما بينهما من الأحقاد؛ لأنه أخبره بجميع ms0824 ما حدث له من مكايد ~~روكامبول، وبعد حين انصرف الجميع ولم يبق أمامه غير باكارا، فطوقت عنقه بذراعها وجعلت ~~تعانقه ودموع الفرح تنهل من عينيها، وهي تقول: لقد زال الآن كل خطر، فإن أندريا هوى إلى ~~ظلمات الأبد وروكامبول زج في أعماق السجون، فلأنس شقائي بقربك؛ إذ ليس ما يمنعني ~~الآن أن أعيش لك وبك. # ودارت قبلات الحنو بين الزوجين، فلم يقطعها غير كلمة «أحبك». # أما روكامبول فإنه بقي في سجن إسبانيا نحو عام، ثم أرسل إلى سجن طولون في ~~فرنسا. # وقد اتفق أنه بعد خمسة أعوام مرت بهذه الحوادث كان الفيكونت فابيان وامرأته بلانش في ~~طولون، فخطر لهما أن يزورا سجنها الرهيب، وفيما هما يطوفان فيه ومعهما رئيس ذاك السجن؛ ~~إذ رأيا أحد أولئك المجرمين المنكودين ممددا على الأرض، كأنما التعب أضنى جسمه فلم ~~يستطع حراكا، فلما رأى هذا المجرم الرئيس هم أن يقف كي يحييه، ولكنه ما لبث أن وقف حتى ~~سقط لضعفه وأن أنين المتألم. # فأشفقت عليه بلانش، وقالت للرئيس: ما شأن هذا المسكين؟ ~~- إنه مركيز يا سيدتي وقد صدعت رجله في هذا الصباح، وسينقل إلى المستشفى في ~~المساء. # فعجبت بلانش لكلامه، وقالت: كيف يكون مركيزا ويكون في السجن؟ ~~- إنه مركيز وغاية ما أعلمه من أمره أنه حاول الفرار منذ خمسة أعوام، فشوه وجهه كي لا ~~يعرفه من يطارده، ولكنه قبض عليه ورد إلى مكانه في السجن. # وعند ذلك صرخ هذا المركيز متألما، فدنت منه بلانش وزوجها وهي راثية لحاله، فلما ~~رآهما روكامبول صاح صيحة منكرة، فحسبت بلانش أنه يصيح من الألم، فتوجعت لمصابه وأخذت من ~~جيبها عدة فرنكات، فأعطته إياها وقالت له: استعن بهذه الفرنكات على حالك ولا تقنط من ~~رحمة الله. # ثم احتجبت عنه مع زوجها دون أن تعرفه لتشوه وجهه، غير أن روكامبول عرفها وتمثلت له ~~باريس وزخارفها، وسابق أيامه فيها فأن ذاك الأنين، ثم سقطت دمعتان على خديه وقال: كل ~~ما لقيته من العذاب لم يكن شيئا مذكورا، والآن قد بدأ العذاب الصحيح. ms0825 # مقدمة‏ # أنطوانيت‏ # مقدمة‏ # أنطوانيت‏ # | سجن طولون # | سجن طولون # | روكامبول (الجزء الخامس) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | مقدمة # 1 # انتصفت الشمس في السماء ودقت الساعات مؤذنة بحلول الظهر، فقرع جرس السجن يبشر بوقت الراحة ~~المباحة للأشقياء المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، وكان التعب الشديد قد أضنك أجسامهم فجعلوا ~~يتراكضون إلى حيث يوجد الظل؛ لأن شمس يونيو كانت تبسط على طولون شعاعا محرقا، فالتجأ بعضهم ~~إلى ظل مركب قديم العهد قد لعبت به يد التلف ولم يبق منه غير الوسط الأسفل، وجلس البعض تحت ظلال ~~الأخشاب التي تعد لبناء المراكب، وتوسد آخرون الرمال متعرضين لحرارة الشمس المؤثرة بإزاء دار ~~الأسلحة، وجعل آخرون يتنزهون كل اثنين معا، فيتمشون ذهابا وإيابا يشملهم الهدوء، وتصوب عليهم ~~الشمس شعاعا لم يكترثوا له وإن كان محرقا. # ومن عادة المسجونين أن يسمى كل منهم بنمرة خاصة، وكان الشقي الذي نمرته 117 جالسا مع آخر ~~على انفراد، فخطر لرفيقه هذا أن يتركه ويأتي إلى الجماعة القائمين في ظل المركب القديم ليسمع ~~القصة التي يتحدثون بها، فنظر إلى المائة وسبعة عشر فرأى عينيه تكادان تغمضان من شدة نعاسه، ~~فقال له: إذا كنت تريد النوم فأنا أريد الذهاب إلى ظل المركب لأسمع الأخبار التي يروونها فهلم ~~نذهب معا، وإذا كنت تريد البقاء هنا لتمتع عينيك بلذة الرقاد فأنا أدعك تنام على شرط أننا نلعب ~~بالورق قبل افتراقنا، فإذا غلبتني فنم مطمئنا، وإلا فتذهب معي لنجلس مع رفاقنا في ظل المركب ، ~~ونسمع قصة الكوكوديس كما يدعوه الرفقاء. # فاستعد الاثنان للعب وأخذ 117 من قبعته ورقا للعب كان يضعه فيها على رأسه، فلعبا المرة ~~الأولى وكان هو الرابح، ولعبا دورا ثانيا فربح 117 أيضا وكان بارعا باللعب وله فيه تفنن ~~وحيل كثيرة. # وكان الشقي الآخر في أول الدور يلوح له أنه سيكون ظافرا فلا يلبث 117 أن يقدح زناد الحيلة ~~ويكون هو الظافر. # وبعد أن لعبا دورا ثالثا فرابعا وكان الربح في جميعها لل 117، نظر إلى رفيقه قائلا: ~~وماذا تريد بعد ذلك؟ ms0826 # فكادت عين هذا الشقي تقدح شرارا وقد تجهم وجهه الوحشي، وابتسم ابتسامة استهزاء وقال لرفيقه ~~117: لا بأس فلنعلب أيضا. # فلعبا دورا جديدا فكان فيه خاسرا كعادته في الخسارة، فغضب عندئذ وقال: لم أعد أريد سماع ~~قصة الكوكوديس فأنا أبقى هنا. # فترك 117 الورق وتوسد الأرض واستغرق في النوم. أما هذا الشقي الذي كان الخاسر فيدعى ميلون، ~~وهو بعد أن نام الشقي الرابح الذي لم يكن يدعوه الرفقاء إلا باسم 117، جلس حائرا يرسل أبصاره ~~إلى الجماعة الذين تحت ظل المركب وهم جالسون في خيمة تظلهم من الشمس، ولا تزال نفسه تناجيه ~~بالذهاب إليهم، إنما أبى ذلك بعد خسارته كما أظهر لرفيقه النائم، فجعل يلاعب نفسه بالورق الذي ~~لديه ويجري التجارب وضروب التفنن بغاية البراعة فيها. # أما الجماعة الذين كانوا جالسين في ظل المركب فكانوا يقولون فيما بينهم: أين الكو كوديس ~~فإنا لم نره اليوم؟ # فقال أحدهم: إنه لا يحضر اليوم إلينا. وماذا ترجون من حضوره؟ وأنتم تعلمون أن كل صاحب مال ~~لا يهمه السجن كما يهمنا نحن الفقراء، فإنه كل يوم يتعلل بعلة كاذبة ويدعونه من أجل أمواله ~~يذهب إلى المستشفى حيث يستريح من عناء السجن ويقيم متنعما وإن كانت علته كاذبة. وهكذا انطبع ~~الناس على الظلم وقلة الإنصاف، فالفقير مظلوم حيثما كان والغني متنعم ولو كان في السجن، ولا ~~يوجد على الأرض إنصاف حتى داخل السجون. وهكذا الكوكوديس فإن أباه مثر عظيم وهو صاحب بنك. وفي كل ~~شهر يرسل له مائة فرنك، وقد أطلق له ناظر المستشفى الحرية فهو يذهب إلى المدينة متى شاء ويعود ~~منها متى شاء. # فقال آخر من هؤلاء الجماعة: نعم. وقد عرفت أن امرأة جميلة من نساء باريس كانت تأتي عمدا ~~إلى فندق فرنسا كي تلتقي به فيه. غير أن هذه الأخبار لا تهمني مطلقا، ولا يهمني غير أخبار أرى ~~في نفسي ارتياحا شديدا إليها. # فقالوا: وما هي هذه الأخبار التي تريدها؟ ~~- أخبار رفيقنا 117. # فقالوا: إن هذه الأخبار لا يعرفها أحد منا ونحن كلنا نريد معرفتها ms0827 ولا نعلم واسطة إلى ذلك، ~~فإذا كنت تستطيع أن تعرفها فتكون أكثر منا دهاء وأطول باعا في استطلاع الأمور الخفية. # وكان قد أتى إليهم شقي جديد فقال لهم: وكم من السنين لوجود 117 في هذا السجن؟ # فقالوا: عشر سنوات. ~~- من أين أتى؟ # فقالوا: لا نعرف، فهو لا يخبر من أين أتى وما هي قصته. # فقال رجل آخر: إنه رجل عظيم أوقعه الدهر في حبائل الشقاء وهو منذ دخل هذا الليمان اتخذ ~~ميلون رفيقا له فلا يكلم غيره. # ولم يلبث هؤلاء الجماعة أن رفعوا أبصارهم وإذا برجل مقبل عليهم وهو يدخن سيكارة رغما عن ~~مشي القوانين، ويمشي مشية المتنزه المطمئن فتأملون فإذا به الكوكوديس فبادءوه بالتحية، فردها ~~بصوت يدل على السرور والاطمئنان، فسأله أحدهم قائلا: يقولون إنك كنت مريضا فدخلت المستشفى من ~~أجل ذلك. ~~- نعم إنني مريض، وقد دخلت المستشفى في صباح هذا اليوم. # فقال المجرم: ولكن يقولون أيضا إن الطبيب لم يجد بك علة. ~~- كلا فذلك غير صادق فإن الطبيب من أصدقائي وقد أمر لي بالراحة والتنزه في الصباح شفاء ~~لعلتي. # ثم قال متهكما: ولنفرض أن مرضي خداع وحيلة لأستريح من عمل الليمان فلم يبق لي فيه غير أربع ~~سنوات أجتهد بأن أقصر أيام بلائها بالحيلة والخداع بادعاء الأمراض. # فقال أحدهم: هنيئا لك فإن مدتك قد قصرت وأنت مستريح كأنك لست في ليمان فليت حظي ~~كحظك. # فقال الكوكوديس: ولماذا لا تدبر واسطة يمكنك من الفرار فتنجو من عذابك الطويل؟ ~~- وكيف أنجو وأنا قد فررت من هذا الليمان خمس مرات وكنت في كل مرة أضبط وأرجع إليه، وليس ~~ذلك إلا من قلة دهائي فلا أجد واسطة تمكنني من الاختفاء عن الحكومة، ولكن الفقر هو بلائي الوحيد ~~فلست ابن غني لأتزيا بأزياء كثيرة تخفيني عن الحكومة ولم أضبط في المرة الأخيرة إلا بسبب سرقة ~~رغيف من الخبز مدت الحاجة إليه يدي فضبطت وعرفت وأرجعت إلى هذا الليمان. # فقال الكوكوديس: وما هي المهنة التي كنت تتعاطاها، قبل دخول الليمان؟ ~~- كنت قبل ذلك حوذيا. ms0828 ~~- إذن أبشرك بالخير، فعندما تمضي الأربع سنوات أخرج من هذا السجن وأنت تخرج منه فرارا، ~~فأجعلك عندي سائقا فلا يعرفك أحد من رجال الحكومة. ~~- متى مضت أربعة أعوام نفكر في ذلك ونعقد الرأي عليه، أما الآن فارو لنا خبرا من الأخبار ~~التي تسلي همومنا. ~~- ماذا تريدون أن أخبركم؟ وأي خبر يسركم؟ # فقال شقي باريسي: نريد قصة محزنة. # فقال آخر: أو قصة سارة، وأنت أدرى بما عندك من الأخبار التي تسر مثلنا. ~~- إذن أخبركم قصة تطيب لكم خطرت لي الآن. فاسمعوا: إنني أولا كنت مع نيشات. # فقالوا: ومن هي نيشات؟ ~~- هي المرأة التي وقعت من أجلها في شرك هذه المصيبة. # فقالوا: قد عرفناها فهي المرأة الجميلة التي في فندق فرنسا. ~~- نعم. وهي تهيم بي دائما ويحق لي أن أتزوجها. # فقال الشقي الباريسي: ما بال الكوكوديس يروي لنا قصة نحن نود منه رواية غيرها. # فقال آخر: وقصة من تريد أن يرويها الكوكوديس؟ ~~- روكامبول. # فقال الآخران: هذا الاسم اسم لص شهير. # وبينما كان هذا الحديث جاريا بين هؤلاء الجماعة كان ميلون رفيق 117 لا يزال يلاعب نفسه ~~بالورق و117 غائص في نومه وهو يتوسد الأرض بجانب ميلون. فلما أفاق من رقاده نظر فرأى ميلون لا ~~يزال بجانبه فقال له: ما بالك لا تزال جالسا ألم تعد تريد سماع أخبار الكوكوديس؟ # قال ميلون: إن كنت تذهب معي لسماعها فأنا أهبك في هذا المساء قسمتي من العشاء. ~~- فلنذهب ونسمعها معا فإنها تسرنا كلينا. # ونهض من مكانه فنهض ميلون وطوقا وسطهما بسلاسل الحديد التي يقيدان بها ومشيا إلى ظل المركب، ~~فانضما إلى تلك الجماعة. وكان الكوكوديس يقول حينئذ: نعم إن قصة روكامبول مما ترتاح إليه عقولكم ~~وتعجب به قلوبكم ولا سيما أنه يوجد منها فصل رابع يقع أعظم موقع من إعجابكم. # فقال 117 وقد لاحت عليه هيئة المتلهف إلى سماع هذه القصة: إذن ارو لنا هذه القصة التي ~~نعجب بها. # 2 # فابتدأ الكوكوديس بالكلام، فقال: تنقسم قصة روكامبول إلى خمسة فصول يتقدمها فاتحة، وهذه ~~الفاتحة جرت ms0829 قبل ابتداء روكامبول بتمثيل الأدوار الخمسة بثلاث سنوات في بيت رجل عجوز ساذج يدعى ~~المركيز دي شمري. # فهذا المركيز كان مثريا عظيما وكان له ولد ولكنه كان مفقودا، وقد قضى المركيز زمنا ~~طويلا يظن أن هذا الولد ليس ولده. # وقد باع المركيز جميع أملاكه ولم يرد أن يورث ولده شيئا، ولكنه لما كان قد حان أجله ولم ~~يبق له غير ساعات على فراش الموت إذ ورد إليه كتاب من صديق قديم يدعى الدوق دي ~~سالاندريرا. # ويظهر أن المركيز دي شمري كان يعتقد في نفسه أن الدوق دي سالاندريرا كان في قديم الزمان ~~عاشقا لامرأته. # فلما وصل له منه هذا الكتاب وهو على فراش الموت وجده يتضمن طلب الدوق إلى المركيز أن يتزوج ~~ابنته أرمين لابن المركيز وهو الابن المفقود والذي يريد المركيز حرمانه من إرثه. # فزال حينئذ من نفس المركيز ما كان يتوهم من أن هذا الابن ليس ابنا حقيقيا له وطلب في ~~الحال مسجلا ليوصي له بإرثه وليسلم هذا المسجل ثروته وأوراقه بعد أن يتعهد له بأنه يبحث عن ~~ولده المفقود حتى يجده فيسلمه هذه الثروة التي لا تقل عن عشرة ملايين. # وقد كان يوجد في باريس، في ذلك العهد، جمعية سرية مؤلفة من جملة لصوص، ينهبون ويقتلون ~~ويرتكبون الفظائع الخفية عن أبصار الحكومة. ولم يكن يحدث في مكان جريمة هائلة إلا كان مصدرها ~~هذه الجمعية السرية. # وكان البوليس يجتهد في استظهار أسرار الجرائم الكثيرة. فلم يقف على أثر لهذه الجمعية ~~الجهنمية، ولا سيما رئيسها أندريا، فلم يكن يعلم له سر أو يعرف له أثر. # فلما ذكر الكوكوديس اسم أندريا قال أحدهم متعجبا: ومن هو أندريا فقد ناجتني نفسي بأنني كنت ~~أعرفه؟ # فقال الكوكوديس: إن كنتم تسألونني مثل هذا السؤال في كل جملة، فهيهات أن تنتهي القصة التي ~~أرويها لكم. فما بالكم تضيعون الوقت بالأسئلة! # فقالوا: كلنا نسمع ولم نعد نسأل فارو لنا. ~~- إذن لنرجع إلى المركيز دي شمري. فقد دعي إليه مسجل فلما دخل إليه أوعز إلى الخادمة، ms0830 وهي ~~امرأة عجوز، أن تخرج من الغرفة فخرجت وبقي فيها مع المركيز والخادم، وكان هذا الخادم يعرف ~~بفلانتين عند المركيز وبفانتير عند المسجل. # فقال الجماعة متعجبين: وكيف ذلك أيدعى هذا الخادم باسمين؟ ~~- نعم. ولا عجب من ذلك، وهذا المسجل ما هو إلا أندريا رئيس الجمعية السرية. # فصاح هؤلاء الأشقياء صيحة استحسان. # فقال الكوكوديس: وفلانتين هو أحد أعضاء الجمعية السرية أيضا. أما المركيز دي شمري فقد قص ~~قصته بتمامها على المسجل الكاذب وفتح له صندوق أوراقه وأراه أمواله. وبعد ذلك رجع المركيز إلى ~~فراشه فأعانه فانتير على التوسد، وبينما المركيز يتوسد إذ قبض فانتير على المفتاح المعلق بعنقه ~~ففكه من سلسلته وترك المركيز ينام. # وعندئذ جعل أندريا وفلانتير يهتمان بشغلهما في هذه الفرصة المغتنمة، ففتحا الصندوق وجعلا ~~يخرجان ما فيه إلا أن الضجيج طرق أذني المركيز فانتبه إليهما وأجهد قوته في القيام وهو يصيح ~~بهما. # فصاح الجماعة: يا لتعاسة المركيز. # فواصل الكوكوديس حديثه فقال: أما هما فانقضا عليه بعد إطفاء النور واشتغلا في قضاء أمره. ~~وكان البيت خاليا والظلام منسدلا، إلا أنهما ما لبثا أن سمعا ضجيجا شديدا على نافذة الغرفة، ~~وقد تكسر خشب النافذة ودخل إلى مسرح الفظاعة شاب يحتدم غضبا، فأخرج من جيبه عودا من الكبريت ~~وأشعله فأضاء الغرفة فنظر الصندوق مفتوحا وقد خلا مما كان فيه، ولم يبق له قسمة من المال الذي ~~إنما دخل الغرفة لأجله. # وكان أندريا قد انتهى من خنق المركيز، فلما رأى الشاب واقفا أمام الصندوق انقض عليه وألقاه ~~على الأرض واستل خنجره يريد قتله فصاح به: مهلا فأنا روكامبول، فكف أندريا يده. # ولما انتهى الكوكوديس إلى هذا الكلام نظر ميلون إلى 117 قائلا: كيف ترى هذه القصة؟ # فابتسم هذا اللص الكبير ببرود وقال: أراها قصة جميلة. ثم تولاه السكوت ولم ينطق ~~شيئا. # فرجع الكوكوديس إلى تتمة حديثه فقال: قد تمت الفاتحة فابتدئ الآن بأول فصل من الخمسة. فقد ~~كان في بلدة بلفيل مصور يدعى أرمان وكان يعلم فن التصوير لفتاة شريفة تدعى أرمين ms0831 دي سالاندريرا ~~وهي ابنة الدوق الإسباني الذي تقدم ذكره في الفاتحة. # وكان لهذا المصور صديق محام، ولهذا المحام فتاة حبيبة تدعى الفيروزة كانت له في كل وقت ~~شغلا شاغلا، فكان المصور كلما ذهب لتعليم تلميذته يمر في طريقه على صديقه المحامي ويتحدث معه ~~بأحاديث الغرام، ولم يكن يخطر على قلبيهما حب باكارا، وهي امرأة جميلة كانوا يرونها في الملاعب ~~والملاهي. # ثم إنه كان يوجد في هذه البلدة أيضا مدام فيبار وابنة أختها سريز، ومدام فيبار هي امرأة ~~عجوز كانت دائما ذات غم وهم؛ لأنها كان لها ولد يدعى جوزيف صار لصا كبيرا باسم ~~روكامبول. # ولكن مدام فيبار وإن كانت على هذه الحالة من الغموم، فإن ابنة أختها سريز كانت على جانب ~~عظيم من المسرة والحبور؛ لأنها كانت تنتظر الزواج بشاب جميل يدعى جان وكان لديها مهر يبلغ ~~ستمائة فرنك. # وبينما كان أرمان يتحدث مع صديقه المحامي إذ دخل إنكليزي يدعى السير فيليام وهو يقصد أرمان ~~ليطلعه على كنه أمر عظيم. # وكان أرمان يجهل اسمه الحقيقي وولادته، وكان عندئذ يريد الذهاب لتعليم تلميذته فلم يتمكن ~~السير فيليام من محادثته مليا، فلما ذهب أرمان لقضاء واجبه تنهد الإنكليزي وقال إنه لا يعرف ~~شيئا. # فقال الشقي الباريسي: لقد فهمت كل شيء فإن أرمان هو ابن المركيز دي شمري المفقود. # فقال الكوكوديس: هو ذلك. # وقال الباريسي: وقد فهمت أن السير فيليام هو أندريا، رئيس الجمعية السرية. # فقال الكوكوديس بلهجة الغضب: إن كنت فهمت كل شيء فلا حاجة إلي، ارو هذه القصة بدلا ~~مني. # فغضب الجماعة وأمروا الباريسي بالصمت ورجوا من الكوكوديس تتمة القصة فقال: وبعد ذهاب أرمان ~~لتعليم الفتاة، وذهاب المحامي لقضاء دعاويه، لم يكن بد للإنكليزي من الذهاب أيضا، ولكن سمع ~~عندئذ وطأ أقدام ثم ظهرت باكارا وهي آتية لمشاهدة أرمان الذي تحبه وإن يكن لا يبالي بها؟ # أما باكارا فساءها بأنها لم تر أرمان، فأودعت له كلمة عند أحد أهل ذلك البيت وذهبت لحضور ~~السباق في فنسان يصحبها السير فيليام. # أما خطيب ms0832 سيريز فذهب ليشتري لها قفازا، وفي ساعة غيابه أتى المحامي إلى مدام فيبار فأنذرها ~~أن ابنها روكامبول قد ارتكب سرقة عظيمة ولا ينجو من العذاب إلا إذا نقدت هذا المحامي ستمائة ~~فرنك كي يخلصه من شر السجن. # فلما رجع جان إلى سريز وجدها كئيبة فقالت له: لم نعد نقدر على الزواج فقد نقدت المحامي مهري ~~البالغ ستمائة فرنك ليخلص ابن خالتي من السجن ولم يعد لي مهر. # فاستغرق جان في البكاء، ثم أخرج من جيبه كتابين أحدهما من روكامبول إلى أمه مدام فيبار ~~يخبرها بأنه مسافر إلى الهند ليتعاطى فيها تجارة تصيره غنيا، والآخر إلى أرمان يتضمن أنه إذا ~~سافر إلى مرسيليا يجد فيها صديقا من عائلته يدعى الدكتور جوردون وهو ينبئه عن اسمه الأصلي ~~ويهديه إلى استلام ثروته. # فلما وصل هذا الكتاب إلى يد أرمان سر سرورا عظيما، بيد أن مدام فيبار أحزنها كتابها ~~حزنا شديدا على فراق ولدها. # وعند هذا الكلام سمعوا جرس الليمان يقرع دلالة على انتهاء وقت الراحة وحلول وقت ~~الشقاء. # فقام الأشقياء من مواضعهم ومشوا يجرون سلاسل الحديد وهي تقرع بعضها فترن رنين ~~الأجراس. # أما الكوكوديس فقال لهم: هذا الفصل الأول أتممناه، وموعد الثاني غدا إن أردتم، وأنا الآن ~~أرجع إلى المستشفى. فسار إلى الراحة وساروا إلى الشقاء. # 3 # مضى النهار فاستراح الأشقياء من عناء الأشغال المضنكة وقد حان وقت النوم، فدخلوا مكان ~~المنامة وهناك التحفوا الأغطية التي هي من الأعشاب اليابسة وافترشوا الأعشاب في جوانب الليمان ~~المظلمة. # ثم أمرهم الحرس بالنوم فشملتهم السكينة، إلا أن بعضهم كانوا متى رأوا الحارس قد بعد عنهم ~~يبتدئون بالمناجاة والكلام بصوت منخفض لا يسمعه إلا المتخاطبان. # وكان ميلون ينام بجانب رفيقه 117، فكان يراه في تلك الليلة على غير ما تعود أن يراه في سائر ~~الليالي الماضية؛ لأنه كان قبل هذه الليلة لا يحين وقت النوم إلا وعيناه تكادان تغمضان، فلا ~~يلقي رأسه على وسادته حتى يستغرق في النوم ولا يستفيق حتى الصباح. وكذلك وقت الراحة المباحة عند ~~الظهيرة، ms0833 فبينما يكون الرفاق يتبادلون الأحاديث، التي هي شكوى قلوبهم، يكون 117 مستغرقا في ~~نومه وهو متوسد الأرض لا يهمه غير النوم. # وكان ميلون يرى في نفسه أن لرفيقه 117 سيادة عليه، فكان يحترمه كثيرا، ولما رآه في هذه ~~الليلة قلقا خلافا لعادته سأله قائلا: ما بالك أيها الرفيق أأنت مريض هذه الليلة؟ ~~- لا لست مريضا ولكني منشغل الفكر. ~~- وبماذا؟ ~~- بما يخبره الكوكوديس. ~~- وأنا أيضا قلق في هذه الليلة لأني أفتكر بهذه القصة وأنا متأكد أنها صحيحة وأن روكامبول ~~وجد حقيقة. ~~- أتؤكد ذلك؟ ~~- نعم، فقد كنت في باريس أيام اشتهرت هذه الجمعية السرية وكانت حديث الناس في كل ~~مكان. # فقال 117 متنهدا: نعم ذلك صحيح. # فأتم ميلون حديثه بصوت منخفض وقد أدنى فمه من أذن رفيقه: إن كنت تريد فإننا نتحدث ~~مليا. ~~- قل ما تشاء. ~~- إنني أيها الرفيق أعد نفسي من ذوي البلاهة لأنني لا دربة لي، فأنا قوي الجسم متين ~~الساعد، ولكنني مع شدة هذه القوى أرى الولد الصغير يفتك بي بدهائه، ولا تجديني القوة شيئا ~~لأنني ساذج أبله، ولولا سذاجتي لما كنت أرسلت إلى هذا الليمان. ~~- ومن هم الذين أرسلوك إليه؟ ~~- قلت لك إنني كنت دائما ساذجا في جميع الأمور، وكان يجب علي أن أكون مترويا متبصرا في ~~العواقب، ولو كنت كذلك لما تمكنوا من سلب الأولاد ولكن ربما تضجر من هذه القصة. ~~- كلا، فإنني لا أمل منها فاروها لي. ولكن قل لي قبلا ما هي المهنة التي كنت ~~تحترفها؟ ~~- كنت خادما. ~~- وبماذا اتهمت حتى أدخلت الليمان؟ ~~- بسرقة جواهر. ~~- ولماذا؟ ~~- لأني أصررت على أن لا أقر أين يوجد مال الأولاد. ~~- وأي أولاد؟ ~~- أولاد السيدة التي خدمتها. ~~- إذن هم الذين أدخلوك الليمان؟ # فتنهد ميلون وقال: لا فليس هم، ولست أعني بالأولاد غير فتاتين في مقتبل العمر وهما توأمان ~~ولهما اليوم من العمر عشر سنوات، ولا شك أن الشقاء ستحسهما يده القاسية. # وهنا سكت ميلون عن الكلام، فنظر إليه 117 فرآه على النور الضعيف الذي لا يزال ينبعث من ~~القناديل إلى ms0834 تلك الغرفة، يمسح على خديه دموعا سخينة. # فقال له: أتمم القصة. # فقال ميلون: وقد ظهر لي أن والدة هاتين الفتاتين تزوجت دون رضى عائلتها في وطنها لأنها لم ~~تكن فرنسية، ولها أخوان شقيقان قد حاولا مرارا كثيرة أن يحرماها ابنتيها. # وقد مات زوجها منذ سنين طويلة ولم يكن لها أحد تستعين به على أمر سواي، ولكني كنت كما قلت ~~ساذجا قليل الدربة وكانت هي لا تزال في ريعان العمر وهي جميلة للغاية. # وكانت تقول دائما عندما تنظر إلى ابنتيها وهما تتدرجان في النشأة، لا بد متى بلغتا الخامسة ~~عشرة من عمرهما أن أزوجهما كي يكون لكل منهما من يصونها ويقوم بمعيشتها. # وكان لهذه السيدة ثروة عظيمة وهي تسكن في فندق قديم في سان جرمان، فكانت في كل ليلة تقفل ~~الأبواب بكل دقة خوفا من حادث يطرأ وتقول لي دائما: إنني أخاف كل الخوف من إخوتي. # وقد اتفق أن الابنتين كانتا ذات مساء تلعبان في الحديقة فسمعتا طلق مسدس ودوي رصاصة فيها ~~فارتعبتا، ولكن لحسن الحظ لم تصبهما الرصاصة التي كانت مصوبة إلى إحداهما. # فنبهنا البوليس واجتهد في معرفة الجاني إلا أنه لم يعرف له أثرا، واتفق مرة أخرى أن ~~إحداهما أصيبت فجأة بعد تناول الطعام بألم الأحشاء والقيء، فدعونا الطبيب في الحال فحقق أن ذلك ~~ناتج عن تسميم الطعام. # فعرفت هذه الأم المسكينة أنهم كانوا يريدون قتل ابنتيها بالسم، وعند ذلك أبعدتهما عن المنزل ~~فأخذناهما سرا في ذات ليلة إلى أحد الأديرة، فدخلتا هذا الدير باسمين غير اسميهما الأصليين؛ ~~لأن والدتهما أرادت أن تخفي حقيقة أمرهما. # وقد قالت لي وقت رجوعنا: إنني أعلم أنك رجل صالح وأرى أنني جديرة بالاتكال عليك وأنت تعلم ~~أن أخوي يريدان قتل ابنتي وهما سيقتلاني لا شك عاجلا أو آجلا؛ ولذلك يجب أن أنظر في مستقبل ~~ابنتي كي لا يمسهما الشقاء بعدي. قال ميلون: فكنت أصغي إليها ودمعي يهمي من شدة الإشفاق، ثم ~~سلمتني محفظة من حديد وهي تقول لي: هذه نصف ثروتي فإن في ms0835 هذه المحفظة ما يبلغ ريعه خمسة عشر ألف ~~فرنك من ذهب وأوراق مالية فأخفها حيث لا يدري بها أحد، وهي مهر ابنتي الذي أعهد إليك به إذا ~~أصبت بما أوجس خيفة منه. # فقال 117: هل خبأت المال؟ ~~- نعم قد خبأته ولا يعلم غيري أين يوجد مكانه الخفي. # فتنهد 117 وأطرق وهو يفتكر. # أما ميلون فقد أتم كلامه فقال: كأن هذه السيدة المسكينة كانت تتكلم عن موتها وهي واثقة من ~~أن أخويها سيميتانها إذ لم يمض بضعة أيام على ذلك العهد حتى ماتت مسممة. # فهب أخواها لوراثتها وكانت ابنتاها قد ولدتا في بلد غريبة ولم يكن بين يدي أوراق تثبت أنهما ~~الوارثتان الشرعيتان. # ثم إنني كنت أخاف إن جاهرت بهما أن يعرفا بمكانهما ويحتالا بقتلهما، فاستولى الأخوان على ~~ورثة هذه السيدة وكانا يظنان أنهما يجدان ثروة طائلة. # فلما خاب ظنهما جعلا يستخبراني وقد قال لي يوما أحدهما: إننا نعلم أنك خبأت كمية عظيمة من ~~مال أختنا فأتنا به ونحن نهبك قسمتك. # فأنكرت ذلك ولم أقر به، وبعد ثمانية أيام بينما كنت نائما عند منتصف الليل طرق باب غرفتي ~~اثنان من رجال البوليس وقبضا علي بدعوى أنني سرقت جواهر السيدة المذكورة. # وكان الأخوان المذكوران قد وضعا في محفظة تخصني بعض الحلي كالأساور والخواتم الثمينة، فلما ~~فتحها الشرطيان وجدا فيها هذه الحلي المذكورة وثبتت علي السرقة، وقد دافعت عن نفسي كثيرا فلم ~~أنجح وحكم علي بالليمان مدة عشر سنوات. # فقال 117: فهل لا تدري شيئا من أخبار تينك الفتاتين؟ ~~- كلا، ولكن أظن أن هذين الشقيين لم يعلما مقرهما. ~~- والمال الذي خبأته ؟ ~~- ما زلت أعرف موضعه. ~~- لا يبعد أن يكونا قد اكتشفاه وأخذا هذه الغنيمة. ~~- كلا، فذلك من المحال. ~~- ألست تحاول الفرار من هذا الليمان؟ ~~- قد فررت مرتين فكنت أضبط وأرجع إليه. # فتبسم 117 وقرب رأسه من رفيقه ميلون وقال له بصوت منخفض جدا: إن كنت تريد الفرار فأنا أجد ~~لك واسطة سهلة. # فأجابه ميلون: وأنت؟ ~~- وأنا أيضا أهرب معك فهل لا تصدق أني أقدر على ms0836 الفرار بأسهل طريقة؟ ~~- لقد صدقت الآن. ~~- وبعد الفرار نضرب في طول الأرض وعرضها فلا يعرف لنا أثر. # وعند ذلك أمال وجهه عن ميلون واستغرق الاثنان في النوم. # 4 # لما كان اليوم التالي في وقت الظهيرة اجتمع الأشقياء كعادتهم في ظل ذلك المركب القديم وكان ~~الكوكوديس غائبا فلم يحضر إليهم ولم يكونوا يتذمرون من هذا الشقي، وإن كانوا يرونه ممتازا ~~عنهم من جهة المعاملة لأنه كان كأنه حر يغيب ويحضر متى شاء. # وكان حرس الليمان يعاملونه معاملة حسنة ويلبون طلبه في كل شيء وذلك لأنه كان من الأغنياء ~~وكان أهله يرسلون إليه مبلغا من المال في كل شهر فيكون للحرس النصيب الأكبر منه. # وكان الكوكوديس ينقد كل من رفاقه الأشقياء ليشتري به خمرا فكان الجميع يحترمونه ويفرحون به ~~ولم يكن يعرفونه إلا باسم الكوكوديس وكان كل منهم يجهل اسمه الحقيقي. # وقد كان بينهم ميلون و117 فلما لم يحضر الكوكوديس جعلوا يتحدثون فقال أحدهم: إنه سعيد الحظ ~~وأما نحن فإن الشقاء لا يفارقنا ساعة في هذا الليمان الذي هو جهنم الأرض، وإنني أنا أكثركم شقاء ~~وتعاسة وقد بلغ من تعاستي أنني عندما دخلت هذا الليمان جيء بي إليه مقيدا بالسلاسل وأنتم جيء ~~بكم إليه على المركبات. # فقال أحدهم: وأنا مثلك في الشقاء وقد دخلت مكبلا بالقيود وكان دخولي إليه على عهد ~~تياري. # فقال آخر: ومن هو تياري؟ ~~- هو مأمور الليمان القديم وكان يحسن معاملتنا جدا فكنا نوده كثيرا. # فقال العجوز أقدمهم عهدا في الليمان: إنك دخلت مثلي في هذا المكان مقيدا في ذلك العهد ~~ولكنك لم تسم بالنار وأما أنا فإنهم يوم وسموني كنت كأنني أذوق الموت الزؤام. # ثم جعل هذا العجوز يسرح أبصاره في الجماعة الذين حوله وقال وهو يتنهد تنهد اليأس: إنني ~~أراكم تحزنون إن لم يحضر إليكم هذا الشاب الذي تسمونه الكوكوديس، فأني أروي لكم قصتي فإذا ~~وجدتموها أغرب من حكاياته اغتنيتم بي عنه، فلما سمعوا هذا الكلام قالوا: إذن ارو لنا قصتك ~~فإننا مصغون إليها. # فقال العجوز: إن ms0837 لي من العمر تسعا وستين سنة قضيت منها أربعة وثلاثين عاما في الليمان، ~~وأنا منذ هذه المدة الطويلة شقي النفس ميت الآمال، حتى كأنني جسم بلا روح. # أتعلمون ماذا كنت في حياتي؟ فإنني كنت من أصحاب البنوكة وذا ثروة طائلة ومن عائلة شريفة، ~~وقد تزوجت بامرأة نبيلة كنت من فرط محبتي لها كأنني أعبدها عبادة، وقد قضيت معها عدة سنين وأنا ~~كأنني في النعيم، إلا أن تلك السنين كانت كأنها حلما لم يبق له في اليقظة أثر، وقد عقبتها ~~سنوات الشقاء التي ما زالت تتوالى علي حتى اليوم، وقد كان مفتاح باب شقائي المقامرة الوخيمة، ~~ولولاها لم أدخل هذا الليمان؛ فإن المقامر يبدأ بخسارة ماله وبعد هذا يخسر جميع ما له من ~~الممتلكات، ومتى رأى يده فارغة من كل شيء يرجع إلى زوجته فيسرق ما تمتلك عليه ثم إلى أصدقائه، ~~حتى إلى والديه فإنه يسرق مالهما ويضيعه في سبيل المقامرة. # وقد جرى لي كل ذلك حتى إنني لم أدع لامرأتي شيئا تمتلكه، حتى إني بعت أثوابها في سوق ~~المقامرة. # ولما خلت يدي يوما من كل شيء ولم أر شيئا أحصل عليه من الأقارب والأصدقاء عمدت إلى تزوير ~~ونجحت به بواسطة بعض أصدقائي، وبعد ذلك صرت أزيف النقود وأقلد أوراق البنوكة، ولم تكن امرأتي ~~تعلم من هذا السر شيئا ولم تكن تدري إلا خرابنا. # وقد تركت امرأتي وانفردت في ضواحي باريس عند جدة طاعنة في السن، فكانت امرأتي تظن أنني في ~~البلاد الأميركية أسعى وراء الثروة، فكانت تصلي دائما لأجل نجاحي. وبما أنه لا بد لكل ذنب من ~~العقاب فقد ظهر سري للحكومة وقبض علي، فأقررت بكل شيء، وكان القانون في تلك الأيام يقضي بإعدام ~~كل مزيف، ولكن العفو الملوكي خفف عقابي فأبدل الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة. # جرى كل ذلك ولا تعلم امرأتي شيئا من أمري، وكان قد حان وقت أصبحت فيه على وشك أن تضع لي ~~ابنا يدخل الحياة من باب الشقاء. # وهنا سكت الشقي هنيهة كأن ذكرى بلاياه قد ms0838 أعيته من الكلام، وبقي سائر الأشقاء على أتم ~~الإصغاء كأن كلا منهم يتأمل بلاياه في الأيام السالفة. # ثم عاد العجوز إلى الكلام فقال متنهدا: إنكم لم ترو السمة التي وسموني بها ولا تعلمون كيف ~~يتم أمرها، فإنهم يعدون آلة الرسم ويأتون بالذي يراد سمته ويعلقونه بحبل يتدلى من أعلاها ~~ويطوقون رأسه بطوق من حديد بحيث لا يستطيع الدوران، وتكون عيناه موجهتان إلى جهة الجموع ~~الغفيرة. وبعد ذلك يأتي الجلاد ويضرم النار تحت هذا الشقي التعس حتى يكاد يشوي جسمه. # أما أنا فقد كنت عند ذلك أنظر إلى الجموع الشاخصة إلي بعين الوقاحة كأنني لا أبالي، وإذ ذاك ~~سمعتهم ينادونني: يا صاحب البنك ورب الثروة، استهزاء بي. # ولكنني لم أكن أتأثر من ذلك بقدر ما كنت أتأثر من ذكر امرأتي المسكينة، فقد كانت في تلك ~~الساعة تظنني حرا أجمع المال، وترجو أن تراني في الأيام القريبة. # وعندما تشتد النيران يرخي الجلاد حبل الشقي فيسقط بالقرب منه ويأخذ الجلاد حينئذ حديدة ~~محمية في النار ويسم بها الشقي في كتفه. # وبينما كنت في قبضة الجلاد وهو يسمني هذه السمة القاتلة كنت كأنني لا أشعر لم ولا أكوى ~~بنار، وما ذلك إلا لأن أميالي وعواطفي كانت جميعها متجهة إلى جهة الحضور، وقد صحت صيحة شديدة ~~ارتجت لها تلك الساحة وقلت للجلاد بصوت قاس جدا: اكوني حتى الموت. وقد رغبت في الموت من نفسي ~~عندما وقعت أبصاري على امرأة تصيح صياح اليأس وهي على مقربة من هذه الآلة الشنيعة، وما هي إلا ~~امرأتي التعيسة، وقد آلمني منظرها فوق آلام النار. # قال العجوز هذا وجعلت الدموع تنهمر من عينيه كالمطر وساد السكون هنيهة بين الجماعة. # ثم عاد العجوز إلى الحديث فقال: ليس هذه بحكايتي كلها فاسمعوا البقية، وجعل يمسح الدمع عن ~~خديه ثم قال: # 5 # عرفتم ما تقدم من أمر الوسم فاسمعوا ما جرى بعد ذلك فإن الشقي بعد وسمه يأتون بطوق من حديد ~~ويطوقون به عنقه ويعلقون بهذا الطوق سلاسل الحديد الطويلة التي تثقل كاهله ms0839 وتضنك جسمه، ثم تفتح ~~أبواب الخروج من هذه الحفلة السيئة ويأخذ الجميع في الخروج وتعزف الموسيقى بألحان الحزن وقت ~~خروج المذنب كأنها تندب حظه وأيام عمره، وبالحقيقة إن ما يفعل به الجلاد لا يؤثر عليه كما تؤثر ~~رؤيته لتلك الجموع الغفيرة المحتشدة من أغنياء وفقراء ونساء وصبيان، ويكونون كلهم عيونا تنظر ~~إلى هذا المذنب من كل جانب وأيدي تشير إليه وألسنة تذمه بكل كلمة فتشق جدا رؤيتهم حوله على ~~هذه الشاكلة التي تريعه. # ولما خرجوا بي من تلك الحفلة حيث وسموني تلك الوسمة المشئومة، رأيت شرذمة من الجنود تنتظر ~~خروجي على الباب لتذهب بي إلى الليمان، فسار بي هؤلاء الجنود، ولكن ليس على طريق برست، بل على ~~طريق طولون، فممرنا فونتنابلو على بلدة شوزي لاروا، وفي البلدة التي دفنت فيها امرأتي التعيسة، ~~وقد كان ذلك بفصل الصيف في شهر أغسطس. # ولما وصل بي الجنود إلى هذه البلدة كانت الساعة السادسة من الصباح، فلم نكد نسير فيها ~~قليلا حتى رأينا أهلها يحتفلون بجنازة وهم يسيرون إلى المدافن، وكانت هذه المدافن قريبة من ~~مكاننا، وكان الجمع يحمل نعشين كان أحدهما نعش شخص كبير والآخر نعش طفل صغير. # وكانت وراء النعشين عجوز قد اشتد صياحها وعلا بكاؤها، فتأملتها وإذا بها جدتي التي تركت لها ~~امرأتي، ففهمت كل شيء وعلمت أنني ذاهب إلى الليمان بينما امرأتي وولدي ذاهبان إلى القبور، وقد ~~بلغ من تحسري أن عيني لم تكن قد نظرت هذا الولد. وهنا جعل العجوز يبكي بكاء مرا ولبث الجماعة ~~ساكتين. # وبعد هنيهة تقدم الجماعة إلى هذا العجوز لما رأوه قد استغرق في البكاء وجعلوا يعزونه، وأخذ ~~أحدهم بيده ومشى به وهو يودع أذنه كلام التعزية والتسلية. # وبعد خروجه من بينهم لبثوا هنيهة صامتين يفتكرون به، ثم قال الشقي الباريسي: حقا لقد أثرت ~~علينا هذه القصة ولو جاءنا الكوكوديس في هذا الوقت سرنا بقصته بعد هذا الحزن. # فقال 117 موجها كلامه إلى الباريسي: وهل أنت تصدق قصة الكوكوديس؟ ~~- هي كقصة مندرين وكرتوش، وبما أن ms0840 هذين كانا يوجدان فلا يبعد أن يكون روكامبول قد وجد ~~أيضا، وإن كانت قصته على غاية من الغرابة. # فقال 117: إنني أحقق أن روكامبول قد وجد حقيقة وقد عرفته. ~~- وهل أنت تعرف قصته؟ ~~- نعم، أعرفها ... # وأضاف 117 إلى جوابه هذه الجملة: إنني لا أعلم قصته المزوقة التي يرويها الناس على المراسح، ~~ولكن أعلم قصته الحقيقية. # فقال أحدهم: إذن يجب أن ترويها لنا. ~~- إنني أرويها لكم مرة ثانية. # فقالوا: ولكن قصدنا الآن أن نعرف ما هو روكامبول. # فقال 117: إن روكامبول ولد وربي في باريس، وهو كما قال لكم الكوكوديس قد تسنى له أن ~~يتزيا بزي المركيزية بعد رجوعه من الهند. # فقالوا: وهل كان هذا المركيز الذي تقمص به روكامبول غنيا؟ ~~- كان له ملايين كثيرة. # فقالوا: وهل توصل إليها روكامبول كما توصل إلى المركيزية؟ ~~- نعم، لمدة ثلاث سنوات. ~~- إذن هذا المركيز كان قد مات؟ ~~- كلا فقد كان حيا. ~~- ألم يكن له أقارب أو أصدقاء؟ ~~- كان له أم وأخت. ~~- وهذه الأم؟ ~~- قد انخدعت بروكامبول وكانت تحسبه ولدها. ~~- وأخته؟ # عند هذا السؤال الأخير وقف 117 لا يريد الجواب، ثم قال: إن هذه الأخت كانت تحب روكامبول ~~كأخيها وهو كان يحبها كأخته. ~~- أكان بينهما غرام؟ ~~- كلا فقد قلت لكم إن المحبة كانت بينهما أخوية كأنهما كانا أخوين حقيقة. ثم امتقع لونه ~~فحار الجماعة من نظرهم إليه فقالوا له: وماذا يؤثر عليك هذا الكلام حتى تبدي هذا الانزعاج ~~منه؟ # وقال ميلون: نريد أن نعلم هذا. # فأجاب 117: ليس لي طاقة الآن على الكلام. # فقال أحدهم: نريد أن نعلم فقط هل روكامبول لا يزال حيا أم لا؟ ~~- إنني لا أعلم ذلك. # ثم نظر إلى ميلون نظرة خفية كأنه يقول له فيها لنذهب معا فقد ضجرت من هؤلاء ~~الجماعة. # فقام ميلون وقد فهم مراده وقال له: أنا ذاهب فلنذهب معا. # فتركا الجماعة وسارا حتى إذا بعدا قال ميلون لل 117: إنك تخبرني قصة روكامبول أليس ~~كذلك؟ ~~- نعم بعد حين قريب. # ثم مشيا يتنزهان ذهابا وإيابا نحو ربع ساعة حتى رأيا من ms0841 نفسيهما دافعا يدفعهما إلى حلقة ~~الجماعة فانضما إليهم مرة ثانية. # وكان يتولى الكلام بين الجماعة في ذلك الحين أقدمهم عهدا في السجن هذا العجوز الذي تقدم ~~ذكره، فكان يخبرهم قصته حينئذ قائلا: إنني كنت حوذيا في أول حياتي بين الرجال ولم أكن أحب من ~~الدنيا سوى اثنين من الحيوان وهما حصان وكلب، وقد مات الحصان فرثيته وبكيته زمنا طويلا وكذلك ~~الكلب ولكنني لم أبكه بدمع بل بدم، ولو أخبرتكم بقصته لنالت عندكم قبولا عظيما، فلا يخفى ~~عليكم أن لي في هذا السجن عشرين عاما وأنا منذ عشر سنوات منها أبيت منشرح الصدر خلافا للسنين ~~الأولى، وما ذلك إلا لأنني أتأمل أن يدي ستصل إلى الذي قتل كلبي فأقتله. # فقال الجماعة: ومن هو الذي قتله؟ # فأجابهم: إنه أحد حرس السجن، وقد كان هنا في طولون غير أنهم شعروا بأنني أريد قتله فأرسلوه ~~إلى بريست. # فقالوا: إن ليمان بريست قد أبطلوه فلا بد أن يعود يوما هذا الحارس إلى هنا. ~~- وهذا الذي أنتظره. # فقال الباريسي: ارو لنا إذا أردت قصة هذا الكلب الذي كنت تحبه بهذا المقدار. وألح عليه ~~الجماعة في معرفة هذه القصة، فقال: إني كنت في بادئ الأمر حوذيا أي حوذي أريد أني كنت ألبس ~~لباسا رثا وأسوق عربة حقيرة ذات خيل ضعيفة، وكنت أنفق ما أكسبه على شرب الخمور فأسكر دائما، ~~وإذا بقي معي شيء من المال تأخذه امرأتي فيقع بيننا النفور والقتال بشأنه. # وكان لي كلب جميل، فكنت أجد به سلوى لي وقت نفوري من زوجتي، ولولاه لكنت هلكت وحشة وجزعا، ~~وكان الكلب لطيف الشعور خفيف الحركة، يشعر بحبي له فيحبني أيضا حبا شديدا، ولم يكن يفارق ~~الإسطبل ساعة. # وكانت زوجتي تنفر دائما من هذا الكلب وتضربه في أكثر الأحيان، فكنت كلما ضربته أمامي لا ~~أتمكن من كف يدي عنها فأضربها ضربا شديدا. وقد اتفق أن النفور اشتد بيننا ذات ليلة، فما كدت ~~أضربها بعض ضربات حتى سقطت على الأرض سقوط من لا روح فيه، فظننت أولا أنها ms0842 كانت سكرى، إذ كانت ~~تشرب نظيري، ولكنني بعد أن تأملتها جيدا وجدتها جثة بلا روح فيها. # ولم يأت اليوم الثاني حتى قبضت الحكومة علي ووضعتني في السجن، ثم أخذت إلى محكمة الجنايات ~~للمحاكمة، فدافع عني أحد المحامين دفاعا شديدا أنجاني به من الإعدام، ولكنني لم أنج من ~~الليمان، فأرسلت إليه وها أنا ذا ما زلت فيه. ولما خرجت من المحكمة وكان الحرس يحيطون بي فلم ~~نكد نسير مسافة قليلة حتى نظرت وإذا بكلب يسرع إلي وهو كلبي الذي أهيم به. # فجعل الحراس يطردونه عني وهو يعود إلي حتى خطر لأحدهم أن يمسكه، وكنا قد وصلنا إلى بينسيتر ~~فأدخلت إلى سجنها وبقي الكلب مع هذا الحارس فلم تكن عيني تحرم من نظره كل يوم، إلا أنني كنت ~~أخشى سفر هذا الحارس إلى مكان آخر فأحرم نظرة كلبي، وقد شعرت يوما بما كنت أخشاه فجعلت أبكي ~~بكاء مرا. # فنظر إلي هذا الحارس وقال لي: أراك تخاف من الليمان خوفا شديدا يحملك على هذا البكاء. ~~فأجبته: ليس ذلك بل أنا أبكي مخافة فراق كلبي. فقال لي: إننا مسافرون إلى ليمان طولون فنأخذ هذا ~~الكلب معنا، وهناك ننظر في أمره. # وفي ثاني الأيام سافروا بنا إلى طولون يتبعنا الكلب حتى وصلنا إليها، وهنا في الليمان لا ~~تدخل الكلاب، وكان هذا الحارس تياري المشهور بحسن المعاملة، فرجوت منه الاعتناء بالكلب فوضعه ~~عند جزار بالقرب من الليمان فجعل الجزار يعتني به. # وكنت أراه في كل يوم يخرجون بنا للأشغال في موريلون أو في حصن أبو يرماك فيسرع إلي على ~~الطريق فأمتع نظري بمرآه. # وكان الحارس يحسن معاملتي، فكان يسمح لي بأخذه معي إلى حيث نشتغل، وكان عند المساء يمشي ~~بجانبي حتى باب الليمان ويعود من نفسه إلى الجزار. # وقد دمت على هذه الحال مدة سنتين كنت في خلالهما متمتعا بمرآه، ولم تكن يدي تصل إلى الخمر ~~لأشربه فأسكر وتضعف قوتي، فلذلك كنت دائما بصيرا ذا قوة شديدة أشتغل شغلا كثيرا وأطيع طاعة ~~عظيمة، فكان الحرس مسرورين ms0843 مني يعاملونني بالرفق والسماح. # وقد أعجب أحد الحراس بهذا الكلب فأدخله إلى الليمان، وجعل يطعمه والكلب ينام ليله بيننا تحت ~~سرير الحارس، فكنت أراه دائما فتطيب به نفسي، إلا أن أحد رفاقي المسجونين تودد لي وقد جعله ~~الحرس رفيقا لي نشتغل معا ونجلس معا، فكان هذا الرفيق قليل الطاعة عديم التدرب كثير ~~الجهل. # فبينما كان الحارس يوما يكلمنا أظهر رفيقي نفورا شديدا، فغضب الحارس ورفع عصاه يريد أن ~~يضربه. # وكان الكلب ينظر إلى الحارس فظن أنه يريد أن يضربني أنا فنبح نباحا شديدا وهجم عليه وعضه، ~~ومن هذه الدقيقة استحال سروري غما وابتدأ زمان شقائي وأنذرني البلاء أنا والكلب معا، فإن هذا ~~الحارس جعل يضرب الكلب في كل ساعة ويعاملني معاملة قاسية في كل وقت. # وقد أصبحنا ذات يوم فرأيت الكلب حزينا شديد الآلام لا يأكل شيئا، وإنما يشرب شربا كثيرا ~~كأنما كان في قلبه جمر يضطرم. إلا أنه في هذا اليوم أكل شيئا قليلا، ولكنه في غد ذلك اليوم لم ~~يذق الطعام مطلقا. وفي اليوم الثالث أصبح ميتا فكدت أموت عليه حسرة. وكنت أبكي بكاء شديدا ~~نادبا هذا الكلب العزيز، فجعل هذا الحارس الذي يدعى موسوليت يستشفي بي ويضحك ضحكا شديدا ~~يزيدني حسرة. وفي مساء ذلك اليوم جعل يخبر جميع المسجونين عن بكائي وأسفي شامتا بي أمامهم، ~~فاشتد غضبي وحنقي. # وفي اليوم التالي خرجوا بنا للأشغال الشاقة، فعزمت كل العزم على قتله، فرفعت سلاسل الحديد ~~على عاتقي بينما نحن نسير في الطريق، واستنهضت همتي وهجمت هجوم المنتقم. غير أن الحرس، أسرعوا ~~إلى نجدته فلم أتمكن من نيل مرادي. وقد زيد عقابي على هذا الذنب الكبير ثلاث سنوات بالأشغال ~~الشاقة. # ولما تحقق مأمور الليمان أنني موطن النفس على قتله أرسله إلى ليمان برست وقد علمت أنه فيها، ~~وما زلت أؤمل أن يعود يوما إلى هذا الليمان فلا ينجو من قبضتي. # وقد بذلت قصارى جهدي ليرسلوني إلى ليمان برست فلم يقبل لي طلب، فما زلت هنا ملقيا كل ~~اتكالي على تقلبات ms0844 الظروف. # وهنا انقطع عن الكلام لما رأى الجماعة نظروا رجلا مقبلا عليهم كانوا ينتظرونه بفارغ صبر ~~وهو الكوكوديس. # فصاح ميلون مرحبا به وقال: إنك لا تتم وعدك بالحضور في الميعاد المعين إلينا. # فقال الكوكوديس: لا بأس إذا تأخرت قليلا، فلا يفوتكم من قصة روكامبول شيء. ~~- لم نعد بحاجة إليك فقد عرفناها. ~~- ومن أخبركم بها؟ ~~- أخبرونا عن شيء وسيخبرونا بجميع تفاصيلها. # فتعجب الكوكوديس وقال: ومن هذا الذي يعرفها ليخبركم بها؟ # فأجاب 117: أنا الذي أعرفها! # ووقف يدير في الكوكوديس لحاظا حائرة ثم قال له: إنني حتى اليوم لم أطلب إليك قضاء ~~أمر. # فأجابه الكوكوديس: اطلب فما تريد؟ # فأشار إليه 117 وحاد به قليلا عن الجماعة وقال له: إنك أيها الصديق تذهب كل يوم إلى فندق ~~فرنسا، وترى تلك السيدة التي تنتظرك فيه. أليس كذلك؟ ~~- نعم. ~~- وهي امرأة حسنة التدبير؟ ~~- أظنها كذلك. ~~- إنني أريد أن أعهد إليها برسالة توصلها إلى باريس. ~~- أعطني إياها وأنا أوصلها إليها. ~~- كلا فلا يسلمها سواي وأنا أعطها إياها يدا بيد. # فعجب الكوكوديس ودهش من كلامه وقال له: أين تراها أنت؟ ~~- أراها في الفندق حيث تقيم. # فزاد الكوكوديس عجبا وقال له: هل تستطيع الخروج من الليمان؟ ~~- ذلك ما لا يهمك أمره، وقل فقط ألا ترى اليوم هذه السيدة؟ ~~- نعم. ~~- إذن أخبرها بأني سأزورها هذه الليلة. # فنظر إليه الكوكوديس نظرة المتأمل وقد حسبه مجنونا. # 6 # مضى النهار وانسدلت حجب الليل ودخل الأشقياء إلى مكان النوم حسب عادتهم الجارية. وكان ميلون ~~ينام بجانب 117، فقال له بصوت منخفض كما كانا يتناجيان قبلا: أظن أيها الصديق قد عاهدته معاهدة ~~ثابتة. # أجاب 117: ومن ذا الذي تعنيه؟ ~~- أعني الكوكوديس فماذا جرى بينكما حين تكلمتما سرا ألم تخبره بأنك تريد الذهاب إلى فندق ~~فرنسا الساعة 11 من هذه الليلة؟ ~~- نعم، وماذا ترى في ذلك؟ ~~- كان ينبغي ألا تطلعه على ذلك فربما لا تستطيعه. # فضحك 117 ضحكا خفيفا وقال له: كيف لا أستطيع فأمهل حتى يذهب الحرس فترى. # وعند ذلك كان بعض الحرس يمرون على المسجونين ويتفقدونهم ms0845 واحدا واحدا ولما انتهى أحدهم إلى ~~117 تبادلا نظرة خفية كان 117 بادئا بها. # فلما مضى الحارس قال 117 لرفيقه ميلون: كم الساعة الآن؟ ~~- قد أذنت الساعة التاسعة. ~~- إذن دعني أنام ساعة واحدة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- توقظني ولا تقتضي لي أكثر من ساعة في التأهب للذهاب. ~~- لا أفهم شيئا من مرادك في هذه الليلة فبالله صرح لي بما تنويه. ~~- أصغ إلي، إنك وحدك مصادق لي وقد اتفقنا قبلا على الفرار من هذا الليمان، فيجب أن نتمم ~~قصدنا في هذه الليلة. # وسر ميلون سرورا عظيما وقال متحمسا: نعم ليكن فرارنا هذه الليلة. ~~- إذن نخرج إلى العالم معا ولكن على شرطين لا بد منهما. ~~- وما هما؟ ~~- إن الشرط الأول هو أن نتفق اتفاقا ثابتا أن لا نفترق في الدنيا مطلقا! ~~- وهل أنت تبحث معي عن الفتاتين اللتين ذكرتهما لك؟ ~~- نعم. ~~- وهل تساعدني أيضا حتى نرجع إليهما مالهما؟ ~~- نعم. # فقال ميلون عند ذلك: إذن إني لا أفترق عنك مطلقا حسب شرطك الأول، فما هو الشرط ~~الثاني؟ ~~- أما الشرط الثاني إني أقوله لك بشرط أن لا تغضب منه، لقد قلت مرارا كثيرة إنك قليل ~~التبصر والتدبير أليس كذلك؟ ~~- نعم، لا أنكر أني عديم الرأي. ~~- حينئذ إن الشرط الثاني هو أن ترضى كل الرضا بأن تبقى دائما اليد التي تطيع حيثما أكون ~~أنا الرأس الذي يأمر. ~~- إني راض بذلك. ~~- إذن أصغ إلي واعلم أن لساني لا ينطق الكذب. ~~- وأنا واثق مما تقول. ~~- قلت لك إني ذاهب هذه الليلة إلى فندق فرنسا وإني سأخرج من هذا السجن بملء الحرية كما يخرج ~~منه السجان نفسه. ~~- أصحيح ما تقول؟ ~~- اسكت هذا مفتش السجن قد حضر. # وكان المفتش والحداد قد أتما تفتيشهما وفحصا قيود المسجونين، ولما دنا من ميلون ورفيقه قال ~~المائة وسبعة عشر للمفتش: أتأذن لي يا سيدي أن أسألك كم الساعة الآن؟ # أجابه المفتش: قد بلغت الساعة التاسعة. # ونظر المائة وسبعة عشر للحداد نظرة خفية وقال: كنت أحسب أن الساعة العاشرة الآن. # ثم ذهب المفتش دون أن ينتبه ms0846 إلى ما جرى بين هذا السجين وبين الحداد من تبادل النظرات ~~السرية، خلافا لميلون لأنه رأى جميع ما كان من رفيقه، ولما ابتعد عنهما المفتش قال ميلون ~~لرفيقه: لماذا سألت المفتش عن الساعة وأنت خبير بمعرفة الأوقات؟ ~~- ما سألته عنها إلا كي يعلم رفيقه ما أريد وهو من رجالي. ~~- أي رفيق تعني؟ ~~- رفيق المفتش وهو الحداد الذي كنت أنظر إليه. # ثم سكت وقال لميلون: أتعلم كم سنة بقيت لي في سجن طولون؟ ~~- كلا. ~~- عشر سنوات! وفي أول يوم دخلت فيه إلى هذا السجن عرض هذا الحداد أن يستخدم فيه، وقبل ~~المدير طلبه بعد امتحانه لما لقيه من مهارته، وفي الحقيقة إنه حال دون فرار كثير من المسجونين ~~حتى نال رضى رؤسائه عنه وثقتهم به، ولكن أتعلم لماذا قيد نفسه بهذه الخدمة الشاقة؟ ~~- كلا. ~~- إنه فعل ذلك من أجلي لأني سيده وهو ينتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أظهر له فيه حاجتي ~~إليه. ~~- إذن هو خاضع لك؟ ~~- حتى الموت وإني حينما قلت للمفتش «كنت أحسب أن الساعة العاشرة الآن» لم يكن سؤالي عن ~~الساعة غير الإشارة إليه بأنها الموعد بيننا. # فدهش ميلون وقال له بسذاجة الأطفال: كيف حصلت على هذه السلطة وأي رجل أنت؟ ~~- سأخبرك فيما بعد، ثم جعل يحل قيوده. ~~- ماذا تفعل؟ ~~- إني أحل قيودي لأنها سهلة الحل. ~~- كيف ذلك ومتى كانت قيود المسجونين في طولون تحل حلا سهلا وهي من حديد؟ ~~- ذلك لأن قيودي غير قيودك؛ لأن قيودك لا تنزع إلا بعد كسرها أو بردها. # وكانت العادة في هذا السجن أن كل سجين يربط ساقه بقيد خاص ثم يقرن بقيد آخر إلى رفيق من ~~المسجونين بحيث يغدو كل اثنين بقيد واحد، وذلك مبالغة في الحذر من هربهم؛ لأن هروب الاثنين أصعب ~~من هروب واحد. # وما أوشك 117 أن يتم حديثه مع رفيقه ميلون حتى انفصل عنه وأصبح كل منهما لا يربط إلا بقيده ~~الخاص، فقال لميلون: لم يبق لي إلا أن يأتيني الحداد بالملابس التي طلبتها منه لأخرج من هذا ms0847 ~~السجن. ~~- أتذهب وتدعني وحدي؟ ~~- لا بد من ذلك لأني سأرجع فإن ساعة نجاتنا لم تحن بعد لأنه قبل أن نبرح هذا السجن الضيق ~~يجب أن نعلم أي محل نقصد من ذلك السجن الواسع لأن الدنيا بأسرها سجن للمجرمين. ~~- ولكننا نذهب إلى باريس لإرجاع المال إلى الفتاتين، ألم تعدني بهذا؟ ~~- ذلك لا ريب فيه غير أني إذا خرجت من هذا السجن فلا أحب الرجوع إليه، ولا بد لي إذن من أن ~~أخبر أصحابي في باريس بعزمي على الفرار كي يعدوا لي وسائل التنكر وإنما لا تخشى أيها الرفيق فلا ~~يمر بنا أسبوع حتى نخرج من هذا المكان الرهيب على أن لا نعود إليه. # فحك ميلون أذنه إشارة إلى عدم ثقته من الفوز وقال: إن كل ذلك ممكن غير أني لا أزال أخشى ~~أمرا واحدا. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن مفتش هذا السجن يخطر له في أكثر الأيام أن يتفقد المسجونين عند انتصاف ~~الليل. ~~- وما تخشاه من تفتيشه في تلك الساعة؟ ~~- أخشى أن يراني وحدي فيعلم فرارك. ~~- ومن أخبرك أنك تكون وحدك؟ # فانذهل ميلون وقال إني لم أكن أصدق بوجود الأبالسة، غير أني أجد الآن أنه لا بد لي من ~~التصديق. # فضحك 117 وقال لرفيقه: إنك لم تر شيئا بعد، وسترى عجائب كثيرة فدعني الآن أنام ساعة إذ قد ~~فرغت من جميع عملي ولم يبق علي غير انتظار الملابس التي سيأتيني بها الحداد. # ثم انقطع عن محادثته وغرق في لجج من الهواجس وميلون يحسبه نائما. # ولما دنت الساعة العاشرة سمع ميلون وقع أقدام خفيفة وكانت أصوات المسجونين قد خفتت وانقطعت ~~شكاويهم وشتائمهم وسادت السكينة بهذا السجن، ثم رأى ميلون رجلا يمشي مشيا وئيدا ~~إليهما. # وكان هذا الرجل حداد السجن فهز ميلون رفيقه وقال له همسا: قم لقد بلغت الساعة ~~العاشرة. # فنهض 117 وقال: إني سمعت دقاتها. # وكان الحداد قد وصل إليهما فقال بصوت خافت: ها أنا ذا يا حضرة الرئيس وقد أتيت في ~~الموعد. ~~- حسنا فعلت فاخلع ثيابك ألعلك أحضرت ما أوصيتك به؟ ms0848 ~~- لقد أحضرت كل شيء. # ثم خلع ثيابه وخلع السجين ثيابه فلبس كل منهما ثياب الآخر، وأخذ السجين من الحداد علبة ~~ففتحها وأخرج منها قبعة يغطيها الشعر المستعار بلون شعر الحداد، فلبسها إخفاء لحاله لأن ~~المسجونين تحلق رءوسهم ثم أخرج منها لحية وشاربين فلبسهما ووضع على وجهه وجها مستعارا يشبه ~~وجه الحداد كل الشبه. وبعد أن فرغ من جميع ذلك وضع قيده برجل الحداد وربطه إلى قيد ميلون ثم ~~سأله عن كلمة المرور وودع الاثنين وانصرف. # 7 # وخرج من السجن دون أن يعترضه أحد من الحراس لأنهم حسبوه أنه نويل الحداد الذي كان مقيدا في ~~مكانه، لا سيما وأنه كان عارفا كلمة المرور. # وبعد ذلك بربع ساعة كان يجتاز شوارع المدينة فوقف على دكان كان بابها مقفلا، غير أن نورا ~~خفيفا كان ينبعث من نافذتها، فطرق الباب بلطف وبعد هنيهة سمع صوتا من الداخل يقول: من ~~أنت؟ # فأجابه: أنا نويل. ~~- أليس لك اسم آخر؟ ~~- نعم وهو كريكو. # ففتح الباب في الحال ورأى 117 نفسه في دكان بائع ملابس قديمة غير أن المرأة التي فتحت له ~~تفرست به مليا ثم تراجعت منذعرة وقالت: لقد خدعتني فلست نويل. ~~- صدقت ولكنني الرجل الذي تنتظرينه. # وكان يوجد رجل منزويا في زاوية الدكان فقال لها: دعيه يدخل، فإنه الرئيس. ثم قام إلى الباب ~~وأقفله وقال للسجين: إننا ننتظرك يا سيدي منذ عهد بعيد. ~~- ذلك أكيد غير أن الأمر لا ينقضي في هذه الليلة. ~~- كيف ذلك ألا تريد الفرار؟ ~~- كلا. # فجعل الرجل والمرأة ينظر كل منهما إلى الآخر بكآبة وانذهال. # أما السجين فإنه ابتسم ابتسام الحزين وقال: لماذا تستغربان فإني راض عن عيشة السجون. # فقالت المرأة: لا جدال في الذوق. ~~- غير أني سأهرب من سجني قريبا، وقد خرجت منه الليلة كي أعد لوازم الفرار. # فأظهرت المرأة سرورها وقالت: هذا هو الكلام المفيد فلم يعد عليك إلا أن تأمر فتطاع. # فقال السجين: إني أطلب إليكما أن توجدا لي في هذه الأيام خادما يصلح أن يكون خادم ~~غرفة. # فانبرى ms0849 له الشاب وقال: ألا أصلح أنا لهذه الخادمة يا سيدي. ~~- سوف نرى. # فقالت المرأة العجوز: ألست في حاجة إلى شيء الآن؟ ألا تريد أن أهيئ لك طعاما ~~شهيا؟ ~~- كلا، إني سأتعشى في المدينة. ~~- أين؟ ~~- في فندق فرنسا عند امرأة حسناء. ~~- لا غرو في ذلك فإنك شاب جميل. # ونظر السجين إلى ساعة فضية تركها له نويل في جيبه فرأى أن الساعة بلغت العاشرة ونصفا فقال: ~~لقد حان الموعد ويجب أن أغير ملابسي. # فقال الشاب: إن نويل قد ترك هنا صندوقا لك وفيه ملابس مختلفة. ~~- أين هو؟ ~~- في الغرفة العليا. ~~- سر بي إليها. # فأنار الشاب شمعة وصعد أمامه إلى تلك الغرفة والسجين يتبعه، حتى أراه الصندوق فأطلق سبيله ~~وفتح الصندوق، وأخرج منه ما يحتاج إليه من تلك الملابس. # أما الشاب فإنه عاد إلى أمه العجوز فقالت له: ألم أقل لك إنه سينتهي بالخروج من ~~سجنه؟ ~~- ولكنه بقي فيه عشرة أعوام. ~~- لا بد أن يكون له مأرب من البقاء فيه. ~~- لا ريب بما تقولين لأن من كان مثله لا يتعذر عليه الخروج من السجن. ~~- هو الحق ما تقول ولكن الغريب أني ما عرفته عند دخوله. ~~- كيف تستطيعين أن تعرفيه وقوته توشك أن تكون منحصرة في التنكر، حتى لقد بلغ من براعته في ~~هذا الفن أنه لو تنكر بشكل أميرال بحري لاستحال على أركان حربه أن يعرفوه. ~~- أما هذا الرجل فإنه سيعود دون شك مركيزا من أصحاب الملايين، غير أن الذي لا يزال يشغلني ~~من أمره بقاؤه في السجن عشرة أعوام وهو قادر كل يوم على الخروج منه. ~~- إني أرتاب بأمره يا أماه. ~~- بأي شيء ترتاب؟ ~~- أظن أنه مصاب بحزن شديد. ~~- أتظنه كآبة غرام؟ ~~- كلا ولكنه حزن يخترق القلب فقد أحب امرأة كانت تحسبه أخاها فانتهى به الأمر أنه بات ~~يحسبها أخته. ~~- لقد عرفت هذه الحكاية. ~~- وهو يخشى إذا ذهب إلى باريس أن يراها أو تراه فيها ففضل البقاء في السجن؛ ولهذا أظن أنه ~~اتصل به خبر وفاتها ولولا ذلك لما أراد الفرار. ~~- هذا ms0850 ممكن. # وفيما هما يتحادثان نزل السجين من الغرفة بملابسه الجديدة، فصاحت العجوز وابنها صيحة دهشة ~~لأنهما لم يعرفاه وقد رأيا أمامهما بحارا جميلا مسرح الشعر لطيف الهندام ذا لحية قصيرة ~~سوداء. # غير أن السجين لم يكترث لاندهاشهما وقال للعجوز: اذهبي أمامي إلى فندق فرنسا فقد أزف وقت ~~اللقاء. ثم قال: إن نويل لا بد أن يكون ترك لي نقودا عندكم. # 8 # ولنسبق الآن ال 117 إلى هذا الفندق الذي تقيم فيه تلك الفتاة عشيقة كوكوديس. # كان كوكوديس يدعو هذه الفتاة باسم نيشات تحببا وكان أصحاب الفندق يدعونها مدام ~~بريفوست. # وليس من يعلم ما جمع هذين العاشقين غير أنهما لقيا من حلو العيش ومره ما يلقاه جميع ~~العشاق. # وكانت هذه الفتاة في الثلاثين من عمرها جميلة الوجه قوية العضل عصبية المزاج، وكانت جميع ~~مظاهرها تدل على أنها أسمى أدبا وأرفع نفسا وأبعد همة من عشيقها، كما أن ملابسها كانت تدل على ~~أنها قادمة من باريس. # غير أن اتصالها بكوكوديس وارتضاءها أن تعيش في طولون لا يزالان سرا من الأسرار. # أما عشيقها هذا فقد كان كثير النزق غير مجمل بصفة من الصفات الأدبية، وقد خسر يوما في ~~البورصة خسائر لم يستطع وفاءها، فهتك شرفه بيده كي يصونه باليد الأخرى وزور سندا على أحد ~~المصارف راجيا أن ينجده أبوه لطمعه بثروته. غير أن الحكومة علمت بتزويره قبل أبيه وحكمت عليه ~~بالسجن الذي رأيناه فيه. # وقد جاء في صباح اليوم الذي نقص فيه هذا الحديث إلى فندق فرنسا وقال لخليلته: إنك ستعودين ~~إلى باريس بعد ثلاثة أيام فهل تريدين أن تقضي حاجة فيها للسجين الذي نمرته 117؟ # ثم أخبرها عن هذا السجين وعن طباعه وصمته الدائم مما شوقها إلى لقائه وقالت له : إني أحب ~~أن أرى هذا الرجل الغريب الأحوال ولا بد أن يكون له شأن عجيب. ~~- إنه سيحضر إليك ويتناول العشاء معك. ~~- متى؟ ~~- في الساعة 11 من هذا المساء. ~~- ألعله مطلق السراح في السجن مثلك؟ ~~- كلا بل إنه مقيد مع رفيق له في قيد ms0851 واحد ومع ذلك إنه سيحضر لأني بدأت أصدقه في جميع ما ~~يقول، وإن يكن خروجه من السجن من المستحيلات. # وبعد أن أقام عندها مدة برحها وعاد إلى السجن. ولم تكن تفتكر تلك المرأة طول نهارها إلا ~~بهذا السجين وما نقله إليها عشيقها من مقدرته وغرابة أطواره. # ولما دقت الساعة 11 أتى إليها خادم الفندق وأخبرها أن ضابطا من ضباط البحرية قدم لزيارتها ~~فما شكت أنه السجين وقالت للخادم: إني قد دعوته للعشاء ادخل به إلي وأعد لنا المائدة. # وبعد حين دخل ال 117 فأمرته بالجلوس وقالت له: أنت هو؟ ~~- نعم. # وجعل كل منهما ينظر إلى الآخر نظر الغامض المستطلع، إلى أن بدأ السجين بالحديث فقال: إنك ~~لست المرأة التي كنت أرجو أن أجدها. # فابتسمت له وقالت: ماذا تريد بذلك؟ # ولم يجبها على سؤالها، وقال وهو يحدق بها: إنك لا بد أن تكوني تعذبت كثيرا؟ # فارتجفت وقالت: ماذا يهمك عذابي؟ # فنظر إليها نظرة غريبة دعتها إلى الإطراق بنظرها وقال لها: أريد أن أعرف. ~~- نعم لقد تعذبت ولا أزال أتعذب. ~~- ولكن عذابك لم يكن من أجله دون شك. # وأشار بذلك إلى عشيقها الكوكوديس، فأجابته بإشارة احتقار بدت من شفتيها. # فسر السجين لهذه الإشارة وقال لها: لقد أحسنت؛ لأنك إذا لم تكوني المرأة التي كنت أرجو ~~أن أجدها فإنك المرأة التي أحتاج إليها. ثم نظر إليها نظرة شديدة تكهرب بها جسمها، فلم تستطع ~~تحملها وأطرقت ببصرها وهي تقول: ما هذه النظرات الغريبة التي أخضع لها مكرهة. إني ما عرفت غير ~~رجل يستطيع إخضاعي بهذه النظرات النارية. ~~- ومن هذا الرجل؟ هو ... ~~- نعم. ~~- وماذا حدث له؟ # فقالت بصوت أجش: إنه مات. ~~- لا بأس فسنشترك في البكاء عليه. # ثم جلس بقربها وأخذ يدها فصاحت صيحة منكرة لم ينتبه لها وقال: أريد معرفة كل شيء. # وزاد اضطرابها وتمتمت قائلة: ما هذا الرجل وكيف أتاه هذا السلطان علي؟ ~~- قلت لك إني أريد أن أعرف كل شيء. ~~- سأمتثل لما تريد. ~~- إن الكوكوديس يدعوك نيشات وأهل الفندق يدعونك مدام بريفوست، ms0852 أما أنا فإني أريد أن أعرف ~~اسمك الحقيقي. ~~- ليس لي اسم غير هذين الاسمين. ~~- ألم يكن لك اسم غيرهما من قبل؟ ~~- نعم. ~~- أريد أن أعرفه. # وتنازعتها عوامل التردد هنيهة غير أنها لم تلبث أن خضعت لنظراته فقالت: إني كنت من قبل سيدة ~~عظيمة وكانوا يدعونني البارونة شركوف. ~~- وهذا البارون كيف كان يدعوك؟ ~~- فاندا. ~~- إذن أنت روسية؟ ~~- لقد كنت من قبل أما الآن فليس لي اسم ولا وطن. ~~- وزوجك أهو ميت أم حي؟ ~~- إنه لا يزال في قيد الحياة ولكنه يعتقد أنني ميتة. # فقال لها السجين بلهجة الاحترام: أرجوك يا سيدتي قبل أن تحكي حكايتك أن تأذني لي بكلمة ~~أيضا. ~~- قل ما تشاء. # ألم يكن الرجل الذي أحببته يشبه هذا الأبله كوكوديس الذي يحسب أنك تحبينه الآن. # فابتسمت ابتسام القانط وقالت: نعم يشبهه شبها غريبا. ~~- ولكنك لا تحبين كوكوديس؟ ~~- كيف يمكن أن أحبه وهو أبله لا عقل له؟ ~~- إذن فلماذا غادرت باريس واقتفيت أثره في طولون؟ ~~- لأني نذرت نذرا. ~~- أظن أني عرفت بعض الأمر. ~~- ربما فإن لك نظرا يخترق أعماق النفوس ويهتك حجب أسرارها. ~~- إن الرجل الذي كنت تهوينه قد مات موتا رائعا. ~~- اسكت. ~~- بل موتا شائنا. ~~- بربك كفى. ~~- يجب أن أعلم كل شيء ألم يمت على المقصلة بعد أن حكم عليه بالإعدام؟ ~~- إنك لم تعلم كل شيء. ~~- إذن تكلمي فهكذا أريد. ~~- نعم إن يد الجلاد قطعت رأسه ولكن أتعلم متى وكيف؟ ~~- كلا. ~~- إنه أعدم في السجن الذي أرسلته إليه بعد أن أنقذته قبل ذلك من الشنق أعلمت الآن؟ ~~- أتمي حديثك إذ يجب أن أعلم كل شيء. # 9 # فقالت فاندا: إني كنت سيدة عظيمة وقد تعلقت بهوى رجل مجرم ثم أصبحت من النساء المبتذلات، ~~ولكني قبل كل هذا كنت فتاة من عامة الناس وكان اسمي فاندا فقط. # وكنت أقيم مع أبي الشيخ في قرية صغيرة على حدود بولونيا الروسية وكان منزلنا مشرفا على سجن ~~المدينة فإذا جلست إلى النافذة أرى المسجونين، وكنت في ذلك العهد في الثامنة عشرة من عمري، ولي ms0853 ~~فوق جمال الصبا جمال السلامة والطهارة. # ولم يكن يستطيع أبي العمل لعجزه فكنت أشتغل لأقوم بأوده، فأنهض من الفجر وأشتغل منذ الصباح ~~إلى أن يخيم الظلام، فكلما نظر سجين إلى مبلغ انهماكي في العمل يتأوه ويرثي لحالي. # واتفق يوما أني رأيت بين أولئك المسجونين رجلا أبيض اللحية وهو مقيد بقيد من حديد خلافا ~~لرفقائه، فسألت عنه فقيل لي إنه كونت من نبلاء بولونيا وإنه محكوم عليه بالإعدام، فأشفقت عليه ~~إشفاقا عظيما منذ ذلك العهد وأصبحت كلما رأيته أبتسم له فيخال لي أنه يتعزى بابتسامي. # ومضى على ذلك عدة أيام إلى أن أصبحت يوما، وأحد خفراء السجن يطرق بابي فقال: إن الكونت ~~البولوني سيشنق اليوم وقد طلب أن يراك قبل أن يموت والتمس من رئيس السجن أن يأذن له بالاختلاء ~~معك بحيث لم يبق إلا أن تجيبي طلبه إذا أحببت. # فلم يسعني إلا تحقيق أمنية هذا المسكين وقلت للحرسي: سر أمامي وأنا في أثرك؟ # فسار أمامي وتبعته إلى السجن، فأدخلني إلى غرفة الكونت وانصرف. # فلما انفردت بهذا الشيخ قال: اعلمي يا بنيتي أنه كان لي ثلاثة أولاد فقتلتهم جميعهم يد ~~الجلاد، وكانت لي امرأة فأصابها ما أصاب أولادها بحيث لم يبق من أسرتي إلاي، ولكني بعد ساعة ~~ينفذ بي حكم الإعدام. # فأجفلت لحكايته المفجعة وقلت لسلامة قلبي: عجبا كيف يحق للإنسان أن يقتل أخاه الإنسان وكيف ~~تنهى الحكومة عن القتل وتعمل به؟ # أما الشيخ فإنه مضى في حديثه فقال: وقد بقي لي في هذا السجن شهر، وأنا أراك في كل يوم من ~~نافذة غرفتك عاكفة على العمل، فحن إليك قلبي حنوا أبويا لما رأيته من اجتهادك وعزمت على ~~أن أجعلك وريثتي الوحيدة. # وقد ضبطت الحكومة جميع ما لي من العقار، غير أني خبأت جميع أموالي في مكان خفي فإذا شئت ~~أرشدتك إلى مكانها وصيرتك غنية عظيمة، ولكني أشترط عليك شرطا واحدا وهو أن تنفقي قسما من هذا ~~المال في سبيل إنقاذ مجرم من الشنق كل عام وتبذلي جهدك في هذا السبيل. ms0854 # فنظرت إلى ذاك الرجل النبيل نظرة الإعجاب وجثوت أمامه بملء الاحترام وقلت له: أقسم بالله ~~أني سأفعل ما تريد. فأرشدني إلى كنزه المخبوء. # وبعد ساعة نفذ فيه حكم الإعدام، وبعد شهر مات أبي الشيخ فأصبحت وحيدة في هذا الوجود ولكني ~~أصبحت غنية بعد الفقر وباتت ثروتي تعد بالملايين. # وما مضى عهد بعيد حتى ذاع أمر ثروتي، وكان من الذين حاموا حول هذه الثروة البارون شركوف ~~فتزوجني بل تزوج أموالي، وجاء بي إلى باريس. # وبينما كنت يوما أقرأ جريدة عثرت فيها على نبأ هائل، وهو أنهم وجدوا امرأة قتيلة في منزلها ~~مطعونة سبع عشرة طعنة، وقد وجدوا أنه لم يسرق شيء من أموالها ومجوهراتها، والبحث جار عن ~~القاتل. # فذكرت في الحال وصية الكونت وقلت في نفسي إن الفرصة قد دنت للبر بيميني، وقد أعجبني من ~~القاتل أنه لم يكن لصا ولم يرتكب جريمته طمعا بمال، فأوقفت نفسي من تلك الساعة على البحث عنه ~~بغية إنقاذه، ولكني قرأت بعد حين أن القاتل أركن إلى الفرار، فأسفت أسفا شديدا لأني كنت أحب ~~أن تكون نجاته على يدي. # أما زوجي البارون شركوف فقد كان وحشي الأخلاق مقامرا سكيرا يصرف نهاره بالنوم والعربدة ~~وليله بالسكر والمقامرة، وقد قال لي مرة في غيبوبة سكره إنه ما تزوجني إلا لمالي، فكرهته بعد ~~حبي له أشد الكره وكشفت له مرة في سكرة غرام سر ثروتي واليمين التي حلفتها، فهزأ بي، ولم يقف ~~عند هذا الحد، بل أخبر بسري أصحابه، فانتشر أمري في جميع باريس. # وكان كما ذكرت لك يدعني في المنزل وحدي في الليل ويذهب إلى ناديه للمقامرة بأموالي. # فبينما أنا جالسة ليلة في غرفتي أفكر بمستقبل أمري مع هذا الزوج الفاسد وقد انتصف الليل ~~ونام جميع الخدم، سمعت وقع أقدام خارج غرفتي ثم رأيت بابها قد انفتح ودخل علي شاب جميل الطلعة ~~عليه ملامح الذعر فقال لي قبل أن أستغيث: أنقذيني بالله فأنا قاتل المرأة. # وكان لهذا الرجل عينان كعينيك لم أر أقدر منهما على التسلط وجذب ms0855 القلوب، وكنت قد سئمت العيش ~~مع زوجي فأشفقت على ذاك الجاني، بل جذب فؤادي مغناطيس عينيه وتذكرت اليمين التي حلفتها للكونت ~~فقلت له: لبيك فسأنقذك. # وعند ذلك أسرعت إلى خادمة كانت مخلصة لي فأيقظتها وجمعت ما كان لدي من الأوراق المالية ~~والمجوهرات وأخذت جواز السفر المكتوب باسم زوجي وقلت للمجرم هلم بنا فلنهرب جميعا وخذ الجواز ~~فادع نفسك باسم صاحبه. # ثم هربنا جميعا بعد أن تركنا هذه الرسالة الموجزة وهي: # إني لا أحبك وأحتقرك فلا تبحث عني لأنك لن تراني. # 10 # فجعل ال 117 ينظر إلى فاندا نظر الطبيب يفحص عليلا ثم قال لها: أتمي حديثك يا ~~سيدتي. # فقالت: خرجنا عند انتصاف الليل فبلغنا الهافر عند الصباح وبعد ذلك ببضع ساعات ركبنا سفينة ~~مسافرة إلى أميركا فأقمنا في تلك القارة الجديدة ثلاثة أعوام أنفقنا في خلالها جميع ما كان ~~باقيا لدي من المال والمجوهرات. # غير أنه كان يظهر لي أن ذاك الرجل غني فإنه كتب إلى أوروبا فأرسل إليه 20 ألف فرنك، وكان ~~يحبني وكنت هائمة به فكانت حياتنا شبيهة بالحلم. # ثم جعلنا إقامتنا في نيويورك وكنا نعيش فيها عيشة بذخ وإسراف ولما فرغ المال الذي أتاه من ~~أوروبا أظهرت له خوفي من الإفلاس، فقال لي: لا تخافي فإني أحصل على المال حينما تريدين، فما ~~جسرت بعد ذلك على سؤاله، ولكن سكوته كان يخيفني. # وكان يأتي إلى منزلنا كثير من الأميركيين المشتبه بسيرتهم وكان هو نفسه يأتي متأخرا فلم ~~أكن أستطيع اعتراضه لأنه كان سيدي وكنت أحبه حتى لو أمرني أن أتجرع السم لما خالفت له ~~أمرا. # وبينما كنت ساهرة ذات ليلة أنتظر عودته وقد أوشك الفجر أن ينبثق إذ رأيته داخلا وهو مصفر ~~الوجه وعليه علائم الاضطراب، فذعرت وقلت له: ما أصابك؟ قال : لا شيء فإني بارزت خصما لي فقتلته، ~~غير أن البوليس الأميركي سيطاردني لأن المبارزة غير جائزة في البلاد، فهلمي بنا إلى الباخرة ~~المسافرة الآن إلى الأنتيل. # وكانت يده مخضبة بالدم فغسلها وتهيأت للسفر ثم خرجنا قبل ms0856 شروق الشمس إلى الميناء، فلما أراد ~~السفر أخرج من جيبه محفظة فرأيتها غاصة بالأوراق المالية ورأيت عليها أثر الدم فعرفت كل شيء ~~وعلمت أن الرجل الذي أحببته وتركت زوجي من أجله لم يكن قاتلا فقط بل كان لصا أيضا، ومع ذلك ~~بقيت على حبه كأنما جرائمه زادته في نفسي إجلالا، وهذه إحدى غرائب النساء. # وأقمنا في جزائر الأنتيل ثلاثة أعوام فاشتاق إلى باريس ورأى أن جميع ملامحه قد تغيرت فلم ~~يعد يخشى مطاردة بوليسها فرجعنا إلى تلك العاصمة واستأجرنا فيها منزلا جميلا واقتنينا جياد ~~الخيل والمركبات، فمنح نفسه لقب كونت وامتزجنا مع عائلات باريس فكان ينفق عن سعة وما جسرت مرة ~~على أن أسأله كيف يأتيه المال. # وكان يختلط بكثير من ذوي السيرة المشتبهة كما كان يفعل في نيويورك، غير أنهم جميعهم كانوا ~~يخضعون له خضوع الخدم للأسياد، ثم علمت بعد حين أنه كان زعيم عصابة من اللصوص اشتهرت شرورها في ~~باريس وجعل البوليس يترقبها دون أن يعثر برجل من رجالها. # إلى أن عاد إلي ذات ليلة وهو مخضب بالدم وقد اخترقت صدره رصاصتان، فانطرح على سريره دون أن ~~يبالي. # وفي اليوم التالي ذاع في باريس أنه حدثت جناية هائلة قتل فيها غني عظيم من أصحاب المصارف ~~في منزله الذي كان يعيش فيه منفردا مع خادم غرفته وقد قتل بعد أن دافع دفاعا شديدا لأن جثته ~~وجدت في الحديقة حيث طارد اللصوص الذين حملوا صندوقه وأفرغوا جميع ما في مسدسه من ~~الرصاص. # أما أولئك اللصوص فقد كانوا ثلاثة بينهم خادم غرفة صاحب المصرف كما دل عليه التحقيق، وبعد ~~أسبوع تمكن البوليس من القبض على الخادم فاعترف بالجناية وأرشد الحكومة إلى شركائه فيها، فأقبل ~~رجال الشرطة بعد ساعة إلى منزلنا وقبضوا على خليلي فيه وهو لا يزال طريح الفراش، فنظر إلي ~~مبتسما وقال: لا تجزعي فإني لا أموت شنقا لأن جرحي لا يمهل الحكومة إلى حين إعدامي، فذكرت ~~بلفظة الإعدام المشنقة التي ذكرتني بيميني للكونت فقلت في نفسي: لا بد من ms0857 إنقاذه. # وسار به الجند إلى المستشفى ولكن فأله خاب لأنه لم يمت بل شفي من جراحه ونقل من المستشفى ~~إلى السجن، وكان محكوما عليه بعشر جنايات وباحتراف السرقة بالاغتصاب مدة عشرة أعوام، فهو يستحق ~~الإعدام ألف مرة، غير أني بذلت من المساعي ما يقف دون جهد المجاهدين وفزت بإنقاذه من الإعدام ~~فحكم عليه بالسجن بالليمان. # وقد تمكنت من رؤياه قبل إرساله إلى الليمان فقال لي: احضري إلى طولون فإني سأنجو من السجن ~~ونسافر معا إلى إيطاليا، وكنت لا أزال أحبه فامتثلت. # فقاطعها السجين 117 وقال لها: إني أعرف بقية الحكاية. # فاضطربت وقالت: ألعلك عرفته؟ ~~- كلا ولكني وصلت إلى سجن طولون في اليوم التالي للحادثة. ~~- إذن أنت تعرف كل شيء. ~~- نعم فإنه أعد معدات فراره بمهارة فائقة وكنت أنت تنتظرينه في باخرة تجارية تعهد ربانها ~~أن يحمله عليها. # غير أن رفيقه بالقيد خانه فإنه بعد أن قطع قيده قبضوا عليه وهو يحاول أن يلقي نفسه في البحر ~~والبلوغ سباحة إلى السفينة، ولكنه تمكن قبل القبض عليه من قتل رفيقه الذي خانه. # ولما كان النظام يقضي بإعدام كل مجرم يقتل مجرما في السجن، فقد تقرر إعدامه بعد 24 ~~ساعة. ~~- ولكنك لا تعلم بعد ذلك ما حدث فإني تمكنت من الدخول إلى السجن بشكل عامل من عمال الميناء ~~وكانوا قد ضاعفوا قيوده وبالغوا في خفارته ومع ذلك كنت لا أقطع رجائي فاسمع ما حدث. # 11 # إنه في كل مدينة كمدينة طولون يوجد فيها مجلس تنفيذي يوجد فيها منزل يبتعد عنه الناس ويخشون ~~منه، وهو منزل ذلك القاضي الذي منحه القانون حق الإعدام. # وفي كل سجن كسجن طولون يوجد سجين يكرهه رفقائه وينظرون إليه نظر الازدراء وهو ~~الجلاد. # ومثل هذا الجلاد في ذلك العهد يفعل بدرهم ما لا يفعله سواه بألف وقد اشتريت هذا الجلاد ~~بالمال ووضعت له قبل تنفيذ الإعدام مخدرا في كأس شرابه، فلما دعي لتنفيذ الحكم صعق وسقط على ~~الأرض كالقتيل. # وكنت أرجو بهذا المخدر أن أؤجل زمن الإعدام إلى أن ms0858 تتم لي معدات إنقاذه، ولكني عندما أعددت ~~كل شيء وبات إنقاذه مضمونا تقدم أحد المسجونين الأسافل في آخر لحظة وعرض على رئيس السجن أن ~~ينوب عن الجلاد. # ثم وقفت مذعورة كأنما تلك الحادثة قد تمثلت لعينيها وقالت: وا أسفاه إني رأيت رأسه قد هوى ~~أمامي. # ثم ضحكت ضحكا عاليا وقالت: إني لا أزال أحبه وقد أقسمت أمام خياله إني سأنقذ مجرما من ~~الإعدام كما أقسمت للكونت من قبله. ~~- إذن فإن إقامتك في باريس ليست إلا لهذا الغرض؟ ~~- نعم. # فأخذ السجين يدها وقال لها: انظري إلي، وجعل ينظر إليها نظرات كانت تخترق أعماق ~~قلبها. # فقالت له: ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أعقد معك عهدا، أتقبلين؟ ~~- نعم؟ ~~- إني سأنقذ لك مجرما من الإعدام وكل ما أريده أقدر عليه. ~~- وما تطلب مني بعد ذلك؟ ~~- إني في حاجة إلى امرأة تشاركني فيما سأمثله من الأدوار، وأريد أن تكون خاضعة لي خضوعا لا ~~حد له. ~~- سأكون كما تريد وأقسم لك على الوفاء بذلك الرأس الذي رأيته يسقط أمامي. # فنهض المائة وسبعة عشر وقال: إني أفارقك الآن فإن الساعة قد بلغت الثالثة من الصباح. ~~- إلى أين تذهب؟ ~~- إلى السجن. ~~- أأراك قريبا؟ ~~- ربما، ولكنك سترد إليك أخباري غدا، وفي كل حال فإني لا أريد أن تبقي في هذا ~~الفندق. ~~- سأذهب حينما تشاء. ~~- ولا أن تجتمعي بكوكوديس. ~~- سأمتثل لما تريد. ~~- وسأرسل لك غدا نويل. ~~- من هو نويل هذا؟ ~~- هو أحد رجالي. ثم تركها ومضى. ~~••• # بينما كان 117 يسمع حديث فاندا الروسية كان ميلون نائما بجانب نويل الذي كان مقيدا معه ~~بدلا من المائة وسبعة عشر، وقد حاول أن يباحثه غير أنه لم يفلح فإن الرفيق الجديد لم يجبه بحرف ~~ولم يجد عند ذلك بدا من النوم. # ولما دوى مدفع السجن عند الصباح وهو الموعد الذي يستيقظ فيه المجرمون شعر ميلون أن يدا ~~تهزه، ففتح عينيه ورأى رفيقه المائة وسبعة عشر يؤنبه لاستغراقه في النوم، وقد تبدل ذلك الضابط ~~الجميل بمجرم شقي محلوق الرأس والشاربين. # فانذهل ميلون لأنه لم ms0859 يشعر به عند عودته ولم يعلم كيف حل القيد من رجله دون أن ~~ينتبه. # أما 117 فإنه لم يحفل بانذهاله وجلس بجانبه دون أن يكلمه بحرف. # ثم أقبل وكيل السجن ومعه الخدم يحملون الطعام والشراب للمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، فلم ~~يأكل 117 وقال للوكيل: إني أتخلف عن حصتي لرفيقي ميلون فقد حلم حلما مزعجا الليلة. # فقال الوكيل: ماذا حلم؟ ~~- إني هربت من السجن. ~~- قبح وقبح هذا الحلم فإن تحقيقه يدعو إلى إهلاكي وأنت لا بد أن تكون حلمت أيضا، فماذا ~~حلمت؟ ~~- إني تعشيت مع امرأة حسناء وشربت معها الشمبانيا المثلجة، ولهذا فإني لم آكل الآن لأني لا ~~أزال متخوما من طعام الحلم. # فتركه الوكيل ضاحكا، وانصرف 117 وميلون ذاهبين إلى الأعمال الشاقة، وفيما هما سائران لقيا ~~بونفير السجين صاحب حكاية الكلب التي تقدم ذكرها فدنا منه 117 وقال له بصوت منخفض: إن الوكيل ~~الذي قتل كلبك تعين في سجن طولون وهو فيه منذ أمس. # فاضطرب بونفير واحمرت حدقتاه من الحقد وقال: إذن فلا بد له من الموت. ~~- تبا لك من أبله فإن من يريد الانتقام يكتم قصده في صدره ولا يبوح به لأحد. ~~- ولكني لا أستطيع أن أضبط نفسي. ~~- أتعلم ما كنت أصنع لو كنت مكانك؟ ~~- كلا! ~~- كنت أحسن سلوكي عدة أيام لأكون في عيون الحرس كالحمل الوديع، إلى أن تحين الفرصة فأفعل ما ~~أشاء. ~~- سأمتثل لما تقول. # ثم ذكر كلبه وجعل يبكي. # وتركه ال 117 وسار مع ميلون إلى محل الشغل فلقي فيه نويل الحداد وقال له همسا: أظن أنك ~~تستطيع الآن أن تبلغ تلك السيدة المقيمة في فندق فرنسا أنه سيصدر قريبا حكم الإعدام في سجن ~~طولون. # فأشار نويل إشارة الامتثال ومضى كل في شأنه. # 12 # بعد يومين من هذه الحوادث المتقدمة وقفت مركبة بريد على باب سجن طولون، ونزل منها رجل ~~وامرأة، وكانت ظواهرهما تدل على أنهما من النبلاء الإنكليز. # وكانت المرأة بارعة في الجمال، فدخلا إلى السجن وأبرزا لمديره ترخيصا قانونيا يبيح ~~لهما الفرجة على السجن ms0860 وتفقد حالة المسجونين فيه. # وقد كتبت هذه الرخصة باسم السير أرثير بمبروك أحد ضباط البحرية وزوجته الشرعية. # فاحتفل المدير باستقبالهما وكلف أحد الضباط بالدخول بهما إلى السجن وجعلا يطوفان بجميع ~~المجرمين ويسألان عن كل مجرم وجريمته، ولا سيما تلك المرأة الحسناء التي لم يسع الضابط إلا ~~إجابتها. # وكانت المرأة تبدو بمظاهر الغنى العظيم فتشتري كل ما يعرض للبيع في السجن وتدفع ثمنه ~~بسخاء. # وكان مما اشترته جزدانا كبيرا من الصدف لوضع النقود فيه، فأخرجت من جيبها خمسين جنيها ~~مزدوجا ووضعتهما في الجزدان دون اكتراث، ثم أعادته إلى جيبها ومشت مع زوجها وذلك الضابط الذي ~~فتن بسحر عينيها إلى أن بلغت إلى بونفير صاحب حكاية الكلب ورأته مقيدا بأصفاد ثقيلة، فرثت ~~لبلواه وسألته عن شأنه وعن السبب في المبالغة بالتضييق عليه. # فبكى وقال: إنني يا سيدتي لم أرتكب جريمة تستحق هذا العذاب الشديد وإنما قيدوني بهذا القيد ~~الثقيل الذي لا تحتمله الحيوانات الضارية لأنهم يخشون أن أقتل وكيل السجن، ثم ذكر لها بملء ~~البساطة حديث كلبه والدموع تنهل من عينيه، وختم كلامه بقوله: إنه صفح عن قاتله منذ زمن بعيد، ~~ولكن الحكومة لا تزال تخشاه وتعاقبه بهذا القيد المتين. # فتأثرت الإنكليزية تأثرا غريبا وشفعت به إلى الضابط، فوعدها خيرا وتعهد لها بأن يحمل ~~المدير على إنقاذه من قيده. # ثم سارت مع الضابط تتفقد المسجونين حتى أوشكت أن تقترب من 117 ورفيقه ميلون، فنظر إليها 117 ~~وقال لرفيقه: ~~- كيف تجد هذه المرأة؟ ~~- أي امرأة؟ ~~- هذه الإنكليزية القادمة إلينا. ~~- إنها في غاية الحسن. ~~- هذه هي بعينها. ~~- كيف هي؟ ألم تقل لي إنها شقراء الشعر، فأصبح شعرها أسود؟ ~~- سيعود إلى أصله غدا؛ لأن من يكون في خدمتي فلا بد له أن يكون ماهرا في التنكر. # وبينما كان الاثنان يتحدثان عنها بصوت منخفض دنت منهما وقالت إلى الضابط مشيرة إلى المائة ~~وسبعة عشر: أي ذنب جناه هذا الشاب الجميل فاستحق هذا العقاب؟ # قال: إنه يا سيدتي أشهر رجل بين المجرمين ولست أعلم حكايته فإن المدير ms0861 يعرفها وهو يخبرك ~~عنها دون شك، ولكننا مأمورون بالمحافظة عليه ومراقبته مراقبة شديدة، دون رفاقه، في حين أنه لم ~~يحاول مرة الإفلات من سجنه. # فلم تجب الإنكليزية وتظاهرت بعدم الاهتمام بشأنه، ثم تأبطت ذراع زوجها، وبينما كان الضابط ~~يسير أمامهما أخرجت الجزدان الذي وضعت فيه المائة فرنك وألقته حيث كان يشتغل السجين فوضع رجله ~~فوقه وبعد حين التقطه. # أما الإنكليزية وزوجها فإنهما أتما دورتهما في السجن إلى أن فرغا مما أتيا لأجله، فودعت ~~الإنكليزية الضابط بعد أن شفعت مرة ثانية بصاحب حكاية الكلب، ثم دعته إلى مناولة طعام المساء ~~عندها في الفندق المقيمة به مع زوجها، فاحمر وجهه لاضطرابه وانحنى أمامها شاكرا، فابتسمت له ~~خير ابتسام وخرجت مع زوجها من ذلك السجن. # وفي صباح اليوم التالي دعا مدير السجن بونفير وقال له أتحسن السلوك إذا أفرجت عنك، ولا ~~تحاول الاعتداء على الوكيل؟ # فبكى بونفير وقال له: بكل تأكيد يا سيدي لأني صفحت عنه كل الصفح وقد كفرت بما لقيته من ~~العذاب عن ذنب عدواني القديم. # فأمر المدير أن تحل قيوده وأن يشتغل مع المحكوم عليهم بالسجن للموت. # 13 # في صباح اليوم التالي صحا ميلون من رقاده ونادى رفيقه بلقب السيادة كما يناديه نويل وقال ~~له: ألم تحن ساعة الفرار بعد؟ # أجابه 117: كلا، ولكنها باتت قريبة. ~~- متى تكون هذه الساعة؟ ~~- لا أدري فإن أمرهما متعلق بمجرى الحوادث. # فتنهد ميلون وقال: إني لا أحب الفرار من أجل نفسي بل من أجل هاتين الفتاتين ~~القاصرتين. ~~- كن ناعم البال لأن يوم الخلاص بات قريبا. # وعند ذلك دنا منهما الوكيل ووزع عليهما الطعام، وكان هذا الوكيل يدعى موسلت، وهو عدو بونفير ~~الألد، غير أن بونفير أبر بوعده فإن الوكيل مر من أمامه عدة مرات، فلم يهجم عليه بونفير واكتفى ~~بأن أدار له ظهره كي لا ينظر إليه. # ولما دنت فرصة الظهر ذهب أولئك المسجونون إلى ظهر باخرة كانوا يشتغلون بإصلاحها وأقاموا ~~فيها يصرفون وقت الظهر بالمنادمة والمسامرة. # فقال أحدهم: إن الكوكوديس لم يحضر اليوم وستفوتنا ms0862 حكايته اللطيفة. # وأجابه آخر: لا تطمع بحكايته بعد الآن لأنه منقبض الصدر لسفر خليلته. # فقال 117: إني أحكي لكم حكاية روكامبول أحسن مما يرويها الكوكوديس إذا شئتم أن تصغوا ~~إلي. # فصاحوا جميعهم بصوت واحد: روكامبول، روكامبول. # وكان موسلت وكيل السجن مضطجعا بالقرب منهم فانزعج لصياحهم وقام إليهم بالسوط منهالا عليهم ~~بالضرب، وكان أخص ضربه للمائة وسبعة عشر ولبونفير؛ لأنه كان يكرهما كرها شديدا، فأزبدت شفتا ~~بونفير من الغيظ غير أن المائة وسبعة عشر نظر إليه نظرة سرية كانت كالبلسم لجراحه فعادت إليه ~~مظاهر السكينة. # أما 117 فإنه قال لرفقائه بعد انصراف الوكيل: لا سبيل إلى قص حكاية روكامبول اليوم وسأرويها ~~لكم في يوم آخر. # ثم انزوى مع رفيقه ميلون وجعل ينظر إلى سفينة حربية روسية كانت في الميناء، وقد نزل منها 12 ~~جنديا وضابط وتلميذ فكان التلميذ ينظر إلى المسجونين نظر الفاحص. # فقال ال 117 لرفيقه ميلون همسا: انظر إلى هذا التلميذ البحري فإنه المرأة الإنكليزية التي ~~زارتنا أمس. # ولما مر أولئك البحارة بالقرب من المسحونين حياهم ال 117 باللغة الروسية فعجب منه ميلون ~~وقال: أتعرف اللغة الروسية؟ ~~- إني أعرف جميع اللغات الشائعة. # أما التلميذ البحري فإنه اختلط بالمسجونين وجعل حديثه خاصة مع 117 فقال له أحد رفقائه في ~~السجن: إذا كنت تعرف اللغة الروسية فسله عن أخبار سباستبول. # فسأله 117 باللغة الروسية قائلا: أأحضرت ما أوصيتك به؟ # فأجاب بالروسية: نعم أيها الرئيس إنك أمرتني فأتيت. # فسأله السجين: ماذا يقول؟ ~~- يقول إنه ما زال الذين يحاصرون سباستبول كسالى مثلك، فإنها لا تؤخذ. # ثم رجع 117 إلى التلميذ وقال له بالروسية: ألعل السفينة مهيأة؟ # أجابه باضطراب في صوته: نعم، كل شيء قد تهيأ. ~~- لماذا هذا الاضطراب ألعلك خائفة؟ ~~- نعم لقد بت وجلة على هذا المسكين الذي سندفعه إلى ارتكاب الجريمة. ~~- إنك مخطئة ونعم إن بونفير سيقتل الوكيل العاتي ويحكم عليه بالإعدام ولكني سأنقذه من ~~الموت. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- كل الثقة لأني كل ما أريده أقدر عليه. # وفيما هو يكلم فاندا إذ ms0863 رجع منذعرا لأن الوكيل موسلون ضربه بسوطه ضربة شديدة أعادت الزبد ~~إلى شدقي بونفير، وإنما ضربه لأنه كان يكلم رجال البحرية الروسية. # أما التلميذ البحري أي فاندا فإنه اعتذر إلى الوكيل وقال له: إني سررت به لأنه كلمني بلغة ~~بلادي فذكرني أهلي ووطني. # ثم أكب على عنق 117 يعانقه ببساطة الأطفال، فانهال الوكيل على السجين بالضرب، ولكن التلميذ ~~كان وضع في قميص السجين مدية طويلة وانصرف إلى رفقائه البحارة. # وبعد حين عاد المسجونون إلى العمل فأشار ال 117 إشارة خفية إلى بونفير فهم مرادها ودنا منه ~~فقال 117: ألا تزال مصرا على قتله؟ ~~- لا راحة لي بغير قتل هذا الشرير. ~~- أتعلم ما وراء ذلك من المخاطر؟ فإنهم يقتلونك على أثر قتله. ~~- إني راض بإعدامي لأن موتي خير لي من حياته. # وعند ذلك أعطاه 117 المدية فاتقدت عينا بونفير بشرر الانتقام الوحشي وقال: سأجد لهذه المدية ~~خير غمد في صدر هذا الأثيم. # 14 # وفي الليل بينما كان المسجونون نياما كان ال 117 وميلون يتحادثان بصوت منخفض، فقال ميلون: ~~إني لم أعلم شيئا من قصدك يا حضرة الرئيس. ~~- لا بأس إذ ينبغي أن تتعود أن تخضع دون أن تعلم ولكني سأوضح لك قصدي في هذه المرة فقط، ~~اعلم أني كنت محتاجا إلى امرأة تساعدني على تنفيذ خطتي وقد وجدتها. ~~- إنها خير امرأة صالحة لخدمتك، لقد رأيت من جرأتها ومهارتها في التنكر ما أذهلني ولكني لا ~~أزال محتارا في أمر دخولها إلى القلعة ووجودها في مركب روسي حربي. ~~- إنه أمر سهل، وذلك أنها روسية المولد وتنكرت أول أمس بملابس الغلمان، وسافرت عند منتصف ~~الليل إلى مرسيليا حيث وجدت فيها تلك السفينة الحربية. # أما طريقة اتصالها بها فهي أن نويل عثر بأوراق غلام روسي من البحارة توفي منذ شهرين في ~~مستشفى طولون، فأخذت منه هذه الأوراق وذهبت بها إلى السفينة الروسية وطلبت إلى قومندانها أن ~~يعيدها إلى وطنها، فأمرها القومندان وهو يحسبها غلاما أن تنضم إلى سلك البحارة، وعلى ذلك وصلت ~~إلى طولون وتمكنت من ms0864 مخابرة أصحابي في الميناء. # فانذهل ميلون وقال: ألك أصدقاء في الميناء؟ ~~- نعم وهم في سفينة كبيرة سأكون ربانها. ~~- إني لو لم أكن رأيتك بعيني خرجت من السجن لما كنت أصدق ما تقول، وكنت حسبت كلامك ضربا من ~~الجنون. والآن فإني مؤمن بكلامك واثق من أن لك سفينة في الميناء، ولكن متى يكون فرارنا من هذا ~~السجن؟ ~~- أتظن أيها الرفيق أن النجاة من سجن طولون يكفي فيها قطع القيود ومغافلة الحراس. ~~- إن جميع رفقائنا يهربون بهذه الطريقة. ~~- وكلهم مخطئون لأن الرقباء عندما يشعرون بفرار السجين ينبهون المدينة بإطلاق مدفع، ثم ~~ينتشر الرقباء والأرصاد في المدينة فلا يمسي المساء حتى يعثروا على الهارب ويعودوا به إلى ~~السجن، وقد ندر أن ينجو أحد من قبضتهم بهذه الطريقة. أما أنا فإني أردت الخروج من السجن ولا ~~أريد الرجوع إليه، ولهذا فإني أهيئ أسباب الفرار منذ خمسة أيام، وكن واثقا أننا متى بتنا خارج ~~السجن لا يقف أحد على أثرنا. ~~- ذلك قد يتفق لك وأما أنا ... ~~- وكذلك أنت فقد جعلتك من رجالي الأخصاء وعولت على أن لا أفترق عنك، ومتى وعدت فلا ~~أنكث. # فتنهد ميلون وقال: وا رحمتاه للفتاتين. ~~- دع الآن الإصغاء للعواطف وأصغ إلي، فقد قلت لك إني كنت محتاجا إلى امرأة تعينني في قضاء ~~مآربي وقد وجدتها وأريد أن تكون عبدة لي. # ثم حكى لميلون حكاية فاندا الروسية وكيف أنها جاءت إلى طولون بغية إنقاذ واحد من الذين حكم ~~عليهم بالإعدام. # فعجب ميلون وقال: وماذا يهمها إنقاذه؟ ~~- إنها نذرت نذرا أمام قبر رجل تحبه وهو إنقاذ رجل من الإعدام ولا سبيل إلى استعبادها إلا ~~بعد وفاء النذر. ~~- لقد بدأت أفهم الآن ولكن هل أنت واثق من إنقاذ بونفير؟ ~~- لا شك عندي بذلك. ~~- أتعلم أن نظام السجن يقضي على المجرم الذي يقتل موظفا بأن يتلى الحكم عليه بعد 24 ~~ساعة. ~~- هذا الذي أعتمد عليه في حسابي أليس اليوم الإثنين؟ ~~- الإثنين مساء. ~~- أظن أن الوكيل يقتل في هذه الليلة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يصدر الحكم على بونفير ms0865 يوم الأربعاء وتنصب المشنقة يوم الخميس، فلنفرض أنه حدث حادث في ~~السجن يوم الخميس حال دون إنفاذ الحكم. ~~- إذن الإعدام ينفذ الجمعة. ~~- كلا إن يوم الجمعة لا ينفذ فيه إعدام لأنهم يعتبرون أن المسيح مات في يوم الجمعة فلا ~~يقتل فيه المجرمون. ~~- على ذلك إن الإعدام ينفذ يوم السبت. ~~- ولكننا يوم السبت نكون قد بعدنا عن ساحة الإعدام. ~~- أين نكون؟ ~~- في عرض البحر على ظهر سفينتي، ولقد فاتني أن أقول لك إني نشأت بحريا، بحيث أستطيع أن ~~أطوف جميع البحار دون أن تجنح السفينة التي أديرها. ~~- أأكون معك؟ ~~- دون شك. ~~- وفاندا؟ ~~- ستكون معنا. ~~- وبونفير؟ ~~- وبونفير أيضا لأني محتاج إليكم جميعا. ~~- إني لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- ذلك خير لك إذ يجب أن تتعلم الامتثال دون أن تفهم كما قلت لك، ثم رجع 117 وجعل ~~يتنصت. # فقال له ميلون: ماذا تصنع؟ ~~- إني أصغي إلى صوت المبرد بيد بونفير لأنه يبرد قيده به. ~~- ألعلك أعطيته مبردا؟ ~~- نعم، فإن إحدى شفرتي المدية التي أعطيته إياها مبرد يصلح لكسر القيود. # وعند ذلك دقت الساعة العاشرة فقال 117 لرفيقه: دعني أنام الآن، وسأصحو حين قدوم المفتش. ثم ~~أغمض جفنيه وانقطع عن الكلام. # وكانت العادة في سجن طولون أن المفتش والحداد يطوفان كل ليلة عند منتصف الليل فيفحصان قيود ~~المسجونين حذرا من فرارهم، وكان المفتش موسلون عدو بونفير، والحداد نويل صنيعة 117. # فلما انتصف الليل أقبل المفتش يحمل مصباحا ونويل يحمل مطرقة، وجعلا يوقظان المساجين دون ~~إشفاق فيطرق نويل قيد كل واحد منهم فيعلم من صوت الحديد إذا كان سالما أو مكسورا. # وما زالا على ذلك حتى انتهى الدور إلى بونفير، وكان نويل عارفا بالمكيدة فلما طرق قيد ~~بونفير نهض وتراجع منذعرا إلى الوراء بحيث أصاب عن عمد مصباح المفتش، فسقط من يده وانكسر، وعند ~~ذلك هب بونفير من مرقده والمدية بيده فانقض على موسلون، ولم يسمع في سكون ذلك الليل غير صوت ~~نزاع تنبه له جميع المساجين. # ثم تلاه صياح ألم شديد عقبه صوت انتصار، وكان ms0866 صياح الألم من المفتش وصياح الانتصار من ~~بونفير، وقد طعنه في صدره عشر طعنات كانت القاضية عليه، وجعل يمشي في قاعة السجن ظافرا مختالا ~~وهو يقول: أخذت بثأر كلبي الأمين. # فقال ميلون لل 117: إنه غير مكترث لشيء لفرط اعتماده عليك. ~~- كلا، بل إنه غير مكترث للموت لأنه لم يعلم أني سأنقذه. # 15 # كان قتل بونفير للمفتش ليلة الإثنين، وفي صباح الثلاثاء وقف بونفير أمام القضاة ~~لمحاكمته. # وكان ثلاثة يجتهدون في إنقاذه من الإعدام وإطلاقه من السجن، وهم ميلون ونويل الحداد ~~و117. # غير أن بونفير كان يجهل هذه المساعي كلها، فكان يتوقع الموت مطمئنا غير خائف، ولما سأله ~~القاضي عن سبب الجريمة، أخبرهم بحقده القديم على المفتش بملء السكينة والبساطة، فحكموا عليه ~~بالإعدام وتقرر إنفاذ الحكم بعد أربع وعشرين ساعة. # وانتشر الخبر بين المجرمين فاستاءوا له استياء شديدا، وكانت علائم الانقباض بادية على ~~وجوههم، ولما اجتمعوا في فرصة الظهر لم ينبس أحد منهم بكلمة لما نالهم من الغم والكآبة، فإن ~~الإعدام كان يروع أولئك المجرمين الذين لم ينجوا منه إلا بالقدر والاتفاق. # وقد دار في خلد كثيرين منهم قتل الحراس والإفلات من السجن، ولما مثلت أمامهم تلك الحادثة ~~برفيقهم بونفير وجفت قلوبهم وانكمشوا، إذ لا شيء يرهب المجرمين مثل الحكم بالإعدام. # والعادة في سجن طولون أن الآلة الخشبية التي توضع عليها آلة قطع الرأس يبنيها المساجين ~~أنفسهم كي يكون ذلك أبلغ في الاعتبار، وكان الجلاد منهم، غير أن المساجين لم يكونوا يشيدون هذه ~~الآلة إلا مكرهين بضرب العصي. # أما الجلاد، فقد كان شر هؤلاء المنكودين تعاسة لأنه يقضى عليه بعد توليه هذه المهنة، أن ~~يعيش منعزلا منفردا عن رفقائه ولا يجد منهم غير الازدراء والاحتقار. # وهذا ما أصيب به جلاد السجن في عهد هذه الرواية، فإنه طالما توسل إلى مدير السجن أن يولي ~~سواه مهمة الإعدام لما لقيه من احتقار إخوانه، فأبى عليه لأن قوانين السجون تقضي على الجلاد أن ~~لا يعتزل منصبه حتى الموت . # فلما انتشر خبر الحكم على بونفير ms0867 بالإعدام خرج هذا الجلاد عند فرصة الظهر وجلس واليأس ملء ~~قلبه بمعزل عن إخوانه وقد جلس القرفصاء غير مكترث لحرارة الشمس، ووضع رأسه بين يديه يفكر بما ~~يلقاه من متاعب السجن ومن احتقار رفقائه له. # وفيما هو على ذلك سمع صوت رجل يناديه فالتفت فإذا هو 117 يصحبه ميلون رفيقه بالقيد، فنظر ~~إليه 117 نظرة انذهال وقال له: ماذا تصنع هنا أيها الرفيق وكيف أنت منعزل عن الرفقاء؟ ~~- إني منعزل اليوم كما كنت منعزلا أمس وسأكون على ذلك إلى ما شاء نكد الطالع، غير أني أعجب ~~لسؤالك ألعلك لا تعلم من أنا؟ ~~- إنك تدعى جواني الجزار. ~~- كلا، بل إني أدعى جواني الجلاد. ~~- وقد قدر عليك أن تعيش منفردا. ~~- ما زلت في هذا السجن وا أسفاه. ~~- أحكم عليك بالسجن المؤبد؟ ~~- نعم. ~~- كم عمرك؟ ~~- أربعون. ~~- وأي ذنب جنيت فأصبحت من زمرتنا؟ ~~- قتلت امرأتي في ساعة ذهب السكر بعقلي، فحكم علي بالسجن طول العمر وشتان بيني وبينكم فيه، ~~فإنكم تجدون بعض السلوى بما تتجاذبونه من الأحاديث، أما أنا فإني مضطهد من الجميع فلا يكلمي ~~أحد. ~~- لماذا لا تهرب؟ ~~- كيف أستطيع الهرب إذا لم يكن لي رفيق يساعدني عليه وقد قدر لي أن أموت في هذا السجن ~~جلادا ممقوتا مغضوبا عليه من الله والناس؟ ~~- لا تقنط فإن سجنك قد لا يكون أبديا. # فاضطرب الجلاد وقال له: ماذا تعني بذلك؟ # فلم يجبه 117 على سؤاله وقال له: إنك تتألم كثيرا لندور الصديق فماذا تعطي صديقا يمد إليك ~~يده ويصافحك. ~~- أعطيه نصف دمي. ~~- إذن هذه يدي أمدها لمصافحتك. # فاضطرب الجلاد وصافحه والدمع يجول في عينيه وهو يقول: من أنت أيها الرجل المشفق؟ ~~- أنا الذي يسمونني مائة وسبعة عشر. # ثم جعل ينظر إليه تلك النظرات الغريبة التي أخضع بها فاندا الروسية وقال له: إني أتيت لألقي ~~في نفسك القانطة بذور الرجاء. ~~- وا أسفاه لقد فقدت كل أمل. ~~- كلا، وسأجعلك حرا كما تشاء. ~~- وماذا تطلب مني في مقابل ذلك. ~~- أن تمتثل لي في كل ما أريد. ~~- بل أكون ms0868 لك عبدا ما حييت. # 16 # لم تكد تبلغ الساعة الثالثة بعد منتصف الليل حتى صاحت الأبواق في إحدى قاعات السجن، تدعو ~~المجرمين فيها إلى بناء آلة الإعدام، فاضطرب المجرمون ولكن لم يسعهم إلا الامتثال مكرهين، ~~وجعلوا يشتغلون متباطئين متوانين، وكانت السياط تبلغ من ظهورهم أكثر ما تبلغ أيديهم من ~~الآلة. # وكان الجلاد واقفا بعيدا عنهم ينتظر فراغهم من العمل كي يضع تلك السكين الهائلة التي جعل ~~يشتغل طول الليل مع أعوانه بشحذها. # ولما فرغوا من العمل وضع الجلاد السكين في موضعها وأراد تجربتها، فأتى بحزمة عظيمة من القش ~~ووضعها حيث يوضع رأس المجرم، ثم أدار لولبا فهوت السكين وبرت تلك الحزمة بري القلم فسر بها ~~وأظهر استحسانه. # وعند ذلك طلع الصباح فتفرق المجرمون وبقي الجلاد واقفا أمام الآلة يحرسها؛ لأن الإعدام ~~تقرر أن يكون عند الظهر، وإنما هم ينصبون آلة الإعدام قبل حين كي يكون منظرها الهائل عبرة ~~للمجرمين. # وبعد ساعتين جاءوا بجميع المجرمين وجعلوا يمرون بهم أمام تلك الآلة الرهيبة، فلما وصل إليها ~~ميلون أدار وجهه كي لا يراها فتنبه له 117 وقال له: ألعلك خفت؟ ~~- هو الحق ما تقول ومن لا يخاف هذه الآلة القاضية، ألم يتقرر الإعدام عند الظهر؟ ~~- نعم، لم يبق لتنفيذه غير القليل فكيف ترجو إنقاذه بعد؟ # فهز المائة وسبعة عشر كتفيه وقال له بعظمة وكبرياء: إني إذا وعدت وعدا أفي به دون ~~شك. ~~- غير أن بونفير لم يكن يؤمل النجاة من الموت وقد سمع تعزية الكاهن له بسكينة في البدء، ثم ~~كان كلامه قد أثر عليه وزالت من قلبه تلك الأحقاد القديمة التي دعته إلى الانتقام وذكر جريمته ~~الشنعاء فندم وجعل يبكي بكاء الأطفال، ثم هاجت به عاطفة الكبرياء فقال للكاهن: لا تحسب أني أبكي ~~لخوفي من الموت، بل إن بكائي لإشفاقي على ذلك الرجل الذي قتلته انتقاما للكلب. # وعند ذلك دخل إليه في سجنه الجلاد واثنان من أعوانه وجردوه من ملابسه وألبسوه اللباس الخاص ~~بموقف الإعدام، ثم أوثقوا يديه وراء ظهره وثاقا متينا ms0869 وأوثقوا رجليه بقيد طويل بحيث يستطيع ~~المسير، ولم يكن باقيا لموعد القتل غير سبع دقائق، فخرجوا به وهو يمشي متثاقلا والكاهن يتلو ~~عليه أرق عبارات العزاء، حتى وصلوا به إلى تلك الآلة الرهيبة. # وكان جميع الموظفين في السجن، وجميع المجرمين راكعين حول المقصلة، وقد ساد السكوت في تلك ~~الساعة الرهيبة، حتى لم يكن يسمع غير تردد الأنفاس، وقد نصبت أربع مدافع محشوة بالقنابل الضخمة ~~في محلات مرتفعة من الجهات الأربع، فكانت أفواهها مصوبة إلى أولئك المجرمين الراكعين، وكان يحيط ~~بهم فرقة من العساكر وبنادقهم مصوبة إليهم أيضا، وكان جميع ذلك مما يزيد في رهبة تلك الحفلة ~~الهائلة. # وقد وضعوا بين المجرمين وبين الآلة تابوتا وقف حوله فريق من الرهبان لأخذ جثة المجرم بعد ~~إعدامه. # فلما صعد بونفير الدرجة الأولى من درجات الآلة نظر إلى تلك المناظر الرهيبة نظرة واحدة هلع ~~لها فؤاده وكاد يسقط لاضطرابه فساعده الكاهن على الصعود. # وكان اثنان من المجرمين راكعين قرب المقصلة وهما يتحدثان همسا، فنظر إليهما بونفير وعرف ~~أنهما ال 117 وميلون وقال لهما: الوداع أيها الصديقان واذكراني خيرا بعد الموت. # ثم صعد درجة من تلقاء نفسه وقد أعاد إليه هذا الكلام بعد النشاط. # أما ميلون فكان شديد الاضطراب وكان يقول بصوت منخفض لل 117: ألا ترى أيها الرئيس أنه بلغ ~~آخر درجات المقصلة فأي أمل ترجوه بعد؟ # فقال له: اسكت. # غير أنه عندما نزل الكاهن وبقي المحكوم عليه اضطرب 117 اضطرابا خفيفا وحدق بنظره إلى ~~السكين القاطعة التي كانت تتكسر عليها أشعة الشمس، وأدار الجلاد لولب تلك السكين. # 17 # وعند ذلك سقطت تلك السكين الهائلة تهوي على رقبة ذلك المسكين، فأغمض جميع الناظرين عيونهم ~~كي لا يروا هذا المنظر الرهيب ولم يبق مفتح العينين غير المائة وسبعة عشر الذي كان ينظر محدقا ~~إلى الآلة. # ومرت هذه الحادثة التي تكتب عنها المجلدات بثانية واحدة، ولما فتح المجرمون أعينهم رأوا أن ~~السكين قد هوت ولكن الرأس لم يقطع، ذلك أنها لقيت حاجزا قبل بلوغها إلى رأس المجرم ms0870 بنحو شبر ~~فقط. # فأجفل الجميع لهذا السر الغريب الذي لم يدرك غوامضه غير ال 117 دون سواه. # وأعاد الجلاد السكين إلى موضعها القديم ثم أدار اللولب ثانية فلم يبلغ إلى الرأس ووقعت في ~~موضعها الأول. # فأن بونفير أنين الرياح، واضطرب المجرمون وجعلوا يصيحون بأصوات مختلفة، وأسرع مدير السجن ~~وأمر بإخراج بونفير إلى أن ينظروا في شأن الآلة والسبب في تعطيلها، وإنما فعل ذلك رفقا بهذا ~~المسكين وحذرا من ثورة المجرمين. # وجعل 117 يمسح عن وجهه العرق البارد وقال لميلون: لقد عشت في دقيقة مائة عام وعسى أن يغفر ~~لي الله يوما من الأيام. # أما بونفير فإنه أغمي عليه فحمله رفقاؤه إلى الغرفة المعدة لسجنه، ورجع المجرمون إلى ~~زنزاناتهم. # وعاد موظفو السجن إلى فحص الآلة، فوجدوا أن العمال الذين صنعوها قد عطل أحدهم مسير السكين ~~بما وضعه في سبيلها من العوائق، وقد وضعها بحذق وتدبير بحيث إنهم باتوا مضطرين إلى صنعها مرة ~~ثانية لتعذر إصلاحها، وهذا ما كان يقصده 117 من تعطيلها؛ لأن ذلك كان من صنعه دون أن يشعر به ~~أحد. # ولما خلا برفيقه ميلون قال له: إن بونفير بات واثقا من أنهم لا يعدمونه اليوم. # قال ميلون: ولكنهم يعدمونه غدا. ~~- غدا الجمعة. ~~- إذن يعدمونه السبت. ~~- إذا وجدوه في السجن فليعدموه. ~~••• # وذهبوا ببونفير إلى سجنه كما قدمنا، وهو سجن خاص بالمحكوم عليهم بالإعدام يبلغ عمقه 30 ~~قدما في جوف الأرض. # ولما صحا من إغمائه جعل يفكر في أمره، وهو تارة يسر بنجاته من الإعدام ثم لا يلبث أن يفتكر ~~أن ذلك إلى حين حتى يتولاه القنوط. # وبعد ساعة جاءه الحرسي بالطعام فعاد إليه السرور وقال في نفسه: سأعيش ساعة أيضا على الأقل، ~~وجعلت الساعة تتلو الساعة حتى خيم الظلام وعاد إليه الحرسي بالطعام، فأكل بشهية وقال: إن ~~الإعدام لا يجري في الليل وسأبقى حيا إلى الصباح. # وما زال يتقلب على فراشه الخشبي وهو لا يستطيع رقادا إلى أن انتصف الليل فسمع صوتا متصلا ~~يشبه صوت المطرقة على السندان، فأصغى إلى ms0871 الصوت فوجد أنه متصل وأنه يدنو منه. # ودام ذلك نحو ساعتين والصوت يدنو منه حتى أيقن أنهم يحفرون نفقا تحت غرفته. # وبعد حين سمع أن الصوت بلغ أرض المكان النائم فيه فنهض منذعرا، وما لبث أن رأى حجرا ضخما ~~سقط من الأرض، فانفتحت هوة وبرز منها رأس إنسان. # 18 # وكان على هذا الرأس قبعة بحرية، وبعد الرأس ظهر الكتفان ثم اليدان ثم صعد الرجل بجملته فوضع ~~مصباحه على الأرض ووقف أمام بونفير. # فصاح بونفير صيحة انذهال وقال: أهذا أنت وكيف أتيت؟ ~~- نعم أنا هو الذي يدعونه 117 فإذا أردت أن تبقى حيا فاسكت واتبعني دون إمهال فإنهم بعد ~~أربع ساعات يأتون للبحث عنك فإذا وجدوك أعدموك لأنهم أصلحوا الآلة، وليس لدي وقت لتعطيلها مرة ~~أخرى، أعلمت الآن كيف نجوت؟ # أما بونفير فلم يفهم شيئا لأن الهذيان تولاه فقال له: لا أعلم إلا أنني من الأموات، وكل ما ~~أراه الآن فهو في العالم الأخير. # وعلم 117 أنه مصاب بالحمى والهذيان فقال له: إذا كنت قد أصبت بالجنون فذلك لسوء حظك ولكن لا ~~بد لي من إنقاذك وسأنقذك. # ثم حمله وألقاه في الهوة فصاح متألما، غير أن سقوطه رد إليه صوابه فجعل ينظر إلى المكان ~~الذي هوى فيه، فعلم أنه في نفق حفر حديثا، وكان المائة وسبعة عشر قد نزل إلى الهوة في أثره ~~ورأى ما كان من فحصه فقال: أعرفت الآن؟ ~~- نعم فإنك أتيت لإنقاذي. ~~- إني واثق من إنقاذك إذا كنت تتبعني حيث أريد. ~~- ولكن إلى أين أنت ذاهب بي؟ ~~- تعال ولا تسل إنما أنظر إلى هذا النفق فإنه يقتضي لحفره خمسة أيام، ولا تضع الوقت ~~عبثا. ~~- وكل ذلك من أجلي؟ # فلم يجبه المائة وسبعة عشر بل إنه كسر له قيوده. وقال له: لقد بت حرا الآن ~~فاتبعني. # وجعل الاثنان يسيران في هذا النفق الطويل، وكلما مشيا بضع خطوات يقف 117 مصغيا، ثم يستأنف ~~المسير فيسير بونفير في أثره، حتى رأيا أن طريق النفق أخذ بالارتفاع فقال له المائة وسبعة عشر: ms0872 ~~أتعلم أين نحن الآن إننا تحت أسوار القلعة. # وبعد أن مشيا عشرين دقيقة اتسع النفق وهب هواء بارد فأطفأ 117 المصباح والتفت إلى رفيقه ~~وقال: أسرع بالسير فإن الهواء هذه الليلة موافق للفرار وقد فتحت أبواب السماء فانهالت منها ~~الأمطار كعهد الطوفان. # وبعد بضع دقائق وقف 117 وأطل بونفير رأسه من ورائه فعلم أن هذا النفق ينتهي عند شاطئ البحر ~~وسمع صوت تكسر الأمواج. # وكان الظلام حالكا والبحر هائجا والسماء تمطر مطرا غزيرا، فقال 117: أتعرف ~~السباحة؟ ~~- كنت تعلمتها في حداثتي. ~~- إذن فاخلع ثيابك فإن السباحة لا تنسى وخير لك أن تموت غرقا من أن تموت بيد الجلاد ومع ~~ذلك فسأعينك، لا تخف. # ثم التقط حبلا كان موضوعا على باب النفق فربط به وسطه وأعطى طرفه لبونفير وقال له: أمسك ~~هذا الحبل، فما زال بيدك فلا تغرق. # وامتثل بونفير وألقى الاثنان نفسيهما في البحر العجاج وهما لا يعلمان كيف يسيران لشدة هياج ~~الأمواج، وسواد الليل، فإن السفينة التي عزم 117 على الفرار بها كانت بعيدة عن الشاطئ حذرا من ~~التطامها بالصخور، وكانت جميع أنوارها مطفأة مبالغة في التكتم. # غير أن 117 كان يسمع من حين إلى حين صفيرا يخرج من تلك السفينة، فيهتدي إليها ويسير إلى ~~الجهة التي يخرج منها الصوت. # وما زال يصادم تلك الأمواج وتصادمه حتى وصل إلى قارب صغير بعد أن كاد يشرف مع رفيقه على ~~الغرق. # وعند ذلك أنزلوا إليهما مجذافا فصعد عليه إلى الزورق، وكان فيه ميلون رفيق 117، وجواني ~~الجلاد، فأجفل بونفير لمنظره وتراجع منذعرا إلى الوراء. # فطيب 117 خاطره وقال له: طب نفسا فإنه لم يأت إلى السفينة كي يقتلك فيها بل ليهرب معك ~~عليها. # 19 # وجعل الزورق يسير إلى السفينة التي أعدها 117 للفرار حتى بلغ إليها وصعد جميع من في ~~الزورق. # وكان أول من استقبل 117 فاندا الروسية وهي بملابس بحار صغير، فعانقته وهي تبكي من سرورها به ~~وتقول: لقد نجوت بحمد الله. # فقال لها 117 بسكينة: بل نجونا جميعا. ~~- إذن مر الربان ms0873 بأن يقلع بالسفينة، فلم يعد لنا عمل بهذا الميناء الخطر. ~~- هو ما تقولين، بل يجب علينا السرعة بالخروج منها قبل الصباح وقبل أن يعلموا ~~بأمرنا. # ثم نادى الربان وأخبره كيف يجب أن يسير ونزل مع فاندا إلى غرفة كانت معدة له في السفينة ~~وقال لها: كيف رأيت ألم أفي بوعدي؟ # فركعت أمامه وقالت: نعم ولهذا فإني سأطيعك كما يطيع العبد مولاه. ~~- أتعلمين أين نحن ذاهبون الآن؟ ~~- سيان عندي فإني أتبعك أين سرت. ~~- إننا ذاهبون إلى إيطاليا ومنها إلى باريس. # فأجفلت وقالت: إلى باريس؟ ~~- ذلك لا بد منه فإن القدر يدفعني إلى تلك العاصمة. # فأحنت رأسها ثم نظرت إليه وقالت: أيها الرئيس إني حكيت لك قصتي أفلا تحكي لي قصتك؟ ~~- وأية فائدة من ذلك؟ # ثم رفع نظره إلى تلك السماء السوداء المتلبدة بالغيوم وجعل يتأملها كأنه يذكر بها ماضيه، ثم ~~أخذ يد فاندا بين يديه وقال: إني كنت شرا من ذلك الرجل الذي كنت تبكينه فقد كنت لصا سفاكا، ~~فارتكبت من المنكرات والموبقات ما أستحق لأجله ألف موت، غير أن هذا القلب الملطخ بالمآثم ~~والعار، قد دخلت إليه عاطفة شريفة، بإذن الله، فأضاءت كما يضيء النجم في خلال العواصف. # أسمعت مرة بحديث ذلك الرجل المدعو كونيسار، ذلك الرجل الأثيم الذي دعا نفسه كونتا وهو من ~~شر اللصوص، وكان يحمل على صدره أوسمة الشرف، وفي نفسه الخزي والعار؟ إني مثلت دور هذا الرجل ~~ثلاثة أعوام فسرقت اسم رجل نبيل وتلقبت باسمه، فشغلت باريس بحديث ظرفي وبسالتي وكرم أخلاقي ~~دهرا طويلا، حتى لقد أوشكت أن أكون من عظماء الإسبان. # وقد أحبني امرأتان طاهرتان وهما أم ذلك النبيل الذي سرقت اسمه وأخته فأفضى بي الأمر إلى ~~حبهما كأمي وأختي، أما الأولى فقد انتقلت إلى رحمة الله، وأما الثانية فلا تزال عائشة في باريس، ~~وإني مستعد لسفك دمي من أجلها. # فقالت فاندا: ألعلها علمت بعقابك؟ ~~- كلا، فقد وجدوا أخاها ولكنها ما رأته، فإن الذين فضحوني وعاملوني بملء القسوة خافوا عليها ~~من الفضيحة وعاملوها بملء الإشفاق، ms0874 فأرسلوني إلى السجن، وأرسلوا شقيقها الحقيقي إلى الهند مع ~~امرأته التي كنت عازما على الزواج بها، وهي تعتقد الآن أني في الهند. ~~- وهل رأيتها بعد ذلك؟ ~~- نعم رأيتها في سجن قاديس قبل أن ينقلوني من سجن إسبانيا إلى سجن باريس فأشفقت على إشفاقا ~~شديدا دون أن تعرفني لأني كنت مشوه الوجه، وقد مضى على ذلك عشرة أعوام. ~~- وأنت تريد الرجوع إلى باريس لتراها؟ ~~- أعندك شك في ذلك، فإني سأبالغ في التنكر كي لا تعرفني، وأقيم بجوارها فأراها كل يوم، لا ~~سيما بعد أن عرفت بأن أخاها غير عازم على العودة من الهند. ~~- ومتى عرفت ذلك؟ ~~- منذ ثمانية أيام ولذا رضيت بالفرار بعد أن أقمت بالسجن عشرة أعوام، ولم يكن أسهل علي من ~~الفرار منه، كما رأيت لأنني علمت الآن أنها لم تعرف الحقيقة، وأن أخاها لم تره ولن تراه. # وفيما هو يتكلم قدم إليه ميلون مسرعا وقال: أدركنا أيها الرئيس فإن السفينة عبثت بها ~~الرياح وقد غلت أيدي البحارة وهلعت قلوبهم من الخوف. # فابتسم 117 وقال: لا تيأسوا فسأنقذكم بإذن الله. # ثم صعد إلى ظهر السفينة فأخذ الدفة من ربانها وجعل يصدر أوامره إلى البحارة، فسارت السفينة ~~مطمئنة وبعد ساعة سكنت الزوبعة، وهدأت الرياح وسكنت الأمواج. # وعند ذلك سمعوا من طولون دوي أربعة مدافع فقال المائة وسبعة عشر: إن كل مدفع يشير إلى فرار ~~واحد منا، ولكنهم تنبهوا بعد فوات الأوان، لقد آمنا كل خطر. # وكان الصباح قد بزغت أنواره وملأت الشمس الفضاء فتراقصت أشعتها على المياه، واجتمع حول ~~المائة وسبعة عشرة أعوانه الذين فروا معه وكلهم معجب برئيسه منذهل مما رآه من أفعاله ~~العجيبة. # وقال له ميلون: من أنت أيها الرجل الذي يوقف القضاء، ويمنع سيف الجلاد أن يبلغ إلى ~~الرقاب؟ # وقالت له فاندا، من أنت أيها الساحر الذي تخترق عيناه أعماق القلوب؟ # وقال بونفير: من أنت أيها الرجل العظيم وماذا صنعت لك حتى أنقذتني من الإعدام؟ # وقال له الجلاد: وأنا أيها الرئيس الذي تدانى إلى مصافحتي أتأذن لي ms0875 أن أسألك من أنت؟ # فابتسم 117 وقال: إذا كان لا بد لكم من معرفة اسمي فاعلموا أنني روكامبول. # فبهت الجميع وأطرقوا برءوسهم إطراق الخضوع وظلت السفينة سائرة إلى إيطاليا. # | أنطوانيت # 1 # في الساعة الرابعة بعد منتصف ليلة من ليالي نوفمبر كان رجلان يسيران في شارع سيركس، وقد خلا ~~ذلك الشارع من المارة والمركبات فلم يكن يسمع فيه غير صوت الرياح الباردة. # وكان هذان الرجلان متزملين وشاحيهما وأيديهما في جيوبهما، فجعلا يسيران في ذلك الشارع حتى ~~انتهيا إلى منزل فيه نمرة 19، فوقف أحدهما وقال لرفيقه: سوف ترى أيها الصديق أنك لا تجد بين ~~الفتيات الجميلات اللواتي رأيتهن الليلة في منزل ابنة عمي المركيزة من تقارب هذه الحسناء ~~بجمالها. ~~- إني أراك قد جننت يا أجينور. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أحسب العشق والجنون اسمين مترادفين، فمن كان عاشقا كان مجنونا، وبعد فكم لك الآن ~~من العمر؟ ~~- ستة وعشرون عاما كما تعلم. ~~- إن بلوغك هذا السن على تماديك في الغرام يؤيد قولي؛ لأن من بلغ ما بلغناه من الثروة تتوطد ~~لديه أسباب اللهو فلا يشغل نفسه بمثل هذا الغرام ومتاعبه، ألعلك تعدم بين صبيحات الوجوه حسناء ~~تنظر إليك بعين العطف وفتانة تتمنى رضاك؟ ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك فلا أعلم ما يدفعك إلى مكابدة هذه المشاق وأنت بغنى عنها بفضل مالك ~~الكثير. ~~- حسنا، اصبر وسترى أينا المخطئ وأينا المصيب. # وكان هذا المنزل الذي وقفا أمامه له نافذة تطل على الشارع وفي هذه النافذة مصباح يضيء فيدل ~~على أن الذي أناره إنما يشتغل على نوره إذ ليس من يسهر في هذا الشارع إلى تلك الساعة المتأخرة ~~من الليل. # فأخذ الشاب بيد صديقه ودله على النافذة المنبعث منها النور وقال له: انظر إلى هذا الوجه ~~المشرق ولعلك تعذرني بعد النظر إليه. # فنظر رفيقه بإمعان إلى وجه تلك الفتاة التي كانت مكبة على شغلها، وبعد أن تفرس بها مليا ~~قال له: الحق إنها من أجمل النساء. ~~- أليس كذلك؟ ~~- ولكن ماذا تريد أن تصنع بها؟ ~~- إنها عندما تحبني، ولا بد لها ms0876 من ذلك لأن من كان مثلي لا تكرهه النساء، فسأجعلها فتنة ~~باريس وسلطانة النساء. ~~- أراك تحتم أنها تحبك. ~~- ذلك لأني علمت عنها ما جعلني أحتم هذا الحتم. ~~- لنرى ماذا علمت، ولكن قل لي قبل ذلك ماذا تشتغل تلك الفتاة لأني أرى أمامها كتبا ~~وأوراقا. ~~- إنها تترجم الروايات عن اللغة الإنكليزية لأحد الطباعين فينقدها فرنكا عن كل صفحة ~~ويبيعها بعشرة للجرائد. ~~- إذن فهي أديبة؟ ~~- نعم فقد كانت معلمة في مدرسة، غير أن ناظرة المدرسة مرضت فانقطع الطلبة عنها وباتت الفتاة ~~المسكينة تشتغل هذا الشغل الشاق كي تقيت نفسها وتعالج تلك الناظرة لسابق فضلها عليها. ~~- يظهر أنها يتيمة؟ ~~- لا أعلم حقيقة أمرها غير أني أرسلت خادم غرفتي منذ يومين وعهدت إليه استطلاع أمرها، فرشا ~~بواب منزلها وعلم منه أنها في أشد متاعب الفقر، وأنها تقاسي الآن عناء شديدا لأن ما تكسبه من ~~الترجمة لا يكفي لنفقاتها ولمعالجة صديقتها الناظرة، وقد استحقت أجرة منزلها وهي عاجزة عن دفعها ~~وليس في قلب صاحب المنزل أثر للرحمة، فإذا تقدمت لنجدتها وإنقاذها من شقائها قبلتني خير ~~قبول. ~~- لقد كنت أحسبك من قبل أبله نزقا، فكنت أعذرك بعض العذر. أما الآن فإنني أراك تسير في خطة ~~لا تخلق بالأشراف، وإذا كنت تريد أن تستخدم لأغراضك الفاسدة شقاء هذه الصبية التي تشتغل في ~~الليل والنهار للقيام بأشرف الواجبات فإني ألومك أشد اللوم ولا أوافقك على هذا السير المذموم، ~~وإني لا أنكر عليك تزلقك إلى الحسان بشرط أن يندفعن مع تيار حبك من تلقاء أنفسهن، وأما أن ~~تستغوي النساء وتغتنم فرصة شقاء مثل هذه الصبية الشريفة فهو ليس من الأمور التي يقدم عليها ~~النبلاء، بل إن ذلك عار شائن تلطخ به جبهة الإنسانية وكل شريف على الأرض. ~~- لقد قلت ذلك القول أيها الصديق في بدء أمري، ولكني قلت في نفسي أيضا إن هذه الفتاة بارعة ~~في جمالها، فإذا لم أدفع عنها ذاك الشقاء دفعه سواي من المعجبين بجمالها فتكون النتيجة واحدة في ~~الحالين، ثم إني إذا أصحبت هذه الفتاة ms0877 فلا أتخلى عنها كما يفعل سواي بل أضمن لها هناءها في ~~مستقبل أيامها، وفوق كل ذلك فإني أجد دافعا عظيما يدفعني إليها وهو دافع الغرام لأني شغفت بها ~~شغفا لا حد له، حتى إني لا أجد صبرا عنها ولا أجد بدا من الوصول إليها في كل حال. ~~- أتقبل مني نصيحة أيها الصديق؟ ~~- قل وسوف نرى. ~~- إنك بالغ سن الرشد من عدة سنين؛ أي إنك حر التصرف في أمورك الخاصة كما تريد. ~~- ذاك لا ريب فيه. ~~- إن الفتاة مهذبة أديبة، وهي من أفضل النساء وأطهرهن قلبا إذا صح ما رويته لي من أمورها، ~~فإذا كان كما تقول فما يمنعك عن الزواج بها؟ # فضحك أجينور ضحكا عاليا وقال: لا شك أنك فقدت صوابك ولو كان لك ذرة من العقل لما خطر لك ~~ذاك الخاطر. ~~- قل ما تشاء، وأما أنا فإني لو كنت مكانك لتزوجتها، وفي كل حال فإني أعد عملك جريمة لا ~~أشاركك فيه؛ لذلك أدعك وشأنك وأذهب إلى منزلي لأنام بريئا من تلك الوصمة. # ثم تركه وانصرف وبقي أجينور وحده أمام منزل الفتاة إلى أن بزغ نور الصباح فأطفأت تلك الفتاة ~~الفاضلة مصباحها. # 2 # وحكاية تلك الفتاة أن بواب المنزل وجيرانها لم يكونوا يعرفونها إلا باسم أنطوانيت، وأنها ~~تقيم مع امرأة كهلة تدعى مدام رينود. ولكنهم كانوا يحترمونها احتراما شديدا لما يرونه من حسن ~~اجتهادها، فإنها كانت تشتغل إلى ما بعد منتصف الليل بترجمة الروايات الإنكليزية، وتشتغل في ~~النهار بالتدريس، غير أن جميع ما كانت تكسبه من أشغالها لم يكن يكفي لنفقاتها لا سيما بعد مرض ~~مدام رينود؛ لأن معظم إيرادها كان ينفق على الأدوية وأجرة الأطباء، حتى إن تلك العجوز كانت ~~تتمنى لنفسها الموت إشفاقا على الفتاة فإذا سمعتها أنطوانيت تقول مثل ذاك القول تعانقها باكية ~~وتقول: إذا مت فعلى من تتركيني بعدك يا أماه؟ # فتبكي اثنتاهما وتعود الفتاة إلى العمل والعجوز إلى التألم والقنوط. # وأصل اتصال أنطوانيت بمدام رينود أنه منذ عشرة أعوام أرسلت إليها إحدى السيدات فتاتين وهما ms0878 ~~أنطوانيت وأختها مدلين، وعهد إليها بتربيتهما مقابل راتب كان يدفع لها بسخاء في السنة الأولى، ~~وفي العالم التالي انقطع الراتب وانقطعت زيارة تلك السيدة. فجعلت مدام رينود تنفق عليهما من ~~مالها وقد تبنتهما إلى أن أصيبت بمرض عضال فانقطعت موارد رزقها. # وكانت الابنتان توأمين، وقد بلغت كل منهما الثامنة عشرة من عمرها فجعلتا تشتغلان بالترجمة ~~والتدريس مكافأة لتلك المريضة التي كانت لهما بمثابة أم. # وقد اتفق منذ عام أن مدلين إحدى الأختين لقيتها سيدة من أغنياء الروسيين في باريس فاتفقت ~~معها على أن تصحبها إلى روسيا مرشدة لأولادها ورفيقة لها، فسافرت الفتاة وبقيت أختها أنطوانيت ~~مع مدام رينود في باريس، فكانت تلاقي أعظم المشاق في سبيل القيام بأودها. # وفي تلك الليلة التي شاهدها أجينور وهي تشتغل في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل كانت تكتب ~~لأختها الرسالة التي تدل على لمعة من حكايتها وحقيقة شقائها وهي: # يا أختي العزيزة # لم أكن أريد أن أحزنك ولكن الداء أصبح لا دواء له، فلم أجد بدا من كشف حقيقة أمري لك، ~~فإن مدام رينود أوشكت أن تموت وقد ذهب بصرها وعقلها كما ذهب جميع الأموال التي اقتصدتها في ~~سبيل علاجها لأني كرهت أن أعالجها مجانا في المستشفيات كي لا أكدرها في شيء. # ومما زاد في نفقاتي أني اضطررت أن أنقطع عن الشغل شهرا للاعتناء بها بحيث أصبحت الآن ~~مدينة لصاحب المنزل بأربعمائة فرنك لا أدري كيف أحصل عليها، فإن صاحب المنزل مسافر الآن، ~~ولولا رأفة البواب بي وإمهاله إياي لكنت من الهالكين فإن البواب الصالح قال لي: إني أمهلك ~~ما زال صاحب المنزل مسافرا، ولكن هذا الرجل العاتي سيحضر غدا وا أسفاه ولا أعلم كيف أدفع ~~له، ويلاه إن العرق البارد ينصب من جبيني حين أفتكر أنه سيحجز على أثاث المنزل فما أشد شقاء ~~العائلات الشريفة. # على أن قلبي يحدثني بأني سألقى مخرجا من هذا الضيق. # ومما يزيد في شقائنا أننا إلى الساعة لا نعرف اسم عائلتنا، فأمنا لم نرها منذ حداثتنا، ~~ولا أزال ms0879 أبحث في جميع أنحاء باريس عن ميلون ذلك الخادم الأمين دون الوقوف له على ~~أثر. # لا تقنطي أيتها الحبيبة لأني سأشتغل الليل والنهار كي لا يصبح لصاحب المنزل علي حق، ~~واكتبي لي عن حالك، أما أنا فسأكتب لك أيضا غدا أو بعد غد لأخبرك بما يصير. # وعندما وصلت بكتابها إلى هذا الحد دخل إليها بواب المنزل وعلى وجهه ملامح الاكتئاب، فعلمت ~~سبب حزنه وقالت له: ألعل صاحب المنزل قد عاد من رحلته؟ # فقال: نعم يا سيدتي، وقد أوشك أن يطردني حين علم أنك لم تدفعي أجرة المنزل بعد، وهو سيحجز ~~بعد ظهر اليوم على الأثاث. # فأجفلت الصبية وقالت: ويلاه ألا يمهلني إلى آخر الشهر فأقبض أجرتي من الذين أعلمهم في ~~منازلهم، فإنه ليس لدي الآن غير مائة فرنك قبضتها من تاجر الترجمات، وأجرة المنزل أربعمائة ~~فرنك. # أدمعت عينا البواب حنوا وقال: إن هذا الرجل يا سيدتي لا يعرف الرحمة، ولكن لدى امرأتي مائة ~~فرنك تقرضك إياها فإذا ذهبت بالمئتين إلى صاحب المنزل ودفعتها له واستمهليته إلى آخر الشهر فقد ~~يجيب سؤالك، وإذا أبى فإن الأثاث لا يباع إلا بعد ثمانية أيام من إلقاء الحجز، وقد يتيسر لنا ~~الحصول على بقية مطلوبه في هذه المدة. # فكبر ذلك على أنطوانيت غير أنها لم تجد بدا من الامتثال فأخذت من البواب المائة فرنك ~~وذهبت إلى صاحب المنزل وهي تسير سير الخائفة الخجلة. # ولم تكد تسير بضع خطوات حتى رأت شابا يقفو أثرها، فأسرعت خطاها فاقتدى بها ولكنها سبقته ~~ووصلت إلى المنزل دون أن يدركها، فدخلت إليه وهي تفتكر بهذا الشاب وتعجب من لحاقه بها واقتفائه ~~أثرها على فرط ما كان يبدو منه من مظاهر الحشمة. # 3 # وكان لها مع صاحب المنزل حديث طويل توسلت إليه في خلاله أن يقبل منها نصف الأجرة ويمهلها ~~بدفع الباقي ثلاثة أيام، غير أن قلبه الصخري لم يلن لتوسلها فخرجت من عنده واليأس ملء قلبها وقد ~~مسحت دموعها مرتين قبل أن تخرج من الباب إلى الشارع العام. # غير ms0880 أنها لم تلبث أن سارت حتى رأت ذلك الشاب الذي رأته عند قدومها، وقد اعترضها في سبيلها ~~فرفع قبعته بملء الاحترام وقال: إني أدعى يا سيدتي الفيكونت أجينور دي مورليكس، وإنما بدأت بذكر ~~اسمي كي يزال ما رأيته من اضطرابك لتعرضي لك في الطريق فإن النبلاء لا يقدمون على ما أقدمت ~~عليه إلا لقصد شريف. # فسكن جأشها بعض السكون ولا سيما وقد رأت من لهجة احترامه ما دلها على صدق مدعاه في قصده، ثم ~~نظرت إليه برهة وقالت له: ما عسى تريد مني يا سيدي وأنا لا أعرفك قبل الآن؟ ~~- هو ما تقولين يا سيدتي ولكني إذا لم أتشرف بمعرفتك فقد عرفت أمك. ~~- أحقيقة أنك عرفت أمي؟ ~~- نعم يا سيدتي بل أعرف جميع حكايتك وما تعرضت للقائك إلا لقضاء واجب مقدس. ~~- واجب مقدس؟ ~~- نعم يا سيدتي فلقد قلت لك إني أدعى الفيكونت أجينور دي مورليكس وأنا بريتوني المولد غير ~~أني نشأت في باريس مع قريبة لي تدعى المدموازل دي بزفورت. ~~- إني أعرفها فقد كنت أتلقى الدروس معها في مدرسة مدام رينود وقد خرجت من المدرسة سنة ~~1850. ~~- هو ما تقولين يا سيدتي وأنا أرجو أن لا تنكري على تعرضي لك في الطريق لأني دفعت مكرها ~~إلى ذلك. ~~- قل يا سيدي ما تريد أن تقول. ~~- إن قريبتي التي كانت رفيقة لك في المدرسة قد تزوجت وهي الآن وافرة الثروة وقد عهدت إلي أن ~~أبحث لها عن مدام رينود، فإن قريبتي هذه عندما كانت في المدرسة كانت يتيمة ليس لها من ينفق ~~عليها غير عمة فقيرة، فلما خرجت من المدرسة كانت مدينة لمدام رينود بألف فرنك. # فاضطرب فؤاد أنطوانيت وشعرت أن الله فتح لها باب الفرج بعد الضيق. # فقال أجينور: وقد بحثت كثيرا يا سيدتي عن مدام رينود فلم أجدها، غير أنه وردني أمس كتاب من ~~قريبتي أرشدتني فيه إلى محلها وأخبرتني أن هذه السيدة في أشد حالة من الضيق، فأسرعت اليوم إلى ~~منزلها ولكني علمت من امرأة البواب أن هذه السيدة في ms0881 حالة النزع، وعلمت اتصالك بها فكرهت أن ~~أزورها على هذه الحالة وجعلت أنتظر خروجك من المنزل كي أدفع لك المال، فلما رأيتك خرجت رأيت على ~~وجهك ملامح الحزن الشديد، فما تجاسرت على اعتراضك وما زلت أقتفي أثرك حتى دخلت إلى هذا المنزل، ~~فلما خرجت منه لقيتك وجها لوجه. # وكان أجينور يتكلم بلهجة صادقة فخيل للفتاة أن الله أرسل لها مساعدا من السماء فحكت له ~~وهما يسيران إلى منزل مدام رينود ما تكابده هذه المرأة من ضروب الشقاء وكيف أنها تشتغل آناء ~~الليل وأطراف النهار لتخفيف شقائها، ثم رأت دمعة سقطت من عين أجينور فما شككت بسلامة قلبه وحكت ~~له جميع حكايتها حتى أخبرته بعدها أن المال الذي ستقبضه منه سيفرج عنها كل ضيق. # ولما وصل الاثنان إلى المنزل ودعها أجينور معتذرا وأعطاها ورقة مالية بألف فرنك، فأخذتها ~~شاكرة وصعدت إلى مدام رينود وهي تكاد تطير سرورا، فقالت لها: أتذكرين يا أماه مدموازيل دي ~~بوفرت التي كنت أدرس وإياها في مدرستك؟ # فقالت مدام رينود: مسكينة هذه الفتاة فإني لا أزال أذكرها إلى الآن. # فقالت أنطوانيت: ولماذا ترثين لها ألعلها كانت فقيرة؟ ~~- كلا بل إنها كانت غنية. # وقالت في نفسها: ولعل هذه الفتاة علمت بشقاء مدام رينود فلفقت لقريبها هذه الحكاية، ولكن ~~الاضطراب عاودها فقالت لمدام رينود: لماذا قلت يا أماه مسكينة هذه الفتاة؟ ~~- لأنها ماتت في الليلة الثانية لزواجها في التاسعة عشرة من عمرها. # وأدركت الفتاة عند ذلك حيلة أجينور وصاحت صيحة يأس وسقطت مغميا عليها. # 4 # ولنعد الآن إلى 117؛ أي إلى روكامبول، بطل هذه الرواية فنقول إنه برح مياه طولون على تلك ~~السفينة بأصحابه وفاندا الروسية، وذهب إلى البلاد الإيطالية، وأقام متنكرا مع رفاقه ستة أشهر، ~~ثم ذهب إلى باريس بتلك العصابة وقد تنكر باسم الماجور أفاتار الروسي، فاتخذ منزلا في شارع ~~معتزل، تكتنفه حديقة فيحاء، وكانت فاندا امرأته في عيون مجاوريه. # وبعد أن ألقى عصا التيسار في باريس تحصل بدهائه المعروف وبمساعدة فاندا على أوراق تثبت أنه ~~نفس الماجور ms0882 أفاتار، ودخل عضوا في ذلك النادي القديم، الذي كان أحد أعضائه منذ عشرة أعوام أيام ~~كان معروفا في باريس باسم المركيز دي شمري. # وقد عاد في ليلة من ذلك النادي إلى منزله، فقالت له فاندا: أقبلوك في النادي؟ ~~- نعم، وقد عرفت فيه جميع أصحابي القدماء دون أن يعرفني أحد، وتعرفت بهم من جديد باسم ~~الماجور أفاتار. # وسرت فاندا بنجاحه وقالت له: إن ميلون قد عاد من سفره وهو ينتظرك منذ ساعة بفارغ ~~الصبر. ~~- سأراه ولكننا لا نستطيع أن نبحث في هذه الليلة عن الصندوق المخبوء. # وكان ميلون قد تنكر أيضا باسم غريب، وحصل على أوراق تثبت اسمه الجديد بفضل روكامبول الذي ~~فعل مثل هذا الفعل مع جميع رجال عصابته وغير هيئاتهم حذرا من مطاردة الشرطة لهم. ولما دخل ~~لمقابلة ميلون الذي كان ينتظره قبل يده باحترام ووقف أمامه وقوف التابع للمتبوع، فأمره روكامبول ~~بالجلوس وقال له: لنتحدث الآن. أبقي معك شيء من النقود؟ # فأجاب ميلون: كلا فقد أصبحت صفر اليدين، ولكني أعلم أين يوجد الصندوق؟ ~~- أتظن أننا نهتدي إلى مكانه بسهولة؟ ~~- نعم، فقد قلت لك إني خبأته بيدي وإني أعرف مكانه. ~~- وأين خبأته؟ ~~- في قبو المنزل الذي كانت تقيم فيه والدة أنطوانيت ومدلين، فانتزعت حجرا من جدران القبو ~~ووضعت الصندوق ثم أرجعت الحجر إلى ما كان عليه بحيث لا يهتدي أحد سواي إلى مكانه. ~~- ولكن باريس قد تغيرت منذ عشرة أعوام، فقد يتفق أنهم هدموا المنزل أو أصلحوه واهتدوا إلى ~~كنزك المخبوء. ~~- لا تخش يا سيدي فقد مررت بذلك المنزل وهو لا يزال على ما كان عليه من عشرة أعوام. # فتنهد روكامبول تنهد المنفرج وقال: سوف ننظر في أمره غدا والآن أصغ إلي ألعلك مشفق على ~~أحوال الأختين؟ ~~- لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لأني لا أريد أن أرجع لهاتين اليتيمتين ذلك الصندوق فقط بل أحب أن أرجع لهما ثروة أمهما ~~بجملتها التي اختلسها أخواها. # فاغرورقت عينا ميلون بالدموع وقال: أتفعل ذلك أيضا يا سيدي؟ ~~- نعم، وسأجعل هاتين الابنتين من أسعد النساء. ms0883 # ففرح ميلون فرحا لا يوصف وغسل يد روكامبول بدموعه وهو يقول: ليبارك الله مساعيك يا سيدي ~~فقد أحييت آمالي. # 5 # لقد تركنا أنطوانيت مغميا عليها عندما علمت أن أجينور مورليكس كانت حكايته كاذبة وأن ~~المال الذي دفعه لها لم يكن من قريبته لمدام رينود، بل كان منه لها. # فلما صحت من إغمائها كتمت أمرها أشد الكتمان وقالت في نفسها: إني سأدفع نصف تلك القيمة ~~لصاحب المنزل وأشتغل ليلي ونهاري، ومتى تكامل عندي ماله أرجعته له وصرفته عني متلطفة، إذ قد ~~يكون علم ضيقي اتفاقا ودفعته عواطف الرحمة إلى ما فعل. # وكانت تتراوح بين استهجان فعله واستحسانه فتنفر منه تارة وتميل إليه طورا، ولكنها أقرب إلى ~~الميل لانطباع قلبها على السلامة، فقد رأت من مظاهر احتشامه ما دفعها إلى الظن خيرا به، وكان ~~عزاؤها أنها ستجد وتشتغل وتفيه المال ولا تعود مدينة له بغير الجميل. # ومضى على تلك الحادثة عدة أيام وهي لا تراه، ولكن خياله لم يكن يبرح عن بالها. وكانت لا ~~تزال كاتمة أمرها إلى أن أعياها الكتمان ونحل جسمها، فكاشفت بما اتفق لها امرأة البواب وهي ترجو ~~أن تجد بها معزية لها في مصابها. # غير أن امرأة البواب أظهرت من السرور لتلك الخادمة ما أدهش الفتاة، وذلك أنها أملت لها كل ~~خير من هذا الاتفاق وقالت لها: إن الشاب شريف واسع الثروة ولا بد أن يكون أحبك لأدبك وجمالك، ~~فإذا كان ذلك فهو سيتزوج بك لا محالة. # فهزت أنطوانيت رأسها إشارة إلى الاستغراب وقالت لها: أيمكن أن يتزوج هذا الغني فقيرة مثلي، ~~ومتى كان الأغنياء يتزوجون الفقيرات؟ ~~- متى ألف الحب بين قلبيهما لأني عندما تزوجت كنت غنية إذ كان لي خمارة لحسابي الخاص فأحببت ~~زوجي وهو ليس له غير يديه وأسنانه يستعملها للأكل فما أنفت من فقره وتزوجته. # ثم احترقت الخمارة فاحترفت معه هذه الحرفة ودخلنا بوابين في هذا المنزل، وإن قلبي يحدثني ~~بأن هذا الرجل سيكون زوجك. # وفيما هما على ذلك إذ دخل البواب وأعطى أنطوانيت كتابين ms0884 رأت على إحداهما طوابع رسمية فعلمت ~~أنه من أختها مدلين، ورأت على الآخر تاج الكونتية، فعلمت أنه من أجينور دي مورليكس، فاضطربت ~~الفتاة اضطرابا شديدا. # وعند ذلك خرج البواب وامرأته فألقت كتاب أختها على المنضدة فبدأت بفتح الكتاب الآخر وأسرعت ~~بنظرها إلى التوقيع وقرأت اسم الفيكونت. # وجعلت تقرأ كتابه الطويل وهو يتضمن أشرف عبارات الحب وأجمل الوعود والأماني الطاهرة، وقد ~~ذكر لها في ختامه أن حكاية قريبته كانت من مخترعاته وإنما فعل ذلك كي يحملها على قبول المال ~~الذي أعطاها إياه على سبيل الإعانة؛ لأنه وقف على مجمل حالتها بالتدقيق، ثم ختمه معتذرا عن تلك ~~الحيلة التي لم يدفعه إليها غير محض الإخلاص. # ولما فرغت أنطوانيت من تلاوة الكتاب احمرت وجنتاها وجعل قلبها يخفق خفوقا شديدا فإنها ما ~~رأت أجينور دي مورليكس غير مرة واحدة ولكنها حنت إليه لما رأته من لطفه واحتشامه. # ثم إن لهجة كتابه كانت متلبسة بلباس من مظاهر صدق تجوز على من ألف خوض معارك الحياة، فهي ~~تجوز بالطبع على تلك الفتاة العذراء، فوضعت رأسها بين يديها وقالت في نفسها: ما يمنع أن يكون ~~هذا الشاب شريفا وأن يكون صادقا في أقواله؟ # وعادت إلى الكتابة فقرأته مرة ثانية وكلما أمعنت في تلاوته اندفعت في مجال الهواجس ~~والتفكير. # وفيما هي على ذلك نظرت كتاب أختها وقالت: تبا لي من ناكرة لحب الإخاء فقد شغلت بكتاب هذا ~~الرجل عن كتاب أحب الناس عندي. # ثم أخذت كتاب أختها وما لبثت أن فضت غلافه حتى سقط منه على الطاولة ورقة مالية قيمتها ألف ~~فرنك، فدهشت دهشا عظيما وقالت: هو ذا سر جديد فإن أختي لم تر هذا المبلغ الضخم في حياتها فكيف ~~يتفق أنها ترسله إلي. # وقد انقبض صدرها بدلا من السرور كأنها أوجست شرا وأسرعت إلى قراءة كتاب أختها وخلاصته: ~~إن تلك الأسرة الروسية التي كانت بينها أطلقت سراحها بعد أن كافأتها بعشرين ألف فرنك تعويضا ~~لها، وإنما عجلت بإبعادها لأن ابن ذلك الكونت الروسي الذي كانت في منزله ms0885 هام بها وهامت به، ولما ~~علم أبوه بغرامهما عزم على إرحال ابنه إلى بطرسبرج كي يتزوج فيها بقريبة له من ذوات الثروة ~~الطائلة، وأرجعها إلى بلادها لأنه رأى أن ابنه قد تمادى في حبها وعاهدها على الزواج. # ومما قالته في كتابها أنها ستبرح موسكو بعد يوم من إرسال كتابها إلى الحدود البولونية وهناك ~~يستقبلها وكيل الكونت الروسي فيوصلها إلى بلادها، وأنها أرسلت إليها ألف فرنك لأنها علمت ~~بحالتها. # وكان الكتاب بجملته يدل على الحزن الشديد لشدة ولوعها بالفتى الروسي. # وحزنت أنطوانيت لحال أختها ولكنها قالت في نفسها: إن الفيكونت الروسي لا بد أن يكون أراد ~~خداع أختي بوعوده لها بالزواج، كما يحاول الفيكونت الفرنسي أن يخدعني، ومن كان مثل هؤلاء ~~الأغنياء فكيف يخطر له الزواج بأمثالنا، على أني أحمد الله لورود المدد إلي من أختي فقد أنقذتني ~~من أحرج المواقف. # ثم أخذت قلما وكتبت إلى أجينور دي مورليكس رد كتابه وأظهرت له شدة ما بينهما من تباين ~~المقام، وأنه من الأسرات الشريفة، في حين أنها لا تعرف لها اسما غير أنطوانيت وشكرته لمساعدته ~~إياها ثم وضعت الورقة المالية التي أرسلتها إليها أختها في طي الكتاب. # وبعد أن ختمته نادت امرأة البواب وقالت لها: أيستطيع زوجك أن يرسل لي هذا الكتاب إلى شارع ~~سيرسنس. ~~- لمن ألعله لذلك الشاب الجميل الذي كلمك في الطريق؟ ~~- نعم ولكن كيف عرفت أنه جميل؟ ~~- ذلك لأني رأيته، فقد جاء إلينا وعلمت منه أنه مجنون بهواك وأنه سيتزوج بك لا ~~محالة. ~~- لقد أخطأت إذ كان يجب أن تخبريني بذلك ولكني في كل حال لا أستطيع الزواج بهذا ~~البارون. ~~- لماذا؟ ~~- لسببين أولهما أنه ليس لي مهر. ~~- وما حاجته بمهرك وهو من الأغنياء؟ ~~- والثاني أنه ليس لي اسم حتى إني لا أعلم اسم أمي، ولا بد أن تكون ماتت فإننا لم نرها منذ ~~عهد الحداثة فاذهبي وادعي لي زوجك. # ولم يسع امرأة البواب غير الامتثال، فذهبت وعادت بزوجها وكتبت على الغلاف عنوان البارون ~~أجينور دي مورليكس وأعطته إياه فانصرف ms0886 به دون أن يسألها سؤالا واحدا. # غير أن امرأته كانت أشد منه جرأة فإنها افتتحت الحديث مع أنطوانيت وقالت لها: أواثقة يا ~~سيدتي من أن أمك قد ماتت؟ ~~- إن آخر مرة رأيتها فيها أنا وأختي كان عمر الواحدة منا ثمانية أعوام، وكانت تقبلنا بحنو ~~شديد كأنها كانت تعلم أنها تنظرنا النظرة الأخيرة، وغاية ما نعلمه أنها وضعتنا في عهد الطفولية ~~عند مدام رينود دون أن نعرف السبب. ~~- ألم تعرفي اسمها؟ ~~- كلا فإننا كنا ندعوها بأسماء الأمومة وكان الخدم ينادونها سيدتي البارونة وهذا كل ما ~~أذكره؟ ~~- أتذكرين المنزل الذي كنتم تقيمون فيه؟ ~~- إنه كان منزلا كبيرا تكتنفه حديقة واسعة. # وجعلت امرأة البواب تفكر كأنها تذكرت أمرا ثم قالت لها: لا بد أنه كان عندكم كثير من ~~الخدم. ~~- كلا، بل كانوا ثلاثة فقط، وهم امرأتان ورجل وقد نسيت اسم المرأتين، أما الرجل فلم أنس ~~اسمه؛ لأنه كان يحبني حبا شديدا ويدعى ميلون. # ولم تكد أنطوانيت تلفظ الاسم حتى اضطربت امرأة البواب وقالت: تقولين إنه كان يدعى ~~ميلون؟ ~~- نعم. ~~- أهو ضخم الجثة يتكلم بلهجة القرويين؟ # فاضطربت أنطوانيت وقالت: هذه هي أوصافه ألعلك تعرفينه؟ ~~- كيف لا أعرفه وهو ابن عمي؟ ~~- ميلون ابن عمك؟ ~~- نعم يا سيدتي كما أنك أنت ابنة بارونة. ~~- ماذا تقولين وكيف تعرفين ذلك؟ ~~- لأني ذهبت مرة لزيارة ابن عمي ميلون في منزلكم وكنت أنت طفلة، أما أمك فهي ألمانية وهي ~~تدعى البارونة ميلر. ~~- رباه ماذا أسمع هو الحق ما تقولين فقد ذكرت الآن أن أحد الزائرين دعاها أمامي بهذا الاسم، ~~ثم أطرقت برأسها وقالت: إنها ماتت أليس كذلك؟ ~~- نعم وا أسفاه. # فسقطت دمعة من عين أنطوانيت وساد السكوت بينهما. # وبعد هنيهة سألتها أنطوانيت قائلة: ماذا حدث بثروة أمي؟ ~~- لا أعلم وليس من يعلم أمرها غير ميلون. ~~- وماذا جرى لميلون ألعله مات أيضا؟ ~~- كلا، ولكنه أصيب بما هو أشر من الموت فإنه في سجن طولون منذ عشرة أعوام. ~~- أية جناية ارتكبها فاستحق هذا العقاب؟ ~~- إنه سرق مجوهرات أمك يا سيدتي؟ # فتراجعت أنطوانيت ms0887 منذعرة وقالت: كلا إن ميلون بريء؟ ~~- وا أسفاه يا سيدتي فإني كنت أعتقد من قبل ما تعتقدين ~~الآن، ولكن السرقة ثابتة. ~~- مهما يكن من ثبوتها فإني أقسم أغلظ الأيمان أن الرجل بريء وأن هناك يدا شريرة دفعته إلى ~~هوة السجن، ولقد كنت من قبل لا اسم لي ولا عائلة، أما وقد عرفت عائلتي فسأذهب مع أختي إلى ~~القضاء ونضمن لهم براءة هذا المسكين فإنه كان لنا خيرا من أب. # وعند ذلك دخل البواب يحمل إلى أنطوانيت جواب الكتاب الذي أرسلته إلى البارون دي مورليكس، ~~ففضته أنطوانيت بلهف وقرأت فيه عبارة استدلت منها أن هذا الفتى قد تدله بغرامها وقنط منها، وعول ~~على أن يهجر أوطانه بغية نسيانها وأن يهيم على وجهه. # وأثر فيها الكتاب تأثيرا شديدا وقالت: لقد أحسنت فيما كتبت قبل الآن فقد بتنا أكفاء بعد ~~أن عرفت أني من أسرة ولا بد لنا صديق يعيننا على إنقاذ ميلون من سجنه. # ثم أخذت ورقة وكتبت إلى أجينور ما يأتي: # سيدي البارون # كنت منذ ساعة فتاة فقيرة لا أهل لها ولا صديق فكتبت إليك ما أملته علي الواجبات، أما ~~الآن فقد تبدلت حالي وكشف النقاب عن أسرار حياتي فإذا شئت أن تكون لي صديقا مخلصا فلا ~~تسافر وتفضل بزيارة مدام رينود الليلة. # وبعد أن وقعت على الرسالة وختمتها أعطتها للبواب وقالت له: أسرع بإيصالها إلى ~~البارون. ~~••• # ولنعد الآن إلى روكامبول فلقد تركناه مع ميلون وقد اتفقا على أن يبحثا عن الصندوق في الغد ~~ثم ذهبا إلى المنزل الذي كان يقيم فيه ميلون فلم تطل إقامتهما حتى وافاهما نويل الحداد، فسر ~~روكامبول لقدومه وقال: أقضيت ما أمرتك به وذهبت إلى شارع سيرسنس؟ ~~- نعم يا سيدي فرأيت المنزل الذي وصفته لي باقيا على حاله. ~~- ألم تتمكن من رؤيتها؟ ~~- كلا ولكني رأيت طفلها. # فارتعش روكامبول وقال: أرزقت غلاما؟ ~~- نعم يا سيدي وهو من أجمل ما تراه العيون يشبه أباه شبها غريبا وقد رأيته يلعب في ~~الحديقة. # فمسح روكامبول دمعة سقطت من عينه ثم ms0888 غير الحديث فقال له: هلم بنا الآن إلى المنزل الذي تقيم ~~فيه لأني أحب أن أغير تنكري. ~~- إني أسكن في غرفة مرتفعة في الدور السادس ولكن صندوق ملابسك موجود فيها. ~~- إذن هلم بنا. # وسار الثلاثة حتى بلغوا إلى تلك الغرفة، فقال روكامبول لنويل: من يجاورك في غرفتك؟ ~~- لا يجاورني فيها غير المجنون. ~~- أي مجنون تعني؟ ~~- هو طبيب يلقبه أهل هذا المنزل بالمجنون على طول باعه بالمعلوم وشدة تضلعه في صناعته، وذلك ~~لأنه يتكلم مع نفسه طول الليل حتى إنه لا يكاد ينام. ~~- ألعله فقير ليس له زبائن؟ ~~- إنه على عكس ما تقول، فلقد أخبرتني صاحبة المنزل أنه من أشهر الأطباء وأنه ينفق جميع دخله ~~في سبيل الخير، ولكنه يناجي نفسه طول الليل كما تقول تلك المرأة، أما أنا فإني ما سمعته ~~يتكلم. ~~- لقد شغل هذا الطبيب بالي وهاج بي عاطفة الفضول ولا بد لي من كشف سره فأين غرفته؟ ~~- هي هذه المتصل جدارها بجدار غرفتي. # فنظر روكامبول إلى الجدار فرأى به عدة ثقوب في أعلاه لتقادم عهده ولأنه كان من الخشب ~~الرقيق، فوضع منضدة وأراد الصعود عليها فقال له نويل: لقد فاتني أن أقول لك يا سيدي إن هذا ~~الطبيب يقيم في الغرفة نفسها منذ عهد بعيد أي منذ كان تلميذا. ~~- كم عمره؟ ~~- لم يتجاوز الأربعين ولكن ثنايا وجهه وشعوره البيضاء تدل على أنه قد تجاوز الستين. # وبينما هما يتحادثان إذ سمعا من غرفة الطبيب تنهدا عميقا يشبه الأنين ثم سمعوه يقول: أف ~~لليالي الشتاء ما أشد طولها، فمتى تطلع الشمس وتطرد عني هذا الخيال؟ # فدنا روكامبول من أذن نويل وقال له: اخرج أنت الآن من الغرفة ودعني فيها مع ميلون. # فامتثل نويل وأقفل روكامبول الباب وراءه ثم قال لميلون: اخلع ملابسك هذه والبس ملابس التنكر ~~الإيطالي أما أنا فسأنظر هذا الرجل. # ثم صعد على المنضدة وجعل ينظر من ثقوب الخشب إلى داخل غرفة الطبيب فرأى فيها سريرا من ~~الحديد وكرسيين وطاولة عليها أكداس الكتب والأوراق ولم يكن في تلك ms0889 الغرفة من الأثاث غير ما ~~تقدم. # وقد رأى الطبيب مضجعا على السرير وهو في الهيئة التي وصفها له نويل وكان ينظر نظرا ~~مضطربا إلى الجدار ويقول : نعم إنك أنت هي يا سيدتي لا تزالين كما كنت حين دفعتني الأبالسة إلى ~~سريرك. نعم إنك كنت لابسة ثوبا أسود، وهو نفس الثوب الذي تلبسينه الآن، ولا يزال لك ذلك الجمال ~~الذي كنت تفتنين به النساك، وا أسفاه إني لو كنت من الوحوش الضارية لأشفقت على جمالك وشبابك ~~ولكني كنت أقسى قلبا من تلك الوحوش. # ثم أن أنينا مزعجا وعاد إلى مخاطبة الخيال فقال: لقد مر يا سيدتي عشرة أعوام على هذه ~~الحادثة وأنا أراك كل ليلة كما أراك الآن صفراء صامتة كالأموات، ولو علمت أني أستحق العفو ~~لالتمست منك الرحمة، ولكني أعلم أني وحش أثيم جرعتك السم بيد جانية كان الأولى بها أن تقطع فأنا ~~لا ألتمس منك رحمة لا أستحقها بل أطلب موتا أستحقه وأستريح فيه، أيقنعك يا سيدتي البارونة أن ~~يهدر هذا الطبيب الذي يجله الناس دمه كما هدر دمك؟ # فلما وصل بمحادثة نفسه إلى هذا الحد أسرع روكامبول إلى ميلون وقال له: أجبني بسرعة أكانت ~~سيدتك والدة الابنتين بارونة؟ ~~- نعم؟ ~~- كيف ماتت؟ ~~- شعرت يوما أنها متوعكة فأحضروا لها الطبيب ولما عادها قال لي إنها لا تعيش. ~~- أتظن أنها ماتت مسمومة؟ ~~- نعم. ~~- أتريد أن تنظر قاتلها؟ تعال وانظر. # فصعد ميلون مكان روكامبول وجعل يحدق نظره بهذا الطبيب فرأى أنه شديد البعد عن ذلك الطبيب ~~القاتل فإنه كان في عنفوان الشباب منذ عشرة أعوام وهو الآن قد بلغ حد الهرم. # وبينما هو يحاول النزول لاعتقاده أن الطبيب هو غير الذي قتل البارونة رفع الطبيب نظره بعد ~~إطراقه. # وارتعش ميلون وعرفه للحال من عينيه فنزل إلى الأرض وقال لروكامبول: إنه هو بنفسه يا سيدي ~~ليس لدي فيه أقل ريب. # فقال روكامبول: أصغ إذن لما سأحدثك به، بينما أغير تنكري، واعلم أني عندما كنت شقيا ~~سفاكا لصا كنت موفقا في تلك المهنة الشنعاء، ms0890 وكنت أستطلع الأسرار وأستكشف الغوامض بلحظة في ~~حين أن سواي من أهل المهنة كان يقضي السنين الطوال لاستجلائها. # وكأنما ذلك التوفيق الذي كان يعينني في تلك الأيام لا يزال عائد أعمالي إلى الآن فإنه خدمني ~~اليوم باكتشاف قاتل مولاتك. # غير أنه لا يزال يشغلني أمر واحد وهو أنه كيف يدعون للبارونة مولاتك مثل هذا الطبيب الساكن ~~في أحقر المنازل ولم يكن له شيء من الشهرة منذ عشرة أعوام؟ # فقال ميلون: لقد تذكرت الآن فإنهم أرسلوني إلى طبيب بيتهم بالليل، وهو من الأطباء المشاهير ~~فقيل لي إنه كان مسافرا، وفي صباح اليوم التالي عدت إليه ولقيت هذا الطبيب على باب منزله فقال ~~لي إن طبيبكم لم يعد بعد من سفره، وقد كلفني بعيادة مرضاه لأني من تلامذته فجئت به وكأني أنا ~~القاتل لسيدتي وا أسفاه. # فقال روكامبول: ليس المقام مقام أسف الآن بل مقام انتقام وسنكسر الآن باب غرفته وندخل ~~إليه. # ففرح ميلون فرحا وحشيا وقال: سأقتله بضربة واحدة. ~~- إياك أن تفعل شيئا فإن الطبيب لم يكن غير آلة بيد سواه ويجب علينا معاقبة الرأس الآمر ~~بالقتل ثم ننظر في شأن اليد المنفذة. # وفيما هما على ذلك إذ سمعا طرق الباب الخارجي ثم سمعا أنه فتح وأن الطارق يسأل عن الطبيب ~~ويطلب أن يذهب حالا إلى منزل البارون مورليكس، وصعدت صاحبة المنزل إلى غرفة الطبيب وأخبرته بما ~~كان فقال: قولي له أن ينتظرني فإني ذاهب معه. # ثم أسرع يلبس ملابسه، وعاد وجهه إلى البشاشة الفطرية بعد ذلك القنوط وخرج من غرفته فقال ~~روكامبول لميلون: هلم بنا نتبعه فإني أحب أن أقتفي أثره إلى ذلك المنزل الذاهب إليه. # 6 # ليس البارون دي مورليكس الذي ذهب الطبيب لمعالجته نفس ذلك البارون الذي يحاول إغواء ~~أنطوانيت بل هو أبوه، وقد كان عائدا في الليل من النادي، وفيما هو ينزل من المركبة زلت قدمه ~~فسقط وكسرت رجله. # ولما بلغ الطبيب إلى غرفته أبعد عنه الناس وجعل يجبر رجله غير مكترث لآلامه بتلك القسوة ~~التي عرف ms0891 بها الجراحون، وكان لا ينظر في خلال العمل إلا إلى تلك الرجل التي كان يجبرها. # ولما فرغ من عمله جلس بإزاء سرير المريض يحادثه، ولم يكد يتبين وجهه وعينيه حتى اضطرب ~~وانذعر، فنظر إلى الخادم الذي كان واقفا في الغرفة وأمره بالخروج. # ثم نظر إلى البارون وقال له: يخال لي يا سيدي البارون أني رأيتك قبل الآن؟ ~~- ربما كان ذلك أما أنا فإني ما رأيتك من قبل. ~~- كلا فإنك لو تذكرت قليلا لعلمت أنك رأيتني ورأيتك. # فاصفر وجه البارون وقال: أظن أنك مخطئ يا حضرة الطبيب. ~~- لا يمكن أن أكون مخطئا فإن شعوري لم تبيض إلا بسبب هذه المعرفة. فزاد اضطراب البارون ~~وقال: أين تظن أني رأيتك؟ ~~- نعم إني كلما زدت إليك نظرا زدت اعتقادا فقد كان أصل هذه المعرفة أنك أتيت إلي في ~~منزلي. ~~- لا أذكر شيئا. ~~- بل تذكر كما يدل عليك اضطرابك فقد زرتني وأنا تلميذ طب، وكنت أقيم يومها في غرفة حقيرة في ~~شارع سيرسنس ولا أزال أقيم فيها إلى الآن. # وكنت في ذلك العهد فقيرا أشتغل الليل والنهار كي أكون يوما في عداد الأطباء الماهرين، ~~فاغتنمت فرصة فقري ونفحتني بكيس مملوء بالذهب كي أعلمك طريقة القتل إذ طلبت إلي سما قاتلا لا ~~يترك بعد الموت أقل أثر للجناية. # فانذعر البارون ولم يعد يسعه الإنكار ونظر إلى ما حواليه نظرة الخائف وقال: بربك كفى قد ~~يسمعك الخدم. ~~- أرأيت الآن كيف أني أعرفك أنت الذي تنكر باسم كاذب وخدعني مغتنما فرصة طيش صباي وشدة ~~فقري، غير أن الله لم يعاقبك وأنت الرأس المدبر لهذه الجناية بل عاقبتني أنا اليد المنفذة ~~لها. ~~- اسكت كفى بالله. ~~- إنك غني سعيد تتكنى بأشرف الألقاب ولكنك قاتل سفاك. ~~- ما عسى تريد أيها التعس أتريد أن تفضحني وتفضح نفسك؟ # وكأن الطبيب لم يسمع كلامه وقال: أما أنا فإن الفقراء يدعون لي في خلواتهم، والعلماء ~~يستشهدون بأعمالي في مجتمعاتهم، وكل دواعي المجد تحيط بي، ولكني لو كنت في جهنم لكنت خيرا مما ~~أنا فيه، وحسبي ms0892 عذابا أن خيال تلك الشهيدة لا يغيب عن عيني طول ليالي فأبيت منه بليلة الملسوع، ~~وهذا شأني منذ دفعتني إلى ارتكاب تلك الجريمة الهائلة، فإنها تظهر لي بملابس سوداء وترسل إلي من ~~عينيها أشعة نارية تحرق جوارحي وتقول لي: كيف كان ندمك فلا عفو لك عند الله أيها السفاك، أما ~~أنت أيها البارون فإن عقاب الله لم ينقض عليك بعد ولا تزال معدودا في زمرة السعداء، ولكن ثق ~~بأن الله لا يتغاضى عن المجرمين أمثالك وسيأتيك يوم تتمنى لو لم تخلق. # ثم تركه مغضبا وانصرف دون أن يتدانى إلى وداعه أو النظر إليه، ولما خرج من قصر البارون كان ~~مضطربا اضطرابا شديدا فلم ينتبه أقل انتباه إلى رجلين كانا يترصدانه، ومر بهما دون أن يراهما ~~فاقتفيا أثره حتى وصل إلى منزله فدخل إليه، ودخلا بعده، وكان هذان الرجلان روكامبول ~~وميلون. # 7 # فصعد روكامبول إلى غرفة نويل وطلب إليه أن يأتيه بحبل رفيع، ثم تنكر بملابس رجال البوليس ~~وقال لميلون: إني سأخاطر من أجل الفتاتين بالعودة إلى السجن فإني لا أريد الانتقام من الطبيب ~~وحده بل من أخوي سيدتك البارونة ميلر؛ أي من البارون مورليكس وأخيه. # ثم قال لنويل: سر بنا الآن إلى غرفة الطبيب. # وسار نويل أمامهما وطرق الباب فقال الطبيب: من أنت؟ ~~- أنا البواب وقد قدم اثنان يريدان أن يرياك. ~~- العيادة طبية؟ # فقال نويل: كلا، بعد أن استشار روكامبول بالنظر. # وأبى الطبيب أن يفتح بابه وقال: ليعودا إلي في الصباح فإني لا أقابل أحدا بعد انتصاف الليل ~~إلا المرضى. # وعند ذلك قرع روكامبول الباب وقال له: افتح باسم الشرع. # ولم يجسر الطبيب بعد ذلك على العصيان وفتح الباب ودخل إلى غرفته روكامبول يتبعه نويل وميلون ~~وهما متنكران أيضا. # فدنا منه روكامبول وقال له: ألست أنت الطبيب فنسلت؟ ~~- نعم! # وأشار روكامبول إلى ميلون أن يخرج إلى غرفة أخرى وقال لنويل بلهجة الآمر: اذهب وأتنا ~~بمركبة. فامتثل الاثنان. # ولما أصبح روكامبول منفردا مع الطبيب قال له: يعز علي يا سيدي الطبيب ms0893 أن أقبض على عالم ~~مثلك ولكني آلة بيد الشرع. # فخاف الطبيب وقال: كيف تقبض علي وبأية تهمة تتهمني؟ ~~- إنهم يتهمونك يا سيدي بتسميم البارونة ميلر منذ عشرة أعوام بالاشتراك مع البارون دي ~~مورليكس وأخيه. # فوهت رجلا الطبيب وسقط على كرسي خائر القوى. # وعند ذلك عاد نويل وقال إن المركبة على الباب. # ثم خرج وتولى خفارة الباب. # أما الطبيب فقد كان يتنازعه عاملان، وهما عامل كان يمثل له جريمته بأقبح مثال فيحني رأسه ~~صاغرا ذليلا، وعامل يمثل له ندامته وما فعل من الخير تكفيرا عن ذلك الذنب الذي لم يدفعه إليه ~~غير نزق الشباب، ويرفع رأسه شامخا واثقا من عفو الله. # ولما ذهب نويل نظر الطبيب إلى روكامبول وقال له: إنك لست يا سيدي قاضي التحقيق كما يظهر ~~ولست أنت الذي سيتولى التحقيق في أمري. ~~- هو ما تقول يا سيدي فإني أحد مفتشي البوليس. ~~- إذن أنا مستعد للذهاب معك غير أنهم لا يسألونني حين وصولي كما أظن، فأرجو أن تأذن لي ~~بكتابة بضعة أسطر إلى زميل لي أسأله فيها أن ينوب عني في عيادة زبائني. ~~- افعل ما تشاء. # وقام الطبيب إلى منضدة فكتب رسالته ووضعها في غلاف ثم قال دون اكتراث إني أرى هذا الغلاف لا ~~صمغ فيه ولا بد لي من ختمه بالشمع، وعند ذلك أخرج من درجه قطعة من الشمع الأسود وأدناها من ~~الشمعة المنارة. # وكان روكامبول ينظر إليه نظر المراقب، ولم تكد تلك الشمعة السوداء تحترق ويظهر دخانها حتى ~~هجم عليه من ورائه وضربه على يده، فسقطت الشمعة السوداء وانطفأت. # ثم أسرع إلى النافذة ففتحها كي يخرج منها ذلك الدخان وقال: لقد علمت قصدك يا حضرة الطبيب ~~فإن هذه الشمعة سم نقيع إذا بلغ دخانها إلى الرئتين قتل للحال. # وعند ذلك قبض عليه ونادى ميلون كي يستعين به، وأسرع ميلون وتعاون الاثنان على ربط فمه ~~بمنديل كي لا يصيح وحملاه بمساعدة نويل إلى المركبة الواقفة على الباب، وأمر روكامبول السائق أن ~~يذهب بالمركبة إلى إدارة البوليس. # ولكنه قبل ms0894 أن يصل إليها بعدة أمتار أوقف المركبة وقال للسائق: قف قليلا هنا إلى أن أعلم ~~أوامر المدير. # ثم مشى إلى منعطف في الطريق وهو يوهم السائق أنه ذهب إلى إدارة البوليس وأقام مختبئا إلى ~~أن انتهى من تدخين سيكارته وعاد وقال: إن المدير يحب أن يسمع أقوالك في منزله. وأمر السائق أن ~~يسير إلى منزله؛ أي إلى منزل روكامبول الذي يقيم فيه مع فاندا، ولما وصل إليه أخرجوا الطبيب ~~وصعدوا به إلى المنزل وأطلقوا سراح السائق. # 8 # وكان الطبيب قد سكن روعه بعض السكون لطول المسافة، وخلا به روكامبول في غرفة، بعد أن أقفل ~~بابها وجلس بإزائه وقال: والآن لنتحدث يا حضرة الطبيب. ~~- بماذا نتحدث، ألعلك أنت الذي تتولى التحقيق بأمري؟ ~~- نعم! ~~- إذن من أنت؟ ~~- أنا رجل يعمل أعمالا عظيمة، فإن العدالة يا سيدي من أخص الأمور المقدسة، وما أنا من ~~الشرطة ولا من القضاة كما تتوهم، بل أنا رسول العدل وقد أصبحت في قبضتي خاضعا لسلطاني؟ # فذعر الطبيب وقال: زدني إيضاحا أيها الشقي فمن أنت؟ ~~- أنا رجل من كبار المجرمين وقد أرسله الله لعقاب كبار الآثمين. ~~- إذا كنت كما تقول فقد وجب عليك احترام القوانين والشرائع المقدسة، ومن كان يريد عقاب ~~المجرمين لا يرتكب جرائمهم ويقلد رجال الشرطة ويسرق الناس من منازلهم، دعني أخرج أيها ~~الشقي. # وأخرج روكامبول مسدسا من جيبه وقال: إني كنت أدعى في السجن مائة وسبعة عشر وكنت أدعى قبل ~~أن أسجن روكامبول، وأنا الآن أدعى الماجور أفاتار، فأنا أقسم لك بهذه الأسماء الثلاثة إنني ~~أقتلك شر قتل إذا لم تصغ إلي وتطيعني فيما أريد. ~~- ماذا تريد؟ ~~- أريد أن تعترف لي. ~~- إني لا أعترف إلا لله. ~~- ولرسول العدل. ~~- إنك لست بإله وما أنت برسول العدل بل أنت شقي هارب من الليمان أستطيع أن أرجعك إليه إذا ~~ذكرت اسمك. ~~- ولكننا نعود سوية يا سيدي الطبيب فإن السجون أعدت للقتلة المجرمين، وسواء كان القتل ~~بالخنجر أو بالسم فإن الجريمة واحدة، ثم إن هناك أمرا آخر وهو أني كنت ms0895 في السجن فلا أخاف ~~العودة إليه، وما أنا برسول العدل، ولكني الآلة التي أرسلها الله للقضاء على الآثمين، فإذا لم ~~أنل منك ما أريد قتلتك في الحال. # وقال له الطبيب باحتقار: ماذا تريد مني ألعلك طامع بمال؟ ~~- لو كنت لصا عاديا لنهبت ما لقيته في منزلك، ثم إنك لست غنيا فإنك تهب جميع ما تكسبه ~~للفقراء. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أتحدث معك. ~~- قل فإني مصغ إليك. ~~- أول ما أبدأ به يا حضرة الطبيب هو أنه عندما يرتكب المرء جريمة، لا يخلق به أن يحدث نفسه ~~بها طول ليله على مسمع من الناس. ~~- أتظن أني ارتكبت جريمة؟ ~~- لا أظن بل أؤكد ولو كنت على شيء من الشك فإن عزمك على الانتحار بدخان تلك الشمعة السوداء ~~أزال مني كل ريب، ولكني أعلم أنك سممت امرأة لم تكن تتجاوز الثلاثين من عمرها وهي غنية حسناء، ~~وأن هذه المرأة تدعى البارونة ميلر. ~~- أتعرف اسمها أيضا؟ ~~- أعرف كل شيء، أما إذا كنت تريد أن تعرف ما أريد منك فاسمع، إنك قبل أن ترتكب تلك الجريمة ~~بيوم واحد لم تكن تعرف البارونة ولم يدفعك إلى قتلها عامل من حقد أو طمع بإرث، بل لأنهم أعطوك ~~أجرة هذا القتل عشرة آلاف فرنك. # وكانت هذه الأقوال صادقة صحيحة فلم يسع الطبيب إنكارها بل غطى وجهه بيديه وقال له إذن سلمني ~~إلى القضاء بدل تعذيبي. ~~- لم يحن الوقت بعد فإن من يجسر على أن يفعل ما فعلته معك لا يقنع بعقاب اليد المنفذة ~~للجريمة بل يرجو سحق الرأس المدبر لها أفهمت الآن؟ إني أريد أن أعرف شريكيك لأنهما ~~اثنان. # فذعر الطبيب ذعرا شديدا وقال: إذن أنت تعرف كل شيء؟ ~~- أصغ إلي فإن البارونة ميلر قد قتلت منذ عشرة أعوام وإن الحكومة لا تعرف شيئا عن جريمتك، ~~على أنك إذا كنت قد استحقيت العفو عن جريمتك لحسن توبتك وصالح أعمالك، فإن شريكيك الذين اغتنما ~~فقرك ونزق شبابك لا يزال يتمتعان بأموال أختهما التي قتلاها. ~~- ماذا تقول؟ أختهما؟ ~~- نعم أختهما ms0896 قتلاها بيدك كي يسرقا أموالها وأنت لا تعلم. ~~- رباه ماذا أسمع ويا ويحي كيف ألقاك يا ربي بعد هذه الجريمة الشنعاء؟ ~~- وليس هذا كل ما فعلاه فإن أختهما كان لها بنتان فجرداهما من أموالهما وهما طفلتان ~~يتيمتان، وليس من يعلم الآن مصيرهما فاختر الآن بين أمرين وهما إما أن أسلمك للشرطة وأسلم نفسي ~~معك أو أنك تساعدني على الانتقام من هذين الأثيمين اللذين أغرياك على قتل أختهما فتكون لي أطوع ~~من البنان. # فتنهد الطبيب وقال: رباه إذا لم تصفح عني لقتل تلك الأم المنكودة فأفسح في أجلي كي أنفق ~~حياتي في خدمة ابنتيها. ثم جعل يبكي. # فأخذ روكامبول يده وقال: لقد وثقت منك الآن فإن دموعك تدلني على صدق نيتك في ~~مساعدتي. ~~- وا أسفاه إني سأشتغل الليل والنهار لمساعدة هاتين اليتيمتين. ~~- يجب أن تصنع أكثر من ذلك أيها الطبيب؛ أي يجب أن تساعدني على إرجاع تلك الثروة ~~المسروقة. ~~- لقد أصبت وسأكون لك أطوع من العبيد فقل ماذا يجب أن أصنع. ~~- سأقول لك بعد حين والآن فما عليك إلا أن ترجع لعيادة مرضاك. ~~- كيف ذلك أتطلق سراحي؟ ~~- نعم فقد وثقت من ندمك وإخلاصك في خدمتي. ~~- أقسم لك بتربة تلك الضحية التي يزورني خيالها كل ليلة إني سأفعل كل ما تريد، قل ماذا أفعل ~~اليوم؟ ~~- لا حاجة لي بك اليوم، وغدا سأزورك في منزلك أو أكتب لك فأعين موعدا آخر. # ثم نادى ميلون وقال: أحضر مركبة للطبيب. فامتثل ميلون وهو منذهل، وهو لا يجسر على سؤاله ~~وبعد عشر دقائق ركب الطبيب بها ومضى فقال روكامبول لميلون: الآن يجب البحث عن الصندوق المودعة ~~فيه أموال البنتين فاتبعني. # وسار روكامبول وميلون إلى ذلك المنزل الذي كان مخبوءا في أحد أقبيته الصندوق، فاستأجره ~~ميلون وقد ادعى أنه تاجر خمر قسما من ذلك المنزل مشترطا أن يكون له قبو، وبعد أن تفقد الأقبية ~~اختار واحدا منها وهو القبو الموجود فيه الصندوق. # وفي اليوم الثاني أحضر الأدوات اللازمة للحفر وجعل يبحث مع روكامبول عن الحجر المخبوء وراءه ms0897 ~~الصندوق حتى إذا عثر عليه أخذ روكامبول يشتغل بنزع الحجر، وبعد ساعة تمكن من نزعه وأخرج ذلك ~~الصندوق الصغير من مخبئه، فصاح ميلون صيحة فرح لأنه عرف الصندوق. # وحمل روكامبول الصندوق بيديه فوجده خفيف الوزن فقال له: كيف تقول إنه يوجد فيه مليون فرنك ~~فإن خفته لا تدل على شيء من ذلك؟ ~~- ذلك لأنه يحتوي على أوراق مالية. # فاصفر وجه روكامبول، فقال له ميلون: بأي شيء تفتكر؟ ~~- أفتكر أني كنت أدعى روكامبول ولو وجدت وإياك منفردين من قبل وأمامنا هذا المليون لكنت ~~قتلتك كي يكون المال لي وحدي. # فاضطرب ميلون وقال: إن هذا المال ليس لي بل إنه مال اليتيمتين. # وأدرك روكامبول معنى اضطرابه وقال له: اطمئن فإني نزعت من نفسي ذلك المبدأ القديم فهلم بنا ~~إذن لنرى ما في الصندوق. # 9 # ولندع الآن روكامبول يفحص ذلك الصندوق مع ميلون، ونعود بالقارئ إلى عاشق أنطوانيت، فإنه لما ~~وصل إليه كتاب أنطوانيت الأخير الذي تمنعه فيه عن السفر فرح فرحا لا يوصف، وقد وجد من أدب هذه ~~الفتاة ما غير نيته بشأنها فما صدق أن دنا الموعد المعين حتى أسرع إلى منزلها فلقيها مع مدام ~~رينود. # وقد رأى في ذلك المنزل آثار الفقر والشقاء، غير أنه ما لبث أن حادث هاتين المرأتين حتى علم ~~أن في نفسيهما خير ما يغرس من الفضائل والآداب، واندفعت أنطوانيت في حديثها معه فأخبرته بما ~~كانت تجهله من أمر ماضيها، إلى أن قيضت لها الصدفة أن تعرف أنها ابنة البارونة ميلر وأن أمها ~~كانت غنية، ثم طلبت إليه ببساطة الأطفال أن يساعدها في سبيل إيجاد ثروة أمها إذ ليس لها من ~~تعتمد عليه في هذا الوجود إلاه. # فتأثر أجينور من حديثها تأثيرا عظيما حتى إنه نسي غرامه فلم يكاشفها بكلمة حب وانصرف إلى ~~تطمينها، فوعدهما وعدا صادقا أن يكون لها خير خادم وصديق وأظهر لها ما لأبيه البارون دي ~~مورليكس من الوجاهة والكلمة النافذة، وأنه سيستعين به على إيجاد هذه الثروة الضائعة. ثم ودعها ~~بعد أن ms0898 التمس منها أن تأذن له بالعودة مرة ثانية. وانصرف وقد عزم عزما أكيدا على الزواج بها ~~لا سيما بعد أن علم أنها من النبلاء، وأن أباه لا يعارضه بزواجه ابنة بارون. # وذهب توا إلى أبيه وهو في فراشه لانكسار رجله كما تقدم فأخبره بجميع حكاية تلك الفتاة وهو ~~لا يخطر له في بال أن أباه وعمه هما سارقا ثروة والدة الفتاة، وأن تلك الفتاة التي يهواها هي ~~أقرب قريبة له. # أما والده البارون فقد وقع هذا النبأ وقع الصاعقة عليه فتظاهر بألم رجله، وهو إنما يشكو ~~حقيقة من ظهور تلك الفتاة وظهور ذلك الطبيب، ثم طيب خاطر ابنه ووعده خيرا، وكتب في الحال رسالة ~~إلى أخيه الأكبر يطلب إليه فيها أن يحضر سريعا لأمر خطير، وأمر ابنه أن يذهب بالرسالة إلى عمه ~~بعد أن أوصاه بكتمان أمر الفتاة وأن لا يذكر شيئا من أمرها لأحد من أصدقائه. فامتثل أجينور ~~وذهب بالرسالة إلى عمه. # وبعد ساعة قدم أخوه الفيكونت كارل دي مورليكس ودخل إليه فقال له البارون: أقفل باب ~~الغرفة! # ففعل وهو يعجب لهذا التحفظ الشديد. ولما جلس بإزائه، ورأى اضطراب أخيه، علم أن الأمر جلل ~~فقال له: ماذا دهاك؟ وما هذا الاضطراب؟ ~~- لقد فضح أمرنا يا كارل! ~~- كيف ذلك وأي أمر تعني؟ ~~- لقد حلت ساعة العقاب! ~~- قيل لي إنك كسرت رجلك فهل أصبت بالهذيان؟ ~~- كلا ولكنك لا تعلم من هو هذا الطبيب الذي جبر كسر رجلي. إنه هو ذلك التلميذ الطبي الذي ~~كان يقيم في شارع سرسنس. ~~- ما هذا الاتفاق الغريب ألعله عرفك؟ ~~- نعم، وأشار علي بالندامة والاستغفار. وليس هذا كل السبب في اضطرابي، فإن ولدي أجينور يريد ~~أن يتزوج فتاة تدعى أنطوانيت ميلر أعلمت الآن؟ # فقطب كارل جبينه وقال: وبعد ذلك؟ ~~- إنها تعرف اسمها وتعرف أن ثروة أمها قد سرقت وأن ميلون الخادم في السجن، وقد جاءني ولدي ~~يسألني أن أساعده في إخراج ميلون من السجن، أفهمت الآن؟ ~~- فهمت كل شيء وأخص ما فهمته أن ولدك أبله؛ لأنه قص ms0899 عليك جميع هذه الأمور، فوضع نفسه في ~~أحرج المواقف. ثم جعل يضحك ضحك الساخر. # 10 # أما روكامبول فإنه عالج الصندوق الحديدي وفتحه فوجد فيه قيمة ميلون فرنك أوراقا مالية، ~~ووجد كتابا بخط البارونة ميلر، فأخذ الكتاب ودفع الصندوق باشمئزاز إلى ميلون، كأنه خشي أن يؤثر ~~عليه منظر ذلك المال الكثير. ثم جعل يقرأ ذلك الكتاب المسهب على مسمع ميلون. # والكتاب معنون باسم أنطوانيت ومدلين ابنتي البارونة ميلر. وهو يتضمن حكاية تلك البارونة ~~وخلاصتها أنها لم تكن أخت الفيكونت كارل والبارون دي مورليكس لأمهما وأبيهما بل لأمهما فقط، ~~ولدتها حراما وكتمت أمرها عن جميع الناس حتى مات زوجها فعرف والدها بأمرها وأشارا عليها أن ~~تتبناها وأن تقيم في باريس بصفة قريبة. # ولم يكن ذلك من قبيل الرأفة بتلك الأم بل طمعا بأموال ابنتها، فإنها تزوجت البارون ميلر ~~وبعد ولادة ابنتيه أنطوانيت ومدلين توفي عن ثروة تبلغ عشرة ملايين فرنك، وإنما طلبا إلى أمهما ~~أن تتبناها شرعيا كي يحق لهما الإرث منها بعد وفاتها، ولذلك لم يكن أحد من الناس يعلم أن ~~البارونة ميلر هي شقيقة البارون والفيكونت دي مورليكس. # وبعد أن تم عقد التبني وقدمت البارونة بابنتيها إلى باريس توفيت أمها. وقد اتضح فيما بعد ~~ذلك أن ولديها قتلاها بالسم، ثم جعلا يطاردانها ويحاولان قتلها بطرق مختلفة خفية ويظهران الأنس ~~والبشاشة فدسا لها السم مرة في برلين فنجت منه، وأحرقا المنزل بها مرة في فيينا فسلمت مع ~~ابنتيها. ولما كانت في باريس أتاها أحد خدم أخيها الفيكونت كارل، فأخبرها بجميع مكائد أخيها ~~وأنه عازم على قتلها وقتل ابنتيها كي يرثها. فجمعت ما استطاعت جمعه من المال وأعطته لخادمها ~~ميلون وأوصته أن يخبئه كي يكون مهرا لبنتيها ثم وضعت هاتين البنتين في مدرسة مدام رينود دون أن ~~تذكر لهما اسم عائلتيهما ومكثت في باريس بعد أن اطمأنت على ابنتيها. # هذه خلاصة الكتاب الذي يظهر منه كيف أن أجينور دي مورليكس لم يعلم أن أنطوانيت ابنة البارون ~~ميلر قريبة له لأن سر ولادة ms0900 البارونة كان مكتوما عن جميع الناس ولم يعرفه غير الفيكونت وأخيه ~~البارون. # ولما فرغ روكامبول من تلاوة الكتاب قال لميلون: إننا قد وجدنا الصندوق وعرفنا أمورا كثيرة ~~من هذا الكتاب فماذا تريد أن تعمل الآن؟ ~~- نبحث عن أنطوانيت ومدلين ونرد لهما المال. ~~- حسنا غير أن المليون لا يكفي البنتين؛ لأن مالهما عشرة ملايين لا مليونا واحدا. ~~- سنطالب بالباقي. ~~- تطالب من؟ ~~- الحكومة! # فضحك روكامبول وقال له إنك لا تزال على بلاهتك. أنسيت أنك هارب من السجن وأنك كل يوم تتنكر ~~في زي فكيف يصح أن يكون لك علاقة بالحكومة؟ ~~- إذن كيف نعمل؟ ~~- سوف ترى ماذا أعمل. غير أن عملا عظيما كهذا يقتضي له المال الكثير وقد رأيت ما صنعت من ~~قبل ولا بد أن تثق بما سأصنع في المستقبل. # فقال ميلون بإعجاب: لا ريب عندي بأن عقلك أسمى من عقول البشر. # وأجاب روكامبول بسكينة: إني سأجد البنتين وأرد لهما كل ثروتهما وأنتقم لأمهما. غير أنه لا ~~بد لي من المال لتحقيق هذه الآمال. # وكان ميلون يثق ثقة عظيمة برفيقه في السجن فدفع إليه الصندوق وقال: خذ ما تشاء. ~~- إني أحتاج إلى مائة ألف فرنك على الأقل. ~~- خذ ما تشاء. # فأخذ روكامبول مائة ألف وقال: هلم بنا إذن، فقد آن أوان العمل ولك أن تدعوني منذ الآن ~~بروكامبول. # 11 # بينما كان روكامبول منهمكا مع ميلون بفتح الصندوق وتلاوة الكتاب كان الفيكونت كارل مورليكس ~~جالسا على كرسي أمام سرير أخيه وهو يباحثه في جنايتهما القديمة. # وكان كارل هذا شديد الدهاء لا ترهبه الصعاب ولا يقف بجرأته عند حد خلافا لأخيه والد ~~أجينور، فقد هاله ثبات أخيه وعدم ظهور شيء من علائم الاضطراب عليه فقال له: ألست بنادم على تلك ~~الجناية؟ ~~- إن من تجاسر على سرقة ثروة، يجب عليه أن يتجاسر أيضا على حفظها. ~~- ولكننا لا نستطيع الاحتفاظ بها أمدا طويلا، ما زالت الفتاتان في قيد الحياة. # فهز كارل كتفيه إشارة إلى عدم الاكتراث وقال: كيف حصلنا على ثروة أختنا بعد وفاتها. ~~- بفضل عقد ms0901 التبني الذي ظهر فيه أن البارونة ميلر أختنا، وأنه يحق لنا إرثها. ~~- نعم ولكنه كان للبارونة ابنتان فلم يكن يحق لنا إرثها إلا بعد إثبات وفاة ابنتيها، وقد ~~أثبت وفاة أنطوانيت ومدلين ميلر يوم وفاة أختنا ولولا ذلك لما حق لنا أن نرث شيئا وقد كان صك ~~وفاتهما مذيلا بتواقيع كثيرة لا تدع أقل مجال للريب ولا يمكن نقضها. ~~- وإذا ظهرت البنتان؟ ~~- لا يفيد ظهورهما شيئا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأن الحكومة لا تصدقهما إذ ليس لديهما ما يثبت نسبهما. ~~- ولكن ميلون يثبت هذا النسب. ~~- إنه مسجون. ~~- ومتى خرج من سجنه فإن سجنه غير مؤبد؟ ~~- لا يجد هاتين الفتاتين أو يجدهما غير صالحتين لهذا النسب. # فأجفل البارون وقال: لقد أدركت قصدك ولكنه قصد هائل لا أوافقك عليه، فقد كفى ما ~~فعلناه. ~~- إذن، فاختر بين أمرين: إما أن تبقى متمتعا بثروتك وجاهك بالقضاء على هاتين الأختين، أو ~~تمتعهما بها بالقضاء على نفسك وقضاء الحكومة عليك. ~~- رباه! كلاهما شديد ولكني أختار أهون الويلين فافعل ما تشاء. ~~- سأفعل إنما يجب أن تعلم بأني سأستخدم ابنك أجينور آلة وسأتعب قلبه، غير أن أمراض الحب ~~سريعة الشفاء وسأزوجه خير فتاة ترضية له. # فقال البارون ببلاهة: لم أفهم إلى الآن كيف أنك ستستعين بولدي كي تصم تلك الفتاة التي ~~يهواها بوصمة عار. ~~- كن مطمئنا فلا خوف على ولدك لأنه ولدي. أما طريقة استعانتي به فستعلمها بعد حين، إنما ~~لا بد لي الآن من إخبارك أني أعرف رجلا في باريس أحيل من ثعلب، تقلب في جميع أنواع الشرور ~~وتمرس بجميع الأعمال، فقد كان لصا شريرا ثم رأى رئيس البوليس ما كان من حذقه فجعله بوليسا ~~سريا ثم عزله لأنه لم ينقطع عن السرقة ومشاركة اللصوص، وهو الآن يعتزل في منزله يأتيه رزقه من ~~العصابات الشهيرة لخوفها من كيده. فإذا أعطيته ثلاثين أو أربعين ألف فرنك فعل لي ما ~~أريد. ~~- كل ذلك سافل مكروه. ~~- ولكنه واجب ولا بد منه، إذا كنت تخشى السجن والإقامة فيه بدلا من ميلون. # فلم يجب ms0902 البارون بشيء. ولما رآه أخوه مطرقا يفكر خشي أن تتغلب عليه عاطفة الشهامة فنهض ~~وقال: إني ذاهب إلى هذا الرجل وسأعود إليك بعد أن أراه. ~~- ولكن ولدي أجينور سيعود الآن فماذا أقول له؟ ~~- طيب خاطره ما استطعت، وقل له إني ذهبت للسعي فيما يريد. # ثم ودعه وركب مركبته وانطلق بها إلى شارع سانت جرمين، فأوقفها عند باب منزل وصعد إلى الدور ~~الثالث، فطرق الباب وسمع صوتا يقول له: ادخل ففتح الباب ودخل، فوجد رجلا يناهز الخمسين فحياه ~~وناداه باسم تيميلون. # 12 # وكان أول من افتتح الحديث الفيكونت فقال لتيميلون: أعرفتني؟ # فنظر إليه تيميلون نظرة عدم اكتراث، وقال له: إن ذلك يتعلق بالأحوال. ~~- كيف ذلك؟ إني لا أفهم ما تريد. ~~- ذلك لأننا نحن معاشر رجال الأعمال السرية ننظر إلى من يزورنا لقضاء مهمة من المهمات، فإذا ~~شاء أن نعرفه عرفناه، وإذا رأينا أنه لا يريد أن نعرفه أنكرناه. # فابتسم الفيكونت وقال له: إني أريد أن تعرفني. ~~- إذن أنت الفيكونت كارل مورليكس ومنزلك في شارع بيبينار وأنا مستعد لخدمتك. ~~- سأحكي لك أمري بكلمتين فاعلم أن لي أخا. ~~- إنه يدعى البارون دي مورليكس ويقيم في شارع أوكاليه. ~~- ولي ابن أخ. ~~- إنه يدعى أجينور ويقيم في شارع سيرسنس منفصلا عن أبيه. ~~- يسرني أنك تعرفنا جميعا بهذا التدقيق. اعلم الآن أن أجينور هذا يريد أن يتزوج زواجا لا ~~يوافقنا. ~~- وإنك تريد أن تمنع هذا الزواج أليس كذلك؟ ~~- هو ما تقول. ~~- كل شيء ممكن متى وجد المال. ~~- المال موجود. ~~- إذن فلنتحدث: من هي هذه الفتاة؟ ~~- هي فتاة فقيرة تعلم الموسيقى في البيوت، طاهرة السريرة بديعة الجمال ليس لها أهل وهي تقيم ~~مع معلمة عجوز. # وكان تيميلون يسمع ما يقول كارل ويكتب مذكرات بأقواله بلغة اصطلاحية لا يعلمها سواه فلما ~~فرغ من استعلامه عن أنطوانيت قال له: لدي طريقتان إحداهما سهلة ميسورة وهي أن أنصب شركا للصبية ~~وأقودها إلى محل شائن ثم نبرهن لأجينور أنها غير خليقة به. # فأبى كارل هذه الطريقة وقال إن أجينور شاب متفلسف ms0903 يحسب نفسه خلق لإصلاح خطأ الناس وأن المرء ~~ضعيف لا يؤاخذ بخطأ، فقد يحمله إيلام عرضها على الزواج بها سترا لشرفها. ~~- إذن فلنبحث في الطريقة الثانية؛ لأنها أكثر مشقة وأغلى ثمنا، وهي أن نلقي تلك الفتاة في ~~مشاكل تدعو إلى مداخلة البوليس وإرسالها مؤقتا إلى سجن بنات الهوى. ~~- إنها خير من الطريقة الأولى ولكني لا أريد أن يكون السجن مؤقتا. # فنظر إليه تيميلون محدقا مستكشفا وقال له: إذن أنت مستعد لدفع الأجرة الباهظة التي ~~يقتضيها المشروع. ~~- كم تريد؟ ~~- خمسين ألف فرنك وليس ذلك بكثير إزاء هذه المهمة الصعبة. ~~- ليكن لك ما تريد. # ففكر تيميلون هنيهة وقال: إن الأمر سهل وهو أننا نستطيع أخذها بالحيلة إلى منزل ترتكب فيه ~~جريمة سرقة فيحضر البوليس ويقبض عليها مع اللصوص فيعترفون أنها شريكة لهم وأنها داخلة في ~~عصابتهم. ~~- إنه فكر مصيب ولكن أين تجد أولئك اللصوص؟ ~~- إن لدي منهم من أثق به. ~~- ولكني أخشى أن تتمكن الصبية من إثبات براءتها بإثبات اسمها. ~~- ألم تقل لي إنها لا أم لها وإنها تخرج وحدها لإعطاء الدروس. ~~- إنها تخرج كل يوم في أوقات معينة. ~~- إذن، سأجد لها أما تلتمس إخراجها من السجن، وتحاول تبرئتها فتزيد بها الظنون، وتؤيد ~~الجريمة. إنما قل لي اسمها، واسم الشارع الذي تقيم فيه. ~~- إنها تقيم في شارع سانت أونوريه واسمها أنطوانيت، إذ لا عائلة لها، غير أنها لفقت حديثا ~~لابن أخي فادعت أنها ابنة بارونة. # فأدرك تيميلون أن في الأمر سرا ونظر إلى كارل نظرة المشكك من صدق كلامه فطمع وقال له: إذا ~~وجدت أما فاسدة السيرة لهذه الفتاة فسجنتها وأبطلت دعواها وأفسدت جميع براهين نسبها الذي يخال ~~لي أنك تخشى ظهوره أتدفع لي مائة ألف فرنك؟ # فاصفر وجه كارل وعلم أن كل إنكار مع الرجل محال وكل مساومة لا تفيد فقال: سأدفع لك ~~المال. ~~- إذن فاذهب الآن في شأنك وسأخبرك غدا بجميع ما أجريته. # فنهض كارل ومضى حتى إذا بلغ الباب عاد وقال: أتعلم شيئا من أخبار سجن طولون؟ ~~- إني أعرف ms0904 جميع المسجونين فيه وأعرف من فر منهم ومن بقي، فسلني عمن تريد. ~~- أتعرف مجرما سارقا يدعى ميلون. # فأخذ تيميلون دفترا ضخما فقلب في صفحاته هنيهة وهو ينظر فيها ثم قال: نعم، إن الرجل قد فر ~~من سجن طولون منذ ستة أشهر. # فاصفر وجه كارل اصفرارا شديدا لم يخف على تيميلون فقال له: ألعلك تخاف منه؟ ~~- أخافه أكثر مما أخاف أنطوانيت، ولم يعد سبيل معك إلى الإنكار بعد اتفاقنا. ~~- إذن، فاعلم أن ميلون هذا قد فر مع رجل هائل، لا نستطيع أن نجاريه في مضمار، وكفى وصفا له ~~أنه يدعى روكامبول. واعلم يا سيدي الفيكونت أن كل مال ضائع في مقاومة هذا الداهية. وإذا كان ~~متفقا مع ميلون فأيقن أن مساعينا خائبة، وإني أتنازل لك الآن عن المائة ألف فرنك وأشير عليك أن ~~تدع ابن أخيك يتزوج أنطوانيت، فذلك خير لنا جميعنا وأبقى إلا إذا أخبرتني بجميع أمرك دون أن ~~تكتم عني شيئا وأطلقت يدي في الاتفاق. ~~- سأخبرك بكل شيء. ~~- وأنا سأخاطر مع هذا الداهية فإذا ظفرت به بلغت أقصى درجات المجد والشهرة في ~~مهنتنا. # 13 # في اليوم التالي لزيارة أجينور لأنطوانيت، كانت أنطوانيت راجعة من أحد المنازل التي تدرس ~~فيها الموسيقى وهي تسرع خطاها وتخترق الجماهير المزدحمة في الشوارع وتفتكر تارة بأجينور وتارة ~~بميلون وآونة بذلك الاتفاق الذي عرفت به اسم عائلتها، فتستطرد منها إلى أجينور ولا تجسر أن تتم ~~تصورها. # وفيما هي تسير إذ رأت رجلا خارجا من باب ناد كبير، فوجف قلبها واضطرب سيرها لأن ذاك الرجل ~~كان أجينور، وقد رآها فأسرع إليها ورفع قبعته بملء الاحترام وحياها فردت له التحية، وحاولت أن ~~تتم سيرها فاستوقفها بافتتاحه الحديث معها وقال لها: اسمحي يا سيدتي إذ قد لقيتك أن أقول لك في ~~الحال؛ لأني منذ الصباح أعد الدقائق وأنتظر المساء بفارغ الصبر. ~~- الحق يا سيدي أني أذنت لك بزيارتي في هذا المساء وأنا أنتظرك ثم حاولت أن تسير. # فقال لها: يا سيدتي إن الأمر يتعلق بميلون. # وكأن الاسم قد ms0905 سحرها فوقفت في مكانها وقالت: ميلون؟ ~~- نعم يا سيدتي لقد خابرت عمي بشأنه فقبل التماسي وذهب في الحال إلى دار الحكومة فعلم أن ~~الرجل محمود السيرة في السجن وأن اسمه وضع في لائحة الذين سينعم عليهم بالعفو. # فسرت أنطوانيت سرورا لا يوصف وقالت: متى يكون هذا العفو الكريم؟ ~~- لا أعلم، غير أن عمي وعدني أن يبذل جميع ما لديه من النفوذ في سبيل الإسراع بالإفراج عنه، ~~ثم إن هناك أمرا آخر أحب أن أقوله لك وهو أني قابلت أبي أيضا وكلمته عنك، وعن فضائلك، وعن ~~حبي. فأجابني أبي يا سيدتي أنه سيلتمس منك بنفسه. # فاحمر وجه الصبية وتلعثم لسانها فلم تعلم ماذا تجيب، فزادت جرأة أجينور فأخذ يدها وقال: ~~أيتها الآنسة المحبوبة إن أبي سيلتمس منك بنفسه، لا تقضي علي قضاء مبرما وتجعليني شقيا في ~~غرامي إلى الأبد. # فاضطربت الفتاة اضطرابا شديدا وحاولت الإفلات منه وهي تقول: إلى المساء يا سيدي إلى ~~المساء. # وفيما هي تحاول المسير رأت رجلين يسيران في مركبة سيرا حثيثا فصاحت صيحة دهشة عظيمة ~~وقالت: هو هو بعينه ومحال أن لا أعرفه! # فأسرع إليها أجينور وسألها: من هو؟ ~~- هو ميلون بذاته ذو اللحية البيضاء يسير بهذه المركبة. # ولم يمهلها أجينور وكانت مركبة معدة للأجرة واقفة في الشارع فأصعدها إليها وقال: سندركه يا ~~سيدتي قبل أن يتوارى. # ثم جلس بجانبها وقال للسائق: إني أعطيك مائة فرنك إذا أدركت تلك المركبة. # وأشار إليها فضرب السائق جواد مركبته بالسوط فانطلق ينهب الأرض نهبا، غير أن المركبة التي ~~كان ميلون فيها حقيقة كانت ذات جوادين، فلم تستطع إدراكها ثم اضطرت إلى الوقوف لازدحام المركبات ~~في الطريق فلم تستطع مركبة أجينور وأنطوانيت إدراكها فتوارت عن الأنظار. # وعند ذلك عاد أجينور بالفتاة وهو يبسط لها في الطريق أجمل الأماني وأشرفها، ولما بلغ بها ~~إلى منزلها نزلت من المركبة وهي تضطرب فودعته والتمست منه أن لا يزورها في الليل لكثرة اضطرابها ~~ولاحتياجها إلى الراحة فوعدها بالامتثال وانصرف. # أما أنطوانيت فإنها دخلت إلى المنزل ms0906 فرحة بوجود ميلون في باريس منقبضة لعدم تمكنها من ~~إدراكه، فلما دخلت إلى غرفتها وجدت فيها رسالة ففضتها وأسرعت بنظرها إلى التوقيع فقرأت البارون ~~دي مورليكس. # 14 # وكانت الرسالة من والد أجينور وهي كما يأتي : # يا ابنتي العزيزة # لقد أخبرني اليوم ولدي بما كان بينكما وذكر لي عن فضائلك ما جعلني قرير البال على ~~مستقبله، فأرجوك أن تغفري لي كتابتي إليك خفية عن أجينور وأن تكتمي عنه هذا الكتاب. # إن ولدي يحبك حبا لا يوصف ويرجو أن يعرف طريق قلبك بإرشاد غرامه الصادق. # وكنت أود أن أزورك بدلا من أن أكتب إليك، غير أني عثرت أمس فكسرت رجلي واضطررت إلى ~~ملازمة الفراش، وإني لا أجد بدا يا ابنتي العزيزة من أن أراك وأحادثك مليا في شأن ولدي ~~محادثة لا يسمعها سوانا دون أن يعرف أجينور شيئا من هذا اللقاء. فهل ترفضين لأبيه مثل هذا ~~الطلب؟ # إني واثق من أنك لا ترفضين، ولو كنت أستطيع الانتقال من سريري لأسرعت إليك، فلا بد لي ~~من العبث بجميع المعاملات والعادات المألوفة وألتمس منك أن تزوريني، فإذا تفضلت يا ابنتي ~~العزيزة بإجابة ملتمسي تجدين مركبة على باب منزلك في الساعة التاسعة من هذا المساء. وأختم ~~كتابي بتقبيل يدك الجميلة التي يبحث عنها ولدي بملء الاحترام. # البارون دي مورليكس # ولما اطلعت أنطوانيت على هذا الكتاب وهي حائرة مبهوتة لا تدري كيف تحكم عليه فلم تجد مرشدا ~~في هذا المقام أفضل من مدام رينود، فأخبرتها بجميع ما اتفق لها مع أجينور وتلت عليها ~~الكتاب. # فظهرت علائم الفرح الشديد على وجه العجوز وقالت لها: إن السعادة قد فتحت لك أبوابها يا ~~ابنتي لأن كل كلمة في الكتاب تدل على نبل كاتبها وإياك أن تتخلفي عن الموعد فإن شرف هذا البارون ~~لا ريب فيه. # وتركتها أنطوانيت وذهبت إلى غرفتها فجعلت تتجمل على غير عادتها لأنها على فرط جمالها أحبت ~~أن تزيد جمالا كي تروق للأب كما راقت لابنه. # ولكنها، مع سرورها لهذه السعادة المفاجئة، كانت تشعر بانقباض في ms0907 صدرها كأنها تتوجس شرا، ~~ثم تحمل هذه العوارض على محمل الرهبة فتطمئن. # وما زالت تتنازعها هذه العوامل إلى أن أذنت الساعة التاسعة فودعت مدام رينود ونزلت إلى ~~الشارع فرأت مركبة جميلة واقفة على باب المنزل ، ولكنها ترددت في ركوبها فرفع السائق قبعته وفتح ~~لها باب المركبة فقالت: أهذه مركبة البارون مورليكس؟ ~~- نعم يا سيدتي. # فصعدت إليها وأقفل السائق بابها ثم صعد إلى مكانه وانطلقت المركبة تجري بتلك الفتاة إلى حيث ~~يريد السائق. # وكانت أنطوانيت تعرف جميع شوارع باريس غير أنها لم تنتبه إلى مسير المركبة لأن الخيانة لم ~~تخطر لها في بال، ولأنها كانت مضطربة منشغلة بالتفكير في مقابلة البارون. # ولكنها بعد أن سارت المركبة سيرا طويلا استيقظت من سبات تصورها ونظرت في زجاج النافذة ~~فعلمت أنها تسير في شارع مقفر تكتنفه الأشجار من الجانبين وأنها باتت في ضواحي باريس، فشغل ~~قلبها ونادت السائق فلم يجبها وحاولت فتح باب المركبة فرأت أنه محكم الإقفال من الخارج فوجف ~~قلبها ولكنه لم يكلمها، بل إنه انتظر رجلا صعد من الطريق إلى المركبة وجلس بجانبه وعادت ~~المركبة إلى سيرها الحثيث. # ولما رأت أنطوانيت أنها محبوسة في تلك المركبة وأيقنت أنها منخطفة جعلت تستغيث حتى ملأ صوت ~~صراخها الفضاء، ولكن صراخها لم يفدها لأن المركبة كانت تسير في مكان قفر لا يمر به أحد من ~~الناس. # وما زالت حتى وقفت عند منزل يكتنفه شبه غابة فنزل الذي كان جالسا بجانب السائق وفتح باب ~~المركبة ثم قال لأنطوانيت بأدب: انزلي يا سيدتي ولا تخشي أمرا وكفي عن الصياح لأن الصياح لا ~~يفيد. # غير أن أنطوانيت لم تكترث لإنذاره وجعلت تصيح وتستغيث راجية أن يسمعها أحد. # ولما قنط الرجل من إسكاتها جرد خنجره وأنذرها بالقتل فقالت: اقتلني أيها الشرير لأن الموت ~~أحب إلي من حياة العار. # ثم عادت إلى الصياح فضغط على عنقها حتى أوشك أن يخنقها، فكانت تعود إلى الاستغاثة كلما أفرج ~~عنها، حتى أعياه أمرها، فقال لها: إنك إذا استمررت على هذا الصياح، عرضت ms0908 حياتك وحياة أجينور ~~للأخطار. # وكأن هذه الكلمة سحرتها فسكتت فجأة وبدت على وجهها علائم الذعر الشديد وقالت: أي خطر على ~~أجينور وإلى أين أتيتم بي وماذا تريدون مني؟ ~~- خففي جزعك يا سيدتي فإننا لا نريد لك إلا الخير وما أتينا بك إلى هذا المكان إلا لدفع خطر ~~عظيم عن خطيبك أجينور، وما هي إلا ساعة ويزول عنك ذلك الخطر الذي لا أعلمه فأبوح لك به فهلمي ~~معي إلى هذا المنزل ولا يروعك هيئة المقيمين فيه وأخلاقهم فإنها ساعة وتنقضي ثم تعودين إلى ~~مقابلة والد أجينور الذي بات يحبك كما يحب ولده. # فاطمأن خاطرها بعض الاطمئنان للهجة هذا الرجل لا سيما وقد علمت أن لا سبيل لها إلى المقاومة ~~ومشت معه إلى ذلك البيت. # وكان هذا البيت مأوى لعصابة من اللصوص يجتمعون فيه نساء ورجالا، فكلما حدثت في المدينة ~~سرقة أو جناية خفي أمرها عن الحكومة باغت البوليس هذه العصابة وقبض على أفرادها فأودعهم السجن ~~إلى أن تنجلي الحقيقة. # ولما دخلت أنطوانيت ذعرت لمرأى تلك العصابة، فقد كانت مؤلفة من عشرة لصوص من الجنسين وهم ~~جالسون حول مائدة عليها آنية كبيرة من الخمر يشربون ويقهقهون ولا يكترثون لمن يدخل إليهم أو ~~يخرج من بينهم. # ولما رأوا أنطوانيت داخلة وهي تقدم رجلا وتؤخر أخرى صاحوا جميعهم صياح الفرح والاستبشار ~~وتكلموا بلغتهم الخاصة قائلين: إن الطير وقع في القفص وقد حان زمن الكسب بعد العطلة. # ولكن أنطوانيت لم تكن تفهم شيئا منهم فأقبلوا إليها وجعل بعضهم يمازحها وآخرون يتهكمون ~~عليها وبعضهم يتظاهر بالغرام بها والغيرة عليها، وهي كلما حاولت الفرار أو الاستغاثة قال لها ~~ذلك الرجل الذي صحبها: احذري أن تفوهي بكلمة إذا كنت تشفقين على أجينور. # وطال بها هذا الموقف الشديد حتى استولى عليها اليأس وجعلت تبحث بعينيها على تلك المائدة عن ~~سكين تحفظها وتنتحر بها. # وفيما هي على هذا القنوط إذ علت صيحة من الخارج وسمعت أصوات السيوف تطرق على السلم فعلم ~~اللصوص أن الشرطة فاجأتهم وقالوا: لا سبيل لنا إلى ms0909 الدفاع فإنهم لا يهاجموننا إلا بعدد أكثر من ~~عددنا وإذا دافعنا كبرت جريمتنا والتسليم خير لنا في كل حال. # وعند ذلك دخلت شرذمة من البوليس يتقدمها قائدها فأمر رجاله أن يوثقوا جميع الحضور. # وقبل أن يمتثلوا أسرعت أنطوانيت إلى القائد وقالت له بلهجة تبين الصدق عنها بأجلى مظاهره: ~~إن الله أرسلك يا مولاي كي تنقذني من هؤلاء الأشقياء. # وبهت القائد لكلامها وهو يحسب أنها تريد التخلص من السجن بمثل هذه الحيل وقال لها: من ~~أنت؟ ~~- أنا يا سيدي أدعى أنطوانيت ابنة البارونة دي ميلر وقد ... # غير أن أولئك اللصوص المتفقين على المكيدة لم يكادوا يسمعون قولها إنها ابنة بارون حتى ~~ضحكوا جميعهم ضحكا عاليا فقال أحدهم: لله درك ما أسرع تقمصك بالبارونة. # وقال آخر: كفى عصابتنا شرفا أن فيها النبلاء. # وقالت أخرى: أنا يا سيدي القائد، ابنة مركيز وقد اختطفني هؤلاء الأشقياء. # ودنت إحداهن منها وقالت لها همسا على مسمع من رجال البوليس: بالله لا تنسي أني إحدى ~~وصيفاتك. # وقال غيرها غير ذلك حتى علمت أنطوانيت أنه قضي عليها وأيقن قائد البوليس أنها من العصابة ~~فقال لها: هلمي بنا يا حضرة البارونة فإن القضاء لا يخفى عليه مقام أمثالك. ثم أمر رجاله أن ~~يخفروا العصابة ويطوقوها وساروا بهم وبينهم أنطوانيت تسير مطرقة وهي تود لو تبتلعها الأرض أو ~~تصعقها السماء إذ لم يعد لها رجاء إلا أمام القضاء. # 15 # أما قبض الحكومة على العصابة فكان بتدبير تيميلون، فإنه أرسل أحد أعوانه فادعى حدوث سرقة في ~~منزله، وأرسل آخر إلى إدارة البوليس فوشى بالعصابة، واختطف أنطوانيت بالاتفاق مع كارل مورليكس، ~~فأتى بها إلى هذا المنزل، وعلم رجال العصابة ما يصنعون مقابل أجرة معينة فامتثلوا له فيما ~~أراد. # فلما مثلت أنطوانيت أمام رئيس البوليس جعلت تبكي بكاء متقطعا يفتت الأكباد فحكت حكايتها ~~بملء البساطة، فتوجع لها المدير ولكن محضر كل واحد من أولئك المتهمين كان أمامه، وقد تعود مثل ~~هذه الأقوال فقال لها: تقولين إن اسمك أنطوانيت دي ميلر وإنك تقيمين في ms0910 شارع سانت أونوريه فكيف ~~خرجت من منزلك؟ # قالت: بكتاب أرسله إلي البارون دي مورليكس. ~~- إذن أنت تعرفين هذا البارون؟ # فحكت له أنطوانيت كل علاقتها مع أجينور. # فقال لها: أتعتقدين أن سائق مركبة البارون قد اختطفك؟ ~~- نعم ، ثم ذكرت له ما قال لها الرجل الذي كان يصحب السائق واسمه ميلون عن أجينور وتعرضه ~~للخطر، فسأل رئيس البوليس هذا اللص فأنكر قولها وقال: إنه يعرفها منذ عهد قريب وإنها هي التي ~~تبعته إلى ذلك المنزل من تلقاء نفسها دون أن يختطفها. ثم قال: إنها قد يكون لها معرفة بأجينور ~~دي مورليكس فإنه شاب جميل واسع الثروة كثير الإنفاق. # فغطت أنطوانيت وجهها بيدها وقالت: كذب هذا المنافق فإني ما رأيته في حياتي. # فقال لها المدير: أتعلمين أين يقيم أجينور دي مورليكس؟ ~~- نعم، في شارع سيرسنس. # فنادى أحد رجاله وقال له: اذهب في الحال إلى منزل أجينور دي مورليكس فأيقظه من رقاده وقل ~~له: إن فتاة تدعي أن اسمها أنطوانيت دي ميلر وجدها البوليس الليلة بين عصابة لصوص متهمة بسرقة، ~~وأنها تدعي معرفته. ثم قل له إني لا أجد بدا من أن أضعها هذه الليلة في السجن. # فصاحت الصبية منكرة وقالت: رباه أنا أبيت في السجون؟ # فجعل رجال العصابة يضحكون ضحكا معنويا ويكلم بعضهم بعضا على مسمع من البوليس فيقولون ما ~~معناه: إن هذه الفتاة تفضلنا جميعا ولو احترفت صناعة التمثيل بدلا من صناعتنا لبلغت أقصى ~~درجات الشهرة. # وبعد حين عاد البوليس الذي أرسله المدير إلى منزل أجينور فقال: إنه سافر مساء أمس إلى ~~بريطانيا وإن بواب منزله حمل له أمتعته إلى السكة الحديدية. # فلما سمعت أنطوانيت كلامه هلع قلبها وقالت: رباه لقد ضاع كل رجاء. # فقال لها المدير: إذا لم يكن لديك غير هذا البرهان فإني مضطر إلى إرسالك إلى السجن. # فذعرت وقالت: أرسل من تشاء إلى منزلي فإن البواب وامرأته ومدام رينود يعرفونني. # وقبل أن تتم كلامها دخلت امرأة عجوز إلى غرفة المدير فدنت من ميلون وقالت له مغضبة: تبا ~~لك من ms0911 شقي فإنك أنت الذي أفسد أخلاق ابنتي. # فما صبر ميلون عن مجاوبتها وقال: إنها فاسدة قبل أن أعرفها حين كانت في أحضانك. # أما العجوز فلم تجبه وأقبلت إلى أنطوانيت تؤنبها بالنظر ثم قالت لمدير البوليس: أرجوك يا ~~سيدي أن ترد لي ابنتي وأنا أقسم لك إني أردعها عن عشرة هؤلاء الأشقياء. # ثم جعلت تقبل أنطوانيت وتضغط عليها ضغطا شديدا يمنعها عن الكلام فقال لها المدير: كفى ~~فإني لا أستطيع الليلة إطلاق سراح هذه الفتاة وستنظر المحكمة في أمركم غدا. # ثم أمر رجاله بإيداعهم السجن وخرج، أما أنطوانيت فإنها أغمي عليها ولما استفاقت وجدت نفسها ~~في السجن مع أسافل اللصوص والمجرمين. # 16 # ولنوضح الآن كيف أن أجينور برح باريس فجأة وما حمله على هذا السفر السريع، دون أن يبلغ ~~أنطوانيت وذلك أن عمه كارل مدبر هذه المكيدة بالاتفاق مع تيميلون كان يديرها بحذق شديد بحيث رأى ~~أنه ليس من الحكمة أن يبقى أجينور في باريس بعد اختطاف حبيبته لأنه يشكل خطرا عظيما على ~~مشروعاته الهائلة. # وكان من عادة أجينور أن يذهب في الساعة السادسة من كل مساء إلى منزله في شارع سيرسنس فيأخذ ~~رسائله ويذهب إلى النادي فيتعشى ويسهر فيه. # ولما أوصل أنطوانيت إلى منزلها بعد يأسه من إدراكه مركبة ميلون عاد إلى منزله حسب عادته ~~فدهش لأنه رأى على الباب مركبة عمه كارل وقال له البواب: إن عمه ينتظره في المنزل منذ ~~ساعة. # فصعد مسرعا إليه فاستقبله عمه ببشاشة وقال له: إنك لم تكن تتوقع أن تراني في منزلك أيها ~~العاشق المفتون فلا تعلم السبب في وجودي. ~~- هو الحق ما تقول يا عماه فقد شغلت بالي. ~~- ليس ما يشغل البال فقد جئت لأحادثك بشأن زواجك. ~~- أقال لك أبي كل شيء؟ ~~- إن أباك لا يكتم عني أمرا وأنا مسرور جدا لزواجك فإنه غاية ما تتوق إليه نفسي. ~~- إذن فأنت راض عن زواجي بتلك الفتاة الطاهرة. ~~- كل الرضى فقد ذكر لي أبوك عن فضائلها ما يجب أن يكون زينة كل امرأة طاهرة ms0912 ولولا رضاه لما ~~كنت بدأت بخدمتك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألم يخبرك أبوك عن اهتمامي بأمر ميلون؟ ~~- نعم ولكن تعليماتك كانت مخطئة بشأنه ولم يعد سبيل لالتماس العفو عنه وإخراجه من السجن فقد ~~عفا عن نفسه كما يظهر وبرح السجن من تلقاء ذاته. # فاضطرب كارل وسأله كيف ذلك فأخبره أجينور بجميع ما اتفق له وكيف أنه اقتفى أثره مع أنطوانيت ~~فلم يتمكنا من إدراكه، فشعر كارل بالخطر وأحب الإيهام على ابن أخيه وقال له: لا شك أن خطيبتك قد ~~رأت رجلا يشبه ميلون لأنه قد يصح أن يتمكن من الفرار من سجن طولون ولكنه لا يعقل أن الحكومة لا ~~تعلم بأمر فراره ولو كان فراره حقيقة لكنت عرفت ذلك أمس وفي كل حال فسنبحث في هذا الأمر بعد ~~رجوعك. # فأجفل أجينور وقال: ماذا تريد برجوعي ألعلي مسافر؟ ~~- نعم يا بني فستسافر بعد ساعة إلى بريطانيا وهو سفر لا بد منه، فإن عمتك على فراش النزاع ~~وهي تطلب أن تراك في الحال فتقيم عندها يوما أو يومين ثم تعود. # فذعر أجينور لهذا السفر الفجائي وبعد جدال طويل اضطر إلى الاقتناع لا سيما وأنه سيرث ثروة ~~عظيمة من عمته فقال له: ألا أرى أبي قبل سفري؟ ~~- لا حاجة إلى ذلك فهو يعلم أنك مسافر الليلة وقد حان سفر القطار. ~~- ألا أكتب كلمة على الأقل لأنطوانيت؟ ~~- اكتب ما تشاء وأنا سأحمل كتابك إلى ابنتنا الجديدة فيكون وسيلة معرفتي بها. # فسر أجينور من تلطف عمه وكتب الكتاب وأعطاه إياه ثم ذهب معه إلى المحطة ولم يفارقه لحظة ~~حتى رأى القطار قد سافر وهو فيه. # وبعد أن وثق كارل من سفر ابن أخيه عاد إلى منزله فوجد تيميلون ينتظره فيه فنظر تيميلون ~~ساعته وقال: لقد دنت الساعة العاشرة فلا بد أن يكون قضي الأمر، ومع ذلك فهلم بنا نتحقق الأمر ~~بأنفسنا كي تعلم أني لم آخذ مالك من غير حق. # فذهبا إلى منزل أنطوانيت ووجدا أن المركبة المعدة لاختطافها برحت المكان الواقفة فيه فعلما ~~أنها سارت بالفتاة ms0913 ثم قال له: هلم بنا الآن إلى إدارة البوليس حيث تعلم منها الحقيقة ~~وتطمئن. # 17 # بعد أن وجد روكامبول الصندوق وقرأ أسرار البارونة قال لميلون: هلم بنا الآن للبحث عن ~~الأختين فقد آن الآوان فقد قلت لي إنهما كانتا مقيمتين في مدرسة وإن أمهما عهدت إلى ناظرتها ~~بتربيتهما أتذكر أين كانت تلك المدرسة؟ ~~- نعم. ~~- إذن لنذهب إليها. # وسار الاثنان إلى الشارع الذي كانت فيه تلك المدرسة فرأيا أنها قد تحولت إلى منزل مأجور ~~ونظر ميلون في ذلك الشارع فرأى كل شيء قد تغير ولكنه رأى دكانا لبائع دخان لا يزال في موضعه ~~على حاله ورأى صاحب الدكان واقفا على بابه فعرفه وأخبر روكامبول بأمره فجاء روكامبول واشترى ~~منه لفافة من التبغ وحادثه بشأن هذا الشارع وسأله عن المدرسة فعلم منه أن ناظرتها تدعى مدام ~~رينود وأنها أفلست منذ عهد طويل فضبط أثاثها وبيع بالمزاد وهو لا يعلم أين تقيم الآن. # فقال له روكامبول: أتعرف المحضر الذي ضبط الأثاث؟ ~~- نعم وهو يقيم في آخر عطفة من هذا الشارع. # فتركه روكامبول وذهب مع ميلون إلى منزل هذا المحضر فعلما منه أين تقيم مدام رينود. # وبعد ساعة كان روكامبول وميلون واقفين عند باب منزل أنطوانيت فنادى روكامبول البواب وقال ~~له: أليس هنا منزل مدام رينود؟ ~~- نعم. ~~- قل لي في أي دار تقيم فإني أريد أن أراها في الحال. ~~- لا سبيل إلى مقابلتها الآن يا سيدي فإنها لا تزال في فراشها إلا إذا ... ~~- قلت لك إنه يجب أن أراها في الحال. ~~- ألعلك قادم بأخبار من المدموازيل أنطوانيت؟ ~~- وأين هي تلك السيدة؟ ~~- إنها خرجت من المنزل في الساعة التاسعة من المساء ولم تعد إلى الآن وقد بحثنا عنها في كل ~~مكان فلم نجدها، حتى إننا جميعا لم ننم ليلة أمس، وفي الصباح ذهبت امرأتي إلى منزل البارون ~~الذي يظهر أنه كتب إلى المدموازيل أنطوانيت وأرسل لها مركبته. ~~- من هذا البارون؟ ~~- هو والد أجينور دي مورليكس وهو شاب غني يحب أنطوانيت حبا شديدا. # فأن ميلون أنين ms0914 الموجوع غير أن روكامبول ضغط يديه ضغطا شديدا وقال له: اسكت. # وعند ذلك دخلت امرأة كانت امرأة البواب وقالت بصوت مضطرب: لم أجدها. # فلما رآها ميلون صاح صيحة دهش: ابنة عمي! # فانذهلت امرأة البواب أشد من انذهاله وقالت : ميلون! # ثم جعل الاثنان يتعانقان. # فبهت الزوج لهذا العناق ولكنه اطمأن لكلمة القرابة التي كانا يتبادلانها. # أما روكامبول فإنه خشي أن يفتضح أمر ميلون فدخل بهم جميعا إلى الداخل وأقفل الباب. # ثم قال لامرأة البواب: سنخبرك فيما بعد كيف عاد ابن عمك من السجن، أما الآن فإننا ما جئنا ~~إلى هنا إلا كي نرى مدام رينود والأختين المقيمتين معها. ~~- لا يقيم هنا غير أنطوانيت، أما أختها مدلين فإنها سافرت إلى روسيا، وحكاية هذه المسكينة ~~أن ابن البارون دي مورليكس فتن بها وأراد الزواج منها، وقد جاءها أمس كتاب من والده وأنا قادمة ~~من عنده. ~~- ماذا قال لك والده عن هذا الكتاب! ~~- قال إنه كتاب زور وإن مركبته لم تخرج من اصطبله أمس وإنه يظن بأن ابنه احتال على الصبية ~~واختطفها. # غير أني أعتقد أن أجينور يحب أنطوانيت حبا شريفا وأنه لم يحتل عليها في شيء. ~~- أعرف أحد من الجيران بهذه الحادثة؟ ~~- كلا غير أن زوجي في نيته إخبار البوليس. # فقال روكامبول: احذروا أن تخبروا البوليس بشيء وإياكم إطلاع أحد على هذه الحادثة. # ثم التفت إلى ميلون وقال: لقد أتينا متأخرين فإن الفتاة أصبحت في قبضة أعدائنا. # فقال ميلون وهو يضطرب: على ماذا عولت؟ ~~- لا أعلم بعد، ولكني سأعلم ما أريد بعد ساعة. ~~- ألا تريد أن ترى مدام رينود؟ ~~- لم يعد لنا بها حاجة الآن. # ثم التفت إلى امرأة البواب وقال لها: إنك تعلمين دون شك أن ابن عمك ميلون يحب هاتين الأختين ~~حبا شديدا فاعلمي الآن أني صديقه وأني لا بد لي من إيجاد الصبية، ولكن لا بد لي أيضا في هذا ~~السبيل من إخلاصك في طاعتي. ~~- قل ما تشاء. ~~- يجب بعد ذهابنا أن تعودي إلى مدام رينود وتخبريها أن ~~أنطوانيت لم ms0915 تصب بسوء، وأن البارون دي مورليكس نفسه هو الذي قال لك هذا القول أما أنطوانيت ~~فستعود قريبا. ~~- ولكن يا سيدي كيف يمكن أن أقول لها هذا القول إذا لم أكن واثقة من عودتها. ~~- كوني واثقة فإني أعرف مكانها ، وإذا عصيتني فيما أوصيتك به أفسدت علي جميع أمري فطمئنيها ~~كما أخبرتك واطمئني أنت أيضا فإذا لم تعد أنطوانيت اليوم فهي ستعود قريبا إذ لا بد لي من ~~إيجادها. ثم أشار إلى ميلون وقال له: هلم بنا إلى الطبيب فنسانت ولم يعد لنا ما نعمله في هذا ~~المكان. # ثم ودعا البواب وامرأته بعد إعادة الوصايا عليهما وركبا مركبة وذهبا بها إلى منزل نويل ~~وهناك تنكر روكامبول بلباس عمال المستشفيات وتنكر ميلون بزي آخر ودخلا كلاهما إلى غرفة الطبيب ~~المجاورة لغرفة نويل كما يذكر القراء. # فلما رأى الطبيب روكامبول بزيه الجديد أنكره وسأله من أنت وماذا تريد؟ ~~- أنا صاحبك بالأمس فاجلس على مائدة الكتابة لأخبرك بما أريد. # فعرفه الطبيب من صوته وامتثل له فأخذ القلم بيده وأملا عليه روكامبول ما يأتي: # سيدي البارون # أغتنم فرصة علائقنا السابقة فأسألك قضاء مهمة لا أظنك تبخل علي قضاءها، وهي أني في ~~عسر مالي شديد، فأرجو أن تبعث لي مع رسولي بعشرين ألف فرنك. # فقال له الطبيب: ما هذا السؤال؟ فإنه شبيه بالنصب، بل هو النصب بذاته. # قال روكامبول: كلا ولكنها حيلة تذرعت بها للدخول إلى منزل البارون، وسوف ترى ما ~~يكون. # فامتثل الطبيب وأتم كتابة الكتاب دون اعتراض. # 18 # كان البارون دي مورليكس ينتظر عودة أخيه الفيكونت كارل. أما كارل فإنه توقع حدوث ما حدث؛ أي ~~إنه توقع أن مدام رينود ستسأل أخاه البارون عن أنطوانيت. فعلمه ما يجب أن يصنع، فلما جاءت إليه ~~امرأة البواب أنكر الكتاب أتم الإنكار وكان صادقا في إنكاره؛ لأن ذلك الكتاب لم يكتبه عن لسانه ~~إلا تيميلون بالاتفاق مع كارل. # غير أنه قبل أن يحضر كارل لعيادة أخيه حضر إليه رجل آخر فقال لخادمه: إني قادم من قبل ~~الطبيب للسؤال ms0916 عن صحة مولاك، وإني أحب أن أراه. # فأدخله الخادم إلى غرفة البارون. # وكان هذا الرجل روكامبول وهو لا يزال متنكرا بزي رجال المستشفيات فلما مثل أمام البارون ~~قال له: إني يا سيدي أحد تلامذة الطبيب فنسانت وقد أرسلني إليك أستاذي للاطمئنان عن صحتك، ~~ولأرفع إليك هذا الكتاب. # فمد البارون إلى الرسالة يدا مرتجفة وفضها فلما قرأ ما فيها قال لروكامبول: إن الطبيب ~~فنسانت من أصدقائي المخلصين فلا يسعني التغاضي عما يطلبه غير أني مهما كنت غنيا ... # فقطاعه روكامبول وقال: نعم، فإنه لا يمكن أن يوجد في منزلك عشرون ألف فرنك. ~~- هو ما تقول. ولهذا فلا بد لي من أن أحملك على الانتظار ساعة إلى أن أحضر هذا المبلغ من ~~عند عميلي. ~~- لا بأس فسأنتظرك. # ثم جلس على كرسي وجعل البارون يكتب إلى عميله، فلما أتم كتابته نادى أحد الخدم وأمره أن ~~يذهب بالكتاب إلى عميله. # وقد حاول البارون أن يعلم إذا كان روكامبول واقفا على شيء من أمر الطبيب، فكان روكامبول ~~يجيبه على أسئلته ببلاهة اطمأن لها خاطر البارون. # وعند ذلك سمع صوت مركبة وقفت على الباب وكان روكامبول جالسا أمام النافذة فأطل منها فرأى ~~اثنين قد نزلا من المركبة ودخلا إلى ردهة المنزل وكان هذان الرجلان الفيكونت كارل ~~وتيميلون. # وبعد هنيهة دخل كارل وجلس على جانب سرير أخيه ثم كلمه بلغة حسب أن روكامبول يجهلها فقال له: ~~من هذا الرجل؟ # فأخبره البارون بأمره بنفس اللغة قائلا: لقد بدأ بالنصب فإذا كان قد بدأ بعشرين ألف فرنك ~~فأنا لا أعلم كيف ينتهي؟ ~~- لا بأس ادفع له وسترى بعد ذلك في أمره، والآن قل لهذا الرجل أن يدخل إلى الغرفة ~~المجاورة. # فقال البارون لروكامبول: يسوءني أني سأدعوك إلى الانتظار ساعة فقد تدركك السآمة فإذا شئت ~~فإن في الغرفة المجاورة كثيرا من جرائد الصباح تتسلى بقراءتها إلى أن يعود الخادم. # فشكره روكامبول ودخل إلى الغرفة وأخذ جريدة كبيرة وغطى بها وجهه وهو يوهمهما أنه يقرأ ويصغي ~~إلى حديثهما أتم الإصغاء. # وكان الحديث ms0917 بين الأخوين دائرا على أنطوانيت. فأخبره كارل كيف أنهم قبضوا عليها وهي بين ~~جماعة اللصوص وكيف ثبت عليها اشتراكها مع العصابة بالرغم عن دفاعها وكيف أنهم اخترعوا لها تلك ~~الأم التي جاءت إلى إدارة البوليس تطيبها فنقضت جميع أقوالها إلى آخر ما عرفه القراء. # كل ذلك وروكامبول مصغ إلى الحديث أتم الإصغاء بحيث لم يفته كلمة منه إلى أن قال كارل لأخيه ~~اصبر إلى أن ينصرف هذا الأبله - مشيرا إلى روكامبول - فأدخل عليك تيميلون لأن هذا الداهية قد ~~وضع خطة هائلة تضمن لنا بقاء أنطوانيت في سجن لازار إلى آخر العمر فتعلم أن الرجل يخدمنا أجل ~~خدمة ولا يختلس مالنا دون حق. # فلما سمع روكامبول اسم تيميلون عض على شفته من الغيظ لأنه كان يعرف ذاك اللص ويعلم أنه لا ~~يقف بجرائمه عند حد. # وعند ذلك عاد الخادم الذي أرسله البارون إلى عميله ودفع ليده غلافا يحتوي على أوراق مالية ~~قيمتها عشرون ألف فرنك، فنادى البارون روكامبول وأعطاه المال فأخذه وخرج. # وقبل أن يبلغ الردهة العمومية رأى تيميلون جالسا فخشي أن يعرفه إذا رآه، فأخذ منديلا من ~~جيبه وعطس عطسا متتاليا بحيث اضطر إلى إخفاء وجهه بالمنديل فمر دون أن يتمكن من النظر ~~إليه. # ولكن تيميلون لم يخطر له التنقيب عنه؛ لأن ملابسه كانت تدل على اشتغاله بالطب، ووجود مثل ~~ذاك الرجل عند البارون العليل لا يحمل على شيء من الشبهة. # أما روكامبول فإنه بعد أن اجتاز تيميلون جعل يبحث بنظره عن ذلك الخادم الذي أحضر الأوراق ~~المالية، فرآه واقفا عند باب الردهة. ولما خرج أشار إليه أن يتبعه فتبعه حتى وصلا إلى باب ~~المنزل الخارجي فخلا به روكامبول ثم نظر إليه تلك النظرات الساحرة وقال له: أتعلم ماذا حملت ~~لمولاك من عند عميله؟ إنك قد حملت إليه ثروة طائلة لو علمت بأمرها لما دفعتها إليه بل كنت هربت ~~بها إلى مكان تعيش فيه سعيدا بفضلها. # ثم أخرج من جيبه تلك الأوراق المالية وجعل يقلبها أمامه حتى بهر ناظريه ثم ms0918 قال له: ولكن هذه ~~الثروة التي كنت تستطيع أن تستولي عليها خلسة وحراما أدفعها لك بجملتها إذا طاوعتني فيما أريد ~~دون أن تقع عليك تبعة أو يطالبك أحد بشيء. # ولما رأى أن الخادم المسكين قد ضغطت الأوراق على صوابه أخرج منها ورقة قيمتها ألف فرنك وقال ~~له: خذ هذا المال الآن عربون اتفاقنا وإذا طاوعتني أعطيتك جميع ما في هذه الحقيبة. # فاندهش الخادم وقال له: قل ماذا تريد مني؟ ~~- لا أريد الآن إلا أن أسمع حديث سيدك مع أخيه دون أن يراني أحد من سكان المنزل فإذا بلغتني ~~مرادي كان لك مني خير عظيم. # فبرقت أسرة الخادم وقال: إذا لم تكن تريد مني غير هذا فهو سهل ميسور ثم قال له: ~~اتبعني. # فسار روكامبول في أثره إلى غرفة متسعة ففتح بابا فيها يتصل بغرفة صغيرة فأدخله إليها وقال ~~له همسا: إن هذه الغرفة ملاصقة لغرفة نوم البارون المقيم فيها الآن لا يفصل بينهما غير الحائط ~~الخشبي الرقيق وانظر إلى النافذة المفتوحة فيها فإنها تطل على سرير البارون فإذا وقفت على كرسي ~~وأطللت منها رأيت وسمعت كل شيء. # فصرفه روكامبول بالإشارة ووضع كرسيا تحت النافذة وصعد عليها فرأى الأخوين وتيميلون ~~يتحادثون وظهورهم إلى النافذة، وكان تيميلون يشرح للأخوين الخطة الهائلة التي اختطها لسجن ~~الصبية، فعرف روكامبول جميع ما يريد معرفته وأسرع بالخروج من هذا المنزل الجهنمي، فرأى الخادم ~~ينتظره على الباب فأعطاه ألف فرنك أيضا وقال له: سأراك فيما بعد. # ثم مشى عطفة في الطريق حيث كان ميلون ينتظره بمركبته، فركب بجانبه وأمر السائق أن يسير ~~بمركبته إلى منزل أنطوانيت. # وكانت علائم الاضطراب بادية على وجهه فقال له ميلون: أعلمت أين هي أنطوانيت؟ ~~- نعم، وليتني لم أعلم. فإنها وقعت في قبضة أعدائها وقد توفق هذان الأخوان إلى لقاء شريك قد ~~يشابهني بالدهاء. ولكني لا بد لي من الفوز عليهم بإذن الله، فإني أقصد منزلها، غير أني أخشى أن ~~أصل قبل فوات الأوان. # وما زالت المركبة تسير بهما حتى وصلت إلى منزل ms0919 أنطوانيت. وكان روكامبول قد خلع ثوب تنكره في ~~الطريق فاستقبلهما البواب فرحا مسرورا وقال لقد وجدنا أنطوانيت. # ففرح ميلون فرحا لا يوصف خلافا روكامبول فقد اصفر وجهه وسأل البواب: كيف وجدتموها؟ ~~- إنها أرسلت تطلب إليها مدام رينود وقد جاءت برسالة منها امرأة عجوز قالت إنها في خدمة عمة ~~أجينور، فلما اطلعت مدام رينود على رسالة أنطوانيت ذهبت بمركبة تلك العجوز لموافاة أنطوانيت ~~تصحبها امرأتي. # فاضطرب روكامبول وسأله: والعجوز؟ ~~- إنها أقامت في منزل مدام رينود ثم رجاء رجلان فصعدا إليها وأقاما عندها هنيهة ثم نزلا ~~ونزلت معهما وقالت لي: كن مطمئنا فسأعود قريبا، وركبت مع الرجلين في مركبة واحدة. ~~- إنك لا تعلم أين ذهبت ولكني أنا أعلم فإنها ذهبت إلى دائرة البوليس ومنها إلى المحكمة ~~وسيزجون أنطوانيت في سجن لازار. # فاضطرب ميلون حتى أوشك أن يذهب صوابه وقال: أمثل هذه الفتاة الطاهرة يزج في السجون؟ # فقال له روكامبول: احذر من أن تذكر حرفا عنها بعد الآن فإننا لا نستطيع التداخل بشأنها لدى ~~الحكومة لأننا هاربون من السجن وإن تيميلون قد نال الفوز الأول ولكن الفوز سيكون لي في ~~النهاية. # 19 # أما هذه المرأة العجوز فقد أرسلها تيميلون إلى منزل مدام رينود لتحل محلها لدى القضاء. فقد ~~عرف القراء أن إدارة البوليس إذا كانت اكتفت بشهادة اللصوص على أنطوانيت فحكمت بإيقافها توقيفا ~~تدعو إليه الظواهر الأولية، فإن المحكمة لا تنظر في قضيتها نظرا عارضا، وأنها لا بد أن تخبرها ~~على محل إقامتها وعن مدام رينود فإذا عرفت من مدام رينود حقيقة أمرها أطلقت سراحها في الحال. ~~ولذلك فقد جعل همه إبعاد مدام رينود عن المنزل، وإقامة تلك المرأة العجوز مكانها فيه، حتى إذا ~~جاءها البوليس وسار بها إلى المحكمة كانت لدى القضاة مدام رينود نفسها، فتبني حكمها على ~~أقوالها. # ويذكر القراء أن أنطوانيت كتبت مرة إلى أجينور وقد وقع الكتاب بيد عمه كارل فأعطاه لتيميلون ~~فقلد خطها تقليدا غريبا وكتب بلسانها إلى مدام رينود تخبرها فيه أن والد أجينور معارض بعض ~~المعارضة ms0920 في زواجه وأنها مقيمة عند عمة أجينور وترجوه الحضور إليها. # ولما وصل هذا الكتاب فرحت به فرحا لا يوصف لأنها رأت أن الخط خط أنطوانيت وأن مظاهر تلك ~~العجوز تدل على النبل والشهامة فأسرعت إلى موافاتها. # وقد قالت لها العجوز : إن عم أجينور يريد أن يقابلها في هذا المنزل مقابلة سرية للبحث في ~~شئون زواج ابن أخيه وسألها أن تسمح لها بالبقاء في منزلها إلى أن يحضر الفيكونت كارل. # فقبلت مدام رينود بملء الارتياح وركبت المركبة مع امرأة البواب التي اضطرت إلى مرافقتها ~~لأنها كانت مريضة. # ومما أجراه تيميلون إتماما لمكيدته أنه أرسل اثنين من عماله لاستئجار غرفة في ذلك المنزل ~~الذي تقيم فيه أنطوانيت. فصعد أحدهما مع البواب لمشاهدة الغرف الفارغة واختيار واحدة منها وبقي ~~رفيقه في المكان الذي يقيم فيه البواب. # وعند ذلك حضر اثنان من رجال البوليس السري وسألا هذا البواب الكاذب قائلين: أهنا تقيم مدام ~~رينود؟ ~~- نعم في الدور الثالث نمرة 19. # فصعدا إليها وبعد حين نزلا بها وهما واثقان أنها مدام رينود بعينها، كل ذلك والبواب لا يعلم ~~شيئا لانشغاله مع المستأجر الجديد. # أما روكامبول فإنه بعد أن علم هذه التفاصيل من البواب صعد إلى غرفة مدام رينود فرأى كتاب ~~أنطوانيت المزور على الطاولة فقال بعد قراءته: إن خصمنا قوي ولكني أنا قوي أيضا. # أما ميلون فكان ينتف شعوره من الغيظ، فطيب روكامبول خاطره وقال له: لقد رأيت من أعمالي ما ~~استدللت منه على قوتي ودهائي، فإذا كنت تشكك بي ولا تطيعني كما أريد، تخلفت عنك وتركت الصبية ~~لأعدائها. # فأجفل ميلون وقال: بل أطيعك فمر بما تشاء. ~~- اذهب الآن إلى السكة الحديدية وسافر بأول قطار إلى الرين، حيث يقيم هناك أجينور دي ~~مورليكس، فابحث عنه حتى تجده، ومتى وجدته قل له إنك ميلون وإن أنطوانيت في خطر شديد وقدومه إلى ~~باريس لا بد منه. # ثم خرج الاثنان، فذهب ميلون إلى المحطة، وذهب روكامبول في أمر آخر. # أما تلك المنكودة أنطوانيت فإنها دافعت عن نفسها دفاع القانطين ms0921 أمام المحكمة، وطلبت إلى ~~القضاة أن يسألوا عنها مدام رينود، فأمر القاضي اثنين من البوليس بإحضارها وأعيدت أنطوانيت إلى ~~مكانها في محل التوقيف. وبعد ساعة عاد البوليس بتلك المرأة العجوز صنيعة تيميلون وهم يحسبونها ~~مدام رينود، فاختلقت عن أنطوانيت أمورا تفسد جميع أقوالها السابقة. فحكمت المحكمة عليها بالسجن ~~في سانت لازار مع السارقات والمومسات، فحملت معهن بمركبة السجون الخاصة إلى ذلك السجن الرهيب ~~وهي مغمى عليها. فلم تعي على نفسها إلا وهي في السجن بين أولئك الفتيات الآثمات اللواتي تعودن ~~العيش في السجن، فلم يؤثر عليهن وجودهن فيه، بل كن يضحكن لبكاء أنطوانيت. وقد انقسمن إلى حزبين: ~~حزب رثى لبلواها، وحزب ساءه كبرياؤها فاندفع في عدائها وزيادة بلائها، حتى أوشكت أن تجن لهذا ~~المصاب. ~~••• # ولنعد الآن إلى فاندا الروسية التي بسطنا تاريخها في مقدمة هذه الرواية فإنها أصبحت عبدة ~~لروكامبول بعد إنقاذه بونفير من الإعدام وكانت تقول له في كل يوم: متى تحتاج إلي؟ # فيقول لها: لم يحن الوقت بعد. # وكان روكامبول معروفا لدى الهيئة الباريسية باسم الماجور أفاتار وأن فاندا الروسية امرأته، ~~فلم يكن يشكل من أمرهما على خدم المنزل غير تأخر الماجور أفاتار بعودته إلى المنزل، فكانوا ~~يعللون تأخره بميله إلى المقامرة مثل أكثر أغنياء الروسيين. # وقد عاد إلى المنزل بعد الحوادث المتقدمة عند الظهر، فدخل توا إلى غرفة فاندا، فوجدها ~~جالسة تنتظره فقالت له: ألعلك عرفت شيئا عن الأختين؟ ~~- نعم، عرفت كل شيء. وأنا محتاج إليك لأني سأبعث بك إلى السجن. # فبرقت أسرة فاندا من الفرح وقالت بإخلاص لا حد له: ابعث بي إلى الموت إذا شئت. ~~- كلا بل سأرسلك إلى سجن سانت لازار. ~~- لأي قصد؟ ~~- لإنقاذ أنطوانيت ميلر منه وهي إحدى الأختين. # ثم حكى لها جميع ما قدمناه من التفاصيل من حين عثوره على الصندوق إلى النهاية وقال لها: إني ~~أحاول أن تبقى فضيحة هذه الفتاة مكتومة لا تحول دون زواجها بأجينور. ~~- كيف يمكن ذلك، وهي ستحاكم أمام المجالس وينشر الحكم عليها في الجرائد؟ ~~- إنها لم ms0922 تحاكم بعد المحاكمة النهائية، وهي مقيمة مؤقتا في السجن إلى أن يصدر الحكم ~~النهائي، وسترد إليك تعليماتي وأنت في السجن، فخذي هذا الدبوس الذهبي وخبئيه بين شعورك، واحذري ~~من أن يضيع لأن كل السر فيه وإذا فقد منك فلا يعود لنا رجاء بإنقاذ الصبية من السجن، ثم ~~تهيئي للدخول إلى السجن فالبسي غدا ملابس الفتيات الماجنات واحضري إلي في القهوة الإنكليزية ~~بعد العشاء حيث تجدينني أنتظرك فيها فأخبرك بما يجب أن تصنعيه. # وبعد أن اتفقا على ذلك تركها روكامبول وذهب إلى حيث يقيم نويل فقال له: لقد بدأ دور عملك ~~فإني أريد أن تبحث لي عن امرأة تعرف جميع خفايا سجن سانت لازار. ~~- إن ذلك ميسور فإني أعرف فتاة تدعى شيفيوت من مشاهير السارقات بحيث إنها تقيم معظم أيامها ~~في هذا السجن، وربما كانت مقيمة فيه الآن وهي كثيرة المهارة وافرة الذكاء حسنة الإخلاص. # وسار الاثنان إلى بيت تلك الفتاة وسألا صاحبة المنزل عنها فقالت لهما: إنها لم تعد منذ ~~يومين. # فسألها نويل عن عشيقها جوزيف فقالت له: إنه في هذه القهوة القريبة. # فتركها نويل وذهب مع روكامبول فرأى جوزيف جالسا معتزلا في تلك القهوة فجلس بالقرب منه مع ~~روكامبول ودعاه إليه، فلبى الدعوة مسرعا وسلم عليه سلام الأحباب لأنهما كانا في عصابة واحدة ~~منذ أعوام. # وبعد أن سأل كل منهما الآخر عن حاله قال له جوزيف: في أية عصابة تشتغل اليوم وهل أستطيع أن ~~أفيدك في شيء؟ ~~- نعم، إني أتيتك لأمر خطير قد يكون لك منه فائدة إذا اتفقنا. ~~- حبذا ذاك؛ لأن أشغالنا باتت في كساد ولو لم تكسب خليلتي شيفيوت أمس ألف فرنك لكنت اليوم ~~في مصاف القانطين. ~~- كيف كسبت هذا المبلغ ألعلها سرقته حسب العادة؟ ~~- كلا بل كسبته بطريقة أفضل من السرقة فإننا نشتعل اليوم لحساب أبناء العائلات الكبرى تحت ~~أوامر تيميلون. # فأصغى روكامبول إصغاء تاما لذكر تيميلون، وجعل جوزيف يقص عليهما جميع ما علمناه من أمر ~~تلك المكيدة التي كادها لأنطوانيت، وكيف أن شيفيوت سجنت معها ms0923 في سجن سانت لازار بعد أن قبضت من ~~تيميلون ألف فرنك. # ولما انتهى من حكايته قال له: والآن، أية خدمة أستطيع أن أخدمك إياها؟ # وكان روكامبول نظر نظرة خفية إلى نويل، فقال نويل: إن خطتنا لم يتم وضعها بعد، أفلست تقيم ~~كل يوم في هذه القهوة؟ ~~- نعم. ~~- إذن سأمر بك غدا وسترى. # ثم ودعه وانصرف. # فلما صارا خارج القهوة قال له روكامبول: يجب أن تراقب هذا الرجل في الليل والنهار لأني ~~سأحتاج إليه. # وما سارا بضعة خطوات حتى وقفا على بائعة تبغ فقال له روكامبول: أهذه هي المرأة التي قلت لي ~~عنها. ~~- نعم. ~~- إذن ادخل إليها واتفق معها أن تقبض غدا على فاندا حين تمر بها وتدعي أنها سرقتها، وادفع ~~لها نصف الأجرة مقدما ثم قل لها إن الحادثة ستجري قرب القهوة الإنكليزية، فلتحضر إليها غدا ~~بعد العشاء بحجة أنها تحضر لي صندوقا من السيجار. # فامتثل نويل، وبعد ربع ساعة عاد إلى رئيسه وقال له: قضي الأمر وتم الاتفاق. # 20 # وفي اليوم الثاني كان روكامبول مع نويل في القهوة الإنكليزية يتناولان طعام العشاء مع فاندا ~~الروسية، ثم أقبلت بائعة التبغ حسب الاتفاق فعلمها روكامبول ما يجب أن يصنعاه وافترق عنهما بعد ~~أن أوصى بالاحتراس على الدبوس الذهبي. # وعند منتصف الليل انطلقت فاندا في أحد الشوارع الكبيرة تمشي فيها مشية تحمل على الريبة فكان ~~الشباب يستوقفونها على الطريق. # وفيما هي تكلم أحدهم أقبل البوليس فتظاهرت بالخوف الشديد وحاولت الفرار غير أنه قبض عليها ~~وسألها إلى أين أنت ذاهبة، فلم تجبه بل كانت تتظاهر بالرعب وتلتمس منه أن يطلق سراحها. # ولما أوشك البوليس أن يطلقها لتأثره من مظاهر خوفها أقبلت بائعة الدخان وتظاهرت أنها تنظر ~~إلى تلك المرأة نظرة المتفرج مع الواقفين ولكنها ما لبثت أن دنت منها وتبينت وجهها حتى علقت ~~بأردائها وصاحت بالبوليس قائلة: إياك أن تطلق سراحها لأنها سارقة وقد سرقتني أمس فما عثرت بها ~~إلا هذه الليلة وأنا بائعة دخان وهذه رخصتي النظامية. # فلما رآها البوليس لم يعد ms0924 لديه شك بجريمة فاندا فقبض عليها وساقها إلى إدارة البوليس تصحبها ~~بائعة الدخان، وبعد استنطاقها وسماع أقوال البائعة فتشوا جيوبها فوجدوا معها ورقا للعب ومائتي ~~فرنك وكانت فاندا تدافع عن نفسها دفاعا ضعيفا لا يثبت التهمة عليها ولا ينفيها، فأمر مدير ~~البوليس بإرسالها مؤقتا إلى سجن سانت لازار، فأخذت إليه وسجنت في سجن التوقيف مع أنطوانيت ~~وبقية العصابة التي لم يصدر عليها الحكم النهائي. # وهناك أخذت الراهبات ما كان معها من المال فأخذت فاندا مشطا ذهبيا من رأسها فأعطته ~~لإحداهن والتمست منها أن تبيعه كي تستعين بثمنه وهي في السجن إلى أن يخرجوها منه، فأخذت الراهبة ~~المشط منها ووعدتها خيرا دون أن تنظر إلى ذلك الدبوس الذي خبأته في شعرها الكثيف. # ولقد تقدم لنا القول أن بنات السجن انقسمن إلى قسمين قسم كان مشفقا على أنطوانيت راثيا ~~لبلواها لأن تلك العصابة كانت عارفة بأنها ضحية تيميلون، وكان في طليعة هذا القسم فتاة تدعى ~~مرتون الحسناء، وقسم كان مغضبا عليها مستاء منها لكبريائها، في طليعة هذا القسم شيفيوت خليلة ~~ذلك الرجل الذي قابله روكامبول وطلب إلى نويل أن يراقبه، فكانت شيفيوت تعذبها بقوارص كلامها ~~السافل، وكانت مرتون تعزيها لمصابها وتتولى خدمتها والدفاع عنها حتى أنست بها أنطوانيت وطلبت ~~إليها أن تعينها على إرسال رسالة إلى أجينور، فوعدتها خيرا وقالت لها: اكتبي رسالتك وأنا أتولى ~~إرسالها فقد ألفت عيشة السجون حتى تعلمت كل خفاياها. # ولما وصلت فاندا إلى السجن أقبل عليها جميعهن ولم يطل فحصهن لها حتى جعل حزب شيفيوت يعاملها ~~معاملة أنطوانيت لما رأوه من مظاهر عظمتها، فكن يدعونها بالبارونة والدوقة والأميرة تهكما ~~عليها، فصبرت فاندا على تهكمهن صبر الكرام وأنست شيفيوت منها الضعف لسكوتها وصبرها، وجعلت ~~تتمادى في احتقارها حتى أحرجتها وأثارت سخطها فهجمت عليها هجوم الكواسر وهشمت جسمها ~~تهشيما. # ولما انجلت تلك المعركة عن فوز فاندا مال أولئك الساخطات إليها شأن الإنسان بميله إلى ~~الغالب وتقهقرت شيفيوت بغير انتظام وهي تتوعدها بخليلها حين خروجهما من السجن. # ثم تفرق عنها ms0925 الفتيات ولم يبق أمامها غير مرتون، فوقفت أمامها باحترام وقالت لها: لقد أصابك ~~يا سيدتي من اضطهاد هذه الفاجرة ما أصاب تلك الفتاة البائسة التي دخلت معنا إلى السجن منذ ثلاثة ~~أيام. # ثم حكت لها حكاية أنطوانيت وما لقيته من جور شيفيوت وكيف أنها تدافع عنها ~~وتحميها. # فوثقت فاندا من ميلها إليها وقالت لها: أأنت التي يلقبونك مرتون الحسناء؟ ~~- نعم. ~~- أترين أنطوانيت كل يوم؟ ~~- بل كل ساعة لأني توليت خدمتها وحمايتها. ~~- إذن اعلمي أني ما دخلت السجن إلا لإنقاذها. # فأكبت مرتون على يدي فاندا تقبلهما باكية من الفرح، فسارت بها فاندا إلى زاوية السجن وقالت ~~لها: قلت لك إني ما دخلت هذا السجن إلا طائعة مختارة بغية إنقاذ أنطوانيت. ~~- إن هذا محال لأن سجن سانت لازار لا يمكن الهرب منه. ~~- كل شيء ممكن لأن لكل قاعدة شواذا، ولذلك لا بد لي من أن أرى أنطوانيت. ~~- سأجمعك بها في الحال، قولي لي اسمك. ~~- لا حاجة إلى معرفة اسمي، قولي لها فقط إنني آتية من قبل ميلون. # أسرعت مرتون إلى أنطوانيت وقالت لها: بشراك يا سيدتي. ~~- ماذا ألعلك أرسلتي رسالتي إلى أجينور؟ ~~- نعم ولكني ما أتيت إليك من أجل هذا. # ثم قصت عليها حكاية فاندا فسرت سرورا لا يوصف بنجاة ميلون وأسرعت لمقابلة فاندا ودار ~~بينهما الحديث الآتي: قالت فاندا: إنك لم ترينني في حياتك يا سيدتي ولكني ما قدمت إلى هذا السجن ~~إلا من أجلك. ~~- أأنت آتية من قبل ميلون كما قيل لي؟ ~~- نعم. ~~- إذن فقد صدق نظري إني رأيته في باريس منذ ثلاثة أيام. ~~- ولكنه ليس مقيما فيها الآن لقد سافر إلى بريطانيا لمقابلة أجينور دي مورليكس. # فاحمر وجه أنطوانيت وقالت: أتعرفينه أيضا؟ # ولم تجبها فاندا على هذا السؤال واستطردت في حديثها قائلة: إنهم أخبروك الحقيقة في إدارة ~~البوليس بأنهم رموك في الفخ بينما كان أجينور مسافرا في طريق بريطانيا. ~~- رباه ماذا أسمع إذن يوجد من يسعى بمنع زواجنا؟ ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- أبمثل هذه الوسائل السافلة؟ ولكني لا أبالي ms0926 لأن ميلون سيعود مع أجينور ويخرجانني من ~~السجن. # فهزت فاندا رأسها وقالت: كلا ليس هو الذي سيخرجك منه بل أنا فأصغي إلي الآن إن أمك قد سلبت ~~ثروتها. ~~- علمت ذلك. ~~- غير أنك لست في السجن بسبب زواجك مع أجينور؛ بل لأن الذين سرقوا ثروة أمك باتوا يخشون ~~مطالبتك بها، فهم يحاولون إبقاءك في هذا السجن الرهيب إلى الأبد؛ ولذلك يجب أن تخرجي من هذا ~~السجن دون أن يعلم بأمرك أحد، ولا يجب أن يقفوا على أثرك متى خرجت منه. ~~- ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ ~~- إني سأنقذك من السجن وإن كل شيء ممكن لي وللذين أخدمهم. # فنظرت إليها أنطوانيت بانذهال وقالت لها: من أنت يا سيدتي؟ ~~- أنا صديقة رجل أخرج ميلون من السجن وأقسم أن يرد إليك ثروتك، وهو رجل لا تعرفينه أنت ~~ولكنه أحب مساعدتك لحبه لميلون. ~~- إذا كان هذا الرجل قادرا كما تقولين ألا يستطيع إخراجي من السجن بدلا من الفرار ~~منه؟ ~~- نعم ولكنه يريد أن يخفي أثرك عن عيون مضطهديك فإن ساعة فضيحة القتلة السارقين لم تحن ~~بعد. ~~- وأي قتلة تعنين يا سيدتي؟ ~~- قتلة أمك فإنها ماتت مسمومة؛ ولهذا فإننا لا نسعى إلى إنقاذك فقط بل للانتقام ~~أيضا. ~~- أواه يا سيدتي إن الانتقام ليس على شرائع المسيح. ~~- ولكنه ينطبق على شريعة الإنسان، فإن الهيئة الاجتماعية لا تصفح عن الإخوان إذا قتلوا ~~إخوانهم، وبعد فإني أراك ذكية الفؤاد وأرى بين عينيك دلائل الهمة والنشاط، فأصغي إلي إن ~~المجرمين يخونون أنفسهم حين يحسبون أنهم باتوا في مأمن من الخطر. ~~- لا ريب فيما تقولين يا سيدتي ولكني لا أعلم إلى أين تريدين أن تصلي بحديثك هذا. ~~- أريد أن تعلمي أن من تجاسر على أن يلقيك بمثل هذه الهوة الهائلة فهو أهل لكل إثم فإذا ~~أردنا إطلاق سراحك بقوة القضاء لوجب علينا إظهار أسماء أولئك القتلة الآثمين وفضيحة أمرهم، ولكن ~~مركزهم في الهيئة الاجتماعية عظيم فلا تبلغ إليه يدي ولا يد ميلون ولا يد ذلك الرجل الذي ~~يقودنا. ~~- لقد فهمت ما تريدين ms0927 غير أني زججت في هذا السجن بصفة مجرمة أثيمة فإذا هربت أفلا تثبت علي ~~الجريمة؟ ~~- وماذا تهمك ثبوتها؟ ~~- إنهم يقبضون علي مرة ثانية ويحكمون علي في الحال بدليل فراري، أما الآن فإن الحكم النهائي ~~لم يصدر بعد وأنا لا أزال أرجو البراءة. ~~- أعدك قبل كل شيء أنك متى خرجت من السجن لا يقبض عليك أحد، ثم إنك لم تسجني باسم أنطوانيت ~~دي ميلر فإنك ادعيت أنك ابنة البارون ميلر فلم يصدقوك، وهم يحسبون أنك ابنة ماريوت تلك العجوز ~~التي جاءت تطلبك مدعية أنها أمك. ~~- هذا أكيد غير أنه بقي بين هذه المشاكل المعقدة مشكل لم أستطع حله، وهو أن القاضي الذي ~~كان يحقق في قضيتي كان يظهر عليه أنه واثق من براءتي وأرسل يدعو إليه مدام رينود فكيف اتفق أنها ~~لم تحضر. # فابتسمت فاندا بحزن وقالت: إنها حضرت وقالت للقاضي إنك ابنة ماريوت وخليلة ذلك اللص الشقي ~~بوليت. # فوهت رجلا أنطوانيت وقالت: إن هذا محال. ~~- بل هي الحقيقة. ثم قصت عليها كيف أنهم خدعوا مدام رينود فاختطفوها وأرسلوا إلى المحكمة ~~امرأة من أتباعهم ادعت أنها مدام رينود، وأثبتت أمام القضاء ما عرفه القراء. # ولما فرغت من حديثها قالت لها: أعرفت الآن شدة دهاء هؤلاء المجرمين ولكن يد الله فوق يدهم، ~~وإنك عندما تهربين من سجن لازار تهربين منه باسم أنطوانيت السارقة، وليس باسم أنطوانيت دي ميلر، ~~ومن يجسر بعد ذلك على أن يحب امرأة البارون دي مورليكس تلك الفتاة السافلة عشيرة اللصوص ~~والمجرمين. # فارتعشت أنطوانيت وقالت: ماذا عسى أن يكون أصاب مدام رينود؟ ~~- إن أصحابنا سيريحون بالها والآن فلنهتم بأمر إنقاذها فإننا لا ننجو من هذا السجن إلا إذا ~~نقلنا إلى المستشفى. ~~- ولكني لست مريضة. ~~- يجب أن تكوني مريضة. ~~- تريدين أنه يجب أن أتظاهر بالمرض؟ ولكني لا أستطيع الكذب. ~~- كلا، بل ستكونين مريضة في الحقيقة. # فزاد انذهال أنطوانيت وقالت لها: كيف ذلك؟ # فأخرجت فاندا من شعرها هذا الدبوس الطويل الذي أعطاها إياه روكامبول، فانتزعت قمعه وأخرجت ~~من ذلك القمع أربعة ms0928 حبوب صغيرة ذات لونين، فقالت لها: إن هذه الحبوب تتضمن الداء والدواء، فإذا ~~ابتلعت الحبة السوداء أصبت بقيء وإسهال، ولكن ذلك لا يحمل على الخوف فإن العاقبة محمودة ولا ~~خطر من ابتلاع هذه الحبة. ~~- والحبة البيضاء؟ ~~- إنها مفتاح هذا السجن فإذا ابتلعتيها بعد أربع وعشرين ساعة فتحت لك أبواب السجن. # فنظرت أنطوانيت إليها نظر الحائر المرتاب وقالت لها: أصادقة فيما تقولين أم أنت ~~تخدعينني؟ # فابتسمت فاندا وقالت: إني كنت أتوقع مثل هذا السؤال ولكنني سأجيبك عنه خير جواب. # ثم أخذت حبة سوداء وابتلعتها. # فقالت لها أنطوانيت باضطراب: ماذا فعلت؟ ~~- إني ابتلعت هذه الحبة كي أكون مريضة مثلك وأذهب معك إلى المستشفى كي أنقذك. ~~- عفوك يا سيدتي فلقد شككت بإخلاصك لأن هذه الأيام الثلاثة وما لقيت فيها من ضروب المكر ~~فتحت لقلبي سبل الريب بكل إنسان، والآن هاتي الحبة الثانية. # ثم أخذتها وابتلعتها. # وعند ذلك قرع جرس السجن فافترقتا وذهبت كل منهما إلى محبسها. # وفي الساعة الثامنة من المساء بينما كان طبيب السجن جالسا في غرفته إذ أسرع إليه الخدم ~~يصيحون أسرع فإن الهواء الأصفر قد انتشر في السجن. # فهرول الطبيب منذعرا في أثر الخدم فساروا به إلى محبس أنطوانيت فلما فحصها ورأى أنها مصابة ~~بالقيء والإسهال قال: ليس هذا الداء بالهواء الأصفر ولكنه مرض هندي يشبهه. # وقبل أن يتم كلامه أقبل عليه خادم يقول إن امرأة أخرى أصيبت بهذه الأعراض نفسها وهي ذاهبة ~~إلى غرفتها. # فاضطرب الطبيب وزاد خوفه فأخذ يد أنطوانيت وأجلسها أمامه وجعل يفحصها باعتناء عظيم. # 21 # بينما كانت أنطوانيت يفحصها الطبيب وهو لا يدري كيف يشخص هذا الداء الذي رماها به روكامبول، ~~كان كتابها الذي أرسلته إلى أجينور يسير به أوغست إلى منزل أجينور. # وأوغست هذا رجل في مقتبل الشباب كان يهوى مرتون المدافعة عن أنطوانيت بملء جوارحه، وكان ~~كثيرا ما يؤنب مرتون على سيرتها الفاسدة، ولكنه على طول عشرته لها واختلاطه مع أمثالها لم ينزع ~~منازع أولئك اللصوص ولم يقف مرة في مواقف القضاء، ذلك لأن ms0929 الحب قد طهر نفسه ونزهها عن الآثام، ~~وهو ابن أخ جواني الجلاد الذي أنقذه روكامبول من السجن وأتى به باريس. # وكان أوغست قد تعود من حبيبته أن تنفق معظم أيامها في السجن، فكان يزورها كل يوم في سجنها ~~حتى علمته التجارب جميع مكائد السجون، فلما اجتمع بها أخيرا أعطته رسالة أنطوانيت سرا وقالت ~~له: إنها للبارون أجينور دي مورليكس المقيم في شارع سيرسنس نمرة 17 فأعطيه إياها يدا بيد واحذر ~~من أن يخدعوك. # وقد تعود أن لا يخالف لها أمرا لفرط هيامه بها، فخبأ الرسالة في جيبه وانطلق يهرول إلى ذلك ~~الشارع وهو يعجب أشد العجب لأن هذا الشارع لا يقيم فيه عادة غير الأغنياء الذين لا علاقة لهم ~~بفتيات السجون، ولكنه قال في نفسه: لعل في الأمر سرا لا يهمني معرفته وقد تعهدت بإيصال ~~الرسالة فلا بد لي من الوفاء. # وما زال يسير حتى وصل إلى منزل أجينور، فهاله ما رآه من الفخامة ومظاهر العظمة، ونادى ~~البواب فقال له: أهنا منزل البارون أجينور دي مورليكس؟ ~~- نعم، ماذا تريد منه؟ ~~- إني أحمل رسالة إليه. ~~- إنه مسافر فدع الرسالة هنا يأخذها عند رجوعه. ~~- كلا، فإن مرتون أمرتني أن أسلمها إليه يدا بيد. # فحملق البواب بعينه وجعل ينظر إليه نظرات الشك وقال له: من هي مرتون هذه؟ ~~- إنها خليلة لي. # فقال البواب باحتقار: إن مولاي البارون لا علاقة له مع أمثال خليلتك. ~~- وأنا من رأيك ولكن هذه الرسالة من امرأة سواها مقيمة معها بالسجن. # فلم يطق البواب سماع حديثه وقال له بجفاء: اعلم أنك هنا في منزل شريف وأنا أرجوك أن تنصرف ~~وحدك برسالتك. # ولم يستأ أوغست من كلامه وقال له: إني ذاهب ولكني سأعود متى عاد سيدك، إذ لا بد لي من إيصال ~~الرسالة. # ثم انصرف يمشي الهويناء دون أن ينتبه إلى رجل خرج بعده وجعل يقتفي أثره. # وكان هذا الرجل سائقا يتجول أمام منزل أجينور كل يوم بعد هذه الحوادث الأخيرة، فلما جاء ~~أوغست يسأل البواب عن أجينور كان هذا ms0930 السائق واقفا بالقرب منهما فسمع جميع ما دار بينهما من ~~الحديث. # وبينما كان السائق يسير في أثره التقى بسائق آخر من أصحابه وسار وإياه في اقتفاء أوغست، أما ~~أوغست فإنه ما زال يسير على مهل حتى انتهى إلى قهوة فدخل إليها وجلس على مائدة الطعام يشرب ~~كأسا من الخمر، فدخل السائقان بعده، وجلسا بالقرب منه بحيث إنه كان يسمع حديثهما فقال أحدهما ~~للآخر: أتشاركني بشرب زجاجة خمر أيها البارون؟ # فأجابه الآخر: كما تريد أيها الفيكونت. # ثم دعا أحدهما الآخر أجينور وهما يشربان ويتحادثان وأوغست لا تفوته كلمة من حديثهما إلى أن ~~سمع السائق يقول لرفيقه: كيف حال زميلنا المركيز في خدمة مولاه؟ # فأجابه رفيقه: إنه لم يعد مركيزا وهو الآن فيكونت لأنه لا يثبت في منزله. # فتنبه أوغست وقال في نفسه: تبا لي من أبله لقد نسيت أن الخدم يتسمون بأسماء أسيادهم، فإذا ~~كان أحدهم خادما عند كونت أطلقوا عليه في خلواتهم لقب كونت، وقد سمعت هذا الرجل يدعو رفيقه ~~بارونا، ثم ناداه باسم أجينور فلا بد أن يكون هو أجينور دي مورليكس وأنه صاحب الرسالة وإلا فأي ~~اتصال بين فتاة في السجن وبين بارون حقيقي. # ثم جعل يسمع حديثهما بإصغاء فعلم من خلاله أن هذا السائق في خدمة البارون أجينور، وأن له ~~خليلة مسجونة في سانت لازار، ولم يعد لديه شك أنه هو صاحب الرسالة، فنهض من مكانه ودنا منهما ~~فقال إلى الذي كان يدعى أجينور: ألعلك من خدم البارون دي مورليكس؟ ~~- نعم أيها الرفيق. # فأحب أوغست أن يستوثق منه فقال له: أين يسكن البارون؟ ~~- في شارع سيرسنس نمرة 17. ~~- إني كنت أود أن أكون سائسا في اصطبله فقد قيل لي إنه محتاج إلى سائس. ~~- إن هذا الأمر خاص بي، فتعال غدا صباحا فإذا كنت ماهرا في مهنتك اتفقنا. ~~- في أية ساعة؟ ~~- بين التاسعة والعاشرة والآن أتريد أن تشرب كأسا من الخمر؟ # فجلس بينهما وقال: حبا وكرامة. # وعاد السائق إلى إتمام حديثه مع رفيقه وقال له: إن لها صديقة في ms0931 السجن تدعى مرتون يستطيع ~~الناس مقابلتها في السجن، وهي لا بد لها أن ترى أنطوانيت وتساعدها على إرسال رسائلها لي. # وعند ذلك ذهب كل شك من فؤاد أوغست فقال له: أتعرف مرتون؟ ~~- أعرفها أتم المعرفة بواسطة خليلتي أنطوانيت، ولكن قل لي لماذا سألتني هذا السؤال؟ ~~- دعني قبل ذلك أن أسألك سؤالا آخر قبل أن أجيبك وهو كيف كانت تدعوك أنطوانيت؟ ~~- أجينور، وأنت تعلم بصفتك سائسا أن المحترفين حرفتنا يدعون أنفسهم بأسماء أسيادهم. ~~- لست بسائس ولكني أيقنت الآن أن الرسالة لك. # ثم أخرج الرسالة من جيبه وحاول إعطاءه إياها، فمد السائق يده بلهف إليها، فتنبه أوغست وقال: ~~كلا لا أسلمك إياها هنا فإني وعدت مرتون أن أسلم الرسالة يدا بيد لأجينور المقيم في شارع ~~سيرسنس نمرة 17. ~~- إذن فلنذهب إلى المنزل كي لا تخل بوعدك ونشرب كأسا أيضا قبل أن نذهب. وعند ذلك استأذن ~~السائق الآخر وانصرف. # وبعد هنيهة خرج أوغست والسائق في طريق منزل أجينور حتى إذا مرا بمنزل عمه قال له السائق: ~~أرجوك أن تنتظرني قليلا عند بواب هذا المنزل إلى أن أكلم أحد خدامه في شأن خاص. # فامتثل أوغست وجلس مع البواب لينتظره، أما السائق فإنه صعد إلى المنزل حيث كان فيه الفيكونت ~~كارل. # ولما رآه الفيكونت اندهش لمرآه إذ عرف أنه تيميلون متنكرا بشكل سائق، فأخبره تيميلون بما ~~حدث وقال له: لا بد لي أن أحصل على هذه الرسالة لكي أتمكن من الدخول إلى منزل أجينور. ~~- إن ذلك سهل ميسور، فأرسل معك خادم غرفتي فتصل إلى المنزل دون أن يعترضك أحد فتجوز حيلتك ~~على هذا الرجل. # ثم قرع الجرس فأسرع إليه الخادم فأمره بالذهاب مع تيميلون والخضوع له ونزل الاثنان. # ومن الغريب أن أوغست لم يكن حيث تركه تيميلون فاضطرب وسأل عنه البواب فقال له: إنه بينما ~~كان جالسا ينظر إلى الشارع إذ صادف نظره رجلا من المارة فصاح صياح الدهشة والفرح قائلا: ~~«خالي.» ثم خرج مهرولا إلى هذا الرجل فلم أعد أراه. # فتهدد تيميلون السماء بقبضتيه وجعل ms0932 يتوعد ويقذف الشتايم واللعنات. # 22 # أما أوغست فإنه حين خرج من غرفة البواب للقاء خاله فرح به فرحا لا يوصف وكان خاله هذا ~~جواني الجلاد، وقد جعله روكامبول يراقب منزل الفيكونت كارل كما كان تيميلون يراقب منزل ~~أجينور. # ولم يكن أوغست قد رآه بعد خروجه من السجن فجعل يعانقه ويناديه باسمه، فقال له: كفى تناديني ~~باسمي فإنك ستنبه إلي البوليس لأني هربت من السجن. # فسكت أوغست وابتعد وإياه وقال له: ماذا تصنع هنا؟ ~~- إني أراقب الداخلين والخارجين إلى هذا المنزل وأشار بيده إلى منزل كارل. # فقال له أوغست: إني كنت فيه حين رأيتك. ثم أخبره بأمر الرسالة، وكيف اتفق قدومه إلى هذا ~~المنزل. # وكان جواني يسمع حكايته بأتم الانتباه، فلما فرغ منها قال له: إذا لم يكن رئيسنا مخطئا ~~بمزاعمه، وهو لا يخطئ، فما هذا السائق إلا تيميلون. ~~- من هو رئيسكم ومن هو تيميلون؟ # فأخبره خاله بأمر روكامبول وتيميلون ثم قال له: هلم بنا الآن لنرى الرئيس قبل أن يخرج ~~تيميلون فيقبض علي دون شك. # وركب الاثنان مركبة وانطلقت بهما إلى المكان الموجود فيه روكامبول فأخبره جواني بجميع ما ~~اتفق، فسر روكامبول لهذا الاتفاق وأخذ الرسالة من أوغست بعد أن أقنعه خاله على تسليمه إياها، ~~ففضها وقرأها، ثم كتب رسالة غيرها قلد بها خلد أنطوانيت تقليدا غريبا وقال لأوغست: يجب أن ~~تسلم الرسالة إلى ذلك السائق الذي ادعى أنه أجينور دي مورليكس ولا بد أنه ينتظرك الآن في ~~المنزل، واحذر أن يعلم شيئا من الحقيقة. # ثم حكى له حكاية أنطوانيت دون أن يذكر له اسمها، ووصف له حب أجينور لها، وكيف أن عائلته ~~احتالت على تلك الفتاة الشريفة فزجتها في السجن، إلى غير ذلك من حكايتها. ولكي لا يبقى في فؤاده ~~أثر للريبة أعطاه الكتابين وقال له: سلم هذا الكتاب الحقيقي؛ أي كتاب أنطوانيت، إلى أجينور عند ~~عودته من السفر، وأعط هذا الكتاب المقلد؛ أي الذي كتبته أنا مقلدا فيه خط أنطوانيت لذلك السائق ~~الذي ادعى أنه أجينور، وإنما كتبته ms0933 تقليدا لأعدائنا. # فأخذ أوغست الكتابين فخبأ كتاب أنطوانيت وذهب بالآخر إلى منزل أجينور، فرأى ذلك السائق فيه ~~أي تيميلون فاعتذر إليه لخروجه من عند البواب وأعطاه الرسالة ثم قال له: إذا أحببت أن تجيب ~~عليها فإني مستعد لخدمتك بإيصال الرسالة. # فشكره تيميلون وقال: أين أجدك مساء الغد؟ # فذكر له اسم قهوة يجلس فيها وذهب. # وبعد خروجه فتح تيميلون نافذة الغرفة وصفر بصفارة فأقبل رجل كان واقفا في الطريق فأشار له ~~بيده إلى أوغست حين خروجه من الباب ثم أغلق النافذة. وبعد ساعة ذهب تيميلون إلى منزل الفيكونت ~~كارل وأخبره باستيلائه على الرسالة ثم قال بلهجة المتهكم: ولكني أرسلت جاسوسا يقتفي أثر حامل ~~الرسالة. # فعجب كارل وسأله: لماذا؟ ~~- لأنهم قد عبثوا بنا يا سيدي ونحن غافلون. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أن هذه الرسالة التي قرأتها لم تكن بخط أنطوانيت. ~~- إنك مخطئ فقد عرفت أنه خطها بعينه لم يتغير. ~~- إن الخط مقلد أبرع تقليد وعندي أنه لا يحسن هذا التقليد إلا رجل واحد. ~~- من هو؟ ~~- إن الرجل يدعى روكامبول وكنت أخشى من قبل أن يكون له دخل في أمرنا، أما الآن فقد أصبحت ~~واثقا من تداخله كوثوقي من حبوط مساعينا مع هذا الداهية، فإذا لم نتخذ طريقة ناجعة لإرجاعه إلى ~~السجن في هذه الليلة فقد قضي علينا جميعا، أما أنا فلا أستطيع أن أصنع شيئا خلافا لك فإنك ~~تستطيع صنع كل شيء. # فذعر كارل لما رآه من اضطراب تيميلون وسأله: كيف ذلك وماذا تريد أن أصنع؟ ~~- إن الأبواب مفتوحة لديك فإذا ذهبت إلى إدارة البوليس وقلت له: إنك تعرف مكان روكامبول ~~الهارب من سجن طولون فإنه يرسل معك ثلة من الجند فتقبض عليه في الحال، وإذا لم تفعل ذلك فإن ~~التبعة تقع عليك وحدك ولا أكون مسئولا بشيء. ~~- ويحك وأين تريد أن أجد هذا الرجل؟ ~~- لا أعلم الآن ولكني أرجو أن أعرف مقره في هذا المساء؛ ولذلك أرسلت جاسوسا في أثر أوغست ~~الذي حمل إلينا كتاب أنطوانيت المزور. ~~- وأنا لا أعلم أيضا، ms0934 كيف خطر لك أن تحسب ذلك من صنع روكامبول؟ ~~- ذلك أنه عندما كان أوغست ينتظرني عند الباب رأى رجلا في الطريق فخرج إليه مهرولا وهو ~~يناديه: يا خالي. ثم لما ذهبت مع خادم غرفتك إلى منزل أجينور جاءني أحد رجالي وقال لي: إنك لو ~~كنت باقيا في خدمة البوليس لكنت نلت جائزة حسنة. قلت: كيف ذلك؟ أجاب: إني رأيت من ساعة جواني ~~الجزار وهو الذي كان جلادا في سجن طولون وفر منه، فلو أرشدت الحكومة عليه لنلت الجزاء الحسن. ~~ثم ذكر لي أنه رآه مع شاب تنطبق أوصافه على أوصاف أوغست فعلمت أنه خاله. # وقد علمت بالامتحان الكيماوي لحل الرسالة أنها كتبت منذ ساعتين، ولما كان جواني هرب من ~~السجن مع روكامبول والتقى بابن أخته حامل هذه الرسالة فلم يعد لدي شك أن لروكامبول يدا في أمر ~~أنطوانيت لا سيما وأن ميلون قد هرب معه أيضا في يوم واحد. # فاقتنع كارل بهذا البرهان، وقال: إذن، إن روكامبول هذا رجل شديد الخطر. ~~- إنك إذا لم ترجعه إلى السجن ذهبت أنت إليه، وقتلت أنا بضربة خنجر، وتزوج أجينور أنطوانيت، ~~فتدبر. ~~- إذن سأذهب إلى إدارة البوليس وأخبرها بأمره. ~~- كلا لم يحن الوقت بعد، إذ يجب أن نعرف مقر روكامبول لأن البوليس لا يستطيع أن يهتدي إليه، ~~وسأعرف مقره بواسطة الجاسوس الذي أرسلته في أثر أوغست. والآن لا بد لي من الخروج من منزلك ~~متنكرا لأنه إذا كان جواني الجلاد وجد أمام منزلك فهو يخفره بأمر روكامبول دون شك ولا أحب أن ~~يراني. ~~- وكيف تتنكر؟ ~~- أتزيا بزي أحد خدامك وأركب أمام السائق في مركبتك حين ذهابك إلى النادي، فلا يعرفني بهذا ~~التنكر غير روكامبول. ~~- إذن فلنذهب الآن فهذا الوقت الذي أذهب فيه إلى النادي. # ثم غير تيميلون زيه وخرج مع الفيكونت كارل. فسارت بهما المركبة إلى نادي أسبرج، وهو النادي ~~الذي كان مشتركا فيه روكامبول باسم الماجور أفاتار. # وقد اتفق أنه حين وصول المركبة إلى النادي وقفت عند بابه مركبة أخرى فخرج منها الماجور ms0935 ~~أفاتار وحيا الفيكونت كارل ودخل قلبه. # وعند ذلك أسرع تيميلون إلى كارل وقال له وهو يضطرب منذعرا: هذا هو بعينه. # فانذهل الفيكونت وقال: من هو؟ ~~- إن هذا الرجل الذي سلم عليك هو روكامبول بعينه، عرفته وأرجو أن لا يكون قد عرفني. # فقهقه كارل ضاحكا وقال: لقد بلغ منك الوهم مبلغا عظيما لأن هذا الرجل روسي يعرفه جميع ~~أعضاء النادي. ~~- سترى أني لست واهما، والآن إني ذاهب للنظر في أمرنا فانتظر مني رسالة. ثم تركه ~~وانصرف. # أما كارل فإنه دخل إلى النادي فوجد الماجور أفاتار جالسا بين حلقة من أصدقائه يحدثهم ~~بالأخبار الروسية، فخلا بأحد أصحابه المخلصين وقال له: أتعرف هذا الماجور؟ ~~- نعم، وأنا الذي قدمته إلى أعضاء النادي. ~~- أتعرفه حق المعرفة؟ ~~- كيف لا أعرفه، وقد أقمت ستة أسابيع في ضيافة أبيه، في بلاد القوقاز. # فرجع كارل عنه، وقد وثق أتم الوثوق من أن تيميلون كان واهما فيما ادعاه. # ولكنه لم يطل بقاءه في النادي حتى وردت إليه رسالة من تيميلون يقول فيها: «عثرت بهم فاحضر ~~في الحال.» # 23 # وكان السبب الذي دعا تيميلون من أجله كارل، هو أن الجاسوس الذي أرسله في أثر أوغست عاد إليه ~~وأخبره أنه تعقبه حتى رآه دخل إلى خمارة، فاجتمع فيها بخاله جواني الجلاد، فدخل إلى الخمارة ~~وجلس إلى جانبهما وهو يتظاهر بالسكر الشديد بحيث إنهما لم يكترثا له، وجعلا يتحدثان أمامه بحرية ~~فعلم منهما أين تقيم عصابة روكامبول بجملتها. ثم علم أن روكامبول سيكون معهم في الليلة القادمة ~~فذهب مع ذلك الجاسوس إلى ذلك المنزل وعرف أن العصابة تقيم في غرفة منه عند رجل يدعى ريكولو، كان ~~في بدء أمره من كبار اللصوص ثم تاب من اللصوصية إلى السكر، ولكنه منذ ستة أشهر لم يذق الشراب ~~لانشغال باله بامرأته؛ لأنها كانت محبوسة في سجن سانت لازار وهي حبلى، فنغص سجنها عيشه. ولكنه ~~كان يتعزى بإقامة بعض رجال روكامبول عنده. # ثم علم تيميلون أيضا أن لصا من الذين كانوا يشتغلون تحت رئاسته مقيم في غرفة ms0936 هذا المنزل، ~~فاجتمع به واتفق معه على ما سيعرفه القراء. # ولما عرف جميع ذلك وأيقن من القبض على روكامبول وعصابته ذهب إلى النادي وأرسل تيميلون ~~التذكرة المتقدمة. # فلما وصلت التذكرة إلى كارل خرج مسرعا إلى تيميلون وعرف منه جميع ما تقدم وأظهر له ثقته من ~~أن الماجور أفاتار غير روكامبول. # فلم يكترث تيميلون لكلامه وقال له: يخلق بنا الآن أن لا نضيع الوقت إذ يجب التأهب لإبلاغ ~~البوليس وإهدائه إلى مكان اجتماع العصابة. ~~- هو ما أراه أيضا، إنما يجب أن نتخذ ذريعة لإبلاغ البوليس لأني لست من الجواسيس. ~~- إني أعددت تلك الذريعة وهي أننا ندخل إلى منزلك من جهة الحديقة فنكسر إحدى الخزائن ونأخذ ~~محفظة ونكتب عليها اسمك، فأخبئها بواسطة أحد رجالي في الغرفة التي تجتمع فيها العصابة، ثم ~~تدعي عند البوليس بأنك عرفت من بعض رجالك أن الذين سرقوا منزلك هم فلان وفلان وأنهم يقيمون في ~~منزل كذا، ومتى عرف البوليس تلك الأسماء وأن أصحابها هم الهاربون من سجن طولون يرسل إليهم في ~~الساعة التي تعينها ثلة من الجند تحيط بالبيت من جهاته الأربع فلا يعود سبيل للفرار. # فوافق كارل تيميلون وقال له: متى يجب أن أبلغ البوليس؟ ~~- في صباح غد، والآن هلم بنا إلى منزلك لكسر الخزانة كي لا يبقى في السرقة شك. # وسار الاثنان إلى المنزل فكسرا الخزانة وأخذ تيميلون محفظة عليها اسم الفيكونت كارل. # ثم افترقا وعاد كارل إلى النادي وذهب تيميلون إلى جاسوسه الذي كان يقيم في إحدى غرف المنزل ~~الذي تقيم فيه العصابة، فتربص وإياه حتى أيقنا أنه لا يوجد أحد في غرفة العصابة. فعالج تيميلون ~~بابها بما كان لديه من المفاتيح حتى فتحه، ثم أخذ المحفظة ووضعها بين فراشي السرير، ثم خرج من ~~الغرفة وأقفل بابها، وعاد إلى منزله وهو مطمئن البال، واثق من القبض على روكامبول في الغد، وقبض ~~المائة ألف فرنك من كارل. # وكان السبب في عزم روكامبول على زيارة الغرفة التي تقيم فيها عصابته بضيافة ريكولو أن نويل ~~تمكن من ms0937 ضم هذا الرجل إلى العصابة، وقد علم منه أنه يوجد تحت غرفته قبو وأن هذا القبو يخرج منه ~~بدهليز سري يتصل بمقابر مونمارتر، فأراد روكامبول أن يرى هذا الدهليز وضرب له ذلك ~~الموعد. ~~••• # ولنعد الآن إلى روكامبول فإنه ذهب في صباح اليوم التالي إلى منزل الطبيب فأخبره بجميع ما ~~فعله. # وفيما هو جالس عنده إذ جاء رسول من البارون دي مورليكس يدعوه لمعالجة رجله. # فخطر لروكامبول أن يذهب مكان الطبيب وقال له: أجبه أنك مريض وأنك سترسل له حالا طبيبا ~~إنكليزيا من أصحابك يعالجه عنك، فامتثل الطبيب وأخبر الرسول ما عمله إياه روكامبول. # وما لبث أن ذهب الرسول حتى دخل روكامبول إلى غرفة نويل المجاورة لغرفة الطبيب، كما يذكر ~~القراء، فتنكر ومضى إلى منزل البارون دي مورليكس فلقي عنده أخاه كارل، وكانا يتحدثان بتلك اللغة ~~الريفية وهما يحسبان هذا الطبيب الإنكليزي يجهلها، فعلم منهما أن البوليس سيقبض عليه مع عصابته ~~في هذه الليلة. # ثم خرج كارل من عند أخيه وجعل روكامبول يعالج رجل البارون بعنف بحيث جعله يصيح من الألم ~~صياح الأطفال. # وبعد أن مل من عذابه ربط له رجله وانصرف في شأنه فما صدق البارون خروجه لفرط ما لقيه من ~~العذاب. # 24 # يوجد تجاه المنزل الذي تقيم فيه عصابة روكامبول خمارة قديمة العهد ليس لها غير باب واحد ~~يشرف على الطريق بحيث إن المقيم فيها يشاهد كل من يمر بذلك الشارع. # وكان يوجد فوقها غرفة خاصة ممتازة لها نوافذ تطل على الطريق، فيرى الجالس فيها المارة دون ~~أن يروه. # ففي الساعة الثامنة من مساء تلك الليلة التي تقرر القبض فيها على روكامبول وعصابته، كان ~~الفيكونت كارل دي مورليكس وتيميلون جالسين في الغرفة الممتازة يراقبان المارة من نافذتها، وذلك ~~المنزل الذي تقيم فيه العصابة. # ولم يطل جلوسهما حتى مر رجل ودخل إلى المنزل، فقال له كارل: من هذا؟ # فأجابه تيميلون: إنه يدعى بونفير، وهو أحد الهاربين من السجن. ثم حكى له حكايته. # وبعد حين أتى جواني الجلاد فأضاف تيميلون هو ms0938 ذا خال أوغست الذي حمل إلينا رسالة ~~أنطوانيت. # ثم جاء في أثره ريكولو فقال له تيميلون: هو ذا صاحب الغرفة التي تقيم فيها العصابة بضيافته ~~وسيذهب ضحية هذه الضيافة. والآن إن معظم رجال روكامبول قد وقعوا في الفخ. # فأجاب الفيكونت: وماذا يفيدنا وقوعها إذا لم يقع الرئيس فإني أراه قد أبطأ وأخشى أن يأتي ~~الجنود فيكبسون المكان قبل حضوره. # وبقي تيميلون والفيكونت على أحر من الجمر، إلى أن أذنت الساعة، فبرقت أسرة تيميلون، ونظر ~~الفيكونت إليه وقال له: ما هذا الاستبشار في وجهك؟ # فأجابه تيميلون: انظر إلى هذا الرجل الهزيل المصفر الوجه الذي يدنو من المنزل. ~~- إنه رجل هندي كما يدل عليه لونه ولباسه. ~~- كلا، بل إنه رجل روسي يدعى الماجور أفاتار، بل رجل باريس يدعى روكامبول. # وما لبث أن أتم كلامه حتى دخل هذا الرجل إلى المنزل، وكان روكامبول بعينه، وقد تنكر بملابس ~~الهنود. وبعد هنيهة يسيرة جاء الجنود وكانوا أربعين جنديا. # فأمرهم قائدهم بتطويق المنزل ثم جعل يطرق الباب الخارجي قائلا: افتحوا باسم الشرع. # فطار فؤاد تيميلون فرحا وقال: هو ذا روكامبول قد سقط ولا بد لي من قبض النقود. ~~••• # ولندخل الآن إلى هذا المنزل للنظر في أمور هذه العصابة فنقول: إن بونفير كان أول الداخلين ~~إليه فلم يجد أحدا، ثم جاء جواني فعجب لوجود بونفير وحده فسأله: أين ريكولو؟ ~~- إنه لم يحضر بعد كما أن الرئيس لم يحضر أيضا. ~~- إنه قادم في أثري فقد أمرني أن أتقدمه بضع خطوات. # ثم جاء ريكولو فقال: إني موجس شرا، فقد رأيت الجنود ترود قرب البيت. # فرد بونفير: لا تخف. إن الرئيس لا يخاف أحدا وقد قلت إن لديك قبوا ولكني لا أرى أثرا ~~للأقبية في هذه الغرفة. ~~- سوف ترى متى جاء الرئيس. # وعند ذلك فتح باب الغرفة ودخل روكامبول وأوصد الباب من الداخل، وأسرع إلى السرير الذي ينام ~~فيه بونفير فقلب فراشه ومد يده فأخرج تلك المحفظة التي وضعها عامل تيميلون إثباتا للسرقة التي ~~اتهمت بها العصابة. # فبهت بونفير وقال: ms0939 ماذا تصنع يا سيدي وما هذا الذي أخرجته؟ ~~- أخرجت ما يثبت عليكما جريمة السرقة ويرجعكما إلى الليمان، ولكني وصلت بحمد الله، في حين ~~يجب أن أصل لأن المحفظة التي ترونها بيدي سرقها تيميلون من بيت الفيكونت كارل دي مورليكس برضاه ~~وخبأها في هذه الغرفة كي تكون التهمة ثابتة عليكم. # ثم التفت إلى ريكولو وسأله لقد قلت لي إن لديك قبوا أليس كذلك؟ ~~- نعم أيها الرئيس، ومدخله في هذه الخزانة. # ولكنه قبل أن يتم كلامه سمعوا قرع الباب الخارجي وأصوات رجال ينادون: افتحوا باسم ~~الشرع. # فأخذ روكامبول مسدسين من جيبه وحملهما بيديه واستل بونفير خنجرا وأسرع جواني إلى منضدة ~~فجعلها متراسا وراء الباب. # أما ريكولو فقد كان ساكن الجأش فنظر إلى روكامبول وقال له إننا سننجو من هذا القبو قبل أن ~~يخلعوا الباب ويدركونا. ~~- أين هو هذا القبو؟ # فأسرع ريكولو وفتح مصراعي خزانة كبيرة ثم جلس على أحد لوحاتها الداخلية فهبطت به وظهر ~~وراءها منفذ كبير يستطيع المرء أن يمر به. # ثم هوى من المنفذ وهو يقول اقتدوا بي وعادت اللوحة إلى مكانها. # فقال بونفير لروكامبول: انج يا مولاي. ~~- كلا؛ لأن قائد السفينة، عند غرقها، لا يكون إلا آخر من ينجو منها. # فدخل بونفير الخزانة وجلس على اللوحة مقتديا بريكولو فهوى ثم اقتدى جواني ولم يفضل غير ~~الرئيس. # وعند ذلك سمع روكامبول أن الجند يصعدون السلم وقد كسروا الباب الخارجي، فذهب بملء السكينة ~~إلى المنضدة فأعادها إلى موضعها الأول وأصلح فراش السرير الذي أخذ من تحته المحفظة. # وبينما كانت الجنود تعالج باب الغرفة، دخل إلى تلك الخزانة المتسعة فأغلقها من الداخل، وجلس ~~على اللوحة فهوى إلى أرض ذلك القبو الخفي وكسر الجنود باب الغرفة ودخلوا حين احتجابه في وقت ~~واحد فلم يروا شيئا مما كان. # وقد سقط روكامبول في قبو مظلم يبلغ ارتفاعه ستة أقدام، فلما بلغ إلى الأرض صاح الجميع بصوت ~~واحد: لقد نجونا! # أما روكامبول فإنه بعد أن ثاب إلى رشده من أثر السقوط ورأى أن الظلام يكتنفه أخرج ms0940 من جيبه ~~كبريتا وشمعة فأنارها وظهر له قبو واسع، تحيط به الخوابي والبراميل من جميع جهاته، وبدأ يفحص ~~جدرانه فقال مخاطبا ريكولو: أيوجد في هذا القبو منفذ للمقبرة كما أخبر نويل؟ ~~- نعم. ~~- من أين؟ ألعله من هذا الباب؟ مشيرا إلى باب القبو. # فابتسم ريكولو وقال: كلا ؛ لأن هذا الباب يؤدي إلى سلم ثم إلى رواق طويل، ولا بد للبوليس أن ~~يهتدي إلى الخزانة ثم القبو فلا يجد أمامه غير هذا الباب. ~~- إذن كيف نخرج؟ ~~- نخرج من الطريق المؤدية إلى المقبرة وهي طريق وعرة ولكنها تؤثر دون شك على الوقوع في شرك ~~الجند انظر إلى هذا البرميل الضخم المستند إلى الجدار إن طريقنا ستكون من قلبه. # ثم رفس هذا البرميل فانفتح فيه باب يستطيع المرء أن يمر به. # فاقترب روكامبول وأدنى الشمعة فظهر له سرداب طويل عميق فقال لهم ريكولو: سيروا أمامي في هذا ~~السرداب إذ لا بد لي من التأخر بعدكم كي أقفل باب البرميل. ~~••• # هذا ما كان من أمر روكامبول وعصابته. وأما الجنود فإنهم بعد أن كسروا باب الغرفة جعلوا ~~يترددون في الدخول إليها لخوفهم من روكامبول وعصابته إلى أن تحمس قائدهم فهجم ومسدسه بيده وهجم ~~الجنود في أثره، ولكنهم لم يلبثوا أن دخلوا الغرفة حتى انذعروا ووقفوا حائرين مبهوتين لأنهم لم ~~يروا فيها أحدا. # ومما زاد في انذهالهم أنهم رأوا رجال العصابة قد دخلوا ولم يروا منفذا في الغرفة فجعلوا ~~يفعلون ما فعله روكامبول قبلهم فيفتشون الغرفة ويقلبون فرش أسرتها ويبحثون في أرضها وسقفها ~~ويقرعون جدرانها فلا يسمعون صوتا يدل على وجود منفذ. # وكان في هذا البيت كثير من الغرف المعدة للإيجار فخطر لهم أن العصابة مختبئة في أحدها وذهب ~~بعضهم لتفتيشها فلم يقفوا على أثرها، ولكنهم علموا أن لهذا البيت أقبية فاهتدوا إلى مداخلها من ~~الجيران وفتشوها ولم يفطنوا لسر البرميل ولم يخطر في بالهم هذا الخاطر. # أما الفيكونت دي مورلكيس وتيميلون فإنهما لما رأيا ازدحام الناس دخلا مع الداخلين وعلما ما ~~كان من أمر فرار العصابة ms0941 وعدم وجود آثار السرقة، فاصفر وجه تيميلون وانصب العرق البارد من جبينه ~~ودنا من ذلك الرجل الذي عهد إليه أن يدس المحفظة بين فراش السرير وقال له: ماذا فعلت؟ # فأقسم له أنه وضعها في المكان الذي أمره أن يضعها فيه. # أما الفيكونت فإنه لم يفهم شيئا من هذه الألغاز فدنا من تيميلون وسأله: ما هذا الذي أراه ~~وما هذه الألغاز؟ ~~- تعال معي لأخبرك. # ثم خرجا حتى إذا أصبحا على الطريق العام قال تيميلون: إن الذي تراه هو أننا وقعنا في الفخ ~~الذي نصبناه لروكامبول وأنا هارب من باريس وكن أنت على حذر من هذا الداهية. # 25 # وقد استولى الرعب العظيم على تيميلون فجعل يسير مسرعا كأنما روكامبول يطارده، فاضطر ~~الفيكونت إلى اللحاق به حتى أدركه فوضع يده على كتفه وقال له: ماذا تفعل أجننت؟ ~~- كلا، ولكني خائف فاتبعني. ~~- ومما هذا الخوف وإلى أين تريد أن أتبعك ألعلك تريد القبض عليه؟ ~~- كلا، اركب معي هذه المركبة وهلم بنا. # وسارت بهما المركبة فسأله تيميلون: ألم تر كما رأيت أنا روكامبول وعصابته دخلوا إلى الغرفة ~~ولم يخرجوا منها؟ ~~- نعم رأيت ذلك وأنا أعجب لخروجهم. ~~- أما أنا فلا أعجب لفراره، بل أعجب لخطئي لأن هذا الرجل لا يؤخذ إلا مباغتة وهو نائم ولكنه ~~متى نجا لا يدركه أحد، ثم ألم تقل لي إن ذلك الطبيب الذي كان يعالج أخاك أرسل إليه مرة أحد رجال ~~المستشفيات وأرسل إليه اليوم حكيما إنكليزيا؟ ~~- نعم. ~~- أكنتما تتحدثان أمام هذين الشخصين بشأن أنطوانيت. ~~- نعم ولكن حديثنا بلغة خاصة. ~~- لا يوجد لغة تخفى على روكامبول، وإن هذين الشخصين واحد وهو روكامبول، وقد عرف حديثكما ~~فأنت الذي فضحت سرنا. فليهرب الآن من يستطيع الهرب. ~~- ولكن إلى أين نحن متوجهون؟ ~~- إلى منزلي لأن روكامبول لا بد أن يكون فيه بعد ساعة. # فاستاء الفيكونت لما أظهره تيميلون من الخوف وقال له: كيف علمت أنهم لا يقبضون عليه؟ ألم تر ~~أن المكان مطوق بالجند ولا منفذ له؟ ~~- لا بد أن يكون فيه منفذ سري ms0942 تحت الأرض يتصل بمقابر مونتمارتر. ~~- لا شك أنك فقدت صوابك. ~~- سوف تراني غير مخطئ في مزاعمي، وإن روكامبول نجا على ما وصفت لك. ~~- وإذا كان ذلك فما نعمل في منزلك؟ ~~- إني ذاهب لأخلص أوراقي وأموالي من قبضته. ~~- إذن لا تزال تزعم أنه سيأتي إلى منزلك. ~~- بل أنا واثق. وإذا كنت لا أحب أن أموت مطعونا بخنجر فلا بد لي من الفرار منه، وإذا كنت ~~تضمن لي السلامة من كيده فإني أتخلى لك عن المائة ألف فرنك التي وعدتني بها. # وعند ذلك أوقف تيميلون المركبة وقال للفيكونت: انتظرني هنا ربع ساعة وسأعود إليك وأخبرك بما ~~صنعت. # ثم ترجل من المركبة فمشى بضع خطوات في الشارع، وعطف منه على شارع مهجور فمشى فيه حتى انتهى ~~إلى بيت مرتفع فصعد سلالمه إلى الدور الخامس منه، وأخرج مفتاحا من جيبه وفتح الباب وولج منه ~~إلى غرفة كان فيها امرأتان: إحداهما عجوز والثانية صبية نادرة الجمال. # فلما رأته الصبية داخلا صاحت صيحة فرح وأسرعت إليه تعانقه قائلة: أين كنت يا أبي فإنك لم ~~تحضر منذ يومين وقد شغلت بالي. # فقبل تيميلون جبينها وابتسم لها ابتسام الحنو فإن هذا الإنسان الجهنمي ما لبث أن رأى ابنته ~~حتى استحالت أخلاقه وأصبح إنسانا يشعر بحنو الوالد ثم اعتذر عن غيابه بكثرة مشاغله. # وبعد أن لاطفها وآنسها قال لها: ألا تذكرين يا ابنتي العزيزة أنني وعدتك بالسفر إلى ~~نورمانديا والإقامة فيها مع عمتك؟ # فانتعش فؤاد الفتاة وقالت: نعم، فقد طالما وعدتني هذا الوعد وكانت مشاغلك تحول دون وفائك ~~بعد فهل كتب لنا السفر على لوح المقدور. ~~- نعم يا ابنتي وسنسافر في هذه الليلة عند انتصاف الليل فتأهبي له وأنا سأعود إليك في ~~الساعة الحادية عشرة. ~~- ولكنك لم تقل لي شيئا من ذلك أول أمس. ~~- لأني لم أكن حاضرا للسفر فأسرعي بالتأهب لأن القطار يسافر عند منتصف الليل. ~~- ثم دخل إلى إحدى الغرف فأقام فيها هنيهة وعاد إلى ابنته فعانقها وخرج إلى حيث كان ~~الفيكونت ينتظره في المركبة فركب بجانبه، ms0943 وبعد أن سارت بهما أخبره: إني سأبرح باريس بعد ~~ساعتين. # فاضطرب الفيكونت وسأله: كيف ذلك أتتخلى عني؟ ~~- ذلك لا بد منه. على أنك إذا كنت تريد أن تموت أنطوانيت فإنها تموت غدا مساء، ولا يكلفك ~~موتها غير خمسين ألف فرنك، تدفعها لي مقابل هذه الجريمة الجديدة، ولا تخف فإنك لا تدفع هذه ~~النقود إلا بعد ثبوت الوفاة. # ولبث الفيكونت هنيهة ساكتا لا يجد جوابا، وهو يتأمل موقفه الحرج، حتى أخرجه تيميلون من ~~هذا الموقف بقوله: ما بالك ساكتا؟ فإذا كان قتل هذه الفتاة يروعك فإني لا ألح عليك، وأنت شخص ~~ذكي الفؤاد قادر على مقاومة الصعاب وحدك، وأما أنا فلا أنكر عليك أن لا قبل لي بمقاومة ~~روكامبول. ~~- كيف تتخلى عني؟ ~~- إني سأبرح باريس عند منتصف الليل فأكون في الساعة السادسة صباحا في الهافر وبعد ذلك ~~بساعة أسافر. ~~- إلى أين؟ ~~- إذا رضيت باقتراحي سافرت إلى إنكلترا، وإذا رفضته سافرت توا إلى أمريكا. ~~- هب أني قبلت اقتراحك فكيف تستطيع تنفيذه إذا كنت مسافرا بعد ساعة كما أخبرتني؟ ~~- ذلك لأن أنطوانيت لم تدخل إلى السجن وحدها بل دخلت معها امرأة من أتباعي تدعى ~~شيفيوت. ~~- وما عسى أن تصنع هذه المرأة؟ ~~- إنها تستطيع أن تضع في صحن أنطوانيت أو كأس شرابها سما زعافا يقتل في التو. ~~- متى تفعل ذلك؟ ~~- غدا. ~~- كيف يمكن ذلك وأنت مسافر الآن؟ ~~- إني أعطي هذا السم قبل سفري لرجل من أتباعي وهو يسلمه غدا إلى شيفيوت. ~~- وهل أنت الذي تسلمه السم؟ ~~- كلا. بل أنت تسلم السم إلى هذا الرجل. # فجعل العرق ينصب من جبين كارل، وكانت المركبة قد وصلت إلى مكتب تيميلون فأوقفها ونزل منها ~~وقال لكارل: إني أمهلك ربع ساعة للتفكير بأمرك وسأعود إليك فإذا وجدتك باقيا في المركبة ~~تنتظرني علمت أنك رضيت باقتراحي فأعطيك السم المذكور، وإذا لم أجدك علمت أنك غير محتاج إلى ~~خدمتي. فافترقنا وكتمنا هذا السر في أعماق قلبينا. # ثم تركه تيميلون وصعد إلى مكتبه فأخذ منه جميع ما يهمه حفظه من أوراق وأتلف ms0944 الباقي، وأخذ ~~رشاش السم وعاد إلى المكان الذي ترك فيه كارل فوجد أنه باق بانتظاره، فقال له وهو يبسم ابتسامة ~~المتهكم: أراك راضيا باقتراحي؟ ~~- نعم. ~~- لا جرم فإن من يكسب عدة ملايين لا يبالي بدفع خمسين ألف فرنك، إن أنطوانيت ستموت لا ~~محالة. # ثم صعد إلى جانبه قائلا: لنتحدث الآن فاعلم أني حين أعطيك السم وأرشدك إلى طريقة استعماله ~~تدفع لي الخمسين ألف فرنك. ~~- ألعلك تشكك بكلامي؟ ~~- إني أشك بكل ما لا تخطه اليد ولا بد لي كي أكون واثقا من دفع المبلغ أن أفيدك ~~بعهد. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن تنزع من دفترك ورقة وتكتب فوقها ما يأتي: # عزيزي تيميلون # يجب التخلص من أنطوانيت ابنة أختي فافعل ما تشاء وإذا احتجت فاستعمل الخنجر أو ~~السم. # ولما رأى تيميلون أنه يتردد تابع: إن الوقت قصير وركامبول في أثرنا ولا بد لي من السفر عند ~~انتصاف الليل فكفى ترددا وأسرع بالاختيار. ~~- إني إذا كتبت ما تمليه علي تصبح شريكي في الجريمة فتكون قيدت نفسك وأنت تريد ~~تقييدي. ~~- إنك مخطئ في زعمك فإني مسافر إلى إنكلترا وسيأتيك رجل بعد موت أنطوانيت يحمل إليك هذه ~~الرسالة التي أمليتها عليك، فإذا دفعت له خمسين ألف فرنك أعطاك الرسالة فتفعل بها ما تشاء، وإذا ~~أبيت الدفع وضعها في غلاف وكتب فوقه عنوان نظارة الحقانية، ثم يضعه في صندوق البريد، ومتى ~~اطلعت عليها الحكومة قبضت عليك، أما أنا فأكون في طريقي إلى أميركا. # فأذعن كارل له وكتب الرسالة ثم وقع عليها ودفعها لتيميلون، فأخذها وأعطاه غلافا مختوما ~~قائلا له: تجد في هذا الغلاف السم والتعليمات اللازمة له. ~~- ولكنك لم ترشدني إلى طريقة إيصاله إلى السجن. ~~- اذهب غدا في الساعة الثامنة من الصباح إلى شارع سانت أوبوتين نمرة 7 واطلب أن ترى رجلا ~~اسمه لولو، ومتى لقيته أعطه هذا الغلاف وقل له: إنه مرسل من قبلي إلى شيفوت في سانت لازار ~~فيوصله في الحال. # وعند ذلك وصلت المركبة إلى بيت تيميلون فودع الفيكونت ومشى في عطفة الشارع، قائلا ms0945 في نفسه: ~~لا بد أن تكون ابنتي قد أعدت جميع معدات السفر وهي تحسب أني مسافر بها إلى نورمانديا ولكننا متى ~~وصلنا إلى الهافر فلا بد لها من السفر معي إلى حيث أريد. # وجعل يصعد سلالم هذا البيت العالي، ولم يكن فيه أثر للنور، فشعر بانقباض خفي لم يدرك له ~~سرا. ولما انتهى إلى الدور الرابع رأى في البيت الذي فوقه نورا فاستنتج منه أن ابنته لا تزال ~~في انتظاره. # وصعد حتى وصل إلى منزلها فطرق الباب فلم يجبه أحد وقد دهش حين رأى المفتاح في القفل. # فاضطرب فؤاد تيميلون وفتح الباب ودخل إلى أول غرفة، فرأى مصباحا موضوعا على منضدة عليها ~~زجاجة فارغة وكأسان. # فنادى ابنته باسمها فلم تجبه فأعاد النداء فلم يجبه غير الصدى، فدخل وهو مضطرب إلى غرفة ~~نومها فرأى مصباحا آخر على المستوقد ووجد ابنته نائمة في سريرها، فناداها محاولا إيقاظها فلم ~~تجبه، فاقترب منها وهو يكرر النداء. # ولكنه قبل أن يصل إلى سريرها انشق سجف أمام السرير وبرز منه رجل يحمل بيديه مسدسين فقال له: ~~إن صحت أقل صياح فإن ابنتك مائتة لا محالة. # فجمد الدم في عروق تيميلون ووقف شعر رأسه من الرعب وتراجع منذعرا إلى الوراء. # أما هذا الرجل فكان روكامبول. # 26 # ولم يسع قلم كاتب وصف ما لقيه تيميلون من الخوف على ابنته وعلى نفسه، وما أصابه من الاضطراب ~~حين برز له هذا العدو الشديد، وخرج من وراء السجف خروج الشيطان الرجيم وبيديه آلات الموت ينذره ~~فيها بالقتل الذريع، فمرت به دقيقة كانت دهرا لا حد له وجعل يرتجف أمام روكامبول حتى تمكن ~~منه الضعف وسقط على ركبتيه. # فقال له روكامبول: لا تخف فإن ابنتك لم تمت ولكنها نائمة وهي ستظل نائمة عدة ساعات. # فجعل تيميلون ينظر إلى ابنته نظرات الإشفاق والحنو وينظر إلى روكامبول نظرات التوسل ~~والرجاء. فقال له روكامبول: إن من كان مثلك لا يخلو من سلاح فألق سلاحك إلى الأرض. # وكأنما تيميلون أراد أن يحنن قلب روكامبول على ابنته ms0946 فأراد أن يطيعه طاعة عمياء، ولذلك لم ~~يلبث أن أمره بإلقاء السلاح حتى فك أزرار سترته فأخرج من منطقته خنجرا وألقاه أمامه. # فسأله روكامبول: أهذا كل ما لديك من السلاح؟ ~~- أقسم بالله إني لا أحمل غير هذا الخنجر. ~~- إذن فابعد عني قليلا. # فامتثل تيميلون، والتقط روكامبول الخنجر عن الأرض ، ثم أخذ كرسيا فوضعه أمام السرير وبعد ~~أن جلس عليه قال له: لنتحدث الآن فإنك أردت أن تلقيني بقبضة الشرطة فقل لماذا وأي ثأر لك ~~علي؟ # إلا أن لسان تيميلون التصق بحلقه من الرعب فلم يستطع أن يجيب فسأله روكامبول: إني أراك ~~مضطربا وأرى الرعب يعقد لسانك وسأقول لك عما فعلت أنا إلى أن تحل عقدة لسانك فتخبرني عما فعلت ~~أنت، فاعلم أيها الأبله أني حين ذهبت إلى الشارع الذي تقيم فيه عصابتي كنت أعلم أنك أقمت ~~البوليس يترقبني وأنك كنت جالسا مع الكونت كارل دي مورليكس في خمارة تجاه البيت حين دخلت إليه ~~أليس كذلك؟ # فهز تيميلون رأسه إشارة إلى الموافقة، فتابع روكامبول: وبينما كانت الجنود تبحث عني في ذلك ~~البيت وهي منذهلة لفراري جئت أنا إلى منزلك بملء السكينة فأغريت خادمتك على أن تضع في كأس شراب ~~ابنتك مخدرا، فما لبثت أن شربته حتى تخدر جسمها فنامت كما تراها، ومن كان مثل روكامبول وقد ~~تخرج في مدرسة السير فيليام فلا يصعب عليه إغراء خادمة وإيجاد مخدر. # أما ابنتك فلو لعلعت الرعود وقصفت المدافع لما تنبهت قبل ست ساعات وهذا ما أحتاج إليه من ~~الوقت. # فتغلبت عواطف الحنو الأبوي على فؤاد هذا الرجل العاتي، فسقطت دمعة من عينه وأجاب: رحماك إن ~~ابنتي لم تسئ إليك بشيء وليس من المروءة أن تنتقم منها فإذا شئت الانتقام فها أنا بين يديك وكل ~~الإساءة مني. # فابتسم روكامبول وأجاب: إنك لا تعرفني الآن ولو اتفق مثل هذا الحادث منذ عشرة أعوام لكنت ~~كمنت لك عند باب منزلك وطعنتك عند خروجك طعنة قاضية، ولا أبالي فإنك لا تزيد في حساب الذين سفكت ~~دماءهم غير واحد. ms0947 # أما اليوم فهو غير الأمس وقد عاهدت ربي أن لا أسفك دما بشريا إلا حين تفرغ جعبتي من ~~وسائل السلم، ولهذا استخدمت ابنتك للانتقام منك أتدري لماذا أريد هذا الانتقام؟ إني أنتقم منك ~~لأنك تخدم الفيكونت والبارون دي مورليكس. ~~- أتعرف هذا؟ ~~- بل أعرف أيضا أنك سجنت في سانت لازار فتاة طاهرة تدعى أنطوانيت. ~~- إذن أنت تعرف كل شيء؟ # فهز روكامبول كتفيه قائلا: إنك نهجت في هذه الجريمة مناهج كبار اللصوص والأذكياء، ولكن ~~الفرق لا يزال بعيدا بيني وبينك، إذ لست من أكفائي في هذا المضمار. # فأطرق تيميلون برأسه وقال: والآن ماذا تريد مني؟ ~~- سترى. # ثم دنا من النافذة وصفر صفيرا خاصا وعاد إلى تيميلون فقال: إذا كان يهم الفيكونت ~~والبارون دي مورليكس سجن أنطوانيت فأنا يهمني إنقاذها وقد وقعت في قبضتي لسوء حظك فلا بد لي من ~~إزالتك عن طريقي. # وبينما كان روكامبول يكلمه كان يسمع وقع أقدام على السلم فأتم حديثه بقوله: إنك أخطأت خطأ ~~عظيما بإقامة ابنتك في هذا البيت وبتعيين مثل هذه الخادمة لخدمتها فإنها باعتك بأبخس الأثمان، ~~وإن البيت معتزل أتم العزلة فلم يحل دون ما أبغيه. # وعند ذلك طرق الباب فقال له روكامبول: افتح للداخلين. # فامتثل تيميلون صاغرا وفتح الباب فظهر له بونفير وجواني الجلاد، فدفعاه إلى الداخل ودخلا ~~ثم أوصدا الباب. # فقال له روكامبول ضاحكا: أرأيت كيف استحال الأمر إلى ضده وكيف أنك وقعت في الفخ الذي ~~نصبته. # ثم التفت إلى بونفير وسأله: هل المركبة مهيأة. ~~- نعم؟ ~~- إذن أسرعوا إلى العمل. # فأجفل تيميلون وأجاب: ماذا تريد أن تصنع بي؟ ~~- ليس لي مأرب بك بل بابنتك. ~~- ابنتي، رباه وما عسى أن تصنع بها. # ثم أسرع إلى السرير كي يحول بينها وبينهم. # فصوب روكامبول مسدسه عليها وسأله: قل أين تريد أن أصيبها؟ في القلب أم في الرأس؟ # فتراجع تيميلون وجثا على ركبتيه وجعل يتوسل إليه: عفوا ومرحمة فليس لهذه الفتاة ~~ذنب. ~~- دعني أفعل ما أشاء وأصغ إلي. ~~- ابنتي ابنتي. ~~- قلت لك أصغ إلي فإن ابنتك ستكون ms0948 رهينة عندي وأنت تعرفني، بل إنك عرفتني حين كنت تشتغل ~~برئاستي في الجمعية السرية القديمة، أريد بذلك أنك تعلم شدة حرصي على الوفاء حينما أتعهد به ~~فاعلم أن ابنتك ستكون رهينة عندي وأن حياتها موقوفة على حياة أنطوانيت، فإذا ماتت أنطوانيت فليس ~~لابنتك مطمع في الحياة. # فطاش تيميلون من يأسه وقال: ما يريد هذان الرجلان؟ ~~- سترى ما يريدان، ثم أشار لهما إشارة خفية، فدنا بونفير وجواني من السرير فكفناها بغطائه ~~كما يكفن الميت، ثم حملها أحدهما على ظهره وخرجا بها. # فصاح تيميلون: اقتلني ولا تختطف ابنتي. وحاول أن يلحق بهما فأوقفه روكامبول وقال له: لا ~~حاجة لي بموتك بل كل حاجتي إلى حياتك. ~~- ولكنهما ذهبا بابنتي. ~~- إنها سترد إليك حين تخرج أنطوانيت من سانت لازار وتتزوج أجينور دي مورليكس. ~~- وفي انتظار ذلك؟ ~~- أقسم لك بكل مقدس عندي أني سأحرص عليها أكثر مما تحرص عليها أنت. # فجعل تيميلون يفرك يديه من اليأس ثم سمع روكامبول يأمرهما بالذهاب بالفتاة، فأجفل تيميلون ~~وقال له: كيف ألا تذهب معهما أنت وكيف تضمن الحرص عليها من لصين؟ ~~- إني واثق منهما كل الثقة فلا تخف. # وعند ذلك خرج بونفير وجواني بالفتاة، فكان تيميلون يسمع وقع أقدامهما على السلالم، ثم سمع ~~صوت سير المركبة، فصاح صيحة يأس وأوشك أن يسقط على الأرض لأنه تذكر في تلك الساعة الرهيبة أنه ~~أعطى السم للفيكونت كي يسمم به أنطوانيت وقال بلهجة الجنون: رباه، أخشى أن يفوت الأوان. ~~- ماذا تعني بما قلت؟ ~~- أعني أنه إذا كانت حياة ابنتي موقوفة على حياة أنطوانيت فلا أحب أن تموت أنطوانيت. # فذعر روكامبول بدوره وأصابه من الرعب ما أصاب تيميلون. # 27 # كان الفيكونت دي مورليكس رجلا ثابت العزيمة قوي الإرادة رابط الجأش وقد تأثر هنيهة مما رآه ~~من رعب تيميلون، ثم ذهب عنه هذا التأثير بعد افتراقهما فقال في نفسه: وما عساه يصنع روكامبول ~~بعد موت أنطوانيت فإنه لا يستطيع إحياءها بعد الموت. # وقد قال لي تيميلون أن أذهب إلى لولو في الساعة الثامنة من ms0949 الصباح فأعطيه السم، غير أن هذا ~~الرجل إذا كان يوجد في منزله في هذه الساعة من الصباح فلا بد أنه يوجد فيه الآن، وقد أوشك أن ~~ينتصف الليل، وخير لي أن أذهب إليه الآن فأنام مستريح البال بعد إعطائه هذا السم الفتاك الذي ~~يحرق جوانبي وهو في جيبي. # وكان تيميلون قد أرشده إلى منزل لولو فذهب توا إليه وسأل البواب عنه فقال إنه لم يعد بعد، ~~غير أنك إذا كنت شديد الاحتياج إليه تجده في هذه الخمارة القريبة منك يعاقر المدام مع إخوته، ~~فشكره وذهب إلى تلك الخمارة فسأل صاحبها عن لولو فقال له: إنه في الزاوية مع رفيقين له. # فذهب إليهم الفيكونت وقال لهم: من منكم يدعى لولو؟ فانبرى له رجل شديد العضل ضخم الجثة ظاهر ~~بين عينيه أثر الشراب وقال له: أنا هو فماذا تريد؟ ~~- أريد أن أحدثك على انفراد. ~~- قل ما تشاء أمام إخواني فليس بيننا أسرار تكتم. ~~- كلا فإني قادم إليك من قبل تيميلون. # فأثر هذا الاسم على الجماعة وقام لولو في الحال فاعتذر من الجماعة وخرج مع كارل إلى ~~الشارع. # وكان الشارع مقفرا فرأى لولو مركبة واقفة أمام الخمارة فقال للفيكونت: أهذه المركبة ~~لك؟ ~~- نعم. ~~- يظهر أن تيميلون يحب الإسراع في المهمة التي ينتدبني لها. ~~- إنه يريد أن ترسل رسالة مستعجلة إلى شيفيوت في سجن لازار. # فغضب لولو وشتم وألقى سيكارته إلى الأرض قائلا: إني أبحث منذ ثلاثة أيام عن تيميلون فلا ~~أجده ولو وجدته لما انتدبني إلى هذه المهمة. ~~- لماذا؟ ~~- لأني تخاصمت مع أحد مفتشي هذا السجن فأراد الانتقام مني ومنعني عن الدخول إليه. ~~- والآن ماذا نعمل، وكيف السبيل لنوصل هذه الرسالة المستعجلة؟ # فأطرق لولو هنيهة يتمعن ثم أجاب: إذا كان تيميلون يدفع مائتي فرنك لا أعدم وسيلة ~~لإيصالها. ~~- إنه يدفع دون شك. ~~- ولكن الدفع يجب أن يكون الآن إذا أراد أن تصل رسالته في الصباح. ~~- إنه عهد إلي أن أدفع لك مثل هذه النفقة والمال معي، فقل لي بأية طريقة تريد ~~إيصالها؟ ~~- إني ms0950 أعرف فتاة إذا أعطيتها هذا المبلغ ترضى أن تزج نفسها في السجن طائعة مختارة فتوصل ~~الرسالة إلى شيفيوت، فإذا شئت هلم معي إليها قبل أن يفوت الأوان. # وذهب الاثنان إلى المكان الذي توجد فيه تلك الفتاة فاجتمع بها لولو وأعطاها نصف المبلغ، ~~فأخذت منه الرسالة وذهبت لفورها إلى الشارع فارتكبت جريمة سرقة في أحد المخازن فقبض البوليس ~~عليها، وعاد الفيكونت إلى منزله وهو واثق أن السم في طريق السجن. # ودخل إلى غرفته فغير ملابسه وتأهب للذهاب إلى النادي وهو يتساءل في نفسه: سوف أعلم إذا كان ~~الماجور أفاتار وروكامبول واحدا فإن الماجور يذهب كل ليلة إلى النادي، فإذا كان الآن موجودا ~~فهو روسي دون شك لا علاقة له بروكامبول؛ لأن هذا اللص منهمك الآن بفراره من الجند. # ثم خرج إلى النادي فلما بلغ إليه لقي اثنين من أصحابه وهما خارجان منه فسلم عليهما وأراد ~~الدخول، فاستوقفه أحدهما وسأله ما وراءك من أخبار أجينور ابن أخيك؟ ~~- ليس لدي شيء من أخباره فإنه لم يذهب إلى عمته فيما أعلم. ~~- إذن إنك لا تعلم شيئا من أخباره فإنه لم يذهب إلى عمته وقد توقف في مدينة لافال وهي في ~~منتصف الطريق وهو فيها إلى الآن. ~~- وماذا يعمل فيها؟ ~~- إنه أوصاني في كتابه أن لا أخبر أباه وعمه بشيء من أحواله، ولكني أخبرك بكل شيء فإن ~~أجينور برح باريس مكرها؛ لأنه اضطر إلى مغادرة عشيقته للإقامة مع عمته وهو مصيب في استيائه كل ~~الإصابة، ولكنه اضطر إلى السفر لأمور عائلية لم يجد بدا من قضائها. # وقد سافر وهو مضطرب الحواس فساءت أخلاقه حتى إذا وصل إلى شارته لقي ضابطا مسافرا إلى ~~لافال فجلس بجانبه وكان أجينور يدخن والضابط يغني فاستاء الضابط من سيكارة أجينور، واستاء ~~أجينور من غناء الضابط وبدأ بإظهار استيائه بالنظرات، ثم بالكلام المعمى إلى أن ضاق صدر أجينور ~~فقال له: إن صوتك مزعج يثقل علي، فأجابه الضابط بكلام أشد وانتهى الأمر إلى المبارزة فأعطى ~~كلاهما رقعة زيارته للآخر واتفقا على المبارزة ms0951 في لافال. # ولما وصلا إليها تبارزا فأصيب أجينور بما اضطره إلى ملازمة الفراش ثمانية أيام، ولكنه ~~بالرغم عما أصابه لا يزال يفتكر بعشيقته أنطوانيت وقد كتب إليها ثلاث رسائل فلم تجبه عليها حتى ~~تولاه اليأس فعهد إلي بالذهاب إلى منزلها والسؤال عنها. # فاضطرب الفيكونت اضطرابا شديدا وقال له: ألعلك رأيت الفتاة؟ ~~- كلا، فإن كتاب أجينور لم يصلني إلا في هذا المساء، ولكني سأراها في صباح الغد، ألعل في ~~ذلك ما يسوءك؟ ~~- كلا فإن ابن أخي قد تجاوز سن الرشد بمراحل، فهو حر أن يفعل ما يشاء. ~~- أتعلم أنه يريد أن يتزوجها؟ ~~- نعم وهو زواج لا يقدم عليه غير المجانين، ولكنه أدرى بشئون نفسه، ثم ودعهما وصعد إلى ~~النادي وذهب الاثنان في شأنيهما. # وكان كارل يقول في نفسه: غدا سيعلم هذا الرجل أن أنطوانيت قد اختطفت، فيرجع أجينور مسرعا ~~ولكن رجوعه لا يفيدها لأنها ستلقى حتفها في الغد. # وظل صاعدا حتى بلغ النادي ودخل إلى قاعة البلياردو فانذهل انذهالا غريبا لأنه رأى ~~الماجور أفاتار يلعب مع أحد أعضاء النادي. # أما الماجور أفاتار؛ أي روكامبول، فقد تظاهر أنه منهمك في اللعب وأنه لم ير ~~الفيكونت. # غير أن كارل نظر إلى الساعة فوجد أنها بلغت الأولى بعد منتصف الليل، فدنا من المركيز الذي ~~كان يلاعب روكامبول وقال له: أين أنتما من اللعب؟ ~~- في الدور الثالث فقد كسب مرة وكسبت مرة فمن كسب في هذه المرة كان له الفوز. # فحسب الفيكونت أن كل دور يقتضي له ساعة، فإذا كانا يلعبان الدور الثالث وهما الآن في آخره ~~فلا بد أن يكون الماجور أفاتار هنا منذ ثلاث ساعات وفي ذلك ما يثبت أتم الثبوت أنه غير ~~روكامبول. # وهو تعليل وجيه غير أن رفيق أفاتار لم يقل للفيكونت أن الدورين الأولين قد لعباهما أمس، ~~فيكون الماجور قد حضر إلى النادي منذ أقل من ساعة. # أما روكامبول فإنه بقي في النادي إلى الفجر وعند خروجه لقي أوغست ينتظره على الباب فأعطاه ~~رسالة قائلا له: يجب أن ترسل هذه ms0952 الرسالة إلى مرتون في السجن وتعطيها لفاندا، فأخذها أوغست ~~وسار إلى السجن. # وكانت هذه الرسالة إلى فاندا الروسية وقد كتب لها فيها: لقد تم كل شيء فافعلي ما أوصيتك ~~به. # وبعد ذلك سار روكامبول إلى منزله وهو يمشي الهويناء مشي المطرق المفكر، وفيما هو على ذلك إذ ~~رأى تيميلون يركض إليه منذعرا وعلائم الرعب بادية على وجهه، فلما وصل إليه دق يدا بيد وقال ~~بلهجة القانطين: ويلاه إن السم قد وصل إلى السجن. فاهتزت أعصاب روكامبول وأدرك حرج ~~الموقف. # 28 # ولنعد الآن إلى سجن سانت لازار فإنه في الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم الذي أرسل فيه ~~روكامبول الرسالة إلى فاندا دخلت مجرمة جديدة إلى سجن سانت لازار، وهي التي أرسلها لولو إليه ~~تحمل السم إلى شيفيوت كي تسمم به أنطوانيت. # وكانت شيفيوت تكره أنطوانيت كرها شديدا لا سيما وأنها صنيعة تيميلون وهي لم تدخل السجن ~~إلا للحط من قدرها والتنكيل بها، وقد زاد في كرهها لها ما رأته من فضائلها وحسن أدبها وإجماع ~~المسجونات على احترامها وعناية الراهبات بها، فأصبحت عداوتها لها شخصية حتى باتت تتمنى لها ~~الموت بعد انخذالها في معركتها مع فاندا. # ولما جاءتها تلك المرأة برسالة تيميلون وبالسم المعد لأنطوانيت فرحت فرحا وحشيا لا يوصف ~~ووطدت النفس على قتلها في ذلك اليوم. # وكانت أنطوانيت منفصلة عنها لأنها نقلت بعد مرضها إلى مستشفى فأقامت فيه مع فاندا التي كانت ~~مصابة بمثل مرضها وامرأة ريكولو التي بقيت في السجن بسبب ولادتها وقد لبثت في المستشفى على ~~انتهاء مدة سجنها إلى أن تبرأ من النفاس، فلم يكن الحراس يمنعون زوجها ريكولو من عيادتها ~~والاعتناء بأمرها. # أما شيفيوت فإنها لما وصلت إليها رسالة تيميلون أخذت ذلك الرشاش الذي يتضمن السم الزعاف ~~وجعلت تفكر في طريقة تجمعها بأنطوانيت في المستشفى، فأرشدها الحقد إلى حالة فأخذت إبرة طويلة ~~ووخزت بها أعصاب أنفها من الداخل وخزات كثيرة غير مكترثة بما وجدته من الألم، فتدفق الدم من ~~أنفها بغزارة وانطرحت على الأرض وصبغت ثيابها ms0953 بذلك الدم وجعلت تصيح وتعول وتتظاهر بالإغماء حتى ~~اجتمع حواليها الراهبات والمسجونات وحملنها إلى صيدلية المستشفى لمداواتها والنظر في ~~أمرها. # ولم يكن حينئذ في الصيدلية غير أحد الموظفين فيها، فأسرعت الراهبة إلى مناداة الحكيم وعند ~~ذلك دخلت مرتون إلى تلك الصيدلية تحمل إناء وقالت للصيدلي: املأ لي هذا الإناء شرابا ~~لأنطوانيت . # وكانت مرتون قد التمست من الرئيسة أن تتولى خدمة أنطوانيت، وساعدتها أنطوانيت على هذا ~~الالتماس فأجابتها الرئيسة إشفاقا على أنطوانيت. # أما مرتون فقد كانت طاهرة القلب سليمة النية، فلما دخلت إلى الصيدلية طلبت إلى الصيدلي ~~الشراب لأنطوانيت على مسمع من شيفيوت، ثم نظرت فرأت عدوتها اللدودة مضرجة بدمائها، فأشفقت عليها ~~وقالت لها: ماذا تريدين أن أصنع لك؟ # فجعلت تستغيث بها وبالصيدلي وتطلب إليهما الإسراع بإحضار الطبيب، فحن قلبيهما وأسرع الاثنان ~~إلى الباب يستحثان الطبيب على الإسراع. # وكانت مرتون قد تركت إناء الشراب على طاولة الصيدلي، فلما رأت شيفيوت أنهما خرجا أسرعت ~~وأخرجت رشاش السم من جيبها وألقته بسرعة البرق في الإناء ثم عادت إلى العويل والصياح. # وبعد دقيقة حضر الدكتور وعالج شيفيوت وقرر أن أمرها بسيط وأمر أن تبقى في الصيدلية إلى أن ~~ينقطع الدم، وذهبت مرتون بإناء الشراب إلى أنطوانيت وهي لا تدري أن فيه السم الزعاف. ~~••• # وفي الوقت نفسه الذي دخلت فيه المرأة إلى السجن بالسم كان تيميلون يطوف باحثا عن روكامبول، ~~وقد كاد يفقد صوابه فإن هذا الرجل على فظاعة قلبه كان يحب ابنته حبا شديدا وكان يعلم أن ~~روكامبول لا يحنث بوعده وأنه لا بد له من فقدها إذا ماتت أنطوانيت. # فلما خرجوا بابنته من منزله وغادره روكامبول لم يكن همه إلا بالبحث عن لولو لأخذ السم منه ~~قبل أن يرسله إلى السجن. # غير أنه كان مرتاحا بعض الارتياح لأمرين: أحدهما أن الفيكونت كارل دي مورليكس لا يجد لولو ~~إلا في الساعة الثامنة من الصباح، والثاني أنه مهما أسرع لولو فلا يستطيع إيصال السم إلى السجن ~~قبل الظهر؛ أي إن الوقت يظل فسيحا لديه لملاقاة ms0954 هذه الجريمة وإنقاذ ابنته وأنطوانيت من ~~الموت. # ومع ذلك فإنه ذهب توا حين تركه روكامبول إلى منزل لولو فقيل له إنه في الخمارة، فذهب إلى ~~الخمارة فأخبروه أنه خرج منها مع رجل علم من أوصافه أنه الفيكونت، فأوشك أن يجن من يأسه وخرج ~~هائما يبحث عن لولو في كل مكان فلا يجده ثم يعود إلى منزله فيخبروه أنه لم يعد. # وبقي هذا دأبه إلى أن أشرق الفجر، وفيما هو عائد إلى بيت لولو رآه قرب الباب وهو يترنح ~~سكرا، فقبض عليه وقال له: ماذا فعلت؟ وأين الرسالة؟ # فأخبره باتفاقه مع تلك الفتاة وكيف أنها ارتكبت جريمة السرقة خاصة للولوج إلى السجن ~~بالرسالة. # وقد أخبره هذا الخبر وهو مشير عليه، ويفتخر بإسراعه في تنفيذ أوامره. # أما تيميلون فلم يجبه بحرف بل تركه منذعرا وجعل يركض في الشوارع هائما وهو يصيح: ويح لي ~~أنا الشقي! سأقتل ابنتي بيدي! # وقد لقي روكامبول حين خروجه من النادي كما تقدم وهو على هذه الحالة وكان متنكرا بزي ~~الماجور أفاتار. # غير أن تيميلون لم يكترث لتنكره وجاءه وهو ينتف شعوره قائلا: ماذا أعمل إن السم بات في ~~السجن؟ # فاضطرب روكامبول هنيهة ثم عادت إليه سكينته فقال: إنك أبله لا خير فيك فلا تعمل ~~شيئا. ~~- ولكن ابنتي تموت إذا ماتت أنطوانيت والسم في السجن. ~~- إذا كنت تحرص على حياة ابنتك، فاذهب إلى منزلك ولا تتداخل في شيء. # فأخذ تيميلون يده فقبلها وأجاب: لقد أخطأت بعدوانك لأني لست من أكفائك. ~~- وأنا رضيت باعتذارك فاذهب بأمان واحذر من أن تلحقني. # وتركه روكامبول وركب مركبة وانطلق بها إلى حيث يختبئ ريكولو مع العصابة، وكتب له رسالة إلى ~~فاندا وقال له: اذهب حالا إلى السجن واطلب مقابلة امرأتك، فإذا دخلت إليها أعط الرسالة إلى ~~المرأة الروسية المقيمة مع امرأتك في المستشفى، واحذر أن يراك أحد، واعلم أنه إذا لم تصل ~~الرسالة إلى فاندا قبل الظهر ماتت أنطوانيت في المساء. # فأخذ ريكولو الرسالة وأخفاها وركب مركبة سارت تنهب به الأرض إلى السجن. ms0955 # أما روكامبول فإنه أقام مع بونفير ينتظر عودة ريكولو على أحر من الجمر، وقد امتقع لون وجهه ~~لشدة اضطرابه. فسأله بونفير: ما بالك؟ ~~- أتذكر تلك الدقيقة الهائلة التي كان رأسك فيها تحت آلة الإعدام؟ ~~- إني أذكرها، ولم أجد في حياتي أشد منها. ~~- ولكنها دقيقة واحدة يسرع انقضاؤها، أما أنا فلا بد لي من البقاء إلى المساء في أشد من هذا ~~الموقف. # ثم حمل رأسه بين يديه واستند إلى طاولة أمامه وقال: رباه! إن ما ألقاه من الانفعال في فعل ~~الخير لم أكن أجد بعضه في صنع الشر، فشتان بين الحالين! # ثم غاص في هواجسه، فاحترمت العصابة سكوته ولم يكلمه أحد. # 29 # أما ريكولو فإنه انطلق إلى السجن لا يلوي على شيء، وكان كلما افتكر بما أخبره به روكامبول ~~عن الخطر المحدق بأنطوانيت يود لو كان له أجنحة ليطير بها إلى فاندا. # ولما وصل إلى مستشفى السجن أذن له بالدخول، لا سيما وأن امرأته باتت قادرة على الخروج، ولا ~~بد له من أخذها لأن مدة عقابها قد انتهت ولم يؤخرها في السجن غير الولادة. # ولما دخل ريكولو لم يكن في الغرفة غير امرأته وولدها وأنطوانيت وفاندا والراهبة، فجعل يقبل ~~ولده ويؤانس امرأته. # ثم دنا من سرير أنطوانيت وجعل يسألها عن صحتها، ودنا بعد ذلك من سرير فاندا وأشار إليها ~~إشارة خفية ودس رسالة روكامبول تحت مخدتها وعاد إلى امرأته وولده. # وعند ذلك دخل الطبيب فأخبره أن امرأته باتت في حالة من الصحة تستطيع معها الذهاب إلى ~~منزلها. # فشكره ريكولو وأخذ امرأته وولده وذهب بعد أن ودع أنطوانيت، فنظرت إليه فاندا نظرة سرية علم ~~منها أنها قرأت الرسالة، وانصرف مطمئنا آمنا. # وبعد ذهابهم خلا المكان لأنطوانيت وفاندا ومرتون التي كانت تخدمهما، فقالت أنطوانيت لفاندا: ~~ماذا ترين ألعلي أبرأ قريبا من هذا الداء؟ ~~- اطمئني أيتها العزيزة لأن ساعة الخلاص قد دنت. ~~- أتبقى هذه اللطخ السوداء على وجهي؟ ~~- إننا ابتلعنا حبوبا واحدة وأصبنا بداء واحد واسود وجهي كما اسود وجهك فانظري إلى وجهي ~~أترين ms0956 فيه شيئا من أثر السواد؟ ~~- كلا ولا بد أن تكون هذه الآثار قد زالت من وجهي، ولكني أشعر بظمأ شديد. # فلما سمعت مرتون ذلك أسرعت إلى إناء وقالت لها: إني ذاهبة إلى الصيدلية لأحضر لك شرابا. ثم ~~أخذت الإناء وخرجت. # وبعد هنيهة سمعتا صراخا من الصيدلية، ثم سمعتا صوت مرتون تنادي الطبيب ، وبعد ربع ساعة عادت ~~مرتون تحمل الإناء من ذلك الشراب، فسألتها فاندا قبل أن تعطي الشراب لأنطوانيت عن سبب الصراخ في ~~الصيدلية، فقالت لها: إني دخلت إلى الصيدلية لإملاء الإناء فرأيت شيفيوت تصيح وتستغيث، فوضعت ~~الإناء على طاولة الصيدلي وخرجت معه لمناداة الطبيب ثم عدت وأخذت الإناء ملآن وعدت ~~إليكم. # ثم قدمت الإناء لأنطوانيت ولكن قبل أن تمد يدها إليه انتزعته فاندا ورمت به إلى الأرض، ~~فعجبت أنطوانيت ومرتون من ذلك وقالتا لها: ماذا تفعلين؟ ~~- إني أنقذتك من موت هائل بفضل رئيسنا الذي يحميك. # أما الكتاب الذي أرسله روكامبول إلى فاندا فهو كما يأتي: # إن تيميلون اليد العاملة في اضطهاد أنطوانيت أرسل سما قاتلا إلى امرأة معكم في السجن ~~تدعى شيفيوت كي تسمم به أنطوانيت، فاحرصي عليها ولا تدعيها تأكل شيئا ولا تشرب شيئا، ~~واعملي بما قلته لك قبل دخولك إلى السجن فقد آن الأوان وتمت المعدات. # وكتمت فاندا الرسالة ولكنها لم تتمالك عن الكلام أمام أنطوانيت ومرتون أن شيفيوت وضعت السم ~~في الإناء، فهاجت مرتون هياجا شديدا وقالت: لا بد لي من قتل هذه الماكرة. # وهمت بالخروج إليها فأوقفتها فاندا وقالت لها: ارجعي عن قصدك لأن الله لا يرضى ~~الانتقام. ~~- ولكني أنا أرضاه ولا بد لي من قتلها. # فدنت منها أنطوانيت وقالت لها: إنك حديثة العهد بعيشة الصلاح، فلا تجعلي القتل بدء أعمالك، ~~واغفري لهذه المرأة كما غفرت لها أنا، يغفر لنا الله. # فاضطربت مرتون إذ لا يسعها مخالفة أنطوانيت وقالت لها: إنك تشبهين الملائكة يا سيدتي بصفاء ~~نيتك وطهارة قلبك، ولكني لا أريد قتل هذه الماكرة لمجرد الانتقام بل لحذري من أن تعود إلى ~~تسميمك لأنها ms0957 لا تقف بجرائمها عند حد ولا بد لها غدا من العود إلى ما فعلته اليوم. # فقالت لها فاندا: لا تخافي، في الغد يفوت الأوان. # فنظرت إليها مرتون كأنما تسألها بالنظر فقالت لها فاندا: ألم أقل لك حين قدومي إني دخلت ~~السجن بغية إخراج أنطوانيت منه؟ ~~- نعم قلت ذلك وإني متعجبة منه! ~~- إذن فاعلمي أن أنطوانيت لا تخشى شيئا في الغد، ولا تبالي بمكائد شيفيوت أيضا. ~~- ألعلها تخرج غدا من السجن؟ ~~- ربما. # فلم تقتنع مرتون بهذه الأقوال وقالت: ربما صدق ظنك ولكن جميع ذلك لا يمنعني عن قتل تلك ~~الخائنة. ~~- إذا فعلت شيئا من ذلك نفقد كل أمل بإنقاذ أنطوانيت. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك إذا تخاصمت مع شيفيوت ظهر أمر هذا التسمم فأبعدونا عن أنطوانيت ووضعوها في مكان ~~منعزل للمبالغة بالحرص عليها، وإذا أبعدونا عنها فكيف نستطيع إنقاذها؟ # فاقتنعت مرتون بهذا البرهان السديد وقالت: ولكن تلك الأثيمة أتظل آمنة لا تنالها يد ~~الانتقام؟ # فاتقدت عينا فاندا بنار حقد كمين وقالت: كلا بل إنها ستعاقب عقابا هائلا، ولا يقتصر ~~العقاب عليها بل يشتمل الذين دفعوها إلى الجريمة. ~~- أحق ما تقولين؟ ~~- أقسم لك بالذي أرسلني إلى هنا أن العقاب سيكون هائلا شديدا. ~~- إذن لا تدعيني أخرج من هذه الغرفة لأني أخشى أن ألتقي بشيفيوت ولا أملك نفسي. ~~- كلا بل يجب أن تريها وتحدثيها. ~~- لماذا؟ ~~- ذلك لأن هذه المجرمة إذا بقيت مرتابة بتنفيذ جريمتها عادت إليها بما لديها من الدهاء ~~والحيلة، ولكنها إذا علمت أن أنطوانيت شربت ما في الإناء وثقت من تسميمها وامتنعت عن ~~كيدها. ~~- وكيف أستطيع أن أخبرها؟ ~~- إنها طريقة بسيطة، وهي أن تعودي بالإناء إلى الصيدلية وتطلبي إلى الصيدلي أن يملأه أيضا، ~~وتقولي له على مسمع من شيفيوت، إذ لا بد أن تكون باقية فيها، إن أنطوانيت وجدت فائدة بهذا ~~الشراب، فتعلم شيفيوت أنها شربته. # فامتثلت مرتون مكرهة وذهبت بالإناء. # ولما خلت فاندا بأنطوانيت قالت لها: إنك تستطيعين الآن أن تشربي آمنة أولئك الأعداء الذين ~~لا يردعهم ضمير من قتلك. ~~- ولكني ms0958 لم أسئ إلى أحد منهم بشيء. ~~- إنك أسأت إليهم بهذه الثروة التي اختلسوها منك، وإنهم لا يريدون ردها إليك. ~~- ليحفظوها قدر ما يشاءون ويعيدوا إلي حياتي الماضية لأني كنت أعد نفسي على فقري من أسعد ~~النساء. ~~- كلا لأن الرئيس يريد أن يرد إليك النقود. # وكانت فاندا قد قصت على أنطوانيت لمحة من سيرة هذا الرئيس المدهشة، فكانت تعجب لهذا الرجل ~~الذي يخافه البعض، ويحبه البعض حب عبادة. وقد اختلفت أسماؤه فدعي جوزيف بيبار والمركيز دي شمري ~~ونمرة 117 والماجور أفاتار، وأنقذ ميلون من السجن. فكانت أنطوانيت تعجب به أشد العجب، لا سيما ~~وأن فاندا قد مثلته لها خير تمثيل، حتى باتت تثق به كثقة فاندا. # وبعد أن ساد السكوت هنيهة بينهما قالت لها أنطوانيت: أصحيح ما قلتيه لمرتون عن خروجي غدا ~~من السجن؟ ~~- نعم، فموعد إنقاذك قد دنا. ~~- ولكن كيف نخترق هذه الأبواب المقفلة وتلك الأسوار العالية؟ ~~- بإرادة الرئيس وبثقتك بي وبروكامبول وبميلون فهل لك بنا ثقة؟ ~~- أعندك شك بذلك؟ ~~- اعلمي أنه لا بد لخروجك أن تطيعيني طاعة لا حد لها وتقبلي بما أطلبه إليك وباسمي وباسم ~~روكامبول وباسم ميلون. ~~- إني مستعدة للطاعة. ~~- إذا أصغي إلي. # ثم ضمتها إلى صدرها وقبلت جبينها وبسطت لها خطة إنقاذها من السجن كما سيجيء. # أما مرتون فإنها ذهبت إلى الصيدلية تحمل الإناء فارغا، فبرقت عين شيفيوت لما رأتها، ولما ~~سمعتها تخبر الصيدلي أن أنطوانيت استلذت الشراب ظهرت على وجهها ملامح الفرح الوحشي. # فلم تكترث لها مرتون عملا بوصية فاندا وحملت إناء الشراب وعادت به إلى أنطوانيت فأخذته ~~منها فاندا، وبعد هنيهة قدمته لأنطوانيت فشربت ما فيه جرعة واحدة. # ولم تمض فترة وجيزة حتى صاحت أنطوانيت صيحة مزعجة منكرة موضعة يدها على قلبها، ثم انطرحت ~~على سريرها لا تعي. # فأسرعت مرتون إليها، ولما رأت أنها لا حراك فيها جعلت تلطم خديها وتصيح قائلة: إنها مسمومة ~~دون شك لأني لم أغسل الإناء. # ثم أتى الطبيب وبعد أن جس نبضها وفحص قلبها، قرر أنها ميتة وأن وفاتها ms0959 كانت بذلك الداء ~~الهندي. # 30 # ولنعد الآن إلى تيميلون، فقد تركناه ذاهبا إلى منزله بأمر روكامبول منفطر القلب وقد برح به ~~اليأس، ولم يطمئن فؤاده لكلام روكامبول، فذهب إلى منزله وأقام فيه إلى الظهر على أحر من الجمر، ~~ثم خرج هائما على وجهه لا يعلم أين يستقر حتى بلغ إلى كنيسة. فذكر عندما رآها مصيبته بابنته، ~~وأذكرته تلك المصيبة بخالقه، فجثا أمام بابها يصلي، وهي أول مرة في حياته الأثيمة عرف قلبه ~~الخشوع وذكرت شفتاه اسم الله. # وبعد أن فرغ من صلاته جعل يسير حزينا مطرقا، فيطوف شوارع باريس طواف الهائم، حتى أقبل ~~الليل وعضه الجوع، فدخل إلى فندق طعام، وفيما هو داخل سمع باعة الجرائد ينادون - جريدة المساء، ~~حادثة سجن سانت لازار - فهلع فؤاده واشترى نسخة من تلك الجريدة، وقرأ في صفحتها الثانية ما يأتي: # حادثة سجن سانت لازار # حدث في سجن سانت لازار حادثة غريبة، اضطربت لها المسجونات وكادت تفضي إلى الثورة. وهي ~~أن إحدى الفتيات التي قبض عليها البوليس مع عصابة لصوص لاتهامها بسرقة، ماتت في السجن اليوم ~~ميتة غريبة. # وقد ادعت هذه الفتاة حين قبض عليها أنها من بنات الأشراف وأنها وجدت بين اللصوص ~~بمكيدة، ثم أثبت التحقيق أنها على غير ما تقول إذ عرف القضاة أمها. # أما هذه الفتاة فقد دخلت إلى السجن منذ خمسة أيام، وفي اليوم التالي لدخولها أصيبت بمرض ~~نادر في أوروبا ولكنه معروف في الهند واليابان، فاسود جلدها وظهرت بثور فوق لسانها، وهو مرض ~~قتال ولكن الأطباء يثبتون أنه لا يعدي. # غير أنه من غرائب الاتفاق أن امرأة أخرى أصيبت في ذلك السجن بالداء نفسه وفي الساعة ~~نفسها التي أصيبت بها الفتاة، فنقلت الاثنتان إلى مستشفى السجن في غرفة واحدة. # وقد كانت المسجونات يحترمن تلك الفتاة احتراما شديدا، لجمالها ومكارم أخلاقها وظواهر ~~آدابها ولتشيع فتاة لها تدعى مرتون كانت تغالي أمام المسجونات في مدح صفاتها، ولكنها على ~~إجماع المسجونات على حبها كان لها عدوة لدودة تدعى شيفيوت. # وقد أدخلوا إلى المستشفى ms0960 مع تلك الفتاة امرأة ولدت فيه، فأصيب طفلها بمرض أشرف فيه على ~~الموت، فأشفقت الفتاة عليه وركعت أمام مهده تصلي، فما أوشكت أن تفرغ من صلاتها حتى نفض ~~الطفل عنه غبار الموت وشفي بأعجوبة من السماء. وانتشرت هذه الحادثة في السجن وأطلق ~~المسجونات على الفتاة لقب قديسة. # وقد كان موتها فجائيا إثر شراب شربته ، فاختلفت الأقوال في سبب موتها، ولكن صديقتها ~~مرتون اتهمت شيفيوت بأنها وضعت لها السم في الشراب لاشتهارها بعدائها، فثارت الفتيات على ~~تلك المجرمة وضربنها ضربا مبرحا، فنقلت إلى المستشفى وهي في حالة خطرة ولكنهم يرجون ~~إنقاذها. # وقد علمنا عند طبع الجريدة أن الفتيات لم يرجعن عن ثورتهن إلا حين أذنت لهن إدارة السجن ~~بتقبيل تلك الفتاة المائتة التي يلقبنها بالقديسة وهي ستدفن غدا، وقد أذن بدفنها دون تشريح ~~بناء على التماس المسجونات وحذرا من عودتهن إلى الثورة. # وقد اكتتبن جميعهن وجمعن مبلغا من المال كي يشترى لها به أرض خاصة في المدفن كي لا ~~تدفن في المدافن العمومية. وسنذكر غدا ما نعلمه من التفاصيل. # ولما انتهى تيميلون من قراءة الجريمة سقطت الجريدة من يده ووهت رجلاه وقال: ويح لي! لقد ~~قتلت ابنتي بيدي وكيف السبيل إلى خلاصها ولكن لا بد لي منه. # وقبل أن يتم كلامه أحس بيد وضعت على كتفه فالتفت ثم رجع منذعرا؛ لأن هذه اليد كانت يد ~~روكامبول. # أما روكامبول فإنه أخذ يده وسار به إلى منعطف في الشارع، فقال له تيميلون بلهجة القانط ~~المتوسل: رحماك أنقذ ابنتي فلا ذنب لها. ~~- نعم، سأنقذها إذا كنت تطيعني. ~~- أواه إني أكون أطوع من بنانك، فمر أطعك في كل ما تريد. ~~- ألم تجعل لأنطوانيت والدة تدعى مارلوت إثباتا لجريمتها؟ # فأطرق برأسه مستحيا وقال: نعم. ~~- إذن، يجب على هذه الأم أن تطلب جثة ابنتها وأصغ إلي الآن لأني أمهلك إلى ظهر غد، فإذا لم ~~تذهب غدا تلك المرأة التي تدعى مارلوت إلى سجن سانت لازار وتطلب جثة أنطوانيت مدعية أنها ~~ابنتها وتدفنها في مقبرة مونتمارتر بأرض خاصة ms0961 تختارها أنت حسب إرشادي فإنك لا ترى ابنتك. # فبرقت عينا تيميلون بأشعة الأمل، وقال: سأعمل جميع ذلك في الوقت المعين. # فأعطاه روكامبول ألف فرنك لشراء الأرض الخاصة وقال له: يجب عليك أيضا أن تدعي أنك عم ~~أنطوانيت فتسير مع أمها في مشهدها، وإذا بلغتم بها المقبرة تضعها في قبر خاص يرشدك إليه ريكولو. ~~ثم تركه وانصرف. # 31 # كان كل ما نشرته تلك الجريدة التي قرأتها تيميلون عن ثورة الفتيات صحيحا، فإن ثائرهن لم ~~يهدأ حتى وعدهن رئيس السجن بالإذن لهن بتوديعها وعدم تشريح جثتها. # وفي صباح اليوم التالي كانت أنطوانيت مسجاة على سريرها، فجعل المسجونات يدخلن إليها واحدة ~~إثر واحدة، فيقبلن يدها تبركا لاعتقادهن أنها قديسة حتى فرغن من توديعها، ولم يفضل في الغرفة ~~غير فاندا ومرتون، فكانت مرتون تبكي البكاء الشديد وكانت علائم الحزن والسكينة بادية في وجه ~~فاندا. # ولما خلا بهما المكان قالت لها فاندا: لماذا تبكين هذا البكاء؟ # فنظرت إليها مرتون نظرة إنكار وقالت: أترينها مائتة لا حراك فيها ثم تسأليني عن سبب ~~بكائي؟ ~~- ألم تقولي مع القائلات في هذا السجن إن الله صنع أعجوبة على يدها حين إنقاذ الطفل؟ ~~- نعم ولا أزال أعتقد هذا الاعتقاد. ~~- إذن لماذا تيأسين من رحمة الله ألعله لا يستطيع أعجوبة ثانية؟ # فارتعشت مرتون وقالت: ماذا تعنين بهذا القول؟ ~~- أعني به أن الله الذي أنقذ الطفل من الموت لا يصعب عليه أن يرد الحياة إلى ~~أنطوانيت. ~~- رباه! ماذا أسمع؟! ألعل ذلك من الممكنات؟ ~~- إن الله على كل شيء قدير ولا تقنطي من رحمته. # ورفعت مرتون عينيها إلى السماء وقالت: رباه من يستطيع إنكار سلطانك إذا أنقذتها من ~~الموت. # ثم انقطعت عن البكاء وجعلت تنظر إلى أنطوانيت وتغوص في بحار التأملات. # وبعد حين دخلت الراهبة وقالت لفاندا ومرتون: إن والدة أنطوانيت أتت تطلب جثتها. # فأجفلت مرتون بلهجة الاستنكار: أية أم هذه؟ # وحاولت أن تكشف النقاب عن حقيقة تلك الأم الكاذبة لو لم تبادرها فاندا بنظرة سرية ألجمت ~~لسانها عن الكلام، فوقفت حائرة مدهوشة ms0962 لا تعلم ماذا تقول. # وبعد حين أتت تلك الأم واعترفت أن أنطوانيت ابنتها ووقعت على صك الوفاة. # ثم جاءوا بالتابوت، ولما رأته مرتون اضطربت اضطرابا شديدا وقالت لفاندا: أرأيت أنهم ~~سيحملونها أين عجيبة الله؟ ~~- قلت لك لا تيأسي واصبري لأن الله مع الصابرين. # ثم حملوا أنطوانيت إلى الكنيسة، وصلي عليها بحضور جميع المسجونات وخرجوا بها . # وكانت مرتون راكعة بجانب فاندا، ولما رأتهم ساروا بها علا نحيبها وقالت: أي رجاء لي بعد وقد ~~حملوها؟ ~~- قلت لك: لا تقنطي من رحمة الله، والآن انظري إلى الذين يحملون النعش ألا ترين بينهم ~~ريكولو؟ ~~- نعم. ~~- أترينه يبكي أو يظهر عليه شيء من ملامح الكآبة؟ ~~- كلا. ~~- ذلك لأنه يثق برحمة الله أكثر من ثقتك، فاقتدي به. # وبينما كانت مرتون تنظر إلى النعش ومن حوله صاحت صيحة رعب قائلة: هو ذا تيميلون! # فضغطت فاندا على يدها ضغطا شديدا وقالت لها: اسكتي! # فسكتت مرتون وهي لا تعلم شيئا من هذه الألغاز وتوارى النعش عن الأنظار. # وفي الساعة السابعة من المساء كانت فاندا ومرتون مختبئتين في المستشفى، وعادت مرتون إلى ~~البكاء واليأس فقالت لها فاندا: ما بالك لا تقتدين بي وتثقين وثوقي، ألا ترينني ساكنة آمنة، ~~وأنا إنما أتيت إلى هذا السجن لإنقاذها منه؟ ~~- ولكني أراك لا تزالين سجينة فيه. ~~- سأبقى فيه ساعتين أيضا. ~~- ألعلهم قادمون لإنقاذك؟ ~~- كلا بل سأنقذ نفسي. # ونظرت إليها بانذهال عجيب وقالت: ستنقذين نفسك وكيف ذلك؟ ~~- سوف تعلمين كيف أنقذ نفسي وإذا أنقذتك أيضا معي أتعدينني بالرجوع عن سيرتك السابقة ~~والسير في مناهج الصلاح. ~~- إني كنت آليت على نفسي أن أعيش في خدمة أنطوانيت ما حييت، وكنت أرجو أن يغفر لي الله ~~ذنوبي السابقة. ~~- وإذا ردت إليها الحياة؟ ~~- بالله لا تعيدي علي هذه الأقوال فقد كاد يذهب صوابي. ~~- ليكن ما تريدين والآن هل تريدين أن تخرجي معي من السجن؟ ~~- كيف لا أريد ولكني لا أعلم كيف تريدين الخروج من هذا السجن؟ ~~- ستعلمين كيف أخرج، قولي لي: ألا تعرفين الطريق المؤدية إلى باب الخفر العام ms0963 في هذا ~~السجن؟ ~~- أعرفه ولكن الخروج من هذا الباب مستحيل. ~~- إن كلمة المستحيل لا توجد في قاموس روكامبول. # وعند ذلك سمعتا صوت وقع أقدام فهمست فاندا في أذن مرتون وقالت: هو ذا الراهبة قادمة إلي ~~بالدواء، فمهما سمعت ومهما رأيت احذري أن تقولي كلمة. # وبعد هنيهة دخلت تلك الراهبة ووجدت فاندا مضطجعة في سريرها فسألتها عن صحتها فأنت وتوجعت ~~وقالت لها بصوت ضعيف: إن لساني يلتهب التهابا شديدا. # فقالت لها الراهبة: أريني لسانك. # ثم وضعت المصباح الذي كان بيدها على منضدة صغيرة أمام السرير ودنت منها، ولكنها ما لبثت أن ~~اقتربت منها حتى نفخت فاندا نفخة شديدة أطفأت المصباح وهجمت على الراهبة فضغطت على عنقها بيد من ~~حديد وألقتها فوق السرير وهي تقول: إذا فهت بكلمة خنقتك في الحال. # وكانت هذه الراهبة تشبه فاندا بقوامها ونحولها، وهي على طعنها في السن لم يكن يوجد في وجهها ~~أثر للتجعيد والغضون لم تستطع دفاعا لضعفها، فما زالت بها فاندا حتى تغلبت عليها وربطت فمها ~~بمنديل كي لا تستطيع الصراخ، وأوثقت رجليها وربطتها إلى السرير ثم جردتها من ثوبها ولبسته فوق ~~ثيابها ووضعت على رأسها القبعة التي كانت تستر معظم وجهها وأخذت المفاتيح التي كانت في ~~جيبها. # وبعد أن فرغت من ذلك قالت لمرتون: سألبسك قريبا مثل هذا الثوب فاكمني وراء الباب. # وفيما هما كامنتان إذ سمعتا وقع أقدام معاونة تلك الراهبة فنادتها فاندا باسمها مقلدة صوت ~~تلك الراهبة وقالت لها: ائتني بمصباح فقد أطفأ الهواء مصباحي. # ورجعت المعاونة على أعقابها ثم عادت تحمل مصباحا، ولكنها لم تلبث أن دخلت إلى الغرفة حتى ~~انقضت عليها فاندا ومرتون وفعلتا بها ما فعلتاه بالراهبة، فجردتاها من ملابسها وقيدتاها بجانب ~~رفيقتها ولبست مرتون ثيابها. # وعند ذلك قالت لها فاندا: هلمي بنا الآن وسيري أمامي في الطريق المؤدية إلى باب الخفر ~~العام. # فسارت أمامها وتبعتها فاندا فجعلتا تخرجان من دهليز إلى رواق وكل من رآهما من الحراس يحسب ~~أنهما من الراهبات، حتى انتهتا إلى فسحة متسعة تكتنفها ms0964 أسوار السجن المشرفة على الشارع، فوقفت ~~مرتون وقالت لها: انظري إلى هذا النور الضعيف المنبعث من آخر الفسحة المتسعة، فإن هناك الباب ~~العمومي وهناك فرقة من الحراس يتناوب رجالها السهر ولا يمكن لأحد أن يخرج من بينهم. ~~- لا بأس فإننا لا ندنو منهم وهم لا يروننا لبعد المسافة واشتداد الظلام. # ثم عادت إلى الباب الذي خرجت منه إلى تلك الفسحة فمشت وهي تعد خطواتها ومرتون تتبعها حتى ~~عدت عشرين خطوة ودنت من ذلك الجدار المرتفع وجعلت تبحث بيديها على سطحه حتى عثرت يدها على حبل ~~رفيع متين، فمشت خطوة ثانية فلقيت حبلا آخر. # وكان في أسفل الحبلين عقدتان ضخمتان، فحلتهما فإذا بهما قد تحولتا إلى زنبيلين من الحرير ~~الدقيق المتين، فأمرت مرتون أن تجلس في إحداهما وجلست هي في الآخر ثم شدت الحبل ثلاث مرات ~~متوالية وصبرت هنيهة، وشدته أيضا أربع مرات وصعد الزنبيلان في الحال يحملان هاتين الأسيرتين ~~إلى أرض الحرية. # 32 # ولنعد الآن إلى أجينور دي مورلكيس، فقد تقدم لنا القول أن عمه أرسله إلى الرين عند عمته كي ~~يبعده عن باريس، فاختصم وهو مسافر مع أحد الضباط، فتبارز معه وجرحه الضابط جرحا خفيفا قضى ~~عليه بملازمة الفراش أسبوعا. # وقد عرف القراء أن روكامبول أرسل ميلون إلى الرين كي يعود بأجينور إلى باريس، فذهب ميلون في ~~اليوم الثاني لسفر أجينور. # وكانت القرية التي حدثت فيها تلك المبارزة قرية صغيرة، ومثل هذه المبارزة تحدث بين بارون ~~وضابط تشتهر فيها اشتهارا عظيما حتى تدور على جميع الألسن ويتحدث بها العموم. # ولما وصل ميلون إلى تلك المحطة سمع الناس يتحدثون ويذكرون اسم البارون دي مورليكس ويشرحون ~~المبارزة، فعلم منهم أنه جريح وأنه مقيم في الفندق، فنزل حالا من القطار وأسرع إلى ذلك ~~الفندق. # وكان أجينور قد رآه مرة حين كان يقفو أثر مركبته مع أنطوانيت، فلما رآه انذهل فقال له ~~ميلون: أعرفتني يا سيدي؟ ~~- كلا، ولكني أذكر أني رأيتك أو رأيت رجلا يشبهك فماذا تدعى؟ ~~- إني أدعى يا سيدي ميلون. # وظهرت ms0965 دلائل الفرح على وجه أجينور وقال: إنك ميلون مربي أنطوانيت؟ ~~- أرى من ملامح عينيك أنك تحبها حبا أكيدا. ~~- أهي التي أرسلتك إلي؟ ~~- كلا، ولكني آت إليك من أجلها فقل بالله أتحبها حقيقة؟ ~~- إني أحبها حبا بل أعبدها عبادة. ~~- وإذا كانت معرضة لخطر؟ ~~- أنطوانيت معرضة لخطر، وأي خطر هذا؟ ~~- خطر الموت يا سيدي. # وكان أجينور لا يزال ضعيفا مما نزف من دمائه ولكنه حين سمع ميلون يذكر أن حبيبته معرضة ~~لخطر الموت اشتد واضطرب وقال: أتكون أنطوانيت في مثل هذا الموقف وأقيم في فراشي؟ هلم بنا نعود ~~إلى باريس فلا أطيق البقاء دقيقة هنا. # وخرج الاثنان من الفندق توا إلى المحطة، فأرسل ميلون إلى روكامبول هذا التلغراف بتوقيع مستعار: # إلى الماجور أفاتار # إننا مسافران إلى شارتر بالقطار نمرة 16، فنصل إليها في الساعة الحادية عشرة وأنا أنتظر ~~الجواب في الشارتر كي أعلم أين يجب أن أذهب. # ديراند # ولم يفه ميلون بكلمة عن أنطوانيت في الطريق، ولكنه لما رأى أجينور يلح عليه بالكلام عنها ~~قال له: أتعلم أن أنطوانيت من أسرة عظيمة؟ ~~- نعم. ~~- وأنهم سرقوا ثروتها؟ ~~- نعم، ولكني سأرد لها الثروة المسروقة. ~~- إنهم لم يكتفوا بسرقة ثروتها، بل إنهم يريدون سلب شرفها، بل سلب حياتها. ~~- قل لي بربك من هذا المجرم الأثيم؟ ~~- لا أستطيع أن أبوح بحرف وسيخبرك الرئيس بكل شيء. ~~- أي رئيس هذا؟ ~~- هو رجل يقدر على إجراء كل ما يريد، وهو الذي أنقذني من السجن وتولى حماية أنطوانيت ولا بد ~~متى اجتمعت به أن تبلغا المراد من إنقاذها. # ولما وصل القطار إلى الشارتر أسرع ميلون إلى إدارة التلغراف فتلقى منها هذا التلغراف: # إلى المسيو ديراند المسافر بالقطار نمرة 16 «أنا في انتظارك في محطة باريس.» # أفاتار # وعاد ميلون إلى القطار وسار بهما إلى باريس، وكان أجينور مدة السفر في أشد حالة من الهياج؛ ~~لأنه بات يحب أنطوانيت حبا شديدا مبرحا. # وقد زاد في غرامه موقف أنطوانيت الخطر وما اعترضه في سبيل حبها من العقبات، حتى بات يود أن ~~يسفك في سبيل ms0966 إنقاذها آخر نقطة من دمه. # ولما وصل القطار إلى محطة باريس أشار ميلون بيده إلى روكامبول الذي كان ينتظر في المحطة ~~وقال لأجينور: هذا هو الرئيس. # فارتعش أجينور لأنه رأى أمامه الماجور أفاتار، وقد كان تعرف عليه في النادي فإنه من ~~أعضائه. # أما روكامبول فإنه دنا منه وقال له بعد السلام عليه: لا يشغلك الآن أمري ولا تهتم أن تعرف ~~من أنا وماذا أستطيع أن أصنع، فإن الوقت يضيق بي الآن عن إخبارك بحقيقة سيرتي، ولا يسعني أن ~~أهتم إلا بأنطوانيت. # ثم ركب الثلاثة مركبة وقال روكامبول لميلون: أرشد السائق إلى منزلك فإننا ذاهبون ~~إليه. # ولما وصلوا إلى منزل ميلون فتح روكامبول الصندوق الذي خبأته والدة أنطوانيت في القبو وأخرج ~~منه رسائلها التي تفضح أخويها الفيكونت كارل والبارون دي مورليكس وعرضها على أجينور. # ولما أتم أجينور قراءتها تراجع إلى الوراء منذعرا وسقطت الرسائل من يده لاضطرابه وجعل ~~يقول: أيمكن أن يفعل أبي هذا المنكر؟ # 33 # وكان أجينور يحب أباه حبا بالغا ويحترمه احتراما شديدا، فانقضت عليه هذه الرسائل ~~انقضاض الصاعقة ذاتها، وكانت مكتوبة بخط البارونة ميلر، فعلم بعد قراءتها أن أنطوانيت ابنة عمته ~~وأن أباه وعمه قد سرقا ثروتها وأن ذنبهما لم يكن قاصرا على السرقة، فإن البارونة اعترفت في ~~رسائلها أنها ماتت مسمومة وقد أثبت قولها كتاب بخط الدكتور فانسانت تحصل عليه روكامبول واطلع ~~أجينور عليه. # ولما وقف أجينور على جميع هذه الجرائم ولم يعد لديه شك بآثام عمه وأبيه وقف وقد بدت عليه ~~ملامح الأنفة، فقال لروكامبول: لا أريد الآن أن أعرف من أنت، ويكفيني أن تكون واقفا على هذه ~~الأسرار الهائلة فأطلعك على قصدي، فاعلم أني سأتزوج أنطوانيت وسأرد لها ثروتها. # فقال روكامبول بسكينة: أظن يا سيدي أن ميلون أخبرك عن اختطاف أنطوانيت. ~~- اختطاف أنطوانيت؟ ~~- نعم إنها اختطفت ولكننا وقفنا على أثرها. # فكاد أجينور يفقد صوابه وجعل يقول: كيف اختطفت ومن الذي اختطفها؟ # فقام روكامبول إلى خزانة فأخرج منها عدة أوراق وعرض على أجينور في البدء كتاب ms0967 أبيه دي ~~مورليكس إلى أنطوانيت، فقرأه أجينور وقال: إن هذا الكتاب زور وليس الخط خط أبي. ~~- نعم، ولكنك تذكر أن عمك ودعك في المحطة في الساعة نفسها التي اختطفت فيها ~~أنطوانيت. # فأن أجينور أنين الموجع وقال: نعم، إنه أهل لكل شيء. ثم عرض عليه روكامبول نسخة من صورة ~~الحكم على أنطوانيت، فما قرأها أجينور حتى طاش عقله، فغطى رأسه بيديه وقال: أمثل أنطوانيت تزج ~~في السجن؟! ~~- إنهم ألقوها فيه مع السارقات الآثمات دون أن يردعهم رادع من ضمائرهم الأثيمة. # ثم عرض عليه رسالة تضمنت اعتراف تيميلون بجميع المكيدة اعترافا تاما مفصلا، فكانت ~~النكبات تتوالى على فؤاد أجينور، وكأنما تواليها قد أعاد إليه رشده وهاله ثبوت الجرائم على عمه ~~وأبيه ثبوتا لا ينقض، فوثب من مكانه إلى الباب وقال: إني لا أقيم دقيقة في هذا المكان. # غير أن روكامبول أسرع فقبض عليه وقال له: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى سجن لازار. ~~- وماذا تصنع بهذا السجن؟ ~~- إن أبوابه تفتح أمامي ومديره يسمع كلامي، والكنيسة تفتح أبوابها لي وتحتفل بعقد زواجي على ~~أنطوانيت؛ إذ لا بد لي من إرضائها ترضية تناسب ما أصابها من الإهانة، بل أريد أن يعرف العالم ~~بأسره أن البارون دي مورليكس تزوج امرأته في سانت لازار. # فابتسم روكامبول وقال: يسرني أن تبلغ منك الشهامة هذا الحد، غير أن مثل هذه الأفعال التي ~~تريد الإقدام عليها لا تجري إلا في الروايات، ولو تأملت هنيهة لعلمت أن ذهابك إلى سجن سانت ~~لازار يجعل بينك وبين أنطوانيت هوة عميقة، وأن الاصطلاحات العالمية لا تؤذن لك بالزواج ~~بأنطوانيت حين ترسل بسببها أباك إلى المشنقة. # فانجلت الحقيقة بتمامها لأجينور وأدرك كنه موقفه الحرج وتجلت له تلك المشنقة كأنما هي ماثلة ~~أمامه، فأدار في جوانب الغرفة نظرا هائما وقد تولاه اليأس، فرأى على طاولة مسدس روكامبول ~~فأسرع إليه واختطفه، غير أن روكامبول كان أسرع في تجريده منه، فقال له: دعني أموت فلم يبق لي ~~خير في الحياة بعد هذه المصائب. ~~- وأنطوانيت؟ # فعاد أجينور إلى رشده ms0968 حين ذكر اسمها وقال: رباه ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- يجب أن تصبر كي تقوى على قراءة كل شيء. ثم أطلعه على تلك الرسالة التي كتبها الفيكونت ~~كارل إلى تيميلون، وهي التي قال له فيها: «يجب أن تموت أنطوانيت ابنة أختي في هذا المساء وإذا ~~احتجت فاستعمل الخنجر أو السم.» # فضرب أجينور رأسه بيده ضربة شديدة وقال: أماتت أنطوانيت ؟ ~~- لا أعلم إذا كان السم قد وصل إلى السجن، إنما أرجوك أن تتبعني. ~~- إلى أين تريد أن أتبعك؟ ~~- حيث ترى أنطوانيت. ~~- أرأيت إذن كيف يجب أن نذهب إلى سجن سانت لازار؟ ~~- كلا إنها ليست بهذا السجن. ~~- إذن أين هي؟ ~~- هلم معي تعلم. # ثم أخذه بيده ومسك ميلون بيده الأخرى وسارا لأنهما رأيا أن قواه قد تلاشت بحيث لم يعد ~~يستطيع أن يمشي وحده. # وكان روكامبول قد أخذ مسدسيه من قبيل الاحتياط فوضعهما في جيبه وركب المركبة مع أجينور ~~وميلون وقال للسائق: سر بنا إلى شارع مونتمارتر. وسارت بهم المركبة سيرا حثيثا حتى بلغت إلى ~~منزل ريكولو، وهو المنزل الذي كبسته الجنود حين تفتيشها على روكامبول وعصابته، فنزل الجميع منها ~~يتقدمهم روكامبول وطرق الباب، ففتح له ريكولو فدخل وتبعه أجينور وميلون. # وكان يوجد في المنزل حين دخولهم ثلاث نساء، وهن: فاندا الروسية، ومرتون وامرأة ريكولو، وكان ~~باب الغرفة الثانية مقفلا فجعل أجينور ينظر إلى أولئك النساء دون اكتراث ثم قال لروكامبول: أين ~~أنطوانيت؟ ~~- إنها قريبة من هنا. ~~- إنك لا تجسر أن تقول لي الحقيقة فإنها ماتت. # فلم يجبه روكامبول ولكنه ذهب إلى طاولة فأخذ عنها تلك الجريدة التي نشرت وفاة أنطوانيت في ~~السجن وأطلعه عليها. # ولما تلا أجينور تلك المقالة لم يعد يشكك بموت أنطوانيت فخابت أمانيه واختل عقله، فجعل ~~يتوسل إلى روكامبول ويسأله أن يعطيه مسدسه كي ينتحر. # فقال له روكامبول: مهلا أيها الصديق فإن هذه الجريدة تدل على أن أنطوانيت ماتت وأن جثتها ~~قد نقلت إلى مقبرة مونتمارتر التي لا يفصل بيننا وبينها غير حائط هذه الغرفة، إلا أنها لم تدفن ms0969 ~~بعد، بل إنها وضعت في قبو مؤقتا إلى أن يتم بناء القبر الخاص، أفلا تريد أن تنظر التي تحبها ~~نظرة الوداع؟ ~~- نعم، نعم! أريد أن أودعها هذا الوداع، بل أودع نفسي على ذاك الضريح! # فأخذه روكامبول بيده وقال له: تعال معي. # ثم أشار إشارة خفية إلى ميلون وريكولو. # وسار روكامبول بأجينور إلى خارج المنزل فتبعه أجينور وهو واهي العزيمة منحط القوى، وميلون ~~يمشي في أثرهما مطرق الرأس، وهو يخشى على أنطوانيت بقدر ما يثق بروكامبول. # وما زالوا سائرين حتى بلغوال إلى جدار متهدم في مقبرة مونتمارتر فولجوا منه يسترهم ظلام ~~الليل، وكان يقودهم ريكولو في تلك الظلمات الحالكة ويسير بهم في دهاليز المقبرة بين الأموات، ~~وكانت الدموع تنهل على وجه أجينور كما كان يتساقط المطر على سائر العصابة. # وما زالوا يسيرون حتى وصلوا إلى قبة مرتفعة تفصل المقبرة القديمة عن الجديدة، فقال أجينور ~~لروكامبول: ألا تعطيني مسدسك حين نصل إليها؟ # فقال روكامبول: لا شك أنك جننت وأن الحزن الشديد يدفعك إلى هذه الأقوال؟ ~~- لا أنكر حزني وبأسي، وكنت أود لو ذهب صوابي غير أن عقلي لا يزال سليما لنكد ~~طالعي. ~~- إن موت أنطوانيت خير لك ولها، وهو خير لها دون شك فإنها إذا عاشت تعيش ملطخة بذلك العار ~~الذي وصمها به أبوك وعمك. ~~- إبي، نعم إن أبي الذي قتلها. ~~- كلا، فإن أباك ضعيف الإرادة وهو لم يرتكب تلك الجريمة إلا حين دفعه إليها عمك. ~~- لقد أصبت فإنه من أعظم رجال الكيد والشر، خلافا لأبي فقد انطوى قلبه على السلام. ~~- ثم إنه لو عاشت أنطوانيت لوجب علي وعلى ميلون حمايتها ورد ثروتها والانتقام من ~~أعدائها. # فصاح أجينور صيحة يأس وقال: أنا الذي سينتقم لها. ~~- أتنتقم لها من أبيك؟ ~~- كلا، فإنك أنت نفسك تعترف معي أن أبي رجل ضعيف شريف، ولكني أنتقم من عمي فليس بين الشرائع ~~الاصطلاحية ما يمنع القتال بين الرجل وابن أخيه، وسأقتل هذا العم الماكر بالسيف أو بالمسدس، إذ ~~لا بد لي من قتله. # وفيما هم يتحدثون ويسيرون ms0970 وقف ريكولو وقال: قد وصلنا. # فنظر روكامبول وأجينور وميلون فوجدوا أمامهم حفرة عميقة، وهي أشبه بهوة عميقة، فأنار ريكولو ~~شمعة، فظهر لهم سلم ينزل بها إلى تلك الهوة فنزل أمامهم قائلا لهم: اتبعوني. # ولما رأى ميلون تلك الحفرة جعل ينتحب ويقول: وا أسفاه إنها مائتة حقيقة. # فانتهره روكامبول وقال له: أعن البارون في النزول. # ثم نزل أمامهما في أثر ريكولو، وتبعه ميلون وهو يحمل أجينور كما يحملون الأطفال، حتى إذا ~~بلغوا إلى أسفل الحفرة سار بهم ريكولو في منعطف انتهوا منه إلى سرداب طويل، كان على يمينه وعلى ~~يساره كثير من التوابيت. # وكانت هذه الحفرة خاصة بالأموات الذين يوضعون فيها مؤقتا إلى أن تبنى لهم المدافن الخاصة، ~~وكان روكامبول عابس الوجه مقطب الحاجبين، وريكولو يبحث بشمعته عن نعش أنطوانيت حتى انتهى إلى ~~نعش أبيض وقال: هذا هو. # فأفلت أجينور عند ذلك من ميلون وأسرع إلى ذلك النعش وفتحه وجعل ينادي: أنطوانيت، أنطوانيت، ~~أنت امرأتي أمام الله أهناك ألقاك. # واختنق صوته وتفجرت الدموع من عينيه وعض كفيه من اليأس، ثم نظر إلى روكامبول وقال له: بالله ~~أشفق علي واقتلني، أو دعني أموت بجانبها. # ولم يجبه روكامبول وأشار إلى ميلون بإبعاده عن النعش، فأبعده مكرها وهو لا يقل اضطرابا ~~عن أجينور. # ثم أشار إشارة ثانية إلى ريكولو فدنا من النعش وكشف عنه الكفن، فظهرت من تحته أنطوانيت ~~بملابس المسجونات في سجن سانت لازار. # فصاح أجينور صيحة مزعجة حين رأى وجهها ولكنه ما لبث أن تفرس فيه حتى قال: إن هيئتها لا تدل ~~على الموت ومن يراها على هذه الحالة يحسب أنها نائمة. # وعند ذلك دنا منه روكامبول وأبعده عن النعش ونظر إليه النظرات التي تتكهرب لها الأجسام ~~والتي بها دعي رئيسا وقال له: وإذا صدق قولك ولم تكن أنطوانيت قد ماتت حقيقة؟ # فاضطرب أجينور وقال: إنك ستذهب بصوابي. ~~- لا بأس وسأعيد عليك السؤال فأقول إذا كانت أنطوانيت لم تمت حقيقة وكان موتها الظاهر ~~رقادا بفعل شراب مخدر فماذا تصنع؟ ~~- أتسألني ماذا أصنع، ms0971 إني أتزوجها. ~~- وثروتها؟ ~~- يجب أن ترد إليها. ~~- أتنتقم لأمها المقتولة؟ # فصاح أجينور بصوت مختنق متهدج: ويلاه أأنتقم من أبي؟ ~~- إن أنطوانيت قد تعفو عن أبيك. ~~- إذن سأقتل عمي. ~~- كلا، لست أنت الذي يتولى قتله. ~~- إذا لم أكن أنا قاتله فمن يقتله؟ ~~- أنا. ~~- أواه أن جميع ما تقوله أحلام، فإن أنطوانيت مائتة. # ثم ركع قرب نعشها وعاد إلى البكاء . ~~- نعم إن الجرائد ودفاتر السجن سجلت وفاة تلك الفتاة التي تدعى أنطوانيت ابنة مرلوت، ولكن ~~أنطوانيت دي ميلر ابنة عمك. ~~- تمم حديثك. ~~- إن أنطوانيت دي ميلر يمكنها الخروج من هذا النعش وهي تستطيع أن تفتح عينيها وتعيش وتضع ~~يدها بيدك إذا كنت أريد. # فانصب العرق البارد من جبين ميلون، وسمعت دقات قلب ريكولو، وقال أجينور: وماذا يمنعك عن أن ~~تريد؟ ~~- لا أمتنع عن ذلك إلا إذا كنت تقاومني. ~~- كيف أقاومك وماذا تريد مني؟ ~~- أريد بأن تقسم لي بشرفك أمام هذا النعش أنك تطيعني طاعة لا حد لها مهما طلبت إليك ومهما ~~رأيت مني. ~~- أقسم لك بشرفي وبكل عزيز على الأرض ومقدس في السماء أني أكون لك أطوع من العبيد ما حييت ~~إذا كنت ترد لي أنطوانيت. ~~- إذن سأردها لك ولكن ليس في هذا المكان، إذ لا يجمل أن تفيق فتجد نفسها بين ~~الأموات. # ثم أمر ميلون أن يخرج أنطوانيت من النعش ويحملها، وأمر ريكولو أن يسير أمامهم، فتقدم ريكولو ~~أمامهم بذلك السرداب الطويل المؤدي إلى منزل ريكولو، وتبعه ميلون يحمل أنطوانيت، وسار في أثرهما ~~روكامبول وهو يتأبط ذراع أجينور، حتى بلغوا المنزل فوضعوا أنطوانيت على سرير امرأة ~~ريكولو. # وأخذ روكامبول بيد أجينور وقال له: أصغ إلي الآن، لقد كان في وسعي أن أخرج أنطوانيت حية من ~~السجن كما أخرجت فاندا ومرتون، وهما هاتان المرأتان اللتان تراهما أمامك، ولكني لم أرد ذلك إذ ~~لا يجب أن يشك أحد بأن الفتاة التي ستغدو امرأتك كانت في السجن مع السارقات وبنات الهوى، ثم إنه ~~لا أحب أن يستطيع هذا الخائن مطاردتها، وأريد به عمك الذي ms0972 دنس اسم عائلتكم الشريف، والذي ستنكره ~~دون شك، بل إني أريد أن لا يبقى لديه شيء من الشك بوفاتها وأنها ماتت في سجن سانت لازار. # وقال أجينور: نعم، لقد أصبت ولكنك لا تزال تطمعني بحياتها وهي لا تزال دون حراك. ~~- إني سأرد لها الحياة. # فساد السكون بين الحاضرين حتى كادت تسمع دقات قلوبهم، وانقطعت مرتون عن البكاء وبرقت عيناها ~~بأشعة الأمل. # أما روكامبول فإنه نظر إلى أجينور وقال: أصغ إلي إني لست طبيبا ولا عالما، ولا دجالا ولا ~~ساحرا، وإن حالة أنطوانيت الآن حالة من نام بتأثير مخدر. # وقد عرفت فيما مضى من أيامي طبيبا هنديا يشتغل أشغالا خاصة بالسموم، وكان لي معه مودة ~~وصحبة، فتعلمت منه طرق التخدير وأخذت منه مخدرا يجعل من يشربه على ما هي عليه أنطوانيت ~~الآن. # وقد ابتلعت أنطوانيت حبة من هذا المخدر لا يزيد حجمها على حجم رأس الدبوس فسكنت دقات قلبها ~~في الحال ووقفت دورتها الدموية، وبردت جثتها واصفرت بشرتها، حتى لم يعد يشك من يراها بأنها من ~~الأموات، كما تراها الآن. # فصاح ميلون: بربك يا سيدي أسرع ورد إليها حياتها، فقد فقد منا الصبر. ~~- اصبر إلى أن أتم حديثي. # ثم عاد إلى أجينور وقال: إن هذا المخدر الذي يميت هذا الموت الظاهري بمدة عشر ثوان لا يميت ~~الموت الحقيقي إلا إذا مضى زمن طويل على شاربه، فإذا أسقي ضده شفي في الحال وردت إليه ~~الحياة. # ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة ومبضعا، وكان في الزجاجة سائل أبيض، وقال: إن هذا السائل هو ~~ترياق ذلك السم، وسأغمس به رأس هذا المبضع وأوخز ذراع الصبية، فتختلج على الفور ويعود قلبها إلى ~~الاشتغال، ثم لا يمضي عليها دقيقة حتى تفتح عينيها وتعود إلى ما كانت عليه من العافية. # فصاح ميلون: أسرع يا مولاي. # والتف الجميع حول السرير ودنا روكامبول من الفتاة فشمر عن ذراعها ثم فض ختم الزجاجة وغمس ~~المشراط بسائلها، وبحث عن عرق تجري به الدماء أكثر من سواه، فوخز العرق بالمشراط وجعل ~~ينتظر. ms0973 # وبعد دقيقة مرت بأولئك الصابرين مرورا لم تتحرك أنطوانيت؛ فاصفر وجه روكامبول، ودق ميلون ~~يدا بيد وهو يقول: إنها لم تتحرك وقد قضي عليها. # وقال أجينور بلهجة الحزن الشديد: ألعلها ماتت؟ # فاضطرب روكامبول اضطرابا شديدا وقال: رباه ألعلي انتظرت أكثر من المدة اللازمة؟ # ثم جحظت عيناه وبدت على وجهه علائم اليأس. # وظل ينتظر ثلاث دقائق، فكان ريكولو ممسكا بأجينور وميلون جاثيا أمام أنطوانيت يبكي بدموع ~~غزيرة ويقول بصوت مختنق: ماتت وا أسفاه. # وكان أجينور يرثيها بأشجى العبارات وقد حاول الإفلات من ريكولو والدنو منها. # فأوقفه روكامبول وعاود تجربته الأولى ولكنه وخز في هذه المرة ذراعها الأيمن، فعاد إلى ~~الحضور بعض الأمل وجعلوا ينتظرون، فكانوا كلهم ينظرون إلى أنطوانيت ما خلا فاندا فإنها كانت ~~تنظر إلى روكامبول تستطلع الحقيقة من عينيه. # ومضت دقيقة أيضا وأنطوانيت لا تزال في غيبوبة الموت. # ولما رأى روكامبول أنه أخفق في سعيه أخذ من جيبه مسدسا فأعطاه لأجينور وقال له: إني أسألك ~~مهلة دقيقتين أيضا فأجرب تجربة ثالثة فإذا لم تر بعد آثار الحياة تبدو على خطيبتك تكون قد ~~ماتت موتا لا ريب فيه، وعند ذلك فإني أتوسل إليك أن تقتلني قبل أن تقتل نفسك. # فأخذ أجينور المسدس دون أن يجيب حتى إن ميلون نفسه الذي كان يعبد روكامبول عبادة لم ينتزع ~~المسدس منه. # ودنا روكامبول من أنطوانيت فكشف عن صدرها ووخزها مرة ثالثة ثم وضع إحدى يديه على قلبها وحمل ~~باليد الثانية ساعته وجعل ينظر عقربها؛ فإن حياته كانت موقوفة على نجاح التجربة، أما فاندا ~~فكانت لا تزال ناظرة إليه. # ورفع روكامبول يده عن قلب أنطوانيت ووضع أذنه عليه ثم رفع رأسه فجأة وصاح صيحة المنتصر: لقد ~~ردت إليها الحياة فإني سمعت بأذني دقات قلبها. # وحدث عند ذلك ما يصعب وصفه من تأثر الحاضرين، فأخذ روكامبول أجينور وأدناه من أنطوانيت فوضع ~~أذنه على صدرها وقال: وأنا أسمع أيضا دقات قلبها. # ثم أقبلت بعده فاندا ومرتون وميلون وكل من حضر، وسمعوا جميعهم ما سمعه روكامبول فكان ms0974 فرحهم ~~لا يحيط به وصف. # ثم تراجعوا عنها وفتحوا النافذة التماسا للهواء، فقال لهم روكامبول: لقد زال عنها الآن كل ~~خطر، ولكن المخدر قد أثر بجسمها اللطيف تأثيرا شديدا فلو تأخرت ساعة عن إيقاظها لقضي عليها ~~ولم ينفع الدواء، أما الآن فإن يقظتها لا ريب فيها. # فقال له أجينور: متى تفتح عينيها؟ ~~- بعد ربع ساعة على الأقل، والآن فلا يجب أن نبقى هنا فلنخرج جميعنا ما عدا النساء. # ثم خرج أمامهم فتبعه الجميع، فلما توغلوا في الشارع لقي روكامبول تيميلون قادما إلى منزل ~~العصابة فدعاه باسمه، وسمع أجينور هذا الاسم فقال: أهذا الذي كان يساعد عمي في أغراضه ~~السافلة؟ ~~- نعم، ولكني سحقته. # ودنا تيميلون من روكامبول وقال له بصوت يضطرب: لقد وفيت بوعدي يا حضرة الرئيس ألا تفي أنت ~~بوعدك؟ ~~- نعم فاذهب غدا في الساعة السادسة صباحا إلى المحطة تجد فيها جواني الجلاد. ~~- أهو يرشدني عن ابنتي؟ ~~- كلا بل إنها ستكون معه وهو سيعطيك تذكرة سفر إلى لندرا لأنك ستسافر إليها. ~~- أتنفيني من باريس؟ ~~- كلا ولكني أنصحك أن تنفي نفسك فإن البوليس يبحث عنك، وإذا بقيت في باريس إلى مساء غد قبض ~~عليك. ~~- بأي تهمة يتهموني؟ ~~- بسرقة مائة ألف فرنك من منزل الفيكونت كارل دي مورليكس، وهي التهمة التي كنت تريد أن ~~تصمنا بها فقد كنت أشد منك دهاء، وأنا أنصحك الآن أن تهرب؛ فإن لدى البوليس برهانا لا يدحض على ~~أنك أنت السارق. ~~- أين وجد هذا البرهان؟ ~~- وجد في منزلك، فإن تلك المحفظة المكتوب عليها اسم كارل التي وضعتها في منزل ريكولو كي ~~تثبت علينا التهمة أخذتها أنا ووضعتها في منزلك وأرشدت البوليس إليها فكبس البوليس منزلك وأخذ ~~المحفظة. # فلما سمع تيميلون هذا البرهان الصريح صاح صيحة منكرة وهرب متعوذا من مكر ~~روكامبول. ~~••• # وبعد ساعة عاد روكامبول وأجينور وميلون وريكولو إلى المنزل فأقاموا خارج الغرفة ينتظرون أن ~~تصحو أنطوانيت. # فلم يطل وقوفهم حتى خرجت إليهم مرتون تقول بصوت يتهدج من الفرح: ادخلوا، ادخلوا فقد صحت من ~~رقادها. # فدخلوا يتقدمهم ms0975 أجينور وحاول أن يدنو من أنطوانيت فمنعته فاندا وأجلسته على كرسي بأمر ~~روكامبول، وعند ذلك حركت أنطوانيت ذراعها وتمتمت شفتاها كلمات لا تفهم، فأسرع جميع الحاضرين ~~إليها، فما مر بها دقيقة حتى جعلت تفسر كلامها وكان أول ما فاهت به قولها: أين أنا أفي ~~الفردوس؟ # فصاح ميلون يقول بملء الفرح: إني أسمع صوت أمها فهو هو بعينه. # وركع أجينور أمامها وجعل يقبل يديها ودموع السرور تسقط من عينيه عليها. # وعادت إلى قولها: أين أنا؟ أين أنا؟ # ولكن عينيها كانتا مغلقتين فلم تستطع فتحهما. # وعادت إلى الكلام وقالت: نعم. نعم. # لقد ذكرت أني مائتة ولكني طاهرة لم أرتكب أثما فلا بد أن أكون الآن في السماء. # وجعل أجينور يناديها باسمها ويتلو عليها أعذب الألفاظ. # ففتحت عينيها فجأة ونظرت إلى أجينور أمامها فارتعدت وقالت: أهذا أنت؟ ~~- نعم أيتها الحبيبة، فإن الفردوس هبط إلى الأرض. # فقال روكامبول: كلا بل إن الفردوس هو الحب الشريف. # ثم تراجع جميعهم عن العاشقين ولم تكن أنطوانيت تسمع غير حديث حبيبها أجينور. # روكامبول في سيبيريا‏ # روكامبول في سيبيريا‏ # | روكامبول في سيبريا # | روكامبول في سيبريا # | روكامبول (الجزء السادس) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | روكامبول في سيبيريا # 1 # ومضى ثلاثة أيام على البارون فيليب دي مورلكيس دون أن يرى أخاه الفيكونت كارل، ~~ومضى خمسة أيام دون أن يرى ولده أجينور. # غير أن هذا البارون كان (كما يعرفه قراء رواية سجن طولون) منخلع القلب ضعيف ~~الإرادة؛ فكان يخشى حدوث مصيبة من انقطاع أخبار أخيه وولده، فلم يجرأ على السؤال ~~عنهما. # وكان لا يزال في فراشه يشكو صدع رجله، فلما كان اليوم الرابع جاءه خادم غرفته ~~بالجرائد، ففتح إحداها وقرأ فيها تلك المقالة التي عرفها القراء بعنوان حادثة سجن ~~لازار. # فلما وقف على موت أنطوانيت اضطرب اضطرابا شديدا، وكبرت عليه جريمة قتلها، وتمثل ~~له خيال الطبيب فنسانت يعيد عليه قوله السابق: اندم كما ندمت عسى يغفر لك الله، ~~وذكر أن ابنه يهوى الصبية؛ فخشي أن تقتله مصيبته فيها. # وفيما هو ms0976 على هذا الاضطراب دخل عليه أخوه الفيكونت كارل، فلما رآه زاد اضطرابه ~~فقال له بلهجة القانطين: أماتت الفتاة؟ # فأجابه كارل ببرود: كيف عرفت موتها؟ ~~- من الجرائد؟ ~~- تبا لهذه الجرائد! فإنها تتداخل في كل شأن ولا تخفاها خافية، وبعد فما هذا ~~الاستياء من موتها؟ ألعلك لم تكن تتوقعه؟ ~~- وأنت فما هذه السكينة؟ ألعل موت الفتاة لم يؤثر عليك؟ ~~- كيف يؤثر علي موتها ولا راحة لنا إلا بهذا الموت؟! ولكنك إذا رأيتني اليوم ~~ساكنا فقد كان لي بالأمس موقف شديد ترتعد له الفرائص. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن تيميلون الذي يدبر تلك المكيدة أوشك أن يخوننا أمس. ~~- أمن أجل المال؟ ~~- كلا، بل لخوفه من رجل شقي هرب من سجن طولون وهو يدعى روكامبول، ألم تسمع بهذا ~~الاسم؟ ~~- نعم، فهو اسم لص شهير. ~~- هو ذاك، وقد خافه تيميلون خوفا شديدا حتى بات يتمثل له بكل مخيل؛ لاعتقاده أنه ~~عارف بأمرنا وهو مصيب في اعتقاده، ألا تذكر أنه عادك يوما طبيب إنكليزي؟ ~~- نعم. ~~- فلم يكن هذا الطبيب غير روكامبول، جاءك متنكرا للوقوف على أسرارنا. # ثم قص على أخيه جميع حوادث الليلة الماضية. # ولما فرغ من حديثه قال له البارون: إني أخشى أن يكون ظن تيميلون صادقا، وأن يكون ~~روكامبول هذا واقفا على دخائل أسرارنا. ~~- وهبه كان صادقا في ظنونه، وكان روكامبول متداخلا في شئوننا؛ فإن ذلك يدل على ~~ضعفه لأننا كنا نسعى إلى إخفاء أنطوانيت، وقد فزنا بكل ما نريد. # فقال البارون: أواثق أنت من موت أنطوانيت؟ (اقرأ رواية سجن طولون قبل هذه). # فضحك كارل وقال: أتحسب أن إدارة السجون تمزح بنقل الأخبار الكاذبة وتسجيل الوفيات ~~الكاذبة؟ ~~- أماتت حقيقة مسمومة كأمها؟ ~~- نعم، لأن تيميلون تعهد بتسميمها مقابل خمسين ألف فرنك ستدفعها له أو لمن يرسله، ~~لأني سأبرح باريس بعد ساعة. ~~- أنت تسافر بعد ساعة؟! وإلى أين؟ ~~- إلى روسيا، وإن المركبة تنتظرني على بابك، وأنا بملابس السفر كما تراني. # فزاد عجب البارون وقال: ماذا يدعوك إلى السفر إلى روسيا؟ ~~- يظهر أن التعب قد أضعف ذاكرتك، أنسيت ms0977 أن لأنطوانيت أختا تدعى مدلين، وإنها ~~معلمة في روسيا، كما أخبرني ابنك أجينور. # فاضطرب البارون وأدرك قصد أخيه الهائل؛ فقال له: بربك يا أخي كفانا آثاما، وحسبك ~~قتل أنطوانيت، فدع أختها، ألا تخشى العقاب؟ ~~- لا يخشى العقاب غير البلهاء الذين يدعون البوليس يقبض عليهم. ~~- أما أنا فخوفي شديد. ~~- ممن؟ ~~- من الله. # فهز كارل كتفيه وقال: أما أنا فلا أخاف إلا من المشنقة، وقد اتخذت ما ينبغي من ~~الاحتياط؛ بحيث بت في مأمن من الشرع. ~~- ولكنك قتلت أنطوانيت لأنها عرفت اسم أمها، وأما مدلين فكيف تخافها وهي لا علم ~~لها بشيء؟ ~~- بل إنها تعلم كل شيء، وهي عائدة من روسيا إلى فرنسا، وأنا ذاهب للقائهم في ~~الطريق. ~~- أتقتل كل يوم نفسا بشرية؟ وترتكب كل يوم جريمة احتفاظا بهذه الثروة؟ وما هي ~~بثروتنا لأنها مسروقة! رباه إن هذا الأمر شديد لا تحتمله النفوس. ~~- بل إنك ضعيف أبله، فلا تغمس يدك بالجريمة، فإني أتكفل بها وحدي، ولا تنس أن تدفع ~~لتيميلون ما وعدته به من المال. # ثم ودعه ومضى، وبعد ساعة ركب القطار وهو يقول: فرغنا من أنطوانيت، فلننظر الآن في ~~شأن مدلين. # 2 # ولنعد الآن إلى خمسة عشر يوما مضت ولنبرح فرنسا إلى روسيا. # قبل تلك الحوادث بأسبوعين كانت مركبة بريد يجرها ثلاثة جياد تقطع تلك السهول التي ~~يغمرها الثلج في أقسام روسيا، وهي تسير إلى موسكو بين الغابات الكثيفة، فكلما بلغت ~~محطة أبدلت الجياد بسواها، واستأنفت السير. # وكانت السماء مدلهمة والثلوج تمطر منها، فكانت تنهمر وتجتمع أكداسا على الأرض ~~وفوق سطوح المنازل وقباب الكنائس وفي كل مكان. # وكان في هذه المركبة رجل ملتف برداء مبطن بفراء السمور، بينما السائق يحث الجياد ~~على السير بصوته وسوطه. # وكان هذا الرجل أبيض الشعر يناهز الستين من عمره، وقد ارتسمت على وجهه علائم ~~الاهتمام، وهو يدعى الكونت بونتيف، من نبلاء الروسيين، وكان يتفقد أراضيه، فوصل ~~إليه من امرأته في موسكو الكتاب الآتي: # إن ولدنا إيفان انتهت مدة إجازته كما تعلم، ولكنه لم يذهب إلى بطرسبرج، ms0978 ~~بل بقي في موسكو، وقد أخطأنا لعدم مراقبته، فقد صرح لي اليوم أنه يهوى ~~المدموازيل مدلين الفرنسية، معلمة ابنتنا، وأنه يريد أن يتزوجها، فوقع ~~هذا القول وقع الصاعقة على رأسي، ولا أدري ماذا أصنع، فاحضر. # فاضطرب الكونت لهذا الكتاب الوجيز؛ لأنه كان شديد الطمع، وقد فقد جانبا عظيما من ~~ثروته، فجعل يسعى لزواج ابنه بالكونتس فاسيليكا، وهي من أعظم غنيات بطرسبرج، فأحبط ~~عشق ولده لمدلين جميع أمانيه، ولهذا فإنه أسرع بالقدوم من أراضيه إلى موسكو كي ~~يتلافى هذا الخطر. # وفي اليوم الثامن من سفره وصل إلى الكرملين، ولكن موسكو كانت لا تزال بعيدة، وقد ~~أنهكت قوى الجياد، فطلب من المحطة تغيير الجياد فأمر ناظرها بإعدادها، وبعد ربع ~~ساعة خرج سائق من الاصطبل وشد الجياد على المركبة، فقال له الكونت: إني أكافئك خير ~~مكافأة إذا كنت تسرع بي إلى موسكو، ولو هلكت الجياد فإني أدفع ثمنها. # فأجابه السائق بالفرنسية قائلا: سأمتثل لأمركم خير امتثال. # فارتعش الكونت عندما سمع صوت السائق، وجعل ينظر إليه نظر الفاحص. # وكان هذا السائق قصير القامة طويل الوجه غائر العينين، تدل سحنته على المكر والشر، ~~فسأله الكونت بعد أن تأمله مليا: من أنت؟ ~~- إني أدعى بطرس. ~~- أأنت روسي؟ ~~- نعم. ~~- كيف اتفق أنك تتكلم الفرنسية؟ ~~- كنت سائقا عند البرنس دولو غوسكي، فلما ذهب لفرنسا صحبني معه، فتعلمت هذه اللغة ~~فيها. # فقال الكونت في نفسه: ما هذا التشابه الغريب في الأصوات؟ فقد خيل لي أني أسمع ~~صوت ولدي إيفان، ثم قال له: لماذا امتهنت هذه المهنة؟ ~~- لأني لا مورد لي سواها. ~~- ألعلك مرتاح إلى هذه المهنة؟ ~~- كلا، لأني أؤثر أن أكون سائقا خاصا في أحد المنازل لا سائقا عموميا كما ~~أنا الآن، غير أن هذا مستحيل لنكد طالعي. ~~- لماذا؟ # فأطرق السائق برأسه مستحييا وقال: لأني ارتكبت جريمة قتل في عنفوان شبابي، وحكم ~~علي بالنفي إلى مناجم سيبيريا. # فارتعش الكونت أيضا، وقال له: سر بنا وأسرع كما قلت لك. # وكان في أثناء سيره لا يفكر إلا بهذا السائق وما وجده ms0979 من التشابه بين صوته وصوت ~~ولده إيفان، ولما وصل إلى موسكو خرج الكونت من المركبة فنفحه بمكافأة حسنة، وقال ~~له: إذا أحببت أن تكون في خدمتي فاحفظ ما أقوله لك. # فبرقت أسرة وجهه سرورا، وقال: مر يا مولاي بما تشاء. ~~- أريد منذ الآن أن تمثل لدى جميع سكان هذا القصر وسائر الناس أنك مصاب بالخرس، ~~فإذا رضيت أن تمثل هذا الدور لقيت عندي كل ما تطمع به وكنت من الرابحين. # ولما رأى منه حسن الامتثال تركه وصعد إلى امرأته فقصت له ما كان بين تلك الفتاة ~~الفرنسية اليتيمة وبين ابنها، وكيف أن أشعة غرامها قد نفذت إلى قلبه حتى بات لا يجد ~~بدا من زواجها. # فقال لها الكونت: أهي تحبه أيضا؟ ~~- الحب بينهما متبادل على السواء. ~~- إذن، هي التي أوحت إليه هذا الغرام لدهائها طمعا بمقامه وجاهه. ~~- كلا، لأنه كان البادئ، وقد أنكرت عليه غرامه زمنا طويلا حتى سقطت في ~~شراكه. ~~- يجب إطلاق سراحها وإرجاعها إلى بلادها. ~~- ولكني أخشى على إيفان أن يتبعها، وأخشى عليها أن تموت حزنا لفراقه. # ففتح الكونت نافذة الغرفة المشرفة على ردهة المنزل ونادى بطرس السائق الذي كان ~~ينتظره فيها، فصعد السائق إليه، وجعل يقلد أشائر الخرس، فقال له الكونت: ~~تكلم. # فقال السائق: إذن، بماذا يأمر مولاي؟ # ولكنه ما لبث أن قال هذا القول حتى اضطربت والدة إيفان، وقالت: إن هذا الصوت صوت ~~ولدي، فما هذا التشابه الغريب؟ # وأشار الكونت إشارة إيجاب، وقال لبطرس: اذهب الآن إلى الإصطبل، ولا تنس أنك ~~أخرس. # ولما ذهب بطرس قالت والدة إيفان لزوجها: قل لي ماذا تريد أن تصنع في هذا ~~الرجل؟ ~~- سأقول لك في الحال، والآن اصغي إلي، إنك تعرفين ثروتنا؟ ~~- نعم، وا أسفاه! فإنها أوشكت أن تضمحل بعد الخسائر الأخيرة. ~~- إذن، فقد وجب علينا تزويج إيفان بالكونتس فاسيليكا؛ لأنها تحبه كما علمت، ~~وأموالها لا تحصى. ~~- ولكن إيفان لا يرضى. ~~- لا بد له من الرضى متى اختطفت مدلين. ~~- أتظن ذلك ممكنا؟ ~~- كل شيء ممكن، إنما يجب أن تعلمي مقاصدي ms0980 وتشاركيني فيها. ~~- إني تعودت طاعتك. ~~- لي كلمة أقولها أيضا، وهي أنه: إذا علمت مدلين أن إيفان لا يحبها أتمتنع من ~~العودة إلى فرنسا؟ ~~- كلا، إلا إذا ماتت من الحزن. ~~- ذلك ليس من شأننا، والآن لنبدأ بالعمل. # 3 # عندما عاد الكونت بونتيف إلى موسكو، كانت مدلين تناجي نفسها بأحلام السعادة وتفسح ~~لديها المجال، فإن إيفان كان يحبها، وقد باح لها بغرامه، وهو جاث على ركبتيه ~~أمامها، وأقسم لها: أنه لا يتزوج الكونتس فاسيليكا، وأنه لا يتخذ زوجة سوى حبيبته ~~مدلين، ولم يكن إيفان كاذبا فيما قال؛ لأنه كان يحب مدلين حبا صادقا، وكان ~~واثقا من موافقة أبويه على زواجه بها لشدة دلاله عليهما، ولفرط حنوهما ~~عليه. # فلما علم بقدوم أبيه من أراضيه أسرع إليه وباح له بهيامه بمدلين كما باح لأمه، ~~وأخبره عن عزمه على الاقتران بها، فأصغى إليه أبوه دون أن تبدو منه بادرة غضب، ~~ولكنه قال له باكتئاب: إنك ستدفع بنا إلى هاوية الخراب إذا رفضت الزواج بالكونتس ~~فاسيليكا. # غير أن إيفان كان يحب مدلين حبا مبرحا، فلم يكترث لحالة أبيه، وقد نزهه الغرام ~~الصادق عن أن يبيع نفسه بيع السلع. # فلما رأى أبوه ما كان من عناده قال له: لا بأس إنما أستمهلك إلى الغد كي نبحث في ~~هذا الشأن الخطير، وأباحث مدلين، فأعلم إذا كانت تحبك حقيقة كما تحبها أنت. ~~- أتشك بذلك يا أبي؟ ~~- إن شرطي بسيط كما يظهر، لا سبيل إلى رفضه. ~~- إني لا أرفضه يا أبي فافعل ما تشاء. ~~- تعدني أنك لا تقول كلمة لمدلين إلى الغد. # فأجابه إيفان بملء البساطة، سأجتهد أن أفي بهذا الوعد. ~~- ما زلت تخاف أن لا تتمكن من الوفاء بوعدك، فإن لدي طريقة لحملك على الوفاء، فأين ~~هي مدلين الآن؟ ~~- إنها مع أختي. ~~- إذن، فاركب مركبة وسر بها إلى منزل صديقي البرنس ك، فإنه يبعد مرحلتين عن موسكو ~~فبلغه سلامي وقل له: إني عدت إلى موسكو، ولا شك أن البرنس سيدعوك إلى العشاء؛ بحيث ~~إنك لا تسطيع العودة إلا بعد ms0981 نصف الليل، أي بعد أن تنام مدلين، وعلى هذا: فإنك لا ~~تستطيع أن تراها قبل غد، وأكون أنا قد رأيتها الليلة وحادثتها فيما أريد. # فلم يسع إيفان إلا الامتثال لاضطراره إلى إرضاء أبيه، فركب مركبة وذهب، وبعد ساعة ~~كان في قصر هذا البرنس. # أما هذا البرنس فقد كان من قواد الجيش المعتزلين، وكان شديد التمسك بالمبادي ~~القديمة، كثير السخط على المبادي الاصطلاحية الجديدة التي وضعها إسكندر الثاني، ~~فكان يجتمع إليه في منزله كثيرون من الناقمين أمثاله، ويظهر كل منهم ما يعن له من ~~أقوال السخط، ويتمنون المحافظة على القديم. # فلما جاءه إيفان برسالة أبيه انخرط بينهم، وتمكن منه الشراب فاندفع مثلهم في هذا ~~المجال، فجعل يشكو شكوى مرة من بطء الترقي في الجيش. # وفي الساعة الأولى بعد منتصف الليل - حين انفض المجلس - برحه إيفان فركب مركبته، ~~وحاول الرجوع إلى موسكو. # فلما بلغ باب المدينة المقدسة سأله ضابط الحرس عن اسمه فذكره له، فقال: أنت ابن ~~الكونت بونتيف، ورتبتك ضابط في الحرس الإمبراطوري؟ ~~- نعم. ~~- أما كنت قادما من منزل البرنس ك؟ ~~- نعم، وهل علي حرج بقدومي من عنده؟ ~~- ولكني مأمور بالقبض عليك. # ثم أطلعه على الأمر وهو ممضي بتوقيع رئيس البوليس في موسكو. # فبذل إيفان جهده كي يأذن له بمقابلة أبيه، غير أن الضابط أبى عليه إجابة ملتمسه، ~~فأنزله من مركبته وركب وإياه في مركبة أخرى، فسارت بهما في طريق بطرسبرج دون أن ~~يستطيع كتابة كلمة إلى أبيه أو إلى مدلين. # ولا بد أن يكون عرف القراء بأن صدور الأمر بالقبض عليه وإرساله إلى بطرسبرج لم يكن ~~إلا بإيعاز من أبيه؛ فإنه فضل مفارقة ابنه فراقا وقتيا على أن يراه زوجا لفتاة ~~فرنسية لا تعرف اسم أبيها. # وفي اليوم التالي اجتمعت والدة إيفان بمدلين، وجعلت تمشي وإياها قرب غرفة ولدها، ~~وهي تظهر لها من طباعه ما خفي عليها، وتذكر لها عن طيشه وقلة وفائه أمورا جعلتها ~~شبه مقدمة لما سيجيء. # ولما وصلت إلى غرفة إيفان وقفت بها أمامها فسمعت مدلين صوت ms0982 السيوف تقرع على الأرض، ~~فعلمت أن إيفان مجتمع فيها بأصحابه. # ثم سمعت صوت إيفان يتكلم ويضحك فوقفت كي تسمع وتشاغلت الكونتس عنها، فسمعته يقول: ~~إن أبي وأمي شديدا القسوة علي، فقد تداخلا في أمري مع هذه الفتاة الفرنسية، ~~وأفسدا جميع المساعي التي بذلتها حين كدت أبلغ مرادي من إغوائها. # فقال له أحد الحاضرين: إذن، لا صحة لما أشيع من أنك ستتزوجها ؟ # فسمعت مدلين صوت إيفان يضحك ويقول: ومتى صح أن يتزوج مثلي فتاة لا نسب لها؟! ولكني ~~كنت أعدها هذه الوعود إلى أن حال والدي دون قصدي، وأنا مسافر إلى بطرسبرج للزواج ~~بالكونتس فاسيليكا. # فلما سمعت كلامه هذا سقطت مغميا عليها، فأمرت الكونتس الخدم بحملها إلى ~~غرفتها. # وفي اليوم التالي كتبت إلى أختها أنطوانيت ذلك الكتاب الذي تقدم ذكره في رواية سجن ~~طولون. # ولم يكن الصوت الذي سمعته مدلين صوت إيفان، بل كان صوت السائق بطرس، وقد حمله ~~الكونت وامرأته على تمثيل هذا الدور منعا لزواج ابنهما إيفان بمدلين. # ولم يكن يرضي الكونت الشرس أن تبرح مدلين من روسيا إلى فرنسا، بل كان يريد أن لا ~~يدع سبيلا لابنه كي يتبعها بعدما عرفه من هيامه بها، كي لا يبقى حائل دون زواجه ~~بفاسيليكا، فخط خطة جهنمية، وأمر في اليوم التالي أن تسافر مدلين وهي لا تزال تتلهب ~~من الحمى. # فأرسلت في مركبة بريد كانت مسافرة فيها امرأة عجوز، وأرسل معها السائق بطرس، وقد ~~تزيا بزي الخدم وجلس أمام السائق. # وكان الكونت قد عرف ما انطوى عليه هذا الرجل من الشر، ورآه ينظر إلى مدلين نظرة ~~المعجب بجمالها فاختلى به، وقال له: أراك تنظر إلى هذه الفتاة بإعجاب فهل راقت ~~لعينيك؟ # فضحك بطرس وقد أدرك قصده، فقال له الكونت: إني لست بأبيها وما أنا بوصي عليها، ~~ولكني نفحتها بعشرين ألف فرنك كي تكون مهرا لها، وهي تحمل هذا المال أوراقا مالية ~~في جيبها. # فنظر كلاهما إلى الآخر نظرة تغني عن كل قول، وصعد بطرس إلى مكانه أمام السائق، ~~وسارت بهما المركبة، ms0983 تنهب تلك السهول الشاسعة ولسان حال مدلين يقول: # وتلفتت عيني فمذ بعدت # عني الديار تلفت القلب # 4 # وظلت تلك المركبة تجري بها 8 أيام لا تستريح إلا في المحطات حين تغيير الجياد، ولا ~~أنيس لها غير تلك المرأة العجوز التي كانت منشغلة عنها بكلبها تداعبه وتضمه إلى ~~صدرها وقاية من البرد. # وكانت مدلين لا تزال تحب إيفان بالرغم عما سمعته من حديثه، كأنما قلبها كان ~~يناجيها أن الحديث زور، وكانت ترى أنها سوف تجتاز حدود بولونيا إلى ألمانيا ومنها ~~إلى فرنسا، تلك البلاد العزيزة التي ربيت فيها بين أنطوانيت ومربيتها مدام رينود ~~فيخفق قلبها، ولكنها لا تلبث أن تذكر إيفان حتى تنسى كل عزيز لديها في الوجود ~~وتلتفت إلى ورائها كأنما تطمع أن ترى ذلك القصر وقد بعدت عنه 8 أيام. # أما بطرس فكان ينظر إليها نظرات الهائم ولا يتكلم إلا بالإشارات، وكان هذا الرجل ~~وحشي الأخلاق، فاسد السريرة منطويا على الدهاء، وهو على هذه الأخلاق شديد الشراهة ~~إلى المال، كثير التهور في مجاري الشهوات. # وقد قال له الكونت: إن مدلين لديها 20 ألف فرنك، فبات يطمع بمدلين وبمال مدلين، ~~وكان يقول في نفسه: إن مدلين لا تستطيع الدفاع عن نفسها وهذه العجوز منشغلة بكلبها، ~~فلا أخشى غير السائق، إذ قد يتفق أن يكون شريف القلب فلا يوافقني في أغراضي. # وما زال يبحث منذ 8 أيام عن طريقة تنيله إربه فلا يجدها، وما زالت مركبة البريد ~~تسير والثلج من تحتها ومن فوقها حتى توارت الشمس في الحجاب في اليوم الثامن لمسيرها ~~من موسكو، فوقفت أمام منزل معتزل وسط غابة كثيفة وهو إحدى المحطات. # وبينما كانوا يغيرون الجياد خرجت مدلين من المركبة وتبعتها العجوز إلى المحطة ~~ليستريحا فيها، وخلا عند ذلك بطرس بالسائق الجديد الذي يقود المركبة، فقال له: ألا ~~تريد أن تسرع بالسير؟ ~~- أسرع بقدر المكافأة. # وكانت علائم البلاهة بادية في وجه السائق، فتمكن منه بطرس كل تمكن، وبينما هو ~~يحادثه أقبلت مدلين والعجوز فسكت؛ لأنه كان يمثل دور الخرس، ms0984 وصعد إلى مكانه بقرب ~~السائق ... # وانطلقت بهم المركبة في ذلك الغاب. # وكانت الشمس قد توارت وتكاثف ظلام الليل، وقد أضنك التعب مدلين، فأغمضت عينيها ~~ونامت نوما عميقا. # وكان بطرس يلتفت إليها من حين إلى آخر، ولما رأى أنها توغلت في رقادها دفع السائق ~~بكوعه، وقال له: ألا يوجد قرية قريبة أو فندق معتزل ندركهما قبل طلوع الفجر. ~~- إن هذه الغابة متسعة لا قرى فيها، إنما يوجد فندق معتزل يبعد قليلا عن هذا ~~المكان الذي نحن فيه الآن. ~~- صف لنا الفندق. ~~- لا حاجة إلى وصفه، بل أقول لك عنه: إن من كان جائعا أو ظمآنا فلا يجب أن ينزل ~~فيه. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الشراب فيه سيء والطعام قليل. ~~- إذن، فهو منعزل أتم الاعتزال فلا يقيم فيه أحد؟ ~~- هو ما تقول لا سيما وأن لهذا الفندق سمعة سيئة تبعد المسافرين عنه، فقد حدثت فيه ~~جرائم كثيرة على مرأى من صاحبته، فكانت تتغاضى عن المجرمين وتدعهم يفعلون ما ~~يشاءون، وفوق ذلك فإن اسم ذلك الفندق ساوا، وهو اسم طائر يتشاءم به الروسيون ~~ويتطيرون منه أشد التطير، وربما دعي بهذا الاسم لكثرة وجود هذا الطير في أكنافه، ~~فإذا سمع الروسي صوته هرب منه كما يهرب من الخطر. ~~- كم يبعد هذا الفندق؟ ~~- يبعد مرحلتين، ولكنكم تستطيعون تجنب الإقامة فيه إذا واصلنا السير حتى نبلغ إلى ~~محطة أمينة. ~~- لا أجد سبيلا لذلك، فإن سيدتي أضنكها التعب، ولا بد لنا من الاستراحة في هذا ~~الفندق، أما أنت، فتعود إلى المحطة أو تواصل سيرك كما تشاء. ~~- إنك متفق معي على الوصول إلى بترهوف، ولا بد من أن تدفع لي الأجرة كاملة. ~~- أدفعها وزيادة. # ففكر السائق هنيهة، وقال: لا بأس فإني أتشاءم كسواي ولا أخشى أن يصيبكم سوء في هذا ~~الفندق، فأنا سأبقى معكم فيه، وعند الصباح أعود إلى المحطة. ~~- كلا، بل إنك تعود في الحال عند وصولنا، وإني أدفع لك مقابل ذلك عشرة ريالات، ~~إنما أطلب إليك الإسراع. # فأوشك السائق أن يجن سرورا بهذه الهبة، وضرب الخيل بالسوط، فاندفعت ms0985 تمرق مروق ~~السهم بين تلك الأشجار الكثيفة، حتى انتهت إلى ذلك الفندق، فوقفت عنده. # 5 # وكان منظر هذا الفندق مهيبا، يحمل على الخوف، فقد كان مصبوغا باللون الأحمر، وهو ~~معتزل أتم العزلة، تكتنفه الأشجار الكثيفة من جميع جهاته بين غابة متسعة لا تحيط ~~بها الأبصار. # ولما وقفت المركبة انتبهت مدلين من رقادها ونظرت وهي في المركبة إلى ما يحيط بها ~~فوجف قلبها من الخوف، ونادت بطرس وسألته لماذا وقفت المركبة أمام هذا الفندق؟ ~~فأجابها بالإيماء أنه لا بد من المبيت في هذا الفندق إلى الصباح. # ولم تستطع أن تفهم منه، ونادت السائق وقد كان علمه بطرس ماذا يقول، فسألته عن ~~السبب في وقوف المركبة عند هذا الفندق، فأخبرها: أن الذئاب تكثر في الليل في هذه ~~الغابة وأن المسافرين فيها ليلا لا يسلمون من أنيابها. # وكانت مدلين تسمع حقيقة عواء الذئاب فلم تشكك بكلامه، ولكنها كانت تضطرب لمنظر هذا ~~الفندق لا سيما حين فتح بابه على أثر وقوف المركبة، فبرزت منه امرأة عجوز ما رأت في ~~حياتها أقبح من سحنتها ولا أدل منها على الشر. # غير أنها اضطرت مكرهة إلى التسليم، ودخلت إلى الفندق مع بطرس ورفيقتها العجوز، ~~فكان أول ما رأته ردهة ضيقة بسطت فيها مائدة صغيرة وقد جلس حولها ثلاثة من القوزاق ~~أعمى السكر بصائرهم وجعلوا ينظرون إلى الداخلين نظرات جامدة. # ورأت صاحبة الفندق ضيوفها الجدد وبينهم تلك الفتاة الحسناء، فعلمت أن في الأمر ~~مكيدة، وتبودلت بينها وبين بطرس نظرة سرية باغتتها مدلين، فهلع فؤادها من الخوف، ~~وهاجت ظنونها بهذا الخادم الذي يصحبها. # أما صاحبة الفندق فإنها طردت أولئك القوزاق من نزلها فامتثلوا مكرهين وخرجوا ما ~~خلا واحدا منهم لم يستطع المسير، فصحبته العجوز إلى زاوية في الردهة وألقته فيها ~~على الأرض، وهو لا يعي لسكره، ثم أشارت إشارة خفية لبطرس محصلها أن هذا الجندي بات ~~أشبه بالأموات فهو لا يضايقك في شيء، فرأت مدلين أيضا تلك الإشارة وأيقنت أنها ~~مقدمة على خطر عظيم. # ثم عادت صاحبة الفندق إلى ms0986 مدلين فدخلت بها إلى غرفة وعرضت عليها طعاما وشرابا ~~فأبت، وقالت: إني ألتف بردائي إلى الصباح. # فتركتها وعادت إلى العجوز التي كانت تصحبها فعرضت عليها ما عرضته على مدلين فقبلت ~~شاكرة، وجلست إلى المائدة تأكل وتشرب، ولكنه لم يكد الشراب يستقر في جوفها حتى ~~تثاقلت أجفانها ونامت ذلك النوم العميق الذي يصاب به من يشرب المخدرات. # أما مدلين فإنها أقامت في تلك الغرفة، وقد علمت أنها لا رجاء لها بتلك العجوز التي ~~كانت تصحبها، فقامت إلى باب الغرفة فأوصدته من الداخل بالزلاج، وجعلت تفكر بموقفها، ~~وبهذا الخادم الذي أرسله معها الكونت، وبتلك النظرات السرية التي رأته يتبادلها مع ~~صاحبة الفندق، وذكرت أنها أقامت في منزل والد إيفان سنتين فلم تر وجه هذا الخادم، ~~وزادت هواجسها وأيقنت أنه يريد منها شرا لا محالة، ولكنها وطنت النفس على الدفاع ~~واستوثقت من متانة الباب، وقالت في نفسها: إن غاية ما يطمع به الخادم هو المال، ~~فإذا قوي على كسر الباب أعطيته ما بيدي وأمنت شره. # ثم استرسلت إلى الافتكار بإيفان، وجعلت تناجيه بضميرها ألطف مناجاة، وتعيد ذكرى ~~أيامها السابقة بقربه وما كانت تستشفه من حديثه من الغرام الصادق والحب الطاهر ~~الشريف، فكذبت أذنيها وقالت: محال أن يكون إيفان من الخائنين، وقد تسرعت بسوء الظن ~~به. # وفيما هي على هذا التناجي إذ سمعت وقع أقدام على الثلج خارج الغرفة ثم جعل الصوت ~~يقرب ويتدانى حتى انتهى عند باب غرفتها، وسمعت طرق الباب، فهبت مذعورة، وقالت: من ~~هذا؟ # فأجابها صوت من الخارج: مدلين هذا أنا افتحي. # فصاحت صيحة فرح لا توصف، وقالت: إيفان أهذا أنت؟ # ثم أسرعت وهي شبيهة بالمجانين ففتحت الباب. # 6 # ولما فتحت الباب رأت مدلين أمامها بطرس، فحسبت في البدء أن حبيبها إيفان واقف ~~وراءه، فظلت واقفة تنتظر دخوله على العتبة، غير أن بطرس دفعها إلى داخل الغرفة ~~فقالت له: أين إيفان؟ وما لي لا أراه وقد سمعته يناديني؟ # فضحك بطرس ضحكا شديدا، وقال لها: عفوك يا سيدتي، فإن إيفان في بطرسبرج ms0987 وهي بعيدة ~~جدا عن هذا المكان. # فصاحت مدلين صيحة ذعر وقد علمت بلحظة كل شيء؛ لأنها سمعت هذا يتكلم وهي تعهده ~~أخرس، وعلمت أن إيفان غير موجود، وأن صوت هذا السافل يشبه صوت إيفان، فتراجعت وهي ~~تنظر إلى بطرس نظر القانط. # أما بطرس فإنه أقفل الباب وعاد إليها وقال: أكنت تحسبينني أخرس يا سيدتي؟ # فنظرت إليه مدلين نظرة احتقار وقد عاد إليها شيء من بسالتها فقالت له: من أنت أيها ~~الرجل الذي يقلد صوت إيفان إلى هذا الحد؟ ~~- أنا كما ترينني خادم الكونت بونتيف، ولدت في ألمانيا، ولما دخلت في خدمة الكونت ~~كنت سائق مركبات عمومية. # فعادت المخاوف إلى مدلين بعد هذا الإقرار وقالت: ماذا تريد؟ # فقال وهو يتلعثم: إنما أتيت لأرى: إذا كنت في حاجة إلى شيء. ~~- وكيف تجاسرت على أن تدعوني باسمي دون لقب، كما يتنادى الأخوان؟ ~~- لأني خشيت أن لا تفتحي، وتفطني لأمري لو ناديتك بلقب السيادة. # فظهر الغضب في وجه مدلين، وأشارت بيدها إلى الباب وقالت له بعظمة: اخرج. # فأطرق بطرس نظره وقد أثرت فيه كبرياؤها وحاول الخروج ممتثلا، ولكنه لم يمش خطوة ~~إلى الوراء حتى عادت جرأته فوقف وقال لها: إن لدي نبأ خطيرا يا سيدتي أحب اطلاعك ~~عليه. # وكان قد عاد إلى المظاهرة بالخضوع والوقوف موقف الخدم، فخدعت مدلين بهذه الظواهر ~~وقالت: ماذا تريد أن تقول لي؟ ~~- أريد أن أكلم سيدتي عن الفيكونت إيفان. # فنسيت مدلين كل شيء وقالت: ماذا عهد إليك أن تقولي لي؟ ~~- لم يعهد إلي بشيء ولكني أريد أن أكلمك عنه. ~~- تكلم. ~~- إني يا سيدتي لم أدخل في خدمة الكونت بونتيف إلا لما رآه من التشابه الغريب بين ~~صوتي وصوت ولده. ~~- أمن أجل هذا التشابه لم تكن تجسر على الكلام أمامي؟ ~~- كلا، ولكن الكونت نفسه قد منعني عن الكلام؛ لأنه كان يخشى أن تعلمي ~~الحقيقة. # فانقشع ضباب السر عن عيني مدلين، وقالت: أية حقيقة تعني؟ تكلم قل إني أريد أن أعرف ~~كل شيء. ~~- ولكن هذه الحقيقة سهل معرفتها يا سيدتي؛ لأن ms0988 الكلام الذي سمعتيه من غرفة إيفان ~~لم يكن قوله بل قولي. # فصاحت صيحة منكرة، وقالت: أهو أنت ... أنت الذي كان يذكر الكونتس فاسيليكا. ~~- نعم يا سيدتي. # فاضطرب صوت مدلين وقالت: إذن، أين كان إيفان وقت حدوث هذه الجريمة؟ ~~- إن أباه أوعز إلى البوليس كي يقبض عليه؛ لأنه خشي أن يحول دون سفرنا. ~~- إذن، إن إيفان ما زال يحبني! فاذهب بالله، وقل للسائق أن يهيئ المركبة. ~~- لماذا؟ ~~- كي نرجع على أعقابنا؛ لأني لا أحب العودة إلى فرنسا، بل أريد العودة إلى ~~بطرسبرج. ~~- أظن أن سيدتي تمزح فيما تقول! # فحسبت مدلين أن هذا الرجل يطمع في مالها، فقالت: قلت لك إني أحب العودة إلى ~~بطرسبرج، وإذا كنت تريد مالا، أعطيتك ما تريد. # ثم أخذت كيسها وأخرجت منه ورقة مالية وألقتها إليه. # غير أن بطرس لم يلتقطها، ولم يتدان إلى النظر إليها، بل قال: إن سيدتي كريمة ~~الأخلاق ولكني لا أريد مالها. ~~- إذن، ماذا تريد؟ # فقال لها ببرود: أتعلمين أن هذا النزل يدعى باسم طائر يتشاءم منه الناس؟ # فهزت كتفيها إشارة إلى عدم الاكتراث وقالت: وبعد ذلك؟ ~~- إن هذا النزل بعيد عن كل مسكن، لا يزوره أحد من الناس ونحن في منتصف ~~الليل. # فلم تفهم مراده وقالت: ماذا يهمنا اعتزال النزل؟ ~~- إن هذه العجوز التي كانت تصحبك نامت فلا رجاء بصحوها، فقد شربت شراب ألقي فيه ~~مخدر ولا تزال بقيته في الكأس على هذه المائدة، وهذا القوزاقي بات صريع سكره فهو ~~يشبه الأموات. ~~- وماذا يهمنا سكر القوزاقي، أما العجوز فإننا نتركها في النزل ونسافر. ~~- ولا أريد أن أسافر. # ثم خطا خطوة إليها وهو يرمقها بنظر وحشي، فأدركت بعض قصده وتراجعت منذعرة إلى ~~الطاولة التي كانت تأكل عليها العجوز، وقالت لا تريد أن نسافر؟ ~~- ألم تعلمي بعد؟ ~~- كلا. ~~- إذن، فاعلمي أني لا أريد؛ لأني منذ ثمانية أيام أشعر أن دمائي تلتهب في عروقي، ~~ولأني أصبحت معك في مكان منعزل لا أخشى فيه اعتراض أحد، ولأني أحبك، وقد أصبحت في ~~قبضة يدي. # فصاحت مدلين صيحة ms0989 منكرة، وقفزت مسرعة ووقفت وراء الطاولة تحتمي بها. # 7 # ولم يكن بين مدلين وهذا السائق السافل غير تلك الطاولة اتخذتها الفتاة متراسا لها ~~فكان بينهما ما يكون بين الجلاد والضحية، فإن الجلاد يصمم على القتل والآخر يصمم ~~على الدفاع، فكان المنظر هائلا إذ إنه كان يناديها بألفاظ التحبب، وهو يوشك أن ~~يفترسها بأنظاره، وهي تصيح مستغيثة وتفر منه. # وجعلا يدوران حول تلك المائدة، وكلما أوشكت أن يدركها أسرعت بالفرار منه، حتى وقع ~~بصرها على سيف ذلك القوزاقي السكران معلقا في الجدار فانتزعته بسرعة البرق وجردته ~~من غمده، ووقفت وراء الطاولة تهدد بطرس به، وتقول: إذا دنوت مني خطوة قتلتك لا ~~محالة. # وبينما كان بطرس واقفا وقفة التردد يدفعه خلقه الوحشي إلى الإقدام ويمنعه عن ~~الهجوم، كانت مدلين تصيح وتستغيث وهي تنذره بالسيف ولا تغفل عنه طرفة عين. # ولبثت تصيح مدة طويلة دون أن يجيبها أحد، فهجم عليها بطرس، وقد خيل له أنه وجد ~~الفرصة موافقة للهجوم فطعنته بالسيف وسالت دماؤه، ولكنه لم يتراجع عنها، بل هجم ~~عليها هجوم القانطين. # ولم يكن غير هنيهة حتى قبض عليها وجردها من السيف فألقاه وراءه، وبدأ بينهما ~~العراك العنيف وهي تستغيث وتصيح وتدفع عن نفسها بما بقي لها من القوة. # ودام هذا العراك بينهما نحو ربع ساعة، حتى أوشك أن يتغلب عليها، وشعرت أن قوتها قد ~~تلاشت، وكادت تصبح فريسة هذا الفاجر. # وعند ذلك سمعت صيحة منكرة، وشعرت أن يدي هذا السائق الذي كان يحاول أن يلقيها على ~~الأرض قد تخلتا عنها، ففتحت عينيها فرأته غارقا بالدماء، ورات وراءه ذلك الجندي ~~القوزاقي. # وكان ذلك القوزاقي قد صحا من سكرته بعض الصحو وشعر بالبرد القارص فقام وهو يترنح ~~من السكر إلى المائدة، فرأى عليها كأسا فيه بقية من ذلك الشراب الذي شربته العجوز ~~فشربها بجملتها، وسمع الفتاة تستغيث فالتفت وهو لا يعي، ورأى سيفه على الأرض، ورأى ~~بطرس، ثم رأى الدم يقطر من ذلك السائق فهاجه منظر الدماء وضربه بسيفه تلك الضربة ~~الشديدة بين كتفيه، ms0990 وهو إنما قتله رغبة في القتل وحده. # ولكنه كان لا يزال سكرانا فالتفت بعد مقتله إلى ما حوله فرأى عجوزا نائمة لا ~~تعي، ورأى بطرس منطرحا على الأرض يئن أنين النزاع، ورأى مدلين واقفة تنظر إليه، ~~وهي لا تعلم أترجوه أم تخشاه. # فما لبث أن تفرس فيها حتى جعل يضحك ويقول أقوالا لا تفهمها مدلين، فعلمت أنها ~~أصيبت بخطر شديد. # وعاد القوزاقي إلى النظر إليها، ثم وطد النفس على أن ينوب معها مناب ذلك ~~السائق. # وأدركت غرضه السافل من عينيه، فهربت من الغرفة، وجعلت تصيح، وجد في أثرها وهو يصخب ~~ويلعن حتى خرجت من الفندق، وجعلت تركض هائمة على وجهها، وهي تعلم أنه إذا أدركها لا ~~بد لها من الموت. # غير أن القوزاقي كان يركض في أثرها وهو بعيد عنها، ولكنها تسمع وقع أقدامه الغليظة ~~على تلك الأرض المفروشة بالثلج، وتجن من ذعرها. # وما زالت تركض وهو يجد في أثرها إلى أن تلاشت قواها فسقطت على ذلك الثلج ثم شعرت ~~بدنوه منها فهبت لديها قوة خفية، ونهضت من سقطتها، وجعلت تركض هائمة مذعورة لا تعلم ~~كيف تسير في تلك الغابة الكثيفة والظلام الشديد. # غير أن القوزاقي كان أشد منها على الركض فكان يعثر مرات كثيرة لسكره ولكنه ينهض ~~ويجد في مطاردتها حتى تمكن من إدراكها وقبض عليها بيد من حديد، فصاحت تلك المسكينة ~~صياح القنوط، ووقعت في يده وقوع العصفور بين مخالب البازي، فتلاشت قواها ووهت ~~ركبتاها وانطبقت مقلتاها، وقبل أن تسقط مغميا عليها شعرت أن يد ذلك الضاري ~~أفلتتها ولم تعد تعي بعد ذلك على شيء، وكان آخر ما لفظته أنطوانيت وإيفان. # أما القوزاقي فإنه لم يفلتها إلا لأن دماغه قد تخدر بذلك الشراب الذي وجده في كأس ~~ذلك العجوز، فانطرح أمام مدلين، وقد فقد رشاده وجعل يغط غطيط النائمين. # 8 # ولم يطل إغماء مدلين، ولكنه تحول إلى حمى شديدة محرقة، فلم تكن تشعر بقوارص البرد ~~وهي منطرحة على الثلج، ولكنها كانت تحلم أحلاما مختلفة، وترى صورا غريبة تشترك ms0991 في ~~تمثيلها لها الحمى والحقيقة، فقد مثل لها أنها تسير مع إيفان في حديقة قصره في ~~موسكو وجعلت تناجيه، ثم ذهب خياله عن بصيرتها فرأت مركبة قادمة إليها من مكان بعيد، ~~وسمعت أجراس خيلها تقرع أذنيها، ثم رأت أنوارا كثيرة، ولكنها تختلف عن المصابيح ~~الطبيعية. # وظلت هذه المرئيات تتعاقب على بصرها وهي بين النائمة والصاحية حتى فتحت عينيها ~~فوجدت نفسها طريحة على الثلج. # ورأت مركبة قادمة إليها من مكان بعيد استدلت عليها من أجراسها ومن مصابيحها، ثم ~~رأت أمامها نور ثلاثة مصابيح، ولكنها علمت أن هذه الأنوار لا تشبه أنوار المصابيح ~~العادية، فنهضت، وحاولت أن تمشي، غير أنها ما خطت خطوة حتى رأت أن هذه الأنوار ~~تضاعفت فجأة، ثم رأت أنها تضاعفت أيضا وجعلت تدنو منها، فكانت تشبه جمرة النار على ~~الأرض. # فوقفت تلك المسكينة، وقد أخذ الرعب منها كل مأخذ، فنظرت إلى المصباحين البعيدين ~~فأيقنت أنهما مصباحا مركبة، ولكنها تسير ببطء إليها، ونظرت إلى تلك الجمرات فرأت ~~أنها لا تزال تتضاعف وتحدق بها، وقد باتت منها على بضعة أمتار، وهي لا تزال آخذة ~~بالدنو، فعلمت في الحال أنها باتت قرب قطيع من الذئاب المفترسة. # ولم يطل بها الأمر حتى رأت أجسامها بعد أن كانت لا ترى إلا عيونها الملتهبة، ومع ~~ذلك فإن المركبة كانت لا تزال بعيدة عنها غير أن الذئاب وقفت بالقرب منها، ولم تجسر ~~على مهاجمتها. # وكانت مدلين في مدة إقامتها في روسيا سمعت أن بعض الفلاحين افترستهم الذئاب؛ لأنهم ~~حاولوا الهرب منها، وأن من يريد السلامة من أنيابها ينبغي له أن يظل محدقا بها، ~~ويتراجع ببطء، وما زال ناظرا إليها فلا تهاجمه لأنها تهاب نظرات الإنسان، فعلمت ~~أنها إذا هربت أدركتها الذئاب، وإذا غفلت النظر إليها مزقتها، وجعلت تتراجع ببطء ~~وهي لا تحول نظرها عن عيونها الهائلة ولا تنظر إلى الطريق التي تسير بها. # وفيما هي تسير والذئاب تتبعها على خوف عثرت بذلك القوزاقي فلم تلتفت إليه، ولم ~~تصرخ، ولكنها علمت أن الذي عثرت به كان ms0992 جسم القوزاقي الذي كان يطاردها. # وعند ذلك علا غطيط القوزاقي فوقفت الذئاب وقد رأت أن ذلك الرجل قد تحرك. # فتراجعت مدلين وهي لا تزال محدقة بالذئاب حتى ابتعدت عن القوزاقي. # أما الذئاب فإنها لما سمعت غطيط القوزاقي ورأته يتحرك وهو لا ينظر إليها هجمت عليه ~~هجمة واحدة تمزقه تمزيقا وهو لا يستطيع دفاعا. # حتى إذا سمعت مدلين صوت تكسير عظامه تحت أنياب هذه الذئاب الضارية، اضمحلت قواها ~~ولم تعد تستطيع الرجوع وقالت ويلاه لقد فرغت منه وستبدأ بي. # 9 # عندما وصلت مدلين مع بطرس والعجوز إلى فندق سيوا دخل في بترهوف رجلان، وهما ~~الفيكونت كارل دي مورليكس، ورجل آخر من فرسوفوا يدعى هرتمن كان من أخص الذين عاونوا ~~كارل على قتل أخته والدة أنطوانيت ومدلين، وهو الذي كان يطاردها في كل بلد ذهبت ~~إليه فلم يفلح في قتلها، ولكن كارل كان يعتمد كل الاعتماد عليه في شئونه ~~السرية. # ولما فرغ من أمر أنطوانيت وحسب نفسه أنه قتلها أراد أن يتفرغ لمدلين، فذكر عامله ~~القديم وجاء إلى بلاده، حتى إذا أطلعه على حقيقة قصده واتفق معه على اختطاف مدلين ~~من قصر الكونت بونتيف، سافر وإياه قاصدين موسكو، فبلغا بترهوف عند هجوم الليل في ~~الساعة التي وصلت بها مدلين إلى فندق سيوا. # وقد أراد كارل استئناف السفر فمنعه هوتمن، وحذره من السفر ليلا؛ لكثرة الذئاب في ~~تلك الغابة التي تمر بها، فأبى الكونت، وأصر على السفر لساعته. # فلم يجد هرتمن بدا من الإذعان، وركب وإياه في تلك المركبة التي كانت مدلين ترى ~~مصابيحها تدنو منها وهي واقفة في ذلك الموقف الرهيب أمام الذئاب. # وانطلقت بهما المركبة من بترهوف، وهي لا تبعد غير مرحلتين عن فندق سيوا، فلما بلغت ~~بهما المركبة إلى تلك الغابة الكثيفة صاح السائق يقول: هو ذا الذئاب مقبلة ~~بأجمعها. # فنظر كارل فرأى أشباحا سوداء تتراكض خفافا على جانبي المركبة، فأخذ بندقيته ~~وحاول أن يطلق النار، فأمسك هوتمن يده، وقال له: إياك أن تفعل. # وأطلق السائق العنان للجياد، فمرقت بين ms0993 الذئاب مروق السهم، فكانت الذئاب تطاردها ~~ولكنها لا تجسر أن تهجم عليها حذرا من نور المصابيح، فكانت تسير في أثرها محاذية ~~لآخر حد تبلغ إليه الأشعة، وكان السائق يلتفت من حين إلى حين إلى الكونت ويحذره ~~إطلاق النار. # غير أن الذئاب زادت في جرأتها، وتجاسر أحدها على الدخول في منطقة النور، فجعل كارل ~~ينظر إليه بإعجاب، ثم هاجت به عاطفة الصيد؛ فلم يحفل برفيقه وإنذار السائق، وأطلق ~~النار من بندقيته على الذئاب؛ فسقط الذئب ميتا على الثلج، وجمحت الجياد منذعرة، ~~وجعل هرتمن والسائق يقذفان الشتائم، أما الذئاب فقد شغلت عن المركبة إلى حين، ~~وأقبلت على رفيقها تنهشه بأنيابها، ولكن ذئبا واحدا لا يشبع قطيعا من ~~الذئاب. # وظلت المركبة تجري والذئاب في أثرها، وقد زادت جرأتها ولم تعد تحفل بالأشعة، وكلما ~~قتل كارل أو رفيقه ذئبا توقفت الذئاب هنيهة إلى أن تأكله ثم تعود إلى شأنها في ~~مطاردة المركبة. # أما مدلين؛ فإنها لبثت واقفة تنظر تلك الوحوش الكاسرة تفترس القوزاقي، وتنتظر أن ~~يجيء دورها، وقد ساد السكون في تلك الغابة المقفرة؛ فلم تكن تسمع غير قرقعة عظام ~~ذلك المسكين تحت أنياب الوحوش، وأجراس تلك المركبة القادمة إليها، فإنها كانت تدنو ~~منها بسرعة كثيرة، فلا تجسر أن تستغيث حذرا من تنبيه الذئاب حتى مرت المركبة بها ~~مسرعة، فلم تتمالك عن الصياح، غير أن المركبة لم تقف، واستمرت في سيرها. # ولما سمعت الذئاب صوتها أقبلت عليها، فوقفت مدلين تحدق بها تحديقا كان يهولها؛ ~~فلا تجسر على الهجوم، ثم صاحت مستغيثة صيحة يأس رن صداها في جوانب ذلك الفضاء، ~~ونظرت إلى تلك المركبة فرأتها وقد رجعت إليها، ثم شعرت أن يدا قوية قد انتشلتها ~~ووضعتها في المركبة، وكان هذا آخر عهدها بتلك المناظر الهائلة، وجهد ما تحملته ~~قواها، فسقطت بين كارل وهرتمن لا تعي وقد أغمي عليها. # ولبث كارل وهرتمن يطلقان النار على تلك الذئاب الضارية، حتى تكاثرت عليهما، ونفذ ~~ما عندهما من الذخيرة؛ فأيقنا بالموت. # وفيما هما حائران يتوقعان العراك بأيديهما؛ إذ قال ms0994 السائق لهرتمن: لا تخشيا فقد ~~دنونا من فندق سيوا، فانزع المصباح، وألقه بين الذئاب يتفرق شملها. # فامتثل هرتمن، وما لبث أن رماها بذلك المصباح ورأت أشعته المتلألئة تتدفق على ذلك ~~الجليد حتى تفرقت منذعرة، ثم جمعت شملها وعادت إلى المطاردة، ولكن المركبة كانت ~~وصلت إلى الفندق وأمنت كل شر. # 10 # ولندع الآن مدلين هنيهة بقبضة كارل، ولنذهب بالقارئ إلى قرية قريبة من فندق سيوا ~~تدعى سنيديانكا، وهي قرية أصبحت تاريخية لإقامة نابليون ليلة فيها قبل عبوره نهر ~~البريزينا، فإنه في نفس الليلة التي التقى فيها كارل بمدلين كان جمهور عظيم من ~~الناس مجتمعين قرب فندق القرية للفرجة على فلاح محكوم عليه بالجلد. # وكان في هذا الفندق رجل ألماني وامرأته، فانذهلا لاحتشاد الناس، وسألا صاحب الفندق ~~عن السبب، فأخبرهما، ولم يكن هذان الغريبان غير روكامبول وفاندا، وقد تنكر روكامبول ~~بزي الألمان. # وجعل روكامبول يستقصي من صاحب الفندق عن تلك العادات الروسية، فعلم أن الفلاحين ~~الروسيين عبيد لأسيادهم، يتصرفون بهم تصرفهم بالسلع، وذلك قبل أن يصدر أمر ~~الإمبراطور إسكندر الثاني بإلغاء العبودية، ومما علم منه: أن هذا الفلاح - المحكوم ~~عليه بالجلد - يشتغل في أراضي الكونت بونتيف، وأن الذي يصدر هذه الأوامر وكيله، وهو ~~رجل عات شرير تتري يدعى نقولا أرسوف. # وفيما هم يتحدثون وقد وقفت الجنود حول المحكوم عليه؛ إذ أقبلت مركبة تجرها الجياد ~~وفيها هذا الوكيل، فخف الناس لاستقباله، ووقف الفلاحون أمامه فوقف العبيد، فأصدر ~~أمره بجلد المحكوم عليه، وصعد إلى الفندق بأبهة وإجلال، فكان الخدم يتسابقون إلى ~~الامتثال لأوامره. # ووقف الوكيل في المشرف المطل على ساحة الحكم، وكان واقفا بإزائه روكامبول وفاندا ~~ينظران إلى جلد هذا الفلاح المنكود وقلباهما يتقطعان من الإشفاق، خلافا لنقولا ~~أرسوف؛ فإنه شغل عن ضحيته بالنظر إلى فاندا، وقد أعجب بجمالها غاية الإعجاب. # ولما فرغ الجلاد من جلد هذا المسكين، وتمت تلاوة الرواية الفظيعة نادى وكيل صاحب ~~الفندق، وقال: من هذه المرأة؟ ~~- هي زوجة هذا الألماني. ~~- إذن، قل لهما: إني أدعوهما إلى التشرف بمناولة الطعام على ms0995 مائدتي. # ولم يسع صاحب الفندق إلا الامتثال، وأبلغ روكامبول أوامره، فابتسم روكامبول وأجابه ~~بالقبول. # وبعد ساعة كان روكامبول وفاندا وهذا التتري جالسين حول مائدة وضعت عليها أصناف ~~الشراب والطعام، فأخذ نقولا كيسا من الجلد فأخرج منه كتابا عليه كثير من الطوابع ~~فقرأه بإمعان، وهو يتشاغل به عن ضيفيه، ثم أخرج كتابا آخر وقرأه وأعاد الكتابين ~~إلى الكيس وانعكف على الشراب. # وغمز روكامبول فاندا، فجعلت تسقي هذا الوكيل بيدها وتجامله خير مجاملة، ففتن بها ~~وسألها إلى أين ذاهبة مع زوجك. ~~- إلى موسكو لحضور الميلاد. ~~- إن زمن هذا الاحتفال لم يحن بعد، فهلا ذهبت معي إلى قصري فأقمت أسبوعا في ~~ضيافتي ثم تذهبين إلى موسكو. ~~- إذا شاء زوجي بالذهاب إلى قصرك قبلت دعوتك بالشكر الجزيل. # وكان روكامبول متشاغلا عنهما، فلما عرضت عليه فاندا دعوة التتري أظهر سرورا ~~عظيما، وقال: حبا وكرامة، فإن لنا بذلك غايتين عظيمتين؛ إحداهما التشرف بزيارة ~~هذا الرجل العظيم، والثانية أنا إذا كنا بحمايته أمنا الأخطار على ما لدينا من ~~المال، فقد قيل: إن الطريق غير آمنة. # فسر التتري وعاد إلى الشراب، فما زال يشرب، وكلما فرغت كأسه أملتها له فاندا، ~~وروكامبول يحثها على أن تسقيه حتى ضاع رشده، وقام إلى فاندا يريد تقبيلها، فضعف ~~ساقه عن حمله، وسقط صريعا من السكر. # فرفسه روكامبول برجله، وأسرع إلى كيسه، فأخرج منه الرسالتين اللتين قرأهما على ~~المائدة قبل أن يصرعه السكر، وفتحهما فرأى أنهما مكتوبتان باللغة الروسية، ودفعهما ~~إلى فاندا، وقال لها: انظري ما فيهما، فإن قلبي يحدثني أنهما كتبا بشأن ~~مدلين. # وقد صدق ظن روكامبول، فإن أحد الكتابين كان من والد إيفان إلى وكيله التتري يخبره ~~فيه أنه ستمر به فتاة فرنسية تدعى مدلين، ويأمره أن يعد وسائل السفر إلى خارج ~~الحدود الروسية، والكتاب الثاني: من هرتمن يخبره فيه أنه قادم إليه مع الكونت دي ~~مورليكس للمخابرة في شأن يعود عليه بالربح الجزيل، فإن الكونت من أهل الكرم ~~الأغنياء. # ثم فحص روكامبول تاريخ الكتاب الأخير؛ فعلم أن كارل لم يصل ms0996 بعد، فتنفس الصعداء، ~~وعند ذلك دخل صاحب الفندق، ورأى التري منطرحا على الأرض، فقال: لا تعجبوا؛ فإنه ما ~~أتى مرة إلى فندقي إلا صرعه السكر كما ترون. # فقال روكامبول: ألعل سكره يطول؟ ~~- نعم، فإنه يلبث على هذه الحال عدة ساعات، فيحمل إلى مركبته، ويعود به السائق إلى ~~بترهوف. ~~- إذن، مر بإعداد هذه المركبة، فإننا سنذهب معه فيها، فقد دعانا إلى قصره كما ~~تعلم. # فامتثل صاحب الفندق، وبعد حين نقل التتري إلى المركبة وهو لا يعي لفرط سكره، وركبت ~~فاندا بإزائه، وركب روكامبول جنب السائق، فسارت بهما المركبة إلى بترهوف. # ولما وصلوا إلى هذه القرية التي تبتدئ منها أراضي الكونت بونتيف غيروا جياد ~~المركبة في محطتها، ورأى روكامبول أثر عجلات مركبات فدخل إلى إدارة المحطة، وسأل ~~مديرها عن الذين سافروا في المركبة التي تقدمت، فقال له: إن رجلا فرنسيا سافر ~~بها مساء أمس، ولكن هذا الأثر الذي رأيته ليس من الأمس، بل هو من هذا الصباح، ذلك ~~أن هذا الفرنسي لم يكد يتوسط الغابة حتى هاجمته الذئاب فلجأ إلى فندق سيوا، وقد عاد ~~في هذا الصباح، فقال لي: إنه رجع عن السفر إلى موسكو لما لقيه من أخطار ~~الذئاب. # فقال روكامبول: أهي مخطرة إلى هذا الحد؟ ~~- نعم، فقد افترست أمس جنديا من القوزاق، وأوشكت أن تفترس فتاة فرنسية لو لم ~~ينقذها هذا الفرنسي، ولكنها باتت شبيهة بالمجانين لما تولاها من الرعب، وقد سافرت ~~معه في هذا الصباح بمركبة البريد. # فاكتفى روكامبول بما علمه، وخرج وهو يضطرب اضطرابا شديدا، فصعد إلى جانب السائق، ~~وكانت فاندا مقيمة في المركبة والتتري بإزائها وهو لا يزال صريع سكره، فلما سارت ~~بهما قال روكامبول للسائق: إني أود أن تدرك المركبة التي تقدمتنا في هذا ~~الصباح. ~~- إن هذا صعب علي. # فحشا روكامبول مسدسه أمام السائق وقال له: اختر بين أمرين؛ إما أن تدركها فأعطيك ~~عشرين ريالا، وإما تعجز عن لحاقها فأقتلك بهذا المسدس. # 11 # قبل هذه الحادثة ببضع ساعات كان كارل عائدا إلى بترهوف من فندق سيوا ms0997 يصحبه عامله ~~هرتمن ومدلين. # وكانت مدلين جالسة بجانب كارل وهي تنظر إلى ما حواليها نظرات تائهة، وقد بدت عليها ~~أعراض الجنون، فلم تكن تذكر شيئا مما جرى لها. # وكان الرجلان يتحدثان باللغة الألمانية، فقال هرتمن لكارل: أرى أنك أخطأت خطأ ~~شديدا ... ~~- لماذا؟ ~~- ألم تحضر إلى روسيا بغية إخفاء آثار هذه الفتاة، فإذا كان هذا قصدك؛ فكيف ~~أنقذتها من أنياب الذئاب؟ ~~- هو الحق ما تقول، ولكني لو تركتها عرضة للذئاب فافترستها؛ فأين أجد البرهان ~~الثابت على موتها؟ أما وقد أصبحت في قبضة يدي فسوف أنظر في أمرها. ~~- لقد أصبت أيضا؛ فإن غرضنا أن نقبض عليها ولا بد لنقولا أرسوف أن يساعدنا على ~~إخفاء أثرها من الوجود. # فنظر كارل إلى مدلين وهي منشغلة عنهما بالنظر إلى تلك البراري الشاسعة، وقال إنها ~~بارعة في الجمال. # فابتسم هرتمن حين سمعه يعجب بجمالها وقال: لا يحق لي أن أسديك نصيحة غير أنك إذا ~~أذنت لي فعلت. ~~- قل ما تشاء. ~~- ماذا تبغي من القبض على هذه الفتاة أليس الاحتفاظ بثروتها؟ ~~- دون شك ... ~~- أيوجد غير فتاتين تنازعانك هذه الثروة؟ ~~- كلا ... ~~- ألم تمت إحداهما وهي أنطوانيت؟ ~~- إنها ماتت في السجن. ~~- إذن، لم يبق غير هذه الفتاة التي بقربك الآن؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنك إذا تزوجت بها ألا تكون قنعت بجمالها الذي تعجب به، وأبقيت لنفسك ~~ثروتها التي تحافظ عليها؟ # فاضطرب كارل وقال: من أنبأك أنه لم يخطر لي هذا الخاطر؟ # ثم ساد السكون بينهما حتى وصلت المركبة إلى بترهوف فأبدلت جيادها، وفي خلال ذلك ~~أخبر هرتمن مدير المحطة ما جرى لهم مع الذئاب وإنقاذهم الفتاة الفرنسية. # وهو الحديث الذي نقله المدير إلى روكامبول. # وبعد مرور مركبة كارل بساعة كانت مركبة روكامبول سائرة في أثرها، وقد أوشك السائق ~~أن يطير بها لا لطمعه بالمكافأة، بل لخوفه من القتل، ولما جرت بهم شوطا بعيدا نظر ~~روكامبول إلى التتري، فإذا به لا يزال صريع سكره، فوثب من مكانه بجانب السائق إلى ~~داخل المركبة وقال لفاندا: يجب أن يصحو هذا الأبله. # فهزته ms0998 فاندا بيدها ففتح إحدى عينيه ثم أغمضها السكر، وعاد إلى ما كان عليه. # فأخرج عند ذلك روكامبول زجاجة فيها أمونياك وأدناها من أنفه، فما لبث أن شمها حتى ~~صحا من سكرته، وفتح عينيه، ونظر إلى ما حواليه، فرأى فاندا تبتسم له، وركامبول ~~يتكلف هيئة البلاهة، فقالت له فاندا: أرأيت كيف أننا قبلنا ضيافتك وجئنا معك إلى ~~قصرك؟ # فنظر إليها التتري نظرة إعجاب وقد هام بها، فشكرها شكرا جزيلا، وأخذ يدها غير ~~مكترث يريد تقبيلها، ولكنه ما لبث أن أدناها من فمه حتى رأى مسدس روكامبول مصوبا ~~إلى رأسه وهو يقول له: إذا جسرت على شيء من هذا بعد فإن رصاص هذا المسدس يخترق ~~دماغك. # وكان هذا التتري جبانا، ولكنه كان قد خرج من رق العبودية منذ 20 عاما، وأصبح ~~وكيلا مطلقا يحكم على كثير من العبيد دون أن يجسر أحد من الناس على اعتراضه فيما ~~يفعل، فكبر عليه تهديد روكامبول، وقال له: من أنت أيها الرجل؟ ~~- أنا سيدك ومولاك، بل أنا الذي ينبغي عليك أن تطيعني في كل ما آمرك به. # فنظر إليه نظرة الإنكار، وقال: إني أعرفك سيدا لي، ولا أمتثل لأوامرك. # فانبرت له فاندا عند ذلك، وقالت: إذن، تمتثل لأوامري. # فنظر إليها التتري فرأى أنها استحالت وتلبست بملابس العظمة والكبرياء. # فهاله منظرها، وكأنما قد جالت في خاطره ذكرى قديمة، فجعل ينظر إليها نظرة المتردد ~~في أمره، إلى أن قالت له فاندا: لقد تغيرت عليك ملامحي كثيرا حتى إنك لم ~~تعرفني. # فتلعثم لسانه وقال: أهذا أنت يا سيدتي؟ ~~- نعم. أنسيت أنك قبل أن تكون في خدمة الكونت بونتيف كان لك سيد آخر يدعى البارون ~~شركوف؟ ~~- أأنت هي البارونة شاركوف. ~~- نعم، أنا هي أيها العبد. # فركع التتري أمامها، وجعل يعتذر بكلام منقطع، فقالت له فاندا: اصغ إلي أيها العبد، ~~واستعد لطاعتي. ~~- إني مستعد للامتثال. ~~- إن رجلا فرنسيا يسير الآن إلى قصرك. ~~- أتعرفين هذا؟ ~~- إن الفيكونت كارل دي مورليكس يصحبه رجل من أصحابك. ~~- نعم، وهو هرتمن من فرصوفيا. ~~- وإنك تنتظر قدوم ms0999 فتاة فرنسية. ~~- نعم، وهي مرشدة السيدة أولغا بونتيف. ~~- إذن، فاعلم أن الفتاة والفيكونت سائران إلى قصرك، وقد تقدمتنا مركبتهما بنحو ~~ساعة، ولكن أتعلم مقاصد هذا الرجل؟ ~~- كلا! ~~- إنه جاء إليك ليستعين بك على قتل الفتاة المسكينة أو تلويث شرفها. # فأطرق التتري برأسه دون أن يجيب، أما فاندا فإنها نظرت إليه نظرة ملؤها الكبرياء، ~~وقالت له: أما وقد عرفت أني البارونة شركوف فاعلم أني لا أريد أن تحدث هذه ~~الجريمة. # وقال له روكامبول: وهي لن تحدث ما زلت أدعى روكامبول. # 12 # في مساء ذلك اليوم اجتمع في قصر التتري روكامبول وفاندا وكارل وهرتمن ومدلين، ~~وكانت مدلين قد ذهب ما بها، وأوشكت تلك الهموم أن تزول من قلبها لوثوقها من حب ~~إيفان لها بعدما علمت حقيقة الخدعة من بطرس، وقد أمر التتري أن تخصص لها أجمل غرفة ~~في القصر، وتولت فاندا حراستها، فلم تكن تفارقها متذرعة إلى ذلك أمام كارل بعامل ~~الإشفاق، وهي في الحقيقة لا تريد إلا حراستها لخوفها عليها من أعدائها. # ولم يكن لكارل أقل شبهة في روكامبول لمبالغته في التنكر، فكان يحسب أنه ألماني وأن ~~فاندا زوجته، لأنه لم يكن رآها من قبل، خلافا لعامله هرتمن؛ فقد ارتاب بأمر هذين ~~الزوجين، وكان التتري حليفه وشريكه في الآثام كما تقدم، فلم يمض على إقامتهم في ~~هذا القصر يومان حتى علم كل فريق حقيقة حال الآخر، فعلمت فاندا أن كارل يهوى مدلين، ~~وعلم هرتمن من التتري أن فاندا هي امرأة البارون شركوف سيده القديم، وأن الرجل الذي ~~يصحبها يدعى روكامبول. # وكان التتري يهوى فاندا ويخشاها، وقد لقي من احتقارها ما دفعه إلى الانتقام منها، ~~فباح لصديقه هرتمن بحقيقة أمره عله يساعده برأي يجد فيه سبيلا إلى بلوغ مأربه ~~منها. # ولما علم كارل من هرتمن حقيقة الأمر اضطرب فؤاده، ولكنه بقي مترددا في تصديقها، ~~إذ لم يخطر في باله أن روكامبول يستطيع المبالغة إلى هذا الحد، وأن يتعقبه إلى هذه ~~البلاد، ولكنه بقي مضطرب الخاطر، ونام تلك الليلة ويده على مسدسه. # وفي ms1000 صباح اليوم التالي جاء بريدان؛ أحدهما للتري، والآخر للفيكونت كارل دي ~~مورليكس، فصعد الخادم برسائل كارل إليه، فأخذ كارل رسالة منها عليها كثير من ~~الطوابع، فأجفل حين رأى الخط، إذ عرف أنه خط تيميلون، وقال فيه نفسه: ألعل أخي لم ~~يدفع له الخمسين ألف فرنك فأرسل يطالبني بها؟ ثم أسرع إلى فض الرسالة وقرأ فيها ما يأتي: # سيدي الفيكونت # ربما لا نلتقي إلى آخر العمر، فإني مسافر بعد ساعة إلى أميركا حذرا من ~~روكامبول، وقد قبضت من أخيك البارون المال الذي اتفقنا عليه، وهو يكفيني ~~مع ما كان عندي للعيش في العالم الجديد. # وإنما أنا هارب من روكامبول لاعتقادي أنه قد تغلب علينا، فإني حضرت ~~جنازة أنطوانيت ورأيتها جثة هامدة في التابوت، ولكني أعتقد أنها لم ~~تمت. # وبعد يومين من حادثة سجن سانت لازار كنت عبدا لروكامبول، فإن ابنتي ~~كانت رهينة عنده، ولم يردها إلي إلا في الليلة التالية لدفن ~~أنطوانيت. # ثم إن هذا الداهية وضع محفظته المسروقة في منزلي، ودفع البوليس إلى كبس ~~منزله، فوجد المحفظة، وأصبحت أنا السارق، فلم أجد بدا من الفرار، ولكني ~~إذا كنت لا أستطيع أن أنتقم من روكامبول بيدي فلا بد لي من الانتقام منه ~~بواسطتك، فاعلم الآن أن أنطوانيت لم تكن ميتة حين دفنت، بل كانت مخدرة، ~~فأخرجت بعد دفنها من النعش، أما ابن أخيك أجينور، فقد عاد إلى باريس، وهو ~~له علاقة مع روكامبول. # ثم اعلم أننا حين طوقنا منزله ضحك علينا كما يضحك على الأطفال، وفر من ~~ذلك المنزل من نفق تحت الأرض يتصل بالمقبرة. # وآخر ما أقوله عن روكامبول: إنه له شريكة تدعى فاندا، وقد كانت تدعى من ~~قبل البارونة شركوف، وهي من أشد النساء خطورة، وقد اتهمتها الحكومة ~~الروسية مرة بالمؤامرة مع البولونيين العصاة، ولا يزال البوليس يبحث ~~عنها إلى الآن، فكن على حذر، وأرشد السفارة الروسية إليها كي تتخلص منها، ~~فإنها خطر شديد عليك. # هذا ما أكتبه إليك، وأرجو أن تكون قيمة هذه الإفادات تعادل قيمة ما ~~قبضته ms1001 منك دون استحقاق أجرة عن قتلي لأنطوانيت؛ لأنها لم تمت. # تيميلون # فاضطرب كارل اضطرابا شديدا حين قراءة هذا الكتاب، ولكنه كان شديد العزم، قوي ~~الإرادة، فعول على دخول المعركة مع روكامبول. # أما بريد نقولا أرسوف التتري؛ فقد كان بين رسائله رسالة من الحاكم العسكري في تلك ~~المقاطعة يطلب إليه فيها أن يرسل 3 من الفلاحين عنده أصابتهم القرعة العسكرية، وأن ~~يسرع بإرسالهم مخفورين. # وبعد ساعة اجتمع به كارل في القاعة العمومية، فرأى عليه ملامح الاضطراب، فسأله عن ~~شأنه، فأجابه أن الحكومة طلبت إلي إرسال ثلاثة من الفلاحين، ولا أعلم من أختار، وقد ~~وقع اختياري على اثنين؛ أحدهما الذي أمرت بجلده أمس، والآخر رجل سكير لا ينفعني ~~بشيء والقيصر أولى به مني، ولا أعلم: أين أجد الثالث؟ # فاضطرب كارل وقد خطر له خاطر هائل: أتقبل مني نصيحة؟ ~~- قل. ~~- ألعلك لا تزال تهوى امرأة هذا الألماني؟ # فارتعش التتري وأجاب: لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- ذلك لأنه حلت فرصة مناسبة للتخلص من زوجها. # وانذهل التتري من هذا الفكر الغريب، وجعل كل من الاثنين ينظر إلى الآخر نظر لصين ~~سيتفقان على جريمة هائلة. # ثم ساد السكون بينهما هنيهة، إلى أن افتتح كارل الحديث؛ فقال: لماذا هذا التردد ... ~~ألا تحب امرأة هذا الرجل؟ ~~- لم يعد حبي لها سرا من الأسرار. ~~- ولكنك تخشاها لأنها امرأة مولاك السابق، ثم إنك تخشاها لشدة حذرك من الرجل الذي ~~يصحبها. ~~- الحق يقال: إنه رجل مخيف. ~~- إذن، فلماذا لا تسرع إلى إرساله للخدمة في جيش القيصر بدلا من أحد الفلاحين ~~الذين أصابتهم القرعة؟ ~~- ذلك لأن المندوب الذي يرسله الحاكم العسكري لا ينخدع به، ولا يمكن أن يحسبه ~~فلاحا، فإنه يصرح باسمه وينقضي كل إشكال. ~~- إنك منخدع، لأن هذا الرجل لا يجسر على التصريح باسمه، بل هو يؤثر ألف مرة أن ~~يكون جنديا في جيش القيصر على أن يذكر اسمه أمام الناس. # فقال التتري بلهجة المشكك: أحقا ما تقول؟ ~~- ليس هذا كل شيء، بل إن تلك المرأة التي تخشاها لا يزال يبحث عنها ms1002 البوليس السري ~~إلى الآن. # ثم أطلعه على الفقرة التي تقدم ذكرها في كتاب تيميلون بشأن فاندا، فانتعش فؤاد ~~التتري وقال: ما زال الأمر كذلك، فقد أصبحت تلك المرأة في قبضتي، لأني أدرى الناس ~~بأهمية تهمة المؤامرات في الحكومة الروسية. ~~- ولكنها لا تكون إلا إذا تخلصت من الرجل الذي يصحبها. ~~- إذا صح ما تقول وكان يؤثر التجند على الإباحة فإن أمره مقضي. ~~- نعم، ولكن ... # وظهرت على كارل علائم التردد ثم قال: إنك تحب فاندا، وأنا أحب هذه الفتاة المريضة، ~~فإذا أعنتني فيما أريد أعنتك أنا أيضا على بلوغ قصدك، إذ لا يمكن التسلط على مثل ~~هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول دون خطر شديد. ~~- لدي من المسدسات ما يكفي ... ~~- ولكن هذا الرجل لا تغني معه المسدسات، وإذا علم بشيء من مقاصدنا عبث بنا. # ففكر التتري هنيهة، ثم قال: لدي طريقة أغل بها يديه عدة ساعات. اصغ إلي: عندما ~~نريد إخضاع فلاح عصي علينا، أو خشينا منه المقاومة، نضع معه من يخونه في منزله؛ ~~فيضع هذا الرجل في شرابه أو طعامه شيئا من الأفيون. # فابتسم كارل وقال: إن هذه الأمور لا تجوز على روكامبول، ولا أحسب أن الأفيون يؤثر ~~عليه. ~~- إن الأفيون يؤثر على أشد الناس بنية، فيصعقه ويصيبه بالبلاهة عدة ساعات، بل عدة ~~أيام حسب القدر الذي يشربه. ~~- إني لا أعرف جميع هذه الحقائق، ولكني لا أدري كيف تدس له الأفيون في طعامه أو في ~~شرابه؛ لأنه شديد الحذر. ~~- إذا تعذر دسه في الطعام والشراب، فلا يتعذر دسه في السيكار التي يشربها، وقد ~~رأيت أنه يخرج كل مساء بعد العشاء ست سكاير من علبة ويشربها بجملتها، وهو الآن قد ~~خرج للصيد حسب عادته، فهلم معي إلى غرفته لترى ماذا أفعل. # ثم تركه هنيهة وعاد بعد حين بالأفيون ودخلا سوية غرفة روكامبول وفتحا صندوق ~~السكاير، فجعل التتري يضع الأفيون في كل واحدة منها، حتى أتى على آخرها فرتبها حسب ~~وضعها القديم، ثم خرج مع كارل وهو يقول: لقد قضي عليه، إذ لا بد ms1003 له من شرب السكاير ~~وإرساله إلى حاكم ستيديانكا. # 13 # قبل أن يضع التتري الأفيون في سكاير روكامبول خلا روكامبول بفاندا، وقال لها: لقد ~~أدهشتك كيف إني لم أقتل كارل وأنا قادر على قتله، ولكن إذا قتلته فمن يرد لنا ثروة ~~الأختين؟ ~~- لقد أصبت، ولكني لا أعلم إلى الآن لماذا أتينا إلى هنا؟ ~~- لإنقاذ مدلين. ~~- كيف تستطيع إنقاذها إذا لم تتخلص من كارل؟ ~~- اصغي إلي أتظنين مدلين تستطيع السفر؟ ~~- إنها لا تزال ضعيفة ولكنها قوية الإرادة. ~~- وهي لا تعلم من نحن إلى الآن أليس كذلك؟ ~~- نعم، فإنها تحسب أن الأقدار أوصلتني إليها للعناية بها. ~~- إذن، أخبريها بعزمنا فقد آن الأوان. ~~- أتظن أنها تصدقني؟ ~~- لا بد لها من تصديقك متى تكلمت معها عن ميلون وعرضت عليها كتاب أنطوانيت أختها، ~~ويجب أن تخبريها الآن بكل شيء؛ لأننا سنسافر بها في المساء، وقد اتخذت جميع ~~الاحتياطات، واتفقت مع هذا الفلاح الذي أمر التتري بجلده على الفرار مع امرأته، وهو ~~سيوافينا بمركبة عند انتصاف الليل، فسنسافر كلنا بمدلين، فأخبريها بكل شيء ~~واستعدوا. # ثم تركها ومضى إلى ذلك الفلاح، وأخبره أن الفرار قد تقرر في منتصف الليل، وبعد أن ~~استوثق منه، وأعطاه التعليمات اللازمة، تركه وعاد إلى القصر. # أما فاندا؛ فإنها أخبرت مدلين بالحقيقة، وأطلعتها على كتاب أختها أنطوانيت، ففرحت ~~فرحا شديدا، وعلمت شدة موقفها، ووافقت فاندا على الفرار، وقد ردت إليها العافية ~~بهذا الخبر السار. # ولما اجتمعت فاندا بروكامبول عند المساء أخبرته بما كان فقال لها: تأهبي وموعدنا ~~منتصف الليل. # ثم خلا بنفسه وجعل يدخن تلك السكاير التي دس فيها الأفيون. # وعند منتصف الليل كانت مركبة الفلاح واقفة خارج القصر، ومدلين متأهبة للرحيل، ~~وفاندا تنتظر قدوم روكامبول؛ ولما رأته تأخر عن ميعاده ذهبت إلى غرفته، وكان بابها ~~لا يزال مفتوحا، فدخلت ورأت روكامبول جالسا في كرسيه وهو نائم، فدنت منه ونادته ~~باسمه بصوت منخفض فلم يرد عليها، فهزته هزا عنيفا فاستيقظ، ولكنه لم يبرح مكانه ~~وجعل يقول: دعوني أنام! # فقالت له فاندا: قم ألا تزال ms1004 حالما؟ ~~- اذهبي لحاك الله! # وقام ومشى خطوتين، وهو يترنح كالسكارى، ويقول: لقد أصاب غوليلو بقوله إن الأرض ~~التي تدور لا الشمس، لأني أشعر أنها تدور تحت قدمي، ثم جعل يضحك ضحك ~~البلاهة. # فارتاعت فاندا، وقالت: رباه إنه سكران! # أما روكامبول فإنه عاد إلى الكرسي وجلس عليه وهو ينظر نظرات جامدة إلى فاندا، ثم ~~ابتسم لها، وقال: من أنت أيتها الحسناء؟ فإنك بارعة في جمالك، ولكني ما رأيتك قبل ~~الآن. # فصاحت فاندا صيحة يأس وقالت: رباه! ماذا أصابه ؟ إنه أصبح لا يعرفني. # ولكن روكامبول لم يكترث لها، بل جعل يضحك ضحك المجانين، ويقول: إنهم يتوهمون أني ~~روكامبول، ولا شك أن الوهم قد أضاع رشدهم، وإذا أردت أن تعرفي أين هو روكامبول ~~فاذهبي إلى سجن طولون، فإنه يدعى فيه مائة وسبعة عشر. # فصاحت به فاندا، تقول: اسكت سوف تفضحنا. # ثم أخذت يده تريد الخروج فانتزع يده وقال لها: تبا لك من شقية خائنة فإنك أنت ~~التي قلت: إني أدعى روكامبول. # ثم تغيرت سحنته وهاج غضبه، وحاول أن يضربها، ولكنه تراجع، وقال: إني أعلم أنك ~~تبتغين أن تعرفي من أنا، فإذا كان هذا قصدك فاعلمي أن أدعى الماجور أفاتار، وقد ~~حاربت مع الجيش الفرنسي في حصار سباستبول. # وضاع رشد فاندا وقالت: ويحك أجننت؟ # وكأنما هذه الإهانة قد هاجت روكامبول، فهجم عليها يريد أن يقتلها، ولكنه تراجع ~~وقال: ويح لي أأكون الماجور أفاتار وأقتل امرأة؟ # ثم جعل يبكي بكاء شديدا كبكاء الأطفال. # وفيما هي على ذلك سمعت فاندا وقع أقدام على السلم، ثم رأت الفيكونت كارل دي ~~مورليكس داخلا إلى الغرفة بملابس النوم وبيده مصباح ووراءه مدلين وهرتمن وبعض ~~الخدم. # فلما رآهم روكامبول مسح دموعه فتأملت فاندا أن يصحو من سكره الغريب حين يرى هذه ~~الجموع. # ولكن روكامبول عاد إلى غضبه فوقف مشيرا بيده إلى فاندا، وقال: أترون هذه المرأة ~~إنها علة شقائي وهي التي قادتني إلى الهاوية. # ثم وضع يده على لحيته المستعارة فانتزعها، وجعل يخلع ثيابه ويلقي بها ساخطا إلى ~~الأرض. # فقطب ms1005 كارل حاجبيه، واصفر وجه فاندا، وساد السكوت على جميع الحاضرين. # أما روكامبول فإنه بعدما خلع معظم ثيابه انطرح على مقعد طويل، وقال: ليقتلوني كما ~~يشاءون ... إني مستعد وأعلم أني أستحق الموت. # فقال كارل: إنه مجنون. # وقالت فاندا: بل هو سكران. # وعند ذلك دخل نقولا أرسوف التتري، ولم يكن قد سكر تلك الليلة خلافا لعادته منذ 20 ~~عاما. # ودخل في أثره 6 رجال بالملابس العسكرية فتظاهر التتري أنه لم ير فاندا، والتفت إلى ~~رئيس أولئك الجنود، وقال له: هذا هو الرجل الذي قلت لك عنه. # وأشار إلى روكامبول وإلى لحيته المستعارة الملقاة على الأرض، ثم قال: إن هذا الرجل ~~من عبيدنا، ولد في أرضنا، وهو يدعى جريجوار فرلوف، وقد هرب من عندنا وهو في مقتبل ~~الشباب، وسافر إلى ألمانيا. # فصاحت فاندا تقول: لا تصغ إلى هذا الرجل فهو من الكاذبين. # ثم مشت إلى التتري وقالت له بلهجة الوعيد: إنك كاذب. # فلم يحفل بها التتري وقال لرئيس الجند: لا تصدقها فيما تقول؛ لأنها شريكة لهذا ~~الشقي، وهو يطمع أن ينجو بتمثيله دور الجنون. # أما روكامبول فإنه لما رأى الجنود أمامه قال: لقد عرفت السبب بقدومكم إنكم قادمون ~~لقتلي، نعم، إني أستحق الموت لانضمامي إلى الأعداء، افعلوا بي ما تشاءون. # ثم تقدم وانخرط بينهم. # فصاحت فاندا: ألا ترون أن هذا المسكين مصاب بالجنون؟ # ولكن روكامبول لم يرض أن يتهم هذه التهمة، فقال: لا تصدقوا هذه المرأة، لأنها سبب ~~شقائي وما أنا بمجنون. # فاضطربت فاندا ورفعت يدها فوق التتري وقالت: أيها العبد الذميم إذا لم تقل الحقيقة ~~سحقتك مثل الزجاج. # فتراجع التتري خائفا ووقف حائرا لا يعلم ماذا يفعل، فقالت له فاندا: اركع أيها ~~الوقح واعترف بالحقيقة. # وكان جميع الحاضرين قد اضطربوا حتى الجنود، لما رأوه من نظرات فاندا الملتهبة، ~~وخشي كارل أن تضغط نظراتها على التتري فتحمله على الإقرار، فتداخل في الأمر، وقال ~~لرئيس الجنود: أتعلم من هي هذه المرأة التي تتكلم بهذه اللهجة؟ # فقالت بعظمة: إني البارونة شركوف. # فأجاب كارل: نعم ولكن ms1006 البارونة شركوف جاسوسة بولونية، والبوليس مجد في البحث ~~عنها. # فصاحت فاندا صيحة منكرة ونظرت إلى روكامبول نظرة يأس. # 14 # أما الضابط فإنه لم يحفل بهذه الوشاية، وقال لكارل: إني ما أتيت لمثل هذا، بل أنا ~~قادم لأخذ الجنود الثلاثة. # فقال كارل: ولكني أشير عليك بالقبض عليها من باب النصيحة؛ لأن الحكومة عينت جائزة ~~ألف ريال لمن يعثر بها. # فتغيرت ملامح الضابط وظهر عليه الطمع، وقال: لا بد للبارونة من أن تسير معنا إلى ~~الحاكم العسكري. # ورأى التتري أن الأمر جاء على غير مرامه، وخشي أن تفلت فاندا منه، فقال للضابط: ~~إذا صحت هذه الوشاية فإن السيدة موجودة في قصري، ولي الحق بنصف الجائزة، ولكني ~~أتنازل لك عن حقي وأبقي المرأة عندي بحيث أكون مسئولا عنها إلى أن تتحقق جنايتها، ~~فإذا ثبتت سلمتها للحكومة وكانت الجائزة كلها لك. # فرضي الضابط بالشرط، وقال: بقي علينا الآن أن نأخذ الفلاحين الثلاثة، فإني لا أجد ~~منهم غير هذا الرجل. ~~- إن ثانيهما عندي وقد ذهب الخدم يبحثون عن الثالث. # ولم يكد يتم حديثه حتى دخل الخدم يقودون ذلك الفلاح الذي وافق روكامبول على الهرب، ~~وقد وجدوه في المركبة مع زوجته تحت نافذة مدلين، فأمر الضابط عند ذلك بالقبض على ~~المزارعين، وعلى روكامبول، وسار بهم الجنود، فشيعهم التتري حتى تواروا عن ~~الأبصار. # ولبثت فاندا واقفة مع كارل وهي توشك أن تجن من يأسها، فقال لها كارل ضاحكا: لقد ~~كان النصر في هذه المرة لي يا سيدتي، أليس كذلك؟ # فلم تجبه فاندا، فقال لها: ولكنك إذا أردت أن نتفق، كان اتفاقنا ميسورا! ~~- ماذا تريد بذلك؟ ~~- أريد أن أطلق لك السراح، بشرط أن لا تتداخلي بعد ذلك في شئوني. # فنظرت إليه بأنفة وكبرياء ولم تجبه بحرف، ثم خرجت من الغرفة، وركضت مسرعة إلى غرفة ~~مدلين، وأقفلت بابها من الداخل، وقالت لها والرعب باد في وجهها: هلمي بنا إلى الهرب ~~قبل أن يقضى علينا. ~~- وركامبول؟ ~~- لا أعلم ما جرى له، فقد أصيب بالجنون. # ثم حكت لها بإيجاز جميع ما ms1007 مر، وقالت: إن الحبل لا يزال معلقا في النافذة ~~وسنتدلى به؛ فإما نسلم ونبلغ إلى محل أمين، وإما تفترسنا الذئاب وهو خير لنا من ~~الوقوع في قبضة هذين الأثيمين. # فوافقتها مدلين وهي تضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح، وأقبلت فاندا إلى النافذة ~~واعتصمت بالحبل وتدلت، ولكنها قبل أن تبلغ إلى منتصف الجدار رأت خيالين يسترهما ~~الظلام، فحدقت بهما فرأت أنهما رجلان فذعرت؛ لأنها أيقنت أن كارل قد وضعهما في ذلك ~~المكان حذرا من فرارها بمدلين، وعادت فصعدت إلى الغرفة واليأس ملء قلبها، وأخبرت ~~مدلين بما رأته قائلة لها: لم يبق لنا رجاء إلا بالدفاع حتى الموت. # ثم وضعت جميع أثاث الغرفة أمام الباب وأخرجت خنجرا من صدرها، وقالت لمدلين: إنهم ~~لن يصلوا إليك وبي رمق من الحياة. # وذرفت الدموع من عيني مدلين، وقالت: إن الله من ورائنا، غير أني أتوسل إليك أن ~~تقتليني بخنجرك متى يئست من إنقاذي. # وبعد حين طرق باب الغرفة طرقا عنيفا، فوقفت فاندا وراء الباب في موقف الدفاع، ~~ووقفت مدلين من ورائها، ولما يأس الذين يطرقون الباب من فتحه كسروه، فتبعثر الأثاث ~~المكدس أمامه، ودخل الغرفة خلق كثير يتقدمهم كارل، فانقضت عليه بخنجرها وطعنته ~~طعنتين أصابتا ذراعه، وحاولت أن تجهز عليه، ولكنها شعرت بيد من حديد قبضت على كتفها ~~وألقتها إلى إلأرض، وكان الذي ألقاها إلى الأرض هو هرتمن عامل كارل، وركع فوق صدرها ~~واستعان بالخدم على تقييد يديها ورجليها، وكل ذلك والتتري واقف خارج الغرفة لا يجسر ~~على الدخول، ولما رأى ما كان من تقييد فاندا سر سرورا وحشيا لا يوصف. # أما كارل فإنه ألقاها في زاوية من الغرفة والدم يسيل من يدها، وقال للتتري: أرجو ~~أن تنتقم لي من تلك المرأة بعد سفري. # أما مدلين فإنها سقطت على الأرض من الرعب، ولما رأت ما حل بفاندا، ويئست من النجاة ~~سقطت مغميا عليها، فأمر كارل هرتمن أن يحملها إلى المركبة التي كانت معدة للسفر ~~خارج القصر، فامتثل هرتمن وخرج كارل في أثره فوضع مدلين في ms1008 المركبة وغطاها كارل ~~بثوب كبير من الفرو وجلس بإزائها، ثم صعد هرتمن إلى مكانه أمام السائق، وسارت بهم ~~المركبة تقطع تلك الفلوات الشاسعة ومدلين لا تعي على شيء. # وظلت تسير بهم حتى بلغت إلى تلك الغابة التي اجتازها كارل منذ أربعة أيام، وكارل ~~يتفرس بها مندهشا بجمالها، وهي مغمي عليها إلى أن افتتح هرتمن الحديث قائلا: ألا ~~تزال تحبها؟ ~~- بل، لا أزال عازما على الزواج بها. ~~- ولكنك مخطئ لسببين؛ الأول: أن أنطوانيت لم تمت كما كنا نحسب من قبل، والثاني : ~~أنها تحب إيفان. ~~- وماذا يهمني ذلك؟ ~~- أتريد برهانا ثالثا؟ إذن، اسمع: إن مدلين لم توافق فاندا على الهرب إلا بعد أن ~~علمت منها جميع أمرك، فهي تحتقرك وتكرهك ولا يعقل أن ترضى بك زوجا لها، على أنك ~~إذا شئت أن تعمل بنصيحتي لنجوت من جميع المتاعب. ~~- وما هي نصيحتك؟ ~~- هي أن ترد للذئاب ما سلبته منها، وها هي محدقة بنا كما تراها، فارم إليها ~~بالفتاة واخلص من المتاعب. ~~- اسكت أيها الشقي؛ لأن هذا الخاطر الهائل لا يخطر في بال إنسان؟ ~~- ولكنك مضطر إليه، وإذا لم تلقها فاتتك الفرصة ولا يبقى أثر للذئاب، وإذا كنت ~~تشفق عليها، فأنا أتولى عنك الجريمة. # ثم هم أن ينزل إلى داخل المركبة ويلقيها فاعترضه كارل وقال له: مكانك أيها التعس ~~ألا ترى جمالها الذي يدهش الأبصار؟ ~~- نعم، ولكني أرى أيضا ما يكتنف حبك لها من الأخطار، فدع تلك الأوهام، وانتصح بما ~~قلته لك، فهو خير لك وأبقى، وهب أن الذئاب افترستها منذ 4 أيام قبل أن تخلصها، وليس ~~حبك لها غير عرض يزول كما جاء في حين قصير. # وما زال به حتى رأى من ملامحه أنه قد اقتنع فنظر حواليه، فإذا الذئاب لا تزال ~~تطارد المركبة، وهي تخشى النور، ونزل إلى داخل المركبة وحاول أن يطرح مدلين وهي ~~مغمى عليها إلى تلك الذئاب الضارية، فهال كارل ما رآه من شناعة تلك الجريمة وقال ~~له: عد إلى مكانك، ودعني أقتلها على الأقل قبل أن ألقيها كي ms1009 لا تفترسها الذئاب وهي ~~في قيد الحياة، ثم أخذ المسدس من جيبه وصوبه إلى صدغها. # وأوشك أن يطلق النار على تلك الفتاة التي لم تتجاوز بعد عشرين عاما بحيث قضي ~~عليها القضاء المبرم ولا ينقذها من الموت غير أعجوبة من عجائب الله، وقد جرت ~~الأعجوبة، فإنه قبل أن يطلق النار عليها صحت من إغمائها وفتحت عينيها، فأرجع كارل ~~يده، وجعل ينظر إليها وهو يضطرب. # أما مدلين فإنها أدركت لأول وهلة صعوبة موقفها فنظرت إلى كارل نظر المتوسل، وقالت ~~له: رحماك أشفق علي! # فارتعش كارل حين سمع توسلها، وخاف هرتمن أن يرجع عن قصده، فجعل يحمسه باللغة ~~الألمانية ويدعوه إلى قتلها، ولكن مدلين كانت تتغلب عليه بتوسلها وظواهر انكسارها ~~إلى أن طال الحديث بينهما، فقالت له: إني أعرف يا سيدي من أنت؟ إنك أخو أمي، وإنك ~~تريد قتلي وقتل أختي كي لا ترد لنا ثروتنا، ولكني أقسم لك بالله إذا أشفقت علي فإني ~~وأختي لا نطالبك بشيء، ولا نذكر اسم أمنا مدى الحياة، ونعيش من أشغال يدنا بملء ~~الطهارة والشرف. # فقاطعها كارل قائلا: إذا فعلت ما تريدين أتتزوجين بي؟ # فصاحت صيحة ذعر وجعلت تنظر إليه مروعة مضطربة. ~~- لا تنظري إلي هذه النظرات، إني أريد أن تكوني امرأتي. # فتراجعت إلى آخر المركبة، وقالت: كلا إن هذا لا يكون. ~~- بل يكون، وسأرجع ثروتك وثروة أختك. ~~- إن يدك لا تزال ملطخة بدم أمي فاقتلني. # وصاح به هرتمن يقول: أسرع يا سيدي لأن الذئاب سترجع، لأننا قربنا من ~~المحطة. # وتحمس كارل وحاول أن يطلق عليها المسدس ولكنه رجع، وقال: كلا لقد عزمت على أن ~~تكوني لي، ولا بد لي أن أنال منك ما أريد. ~~- قلت لك: ذلك لا يكون، افعل بي ما تشاء لقد سئمت الحياة. # ودنا منها وحاول تقبيلها فدفعته عنها بعنف شديد حتى أوشك أن يسقط على قفاه فارتد ~~إليها قائلا: لا بد أن تكوني لي كيفما اتفق. ~~- اقتلني أيها الفاجر السفاك فهذا خير لي. # فتمكن منه الغضب وقال: سأقتلك كما تشائين. # ثم ms1010 أخذ مسدسه وهم أن يطلقه عليها، ولكن هرتمن صاح به قائلا: قف لقد فات الأوان، ~~وقد بلغنا المحطة. # فتوقف كارل عن قتلها وبعد دقيقة وقفت المركبة عند منزل صغير، وهو إحدى المحطات في ~~تلك الغابة الكثيفة فغيروا الجياد والسائق. # أما مدلين؛ فكان لا يزال لها بقية رجاء برحمة هذا الضاري، فلبثت ساكنة ساكتة ~~والدموع تنهمر من عينيها. # وخلا كارل بهرتمن فسأله: إن المركبة ستسير بنا فينبغي أن تعزم عزما أكيدا، فعلى ~~ماذا عزمت؟ ~~- إني عزمت على أن أتخذها حليلة لي وإذا أبت جعلتها خليلة. # فلم يجبه هرتمن بحرف، وصعد إلى مكانه بجانب السائق، وانطلقت بهم المركبة وسارت في ~~أثرها الذئاب. # وجعل هرتمن يراقب السائق في الطريق، ويتأمل وجهه، فتعذر عليه أن يتبينه؛ لأنه كان ~~لابسا قبعة نزلت إلى عينيه، وحاول أن يباحثه، فسأله: ألم تر جنودا تقود ثلاثة من ~~الفلاحين الذين أصابتهم القرعة؟ # فلم يجبه السائق، فكرر عليه السؤال بالفرنسية والألمانية والروسية، فلم يجب أيضا، ~~بل ضرب الجياد بسوطه فاندفعت تجري. # فساء هرتمن هذا السكوت، والتفت إلى كارل، فرأى الزبد يخرج من شدقيه لشدة غضبه على ~~مدلين، وكانت الذئاب قد بدأت تحيط بالمركبة، فقال له: كفاك يا سيدي ترددا. ~~- لا سبيل إلى العزم الأكيد؛ لأني أحبها. # وكانا يتكلمان باللغة الألمانية كي لا تفهم مدلين، فقال له هرتمن: إنك لن تبلغ ~~مرادا ما دامت على هذا العناد، فاجهز عليها، ولكن احذر من السائق، ولا تطلق عليها ~~النار، ولا تحملها على الاستغاثة، بل ادفعها خارج المركبة؛ فتتولى الذئاب مهمة ~~القضاء عليها، أسرع يا سيدي قبل أن تصل إلى بترهوف أو ستيديانكا، فتستعين عليك ~~بالجند وتنجو منك. # فقال بغضب: كلا إذ يجب أن تكون لي. ~~- قلت لك: أسرع لأن أنوار مدينة بترهوف قد بدت لنا. # فلما رأى كارل ذلك أعاد السؤال عليها، قائلا: أتتزوجين بي؟ ~~- كلا، إني أؤثر ألف موت على الزواج بفاجر سفاك. # فهاج كارل هياجا شديدا واحتمل الصبية يريد إلقاءها على الذئاب، فصاحت صيحة ~~عظيمة، ثم تلا صياحها صيحة أخرى هائلة، ms1011 وكانت هذه الصيحة صيحة هرتمن؛ لأن سائق ~~المركبة حمله بيده، وألقاه على الثلج فريسة للذئاب. # أما مدلين؛ فقد دافعت عن نفسها دفاع القانطين لا سيما حين سمعت صراخ هرتمن قد طبق ~~أرجاء الفضاء، وسمعت صوت أنياب الذئاب تكسر عظامه. # 15 # ولنعد الآن إلى روكامبول؛ لقد تركناه في المركبة مع الجنود تسير به إلى الحاكم ~~العسكري، وهو سكران من الأفيون ومقيد اليدين والرجلين، غير أن الأفيون لا يطول ~~تأثيره بأصحاب الأمزجة العصبية، فإنه بعد أن ابتعدت المركبة ساعة عن قصر التتري صحا ~~روكامبول من سكرته وعاد إليه كل صوابه، فأوشك أن يفقده ثانية حين رأى نفسه مقيد ~~اليدين والرجلين يكتنفه الظلام الدامس في مركبة تسير به سيرا حثيثا. # ولو اتفق ما اتفق له لكل إنسان سواه، لصاح وحاول أن يتخلص من قيوده، غير أن ~~روكامبول لم يكن رجلا عاديا، وقد تمرس في السجون، وعرف فائدة الصبر في مواقف ~~الأخطار، فصبر وجعل يفتكر بما صار إليه بادئا بالرجوع إلى حوادث أمسه، فذكر أنه ~~اتفق مع ألكسيس الفلاح على إعداد مركبة للفرار بها بمدلين عند منتصف الليل، وأنه ~~عندما عاد إلى قصر التتري أخبر فاندا بما جرى، فأخبرته أن مدلين مستعدة للفرار ~~فتعشى مع الحاضرين، وقام إلى غرفته فأشعل سيكارته وجعل يدخن فشعر بتثاقل ~~أجفانه. # وهنا انقطع حبل تذكاره، وبعد أن فكر هنيهة أيقن أنه شرب مخدرا فغاب صوابه، ولم ~~يعد لديه شك في أن ذلك من صنع كارل، وأن مدلين وفاندا وقعتا في قبضته، فاضطرب ~~فؤاده، وجحظت عيناه من الخوف عليهما. # وكانت المركبة مقسمة إلى قسمين منفصلين؛ قسم يقيم فيه الجنود، وقسم وضع فيه ~~روكامبول وألكسيس والفلاح الآخر يغط في نومه، فقد قبض وهو سكران، أما الجنود فكانوا ~~يغنون ويضحكون. # وبينما كانت المركبة تسير سمع روكامبول رئيس الجنود يقول للسائق: ألا تميل بنا إلى ~~الغرب، فنعرج على فندق سيوا، ونشرب فيه غيثا من العرق، لأن البرد شديد؟ ~~- افعل ما تريد على أن تشاركني شرابك. ~~- حبا وكرامة فعرج بنا. # وسمع روكامبول هذا الحديث، ms1012 وكان قد عرف أخبار هذا الفندق، فقال في نفسه: إذا قام ~~أولئك الجنود مدة في الفندق يشربون، فلا أعدم وسيلة للنجاة. # ثم جعل يفحص ما حواليه فسمع انتحاب ألكسيس وعرفه من صوته، فزحف إليه، وقال همسا: ~~كفاك انتحابا وأنا روكامبول وسأنقذك. # فسكت ألكسيس، وقد اطمأن باله، ثم سأله روكامبول: قص علي ما جرى، فقد عاد إلي ~~صوابي. # فحكى له الفلاح جميع ما عرفه، وكيف أن التتري اغتنم فرصة جنون روكامبول وادعى عليه ~~أنه من عبيده الذي أصابتهم القرعات العسكرية، فعلم روكامبول سر المكيدة، وقال ~~لألكسيس: ألعلك موثق مثلي؟ ~~- نعم. ~~- إذن، نم على بطنك. # ففعل وكانت يداه مشدودتان بحبل إلى ظهره، فجعل روكامبول يعالج عقدة الحبل بأسنانه ~~حتى فكها، ولما أطلقت يد ألكسيس قال له: أطلق يدي كما أطلقت يديك. # ففعل، ثم حل كل منهما قيوده وعادا إلى موضعيهما، بعد أن أشار روكامبول على رفيقه ~~بالعودة إلى الانتحاب، وعند ذلك وصلت تلك المركبة المزدوجة إلى فندق سيوا، فنزل ~~الجند ورئيسهم والسائق، ودخلوا إلى ذلك الفندق فرحين يترنحون، فوجدوا تلك العجوز ~~الشمطاء، وبطرس السائق، وقد أوشك أن يشفى من مرضه، فطلبوا مداما وجلسوا ~~يشربون. # أما ألكسيس؛ وقد حسب أن روكامبول سيفر من المركبة مغتنما فرصة غفلة الجنود فتأهب ~~للوثوب منها. # غير أن روكامبول أمره أن يبقى في مكانه، وحمل الأسير الثالث السكران، وألقاه خارج ~~المركبة، ثم صعد مكان السائق، وهو يخاطب ألكسيس: إني لا أحب الفرار على ~~الأقدام؟ # وضرب الجياد بالسياط، فاندفعت تجري في تلك الغابة، وتمر مرور السحاب. # ولما سمع السائق والجنود صوت مسير المركبة تراكضوا إليها، وهم يحسبون أن الجياد ~~جمحت، فوجدوا الأسير السكران ملقيا على الأرض، والمركبة قد توارت، فجمدوا في ~~أماكنهم جمود تلك الثلوج الواقفين عليها، وقد فطنوا للمكيدة، وعلموا: أن الأسيرين ~~قد هربا. # وكان روكامبول يفتكر بفاندا ومدلين، فلما ابتعدت المركبة وأفاق ألكسيس من ذهوله، ~~قال لروكامبول: إلى أين تسير بنا؟ ~~- إلى قصر التتري. ~~- أتعود إليه كي نقع في قبضته مرة أخرى؟ ~~- كلا، بل هو الذي سيقع ms1013 في قبضتنا هذه المرة، ثم لا يخلق بنا أن ندع امرأتك وتينك ~~المرأتين في أسر ذلك الوحش. ~~- أصبت، ولكننا لا نبلغ المحطة الأولى حتى تنهك جيادنا، ولا مال لنا لاستئجار ~~سواها. # ويذكر القراء أن روكامبول حين اشتدت عليه عوارض الجنون جعل ينزع ثيابه ويرمي بها ~~إلى الأرض، وحين قبض عليه الجنود أشفق عليه أحدهم من البرد فألبسه جميع ملابسه، ~~فلما قال له ألكسيس لا نقود لنا مد روكامبول يده إلى جيبه فوجد فيها محفظة الأوراق ~~المالية مكدسة، وقال: طب نفسا فسنجد ما نستأجر به خيلا جديدة. # ولبثت المركبة تجري وركامبول يفكر في كارل، ويضع لنفسه خطة يجري عليها، وقد علم أن ~~كارل خصم شديد يكون كفؤا له فقال في نفسه: إما ان يكون هذا الرجل الآن في معركة ~~شديدة مع فاندا؛ فإنها لا يمكن أن تتخلى عن مدلين وفيها رمق من القوة، وعلى هذا ~~الافتراض فإن مدلين لم تسقط بعد في يد عدوها، وإما ان تكون فاندا غلبت ويكون كارل ~~فر بمدلين، فإذا صدق الفرض الأول فإن الوقت لا يزال فسيحا لدي، وإذا صدق الفرض ~~الثاني فلا بد لي أن ألتقي بكارل ومدلين في طريق بترهوف. # وقد صح حساب روكامبول كما سيجيء؛ فإن مركبته بعد أن سارت غاصة في تلك الغابة، وقفت ~~في المحطة الأخيرة قبل بترهوف، فنزل روكامبول إلى مدير المحطة، فأخرج من جيبه بعض ~~أوراق، وقال: إني أريد جيادا لمواصلة السفر. ~~- ذلك محال يا سيدي، فإن الجياد التي عندنا محجوزة لأمر غريب سيمر بنا ~~قريبا. ~~- من أين هو آت هذا الرجل؟ ~~- من قصر الكونت بونتيف. # فاضطرب روكامبول، وقال: كيف عرفت هذا؟ # فأشار المدير بيده إلى رجل كان نائما قرب المستوقد، وقال: عرفت من هذا الرجل فقد ~~أرسله إلي نقولا أرسوف منذ ساعة لحجز الجياد. ~~- إذن، فسأضع جيادي في إصطبلك إلى أن تستريح فأستأنف السير. ~~- لا بأس، وإن شئت أن تنام تجد فراشا من القش بجانب السائق الذي سيقود ~~المركبة. # ثم أعطاه مصباحا ودخل إلى غرفته كي ينام فيها، ms1014 ودخل روكامبول مع ألكسيس إلى ~~الإصطبل، فقال له ألكسيس: على ماذا عولت؟ ~~- سوف ترى. # 16 # من عادة السائق الروسي في تلك المحطة أن ينفق معظم فراغه في النوم، ولا يوقظه غير ~~سائق المركبة التي يحل محله فيها، ويكون نائما بملابسه، فينهض من فراشه إلى خيله، ~~فيشدها بالمركبة، ويسير بها إلى أول محطة. # ولما دخل روكامبول وجد هذا السائق نائما على فراش من القش، وهو متشح بوشاح من ~~الفرو الغليظ، ولابس قبعة عظيمة تغطي أذنيه، فدنا منه روكامبول وأيقظه فلم يستفق، ~~فصفر بأذنه كما يفعل سواق المركبات فهب من رقاده في الحال، وأسرع إلى الخيل حسب ~~المعتاد غير أن روكامبول هجم عليه وضغط على عنقه، وقال له: إذا فهت بكلمة ~~قتلتك. # ثم ألقاه على فراشه وركع فوقه، وقال: لا تخف، فإني لا أريد بك شرا، بل إني أريد ~~لك كل الخير، وإذا أطعتني فيما أريد أعطيك مائة ريال. # ومثل هذا المبلغ يعد ثروة عظيمة لدى سائق لا يكسب في يومه ربع ريال، فظهرت علائم ~~الطمع بين عينيه، وسأله: ماذا تريد أن أصنع لك مقابل هذه المحبة؟ ~~- أريد أن تطيعني. ~~- مر بما تشاء، أتريد أن أشد جيادي إلى مركبتك؟ # ونهض روكامبول عنه بعد وثوقه من حسن طاعته، وقال له: كلا، ليس هذا الذي أريده منك، ~~بل أريد منك ثلاثة أشياء؛ وهي: سوطك وقبعتك ورداءك. ~~- ألعلك تريد أن تسوق أنت المركبة؟ ~~- نعم. ~~- وأنا ماذا أصنع؟ ~~- تعود، وتنام إلى أن يشرق الصباح. ~~- ولكن إذا فعلت هذا الفعل أفقد مركزي. ~~- إني أعوضك عنه بخير منه وهذه مقدمة هباتي لك. # ثم أخرج محفظته وأعطاه مائة روبل، فلم يصدق السائق ما يراه، وأسرع إلى خلع ردائه ~~وقبعته وجزمته فأخذها روكامبول ولبسها جميعها، ثم قال للسائق: عد إلى فراشك. # فامتثل السائق وهو يوشك أن يجن من فرحه بهذه الثروة. # وعند ذلك سمع صوت قدوم مركبة فأخرج الجياد المرتاحة بمساعدة ألكسيس، وقال له: ~~انتظرني هنا، فلا أعلم متى أعود إليك، ولكن لا بد لي من الرجوع قريبا فكن مطمئن ms1015 ~~الخاطر. # وقد عرف القراء الآن ماذا حدث، فإن السائق الذي ألقى هرتمن إلى الذئاب لم يكن إلا ~~بطل هذه الرواية روكامبول؛ فإنه كان جالسا بإزاء هرتمن لا يهيم بمدلين، ولكنه كان ~~يصغي إلى حديثه مع كارل، وحثه إياه على إلقاء مدلين، فأراد أن يعاقبه بنفس الموت ~~الذي كان يتوقعه لتلك الفتاة الطاهرة التي آثرت الموت في سبيل الدفاع عن عرضها ~~وشرفها. # ولما ألقي هرتمن إلى الذئاب وثب إلى داخل المركبة، فقبض على كارل بيد من حديد، ~~وقال لمدلين: لا تخافي فقد سلمت من الموت، ثم نزع القبعة على رأسه، ونظر إلى كارل ~~وقال: أعرفتني الآن يا حضرة الفيكونت؟ # فذعر كارل وقال: روكامبول! # فانتزع روكامبول من يده ذلك المسدس الذي كان يتهدد به مدلين، وقال له: إنك يا حضرة ~~الفيكونت قد ارتكبت كثيرا من الفظائع والآثام، ولكن الله قد يعفو عنك إذا تبت إليه ~~توبة صادقة فاستغفر الله، إنك ستموت. # فركع كارل وقال مستغيثا: اصفح عني بالله. # وحسبت مدلين وقد رأت المسدس بيد روكامبول أنه سيطلق عليه النار، فقالت له: رحماك ~~اشفق عليه ... ~~- أتظنين يا سيدتي أنه يحق لك أن تصفحي عن قاتل أمك؟ # فتنهدت مدلين وسكتت، أما كارل فإنه نظر إليه نظرة المتوسل وقال له: اصفح عني أرد ~~كل شيء. ~~- كلا أيها الشقي، بل سأميتك شر ميتة تكون بها عبرة لأمثالك. # ثم قبض عليه من وسطه، واحتمله كما يحمل الطفل، فألقاه على ذلك الجليد قرب هرتمن ~~الذي كانت تأكله الذئاب، وألقى عليه مسدسه، وهو يقول: إني لا أريد لك أن تموت من ~~غير دفاع، فهجمت عليه الذئاب المفترسة من كل جانب. # وعاد روكامبول إلى مدلين وهي توشك أن يغمى عليها لرعبها من هذا المنظر الهائل، ~~وقال لها: اخبريني الآن، ماذا حدث لفاندا؟ ~~- عندما أسرني هذان الشقيان كانت فاندا موثقة اليدين والرجلين، ولا بد أن تكون ~~الآن في قبضة التتري. # فطاش رأس روكانبول من خوفه عليها فوثب في الحال إلى مقعد السائق، وضرب الجياد ~~بالسوط، فاندفعت تجري إلى قصر التتري. # وبعد ms1016 دقيقة سمعوا صوت إطلاق المسدس، فقال روكامبول: هو ذا قضاء الله قد بدأ ينفذ ~~في ذلك الشقي. # 17 # لقد تركنا فاندا موثقة اليدين والرجلين ملقية في زاوية غرفة مدلين عندما اختطف ~~كارل مورليكس مدلين وفر بها فبقيت فاندا تحت رحمة ذلك الوحش التتري. # وقد دخل إليها وعيناه تبرقان بأشعة الأمل، ولكن فاندا أجالت فيه نظرها فتوقف في ~~وسط الغرفة، وأطرق وجلا مستحييا غير أنه تجلد وأتم مسيره إليها، فأضافت فاندا ~~صوتها إلى نظراتها، وقالت له: قبحت من عبد يريد إتيان الموبقات ولا يجسر عليها ، ~~ويحك! إنك أردت أن تحبك امرأة من النبلاء، ولكنك خشيت لفظاعة إثمك، وخفت أن تنطبق ~~السماوات عليك، فأبقيت تلك المرأة موثقة اليدين والرجلين؛ إنك رجل وأنا امرأة، وأنت ~~مطلق وأنا مقيدة، ومع ذلك فإنك لا تجسر على الدنو مني أيها النذل الجبان. # فأثر كلام فاندا عليه كما كانت تتوقع؛ لأنه توقف أيضا مترددا أكثر من قبل، فقالت ~~له: ماذا تخشى مني؟ فإن الرجل الوحيد الذي يدافع عني أصبح بعيدا، وأنت رئيس هذا ~~القصر الحاكم فيه، وكل من فيه يخضعون لأمرك، ألعلك خشيت أن أهرب؟ فاقفل هذا الباب ~~وأنا ضامنة لك أني لا أفر. # فاضطرب التتري وقال: ألعلك تمزحين؟ ~~- كلا، وأنا لا أفتكر بنفسي الآن، بل أفتكر بك أيها الأبله فإنك ستلقي النار بيدك ~~في منزلك. # ولم يفهم مرادها، ولكنه توقف عن الدنو منها، وقالت له بصوت الهازئ: حل على الأقل ~~قيد رجل كي أستطيع الوقوف، ألا تخجل أيها العبد أن تطمع بحب امرأة لك وهي على هذه ~~الحال؟! # وكان خنجر فاندا الذي طعنت به مورليكس لا يزال على الأرض، فأخذه التتري وقطع به ~~قيد رجليها، وهو يقول: إني أفعل لك ما تريدين، ولكنك إذا حاولت الفرار مني قتلتك لا ~~محالة. # ووقفت فاندا وكانت يداها لا تزالان موثقتين وراء ظهرها ثم نظرت إليه تلك النظرات ~~الساحرة وقالت: أحقيقة تحبني؟ # فاضطرب التتري وأجابها بصوت يتهدج: أتسأليني هذا السؤال وقد ارتكبت الجرائم من ~~أجلك؟! # وإذا أحببت ساعة - وأنا صاحبة ms1017 الاسم النبيل - رجلا سافلا مثلك أتقتلني بعد ~~ذلك؟ # ثم قالت بلهجة العظمة والكبرياء: اصغ إلي فإني أحب أن أقص عليك تاريخي قبل كل ~~شيء. # فانذهل التتري وأجاب: أي تاريخ تعنين؟ ~~- أتظن - أيها الأبله - أنني لو كنت إلى الآن البارونة شركوف تلك السيدة الروسية ~~العظيمة أكنت تراني هنا مع رجل أجنبي أخضع له كما كنت تخضع لي أنت من قبل؟ ~~- وماذا حدث لك؟ وكيف أنت الآن؟ ~~- قبل أن أخبرك بحالي أريد أن أعرف كيف بات مولاك الكونت بونتيف فقيرا بالنسبة ~~إليك. أليس كذلك؟ ~~- لا أعلم ... ~~- بل أنا أعلم فإن صاحب الأرض بات فقيرا وبات وكيله عليها غنيا، قل: ألست ~~بغني؟ ~~- ربما! ~~- وإذا أردت أن تجتاز إلى تلك الهوة العميقة التي تفصل بين الضفة والنيل فكيف ~~تجتاز؟ ~~- على جسر من الذهب. ~~- ولكني أرجوك أن تحل قيد يدي فقد ضاقت أخلاقي. # ففعل التتري وهو غير موجس خوفا منها؛ لأن الخنجر كان بيده، فلما أفلتت يديها ~~وضعتهما على كتفه وقالت له بدلال: هل ظننت أن قلوب النساء تشترى بالخناجر وتقييد ~~الأيدي؟ فاجلس أمامي ولنتحدث، إنك قلت لي: إنك غني أليس كذلك؟ # فاضطرب فؤاده لما رأى من دلالها، وأراد أن يظهر أمامها بمظهر العظمة؛ فأجاب: إن ~~أموالي لا تحصى. ~~- ولكني أريد أن أجعلك فقيرا. # وضحك ضحكا عاليا قائلا: إن هذا مستحيل ... ~~- أين أودعت أموالك؟ ~~- في محل أمين لا يصل إليه أحد. ~~- إني أحب أن أعرف هذا المكان. # فاضطرب التتري وقال: يستحيل علي أن أخبرك عن مكانها فإني أعطيك كل ما تشائين ولكني ~~... # وقاطعته وقالت بغنج: إذن، أحب أن أكون الآمرة الناهية في قصرك هذا، وأن تطيعني في ~~جميع ما أريد كما كنت تطيعني من قبل. ~~- مري بما تشائين، فلا أخالف لك أمرا. ~~- إني أريد أن تحتفل الآن حفلة لا مثيل لها، وتدعو إلى خدمتي خدمك ونشرب سوية من ~~خير خمورك، فإني سأغدو منذ الآن ملكة هذا القصر، ثم طوقت بذراعها عنقه، فجن من ~~اضطرابه، وجعل يدعو الخدم فيفدون إليه أفرادا وأزواجا، ويلقي إليهم الأوامر ~~اللازمة ms1018 لإعداد تلك الحفلة. # وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وفي الساعة الثامنة، أي بعد أن تمكن الشراب ~~من التتري، أصبحت فاندا الحاكمة المطلقة عليه بعد أن كانت مقيدة، وكان الخدم يرقصون ~~ويغنون من حوله حسب أمره وهم يقولون: لقد أصبح الآن عاشقا ولا بد أن يرق قلبه ~~ويمنعه غرامه من عذابنا. # ولم يطل به الأمر حتى سكر، فأطلقت فاندا سراح الخدم؛ وعادت تسأله عن كنزه المخبوء ~~فكان لا يزال مصرا على الكتمان بالرغم من سكره. # ونظرت فاندا ورأت خنجرها على المائدة واختطفته وصوبته إليه وهي تقول: قل أين خبأت ~~أموالك؟ # فخاف أن تقتله وحاول الهجوم عليها، ولكنها تراجعت وهي تقول والخنجر بيدها: قل أين ~~خبأت المال؟ # أما التتري فقد ذكر ما رآه من فاندا منذ ثلاث ساعات، حين انقضت بخنجرها انقضاض ~~الصاعقة على كارل وكادت تبطش به لولا أن انقض عليها هرتمن من الوراء، وهلع قلبه لا ~~سيما وأن السكر قد هد حيله وأضعف أعصابه، وجلس في مكانه وجعل يضحك قائلا: إنك ~~تمزحين دون شك. ~~- كلا، فإني أريد أن أعرف أين خبأت مالك؟! ~~- ولماذا ... أتريدين أن تأخذيه؟ ~~- ربما ... ~~- كلا، فإني أعطيك ما تريدين، ولكني ... ~~- وأنا أريد أن أعرف أين خبأت مالك، ثم ابتسمت له ألطف ابتسام، وطاب قلبه ودنا ~~منها وهو يقول لها: أحبك ... # فابتسمت له فاندا ولكنها أشارت إليه بخنجرها أن يقف بعيدا، وقالت: أريد أن أعرف ~~مكان هذا الكنز. ~~- ولكني أعطيك منه ما تشائين. ~~- كلا ... بل أريد أن آخذ منه بيدي ما أشاء؟ ~~- أتريدين أخذ كل المال ... ~~- كلا ... إنما أريد أن أعرف ذلك المكان لأعلم إذا كنت ماهرا في اختيار الأماكن ~~الصالحة لدفن الكنوز. # فابتسم ابتسام الإعجاب وأجاب: إنها مخبوءة في مكان لا يخطر في بال إنسان وإنه يوجد ~~من الذهب ما يملأ عشر مركبات. ~~- إذا كان ذلك ما تقول فكيف تخشى أن أحمل هذا المال الكثير؟ ولكني لا أصدق ما تقول ~~فإنك تحاول إغرائي. # وتغلب السكر والغرور على الحكمة، قائلا: كلا، بل ما قلته لك هو الحقيقة ms1019 بعينها، ~~فإذا كشفت لك هذه الخبايا أتحبينني؟ ~~- أحبك دون شك، ولكني لا أحبك إلا متى عرفت مكان كنزك. ~~- إذن، فاعلمي أنه ليس في القصر بل في الحديقة. ~~- ألعله مدفون فيها؟ ~~- كلا، بل هو معرض للهواء ولكنه لا تبصره العيون فهلم بنا إليه. # ثم خاصر فاندا وسار بها إلى الحديقة فكان يتعثر لسكره وهي تسنده والخنجر بيدها حتى ~~انتهيا إلى حوض، وكانت جدران الحوض عالية مبنية بالرخام الأبيض، والقمر يتلألأ في ~~السماء وجعل الليل نهارا، فوقف التتري مع فاندا أمام الحوض، وقال لها: انظري هذا ~~الحوض فإنه لا يخلو من الماء غير ثلاثة أيام في العام وهي الأيام التي أجبي فيها ~~المال من الفلاحين فإذا انقضت هذه الأيام الثلاثة فتحت تلك الحنفية الكبيرة المشرفة ~~عليها وتنصب فيه المياه ويبقى الحوض ملآن كل العام. ~~- وأية علاقة بالماء وجباية الضرائب؟ ~~- ألا تنظري في أرض هذا الحوض حلقة سوداء؟ # فحدقت فاندا وقالت: نعم. ~~- إني إذا جذبت الحلقة انزاحت بلاطة كبيرة وظهر من تحتها كنزي المخبوء. # وتظاهرت فاندا بالانذهال الشديد، وقالت: إني أريد أن أرى كل شيء فافتح أمامي باب ~~الكنز. # ولم يكن للحوض سلم ينزل إليه بها على عمقه، بل كان يوجد فيه حبل مربوط بتلك ~~الحنفية الضخمة وهو ينتهي عند أسفل الحوض، فقال التتري: سمعا وطاعة، ثم تمسك بذلك ~~الحبل ونزل إلى الحوض فاتقدت عند ذلك عينا فاندا بأشعة الحقد الدفين. # ولم يكد هذا التتري يمسك الحلقة بيده ويحاول جذبها حتى أحس برشاش الماء على رأسه، ~~لأن فاندا فتحت حنفية الماء. # ولم يفطن التتري للأمر وقال لفاندا اقفلي الحنفية لقد أصابني ماؤها والبرد ~~شديد. # غير أن فاندا لم تجب وظل الماء يسقط عليه فالتجأ إلى آخر الحوض وصاح بها قائلا: ~~اقفلي اقفلي. # فضحكت ضحك المتهكم وقالت: لا شك أنك أبله. # فأسرع راكضا إلى الحبل المدلى من الحنفية وتمسك به يحاول الصعود، فلم تعترضه ~~فاندا، وتركته يصعد والماء ينصب عليه من فم تلك الحنفية الواسعة كأفواه ~~القرب. # وما زال يصعد وفاندا تضحك وهي جالسة ms1020 على طرف الحوض قرب الحنفية حتى أوشك أن يدنو ~~منها، فأسرعت وقطعت ذلك الحبل بخنجرها فاندفع يهوي إلى الأرض، وقد صاح صيحة شديدة ~~أجابته عليها بضحك أشد، ثم قالت له: لقد نجا الناس من شرك أيها العبد الزنيم فلا ~~أنت بضارب عبيدك، ولا أنت بسارق سيدك، ولا تجسر شفتاك على التصريح بالغرام للنساء ~~الشريفات، فإذا كنت تؤمن بالله فاستغفره، فإن كنزك سيكون قبرك. # وجعل التتري يركض وهو يصيح ويستغيث فأجابته فاندا: مهما بلغ من صراخك فإنه لا يسمع ~~وهب أنهم سمعوك فإني بإشارة أرجعهم ، ألم تجعلني السيدة المطلقة أمامهم في هذا ~~القصر؟ # وكان الماء لا يزال ينصب في الحوض، وكلما انصب ارتفع حتى بلغ ركب التتري وجعل يصيح ~~بها ويقول: اقفلي الحنفية أيتها الخائنة ألعلك تريدين إغراقي؟ # وكانت تجيبه هازئة وتقول: كنت أريد لك شرا من هذا الموت، فإنك تستحق أعظم منه، ~~ولكن إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. # وجعل هذا المسكين يصيح صياحا مؤلما، وهو كلما استقر هنيهة في الحوض يشعر أنه ~~تجمد من حوله لشدة البرد؛ بحيث لم يعد يستطيع أن ينقل قدما، وقد ضغط عليه الماء ~~المتجمد ضغط القيود، وكلما انصب قدر من الماء علا من حوله وتجمد، حتى بلغ إلى صدره ~~وشعر بدنو أجله، فجعل تارة يشتم وطورا يتوسل ألطف توسل ويستعطف فاندا أن تقفل ~~الحنفية وتغيثه، وهي تعبث به وتضحك عليه، وتقول: لو جسرت أيها الشقي أن تنظر إلي ~~وأنا البارونة شركوف لقضيت عليك جلدا بالسياط، ولكنني ما تمكنت من قتلك إلا ~~بالحيلة، والموت واحد مهما تنوعت الأسباب. # وظل الماء يصعد ويتجمد حتى بلغ إلى عنقه وضغط عليه ضغط الحديد، فلما رأته على هذه ~~الحال قالت: سأفعل الآن ما تريد وأقفل الحنفية، ثم أقفلتها وانقطع الماء، ولكن لم ~~يبق غير رأس التتري. # وكان الفجر قد بدأ ينفجر، فوقفت فاندا تراقب هذا الشقي غير مكترثة بذلك البرد ~~الشديد الذي يهز جسمها حتى رأت علائم النزع بدأت تظهر من عينيه، ففتحت ساعتها، ~~وجعلت تعد دقائق ms1021 نزعه الهائل الأليم. # بينما كانت فاندا تعاقب ذلك التتري ذاك العقاب الشديد، كانت مركبة تنهب الأرض ~~سائرة إلى قصر ذلك الرجل تنقل مدلين وركامبول، وهو يجهد الخيل بسوطه، ويكرر اسم ~~فاندا، فلما بلغت روح التتري التراقي كانت المركبة قد وقفت عند باب القصر، وخرج ~~منها روكامبول فاندفع في ردهة القصر اندفاع القانطين، قائلا: أين فاندا؟ # فاستقبله أحد الخدم وقال له: إنها باتت الآن الحاكمة المطلقة على القصر ~~وساكنيه. # ثم اجتمع من حوله جميع الخدم، فكان بعضهم يضحكون لاعتقادهم أن روكامبول زوج فاندا، ~~وبعضهم يتمايلون من السكر، ولكن علائم السرور كانت بادية في تلك الوجوه. # ولما ألح عليهم روكامبول السؤال عن فاندا ذهبوا به إلى تلك الحديقة، فرأوا فاندا ~~واقفة عند الحوض تراقب نزع ذلك الرجل الذي تجاسر على أن يكاشفها بغرامه بعد أن كان ~~عبدا لها، فأسرع الخدم إلى ذلك الحوض وقد أوجسوا شرا من وقفة فاندا، فرأوا سيدهم ~~محصورا بين الثلج فلم يقدم أحد على إنقاذه، بل إنهم أظهروا سرورا لا يوصف عندما ~~أيقنوا أنه أسلم الروح لشدة ما يلقونه من مظالمه. # ثم التفتت فاندا فرأت بالقرب منها روكامبول ينظر إلى التتري وقد أدرك كل شيء، ~~فصاحت صيحة الدهش وقالت: ومدلين؟ ~~- لقد نجت. # فسرت فاندا، وقالت: لقد كنت أتوقع كل ذلك. # ثم انطرحت على ذراعيه تعانقه، فقال لها روكامبول: لقد فرغنا الآن من روسيا فهلمي ~~بنا إلى فرنسا. # 18 # قبل أن نسير بالقارئ في أثر روكامبول وفاندا العائدين إلى فرنسا بمدلين، نعود إلى ~~أحد أعضاء هذه الرواية، فقد تخلينا عنه منذ حين، وهو إيفان دي بونتيف عاشق مدلين، ~~بعد أن تركناه في شر حالة، وقد قبض عليه بوليس موسكو وسار به إلى بطرسبرج. # ولا يوجد بين البلاد على اختلاف حكامها بلاد كالبلاد الروسية في خضوع شعبها للحكام ~~والشرطة؛ لأن الطاعة واجبة ملزمة فيها من أحقر خادم إلى أشرف سيد، ولذلك فإن إيفان ~~على علو منزلة أسرته لم يعترض بكلمة، ولم يداخله أقل ريب بأن نكبته إنما كانت من ~~أبيه، ms1022 بل كان مطمئن البال لكثرة أصدقائه في البلاط الروسي، ولاعتقاده أنه لم يخطئ ~~خطأ يستوجب العقاب، فاجتاز تلك المسافة الشاسعة بين موسكو وبطرسبرج، وهو لا يفكر ~~إلا بمدلين. # وقد أذن له الضابط الذي يصحبه إلى بطرسبرج أن يكتب إلى أبيه إذا شاء، فلما بلغا ~~أول محطة كتب إلى أبيه وإلى مدلين، وقد رجا أباه في آخر كتابه أن يسرع بموافاته إلى ~~بطرسبرج، حتى إذا كان ألقي القبض عليه بوشاية بعض أعدائه، يتمكن من إنقاذه بما له ~~من النفوذ في تلك العاصمة. # وبعد خمسة أيام مرت به في هذا السفر الشاق وصل إلى بطرسبرج، فذهب به الضابط إلى ~~القلعة المعدة لإيقاف الضباط، وأعطى حاكم القلعة التقرير المرسل إليه بشأنه، فلما ~~اطلع عليه الحاكم قال له: إنك ستبقى ضيفي في هذه القلعة إلى أن يصدر أمر آخر بشأنك، ~~إنما يسرني أن أخبرك أن أمرك غير خطير. # ثم أمر أن يوضع في غرفة خاصة، وأن يعين جندي لخدمته، فاستبشر إيفان خيرا بهذه ~~الرعاية، وأقام في سجنه يومين دون أن يجيئه أحد؛ لأنه كان واثقا أن أباه سيسرع ~~إليه لإنقاذه، فتوالت الأيام دون أن تتحقق ظنونه. # وكان الحاكم يتلطف معه ويدعوه كل يوم لمناولة الطعام على مائدته إلى أن طالت ~~الأيام عليه في ذلك السجن الفسيح وهو يحسبها دهورا، فجعل يتضجر أمام الحاكم ويشكو ~~من أن رسائله لا تصل إلى أبيه. # فقال له الحاكم: أتحسب أن أباك مهتم بك؟ ~~- إذا لم يهتم بي فبمن يهتم؟ ~~- يهتم بشئونه. ~~- ماذا تعني بما تقول؟ # فابتسم الحاكم وقال له: أيروق لك أيها الشاب أن نتحادث قليلا عنك؟ ~~- كيف لا يروق لي حديثك عني وأنت تراني على أحر من الجمر. ~~- قل لي: لأي ذنب قبض عليك؟ ~~- لأنهم رأوني عائدا من منزل البرنس ك وفي هذا المنزل يبحثون المباحث ~~السياسية. ~~- وما دعاك إلى الذهاب إلى ذاك المنزل؟ ~~- إنه صديق لعائلتنا، وقد أرسلني أبي إليه كي أخبره بعودته من أراضيه وإبلاغه ~~سلامه. # فابتسم الحاكم وقال: أتظن أنه لو حسب بوليس موسكو ms1023 أن وجودك خطر وأنك تجري في ~~أعمالك على مناهج المقاومة وتمتثل لمبادئ ذلك البرنس أكان يحضر بك إلى بطرسبرج ~~ويتكلف عناء الأسفار؟ ~~- وماذا كان يصنع بي في مثل هذه الحال؟ ~~- كان يزجك أولا في سجن من سجون موسكو. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ينتظر أول مركبة تسير بالمجرمين إلى سيبيريا فيوصلك معهم، ولكن بوليس موسكو لم ~~يفعل شيئا من هذا، بل إنه جاء بك إلى هنا؛ حيث أصبحت تعامل بملء الرعاية والإكرام ~~خلافا للمسجونين، أليس كذلك؟ ~~- ذاك أكيد. ~~- وليس ينقصك شيء في السجن؟ # فابتسم إيفان وقال: ما عدا الخروج للنزهة في الشوارع العمومية. ~~- إني آذن لك بالتنزه إذا كنت تعود إلى سجنك من تلقاء نفسك كل مساء وأن تتعهد لي ~~بعدم الفرار. ~~- أتعهد. ~~- وأنا أرضى بتعهدك على ثلاثة شروط. ~~- قل شروطك. ~~- أولها أنك لا تدخل إلى السراي الإمبراطورية، ولا تطلب مقابلة أحد من رجال ~~البلاط، ولا تعرض أمرك على البوليس أو سواه من كبار الموظفين. ~~- رضيت بهذا الشرط فهات الثاني. ~~- والثاني: أنك لا تكتب عريضة إلى الإمبراطور. # ثم ضحك وقال: لا بد لي من أن أقول لك الحقيقة، وهو أني مأمور بحجز عرائضك إلى ~~الإمبراطور، ولهذا لم يصل إلى جلالته شيء من عرائضك السابقة. # فظهر الاستياء على ملامح إيفان وقال: إذا كان الأمر كذلك فأنا أستطيع القبول بهذا ~~الشرط. # فأجاب الحاكم ببرود: لك أن تختار بين أمرين إما ان تمتثل لشروطي فتخرج من سجنك كل ~~يوم إلى حيث تشاء وتعود إليه في المساء، وإما أن ترفضها فتبقى فيه سجينا كما ~~كنت. # فتمعن إيفان هنيهة، وقال: قد رضيت بشرطك هذا، فلا أكتب إلى الإمبراطور. ~~- إذن، اسمع شرطي الثالث. ~~- ها أنا مصغ. ~~- إنك لا بد أن تلتقي بكثير من أصحابك إذا خرجت من السجن، فإن كان ذلك فلا يحق لك ~~أن تخبرهم بأنك سجين. ~~- ولكن جميع ما تقوله يدل على أن في الأمر سرا لا يدرك. ~~- بل يدرك إذا عرفت أن تزيح النقاب عنه، فابحث وفتش عن المرأة كما يقال. # ثم انصرف الحاكم وغادره عرضة ms1024 للاندهاش والاضطراب. # وبعد ذلك بساعة دخل إليه الجندي الذي يخدمه، فأعطاه من قبل الحاكم محفظة، ففتحها ~~ووجد فيها بعض أوراق مالية وكتابا من الحاكم يدل على أن المال أرسل من الكونت ~~بونتيف. # فزاد انذهال إيفان، وقال: لا شك أن أبي في العاصمة. # ثم جعل يلبس ثيابه على عجل. # وكان ذلك الوقت ظهرا والجو صاف والشمس تسطع في قبة السماء، فخرج إيفان من محبسه ~~وتيقن أن الحاكم لم يهزأ به، فإنه كلما بلغ بابا حياه الجندي الذي يحرسه ولم ~~يعترضه في خروجه. # ولما انتهى إلى خارج القلعة ركب مركبة وقال لسائقها: سر بي إلى الجسر، وذلك لأن ~~والد إيفان كان يقيم ضيفا حين قدومه إلى العاصمة في منزل الكونت كالوجين الكائن ~~قرب ذلك الجسر. # وكان يفكر مدة سيره بكلام الحاكم وجعل يتمعن بما قاله، وهو أن يفتش عن المرأة، فلم ~~يخطر في باله غير ابنة فاسيليكا. # ولم يكن يخطر لإيفان في بال أن يتهم أباه، فحصر تهمته بالكونتس فاسيليكا، وذلك ~~لأنها كانت هائمة به وترغب في زواجه، ثم إنها هي التي سعت دون شك في القبض عليه كي ~~تبعده عن حبيبته مدلين، فهاج غضبه هياج المجانين على تلك المرأة، وقال للسائق: سر ~~بي إلى بوبورج. وهو شارع على ضفاف نهر نيفا. # وكانت تلك السيدة المثرية الحسناء تقيم في قصر لها في ذلك الشارع، وهي التي أراد ~~والد إيفان أن يزوجه بها طمعا بثروتها، وأبى إيفان زواجها لشغفه بمدلين. # وبعد ساعة وقفت المركبة أمام باب قصرها، فنزل إيفان وهو يرغي ويزبد، قائلا: سوف ~~نرى أيتها المرأة. # 19 # كانت الكونتس فاسيليكا واسرتوف أرملة، وهي في السادسة والعشرين من عمرها بارعة ~~الجمال بيضاء كالزنبقة شقراء الشعر. # وكانت رشيقة القوام سوداء العينين، حادة النظر، تدل شفتها على احتقار ما يبدو لها، ~~وجميع ملامحها تشير إلى إرادة ثابتة، وقوة عقلية كما يدل تركيب جسمها على القوة ~~البدنية. # وكانت واسعة الثروة وهي مطلقة التصرف في جميع أموالها، وإنما شغفت بإيفان لأنه قبل ~~أن يعرف مدلين كان يتزلف ms1025 منها ويتصبب إليها حتى وثقت من غرامه بها، فهامت به وجلعت ~~زواجه نصب عينيها ومحط آمالها. # ثم إن عائلتها وعائلة بونتيف كانت تربط بينهما صلات القربى وكانت تعلم أن زواجها ~~بابن بونتيف ينقذ تلك العائلة من وهدة الخراب بعدما أصيبت به من الخسائر ~~الفادحة. # وكان إيفان قد كتب إليها خمس مرات بعدما برح بطرسبرج، فكانت رسائله الأولى تشف عن ~~غرام أكيد، ثم جعلت لهجتها تخف تباعا وذلك بعد هيامه بمدلين. # غير أن فاسيليكا كانت تحسب أنها محبوبة، فكانت تتمادى في حبها، وقد كتبت إلى والد ~~إيفان تخبره أنها توافق على الزواج بابنه. # أما إيفان فإنه حين وصلت مركبته إلى قصرها، خرج منها خروج المجانين، ودخل إلى ~~القصر مغضبا، فاعترضه أحد الخدم، وقال له: إن سيدتي منحرفة الصحة. # فلم يكترث له إيفان وقال: إني أريد أن أراها في الحال، ثم أبعد الخادم من طريقه ~~ودخل. # وكانت فاسيليكا متمددة في مقعد شرقي مفروش عليه بساط من جلد النمر وحولها الزهور ~~المختلفة النادرة، لأنها كانت شديدة الولوع بالأزهار. # فلما رأت إيفان داخلا إليها نهضت بتكاسل فمدت إليه يدها، وقالت: أهذا أنت؟ وحاولت ~~أن تجلسه بقربها على المقعد. # غير أن إيفان كان مصفر الوجه تدل ملامحه على الاضطراب، فقالت له: من أين أتيت؟ ~~أمن موسكو؟ ومتى أتيت؟ # فهاج هذا السؤال غضب إيفان وكان قد استمر واقفا، فقال لها: إنك تعلمين أكثر ~~مني. # فنظرت إليه بانذهال شديد كان يجب أن يقنعه، ولكن الغضب والاضطراب أعميا بصيرته ~~فقال بلهجة الغضب: إني مسجون منذ عشرة أيام بسعيك وبأمرك. # فزادت دهشتها، وقالت: أأنت مسجون؟ ~~- نعم، وقد قبض علي في موسكو منذ نصف شهر. ~~- ولكن لماذا قبض عليك؟ # فضحك إيفان ضحكا عاليا بدت منه علائم الهزء والاحتقار، وقال: تسأليني ~~أيضا؟ ~~- أسألك دون شك. # فضرب الأرض برجله مغضبا، وقال: إن النساء خائنات ماكرات. # فوقع هذا الكلام على فاسيليكا وقع الصاعقة، فنهضت كما تنهض الملكات حين الإهانة ~~وأشارت بأصابعها إلى الباب، فقالت له: أخرج من هنا. # وعلم إيفان أنه جرى شوطا ms1026 بعيدا فلفق بعض الأعذار، غير أن الكونتس أعادت إشارتها ~~وأدارت له ظهرها. # فلما رأى إيفان أن اعتذاره لم يقبل، وأنها مست كبرياءه عاد إليه الغضب، فوقف في ~~مكانه وقال: إني لا أخرج من منزلك قبل أن أقف منك على الحقيقة. # فنظرت إليه نظرا جامدا وقالت: أية حقيقة تعني؟ ~~- أريد أن أعرف: لماذا سعيت في سجني؟ ~~- أنا؟ ~~- نعم، لأن ذلك كان بأمرك. # وكان يقول هذه الأقوال وهو يضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح حتى خشيت أن يكون قد ~~أصيب بالجنون، فعادت إلى محادثته بلطف، قائلة: اصغ إلي ، وعد إلى رشدك، فلست أنت ~~الذي يجب أن تسألني عن الحقيقة، بل أنا الذي ينبغي أن أسألك، فلقد قلت لي: إنهم ~~قبضوا عليك في موسكو منذ 15 يوما، فقل لي الآن: بأية حجة؟ ~~- إن اتخاذ الحجة للقبض علي سهل، فقد انتحلوا لذلك أسبابا سياسية. ~~- إذا كان ذلك يا ابن عمي العزيز فثق أني لا شأن لي مع رجال البوليس ولا علاقة ~~برئيسهم. ~~- ولكن أليس لك علاقة مع أبي؟ ~~- هذا لا ريب فيه لا سيما وأنه قد دار بيننا مرة حديث زواج. # فضاع صواب إيفان، وقال: نعم فإنك لم تسعي في القبض علي إلا لأني أرفض هذا ~~الزواج. # ولما سمعت الكونتس هذه الإهانة فرغت جعبة صبرها، فأخذت جرسا عن الطاولة وقرعته ~~قرعا شديدا، فأسرع إليها وكيل قصرها ومعه اثنان من الخدم، فقالت له: أرشد المسيو ~~دي بونتيف إلى الباب. # ثم فتحت باب الغرفة فخرجت منها، وقد تركت إيفان لا يعي لفرط اضطرابه. # وما لبث إيفان أن ذهبت فاسيليكا حتى ذهب غضبه، وعلم أنه أهان ابنة عمه إهانة لا ~~تغتفر؛ فأخذ عصاه وقبعته من يد الوكيل، وخرج إلى المركبة التي كانت تنتظره، فقال ~~للسائق عد بي إلى القلعة. # وجعل إيفان يفكر أثناء سيره فيما فعل، وقنع لما رآه من فاسيليكا أنها كانت تقول ~~الحق فعقب الغضب السكينة، وتلا السكينة الإمعان المرتب، فعلم أنه أتى منكرا لا ~~يأتيه سواه، وأنه قد تجرأ على الكونتس جرأة نادرة. # فلما ms1027 دخل إلى سجنه طلب مقابلة الحاكم، فقيل له: إنه خرج، فكتب إلى الكونتس ~~فاسيليكا كتابا طويلا اعتذر فيه عن إساءته، ثم بسط لها الأسباب التي حملته على ~~تصرفه المنكر، وباح لها بغرامه بمدلين بسلامة تدعو إلى الرأفة به، ثم التمس منها في ~~ختام كتابه أن تسعى في سبيل إطلاق سراحه، وأرسل الكتاب إليها. # فما مرت ساعة حتى ورد منها الكتاب الآتي: # يا ابن عمي العزيز! # ما زلت أحسبك مجنونا بعد انصرافك من منزلي، حتى ورد إلي بريد موسكو يثبت ~~جميع ما قلته لي في كتابك، وعلى ذلك فقد وثقت بجميع أقوالك وجميع ما كتبته لي ~~عن شغفك بالآنسة مدلين، فأسرع يا ابن عمي العزيز إلى اللحاق بهذه ~~الحسناء. # ولأجل ذلك أرجو أن تقبل نصحي وأن تثق بكلامي، فإن حبيبتك مدلين ليست في ~~موسكو، فلا يجب أن تبحث عنها في تلك البلاد، لأن أباك الذي كان يطمع أن يسترد ~~أملاكه المفقودة، بما كنت سأحمله إليك من المهر، أرسل تلك الفتاة إلى فرنسا، ~~إذن، يجب أن تذهب إليها في بلادها. # وأنت تعلم يا ابن عمي العزيز أني أحترم القربى، وإني أود خدمة أهلي بكل ما ~~استطعته، ولما كنت عالمة بأحوال أبيك الحاضرة، وأنه لا يستطيع أن يعطيك ما ~~تحتاج إليه من النفقات في هذه الرحلة، فقد أرسلت إليك في طي هذا الكتاب حوالة ~~على البنك الألماني بخمسين ألف ريال، وحوالة أخرى على بنك روتشيلد في باريس، ~~وبالقيمة نفسها، وإنما أرسلت إليك هذا المال على سبيل الإعارة، وأنا أرجو لك ~~ولمن تهواها كل خير. # فاسيليكا واسرتوف ~~«حاشية»: لقد نسيت أنك سجين، وسأكتب إلى شقيقي، ~~وهو من أركان حرب جلالة الإمبراطور فيسعى في إطلاق سراحك في الحال، أما أنا فإني ~~سأبرح بطرسبرج بعد انتهاء هذا الكتاب لأتجول في أراضي. # فلما أتم إيفان تلاوة الكتاب دهش دهشا عظيما، وقال: ما هذه المرأة إنها ملك ~~كريم، فقد أحسنت إلي غاية الإحسان بعد أن أسأت إليها كل الإساءة. # وبعد حين استدعاه الحاكم فقال له: لقد صدر إلي ms1028 الأمر بإطلاق سراحك إنما يشترط عليك ~~أن تبرج العاصمة هذه الليلة، وأن رئيس البوليس قد أرسل إليك جواز سفر؛ بحيث يمكنك ~~أن تسافر مدة عامين. # فشكره إيفان وخرج، ولما برح القلعة لقي رجلا بملابس السفر دنا منه فحياه، وقال له ~~باللغة الفرنسية: إني يا سيدي خادم الكونتس فاسيليكا، وقد رحلت رحلات كثيرة، وأتقنت ~~الكلام بمعظم اللغات الأوروبية، وقد رأت سيدتي الكونتس أني قد أكون نافعا لخدمتك ~~في سفرك، إذا تنازلت إلى قبول خدمتي والسفر في هذه المركبة التي أرسلتها إليك ~~سيدتي، على سبيل التذكار. # فسر إيفان بما أظهرته فاسيليكا من العواطف الكريمة، وقال: إني أقبل هديتها شاكرا ~~ممتنا وأقبل خدمتك أيضا. # فابتسم الخادم ابتسامة سرية وصعد إلى العربة إلى مكان السائق، وصعد إيفان في ~~المركبة فسارت به وهو لا يعلم أن انتقام فاسيليكا يسير معه. # وواصل إيفان سفره هذا الليل والنهار، وهو لا رفيق له إلا خادم الكونتس ~~فاسيليكا. # وكان هذا الرجل إيطالي الأصل، ولكنه كان يتكلم بجميع اللغات الأوروبية وقد طاف ~~جميع البلاد، فكان يعرف جميع الفنادق وطرق السرعة في السفر، وهو ما كان يتمناه ~~إيفان؛ لأنه كان يود لو كان له أجنحة ليطير إلى من يحب. # فكان يعطي النقود بسخاء كي لا يعيقه شيء عن قصده، وإنه خشي أن يدركه أبوه قبل ~~وصوله فيتمكن من القبض عليه وإرجاعه عن قصده بما له من النفوذ. # ولبث ثمانية أيام يسير مع هذا الإيطالي، حتى وصل إلى ولاية لأبيه فيها أراض ~~واسعة، ولكنها كانت مرهونة، فلم يكن يأسف عندما يرى تلك الثروة المتسعة آخذة ~~بالخروج من يده، لأنه لم يكن يفكر إلا بحبيبته مدلين. # وقد خطر له أن يمر بوكيلهم نقولا أرسوف عساه يقبض منه شيئا لعلمه أن زمن الجباية ~~قد حان، فأمر السائق أن يسير به إلى بترهوف كي يغير الجياد في محطتها؛ ويذهب منها ~~إلى قصر ذلك الوكيل التتري. # فلما وصل إلى تلك المحطة دخل إلى غرفة وكيلها كي يصطلي بنار مستوقدها إلى أن ~~يفرغوا من إعداد الجياد. # وكان ms1029 في هذه الغرفة المتسعة كثيرون من المصطلين يتدفئون حول المستوقد، فيتحدثون ~~ويتسامرون، وقد استرعى أسماعهم حديث سائق فانضم إيفان إليهم، وجعل يسمع معهم حديث ~~هذا السائق الغريب، فسمعه يقول ما يأتي: إن البرنس ماروبولزف من أغنى أغنياء البلاد ~~الروسية، وإن جميع المجاورين من الأغنياء أصحاب الأملاك الواسعة يحسبون بالنسبة ~~إليه فقراء، فإن لديه في أراضيه مائة ألف فلاح، وله مناجم تستخرج منها الفضة في ~~جبال أورال، فهو يستطيع عند الاقتضاء أن يجهز فرقة على نفقاته، وهو على هذه الثروة ~~الواسعة لا يتجاوز الثلاثين من عمره وله في الصيد ولع شديد. # وقد صحب الإمبراطور إسكندر مرة إلى صيد الدب؛ حيث كان وليا للعهد، ولكنه لا ~~يوجد دبب في هذه الأقاليم التي يقيم فيها الآن غير ذئاب كثيرة، كما تعلمون، وولعه ~~في اقتناص الذئاب والمخاطرة في صيدها لا يحيط به وصف، فإنه ما كانت تتوارى الشمس في ~~الحجاب ويسدل الظلام نقابه حتى يبرح قصره الفخيم على ضفاف البريزينا، ويذهب إلى ~~الشمال أي إلى جهات موسكو، يصحبه 7 أو 8 من أصدقائه في العاصمة، فيركبون مركبة ~~تجرها جياد لا يرى أشد منها، فيدفعها بسوطه وصوته فتندفع فوق الجليد اندفاع ~~السيل. # ويكون خادم جالسا في مؤخرة العربة يحمل جديا صغيرا، فمتى توقفت المركبة في ~~الغابات جعل الخادم يشد أذن الجدي، فيصيح، وتسارع الذئاب عند سماع صوته، فيطلق ~~البرنس وأصحابه النار عليها دون انقطاع، ويلبثون على ذلك إلى أن يشرق الصباح، فيرون ~~جثث الذئاب جامدة على الثلج، وهي أعظم ملذات هذا الأمير، فإنه عندما تشرق الشمس في ~~الغابات ترجع الذئاب إلى أوكارها، فترجع مركبة البرنس في الطريق التي قدمت منها، ~~والخدم يلتقطون الذئاب المقتولة، فإذا بلغوا بها القصر نزعوا جلودها وحفظوها ~~فيه. # وقد اتفق أول أمس مساء أن البرنس أمر رجاله أن يشدوا المركبة، وقد خطر له صيد ~~الذئاب، وعند غياب الشمس خرجت المركبة به وبأصحابه، وجلس خادم في مؤخرة المركبة ~~وبيده الجدي، وجلس آخر بقربه، وقد تكدست أمامه البنادق والذخيرة، فكلما فرغت بندقية ~~حشاها. ms1030 # وتابع السائق: وكنت أنا الذي أسوق تلك المركبة، فلما انسدل الظلام، ودخلنا في ~~الغاب صهلت الجياد وهجمت الذئاب، فأطلق البرنس وأصحابه النار، فكانت الذئاب تسقط ~~فرادى وأزواجا، والمركبة سائرة في سيرها الحثيث، فما مرت ساعة حتى قتل من الذئاب ~~مقدار كبير. # ثم خرجنا من الغابة إلى سهل منيع، ولكن الذئاب بقيت تطاردنا. # فما توغلنا في ذلك السهل حتى سمعنا صوت إطلاق النار، فاستاء البرنس، وقال: من هذا ~~الذي يتجاسر ويصطاد في أرضي، في نفس اليوم الذي أصطاد أنا فيه؟ # ثم أمرني أن أسرع إلى الجهة التي خرج منها الصوت ، فدفعت الجياد دفع التيار. # وبعد هنيهة سمعت البرنس يأمرني ويقول: أسرع ما استطعت لأني أرى رجلا في خطر ~~الموت، وهو عرضة لأنياب الذئاب. # فامتثلت ثم سطع ضوء القمر على نحو ثلاثين ذئبا يأكلون ذئبين، ورأيت على مسافة عشر ~~خطوات منها رجلا واقفا من غير حراك، وبيديه مسدسان فرغ رصاصهما دون شك. # فلما اقتربت المركبة من الذئاب لم تحفل بها، ولبثت تنهش الذئبين القتيلين ~~بأنيابهما، غير أني رأيت ثلاثة ذئاب منها هجمت على ذاك الرجل ولم تبعد عنه غير مائة ~~متر، فسمعنا صياحا شديدا، ثم رأينا أحد هذه الذئاب قد سقط على الأرض، وذلك أن ~~الرجل صدعه بحديد مسدسه فهجم عليه ذئب آخر وتعلق في عنقه، وعند ذلك أطلق الرئيس ~~بندقيته فسقط الذئب وسقط الرجل. # ثم رأينا الرجل قد نهض، فعلمنا أن الرصاصة قد أصابت الذئب دونه، فهجمت الذئاب عند ~~ذلك بجملتها على ذلك الرجل، ولكن المركبة قد بلغت إليها لحسن حظه، فصلاها البرنس ~~وأصحابه نيرانا حامية، وعقد دخان بارود البنادق ضبابا كثيفا حول الذئاب، وفوق ~~الرجل. # ولما انقشع هذا الضباب رأينا الرجل لا زال واقفا وكان دامي الجسد، ساهي الطرف ~~يوشك أن يجن من يأسه، فرمى إليه البرنس في الحال حبلا أمسك طرفه الآخر فتعلق به ~~إلى المركبة وهي تجري، فسلم المسكين من الموت، ولكنه لم يسلم من الجنون. # ووقف السائق في حكايته عند هذا الحد، فاضطرب إيفان لهذه الحكاية، وسأله: ms1031 من هو ~~هذا الرجل؟ ~~- لم أعرف اسمه، وكل ما عرفته عنه أنه فرنسي. # وكان رئيس المحطة واقفا فدنا من إيفان، وقال: أنا أعرفه. # 20 # فنظر إيفان إلى وكيل المحطة وسأله: ماذا تعرف من أمر هذا الرجل؟ ~~- أعرف أنه فرنسي من النبلاء، وأنه كان مسافرا مع رجل ألماني فمرا من هنا منذ ستة ~~أيام، وكانا ذاهبين إلى قصر الكونت بونتيف إلى لفروا، أتعرف هذا الكونت يا ~~سيدي؟ ~~- كيف لا أعرفه وهو أبي؟! # فحياه الوكيل باحترام وذهب به إلى الغرفة، وقال له: أحقيقة يا سيدي أنك ابن الكونت ~~بونتيف؟ ~~- دون شك. ~~- وأنت ذاهب الآن إلى قصر أبيك في لفروا؟ ~~- نعم. ~~- إذن، قد علمت بما جرى فيه حديثا. # فدهش إيفان وسأله: ماذا جرى؟ ~~- إن وكيلك قد مات. ~~- نقولا أرسوف؟ ~~- نعم. # فذعر إيفان لهذا الخبر؛ لأنه كان يرجو أن يقبض مالا من وكيله، وسأله: كيف ~~مات؟ ~~- مات محصورا بالجليد وقد قتلته تلك المرأة الشقراء. ~~- ماذا تقول؟ وعن أية امرأة تتكلم؟ ~~- إني لا أعني بها تلك الآنسة الحسناء التي اختطفها الفرنسي، بل المرأة ~~الأخرى. # فزاد ذهول إيفان، وقال: إني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز. ~~- سأوضح لك هذه الألغاز مبتدئا من البدء كما يقولون؛ وذلك أنه منذ ستة أيام عند ~~هجوم الليل مر بهذه المحطة ذلك الرجل النبيل الفرنسي الذي قلت لك عنه، وطلب إلي ~~أن يغير جياد مركبته في الحال، فإنه كان عازما على مواصلة السفر بالرغم عن اشتداد ~~البرد. # فأعطيته الجياد وسافر، ولم يوشك أن يتوغل في الغابة حتى طلعت عليه الذئاب، فأطلق ~~عليها النار كما يفعل البرنس مارزوبولوف، وقد تمكن من إنقاذ فتاة كادت تفترسها ~~الذئاب لولا إسراعه إليها، وهي فتاة لم أر أجمل منها، وقد ظهر لي أنها ~~فرنسية. ~~- أهي شقراء الشعر؟ ~~- نعم. # واضطرب إيفان وسأله: أتعرف اسمها؟ ~~- أتذكر أني سمعت الرجل الفرنسي يدعوها مدلين. # وصاح إيفان صيحة شديدة، وقال: أعرفت من أين كانت قادمة؟ ~~- نعم إنها قادمة من موسكو إلى فندق ساوا، ويظهر أن الخادم الذي كان يصحبها في ~~رحلتها ms1032 أراد الاعتداء عليها في ذلك الفندق، ثم أخذ يعاملها معاملة وحشية. # فاصفر وجه إيفان من الخوف، وسأله: وبعد ذلك؟ أسرع بالإجابة. ~~- وبعد ذلك تمكنت تلك الفتاة الطاهرة من الفرار، ولحسن حظها سقطت منهوكة القوى على ~~الجليد، واتفق مرور ذلك الفرنسي فأنقذها. # وفي اليوم التالي عاد الثلاثة فمروا بهذه المحطة، وهم: الفرنسي والألماني والفتاة، ~~وذهبوا إلى قصركم في لفروا. # وزال عند ذلك كل ريب من فؤاد إيفان، وأيقن أن هذه الفتاة الفرنسية التي نكبت هذه ~~النكبات هي مدلين نفسها، وأن أباه بونتيف أرسلها دون شك إلى وكيله نقولا أرسوف كي ~~يرسلها إلى ألمانيا، ولكنه عاد إلى وكيل المحطة، وسأله: وماذا جرى بعد ذلك؟ ~~- بعد أن سافر الفرنسي وأخبرنا كيف أنقذ الفتاة مر بهذه المحطة في أثره وكيلك ~~نقولا أرسوف وكان عائدا من ستيديانكا؛ حيث كان يجلد فيها أحد الفلاحين، وكان يصحب ~~معه رجلا ألمانيا وامرأة. # ويظهر أن نقولا أرسوف قد شغف بها؛ فإنه كان ينظر إليها نظرة تشف عن غرامه، ولا ~~أعلم ما حدث في قصركم منذ خمسة أيام، ولكن الذي أعلمه أن الرجل الألماني والمرأة ~~الشقراء والفتاة الفرنسية قد مروا بهذه المحطة صباح أمس وهم ذاهبون إلى الحدود ~~الألمانية، وبعد سفرهم بساعة جاء أحد الفلاحين وأخبرنا أن وكيلكم نقولا أرسوف وجد ~~في بركة في حديقة القصر محصورا بالجليد إلى عنقه، وهو ميت، فسافر رجال الشرطة في ~~الحال ولا بد أن يكونوا الآن عندكم يحققون. # فلم يكترث إيفان لموت وكيله، بل قال له: وهي ماذا حدث لها؟ ~~- لقد قلت لك يا سيدي إنها مرت بهذه المحطة أمس مع الألماني وامرأته ويظهر أنها ~~غير خائفة، بل إنها كانت تبتسم. # وارتاح فؤاد إيفان وتنهد تنهد المنفرج بعد ضيق، فقال له ناظر المحطة: إنه لا بد لك ~~يا سيدي من الذهاب إلى القصر، فإن كل شيء قد انقلب فيه بعد موت الوكيل، ويحسن بك ~~بعد ذلك أن تعرج في طريقك على فندق ساوا. ~~- لماذا؟ ~~- لأن ذلك الخادم الذي حاول الإساءة إلى مدلين لا يزال ms1033 جريحا في ذلك الفندق، فإذا ~~لقيته وقفت منه على الحقيقة بتفاصيلها. # فاتقدت عينا إيفان بشرر الغيظ وقال: لقد أذكرتني هذا الشقي وكنت قد نسيته، وسأجعله ~~عبرة لأمثاله. # وعند ذلك دخل الخادم الإيطالي الذي يصحبه إيفان في رحلته وقال له: إن الجياد شدت ~~إلى المركبة وهي على أهبة السفر. # ووقف إيفان وقفة المتردد، وذلك أنه بات واثقا الآن كل الثقة أن حبيبته مدلين التي ~~يسافر للبحث عنها قد سافرت إلى الحدود الألمانية، وهي ستسير منها إلى فرنسا، إذن، ~~لا بد له من اللحاق بها، وماذا يهمه موت نقولا أرسوف؟ لأن الاهتمام به من شئون ~~أبيه، ثم ماذا يهمه ما طرأ بعد موته من الحوادث بعد أن عرف الطريق التي سارت بها ~~مدلين. # غير أنه تذكر أن ذلك الخادم الذي كان يصحب حبيبته قد تجاسر برفع نظره إليها فهاجت ~~في فؤاده عوامل الانتقام. # ثم قال في نفسه: من هو هذا الرجل الذي يذكرون مرة أنه سائق، ويقولون عنه مرة: إنه ~~خادم أرسله أبي مع مدلين؟ ألا يمكن أن يكون أبي علة هذه الموبقات وسبب هذه النكبات ~~التي أصابت مدلين. # ولما دار في خاطره ذلك الخاطر قال: لا بد لي من أن أرى هذا الرجل. # ثم التفت إلى وكيل المحطة وسأله: أأنت واثق أن هذا الرجل لا يزال في ~~الفندق؟ ~~- نعم ... # ولم يشأ إيفان أن يعلم أكثر مما علم، وخرج يتبعه الإيطالي، فركب المركبة، وأمر ~~السائق أن يسير به إلى فندق ساوا. # وبعد ساعتين وقفت المركبة عند باب الفندق، وكانت السكينة تكتنفه، ولا يسمع في ~~جوانبه غير حفيف الأشجار، ويجاوب ذلك الطير الذي لقب الفندق باسمه، وكان كل شيء ~~حوله يدل على أنه غير مأهول. # ولكنه كان لا يزال يوجد فيه ثلاثة أشخاص، وهم: تلك المرأة العجوز التي شربت ~~المخدر، وتلك الداهية الشمطاء صاحبة الفندق، وذلك الخادم السافل الذي كان يصحب ~~مدلين. # وكانت العجوز تبكي كلبها الذي شاركها في شرب المخدر فمات، وبطرس السائق يعالج ~~جراحه ويأسف لإفلات مدلين من يده، وصاحبة الفندق ms1034 تتوقع فرصة جديدة وإثما جديدا ~~تبلغ به خير أمانيها من الكسب الشائن. # ودخل إيفان وكان أول من رآه رجلا نائما على مقعد بادية في وجهه علائم التألم، ~~وهو بملابس الفلاحين الروسيين. # غير أن إيفان عرفه في الحال فانقض على عنقه انقضاض العقاب، وقال له: أيها الشقي ~~ماذا فعلت بمدلين؟ إني سأقتلك شر قتل، ولكني أريد قبل ذلك أن تعلم أني أنا إيفان دي ~~بونتيف. # ولم يكن بطرس يعرف إيفان لأنه لم يكن رآه من قبل فاصفر وجهه وارتعدت فرائصه وسقط ~~جالسا على ركبتيه، ثم ضم يديه مستعطفا، وقال له بلهجة المتوسل: رحماك لا تقتلني ~~فإني لم أكن غير آلة بيد أبيك. # فأحدث هذا التصريح رد فعل لا يوصف في نفس إيفان، وقد زال غضبه، وجعل ينظر إلى ذلك ~~الرجل المضطرب أمامه لضعفه وخوفه، وقال له: تكلم، إني أريد أن أعرف كل شيء. # وكان بريتو الخادم الإيطالي قد دخل مع إيفان، فانذهل انذهالا شديدا حين سمع صوت ~~بطرس يتكلم لما رآه من التشابه بين الصوتين، خلافا لإيفان فقد كان منشغلا بما فيه ~~عن الانتباه إلى هذا التشابه الغريب. # 21 # لا بد لنا قبل التوغل في الحديث من أن نبين حقيقة ما رواه السائس على البرنس ~~مارسوبولف في محطة بترهوف. # لقد صدق فيما قاله عن ذهاب هذا البرنس إلى الصيد مع أربعة من أصحابه، وصدق في قوله ~~إن البرنس أنقذ الرجل الفرنسي بحبل رماه إليه فاجتذبه والمركبة سائرة. # غير أن الذي أخطأ به السائق هو ما توهمه من جنون هذا الفرنسي، وهو الفيكونت كارل ~~دي مورليكس، كما لا بد أن يكون قد تبادر إلى ذهن القراء. # وحكايته أن روكامبول حين ألقاه إلى الذئاب ورمى إليه مسدسه لم يكن يريد بذلك أن ~~يعد له وسيلة للنجاة، فإن السلاح مع الذئاب يكون أدعى إلى قتله، بل إنه أراد أن يعد ~~له موتا هائلا يعادله ذنوبه العظيمة. # ولكن كان يقول في نفسه: إنه إذا قدر له أن ينجو بعجيبة من أنياب الذئاب لا بد له ms1035 ~~أن يعود إلى باريس فأعاقبه عقابا هائلا لا يخطر في بال إنسان. # وكان كارل قد تعلق بالمركبة - كما تقدم - فاستمرت المركبة على سيرها الحثيث تجنبا ~~للخطر الشديد الذي كان محدقا بها. # وذلك لأنه ما زالت المركبة تجري لا تجسر الذئاب على مهاجمتها، بل تطاردها مقتفية ~~أثرها، فإذا قتل واحد منها توقفت هنيهة إلى أن تأكله ثم تعود إلى ما كانت عليه من ~~مطاردة المركبة. # والويل لركابها إذا وقفت بهم والذئاب تطاردها فإنها تهجم عليهم وتمزقهم كل ممزق ~~مهما بلغ من بسالتهم وعددهم وذخيرتهم. # ولذلك كانت حياة أولئك الصيادين موقوفة على الجياد والسائق؛ فكان البرنس يختار ~~أشهر الجياد وأمهر السواق لهذا الغرض. # ولما أنقذوا الفيكونت كارل وضعوه في المركبة بينهم، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون ~~العناية به لاهتمامهم بالذئاب وإطلاق النار المتواصل عليها. # أما كارل فقد كانت ثيابه ممزقة ملوثة بالدماء، فإن بعض تلك الذئاب نهشت ذراعه ~~ويده، وكان الدم يتدفق منهما، وكان وجهه مصفرا يشبه لون الأموات، وعيناه ساهيتان ~~ولم يكن يفرق في شيء من المجانين. # وكان أول من تنبه له أحد أصحاب البرنس، فإنه نظر إلى ملابسه ورأى أنها غير ملابس ~~الفلاحين، وأنها تدل على أن لابسها من النبلاء. # ودنا منه وسأله باللغة الروسية: من أنت؟ # وأجابه كارل: إنني فرنسي ... # ثم سقط في المركبة لضعفه، وقد سحق الخوف واليأس قوته، وظلت المركبة تجري. # وكان القمر قد توارى في السحاب، وغارت النجوم في سمائها، وبدت أشعة الفجر، وخرجت ~~المركبة من مواقف الخطر بعد أن اجتازت تلك الغابة الكثيفة، وبعدت بعدا شاسعا عن ~~نهر البريزينا، وعن قصر البرنس، وهبت الذئاب عند طلوع الصباح، ووصلت المركبة إلى ~~المحطة. # وأمر البرنس السائق أن يعود بالمركبة إلى القصر، وقال لأصحابه: إننا لا نبعد الآن ~~غير ستة فراسخ عن قصر صديقي الكونت كوروف، فهلم بنا نتغدى عنده، فإنه من أحب الناس ~~إلي. # وتلقت الجماعة هذا الاقتراح بالقبول والاستحسان، وقال واحد منهم: لقد نسيتم أيها ~~الرفاق أنه يجب علينا الاهتمام بهذا المنكود الذي أنقذناه من أنياب الوحوش. ms1036 # ونظر البرنس إلى كارل فوجده نائما في المركبة، وهو لا يتحرك كأنما قد فاجأه ~~الموت. # وكانت أشعة الشمس قد أنارت الفضاء فجعل البرنس يتأمل وجه كارل، ويقول: ما هذه ~~الهيئة إنها لا تشبه وجوه الروس في شيء؟ # فأجابه رفيق: إنه فرنسي. # ورد آخر: يظهر أنه من النبلاء، فإن آثار ملابسه تدل على أنه من كبار القوم. # وقال ثالث: هو ذا حقيبة معلقة في وسطه، ولا بد أن يكون فيها ما يدل على ~~منزلته. # وكانت هذه الحقيبة محشوة بالأوراق المالية، وقد بالغ كارل بالحرص عليها، حتى إنه ~~شدها إلى وسطه حذرا عليها من الضياع. # ثم أنهم رأوا في خنصره خاتما من الماس، ففحصه البرنس، وقال: يظهر أننا قد أنقذنا ~~رجلا من كبار النبلاء أو هو من وجهاء قومه على الأقل. # فأجابه صديقه: ولكن كيف اتفق وجوده وحيدا في المكان المخيف الذي وجدناه ~~فيه. # ورد البرنس: إن ذلك سر من الأسرار الغامضة لا نستطيع أن نعلمه إلا من فمه إذا ~~قدر له أن يستفيق، فإني أرى عليه علائم الموت. # وأجاب آخر: وهبه استفاق، فلا بد أن يكون ذهب الذعر بصوابه، فإني رأيت عليه علائم ~~الجنون. # وعند ذلك تحرك كارل، ولكنه لم يفتح عينيه، فغطوه بما لديهم من الفرو وقاية له من ~~البرد، ثم تركوه وشأنه إلى أن يستفيق، وجعلوا يتحدثون بحوادث العاصمة وملذات ~~الشتاء. # أما كارل دي مورليكس فإنه لم يكن نائما، ولم ينم منذ إنقاذه، وكان قد أصيب بذهول ~~شديد بعد نجاته من ذلك الموقف الرهيب، حتى أوشك عقله أن يذهب، ولكن هذا الذهول لم ~~يطل؛ فإنه ما لبث أن وثق من النجاة حتى جعل صوابه يعود إليه تباعا، فنفض عنه غبار ~~الجنون كما نفض غبار الموت. # ولكنه كان يتظاهر بالنوم كي يتسنى له أن يفتكر كما يريد، وينظر في أمره وما صار ~~إليه، ويضع الخطة اللازمة للمستقبل. # وكان أول ما خطر في باله روكامبول، فتمثل في خاطره بشكل هائل يحمل الرعب، وذكر في ~~الحال ما كان يجده من اضطراب تيميلون ms1037 عند ذكره ومخاوفه من هذا العدو الشديد. # ولم يكن في حاجة إلى الإمعان الكثير كي يذكر حالته وما مضى وما سوف يكون؛ فلقد ~~أيقن أن روكامبول لا بد له من أن يعود إلى ليفروا لإنقاذ فاندا من قبضة التتري، ~~وأنه - أي الفيكونت كارل - بينما هو نائم في تلك المركبة، لا بد أن يكون روكامبول ~~سائرا في مركبة أخرى مع مدلين إلى فرنسا. # ولكنه كان إذا افتكر أن مدلين أفلتت من يده يلتهب من غيظه غير أنه لم يقنط من ~~الفوز النهائي، وقال في نفسه: إنه مهما بلغ من انخذالي مع هذا الداهية روكامبول فقد ~~يبقى لي أرجحية عظيمة عليه، وهي اعتقاده أني من المائتين، فمتى عدت إلى فرنسا ~~حاربته متنكرا، وصببت عليه الويل، وهو لا يعلم من أين تأتيه هذه الكوارث. # وبينما كان كارل يناجي نفسه بمثل هذه الأماني كان البرنس وأصحابه يتحدثون، وكان ~~البرنس يحدثهم عن صديقه الكونت كوروف فيقول: إنه خير رجل عرفته بدماثة الأخلاق ولين ~~الطباع، فإنه رجل رحلات كثيرة، وأقام في باريس زمنا طويلا؛ فاكتسب لين أهلها، ~~وظرف آدابها، وهو فوق ذلك ميال إلى الآداب، ولا يحيط به غير الكتاب والشعراء ~~والمصورين والممثلين وكل من شغف بفن جميل. # فسأله أحد الحضور: ألعلك لم تره منذ عهد بعيد؟ ~~- منذ ستة أشهر. ~~- إذن، سيبدو لك بشكل لم تعهده فيه من قبل. ~~- كيف ذلك ألعله أصيب بمكروه؟ ~~- إنه بات منقبض الصدر حزين الفؤاد تبدو عليه آثار الكآبة فلا تفرح نفسه ~~بشيء. ~~- لماذا وكيف انقلب هذا الانقلاب؟ ~~- لأن قلبه كان خاليا من الهوى فتمكن الغرام منه كل تمكن. ~~- إنك تدهشني فيما تقول، ومن عسى تكون الفتاة التي شغف بها؟ ~~- إنه يهوى امرأة لا تهواه وهي الكونتس فاسيليكا. ~~- أهي مدام واسرنوف الحسناء؟ ~~- هي بعينها. ~~- ولماذا لا تريد الزواج به؟ ألعلها لا تزال طامعة بزواج ابن عمها إيفان دي ~~بونتيف؟ ~~- إنها لا ترضى سواه على فقره. ~~- إني أشفق على هذا الشاب؛ فإنه سوف يجد عناء شديدا مع هذه الكونتس، فقد عرفت ~~أخلاقها، ms1038 وهي تشبه الفرس الجموح. # وأجاب آخر: إن إيفان لا يستطيع ترويض هذا الفرس. # ولما سمع كارل اسم إيفان، اضطرب وانتبه انتباها شديدا لما يجري من ~~الحديث. # 22 # وعاد البرنس إلى افتتاح الحديث فقال: أحقا ما تقوله إن الكونت كولوف أصبح على ~~هذه الحال؟ ~~- هي الحقيقة، فقد تدله بغرامه. ~~- إذن، فقد أخطأنا بما عزمنا عليه من الذهاب لزيارته؛ إذ لا يروق له وهو في هذه ~~الحال أن يرى أنيسا، ولا أحب له من الاختلاء ومناجاة من يحب. ~~- وأنا أرى عكس ما تراه؛ فإنه سوف يتعزى بقربنا عما هو فيه، وربما باح لنا بغرامه ~~فآسيناه. # وعند ذلك تحرك كارل؛ فقال البرنس: هو ذا الرجل قد استفاق، فلننظر في ~~مسألته. # وكان كارل قد فتح عينيه ونظر إلى حواليه نظرا حائرا وهو يتكلف الانذهال والدهشة، ~~ثم نظر إلى الأشخاص المحدقين به، وقال: أين أنا؟ # فأجابه البرنس باللغة الفرنسوية: إنك عندنا في محل أمين بعيد عن أنياب الذئاب، ~~فوقف كارل عند ذلك وتكلف هيئة الذعر، وقال: نعم، نعم، فقد ذكرت كل شيء الآن. # فحياه البرنس التحية المألوفة في القاعات الكبرى، وقال له: إني أهنئك ~~بنجاتك. # فرد كارل التحية بأحسن منها، وقال: لا بد لي أيها السادة قبل أن أشكركم عما أحسنتم ~~به إلي من إنقاذي من الوحوش الضارية أن أستأذنكم وأتشرف بذكر اسمي لكم، فإني أدعى ~~الفيكونت كارل دي مورليكس من أشراف الفرنسيين. # فانحنى الجميع أمامه باحترام، وجعل كل منهم يذكر اسمه وألقابه. # فلما تم التعارف حسب العادات المتبعة سأله البرنس: أتؤلمك كثيرا هذه الجراح التي ~~أصابتك بها الذئاب؟ ~~- كلا، فإنها قد خدشتني، ولولا ثخانة ملابسي لكانت افترستني قبل أن تتمكنوا من ~~إنقاذي فقد كنت في معترك شديد. ~~- أتأذن لي يا سيدي أن أسألك: كيف اتفق وجودك فردا في ذلك المكان الهائل الذي ~~وجدناك فيه؟ ~~- إنني كنت عائدا من موسكو؛ إذ كنت فيها لقضاء بعض أشغال خصوصية، وكنت راكبا في ~~المركبة مع خادم غرفتي الذي كان جالسا بإزاء السائق، وقد طال بنا السير، فنمت ثم ms1039 ~~استفقت مرعوبا، وقد سمعت صراخا مزعجا وشعرت أن المركبة تسير بسرعة فائقة ~~الحد. # فحسبت أننا معرضون لخطر السقوط في هوة من الجليد أو أن الخيل قد جمحت فأسرعت في ~~الحال، ووثبت من المركبة بغية النجاة دون أن يشعر بي السائق وخادمي الجالس ~~بجانبه. # أما الصراخ الذي كنت سمعته وإسراع المركبة بالسير فلم يكونا ناتجين عما توهمته من ~~خطر السقوط في هوة أو جموح الجياد، بل كانا لخطر مخيف، وهو أن الجياد رأت عصابات ~~الذئاب فتراكضت مذعورة تجر المركبة بسرعة البرق، وأما أنا فقد سقطت بين الذئاب، ~~واستمرت المركبة في سيرها دون أن يشعر سائقها بسقوطي ويسمع ندائي. # وكانت حكاية كارل على تلفيقها ظاهرا الصدق فيها لا يستطيع أحد أن يحملها على شيء ~~من محامل الريب. # واغتنم كارل تلك الفرصة، فجعل يحدث الجماعة بأرق الأحاديث، ويظهر من لطف آدابه ~~وحسن تخريجه ورقة عشرته ما يدهش الحاضرين، حتى شغف البرنس بحديثه، وقال له: إني ~~أرجوك يا سيدي الفيكونت أن تأذن لي بدعوتك إلى قصري فتقيم فيه أسبوعا قبل عودتك ~~إلى فرنسا. # فانحنى كارل إشارة إلى الشكر والقبول، وأتم البرنس حديثه: سنذهب سوية قبل ذلك ~~لزيارة صديقي الكونت كورولوف في قصره القريب من هنا، وهو كائن بين الأشجار الملتفة ~~التي تراها. # وأشار البرنس بيده إلى مكانها، فرأى كارل قصرا عظيما أبيض بجدران عالية تحدق به ~~الأشجار من كل جانب. # وبعد ساعة دخلت مركبة البرنس في ردهة ذلك القصر، يحف به الفيكونت دي مورليكس وبقية ~~أصحابه، فأسرع الكونت كارولوف إلى ملاقاة ضيوفه. # وقد اندهش أصحاب البرنس حين رأوا هذا الكونت على غير ما كانوا يتوقعونه من انقباضه ~~وانكماش نفسه مما ذكروه عن غرامه؛ فإنه كان باسم الثغر طلق المحيا ولا أثر في وجهه ~~للحزن والكآبة. # وبعد أن نزلوا جميعهم من المركبة وجلسوا هنيهة يتحادثون ودخلوا إلى قاعة ~~الطعام. # وفيما هم يأكلون ويتنادمون، قال البرنس لصديقه الكونت: أرجوك أن تقبل ~~تهنئتي. ~~- بماذا؟ ~~- لأني أراك قد تعافيت وشفيت. # فأجابه منذهلا: كيف أني شفيت ومتى كنت مريضا؟ ms1040 ~~- لقد قيل لنا: إنك كنت مريضا بداء الغرام. ~~- هل اتصل بك ذلك أيضا؟ ~~- نعم، وهل مثل غرامك المبرح يخفى على أحد من أصدقائك؟ ~~- إذن، اعلم إذا كنت لم أتنصل تماما من هذا الداء؛ فإنه معي على طريق ~~الشفاء. ~~- ألعلك رجعت عن حب الكونتس فاسيليكا؟ ~~- كلا، بل إن حبي لها قد استحال إلى عبادة. ~~- إذن، كيف تقول: إنك آخذ بالشفاء؟ ~~- ذلك لأنه قد ترجح زواجي بها بعد شهرين. ~~- وإيفان؟ # فضحك الكونت وأجاب: إن رأيي في النساء هو أن كل من يجسر على القول بأنه يعرف قلب ~~المرأة فهو أبله لا محالة. # فوافقه البرنس على الضحك وقال له: وأنا من رأيك أيضا؛ فإن النساء صناديق ~~مقفلة. ~~- إن الكونتس فاسيليكا قد غادرتني حليف اليأس في العام الماضي، فإذا شكوت لها ~~غرامي هزأت بي، وإذا بكيت أمامها ضحكت علي. # وقد قلت لها يوما: إنك بالغت في الجور علي، فإذا قتلت نفسي، فماذا تصنعين؟ فضحكت ~~وقالت: لا أعلم، ولكني أؤكد لك أني لا أنتحر. # فتركتها، وتركت بطرسبرج لأجلها، وجئت إلى هنا واليأس ملء قلبي، وكنت عازما عزما ~~أكيدا على الانتحار. # ولكن وردني منها خطاب منذ يومين. # فصاح البرنس يقول: كتاب من الكونتس؟ ~~- نعم، فإن الغيم يعقبه الشتاء، والظلمة يجيء في أثرها النور، ولا بد للأزمة متى ~~اشتدت من الانفراج. # ثم فك أزرار سترته وأخرج من جيبه كتابا وقال للحاضرين: اسمعوا سأقرأ لكم هذا ~~الكتاب. # وأصغى إليه الحاضرون كل الإصغاء، وقرأ لهم ما يأتي: # أيها الكونت العزيز # لا بد أن تكون قد أخطأت في حكمك علي، فإذا كان ذلك فإن الحيف واقع عليك، وإذا ~~كان لا يزال في قلبك شيء من الأمل فقد يكون ذلك لخيرك وخيري؛ لأني أحبك وأرضى ~~بك زوجا لي، وأعدك بالاتفاق على الزواج في الربيع إذا كنت لا تزال في قيد ~~الحياة ولم يقتلك اليأس. # واسمح لي أن أقول لك أيها الصديق العزيز: إني ما أحببت إيفان بونتيف، ولكني ~~كنت وعدت رجلا أن أتزوج به وهو الآن قد مات، فتخلصت من هذا ms1041 الوعد، وهذا الذي ~~كان يدعوني إلى ما كنت أعاملك به من الجفاء. # أما إيفان: فقد أصبح الآن من المجانين؛ لأنه يهوى فتاة فرنسية تدعى مدلين، ~~وهو لا بد له من زواجها لفرط شغفه بها. # أما هذه الفتاة: فلا توجد إلا في مخيلته؛ لأنها غير كائنة في الوجود، إنما ~~الجنون مثل له هذا الغرام وهذه الفتاة. # وقد سافر إلى باريس للبحث عن هذه الفتاة الوهمية، فأرسلت معه أحد خدمي ~~للعناية به ولمراقبته طبقا لإرادة أبيه الذي أوشك أن يجن من يأسه وإشفاقا ~~عليه. # أما جنون إيفان: فليس من نوع الجنون المطبق، ولكنه منحصر في أمرين؛ أحدهما: ~~هيامه بتلك الفتاة الفرنسية وهي لم توجد في العالم، والثاني: اعتقاده أنهم ~~سجنوه في قلعة بطرسبرج كي يكرهوه على الزواج بي، وفي ما خلا ذلك فهو عاقل؛ ~~بحيث لا تظهر عليه أعراض الجنون إلا في هذين الأمرين. # فإذا كنت لا تزال تحبني - أيها الكونت العزيز - فتعال وقف قربي شهرا من شهور ~~الشتاء في باريس عاصمة الفرنسيين، فإني مسافرة هذا المساء في طريق ~~البحر. # فإذا أردت موافاتي إلى باريس فإنك تجدني في شارع بيبينيار؛ إذ أكون ضيفة في ~~قصر الكونت أرتوف زوج باكارا. # والسلام عليك من التي تهواها وتهواك. # فاسيليكا واسرنوف # فلما فرغ من تلاوة الكتاب نظر إلى الحضور نظرة المستطلع، وقال: ما رأيكم في هذا ~~الكتاب؟ # فقال البرنس: إن الذي أراه أنا هو: أنه لولا جنون إيفان لما ورد إليك هذا ~~الكتاب. # فابتسم الكونت ابتسام الحزين وأجاب: ربما، بل إني أرجح رأيك كل الترجيح. ~~- وهل عزمت على السفر إلى فرنسا؟ ~~- سأسافر بعد غد. ~~- ولكن كيف جن هذا المسكين؟ ~~- لا أعلم سبب جنونه وما علمت هذا الجنون إلا من الكونتس. # وقال أحد الحاضرين: لقد بلغني أنه كان يفرط من شرب الأبسنت، وكأنه كان يحب الكونتس ~~حبا شديدا، ولكنها كانت تسيء إليه، وتعده مع ذلك، فيضطرب فؤاده بهذا ~~التباين. ~~- هذا نفس ما سيتفق لك. # فرد الكونت: أما أنا فإني أؤثر العبودية للنساء على السيادة عليهن، وأفضل أن ms1042 أمتثل ~~وأطيع على أن أنهى وأأمر. # وبينما كانوا يتحدثون بقصة هذه الكونتس وأطوارها كان الفيكونت كارل دي مورليكس ~~يحدث نفسه فيقول: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وإن الشر قد ينتج منه الخير، ~~ولو لم يلحقني روكامبول ويطرحني إلى أنياب الذئاب لما استطعت أن أعرف ما عرفته ~~الآن، وهو أن إيفان دي بونتيف يسير إلى باريس في أثر مدلين، وأن الكونتس فاسيليكا ~~يهمها أن يظهر إيفان بمظاهر الجنون. # إن هذه المرأة أعظم عون أرسلته إلي جهنم، وعاد الأمل فحل في فؤاده محل ~~القنوط. # 23 # لقد تركنا إيفان في فندق ساوا يقول لبطرس السائق: إذا كنت تؤمن بالله واليوم ~~الأخير فاستغفر الله؛ لأنك ستموت، وقل لي كل شيء. # وكان بطرس جبانا، منخلع القلب، فكانت نظرات إيفان إليه ومظاهر غضبه كافية لحمله ~~على الإقرار بتفاصيل الجناية. # وكان إيفان يضطرب اضطرابا شديدا، وقد احمرت حدقتاه من الغضب، فنظر بهما إلى ~~بطرس، وقال: إني أريد أن أعرف كل شيء، وقد أخذ مسدسه من جيبه ووضعه على ~~الطاولة. # وارتجف بطرس من خوفه: سيدي لست أنا الجاني بل هو أبوك. ~~- أبي؟ ~~- نعم. ~~- إذن، أوضح كل شيء بالتفصيل. # وقد تكلف اللطف حين قال له هذا الكلام، وعاد إلى بطرس بعض الأمل، وحسب أن إقراره ~~ينجيه من الموت. # وكان خادم فاسيليكا الإيطالي قد دخل في أثر إيفان وسمع كل شيء، فإن بطرس السائق لم ~~يكتم عن إيفان شيئا من جميع الحوادث المتقدمة دقيقها وجليلها، فذكر له كيف لقيه ~~أبوه؟ وكيف استلفت أنظاره إليه تشابه الصوتين؟ وكيف أنه عهد إليه حين وصوله إلى ~~موسكو أن يتظاهر بالخرس إلى أن عهد إليه بالذهاب مع مدلين؟ وإطلاق السراح له معها ~~كيف شاء. # وكان إيفان واضعا يده فوق صدره وهو يسمع خيانة أبيه من فم هذا السائق، فيصفر ~~وجهه ويصغر في عيني نفسه. # فلما أتم السائق حديثه قال لإيفان: اعلم يا سيدي أن أباك لم يكن يريد أن تنظر ~~مدلين، فأبعدها عنك، ثم قدر أنه يتفق اجتماعك بها فأراد أن تجدها ms1043 ساقطة إلى الحضيض؛ ~~بحيث يستحيل عليك أن تجعلها امرأتك بعد سقوطها. # فرد إيفان ببرود: وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك رأيتها جميلة وراقت لعيني. ~~- ويح لك أيها الشقي! ماذا تقول؟ ~~- ألم تأمرني يا مولاي أن أعترف بكل شيء؟ ~~- حسنا قل. ~~- إن أباك يا سيدي قال لي حين سفرنا: إن هذه الفتاة لديها في كيسها عشرون ألف ~~فرنك، وهذا المبلغ مهر لها، فقلت في نفسي: إنني قد أكون كفؤا لها كغيري من ~~الأزواج. # فرشوت السائق وجاء بنا إلى فندق ساوا، وهنا اتفقت مع صاحبة الفندق، فوعدت أن تأذن ~~لي بفعل ما أريد. ~~- وبعد ذلك، قل وأسرع . ~~- وبعد ذلك حاولت أن أغتصب الصبية بكل ما يبلغ إليه الجهد. ~~- ويحك! قل، ألم تدافع عن نفسها؟ ~~- إنها دافعت دفاعا لم يكن يخطر لي في بال، وهذا الجرح الذي تراه في صدري آثار ~~دفاعها الهائل. ~~- وهذه المرأة ماذا فعلت؟ ~~- لم تفعل شيئا، بل كانت متناومة متشاغلة عنا. # فهاج إيفان هياج العواصف، وأخذ صاحبة الفندق من يدها فاجتذبها فوقعت على الأرض ~~والذعر ملء قلبها، فسألها: أصحيح ما يقوله هذا الرجل؟ # فلم تجب بحرف لما تولاها من الرعب، وجعلت تنظر إليه نظرات الخوف الشديد دون أن ~~تستطيع الكلام لتلعثم لسانها. # فقال لها: إن ذنبك أشد من ذنب هذا الرجل، فيجب أن تعاقبي قبله. # ثم نظر في ساعته فوجد أنه لم يبق غير ساعة من النهار. # وكانت المركبة لا تزال واقفة على باب الفندق والسائق جالسا مكانه فيها، فنادى ~~إيفان خادمه بيريتو، وقال له: اتبعني. # ثم احتمل تلك المرأة وهو يلتهب من الغضب، وسار بها إلى المركبة ووضعها فيها، ~~والتفت إلى الخادم الإيطالي: إنك إذا أردت أن تبقى في خدمتي فما عليك إلا أن تنفذ ~~أوامري، والذي آمرك به هو أن تركب المركبة بجانب هذه المرأة الأثيمة، وتسير بها في ~~طريق موسكو، وعندما يهجم الظلام وتصل إلى غابة تلقيها وتعود؛ بحيث تموت من البرد ~~والجوع أو تفترسها الذئاب. # فصاحت المرأة صياحا منكرا وجعلت تستغيث، غير أن الخادم لم يجد بدا ms1044 من ~~الامتثال، وركب بجانبها، وأمر إيفان السائق بالمسير، وسارت جياده تنهب ~~الأرض. # أما إيفان؛ فإنه عاد إلى الفندق وجلس بسكينة قرب المستوقد. # وكان بطرس واقفا أمامه لا يجسر أن يفوه بكلمة، ولكن حسب أنه نجا من خطر القتل ~~المحدق به؛ لأنه كان ينظر إلى إيفان فيجده غارقا في لجج تصوراته لا ينظر إليه ولا ~~يفتكر فيه. # وما زال إيفان يدخن بسكينة وهو غير مكترث لشيء نحو ساعة، وكانت الشمس قد توارت في ~~حجابها وساد الظلام. # وعند ذلك سمع أجراس مركبة قادمة إلى الفندق وهي المركبة التي سار بها بيريتو ~~الخادم، فوقف إيفان على عتبة الباب، وجعل ينتظر، ولما رأى بيريتو وحده أيقن أنه ~~أنفذ أمره وألقى العجوز في الغابة. # وعند ذلك عاد الرجل إلى بطرس ونظر إليه نظرة هائلة ما شكك المسكين بعدها أنه من ~~الهالكين، فقال له: استغفر الله، فإنك سوف تموت. ~~- ولكن يا سيدي. ~~- قلت لك استغفر الله، وصل إذا كنت تعرف الصلاة أيها الأثيم. # ثم أخرج المسدس ووضعه أمامه على المائدة. # وركع بطرس قائلا: اعف عني يا سيدي وارحمني يرحمك الله. ~~- كلا، لا رحمة لك، ولا أمهلك غير عشر دقائق لإتمام الصلاة. # وجعل بطرس يستعطف ويتوسل، وإيفان يتشاغل عنه بفحص زناد مسدسه، والنظر من حين إلى ~~حين في ساعته لمراقبة سير دقائقها. # وعند ذلك سمع صوت أجراس مركبة أخرى قادمة إلى الفندق، فاضطرب إيفان وبرقت أسرة ~~بطرس بأشعة الأمل لرجائه أن ينقذه القادمون في المركبة من الموت. # غير أن إيفان أظهر أنه لم يحتفل بالقادمين فأعاد النظر في ساعته، فقال لبطرس: لم ~~يعد لك غير سبع دقائق فاستعد للموت. # وعاد بطرس إلى التوسل والاستعطاف وعيناه تنظران المرة بعد الأخرى إلى الباب؛ لأنه ~~سمع وقع خطوات أولئك القادمين في المركبة التي وققت على باب الفندق. # أما هذه المركبة فكانت مركبة البرنس مازوبولف ولما دخل مع أصحابه رأى إيفان فدنا ~~منه وصافحه. # ولكن إيفان كان الغضب باديا في وجهه، ورد تحية البرنس بلطف متصنع قائلا له: ~~أرجوك يا سيدي ms1045 البرنس أن تعود من حيث أتيت. # غير أن البرنس لم يحتفل بكلامه وأجابه: ما هذا الاصفرار البادي في وجهك؟ ولماذا ~~أرى هذا المسدس في يدك؟ # فأشار إيفان بيده إلى بطرس وأجابه: أترى هذا الرجل؟ ~~- نعم ... ~~- إنه يجب أن يموت. ~~- لماذا؟ ~~- لارتكابه جريمة هائلة يقل في عقابها الموت. ~~- وما هي هذه الجريمة؟ # فأجابه إيفان بصوت يتهدج من الغضب: إنه أهان فتاة أنا أحبها تدعى مدلين وحاول ~~تدنيسها. # فنظر البرنس عند ذكر اسم مدلين نظرة سرية إلى أصحابه تشير إلى أن الكونت كورلوف قد ~~أصاب بما رواه عن جنون إيفان. # 24 # من البرنس ماربولوف إلى الكونت كورولوف في باريس: # صديقي العزيز # لا ريب عندي أنك قد سافرت إلى باريس في أقرب الطرق المؤدية إليها؛ لأننا ~~غادرناك منذ ثلاثة أيام تتأهب للسفر، فإذا اضطررت إلى الكتابة إليك، فلا بد لي ~~من إرسال كتابي إلى باريس. # ولا ريب عندي أنك ستصل إلى العاصمة الفرنسية قبل أن يصل كتابي إليها، فإن ذلك ~~الفرس الكريم الذي تصفه شعراء العرب، وذلك البرق الخاطف الذي يخترق حجب ~~الظلام، وتلك الرياح التي تمر مرور التصور في الخواطر لا تبلغ من السرعة ما ~~يبلغه عاشق ولهان يجب في أثر من يحب. # والآن أتعلم لماذا أكتب إليك؟ # إني لا أكتب إليك لأشكرك عما لقيناه في قصرك من حسن الضيافة، بل لأخبرك ببعض ~~أمور تتعلق بمزاحمك المسكين إيفان دي بونتيف. # أرى بعين التصور إنك ستبدي إشارة دهش حين تقرأ اسم إيفان؛ إذ لا يخطر في بالك ~~أنني رأيته، وحقيقة إنني لقيته؛ فاصغ إلى ما أقصه عليك من شأنه. # إننا برحنا قصرك منذ ثلاثة أيام في الساعة الحادية عشرة صباحا، بعد أن ~~استرحنا عندك كل الليل، وبعد ذلك بخمس ساعات أصبحنا على مقربة من ~~بترهوف. # وبينما كنا نسير بتلك السرعة التي تعهدها في أسفاري إذ لقينا مركبة تعدو ~~أمامنا فأدركناها بعد ربع ساعة. # وكانت المركبة خالية، ولكنه كان قد صعد بجانب السائق رجل عرفه أحد أصدقائنا، ~~وقال: إن هذا الرجل هو بيريتو خادم ms1046 غرفة الكونتس فاسيليكا. # والتفت هذا الخادم فرأى صديقي وعرفه فحياه باحترام. # فسأله صديقي: إلى أين ذاهب؟ ومن أين آت؟ # فوجه كلامه لنا جميعا قائلا: إنني لا شك، أتعس إنسان في هذا الوجود! # فسأله صديقي: ماذا دهاك؟ ألعل الكونتس طردتك من خدمتها؟ ~~- كلا، ولكنها عينتني لخدمة رجل أكاد أبلغ معه حد القنوط؛ لأنه مجنون. # فذكرنا عند ذلك ما قرأته لنا في كتاب الكونتس من أنها عينت خادم غرفتها لخدمة ~~إيفان في رحلته إلى فرنسا، واستزدنا الخادم من الحديث، فأخبرنا بكل ما قرأناه ~~في كتاب الكونتس، وأن إيفان يعشق فتاة لا وجود لها، وأن الوهم قد مثلها فتاة ~~فرنسية بات يدعوها باسم مدلين. # ثم أخبرنا أنه سافر مع إيفان إلى بطرسبرج منذ ثمانية أيام، وأن إيفان يسأل عن ~~أخبار مدلين كل راكب وفي كل محطة، وكلما رأى امرأة حسبها مدلين، فهي ممثلة له ~~في كل مخيل. # وليس ذلك بشيء يذكر في جانب ما حدث لي معه منذ ساعتين، فإننا أوقفنا مركبتنا ~~هنا أمام فندق منعزل يدعونه فندق ساوا. # فنزل إيفان فيه، وكان يوجد في ذلك الفندق امرأة عجوز ورجل، فلما نظر إليهما ~~إيفان، صاح صيحة منكرة، وقال: هذان هما اللذان خدعا مدلين. # فجعل الرجل والمرأة ينظر كل منهما إلى الآخر نظرات الانذهال، فهاج ثائر إيفان ~~وانقض في الحال على المرأة كما ينقض العقاب على فريسته، فحملها وذهب بها إلى ~~المركبة، وأمرني أن أسير بها إلى الغابة فأطرحها فيها طعما للذئاب. # فصحنا جميعا منذعرين: ألعلك فعلت؟ # فضحك الخادم وأجاب: قد امتثلت لأمره بالظاهر، ولكني في الحقيقة ذهبت بالعجوز ~~إلى أول قرية مرت بها، وأعطيتها عشرة ريالات، وتركتها فيها، وها أنا عائد إلى ~~سيدي المجنون. # غير أنه ليس هذا كل ما حدث له؛ لأني أخشى أن يكون قد قتل في مدة غيابي ذلك ~~الرجل المسكين الذي تركته وإياه ينذره بالقتل. # فلما سمعنا حديث بيريتو تشاورنا في الأمر كي نهتدي إلى وسيلة نتمكن بها من ~~إنقاذ ذلك الرجل، فاتفق رأينا على أن يتقدمنا بيريتو بمركبته ms1047 إلى الفندق ببضع ~~دقائق، فإذا كان إيفان لم يقتل الرجل بعد يحول بينه وبين قتله بما يستطيعه من ~~الوسائل إلى أن نحضر إليه. # وتم ما اتفقنا عليه فتقدمنا بيريتو، وسرنا في أثره على مسافة غير ~~بعيدة. # ولما وصلنا إلى الفندق رأينا أن الرجل لم يزل حيا، ولكن إيفان كان متقد ~~العينين أصفر الوجه، منبوش الشعر والمسدس في يده. # ورأينا ذلك السائق المسكين المتهم بإهانة مدلين جاثيا أمامه يتوسل إليه ~~ويستعطفه أن يبقى عليه، وكانت المهلة التي عينها له إيفان للاستغفار والصلاة ~~قد انتهت، وهو عازم على أن يقتله. # وكان أول ما فعلناه أننا تألبنا عليه، وجردناه من سلاحه، فجرى بيننا جدال ~~عنيف، ثم هاج علينا، واتهمنا بأننا نبالغ بالاعتداء عليه، وأن له الحق المطلق ~~بقتل هذا الرجل حتى أوشك أن يقاتلنا جميعا. # ولكن خطر لأحد أصدقائي خاطر لطيف؛ تمكن من إقناع إيفان على وجوب الإبقاء على ~~هذا السائق. # وذلك أن إيفان قص علينا تلك الحكاية التي حصر بها جنونه، فأخبرنا أن أباه ~~يعترض عزمه على الزواج بمدلين، وأنه عهد إلى هذا السائق بقتلها أو ~~تدنيسها. # وكان يتكلم بلهجة يتضح الصدق منها حتى أوشكنا أن نصدقه لو لم ينظر إلينا ~~بيريتو ويبتسم ابتسام الحزين المشفق عليه فزعزع أركان ثقتنا، وعلمنا أن جنونه ~~منحصر بمدلين. # وعند ذلك دنا منه صديقي كولوكين، ودار بينهما الحديث الآتي، فقال كولوكين: ~~أهو أبوك يا صديقي إيفان الذي يأبى أن تتزوج مدلين؟ ~~- هو دون سواه. ~~- أهو أيضا الذي أمر الرجل أن يفعل ما فعل؟ ~~- نعم. ~~- إن ما تقوله واضح بأتم الجلاء. ~~- إذن، ألا يكون هذا الرجل مذنبا؟ ~~- دون شك. ~~- ومثل ذنبه الفظيع ألا يجب أن يعاقب عليه بالموت؟ ~~- بل هو يستحق أكثر من الموت. # فحاول إيفان أخذ مسدسه، وقال: إذن، لماذا تمنعوني عن قتله؟ ~~- لأنك إذا قتلته لا يبقى لديك شهود على مدعاك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لا ريب فيه ألا تريد أن تجد مدلين؟ ~~- نعم. ~~- ألا تريد أن تتزوجها؟ ~~- دون شك. ~~- إذن، يجب مصادقة أبيك على زواجك ms1048 لها. ~~- أو مصادقة القيصر؛ لأن مثل هذه الأحوال تتقدم مصادقة القيصر على مصادقة ~~الأب. ~~- إن ذلك دليل آخر على وجوب الحرص على الرجل. ~~- ولكن لماذا؟ إني لا أفهم شيئا. ~~- لأنك عندما تجد مدلين لا بد لك من العودة بها إلى بطرسبرج وعرض أمرك على ~~القيصر، وإذا لم يكن لديك مثل هذا الشاهد، فكيف تثبت ما تدعيه على ~~أبيك؟ # فاقتنع إيفان بهذا البرهان، وتمكن صديقي بهذه الخدعة من إنقاذ ذلك الرجل ~~المسكين، الذي لا يزال لسانه معقودا إلى الآن، لفرط ما ناله من الرعب. # وبعد ذلك رجعنا جميعنا إلى قصري ومعنا إيفان، فأبقيته عندي يومين ، ولكنه في ~~اليوم الثالث سئم البقاء، وأصر على السفر. # فسافر وأنا مطمئن عليه كل الاطمئنان، إذ كان يتولى حراسته بيريتو خادم ~~فاسيليكا، وذلك الرجل الفرنسي النبيل الذي يدعى مورليكس. # ومن غرائب الاتفاق أو غرائب الجنون أن إيفان بات يثق بهذا الرجل الفرنسي ثقة ~~غريبة، وكان يؤثره علينا جميعنا بصداقته، فجعله مستودع سره ولم يكن يفارقه ~~لحظة. # وقد سافروا جميعهم في هذا الصباح إلى فرصوفيا، فودعنا إيفان ونحن مشفقون ~~عليه، لأن جنونه لا يظهر إلا حين الكلام عن مدلين، وفيما خلا ذلك فهو على أتم ~~الظرف والعقل، وقد صفح عن بطرس السائق وجعله من خدمه. # أما الفيكونت دي مورليكس؛ فإنه يعرف في باريس طبيبا حاذقا بمداواة ~~المجانين، وهو يرجو أن يتمكن من شفاء إيفان. # وقد كتبت إليك أيها الصديق العزيز جميع هذه التفاصيل لاعتقادي أنها تروق لك ~~والكونتس فاسيليكا التي صرت عبدا لها، فاقبل تحياتي ودعائي لك بحسن ~~التوفيق. # البرنس ماربولوف # وقد كتب البرنس هذا الكتاب وهو واثق كل الثقة من صحة ما كتب، فكانت ثقته داعية إلى ~~انتصار مورليكس مرة ثانية. # وسافر الفيكونت كارل دي مورليكس مع إيفان كما ورد في كتاب البرنس ~~ماروبولوف. # ولم يكن يجهل إيفان أنهم كانوا يحسبونه مجنونا، فكان لا ينفك عن محادثة كارل ~~بغرامه، وهو يحسب هذا العدو الألد أصدق صديق له. # وكانت المركبة تسير بهما دون أن تقف إلا لتغيير ms1049 الجياد، فاجتازت نهر البريزينا، ثم ~~اجتازت الحدود الروسية وبلغت بولونيا، وفي اليوم الثالث وصلت إلى فرصوفيا. # فنزل كارل مع إيفان في أحد فنادق المدينة للاستراحة، ثم تركه كارل في الفندق، وذهب ~~إلى إدارة البريد؛ لأنه كان يرجو أن يلقى رسائل واردة إليه من فرنسا. # فما أخطأ ظنه؛ لأنه وجد رسالتين، إحداهما من أخيه فلم تستلفت أنظاره، ولكنه لما ~~قرأ عنوان الثانية اختلج؛ لأنه عرف أن الخط خط تيميلون. # وقد زاد عجبه لأن تيميلون أخبره في آخر رسالة أرسلها إليه أنه سافر إلى البلاد ~~الأميركية، ولكنه عندما فحص الطوابع وجد أن الرسالة مرسلة من باريس . # ومع كل عجبه وضعها في جيبه، وبدأ بقراءة خطاب أخيه، فقرأ ما يأتي: # أخي العزيز # أكتب إليك إلى فرصوفيا، ولكن قلبي يحدثني أنك في باريس. # ولا أدري إذا كنت مخطئا بما أوحاه إلي تصويري، ولكن إن المخاوف قد عادت إلي ~~فتمكنت مني وحرمتني طيب الرقاد. # ولكن أرى كلما مرت بي الأيام يزيد تمثل آثامنا القديمة لي، ولهذا أرجو - أيها ~~الأخ العزيز - أن تمتنع عن مطاردة الصبية، وترجع عن قتلها إذا لم تكن يدك قد ~~انغمست في دمها الطاهر. # واعلم يا أخي أنك لست بأب، فلا تشعر بما يشعر به الآباء في مثل هذه المواقف، ~~وحسبي عذابا أن ابني الوحيد في باريس، وأنه يهرب مني كي لا يراني، ولا يدعني ~~أراه؛ أليس ذلك وحده ما يكفي لعقابي عن جريمتنا؟ # ألم تضربه في قلبه ضربة شديدة قد لا يبرأ منها؟ ألا يحب أنطوانيت دي ميلر ~~ابنة أختنا، ألم تقتل الفتاة المسكينة كما قلت لي؟ # غير أن نفسي تحدثني أن هذه الفتاة التي قلت لي إنك قتلتها لا تزال حية ترزق، ~~خلافا لما تعتقد، وأن أولئك الذين توهمت أنهم خدموك بأمانة وإخلاص قد خدعوك ~~شر خداع. # واصغ إلي الآن يا أخي العزيز، إنك سافرت منذ شهر، وتكون أنطوانيت قد ماتت منذ ~~شهر، فكنت أنتظر كل يوم أن يعود إلي أجينور، وهو مجنون من اليأس. # ولقد قلت لي: إذا كنت ms1050 تذكر أنه أصيب بضربة سيف إثر مبارزة فاضطر إلى البقاء ~~في أنجر، ولكن شيء من ذلك لم يحصل؛ لأن أجينور عاد إلى باريس في يوم سفرك ~~منها. # ولا أقول هذا الكلام وأنا مشكك فيه، بل أنا منه على أتم الثقة، فقد خرجت ~~يوما أتنزه في المركبة فرأيت مركبة قابلتني وفيها أجينور فرأيته ورآني، ولكني ~~ناديته فما رد علي واحتجب بمركبته عن أنظاري، فحسبت أنه سيأتي إلي في منزلي ~~عند المساء فمضت أيام دون أن يزورني، وهو يعلم أني لا أزال مريضا. # ونعم إني ما رأيته إلا لحظة، ولكني لم أر على وجهه ما يدل على كآبة لا بد أن ~~تبدو في وجه من تموت حبيبته، فانشغل قلبي، وسألت عنه، فعلمت أنه في باريس، منذ ~~رحلت عنها، ولكني لم أعلم السر في احتجابه عني. # والآن فإن كتابي هذا قد يصل إليك، وأنت لا تزال في روسيا، فإذا كنت لم ترتكب ~~تلك الجريمة مع مدلين، فأستحلفك بالله أن ترجع عن هذا القصد، وأن تعود إلى ~~باريس كي تندم، فعسى أن ينفع الندم، وعسى أن نتمكن من إصلاح ما أفسدناه، وعندي ~~رأي نافع لك؛ وهو أن تتزوج بمدلين بدلا من أن تقتلها، ونزوج أنطوانيت لولدي ~~أجينور؛ فينقضي كل إشكال، ولا يفوتك شيء من تلك الثروة التي اختلسناها. # أخوك فيليب # فلما قرأ كارل هذا الكتاب ارتعش واصفر، فمزقه ورمى به مغضبا إلى الأرض، وهو ~~يفتكر بإيفان الحائل بينه وبين مدلين، ذلك الفتى الساذج الذي اتخذ كارل أصدق صديق ~~له وهو أعدى عدو. # ثم عاد إلى كتاب تيميلون فقرأ فيه ما يأتي: # سيدي # بينما كنت مسافرا إلى روسيا كان خادمك الأمين يتأهب للسفر إلى أميركا، وقد ~~قبضت الخمسين ألف فرنك، وعزمت على السفر بابنتي التي لولا حنوي عليها لما هربت ~~من روكامبول، ولما تمكن من الفوز علي. # وقد كنت تركت في باريس بعض جواسيس من عمالي لمراقبته، ليس لمجرد خدمتك؛ بل ~~مدفوعا بعامل الانتقام؛ لأني لا أنسى تنكيله بي. # وفي اليوم الذي عزمت على السفر ms1051 فيه، ورد إلي من أحد الجواسيس تلغراف يقول ~~فيه: إن روكامبول سافر مقتفيا أثر مورليكس إلى روسيا، فهاج بي الانتقام، ~~وبدلا من أن أسافر وضعت ابنتي في محل أمين وعدت إلى باريس. # وليس روكامبول بالعدو السهل، ولكني أرجو أن تكون قد فزت بالنجاة منه على ~~الأقل، فإذا كان ذلك فاعلم أن ابن أخيك أجينور وأنطوانيت عائشان بملء السعادة، ~~ولا ينتظران غير عودة روكامبول بمدلين، كي يتزوجا. # ولكني عكرت عليهما كأس هنائهما، فإن أنطوانيت قد وقعت في قبضتنا أيضا، ولا ~~أستطيع أن أزيد على ما قلته شيئا؛ فإذا سلمت من روكامبول وعدت إلى باريس، ~~فأسرع إلى شارع لندرة نمرة 2، واطلب أن ترى المسيو جيبين. # خادمك المطيع # تيميلون # فلما اطلع كارل على هذا الكتاب دهش دهشة شديدة، فأعاد تلاوته وهو يتعجب، ثم قال في ~~نفسه: لا شك أن أنطوانيت في قبضة تيميلون، وأن هذا الرجل لم يعد إلى باريس، إلا وقد ~~وجد حيلة يتمكن فيها من الفوز على روكامبول، وفي الحال أسرع إلى الفندق، فأخذ إيفان ~~وبرح فرصوفيا عائدا به إلى فرنسا. # 25 # لا بد لنا - قبل التوسع في الحديث - أن نبسط للقراء كيف غادر روكامبول وفاندا، ~~وكيف كانت الحالة قبل سفرهما لإنقاذ مدلين، فإن روكامبول سافر آمنا مطمئنا؛ لأن ~~كارل قد سبقه إلى روسيا فأمن كيده، ولم يكن يخشى أخاه والد أجينور لما يعلمه من ~~ضعفه وندمه، وكان يعتقد أن تيميلون لا يجسر على العودة إلى باريس لخوفه من الحكومة؛ ~~لأن جريمة السرقة كانت ثابتة عليه، ولذلك لم يكن يخشى على أنطوانيت. # ولكنه أبى أن يغادر باريس قبل أن يتخذ الاحتياطات اللازمة مبالغة في الحرص ~~عليها. # فلما استيقظت أنطوانيت من رقادها - كما قدمنا - نزل بها يصحبه أجينور وميلون ~~وفاندا، فركبوا مركبة، وساروا بها إلى منزل كان أعده لها كي تختبئ فيه إلى أن يعود ~~إليها من روسيا. # ولما وصلوا إلى هذا البيت، دهشت أنطوانيت دهشا عظيما حين رأت فيه مربيتها مدام ~~رينود، فهجمت عليها وجعلت تعانقها وهي تذرف دموع الفرح بلقائها. ms1052 # وقد اغتنم روكامبول فرصة انشغالهما فخلا بأجينور، ودار بينهما الحديث الآتي: فقال ~~روكامبول: إنك تعلم شروطي. # فأطرق أجينور برأسه إلى الأرض وأجاب: نعم. ~~- إني لم أرد إليك أنطوانيت إلا بعد أن اشترطت عليك طاعتي. ~~- وأنا مستعد للامتثال. ~~- إذن، اصغ إلي، إن لأنطوانيت أختا، وهي معرضة لأشد من الخطر التي كانت معرضة له ~~أنطوانيت، وذلك أن عمك وثق من موت أنطوانيت فذهب لقتل مدلين، ولولا ذلك لم يبرح ~~باريس. ~~- ولكني أدافع عنها وأرد كيده إلى نحره. ~~- لست أنت الذي سينتقم بل أنا! # أما أبوك فإني أحمل الأختين على الصفح عنه، ولكنك في مقابل ذلك تخليت إلي عن عمك ~~كارل بأنطوانيت، ثم يجب أن تعلم أن ما تجده الآن من السعادة في اجتماعك بأنطوانيت ~~يشبه تلك القصور التي يبنيها اللاعبون بأحجار الدومينو، إذا لمستها يد أو نفخ فيها ~~فم تقوضت أركانها وتهدمت، فلا يتم هناؤك الصحيح ما بقي عمك في الوجود. # أما عمك؛ فقد سافر إلى روسيا، كما قلت لك، ولكنه أبقى في باريس عيونا وأرصادا ~~عليك يرصدونك كيفما مشيت، فلا يجب أن يعلم بوجودك أحد مدة غيابي. ~~- كيف ذلك ألعلك عازم على السفر؟ ~~- سأسافر إلى روسيا للدفاع عن مدلين، أتعدني أن لا تدع أنطوانيت تخرج من البيت مدة ~~غيابي وأنك لا تقابل أباك؟ ~~- أعدك وعدا صادقا. # فلما وثق منه روكامبول تركه وعاد إلى ميلون فأوصاه وصايا كثيرة، وبعد ساعتين برح ~~باريس مع فاندا. # وبعد سفره بشهر عاد إلى باريس مع فاندا ومدلين، فلما وصل إلى كولون أرسل إلى ميلون ~~هذا التلغراف: # نصل في الساعة الرابعة من صباح غد، احضر لملاقاتنا في محطة ~~الشمال. # فلما وصل القطار بهم إلى باريس خرج روكامبول، وجعل يبحث عن ميلون في قاعات ~~الانتظار، وخارج المحطة فما وجده، فاسودت الدنيا في عينيه وشعر بحدوث مصاب ~~جلل. # ورأت فاندا علائم الاضطراب بادية في وجهه، فدنت منه وسألته عن السبب، فقال لها: ~~لقد حدث مصاب عظيم دون شك، وهو إما أن يكون ميلون قد مات، أو أنه سجين، إذ ms1053 يستحيل ~~أن يتأخر عن الحضور لغير هذين السببين، والآن اصغي إلي فإنه لا يجب أن نعرض مدلين ~~للخطر بإرسالها إلى حيث تقيم أنطوانيت، بل يجب أن تذهبي بها إلى المنزل الذي نسكن ~~فيه باسم الماجور أفاتار. ~~- ولكننا وعدنا مدلين أن نجمعها بأختها. ~~- نعم. ولكني لم أكن أتوقع غياب ميلون. # ثم التفت إلى مدلين وقال لها: لا أكتمك يا سيدتي أننا متى برحنا باريس بغية إنقاذك ~~تركنا أختك مريضة، ولذلك أخشى إذا قابلتها أن تؤثر عليها المباغتة فتؤذيها، فاذهبي ~~الآن مع امرأتي إلى منزلي، وأنا أسرع إلى أختك وأخبرها بقدومك، ثم أرجع فأعود بك ~~إليها. # فقبلت مدلين على الكره منها وسارت مع فاندا وروكامبول إلى منزله. # وكان روكامبول قد ترك في البيت نويل الذي كان حداد سجن طولون وفر معه، فلما وصل ~~روكامبول أسرع نويل إلى استقباله، ورآه روكامبول مصفر الوجه، فسأله: ماذا ~~أصابك؟ ~~- لا شيء، سوى أني لا أعلم ماذا جرى لميلون، لأني لم أره منذ ثمانية أيام. # فاستغرب روكامبول ولم يعد لديه شك بوقوع الشر، فإنه كان أمر ميلون أن يأتي كل يوم ~~إلى المنزل كي يرى إذا كان يوجد فيه رسائل باسمه، ورجع إلى مدلين، فقال لها: إني ~~ذاهب الآن لأرى أختك. ~~- أتجيء بها إلي؟ ~~- نعم. إلا إذا كانت لا تزال مريضة، فأذهب بك إليها. # ثم تركها وانصرف إلى البيت الذي ترك فيه أنطوانيت، فنزل في مركبته وطرق الباب فتتح ~~له بواب البيت، وكان أول سؤال ألقاه عليه: أين ميلون؟ # فأجاب البواب: إنك تعرف يا سيدي مقره أكثر منا؛ لأنه سافر منذ ثمانية أيام ~~لموافاتك. ~~- لموافاتي أنا؟ ~~- نعم، وقد سافر مع المدموازيل أنطوانيت. # فتراجع روكامبول منذعرا إلى الوراء، وعند ذلك أسرع إليه أجينور، وقد سمع طرق ~~الباب، فلما رآه سأله باضطراب: ألعلك جئت بأنطوانيت؟ # فاضطرب روكامبول وأمسك أجنينور وهزه بعنف، وسأله: قل لي ماذا حدث؟ # فكان أجينور ينظر إليه نظرا ساهيا وهو لا يفهم شيئا، فسأله روكامبول: قل أين ~~ميلون؟ ~~- إنه سافر. ~~- وأنطوانيت؟ ~~- سافرت معه. ~~- ولكن متى وإلى ms1054 أين؟ ~~- إلى كولون؛ حيث ضربت لهما موعدا لموافاتك بالتلغراف الذي أرسلته وهذا هو: ثم ~~أخرج تلغرافا من جيبه، وقدمه له فقرأ روكامبول ما يأتي: # يسافر ميلون مع أنطوانيت في قطار الساعة العاشرة من هذا المساء إلى كولون؛ ~~حيث اضطررت إلى البقاء فيها؛ لأن مدلين مريضة. # الماجور أفاتار # وكان تاريخ التلغراف منذ ثمانية أيام، فاختلج روكامبول واضطرب حتى أوشك أن يسقط ~~وتابع: إني لم أكتب هذا التلغراف. # 26 # غير أن روكامبول لم يطل اضطرابه، وما لبث أن عاد إليه رشده وتأنيه، فجعل يخاطب ~~نفسه: من عسى يكون الخاطف لأنطوانيت؟ أهو والد أجينور أم أخوه كارل أم تيميلون ؟ ثم ~~يرجع فيتابع: إن كارل قد طرحته للذئاب، فلا أظنه سلم من أنيابها، ووالد أجينور لا ~~يقدم على هذا المنكر لضعفه وسلامة نيته، بقي تيميلون، ولكن هذا الداهية لا يستطيع ~~أن يعود إلى فرنسا، إذ يخشى أن يقبض عليه. # وطال به التفكير دون أن يهتدي إلى وجه صواب ثم أخذ التلغراف، وجعل يفحصه فوجد أنه ~~وارد من كولون، فقال: هو ذا قد عدنا إلى استئناف المعارك، إذ يجب أن نجد أنطوانيت ~~وميلون. # وكان لأجينور ثقة عظمى بروكامبول فسأله وهو يوشك أن يجن من يأسه لاختطاف أنطوانيت: ~~إنك ستجدها دون شك؟ ~~- هذا ما أرجوه، ولكني أريد أن أعرف كل شيء بالتدقيق، فقل لي كيف ذهبت ~~أنطوانيت؟ ~~- كنا منذ ثمانية أيام جالسين على المائدة، فورد هذا التلغراف إلى ميلون فقرأته، ~~ثم دفعته إلى أنطوانيت، فلما اطلعت عليه قالت وهي تضطرب: هلم بنا إلى السفر. # وقد حاولت أن أسافر معها غير أن ميلون اعترضني قائلا: يجب طاعة الرئيس، فلو أرادك ~~أن تصحبنا لكان ذكرك في التلغراف. # فأذعنت مكرها، وكانت أنطوانيت مضطربة لمرض أختها، فوعدتني أن تكتب لي من كولون، ~~وقد كتبت لي وهذا كتابها. # فأخذ روكامبول الكتاب منه، وما لبث أن اطلع على خطه حتى صاح صيحة منكرة قائلا: قد ~~عرفت الآن من أين أتتنا هذه النكبة. # فدهش أجينور وسأله: أليس الخط خطها؟ ~~- كلا، فهو زور، ولكنه ms1055 محكم التقليد. # وكانت خلاصة الكتاب: أن أنطوانيت وصلت إلى كولون، ولقيت أختها مريضة، ولكنها أخذت ~~بالعافية حين رأتها وغير ذلك، فأعاد روكامبول نظره في الكتاب، وقال لأجينور أعيد ~~عليك ما قلته، وهو أن الكتاب قد زوره رجل ماهر أعرفه حق المعرفة. # فأجابه أجينور بصوت مختنق: ألعله عمي كارل؟ ~~- كلا، بل هو هذا الشقي تيميلون الذي أخطأت في الإبقاء عليه، ولكن لا بأس لأني لم ~~أقنط من إنقاذ أنطوانيت، اصغ إلي الآن: إنه يجب أن تركب في مركبة، وتذهب مسرعا إلى ~~أبيك، فتقول له بملء الإيجاز ما معناه: «إني إذا لم أجد أنطوانيت من الآن إلى الغد ~~مساء قتلت نفسي.» ~~- سأذهب. ~~- اسمع أيضا: إن أنطوانيت لا خطر عليها، ولكنها أسيرة في أحد البيوت، والذي أراه: ~~أن تيميلون الذي طردته من باريس اغتنم فرصة غيابي فعاد إليها، ونصب لكم هذا الفخ ~~فوقعتم فيه، وأصبح ميلون وأنطوانيت في قبضة يده الآن. # فقاطعه أجينور قائلا: ألا يمكن أن يكون البوليس قد قبض على ميلون لهربه من ~~السجن؟ ~~- إن البوليس لا يمكن أن يهتدي إليه إلا إذا أرشده تيميلون، وتيميلون لا يستطيع أن ~~يظهر أمام البوليس لأن البوليس يبحث عنه، والذي أرجحه أن ميلون وأنطوانيت أسيران ~~لدى تيميلون وعصابته في بيت خفي من بيوت باريس، ولكني لا يخفاني خافية في هذه ~~العاصمة، وسيكون لي مع هذا الشقي الغادر شأن. ~~- ولكن أية غاية لهذا الرجل من القبض عليها؟ # إنه ينتظر رجوع عمك من روسيا، فيبيعه أنطوانيت بأغلى الأثمان، إنما اطمئن؛ لأن عمك ~~لم يعد بعد، وقد يكون تيميلون أخبر أباك بقبضه على أنطوانيت، فإذا تهددته بالانتحار ~~أرجعها إليك دون شك حالا. # وعند ذلك افترق الاثنان، فأسرع أجينور إلى بيت أبيه، وذهب روكامبول إلى منزله الذي ~~ترك فيه فاندا ومدلين. # وكان روكامبول يسير وهو يقول في نفسه مخاطبا تيميلون: لقد أخطأت أيها الغادر ~~بالعودة إلى باريس والتعرض لي في شئوني؛ لأني غير مشفق عليك في هذه المرة. # وكانت المركبة تسير به وهو غارق في هواجسه، لا يكترث ms1056 لشيء، فلم ينتبه لمركبة كانت ~~تسير في أثره حتى وصل إلى منزله، ونزل من مركبته فرأى تلك المركبة، وقد وقفت أيضا ~~أمام بابه، وخرج منها ثلاثة رجال. # فاصفر وجه روكامبول حين نظرهم؛ إذ رأى أنهم بملابس الجنود، وفي الحال دنا منه ~~رئيسهم، وسأله: ألست أنت الماجور أفاتار؟ # فاضطرب اضطرابا قليلا، وأجاب: نعم أنا هو. # فأشار الضابط إلى الجنديين أن يقفا في سبيله، وقال له: إني مأمور بالقبض عليك يا ~~حضرة الماجور. # فابتسم روكامبول، وأجابه بسكينة: إني أعلم السبب، فإن السفارة الروسية أوعزت إلى ~~الحكومة المحلية أن تقبض علي لاتهامي بدسائس سياسية، فلما علمت بقدومي اليوم من ~~فرصوفيا ... # فقاطعه الضابط قائلا: إنك منخدع. ~~- إذن، بأية تهمة يتهمونني؟ ~~- إنهم يتهمونك بالهرب من سجن طولون جين كنت فيه 117 وأن اسمك الحقيقي روكامبول، ~~وليس الماجور أفاتار. # 27 # ورأى روكامبول أنه قد وقع في قبضتهم، فتجلد وقال للضابط: إني قادر على إقناعك ~~وإثبات خطئك بأسطع برهان، غير أني أعلم أن الجدال مع رجال الشرطة محال؛ إذ لا بد ~~لهم من تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم، ولذلك لا أضيع الوقت عبثا بالجدال، ولكني ~~ألتمس منك قضاء أمر أرجو أن لا تأباه علي. ~~- ذلك يتعلق بالطلب. ~~- كن مطمئنا، فإن ما سأطلبه إليك سهل ميسور؛ لأني لا أسألك أن تأذن لي بالدخول ~~إلى منزلي وأخذ أوراقي، ولا أحاول الفرار منك، ولكن الذي أطلبه إليك هو أن تأذن لي ~~بمعانقة امرأتي على عتبة هذا الباب. # وقبل أن يجيبه الضابط أسرع إلى الباب وطرقه طرقتين متواصلتين كانتا إشارة متفقا ~~عليها دون شك؛ فإن الباب لم يفتح على أثرها، بل فتحت منها نافذة وبرز منها رأس ~~فاندا، وعلمت لأول وهلة كل شيء. # أما روكامبول فإنه قال لها باللغة الفرنسية: تعالي عانقيني. # ثم تابع باللغة الروسية: إني وقعت في الشرك واختطفت أنطوانيت فأحضري لي حبة من ~~الحبوب السوداء، وأنت وحدك الآن قادرة على إنقاذ الجميع. # وكان روكامبول يتكلم بملء السكينة وليس بين الجنود من يعرف الروسية فلم يشككوا ~~بشيء مما قاله. # وبعد ms1057 حين أتت فاندا فقال لها روكامبول: لقد تعاظم اضطهادي، فإنهم يتهمونني بأني ~~كنت في السجن وهربت منه. # وابتسمت فاندا وقالت: لا بأس يجب أن نحتمل كل شيء. # ثم أقبلت تعانقه وتقبله فدست في فمه تلك الحبة السوداء دون أن يراها أحد، ثم ~~صافحته بيدها، وتبادلت معه نظرة خفية، وأخذ الجنود روكامبول ثم صعدوا به إلى ~~المركبة وسارت بهم في طريق السجن. # ففيما هم على الطريق افتتح روكامبول الحديث فقال: إن إمبراطور روسيا قد شرفني ~~تشريفا عظيما لاهتمامه بي إلى هذا الحد. # فأجاب الضابط: إنك مخطئ كما قلت لك، فإننا لم نقبض عليك إلا بتهمة الهرب من ~~السجن. ~~- نعم لقد قلت لي هذا القول، ولكن ما هو الاسم الذي لقبتني به. ~~- روكامبول. ~~- إنه اسم جميل، ولكن لا بد لي أن أقول لك يا حضرة الضابط إن البوليس الفرنسي لا ~~يحق له مساعدة البوليس الروسي والقبض على رعايا القيصر إلا إذا تذرع بحجة. # فغضب الضابط وأجابه: إني أدعوك إلى السكوت، فإنك تطعن بالبوليس الفرنسي، وهو لا ~~يتداخل بشأن من شئون القيصر. ~~- إذن، لماذا قبضت علي؟ ~~- ذلك ما يكشف قاضي التحقيق فإنك ذاهب إليه. ~~- سوف ترى أني لم أكن أنا المخطئ، بل أنتم المخطئون. # ثم سكت الاثنان، فجعل روكامبول يفتكر بحالته الحاضرة، وهو غير مهتم بالقبض عليه؛ ~~فإن من يفر من سجن طولون لا يصعب عليه الفرار من سجن باريس، ولكنه كان يفتكر ~~مهتما بسواه؛ أي بميلون وبهاتين الأختين اللتين أصبحتا مرة ثانية في قبضة عدوهما ~~وليس لهما نصير. # وكان يحسن ظنه بفاندا وبنويل، ولكنه كان يعلم أنهما على ذكائهما ومهارتهما لا ~~يستطيعان مقاومة تيميلون، لا سيما إذا نجا كارل وانضم إليه. # ثم حسب أن اليوم يوم السبت، وأن القاضي قد لا يحقق في أمره إلا يوم الاثنين، فلا ~~سبيل له إلى الخروج من السجن بالتبرئة أو بالفرار قبل الاثنين؛ فاغتم غما شديدا ~~لشدة حاجة الأختين له في هذه المدة، ولكنه أظهر الجلد، ولم يبد شيئا من دلائل ~~الكآبة. # وظلت المركبة سائرة حتى ms1058 بلغت إلى باب السجن، فنزل الضابط والجنديان ونزل روكامبول ~~بعدهم، وفيما هو ينظر إلى ما حواليه رأى رجلا واقفا على الرصيف فارتعش عندما رآه؛ ~~لأنه كان تيميلون، وعرف في الحال أن تيميلون قد تعهد للحكومة أن يسلمها روكامبول ~~مقابل صفحها عنه وهو ما يتفق كثيرا للصوص، فقال في نفسه: لا شك أن هذا الشقي أقوى ~~مما كنت أعهده، ثم نظر إلى تيميلون نظرة نارية تدل على ما أعد له من الانتقام ~~الهائل. # ولما مثل روكامبول أمام رئيس البوليس قال: إني أدعى الماجور أفاتار، وليس لي أقل ~~اتصال بالرجل الهارب من السجن، فأرجو إجراء التحقيق على الفور. # فأجاب الرئيس : يستحيل استنطاقك اليوم، إذ يجب مقابلتك مع رجل كان يعرفك في سجن ~~طولون. # فابتسم روكامبول ابتساما يشف عن الاحتقار، ثم قال: وبعد ذلك؟ ~~- وأن هذا الرجل الذي كان مقيدا معك بقيد واحد في ذلك السجن يدعى ميلون. # فضبط روكامبول نفسه جهد الطاقة، وسأله: لماذا لا تجمعوني به الآن؟ ~~- ذلك مستحيل الآن؛ لأن هذا الرجل قبض عليه في محطة فلانسيان وهو يحاول اجتياز ~~الحدود، ولم يصل به إلى الآن. ~~- متى يصل؟ ~~- بعد يومين أو ثلاثة. ~~- إذن، ليكن ما تريد. # فأخذه الحراس إلى السجن، ولما خلا بنفسه فيه وضع رأسه بين يديه، وقال بلهجة ~~القانط: إن ميلون أبله لا حيلة له، فإذا قبض عليه فقدنا كل شيء. # 28 # لقد أصاب روكامبول بما ظنه بتيميلون، فإن هذا اللص كان يكره روكامبول كرها لا حد ~~له، لا سيما وأنه قد غلبه، وهو يعتقد في نفسه أنه أكثر خبرة من روكامبول في أساليب ~~المهنة فعد اندحاره معه عار لا يزول إلا بأخذ الثأر. # فبينما كان يتأهب للسفر مع ابنته إلى البلاد الأميركية ورده من أحد جواسيسه في ~~باريس هذا التلغراف: # مورليكس سافر قبضت المال، روكامبول برح باريس. # فاطمأن قلبه لسفر روكامبول، وثارت فيه عوامل الانتقام، فوضع ابنته عند عائلة ~~إنكليزية عرفها في ليفربول، وبرح ليفربول إلى دوفر. # وجعل يخابر من تلك المدينة رئيس البوليس في باريس فأفضت ms1059 المخابرات إلى الإذن ~~لتيميلون بالعودة إلى باريس، ويكون مطلق السراح فيها بشرط أن يقبض على روكامبول في ~~مدة شهر. # وبعد ذلك بيومين عاد إلى باريس، وكان أقصى همه: أن يبحث عن أجينور دي مورليكس ~~وأنطوانيت لاعتقاده أنه لا يهتدي إلى روكامبول إلا بواسطتهما؛ فتنكر وذهب إلى منزل ~~أجينور فسأل عنه البواب، فأخبره أنه غير مقيم في باريس، وأنه يحضر مرة أو مرتين في ~~الأسبوع لاستلام رسائله. # وجعل تيميلون يكمن له كل يوم، ولكن انتظاره لم يطل؛ فإن أجينور أقبل في اليوم ~~التالي في مركبة لأخذ رسائله حسب العادة، وكان تيميلون كامنا له عند الباب، ولما ~~عاد في المركبة ركب تيميلون مركبة أخرى، وسار مقتفيا أثره، وعرف البيت الذي يقيم ~~فيه مع أنطوانيت ومرتون. # وفي اليوم التالي خطر له اختطاف أنطوانيت بذلك التلغراف الذي تقدم ذكره، فأرسل ~~عاملا من عماله إلى كولون، فأرسل منها إلى ميلون ذلك التلغراف باسم الماجور ~~أفاتار. # ولما وصل التلغراف كان تيميلون متنكرا بزي سائق، وواقفا بمركبته قرب ذلك البيت ~~فخرج ميلون مع أنطوانيت، وركب تلك المركبة فذهبت بهما إلى المحطة. # وهناك بينما كان ميلون مهتما بنقل الأمتعة إلى القطار كان تيميلون قد دخل إلى ~~المحطة ورأى فيها رجلا وامرأة فدلهما بإصبعه على ميلون وأنطوانيت، وأشار لهما ~~إشارة خفية وانصرف. # فدنا الرجل وكان عليه ملامح الجلال والمهابة من ميلون، وقال له: ألعلك مسافر مع ~~تلك السيدة إلى كولون؟ ~~- نعم، وأنا مسافر أيضا مع ابنتي إليها. # ثم صعدوا جميعهم إلى القطار، فسافر بهم، وكان الرجل والفتاة يظهران لميلون ~~وأنطوانيت من التلطف والإيناس ما وطد بينهما المحبة، فأصبحا يثقان بهما كل ~~الوثوق. # أما تيميلون؛ فإنه أسرع إلى رئيس البوليس، فقال له: إني لم أعثر بعد بروكامبول، ~~ولكني عثرت بأحد رفاقه في السجن. ~~- من هو؟ ~~- هو الذي كان مقيدا معه بقيد واحد. ~~- ميلون؟ ~~- هو بعينه ... ~~- وأين هو الآن؟ ~~- في القطار المسافر إلى كولون. ~~- إذن، صف لي هذا الرجل وملامحه وكل ما يعرف به. # فوصف له تيميلون وصفا تاما، فأرسل الرئيس ms1060 تلغرافا إلى بوليس فاليسيان يأمره فيه ~~بالقبض على ميلون بعد أن أوضح جميع صفاته بالتلغراف، وأخبره أن هذا الرجل يدعى ~~ميلون، وأن لديه جواز سفر مكتوب اسمه فيه بالدوني، وأنه مسافر مع رجل عجوز تصحبه ~~ابنته، إلى غير ذلك من الأدلة التي تساعد البوليس على الاهتداء إلى ميلون. # أما هذا الرجل العجوز وابنته اللذان سافرت معهما أنطوانيت وميلون فقد كانت تدل ~~هيئته وملابسه على أنه من رجال الوجاهة والخير والصلاح، وهو في الحقيقة عامل من ~~عمال تيميلون، وكان يدعو نفسه الكولونيل جيبين، ويتظاهر أمام ميلون وأنطوانيت ~~بالنفوذ والبساطة، أما ابنته فكانت تلاطف أنطوانيت ملاطفة شديدة مدة السفر وهي ~~طويلة إلى أن استأنست بها ووثقت منها كل الوثوق. # وعند منتصف الليل وصل القطار إلى فاليسيان، فلم يكد يقف حتى فتح البوليس باب ~~المركبة المقيمة فيها أنطوانيت وقال يخاطب المسافرين: من منكم يدعى المسيو ~~بالدوني؟ # وقف ميلون، وقال له بملء البساطة: هو أنا. ~~- إذن، تفضل بالنزول واتبعني إلى غرفة المدير. # فامتثل ميلون وتبعه، وهو يحسب أن الأمر يتعلق بأمتعته؛ إذ لم يخطر له في بال أن ~~البوليس يقبض عليه بعد أن ضمن له روكامبول النجاة من السجن. # ولما نزل تبعته أنطوانيت فتبعها الكولونيل وابنته بعد أن نظر إليهما نظرة خفية، ~~حتى إذا دخلوا إلى غرفة المحطة وجد ميلون فيها قائدا من قواد البوليس فاصفر وجهه ~~وشعر بوقع المصاب. # وعند ذلك سأله الضابط: ماذا تدعى؟ ~~- جوزيف بالدوني. ~~- وما هي مهنتك؟ ~~- خادم غرفة المدموازيل، وأشار إلى أنطوانيت. ~~- أأنت واثق من أنك تدعى فرنسوا ميلون؟ # فاضطرب ميلون وعلم الحقيقة ولكنه تجلد، وقال: إني لا أدعى بهذا الاسم. ~~- إني أتمنى لك أن تكون صادقا، وأن تكون الحكومة منخدعة، فإنها تعتقد أنك فرنسوا ~~ميلون المحكوم عليه بالسجن عشرة أعوام، والهارب من سجن طولون. ~~- إنها مخطئة، فإني ما دعيت بهذا الاسم، وما هربت من السجن. ~~- ذلك ما تثبته في باريس، أما أنا فلا بد لي من القبض عليك الآن. # فاضطربت أنطوانيت واصفر وجهها اصفرارا شديدا، ووهت رجلاها حتى ms1061 أوشكت أن تسقط، ~~ولكن ابنة الكولونيل أسرعت إليها، فلما نظرها ميلون على هذه الحالة وهي قريبة من ~~الإغماء، جعل يبكي وينتحب ويشجعها بألطف الأساليب. # أما البوليس فنظر إلى أنطوانيت وقال لها: ليس لدي يا سيدتي أوامر خاصة بك، فإنك ~~تستطيعين مواصلة السفر إلى كولون، ثم أمر جنديين بالقبض على ميلون، فأكبت أنطوانيت ~~على عنقه تودعه، وكان لوداعهما تأثير شديد على الحاضرين. # وكان الاثنان يبكيان دون أن يحتجا على البوليس، فإن أنطوانيت لم تكن تعرف الكذب ~~حتى إن البوليس لو سألها: «ألا يدعى هذا الرجل ميلون؟» لأطرقت بنظرها إلى الأرض ولم ~~تجب. # ولما خرجوا بميلون إلى السجن وخرج الكولونيل وابنته بأنطوانيت سمعوا صفير القطار ~~الذي كانوا فيه وقد سافر دونهم إلى كولون، فتظاهر الكولونيل بالغضب حين رأى الجنود ~~ذاهبة بميلون، قال للبوليس: أواثق أنك غير منخدع بهذا الرجل؟ ~~- إني لم أفعل غير ما أمرني به رئيسي بتلغرافه الوارد إلي من باريس. # فالتفت الكولونيل عند ذلك إلى أنطوانيت، وقال له بلهجة الحنو ليس لي يا سيدتي ما ~~يدعوني إلى السرعة بمواصلة السير، ولا أطيق أنا وابنتي أن ندعك منفردة، فاعلمي أني ~~أدعى الكولونيل جيبين، ولي نفوذ عظيم، فلنعد إلى باريس وأنا أضمن لك خلاص هذا الرجل ~~في بضعة أيام. # فنظرت أنطوانيت إلى هذا الرجل الذي كان يكلمها بملء الثقة من نفوذه نظرة استعطاف ~~فصدقت كلامه، وقالت له: أتفعل ما تقول؟ ~~- دون شك. # ثم أخذها مع ابنته وسار بها إلى محل الانتظار في المحطة وهي تبكي، فكان يعزيها ~~ألطف عزاء ويقول لها: إن القطار الذي سيحضر من كولون إلى باريس سيمر قريبا ونعود ~~به إلى باريس، حيث نصل إليها في الساعة الرابعة صباحا، وإني أعدك بإطلاق سراح هذا ~~المسكين قبل ظهر اليوم التالي. # وبعد هنيهة سمع صفير القطار القادم من كولون، فتركها الكولونيل مع ابنته، وذهب ~~ليشتري تذاكر السفر. # وكانت أنطوانيت تفكر بأختها المريضة في كولون، وبميلون الذي سيبيت ليلته في السجن، ~~وبأجينور الذي لا يعلم الآن بما تقاسيه من العذاب. # ولولا أن ms1062 أجينور في باريس لترددت عن الرجوع إلى أعقابها، ولكنها افتكرت أن أجينور ~~سوف ينضم إلى الكولونيل فيسعيان إلى إنقاذ ميلون، فلم يبق في فؤادها أثر للتردد، ~~وركبت القطار مع الكولونيل وابنته فسار بهما، وهي لا تزال تبكي ميلون. # 29 # وكانت أنطوانيت حين السفر تشكو للكولونيل وابنته، والكولونيل يطمئنها ويذكر صداقته ~~مع كبار الموظفين وشدة اتصاله بالوزراء وكثرة نفوذه، وهو يكلمها بحنو وإشفاق، ~~ضامنا لها إنقاذ ميلون، فحكت له أنطوانيت بملء الإخلاص حكاية ميلون، وأنه هرب ~~حقيقة من سجن طولون، ولكنه لم يرتكب جريمة تستوجب العقاب، بل إنه كان بريئا، وقد ~~كاد له أحد الخائنين فاتهمه بتهمة وهو بريء منها. # فأظهر الكولونيل سرورا عظيما، وقال: لقد أحسنت بما قلته لي؛ فإن براءته تعينني ~~على إخراجه. # ووصل القطار بهم إلى باريس في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل فخرجوا منه جميعهم ~~ثم ركبوا مركبة، وأمر السائق أن يذهب بهم إلى شارع بلفوند نمرة 21. # وكان الكولونيل قد أخبر أنطوانيت في القطار أنه يسكن في ذلك الشارع وهو قريب من ~~المحطة، وطلب إليها أن تذهب مع ابنته فتبقى فيه إلى أن يشرق الصباح، فيذهب إلى دار ~~الحكومة ويعود إليها بالخبر اليقين عن ميلون. # وحاولت أنطوانيت أن تأبى هذه الدعوة، وأن تذهب إلى أجينور، ولكن الكولونيل كان يلح ~~عليها ويكلمها بلهجة ملؤها الحنو والإخلاص، فلم يسعها إلا القبول. # وسارت بهم المركبة حتى بلغت منزلا تكتنفه حديقة متسعة، فوقفت عند بابها ودخلوا ~~جميعهم. # فصعدوا بضع درجات، وفتح الكولونيل باب البيت بمفتاح كان بجيبه، فولجه إلى ردهة ~~متسعة، فأدخلت ابنة الكولونيل أنطوانيت إلى غرفة، وقالت لها: إني ذاهبة لأحضر لك ~~المصباح، وأوقظ الخادمة كي توقد لك النار في المستوقد، فتنامين إلى أن يعود ~~أبي. # ولما دخلت أنطوانيت وأصبحت وحدها في تلك الغرفة هاجت بها الهواجس، وتوقعت السوء، ~~وهي لا تعلم ما يدفعها إلى هذه المخاوف. # ثم حاولت أن تفتح النافذة لترى ما يحيط بها، فإن الفجر قد بدأ ينبثق، ولما أزاحت ~~ستائر الغرفة وحاولت فتح النافذة وجدت أنها ms1063 لا تفتح فاضطرب فؤادها، وتمكن منها ~~الخوف فأسرعت إلى الباب تفتحه فوجدت أنه موصد من الخارج. # فجعلت تنادي ابنة الكولونيل، فلم تجبها، ولما طال نداؤها لها دون أن يجيبها غير ~~الصدى جعلت تستغيث، وتقول إلي يا أهل النجدة. وقد أيقنت أنها وقعت في فخ نصبته لها ~~هذه العائلة. # ثم سمعت صرير مفتاح في القفل فخجلت من نفسها، وحسبت أن ابنة الكولونيل قدمت إليها، ~~ولكنها ما لبثت أن رأت الباب قد فتح حتى تراجعت إلى الوراء واختنق صوتها ولم تعد ~~تستطيع الكلام. # ذلك أنها رأت على عتبة الباب امرأة حاملة مصباحا بيدها، جعلت تنظر إليها وتقول ~~بلهجة الهزء: إذا كنت قديسة كما كانوا يقولون عنك في السجن فهذه فرصة لاختراع ~~العجائب. # وكانت تلك المرأة مدلين الملقبة شيفيوت، وهي التي كانت عدوة أنطوانيت في سجن سانت ~~لازار، وحاولت تسميمها بأمر من تيميلون، كما يذكر القراء في الرواية المتقدمة التي ~~عنوانها سجن طولون. # ولما رأت شيفيوت ما كان من رعب أنطوانيت، جعلت تضحك وتقول لها: لا فائدة من صراخك ~~إذ لا يجيبك غير الصدى. # وسمعت عند ذلك صوت رجل يقول: وأنا أيضا، فإني لا أزال هائما بهذه ~~الحسناء. # ثم ظهر هذا الرجل، ولما رأته أنطوانيت شهقت شهقة عظيمة وسقطت مغميا ~~عليها. # أما هذا الرجل فقد كان اللص المدعو بوليت. # وهو الذي ادعى حين قبض على أنطوانيت، وسيقت إلى سجن لازار في الرواية السابقة أنه ~~كان خليلها. # وأما الكولونيل وابنته فقد اختفيا ولم يظهر لهما أثر. # 30 # ولندع الآن أنطوانيت في قبضة شيفيوت وبوليت، ولنعد إلى فاندا تلك المرأة الشديدة ~~الذكية الصبورة التي اختارها روكامبول عونا له، وجعل جل اعتماده عليها في إنقاذ ~~أنطوانيت. # فإن فاندا حين فتحت النافذة ونظرت منها الجنود وروكامبول علمت كل شيء فقالت ~~لمدلين: انتظريني قليلا سأعود إليك. # ثم دخلت إلى غرفة روكامبول وأخرجت من خزانته علبة كان فيها ست حبات سوداء صغيرة لا ~~يزيد حجم الواحدة منها عن رأس الدبوس. # وكان لهذه الحبوب تأثير عظيم، ولم تكن فاندا تعلم ms1064 حقيقة نتائجها، ولكنها ذكرت أن ~~روكامبول قال لها مرة: إذا قبض علي يوما فابذلي جهدك بإيصال حبة إلي من هذه الحبوب ~~وأنا أتدبر فيها. # وسألته: ألعل فيها سم؟ ~~- نعم، ولكنها لا تميت من يبتلعها ولا يخلص من تأثيرها إلا بعد ست ساعات. # واكتفت بهذا الجواب المبهم. # وعندما فتحت تلك العلبة أخذت حبة منها ووضعتها تحت لسانها، ونزلت لمقابلة روكامبول ~~فودعته وعانقته ونقلت الحبة من فمها إلى فمه حين التقبيل. # ثم خرج الجند بروكامبول، وعادت فاندا إلى الداخل وهي تردد في نفسها كلمات روكامبول ~~واعتماده عليها في إنقاذ أنطوانيت، فدخلت إلى مدلين، وقالت لها: إنك نجوت من فظاعة ~~بطرس السائق، ومن أنياب الذئاب ومن سفالة كارل مورليكس، ولكن الأخطار لم تنته ~~بعد. # فأجفلت مدلين، وقالت: رباه! ماذا حدث؟ ألعل الخطر قد داهم أختي وميلون؟ ~~- لا أعلم شيئا. ~~- وروكامبول؟ ~~- إن الجنود قبضوا عليه، وهو الآن في طريق السجن، ولكني لا أخشى عليه. ~~- رباه! وأنطوانيت ماذا جرى لها؟ ~~- سوف أنقذها. # وعند ذلك دخل نويل وعليه علائم الذعر والاضطراب، وقال: لقد قبضوا على ~~روكامبول. # فنظرت إليه فاندا نظرة إنكار، وقالت: ألعلك خفت فاعلم الآن أنه إذا كان قد قبض على ~~الرئيس فأنا للرئاسة مكانه. ~~- وأنا مستعد للخضوع. ~~- إذن، فاعلم أنه يجب أن تذهب بهذه السيدة إلى منزل أمك. ~~- في شارع سربنت؟ ~~- نعم! # فقالت مدلين: لماذا لا أبقى معك؟ ~~- ذلك لأن كارل مورليكس الذي يريد لك الموت إذا كان قد أكلته الذئاب كما أتمنى ~~فإنه ليس الرجل الوحيد الذي يسعى إلى إعدامك وإعدام أختك، فقد ترك في باريس حين ~~سفره إلى روسيا معاونين له اغتنموا فرصة غيابنا واختطفوا أنطوانيت، واحتجب ميلون ~~وكادوا لروكامبول، على أن روكامبول لا يشغل بالي؛ فإن جدران السجون لا تعترضه إذا ~~أراد الخروج منها، ولكن الذي يشغلني ميلون وأنطوانيت. ~~- أتنقذين أختي أليس كذلك؟ ~~- ذلك لا بد منه ولا أستطيع إنقاذها إلا إذا رأيتك ممتثلة لي في جميع ما ~~أريد. ~~- سأكون معك أطوع من بنانك. ~~- إذن، فاعلمي أنهم إذا كانوا قبضوا على ms1065 روكامبول عند باب هذا المنزل؛ فهم يعلمون ~~أننا نقيم فيه، ولا أكون آمنة عليك، ولهذا أحببت أن تذهبي مع نويل، فسيري معه على ~~بركات الله، وثقي به كما تثقين بروكامبول. ~~- وأنت ماذا تصنعين؟ # فابتسمت وقالت: إني أريد أن أبرهن لروكامبول بأني أهل له. # ثم قالت لنويل: سر الآن بهذه السيدة واعلم أنك مسئول عنها، ثم اعلم أنه يجب أن ~~أراك في هذه الليلة، فأين أجدك؟ ~~- أتريدين أن أنتظرك في شارع سربنت؟ ~~- كلا ... فقد يمكن أن يقتفوا أثري. ~~- إذن، أين تريدين؟ # ففكرت فاندا هنيهة وقالت: في الساعة الثامنة من هذا المساء وراء تياترو ~~فاندسور. ~~- سأحضر في الوقت المعين. # ثم خرجوا جميعهم، فذهب نويل ومدلين في مركبة، وذهبت فاندا في مركبة أخرى إلى ~~المنزل الذي كانت تقيم فيه أنطوانيت، فرأت أن أجينور قد ذهب، ولكنها بقيت هناك ~~مرتون الحسناء، وهي شبيهة بالمجانين لخوفها على أنطوانيت، فقالت لها فاندا: ألا ~~تثقين بي كما كنت تثقين من قبل؟ # وكان هذا الكلام بلسما لجراحها، وقالت لها: نعم فإني أعلم أنك قادرة. ~~- إني أقدر على كل شيء، إذا كنت أجد حليفا مساعدا. # فنظرت إليها مرتون بعينين تتقدان، وقالت: مري فإني أطوع من العبيد. ~~- إذن، فاتبعيني إذ لا بد لنا من إيجاد أنطوانيت. # ثم خرج الاثنان وركبتا مركبة وذهبتا. # 31 # بعد يومين من الحوادث المتقدمة، وفي الساعة السابعة من الصباح وقفت مركبة أمام قصر ~~كارل دي مورليكس، ووراءها مركبة أخرى تحمل أمتعة، فكان في مركبة الأمتعة خادمان ~~وهما بيريتو الإيطالي وبطرس السائق، وفي المركبة الأولى مسافران وهما كارل دي ~~مورليكس وإيفان دي بونتيف. # وكانت المودة استحكمت بين كارل وإيفان في مدة السفر، حتى بات إيفان يثق بكارل ثقة ~~لا حد لها، وأخص أسباب هذه الثقة أن كارل وعده أن يجد له مدلين. # ولما وقفت المركبة نزلا منها، فأخذه كارل بيده قائلا: هلم معي، فإن هذا القصر ~~قصرك وقد أعددت لك فيه الدور الأول. # ثم صعد به إلى محل الذي أعده له، وكان بيريتو يظهر حنوا عظيما على ms1066 إيفان، فإنه ~~بينما كان الخدم يخرجون الأمتعة من المركبة كان يظهر لهم إشفاقه وخوفه على سيده ~~إيفان، وأنه مجنون وأعراض جنونه ناتجة عن هيامه بفتاة لا وجود لها. # فكان الخدم ينظرون إلى إيفان ساكتين مشفقين، وكلهم واثقون أن إيفان من ~~المجانين. # وبينما كانوا يتباحثون في جنون إيفان وغرامه، كان كارل مورليكس في غرفته يفض أختام ~~رسائله ويطالعها، وقد عثر بينها على رسالة من تيميلون ففضها بيد مرتجفة، وقرأ ما ~~يأتي: # سيدي الفيكونت # مررت أمس بمنزلك فأخبرني البواب أنه ورد منك تلغراف من برلين وهو ما يدل على ~~أنك رجعت من روسيا، فلا تضع الوقت عند عودتك وأسرع إلى المدموازيل جينين، ~~فإنها تنتظرك في شارع لندرا، وقد قبضت على أنطوانيت، فليطمئن بالك، فإنها في ~~محل أمين. # تيميلون # ثم فتح كتابا آخر علم أنه وارد إليه من طبيب خاص بمعالجة المجانين، يقول له فيه ~~إنه مستعد لمعالجة الضابط الروسي (أي إيفان) وأنه يؤمل أن يشفيه بوقت قريب، ولكنه ~~لا يستطيع الجزم قبل أن يرى المريض، ولذلك فهو سيزوره غدا في منزله، فإذا وجد ~~المريض ممكنا شفاؤه أخذه إليه بحجة من الحجج. # فلما قرأ الفيكونت هذا الكتاب نظر في ساعته فإذا بها قد بلغت الثامنة، فقال في ~~نفسه: كنت أود أن أذهب إلى ابنة جيبين، ولكن لا بأس فلننتظر الطبيب. # ولم يطل انتظاره، فإنه سمع بعد ربع ساعة أن الباب الخارجي يطرق، فأطل من النافذة ~~ورأى أن الطارق طبيب المجانين فأمر بإدخاله إليه. # وخلا الطبيب بكارل، فأخبره الفيكونت عن نوع جنون إيفان وبالغ ما شاء بثروة عائلته ~~كي يطمعه، ثم قال: إنك لا تستطيع أن ندرس الآن نوع جنونه إلا بالمحادثة، وستتم ~~أبحاثك حين يغدو عندك، والآن فإننا على وشك العودة من سفر طويل، وقد أخذ منا الجوع، ~~فسنجلس جميعا على المائدة وأقدمك لإيفان بصفتك من أصحاب الأملاك. # وهو لا يعرف باريس، فتعرض عليه منزلك في شارع باسي كي يقيم فيه مع حبيبته مدلين، ~~وهي لا وجود لها إلا في مخيلته كما أخبرتك، ms1067 فإذا بلغت إلى منزلك، حجرت عليه مع من ~~عندك من المجانين، وعالجته كما تشاء، فيكون لك غنم كبير إذا تمكنت من شفائه؛ فإنه ~~وحيد أبيه، وهو من أغنى الأغنياء. # وبعد ساعة كانوا جميعهم على المائدة، فلما فرغوا من الطعام جعلوا يتحدثون فكان ~~كارل يدفع إيفان إلى الكلام عن مدلين، وهو أحب حديث لديه فيندفع في الكلام عنها، ~~ويذكر حوادثه السابقة بشكل يدفع الطبيب إلى الثقة بجنونه، لا سيما بعد أن أخبره ~~كارل بما أخبره عنه. # ثم جعلوا يتنقلون في الحديث إلى أن أخبره الطبيب أنه يوجد لديه بيت خال يليق أن ~~يقيم فيه مع حبيبته مدلين، وسأله إذا كان يريد أن يراه بعد أن بالغ في وصفه، فتاق ~~إيفان إلى مشاهدته، ودعاه إلى الذهاب معه، وكان كارل قد أعد المركبة، فاستأذن منه، ~~وخرج مع الطبيب، وهو يحسبه من أصحاب الأملاك كما عرفه به كارل، ثم ركبا المركبة، ~~فسارت بهما إلى شارع باسي. # وكانت هي المرة الأولى التي قدم فيها إيفان إلى باريس، فكان يدهش من مناظر شوارعها ~~الجميلة، وقد انشغل بها عن محادثة الطبيب. # فبينما كانت المركبة تسير في شارع مزدحم بالمركبات وإيفان ينظر إلى المارة نظر ~~المندهش؛ إذ حانت منه التفاتة إلى مركبة مرت بجانبه فصاح صيحة عظيمة قائلا: هذه هي ~~مدلين. # فانذعر بيريتو الخادم وخاطب نفسه: إذا كانت هذه مدلين حقيقة، فقد فسد حساب ~~فاسيليكا وذهبت مساعي انتقامها أدراج الرياح. # أما إيفان فإنه استوقف السائق، فأجفل الطبيب وسأله: ماذا تصنع؟ ~~- هو ذا مدلين قد مرت. # ثم وثب من المركبة وهو لا يلوي على أحد، وجعل يركض وراء المركبة التي رأى فيها ~~الفتاة ويصيح بالسائق أن يقف وينادي مدلين. # فوقفت المركبة واحتشد الناس من حول إيفان وتلك الفتاة، وقد دهشوا حين رأوه دنا ~~منها وجعل يكلمها بلهجة الحب الشديد وهي تنظر إليه منذهلة لا تفهم ما يريد إلى أن ~~قالت له: إنك واهم يا سيدي، لأني لا أدعى مدلين بل كارولين وما رأيتك من ~~قبل. # فلما سمع إيفان صوتها ms1068 تراجع عنها بعد أن اعتذر إليها ألطف اعتذار، وكان الطبيب قد ~~أسرع إليه وعاد به إلى المركبة، فلما رأى الناس الطبيب يصحبه وهو مشهور بينهم، ~~عرفوا أن الفتى مجنون، فتفرقوا وهم بين ضاحك لما اتفق، وآسف لحالة هذا الشاب ~~وجنونه، وهو في مقتبل العمر وريعان الصبا. # أما إيفان؛ فإنه جلس بجانب الطبيب، فسارت بهما المركبة، وهو يقول: ما أعجب ~~التشابه؛ فإني لولا صوتها لما شككت أنها مدلين. # ولكن الطبيب لم يبق لديه بعد هذا القول، أدنى شك أنه من المجانين، فقال له: ~~عجبا! كيف أن هذه الفتاة كارولين تشبه حبيبتك مدلين هذا الشبه؟ ~~- إن ذلك من غرائب الطبيعة، ولكني سمعتك تقول: إن هذه الفتاة تدعى كارولين فهل لك ~~بها معرفة؟ ~~- أعرفها كما يعرفها أكثر أهل باريس؛ لأنها من شهيرات بنات الهوى. # فأطرق إيفان هنيهة، ثم عاد ينزه نظره في الشوارع والمركبة تسير بهما على عجل حتى ~~اجتازت مسافة بعيدة. # وقبل أن تدخل في شارع باسي رأى إيفان مركبة تسير بسرعة شديدة، ورأى فيها رجلا ~~وامرأة فصاح صيحة جديدة قائلا: لا يمكن أن أكون مخطئا هذه المرة فهذه هي ~~مدلين. # ثم حاول أن يشب من المركبة فمنعه الطبيب وقبض عليه بيد من حديد. # ولم يكن إيفان مخطئا؛ لأن التي رآها في المركبة كانت مدلين نفسها وهي ذاهبة مع ~~نويل. وقد رأته هي أيضا فاضطربت اضطرابا شديدا وضغطت على ساعد نويل. # أما الطبيب فإنه منعه من الوثوب إلى المركبة، وقال: إنك لا تستطيع أن تدرك مركبتها ~~الآن؛ لأنها تسير بسرعة شديدة. # وكان الطبيب قد تبدل نظرة سرية مع بيريتو، ولم يعد لديه أقل ريب بجنونه؛ لأنه ادعى ~~مرتين أنه رأى مدلين، فتعاون الخادم عليه، وقال له: لا حاجة إلى وثوبك من المركبة ~~والعدو لأن إيجادها من أسهل الأمور. ~~- كيف أستطيع إيجادها؟ ~~- ذلك لأني عرفت نمرة المركبة التي تسير فيها وهي 3119. ~~- وإذا كنت عرفت النمرة؟ ~~- نذهب إلى إدارة شركة المركبات بعد زيارة منزلي فنعرف من النمرة السائق، وهو ~~يدلنا على المنزل الذي ذهبت ms1069 إليه مدلين. # فوثق إيفان من قوله، وكانت المركبة قد بعدت بعدا شاسعا في خلال الحديث، فاستمرت ~~في سيرها حتى بلغت ذلك المسكن الذي أعده الطبيب مستشفى للمجانين. # فدخلت المركبة في ردهة المسكن، وأسرع الخدم إلى استقبالها، فأقفلوا في الحال الباب ~~الكبير دون أن ينتبه إيفان لما يفعلون، ثم دخل الطبيب إلى قاعة فسيحة وقرع جرسا ~~فأقبل إليه ثلاثة عليهم ملابس رجال الصحة، فدفع إليهم إيفان قائلا لهم: هو ذا ضيف ~~جديد، أريد أن تعتنوا به كل الاعتناء، وأن تبدأوا بعلاجه بالماء البارد إلى أن ~~أعود. # ثم تركهم وانصرف. # فأحاط الثلاثة بإيفان وقد دهش دهشة شديدة لما رآه، فقال لهم: ماذا تريدون ~~مني ؟ # فجعل كل منهم ينظر إلى الآخر ويبتسم إلى أن قال له أحدهم: هلم معنا إلى الحمام ~~البارد لأنه ينفعك. # فصاح إيفان صيحة منكرة وقد علم من ملابسهم وكلامهم أنه في مستشفى المجانين. # أما الثلاثة فإنهم هجموا عليه وقادوه بالعنف، فكان بيريتو الخادم يضحك من ورائه ~~معجبا بسيدته فاسيليكا وبانتقامها الغريب. # 32 # ولنعد الآن إلى كارل دي مورليكس، فإنه بعد أن خرج من منزله الطبيب وإيفان أسرع ~~بالخروج في أثرهما، فركب مركبة وذهب بها إلى شارع لندره؛ حيث كتب له تيميلون أن ~~يقابله في بيت عينه له ابنه الكولونيل جيبين. # فلما وصل رأى تلك الفتاة بانتظاره، فقال لها: إني الفيكونت كارل دي ~~مورليكس. # فانحنت الفتاة أمامه باحترام، وقالت: إني أعلم يا سيدي السبب في قدومك، فتفضل ~~بالانتظار هنيهة إلى أن يعود تيميلون، فقد ذهب أبي يدعوه. ~~- من أين؟ ~~- من المحل المحبوسة فيه الصبية؛ لأنها ليست في هذا المكان. # وبعد هنيهة جاء تيميلون فأطلق سراح الفتاة، وجلس بإزاء الفيكونت، ودار بينهما ~~الحديث الآتي: # قال تيميلون: إن أنطوانيت باتت في قبضة يدي الآن. ~~- لقد كتبت لي عن ذلك. ~~- وهي لا تفلت مني في هذه المرة. ~~- ما دام روكامبول موجودا لا أثق بشيء. ~~- أوثقت من قوته الآن؟ ~~- كل الوثوق. ~~- أظن أنك التقيت به في روسيا؟ # فهز كارل رأسه إشارة إلى المصادقة وقد ms1070 اصفر وجهه لذكر تلك الحوادث. # فابتسم تيميلون وتابع: لقد علمت بعض حوادثك معه، فقد ظفرت بمدلين، ثم أنقذها ~~منك. # فعض الفيكونت شفته من الغيظ وأجاب: لا بد لي من إيجادها. ~~- وأنا كذلك. ~~- ولكن روكامبول لا بد أن يكون حذرا عليها كل الحذر. # فضحك تيميلون وأجاب: ستقص علي حوادثك فيما بعد. والآن، اسمع حوادثي، فإني تركت ~~ابنتي في إنكلترة إذ لولاها لما غلبنا روكامبول في المرة الأولى، وعدت إلى باريس، ~~ولكن أتعلم إلى أين ذهبت؟ ~~- كلا، وكيف تريد أن أعلم؟ ~~- إني ذهبت توا إلى إدارة البوليس فسلمت نفسي؛ لأني كنت متهما بسرقة منزلك، ~~ولكنهم أطلقوا سراحي، أتعلم لماذا؟ ~~- ألعلك أثبت لهم براءتك؟ ~~- لم أتكلف إلى ذكر كلمة بهذا الشأن، ولكني عرضت عليهم تسليم روكامبول مقابل إطلاق ~~سراحي. # فهز كارل رأسه وأجاب: لقد جريت شوطا بعيدا في أحلامك؛ لأن روكامبول لا ~~يؤخذ. ~~- إنك منخدع يا سيدي الفيكونت، فإنه سجين منذ ساعة. # فوثب كارل عن كرسيه وهو لا يصدق ما يسمع وسأله: أحقيقة ما تقوله أم أنت تهزأ ~~بي؟ ~~- كلا، فلا أقول لك غير الحق. ~~- ولكنه سيفر من السجن. ~~- إنهم قد اتخذوا الاحتياطات الشديدة، فلم يبق له سبيل إلى الفرار. ~~- ولكنهم سيعيدونه إلى سجن طولون، وسيفر كما فر من قبل. ~~- كلا إنك منخدع أيضا؛ لأن روكامبول قد اتهم في سجن طولون بالاشتراك بقتل أحد ~~وكلاء السجن الذي قتله أحد أصحابه انتقاما لكلبه، فهم سيحكمون عليه بالإعدام، وليس ~~بالسجن كما توهمت الآن، فإذن لم يبق خوف من روكامبول، فلنتحدث فإن روكامبول قد عاد ~~من روسيا بمدلين. # فبدت علائم الاضطراب في وجه كارل، وقال: أين هي مدلين؟ ~~- ستكون في قبضتي حين أشاء. ~~- إذن، ستقبض عليها في الحال. ~~- كلا، إذ يجب قبل ذلك أن نتفق. ~~- إنك تريد أن نتفق على مبلغ جديد؟ ~~- دون شك. ~~- قل إني مصغ إليك. ~~- إن العيش في إنكلترا أدعى إلى النفقة منه في فرنسا، ومن عاشر الإنكليز ونظر إلى ~~نفقاتهم يحسب الفرنسيين فقراء بإزائهم. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن من يكون دخله 25 ألف ms1071 فرنك في فرنسا يحسب نفسه غنيا، وأما هذه القيمة في ~~إنكلترا فهي تدل على المسكنة، وأنا أحب العيش في تلك البلاد. # فحملق كارل بعينيه وسأله قل: ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أبيعك أولئك الثلاثة الذي حرموك لذة الرقاد مبتدئا بروكامبول؛ فكم تقدر ~~ثمنه؟ ~~- لا أعلم. ~~- ثم أنطوانيت ثم مدلين. أما روكامبول فلا حاجة إلى الاهتمام به الآن، وأما ~~الأختان فإن شأني معهما غير شأني مع روكامبول على أني أسلمهما لك أو أفعل بهما ما ~~تريد. ~~- كم تطلب مقابل ذلك؟ # فأجابه تيميلون ببرود مليون فرنك فقط. ~~- مليون فقط! لا شك أنك مجنون. # فنهض تيميلون عن كرسيه وأجاب: إني كنت أتوقع منك مثل هذا الجواب، ولكن يجب أن تعلم ~~أني لا أنقض شيئا من مطالبي. ~~- وأنا أعيد إليك ما قلته وهو أنك مجنون. ~~- إنك مخير بين الرفض والقبول. # فضرب كارل الأرض برجله ورد: ويحك! كيف تجسر على مثل هذا الطلب ألا تعلم كم يبلغ ~~المليون؟ ~~- لا أنكر أنه ثمن فاحش، ولكني أعرف رجلا آخر يعطيني هذا المليون دون ~~تردد. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- هو ابن أخيك أجينور دي مورليكس. # فنظر الفيكونت إلى تيميلون نظرة منكرة، وساد بين هذين اللصين سكوت فصيح، يدل على ~~أن حياة الأختين اليتيمتين معقودة على كلمة تصدر من فم الفيكونت. # 33 # ولنعد الآن إلى أنطوانيت فلقد تركناها جاثية على ركبتيها، وقد ملأ الذعر قلبها، ~~وهي تستعيذ بالله من شر بوليت وشيفيوت. # فكان بوليت يقول لها وقد بدت في وجهه ملامح الفرح الوحشي: إنك لا تنكرين حبي ولا ~~تفلتين من يدي هذه المرة. # وكانت شيفيوت تدنو منها متهددة منذرة فتقول: إنك خرجت من السجن ميتة، ثم ردت إليك ~~الحياة، ولكنك ستموتين هنا، ولا ترد إليك الحياة! # ثم تهددها بقبضتها وتحاول ضربها. # وكانت أنطوانيت راكعة تصلي دون أن تحاول الدفاع. # ولكن يد شيفيوت قبل أن تصل إلى أنطوانيت قبض عليها بوليت من وسطها وألقاها بعيدا ~~عنه في أرض الغرفة، وهو يقول: احذري بعد ذلك أن تمسي هذه الفتاة بسوء. # غير أن ms1072 شيفيوت لم تكترث لما أصابها من بوليت، فنهضت من سقوطها وهجمت مغضبة على ~~أنطوانيت، فحال دونها بوليت، وجرى بينهما قتال عنيف. # وكانا يتشاتمان بأقبح ألفاظ السجون، فيتلاكمان ويتضاربان ويفترقان ويتلاحمان، كل ~~ذلك وأنطوانيت تنظر إلى هذين العدوين الهائلين نظرات الرعب وهي تتمنى النصر ~~لشيفيوت؛ لأنها تؤثر ألف مرة أن تموت بضرباتها على أن تقع في قبضة ذلك الفاسق الذي ~~يدافع عنها. # وفيما هما يتقاتلان - وقد يئست أنطوانيت من النجاة - فتح الباب ووقف على عتبته ~~رجل، فاضطرب لمنظره المتقاتلان، وتراجعا إلى الوراء، وقد صبغ وجههما بحمرة ~~الخجل. # وكان هذا الرجل تيميلون فانتعش فؤاد أنطوانيت حين رأته؛ لأنها لم تكن رأته من قبل، ~~فحسبت أنه قادم لإنقاذها فأسرعت إليه، وقالت له بلهجة المتوسل: أنقذني يا سيدي بحق ~~السماء. # غير أن تيميلون لم يجبها، بل نظر مغضبا إلى بوليت وشيفيوت، وقال لهما: أوضحا لي ~~أسباب هذا الخصام. # فدنت شيفيوت وقالت: إن هذه الفتاة أساءت إلي إساءة شديدة في سجن سانت لازار، ولما ~~رأيتها أردت أن أنتقم منها فمنعني بوليت. # فقال تيميلون لبوليت: وأنت ماذا تقول؟ ~~- إن أمري بسيط، وهو أني أحببت هذه الفتاة، ولا أريد أن يضربها أحد. ~~- إني لا أؤذن لأحد منكما بالإساءة إليها، فإني وضعتكما معها لحراستها ومنعها عن ~~الفرار فاخرجا الآن، واعلما أنكما إذا عصيتما أوامري أرجعتكما إلى السجن، إنكما لا ~~تخرجان منه إلا بوساطتي. # فخرج الاثنان، وعلمت أنطوانيت أن هذا الرجل الذي كانت ترجو أن ينقذها كان ألد ~~أعدائها. # أما تيميلون فإنه أقفل الباب ودنا منها، فقال: ألا تعرفينني يا سيدتي؟ # فقالت وهي ترتجف من الخوف: هذه هي المرة الأولى التي أراك فيها، ولكني أسألك بالله ~~يا سيدي أن توضح لي ما يكتنفني من الأسرار. ~~- إن الأمر بسيط، فإنك تعرفين تاريخك حق العرفان، ولا سبيل إلى كتمان الحقيقة عنك، ~~فأنا الذي قبضت على ميلون، وإن الكولونيل الذي رأيته كان من خدمي، وتلك الفتاة التي ~~كانت تصحبه من بنات الهوى، وإنما مثلنا هذا الدور للقبض عليك وعلى ميلون. # فاشمأزت أنطوانيت ms1073 من حديثه، وقالت له: ماذا تريد من القبض علي؟ وبماذا أسأت ~~إليك؟ ~~- إنك ما أسأت إلي بشيء، ولكن وجودك مثقل على بعض الناس، وقد وضعوا المبالغ ~~الطائلة في سبيل القبض عليك وحبسك في هذا المكان، ثم تركها وانصرف دون أن ينظر ~~إليها أو يسمع ما تجيب. # أما أنطوانيت فإنها أيقنت بأن عدوها واحد، وأنه هو نفس الذي ألقاها في سجن سانت ~~لازار، فركعت وجعلت تصلي ملتمسة بصلاتها عزاء عما هي فيه، فلما فرغت من صلاتها ذهب ~~عنها ما كانت تلقاه من الخوف، وباتت تعتقد أنه لا بد لروكامبول وأجينور من ~~إنقاذها. # وكان باب الغرفة مقفلا من الخارج والنافذة مقفلة أيضا، ولا سبيل إلى فتحها ~~لالتصاق خشبة فوق مصراعيها، وضعت خاصة لمنع فتحها، فكانت أنطوانيت في ظلام دامس ~~لولا بقية شمعة كانت تنير الغرفة، فلما انتهت تلك البقية وانطفأت الشمعة ساد الظلام ~~فعاد الرعب والهواجس إلى فؤادها. # ولكن بعد هنيهة سمعت أن الباب انفتح، ثم رأت شيفيوت داخلة تحمل شمعة، وفي أثرها ~~بوليت يحمل مائدة عليها بعض الطعام، فوضعت شيفيوت الشمعة في مكانها، ووضع بوليت ~~الطعام أمام أنطوانيت. ثم خرجا دون أن يفوها بحرف واحد، ولكنهما نظرا إليها نظرتين ~~كانتا تشف إحداهما عن الحقد الشديد، والأخرى عن الغرام الأكيد، فكانتا أبلغ من كل ~~كلام. # وظلت أنطوانيت على هذه الحالة سبعة أيام لا ترى أحدا من الناس غير هذين الحارسين، ~~وهي لا تراهما إلا حين يحضران الشمعة والطعام. # ولقد لقيت في أثرها عناء شديدا، فكانت تارة تصلي فترجو، وتارة تذكر حبيبها وكلام ~~تيميلون فتبكي وتقنط، وتفكر فيما تجده من نظرات بوليت وشيفيوت فتضمحل قواها من ~~الخوف، وتسقط على الأرض واهية، وقد تمكن منها الهزال في هذه الأيام السبعة حتى ~~أيقنت بقرب الموت، وجعلت تشتهيه. # ولما كان اليوم السابع وهي لا تعلم أكان ذلك في النهار أم في الليل؛ لأنها كانت في ~~غرفة لا ينفذ إليها أقل شعاع من نور السماء سمعت حديثا خارجا من الغرفة المجاورة ~~لها فدنت من الجدار، وجعلت تصغي ms1074 إلى الحديث؛ فعلمت من صوت المتحادثين أنهما تيميلون ~~وشيفيوت، فسمعت منهما ما يأتي: # قالت شيفيوت: إني أرى على وجهك علائم السرور والارتياح، فهل قضي الأمر؟ ~~- نعم فقد قبضت المال، ونلت جميع ما طلبت. ~~- إذن، فإن أنطوانيت أصبحت لي دون منازع أنتقم منها كما أشاء. ~~- كلا، بل هي لك ولبوليت على السواء. ~~- ولكني لا أرتضي بهذه الشركة. ~~- لماذا؟ ~~- لأن بوليت يحبها، فلا يأذن لي بقتلها. ~~- ربما كنت مصيبة. ~~- وهي إذا بقيت في قيد الحياة تفسد جميع أموركم، وإذا كنت قد قبضت ثمن موتها ~~فلماذا تريد الإبقاء عليها؟ ~~- لقد أصبت فافعلي ما تشائين. # ففرحت شيفيوت فرحا وحشيا، وهمت أن تدخل إلى أنطوانيت، فأوقفها تيميلون وقال: ~~احذري من أن تدفعيها إلى الصياح! لأن الجيران كثيرون. ~~- لا تخف لأني سأخنقها خنقا ولا أدعها تصيح. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- لا يعنيني أمرها فإنه متعلق بك. ~~- نعم إنه يوجد لحسن الحظ قبو ندفنها فيه، فافعلي ما تشائين، وسأعود إليك بعد ساعة ~~لأعد معدات دفنها. # ثم خرج فسمعت أنطوانيت وقع أقدامه، وسمعت شيفيوت تشتم أقبح الشتائم الدالة على ~~الوعيد، ثم انقطع صوتها، فعلمت أنها قادمة إليها، وأن الساعة الرهيبة قد ~~دنت. # فتراجعت أنطوانيت إلى النافذة المسدودة وقد قنطت من الحياة، وعولت على الدفاع حتى ~~الموت، ولكنها ما وصلت إلى النافذة حتى سمعت من ورائها صوت قرع عليها فسرت إلى ~~فؤادها روح الحماسة، وأيقنت أنه لم يقرع النافذة غير القادمين لنجاتها. # فوضعت فمها على تلك النافذة، وقالت: اكسروها فإنها مسدودة، أنجدوني فسوف يقضى علي ~~... # وعند ذلك فتح باب الغرفة ودخلت منه شيفيوت. # 34 # ولنعد الآن إلى فاندا التي تركناها مع مرتون آخذين بالبحث عن أنطوانيت، فإن فاندا ~~كانت تخرج معها كل يوم متنكرين فتطوفان أنحاء باريس ولا تدعان وسيلة للبحث ~~والتنقيب، ثم تعودان خائبتين دون أن تظفرا بأثر يرشدهما إلى أنطوانيت. # وظل هذا دأبهما إلى اليوم السابع، فإنهما بينما كانتا تطوفان في أحد الشوارع رأت ~~مرتون بوليت خارجا من خمارة وهو يتهادى من سكره، فنبهت فاندا إليه، وقالت لها: هو ms1075 ~~ذا الرجل الذي كان معنا حين قبض البوليس علينا مع أنطوانيت، وأرسلنا إلى سجن لازار، ~~ولا بد أن يكون لخروجه من السجن علاقة بأنطوانيت. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه هو الذي اختطف أنطوانيت أول مرة بإيعاز من تيميلون، وجاء بها إلينا؛ ~~لأننا كنا عصابة واحدة، ثم سجن معنا فحكم عليه بثلاثة أعوام على الأقل، ولو كان هرب ~~من السجن كما هربنا منه لما تجاسر أن يمشي في مثل هذا الشارع المطروق في رائعة ~~النهار. ~~- هو الحق ما تقولين. ~~- والذي أراه: أن الحكومة أطلقت سراحه بطلب تيميلون، وأن تيميلون قد دخل في خدمة ~~البوليس كما كان يفعل من قبل، ولما كان هو الذي اختطف أنطوانيت في المرة الأولى فلا ~~بد أن يكون هو الذي اختطفها الآن. ~~- وهذا أيضا لا ريب فيه. ~~- إذن، فلا بد أن يكون بوليت عارفا أين توجد أنطوانيت. فهلم بنا إلى اقتفاء ~~أثره. # فاستحسنت فاندا رأيها، وأيقنت من صوابه وسارتا في أثره. # أما بوليت؛ فقد كان أخذ السكر منه مأخذا عظيما؛ فجعل يسير وهو يعربد ويتمتم ~~ويذكر اسم أنطوانيت، ثم يذكر تيميلون مغضبا، ويقول: لا بد لي من الاستيلاء عليها ~~ولو كره تيميلون. # وكان يمشي ومرتون وفاندا بأثره، وهو لا يشعر بهما حتى وصل إلى الغرفة التي كان ~~يقيم فيها قبل أن يسجن. # وكانوا قد أخذوا منه مفتاحها في السجن، فلم يكترث لذلك، وأخرج خنجره من جيبه كي ~~يكسر به القفل، فانكسر الخنجر ولم يفتح الباب، فغضب غضبا شديدا، وتراجع متحفزا ~~ثم صدم الباب صدمة قوية فكسر، ودخل إلى غرفته القديمة، فدخلت المرأتان على الفور ~~في أثره، فلم يشعر إلا وهما واقفتان عند مدخل الغرفة تمنعانه عن الخروج. # فدنت مرتون وهي تقول لفاندا: ابقي مكانك يا سيدتي؛ فلا يخلق بمن كان مثلك أن ~~يتدانى إلى محادثة هذا الشقي، وأنا كفؤ له. # فوقفت فاندا عند الباب كي تحول دون فراره إذا حاول الفرار، وعلم بوليت أنه أخطأ ~~خطأ عظيما لكسره خنجره. # ولكن السكر أضل صوابه فلم يحذر في بدء أمره ms1076 من هاتين المرأتين، إلى أن دنت منه ~~مرتون ورأى في عينيها ما يدل على الشر فتراجع قليلا، وقال لها: ماذا ~~تريدين؟ ~~- إني أتيت مع هذه السيدة قصد ممازحتك. ~~- ولكني لا أعرف هذه السيدة. ~~- لا بأس، فسأعرفك بها. # فضحك بوليت ضحكا عاليا دفعه إليه السكر، فاقتربت مرتون خطوة منه، وقالت له: أراك ~~قد كسرت خنجرك. ~~- كسرته حين معالجتي قفل الباب. ~~- إن خطأك لم يقتصر على كسر خنجرك، فإنك قد أكثرت من الشراب حتى ذهب السكر ~~بعقلك. # فغضب بوليت وقال: وماذا يهمك أمري؟ ألعلك امرأتي؟ ~~- إني لا ألومك هذا اللوم إلا لخيرك؛ لأن إفراطك بالسكر يؤذيك. ~~- وما يهمك كل ذلك؟ # فتقدمت خطوة أيضا وقالت: قلت: إن ذلك لا يهمني، بل يهمك؛ فلولا سكرك لبقي لك ~~خنجرك تدافع به عن نفسك عند الاقتضاء، ولولا سكرك لما أصبت بهذا الضعف، حتى إنك لا ~~تستطيع الوقوف. ~~- أتظنين أني ضعيف لهذا الحد؟ ~~- بل أؤكد. ~~- ولكني لم أفهم شيئا مما تريدين، فماذا تقصدين من هذه الأقوال؟ # فاقتربت منه وقالت: أولا أريد أن أمازحك. ~~- وثانيا؟ ~~- أريد أن أعرف كيف أصبحت مطلق السراح، وقد غادرتك في السجن؟ ~~- ذلك لأني هربت منه. ~~- كذبت. ~~- كيف عرفت أني كذبت؟ ~~- لأني علمت أن تيميلون أخرجك منه، وهو ما يدل على أنه عاد إلى خدمة ~~الحكومة. # فما تجاسر بوليت على الإنكار، وعند ذلك وضعت مرتون يدها على كتفه، وقالت له: قل لي ~~كيف حال أنطوانيت؟ # فارتعش بوليت لهذا السؤال واصفر وجهه، وقال لها ولسانه يتلعثم: ماذا يهمك ~~أمرها؟ ~~- أحب أن أعرف شيئا عنها. # فأجاب بلهجة وحشية: إنها على خير حال ولا أزال على هيامي بها. # ولكنه قبل أن يتم كلامه هجمت مرتون عليه وصدمته صدمة شديدة، فسقط على الأرض لسكره، ~~فركعت فوق صدره، وقبضت على يديه حتى لم يعد يستطيع حراكا؛ فجعل يصيح ويستغيث، ولكن ~~غرفته كانت منعزلة في شارع مقفر، فقالت له: لا تزعج نفسك بهذا الصياح إذ لا يسمعك ~~أحد. ~~- إذن، ماذا تريدين مني؟ ~~- قلت لك: إني أريد أن أمازحك. # ثم نظرت ms1077 إلى فاندا التي كانت لا تزال واقفة دون حراك نظرة سرية، ففهمت قصدها، ~~وللحال فكت أزرار صدرها، وأخرجت ذلك الخنجر الذي طعنت به كارل دي مورليكس، ثم تقدمت ~~ودفعته لمرتون. # وكان بوليت جبانا، وقد زاده سكره خوفا وحطة، فلما رأى نصل ذلك الخنجر يبرق في يد ~~مرتون، ارتعدت فرائصه جزعا، وقال لها: ماذا تريدين؟ # فوضعت الخنجر فوق عنقه وقالت: إنك تعرفني من أنا، وتعلم أني لا أخلف بما أقول، ~~فإذا لم تقل أين أنطوانيت ... # فاضطرب بوليت لذكرها، وقال: إني أحبها. # ولكنه شعر أن الخنجر قد وخز عنقه، فصاح صيحة الخائف، وقال: لا تفعلي! ~~- إذن، قل لي: أين الفتاة وإلا قتلتك دون إشفاق. # فتردد هنيهة كأنه يحاول أن يختلق قولا، فما أمهلته مرتون، ووخزته بالخنجر فجرحته ~~جرحا خفيفا أسال دمه، وقالت له: إذا لم تسرع بالقول أغمدت هذا الخنجر في ~~عنقك. ~~- كفى! كفى بالله! ~~- أتقول: أين هي الفتاة؟ ~~- أقول كل شيء فارفعي هذا الخنجر. # فرفعت مرتون خنجرها وهي لا تزال رابضة على صدره، وقالت: قل أين الفتاة؟ ~~- إنها في قبضة تيميلون. ~~- أعرف ذلك، ولكن أين هي؟ ~~- في شارع بلفوند. ~~- في أي منزل؟ ~~- نمرة 21. ~~- ومن يحرسها الآن؟ ~~- تيميلون وشيفيوت، انهضي عني بالله، فقد عرفت كل شيء؟ ~~- قل إذن، يجب أن تخبرني بجميع ما حدث. ~~- لا أعلم شيئا سوى أن تيميلون أخرجني من السجن مع شيفيوت وعهد إلينا بحراسة ~~أنطوانيت، فإذا خرجت شيفيوت توليت مكانها، وإذا خرجت تولت مكاني. ~~- وهل تسيء شيفيوت معاملتها؟ ~~- لا تستطيع الإساءة إليها وأنا هناك. # وعند ذلك رأت فاندا أن الحديث قد انتهى مع هذا الرجل، وأنه آن لها تتداخل، فدنت ~~منهما وقالت لمرتون: يجب أن نستوثق من صدق هذا الرجل؛ لأني لا آمن أن يكون حديثه ~~زورا، وحكايته مختلقة فابقي أنت بقربه، وأنا ذاهبة إلى ذاك المنزل الذي وصفه ~~لأتحقق صدقه، وإنما أريد أن أعلم شيئا عن صفة هذا البيت وعن الغرفة التي تقيم فيها ~~أنطوانيت. # فأجاب بوليت: إنه بيت ذو طابقين يقيم في الدور الأعلى منه عائلة ms1078 إنكليزية، ~~وأنطوانيت في الدور الثاني، وبهذا البيت حديقة تحيط به من جميع جهاته، والغرفة التي ~~تقيم فيها أنطوانيت تشرف على الحديقة، ولها نافذة تشرف على رواق، ولكنها مقفلة كي ~~لا تجد سبيلا إلى الفرار منها. # فاكتفت فاندا بما سمعت، ومضت في شأنها، وبقيت مرتون أمام بوليت تنذره بخنجرها ولا ~~يستطيع الدفاع لسكره. # وذهبت فاندا فتنكرت بملابس الغسالات، ومضت إلى ذلك المنزل ترود حوله، ورأت تيميلون ~~خارجا منه دون أن يراها، ورأت شيفيوت مطلة من نافذة، ورأت الحديقة والغرفة ~~المسجونة فيها أنطوانيت، والرواق الكائن تحت النافذة المقفلة المشرفة على الحديقة، ~~فوثقت من صدق بوليت، وامتحنت سور الحديقة، وعلمت أسهل الطرق الموصلة إليها. # وعند ذلك عادت مسرعة إلى البيت المقيم فيه نويل مع أمه ومدلين، وقالت فاندا لنويل: ~~إني محتاجة إليك في هذا المساء، فانتظرني إلى أن أرى مدلين. # ثم تركته وصعدت إلى مدلين، فلما رأتها فرحت بها فرحا لا يوصف، وطوقت رأسها ~~بذراعيها، وجعلت تبكي، وتقول: رأيت إيفان، ورآني وهو الآن في باريس. # وجعلت تقص عليها ما لقيته من التأثر الشديد حينما رأت إيفان في المركبة، فنظرت ~~إليها نظرة المؤنب، وقالت: يجب علينا الآن أن نفتكر بأختك أنطوانيت. # فاصفر وجه مدلين، وقالت: عفوك يا سيدتي، فلقد ذهب الطيش بصوابي حتى نسيت تلك ~~الأخت العزيزة وما هي فيه. ~~- لا بأس؛ لأنك قد أصغيت لصوت قلبك، ولقد قلت لي: إن إيفان في باريس، وهو ما قدم ~~إليها دون شك إلا للبحث عنك، ومتى كان كل من العاشقين يبحث عن الآخر فلا بد لهما من ~~الالتقاء، ولكن يجب علينا قبل كل أمر أن نجد أنطوانيت، فإني قد وقفت على ~~أثرها. # وصاحت مدلين صيحة فرح، وقالت: أحقا ما تقولين؟ ~~- لا أستطيع أن أزيد شيئا على ما قلته، ولكني أدعوك إلى الرجاء. ~~- إن لي كل الثقة بك وبروكامبول. ~~- إن روكامبول سينجو بنفسه وسترينه. # ثم أخذت يدها بين يديها، وقالت لها: أتكونين طائعة لي؟ ~~- كل الطاعة. ~~- وتعدينني أنك لا تخرجين من هنا إلا معي أو مع روكامبول؟ ms1079 ~~- أعدك وعدا صادقا بالامتثال. ~~- يجب أن تعلمي أن عدوك وعدو أختك واحد، وإنك معرضة للخطر الذي أصابها نفسه، فإذا ~~خالفتني أقل مخالفة مدة غيابي وقعت في فخ العدو. ~~- أقسم لك أني لا أخرج من هنا، إنما أرجوك أن تخبريني متى نجد إيفان. ~~- بعد إنقاذ أنطوانيت. # ثم تركتها ورجعت إلى الغرفة التي تركت فيها نويل ينتظرها، فقالت له: قلت لك إني ~~محتاجة إليك في هذه الليلة. ~~- متى؟ ~~- عند منتصف الليل، وسأجيء إليك متنكرة بزي الغلمان، فتنكر أنت أيضا، وأعد ~~المعدات اللازمة لتسلق جدار وكسر نافذة، وانتظرني إلى أن أعود إليك، ولا تنس أن ~~تتسلح بمسدس وخنجر. # فأحنى رأسه إشارة إلى الامتثال؛ لأنه بات يخضع لفاندا كما كان يخضع ~~لروكامبول. ~~••• # لقد تركنا أنطوانيت في أحرج موقف، بين يأس يتولاها من دخول شيفيوت عليها بعدما ~~سمعته من حديثها مع تيميلون وأنه أطلق لها السراح بقتلها، وبين رجاء بالنجاة حينما ~~تراجعت منذعرة إلى النافذة وسمعت قرع طارق عليها ووضعت فمها عليها، وقالت: أدركوني ~~واكسروا الباب، فإنها مسمرة من الداخل. # أما شيفيوت؛ فإنها فتحت باب الغرفة وهجمت عليها هجوم العقبان الكواسر دون أن تكترث ~~لصياحها، وهي تقول: إنك لا تسلمين مني هذه المرة؛ لأن الرئيس أباح لي قتلك. # وجعلت تضغط على عنقها ضغطا شديدا حتى أوشكت أن تخنقها. # فدافعت أنطوانيت عن نفسها دفاع اليأس وأفلتت منها، وجعلت تصيح وتستغيث، فقالت لها: ~~إن صياحك لا يطول؛ إذ لا بد لك من الموت. # ثم وثبت عليها وثبة ثانية فتخلصت منها أنطوانيت بعد عراك طويل، وجعلت تستغيث إلى ~~أن أعادت عليها الكرة مرة ثالثة ففازت عليها وألقتها على الأرض، فركعت فوق صدرها ~~وطوقت عنقها بيديها، فأغمضت أنطوانيت عينيها، واستسلمت للموت لعجزها عن ~~الدفاع. # ولكن شيفيوت لم توشك أن تضغط على عنق أنطوانيت حتى سمعت البيت قد ارتج، ورأت ~~النافذة قد كسرت ووثبت منها فاندا بملابس الغلمان، فأطلقت نار مسدسها على شيفيوت ~~فوقعت الرصاصة في صدرها وسقطت تلك الشقية على الأرض وهي تشتم أقبح شتم والدماء تخرج ~~من صدرها. ms1080 # 35 # ولندع الآن فاندا ونويل آخذين بإنقاذ أنطوانيت عائدين إلى روكامبول؛ حيث تركناه في ~~السجن كما قدمنا. # وبعد أن قابله مدير الشرطة حبس في سجن البوليس ساعتين، ثم نقل إلى سجن مازاس، وذلك ~~ما يؤيد ما قاله رئيس البوليس، وهو أنه لا يمكن استنطاقه والتحقيق في أمره إلا بعد ~~أن يحضروا ميلون ويقرنونه إليه. # وأقام روكامبول في السجن أربعا وعشرين ساعة، وهو سجن هائل يقيم فيه السجين وحده ~~في غرفة مظلمة، فلا تحين ساعة استنطاقه حتى تضعف قواه ويتلاشى ... # ولكن روكامبول لم يكن من أولئك الذين تهولهم السجون. # فإن من أقام عشرة أعوام في سجن طولون مقيدا بالحديد تحيط به الأرصاد والعيون دون ~~أن يضجر أو يبوح بسره لأحد؛ لا يتعبه سجن بسيط يقيم فيه يوما أو يومين. # ومع ذلك فإن روكامبول كان يشعر بانقباض شديد في صدره، ولم تذق عيناه طعم الرقاد في ~~تلك الليلة؛ حتى إنه بكى في سجنه بكاء الأطفال. # ولم يكن بكاؤه لخوفه من السجون ولصدور الحكم عليه بالإعدام؛ فإن من يتوب توبة ~~صادقة لا يكترث للموت والعذاب غير أنه كان يبكي لإشفاقه على الأختين اللتين تركهما ~~في قبضة عدو شديد ولا ناصر لهما غير فاندا. # ثم لما فرغ من بكائه شعر بحرج موقفه، فجثا على ركبتيه فصلى إلى الله مبتهلا وختم ~~صلاته بقوله: # رباه إني ما هربت من عقاب الإنسان إلا لأندفع إلى غمرات الخير وأفعل من ~~الحسنات ما أكفر به عن ذنوبي السابقة، فأغثني برحمتك، وهبني من لدنك ~~عونا على إتمام ما شرعت به، ومهد لي السبيل لإنقاذ الأختين مما يكيده ~~لهما رجال الشر، وأذن لي أن أرى مرة تلك المرأة التي أحببتها دهرا ~~طويلا حب الإخاء ثم أعود إلى السجن فأقيم فيه إلى أن تحين ساعة لقياك ~~الرهيبة. # ولا ألتمس منك منذ الآن إلى أن تحين تلك الساعة إلا أن تأذن لي بأن أنكر ~~حقيقة أمري أمام القضاة، وأن تغتفر لي هذا الكذب؛ إذ لا أريد به غير ~~النجاة لإنقاذ الأختين وأنت أعلم ms1081 بما في القلوب. # وعند الساعة الثامنة من الصباح كان روكامبول لم ينم بعد، فجاءه السجان بالطعام ~~أشكالا مختلفة تدل على أنه كان مشمولا بالرعاية. # وذلك أن مدير سجن مازاس أعجبه كبرياء روكامبول ومظاهر جلاله، فحتم أن البوليس ~~مخطئ، وأنه قائد روسي لا شك فيه، فبالغ في إكرامه لاعتقاده أن القضاء سوف يكشف ~~ظلامته متى تبين خطأه، وأمر أن يؤتى له بالطعام الشهي، وبالكتب لمطالعتها وتسلية ~~أشجانه فيها. # وكان بين هذه الكتب التي أرسلها إليه لمطالعتها كتاب ضخم يتضمن تاريخ لويس الثالث ~~عشر، وقد جيء به من مكتبة الثكنة الحربية. # وكان السبب في وجود هذا الكتاب في سجن مازاس أن أحد الصحافيين كان مسجونا فيه ~~فطلب مراجعة هذا التاريخ، ثم خرج من السجن وبقي التاريخ في السجن دون أن يرجعوه إلى ~~المكتبة، فأرسله المدير مع ما لديه من الكتب إلى روكامبول. # ومن جملة عناية هذا المدير بروكامبول: أنه أذن له بالكتابة إلى من يشاء، فكتب ~~رسائل كثيرة إلى موسكو وبطرسبرج إيهاما لرقبائه: أنه روسي محض لا غش فيه. # وبعد أن فرغ من هذه المكاتيب جعل يقرأ تاريخ لويس الثالث، ثم خطر له خاطر فكتب فوق ~~حاشية صفحة من صفحات الكتاب عدة سطور بحرف صغيرة متلاحمة لا يمكن تلاوتها إلا ~~بنظارة مكبرة، ثم أخذ قطعة من الخبز فانتزع قطعة من لبابها وعالجها بالماء حتى باتت ~~أشبه بالغراء فطلى بها جانبا من تلك الصفحة التي كتب عليها، وألصق بها الصفحة التي ~~تقابلها فباتت الصفحتان واحدة. # أما الذي كتبه روكامبول فلا يستطيع تلاوته غير فاندا، بقيت الطريق التي يمكن بها ~~إيصال هذا الكتاب إلى فاندا، وهو ما يستحيل تنفيذه، ويشكل أمره على رجل غير ~~روكامبول. # ولكن روكامبول كان يقول في نفسه إنه من حين قبض علي لا بد أن تكون فاندا أوقفت ~~رقيبا أمام الحقانية، فإما أن تقف هي بنفسها أو نويل أو مرتون. # ثم قال: إن المركبة التي تنقل المسجونين إلى السجون تقف عند باب الحقانية، وبين ~~هذا الباب وغرفة قاضي التحقيق مسافة ms1082 يجتازها المسجونون وخفراؤهم على الأقدام بين ~~جماهير الناس، فلا بد لي أن أرى واحدا من أصحابي الثلاثة بين الجماهير، ومتى رأيت ~~واحدا منهم هان علي الباقي. # فلما ختم روكامبول الصفحتين كما قدمناه رفع الكتاب إلى الحارس، وقال له: أرجوك أن ~~تلتمس لي من المدير الجزء الثاني من الكتاب. # فأخذه الحارس إلى المدير ثم عاد بعد هنيهة، وقال لروكامبول: إن المدير قال: إن ~~تصبر إلى الغد، فإن الجزء الثاني في مكتبة القلعة، وسيرجع إليها الجزء الأول، ويحضر ~~لك غدا الجزء الذي تطلبه. # فأحنى روكامبول رأسه إشارة الموافقة، وكان هذا جميع ما يبتغيه. # ومع ذلك فإن هذا الرجل القوي الذكي لم يتمالك عن البكاء، فجعل يبكي طول ليله بكاء ~~المستغفر النادم لشدة إشفاقه على الأختين. # على أنه كان في قلبه جرح بليغ لا يشفيه إطلاق سراحه ولا تدمله الحرية. # وفي اليوم التالي جاء الشرطي عند الصباح كي يسير به إلى دار الحقانية، فلبس ملابسه ~~وتأنق فيها بعض التأنق، وذلك أنه كان طلب أن يحضروا له ملابسه من منزله، فأرسلت ~~الحكومة بوليسها لإحضار هذه الملابس لتفتيش منزله وحجز أوراقه. # وبعد أن فرغ من لباسه خرج به أحد رجال الشرطة، فركب وإياه المركبة الخاصة ~~بالمسجونين. # ولم يكن هذا الشرطي معتادا أن يقود مثل هذا المسجون، فكان ينظر إليه من حين إلى ~~آخر نظرة إعجاب، ولا يتمالك عن الوقوف في موقف الاحترام، كما أن روكامبول كان يقلد ~~حركات كبار الضباط، فيحذو حذوهم بإشاراته وكلامه كي لا يبقى شك أنه الماجور ~~أفاتار. # وكانت المسافة بين سجن مازاس وبين الحقانية طويلة، ولا يمنع النظام الجنود عن ~~محادثة المسجونين. # وجعل روكامبول يتحدث عن حرب القرم، وكان هذا الجندي من الذين حضروا حصار سباستول، ~~فدهش مما سمعه منه من التفاصيل الصحيحة والدقيقة. # ثم استطرد روكامبول الحديث إلى ذكر الحكومة الروسية والطعن بأحكامها الاستبدادية، ~~إلى أن قال لهذا الجندي: إن الحكومة الروسية تضطهده؛ لأنه من أحزاب الدستور ~~المجاهرين بأفكارهم الحرة. # فأعجب الجندي من كلامه، وجعل يستزيده من الحديث، فيباحثه عن ms1083 بولونيا، وهو يتدفق ~~كالسيل، ويذكر المبادئ الحرة، وما تقاسيه تلك الشعوب من المظالم. # وكان الجندي يفتح من حين إلى حين علبة تبغ، فيلف سيكارة ويدخنها وهو مصغ إلى ~~محدثه أتم الإصغاء، وقد طلب منه روكامبول سيكارة فسر الجندي سرورا عظيما، وعد ذلك ~~تنازلا منه، وأسرع وقدم له ما طلب، وقد أعجب به إعجابا شديدا حتى قال روكامبول ~~في نفسه: إن هذا الجندي بات خليقا أن يشهد أنه رآني فوق أسوار سباستبول. # وبعد حين وصلا إلى دار الحقانية، فنزل الشرطي ونزل روكامبول وهو يقول له: إن ~~انتظارنا لا يطول اليوم. # فقال له روكامبول ببساطة: ألعلنا نحتاج إلى الانتظار في غير هذا اليوم؟ ~~- نعم، فقد يتفق أننا نضطر إلى الصبر ساعات في بعض الأيام مثال ذلك ما حدث لنا أول ~~أمس، فقد أتيت إلى المحكمة بأحد المجرمين واضطررنا إلى الوقوف ثلاث ساعات. ~~- أأنت في الخدمة كل يوم؟ ~~- كلا، بل يوم خدمة ويوم راحة. ~~- إذن، ستكون أنت حارسي إذا عدت إلى المحكمة بعد غد؟ # فانحنى أمامه باحترام، وقال له: نعم يا حضرة الماجور. # ولكن احترامه لم يمنعه عن أن يضع القيد في إحدى يديه حسب النظم المرعية. # وبينما هما يجتازان الممشى إلى المحكمة، وقد ازدحم الناس قرب سلمها رأى روكامبول ~~شابا أشقر الشعر نحيل الجسم ينزل درجات ذلك السلم، فارتعش؛ إذ علم أن هذا الشاب ~~فاندا قد تنكرت بملابس الغلمان. # ولما رأته فاندا تظاهرت أن قدمها قد زلت، فنزلت أربع درجات مرة واحدة؛ بحيث التطمت ~~بروكامبول، فشتمه، ثم أظهر أن الغضب قد تمكن منه، وجعل يتكلم باللغة الروسية بلهجة ~~الشتائم، فكان ما قاله لفاندا: تاريخ لويس الثالث عشر المجلد الأول: مكتبة الثكنة ~~الحربية. # وكان يقول هذه الكلمات مغضبا وهو يقطعها تقطيعا، ثم ذهب مع حارسه، وجعل يضحك ~~ويقول: إن المرء عند الغضب تتغلب عليه لغته الأصلية؛ فلا يطلق لسانه إلا ~~بها. # أما فاندا فقد برحت ذلك المكان لتذهب إلى حيث أمرها الرئيس. # 36 # ولقد أصاب الحارس فيما قاله فإن المحكمة لم تكن أشغالها ms1084 كثيرة في هذا اليوم، فإن ~~قاضي التحقيق قد أجل النظر في كثير من الأمور للانصراف إلى قضية روكامبول، إذ قال ~~في نفسه: إنه إذا وجد تيميلون قد قال الحق وكان هذا الماجور روكامبول الهارب من ~~السجن، فلا بد من التأني في استنطاق مثل هذا الشقي الجسور. # فلما وصل الحارس بروكامبول أمر القاضي أن يدخلوه في الحال. # وكان هذا القاضي في عنفوان الشباب، ولكن مخائل الذكاء تجول بين عينيه، ولما مثل ~~روكامبول بين يديه رأى على طاولته كثيرا من الأوراق، علم أنها أوراقه ضبطت من ~~منزله، وكان معظمها رسائل وردت إليه من روسيا. # ولكن كان بينها أوراق تؤيد خدمة الماجور أفاتار بالجيش الروسي، والفرامان الذي ~~يثبت تعيينه، موقع عليه بتوقيع الإمبراطور. # فقال له قاضي التحقيق: إن الأوراق التي ضبطت في منزلك والبراءة الموجودة أمامي ~~بتعيينك برتبة ماجور وشهادة المركيز ب الذي قدمك إلى النادي وعرفك بأعيان ~~الباريسيين تدل جميعها على أنك الماجور أفاتار. # فلم يظهر عليه شيء من علائم الفرح؛ لأنه كان يعلم أن قضاة التحقيق يبدءون بتطمين ~~المتهم وينصبون له الشرك؛ فأجابه: لا أسهل علي من أن أبرهن على هذه الحقيقة، على ~~أنك لو كنت واثقا من براءتي من هذه التهمة لما أوقفتني هذا الموقف ولأطلقت ~~سراحي. ~~- هو الحق ما تقول، ولكن إذا كان ما لدي يثبت أنك الماجور أفاتار فلا يزال لدي ~~أيضا تهمة موجهة إليك يجب النظر فيها. ~~- ما هي؟ ~~- هي أنهم يقولون: إنك تدعى جوزيف فيبارت الملقب بروكامبول. ~~- أهذا كل شيء؟ # فقلب القاضي الأوراق بين يديه، وقال: إذا صدقت هذه التهمة كنت من الذين حكمت عليهم ~~المحكمة الإسبانية بالسجن المؤبد، فسجنت في قاديس ثم هربت من السجن. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك عدت إلى فرنسا، فحكم عليك بالسجن 25 عاما مع الأشغال الشاقة. # فقال روكامبول بأنفة: لقد كنت عولت يا سيدي على أن لا أجيب بحرف، ولكني رأيت بعد ~~التفكير أنه لا بد لي من الإيضاح. ~~- قل فإني مصغ إليك. ~~- إذا كنت حقيقة كما تقولون، أي أني مجرم ms1085 هارب من السجن فلا أسهل عليكم من أن ~~تضعوني أمام أولئك المسجونين وتسمعوا ما يقولون؛ إذ لا بد لهم أن يكونوا قد عرفوني ~~مدة إقامتي معهم. # فلم يجب القاضي بشيء، ولكنه قرع جرسا فدخل حاجب، فأشار القاضي إشارة فهم معناها ~~وخرج. # فأطرق روكامبول رأسه إلى الأرض، وانقطع الحديث بينهما، وبعد هنيهة فتح الباب ودخل ~~منه رجل مع الحاجب، ولكن روكامبول لم ينظر إليه، أما هذا الرجل فكان ميلون. # فحدق القاضي بميلون وهو يقول في نفسه: إنه إذا كانت تقارير تيميلون صادقة فلا بد ~~لميلون أن يظهر اضطرابه حين يرى روكامبول؛ لأنه صديقه ورئيسه، وهو لا يعلم أنه قد ~~قبض عليه. # غير أن ميلون لم يبد منه شيء مما يتوقعه القاضي، بل إنه نظر إلى الماجور أفاتار ~~نظرة تدل على عدم الاكتراث، ونظر إليه روكامبول نظرة مثلها، فلم ير القاضي ما يدل ~~على أنهما متعارفان. # ثم نظر القاضي إلى روكامبول، وقال له مشيرا إلى ميلون: أتعرف هذا الرجل؟ ~~- كلا. # فسأل ميلون نفس السؤال فأجاب سلبا. # وقد سر روكامبول سرورا عظيما؛ لأنه كان يخشى أن يضغط القاضي على ميلون لبلاهته ~~فيحمله على الإقرار، ثم استأنف حديثه مع القاضي: عفوك يا سيدي، فقد قلت لك: إني لا ~~أعرف هذا الرجل، ولكني تذكرت الآن أني رأيته مرة واحدة في حياتي. ~~- أين؟ ~~- في سجن طولون، وذلك عندما انتهت حرب القرم، وعقدت شروط الصلح، فإن كثيرين من ~~الضباط الروسيين جاءوا في ذلك العهد إلى طولون وزاروا سجنها، فكنت بينهم ورأيت هذا ~~الرجل. # فلم يجب القاضي بحرف، وأشار إلى الحاجب فذهب بميلون، فخرج ميلون دون أن ينظر إلى ~~روكامبول، وقد استحال على القاضي أن يفاجئهما بنظره. # فلما أصبح وحده مع روكامبول، قال له: إني أعترف لك بأني أصبحت مشككا في ~~اعتقادي. # فابتسم روكامبول، وقال: وأنا يا سيدي لا يسعني إلا أن أبدي أسفي، واعلم يا سيدي أن ~~المرء لا يموت في السجن، بل إنه قد يستطيع النجاة منه كما رأيته من هذا الرجل، فإذا ~~كانت الحكومة الفرنسية ms1086 تعتقد أن الماجور أفاتار هو ذلك الشقي الذي يدعونه روكامبول ~~فإنها تخدم الماجور أفاتار خدمة جليلة. ~~- لم أفهم ما تقول. ~~- أريد بما قلته أن من كان بمنزلتي وله مقامي ثم يقبض عليه كما يقبض على أشقياء ~~المجرمين، فلا بد أن يكون له أعداء أشداء. # فامتعض القاضي وقال له بجفاء: إن الحكومة لا تعادي أفراد الناس. ~~- عفوك يا سيدي؛ إذ يظهر أني أسأت البيان، وسأوضح أفكاري بجلاء أوفى، وذلك أني ~~ضحية من ضحايا السياسة الروسية الاستبدادية، وأن الحكومة الروسية لا تريد أن يرسل ~~بي إلى السجون الفرنسية، بل إنها تريد أن أعرض أمري إلى سفارتها في باريس. ~~- لأي قصد؟ ~~- بقصد أن تعرض علي السفارة شروطها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنها تظللني بحمايتها وتثبت أني الماجور أفاتار، وفي مقابل ذلك ترسلني إلى ~~بطرسبرج. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يقبضون علي في بطرسبرج وسيرسلونني إلى سيبيريا، وإن السجين في طولون قد يعود من ~~سجنه، وأما سجين سيبيريا فلا يعود. # وقد كان روكامبول يقول هذا القول بملء السكينة. # وقطب القاضي جبينه إذ لم يعرض له من المجرمين أدهى من هذا الرجل، فقال: إني كنت ~~أعتمد أن أتثبت منك شيئا من ذلك وجميع ما لدي من الأدلة يثبت أنك الماجور أفاتار ~~غير أني لا أستطيع إطلاق سراحك قبل استنطاق امرأتك. # ثم أشار إلى الحاجب وقال له: أدخلها. # فقال روكامبول في نفسه: لا شك أن هذا القاضي ينصب لي فخا، فإني حادثت فاندا الآن ~~وهي لم يقبض عليها. # وأمر القاضي أحد الحجاب فأخذ روكامبول إلى غرفة خارجة عن القاعة، وأمر حاجبا آخر ~~أن يدخل الرجل الذي قبضوا عليه حديثا. ~~••• # وبعد حين دخلوا برجل كان يمشي مشية السكران، وقد اصفر وجهه حتى أصبح كالأموات ~~والدموع سائلة على خده. # وكان هذا الرجل جواني الجلاد، والذي أنقذه روكامبول من السجن، وقد لقيه أحد عمال ~~تيميلون في خمارة، فأرشد إليه البوليس وجاء به إلى السجن. # ولم يجد سبيلا إلى الإنكار. # فلما مثل بحضرة القاضي قال له: أأنت المدعو جواني؟ ~~- نعم ... ~~- أأنت الهارب من سجن ms1087 طولون؟ ~~- نعم ... ~~- أأنت الذي كنت جلاد ذلك السجن؟ # فركع جواني، وقال: رحماك يا مولاي، فما دعاني إلى الفرار من السجن، غير هذه ~~المهنة، فاحكم علي بالإعدام، فإن ذلك خير لي من الحكم علي بالعودة إلى هذه المهنة ~~الفظيعة. ~~- إن ذلك محال، فلا بد من عودتك إلى السجن والاشتغال بما كنت تشتغل فيه. # ثم أشار القاضي إلى الحاجب كي يدخل روكامبول. # ففتح الباب في الحال ودخلوا به، فلما رآه جواني اضطرب وقال: الرئيس! # ثم دنا منه وقال له بلهجة المتوسل: إنك قادر على كل شيء، أفلا تنقذني هذه المرة ~~كما أنقذتني من قبل. # فدفعه روكامبول بيده، وقال: إنك أفسدت علي جميع أمري أيها الأبله. # ثم التفت إلى القاضي وقال له وهو يبتسم: لا أريد الإنكار بعد الآن فأنا حقيقة ~~روكامبول. # 37 # وقد أثرت هذه الكلمات الأخيرة التي فاه بها روكامبول تأثير رضى عظيم على القاضي ~~لشدة ما لقيه من إشكال تلك القضية. # وأوشك جواني أن يجن من يأسه؛ لأنه كان رأى روكامبول أمام القاضي، فلم يخطر في باله ~~أنه مصر على الإنكار فجعل يبكي وينتحب. # غير أن القاضي أمر الحاجب بإخراجه. # وبقي وحده مع روكامبول، فقال له: إنك قد أقررت بالحقيقة، فهل توقع على هذا الإقرار ~~بخطك؟ # فابتسم روكامبول وقال: إنك تعلم يقينا يا سيدي أن إقرار هذا الرجل لم يضل صوابي ~~فيدفعني إلى أن أقول الحقيقة لو لم يكن لدي أسباب قوية تحملني على الاعتراف. # فقال له القاضي ببرود: ما هي الأسباب؟ # إني يا سيدي غير ما تعتقده، فقد يتبادر إلى ذهنك لأول وهلة أني من أشد المجرمين ~~خطرا وإقداما، وإنك ستسرع إلى إعادتي إلى السجن حذرا من الإفلات وارتكاب آثام ~~جديدة، ولكنك لو تمعنت في أمري لعلمت أني غير ذلك الرجل. ~~- من أنت؟ ~~- إني رجل دخلت في قلبه أشعة التوبة الصادقة، وكنت أؤثر أن أموت في السجن غير أني ~~ما هربت منه إلا للتكفير عن أثامي. # فابتسم القاضي وقال بلهجة المتهكم: أي تكفير هذا؟ ~~- إني حين وطدت النفس على ms1088 الاعتراف إليك، حسبت أنك ستصغي إلي إلى النهاية. ~~- وأنا مصغ إليك فقل ... ~~- إن ما سأطلبه إليك كانت تجري عليه الحكومات من قبل، وهي لا تجري عليه اليوم، فإن ~~سامرني رئيس البوليس في عهد لويس الخامس عشر دعا إليه مرة واحدة أحد كبار المجرمين، ~~وقال له: أتريد أن تخدم في البوليس؟ # فقاطعه القاضي قائلا: لقد أصبت فيما قلته إن الحكومات لا تنهج هذه المناهج؛ إذ لا ~~يجب يكون اللصوص من أعضائها. ~~- اصغ إلى النهاية يا سيدي، فإني أعلم أني إذا طلبت إليك مثل هذا الطلب تهزأ بي، ~~ولكن ليس هذا الذي أريده. ~~- إذن، ماذا تريد؟ ~~- إن الذي أريده هو أنه يوجد في باريس صبيتان أختان، يضطهدهما رجل قتل أمهما وسرق ~~ثروتهما ، وهو يحاول الآن قتلهما، والذي أطلبه أن تأذن لي برد هذه الثروة للأختين ~~والانتقام لأمهما، ثم أعود إلى السجن وأموت فيه. # فابتسم القاضي وقال: إن الحكومة قادرة على معاقبة المجرمين ورد الثروة المسروقة ~~وحماية الأختين. ~~- ولكنها لا تستطيع شيئا من ذلك في ظروف هذه الحادثة. ~~- لماذا؟ ~~- إن إحدى الأختين تحب ابن القاتل السارق، فإذا تداخلت الحكومة افتضح الأمر، ~~وامتنع زواج العاشقين. # فقرع القاضي جرسا أمامه ثم قال لروكامبول: ليس لأحد من الأفراد في فرنسا حق ~~الانتقام والعقاب وكشف الظلامات. # وعند ذلك دخل الحاجب فقال له القاضي: خذ هذا الرجل. # فقال روكامبول: كلمة أيضا يا سيدي. ~~- قل ... ~~- إني إذا سألتك إطلاق سراحي ثمانية أيام فقط ثم أعود إلى السجن أترفض ~~طلبي؟ ~~- دون شك. ~~- إذن، يحق لي أن لا أوقع على إقراري. ~~- كما تشاء. # وخرج الحاجب بروكامبول فسلمه إلى الجندي فأركبه المركبة التي جاء بها، فسارت بهما ~~وركامبول يقول في نفسه: لقد أرحت ضميري الآن وعرضت على القاضي كل شيء فلا أبالي ~~الآن برفضه؛ لأني سأطلق السراح لنفسي وليس سجن مازاس بأصعب من سجن طولون. # أما الجندي الذي كان يحرسه فلم يزل على سابق اعتقاده به، فقال له: أقضي ~~الأمر؟ ~~- كلا ... ~~- إذن، فإنهم لا يريدون إطلاق سراحك؟ ~~- لا بد لهم من ذلك ms1089 يوم الأربعاء. ~~- إذا كان يوم الأربعاء، كما تقول، فسأكون أنا في خفارتك، ولكنك ستضطر إلى ~~الانتظار الطويل في ذلك اليوم، إذ هو يوم تكثر فيه أشغال التحقيق. ~~- لا بأس فسننتظر إذا اقتضت الحال. ~~••• # وظلت المركبة تسير بهما حتى وصلت إلى السجن، فأخرج روكامبول منها، وأعيد إلى ~~غرفته. # وبعد حين جاءه الحاجب بالجزء الثاني من تاريخ لويس الرابع فدفعه إليه، وقال له: لا ~~شك أن مدير السجن معجب بك، ويريد إرضاءك والعناية بك كل العناية. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه أرسلني إلى مكتبة الثكنة كي أحضر لك الكتاب الذي طلبته، فقيل لي: إنهم ~~يقرءون به، وأمرني أن أعود في اليوم التالي بعد أن رأيت الذي كان يقرأ به وهو شاب ~~أشقر. # فاضطرب روكامبول، إذ علم أن هذا الشاب فاندا. # وتابع الحاجب: فعدت إلى المدير وأخبرته بما كان فأمرني أن أعود إلى المكتبة وأن ~~أنتظر فراغ القارئ فأعود بالكتاب، فامتثلت وانتظرت إلى أن فرغ هذا الشاب من ~~الكتابين؛ لأنه قرأ في الجزء الأول والثاني وأتيت به إليك. # فابتسم روكامبول، وقال: أرجو أن تتولى عني شكر المدير. # ولما خرج الحاجب أسرع روكامبول إلى الكتاب وقلب أوراقه فوجد صفحتين ملتصقين ~~ففصلهما فوجد مكتوبا على الهامش كتابة خاصة لا يفهمها غير فاندا وروكامبول، وكانت ~~هذه الكتابة جوابا على ما كتبه، فقد كان كتب إليها ما يأتي: # يجب إيجاد أنطوانيت مهما تكلفت من العناء والخطر، وبعد أن تجيبني في ~~هامش الجزء الثاني من هذا الكتاب، ارجعي في اليوم التالي إلى المكتبة، ~~واكتبي لي جميع ما يحدث لك على هامش الكتاب لأني سأطلبه. # أما جواب فاندا، فقد كان كما يأتي: # السعد يخدمنا، فإن أنطوانيت نجت، وشيفيوت قتلت، وتيميلون هرب، وأجينور ~~ذهب إلى أبيه ولم يعد. # فلما تلا روكامبول هذا الجواب تنهد تنهد المنفرج بعد ضيق، وقال في نفسه: لقد انفتح ~~لي المجال في إعداد وسيلة الفرار، ثم أخذ ورقة وكتب عليها إلى قاضي التحقيق ما يأتي: # سيدي # لقد رجعت عن أفكاري السابقة ورضيت بالعودة إلى الليمان، ولكني أرجو أن ~~تأذن ms1090 لي بإطلاعك على أمور خطيرة جدا. # روكامبول # وفي صباح اليوم التالي أرسل كتابه إلى قاضي التحقيق لاعتقاده أنه سوف يطلبه في ~~اليوم الذي يليه لسماع أقواله، وهو الذي اختاره روكامبول للفرار. # 38 # وقد أصاب روكامبول في حسابه، فإنه بقي طول ذلك الليل في غرفة سجنه دون أن يطلبه ~~القاضي لتأخر ورود الرسالة إليه. # ولما أقبل الليل تولته الكآبة الشديدة وغاص في بحار التأملات، فلم يكن يفتكر ~~بالفرار؛ لأنه كان قد وضع الخطة التي عول على اتباعها ووثق من فوزه فيها؛ بل إنه ~~كان يفتكر بأمر آخر دعاه إلى هذه الكآبة؛ فكان يتقلب على فراشه تقلب الملسوع، ويلفظ ~~من حين إلى آخر بصوت متقطع اسما جعله يتمنى الموت لما كان يلقاه بسببه من ~~العذاب. # ولما أصبح الصباح وهو اليوم الذي كان يرجو روكامبول أن ينجو من السجن فيه نهض من ~~فراشه دون أن يتمكن من الرقاد، فلبس ثيابه، وهو يقول: لا أدري إذا كنت أسعد من الآن ~~حين كنت في عداد المجرمين، فقد نجوت من عقاب الناس، ولا يزال أمامي عقاب ~~الله. # ولذلك فلم يكن يهتم أقل اهتماما بأمر فراره مما كان يناله من تقريع الضمير في ~~خلواته بعد توبته الصادقة. # وفي الساعة الثامنة من الصباح أقبل إليه ذلك الجندي الذي صحبه في المرة الأولى، ~~وكان يلقبه دائما ماجور، وكذلك سائر الموظفين في سجن مازاس؛ فإنهم كانوا يحترمون ~~روكامبول احتراما شديدا. # وكانوا يعتقدون أنه الماجور أفاتار وأنه متهم بمؤامرة سياسية. # فسار الجندي بروكامبول إلى المركبة، فسارت بهما إلى المحطة وجعل روكامبول في مدة ~~السير يتكلم عن حرب القرم، والجندي معجب كل الإعجاب حتى وصلا إلى باب المحكمة ~~الخارجي فوقفت المركبة ونزل منها روكامبول والجندي. # وكان رجل واقفا داخل الردهة، قرب الباب عندما، وصلت المركبة، فجعل ينظر إلى ~~روكامبول نظرة المتعجب المنذهل. # وكانت تدل هيئته وملابسه على أنه من الإنكليز، فلما رأى روكامبول سائرا ووراءه ~~الجندي مشى إليه مشيا مستعجلا، وهو يتكلف عدم الانتباه؛ بحيث اصطدم بروكامبول ~~صدمة شديدة، فالتفت إليه وقال: ms1091 أسألك المعذرة يا سيدي. # ثم ما لبث أن رآه حتى صاح صيحة فرح، وقال: من أرى؟ الماجور أفاتار! ~~- أنا هو بعينه يا حضرة الميلورد. ~~- أنت هنا أيها الصديق العزيز. # ثم دنا منه وجعل يعانقه دون أن يظهر انتباها إلى الجندي. # أما روكامبول، فقد عرف للحال، أن هذا الإنكليزي لم يكن غير نويل، فقال له وهو ~~يعانقه: أحضر مركبة، وانتظرني بها على الباب الخارجي. # وقد نظر روكامبول نظرة توسل خفية إلى الجندي كأنه يقول له بها: أرجوك أن لا تفضح ~~أمري مع هذا الصديق. # ففهم الجندي قصده وابتعد عنه قليلا مراعاة له فتحادثا هنيهة ثم افترقا، فودعه ~~الإنكليزي وانصرف وهو يتظاهر أنه لم ير الجندي ولا مركبة المجرمين التي نزل منها ~~روكامبول . # ثم دنا الجندي من روكامبول، فوضع يده بيده، وسار به بين تلك الجماهير التي كانت ~~محتشدة في ردهة تلك المحكمة الواسعة. # وكان بين باب السراي الكبير وبين غرفة قاضي التحقيق مسافة شاسعة وسلالم كثيرة ~~ينتشر فيها الناس، من شاهد دعي إلى المحكمة للشهادة، ومحام ومدع ومتفرج، إلى غير ~~ذلك من طبقات الناس الذين يشاهدون عادة في المحاكم. # ولذلك لم يكن فرار المدعوين إلى الاستنطاق مستحيلا، لا سيما وأنه لا يصحب المدعي ~~عليه غير جندي واحد. # ولكنه كان نادرا فقد كان يتفق أن يكون هذا المدعي عليه قوي البدن شديد العضل ~~فيخلص بالقوة من الجندي ويفر منه، ولكنه يندر أن ينجو؛ إذ لا يسير مائة خطوة حتى ~~تسير في أثره الفرسان فتدركه وتعود به مكبلا إلى حيث كان. # وكانت غرفة قاضي التحقيق في الدور الأعلى من العدلية، وهي بأتم مظاهر البساطة ليس ~~على باب غير حاجب واحد يقف في داخلها. # ويوجد قبلها غرفة متسعة فيها مقاعد من خشب ينتظر فيها المدعى عليهم مع خفرائهم، ~~إلى أن يحين زمن التحقيق في أمرهم، فيدعون إلى غرفة القاضي كل بدوره. # ولما وصل روكامبول مع الجندي ودخل إلى هذه الغرفة، وجد فيها رجلين وامرأة يخفرهم ~~جندي فقال له الجندي: لا بد لنا من أن ms1092 ننتظر ساعة على الأقل، إلى أن يفرغ القاضي من ~~التحقيق في أمر هؤلاء المجرمين. # ثم جلس على المقعد الخشبي، وجلس بإزائه روكامبول. # وأخذ الجندي علبه عطوسه، وفتحها فمد روكامبول يده وأسرع الجندي إلى تقديمها إليه ~~قبل أن يأخذ منها. # فدس روكامبول فيها تلك الحبة السوداء، التي أخذها من فاندا، وتظاهر: أنه يتنشق من ~~ذلك السعوط، والحقيقة أنه حبس نفسه، فلم يشم شيئا. # أما الجندي فقد أخذ مقدارا كبيرا واستنشق مدة طويلة وهو لا يعلم ما خبأته له ~~الأقدار. # وعند ذلك قدم حاجب من غرفة قاضي التحقيق، ودعي الرجلين والمرأة إلى المثول بحضرة ~~القاضي وذهب؛ فخرج بهم الجندي وأدخلهم إلى غرفة التحقيق. # وعاد إلى غرفة الانتظار فجلس على مقعد بجانب الجندي الذي يخفر روكامبول، وقال: ~~إنهم سيقيمون أكثر من ساعة لدى القاضي؛ لأن مسألتهم مشكلة تقتضي البحث ~~الطويل. # فأجفل روكامبول لعودة الجندي وجعل يفكر بأمره، وهو واجف القلب من عودته؛ إذ لم يكن ~~يخطر له ذلك في بال. # وبعد أن دار الحديث بين الجنديين، أخذ حارس روكامبول علبة سعوطه، وقدم منها إلى ~~روكامبول فأبى. # ثم قدم إلى الجندي الآخر فأخذ منه بلهف وتنشق من ذلك السعوط عدة مرات كما فعل ~~رفيقه من قبل. # ثم جعل الاثنان يتحادثان نحو نصف ساعة أحاديث مختلفة، وروكامبول منشغل عنهما غائص ~~في بحار التأمل والتفكير. # إلى أن سمع الجندي يقول لرفيقه: ما هذا النعاس الغريب الذي أصابني، فإن عيني لا ~~تفتحان؟ # فسأله رفيقه: هل كان دورك في السهر للحرس هذه الليلة؟ ~~- نعم. ~~- إذن، إن هذا النعاس من ذاك السهر، ولكن إذا أحببت أن تنام قليلا، فلا بأس؛ لأني ~~سأتولى مكانك حراسة أسيرك. # ومد يده إلى علبة السعوط، فأخذ منها واستنشق مرة ثانية. # أما حارس روكامبول، فإنه شكر رفيقه الجندي بالإشارة؛ إذ لم يعد يطيق الكلام، وأطبق ~~عينيه فنام نوما عميقا، وقد أسند رأسه إلى الحائط ومد رجليه. # أما روكامبول فظل على ما كان عليه من التظاهر بالتفكير والذهول، ولكنه كان من حين ~~إلى آخر ينظر إلى ms1093 حارسه الجديد، ويراقبه بطرف خفي. # وكان يراه قد شعر بالنعاس، ولكنه كان يقاوم مقاومة عنيفة ويتثاءب، غير أن عينيه لا ~~تزالان منفتحتين. # ثم رأى أن منديله قد سقط من يده ثم أطبق عينيه وأصابه ما أصاب الآخر من النوم ~~العميق. # فصبر عليه روكامبول دقيقة، ومشى في الغرفة بضع خطوات، فرأى أنه لم ينتبه. # فدنا منه وناداه، فلم يجب فهزه فلم يستفق، فأيقن روكامبول أن المخدر أثر تأثيره ~~بالاثنين وأنه أصبح حرا. # فزرر سترته العسكرية، وأخرج من جيبه زرا روسيا فوضعه في عروة سترته إشارة إلى ~~رتبته، وخرج من تلك الغرفة يمشي بخطوات متوازنة. # وكانت الردهات غاصة بالناس من جنود وقضاة ومتقاضين ومحامين، وكلهم ممتزجون يجيئون ~~ويذهبون في أغراضهم الخاصة. # فدنا روكامبول من أحد الجنود، وقال له: أرجوك أن تدلني على محكمة ~~الاستئناف. # فقال له: إنها في الغرفة الأولى من الدور الثاني، فانزل إليها من هذا ~~السلم. # فشكره روكامبول ونزل في ذلك السلم، كما أخبره الجندي، فكان إذا نظر إليه الناس أو ~~الجنود يحسبه بعضهم متفرجا، ويظنه آخرون شاهدا وهو سائر لا يلوي على أحد. # ومثل روكامبول لا تخفى عليه مخارج العدلية ومداخلها، فسار يمشي بقدم الواثق ~~المطمئن حتى بلغ إلى الباب الخارجي. # وهناك أتت مركبة، وفيها ذلك الإنكليزي المتنكر، أي نويل. # فصعد إليها حالا وأمر السائق أن يسير، وقد عجب نويل لنجاته، فسأله: كيف ~~نجوت؟ ~~- نومت الحراس. ~~- بماذا؟ ~~- بحبة سوداء طحنتها بيدي ووضعتها في علبة سعوط يحملها الجندي، وسأقص عليك بعد ذلك ~~بالتفصيل، أما الآن فهلم بنا نتغدى، فقد أنهكني الجوع. ~~- أين تريد أن نتغدى؟ ~~- في شارع سانت دينيس، عند منعطف ستراسبورج، إذ يوجد فندق هناك. # فأمر نويل السائق أن يسير إلى ذلك الفندق. فسارت بهما المركبة تنهب الأرض. # 39 # يوجد في باريس فندق للطعام لا يتردد عليه غير الممثلين والكتاب وأصحاب الفنون ~~الجميلة. # وكان مكتوبا على بابه عنوان «بائع خمور» غير أن الخمور على اختلافها كانت فيه من ~~أفضل أنواعها حتى أطلق عليه اسم فندق «الكتاب» لأنها باتت خاصة ms1094 برجال الإنشاء ~~والفنون. # ومن عادة البوليس في العواصم الكبرى، ولا سيما في باريس، أن يراقب المطاعم ~~والفنادق مراقبة شديدة لكثرة تردد الأشقياء عليها واغتنامهم جهل الغرباء المقيمين ~~فيها. # غير أن البوليس لم يكن يدنو من ذلك الفندق، إذ ثبت لدى جميع الحكومات أن أقل الناس ~~شرا هم رجال الأقلام، وأكثرهم عفافا ومروءة أولئك الذين يتيهون في عالم الخيال ~~لصيد شوارد المعاني. # فكان ذلك الفندق، في عرف رجال البوليس، أشرف فنادق باريس. # ولهذا فإن روكامبول أمر نويل أن يسير به إلى ذلك الفندق كي يكون آمنا فيه من ~~المراقبة إلى أن يفرغ من طعامه ويلجأ إلى محل أمين. # وكان هذا الفندق على اقتصاره على الكتاب لا يرفض من يقدم إليه ممن تدل ظواهرهم ~~أنهم من رجال الخير. # وليس في ملامح الاثنين ما يدل على شيء من الشر؛ لأن نويل كان متنكرا بزي نبلاء ~~الإنجليز وروكامبول متنكرا بزي ماجور، فليس في ظواهرهما ما يحمل على ~~الشبهات. # فلما وصلا إلى الفندق أطلقا سراح المركبة ودخلا إليه، فاستقبلا فيه استقبالا ~~حسنا وجلسا حول طاولة منعزلة. فأسرع الخدم إليهما، وأحضر لهما من الطعام ما ~~طلباه. # وعندها بدأ الاثنان الحديث، فسأله نويل: إني قبل أن أخبرك أيها الرئيس بما أعرفه ~~أحب أن أعلم ... ~~- ماذا تريد أن تعلم؟ ~~- أحب أن أعلم كيف خرجت من سراي العدلية. ~~- إن الأمر على غاية البساطة. ~~- أتخرج من مكان يتهمونك فيه أنك روكامبول، ثم تقول: إن الأمر بسيط؟ ~~- ألم أقل لك: إني نومت الحارسين وخدعت الجنود؟ # ثم قلت لك أيضا: إني وضعت في علبة سعوط أحدهما مخدرا ليس أشد منه تأثيرا بين ~~المخدرات، فإن من يتأثر به ينام بعد دقائق قليلة، فلا يستفيق إلا بعد ست ساعات، إذا ~~كان قوي البنية. # وكانوا في سجن مازاس يعتنون بي فأذنوا لي بإحضار ملابسي فلبست أفخرها حين ذهابي ~~إلى العدلية. # فلما ذهبت من غرفة الانتظار في دار العدلية، اختلطت بالناس وخرجت إلى دار الحرية، ~~فلم يحمل أحد خروجي على محمل الشبهات؛ لأن ظواهري تدل على ms1095 أني من النبلاء. # والآن قل لي أنت ما جرى مدة غيابي. ~~- إن أنطوانيت نجت وهي عندنا. ~~- عرفت ذلك. ~~- ولكن أجينور لم نره منذ ثلاثة أيام. ~~- هذا ما عرفته أيضا. # ثم أطرق برأسه إلى الأرض، ثم سأله بصوت خافت: ومدلين؟ # فنظر إليه نويل فإذا بوجهه قد اصفر واضطرب حين ذكر اسم مدلين، فلم يجبه عنها بل ~~أجاب: إن إيفان دي بونتيف مقيم في باريس. # فقطب روكامبول جبينه وعاد إلى الذهول. # فاستأنف نويل الحديث قائلا: إنه قدم إلى باريس للبحث عن مدلين. ~~- وماذا جرى؟ ~~- إنه في اليوم الذي قبض فيه عليك عهدت إلي فاندا حراستها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن إيفان قدم إلى باريس مع خادم، وهذا الخادم متفق مع الفيكونت كارل دي ~~مورليكس. # فصاح روكامبول صيحة منكرة قائلا: مورليكس! ~~- أجل، إنه لم يمت. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- كل الثقة، فإنه عاد إلى باريس بعد القبض عليك، وقد رأيته بعيني. # فعض روكامبول على شفته من الغيظ، وقال: يجب أن نعود إلى ما كنا فيه، ونستأنف ~~القتال. # ثم تابع بصوت خافت: ولكني قد ضعفت وسئمت وبت أحب العودة إلى السجن، فإني لا أجد ~~الراحة الصحيحة إلا فيه. # أما نويل فإنه لم يسمع كلماته الأخيرة، فعاد إلى إتمام حديثه قائلا: لقد قلت لك: ~~إن خادم الكونتس فاسيليكا ومورليكس متفقان، وقد عادا من روسيا سوية وأحضرا معهما ~~إيفان. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أظهرا للناس أنه مجنون، ولا أعلم كيف فعلا؛ فإن فاندا لم تعلم ذلك بعد، ولكن كل ~~ما علمناه: أن إيفان مقيم عند الدكتور لامبرت، الطبيب الخاص بالمجانين، ومنزله في ~~شارع أوتيل، وأنهم يعالجونه كل يوم بالماء البارد. ~~- والكونتس فاسيليكا؟ ~~- هي أيضا في باريس. ~~- أتعلم أين هي مقيمة؟ ~~- إنها مقيمة في منزل تعرفه جيدا يا حضرة الرئيس. # فاضطرب روكامبول وقال: قل أين تقيم؟ ~~- في منزل الكونتس أرتوف في شارع بيبينيار. ~~- في منزل باكارا؟ ~~- هي نفسها. # فاختلج روكامبول اختلاجا عظيما عند سماعه اسم باكارا وهي أشد أعدائه هولا، ثم ~~سكت مدة طويلة وغاص في بحار الهواجس والتأملات. # وبعد حين ms1096 نظر إلى نويل وقال له: ادفع ثمن الطعام، وأحضر لي مركبة. # فامتثل نويل وخرج. # أما روكامبول فإنه جعل يحرق الإرم من الغيظ، ويذكر اسم باكارا بلهجة غريبة لا توصف ~~فيقول: أقدر لي أن ألقاك أيضا في طريقي؟ # وبعد هنيهة عاد نويل بالمركبة، فركب روكامبول بجانبه وأرخى ستائر المركبة. # فسأله نويل: إلى أين تأمر أن نسير يا سيدي؟ ~~- إلى ذلك المنزل الذي استأجرته لي، أي ذلك المنزل الذي تشرف نوافذه على حديقة قصر ~~الكونت دي أشمول، فأرى منها تلك المرأة الصالحة التي طالما دعوتها بأختي أيام ~~غروري. ~~- أيها الرئيس، إن نفسك حزينة حتى الموت. ~~- إنك تقول الحق. ~~- ألعلك خائف من أن يقبض عليك أيضا؟ ~~- كلا. # ثم نفض روكامبول ما كان أصابه من الدهش ، وقال لنويل: ألعل حقيبة المعدات ~~معك؟ ~~- إنها لا تفارقني. # وأخرج من جيبه حقيبة من الجلد، كان فيها ما يحتاج إليه الأشقياء واللصوص. # وفي جملة ما كانت تحتويه شاربين وشعرا للرأس من لون واحد، وموسى ومقص ~~ومبرد. # فأخذ روكامبول الموسى فحلق بها شاربيه، ثم أعطاها لنويل وأمره أن يحلق له شعر رأسه ~~ففعل. # ولما فرغ من وضع ذلك الشعر المستعار، وضع ذينك الشاربين بدلا من شاربيه، ثم خاطب ~~نويل: لنغير الآن ملابسي بملابسك. # فخلع نويل ملابسه الإنكليزية، فلبسها روكامبول بسرعة، ولبس نويل ملابس ~~روكامبول. # وكانت ستائر المركبة مرخية فلا يراهما أحد، ولما أتم روكامبول لباسه نظر إليه نويل ~~متأملا وأردف: ليس الآن من يشك بأنك إنكليزي، لا غش فيه. # وكانت المركبة سائرة فوصلت عند ذلك إلى شارع سرسنس، وظلت سائرة حتى وصلت إلى بيت ~~الكونت فابيان دي أشمول زوج بلانش دي شمري التي طالما دعاها روكامبول أخته، فأوقف ~~المركبة، ثم ترجل منها، وخاطب نويل: اذهب أنت الآن فلم يعد لي بك حاجة. ~~- متى أراك يا سيدي؟ ~~- لا أعلم. ~~- ولكن ماذا أخبر فاندا؟ ~~- قل لها إني نجوت من السجن. ~~- ألا تراها؟ ~~- لا أعلم. # ثم تركه وانصرف فدخل إلى المنزل الذي استأجره له نويل، وهو البيت الذي تشرف نوافذه ~~على حديقة ms1097 الكونت فابيان. # وقد دخل وهو يعض على شفته ويكرر من حين إلى آخر اسم باكارا. # العاشقة الروسية‏ # العاشقة الروسية‏ # | العاشقة الروسية # | العاشقة الروسية # | روكامبول (الجزء السابع) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | العاشقة الروسية # 1 # كان كثير من المدعوين جالسين قرب منتصف الليل حول مائدة وضعت فوقها أقداح الشاي، وهم ~~يتحدثون ويتسامرون منذ الساعة التاسعة في منزل الكونتس أرتوف. # وليست الكونتس أرتوف إلا تلك التائبة الحسناء التي كانت تدعى باكارا قبل أن يطهر الحب ~~الصحيح نفسها من أدران الفساد، فتابت توبة صادقة وباتت ضالة الفقراء ومحط رجاء كل بائس ~~مسكين. # إلى أن أراد الله مكافأتها عن توبتها الصادقة فلقيها الكونت أرتوف وهي في نضارة ~~الشباب، وقد بلغ من الثروة والنبل ما لم يبلغه سواه فتزوج بها وذلك منذ أحد عشر عاما ~~كما يذكر قراء الأجزاء السابقة. # ولكن ما لقيته باكارا مع زوجها من الهناء والنعيم زاد نضارة شبابها، ومد في عمر ~~جمالها، فكان من يراها يحسب أنها في الثامنة والعشرين من عمرها وهي قد بلغت ~~الأربعين. # فكانت تفتح قاعاتها لفتيات باريس الحسان، وهي لا تخشى أن تكسف تلك النجوم شمس جمالها ~~الباهر فإن الجميلات كن يحشرن تحت لوائها. # وكان جالسا بجانبها تلك الليلة فتاة جميلة شقراء، وهي الكونتس فاسيليكا وأسرنوف؛ تلك ~~المرأة المنتقمة الجبارة التي انقلب حبها لابن عمها إيفان بونتيف إلى بغض شديد وحقد ~~عجيب بحيث باتت لا يهنأ لها بال إلا بعد أن تدرك بغيتها من الانتقام. # وفي جملة الذين كانوا حاضرين في تلك الحفلة على كثرتهم الكونت كوروف وهو الذي وعدته ~~فاسيليكا بالزواج بعد يأسها من إيفان، ثم ثلاثة أو أربعة من أصدقاء باكارا القدماء ~~بينهم الفيكونت فابيان دي أسمول زوج بلانش دي شمري تلك الفتاة الطاهرة التي كان يدعوها ~~روكامبول زمنا بعيدا أخته، حين كان يلقب نفسه المركيز دي شمري كما تقدم في روايتي ~~الغادة الإسبانية وانتقام باكارا. # كان الحديث دائرا عن إيفان بونتيف ... # قالت فاسيليكا: إنه مجنون وا أسفاه وهو وحيد أبيه ولا يزال ms1098 في مقتبل الشباب. # فقالت باكارا: أأنت واثقة من جنونه؟ ~~- كل الثقة، ولم يبق مجال للريب فإن تلك الفتاة التي يهواها ويدعوها مدلين لا وجود ~~لها إلا في مخيلته. # فنظرت باكارا إليها نظرة شك وقالت: ألا تظنين أنك منخدعة؟ # ثم أسرعت بالاستطراد قبل أن تدع لها وقتا للجواب، فقالت: وهذا البارون دي مورليكس ~~الذي لم يكن يفارق ابن عمك عندما عاد به إلى فرنسا، فإني لم أره منذ حين. ~~- وأنا أيضا لم أره منذ عهد بعيد. # ثم نظرت فاسيليكا إلى باكارا نظرة خفية ملؤها الضغينة؛ لأنها خشيت أن تكون أدركت ~~شيئا من أسرار قلبها. # وعند ذلك انقطع الحديث عن إيفان الذي كان لا يزال سجينا في منزل الدكتور أليوت طبيب ~~المجانين؛ لأن الأنظار قد اتجهت إلى زائر جديد دخل إلى القاعة فقطع ذلك الحديث ~~القديم. # وكان هذا الزائر شابا يبلغ الثامنة والعشرين من عمره وهو من رجال المحاماة، ولكنه ~~كان يمتهن هذه الحرفة لشغفه بها لا للكسب منها؛ لأنه كان من الأغنياء، فكان يدافع عن كل ~~ما يسأل الدفاع دون أجرة، وفي الليل يزور منازل أصحابه فيروي لهم جميع ما يراه في نهاره ~~من غرائب الدعاوى فيعجبون بأحاديثه لفصاحة لهجته وزلاقة لسانه. # فلما دخل إلى القاعة واتجهت إليه الأنظار قال لهم: أتعلمون ماذا حدث؟ وقال بعض ~~الحاضرين وقد بدت عليهم ملامح الاهتمام: ماذا جرى؟ ~~- لقد قبضوا على روكامبول. # فاضطربت باكارا ونظرت نظرة أسف إلى الفيكونت فابيان. # وسألت فاسيليكا قائلة: من هو روكامبول هذا؟ # فأجابها المحامي: إنه رجل تكتنفه الأسرار وقد كثر الحديث عنه منذ بضعة أعوام، فإنه ~~كان رئيس عصابة شديدة فعلت كثيرا من المنكرات في باريس. ~~- ولكن اسمه جميل. ~~- وهو جميل أيضا، وقد ظهر أنه أقام في سجن طولون ستة أعوام ثم يظهر أنه احتاج يوما ~~إلى الهواء الطلق فترك السجن. # وقالت فاسيليكا: إذن قص علينا حكاية هذا الرجل فإنها لطيفة كما يبدو من ~~مقدماتها. ~~- إني سأقصها عليك بملء الرضى. # وقد قال ذلك وهو لا يدري أنه سيتكلم عن رجل ms1099 عرفه كثير من الحاضرين حق العرفان. # أما فاسيليكا فقد سرها من جميع ذلك الحديث عن روكامبول أنه أراحها من عناء الحديث عن ~~ابن عمها إيفان. # وعاد المحامي إلى الحديث فتدفق في كلامه تدفق السيل، وجعل يقص على الحاضرين حكاية ~~روكامبول كما يعرفها: أي كما هي شائعة على الألسن. # ولكن الذي لم يعرفه من أمره ولم تكن تعرفه المحاكم أن رئيس تلك العصابة الهائلة ~~القديمة، وذلك الهارب من سجن طولون، كان يدعى في باريس قبل سجنه، المركيز دي ~~شمري. # وتنفست باكارا وفابيان تنفس المتفرج بعد أن فرغ المحامي من حكايته، وعلما أنه لا يعلم ~~شيئا من حقيقة أمر روكامبول، ونظر كلاهما إلى الآخر نظرة تشف عن الاطمئنان. # وعادت فاسيليكا إلى سؤال المحامي وقالت: أحقا أن هذا الرجل هرب من السجن؟ ~~- ذلك لا ريب فيه فإنه هرب بطريقة عجيبة، ثم قص على الحاضرين كيف هرب روكامبول على ما ~~قرأه في جريدة المحاكم منذ ثمانية أشهر. # ولما انتهى من رواية الجريدة قال: أما هذا الرجل فإنه لم يفر وحده بل هرب معه ثلاثة، ~~ولم يهرب بطريق البر كما يفعل سواه من المسجونين، بل إنه بطريق البحر على سفينة استولى ~~عليها. # وكان البحر هائجا هياجا عظيما حين فراره في تلك الليلة المدلهمة، حتى إنه أشيع في ~~اليوم الثاني أن المجرمين هربوا من السجن فغرقوا بالبحر، وظل هذا الاعتقاد سائدا على ~~الناس ستة أشهر. ~~- وبعد هذه المدة، ألعلهم وقفوا على آثار روكامبول؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه منذ ستة أسابيع حدثت سرقة مائة ألف فرنك في منزل تعرفون صاحبه ~~جميعكم. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- الفيكونت كارل دي مورليكس. # فابتسمت باكارا ابتسام الاحتقار. # وقالت فاسيليكا: ومن الذي اتهم بهذه السرقة؟ أليس هو روكامبول؟ ~~- هو بعينه. ~~- إذن فهو لم يسرق؟ ~~- كلا، وقد ثبت أنه هو السارق. ~~- فاعترضته باكارا وقالت: إني أعجب أيها الصديق كيف تتحدث بمثل هذه الخرافات. ~~- أية خرافات تعنين؟ ~~- هذه السرقة التي تنسبها لروكامبول. ~~- ولكن اسمه قد ذكر في المحكمة. ~~- إنك لو كنت ms1100 تعرف روكامبول حق المعرفة لما صدقت أمر هذه السرقة، فإنه لا يتدانى إلى ~~سرقة مثل هذا المبلغ الحقير بالقياس إلى علو نفسه وشدة مطامعه. ~~- إذن أنت تعرفينه؟ ~~- ربما، بل إني قد أستطيع أن أحدثكم عنه بأمور كثيرة، والآن أرجوك أن تتم حديثك عنه ~~فإننا مصغون إليك. # 2 # وعاد المحامي إلى تتمة حديثه فقال: سواء أخطأوا أو أصابوا، فإنهم كانوا يتهمونه بهذه ~~السرقة في ذلك العهد، وجعل البوليس يبحث عن روكامبول في كل مكان فلا يجده. # فقالت باكارا: إن الأمر بسيط وهو غرق دون شك حين محاولته الفرار من السجن. ~~- ليس الأمر كما تظنين فاسمعي بقية الحديث، إنهم بعد أن بحثوا عنه ستة أسابيع قبضوا ~~على رجل محتال كان يدعو نفسه الماجور أفاتار، وكان هذا الماجور صديقا للمركيز ب فعرفه ~~نبلاء باريس، وكان يشهد فيه خير شهادة ومع ذلك فإن البوليس قبض عليه. # فاضطربت باكارا وقالت: وبعد ذلك؟ ~~- إنه حين مثل هذا الماجور أمام قاضي التحقيق اعترف أنه متنكر وأنه نفس ~~روكامبول؟ # فزاد اضطراب باكارا وقالت: أحقيقة ما تقول؟ ~~- نعم يا سيدتي، غير أن هذا البوليس الذي افتخر بالقبض على روكامبول لم يدم سروره؛ ~~لأنه نجا أيضا من السجن. # فانذهل الجميع وصاحوا بصوت واحد: كيف هرب؟ ~~- إنه هرب في صباح هذا اليوم حين جاءوا به إلى قاضي التحقيق. # فقال واحد من الحاضرين: إن الفرار على هذا الشكل صعب. ~~- بل هو مستحيل ولكنه هرب. ~~- كيف فعل؟ ~~- لا يعلمون، فإنه أدخل إلى قاعة الانتظار مع جندي كان يتولى حراسته وكان هناك جندي ~~آخر. # ولما حان دور التحقيق بأمره جعل القاضي يقرع الجرس قرعا عنيفا، فلم يجبه أحد فدخلوا ~~إلى قاعة الانتظار فوجدوا الجنديين نائمين يغطان ولم يجدوا روكامبول. ~~- ألعله نومهما؟ ~~- نوما يشبه الموت؛ لأنهم بذلوا كل جهد في إيقاظهما فلم يستفيقا حتى جاءوا بطبيب، ~~فأثبت أنهما أعطيا مخدر شديد التأثير. # وقالت فاسيليكا: الحق أنه رجل شديد الذكاء يستحق الإعجاب. # أما باكارا فلم تجب ولكنها نظرت إلى فابيان نظرة ملؤها القلق والاضطراب. # ودقت الساعة ms1101 عند ذلك مشيرة إلى انتصاف الليل وهو موعد انصراف المدعوين فبدءوا ~~يتفرقون. # وكان أول من انصرف الكونتس فدخلت فاسيليكا إلى مخدعها؛ لأنها كانت في ضيافة باكارا ثم ~~انصرف بعدها جميع المدعوين، مودعين باكارا حتى إذا انتهى الدور إلى الفيكونت فابيان ~~استوقفته وقالت له: ابق قليلا فقد وردتني أخبار الكونت أرتوف الذي لا يزال في روسيا ~~وهو سيعود منها في الأسبوع القادم. # ولما خلا المكان بهما قالت: ما رأيك في هذه الحوادث؟ ~~- أرى أنها قد تكون حقيقية. ~~- أتظن أن هذا الرجل روكامبول حقيقة؟ ~~- بل أثق فإن هذا الفرار لا يقوى عليه سواه. ~~- إني قرأت في الصيف الماضي حين كنت في روسيا خبر فرار أربعة أشقياء من سجن طولون، ~~فإذا كان روكامبول منهم وجب علينا الحذر الشديد. ~~- من أي شيء نحذر؟ ~~- إنك تعلم حق العلم إن امرأتك لم تعرف حتى الآن أن روكامبول كان مختلسا اسم أخيها ~~وأنها إذا عرفت هذه الحقيقة كان الخطر شديدا عليها. ~~- والخطر الذي أخشاه الآن أن هذه الحقيقة قد تظهر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن روكامبول قد يقع أيضا في قبضة البوليس، فيفتضح الأمر وتتناقله الجرائد التي ~~لا تكتم شيئا وهي تباع بالملايين في هذه الأيام، فإذا جرت محاكمته في باريس فقد تفضي ~~المحاكمة إلى إذاعة ذلك السر القديم؟ ~~- على أن الذي أرتاح إليه بعض الارتياح إن ذكر روكامبول قد دار مرارا على الألسن، ~~فكانت الإشاعات عن عودته تقيم إدارة البوليس وتقعدها إلى أن يتحقق فساد هذه المزاعم، ~~وقد تكون حادثة اليوم من قبيل الحوادث الماضية. ~~- إني أرجو أن يكون الأمر على ما ذكرت ولكن قلبي يحدثني أنك مخطئة فيما تتوهمين، فإني ~~ذكرت الآن حادثا غريبا جرى لي منذ شهر ولم أكترث له إلا الآن. ~~- ما هو هذا الحادث؟ ~~- تعلمين أن هذا القصر الذي فيه تكتنفه حديقة واسعة وإن ولدي يلعب كل يوم في هذه ~~الحديقة، وإن أمه تصحبه إليها بعض الأحيان، ويوجد عند سور الحديقة منزل قد أعده أصحابه ~~للأجرة تشرف نوافذه على الحديقة. # فبينما كنت يوما ms1102 ألاعب ولدي في الحديقة حانت مني التفاتة إلى نوافذ ذلك البيت فرأيت ~~وراءها رجلا أصفر الوجه ما لبث أن أصابه نظري حتى احتجب وتوارى عن عيني، فخيل لي أني ~~رأيت روكامبول. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- لم أره أبدا، فإني لبثت مدة طويلة أتربص له في الحديقة وأختبئ أحيانا بين الأشجار ~~وأنا أراقب النوافذ فلا أراه حتى مللت المراقبة، وأيقنت أنه شبه له، فلما سمعت اليوم ما ~~سمعته من المحامي ولم يعد لدي ريب في صحة ما قال ولا شك أن روكامبول هو المتنكر باسم ~~الماجور أفاتار. # ففكرت باكارا ثم قالت: لا بأس عد الآن إلى امرأتك وولدك، فسأنظر في هذا الأمر وارجع ~~إلي أحب أن أراك. ~~- متى؟ ~~- غدا إذ يجب أن أعرف الحقيقة من غير هذا المحامي. # فذهب الكونت فابيان ودخلت باكارا إلى غرفتها المشرفة على الحديقة وهي مفكرة مهمومة ~~فلبثت نحو ساعة جالسة قرب النار وهي غائصة في بحار التأملات. # وكان قلبها يحدثها بأن روكامبول عاد إلى الظهور فكانت تخشى أن يكدر صفو عيشها السعيد ~~وحياتها الهادئة. # وفيما هي تفكر هذا التفكير إذ طرق مسامعها صوت وقت أقدام في الحديقة، فارتعشت ودنت من ~~باب الغرفة ففتشته ولكن الظلام كان شديدا فلم تر أحدا وأصغت إصغاء تاما، فلم تسمع ~~حسا فأقفلت ذلك الباب وعادت إلى ما كانت عليه من الهواجس والتفكير. # ولكن ما لبثت هنيهة حتى سمعت ذلك الصوت قد اقترب منها، فأسرعت إلى المشرف مضطربة ~~واجفة فرأت خيال رجال وراء الزجاج. # ثم رأت قبل أن تبلغ إلى المشرف أن الزجاج قد قلع بخاتم من الماس وأن يدا قد مدت، ~~ففتحت الباب ثم دخل رجل إلى الغرفة. # فصاحب باكارا صيحة ذعر؛ لأن هذا الرجل كان مسلحا بخنجر وقد عرفته؛ لأنه كان ~~روكامبول. # 3 # سبق العهد بباكارا أنها شديدة جريئة لا تضطرب أمام مثل روكامبول، بل إن روكامبول ~~وأمثاله يضطربون أمامها. # ولكنها قد مر على هذا العهد بها عشرة أعوام تغيرت في خلالها أحوالها، وضعفت عزيمتها ~~السابقة بما توالى عليها من رخاء العيش ms1103 وراحة الفؤاد وصفاء البال، فأصبح منظر عدوها ~~القديم يهولها. # وكان أول ما خطر لها أن هذا العدو اللدود قد قذفته يد الخالق بعد أن كاد يبلغ ذروة ~~المجد، فشوهت وجهه وألقته في السجن وعذبته أشد عذاب فلا بد أن يكون قد أعد لها انتقاما ~~هائلا. # فلما رأته باكارا والخنجر مشهور بيده أيقنت أنها مائتة، فتراجعت منذعرة، وعزمت على أن ~~تقرع جرسا على الطاولة كي تستغيث به، ولكن روكامبول وثب إليها ومسك يدها، وقال لها: لا ~~تستغيثي ولا تقرعي هذا الجرس فإني لا أريد لك شرا. # وقفت باكارا ضائعة الرشد ولكن هذا الرعب الذي كان قد تولاها ذهب عنها فجأة؛ لأنها ~~شعرت أن لهجة روكامبول قد تغيرت ولم تعد تلك اللهجة التي عرفتها من قبل، وذهبت منه آثار ~~التهكم الذي كان يدل على نفسه الوحشية، فكان يشير إلى حزن دفين؛ حتى إن وجهه لم تبق فيه ~~تلك الملامح القديمة الدالة على الجرأة والميل إلى الفتك. وفي الجملة فقد رأت أن الفرق ~~بين طباع روكامبول الأمس وروكامبول اليوم عظيم ولكن الرجلين واحد. # ثم قال لها روكامبول بلهجة المتوسل: سيدتي اطمأني فإني أقسم لك أنني لا أريد بك ~~شرا. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- إني دخلت إليك متسلقا جدار الحديقة بسلم من الحرير، ثم كسرت زجاج هذه النافذة ونحن ~~الآن في الساعة الأولى من منتصف الليل. # فزاد انذهال باكارا من كلامه ومن خطته وقالت: ماذا تريد أن تقول؟ ~~- أقصد أمرا بسيطا يا سيدتي، وهو أني أريد العودة إلى السجن ولكني سأقول لك السبب ~~الذي أتيت من أجله، ومتى فرغت من حديثي تقرعين هذا الجرس وتدعين خدمك يقبضون علي ~~ويرجعونني إلى السجن فلا أخرج منه في قيد الحياة. ~~- لماذا إذن خرجت من السجن إذا كنت تريد الرجوع إليه؟ # فابتسم روكامبول ابتسام الحزين وقال: انظري إلي يا سيدتي ألا تجدين أني قد ~~تغيرت؟ ~~- أراك تجاوزت حد الصبى. ~~- أهذا كل ما ترينه بي من التغيير؟ ~~- وأرى أيضا أن صوتك قد تغير. # فأجاب بملء الكآبة: إن نفسي التي تغيرت ms1104 يا سيدتي. # فرأت باكارا أن الحقيقة بادية في صوته فقالت له: ألعلك أصبحت من التائبين؟ # فأطرق روكامبول برأسه إلى الأرض دون أن يجيب. # واستأنفت باكارا الحديث فقالت: لماذا عدت من السجن؟ ~~- لأتمم أمرا أراه فوق مقدرتي، فقد بدأت أشعر أني لا طاقة لي به. # فجلست باكارا على كرسي وجعلت تنظر إليه والخنجر لا يزال بيده وقالت: أوضح ما ~~تقول. # فمشى روكامبول إلى طاولة رآها أمامه فوضع فوقها خنجره، ثم رجع فوقف بملء الاحترام ~~أمام باكارا وقال: أتثقين بالتوبة والندم؟ # فترددت هنيهة وهي تنظر إليه نظر الفاحص وقالت: ربما ... ~~- سيدتي ... إني كنت منذ ربع ساعة واقفا في الشارع تجاه قصرك مختبئا وراء باب ~~الحديقة، فرأيت رجلا خرج من منزلك وهذا الرجل أعرفه إنه فابيان. ~~- نعم، هو بعينه. # فقال لها بصوت خافت ... وهي؟ # وكان صوته يضطرب حين فاه بهذه الكلمة وقد اصفر وجهه اصفرارا شديدا. # فأخذت باكارا يده، وقالت: لقد عرفت الآن كل شيء ... # فسقطت دمعة على وجه روكامبول وقال: ألم تعلم هي شيئا؟ ~~- كلا فقد بالغنا بالكتمان حرصا عليها. ~~- أتعلمين اليوم الذي دخل فيه شعاع التوبة الصادقة إلى قلبي فطهره من أدران الإثم ~~والفساد، إنه ذلك اليوم الذي زارت فيه مع زوجها سجن طولون ولم تعرفني حين رأتني، وقد ~~بلغ من حبي لها أني بت أعتقد أنها حقيقة أختي. # ثم مسح تلك الدمعة التي كانت تنحدر ببطء على وجنته وقال: إني ما أتيت إليك إلا لأكلمك ~~عنها. # فأشفقت باكارا على هذا الرجل الذي عرفت ماضيه وتبينت من لهجته وظواهر يأسه أنه صادق ~~في توبته، فقالت له: اجلس أمامي ولنتحدث. ~~- كلا ... إني لا أجسر على الجلوس أمامك. # ولبث واقفا وعاد إلى حديثه وقال: إني أقمت في السجن عشرة أعوام لا يخطر لي الفرار ~~منه في بال، إذ كان أقصى أماني أن أموت فيه؛ لأني وجدت الراحة الصحيحة بالموت. # ولكني لم أنقطع عن التفكير بتلك المرأة الطاهرة التي دعوتها أختي، وهي يجب عليها أن ~~تكرهني وترتجف لذكر اسمي. # واتفق يوما بأني علمت أن ms1105 بلانش لم تعلم شيئا من حادثة قاديس بفضلك وبفضل مادموازيل ~~سالاندريرا. # وخطر لي عند ذلك الفرار، وقلت في نفسي: إني سأنجو من السجن فأعود إلى باريس وأختبئ في ~~منزل يجاور منزلها، فأراها حين دخولها وخروجها كل يوم. # ومنذ ذلك الحين بدأت تتنازعني العوامل فكان عامل الفرار يتغلب علي رجاء أن أنقلب إلى ~~الخير، وأكفر بالأعمال الصالحات عن سيئاتي الماضية. # فقطاعته باكارا وقالت: وأخيرا نجوت. ~~- اصغي إلي يا سيدتي، لقد كان لي في السجن رفيق كنت مقيدا وإياه بقيد واحد، وكان هذا ~~الرجل خادما في أحد المنازل وقد ألقته في السجن يد أثيمة على براءته لإتمام عمل منكر، ~~فكان يبكي وهو معي أثناء الليل وأطراف النهار ويناجي أولاده. # ولقد حسبت في بدء الأمر أنه متزوج وله بنون ولكنه أخبرني بحكايته، وعلمت أنه يذكر حين ~~بكائه وتوجعه أولاد سيدته التي ماتت مسمومة، وهم بنتان يتيمتان فقيرتان، فقلت في نفسي: ~~هو ذا الفرصة قد لاحت للتكفير عن ذنوبي الماضية بالإحسان إلى هاتين اليتيمتين اللتين ~~يضطهدهما أعداؤهما؛ ولذلك هربت من السجن. ~~- وقالت باكارا: أكان حديث فرارك كما روي لنا؟ ~~- نعم. ~~- تمم حديثك فإني مصغية إليك. # فحكى روكامبول عند ذلك جميع ما اتفق له منذ ستة أشهر من الوقائع التي ورد تفصيلها في ~~رواية «روكامبول في سيبريا»، وذكر لها كيف وجد مع ميلون أنطوانيت، وكيف أخرجها من سجن ~~سانت لازار، ثم حكى بالتفصيل حكاية مدلين في روسيا، وكيف قبضوا عليه إلى أن تخلص من ~~السجن. # ولما فرغ من حكايته قالت له باكارا: إن الحكاية التي رويتها لي عن روسيا تشبه أتم ~~الشبه حكاية رواها لي أمس الكونت أرتوف، فقد ذكر لي قصة فتاة هاجمتها الذئاب فكانت ~~نجاتها من العجائب. ~~- هي مدلين ... # فأثر ذكر هذا الاسم تأثيرا غريبا على باكارا وقالت: مدلين؟ ~~- نعم يا سيدتي، فهي إحدى الأختين اليتيمتين. ~~- أكانت معلمة في روسيا؟ ~~- نعم. ~~- في منزل الكونت بونتيف. ~~- هو بعينه. ~~- وكان إيفان ابن هذا الكونت يحبها؟ ~~- ولا يزال يعبدها عبادة. # فبرقت عين باكارا وقالت: إذن إن ms1106 الكونتس فاسيليكا تخدعني خداعا عظيما، والآن قل لي ~~اسم هذا الرجل الذي يضطهد هاتين الأختين ويريد لهما الموت. ~~- إنه يدعى الفيكونت كارل دي مورليكس. ~~- لقد خطر لي شيء من هذا، فما كنت أجسر على أن أتمادى في هذه الظنون. # فأخذ روكامبول يدها وقال: سيدتي، إن عملي لم يتم بعد ولا أجسر على إتمامه؛ ولذا فقد ~~خطر لي أن أعهد إليك حماية هاتين الأختين فإنك غنية قادرة على كل شيء. ~~- وأنت؟ ~~- أعود إلى السجن. ~~- لماذا؟ # فأطرق برأسه وقال: إن هذا سر لا أبوح به. # فأخذت باكارا يده بدورها وقالت له: إني كنت أصغيت إليك فما ذلك إلا لأني غفرت لك منذ ~~عهد طويل، فلا يجب أن تكتمني أسرارك. # وجعل روكامبول يرتجف ارتجاف تلك الورقة الصفراء التي تحركها رياح الخريف ولم يجب ~~بشيء. # فقالت باكارا: تكلم فإني أريد أن تبوح لي بكل شيء. # فحاول أن يتكتم أيضا ولكنه غلب على أمره، فقال بصوت مختنق: «أحب مدلين.» # 4 # وساد السكوت هنيهة بين باكارا وروكامبول، فكان هذا الرجل الذي طالما انغمست يده ~~بالدماء واقفا وقفة المضطرب والعرق البارد ينصب من وجنتيه، وجميع ملامحه تدل على تلك ~~العاصفة الهائلة التي ثارت في نفسه من ذلك الإقرار. # ثم رفع رأسه وضحك ضحك القانطين وقال: أرأيت يا سيدتي كيف أن ذلك اللص السفاك، بل ذلك ~~الوحش المفترس قد تحول إلى إنسان وصار له قلب كقلوب الناس، فهبط إليه الحب كما تهبط ~~أشعة الشمس في محل قذر؟ # إن هذا القلب الذي عهدته من الأموات حين سرت إليه عاطفة هذا الغرام حاولت خرقه بهذا ~~الخنجر، ولكني كنت عاهدت نفسي وعاهدت الله على إنقاذ الأختين، فإذا هلكت هلكتا. # وجعلت أعارك نفسي وأصدها عن شهواتها حتى شعرت أني بت مغلوبا، فلا أستطيع أن أضبط ~~نفسي إذ قد يتفق ساعة سوداء يرتفع بها بصري إلى ذاك الملاك فيهين طهارته ~~المقدسة. # وهنا توقف هنيهة ثم قال: وعند ذلك افتكرت بك وقلت: إن المرأة التي قدرت أن تسحق ~~روكامبول تستطيع دون شك أن تسحق ms1107 كارل دي مورليكس. ~~- وسأفعل ... ~~- لا شك عندي فيما تقولين ... # ثم فتح سترته وأخرج من جيبه ملفا من الورق فأعطاه لباكارا وقال: إنك تجدين يا سيدتي ~~في هذه الأوراق كل ما تحتاجين إليه من المعلومات. # فأخذته باكارا وقالت: أحب أيضا أن أعلم ما أريده من فمك. ~~- سلي سيدتي أجيبك. ~~- أليس لكارل مورليكس أخ؟ ~~- نعم وهو والد أجينور. ~~- يجب أن نرفق بهذا الرجل، أليس كذلك؟ ~~- دون شك؛ لأنه لولا هذه العقدة، ولولا ما أخشاه من افتضاح أجينور بافتضاح أبيه ~~واستحالة تزوجه بأنطوانيت بعد هذه الفضيحة؛ لذهبت في هذا الصباح إلى قاضي التحقيق، ~~وكشفت له هذه الحقيقة الهائلة وعرضت عليه براهين تسميم البارونة والدة الأختين، فيقبض ~~البوليس على كارل وأخيه فيضربهما الشرع ضربة قاضية، ولكن والد أجينور لا ينبغي أن يمس؛ ~~لأن ولده يحب أنطوانيت. ~~- هو الحق ما تقول. ~~- إذن يجب عقاب كارل مورليكس عقابا شديدا قاضيا لا يشعر به أحد؛ ولهذا أتيت إليك ~~... ~~- ولكن مورليكس لا يعاقب وحده. ~~- ومن تريدين أن تعاقبي معه؟ ~~- امرأة مقيمة في ضيافتي وهي تخدعني منذ أيام. ~~- ألعلها الكونتس فاسيليكا؟ ~~- هي بعينها ... # ففكر روكامبول هنيهة ثم قال: إذن هي التي أوهمت الناس أن ابن عمها إيفان مجنون وحبسته ~~في منزل الطبيب؟ ~~- نعم بالاتفاق مع مورليكس. ~~- أتعديني بحماية الأختين ومعاقبة كارل؟ ~~- أعدك وعدا صادقا لا ريب فيه. ~~- إذن أرجوك أن تنادي خدمك الآن وأن تأمريهم بالقبض علي وتسليمي إلى الشرطة. # وقد قال هذا القول بلهجة جدية لم تدع لباكارا أقل مجال للشك في إخلاصه، فنظرت إليه ~~نظرة إشفاق وقالت: كلا إني لا أفعل شيئا من هذا. ~~- لا تفعلين! ~~- كلا ... فإني لا أحب أن تعود إلى السجن. # فتراجع روكامبول خطوة إلى الوراء ودلائل اليأس بادية في ثنايا وجهه، فأوقفته بإشارة ~~وقالت له: اصغ إلي، إنك تعلم أكثر مما يعلم سواك ما سيأتي، وقد عرفت من أمري أني كنت في ~~عهدي من أشر بنات الهوى، ثم تبت توبة صادقة وتزوجت رجلا نبيلا، ففتحت لي أبواب ~~العائلات وبات لي في مجالس النبلاء ms1108 خير حظوة ومقام. # فاضطرب روكامبول وقال: ماذا تريدين بهذا القول؟ ~~- أريد أن كل ما لقيته إلى الآن من سجن وعذاب لم يفد في عقابك، وكل ما سوف تلقاه من ~~عناء السجون لا يكفر عن آثامك، أما العقاب الصحيح الذي قد تكفر به عن ذنوبك وربما نلت ~~بعده الغفران الذي ترجوه فهو ... # ثم توقفت هنيهة تنظر إلى روكامبول الذي كان مطرق الرأس يضطرب، وقالت: إن هذا العذاب ~~هو حبك لتلك الفتاة الطاهرة، فإذا كنت تريد من توبتك الصادقة فلا تجده إلا في شقائك في ~~هذا الحب. # فأن روكامبول أنين الموجع وقال: أتظنين أني أطيق تحمل هذا الشقاء؟ ~~- إنك تقيس هذا الشقاء إلى ذنوبك السابقة فتدفع عقابك عنها. # فوضع روكامبول يده فوق صدره وقال بلهجة القانط: كفاني يا سيدتي ما لقيت، دعيني أعود ~~إلى السجن. ~~- كلا فلا يظهر الآثام غير الحب وإن الشقاء مثل النار ينفي كل دخل. # فرفع روكامبول عينيه إليها وهما غارقتان بالدموع، وقال: لقد أصبت فسأتحمل كل عناء ~~واستمر عاملا في خدمة الخير. ~~- وأنا أريد أن تكون حليفا لي في هذه المهمات. # ليكن ما تريدين غير أني لا أستطيع أن أفيدك فائدة كبرى، ويمكن أن يقبضوا علي إذا ~~عثروا بي. # فابتسمت باكارا وقالت له: تعال معي. # ثم أخذت مصباحا وسارت أمامه وهو يتبعها من غرفة إلى أخرى حتى انتهت إلى غرفة متسعة، ~~وقالت له: نم هنا فستكون آمنا ما دمت في منزلي وغدا عند الظهر أعود إليك وربما عدت ~~إليك بما يسرك. # ثم تركته وانصرفت. وكان روكامبول لم ينم نوما طيبا منذ عدة ليال فانطرح على السرير ~~بملابسه وما لبث أن بلغ السرير حتى غفا ونام نوما عميقا. # ولما أشرق الصباح لم يستيقظ، وبزغت أشعة الشمس تسطع فوق وجهه المصفر النحيل، فلم ~~يستفق إلى أن حان الظهر، فاستيقظ من نومه لسماعه صوت فتح الباب. # وكان الذي فتح باب الغرفة باكارا فلما رآها داخلة أسرع إلى النهوض من سريره فوثب من ~~فوقه إلى الأرض، ووقف أمامها وقفة الاحترام. # فابتسمت له ms1109 باكارا وقالت: لقد أصبحت الآن حرا بالذهاب في شوارع باريس كيف تشاء، وأن ~~تعود إلى النادي الذي كنت تزوره، وأن تحفظ لنفسك اسم الماجور أفاتار. # فانذهل روكامبول وقال: ماذا تقولين؟ ~~- الحقيقة. ~~- ولكن البوليس؟ ~~- إن أحد العظماء في هذه العاصمة توسط هذا الصباح في أمرك فأنت الآن حر لا يستطيع أحد ~~أن يقبض عليك، وربما صدر الأمر بالعفو عنك بعد زمن قريب. # فركع روكامبول وقال: رباه ماذا أسمع أنا في حلم أم في يقظة؟ ~~- كلا بل أنت في يقظة، وقد استحقيت هذا العفو؛ لأنك أصبحت حليف باكارا، فاعلم الآن ~~أني أنفقت ليلة أمس في مطالعة تلك المذكرات التي أعطيتني إياها فعرفت منها كل شيء ~~وأيقنت من براءة ميلون. # فقال روكامبول: ولكن هذا المسكين مقبوض عليه، وسيعود إلى الليمان لا محالة؛ لأني لا ~~يخلق بي الآن إنقاذه من قبضة البوليس بعد موافقة الحكومة على التخلي عني. # فمشت إلى الباب وفتحته، وعند ذلك صاح روكامبول صيحة دهشة؛ لأنه رأى ميلون واقفا على ~~عتبة الباب فشكر روكامبول باكارا وقال: إذن لنبدأ العمل. # 5 # في ليلة اليوم نفسه كان كثيرون في قاعة منزل باكارا منهم الفيكونت فابيان والمحامي ~~والكونتس فاسيليكا وغيرهم. # وقد بدأت باكارا الحديث فقالت للمحامي: ألا تقص علينا الليلة شيئا عن ~~روكامبول؟ ~~- إنهم يبحثون عنه. # فابتسمت باكارا وقالت: إني أرجو أن يقبضوا عليه. # وقالت الكونتس فاسيليكا: ما هذا الرجل الغريب الذي تدعونه بروكامبول فقد مثلتموه لي ~~ماردا من مردة الجن. # فأجابتها باكارا: بل ربما كان أعظم يا سيدتي. # أجابت: يلوح لي يا سيدتي من خلال حديثك عنه أنك تعرفين عنه ما لا يعرفه الناس. ~~- هو ما تقولين. ~~- ألعلك عرفتيه شخصيا؟ ~~- نعم يا حضرة الكونتس. # فسألها المحامي: إذن إنك تعرفينه دون شك إذا رأيتيه. ~~- ذلك لا ريب فيه. # وكان فابيان جالسا وهو حائر مضطرب، فنظرت إليه باكارا نظرة معنوية ظهر له منها أنه ~~لا موجب للخوف فهدأ اضطرابه واطمأن. # ثم التفتت إلى فاسيليكا وقالت لها: إذا كنت تريدين يا سيدتي الكونتس أروي لك ما ms1110 أعلمه ~~عن روكامبول. # وصاح جميع الحاضرين يقولون: تكلمي تكلمي. # فقالت باكارا: منذ خمسة عشر عاما حدثت في باريس حوادث هائلة اضطرب لها جميع أغنياء ~~الباريسيين وكبارهم؛ وذلك لأنه تألفت جمعية سرية كانت تقدم على أمور هائلة وترتكب أفظع ~~المآثم. # فقالت فاسيليكا: ألعل روكامبول كان رئيس هذه الجمعية؟ ~~- اسمعي، إن هذه الجمعية كان من جملة مآثمها قتل الأزواج وحمل الزوجات على حب ~~أعضائها، ولم يكن رئيسها كما توهمت بل كان السير فيليام. # وبعد حادثة لا سبيل إلى بسطها في هذا المقام؛ لأن الحديث عن روكامبول احتجب هذا ~~الرئيس أي السير فيليام عن الأنظار. # فاختلفت الآراء في احتجابه، فمن قائل إنه قتل، ومن قال إنه شحن على سفينة إلى بلاد ~~القبائل المتوحشة، بعد أن فقأ أعداءه عينيه إلى غير ذلك من الإشاعات. # فقالت فاسيليكا وروكامبول؟ ~~- إن روكامبول كان تلميذ ذلك الرئيس، بل رئيس أركان حربه، فلما أصيب رئيسه بتلك ~~النكبة تمكن هو من الفرار، وقد أخذ معه أوراقا كانت للسير فيليام مكتوبة بخط هيروغليفي ~~لا يفهمه أحد غير روكامبول. # وكان لهذه الأوراق فائدة عظيمة عنده فإن السير فيليام كان يصرف كل اهتمامه باحثا عن ~~الأعمال العظيمة، فإنه يعد سرقة المائة ألف فرنك مسكنة لا يقدم عليها غير أصاغر اللصوص، ~~أما هو فلم يكن يبحث إلا عن الملايين. # وكان هذا الرئيس الهائل قد وقف على سر عائلة تدعى عائلة المركيز ش وأن هذه العائلة ~~أرسلت ابنها إلى الهند وهو في سن الحداثة، ولم تكن هذه العائلة مؤلفة إلا من هذا الولد ~~وأمه وأخته. # وبعد عشرين عاما من ذهاب الغلام إلى الهند، وبعد خمسة أعوام من روكامبول جاء إلى هذه ~~العائلة شاب بملابس الضباط، فجعل يقبل الأم والأخت وقد أثبت لهما أنه ابن الأولى وأخو ~~الثانية بأسطع البراهين. # فقالت فاسيليكا: ألعله كان روكامبول؟ ~~- هو بعينه، ولكن اسمعي ما جرى بعد ذلك، إنه مر عدة أعوام والناس لا يشككون بهذا ~~المحتال ويحسبونه المركيز ش حقيقة فقد كان حلوا رشيقا متعلما، والغريب أنه كان يحب ~~أخته ms1111 كما لو كانت أخته حقيقة. # فقاطعتها فاسيليكا وقالت: لقد عرفت البقية. ~~- لا أظن يا حضرة الكونتس. ~~- إن المركيز الحقيقي عاد من الهند وكشف الاحتيال. ~~- لم يعد على الأثر فإن روكامبول كان يحسب أنه قتله، غير أن روكامبول لم يكن ليقنع ~~بملايين المركيز واسمه، بل إن نفسه الطامحة طمعت بالزواج بفتاة وافرة الغنى فكانت السبب ~~بخسارته كل شيء. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه ارتكب آثاما كثيرة في سبيل الوصول إلى هذه الغاية ونكل بأعدائه وهم ~~كثيرون، فهاج حقد امرأة كانت أوشكت أن تصفح عنه وتنساه. ~~- ومن هي هذه المرأة يا سيدتي؟ ~~- هي فتاة كانت من قبل معوجة السيرة لا تسير في طريق الهدى، ثم تابت عن ذنوبها وطهر ~~الحب قلبها فانصرفت إلى الخير تكفر عن ذنوبها الماضية. # وقد قدر نكد الطالع لهذا المحتال أن تعترض هذه المرأة سبيله إذ عرفت أنه ~~روكامبول. # فكان بين الاثنين معارك شديدة هائلة انتزعت فيها عوامل الرحمة والإشفاق من القلوب، ~~فسلمت المرأة من مكايده ولقيت المركيز الحقيقي وفازت في تلك المعركة الهائلة على ~~روكامبول فأرسلته إلى الليمان. # فقالت فاسيليكا بلهجة الإعجاب: من هي هذه المرأة يا سيدتي؟ ~~- أيروق لك أن تعرفيها؟ ~~- بل أتمنى. ~~- إنها كانت تدعى باكارا. ~~- ما هذا الاسم الغريب؟ ~~- ولكنها اليوم تدعى باسم آخر وهو الكونتس أرتوف أي: أنا. # فاضطرب الجمهور اضطرابا شديدا لهذه المفاجأة ما خلا فابيان ووقف المحامي أمام ~~باكارا، فقال لها بلهجة احترام: إنك تنمين على نفسك يا سيدتي فما عرفنا عنك السوء وما ~~عهدناك إلا ملاكا طاهرا في كل حين. # أما فاسيليكا فلم تفه بحرف ولكنها كانت تنظر إلى باكارا نظرات الرعب والحذر، وقد زاد ~~ريبها بها وذكرت قولها: أنها لا تصدق جنون إيفان فزادت مخاوفها. # ولكنها أخفت اضطرابها وقالت لباكارا: إذن أنت تعرفين روكامبول أكثر مما يعرفه ~~سواك؟ ~~- هذا لا شك فيه، بل يوجد بيننا الآن شخص آخر يعرفه كما أعرفه أنا وأرجو أن لا يظهر ~~نفسه. ~~- رجل آخر بيننا الآن؟ ~~- نعم ... وقد كان حينا من الدهر من أخلص أصدقائه ms1112 إذ كان يعتقد أنه المركيز ش ~~حقيقة. ~~- وتقولين إن هذا الرجل موجود بيننا الآن؟ ~~- نعم ... # فسكتت فاسيليكا وقال المحامي: إن ما ترويه يا سيدتي يشبه القصص وهي قصة مدهشة. # فابتسمت باكارا وقالت: ولكنها طويلة. # وقال فابيان: ومن يعلم أيضا إذا كانت انتهت. # وقال المحامي: لا أراها قد انتهت بعد نجاة روكامبول من السجن وانتحاله اسم الماجور ~~أفاتار. # ولم يكد يتم المحامي قوله حتى دخل خادم يحمل رقعة زيارة على صينية من الفضة فتناولتها ~~باكارا، وما أوشكت أن تقرأها حتى صاحت صيحة انذهال وقال: أرى القصة لم تنته بعد. # فقالت فاسيليكا: ماذا تعنين بذلك؟ ~~- إن هذه الرقعة التي بيدي هي رقعة زيارة الماجور أفاتار نفسه وهو يلح علي أن أستقبله ~~بالرغم عن هذه الساعة المتأخرة وفوات موعد الزيارات . # فاندهش الحاضرون وقالوا بصوت واحد: روكامبول؟ # وقالت باكارا: إذا كان هو روكامبول حقيقة فلا يخفيه عني تنكره مهما برع فيه، وقد قلت ~~لكم: إنه يوجد بيننا رجل آخر يعرفه كما أعرفه أنا. # فقال القاضي: على ماذا عولتي؟ أتأذنين له بالدخول؟ ~~- دون شك لأني أريد أن أعرف حقيقة أمره. # ثم التفتت إلى الخادم وقالت له: أدخل الماجور أفاتار. # فاتجهت الأنظار إلى الباب وكانت نظرات الحضور ممزوجة بالرعب والانذهال. # 6 # وقد جعل كل واحد من الحاضرين يرسم في ذهنه خيال روكامبول كما تمثله له حكاياته، وذلك ~~في خلال المدة الوجيزة التي خرج بها الخادم لإدخال الماجور. # وكانت فاسيليكا تمثله في خاطرها برجل قبيح المنظر قصير القامة صغير العينين، وأن ~~عينيه تتقدان بلهب الذكاء. # وكان المحامي يراه رجلا عميقا كبير اللحية والشاربين، وقال آخر: ليكن كيف شاء، على ~~أن لا يدخل مسلحا. # فأجابه المحامي، لا خطر علينا فإننا كثيرون. # ثم دخل الماجور أفاتار فكانت الدهشة عامة إذ لم يجده أحد من الحاضرين يشبه الشكل الذي ~~رسمه في ذهنه، بل وجدوه رجلا تدل ملامحه على أنه يبلغ الأربعين من العمر جميلا رشيقا ~~أسود الشعر خفيف الشاربين. # ووجدوا في عينه حلاوة وفي سائر ملامحه ما يدل على النبل ms1113 والذكاء. # فلما دخل روكامبول ورأى ما كان من انذهال الحاضرين، وقف في مكانه وقفة الحائر المتردد ~~وجعل ينظر إلى النساء الموجودة في القاعة نظر المستطلع كأنه يريد أن يعلم من هي الكونتس ~~أرتوف صاحبة المنزل. # ولما رأت باكارا ما كان من تكلفه الاضطراب تظاهرت أنها أدركت قصده، فوقفت وعند ذلك ~~مشى إليها ووقف أمامها بملء الاحترام وقال: أسألك يا سيدتي الكونتس معذرة عن جسارتي على ~~زيارتك في مثل هذه الساعة المتأخرة، فإني لم أكن أجرؤ على ذلك لو لم تدفعني أسباب ~~خطيرة. # فانحنت باكارا وأظهرت أنها تريد سماع هذه الأسباب. # وهمس المحامي في أذن فاسيليكا قائلا: انظري إلى الكونتس أرتوف فإنها منذهلة مثلنا، ~~ولا شك أن هذا الرجل غير روكامبول. ~~- ربما. # ولكن ظواهر الشك كانت ظاهرة بين عينيها . # أما باركارا فإنها أشارت إلى روكامبول بالجلوس أمامها فجلس وقال على مسمع من جميع ~~الحاضرين: إني برحت يا سيدتي بطرسبرج منذ ستة أشهر بعد أن نلت من جلالة القيصر إجازة ~~بالقدوم إلى باريس. # وقد حملني أصحابي كثيرا من رسائل التوصية، منها رسالة إليك من البرنس كاشرين. # فقالت باكارا: إن بيننا وبين هذا البرنس صداقة متينة. # وأخذت الكتاب من روكامبول فتلته، ولما فرغت من تلاوته استأنف روكامبول الحديث قائلا: ~~إنك تظنين يا سيدتي دون شك أني لم أقدم في هذه الساعة المتأخرة لأعطيك هذا الكتاب، بل ~~لأخبرك بأمر خطير وهو أني قد احتقرت وأهنت في باريس. # فجعل الحاضرون ينظر كل منهم إلى الآخر وقد ساد السكون عليهم، أما فاسيلكيا فإن نظرها ~~لم يكن يفارق باكارا. # وتابع روكامبول: إنهم يا سيدتي قبصوا علي وألقوني في السجن وانتحلوا لي اسم رجل شقي ~~قالوا: إنه هرب من سجن طولون. # فقال المحامي: روكامبول؟ # فأجابه الماجور ببرود: نعم، ويظهر أن هذا الشقي كان بيني وبينه شبه عظيم. # فقال باكارا: إني رأيت يا سيدي الماجور مرات كثيرة هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول، ~~وهو لا يشبهك في شيء على الإطلاق وبينك وبينه فرق بعيد. # فتنفس الحاضرون الصعداء، وقد وثقوا أن ms1114 الماجور أفاتار غير روكامبول. # وأتمت باكارا حديثها قائلة: إن حضرة المحامي المسيو مشقين كان يقص علينا حكايته قبل ~~دخولك، فكان يقول: إنهم يعتقدون في العدلية أن روكامبول اللص الشهير وأنت واحد، ولا ~~أدري كيف اتفق لهم هذا الخطأ على شدة الفرق بينكما. # فقال المحامي مخاطبا باكارا: إذن إن حضرته يا سيدتي الكونتس ليس روكامبول. ~~- لقد قلت مرتين: إن الفرق بعيد بين الاثنين. # ونظر روكامبول إلى المحامي وسأله: لعلك رأيت علي ملامح اللصوص يا سيدي؟ ~~- كلا بل أرى عليك مخايل النبل والشرف ولكن ... # فابتسم روكامبول وقال: ولكن ماذا؟ ~~- ألم تهرب من السجن في الصباح أمس؟ ~~- نعم ولا. ~~- ما هذا الجواب المتناقض؟ ~~- سوف أوضح لك، وذلك أني هربت من السجن صباح أمس كما تقول، ولكني عدت إليه في ~~المساء. # فانذهل الحضور انذهالا شديدا، وقال له المحامي: إذن، فقد هربت مرة ثانية؟ ~~- نعم ولا. ~~- كيف نعم ولا؟ ~~- سأوضح لك ذلك أيضا، إنه لي أعداء كثيرون في روسيا فأبلغوا إدارة البوليس أن لي ~~علاقة مع البولونيين الثائرين، ومن هنا فاجأتني هذه النكبة وبت عدة ليالي في ~~السجن. # أما الذين اتهموني أنني روكامبول فهم يعلمون أن من خدم مثلي عشرين عاما في الجيش ~~الروسي يسهل عليه إثبات حقيقة اسمه، ولكنهم أرادوا بهذه التهمة أن يبعدوني عن منزلي بعد ~~القبض علي ويستولوا على أوراقي. # فقالت فاسيليكا: إذن إن أوراقك تحمل على الشبهات. ~~- ليس بين رعايا القيصر يا سيدتي رجل أشد مني وفاء لعرشه، غير أن لي صديقا وهو أخي ~~في السلاح متهم بالثورة الأخيرة، وكانت أوراقه عندي فلو عثر عليها البوليس الروسي صدر ~~الأمر بإعدامه في الحال. # فلما رأيت، وأنا في غرفة الانتظار للمثول أمام قاضي التحقيق، أن إثبات نسبي قد يطول، ~~اغتنمت فرصة نوم الحارس وخرجت آمنا دون أن يشعر بي أحد. # فقال المحامي: ولكنهم يقولون: إن هذا الحارس نام بتأثير مخدر. # فهز روكامبول كتفيه وقال: إنها إشاعات باطلة يريدون بها تجسيم الحادثة، ثم أضاف: إني ~~لما رأيت أن أوراقي باتت في مأمن من الاغتصاب ms1115 عدت إلى سجن مازاس. # وفي صباح اليوم الثاني جاء ضابطان روسيان وأخرجاني من السجن وكفلاني لدى الحكومة، ~~ونعم إن الحكومة أطلقت سراحي دون تصعب، ولكن هذا لا يكفيني. # فقالت باكارا: وماذا تريد أيضا؟ ~~- أريد شهادتك يا سيدتي، فقد ظهر لي في إدارة البوليس أنه ليس فيها من يعرف روكامبول، ~~وقد قابلوني بكثير من رجال الشرطة فقال بعضهم: إني روكامبول، وأنكر الآخرون هذا الشبه، ~~ولكني سمعت رئيس البوليس يقول أمس: إنه لا يوجد من يعرفه في باريس حق المعرفة إلا ~~الكونتس أرتوف. # ولذلك تذكرت يا سيدتي ذلك الكتاب الذي حملني إياه صديقي راجيا أن تشهدي بعد تلاوته ~~أمام الذين يحضرون مجالسك إني لست روكامبول. ~~- إني أشهد هذه الشهادة في كل مكان يا حضرة الماجور. # فنهض روكامبول عند ذلك مستأذنا بالانصراف، غير أن باكارا منعته عن الرحيل، ودعته إلى ~~شرب الشاي على مائدتها، فامتثل وجعل يحدثها عن بطرسبرج وموسكو بحيث لم يعد أحد من ~~الحاضرين يشك أنه الماجور أفاتار ما عدا فاسيليكا، فإنها ادعت أنها مصابة بصداع ~~فاستأذنت من الحاضرين، ودخلت إلى مخدعها وهي تعض شفتها من الغيظ وكتبت إلى الفيكونت ~~كارل دي مورليكس هذين السطرين: # لقد خدعنا أعداؤنا وعبثوا بنا، وأصبحت باكارا حليفة روكامبول فلنحذر! # 7 # كانت هذه الكونتس فاسيليكا، التي لم تذكر شيئا عنها الآن، بارعة في جمالها رشيقة ~~حلوة الكلام تدل ظواهرها على بلوغها أقصى درجات اللطف واللين، ولكنها كانت في الحقيقة ~~وحشية الأخلاق كثيرة الحقد إذا أرادت الانتقام بلغت به أبعد غاياته. # فلما برحت قاعة باكارا إلى مخدعها الخاص في القصر، كانت عواصف الحقد ثائرة في نفسها، ~~فمن كان يراها تمشي في غرفتها بخطوات غير موزونة وهي منبوشة الشعر كما تمشي اللبوة ~~الثائرة في قفصها لا يشك أن هذا الهيكل الجميل يستر قلبا جهنميا لا تنبض فيه غير ~~عروق الشر والحقد. # ولقد كانوا يحدثون عن مبلغ فتك هذه المرأة أن وكيل أراضيها الشاسعة تجاسر مرة أن ينظر ~~إليها نظرة غرام فقتلته جلدا بالسياط؟ # وروي عنها أن ضابطا روسيا ms1116 شابا قال مرة في أحد المجالس مفتخرا: إنه حظي بلقاء ~~بعد موعد من الكونتس فاسيليكا، فلما كان خارجا في الليلة التالية من الأوبرا أصابته ~~طعنة خنجر في قلبه فقضي عليه، حتى لقد ذكر بعضهم أن زوجها مات مسموما؛ لأنها كانت ~~كارهة له تريد التخلص منه. # وكانت هذه الأرملة الجميلة تسير في غرفتها مضطربة على ما وصفناها وهي متقدة العينين ~~مصفرة الوجه، وقد شوه غضبها الوحشي جمالها، فجعلت تعض على شفتها من قهرها، وتخاطب ~~باكارا: أأنت أيتها المرأة السافلة التي رفعها إلى مقام الأشراف حب ذلك الزوج الأبله ~~لها، سوف ترين ما يكون مني بعد أن حالفت أعدائي وحاولت منعي عن الانتقام من ~~إيفان! # وظلت تمشي في غرفتها على هذا الاضطراب زمنا طويلا، وهي تفكر كيف تنتقم، ثم نادت ~~خادمة غرفتها وهي فتاة قدمت معها من روسيا تشبهها بقوامها، فأسرعت الخادمة إلى ~~تلبيتها. # وكان غرض فاسيليكا أن ترسلها إلى مورليكس بالرسالة التي كتبتها غير أنها افتكرت أن ~~هذه الخادمة لا تعرف كلمة من اللغة الفرنسية، فلا تصلح لمثل هذه المهمة الخطيرة، فخطر ~~لها أن تذهب بنفسها بعد أن تتنكر بزي الخادمة؛ لأنها خشيت أن تسرع باكارا عند الصباح ~~فتخرج إيفان من منزل الطبيب، فأمرت خادمتها وأمرتها أن تبقى في الغرفة. # وكانت الساعة الثانية من منتصف الليل، وجميع من في القصر نيام حتى البواب، فخرجت ~~فاسيليكا من غرفتها وجعلت تسير من رواق إلى رواق، ومن ردهة إلى ردهة حتى انتهت إلى ~~الباب الخارجي، فأيقظت البواب وكان قد رأى فاسيليكا مرارا مع خادمتها ففتح لها الباب ~~دون أن يفوه بحرف، وخرجت منه إلى الشارع. # وكان الشارع مقفرا، فنظرت إلى يمينها ويسارها كي ترى إذا كان يتبعها أحد ثم سارت إلى ~~بيت كارل دي مورليكس. # ولم تلق أحدا في طريقها غير أنها قبل أن تصل إلى بيت كارل لقيت رجلا واقفا في ~~الشارع فلم تكترث له واستمرت في سيرها حتى وصلت إلى المنزل، فقرعت الباب دون أن تنتبه ~~إلى هذا الرجل الذي كان يراقبها. ms1117 # وظلت تقرع الباب حتى جاءها البواب منذعرا، ففتح لها وقال: ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن أرى الفيكونت كارل دي مورليكس. # فجعل البواب يتأمل ملابسها هنيهة ثم قال: إن هذا مستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الفيكونت لا يزال في النادي. # فقالت له بلهجة السيادة: اذهب إلى النادي وادعه إلى الحضور. # ولما رأته يتردد في الامتثال قالت له ببرود: اصغ إلي واعلم أنك إذا أحببت البقاء في ~~عملت فما عليك إلا تنفيذ أمري، وإذا أبيت فإن الفيكونت يطردك غدا. # فخاف البواب شر هذا الوعيد، وتبين من لهجتها صدقها في تنفيذه، فلبس ملابسه مسرعا ثم ~~دخل بها إلى إحدى القاعات بعد أن أنارها وخرج ليدعو مولاه. # ولم يطل انتظار فاسيليكا، فإنه بعد نصف ساعة أقبل كارل فحسب في بدء الأمر أنه يرى ~~خادمة الكونتس، ولكنها لم تلبث أن رفعت النقاب حتى عرفها فقال لها منذهلا: من أرى! هذا ~~أنت؟ ~~- نعم أقفل الباب وتعال نتحدث. ~~- يظهر أنك مضطربة. ~~- ذلك لأني رأيت روكامبول. # فاصفر وجه كارل وقال: أنت رأيتيه؟ ~~- نعم. ~~- متى؟ ~~- في هذه الليلة. ~~- إذن لقد هرب من السجن؟ ~~- منذ صباح أمس. ~~- أين رأيتيه؟ ~~- في منزل الكونتس أرتوف. # فتراجع كارل منذعرا إلى الوراء؛ لأن تيميلون كان قد أخبره بالحوادث التي جرت بين ~~باكارا وروكامبول وقال: كيف يجتمعان؟ ~~- ذلك لأنهما متحالفان. ~~- أواثقة مما تقولين؟ ~~- كل الثقة، وأزيدك أنهما متحالفان عليك، وأنا لا أعلم إلى الآن غايتك السرية التي ~~تسعى إليها، ولكني أتيتك لأقترح عليك محالفة مثل تلك المحالفة، فإذا ساعدتني في انتقامي ~~ساعدتك في أغراضك التي تسعى إليها، فواحدة بواحدة. # فنظر إليها كارل نظرة المشكك في أمرها وقال: سيدتي ماذا تقولين؟ ~~- أقول: إن الوقت حرج ولولا ذلك لما جئتك بعد منتصف الليل بل تأخرت إلى الغد. ~~- ليكن ما تريدين فإني أساعدك. ~~- إذن يجب في صباح غد أن تخرج إيفان من عند الطبيب لامبرت. ~~- لا أرى حاجة لذلك، فإن الطبيب واثق كل الثقة من جنونه. ~~- ولكنهم إذا جاءوه بمدلين - وهي عندهم الآن - فماذا يقول الطبيب؟ # فاضطرب كارل عند ذكر مدلين، ms1118 واصفر وجهه اصفرارا شديدا لم يخف على فاسيليكا، فقالت ~~له بلهجة الفرح: إنك تحبها دون شك؟ # ولم تدع له وقتا للإجابة فقالت له: طب نفسا فإني سأساعدك في كل ما تريد وستنال ~~بسببي كل أمانيك، فإني شديدة الظمأ إلى الانتقام. # 8 # أما إيفان فإنه كان لا يزال في سجن الطبيب، وقد احتج احتجاجا شديدا على سجنه وحاول ~~مرارا أن يثبت للطبيب أنه عاقل وأن مدلين موجودة حقيقة، ولكن الطبيب كان يبتسم له عند ~~كل احتجاج ويأمر رجاله بصب الماء البارد عليه. # وهذا الماء البارد في الشتاء أشد ما يلقاه الذين يقضى عليهم بالمعالجة به، فكان ~~المجانين حقيقة يهدأون حين إنذارهم بهذا العلاج ومن كان عاقلا يضطر إلى التسليم بجنونه ~~الوهمي لخوفه من هذا الماء. # وقد كان إيفان قويا شديدا، فكان في بدء أمره في عراك دائم مع أولئك الممرضين، ~~ولكنه لم يلبث أن يغلبوه بعد تلك المقاومة بما يرد إليهم من النجدات، فيكبلونه بالقيود ~~ويعالجونه بذلك الماء البارد حتى رأى أخيرا أن الجنون خير من العقل، ورضي أن يكون ~~مجنونا إلى أن يقدر له الله الخلاص من هذا العذاب. # ولكنه كان يفتكر ليله ونهاره بالفرار على استحالته من ذلك المنزل الحصين، وتناوب ~~الحراس فيه إلى أن خطر له خاطر بسيط وهو أن يتغلب على حارسه بعد انتصاف الليل فيسد فمه ~~ويلبس ملابسه، ويقف مكانه في موقفه إلى أن يحضر الذي يأتي دوره بعده بالحراسة فيوقفه في ~~موقفه ويخرج آمنا. # ففي الليلة نفسها التي خرجت فيها فاسيليكا من منزل باكارا إلى منزل كارل كان إيفان ~~يتأهب لتنفيذ هذه الخطة التي رسمها. # وكان الممرض الذي يحرسه نائما معه في غرفة واحدة، وقد خدعه إيفان بمظاهر سكينته حين ~~عول على الفرار فأصبح واثقا منه بحيث بات ينام على كرسيه بقرب سريره دون أن يخشى ~~شره. # وفي ذلك الوقت كان الحارس نائما، فنزل إيفان من سريره وسار رويدا إلى غرفة المائدة، ~~فأضاء ورأى صحون الطعام الفارغة لا تزال فوقها وفيها سكين من سكاكين المائدة ms1119 غير حاد ~~النصل، ولكن من كان قوي الساعد يستطيع إغمادها في عنق خصمه. # فقبض عليها وعاد إلى الممرض النائم فأيقظه ففتح المسكين عينيه، وما لبث أن رأى إيفان ~~ينذره بسكينة حتى هلع قلبه من الرعب. # أما إيفان قال له: احذر أن تفوه بكلمة أو أقتلك في الحال شر قتل. # فسكت الممرض ولم يفه بحرف، فأخذ إيفان منديله وربط به فمه ثم أخذ سجادة كانت في أرض ~~الغرفة فقطعها أربع قطع طويلة وربط بها يديه ورجليه دون أن يبدي هذا الممرض أقل شيء يدل ~~على الاعتراض؛ لأنه كان يفضل خسارة منصبه على خسارة حياته وقد علمه الاختبار وجوب ~~التحذر من المجانين؛ لأنهم لا يمزحون. # أما إيفان فإنه لبس ملابس الممرض وبحث في جيبه عن مفاتيح الغرف والأبواب فوجدها ~~مربوطة بحلقة، ثم خرج بعد أن أنذر هذا الممرض الأخير إنذار آخر. # وجعل يسير من غرفة إلى غرفة ومن رواق إلى رواق حتى وصل إلى الحديقة، فوجد هناك حارسا ~~مستندا إلى شجرة وهو نائم فخفف وطأة مشيه حتى وصل إلى باب الحديقة الخارجي، فأخذ من ~~جيبه تلك المفاتيح وجعل يجربها في القفل واحدا واحدا إلى أن عثر بمفتاح ذلك ~~الباب. # وفيما هو يفتحه إذ استيقظ الحارس من رقاده وصاح به يقول: من أنت؟ # فتكلف إيفان تقليد صوت الممرض جهد الطاقة وقال: ألم تعرفني أنا ممرض الروسي وقد ~~أرسلني الطبيب لإحضار دواء من الصيدلية. # وكأنما هذا الحارس قد ارتاب بحديثه فدنا منه كي يتحقق أمره، ولكن إيفان فتح الباب ~~مسرعا وأركن إلى الفرار فانطلق الحارس في أثره. # وقد أيقن إيفان من النجاة ولكنه لم يعد بضع خطوات حتى سمع صوتا من نافذة المنزل ~~ينادي رجلا كان في الشارع فيقول: اقبض عليه. # فأسرع هذا الرجل وانقض على إيفان انقضاض الصاعقة، وقبل أن يتمكن من الإفلات منه أقبل ~~الحارس وساعد الرجل في القبض عليه، ثم علا الصياح في المنزل واستيقظ النيام فأسرعوا ~~بجملتهم إلى إيفان فأعادوه إلى حيث كان، وكبلوه بالقيود حذرا عليه من الفرار، وقد ms1120 ~~استيقظ الطبيب ولما رآه قال: لولا تهاونكم في صب الماء البارد عليه لما عادت إليه أعراض ~~الجنون بهذه الشدة. # فتمزق قلب إيفان من القهر وقال: إنك لست طبيبا بل إنك غر جاهل وإنك لا تعرف من الطب ~~إلا بقدر ما أعرف أنا من البرازيلية، وإنك أقرب إلى الحيوان منك إلى الإنسان. # فصاح الطبيب بأعوانه: أسرعوا بالماء البارد، خذوه إلى المغطس ... # فحملوه بالرغم عنه وهو يشتم أقبح شتم فوضعوه في المغطس، وفتحوا الحنفية، فجعل الماء ~~البارد ينحدر على رأسه فيزيده لوعة وهما حتى تلاشت قواه وانقطع عن الصياح فحملوه إلى ~~حيث نام نوم القانط وهو يتمنى الموت في كل حين. # 9 # ونام إيفان بعدما لقيه من العناء نوما متصلا ثماني ساعات، فلما استفاق وجد أن أشعة ~~الشمس قد ملأت غرفته، ورأى أنهم عينوا لحراسته رجلا شديدا لا يستطيع التغلب ~~عليه. # فنظر إليه إيفان نظرا ساهيا فدنا منه الحارس وقال له بلطف: كيف أنت اليوم؟ ~~- إني على شر حال أكاد أختنق فافتح هذه النوافذ. # فامتثل الحارس، ودنا إيفان من النافذة المشرفة على الحديقة، فلم يكد يجيل نظره فيها ~~حتى جعل يضطرب وصاح صيحة دهش ذلك أنه رأى رجلين وامرأة يسيرون في الحديقة ~~ويتحدثون. # فكان أحد الرجلين الطبيب لامبرت وثانيهما الفيكونت كارل دي مورليكس، أما المرأة فكانت ~~الكونتس فاسيليكا ابنة عمه. # فمد يديه إلى كارل وابنة عمه وكلمها بعينيه بلهجة المتوسل؛ لأن الاضطراب حبس لسانه عن ~~الكلام وقد ظن أن الله أرسل إليه ابنة عمه لإنقاذه. # أما كارل فإنه كان قد جاء مع فاسيليكا إلى منزل الطبيب، فأخبره أنها ابنة عم إيفان ~~فسألته عن حاله فقال لها الطبيب: إنه قد بلغ أشد أطوار الجنون ليلة أمس، ثم حكى لها عما ~~جرى له أمس حين محاولته الفرار، وأنه يجب أن يستمر على معالجته مدة طويلة. # فلما فرغ من حديثه قالت له فاسيليكا: لقد قال لك حضرة الفيكونت: إني ابنة عم المسكين ~~وأزيدك أن أباه قد جعلني ولية أمره في غربته فأنا قادمة لإخراجه. # فارتعد ms1121 الطبيب؛ لأنه كان يرجو أن يكسب مالا وفيرا في حبسه إيفان، وقال كارل دون أن ~~يحفل بما رآه من امتعاضه: إن الكونتس مسافرة في مساء اليوم إلى بطرسبرج وقد عهد إليها ~~أن تصحب معها ابن عمها إلى روسيا. # ولما كان كارل هو الذي أدخل إيفان إلى منزل لامبرت لم يستطع هذا الطبيب اعتراضه على ~~إخراجه، فانحنى أمامه إشارة إلى الامتثال. # فسألته الكونتس إذا كان يمكن مشاهدة إيفان الآن قال: نعم، وسأدعوه من غرفته. # وبينما كانت فاسيليكا تسرح نظرها تطلعت إلى النافذة المشرف منها إيفان، فلما وقع ~~نظرها على نظره حلت عقدة لسانه وناداها باسمها نداء المستنجد المستغيث. # فابتسمت وقالت: طب نفسا يا ابن عمي فإني قادمة لنجدتك. # ثم صعدت إلى غرفة الطبيب وبعد دقيقتين كان إيفان قد حضر فجعل يعانقها وينظر إلى ~~الطبيب وكارل نظرات الحقد الهائل ويقول: إن هذين الشقيين قد دعياني مجنونا. ~~- لا بأس يا ابن العم فإنهما كانا واهمين. ~~- أترين بي شيئا من علائم الجنون؟ ~~- على الإطلاق. ~~- إذن هذا الطبيب حمار بصورة إنسان. # ثم نظر إليه نظرة هائلة وهم أن يهجم عليه. # فسكتت فاسيليكا ثائرة وقالت له: كفاك. ~~- لا أكتفي ولا أطمئن إلا إذا أخبرني هذان الرجلان عن السبب الذي حملاني من أجله ما ~~لقيته من العناء. ~~- أنا أوضح لك ما جرى وأكفل إنك تصفح عنهما. ~~- كيف ذلك؟ ~~- اصغ إلي وأجبني على أسئلتي، أين لقيت الفيكونت كارل دي مورليكس أول مرة؟ ~~- في إحدى الفنادق في روسيا. ~~- ألم يكن هذا اللقاء حين محاولتك قتل السائق؟ ~~- لا أنكر عزمي على قتله في ذلك العهد فإنه أهان مدلين. ~~- إن اسم هذه الفتاة كان علة جميع ما لقيته. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألم يكن البرنس ماروبولوف مع الفيكونت مورليكس حين لقيته في ذلك الفندق؟ ~~- نعم ... ~~- أليس هو الذي ذهب بك إلى قصره؟ ~~- نعم ... ~~- إذن فاعلم إن هذا البرنس كان ممازحا باردا ثقيلا، فإنه هو الذي أقنع دي مورليكس ~~أن مدلين غير موجودة إلا في مخيلتك وأنك مجنون. ~~- يا له من شقي. ~~- فجاء بك ms1122 مورليكس إلى هنا لاعتقاده أن مدلين لا أثر لها في الوجود. # وقال الطبيب: لا سيما وإنك كلما رأيت امرأة تحسب أنها مدلين. # فرد إيفان: إني إذا عذرت المسيو دي مورليكس في خطأه وانخداعه، فكيف أعذر هذا الرجل ~~وهو من الأطباء بمعالجة المجانين. # فأجاب الطبيب: أرجوك المعذرة يا سيدي فإن الطب لم يصل بعد إلى الجزم في أمراض ~~الجنون. # وقالت الكونتس: لا بأس يا ابن عمي فإن الخطأ قد حث وكلا الرجلين معذور فودع الطبيب ~~وهلم معي فإني ما أتيت إلا لأجلك. # فصافح إيفان الرجلين وقد انفرجت كربته ثم ذهب إلى غرفته فلبس ملابسه وعاد فخرج مع ~~فاسيليكا من المنزل الرهيب. # وكانت مركبتها تنتظرها فركب فيها الاثنان وانطلقت بهما تنهب الأرض. # أما الطبيب فإنه جعل يودع تلك المركبة بالنظر، ويقول: لا حظ لي مع أولئك الروسيين، ~~فلو بقي هذا الرجل عندي لكنت أثريت منه. # ولما احتجب عنه عاد إلى أعماله يمشي مشية الحزين. # ولكنه لم يكد يستقر في غرفته حتى دخل إليه الخادم برقعتين من رقاع الزيارة، فوجد ~~مكتوبا على إحداهما الكونتس أرتوف وعلى الثانية الماجور أفاتار ففرح بهما وقال: هو ذا ~~الدهر قد عاد يبتسم لي مع هؤلاء الروس. # 10 # بكرت باكارا في ذاك اليوم بنهوضها من فراشها ففتحت نافذة غرفتها تجديدا لهوائها، ~~ورأت فاسيليكا قد بكرت في النهوض وهي تتنزه في الحديقة وعليها ملابس الركوب، ثم رأت أحد ~~الخدم جاءها وأشار إليها إشارة تدل على أن أوامرها قد نفذت، فعلمت من ملابسها أنها ~~تريد النزهة على الجواد. # ثم خرجت فاسيليكا وعادت باكارا إلى غرفتها فلبست ملابس الصباح، وخرجت إلى غرفة الجلوس ~~وجعلت تطالع تقرير روكامبول. # وبعد حين دخلت عليها خادمة غرفتها تستأذن للماجور أفاتار بالدخول إليها فقالت: أدخليه ~~في الحال فإني بانتظاره. # ثم دخل روكامبول وعليه علائم الاضطراب وقال: أتعلمين ما حدث يا سيدتي، فإن الكونتس ~~فاسيليكا خرجت أمس من قصرك في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ~~- أخرجت من المنزل؟ ~~- نعم وكانت متنكرة بزي خادمتها. ~~- وما كان قصدها؟ ~~- لقد ms1123 تبعها أمس أحد رجالي المدعو نويل وكنت عهدت إليه مراقبة منزل مورليكس. ~~- إلى أين كانت ذاهبة؟ ~~- إلى كارل مورليكس فأقامت معه أكثر من ساعة. ~~- إن هذا غريب. # ثم نادت خادمتها وقالت لها: ادعي البواب. # فلما جاء أخبرها أن خادمة الكونتس خرجت حقيقة بعد منتصف وعادت إلى روكامبول وسألته: ~~أهذا كل شيء؟ ~~- كلا فإن الكونتس قد خرجت من هنا أيضا منذ ساعة. ~~- نعم لقد كانت راكبة جوادا يتبعها خادمها. ~~- إنها ذهبت على جوادها إلى الشانزليزه حيث كانت مركبة تنتظرها. ~~- ألعلها كانت مركبة كارل؟ ~~- دون شك وكان هو فيها، فنزلت فاسيليكا عن جوادها فأعطته لخادمها، ثم صعدت إلى ~~المركبة بجانب كارل الذي قال للسائق: اذهب بنا إلى أوتيال. ~~- ما المراد من ذهابهما إلى هذا الشارع؟ ~~- ألا تعلمين أن إيفان مسجون في منزل الطبيب المقيم في ذلك الشارع؟ ~~- وماذا يريدان منه بعد سجنه؟ ~~- إنهما يريدان اختطافه حذرا منه والله يعلم ما تفعل أيديهما الأثيمة فيه. # فاضطربت باكارا وقرعت جرسا كبيرا قرعا عنيفا، فأسرع إليها الخادم وقالت له: قل ~~للسائق أن يسرع بإعداد المركبة، وبعد حين كانا في منزل الطبيب. # أما الطبيب فإنه حين قرأ اسم الكونتس أرتوف والماجور، وعلم أنهما روسيان عاد إليه بعض ~~الرجاء وأسرع لاستقبالهما فافتتح روكامبول الحديث معه فقال: لقد كان عندك مجنون روسي ~~يدعى إيفان بونتيف، وكان جنونه منحصرا بذكر فتاة تدعى مدلين. ~~- نعم هو بعينه وقد أحضرته إلى منزلي منذ ثلاثة أيام، وفيما أنا قادم به رأى في مركبة ~~فتاة من شهيرات بنات الهوى، فوثب من مركبته إليها وجعل يناديها باسم مدلين. ~~- لقد عرفت هذه الحكاية ولكني لم أعلم اسم تلك الفتاة. ~~- ولكنها مشهورة يا سيدي وهي تدعى كلوريند. ~~- لا أنكر ذلك غير أني كنت غائبا عن باريس أعواما طويلة، ولم تكن هذه الفتاة مشهورة ~~حين إقامتي فيها، أتعلم أين تقيم؟ ~~- كلا، ولكن جميع الناس في باريس يعلمون. # ولم يخطر لباكارا في بال السبب في اهتمام روكامبول بتلك الفتاة فقالت له: إنما أتينا ~~للبحث عن إيفان. # فقال روكامبول: ms1124 لقد أصبت. # ثم سأل الطبيب: ألا يمكن أن نرى إيفان؟ ~~- ذلك مستحيل يا سيدي. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه لم يعد في منزلي. # فاصفر وجه باكارا وقالت: كيف ذلك ومتى خرج؟ ~~- في صباح اليوم جاءت ابنة عمه وطلبت إخراجه فذهبت به. # ونظر روكامبول إلى باكارا نظرة مآلها أنه لا فائدة من إخبار الطبيب بأنه كان آلة ~~لإجراء هذه الدسيسة السافلة. # ثم ودعاه وخرجا فشيعهما إلى المركبة وهو لا يدرك شيئا من أسرار اضطرابهما. # أما روكامبول فكان مقطب الجبين تبدو بين ثنايا وجهه آثار الهم والتفكير على غير ~~عادته، فنظرت إليه باكارا وقالت: ماذا نعمل وإلى أين ذهبت به هذه الماكرة؟ ~~- إنها لم تذهب به إليك دون شك وأنا لا أخشى كارل ولا تيميلون، ولا سواهما ولكني أخشى ~~تلك الغادة. # فاتقدت عينا باكارا وقالت: أما أنا فلا أخشاها وسأتفرغ لها. ~~- إذن هلم بنا إلى العمل. # 11 # ولنعد الآن إلى إيفان فإن فاسيليكا وكارل خرجا به من منزل الطبيب إلى المركبة التي ~~كانت تنتظرهما، فركب معهما وسارت بهم تنهب الأرض. # وكانت علائم السرور بادية على إيفان لتنشقه نسيم الحرية وجعل ينظر إلى ابنة عمه نظرات ~~ملؤها الشكر والامتنان. # وسارت بهم المركبة تجتاز شوارع باريس الكبرى، فتتمثل تلك العاصمة لإيفان بملء عظمتها ~~وبقيت نفسه سارحة في تلك المناظر البديعة حتى جرت المركبة شوطا بعيدا، واحتجبت تلك ~~المناظر فكان أول كلمة نطق بها: مدلين. # فابتسمت فاسيليكا وقالت: أتحبها كثيرا؟ ~~- إني أعبدها عبادة وأستعذب الموت في هواها. ~~- كلا، إنك لا تموت فإنها في باريس وسوف تجدها. ~~- أتعلمين أين هي؟ # فتبسمت له أيضا ابتسام الواثق وقالت: قلت لك سوف نجدها. # فأخذ إيفان يدها وقبلها شاكرا ثم قال: إلى أين أنت ذاهبة بي؟ ~~- إلى منزلي ... ~~- أأنت مقيمة في باريس؟ ~~- إني مقيمة فيها منذ ثمانية أيام، ألم أكتب لك أني سأبرح بطرسبرج إلى باريس؟ ~~- نعم ... ~~- ذلك كي أسبقك إلى هذه العاصمة فأحميك وأساعدك على إيجاد مدلين، ولكني لسوء الحظ ~~وصلت متأخرة قليلا فعلمت نتيجة ذلك المزاح البارد الذي أجراه البرنس ماروبولوف ms1125 فألقاك ~~في سجن المجانين. # ولم يتمالك إيفان عن أن ينظر نظرة حقد إلى كارل الذي لم يفه بكلمة حتى الآن. # وعادت فاسيليكا إلى إتمام حديثها فقالت: إن لي قصرا في هذا الشارع وسأقدمه هدية لك ~~ولمدلين لحين زواجكما؛ لأني أحب أن تكونا سعيدين. # فصدق إيفان لبساطة قلبه قول ابنة عمه وقبل يدها مرة ثانية. # وكانت المركبة قد اجتازت عند ذلك محل البوربون وبلغت إلى شارع كاسيت فقالت فاسيليكا: ~~لقد وصلنا. # وكان شارع كاسيت يشبه الأديرة فإن كل منزل يشبه صومعة الرهبان، فدخلت المركبة تحت قبة ~~عالية. # وكانت مناظر تلك البيوت التي تمر بها تشبه القبور فانقبض صدر إيفان. # وما زالت المركبة تسير في ذلك الشارع حتى وقفت عند باب منزل قديم، ففتح بابه للحال ~~ونزلت فاسيليكا وقد أخذت إيفان بيده وقالت له: ادخل معي. # فامتثل إيفان وهو يشعر برعب شديد وبقي كارل في المركبة، ولما دخلا أقفل الباب من ~~ورائهما ورجعت المركبة بمورليكس. # وكانت نوافذ هذا المنزل مقفلة مما يدل على أنه غير مأهول، ولم يكن فيه بواب كأنما يد ~~خيالية فتحت الباب حين وصول المركبة. # فسارت فاسيليكا مع ابن عمها في رواق طويل مظلم حتى انتهت إلى بابه، فنادت ~~بريتو. # وعند ذلك أسرع بريتو وهو الخادم الإيطالي الذي صحب إيفان، فوقف أمام إيفان في موقف ~~الاحترام. # فلما رآه غضب غضبا شديدا حتى هم أن يضربه وقال له: إنك علة نكبتي أيها ~~الشقي. # فقالت له فاسيليكا: اصفح عنه يا ابن عمي، فإنه لم يكن مخطئا إلى الحد الذي ~~تتصوره. ~~- كيف ذلك ألم يستطع هذا التعس أن يشهد أني غير مجنون؟ ~~- نعم، ولكنه فقير وقد أغراه البرنس ماروبولوف بالمال الكثير فاضطر إلى ~~السكوت. # فلم يقبل إيفان العذر وضم قبضته متهددا وهو يقول: سأميتك جلدا بالسياط أيها ~~الشقي. ~~- لا تسئ إليه لأننا محتاجون إلى خدمته. # أما بريتو فلم يظهر علائم الخوف من إنذار إيفان، ففتح مصراعي باب كبير أمام فاسيليكا، ~~فظهرت قاعة متسعة تشرف نوافذها على حديقة باسقة الأشجار. # فأجلست فاسيليكا إيفان ms1126 قرب نافذة مفتوحة وجلست بجانبه تحادثه قائلة: ثق يا ابن عمي ~~العزيز فإني سأجد مدلين قبل أن ينقضي يوم غد. ~~- إن هذا اليوم بمثابة دهر ولا طاقة لي على الصبر. ~~- ولكن يجب الانتظار وسنجد طريقة لإنقاص ساعات هذا اليوم الطويل وذلك أننا نبدأ ~~بالغداء. # وأشارت إلى بريتو، فانصرف وعاد بعد دقيقة بمائدة صغيرة عليها فاخر الطعام. # وكان الجوع قد بلغ مبلغا شديدا من إيفان، فإن سلطانه لا يرحم أحدا حتى العشاق، ~~فجلس حول تلك المائدة يأكل بشهية عظيمة، ولا سيما وأن فاسيليكا كانت لا تفتر عن محادثته ~~بشأن مدلين، وهي في خلال ذلك تملأ كأسه كلما فرغ وهو يشربه كلما امتلأ، وكلما شرب زاد ~~شوقه إلى الحديث عن مدلين. # وفيما هو على ذلك شعر فجأة أن الأرض تدور به، ثم أحس بنعاس شديد وجعل يقاومه بعنف دون ~~أن يستطيع التغلب عليه. # فقالت له فاسيليكا: أراك بحاجة شديدة إلى النوم. ~~- نعم فإن معركة الأمس قد أنهكت قواي ولو تعلمين كيف كان يعاملني هذا الطبيب لأشفقت ~~علي. ~~- لا بأس فقد نجوت بحمد الله. # فأخذ إيفان سيكارة وأشعلها راجيا أن يذهب ما به من النعاس بالتدخين، ولكنه ما لبث ~~دقيقة حتى أطبقت عيناه وأصبح كالأموات على كرسيه وسقطت سيكارته من فمه. # وعند ذلك قامت فاسيليكا فنادت خادمها بريتو، وعيناها متقدتان بنار الحقد والانتقام، ~~أقبل قالت له: هو ذا أسيرك وأنت المسئول عنه بعد الآن. # ثم مشت فاسيليكا إلى الحائط فضغطت فيه على زر غير منظور وعند ذلك جعلت الأرض التي ~~عليها المائدة وإيفان وكرسيه تسقط سقوطا متتابعا، وقد انفصلت عن القاعة وإيفان يسقط ~~معها إلى أعماق مجهولة. # 12 # وعندما عادت باكارا إلى منزلها دهشت دهشة عظيمة، إذ أخبرها الخدم أن الكونتس فاسيليكا ~~عادت يصحبها شاب حسن الملابس، وهي مختلية به في غرفتها. # وكان روكامبول يصحب باكارا، فجعل كل منهما ينظر إلى الآخر نظرة الإعجاب لاعتقادهما أن ~~هذا الشاب إيفان، فقالت باكارا: ماذا تريد أن تصنع به ولماذا جاءت به إلى منزلي؟ # فأجاب روكامبول: ms1127 لا بد أن يكون لها غاية هائلة يجب أن نعرفها. # وفيما هما على ذلك جاءت خادمة فاسيليكا، فقالت لباكارا: إن سيدتي الكونتس ترجوك أن ~~تصعدي إلى غرفتها. # فأشارت لها باكارا أنها ذاهبة إليها، ولما انصرفت الخادمة قالت لروكامبول: أعرفت ~~إيفان بونتيف؟ ~~- كلا فما اتفق أن رأيته. ~~- ولا أنا أيضا، مع أني أقمت في بطرسبرج عدة أعوام فما لقيته في قاعة من القاعات، ~~والآن اصغ إلي، إن قلبي يحدثني بوجود مكيدة، وأحب أن تسمع حديثي مع هذه المرأة، فاخرج ~~من هذا الباب تجد سلما من الرخام على يمينك، فاصعد عليها تجد عند آخرها غرفة وهي ~~مجاورة لغرفة فاسيليكا من الجهة الأخرى لا يفصل بينهما غير باب رقيق من الخشب، فإذا ~~وقفت على هذا الباب وأصغيت سمعت كل شيء. # فامتثل روكامبول وتسلق ذلك السلم وخرجت هي من باب آخر حتى وصلت إلى غرفة فاسيليكا، ~~فرأتها جالسة قرب المستوقد ورأت بقربها شابا لابسا أفخر الملابس الدالة على البسطة ~~والجاه. # فاستقبلتها فاسيليكا بملء البشاشة وقالت: اسمحي لي أن أقدم لك ابن عمي المسيو إيفان ~~بونتيف. # فحيته باكارا ورد لها التحية بشكل فهمت منه باكارا أنه غير عريق بعادات الأشراف، وقد ~~رأت أنه لابس ثياب الأعيان، غير أنها لاحظت من إشاراته وملامحه أنه ليس منهم في ~~شيء. # وعادت فاسيليكا إلى الحديث فقالت: إني اصطلحت مع ابن عمي وأنقذته من ذلك المنزل الذي ~~لم يقده إليه غير مزاح البرنس مازوبولوف وأحد أصحابه الكونت كوروف الذي لا يزال طامعا ~~بزواجي، والذي يظهر أن مدلين موجودة حقيقة، وما زالت موجودة فلا سبيل إلى اتهام ابن عمي ~~بالجنون. # فأجابت باكارا: هذا أكيد، وفوق ذلك فإني لا أجد فيه إلا ما يدل على العقل ~~الراجح. # فانحنى الرجل شاكرا فلاحظت باكارا خطأ باتباع العادات. # ثم قالت فاسيليكا: إني أسألك يا سيدتي أن تأذني لي بضيافة ابن عمي إلى أن نجد ~~مدلين. # فأجابتها باكارا بلطف ودار الحديث بينهم، فكانت باكارا تفحص هذا الرجل فحص الخبير، ~~فلا تجد في هيئته وأخلاقه ما يدعو ms1128 مثل فاسيليكا إلى الهيام به، ثم قالت لها على سبيل ~~العرض: إن زوجي الكونت أرتوف سيعود غدا من روسيا. # فاضطربت فاسيليكا وقالت: الكونت أرتوف يصل غدا؟ ~~- نعم وربما وصل هذا المساء. # فامتعض وجه فاسيليكا، بالرغم مما بذلته من الجهد في إخفاء اضطرابها؛ لأنها خشيت أن ~~يكون للكونت معرفة بإيفان، فيفتضح أمرها وتفسد حيلتها. # وما خفي هذا الاضطراب وأسبابه عن باكارا، فحادثتها هنيهة ثم ودعتها وخرجت بعد أن ~~جاملت ذلك الرجل ودعته إلى مناولة الطعام. # وخرجت باكارا مسرعة إلى المكان الذي كان مختبئا فيه روكامبول، فوضع إصبعه على شفتيه ~~وأشار لها أن تدنو من الباب فتسمع. # فأسرعت باكارا مسرعة إلى الباب فسمعت كل ما دار من الحديث بين فاسيليكا، وهذا الرجل ~~الذي ادعت أنه ابن عمها. # وكانا يتكلمان باللغة الروسية، غير أن باكارا كانت تعرف هذه اللغة معرفة تامة بعد ~~إقامتها مدة طويلة مع زوجها في روسيا، فلم يفتها من حديثهما شيء. # وعند ذلك سار بها روكامبول إلى آخر الغرفة، وقال لها همسا: ألم تقرأي بين الأوراق ~~التي قدمتها لك كتابا من مدلين إلى أختها تقول لها فيه: إنها سمعت إيفان يصرح بعدم حبه ~~إياها، وإنه يحاول الاقتران بفاسيليكا؟ ~~- نعم قرأت هذا الكتاب. ~~- إذن فاعلمي أن هذا الصوت الذي سمعته مدلين لم يكن صوت إيفان نفسه، بل كان صوت خادم ~~استخدمه والد إيفان لما وجده من التشابه بين صوته وصوت ولده. ~~- أهو ذلك الخادم الذي أهان مدلين في فندق ساوا؟ ~~- هو بعينه وهو الآن يحاول تمثيل دور إيفان مرة أخرى، ولكنه يمثله الآن بأمر فاسيليكا ~~لا بأمر والده. # فابتسمت باكارا ابتساما يدل على وثوقها من مقدرتها، وقال: إن هذا التمثيل لن ~~يطول. # وفي المساء اجتمع على الطعام فاسيليكا وباكارا وذلك الرجل، فكانت باكارا تظهر أنها ~~منخدعة به وأنها معتقدة كل الاعتقاد أنه إيفان. # فلما فرغوا من الطعام قالت له باكارا: إن ابنة عمك كسلى، تحب الراحة والتدخين بعد ~~الطعام، فهل تريد أن تصحبني إلى الحديقة، فنتنزه فيها؟ ~~- حبا وكرامة. # وتأبط ذراعها ms1129 وخرج بها إلى الحديقة. # وكان القمر مشرقا فمشت به باكارا وهي تشاغله بالحديث، حتى انتهت إلى غرفة كان فيها ~~مصباح يضيء، فقالت له: أتريد أن ترى مكتبتي التي أنشأتها في هذه الغرفة؟ ~~- إني أرى فيها مصباحا فهل يوجد فيها أحد؟ ~~- ربما كان فيها وصيفتي. # وسار الاثنان حتى وصلا إليها ففتحت بابها وأوعزت إليه أن يدخل ففعل ودخلت باكارا في ~~أثره فأغلق الباب. # ولكنه لم يسر ثلاث خطوات حتى توقف فجأة، إذ لقي أمامه خادمين ضخمين، وبيد كل منهما ~~كرباج هائل يعده الروسيون خاصة للجلد. # 13 # وكان هذان الرجلان اللذان رآهما ضخمي الجثة وفوق ذلك فقد كانت تبدو على وجهيهما علائم ~~الغلظة والبعد عن الرفق. # ولما دخل هذا الذي يدعي أنه إيفان وأغلقت باكارا الباب وراءه خاطبته كما يخاطب ~~الأسياد خدام أراضيهم في بلاد الروس، فقالت : أيها العبد إنك روسي، ومن كان روسيا فهو ~~يعرف دون شك كيف يعاقب من يتجاسر على تزوير اسم سواه. # وحاول الرجل الإنكار قائلا: سيدتي ماذا تقولين؟ إني لا أفهم شيئا مما تعنين. ~~- ماذا تدعى؟ ~~- إيفان بونتيف. ~~- إنك منافق كذاب. ~~- سيدتي؟ ~~- نعم أنت كذاب؛ لأنك تدعى بطرس السائق. # فاصفر بطرس اصفرارا شديدا حين رأى أنها تعرف اسمه وجعل يضطرب دون أن يجيب. ~~- أيها العبد إنك ستعاقب عقابا شديدا عما جنيت. # ثم أشارت بيدها إلى الرجلين، فانقضا عليه انقضاض الصاعقة وألقياه إلى الأرض. # فجعل بطرس يصيح مستغيثا فقالت باكارا للرجلين: إذا توالى صياحه فاقتلاه! # فلما رأى بطرس أن الإنكار لا يجديه جعل يستعطفها قائلا: رحماك يا سيدتي اشفقي ~~علي. # فلم تجبه باكارا. ~~- اصفحي عني أخبرك بكل شيء. ~~- ماذا تعني بكل شيء؟ ~~- أعني أني أخبرك لماذا تسميت باسم إيفان بونتيف. # فلم تأمره باكارا بالكلام، وبدأ الرجلان بنزع ثيابه كي تقع السياط على جلده. ~~- سيدتي إن الكونتس فاسيليكا أمرتني أن أفعل ما فعلت. # ولم تحفل به باكارا أيضا. # فعاد إلى حديثه وقال: إنهم حبسوني منذ ثمانية أيام، وهم يعلمونني كل يوم أن أقلد ~~حركات الأعيان، كي أستطيع أن أقلد ms1130 إيفان عندما أسمى باسمه. ~~- لماذا عينوك لهذه المهمة؟ ~~- لأن صوتي يشبه صوته أتم الشبه. # وبعد أن نزع الرجلان ثيابه العليا نزعا قميصه ولكنهما لم يضرباه؛ لأنهما كانا ينتظران ~~إشارة من باكارا. # غير أن باكارا أحبت الصبر إلى أن تتم استنطاقه، فقالت له: أتعلم أين هو إيفان ~~الآن؟ ~~- كلا يا سيدتي! ~~- احذر فقد أعفو عنك إذا قلت لي: أين هو؟ ~~- أقسم بالله يا سيدتي أني لا أعلم شيئا؛ لأن الكونتس فاسيليكا لن تكن تطلعني على ~~أسرارها. ~~- لم يكن ذلك إلا لسوء حظك؛ لأنك لو كنت مطلعا على أسرارها لنجوت من العذاب. # ثم قالت للرجلين بعظمة: خمسون جلدة فقط. # وفتحت الباب وخرجت. # فلم تمش بضع خطوات حتى رأت روكامبول قد خرج من بين الشجر، فقالت له: ألعلك عرفت ~~شيئا؟ ~~- لم أعلم غير أمر واحد وهو أن جواسيسي شاهدوا كارل خارجا بمركبته من شارع ~~كاسيت. ~~- ليس هذا بالشيء القليل. ~~- وقد تبعه الرقيب إلى محل الصليب الأحمر، وكان الرقيب لسوء الحظ تبعه بمركبته أيضا، ~~فازدحمت المركبات كما يتفق كثيرا بحيث احتجبت مركبة كارل عنه، ولكنه رأى في تلك ~~المركبة كارل وفاسيليكا وإيفان. # وكان هذا الرقيب نويل، فلما رأى أن المركبة قد احتجبت عنه ترك مركبته، وأقام يبحث ~~عنهم ساعتين فلم يهتد إلى أثرهم إلى أن رأى مركبتهم عائدة من شارع كاسيت، ولكنه لم ير ~~فيها غير كارل. ~~- إذن يجب غدا أن نبحث في شارع كاسيت. # فارتعد روكامبول وقد سمع صراخ رجل يتألم، وسألها: ما هذا الصوت؟ ~~- إنه صوت بطرس السائق. ~~- لقد أحسنت في تأديبه والآن أتأمرينني بشيء. ~~- كلا لست محتاجة إليك في هذا المساء وسنجتمع غدا، إنما قل لي قبل ذهابك أرأيت تلك ~~الفتاة التي تشبه مدلين؟ ~~- سأجتمع بها في الساعة السادسة فإنها تنتظرني. # ثم تركها وانصرف، ولكنه لم يخرج من الباب العام، بل ذهب إلى أقصى الحديقة، ففتح بابا ~~فيها كانت باكارا أعطته مفتاحه، وخرج منه إلى الشارع. ~~••• # أما فاسيليكا فكانت مضطجعة على مقعد طويل تدخن سيكارتها، فيعقد دخانها ضبابا كثيفا ~~في سماء ms1131 الغرفة وهي تنظر إليه آمنة مطمئنة ساكنة كأنما فؤادها خال من كل شاغل. # ثم سمعت وقع أقدام فنظرت فإذا باكارا داخلة إليها وهي تقول: إن البرد شديد فلم أستطع ~~البقاء في الحديقة. ~~- أين إيفان؟ ~~- تركته يدخن في الحديقة. # فاطمأنت فاسيليكا وأشعلت سيكارة أخرى. # أما باكارا فإنها جلست قربها وجعلت تحادثها قائلة لها: أحقيقة أنك تحبين ابن ~~عمك؟ ~~- أحبه حبا لا حد لوصفه. ~~- وكيف رجعت عن عدم الزواج به؟ ~~- لم أجد بدا من ذلك؛ لأنه لا يحبني. # ثم تنهدت وقالت: مسكين فلقد بلغ به سوء الحظ أنه شغف بمعلمة كانت من نساء أمه. # فابتسمت باكارا وقالت: إني أعجب كيف أن إيفان يشعل بفؤادك مثل هذا الغرام؟ ~~- لماذا ألا ترينه جميلا؟ ~~- إن الأذواق تختلف في الجمال. ~~- ولكنه شجاع باسل. # وكانت قاعدة المائدة التي كانت باكارا مقيمة فيها مع فاسيليكا، تشرف على الحديقة ~~وكانت إحدى نوافذها مفتوحة، فسمعت فاسيليكا صياحا وقالت: ما هذا الصياح؟ ~~- ماذا تسمعين؟ ~~- أسمع صياح رجل يستغيث. ~~- وأنا أسمع أيضا ما تسمعين. ~~- أليس هذا الصياح من الحديقة؟ ~~- هو ما تقولين. # فوقفت فاسيليكا متنصتة وقالت: إني أعجب كيف تسمعين أصوات الاستغاثة تخرج من حديقة ~~منزلك ثم لا تظهرين شيئا من الاهتمام. ~~- ذلك لأني أعلم ما يجري؛ لأن خدمي يعاقبون رجلا تجاسر على احتقاري. ~~- رجلا تجاسر على احتقارك؟ ~~- وعلى الهزء بي فإن هذا الوقح قد انتحل اسم رجل من نبلاء الروسيين وما هو إلا عبد ~~حقير. # فتراجعت فاسيليكا منذعرة إلى الوراء. # أما باكارا فأتمت كلامها قائلة: إن هذا الرجل يدعى بطرس السائق وقد تجاسر على الجلوس ~~إلى مائدتي والقول أنه ابن عمك. # فتراجعت عند ذلك فاسيليكا منذعرة إلى الوراء تراجع الليث يتحفز للوثوب، ونظرت إلى ~~باكارا نظرة هائلة وقالت: إنك أردت أن تعترضي سبيلي وسوف ترين لمن يكون الفوز. # ثم فتحت أزرار ثوبها بعنف وأخرجت خنجرا كان مخبوءا في صدرها، وهجمت على باكارا هجوم ~~الكواسر تحاول أن تغمده في قلبها. # 14 # تقدم لنا وصف فاسيليكا وما كانت عليه من مظاهرات اللطف، وهي ms1132 في الباطن من أفظع خلق ~~الله، فلم يكن تمدنها غير قشرة ظاهرية، إذا حكتها أظافر الحقد زالت وانكشفت ما تحتها من ~~الهمجية الوحشية. # فلما هجمت على باكارا بخنجرها وتبينت في عينيها ذلك الغضب الهائل أسرعت إلى اتقائها، ~~فاندفعت فاسيليكا بثوبها إلى آخر الغرفة. # وعند ذلك وقفت باكارا وراء المائدة فجعلتها متراسا لها، إلى أن تجد سبيلا أضمن ~~لاتقائها أو فرصة للهجوم عليها؛ لأنها كانت أشد منها بنية، غير أن فاسيليكا لم تمهلها ~~فوثبت عليها وثبة ثانية وطعنتها بخنجرها، فمالت باكارا عنها بحيث لم يصبها الخنجر إلى ~~إصابة خفيفة في كتفها فخدشه، وعند ذلك انقضت عليها باكارا فحملتها من وسطها ودفعتها ~~بعنف شديد فرضت عظامها وسقط الخنجر من يدها، فركعت باكارا فوق صدرها وأسرعت إلى التقاط ~~الخنجر ثم نظرت إليها نظرة المنتقم الفائز، وقالت لها: إنك لم تعلمي أني كنت أدعى ~~باكارا في الزمن القديم، والآن اعلمي أنك إذا عصيتني فيما أريد قتلتك في الحال دون ~~إشفاق. # فتمتمت فاسيليكا بعض كلمات تشير إلى أنها مغلوبة خاضعة للشروط. # فنهضت باكارا عنها وهي غير خاشية بأسا؛ لأن الخنجر كان بيدها؛ ولأنها وثقت من أنها ~~أشد منها. # فنهضت فاسيليكا من تحتها وهي صفراء الوجه كأنها من الأموات، وقد أطفئ ذلك اللهب الذي ~~كان يتوقد في عينيها فجلست على كرسي قرب عدوتها وأطرقت برأسها إلى الأرض. # فقالت لها باكارا: إن من أعجب العجائب يا حضرة الكونتس أن المائدة لم تنقلب خلال هذا ~~العراك الذي لا يخلق بأمثالنا، ولو حدث شيء من ذلك لتسارع الخدم وافتضحنا فضيحة ~~كبرى. # فإن ما جرى بيننا لم يضطلع عليه أحد، وأنا مستعدة لنسيانه إذا أمكن أن نتفق. # وكانت فاسيليكا قد عادت إليها سكينتها فنظرت إليها بأنفة واستكبار، وقالت: على ماذا ~~تريدين أن نتفق؟ ~~- عجبا أتسألينني على أي شيء يجب الاتفاق وأنت تسمعين صوت هذا الرجل المتألم؟ ~~- دون شك لأني لا أعلم ماذا تعنين؟ ~~- لقد أصبت، إذ يجب علي أن أكون البادئة بالاقتراح. ~~- إني مصغية إليك. # فاقتربت باكارا منها والخنجر لا ms1133 يزال في يدها وقالت: إنك أتيت إلى باريس مدفوعة ~~بعوامل الانتقام الهائلة. ~~- هو الحق ما تقولين. ~~- وإن كنت تحبين إيفان بونتيف. ~~- ربما! ~~- وأنت الآن تكرهينه، حتى إنك تشتهين له الموت، وقد اختطفته وحجبته. ~~- وماذا يهمك؟ ~~- لا تنسي يا حضرة الكونتس أنك الآن تحت سلطاني، وإني أعيد عليك وعيدي السابق، وهو ~~أنك إذا لم تخبريني أين حبست إيفان قتلتك لا محالة. # فابتسمت فاسيليكا وقالت: إنك سألتني أسئلة كثيرة فهل تسمحين لي أن أسألك أنا ~~أيضا؟ ~~- سلي ما تشائين. ~~- إني أكره إيفان؛ لأني أحببته وأريد الانتقام منه لأنه سحق كبريائي بقدميه، وأما أنت ~~فماذا يهمك من أمره؟ أرأيته مرة في حياتك؟ ~~- كلا. ~~- أكنت تعرفين اسمه منذ أسبوع؟ ~~- كلا. ~~- إذن حق لي قبل أن أجيبك على أسئلتك أن أسألك بدوري. ~~- لقد عرفت ما تريدين أن تقولي لي، بأنك تريدين أن تعلمي سبب اهتمامي بإيفان. ~~- دون شك. ~~- إني أهتم به؛ لأنه يهوى مدلين ومدلين تهواه. ~~- هل تعرفينها؟ ~~- لم أرها في حياتي. # فنظرت عند ذلك محدقة إلى باكارا وسألتها: أتقسمين لي بحياة زوجك أن الماجور أفاتار هو ~~غير روكامبول. ~~- لا أحب أن أجيبك على هذا السؤال. # فابتسمت ابتسام المنتصر قائلة: أرأيت كيف أني عرفت سرك كما عرفت سري. # إن روكامبول عدوك القديم قد جاءك مسالما، فقررت مساعدته وهو يتولى حماية إيفان ~~ومدلين. ~~- وأنا أيضا أتولى حمايته؛ ولذلك سألتك أن تخبريني أين يوجد إيفان؟ ~~- وإذا لم أخبرك. ~~- أقتلك دون إشفاق. # فابتسمت فاسيليكا ابتسام المستخف قائلة: ربما تمكنت من قتلي؛ لأنك صادقة العزم فيه، ~~ولكني أستطيع أن أردك بكلمة واحدة عن هذا القصد. ~~- كيف ذلك! ~~- ذلك لأني أعددت لإيفان عقابا أشد هولا من الموت، وأن حياته لا تصان من الأخطار ~~إلا إذا صينت حياتي، فإني قد أقمت على حراسته رجلا أطوع لي من عبيدي، وأمرته أن يقتل ~~إيفان بخنجره، إذا لم يرني بعد 36 ساعة. # فامتعضت باكارا وشعرت أنها مغلوبة مع هذه الداهية، وعضت على شفتها من القهر، فقالت ~~لها فاسيليكا بلهجة المنتصر المتهكم: اقتليني بعد ذلك ms1134 إذا أردت. # ثم نهضت قائلة: لا ريب أنه لم يبق سبيل لإقامتي في منزلك، بعد الذي جرى بيننا فيه ~~فإني سأبيت هذه الليلة وأبرحه غدا إلى حيث أعد معدات قتالك. ~~- إنه سيكون قتال هائل يا كونتس. ~~- ولكننا سنكون متكافئتين بالسلاح، فإنك لا تستطيعين أن تلجأي إلى الشرع ما زال حليفك ~~روكامبول. # ثم تقدمت إلى الباب بملء العظمة والكبرياء، ولكنها لم تكد تصل إليه حتى فتح فجأة ودخل ~~منه رجل يعول ويقول: انتقمي لي يا سيدتي فقد جلدوني أعظم جلد. # فانتهرته فاسيليكا وقالت له: احذر أيها الشقي أن تبوح بأمرك لأحد أو تعرض شكواك على ~~أحد من الناس إذ أقتلك جلدا بالسياط. # ثم مدت يدها إلى باكارا وقالت لها: أودعك الآن يا عدوتي الحسناء. # فقالت لها: إلى اللقاء أيتها المنتقمة الجميلة، وسوف نرى لمن يكون الانتصار. # ثم افترقتا بعد أن رشقت كل منهما الأخرى بنظرة، ولكنها نظرة من نار. # 15 # يعجب قراء الروايات ولا سيما هذه الرواية حين يقرأون فيها عن شخصين متشابهين - كما ~~اتفق مع باكارا وأختها - ومع مدلين وكلوريند حين خدع بها إيفان، ولكن من يطلع على نوادر ~~التشابه بين الناس في هذه الأيام لا يستغرب ما يراه منها في الروايات. # لقد ذكروا أن للملك إدوار السابع ملك إنكلترا الحالي شبيها يشبهه مشابهة غريبة، حتى ~~إن هذا الرجل كان مرة في أحد فنادق الطعام، فلما رآه الحاضرون على المائدة أيقنوا أنه ~~الملك وحسبوه متنكرا، فجعلوا يهتفون له وينحنون أمامه بالإجلال الملكي، فلم يسع هذا ~~الرجل إلا الهرب. # ومن ذلك أن الإمبراطور نقولا - إمبراطور روسيا الحالي - يشبه ابن خالته ولي عهد ~~إنكلترا شبها عجيبا، بحيث إذا صورا صورة واحدة لما أمكن التفريق بينهما. # ومن ذلك أيضا المستر روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحدة، فإن له شبيها من قومه ~~لا يفرقه أحد عن الرئيس بشيء، ولولا امتزاجه مع العامة لما ميزوا بينه وبين الرئيس، حتى ~~لقد روي عن روزفلت قوله على سبيل الممازحة: «إني أخشى أن يختطفني هذا الرجل ويتولى ~~الرئاسة مكاني، ms1135 ولا يعلم بجريمته أحد لما بيننا من الشبه العجيب.» # ومن ذلك الإمبراطور فرنسوا جوزيف، فإن أحد السفراء في عاصمته ونظنه سفير ألمانيا، ~~يشبهه شبها غريبا فإذا اجتمع به في حفلة رسمية جعل الناس ينظرون إليهما ~~ويعجبون. # وقد رسمت مجلة «لكتير بورنوس» التصويرية الفرنسية صور هؤلاء الملوك، والذين يشبهونهم ~~بعد أن عقدت مقالة مسهبة على تشابه الناس، فمما ذكرته عن غير الملوك حكاية أختين توأمين ~~كثر تشابههما حتى تعذر على أمهما التفريق بينهما وجعلت تعقد شعر إحداهما بشريطة حمراء، ~~والأخرى بشريطة زرقاء فلا تستطيع التفريق بينهما إلا بهذه العلامة. # وقد اتفق أن فتى هام بإحدى الأختين وطلب إلى أمهما الاقتران بها فقالت: أي بنتي ~~تريد؟ ~~- تلك التي أراها تمر كل يوم بمخزني في شارع كنرا. ~~- إن كلتيهما تمران بهذا الشارع فهل تريد صاحبة الشريطة الحمراء أو الزرقاء؟ # فحار الفتى في أمره وقال: لا أعلم فإن التي أهواها أراها تعقد شعرها تارة بالشريط ~~الأزرق وطورا بالأحمر. # هذه نتف يسيرة من نوادر التشابه، بسطناها توطئة لما سيجيء من حوادث هذه الرواية عن ~~تشابه مدلين وكلوريند كي لا يتوهم القارئ أن مؤلف هذه الرواية يعتمد في مواضيعها على ما ~~يجتاز حد المعقول. # كانت كلوريند هذه فتاة من بنات الهوى، لا نذكر شيئا من أوصافها لما تقدم من وصف ~~مدلين، فإن الشبه بينهما كان عجيبا حتى أن إيفان نفسه خدع بهذا الشبه، ولكنها كانت في ~~العشرين من عمرها تندفع في حلبة الغرور والطيش فيتهافت عليها الأغرار، فلا تكترث لهم؛ ~~لأنها كانت تهوى أحد المصورين فتنفق في استرضائه ما تصل إليه يدها من المال. # وقد طال زمن شغفها به وكثر بذخها فنفد مالها، وجعلت تستدين وترهن ما لديها من حلى ~~وعقار بحيث أصبحت على شفار الخراب. # وبينما هي جالسة ذات يوم مفكرة مهمومة بما صارت إليه حالها ووصيفتها بجانبها تؤنبها ~~لهيامها بهذا المصور، وتنصحها بالابتعاد عنه قبل أن يشعر بإفلاسها فيبتعد عنها إذ دخل ~~إليها الخادم يحمل رقعة زيارة فأخذتها كلوريند وقرأت: «الماجور أفاتار.» # وحاولت أن ms1136 تمتنع عن مقابلته غير أن وصيفتها أسرعت وقالت للخادم: أدخل الماجور ~~أفاتار. # ثم التفتت إلى كلوريند وقالت: هو ذا مصدر جديد للثروة فإن هذا الروسي لا بد أن يكون ~~محشوا بالروبلات. # ودخل روكامبول وكان لابسا ثيابا بسيطة تدل على التناهي في سلامة الذوق، فحيى ~~المرأتين بأدب وحشمة متكلفا هيئة الوجل الخائف. # وكان روكامبول في السادسة والثلاثين من عمره ولكن هيئته كانت تدل على أنه لا يزال في ~~ريعان صباه، فجلس أمام كلوريند وقال: أسألك العفو يا سيدتي عن زيارتي لك من غير موعد، ~~فإني قد أسافر هذه الليلة سفرا طويلا. # فوقفت وصيفتها وقالت بدلال: إن سفرك يعد خيانة يا سيدي. # فابتسم روكامبول وقال: إن سفري منوط بها فإذا شاءت بقيت وإذا شاءت رحلت. # ولما رأت الوصيفة أن باب الحديث قد انفتح تركتهما وانصرفت. # فتغيرت هيئة روكامبول فجأة عند ذلك واتقدت في عينيه أشعة الذكاء المتوقد، ونظر إلى ~~كلوريند تلك النظرات الغالبة، التي تغلب بها على فاندا وسائر رجال عصابته، فعلمت ~~كلوريند للحال أنها جالسة بحضرة رئيس لا يغلب. # ثم بدأ روكامبول الحديث فقال: لا أطيل جلوسي معك يا سيدتي ولكني أحب أن نكون منفردين ~~لا يكدر خلوتنا أحد، فمري خدمك أن يحافظوا على أبوابك. # فقالت بصوت مضطرب: إنني لا أنتظر زيارة أحد الآن. # فاطمأن روكامبول وقال: إنك ستنذهلين من كلامي دون شك؛ لأني واقف على حقيقة أمرك، فإنك ~~مدينة بمائة ألف فرنك، وقد رهنت جميع مجوهراتك، وإن منزلك أيضا مرهون وهو سيباع بعد ~~شهر؛ لأنك لا تستطيعين دفع الدين. # ولا تضطربي لكلامي يا سيدتي وتظني أنني من أولئك المتمولين الغلاظ الأكباد الذين ~~يغتنمون مغل هذه الفرص، فإني غير طامع بمالك إذ لا مال لك ولا رجاء لي بغرامك؛ لأنك ~~تهوين ذلك المصور الجميل الذي سوف يتخلى عنك حين يعلم ما أصبحت عليه من الفقر. # فظهرت علائم الحزن على وجهها؛ لأنها سمعت هذه النبوءة عن جفاء حبيبها لها مرتين في ~~ساعة واحدة. # فقال روكامبول: وإني قد جئتك بأمر إذا وافقت عليه ms1137 وفيت دينك، واسترجعت مجوهراتك، ~~وعاد إليك منزلك وأمنت جفاء حبيبك، ولا تظنين أني أريد غرامك فلا متسع بفؤادي ~~للغرام. # فوقفت كلوريند مضطربة منذهلة وقالت: إذن ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أجعلك آلة طائعة خاضعة لي مدة شهران، وأن أستخدم جمالك ومشابهتك الغريبة ~~لإحدى النساء في تنفيذ غاية سرية أسعى إليها منذ عهد بعيد. # وسأدع لك فرصة هذه الليلة للتفكير والإمعان، ولا يبرح عن بالك أني قد عرضت عليك ثروة، ~~بل أعظم من ثروة، وهو ثبات حبيبك على قرانك دون أن أدع له أقل مجال للغيرة مني، فأمعني ~~النظر وسأعود إليك في الساعة التاسعة من صباح غد، فإذا لم ترق لك مطالبي فلا حاجة إلى ~~الإذن لي بالدخول إليك. # ثم قام فودعها وانصرف إلى ذلك المنزل الذي استأجره قرب منزل الفيكونت فابيان، فدخل ~~إلى الغرفة المشرفة على حديقة ذلك المنزل وأنار شمعة، وجعل ينظر من النافذة بمنظار طويل ~~فرأى نورا ينبعث من غرفة فيخترق الأشجار. # حدق طويلا وهو مقطب الجبين ثم ابتسم ثغره وانبسط جبينه ولمعت عيناه ولبث زمنا ~~طويلا ينظر إلى تلك الغرفة بمنظاره، وقد أشغله من كان فيها عن كل أمر بحيث فتح باب ~~غرفته دون أن ينتبه إلى الداخل منه فما شعر إلا بيد قد وضعت على كتفه فالتفت فرأى ~~فاندا. # فتنهد روكامبول حين رؤيتها وأعطاها المنظار الذي بيده، وقال: انظري إلى هذا الوجه ~~الجميل الذي ينبعث منه الطهر والسلامة. # فأخذت فاندا المنظار ونظرت إلى تلك الغرفة التي كان ينبعث منها النور، فرأت بلانش دي ~~شمري زوجة فابيان التي طالما دعاها روكامبول بأخته ولم يجعله من التائبين غير حبه ~~لها. # ثم عادت فاندا ونظرت إلى روكامبول فاضطربت، وقالت: ماذا أرى ولماذا تبكي؟ ~~- إن البكاء يفيد والدموع تخمد الأشجان. # ثم أخذ المنظار فوضعه في مكانه، وقال: اجلسي الآن لنتحدث وقولي: لماذا أتيت إلي ~~... # 16 # فلم تجبه فاندا؛ لأنها كانت لا تزال منشغلة عنه بدموعه فقال لها روكامبول: لماذا ~~أتيت؟ ~~- أتيت لأني لا أعلم ماذا يجب أن أعمل، إن أنطوانيت ومدلين ms1138 في شارع سربنت، وقد عثرنا ~~على أنطوانيت ولكن أجينور لا يزال مختفيا وقد أوشكت أنطوانيت أن تجن من يأسها، وكذلك ~~مدلين فإني لا أعلم ماذا أجيبها عن إيفان. ~~- أخبريني قبل كل شيء عما حدث لتيميلون. ~~- إني عندما أطلقت النار على شيفيوت أسرع تيميليون لنجدتها، وكان معي مسدس آخر أشهرته ~~عليه، فصاح بي لا تفعلي فإني أعرف أنك امرأة روكامبول وأنا لا أتدخل في شئونكم بعد ~~الآن. # وكان يقول هذا القول وهو يضطرب اضطرابا شديدا فقلت في نفسي: لا بأس من إمهاله ربع ~~ساعة إلى أن أخرج بأنطوانيت من ذلك السجن، وقلت له: إذن امش أمامنا وافتح لنا جميع ~~الأبواب إلى أن تجد مركبة، وحذرا أن تبدر منك بادرة تحمل على الريب بك فإني أقتلك شر ~~قتل. # وقد رأيت من اضطرابه أنه لا خوف منه، فمشى أمامنا إلى الحديقة وفتح بابها بمفتاح كان ~~بجيبه فخرج إلى الشارع وخرجنا في أثره. # وكانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل والشارع مقفرا، فمشى حتى وجد مركبة فأشار إلى ~~سائقها بالوقوف ثم أشار إلي وقال: إني لست كفوءا لكم فلا تخشوني؛ لأني مسافر. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى محطة الشمال، فأركب القطر الذي يسافر في الساعة الرابعة إلى كاليس، فإن كارل ~~مورليكس قد دفع لي مبلغا أكتفي به، ثم تركنا وسار مسرعا إلى حيث قال. # أما أنا فإني ركبت المركبة وذهبت بها إلى شارع سربنت، وقد جئت أسألك إذا كان يجب أن ~~أبقى في ذلك الشارع. ~~- لا. ~~- إذن أين أذهب؟ ~~- تذهبين في الصباح إلى شارع سربنت وتنتظرين هناك إلى أن ترسل الكونتس أرتوف من يأخذ ~~الأختين إليها، فإنها عزمت على أن تبقيهما في منزلها بحيث تكونان آمنتين، والآن فلننظر ~~في أمر أجينور فأين يمكن أن يكون؟ ~~- ألم تقل له قبل أن يقبضوا عليك بساعة أن يذهب إلى أبيه؟ ~~- نعم. # ألم تقل له أيضا أن ينذر أباه بالانتحار أو يعرض الأمر على الحكومة إذا لم يرجع إليه ~~أنطوانيت؟ ~~- دون شك. ~~- إنه منذ ذهب ممتثلا لأمرك لم يعد ولم نره ms1139 منذ ذلك العهد. ~~- إن اختفاءه يذهلني. ~~- ولماذا؟ أتحسب أن أباه حجز عليه؟ ~~- كلا، إن البارون فيليب دي مورليكس يحب ابنه أجينور وفوق ذلك، فإن ضميره يبكته أشد ~~تبكيت فلا يجسر على شيء من ذلك. ~~- ولكن أخاه كارل قد عاد يوم القبض عليك، وليس له شيء من هذه المبادئ، فإذا لم يكن هو ~~الذي حجز على أجينور فلا بد أن يكون ذلك من صنع تيميلون. ~~- لقد أصبت، فقد يكون تيميلون اختطفه بحيلة حين خروجه من المنزل إلى لقاء أبيه، ولكن ~~كيف لم يقل لك تيميلون شيئا من هذا؟ ~~- لم يخطر ذلك في باله لشدة ما كان به من الاضطراب. # فتنهد روكامبول وقال: إن جميع هذا لا يشغل بالي فإني لا أخاف تيميلون ولا أخشى كارل ~~مورليكس. ~~- ولكن ممن تخاف؟ ~~- أخاف امرأة وهي روسية مثلك. ~~- ومن هي هذه المرأة؟ ~~- هي التي احتقرها إيفان وآلت على نفسها أن تستميت في سبيل الانتقام منه. ~~- ولكننا سنتغلب عليها كما تغلبنا على سواها. ~~- ذلك لا ريب فيه، والآن فاذهبي عني فإني محتاج إلى الانفراد. # غير أن فاندا لم تمتثل وبقيت جالسة في مكانها، وقالت له: ألا تريد أن تقول لي شيئا ~~بعد؟ ~~- كلا! # فقالت له بصوت متهدج: ولكني عرفت سرك. ~~- اسكتي، فلا تعنيك أسراري. ~~- كلا ... لا أسكت فقد عرفت أنك تحب. # فغضب روكامبول وقال: أتسكتين أو ... # فلم تكترث لغضبه وقالت له: إنك تحب مدلين. ~~- أيتها التعيسة إنك تريدين إخراجي عن دائرة الصواب وأن أنقض عليك فأخنقك. ~~- إني سأسكت، ولكني أشفق عليك لما تلقاه من العذاب. ~~- إن هذا العذاب هو عقاب الله لي عن ذنوبي الماضية. # فركعت فاندا أمامه وقالت له والدموع في عينيها: إن لكل عقاب نهاية، وسوف يصفح عنك ~~الله. ~~- قلت لك: اذهبي. # فامتثلت فاندا هذه المرة وخرجت وهي مطرقة برأسها إلى الأرض، فأقفل روكامبول الباب ~~وراءها وانطرح على سريره بملابسه فنام إلى أن لسعته أشعة الشمس. # ولما استيقظ أسرع إلى النافذة فرأى أخته القديمة، تسير متنزهة في الحديقة ومعها طفل ~~صغير يبلغ الخامسة من ms1140 عمره وهو يناغيها ألطف مناغاة وهي تنظر إليه نظرات حنو لا يدرك ~~أسرارها غير قلوب الأمهات. # ولبث واقفا قرب هذه النافذة ينظر إلى الطفل وأمه، إلى أن دقت الساعة التاسعة فهب من ~~غفلته وذكر موعده مع كلوريند، ووجوب اجتماعه بها؛ ليعلم إذا كانت ترضى بشروطه، فلبس ~~الملابس التي زارها فيها بالأمس وخرج. # فما بلغ الباب الخارجي حتى رأى ميلون واقفا بانتظاره على الباب فأسرع إليه، وقال: إن ~~مركبة الكونتس أرتوف ذهبت لإحضار الأختين وأنا أنتظر عودتها فتعال معي يا سيدي. # فاضطرب روكامبول وقال: لماذا تريد أن أسير معك؟ ~~- لنرى الأختين حين مرورهما. ~~- ما هذا الجنون، ألا تستطيع أن تراهما إلا إذا كنت معك؟ ~~- ليس هذا ما أريد، ولكني لم أر مدلين بعد منذ عودتي من السجن وأشعر أني لا أستطيع ~~الوقوف أمامها من الاضطراب. ~~- فأجابه روكامبول بعنف: ليس لي وقت للذهاب معك، فاذهب. # ثم تركه وانصرف. # فجعل ميلون يشيعه بالنظر ويقول: لست أنا المجنون بل إن الرئيس بانت على وجهه علائم ~~الجنون. # 17 # كان كارل دي مورليكس والكونتس فاسيليكا مختليين في غرفة يتباحثان في شأنيهما، فبدأت ~~فاسيليكا الحديث فقالت: يجب علينا قبل أن نجري شوطا بعيدا في مضمارنا أن نعلم إلى أين ~~نحن سائران، ولنبحث الآن في شأنك إذن فخطتك الأساسية هي أنك لا تريد أن ترجع للأختين ~~ثروة البارونة ميلر، وقد ارتكبت كثيرا من الجرائم للبلوغ إلى هذه الغاية فحبست إحدى ~~الأختين في سجن لازار. # ولما تمكن روكامبول من إخراجها حاولت قتله والحكم عليه بالإعدام. # ثم إنك ذهبت إلى روسيا كي تبحث فيها عن مدلين. # فاصفر وجه كارل وتنهد. # وتابعت: وقد ظفرت بمدلين مرة حين كانت بين أنياب الذئاب، فأنقذتها وكانت تحت مطلق ~~سلطانك فما جسرت على قتلها؛ لأنها أوقدت في قلبك الأثيم نار غرام لا تخمد، فعدت إلى ~~فرنسا بعد أن سلبت منك فوجدت أن أختها قد أنقذت أيضا. # والآن ليس روكامبول الذي يحميها وحده، فقد اشتركت معه الكونتس أرتوف فوضعتهما في ~~منزلها وهو أمنع من الحصون. # فتنهد ms1141 مورليكس وقال: الحق هو ما تقولين، وا أسفاه. # فقالت: والآن، فأين أنت من مساعيك الخائبة، فإنك لم تتقدم خطوة في سبيل غرضك، ولا ~~تزال على ما كنت عليه في أول يوم ظهرت لك فيه غيوم هذه المشاكل، فإنك اختطفت ابن أخيك ~~أجينور، ولكن روكامبول سوف ينقذه كما أنقذ أنطوانيت فيعود إلى مطالبتك بدم البارونة ~~ميلر أمام الشرع، ولو أفضى ذلك إلى إهانة اسمه فإن حقده عليك شديد. # إنك التجأت إلى رجل سافل من الرعاع فهزأ بك وقبض مالك وتخلى عنك، ولو كنت معك من قبل ~~لما انخذلت هذا الخذلان ولكنت من الفائزين. ~~- ماذا كنت تفعلين؟ ~~- الأمر بسيط، وهو أني كنت أخلو، لو كنت مكانك، بابن أخيك أجينور، فأقول له: إنك تحب ~~أنطوانيت فاختر بين أمرين، إما أن أعرقل مساعيك إلى أن تقاضيني أمام المحاكم فيتلوث ~~شرفك وينثلم عرضك بعد الحكم علي، وإما أن تتنازل عن مهر الصبية وأنت غني، وثروتك تكفي ~~اثنين فلا أعارض زواجك بمن تحب. ~~- أتظنين أنه كان يقبل؟ ~~- دون شك، فإن من كان في مثل عهده من الشباب يكون كثير الكرم عديم الاكتراث. # ثم إنه إذا بلغ الرجل ما بلغت إليه من العمر وأصيب بداء الغرام فلا رجاء له بالشفاء، ~~فإن ابن الثلاثين قد يتناسى ويستبدل غرامه بغرام، وأما ابن الستين فلا مأوى له عن حبه ~~مهما تقادمت عليه الأيام. # ولقد سنحت لك الفرص لقتل مدلين ولم تكن تريد غير قتلها احتفاظا بتلك الثروة التي ما ~~وصلت إليك إلا بعد ارتكاب الذنوب، ولكن يدك ضعفت عن قتلها؛ لأنك لم تعد تريد ثروة ~~الأختين بل مدلين. # فأن كارل أنين الموجع وقال بصوت أجش: نعم، نعم، فلم يعد لي مطمع بمال ولا رجاء إلا ~~بهذا الجمال. # قالت وستناله: فمتى اطمأن قلبك من أجينور، ومتى أزوجته أنطوانيت تزوجت أنت ~~مدلين. ~~- كفى بالله تطمعينني بهذه الأماني، ألا تعلمين أنها هائمة بإيفان دي بونتيف؟ # فابتسمت فاسيليكا ابتسام الاحتقار وقالت له: وإن لم أكن أعلم بهذا الحب لما رأيتني ~~عندك فإن مدلين تحب ms1142 إيفان، وقد عقد الحب بين قلبيهما برباط وثيق، ولكني آليت على نفسي ~~أن أفرق هذين القلبين إلى الأبد. ~~- ولكن ذلك لا يفيد فإن مدلين سوف لا تحبني. ~~- ماذا يهمك من حبها إذا كانت ترضى أن تكون زوجة لك؟ ~~- لا أخال ذلك من الممكنات. ~~- من يعلم؟ # فاتقدت عينا كارل بأشعة الأمل وقال: أنت تستطيعين البلوغ إلى هذه النتيجة؟ ~~- اصغ إلي، فإنك قد تلطخت بالجرائم وطبعت نفسك على الآثام، أما أنا فلا أزال طاهرة ~~ولم أرتكب جرما بعد ولم تلطخ يدي بدم بشري إلى الآن على أن هذه اليد لا تزال نقية ~~بيضاء قد تنغمس يوما بدم إيفان. # ولذلك فلا أريد أن أكون شريكة لك في جرائمك، ولكنك إذا خدمتني أفيدك برأيي وأعلم أنه ~~إذا تزوجت أنطوانيت أجينور وتخلت عن مهرها، فلا بد أن توافق مدلين على الزواج بك إذا ~~أزيلت العقبات من سبيلك وليس أمامك غير عقبتين وهما الكونتس أرتوف وروكامبول. # أما أنا فإني أتعهد بهذه الكونتس وسيكون القتال بيننا شديدا هائلا، ولكن لدي وسيلة ~~لا ألجأ إليها إلا في الساعة الأخيرة، وفي إخفاقي الأخير. ~~- وما هي هذه الوسيلة؟ ~~- إني أحمل رجال البلاط القيصري على استدعائها إلى روسيا، فإنها من رعايا القيصر ومتى ~~أمر القيصر وجبت الطاعة. ~~- إذن أنت نافذة الكلمة في بطرسبرج. ~~- ربما. ~~- ولكن بقي علينا روكامبول. ~~- إن أمره يتعلق بك. ~~- كيف لي بالتغلب عليه وما أنا من رجاله؟ ~~- ذلك لأنك لا تعرف مواضع الضعف منه ولو عرفتها لتغلبت عليه، أتعلم سر هذا ~~الرجل؟ ~~- كلا. ~~- إنه يحب حبا شديدا، لا أعلم إذا كان حب إخاء أو حب غرام. ~~- من عساه يحب؟ ~~- امرأة كان يدعوها أخته حين كان منتحلا اسم المركيز دي شمري، فإذا أردت أن تضله عن ~~صوابه وتمنعه عن التعرض لك، وجب عليك أن تجعل ضربتك الشديدة في ذلك البيت، وأن تجعل ~~امرأة الفيكونت فابيان في خطر، فإذا فعلت تجد كيف أن روكامبول يتحول عنك وينصرف عن ~~الاهتمام بشئون الأختين. ~~- أي خطر؟ ~~- لا أعلم، فانحث في قريحتك الجهنمية عن ms1143 فخ تنصبه، ولا تنس أن لمدام اسمول زوجا ~~وابنا. ~~- ماذا تعنين بذلك؟ ~~- أعني أنه قد تعرض أسباب تحمل على المبارزة وقد يوجد يد أثيمة تخطف الابن، فابحث فإن ~~ذلك من شأنك، وأنا أتكفل بتلك التي كانوا يدعونها باكارا. # فاضطرب مورليكس اضطرابا شديدا وقال: إنك شديدة هائلة، فإن مثل هذه الأمور لا تخطر ~~لي في بال. ~~- ذلك ما أوحاه إلي الانتقام ولو كنت تكره روكامبول كما أكره إيفان لما تعذرت عليك ~~أسباب المكايد. # ثم قامت فودعته وحاولت الخروج فقال لها: متى أراك؟ ~~- غدا في مثل هذه الساعة، وخرجت. # فلما أصبح وحده وضع رأسه بين يديه وجعل يتمعن بخلاصة ما قالته فاسيليكا، وهو أنه لا ~~يأمن شر روكامبول إلا إذا نكبت بلانش دي شمري بنكبة، وهي قتل زوجها بمبارزة أو اختطاف ~~ابنها، فلبث مدة طويلة وهو حيران لا يعلم أيحجم عن هذا الذنب الهائل أو يقدم ~~عليه. # 18 # ولبث ساعة وهو على هذه الحالة من الهم والتفكير، إلى أن تنبه من غفلته، وقد سمع صوت ~~جرس الباب الخارجي، ثم رأى بعد ذلك خادم غرفته قد دخل عليه وقال: إن صبية تريد مقابلتك ~~وهي في أشد حالة من الاضطراب؟ # فانذهل كارل وقال: من هي هذه الفتاة ألم تذكر لك اسمها! ~~- كلا، ولكنها قالت لي أن أخبرك أنها قادمة من روسيا وهي الآن في قاعة ~~الاستقبال. # فزاد انشغال كارل وقال له: إني قادم لاستقبالها فاذهل أنت في شأنك. # وبعد هنيهة ذهب كارل إلى قاعة الاستقبال وهو خافق القلب مضطرب القدم، لا يعلم من هي ~~تلك الفتاة القادمة من روسيا. # فلما فتح باب الغرفة ودخل ذعر ذعرا شديدا وقال: من أرى، مدلين! # فنهضت تلك الفتاة وقالت بصوت خافت: نعم أنا هي مدلين. # وكانت تضطرب أمامه كما كانت تضطرب مدلين حين إنقاذها من الذئاب وحين كان يحاول قتلها ~~فأنقذها روكامبول، فما شك أنها مدلين وجعل يضطرب كاضطرابها. # ثم رآها قد مدت إليه يدها، شأن المتوسل، وقالت له: اعف عني وانقذني! # فزاد ذهول كارل حين رأى تلك ms1144 الفتاة تسأله إنقاذها والعفو عنها، وهو قاتل أمها وألد ~~أعدائها، فلم يفه بحرف وجعل ينظر إليها نظر الحائر الوجل. # أما هي فإنها ذهبت إلى الباب فأقفلته وعادت إليه وقالت: اصغ لي يا سيدي الفيكونت إنك ~~أنقذتني من الموت أليس كذلك؟ ~~- هذا أكيد. ~~- وقد حميتني ووعدتني بالبحث عن إيفان، وقد اختطفتني في إحدى الليالي من ذلك القصر ~~الذي كنا فيه، فحسبتك أنك تريد قتلي، وما أنت إلا منقذي. ~~- كل ما تقولينه صحيح. ~~- ثم ألقيتني في مركبة فأغمى علي، ولم أعد أعلم بعد ذلك ما حدث لي ولكني عندما استفقت ~~من إغمائي وفتحت عيني لم أجدك أمامي، بل وجدت أمامي مكانك ذلك الرجل الذي كان يدعي أنه ~~تاجر ألماني ومعه امرأته. # وقد خدعني هذا الرجل وامرأته؛ إذ إنه حكى لي حكاية محصلها أنك قتلت أمي بالسم وسلبتها ~~ثروتها. # فاضطرب كارل وقال بصوت مختنق : وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك حاولت قتلي، وإنك من قبل حاولت قتل أختي أنطوانيت. # ثم اندفعت في البكاء وقالت: مسكينة أختي فقد خدعوها وضغطوا عليها ضغطا عظيما حتى ~~باتت واثقة من صدق هذه الحكاية المؤثرة. # أما أنا فقد ملت إلى تصديقهم في بدء الأمر لا سيما حين انضم إليهم خادم أمي القديم ~~وهو ميلون. ~~- كيف اتضح لك فساد مزاعمهم الآن؟ ~~- ذلك لأني عرفت أولئك الناس الآن حق العرفان، فإن زوجة هذا الرجل الذي يدعي أنه تاجر ~~ألماني هي إحدى بنات الهوى التي اشتهرت باسم نيشيت. ~~- والرجل؟ ~~- مجرم سفاك هرب من سجن طولون وكان يدعى روكامبول. # فكان كارل ينقلب بين الانذهال والاضطراب، ولكنه زال اضطرابه وعاد إليه رشده فجعل يقيس ~~كلامها بمقياس العقل. # أما هي فعادت إلى الحديث قائلة: أتعلم إلى أين ذهبوا بي وبأختي؟ ~~- كلا. ~~- إنهم ذهبوا بنا إلى منزل امرأة كانت تدعى باكارا، وهي من أشهر بنات الهوى أما اليوم ~~فإنها تدعى الكونتس أرتوف؛ لأن هذا الرجل هام بحبها فتزوجها وجعلها من الأشراف. ~~- إن هذه المرأة جارتي. ~~- نعم ولكني لما رأيت إلى أية حالة صرت، وفي أي منزل أنا ms1145 مقيمة انفتحت عيني للصواب ~~وعلمت أني سقطت في هوة فنجوت من هذا المنزل وأسرعت إليك راجية أن تنقذني. # وكان صوتها وملامحها ولهجتها تدل على الصدق الأكيد فيما تقول، فلم يبق في فؤاد كارل ~~أقل مجال للريب. # وكان يرى تلك الفتاة المضطربة أمامه فلا يشك أنها مدلين لشدة الشبه؛ ولأنه لم ير ~~مدلين إلا في الليل وفي مثل هذا الاضطراب. # ثم إن هذه الفتاة كانت مرتدية بالملابس نفسها التي كانت تلبسها مدلين في فندق ساوا ~~حين انتشلها كارل من أنياب الذئاب، فلم يكن يخطر له غير أمر واحد وهو أن مدلين قد ~~التجأت إليه؛ لأنها علمت أن باكارا وفاندا من بنات الهوى وأن روكامبول من رجال الشر، ~~فنظر إليها نظرة ملؤها الحنو والإشفاق وقال: لقد أحسنت بالتجائك إلي. ~~- أتحميني؟ ~~- دون شك وسأكون لك بمثابة أب. # فنظرت إليه نظرة النادم المستغفر وقالت: كيف يداخل الشك قلبي برجل جليل مثلك بيضت ~~شعره الأيام؟ # فابتسم كارل وقال لها: سأوضح لك كل شيء يا بنيتي فإنك ابنة أختي، ولكني ما قتلت أمك ~~بالسم فإنها ماتت بعلة معروفة لدى الأطباء، غير أن ميلون هذا الذي تذكرينه قد أثر على ~~عقلها تأثيرا شديدا فخافت مني ومن أخي خوفا عظيما، بحيث أخفتك وأخفت أختك لحذرها ~~منا، ونحن نبحث عنكما منذ خمسة عشر عاما. ~~- رباه! ولكن، هذه الثروة. ~~- إنها موجودة وأنا مستعد لردها إليك حين تشائين. ~~- لي أنا؟ ~~- لك ولأختك. ~~- إذن لست أنت الذي سجنت أختي؟ ~~- كلا بل ذلك من صنع روكامبول وميلون. ~~- لم يعد لدي أقل شك في هذه الحقائق، ولكن أختي لا تزال على عينيها غشاوة من ~~الوهم. ~~- سنزيل هذه الغشاوة. ~~- متى؟ ~~- متى تزوجت بأجينور وتزوجت أنت إيفان. # فلم يكد يتم عبارته حتى أكبت على عنقه تعانقه وتقبله، مظهرة شكرها وامتنانها، فطفح ~~قلب كارل سرورا وقال في نفسه: لقد عاد الحمل إلى قبضة الذئب وهو لا يفلت هذه ~~المرة. # 19 # ولنعد الآن إلى أجينور دي مورليكس، فإن روكامبول لبث يبحث عنه أربعة أيام دون أن ~~يهتدي إلى ms1146 آثاره. # وقد ذكره أنه أرسله إلى أبيه كي ينذره بالانتحار إذا لم يجد أنطوانيت، ولكن أنطوانيت ~~وجدت فاختفى أجينور. # وكان روكامبول قد أرسل جميع عصابته للبحث عنه، فلم يرجع أحد منهم بنبأ صحيح. # وهذه حقيقة ما جرى له، فإن فاندا أصابت بظنها حين قالت: إن لتيميلون يدا في ~~احتجابه. # والحكاية أنه حين عاد روكامبول من روسيا جعل تيميلون يراقب المنزل الذي كان مقيما ~~فيه أجينور مع أنطوانيت. # فلما خرج أجينور إلى منزل أبيه كما أمره روكامبول ركب مركبة، وأمر السائق أن يسير به ~~إلى الشارع المقيم فيه أبوه وهو يبعد مسافة شاسعة، فسارت به المركبة حتى انتهت إلى شارع ~~يقل فيه مرور الناس، فسمع صوت استغاثة، فأطل من العربة ورأى شيخا كلل رأسه الشيب ~~باسطا يديه وهو يستغيث. # فما تمالك أجينور من إغاثته، وأوقف المركبة ووثب منها وأسرع إلى الشيخ. # وكان هذا الشيخ واقفا بإزاء مركبة فلما رأى أجينور مسرعا إليه قال له: أغثني بربك ~~فإن ابنتي ستموت. # فنظر أجينور إلى داخل المركبة فرأى فتاة حسناء مصابة بداء النقطة، وهي في أشد حالات ~~الهزال فرأى أن الشهامة تقضي عليه بإغاثة الفتاة. # أما الشيخ فإنه قال له: إني أدعى يا سيدي الكولونيل جيبين، وهذه ابنتي العزيزة أصيبت ~~بداء النقطة منذ ثلاثة أيام، فلما خرجنا من منزلها وهو قريب من هنا أصابتها النوبة في ~~المركبة، وأنا أخشى إذا استأذنت وهي في الطريق أن تقتل نفسها، فإنها بعد استفاقتها من ~~كل إغماء تثور وتطلب الانتحار. # وقد يذكر القراء حكاية الكولونيل وابنته مع أنطوانيت، فإنهما كانا من عمال ~~تيميلون. # وبينما كان الشيخ يحدث أجينور بحديثها وهو يوشك أن يجن من يأسه، استفاقت الفتاة ~~وحاولت الوثوب من المركبة وهي تقول: دعوني أقتل نفسي فلا خير لي في الحياة! # فأسرع إليها أبوها ومنعها عن الوثوب. # ولما رأى أجينور ضعف هذا الشيخ عن ضبطها قال له: طب نفسا يا أبتاه فسأسير معك إلى ~~منزلك. # ثم أطلق سراح مركبته وصعد إلى مركبة الشيخ فجلس أمامها وأمر السائق أن ms1147 يعود بهم إلى ~~المنزل. # فكانت تلك الفتاة تغمى وتستفيق في الطريق، وما زالت على ذلك حتى وقفت المركبة أمام ~~باب منزل، فقال الكولونيل: هو ذا المنزل. # فنزل أجينور من المركبة وحاول أن يذهب في شأنه. # ولكن الفتاة عادت إلى الهياج فعاد الشيخ إلى الاستغاثة ولم يجد أجينور بدا من ~~الدخول معهما إلى المنزل. # ولما رأى شدة هياجها احتملها ودخل إلى المنزل مكرها، فأسرع الكولونيل وأقفل الباب ~~ودخل في أثره. # ثم أسرع وتقدم أجينور كي يرشده إلى الغرفة المعدة لابنته، فجعل يدخل إلى غرفة ويخرج ~~من غرفة وأجينور يتبعه مع الفتاة، حتى دخل إلى غرفة مظلمة. # وهناك زاد هياج الفتاة فأفلتت من أجينور، ولكنه أسرع وقبض عليها من وسطها. # وبينما هو يحسب أنه قد أنقذها من خطر عظيم إذ شعر بيدين قويتين ضغطتا على عنقه، ~~وأوشكتا أن تخنقاه فأفلتت الفتاة وحاول النجاة من الذي قبض عليه، فانقضت عليه الفتاة مع ~~أبيها ولم يكن غير هنيهة حتى ألقياه على الأرض فكبلاه وسدا فمه بمنديل. # وقالت له تلك الفتاة: أنقذ الآن أنطوانيت إذا استطعت. # فعلم المسكين أنه وقع في قبضة أعدائه، وأن إغماء الفتاة لم يكن غير فخ منصوب. # 20 # اجتمع الكولونيل جيبين بابنته في ذلك المنزل الذي سجنوا فيه أجينور، فقال الكولونيل ~~لابنته: هو ذا أربعة أيام قد مرت بنا دون أن نرى تيميلون أي: منذ ذلك اليوم الذي انقده ~~الفيكونت دي مورليكس ما طلبه من النقود، ألعله عبث بنا؟ # فقالت الفتاة: لا أظنه يفعل ذلك لشدة علاقته بنا، ولكنه قد يكون حبطت مساعيه. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- لأن روكامبول قد فر من السجن وليس تيميلون من أكفائه. ~~- مهما يكن من الأمر فإني لا أصبر بعد اليوم، وإذا لم يرسل إلينا ثلاثين ألف فرنك ~~التي وعدنا بها ... ~~- ماذا تفعل؟ ~~- أطلق سراح أسيرنا أجينور. ~~- اسكت فإنهم يقرعون الباب الخارجي. ~~- إنه تيميلون دون شك. # ثم أطل من النافذة المشرفة على الباب الخارجي وعاد قائلا: كلا إنه ليس تيميلون بل ~~موزع البريد. # ونزل ففتح الباب وأخذ من ms1148 الموزع رسالة باسمه وصعد إلى ابنته، فكان انذهالهما عظيما؛ ~~لأنهما علما من طوابع البريد أن الكتاب مرسل من لندرا، ولم يكن لهما فيها علائق مع أحد، ~~غير أن الفتاة نظرت إلى الخط وصاحت صيحة دهش وقالت هذا الكتاب من تيميلون فقد عرفت خطه ~~ولكني لا أجسر على فتحه. # وقال أبوها بلهجة القانط: لا شك أنه لا يحتوي شيئا من النقود؛ لأنه رقيق. ~~- لقد عبثت بنا أيها الخائن. ~~- بل عرضنا للأخطار وهزأ بنا كما يهزأون بالأطفال. # وعند ذلك فضت الفتاة الكتاب مغضبة وقرأت ما يأتي: # افعلوا بأجينور ما تشاءون، واغتنموا منه قدر ما تستطيعون؛ لأن أمره أصبح ~~منوطا بكم، أما أنا فقد تنحيت عن جميع هذه الأمور، فلا أتداخل في شيء. # تيميلون # فسقط الكتاب من يد الفتاة بعد تلاوته، أما الكولونيل فقال ببرود: لقد أصاب تيميلون؛ ~~لأن أجينور سوف يدفع كل ما رجوناه. # وساد السكوت هنيهة بين الاثنين إلى أن عادت الفتاة إلى الحديث قائلة لأبيها: على ماذا ~~عولت؟ ~~- على أن أبيع أجينور حريته بمائة ألف فرنك. ~~- ولكن فاتك إنه ليس لديه مائة ألف فرنك. ~~- سيدفع بعد إطلاق سراحه. ~~- لا شك أنك بسيط ساذج القلب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه حين تخرجه من هنا يذهب أجينور إلى دائرة البوليس لتسليمك قبل أن يذهب إلى ~~البنك ليدفع لك النقود. ~~- إذا بدر منه شيء من ذلك نقلته في الحال. ~~- وأية فائدة لنا من قتله؟ ~~- إذن ماذا يجب أن نصنع؟ ~~- لا أعلم لأنى لا أعرف ماذا حدث ولكنني أظن أني عرفت الحقيقة، إذ لولا ذلك لما سافر ~~تيميلون إلى لندرا. ~~- ما تظنين؟ ~~- أرى أن روكامبول قد نجا من السجن بعد أن أثبت القضاء بالأدلة الراجحة أنه الماجور ~~أفاتار. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك بحث عن أنطوانيت فوجدها وأنقذها، فخاف تيميلون وفر هاربا. ~~- ليس لجميع ما تقولينه علاقة بأجينور. ~~- كلا وسوف ترى فإننا حبسنا هذا المسكين منذ ثمانية أيام وهو لا يزال في أسرنا موثق ~~اليدين والرجلين حتى إنه بات يؤثر الموت. ~~- وماذا كان يقول لك حين ms1149 كنت تذهبين إليه بالطعام؟ ~~- لا شيء سوى أنه كان يتفوه بكلمات متقطعة لا معنى لها، ويردد بينهما اسم ~~أنطوانيت. ~~- والخلاصة؟ ~~- إنه يحب أن نعرف أين هي أنطوانيت. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- علي إتمام البقية متى عرفنا محل وجودها. ~~- ولكن كيف تعرفين محلها؟ ~~- إني سأذهب وأطوف في باريس ولا أعود إليك إلا بالخبر اليقين. # وبينما هي تتأهب للذهاب إذ طرق الباب ثانية فأطل الكولونيل من النافذة، فرأى بوليت ~~واقفا على الباب ينتظر أن يفتح له. # وبوليت هذا هو الذي اختطف أنطوانيت أول مرة، فكان السبب في ذهابها إلى سجن لازار وهو ~~الذي أسرته فاندا ومرتون وعلمتا منه محل وجود أنطوانيت كما تقدم في الرواية ~~السابقة. # ففتح له الكولونيل وكان شديد الاضطراب وسأله: ماذا أصابك؟ ~~- إن روكامبول أطلق سراحه ولم يبق علينا غير الهرب. ~~- وماذا جرى لأنطوانيت؟ ~~- أنقذوها بعد أن بت بأسرهم يومين. # فتشاور الأب والفتاة بالنظر ثم قالت له الفتاة: ألا تزال شديد العزم، يا ~~بوليت؟ # لا أعلم لأن هاتين المرأتين قد أضلتا صوابي بأسرهما لي، ولولا تغلب السكر علي لما ~~بقيت في قيد الحياة. ~~- أنستطيع الاعتماد عليك بضربة خنجر ثمنها ألف فرنك؟ ~~- كل الاعتماد. ~~- إذن سنبدأ العمل. # ثم أخذت شمعة فأنارتها، فقال لها أبوها: إلى أين أنت ذاهبة؟ # فخرجت وهي تضحك وتقول: إني ذاهبة للمخابرة في عقد قرض قيمته مائة ألف فرنك. ~~••• # مضى سبعة أيام على أجينور وهو يكابد من عذاب اليأس ما لا تحتمله النفوس إذ لم يعرف ~~مصيره ومصير الفتاة التي يهواها. # وقد رأى القارئ كيف أنه هوجم على غرة في غرفة مظلمة، ثم ألقي على الأرض وكبل بالقيود ~~وسد فمه، فلم يصدق ما جرى له وحسب نفسه حالما، ولكن الحقيقة لم تلبث أن تجلت لعينيه ~~حين سمع ابنة جيبين تقول له: ابحث عن أنطوانيت الآن إذا استطعت. # فعلم كل شيء وأيقن أن الذين اختطفوا أنطوانيت هم الذين كادوا له هذه المكيدة ~~الهائلة. # فجعل يقول في نفسه: ماذا يريدون أن يصنعوا بي؟ ثم يعود إلى الافتكار بأنطوانيت فيقول: ~~ماذا عسى ms1150 أن يكونوا صنعوا بها؟ # وأقام على هذه الحالة سبعة أيام دون أن يهتدي إلى مراد أو يوفق إلى حل هذا ~~اللغز. # ولكن غاية ما علمه أن أعداءه أعداء أنطوانيت، وأن جميع هذه المكائد السافلة من صنع ~~كارل دي مورليكس شقيق أبيه، إذ كان يقول في نفسه: إن الرجل الذي يستحل قتل اخته بالسم ~~لا يخشى قتل ابنتها ولا تقف يده الأثيمة عن قتل ابن أخيه. # فلما تمكنت هذه الظنون من مخيلته هاج هياج الأسود في أقفاصها، وحاول مرات كثيرة قطع ~~قيوده ولكنها كانت شديدة، فقنط من النجاة وجعلت قواه الأدبية والطبيعية تضعف وتنحط كل ~~يوم. # وفيما هو على هذه الحال من القنوط فتح باب سجنه المظلم وهو قبو عميق تحت الأرض، وظهرت ~~له ابنة جيبين تحمل بيدها مصباحا فنظر إليها نظرة ازدراء ولم يتدان إلى ~~محادثتها. # أما هي فإنها وضعت مصباحها فوق حجر في ذلك القبو ودنت منه فابتسمت له وقالت: إني أتيت ~~يا سيدي لإطلاق سراحك. # فكانت لهذه الكلمات تأثير الكهربائية عليه، فاتقدت عيناه بشعاع الأمل. # فأتمت حديثها قائلة: إني ما أتيت لإطلاق سراحك فقط، بل لأخبرك أين تجد خطيبتك ~~المدموازيل أنطوانيت ميلر. # ولكن لا بد لي قبل ذلك أن أخبرك عن السبب في سجنك أسبوعا، وعن الأسباب التي حملتني ~~أنا وأبي على أن أفعل معك ما فعلنا. # فاعلم أني أنشأت مع أبي جمعية، لك أن تدعوها جمعية النصب والاحتيال أو كما تشاء، ~~وأدخلنا فيها كثيرا من الأعضاء فتوزع مكاسبنا بيننا كلا على قدر اجتهاده. # ومن أعمالنا أننا اختطفنا أنطوانيت خطيبتك واحتبسناها في محل سري على رجاء أن تعطينا ~~مائة ألف فرنك على الأقل متى أرشدناك إليها. # فارتعد أجينور وقال: تبا لكم من لصوص أشقياء! # فابتسمت الفتاة وقالت: إني لا أحاسبك الآن يا سيدي على الألفاظ؛ لأن الوقت غير فسيح ~~لدينا. # فقال بلهجة احتقار: وإذا أعطيتكم مائة ألف فرنك؟ ~~- أفك قيودك. ~~- وتطلقين سراحي؟ ~~- دون شك. ~~- وتقولين لي أين توجد أنطوانيت؟ ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- ولكنك تعلمين أن مائة ألف ms1151 فرنك لا يمكن أن تحمل بالجيب ولا يمكن الحصول عليها إلا ~~إذا ذهبت إلى منزلي. ~~- لقد حسبنا كل شيء إذ لا يمكن أن نطلق سراحك ونرشدك إلى محل أنطوانيت على أن ترسل ~~لنا بعد ذلك المال المتفق عليه. ~~- إن من كان مثلي لا يحنث بوعده متى وعد. ~~- لا ريب عندنا بصدق ما تقول، غير أننا نؤثر العاجل على الآجل فمتى قبضنا المال ~~أرشدناك إلى من تحب. ~~- ليكن ما تريدين. ~~- إن لأبي صديقا قوي البنية شديد الفتك، فسأذهب معه في مركبة إلى منزلك وتكون معنا ~~فلا بد أن يكون لديك في منزلك أوارق مالية تعادل القيمة المطلوبة. ~~- عندي ما تريدون. ~~- فتدفع لنا النقود ونهديك إلى أنطوانيت، ولكن لا بد لي أن أحذرك من أمر. ~~- ما هو؟ ~~- هو أنك إذا بدر منك أقل إشارة تنبه إلينا البوليس، فإن صديق أبي يقتلك في ~~الحال. ~~- فكي إذن قيودي فستقبضون المال. # فامتثلت الفتاة ولم تكد تفرغ من إطلاق يديه ورجليه، حتى سمعت دوي مسدس شديد فأسرعت ~~خافقة القلب مصفرة الوجه إلى باب القبو، فسمعت دويا آخر فخرجت منذعرة لا تلوي على ~~شيء. # 21 # لا بد لنا قبل الإيضاح عن هذين الطلقين اللذين سمعت ابنة جيبين دويهما فهربت منذعرة، ~~أن نرجع بالقارئ إلى العهد الذي أنقذت فيه أنطوانيت، كما تقدم في الرواية ~~السابقة. # فقد يذكر القراء أن فاندا تركت مرتون حارسة لبوليت الذي صرعته الخمرة، وفي صباح اليوم ~~التالي بعد أن وضعت أنطوانيت في محل أمين، وجمعتها مع مدلين في منزل واحد، عادت إلى ~~مرتون فوجدت أنها لا تزال في موقفها، وأن بوليت لا يزال نائما. # فجعلت المرأتان تتشاوران، فقالت فاندا: إن تيميلون قد وصل من باريس، وهذا الرجل ~~الصريع أمامك لا يخشى منه؛ لأنه كان آلة بيد تيميلون. # فقاطعتها مرتون قائلة: إني لو كنت مكانك يا سيدتي لما غفلت طرفة عين عن بوليت. ~~- ربما كان رأيك المصيب غير أننا لا نستطيع البقاء هنا. ~~- كلا، ولكني لو أحضرت الكلب. ~~- أي كلب هذا؟ ~~- لقد فاتني أن أخبرك ms1152 بحديث هذا الكلب العجيب، فاعلمي أنه يوجد كلاب خصت بذكاء غريب ~~وهي التي يستخدمها رجال الجمارك لمطاردة المهربين، فإذا شمت رائحتهم أدركتهم أينما ~~كانوا ثم إن البوليس يستخدم هذه الكلاب أيضا لمراقبة المجرمين، فإذا دل أحدها على واحد ~~منهم لا ينفك يراقبه ولا يستطيع الاحتجاب عنه مهما بالغ في التنكر. # وإن لنا كلبا من هذه الكلاب كان يحرس دكان أبي وهو صانع أحذية، فاتفق مرة أن أحد ~~اللصوص سرق حذاء من الدكان وفي اليوم التالي عاد به الكلب، وقد سرقه من السارق فأراد ~~أبي أن يعرف هذا السارق فأشار الكلب أن يسير أمامه إليه ففعل، وما زال يسير أمامه حتى ~~انتهى إلى خمارة فدخل إليها، وهجم على رجل كان فيها وكان هو السارق. # هذه نادرة بسيطة عن ذكاء هذا الكلب، أوردها لك عن سبيل المثال، فإذا سمحت لي ذهبت إلى ~~أبي وأحضرت الكلب وعهدت إليه بمراقبة بوليت. # فقالت لها فاندا: إذا كان هذا ما تقولين اسرعي بإحضاره، فقد يكون لنا خير عون على ~~مراقبته. # فانطلقت مرتون وعادت بعد ساعة مع كلبها، وكان بوليت لا يزال نائما، فأشارت مرتون إلى ~~الكلب إشارة فهمها فجعل يشم بوليت من رأسه إلى قدميه. # وبعد ذلك خرجت فاندا ومرتون فتبعهما الكلب حتى إذا وصلتا إلى الباب الخارجي قالت ~~مرتون للكلب: ابق هنا. # ثم أشارت له الإشارة التي تفيد هذا المعنى، وهي قد عودته عليها وأشارت بإصبعها إلى ~~الغرفة التي كان نائما فيها بوليت كأنها تقول له: أوصيك به فلا تغفل عنه، ~~وانصرفتا. # فبقي الكلب في ذلك الشارع يطوف فيه ثم يعود إلى الباب. # أما بوليت فإنه لما صحا من سكرته خرج إلى شارع ليفوند، حيث كان يقيم تيميلون فلم يجده ~~فعاد إلى خمارة تعود أن يقيم فيها. # وفي اليوم التالي عادت مرتون مع فاندا، فرأت الكلب يطوف في ذلك الشارع فنادته وسألته ~~بالإشارة عن بوليت، فسار أمامها حتى انتهى إلى تلك الخمارة فرأته يتعاطى المدام وهو ~~منزو في إحدى الزوايا، وأشارت إليه بمواصلة مراقبته وألقت ms1153 إليه ما أحضرته من الطعام ~~ومضت. # أما روكامبول فقد أعياه البحث عن أجينور دون أن يقف له على أثر حتى قنط من لقائه، ~~فحكت له حكاية الكلب وقالت مرتون: لا بد لكلبي أن يدرك موضعه باقتفائه أثر ~~بوليت. # وقد صدقت ظنونها فإن بوليت خرج من الحانة وذهب إلى حيث كان يقيم تيميلون، فوجد البواب ~~حائرا في أمره؛ لأنه لم يعد منذ أيام فكسر بابه ودخل معه بوليت فوجدا شيفيوت مضرجة ~~بدمائها لا تزال عليها آثار الحياة، فذعر بوليت وخرج هائما على وجهه فكان الكلب يتعقبه ~~أينما ذهب. # ثم خطر له أن يخبر الكولونيل جيبين بما اتفق، وسار إلى منزله كما عرف القراء. # وبعد حين أقبل روكامبول وميلون وفاندا ومرتون، فأرشدهم الكلب إلى حيث كان ~~بوليت. # فلما وصلوا إلى باب ذلك المنزل، وكانت ابنة جيبين تتفق مع أجينور، طرقوا بابه. # ففتح لهم الكولونيل فأسرع روكامبول بالدخول تتبعه العصابة ثم أقفل الباب وقال له: أنا ~~هو روكامبول. # فلم يكد يسمع الكولونيل هذا الاسم الرهيب حتى ركض إلى غرفته، فأخذ مسدسين وأطلقهما ~~على القادمين فجرح ميلون بكتفه جرحا خفيفا، فلم يكترث له وانقض على الكولونيل انقضاض ~~الكواسر فجندله. # وأما بوليت فإن اسم روكامبول وحده كان كافيا لغل يده. # ثم خرجت ابنة جيبين والذعر ملء قلبها، فانقض عليها روكامبول فطرحها إلى الأرض وغل ~~يدها عن الدفاع وبعدها ببضع دقائق نجا أجينور. # 22 # ولنعد الآن إلى كارل دي مورليكس فإنه لم ير فاسيليكا منذ ثلاثة أيام، ولكنه كان في ~~خلال هذه المدة يبيت بليلة الملسوع لما ناله من غرام من تلك المومس التي كان يحسب أنها ~~ابنة أخته مدلين. # وقد هام بها هياما لا يوصف لا سيما بعد أن لجأت إليه وباتت في منزله، وأتت تستجير به ~~من أعدائها، فكان يعاملها بالظاهر ابنة أخته فيلاطفها ويحن عليها، ولكن نار الحب الفاسد ~~كانت تتأجج فيه، فتحرق قلبه الأثيم. # غير أن مدلين أو كلوريند لم تكن تتظاهر بفهم مراده، ولا تحمل نظراته وأقواله إلا على ~~محمل الحنو ms1154 الشريف والحب الصادق. # وكانت مدلين لا تتكلم أمامه إلا عن إيفان ولا تدعو خالها إلا بلقب فيكونت، فتثني عليه ~~كل حين بأعذب الألفاظ لوعده إياها بالبحث عن إيفان، وإذا ورد ذكر روكامبول اتفاقا ~~ارتعشت وتظاهرت بالخوف الشديد، ونظرت إلى خالها نظرة استعطاف كأنها تتوسل إليه أن ~~يحميها من شر هذا الرجل. # وكان أعد لها أعظم قسم من قصره ودعا لها أشهر خياطات باريس، فصنعن لها أجمل الملابس ~~غير أنها لم تكن تخرج من المنزل، فإذا دعاها إلى الخروج معه للنزهة تمتنع وتقول: لقد ~~آليت على نفسي أن لا أخرج إلى متكئة على ذراع إيفان. # فكانت نفس هذا الشيخ تهيج هياج البراكين، وطالما خطرت له أفكار أثيمة غير أنه كان ~~يخشى الفضيحة، فإن كلوريند منعت بابها وكان جل قصده أن يحملها على حبه، ولا يتيسر له ~~ذلك إلا إذا حملها على كره إيفان. # فلما سدت في وجهه أبواب الحيل افتكر بحليفته فاسيليكا وكتب إليها يسألها الحضور ~~إليه. # فجاءته بعد ساعة وقالت وهي تبتسم: ألعلك افتكرت بما عرضته عليك؟ ~~- إني لم أفتكر بشيء بعد. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني لم أستطع أن أفتكر إلا بمدلين. ~~- ألعلك رأيتها؟ ~~- إنها عندي. ~~- عندك في منزلك؟ # فقص عليها كارل جميع ما اتفق له فكانت فاسيليكا تسمعه، وقد ظهرت عليها ملامح الريب، ~~فلما انتهى من حكايته قالت له: أأنت واثق من أن الغرام لم يذهب بعقلك؟ ~~- أتعنين أني مجنون؟ ~~- أو أنك حالم. ~~- ولكنك تريينني أكلمك وأسمعك فكيف أكون حالما. ~~- إذن أنت منخدع، أتظن التي عندك هي مدلين نفسها؟ ~~- وأين مجال الشك في هذه الأمور، وكيف أحبها هذا الحب وأنخدع إلى هذا الحد؟ ~~- ألم تسمع بحديث تلك الفتاة التي يدعونها كلوريند، وهي التي خدع بها إيفان نفسه ~~وحسبها مدلين حين كان الطبيب ذاهبا به إلى مأوى المجانين؟ # فاصفر وجه كارل وقال: إن هذا محال، إذ لا يمكن أن تتشابه الوجوه إلى هذا الحد. ~~- كل شيء ممكن غير أنه يوجد أمر يذهلني في هذه الحكاية. ~~- ما هو؟ ~~- أليست مدلين عندك ms1155 منذ ثلاثة أيام؟ ~~- نعم. ~~- ألم تقل إنها هربت من منزل الكونتس أرتوف؟ ~~- نعم ... ~~- إذن كيف أن باكارا وروكامبول لم يبحثا عنها إلى الآن؟ ~~- لا أعلم. ~~- إني أريد أن أرى هذه الفتاة. ~~- مدلين ...؟ ~~- نعم. # فنادى كارل أحد خدمه وقال له: اصعد إلى غرفة السيدة وقل لها: إن خالك يريد أن يراك في ~~قاعة الاجتماع. # فخرج الخادم، وفي الوقت نفسه قرع جرس الباب الخارجي فأطل كارل من النافذة المشرفة على ~~الباب فصاح صيحة دهش. # فقالت له فاسيليكا: ماذا أصابك؟ # فقال بلهجة الرعب الشديد: إن أجينور قد حضر. # ثم أسرع فنادى الخادم الذي أرسله يدعو كلوريند وقال له: قل للسيدة أن تبقى في غرفتها ~~فسأحضر إليها. # ثم التفت إلى فاسيليكا وقال لها: ادخلي إلى هذه الغرفة تسمعين منها كل حديثنا إذ يجب ~~أن لا يراك أجينور. # وبعد دقيقة دخل أجينور وهو مصفر الوجه تتقد عيناه بنار الغضب فأقفل الباب وراءه، وأخذ ~~كرسيا فجلس عليها قرب عمه وقال له دون أن يسلم عليه: اجلس لنتحدث. # فضبط كارل نفسه وأخفى اضطرابه جهد طاقته ثم قاله له: ما بالك، وماذا أصابك؟ ~~- أتسألني ما أصابني وأنت أعلم الناس بحالي؟ ~~- أرى أنك شديد الاضطراب، فقل لي: من أين أنت قادم؟ ~~- من قبو بت فيه ثمانية أيام مغلول اليدين والرجلين. ~~- أنت؟ ~~- أتتجاهل أيضا وأنت الذي ألقيتني في هذا السجن بمساعدة حليفك السافل ~~تيميلون. ~~- أرى أنك قد أصبت بالجنون فإني لم أسمع بحياتي هذا الاسم. # فقال هل أجينور ببرود: لا تضيع الوقت يا عماه بالإنكار، فإني أعرف كل شيء؟ ~~- ماذا تعني بكل شيء؟ ~~- أعني جرائمك وآثامك، فإنك أنت الذي ألقى أنطوانيت في سجن سانت لازار. ~~- إذا كان قد جرى ما تقول فلم يكن يراد به غير خيرك منعا لزواجك بها. ~~- لم يكن ذلك قصدك يا عماه بل كنت تريد أن تمنع ابنة أختك أن تطالبك بتلك الثروة التي ~~اختلستها، وبدماء أمها التي سفكتها. ~~- اسكت أيها التعس. ~~- إذن أنت تعترف بصحة ما تقول. ~~- اسكت ... ~~- عماه لم يبق مجال للسكوت إلا إذا ms1156 أردت، وقد جئت لأخيرك بين ثلاثة أمور، وهي إما أن ~~تنتحر أمامي في الحال فأرجع مالك للأختين؛ لأني وريثك الشرعي. # أو أنك ترجع المال المسروق من تلقاء نفسك وتوقع على صك زواجي؛ لأني سأتزوج أنطوانيت ~~بعد ثمانية أيام. # أو أذهب في الحال إلى إدارة البوليس فأكشف لها آثار آثامك ولا يكون جزاؤك بعد ذلك غير ~~الشنق. # هذه هي شروطي الثلاثة فاختر منها ما تريد. # فانقلب اضطراب كارل إلى ذعر شديد وجعل يتمتم كلاما لا يفهم. # فقال له أجينور: وليس هذا كل ما أتيتك لأجله، فإن أخت أنطوانيت أي: الابنة الثانية ~~لتلك الأم التي قتلتها مقيمة عندك في منزلك، وقد هربت من المنزل الذي كانت فيه هرب ~~المجانين، وجاءت إليك تسألك حمايتها، وهي لا تعلم أنها لجأت إلى قاتل سفاك، لا تزال يده ~~ملطخة بدماء أمها. ~~- اسكت ... ~~- يجب أن ترد لي مدلين. # فهاج كارل عند هذا الطلب وقال: إن هذا محال. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أحبها. ~~- لا شك أنك مجنون يا عماه. ~~- إني أحبها وسأتزوجها. ~~- أنت قاتل أمها تتزوج بها، إني أعجب للسماء كيف لا تنقض عليك وأنت تجدف هذا ~~التجديف. # فركع كارل أمامه وقال: وإذا استغفرت الله عن ذنوبي وأصبحت من التائبين، وصرفت بقية ~~أيامي بعمل الخير والمبرات ألا يصفح الله عني؟ # فنظر إليه أجينور محدقا وقال: أأنت صادق فيما تقول؟ # فصاح كارل صيحة فرح وقد حسب أن مدلين ستغدو له، وأنه نجا من الخطر. # 23 # ثم أطرق برأسه إلى الأرض مستحييا وجلا خائفا من نظرات ذلك الشاب النبيل الذي يتكنى ~~باسمه فقال له أجينور: لا أعلم يا عماه إذا كانت مدلين تهواك في مستقبل الأيام، غير أن ~~الذي أعرفه أنها تهوى إيفان بونتيف وأنك قد اختطفته أيضا. ~~- أنا اختطفته؟ وقد أنكر أشد الإنكار بلهجة تبين منها الصدق، وأوشكت أن تزعزع اعتقاد ~~أجينور ثم قال له: إن كل ما قلته عني صحيح ما خلا هذه التهمة. ~~- أأنت واثق مما تقول يا عماه؟ ~~- إني واثق من أمر واحد أن إيفان يحب مدلين كي ms1157 يتخذها خليلة له. ~~- كلا ... بل إنه سيتزوجها. ~~- إنك تقول هذا القول؛ لأنك تجهل ما صارت إليه أسرة هذا الشاب ومطامعها، فقد أضاعت ~~ثروتها وغاية إيفان أن يتزوج ابنة عمه. ~~- الكونتس فاسيليكا؟ ~~- نعم، وإذا أردت أن تعرف أين يوجد إيفان فاسأل عنه الكونتس. # فنهض أجينور وقال: إن اعتقادي فيك لن يتغير ولكني أمهلك أربع وعشرين ساعة كي تتمعن ~~بشروطي، وسأعود إليك غدا في مثل هذه الساعة؟ # ثم هم بالخروج فأوقفه عمه بإشارة، وسأله: أتحسب أن ثروة الأختين عظيمة؟ # فأجابه بجفاء: كلا، ولكنها تبلغ ثلاثة أو أربعة ملايين، ومهما يكن مقدارها يجب ردها ~~إلى أصحابها يا عماه. # ثم تركه ومضى. # ولما أيقنت فاسيليكا من ذهابه خرجت من مخبئها، فقال لها كارل: كيف رأيت ألا تزالين في ~~ريب؟ ~~- كلا، لم يبق مجال للشك بعدما سمعت، ولكني أوصيك بالاحتراس. ~~- ممن؟ ~~- من روكامبول والكونتس أرتوف. ~~- إذا كان ابن أخي مواليا فلا أخشاهما. ~~- ولكن ابن أخيك لا يستطيع إكراه مدلين على الزواج بك، وما زالت مدلين تهوى إيفان ~~... ~~- فتنهد كارل وقال: ألعلك تجدين طريقة لمنع هذا الحب؟ ~~- ربما! ~~- كيف ذلك؟ # فابتسمت ابتساما يشف عن الاحتقار وقالت: كنت أحسب أنك وجدت تلك الوسيلة من تلقاء ~~نفسك، وأنك استغنيت عني حذرا من أن تكون مدينا لي بجميل ولكني أصفح عنك؛ لأننا لا ~~نزال حليفين، أليس كذلك؟ ~~- دون شك! ~~- إذن اصغ إلي وافترض أن إيفان رأى مدلين متكأة على ذراعك وأن ظواهرها تدل على أنها ~~تهواك. ~~- ولكن ذلك محال. ~~- قلت لك: افترض، فإن كل شيء ممكن. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تدب عقارب الغيرة إلى فؤاد إيفان فيكتب إليها كتابا تمليه عليه تلك العواطف ~~الثائرة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يبرح فرنسا على أثر إرسال الكتاب أو يتظاهر بالسفر، وكلاهما واحد، فتتألم لكتابه ~~ولهجته الشديدة وتقنط من إيفان فتحتاج عند ذلك إلى من يحبها ويسليها عن مصابها، وأنت ~~معتمدها الوحيد فتبدأ أن تحبك كأب ثم ترضى بتعاقب الأيام أن تحبك حب الزواج. ~~- إن كل ما تقولينه ممكن الحدوث، غير أن قلبي يحدثني بأنه لن يحدث. ms1158 # فضحكت وقالت: ذلك لأنك عاشق وهذا شأن العشاق. ~~- ولكن كيف عزمت على أن تفعلي؟ ~~- سوف ترى. # فاضطرب الشيخ وقال: كيف تدعين إيفان يعتقد أن مدلين تحبني؟ ~~- إن الأمر بسيط، فافترض أنك تتنزه في حديقة منزلي في ليلة مقمرة. ~~- مع مدلين؟ ~~- دون شك، وإنك خالها وهي لا تمتنع عن الاتكاء على ذراعك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تسير وإياها ذهابا وإيابا في الحديقة في مكان وساعة أعينهما لك، ثم تقول لها: إني ~~أنتظر زائرا يا مدلين يريد أن يكلمك، فتضطرب دون شك، وتنظر إليك فتقول لها مبتسم ~~ابتسام الرضى: إن إيفان سيحضر في هذا المساء كي يخطبك. # فتصيح عند ذلك صيحة فرح وتطوق عنقك بيديها. # فانذهل كارل؛ لأنه لم يفهم شيئا وقال لها: وبعد ذلك؟ # فابتسمت فاسيليكا وقالت: افترض أنه حين كانت تعانقك يكون إيفان مقيما في موضع يشرف ~~عليكما وأنه رأى كل شيء. # فاضطرب وقال: أيمكن هذا الاتفاق؟ ~~- قلت لك: كل شيء ممكن وهذا هو مشروعي فتمعن به، وإذا أحببت أن تجربه فاكتب لي والآن ~~أستودعك الله. ~~- أتذهبين؟ ~~- نعم فإني ذاهبة لأطلع على أخبار إيفان، ثم ابتسمت ابتساما يشف عن قصد هائل مخيف، ~~وخرجت دون أن تنتظر جواب كارل. # وكانت مركبتها تنتظرها على الباب، فأمرت السائق أن يسير بها إلى شارع كاسيت في ذلك ~~المنزل الذي حبست فيه إيفان. # فلما وصلت إليه فتح الباب خادمها بريتو، فدخلت إلى تلك القاعة التي هبطت أرضها إلى ~~أعماق مجهولة بإيفان، وسألت خادمها قائلة: أحدث حادث جديد؟ ~~- كلا. ~~- كيف حال الأسير؟ ~~- لا يزال هائجا هياج الكواسر وهو يتوعدك دائما بالقتل. ~~- سوف نرى ... # فنظر إليها الخادم بانذهال وقال: ماذا تفعلين؟ أتتجاسرين على النزول إلى ~~محبسه؟ ~~- نعم. ~~- ولكنه أصبح كاللبوة فقدت أشبالها. ~~- لا بد من هياجه شأن كل من يصاب بما أصيب. ~~- إنه شديد العضل وقد زاده اليأس قوة. ~~- أعرف جميع ذلك. ~~- وهو قد ينقض عليك يا سيدتي فيحدث ما لا تحمد عقباه. ~~- ألعله أصابك بمكروه منذ توليت حراسته؟ ~~- كلا، ولكني لا أدخل إلى سجنه بل أوصل له الطعام ms1159 من النافذة. ~~- أما أنا فسأدخل إليه وسوف ترى، فهات مصباحك واتبعني. # فامتثل بريتو وأضاء المصباح ثم نزل الاثنان في سلم طويلة تحت الأرض، فكان بريتو ينير ~~لها الطريق حتى نزلا ثلاثين درجة. # فتوقف بريتو وقال لها: اسمعي يا سيدتي ألا تصل إلى أذنيك أصوات إنذاره ووعيده؟ ~~- نعم إني سامعة ما تسمع فانزل أمامي ولا تخف. # 24 # كان هياج إيفان عظيما منذ حبس في منزل الدكتور لامبرت بتهمة الجنون، فإن هذه التهمة ~~وحدها كافية لهذا الهياج. # وقد كان سروره لا يوصف حين رأى ابنة عمه فاسيليكا قادمة إلى منزل الطبيب لاعتقاده ~~أنها قادمة لإنقاذه، إذ لم يخطر في باله أنها أعدى عدو له، وأنها ستنتقم منه إلى هذا ~~الحد. # وقد يذكر القراء أنه قد تناول الطعام مع فاسيليكا وهما مختليان، ثم نام وانفتحت تحته ~~أرض الغرفة فنزل نزولا بطيئا إلى هوة عميقة وسيرى القراء كيف كانت هذه الهوة ~~الهائلة. # إن إيفان بعد أن فتح عينيه رأى نفسه في قبو لا يزيد طوله عن ستة أقدام، وكان مصباح ~~ضعيف معلقا في سقف ذلك القبول يرسل نورا ضعيفا تنقبض النفس له ... # فحسب إيفان في بدء أمره أنه حالم أو أنه مصاب بالكابوس ... # ولكن عندما وقف شعر أن أعضاءه لينة تتحرك وفق مراده، وأن عينيه منفتحتان يبصر بهما ~~ما حواليه من الحشرات التي تقشعر لمنظرها الأبدان. # فوقف وقفة الحائر المنذهل لا يعلم أين هو، ولا يذكر كيف وصل إلى هذا الحضيض. # ثم جعل يذكر، فكان أول ما خطر في باله بيت المجانين الذي كان فيه. # وكيف أنه حاول الهرب ولم يفلح، ثم ذكر قدوم فاسيليكا وكارل مورليكس للبحث عنه. # ثم ذكر أخيرا أنه بينما كان يأكل مع ابنة عمه فاجأه نعاس غريب لم يستطع مقاومته، ~~فأطبقت عيناه ولم يذكر شيئا بعد هذا العهد. # وكانت هذه الذكرى كافية لاتساع مجال الشك والظنون لديه بتلك المنتقمة الجبارة. # فجعل يفحص ذلك القبو، وتلك القبة المعلق فيها المصباح، فرأى رسم باب في السقف فعلم ~~أنه هبط إلى القبو ms1160 من ذلك السقف. # ثم طاف في هذا القبو فرأى بابا، وكان هذا الباب متينا مصفحا بالحديد وفي وسطه ~~نافذة مقفلة، فوضع عينه على قفله وحاول أن ينظر ما وراءه فلم ير غير الظلمات ~~الكثيفة. # وعاد إلى الطواف في ذلك القبو الضيق كما يطوف الأسد في القفص، وفيما هو يطوف صاح صيحة ~~رعب شديدة وتراجع منذعرا مكفهرا إلى الوراء. # ذلك أنه رأى جثة رجل ربط عنقها بقيد من حديد شد إلى حائط، وقد جرد تقادم الأيام تلك ~~الجثة البشرية من اللحم فباتت هيكلا من العظام. # ولقد كان إيفان شجاعا باسلا، غير أن هذا المنظر المخيف أحنى على شجاعته فذعر ذعرا ~~شديدا، وجعل يصيح صياح الخائفين فلم يجبه غير الصدى. # ثم ثارت فيه قوة اليأس فجعل يضرب الباب الحديدي بيديه ورجليه حتى أدماهما دون أن يظفر ~~بطائل، فانقلب وقد أعياه التعب أسفا حزينا وهو يقول: لقد أصابوا بما اتهموني به فلا ~~شك أني مجنون. # وعاد اسم مدلين يجول بين شفتيه فكان معزيا له في مصابه غير أنه ما لبث أن عقبه اسم ~~فاسيليكا ابنة عمه حتى انجلت غمامة الشك عن مخيلته، وجعل يسأل نفسه فيقول: كيف أن ~~فاسيليكا جاءت إلى فرنسا ولماذا أتت تبحث عنه؟ # أما هذا القادم فقد كان بيرتو، وقد جاء يحمل الطعام لإيفان بيد ويحمل باليد الأخرى ~~مصباحا، فنظر إيفان من ثقب قفل الباب فرأى القادم وعرف أنه بيرتو، علة نكبته ووصوله ~~إلى هذا السجن، فلم يعد لديه أقل ريب بأن ما أصابه كان من صنع ابنة عمه، وأن هذا الخادم ~~من أخص رجالها الذين تعتمد عليه في شئونها. # فقال عند ذلك في نفسه: لا شك أن هذه السلة التي بيده تحتوي على طعام مرسل لي، ولا بد ~~لهذا السافل أن يفتح الباب كي يدخل إلي بالطعام، وإذن هي التي أدخلتني منزل طبيب ~~المجانين، وأن لها غرض من تعيين ذلك الشقي بيرتو في خدمتي فدفع بي إلى بيت ~~المجانين. # وعند ذلك أدرك قصد ابنة عمه، وعلم أنها تريد الانتقام؛ ms1161 لأنه احتقرها وتجرأ على حب ~~سواها فهاجت منه عواطف الشر والحقد، وعاد إلى مهاجمة ذلك الباب الحديدي دون أن يظفر من ~~فتحه بمراد. # وفيما هو على ذلك سمع صوت وقع أقدام من الخارج، فتوقف وسمع وقع تلك الأقدام تنزل على ~~درجات سلم طويلة. # وحبس أنفاسه ووقف بإزاء الباب وهو يضمر الشر. # فقال: إذا أتى انقض عليه انقضاض الصاعقة وأجندله. # وعند ذلك حبس أنفاسه وكمن وراء الباب. # ووصل بيرتو إلى الباب، فقال بصوت سمعه إيفان: هو ذا الثائر قد بدأ، ألعله أصيب بسكتة ~~في الدماغ؟ # فلم ينبس إيفان بحرف وظل كامنا وراء الباب. # وجعل بيرتو يناديه ويقول: أين أنت يا سيدي إيفان؟ # وكرر النداء مرارا فلم يجبه. # وعند ذلك أخرج مفتاحا من جيبه ووضعه في القفل، ولما سمع إيفان صريره خفق فؤاده وقال: ~~لقد دنت ساعة الانتقام. # غير أن بيرتو كان أشد دهاء وحكمة مما كان يظنه إيفان ، فإنه لم يفتح بمفتاحه باب ~~القبو، بل فتح تلك النافذة الحديدية التي فيه وأدخل الطعام من تحت قضبانها الحديدية ثم ~~أقفلها. # ولما رأى إيفان خيبة رجائه صاح صيحة منكرة. # وضحك بيرتو ضحك الساخر وقال: يسرني يا سيدي أن أراك حيا فقد حسبتك من ~~المائتين. # فأجابه إيفان بالشتم القبيح فضحك بيرتو أيضا وقال له: إنك إذا لبثت يا سيدي تشتمني ~~أضطر إلى الذهاب. # فهاج إيفان هياجا عظيما ولكنه أدرك في الحال إنه إذا استمر على سياسة العنف مع هذا ~~الخادم؛ لا يعلم منه شيئا، فتغلبت الحكمة على عواطف الغضب وناداه بلهجة الدعة والإيناس ~~فقال: بيرتو أين أنت؟ # أجاب بيرتو باحتراس: هو ذا أنا يا سيدي وراء النافذة فماذا تريد؟ ~~- أريد أن أعرف أين أنا. ~~- لا أسهل من معرفة ذلك يا سيدي فإنك في قبو ذلك المنزل الذي أكلت فيه صباح ~~أمس. ~~- ألعلي نزلت إليه وأنا نائم؟ ~~- نعم ... فإن المخدر الذي شربته، ممزوجا بالخمر نومك ستا وثلاثين ساعة. ~~- ولماذا ألقيت في القبو؟ ~~- بأمر الكونتس فاسيليكا. # فأن إيفان أنينا مزعجا، وقال: ماذا تريد هذه المرأة؟ ~~- تريد ms1162 أن تبقى هنا ... ~~- وإلى أمد طويل؟ # فأجاب بيريتو ببرود: ربما بقيت فيه إلى الأبد. # ثم انصرفت عنه دون أن يجيب، ومر على ذلك أربعة أيام كان إيفان عرضة فيها لعوامل ~~اليأس، فبدأ بامتناعه عن الطعام لحذره أن يكون مسموما. # ولكن الجوع تغلب عليه فأكل على خوف شديد من الموت، إلى أن مرت به عدة ساعات كان يتوقع ~~الموت في كل دقائقها ... # ولكنه لم يمت. # ثم عرض له فكر كان أشد عليه مما كان يتوقعه من عذاب الموت، وهو أنه إذا كانت فاسيليكا ~~سجنته في هذا القبو فهي تضطهد مدلين دون شك مبالغة في الانتقام. # وعند ذلك استحالت أخلاقه وبات شبيها بالوحوش الضارية، فعاد إلى ضرب الباب بيديه ~~ورجليه بعنف شديد حتى دميت يداه وتلاشت قواه فسقط على الأرض مغميا عليه. # ولما استفاق عاد إلى ما كان عليه فلم يلق إلا الفشل. # ولبث على هذا اليأس والعناد أربعة أيام وهو يذكر فاسيليكا ويود لو تقع في قبضته ~~فيمزقها بأسنانه. # إلى أن كان اليوم الرابع فسمع وهو رابض في سجنه وقع أقدام، فنظر من ثقب الباب فرأى ~~بيريتو وبيده مصباح ووراءه امرأة. # فالتهب فؤاده بنار الانتقام وخرج شعاعها من عينيه، إذ عرف أن هذه المرأة كانت ابنة ~~عمه فاسيليكا. # 25 # وكان بيريتو يقول لفاسيليكا: سيدتي لا تدخلي فإنه شديد الهياج. # فتجيبه بسكينة: لا بأس ... سوف نرى. # حتى وصلت إلى الباب، فنادت إيفان تقول: أي ابن عمي أين أنت؟ # فأجابها: ماذا تريدين مني؟ ألعلك قادمة للإجهاز علي؟ ~~- كلا، بل أنا قادمة للمباحثة معك. # وكانت تقول له هذا القول بسكينة ... ولكن لهجة صوتها لم تكن تخلو من التهكم ... # ثم التفتت إلى بيريتو وقالت له: افتح الباب فلا تروق المباحثة من خلال ~~النوافذ. # فهاج إيفان عند ذلك هياج المجانين ولم يتمالك عن الوعيد فقال: احذري أن تفتحي هذا ~~الباب الحائل بيني وبينك. ~~- وإذا فتحته؟ ~~- أنقض عليك انقضاض الصاعقة و... ~~- إذن تجد أمامك نار مسدسي الحامية. # ثم أخذت من جيبها مسدسا أميركيا وقالت للخادم: قلت لك: ms1163 افتح الباب. # فامتثل الخادم وفتحه ... # وصوبت فاسيليكا مسدسها إلى إيفان وقالت له: تراجع إلى الوراء يا ابن عمي وإلا أطلقت ~~مسدسي، فإني ما أتيت إلا لمباحثتك. # ولم يخف إيفان من الموت فإنه كان باسلا وقد زاده الحقد شجاعة، غير أنه أنف من الهجوم ~~على امرأة لا سيما وقد قالت له: إنها آتية لمباحثته فتراجع حتى التصق بالجدار وقد التطم ~~بالجثة التي كانت في ذلك القبو. # وقالت له بصوت الساخر: أرأيت هذه الجثة وأثرها الهائل؟ # وكانت واقفة على عتبة الباب وبينها وبين إيفان مسافة تبلغ ثمانية أقدام، وهي مسافة لا ~~تتجاوز مدى رصاص المسدس. # فأجابها: ألعلك آتية يا سيدتي لإيضاح ما كان؟ ~~- ربما؟ ~~- تكلمي وأخبريني عن السبب في وجودي هنا. ~~- ذلك لأنك أهنتني وجرحت قلبي جرحا لا يندمل إلا بالانتقام وأنا أنتقم ~~وأتداوى. ~~- إذن فقد كنت تحبينني من قبل؟ ~~- بقدر ما أكرهك الآن. ~~- وأنت تريدين الانتقام؟ ~~- انظر إلى هذه الجثة المقيدة التي باتت هيكلا من العظام لما تقادم عليها من ~~الأيام. # فأجابها بتهكم: ألعلك كتبت لي في لوح المقدور مثل هذا العقاب؟ ~~- كلا ... فإن صاحب هذه الجثة قد مات من الجوع كما يظهر وأنت يحضرون لك الطعام في كل ~~يوم. ~~- أشكر فضلك فإني لا أنسى كرمك ما حييت. ~~- اطمئن يا ابن عمي العزيز فإن أسرك لا يكون إلى الأبد. ~~- أحق ما تقولين؟ ~~- وإني لم أسجنك إلا لما كنت أخشاه من عرقلتك لأعمالي، لو كنت مطلق السراح. # فأجابها بلهجة المتهكم كيف أعرقل مساعيك؟ ~~- إنك تعلم أني سأتزوج. # فقال إيفان بلهجة المتهكم: بمن ستتزوجين؟ ~~- بالكونت كوروف. # فضحك ضحكا يشف عن الاحتقار واستند إلى الحائط وقال: كيف يخطر لك يا سيدتي العزيزة ~~أني أحول دون هذا الزواج، فاطلقي سراحي وكوني مطمئنة البال إذا كان هذا كل الذي تخشينه ~~مني. # ثم جعل يضحك ضحك الساخر. # إلا أن فاسيليكا منعت ضحكه إذ قالت له: إني واثقة من أنك لا تحول دون زواجي ولكني كنت ~~أخشى أن تحول دون زواج آخر. ~~- أي زواج تعنين؟ ~~- زواج مدلين. # فصاح ms1164 إيفان صيحة منكرة ودنا خطوة منها. # ولكنه توقف حين أنذرته فاسيليكا بالمسدس وقال لها: مدلين تتزوج؟ ~~- دون شك. ~~- إنك كاذبة نمامة. ~~- كلا، ولكنك رجل فاسد التربية والأخلاق، أما مدلين فإنها ستتزوج بعد ثمانية أيام، ~~وأنا لم أحضر إليك إلا لأخبرك بهذا الزواج. # فاصفر إيفان اصفرارا شديدا وذهبت آثار غضبه وتهكمه وجعل ينظر إلى ابنة عمه نظرا ~~حائرا كأنه يريد أن يتبين صدقها أو كذبها من عينيها. # إلى أن قالت له: ولكن طب نفسا فإن مدلين لا تتزوج مختارة بل مكرهة على هذا ~~الزواج. # فصاح إيفان صيحة فرح وقال: لا شك إنهم نصبوا لها أحبولة فأكرهوها على الرضى بما لا ~~تريد. ~~- كلا، وإني أقسم لك على صحة ما أقول. ~~- إن مدلين تحبني. ~~- لقد كانت تحبك قليلا من قبل. # فنظر إليها نظرة المغضب وقال: أتجسرين على القول: إنها لا تحبني الآن؟ ~~- إنها تحاول أن تنساك على الأقل. ~~- لماذا، ولأي ذنب جنيت؟ # فأجابته بسكينة إن ذنبك بسيط وهو أنك روسي وجميع الفرنسيين يعتقدون أن الروسيين ~~أغنياء. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن معلمة فرنسية كمدلين إذا طمعت بزواج رجل واسع الثروة نبيل لا يمكن إلا أن ~~تحبه. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أعني أنها عندما رجعت إلى باريس، عرفت حقيقة حبك وعلمت أن عائلتك قد فقدت ثلاثة ~~أرباع ثروتها، ولما رأت ذلك انفتح لديها مجال للتأمل والتروي. # فأجابها بلهجة الاحتقار: إن مدلين لا تحسب هذا الحساب. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد. ~~- ولكني قلت لك: إنها ستتزوج. ~~- بمن؟ ~~- بالفيكونت كارل دي مورليكس. # فأدرك إيفان كل شيء وقال: تبا له من شقي منافق. # فابتسمت فاسيليكا ابتسام الهازئ وقالت: أتريد يا ابن عمي العزيز أن تنظر مدلين النظرة ~~الأخيرة قبل أن تدعى الفيكونتس دي مورليكس. # فصاح إيفان صيحة فرح وقال: إذا تيسر لي أن أراها فإني أمنع هذا الزواج دون شك. # فضحكت وقال: ذلك شأنك لا شأني. ~~- إنك من أشد النساء، ولا أشهى لديك من الانتقام. ~~- ربما ... ~~- غير أنك لو كنت كريمة الأخلاق ... ~~- ماذا كنت أعمل؟ ~~- كنت تقتليني الآن بمسدسك؟ ~~- كلا فإني أريد لك ms1165 الحياة وأحب أن ترى مدلين. ~~- أحقا ما تقولين؟ ~~- دون ريب. ~~- أين هي الآن؟ ~~- في بيت مورليكس. ~~- هي، مدلين في منزله؟! ~~- نعم ... ~~- وتقولين: إنك تسمحين لي بالخروج من هنا؟ ~~- أقسم بشرفي على صدقي فيما أقول. ~~- متى أخرج من هنا؟ ~~- متى رضيت أن تخرج منه كما دخلت إليه. ~~- لم أفهم ما تقولين. ~~- إنك دخلت إلى هنا وأنت نائم أليس كذلك؟ ~~- نعم ... ~~- وستخرج نائما كما دخلت بمخدر أسقيك إياه. # ثم أشارت إلى بيريتو الذي كان واقفا معهم ففهم قصدها وانصرف. # أما إيفان فقد قال لها: إني أرضى بما تريدين ولكني أسألك ألا تريدين تسميمي؟ # فأجابت: إني أقسم لك بعائلتي التي هي عائلتك إني لا أريد بك شيئا من هذا. # وبعد هنيهة عاد بيريتو يحمل على صينية زجاجة فيها نبيذ أصفر وكأسا فارغا، فصبت ~~النبيذ بالكأس وأمرت خادمها أن يقدمها لإيفان. # فتردد إيفان هنيهة عن شربه إلى أن قالت له: لا رجاء لك برؤيتها إلا إذا شربت ما في ~~الكأس. # فأخذ الكأس عند ذلك وشرب ما فيها جرعة واحدة، ولم يكد يستقر الشراب في جوفه حتى صعق ~~وسقط على الأرض لا يعي. # فالتفتت عند ذلك فاسيليكا إلى بيريتو وقالت له ببرود: اذهب الآن. # ثم خرجت من ذلك القبو وقد غادرت فيه تلك الجثة البالية وإيفان منطرحا أمامها لا حراك ~~فيه. # 26 # ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بعد أن وجد أجينور جعل يهتم بالبحث عن إيفان. # وقد كانوا وجدوا آثاره من منزل طبيب المجانين إلى شارع الصليب الأحمر وهناك فقد نويل ~~أثر مركبة مورليكس كما يذكر القراء. # ثم رآها بعد ساعة في شارع الحمامة القديمة غير أن إيفان وفاسيليكا لم يكونا ~~فيها. # ثم رآها بعد ساعة في شارع كاسيت وقصر اهتمامه على البحث عنه في ذاك الشارع. # ثم خطر له ذاك الكلب الذي أعان مربون على اقتفاء أثر بوليت وعرف منه موضع الكولونيل ~~جيبين فقال في نفسه: إن الكلب أيضا قد يساعدنا على اقتفاء أثر إيفان إذا أطلقناه في ~~أثر فاسيليكا. # وكانت تقيم في الشانزليزه ms1166 في اليوم التالي لخصامها مع باكارا وخروجها من منزلها، ~~ولكنها لم تكن تبرح منزلها الجديد إلا نادرا. # وكان روكامبول قد بث الأرصاد ووضع الجواسيس حول منزلها، فلم يرها أحد خرجت من منزلها ~~إلا مرات قليلة حيث كانت تخرج ماشية على الأقدام فتتنزه هنيهة ثم تعود، وكانت على أشد ~~الحظر كما كان يظهر من تلفتها حين ذهابها وإيابها كي ترى إذا كان يتبعها أحد. # وبعد أن مر بها ثلاثة أيام على هذه الحال كتب إليها مورليكس يستدعيها فعزمت على ~~الذهاب إليه. # ولما خرجت جعلت تتلفت عن يمينها ويسارها، فلم تجد ما يحمل على الشبهة ولم تر غير ~~بنائين كانا جالسين في ظل باب يأكلان خبزا أسود، وأمامهما كلب يرميان إليه فتاة ذلك ~~الخبز من حين إلى حين فلم تحفل بهما وظلت سائرة على قدميها حتى بلغت محطة المركبات، ~~فركبت وسارت بها إلى منزل كارل. # فأطلق أحد البنائين الكلب في أثرها وقال له: ابحث عن هذه المرأة. # فهرول الكلب حتى بلغ المركبة وجعل يسير وراءها مقتفيا آثارها. # وبعد حين عاد الكلب إليهما فأمراه أن يسير أمامهما إلى حيث وقفت المركبة وتبعاه حتى ~~وصلا إلى منزل مورليكس، فوقفا بإزاء المركبة التي كانت واقفة عند الباب. # وكان هذان الرجلان روكامبول ونويل وهما متنكران بملابس البنائين، فقال روكامبول: هذا ~~منزل مورليكس ولا بد أن يكون أجينور فيه الآن؛ لأني أرسلته لمقابلة عمه فعسى أن لا ~~يجتمعا. # ثم قال له بعد أن افتكر هنيهة: اذهب الآن إلى هذه القهوة الكائنة أمام الثكنة وعد إلى ~~هنا بعد ساعة. # فرد عليه نويل: وماذا أنت صانع؟ ~~- إني سأنصرف أيضا؛ لأني أخشى إذا بقيت أن تراني فاسيليكا، إذ قد تعرفني مهما بالغت ~~في التنكر. # ثم تركه وانصرف، فأخذ نويل الكلب وسار به إلى تلك القهوة التي أخبره عنها ~~روكامبول. # وبعد ساعة عاد نويل بالكلب إلى قرب منزل مورليكس كما أمره روكامبول، فما لبث الكلب أن ~~شم التراب حتى علم أن فاسيليكا خرجت من المنزل فسار في أثرها وتبعه نويل. # فسار ms1167 الكلب في شارع هوسمان حتى بلغ شارع ملهرب، وهناك نظر إلى نويل، فأشار إليه نويل ~~أن يسير في أثر المركبة فامتثل، وما زال يسير حتى دخل في شارع كاسيت ووقف عند ذلك ~~المنزل الذي حبست فيه فاسيليكا إيفان، فجعل يضرب بيديه بابه فعلم نويل أن فاسيليكا داخل ~~هذا المنزل وأن إيفان مسجون فيه. # وعند ذلك أشار له نويل بيده إلى الجهة التي ترك فيها روكامبول أمام منزل مورليكس، ~~وقال له: اذهب وادع الرئيس ... # فانطلق الكلب انطلاق السهم وجعل نويل يطوف حول المنزل، وهو يحمل عدة البناء ويراقب ~~ذلك المنزل أتم المراقبة. # وفيما هو يطوف حول المنزل، إذ رأى بابه انفتح وخرج منه رجل ما لبث أن رأى نويل، حتى ~~ظهرت على وجهه علائم السرور، وكان هذا الرجل بيريتو. # أما نويل فإنه تظاهر أنه لم يره وظل سائرا في طريقه. # فأسرع بيريتو في اقتفائه وهو يناديه: أيها البناء قف إني في حاجة إليك. # فالتفت نويل إليه وهو يتكلف هيئة الانذهال وقال له: تدعوني أنا؟ ~~- نعم أيها الرفيق فإني محتاج إليك. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أشغلك إن كان لا شغل لك. ~~- لقد أخطأت فإني ذاهب إلى عملي. ~~- نعم، ولكنك تشتغل كل يومك فلا تكسب أجرة يوم، بيد أنك ستشتغل عندي ساعة فقط. ~~- كم تعطيني؟ ~~- عشرين فرنكا ... # فاندلع لسان نويل وتظاهر بالفرح الشديد وقال: أحقيقة ما تقول؟ ~~- نعم وهو ذا البرهان. # ثم أعطاه عشرين فرنكا، وقال له: إننا نمنحك ضعف هذا الجزاء، إذا أتقنت العمل. ~~- ولكن ماذا تريدون أن أعمل؟ ~~- سوف ترى فاتبعني. # فتبعه نويل حتى دخلا باب المنزل، فأغلقه بيريتو وقال لنويل: إنك تعلم يقينا أن مثل ~~هذه الأجرة لا تدفع عن شغل ساعة، إلا لعمل سري. # ثم أخذ منديلا من جيبه ودنا منه فذعر نويل وقال له: ماذا تصنع؟ ~~- إني أريد أن أعصب عينيك كي لا ترى طريق المكان الذي ستشتغل فيه، فإذا لم يرق لك ذلك ~~أرجع لي ما دفعته إليك. ~~- ليكن ما تريد فاعصب عيني. # فعصب بيريتو عينيه ms1168 ثم أخذ بيده وقال له: اتبعني. # 27 # عندما صعق إيفان المخدر الذي شربه، وطلبت فاسيليكا إلى بيريتو أن يحضر لها بناء قال ~~لها الخادم: ماذا تريد سيدتي من البناء، ألعلها تنوي سد باب القبو؟ ~~- كلا بل أبغي عكس ذلك وهو أني أريد أن أفتح نافذة فيه. # فنظر إليها بيريتو بانذهال شديد حتى أوشك أن يتهمها بالجنون. # فقالت فاسيليكا: ألا ترى قبة هذا القبو؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إنه يوجد فيها حجران كبيران إذا أرشدت البناء إلى موضعهما يستطيع أن ينزعهما في ~~الحال. ~~- ولكن هذا القبو يا سيدتي يبعد ثلاثين قدما عن سطح الأرض. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنه إذا كان القبو في جوف الأرض فأية فائدة من النافذة، وعلى أي مكان ~~تشرف؟ # فلم تتدان فاسيليكا إلى إجابته، وقالت له بلهجة السيادة: اذهب وائتني ببناء. # فامتثل بيريتو وأخذ المصباح فمنعته وقالت له: دع المصباح في مكانه؛ لأني باقية هنا ~~ولا تساوم البناء فادفع له ما يريد، ولكن احذر أن تدعه يعرف طريق القبو، ولا تدخله ~~إلا معصوب العينين. # ولما ذهب بيريتو بقيت فاسيليكا وحدها تنظر إلى إيفان المنطرح أمامها وشفتاها تبسمان ~~لما أدركته من لذة الانتقام. # ولبثت قريرة العين ناعمة البال بهذا المنظر إلى أن عاد بيريتو ومعه نويل يحمل عدة ~~البناء وهو معصوب العين. # فنظرت فاسيليكا إلى بيريتو وأشارت إليه إشارة، فحمل إيفان ووضعه وراء الجثة، وطرحت ~~فاسيليكا فوقه رداء كبيرا فاحتجب عن الأنظار، ثم أمرت بيريتو بإشارة أخرى أن يقف أمام ~~الجثة كي يحجبها أيضا عن نظر نويل. # ولما فرغت من ذلك دنت من نويل وفكت عصابة عينيه، فتكلف نويل مظاهر الخوف الشديد، وجعل ~~ينظر نظر الوجل والرعب إلى جميع ما ظهر له. # فقالت فاسيليكا: اطمئن أيها الرجل فليس هنا ما يخيف. ~~- ماذا تريدين أن أصنع لك يا سيدتي؟ ~~- إن الأمر بسيط، اصعد فوق هذه الطاولة وخذ بيدك المطرقة؛ لأني أريد أن تفتح نافذة في ~~قبة هذا القبو. # فصعد نويل وضرب السقف بالمطرقة ثم قال: إن الحجر صلب يا سيدتي. ~~- ليس ms1169 في كل مكان فاضرب هنا. # ثم أشارت له بيدها إلى موضع عينته فبدأ العمل، وما لبث ساعة حتى فتح بتلك القبة ~~منفذا متسعا يستطيع أن يمر به إنسان. # وكان بيريتو يراقب عمله وهو يذوب شوقا إلى معرفة ما وراء هذا المنفذ، ولكنه لم ير ~~منه غير ظلام حالك، وعلم أن فوق هذا القبو قبوا آخر يتصل به من هذه النافذة. # أما نويل فإنه لما فرغ من عمله هذا نظر إلى فاسيليكا كأنه ينتظر أوامر جديدة. # فقالت له فاسيليكا: لم نعد في حاجة إليك فانزل. # ثم قالت لبيريتو: كم وعدت هذا الرجل أن تعطيه؟ ~~- أربعين فرنكا. # فأخذت فاسيليكا من جيبها ورقة مالية قيمتها مائة فرنك، وأعطتها لنويل. # فتظاهر نويل بسرور لا يوصف وجعل يقلب الورقة بين يديه بمظاهر العجب، حتى إن فاسيليكا ~~لم تتمالك عن الضحك وقالت له: إنك تستطيع الآن أن تذهب؛ لأن شغلك قد انتهى. # فجاءه بيريتو وعصب عينيه ثم أخذ بيده وقال له: اتبعني. ~~••• # ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بينما كان نويل يشتغل في ذلك القبو، كان روكامبول يسير ~~وراء الكلب الذي أرسله نويل إليه. # فما زال يسير حتى وصل إلى شارع كاسيت ووقف أمام باب ذلك المنزل المسجون فيه ~~إيفان. # فعلم روكامبول أن فاسيليكا فيه، وذهب إلى منعطف الشارع فكمن هناك وهو ينظر إلى المنزل ~~مفكرا، ولكنه لم يطل التفكير فإنه عرف البيت وذكر حوادث جرت له فيه. # وبعد هنيهة رأى نويل خارجا من الباب يقوده بيريتو ورآه يفك عصابة عينيه، فلما فرغ ~~منه أطلق سراحه وعاد إلى المنزل. # فصفر روكامبول لنويل صفيرا عرفه، فجاء إليه وخلا الاثنان فقال له روكامبول: ماذا كنت ~~تصنع؟ ~~- إني كنت أشتغل بحرفتي، ولكني رأيت أمورا لم أفهم منها شيئا إلى الآن. # ثم قص عليه جميع ما اتفق له، وإنه تمكن أن يزيح العصابة قليلا عن عينيه وهو في ~~القبو، فرأى رجلا صريعا ملقيا في زاوية القبو، ورأى فاسيليكا طرحت فوقه رداء كبيرا، ~~ثم أخبره أنه رأى أيضا في ذلك القبو جثة ms1170 بالية. # وسأله روكامبول: أما علمت لماذا فتحت النافذة في سقف القبو؟ ~~- كلا. ~~- ماذا كان وراء الثقب؟ ~~- لا أعلم. ~~- أما ذكرت هذا البيت الذي دخلت إليه؟ ~~- كلا، لأني ما عرفته من قبل. # فوضع روكامبول يده فوق جبينه كمن يتذكر أمرا ثم قال: نعم إنك لا تعرف هذا البيت؛ ~~لأنك لم تكن يوم حوادثه في عصابة السير فيليام، حينما دخلت أنا وإياه. # ثم أخذ بيده وقال: هلم بنا إلى هذه الحانة، نشاهد منها كل من يدخل إلى المنزل ويخرج ~~منه، وأقص عليك ما جرى لنا من الحوادث، أيام الغرور. # 28 # كان روكامبول ونويل متنكرين بملابس البنائين فلم يكترث لهما أحد من الذين كانوا في ~~تلك الحانة. # وقد طلب روكامبول إلى الخمار زجاجة من الخمر وجلس يتعاطاها مع رفيقه في زاوية من ~~الحانة، ويرقب من نافذتها باب منزل فاسيليكا. # وقد دار الحديث بينهما كما يأتي، فقال روكامبول: تقول: إنك رأيت هيكلا من العظام في ~~القبو مشدودا إلى الجدار؟ ~~- نعم. ~~- وإنك رأيت رجلا يشبه النائمين كان منطرحا على الأرض؟ ~~- نعم أيها الرئيس. ~~- أأنت واثق أنه لم يمت؟ ~~- لقد حسبته ميتا في بدء الأمر وإنهم لم يحملوني على فتح النافذة في قبة القبو إلا ~~لتكون قبرا له ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ولكنهم لم يسألوني سدها، فاستنتجت من ذلك أن الرجل نائم غير ميت. ~~- وأنا أرى ما تراه، وأظن أن هذا الرجل النائم هو ذلك الشاب الروسي الذي نبحث عنه، ~~وأن فاسيليكا لم تقتله وأنها لم تعد له انتقاما شرا من كل قتل. ~~- إذن قص علي يا سيدي الرئيس حكاية هذا المنزل، التي وعدتني بحكايتها. ~~- هذه هي فاسمع، إن هذا المنزل الذي دخلت إليه، بقي دهرا طويلا مهجورا لا يسكنه ~~أحد وكان له سمعة سيئة تنفر عنه الناس، ويظهر أن هذه الوصمة لا تزال لاحقة به؛ لأن ~~الحوادث الفظيعة لا تزال تجري فيه. ~~- من كان صاحب هذا البيت؟ ~~- امرأة عجوز كانت تقيم في الريف ولم تعد إلى باريس منذ ثورة يوليو سنة 1830. ~~- وهل استأجره أحد بعدها؟ ~~- لم ms1171 يستأجره أحد قبل سنة 1840 وبقي مهجورا عشرة أعوام، وقد ماتت العجوز وتركت ~~المنزل لورثتها. # أما تلك العجوز فقد كانت في أيام صباها حسناء وكان لها زوج يبالغ في الغيرة عليها ~~مبالغة تزهق الأرواح. # وقصتها تبدأ في سنة 1800 - أي في بدء عهد الإمبراطورية - فإن زوجها كان من الضباط ولم ~~يكن يستطع العسكريون في عهد نابليون الأول أن يقيموا مع زوجاتهم لكثرة؛ لانشغالهم ~~بالحروب. # وكان هذا الضابط في ذلك العهد في ألمانيا مع جيش نابليون المنتصر فورد إليه كتاب دون ~~توقيع يخبره بأن امرأته تخونه. # فترك الجيش وهرول إلى باريس ولم يحضر إلى منزله، لكنه استأجر منزلا مجاورا لمنزلها ~~وأقام فيه يراقبها وهي لا تعلم شيئا من أمره. # وكان لهذه المرأة الخائنة خليل يزورها كل ليلة؛ فانتظرته في إحدى الليالي حسب عادتها ~~ولم يحضر، واتفق لها مثل ذلك في اليوم التالي. ثم تعاقبت عليها الأيام والليالي وهي لا ~~تقف على أثر من آثار هذا العاشق المنكود. # ثم تغير نظام المملكة وسقطت الإمبراطورية ورقي زوجها الضابط إلى رتبة جنرال في باريس، ~~فأقامت معه أعواما طويلة دون أن تسمع منه كلمة تعنيف أو تبدر منه بادرة تشير إلى أنه ~~يشك بطهارتها. # غير أن حبها لعشيقها كان قد بات ملء نفسها الفاسدة فرق جسمها لفراقه، واشتد هيامها ~~حتى باتت تشتهي الموت كل حين. # وكان أشد ما يشغلها أنها لم تكن تعلم إذا كان هذا العاشق ميتا فتبكي شبابه أو حيا ~~فتبكي ولاءه. # وفي سنة 1830 قتل زوجها الجنرال في شوارع باريس فبرحت الأرملة ذلك المنزل، وكان لها ~~منزل آخر في شارع باريس لورين، فأقامت فيه إلى أن أدركتها الوفاة. ~~- أماتت دون أن تعرف مصير عشيقها؟ ~~- هكذا يظهر. ~~- ولكن ماذا جرى لهذا العاشق؟ ~~- جرى له أمر هائل، وذلك أنه كان للجنرال خادم يخلص له غاية الإخلاص، فقبض الاثنان ~~على العاشق في ليلة كمنا له فيها في حديقة المنزل، فسدا فمه كي يمنعا صراخه وقيدا ~~يديه ورجليه. # ثم حملاه إلى ذلك القبو الذي خرجت منه ms1172 الآن، فوضعا قيدا في عنقه ورجله وربطا هذا ~~المسكين بسلسلة في الجدار. ~~- إذن هذه الجثة التي رأيتها كانت جثته؟ ~~- نعم. ~~- وقد مات في هذا القبو؟ ~~- دون شك، ولكن ليس هذا كل الحكاية فاصغ إلى النهاية. # إني عندما كنت أشتغل في عصابة أندريا المقلب بالسير فيليام، كان هذا الزعيم الهائل لا ~~ينظر مرة إلى منزل هذه المرأة إلا تخامره الظنون بعزلة أصحابه ويقول: لا بد لهذه العزلة ~~والسكينة من أسرار غامضة، ولا بد أن تكون الكنوز مخبوءة في هذا المنزل، فتهيج منه عوامل ~~الشر حتى تتغلب عليه ويتأهب لجلاء الغامض عن هذه الأسرار. # إلى أن قال لي يوما: قد تحققت أنه لا يوجد في هذا المنزل غير خادم عجوز لا يخرج منه ~~على الإطلاق، فإذا شئت دخلنا إليه ولا بد أن يكون فيه مال كثير. # أجبته: إن الأمر إليك، ودخلنا في ليلة حالكة إلى المنزل بعد أن فتحنا أبوابه بمفاتيح ~~خاصة ووجدنا الشيخ مقيما في غرفة أقفل بابها وكان ينبعث منها نور ضعيف. # فدنا أندريا من الباب ووضع عينيه على ثقبه فرأى الشيخ لا يزال ساهرا، وكان راكعا ~~أمام صليب وهو يصلي بصوت ضعيف ويقول: «يقال إن الأموات لا تحضر أرواحهن إلى الأحياء، ~~فإذا كان الحق ما يقولون فابعث لي بروحك كي تحلني من تلك اليمين التي حلفتها، فأدفن ~~بقايا هذا المسكين.» # فلما سمع أندريا هذه الأقوال أحب أن يدرك أسرارها؛ فرفس باب الغرفة فانفتح. # وهجم على الشيخ بخنجره قبل أن يتمكن من الصياح، وقال له: إذا فهت بكلمة فأنت من ~~الهالكين. # فذعر الشيخ وبلغ منه الخوف مبلغا شديدا فباح لنا بكل شيء، ونزل بنا إلى القبو ~~وأرانا تلك الجثة المقيدة بالسلاسل. # ثم ضرب يده على الجدار وقال: يوجد وراء هذا القبو قبو آخر وقد ثقبه الجنرال زوج ~~المرأة ووضع في القبو الثاني بابا صفحه بمرآة طويلة إذا فتح أشرف على الحديقة، ووضع ~~فوق الثقب مرآة تقابل المرآة الأولى، فإذا فتح باب القبو المشرف على الحديقة وفتح ثقب ~~هذا القبو تنعكس ms1173 أشعة المرائي فيرى المقيم في القبو تلك الحديقة ومن يكون فيها. # وقد عاش صاحب هذه الجثة عشرة أعوام، ولما مات سدت الثقب كي لا تعرف أسراره. # فقاطع نويل روكامبول وقال: إني لا أفهم هذه الألغاز. ~~- إن الأمر واضح، إن النافذة التي فتحتها في القبو بإرشاد فاسيليكا هي نفس الثقب الذي ~~فتحه الجنرال ووضع فيه تلك المرائي في القبو الآخر المشرف على الحديقة. # وقد كان عقاب الجنرال لصاحب هذه الجثة الذي كان يعشق امرأته عقابا هائلا لا يخطر ~~على بال إنسان. # إن هذا المنكود أقام في القبو عشرة أعوام وكان يحضر له طعاما كل يوم ولكنهم ينقصونه ~~بالتدريج حتى مات جوعا. # وليس هذا كل عقابه بل إنه كان يرى كل يوم امرأة الجنرال تتنزه في الحديقة كئيبة حزينة ~~لاحتجابه، وهو يراها من الثقب المفتوح بواسطة انعكاس أشعة المرائي. ~~- ولكنه عقاب هائل لم يرو مثله في القرون الغابرة. ~~- هو ما تقول، ويظهر أن فاسيليكا قد عرفت سر هذا القصر، وأنها تعد لإيفان عقابا ~~شبيها بعقاب الجنرال، ولكني لا بد لي أن أعلم كيف وقفت على سره. ~~- وما صنعتم بالخادم العجوز؟ ~~- طعنه أندريا بخنجره طعنة قاتلة ثم نهبنا البيت وخرجنا. # ولم يكد روكامبول يتم حديثه حتى رأى باب المنزل قد انفتح، وخرجت منه فاسيليكا فقال ~~لنويل: ها هي خرجت فاذهب في أثرها. # فامتثل نويل واقتفى أثرها حتى رآها ركبت مركبة، ثم عاد إلى روكامبول، وأخبره بما رآه، ~~فقال له: هلم بنا إذن إلى دخول هذا المنزل. # 29 # حسب روكامبول ونويل أنه لا بد للكونتس فاسيليكا من مدة ساعة على الأقل؛ كي تذهب إلى ~~منزلها في الشانزليزه وتعود إلى منزلها في كاسيت، هذا إذا كانت تنوي العودة إليه، وهذه ~~المدة كافية للدخول إلى المنزل وتفقد القبو. # فذهب إلى الباب وقرع الجرس المعلق بسلسلة بارزة مدلاة غير أن الباب لم يفتح فقرعه ~~نويل ثانية وثالثة فلم يجبه أحد. # ولكن الباب الكبير فتح رتاجه، وبرز منه وجه بيريتو، فأسرع روكامبول إلى الاختفاء وراء ~~الباب كي لا ms1174 يراه، ولم يبق ظاهرا له غير وجه نويل. # فانذهل حين رآه وقال له: ماذا تريد ولماذا تقرع الباب؟ # فتكلف نويل هيئة الحزن والكآبة وقال له: أرجوك أن تعذرني يا سيدي إني لم أعد إليك إلا ~~لأني أصبت بويل عظيم. ~~- كيف ذلك، وماذا دهاك؟ ~~- ألم تعطني تلك السيدة الجميلة ورقة مالية قيمتها مائة فرنك؟ ~~- نعم. ~~- إني أضعتها وا أسفاه. ~~- ويحك أين أضعتها؟ ~~- لا أعلم ولكني أظن أني فقدتها على السلم أو في صحن الدار. ~~- إذن عد بعد ساعة فسأبحث عنها وإن وجدتها أرجعتها لك. # ثم أغلق الرتاج بوجهه وانصرف. # ولكن هذا الذي كان يريده نويل فإنه تمتم بعض كلمات شكر ونظر روكامبول كأنه يستشيره ~~فيما ينبغي أن يفعل. # وكان روكامبول مقطب الحاجبين يظهر منه أنه كان يتذكر أمرا بعيدا، سار بنويل بضع ~~خطوات وقال له: أهذا الذي عصب عينيك؟ ~~- نعم أيها الرئيس؟ ~~- إذن فهو خادم فاسيليكا. ~~- دون شك. ~~- أما هو قصير القامة عريض المنكبين أسود الشعر خفيف اللحية؟ ~~- هو بعينه. ~~- لقد عرفته من صوته. ~~- إذن أنت تعرفه من قبل؟ ~~- نعم، وسر بنا الآن. ~~- إلى أين أرجعت عن عزم الدخول إلى المنزل؟ ~~- ألا ترى أنه لا يريد أن يفتح؟ ~~- أأطرق الباب أيضا؟ ~~- كلا، لقد قال لك: أن تعود بعد ساعة. ~~- أتريد أن أعود إليه؟ ~~- سأعود معك. # وبينما كان روكامبول ونويل يبتعدان، كان بيريتو واقفا وراء الباب وقد ذعر لعودة ذلك ~~البناء، فإنه كان واثقا من أن نويل يكذب فيما ادعاه من ضياع الورقة؛ لأنه رآه قد ~~وضعها في طرف منديله وعقد عليها ووضعها في جيبه، فاضطرب لرجوعه وحمله على محامل ~~الشر. # وكان بيريتو هذا جريئا مقداما إلا حين يلتقي بعدو شديد فيضعف أمامه وتذهب جرأته، ~~وقد كان سمع من فاسيليكا أن رجلا هائلا يسعى إلى إنقاذ إيفان وأن هذا الرجل يدعى ~~روكامبول. # فاستولى عليه الخوف حين رأى نويل عائدا إليه وكان اضطرابه شديدا، حتى إنه حين أغلق ~~رتاج الباب أي نافذته التي في داخله في وجه نويل نسي أن يقفلها بالمزلاج. # وقد ms1175 قال في نفسه إن الكونتس لديها مفتاح للباب، وأنا لا أنتظر أحدا فإذا عاد البناء ~~فليطرق الباب قدر ما يشاء فإني لا أفتح له، ثم ذهب إلى إحدى غرف المنزل وانزوى فيها ~~يضرب أخماسا لأسداس. # وبعد ساعة عاد نويل وروكامبول فحاول نويل أن يدق الجرس، غير أن روكامبول منعه؛ لأنه ~~لاحظ أن نافذة الباب غير محكمة الإقفال. # وكان ذلك الشارع مقفرا لا ينتابه أحد، ففتح روكامبول تلك النافذة ومد يده منها إلى ~~مزلاج الباب، فرفعه ورفس الباب فانفتح، ثم دخل الاثنان وأقفلا ذلك الباب. # وكان بيريتو جالسا في تلك الغرفة التي أكل فيها مع فاسيليكا، ولكنه فتح النافذة ~~المشرفة على الردهة. # ولم يكد ينظر منها حتى دنا روكامبول ونويل من تلك الغرفة، فسمع وقع أقدام فحسب أن ~~فاسيليكا القادمة وأسرع إلى فتح الباب لاستقبالها. # ولكنه ما لبث أن فتحه حتى شاهد نويل مسلحا بمطرقته وروكامبول بمسدسه فجعل يصيح ~~ويستغيث. # ولم يطل صراخه، فإن روكامبول هجم عليه فضغط على عنقه، وقال له: اسكت أو أقتلك. # ثم أخذه بيده وقاده إلى تلك النافذة لكثرة نورها وقال له: تفرس في وجهي وانظر إلي ~~بإمعان، أما عرفتني؟ # فصاح بيريتو صيحة رعب وقال: أأنت المائة وسبعة عشر؟ (اسم روكامبول في سجن ~~طولون). ~~- نعم، أنا هو، ألا تذكر حين كنا مقيدين في سجن طولون بسلسلة واحدة ثم التفت إلى نويل ~~وقال له: أما عرفته؟ ~~- كلا، إني ما رأيته في ذلك السجن. ~~- لقد أصبت، فإنك لم تحضر إلى طولون إلا بعد عام من قدومي إليها، وكانت قد انقضت مدة ~~سجن هذا اللص حين قدومك، ولكني تقيدت معه في قيد واحد مدة شهرين. # أما بيريتو فقد كان شديد الذعر، فقال له روكامبول: لقد عرفت أني كنت أدعى 117، ولكنك ~~لم تعرف أني أدعى أيضا روكامبول ... ~~- أنت روكامبول؟ ~~- نعم أنا هو، وإني أخيرك الآن بين أمرين وهما: إما أن تكون من رجالي المخلصين بملء ~~الطاعة والانقياد، وإما أن أغمد خنجري في صدرك. # فلم يتردد بيريتو بالجواب وقال: إني أطيعك ولا ms1176 أحب إلي من الاندماج في سلك عصابتك، ~~ولو كنت أعرف مكانك لما فضلت خدمة هذه المرأة على خدمتك. # وعند ذلك قرع الجرس فذعر بيريتو وقال: هو ذا السيدة قد عادت. ~~- أهي الكونتس فاسيليكا؟ ~~- نعم. ~~- إذن يجب أن تخبئنا كي لا ترانا. # فاتقدت عينا بيريتو بأشعة خاطر خطر له وقال للاثنين: قفا هنا. # وأشار لهما أن يقفا في ذلك القسم المتحرك من الغرفة، ففعلا ثم أسرع إلى الجدار وأدار ~~لولبا فيه، فهوت أرض الغرفة وتوارى روكامبول ونويل عن الأنظار. # 30 # مضى على هذه الحادثة المقدمة يومان كان كارل دي مورليكس وفاسيليكا يجتمعان في خلالهما ~~مرات كثيرة. # وكان هذا الشيخ الفاسد الأخلاق قد استحالت أخلاقه، ولم تعد بادية على وجهه ظواهر ~~القلق واضطراب النفس؛ ذلك لأن أجينور قد اتفق وإياه، فوافق على أن لا يعارض زواجه ~~بمدلين إذا رضيت بهذا الزواج. # أما مدلين فإنها كانت لا تزال تدعوه خالها، لكنها لم تعد تردد اسم إيفان حسب العادة، ~~فحسب كارل أنها قد بدأت بنسيان عشيقها، وأن إيفان قد أساء إليها إساءة لا تغتفر لعدم ~~بحثه عنها. # ثم إن فاسيليكا أقسمت له أنها ستزوجه مدلين، وكان يثق بها ثقة شديدة فاطمأن ~~خاطره. # إلا أن فاسيليكا لم يرق لها إلا تعكير صفائه وتكدير أمانيه، فإنها جاءت إليه في ~~الصباح وقالت له: إن كل شيء قد تهيأ وقد أعددت لك في منزلي كل ما يروق ولم يبق إلا ~~إقناع مدلين على الذهاب إلى هذا المنزل. # فسر كارل وقال: إنها تسير معي إلى حيث أشاء إذ لم تعد تجفوني ذلك الجفاء ~~القديم. ~~- إذن كل شيء يجري وفق ما تريد ولكن ... # فاضطرب كارل وقال: ولكن ماذا؟ ~~- إني أخشى روكامبول. ~~- ألا تزالين تخافيه؟ ~~- نعم ... وإني أخشى أيضا الكونتس أرتوف؛ لأن أنطوانيت لا تزال عندها. ~~- لا سبيل إلى الخوف منها ما زال أجينور مواليا لي. ~~- إنك مخطئ في اعتقادك ولو سمعت نصيحتي، لفعلت ما أشرت به عليك. ~~- بما أشرت علي؟ ~~- باتباع الطريقة التي تغل يد روكامبول. ~~- وما هي؟ ~~- هي أن ms1177 تصيب أحد أحبائه بمكروه شديد يشغله عنا. ~~- نعم، أذكر ذلك ولكني أرى أنه لا فائدة منه. ~~- إن العاقل يجب أن يحذر ويتوقع كل شيء، فإن السفن قد تغرق في الموانئ وهي تحسب نفسها ~~آمنة فيها. ~~- لقد أصبت، ولكن ماذا يجب أن أفعل! ... أأقتل الوالد أم اختطف الولد؟ ~~- إني أؤثر اختطاف الولد، فإنه بينما يكون روكامبول يجد في البحث عنه أكون أنا قد ~~انتقمت من إيفان وأنت تزوجت مدلين، وهو مشتغل عنا بالتفتيش عن الغلام. ~~- سأفعل ما تشائين إذا كان لا بد من اختطاف الولد. # فابتسمت فاسيليكا ابتسام الساخر، وقالت: يظهر أن سوء التفاهم قد اشتد بيننا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذاك أني أسدي إليك نصائح ولا ألقي عليك أوامر، فإني أصبحت واثقة من الظفر بانتقامي، ~~وما أشير عليك به الآن محض الإخلاص. # وما عسى أريد أنا سوى تعذيب ذاك الأبله الذي رفض غرامي تعذيبا شديدا قبل موته؛ لأني ~~أعددت له موتا هائلا ... # وقد حان زمن انتقامي الرهيب، أما أنت فإنك لم تجر خطوة في سبيل أغراضك. # فقال كارل وقد بدت عليه ملامح الاضطراب: ألعله يوجد من يوقفني في هذا السبيل؟ ~~- يوجد رجل واحد وهو روكامبول، واصغ إلي الآن، فلقد سمعت ابن أخيك يقول لك منذ يومين: ~~إن مدلين هربت من قصر الكونتس أرتوف والتجأت إليك. ~~- ماذا تريدين بذلك؟ ~~- أريد أني لا أصدق هذه القصة، فإن تلك الفتاة التي تشبه مدلين لا يزال أمرها مثيرا ~~لظنوني، فإني ما رأيت واحدة من هاتين الأختين، وأظن أني إذا رأيت تلك الفتاة التي عندك ~~أعرف الحقيقة لأول نظرة. # وقاطعها كارل مبتسما: سأزيل شكوكك. # ثم نادى أحد الخدم وقال له: قل للسيدة مدلين أن تحضر إلي. # وبعد هنيهة جاءت مدلين وكانت لابسة ملابس غاية في البساطة. # فقال لها كارل بلهجة حنو أبوي: إني دعوتك كي أعرفك بالكونتس واسرنوف لشدة اتصالها ~~بأسرة بونتيف. # فصاحت كلوريند صيحة فرح وضغطت بيدها على يد فاسيليكا. # غير أن فاسيليكا، لم تكن من النساء اللواتي يؤخذن فجأة بمثل هذه الظواهر. # وكانت تحب إيفان ms1178 فهي بالطبع تكره مدلين، ونظرت إليها نظرة هائلة ذعرت لها حتى إن كارل ~~نفسه اضطرب، غير أنها رأت أنها قد جرت شوطا بعيدا، فعادت إلى الابتسام وقالت لها: ~~اطمئني أيتها الآنسة فإني قد رجعت عن حب إيفان. # فأجابتها كلوريند بصوت تبينت منه لهجة الالتماس: إنك ما زلت تظهرين بهذه المظاهر ~~النبيلة فكوني يا سيدتي كريمة للنهاية. ~~- إنك تريدين أن تعلمي أين هو إيفان، أليس كذلك؟ # فضمت كلوريند يديها كما يفعل المتلمس وقالت: نعم، نعم يا سيدتي فقولي بالله أين هو ~~... ~~- إذن فأنت تحبينه؟ ~~- حبا أكيدا صادقا تضيق به الصدور. # فابتسمت وقالت: إني أعدك بإرشادك إلى مكانه فاحضري غدا إلى منزلي في شارع ~~كاسيت. ~~- مع خالي؟ ~~- دون شك، وسأخبرك بأنباء إيفان، وأرجو أن تكوني سعيدة وإياه. # ثم نهضت فودعتها وأشارت إشارة خفية إلى مورليكس فقدم لها ذراعه، وسار بها كي يوصلها ~~إلى الباب الخارجي. # ولما اختليا بالحديقة سألها: ألا تزالين على ريبك القديم؟ ~~- نعم، بل إن هذا الريب قد زاد عندي فإن هذه الفتاة تشبه مدلين شبها غريبا وتمثل ~~دورها أبرع تمثيل. # فاضطرب كارل وسألها: ألم تنظري كيف احمر وجهها وارتجفت حين ذكر أمامها اسم إيفان، ثم ~~ألم تسمعي تلك الصيحة التي خرجت من أعماق نفسها سرورا به؟ ~~- نعم، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- إن قلبي لم يمل إلى كرهها، ولم أجد بعد محادثتها من الانقباض ما تجده المرأة حين ~~ترى مزاحمتها فيمن تهواه. ~~- أهذه كل براهينك؟ ~~- ومع ذلك فصبرا إلى الغد وسوف نرى. ~~- وماذا تفعلين غدا؟ ~~- أخبرك إذا كانت هذه التي عندك مدلين أو كلوريند. ~~- وكيف تعرفين؟ ~~- ذلك سر لا أبوح به الآن ... # ثم ودعته وانصرفت، وقد غادرته مفكرا مهموما فلما دخل إلى غرفته قال في نفسه: إنها ~~مدلين دون شك ولكن يظهر لي أنها هناك ... في روسيا لم يكن لها هذا الصوت. # 31 # كانت فاسيليكا ماهرة في تركيب السموم والمخدرات، فإنها أخذت هذه الصناعة عن خادمة لها ~~شركسية، وكانت الخمرة التي شربها إيفان ممزوجة بمخدر شديد صعق إيفان عند شربه، وسقط ms1179 ~~صريعا على الأرض كما تقدم. # غير أنه لم يمت بل إنه أصيب بسبات شديد يشبه الموت كما حدث لأنطوانيت حين أخرجها ~~روكامبول من سجن سانت لازار بمخدر، فإن المخدرين كانا واحدا، إلا أن روكامبول جعله ~~حبوبا وفاسيليكا جعلته سائلا. # ولبث إيفان صريعا ثلاثة أيام حدث في خلالها أمور كثيرة في ذلك القبو، بينما كان ~~نائما فيه نوم الأموات. # ثم جعلت أعراض التخدر تزول تباعا فتبينت في البدء حاسة السمع ثم الشم، ففتح عينيه ~~فوجد المصباح لا يزال يضيء في موضعه من القبة. # ثم وجد الجثة البشرية لا تزال مشدودة في موقعها من الجدار. # وكانت أعضاؤه لا تزال مخدرة بحيث لا يستطيع الوقوف، ولكنه كان يجيل نظره فرأى ثقبا ~~كبيرا في سقف القصر لا يخرج منه غير الظلام. # وحار في أمره وقال في نفسه: من ثقب هذا الثقب، وما المراد منه؟ ألعلي أجد به منفذا ~~إلى الخارج؟ # وعاد إليه شيء من الرجاء وجعل يفتكر في ماضي أمره، فذكر أن فاسيليكا وعدته بإخراجه ~~ولكنها قالت له: إنه سيخرج نائما كما دخل، وها هو قد استيقظ ولا يزال في القبو، ألعلها ~~كاذبة فيما وعدت؟ # ولبث على هذه الحالة ساعتين وهو لا يستطيع الوقوف لما أصابه من التخدير، ثم شعر فجأة ~~أن قواه قد اشتدت فنهض وأسرع إلى كرسي في القبو قد وضعت تحت الثقب وحاول الصعود ~~عليها. # ولكنه قبل أن يصعد رأى أن باب القبو فتح، ودخلت منه فاسيليكا وحدها وهي تحمل مصباحا ~~بيدها. # فنظر إليها نظرة منكرة ولم ير بيدها ذلك المسدس، وقال: أهكذا يكون وفاء ~~الوعود؟ # فابتسمت له وقالت: طب نفسا، فإني ما أتيت إلا لأفي بوعدي. ~~- إذن سأخرج من هنا. # فأقفلت باب القبو بسكينة وقالت له: كلا ... ~~- كيف هذا؟ وما هذا المخدر الذي سقيتني إياه؟ ~~- إنه لم يكن بد منه. ~~- لماذا؟ ~~- لثقب هذا الثقب مدة نومك. ~~- وما هذا الثقب؟ ~~- إنك سترى منه مدلين، فانظر. # ولم تكد تفوه بهذه الكلمة حتى بزغت الأنوار من ذلك الثقب. # ذلك أنها أدارت لولبا في ms1180 الجدار فانعكست أشعة المرائي، فدهش إيفان دهشا عظيما ورأى ~~حديقة المنزل بجملتها قد ظهرت لعينيه. # ثم رأى أشعة الشمس تسطع في تلك الحديقة، ورأى رجلا وامرأة يتأبط كل ذراع الآخر وهما ~~يتنزهان. # فانقبض صدره انقباضا شديدا؛ إذ عرف أن الرجل هو كارل مورليكس، ثم ما لبث أن عرف ~~المرأة أيضا، وهي مدلين فاصفر وجهه وانحبس نفسه وظهرت ملامح الغضب الوحشي بين ~~عينيه. # وكانت مدلين تبتسم وتدل ظواهرها أنها سعيدة. # أما كارل فكان يظهر لإيفان أنه يضغط على يدها، وأن الاثنين يتحدثان بحديث ~~غرام. # ثم حان الوقت كما يظهر، فأخبر كارل مدلين ذاك الخبر السار عن خطبة إيفان لها كما اتفق ~~عليه مع فاسيليكا، ورأى إيفان من انعكاس تلك المرآة أن مدلين قد طوقت عنق كارل بذراعيها ~~وجعلت تقبله. # فهاج إيفان هياج الضواري وصاح صيحة منكرة، وعند ذاك أدارت فاسيليكا اللولب فاحتجبت ~~الحديقة وانسدل الظلام على الثقب ولم يعد يرى الفتاة ولا الشيخ، بل رأى أمامه ابنة عمه ~~فاسيليكا تبتسم ابتسام المنتصر وتقول له: كيف رأيت يا ابن عمي العزيز أكنت كاذبة فيما ~~قلته لك؟ # فضم إيفان قبضته وقال بلهجة القانطين: لا بد لي من قتلها كي تنال جزاء ~~الخائنين. ~~- كلا، لا حق لك بالانتقام من امرأة لا تحبك. ~~- إذن كيف تنتقمين مني أنت؟ # فضحكت وقالت: إنك مخطئ بما تتهمني به، فإني لا أبغي الانتقام منك بل أحاول أن أعلمك ~~علما قد يفيدك في مستقبل الأيام. ~~- كيف ذلك؟ ~~- بل أردت أن أبرهن لك أنه حين يتدانى رجل له منزلتك ومقامك إلى حب مثل هذه الفتيات، ~~فلا بد له أن يلقى ما يكره، والآن فهات يدك واصفح عني كما صفحت عنك. ~~- ماذا تقولين؟ أتطلقين سراحي؟ ~~- دون شك ولكن بشرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو إنك لا تحاول أن ترى تلك الفتاة التي عبثت بك والتي ستغدو قريبا الكونتس دي ~~مورليكس. ~~- سأفعل ما تريدين ولكني أحب أن أكتب لها على الأقل. ~~- لماذا؟ ~~- لأخبرها أني بت أحتقرها بقدر ما كنت أحبها. ~~- فأجابته من غير اكتراث: ms1181 ليكن ما تريد. # ثم أخذت يده وقالت له: هلم بنا فاتبعني. # وفتحت باب القبو وهي تحمل مصباحا بإحدى يديها ويد إيفان بيدها الأخرى، وخرجت به ~~فتبعها منقادا انقياد الطفل إلى أن بلغت به تلك الغرفة التي خسفت أرضها فيه، ورأى في ~~وسطها الطاولة في موضعها الأول غير أنه لم يجد عليها صحون الطعام كالمرة الأولى بل وجد ~~أدوات الكتابة. # فقال له فاسيليكا: اجلس على هذه المائدة واكتب ما تشاء. # فأخذ إيفان القلم وكتب بيد ترتجف من الغيظ ما يأتي: # مدلين # إني أكرهك وأحتقرك فلا تطمعي أن ترينني بعد الآن، فإني مغادر باريس في هذه ~~الساعة. # إيفان # ثم أخذ الورقة ودفعها إلى فاسيليكا. # فأخذتها منه وهي تبتسم، وقبل أن ينهض عن كرسيه أسرعت إلى الجدار وأدارت لولبا ~~فيه. # وعند ذاك فتحت أرض الغرفة وهبط ذاك القسم الذي كان جالسا عليه، فهوى به إلى تلك ~~الأعماق السرية. # واستحالت هيئة فاسيليكا، وظهرت عليها ملامح الحقد والانتقام، فقالت تخاطب ذاك المنكود ~~وهو يهوي: إنك لن تخرج من هذا السجن وسأدفنك في القبر حيا. # 32 # لم يعد لإيفان أقل مجال للريب هذه المرة بأنه بات من الهالكين. # وقد كان سقوطه سريعا حتى إنه لم يستطع أن يفوه بكلمة، فانتقل فجأة من النور إلى ~~الظلمة وشعر أنه استقر على محل لين. # وكان الظلام حالكا فلم يدر أين هو، وقد حسب لأول وهلة من خسوف أرض الغرفة به أنه سقط ~~في هوة، وأنه سيقع فوق صخور حادة. # غير أنه حين استقر بعد سقوطه اطمأن ونهض فجعل يطوف في ذاك الموضع طوف الأعمى لشدة ~~الظلام، ثم رأى أن نورا قد انبعث فجأة فأجال نظرا حائرا في ذاك الموضع، فاندهش حين ~~رأى أنه سقط في نفس القبو الذي كان فيه. # وقد رأى المصباح في موضعه من القبة والجثة في مكانها من الجدار، ثم رأى ذاك الثقب ~~الذي رأى منه مدلين في الحديقة، فحار في أمره حيرة شديدة وقال: ما هذا الذي أراه؟ ~~أحقيقة ما أنا فيه أم أني من ms1182 الحالمين؟ # ثم هرع إلى الباب فوجده محكم الإقفال، ولكنه وجد الرتاج مفتوحا فوقف وقفة المضطرب، ~~وذكر كيف سقط وقال في نفسه: لا شك أن فاسيليكا لا تريد موتي ولكنها تريد سجني لأغراض ~~لها. # وعندها وقف أمام الباب وجعل ينادي ابنة عمه بصوت مرتفع. # ولم يطل صياحه حتى وافته ابنة عمه وجعلت تكلمه من وراء الباب المقفل فقالت: إني أتيت ~~يا ابن عمي العزيز كي أقص عليك حكاية قبل أن أودعك الوداع الأخير. # ثم ضحكت ضحك الساخر وقد برقت عيناها بأشعة الانتقام الهائل، فأيقن إيفان أنه قضي عليه ~~بالموت لا محالة فاضطرب اضطرابا شديدا على بسالته؛ لأنه لم يعلم أي موت سيموت. ~~••• # أما فاسيليكا فإنها عادت إلى حديثها وقالت له بلهجة المتهكم: ألا ترى يا ابن عمي ~~العزيز هذه الجثة التي استحالت إلى هيكل من العظام؟ # فقال لها باحتقار: ماذا يهمني أمرها إذا كنت لا أخشى الموت، وأي موت أخشاه بعد أن ~~علمت بفضلك خيانة من أحب؟ ~~- لقد قلت الحق فإنك ما عرفت خيانة مدلين إلا بفضلي. ~~- إذن تعرفين؟ ~~- دون شك، فإني أنا التي أقنعت مدلين من الزواج بكارل مورليكس. ~~- تبا لك من شقية. ~~- اصغ يا ابن عمي الجميل، فإني سأقص عليك حكاية هذه الجثة. ~~- لا أريد أن أعرفها. ~~- ولكنها تفيدك. # فسكت إيفان واستأنفت فاسيليكا الحديث وقالت: كان يقيم في هذا المنزل منذ أربعين عاما ~~امرأة تخون زوجها. # فقبض الزوج على العاشق وصيره جثة بالية كما تراه، وهو الذي اخترع تلك الآلة التي تظهر ~~فيها حديقة المنزل من ذاك القبو المظلم. # ثم صفقت بيديها ثلاثا فاستنار الثقب وانعكست أشعة المرائي، فنظر إيفان والعرق البارد ~~ينصب من جبينه، فرأى تلك الحديقة ورأى فيها مدلين ومورليكس جالسين على بساط من الخضرة، ~~وهو آخذ يدها بين يديه يحادثها وينظر إليها نظرات الهيام وهي تبتسم له ابتسام ~~الرضى. # ثم استأنفت فاسيليكا حديثها فقالت: وكان هذا العاشق الذي ترى جثته يستطيع أن يرى تلك ~~الزوجة الخائنة كل يوم بفضل هذه الآلة وهي تبكيه، إذ لا تعلم ms1183 أين هو فظل على هذه الحال ~~إلى أن أدركته الوفاة. # فصاح إيفان صيحة منكرة وقال: يا للهول. # فابتسمت فاسيليكا وقالت له: إن المرأة التي تكون مثلي يا ابن عمي العزيز إذا انتقمت ~~بلغت بانتقامها أبعد غاية. # ولنعد الآن إلى حديثنا، فإن هذا المنزل انتقلت ملكيته من قوم إلى آخرين حتى وصل إلى ~~مورليكس، فهو الآن منزل مدلين وأنت سترى مدلين كل يوم كما كان يرى صاحب هذه الجثة تلك ~~المرأة، وأعدك وعدا صادقا أنك ستراها كل يوم ما زلت في قيد الحياة. # ثم ضحكت ضحكا عاليا وقالت: يجب أن تطمئن فإني لا أطيل عذابك وسأدعك تموت في هذا ~~القبو من الجوع. # وعند ذاك قفلت النافذة ورحلت، فسمعها إيفان تقول لبيريتو: احذر أن تطعم هذا الرجل ~~كسرة من الخبز ولو دفع لك ثمنها ملايين، فإني أقتلك شر قتل إذا خنتني فيه وأنا سأحضر كل ~~يوم لأستوثق من طاعتك. # فقال لها بيريتو: لتثق بي سيدتي الكونتس كل الثقة فإني لا أخالف أمرها في شيء، ثم ذهب ~~الاثنان. # أما إيفان فإنه لما وثق أن مدلين لم يعد له فيها أقل رجاء، وأنه لا بد له أن يموت من ~~الجوع يئس يأسا شديدا وألقى نفسه على الأرض. # وفي الأمثال السائرة أن الفرنسي يرجو إلى آخر دقيقة، ولكن الروسي لا يعرف الرجاء متى ~~وثق من النكبة، وقد رأى إيفان أنه سيبقى أسيرا إلى أن ينقذه الموت، وأنه سيرى مدلين كل ~~يوم إلى أن يدركه الموت، فكبر عليه أن يرى تلك الفتاة التي أهانته، وكتب إليها ذاك ~~الكتاب الشائن وهو لا يزال يهواها. # ومرت به ساعة وهو في أشد حالة من الجوع حتى ذهب صبره واستسلم لليأس فعول على ~~الانتحار، وحاول أن يسحق رأسه بالجدار فيموت ويستريح. # ولكنه ما لبث أن عزم العزم الأكيد ومشى إلى الجدار بقدم القانط الواثق من راحة الموت ~~حتى حدث له حادث عجيب لم يكن يخطر له في بال. # ذاك أن المصباح المعلق في قبة القبو انطفأ فجأة واسود الثقب المستنير، ms1184 واحتجب منظر ~~الحديقة ومن كان فيها، وبات هذا المنكود في ظلام دامس والذعر ملء قلبه، وتوقف هنيهة عن ~~الانتحار إذ سمع صوت حركة فوق رأسه فرفع عينيه إلى قبة القبو، فرآها قد انفتحت في ~~المكان نفسه الذي كان معلقا فيه المصباح ثم رأى نورا أضاء وزنبيلا مدلى من تلك القبة ~~وفيه رجلان. # وكان أحد الرجلين يحمل مصباحا والزنبيل ينزل نزولا بطيئا متدرجا حتى استقر على ~~الأرض. # وعند ذاك خرج الرجلان من الزنبيل ولم يكن إيفان يعرف أحدا منهما. # فدنا منه الذي كان بيده المصباح وقال له: إني قادم لإنقاذك. # فدهش إيفان وقال: من أنت؟ ~~- أنا رجل لا تعرفه ولو ذكر لك اسمه، فإني أدعى روكامبول. # 33 # ولم يكن إيفان قد سمع روكامبول من قبل فقال له: نعم فإني لا أعرف اسمك ولم ~~أرك. ~~- إني صديق المرأة التي تحبها. ~~- مدلين؟ ~~- نعم. # فهز إيفان رأسه وقال: إني لا أحب مدلين يا سيدي بل ... ~~- تريد أن تقول: بل هي لا تحبك؟ # فوضع إيفان يده على جبينه كالقانط من الحياة وقال له: إنك آت لإنقاذي كما تقول ولكن ~~أية فائدة لي من الحياة دون مدلين؟ # فابتسم روكامبول وقال له: سكن روعك يا سيدي واجمع حواسك كي تستطيع أن تصغي ~~إلي. # وكان يكلمه بلطف ويضغط عليه بنظراته الشديدة حتى اجتذبه إليه، فقال له إيفان: ماذا ~~تريد أن تقول لي وأي كلام يعزيني عما أنا فيه؟ ~~- ألم يجعلك مورليكس من المجانين؟ ~~- نعم. ~~- ألم يدفعك إلى رجل قال لك: إنه مسجل، وهو طبيب خاص بمصلحة المجانين؟ ~~- هو ما تقول. ~~- ألا تذكر حين كنت ذاهبا معه في المركبة إلى منزل له أنك لقيت فتاة خدعت بها ~~وحسبتها مدلين؟ # فصاح إيفان صيحة غريبة، كأنما غمام الشك الكثيف قد انقشع عن مخيلته. # فقال له روكامبول: إن هذه الفتاة هي نفسها التي رأيتها منذ ساعة وحسبت أنها ~~مدلين. # فصاح إيفان صيحة أخرى وقال: رباه! ماذا تقول؟ # فلم يجبه روكامبول ولكنه دنا من الثقب الذي فتحته فاسيليكا في سقف القبو ونادى ~~قائلا: ms1185 أزح الستار يا بيريتو. # وللحال استنار الثقب وعاد رسم الحديقة إلى الارتسام فوق المرآة، فظهرت مدلين ~~لإيفان. # وكان روكامبول واقفا بجانبه يرى ما يراه، فقال له: أمعن النظر جيدا بهذه الفتاة ألا ~~تجد فرقا بينها وبين مدلين الحقيقية؟ ~~- لم أجد فرقا بينهما من قبل إلا بالصوت؛ لأن صوتيهما يختلفان وكيف أستطيع أن أسمع ~~صوتها؟ ~~- إنك ستسمعه في الحال، إذ يجب أن تسرع بالخروج من هذا المكان. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث ترى مدلين الحقيقية. # فسالت دموع إيفان لفرط سروره وقال لروكامبول: من أنت أيها الرجل؟ ألعلك مرسل من ~~الله؟ ~~- كلا وا أسفاه، ولكني أخدم الذين أحبهم. ~~- كيف تحبني وأنا لم أرك في حياتي؟ ~~- وأنا لم أرك أيضا. ~~- إذن أنت تعرف مدلين؟ ~~- عرفتها منذ ثمانية أيام ولكني صديق لرجل لا بد أن تكون مدلين ذكرت لك شيئا ~~عنه. ~~- من هذا الرجل، ألعله ميلون؟ # فأجابه ذلك الرجل الذي كان مع روكامبول في الزنبيل: نعم أنا هو يا سيدي. # ثم أخذ يده بين يديه وضغط عليها بلهف وقال: أتحبها حبا أكيدا؟ أتجعلها سعيدة بعد ~~الذي كابدته من العذاب؟ ~~- إني لا أحبها حبا بل أعبدها عبادة، وسأجعلها من أسعد النساء في الوجود. # وعند ذلك قال روكامبول لميلون: إن الوقت ضيق الآن عن الأبحاث، فاخلع ثيابك. # فانذهل إيفان وقال: لماذا يخلع ثيابه؟ ~~- كي يستبدلها بثيابك. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يجب أن يبقى مؤقتا في مكانك. ~~- في مكاني أنا؟ ~~- دون شك؛ لأن فاسيليكا لا بد أن تجيء كل يوم كي تتفقدك، وتحضر نزعك. ~~- ولكني لا أرضى أن يضحي هذا المسكين نفسه عني. # فابتسم روكامبول وقال له: كن مطمئنا؛ لأن ميلون سوف يتقن تمثيله كل الاتقان، فإن ~~قامته تشبه قامتك، وسيدير وجهه إلى الجدار كي لا تراه ويمثل دور متألم من الجوع، ولكن ~~طعامه يحضر إليه كل يوم فلا يموت جوعا. ~~- من يحضر له الطعام؟ ~~- بيريتو. ~~- هذا الشقي خادم فاسيليكا؟ ~~- نعم، ولكنه لبث مخلصا في خدمتها إلى أن رآني فأخلص في خدمتي أنا فلا يخونني؛ لأنهم ~~يعلمون مقدرتي. # وبعد هنيهة ms1186 وجيزة أتم ميلون خلع ملابسه فلبسها إيفان وقال روكامبول لميلون: احذر أن ~~تنسى شيئا مما علمتك إياه، فإذا سمعت وقع أقدام فأكثر من الأنين. # فقاطعه إيفان وقال: إن فاسيليكا قد تدخل إلى القبو فيفتضح الأمر. ~~- إذن يكون دخولها من نكد حظها، فإني أقسمت يمينا صادقة أن لا أهرق دما بشريا إلا ~~حين الاضطرار الشديد، فإذا انخدعت بميلون مدة خمسة أيام وهي المدة اللازمة لوقايتك ~~ووقاية مدلين من شرها كان انخداعها من حسن حظها، وإذا عرفت الحقيقة قتلها حالا بطعنة ~~خنجر إذا لم يخنقها ميلون بيديه. # وعندها ودع روكامبول ميلون وقال له: ستخرج من هذا المنزل بعد خمسة أيام أي في يوم ~~زواج إيفان بمدلين. # ثم دخل إلى زنبيل وتبعه إيفان وصفق ثلاثا، فارتفع هذا الزنبيل واحتجبا عن ~~ميلون. # بعدها بدقيقة كان روكامبول مع إيفان في غرفة متسعة تشرف نوافذها على الحديقة. # وكانت تلك النوافذ مقفلة ولكن إيفان وروكامبول كانا يستطيعان أن يريا من داخلها الذين ~~في الحديقة، فرأيا مدلين ومورليكس. # فقال روكامبول لإيفان: اصغ جيدا تسمع صوتها. # فأصغى إيفان هنيهة ثم انقلب وعلائم السرور بادية في وجهه وقال: رباه! ليس هذا الصوت ~~صوت مدلين! ~~- ألم أقل لك: إنهم خدعوك، فإن هذه الفتاة هي كلوريند التي أخبرتك عنها والآن ~~اتبعني. # ثم سار الاثنان من غرفة إلى غرفة حتى بلغا إلى الباب الخارجي، ففتحه روكامبول بسكينة ~~وخرج منه مع إيفان إلى الشارع العام. # فما سارا هنيهة حتى رأيا مركبة واقفة للانتظار، فقال له روكامبول: هلم بنا إليها ~~واحذر أن يؤذيك الفرح. # فلما وصل إيفان إلى المركبة رأى مدلين قد فتحت له يديها وقالت له ودموع الفرح بين ~~عينيها: لقد رأيتك أخيرا. # وكان سرور العاشقين لا يحيط به وصف، فصعد روكامبول في إثر إيفان إلى المركبة وقال ~~للسائق: سر بنا إلى منزل الكونتس أرتوف. # 34 # كان مورليكس أتى بكلوريند وهو يحسبها مدلين إلى منزل فاسيليكا بحجة أن هذا المنزل ~~سيكون لها بعد زواجها بإيفان. # وكانت كلوريند عالمة بما سوف يحدث فكانت تمثل دورها ms1187 أتقن تمثيل. # وقد عانقت كارل بلهف شديد حين أخبرها عن زواجها بإيفان، وتظاهرت بالاضطراب العظيم حين ~~رأت فاسيليكا. # ويذكر القراء أن فاسيليكا كانت وعدتها بأن تجيئها بأخبار إيفان، ولكنه مضى نصف ذلك ~~اليوم ولم تحضر. # وفي المساء بينما كان كارل مع كلوريند ينتظران فاسيليكا في شارع كاسيت إذ وردت له ~~رسالة حملها إليه بيريتو، فأسرع كارل إلى فض الرسالة وقرأ ما يأتي: # سيدي الفيكونت # إنك لن تراني اليوم إذ ليس لدي أخبار حسنة أرويها للعزيزة مدلين، ولكني أرجو ~~أن أرد إيفان إلى الصواب وأحنن قلبه. # صديقتك فاسيليكا # فاهتزت أعطافه سرورا وقال في نفسه: لا شك أن فاسيليكا من أهل الوفاء فقد وفت ~~بوعدها. # أما كلوريند فقد تظاهرت بالانشغال وقالت له: ما هذا الذي تقرأه؟ ~~- لا شيء. ~~- ولكني أراك قد اضطربت ثم اختطفت منه الرسالة، فدافع دفاعا خفيفا وابتعدت عنه ~~فقرأت الرسالة وقالت بصوت مختنق: هذا ما كنت أخشاه فإن قلبي يحدثني بهذا المصير. ~~- إني لم أفهم شيئا من هذه الرسالة . ~~- أما أنا فقد فهمت كل شيء ... ~~- ماذا تعنين؟ # فوقفت كلوريند وهي تتكلف هيئة الحزن الشديد وقالت: لنعد إلى منزلنا ولنبرح هذا المنزل ~~المشئوم. # وكانت تكلمه بلهجة الآمر فما وسعه مخالفتها، وخرج بها فركبا مركبة سارت بهما إلى منزل ~~كارل حتى إذا وصلا إليه تظاهرت بالاسترسال إلى الحزن، وقالت له: إنك يا خالي لم تفهم ~~شيئا من هذه الرسالة ولكني قد فهمت كل شيء ... ~~- أوضحي ما تقولين. ~~- كلمة واحدة تغني في هذا السبيل. ~~- ما هي؟ ~~- الكونتس فاسيليكا. ~~- أتظنين بها السوء؟ ~~- كل السوء فإنها لا بد أن تكون قد وشت في الوشايات الكاذبة إلى إيفان فتغير قلبه علي ~~... # ثم جعلت تبكي بكاء شديدا وتلتمس من كارل أن يدعها وحدها، فلم يسعه إلا الامتثال، ~~فخرج من غرفتها إلى غرفته وجعل يضحك ضحك الفائز المسرور، ويقول: لله درك يا فاسيليكا، ~~ما أشد دهائك! # وما لبث أن استقر في غرفته حتى دخل إليه خادمه وقال له: لقد جاء يا سيدي رجل أثناء ~~غيابك يحمل كتابا ms1188 إلى المدموازيل مدلين وأعطاني عشرين فرنكا مشترطا علي أن أسلم هذا ~~الكتاب إليها حين تكون وحدها في المنزل، فأخذت منه الكتاب ووعدته بالامتثال ولكني رأيت ~~أن أخبرك بأمره قبل أن أفعل شيء من ذلك. ~~- حسنا فعلت، ثم أخذ الكتاب بلهف وفضه فقرأ فيه ما يأتي: # إذا أردت أن تري إيفان الذي لا يزال يهواك فاهربي من هذا المنزل الذي أنت فيه ~~... # وكان الكتاب خاليا من التوقيع فلما قرأه كارل قال في نفسه: هذه إحدى مكائد روكامبول، ~~ولقد صدقت فاسيليكا إذ يجب الحذر من هذا الرجل وغل يده عن أذيتنا. # أما مدلين أو كلوريند فاستمرت تمثل دورها، فإنها بقيت في غرفتها متظاهرة بالحزن ~~الشديد. # وفي صباح اليوم التالي كتبت فاسيليكا تقول: إنها وضعت كتاب إيفان إلى مدلين في ~~البوسطة، وعهدت إليه أن يتهيأ قبل ورود الكتاب إليها ويمهد لها سبل احتمال الضربة ~~القاضية وأنها ستزوره في المساء. # وأقام كارل ينتظر ورود الكتاب بفارغ الصبر إلى أن دقت الساعة العاشرة، فطرق الباب ~~الخارجي ودخل موزع البريد، فأخرج من حقيبته كتابا وقال بصوت مرتفع: هو ذا كتاب ~~للمدموازيل مدلين ميلر، فأسرع أحد الخدام وأخذه منه. # وكانت كلوريند جالسة قرب النافذة المشرفة من غرفتها على الباب، فرأت موزع البريد ~~وسمعته يذكر اسمها، فأسرعت إلى غرفة كارل وتناولت الكتاب، فما أوشكت أن تقرأ عنوانه حتى ~~صاحت صيحة فرح وقالت: إنه من إيفان فإني أعرف خطه ... # فأطرق كارل برأسه وقال: رباه كم تحبه ... # أما كلوريند فإنها فتحت ذلك الكتاب وهو الكتاب الذي كتبه إيفان إلى مدلين حين كان ~~يعتقد أنها خانته، فلما قرأته كلوريند صاحت صيحة منكرة وسقط الكتاب من يدها، وتظاهرت ~~أنها أصيبت بنوبة عصبية ثم سقطت مغميا عليها بين يدي كارل. # فحملت إلى سريرها، وأمر كارل بإحضار الطبيب وجلس أمام سريرها، وهو يوشك أن يجن هياما ~~بها وإشفاقا عليها ويكلمها بأعذب الألفاظ. # وبعد حين رأت كلوريند أنه قد حان لها أن تستفيق من إغمائها، فاستفاقت ولكنها جعلت ~~تقلد المصابين بالحمى فتهذي وتذكر اسم حبيبها ms1189 إيفان واسم فاسيليكا. # ثم عادت إلى صوابها فأخذت يد كارل وقالت له: إن كل ذلك يا خالي لم يكن إلا صنع تلك ~~المرأة التي تدعى فاسيليكا. # ولم تكد تتم حديثها حتى ظهرت فاسيليكا أمام سريرها فنظرت إليها كلوريند نظرة هائلة ~~ملؤها الحقد. # غير أن فاسيليكا لم تكترث لظواهر حقدها، وقالت لها بلطف: لا يحق لك أن تتهميني فإننا ~~بهذه النكبة سواء وكلانا فقد إيفان، على أنك لو تمعنت لعلمت أنك أنت التي جنيت على نفسك ~~باعتمادك على لص شقي يدعى روكامبول. # فمدت كلوريند يدها إلى فاسيليكا، وقالت لها: لقد علمت الآن كل شيء فاصفحي عني، ~~وأخبريني بما تعلمينه عن حقيقة أمر إيفان فأين هو؟ ~~- إنه سافر. ~~- إلى بطرسبرج؟ ~~- نعم. # فأنت كلوريند أنين الموجع، وسكتت سكوتا هائلا، ثم أظهرت بإشارة أنها تحب أن تبقى ~~وحدها، فخرج كارل والكونتس وتركاها منفردة كما أرادت. # فلما اختليا قال لها: إنني خائف أشد الخوف. ~~- مما تخاف؟ ~~- من أن يقتلها الحزن. # فنظرت إليه فاسيليكا نظرة إشفاق وقالت له: لقد بالغت بغرامك أبعد غاية، فهل ~~تتزوجها؟ ~~- من لي بزواجها إذا كانت ترضى فإنها غاية مطمعي. # فأجابته بلهجة المتهكم: كن مطمئنا فإنها ترضى. # ثم ودعته وخرجت إلى المركبة التي كانت تنتظرها على الباب الخارجي وفيها ~~بيريتو. # فقالت له وهي تبتسم: إنهم يهزأون بكارل دي مورليكس كما يهزأون بالأطفال، فإن هذه ~~الفتاة ليست مدلين بل هي شبيهتها كلوريند وقد تمكن روكامبول من العبث به كما يشاء، ~~والآن فاصغ إلي فإني أريد أن أقصر مدة نزع إيفان حذرا من أن ينقذه روكامبول فاحذر أن ~~تعطيه طعاما. ~~- إذن فهو يموت بعد ثلاثة أيام. ~~- وبعد خمسة أيام نبرح باريس، وليعبث روكامبول بمورليكس كما يشاء. # ثم أمرت السائق بالمسير دون أن ترى ابتسام بيريتو الذي كان يريد به: أن روكامبول لا ~~يعبث بمورليكس وحده بل بك أيضا. # 35 # بعد ذلك بيومين كان كارل مورليكس خارجا من منزله إلى شارع سانت جرمين. # وكانت علائم الهرم ظاهرة بين ثنايا وجهه حتى ليقال: إنه قد بلغ ms1190 مائة عام لفرط ما لقيه ~~في هذين اليومين من الهم والخوف على كلوريند التي يحسبها مدلين. # وقد تبدلت طباع هذا القاتل السفاك، واستحالت أخلاق ذلك المجرم الجسور، فأصبح فاتر ~~الهمة، منخلع القلب، متراخي العزيمة، لا يشغل باله غير ذلك الحب الذي ملأ قلبه الفاسد، ~~فتمكن بفضل ما كانت تجربه كلوريند من أساليب المكر والحيلة كي تهيج مكامن غرامه فإنها ~~كانت تارة تستسلم للقضاء وتذعن لأحكامه، وتارة تسترسل إلى اليأس فتقلبه بين الخوف ~~والرجاء، وتثير عواصف الحب في قلبه حتى أصبح لا يطمع بغير مدلين، ولا يكترث بتلك ~~الأموال التي اختلسها على فرط حرسه على المال. # وكانت كلوريند قد لزمت فراشها يومين وفي صباح اليوم الثالث غادرت سريرها، ودخلت فجأة ~~إلى غرفة كارل. # وكانت صفراء الوجه كئيبة، ولكنها كانت ساكتة هادئة فقالت له: إني أحب أن أختلي بك ~~لأباحثك في شأن خطير. # فاضطرب الفيكونت اضطرابا عظيما ووقف أمامها موقف الخاشعين. # فقالت: لقد عرفت يا خالي العزيز أن كل ما اتهمت به كان حقيقة، فإنك قتلت أمي بالسم، ~~وسرقت ثروتي وثروة أختي أنطوانيت، ولكني أسامحك باسم أمي المائتة، وباسم أختي وباسمي ~~على شرط أن ترد لنا تلك الثروة. # وكأنما ذكر الثروة أعاد إليه مطامعه الأشعبية، فاتقدت عيناه وحاول أن يجيب، غير أن ~~كلوريند حالت دون قصده فاستأنفت حديثها وقالت: إن قلبي قد انسحق وبت شاعرة بدنو الأجل ~~فإن احتقار إيفان لي وتخليه عني قد قتلاني، ولكني أحب قبل الموت أن أضمن مستقبل أختي ~~ومستقبل الرجل الذي تحبه وهو ابن أخيك أجينور. # وأنا أعيد عليك ما قلته وهو أن الضربة قد أصابت قلبي، فلا رجاء لي بالحياة، ولا أطمع ~~بالعيش أكثر من ثلاثة أشهر؛ لذلك فإني أستطيع أن أضحي تضحية أخيرة. # وأنت تعلم أنه يوجد أشقياء يعلمون أسرار أسرتنا الهائلة، فأحب أن أدفع عنك شرهم وأصون ~~عائلتنا من تلك الوصمة، ولا أستطيع ذلك إلا بتلك التضحية. # ثم نظرت إليه محدقة وقالت له بثبات: أتريد أن تتزوجني؟ # فصاح كارل صيحة فرح وركع أمامها وجعل ms1191 يقبل يديها. # أما كلوريند فلم تكترث لمظاهره وقالت: إني إذا أصبحت امرأتك لا يستطيع أحد بعد ذلك أن ~~يتهمك بقتل أمي. # فسالت الدموع من عيني كارل وقال: لا شك أنك من الملائكة الأطهار. ~~- ولكن يجب أن تستحق ذلك العفو الذي منحتك إياه مع شقيقتي. ~~- تكلمي أيتها الحبيبة ومري بما تشائين. ~~- إني أريد أن ترد جميع الأموال ... ~~- لك؟ ~~- لي ولأختي، فاذهب إلى أخيك فيليب واعقد معه عقد زواجي وزواج أختي أنطوانيت. ~~- إني مستعد لإعطائك كل شيء. ~~- كلا إني لا أريد مال فإني سأموت ولا حاجة لي بالمال. # فضمها كارل إلى صدره وقال: أنت تموتين ولا تزالين في أول شوط من حلبة الشباب. ~~- إذ لم أمت فإني أحب أن أعيش فقيرة وأن تكون فقيرا مثلي. ~~- إذن لمن تريدين أن أرجع هذه الثروة؟ ~~- لأختي، ولا أرضى بزواجك إلا هذه الشروط. # فلم يجد بدا من الامتثال، وذهب صاغرا لمقابلة أخيه. # ولم يكن هذا العناء قاصرا على كارل بل إنه شمل أخاه والد أجينور، فإن تقريع ضميره قد ~~أنهك قواه حتى انقطع عن الناس ولزم منزله، لا يقابل أحدا ولا يخرج منه للاجتماع ~~بأحد. # ولما وصل كارل إلى منزل أخيه أسرع إليه الخادم وقال له: أسرع يا سيدي فإنك قد لا تعرف ~~أخاك لفرط ما قد تغير. # فذعر كارل وسأله: ويحك ما أصاب أخي، ألعله لا يزال مريضا؟ ~~- كلا، ولكنه بات شبيها بالمجانين، فهو لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، ولا يخرج من ~~المنزل ولا يسمح لأحد أن يراه إلا ولده أجينور، ولكن أجينور لم يحضر إليه منذ ~~شهر. # فلم يجب كارل الخادم بشيء وتبعه إلى الغرفة التي يقيم فيها أخوه فانذهل حين رآه، إذ ~~لقيه أبيض الشعر وقد أحنى ظهره الهم. # فلم يحفل والد أجينور بانذهال أخيه، ولم يرد تحيته بل قال له: لماذا أتيت إلي؟ ألعلك ~~ندمت وعلمت أن يد الله قد انقضت علينا؟ # فارتعش كارل وقال له: ماذا تعني بما تقول؟ ~~- أعني أن ولدي يهرب مني ويحتقرني. # فجلس كارل بإزائه وقال له: ms1192 نعم، إن الله كان أخذ بعقابك غير أن ملائكته شفعت بك إليه ~~لتوبتك الصادقة، وأنا يا أخي قد أصبحت مثلك من التائبين وأتيت أسألك المساعدة. ~~- لماذا؟ ~~- لنصلح خطأنا ونمحو ذنوبنا السابقة. ~~- أتقول الحق؟ ~~- نعم، إذ يجب علينا أن نرد لهاتين اليتيمتين أموالهما التي سرقناها، ففرح فيليب ~~فرحا شديدا وقال له: أتوافق على رد الثروة للأختين؟ ~~- نعم فإن إحداهما تحب ابنك أجينور وستصبح امرأته. ~~- ولدي أنا؟ ~~- نعم ... ~~- الثانية؟ # فتلعثم لسان كارل وجعل يردد لفظة الثانية دون أن يجسر على القول، فسأله والد أجينور: ~~والثانية ما أصابها وما بالك لا تجيب؟ ~~- إنها توافق ... ~~- على ماذا؟ # فأطرق كارل برأسه استحياء وقال: إنها توافق على الزواج بي. # فصاح والد أجينور صيحة ذعر وقال: تتزوجك أنت وأنت خالها؟ ~~- أواه، إن حبها تملك قلبي حتى أوشكت أن أجن بهواها، فلا تلمني يا أخي وأرسل من يدعو ~~لنا المسجل، إذ يجب علينا أن نرد الثروة لأصحابها قبل كل شيء. # فوضع فيليب يده على جبينه وقال: رباه ماذا أسمع ألعلي من الحالمين؟! # فأجابه صوت رجل ظهر على عتبة الباب: كلا يا أبي فإنك في اليقظة. # فالتفت فيليب ورأى ولده أجينور فأسرع إليه وقد جال الدمع في عينيه لسروره، وقال له ~~وهو يعانقه: أنت ولدي عدت إلي؟ ~~- نعم أنا هو، وقد عدت إليك بخصوص الأختين. # 36 # عندما يشبع النمر من فريسته يلحس بلسانه شفتيه، ويذهب إلى عرينه فيقيم فيه نائما ~~مطمئنا ناعما إلى أن تنتهي مدة هضمه بسلام. # وهكذا فعلت فاسيليكا التي لا تفرق بشيء من أخلاقها عن تلك الضواري المفترسة، فإنها ~~طربت لانتصارها كما يطرب أولئك الظلام الشرقيون الأقدمون، الذين كانوا يجلسون في ~~مقاعدهم فيأتيهم الخدم في صباح كل يوم برءوس أعدائهم مقطوعة فينظرون إليها دون أن يظهر ~~عليهم أثر من آثار الإشفاق. # وقد أقامت فاسيليكا ثلاثة أيام في منزلها، إذ لم تكن تكترث لباريس ولا يهمها أمر ~~مورليكس، فكانت تقول عنه: إن روكامبول قد عبث بهذا الأبله، وغاية ما همني أن لا يعبث ~~ثم، ثم تمددت فوق ms1193 مقعدها وجعلت تدخن وتهضم انتقامها كما يهضم النمر الفريسة. # وكان بيريتو يجيء مرتين كل يوم إليها بالتقارير عن حالة إيفان، فكان يبالغ في إظهار ~~ما يقاسيه من الآلام بغية إرضائها، ويقص عليها ما يكابده من العذاب في أول عهده بالجوع ~~إلى حين تمكنه منه فيثير منها عواطف الانتقام، وتفرح فرحا وحشيا لبلوغها أقصى ~~أمانيها من الانتقام. # وقد جاءها ليلة فقالت له: منذ كم ساعة يقيم الأسير في القبو؟ ~~- منذ سبعين ساعة. ~~- كم بقي له دون طعام؟ ~~- نحو ثمانين ساعة ... ~~- إذن فقد مات. # فاضطرب بيريتو وخاف؛ إذ وافق على موته أن تحاول أن تراه بعد الموت فقال: كلا يا سيدتي ~~إنه لم يمت بعد ولكنه في حالة النزاع. # ولم يكد بيريتو يقول هذا القول حتى أبرقت عيناها بأشعة الفرح وقالت: ما أجمل هذا ~~المنظر يا بيريتو! وما أحلى الانتقام! فهلم بنا إني أحب أن أراه بين أنياب ~~الموت. # فارتعش بيريتو وعلم أن حيلته لم تفده، وأن مجادلة هذه المرأة محال إذ لا يثنيها شيء ~~عما تريد. # وخرجت فاسيليكا فخرج في أثرها وبعد نصف ساعة وصل الاثنان إلى ذلك المنزل الذي حفرت ~~فيه فاسيليكا قبر إيفان. # وكان بيريتو أصفر الوجه يضطرب اضطرابا شديدا غير أن فاسيليكا كانت منشغلة بلذة ~~انتقامها غير ملاحظة اضطرابه. # فلما وصلا إلى مدخل سلم القبو قالت: أنر المصباح، فأخذ عودا من الكبريت وحك به ~~الحائط التماسا للنور فلاحظت فاسيليكا أن يده كانت ترتجف. # ثم أضاء المصباح وتقدمها في السلم المؤدية إلى القبو، فلاحظت فاسيليكا أن قدميه كانت ~~تضطربان فداخلها الريب بوقائه، فوضعت يدها على صدرها افتقادا لخنجرها وقالت: حسنا سوف ~~نرى. # واستمر بيريتو في نزوله وهي تتبعه دون أن تسمع حسا إلى أن وصلت إلى آخر درجة من ~~السلم فسمعت أنينا مزعجا. # فوقفت وأصغت إصغائا تاما فعلمت أن الأنين الذي تسمعه شديد لا يدع على النزع، فوضعت ~~يدها على قبضة خنجرها وقد تمكن منها الريب ومشت في أثر بيريتو، ولما وصلا إلى الباب ~~انقطع صوت الأسير وعاد بيريتو ms1194 إلى فاسيليكا وقال لها: أظن أنه قد مات. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد فإن صوته قد انقطع. ~~- إذن افتح الباب. ~~- ولكن يا سيدتي ... ~~- افتح. # وكانت تتكلم بلهجة السيادة فلم يسع بيريتو مخالفتها، ففتح الباب. # وعند ذلك أخذت فاسيليكا منه المصباح فحملته بيدها اليسرى ويدها اليمني على قبضة ~~خنجرها، وجعلت تبحث في ذلك القبو. # وكان ميلون الذي كانت تعتقد أنه إيفان منطرحا على الأرض وهو حابس أنفاسه. # فلما دنت منه بمصباحها اضطرب بيريتو اضطرابا شديدا، وقال في نفسه: لم يعد لي بد من ~~الامتثال لروكامبول وخنق هذه المرأة. # غير أن فاسيليكا كانت أسرع منه، فإنها علمت لأول نظرة أن هذا الرجل غير إيفان فقالت: ~~يا للخيانة! وانقضت بخنجرها على بيريتو فأغمدته في صدره. # فسقط بيريتو قتيلا مضرجا بدمائه، ولم يقل غير جملة واحدة وهي: إلي يا ميلون! # وكان المصباح قد سقط من يد فاسيليكا فانطفأ، ونهض ميلون يتعقبها. غير أن الظلام كان ~~حالكا فلم يهتد إليها، وجعل يسير في الجهة التي خرج منها صوتها. # ولا بد أن يدرك القراء أن الاتفاق كان تاما بين بيريتو وأسيره منذ ثلاثة أيام، فكان ~~بيريتو عندما يثق بأن فاسيليكا غير قادمة إلى المنزل يخرج ميلون من القبو فينام فوق ~~سرير ناعم، بحيث عرف مداخل المنزل ومخارجه. # فلما طعنت فاسيليكا بيريتو تلك الطعنة القاتلة، ورأت أن المصباح قد انطفأ أسرعت إلى ~~الخروج من القبو وخنجرها يقطر دما بيدها، فأسرع ميلون إلى إدراكها وضغط عليها ضغطة ~~أوشكت أن تقتلها، فصاحت صياح الألم ولكنها تمكنت من التخلص منه وطعنته بخنجرها طعنة لم ~~تعلم أين وقعت منه لاشتداد الظلام وأركنت إلى الفرار. # فصاح ميلون حاقدا متألما واقتفى أثرها راكضا وراءها فوق درجات سلم القبو التي صبغت ~~بدمائه، فأدركها عند آخر درجة من درجاته، وأمسك طرف ثوبها. # فارتدت إليه وطعنته طعنة أخرى، ثم أفلتت منه وقد تمزق ثوبها، واندفعت تجري في الردهة، ~~واندفع في أثرها حتى أدركها في آخر الردهة حيث تبدد ظلام القبو وملأ تلك الردهة ضوء ~~النهار وهجم عليها هجوم ms1195 الأسود. # وكانت فاسيليكا قد أصابته بجرحين في كتفه وساعده، فلما رأت أنها لا مناص لها منه ~~التصقت بالجدار وقالت في نفسها: إذا لم أطعنه الطعنة القاضية هذه المرة هلكت إذ يخنقني ~~لا محالة. # وكان ميلون قد تألم ألما شديدا من جراحه فهجم عليها وهو يقول: إن الرئيس أمرني ~~بقتلك ولا بد لك من الموت. # وطعنته طعنة ثالثة وصاح أيضا ميلون صيحة ألم ولكنه لم يسقط؛ لأن خنجر فاسيليكا أصاب ~~أضلاعه فحالت دون دخوله إلى القلب. # واستأنفت الكرة عليها، وضغط عليها ضغطا قويا حتى سقط خنجرها من يدها، فألقاها على ~~الأرض ووضع ركبته فوق صدرها، ثم التقط الخنجر وأشهره عليها، فرأته فاسيليكا يلمع فوق ~~رأسها، وأيقنت أنها من الهالكين. # وكان دم ميلون يتدفق من جراحه عليها فخضب ملابسها وقال لها: تأهبي للموت، لقد أمر ~~الرئيس أن تموتي. # وكانت فاسيليكا قد تلاشت قوتها، ولو فقدت رشدها في ذلك الحين لهلكت دون شك، ولكن ~~قريحتها الجهنمية لم تخمد، فقالت لهذا الرجل الساذج القلب: أقتلني إذا أردت، ولكنك إذا ~~قتلتني لا تعرف شيئا. # فتوقف ميلون عن طعنها وجعل ينظر إليها نظر السائل، فأسرعت فاسيليكا إلى استئناف ~~الكلام فقالت: إني قتلت بيريتو ولا يوجد الآن أحد في هذا المنزل، ثم إني الآن في قبضتك ~~ولم يكن لي من الدفاع غير هذا الخنجر الذي جردتني منه وتسلحت به. # فقاطعها ميلون قائلا: إنك إذا أردت أن تصلي وتستغفري الله فلا أمنعك، ولكني أقسم لك ~~أنك ستموتين بعد الاستغفار؛ لأن الرئيس يريد أن تموتي. ~~- أليس هو روكامبول الذي تلقبه باسم الرئيس؟ ~~- هو بعينه. ~~- إذن اقتلني؛ لأني أنتقم لموتي بالموت. # فاضطرب ميلون اضطرابا شديدا لبساطة قلبه وإشفاقه على روكامبول، حتى إنه نهض عن ~~فاسيليكا فنهضت في أثره. # غير أن الخنجر لا يزال في يد ميلون ولا تزال حياتها في يده. # فقالت له فاسيليكا: ألست أنت الذي يدعونه ميلون؟ ~~- نعم. ~~- أأنت مخلص لروكامبول؟ ~~- كل الإخلاص. ~~- إذن اقتلني بخنجرك؛ لأن روكامبول يقتل بمثل هذا الخنجر. # فهز ميلون رأسه وقال: إنك تهزئين ms1196 بي؛ لأني لا أصدق ما تقولين. ~~- سيان عندي. # فاضطرب، ثم كشفت عن صدرها وقالت بملء الثبات: اضرب. # ولما رأته يتردد قالت له: إذن اصبر واصغ إلى ما أقول وأنت مخير بعد ذلك بقتلي أو ~~الإبقاء علي. # وكانت الدماء لا تزال تقطر من جراحه الثلاثة، فكان يشبه ثورا هاربا من المجزر، فوقف ~~أمام الباب كي يمنعها من الفرار، وقال لها: تكلمي. ~~- إني لا أكره روكامبول ولكني أكره إيفان. ~~- إننا أنقذناه وأصبح آمنا انتقامك. ~~- أعرف ذلك ولكن روكامبول عرض نفسه بإنقاذه لأشد من ذلك الخطر. ~~- كلا لا خطر عليه؛ لأني سوف أنقذه. ~~- سوف ترى أنك منخدع. # وكانت فاسيليكا وجمالها وعدم اكتراثها للموت وخوفه على روكامبول قد أثر به تأثيرا ~~عظيما، فاغتنمت فاسيليكا فرصة اضطرابه وقالت له: إني أشتري منك حياتي التي هي الآن في ~~قبضتك بحياة روكامبول إذا كنت تحبه كما تقول. # فقال ميلون بملء البساطة: أحق ما تقولين؟ وأن حياة روكامبول معرضة للخطر؟ ~~- إذا مت أنا مات هو دون شك، والآن اصغ إلي لأني قبل قدومي إلى هذا المنزل كنت مشككة ~~في بيريتو، ومتوقعة تلك الخيانة، فأتيت إلى هنا للتحقيق. # وإنه يوجد رجل يحبني حبا شديدا وله اتصال بروكامبول، وإذا لم أعد إليه بعد ساعة ~~قتله غدرا حسب اتفاقي معه. # فخاف ميلون خوفا شديدا ولكنه تجلد وقال لها: من يضمن لي أنك تقولين الحقيقة؟ ~~- أتريد برهانا على صدق ما أقول؟ ~~- دون شك. ~~- هو ذا قطعة حبل أمامك في هذه الردهة، واربط بها يدي ورجلي كي لا أهرب وسد فمي ~~بمنديل كي لا أصيح، ثم اذهب واحضر مركبة واحملني إليها لأذهب وإياك إلى ذلك المكان الذي ~~سيلقى فيه روكامبول حتفه إذا قتلتني. # فسقط ميلون في هذا الفخ وقال لها: لا حاجة إلى تقييدك؛ وهلم معي لأني كنت في السجن ~~ولا أخشى الرجوع إليه، وسيري أمامي، ولكن احذري أن تبدر منك بادرة تدل على الرغبة ~~بالنجاة؛ لأني أغمد خنجري بين كتفيك. ~~- ليكن ما تريد. # ثم سارت أمامه من تلك الردهة إلى القاعة، وأصلحت ms1197 ما أخل من نظام شعرها. # ثم نظرت إلى ميلون وقالت له: إن هيئتك تشبه هيئة الجزار وهذا وشاح بيريتو أمامك اتشح ~~به سترا لآثار الدماء. # واتشح ميلون به وأمرها أن تسير أمامه فسارت واقتفى أثرها. # وكان ميلون يقول في نفسه: لقد نزف مني كثير من الدماء، ولكني لا أزال قويا أستطيع ~~الصبر إلى أن أدرك روكامبول. # ولما خرجا إلى الشارع تأبط ميلون ذراعها حذرا من فرارها، وسار وإياها. # ولما شعرت فاسيليكا أنه يمشي مشية السكارى لما نزف من دمائه، أسرعت في مشيتها حتى رأت ~~مركبة فاستوقفتها وصعدت وإياه إليها ثم قالت للسائق: سر بنا إلى الشانزليزه. # ولما سارت المركبة شعر ميلون بدوار في رأسه، ونظرت فاسيليكا إلى وجهه ورأته قد اصفر، ~~فسرت سرورا لا يوصف، غير أن ميلون كان لا يزال قابضا على خنجره. # 37 # فقال لها: إلى أين أنت ذاهبة؟ ~~- إلى الشانزليزه. ~~- غير أن الرئيس غير مقيم هناك. ~~- ولكننا سنذهب من الشانزليزيه إلى شارع أونوريه. # وكانت فاسيليكا تقول هذا القول بغية كسب الزمن، غير أن ميلون انخدع بأقوالها، وحسب ~~أنها تعرف أحد المنزلين اللذين يقيم فيهما روكامبول؛ لأن أحدهما كان في شارع أونوريه ~~والآخر في شارع سرسنس، وقال لها: حسنا فلنسر إليه. # وكانت فاسيليكا تنظر إليه من حين إلى آخر مراقبة له، فكانت ترى دماءه تسيل، وكلما ~~سالت زاد اصفرار وجهه، حتى رأت أن العرق ينصب من جبينه فابتسمت وقالت له بلطف: أأنت ~~شديد الإخلاص لروكامبول؟ ~~- دون شك. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه صديقي وأخي ومنقذي. ~~- إذن أنت تكره كل من يكرهه. ~~- دون ريب. ~~- والذين يكرهونه؟ ~~- أسحقهم كما أسحق الزجاج. # وابتسمت ألطف ابتسام وقالت له: ولكني لا أكره روكامبول، بل إني معجبة به كل ~~الإعجاب. ~~- إنك تعجبين به؟ ولماذا؟ ~~- لقد عرفت أفكارك فإنك تقول في نفسك: كيف لا أكره روكامبول وأنا متفقة مع ~~أعدائه. ~~- هو ما تقولين. ~~- لماذا يحب إيفان وأنا أكرهه؟ ~~- وأنت لماذا تكرهين إيفان؟ # فقالت بلهجة حزن: ذلك كان خطيبي فخدعني وخانني ولو علمت كم كنت أحبه لعذرتني وأشفقت ~~علي. ms1198 # وتنهد ميلون لسلامة قلبه ولم يدر كيف يجيب. # واستأنفت الحديث قائلة: إني أعلم حق العلم أنك أنت وركامبول تحميان تلك الفتاة التي ~~يهواها إيفان. ~~- حبذا لو كنت تعرفينها، إنها من أجمل النساء. # وتحولت تلك النمرة المفترسة إلى امرأة وسالت دمعة من عينها حن لها ميلون، ثم تنهدت ~~تنهدا طويلا قائلة: لقد حاربت في هذا المعترك ففشلت، وأنا الآن أصفح عن إيفان. # ثم جعلت تبكي. # فأشفق عليها ميلون إشفاقا شديدا ولم يعد يفتكر بنفسه وبتلك الدماء التي كانت تسيل ~~من جراحه فتضعف قواه. # فقالت فاسيليكا: إني صفحت عنه كل الصفح، وسأبرح باريس هذه الليلة وأعود إلى بطرسبرج؛ ~~لأني إذا كنت قد صفحت عن إيفان لا يجب أن أحضر عرسه. # وعندها وضع ميلون يده فوق جبينه فسألته: ما بالك؟ ~~- لا أدري، إني أشعر أن الأرض تدور بي وأن عيني لا تفتحان ... رباه! ماذا ~~أصابني؟ # ثم أطبق عينيه وسقط مغميا عليه قرب فاسيليكا، لفرط ما نزف من دمائه. # وابتسمت فاسيليكا ابتسام الظافر وقالت: لقد تعودت هذا الإغماء والآن فلأغتنم ~~الفرصة. # ثم أرخت ستائر المركبة وأمرت السائق أن يقف، فخرجت من المركبة وأعطت السائق 20 فرنكا ~~قائلة له: سر بهذا الرجل وهو خادمي إلى قصري في شارع بيبينيار وإني أدعى الكونتس ~~أرتوف. # فسارت المركبة في طريق منزل باكارا، وسارت فاسيليكا في طريق منزلها وهي تعض شفتها من ~~الغيظ وتقول: سوف ترى يا روكامبول لمن يكون الفوز؛ لأني لا أريد حياة إيفان الآن بل ~~حياتك؛ لأن كرهي له قد تحول إليك. # بعد ذلك بعشرين دقيقة كانت فاسيليكا سائرة إلى منزلها على مهل، وقد عادت إليها ~~سكينتها وكانت الأنظار تحوم عليها لجمالها الباهر. # حتى إذا أوشكت أن تصل إلى منزلها رأت مركبة جميلة مرت بها، والتفتت إليها وارتعشت؛ ~~لأنها رأت فيها رجلا في عنفوان الشباب ومعه طفل جميل، فعرفت أن الرجل هو الفيكونت ~~فابيان زوج بلانش دي شمري التي طالما دعاها روكامبول أخته، والطفل ولده الذي طلبت إلى ~~كارل مورليكس أن يختطفه. # فابتسمت ابتساما هائلا وقالت: ms1199 هنا سيكون انتقامي من روكامبول وسأضربه باختطاف هذا ~~الغلام الضربة القاضية. # ثم أسرعت في سيرها حتى بلغت منزلها ولم يبق لديها من تعتمد عليه غير بطرس السائق، وهو ~~ذلك الرجل الذي تنكر بزي إيفان في منزل باكارا فجلدته جلدا مؤلما كما تقدم. # وكان شديد الحقد عليها لا يحلم إلا بالانتقام منها، فلما دخلت فاسيليكا إلى منزلها ~~دعته، وقالت: ألا تزال ظمآن إلى الانتقام من باكارا؟ ~~- لا يهنأ لي عيش يا سيدتي بغير هذا الانتقام. ~~- إذن اركب جوادا ومر به في جهات الشانزليزه حتى ترى مركبة جميلة يجرها جوادان ~~أشهبان، وفيها رجل وطفل فاقتفي أثر تلك المركبة وراقب من فيها أشد المراقبة ثم عد ~~لتخبرني بما رأيت. # وامتثل بطرس وخرج صادعا بأمر فاسيليكا. # 38 # كان ثلاثة مجتمعين في مجلس الكونتس أرتوف، وهم باكارا وروكامبول وإيفان. # وقد أخبروا ذلك الشاب الروسي بجميع ما مضى من الحوادث منذ شهر، وعن علائق أجينور خطيب ~~أنطوانيت بعمه كارل، الذي يضطهد الأختين. # وكان هذا الاجتماع في الوقت نفسه الذي علمت فيه فاسيليكا بخيانة بيريتو وقتلته ~~بخنجرها. # فقال إيفان بعد أن وقف على جميع هذه الحوادث: أي عقاب أعددتم لكارل مورليكس؟ # ابتسم روكامبول وقال: إن عقابه يبدأ يوم يرى مدلين الحقيقية مستندة على ذراعك في ~~الكنيسة حين حفلة الزواج. ~~- ماذا يحدث له؟ ~~- إنه يموت من قهره. # فهز إيفان رأسه إظهارا لريبه، فقالت باكارا: إن هذا العقاب سيقضي عليه لا محالة، ~~فإنه شغف بمدلين شغفا عجيبا قتل في فؤاده الأثيم كل عاطفة خلا الغرام، فإن هذا السفاك ~~الذي طالما سفك دماء طاهرة للمحافظة على ثروته المختلسة تخلى عن جميع تلك الثروة بإشارة ~~من التي يعتقد أنها مدلين، ولم يبق لنفسه غير إيراد 20 ألف فرنك لو شئنا أيضا لحرمناه ~~إياها. ~~- وكيف تخلى عن هذا المال؟ ~~- بصك قانوني كتب أمام المسجل تنازل فيه عن جميع ماله للأختين. ~~- ومتى عرف الحقيقة يلغي هذا الصك؟ # فقال روكامبول: إنه سيعرفها بشكل لا يدع له عقلا لاسترجاع المال وسنرى. # وفيما يقول هذا القول ms1200 فتح الباب ودخل أجينور. # وكان أصفر الوجه ولكن علائم السرور بادية في عينيه فقال: لقد قضي الأمر، ثم أخرج من ~~جيبه محفظة محشوة بالأوراق المالية وعرض تلك الأوراق على أنظار الحاضرين وقال: انظروا ~~فإن الحب قد سلب عقله فدفعه إلى إرجاع جميع المال، وهذه الأوراق المالية هي كل ما ~~يمتلك، وهذه صكوك الأراضي والقصور التي كان يمتلكها في بوهيميا وهنغاريا وفرنسا، وقد ~~تحولت بجملتها إلى الأختين. # فقالت باكارا: هل أعددت معدات الزواج؟ ~~- نعم، فقد اتفقت مع عمي على أن يكون زواجي قبل زواجه بأسبوع. ~~- وأنا قد ذهبت إلى السفارة الروسية وأعددت معدات زواج إيفان بعد الاتفاق مع رجال ~~السفارة على كتمان زواجه، بحيث لا يعلم به أحد إلا ساعة عقده. # فقال إيفان وهو يختلج سرورا: متى يكون هذا اليوم السعيد يا سيدتي؟ ~~- غدا يكون الزواج المدني في السفارة وبعد غد يعقد لك على مدلين في الكنيسة ~~الروسية؟ ~~- وبعد ذلك أنسافر في الحال؟ ~~- دون شك، ثم ابتسمت وقالت له: إلى أين تريد السفر؟ ~~- لا أعلم فإني أسافر إلى حيث تريد مدلين. ~~- ولماذا لا تبقى في باريس؟ # فقطب روكامبول حاجبيه وقال: كلا، إني لا أشير عليها بالبقاء في باريس. ~~- لماذا؟ # قال وهو يضطرب: إني أخشى عليها من فاسيليكا. ~~- لا أخالها قادرة على الأذية بعد اليوم ومن يعلم ما كان من أمرها، فقد تكون الآن في ~~عداد الهالكين. # فاضطرب إيفان وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه صدر الأمر إلى الرجل الذي أقام في القبو مقامك بخنقها. # ولم تلبث أن تتم كلامها حتى دخل خادم عليه هيئة الذعر وقال: سيدتي دخلت مركبة إلى ~~ردهة القصر وفيها رجل أشيب مدرج بالدماء، وقد قال السائق: إن امرأة كانت معه في المركبة ~~ادعت أنها الكونتس أرتوف وأمرته أن يحضر إلى هنا. # فذعر الجميع وأسرعت باكارا ومن كان في مجلسها، فكان السابق إلى المركبة روكامبول فرأى ~~ميلون مغميا عليه وهو يشبه الأموات. # فحمله وأخرجه من المركبة وسار به إلى المنزل وهو يقول لباكارا: لا حاجة للبحث عن ~~ضاربه، فإنها ms1201 فاسيليكا وهي أشد منا دهاء دون شك. # ولم يكن بين جراح ميلون جرح قاتل، وكان روكامبول خبيرا بالجراحة، فعالج ميلون حتى ~~استفاق من إغمائه وفتح عينيه فلما رأى روكامبول واقفا فوق رأسه تنهد تنهد المنفرج ~~وقال: الحمد لله، فقد زال عنك الخطر. # فدهش روكامبول وقال: ويحك أي خطر تعني؟ ~~- خطر الموت الذي لم يكن لك مناص منه. ~~- يظهر أنك محموم ومصاب بالهذيان. ~~- كلا، فإن فاسيليكا قد أكدت لي ما أقول. ~~- وماذا قالت لك؟ ~~- إني إذا قتلتها أكون قد قتلتك في الوقت نفسه. ~~- وكيف برهنت لك على ذلك؟ ~~- بقولها أنك في قبضة رجالها وأنهم إذا لم يروها في ساعة معينة قتلوك. # ثم قص عليه جميع ما حدث له معها إلى أن أخبره كيف أنه ركع فوق صدرها، وأشهر عليها ~~الخنجر. ~~- ألم تغمده في عنقها؟ ~~- كدت أفعل لو لم تقل لي ... ~~- إني معرض لخطر الموت؟ ~~- نعم، ألم يكن ذلك حقيقة؟ # فهز برأسه وقال: لا يوجد غير حقيقة واحدة وهي أنك أبله وستبقى على بلاهتك ما ~~حييت. # فبكى ميلون وقال: أرجوك العفو يا سيدي فلم يكن انخداعي إلا لإشفاقي عليك. # فلم يجبه روكامبول والتفت إلى باكارا وقال: لا بد لنا من العودة لما كنا فيه وتجديد ~~العراك. # فما أجابته باكارا؛ لأنها كانت ساهية مفكرة، أما روكامبول فقد اتقدت عيناه بأشعة خاطر ~~سريع، فخرج من ذلك المنزل وهو يقول: سنعود إلى القتال وسوف ترى لمن يكن النصر. # 39 # يذكر القراء أن فاسيليكا أرسلت بطرس السائق ليقتفي أثر الفيكونت فابيان إليها في ~~الليل يخبرها بما رآه فقال: ذهبت ممتطيا جوادي فقطعت به الأرض نهبا حتى بلغت غابة ~~بولونيا، فرأيت هناك تلك المركبة وعرفتها من جيادها ورأيت الرجل والغلام. # فطافت المركبة حول بحيرة الغابة ثم وقفت في أرمنوفيل فنزل منها الوالد والولد، فشرب ~~الوالد كأس خمر وأكل الولد قطعة من الحلوى، ثم ركبا المركبة وذهبا إلى شارع ~~الإمبراطورة، ثم عطفت بهما إلى شارع برسبورج ووقفت عند باب معمل لصنع المركبات. # فترجلت عن جوادي حين رأيتهما دخلا ms1202 ذلك المعمل ودخلت في أثرهما، ووقفت بعيدا وقبعتي ~~بيدي وقفة الاحترام. # وسمعت صاحب المعمل الذي لم ينتبه إلي يقول للفيكونت: إن مركبة سيدتي الفيكونتس قد تم ~~صنعها، ولكني لا أستطيع أن أريك إياها؛ لأنها في معمل آخر. ~~- ومتى تحضرها من ذاك المعمل؟ ~~- غدا. ~~- إذن سأعود غدا مع الفيكونتس. # ثم رجع يريد الانصراف. # وعند ذاك رآني صاحب المعمل فقال لي: ماذا تريد. # ووقف الفيكونت أيضا ينظر إلي، فأجبته: إني روسي ومهنتي سائق مركبات وحداد، وأنا الآن ~~أروض الخيول لحساب تجارها إلى أن أوفق إلى الخدمة في أحد المنازل، وقد أتيت راجيا أن ~~تذكرني إذا طلب إليك سائق خبير. # فقال لي صاحب المعمل: عد إلي غدا. # وبينما أنا أحاول الذهاب ناداني الفيكونت وقال لي: إذا كنت ماهرا في صناعتك، كما ~~تقول فاذهب إلى قصري غدا فقد أجعلك في خدمتي. # ثم ذكر لي اسمه وأرشدني إلى منزله. # ولما انصرف الفيكونت قال لي صاحب المعمل: وأنا أيضا محتاج إلى حداد، فإذا لم ترق لك ~~خدمة الفيكونت كنت في خدمتي. # فأنا الآن أستطيع الدخول إلى اصطبل الفيكونت ومعمل المركبات. # فسرت فاسيليكا بتقرير خادمها وقالت له: متى تحضر مدام أسمول لمشاهدة مركبتها في ~~المعمل؟ ~~- غدا. ~~- إذن ادخل منذ صباح غد في خدمة صاحب المعمل، وسأرشدك صباح غد إلى ما ينبغي أن ~~تعمل. # فانحنى بطرس وخرج ولكنها دعته قبل أن يصل إلى الباب، وقالت له: إنك ذكي الفؤاد فلا ~~يجدر المبالغة بالتكتم مع مثلك، فقل لي الآن ألا تكره الكونتس؟ ~~- كرها لا يوصف. ~~- لا يجب أن يكون حقدك قاصرا عليها، بل على الماجور أفاتار أيضا فإنه السبب في ما ~~أصابك من جلد السياط. ~~- أتريدين أن أقتله؟ ~~- كلا، إذ لم يحن الوقت بعد، ولكن يجب اختطاف الطفل الذي رأيته اليوم. ~~- ابن الفيكونت أسمول؟ ~~- هو بعينه، فإننا إذا اختطفناه نفعل بالكونتس أرتوف والماجور أفاتار كل ما ~~نريد. # فانحنى بطرس وقال: لقد فهمت كل شيء، وسأفعل ما تريدين. # ثم تركها وانصرف، فاتكأت فاسيليكا على مقعد طويل وجعلت تفكر بروكامبول وإيفان؛ ms1203 لأنها ~~باتت تكره روكامبول أكثر مما تكره إيفان. # وفيما هي تجهد فكرها في استنباط وسائل الانتقام، إذ سمعت أن الباب قد فتح وأقفل، ~~والتفتت فرأت رجلا مشهرا خنجره بيده، وكان هذا الرجل روكامبول. # فذعرت فاسيليكا ذعرا شديدا غير أن روكامبول وضع سبابته على شفتيه إنذارا لها بعدم ~~الصياح، ثم دنا منها وقال: إنك علمت منى يا سيدتي ما لم يعلمه سواك، وعرفت أني لا أحجم ~~في أمر من الأمور، فإذا كنت تصغين إلي بسكينة أقسمت لك أن أخرج دون أن أمسك بسوء، وإذا ~~استغثت أو جاء إليك أحد خدمك، قتلتك قبل أن يصل. # وكانت فاسيليكا وضعت خنجرها على منضدة حين دخولها إلى المنزل، فأخذه روكامبول حين ~~رآها تنظر إليه وضعه في جيبه، وقال لها: لنتحدث الآن. # ثم جلس بإزائها على المقعد. # فنظرت إليه نظر الأفعى وقالت له: ماذا تريد مني؟ # فأخذ روكامبول يدها بيده وقال لها: إن الاتفاق على البغض يجمع بين القلوب. ~~- البغض ... ومن عساك تكره؟ ~~- لا أكرهك أنت ... ~~- إذن من تكره؟ # فضحك روكامبول ضحكة هائلة تعلمها من أستاذه القديم أندريا وقال: أتسألينني من ~~أكره؟ ~~- دون شك، إذ كيف يتسنى لي أن أعرف دخائل قلبك؟ # فاستمر روكامبول على ضحكه وقال: كيف يخطر في بالك أن روكامبول يسالم باكارا ~~بإخلاص. # فصاحت فاسيليكا صيحة دهش وجعلت تنظر إليه نظر إعجاب. # 40 # وكان روكامبول لابسا أفخر الملابس يمثل بهيئته لصوص الروايات الذين يميل إليهم بعض ~~النساء، فوقف أمام فاسيليكا، وقال لها بصوت حنون: أتأذنين لي يا سيدتي أن أوضح لك ~~أفكاري؟ # فأشارت له فاسيليكا بالجلوس على كرسي أمامها، وقالت له: تكلم. # غير أن روكامبول أبى الجلوس وقال لها وهو يبتسم: لقد ذكروا لك يا سيدتي حكايتي مرة في ~~منزل أرتوف فلا فائدة من إعادتها. # ولقد ألجأتني الحوادث إلى التصدي لك في سبيل أغراضك فكنا عدوين، وكنت مكرها على هذا ~~العداء فإني أقمت في سجن طولون أعواما كثيرة صادفت في خلالها رجلا ... # فقاطعته فاسيليكا وقالت: أعرف أن هذا الرجل يدعى ميلون وأنه يحب ms1204 مدلين كابنته، وإنك ~~تحب ميلون وتريد أن تجعلها سعيدة آمنة. ~~- نعم، لقد فعلت ما أستطيع فعله، وقد أتيت الآن أقترح عليك الصلح. ~~- علي أنا؟ ~~- نعم يا سيدتي ... ~~- بأي شروط؟ # فتظاهر روكامبول أنه يتردد بالجواب ثم قال: أتظنين يا سيدتي أن عذاب عشرة أعوام في ~~سجن طولون من الأمور التي تنسى، ألا تعلمين أن باكارا هي التي أرسلتني إلى ذاك ~~السجن؟ ~~- وأنت تكرهها؟ ~~- كرها شديدا لا مبلغ لوصفه ... ~~- أتظن أني أكرهها أنا أيضا؟ ~~- ربما. # فنظرت إليه فاسيليكا محدقة كأنها تريد أن تخترق أعماق نفسه وتكشف الحجاب عن أسراره ثم ~~قالت له: إذا كنت تريد محالفتي فأنا أمد لك يدي على شروط المساواة فهل تسلمني ~~إيفان؟ # فأطرق روكامبول برأسه وقال: مستحيل يا سيدتي. ~~- لماذا؟ ألعل حبك لمليون أشد من كرهك لباكارا؟ ~~- كلا ... ~~- ألعلك تخشى أن تسحق قلب مدلين إذا حرمها الزواج بمن تحب؟ ~~- كلا ... ~~- إذن أوضح معمياتك. # وكانت تبتسم له فجلس روكامبول، ولكنه لم يجلس على الكرسي التي قدمتها له، بل جلس ~~ملاصقا لها المقعد فلم تظهر استياء مما أبداه من الجسارة، ولم تأنف من مجالسة لص هارب ~~من السجن بل لبثت تبتسم. # فقال لها روكامبول: إنك تسألينني لما لا أسلمك إيفان؟ ~~- نعم، فإني أعجب لذلك بعد أن صرحت بعدم اهتمامك بمدلين. ~~- لأني أخشى أن يكون باقيا في قلبك بقية من حبه. ~~- وماذا يهمك حبي إياه؟ ~~- ألا تعلمين أن المفسدة تجلب المفسدة، وأن أهل الشر يتحابون وأن امرأة هائلة مثلك ~~تجذب بمغناطيس أخلاقها الفاسدة رجلا هائلا مثلي. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- كل الحق، فإن من يخاصم امرأة مثلك يجب أن يعاقب بحبها. # ثم أخذ يدها بين يديه دون أن تعترضه، وقال: إنك امرأة عظيمة النفس ذكية الفؤاد، ومن ~~كان مثلك لا تخفاه خافية فإني ما أحبك إلا حين كرهي لك، وقد كنت أمرت ميلون في صباح ~~اليوم أن يقتلك، ولكنه عاد إلي مضرجا بدمه وعلمت أنك لا تزالين في قيد الحياة فكاد ~~الفرح يقتلني فإني أحبك؛ لأن بين جنبيك قلب شيطان، وأنت في ms1205 صورة الملائكة الأطهار؛ ~~ولأنك فاسدة الأخلاق شديدة الولوع بالآثام فلا تعجبي لغرامي؛ فإن الطيور على أشكالها ~~تقع. # ثم اندفع روكامبول بحديثه مظهرا لها غرامه بأرق العبارات وقد ركع أمامها وجعل يقبل ~~يديها. # وقد طالما مثل روكامبول هذه الأدوار فيما مضى من أيام شبابه، غير أنه ما برع مرة ~~براعته هذه المرة، فإنه كان يظهر التدله بغرامها ويتنهد تنهد الوالهين ويكلمها بلغة ~~العيون كلمات حلوة لا تفصح عنها الألسنة. # كل ذلك وفاسيليكا تنظر إليه مصغية باسمة إلى أن قالت له: أتعلم أنك جميل تروق لعيون ~~النساء؟ # فأظهر روكامبول سرورا لا يوصف وقال لها: ما أعذب هذه الكلمات من فمك الجميل! فهلم ~~بنا أيتها الحبيبة الحسناء نبرح باريس إلى مكان يحجبنا عن العيون. # فقالت بصوت المؤنب: ولماذا الرحيل؟ ألا يمكن أن تحبني وأحبك في باريس؟ ~~- كلا أيتها الحبيبة فإني أغار عليك من كل عين في عاصمة العواصم، وأريد أن نكون ~~منفردين نتناجى الغرام فلا يكدر خلوتنا رقيب. ~~- وأنا أريد ما تريد. ~~- إذن هلمي بنا أيتها الحبيبة ولنسافر فإن الوقت غير فسيح. # ولم يكد يتم كلامه حتى أفلتت فاسيليكا من يديه وضحكت ضحكا شديدا وقالت: إن من يسمع ~~لهجة غرامك يحسبك صادقا ولكني لا أصدق هذا الغرام. # فتراجع روكامبول مجفلا وقال لها: لماذا لا تصدقين؟ ~~- إنك لا تحبني أنا أيها العاشق الجميل وأنا سأذكر لك اسم التي تحبها. # فحسب روكامبول أنها تعني فاندا فقال لها: إنك واهمة فإني لا أحب هذه المرأة. ~~- إني لا أتكلم عن فاندا. ~~- إذن عمن تتكلمين؟ ~~- عن مدلين، فإن حبك إياها عقاب لك وهو نصف انتقامي منك، وإنك لم تأتني وتظهر لي ~~غرامك الكاذب إلا لتخدعني، فإنك ترهبني بقدر ما تكرهني. # فاصفر وجه روكامبول وقال: إن قوتك فوق ما كنت أحسبه، ولكن قوتك هذه سبب ضعفك؟ ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد لأني أصبحت مكرها على قتلك. # ثم هجم عليها بخنجره، ورأت فاسيليكا أن برق عينيه أشد لمعانا من بريق سلاحه، فوجف ~~قلبها من الرعب وقالت له: رحماك. ~~- أتطلبين رحمة من روكامبول ms1206 أم تحسبين أني ميلون؟ # فاصطكت أسنانها من الخوف وسقطت جانية على ركبتيها وضمت يديها كما يفعل المتوسل، ~~فقالت: رحماك إني أرجع عن انتقامي وأسافر ... في هذا المساء ... بل الآن، فارحمني. ~~- كلا، فلا رحمة لك بقلبي ولكني لا أريد أن تموتي دون توبة واستغفار، فأمهلك خمس ~~دقائق للصلات، إلا إذا استغثت فإني أقتلك على الفور. # ثم خطر له خاطر سريع وقال: إني لا أحب سفك الدماء فهل تريدين الحياة. # فوثبت واقفة بعد أن كانت راكعة وقالت: نعم، نعم، فاشترط علي ما تشاء. ~~- يجب أن تموتي خمسة أيام. # فنظرت إليه منذهلة وقالت: كيف ذلك؟ ~~- نعم، فإنه في مدة هذه الأيام الخمسة يتزوج إيفان مدلين فيبرح باريس ولا يخشيانك ~~فيجب أن تكوني ميتة في هذه الأيام. ~~- لا أفهم ما تقول ... # وكان في أصبعه خاتم فأراها إياه وقال لها: إنك تعرفين قصتي فلا بد أن تكوني عرفت كيف ~~أنقذت أنطوانيت من سجن سانت لازار. ~~- نعم ... ~~- إذن ابتعلي حبة سوداء من تلك الحبوب المخزونة في فص الخاتم أو أغمد هذا الخنجر في ~~صدرك . ~~- تبا لك من شيطان، فإنك تفعل ما تقول، ثم أخذت الحبة من يده وابلعتها فما استقرت ~~في جوفها حتى صعقت وسقطت صريعة على الأرض. # فتنهد روكامبول تنهد المنفرج وقال: إنها لا تضايقني بعد الآن. # ثم فتح الباب وخرج من ذلك المنزل كما دخل إليه دون أن يراه أحد. # 41 # يوجد في باريس قهوة تدعى قهوة مارينيان، يختلف إليها الناس على اختلاف ~~طبقاتهم. # وكان من الذين يترددون عليها شاب مصور بارع في مهنته وهو عاشق كلوريند التي تمثل دور ~~مدلين. # وكان هذا الشاب كثير الزهو تبدو عليه ملامح البساطة والهناء وله كثير من المحبين، ~~ولكن أخلاقه تبدلت فجأة فأصبح كثير الهم والتفكير لا يرى إلا كئيبا منقبضا، غير أنه ~~لم يخلف عادته وظل يتردد كل يوم على تلك القهوة في ساعة معينة، فينهمك بمطالعة الجرائد ~~تلطيفا لهمه دون أن يكلم أحدا من الناس. # فبينما هو جالس ذات يوم في تلك القهوة إذ دخل ms1207 إليها رجل لا يتجاوز الخامسة والثلاثين ~~من عمره، ولكنه كان مرتديا بملابس غاية في البساطة وسلامة الذوق تدل على أنه من كبار ~~القوم. # فمشى هذا الرجل حتى وقف أمام المصور وحياه، فالتفت إليه المصور ورد تحيته دون اكتراث، ~~فقال له الرجل: أسألك العفو يا سيدي وأرجوك أن تأذن لي بالاختلاء معك. # فنظر إليه المصور نظرة المبهوت وقال له: إني لم أتشرف بمعرفتك يا سيدي. ~~- إني قادم إليك من قبل كلوريند، وأنا أدعى الماجور أفاتار ألعلك حسبتها ~~خائنة؟ # فاضطرب المصور وقال: بل هي شر من ذلك. ~~- إنك منخدع بظنونك، فإن كلوريند لا تزال تهواك، أتعلم أين هي الآن؟ # فتنهد المصور وقال: وا أسفاه، فإني أذهب في كل صباح وفي كل مساء إلى منزلها فيقولون ~~لي: إنها مسافرة وإنهم لا يعلمون مقرها. ~~- إنهم خدعوك أيضا. ~~- أين هي الآن؟ ~~- في باريس أتريد أن تراها اليوم؟ ~~- أرجوك أن لا تمزح يا سيدي، فإني ألقى من بعادها عناء لا يوصف. ~~- إني لا أمزح على الإطلاق، وقد قلت لك: إنك ستراها اليوم وأزيد أنها سترجع إليك فلا ~~تفارقك بعد الآن. # فوقف المصور ولكنه كان يترنح من فرحه ترنح السكارى، فأخذ روكامبول يده وقال: هلم ~~معي. ~~- ولكن إلى أين تذهب بي؟ ~~- اتبعني وسوف ترى. # وخرج الاثنان من القهوة وفيما هما سائران لقي الماجور طبيبا من أصدقائه فسلم عليه ~~وسأله: من أين آت؟ # فأجابه: كنت قادما من عيادة أحد المرضى. # فابتسم المصور وقال له على سبيل المزاح: مسكين هذا الرجل. # فرد الطبيب: ليس المريض رجلا بل امرأة. ~~- إذن مسكينة هذه المرأة. ~~- إنك تمزح، ولكنك لو عرفت علة تلك المرأة التي أعالجها لتخليت عن المزاح وسألتني ~~عنها الأسئلة الكثيرة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأني أعالج امرأة بارعة الجمال وهي روسية تدعى الكونتس فاسيليكا، وقد أصيبت بمرض ~~غريب فتراخت أعضاؤها وانحلت قواها وأطبقت عيناها. # فقاطعه المصور وقال: قل: إنها ماتت ... ~~- كلا إنها لم تمت بعد، إلا أن عينيها كانتا مطبقتين، فإن قلبها ينبض ولسانها يتكلم، ~~وقد تعذر عليها تحريك أعضاء جسمها، ولكنها ms1208 تتمتم بشفتيها كلمات لا يسمعها إلى من يضع ~~أذنه فوق فمها. ~~- إنها تهذو دون شك؟ ~~- كلا بل إنها تتكلم كلام العاقلين. ~~- كم بقي لها في هذه الحالة؟ ~~- أربعة أيام. ~~- أترجو لها الشفاء؟ ~~- نعم ... ولكنها لا تشفى في زمن قريب. ~~- كيف أصيب بهذا المرض؟ ~~- ذلك ما لم أعلمه إلى الآن، وقد اشترك معي في فحصها اثنان من مشاهير الأطباء ولم ~~يعلما شيئا. ~~- ولكنها تتكلم كما تقول؟ ~~- هي أيضا لا تعلم شيئا ولكنها تقول: إنها أصيبت فجأة بهذا الداء. # وهنا افترق عنهما الطبيب فسار في شأنه، وسار روكامبول والمصور في شأنيهما. # 42 # كان ذلك اليوم موعد زفاف أنطوانيت إلى أجينور، وكان ينبغي أن يحضره كارل مورليكس ~~ومدلين امرأته المستقبلة. # وكان كارل قد أخنى الغرام على قلبه فبات كالمعتوه لا يخالف أمرا لكلوريند التي يحسب ~~أنها ابنة أخته مدلين. # وقد مثلت تلك الفتاة دورها أبدع تمثيل، وعبثت كل العبث بهذا الشيخ الذي بيضت شعره ~~الأيام، وسودت وجهه الآثام، فبدأت تمثل دور اليأس لعدم حضور إيفان، ثم دور السلوان، ثم ~~أخذت تمثل دور الميل إلى ذلك الشيخ الولهان، حتى أصبح لا عقل له ولا رجاء إلا بزواج من ~~يحب. # وقد كان دفع جميع أمواله إلى أجينور، وهي أموال الأختين، فلما بلغت منه كلوريند ما ~~تريد بفضل إرشاد روكامبول، رضيت بزواجه واشترطت أن يكون زواجها بعد مرور أسبوع على عرس ~~أنطوانيت. # وقد تقدم لنا القول أن ذلك اليوم كان موعد زفاف أنطوانيت، فلبست كلوريند خير الملابس، ~~وقالت لكارل: هلم بنا إلى الكنيسة، فقد آن الأوان. # فامتثل خاضعا وركب وإياها مركبة، فسارت تنهب بهما الأرض إلى الكنيسة. # وكان كارل مفكرا مهموما، فقالت له وهي تتظاهر بالانشغال عليه: ما بالك ~~مفكرا؟ # فأطرق برأسه وقال: إني أفكر بهذا الأسبوع، وأود لو يسلبه الله من عمري. # فابتسمت له مدلين وجعلت تؤانسه حتى وصلا إلى الكنيسة. # وكان أجينور أراد أن يكون زواجه بسيطا ولم يدع غير القليل من خواص الأصدقاء، فكان ~~أبوه راكعا قرب الهيكل يصلي ويبكي وبالقرب منه امرأتان ms1209 تبكيان أيضا، ولكن بكاء فرح، ~~فإنهما كانتا مربية أنطوانيت ومرتون رفيقتها في السجن. # ولم يكن غير هؤلاء إلا شهود العريس وهم من أصدقائه؟ # فدخل كارل وكلوريند ووقفا مع المصلين، دون أن يكترث بهما أحد. # وتمت حفلة القران بملء البساطة، وعانق أجينور أباه ثم مد يده إلى عمه وودعه ببرود ~~ونظرت أنطوانيت إلى كلوريند فحيتها تحية بسيطة. # ثم خرج العروسان وركبا مركبة كانت تنتظرهما خارج الكنيسة، وسافرا بها إلى إحدى قرى ~~باريس ليقضيا فيها شهر العسل. # وعند ذلك تأبطت كلوريند ذراع كارل، وسارت به إلى مركبتهما، وتبعها كارل منقادا ~~انقياد الطفل، وهو ينظر إليها نظرات الإعجاب والهيام. # ولما صارا في المركبة قال لها: إلى أين نسير؟ ~~- إلى الكنيسة الروسية. # فانذهل كارل وقال: أي شان لنا في هذه الكنيسة؟ ~~- إننا نذهب لحضور عقد زواج آخر. ~~- زواج من؟ ~~- سوف ترى. ~~- ولكني أحب أن أعرف من هذا الذي نحضر زواجه. ~~- هو إيفان بونتيف؟ # وكان حق كارل أن يعلم كل شيء ويفطن للحيلة، ولكنه قد تدله فلم يبق الغرام على شيء من ~~صوابه، وخشي أن تستاء لرفضه فقال لها: ليكن ما تريدين. # فانطلقت المركبة بأمر كلوريند تسابق الرياح إلى الكنيسة الروسية. # ووجدا ردهتها غاصة بالمركبات والكنيسة غاصة بالناس، فنزلا من المركبة وأخذته كلوريند ~~بيده وهي تقول: تعال لقد بدأت الحفلة. # فتبعها ودخلا ولكنه ما لبث أن دخل حتى جعل يضطرب، وكان العروسان لم يقفا بعد في موقف ~~الإكليل، ولكن الذي دفع كارل إلى هذا الاضطراب هما رجلان وامرأة رآهما وقوفا عند مدخل ~~الكنيسة. # وكان أحد الرجلين ميلون، ذلك الخادم الأمين الذي أرسله كارل إلى سجن طولون وثانيهما ~~الماجور أفاتار أي روكامبول، وأما المرأة فقد عرفها كارل أيضا واقشعر وارتعش؛ لأنها ~~كانت فاندا رفيقة روكامبول التي اغتصب من يديها مدلين في روسيا وجعل يقول في نفسه: من ~~هذان اللذان سيتزوجان في هذه الكنيسة وأية علاقة لهؤلاء الثلاثة بهما؟ # وعند ذلك فتح باب قرب الهيكل ودخل منه العروسان، فصاح كارل صيحة هائلة دوت لها ~~الكنيسة واضطرب جميع ms1210 من كان فيها. # ذلك أن إيفان بونتيف ومدلين الحقيقية دخلا وركعا أمام الكاهن ليعقد زواجهما. # ونظر كارل إلى كلوريند فرآها تضحك ضحك بنات الهوى، وتقول: كيف رأيت أيها الخال ~~العزيز؟ # فسقط كارل على الأرض صريعا وأطبقت عيناه، وأسرع بعض الحاضرين وحملوه خارج الكنيسة ~~وبينهم روكامبول. # وكانت كلوريند قد تبعتهم أيضا والمصور واقفا ينتظرها، فلما رأى ما كان قال لها: هلم ~~بنا الآن. # فنظرت كلوريند إلى روكامبول كأنها تستشيره بالنظر فدنا من المصور وقال له: أرجوك أن ~~تمهلنا أيضا يوما واحدا. # وكان المصور قد عرف الحقيقة ولم يعد يمل الانتظار، فانحنى أمام روكامبول إشارة إلى ~~الرضى. # وذهبت كلوريند بكارل مورليكس وهو لا حراك به إلى منزله. # وبعد ساعة من هذه الحادثة بينما إيفان ومدلين كانا يخرجان من الكنيسة بعد انتهاء حفلة ~~الإكليل كانت فاندا ماسكة بيديها روكامبول، وكانت يده باردة كأيدي الأموات فقالت له: ~~إنك لم تضرب كارل مورليكس، بل إنك ضربت نفسك. # فزجرها روكامبول وتجاسر على أن ينظر إلى ذينك الزوجين السعيدين نظرة وداع، فما وقع ~~نظره على مدلين حتى ترقرق الدمع في عينيه وقال بصوت يتهدج: رباه إن رحمتك شديدة ولكن ~~عقابك أشد. # فجذبته فاندا إلى الخارج وقالت له: هلم معي أيها الرئيس والصديق بل أيها الزوج ~~المعبود، تعال معي أنا عبدة ما حييت. # ثم اخترقت به الجموع إلى خارج الكنيسة، وأدركهما ميلون وقال لروكامبول وهو يبكي: إن ~~الأختين سعيدتان الآن ولم يعد لهما بي حاجة وأنا لك ما حييت. # ثم خرج الثلاثة وساروا بين صفوف الناس حتى انفسحت لهم الطريق وتواروا عن ~~الأنظار. # 43 # ولنعد الآن إلى فاسيليكا فإن هذه الفتاة الوحشية الأخلاق التي لم تستطع بطرسبرج ~~والمدينة الحديثة نزع تلك البذور الهمجية منها كانت لا تزال مصعقة بالمخدر الذي سقاها ~~إياه روكامبول. # وكان تخديرها غريبا كما وصف طبيبها للمصور؛ لأن جسمها كان ساكنا سكون الموت ولا ~~حياة فيها إلا للفكر. # وبقيت يومين لا أثر عليها من آثار الحياة حتى ذعر خادمها بطرس، ونادى الطبيب وكاد ~~يحكم بموتها ms1211 لو لم يسمع دقات خفيفة في قلبها. # وفي اليوم الثالث من مرضها بينما كان بطرس واقفا أمام سريرها ينظر إليها ذهل ~~انذهالا عجيبا؛ لأنه رآها قد فتحت شفتيها وسمعها تقول: لا أزال في قيد الحياة. # فصاح بطرس صيحة فرح، ودنا منها فقالت له: إني أسمع كل ما يقال أمامي. # وكان الطبيب واقفا أيضا أمامها فقال لها: ألعلك شربت يا سيدتي سما ~~هنديا؟ # ولم تجب فاسيليكا بشيء؟ # واستأنف الطبيب السؤال قائلا لها: إذا كنت أعرف نوع السم الذي شربته أشفيك في ~~الحال! ~~- لا أعلم. # ثم رحل الطبيب وهو يتخبط في دياجي الشك وبقي بطرس بقربها، فقالت له: أنحن وحدنا الآن ~~يا بطرس؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إذن اصغ إلى ما أقول؛ لأني سأبقى على الحالة التي تراني عليها خمسة أو ستة أيام ~~تتصرف فيها بالنيابة عني حسب تعليماتي. # ثم أصدرت إليه أوامرها. # وفي اليوم الخامس لإصابتها جاءها بطرس يخبرها بما فعل وقال: إن إيفان ومدلين يا سيدتي ~~قد تزوجا أمس. # واضطربت نفسها وبذلت مجهودا كبيرا كي تتحرك أو تفتح عينيها فلم تستطع وقالت : وبعد ~~ذلك؟ ~~- ثم سافرا على أثر الزواج وكذلك أجينور وأنطوانيت تزوجها قبلهما بساعة وسافرا أيضا ~~إلى جهة لم أعلمها. ~~- وماذا صنع الفيكونت كارل؟ ~~- إنه سقط منصعقا حينما رأى مدلين وإيفان. ~~- ألم يمت؟ ~~- كلا، لأن كلوريند ذهبت به إلى منزله وأقامت معه فيه، ولما استفاق من إغمائه هاج ~~هياجا شديدا، وعاوده داء الغرام ولكنه الآن هائم بكلوريند لشبهها بمدلين وهو يطلب أن ~~يتزوجها وهي تأبى هذا الزواج. ~~- إذن سيموت قهرا. ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- وروكامبول؟ ~~- إنه يتأهب للسفر وستصحبه فاندا الروسية وميلون. ~~- يجب أن تبذل كل ما لديك من الجهد لتحول دون هذا السفر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- باختطاف الغلام. ~~- ذلك ما كنت أنويه ولكني كنت أنتظر أوامرك. ~~- ألا تزال عند صاحب معمل المركبات؟ ~~- نعم إني أصنع عنده الآن مركبة أتماهل فيها كسبا للزمن. ~~- هل أتت امرأة فابيان لترى المركبة التي أوصى زوجها عليها؟ ~~- نعم أتت مرتين. ~~- وهل كان ابنها معها؟ ~~- نعم ms1212 يا سيدتي، وقد خطر لزوجها أن يصنع مركبة على الطراز الروسي وسيصنعها له صاحب ~~المعمل دون شك، ولكن الصعوبة بإيجاد جياد صالحة لجرها. ~~- يجب أخذ جيادي؛ لأنها مدربة أحسن تدريب. ~~- ألعل سيدتي نسيت أن امرأة فابيان تعرف باكارا؟ ~~- كلا، ولكني سأرشدك إلى طريقة شراء جيادي، دون أن يعلم فابيان أنها لي. ~~- إذن إني أدخل في خدمته بصفة سائق، ولا أسهل علي عند ذلك من اختطاف الولد. ~~- إني أسمع دقات الساعة وأعد الساعات ولكن حسابي قد ضاع، ولا أستطيع التمييز بين ~~الليل والنهار؛ لأني لا أستطيع فتح عيني، قل لي كم بقي لي في هذه الحالة؟ ~~- ستة أيام يا سيدتي. ~~- ولكن روكامبول قال: إني سأستفيق بعد خمسة أيام. ~~- ربما كان منخدعا، ولكني سمعت الطبيب يحادث طبيبك الآخر في هذا الصباح ويقول له: إن ~~ما أصاب هذه السيدة يندر حدوثه في أوروبا، ولكني أعرف سما هنديا يدعى كيرال يصاب ~~شاربه بما أصيبت به هذه السيدة. # وإذا كانت السيدة فاسيليكا قد شربت منه فإني أشفيها في الحال، ولكني أخشى أن أعالجها ~~بدواء هذا السم ؛ لأنها إذا لم تكن شربته وعالجتها بهذا فإنه يقتلها. # وكانت فاسيليكا قد عرفت من روكامبول نوع السم الذي شربته فسرت وقالت للخادم: ألم يقل ~~الطبيب شيئا عن الدواء؟ ~~- نعم يا سيدتي، لقد قال: إن دواء هذا السم الحقن تحت الجلد بالستركنين وهو أشد ~~السموم كما تعلمين. # وسكتت فاسيليكا هنيهة، ثم قالت: لا بأس من المخاطرة بالحياة حين إرادة الانتقام. ~~واعلم يا بطرس أنك ستكون طبيبي، ولا أريد طبيبا سواك. ~~- أنا أكون طبيبك يا سيدتي؟ ~~- نعم، ويجب أن تحضر كمية من الستركنين، وحقنة خاصة للحقن تحت الجلد. ~~- ولكن ... سيدتي. ~~- يجب تنفيذ أمري في الحال، والآن قل لي متى يأتي الطبيب؟ ~~- في هذا المساء. ~~- وفي أية ساعة نحن الآن؟ ~~- في الظهر. ~~- إذن اذهب وعد في الحال. # ومرت ساعة أقامت فاسيليكا فيها تعد وسائل الانتقام من روكامبول؛ لأن كل قواها العقلية ~~كانت حية خلافا لأعضائها، فإنها كانت مائتة لا تتحرك. # وبعد ساعة ms1213 عاد إليها بطرس فقالت له: أأحضرت الآلة والدواء؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إذن ابدأ العمل. # فاضطرب بطرس وقال: ولكني أخشى أن أقتلك. ~~- قلت لك: امتثل لأمري واعمل ما قلته لك. ~~- سأمتثل لما تريدين. ~~- ابدأ الآن بنزع الثياب عن ساعدي وبعد أن تفرغ من ذلك أدخل شيئا من الدواء بأحد ~~العروق في ساعدي. # فتردد بطرس هنيهة ولكنه لم يجد بدا من الامتثال، فغمس المشراط بالستركنين وضرب به ~~عرقا أشارت إليه فاسيليكا. # ولم تمض هنيهة وجيزة حتى حدث لها نفس ما حدث لأنطوانيت حين أحياها روكامبول. # ولكن تأثير الدواء بفاسيليكا كان أسرع من تأثيره بأنطوانيت، ففتحت عينيها فجأة ثم جعل ~~جسمها ينتفض تباعا وقلبها ينبض نبضا منتظما، وقد تلون خداها وذهبت عنهما آثار ~~الاصفرار. # وبعد ربع ساعة، وثبت من سريرها إلى الأرض وثوب النمر، وقد عادت إليها جميع قواها، ~~فجعلت تصطك أسنانها من الغيظ وتقول: روكامبول. # 44 # عرف القراء مما تقدم أن الفيكونت فابيان أوصى معمل المركبات على مركبة روسية ضخمة وأن ~~بطرس كان يشتغل فيها. # وقد تم صنع هذه المركبة بعد أسبوع وأرسلت إليه للتجربة، وكان بطرس قد دخل في خدمته ~~كسائق واشترى ثلاث جياد روسية من فاسيليكا. # ثم دنا اليوم الذي عينوه لتجربة تلك المركبة فشد بطرس الجياد الثلاثة إليها وجلس في ~~مجلس السائق. # ولم يكن فيها غير فابيان وابنه، فأحب الولد أن يجلس بجانب السائق، وخرجت أمه بمركبة ~~وحدها تسير في أثر المركبة الضخمة. # وكان بطرس قد مرن تلك الجياد الروسية فصار بها على ما يريد، وطاف في تلك الجهات ~~المجاورة لمنزل الفيكونت فابيان، حتى إذا استوثق فابيان من تمرين تلك الجياد استوقف ~~السائق وخرج من تلك المركبة إلى مركبة امرأته. # أما ابنه فإنه أبى إلا أن يظل بجانب السائق، وكان فابيان قد اطمأن عليه لما رآه من ~~حسن تمرين الجياد ومهارة السائق، فتركه بقربه وكانت المركبة الروسية تسير سيرا يناسب ~~سرعة المركبة التي كان راكبا فيها فابيان وامرأته، والغلام يلتفت كل حين إلى ورائه ~~فيحيي والديه بألطف ابتسام. # ولكن ms1214 امرأة فابيان كانت كئيبة فقال لها زوجها: ماذا أصابك وما هذا الاكتئاب؟ ~~- إني خائفة. ~~- من أي شيء تخافين؟ ~~- لا أدري، ولكن نفسي منقبضة من يوم أمس وقلبي ينذرني بمصاب. # فنظر إليها بملء الحنان وقال لها: لا تسترسلي إلى هذه الهواجس أيتها الحبيبة فليس في ~~سماء حياتنا غمامة تكدر صفاءها. # فقالت له وعيونها محدقة بابنها: لو كنت تعلم؟ ~~- ماذا حدث؟ ~~- إني رأيت رجلا أصفر الوجه ينظر إلي وعيناه مغرورقتان بالدموع. # واضطرب فابيان عند هذه الكلمات اضطرابا أنساه ولده والمركبة التي كانت مسرعة حتى ~~إنها سبقت مركبته مسافة غير بعيدة. # أما امرأته فإنها ضغطت على يده وقالت له بصوت مضطرب: اصغ إلي يا فابيان إني بكيت ~~زمنا طويلا وكابدت عناء شديدا دون أن يعلم أحد منكم سبب شقائي. ~~- ماذا تعنين بهذا القول؟ ~~- أعني أني أعرف كل شيء. # اصفر وجه فابيان واستأنفت امرأته الحديث فقالت: إن هذا الذي كتب لي من الهند، وهو ~~فيها مع امرأته منذ عشرة أعوام، هذا الرجل هو أخي الحقيقي وليس هو ذلك الرجل الذي كان ~~يدعي أنه أخي، وكنت أحبه كما تحب الأخت أخاها وباركني قبل الموت. ~~- بربك كفى. ~~- كلا، إني أعرف كل شيء وأن هذا الرجل الذي كنت أحسبه أخي كان لصا شقيا مزورا ~~سفاكا، وإنك أنت والكونتس أرتوف وجميع الأصدقاء موهتم علي وكتمتم الحقيقة دون جدوى، ~~وإني عرفت هذه الحقيقة وعلمت أن هذا الرجل يدعى روكامبول. # وقد رأيته منذ ساعة واقفا في نافذة منزل تشرف على حديقتنا وهو ينظر إلي ~~ويبكي. ~~- بلانش كفى كفى! # ولكنها بدلا من أن تجيبه صاحت صيحة هائلة، فذعر زوجها ونظر فإذا بالمركبة التي ~~يقودها بطرس وفيها ولده قد جمحت جيادها وجعلت تسير سيرا لا انتظام فيه. # ورأى فابيان أن بطرس بات عاجزا عن كبح جماح الجياد وأن ولده يصيح صياح الذعر، ~~ويستنجد بأمه وأبيه فطار فؤاده ذعرا وصرخ بسائق مركبته قائلا: اقتل الجياد وأدرك ~~المركبة؛ لأنها سوف تسقط في البحيرة. # ولكن أين لجيادها أن تدرك تلك الجياد الروسية فسبقتها بمراحل وطبقت ms1215 أصوات استغاثة تلك ~~الأم جوانب الفضاء. # واندفعت تلك المركبة الروسية تمرق مروق السهم، حتى توارت عن أبصار فابيان وامرأته، ~~والناس ينظرون إلى هذين الأبوين المنكودين حيارى آسفين. # 45 # وإليك بيان ما حدث لتلك المركبة التي سار بها بطرس هذا السير المنوي من قبل، فإنه جلد ~~جيادها بسوطه جلدا قويا، فاندفعت تجري وصاح بطرس عند ذلك صيحة رعب وتعلق به الطفل، ~~وقد ملأ الخوف فؤاده الصغير، فكان ينظر متلفتا إلى الوراء وينادي أمه باكيا ولا ~~يجدها، فيقول له بطرس: لا تخف وتمسك بي جيدا، فلا خطر علينا وسأتمكن من إيقاف ~~الجياد. # وجعلت الجياد تسير كما يريد بطرس والناس يحسبونها جامحة، فاجتازت جميع الطرق المألوفة ~~وبلغت إلى شارع ضيق كانت فاسيليكا اكترت منزلا فيه سكنته متنكرة باسم غريب. # وكانت فاسيليكا بعد أن عادت إليها العافية أوهمت جميع من يعرفونها في باريس أنها ~~عائدة إلى بطرسبرج، وباعت أثاث منزلها وودعت أصحابها وركبت القطار الذي يبرح باريس في ~~الصباح. # ولكنها عادت إليها في قطار الليل واختبأت في ذلك المنزل ولم يكن يعلم سر احتجابها فيه ~~غير خادمتها . # فلما وصلت المركبة إلى ذلك الشارع رأى بطرس بساطا من العشب، فأشار على الغلام أن يثب ~~إلى الأرض وامتثل الطفل المسكين وألقى بنفسه على ذلك العشب، فأصاب رأسه حجرا فجرحه ~~وأدماه. # وهذا جل ما يريده بطرس فسار بالمركبة مسافة قصيرة ثم أوقفها، وحاول الرجوع كي يأخذ ~~الغلام بالظاهر فوجد مركبة سبقته إليه. # وكان الغلام يبكي وينادي أمه، وقد اجتمع الناس من حوله، فخرجت امرأة من تلك المركبة ~~وهي فاسيليكا، ففرقت جموع الناس الذين كانوا يهابونها لما رأوا من مظاهر الجلال ودنت من ~~الغلام وحملته بين ذراعيها. # وعند ذلك عاد بطرس بمركبته يحاول أخذ الغلام فتظاهر أنه لا يعرف فاسيليكا، فأبت أن ~~تسلمه إياه إشفاقا عليه وحذرا من جموح الجياد مرة أخرى ثم سألته على مسمع من الحاضرين ~~اسم أبيه وقالت: إني سأهتم بإرجاعه إلى أهله فاذهب أنت في شأنك. # فامتثل بطرس ومضى وأخذت فاسيليكا الغلام، فعصبت رأسه ms1216 الدامي بمنديل وحملته إلى ~~مركبتها، ثم أمرت السائق أن يذهب بها إلى منزلها وهي تقول: لقد وقع الطفل في قبضتي ~~وسيأتي دور من يحميه. # وكان الطفل مغميا عليه فحملته إلى سرير وعالجته حتى استفاق وكان أول كلمة لفظها: أين ~~أمي؟! # وجعل ينظر إلى فاسيليكا نظر الخائف فقالت له بلهجة حنو: اشكر الله يا بني فقد نجوت من ~~خطر شديد. ~~- نعم لقد خفت كثيرا. ~~- وكذلك أمك، فقد كان خوفها عليك أشد من خوفك على نفسك. ~~- وأين هي الآن أمي؟ ~~- ستحضر للبحث عنك في هذا المساء. # فنظر إليها منذهلا وقال: من أنت أيتها السيدة؟ ~~- صديقة لأمك يا بني. ~~- ولكني ما رأيتك مرة عندنا؟ ~~- رأيتني مرات كثيرة ولكنك لا تتذكرني الآن. # فوضع الطفل يده على رأسه وقال: إن رأسي يؤلمني كثيرا. # فقبلته وقالت: لا بأس عليك فستشفى غدا. ~~- وأين أنا الآن يا سيدتي، ولماذا لا تأخذني أمي إليها؟ ~~- إنك في منزلي ولا يوافق أن تراك أمك على هذه الحالة فتحزن، أتريد أن تحزنها؟ ~~- كلا، كلا، ولكن متى أشفى؟ ~~- غدا. ~~- أأنت واثقة من ذلك؟ ~~- دون شك. # وبعد حين تغلب التعب على الغلام فنام نوما هادئا، وقد انتهك جسمه الصغير من الخوف ~~والألم. # وفي الليل جاء بطرس إلى فاسيليكا وقص عليها ما جرى له، فقال لها: إنه أقام نحو ساعة ~~في الموضع الذي اختطفت فيه الغلام، إلى أن تمكن فابيان وامرأته من الاهتداء إليه بعد ~~طول البحث، وكانت امرأته شبيهة بالأموات لما تولاها من الرعب، فلما سألت عن ولدها ~~أخبرها بما اتفق له، واستشهد بالذين حضروا الحادثة من رجال ذلك الشارع ونسائه، فأيدوا ~~قول بطرس، وأخبروا الزوجين أن امرأة عليها مظاهر النبل أخذت الغلام، حذرا عليه من جموح ~~الجياد مرة أخرى، وسارت به إلى منزل أهله. # فطابت نفس فابيان وامرأته ورجعا إلى المنزل، أما بطرس فإنه أوصل المركبة إلى معمل ~~المركبات وتوجه إلى إحدى القهاوي المعتزلة، واختبأ إلى أن جن الظلام فجاء إلى منزل ~~فاسيليكا كي لا يراه أحد. # ولما فرغ من قصته تركته فاسيليكا ms1217 هنيهة وهي لابسة ملابس الرجال، وقد تنكرت بها أتم ~~التنكر وقالت لبطرس: اذهب وائتني بمركبة واذكر أنك مسئول في مدة غيابي عن هذا ~~الطفل. # ولكن بطرس لم يذهب، وجعل ينظر إلى ملابسها وشاربيها المستعارين وهو مندهش لمهارتها في ~~التنكر. # فقالت له وهي تبتسم: إنك لا تعلم الآن إلى أين أنا ذاهبة؛ لأن ذلك لا يخطر لك في بال؛ ~~لأني ذاهبة إلى أستاذ المبارزة أتعلم عنده المبارزة بالسيف؟ ~~- وما تهمك المبارزة بالسيف؟ ~~- لأني أستنكف من قتل روكامبول غيلة وغدرا، فإنه أعظم من أن يقتل بالخنجر أو بالسم، ~~وأنا أريد قتله بالسيف في مبارزة عادلة فيكون عقابه أشد حين يموت من يد امرأة. # فأطرق بطرس برأسه وخرج لإحضار المركبة. # 46 # بين أشخاص هذه الرواية رجل أغفلنا ذكره منذ عهد بعيد وهو الطبيب النادم الذي استخدمه ~~مورليكس لقتل أخته والدة أنطوانيت ومدلين. # وكان هذا الطبيب ندم ندامة صادقة عما اجترمه، وأصبح من الزهاد والناسكين يصلي آناء ~~الليل وأطراف النهار ويستغفر الله عن ذنبه القديم. # وبينما هو جالس في صباح قرب نافذة غرفته ينظر نظرا ساهيا إلى ما يحيط به، إذ فتح ~~باب غرفته ودخل عليه الماجور أفاتار. # فارتعش الطبيب حين رآه وقال له باندهاش: أهذا أنت؟ ~~- نعم، وقد أتيت إليك للذهاب بك إلى مريض مشرف على الموت. ~~- ومن هو هذا المريض؟ ~~- هو مورليكس بعينه الذي اقتصت منه يد الإنسان وستقتص منه يد الله. ~~- ما هي علته؟ ~~- إنه مصاب بعلة غريبة لك أن تسميها باللغة الطبية كما تشاء، أما أنا فإني أدعوها ~~جنون الغرام. ~~- أبمثل هذا العمر يعشقون؟ وكم عمره الآن؟ ~~- كان عمره 55 عاما منذ ثلاثة أشهر، أما الآن فإن عمره مائة عام. # وكانت المركبة واقفة عند باب المنزل فركب بها الاثنان وسارا إلى منزل مورليكس، فلما ~~بلغاه دخل روكامبول من باب سري وتبعه الطبيب فصعدا إلى غرفة وبلغا منها إلى غرفة لا نور ~~فيها وقد غطي بابها بستار. # فأراح روكامبول الستار وقال للطبيب: انظر. # فظهر له كارل دي مورليكس بملابس النوم وهو ms1218 واقف في وسط الغرفة وقفة المجانين وقد سقط ~~شعر رأسه بجملته ونحل جسمه، واصفر وجهه وبرزت عيناه فكانتا تتقدان بأشعة تدل على الجنون ~~وتشبهان فحمتين متقدتين. # وكان يعض كفه من القهر واليأس ويكلم نفسه بشكل متقطع فيقول: كلوريند، مدلين أحبك كيف ~~كنت ومهما تكوني، لماذا رحلتي عني وهربت مني ... تعالي إلي أعطيك كل ما عندي ... ولكن يجب ~~أن تكوني امرأتي ... # نعم فإنك مهما كانت ذنوبك فقد ارتكبت فيما مضى من أيامي جرائم أعظم، فأنا أستحق أن ~~تكوني لي ... وماذا تريدين أن أقترف بعد من الذنوب؟ إن يدي لا تزال قادرة على حمل الخنجر، ~~وخزائني لا يزال يوجد فيها سموم: كلوريند عودي إلي فإني لا أحب مدلين بل ~~كلوريند. # ثم عاد إلى عض يديه وركع على ركبتيه، فجعل ينظر إلى ما حواليه نظرا ساهيا ~~حائرا. # وفيما هو على هذه الحال وروكامبول والطبيب ينظران إليه إذ دخلت كلوريند، فصاح صيحة ~~فرح ونهض وهجم عليها فدفعته وهي تضحك عليه ضحكا عاليا، فعاد إلى الركوع أمامها وحاول ~~تقبيل يديها فدفعته أيضا، فجعل يتوسل إليها وهي تضحك عليه إلى أن قال لها: ماذا تريدين ~~أن أصنع أتريدين ثروتي؟ # فقالت له: أية ثروة تعني أيها الأبله؟ ألا تعلم أنك وهبت مالك لابنة أختك وابن ~~أخيك؟ ~~- ولكني أسترد المال وأقتلهم جميعا إذا كنت توافقين على الزواج بي. # فضحكت وقالت: تبا لك من أبله، كيف يخطر في بالك إني أحبك وأستبدلك بذلك المصور ~~الجميل؟ # فغضب كارل غضبا شديدا وقال: سأقتل هذا المصور أيضا. # وعندها دخل المصور فجأة وقال: ولكنك لا تقتلني من غير إذني يا عماه، ثم دنا من ~~كلوريند وقال لها: هلمي معي أيتها الحبيبة ولندع هذا الشيخ وشأنه. # فامتثلت كلوريند وتأبطت ذراع عشيقها وحاولت الخروج، فهجم كارل وقد اهتز اهتزاز الشجرة ~~دهمتها العاصفة، فاحتمله المصور وقذف به فهوى إلى آخر الغرفة. # فصاح صيحة شديدة وحاول أن ينهض ولكنه سقط، وحين رأى كلوريند انصرفت بعاشقها صاح صيحة ~~أخرى، وسقط لا يتحرك ولا يتكلم وكان نزعه شديدا طال ms1219 نحو ساعتين. # وكان روكامبول والطبيب ينظران إليه من وراء الستار، فرأياه في معترك شديد مع الموت ~~يحاول النهوض، فيسقط ويرجو الكلام فلا يستطيع، ثم جحظت عيناه، وانحلت عقدة لسانه فصاح ~~صيحة ملؤها اليأس والقهر. # وشتم شتما قبيحا، وكان هذا السباب آخر ما خرج من فمه، فمات غير تائب ولا ~~نادم. # فذعر الطبيب لما رآه وقال: ربما قدر لي أنا أيضا هذه الميتة الشنعاء دون أن يغفر لي ~~عن ذنوبي السابقة؟ # فقال له روكامبول: كلا، فإن الله يغفر للتائبين وهذا كتاب الصفح عن زلتك ~~السابقة. # ثم ناوله كتابا معنونا باسمه ففضه الطبيب بلهف وقرأ فيه ما يأتي: # لقد صفحنا عنك باسمنا وباسم أمنا التي في السماء فليصفح عنك الله. # أنطوانيت ومدلين # فجثا الطبيب على ركبتيه ونظر إلى روكامبول نظرة ملؤها الشكر بعينين يغرورق فيهما ~~الدموع، فقال له روكامبول: انهض أيها الصديق وكن واثقا من رحمة الله فإن صلاة الأختين ~~تشفع بك عند الله. # 47 # في الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم كان روكامبول جالسا في غرفة منزله المطلة ~~نافذتها على حديقة منزل الفيكونت فابيان وهو يكتب على منضدة وضعها قرب النافذة، وينظر ~~من حين إلى آخر من تلك النافذة باحثا عن ذلك الغلام وأمه فلا يجدهما. # وهذه صورة الكتاب الذي كان يكتبه إلى باكارا: # إلى الكونتس أرتوف # سيدتي! # إن عملي قد تم ومهمتي قد انتهت فإن الأختين اليتيمتين عادت إليهما ثروتهما ~~وهناؤهما، ولقي كارل مورليكس جزاء ما اقترفت يداه، ومات في هذا الصباح، فلم يبق ~~لروكامبول عمل يعمله في هذا الوجود، وهو يسألك الصفح عن يأسه من حياته وقطعه ~~حبل هذه الحياة. # إني أقسمت من قبل أن أموت في السجن وقد حنثت بهذا اليمين؛ لأني سمعت حكاية ~~هذين اليتيمتين، فأثرت بفؤاد روكامبول السفاك وشعرت أن التوبة الصادقة قد حلت ~~في قلبي محل ذلك الفساد القديم، فاستغفرت الله وعزمت على أن أنفق ما خصني به من ~~الذكاء والجرأة في سبيل الخير. # وقد فعلت ما فعلت يا سيدتي حتى أتممت ما خرجت لأجله ms1220 من السجن، وكنت أحسب أن ~~عذابي ينتهي بانتهاء تلك المهمة؛ فإذا به لا ينتهي إلا بانتهاء هذه الحياة التي ~~قدر لي أن لا أرى فيها يوم هناء. # ولو تعلمين يا سيدتي ما لقيت من العذاب حين رأيتها متكأة على ذراع زوجها ~~إيفان فقد تنبهت في عواطف روكامبول القديم، وثارت في نفسي عوامل الميل إلى الشر ~~فبت وحشا ضاريا ملأ الحسد قلبه وأصبح متأهبا للقتال. # وكنت إذا تشاغلت بالنوم عن هذا الفكر الشائن يتمثل لي في الحلم السير فيليام، ~~فيجلس بإزائي ينظر إلي تلك النظرات الجهنمية ويقول: إنك تحب مدلين يا ابني ولكن ~~لا شيء يمنعك عنها لا سيما وهي غنية حسناء وأنت لا تزال جميلا وفي عهد الشباب، ~~وإذا كان إيفان يثقل عليك فاطعنه بخنجرك طعنة نجلاء تصبح الفتاة لك دون ~~منازع. # فأنتبه من رقادي مضطرب النفس كاسف البال، فلا أزال أستغفر الله حتى يزول آثار ~~هذا الحلم. # والآن فإن مهمتي قد انقضت وكنت قبل ذلك مع نفسي في نزاع دائم، أما وقد انقضت ~~تلك المهمة ولم يعد أحد في حاجة إلي ولا أستطيع العودة بفضلك إلى السجن، فلم ~~يبق لي غير الموت وهو غاية ما أطمع به. # وسيقارن الله بين ذنوبي وندمي وآثامي وشقائي ورجائي برحمته وطيد؟ # فالوداع يا سيدتي وسأكون جثة باردة حين يصل إليك كتابي هذا، وقد عولت على ~~الانتحار دون أن أخبر أحدا بخنجر أطعن به قلبي وأنت تعلمين أن يدي لا ~~تخطئ. # أما فاندا وميلون فقد سافرا الليلة إلى ليون حيث قلت لهما: أن ينتظراني فيها ~~والله يغفر لي هذه الكذبة الأخيرة. # وهنا أرجوك رجاء آخر، وهو أن أنطوانيت ومدلين ضمنا مستقبل ميلون ونويل، ~~فأوصيك خيرا بفاندا. # الوداع وعسى أن يغفر لي الله كما غفر لك. # روكامبول # فلما أتم روكامبول كتابة الكتاب طواه وختمه ووضعه على المنضدة، ثم أخذ الخنجر ودنا من ~~النافذة كي يزود تلك التي يدعوها بأخته وابنها النظر الأخير، ولكنه لم ير أحدا ~~بالحديقة خلافا لمألوفه ولم ير نورا ينبعث من نوافذ ms1221 المنزل، فأن أنين الموجع وقال: ~~أقدر لي أن أموت دون أن أراها، فلا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم عاد إلى المنضدة فأخذ الخنجر وحاول أن ينتحر ولكنه تراجع منذعرا؛ لأنه رأى الباب ~~قد فتح فجأة ودخلت منه فاندا وميلون، فانقضت فاندا عليه واختطفت منه الخنجر. # وكان ميلون وراءها يبكي ويقول: لقد أصابت فاندا بظنونها فأبت أن تسافر؛ لأن قلبها ~~أنذرها بما أنت عازم عليه. # فاتقدت عينا روكامبول بأشعة الغضب وقال: اخرجا من هنا فإني أطردكما؛ لأنكما جسرتما ~~على عصيان أوامري. # فقالت فاندا: لا ننكر أننا عصيناك ولكنك لا يحق لك أن تنتحر. # وقال ميلون: إن الله يمنع الانتحار. # فزاد غضبه وقال: اخرجا. # فجلست فاندا على ركبتها أمامه وقالت: أيها الرئيس إني أعلم لماذا تريد الانتحار، ~~وأعلم ذلك الحب الهائل الذي ملأ قلبك، فاقبل هذا العذاب واحسبه عقابا أخيرا لك عن ~~ذنوبك السابقة، فإن الناس قد غفروا لك، وبعد عفو الناس عفو الله، وأنا وميلون نقيم معك ~~فنكون عبدين لك ونعزيك ونحدثك عمن تحب. ~~- اسكتي، ولا تذكري اسمها بشفتيك. # وركع ميلون وقال: مولاي، إن الأختين أصبحتا سعيدتين بفضلك ولكن من يضمن لهما ~~المستقبل؟ ~~- إن زوجيهما يحميانهما. ~~- ولكن لا يحق لك أن تنتحر. # فنظر إليه روكامبول نظرة هائلة وقال: من يحتاج إلي الآن ومن يستطيع أن يقول لي: لا حق ~~لك أن ترتاح بالموت؟ # فبرزت امرأة من الباب وقالت: أنا ... # فاصفر وجه روكامبول واضطرب حتى أوشك أن يسقط على الأرض، أما هذه المرأة فقد كانت ~~بلانش دي شمري زوجة الفيكونت فابيان. # وركع روكامبول أمامها وقال: أنت ... أنت هنا. ~~- نعم إني أعرف كل شيء وأنك لست بأخي، ولكني أعلم أيضا أنك تحبني كما لو كنت أختك ~~حقيقة، وقد جئت كي أقول لك: لا حق لك بالانتحار؛ لأنهم اختطفوا ولدي. # فصاح روكامبول صيحة هائلة واتقدت عيناه بأشعة من اللهب، فكان كالأسد النائم تنبه ~~لخطر. # 48 # مضى على ذلك ثلاثة أيام وروكامبول لا تفتر له همة عن البحث عن الغلام دون أن يقف على ms1222 ~~أثر من آثاره، ولكنه علم من أول ساعة تلقى فيها خبر اختطافه أن ذلك من صنع فاسيليكا، ~~وأنها لم تقصد باختطافها الطفل إلا نكايته والانتقام منه. # وقد علم بفراسته المعهودة أن فاسيليكا برحت باريس أمام جميع معارفها، ولكنها عادت ~~إليها خفية لتنتقم منه فإن كرهها لإيفان قد تحول إليه. # وقد كان علم أيضا أن خادمها بطرس قد خدم في معمل المركبات بصفة حداد، ثم دخل في خدمة ~~الفيكونت فابيان، وأنه هو الذي ساق تلك المركبة التي جمحت جيادها. # فكان أول ما أجراه أنه اقتفى أثر تلك المركبة من المكان الذي جمحت الجياد فيه، إلى ~~المكان الذي سقط الغلام منه، وأخذته تلك السيدة الشقراء بغية رده إلى أهله في مركبتها، ~~وكان يشغله ثلاث مسائل وهي: ما جرى لتلك السيدة وأين ذهبت المركبة، وأين يوجد ~~الطفل. # ولكنه على فرط جهده وما بذله نويل وميلون وفاندا من المساعي في التفتيش لم يحل رمزا ~~من رموز هذه المسائل الثلاث. # غير أن روكامبول كان واثقا كل الوثوق أن الغلام غير بعيد عن الموضع الذي اختطف منه، ~~وكانت عصابته تطوف في أنحاء باريس وكان هو يكثر التردد على هذا المكان قاصرا همه على ~~البحث والاستقصاء. # وكان كلما جاء إليه مرة يتنكر بزي جديد، وانتهى بعد ثلاثة أيام إلى معرفة كل منزل من ~~منازل ذلك الحي وكل حانة من حاناته. # وفي مساء اليوم الثالث قال لميلون: تعال معي الليلة فلا شك أننا سنجد مقر الغلام في ~~هذا الحي. # وكانت فاندا تسمع الحديث فقالت: وأنا أحضر معك أيضا فإني معتقدة نفس اعتقادك. # ثم ذهب الثلاثة متنكرين وكانت فاندا متنكرة بزي غلام والثلاثة مسلحون. # وكان الظلام حالكا والمطر ينهمر وروكامبول يتقدمهما عدة أمتار، فبينما هو يسير في ~~ذلك الشارع المهجور اصطدم برجل يسير سيرا مستعجلا فشتم الرجل بلهجة مجهولة، واستمر في ~~مسيره فارتعش روكامبول عند سماعه الصوت، وجعل يقتفي أثر هذا الرجل دون أن يستطيع أن ~~يتبين وجهه لاشتداد الظلام، وميلون وفاندا يتبعانه على بعد مائة خطوة حتى انتهى ms1223 الرجل ~~إلى حانة منورة بنور ضعيف فدخل إليها. # فوقف روكامبول حتى وصل إليه ميلون وفاندا، فقال لفاندا: أظن أننا عثرنا به. # فقالت فاندا: من هو ألعله بطرس السائق؟ ~~- هو بعينه. # فقال ميلون: إذا كان هو نفسه كما تقولون فإني سأخنقه بضغطة واحدة. # فزجره روكامبول وقال: احذر أن تصنع شيئا إلا بأمري. # ثم ترك الاثنين وذهب توا إلى تلك الخمارة، فوقف عند بابها وكان من الزجاج الشفاف ~~فرأى ذلك الرجل جالسا وأمامه زجاجة من الخمر وهو يشرب الكأس تلو الكأس فاستوثق أنه ~~بطرس السائق. # ولما فرغ من شرب الزجاجة دفع ثمنها للخمار وبرح الحانة وهو يترنم ترنم السكارى، ولكنه ~~لم يسرع عدة خطوات حتى هجم عليه روكامبول هجوم العقبان، فضغط بإحدى يديه على عنقه وأشهر ~~بيده الأخرى خنجره فصوبه إلى قلبه وقال: لقد عثرت بك أخيرا أيها الشقي. # فعرف بطرس أنه بات في قبضة روكامبول، وقال له وقد ملئ قلبه ذعرا: رحماك يا سيدي وابق ~~علي أخبرك أين يوجد الغلام. # ولم يكن يوجد أحد في الخمارة التي خرج منها بطرس وكان الظلام حالكا والشارع مقفرا، ~~فألقى روكامبول بطرس على الأرض وقال له: احذر من أن تستغيث فإنه قبل أن ترد إليك النجدة ~~تغدو من الهالكين. # فأجابه بطرس قائلا: إني لا أصرخ ولا أستغيث، وإذا كنت تدفع لي كما تدفع لي الكونتس ~~فاسيليكا خدمتك كما أخدمها، بل كنت أصدق في خدمتك؛ لأنك أشد دهاء منها. # ثم ضحك ضحكا دل على سفالة أخلاقه. # فقال روكامبول: إنك ستكسب مني أكثر مما تكسب من فاسيليكا، فإن أهل الغلام أعظم ثروة ~~منها، فقل: كم تريد أن ندفع لك؟ ~~- مائة ألف فرنك. ~~- سيكون لك ما تريد. ~~- متى؟ ~~- غدا. ~~- إني لا أثق بالوعود إلا حين إنجازها. ~~- ولكني أقتلك إذا لم ترشدني إلى موضع الغلام. ~~- إنني أعرف ذلك حق العرفان. # ثم فتح صدره أمام روكامبول إشارة إلى أنه لا يرهب الموت وقال: إني رجل فقير نشأت على ~~الشقاء والذل وكنت فلاحا في روسيا أعامل كما يعامل الحيوان، فلم أحفل ms1224 بهذا الوجود إلا ~~على رجاء أن أنال ثروة وكدت أن أنال ثروة وكدت أن أنال ما طالما طمعت فيه لو أنك لم ~~تتصد لي في طريقي، فإن فاسيليكا لم تعد محتاجة إلي وقد عزمت على أن تدفع لي غدا هذا ~~المال، ولكني لقيتك لسوء حظي وأنا واثق من أنك ستقتلني إذا لم أتكلم. # فراع روكامبول ما رآه من ثبات جأشه وأيقن أنه يؤثر الموت حقيقة على فقد هذا المال ~~فقال له: وإذا أعطيتك مائة ألف فرنك؟ ~~- أذهب بك إلى حيث يقيم الطفل. ~~- إنه حي على الأقل. ~~- لا يزال حيا، ولكني لا أعلم إذا كان يبقى في قيد الحياة إلى الغد، فإن هذه المرأة ~~من أشد النساء وأغلظهن فؤادا. # فارتعش روكامبول وأمره أن ينهض ويسير معه، ثم تأبط ذراعه حذرا من فراره وسار به ~~مستعجلا إلى نهر السين. # وبعد ربع ساعة وصلوا إلى جسر ذلك النهر، فقال له روكامبول: يجب أن تجتاز هذا النهر كي ~~تحصل على ما تطلبه من المال من منزل الكونتس أرتوف، ففي أي شارع تقيم فاسيليكا؟ ~~- في تلك الجهة. ~~- والغلام؟ ~~- معها فإنها لا تغفل عنه طرفة عين ولا تفارقه في الليل والنهار. ~~- إذن فلننتظر هنا. # ثم نادى فاندا وقال لها: اركبي مركبة بعد أن تجتازي النهر وأسرعي بها إلى شارع ~~بيبينار عند الكونتس أرتوف وأحضري من عندها مائة ألف فرنك، فإن من كان له ثروتها يوجد ~~في منزله مثل هذا المبلغ وأسرعي ما استطعت فإن قلبي يحدثني بأننا أضعنا الوقت. # فأسرعت فاندا وبقي روكامبول وميلون مع بطرس. # فقال له بطرس: أتعلم ما تريد أن تصنع فاسيليكا بالغلام؟ ~~- كلا! ~~- تريد أن تميته جوعا بغية الانتقام؛ لأنها تعلم أنه إذا مات الولد تجن أمه وربما ~~ماتت وهاتان الضربتان تكونان قاضيتين عليك؛ لأنها لا تبغي الانتقام إلا منك. # فارتعش روكامبول وأجاب: إن فراستها لم تخطئ فإن قتل الغلام يقتلني دون شك. # فقال ميلون متحمسا: ولكنها لا تستطيع أن ترتكب هذه الجريمة ونحن في أثرها. # وكأنما بطرس قد تنبه لكلام ميلون ms1225 فالتفت إلى روكامبول وسأله: إني إذا أخبرتكم بمحل ~~الغلام ثم قبضت منكم المال فمن يضمن لي أنكم لا تسترجعون ذلك المال وأنتم ثلاثة وأنا ~~واحد؟ # فقال روكامبول: إن من كان مثلي يفي بوعده. ~~- إذن أصدق وعدك. # ومضى على ذلك ساعة ثم سمعوا صوت مركبة تسير على الجسر حتى وصلت إلى حيث كانت الجماعة، ~~فوثبت فاندا إلى الأرض وقالت لروكامبول: هو ذا قد عدت بالنقود. # ثم أعطته لفافة من الأوراق المالية فأخذها منها ودفعها لبطرس قائلا: خذ ثمن خيانتك ~~وتكلم. # فمشى بطرس أمامهم قائلا: اتبعوني أرشدكم إلى موضع الغلام. # وساروا جميعهم على ذلك الجسر حتى بلغوا إلى الضفة الثانية من النهر، فسار أمامهم حتى ~~دنا من بيت معتزل فوقف بعيدا وأشار لهم بيده. # فنظر روكامبول إلى حيث أشار سائلا: أهو هذا الكوخ الذي تكتنفه الحديقة؟ ~~- نعم. ~~- وما هذا النور الذي ينبعث من بين الأشجار؟ ~~- هو نور غرفة فاسيليكا الخاصة وهي فيها وحدها مع الغلام تنتظرني، ولكن احذر إذ يجب ~~أن تدخل دون أن يشعر بك أحد وأن تكون وحدك. ~~- لماذا وحدي؟ ~~- لأنها إذا سمعت وقع خطواتك تحسب إني أنا القادم فلا تستعد لشيء، وأما إذا سمعت وقع ~~أقدام كثيرة تتأهب ويحدث ما لا تحمد عقباه. # ثم أعطاه مفتاحا وقال: هذا مفتاح الحديقة المشرف بابها على الرصيف، وهذا مفتاح الباب ~~الخارجي المشرف على الشارع فادخل من أيهما شئت أما أنا فسأهرب. ~~- كلا، إنك لا تستطيع الفرار الآن قبل أن استوثق منك، فإني أخشى أن تكون ~~خدعتني. # ثم التفت إلى ميلون وفاندا وقال: إني أئتمنكما على هذا الرجل. # فقال ميلون: إنني أتعهد به. # وقالت فاندا: ألا تريد أيها الرئيس أن أذهب معك فإني خائفة عليك؟ # فهز كتفيه وقال: لا سبيل إلى الخوف، فأبقي مع ميلون لحراسة الرجل. # ثم تركهم وذهب إلى باب الحديقة ففتحه بالمفتاح ودخل. # وبقي ميلون وفاندا خارج الباب وكان ميلون قابضا على بطرس، وكانت فاندا تضطرب وقد ~~ملأت قلبها الهواجس. # أما روكامبول فإنه أقفل الباب وراءه واحتجب عن الأنظار، فاتقدت ms1226 عينا بطرس بشعاع غريب، ~~كأنما ساعة الانتقام قد دنت، ثم انقطع كل صوت، ودخل روكامبول إلى منزل عدوته ~~اللدودة. # 49 # وكانت فاسيليكا وحدها في غرفة ضعيفة النور تشرف على الحديقة وقد وضعت في إحدى زواياها ~~سريرا وعلى هذا السرير الغلام. # وكان رأس الغلام لا يزال معصوبا وهو مصاب بالحمى منذ ثلاثة أيام لم يذق في خلالهما ~~طعاما. # وكانت فاسيليكا قبل أن تنشب فيه براثنها تلاطفه وتملقه وتعده الوعود الجميلة وتعلله ~~بقرب دخول أمه، فانتظر الطفل صابرا، ولكن الساعات توالت والأيام تعاقبت دون أن تحضر ~~أمه، فخاف وعاد إلى البكاء، فأزعج صوت بكائه فاسيليكا، فحبسته في الغرفة وحده وخرجت إلى ~~غرفة أخرى، فاستحال خوف الغلام إلى رعب شديد وجعل يصيح صياحا مؤلما. # فصبرت هنيهة على صراخه، ولكنه لم ينقطع عنه فهاجت أعصابها ودخلت إليه وبيدها كرباج، ~~فإن هذه المرأة الوحشية كانت متعودة أن ترى الفلاحين في أراضيها يموتون تحت السياط، فلم ~~تأخذها شفقة على تلك الزهرة المقطوفة من جنة عدن، ولم تعطفها الرحمة بطفل خلق ليكون ~~رسول المحبة وأستاذ الرفق، ولم تحن على تلك الدموع التي كانت تقضي في بيت أبيه جميع ~~حوائجه فانهالت على جسمه الصغير بذلك السوط تضربه ضربا مؤلما متصلا، حتى خاف الطفل ~~واضطر مكرها إلى السكوت على فرط آلامه وأوجاعه. # واكتفت فاسيليكا بسكوته وقالت له: احذر أن تصيح بعد الآن فإني أعود إلى جلدك بهذا ~~السوط. # وجعل ذلك المسكين يبكي بالسر وهو يتعذب من الجوع وآلام السوط، ويذكر اسم أمه بصوت ~~منخفض يتقطع له قلب الجماد وهو لا يجسر أن يناديها جهارا حذرا من ذلك السوط، إلى أن ~~تغلب عليه النوم فنام نوم السكارى لشدة ما عاناه. # ولما صحا في اليوم التالي عاد إلى البكاء، فعادت إلى السوط فسكت. وفي المساء تمكن منه ~~الجوع، وقاسى منه ما لا يحيط به وصفه فلم يقنط من الحياة، وجعل يبكي ويصيح ويستغيث غير ~~خائف من جلد السياط. # وما لبث طويلا حتى فاجأته الحمى فجعل يهذو فيضحك تارة ضحكا عصبيا، ويذكر ms1227 اسمي أمه ~~وأبيه بأعذب الألفاظ، ثم تتمثل له فاسيليكا بشكل شيطان رجيم ويذكر سياطها فيتوسل إليها ~~ويقول: رحماك كفاك تضربينني فلا أعود إلى الصراخ. # وكانت تخطر له أحيانا تلك المركبة التي جمحت جيادها، فيتمثل له بطرس ويقول: اوقف ~~المركبة فإني أريد أن أنزل وأعود إلى أمي. # كل ذلك يجري وتلك المرأة الجهنمية تنظر إلى نزعه وتخاطب نفسها قائلة: كل ذلك لا يشفي ~~غليلي إلا إذا رآه روكامبول، وحبذا لو جاء قبل أن يموت الغلام فإني أحب أن يرى نزعه، ~~وأن أدفن الاثنين في قبر واحد. # وكانت فاسيليكا مرتدية بملابس الرجال وهي جالسة قرب سرير الطفل في ذلك الوقت حين دخل ~~فيه روكامبول إلى الحديقة وتقول: لا بد أن يكون بطرس قد نفذ أوامري، وجعل روكامبول يعثر ~~به في الطريق فإني قد وعدته بأحسن جزاء فلا يمكن أن يعبث بأوامري، ثم إنه لا يخدمني ~~لأجل المال وحده كما خدمني سواه، بل إنه يريد أن ينتقم مثلي فلا بد لروكامبول أن يقع في ~~الفخ، ولا بد له أن يرى بطرس في الطريق فيقبض على عنقه ويقول له: إلى موضع الغلام أو ~~أقتلك، فيطلب بطرس جزاء ماليا فيثق به روكامبول ويقع في الفخ، ثم جعلت تضحك ضحك ~~الهازئين وهي واثقة من الفوز. # وفيما هي تضحك هذا الضحك سمعت وقع أقدام في الحديقة فأطلت من النافذة، ورأت روكامبول ~~فقالت: إن بطرس قد فاز بخديعته ثم اختبأت في الحال وراء ستار. # أما روكامبول فإنه دخل وكان يمشي مشية الحذر المتأني، وقد ذكر في تلك الساعة ما كان ~~يوصيه به أستاذه السير فيليام منذ عشرين عاما حين كان يقول له: «اذكر أيها التلميذ ~~العزيز أنه من يريد الإساءة ويستخدم لها الغدارة فهو من رجال البله كالحمق، فإنه قد ~~يخطئ المرمى وينبه إليه الناس خلافا للخنجر، فإنه أسبق إلى نيل الغايات وأوفى.» # ويعلم القراء أن روكامبول لم يعد من رجال تلك المدرسة، فقد أصبح من التائبين ولكنه في ~~تلك الساعة عاد إلى طبعه القديم وذكر وصية أستاذه، ms1228 فدخل إلى ذلك المنزل الذي لم يكن ~~يعرفه من قبل مشهرا بيده الخنجر. # فدخل ردهة كان بابها مفتوحا ولا نور فيها ولكنه رأى نورا ينبعث من تلك الغرفة التي ~~كان فيها الغلام فدخل إليها. # وكانت فاسيليكا قد اختبأت كما قدمنا، فلما سمع الطفل وقع أقدام روكامبول ورآه صاح ~~مستغيثا بأمه، فصاح روكامبول صيحة فرح وأسرع إلى الغلام، وحمله بين ذراعيه وخرج به كما ~~تخرج اللبوة بأشبالها وقد أنقذتها من الصياد. # ولكنه لم يكد يرجع به ويبلغ إلى عتبة الباب حتى رأى فاسيليكا قد تصدت له، وقد حملت ~~بيدها سيفين وبيدها الأخرى غدارة صوبتها إلى رأس الطفل، وقالت: إذا خطوت خطوة واحدة ~~قتلت هذا الطفل بين يديك. # 50 # وتقدم روكامبول خطوة إلى الأمام وهو يضم الطفل بيده إلى صدره، ويشهر الخنجر بيمناه ~~قائلا: اذهبي من طريقي. # واستمرت فاسيليكا في موقفها، إذا تقدمت خطوة أطلقت النار. # فأرجع روكامبول الطفل إلى سريره وانقض عليها، ولكنها كانت ألقت أحد السيفين على ~~الأرض، وحولت رأس الآخر إلى صدره فلم يجد بدا من الوقوف، وعند ذلك قالت له: إنك تعلم ~~دون شك أن الخنجر ليس له طول السيف. # ثم وضعت غدارتها فوق منضدة كانت وراءها ورفست السيف الملقى على الأرض برجلها، وقذفته ~~إلى جهة روكامبول قائلة: إني أعددت لك أيها اللص السفاك ميتة جميلة ذلك أنك ستقتل ~~بالمبارزة قتلا شريفا لا عيب فيه ولكنك ستقتل من يد امرأة. # وهاج غضب روكامبول وأجابها: ابعدي من سبيلي. ~~- اصغ إلي أيها الشقي، إنه أسهل لدي الآن من أن أمد يدي فأتناول الغدارة وأطلقها عليك ~~فأسيل دماغك ثم أجهز بهذا الخنجر الذي بيدك، أو بهذا السيف الذي بيدي على الطفل فأكون ~~قد أتممت انتقامي. # ولكني لا أريد أن أقتلك غدرا أو اغتيالا، بل أريد أن تدافع عن حياتك التي سأسلبك ~~إياها بالرغم عنك. # إنك مجرم سفاك وأنا تعجبني الجرائم وأصحابها، وربما كنت أحببتك لولا تصديك لي في ~~أغراضي؛ وذلك لإعجابي بذنوبك، أما الآن فإني أطلب روحك أقبضها، ودما بعروقك أشربه، ms1229 ~~ولكني أريد أن أسفك هذه الدماء نقطة نقطة بمبارزة عادلة، لا كما كنت تقتل الناس أنت من ~~قبل، بل أريد هذا الرجل الهائل الذي يدعونه روكامبول، والذي يضطرب أمامه المجرمون أن ~~تقتله امرأة، وهذا كل انتقامي فالتقط السيف من الأرض وهلم إلى المبارزة. # فغضب روكامبول غضبا شديدا ولكنه لم يلتقط السيف بل رفسه برجله. # فقالت: إني أمهلك دقيقتين فإذا لم تبارزني بهذا السيف في خلالها أطلقت غدارتي على ~~الغلام، فتكون قد سببت له الموت وأنت قادم لإنقاذه. # فذهب تردده حين سماعه هذا القول ثم التقط السيف، وقال لها: إن دماء النساء محرمة علي ~~ولكنك لست امرأة بل أنت ضبع كاسر هربت من غابات بلادك، فيجب علي أن أقتلك قبل أن ~~تفترسيني. # ويعلم القراء أن روكامبول كان من خيرة لاعبي السيف، فلا تخفاه خافية من أسرار هذه ~~الألعاب، ولما أخذ السيف وحاول الانقضاض على فاسيليكا كان مستخفا بها لحسبانه أنها لا ~~تستطيع معه دفاعا. # ولكن ساء توهمه فإنه ما لبث أن جال معها في المعترك حتى رآها تلعب بالسيف كما تلعب ~~الأندلسية بالمروحة. # فذعر روكامبول لما رآه من مهارتها وثباتها ، وكانت تقاتله قتالا شديدا، وهي مع ذلك ~~تضحك وتتهكم وتقول له: إنك حسبت بطرس خائنا لي ولكنك أبله فإني أنا الذي أردت أن تلقاه ~~ويلقاك. # ثم اغتنمت فرصة من روكامبول وانقضت عليه بحسامها وشكته بصدره، فصاح صيحة شديدة وسقط ~~الحسام من يده ولكنه ظل واقفا. # وعند ذلك قبض بإحدى يديه على حسام فاسيليكا المشكوك في صدره وطعنها بخنجره طعنة هائلة ~~في عنقها، فأغمده فيه وسقطت فاسيليكا على الأرض والدماء تنصب من فمها ومن عنقها. # فبرقت أسرة روكامبول بعلائم الفوز وأخرج السيف من صدره وألقاه على الأرض، ثم أسرع إلى ~~سرير الطفل وكان مغميا عليه فاحتمله وخرج به مسرعا إلى الحديقة والدماء التي تسيل من ~~جرحه تخط وراءه أثرا طويلا. # أما ميلون وفاندا فكانا لا يزالان على باب المنزل الخارجي ينتظران عودته، فصبرا نحو ~~ساعة حتى سئما الانتظار وثارت الهواجس بفؤاد فاندا ms1230 فسألت: ماذا عسى أن يكون قد ~~حدث؟ # فضحك بطرس ضحكا عاليا وقال: لا شك أنكم من البلهاء، فإن هذه الداهية لا بد أن تكون ~~قد قتلت روكامبول. # فذعر ميلون أشد الذعر لكلامه وانقض عليه فطعنه بخنجره طعنة قاضية وهو يقول: أتنذر ~~بموته أيها السافل وأنت تضحك؟ # ثم تركه مخضبا بدمه ورفس الباب برجله فانكسر. # ودخلت فاندا وهي تثور ثورة اللبوة فتبعها ميلون حتى وصلا إلى غرفة فاسيليكا فرأياها ~~صرعى تنزع النزع الأخير. # ولكنها حين رأتهما ثارت فيها عاطفة الانتقام فقالت لهما: إنه جرحني ولكنه لا يعيش ~~طويلا؛ لأن سيفي في صدره. # واضطربت فاندا وقالت: ولكنك تموتين قبله على الأقل. # ثم أخذت الغدارة التي لا تزال محشوة وأطلقتها على رأسها فسال نخاعها وذهبت روحها ~~الشقية. # وكان ما نزف من دماء روكامبول أثرا ظاهرا يدل على الطريق التي سار بها، فصرخ ميلون ~~بصوت مختنق: ويلاه إنه مات. # وردت فاندا: لا تقنط من رحمة الله وهلم بنا نقتفي أثره. # وكان القمر يسطع في السماء فينير الأرض كما ينير الفجر، واندفعت فاندا تسير في أثر ~~الدماء وخلفها ميلون وهو يبكي كالأطفال، حتى وصلا الحديقة وكانت الدماء أكثر غزارة عند ~~بابها، وخرجا منه إلى الرصيف وبعد أن سارا عليه عشرين خطوة عثر ميلون بجسم صغير، فنظر ~~إليه فإذا هو الطفل مغميا عليه. # فحمله وسار مع فاندا يقتفيان أثر الدماء حتى بلغا إلى سلم ذلك الرصيف المؤدية إلى ~~مياه النهر. # وهناك انقطع أثر الدماء وكانت مياه النهر ساكنة هادئة، كأنما تطوي بين أمواجها سرا ~~من الأسرار فذعر ميلون وصاح: ويلاه إنه مات. # وارتدت فاندا إليه وقد اتقدت عيناها ببريق ناري وقالت: كلا، إن الله لا يريد له أن ~~يموت ... كلا إن روكامبول لم يمت، فاذهب يا ميلون بالطفل إلى أهله، ودعني أقتفي آثاره ~~فإما يكون حيا فأحيى بحياته، أو يكون ميتا فأكون بعده من الهالكين. # ضحايا الهند‏ # ضحايا الهند‏ # | ضحايا الهند # | ضحايا الهند # | روكامبول (الجزء الثامن) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | ضحايا الهند # 1 ms1231 # في ليلة من ليالي الشتاء الباردة كان ثلاثة من لصوص باريس جالسين على ضفة نهر السين، ~~وقد مضت ساعة على انتصاف الليل، ورقصت أشعة القمر فوق مياه ذلك النهر، ونام سكان باريس ~~إلا أمثال أولئك اللصوص؛ لأن أعمالهم تبتدئ في مثل هذه الساعة. # وكان اثنان من هؤلاء اللصوص قد بلغا سن الكهولة، وواحد منهم لا يزال في بدء نضارة ~~الصبا لا يتجاوز عشرين عاما، واسمه مرميس، وكان الاثنان الآخران أحدهما يدعى مورت، ~~والثاني نوتير، وهي ألقاب لقبهم بها رئيس العصابة؛ فلزمهم لزوم الأسماء. # وكانوا جالسين على رصيف النهر، وأرجلهم مدلاة فوق مياهه الساكنة، وكان مورت يفرك يديه ~~ويقول: ما أشد برد هذه الليلة! وما أشد ظمئي إلى الشراب! # فقال له نوتير: هو ذا الماء أمامك، فارو ظمأك. # فقال له مورت بلهجة الهازئ: ويحك متى كان الماء يروي ظمأ أمثالنا، وإني ما شربته غير ~~أيام قليلة في حياتي، وذلك في سجن طولون. # وكان مرميس يسمع كلامهما فقال: إنه مهما كان من شدة العيش في سجن طولون فإنه أفضل من ~~سجن باريس، وكفى به أن من يدخل إليه يكون له المقام السامي بين العصابات. # فضحك مورت وأجاب: طب نفسا فإنك لا تزال صغيرا، وستتشرف بزيارته، ويكون لك هذا ~~المقام ما دمت سائرا في مناهجنا. # وفيما هم يتسامرون رأى مرميس شيئا يتحرك في النهر فيغوص ثم يرتفع، فنبه إليه أنظار ~~رفيقيه، فحدقوا جميعهم أبصارهم حتى تبينوا أنه شيخ غريق يحاول الانتحار. وهناك اختلفوا ~~بين أن ينقذوه ويخرجوه حيا؛ فلا يكون جزاؤهم من الحكومة غير خمسة عشر فرنكا، وبين أن ~~يصبروا عليه حتى يموت فتكافئهم الحكومة عن إخراجه خمسة وعشرين، وهي سنة للحكومة لا ~~ندرك القصد منها. # وكان مورت يقول بوجوب إنقاذه حيا، ولم يحفل بمعارضة رفيقيه له، وألقى بنفسه في مياه ~~النهر، وجعل يسبح إلى جهة الغريق، وكان بعيدا عنه مسافة عدة أمتار. # وكان يظهر أن هذا الغريق ألقى نفسه في النهر مختارا، بدليل إتقانه فن السباحة، وكان ~~يغوص تحت المياه، ثم يرتفع ms1232 فوقها، وقد نشبت حرب مائلة بين نفسه التي كانت تريد مفارقة ~~الجسم والانتهاء إلى مبدئها، وبين جسمه الذي كان يريد البقاء في قيد الحياة. وكان إذا ~~تغلبت إرادة النفس غاص في النهر حتى لا يرى، وإذا تغلبت عوامل الجسد عاد إلى ~~السباحة. # وفيما هو على هذا النزاع أدركه مورت فقبض على شعر رأسه، وجعل يجره إلى البر، وكان ~~مرميس يصيح به من الرصيف قائلا: أغرقه أيها الأبله؛ لأننا نكسب بموته 10 فرنكات ~~زيادة. # وكان الغريق يصيح به: دعني وشأني أيها الرجل؛ لأني لا أريد أن تنقذني. # غير أن اللص لم يصغ إلى أحد منهما، فما زال يجذبه حتى وصل به إلى الرصيف، وظهر وجهه ~~لنوتير من أشعة القمر، فصاح قائلا: هذا هو. # ثم أسرع إلى الاثنين، وأعانهما على الصعود إلى البر. # وانذهل مرميس انذهالا عظيما، وقال: من عسى أن يكون هذا الرجل، ألعله من أمراء الروس ~~الأغنياء فاعتنيتم به هذا الاعتناء. # فقال له مورت: كلا بل هو من رجال سجن طولون القدماء. # ثم التفت إلى الغريق بعد أن هدأ روعه وقال له: ألست الذي كانوا يدعونك في السجن جواني ~~الجزار؟ # وأن أنين الموجع، وقال: بل جواني الجلاد، ولقد أسأتم لي إساءة لا أغتفرها لكم ~~بإنقاذي؛ لأني خنت الرئيس، ووجب علي الموت. # وكان مرميس يصغي إلى هذا الكلام ولا يعلم منه شيئا، وقال لرفيقيه: ماذا تعنون؟ وماذا ~~يعني بالرئيس؟ # وأجابه مورت: إنه كان جلادا في سجن طولون، وهرب منه بدهاء عظيم، وتنكر حتى أعجز ~~الحكومة أمره، ولو وقع في قبضتها استقبلته استقبال روكامبول. # فقال مرميس: إني سمعت بهذا الاسم، فهو من كبار اللصوص المشاهير. # وقال جواني: هذا هو الذي لقبته بالرئيس، وقد أشكل عليك فهم معناه. # فاضطرب نوتير وقال لمرميس: إن روكامبول هذا فوق الناس أجمعين في مراتب الذكاء ~~والدهاء، فقد طالما عبث بالحكام، وأتى أعمالا لا تخطر لأحد في بال، وقد خطر له يوما ~~أن يبرح السجن ففتحت له أبوابه، وقضي مرة على رجل بقطع العنق فأوقف آلة القطع عن ms1233 ~~العمل. # وافتتن مرميس به وقال: والله لو عرفت أنه في أعمق السجون لارتكبت جريمة أستحق بها ذلك ~~السجن كي أراه، وأين هذا الرئيس العظيم من رئيس عصابتنا باتير، فإنه كسول لا ثبات له ~~إلا على موائد الشراب، فلماذا لا نخدم برئاسته؟ # فتنهد جواني قائلا: إنكم لا ترونه فقد قبضوا عليه. ~~- كيف قبضوا عليه؟ # أجابه حواني بلهجة القانط: إني أنا سلمته إلى الحكومة، ولكني ما فعلت ذلك غدرا به بل ~~إن القضاة خدعوني. # ثم بكى بكاء شديدا، وأضاف: هذا هو السبب فيما ترونه من يأسي ومحاولتي الانتحار؛ ~~لأنهم قبضوا علي يوم قبضوا على روكامبول، وألقوني في السجن، وبعد أن تمت محاكمتي، وحكم ~~علي بالعودة إلى سجن طولون أرسلوني أمس في قطار إلى ذلك السجن. # وكنت في مركبة لم يكن فيها سواي من المجرمين، فخرقت خشب المركبة بحديد القيد الذي كان ~~في رجلي حتى جعلت فيها ثقبا متسعا، ثم خرجت من ذلك الثقب إلى الأرض، وأنا أرجو أن ~~تسحقني عجلات القطار، وأغمضت عيني مستسلما للموت، ولكني ما لبثت بضع ثوان حتى رأيت ~~القطار قد ابتعد عني دون أن تصيبني عجلاته بأدنى ضرر؛ لأني سقطت بين منفرجاتها. # ونهضت مضعضع الحواس، آسفا لنجاتي من الموت، تنبهت للقيد الذي كان في رجلي فكسرته، ~~وتواريت عن الشرطة كل يومي حذرا من أعود إلى السجن فأعود إلى مهنة الجلاد. # وفي الليل ذكرت خيانتي لروكامبول فعولت على الانتحار غرقا في السين، ولولا إنقاذكم ~~إياي لقضيت مآربي بيدي. # وقبل أن يتم حديثه قاطعه نوتير قائلا: انظروا هو ذا غريق آخر انظروه، إنه عائم على ~~جذع شجرة قرب الشاطئ، والماء يغمره إلى عنقه. # فصفق مرميس بيده فرحا، وقال: لقد فاتتنا جائزة الغريق الأول، وعسى أن لا تفوتنا ~~جائزة الثاني، وهي أعظم من الأولى؛ لأنه ميت لا حراك فيه. # 2 # يوجد بالقرب من ذلك الرصيف قهوة تدعى «أركلين»، تتولى إدارتها امرأة عجوز تمرست ~~بالآفات، وتعودت عشرة اللصوص. # ولم تكن هذه القهوة تفتح أبوابها في النهار لعدم تردد الناس إليها، ولكنها إذا ms1234 هجم ~~الظلام بدأت عصابات اللصوص تنسل إليها، وأخصها عصابة باتير، فيشردون ويتنادمون، ~~ويتآمرون على إتيان كل منكر، وارتكاب كل إثم. # وكانوا يقدمون إلى هذه القهوة واحدا واحدا واثنين اثنين، فلا يفتح لهم بابها إلا ~~إذا صفروا صفيرا مصطلحا عليه بينهم يتعارفون به، فكانت ملجأ كل أثيم هارب من السجون ~~يأتي إليهم لينضم تحت لواء زعيم العصابة العام وهو يدعى باتير. # وقد اجتمعوا تلك الليلة، واصطفوا حول مائدة يرأسها الزعيم، وقد رصفت فوقها الأقداح، ~~وكان باتير يقول: إني أنتظر صديقا من كلامسي. # فقال له أحد رجال العصابة: ألعله فتح لنا باب الارتزاق؟ ~~- ربما. # وبينما هم على ذلك سمعوا وقع أقدام في الخارج فسكتوا، ثم قال الزعيم: لا تجزعوا لا بد ~~أن يكون هؤلاء القادمون من رجالنا. # وعند ذلك دخل جواني الجلاد، ونوتير، ومرميس، ومورت وهم يحملون رجلا لا حراك فيه، ~~فذعر الحضور لرؤيته، غير أن جواني حاول تطمينهم قائلا لهم: لا تجزعوا هذا هو ~~الرئيس. # وكان هذا الرجل الفاقد الرشد، المحمول على أكف اللصوص روكامبول. # فالتفت الجميع حوله لتفحص حاله، والتمعن في وجهه لشدة ما بلغ إليه روكامبول من الشهرة ~~بين اللصوص. # فقال مرميس معنيا بكلامه جواني الجلاد: أظن أن هذا الشيخ مخطئ؛ لأن روكامبول لا حياة ~~فيه. # وقال مورت: هو ما تقول؛ لأن علائم الموت بادية في وجهه، وفوق ذلك إني أرى في صدره ~~جرحا بليغا، لا بد أن يكون استنزف معظم دمائه. # كانت العادة في هذه القهوة أنهم إذا انتشلوا غريقا ميتا يحضرونه إليها، ويدعون ~~البوليس فيحقق في أمره، ثم يذهبون في اليوم التالي فيقبضون الجائزة المعينة. # وقد وضعوا روكامبول فوق مائدة، وحاولوا استدعاء البوليس، ولكن جواني اعترضهم لاعتقاده ~~أنه لا يزال من الأحياء. # وطال خلافهم، فجاء أحد اللصوص ووضع أذنه فوق قلبه فلم يسمع حركة تدل على الحياة، وأخذ ~~يده وحركها فوجدها لينة كأيدي الأموات، فلجأ عند ذلك إلى التجربة الأخيرة، فأخذ مرآة ~~ووضعها فوق فم روكامبول. # فساد السكوت على الجميع، وكانت دموع جواني تسيل على خديه، ويأسه ms1235 يحمل على الإشفاق، ~~ونوتير ومرميس واقفان حوله في موقف الخشوع. # فأبقى اللص المرآة فوق فم روكامبول دقيقتين، ثم أزاحها ونظر إليها فوجدها قد تغشت ~~بغشاء ضعيف، وكان ذلك برهانا جازما على أن روكامبول لم يمت. # وعند ذلك صاح بعض رجال العصابة: هلم بنا إلى إنقاذه، أشعلوا النار من حوله، ولندلك ~~جسمه البارد فقد يعيش. # فقال زعيم العصابة: أية فائدة من حياته؟ إن كأس الشراب أفضل منها. # فتصدى له الفتى مرميس؛ لأنه مال إلى روكامبول، وقال له: إن من كان مثلك لا فائدة من ~~حياته. # فسكت الزعيم، ولم تعترض العصابة ذلك الفتى؛ لأنه كان محبوبا بينهم لبسالته وحداثة ~~سنه. # وأجمع الكثيرون منهم على وجوب إنقاذ روكامبول؛ لأنه من مشاهير زعماء العصابات؛ فثارت ~~الحمية في رءوسهم، واتفقوا على إنقاذه، ما خلا زعيمهم باتير، فإنه ظل منعكفا على شرابه ~~وهو يحسب لشفاء روكامبول ألف حساب. # وجعل أولئك اللصوص يفركون بالخل صدغيه وشفتيه وأعصابه، وفي كل حين يضع جواني رأسه على ~~قلبه على رجاء أن يسمع دقاته، حتى برقت عيناه بأشعة الفرح، وقال: إن قلبه يدق. # فصاح جميعهم صيحة فرح، وقال مرميس: إن مثل روكامبول لا يموت. # وكان أشدهم تعصبا نوتير، فجعل يذكر أوصافه لنوتير فاصفر وجه الزعيم باتير، وقال: ~~أأنت تشهد له هذه الشهادة أيضا؟ ~~- نعم لأني عرفته حق المعرفة حين كنت في عصابة تيميلون؛ إذ كان يعبث بنا كما ~~يشاء. # وعند ذلك اشتدت دقات قلب روكامبول، وتنهد تنهدا طويلا. # ففرح الرجال، وقال أحدهم: إنه سيفتح عينيه. # وأجاب نوتير: أقسم بمهنتنا إنه إذا ردت إليه العافية لنجعله رئيس عصابتنا. # فهز باتير كتفه إشارة إلى الاحتقار، فقال له نوتير: لا تهزأ بروكامبول؛ لأنه حيث يوجد ~~تكون السعادة بالرغم عمن ينازعه فيها. # وقبل أن يجيبه باتير، صاح جواني صيحة فرح عظيمة قائلا: لقد فتح عينيه! # فصاحوا جميعهم نفس صياحه، واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد لباتير صوت يسمع. # 3 # وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة كان روكامبول نائما في السرير، وقد عادت إليه الحياة، ~~وعاد معها ذلك ms1236 الذكاء النادر؛ لأن الموت لم يجد موضعا في ذلك الجسم الذي قد من ~~الفولاذ، ولم يستطع الجنون أن يتغلب على ذلك الذكاء العجيب الذي طالما صرفه روكامبول في ~~سبل الشر إلى أن أصبح من التائبين، فكان يستخدمه في وجوه الخير. # وكانت هذه القهوة التي ذكرناها منقسمة إلى قسمين: قسم أرضي، وهو الموضع الذي يجتمع ~~فيه اللصوص، وقسم علوي، وهو مؤلف من غرفة واحدة متسعة نصب لروكامبول سرير فيها وحمل ~~إليه، ولم يكن يقيم معه فيها غير جواني الجلاد، وكان له ممرضا وطبيبا في وقت ~~واحد. # وكان اللصوص يتفرقون في النهار، فنزل جواني وطلب إلى صاحبة القهوة أن تمنع الضجيج ~~حرصا على راحة روكامبول، فقالت له: طب نفسا إننا جميعنا نعجب به نفس إعجابك، ووجود ~~مثل روكامبول بيننا أعظم شرف لنا. # وفي المساء أقبل رجال العصابة، وكانوا يتباحثون همسا، ولا يقرعون الكئوس حين الشراب، ~~ويصعد بعضهم من حين إلى حين افتقادا لذلك العليل، فشعر باتير أن زعامته قد سقطت ~~مقدما؛ لما رآه من ميل العصابة إلى روكامبول. # أما روكامبول، فقد كان شديد الهزال لكثرة ما نزف من دمائه، فقال لجواني بصوت خافت: ~~كيف أنقذتموني ؟ ومن أي موضع؟ ~~- من قرب مركريتيل، وقد كنا نحسبك من الأموات. # فتذكر روكامبول هنيهة، ثم أجاب: نعم إني فقدت صوابي في ذلك الموضع، وإن دمائي قد نزفت ~~حين كنت أسبح، وقد كنت أحاول اجتياز نهر السين، وطالما اجتزته سابحا، غير أن جرحي حال ~~دون قصدي، فأمسكت بجزع شجرة كان عائما أمامي، وهناك أطبقت عيني ولم أعد أعي على ~~شيء. ~~- إن هذا الجرح قد أنقذك، ولكن كيف أصبت بهذا الجرح؟ # فارتعش روكامبول عند هذا السؤال، وحدق بجواني، فاضطرب جواني لنظراته وأضاف: عفوا ~~أيها الرئيس، إني لا أحاول الوقوف على أسرارك. ~~- قل أجبني عن كل شيء أولا أين أنا الآن؟ ~~- في قهوة أركلين. ~~- ما هذه القهوة؟ ~~- هي شبه خمارة تتردد عليها عصابة من اللصوص. ~~- من يتولاها؟ ~~- تلك المرأة التي أحضرت لك المرق منذ حين. ~~- كيف أنت مع هؤلاء الناس؟ ms1237 ~~- إنهم أنقذوني أيضا من النهر، وقد كنت أحاول الانتحار لخيانتي لك. ~~- ولكنك كنت في السجن، فكيف خرجت منه؟ # فحكى جواني لروكامبول جميع ما اتفق له، حتى إذا فرغ من قص روايته قال له روكامبول: ~~أصغ إلي، إن جميع الذين يعرفونني يعتقدون الآن أني من الأموات إلاك، وأحب أن يبقى لديهم ~~هذا الاعتقاد ليس لأني أخشى أن تقبض علي الشرطة، فقد وعدت الحكومة بالتخلي عني، وما دمت ~~معي فهي أيضا لا تقبض عليك. ~~- فانذهل جواني وقال: أحق ما تقول؟ ~~- نعم، فهل تريد أن تكون رفيقي؟ ~~- أعندك شك في ذلك يا سيدي؟ إني أحترمك احتراما يبلغ حد العبادة، وما حاولت الانتحار ~~إلا من أجلك. ~~- حسنا، اعلم الآن أني كنت أسعى إلى قضاء مهمة وقد أتممتها، ولو كنت جبان النفس ~~منخلع القلب لانتحرت، ولكن المؤمن لا يحق له أن يتلف جسدا خلقه الله. # ثم إني لا أحب أن أرى أولئك الذين عرفتهم وأحببتهم، فهم يعتقدون أني أصبحت من ~~الأموات، ويعيشون سعداء، ولكن ربما بقي لي أيضا مهمة خير أقضيها؛ لأني أشعر أن الله لم ~~يغفر لي بعد. # وكان روكامبول يتكلم هذه الكلمات الصالحة في حين أن اللصوص كانوا يترقبون شفاءه ~~ليجعلوه رئيس عصابتهم. # فتأثر جواني تأثرا عظيما لكلامه، وأخذ يده وقبلها بملء الاحترام قائلا: إني أسفك ~~دمي في سبيل خدمتك. # أجابه روكامبول: أصغ إلي، إني تقاتلت ليلة انتشلتموني من النهر قتالا شديدا. ~~- مع تيميلون؟ ~~- كلا، بل مع امرأة بالسيف تقاتل قتال أستاذ، وكان قتالنا بسبب تنازعنا على ذلك الطفل ~~الذي شاهدتني مرة أنظر إليه من نافذة غرفتي وهو يلعب في حديقة منزله، فطعنتني بسيفها ~~طعنة شديدة، ولكني تمكنت منها فطعنتها بخنجري طعنة نجلاء أظنها كانت القاضية. ~~- لقد عرفت هذه المرأة، أليست هي تلك الروسية؟ ~~- نعم. ~~- وهل ماتت؟ ~~- لا أدري، ولكني أخذت الطفل وخرجت به إلى الحديقة ومنها إلى الرصيف، فوضعت الطفل ~~مغميا عليه على الأرض؛ لاعتقادي أن رفاقي سيعثرون عليه، ثم ألقيت نفسي في المياه، ~~فخطر لي في البدء خاطر الانتحار، ثم رأيت ms1238 أنه لا يحق لي قتل النفس، فعزمت على اجتياز ~~نهر السين سباحة بعد أن تركت ورائي من آثار الدماء ما يدل على موتي، وأنت تعرف ~~البقية. # والآن أريد أن أعلم إذا كانت فاندا وميلون وجدا الطفل وأرجعاه إلى أمه. اذهب إلى ~~باريس وابحث عن هذه الحقيقة، وكن حكيما. ~~- ولكن إذا رأيت فاندا وميلون فما أقول لهما؟ ~~- لا تقل لهما شيئا. ~~- وإذا رأيتهما يبكيان عليك بكاءهما على الأموات؟ ~~- دعهما يبكيان؛ لأني أريد أن أعرف فقط ماذا حدث للولد. # فدهش جواني وسأله: ومتى شفيت فماذا تصنع؟ أتقيم بين هؤلاء اللصوص الأثيمة؟ ~~- ربما، ومن يعلم فقد تكون تلك المهمة الخيرية التي أريد قضاءها استغفارا لي بين ~~هؤلاء اللصوص. # وفيما هو يتفوه بهذا الكلام دخل نوتير يتبعه مورت. # 4 # وقد حمل الاثنان قبعتيهما بيديهما، ووقفا أمام روكامبول وقفة احترام، فقال لهما ~~روكامبول بلهجة حنو وإخلاص: ماذا تريدان أيها الصديقان؟ # فتقدم نوتير خطوة قائلا: إن العصابة أرسلتنا وفدا إليك. ~~- قل ما تشاء إني مصغ إليك. ~~- نريد أن نعلم قبل كل شيء كيف أنت؟ ~~- إني بخير أيها الرفاق، ولكن لا بد لي من ملازمة الفراش خمسة عشر يوما على ~~الأقل . ~~- هذا ما كنت أقوله لأفراد العصابة، ولكن ذلك لا يمنعنا من الانتظار. ~~- قل. ~~- إن ما أتينا به إليك يوضح بمنتهى الإيجاز. وهو أن من لا يستطيع أن يشتغل بالأعمال ~~العظيمة كما كنت تفعل، يكتفي بالأمور الصغيرة كما نحن نفعل، وإني حين هربت من السجن ~~وأتيت إلى باريس أردت أن أشتغل بالمهنة، ولكن رأيت الارتزاق غير ميسور لشدة تنبه ~~البوليس، فحسب نفسي سعيدا بانضمامي إلى باتير. ~~- من هو باتير هذا؟ ~~- هو زعيم عصابتنا المؤلفة من خمسة عشر رجلا، فإننا نخرج كل يوم ونطوف في أنحاء ~~باريس، ثم نعود في الليل إلى هذه الخمارة فنتحدث بما لقيناه، وإذا اكتشف أحدنا موردا ~~للكسب عرضه على الزعيم، فيرى رأيه فيه، ولكن نظامنا قد اختل، منذ تشرفت هذه الخمارة ~~بوجودك فيها. ~~- لماذا؟ ~~- لأن زعيمنا الكسول يريد أن تبقى له الزعامة. ~~- وأنتم؟ ms1239 ~~- رأينا أن هذا الزعيم ليس من رجالك، فاتفق أحد عشر رجلا منا على الصياح ليحي ~~روكامبول، وليسقط باتير، ولم يمتنع الأربعة الآخرون عن موافقتنا إلا لخوفهم، ولكننا ~~واثقون من إقناعهم على الانضمام إلينا، ونحن أتينا الآن نسألك باسم العصابة قبول هذه ~~الرئاسة. # فابتسم روكامبول ابتساما يشف عن الاحتقار، وأجاب: سوف نرى أيها الرفاق متى شفيت ~~الشفاء التام. # وحاول أن يصرفهم بإشارة غير أن باتير لم ينصرف، وقال: إني أرشدت العصابة إلى عمل قد ~~يكون لنا منه غنم كبير، فارتأى باتير أنه يجب أن نسرع في العمل دون أن ننتظر شفاءك، ~~ولكننا لم نوافقه على ما أراد. # فارتعش روكامبول وأجاب: حسنا، إذا كان العمل يوافقني أتولاه، غير أنكم تعلمون أيها ~~الرفاق أنه قبل أن أوشك على الغرق كان بيدي أعمال أخرى لم تتم بعد. ~~- ذلك لا شك فيه؛ لأن رجلا مثلك لا يبقى دون عمل. ~~- إني تخلفت عن بعض أمور في باريس، وسأرسل تعليمات بواسطة جواني. كم الساعة ~~الآن؟ ~~- الساعة الرابعة صباحا. # فقال روكامبول لجواني: اذهب الآن في المهمة التي أخبرتك عنها. # ثم التفت إلى نوتير قائلا: اجلس الآن بجانبي، وأخبرني عما اكتشفته. ~~- إنه يوجد بالقرب من ضفة النهر بيت معتزل، يقيم فيه رجل عجوز وامرأة صبية. ~~- إنها فتاته، وهو أبوها دون شك؟ ~~- لا نعلم، إن البعض يقولون إنه أبوها، والبعض يقولون زوجها، وهما لا يخرجان من البيت ~~على الإطلاق، حتى إن الجيران لم يروها غير ثلاث مرات في مدة عامين، وكانت المرأة بملابس ~~الحداد. # وليس لهما غير خادمين؛ أحدهما امرأة عجوز، والآخر رجل عجوز يشتغل في الحديقة. ~~- إن ذلك موافق لنا كل الموافقة. ~~- وقد مررت بهذا البيت مرات، وأخذت تعليمات كثيرة بفضل مرميس. ~~- ماذا علم مرميس؟ # إنه اختبأ كل الليل في شجرة من أشجار الحديقة، وذلك منذ ثلاثة أيام، فعلم أن الخادم ~~والخادمة ينامان في الدور الأسفل، وأن الشيخ والفتاة ينامان في غرفتين تشرفان على ~~الحديقة وهما ينامان متأخرين، ويظهر أن عيشتهما غير راضية، فقد سمعهما مرميس يتخاصمان، ~~وكانت الفتاة ms1240 تبكي، وتعض يديها من اليأس، ولكن مرميس لم يستطع أن يسمع شيئا من ~~حديثهما. ~~- كل هذه التفاصيل مفيدة، ولكن هل يوجد نقود في هذا المنزل؟ ~~- إنه بعد أن فرغ الشيخ من خصام الفتاة أقفل باب غرفتها بحدة، وذهب إلى غرفته، فانتقل ~~مرميس من شجرة إلى شجرة، وراقب هذا الشيخ، فرآه قد فتح صندوقا من الحديد، وجعل يعد ~~أوراقا مالية، وأكياسا ملآى من الذهب، فلما أخبر العصابة بما رآه هاج رجالها - ولا ~~سيما باتير - وأرادوا بدء العمل في هذه الليلة. # فخرج نوتير ومورت وهما يصيحان: ليسقط باتير. # والآن فلنذهب بالقراء إلى ذلك البيت المعتزل الذي يريد اللصوص اغتصابه، ونبسط حالة ~~الشيخ وتلك الفتاة. # 5 # كان ذلك البيت - على ما وصفه نوتير لروكامبول - محاطا بحديقة متسعة، وقد كان من قبل ~~مهجورا لا يقيم فيه أحد لاعتزاله إلى أن جاء يوما رجل غريب إلى الذي أنيط به أمر هذا ~~المنزل، وطلب إليه ابتياعه، فاتفقا على ثمنه، ونقده الثمن. # وفي اليوم التالي جاء خادم وخادمة فنظفا البيت وأصلحاه، وبعد ثمانية أيام عاد الرجل ~~الغريب ومعه فتاة صبية لابسة ملابس الحداد، وأقاما في هذا البيت الذي كان يشبه القبور ~~باعتزاله . # ولم يكن يخرج غير تلك الخادمة والخادم لشراء حاجاته، فكانا يكلمان الناس باللغة ~~الفرنسية الفصحى، ولكنهما يحادثان بعضهما بلغة غريبة مجهولة حتى قنط بعض المجاورين من ~~معرفة شيء عن هذا المنزل لتكتم الخادمين. وكان مرميس أسعد منهم حظا؛ لتسلقه أشجار ~~الحديقة، ورؤيته داخل المنزل. # وعندما كان مرميس يراقب من الشجرة ذلك الشيخ وفتاته كانت جالسة على كرسي، وكان الشيخ ~~يسير ذهابا وإيابا في الغرفة. # ولم يكن في الغرفة غير مصباح واحد، ولكن نوره على ضعفه كان يسطع فوق وجه الفتاة، ~~فيظهر جمالها، وآثار نحولها. # وكانت تلك الفتاة تخاطب ذلك الشيخ بلهجة يتبين منها القنوط، فتقول: إننا هنا يا أبي ~~منذ عهد بعيد، وقد سقيتني مخدرا في إحدى الليالي، فسلبت طفلي كما سلبتني قبل ذلك، أفلا ~~تجعل حدا يا أبي لهذا العذاب؟ # وكان أبوها يسير ذهابا ms1241 وإيابا دون أن يرد عليها. ~~- ألا ترجع لي ابنتي يا أبي؟ ~~- كلا إنها ابنة الجريمة، فلا يجب أن ترد. # فاتقدت عينا الصبية ببارق من الغضب، واحمرت وجنتاها بعد اصفرارهما، ووثبت إلى أبيها ~~فأمسكت بيديه وقالت: لقد كذبت؛ لأنه كان لي زوجا أمام الله، فما ولدت ابنتي بالإثم، ~~والآن أريد أن أعرف كل شيء. # فذهل أبوها لجسارتها، وقال: ماذا تريدين أن تعرفي؟ ~~- أريد أن أعرف ماذا جرى لقسطنطين. ~~- إنه في روسيا لا يزال في فرقته. ~~- كلا إنك تخدعني؛ إذ قد علمت علم اليقين أنه خرج من الجيش، وكفاك يا أبي ألا تشفق ~~علي وأنا ابنتك، ولماذا لا تنقذني من عذابي، فتردني إلى زوجي، وترد ولدي إلي؟ # فهز الشيخ كتفيه دون أن يجيب. # فضمت الفتاة يديها شأن المتوسل وقالت: أنزعت منك عاطفة الإشفاق يا أبتاه؟! أيبلغ منك ~~عداء أسرتك وأسرته إلى هذا الحد من القسوة ... إني لم أعد ابنتك، بل أنا ضحيتك وأنت ~~جلادي. # فالتفت إليها قائلا: احذري لقد تجاوزت المدى. ~~- وأنت تجاوزت كل حد، إني أريد أن أعرف موضع قسطنطين. ~~- إنك لا تعرفينه. ~~- وماذا صنعت بابنتي؟ ~~- إنها ماتت. ~~- طالما قلت لي هذا القول، ولكنك دون شك من الكاذبين. # فظهرت علائم الاضطراب على الشيخ، ولكنه كظم غيظه، وأراد قطع الجدال، فقال لها: إنك ~~شديدة الهياج في هذه الليلة، وخير لك أن تشربي شيئا من الشاي وتنامي. ثم خرج من الغرفة ~~وأغلق بابها بعنف يدل على مبلغ غيظه واستيائه. # وعادت الفتاة إلى كرسيها تعض كفها من اليأس، وتذرف الدمع السخين. # ومضى عدة دقائق وهي على هذه الحالة، ثم سمعت أن الباب قد فتح، فالتفت لترى الداخل وقد ~~حسبته أباها، فكان خادمها، وقد دخل إليها يحمل صينية عليها آلة الشاي ومعداته، فنظرت ~~إليه الفتاة، ثم اتقدت عينيها بشعاع غريب، وقالت في نفسها: لا بد أن أحمل هذا الخادم ~~على الإباحة بالسر، فإنه يعرف كل شيء. # ووضع الخادم صينية الشاي أمامها، وحاول أن يخرج من حيث أتى، فأوقفته الفتاة بإشارة ~~وقالت له: افتح هذه الخزانة ms1242 التي أمامك فامتثل، فقالت: ألا ترى فيها علبة صغيرة؟ ~~- نعم. ~~- أعطني إياها. # وقبل أن يحضرها غيرت الفتاة مجلسها بحيث أصبحت تعترض بين الباب والخادم. # وجاءها الخادم بتلك العلبة التي طلبتها ففتحتها وأخرجت منها مسدسا محشوا، والخادم ~~ينظر إليها بانذهال، ثم حولت المسدس إلى رأسه، وقالت له: إذا صحت أو استغثت فإنك من ~~الهالكين. # ارتعش الخادم وسكت، وكان يدعى نيشيلد، وهو فلاح روسي خلق في أراضي والد الفتاة، وهو ~~يعلم كسائر الفلاحين الروسيين في ذلك العهد أن أصحاب الأرض يمتلكونها مع فلاحيها، ~~ويتصرفون بهم كيف يشاءون، ثم إنه كان يعلم أن تلك الفتاة ناديا ابنة مولاه، فهي يحق لها ~~قتله حين تريد دون منازع، فوقف أمامها موقف الخائف المتوسل. # فقالت له ناديا: إن أبي قد ذهب الآن إلى غرفته، فإذا استغثت به، فإن رصاص هذا المسدس ~~يصل إلى قلبك قبل أن يصل صوت استغاثتك إلى أذنيه. # فاضطرب الخادم، وقال بصوت ملؤه الرعب: سيدتي، ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن أعلم كل شيء. ~~- ولكن أباك الجنرال يقتلني إذا بحت ... ~~- وأنا أقتلك إذا كتمت. ~~- سيدتي أسألك الرحمة. ~~- لا رحمة في قلبي الآن، فقد كنت مع أبي في فارسوفيا، وأنت تعلم كل ما جرى. ~~- أقسم لك يا سيدتي ... ~~- لا تقسم، فإن أيمانك كاذبة، ثم نظرت إلى ساعة معلقة في الجدار وقالت: أصغ إلي إني ~~عولت على قتلك في الحال إذا كتمت عني ما تعلمه، فإذا كنت تحرص على حياتك بح لي بكل ~~شيء. # وكان الخادم ينظر إليها فتبين صدق العزيمة من اتقاد عينيها، فقال: وإذا تكلمت يا ~~سيدتي أتقتلينني؟ ~~- كلا. ~~- ولكن أباك يقتلني، فأنا في الحالتين مقتول. ~~- لا تخف فسأحميك. ~~- أنت تحمينني يا سيدتي من غضب الجنرال؟ ~~- نعم، فإنه إذا لم يقتلني في الحال تمكنت من الاحتماء بالحكومة الفرنسية، فإن ~~الأسياد الروسيين لا يستطيعون إجراء شيء في فرنسا. # فكان الخادم يسمع كلامها ولا يفهم شيئا مما تقول لتعوده الاستعباد. # واستأنفت ناديا الكلام، فقالت: إنك كنت في خدمة أبي وأنت عالم بكل ما حدث، تكلم فإني ~~أمهلك ms1243 دقيقتين، إذا سكت بعدها أطلقت عليك النار. # فتردد الخادم هنيهة ثم قال: إذا لم يكن بد من الموت فإني أوثر أن أقول الحق، وأفضح ~~الخائنين. ~~- أي خائن تعني؟ ~~- أباك يا سيدتي ... ~~- إذن تكلم! ~~- سيدتي، إن أباك الجنرال كوميستروي قد خان بولونيا. # فتراجعت منذعرة كأن الصاعقة قد انقضت عليها، وقالت: كلا إن ذلك محال، وأنت من ~~الكاذبين. # فقال لها الخادم بسكينة: هو الحق ما قلته، فاقتليني إذا شئت. # وتقدمت الفتاة منه وهي مصوبة مسدسها إليه، وقالت له: إذن تكلم. ~~- سيدتي إني قلت لك الحقيقة، وهي أن أباك خان بولونيا. ~~- ذلك محال، وإلا فكيف اتفق أنه أبى تزويجي من قسطنطين بحجة أنه من جنود القيصر، ولا ~~يحق له الزواج بابنة بولوني أمين تضطهده حكومة القيصر؟ # فابتسم الخادم ابتساما يشف عن احتقاره للجنرال، وتابع: إن الوقت ضيق يا سيدتي، وما ~~سأقوله لك يستغرق عدة ساعات. ~~- عمن؟ ~~- عن أبيك. ~~- قل فإني صبورة ووقتي فسيح، ولكن قل لي قبل كل شيء أين قسطنطين، فقد قال لي أبي إنه ~~لا يزال في فرقته؟ ~~- إن أباك لم يخبرك الحقيقة، فإن القائد قسطنطين قبض عليه في فارسوفيا بتهمة المؤامرة ~~مع الثائرين. ~~- رباه، أهذا ممكن؟ ~~- إنهم وجدوا في منزله بين أوراقه رسائل باسمه تثبت هذه التهمة. # فسقط المسدس من يد ناديا، وقالت: ويلاه إذن قد حكم عليه؟ ~~- نعم يا سيدتي، وقد أرسل إلى سيبيريا، أما ابنتك، فإن أباك قال لك إنها ماتت، ~~والحقيقة أنها لا تزال حية ترزق. # ولما سمعت ناديا هذا القول وأيقنت أن ابنتها حية صاحت صيحة فرح قوية سمعها أبوها، ~~فخشي عليها، وأسرع ليرى ما أصابها. # غير أنها سمعت صوت وقع أقدامه وأسرعت إلى باب غرفتها، وأقفلته من الداخل، وعادت إلى ~~المصباح، فأطفأته وقالت للخادم: احذر أن تفوه بكلمة، فإنه يقتلنا معا. # 6 # وكانت خطوات الجنرال تسمع في الممشى حتى وقف عند باب الغرفة، فسمعت الفتاة وخادمها ~~صرير المفتاح داخل القفل بحدة فاضطرب قلب الخادم، وسكتت ناديا. # ولما رأى الجنرال أن الباب مقفل من الداخل نادى ms1244 ناديا، وقالت له بلهجة المنذعر الصاحي ~~من النوم: ماذا تريد يا أبي؟ ~~- ماذا أصابك؟ ولماذا كنت تصيحين؟ ~~- لا شيء سوى أني كنت نائمة فأصابني الكابوس فصرخت. # وأجاب بلهجة المرتاب: لقد حسبتك أنك لست وحدك في الغرفة. # فضحكت ابنته ضحك المتألم، وأجابت بلهجة الساخر: من تريد أن يكون معي يا أبي؟ # فاطمأن الجنرال، وانصرف إلى غرفته. # وصبرت ناديا إلى أن وثقت من دخول أبيها إلى غرفته، فقالت للخادم: إن أبي قد استقر ~~الآن في فراشه فقل لي أين ابنتي؟ ~~- لا أعلم ... ~~- ولكنك قلت لي منذ هنيهة إنها لم تمت. ~~- ولا أزال أقول هذا القول. ~~- إذن ماذا جرى لها، وما صنعوا بها؟ ~~- لا تستطيعين يا سيدتي أن تفهمي ما حدث، أتعلمين كم بقي لك مفترقة عن زوجك؟ ~~- كيف لا أعلم فإني منفصلة عنه منذ عام. ~~- إنك واهمة يا سيدتي، فقد مضى على هذا الفراق خمسة أعوام. ~~- خمسة أعوام! ألعلي كنت مصابة بالجنون؟ ~~- هو ما تقولين يا سيدتي. ~~- ويحك ماذا تقول؟ ~~- أقول الحق، فإنك جننت يا سيدتي على أثر الولادة، وما تلاها من الحوادث المكدرة، ~~وبقيت مدة أعوام يعالجك طبيب فرنسي. ~~- إني لا أذكر شيئا من هذا. ~~- ولكني أقول الحقيقة يا سيدتي، فإنك لم تبرحي فارسوفيا منذ عام كما تتوهمين، بل منذ ~~خمسة أعوام. ~~- في أي عام نحن الآن؟ ~~- في سنة 1867. # إذن إني كنت مجنونة لا محالة، ثم إنك تقول إن ولدي لم يمت. ~~- إني أستطيع إثبات ما أقول لأني أنا الذي ... # وصاحت ناديا بصوت يتهدج من الغضب: أنت. # أجابها الخادم بلهجة الاحترام: إنك ستصدقين جميع أقوالي يا سيدتي فيما بعد، ولكن ~~دعيني أتكلم. ~~- قل! ~~- أأنت واثقة من أنك ابنة الجنرال؟ # فوقع كلامه عليها وقع الصاعقة، وأجابت: لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- أتذكرين يا سيدتي أيام حداثتك؟ ~~- دون شك فإني أذكر أن الجنرال كان يدعوني ابنته، ولم يكن لي من العمر غير ثلاثة ~~أعوام. ~~- هذا بلا ريب ولكن أمك؟ ~~- إن أمي ماتت حين ولدتني، وأنت تعرف هذا. # فتردد الخادم هنيهة، ثم قال: إذا كنت ms1245 أسألك مثل هذا السؤال فذلك لأني عزمت على أن لا ~~أكون بعد الآن شريكا للجنرال في أسراره. ~~- أوضح ما تقول. ~~- إني كتبت جميع ما يمكن أن أقوله لك؛ لأنه يوجد أمور لا أجسر على قولها، فاضطربت ~~ناديا وقالت: متى كتبت هذا الإقرار وأين؟ ~~- كتبته هنا في هذا البيت منذ عدة أشهر حين كنت وحدي فيه. ~~- وأين وضعته؟ ~~- وضعته في قدر وختمتها، ثم حفرت حفرة عند جزع الشجرة الخامسة في الحديقة ودفنته فيها ~~فإذا أصبت بنكبة؛ لأن قلبي ينذرني بأن أباك سيقتلني، فاحفري عند تلك الشجرة وأخرجي ذلك ~~الوعاء تعلمين مما كتبته كل شيء. ~~- ولكنك تستطيع في انتظار ذلك أن تخبرني أين هي ابنتي؟ ~~- إن الجنرال عهد إلي بها في اليوم الثالث من ولادتها، فجئت بها مع المرضع إلى ~~فرنسا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وضعتها بأمر أبيك مع الأولاد اللقطاء. # فذعرت ناديا وقالت: ألم تضع لها علامة تعرف بها على الأقل؟ ~~- إن أباك منعني أن أفعل شيئا من هذا، غير أن عصيت أمره وستجدين في ما كتبته تفصيلا ~~كافيا تعرفين فيه ابنتك في الحال، والآن اسمحي لي أن أذهب، فإني أخشى أن يعود ~~أبوك. # ثم تركها وانصرف متجها إلى الباب فوجده مقفلا من الخارج، فهلع قلبه إذ خشي أن يكون ~~الجنرال أقفله متعمدا لريبه بابنته، ولكنه أسرع إلى النافذة ففتحها، وألقى نفسه منها ~~إلى الحديقة. # وكان الظلام حالكا فلم تره ناديا، ولكنها سمعت صوت سقوطه، ثم سمعت وقع أقدامه، فعلمت ~~أنه لم يصب بسوء، فجثت على ركبتيها، وقالت: رباه ارحمني ورد إلي ولدي. # وفي صباح اليوم التالي دخل إليها أبوها وقال لها ببرود: إنني أرسلت الخادم تشيلد إلى ~~فرصوفيا؛ لأنه من شر الخدم. # فنظرت ناديا إلى أبيها نظرة رعب، وقالت في نفسها: قد قتله لا محالة. # 7 # ولنعد الآن إلى خمارة أرلكين، أي روكامبول، فإن عصابة اللصوص التي كانت فيها بزعامة ~~باتير ثارت على زعيمها ثورة عامة، ورأت أنه لا يذكر بإزاء روكامبول، ولم يجد هذا الزعيم ~~بدا من مبارحة الخمارة، والتخلي عن ms1246 زعامة العصابة، فخرج مغضبا حاقدا على روكامبول ~~حقدا شديدا. # وكان أول ما خطر له بعد خروجه أن ينتقم من العصابة وزعيمها الجديد روكامبول بالوشاية ~~إلى الحكومة، وكان يعلم أن تيميلون - ذلك الداهية الذي عرفه القراء في الأجزاء السابقة ~~- تستخدمه الحكومة سرا لمقاومة العصابات، وخطر له أن يذهب إلى تيميلون ويتآمر على ~~روكامبول. # ولكنه ذهب إلى منزله فوجده مقفلا، وخطر له أن يذهب إلى رجل يدعى لولو كان يعلم أنه ~~من أتباع تيميلون، فوجده في خمارة، وهناك علم منه أن تيميلون قد برح باريس فرارا من ~~روكامبول، وحكى له جميع حكايته مع مورليكس. # وزاد هم باتير وحقده على روكامبول، وعظم في نفسه بعد أن علم أنه غلب تيميلون، ولكن ~~الحسد كان قد تمكن من قلبه، وتمثل له الانتقام بأفظع صورة، فذهب إلى خمارة وأقام يشرب ~~فيها، ويفكر بوسائل الانتقام فلا يهتدي إلى مراده. # وبعد أن تخدر دماغه ذهب إلى فندق ينام فيه عادة لصوص باريس المتفرقين، ولقي هناك ~~شيفيوت عدوة أنطوانيت السابقة، وهي جالسة في قاعة متسعة فيها فرش من القش، ينام عليها ~~أولئك اللصوص، فسلم عليها وجلس بإزائها، وجعل يحدثها عن تيميلون، فحكت له حكايتها مع ~~روكامبول ، وأظهرت له حقدها عليه، ثم أخبرته أن لا سبيل إلى الانتقام منه إلا بالحيلة؛ ~~لأنه أصبح من رجال البوليس، وأنهم يحترمونه كل الاحترام. # وسألها: ماذا تعملين الآن؟ وكيف ترتزقين؟ # فضحكت وقالت: إني أرتزق من سرقة الأطفال. # وكانت فتاة صغيرة نائمة بقربها، ولما سمعتها تقول هذا القول جلست على فراشها، ونظرت ~~إلى شيفيوت نظرات الدهش، وجعل جميع أولئك اللصوص يتأملون وجه هذه الفتاة الجميل، التي ~~كانت بينهم تشبه ملاكا من السماء وقع بين الأبالسة. # وكانت هذه الطفلة تنظر إلى أولئك المحدقين بها نظرات الرعب والانذهال، في حين أنهم ~~كانوا ينظرون إليها نظرات الرضى والإعجاب. # وانتهرت شيفيوت تلك الفتاة حين رأت أن الأنظار قد تحولت إليها، وقالت: ألا تريدين أن ~~تنامي أيتها الشقية؟ # فركعت الطفلة أمامها، وقالت لها: رحماك يا سيدتي لا تضربيني، أفعل ما ms1247 تشائين. # فأمرتها أن تنام بعد أن صفعتها، فقال لها باتير: ما شأن هذه الطفلة؟ ~~- إني سرقتها. ~~- ممن؟ ~~- ماذا يهمك؟ ~~- قد لا يهمني، ولكني أريد أن أعلم. ~~- إذن سأقص عليكم حكايتها إذا كنتم لا تريدون النوم؛ فإن حكايتها طويلة. # وتطاولت الأعناق إليها، وقد تشوقوا إلى سماع الحكاية، وقال باتير: ابدئي بقصتك أنت ~~أولا؛ فإننا نحب سماعها. # فقالت وهي توجه الكلام إلى باتير: لقد علمت أنهم تركوني بين حية وميتة في ذلك البيت، ~~وقد أصابتني فاندا برصاصة في صدري كدت أفارق بعدها الحياة، وكان الدم يتدفق من فمي، حتى ~~إن الطبيب نفسه قدر أني لا أعيش ساعتين. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نقلوني إلى المستشفى، فأقمت فيه ثلاثة أسابيع، ونجوت من الموت، فلما شفيت أطلقوا ~~سراحي وأعطوني شيئا من النفقة. # وكنت في أشد حالة البؤس لا أعلم ماذا أعمل، فذهبت إلى شيخ المخدمين فأدخلني في خدمة ~~رجل عجوز، وكانت امرأته العجوز تربي هذه الفتاة التي ترونها. ~~- ألعلها ابنتها؟ ~~- لا يمكن أن تكون ابنتها، فإنها تبلغ الخامسة والستين من العمر، غير أنها على قلة ~~ثروتها كانت تعتني بها اعتناء شديدا، فكان مما قالته لي عند دخولي في خدمتها: إن هذه ~~الفتاة ليست ابنتي ، وما هي قريبة لي، ولكني أحذر عليها كل الحذر؛ لأنها إذا أصيبت ~~بمكروه فقدت مورد رزقي، فإني أعيش من الراتب المعين لها. # أما أنا فلم أكترث لهذه الوصية، ولكني لبثت أعتني بالطفل والعجوز وأخدمهما، غير أن ~~هذه العجوز كانت تغير ملابس الطفلة بيدها، فرأيت يوما على هذه الطفلة قميصا مصنوعا ~~من قماش غير عادي، وكان القميص مشدودا على صدرها بسيور متينة، وما رأيت العجوز تعرضت ~~مرة لهذا القميص فهاجت بي عاطفة الفضول، وقلت في نفسي: لا بد لي من أن أعرف أسرار هذا ~~القميص. # فاغتنمت فرصة خروج العجوز من المنزل، ونزعت ملابس الطفلة، ثم حاولت أن أجرد القميص، ~~فما استطعت حل السيور، وخشيت أن أقصها فتعلم العجوز بما فعلت، ولم أكن قبضت راتبي بعد؛ ~~إذ لم يكن لي في خدمتها غير أسبوعين، فأجلت ms1248 ذلك إلى فرصة أخرى. # وبعد يومين جاء في الساعة العاشرة من الليل إلى ذلك المنزل رجل طاعن في السن، ظهر لي ~~من ملابسه أنه روسي؛ لأنه كان يلبس الفرو الكبير، فاستقبلته العجوز استقبالا فخيما، ~~وأسرعت إلي فأمرتني أن أذهب إلى غرفتي التي كنت أنام فيها في الدور الأسفل، فخرجت ~~وأغلقت الباب من ورائي وأنا منشغلة البال لهذا الاجتماع، ونزلت في درجات السلم وهما ~~يسمعان وقع أقدامي عليها، حتى إذا انتهيت من أسفلها خلعت حذائي وعدت فصعدت درجات تلك ~~السلم، ووقفت عند باب الغرفة أنظر من ثقب قفلها إلى ما يجري، أتعلمون ما رأيت؟ # رأيت ذلك الرجل أخرج من جيبه قميصا مثل قميص الطفلة، ولكنه أكبر منه كأنما الطفلة قد ~~ضاق عليها القميص القديم لنمو جسمها، ثم طلب إلى العجوز أن تحضر له مقصا، وأخذ الطفلة ~~فاحتضنها، وجعل يقبلها قبلات الحنو، ثم جردها من ثيابها بمساعدة العجوز، وقص سيور ~~القميص الذي كانت تلبسه، وجردها منه؛ فانكشف لي ظهرها، ورأيت عليه ما لم يخطر لكم في ~~بال، إذ رأيت نقوشا زرقاء غريبة ملأت ظهرها، وهي نقوش ما رأيت مثلها في حياتي. # فضحك الحاضرون لكلامها، وقال واحد منهم: إن شيفيوت تحدثنا بأحاديث خرافية. # غير أن باتير شاقه حديثها؛ فمنع الحاضرين عن مقاطعتها، وقال لها: أتمي حديثك. # وعادت شيفيوت إلى تتمة حديثها، فقالت: إني حين رأيت هذا الوشم على ظهر الطفلة، وهذه ~~العناية في إخفائه قلت في نفسي: لا بد أن يكونوا وشموها ليكون الوشم علامة لها، وربما ~~كان هذا الروسي أباها بدليل حنوه عليها، فإذا سرقتها كان لي خير وغنم كثير؛ إذ لا بد أن ~~يبحثوا عنها، ويكافئوا من يجدها. # وفي اليوم التالي خرجت العجوز لقضاء بعض الأغراض، فخرجت أنا بالطفلة ولم أعد إلى ذلك ~~المنزل. # وقد كادت تعمى عيناي منذ ذلك اليوم لكثرة مطالعتي الجرائد رجاء أن أقف فيها على إعلان ~~يتضمن فقد الطفلة، والجائزة المعينة لمن يجدها، فلم أعثر على شيء من هذا إلى ~~الآن. # فقال لها باتير: ألعل القميص لا ms1249 يزال على هذه الطفلة؟ ~~- نعم، ولكني قطعت سيوره كي أفحص ما على ظهرها من الوشم. ~~- إذن جرديها من ملابسها، فإننا نريد أن نرى ما رأيت. # فقامت شيفيوت إلى الطفلة ونزعت قميصها، وأدنى أحد الحضور المصباح منها، واجتمع أولئك ~~اللصوص حولها، فرأوا على ظهرها وشوما غريبة بإشارات غامضة تشبه حروف اللغة ~~السنسكريتية، وفي وسط هذا الوشم صورة حية هائلة رأسها رأس امرأة. # فدهش الجميع لهذه الرسوم التي لم يفقهوا معناها، حتى قام أحد الحاضرين وقال: أنا أعرف ~~هذه الرموز الهندية، فقد كنت في صباي بحارا، وسافرت مرات عديدة إلى الهند. # وتحولت الأنظار عن ظهر الطفلة إلى ذلك الرجل، وتأهبوا لسماع حديثه، وكشف هذه ~~المعميات. # 8 # وكان هذا الرجل في سن الكهولة تدل سحنته، وتلهب عينيه على ما طوى في نفسه من الشر ~~والخبث، فوقف بينهم في موقف الخطيب، وقال: إن الرفاق يلقبونني بالبحار: وهي مهنتي ~~القديمة، ولكني تقلبت في جميع المهن فكنت بحارا، ثم صرت جنديا، ثم أصبحت لصا، ولا ~~أزال في عداد اللصوص. # وقد تمرست في جميع العادات، وطفت في جميع البلدان، فتمرنت على شرب الأفيون في الهند، ~~والحشيش في مصر، فأنا أعرف كثيرا من الخفايا، فلا تخفى علي هذه الأمور. # أما هذا الوشم الذي ترونه على ظهر هذه الطفلة، فهو رمز سري اختص به الهنود العاصين ~~على الإنكليز، وهم ينقشونه بحبر لا يمحى فوق ظهور الذين يريدون الانتقام منهم، فتنتقل ~~هذه الوشوم بالإرث من الآباء والأمهات إلى أولادهم، ولا بد أن يكون والد هذه الطفلة أو ~~أمها موشوما بهذا الوشم. # ولا بد لي من إيضاح وجيز تفهمون منه القصد من هذه الوشوم وهو أنه يوجد في الهند ~~فريقان ساخط عليهم، أما الفريق الأول: فقد خضع لهم كل الخضوع، فدفع الضرائب، وعاش بينهم ~~مطمئنا راضخا لأحكامهم، وأما الفريق الثاني: فإنه لا يريد غير الحرية بالاستقلال، ~~وهم يحتمون بالغابات، ويأبون الخضوع، وقد ألفوا شركة هائلة سياسية ودينية، ونشروا ~~أعمالهم في الصين واليابان وأفريقيا وأوروبا، وجميع الأقطار، وهؤلاء الأعضاء يلقبون ~~عندهم بالخناقين، ms1250 وقد تعصبوا تعصبا غريبا على كل أوروبي، ولا سيما إذا كان من ~~الإنكليز، فإذا عثروا بأحدهم في مكان خفي هجموا عليه وخنقوه. # فاعترضه باتير وأجابه: إذا كانوا يخنقون أعداءهم، فأية فائدة لهم من وشمهم؟ ~~- إن لهؤلاء الخناقين ديانة سرية، فهم يعبدون الإلهة كالي، والإله سيوا، وسمكة صغيرة ~~زرقاء لا يوجد منها إلا في نهر الكونغ، وتمساحا أخضر اللون لا أعلم في أية بحيرة مقره، ~~وفي معتقدهم أن جميع هذه الآلهة تطلب ضحايا بشرية، فإن أحد هؤلاء الخناقين يخنق الفتاة ~~إرضاء للإلهة كالي، وآخر يخنق رجلا إرضاء للإله سيوا، غير أن مطالب معبودهم التمساح ~~أشد من مطالب آلهتهم الأخرى، فإنه لا يريد أن تكون ضحاياه إلا من الأطفال. # ولذلك فإذا خطر لأحد عباد التمساح الانتقام من أجنبي وشمه بهذا الوشم، ثم أطلق له ~~السراح، فيتزوج الأجنبي ويلد البنين؛ فيخلق أبناءه موشومين، فإذا رأى أي خناق - من عباد ~~التمساح - طفلا موشوما في أي بلد فلا بد له من خنقه إرضاء للإله، وتنفيذا لأوامر ~~تلك الجمعية الهائلة. # وهنا سكت البحار؛ فضحك الحاضرون لغرابة روايته، ولم يصدقه أحد، فقال باتير: إنه ~~يمزح. # وقالت شيفيوت: إني سأحرص على هذه الطفلة، ليس لإشفاقي عليها بل لرجائي الكسب ~~منها. # فاستاء البحار مما أظهروه من الشك، وتفرق شمل الحاضرين، فخلا باتير بشيفيوت، وسألها: ~~أحقيقة أن روكامبول يخدم الحكومة؟ ~~- لا ريب في ذلك عندي. ~~- وإنك تكرهينه حقيقة كما تقولين؟ ~~- إنني لو عثرت بنخاع رأسه لقليته بزبدة سوداء وأكلته. ~~- أتريدين أن تنتقمي منه؟ ~~- لا أريد غير هذا الانتقام، ولكني لا أجد وسيلة. ~~- أهو يعرفك إذا رآك؟ ~~- أنا أعرفه لأنهم دلوني عليه، ولكنه لا يعرفني؛ لأنه لم يرني، غير أنه رجل شديد لا ~~يجب الاستخفاف به، وكفاه أنه غلب تيميلون. ~~- ولكني سأغلبه أنا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- سأخبرك بعد الآن. # ثم نام على فراشه بالقرب منها، وبينهما تلك الطفلة، فكانت تشبه ملاكا تحرسه ~~الشياطين. # وعند الصباح تفرق اللصوص، فذهب كل في شأنه، وخرج بعدهم باتير وشيفيوت، فقال لها وهما ~~سائران: أفهمت ما قلته ms1251 الآن؟ ~~- كل الفهم ... ~~- إذن سنجتمع في هذا المساء. ~~- دون شك. ~~- وسيعلم روكامبول أنه يوجد من يغلبه. ~~- وأنا كذلك. ~~- وأنا الآن ذاهب إلى خمارة أرلكين كي أجتهد في الحصول على أنصار لنا بين رجال ~~العصابة. # فدعت له بالتوفيق وافترقا، فسار باتير إلى الخمارة، وذهبت شيفيوت والطفلة على كتفها ~~إلى أحد الشوارع المقفرة. # 9 # بعد ذلك بيومين كان روكامبول لا يزال في فراشه، وأولئك اللصوص يحرسونه ويحرصون عليه، ~~وكلهم معجب بنفسه يعلل النفس بالثروة لاشتغاله برئاسة روكامبول، فكان بينهم كالقائد ~~العظيم بين جنوده، ولم يكن أحد يراه بينهم إلا جواني الجلاد ومورت، فكانت العصابة تخضع ~~لهما لأنهما من أخصاء روكامبول، وتسألهما عنه كل ساعة مترقبة شفاءه السريع. # وبينما هم جالسون يتحدثون إذ دخلت عليهم شيفيوت والطفلة محمولة على كتفها، فعرفها ~~الجميع واستقبلوها استقبالا حسنا، ورأوا الطفلة معها وقد وضعتها على الأرض، فجعلوا ~~يداعبون تلك المرأة، ويسألونها كيف ولدت تلك الطفلة، ولما علموا أنها سرقتها سألها ~~أحدهم: أتتزوجين بي؟ ~~- كلا؛ لأن زوجتك تنتظرك، وما زوجتك غير المشنقة التي ستعلق عليها بفضل روكامبول؛ ~~لأنه من أنصار الحكومة. # فاضطرب اللصوص اضطرابا شديدا، وهاج عليها أنصاره، واتهموها بالجنون، ولكنها دافعت ~~عن نفسها خير دفاع؛ فتنصلت من التهمة، وقالت لهم: إني ما أتيت إلا لإنقاذكم؛ لأن ~~روكامبول دخل في خدمة البوليس، ولا بد أن يقبض عليكم في أقرب حين. # فأجاب مورت: إنك تكذبين؛ لأن روكامبول لا يخون. # فأقسمت لهم بمهنة اللصوصية على صدق ما تروي، وهي يمين يحترمها اللصوص كل الاحترام، ~~وأقنعتهم بالبراهين الشديدة، ووقفت بينهم موقف الخطيب، فاتهمت روكامبول بالخيانة، ~~وأهاجت عليه صدور العصابة، وحكت لهم حادثة سجن سانت لازار على ما تريد، من كل ما يثبت ~~اتفاق روكامبول مع البوليس حتى تغيرت خواطر أولئك اللصوص عليه، وثبت لهم صدق شيفيوت، ~~وخيانة روكامبول. # ولم يكن يستطيع الدفاع عنه وإظهار الحقيقة غير جواني الجلاد، ولكنه لم يكن حاضرا ~~بينهم؛ لأن روكامبول قد أرسله بمهمة إلى باريس. # وفيما هم يتداولون وقد ارتفع ضجيجهم، وعلت أصوات سخطهم على روكامبول، ms1252 دخل باتير ~~فصاحوا جميعهم بصوت واحد: ليحي باتير، وليمت روكامبول. # ثم ثار ثائرهم فصرخ أحدهم: لنطرح هذا الخائن في النهر. # وصاح آخر: بل لتقطع رأسه! # وقالت شيفيوت: بل دعوني أخنقه بيدي! # فصاحوا جميعا: ليمت روكامبول! ما عدا مورت فإنه كان ساكتا لم يفه بحرف. # وقد انتصر باتير وعادت إليه الزعامة، وحاول أن يهجم برجاله على غرفة روكامبول فيمزقه ~~تمزيقا. # ولكنهم قبل أن يهجموا على تلك الغرفة، ظهر لهم روكامبول عند بابها، وهو مصفر الوجه، ~~ولكن عينيه تتقدان ببريق غريب، فتراجعوا عند رؤياه. # وكان يوجد في قاعة تلك الخمارة نحو ثلاثين لصا، وكلهم خاضعون لباتير، وكان روكامبول ~~قد سمع بعض حديثهم، وأدرك من ملامحهم كل مقاصدهم، فوقف على عتبة الباب، ووضع إحدى يديه ~~فوق صدره الجريح، وجعل ينظر إلى أولئك اللصوص نظرات ملؤها الاحتقار، ثم يجيل نظره فيهم، ~~فينبعث من عينيه بريق تتكهرب له نفوسهم، فيغضون الطرف واجمين كأنما تلك النظرات وعيد ~~هائل لا يفقهون له معنى. # ثم اشتد روكامبول بعد أن رأى تأثير نظراته وثباته، وذهب إلى باتير زعيم العصابة، ~~وخاطبه بملء الاحتقار: أأنت هو الذي يتهمني بالخيانة والجاسوسية؟ # فأجفلت العصابة، لما بدا من ظواهر احتقاره وبسالته، وقالت في نفوسها: إن من كان ~~جاسوسا للحكومة لا يجسر على الكلام بمثل هذه اللهجة. # أما باتير، فقد أجابه بصوت يضطرب قائلا: نعم، أنا الذي قلت هذا الكلام. # فدنا منه روكامبول خطوة وأجاب: إذا أنت كذاب سفاك. # فضم باتير قبضتيه إشارة إلى التهديد، غير أن مورت الذي وقف بينهما وقد برق خنجره بيده ~~فقال: الويل لك إذا جرأت على ضربه، فإني أمزق أحشاءك بهذا الخنجر. # فساد السكوت دقيقتين بين العصابة، وانقسمت في الحال شطرين، فمال شطر روكامبول، وحشر ~~الفريق الآخر تحت راية باتير، وجعل كل فريق ينظر إلى الآخر نظرات الشر والوعيد. # غير أن روكامبول أوقفهم بإشارة، وقد رأى أن السيادة بدأت تعود إليه، فقال بلهجة ~~الحنان: إني لا أريد أيها الرفاق أن أكون السبب في خصامكم وتفريقكم، فإن من كان مثلكم ~~لا ms1253 يفيدهم غير التآلف والوئام. # فبدت من الجميع أشائر الاستحسان لكلامه ما خلا شيفيوت فإنها قالت كلاما يدل على ~~السخط، فدنا روكامبول منها، ووضع يده على كتفها، وقال لها بلهجة المتهكم: ما بالك لا ~~تقولين لهم أنك أنت التي كنت في خدمة البوليس؛ لأنك كنت في عصابة تيميلون؟ # فخافت شيفيوت لأنها كانت تشعر أن نظرات روكامبول تحرقها، فوجمت وأطرقت بنظرها إلى ~~الأرض. # فالتفت عند ذلك روكامبول إلى أفراد العصابة، وقد شعر بانتصاره وقال: أصغوا إلي ~~جميعكم؛ لأني لا أحب أن تحكموا علي دون أن تسمعوا أقوالي، فأصغوا إلي. # فصرخ حزبه: ليحي روكامبول! وسكت حزب باتير، فتابع روكامبول: لا أعلم حقيقة ما قالته ~~هذه المرأة، ولكنكم إذا أردتم سماع حكايتي فهذه هي: إني كنت في سجن طولون، وكان لي رفيق ~~بالقيد يدعى ميلون، كان قبل دخوله السجن خادما أمينا ليتيمتين، وقد سرقوا هاتين ~~الأختين، غير أن السارق لم يكن فقيرا معدما يسرق ليعيش مثلنا، بل كان من أصحاب ~~المقامات العالية، ومن الوجهاء كما يقولون. # فهربت من السجن مع ميلون؛ لأني وعدته بإرجاع الثروة للأختين، وما تعودت غير ~~الوفاء. # فصفق له أحزابه تصفيق استحسان، واصفر وجه باتير، فاستأنف روكامبول الحديث، وقص عليهم ~~بذلك اللسان الذرب الذي خدع به المدموازيل سالاندريرا حين كان يدعى المركيز دي شمري، ~~جميع تاريخ أنطوانيت ومدلين، وخاض في كلامه حتى جعل العصابة تميل إلى الأختين، وتكره ~~مورليكس، وتحب أجينور، وأدوع في نفوس أولئك اللصوص عواطف الحب لفاندا. # استفاض في حديثه نحو ساعة وهو يتلاعب بعواطف سامعيه كما يشاء، حتى إذا فرغ من حديثه ~~سقطت دولة باتير، وتقدم أحزابه أنفسهم من روكامبول، فقالوا له: أيها الرئيس، إننا ~~أخطأنا إليك فاغفر لنا. ~~- إني أسامحكم، ولكني أحب أن أكون زعيما لكم؛ لأني لا أتولى زعامة عصابة إلا إذا كان ~~رجالها يعترفون بمطلق سلطاني، ويخضعون لي خضوعا مطلقا لا حد له. # فصاحوا جميعهم بصوت واحد: سنكون كلنا كما تريد. # وقال بعضهم: أتريد أن نلقي باتير في المياه؟ ~~- كلا، ولكني إذا توليت رئاستكم، فلا ms1254 أحب أن يكون هذا الرجل من العصابة. # فأسرع الجميع إلى طرد باتير، ولكنهم لم يجدوه؛ لأنه هرب قبل أن يطردوه. # وعند ذلك تقدمت شيفيوت وقالت: وأنا أتأمر بطردي أيضا؟ ~~- أنت يجب عليك - قبل كل شيء - أن تقصي علينا حكاية هذه الطفلة. # فامتثلت شيفيوت، وأخبرته بما عرفه القراء من حديث الطفلة. # فأمر صاحب الخمارة بالاعتناء بها، ثم التفت إلى رجال العصابة، وقال لهم: إن مسألة ~~المنزل يجب تأجيلها ثلاثة أيام إلى أن أكون قد تعافيت، والآن اذهبوا جميعكم حذرا من ~~البوليس؛ لأن الفجر قد انبثق، ولا تفعلوا شيئا في هذه الأيام الثلاثة. # فتفرق اللصوص، وعاد روكامبول إلى غرفته وهو يقول: هو ذا خطر جديد، فكيف يتيسر لي ~~إنقاذ سكان ذلك المنزل واللصوص طامعون فيه. # ثم اضطجع في سريره وهو يفكر. # 10 # بعد هذه الحادثة بثمانية أيام كان أربعة في قارب يجتازون نهر السين وهم: مورت، ~~ومرميس، وشانوان، وروكامبول. # وكان القارب يسير بهم سيرا مستعجلا بالرغم عن مقاومة التيار، حتى بلغا إلى إحدى ~~ضفتي النهر، فقال مورت لروكامبول: هذا هو البيت. # وأشار بيده إلى بيت معتزل في ذلك المكان، فنظر روكامبول إليه فوجده محاطا بحديقة ~~تكتنفه من كل جانب، ورأى أشجارا باسقة عند مدخل بابه الكبير. # فلما تأمل روكامبول هذا البيت مليا قال لمورت: إن الوقت لم يحن بعد، وعندي أن ~~الأجدر بنا أن نعود إلى الضفة الثانية فنتعشى في إحدى الحانات، ونصبر إلى أن ينتصف ~~الليل فنعود. # فامتثلت العصابة له، وعاد رجالها إلى التجذيف حتى بلغوا المكان الذين يسيرون إليه، ~~فيما هم على الطريق أخرج شانوان مطرقة من القارب وأراها لروكامبول، فسأله: ما هذه ~~المطرقة؟ ~~- إنها تغنيني عن الخنجر والمسدس، أضرب بها الرجل ضربة واحدة على صدغه فأجهز ~~عليه. ~~- هي مفيدة، ولكنك لا تحتاج إليها هذه المرة؛ لأني سأدخل وحدي إلى هذا البيت. # وكانت العصابة قد أقسمت يمين الطاعة لروكامبول، فسكت شانوان ممتثلا ولم يجب. # وظل القارب يسير بهم حتى وصلوا إلى المكان المعين فربطوه إلى صخرة على الشاطئ، وصعدوا ~~جميعهم ms1255 إلى خمارة هناك فجلسوا حول مائدة، وطلبوا ما اشتهوه من أكل وشراب. # ولم يكن يوجد غيرهم في تلك الخمارة، فلما بلغت الساعة التاسعة دخل إليها رجلان وجلسا ~~حول مائدة محاذية لمائدة العصابة وطلبا خمرا. # وكانا يتكلمان باللغة الفرنسية، غير أن لهجتهما كانت إنكليزية. # فجعل روكامبول يراقبهما خلسة؛ لأنه عجب لوجودهما في هذا الموضع، لا سيما وأن صاحبه ~~استقبلهما استقبال الغرباء. # أما بقية أفراد العصابة فقد شغلوا بأكلهم وشرابهم، ما خلا روكامبول فإنه كان منتبها ~~لهما كل الانتباه إذ كان يظهر له من شربهما وسكونهما أنهما على غير ما يريدان أن ~~يظهراه. # ومما نبهه إليهما لون بشرتهما، فإنه كان يدل على أنهما من أصل غريب، يشبه ذلك الأصل ~~الممتزج بين الهندي والإنكليزي، ثم أنهما بعد سكوت قليل جعلا يتكلمان بلغة لم يفهمها ~~أفراد العصابة ما خلا روكامبول، فقد علم أنها لغة هندية يعرفها كثيرون في بلاد ~~الإنكليز، وكان روكامبول قد عرف هذه اللغة لكثرة اختلاطه مع قومها حين وجد في لوندرا، ~~فكان يفهم كل ما يتحدث به الهنديان. # وكان أحدهما قويا، ضخم الجثة، شديد العضل، يدعى أوسمانا، والآخر على عكسه صغير ~~الجثة، نحيل الجسم، رخيم الصوت، حتى إن من يسمعه يخال أنه امرأة متنكرة بزي رجل، وكان ~~يدعى كيرشي. # وبعد أن شربا زجاجة دون أن يفوها بحرف افتتح الصغير الحديث فقال: إن باريس أصغر جدا ~~من لوندرا، ولكنه يصعب فيها اقتفاء أثر رجل يريد أن يحتجب عن الأنظار. # إني اقتفيت أثر الأب والابنة ستة أشهر، وكنت أتبعهما كل يوم تقريبا، وقد لقيتهما عدة ~~مرات، فلو كان الوقت قد حان لكنت قضيت المهمة التي تسعى إليها، ولكنك تعلم يا أوسمانا ~~أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن الوقت لم يكن حان بعد. # انحنى أوسمانا إشارة للمصادقة، وقال: أتم حديثك يا كيرشي. ~~- إني تبعتهما من فرصوفيا في جميع أسفارهما حتى وصلا إلى باريس، وهنا فقدت أثرهما، ~~ولم أهتد إليهما إلا منذ ثمانية أيام حين ورد إلي كتاب من اللجنة في لندرا. ~~- وأخيرا التقيت بهما؟ ~~- نعم، ms1256 وها أنا جئت بك الليلة، وسأوصلك إلى المنزل الذي يقيمان فيه. ~~- حسنا، إن الوقت قد حان، وساعة هذا اللعين قد دنت. ~~- ولا شك أن الإلهة كالي ستكون راضية؛ لأني أعددت كل شيء. ~~- ماذا أعددت؟ ~~- إن هذا اللعين والد الفتاة قد طرد خادمه منذ أسبوع، ثم جعل يبحث عن سواه في باريس، ~~فوجد خادما، ولكنه من جمعيتنا. ~~- أهو من الهنود؟ ~~- كلا، بل هو إنكليزي، ولكنه يحسن التكلم بالفرنسية، وظواهر السلامة بادية في وجهه، ~~فاستخدمه اللعين دون حذر. # وسيأتي هذا الخادم عند منتصف الليل فيفتح لنا الباب، وندخل حينما يكون الأب والابنة ~~نائمين فنقضي مرامنا دون أن يشعر بنا أحد. # وبينما كان الهنديان يتكلمان كان مورت ومرميس وشانوان يتكلمون بما أوحت إليهم ~~الخمر. # أما روكامبول، فكان يتظاهر أنه نائم وهو مصغ كل الإصغاء، فلم تفته كلمة من حديث ~~الهنديين. # وعاد الهنديان إلى الحديث، فقال أوسمانا: والطفلة أين هي الآن؟ ~~- لقد وجدت أثرها أيضا، ولكني أضعته. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن اللعين كان يخفي تلك الطفلة في منزل امرأة عجوز مقيمة في شارع الدلتا، وكنت ~~أعددت كل شيء لقتلها، ولكنهم سبقوني لاختطافها. ~~- ومن الذي سبقك إليها، ألعله الجنرال؟ ~~- لا أعلم غير أني لا أظن أنه هو الفاعل. ~~- من تظن أنه اختطفها؟ ~~- لم أشتبه بأحد، ولكني واثق من أنها اختطفت في ذات اليوم الذي كنا عازمين فيه على ~~اختطافها. ~~- يجب أن نجدها، فإن كل موشوم برموزنا من النساء ينبغي أن يكون ضحية الآلهة ~~كالي. ~~- سنجدها دون شك. # فقال روكامبول في نفسه: ما هذا الاتفاق الغريب، فإني بت واثقا أن هذه الطفلة التي ~~يتحدثان عنها هي نفس الطفلة التي سرقتها شيفيوت. # وعاد أوسمانا إلى الحديث فقال: إنه يوجد على بعد مرحلة من ضفة السين اليمنى منزل يقيم ~~فيه اللعين وابنته، فأنت تخنق الأب، وأنا أخنق الابنة دون أن يعلم بنا أحد. # وماذا يهمنا إذا عرفت الحكومة وقتلتنا، فإن حياتنا ليست لنا بل هي للجمعية، ولأعضائها ~~مطلق الإرادة بأنفسنا يتصرفون بها كيف يشاءون، ولكن قل لي: أتعرف الطريق ms1257 إلى هذا ~~المنزل؟ ~~- دون شك، وإني اتفقت على موافاتك إلى هذه الخمارة؛ لأنه في الساعة الحادية عشرة يمر ~~قطار السكة الحديدية فيسير بنا حالا إلى منزل فيانيف سانت جورج. # فاضطرب روكامبول إذ أيقن أنهما ذاهبان إلى المنزل نفسه الذي عزمت العصابة على سرقته، ~~وقال في نفسه: ما هذا الاتفاق؟ فإنهما يريدان قتل الطفلة التي حميتها من شيفيوت، وقتل ~~الرجل وابنته الذين أريد حمايتهما من اللصوص. # وأخذ بعد ذلك يراقب الهنديين أتم المراقبة، فلا تفوته حركة أو كلمة منهما. # أما الهنديان فكانا مطمئنين، ولم يخطر لهما الحذر في بال، فجعلا يدخنان، واستغرقا ~~بالتأملات العميقة التي تشبه الذهول شأن كل رجال الشرق الأقصى. # وبعد حين دفع مورت بكوعه روكامبول، وقال له: أظن أن الوقت قد حان؛ فإن الساعة 11 ~~أوشكت أن تدق. ~~- لقد أصبت، ونظر إلى رفاقه فقال لهم: هلموا بنا. # ثم دفع لصاحب الخمارة ما طلب، وذهبوا جميعهم إلى القارب، فأسرع مورت لرفع المراسي ~~فأوقفه روكامبول وقال: إذا كنا لا نصل في مدة نصف ساعة فلا فائدة من ذهابنا. # تعجب مورت وقال: ماذا يهم إذا تأخرنا عن هذه المدة؟ # فنظر روكامبول إلى ساعته وقال: إن الساعة الآن بلغت العاشرة ونصف، فلا يجب أن نضيع ~~الوقت سدى؛ إذ لسنا وحدنا الذين يحاولون سرقة المنزل. # ارتعش اللصوص وقالوا: من الذي يزاحمنا فيه؟ ~~- أرأيتم هذين الرجلين اللذين كانا يشربان هنا في الخمارة فإنهما كانا يتكلمان بلغة ~~أفهمها دونكم، فعلمت كل ما ينويان، ولهذا أطلب إليكم أن تكونوا في طاعتي كرجل ~~واحد. # فصاحوا جميعهم بتحمس: إنك لو أرسلتنا إلى الموت لما أحجمنا. ~~- إذن انزلوا إلى القارب، وأسرعوا قدر ما تستطيعون. # فنزلوا جميعهم، وكان أشدهم تحمسا الفتى مرميس، فدفع القارب وصاح: ليحي روكامبول ~~... # 11 # وكان الجو صافيا، والنجوم تسطع في الفضاء كليالي الصيف. # فاندفع القارب يسير إلى النهر الهادئ وقد أخذ مرميس مجذافا يجذف به من اليمين، فأخذ ~~مورت مجذافا آخر يساعده من اليسار، ووقف شانوان في مؤخرة القارب يجذف أيضا من ~~الجانبين طلبا للسرعة. # أما ms1258 روكامبول، فقد لبث واقفا في وسط القارب، وكان يقول في نفسه: إن الهنديين قد غلطا ~~في حسابهما، فإن القطار الذي يركبان به لا يمر في الساعة الحادية عشرة، بل في الحادية ~~عشرة ونصف، وعلى ذلك فلا يستطيعان الوصول إلى ذلك المنزل قبل نصف الليل، وسنصل إليه ~~قبلهما إذا استمر قاربنا يسير بهذه السرعة. # وكان ساكتا واجما، فكان اللصوص يحترمون سكوته كي لا يقطعوا حبل تفكره. # وقد أصاب ظنه، فإن القارب وصل إلى المنزل المعتزل قبل أن يسمع صفير القطار. # فربطوا القارب، ونزل مرميس ومورت إلى البر، ولما حاول شانوان أن يتبعهما سأله ~~روكامبول: والمطرقة أتدعها في القارب؟ ~~- ألم تأمرني بإبقائها فيه إذ لا حاجة إليها؟ ~~- نعم، ولكني غيرت فكري الآن فهاتها. # فامتثل شانوان، وجعل روكامبول يبحث في القارب فأخرج منه حبلا فطواه ووضعه في جيبه، ~~ثم نزل إلى البر قائلا لرفاقه: أصغوا إلي الآن: أتعلمون من هما هذان الرجلان اللذان ~~لقيناهما في الخمارة؟ ~~- لا. ~~- إنهما عضوان في عصابة لصوص هائلة. # فقال شنوان: إذن هما من رجال المهنة. ~~- وهما يريدان من هذا البيت ما نريده، ولا أريد أنا شركاء. ~~- إذن ماذا تأمر؟ ~~- تعالوا معي وسترون. # ثم مشى أمامهم في طريق معوجة ضيقة تؤدي إلى حديقة البيت، وعند ذلك سمع صفير القطار ~~القادم من باريس. # ولم يكن للهنديين طريق يسلكانها من المحطة إلى المنزل غير هذه الطريق. # وكانت الأشجار الضخمة تكتنف الطريق من الجانبين على مسافة مائة خطوة من باب المنزل ~~الكبير، فأخذ روكامبول الحبل من جيبه فنشره وربط أحد طرفيه بشجرة، والطرف الآخر بشجرة ~~تقابلها في تلك الطريق الضيقة بحيث أصبح لا بد لمن يمر بها أن يعثر بذلك الحبل الذي ~~يعترضه فيقع. # وكان رفاقه ينظرون إليه وهم لا يعلمون شيئا من قصده، ولما أتم ربط الحبل ذهب بهم إلى ~~شجرة كبيرة وأمرهم أن يختبئوا وراءها. # ثم صفر القطار مرة أخرى، فعلم روكامبول أنه وقف في المحطة المؤدية إلى البيت، وقال ~~لرفاقه: أصغوا إلي الآن، فإنه يجب علينا أن نقبض على ms1259 هذين الرجلين مهما كلفنا أمرهما من ~~الجهد، وإني أفضل أسرهما واستبقاءهما على قيد الحياة، إلا إذا تعذر ذلك علينا، فلا بأس ~~من أن يستخدم شانوان إذ ذاك مطرقته. # فرد شانوان: إن ضربة واحدة تكفي للقضاء على من تصيبه. # وتابع مرميس: إنه تكفل بالكبير، وأنا أتعهد برفيقه الصغير. # وسألهم مورت: وأنا ماذا أعمل؟ # فابتسم روكامبول وقال له: لا تيأس فسأجد لك عملا. # وبعد عشر دقائق سمعوا وقع أقدام، فأصغى روكامبول وقال: إنهم أكثر من اثنين فناموا على ~~الأرض، ولا تأتوا بحركة إلا بأمري. # وكان أولئك القادمون ثلاثة غير أنهم كانوا يمشون بخطوات بطيئة كأنهم يتشاورون، فأشار ~~روكامبول إلى رفاقه بالسكون، وأصغى إصغاء تاما، فعلم من حديثهم أن هذا الرجل الثالث ~~الذي يصحب الهنديين كان خادم الجنرال الذي دخل حديثا في خدمته بعد طرد ذلك الخادم ~~العجوز. # وقد سمع هذا الخادم يقول لهما: لا يزال الوقت فسيحا. # فقال أحدهما: لا بأس أن ننتظر إذا كان لا بد من الانتظار، ولكن أين ننتظر؟ # فأشار لهما الخادم إلى المكان المختبئ فيه روكامبول، وقال لهم: انتظروا تحت شجرة من ~~هذه الأشجار التي تتصل بباب المنزل إلى أن تسمعا صفيري فتدنوان من الباب. # فاضطرب روكامبول اضطرابا شديدا؛ لأنه خشي أن يتقدم الخادم وحده بالحبل، ويقف ~~الهنديان على الحيلة فيهربان. # ولم يكن غرضه حماية الجنرال وفتاته فقط، بل إنه كان يريد كشف الحجاب عن سر تلك ~~الجمعية الهائلة التي يأتي أعضاؤها من أقصى بلاد المعمورة للانتقام من أعداء الإلهة ~~كالي والإله سيوا. # غير أنه سمع الخادم يقول للهنديين: أما أنا فسأعود من الطريق التي أتيت منها. # فقال له أحدهما: لماذا؟ ~~- إن مفتاح الباب غير موجود معي. # فقال له أوسمانا: كيف خرجت من المنزل؟ ~~- من باب صغير في الطرف الآخر من هذا البستان، ويقتضي للدخول منه أن أرجع على أعقابي، ~~وأسلك إليه طريقا أخرى. ~~- ونحن ماذا نصنع؟ ~~- تقدما بين صف هذه الأشجار حتى تقربا من الباب، فتلبثان هناك حتى تسمعا ~~صفيري. # ثم تركهما وانصرف ... فاطمأن خاطر روكامبول. # وكان ms1260 روكامبول ورفاقه مختبئين وراء شجرة كبيرة. # وتقدم الهنديان حتى وصلا إلى شجرة لا يفصل بينهما وبين شجرة روكامبول غير ~~الحبل. # ووقفا قربها، وأرسلا بصرهما إلى ذلك البيت المنفرد، ولم يجدا فيه غير نور واحد ينبعث ~~من أحد النوافذ. # وكان مرميس واقفا أيضا قرب روكامبول وهو ينظر إلى تلك النافذة، فأدنى فمه من أذنه، ~~وقال له همسا: هذه نافذة الأب. # غير أن صوت مرميس على ضعفه وصل إلى أذن أوسمانا، فاضطرب وانذعر وصاح: إلي يا ~~كيرشي. # ثم تقدم خطوة، فعثر بالحبل وسقط وصاح صيحة أخرى، فأسرع إليه كيرشي وسقط مثله، فانقض ~~عليهما عند ذلك رجال روكامبول. # وركع روكامبول فوق صدر أحدهما، والخنجر مشهر في يده ثم قال له باللغة الهندية: اسكت ~~أو أقتلك. # وذعر الهندي لسماعه تلك اللغة الهندية أكثر مما ذعر لإشهار الخنجر عليه، فكف عن ~~المقاومة في الحال، وسكنت حركاته شأن أولئك الذين يستسلمون إلى الأقدار متى حل بهم ~~المصاب. # وعند ذلك نادى روكامبول مرميس، وقال له: تعال واقبض عليه. # ففعل وجعل روكامبول يفتش جيوبه، فأخرج منه حبلا تستعمله طائفة الخناقين الهندية ~~للخنق، ثم بحث أيضا فوجد مسدسا إنكليزيا، وخنجرا منقوشا عليه نقوش غريبة. # وبعد أن جرده من هذه المعدات أخذ منديله فربط به فمه كي لا يصيح، وقال لمرميس: احرص ~~عليه جيدا. # ثم ركض إلى الهندي الآخر فوجد شانوان رابضا فوقه يكاد يميته وبيده المطرقة وهو يقول: ~~أأقتله أيها الرئيس؟ # فأجابه روكامبول: كلا ... # ودنا من الهندي فقال له بلغته: إن الإله سيوا يريد هذا. # فأثرت هذه اللغة به نفس تأثيرها برفيقه، وكف عن المقاومة، وجعل ينظر روكامبول نظرات ~~تشف عن الرعب والحيرة. # ففتشه روكامبول كما فتش رفيقه، فوجد معه نفس المعدات، فاستولى عليها، ثم ذهب إلى ~~الحبل الذي ربطه بالشجرتين فقطعه قطعتين، وأوثق بهما أرجل وأيدي الأسيرين وثاقا ~~محكما. # ولما فرغ من جميع هذا قال لرفاقه: لقد تغيرت خطتنا الآن، فاذهبوا بالأسيرين إلى ~~القارب. # فتأسف مرميس قائلا: والمنزل ألا نذهب إليه؟ ~~- سأقضي هذه المهمة وحدي. # فقال مورت: ألا ms1261 تحتاج إلى مساعد؟ # فهز روكامبول كتفيه قائلا: إن المهمة بسيطة لا تحتاج إلى أكثر من واحد أعطوني ~~المطرقة واذهبوا في سبيلكم بالأسيرين، واحرصوا عليهما حرصكما على الحياة. # فلما مشي بضع خطوات ألقى المطرقة، وأخذ من جيبه حبلا من الحبلين اللذين وجدهما في ~~جيوب الهنديين، وتقدم إلى باب المنزل، فرأى النور لا يزال في نافذة إحدى غرفه، ولم يطل ~~وقوفه حتى سمع صفير الخادم، ثم فتح الباب وخرج الخادم، وقال باللغة الهندية: أين ~~أنتم؟ # فأسرع روكامبول وأطلق على عنقه ذلك الحبل ثم شده، فأطبق حول عنقه وانقطع صوته. # 12 # ولندخل الآن بالقارئ إلى هذا المنزل الذي كثرت المشاكل على بابه وأهله لا يعرفون، ~~فإنه منذ طرد الجنرال الخادم نيشيلد سادت السكينة التامة في هذا البيت، فلم يعد الجنرال ~~يفوه بحرف، ولم تعد ناديا تعترض عليه بكلمة، حتى إنهما لم يكونا يجتمعان إلا على مائدة ~~الطعام. # أما سكينة ناديا فلم تكن غير ظاهرية؛ لأنها كانت تذكر ما قاله لها الخادم بشأن ~~الأوراق التي دفنها عند جذع الشجرة وفيها كل ما تريد الوقوف عليه من الأسرار. # ويذكر القراء أن الخادم احتجب عن المنزل في اليوم التالي لإقراره، ودخل مكانه خادم ~~آخر، فقال الجنرال لابنته حين دخوله عليها: احذري أن تكلميني بشيء من شئوننا أمام هذا ~~الخادم؛ لأني لا أعرفه إلا من الشهادات التي بيده. # فلم تجبه ناديا بشيء، وجعلت تنتظر فرصة تغتنمها لإخراج الأوراق من مدفنها. # واتفق في ليلة اشتد ظلامها أن والدها قام باكرا، وكان الخادم قد خرج بعد العشاء ~~لاستقبال الهنديين في المحطة، فخرجت إلى الحديقة وحفرت عند جذع الشجرة التي دلها عليها ~~الخادم، فأخرجت تلك القدر المدفونة فيها الأوراق، وأسرعت عائدة إلى غرفتها وهي تمشي ~~مشية اللصوص؛ حذرا من أن يشعر بها والدها. # فلما دخلت إلى غرفتها أغلقت بابها من الداخل، وأرخت الستائر على النافذة؛ حذرا من أن ~~ينتبه أبوها إلى النور، ثم أنارت الشمعة، ولكنها لم تلبث أن أضاء نورها حتى صاحا الصبية ~~صيحة منكرة، وسقطت الأوراق من يدها. ms1262 # ذلك أنها لم تكن وحدها في تلك الغرفة، بل كان فيها رجل، وهذا الرجل أبوها ~~الجنرال. # غير أنها على فرط ذعرها اطمأنت بعض الاطمئنان حين تفرست في وجه أبيها، فقد تعودت أن ~~ترى ملامح القسوة والشدة بين ثناياه، ولكنها رأته على غير ما ألفته؛ فقد كان حزينا تدل ~~ملامحه على كآبة شديدة، وقد سقطت دمعتان على خديه المجعدين. # فلما رآها أبوها على هذه الحالة قال لها بلهجة الحنو: إذا أنت تريدين يا ابنتي أن ~~تعرفي كل شيء؟ # فتقطع قلبها إشفاقا على أبيها لما رأته عليه من ظواهر الحزن، وقالت: ما بالك يا ~~أبي؟ ~~- أتريدين أن تعرفي ماذا فعلت بطفلتك؟ # فأطرقت بنظرها إلى الأرض، وقالت: نعم يا أبي. ~~- وماذا فعلت بزوجك قسطنطين؟ ~~- نعم. ~~- أما قال لك خادمنا نيشيلد أني أخفيت الطفلة؟ ~~- ولكنها لا تزال حية، أليس كذلك يا أبي؟ # فقال لها بلهجة حنو: أتسألينني إذا كانت حية، وكيف لا تكون آمنة وأنا أرعاها؟ # فدهشت الصبية وقالت: ماذا أسمع وكيف تغيرت، ومن أنت؟ ~~- أنا أبوك الذي أصابته الأيام بكارثة هائلة، فاضطر مكرها إلى معاملتك معاملة ~~الأعداء أعواما طويلة، وهو يذوب حنوا عليك. نعم، إني أخفيت طفلتك، ولكني أعرف أين ~~هي، وأعتني بها كل اعتناء. وأنا الذي أرسل قسطنطين إلى سيبيريا، ولكني لم أرسله إلى تلك ~~البلاد النائية إلا لأنقذه من موت هائل. # فجعلت ناديا تنظر إلى أبيها نظرات غريبة كأنها خشيت أن يكون أصيب فجأة ~~بالجنون. # وتابع قائلا: لا تنظري إلي يا ابنتي هذه النظرات، ولا تنخدعي بأقوال الخادم نيشيلد، ~~فإنه لم يكن يعرف غير ما رآه، أما أنا فسأخبرك عن الحقيقة بتفاصيلها، وسترين بعد ذلك ~~إذا كنت تجسرين على اتهام أبيك بما كنت تتهمينه به من قبل. # وعند ذلك جذب ابنته إلى صدره فقبلها وبكى، ثم أجلسها بقربه وقال: إن ما عرفه نيشيلد ~~من أمري هو أني من أعيان بولونيا الذين رفعوا راية العصيان، وأنه قد جرى بيننا وبين ~~جنود القيصر معارك هائلة، وأنه كان بين هؤلاء الجنود ضابط أحبته ابنتي ms1263 وأحبها، ولكن ~~ابنتي لم تجسر على مخاطبتي بحبها؛ لأنه عدو لي، ولم تستطع الإقلاع عن حبه، فاندفعت في ~~حبه حتى أذنبت، فأراد أبوك الانتقام منك ومنه على السواء، وأنك جننت حين فقدت طفلتك ~~وزوجك، وأني خنت بولونيا، ألم يقل لك الخادم هذا القول؟ ~~- بلى يا أبي، وقد زاد على ذلك أنه كتب في هذه الأوراق كثيرا من الخفايا. ~~- ستقرئينها بعد الآن للتفكه بها؛ لأن هذا المسكين لا يعلم شيئا من حقيقة أمرنا، ~~وأما الحقيقة فهي ما تسمعينه مني، فأصغي إلي: # إنني بولوني، ولكني أتسمى بغير اسمي، حتى إني حاولت نسيان اسمي القديم، ومع ذلك فلست ~~مضطهدا، ولا أنا من المذنبين، وعندما كنت في الثامنة والعشرين من عمري أنفت البقاء في ~~بلادي؛ لما كنا نلقاه من الخسف والمظالم، فرحلت إلى الهند، وبعد إقامتي عاما فيها ~~تعينت قائدا في الجيش. # وكان لي صديق روسي هناك، وهو قائد مثلي في ذلك الجيش. # فمرت بي عدة أعوام ترقيت في خلالها إلى رتبة كولونيل، فأحببت مس أنا ابنة الجنرال ~~هاريس قائد الجيش الأكبر، وهي أمك. # وقد كنت خطبتها إلى أبيها فتجهم وجهه وأبى، فألححت عليه، وذكرت له أن الحب متبادل ~~بيني وبين ابنته، وأنه إذا أصر على رفض طلبي يسيء إلي وإليها على السواء. # فسكت الجنرال هنيهة سكوت المضطرب، ثم قال: لا تظن أني رفضت طلبك استخفافا بك، ودليلي ~~على ذلك أنه عندي فتاة ثانية إذا أردت الزواج بها فهي لك وهي مس ميبل. ~~- قلت لك لا أريد الزواج إلا بالمس أنا؛ لأني أحبها وتحبني. ~~- أيها التعيس! أتريد أن تموت قتيلا يوم زواجك، وتخنق امرأتك بين يديك؟ # فدهشت لقوله، وقلت: كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأن المس أنا التي تحبها مكرسة للإلهة كالي، أتعلم في أي بلاد نحن ~~مقيمون؟ ~~- نعم أعلم، إننا في بلاد الهند الإنكليزية، وإننا نعبد الإله القادر، ولا شأن لنا في ~~معبودات الهند. # فابتسم ابتسام الحزين، وقال: ليس لنا من الأحكام غير ظواهرها. نعم، إننا نحتل سون ~~والحصون ونجبي الضرائب، ولكننا لسنا الأسياد؛ لأنه ms1264 يوجد فوق يدنا في هذه البلاد التي ~~تظلها رايتنا، وتحميها أساطيلنا يد قوية، وحكومة خفية قادرة، مجتمعاتها في الغابات ~~والهياكل، والمغائر الخفية، ولهذه الجمعية الهائلة منفذون في العواصم، ولا سيما لندرا، ~~يدعونهم بالخناقين، وهم يعبدون الإلهة كالي، ويعتقدون أن هذه الإلهة لا يرضيها غير سفك ~~الدماء. # فقاطعته وقلت: ما الذي تخشاه على ابنتك من هؤلاء الخناقين؟ ~~- لقد قلت لك إنهم كرسوها للإلهة كالي، ويظهر أني لم أفصح عن مرادي بجلاء، اعلم أن ~~أعضاء هذه الجمعية الهائلة يتعارفون برموز وإشارات سرية تخفى عن الأوروبيين والإنكليز، ~~وكل من لم يدخل في سلكها من الهنود. # وقد دخل في هذه الجمعية كثيرون من أعيان البلاد وفقرائها، وامتزجوا بيننا امتزاجا ~~عظيما، حتى إنه يوجد منهم كثيرون بين خدامنا وجنودنا. # وهم يعبدون كثيرا من الآلهة، أخصها الإلهة كالي، فيلقي الكهنة ما توحيه إليهم تلك ~~الإلهة على أعضاء الجمعية، ولا بد من تنفيذ ما يأمرون، فقد صدر أمرهم منذ خمسة عشر ~~عاما أن هذه الإلهة تريد أن يضحى لها من الغرباء ستون فتاة من سن العاشرة إلى العشرين، ~~فيقضى على هذه الفتيات بالعزوبة، ومن تزوجت منهن يقتلها الخناقون وهم عباد هذه ~~الإلهة. # فقلت مندهشا: أتجب عليك الطاعة إذا أمروا؟ ~~- لا ، ولكن اسمع كيف ينفذون أوامرهم، فإن هؤلاء الخناقين يبلغون أوامر إلهتهم كالي ~~بإعلانات يلصقونها على الجدران، والأشجار، والمتنزهات العمومية، وأبواب المجامع، ~~ويأمرون عمالها أن يشموا كل فتاة يختارونها للتضحية برمز الإلهة الخاصة. # فلما تنتشر هذه الأوامر، يحرص الآباء والأمهات على بناتهم كل الحرص، ولكن حرصهم لا ~~يفيدهم؛ لأن ما تريده هذه الإلهة لا بد أن يكون. # وقد تنبهت حينما انتشرت هذه الإعلانات؛ فأطلقت سراج جميع من كان في خدمتي من الهنود، ~~ولم يبق لدي غير الأوروبيين، ووضعت الحراس والرقباء على منزلي، ومنعت ابنتي عن الخروج ~~من المنزل، وعينت لهما وصيفتين تنامان في غرفتهما، فلم يكن يدخل إلى منزلي غير ضابط ~~واحد، وهو من أركان حربي ومن الإنكليز. # وكنت قد التمست من حكومتي العودة إلى إنكلترا، فصدر لي ms1265 الإذن بالسفر، وفي الليلة التي ~~عولت على السفر ... ضاعفت عدد الحراس، وبت مبالغة في الحرص في غرفة ابنتي. # وعزمت على السهر طول ليلتي، ولكن النعاس تغلب على أجفاني فنمت بالرغم عني، فلما ~~انتبهت في الصباح وجدت الجميع نياما والباب مقفلا، والكلب الذي كان على الباب ساكنا ~~لم يتحرك، فدنوت من ابنتي لأتفقدهما فرأيت إحداهما، وهي المس أنا التي تريد أن تخطبها، ~~قد نزع قميصها عنها، ورأيت تلك النقوش السرية مطبوعة فوق ظهرها، وفي وسطها رمز الإلهة ~~كالي. # ولم تكن قد انتبهت من رقادها، ولم يصح أحد من النائمين، حتى إن الكلب لم ينبح، ولكن ~~الخناقين قد دخلوا إلى تلك الغرفة، فعلمت وا أسفاه أن ابنتي ضحية لتلك الإلهة، وقضي ~~عليها بالعزوبة الأبدية، فإذا تزوجت كان نصيبها الموت. # فقلت له عند ذلك: لقد مضى على هذه الحادثة خمسة عشر عاما، ولا بد أن يكون الخناقون ~~نسوا أمر ابنتك. ~~- كلا؛ لأنه في كل عام في مثل اليوم الذي وشمت فيه يرد إليها هدية من هذه الجمعية ~~يعتبرونها هدية الإلهة كالي، فلا نعلم كيف تصل إليها؛ لأنها تصبح فترى تلك الهدية على ~~مائدتها. ما زالت فتاة عذراء؛ لأن تلك الجمعية تعتبرها مقدسة مع البيت الذي تقيم فيه ~~وأهله فلا يصيبهم أحدهم بمكروه، وأما إذا تزوجت كان نصيبها الموت لا محالة. # وعند ذلك فتح الباب فجأة، ودخلت منه مس أنا فقالت لأبيها: إني لا أخشى الموت يا أبي، ~~وقد أحبني الكولونيل وأحببته، فأرجو أن يأذن لنا بالزواج. # فذهل السير هاريس لما رآه من ثباتها، وتراجع منذعرا إلى الوراء. # وهنا توقف الجنرال هنيهة يسمح العرق من جبينه ويستريح، وكانت ناديا مصغية إلى حكايته ~~وقلبها يخفق أشد الخفوق. # 13 # وعاد الجنرال البولوني إلى الحديث فقال: إن السير هاريس ذعر ذعرا شديدا لما رآه من ~~ثبات ابنته، فبذل جهده بإرجاعها عن عزمها، فلم يفلح فاضطر مكرها إلى الموافقة على ~~زواجنا، واحتفل بعقده في كلكوتا، فعزمنا على السفر جميعنا في اليوم التالي ~~لزواجنا. # وكان الزفاف بسيطا لم يحضره ms1266 غير صديق لي من الروسيين كان شاهدي، وفي اليوم التالي ~~نزلنا جميعنا إلى الباخرة، فأعد لنا ربانها في الليل حفلة راقصة استمرت إلى منتصف الليل ~~لم يحضرها أحد من الهنود، وقد حسبت أني بت في مأمن من أفراد تلك الجمعية ~~الرهيبة. # غير أني ما زلت موجسا خيفة؛ لأن السفينة كانت عازمة على السفر في الصباح، فأدخلت ~~امرأتي إلى غرفتها، ووضعت كرسيا عند باب الغرفة، ومائدة وضعت فوقها مسدسين؛ لأني عزمت ~~على السهر طول تلك الليلة مبالغة في الوقاية. # ثم شعرت بظمأ شديد، فطلبت إلى الخادم أن يأتيني بكأس ماء بارد، فما كاد هذا الماء ~~يستقر في جوفي حتى تثاقلت عيناي، ولم أستطع مغالبة النعاس، فنمت على الكره مني. # ولما استفقت عند بزوغ الفجر رأيت صدري عاريا من الملابس، فنظرت في مرآة وصحت صيحة ~~الدهش والرعب؛ لأني وجدت على صدري تلك الوشوم التي أخبرني بها السير هاريس. # وقد رأيت على المائدة التي كانت بقربي قطعة من ورق الببيروس، كانت موضوعة بإزاء ~~المسدس، فعلمت أنها لي، ودخلت إلى غرفة امرأتي فذعرت حين رأت ذلك الوشم على صدري، ~~وقالت: لقد وشموك من أجلي، فاغفر لي. # فأعطيتها تلك الورقة كي تترجمها لي؛ لأني لم أكن أعرف لغة القوم ، فقرأت لي ما ~~يأتي: # أيها الغريب، إنك أحببت مس أنا هاريس حب جنون وهي مكرسة ~~للإلهة كالي، وقد تجاسرت تلك الإنكليزية على عصيان أوامر الإلهة، فحكمت الإلهة ~~عليك وعلى نسلك بالعقاب. # إن هذه العذراء ستغدو أما وتموت، وسيقتل أولادكما مهما بالغتما في الحرص ~~عليهم واحدا بعد واحد، وأنت أيها الغريب ستقتل بعد أن ترى بعينيك مصرع جميع ~~الذين تحبهم لأن الإلهة كالي تريد أن تعذبك أشد عذاب قبل أن تبعث بنفسك الخائنة ~~إلى عالم الأحلام. # ثم إن هذا الصديق الروسي الذي يدعى بطرس سيلقى نفس عقابك وقد وشم كما وشمت؛ ~~لأنه كان الشاهد على زواجك بضحية الإلهة. # وكان التوقيع على هذه السطور رسم حبل وخنجر. # قال الجنرال لابنته: فلما فهمت هذه السطور وثبت من الغرفة، وجعلت ms1267 أستغيث، فأسرع إلي ~~ربان السفينة وضباطها، فلما رأى الربان ما أصابني قال: إنك من الهالكين. # ثم جاء صديقي بطرس وهو يصيح صياح الذعر فقد وشموه كما وشموني، ووشموا امرأته وابنه ~~والطفل. # ثم خرجت امرأتي أيضا وهي والهة تقول: أين أبي؟ # فذهبنا إلى غرفته فوجدناها مقفلة، فقرعت بابها مرات فلم يفتح فكسرت الباب ودخلنا ~~جميعا فرأينا ما تقشعر له الأبدان، وهو أن السير هاريس كان ملقيا على فراشه تخيم ~~عليه ظلمة الموت، وفي عنقه حبل من الحرير خنق به. # وقد كانوا رأوا في الليل السير هاريس داخلا إلى غرفته، ودخل معه القائد سميث أحد ~~أركان حربه، وقد كان ينام في الغرفة معه، فلما كسرنا باب غرفته وجدنا نافذة الغرفة ~~المشرفة على البحر مفتوحة، ولم نجد القائد سميث فيها ولا في الباخرة، فأيقنا أن هذا ~~القائد من جمعية الخناقين، وأنه هو الذي فعل كل هذه الفعال. # ثم ارتاح الجنرال هنيهة، واستأنف الحديث مع ابنته، وقال: عدنا بعد ذلك إلى أوروبا ~~فافترق عني صديقي في ليفربول، ولم أره بعد ذلك إلى الآن. # وقد رجوت أن أجد طبيبا ماهرا يزيل عنا تلك الوشوم، فجئت بأمك إلى فرنسا. # واستشرت أشهر أطبائها، فقالوا لي: إن هذا الوشم لا يزول وقد يتصل بالإرث إلى البنين، ~~فتظهر عليهم الوشوم نفسها حين يخلقون، فتركته قانطا، وعدت بأمك إلى بلادي. # وبعد أشهر ولدتك، فكان سرورنا عظيما، لا سيما وأننا لم نجد على ظهرك أثرا من آثار ~~تلك الوشوم، فقالت لي أمك: إن هذه الجمعية لا بد أن تكون نسيت أمرنا، وإذا كنت لا تزال ~~خائفا فترسل ابنتنا إلى إحدى القرى فتربو فيها مع مرضعها باسم غريب. # فوافقتها على ذلك؛ لأن خوفي كان لا يزال شديدا، وأرسلناك في الحال مع إحدى المراضع ~~إلى وكيل لي في إحدى القرى، ونمنا تلك الليلة آمنين، ولكني نهضت في الصباح فوجدت أمك وا ~~أسفاه مخنوقة لا حراك فيها، وأمامها خنجر عليه تلك الرسوم السرية الهائلة. # وتعاقبت السنون على هذه الحادثة حتى صرت صبية، فعدنا إلى ms1268 فارسوفيا، وعفى عني القيصر ~~بعد خمود الثورة، وكان ما كان بينك وبين قسطنطين، فعفوت أنا أيضا على زلتك وزلته، ~~ووعدته أن أزوجه بك، وفي ذلك الحين ولدت منه تلك الطفلة. # فدفعتها إلى القابلة حين ولدتها، فما تأملتها حتى ذعرت وصحت صيحة رعب؛ لأني وجدت على ~~ظهرها تلك الوشوم التي وشمت بها أنا وأمك، ودنا قسطنطين حين سمع صيحتي، ثم فتح صدرته ~~ومزق قميصه، وأراني صدره، فإذا الوشوم نفسها مطبوعة عليه. # فدهشت، وقلت: كيف وشمت هذا الوشم؟ ~~- أنا ابن بطرس كوروسوف، وقد كان أبي في الهند وعلى صدره مثل هذا الوشم. # فذكرت صديقي الروسي الذي كان شاهد زواجي، وشعرت بقوة هذه الجمعية الهائلة. # وفيما نحن نفتكر بإعداد وسيلة للفرار من الخناقين جاءني ساعي البريد برسالة، ففضتها ~~وقرأت فيها ما يأتي: # إن ساعة قتلك وقتل ابنتك وصهرك قسطنطين قد دنت ~~فافترقوا عن بعضكم، وتأهبوا للموت. # وكان توقيع الرسالة رسم خنجر وحبل ودفعته لقسطنطين، وقلت له: انج بنفسك وأنا سأنجو ~~بابنتي وأفر بها إلى مكان قصي. # وقرأه قسطنطين وقال: لا بد لي من الفرار في كل حال، فقد صرت بعد انضمامي إليكم من ~~الثائرين، وأنا أتوقع النفي إلى سيبيريا في كل حين. # فوافقته على ما قال. # واضطربت ناديا، وقالت لأبيها بلهجة المؤنب: إذن هي هذه الرسالة التي حملتك على ~~التفريق وإرسال قسطنطين إلى سيبيريا في حين أنك كنت قادرا على التوسط في العفو ~~عنه! ~~- نعم، فإني منذ خمسة أعوام أطوف بك متنكرا من بلد إلى بلد حتى جئت بك إلى هنا، وأنا ~~أرجو أن أحجبك في هذا المكان المعتزل عن عيون هؤلاء الخناقين. ~~- وماذا فعلت بابنتي؟ ~~- إنها هنا في باريس أراها في أكثر الأحيان. ~~- ردها إلي ... ~~- ويحك ما هذا الجنون، أتريدين أن يهتدي الخناقون إلينا؟ # فهاجت عواطف الأمومة في صدرها، وقالت: إني لا أخاف الخناقين، ولا أثق ~~بسلطانهم. # ولم تكد تتم كلامها حتى صاحت صياح الرعب، وتراجع أبوها منذعرا ذلك أن باب الغرفة قد ~~فتح فجأة، وظهر على عتبة الباب رجل غريب عنهما، ms1269 وكان بإحدى يديه حبل، وبالأخرى خنجر ~~مشهر، فدنا خطوة من ناديا، وقال لها ببرود: لقد أخطأت يا سيدتي، فإن الخناقين لا يهزأ ~~بقوتهم. # 14 # واشتد ذعر ناديا، وأسرعت إلى أبيها، وحالت بينه وبين هذا الرجل وهي تقول: أتوسل إليك ~~أن تعفو عنه، وتقتلني مكانه. # وكانت جميع ظواهر الرجل تدل على أنه من أعضاء تلك الجمعية، ولم يكن لدى الجنرال سلاح ~~يدافع به غير أن هذا الغريب طمأنهما بإشارة قائلا لهما: ليهدأ روعكما لقد نجوتما من ~~خطر عظيم. # وسأله الجنرال: إذن من أنت؟ ~~- لا فائدة لك يا سيدي بمعرفة اسمي ودعني أقص عليك ما فعلت. ثم التفت إلى ناديا، وقال ~~لها: اطمئني يا سيدتي ... لم يعد من خطر عليك، وسأحميك وأحمي أباك بعد الآن. # وحكايتي أن الصدفة قادتني إلى خمارة، وأنا أعرف اللغة الهندية، فسمعت اثنين يتحدثان ~~بهذه اللغة، فأصغيت إلى حديثهما، وعلمت أنهما قادمان خاصة من لندرا لقتلكما، وأن ذلك ~~الخادم الجديد الذي دخل في خدمتكم كان متفقا معهما على أن يفتح لهما الباب، ولكن ثقا ~~أنه لا يستطيع خيانة بعد الآن؛ لأنه بات من الأموات. # وقد عرف القراء دون شك أن هذا الرجل لم يكن غير روكامبول، بطل هذه الرواية، وقص ~~عليهما كيف أسر الهنديين، وكيف قتل الخادم. # ثم أخبرهما أنه بعد قتل الخادم بذلك الحبل الذي خنقه به رأى النور ينبعث من الغرفة، ~~فصعد إليها، واختبأ فسمع حديثهما. # وسأله الجنرال: أسمعت كل الحديث؟ ~~- نعم، ولم تفتني كلمة منه بحيث إني أعلم الآن جميع أمركم. # وسأله الجنرال: إذن من أنت أيها الرجل الذي أنقذتنا دون أن يكون لك معرفة بنا؟ # فأجابهم بلهجة الحزين: لا تبحث عن معرفة اسمي الآن، واقتصر على العلم بأني ~~منقذكم. # فقال بلهجة القانط: نعم أنقذتنا اليوم، ولكن من ينقذنا غدا؟ ~~- إني سأحرص عليكم غدا كما حرصت اليوم. # وهز الجنرال رأسه وأجاب: لا حيلة لنا من عصابة الخناقين. # فابتسم روكامبول وأجابه: أصغ إلي فإني أستطيع أن أفعل كل ما أريد، وفي وسعي أن أترأس ~~غدا عصابة ms1270 تكون أشد هولا من عصابة الخناقين، فأمحو أثرها. # وأنت تسألني الآن من أنا، فاعلم أني رجل خلق للعراك الدائم في معترك هذه الحياة، ولي ~~زعامة على الناس لم أنلها إلا بالثمن الغالي، فيخضع لي رجالي كما يخضع أولئك الهنود ~~لإلهتهم كالي. # انظر إلي تراني لم أتجاوز الأربعين من عمري، ولكني لقيت من غرائب هذا الوجود ما لا ~~يلقاه المعمرون حتى سئمت العيش، وثقلت علي الحياة وطلبت الراحة الأبدية في مياه السين، ~~ولكن الموت أبى أن يمد يده إلي، وحسنا فعل إذ بقي ما أفعله في هذه الحياة. # وقد أنقذني من الموت عصابة من اللصوص، وعينتني زعيما لها، فرضيت هذه الزعامة لرجائي ~~أن أصرف رجالها إلى الخير في مستقبل الأيام. # وإن بعض رجال هذه العصابة رأوا منزلكم المعتزل، فراقبوكم وتآمروا على سلبكم وقتلكم، ~~وعلى ذلك فليست الصدفة وحدها التي قادتني إليكم، بل اضطراري إلى الدفاع عنكم، ومنع ~~رجالي عن ارتكاب هذا الإثم، فلقيت عدوا آخر لكم أشد هولا، أي أولئك الهنود الذين ~~حكموا عليكم بالإعدام، ولكن لا تجزعوا فإني أستطيع حمايتكما وحماية الطفلة. # فذعرت ناديا، وقالت: أية طفلة تعني؟ ~~- بنتك يا سيدتي، فقد وضعتها في محل أمين. # فأجفل الجنرال وقال: كيف وصلت إليها؟ ~~- ألم تضعها عند امرأة عجوز مقيمة في شارع الدلتا؟ ~~- نعم، وقد ذهبت إليها منذ ثمانية أيام، ورأيت الطفلة عندها. ~~- ولكنها سرقت اليوم التالي لزيارتك. ~~- ومن الذي اختطفها؟ ~~- امرأة من اللصوص، ولكني عثرت بها، وأخذت الطفلة منها؛ لأن هذه المرأة خاضعة لي لحسن ~~الحظ. # فصاحت ناديا تقول: رباه، إني أخشى أن تصاب بسوء. ~~- اطمئني يا سيدتي، فسترد إليك سليمة آمنة من كل سوء بإذن الله، والآن فإني سأفارقكم ~~هنيهة فلا تجزعوا؛ فإني سأرسل لكم حراسا بعد ساعة. # قال هذا وحاول الذهاب، فاعترضه الجنرال ومسكه بيديه، وقال: بالله قل لنا من أنت لنعرف ~~اسم من أنقذ حياتنا على الأقل. ~~- إنكم تجهلون اسمي إذا ذكر لكم. إني أدعى روكامبول، وحقيقة أمري أني كنت من كبار ~~المجرمين وأنا الآن من التائبين، أستغفر ms1271 الله عما مضى من ذنوبي بصالح الأعمال. # ثم تركهما وانصرف، فكان الجنرال وناديا ينظران إليه بذهول وإعجاب ... # 15 # كان اللصوص قد نفذوا أوامر روكامبول بالتدقيق، فحملوا الأسيرين المكبلين إلى القارب، ~~وأقاموا ينتظرون عودته، فجعلوا يتحدثون بمهارة هذا الزعيم وشهرته الفائقة بلغة لم ~~يفهمها الهنديان، ولكنهما كانا يسمعان اسم روكامبول يتردد كثيرا بينهم، فعلما أنه هو ~~ذاك الذي رعبهما بلغته الهندية. # وطال حديثهم نحو ساعتين دون أن يعود روكامبول فاستبطئوه، وقال شانوان: لا بد أن يكون ~~قد قتل الشيخ والصبية، ولا بد أن تكون كنوز هذا البيت كثيرة، فهو منهمك الآن بفتح ~~الخزائن، واستخراج ما فيها من المخبآت. # ورد مورت: ولكن غيابه طال، وأخشى أن يكون قد أصيب بمكروه. # فقال مرميس: لا خطر عليه؛ فإنه أعظم من أن يناله أحد بسوء. # فرد شانوان: ولكنني أجد أمرا لا يزال شاغلا لبالي وهو النور الذي ينبعث من نافذة ~~الدار، فإنه لم ينقل من موضعه من ساعتين، فلو كان الرئيس قضى مهمته، وقتل أصحاب البيت ~~لاستعان بالنور على التفتيش، وعندي أنه يجب أن نبادر لمساعدته. # فوافقه مرميس، واعترضه مورت، فقال: ينبغي أن نحافظ على الأسيرين. # فرد شانوان: أنا أبقى للمحافظة عليهما وهما مكبلان، لا خوف منهما، وأما أنتما فاذهبا ~~لمعاونة الرئيس. # فقال مورت: نعم، ولكن يجب علينا أن لا ننسى ما وعدنا به الرئيس من الطاعة المطلقة، ثم ~~ألم نعده بأننا لا نتبعه، وأن ننتظره في القارب؟ # فرد شانوان: هو الحق ما تقول، ولكني أخاف أن يكون أصيب بمكروه. # فرد مورت: طب نفسا فإن روكامبول لم ينل الشهرة عبثا. # وفيما هم يتحدثون بهذه الأحاديث سمعوا صفيرا بعيدا، هتف مرميس: هو ذا الرئيس قد ~~عاد. # ثم سمعوا صفيرا آخر، فأيقنوا أنه روكامبول القادم إليهم، وبعد هنيهة وصل روكامبول ~~فوثب إلى القارب، وهتف بمرميس: لا ترفع المرساة؛ لأننا سنتحدث قبل الرحيل. # سأله شانوان: ألم تقض المهمة؟ # فابتسم روكامبول ابتساما معنويا وقال: ألم تقسموا لي يمين الطاعة؟ # فأجاب الثلاثة بصوت واحد: نعم. ~~- إذن لا زلت زعيمكم الذي ms1272 تخدمونه بإخلاص، ولكني لا أكتفي بهذا الإخلاص، بل أريد أن ~~تطيعوني طاعة عمياء لا حد لها دون أن تناقشوني فيما أصدره لكم من الأوامر. # فوقف الثلاثة، وقالوا بصوت واحد: إننا نقسم لك بمهنتنا على الوفاء. ~~- إذن أصغوا إلي؛ إني صعدت إلى ذلك البيت بغية قتل أصحابه، ونهب ما فيه، ولكني بدلا ~~من أن أجد قوما نسرقهم وجدت أصدقاء. # فانذهل اللصوص، وجعل كل منهم ينظر إلى الآخر، فقال روكامبول دون أن يحفل بنظراتهم: إن ~~هؤلاء الأصدقاء يجب علينا حمايتهم، وصيانة منزلهم دون شك. # فاستاء شانوان ورد عليه ... إن هذا من الغرائب. ~~- لهذا فقد عينتك للمهمة، اذهب إلى هذا البيت وقل للشيخ والصبية: إني آت من قبل ~~الرئيس لحراستكم في الليل والنهار. # فرد عليه شانوان: إن الأمر غريب، ولكنه يكفي صدور أمرك، ولا يسعني إلا الطاعة. # وأدرك روكامبول استياء العصابة، فقال لهم: ألم تظهروا لي رغبتكم بالأمس أنكم أنفتم من ~~السرقات الصغرى، وأنكم تحبون الأعمال الكبيرة؟ # فعاد الرجاء إلى نفوسهم وقالوا: ... نعم. ~~- إذن فاعلموا أن الفرصة قد حانت، وليس لي اليوم ما أزيد على ما قلته لكم، اذهب الآن ~~يا شانوان ويا مورت، أما أنا فسأعود إليكم في الغد، والويل لمن يعصي أوامري. # فخرج شانوان ومورت من القارب ، وبينما هما يخرجان سأله مرميس ... وأنا أيها الرئيس ماذا ~~ينبغي أن أفعل؟ ~~- أنت يجب أن تبقى معي، ارفع المرساة وسر بنا. # فامتثل مرميس ودفع القارب، وسار في عرض النهر. # أما روكامبول، فقد دنا من الأسيرين المنطرحين في القارب، وقال لأوسمانا باللغة ~~الهندية: ... إن الإلهة كالي قد تخلت عنك، والإله سيوا يأمرني أن أنتقم منك بالقتل ~~... # فلم يظهر أوسمانا شيئا من الخوف، ورد عليه: ما قدر يكون، وإن الإلهة ستكافئني خيرا ~~في العالم الأخير. # أشهر روكامبول الخنجر على رفيقه كيرشي، وقال له: ... وأنت أتخضع لي إذا صفح عنك الإله ~~سيوا؟ # فأصر على العناد إلى أن أحس بوخز الخنجر، فقال: لا تفعل فسأتكلم ... # 16 # بعد ذلك بيومين كان رجال العصابة مجتمعين في تلك الخمارة التي جعلوها ms1273 مركز اجتماعهم ~~العام، وكانوا يتداولون بشأن روكامبول، واحتجاب شانوان ومورت عنهما؛ لأن مرميس كتم ~~الأمر عنهم. # وفيما هما يتداولون أقبل واحد منهم، وأخبرهم أن شانوان ومورت قد اعتزلا المهنة، ودخلا ~~في خدمة رجل عجوز، فكان أحدهما - وهو شانوان - سائق مركبة العجوز، والآخر خادما يجلس ~~بإزاء السائق، فذهل اللصوص لهذا الخبر، وقالوا: لا بد أن يكون لهما وراء هذه الخدمة قصد ~~خفي؛ فإن الخدمة لا تفضل مهنتنا. # ثم دخل مرميس فأبلغ العصابة أن الرئيس سيحضر قريبا، فطربوا جميعهم وصاحوا بصوت واحد: ~~ليحي الرئيس؛ لأنهم كانوا يدعونه الرئيس بدلا من روكامبول حين رضوا بالإجماع أن يكون ~~زعيمهم. # وعند ذلك أخبرهم مرميس أن روكامبول يعد مشروعا عظيما، وأنه يحتاج إلى كثير من رجال ~~العصابة، ولكنه لا يستخدم منا غير الأكفاء القادرين. # وجعل كل يسأله بدوره إذا كان من المرشحين، فيجيب كل واحد منهم بما يرضيه. # ثم سأله نوتير إذا كان هذا المشروع سيتم في باريس أجاب: كلا، فإننا سنجتاز ~~البحار. # فصاحوا جميعهم: إلى أين؟ # ولكن مرميس لم يجبهم؛ لأنه لم يكن عارفا بشيء من مقاصد روكامبول، فجعلوا يتكهنون ~~ويتنبئون وكلهم يتنبأ عن قصد، ويتكهن عن مشروع. # وفيما هم على ذلك إذ رأوا مركبة جميلة يجرها أربعة من جياد الخيل، وقد وقفت عند باب ~~الخمارة، فاندهش الجميع. # وصاح نوتير: ارفعوا قبعاتكم، فهذا الرئيس قد حضر. # وعند ذلك دخل روكامبول، فاشتد ذهول اللصوص؛ لأنهم رأوا من زعيمهم ما لم يروه من قبل، ~~ولم يخطر لهم في بال. # وقد كانوا رأوه حين انتشلوه من النهر بسيط الملابس، ولم يجدوا في جيوبه غير قليل من ~~النقود، ثم ما لبث أن عاد إليهم بمركبة تجرها الجياد المطهمة وهو لابس ملابس الأمراء، ~~وأزرار قميصه من الماس الفاخر، فضجوا جميعهم لما رأوه وصاحوا: ليحي روكامبول. # وعلا ضجيج استحسانهم حتى أسكتهم بإشارة، ووقف بينهم موقف الخطيب فقال: إن من عرفني ~~بينكم يعلم أني لا أقدم إلا على الأعمال الخطيرة، وأما زعامة عصابة تسرق منزلا ~~وحانوتا فذلك لا يقدم عليه غير أمثال ms1274 باتير. # ثم تبسم ابتسام الاحتقار، وقال: إنكم كنتم في عهد رئاسة ذلك الرجل من أحقر اللصوص، ~~فهل تريدون أن تكونوا في عهدي من بواسل الجنود؟ # فصاحوا جميعهم: ليحي الرئيس. # فلما انتهى صياحهم قال لهم: ألم تسمعوا بعصابات لوندرا؟ # فأجاب مرميس: نعم، وهي عصابات هائلة. ~~- إني أريد أن أسود عليها، ولكنه يوجد في تلك العاصمة عصابة أشد هولا من كل عصابة ~~يدعى رجالها خناقين، وأنا أريد محق هذه العصابة، فمن كان يثق بي فليتبعني، ومن كان ~~خائفا فليبق في باريس. # فأجمعوا على الثقة به، وصاحوا جميعهم متحمسين: هلموا إلى لندرا. # وعند ذلك وقفت صاحبة الخمارة، وقد بدت عليها ملامح الخوف، فقالت: إنك ستقطع أيها ~~الرئيس أسباب رزقي بسفر هذه العصابة؛ إذ لا أرتزق إلا من رجالها. ~~- لا تخشي يا خالتاه، فإنني أحتاج إلى مراسلين في باريس، وستكون مكاسبك في غيابنا ~~أكثر مما هي الآن. # ثم أخرج كيسا من جيبه، وأفرغ ما فيه على الطاولة، فذهل اللصوص لأنهم رأوا فيه قطعا ~~من النحاس عليها نمر مختلفة، فقال لهم روكامبول: أصغوا إلي الآن، فإني مسافر إلى لندرا ~~في هذه الليلة نفسها لأعد فيها المعدات؛ ولذلك لا أستطيع أن أجعلكم تسافرون معي، ولست ~~محتاجا إليكم إلا بعد ثمانية أيام. # فليأخذ كل واحد منكم نمرة من هذه النمر، وليذهب بها إلى شارع لافييت، وهناك ترون ~~محلا مكتوبا على بابه بالحبر الأحمر «مكتب للمهاجرة»، ورجلا ضخم الجثة فيه يدعى ~~ميلون، فكل من يعطيه هذه النمرة يدفع له ألف فرنك وتذكرة سفر وجوازا إلى لندرا. # ولا تنسوا أنه يجب بعد ثمانية أيام أن تكونوا جميعكم في لندرا. # فسأله نوتير: أين الملتقى هناك؟ ~~- يوجد في لندرا شارع كثير السكان، يصل إليه المسافر بعد أن يجتاز جسر واترلو. # وفي هذا الشارع محل يدعى واينغ، وفيه خمارة تدعى «الملك جورج»، فإذا وصلتم ادخلوا إلى ~~هذه الخمارة؛ فإن صاحبها من رجالي، وهو يخبركم أين تجدونني. # ثم جعل يفرق النمر، فكانوا يأخذونها منه بلهف، وبعد أن أتم توزيعها خرج إلى المركبة ~~التي ms1275 جاء بها، وكان فيها امرأة حسناء استلفتت أنظار اللصوص، لكنهم كانوا ينظرون إليها ~~باحترام؛ لأنها كانت مع زعيمهم. # كانت هذه المرأة فاندا، فأخذ روكامبول يدها، فأنزلها من المركبة، وجاء بها إلى ~~أصحابه، فقال لهم: انظروا إلى هذه السيدة، وأمعنوا بها النظر، فأنا وإياها واحد في ~~زعامتكم، ويجب أن تطيعوها كما تطيعونني. # ثم خرج بها إلى المركبة يخفرها أولئك اللصوص بين ضجيج الهتاف، فركب وإياها مودعين ~~بالإشارة تلك العصابة. # وبعد حين كانت المركبة سائرة تنهب الأرض بجيادها المطهمة، فكان روكامبول يقول لها: ~~لقد لقيت الآن خصوما أكفاء لنا، وسنرى ما يكون بيننا وبين أولئك الخناقين. # فطوقت فاندا عنقه بذراعيها قائلة: ألم أقل لك: إنه لا يحق لك أن تموت؟ # 17 # مضى شهر على سفر روكامبول وفاندا من باريس، ففي إحدى الليالي كان بعض أشراف الإنكليز ~~جالسين على مائدة في فندق أوبرج يتحدثون بعد الطعام. # كان حديثهم دائرا على مصارعة حدثت في النهار بين ديكين، فإن الإنكليز يحبون مصارعة ~~الديوك، ويتراهنون عليها بالمبالغ الطائلة، فكان من حديثهم أن السير جورج ستوي خسر ~~خسارة فادحة في هذا الرهان. # على أن حديث هذه المراهنة لم يكن قاصرا على أولئك الأشراف المجتمعين في ذلك الفندق، ~~بل كان عاما تناولته جميع الألسن في منتديات لندرا ومجالسها الخاصة، ومراسحها العامة، ~~ذلك ليس لجسامة الرهان على مصارعة الديكين، بل لأن الديكين كان أحدهما فرنسيا والآخر ~~إنكليزيا، ولأن الفوز في المصارعة كان للديك الفرنسي. # ولهذا الرهان حديث طويل نورده بالإيجاز: هو أن أحد أشراف الفرنسيين قال أمام الإنكليز ~~في كثير من منتدياتهم: إن لديه ديكا يغلب جميع ديوك إنكلترا. # وكان لدى السير جورج ستوي ديك عظيم يفتخر به، فراهنه على مصارعته فخسر الرهان، ثم ~~تراهنا على مصارعة الكلاب، فقال جورج ستوي: إن لدي كلبا يقتل مئة فأر في مدة خمس ~~دقائق، فرد الفرنسي: وأنا لدي كلب يقتل كلبك بأقل من هذه المدة. # فتوافق الاثنان على تجديد الرهان، وتعين مكان المصارعة في ذلك الفندق نفسه الذي كان ~~يتحدث فيه أولئك ms1276 الأشراف، فكان حديثهم قاصرا على ذلك الرجل الفرنسي الذي غلب ديكه أعظم ~~ديوك إنكلترا، وجعلوا ينتظرون بفارغ الصبر موعد مصارعة الكلبين. # أما السير جورج ستوي فقد كان إنكليزيا، لكنه أسمر اللون؛ لأنه ولد في الهند، كان ~~كبير الجثة قويا، أسود الشعر تدل ملامحه أنه يوجد دم هندي في عروقه ... # وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وافر الجمال جريء، لكن نظرات عينيه حين يغضب تشير ~~إلى أن تمدنه لم يكن غير ستر رقيق يغطي الهمجية الكامنة في فؤاده كمون النار في ~~الحجر. # كان كثير الغنى منهمكا في المقامرة، يحسن لعب السلاح، على الأخص إطلاق المسدسات، فقد ~~كان من البارعين في هذا الفن. # فلما حانت الساعة العاشرة، وهي الساعة المعينة لمصارعة الكلبين أقبل السير جورج ستوي ~~إلى الفندق ومعه كلب، وهو كلب هائل يتقد الشرر من عينيه: فقال لصاحب الفندق حين دخوله: ~~يظهر أني أول القادمين. # فأجابه صاحب الفندق: كلا يا سيدي، فإن كثيرين من المراهنين مقيمون في القاعة، وإن ~~خصمك أيضا موجود فيها مع كلبه. # فأسرع السير بكلبه إلى حيث كان الحضور، وهم نحو ثلاثين رجلا من نبلاء الإنكليز الذين ~~يحملهم بطر الثروة على التفكه بمثل هذه الملاهي. # فأعد صاحب الفندق معدات المصارعة، ووضع في وسط القاعة صندوقا عظيما يبلغ اتساعه ~~أربعة أمتار، فتقدم الرجل الفرنسي من الصندوق وهو يحمل كلبه بيده، فظهرت على مياسم ~~الحاضرين علائم الاحتقار حين قارنوا بين الكلبين، فإنهم كانوا يعرفون بطش كلب السير ~~جورج الهائل المنظر، أما كلب الفرنسي، فقد كان صغيرا مجعد الشعر، تدل عيناه على الذكاء ~~والسلامة، وأنه خلق للجلوس في القاعات لا في صناديق المصارعات. # فلما دنا الفرنسي بكلبه من الصندوق دنا الإنكليزي أيضا فسلم عليه، لكنه لم يتمالك عن ~~الابتسام حين نظر ذلك الكلب الصغير، فقال الإنكليزي بلهجة الإشفاق: إني أشفقت على كلبك ~~الصغير حين نظرته، فإذا اعترفت أنك مغلوب قبلت حرصا على هذا الكلب الجميل. # فابتسم الفرنسي وقال له: إن كلبك جميل، وأنا أقترح عليك نفس الاقتراح. ~~- إنك تمزح دون شك. ms1277 # ثم حل عقال كلبه المتعود مثل هذا الصراع، فوثب مسرعا إلى الصندوق. # وعند ذلك أخد الفرنسي كلبه وألقاه بيده في ذلك الصندوق. # فاستقبله كلب الإنكليزي بعينين يتقد فيهما اللهب، وكشر عن أنيابه، وكان بين الحضور ~~سيدة إرلندية، فحولت وجهها كي لا ترى ذلك المنظر الهائل؛ لاعتقادها أن الكلب الكبير ~~سيخنق الصغير لأول وثبة. # 18 # على أن الرجال لم يؤثر بهم ذلك المنظر الوحشي كما أثر بالسيدة، فتهافتوا حول الصندوق ~~ليروا ما يجري فيه ما خلا بعضهم، فإنهم كانوا ينظرون إلى الفرنسي، ويراقبون تأثيره، فلا ~~يجدون غير آثار السكينة والاطمئنان. # وزمجر كلب الإنكليزي مرتين قبل الوثوب، فكان كلب الفرنسي نائما بعيدا ينظر إليه ~~مطمئنا. # وبعد أن زمجر الكلب الكبير وثب فأطبقت الإرلندية عينيها. # أما الكلب الصغير فإنه هب من سكونه، فوثب بخفة القرود إلى ظهر الكلب الكبير، فامتطاه ~~كما يمتطي القرد ظهر الحمار، وجفل ينهشه في عنقه، فيدور الكلب الكبير حول الصندوق ~~والصغير فوق ظهره يعضه. # حتى إذا أعياه أمره انقلب إلى الأرض، فيثب الصغير من فوق ظهره، ويجري الاثنان في تلك ~~المساحة الضيقة إلى أن يوشك الكبير أن يدرك الصغير، فيعيد الوثوب إلى ظهره، ويدمي عنقه ~~نهشا وعضا. # وكان الكبير في أسوأ حال إذا فتح فكيه كي يعض خصمه لا يعض إلا الهواء، غير أن حالة ~~صاحبه السير جورج كانت أشد، فقد امتقع لون وجهه، وبدا الغضب بين عينيه، فقال لخصمه ~~الفرنسي: كان ينبغي أن تنذرني يا سيدي بأن كلبك من نسل القرود. ~~- إنني أوافقك على إنهاء المصارعة متى أردت. ~~- أتعترف أنك مغلوب؟ # فابتسم الفرنسي وأجاب: كلا لم يحن الوقت بعد. # ثم نادى كلبه نداء خاصا فوثب بسرعة إلى ظهر الكلب الكبير، وغرس أنيابه في عنقه، ~~فلما شعر بالألم انقلب على ظهره، فهرب الصغير، ثم عاد إلى الوثوب إلى ظهره وعضه، فجعل ~~الكلب الإنكليزي يدور كحجر الرحى، وهو لا يعلم كيف ينجو من هذه الداهية التي ~~أصابته. # فقال الفرنسي لجورج ستوي: ماذا ترى يا سيدي، أيجب إتمام المصارعة أم تكتفي ms1278 بما ~~جرى؟ # فأجاب بصوت يتهدج من الغضب: بل أريد إتمامها إلى النهاية حتى يموت أحد ~~الكلبين. # فنادى الفرنسي عند ذلك كلبه يحمسه بنداء خاص، والتفت إلى جورج ستوي قائلا له: إن ~~كلبك سيموت بعد ثلاث دقائق. # أما كلب الفرنسي، فإنه ما أوشك أن سمع نداء صاحبه حتى غرس أنيابه في عنق الكلب الكبير ~~وهو رابض فوق ظهره فتمكنت أنيابه كالكلاليب، فجحظت عينا ذلك الكلب، وظهرت عليه علائم ~~النزع، وجعل يطوف على غير هدى في ساحة الصندوق، كل ذلك والكلب الصغير لا يتركه، والعيون ~~ناظرة إلى هذا الصراع الهائل إلى أن سقط الكلب قتيلا، فقال الفرنسي لكلبه: كفى الآن ... ~~وناداه فوثب إليه خارجا من الصندوق. # فجعل الإنكليز يصفقون بأيديهم إعجابا لفوز هذا الكلب غير مكترثين بمس عواطفهم ~~الوطنية، وكان إعجاب الإرلندية فوق كل إعجاب، حتى إنها عرضت على الفرنسي أن تشتريه منه ~~بمائة جنيه فأبى. # أما السير جورج ستوي، فقد بلغ منه الغضب مبلغا شديدا، حتى إنه خرج عن دائرة الصواب ~~وقال للفرنسي: لا أظنك سعيدا مثل كلبك، فهل تحسن إطلاق الرصاص؟ # فأجابه الفرنسي ببرود: إني أصيب الهدف عشر مرات متوالية، فتقع رصاصاتي بعضها فوق ~~بعض. ~~- إني أحب أن أرى ما تقول. ~~- وأنا مستعد للبرهان على صدق قولي متى أردت ، فهل تحب نور الغاز؟ ~~- لا أفهم ما تريد قوله. ~~- أريد أن أقول إني أحب المبارزة على نور الغاز، وهذه الأنوار مضيئة. # فحاول بعض الحضور عند ذلك أن يتداخلوا، فمنعهم الفرنسي قائلا: دعونا أيها الأسياد ~~وشأننا، فإن السير جورج ستوي يحتاج إلى أمثولة. # فرد عليه السير جورج: سنرى أينا أحوج إلى هذه الأمثولة، غير أن وقتي لا يسمح لي ~~بالمبارزة هذه الليلة، فإذا أردت فاحضر غدا الساعة الثامنة إلى بيرمنجهام مع ~~شاهديك. ~~- حسنا ليكن ما تريده. # ثم حمل كلبه وخرج وحده من تلك القاعة والناس يعجبون بهذه النهاية السيئة التي ختم بها ~~الرهان. # ثم خرج أيضا السير جورج، فلما وصل الفرنسي إلى باب الفندق وجد رجلا ضخم الجثة ~~ينتظره، أخذ منه الكلب، ms1279 وألبسه ثوبا طويلا مبطنا بالفرو. # فقال له الفرنسي: أين المركبة؟ ~~- هي هنا في ردهة الفندق الخارجية. ~~- إذن خذ الكلب إلى فاندا ... ~~- وأنت أيها الرئيس ألا تذهب إليها؟ ~~- ... كلا! # فأظهر الخادم شيئا من التردد، وجعل ينظر إلى سيده كأنه يريد أن يقول شيئا، فسأله ~~الفرنسي وهو يضحك: ماذا أصابك، ولماذا تنظر إلي هذه النظرات؟ ~~- ذلك يا سيدي ... لأني. ~~- ماذا؟ ~~- لأني خائف ... ~~- وممن الخوف؟ ~~- إني أخاف عليك حين أراك عازما على الطواف في الليل في شوارع لندرا. ~~- لا تخف علي ... فإني أدخل إلى شارع وينغ لسببين: أحدهما: أنه لي شغل فيه، والثاني: ~~لأني أدعى روكامبول. # ثم صرفه بإشارة ومضى كل إلى سبيله. # 19 # كل من زار مدينة لندرا يعلم أن نهارها ليل وليلها نهار، فإن الشمس تشرق على تلك ~~العاصمة كما تشرق في كل الأرض، ولكنها لا تظهر عند إشراقها؛ لما يعترضها من الضباب ~~الكثيف، فإذا دنت الساعة الثامنة من المساء أشرقت أنوار المصابيح في جميع الشوارع، ~~فنابت عن شمس النهار. # والغريب أن السكان في تلك العاصمة يخرجون إلى النزهة في هايد بارك، وسانت جيمس عند ~~منتصف الليل كما يتنزه الباريسيون في حديقة التولري عند الساعة الخامسة بعد ~~الظهر. # وكان الليل قد انتصف حين خروج روكامبول من ذلك الفندق بعد انتهاء المصارعة ، فبعد أن ~~ذهب ميلون إلى فاندا مشى روكامبول عدة خطوات، ثم وقف على الرصيف تحت مصباح من الغاز، ~~وأخرج من جيبه نسخة من جريدة التيمس يقرأ فيها بالظاهر، غير أن عينيه كانتا ترقبان مدخل ~~الفندق وذلك الشارع. # وبعد هنيهة شاهد رجلا يسير على الرصيف الآخر متجها إلى الفندق، فتنحنح روكامبول ~~فوقف الرجل وتلفت يمينا وشمالا حتى رآه يقرأ التيمس فأسرع إليه. # فلما دنا منه قال له روكامبول بالإنكليزية: هل أحضرت المعدات يا نويل؟ ~~- نعم. ~~- إذن أسرع وأحضر لي مركبة وأنا هنا في انتظارك. # فذهب نويل وهو أحد رجال روكامبول القدماء، ولبث روكامبول واقفا على الرصيف يستر وجهه ~~بجريدة التيمس وهو يراقب باب الفندق إلى أن رأى السير جورج ستوي خرج ms1280 من الفندق، ومشى ~~مسرعا، فبالغ روكامبول بالاحتجاب كي لا يراه، ومر السير جورج بقربه دون أن ينتبه ~~إليه. # وعند ذلك عاد نويل بالمركبة فوثب روكامبول إليها، ودل السائق على جورج ستوي، ثم قال ~~له: يجب أن تقتفي بنا أثر هذا الرجل، فإذا لم يحتجب عنا أعطيتك جنيها. # وقد عرف رجال هذه المهنة في بلاد الإنكليز بالتكتم، وعدم المبالات بمثل هذه المهمة، ~~فهم يخدمون اللورد والبوليس واللص على السواء، ولا يبيحون بسر أحد منهم حتى إنهم لا ~~يكترثون لهذه الأسرار، ولا يحاولون الاطلاع عليها. # فامتثل السائق وسار بمركبته على مسافة قريبة من السير جورج الذي كان يتقدمها مشيا ~~على الأقدام. # وعند ذلك قال روكامبول لنويل: هات الآن ما لديك من معدات التنكر، واجلس أمامي. # فأخرج نويل من تحت ثوبه الكبير بنطلونا وقبعة ولحية وشاربين، فلبسهما روكامبول ~~وتغيرت سحنته بحيث لو رآه السائق لما عرفه. # ظل السير جورج يسير والمركبة تسير في أثره حتى وقف عند باب المنزل، فأخرج مفتاحا من ~~جيبه ففتح به الباب ودخل. # فنزل روكامبول من العربة، وأعطى سائقها جنيها، فعجب السائق لما رآه من التغيير، لكنه ~~لم يكترث فذهب في سبيله، وتوجه روكامبول مع نويل إلى مكان قريب من المنزل، فوقفا فيه ~~ينتظرون ظهور السير جورج. # فقال له روكامبول: أظن أننا قد أدركنا الغرض، الذي قدمنا من أجله. # فرد نويل معجبا: كيف ذلك أيمكن أن يكون صاحب الديك والكلب ذلك الرجل؟ ~~- نعم، هو ذلك الرجل الذي أتينا من أجله إلى هذه العاصمة، فلننتظر الآن خروجه من ~~البيت الذي دخل إليه. # وأقاما ينتظران نحو ساعة إلى أن فتح الباب، وخرج منه رجل لا يشبه السير جورج بشيء، ~~وقد كان لابسا لبس أولئك البحارة الذين تغص بهم خمارات وينغ في الليل. # فابتسم روكامبول قائلا: يظهر أنه يحسن صناعة التنكر، فهلم بنا يا نويل في ~~أثره. # يوجد في لندرا ناحية عظيمة تدعى وينغ اشتهرت بشر قومها وفساد أخلاقهم، حتى إن البوليس ~~لا يدخل إليها. # مثال ذلك: أنه إذا طلب غريب إلى ms1281 أحد أفراد البوليس أن يرشده إلى أحد الأماكن يسير معه ~~حتى يصل إلى وينغ، فيرفع قبعته، ويعتذر عن مواصلة السير. # وذلك لأن هذه الناحية هي الناحية الوحيدة التي تضعف فيها الأنوار، ويكثر فيها تردد ~~الأشرار، ويختلط فيها اللصوص مع الفجار، وقد جمعت كل المفاسد وأصحابها من لص خطاف، ~~وبحار سكير، وإرلندية رقاصة، وإرلندي يسكر يطالب باستقلال بلاده. # وفوق ذلك فإن فريقا كبيرا من أولئك النور الرحل تمكنوا في تلك الناحية، وكثر عددهم، ~~فكانت لهم السيادة التامة على سائر الذين يترددون إليها. # وإن الرجل الغريب أو الإنكليزي قد يستطيع انتياب هذه الناحية والخروج منها في النهار ~~دون أن يصاب بمكروه، لكن يشترط أن يزرر ثوبه كي لا يختطفوا ساعته، وأن لا تكون بادية ~~عليه آثار النعمة، أما في الليل فإن الخطر عليه شديد. # لقد ذهب السير جورج إلى هذه الناحية وهو متنكر بملابس البحارة وفي أثره روكامبول ~~ونويل، حتى بلغ إلى خمارة هناك تدعى خمارة الملك جورج، فدخل ودخل الاثنان بعده. # كان صاحب هذه الخمارة يدعى كلكراف، وهو رجل هائل ضخم الجثة، وخمارته أشهر خمارات تلك ~~الناحية، غير أنه لم يكن لصا، ولم يقف مرة أمام القضاة، ولم يسلب أحدا بارة. # لكنه كان شديد التساهل، لا يتداخل بشئون سواه، ويكره مداخلة الحكومة. # فإذا قتل أحد زبائنه في خمارته يحمل القتيل على كتفه ويطرحه في الشارع قائلا: إني لا ~~أحب مداخلة الشرطة. # فلما دخل السير جورج جلس على مائدة، وطلب قدحا من الشراب، وجلس روكامبول ونويل على ~~مائدة بالقرب منه، وكانت الخمارة غاصة بالشاربين وهم يتحدثون عن حادثة خطيرة. # فأصغى روكامبول لما يحكى، فسمع واحدا يخبر: إننا لسنا في الهند، لكنه يحدث عندنا ~~حوادث لا تجري إلا تحت سماء كلكتا ومدراس. # فقالت إرلندية كانت تسمع الحديث: مسكينة جيبسي؛ فإنها لا تستحق ما حدث لها. # فقال بحار آخر: إني عندما رأيت جيبسي ترقص أول مرة، شعرت أن دمي يغلي في عروقي، وقلت ~~في نفسي: إني أرضى بزواجها إذا رضيت بي زوجا، فلما عرضت ms1282 عليها هذا الخاطر هزئت بي، ~~فاضطررت أن أتناساها. # فقالت له الإرلندية: لم يكن ذلك إلا لحسن حظك. # وكأنما ذلك الحديث قد شغل خاطر السير جورج ستوي. # فقال له أحدهم: ألا تعرف جيبسي الرقاصة النورية، فقد أصابها شقاء جديد، فإنها لا ~~تستطيع أن تتزوج؟ ~~- كيف ذلك؟ ~~- هو ذا الزوج السادس الذي تقدم لها في هذا العام، وهو شاب جميل حسن الأخلاق. ~~- ماذا أصابه؟ ~~- ما أصاب أزواجها الخمسة الآخرين، فقد قتل خنقا كما قتلوا، فجعلت تلك المسكينة تعض ~~كفها من اليأس؛ لأنها وجدته ليلة الزفاف مخنوقا على باب منزلها. # فتبادل روكامبول نظرة سرية مع كالكراف صاحب الخمارة، وأخذت الإرلندية كأس شرابها، ~~فشربت ما فيه وقالت: أصغوا إلي فسأحكي لكم قصة هذه النورية. # 20 # إن جيبسي كما تعلمون من قبائل النور، غير أنه ليس لديها من علائم هذا الشعب ما يدل ~~على أنها منهم، والأرجح أن النور قد اختطفوها فربيت بينهم كما يقولون. # فرد أحد الحاضرين: قد تكون ابنة أحد اللوردات. # فقالت الإرلندية: ليس ذلك ببعيد؛ لأن جمالها وحركاتها، وكل ما بها يدل على أنها من ~~أبناء النبلاء. # فقاطعها السير جورج قائلا: لنسمع حكاية عشاقها أو أزواجها. # فقالت الإرلندية: إن جيبسي تتردد على هذه الخمارة منذ ثمانية أعوام، وهي الآن في ~~السادسة عشرة من عمرها، وقد كان لها رجل من النور يخفرها يدعي أنه أبوها، فلم يكن أحد ~~يجسر أن يعتدي عليها. # وقد جاءها يوما رجل من الأشراف، وعرض عليها أن يشيد لها قصرا، ويشتري المركبات، ~~ووعدها أجمل الوعود، فذهب أبوها إليه وقال له: إذا كنت تحب الحياة فارجع عن هذا القصد، ~~فخاف الرجل، ولم يعد يذكر جيبسي بلسان. # فصبرت تلك الفتاة إلى أن مات الرجل الذي كان يزعم أنه أبوها، فأذاعت بين الرفاق أنها ~~تميل إلى الزواج، فقال لها أهل القبيلة: اختاري من بيننا الفتى الذي تريدينه، فليس بين ~~فتياننا من يأبى هذا الزواج. # فاختارت جيبسي فتى نوريا يعزف على العود، ويشتغل بمهنتها. # وطريقة النور بزواجهم تخالف طريقتنا، وهي مضحكة على بساطتها، ms1283 فإنهم يجتمعون يوم ~~الاحتفال بالزواج، ويحضرون إبريقا يضعون فيه شرابا خاصا وكأسين، ويأتون بالعروسين ~~فيصب العريس شراب الإبريق بالكأسين، ويشرب مع عروسه، ثم يأخذ الاثنان ذلك الإبريق ~~فيرفعانه فوق رأسيهما ويلقيانه إلى الأرض فيتحطم، وعند ذلك يصبحان زوجين شرعيين، وتنتهي ~~حفلة الزواج بكسر الإبريق. # وقد تم زواج جيبسي بزوجها الأول في اليوم نفسه الذي اختارت فيه ذلك الزوج، فذهبوا ~~بالعروس في موكب حافل إلى منزلها، وخرجوا بالعريس يطوفون به في جميع الخمارات حسب ~~عاداتهم. # ولبث هذا الزوج المنكود في أسرهم إلى الساعة الثامنة من الصباح، فأطلقوا سراحه، فذهب ~~إلى منزل امرأته فلم يتجاوز العتبة حتى أطلقت يد مجهولة حبلا من الحرير على عنقه، ~~فازدرد الحبل ومات الزوج مخنوقا. # فهتف الحاضرون: قد سمعنا حادثة الزوج الأول، فقصي علينا حكاية الزوج الثاني. # قالت الإرلندية: وبعد ذلك بثلاثة أشهر أعلنت جيبسي أنها تريد أن تتزوج، فتقدم لها ~~نوري آخر من القبيلة، وقال لها بحماسة: إني لا أخاف القتل، وسأكون زوجك، ولكنهم لم ~~يمهلوها للاحتفال بهذا القران إذ وجد في نفس تلك الليلة ميتا في فراشه. # فلما انتشر هذا الخبر بين أفراد القبيلة ذعروا ذعرا شديدا، ولم يعد أحد يجسر على ~~الزواج بجيبسي. # بعد مدة قصيرة وقفت جيبسي في هذه الخمارة بعد انتهائها من الرقص قائلة: إني أريد ~~رجلا أتزوجه ليحميني، لكني لا أحب أحدا، وقد مات زوجي الأول، ثم خطيبي التالي ولم ~~يقتلهما دون شك غير رجل يحبني ولا يريد أن يعرف، فإذا كان ذلك فليتقدم هذا الرجل ويمد ~~يده إلى زواجي فإني أرضى به كيف كان. # وكان بين الحضور يهودي عجوز قبيح المنظر، لكنه من أهل الثروة، كان يحضر كل ليلة ~~ليشاهد جيبسي عند رقصها لشدة ولعه لها، فادعى أنه هو ذلك الرجل الذي كان يغار عليها، ~~وأنه هو الذي قتل زوجها وخطيبها، ثم مد لها يده. # فجزعت جيبسي لقبحه، وقالت له: قد رضيت بك زوجا على قبحك كي أفي بما وعدت. # في الليلة نفسها أصيب اليهودي بطعنة خنجر ذهبت بحياته. # فضج ms1284 الحضور لهذه الحكاية، فأسكتتهم الإرلندية قائلة: اسمعوا حكاية الزوج ~~الرابع. # فإنه حين يتفق مثل هذا الخطر يكثر المتحمسون من أولئك المجانين، أما يحسبون هذا الخطر ~~صنع إنسان فيعتمدون على قوتهم، أو يحسبونه من صنع الاتفاق، فلا يكترثون للصدف ~~والأقدار. # لذلك لم يمض أسبوعان على مقتل الزوج الثالث حتى أقبل بحار كان عائدا من أميركا، فلما ~~سمع حكاية الفتاة ضرب بيده على هذه الطاولة التي نحن حولها الآن، وقال لجيبسي: إني لست ~~من الذين يخافون، فهل ترضين أن تكوني امرأتي أيتها الفتاة؟ # فرضيت الصبية، وتعين أن يكون موعد القران يوم السبت وهو لا يشتغل فيه النور، ~~ويعتبرونه اعتبار الأعياد. # كان هذا البحار قويا شديدا، وفوق ذلك فقد كان له كثير من الأصدقاء بين رفاقه ~~البحارة، فاتفقوا على حمايته من ذلك الخطر الخفي، والحرص عليه، وحراسته في الليل ~~والنهار. # ولكن كل حرصهم ذهب سدى، فإنه وجد في اليوم الثاني غريقا في مياه النهر، ولا يعلم أحد ~~إلى الآن كيف كان الغرق العجيب، وكيف اتفق قتل هذا المسكين. # وأما حكاية الزوج الخامس فهي قصيرة، وتفصيلها أن أحد أصحاب الحانات الشهيرة في جسر ~~لوندرا علم أن جيبسي لا يخطبها شخص حتى يقتل. # وكان ضخم الجثة، شديد القوة كالثور، كثير العناد، فلما ذكرت أمامه حكايات هذه النورية ~~قال: إني أقسم بالقديس جورج، حامي إنكلترا، أني سأعثر على هذه الفتاة وأتزوجها، وأعود ~~بها إلى خمارتي فتقيم معي فيها. # فهتف أحد الشاربين عنده: متى عزمت على طلب الاقتران بها؟ ~~- غدا دون شك. # ثم تفرق زبائن الخمارة، فأقفل بابها ونام فيها حسب عادته، وهو يحلم بجيبسي. # وفي اليوم التالي انتصف النهار والخمارة لا تزال مقفلة، وأقبل الليل وهي مقفلة أيضا، ~~فأوجس جيرانه شرا، وطرقوا الباب فلم يجبهم أحد، فأبلغوا البوليس. # ثم أقبلت الشرطة فكسروا الباب، ودخلوا فلقوا المسكين ميتا في فراشه، وفي عنقه حبل من ~~الحرير خنق به. # فضج الجمهور لهذه الغرائب، فلما سكنت غوغائهم استأنفت الإرلندية الحديث، فقالت: بقيت ~~حكاية السادس، وهي مختصرة محزنة: فإن أحد عشاق ms1285 جيبسي وهو فتى جميل في مقتبل الشاب دنا ~~منها يوم أذيع موت الزواج الخامس، فقال لها: إني أحبك حبا لا حد له، وإذا لم تكوني ~~امرأتي فإني مائت لا محالة، فهل ترضين بي بعلا؛ لأنه إذا لم يكن من الموت بد فإني أوثر ~~موت الانتقام على موت الغرام. # فرضيت به الصبية، وكان من أمر خنقه في تلك الليلة نفسها ما تعلمون. # فعجب الحاضرون لهذه الحكاية الغريبة، وقال أحد البحارة: مسكينة هذه الفتاة، فقد قضي ~~عليها بالبتولية إلى الأبد. # فلما تفوه بهذا الكلام وقف أحد الشاربين في تلك الخمارة، وقال: أصغوا إلي أيها ~~الرفاق، إني لم أر هذه الفتاة التي تتكلمون عنها في حياتي، ولا أعلم إذا كانت على ما ~~وصفتموها من الجمال، لكنها إذا كانت حسناء كما تقولون ورضيت هي أن أكون لها زوجا أرضى ~~بهذا الزواج على ما فيه من الأخطار. # فاتجهت الأنظار إلى هذا الرجل الجريء الذي لم يشاهدوه قبل الآن، واضطرب كالكراف صاحب ~~الخمارة، ونظر نويل إلى رئيسه نظرة تشف عن الرعب؛ لأن هذا الشخص الذي خطر في فكره هذا ~~الخاطر الغريب لم يكن إلا روكامبول. # وبينما كان الحضور ينظرون نظرات الإعجاب والإشفاق على روكامبول الذي لم يروه أبدا ~~غير هذه المرة في خمارة سانت جورج، إذ فتح الباب ودخلت منه فتاة فقالت: رضيت. # وكانت هذه الفتاة جيبسي نفسها، فمشت إلى روكامبول ومدت إليه يدها، فعاقدها بيده وهو ~~مندهش لجمالها الفتان. # 21 # أدهشت جرأة روكامبول جميع الحاضرين، فلم يكد يتكلم ذلك الكلام حتى حامت حوله الأبصار، ~~فجعلوا يتأملونه ويفحصونه وينتقدونه، بين مشفق عليه لما يتوقعونه له من سوء المصير، ~~وبين معجب لإقدامه على زواج جيبسي بعد أن علم أنه محفوف بخطر الموت. # أما الإرلندية فكانت تقول: إنه من زمرة أولئك المجانين، ولا بد أن يموت كما ~~ماتوا. # أما روكامبول فإنه قال لجيبسي: إني وعدتك أن أكون بعلك، وسأفي بوعدي. # فرفعت إليه عينيها النجلاوين قائلة: أنا مصدقة لما تقول. # كانت هذه الفتاة وافرة الجمال لا عيب فيها، كأنها ms1286 خلقت كما اشتهت، وملامح السلام ~~بادية بين عينيها، فكان مقامها بين هؤلاء الأشرار كمقام الملاك بين الأبالسة. # وكان روكامبول يتمعن في وجهها قائلا في نفسه: يستحيل أن تكون هذه الفتاة على ما ~~وصفتها الإرلندية. # وكانت لابسة ثوبا قصيرا كما تلبس الراقصات النوريات في ذلك العهد، وهي شقراء الشعر، ~~وقد عقصته فوق رأسها، وحملت بيدها دفا تنقر عليه حين الرقص. # فسألتها الإرلندية قائلة: أترقصين هذه الليلة أيضا؟ # فأجابتها بلهجة تدل على الكآبة: إني أرقص اليوم كما رقصت أمس وكما أرقص غدا، ألا يجب ~~أن أعيش؟ # ثم نظرت إلى روكامبول، وقالت له بمظاهر الخضوع: إني لا أرقص إذا كنت لا تأذن لي؛ لأنك ~~خطيبي الآن، ويجب علي طاعتك. ~~- ارقصي، لكن بعد انتهاء الرقص تذهبين معي لنتفق في هذه الليلة على شروط ~~الزواج. ~~- كما تريد، إني لا أخالف لك أمرا. # ثم أخذت ترقص وتنقر بأناملها على الدف رقصا عجيبا أدهش الحضور، وحامت حولها ~~الأنظار، وانصرفت إليها الخواطر، فبقيت كئوس الجعة ملأى لا يفطن أحد لشربها، وانطفأت ~~نار الغلايين في أيديهم لانصرافهم عن التدخين إلى مشاهدة رقصها البديع. # فدنا نويل من روكامبول، وقال له همسا: إنك تعلم مبلغ ثقتي بك. # فأجابه ببرود: ماذا تعني؟ ~~- أعني على فرط ثقتي بك خفت عليك هذه الليلة. ~~- ومن أي شيء خفت؟ ~~- من تعهدك بزواج هذه الفتاة، وما أظنك إلا كنت مازحا فيما قلت. ~~- كلا، إني لا أعرف المزاح، وسأتزوجها دون شك. ~~- ولكن ألم تسمع حديث الإرلندية؟ # فهز روكامبول كتفيه وقال: دعني وشأني الآن إن لدي أمورا يجب أن أهتم بها أفضل من ~~سماع هذيانك. # ثم تركه روكامبول وجعل ينظر إلى جيبسي وإلى السير جورج، فكان كلما نظر إلى السير جورج ~~يجده أيضا ناظرا إليه. # كانت عينا السير جورج تتقدان حتى كان يحسب الناظر إليه أنه متدله بغرام تلك الراقصة، ~~وأنه هو ذلك المنتقم الخفي من أزواجها الستة. # لبثت جيبسي ترقص رقصا متصلا نصف ساعة، حتى وهنت عزائمها، فكفت عن الرقص، فصفق ~~الحضور لها تصفيقا شديدا، ما خلا السير ms1287 جورج، فإنه كان ينظر من حين إلى حين إلى ~~روكامبول نظرات ملؤها الحقد. # وكان نويل قد تنبه لنظراته فقال لروكامبول: إن هذا الرجل لا بد أن يكون قد عرفك، فإنه ~~ينظر إليك نظر الحاقد عليك. ~~- إن حقده طبيعي؛ لأني سأتزوج الفتاة. ~~- إذا هو يهواها؟ ~~- لا أعلم. ~~- ألا تظن أنه هو الذي ... # فقاطعه روكامبول وقد نفد صبره قائلا: اسكت ولا تحدثني الآن إلا إذا حدثتك. # بعد أن فرغت الراقصة من الرقص، أخذت دفها بيدها، وطافت به على الحاضرين، فكانت قطع ~~النقود تتساقط كالمطر في هذا الدف، حتى إذا أتمت تطوافها عادت إلى روكامبول، وقالت له: ~~إني خاضعة لأمرك يا سيدي. ~~- إذا لنذهب. # ثم همس في أذن نويل قائلا: ستجدني غدا عند فاندا. # فذهل نويل وقال: ألا تصحبني معك؟ ~~- كلا! وهذا الرجل تذهب في أثره متى خرج، وتراقبه أتم المراقبة، فإذا عاد إلى منزله ~~اذهب إلى فاندا، وإذا ذهب إلى غير محله اكمن له في الطرقات، ولا تفارقه حتى يشرق ~~الصباح. # فانحنى نويل ممتثلا لاعتقاده أن الجدال مستحيل. # أما روكامبول فأمسك ذارع جيبسي، وقال لها وهو يبتسم: ودعي الرفاق أيتها ~~الحبيبة. # فعلت ضوضاء بين الحضور ممتزجة بين الانذهال والإعجاب، فصاح أحد البحارة: إنه لا شك من ~~البواسل. # فقالت الإرلندية: ولكن سيصاب بما أصيب به أمثاله من أزواج هذه المشئومة! # فسمعها روكامبول فأجابها: سوف ترين ما يكون. # ثم أخذ جيبسي، وخرج بها خروج الفائز في معركة. # لما بلغا إلى الطريق، قالت له بصوت يضطرب: إلى أين نحن ذاهبان؟ ~~- أين تقيمين؟ ~~- في بيت قرب شابل. ~~- أتقيمين وحدك في هذا البيت؟ ~~- نعم. ~~- إذا لنذهب إلى منزلك، فنتحدث فيه. ~~- ولكن يجب أن أخبر زعماء القبيلة بأمرنا. ~~- بأمر زواجنا؟ ~~- نعم. # فطمأنها بنظرة قائلا: ستخبرينهم بعد أن نتحدث، وأعاهدك على أن أنام على عتبة ~~غرفتك. ~~- أحق ما تقوله؟ ~~- أقسم لك أجل الأقسام. # فنظرت إليه باضطراب قائلة: كلا لا أريد. ~~- لماذا؟ ~~- لا أريد أن تكون زوجي. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك ستصاب بما أصيب به سواك. # فابتسم روكامبول وقال: أتصدقين أنت هذه ms1288 الأقوال؟ ~~- نعم، وفوق ذلك فإني أرى بين عينيك ملامح البسالة والشرف، فلا أحب أن أخدعك كما خدعت ~~الآخرين. # فنظر إليها روكامبول مستفهما؛ فاضطربت وقالت: كلا لا أستطيع أن أبوح بحرف؛ لأنه سر ~~يتوقف عليه موتي. # فقال لها بلهجة السيادة: هلم بنا إلى منزلك. # فاضطربت الفتاة اضطرابا شديدا، وقالت: كلا ... ليس لي منزل ... إني أفضل الموت على أن ~~أخدعك ... فاذهب بي إلى حيث تشاء، غير هذا المنزل. ~~- إذا ليكن ما تريدين. وسار بها إلى جسر لندرا. # 22 # إن الناحية التي كانت تقيم فيها جيبسي تدعى وايت شابل، وهي أشر من ناحية وينغ، وأكثر ~~منها فسادا. # وكان المنزل الذي تقيم فيه جيبسي أضيق منازل تلك الناحية، وأشدها ظلاما. # غير أن هذه الفتاة كانت تطهر تلك الناحية من أدرانها حين تمر بها، فإن الأشرار كانت ~~تحن نفوسهم حين يرونها، فلا ينظرون إليها إلا نظرات تشف عن الاحترام؛ لما يرون عليها من ~~ملامح السلامة، ومظاهر الأدب والعفاف. # كان منزلها في الدور الأعلى لرخص أجرته، ولم يكن فيه من الأثاث غير صندوق وسرير ~~وكرسيين ومرآة صغيرة معلقة على الجدار. # غير أن خطيبها منذ ساعة وزوجها في الغد - أي روكامبول - كان يحسب أنه مقيم في قصر ~~معها، وهي جالسة على الكرسي، وهو واقف أمامها ينظر إليها بملء الإشفاق والحنان . # وكانت راضية بالرجوع معه إلى منزلها بعد أن حادثها مليا عند جسر لندرا حيث ذهبا في ~~البدء. # ويظهر أن الثقة قد تبودلت بينهما؛ لأن روكامبول كان واقفا أمامها وقد نزع لحيته ~~المستعارة، وبرقع وجهه الذي كان يتنكر به، فظهر للفتاة وجه جميل بدأت الأيام تحط بين ~~ثناياه آثار معارك الحياة، ونقشت على جبينه أحرف من السويداء. # أما جيبسي فكانت تتفرس بوجهه معجبة به، وقد قالت له ببساطة: إنك جميل يا سيدي، وكل ما ~~أراه بك من نعومة يديك، وسلام نظراتك، وحنو ألفاظك، وجمال ملابسك كل ذلك يشير إلى أنك ~~من الأشراف، وأنك لست من زبائن خمارة سانت جورج. # فابتسم روكامبول وجعل يحادثها بحديث أزواجها الستة، فظهرت ملامح ms1289 الاضطراب على محيا ~~الفتاة، وقالت له بلسان يتلعثم من الوجل: إنك لم تعلم يا سيدي مقدار شقائي لرثيت ~~لحالي. # وأدمعت عيناها، فسقطت دمعة على يده. # فتأثر روكامبول، وقال لها بلهجة الحنو: إنك عجبت لنعومة يدي وحسن ملابسي؟ ~~- نعم، ولا أزال أعجب إذ لا يمكن أن تكون من زمرة أولئك الذين يترددون على تلك ~~الخمارة. ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- إذا لماذا أتيت إلى وينغ؟ ~~- لأني أذهب إلى كل مكان يحتاج فيه المظلومون إلى مساعدتي. # فصاحت صيحة دهش وفرح، كأنما ذكرت أمورا هائلة تروعها، وقالت: أنت تحميني؟ # فحاول روكامبول أن يأخذ بيدها غير أنها امتنعت كأنما قد رجعت إلى عزمها السابق، ~~وقالت: كلا إني لا أريد أن تحبني. # فابتسم روكامبول ابتساما يشف عن قصده باكتشاف سرها، وقال لها: لماذا لا ~~تريدين؟ ~~- لأنك جميل ... لأن ظواهرك تدل على الصلاح، لأن ... ثم أرخت عينيها وقالت: لأن الحب يجلب ~~الحب وأنا ... ~~- وأنا ماذا؟ أتخشين أن تحبيني؟ ~~- كلا لأني لا أستطيع أن أحبك. ~~- إذا أنت تحبين سواي. # فنظرت إليه الفتاة نظرة لا يستطيع قلم أن يصفها، وقالت: إني لا أعلم من أنت، ولا أعرف ~~اسمك، فقد تكون رجلا من عامة الناس، وقد تكون لوردا من النبلاء، ولكن نظراتك لا ~~أستطيع أن أقابلها بعيني، وظواهر إخلاصك دفعتني إلى الثقة بك ، والركون إليك. ~~- حسنا فعلت. ~~- أتعلم لو أني بحث لسواك بما سأبوح به إليك الآن لحكم علي بالموت. ~~- لا يوجد هنا من يسمعنا، ولست من الذين يبوحون بالأسرار، فقولي. ~~- إذا اعلم أني أحب. ~~- وهذا الرجل ألا خطر عليه من حبك؟ ~~- كلا، وإن الله يعاقبني لأني مذنبة، فإني منذ عامين أطلب قرينا، وأنا أعلم يقينا ~~أنه لا يمكن أن أتزوج، ولكني كنت أرتكب هذه الجريمة الشائنة كي أحول الأنظار عمن أحبه، ~~وأقيه شرهم. ~~- شر من تعنين، ومن هم الذين يريدون السوء لحبيبك؟ ~~- هم قوم يضطهدونني منذ نشأت، وقد حكموا علي أن أبقى بتولا ما حييت. ~~- من هم أولئك الناس أتعرفين أسماءهم؟! ~~- هم أولئك الذين يلقبونهم بالخناقين. # فارتعش روكامبول وقال ms1290 في نفسه: لم يخطئ ظني، فقد خطر لي هذا الخاطر. # وعند ذلك رفعت جيبسي عن كتفيها وشاحا كانت متشحة به حين خروجها من الخمارة، وانحنت ~~قليلا كي تضعه على الصندوق، وكان روكامبول واقفا، فرأى بين كتفيها وشوما تشبه تلك ~~الوشوم التي رآها على كتف الفتاة التي اختطفتها شيفيوت، أي بنت ناديا، وعلم أن هذه ~~المسكينة ضحية من ضحايا الإلهة كالي. # فقال لها: لقد رأيت الوشوم بين كتفيك وأنا أعلم أسرارها، فهل تريدين أن أدافع عنك ~~وأحميك من ظلم هؤلاء الخناقين؟ ~~- أتستطيع أن تحميني؟ ~~- إني أقدر على كل ما أريد، ولكن يجب أن تخبريني بكل شيء، فقولي لي أين ولدت؟ ~~- لا أعلم، ولكني أرجح أني ولدت في الهند. ~~- أنت من جماعة النور؟ ~~- كلا، فقد كنت أحسب أني منهم زمنا طويلا، ثم عرفت أن عائلتي التي لم أوفق لمعرفتها ~~إلى الآن قد عهدت بي إلى أولئك النور لإخفائي عن الخناقين دون شك. ~~- من قال لك هذا القول؟ ~~- النوري الشيخ الذي رباني. # ثم وضعت يدها فوق جبينها وقالت: أواه إن لدي أمورا هائلة يجب أن أقصها عليك. # فأخذ روكامبول يدها بين يديه، وقال لها: قولي يا ابنتي كل شيء ولا تخافي. # واستأنفت جيبسي الحديث، فقالت: إن منتهى ما أتذكره من أمور حداثتي أني نشأت بين ~~النور ، وكان يتولى أمري رجل اسمه فارو، وكان يقول إنه أبي. # لكني كنت أرى نفسي شقراء بيضاء البشرة خلافا لأولئك النور، فإنهم سود الشعر، سمر ~~الوجوه، حتى إن لون بشرتهم يشبه لون النحاس، فكنت أعجب من هذا التباين، وأشكك في قول ~~أبي. # وأنت تعلم أنهم لا يكسبون رزقهم إلا بشق النفس، فإن بعضهم يرقصون، وبعضهم ينجمون، ~~وآخرون يسرقون، ومنهم من يحترفون كل هذه المهن في وقت واحد. # أما فارو الذي كان يدعي أنه أبي فقد كان أغنى رجال القبيلة. # وأذكر من ذلك أنه حين كانت القبيلة تحتاج إلى شيء من المال لشأن خطير من شئونها ~~يسألونه ذلك المال، فيمهلهم هنيهة، ثم يعود إليهم بما طلبوه بعد أن يذهب ms1291 إلى أجمل شارع ~~في لندرا. # ولما تجاوزت سن الحداثة جعلت أفتكر بهذه الأموال السرية التي يأتي بها فلا أعلم ~~مصادرها. # وقد قلت له مرة: إننا يا أبي من فقراء الناس ننام أحيانا تحت السماء، وإذا أوينا إلى ~~منزل كان من شر المنازل، وفي أقذر الشوارع، فكيف يتسنى لك الحصول على المال حينما ~~تريد؟ # فنظر إلي نظرة إنذار، وقال: ذلك لا يعنيك ... # فسألت من كان يميل إلي من أهل القبيلة، فكان بعضهم يجهلون، وبعضهم يتجاهلون ~~ويسكتون. # غير أن أحد النساء قالت لي: إنك إذا أردت أن تعرفي مصدر هذه الثروة، فاقتفي أثره حين ~~يخرج من المنزل. # وكان عمري في ذلك العهد 13 عاما، ولم أكن أخاف أمرا، فقلت لهذه المرأة: لقد أصبت ~~وسأعمل بما أشرت به إلي. # وكنا نسكن في هذا البيت الذي تراني فيه الآن ولنا فيه سريران، أحدهما لأبي، والآخر ~~لي، فأنام مع فامو في غرفة واحدة. # ولم يكن يفارقني لحظة، فإذا ذهبت إلى الرقص ذهب معي، وإذا ذهبت إلى الحفلات التي ~~يعقدها النور كان معي، غير أنه كان إذا عدنا إلى المنزل أقفل علي باب الغرفة بالمفتاح، ~~وذهب فلا يعود إلا عند الصباح. # وقد لاحظت مرات كثيرة أنه لم يفارقني إلا حين قرب حلول الأعياد المسيحية كالفصح ~~والميلاد وغيرهما من الأعياد الكبرى ، فكنت أقيم وحدي وكان هو يذهب مطمئنا؛ لأن ~~المفتاح في جيبه، ولا سبيل إلى الخروج. # غير أنه كان يوجد منفذ إلى الخارج لم يخطر في بال. # ثم أخذت يد روكامبول وسارت به إلى آخر الغرفة، فأرته نافذة مرتفعة فيها، وقالت له: ~~انظر إلى هذه النافذة فإنها منفتحة وليس بينها وبين السطح غير مسافة نصف متر، فإذا أتيت ~~منها إلى السطح نزلت من سلمه إلى باب المنزل الكبير، فخرجت منه إلى الشارع دون أن يراني ~~أحد. # وفي ليلة عيد الميلاد ذهب بي ذلك الذي كنت أحسبه أبي إلى مطعم فأكلنا فيه وشربنا ~~خمرا، وهذا لم يكن يفعله إلا في مثل هذا العيد، ثم عاد بي عند منتصف ms1292 الليل إلى منزلنا ~~فخلع ثيابه ونام فاقتديت به، وذهبت إلى سريري، فتناومت فيه وهو يحسبني نائمة. # وبعد ساعة هب من فراشه ولبس ثيابه دون أن يبدي حركة تدعو إلى انتباهي، ثم خرج من تلك ~~الغرفة بعد أن أقفل بابها حسب المعتاد. # فأسرعت في الحال إلى ثياب بحار كنت اشتريتها بالسر بغية التنكر بها، فلبستها وخرجت من ~~النافذة إلى السطح، ونزلت من السطح إلى باب المنزل الكبير، فخرجت منه إلى ~~الشارع. # وكان فارو قد سبقني، ولكني كنت أعرف عاداته، فإنه كان يقف قبل ذهابه في خمارة فيشرب ~~شيئا من المسكر، ثم يمضي في شأنه. # فأسرعت إلى تلك الخمارة فوجدته لا يزال فيها ... # كان الظلام حالكا، فوقفت قرب باب تلك الخمارة أترقب خروجه منها إلى أن خرج، فجعل ~~يخطو خطوات سريعة. # غير أني كنت أسرع منه في المشي، فكنت تارة أتقدمه، وطورا أمشي خلفه كي لا يفطن أني ~~أقتفي أثره وهو يراني ولا يشتبه بأمري لكثرة انتشار البحارة في تلك الأماكن. # وما زال يندفع في سيره وأنا أقفوه حتى وصل إلى هاي مركب، فوقف عند بيت جميل تتقدمه ~~حديقة كان بابها مفتوحا. # كان البيت في وسط الحديقة، فطرق الباب وفي الحال فتح الباب وبرزت منه امرأة وافرة ~~الجمال، لكنها كانت صفراء الوجه تبدو عليها ملامح التعب والكدر. # كانت أشعة المصباح الذي بيدها تظهر وجهها، فما تأملت وجهها الصبوح حتى شعرت بميل نفسي ~~إليها. # ثم دخل فارو إلى المنزل وأغلق الباب وراءه، فدفعني الفضول إلى كشف السر ودخلت إلى ~~الحديقة. # وهنا توقفت جيبسي عن قص حكايتها، فنظرت إلى روكامبول قائلة: يجب أن أقص عليك جميع هذه ~~الأمور كي تعلم حكايتي الهائلة. ~~- تكلمي يا ابنتي، فإني أصغي إليك. # فاستأنفت الحديث وقالت ... # 23 # العادة في لندرا أن يشتد البرد في ليالي الشتاء غير أن تلك الليلة كانت أشبه بليالي ~~الصيف لا مطر فيها ولا عواصف. # فلما أقفل الباب بعد أن دخل فارو رأيت نور المصباح من خلال النوافذ يتنقل من مكان إلى ~~آخر حتى استقر ms1293 في غرفة تشرف نافذتها على الحديقة. # فدنوت من تلك النافذة دون أن يشعر بي أحد، ورأيت فارو واقفا وقفة الاحترام أمام مرأة ~~كانت جالسة قرب المستوقد. # كانت هذه الغرفة جميلة الرياش تشبه القصور، وكانت تلك السيدة تنظر نظرة تشف عن الحزن ~~إلى فارو، وتقول له: لقد قلت إنها باتت كبيرة وجميلة. ~~- نعم، وهي تشبهك كثيرا. # جالت الدموع في عينيها، وقالت: أريد أن أراها. ~~- احذري يا سيدتي أن تعودي إلى مثل هذا القصد، ألا تعلمين الخطر الذي ينتج عن ~~اجتماعكما؟ # فأظهرت حركة تدل على نفاد صبرها ويأسها، وقالت: إني أم وأحب أن أرى ابنتي ... ~~- ليس من ينكر هذه العواطف يا سيدتي، ولكنك تعلمين أنه إذا ذهبت سيدة مثلك إلى ناحية ~~ويت شابل فلا يمكن إلا أن يقفى أثرها. # أخذت يد فارو وقالت له بلهجة المتوسل: ابحث لي طريقة أستطيع بها أن أرى ابنتي ساعة ~~واحدة، وليقتلوني بعد ذلك، فإني لا أبالي بالموت، ابحث أيها الصديق لعلك تجد طريقة تمهد ~~لي السبيل إلى رؤيتها ولو لحظة. # فتأمل فارو هنيهة، ثم قال: لدي طريقة يا سيدتي، ولكن لا أجسر على أن أدلك ~~عليها. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك قد تهيج بك عواطف الحنو عندما ترينها، فتصيحين صيحة، أو تقولين كلمة ~~تفضحنا. # غير أنها لم تحفل بهذا التحذير، وقالت له بلهجة السيادة : تكلم فإني أريد أن ~~أعرف. # فتردد فارو أيضا، ولكنه لم يسعه بعد ذلك إلا الامتثال حين رآها قد غيرت لهجتها، ~~وصارت تأمره، فقال لها: غدا يتفق عيد الميلاد. # وفي مثل هذا اليوم يسرح النور في شوارع لندرا، ويدخلون المنازل، فبعضهم يرقصون وبعضهم ~~يغنون، وبعضهم يستكشفون الغيب، فيحسن عليهم الناس، ويكثر التجمهر حولهم دون حذر. # فإذا شئت أتيت غدا بجيبسي إلى ويت هال فترقص في الحديقة في الساعة الثانية بعد الظهر ~~بحيث إذا مررت بمركبتك في تلك الساعة ترينها، ولكن لا ينبغي أن تطيلي الوقوف حذرا من ~~الرقباء. # ففرحت السيدة فرحا لا يوصف، وأخذت يد فارو وضغطت عليها إشارة إلى الامتنان، ثم أخذت ~~كيسا مملوءا دنانير ms1294 أعطته إياه، وقالت: هذا لك، ونزعت من زندها سوارا من الذهب ~~الخالص، وقالت: وهذا لها ... # فقالت الفتاة: ثم رأيت فارو يتحفز للقيام، فأسرعت وخرجت من الحديقة، وأنا أبكي بكاء ~~مرا؛ لأن تلك المرأة كانت أمي. # وجعلت أركض أجتاز الشوارع إلى منزلنا حذرا من أن يسبقني فارو إليه حتى بلغت المنزل ~~قبله، فصعدت إلى السطح ونزلت منه إلى النافذة، ودخلت منه إلى الغرفة. # ولما عاد الرجل الذي طالما حسبته أبي رآني نائمة في سريري، ولكن قلبي كان يدق دقات ~~عظيمة توشك أن تسمع. # ولم أنم تلك الليلة لشدة شوقي إلى الغد، وقد رأيت الليل أطول من ليالي عشاق العرب، ~~حتى إذا أشرق الصباح وصحا فارو من رقاده قال لي: ابحثي يا ابنتي في كيسك عساك تجدين فيه ~~شيئا يروق لك. # فلما رأيت ذلك السوار الذهبي تظاهرت بالفرح العظيم، فقال لي فارو: ربما كانت الملكة ~~أرسلت لك السوار. # فتظاهرت بالدهشة أيضا وقلت له: لماذا ترسل لي الملكة هذه الهدية؟ ~~- كي ترقصي اليوم في ويت هال. # فلبست السوار وقلت: حسنا فسأذهب وأرقص أبدع رقص. # وفي الساعة الثانية من ذلك اليوم جمع فارو بعض النور وذهب بنا جميعا إلى ويت هال، ~~فازدحم الناس من حولنا، وكان الفرسان والجنود والبحارة وجميع من حضر إلى تلك الحديقة ~~يقفون كي يتفرجوا على رقصي. # فكنت أرقص وأنا أنظر إليهم، وأراقب المركبات باحثة فيها عن أمي. # وبعد حين سمع الناس فجأة صيحة استلفتت أنظارهم، ووقعت في قلبي وقع السهم، فتوقفت عن ~~الرقص. # ثم رأيت الناس يزدحمون حول المركبات، ويبتعدون وبعد ذلك جعلوا يتفرقون وعليهم مظاهر ~~الاكتئاب كأنما قد حدث مصاب. # وكان النور رفاقي منذهلين أيضا، فجعلوا يسألون عما حدث ما خلا فارو، فإنه كان مقطب ~~الحاجبين ساكتا لا يتكلم، ولا يظهر عليه شيء من ملامح الاندهاش. # وما زالت تفاصيل الحادثة تنتقل من فم إلى فم حتى وصلت إلينا، فعلمنا أن إحدى السيدات ~~كانت تنظر إلى رقصي فصاحت صيحة عظيمة، وسقطت مغميا عليها في مركبتها. # وكانت هذه السيدة تدعى اللادي ms1295 بسفورت، وهي من أجمل وأغنى نساء الإنكليز، وكان أبوها ~~من قبل حاكما عاما في الهند الإنكليزية. # وقد هاج فضول الناس؛ لأنهم لم يدركوا السبب في إغماءة هذه السيدة. # أما فارو فإنه كان يحاول إبعادي عن هذا المكان، فأخذ بيدي وقال لرفاقنا: هلموا بنا ~~إلى وينغ نشرب ويسكي. # فذهبنا جميعنا، ولكن لم نكد نبلغ وينغ حتى زادت عصابتنا رجلا آخر وهو ذو لون نحاسي ~~قدمه لنا فارو كواحد منا فإنه كان يلبس ملابسنا، ويتكلم بلغتنا، وقد قال إنه من النور ~~النازلين في أيكوسيا. # فاستقبله رفاقنا استقبالا حسنا، لا سيما أنه كان وحده ولا مورد له للارتزاق، فسار ~~معنا هذا الرجل إلى خمارة سانت جورج. # وكان ينظر إلي بانتباه عظيم، وقد سألني مرة في خلال الحديث عن اسمي، فقلت له: إنك ~~تعرف اسمي كما أعرفه، فسكت ولم يجب. # وكنت غير مكترثة به خلافا لفارو، فقد كان يظهر أنه يريد أن يسكر إلى أن يفقد ~~رشده. # فلما افترقنا وعدنا إلى البيت كان فارو سكران لا يعي، وهو أمر لم يكن يتفق له من ~~قبل. # وكان النوري الجديد يرافقنا، فلم يفترق عنا إلا حين وصلنا إلى البيت، فصعد فارو السلم ~~وأنا أمسكه؛ لأنه كان يوشك أن يسقط لفرط سكره. # فلما وصلنا إلى غرفتنا انطرح على سريره وهو لا يعي من السكر ونام نوما عميقا، فخطر ~~لي فجأة خاطر سريع، فنزعت ملابسي، ولبست ملابس البحار التي تنكرت بها في الليلة ~~السابقة، وقد قلت في نفسي: إن فارو لا يمكن أن يصحو من سكرته قبل عدة ساعات. # ثم صعدت إلى تلك النافذة، وذهبت بغية أن أرى أمي. # فلما وصلت إلى الشارع جعلت أسير سيرا مستعجلا حتى إني كنت أركض، فلم أنتبه إلى ذلك ~~النوري الجديد الذي كان يقتفي أثري دون أن أراه. # 24 # وصلت إلى هاي ماركت، ووجدت في الحال ذلك المنزل الذي تتقدمه الحديقة. # وكانت نافذة الغرفة مفتوحة، والنور ينبعث منها كالليلة السابقة. # فدنوت على مهل، ونظرت إلى تلك الغرفة فرأيت اللادي بلسنفورت جالسة قرب ms1296 المستوقد كما ~~كانت جالسة بالأمس وهي حاملة رأسها بين يديها تنظر إلى الأرض مفكرة مهمومة. # فجعلت أتأمل ملامحها وأنا أكاد أذوب حنوا، ثم رأيتها قد رفعت رأسها فجأة، فنظرت ~~الدمع يتساقط من عينيها، وسمعتها تقول: رباه، ما هذا الشقاء؟ أأكون أنا من أعظم سراة ~~الإنكليز، وتكون ابنتي من الراقصات؟! ويلاه إن هذا شديد لا يطاق! # فلما سمعت هذه الكلمات المؤثرة، ورأيت تساقط دموعها لم أستطع ضبط نفسي، فوثبت إلى ~~النافذة وهبطت منها إلى الغرفة، فركعت أمامها وقلت لها: هو ذا ابنتك يا أمي. # وكانت قبعتي قد سقطت عن رأسي، فانتشرت ضفائر شعري على كتفي، فعرفتني للحال بالرغم عن ~~تنكري بملابس الرجال، وصاحت صيحة فرح لا توصف، ثم ضمتني بين ذراعيها، وقالت: أيتها ~~التعيسة، ماذا فعلت؟ أتريدين أن تكوني السبب في هلاكنا؟ # ولكنها لم تلبث أن نسيت ما يتهددنا من الأخطار بعد أن ضمتني إلى صدرها، جعلت تعانقني ~~وهي تضحك وتبكي في حين واحد. # وبعد ذلك عادت إلى التنبه والاحتياطات، فأحكمت إغلاق باب الغرفة من الداخل. # وأقفلت النوافذ المشرفة على الحديقة، وأطفأت المصباح، فبت وإياها في تلك الحجرة في ~~الظلام الحالك. # وهنا جعلت تقبلني وتقول: نعم، إنك ابنتي المحبوبة، وليس من يعلم ذلك غير فارو، فإذا ~~وجدوك هنا حكم علي بالموت لا محالة. # فذهلت لقولها وقلت: لماذا يا أمي؟ # تنهدت قائلة: هذا سر لا أستطيع أن أبوح لك به، ثم تابعت بعد سكوت قصير، كيف أتيت، ومن ~~أين دخلت، وكيف عرفت أني أمك؟ # فاعترفت لها عند ذلك بكل شيء. # ولما أتممت حكايتي لها تنهدت تنهدا طويلا، وقالت: وا أسفاه إنك حكمت علي بالقتل دون ~~أن تريدي؛ لأنك لا تعرفين شيئا من أسراري، لكني لا أكترث للموت بعد هذا اللقاء. # ثم عادت إلى ضمي وعناقي، فكانت دموعها تتساقط على وجهي. # وفيما نحن على ذلك سمعنا حركة خفيفة، فصاحت أمي وقالت: إننا لسنا وحدنا في ~~الحجرة. # وفي الوقت نفسه رأيت خيالا أشد سوادا من الظلام الذي يكتنفنا يدنو منا، ثم شعرت ~~بأنفاسه فوق ms1297 صدري. # وبعد هنيهة سمعت أمي تصيح صياح النزع بصوت مختنق. # ثم انقطع الصوت، فلم أكن أسمع حسا، ولا أشعر بتلك الأنفاس التي كانت تحرقني، وابتعد ~~الشبح الأسود، ثم شعرت أن يدي أمي التي كانت تعانقني بهما قد تراختا، وأنها لم تعد تبدي ~~حركة. # وجزعت جزعا شديدا، وجعلت أصيح وأستغيث بأصوات ملؤها الذعر. # وتسارع الخدم إلي حين سمعوا صياحي، ودخلوا وبيد أحدهم مصباح، فرأيت أمي عند ذلك ~~منطرحة على الأرض وفي عنقها حبل من الحرير خنقتها به يد خفيفة أثيمة. # ومع ذلك فقد كانت لا تزال تتنفس، وكانت عيناها مصوبتين إلي بحنو لا أستطيع وصفه، وبعد ~~أن ودعتني هذا الوداع الأخير أطبقت عينيها. # وجاء بعد أولئك الخدم صبية رأيتها أكبت على جسم اللادي بلسنفورت وهي تقول: ~~أمي. # وعلمت أنها أختي، غير أني لم أشعر بعاطفة ميل إليها كما شعرت حين رأيت أمي لأول ~~مرة. # وكانت هذه الفتاة تنظر إلي بملء الدهشة والاستغراب؛ لأنها كانت تراني امرأة بملابس ~~الرجال، وكانت تراني أبكي، وعلى وجهي ملامح اليأس الشديد أمام جثة أمها، في حين أن جميع ~~القرائن تدل على أني أنا القاتلة. # ولما رأيت هذه النظرات إلي، ورأيتهم أرسلوا يستدعون الشرطة خشيت أن يتهموني بقتلها، ~~فحملني الخوف والحزن على الهرب، فاغتنمت فرصة اضطرابهم وهربت ... # وبعد عدة دقائق كنت في شوارع لندرا هائمة على وجهي كالحمامة أصابها سهم الصياد، لا ~~تعلم كيف تستقر. # وهمت زمنا طويلا وأنا لا أعلم أين أذهب إلى أن رأيت نفسي في المنزل دون أن أسعى ~~إليه سعيا مقصودا. # وكان النهار قد طلع وصحا فارو فلم يجدني، وبحث عني في كل مكان ثم عاد إلى المنزل وقد ~~أجهده البحث، فوجدني فيه، وعند ذلك أكببت على عنقه أبلل وجهه بدموعي، واعترفت له بكل ما ~~مضى. # ونظر إلي نظرة تعرب عن كآبة لا حد لها، وقال: أيتها التعيسة، إنك كنت السبب في قتل ~~أمك. # وكاد تقريع الضمير يقتلني، وعلمت أن هذا الرجل الذي ادعى أنه من النور، وشرب معنا ~~وصحبنا إلى منزلنا هو ms1298 الذي خنق أمي. # وهنا سكتت جيبسي ومسحت دموعها، فأخذ روكامبول يدها وقال لها: إني لا أعلم بقية ~~حكايتك، ولكني أعرفها بالتقدير، فإنك خلقت في الهند حين كان أبوك اللورد بلسنفورت ~~حاكما عاما فيها، وإن الخناقين قد وشموك؛ لأن هذه الوشوم على ظهرك تدل على أنك ضحية ~~للإلهة كالي، وأنه يجب عليك أن تبقي بتولا طول العمر، فإذا تزوجت حكم عليك ~~بالقتل. # أما أمك فقد أرادت وقايتك من شر تلك الجمعية الهائلة، فتبنت فتاة جعلتها مكانك إخفاء ~~لك. # فصاحت جيبسي عند ذلك: هو الحق ما تقول، فإن تلك الفتاة التي رأيتها في منزل أمي، لا ~~يمكن أن تكون أختي؛ لأني لم أشعر بعاطفة حنو عليها حين رأيتها. # وعاد روكامبول إلى حديثه فقال: وإن الخناقين علموا بسر هذه الفتاة التي استبدلتها بك ~~أمك، فقتلوا أمك. ~~- لم يعد لدي شك بصحة ما تقول؛ لأن فارو حين حضرته الوفاة دعاني إليه، وقال لي: تذكري ~~إذا تزوجت يقضى عليك بالموت إذ قدر لك أن تبقي بتولا. ~~- وهل صدقت هذه النبوة؟ ~~- إنك ترى كيف أنها صدقت، فقد كنت السبب في قتل ستة رجال. # فأخذ روكامبول يدها بيده، وقال لها بحنو: يجب يا ابنتي أن تخبريني بكل شيء. ~~- ماذا تريد أن تعرف بعد؟ ~~- إنك تحبين؟ # فاضطرب وجهها وقالت: اسكت. ~~- إن عاشقك يقتل وأنت تقتلين معه إذا لم أحميكما من الأعداء. ~~- أنت تحمينا؟ ~~- نعم ... ~~- ألا تريد إذن أن تكون زوجي؟ ~~- بالعكس. # وبينما هي تنظر إليه منذهلة لجهلها مقاصده، قال لها: لا بد أن تكوني مسيحية؛ لأنك ~~ابنة اللادي بلسنفورت، وأنا أيضا مسيحي؛ أي إني لا أعتقد بصحة الزواج إلا إذا عقده ~~الكاهن. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أن اصطلاح النور بزواجهم مضحك لا يعول عليه، وهو منحصر بشرب الزوجين من إبريق ~~واحد، وكسر الإبريق بعد الشرب. ~~- هو ما تقول ... ~~- إذن أتريدين أن تكوني امرأتي على طريقة الزواج النوري؟ ~~- ولكن. ~~- لا تقطعي علي القول، فإني بهذه الوسيلة أحميك وأنام على عتبة بابك كما ينام الكلب ~~الأمين، وأمنع الخناقين من الوصول ms1299 إليك. # فعانقته جيبسي وقالت: إنك كريم، ومن رجال الصلاح، وسأكون كما تشاء. # 25 # ولندع الآن روكامبول مع جيبسي، ولنعد إلى نويل. # ويذكر القراء أن روكامبول عهد إلى نويل حين خرج من الخمارة مع جيبسي أن يراقب السير ~~جورج. # أما السير جورج، فإنه حاول أن يبرح الخمارة بعد انصراف روكامبول، فتبعه نويل وكان ~~ماهرا في التجسس، فإنه حسب أن السير جورج لا بد له من مبارحة الخمارة، فخرج منها قبله ~~كي ينتظره في الشارع. # وكان نويل يحسن التكلم بالإنجليزية كأبنائها، ويقلد الإنكليز في جميع حركاتهم أتم ~~التقليد. # فلم يكد يخرج من الخمارة حتى رأى رجلا يتأهب للدخول إليها. # وكانت ملابس هذا الرجل تشبه ملابس أولئك البحارة الذين يترددون على وينغ. # غير أن لون وجهه النحاسي وسواد عينيه، وتلك الحلقة الكبيرة التي كانت في أذنه كل ذلك ~~كان يدل على أنه من أصل هندي. # فلما رآه نويل تمثل له أنه يعرفه، ولكنه لم يتذكره، فرأى أن يدخل في أثره إلى الخمارة ~~عله يعرفه، ولا سيما وأن السير جورج لم يكن قد ذهب منها بعد. # فدخل الرجل إلى الخمارة فوقف على بابها هنيهة ينظر إلى الناس المحتشدين فيها، ثم ذهب ~~إلى الطاولة التي كان جالسا عليها السير جورج. # أما نويل فإنه دخل في أثره، وذهب إلى كالكراف صاحب الخمارة، وهو من أتباع روكامبول ~~كما تقدم، فسأله: أتعرف اللغة الهندية؟ ~~- إني أعرفها أتم العرفان. ~~- أرأيت هذا الرجل الذي دخل الآن؟ ~~- نعم. ~~- افحصه جيدا. ~~- إني أعرف الرجل الذي جاء يبحث عنه. ~~- وأنا أحب أن أعرف بماذا يتحدثان. ~~- طب نفسا، وتعال نجلس حول تلك المائدة بقرب مائدتهما. # ثم ذهب كالكراف إلى الطاولة المجاورة لطاولة السير جورج بحجة أنه يريد قراءة جريدة ~~الستندرد التي كانت عليها، وبعد حين جاء نويل وجلس معه. # وقد فتح كالكراف الجريدة وغطى وجهه بحيث لم يكن يراه السير جورج، ولا يعلم أنه كان ~~مصغيا لحديثهما. # فكان السير يكلم رفيقه باللغة الهندية، وكان كالكراف يترجم همسا لنويل كل ما كان ~~يسمعه من هذا ms1300 الحديث، وهذه خلاصة حديثهما. # قال السير لرفيقه: أعدت من مهمتك يا أوسمانا؟ ~~- نعم يا حضرة الرئيس. ~~- متى رجعت؟ ~~- هذه الليلة نفسها. ~~- أنجحت في قضاء المهمة؟ ~~- كلا يا مولاي. # فاتقدت عينا السير جورج ستوي، وقال: ويحك، أيها الشقي! ماذا تقول؟ ~~- أقول الحقيقة يا مولاي. ~~- ألعلك تمزج يا أوسمانا؟ # فاضطرب أوسمانا، وقال: يا نور الشرق! إني لا أقول غير الحقيقة بحضرتك المقدسة. ~~- إذا لم تجدهم؟ ~~- كلا بل وجدتهم. ~~- وإذا كنت قد وجدتهم، فكيف سلموا من قبضتك؟ ~~- أيها النور! ذلك أن الإله سيوا يحارب الإلهة كالي. # فلما سمع السير جورج هذه الكلمات اهتز على كرسيه واصفر وجهه، وقال: كيف ذلك؟ ~~- إن عباد الإله سيوا موجودون في فرنسا. ~~- هذا مستحيل؛ لأنهم لم يبرحوا الهند. ~~- إنك منخدع أيها النور. # وكانت لفظة النور ونور الشرق لقب السير ستوي. # فقال له السير: إذا قص علي أمرك، فماذا جرى لبجور؟ ~~- إنه دخل خادما في منزل والد ناديا متنكرا باسم جواني. ~~- أعرف ذلك الرجل، فقد عهدت إليه أن يدخلك مع كيرشي إلى ذلك البيت، فماذا جرى بعد ~~ذلك؟ ~~- إن بجور وافانا في الوقت المعين، وكان قد أعد كل شيء، فذهبنا جميعنا في ليلة مظلمة ~~إلى البيت الذي يقيم فيه الجنرال وابنته. # كان بجور قد لاقانا إلى المحطة، فمشى أمامنا حتى كدنا نشرف على البيت، فقال لنا : ~~انتظروا هنا في ظل الأشجار وأنا ذاهب في طريق آخر لأفتح لكما باب البيت، فإذا سمعتما ~~صفيري فتقدما من الباب. # بعد حين سمعنا صفيره، فما تقدمنا خطوتين حتى عثرنا بحبل مشدود بين شجرتين، فسقطنا على ~~الأرض. # وفي الوقت نفسه سمعت وقع أقدام كثيرة، وشعرت برجل قد انقض علي قائلا لي باللغة ~~الهندية: إذا فهت بكلمة فأنت من الهالكين. # فاضطرب السير جورج وسأله: وبجور ماذا حدث له؟ ~~- خنقوه. ~~- وكيرشي؟ ~~- خاننا. ~~- والجنرال وابنته؟ ~~- أنقذهما عباد الإله سيوا. ~~- وأنت؟ ~~- أبيت أن أبوح بالأسرار، فألقاني زعيم أبناء سيوا في نهر يشبه بعظمته نهر التاميز، ~~وهم يدعونه السين. ولكني تمكنت من النجاة لمهارتي في السباحة. # فضرب السير جورج ms1301 الطاولة بيده قائلا له بلهجة السيادة المطلقة: لقد حكمت على كيرشي، ~~وسأنتقم منه باسم الإلهة كالي شر الانتقام، ويكون عبرة لسواه من الخائنين، وأما أنت ~~فإذا عجزت أيضا عن قضاء المهمة التي سأعهد بها إليك فإنك موتا تموت. # فانحنى أوسمانا قائلا: مر يا مولاي أطع. ~~- أريد أن تخنق رجلا جريئا تجاسر أن يخطب جيبسي النورية. ~~- سأخنقه. # فقال نويل، عندما ترجم له كالكراف هذا الكلام: نعم، سيخنقه إذا أردنا. # انتهت المحادثة بين السير جورج وأوسمانا، فنادى السير جورج أحد خدم الخمارة ودفع له ~~الحساب، فعلم نويل أنه عزم على الانصراف، فسبقه وتربص له في الشارع في مكان ~~مظلم. # أما السير جورج، فإنه ذهب بعد هنيهة من الخمارة، وجعل يسير سيرا حثيثا، ونويل يتبعه ~~دون أن يراه، حتى وصل إلى جسر لوندرا، فرأى مركبة، وحاول الركوب فيها، فتردد السائق عن ~~قبوله لما رآه من قذارة ملابسه، غير أن السير جورج طمأنه وأراه النقود في جيبه؛ فرضي ~~السائق أن يذهب به. # وعند ذلك كان نويل أدرك المركبة، فاختبأ بين دواليبها، وسارت بالسير جورج وهو لا يعلم ~~أن نويل يتبعه. # 26 # ولم يكن لنويل أقل ريب، فقد ظهر له أن السير ستوي لم يتنكر بتلك الملابس إلا بغية ~~الحضور إلى وينغ لمقابلة أوسمانا، وبعد أن قابله عاد إلى منزله كي يغير ملابسه . # وسارت المركبة حتى قربت من المنزل، فأوقفها السير ستوي على مسافة عشرين خطوة، وترجل ~~منها، فدفع إلى السائق أجرته، ثم ذهب إلى المنزل، ففتح بابه بمفتاح كان معه، ودخل فأقفل ~~الباب. # أما نويل فقد تخلص من المركبة، فرآه داخلا إلى المنزل، وأنه أقفل الباب من ورائه، ~~فقال في نفسه: إن الرئيس قد أمرني أن أتبع هذا الرجل إلى الصباح، وربما كان هذا المنزل ~~الذي دخل إليه منزله الخاص. # وعلى ذلك فإما أن يظهر منه بعد تغيير ملابسه، وإما أن يبقى في البيت فينام، فإذا ذهب ~~أتبعه وإذا بقي بقيت إلى الصباح، ثم ذهبت إلى الرئيس عند فاندا. # قال هذا في نفسه، وذهب ms1302 فجلس مطمئنا على صخر قرب البيت. # وأقام ربع ساعة، فسمع ساعات الكنائس تدق مؤذنة بحلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ~~وعند ذلك رأى مركبة قادمة لم يكن فيها أحد، فوقفت عند باب البيت، وسمع نويل سائقها ~~يتململ ويتضجر. # فدنا منه قائلا له: أراك تتضجر من المهنة أيها الرفيق. ~~- وكيف لا أتضجر لاضطراري إلى الانتظار في هذا الخلاء، والبرد يهز الأجسام. # سأله نويل بعد أن أوهمه أنه سائق مثله: ألعلك تنتظر أسيادك؟ ~~- إني أنتظر شخصا من الأشراف يسكن في هذا البيت، وهو من كبار المقامرين، فأحضر إليه ~~في كل ليلة في الساعة الثانية كي أذهب به إلى النادي. # وانتظار مثل هذا المقامر قد يروق لغيري من السائقين، أما أنا فإني أوثر النوم في مثل ~~هذه الساعة على كل ربح. # فأجابه نويل: أما أنا أيها الرفيق، فإني أوثر الربح على كل نوم لا سيما وأني لا أشتغل ~~منذ حين، فهل تشغلني الليلة مكانك؟ # فنظر إليه السائق نظرة الفاحص، ثم سأله: أأنت خبير بالمهنة؟ ~~- كيف لا أعرفها وأنا لا أشتغل بسواها؟ ~~- عند من خدمت؟ # فذكر له نويل جملة من أسماء الذين يؤجرون المركبات. # فسأله السائق: كم تريد أن أدفع لك مقابل شغلك عني الليلة؟ ~~- شلنين. ~~- إني أدفع لك الشلنين وأنام ليلة على الأقل كما ينام الناس؛ لأن هذا الشخص لا يترك ~~النادي قبل الساعة الثامنة من الصباح، فخذ وشاحي فإنه يقيك من البرد، وتعال اجلس ~~مكاني. # ففعل نويل، ثم أخذ من السائق الشلنين وسأله: أين أجدك غدا؛ لأرد لك المركبة؟ ~~- سأحضر في الساعة الثامنة إلى ردهة النادي، فأراك فيها، ثم ودعه وانصرف. # وبعد ربع ساعة خرج السير ستوي من البيت، وقد خلع تنكره، ولبس خير الملابس، فصعد إلى ~~المركبة دون أن ينتبه إلى السائق، وقال له: سر إلى النادي الهندي. # فامتثل نويل وسار به إلى ذلك النادي. # وقد ربح تلك الليلة أرباحا طائلة، ولبث في ذلك النادي إلى الساعة السابعة من الصباح، ~~فجمع ما ربحه من الأوراق المالية، ورأى تململ الذين خسروا، فقال ms1303 لهم: أسألكم المعذرة ~~لأني مضطر إلى الذهاب في هذه الساعة على غير عادتي لمبارزة رجل فرنسي. # فسأله أحد الحضور: أهو الفرنسي صاحب الكلب؟ ~~- نعم هو بعينه، ثم تركهم وذهب. # وكان نويل لا يزال ينتظره، فركب المركبة وقال له: سر بي مسرعا إلى البيت. # فقال نويل في نفسه: لقد خسر كل ما كان لديه وهو عائد لإحضار نقود. # ولكنه لما وصل إلى المنزل دخل إليه وعاد بعد هنيهة يحمل صندوقا طويلا وفيه سيفان، ~~فقال نويل في نفسه: إنه ذاهب لمبارزة كما يظهر. # ولكنه لم يخطر في باله أن خصمه روكامبول. # 27 # إن المبارزة نادرة في إنكلترا؛ لأن الشخصين إذا اختصما وهاجت بهما عوامل الغضب شفيا ~~غلهما بالملاكمة. # غير أن السير ستوي لم يكن إنكليزيا إلا بالظاهر، وكذلك خصمه فإنه فرنسي. # وفوق ذلك فقد كان يحول دون المبارزة مصاعب أخرى وهي انتشار البوليس في كل مكان بحيث ~~كانت تتعذر المبارزة إلا في الضواحي، فيذهب المتبارون إليها بالسكة الحديدية. # وقد اتفق السير ستوي وركامبول على المبارزة في ودستوك، التي كان يقيم فيها كرومويل ~~الشهير زعيم الثورة الإنكليزية، التي قتل فيها الملك شارل الأول. # وكان لهذه الناحية طريقان: إحداهما طريق برمنجهام يذهب إليها بالسكة الحديدية، ويلزم ~~لها 10 دقائق، ومن يسير بالمركبة يقتضي له ساعة. # كان السير ستوي يكره ركوب السكة الحديدية، فقال لنويل : إني أريد الذهاب إلى ودستوك ~~بأشد ما يمكن من السرعة، فإذا تمكنت من الوصول إليها بمدة ثلاثة أرباع الساعة كافأتك ~~خير مكافأة. # فقال نويل في نفسه: لينتظر السائق الحقيقي قدر ما يشاء، وليفتش عني في كل مكان، فلا ~~بد أن نلتقي. # ولما كان روكامبول أمره أن لا يفارق السير ستوي دفع الجياد، فانطلقت تمرق مروق السهم ~~في شوارع لندرا حتى اجتازتها إلى الخلاء. # وكان نويل ينظر من حين إلى حين إلى داخل المركبة، فيرى السير جورج مطبق العينين وفي ~~فمه سيكار يدخن به، فيستدل من هيئته أنه يفكر في هواجس عظيمة. # ولبث على هذه الحالة إلى أن اجتازت المركبة شوطا ms1304 بعيدا في الخلاء، فهب من تفكره ~~وفتح عينيه، وجعل ينظر نظرات سريعة متلفتا إلى يساره ويمينه كأنه يفحص الطريق ليعلم ~~إلى أين وصل. # وبعد حين وصلت المركبة إلى ودستوك فأوقفها السائق قرب أشجار مكتظة في تلك الطريق، ~~وترجل من المركبة بعدما أخرج منها سيفيه وغدارتيه. # فنظر في ساعته وقال لنويل: انظر إلى هذه البناية ذات القرميد الأحمر، فإنها محطة ~~برمنجهام، وسيصل القطار إليها من لندن بعد خمس دقائق. اذهب وقف هناك بالمركبة؛ لأنه سوف ~~يخرج من القطار خمسة أشخاص وهم خصمي وشاهداه وشاهداي، وحين خروجهم من القطار جئ بهم ~~إلي؛ لأني بانتظارهم تحت هذه الأشجار. # فذهب نويل إلى المحطة، وبعد وصوله بهنيهة وصل القطار ونزل منه الأشخاص الخمسة الذين ~~أشار إليهم السير ستوي. # فما نظر إليهم نويل حتى اضطرب وظن نفسه حالما؛ لأنه رأى روكامبول بين الخمسة، فلم ~~يعلم أهو من الشهود أم هو الخصم. # وقد عرفه روكامبول فأشار له إشارة خفية. # وعند ذلك تقدم نويل من الخمسة، وأخبرهم أن السير ستوي ينتظرهم، وقد أمره أن يذهب بهم ~~إليه. # فركبوا المركبة وساروا بها إلى حيث كان ينتظرهم السير ستوي، فحيى روكامبول خصمه، فرد ~~له التحية بأحسن منها، غير أنه لم يلبث أن نظر إلى عيني روكامبول حتى اضطرب، وخطر له في ~~الحال أنه رأى هاتين العينين في غير المكان الذي تصارع فيه الكلبان، لكنه لم يذكر ذلك، ~~فكان ذلك التصور شبيها بحلم بعيد العهد. # أما روكامبول فقد كان متأنقا بملابسه خير تأنق على عادة الفرنسيين حين يذهبون إلى ~~المبارزات. # ولكن السير ستوي عرف بعد التحقيق بروكامبول أنه هو ذلك البحار الذي ذهب أمس مع جيبسي ~~من خمارة الملك جورج. # فقال روكامبول في نفسه: لقد عرفني دون شك. # ثم اتفق الشهود على شروط المبارزة، وجرى الاقتراع على اختيار السلاح، فأصابت القرعة ~~روكامبول فاختار السيف. # وأخذ الاثنان يخلعان ثيابهما، فخالف السير ستوي القواعد المألوفة وأبقى رباط الرقبة ~~بشكل يحول دون فتح قميصه، فلم يحفل الشهود بهذه المخالفة لقلة خبرتهم بقواعد ~~المبارزات. # وقد ms1305 علم روكامبول السبب الذي يمنعه عن كشف صدره فخالف خصمه، وفك أزرار قميصه بحيث ~~يكشف صدره حين الحركة خلال المبارزة. # أما نويل فكان جالسا فوق كرسيه يتفرج وهو واثق من فوز روكامبول لوثوقه من براعته في ~~قتال السيف. # وأمر أحد الشهود المتبارزين بالقتال، فاشتبك السيفان، وكان روكامبول هادئا يتبسم ~~خلافا لخصمه فإنه كان شديد الاضطراب. # 28 # لا بد لنا قبل استيفاء حديث المبارزة من ذكر حادثة لها تأثير عظيم على هذا ~~القتال. # يذكر القراء أن روكامبول بعد أن وضع الحراس على منزل الجنرال البولوني وابنته ناديا ~~منذ بضعة أسابيع ذهب بالقارب مع مريس وفيه الأسيران الهنديان مكبلان بالقيود. # فلما توسط القارب ذلك النهر استل روكامبول خنجره وتهدد به أوسمانا بالقتل إذا لم يبح ~~له بأسراره، ففضل الموت على الإباحة خلافا لكيرشي، فإنه خاف ورضي أن يبوح بكل ~~شيء. # فحمل روكامبول أوسمانا وألقاه في النهر، ثم دنا من كيرشي وأعاد عليه الوعود. # أما كيرشي، فقد كان يعتقد أنه وقع في قبضة أعداء الخناقين الذين يلقبونهم بأبناء ~~الإله سيوا. # فاعترف لروكامبول أنه من جمعية الخناقين في لندرا، وأنه خاضع لرئيس يدعى السير جورج ~~ستوي وأنه هو نفسه قضي عليه أن يبقى عازبا كل عمره؛ لأنه موشوم برموز الإلهة ~~كالي. # ثم ذكر له كل ما يعرفه من أسرار هذه الجمعية، وأخبره أن السير ستوي زعيم الجمعية من ~~المتعصبين في عبادة الإلهة كالي، وأنه واسع الثروة ولديه في لندرا عصابة سرية من ~~الخناقين، تلقي الرعب كل يوم في عاصمة الإنكليز، وأخبره أن السير ستوي لا يخشى الملك، ~~ولا يرهب القضاء نفسه، لكنه يضطرب خوفا أمام أبناء الإله سيوا الذين لم يبرحوا الهند ~~إلى الآن. # فخطر لروكامبول خاطر، رجا منه الفوز، وأحضر معه كيرشي إلى لندرا. # وقد تنكر كيرشي، وأقامه روكامبول مع فاندا في منزل واحد. # وفي تلك الليلة التي جرى فيها لروكامبول حادثة مصارعة الكلب وحادثة جيبسي، ترك الفتاة ~~في منزل وذهب إلى فاندا. # وكان كيرشي نائما فأيقظه، فانذعر الهندي حين رأى الخنجر مشهرا ms1306 بيده. # فقال له روكامبول: أصغ إلي فإنك كنت تحسبني إلى الآن من أبناء سيوا، ولكني لست منهم ~~كما تتوهم، وما أنا من أبناء الهند، بل إن لي أسبابا خاصة سرية تدعوني إلى مقاومة ~~الخناقين. # والآن اعلم يقينا أنك إذا لم تبح لي بكل ما سأسألك عنه فإني أقضي عليك بطعنة واحدة ~~من هذا الخنجر. # فذعر كيرشي وقال له: ماذا تريد أن تعلم؟ ~~- أريد أن أعرف إذا كان لأبناء سيوا علامات خاصة يمتازون بها في أجسامهم كما يمتاز ~~أبناء كالي بوشومهم. ~~- نعم، فإنهم عندما يكرسون الرجل لهذه الآلهة يشمون صدره وشما مؤلفا من رسم حية ~~وعصفور بحبر أزرق لا يمحى. ~~- أتستطيع أن ترسم هذه الرسوم؟ ~~- دون شك. ~~- إذا ابدأ بالعمل. # ثم أخذ روكامبول زجاجة من الحبر العادي الأزرق وقلما، وأعطاها للهندي، وكشف عن صدره ~~قائلا: أسرع ما استطعت. # فرسم الهندي على صدر روكامبول حية وعصفورا، ثم قال له: يجب أن أوخز الرسم بدبوس حتى ~~يسيل الدم، وأحرق فوقه نوعا من الرشاش، كي لا يمحى. # فأبى روكامبول قائلا: لا حاجة لي بذلك. # وبعد ذلك ببضع ساعات كان روكامبول يبارز السير ستوي، فشعر السير أنه يقارع خصما ~~شديدا، فاضطرب واصفر وجهه. # ولكن اضطرابه واصفراره لم يلبثا أن زالا بعد هنيهة قصيرة، وتغلبت عليه عاطفة ~~الحذر. # أما روكامبول فقد كان على نقيضه باسم الثغر منبسط النفس يبارز خصمه ويحادثه في وقت ~~واحد. # وقد طعنه السير ستوي طعنة حاذقة، فخلا منها روكامبول، وقال له وهو يبتسم: لا أنكر أنك ~~ماهر في فن المبارزة، ولكني أعرف هذه الفنون التي تبارزني بها. # وكان روكامبول مقتصرا إلى الآن على الدفاع، فقال لخصمه: ولكني أرى يمينك تضطرب على ~~مهارتك في القتال، فاحذر وتشدد. # فحمل عليه عند ذلك السير جورج حملة منكرة وقد برقت عيناه حين علم أنه هو الذي سار مع ~~جيبسي وطعنه طعنة هائلة. # غير أن الطعنة ذهبت في الهواء، فقال له روكامبول: احذر فقد أخطأت ولو شئت لاغتنمت ~~فرصة خطئك وكنت الآن من الهالكين. # وفيما هو يتكلم ms1307 هذا الكلام انكشف قميصه، فصاح السير ستوي صيحة رعب، ذلك أنه رأى رسم ~~الحية والعصفور اللذين رسمهما كيرشي فوق صدر روكامبول. # وقد ذعر ذعرا شديدا حتى انكشف لروكامبول، فجرحه بسيفه جرحا خفيفا أسال بعض نقط من ~~دمائه. # وعند ذلك خاطبه روكامبول باللغة الهندية: أما وقد عرفت الآن من أنا، كما اتضح لي من ~~ذعرك، فاعلم أن عراكنا لا يجب أن يكون في هذا المكان. # فاضطرب السير جورح، ورأى الشهود قميصه ملوثة بالدماء، فتداخلوا بينهما وقالوا: كفى! ~~لقد سلم الشرف بما أريق على جوانبه من الدم. # فأجابهم السير ستوي: كما تريدون. # وجعل ينظر إلى روكامبول نظرات ملؤها الرعب والانذعار. # 29 # ولندخل الآن إلى منزل فاندا في لندرا، فإن روكامبول أنزلها حين قدومها في فندق ~~دنبورغ، وفي اليوم التالي استأجر لها منزلا في شارع سانت بول. # كانت فاندا تخفر كيرشي ليلا ونهارا في ذلك البيت. # أما الهندي فقد تمكن منه الرعب؛ لاعتقاده أن روكامبول من أبناء الإله سيوا؛ فباح له ~~بجميع ما يعلمه من أسرار ستوي. # وكان روكامبول قد قال لفاندا: إني وعدت هذا الرجل بالإبقاء على حياته بحمايته من ~~الخناقين؛ لشدة خوفه منهم بعد خيانته إياهم، ومع ذلك احرصي على مراقبته كل الحرص، ~~واحذري أن يخرج خطوة من هذا المنزل. # وكان روكامبول واثقا من مقدرة فاندا على ما عهد به إليها، فذهب مطمئنا بعد أن وشمه ~~الهندي، غير حاسب حسابا لكيرشي، وما يمكن أن يتنازعه من الأفكار. # أما الهندي فإنه كان شديد التمسك بدينه، ولهذه الديانة الهندية مبدآن، وهما: مبدأ ~~الخير، ومبدأ الشر، ولهذين المبدأين إلهان: أحدهما الإله سيوا، والآخر الإلهة ~~كالي. # وفي معتقد الهنود أن الناس جميعهم في قبضة هذين الإلهين، وأن الإلهين في معترك دائم، ~~وأن الحرب سجال بينهما. # وقد قدم كيرشي من قلب الهند بمهمة دموية، فوجد في باريس قوما يتكلمون بلغته الهندية، ~~ويتغلبون عليه فجأة، فأيقن أنهم من عباد الإله سيوا، وأن النصر لهذا الإله، فاعتقد ~~بالتالي أن الإله سيوا أشد من الإلهة كالي؛ فخضع لروكامبول لاعتقاده ms1308 أنه من عباد ذلك ~~الإله. # وقد كان له في أسر روكامبول ثلاثة أسابيع يحاول في خلالها عقد الصلح مع الإله سيوا، ~~والتدرج على الكفران بالإلهة كالي، إلى أن جاءه روكامبول قائلا له فجأة: «إني لا أعرف ~~الإله سيوا، ولا عباده، وإني أقاتل الخناقين لأسباب خصوصية، ولكن من أغراضي أن أظهر ~~بمظاهر أبناء سيوا، فإذا لم تشمني بوشوم عباده قتلتك بهذا الخنجر.» # فاضطر مكرها إلى إجابته حذرا من الموت، ولكنه لم يلبث أن سمع منه هذا التصريح حتى ~~زالت أوهامه، وذهب خوفه من الإله سيوا، وعاد له تعصبه القديم للإلهة كالي، فلم يعد يخطر ~~في باله غير الفرار والذهاب إلى السير ستوي، والاعتراف له بكل شيء. # وكان كيرشي يعلم أنه مخفور، وأن التي تتولى خفارته امرأة، ولكنه كان يعلم أيضا أن ~~خديعة المرأة أصعب من خديعة الرجل. # وكانت مهنته ملاعبة الأفاعي، وهي مهنة كثيرة الشيوع بين الهنود، وكان يتعاطاها في ~~مدينة مدراس قبل أن ترسله لجنة الخناقين من الهند إلى السير ستوي عميلها في ~~لندرا. # وكان قد أحضر معه من مدراس صندوقا ملآن بالأفاعي المختلفة الألوان والأنواع، وهو ~~يحبها حبا عظيما، بل هي الشيء الوحيد الذي كان يحبه بعد الإلهة كالي. # فلما أرسله السير ستوي من لندرا مع أوسمانا لخنق الجنرال وابنته أخذ معه بعض تلك ~~الأحناش، وقد شاهدوه يلاعبها في باريس أمام المتفرجين، فتسرح على جسمه، وتلتف حول ~~عنقه. # وعندما أسره روكامبول أراد أن يعرف أين يقيم، فذهب به إلى غرفة حقيرة كان يسكنها، ~~ففتشها روكامبول فلم يجد فيها شيئا كما كان يرجو أن يجده، كأوراق ورسائل سرية وغيرها، ~~بل وجد كيس الأحناش. # فحاول روكامبول أن يطرحها إلى النهر فجعل كيرشي يبكي ويتوسل إليه أن يبقيها له، فرضي ~~وسمح له أن يأخذها معه إلى لندرا، فكان يداعبها للتسلية بها حين كان مسجونا في منزل ~~فاندا. # وقد أذن له روكامبول بإحضارها معه بعد أن تأكد أنه لا يوجد بينها حية قاتلة، فكانت ~~تلك الأفاعي تسعى في غرفته، فيبيت بعضها على الأرض، ms1309 وبعضها حول عنقه وعلى صدره. # ولم يكن بين هذه الأفاعي غير حنش واحد يؤذي، وهو صغير أصفر اللون عليه نقط سوداء، إذا ~~لسع المرء لا يشعر بألم، ولكنه ينام نوما عميقا. # وقد عقد كيرشي كل رجائه منذ خطر له الفرار على هذا الحنش. # وكانت فاندا كلما ذهب روكامبول لقضاء مهمة في لندرا أو في ناحية وينغ تضع سريرا في ~~غرفة تتقدم غرفة كيرشي، ولم يكن للغرفتين غير مخرج واحد من غرفة فاندا، بحيث كان لا ~~يستطيع كيرشي الخروج إلا إذا مر من فوق السرير. # ولم تنم فاندا تلك الليلة؛ لأنها كانت تنتظر روكامبول، فلما عاد إليها حضرت عملية ~~الوشم، وكان الصباح قد طلع حين ذهب روكامبول لمبارزة السير ستوي. # فوضعت كرسيا عند مدخل غرفة كيرشي، وجلست عليها بحيث لا يستطيع الخروج من غرفته إلا ~~إذا مر فوقها. # أما كيرشي فكان ملتحفا في سريره، ويوهم أنه نائم، ولكنه كان يكشف اللحاف عن رأسه من ~~حين إلى آخر، وينظر إذا كانت فاندا قد نامت. # وكان النعاس يجاذب عيني فاندا، إلى أن تغلب عليهما فأطبقتهما، ولكن يدها كانت قابضة ~~على المسدس، الذي كانت تنذر به كيرشي في الليل والنهار. # فلما أيقن الهندي أنها نائمة، أخرج ذلك الحنش الأصفر من الكيس، وأطلقه على فاندا، ~~فزحف حتى وصل إليها فصعد إلى ركبتيها، ثم تغلغل بين طيات ثوبها . # 30 # ولنعد الآن إلى السير ستوي، فإن روكامبول ذهب مع شاهديه، وكان نويل لا يزال ينتظر في ~~المركبة، فركب السير ستوي مع شاهديه، وأوصلهما إلى منزليهما، ثم أمر نويل أن يذهب به ~~إلى منزله. # وكان مصفر الوجه، يضطرب اضطرابا شديدا بعد أن رأى تلك الوشوم على صدر روكامبول، ~~وسمع لغته الهندية؛ فأصيب بما أصيب به كيرشي من الذعر يوم كلمه روكامبول بتلك اللغة، ~~وجعل يقول في نفسه والمركبة سائرة به إلى منزله: إن سيوا قد انتصر، والإلهة كالي قد ~~تخلت عنا. # فلما وصلت المركبة به إلى المنزل خرج منها وفتح باب البيت، فرأى نويل أن يده تضطرب، ~~وسمعه ms1310 يتنهد تنهدا عميقا. # فاجتاز السير جورج حديقة منزله بخطوات غير متوازنة لشدة اضطرابه حتى دخل إلى المنزل ~~فرأى صينية من الفضة على طاولة وفوقها كتاب مختوم. # فأخذ الرسالة وتأمل بعنوانها، فرأى خطا لطيفا احمر له وجهه هنيهة؛ إذ علم أنه خط ~~امرأة، ففض الرسالة، وقرأ ما يأتي: # سيدي العزيز # إننا لم نرك منذ يومين في هيد بارك، فماذا جرى لك؟ ألعلك نسيت أن أمي دعتك ~~إلى شرب الشاي يوم الأحد أم أنت مريض؟ # إن عمي اللورد شارنج في لندرا الآن، فاعترفت له بكل شيء وهو من أنصارنا، ~~فاحضر إذن إلى هيد بارك؛ لأني سأتنزه في هذا البستان في الساعة الثانية. # حبيبتك # سيسيليا # فتنفس السير جورج تنفسا طويلا بعد تلاوة الرسالة، واتقدت عيناه، وظهر على وجهه ~~علائم الرضا التام. # ولكن ذلك لم يطل فإن رسم روكامبول عاد فانطبع في ذاكرته وحل محل سيسيليا. # وكان هذا الرجل المتلبس بالمدنية قد خدع بجماله وبمدنيته الكاذبة تلك الفتاة ~~الإنكليزية، ولكنه لم يحفل بها في تلك الساعة، ولم يخطر في باله غير مناجاة الإلهة كالي ~~معبودته الوحيدة التي ظهر له أنها تخلت عنه في ذلك الحين، أو أن الإله سيوا قد انتصر ~~عليها، وكان السير جورج ستوي يقيم وحده في منزله، فيأكل في النادي، ولم يكن لديه غير ~~خادم واحد، كان لا يزال نائما حين عاد السير ستوي إلى المنزل. # فبعد أن قرأ الرسالة صعد إلى الدور الأول، وكان مؤلفا من غرفة للنوم، وغرفة للكتابة، ~~وغرفة للبس، والرابعة مقفلة فلا يدخل إليها سواه، وكان مفتاحها دائما معه، وقد ربطه ~~بسلسلة وعلقه في عنقه مبالغة في الحذر. # وكان النور يصل إلى هذه الغرفة من السقف كسائر الهياكل الهندية، وجدرانها الأربعة ~~معلقا عليها قطع من القماش رسم فوقها رسوم غريبة، وفي كل زاوية قاعدة من الحديد عليها ~~تمثال من النحاس يمثل إلها من آلهة الهنود. # وكانت أراضيها مفروشة بحصير عليها أيضا كثير من الرسوم الغريبة، وفي وسطها رسم فيل ~~عظيم. # غير أن أغرب ما كان في هذه ms1311 الغرفة المقدسة عند السير جورج بركة من الرخام الأبيض يصل ~~الماء إلى حافتها، وفي وسط هذه المياه سمكة جميلة حمراء تسير ذهابا وإيابا في غور ~~المياه، وتصعد إلى سطحها من حين إلى حين. # وقد كتب على أربع جدران البركة بحروف ذهبية باللغة الهندية ما يأتي: # أوسمانا ابن راجوت الذي ينتهي نسب أجداده إلى بيح أمير ابن ويشنو ضحى نفسه ~~للإلهة كالي إلهتنا، ومات في مياه نهر كنج حين كان يجتازه سباحة لخنق صبيتين ~~رغبت الإلهة كالي أن تصعد روحهما إليها. # وإن حفيده رتجب الذي يسميه الإنكليز السير جورج ستوي عكف على الصلاة والتوسل ~~إلى إلهة كالي أن ترد إليه روح العابد النقي أوسمانا، فأجابت إليه، وأذنت لروح ~~أوسمانا أن تقيم في جسم سمكة حمراء أخذت من نهر كنج المقدس، ووضعت في هذه ~~البركة. # وكان من عادة السير جورج قبل أن يدخل إلى هذه الغرفة المقدسة ويناجي فيها روح أبيه ~~الكامنة في السمكة أن يدخل إلى غرفة اللبس فيخلع جميع ملابسه، ويلبس كلسونا، ويتعمم ~~بعمامة من الحرير الأبيض، ويبقى جميع جسده عاريا، ثم يدخل إلى الغرفة المقدسة فيركع ~~فوق الحصير، وينعكف على الصلاة. # وبعد أن يفرغ من صلاته يدنو من بركة الرخام، وينظر إلى السمكة الحمراء ويناجيها ~~... # وقد دخل في ذلك اليوم بعد أن لبس ملابسه كما وصفناه، فصلى وقام إلى البركة فجلس على ~~حافتها، ونظر إلى السمكة وهي كامنة في الغور، فقال يخاطبها: يا أبتي إني بحاجة ~~إليك. # فلم تتحرك السمكة. # وعاد إلى مخاطبتها، وقال: أيتها الروح المجيدة، ألعلك طرت إلى الإلهة كالي تسألينها ~~الأوامر التي يجب إصدارها إلى ولدك؟ فبقيت السمكة على حالها. ~~- يا أبي، إن أبناء سيوا قد جاءوا إلى لندره يضطهدون عباد الإلهة كالي، فقل لي ماذا ~~يجب أن أصنع؟ # وعند ذلك وضع يده في ماء البركة للتبريك بها، فاهتزت المياه وصعدت السمكة الصغيرة إلى ~~سطحها. ~~- لقد علمت يقينا أيتها الروح المجيدة أنك تسمعين ندائي وتقبلين على مساعدتي، فقولي ~~ماذا أصنع، أأهرب وأعود إلى الهند أم أواصل ms1312 العراك؟ # فسبحت السمكة ببطء متوانية؛ فاضطرب السير جورج حين رأى تثاقلها، وتابع بلهجة القانط: ~~لقد عرفت ما تريدين أيتها الروح المجيدة، فإنك تعنين أن النصر للإله سيوا. # وعند ذلك غاصت السمكة في الغور، ولبثت جامدة لا تتحرك. # فاستدل من غوصها وسكونها أنها أجابته على سؤاله بما أيد ظنه، فضرب صدره، ولطم خديه ~~وهو يقول: لقد انتصر سيوا. # ثم خرج من غرفته المقدسة بعد أن مزق صدره بأظافره ليأسه. # وفيما هو داخل إلى غرفة النوم سمع جرس باب المنزل يدق، فأسرع إلى النافذة كي يرى ~~الطارق. # 31 # وكان الخادم نائما كما قدمناه، ولما سمع صوت الجرس هب منذعرا، وأسرع إلى الباب ~~ففتحه. # أما السير جورج فقد كان واقفا وراء ستائر النافذة كي يرى الداخل دون أن يراه، فصاح ~~صيحة غريبة حين رأى ذلك الزائر الذي قرع الباب؛ لأنه كان كيرشي، ذلك الخائن الذي خان ~~الخناقين، وانضم إلى أبناء سيوا، كما أخبره أوسمانا. # فهاج غضب السير ستوي، وتغلب على يأسه، فأخذ مسدسا كان على المستوقد، وحاول أن يطلق ~~النار على كيرشي من النافذة، ولكن كيرشي كان يجتاز الحديقة مسرعا. # ورأى السير ستوي على وجهه علائم السرور، وأعاد المسدس إلى مكانه، ووقف ينتظر. # وكان الخادم يحاول أن يمنع كيرشي عن الدخول، غير أن الهندي لم يكترث له، فدفعه ودخل ~~دخول الواثق من حسن القبول، وجعل يصعد سلم المنزل مسرعا. # حتى إذا وصل إلى غرفة السير جورج، ورآه لا يزال بملابس الصلاة ركع أمامه قائلا: أيها ~~النور، إن حياتي لك تتصرف بها كيف تشاء باسم الإلهة كالي، ولكن أصغ إلي ... # فقال السير ستوي: يا غبار الأرض وحشرة القبور من أين أتيت؟ ~~- إني كنت في قبضة الأعداء. ~~- أي أعداء تعني ... أبناء سيوا؟ # فضحك كيرشي، وقال: لا يوجد أبناء لسيوا في لندرا. # ورجع السير خطوة إلى الوراء وقال: كيف ذلك؟ ~~- أصغ إلي أيها النور إلى النهاية تعلم أننا خدعنا أنا وأوسمانا. ~~- ولكنك من الخائنين. ~~- إن حياتي بين يديك، ودمي يكفر عن خيانتي، إنما يجب أن تعرف ms1313 كل شيء قبل أن ~~تقتلني. ~~- تكلم ... # ولبث كيرشي راكعا، وقص على السير ستوي جميع ما عرفه من أوسمانا بشأن بعثة باريس، ~~وكيف وقع الاثنان في قبضة رجل يتقن اللغة الهندية، وحسباه زعيم أبناء سيوا. ~~- إذن هذا الرجل الذي بارزته منذ ساعة لم يكن من أبناء سيوا؟ ~~- كلا أيها النور ... ~~- ولكنني أراهن أنه منهم. # فابتسم كيرشي، وأخبره بما جرى له مع روكامبول، وأنه هو الذي وشم صدره رموز أبناء ~~سيوا. # ففرح السير جورج فرحا لا يوصف، وقال له: إذن من هذا الرجل؟ ~~- لم أعرفه ... ~~- وماذا يريد منا؟ ~~- لا أعلم ... ~~- ولكني سأعرفه أنا؛ فإنه فرنسي بحت، أما وقد أيقنت الآن أنه ليس من أبناء سيوا فسوف ~~يرى ماذا يكون بيننا. # ثم أخذ مسدسه فوضعه فوق صدغ كيرشي قائلا له: يا غبار الأرض، إنك خائن في كل حال، فصل ~~إلى الإلهة كي تدع نفسك هائمة في الفضاء إلى الأبد؛ لأني حكمت عليك بالموت. # فلم يجزع كيرشي وقال: أيها النور، إن حياتي بين يديك، فافتكر قبل أن تقتلني. ~~- بماذا؟ ~~- بأني أنفعك في خصامك مع هذا الرجل. # فأرجع السير جورج مسدسه إلى مكانه، وقال له: قد تكون مصيبا فيما تقول، فقل لي الآن ~~ماذا تعرف عن هذا الرجل؟ ~~- لا أعرف منه غير اسمه. ~~- ما هو اسمه؟ ~~- روكامبول ... ~~- أين يقيم؟ ~~- في منزل أدلك عليه متى شئت. ~~- كيف نجوت من أسره ؟ ~~- بواسطة حنش أصفر. ~~- أيقيم هذا الرجل وحده؟ ~~- كلا، بل إنه يقيم مع امرأة شقراء تطيعه طاعة العبيد لمواليهم. ~~- حسنا تعال معي، فإني أحب أن أستشير أبي. # وإنما أذن له بالدخول معه إلى غرفته المقدسة؛ لأنه مثله من عباد الإلهة كالي خلافا ~~لخادمه؛ لأنه كان من الإنكليز. # ودخل السير جورج إلى الغرفة وتبعه كيرشي، ولكنه لم يلبث أن نظر إلى البركة حتى صاح ~~صيحة فرح؛ لأنه وجد السمكة تسبح قرب سطح المياه بعظمة وجلال، فاتخذ ذلك دليلا على ~~الفوز وقال: لا شك أن روح أوسمانا قد فرحت لهذا التغيير، فبدت السمكة بمظاهر ~~الخيلاء. # وكان كيرشي راكعا أمام ms1314 البركة بملء الخشوع، فدنا السير جورج من السمكة وقال: ماذا ~~ترين يا روح أبي أأنتصر على هذا الفرنسي الذي يحاول إحباط ما أسعى إليه في خدمة الإلهة ~~كالي؟ # فسبحت السمكة كما كانت تسبح من قبل، وعلم أنها تجيبه بالإيجاب. ~~- قل لي يا أبي أيجب أن أحرص دائما على عفاف جيبسي النورية؟ # وغارت السمكة عند ذلك في الغور. # وتحمس السير جورج لهذا الجواب وقال: الويل إذن لمن يتعرض لهذه الفتاة بالزواج. # ثم خرج الاثنان من هذه الغرفة المقدسة، وقال السير ستوي للهندي: اذهب الآن في ~~شأنك. # وسأله كيرشي: متى تريد أن أعود أيها النور لأتلقى أوامرك. ~~- عد في هذا المساء إلى خمارة الملك جورج. # فانحنى كيرشي وانصرف، وخلع السير ستوي ملابسه المقدسة، ولبس رداء النوم، ثم كتب ~~الرسالة الآتية: # إلى الآنسة الفاتنة مس سيسيليا # لم أنس شيئا، ولا أزال أعبد جمالك الفتان، وسأمتثل لأمرك، فأذهب في الساعة ~~الثانية بعد ظهر اليوم إلى بستان سانت جيمس، وتفضلي بقبول فائق الاحترام من ~~خادمك المطيع مدى الحياة. # جورج ستوي # ثم ختم الرسالة بختمه الخاص، وأرسلها مع خادمه الإنكليزي. # 32 # كانت مس سيسيليا التي علقت بشرك السير ستوي، فتاة غريبة الأطوار، لها فتنة النساء ~~ونشاط الغلمان، تركب الجياد المطهمة، وتصافح الرجال في المنتزهات، ولها ثروة نادر أن ~~تكون لسواها من أغنياء الإنكليز. # وكانت في ريعان الصبا لم تتجاوز تسعة عشر ربيعا، وهي بارعة الجمال تلقب بالسمراء ~~لسواد شعرها. # وكان أبوها قائد بارجة إنكليزية قدمت حديثا من الهند الغربية، فكان يقيم في لندرا في ~~عهد سياق هذا الحديث. # وكانت أمها تحبها حب عبادة وهي وحيدة أبويها، نشأت على الترف والدلال، وكانت تسمع ~~الناس يقولون إنها لو جمعت أراضيها المتفرقة لبلغت مساحتها مساحة ولاية بجملتها، فجهرت ~~بالقول منذ بلغت السادسة عشرة من عمرها أنها لا تتزوج إلا من تختاره، وتحن إليه ~~نفسها. # فمر بها ثلاثة أعوام لم يبق في خلالها نبيل من أغنياء الإنكليز إلا خطب ودها، وطلب ~~الاقتران بها، ولكنها رفضت جميع هذه المطالب حتى أدهشت ms1315 الناس، وكثرت فيها ~~الأقاويل. # وقد كانت ساحت في الشرق وإيطاليا، وتمرنت على ركوب الخيل ولعب السلاح والموسيقى ~~والتصوير، وهو ما يندر إنفاقه عند الإنكليز. # وهي تقيم مع أمها في قصر لها في بيكاديللي، تحيط به حديقة غناء، غير أنه كان لهذا ~~القصر مدخلان: أحدهما عام، والآخر خاص بالفتاة، حيث كان يزورها الناس من هذا المدخل، ~~فتستقبلهم في المكان الذي أعدته للتصوير. # وقد اتفق أنها رأت يوما السير ستوي في سباق سكوت فجذبت الأسمر السمراء، واختلجت حين ~~رأت ذلك الرجل الذي تدل هيئته على أنه من ذلك النسل الجديد الذي أنشأه الإنكليز في بلاد ~~الهند، فتعرفت به على الفور. # وبعد ثلاثة أيام قالت لأمها بصراحة: لقد وجدت الزوج الذي أتمناه. # فأنكرت أمها عليها هذا الاختيار كل الإنكار، وأنفت من تزويج ابنتها برجل يجول في ~~عروقه دم هندي، فقالت لها الفتاة ببرود: إن أبي سيوافق على هذا الزواج لأني ~~أرضاه. # وكان أبوها في لندرا كما قدمناه، فخيب ظنها، وأيد رأي أمها، وحكم باستحالة هذا ~~القران. # غير أن مس سيسيليا لم تيأس، ولم تعتبر نفسها مغلوبة، فقد كان لها عم يدعى اللورد ~~سارتج وافر الثروة يحبها حبا غريبا، وقد جعلها وريثته الوحيدة، فكانت ترجو أن يكون ~~لها خير نصير. # فذهبت إليه في اليوم الذي أرسلت رسالتها إلى السير ستوي، وقالت له: أرجوك يا عماه أن ~~تحرمني من إرثك . # فذعر عمها، وقال لها: لماذا؟ ~~- لأنهم لا يريدون أن يزوجوني بمن أهواه، فأرجوك أن تجعل هذا الإرث متعلقا على هذا ~~الزفاف. # ثم حكت له عن حبها للسير ستوي بشكل ألان قلبه، وأثار عواطف حنوه، فوعدها أن يكون لها ~~خير نصير، فعادت مطمئنة راضية، فكتبت إلى السير تلك الرسالة التي تقدم ذكرها. # وفي الساعة الثانية بعد ظهر اليوم المعين للقاء، اجتمع السير ستوي بالمس سيسيليا، ~~فقالت له: إن أمها لا تزال تعارض زواجها به، لكن عمها قد ضغط على أبيها حتى أوشك أن ~~يرضى. # فقبل السير ستوي يدها، وجعل ينظر إليها نظرات تشف عن التدله بالغرام. ms1316 # فقالت له الفتاة: ليس هذا كل ما أرجوه، فقد وجدت أيضا نصيرا آخر وهو ابن خالي آرثر ~~نويل، فإنه طلب أن يقترن بي فأبيت كما تعلم، ولكنه يحبني حب الإخاء حتى جعلته مستودع ~~أسراري. # فلم يظهر ستوي اكتراثا للسير آرثر، وظل معها في تلك الحديقة يناجيها بأرق أحاديث ~~الغرام، والناس من حولهما يعجبون لهذه الفتاة كيف استبدلت نبلاء الإنكليز بهذا ~~الهندي. # إلى أن حانت ساعة الفراق فافترق العاشقان، وهي تقول له: إلى اللقاء في هذا ~~المساء. # ثم انطلقت تنهب الأرض بجوادها، يسير وراءها خادمان على جوادين لحراستها. # فلما وصلت إلى المنزل وحاولت دخوله، رأت شابا قد تقدمها، فنادته قائلة: أهذا أنت يا ~~آرثر؟ # فحياها ابن خالها قائلا: كنت أخشى أن لا أجدك هنا. ~~- إذا كنت لم تجدني في هذه الساعة، فإنك تجدني دون شك في ساعة العشاء. ~~- نعم، ولكني أحب أن أراك قبل العشاء. ~~- ماذا حدث؟ ~~- حدث أنه يجب أن أحادثك الآن بشأن خطير، فهلمي بنا إلى مكان التصوير. ~~- ولماذا لا ندخل إلى المنزل؟ ~~- لأني لا أحب أن تسمع أمك حديثنا. # فذهلت الفتاة وحسبته مازحا، لكنها تبينت في وجهه ملامح الجد، فقالت له: إذا ~~اتبعني. # ثم سارت أمامه حتى وصلت إلى معملها التصويري، فجلست على كرسي وقالت له: قل إني مصغية ~~إليك. # فأغلق السير آرثر الباب، وجلس بقربها فقال: إن الناس يلهجون بك كثيرا يا سيسيليا حتى ~~أصبحت مضغة في الأفواه في هذه الأيام. ~~- ولماذا؟ ~~- لأنك عازمة على الاقتران بالسير جورج ستوي. # فلم تكذب سيسيليا هذا الخبر، ولكن علائم الضجر ظهرت على وجهها كأنها كانت تقول له: ~~وأي شأن لك بهذا الأمر؟ # غير أن السير آرثر لم يكترث لما أبدته من الملل، فقال لها: يجب قبل التوغل في الحديث ~~أن أعترف لك بأمر لا بد لي من الاعتراف به إليك. ~~- لي أنا؟ ~~- نعم، إني يئست منذ زمن بعيد من زواجك. ~~- ولكننا لا نزال صديقين؟ ~~- بل أخوين، إني أحبك كما يحب الأخ أخته، ولأجل ذلك وجب علي تحذيرك! ~~- من أي شيء ms1317 تحذرني؟ ~~- من خطر عظيم يتهددك. ~~- أي خطر هذا؟ ~~- هو خطر اقترانك بستوي. # فأجفلت الفتاة وقالت: ماذا تقول؟ ~~- أقول الحقيقة؛ لأن هذا الاقتران يستحيل عقده بينكما. # فذعرت سيسيليا ذعرا شديدا، وحاولت أن تعترض عليه، لكنها وجدت بين عينيه ملامح ~~الاعتقاد التام، فخافت وقالت: ماذا تعني بهذه الأقوال؟ أوضح كل شيء. ~~- سأبذل جهدي. ~~- كيف ستبذل جهدك؟ ~~- لأن التصريح صعب، ويجب أن أذكر أمورا، قد لا يحسن وقعها لديك. ~~- لا بأس، قل كل شيء. إني أريد. ~~- إذا اعلمي أن السير ستوي غير مسيحي. # فقالت بلهجة المشكك: إذا بأي دين يدين؟ ~~- يدين بدين الهنود. فإنه يعبد الإله سيوا والإلهة كالي، وغيرهما من آلهة ~~الهنود. # فهزت سيسيليا كتفيها قائلة: إن ما تقوله غير معقول. ~~- ولكنه الحقيقة. ~~- أية حقيقة هذه؟ إني واثقة كل الثقة من أن هذه الحكاية قد استنبطها أحد الذين رفضت ~~الاقتران بهم. ~~- لا يخلو ظنك من بعض اليقين، فإن الذي علم هذه الحقيقة هو أحد خطابك السابقين، ولكنه ~~لم يخترع هذه الحكاية اختراعا، بل اكتشفها اكتشافا. ~~- لم أفهم ما تقول؟ ~~- أصغي إلي أيتها العزيزة، فإنك رفضت منذ حين السير رالف أوندربي. ~~- نعم، إني أبيت الاقتران به؛ لأنه أبله لا عقل له. ~~- ولكن هذا الأبله قد علم أنك تحبين السير ستوي. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- جعل يقتفي أثره. ~~- وإلى أين يذهب السير جورج كي يقتفيه. ~~- إنه يذهب في البدء إلى منزله فيغير ملابسه، ويتنكر بزي بحار، ثم يذهب إلى ~~وينغ. # وكانت هذه الناحية مشهورة بفساد قومها عند جميع أهل لندرا، فما شاءت أن تصدق أن مثل ~~السير ستوي يذهب إليها، فقالت: إن هذا الكلام نميمة لا صحة لها. ~~- اصبري أيتها العزيزة؛ إني لم أتم حديثي بعد. ~~- قل. ~~- إن السير رالف لم يقتنع باقتفاء أثره، بل إنه رشا خادمه بالمال، فعلم منه كثيرا من ~~الأمور. ~~- ماذا علم؟ ~~- إنه رشاه بمائتي جنيه كي يدخله إلى منزل السير جورج في مدة غيابه، ففعل وعلم السير ~~رالف عند ذلك أنه يوجد في منزل هذا الرجل غرفة خاصة لم يدخل أحد ms1318 إليها سواه. # وكانت سيسيليا تنظر إليه مبتسمة إشارة إلى عدم تصديقه، ولكنها مع ذلك كانت مصغية إليه ~~أتم الإصغاء، حتى إنها كانت تقطب جبينها بعض الأحيان إشارة إلى اهتمامها. # أما السير آرثر فقد مضى في حديثه قائلا: وهذه الغرفة مقدسة عنده؛ لأنه يصلي فيها، ~~ويوجد في وسطها بركة من الرخام تسبح في مياهها سمكة حمراء، يعتقد السير ستوي أن روح ~~أبيه كامنة فيها. # فاصفر وجه سيسيليا وقالت: كيف علم السير رالف أنه يوجد سمكة في بركة الغرفة، وأنت ~~تقول إنه لا يدخل إليها أحد؟ ~~- ذلك لأن هذه الغرفة ينفذ إليها النور من السطح، وفي سقفها قبة من الزجاج الشفاف ~~متصلة بهذا السطح. # وقد أصعد الخادم السير رالف إلى السطح، فكمن فوق القبة إلى أن عاد السير جورج إلى ~~منزله، فأقام فيه هنيهة، ثم دخل إلى هذه الغرفة وهو عاري الصدر، وعلى رأسه عمامة من ~~الحرير الأبيض، فركع أمام البركة، وجعل يخاطب تلك السمكة الحمراء، والسير رالف يراقبه ~~من فوق الزجاج. ~~- أهو السير رالف نفسه الذي أخبرك هذا الخبر؟ ~~- نعم. ~~- ألم يخبر أحدا سواك؟ ~~- نعم، فقد أخبر أيضا البارون نيفلي، حين كنا أمس في نادي بال مال. # فقالت الفتاة ببرود: إذا اعلم أن السير ستوي سيقتل غدا السير رالف، وأنا أنصحك أن ~~لا تقص هذه الحكاية المضحكة على أحد، وأن لا تدع لستوي سبيلا إليك. # ثم نهضت، وأظهرت لقريبها إشارة أنها لا تريد أن تسمع بعد. # فنهض السير آرثر قائلا: ليكن ما تريدين، فقد فعلت ما يجب علي، وستذكرينني إذا أصبت ~~بمكروه. # فلم تجبه الفتاة، وذهب كل من باب، ولكن آرثر لم يتجاوز العتبة حتى عاد، وقال: لي كلمة ~~أيضا أيتها العزيزة. # فالتفتت وقالت: أية فائدة من الكلام في هذا الصدد؟ ~~- كلمة واحدة فقط. # فغضبت الفتاة وقالت: لا ينقصك بعد ذلك إلا أن تتهم السير جورج بأنه زعيم لصوص. اذهب ~~لا أريد أن أسمع شيئا. # فانحنى السير آرثر، وذهب دون أن يفوه بحرف، فلما بلغ منتصف السلم التقى برجل عجوز ~~يصعد ms1319 ذلك السلم وعليه علائم الاضطراب الشديد. # وكان هذا الشيخ اللورد شارنج عم سيسيليا، فحياه آرثر باحترام قائلا: ماذا أصابك، وما ~~هذا الاضطراب؟ # فأجابه بلهجة المنذعر: لقد علمت نبأ هائلا، فأين هي ابنة أخي؟ ~~- في معمل التصوير. ~~- أرأيتها؟ ~~- إني تركتها الآن. # فأكره اللورد شارنج آرثر على أن يعود معه. # فلما اجتمع الثلاثة في المعمل، ذعرت سيسيليا لاضطراب عمها، وسألته عما أصابه. # فقال وهو يرتجف: لقد سمعت خبرا غريبا، أتعرفين السير رالف؟ ~~- كيف لا أعرفه، وقد خطبني منذ حين فرفضت طلبه؟ ~~- إذا اعلمي أنك لو تزوجت به لكنت الآن أرملة. # فصاحت الفتاة صيحة انتصار، ونظرت إلى السير آرثر كأنها تقول: أرأيت كيف ينتقم السير ~~جورج؟ # وعاد اللورد إلى الحديث، فقال: إن السير رالف وجد مخنوقا بعد ذهابه من ~~النادي. # فصاحت سيسيليا صيحة أخرى، واصفر وجهها، وقال السير آرثر: لا شك أن اللصوص خنقوه ~~ليسرقوه. # فقال اللورد: كلا؛ لأن نقوده وأوراقه وساعته كانت باقية معه. # عند ذلك تراخت عزيمة سيسيليا حتى أوشكت أن تسقط عن كرسيها، وخشيت أن يكون ابن خالها ~~السير آرثر صادقا في ما قاله عن ستوي. # 33 # ولنعد الآن إلى السير ستوي، فإنه بعد أن فارق مس سيسيليا في حديقة هيد بارك عاد إلى ~~نادي بال مال. # وكان النادي مزدحما بالمشتركين، وكلهم مجتمعون في قاعة واحدة، يقامرون حول مائدة ~~طويلة بين وقوف وجلوس، لا ينصرفون إلى غير الورق، فلم ينتبه أحد لقدوم السير ستوي غير ~~شاب يدعونه السير جمس نيفلي كان بين الواقفين. # وكان هذا الشاب أسمر اللون، متقد العينين بأشعة الذكاء، وهو من أب إنكليزي وأم ~~هندية. # وقد مات أبوه على أثر ولادته، فتولت تربيته أمه. # فلما دخل السير ستوي إلى النادي، ورأى السير جمس نظر إليه نظرة سرية علم السير جورج ~~منها أنه يريد مباحثته بشأن خطير، فقال له: أتريد أن تلعب بالورق؟ # فأجابه السير جمس بالامتثال، ودخل الاثنان إلى غرفة من غرف النادي لم يكن فيها أحد ~~لانشغال الأعضاء بالمقامرة، فأتاهما الخادم بالورق، فجعلا يتظاهران باللعب ~~ويتحدثان. ms1320 # فقال السير جمس بلهجة الاحترام: أيها النمر، يوجد في منزلك خائن. ~~- أتعني به كيرشي؟ ~~- كلا، بل خادمك جون الإنكليزي. ~~- ماذا فعل هذا الخادم؟ ~~- إنه خانك. ~~- كيف خانني؟ ~~- أصغ إلي أيها النور أتم الإصغاء، إنك تحب مس سيسيليا أليس كذلك؟ ~~- كلا، إني لا أحبها، ولكن أحب أن أتزوجها. ~~- كلاهما واحد عندنا، ولست هذا الذي أريد أن أقوله، بل أريد أن أقول: إن لهذه الفتاة ~~كثيرا من الملايين، وإننا في حاجة إلى ملايينها لقضاء مهماتنا، أليس كذلك؟ ~~- دون شك، وبعد ذلك؟ ~~- وإن هذه الفتاة قد خطبها معظم نبلاء لندرا. ~~- أعرف كل ما تقول. ~~- ولكنها تحبك حبا لم يرض عنه أولئك النبلاء الذين خابت أمانيهم في هواها، فرشا ~~أحدهم خادمك فأهداه إلى سقف غرفتك المقدسة، ورآك من زجاجها تخاطب روح أبيك. # فاصفر وجه السير ستوي من الغضب، وقال: من هو هذا الرجل كي أقتله؟ ~~- صبرا أيها النور، فإن هذا الشخص قد أتى إلى هذا النادي مساء أمس، فأخبرني وأخبر ~~السير آرثر بما رآه. ~~- السير آرثر ابن خال سيسيليا؟ ~~- هو بعينه. ~~- ومن هو الشخص الذي أخبركما؟ ~~- السير رالف أوندربي. ~~- إذن سيموت. ~~- لا فائدة من ذلك. ~~- لماذا؟ ~~- لأني ذهبت أمس وإياه من النادي، فأوصلته إلى باب منزله، وهناك خنقته فلا يعود بعد ~~ذلك إلى الكلام. ~~- والآخر؟ ~~- أصدرت أوامري بشأنه. ~~- أتظن أني لا ألقاه الليلة في منزل سيسيليا؟ # فابتسم السير جيمس، وقال : هذا ما أتمناه. # وعند ذلك نهض السير ستوي، فقال له السير جمس: إلى أين أنت ذاهب أيها النور؟ ~~- لأقضي على الخادم الذي خانني. ~~- لقد افتكرت بعقابه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني سأعود إلى منزلي، وأنت تعلم أني مقيم في منزل معتزل في شارع سانت ~~جمس. ~~- نعم. ~~- إذا اعلم أنه يوجد في هذا المنزل بئر عميقة. ~~- لقد فهمت كل شيء. ~~- أرسله إلي بحجة من الحجج، وأنا أتكفل به، فلا يدل بعد الآن أحدا على طريق ~~السطح. ~~- إذا هلم بنا الآن لنتعشى، وسأرسله لك بعد العشاء. # وذهب الاثنان من قاعة اللعب في النادي إلى قاعة الطعام، فتعشيا ms1321 ثم خرجا، فقال له ~~السير جمس: إني ذاهب إلى منزلي لانتظار خادمك. ~~- حسنا سأرسله في الحال، إنما قبل أن نفترق قل لي: ما هي الأوامر التي أصدرتها بشأن ~~هذا الأبله السير آرثر؟ ~~- إني استعلمت عنه في الصباح فعلمت أن له خليلة. ~~- أين؟ ~~- في وايت شابل، وأنا أقول الآن على سبيل الافتراض، إذ لم أتحقق بعد هذا الأمر، ولكن ~~الذي علمته أنه في كل يوم بعد أن يفرغ من عمله في الأميرالية البحرية يذهب إلى تلك ~~الناحية الهائلة، وسيقتفون أثره اليوم، فإذا لم يكونوا قد خنقوه الآن فسيخنقونه ~~الليلة. # فقال له ستوي ببرود: حسنا فعلت. # ثم افترقا، وذهب كل إلى منزله. # ولما وصل السير جورج إلى منزله وجد خادمه ينتظره، فدخل إلى غرفته، وبعد هنيهة ناداه ~~وقال له: أتعرف منزل السير جمس نيفلي؟ ~~- نعم. ~~- إذا اذهب بهذه الرسالة فسلمها إليه يدا بيد، وعد إلي بالجواب. # ثم أعطاه غلافا مختوما عليه عنوان السير جمس، فأخذه المسكين وسار به، وهو لا يعلم ~~أنه يحمل بيده الحكم عليه بالموت. # وبعد انصرافه أخذ السير جورج يغير ملابسه، ولم يكد يبدأ حتى سمع جرس المنزل ~~يقرع. # فنزل السير جورج نفسه لغياب الخادم وفتح الباب، ولكنه لم يكد يفتحه حتى تراجع منذهلا ~~إلى الوراء، وسقط المصباح من يده لفرط دهشته. # ذلك لأن هذا الزائر كان امرأة، وهذه المرأة كانت مس سيسيليا. # ثم مشى السير جورج معها في الحديقة، التي كان يكتنفها الظلام لسقوط مصباحه، وقد أراد ~~أن يأخذ يدها فمنعته، وقالت له بلهجة التعنيف والتهكم: إني آتية لأتفقد السمكة الحمراء ~~التي تقيم فيها روح أبيك. # ثم تقدمت بعزم ثابت إلى المنزل بينما كان السير جورج واقفا، وقد تضعضع عقله كأنما ~~الصاعقة قد انقضت عليه. # 34 # ولبث السير جورج هنيهة على تلك الحالة من الاضطراب ناظرا لسيسيليا، فإنها ذهبت إلى ~~ردهة المنزل، وكان مصباح معلقا في سقفها، فجلست على موقد تنتظر قدومه. # غير أن السير جورج قاوم نفسه مقاومة الحالم أصيب بكابوس، وسار لمقابلة الفتاة وقد عاد ~~إليه ms1322 رشده في هذه الآونة اليسيرة، حتى إنه حين وصل إليها تمكن من أن يبتسم ابتسام الرجل ~~السعيد، وقال لها: ما أبهج هذا اللقاء أيتها الحبيبة، فإني أحسب نفسي من ~~الحالمين. # فقالت بلهجة عنيفة: إني أتيت لأبحث معك في شأن خطير. # فأنار السير جورج مصباحا، وسار أمامها إلى قاعة الاجتماع، فتبعته وجلست على كرسي وهو ~~واقف أمامها، فقالت ببرود: إني كنت أحبك منذ ساعتين يا سيدي. # فاصفر وجه السير جورج، واستدلت الفتاة من اصفراره أنه يحبها، فلطفت لهجتها، وقالت: ~~أتريد أن تقول لي أين ولدت؟ ~~- إني ولدت في كلكوتا يا سيدتي. ~~- بأي دين تدين. # فاضطرب السير جورج لهذا السؤال الفجائي، وقال لها: إن أبي كان هنديا وأمي إنكليزية، ~~والحق أني لم أهتم يوما بالأمور الدينية. ~~- ألا تعبد الإله وشنوا؟ ~~- إن هذا الإله يعبده عامة الهنود يا سيدتي، وما أنا منهم. ~~- أتؤمن بالمسيح؟ ~~- لا أعلم. ~~- تريد أن تقول إنه لا دين لك؟ # وكان السير جورج قد عاد إليه رشده في تلك المدة، فقال لها: إني أحبك أيتها الحبيبة ~~حبا صادقا يدعوني أن أقص عليك حقيقة أمري. ~~- قل إني مصغية إليك. ~~- لقد قلت لك إن أبي كان هنديا وأمي كانت إنكليزية، فكانوا يعلمونني في حداثتي ~~مبادئ الديانات الهندية، فعبدت ما استطعت من هؤلاء الآلهة الكثيرين دون أن أفرق بين إله ~~وآخر. # وبينما كان أبي يعلمني ديانة وشنوا كانت أمي تعلمني ديانة المسيح، فخرجت من تلك ~~المعركة لا بوذيا أعرف ولا مسيحيا أوصف، أي إني لست على دين، على أنني لو تلقيت ~~الآن أسرار الديانة المسيحية من كاهن لاعتنقت شاكرا راضيا هذا الدين. ~~- أتقول الحق؟ ~~- إنك تعلمين قدر حبي لك، فلا يرضيني إلا ما يرضيك. ~~- ولكنك أعددت في منزلك غرفة، فبنيت فيها بركة؟ ~~- نعم. ~~- ووضعت في البركة سمكة؟ ~~- نعم. ~~- واعتقدت أن السمكة تضم في جسمها روح أبيك؟ # فضحك السير جورج وقال: إن أرواح الناس لا تدخل في الأسماك، والحقيقة أن كل من ربي في ~~الهند يتفاءل بسمك نهر الكنج خيرا، وأنا قد وضعت هذه ms1323 السمكة، وهي من ذلك النهر في ~~منزلي لما دعوته من حسن التفاؤل ليس إلا. ~~- ولكنك تعبدها. ~~- ومتى كانت الأسماك من المعبودات؟ # فنهضت سيسيليا وقالت: إذا أنت تغير دينك، وتعتنق الدين المسيحي؟ ~~- دون شك. ~~- وإذا رضيت أنا بزواجك، أترضى أن يعقد زواجنا في كنيسة لندرا الكاتدرائية؟ ~~- كل الرضا. # وكان السير جورج قد تكلف هيئة تدل على ملء الحرية والبساطة، فلما رأى أن الفتاة فرغت ~~من جميع أسئلتها، قال لها: وكيف عرفت كل ذلك؟ # فارتعشت سيسيليا وقالت: أتعرف السير رالف أوندربي؟ # فلم يظهر عليه شيء من آثار الاضطراب عند ذكر هذا الرجل الذي قتله عامله، وقال: كلا لا ~~أعرفه. ~~- إن السير رالف طلب أن يقترن بي منذ عامين، فرفضت طلبه، وكان يعلم أنك تحبني فغار ~~علي منك، وجعل يقتفي أثرك. ~~- أهو الذي أخبرك؟ ~~- لم يخبرني أنا، بل أخبر صديقا له فنقل إلي الحديث. ~~- إذا سأدعوه اليوم إلى المبارزة، وسيكون لي معه شأن. # فنظرت سيسيليا إليه محدقة به، وقالت في نفسها: يستحيل أن يكون مخادعا لي، ولا شك أنه ~~لا يعرف السير رالف. # ثم أجابته قائلة: لا سبيل إلى المبارزة. ~~- لماذا؟ ~~- لأن السير رالف مات في الليلة الماضية. # فأظهر السير جورج دهشة صادقة أزالت من فؤاد الفتاة كل ريب، فمدت يدها إليه، وقالت له: ~~أتصفح عني فقد كنت فاقدة الصواب؟ ~~- ماذا تعنين؟ ~~- لا شيء. # فضم يديه وقال لها بلهجة المتوسل : بالله قولي لي ماذا تعنين، فقد شغلت بالي؟ ~~- عفوا أيها الحبيب فقد كرهتك واحتقرتك عدة ساعات. ~~- أنا؟ ~~- نعم؛ لأني كنت أعتقد أنك أنت قاتل السير رالف. # فرفع السير جورج يديه وقال لها: أقسم لك بشرفي، إني بريء من دم هذا الإنسان. ~~- وأنا صدقتك، وسأكون امرأتك. # ثم أفلتت من يديه، وذهبت فاجتازت الحديقة، وخرجت إلى الشارع والسير جورج واقف ينظر ~~إليها حتى توارت عن أبصاره، فتنهد تنهد المنفرج، وقال: سيرى آرثر نويل أنه لا يستطيع ~~وشاية بعد اليوم. # وفيما هو يتوعد آرثر نويل هذا الوعيد دخل رجل مسرعا إلى غرفته، وقال له: أيها النور، ms1324 ~~إن الإلهة كالي قد خدعت وأهينت؛ لأن جيبسي النورية لها عشيق. # 35 # ولنذكر الآن شيئا عن آرثر نويل الذي يتوعده السير جورج بالقتل، فقد كان هذا الرجل من ~~نبلاء الإنكليز، وهو شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين من سنيه، جميل الوجه، وافر الأدب، ~~فتنت به كثيرات من فتيات قومه، غير أنه كان يأبى الزواج كل الإباء. # وكان الناس على اختلاف بسبب نفوره من الزواج، فيرى بعضهم أنه قد يئس بعد أن أبت مس ~~سيسيليا الاقتران به، ويرى آخرون أنه كان يمتنع عن الزواج؛ لأن ثروته لا تناسب مقام ~~أسرته، إنه ينتظر أن يرث إرثا كبيرا أو تهبط إليه ثروة من السماء، يقول بعضهم - وهم ~~قلائل: إن السير آرثر يحب حبا سريا. # وما دعاهم إلى هذه الأقوال غير ما رأوه من تغير أخلاق هذا الرجل، واختلاف عاداته مع ~~أصحابه منذ عامين، فقد كان كثير التردد على منتدياتهم، ثم انقطع عنهم فجأة، فلا يرونه ~~فيها إلا في القليل النادر. # وكانت عادته الجديدة أنه يخرج في الساعة السادسة كل يوم من دار الأميرالية التي كان ~~موظفا بها، فلا يرونه إلا في ظهر اليوم التالي. # وكان مقيما في منزل بديع في شارع بيكانيلي، لكن الذين دفعهم الفضول إلى اكتشاف ~~أسراره بعد أن تغيرت أخلاقه، كانوا يراقبون منزله فيجدونه مقفلا على الدوام، ولا أثر ~~للنور فيه. # وذلك أن السير آرثر لم يكن يقيم في هذا المنزل إلا ظاهرا، فكان يخرج من مكتبه في ~~الساعة السادسة من مساء كل يوم إلى شاطئ التايمز، فيمشي في شارع يكثر فيه تردد الناس، ~~ويلتفت في كل حين يمنة ويسرة كأنه يخشى أن يتبعه أحد، ويلبث سائرا حتى يقف عند منزل ~~صغير مؤلف من دور واحد. # ويحمل في جيبه مفتاحا يفتح به باب المنزل ويدخل، ولكنه لا يكاد يدخل حتى تسرع إلى ~~استقباله امرأة كهلة فتأخذ ثوبه وعصاته فتضعهما في موضعهما، وتعود إلى المطبخ. # وكانت هذه المرأة تدعوه المسيو فيليام؛ لأنه كان يبالغ في التنكر، فلا يريد أن يعرف ~~باسمه الصحيح، ms1325 ولا أن تعرف تلك المرأة وجيرانها أنه من الأشراف، ولولا ذلك لكانت دعته ~~السير فيليام. # وكان يظهر من حديثه معها أنه هو صاحب المنزل، وأنها تخدمه فيه، فإذا وصل ذهب توا ~~إلى قاعة الطعام فيجد المائدة مهيأة فيأكل ويدخل إلى غرفة الكتابة، وهناك منضدة تكدست ~~فوقها الكتب والأوراق، فينعكف على المطالعة، ولكن جسمه كان يرتعش لأقل حركة يسمعها، ~~فيدنو من النافذة وهي لا تعلو أكثر من مترين عن الأرض، ويصغي إصغاء تاما، ثم يعود ~~إلى شأنه الأول. # ويلبث على هذه الحال إلى منتصف الليل، فيسمع قرعا على النافذة المغلقة، فيختلج ويسرع ~~إلى المصباح فيطفئه، ثم يفتح النافذة بيد تضطرب، فيشعر بجسم لطيف قد انسل من النافذة، ~~ويحس بمعصمين ناعمتين طوقا عنقه، وشفتين رقيقتين قبلتا شفتيه، ويسمع كلمات حنونة تسحر ~~عقله وتجذب فؤاده. # ويلبث العاشقان أحيانا إلى مطلع الفجر، فتفارقه وتذهب كما أتت، وهي تقول: إلى اللقاء ~~غدا ... # وكان السير آرثر يعيش هذه العيشة منذ عامين، تزوره تلك الفاتنة كل ليلة إلا ما ندر ~~دون أن تدري الخادم العجوز بشيء من أمره، وهي تحسبه من أهل الكمال. # وكان يتفق له بعض الأحيان أنه يتأخر في النادي، فتنتظره العجوز إلى الساعة العاشرة، ~~ثم تنام فيأتي السير آرثر دون أن تراه أو تشعر بقدومه. # ففي المساء السابق لذلك اليوم الذي قدم فيه إلى مس سيسيليا، وأخبرها بما علمناه من ~~السير جورج ستوي تعشى في النادي خلافا لعادته، فالتقى بالسير رالف، وهناك أخبره وأخبر ~~السير نيفلي بما عرفه القراء. # وكانت تلك الليلة محصية الحوادث، فقد حدثت فيها مصارعة الكلبين، واقتفاء روكامبول ~~ونويل أثر السير جورج إلى وينغ. # وفي تلك الليلة قصت الإرلندية في خمارة الملك جورج حكايات أزواج جيبسي الستة، وخطب ~~روكامبول تلك الفتاة، وذهب بها إلى منزلها. # وفي تلك الليلة نفسها عاد السير آرثر إلى التسمي باسم المستر فيليام، وأقام ينتظر في ~~منزله بفارغ الصبر قدوم العشيقة، ولكن العشيقة لم تحضر. # وقد انتصف الليل ومضت الساعة الأولى والثانية ثم الثالثة بعد انتصاف الليل، ms1326 ولم يسمع ~~نقيرها على النافذة، فكان عرضة للاضطراب والقلق الشديد من اضطرابه إلى أن فرج الله ~~كربته، وسمع الصوت فأطفأ المصباح، وقام إلى النافذة وهو يرتجف، ففتحها ودخل منها غلام ~~لابس ملابس البحارة، وقبعة كبيرة من القش بحيث لا يسع من يراه لأول وهلة إلا أن يحكم ~~بأنه من البحارة. # ولكنه لم ينزع تلك القبعة حتى انسدل من تحتها شعر جيبسي على كتفيها؛ لأن هذه العاشقة ~~المتنكرة لم تكن سوى جيبسي النورية. # 36 # ولنذكر الآن كيف تعارف الاثنان وتعاشقا، فإن هذا الحب بينهما متصل منذ عامين. # وتفصيل ذلك أن السير آرثر حين أبت ابنة خاله مس سيسيليا أن تتزوجه حزن حزنا شديدا، ~~وقد محق هذا الرفض قلبه؛ لأنه كان يحبها حبا صادقا، وخشي أن يتهمه الناس بأنه إنما ~~أراد أن يتزوجها طمعا بمالها. # وكبر عليه الأمر، وأشار عليه أصدقاؤه بالسفر ترويحا للنفس، والتماسا للسلوى، فنال ~~إجازة من الأميرالية وسافر إلى فرنسا. # غير أن هذه السياحة لم تشفه من وله غرامه، بل زادت من شدة دائه، وعاد إلى لندرا ~~واليأس ملء قلبه، فإن داء الحب لا يدفعه غير الحب، ولبث على هذا الهيام إلى أن نفذت إلى ~~قلبه أشعة حب جديد بالصدفة والاتفاق. # والحكاية أنه ذهب يوما من الأميرالية قبل غروب الشمس، وجعل يطوف هائما في شوارع ~~لندرا المقفرة إلى أن انتبه لنفسه، فوجد أنه واقف عند باب مقبرة في ناحية وايت ~~شابل. # وكانت أبواب تلك المقبرة مفتوحة، وليس فيها شيء يدل على العظمة؛ لأنها كانت خاصة ~~بطائفة الفقراء، إذ لم يكن فيها ضريح كبير، أو عمود من الرخام كتب فوقه اسم الميت بحروف ~~ذهبية، بل كان يوجد فيها صلبان من الخشب الأسود عليها كتابة محت الأمطار نصفها، وفي ~~الجملة فإن جميع مظاهرها كان يدل على أنه لا يدفن فيها غير الفقراء. # ودخل السير آرثر إلى المقبرة، وجعل يمشي فيها دون قصد إلى حيث يدفعه فكره المضطرب ~~ونفسه القانطة. # وكان يظهر له أن المقبرة منفردة ليس فيها أحد من الناس، غير ms1327 أنه نظر شبحا أسود في ~~إحدى زواياها، وتحقق أنه شبح امرأة راكعة فوق قبر، واقترب منها. # ولما أحست المرأة وهي بملابس السواد بقرب الرجل منها نهضت منذعرة، ووقف السير آرثر ~~باهتا منذهلا؛ لأنه رأى المرأة، بل تلك الفتاة، تذرف الدمع السخين، وهي لا تتجاوز ~~السابعة عشرة من عمرها. # ولكن هذه الفتاة كانت تشبه بدموعها ذلك الوادي المنفرش بخضرة الربيع، تسقط عليه ~~الأمطار ساعة، ثم تسطع الشمس فوقه، ويبتسم لدموع الغيث التي تستحيل إلى لؤلؤ. # ولما نظرها السير آرثر جزم أن مس سيسيليا التي كانت ملء قلبه تعد قبيحة بالقياس إلى ~~هذه الفتاة الحسناء. # أما تلك الفتاة فقد صاحت صيحة رعب حين رأته، وحاولت في البدء أن تهرب مما أصابها من ~~الخوف، لكنها عادت إلى صوابها، وقالت للسير آرثر بلهجة اضطراب شديد: ألعلك تعرفني يا ~~سيدي؟ # أجابها: هذه المرة الأولى التي تشرفت فيها بلقائك يا سيدتي. # وكأنما ظواهر النبل المرتسمة على محيا السير آرثر قد سكنت من روع الصبية، وحملتها على ~~الثقة به، وأخذت يده بيدها، وقالت له بلهجة المتوسل: أترفض ملتمسي يا سيدي إذا عرضت ~~عليك التماسي؟ # قال لها بلسان يتلعثم: قولي يا سيدتي. ~~- أتعدني يا سيدي أنك إذا لقيتني بعد الآن، وإذا ذكروا لك اسمي أن لا تقول أمام أحد ~~أنك شاهدتني في هذا المكان. ~~- إني أقسم لك على الكتمان. # فشكرته، ومضت مسرعة في سبيلها. # أما هو فبقي واقفا قرب ذلك الضريح الذي لم يكن فوقه صليب، ولا أثر من آثار الكتابة، ~~وجعل ينظر إلى تلك الفتاة تبتعد عنه، ويشعر بارتعاش كأنما أوحي إليه أن هذه الفتاة ~~سيكون لها شأن عظيم في مقتبل حياته. # وبعد أن احتجبت عن أنظاره خرج من المقبرة، وهام بقية الليل في تلك الشوارع المجاورة ~~للمقبرة، ولم يجد أثرا للصبية. # وفي اليوم التالي كان السير آرثر مجهم الوجه، منقبض الصدر، وقد شعر أنه أصيب بداءين ~~وتنازع قلبه غرامان لا يعلم إلى أيهما يخضع. # وفي اليوم الثالث عاد إلى المقبرة في الساعة نفسها التي لقي فيها ms1328 الفتاة ولم يجدها، ~~وعاد في اليوم الذي تلاه، وفي الأيام التابعة ولم يرها. # وجعل يتردد كل يوم إلى أن رأى ذات يوم آثار أقدام صغيرة عند باب المقبرة؛ ففرح كثيرا ~~لاستدلاله من خطواتها على حضورها، ولكنه لم يرها. # وذهب إلى الحفار وهو يقيم في غرفة عند مدخل الباب الكبير، فأعطاه جنيها، وسأله أن ~~يخبره عن صاحب القبر الذي رأى الفتاة راكعة عليه. # وحكى له الحفار هذه الحكاية الغريبة، وهي أن هذه الفتاة جاءت منذ ستة أشهر إلى كاهن ~~هذا الشارع، وهو رجل عجوز من أهل الصلاح، وخلت معه ساعة، ثم خرجت وإياه، وناداني الكاهن ~~وأمرني أن أسير معه، فركبنا مركبة مقفلة، وسرنا بها إلى خارج لندرا. # وما زلنا نسير من قفر إلى قفر حتى انتهينا إلى مقبرة النور، وهي خاوية خالية لا ناس ~~فيها ولا حراس، وأوقفت الفتاة المركبة، وذهبت بي وبالكاهن إلى قبر يظهر من ترابه أنه ~~حديث الحفر، وقالت للكاهن: هذا هو القبر. # وأمرني الكاهن أن أنبشه، فامتثلت وأخرجت منه تابوتا لا أعلم إذا كان دفن فيه جثة رجل ~~أو امرأة، ثم ساعدني الكاهن ونقلنا التابوت إلى المركبة، وجئنا به إلى هذه المقبرة، ~~ودفناه في هذا القبر الذي رأيت الصبية راكعة عليه. # ويظهر أن هذه الفتاة شديدة الفقر، حتى إنها لم تستطع أن تضع صليبا فوق الضريح، غير ~~أن الكاهن بارك التابوت، وصلى على من فيه، وهو الآن في أرض مقدسة. # أما هذه الفتاة فإنها تزور الضريح مرة في الأسبوع، وتبكي البكاء الشديد، ولكنها لا ~~تأتي في يوم معين وساعة محدودة؛ لأنها تخشى المراقبة. # ونفح السير آرثر هذا الحفار بجنيهين وانصرف. # وفي اليوم التالي عاد إلى المقبرة، ووضع صليبا فوق القبر، وعلق عليه إكليلا من ~~الزهر. # ثم جعل يتردد على المقبرة كل مساء دون أن يراها إلى أن جاء يوما ورأى إكليلا ~~موضوعا بإزاء إكليله ففرح فرحا عظيما، وعلم أن الصبية قد وضعته. # وبينما هو خارج في ذلك اليوم من المقبرة التقى بالفتاة داخلة إليه، وصاح كلاهما صيحة ms1329 ~~واحدة، ودنت منه الفتاة وقالت: ألست أنت الذي وضعت الصليب والإكليل؟ # واعترف السير آرثر بصوت يتهدج من الاضطراب، وشكرته الفتاة، وذهب كلاهما إلى القبر ~~وركعت فوقه وركع السير آرثر مقتديا بها، وجعلت تصلي بلغة غير مفهومة. # ولما فرغت من صلاتها نهضت ونظرت منذعرة إلى السير آرثر وقالت: رباه ماذا أفعل إذا ~~وجدنا في هذا المكان؟ # وقال لها: انظري ألا تعلمين أنه لا يوجد سوانا؟ # وكانت المقبرة صغيرة، فأجالت نظرها في أطرافها، ولم تجد أحدا، وقالت بلهجة الرعب: ~~إنهم لو رأونا هنا ... # فانذهل وقاطعها قائلا: ماذا علينا، ألا يحق للمرء أن يبكي على من يحبه؟ ~~- ليس كل حين يا سيدي. # ثم ودعته شاكرة، وانصرفت مسرعة. # غير أن السير آرثر تبعها هذه المرة وخرج في أثرها. # 37 # وجعلت الفتاة تسير بخطوات سريعة دون أن تلتفت إلى ما وراءها. # وكان الليل قد أرخى سدوله، ولكن الشوارع كانت لا تزال مقفرة في تلك الساعة لعدم ~~انصراف العمال من معاملهم، ولم تكن المصابيح قد أنيرت بعد، فكان يصعب تمييز ~~الناس. # وكانت الفتاة لابسة رداء أبيض، وعلى كتفها شال من الصوف، فوضعته على رأسها كي لا ~~يراها أحد. # إلا أن السير آرثر كان يجد السير بغية اللحاق بها، وإذا اختلطت بين الناس عرفها من ~~ثوبها الأبيض. # ولكنها كانت تريد أن لا يهتدي إلى مكانها، وجعلت تسير من زقاق إلى زقاق وهي تحاول ~~الاختفاء عنه، ولم تجد إلى ذلك سبيلا إلى أن أدركها في زقاق، ولم يكن فيه أحد من ~~المارة وناداها. # فالتفتت الفتاة عند ذلك، وقالت له بلهجة المؤنب: أرجوك أن لا تتبعني يا سيدي، لقد ~~أسأت إلي بعد ذلك الإحسان. # غير أن لهجة تأنيبها كانت عذبة لطيفة، وكانت نظراتها تدل على الرضا. # فقال لها: أتعدين يا سيدتي من الذنوب أن أتبعك وأنت على ما رأيتك به من الكآبة لا ~~سيما وقد علمت بعض أمرك من الحفار؟ # فاضطربت لهذا القول اضطرابا شديدا، وقالت: رباه لقد خفت. ~~- ومم تخافين يا سيدتي؟ تأبطي ذراعي لأني من الأشراف، ومتى ms1330 كنت معي فلا خوف ~~عليك. # ونظرت إليه الفتاة محدقة، فرأت الإخلاص يجول بين عينيه، ثم رأت علائم الحب الصادق ~~بادية بين ثناياه، فسرت إلى فؤادها تلك العاطفة السريعة التي تضيء أشعتها نفسين كما ~~تضيء أشعة الكهرباء، فتجمع بينهما جامعة الإخاء، وقالت: لقد صدقت يا سيدي، وركنت ~~إليك. # ثم تأبطت ذراعه، وقالت له وهي ترتجف: إنك كلمتني عن الحفار؟ ~~- نعم فإني أعترف لك بما جنيت، وألتمس منك الغفران. ~~- ألعله أخبرك بكل شيء؟ ~~- إنه أخبرني بما يعلمه على الأقل. ~~- إذن لنذهب إلى شاطئ التاميز؛ إذ لا نجد هناك من يعرفني، فإني معرضة لخطر شديد، إلا ~~أني رأيت بين عينيك النبل وصدق الطوية، فأحببت بأن أخبرك بكل شيء، إني وحيدة في هذا ~~الوجود، وقد لقيتني جاثية على ضريح آخر من أحبتهم نفسي. # وكانت تحادثه وصوتها يضطرب حتى وصلا إلى شاطئ النهر. # لم يكن هناك أحد تخشى أن يعرفها، فاستأنفت حديثها وقالت: إن هذا الميت الذي أبكيه هو ~~الرجل الذي رباني، وقد كان مثلي يتظاهر أنه يدين بدين النور، لكنه كان مثلي أيضا يعتنق ~~الديانة المسيحية بالسر. # ولما ذهبت في الليل إلى ذلك الكاهن، واعترفت له بحكاية هذا الرجل الذي كان يدعى فارو، ~~فأخرجناه من مقبرة النور ودفناه في أرض مقدسة. # على أن قبيلة النور إذا عرفت هذا السر تقضي علي القضاء المبرم، وتعاملني دون ~~إشفاق. ~~- لقد فهمت ما تريدين، وقد عاهدتك على الكتمان ، فلا أبوح بسرك ما دمت حيا. ~~- أشكرك يا سيدي، والآن أرجو أن تنساني، فإننا ما خلقنا لنتفق. # فاصفر وجهه عند سماعه هذا القول، وشعرت الفتاة أنه أوشك أن يسقط لارتعاشه، ثم سمعته ~~يقول لها: أواه لو تعلمين حبي لك. # وكأن الفتاة قد حنت عليه، أو أصيبت بما أصابه، فقالت له: إذن سنلتقي هنا بعد ثلاثة ~~أيام في مثل هذه الساعة. # ثم تركته فجأة، وانصرفت في سبيلها. # أما السير آرثر فإنه عاد إلى منزله، وقد امحت مس سيسيليا من فؤاده، وحلت تلك الفتاة ~~محلها فيه، وشعر أنه يحب تلك الفتاة المجهولة ms1331 التي رآها أول مرة تبكي فوق ضريح حبا ~~أنساه كل حب. # ومرت الأيام الثلاثة به كانت كالأجيال إلى أن حانت الساعة المعينة للموعد، فأتت ~~الفتاة وجاء السير آرثر. # وكانت السماء تمطر إلا أن الأمطار لا تحول دون اجتماع العشاق. # ووضع يده بيدها، وجعل يقبل تلك اليد الناعمة، فتدعه يفعل ولا تجذب يدها. # ولكنها نظرت إليه نظرة ملؤها الشغف، وقالت له: إني لا أعرف اسمك إلى الآن، ومع ذلك ~~إني أثق بك كما يثق المؤمن بالله؛ إذ لم يعد في الوجود من يحبني، وأنا لم أحب أحدا على ~~أني كنت أعد الدقائق منذ 3 أيام وأنا لا أعرف منك حتى اسمك. # فتأثر السير آرثر لكلامها، وقال لها: أتريدين أن أكون لك زوجا؟ # ولكن كلامه أثر عليها تأثيرا شديدا لم يكن ينتظره، فإنها قالت له وقد ظهرت عليها ~~ملامح الرعب الشديد: كلا، إن ذلك لا يكون. # ثم جعلت ترتعش، وحاولت أن تفر منه. # فانذهل ومنعها من الفرار، وهو يقول: بماذا أسأت إليك، ولماذا هذا الاضطراب؟ ~~- لأنك إذا تزوجتني يحكم عليك بالموت، وربما حكم علي به أيضا. ~~- ماذا تريدين بهذا القول، فإني لا أفهم شيئا. ~~- إذن أصغ إلي، إنك تحبني وأنا أحبك أيضا، وقد رفع الموت رايته الخفية علينا منذ ~~الآن ... على أن الوقت لا يزال فسيحا لدينا، فاهرب مني، ولنجتهد بنسيان ما مضى. ~~- وإذا لقيت أنا هذا الموت الخفي غير هياب أتقتدين بي وتخاطرين مثلي؟ # فطوقت عنقه بذراعيها، وقالت: نعم نعم، إني أحبك، ولكني أخاف عليك. ~~- لا تخشي أيتها الحبيبة، فإن للعشاق إلها يرعاهم. # وفي اليوم التالي عادا إلى الاجتماع في نفس المكان، فقالت له: اعلم أيها الحبيب أني ~~لا أستطيع أن أندفع لتيار هواك إلا بشرط واحد. ~~- ما هو هذا الشرط؟ ~~- هو أن لا تحاول أن تعلم شيئا من ذلك السر الرهيب الذي يمنعني عن الزواج بك، ~~ويجعلنا معرضين لخطر الموت. ~~- أقسم لك أجل قسم على الامتثال. ~~- وأنا أتسمى باسم حنة، وهو غير اسمي، فعدني أن لا تبحث عن اسمي الحقيقي، ms1332 ولا تحاول ~~كشف أسرار حياتي. ~~- أعدك وعد شريف لا يحنث بيمينه. # عدني أيضا أنك لا تعود إلى تلك المقبرة التي لقيتني فيها، وأنك لا تذهب إلى ناحيتي ~~ويت شابل ووينغ. ~~- إذن أين أراك؟ ~~- أين تقيم؟ ~~- في شارع بيكاديللي. ~~- إنه شارع يكثر فيه مرور الناس، فلا يسعني الذهاب إليك فيه، فابحث عن منزل صغير في ~~شارع مقفر، ثم استأجره باسم غير اسمك الحقيقي فيكون محل اجتماعنا. ~~- أتزورينني فيه كل يوم؟ ~~- كلما استطعت للزيارة سبيلا. ~~••• # في هذا المنزل الذي رأينا السير آرثر فيه متنكرا باسم ويليم، كانت جيبسي تجتمع ~~بحبيبها كل ليلة منذ عامين. # وكان السير آرثر من الأشراف، فوفى بجميع تعهداته، ولم يحاول أن يكشف شيئا من أسرار ~~النورية، لكنه كان يثق بها ثقة لا حد لها، فلو قالت له إني ملاك هبطت إليك من السماء ~~لصدق ما تقول. # هذه هي أسرار هذا الرجل الذي كانت تأتيه جيبسي متنكرة بملابس بحار، وقد أقام معها ~~عامين لم يعرف من أمرها غير أنه يهواها، ولا يعرف سواهما أسرار هذا الحب. # 38 # وفي الليلة التي نقص حوادثها كان السير آرثر يعانق جيبسي، ويقول لها: لقد كاد يفرغ ~~صبري لطول الانتظار، فأين كنت وما هذا الغياب؟ ~~- آه لو كنت تعلم ... ~~- ماذا حدث؟ ~~- أظن أن الخطر الذي يتهددنا أوشك أن يزول. ~~- كيف ذلك؟ ~~- سأخبرك بكل شيء حين تنقضي أسباب الخوف كلها، وأكتفي بأن أقول لك الآن إنه يوجد ~~عصابة في لندرا أقسمت على قتلي إذا أحببت رجلا، وعلى قتل الرجل الذي يحبني. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وجدت حاميا يقيني ويقيك شر هذه العصابة. # وكأنما قد مست كبرياؤه، فقال بلهجة المنكر: ما هذا القول وأين أنا، ألا أستطيع أن ~~أحميك؟ ~~- كلا ... # وقد لفظت جيبسي هذه الكلمة بلهجة الواثق المعتقد كل الاعتقاد فيما يقول. # فأطرق السير آرثر برأسه وقال: لقد صدقتك. # أجابت: وغدا، إذا أتيت إليك، فإني أحضر متأخرة كما حضرت هذه الليلة. # وكان السير آرثر قد تعود أن لا يعترضها في شيء، ولا يسألها عن أمر، ولكن عقرب الغيرة ms1333 ~~لسعته عند هذا الكلام، فقال لها: أتعلمين يا حنة أنه يمر ساعات أحسب نفسي في خلالها من ~~المجانين؟ ~~- كيف ذلك ولماذا؟ ~~- لأني صرت أغار عليك. # فضحكت جيبسي ضحكا عاليا دلت به على السلامة والصدق، ثم طوقت عنقه بذراعيها، وقالت ~~له: لقد قلت الحق فإنك من المجانين لا محالة، ولكني لو أقسمت لك بهذا القبر الذي رأيتني ~~أبكي عليه، أول مرة رأيتني فيها، إن شفتي لم يقبلهما رجل سواك منذ خلقت إلى الآن، أتصدق ~~بهذه اليمين؟ ~~- لا أحتاج إلى اليمين؛ لأني صدقتك دونها. ~~- ومع ذلك إني أقسم لك بهذا القبر إن قلبي لم يمتلكه سواك. # فركع السير آرثر أمامها وقال لها: أيها الملاك الهابط من السماء، أتتزوجين بي زيجة ~~طاهرة أمام الله والناس إذا زالت هذه الأخطار السرية التي تتهددنا؟ # فلم تصح الفتاة صيحة سرور حين سماعها كلامه، ولم تبرق عيناها بشعاع من أشعة الفرح، بل ~~ظهرت على وجهها ملامح الحزن العميق، وقالت: كلا إني غير جديرة بك، وإنك لا تعلم من ~~أنا. ~~- وماذا يهمني أن أعرفك إذا كنت أحبك؟ ~~- أصغ إلي أيها الحبيب، إني عشت كما تعيش الفراشة بين الحشرات الكريهة، وأنفقت زمن ~~حداثتي نقية كالسماء الخالية من الغيوم بين قوم أسافل، فكنت كأشعة الشمس المشرقة فوق ~~الوحول. # فإذا دعيت يوما بلقب اللادي أخشى أن يراني أحد من أولئك القوم فيشير بإصبعه ويقول: ~~هذه فلانة. ~~- إذن من أنت؟ ~~- أنا امرأة لم تحب سواك، ألا ترى أننا سعيدان بهذا الحب؟ ~~- لقد أصبت. # ثم أطرق برأسه، وسقطت دمعة على خده، فمسحتها جيبسي بقبلة وقالت: ربما عرفت سر حياتي ~~يوما من الأيام. # فنظر إليها دون أن يجيب. # وظهرت علائم التردد على الفتاة هنيهة، ثم قالت: ولكني مع ذلك لست من زمرة أولئك الناس ~~الذي أعيش بينهم، فانظر يدي وانظر إلي. # فنظر إليها بإعجاب، وقال: إنك تشبهين بنات الملوك. ~~- إن أمي لم تلبس التاج، بل كانت من النبيلات. ~~- أمك أنت؟ ~~- نعم، وقد ماتت الآن وكنت السبب في موتها. # ثم نهضت مسرعة كأنها خافت أن ms1334 تتسع في البحث، وتبوح بما لا تريد أن تبوح به، فودعته ~~وقالت: إلى الغد. # فلم يمنعها السير آرثر عن الرحيل، وجعل يشيعها بالنظر وهو مفكر حائر مبهوت. # وفي اليوم التالي عاد السير آرثر إلى ذلك المنزل حسب عادته، ودخل إلى غرفة القراءة، ~~فجعل يقرأ ويكتب إلى الساعة العاشرة. # وفي تلك الساعة دخلت الخادمة إلى غرفته تقدم له الشاي، فوضعته على المائدة، وبدلا من ~~أن ترجع حسب عادتها لبثت واقفة وعليها مظاهر التردد كأنها تريد أن تقول للسير آرثر ~~شيئا لا تجسر على قوله. # فأنكر السير وقوفها وترددها، وقال لها: ما بالك؟ # فكلمته العجوز بألقاب التعظيم على غير عادتها، وقالت له: إنهم سألوا عنك ~~اليوم. # فأجفل وقال: سألوا عني أنا؟ ~~- نعم يا سيدي، وقد ذكروا لك اسما غير اسمك الذي أعرفه. ~~- ماذا تعنين بذلك؟ ~~- إن اثنين من الشرفاء قدما إلى منزلك في الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم، وقالا لي: هل ~~السير آرثر نويل في المنزل؟ # فقلت لهم: لا يوجد في هذا المنزل رجل يدعى بهذا الاسم، وإن الذي يقيم فيه ليس له شيء ~~من الألقاب، وهو موظف في أحد البيوت المالية يدعى المستر وليم. # فضحك الاثنان ضحكا عاليا، وقال أحدهما: لسنا نحن المنخدعين، بل أنت ~~المنخدعة. # ثم وصفا لي أوصافك، فكانت منطبقة عليك كل الانطباق. # فاصفر وجه السير آرثر وقال: أتمي حديثك. # فقالت العجوز: إني لم أجادلهما فيما قالا، ولكني قلت لهما إنك لم تعد بعد ~~فانصرفا. ~~- ألم يقولا شيئا حين انصرافهما؟ ~~- نعم قالا إنهما سيعودان في الغد. # فصرفها، وبعد أن مضت العجوز خلا في غرفته، وجعلت الأفكار تتنازعه، فخطر له في بدء ~~الأمر أن أعداء جيبسي قد عرفوا منزله، واطلعوا على سره، فوجف قلبه وخاف على حبيبته ~~خوفا شديدا. # ثم خطر له أن ذلك قد يكون من صنع أصدقائه الذين أشكل عليهم أمر انقطاعه عنهم، فجعلوا ~~يتبعونه خفية حتى علموا موضعه. # وقد تكدر حين خطر له هذا الخاطر؛ لأنه سيضطر في كل حال إلى تغيير المنزل، والتنكر ~~باسم آخر حذرا ms1335 من أن يراقبوه، فيعلموا سر غرامه. # وقد مضى قسم كبير من الليل وهو عرضة لعوامل الاضطراب. # ومما زاد في انقباض نفسه أنه سمع الساعة الثالثة تدق دون أن تحضر جيبسي، ولكنها كانت ~~أخبرته في الليلة السابقة أنها ستتأخر في الغد. # وفيما هو يفكر في أمره تفكير المهموم إذ سمع القرع على النافذة، فطار فؤاده سرورا، ~~وأسرع إلى المصباح فأطفأه، ثم بادر إلى النافذة ففتحها بيد تضطرب وهو يقول: لقد أتيت ~~أخيرا فأهلا بك. # وفيما هو يفتح ذراعيه ليضمها، وقد رأى أنها دخلت إلى الغرفة شعر بيدين قويتين كأنهما ~~من الحديد قد ضغطتا على عنقه، ثم شعر بيد أخرى ألقته على الأرض، فكبلت يداه ورجلاه وسد ~~فمه قبل أن يتمكن من الاستغاثة. # وبعد ذلك سمع صوت رجل يقول له بلهجة الهازئ المتهكم: إنك تجاسرت على حب جيبسي ~~النورية، وسترى إلى أين يقودك هذا الحب بل هذا الجنون. # 39 # ولنعد الآن إلى روكامبول، فقد غادرناه مع السير جورج، وقد ملأ فؤاده ذعرا حينما رأى ~~صدره وما عليه من الوشوم الدالة على أنه من عباد الإله سيوا. # وكان الشهود حكموا بانتهاء المبارزة بعد جرح السير جورج، ورضي الفريقان بحكمهم، ~~فافترقا وذهب السير جورج مع شاهديه بمركبة نويل إلى لندرا، وسار روكامبول إليها مع ~~شاهديه بالسكة الحديدية. # وكان روكامبول قد ترك فاندا بحراسة ميلون، وترك كيرشي بحراسة فاندا، ولما وصل إلى ~~المنزل وجده بظواهره العادية، فإن نوافذه كانت لا تزال مقفلة؛ لأن الساعة لم تكن تجاوزت ~~التاسعة ونصف، ولا تفتح النوافذ قبل هذا الوقت في تلك العاصمة التي جعل ليلها ~~نهارا. # فأخرج روكامبول مفتاحه من جيبه ففتح الباب ودخل، وصعد إلى الدور الأعلى، فدهش حين رأى ~~باب غرفة فاندا مفتوحا على غير عادة. # وناداها فلم تجب، ونادى ميلون وكان لا يزال نائما، فصحا من رقاده منذعرا، وأسرع إلى ~~تلبية رئيسه وهو لا يزال بملابس النوم. # غير أن روكامبول كان قد دخل إلى غرفة فاندا، فما أصاب نظره داخلها حتى صاح صيحة ~~هائلة، ذلك أنه ms1336 رأى فاندا ساقطة عن الكرسي الذي كانت نائمة عليه. # وكان روكامبول قد ناداها ثلاث مرات فلم تجب. # فوقف وقد جمد الدم في عروقه، وانصب العرق البارد من جبينه، ولم يجسر على الدنو منها ~~ولمسها إذ كان يظهر له أنها ميتة. # ثم التفت لسماعه صوت ميلون الذي أسرع إليه وهو يقول: ماذا تريد يا حضرة ~~الرئيس؟ # غير أن ميلون ما لبث أن رأى روكامبول على ما كان فيه من الاصفرار والاضطراب، حتى سكت ~~ووقف في مكانه لا يجسر أن يخطو خطوة واحدة. # أما روكامبول فإنه ما لبث عشر ثوان، مرت كالأجيال، ثم صاح صيحة أخرى؛ وذلك لأنه رأى ~~صدر فاندا يهبط ويرتفع بنفس هادئ منتظم. # فدنا منها ووضع يده على قلبها، فوجده ينبض، فناداها فلم تجب. # وعند ذلك أمسكها وهزها بعنف بغية إيقاظها، فسمع فحيح الأفعى، ثم رأى ذلك الثعبان قد ~~انسل من صدرها إلى الأرض، فداسه روكامبول بقدمه وسحقه وهو يقول: لقد علمت الآن كل ~~شيء. # ثم أزاح الكرسي ودخل إلى غرفة كيرشي فوجدها خاوية خالية، وعاد إلى سكينته التي لا ~~تفارقه إلا في الأخطار، وقال: لا يجب أن أبحث عن السر؛ لأني أردت أن أخيف السير جورج، ~~فطمأنت كيرشي، والغلط غلطي، فلا ينبغي أن يؤاخذ به أحد. # وكان ميلون واقفا أمام فاندا وقد وقف شعره من الخوف عليها، ولكنه لم يجسر أن يسأل ~~عنها، فقال له روكامبول: اذهب أيها الأبله إلى قاعة الطعام، وائتني منها بصندوق ~~العقاقير. # فامتثل ميلون ونزع روكامبول قميص فاندا، فوجد فوق ثديها الأيسر أثر لسع الأفعى، فضغط ~~اللحم الملسوع ضغطا شديدا بأصبعه؛ فخرجت نقطة سوداء من الدم لا يزيد حجمها عن رأس ~~الدبوس. # فاطمأن روكامبول، وقال: إن الأفاعي الصفراء لا تقتل لحسن الحظ، ولكن كيرشي سيدفع ~~غاليا ثمن هذه الخيانة. # وعند ذلك عاد إليه ميلون بصندوق الأدوية، فاختار زجاجة ووضع منها بضع نقط في فم ~~فاندا، فما وصلت إلى جوفها حتى فتحت عينيها، ونظرت إلى روكامبول نظرة المنذهل وقالت: ~~أين أنا، وماذا حدث؟ ~~- لا شيء ms1337 سوى أن كيرشي قد عبث بك وبميلون. # فأجفلت فاندا وقالت: أهرب كيرشي؟ # ففتح روكامبول الباب وقال: انظري ألا تجدين غرفته خالية؟ # فصاحت فاندا صيحة منكرة وقالت: تبا لي من شقية. ~~- ليس الخطأ منك بل مني، والآن فلندع هذا البحث ولنصلح الخطأ. # فقال ميلون: ماذا ينبغي أن أعمل؟ ~~- يجب أن تجمع كل أعضاء العصابة. ~~- متى؟ ~~- اليوم لأني محتاج إليهم في المساء. ~~- سأجمعهم، ولكن أين يكون الملتقى؟ ~~- في خمارة الملك جورج. ~~- في أي ساعة؟ ~~- في الساعة الثامنة من المساء، فاذهب في الحال؛ لأن الوقت غير فسيح. # ولبس ميلون ثيابه، وانطلق مسرعا إلى حيث أمره الرئيس. # ولما خلا روكامبول بفاندا قال لها: إني سأمثل الليلة أول رواية مع الخناقين، وقد كنت ~~أيقنت من الفوز النهائي قبل فرار كيرشي، أما الآن فقد تجدد كل شيء. ~~- ألا تحتاج إلي في هذا المساء؟ ~~- كلا وربما احتجت إليك غدا، فأودعتك امرأتي. # فقالت له وقد اصفر وجهها: امرأتك؟ # فابتسم روكامبول وقال: اطمئني لأني سأتزوج حسب طريقة النور. ~~- ولكن لم أفهم شيئا بعد. ~~- إذا اعلمي أنه ليست ناديا ابنة الجنرال هي وحدها ضحية الإلهة كالي، لقد وجدت فتاة ~~أخرى من أحسن الأسرات جعلت ضحية لتلك الإلهة، وخبأها أهلها بين النور. # ثم حكى لها جميع ما يعلمه من حكاية جيبسي. # ولما أتم حكايته قالت له فاندا: ألا ترى أنك معرض لأخطار هائلة؟ ~~- ربما. ~~- وهذه النورية، أبلغ من عنايتك بها أن تخاطر بنفسك إلى هذا الحد بغية ~~إنقاذها؟ ~~- يجب أن أبدأ بالعراك مع الخناقين. # ثم سكت سكوتا قصيرا كانت فاندا تنظر إليه في خلاله نظرات الإعجاب، وقال: أتحسبين ~~أني رضيت بالعودة إلى الحياة، أنا الذي لا أطمع إلا بالراحة الأبدية؛ كي أعيش عيشة ~~المتنعمين؟ # فتنهدت فاندا وقالت: هو الحق ما تقول. # أما روكامبول فإنه أطرق برأسه إلى الأرض، وسقطت دمعة من عينه على يد فاندا، فارتعشت ~~وقالت له بصوت يتهدج: ألا تزال تشكو ذلك الغرام القديم؟ # ولما سمع روكامبول قولها برقت عيناه ورفع رأسه وقال: إن الحزن يطهر النفوس من ~~الآثام. ms1338 # فلم تجبه فاندا بحرف، ولكنها قالت بصوت منخفض كأنها تناجي نفسها: رباه، لماذا لقي ~~مدلين وأحبها ذلك الحب الذي لا رجاء فيه؟ # 40 # في الساعة الثامنة من الليلة نفسها كانت خمارة الملك جورج غاصة بالناس كما يتفق في ~~أيام الأعياد من خباز ونجار ومتشرد وبحار إلى غيرهم من زبائن تلك الخمارة الذين عرفوا ~~أمس ما حدث لزوج جيبسي السادس مما قصته عليهم المرأة الإرلندية. # فجعل الحاضرون يتساءلون ويقولون: أيصيب هذا الزوج السابع ما أصاب الأزواج الستة من ~~قبله؟ ومن عسى أن يكون هذا الزوج؟ ومن أين أتى؟ فإنهم لم يروه قبل هذه المرة في ناحية ~~وينغ، وأخيرا أين يعقد هذا القران؟ # هذه هي المسائل التي كانت دائرة على الألسن في خمارة الملك جورج. # فكانت الإرلندية رائدة القوم في حل هذه المشكلات، فقالت: أتعلمون أن النور لا يتزوجون ~~كما نتزوج نحن؛ لأنهم يجتمعون في مكان معتزل، فيوقدون نارا عظيمة، ويجعلون يقفزون من ~~حولها بينما يكون الخطيبان واقفين في وسط حلقة هذا الجمع. # ولما يفرغون من الرقص يأتون للعروسين بفطيرة من الدقيق معجونة بالزبدة والعسل وبإبريق ~~من النبيذ. # فيأكل العروسان الفطيرة، ويشرب كل منهما جرعة من الخمر بالتوالي حتى يفرغ ~~الإبريق. # وعند ذلك يدنو منهما شيخ القبيلة، ويقول لهما: ألا تزالان عازمين على ~~الاقتران؟ # فيقولان: نعم. # فيقول لهما الشيخ: إذا اكسرا هذا الإبريق. # فيأخذ العروسان الإبريق، ويمسكه كل منهما بيد ويرفعانه إلى ما فوق رأسيهما، ويقذفان ~~به إلى الأرض فيتحطم، وعند ذلك تتم الحفلة ويصبح هذا الاقتران شرعيا نظاميا لا شك ~~فيه. # فقال أحد الحاضرين: أتظنين أن عرس جيبسي سيكون هذه الليلة؟ ~~- دون شك. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- إني لقيت الفتاة اليوم فأخبرتني. ~~- ولكن أين يعقد هذا القران؟ ~~- هذا ما يصعب معرفته؛ لأن النور يبالغون في إخفاء أماكن حفلاتهم. ~~- إني أدفع نصف راتبي لمن يرشدني إلى ذلك المكان. ~~- وماذا يفيدك حصور حفلات أولئك النور، وفوق ذلك فإن كل غريب يحضر حفلاتهم يخاطر ~~بنفسه، وقد لا يسلم من هذا الخطر؛ لأنهم لا يتساهلون بحفلاتهم ms1339 الدينية. # وهم في حفلات أعراسهم كما هم في حفلات مآتمهم، فإنهم يدفنون موتاهم أيضا في أماكن لا ~~يعلمها أحد. # وكان قد دخل في ذلك الحين بحار ضخم، وسمع الحديث فقال: من هو هذا العريس؟ # فقالت الإرلندية: بحار. ~~- وما هي هويته؟ ~~- إنكليزي. # وهنا اختلف الحاضرون، فقال أحدهم: بل هو إيكوسي. # وقال سواه: أراهن أنه إيرلندي. # وقال كلكراف صاحب الخمارة بصوت عالي: بل هو فرنسي. # فأجفل القوم لكلام كلكراف لاعتقادهم بصحة روايته، وتنبه فيهم ذلك الحقد القديم، وبعد ~~أن كانوا مشفقين على ذلك الشخص الذي تجاسر على الاقتران بجيبسي أصبحوا غير مكترثين له ~~بعد أن علموا أنه فرنسي حتى إن بعضهم بات يتمنى له الهلاك. # وبينما هم يتباحثون في هذا الشأن، دخل شخصان إلى الخمارة وأعطى كل منهما قطعة من ~~النحاس لكلكراف، فأخذ كلكراف القطعتين وقال همسا باللغة الفرنسية: في الساعة العاشرة، ~~وراء كنيسة سانت بول. # وكان أحد هذين الشخصين الفتى مرميس، والآخر مورت، فقال مرميس: حسنا سنذهب في الوقت ~~المعين. # ثم جاء بعدهما بقية أفراد العصابة التي جمعها روكامبول في باريس، فكان كل واحد منهم ~~يقدم لكلكراف القطعة النحاسية، فيقول له صاحب الخمارة ما قاله لمرميس. # وبعد أن عرفوا المكان المعين للاجتماع شربوا كأسا من الوسكي، وذهبوا واحدا إثر واحد ~~بعد أن تبادلوا نظرة سرية مع ميلون الذي كان متنكرا مثلهم بملابس البحارة. # ولو كان زوار الخمارة غير منهمكين بحكاية عرس النورية لانتبهوا إلى محادثة أولئك ~~البحارة السرية مع كلكراف، غير أن حديثهم عن ذلك الشخص الجسور شغلهم عن كل ما ~~سواه. # وقد عادوا إلى المباحثة في هوية هذا العريس، فقال لهم كلكراف: أؤكد لكم ما قلته إنه ~~فرنسي. # فقال أحدهم: إذا فهو نوري فرنسي؟ ~~- دون شك. ~~- وهل يوجد نور فرنسيون؟ ~~- كما يوجد منهم عند الإنكليز والألمان والترك والعرب، فإنهم منتشرون في كل ~~مكان. # ولما عرف الحاضرون أن هذا العريس من قبائل النور خفت وطأة حقدهم، وباتوا يتمنون له ~~السلامة من الخطر المحدق به. # فقال ميلون: نعم إنه نوري مثلي. # وقالت ms1340 الإرلندية: أأنت نوري؟ ~~- نعم. ~~- إذا تعال أعانقك، فقد كنت أحسبك فرنسيا من قبل. # وانكبت على عنقه تقبله، ولكنها لم تلبث أن عانقته حتى صاحت صيحة ألم، وسال الدم من ~~يدها، فنظرت إلى عنقه فوجدت عليه طوقا من جلد التمساح تحيط به قطعة ناتئة من الفولاذ ~~دقيقة الرءوس كالإبر. # ولما رأى ميلون أن الناس قد احتشدوا من حوله وهم يعجبون لهذا الطوق الغريب، قال لهم: ~~إذا كان لزوج جيبسي الجديد مثل هذا الطوق لا تجزعوا عليه؛ إذ لا يستطيع أعداؤه خنقه في ~~هذه الليلة. # ثم تركهم منذهلين وانصرف، فكان كلكراف يبتسم وينظر إلى الدماء التي كانت تسيل من يد ~~الإيرلندية. # 41 # كان السرور سائدا في تلك الليلة على النور في لندرا، وكان البوليس يرحم تلك القبائل ~~ويتغاضى عنها، حتى إنه كان يساعدها ويحميها عند الاقتضاء. # ومن عادة النور أنهم يقيمون في خيم قرب أبواب المدن الكبرى، غير أن بعضهم كانوا ~~يلتمسون الإذن من ملكتهم فتأذن لهم بالمبيت في لندرا إذا كانت مهنتهم تقضي عليهم ~~بالمبيت فيها على شرط أن ينقطعوا عن القبيلة كل الانقطاع. # وإنما قلنا ملكتهم؛ لأن النور لا يختارون زعماءهم عادة إلا من النساء، فصدر أمر ملكة ~~النور منذ أمس إلى القبيلة أن تذهب بخيامها إلى المكان الذي كانت فيه منذ عدة أشهر، ~~فسارت بخيامها وجيادها وكلابها في ستر ليلة حالكة الظلام دون أن يشعر بها أحد إلى مكان ~~خفي، ونصبت فيه الخيام، وكانت تقيم من قبل في ضواحي سانت بول. # وكانت تلك الليلة التي حدثت فيها هذه الحوادث، شديدة الظلام، كثيفة الضباب، فلم يكن ~~يهتدى إلى أولئك النور إلا بأنوارهم التي كانت تنبعث من الخلاء خارج أبواب ~~لندرا. # وفي هذه الليلة خرج اثنان من باب لندرا، واتجها إلى مكان ذلك النور وهما روكامبول ~~وجيبسي. # فكانت الفتاة تقف من حين إلى آخر، وتقول: رباه، إني خائفة، ويخال لي أنهم يقتفون ~~أثرنا. ~~- كيف تخافين وأنا معك؟ ~~- أصبت إن ثقتي بك لا حد لها، غير أن قلبي ينذرني بمصاب جلل، وندر ms1341 أن تخطئ هواجس ~~قلبي. # فطمأنها روكامبول ما استطاع، وسار الاثنان يتقدمهما شخص من القبيلة كان يسير على ~~مسافة شاسعة بعيدا عنها. # وكان هذا الشخص قد أرسلته القبيلة إلى منزل الفتاة في ويت هايل؛ كي يخبرها أن القبيلة ~~نقلت خيامها من مكانها القديم في سانت بول، وأنه أتى كي يذهب بها ويرشدها إلى المكان ~~الجديد. # فاستاء روكامبول لهذا الانتقال؛ لأنه واعد عصابته على اللقاء بجوار سانت بول، فهي ~~تنتظره في ذلك المكان برئاسة ميلون، وهو يتعرض وحده لفتك الخناقين في مكان خفي لا تعرفه ~~العصابه. # غير أن روكامبول لم يخف، ولم يظهر لجيبسي شيئا من علائم قلقه. # ولبثا يمشيان مقتفين أثر النوري حتى اقتربا من القبيلة، وسمعا صوت الطبول، فرأى ~~روكامبول نارا مشبوبة ينبعث دخانها الكثيف فيمتزج بالضباب، ورأى خيام مضروبة حول تلك ~~النار، والرجال والنساء يرقصون حول هذه النار. # ولما وصل روكامبول وجيبسي انقطع الرقص وسكتت الطبول، وساد السكوت على الجميع. # وعند ذلك نزلت امرأة حسناء عن دكة عالية كانت جالسة فوقها، فمشت لاستقبال العروسين ~~يحيط بها أهل القبيلة بمظاهر الاحترام؛ لأنها كانت ملكة النور. # وكان روكامبول مرتديا تلك الثياب التي كان يلبسها في خمارة الملك جورج، فدنت منه ~~الملكة وقالت له: أيها الغريب، أتعلم الخطر الذي يتهددك؟ ~~- نعم. ~~- إن جميع أزواج جيبسي قتلوا. ~~- أعرف ذلك. ~~- ولا يزال الوقت فسيحا لديك الآن، فإذا شئت الرجوع عن زواجها لا نعترضك. ~~- كلا لا أرجع أبدا. ~~- تأمل قليلا ، واعلم أنه عندما تغدو جيبسي امرأتك لا نستطيع أن نحميها؛ لأنك غريب ~~عنا، ولست من قبيلتنا. ~~- لا بأس أنا أحميها. # فالتفتت الملكة إلى جيبسي وقالت لها: وأنت أيتها الفتاة ألا تزالين مصرة على الزواج ~~بهذا الغريب؟ # فقالت بلهجة تدل على الثبات: نعم، إني لا أتزوج سواه. # ردت الملكة: إذا ليكن ما تريدان. # ثم أشارت بيدها فعاد الراقصون إلى الرقص، وغنى المغنون بلغة سرية وهم يطوفون حول ~~روكامبول وجيبسي. # حتى إذا انتهى الرقص جاءوا بفطيرة من الدقيق معجونة بالعسل فقسمها روكامبول قسمين، ~~فأكل قسما، وأعطى قسما ms1342 لجيبسي فأكلته. # ثم جاءوها بالإبريق فشربا ما فيه، ورفعاه ثم ألقياه على الأرض فتحطم، فصاح جميع النور ~~عند ذلك صياحا واحدا خلاصته الدعاء للعروسين بالتوفيق. # فشكرهم روكامبول، وعادوا إلى الرقص والغناء. # وكان روكامبول قد عرف عادة القوم من جيبسي، فلما تم القران ورآهم عادوا إلى الرقص ~~حملها على كتفه عادة الأزواج عند النور، وذهب بها من بين الخيام وهو يقول: إنها ~~امرأتي. # 42 # وكان يسير بها مستعجلا وهو يقول في نفسه: لا شك أن النور لم ينقلوا خيامهم في الليلة ~~الماضية إلا لحكمتهم ولحذرهم من أعداء الفتاة إشفاقا عليها، ولكن هل فازوا بما يريدون؟ ~~... إنهم لو بقوا بجوار سانت بول لما خشيت أمرا؛ لأن ميلون ورفاقه يقاومون جيشا، أما ~~الآن فإني فرد. # وقد كان يحدث نفسه بهذا الكلام دون خوف، فإنه بعد أن ألقى في أيام غروره أستاذه ~~أندريا في تلك الهوة لم يعد يخاف على نفسه، بل على من يتولى حمايته؛ ولذلك كان كل خوفه ~~على الفتاة. # ولما خرج بها من القبيلة سار توا في ذلك إلى الخلاء إلى لندرا مسترشدا بمصابيحها ~~البعيدة التي كانت تبدو لعينيه كالنجوم خلال الضباب الكثيف. # على أن قلقه كان يتزايد كل حين، ولم تكن جيبسي أقل منه اضطرابا، فكانت تقول له: دعني ~~أمشي، فيأبى روكامبول ويقول لها: كلا، إنك لا تستطيعين الإسراع بالسير، وخير لنا أن ~~أحملك، فتعود إلى الرجاء وتقول: رباه، لقد خفت فيسرع بالسير بها دون أن يجيب. # ولبث على ذلك وهو ينظر من حين إلى حين إلى نار القبيلة حتى تباعدت عنه، ولم يعد يرى ~~منها غير القليل، فقالت له: كفى دعني أمشي. ~~- كلا حتى نصل إلى أبواب لندرا. # ثم جعل يسير بها سيرا مستعجلا غير مكترث بثقلها، وفيما هو يسير هذا السير شعر بأن ~~ساقيه قد اصطدما بحبل مشدود فعثر به، وسقط على الأرض وجيبسي بالقرب منه. # وصاح روكامبول صيحة غضب، وصاحت جيبسي صيحة ذعر، وهجم عليهما في الحال رجلان كانا ~~مختبئين وراء الأدغال، وأسرع روكامبول إلى النهوض، ولكنه ms1343 ما لبث أن وقف حتى شعر أن ~~حبلا قد التف على عنقه فضغط عليه، وأن يدا جذبت ذلك الحبل فسقط روكامبول على الأرض، ~~وقد فعل به أعداؤه نفس ما فعله بالهندي الذي كان في منزل والد ناديا. # وكان الحبل ملتفا على عنقه، فلم يستطع أن يقول غير كلمة واحدة قالها بصوت مختنق ~~لجيبسي، وهي لا تخافي. # وعند ذلك انقض أحد الرجلين على جيبسي وهي توشك أن يقضى عليها من الرعب، وحملها وسار ~~بها. # ودنا الرجل الآخر من روكامبول وهو ممدد على الأرض لا حراك به، تدل ظواهره على أن ~~الحبل قد قضى عليه، فقال باللغة الهندية: إن حبل أوسمانا لا يخطئ الغرض، فإذا أصاب به ~~عنق عدوه أماته في الحال، وقد علمتنا أيها الفرنسي اللعين كيف ننصب لك الشرك حين نصبت ~~لنا الحبل بين الأشجار لتغتال عباد الإلهة كالي، وأوهمتنا أنك من أبناء سيوا. # ثم ضحك ضحكا عاليا، وجعل يقلب روكامبول ظهرا لبطن، فرآه نائما نوم الموت، فصاح ~~صيحة انتصار وقال: ادع الآن إلهك سيوا لنجدتك، فإن سيوا لا يساعد غير عباده، وأما أنت ~~فإنك مسيحي ضال، بل أنت لا شيء؛ لأني أظن أن روحك قد فارقت جسمك، وهامت في ~~الفضاء. # وكان يقول هذا القول ويفحص روكامبول كي يتأكد موته، ففتح صدرته، ووضع يده على قلبه كي ~~يرى إذا كان ينبض أو بقيت فيه آثار الحياة. # وفيما هو على ذلك إذ شعر فجأة بيد قوية قد ضغطت على عنقه؛ لأن روكامبول الذي كان ~~يحسبه ميتا قد انبعث ودبت فيه الحياة، وانقض عليه على غرة انقضاض الصاعقة، فركع فوق ~~صدره وهو يقول له: إنك كدت تخنقني أيها الأبله لولا هذا الطوق الذي يحيط بعنقي من جلد ~~التمساح. # ثم استل خنجره وأغمده في صدر الهندي، فسقط قتيلا دون أن يفوه بكلمة ... # وعند ذلك نهض روكامبول فرفص الهندي الأثيم برجله، وقال: يجب الآن إنقاذ جيبسي. # وقد مرت هذه الحادثة في زمن وجيز يوازي زمن حكايته، فقال روكامبول في نفسه: لا بد لي ~~من ms1344 إدراك الهندي الآخر، فإني أعدو في أثره حرا مطلقا وهو حامل جيبسي. # ثم سار في أثره يعدو عدوا سريعا حتى ظهر له بعد بضع دقائق ثوب جيبسي الأبيض يتماوج ~~في الهواء فوق كتف الرجل الهندي الذي كان يعدو بها أيضا دون أن يبدو منها ما يدل على ~~الممانعة. # فاستنتج روكامبول من سكونها أنها مغمى عليها، وأنه لو كان خنقها لما تكلف حملها، بل ~~تركها مكانها. # فأسرع في عدوه بغية إدراكه قبل أن يدخل بها إلى لندرا، وقبل أن يصل إليها رأى قبسا ~~قد لمع، ثم تلاه دوي شديد تلته صيحة عظيمة بلغت إلى أذن روكامبول، ورأى ثوب جيبسي ~~الأبيض قد تحرك فجأة، ثم استقر على الأرض دون حراك. # فأسرع أيضا وهو يعدو، ورأى رجلا وقف بجانب الثوب الأبيض، ووضع إحدى رجليه على صدر ~~ذلك الرجل الذي كان صريعا يتحرك حركات النزع. # وكانت لندرا قريبة من مكان الحادثة، وقد بددت مصابيحها المشرقة ظلام تلك الليلة ~~الكثيف، فرأى روكامبول أولئك الثلاثة وفهم كل شيء. # فكانت جيبسي ملقية على الأرض مغميا عليها، والرجل الصريع الهندي الذي اختطفها، أما ~~الرجل الذي كان واضعا رجله فوق صدره ولا يزال المسدس في يده فقد كان مرميس، ذلك الغلام ~~الهائل الذي قتلت رصاصته الهندي دون أن تصيب جيبسي. # ولما رأى مرميس روكامبول صاح صيحة فرح وقال: ألا توافق أيها الرئيس على أني أتيت حين ~~الحاجة إلي؟ # 43 # وقد عظم مرميس في عيني نفسه حين رأى رضا الرئيس عنه، فكان يضطرب لدى نظراته اضطرابا ~~ممزوجا بالكبرياء. # وكان هذا الغلام في الثامنة عشرة من عمره، ولكنه كان غض الشباب، متوقد الذكاء، يجول ~~ماء النشاط بين عينيه، فيحسب الناظر إليه أنه لم يبلغ هذا السن لغضاضة شبابه. # وقد كان أبوه سكيرا مقامرا، وأمه سارقة شريرة، فنشأ فاسد التربية لا يعرف غير ~~اللصوص، ولا يخالط غير الأشرار، ولكنه كان على فساد سيرته كريم الأخلاق، فكان يسرق بيد ~~ويتصدق بيد على المساكين، لو لم يدركه روكامبول لكانت تغلبت العشرة الفاسدة على تلك ms1345 ~~الأخلاق الكريمة، وقضي عليه أن يكون من اللصوص. # غير أن روكامبول أدرك تلك العاطفة الكريمة فيه فمال إليه، ورجا إصلاحه، وصرفه إلى ~~الخير، وسمع مرميس بعجائب روكامبول، ورأى بعض أعماله المدهشة؛ ففتن به، ومال إليه كل ~~الميل. # هذه هي حالة مرميس الذي قدر له أن يلقى خير مرشد يصرفه عن الشر قبل استحكام ملكته من ~~قلبه الطري الصغير، فلما رآه روكامبول واضعا رجله فوق صدر الهندي الذي قتله، ابتسم له ~~ابتسام الرضا، وحسب أن ميلون قد جاء بجميع العصابة لنجدته، غير أن مرميس كان وحده، وهذا ~~بيان ما جرى. # عندما أمر روكامبول ميلون أن ينتظره بالعصابة قرب سانت بول لم يكن عالما أن قبيلة ~~النور غيرت مكانها، فكان يحسب أن زواجه بجيبسي سيتم في ذلك المكان. # ولم يعرف هذا التغيير إلا حين وصوله مع جيبسي إلى منزلها في ويت شابل، ورأى النوري ~~ينتظرها فيه لإرشادهما إلى المكان الذي انتقلت إليه القبيلة، فلم يكن لديه فرصة للذهاب ~~إلى ميلون وإخباره بهذا التغيير. # أما ميلون فقد كان شديد الخضوع لروكامبول، فسار بالعصابة كما أمره إلى سانت بول، وكان ~~كل واحد من رجالها مسلحا بمسدس وخنجر، وفي عنقه ذلك الطوق من جلد التمساح الذي اخترعه ~~روكامبول للوقاية من الخناقين. # فلما وصلوا إلى المكان المعين قال لهم ميلون: أتعلمون أيها الرفاق لماذا اجتمعنا ~~هنا؟ # قال شانوان: أظن أن الرئيس أراد أن نحضر زواجه. # وكان جميع رجال العصابة يخضعون لروكامبول، وينفذون أوامره دون أن يسألوه عن قصده أو ~~يدركوا المراد منها ما خلا مرميس فإنه كان يعمل الرؤية، ويدقق في كل أمر، فقال لميلون: ~~أين يعقد هذا الزواج؟ ~~- في قبيلة النور. ~~- ولكني لا أجد أثرا للقبيلة. ~~- لا بأس، فإن الرئيس أمرنا أن نحضر إلى هذا المكان. # فحاول مرميس أن يعترض، ولكن مورت انتهره، وقال: هذا أمر الرئيس، لا سبيل إلى الجدال ~~فيه. # غير أن مرميس لم تقنعه هذه الأقوال، وقال: ستعلمون أني غير مخطئ، فما دامت القبيلة قد ~~رحلت فلا فائدة من وجودنا هنا؛ لأن ms1346 الزواج سيعقد في غير هذا المكان. # فغضب ميلون مما رآه من إلحاحه، وقال له: إذا أبيت البقاء معنا فاذهب إلى حيث ~~تشاء. # وكان مرميس ينتظر أن يسمع مثل هذا الكلام، فقال: سوف ترون أن الرئيس يستصوب ما قلته، ~~ثم تركهم وانصرف. # ولم يكن مرميس يعرف اللغة الإنكليزية، وفوق ذلك فقد لاحظ أن الإنكليز لا يكرمون ~~الفرنسيين في بلادهم، فقال في نفسه: إني أجهل لغة القوم، ولا أعرف من اللغات غير ~~الفرنسية، إذا تكلمت بها هزأوا بي، وربما أساءوا إلي، فخير لي إذن أن أدعي الخرس، فإن ~~الأخرس لا يحاسبونه عن موطنه؛ إذ لا يعرفونه، ولا يحتقرونه للغته إذ لا لغة له، فلما ~~وصل إلى شوارع لندرا صار يتكلم بالإشارة. # ذهب في البدء إلى منزل جيبسي، فوجد أنها قد برحته فسار إلى خمارة قريبة، فطلب كأس ~~شراب بالإشارة، ورأى فيها كثيرا من الناس، وسمع اسم جيبسي تتداوله الألسنة، فأصغى إلى ~~الحديث. # وكان بين الذين رآهم اثنان من الهنود سمعهما يذكران أيضا اسم جيبسي، وبعد ربع ساعة ~~خرج الهنديان من الخمارة. # فاقتفي مرميس أثرهما حتى إذا وصلا إلى منعطف الشارع انضم إليهما هندي لم يلبث مرميس ~~أن رآه حتى ارتجف إذ عرف أنه أوسمانا، فقال في نفسه: لقد بلغت المراد، وإني لا أفارق ~~هذا الإنسان. # ثم انفصل أحد الثلاثة عن رفيقيه، فتبعهما مرميس إلى أبواب لندرة، ثم سارا في تلك ~~الخلاء وهما يتحدثان بلغة لا يفهمها، ويشيران إلى نار القبيلة، فأدرك قصدهما. # وكان يتبعهما على مسافة بعيدة حتى رآهما اختبآ بالأدغال، فاختبأ مثلهما، وبقي كامنا ~~إلى أن رأى الهندي يختطف جيبسي ويعدو بها، فأطلق عليه مسدسه وقتله كما تقدم. # أما روكامبول فإنه انحنى على الصبية، وجعل يفحصها بقلق شديد، وهو يخشى أن يكون قد ~~أصابها رصاص المسدس، ولما علم أنها مغمي عليها اطمأن، وقال لمرميس: لقد أحسنت، وأنت ~~وحدك الذكي الفؤاد بين أفراد العصابة. # أما روكامبول فكان يحمل دائما قنينة صغيرة من الخل في عنقه، فعالج بها جيبسي حتى ~~استفاقت، وحكى لها ms1347 ما حدث فأعجبت به إعجابا شديدا، وباتت ثقتها به لا حد لها لا سيما ~~بعد أن علمت منه أنه لا يعتبر هذا الزواج الذي عقد، وأنه إنما فعله بالظاهر لمقاومة ~~الخناقين. # ثم ساروا جميعهم حتى وصلوا إلى منزل جيبسي، وكان مرميس قد حكى لروكامبول جميع ما اتفق ~~له مع العصابة، فقال له روكامبول: لقد عينتك رئيسا عليها بدلا من ميلون، فاذهب إليهم ~~وعد بهم، فقفوا في الشوارع المحيطة بمنزل جيبسي، وكونوا متأهبين لكل طارئ. ~~- وأنت أيها الرئيس؟ ~~- إذا احتجت إلي تجدني دائما على السلم قرب باب غرفة جيبسي. # فامتثل مرميس، وذهب معجبا بسيادته الجديدة إلى سانت بول حيث كانت العصابة. # أما روكامبول فإنه دخل مع جيبسي إلى منزلها، وقال لها: ادخلي إلى غرفتك ونامي مطمئنة، ~~أما أنا فسأحرسك وأنام خارج الباب. # فدخلت الفتاة وتظاهرت أنها تحاول الرقاد، فأطفأت المصباح، وصعدت إلى سريرها، ثم قالت: ~~يجب أن أذهب إلى السير آرثر نويل، فقد وعدته بالذهاب إليه. # وبعد أن أقامت في سريرها نحو ساعة، ووثقت أن روكامبول نائم نهضت وتنكرت بملابس ~~البحارة حسب عادتها في كل ليلة، وخرجت من النافذة إلى السطح ونزلت منه إلى ~~الشارع. # 44 # وكانت تسير هنيهة، ثم تقف موقف المتردد الوجل، كأن قلبها يحدثها بنكبة، وكانت تارة ~~تذكر السير آرثر فتثور عوامل غرامها، وتندفع في سيرها غير خائفة، وتارة ينكمش قلبها ~~لمخالفتها روكامبول، فتقف حتى خطر لها لفرط ثقتها بروكامبول أن تعود إليه، وتلتمس منه ~~أن يوصلها إلى منزل حبيبها. # لكنها لم تجسر على شيء من هذا. # إلى أن تغلبت عليها عواطف الغرام، فاندفعت في سيرها غير مكترثة بشيء، وغير مبالية ~~بالخطر. # وبينما هي تسير مرت بخمارة على الطريق، فحانت منها التفاتة فرأت غلاما جالسا على ~~طاولة وأمامه قدح من الخمرة، فارتعشت وعلمت أن هذا الغلام مرميس الذي أنقذها من الهندي، ~~وقد كان مقيما في الخمارة خلافا لما أمر به روكامبول من التفتيش على العصابة. # ولما رأته جيبسي خافت خوفا شديدا أن يعرفها، فمرت بسرعة البرق حتى إذا ms1348 وصلت إلى ~~الخارج سارت بطريق التايمز، واجتازت واترلو فجعلت تتلفت يمنة ويسرة كالغزال الشارد من ~~الصياد. # ولكنها لم تر أحدا يقتفيها، ولم تفطن لامرأة كانت تتقدمها وهي بملابس الإرلنديين؛ ~~لاعتقادها أنها إذا كانت جاسوسا حقيقة لا تتقدمها بل تسير في أثرها. # وما زالت تسير والمرأة تتقدمها كأنهما يسيران إلى شارع واحد حتى انتهت إلى الشارع ~~الذي يقيم فيه السير آرثر. # وكان هذا الشارع مقفرا لندور مرور المتسولين فيه، وفيما هي تسير رأت أن الإرلندية قد ~~وقفت أمام منزل، وجعلت تنظر إلى كتابة منقوشة عليها كأنها تريد أن تقرأها، فواصلت ~~النورية سيرها حتى وصلت إليها. # وعند ذلك دنت منها الإرلندية، ومدت إليها يدا تطلب إحسانها، وبينما كانت تفتش في ~~جيبها على قطعة نقود هجمت عليها الإرلندية فألقتها على الأرض بسرعة، ثم ضغطت بإحدى ~~يديها على عنقها كي تمنعها من الاستغاثة، وأدخلت أصبعيها في فمها وصفرت، ففتح للحال باب ~~المنزل وخرج منه رجلان شديدان، فانقضا عليها وهما يقولان: لقد ظفرنا بها أخيرا. # ثم وضعا كمامة في فمها، وأوثقا يديها ورجليها وحملاها، فسارا بها إلى ناحية جسر ~~لندرا. ~~••• # ولا بد لنا من إيضاح السبب في اختطاف جيبسي أن نعود بضع ساعات إلى ما حدث قبل هذا ~~الاختطاف، أي بعد أن ذهبت مس سيسيليا من منزل السير جورج ستوي، فإن السير نيفلي دخل ~~إليه بعد ذهابها، فأقفل باب الغرفة ووقف أمام رئيسه السير ستوي. # وكان السير جورج رئيس الخناقين في لندرا يحكم حكما مطلقا على جميع أعضاء تلك ~~الجمعية الهائلة، ولا يتلقى الأوامر إلا من الرئيس العام المقيم في غابات الهند. # وكان السير نيفلي مساعده ويده اليمنى في تنفيذ أغراضه، ولما رآه السير جورج واقفا ~~بحضرته قال له: تكلم. # فقال له السير نيفلي: لقد قلت لك أيها النور منذ بضع ساعات إني أرسلت من يقتفي أثر ~~السير آرثر نويل، فعلمت أنه يقيم في شارع سوتوراث متنكرا باسم وليم. ~~- لماذا تنكر بهذا الاسم؟ ~~- كي يستقبل فتاة تزوره كل ليلة منذ عامين. ~~- ومن هي هذه الفتاة؟ ms1349 ~~- هي جيبسي. # فذعر السير جورج وقال: هذا محال، لقد راقبت جيبسي في الليل والنهار، وخنق أعواني جميع ~~من تعرض للزواج بها، وسيخنقون أيضا في هذه الليلة ذلك الفرنسي الجريء الذي تجاسر على ~~الزواج بها. # غير أن السير نيفلي كان متسلحا بالبراهين، فأوضح لرئيسه كيف أن الفتاة تخرج من نافذة ~~غرفتها، متنكرة بملابس الغلمان، وكيف أن رجلين كانا كامنين أمام منزل السير آرثر رأياها ~~تدخل إليه من النافذة. # فغضب السير ستوي غضبا شديدا، وقال: احذر أن تكون كاذبا فيما تقول. ~~- إني لا أكذب أيها النور ولا سيما عليك. ~~- إذن إنها عاشقة؟ ~~- نعم، وهي تزور عشيقها كل ليلة، فبماذا تأمر أيها النور؟ ~~- بقتل العاشقين، فإن كل فتاة تضحى للإلهة يجب أن تبقى بتولا عذراء مدى الحياة، فإذا ~~مست شفتاها شفتي رجل وجب أن تموت. ~~- أعرف ذلك يا حضرة النور، ولكن كيف تريد أن يكون موتها أبالخنق حسب العادة؟ ~~- كلا بل أريد أن تموت على المحرقة. ~~- أي يوم تعينه للتنفيذ؟ ~~- يوم غد. ~~- سيكون كما تريد، ثم ماذا نفعل بعاشقها السير آرثر؟ ~~- لا يجب أن يخنق، بل يجب أن يحرق معها على محرقة واحدة. ~~- ومتى أراك أيها النور؟ ~~- متى وقع الاثنان في قبضتك. ~~- والفرنسي ماذا تريد أن نصنع به؟ # فقطب السير ستوي حاجبيه، وقال: لقد أرسلت أوسمانا لخنقه، فإذا لم يفلح بمهمته فلا يجب ~~الاهتمام به. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أنا أتعهد بأمره، والآن اذهب في شأنك، واعلم أنه غدا يجب إحراق جيبسي وآرثر ~~على محرقة واحدة. # فانحنى نيفلي ممتثلا وذهب، أما السير جورج ستوي فإنه دخل إلى غرفته المقدسة كي ~~يستشير روح أبيه. # 45 # ولنعد إلى جيبسي فإنها حين قبض عليها الرجلان وقيداها حملها أحدهما على كتفيه، وسار ~~بها يتبعه رفيقه والإرلندية حتى بلغا جسر لندرا. # وكان هناك مركبة كانت تنتظرهم دون شك بدليل عدم اكتراث السائق لما رآه، فوضعها جيبسي ~~في المركبة، وتكلما بلغة غير مفهومة، وسار أحد الرجلين والمرأة عائدين، ودخل الرجل ~~الآخر إلى المركبة، فقال للسائق باللغة الإنكليزية: سر بي إلى هامبستد ms1350 فانطلق السائق ~~بسرعة ممتثلا للأمر. # وعند ذلك فك الرجل الكمامة عن فم النورية كي تتمكن من التنفس، وقال لها: إذا فهت ~~بكلمة، أو خطر لك أن تهربي أو تستغيثي قتلتك في الحال دون إشفاق. # ولم يكن الفرار قد خطر في بال هذه المسكينة لشدة ما تولاها من الرعب، فسكتت ولم تجب ~~بحرف. # وبعد نصف ساعة وصلت المركبة إلى تلك القرية التي سارت إليها، ووقفت عند باب منزل تحيط ~~به حديقة عالية الأشجار. # وكان هذا المنزل داعيا إلى بحث كثير من أهل الفضول، فإنه بني حديثا في تلك القرية ~~بشكل غريب، وقد ارتفعت أسوار حديقته، حتى إن الناظرين لا يستطيعون أن يروا شيئا من ~~داخله. # لذلك اختلفت الأقاويل، فذهب بعضهم إلى أنه سكنه أحد الهنود الهاربين من شمسها ~~المحرقة، وقال آخرون: إنه منزل قائد خدم في الهند؛ لأن بناءه كان على الطريقة الهندية، ~~فكانوا يلقبونه بالمنزل الأحمر؛ إشارة إلى لون جدرانه، ولكنهم لم يروا مرة ذلك الرجل ~~السري الذي يقيم فيه. # غير أنهم كانوا يرون بعض الأحيان أنوارا تنعكس أشعتها من نوافذ المنزل إلى الأشجار ~~الباسقة التي كانت أكثر ارتفاعا من الأسوار، وكانوا يرون أيضا - وذلك في القليل ~~النادر - مركبة مقفلة تدخل إليه وتخرج دون أن يروا من فيها، فيقفل الباب حالا عند ~~دخولها أو خروجها. # إلا أن أحد القرويين في تلك القرية أوعز أنه سمع مرة من ذلك المنزل الأحمر أصوات آلات ~~موسيقية غريبة تعزف ألحانا غير مألوفة، وأصوات غناء بلغة غير مفهومة، ثم صوت امرأة ~~تستغيث وتصيح صيحات اليأس، وأتم روايته بقوله إنه رأى بعد هذا الصراخ لهبا عظيما عقد ~~عمودا كثيفا من الدخان. # فانتشرت هذه الرواية بين أهل القرية، وأصبحوا يخشون هذا المنزل، ويبتعدون عنه، ~~ويدعونه بالمنزل الشرير. # فلما وصلت المركبة إلى بابه وقفت ونزل السائق، فأمره الرجل الذي كان في المركبة أن ~~يقرع الباب ففعل، وللحال سمع صوتا من الداخل يقول: من الطارق؟ # فقال له الرجل من المركبة: أنا رسول النور. # وقد قال هذا القول وهو واضع ms1351 خنجره فوق صدر جيبسي ينذرها به حذر صياحها، ففتح الباب ~~وأسرع الرجل، فأخذ جيبسي وهي تكاد يضيع رشادها لما أصابها من الرعب، ودخل بها فأقفل ~~الباب أثر دخولهما، وذهب السائق في شأنه دون أن يطالب بأجرة؛ مما يدل على أنه من أتباع ~~العصابة. # ونظرت جيبسي نظرة رعب إلى ما حولها، فرأت حديقة متسعة، باسقة الأشجار، عالية الجدران، ~~ثم نظرت إلى الذي فتح لهم الباب فرأت أمامها امرأة بارعة الجمال، محلاة بالذهب، فعرفت ~~من لونها أنها من الهنود. # أما تلك المرأة فإنها نظرت إلى الفتاة نظرة الفاحص، ثم نظرت إلى الرجل وقالت له ~~بالإنكليزية: ما هذا الفتى؟ ~~- إنها ليست فتى، بل هي من الفتيات. # ثم نزع قبعتها؛ فانحل شعرها، وسقط على كتفيها. # فقالت المرأة: ماذا تدعى؟ ~~- جيبسي. ~~- وماذا يريد قدس النور؟ ~~- يريدون أن تلتمس هذه الفتاة الغفران عند هيكل الإلهة كالي. # فلم تفهم جيبسي المراد من هذا القول، ولكنها نظرت إلى المرأة فرأتها تبتسم ابتساما ~~هائلا؛ فارتعشت وأيقنت أنها مقدمة على خطر عظيم. # 46 # وأخذت تلك المرأة الفتاة بيدها، وقالت لها: تعالي معي. # فامتثلت وهي لا تعلم مرادها، لكنها على عرفانها بأنها معرضة لخطر مجهول اطمأنت حين ~~رأت المرأة تكلمها بصوت رخيم بدلا من ذلك الرجل العاتي الذي كان يتهددها ~~بالخنجر. # وكانت جيبسي قد نشأت بين النور، فتعلمت منهم مبدأ الاتكال على الأقدار، فكانت تقول في ~~نفسها: أنا الملومة، فلو لم أخدع روكامبول وأخرج من غرفتي دون أن أخبره لما أصبت بما ~~أصابني الآن. # ثم أطرقت برأسها إلى الأرض، واستسلمت للقضاء، وسارت مع تلك المرأة إلى حيث كانت ~~تقودها. # فاجتازت بها الحديقة، وأدخلتها إلى قاعة مفروشة حسب اصطلاح الإنكليز، فاطمأنت الفتاة ~~بعض الاطمئنان لهذا المنظر. # ثم رأت تلك المرأة الهندية قد وضعت المصباح على طاولة ودنت من الفتاة، فسألتها عن ~~اسمها، وعن الساعة التي قبضوا عليها فيها، ثم سألتها إذا كانت جائعة فزاد اطمئنان ~~الفتاة، وأبت أن تأكل. # فقالت لها الهندية: خير لك أن تأكلي، فإنك متى دخلت إلى الهيكل لا ms1352 تستطيعين أن تأكلي ~~وتشربي. # وأبت الفتاة أن تأكل أيضا، وعند ذلك سارت بها الهندية في دهليز طويل حتى إذا انتهت ~~إلى باب ففتحته ودخلت بجيبسي، ثم أغلقت الباب، فلم تستطع الفتاة أن ترى شيئا لشدة ~~الظلام. # ولكنها علمت بعد هنيهة أنها وحدها فوجف قلبها، ولبثت في مكانها لا تجسر على التقدم أو ~~الرجوع، فركعت وذكرت اسم شخص استغاثت به، ولكن هذا الشخص لم يكن السير آرثر، بل ~~روكامبول، فلم يجبها أحد، وأين لروكامبول أن يلبيها في هذا المكان؟ # ثم ظهر شعاع شق حجاب الظلام، وقد بدأ الشعاع بلون مصفر يكبر ويتسع، حتى أصبح شبيها ~~بالشمس، فرأت جيبسي أنها في محل متسع، وأن هذا النور ظهر من السقف، فجعلت تنظر إلى ما ~~حواليها فرأت الجدران العالية رسمت عليها رسوم ما رأت أغرب منها، ثم رأت تمثالا هائلا ~~من البرونز، وعند ذلك بزغت أنوار كثيرة من ثقوب في السقف كانت تشبه النجوم حول تلك ~~الشمس، فانجلى التمثال لجيبسي، وعلمت أنه تمثال الإلهة كالي التي يعبدها الخناقون، ~~وأنها مسجونة في معبد الهنود. # ثم سمعت صوت باب قد انفتح، فالتفتت فرأت أربع نساء لابسات ملابس بيضاء دخلن من ذلك ~~الباب ومشين ببطء إلى جيبسي، حتى إذا وصلن إليها وضعت إحداهن يدها على كتفها، وقالت ~~لها: إنك سعيدة؛ فإن روحك سترف على قدمي الإلهة كالي. # فطاش رأس الصبية، وشعرت أنها لم يعد لها خطوة بينها وبين الموت. # وكانت جيبسي قد علمت بما أعد لها من العقاب لا سيما حين قالت لها إحدى تلك النساء: ~~إنك لا شك من أسعد النساء؛ لأنك ستصعدين إلى عرش الإلهة كالي حيث ترين مجدها وجلالها، ~~ولكن يجب أن تستعدي. # وقد أشارت إشارة حين قالت هذا القول، فأسرع النساء الثلاث إليها، وجعلن ينزعن ~~ملابسها، فلم تعترض بشيء؛ لأنها كانت شبيهة بالأموات لما أصابها من الرعب، فلم تجد قوة ~~للدفاع، ولكنها كانت تردد من حين إلى آخر اسم روكامبول. # فلما تم تجريدها من ملابسها تقدمت رئيسة النساء إلى العرش، وكان يوجد على ms1353 قاعدته - ~~وهي من المرمر - مصباح فأضاءته، ثم عادت إلى جيبسي فجاءت بها إلى ذلك العرش وأكرهتها ~~على الركوع وهي عارية. # فأخذ النساء عند ذلك ينشدن الأغاني الغريبة، ويرقصن حولها وهي حائرة ولهانة لا تفهم ~~شيئا مما يجري حولها. # ودام الرقص والغناء ساعة، فلما فرغن فتحت الرئيسة خزانة فأخرجت منها ثوبا كبيرا لا ~~أكمام له، وهو من الحرير الأصفر عليه نحو ألف رسم من رسوم عباد وشنو، وفي صدر الثوب رسم ~~الفيل الأبيض العظيم الذي يعبده بعض الهنود، فأكرهوها على لبس هذا الثوب. # ولما لبسته قالت لها إحدى النساء: تأهبي للصوم والصلاة والظهور أمام الإلهة كالي، فإن ~~روحك ستفارق جسمك مساء غد حين تظهر النجوم في قبة السماء، فتسافر تلك الروح سفرها ~~الطويل. # فردد النساء بعدها: صومي أيتها الفتاة واستعدي. # ثم أشارت الرئيسة إشارة للنساء فخرجن جميعهن، ولبثت جيبسي جالسة على قاعدة التمثال ~~تشيع النساء بنظرات تائهة تشبه نظرات الجانين إلى أن خرجن وأقفل باب المعبد. # وكانت الأنوار لا تزال منبعثة من ثقوب القبة، ثم جعلت تضعف وتنطفئ الواحد بعد الآخر ~~حتى لم يبق غير ذلك التمثال الموضوع على المثال. # أما جيبسي فكانت تنظر نظر الذعر إلى مثال تلك الإلهة، فلما رأت أن الأنوار قد انطفأت، ~~ولم يبق غير التمثال انجذبت إليه بقوة عظيمة، فدنت منه فجعلت تنظر رسومه الغريبة، فرأت ~~على ساقه الأيسر رسم فتاة ترقص وتحيط بها عائلتها بين الأشجار، والعبيد السود يعزفون ~~حولها بآلات الطرب، وبعضهم يقرعون الطبول ، وتحت أقدامهم زهور متناثرة تشبه الزهور التي ~~كانت متناثرة أيضا تحت قدميها، فخيل لجيبسي أن هذه الفتاة تشبهها. # ثم نظرت ساق المثال الأيمن فرأت تلك الفتاة نفسها، ولكن على غير ما رأتها مرسومة في ~~الساق الأخرى، فإنها كانت موثوقة اليدين والقدمين، محمولة على جواد وهي مرعوبة منذعرة، ~~والفارس ينظر إليها ويضحك ضحك الساخر المنتقم بما يدل على أنه قد اختطفها من ~~عائلتها. # ووراء هذا الفارس فرسان آخرون مسلحون بالسهام وبأيديهم تلك الحبال الهائلة التي ~~يستخدمها الخناقون. # وكان الرسم ممثلا أبدع ms1354 تمثيل، وكانت جيبسي تتمثل لها تلك الفتاة حتى إنها أوشكت أن ~~تسمع صوت استغاثتها. # ثم نظرت إلى ذراع التمثال الأيسر وعليه بقية حكاية الفتاة، فرأت رسما غريبا يدل على ~~أن حكاية جيبسي نفسها رسمت على هذا المثال، فإنها رأت الفتاة واقفة بين أربع نساء وهن ~~يخلعن ثيابها عنها، ويلبسنها ثوبا كالثوب الذي ألبسنه لجيبسي. # فوجف قلبها، وانصب العرق البارد من جبينها، ونظرت إلى الذارع الأيمن كي تعلم بقية ~~الحكاية، فرأت الفتاة مقيدة، ورأت رجالا يدخلون إليها وهم يحملون على أكتافهم حطبا ~~وآلات الوقود. # فصاحت صيحة منكرة كأنها أدركت مصيرها، وأرادت أن تصرف نظرها عن التمثال لهول ما رأت، ~~ولكنها لم تستطع، بل أرادت أن تعرف تتمة حكاية الفتاة، فنظرت إلى صدر التمثال فرأت ~~الفتاة منطرحة فوق محرقة، وحول المحرقة أولئك النساء اللواتي ألبسنها الثوب بلا قميص، ~~وقد تصاعد اللهب، وعلق بأطراف الصبية، وقد حضر هذا المشهد كثير من الناس. # فلما رأت جيبسي ما رأته أيقنت أنها ستموت محروقة كما ماتت تلك الفتاة، فنزلت عن ~~التمثال وملأ الذعر قلبها، وخطر لها الانتحار فرارا من مثل هذا الموقف الرهيب. # وفيما هي تنظر إلى ما حواليها سمعت صوت باب المعبد قد فتح، فالتفتت وصاحت صيحة دهش، ~~ذلك أنها رأت رجلين هنديين يدفعان إلى داخل المعبد ثالثا كان يحاول مقاومتهما دون ~~فائدة. # أما سبب صياحها فهو أنها عرفت هذا الرجل الثالث وهو عشيقها السير آرثر نويل. # 47 # ولنعد بالقراء ساعة كي يعلموا ما مضى وجرى للسير آرثر، وكيف وصل إلى هذا المعبد، فقد ~~تقدم لنا القول إن هذا النبيل الإنكليزي بينما كان ينتظر عشيقته جيبسي في منزله، وقد ~~أطفأ المصباح حين سمع قرع النافذة وفتحها دخل عليه رجلان فأوثقا يديه ورجليه، ووضعا ~~كمامة على فمه بحيث لم يعد يستطع الدفاع والاستغاثة. # وقد جرى ذلك بسرعة غريبة ودون حركة، حتى إن الخادمة العجوز لبثت تغط في نومها دون أن ~~تسمع حسا. # وقد غطى أحد الرجلين وجه السير آرثر كي لا يرى إلى أين يذهبان به، ms1355 ثم حملاه وخرجا به ~~من منزله، فوضعاه في مركبة مقفلة، وأمرا السائق أن يسير مسرعا. # فسارت بهم المركبة نحو ساعة حتى وقفت، ففك الرجلان قيد رجلي السير آرثر وأخرجاه من ~~المركبة، ثم أمراه أن يمشي أو يقتل، فامتثل ومضى معهما عدة خطوات على رمل، وهو لا يرى ~~شيئا من العصابة التي كانت على عينيه، ثم قال له أحدهما: لقد وصلنا إلى سلم ~~فاصعد. # فامتثل وصعد عدة درجات، ومشى بعد ذلك في دهليز طويل انتهى بعده إلى غرفة مفروشة خير ~~فرش. # فأمره أحدهما أن يجلس على كرسي فامتثل، وعند ذلك نزعت العصابة عن عينيه، والتفت ~~منذعرا فلم ير الرجلين، ورأى أنه مقيم وحده في هذه الغرفة. # فحار في أمره، وأخذ يفحص فرش الغرفة، فرآه إنكليزيا، وكانت يداه لا تزالان ~~موثوقتين، فدنا من الباب، ونظر فيه فرآه محكم الإقفال، ثم رأى نافذة عليها ستار، فدنا ~~منها وأزاح الستار بكتفه، فرآها مقفلة، فوقف وقفة الحائر المبهوت لا يعلم أين هو وما ~~يريدون من أسره. # ولكنه ما لبث على هذه الحال بضع دقائق حتى فتح الباب ودخل منه رجلان، أحدهما بملابس ~~الإنكليز، والآخر بملابس الهنود، فلما وصلا إلى السير آرثر أمر الإنكليزي الهندي بإشارة ~~أن يخرج، فانحنى بملء الاحترام وامتثل. # وكان على وجه الرجل قناع، فقدم كرسيا للسير آرثر باسمه، فانذهل السير آرثر حين سمع ~~هذا الرجل المقنع يناديه باسمه. # فقال له: ماذا تريدون مني وبأي حق دخلتم إلي، ولماذا جئتم بي إلى هنا؟ # فقال له المقنع: أصغ إلي، إنك تدعى السير آرثر نويل، وأنت ابن خال مس سيسيليا، وقد ~~كنت مقيما في المنزل الذي اختطفناك منه متنكرا باسم ويليم كي تستقبل فتاة تزورك ~~فيه. # فانتفض السير آرثر وقال له بجفاء: ماذا يعنيك هذا الأمر؟ ~~- إنك مخطئ كل الخطأ، ألم تقل لك الفتاة التي كانت تزورك أنها معرضة في حبك لخطر ~~شديد؟ # فظهر السير آرثر ما كانت تظهره جيبسي من الرعب، وقال: نعم. # فقال الرجل المقنع: أتعلم من هي هذه المرأة؟ ~~- ... كلا! ~~- ولكنك كنت ms1356 تحبها. ~~- حبا لا يوصف أضحي من أجله حياتي. ~~- إذن أنت لا تخشى الموت، فإن هذه الفتاة التي كانت تهواك لم تكن تخاطر بحياتها فقط، ~~بل بحياتك أيضا، ولكن هل علمت اسم هذه الفتاة الحقيقي؟ ~~- كلا ... ~~- أعلمت مهنتها؟ ~~- كلا، أكان لها مهنة؟ # فضحك الرجل المقنع ضحكا عاليا، وقال: إنك أنت النبيل وابن خال مس سيسيليا تحب منذ ~~عامين راقصة من الراقصات في الطرق، وفتاة من فتيات وينغ تدعى جيبسي النورية ... # فصاح السير آرثر صيحة منكرة، وهاجت به عواطف الكبرياء، وصبغ وجهه بحمرة الخجل، فلو لم ~~تكن يداه موثقتين لغطى بهما وجهه إخفاء لذلك الخجل. # ومن يعلم ما فطر عليه نبلاء الإنكليز من حب الذات، والمحافظة على التقاليد، واحتقارهم ~~للنور يتمثل تلك العواطف الهائلة التي ثارت في نفس السير آرثر حين علم بأنه كان يهوى ~~راقصة نورية في أقذر محلات لندرا. # فقال له المقنع: ألم تر على صدر تلك الفتاة رسوما عجيبة؟ فاعلم أن هذه الرسوم هندية، ~~وإذا كنت تريد أن تعلم السبب الذي وجدت من أجله في هذا المكان فأصغ إلي. ~~- قل فإني مصغ إليك. ~~- إن هذه الفتاة ولدت في الهند وكرست للإلهة كالي. # وماذا يهمني جميع ذلك. ~~- أصغ إلي ... فإن كل فتاة تضحى للإلهة كالي، يقضى عليها أن تموت بتولا. ~~- فابتسم السير آرثر وقال: إن الإلهة كالي قد خدعت هذه المرة. ~~- نعم، لكنها ستنتقم عن هذا الخداع بالموت. ~~- ماذا تريد أن تقول؟ ~~- إن جيبسي حكم عليها بالموت. ~~- ومن حكم عليها؟ ~~- نحن ... ~~- ومن أنت؟ ~~- أنا في لندرا من أعيانها وكبرائها، أما في الهند فإني رئيس جمعية الخناقين أعرفت ~~الآن من أنا؟ # فارتعش السير آرثر، أما المقنع فعاد إلى حديثه، وقال: إن ما تأمر به الإلهة كالي يجب ~~على خدامها الأمناء تنفيذه، ولهذا فإن جيبسي ستحرق وهي في قيد الحياة، وسيكون لرفيقها ~~بالجريمة - أي أنت - نفس العقاب. # فذعر السير آرثر ذعرا شديدا، وولد له الرعب قوة شديدة تمكن بها من قطع قيود يديه، ~~لكن الرجل المقنع صفر بصفارة كانت معه ففتح الباب ms1357 في الحال، ودخل منه عشرة رجال أشداء ~~من الهنود، فأحاطوا به ومنعوه عن كل دفاع. # ولما رأى السير آرثر موقفه، وعلم ما يتهدده صاح بهم يقول: ~~- أيها الأشقياء، إنكم تستطيعون أن تحرقوا راقصة نورية لا تهتم الحكومة بالبحث عنها، ~~أما أنا فإني من أشراف الأسرات النبيلة في بلاد الإنكليز. # وقال لهم المقنع: إنه ابن خال مس سيسيليا. # ثم أزاح القناع عن وجهه، فانتفض السير آرثر وقال: من أرى أأنت السير جورج؟ ~~- نعم أنا هو السير جورج الذي سيتزوج مس سيسيليا، ولا بد له من إبعاد السير آرثر إلى ~~الأبد. # ثم التفت إلى الهنود وقال لهم: كبلوه الآن، وادخلوا به إلى حيث تقيم جيبسي النورية كي ~~يتأهب وإياها للموت، فإنهما يعيشان أربعا وعشرين ساعة بعد. # هذا هو السبب في قدوم السير آرثر إلى المعبد الذي سجنت فيه جيبسي، فلما رأته تلك ~~الفتاة صاحت صيحة فرح، ونسيت موقفها الهائل، وحسبت أنها في الفردوس. # إلا أنها رأت ما لم تكن تتوقعه مما يدل على الضعف الإنساني، فإن السير آرثر خاف من ~~الموت، ويئس يأسا لا يوصف حين علم أنه سيحرق حيا مع خليلة من النور، وقد أيقن مما ~~رآه بين عيني السير جورج أن الحكم عليه بالموت لا بد من إنفاذه، وأنه لا يشفق عليه، ~~فأوشك أن يجن من يأسه؛ لأنه لا يريد أن يموت هذه الميتة الشنعاء، ولما رأى جيبسي قادمة ~~إليه صاح بها يقول بملء الغضب: إلى الوراء أيتها النورية الشقية، ارجعي فإنك علة شقائي، ~~وأنت السبب في ما سألاقيه من الموت الذريع. # وسقطت جيبسي على ركبتيها وقد هالها هذا الانقلاب، حتى لم تعد تعلم ما تقول. # وكان الهنود قد خرجوا من المعبد بحيث لم يبق فيه سوى العاشقين، وجعل آرثر يشتم جيبسي ~~أقبح شتم حتى جمد الدم في عروقها، فنظرت إلى ذلك الذي طالما أحبته نظرة احتقار، وقالت: ~~إنه نذل جبان، فأهلا بالموت الآن؛ لأني لم أعد أخشاه. # 48 # وكانت جيبسي مطلقة اليدين والرجلين خلافا للسير آرثر، فإنه كان مقيدا، ms1358 ولكل إنسان ~~ساعة بسالة وساعة خوف، وقد حلت ساعة الخوف لدى هذا الرجل، فإنه رهب الموت رهبة شديدة ~~أزالت من قلبه كل حب لتلك الفتاة البائسة. # وقد ألقى بنفسه إلى الأرض، وعاد إلى شتم تلك المسكينة التي طالما أحبها، وأراد أن ~~يضحي حياته في سبيلها، ثم مل هذا الشتم وانقلب على ظهره، فجعل ينظر إلى القبة والتمثال، ~~وما يحيط به في هذا المعبد إلى أن استوقفت نظره، فرأى أن التمثال الهائل يكاد يصل إليها ~~بحيث لو وقف شخص على قمته يبلغ إلى سقفها. # وقد رأى في تلك القبة فوق رأس التمثال نافذة من الزجاج ينفذ النور منها إلى المعبد، ~~فاتقدت عيناه بأشعة الأمل، وخطر له خاطر الفرار من تلك النافذة، وذلك أنه يتسلق التمثال ~~حتى يبلغ قمته فيكسر الزجاج، ويخرج منها إلى السطح. # غير أنه لا يقدر أن يتسلق التمثال وهو موثق اليدين والرجلين، ومن يفك له وثاقه غير ~~جيبسي. # ولكن هذا الرجل الذي خاف من الموت حتى إنه أهان فتاة خاطرت في سبيل حبها إياه بالحياة ~~خطر له أن يلتجئ إليها. # وكانت الفتاة منطرحة على أقدام التمثال وهي شبيهة بالأموات؛ لما لقيته من قسوة ~~حبيبها، ودناءته، حتى إنها خجلت لحبها هذا الإنسان بمقدار خجلها حين قيل لها من قبل ~~إنها من النور. # أما السير آرثر فإنه لم يكن يخطر في باله غير الفرار، فالتفت إلى الفتاة وناداها ~~باسمها بصوت منخفض، فلم تجب وأعاد النداء فارتعشت، ونظرت إليه نظرا باهتا جامدا، ~~فقال لها: أأنت مصممة يا جيبسي على الموت؟ # فأشارت برأسها إشارة المصادقة، وعادت إلى ما كانت عليه من ظواهر اليأس. # فقال لها: إننا نستطيع النجاة إذا أردت. # فلم يظهر على الصبية شيء من دلائل الاهتمام بهذه النجاة، وقالت له: كيف تنجو؟ ~~- انظري إلى هذه القبة، ألا تجدين فيها نافذة فوق التمثال؟ فإذا فككت وثاقي، فإننا ~~نتسلق التمثال ونهرب من النافذة. # وكان هذا الرجل يكلمها بلهجة المتوسل المستعطف بعد أن كان يشتهما أقبح شتم. # فدنت منه جيبسي وقالت له: أدر ms1359 كتفيك لأحل وثاق قدميك ووثاق يديك. # وكان السير آرثر نائما على ظهره فانقلب على بطنه، وبدأت الصبية تفك وثاقه عقدة عقدة، ~~حتى فكت وثاق يديه، ففك هو وثاق قدميه وصاح صيحة فرح. # أما جيبسي فإنها عادت إلى النوم تحت قاعدة التمثال، وقد عاد إليها يأسها، فلم ينتبه ~~آرثر إليها، وأسرع إلى التمثال فتسلقه حتى بلغ قمته، فوقف على رأسه ومد يده إلى تلك ~~النافذة فرأى أنها لا تفتح وهي من الزجاج الشفاف مشبكة بحيث لو كسر الزجاج لأمكن ~~الإنسان أن يهرب من خلاله دون أن يعيقه الحديد. # وكان السير آرثر يخشى إذا كسر الزجاج أن يصل صوت كسره إلى الهنود، ففطن إلى خاتم من ~~الماس كان بإصبعه فقص به الزجاج بهدوء، وأخذ القطعة التي قصها وضعها على رأس التمثال، ~~ونادى الفتاة بصوت ضعيف قائلا: تعالي واتبعيني. # غير أنها لم تتحرك، وبقيت في موضعها. # فقال لها: ما بالك تعالي، ألا تريدين الفرار؟ # فهزت جيبسي رأسها دون أن تجيب. # وعند ذلك بلغ آرثر بنذالته إلى أقصى حدودها، فامسك بالقضيب الحديدي، وهرب من النافذة ~~فتوارى عن الأبصار، فأدارت الفتاة رأسها وقالت: أين أنت يا موت، ومتى تأكلني ~~النار؟ # أما السير آرثر فإنه صعد إلى سطح المعبد، وكان الفجر قد بدأ ينبثق، فعلم أنه في قرية ~~همستد، ورأى شجرة باسقة اتصلت أغصانها بالسطح، فنزل عليها إلى الحديقة، ثم مشى إلى ~~سورها فتسلق شجرة حتى انتهى إلى الجدار، فألقى نفسه منه إلى خارج ذلك المنزل الهائل، ~~وتنفس نسيم الحرية. # وكان في وسعه أن يسرع في الحال إلى البوليس، فيخبره بما حدث في ذلك البيت، ولكنه إذا ~~فعل ذلك أنقذ الفتاة من الحريق، وإذا أنقذها فقد تقابله ويضطر إلى الخجل منها، فشعر عند ~~ذلك أنه من أدنى خلق الله، ولكنه على هذا الشعور لم ينثن عن عزمه، وانطلق مسرعا في ~~طريق لندرا، مغادرا تلك التي طالما أحبها تحترق وهي في قيد الحياة، بعد أن أنقذته من ~~ذلك الموت الهائل المخيف. # 49 # ولنعد الآن إلى روكامبول، وإلى ms1360 مرميس الذي أرسله روكامبول لإحضار ميلون والعصابة، وقد ~~كان مرميس شديد الذكاء، كثير المطامع، وأخص مطامعه أن تروق أعماله لروكامبول. ولما أمره ~~روكامبول بالذهاب إلى العصابة أسرع لتنفيذ أمره، فمر بالخمارة التي لقي فيها الهنديين ~~منذ ساعتين، وحانت منه التفاتة فرأى امرأة إرلندية لم يكن رآها من قبل في المكان، فحدثه ~~قلبه أن لهذه المرأة علاقة بأعداء جيبسي، ودخل فجلس بالقرب من طاولتها، وطلب بالإشارة ~~كأسا من الشراب. # وكان جالسا مع هذه المرأة رجل إنكليزي وهما يتحدثان، ولم يكن مرميس يعرف اللغة ~~الإنكليزية، غير أنه يوجد كثير من ألفاظ تلك اللغة تشبه الألفاظ الفرنسية، فأصغى إليهما ~~وسمعهما يذكران جيبسي وآرثر نويل، وجسر واترلو، فأيقن أن حديث قلبه كان صادقا، وعول ~~على الصبر إلى النهاية. # وفيما هو على ذلك رأى جيبسي قد مرت قرب الخمارة فعرفها، بالرغم من تنكرها، ثم رأى أن ~~الإرلندية قد رأتها أيضا، وأنها اضطربت اضطرابا شديدا، وأسرعت إلى الخروج من ~~الخمارة، وهي تقول للرجل: جسر واترلو. # فذهب في أثرها، وذهب مرميس في أثرهما، فرأى الرجل قد صعد إلى مركبة كانت تنتظره هناك، ~~وجلس في مجلس السائق، فعلم أنهم عزموا على اختطاف جيبسي، وأنهم عهدوا إلى هذا السائق ~~بانتظارهم في جسر واترلو لنقلها إلى المكان الذي أعد لسجنها. # فحار في أمره وهو لا يدري أيقتفي أثر الإرلندية أم أثر السائق؟ ثم نظر فرأى الإرلندية ~~قد توارت عن أبصاره، ورأى السائق دفع المركبة إلى المسير، فأسرع إليها وتعلق بين ~~دواليبها، وسارت تنهب الأرض حتى استقرت عند جسر واترلو. # ولم يمض على وقوفها نصف ساعة حتى رأى مرميس تلك الإرلندية ومعها شخصان يحمل أحدهما ~~جيبسي، فوضع يده على مسدسه، وحاول أن يهجم عليهم، غير أنه لم ير من الحكمة مهاجمة أربعة ~~وهو فرد، فلبث مختبئا بين الدواليب، وحاول الصبر إلى النهاية وهو يقول في نفسه: إنهم ~~لم يختطفوا الفتاة إلا كي يبحث عنها روكامبول، ويسقط في الفخ الذي ينصبونه له، فلأرى ~~إلى أين يذهبون بها. # وقد خدع مرميس بهذا الظن، ms1361 غير أن انخداعه أسفر عن نتيجة صالحة كما سنرى، فإنه حين ~~بلغت المركبة إلى ذلك المنزل وفتح بابه أدخلوا جيبسي إليه، وسمع صوتا يقول للسائق: ~~آرثر نويل. # وكان مرميس قد سمع هذا الاسم بالخمارة. وهو لو كان يعلم أنهم سيحرقون الفتاة في ذلك ~~المنزل لدخل إليه، ودافع عنها بمسدسه، غير أنه كان يعلم مما سمعه في خمارة سانت جورج عن ~~حكايات جيبسي أن الفتاة لا يحق لها الزواج وإذا تزوجت قتلوا زوجها، وأما هي فلا ~~ينالونها بسوء. # وكان هذا كل ما يعلمه من حكايات الفتاة، ولما عادت المركبة بقي مختبئا بين دواليبها ~~حتى وصلت إلى جسر واترلو، فصعد إليها شخصان كان ينتظرانها هناك، وسمع للمرة الثالثة اسم ~~آرثر نويل. # ثم سارت المركبة حتى اقتربت من منزل آرثر، فخرج منها الرجلان، وعادا بعد حين بالرجل ~~مكبلا، فوضعاه في المركبة، وأمرا السائق أن يسير إلى همستد، فعلم مرميس أنهما أسرا ~~آرثر نويل، وأنهما ذاهبان به إلى حيث سجنت الفتاة، فلما وصلت المركبة إلى جسر واترلو ~~أفلت منها وهو يقول في نفسه لقد عرفت كل شيء، ولم يبق علي إلا أن أخبر الرئيس، ثم انطلق ~~يعدو في شوارع لندرا إلى ويت هايل. # وكان روكامبول لا يزال ملتفا بردائه، وهو جالس على باب غرفة جيبسي يحرسها، ويحسب ~~أنها لا تزال فيها، وأن العصابة تحرس البيت؛ لأنه مضى ساعتان ولم يعد مرميس إليه، فلم ~~يعد لديه شك أنه عاد بالعصابة وأقام معها. # وفيما هو جالس وقد خاض في بحار التأملات إذ رأى مرميس قادما وعليه دلائل الاهتمام، ~~فسأله: ماذا حدث ألم تجد العصابة؟ ~~- إني لم أذهب إليها؛ لأني اهتممت بما هو أهم منها، فإني أعرف إلى أين ذهبوا بجيبسي؛ ~~لأنك تحسب أنها في الغرفة، ولكنها ليست فيها. # فاضطرب روكامبول وقال: ويحك ماذا تقول، وكيف تخرج جيبسي من هذه الغرفة وأنا ~~أحرسها؟ ~~- لا أعلم، ولكني على يقين مما نقلته إليك. # فذعر روكامبول ودفع الباب بيده ففتح ولم يجد الفتاة في سريرها، ولكنه رأى نور القمر ~~ينبعث ms1362 من نافذتها، فانتبه إليها، وعلم أنها خرجت منها، فأسف أسفا شديدا، وقال: إنها ~~تركن إلي كل الركون، فليأخذ الله بناصرها؛ لأني غير مسئول عن خطئها. # فقص عليه مرميس جميع ما اتفق له، فافتكر روكامبول هنيهة، وقال: إما أن يكون الوقت ~~فسيحا لدينا فنستطيع إنقاذها، وإما أن يكون فات الأوان؛ لأنهم لم يذهبوا بحيبسي ~~وعشيقها السير آرثر إلى ذلك المنزل إلا ليقتلوهما سوية، ولكن للخناقين عادة أن يصوموا ~~ضحاياهم أربعا وعشرين ساعة قبل قتلهم، وإذا كانت هذه العادة لا تزال متبعة عندهم إلى ~~الآن فلا بد لنا من إنقاذ الفتاة، والآن هلم معي. # ثم ذهب روكامبول من ذلك المنزل يتبعه مرميس، فسارا في الشارع حتى مرا بالخمارة ~~المعهودة، فهز مرميس ذراع روكامبول، وقال له: هذه هي الإرلندية والسائق الجالسان على ~~الطاولة الأولى، وهما يتحدثان بما فعلاه دون شك. # فقال له روكامبول: إذن لنجلس بجانبهما؛ لأني أعرف لغتهما، ولا يفوتني حرف من ~~حديثهما. # ودخل الاثنان فطلب مرميس بالإشارة كأسين من الخمر، وجعل روكامبول يحادثه بالإشارة ~~أيضا وهو يسمع حديث الإرلندية والسائق، وكان السائق يطلب إليها أن تقترن به وهي تعتذر ~~لفقرها، فيعللها بما سيقبضه من الذين دفعوها إلى اختطاف جيبسي وآرثر، وظهر لروكامبول من ~~حديثهما أنهما كانا يأملان أن يقبضا 10 جنيهات، وقد ختم حديثهما بقول السائق: أتعديني ~~بالزواج متى قبضنا هذا المبلغ؟ ~~- سوف نرى. # ودفع السائق ثمن ما شربا، وخرجا من الخمارة. # وبينما هو يدفع ثمن الشراب قال روكامبول لمرميس: اذهب واكمن في ضواحي ذلك المنزل الذي ~~حبست فيه الفتاة، وانتظرني هناك، وانتبه لكل ما يحدث، وإذا رأيت أحدا خرج من المنزل ~~اقتفي أثره حتى تعرف الطريق التي يسير فيها. # ثم ذهبا، فسار مرميس إلى تلك القرية، وذهب روكامبول في أثر السائق فأدركه على مسافة ~~مئة خطوة من الخمارة، ووضع يده على كتفه وباغته بقوله: أتحب الإرلندية حبا ~~صادقا؟ # فانذهل السائق، ولكنه ما لبث أن ثاب إلى رشده فقال: إني أحبها أصدق حب، ولكنها تأبى ~~الاقتران بي لفقري. ~~- وإذا كان لديك ms1363 مئة جنيه أترضى بك بعلا؟ # اندلع لسان السائق؛ لأنه لم يحلم في حياته بمثل هذه الثروة، وقال: إنها ترضى بي دون ~~شك، ولكن من أين لي هذا المبلغ؟ ~~- إنك تستطيع نيله متى أردت إذا فعلت ما أريد. # ثم سار به إلى زاوية الشارع، وأخرج من جيبه محفظة مملوءة بالأوراق المالية، ففتحها ~~وقال له: انظر، فإني أعطيك مائة جنيه متى أردت. ~~- ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- لا شيء، سوى أن تذهب بي إلى المكان الذي ذهبت إليه بجيبسي والسير آرثر. # فعلم السائق أنه مطلع على كل شيء، ووازن بين العشرة التي كان يتأمل أن يقبضها من ~~الخناقين وبين المائة جنيه التي سيقبضها من روكامبول؛ فرأى أن خدمة روكامبول أوفق له، ~~فقال: رضيت بما تريد. # فتأبط روكامبول ذراعه ومشى وإياه، وأخذا يتحدثان. # أما مرميس فقد ذهب كما أمره الرئيس إلى المنزل الذي سجنت فيه الفتاة، وبينما هو يفتش ~~عن زاوية يكمن فيها رأى رجلا قد وثب من سور الحديقة، وانطلق يعدو فعدا في أثره حتى ~~أدركه، فقال له: عفوك يا سيدي، أما أنت السير آرثر نويل؟ # فتعلثم السير آرثر، وكان هو بعينه، وقال له: كلا، إني لا أسمى بهذا الاسم. # ثم حاول المسير، فحال مرميس دونه، وحاول أن يمنعه فضم السير آرثر قبضته وأراد ضربه، ~~ولكن رأى رجلا دخل بينهما وقال له: يجب يا حضرة السير آرثر أن تخبرنا بما حدث لجيبسي ~~النورية؟ # وكان هذا الرجل روكامبول أتى به السائق إلى همستد ليرشده إلى ذلك المنزل الذي سجنت ~~فيه الفتاة. # 50 # بعد أن هرب السير آرثر من المعبد بقيت جيبسي فيه لا تتوقع الخلاص إلا بالموت بعد أن ~~مكر بها عشيقها، وأيقنت أنه نذل جبان حين علم بموته، فأهانها وغادرها في ذلك المعبد، ~~وهي التي أنقذته منه، فكانت تنتظر الموت بفارغ الصبر، ولكنها كانت بعد يأسها غير جازعة ~~منه. # وأقامت في ذلك المعبد بعد هربه عدة ساعات، فانطفأت الأنوار، وبزغت أشعة الشمس من ~~نافذة المعبد فانجلت لها رموز هائلة. # وبقيت منطرحة على قاعدة ms1364 التمثال، فأحست بالجوع، وقامت تتفرج على النقوش كي تتسلى عن ~~ذلك الجوع. # وفيما هي على ذلك فتح الباب ودخلت النساء الأربع فدنون منها، وهن ينشدن الأناشيد ~~باللغة الهندية، ثم انقطعن فجأة عن الغناء وعليهن مظاهر الاضطراب؛ لأنهن رأين أن السير ~~آرثر غير موجود في المعبد، فعلا صياحهن، ودخل على أثر ذلك الصياح رجلان، فوقفا على ~~العتبة منذهلين، ثم دنا أحدهما من جيبسي وقال لها: أين الرجل الذي كان حكم عليه أن يموت ~~معك؟ # فرفعت الفتاة يدها مشيرة إلى سماء القبة دون أن تفوه بحرف، فحسب الحاضرون أنها تشير ~~إلى السماء، ولم يفطن أحد منهم إلى زجاج النافذة؛ لأنها كانت عالية جدا، فسألها أحد ~~الرجلين: أين هو السير آرثر؟ # وكأن الفتاة على فرط نفورها من عشيقها كانت لا تزال مشفقة عليه، فما أرادت أن تخبرهم ~~كيف هرب، وقالت لهم بملء السكينة: إن الإلهة قد استجابت توسلي بعد صلاتي، فأرسلت ملاكين ~~اختطفاه. # وكان تعبد الخناقين لإلهتهم كالي شديدا، فجعلوا اختفاءه على محمل مقدس تمجيدا ~~للإلهة وركعوا. # وجعل النساء يتلاثمن أطراف ثوب الفتاة لحدوث هذه الأعجوبة ببركة صلاتها، وقالت لها ~~إحداهن: ليتمجد اسمك؛ لأن الإلهة لم تجب نداءك إلا لأنها غفرت لك، واعتبرتك من ~~الصالحات. # ثم تعاقد الرجال والنساء بالأيدي وأخذوا يرقصون حول جيبسي. # وبينما هم على هذا الرقص والغناء دخل السير ستوي والسير نيفلي، فرأيا أن السير آرثر ~~قد نجا، وعلم السير ستوي في الحال كيف كانت نجاته، فقال لرفيقه: إنه هرب من النافذة، ~~وسيدعو البوليس دون شك، وإذا لم نسرع بإحراق الفتاة باغتنا البوليس وأنقذها. ~~- هو ما تقول يا حضرة النور، فأمر بالإسراع. # وأشار إليهم السير ستوي إشارة رمزية، فذهب جميع من كان في المعبد، ثم عادوا بعد هنيهة ~~وهم يحملون معدات الوقيد، ووضعوها على المحرقة، وعاد النساء إلى الرقص والنشيد، والسير ~~ستوي واقف مع رفيقه وقفة الاحترام. # ثم أشار السير ستوي إشارة أخرى، فهجموا على الفتاة فقيدوها، ووضعوها فوق المحرقة، ~~فجعلت تصيح صياحا يقطع القلوب، فكان صياحها يضيع بين نشيد ms1365 النساء. # وعند ذلك أخذ السير ستوي مشعلا، وأوقد بلهيبه الحطب الموضوع تحت المحرقة، فاشتعل ~~وأخذ لهيبه يتصاعد حتى أوشك أن يصل إلى جيبسي، كل ذلك والنساء ينشدن، والسير ستوي ينظر ~~إلى هذا المنظر الهائل نظر الرضا، وقد أغمي على الفتاة لما نالها من الخوف، فانقطع ~~صوتها، ولم تعد تستغيث. # وكان الهنود يدورون حول المحرقة، وينشدون هذا النشيد: # سلام على تلك التي تطهرها النار، وسترى الإلهة بجلالها. # سلام على جيبسي التي اختارت لها الإلهة خطيبا من الخناقين في السماء. # إن سماء الهند الصافية، وزرقة مياه البحر، وأشعة الكواكب الذهبية جميع ذلك ~~إليها لا يذكر بإزاء فردوس الإلهة كالي. # إن قصر الإلهة كالي مشيد بالذهب والفضة والرخام والمرمر، ورصعت جدرانه ~~باللؤلؤ واليواقيت، ورقصت فيه الحور والولدان، فالمجد للإلهة كالي. # إن في هذا القصر يقيم اللواتي يمتن عذارى، ويضحين للإلهة كالي فينعمن بنعيم ~~الخلود. # السلام عليك يا جيبسي، فإن روحك ستصعد قريبا إلى أقدام الإلهة كالي فتبعثها ~~في أجمل جسم. # وبينما كان النساء ينشدن الأناشيد طائفات حول المحرقة، وبينما كان السير جورج والسير ~~نيفلي يسمعان الأناشيد باحترام، وينظران إلى النار يتزايد ضرامها دون إشفاق، وبينما ~~جيبسي مغمى عليها، وقد ارتفع اللهب حتى اتصل بطرف ثوبها، سمع دوي شديد، وصفير رصاصة ~~خرجت من مسدس، فأصابت السير نيفلي بدلا من أن تصيب السير جورج، فسقط على الأرض. # ثم رأوا أن زجاج النافذة الكبيرة في سقف القبة قد تحطم، وأن كثيرا من الرجال قد ~~اندفعوا منها إلى التمثال، وسقطوا إلى المعبد ، فغصت بهم رحبته. # وكانوا جميعهم عراة الصدور، وفوق صدورهم وشوم تدل على أنهم من أبناء الإله ~~سيوا. # فأسرع أحدهم الذي كان يظهر أنه رئيسهم، فانتشل جيبسي من فوق المحرقة، وأطفأ النار ~~العالقة بثوبها دون أن تلحق جسمها. # وقد انخدع الهنود بوشوم أولئك الرجال، وحسبوا أن الإله سيوا قد انقض عليهم، فركعوا ~~جميعهم كأنهم قد صعقوا، فتركهم الرئيس وشأنهم، وصعد بجيبسي إلى التمثال، فخرج بها من ~~النافذة، ثم تبعه جميع من كان معه، وجعلوا يتسلقون التمثال ms1366 واحدا بعد آخر. # ولم يبق ريب لدى جميع من كان في المعبد أن أولئك الرجال من أشياع سيوا، فكانوا لا ~~يجسرون أن ينظروا إليهم من المهابة خلافا للسير جورج، فإنه كان يعض كفيه من اليأس؛ ~~لأنه علم أن هذا الرجل الذي اختطف جيبسي هو روكامبول، ولم يكن يستطيع مقاومته لكثرة ~~رجاله، فاضطر إلى الهرب من المعبد حين رآه داخلا بهذه القوة. # 51 # مضى ثلاثة أيام على هذه الحادثة كان في خلالها رجلان من رجال هذه الرواية مقيمين في ~~منزلهما لا يخرجان منه، وهما السير نيفلي، والسير آرثر. # وأما السير ستوي فإنه خاف خوفا شديدا من روكامبول، فهرب من المعبد، واختبأ مدة بين ~~أدغال القرية؛ كي لا يهتدوا إلى أثره، ثم عاد إلى منزله في لندرا، وكان يرجو أن يرى ~~كيرشي فيه؛ لأنه هو وحده يستطيع إقناع عصابة الخناقين أن الذين هاجموهم في المعبد لم ~~يكونوا من عباد الإله سيوا، فإن انتصار هذا الإله على الإلهة كالي يضعف عزائمهم، ويحط ~~من منزلة ستوي في عيونهم، ولكنه لم يره في المنزل فأيقن أنهم اختطفوه؛ لأنه كان واثقا ~~من وفائه فلا يمكن أن يهرب. # وكان معظم خوفه من مس سيسيليا، فإنه كان يخشى أن يكون السير آرثر أخبرها بما اتفق له، ~~وأن تكون صدقت كلامه، فإنها لم تكتب إليه كلمة منذ ثلاثة أيام بعد أن وعدته في مقابلتها ~~الأخيرة بالزواج به، فلم يعد لديه شك أن السير آرثر أخبرها بجميع ما اتفق. # أما السير آرثر فإن خوفه من الخناقين كان أكثر من خوف السير جورج من فقد خطيبته، ~~ولذلك فإنه بعد أن أخبر روكامبول بجميع ما حدث له مع السير جورج، وقص عليه حكاية فراره ~~من النافذة بمساعدة جيبسي تنكر باسم آخر، وأقام في فندق مبالغة في التنكر لشدة خوفه من ~~الخناقين، وقد تجسم الخوف في نفسه حتى إنه هجر الأميرالية، فلم يعد يذهب إليها، وعول ~~على مغادرة إنكلترا إلى خلكيدونيا الجديدة، فأرسل خادم الفندق فقطع له تذكرة السفر في ~~سفينة تسافر بعد ms1367 3 أيام، وأعد معدات الرحيل. # وفي اليوم الثالث بينما هو يتأهب للسفر إذ سمع قرع بابه فلم يجب، فأعاد الطارق مرة ~~ثانية فلم يجب أيضا، وعند ذلك فتح الباب ودخل رجل عرفه السير آرثر لأول نظرة إنه ~~روكامبول، بالرغم عن تغيير زيه فإنه كان بملابس البحارة حين لقيه المرة الأولى بجوار ~~المنزل الأحمر، وهو الآن مرتد بملابس الأعيان، فأقفل روكامبول الباب بعد دخوله، وقال ~~له: أسألك المعذرة يا سيدي، فإني لم أعلم أنك مسافر صباح غد إلى خلكيدونيا، ولا تتوهم ~~يا سيدي أني أريد بك شرا، فإني لست من رجال الشر، ولا مأرب لي بانثنائك عن قصدك إلا ~~أني أتيت أسألك قضاء أمر يسير. # ثم أخرج مسدسا من جيبه، وقال: إن جيبسي أخبرتني بكل شيء، وعلمت أني أستطيع أن أنال ~~منك ما أريد متى حملتك على الخوف مني، واعلم الآن أنك إن لم تكتب الكتاب الذي سأمليه ~~عليك في الحال ... وكنت أود إنقاذك من الخناقين، إلا أني أحتقرك، فلا أمد لك يد المساعدة ~~فاهرب متى شئت، ولكن اجلس على هذه المائدة قبل فرارك، واكتب ما أمليه عليك. # فتنهد السير آرثر تنهدا طويلا، وامتثل لما أراد روكامبول. ~~••• # ولنعد الآن إلى مس سيسيليا، فإنها كانت قد تولهت بحب السير جورج ستوي لا سيما بعد ~~اجتماعها به في منزله، واعتقادها الراسخ في ذهنها أن كل ما قيل عنه من وشايات ~~المفسدين. # وكانت قد التجأت إلى عمها اللورد شارنغ فوعدها خيرا، فاجتمع بالسير جورج، وراقت له ~~عشرته، وأعجب بحسن أدبه، وقال له: إنك تحب ابنة أخي وهي تحبك إلا أن أخي لا يزال ~~معارضا لهذا الزواج، فاتكل علي واصبر. # فاطمأنت مس سيسيليا لوعد عمها، ولكنها كانت منشغلة البال، مضطربة الحواس؛ لأن السير ~~جورج لم يرها، ولم يكتب لها كلمة منذ أربعة أيام؛ وذلك لأنه كان يعتقد أن السير آرثر ~~نويل أخبرها بما اتفق له، فلم يجسر على مكاتبتها. # وبينما هي جالسة في معملها التصويري، وهي مفكرة مهمومة بمناجاة السير جورج إذ دخل ~~عليها الخادم ms1368 يحمل رقعة زيارة مكتوبا عليها روكامبول. # فنظرت الفتاة إلى الرقعة، ولم تعرف صاحبها، فقرأت سطرا كان مكتوبا تحت الاسم بالقلم ~~الرصاص خلاصته: إن هذا الزائر قادم بشأن خاص بالسير جورج ستوي. # فأمرت الخادم بإدخاله في الحال. # ودخل روكامبول وحياها، وبعد أن دعته إلى الجلوس، قال لها: إني قادم أولا لأحمل إليك ~~وداع ابن خالك السير آرثر، فإنه سافر في هذا الصباح إلى لفربول، ومنها إلى خلكيدونيا ~~الجديدة. # فانذهلت الفتاة، وقالت: كيف سافر؟ ولماذا؟ ~~- إنه سافر يا سيدتي وقاية لنفسه، فقد حكم عليه منذ أربعة أيام بالإحراق حيا مع ~~خليلته النورية، لكنه تمكن من الفرار بعد القبض عليه؟ # فارتعشت لهذا الخبر الغريب، وقالت له: ما هذه الأنباء التي أسمعها أفي يقظة أنا أم في ~~منام؟ ~~- كلا يا سيدتي لست حالمة، وما أقوله لك هو الحقيقة بعينها، فإنه يوجد في قلب العاصمة ~~الإنكليزية محكمة سرية حكمت على السير آرثر أن يحرق حيا، ورئيس المحكمة يا سيدتي هو ~~ذلك الرجل الذي قرأت اسمه على رقعة زيارتي، أي السير جورج ستوي. # وصاحت الفتاة صيحة إنكار، ولكن نظرات روكامبول السحرية ضغطت عليها، فتذكرت حديث ابن ~~خالها القديم. # وعند ذلك قال لها روكامبول: إنك قد تشكين بكلامي يا سيدتي؛ لأنك لا تعرفينني من قبل، ~~ولكنك لا تستطيعين الشك بأقوال ابن خالك. # ثم دفع إليها ذلك الكتاب الذي أملاه على السير آرثر في الفندق، وقد اعترف به لسيسيليا ~~بجميع حوادثه بالتفصيل منذ بدء حبه لجيبسي إلى حين نجاته من معبد الهنود. # وكانت لهجة كتابه تدل على حقيقة لا ريب فيها، فصاحت الفتاة عند تلاوتها. # ولكن عواطف حبها تغلبت على إرشاد عقلها، فالتفتت إلى روكامبول وقالت له: أتعلم يا ~~سيدي أن السير آرثر كان يهواني؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إذن ألا يمكن أن يكون كتابه هذا نميمة دفعته إليها الغيرة؟ # وعلم روكامبول أن صوت قلبها أشد من صوت عقلها، وأن إقناعها بالكلام محال، فقال لها: ~~إنك إذا أمهلتني 3 أيام أريك السير جورج ستوي يرأس مجتمعا للخناقين مرأى ~~العين. ms1369 # فأهاجت هذه الكلمات الفتاة، وقالت له: إنك إذا أريتني إياه على ما تمثله الآن فإن حبي ~~له يستحيل إلى كره شديد لا حد له، فلا تهنأ لي حياة إلا حين يعاقب على جرائمه ~~بالموت. ~~- هي 3 أيام يا سيدتي، فاصبري وكل آت قريب. # ثم تركها وانصرف. # 52 # مضى خمسة أيام على حوادث المعبد والسير جورج مقيم في منزله دون أن يرده كتاب من ~~سيسيليا، ولم يكن يجسر على الخروج لاعتقاده أن حادثة المعبد وقتل السير نيفلي لا بد من ~~ظهورها، فكان يتوقع قدوم البوليس الإنكليزي إلى منزله من حين إلى حين، ولكنه لم يحدث ~~شيء من ذلك. # وفي اليوم الخامس اطمأن بعض الاطمئنان، وخرج من منزله إلى النادي الهندي. # واستقبله أصحابه فيه حسب العادة إلا أن بعضهم عجب لغيابه، فقال له: إنه كان يصطاد ~~الضواني. # وسأله آخر عن السير نيفلي، فقال له: ربما سافر مع الجيش إلى الهند. # ودار الحديث أمامه عن الخناقين بمناسبة خنق ذلك الرجل الذي خطب مس سيسيليا، فأجمع ~~الحاضرون على أنهم طائفة من اللصوص بحيث اطمأن السير جورج، وعلم أن تلك الحوادث لم ~~تنفضح أسرارها بعد. # وبعد أن أقام معهم مدة خطر له أن يذهب إلى المعبد ليتفقد الأحوال، فركب مركبة وسار ~~إلى قرية همستفاد، فأطلق سراح المركبة، ودخل إلى خمارة كي يتجسس من قبيل الحذر، واختلط ~~بين الحضور، فسمعهم يتحدثون بالانتخابات، وغير ذلك من الحوادث العمومية. # وسار عند ذلك مطمئنا إلى باب المعبد، ففتحه بمفتاح خاص، وبرزت تلك المرأة الهندية، ~~واستقبلته بما تعوده من الاحترام ، ثم قالت له: إن السير نيفلي ينتظر قدومك بفارغ الصبر ~~يا حضرة النور. # فانذهل وقال: ماذا تقولين، ألا يزال حيا؟ ~~- نعم يا سيدي، فإن الرصاصة لم تصب منه مقتلا، بل جرحته في الصدر جرحا خفيفا كان ~~سريع الاندمال. # فتنهد السيد جورج تنهد المنفرج، وسار في أثر المرأة إلى الغرفة التي يقيم فيها السير ~~نيفلي. # ولما خلا به قال له السير نيفلي: إني كنت أنتظر عودتك بفارغ الصبر، فإن جماعة ~~الخناقين ms1370 قد ضعفت عزائمهم لحسبانهم أن الذين هاجموهم من أبناء سيوا، ولكني تمكنت من ~~إقناعهم وإعادة الحمية إليهم. ~~- إذن لم يحدث شيء هنا؟ ~~- كلا، وأرجو أن تكون بددت ذلك الفرنسي الجريء وعصابته. ~~- لم أفعل شيئا من ذلك؛ لأني ما رأيت أحدا منهم إلى الآن. ~~- ألم تستعد جيبسي؟ ~~- كلا ... ~~- ولكنك قبضت على السير آرثر على الأقل؟ ~~- كلا ... ~~- وماذا فعلت بقرانك، ومتى يتم العقد؟ ~~- لم أرها منذ ذلك العهد، وقد كتبت لها فلم تجب. # فأظهر السير نيفلي عند ذلك انذهالا شديدا، وقال: إذن ماذا فعلت في هذه الأيام ~~الخمسة؟ # وقد نظر إليه حين قال هذا القول نظرة غريبة ما تعود أن يراها من حاشيته؛ لأنه كان ~~الرئيس المطلق لطائفة الخناقين في لندرا، وله الحق في أن يعامل جميع رجال تلك الطائفة ~~معاملة العبيد، فلما سمع هذا القول من نيفلي نظر إليه نظرة إنكار وتأنيب، فلم يحفل به، ~~وقال له: كيف أنك لم تفعل شيئا من مدة أسبوع كامل، ألعلك خفت أعداءك؟ # فاحمر وجه السير جورج من الغضب، وقال له: ويحك أيها العبد، أنسيت من أنا فتجرأت على ~~مخاطبتي بهذا الكلام؟ ~~- كلا، ولكنك أصبحت أنت العبد وأصبحت أنا السيد بما ورد لي من السلطة السرية. # ثم أخرج من جيبه ورقة مختومة بأختام سرية وأطلعه عليها، فلم يكد السير جورج يقرؤها ~~حتى صاح صياح القانطين، ثم ركع أمام السير نيفلي، وقال له: ألتمس منك الغفران، فإن ~~النور قد انتهى إليك، فلك الأمر وعلي الطاعة. # ولا بد لنا لإيضاح أسرار هذا التغيير الفجائي أن نذكر بالإيجاز شيئا عن تلك الجمعية ~~الهائلة التي يدعونها جمعية الخناقين، فإنها لم تكن دينية كما كان يتوهم الأكثرون، بل ~~كانت سياسية محضة يديرها كبار الرجال، فيسترون مقاصدها بحجاب الدين، وإنما كانوا يريدون ~~بها مقاومة الإنكليز، والخروج عليهم تخلصا من نير أحكامهم. # ولم يكن أحد يعرف رئيس هذه الجمعية، وأما أعضاؤها فكانوا مختفين، ومعظمهم من ~~المتعبدين المتشيعين للإلهة كالي، فكانوا إذا أرسلوا رئيسا من أولئك المتعصبين يرسلون ~~معه رجلا حاذقا، يخضع له ms1371 بالظاهر، ويراقب جميع أعماله حتى إذا رأى منه بادرة، أو رآه ~~مقصرا في واجباته خلعه من منصبه، وتولى عنه الرئاسة بما يكون لديه من الأوامر السرية، ~~لذلك أرسلوا مع السير جورج السير نيفلي، وزودوه بتلك الأوامر، فلما رآه مقصرا تولى عنه ~~الرئاسة وعزله. # وكان السير جورج شديد التعصب في عبادة الإلهة كالي، يعتقد بفردوسها كما يعتقد عامة ~~الهنود خلافا للسير نيفلي كما سيجيء، فإنه كان من أعضاء الجمعية السياسيين. # فلما نزع السير نيفلي الرئاسة من السير جورج كما تقدم قال له: أصغ إلي الآن لأخبرك عن ~~السبب في عزلك، فإني كنت واثقا حين برحنا الهند أنك غير كفء للرئاسة، وقد أيدت الحوادث ~~ظني، وماذا فعلت منذ قدومنا إلى لندرا؟ إنك أرسلت أوسمانا وكيرشي لخنق ابنة الجنرال ~~الروسي فلم تفلح، وكان لجيبسي خليل منذ عامين وأنت لا تعلم، وقدر الاتفاق أن يكون خليل ~~هذه الفتاة ابن خال خطيبتك، الذي يستطيع أن يمنع زواجك بها ويحرمنا من أموالها، فنجت ~~جيبسي، ونجا السير آرثر وأنت مقيم في منزلك آمنا مطمئنا تنظر الحوادث. # فاقرأ الآن هذه الأوامر التي زودتني بها الرئاسة العليا، فإني منحت بها السلطان ~~المطلق، وإذا أشرت إشارة سرية إلى رجال هذا المعبد هجموا عليك وقتلوك، إذ يحق لي قتلك، ~~ولكني لا أقتلك إذ لا بد من بقائك حيا، وإذا كنت لا تعرف أن ترأس، فقد تعرف أن ~~تطيع. # والآن فأصغ إلي فإنك ألهبت صدر مس سيسيليا بغرامك، وهي أغنى غنيات الإنكليز، ويجب أن ~~نرجع للهند تلك الأموال التي يأخذها الإنكليز من الهند؛ ولذلك يجب أن تتزوج ~~سيسيليا. # ثم أحب أن أكشف لك سرا جديدا وهو: أتحسب أن الجمعية تأمر بوشم صدور الفتيات، وتقضي ~~عليهن بالبتولية الأبدية لمجرد إرضاء الإلهة كالي؟ # فارتعش السير ستوي لهذا القول، ولكن السير نيفلي لم يحفل به ومضى في حديثه، فقال ~~ببرود: إن شرائعنا الدينية الهندية هي من أوضاع الناس، وإنما وضعوها لتساعد الحكومات في ~~السيطرة على الشعوب، أما أنت فإنك من المتعصبين في الدين، ولا تزال ms1372 تعتقد إلى الآن ~~بوجود الإلهة كالي. # فانقضت هذه الكلمات على السير ستوي انقضاض الصاعقة، وأخذ ينظر إليه نظرات البله، ~~ويقول في نفسه: كيف يكفر هذا الكفر بالإلهة وهي لا تصعقه؟ # أما السير نيفلي فإنه عاد إلى تتمة حديثه فقال: إن جمعيتنا تأسست منذ ستين عاما، ~~ولها مبدآن تجمع بأحدهما العامة أمثالك، وهو مبدأ عبادة الإلهة كالي، وتجمع بالآخر ~~العقلاء الراشدين، وهو مبدأ كره إنكلترا وإبادتها، أعرفت الآن حقيقة أسرارها؟ # ثم اعلم أنه حين افتتحت إنكلترا الهند اجتمع أمراؤها وزعماء قبائلها وعلماؤها فقرروا ~~مقاومة الإنكليز، وارتأوا أن يفعلوا من الفعال الهمجية ما يوافق مدنيتهم المموهة، ولهذا ~~فإن جميع الذين لا يعتقدون بالإله وشنو، وأمثاله، وإلهة الشر كالي، وإله الخير سيوا، بل ~~يريدون أن تكون الهند للهنود من البحر الأحمر إلى منابع الكنغ يعتمدون في تنفيذ مآربهم ~~على تعصب المتعصبين، فأنشئوا طائفة الخناقين، وبثوها في جميع أنحاء البلاد، ولنا كثير ~~من الأحزاب من غير هذه الطائفة بعضهم يخدموننا كرها للإنكليز، وبعضهم لأغراضهم الخاصة، ~~وإذا أردت البرهان فاسمع. # إنك تعرف حكاية ناديا التي تزوجت أمها مس أنا هاريس وهي مكرسة للإلهة كالي، فخنقت يوم ~~ولادتها لابنتها ناديا، وأنت تعلم أن ناديا وابنتها محكوم عليهما بالموت، ولكنك لا تعلم ~~لماذا حكم عليهما هذا الحكم؟ # فقال السير ستوي متحمسا: لأن الإلهة كالي أرادت لهما الموت. ~~- كلا، فإن هذه الإلهة لا تريد إلا الذي تريده، والحقيقة أن والدة ناديا كانت ابنة ~~الجنرال هاريس حاكم كلكوتا، وكان يعذب الهنود، فأراد الخناقون أن ينتقموا منه، وكان ~~بوسعهم أن يكتفوا بقتل الأب والإبقاء على البنت، إلا أنه كان لها أخت، وكان لأبيها أخ ~~يدعى اللورد هارنس، وهو من جمعيتنا، فأراد هذا الأخ أن يقتل أخاه الحاكم، ثم يتزوج ~~ابنته الصغرى، فإذا قتل ابنته الكبرى تدفقت ثروة أخيه بجملتها إلى خزائنه. # ثم تزوج ابنة أخيه الصغرى بعد قتل أبيها، وقتلت ابنة أخبه الكبرى إلا أنها ولدت قبل ~~مقتلها بنتا وهي ناديا، فإذا لم تقتل ناديا وابنتها فإنها تطالب بثروة أمها ms1373 أمام ~~المحاكم الإنكليزية، وتنقض كل ما بناه اللورد هاريس، ولهذا يجب قتل ناديا وابنتها صيانة ~~لثروة اللورد هاريس؛ لأنه من جمعيتنا، أعلمت الآن؟ # فاضطرب السير ستوي وقال: إذا كانت البنات توشم وتقتل لهذه الأغراض، فلماذا حاولنا ~~إحراق جيبسي النورية، ومنعها عن الزواج؟ ~~- ذلك لأن لها حديثا آخر ليس موضعه الآن؛ إذ لدينا من المهام ما هو أهم منه، فاعلم ~~إذن أني رئيسك المطلق، ولكن لا يجب أن تعلم الطائفة شيئا من هذا التغيير، فإنك تبقى ~~الرئيس المطلق أمامها، ويبقى لديك النور، ولكنك تتلقى الأمر مني بالسر، وتكون لي أطوع ~~من العبيد. والآن قل لي: من هذا الفرنسي الذي تجاسر على مهاجمتنا؟ ~~- إني لا أعرف من أمره أيها النور سوى أنه يقيم في هاي ماركت مع امرأة بارعة في ~~الجمال. ~~- حسنا سأراها، أما أنت فلا تهتم بهذا الرجل، ولا تبحث عن جيبسي بعد الآن، فإني ~~سأتولى هذه المهمة. # فقال السير جورج: ولكني أقسمت بأن أنتقم من هذا الفرنسي. # فأجابه ببرود: إن الانتقام لا يجب أن يطبع إلا في نفوس الرؤساء، وأما أنت فلم تعد إلا ~~شبه آلة، ويجب عليك أن تطيع. # فانحنى السير جورج ممتثلا، ومن الغريب أن جذوة حقده على روكامبول قد انطفأت فجأة، ~~واستحال كل بغضه لهذا الرئيس الجديد. # وبعد حين افترقا، فعاد السير جورج إلى منزله واليأس ملء قلبه، فكان أول ما بدأ به أنه ~~دخل إلى غرفة معبده وقد زالت من نفسه كل عقائده الدينية، فضرب تمثال الإله وشنو برجله ~~وهو يقول: انتقم لنفسك إذا كنت قادرا ، فسقط التمثال ولم يصعقه الإله. # ودنا من تمثال كالي وقال: أنت أيها التمثال الذي كرست له شبابي إذا كنت تمثل الإلهة ~~كالي فلتنتقم مني، فإني أنكر وجودها. # ولما رأى أن الإلهة لم تجبه رفس التمثال برجله فسقط وتحطم. # ثم قام إلى البركة فأخرج السمكة وقتلها، ومزق جميع الصور، وأتلف كل ما كان هنالك من ~~الرموز المقدسة وهو يجدف تجديف المجانين. # وبعد ذلك عاد إلى غرفة نومه، فوضع رأسه بين يديه، ms1374 وجعل يفكر فيما صار إليه أمره، ~~وصدره يتأجج حقدا على نيفلي. # وفيما هو يمعن في طريقة للانتقام منه خطرت له وسيلة رجا أن ينال منها ما يريد، وهي أن ~~يحالف بالسر روكامبول عدوه القديم على نيفلي عدوه الجديد، ويطلعه على جميع أسرار جمعية ~~الخناقين، فيكون له خير عون على بلوغ مأربه من الانتقام، ولما تجسم هذا الخاطر في ~~مخيلته خرج من منزله، وذهب توا إلى حيث يقيم روكامبول مع فاندا. # 53 # مضى على ذلك ثمانية أيام ولم ير السير نيفلي السير ستوي في خلالها، فإنه لم يحضر إلى ~~المعبد، ولم يعد إلى منزله منذ تلك الليلة التي سحق فيها تمثال الإلهة كالي، وقتل تلك ~~السمكة التي كانت تقيم فيها روح أبيه. # وبقي السير نيفلي مطمئنا لا يهتم له 3 أيام؛ لأنه كان يعتقد أن السير ستوي يخجل أن ~~يظهر أمامه إلا بعد أن يعمل عملا خطيرا يدفع تهمة تقصيره السابق، وبعد أن يثق بأمر ~~زواجه بسيسيليا. # فلما مضت الأيام الثلاثة بدت على محيا السير نيفلي دلائل القلق، وأخذ يبحث عنه، فغادر ~~المعبد سرا في ليلة مدلهمة، وذهب إلى منزل ستوي فطرق بابه مرارا دون أن يجيبه أحد، ~~وكان سور حديقة المنزل واطيا، فتسلقه ونزل إلى الحديقة، ثم صعد منها إلى المنزل فكسر ~~الباب ودخل إلى غرفته، ففتشها بجملتها حتى انتهى إلى غرفة، ورأى آثار التخريب، وعلم أنه ~~أثر على السير جورج حتى نزع منه عقائده الدينية. # ولكنه بقي منشغل البال لانقطاع أخباره عنه، واحتجابه عن الأنظار، فذهب إلى النادي ~~الهندي، وهو النادي الذي كان يتردد إليه السير ستوي؛ عله يقف من أعضائه على شيء من ~~أخباره، فلقيهم يتحدثون بأمر جليل قد استعظموه، وهو أن السير ستوي قد خطف مس سيسيليا ~~برضاها؛ لأن والديها كانا مصرين على عدم تزويجه بها. # إلا أن الحب كان متمكنا منهما، فوافقته على الفرار، ولا يعلم أحد حتى الآن إلى أين ~~ذهبا. # فاطمأن خاطر السير نيفلي، وقال في نفسه: إن السير جورج لا يقدم على اختطاف ms1375 الصبية إلا ~~إرضاء لي كي أنفي عنه تهمة التقصير، فما بعد الاختطاف إلا الزواج. # ولكنه لا بد أن يكون كتب لي عما حدث. # ثم برح النادي إلى منزله كي يرى ما كتب إليه السير ستوي، فوجد كتابا باسمه. # ففضه وأسرع بنظره إلى التوقيع، ورأى بدلا من توقيع السير جورج توقيع فاندا، فانذهل ~~وقرأ ما يأتي: # إذا كانت السير جمس نيفلي صديق السير جورج ستوي من خيار ~~النبلاء كما يذاع عنه، فإنه يسرع إلى مساعدة امرأة توشك أن تجن من الحزن واليأس ~~وهي خادمته فاندا. # وقرأ بعد ذلك عنوان المحل الذي تقيم فيه، فوجده نفس المنزل الذي أخبره السير جورج أن ~~الرجل الفرنسي يقيم فيه مع امرأته، فجعل يفحص الخط، فرأى ما يدل على أن يدا مضطربة قد ~~كتبته، فسر لهذا الدليل، ولم يعد يخشى أن يكون ذلك دسيسة. # إلا أنه لم يذهب في الحال، وأجل الزيارة إلى الصباح كي يتمعن. # ونام تلك الليلة في منزله، وفي الصباح تأنق بملابسه، وذهب ماشيا إلى هاي ماركت حيث ~~كانت تقيم فاندا بعد أن تسلح بمسدسين وخنجر. # حتى إذا وصل إلى المنزل وقرع بابه فتحت له فاندا، وقالت: أنت هو يا سيدي السير جمس ~~نيفلي؟ # فدهش نيفلي لجمالها، وأشفق لما رآه من احمرار عينيها لكثرة البكاء، ولظواهر يأسها، ~~وقال لها: نعم يا سيدتي أنا هو، وقد أتيت لنصرتك إذا كنت لا تزالين في حاجة إلي. # فأخذت فاندا يده وقالت: تفضل يا سيدي بالدخول، لقد عقدت عليك آمالي، وكنت مشككة ~~بحضورك؛ لأن الحزن دفعني إلى القنوط من كل نصير. # ثم دخلت به إلى قاعة صغيرة، وسقطت على مقعد فيها كأنما رجلاها قد ضعفتا عن حملها، ~~وقالت: أرجوك العفو يا سيدي، فإني لا أعلم كيف أنا عائشة إلى الآن. # فنظر إليها السير نيفلي وحن عليها وهو عميد جمعية الخناقين، والشخص الذي شاهد جيبسي ~~تحترق دون أن يتأثر، وقد دفعته عاطفة غريبة إلى هذا الحنو. # فقالت له فاندا وقد فهمت معنى نظراته: إنك تجدني جميلة يا سيدي ms1376 أليس كذلك؟ # فارتعش ولم يجب، ولكن عينيه كانتا تجيبان عنه. # فقالت: لقد كنت أمس جميلة، أما اليوم فقد زالت آثار هذا الجمال، وأنا تلك المرأة التي ~~كانت تقيم مع ذلك الفرنسي الذي بارز صديقك السير ستوي، ولكن هذا الرجل قد تخلى عني منذ ~~3 أيام بدناءة لا تخطر في بال. # وكانت عينا فاندا تتقدان، فقرأ السير نيفلي سور الحقد الهائل بين نظراتها، وقال لها: ~~لماذا تخلى عنك؟ ~~- لهيامه براقصة نورية من راقصات الطرق، سافر بها إلى فرنسا، وقد تخلى عني من أجلها ~~بشكل يورث الخزي والعار، ويدل على انحطاط نفسه الدنيئة، فإني كنت أفديه بالحياة، ولكنه ~~هجرني هجر بنات الهوى بعد أن سرق مالي ومجوهراتي، وغادرني وليس معي فلس. # فجلس السير نيفلي بالقرب منها، وأخذ يدها بين يديه، وقال لها: من عسى أن يكون ~~هذا؟ # فتنهدت تنهد القانطين وقالت: لا تسلني عنه، فإني أجهل اسمه الحقيقي، فقد كنت أحسبه من ~~النبلاء الأغنياء، فركنت إليه وأحببته بقدر ما أبغضه الآن. # ثم نزعت شالا كان يغطي صدرها، فظهرت فوقه أثر ضربة خنجر لا يزال داميا. # فارتعد نيفلي وقال: ما هذا؟ ~~- إني كنت عولت على الانتحار، فطعنت صدري بخنجر، وكدت أجهز على نفسي بضربة ثانية إلا ~~أني عدت عن هذا القصد، وعولت على الانتقام من هذا السافل، ومن خصيمتي فيه، ولكن وا ~~أسفاه كيف أبرح لندرا وأدركهما في باريس وليس لي مال؟ فخطر لي عند ذلك أن ألجأ إلى عدوه ~~السير جورج، فعلمت أنه غائب عن لندرا، ثم قيل لي إنك من أصدقائه، فلجأت إليك وأنا أرجوك ~~الآن يا سيدي أن تعطيني مائة جنيه كي أسافر بها إلى باريس، ومتى وصلت إليها أرجعت إليك ~~مالك. # وكانت عيناها تتقدان بأشعة الحقد والغضب، فتبثان سحرا، وتؤثران على فؤاد السير نفلي ~~أشد تأثير إلا أنه لم يندفع في تأثره، ورجا أن يكون له بها خير معين، فقال في نفسه: هو ~~ذا ساعد هبط إلي من السماء وقذفته لي جهنم. # ثم مد إليها يده وقال: إني يا ms1377 سيدتي من أولئك الإنكليز الذين اشتهروا بغرابة الأطوار، ~~والملل من المعيشة الثابتة، فأنا أشاركك في انتقامك إذا أردت وأسافر معك إلى ~~فرنسا. # فصاحت فاندا صيحة فرح، وقالت: أنت تفعل هذا؟ ~~- نعم يا سيدتي، ومتى أردت السفر أكون طوع أمرك. # فقالت بلهجة تبين منها ما طوي عليه فؤادها من الحقد والغيرة: إنك إذا انتقمت لي ~~أحببتك، وكنت لك أطوع من الإماء. # فركع السير نيفلي أمامها، ولثم يدها؛ فابتسمت فاندا نفس ابتسامها في تلك الليلة ~~الهائلة حين ألقت نقولا أرسوف في البركة، وفتحت حنفية الماء وهو فيها. # 54 # كان الليل شديد الحلك، والهواء عاصفا، والبحر تهدر أمواجه، فيسمع هديرها من مسافة ~~بعيدة، ومع ذلك فقد كان الدخان يتصاعد من مطعم سومون؛ مما يدل على أنه لا يزال يستقبل ~~الناس بالرغم من تلك الساعة المتأخرة من الليل. # وقد كان جاء إلى هذا الفندق اثنا عشر رجلا بملابس نظيفة، ولكن ملامحهم لا تدل على ~~أنهم من الأعيان، فاستقبلتهم صاحبة الفندق وهي توشك أن تقفل أبوابه، ثم علمت من حديثهم ~~أنهم فرنسيون، فضعفت ثقتها بهم، وترددت في أمر قبولهم، فأدرك كبير هذه العصابة قصدها، ~~وقال بالإنكليزية: لا، لا تخشين شرا فما نحن لصوص ولا سفاكون، بل نحن من مهربي ~~البضائع، وسنسافر على باخرة سترسو على الشاطئ القريب من هذا الفندق، فأحضري لنا ما لديك ~~من الطعام، ثم دفع لها مقدما ثمن ما طلبه، فارتاح فؤادها، وأحضرت لهم جميع ما ~~طلبوه. # وكانت هذه العصابة عصابة روكامبول، فجلسوا على المائدة، وجعلوا يتحدثون، فقال مورت: ~~أرأيتم كيف أن هذا الغلام مرميس بات على حداثة سنه نائب الرئيس، وتقدم في ليلة واحدة ~~هذا التقدم السريع؟ # فأجابه ميلون: ذلك لا ريب فيه؛ فإنه فعل ما يستحق من أجله التقدم. # وقال شانوان: لا ريب أن مرميس أصاب، فإن النور إذا لم يكونوا في جوار سانت بول فلا بد ~~أن يكونوا في مكان آخر. # وكأنما ميلون قد حسد مرميس لانتزاعه الرئاسة منه، فقال مجيبا شانوان: هو ما تقول، ~~ولكن الرئيس أصدر لي ms1378 أمره أن نبقى في ذلك المكان فلم يكن بد من البقاء. ~~- نعم إن مرميس لو لم يهتد إلى مكان الخناقين لكانوا فتكوا بالرئيس. # فتنهد ميلون وسكت. # وعاد مورت إلى استئناف الحديث فقال: كذلك الفتاة، فلولا مرميس لكانوا أحرقوها، فمن ~~العدل أن يعينه نائبا علينا. # فقال أحدهم: لقد أصاب الرئيس فيما فعل. # وقال آخر وقد أساءته هذه الرئاسة: سوف نرى إذا كانت تبقى له متى عدنا إلى فرنسا، أما ~~الآن فإنه القائد علينا؛ لأنه يعرف أوامر الرئيس، ولا بد لنا من طاعته. # ثم انتقلوا بحديثهم إلى موضع آخر كثر فيه الجدال، وعلت الغوغاء، فأسرع إليهم مرميس ~~وهو يقول: كفاكم صياحا فإن الفتاة نائمة، وقد أشار بقوله إلى جيبسي، فإنه كان قد صعد ~~بها إلى الدور العلوي من الفندق، وصبر إلى أن نامت بينما كان رفاقه يتحدثون بأمره، فلما ~~سمع ضجتهم أشفق على جيبسي أن تصحو من رقادها، فأتى يزجرهم أن يسكتوا. # وكانت المسكينة قد فقدت صوابها لما مر بها من الحوادث الهائلة، فلم تعد تعرف أحدا ~~غير روكامبول، فإنها كانت تنقاد إليه انقياد الأطفال، ومرميس الذي كان يعتني بها اعتناء ~~الأخ بأخته. # فلما صدر إليهم أمر مرميس جعلوا يتكلمون بأصوات منخفضة، فقال شانوان لميلون: أأنت ~~واثق أننا نسافر هذه الليلة؟ ~~- نعم. ~~- أتظن أن الرئيس يسافر معنا؟ ~~- ربما. # أما مرميس فإنه لم يقل شيئا، بل إنه خرج من الفندق، وجعل ينظر إلى البحر، فرأى نورا ~~يشق حجاب الظلام وهو يدنو من الشاطئ، وكلما دنا كبر وارتسم، فأطلق مرميس طلقا ناريا ~~فأجابته بمثله؛ مما يدل على اتفاق سابق، فأيقن أنها السفينة التي سيسافرون عليها، فعاد ~~إلى الفندق، وقال لرجال العصابة: أسرعوا بالتأهب فإن السفينة دنت، ولا بد من السفر هذه ~~الليلة. # بينما كان رجال العصابة يتحدثون بالشئون التي بسطناها كان روكامبول ونويل سائرين في ~~مركبة كانت تنهب الأرض نهبا في طريق دوفر. # وكان روكامبول قد استأجر سفينة شراعية لتنقل العصابة إلى فرنسا؛ لأنه خشي على رجاله ~~أن يسافروا على باخرة نظامية؛ حذرا من ms1379 البوليس الفرنسي، فإن أكثرهم كان محكوما عليهم ~~أحكاما مختلفة وهم هاربون. # وفيما هما سائران قال روكامبول لنويل: أرأيت فاندا؟ ~~- نعم يا حضرة الرئيس. ~~- ألعلها اجتمعت بالسير جمس نيفلي؟ ~~- نعم. ~~- إذن لا بد لها أن تكتب لي. ~~- هو ذا، فإننا سنجد تلغرافا منها في دوفر. # فأمر روكامبول بالإسراع، وبعد حين وصلت المركبة إلى دوفر، أسرع ~~روكامبول إلى مكتب التلغراف، وقال لعامله: إني أدعى ويليم ~~بيرتريك، فهل لي عندك رسالة برقية؟ # جمس لنا. وقع الطير في الشرك. نسافر هذه ~~الليلة إلى باريس. الاجتماع فيها يوم الثلاثاء. أنت ~~تعلم أين. # ف ... # ولم يكن روكامبول يريد أن يعرف أكثر مما عرف، فخرج من مكتب التلغراف إلى المركبة التي ~~كان ينتظره فيها نويل، وقال له: إني مسافر معكم، فإني أخشى إذا سافرت على الباخرة التي ~~يسافر عليها نيفلي وفاندا أن يعرفني. ~~- ولكنه ما رآك ولا يعرفك. ~~- هو ذاك، ولكني أخشى أن تبدو نظرة من فاندا تفضح أمري، وقد يتفق أن يكون عرفني وأنا ~~لا أدري، فهلم بنا إلى الفندق حيث تقيم العصابة. # فسارت بهم المركبة حتى وقفت أمام باب الفندق، فخرج منها روكامبول، ودخل إلى الفندق ~~فرأى رجاله يتأهبون. # ولما رأوه داخلا ذهلوا، وقالوا بلهجة الاحترام: هو ذا الرئيس. # فقال لهم: هلموا بنا يا أولادي، فقد حان وقت السفر. # وقال ميلون بلهجة السرور: لقد كان قلبي يدلني أنك مسافر معنا، ولكن مرميس لم يقل لنا ~~شيئا من هذا. # فابتسم روكامبول، وقال: لقد أصاب بسكوته، فإنه هو نفسه لم يكن يعلم، والآن قل لي كيف ~~حال جيبسي؟ # فقال له ميلون : إنها لا تزال مجنونة، ولا تسمح لأحد أن يدنو منها ما خلا ~~مرميس. ~~- وأين هي الآن؟ ~~- إنها نائمة في الدور العلوي. ~~- اصعد وأت بها. # فامتثل ميلون وجلس روكامبول على المائدة، فجعل يأكل ورجال العصابة وقوف وراءه. # ثم فتح الباب ودخلت جيبسي وهي متكئة على ذراع مرميس باطمئنان وارتياح، ومرميس ينظر ~~إليها نظرات ملؤها الحب والاحترام، فلم تخف هذه النظرات على روكامبول، فتنهد وقال: ما ~~أبلغ تأثير ms1380 الشباب. # أما جيبسي فإنها لما نظرت روكامبول صاحت صيحة فرح، وأسرعت إليه فعانقته وهي تقول: لم ~~أكن أرجو أن أراك. # فقبل روكامبول جبينها، وتأبط ذراعها، ثم مشى معها أمام رجال العصابة، وقال لهم: هلموا ~~بنا إلى الرحيل. ~~••• # بعد ذلك بعدة ساعات كانت السفينة تمخر بروكامبول ورجاله، وقد بزغ النهار، وغابت ~~الشواطئ الإنكليزية عن الأبصار. # وكان رجال العصابة نائمين بعضهم فوق بعض على ظهر السفينة، وفي مؤخرها غرفة صغيرة كانت ~~جيبسي نائمة فيها على فراش من القش، ومرميس راكع أمامها يتأمل محاسنها، ويحبس أنفاسه ~~حذرا من أن تصحو. # وقد طال تمعنه بها إلى أن قال بملء البساطة بصوت منخفض: الله ما أبدع هذا ~~الجمال! # ولم يكد يتم قوله حتى شعر بيد وضعت على كتفه، فالتفت وتراجع منذعرا مضطربا وهو ~~يقول: الرئيس. # وقد كان روكامبول باغته وهو يقول هذا القول، غير أنه لم يقطب جبينه، ولم يظهر ~~استياءه، بل قال له بلهجة الحنو: أتحبها يا مرميس؟ # فغطى مرميس وجهه بيديه إخفاء لاضطرابه، إلا أن روكامبول رأى دمعتين سقطتا بين أصابعه ~~فقال له: طب نفسا، فإن الأقدار ألقتك بين يدي حين كانت أبواب السجون مفتوحة أمامك، ~~والمشنقة تنتظرك، ولكني رأيت بين جنبيك قلبا حنونا، ومن كان له مثل قلبك ينجو من تلك ~~الهاوية، وسأنقذك بإذن الله. # فركع مرميس أمامه، وجعل يقبل يديه. # فتنهد روكامبول، وقال: اندفع في حبها يا بني ما استطعت؛ فإن الحب الصادق يطهر ~~الآثام. # فانتثر الدمع من عيني مرميس، وقال بصوت مضطرب: أيها الرئيس، إني أفعل كل ما تريد، ~~وأذهب إلى حيث تشاء ... وأكون شريفا طاهرا حسب إرادتك؛ لأنك أنت أول من قال لي: إن لي ~~قلبا يحن. # ملايين النورية‏ # ملايين النورية‏ # | ملايين النورية # | ملايين النورية # | روكامبول (الجزء التاسع) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | ملايين النورية # 1 # كان الهواء يهب عاصفا، والغيث يهطل منهمرا، وقد ثارت عاصفة تحطم - لشدتها - زجاج ~~النوافذ في قصر روشربيم في بيكارديا، وهو القصر الذي تبدأ فيه حوادث هذه الرواية. # وكان هذا القصر على ms1381 بضع مراحل من طريق أميانس، وهو قديم يتصل عهد بنائه بأيام الصليبيين، ~~ولكنه هجر نحو مائة عام لم يسكنه أحد، حتى رويت عنه الأحاديث الخرافية المزعجة، وبات الناس ~~يخافونه ولا يدنون منه؛ لكثرة ما روي عنه من الحوادث المخيفة؛ وأخصها أنه مسكون من ~~الجان! # وكان ينتقل من وريث إلى وريث، فلا يقيم به، ولا يجد من يستأجره. إلى أن جاء يوما سائحان ~~من الإنكليز إلى تلك الجهة وسمعا ما يروون من الخرافات عن ذلك القصر فزاراه وتفقداه، ثم اشترياه ~~من صاحبه وأقاما فيه، وذلك منذ 5 أو 6 أعوام. # وكان أحد السائحين امرأة يبلغ عمرها نحو الخامسة والثلاثين، عصبية المزاج بارعة الجمال، غير ~~أن آثار الهم والتفكير كانت بادية بين ثناياها وجميع ظواهرها تدل على أنها من الأعيان. # أما السائح الآخر؛ فقد كان أبيض الشعر مصفر الوجه، إلا أن آثار القوة كانت تبدو من اتقاد ~~عينيه، وخفة حركاته، وكان يدعوها بلقب ميلادي، ويخاطبها بلهجة الاحترام، وهي تدعوه باسم بب دون ~~كلفة مما يدل على أنها مولاته وأنه وكيلها. # وقد حاول هذا الوكيل حين إقامتها في هذا القصر أن يجد خداما من أهل القرية فلم يلق من يجسر ~~على المبيت فيه؛ لكثرة ما تداول على الأسماع من سمعته السيئة، فاضطر إلى إحضار الخدم من ~~باريس. # وكان من عادة ميلادي أن تخرج في صباح كل يوم ممتطية جوادا فتتنزه ساعة وتعود، لكنها ~~تجتنب الحقول والمزارع والمنازل والقرى المجاورة فلا تكلم أحدا من الناس، حتى سكان القصر، ولا ~~يأتي إلى هذا القصر أحد حتى الشحاذين. # وأغرب من هذا أن الخدم أنفسهم لم يكونوا يكلمون أحدا كأنما الأمر قد صدر إليهم بهذا ~~السكوت، غير أنهم كانوا يحدثون بعضهم بأسرار هذا القصر كما تراه من هذه المحادثة الآتية: # فقد اجتمع في المطبخ السائق وخادم والطباخة فقال الخادم: مسكينة هذه السيدة؛ فقد كانت ~~ليلتها أمس من أسوأ الليالي. # فقالت الطباخة: هو ما تقول؛ فقد سمعناها تصيح وتطلب العفو. # وقال السائق: حبذا لو كنت أعرف اللغة الإنكليزية؛ ms1382 فإني كنت أفهم حديثها حين تصيح في ~~الليل. # فقال الخادم: لا شك أن الأرواح مقيمة في هذا القصر، وأنها ستعود هذه الليلة. # فقال السائق: إنها تأتي كل ليلة منذ حين غير بعيد. # فقالت الطباخة: ولكن أتعلمون في أية غرفة من غرف القصر تنام ميلادي؟ # فقال خادم الغرفة: ذلك يستحيل معرفته؛ فإن غرف القصر كثيرة وهي تنام كل ليلة في غرفة؛ ~~راجية أن لا تهتدي الأرواح إليها كأنما الأرواح تخفاها خافية! # فقالت الطباخة: أظن أن سيدتنا لا تهبط إليها الأرواح ولا تناجيها، وأنها قد تكون أذنبت ~~ذنبا عظيما ندمت عليه، وما نسمعه منها إنما هو مما يصيبها من تقريع الضمير. # فقال السائق: وأي تقريع هذا؟! بل أي ذنب يمكن أن تجترمه مثل هذه الحسناء؟! # فقالت الطباخة: إني عقدت كلامي على الظن، ومع ذلك فإني أعتقد أنها ارتكبت جريمة وعندي ~~برهان! # لكنها قبل أن تتم حديثها وتذكر ذلك البرهان، قرع باب القصر الخارجي قرعا شديدا فتوقفت عن ~~الحديث. # وانذهل جميع الخدم؛ لأنهم لم يتعودوا قدوم الزائرين فشغلهم الانذهال عن فتح الباب، ثم توالى ~~القرع بشدة، فأسرع بب إلى المطبخ وأمر أحدهم أن يفتح الباب وينظر من الطارق. # فذهب أحدهم وعاد بعد هنيهة، فقال للوكيل: إنهما يا سيدي اثنان؛ أحدهما: رجل، والآخر امرأة ~~صبية، وقد ابتلت ثيابهما بمياه المطر. # فسأله الوكيل: ماذا يريدان؟ ~~- إن مركبتهما قد انكسرت على الطريق وهما لا يعلمان أين يذهبان، فقلت لهما: إن سكان القصر ~~لا يضيفون أحدا! ~~- وهل ذهبا؟ ~~- كلا، فإنهما لا يزالان يلحان بالدخول. # فلم يجبه الوكيل بحرف، ولكنه قطب حاجبيه وغادر المطبخ، فذهب إلى السيدة وعاد إلى الخادم كي ~~ينفذ الأمر، وبقي الخادمان الآخران في المطبخ ينتظران. # 2 # بعد ذلك بساعة كان الضيفان جالسين في قاعة من قاعات القصر يتدفئان قرب النار، وقد مضت ~~عليهما ساعة دون أن تحضر ميلادي أو وكيلها بب؛ فلم يريا غير الغلام. # ولم يكن هذان الضيفان إلا السير جمس نيفلي وفاندا، وقد كانا قادمين إلى باريس للانتقام من ~~روكامبول بعد أن ms1383 خدعت فاندا السير نيفلي، كما تقدم في الرواية السابقة (ضحايا الهند). # فلما وصلت المركبة القادمة بهما إلى أميانس سقطت في هوة في ذلك الوادي الذي كان يشرف عليه ~~قصر روشربيم، فلم يصب ركابها بأذى إلا أن المركبة انكسرت ولم تعد صالحة للسير ... # وكانت الساعة العاشرة من الليل، والأمطار تنهمر غزيرة، فحارا في أمرهما ولم يعلما أين ~~يسيران. فقال لهما السائق: إنه لا يوجد هنا ملجأ قريب غير قصر روشربيم، لكنه روى لهما جميع ما ~~كان شائعا من الخرافات عن ذلك القصر، فلم يحفلا بها، وقالت فاندا: ما زال سكان القصر من ~~الإنكليز؛ فإني أرجو أن يأذنوا لنا بالمبيت في هذه الليلة. # فوافقها السير جمس، وبعد ساعة كانا في تلك القاعة كما ذكرنا، وكان السير جمس ينظر إليها ~~نظرات ملؤها الغرام وهي مقطبة صامتة تمثل دور اليأس والحقد الدفين خير تمثيل. # إلا أن السير جمس أراد أن يشاغلها بالحديث عن هواجسها، فقال لها: كيف رأيت هذا القصر؟ ألا ~~يشبه تلك القصور التي كنا نقرأ عنها في الروايات الخرافية؟ ~~- هو ما تقول؛ فإن كل ما فيه يدل على الغرابة. ~~- ولقد يخال إلي أننا في منزل إحدى بنات الجان، ولكن هذه الجنية لم تتنازل بعد إلى ~~مقابلتنا. ~~- ربما هي تتأهب لاستقبالنا، فلنصبر. # فأطرق السير جمس برأسه إلى الأرض وقال: إني لا أرى كما ترين. # وفي ذلك الحين دخل عليهما الخادم وقد رأى من لهجتهما في حديثهما أنهما غير زوجين، فوقف ~~أمامهما وقفة المتردد وقال: أسألكما العفو يا أسيادي، فإني متلجلج ولا أعلم ماذا أقول؛ فإن ~~المسيو بب نائم. # فقالت فاندا: من المسيو بب هذا؟ ~~- إنه وكيل القصر، ولا أجسر على إيقاظه. ~~- ألعلك محتاج إليه؟ ~~- كل الاحتياج يا سيدتي؛ فإن المسيو بب كان يحسب أنكما زوجان. ~~- كلا، إنه منخدع؛ فإن الذي تراه هو من أصدقائي ... ~~- وهذا الذي يقلقني يا سيدتي. ~~- لماذا؟ ~~- لأن المسيو بب أمرني أن أهيئ لكما الغرفة الحمراء، لكنه لا يوجد في هذه الغرفة إلا سرير ~~واحد. ~~- كيف ذلك؟! ألا يوجد سوى ms1384 غرفة واحدة للضيوف في هذا القصر العظيم؟! ~~- يوجد نحو عشرين غرفة، لكنها جميعها لصاحبة القصر؛ لأنه ليس بيننا من يعلم في أية غرفة ~~تنام، ولهذا ترينني مضطربا؛ فإني إذا أدخلت صديقك إلى الغرفة الحمراء، فأين تنامين أنت؟ ~~- أنام على كرسي في هذه القاعة. ~~- إن ثيابك مبتلة يا سيدتي والبرد شديد؛ فلا تسلمين من الخطر إذا نمت على الكرسي، ولكني ~~سأفتح لك غرفة من غرف ميلادي فتبيتين فيها وعند الصباح أصلح سريرها فلا تعلم بشيء مما ~~جرى. # ثم أخذ مصباحا فسار أمامها وسألها أن تتبعه، فودعت السير جمس وسارت في أثر الخادم حتى ~~أوصلها إلى غرفة متسعة مفروشة بأفخر الرياش على الطريقة الإنكليزية، فوضع شيئا من الحطب في ~~المستوقد وخرج، فأقفلت فاندا الباب وخلعت ملابسها، ثم أطفأت المصباح وصعدت إلى السرير؛ بغية أن ~~تنام ولكن لم تنم. # وكانت نار المستوقد لا تزال متأججة، يخرج منها نور ضعيف، والأمطار لا تزال تنهمر على ~~النوافذ، فيضيع صوت سقوطها بين هزيم الرعود القاصفة. # وكانت فاندا تقول في نفسها: من عسى تكون هذه المرأة التي تغير غرفة نومها في كل ~~ليلة؟! # وأقامت في سريرها نحو ساعة وهي تمعن الفكرة في حل هذا اللغز دون أن تهتدي إلى حل. # وفيما هي أرقة مفكرة؛ خيل لها أنها تسمع صوت تنهد من بعد، ثم قرب هذا الصوت وانجلى، فرفعت ~~رأسها عن المخدة وأصغت كل الإصغاء إلى هذا الصوت. # وكانت تسمع مع صوت التنهد، صوت قيود من حديد، كأنما صاحب هذا الصوت كان أسيرا يرسف في ~~قيوده، فجعلت أصوات التنهد تتوالى والخطوات تتدانى، وأخذ لهب نار المستوقد يخمد وتنطفئ أشعته ~~التي كانت تنير الغرفة. # ولم تكن فاندا من اللواتي يعتقدن بالخرافات والأرواح، ولكنها على بسالتها لم تنج من ~~الاضطراب، إلى أن سمعت أن الخطوات وقفت عند باب غرفتها؛ فجعل العرق ينصب من جبينها. # وكانت فاندا قد أقفلت باب غرفتها، ومع ذلك فقد رأت أن الباب انفتح ورأت من بقية نور ~~المستوقد الضعيف خيالا دخل إلى هذه الغرفة يجر وراءه ms1385 قيدا كبيرا من الحديد ويتنهد تنهدا ~~متصلا، ثم رأت أن الخيال يمشي مشيا بطيئا إلى السرير. # وعند ذلك انطفأ نور المستوقد وساد الظلام، فلم تعد فاندا ترى الخيال ولكنها كانت تسمع صوت ~~القيد ينجر على أرض الغرفة. # 3 # وكانت فاندا باسلة كما يعهدها القراء، ولكن قلبها قد انقبض حين شعرت أن هذا الخيال يدنو ~~منها، وحاولت أن تصرخ وتستغيث لو لم يخطر في بالها ذكر روكامبول فتتشدد. # وما زال الخيال يدنو متباطئا متوانيا حتى وصل إلى السرير فوضع يده على فاندا ثم تنهد ~~تنهدا عميقا وقال: يا مس ألن هو ذا أنا عدت إليك، أعرفتيني؟ # فعلمت فاندا أن هذا الخيال أو هذه الروح الهائمة يحسب أنه يخاطب الإنكليزية صاحبة المنزل ~~فزال خوفها في الحال ... # أما الخيال فإنه عاد إلى الحديث فقال: ألم تندمي إلى الآن حق الندم يا مس ألن؟ # ولم تجب فاندا بحرف، وعاد الخيال إلى الحديث فقال: إن الله قد أذن لي أن أخرج من القبر كل ~~ليلة كي أذكرك بذنوبك وأوبخك على قتلي ... مس ألن ماذا فعلت بأختك؟ ألم تمت مخنوقة بأمرك؟ وماذا ~~صنعت بأبيك، وهو أنا؟! ألم تحبسيني في سجن عميق وتقيديني بالسلاسل عشرة أعوام حتى قتلني ~~الشقاء والجوع؟ ثم ماذا فعلت بابنة أختك؟ إنك لا تريدين أن تقولي شيئا عنها، إلا أن الوقت لا ~~يزال فسيحا لديك فاندمي؛ فقد ينفعك الندم، وابحثي عن الفتاة المفقودة، وردي لها تلك الثروة ~~العظيمة المسلوبة. # وكان الخيال قريبا من فاندا، وكانت تشعر بأنفاسه تقع على يديها، فاطمأنت وقالت في نفسها: ~~إن الأرواح لا يكون لها أنفاس ولا عيون ، ثم إنه إذا كان الله يسمح لأرواح الموتى بالخروج من ~~قبورها؛ لأن هذه الأرواح لا تخطئ الناس الذين تسير إليهم، فكيف أخطأ هذا الخيال وحسب أني مس ~~ألن؟ # وعند ذلك أيقنت أن الرجل يخدع تلك الإنكليزية منذ أعوام هذه الخدعة الهائلة وأنه متنكر ~~بشكل خيال. # ثم عاد الخيال إلى الكلام، وقال: مس ألن، إن البرد شديد وإن الأموات يشعرون به أكثر ms1386 من ~~الأحياء! وقد اجتزت طريق الأبدية للوصول إليك وهي طريق شاسعة، فاستغفري الله واندمي على ذنوبك ~~أعد إلى قبري ولا أخرج منه بعد الآن، وأستغفر لك الله. # وكان يقول هذا القول ويمشي عائدا إلى المستوقد، وكان بقية لهب، تمكنت فاندا من نوره ~~الضعيف أن ترى الخيال، فرأت أنه شيخ عجوز مرتد بملابس ضباط الإنكليز. # ثم انطفأ اللهب وساد الظلام فقال الخيال: إني عندما أتيت إليك المرة الأخيرة ظهرت عليك ~~دلائل الندم؛ لأنك بكيت البكاء الشديد وجعلت تصيحين وتستغيثين، وطلبت إلي أن أعود إلى قبري ~~ووعدتني بالتوبة والطاعة لي، فماذا فعلت؟ إنك لم تفعلي شيئا، بل إني أراك صامتة لا تجيبين ~~فاحذري؛ لأن العقاب هائل شديد. # ثم هز قيوده هزا عنيفا وقال: إنك تخافين في الليل وتعزمين عزما صادقا على التوبة ~~والندم وإرجاع الأموال المسلوبة، فإذا أقبل النهار محا توبة الليل وعدت إلى الآثام! أيتها ~~الشقية قاتلة أختها وأبيها إن عقابك سترتجف له الأبدان! # وبعد أن قال هذا القول فتح الباب بسكينة وخرج منه، فأقفل وراءه، وجعل يمشي مشيا بطيئا ~~فتسمع فاندا صوت قيوده، وما زال هذا الصوت يتباعد حتى انقطع. # فتنفست فاندا الصعداء، ولكنها لم يغمض لها جفن في تلك الليلة. # ولما أشرق الصباح نهضت من سريرها وفتحت نافذة الغرفة المطلة على حديقة القصر، ورأت السير ~~نيفلي يتنزه فيها والخادم واقف عند باب الحديقة، فلبست ملابسها وخرجت من تلك الغرفة إلى ~~الحديقة، وكان أول من قابلها الخادم فسألها: أعلمت ميلادي يا سيدتي أنك نمت في إحدى ~~غرفها؟ ~~- كلا، كن مطمئنا. ~~- ألم تسمعي شيئا مدة نومك؟ ~~- كلا، ما خلا صوت الأمطار وهزيم الرعد. ~~- ألم تسمعي صوت الخيال؟ ~~- أي خيال تعني؟ # فخشي الخادم أن يزيد في التصريح، وقال لها: ألتمس من سيدتي أن تبرح القصر قبل أن يستيقظ ~~بب. ~~- إننا مسافران في الحال. # ثم نادت السير جمس وقالت له: أتريد أن نسافر الآن؟ ~~- إنك تعلمين أني أطوع لك من البنان. # وبعد ساعة كان السير نيفلي وفاندا في قطار الإكسبرس المسافر إلى باريس. ms1387 # 4 # ولنذكر الآن شيئا عن ميلادي؛ فإنه مضت ساعتان على سفر فاندا ونيفلي ولم يكن بب قد استيقظ ~~من رقاده بعد. # وكان الخادم قد عاد إلى المطبخ بعد سفرهما، وفيما هو جالس مع الخدم؛ إذ سمع قرع الجرس في ~~المطبخ فقال: هو ذا ميلادي قد استيقظت. # وأسرع إلى حيث الجرس؛ كي يعلم نمرة الغرفة التي باتت فيها ميلادي؛ فإنه كان يوجد في المطبخ ~~أزرار كهربائية متصلة أسلاكها بغرف ميلادي وتحت كل زر نمرة الغرفة المتصل بها السلك، ورأى ~~الخادم أن نمرة الغرفة التي قرع جرسها كان 9 فاطمأن باله كل الاطمئنان؛ لأن الغرفة التي نامت ~~فيها فاندا كانت نمرتها 3. # وكانت الغرف التي تنام فيها منقسمة إلى قسمين: قسم في الدور العلوي ونمرها 1 إلى 10، والقسم ~~الثاني في الدور الأسفل ونمر غرفه من 11 إلى 20، وكانت إذا اختارت غرفة من هذه الغرف للنوم ~~أقفلت بابها من الداخل، ولكن كل هذا الحذر لم يكن يفيدها؛ فإن الخيال كان يزورها مرة في كل ~~ثلاث ليال. # وكان الخدم يعلمون بزيارة الخيال من وجه سيدتهم؛ فإنه حين يزورها في الليل تصبح نحيلة ~~مضطربة مصفرة الوجه ولا تقوى على الكلام، وإذا لم يزرها أصبحت مرتاحة النفس براقة العين باسمة ~~الثغر؛ لأنها تنام تلك الليلة، خلافا لحالها في الليلة التي يزورها الخيال؛ فإن عينيها لا ~~تذوقان طعم الرقاد. # ولما دق الجرس أسرع الخادم إلى الغرفة نمرة 9، فطرق الباب بلطف فأذنت له بالدخول، وعلم من ~~هيئتها وارتياحها أن الخيال لم يزرها في الليلة السابقة. # وكانت جالسة قرب المستوقد متشحة برداء من الكشمير، وقد فتحت نوافذ الغرفة فملأتها أشعة ~~الشمس، فلما دخل الخادم قالت له: أين هو بب؟ ~~- إني لم أره بعد يا سيدتي. ~~- إذن، قل لي أنت؛ أرأيت الغريبين اللذين باتا ليلة أمس في القصر؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- صفهما لي. ~~- إنه شاب وصبية، ويظهر أن الزوج استاء؛ لأنه لم ير سيدتي. # وقد استعمل الخادم لفظة زوج؛ حذرا من أن تعلم أنه أدخل فاندا إحدى غرفها. # فقالت له: أهي ms1388 حسناء تلك الصبية؟ ~~- إنها بارعة الجمال. ~~- أعرفت اسمها؟ ~~- كلا يا سيدتي. ~~- أهما باقيان في القصر أم سافرا؟ ~~- إنهما سافرا منذ الفجر. # فذهبت ميلادي إلى النافذة ونظرت في الفضاء نظرة فاحص، ثم عادت إلى الخادم فقالت: إن الطقس ~~جميل، اذهب وأسرج لي جوادي في الحال. # فخرج الخادم مسرعا، ولما بلغ آخر السلم التقى بالوكيل فسأله الوكيل فأخبره أن ميلادي ستخرج ~~للنزهة، وأنه ذاهب لإسراج جوادها، فقال له: ألعلها سألت عني؟ ~~- نعم يا سيدي، فقلت لها: إني لم أرك. ~~- حسنا، امض في شأنك وأنا صاعد إليها. # فصعد بب إلى الدور الأول وذهب توا إلى الغرفة التي نمرتها 3 وهي الغرفة التي كانت نائمة ~~فيها فاندا، فطرق بابها فلم يجبه أحد، فطرق ثانية دون جدوى! وعند ذلك فتح الباب ودخل فلم يجد ~~أحدا في الغرفة، لكنه وجد رمادا في المستوقد، ورأى الفراش مختل النظام، فقال في نفسه: ألعل ~~ميلادي باتت هذه الليلة في غرفتين؟ # ثم برح هذه الغرفة، وجعل يطرق جميع الأبواب حتى انتهى إلى نمرة 9، فأجابته ميلادي من ~~داخلها، وأمرته بالدخول فدخل، ورآها تلبس ملابس الركوب وعليها علائم السكينة والارتياح، فتقدم ~~منها وقبل يدها، وقال: أرى أن سيدتي قد نامت مستريحة هذه الليلة؟ ~~- نعم، فلم أزعج في رقادي. ~~- ويسرني أن أراك اليوم ناعمة البال رضية الأخلاق. ~~- نعم، إننا في اليوم السابع عشر من الشهر، وإنه في مثل هذا اليوم من كل شهر يحضر رجل من ~~باريس. ~~- لقد أصبت، فقد سهوت عن التاريخ. # ثم خرجت ميلادي وخرج بب في أثرها حتى انتهت إلى الحديقة، فأعانها وكيلها على امتطاء الجواد ~~وصحبها إلى الشارع، فأطلقت عنان الجواد إلى أن توارت عن الأنظار. # أما بب فإنه عاد إلى القصر وصعد وهو يضطرب إلى الغرفة نمرة 3 وجعل يفحص الفراش فحصا ~~مدققا، فرأى على المخدة شعرة علم من طولها أنها من رأس امرأة، ولكنه ما لبث أن نظر إلى لونها ~~حتى ارتعش؛ لأن هذه الشعرة كانت شقراء وشعر ميلادي أسود! فأيقن أن ميلادي لم تبت الليلة الماضية ms1389 ~~في هذه الغرفة، وجعل العرق ينصب من جبينه؛ ليقينه أن تلك المرأة التي باتت أمس في هذا القصر، ~~برحته في هذا الصباح وهي تحمل سر الخيال. # 5 # وسارت ميلادي على ظهر جوادها تقطع تلك البراري وهي طلقة المحيا، فكانت تسير في طريق خاص ~~كأنها تسير لموعد مضروب، وما زالت مجدة في سيرها حتى انتهت إلى روضة في آخر القرية، كائنة على ~~الطريق المؤدية إلى باريس. # وهناك أوقفت جوادها وجعلت تتلفت يمنة ويسرة، ولم يطل وقوفها حتى برز لها رجل من وراء ~~الأكمة كان متنكرا بملابس القرويين، ولكنها عرفته في الحال وقالت له بصوت يتهدج: أهذا أنت يا ~~فرانز؟ قل لي ما وراءك من الأخبار. # فحياها هذا الرجل، الذي دعته باسم ألماني، وقال لها: إن الأخبار حسنة. ~~- وكيف ولدي؟ ~~- إنه زاد جمالا. ~~- أهو سعيد؟ ~~- دون شك، ولكنه عاشق مفتون وهو سيتزوج. # فاضطربت ميلادي وقالت: رباه! وماذا أصنع؟! ~~- لماذا تضطربين فإنه سيكون أسعد الناس بهذا الزواج؛ لأن التي يحبها بارعة الجمال، ولكنها ~~فقيرة مدينة له بكل شيء حتى بهنائها؛ فإنها أيضا هائمة بهواه. # فزالت آثار الاضطراب عن وجه ميلادي وأخذت يد فرانز وقالت: إنه بلغ من العمر أربعة وعشرين ~~عاما، وإني لم أعد أراه بعد أن تجاوز عمره خمسة أعوام. ~~- إني يا سيدتي لم أجسر أبدا على اعتراضك؛ بل إني كنت أمتثل لأوامرك وأنفذها كما تنفذ ~~الآلة أغراض الصناع، وها أنا الآن لا أزال في موقفي القديم، أحب أن أتكلم ولكني لا أجسر على ~~الكلام. ~~- قل: إني أريد أن تتكلم. ~~- ألا تظنين يا سيدتي أن حب الأم يكفر عن الذنوب؟ ~~- اسكت. # ولكن فرانز أتم حديثه فقال: إنك أردت أن أتكلم وسأتلكم؛ فاعلمي يا سيدتي أنه قد مضى 25 ~~عاما على موت أبيك. # فغطت ميلادي وجهها بيدها؛ إخفاء لاضطرابها، فقال فرانز: وقد مضى أيضا على قتل أختك ستة ~~أعوام، فممن تخشين؟! ومن الذي يطالبك بعد أبيك وأختك بهذه الثروة الطائلة التي تتمتعين بها منذ ~~عهد بعيد؟! فلماذا لا تظهرين لابنك أنك أمه؟! ولماذا ms1390 لا تقيمين في باريس؟! # وكانت دموع ميلادي تتساقط، ولكنها مسحت دمعها حين سمعت هذا القول، وقالت له: ألا تعلم أيها ~~التعس، ما ألقاه من العذاب منذ ستة أعوام؟ ~~- ماذا تعنين بما تقولين؟ ~~- ألم تقل إن أبي مات؟ ~~- ولا أزال أردد هذا الكلام؛ لأني واثق من موته. # فابتسمت ميلادي ابتسام القنوط وقالت: ولكنه يخرج من قبره حين يريد! ~~- إن الأموات لا يخرجون يا سيدتي من القبور! ~~- ولكن أبي لم يجر على منوالهم؛ لأنه يخرج من قبره كل ليلة وهو يجر جميع القيود التي ~~كبلناه بها. ~~- ما هذا الوهم؟! بل ما هذا الجنون؟! ~~- ليس ما أقول لك وهما؛ بل هو حقيقة ثابتة؛ فإنه يدخل إلى غرفتي ويجلس على سريري، ويقول ~~لي: توبي واستغفري وأرجعي الأموال المسلوبة. # فهز كتفيه قائلا: لمن يريد أن ترجعي هذه الأموال؟! ~~- لابنة أختي. ~~- ما هذا الخوف؟! إنك تعلمين أن إرجاع الأموال محال؛ لأنك إذا أردت إرجاعها فإن الآخرين لا ~~يريدون. # فذعرت وقالت له: بربك لا تكلمني عنهم. # فقال فرانز بلهجة قاسية: إنك يا سيدتي قد جريت في صحبتي شوطا بعيدا ولم تكتمي عني أمرا، ~~ولذلك أسألك بحق ما بيننا من الصلات أن تبوحي لي بكل شيء. # فقطبت حاجبيها وقالت: إذن أنت تريد؟ ~~- نعم! # فنزلت عن جوادها وتأبطت ذراعه، ثم مشت وإياه وجعلت تبوح له بأسرارها الغامضة. # ولم يعلم أحد ما دار بينهما من الحديث عن الخيال وغيره من الأسرار، ولكن يظهر أن ميلادي قد ~~اطمأنت بعد هذا الحديث، فعادت إلى القصر وعليها مظاهر السكينة والارتياح، خلافا لوكيلها بب؛ ~~فقد كان مضطربا أشد الاضطراب، ولكنه لم يسأل الخادم عن المكان الذي نامت فيه فاندا. # ولما عادت ميلادي دخلت إلى قاعة الطعام، ودخل معها بب، وكان من عادته أن يخدمها على ~~المائدة، لكنها كانت تعتبره صديقا بل حليفا لها، فكانت تتخلى عن كبريائها الإنكليزية وتكلمه ~~من غير كلفة؛ لما كان بينهما من الروابط السرية. # غير أن ميلادي كانت ملازمة للصمت مدة الأكل؛ على ما كان يبدو عليها من ظواهر الارتياح، ms1391 ~~فبدأ بب الحديث وقال: أرى على سيدتي مظاهر السرور؛ فهل وردتها أنباء حسنة من باريس؟ ~~- نعم، إن ابني سيتزوج. # فأظهر بب سروره ودعا له بالهناء والعمر الطويل، غير أن ميلادي قاطعته وقالت له: أتعتقد ~~بالأرواح يا بب؟ # فتكلف هيئة البلاهة وقال: لا أعلم. ~~- ولكنك تعتقد مثلي فيما أظن أن أرواح الموتى تظهر للأحياء! ~~- لا، لا أعلم أيضا، ولكني أصدق بكل ما ترويه لي يا سيدتي. ~~- ألم تر الخيال ولم تسمع رسف قيوده؟ ~~- كلا، ولكن ... # فنظرت ميلادي إليه نظرة ارتياب وقالت: لكن ماذا؟! ~~- ولكني أرى أن هذا الخيال وهذه القيود وهم يمثله لك فكرك المضطرب ولم ير أحد من سكان ~~القصر شيئا من هذا، غير أني سمعتك في إحدى الليالي فأصغيت، فخيل لي أنك تجيبين على مسألة تعرض ~~عليك، ولكني لم أسمع صوتا غير صوتك، وأظن أن تلك الخرافات التي أشيعت عن هذا القصر قد دعت إلى ~~هذا الاضطراب في أفكارك! # فقالت له ميلادي: قد يكون ما تقوله حقا، ولكن هذا الخيال كان يزورني أيضا في غلاسكو وفي ~~لندرا؛ أي في غير هذا القصر الذي كثرت عنه الخرافات؛ لأن أبي كان يخرج إلي من قبره في كل ليلة، ~~أتعلم ما كان يريد؟! # ثم قلبت شفتها إشارة إلى الاحتقار وقالت: إنه يطلب إلي أن أرجع إلى تلك الفتاة النورية تلك ~~الثروة التي ما وصلت إلي إلا بعد أن سفكت كثيرا من الدماء! وهو يقول: إني إذا أرجعت هذا المال ~~يصفح عن الزلة التي ارتكبتها في صباي، ويصفح عن حبي لذلك الهندي، وعن قتلي إياه وقتل ~~أختي. # فارتعش بب وقال: أهو يطلب منك هذا الطلب؟! ~~- نعم، إنه يريد أن أحرم ولدي الذي تعود بسطة الكف وعيش السعة والإنفاق دون حساب، وأجعله ~~فقيرا معدما يعيش من شق القلم، أو يرتزق من صناعته. # ثم ضحكت ضحك الهازئ، وقالت: إنه ينذرني بالنار الأبدية، وماذا تهمني النار إذا بقي ولدي ~~سعيدا؟ # وقامت بعد ذلك فجعلت تمشي بخطوات غير متوازنة وقالت: لقد اسود هذا القصر في عيني وأريد ms1392 أن ~~أبرحه. ~~- إلى أين تبرحين يا سيدتي؟ ~~- إلى باريس؛ أريد أن أرى ولدي وأهنأ بسعادته. # فلم يجب بب بحرف، لكنه خرج من القاعة بحجة أنه يريد إصدار بعض الأوامر إلى الخدم وبقيت ~~ميلادي وحدها. # ولما أقبل الليل ودنت ساعة الرقاد ترددت ميلادي هنيهة باختيار غرفة تنام فيها، إلى أن وقع ~~اختيارها على الغرفة التي نمرتها 11 وكانت نوافذها تشرف على حديقة القصر. # ولكنها لم تصعد إلى سريرها بل جلست فوق مقعد قرب المستوقد، وجعلت تنظر إلى الساعة من حين ~~إلى آخر وعليها دلائل القلق. # ولبثت على ذلك إلى أن دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، فسمعت صفيرا من الحديقة، فأسرعت ~~إلى خزانة ففتحتها وأخرجت منهلا من الحرير، ثم فتحت النافذة المشرفة على الحديقة فربطت طرف ~~الحبل بحديد النافذة، وأطلقت الطرف الآخر فبلغ أرض الحديقة. # ولم يمض على ذلك دقيقتان حتى رأت ميلادي رجلا يتسلق الجدار، مستعينا بهذا الحبل. # وتنحت عن النافذة ودخل ذاك الرجل منها إلى الغرفة، فأسرعت ميلادي إلى المصباح وأطفأته، فساد ~~الظلام في تلك الغرفة. # 6 # غير أن نار المستوقد كانت حامية، فكان ينبعث منه نور ضعيف ينير إنارة الشفق فيمكن مشاهدة ~~الرجل الداخل من النافذة، ويعرف الناظر إليه أنه فرانز الألماني الذي التقت به ميلادي في آخر ~~القرية، فقال لها عند دخوله: ألعلي تأخرت وجئت بعد فوات الأوان؟ ~~- كلا، لأن الخيال لا يحضر إلا في منتصف الساعة الأولى بعد انتصاف الليل. # فنظر فرانز إلى ما حواليه وقال: أين يجب أن أختبئ؟ ~~- هنا وراء السرير فلا يفصل بيننا غير ستار. # فاختبأ وقال لها: قد يمكن أن يكون الزائر خيالا، ولكني أعتقد أنه جسم مركب من لحم وعظم ~~ودم ، فإذا كان ذلك فلا بد لي من مقاتلته. # فاتقدت عيناها ببارق من الغضب، وقالت: ألديك سلاح؟ ~~- نعم، مسدس وخنجر، وأنت لديك مسدس أيضا، فنامي في سريرك بثبات ولننتظر قدوم ~~الخيال. # فامتثلت ميلادي، وجعل فرانز يخاطبها من وراء الستار همسا، فقال لها: أواثقة أنت أن الخيال ~~خيال أبيك؟ ~~- ليس لدي ريب؛ لأن ms1393 الوجه وجهه واللباس لباسه، ولا يختلف عنه إلا اختلافا قليلا في ~~الصوت. # وفيما هي تقول ذلك سمعت تنهدا، فقالت له: كفى لقد حضر. # ثم استحال التنهد إلى زفير وشهيق، تلاهما صوت القيود، فغطت ميلادي رأسها بلحاف وقالت ~~لفرانز بصوت منخفض: أسمعت؟ ~~- نعم، اسكتي ولا تفوهي بحرف. # وكان الخيال قد بلغ الباب ولكنه لم يسرع بالدخول إلى الغرفة، فوقف عند الباب وانطلق لسانه ~~بالكلام، فقال: رباه! ألا تريحني من هذا العذاب؟! أقضي علي أن أخرج كل ليلة من قبري؛ كي ألين ~~قلب هذه المرأة التي قتلت أباها وأختها دون إشفاق، إنها تقنع بالرجاء ولا تخاف من الوعيد، بل هي ~~تنكر جلالك ولا تخشى بأسك، رباه عفوك؛ لأن كفرانها شديد. # وعند ذلك فتح الباب بعنف ودنا من المستوقد وقال: إن البرد شديد وأنا في حاجة إلى ~~الدفء. # ثم وقف هنيهة أمام النار، فجعلت أسنان ميلادي تصطك من الخوف، خلافا لفرانز؛ فقد وقف موقف ~~التأهب. # وبعد هنيهة دنا الخيال من ميلادي، فهز سريرها وقال: مس ألن، أتسمعينني؟ # فاضطربت ميلادي وقالت له بصوت متلجلج: ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن ترجعي الأموال المختلسة أيتها السارقة السفاكة. # فلم تجبه بشيء، فدنا منها ووضع يده على كتفها، وقال لها: ألا تذكرين أباك؟ # فصاحت تقول: رحماك. ~~- أتذكرين أختك؟ ~~- نعم نعم، إني أذكر كل شيء، فأشفق علي. ~~- إذن أترجعين الأموال المسروقة؟ ~~- لمن تريد أن أرجعها؟ ~~- إلى ابنة أختك. ~~- وإذا كانت هذه الفتاة قد ماتت؟ ~~- كلا، فهي لا تزال في قيد الحياة وأنا أرشدك إلى مكانها. # فقالت له بصوت المتوسل: كيف ذلك؟ أتريد أن أحرم ولدي وأجعله فقيرا بعد غنى؟ ~~- نعم؛ لأنه ابن الجريمة، وفوق ذلك فإنك إذا لم ترجعي المال إلى ابنة أختك فإن ابنك لا ~~يستفيد منه بشيء؛ لأنه يموت ليلة زفافه قرب عروسه. # فصاحت ميلادي صيحة يأس وقالت: إني أرد كل شيء على أن يبقى ولدي حيا. # ولكنها قبل أن تتم كلامها خرج فرانز من وراء السرير، وقال له بصوت الساخر المتهكم: لكنك ~~تموت قبله أيها المنافق. ms1394 # ثم انقض بسرعة على الخيال وضغط على عنقه ضغطا شديدا حتى كاد يخنقه، فرأى الخيال أنه لا ~~يستطيع دفاعا؛ فطلب العفو، وشعر فرانز أن قناع وجه ذلك الخيال قد سقط على الأرض. # وكان هذا القناع مصنوع من الشمع على مثال وجه والد ميلادي، فلما سقط عن وجهه ورأت ميلادي ~~أنه يطلب العفو؛ أيقنت أن فرانز قد تغلب عليه، فهبت من سريرها وأنارت الشمعة ونظرت إلى ذلك ~~الخيال وهو تحت أقدام فرانز، فرأت أنه وكيلها بب! ولكنها لم تهجم على ذلك الرجل الذي كان يخدعها ~~منذ عشرة أعوام بهذه الحيلة الهائلة، بل قالت لفرانز: يجب على هذا الرجل أن يعترف بكل شيء قبل ~~أن يموت. # ثم قالت لفرانز، وكان راكعا فوق صدره: انهض عنه كي يستطيع أن يتكلم؛ لأنه إذا حاول الفرار ~~ألهبت دماغه بنار المسدس. # فامتثل فرانز، ونهض بب فألقى سلاسل قيوده وتغير فجأة من الرعب إلى الارتياح والاطمئنان؛ ~~كأنه لم يعد يرهب الموت، وقال لميلادي: إنك تريدين أن تعرفي كل شيء؟ ~~- إن دقائق حياتك باتت معدودة، ولكني أريد أن أعرف سرك قبل أن تموت. # فقال بلهجة المتهكم: إني سأبوح بكل شيء، ولكني لا أبوح بما تريدين لرهبتي من الموت، بل إني ~~أقول ما أقوله بملء الرضا، وأنت لم تعلمي السبب الذي حملني على أن أظهر لك بمظهر الخيال منذ ~~عشرة أعوام، وكيف أني أقنع وجهي بقناع من الشمع يشبه وجه أبيك. # ثم قهقه ضاحكا وقال: إذن اسمعي. # إنك تعلمين يا ميلادي، بل يا مس ألن، أني اتهمت أباك حين كنت خادم غرفته، أنه دنس عرضي ~~وأغوى امرأتي، فحالفتك مع فرانز على قتل أبيك، ولا شك أنك تعجبين كيف أني انقلبت عليك هذا ~~الانقلاب؟! ~~- نعم، وأريد أن أعرف أيها الشقي من دفعك إلى هذه الخيانة! # فحملق بب بعينيه وقال: أتسألينني من أغراني؟ ومن عسى يغريني غير خيانتك وفظاعتك؟ # اسمعي الآن: إنه كان لي امرأة طاهرة حسناء أحبها وتحبني كما تعلمين، فأتيت إلي يوما وأنت ~~لا تتجاوزين الخامسة عشرة من عمرك ms1395 الدنس، وأخذتني بيدي وأكرهتني على أن أنظر من النافذة المطلة ~~على حديقة قصرك في غلاسكو، ورأيت امرأتي جالسة بالقرب من أبيك وهو يعانقها، فطلقت امرأتي، ~~وأصبحت منذ ذلك الوقت آلة بيدك للانتقام من أبيك. # ومضى على ذلك أربعة أعوام وأنا أساعد فرانز على قتله، ثم مضت عشرة أعوام أخرى وأنا أطوع ~~لك من البنان، إلى أن انقلبت عليك هذا الانقلاب، وإليك بيان السبب: # جاءني رجل ذات ليلة وقال لي: إن امرأة تحتضر وهي تريد أن تراك قبل أن تموت. # وذهبت إلى حيث كانت تقيم فوجدت أنها امرأتي وأنها مشرفة على الموت، فنظرت إلي نظرة قطعت ~~قلبي، وقالت: إنك طردتني يا بب من منزلك كما تطرد الزوجة الخائنة، ولكني كنت طاهرة عفيفة ~~بريئة، فما أحببت أن أموت قبل أن أطلعك على سر عظيم؛ وهو أن والد مس ألن الذي رأيتني وإياه في ~~الحديقة لم يكن عاشقا لي بل كان أبي! # ثم أعطتني لفافة تقادم عهدها من الأوراق وقالت لي: اقرأ هذه الأوراق يثبت لك ما ~~قلته. # فقرأتها وعلمت أن امرأتي كانت بنت أبيك من زواج غير شرعي وهي أختك يا ميلادي، أعلمت ~~الآن؟ # إنك لا تفقهين مرادي؛ لأن قلبك الدنس لا يعرف غير الذنوب، أما أنا فقد ندمت على ذنبي القديم ~~وذكرت أنك أنت السبب بالتفريق بيني وبين امرأتي، فأردت أن أرجع أموال أبيك إلى من هو أحق منك؛ ~~أي إلى بنت أختك التي خنقتيها في لندرا، وهي فتاة تدعى جيبسي النورية وترقص في الشوارع، فإذا ~~رجعت إليها ثروتها كانت أغنى أغنياء الإنكليز. # فهاجت ميلادي هياج الضواري وقالت: ستموت أيها الشقي دون أن تراها على هذا الغنى. # ثم أطلقت عليه مسدسها، فوقعت رصاصته بصدره، فوقع صريعا تتدفق منه الدماء. # ثم نظرت إلى فرانز وقالت: لقد أصبت؛ إن الأموات لا يرجعون. # أما بب فكان لا يزال قادرا على الكلام فقال لها: إنك يا مس ألن، قد أضفت جريمة جديدة إلى ~~جرائمك القديمة، ولكن لا بد من عقابك وهو قريب. # فضحكت ميلادي وقالت: ms1396 ألعلك تقوم ثانية من بين الأموات؟! ~~- كلا، ولكن يوجد من يعرف سري بين الأحياء. # ورأى بب أن وجهها قد اصفر فقال لها: لقد بدت عليك دلائل الخوف، وإذا أردت أن تعلمي كل شيء ~~فاعلمي أيضا أنه جاء إلى قصرك أمس غريبان، وأمرت باستقبالهما فبات الرجل في الغرفة الحمراء ~~وباتت المرأة في إحدى غرفك؛ فخدعت بها حين دخلت إلى غرفتك وحسبتك إياها، فمثلت أمامها دور ~~الخيال وذكرت جميع ذنوبك. # فصاحت ميلادي صيحة جزع أمام بب، فكان صوته يتلاشى فقال لها: إن يوم العقاب قريب وسيكون ~~هائلا أيتها الأفعى. # ثم أدار وجهه كي لا ينظر إليها، وقد خفت صوته وأطبقت عيناه. ~~••• # فقال فرانز لميلادي: لا تضطربي لمثل هذه الأمور التافهة، ولنبرح المكان قبل الصباح. ~~- إلى أين نذهب؟ ~~- إلى باريس حيث ترين ولدك. ~~- لقد أصبت، لنذهب. # ثم انحدرت دمعة حنو من عين تلك النمرة التي سفكت دم أبيها وأختها، كأنما ذكر ولدها أعاد ~~إليها قلب المرأة! # 7 # وبعد أن رحلت فاندا مع السير نيفلي بساعتين على قطار الإكسبرس إلى باريس، كان روكامبول - ~~بطل هذه الرواية - في شارع الكبوشيين في باريس يسير سيرا مستعجلا، تدل ظواهره أنه ذاهب إلى ~~موعد، ثم رأى مركبة أجرة فأوقفها وأمر سائقها أن يسير به إلى شارع سربنت. # فلما وصل رأى نويل ينتظره، فكان أول سؤال بادره به قوله: هل أتت فاندا؟ # فقال له نويل: كلا أيها الرئيس، إني كنت أنتظرها أمس فلم تأت، وذهبت اليوم إلى المحطة ~~ورأيت جميع الركاب دون أن أراها بينهم، ولكني علمت أن القطار خرج عن الخط قرب أميانس فلم يصب ~~أحد من الركاب بضرر، غير أن بعضهم تركوا القطار وذهبوا إلى أميانس وأنا الآن واثق ... # وقبل أن يتم كلامه فتح الباب، ودخلت منه امرأة، فارتعش روكامبول حين رآها؛ لأنها كانت ~~فاندا، فسلمت عليه سلام المحبين وقالت له: وصلت منذ ساعة، فأفرغت جعبة حيلي حتى تمكنت من ~~الحضور؛ لأن السير جمس نيفلي بات يعاملني معاملة العشاق ويغار علي أشد الغيرة، في حين أن شفتيه ms1397 ~~لم تلثما أطراف أصابعي بعد. # فابتسم روكامبول وقال: شرط أن تكوني علمت أسراره على الأقل. ~~- كلا، لم أقف على شيء منه بعد. ~~- ولكني أريد أن أعلم تاريخ حياة جيبسي؛ لأن السير جورج ستوي الذي انضم إلينا لم يعلم ~~حقيقته. ~~- ولكني علمت بعضه؛ لأن الصدفة أوقفتني على شيء منه. # فاندهش روكامبول وقال: أوضحي ما تقولين! ~~- إن جيبسي غنية وتقدر ثروتها بالملايين الكثيرة. # ثم قصت عليه جميع ما حدث لها من الحوادث في قصر روشربين، وكيف أنها جاءت مع السير جمس نيفلي ~~إلى ذاك المكان من أميانس، ومبيتها في إحدى غرف ميلادي، وظهور الخيال وما علمت منه من الأمور، ~~إلى أن أتمت حديثها قائلة: إما أن أكون منخدعة أو تكون جيبسي ابنة أخت مس ألن صاحبة تلك ~~الملايين. # وكان روكامبول مصغيا إليها بانتباه عظيم، فقال لها: إذا كان ذلك فلا خوف على جيبسي، لقد ~~وضعتها في محل أمين وتولى مرميس حمايتها، وهو يحرص عليها أكثر من حرصه على نفسه. ~~- وما صنعت بالسير جورج ستوي؟ ~~- أقمته في إحدى فنادق سانت جرمن وأمرته أن لا يبرح الفندق في النهار، غير أني مضطر الآن ~~بعد ما سمعت منك هذه الحكاية أن لا آذن له بالخروج في الليل أيضا؛ حذرا من أن يراه السير جمس ~~نيفلي قبل أن أعود. ~~- كيف إلى أن تعود؟ ألعلك راحل؟ ~~- نعم، فلا بد لي من زيارة قصر روشربين، والمباحثة قليلا مع ذاك الخيال. # وبعد ليلة كان روكامبول ينزل من قطار السكة الحديدية إلى أقرب محطة من قصر روشربين. # وكانت فاندا قد أرشدت روكامبول إلى طريق القصر ووصفته له خير وصف، فكان يتوقع حين وصوله ~~إليه أن يرى السكينة سائدة من حوله ، ولكنه رأى نقيض ما كان يتوقع. إذ رأى كثيرا من الناس ~~واقفين عند بابه، وخادم القصر يقص عليهم ما حدث فيه لوكيله بب، فيقول: إنه كان خدام القصر سمعوا ~~في الساعة الأولى بعد منتصف الليل، دوي مسدس، ولكنهم لم يجسروا على الدخول إلى غرف مولاتهم، غير ~~أنهم سمعوا بعد ذلك ms1398 ميلادي تنادي أحدهم، فأسرع إليها، فأمرته أن يسرج لها جوادين، فامتثل وهو ~~منذهل؛ لأنه رآها مع رجل غريب لم يكن رآه في المكان من قبل. # ثم رحلت ميلادي مع فرانز، وعند الصباح تجاسر الخادم على الدنو من غرف ميلادي فسمع أنينا، ~~فتقدم حتى اهتدى إلى مصدر الأنين، ففتح الباب ووجد بب سابحا بدمائه، لكن قلبه لا يزال ~~ينبض. # ولما وصل روكامبول كان الخادم قد بلغ بحكايته إلى هذا الحد، فزحم الحضور واخترقهم إلى ~~الخادم قائلا: ألا يزال حيا؟ ~~- نعم، ولكني لا أظنه يحيا أكثر من ساعة. ~~- سر بي إليه في الحال فإني طبيب. # فدخل به الخادم إلى القصر، وظل الفلاحون المتجمهرون وقوفا عند الباب. # 8 # ولندع الآن روكامبول في ذلك المكان، ونخبر شيئا عن ابن ميلادي التي ارتكبت ما ارتكبته من ~~الجرائم؛ حفظا لثروته، فنسمع الآن حكايته من فمه يتلوها لصديق له في باريس. # كان ابن ميلادي يدعى لوسيان وله صديق يدعى بول، فكانا مختليين في غرفة من منزله، ولوسيان ~~يقص عليه حكايته قائلا: # إن ما تتصل إليه ذاكرتي أني عندما كنت في الخامسة من عمري كنت في قصر كبير لا أعلم في أي ~~بلد، على كثرة بحثي عنه حين بلوغي سن الشباب، ولكني أظن أنه كان في إنجلترا أو إيكوسيا. # ولا أزال أذكر أمي؛ فقد كانت صبية حسناء، إذا رآها أحد معي حسبها أختي الكبرى، ولا أعلم ~~كيف افترقت عنها، وإذا كان هذا الفراق برضاها. ولكني أذكر أنها كانت تضمني إلى صدرها وتبكي، ولم ~~أدر إلى الآن سبب هذا البكاء. # وبينما أنا ذات يوم نائم في القصر، صحوت، فإذا أنا بيدي امرأة عجوز راكبة في قطار ينهب ~~الأرض، فقضيت أياما أنوح وأبكي، ثم تناسيت أمي وألفت الصغار الذين كانوا يلعبون معي. # وعندما بلغت العاشرة من عمري أرسلت إلى مدرسة داخلية كان يتولاها أستاذ كهل يحبني كما يحب ~~ابنته، فأقمت في تلك المدرسة وربيت في منزل ذلك الشيخ إلى أن بلغت السادسة عشرة من عمري، وكنت ~~في كل يوم أسأل ms1399 الأستاذ - وهو يدعى برتود - عن أمي فيجيبني أنه لا يعلم شيئا من أمري، وكان ~~آخر ما قاله لي في هذا الشأن: إن رجلا ألماني اللهجة دفعني إليه وجعل يرسل له كل عام خمسة ~~آلاف فرنك أجرة تعليمي ونفقاتي فعلمتك اللغات الشائعة وأحسنت تربيتك جهد ما استطعت. # وبعد عام ورد إلى هذا الأستاذ كتاب ألماني يقول فيه: إن لوسيان قد أتم دروسه فأطلق سراحه ~~وأعطته هذه الحوالة في طيه. # وكانت الحوالة على أحد المصارف الكبرى وقيمتها ألف جنيه ولهذا الأستاذ الفاضل فتاة في ~~الرابعة عشرة من عمرها وهي كزنبقة الحقول وقد كنت بها من الهائمين، فلما أخذت هذه الحوالة ورأيت ~~أني لم أكد أبلغ السابعة عشرة من العمر حتى كان إيرادي مائة ألف فرنك في العام بفضل ما كان يرد ~~لي كل ثلاثة أشهر من هذه الحوالات السرية، جئت والد الفتاة واسمها ماري فبحت له بغرامي بها ~~ورجوته أن يأذن لي بزواجها فأبى معتذرا عن ذلك بحداثتي، وما زلت به حتى رضي أن يزوجني بها متى ~~بلغت، وبلغت سن الرشد؛ أي بعد ستة أعوام. # وأنت تعرف أيها الصديق تتمة حكايتي، فإني تجولت سائحا مدة عامين بصحبة أستاذي، ولما عدت ~~أنشأت منزلا ودخلت في سلك أعضاء النادي باسم لوسيان دي هاس؛ لأني لا أعرف اسمي الحقيقي، فجعل ~~ذلك المكاتب السري الذي كان يكاتب أستاذي في عهد حداثتي يكاتبني رأسا ويرسل لي في كل ثلاثة ~~أشهر ثلاثة آلاف جنيه بدلا من ألف. فلم أعد محتاجا إلى شيء من أسباب الراحة، غير أن الذي نغص ~~عيشي أني عدت من سياحتي في البلاد المصرية فلم أجد أستاذي القديم برتود ولا ابنته ماري ولا ~~المدرسة التي كان يدرس فيها، فبحثت عنهما في كل مكان حتى يئست، إلى أن أخبرني أحد رفاقي أن ~~الأستاذ مات وأن ابنته ماري تزوجت، وكنت لا أزال متدلها في حبها. فاندفعت مع تيار البذخ ~~والإسراف بغية النسيان، فكنت أسكر وأقامر، أتعرض لهوى كل حسناء حتى جرى لي مع إحدى بنات الهوى ~~حادث ms1400 غريب. # فقال له صديقه: ألعلك برحت باريس منذ عام واحتجبت عن الأنظار من أجلها؟ ~~- هو ذاك، وأنا الآن من أسعد الناس. ~~- ألعل سعادتك من هذه الفتاة؟ ~~- كلا، فإني هجرتها بعد أن أرسلت إليها كتاب وداع وفي طيه مائة ألف فرنك. ~~- لقد أحسنت، غير أني لا أعلم سبب انفصالك عنها قبل فتور حبها لك. ~~- كلا، فإنها كانت تهواني هوى لا يوصف، وهي التي لم يدخل إلى قلبها من قبل شعاع من أشعة ~~الغرام، ولكني لقيت ماري برتود التي أحببتها الحب الأول. ~~- ألقيتها أرملة؟ ~~- كلا، فإنها لم تتزوج، ولا يزال أبوها حيا يرزق، وهي الآن في العشرين من عمرها تفتن ~~النساك بجمالها الطاهر، وسأقترن بها بعد ثمانية أيام. ~~- ولكن كيف لقيت خطيبتك؟ ~~- إنه حديث يطول شرحه، فأشعل هذا السيكار واجلس أقصه عليك. # 9 # ولنذكر شيئا عن لوسيان قبل تتمة حكايته، فقد كان في الرابعة والعشرين من عمره ممشوق القوام ~~شديد الساعد أسود الشعر أزرق العينين، يبتسم ابتساما يدل على السويداء، وهو حلو الكلام حاضر ~~النكتة، كثير اللطف على بسالة نادرة، فقد اتفق له مرة وهو في ألمانيا أنه سمع أحد الضباط ~~الألمانيين يطعن بفرنسا طعنا شائنا، فدعا جميع فرقة ذلك الضابط إلى المبارزة وبارز في يوم ~~واحد ستة من رجالها ففاز عليهم جميعا. # لكنه كان مع هذه البسالة والجراءة طاهر النفس رقيق الحاشية يحبه جميع أصدقائة حبا أكيدا؛ ~~لما يرون به من مخائل النجابة والسلامة. # ولما أشعل صديقه سيكارة وعاد إلى موضعه، قال له لوسيان: أسمعت باسم تلك الفتاة التي تدعى ~~جوزفين؟ ~~- ومن لم يسمع بها؛ فإنها أشهر بنات الهوى، ألعلها هي التي علقت بحبها؟ ~~- نعم، فقد اختطفتها ذات ليلة، بل هي التي اختطفتني ؛ فإن هذه الفتاة كانت تفتخر أنها لم ~~تهو أحدا في حياتها من عشاقها الذين كانوا يترامون على أقدامها وينتحرون من أجلها، ولكنها ~~أحبتني حبا قويا، واعترفت أن هذا أول عهدها بالحب الصادق. # فعشنا عاما أو يزيد ونحن لا نفترق لحظة، ثم جاء دور الفتور وشعرت أن جذوة غرامي ms1401 أخذت ~~بالخمود، وفتح الصواب قلبي، وعلمت أن هذه المومس ستقذف بي إلى الهاوية، وجعلت أتهيأ للانفصال، ~~خلافا لما كنت أراه منها؛ فإن تعلقها بي كان يزيد في كل يوم. # وقد أصبحت يوما وشعرت أن حبها قد زال من قلبي، بل وجدت نفسي أخافها وأرتعد لذكرها. فخرجت ~~من ذلك المنزل المعتزل، الذي كنا فيه، أطلب النزهة وما زلت أنتقل من شارع إلى شارع حتى انتهيت ~~إلى حديقة عمومية، كان كثير من الصغار مع مربياتهم يلعبون فيها. # فوقفت أمامهم أتأمل جمال الحداثة ثم حانت مني التفاتة، ورأيت شيخا أحنت ظهره الأيام، يمشي ~~متوكئا على عصاه مشي المتعب الضعيف تصحبه فتاة صبية. # وكان وقور الهيئة لطيف الملابس، غير أن ملابسه كانت تدل على الفقر وكذلك ملابس الفتاة التي ~~كانت تصحبه؛ فإن قبعتها بسيطة دون أزهار، غير أني عرفتهما للحال؛ فإنهما كانا الأستاذ برتود ~~وابنته ماري. # ولا تسأل عن دهشتي؛ فإني أسرعت إلى أستاذي القديم، وكدت أخنقه عنقا وأنا أقول له: كيف بعثت ~~بعد الموت؛ فإني بكيتك كثيرا؟! # ولم يكن اضطرابه أقل من اضطرابي، فاضطر إلى الجلوس في مقعد في الحديقة وقال لي: كلا يا بني ~~إني لم أمت، ولكني لقيت من الأمراض ما هو أشد من الموت. فنظرت إلى ماري، فأطرقت بعينيها، وعند ~~ذلك حكى لي الشيخ جميع ما حدث له ولابنته منذ خمسة أعوام، وحكايته أنه خسر ماله في مصرف أصيب ~~بالإفلاس، ثم جعلت تلاميذه تترك المدرسة واحدا إثر واحد حتى اضطر إلى بيعها، وبقي عامين يدرس ~~دروسا خاصة في المنازل إلى أن أصيب بمرض أقعده عن العمل، فامتنع مرغما عن التدريس واضطر إلى ~~الإقامة مع بنته في منزل صغير، فكانت تشتغل 10 ساعات في اليوم؛ كي تقي أباها شر العوز. # فتأثرت لحكايته وقلت لماري: أين زوجك، ألعله هجرك؟ # فذهلت الفتاة وقالت: ليس لي زوج، ولم أفترق لحظة عن أبي. # فضممتها إلى صدري وقبلت جبينها وقلت لها: أخطأت؛ فإن لك زوجا وهو أنا. # ثم ركعت أمام أستاذي القديم وقلت له: ألعلك نسيت ms1402 وعدك لي؟ ~~- صديق لوسيان: لقد عرفت الباقي؛ إذن فأنت ستتزوج؟ ~~- نعم، بعد ثمانية أيام، وإنما ذكرت لك أمري؛ كي تكون شاهدي في هذا الزواج. ~~- ومن يكون الشاهد الثاني؟ ~~- لا أعلم، ولكني أرجو أن يكون ذلك الرجل الألماني الذي بت أظن أنه هو الذي يتولى شأني منذ ~~حداثتي، وهو يدعى الماجور هوف، ولست أعلم متى أتى إلى باريس، ولكني عرفته منذ 4 أعوام وهو ينظر ~~إلي في بعض الأحيان نظرات ملؤها الرفق والحنان، فيحدثني قلبي أن هذا الرجل غير غريب ~~عني. ~~- ألم تكلمه أبدا؟ ~~- نعم، فكان يجيبني ببرود؛ بل بقسوة، ولكني كنت أرى أنه يتكلف هذا البرود تكلفا كأنه مكره ~~عليه. ~~- إذن تعتقد أن الماجور هو والألماني الذي كان يعتني بأمرك هما واحد؟ ~~- نعم، ولهذا أرجو أن يكون شاهدي الثاني. ~~- أين تجده؟ # أجاب: في نادي اسبرج؛ فإنه من أعضائه، وسنذهب إليه في هذه الليلة. ~~- ليكن ما تريد، وسأوافيك إلى هذا النادي. # وبينما هو يلبس قبعته ويحاول الانصراف، سمع دق جرس الباب الخارجي فقال لوسيان: من ترى هذا ~~الزائر؛ فإني لا أستقبل أحدا في هذه الساعة؟ # وبعد هنيهة، فتح الباب ودخل رجل يناهز الستين من العمر فنظر إلى الشابين وقال: من منكما يا ~~سيدي يدعى لوسيان؟ ~~- لوسيان: هو أنا. ~~- لقد عهد لي يا سيدي مصرف دفيس هامغري وشركاه أن أدفع لك مائة ألف فرنك وأعطيك هذا الصندوق ~~الصغير، وهذا الكتاب. # فانذهل لوسيان؛ لأنه منذ عشرة أيام ورد إليه هذا المبلغ فأخذ المال والصندوق ثم فتح الكتاب ~~فرأى 3 أسطر مكتوبة بخط دقيق، يدل على أن يد امرأة قد كتبتها وقرأ ما يأتي: # ولدي العزيز # قدم بالنيابة عني هذه الهدية التي تجدها في الصندوق إلى خطيبتك، وفي طي الكتاب مفتاح ~~الصندوق. # والدتك # فاحمر وجه لوسيان، وكان يرجو أن يعرف اسم والدته على الأقل، ثم فتح الصندوق الصغير فوجد فيه ~~عقدا من الماس لم ير أبهج منه، ولا تقدر قيمته بأقل من نصف مليون، فتنهد لوسيان وانحدرت ~~دمعة من عينه وقال: إذن أمي لا ms1403 تزال على قيد الحياة فما يدفعها إلى هذا الاحتجاب؟ وما بالها ~~تكتم حتى اسمها عني؟ # ثم خطر له أن يسأل موظف البنك الذي جاءه بالحوالة والصندوق، فقال له: إنك تستطيع الكلام يا ~~سيدي أمام صديقي هذا؛ إذ لا أكتم عنه شيئا من أسراري. # فذهل الشيخ الصراف وقال له: ماذا تريد أن أقول يا سيدي؟! ~~- أتأذن أن أسألك، كم بقي لك في خدمة هذا البنك الذي أنت فيه؟ ~~- أربعون عاما. ~~- إذن أنت عرفت كل شيء؟ ~~- ماذا تعني يا سيدي؟ ~~- أعني أنك ستقول لي كل ما تعلمه. # فأبدى الصراف حركة انذهال صادقة وقال: أعيد عليك القول يا سيدي، إني لا أفهم شيئا مما ~~تقول. ~~- إذن اصغ إلي فستفهم ما أريد، إنه يردني من مصرفكم كل ثلاثة أشهر مبلغ كبير، فمن يرسل إلي ~~هذا المال؟ ~~- يرد إلينا من فرع بنكنا في لندرا. ~~- ممن؟ ~~- لا أعلم. ~~- ولكنهم في لندرا يعلمون؟ ~~- لا أظن. ~~- ولكن مدير البنك يعلم دون شك؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك يا سيدي غير واحد ذكرته الآن وهو أني كنت منذ 30 عاما عاملا في ~~بنكنا في لندرا، وجاء رجل أعرفه دون شك إذا رأيته مرة ثانية؛ لأنه لا يزال ممثلا في ذهني، ~~ودفع إلى البنك مبلغا عظيما قسمه إلى قسمين متساويين، فوضع أحد القسمين باسم غلام يدعى ~~لوسيان يتربى في فرنسا، والقسم الآخر باسم رجل هندي يدعى علي رمجاه. # وفي اليوم التالي جاء الهندي وقبض حصته من المال، وفي العام الثاني جاء الرجل فوضع أيضا ~~مبلغا جسيما قدر المبلغ الأول، نصفه للوسيان والنصف الآخر باسم علي رمجاه، وجاء في اليوم ~~التالي وقبض المال الذي وضع باسمه. # فسأله لوسيان: وفي العام الثالث؟ ~~- لم أكن في لندرا؛ فقد نقلوني إلى مصرف باريس. ~~- أهذا كل ما تعلمه؟ ~~- أقسم لك أني لا أعلم غير ما ذكرت. # فقال لوسيان: إذا أظهرت لك الرجل الذي أظن أنه هو الذي كان يدفع المال في لندرا أتعرفه ~~وتقول لي هذا هو؟ ~~- إني لم أتقيد بالكتمان يا سيدي. ~~- إذن أعتمد ms1404 عليك؟ ~~- دون شك ... # فقال لوسيان في نفسه: إذا كان هذا الرجل هو الماجور هوف فلا بد له من أن يقول لي أين ~~أمي. # ثم ذهب الصراف ولبث الصديقان يتحدثان هنيهة، وبعد ذلك افترقا على أن يجتمعا في المساء في ~~نادي اسبرج. # 10 # وأرسل لوسيان كتاب الانفصال إلى عشيقته القديمة جوزفين، وأرسل إليها تلك المكافأة المالية ~~وهو يحسب أنها سوف ترضى عن كرمه وتذكره بالخير، وما علم ما أثاره هذا الكتاب في نفسها من ~~العواصف؛ فإنها بعد أن ورد إليها الكتاب أصابها مس من الجنون وكادت تبتلى باليأس، ثم عادت إلى ~~صوابها وجعلت تبحث عن الأسباب التي حملته على هجرانها، وراقبته سرا حتى علمت أنه يهوى ابنة ~~أستاذه القديم، وأنه عازم على الزواج بها، فهاجت عوامل الحقد واستحال ذلك الحب القديم إلى كره ~~دفين وعولت على الانتقام. # وكان لهذه الفتاة حظوة عظيمة لدى شبان باريس؛ لفرط جمالها، ووفرة دلالها، وكثرة بذخها، فلما ~~خطر لها خاطر الانتقام عادت إلى عيشتها القديمة في باريس، فاتخذت لها قصرا شائقا واشترت ~~المركبات الجميلة، فما تجولت منتزهات باريس يومين حتى ازدحم الأغرار على أبوابها، والتف حولها ~~العشاق. # وكان بين أولئك العشاق شاب جريء يدعى المركيز روكرول، علمت جوزفين بعد طول تردد عليها أنه ~~خير آلة لقضاء أغراضها، فاختارته من بين عشاقها، وجعلت تمد له سبل غرامها حتى فتنته ولم يعد ~~يطيق الصبر عنها، كل ذلك وهي تشغفه حبا وتقصيه عما يريد فتقلبه من هجرها ورضاها على أحر من ~~الجمر. # إلى أن أعياه أمرها وكاد يجن بهواها، فخلا بها ليلة وعرض عليها كل ما تطمع به أمثال أولئك ~~النساء من مال وعقار وجواهر، فابتسمت له جوزفين وقالت: إني لا أطمع بمالك ولا أشك بصدق هواك، ~~ولكني سأكشف لك حقيقة أمري، وأبوح لك ببعض سري وإنما اخترتك من بين عشاقي؛ لما توسمت فيك من ~~دلائل الحب الأكيد ولشعور نفسي بميلها إليك، ولكني لا أقول لك شيئا إلا متى تعهدت لي بالموافقة ~~على ما أريد، وإلا فلا تطمع مني ms1405 بمراد. ~~- سيدتي، إن حياتي وقف لأمرك، فمريني أن أموت أو أنتحر فأسفك دمي على قدميك. ~~- إني لا أريد أن تموت بل أن تكون رسول الموت، أما وقد رضيت بشرطي فاسمع: إني ما أحببت في ~~عمري سوى مرة واحدة، وهذا الرجل الذي أحببته وهجرت من أجله باريس ورضيت معه بعيش أشبه بعيش ~~السجون، أصبحت أكرهه بقدر ما كنت أهواه ولا يطيب لي عيش إلا إذا انتقمت منه بالموت؛ فقد لقيت ~~منه ما هو أشد من الموت. # فقال المركيز: إذن ليمت. ~~- ولكنه من الماهرين بأساليب المبارزة. ~~- وما يهمني؟ ~~- إنه ماهر بإطلاق الرصاص. ~~- وأرجو أن أصيب المرمى؛ فإن الحب يشد ساعدي. # ثم ركع أمامها وقال: بالله؛ اذكري لي اسمه فلم أعد أطيق الصبر. ~~- سأرسل لك اسمه. ~~- لماذا لا تقولين الآن؟ ~~- لي في ذلك مأرب، قل لي أين أنت ذاهب الآن؟ ~~- إلى نادي اسبرج. ~~- اذهب الآن وانتظر فيه، فسأرسل لك اسم هذا الرجل. # فقبل يدها وذهب وهو يتنهد؛ فقد جعله غرام هذه المومس من المجانين. # ولنعد الآن إلى لوسيان؛ فإن موعد التقائه بصديقه في نادي اسبرج كان في الساعة العاشرة، ~~ولكنه لم يحضر إلا في منتصف الليل؛ لأنه ذهب لزيارة خطيبته فأنسته مجالستها ذلك الموعد. # وكان عضوا في ذلك النادي وقد عرف لجميع أعضائه أنه ظريف وغني، والظرف والغنى كافيان ~~لإكثار الأصدقاء من حوله. # ولما دخل إلى القاعة التي كانت غاصة بأعضاء النادي لاحظ أن قدومه أثر على الحاضرين ~~تأثيرا غريبا لم يفقه له معنى، ولم يسلم عليه بينهم غير صديقه بول. # ورأى أن جميع الأنظار متجهة إلى المركيز دي روكرول؛ لأنه كان واقفا بينهم موقف الخطيب ~~يكلمهم عن أمور غريبة، فاندهش لوسيان وأصغى إلى المركيز فسمعه يقول ما يأتي: # الحق أيها السادة أن مثل هذه الأمور لا يتفق حدوثها إلا في باريس؛ فإن الرجل يأتي إليها ~~بثروة لا يعلم الناس موردها فينتحل لنفسه اسما؛ إذ لا يكون له أب معروف، ويدعى من ~~النبلاء؛ فيقبل عليه الناس ويحوم حوله الأصدقاء والنبلاء وهو ليس من ms1406 النبل في شيء. # فارتعش لوسيان لسماعه؛ لأن كلامه كان ينطبق عليه! # وعاد المركيز إلى حديثه فقال: لو جاءكم رجل يوما وقال لكم: إن هذا الرجل الذي يقيم بينكم ~~منتحلا أسماء الأعيان وما هو إلا مزور محتال، وإن المال الذي لديه يورثه الخزي والعار، وهو ~~لكم من الأصدقاء فماذا تقولون؟ # وقال له أحد الحاضرين: إنك جريت شوطا بعيدا أيها المركيز. ~~- لا بأس فإني قد أحسن إلى كثيرين بفضيحة هذا الرجل. # وكان لوسيان قد اصفر وجهه، ولكنه كان ينظر إلى المركيز بسكينة فقال له: من هذا الذي تريد ~~فضيحته أيها المركيز؟ ~~- هو رجل ينتحل اسما لا حق له بانتحاله. ~~- يوجد كثير من الناس على هذه الشاكلة؟ ~~- نعم، ولكن هذا الرجل غني لا يستطيع أن يظهر مورد ثروته وأظنه ابن مومس، إلا إذا استطاع أن ~~يبرهن عكس ما أقول. # فوقف لوسيان عند هذا القول، ولكنه لم يجب بشيء غير أن وقفته كانت هائلة، وبات جميع الذين ~~سمعوا كلمات المركيز الأخيرة يتوقعون حدوث أمر خطير بين الاثنين. # وساد السكون بضع ثوان حتى أوشكت أن تسمع الأنفاس، إلى أن عاد المركيز إلى الكلام فقال: إني ~~لا أتهم أحدا إلا وأنا مستعد لإعطاء من أتهمه حق الدفاع. # فقال لوسيان: من هو الذي تتهمه؟ # فأجابه المركيز ببرود: هو أنت. # فوقعت هذه الكلمات من صدر لوسيان وقوع الشرارة في لغم بارود، فجحظت عيناه وارتخى صوته، ~~وقال: أيها المركيز، إني سأقتلك غدا، وإن كان دمك لا يكفيني. ~~- هذا حق. ~~- نعم، ولكنه أحب قبل ذلك أن تكشف النقاب عما قلته. ~~- سأفعل ما تريد، فاعلم أنك لا تدعى لوسيان دي هاس، بل لوسيان فقط. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ليس لك غير هذا الاسم. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إنك لقيط، لا أب لك تعرفه ويعرفه الناس. ~~- إنك لا تعرف شيئا من ذلك مثلي. ~~- كلا، بل أعرف أنك ابن فتاة من بنات الهوى. ~~- كفى! # ثم هجم عليه وصفعه على وجهه، والتفت إلى الحضور فقال: إن هذا الرجل كان أمس من أصحابي ولم ~~أسئ إليه مرة في حياتي، ms1407 ولكن هذه الفضيحة التي يتهمني بها لا تغسل إلا بالدماء، على أني عشت ~~بينكم زمنا طويلا؛ فهل يذكر واحد منكم أني أسأت إليه أقل إساءة؟ # فأجابه بعض الحاضرين: كلا. # وقال صديقه بول: إني أعدك من أشرف رجال النبل، وقد أهنت، فأنا أكون شاهدا لك في ~~المبارزة. # ثم التفت إلى الحاضرين قائلا: من منكم أيها السادة يريد أن يكون معي الشاهد الثاني؟ # فحدث عند ذلك اضطراب عظيم؛ إذ لم يتقدم أحد للقبول. # فأوشك لوسيان أن يجن من يأسه، وغطى وجهه بيديه وهو يقول: أماه، أين أنت؟ إني لا أجد بين ~~هؤلاء الناس من يريد أن يكون شاهدي للانتقام لك؟ # وعند ذلك دخل رجل في الأربعين من عمره، وعليه مظاهر الكآبة، فاخترق القاعة ووقف بين ~~الجمهور، فأقبل كثيرون للسلام عليه، وكانوا يدعونه الماجور أفاتار. # أما الماجور أفاتار (أي روكامبول)؛ فإنه رأى علائم الاضطراب بادية عليهم فسألهم عما هم ~~فيه، فأخبره بول بجميع ما اتفق، فتقدم روكامبول من لوسيان وقال له: أنا شاهدك الثاني يا ~~سيدي. # فصافحه لوسيان شاكرا ممتنا. # أما المركيز فإنه قال للوسيان: إن الرجل إذا صفع لا يستطيع أن ينام قبل أن ينتقم، وهذا ~~القمر يسطع نوره في السماء فيجعل الليل نهارا، فما تقول في المبارزة الآن؟ ~~- إني طوع لك. ~~- إن الحق حقي في اقتراح السلاح، وأنا أقترح القتال بالسيف، فلا نرجع حتى يقتل أحدنا ~~الآخر. ~~- هو ما تقول، فليكن ما تريد. # وبعد ربع ساعة كان المركيز وشاهداه ولوسيان يسيرون في المركبات إلى الغابات. # فقال روكامبول للوسيان: إني لا أعلم إلى الآن سبب المبارزة، فهل لك أن تذكر لي ~~السبب؟ ~~- إن المركيز أهان أمي. # فاقتصر روكامبول على هذا السؤال، كما تقتضيه آداب اللياقة، وقال: فهمت. # وسارت بهم المركبات حتى وصلوا إلى ساحة القتال، فاقترع الخصمان على السيفين ووقفا في موقف ~~المبارزة، إلى أن أشار إليهما روكامبول بالمبارزة، فأطبق كل منهما على الآخر وكلاهما باسل ~~شجاع. # ومرت بهما دقيقتان لم يكن يسمع في خلالهما غير صوت قرع السيفين، ثم بدأ لوسيان ms1408 بالحديث ~~قائلا: إن واحدا منا سيقتل قريبا يا حضرة المركيز، أفتأبى علي في مثل هذه الساعة أن ~~تخبرني عن السبب الذي دعاك إلى إهانتي وقتالي؟ ~~- إن جوزفين وعدتني بحبها إذا قتلتك. # ثم حمل عليه بسيفه حملة منكرة وطعنه بصدره طعنة نجلاء، فاخترق السيف صدر لوسيان، لكنه لم ~~يقع ولم يسقط السيف من يده. # وبينما المركيز يتأهب للدفاع والوقوف موقف الحذر انقض عليه لوسيان وهو يقول: إن جوزفين لن ~~تفي بوعدها. # ثم طعنه بسيفه طعنة صائبة، فاخترق حسامه قلب ذلك المركيز وسقط على الأرض قتيلا، وعند ذلك ~~تلاشت قوى لوسيان، وجعلت الدماء تتدفق من صدره. # 11 # ولنعد الآن إلى روكامبول؛ لنروي للقراء كيف اتفق وجوده في نادي اسبرج حين كان لوسيان ~~محتاجا إلى شاهد، ولا بد لنا لذلك من العودة إلى قصر روشربين؛ حيث دخل إليه روكامبول بصفة ~~طبيب. # وكان الخادم دخل به إلى الغرفة التي كان فيها بب، فكان ملقى على نفس السرير الذي كانت ~~نائمة فيه ميلادي، وهو بملابس الضباط الإنكليز والقيود والقناع ملقاة على الأرض. # فدهش الخدم؛ لأنهم لم يروا من قبل بب مرتديا بهذه الملابس، خلافا لروكامبول؛ فإنه ذكر ~~حكاية فاندا، فعلم لأول وهلة أن هذا الشخص يعرف حكاية جيبسي، ويريد إرجاع المال إليها ولا بد ~~له من الوقوف على أسراره، وإتمام مشروعه. # ولم يكن روكامبول كاذبا في قوله: إنه من الأطباء؛ فقد تعلم من أستاذه القديم أندريا، ومما ~~جرى له من الحوادث في أيام غروره، أكثر أنواع الجراحة، ففحص الجريح وعرف موضع الرصاصة، فقال له ~~الخادم: أيموت؟ ~~- لا أعلم، اذهب وأحضر لي ماء باردا وعصابات. # فامتثل الخادم، وغسل روكامبول الجرح، ثم تحايل على الرصاصة فأخرجها، ورأى أن الجريح قد ~~اتقدت عيناه ببارق يشف عن الأمل بالحياة ورغبة في الانتقام، فرجا خيرا، وقال للخدم الثلاثة ~~الذين كانوا مجتمعين في تلك الغرفة: يجب أن أبقى وحدي هنيهة مع الجريح. # فخرج الثلاثة وأقفل روكامبول الباب في أثرهم، ثم عاد إلى الجريح فنظر إليه بب نظرة يتخللها ~~الرجاء، وقال: أتراني ms1409 أموت؟ ~~- إن جرحك خطر ولكنه غير مميت فيما أراه، وفي كل حال، إن الخطر غير قريب. # وقد عرف روكامبول أنه يجب السرعة؛ إذ قدر أن بب لا يعيش أكثر من ساعتين، فقال له باللغة ~~الإنكليزية: إني آت إليك أحمل أخبارا من جيبسي النورية. # فذعر بب عند سماعه اسم جيبسي، وقال: ماذا تقول؟ جيبسي؟! ~~- نعم، ابنة أخت مس ألن. # فزاد ذهول بب وقال: كيف تعرف هذه الأمور؟! ومن أنت؟! ~~- إني رجل مثلك يريد إرجاع الأموال المختلسة إلى أصحابها. ~~- إذن أنت تعرف جيبسي؟ ~~- دون شك؛ لأني أنقذتها منذ أسبوعين من أيدي الخناقين. # فاصفر وجه بب وقال: لا تذكر لي شيئا عن هؤلاء الناس. # ثم ظهرت عليه مظاهر التردد كأنما داخله الشك بصدق روكامبول، فقال له: إني لا أصدق ما ~~تقول. # فقال له روكامبول بلهجة الكآبة: لماذا لا تصدقني؟ ~~- لأن ميلادي أرسلتك إلي؛ كي تعلم كل شيء، لكنها لن تعلم شيئا. # فأخذ روكامبول يده بين يديه وقال له بلهجة تشف عن الصدق: إذن ألا تريد إتمام ~~مشروعك؟ # فهز بب رأسه قائلا: إن ميلادي وشركاءها قادرون ولا سيما فرانز القاتل السفاك الذي ينتحل ~~لنفسه اسم الماجور هوف. # فعلق هذا الاسم بذهن روكامبول وقال له: أتعتقد إذن أني من أتباع ميلادي وأحد شركائها في ~~الجرائم؟ ~~- نعم. ~~- وإذا برهنت لك عكس ما تعتقد، أتثق بي؟ ~~- دون شك، لكني أريد البرهان. ~~- إذن اسمع. # ثم حكى له ما اتفق لفاندا في قصر روشربين، وكيف أنه مثل أمامها دور خيال، وهو يعتقد أنه ~~يخاطب ميلادي، فأيقن بب من صدق روكامبول. # لكن بقي له شيء من الشك في مقاصده، فسأله: لماذا يهمك أمر جيبسي؟ ولماذا تريد أن تخدمها هذه ~~الخدمة؟ # فرأى روكامبول أنه لا بد له من الكلام ، فقال له: ذلك لأني أحب جيبسي حبا صادقا، ومن أجل ~~ذلك أنقذتها من أيدي الخناقين، بعد أن كادوا يحرقونها. # فزال عند ذلك كل أثر للشك من نفس بب، وقال له: لقد صدقتك فيما تروي، ولكن أتحسب نفسك ~~قادرا على مقاومة ميلادي؟ ~~- إني ms1410 إذا وقفت على حقيقة أمرها عبثت بها كما أشاء وأرجعت الأموال إلى أصحابها. ~~- أتقسم لي أنك ترجع المال إلى جيبسي؟ ~~- أقسم لك بالله العلي على صدق ما أقول. # فتنهد بب وقال له: إني لا أستطيع الكلام؛ لضعفي، ولكني كتبت جميع أسرار مس ألن. ~~- أين وضعت ما كتبته؟ ~~- في غرفتي وهي في الدور الأول ونمرتها عشرة، وقد خبأت ما كتبته تحت أول بلاطة بعد ~~العتبة. # فدق روكامبول عند ذلك الجرس فأسرع إليه الخادم، فقال له: اذهب بي إلى الغرفة التي يبيت فيها ~~المسيو بب. # فنظر الخادم إلى بب، فأشار إليه إشارة المصادقة، فمشى وتبعه روكامبول. # فلما وصل إلى غرفة بب جعل روكامبول يفتكر بطريقة يبعد بها الخادم؛ كي لا يرى ماذا يصنع ~~فقال له: ماذا تدعى؟ ~~- جاك. ~~- أأنت من هذه القرية؟ ~~- كلا، بل أنا من ماينس. ~~- كم بقي لك في خدمة ميلادي؟ ~~- عامان. ~~- إنك ستصبح من غير خدمة. # فذعر الخادم وقال: رباه كيف ذلك؟! ~~- ذلك أن بب سيموت قريبا، وميلادي لن تعود إلى هذا القصر، وستقفل الحكومة أبوابه وتختمها، ~~ولكن لا تيأس فسأتخذك لخدمتي وتكون معي في باريس وأضاعف راتبك، على شرط إذا لقينا ميلادي في ~~باريس ترشدني إليها. # فسر الخادم سرورا عظيما؛ لأنه كان يتمنى من دهر طويل أن يرى باريس، فقال له: إن ذلك ~~سهل ميسور يا سيدي، وسأكون في خدمتك من المخلصين الصادقين. # فأعطاه روكامبول مائة فرنك وأرشده إلى المكان الذي يقيم فيه بباريس، ثم سأله: هل أبلغتم ~~البوليس عن الحادثة التي جرت؟ ~~- كلا يا سيدي. ~~- إذن أسرع إلى إبلاغه، قبل أن يموت بب، فتغدو أنت ورفاقك من المتهمين. # فلما خلا المكان بروكامبول أخرج خنجره ودنا من البلاطة التي أرشده إليها بب، فاقتلعها ورأى ~~تحتها علبة صغيرة من الحديد الرفيع، فأخذها وأرجع البلاطة إلى ما كانت عليه ثم عاد إلى بب ~~فأخبره بما فعل وأراه العلبة، فقال له بصوت خافت: نعم هذه هي وهذا مفتاحها. # ثم أشار إلى مفتاح صغير كان معلقا في عنقه، فأخذه روكامبول ووضعه مع ms1411 العلبة في جيبه، وخرج ~~فسار توا إلى محطة السكة الحديدية. # وبعد ساعة أقبل رجال البوليس، وكان لا يزال في بب بقية رمق فلم يستطع أن يظهر لهم الجريمة ~~ولكنه تمكن من نفي التهمة عن الخدم. # وبعد هنيهة أسلم الروح فحملوه إلى المستشفى وأقفلوا القصر فوضعوا الأختام على أبوابه، وتفرق ~~الخدم فذهب كل إلى قريته ما خلا جاك؛ فإنه جعل يتأهب للسفر إلى باريس. # أما روكامبول فإنه صبر في المحطة إلى أن أتى القطار، فدخل إليه ولما سار به فتح تلك العلبة، ~~فوجد فيها دفترا مطويا يظهر أنه متقادم؛ لاصفرار أوراقه، ورأى في أسفل العلبة مدالية عليها ~~رسم صبية بالغة غاية في الجمال، وقد حفر تحتها هذه الكلمات: «مس ألن في العاشرة من عمرها»، ثم ~~فتح الورقة الأولى من الدفتر، فوجد عنوانه: «تاريخ قاتلة أبيها». # 12 # وفتح الدفتر وجعل يقرأ والقطار سائر فيه إلى باريس ما يأتي: # في ليلة عيد الميلاد سنة 1835، وهو العيد الذي يجله الإنكليز كل الإجلال، كان الضباب ~~كثيفا حتى لم يعد يستطيع المارة الاهتداء إلى سبيلهم، واضطر البوليس أن يحمل المشاعل بدلا ~~من العصي لكثافة الظلام. # ولم يكن يوجد أحد في الشوارع ما خلا فتاة في ريعان الصبا والجمال كانت تسير مسرعة على ~~غير هدى، وهي باسطة يديها إلى الأمام كالعميان؛ حذرا من أن تصطدم بشيء؛ لأنها لم تكن ترى ~~غير الظلام الكثيف. # وفيما هي تسير رأت خمارة مفتوحة فوقفت عند بابها وسألت صاحبها أن يهديها إلى الشارع ~~الذي تسير فيه، فأجابها صاحب الخمارة، وهو يتأمل محاسنها، وذكر لها اسم الشارع، فشكرته ~~وانصرفت. # ولكنها لم تسر خطوتين حتى خرج لها رجل كان في الخمارة ودنا منها قائلا: إني خبير ~~بشوارع العاصمة يا سيدتي، فقولي لي أين تقيمين أقودك إلى منزلك؟ # فنظرت إليه الفتاة وارتعشت لما رأته من ملامحه الجاذبة؛ فقد كان في الخامسة والثلاثين ~~من عمره أسمر اللون أسود العينين، فوق الربعة، كان لابسا ملابس البحارة، غير أن نعومة يديه ~~وأسلوب حديثه كانا يدلان على أنه ليس ms1412 من هذه الطائفة، ولعله أصيب بما أصيبت به الفتاة من ~~الارتعاش حين رآها فأراد أن يوصلها إلى منزلها. # غير أن الفتاة حاولت الامتناع، فما أمهلها وتأبط ذراعها وقال لها: هلمي بنا فإني سأوصلك ~~إلى حيث تشاءين دون أن يكون عليك أقل خطر. # فجعلت الفتاة تضطرب وترتجف من الغريب، وإنها على اضطرابها وارتعاشها أنست به، ولم تعد ~~تبدي مقاومة، فسألها: أين تقيمين؟ ~~- في بيكاديللي. ~~- إذن تعالي معي من هذا الشارع، ولا تخشي مكروها؛ لأني من الأصدقاء. ~~- كيف تكون من الأصدقاء وأنت لا تعرفني؟ ~~- هو ما تقولين، غير أني حين رأيتك واقفة بباب الخمارة هاجت بي عاطفة لا تغلب، وشعرت ~~أني أكون عبدا لك لأول أمر تصدرينه إلي، فثقي، إني لك من المخلصين. # فتنهدت وقالت: ليس لي أصدقاء، وما أنا إلا فتاة شقية حرمت من إرثها. ~~- أنت حرمت من إرثك؟! وكيف تحرمين منه ولك مثل هذا الجمال؟ بالله يا سيدتي، قولي لي ~~عن اسمك؛ لأن ملامحك تدل على أنك من الأسرات النبيلة. ~~- إني أدعى مس ألن. ~~- وأنا من تحسبينني؟ أتظنين أني بحار كما تدل عليه ملابسي؟ كلا يا سيدتي، المسي يدي ~~تعلمي أني لست من البحارة. # فارتعشت مس ألن حين شعرت بنعومة يده، وعاد الرجل إلى الحديث فقال: سأخبرك في غير هذا ~~المكان من أنا ولكني أخبرك الآن أني أستطيع أن أخدمك أجل خدمة. ~~- وأنا أصدق ما تقول. ~~- إذن أخبريني عن السبب الذي حرمت من أجله. ~~- ذلك؛ لأن لي أختا أكبر مني ولأن أبي لا يحبني؛ لاعتقاده أن أمي ولدتني بالإثم، ~~فحرمني من إرثه وكتب جميع ماله لأختي الكبيرة. ~~- أرضيت بهذا الحرمان؟ ~~- إني رضيت به؛ لأني لا أستطيع منعه. ~~- وإن أتاك صديق من السماء؟ # فثارت في فؤاد الفتاة كوامن الحقد، وقالت : ليكن هذا الصديق من جهنم أو من السماء، فإني ~~أرضى به صديقا إذا كان يساعدني فيما أريد. ~~- مس ألن، إني أحبك وأحب أن تكوني غنية قادرة، وسأسحق أعداءك تحت قدميك، فقولي لي ماذا ~~يدعى أبوك؟! ~~- يدعى الكومندور بروكنس. ~~- حسنا، سترد إليك ms1413 أخباري، والآن إننا وصلنا إلى بيكاديللي، فنادي البوليس الواقف ~~أمامنا، يرشدك إلى منزلك، أما أنا فسترينني قريبا. # ثم عانقها طويلا وقبلها في ثغرها، فصاحت الفتاة صيحة اضطراب، واحتجب الرجل عنها في ~~جنح الظلام. # ويظهر أن بب لم يعلم ما حدث بعد هذا اللقاء السري؛ لأنه لم يذكر شيئا من ذلك في ~~دفتره. # لكنه قال فيه: إنه بعد ذلك بعدة أشهر كانت مس ألن مقيمة في قصر قديم في إيكوسيا مع ~~أبيها. # وكان أبوها عجوزا، ترمل ثم تزوج مرة ثانية وهو في الخمسين من عمره بامرأة ماتت على ~~أثر ولادتها مس ألن ابنته الثانية، وكان له ابنة من امرأته الأولى تدعى مس أنا، فكان يحب ~~الكبرى بقدر ما كان يكره الصغرى، حتى كان يظن بعضهم أن السبب في كرهه لابنته الثانية ظنه ~~أنها ثمرة حب غير شرعي. # وكانت أختها تقيم في أجمل قصر من قصور أبيها في لندرا، خلافا لمس ألن؛ لأن أباها كان ~~يقيم معظم شهور السنة في إيكوسيا فيصحب معه ابنته مس ألن؛ كي لا تتمتع بملاهي ~~العاصمة. # ولم يكن في منزله كثير من الخدم إذ لم يكن فيه غير وكيله بب مع امرأته وخادم غرفة يدعى ~~فرانز أصله من الألمانيين وثلاثة من صغار الخدم لم يكونوا يخرجون من المطبخ. # وكان يظهر من فرانز أنه شديد الإخلاص لمس ألن على حداثة عهده في خدمة هذا المنزل، فكان ~~يخرج كل يوم في وقت معين إلى البوسطة ويعود برسالة إلى مس ألن فتقرأها وتبكي بكاء ~~شديدا. # وقد اتفق ليلة أن أباها كان جالسا في غرفته وكانت مس ألن جالسة في القاعة وهي تتوجع، ~~وقد حاولت أن تبرح هذه القاعة فلم تستطع وصاحت صيحة عظيمة، فوصلت صيحتها إلى مسمع أبيها، ~~فجاءها وقال لها بلهجة تدل على الاستياء: ما هذا الصياح؟ ~~- إني مصابة بصداع شديد. # ثم بدرت منها صيحة أخرى فنادى أبوها فرانز؛ كي يعتني بها، فأقبل فرانز ونظر إليها نظرة ~~سرية، فامتنعت عن الصياح وتكلفت السكينة، فقال لها أبوها: إن أختك ستتزوج ms1414 بعد شهر، فاجتهدي ~~أن تنالي الشفاء في هذه المدة واذهبي الآن إلى غرفتك ونامي؛ فقد حان وقت الرقاد. # ثم تركها وانصرف. # ولم يكد يذهب حتى عادت إلى التوجع والصياح، فأسرع فرانز إليها قائلا: عضي منديلك ~~واخفتي صوتك وإلا كنا من الهالكين. ~~- أتظن أن الوقت قد دنا؟ ~~- نعم. ~~- ما هذا المصاب؟ وهو، إنه لم يرجع بعد. ~~- إنه سيحضر بعد ثلاثة أيام. # وعند ذلك عادت إلى التوجع والصياح فوضعت منديلها في فمها وعضته؛ إخفاء لصياحها، فحملها ~~فرانز وخرج بها إلى غرفة في الدور الأسفل؛ كي لا يصل صوتها إلى مسامع أبيها. # وكان أبوها يكرهها كرها شديدا كما تقدم، ولكنه يندم في بعض الأحيان إذا بالغ في ~~الإساءة إليها ويشفق عليها، فلما دخل إلى غرفته بعد أن غادر ابنته وهي مصابة بصداع أليم - ~~كما كانت تدعي - خلع ملابسه وصعد إلى سريره فجعل يفكر بابنته ويندم لقسوته؛ بحيث أرق ولم ~~يستطع الرقاد. # وفيما هو آرق يتأمل، سمع أصواتا متتابعة كانت تصل إليه شبه الأنين! فقام ولبس رداء ~~طويلا، وأخذ بيده مصباحا وذهب إلى غرفة ابنته فلم يجدها فيها، فأصغى، فسمع أن الصياح ~~صادر من الدور الأسفل. # فاضطرب ونزل في السلم فانتهى إلى دهليز، فمشى فيه إلى الجهة التي يصدر منها الصوت، حتى ~~انتهى إلى غرفة رأى نورا فيها، ففتح بابها ودخل فرأى ابنته في سريرها، وفرانز واقفا ~~أمامها، وهي تصرخ وتتوجع من آلام الولادة، فصاح صيحة هائلة وتراجع منصعقا وهو يقول: تبا ~~لك من شقية! # ولما وصل روكامبول بقراءته إلى هذا الحد، كان القطار قد وقف في محطة باريس، فأعاد الدفتر ~~إلى العلبة، وأعاد العلبة إلى جيبه، وخرج من القطار وركب مركبة وذهب إلى المنزل الذي كان ~~استأجره باسم الماجور أفاتار. # وكانت الساعة تدق مؤذنة بانتصاف الليل، فلم ينم؛ بل إنه وضع العلبة في موضع أمين، وقال في ~~نفسه: يظهر من رواية بب أن فرانز والماجور هوف واحد، وهذا الماجور عضو من أعضاء نادي أسبرج، ~~فلأذهب إليه. # 13 # وقد عرف القراء ما حدث لروكامبول ms1415 حين وصوله إلى هذا النادي؛ فإنه بحث عن الماجور هوف ولم ~~يجده فسمع آخر خصام لوسيان مع المركيز ورضي أن يكون شاهده. # وقد تقدم لنا الكلام أن المركيز قتل في ساحة المبارزة، وأن لوسيان أصيب بجرح في صدره، ~~فحمل شاهدا المركيز ذلك القتيل إلى أهله وأخذ روكامبول وبول الجريح إلى بيت صديقه بول، وبعد ~~هنيهة أقبل الطبيب فغسل الجرح وضمده وقرر أنه غير خطر، ولكن الجريح لا يستطيع الخروج من البيت ~~قبل شهر. # وكان روكامبول قد شعر بميل وانعطاف إلى لوسيان وقد وقف على بعض حكايته من صديقه، فأشفق ~~عليه إشفاقا شديدا حين علم أنه كان عازما على الاقتران بعد أسبوع. # وكان بول حائرا في أمره، لا يعلم كيف يخبر خطيبة لوسيان بهذا النبأ المحزن، فقال له ~~روكامبول: أنا أتولى عنك هذه المهمة، فأرشدني إلى منزلها. # فدله على البيت الذي تقيم فيه. # وأقام روكامبول أمام سرير الجريح إلى الصباح، ولوسيان نائم نوما هادئا، ولما فتح عينيه ~~وجد روكامبول واقفا أمام سريره، فشكره بابتسامة؛ لأن الطبيب منعه عن الكلام، فخاطبه روكامبول ~~قائلا: إنك نمت نوما هادئا وقد وثقت أن جرحك لا يحمل على الخوف فأنا ذاهب الآن، وسأعود في ~~المساء لعيادتك. # ثم تركه تاركا عنده صديقه بول، وذهب وهو يقول في نفسه: لقد اشتركت في هذه الحادثة فلأندفع ~~بها إلى النهاية، وسأهتم بعد الفراغ منها بأمور جيبسي. # ولذلك لم يعد إلى منزله بل سار مشيا على الأقدام في الشارع المؤدي إلى بيت خطيبة لوسيان، ~~فكان كلما سار بضع خطوات يقف مفكرا ويخاطب نفسه: إني أرى شبها غريبا بين لوسيان وبين صورة ~~ممثلة في ذهني لا أذكر صاحبها، فمن عسى أن يكون شبيهه؟ # ومشى في شارع الجزائر ومنه إلى شارع سانت أونوريه ، ثم انتهى إلى شارع سوردبير؛ حيث تقيم ~~ماري، وجعل يبحث عن نمرة منزلها، ولكنه لم يدخل إلى هذا الشارع حتى انذهل فجأة؛ لأنه رأى رجلا ~~دخل إلى الشارع أيضا وجعل ينظر مثله إلى نمر منازله فكان سبب انذهاله، فعرف أن ms1416 هذا الشخص كان ~~الماجور هوف الذي أتى عند منتصف الليل يبحث عنه في نادي أسبرج، وقد كان رآه مرة أثناء حوادث ~~كارل مورليكس فخاطب نفسه: ما شأن هذا الشخص في هذا الشارع؟! وماذا يبغي من المجيء إليه في هذا ~~الصباح؟! # أما هوف فإنه مر دون أن ينتبه إلى روكامبول، وكان يحمل علبة بيده وعليه دلائل ~~الاهتمام. # وبقي يبحث عن النمر حتى اهتدى إلى نمرة 17، فوقف وزادت دهشة روكامبول؛ لأنه هو أيضا كان ~~يبحث عن تلك النمرة؛ وهي نمرة البيت الذي تقيم فيه خطيبة لوسيان. # فتردد الماجور هنيهة، ثم دخل وأسرع روكامبول في أثره ووقف وراء الباب فسمعه يخاطب البواب: ~~أهذا البيت الذي تقيم فيه المدموازيل ماري برتود مع أبيها؟ ~~- نعم. ~~- أهي في منزلها الآن؟ ~~- نعم، ولكنها نائمة. ~~- إذن أعطها هذه العلبة. # ثم سأله: في أية ساعة تخرج الفتاة من منزلها؟ ~~- إنها تخرج في صباح كل يوم؛ لتوصل شغلها إلى العامل، ولكنها بعد أن خطبت لم تعد تبرح البيت ~~في الصباح. ~~- ألا تذهب إلى النزهة في التوبلري مع أبيها كل يوم بعد الظهر؟ ~~- نعم، حين يكون الطقس صاحيا. ~~- حسنا، لا تقل لها: إني سألت عنها. # ثم نفحه بدينار فحياه البواب إلى الأرض. # وكان روكامبول قد سمع كل هذا الحديث، فخاطب نفسه: إذا صدق حديث بب؛ أية علاقة لهذا الرجل مع ~~خطيبة لوسيان؟ # ثم سمع أن الماجور قد أنهى حديثه مع البواب، فأسرع إلى الاختباء وراء الباب، وعند ذلك خرج ~~الماجور هوف وسار في طريقه دون أن يرى روكامبول. # فخاطب روكامبول نفسه: سأخبر ماري بجرح خطيبها بعد عودتي؛ لأن المهم الآن أن أقتفي أثر هذا ~~الرجل. # فمشى الماجور وروكامبول في أثره حتى رأى مركبة فأوقفها وقال لسائقها: سر بي إلى الجران ~~أوتيل . # فسمعه روكامبول وكان هذا كل ما يريد أن يعرفه؛ لأنه إذا لم يكن مقيما في هذا الفندق فيكون ~~ذاهبا ليرى شخصا فيه، وقد يمكن أن يكون هذا الشخص ميلادي؛ لأن فرانز كان شريكا لها في قتل بب ~~في قصر روشربين، ms1417 وما دام موجودا في باريس، فلا بد أن تكون هي أيضا فيها. # وجعل روكامبول يمعن في التفكير؛ عله يهتدي إلى علاقة فرانز بخطيبة لوسيان فلم يهتد إلى ~~مراد، وفيما هو يجهد فكره خطر له خاطر ارتعش له؛ إذ ذكر ما قرأه في دفتر بب؛ وهو أن مس ألن ولدت ~~غلاما ففكر في نفسه: ألا يمكن أن يكون لوسيان ابن ميلادي؟ # وكأنما هذا الخاطر قد أزعجه فجعل العرق ينصب من جبينه وهو يفتكر في نفسه: أيكون مثل هذا ~~الفتى الباسل ابنا لتلك النمرة الضارية التي تقتل أباها وأختها؛ كي تنهب نقود تلك المسكينة ~~جيبسي؟ فشبه عند ذلك ميلادي بذلك النذل الفيكونت كارل دي مورليكس، وشبه ابنها لوسيان بابن أخيه ~~أجينور الذي تزوج أنطوانيت كما تقدم في الأجزاء السابقة. # وخطر له أن يدخل إلى الجران أوتيل في أثر الماجور هوف لكنه فضل الرجوع إلى منزله؛ لأنه ذكر ~~أن لوسيان يشبه شبها غريبا ذلك الرسم المنقوش على المدالية التي وجدها مع دفتر بب في العلبة، ~~وقد قرأ تحت الرسم مس ألن في السادسة عشرة من عمرها ... فأحب أن يعيد النظر إلى هذا الرسم؛ ليزيل ~~من نفسه كل أثر للريب، ولما عاد إلى منزله وجد ميلون ينتظره مع الخادم جاك الذي كان في خدمة ~~ميلادي في قصر روشربين فدنا منه ميلون وقال له: إن فاندا قد حضرت مدة غيابك. # فاضطرب وسأله: متى حضرت؟ ~~- منذ عشر دقائق، وقالت إنها لا تعود اليوم ولكنها ترجو أن تحضر في نصف الليل مغتنمة فرصة ~~ذهاب السير جمس إلى النادي وقد تركت لك هذه الرسالة، ففضها روكامبول فإذا بها ما يأتي: # يا رئيسي المعبود # إن حب السير جمس بدأ يقلقني، ولكنه لم يتجاوز بعد حد الاحترام، وهو لا يزال متكتما ~~ينكر معرفة جيبسي أتم الإنكار، ولكن لا بد لي من إغوائه وحمله على الإفشاء. # وقد ورد إليه أمس كتاب عليه كثير من الطوابع الغريبة، ورده من الهند إلى لندرا، فأرسله ~~إليه عماله فيها، فقرأه وأسرع إلى تخبئته في محفظته ms1418 وهو حريص عليها، فلا يضعها إلا في ~~جيبه. # وأنت أيها الرئيس ماذا علمت؟ إلى اللقاء في منتصف الليل. # عبدتك فاندا # أحرق روكامبول هذه الرسالة بعد الفراغ من تلاوتها، ثم ذهب إلى خزانة فأخرج منها العلبة ~~التي كان فيها دفتر بب وأعاد النظر إلى المدالية، فصاح صيحة دهش؛ لأنه رأى الشبه تاما بين ~~لوسيان وميلادي، فعلم عند ذلك السبب في سؤال الماجور هوف عن موعد خروج خطيبة لوسيان للنزهة وأن ~~ميلادي تود أن ترى خطيبة ابنها. # وعند ذلك نادى روكامبول ميلون وقال له: ألبس جاك ثيابا يتنكر بها ما أمكن، ثم عد به إلي ~~فإني في انتظارك. # فخرج ميلون وعاد روكامبول إلى دفتر بب فقرأ فيه ما يأتي: # 14 # بعد أن ولدت مس ألن غلاما بثمانية أيام، قدم أبوها إلى غرفتها وهو مقطب الجبين، غير أنه ~~كان يظهر من ملامحه أنه لم يكن يريد أن يندفع بالحدة ويخرج عن حد الاعتدال، فدخل إلى غرفتها وهي ~~لا تزال في سريرها وطفلها في مهد بجانبها، فدنا منها وقال لها بصوت يتهدج: مس ألن، إني ما ~~أتيت إليك لأوبخك؛ فإن سلوكك لم يمسني إلا لأنك تلقبين باسمي ولا أريد أن يتلطخ اسمي بالعار؛ ~~وقد ارتكبت ذلة عظيمة، ولكني لا أبحث عن شريكك بالجريمة ولا أحاول الجمع بينكما بزواج يغسل ~~هذا العار، فإن زواجك لم يخطر لي في بال؛ ولذلك جئت أخيرك بين أمرين؛ وهما: إما أن تدخلي إلى ~~الدير فتقضين العمر بالتوبة والاستغفار، أو يذهب بك وكيلي بب إلى فرنسا. # فإذا ارتضيت بالشرط الأول تعهدت بتربية غلامك كما يستحق أن يتربى غلام لا يعرف أبوه، ~~وإذا اخترت الشرط الثاني؛ وجب عليك تغيير اسمك فيذهب بك بب إلى المدينة التي تختارينها في ~~فرنسا، فيعطيك عند وصولك مائة ألف فرنك تستطيعين بها تربية غلامك كما تشائين. # فمدت مس ألن يدها متوسلة إلى أبيها أن يصفح عنها، غير أنه صدها بعنف وقال: إن الطبيب الذي ~~يتولى العناية بك أقسم لي بشرفه وعرض امرأته على كتمان سرك وأكد ms1419 لي أنك تستطيعين السفر بعد 4 ~~أيام فأنا أمهلك ثمانية أيام لا أزيدها ساعة؛ فإن أختك ستحضر قريبا مع خطيبها، ولا أريد أن ~~يتدنس بيتي بوجودك فيه أكثر من هذا الحد. # وعادت إلى التوسل ونادته بأبيها رجاء استعطافه، فقال لها: لا تعودي إلى ذكر اسمي أيتها ~~الشقية؛ فإني لست أباك. # ثم خرج وهو يهدر ويزمجر. # وبعد خروجه دخل فرانز فوجدها مندفعة في البكاء وهي تقبل طفلها وتقول: إني أبغض هذا الرجل ~~الذي ينكر أني فتاته وأبغض تلك الأخت التي يضحونني من أجلها، وأبغض ... # وقبل أن تتم كلامها سمعت صوتا يقول لها: لا تبغضي أكثر من هؤلاء يا مس ألن. # فالتفتت وصاحت صيحة فرح لا توصف؛ لأنها رأت أن العناية قد لاحظتها عيونها وبدلت خوفها ~~بأمان وأرسلت لها ذلك الرجل الذي لقيته تلك الليلة الهائلة. # أما الرجل فإنه أسرع إليها وعانقها عناقا كثيرا، ثم أخذ الولد من مهده فجعل يقبله ويقول: ~~ولدي! # وقد انقطع بعد ذلك بكاء مس ألن وجعلت تنظر إلى زوجها نظرات الإعجاب ثم قالت له: ألعلك أتيت ~~لإنقاذي من هذا الرجل الذي ينكر أني فتاته؟ ~~- جئت أنتقم لك. # فاتقدت عيناها بنار الحقد وقالت: نعم، انتقم لي كيف شئت وعلى أفظع شكل فلا تروق لي حياة ~~بغير الانتقام. # فأشار هذا الرجل عند ذلك إشارة إلى فرانز كي يخرج وقال له: احذر أن يعود أبوها وإذا عاد ~~... # فابتسم فرانز وقد برق الخنجر في يده وقال: لا تخف فإنه لا يصل إليكم حيا ... ثم خرج. # وجلس الرجل فوق سرير مس ألن وأخذ يدها بين يديه وقال: أتريدين الانتقام؟ ~~- لا أريد سواه. ~~- أتكرهين أباك؟ ~~- كما أكره الموت. ~~- وأختك مس أنا؟ ~~- إن كرهي لها لا يوصف؛ فهي علة مصائبي. ~~- ولكنك لا تعلمين إلى الآن من أنا؟ ~~- أعرف أنك جميل وقوي وأعرف أني أرتعش لنظراتك وأهتز لنبرات صوتك، وأني أحبك وأكون أسعد ~~النساء إذا أتيح لي أن أعيش العمر عبدة لك! ~~- ولكني لست إنكليزيا. ~~- كن كيف شئت؛ فإني كرهت هذه البلاد التي يؤذن فيها ms1420 الشرع للأب أن يحرم ابنته. ~~- ولست مسيحيا أيضا. ~~- وماذا يهمني معتقدك فلك دينك ولي ديني. ~~- ألعلك سمعت بتلك الجمعية الهائلة التي نشأت في غابات الهند ودعيت جمعية الخناقين. ~~- نعم ... ~~- إن هذه الجمعية قادرة على ما تشاء؛ فهي تسن الشرائع في الهند وتغرس الهول في نفوس ~~الإنكليز فإذا شاءت عدلت، وإذا شاءت ظلمت. ثم إنها تنثر المخاوف والموت من حولها وهي مطمئنة ~~آمنة. # فتنبهت مس ألن وقالت: ألعلك من أعضائها؟ ~~- بل أنا رئيسها الأعظم الذي يدير حركاتها من الغابات في الهند وفي عواصم البلاد. # فأعجبت الصبية إعجابا شديدا وقالت: كنت أرى من عينيك أنك ما خلقت لتطيع بل ~~لتطاع. # ثم طوقته بذراعيها وقالت له: مر يا سيدي ورئيسي بما تشاء أطعك طوع الإماء. ~~- احذري يا مس ألن؛ فإنك إذا رضيت أن أنتقم لك وجبت عليك الطاعة المطلقة؟ # فنظرت إليه نظرة جمعت بين الافتتان والإعجاب وقالت: سأطيعك طاعة لا حد لها. ~~- ليكن إذن ما تريدين، واعلمي الآن أني أدعى علي رمجاه. # ولم يعلم أحد ما جرى بين رئيس الخناقين الأعظم وبين مس ألن، فإن بب نفسه لم يعلم؛ لأنه وضع ~~كثيرا من النقط عند وصوله في حكايته إلى هذا الموضع. ففكر روكامبول هنيهة ثم قلب الصفحة وأتم ~~القراءة ما يأتي: # بعد هذه الحادثة بأربع وعشرين ساعة كان والد مس ألن جالسا في غرفته وأمامه وكيله بب وهو ~~يظهر له رغبته بسفر مس ألن في القريب العاجل؛ لقرب قدوم ابنته الصغرى، دون أن ينتبه إلى نظرات ~~بب التي كانت تسفر عن الحقد الدفين، ثم سأله: أين امرأتك با بب؛ فإني لم أرها اليوم؟ # فارتعش بب واتقدت عيناه ولكنه أسرع فكظم غيظه وقال: إنها سافرت يا حضرة الميلورد في هذا ~~الصباح إلى أدمبرج؛ كي ترث عما لها توفي منذ أيام ... ~~- ولكنها ترجع قريبا، أليس كذلك؟ # وثارت العواصف في فؤاد بب ونوى قتله منذ ذاك الحين ولكنه كظم غيظه وقال: إن في الباب يا ~~سيدي الميلورد غريبا يريد مقابلتكم، وهو يقول إنه قادم من لندرا ms1421 يحمل أنباء من ابنتكم مس ~~أنا. # فاضطرب الشيخ وقال له: أسرع بإدخاله إلي. # ففتح بب الباب وأدخل ذلك الغريب وهو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة براق ~~العينين، وقد كان الكومندور خدم في الهند وبحارها مدة طويلة فعرف من هيئة ذاك الرجل أنه هندي ~~إنكليزي. # ولما دخل هذا الرجل خرج بب، فدنا منه الكومندور، وقال له: إني أتيت لمباحثتك في بعض ~~الشئون. ~~- أأنت قادم من قبل ابنتي؟ ~~- نعم، ولا، سيدي الميلورد. # فانذهل وقال: كيف ذلك؟! ~~- إنك أقمت يا سيدي مدة طويلة في الهند، وعرفت دون شك احترام بعض الهنود للإلهة كالي، ~~وأريد بهؤلاء الهنود الذين يلقبونهم بالخناقين. # فظهرت على وجه الميلورد علائم الاشمئزاز وقال: نعم عرفت هؤلاء الأوغاد الأشقياء. # وكان هذا الرجل الهندي علي رمجاه نفسه زوج مس ألن، فلم يحفل باشمئزاز الشيخ وقال له: قد ~~يكونون من الأشرار كما تدعيه، ولكنهم إذا صدر إليهم أمر من رؤسائهم ينفذونه لا محالة، وأنت تعلم ~~يا حضرة الميلورد أن للإلهة كالي رغائب شتى، منها أنها تريد أن يضحى لها في كل عام بعض البنات ~~الإنكليزيات؛ فتنقش على صدورهن الوشوم، ويقضى عليهن بالبتولية الدائمة. # فاضطرب الشيخ وقال له: إني أعرف كل الأمور، ولكني لا أعلم لماذا تقولها لي؟! ~~- لأن الإلهة كالي قد افتكرت بك. ~~- بي أنا؟! ~~- نعم، فإن لك ابنتين: إحداهما تدعى مس أنا، والثانية مس ألن. ~~- وهذه الإلهة قد ضحت مس ألن؟ # فقال علي رمجاه: كلا يا سيدي، بل إنها ضحت أختها. # فانقلبت سحنة الشيخ واتقدت عيناه الغائرتان بأشعة الغضب، فانتهز الهندي وقال له: اخرج من ~~هنا أيها الشقي. # فلم يتحرك علي من موضعه وقال له ببرود: إني أتيت لأبلغك أن مس أنا لا يحق لها الزواج؛ لأنها ~~ضحية الإلهة كالي، وأن ثروتك يجب أن تعطى لابنتك مس ألن. # فنهض الشيخ من مكانه مغضبا وقال: خسئت أيها السافل؛ فإن ذلك لا يكون، ثم جعل يدق جرسا ~~أمامه وينادي بب بصوت مضطرب. # ففتح الباب وبدلا من أن يدخل بب دخل فرانز. ms1422 # وكان في يد فرانز حبل من تلك الحبال التي يستعملها الخناقون، فأشار له علي عند دخوله إشارة ~~سرية، فأطلق الحبل من يده على الشيخ فالتف على عنقه ثم شد فسقط على الأرض وهو يكاد لا يعي من ~~الذعر. # أما علي فإنه أسرع إلى المغسلة فوضع قليلا من الماء في كأس وأخرج من جيبه زجاجة فصب بعض ~~نقط منها في الكأس فوق الماء، وجاء إلى الشيخ فركع فوق صدره وفتح له فمه، ثم صب فيه الماء ~~الممزوج بنقط الزجاجة، فما وصل المزيج إلى جوفه حتى صاح صيحة منكرة وسقط صريعا لا يعي. # فنهض علي عنه، وأمر فرانز أن يجلسه على كرسيه فأجلسه عليه، فكانت هيئته تدل على أنه مات ~~بالسكتة الدماغية. # وعند ذلك أخذ علي مفتاحا كان معلقا بسلسلة في عنق الشيخ، وفتح به صندوقا من الحديد كان ~~الشيخ يضع فوقه فيه أوراقه الخطيرة، ففتش بين الأوراق حتى عثر بظرف مختوم بختم ~~الكومندور. # وكان هذا الظرف يتضمن وصية الشيخ التي حرم بها مس ألن من الميراث ووهب جميع ثروته لبنته ~~الكبرى، ففتحه علي وقرأ الوصية ثم أدناها من نور الشمعة فأحرقها وهو يضحك ويقول: أما وقد أحرقت ~~الوصية؛ فإن الإرث يقسم بين الأختين وسيكون لنا مع الأخت الكبرى شأن. # وفي الليلة نفسها أرسلت مس ألن إلى أختها مس أنا هذا التلغراف الآتي: # أكاد أجن من الحزن ... إن والدنا توفي على كرسيه. احضري حالا لتشييع الجنازة. # أختك ألن # فقال روكامبول: لقد بدأت أن أفهم، ثم أتم تلاوة دفتر بب وقرأ ما يأتي: في صباح اليوم التالي ~~أقبلت مس أنا مع خطيبها، فوجدت أختها مس ألن منهوكة القوى من الحزن وعيناها جاحظتان من كثرة ~~البكاء، فكانت ساعة مؤثرة وقد تظاهرت مس ألن بالحزن الشديد حتى وهم الناس أنها كانت أشد حزنا ~~من أختها. # وقد حكم جميع الأطباء أن الشيخ مات بالسكتة، وطلبت مس أنا تشريح جثة أبيها وتحنيطها، ~~فاعترضتها مس ألن أنها سمعت أباها يقول مرات كثيرة: إنه يحب أن تبقى جثته على ms1423 حالها بعد موته. ~~فأذعنت أختها لها، وأخذوا يهتمون بدفنه وإعداد مشهد حافل. # وقد قرروا أن يكون الدفن في اليوم التالي، فلفوا الجثة بالأكفان ووضعوها في تابوت عظيم ~~ووضعوا فوقه وسامات الكومندور، ونقلوه إلى أقرب كنيسة فوضعوه فيها إلى الصباح؛ حيث يحتفلون ~~بتشييع الجنازة. # وقد عينوا كاهنا لحراسة الجثة والصلاة عليها في الليل، فأقام الكاهن يحرسها وفي يده كتاب ~~صلاته، ثم شعر فجأة أن الكتاب سقط من يده فتراخت عيناه وأطبقتا فنام نوما عميقا. # وعند ذلك دخل إلى هذه الكنيسة رجلان وهما فرانز وبب يحملان مثالا من الشمع يمثل هيئة ~~الكومندور أتم تمثيل، وألبساه نفس ملابسه الحمراء فوضعاه قرب التابوت، ثم فتحوا التابوت ونزعوا ~~الأكفان وأخرجوا الجثة، فكفنا مثال الشمع بأكفانها ووضعاه في التابوت وأقفلاه كما كان. # ولما فرغا حملا الجثة فقال فرانز، يجب أن نسرع؛ فإن قلبه بدأ ينبض ونخشى أن يستفيق. # فقال بب: لنسرع إذن؛ إذ لا يجب أن يستفيق إلا في المكان المعد له، ثم حملاه وذهبا به إلى ~~القصر في جنح الظلام. # وفي الصباح دفنوا مثال الشمع وهم يحسبون أنهم دفنوا الشيخ. # وكان علي رمجاه قد اكتشف بإرشاد مس ألن قبوا في ذلك القصر ينزل إليه بسلم يبلغ طولها 30 ~~درجة تحت الأرض، فلما فتح الشيخ المسكين عينيه وجد نفسه في حالة تقشعر لها الأبدان؛ فإنه كان ~~مقيد اليدين والرجلين بسلاسل من الحديد وفي وسطه سلسلة غليظة مشدودة إلى وتد في ~~الجدار. # فحسب نفسه حالما لأول وهلة، إلى أن سمع صوت قيوده فلم يشكك أنه في يقظة، وجعل يصيح صياح ~~القانطين فلا يجيبه غير الصدى. # وبعد ذلك ببضع ساعات فتح باب القبو ودخل فرانز يحمل إبريقا للماء وقطعة من الخبز، ~~فقدمهما له وقال بلهجة المتهكم: هذا ما أرسلته إليك ابنتك المحبوبة مس ألن. # ولبث هذا الشيخ المنكود ستة أعوام في هذا القبو إلى أن أشفق عليه فرانز فخنقه. ~~••• # أما ما جرى للأختين بعد دفن المثال؛ فهو أن مس أنا كانت تعلم أن أباها جعلها وريثته الوحيدة ~~في ms1424 وصيته، فبحثت بحثا طويلا عن الوصية فلم تجدها، فاقتسمت الأختان تلك الثروة الواسعة. # وبعد ستة أشهر؛ أي بعد انقضاء أيام الحداد، تزوجت مس أنا خطيبها، فلما صحت في اليوم التالي ~~لعرسها وجدت صدرها موشوما بنقوش غريبة وعرفت أنها نقوش لخناقين فارتعشت؛ لأنها لم تعلم كيف ~~تمكنوا من وشمها وهي نائمة. # وفي المساء وجد زوجها مخنوقا على قارعة الطريق؛ فإن الخناقين قتلوه؛ كي لا تلد امرأته ~~البنين، فترملت في اليوم الثاني لزواجها، ولكنها أحست بعد بضعة أشهر أن جنينا يتحرك في أحشائها ~~فولدت فتاة خشيت عليها من الخناقين فعهدت بتربيتها إلى رجل من النور يدعى فيروا، واحتجبت عنها ~~كل الاحتجاب. # غير أنها رأتها مرة ترقص في حفلة عمومية فهاجت بها عواطف الأمومة وأغشي عليها، وبعد ذلك ~~ببضعة أيام خنقها الخناقون وهي تعانق ابنتها في منزلها، فعادت ثروتها كلها إلى أختها مس ألن ~~زوجة علي رمجاه رئيس الخناقين الأعظم في الهند. # إلى هنا انتهى دفتر بب وقد بقيت فيه مسائل غامضة، مثل السبب الذي دعا ميلادي؛ أي مس ألن، أن ~~تعيش بعيدة عن ولدها، غير أن روكامبول رجا أن يجلي هذه الغوامض بدهائه المعروف. # وقد أتم روكامبول تلاوة الدفتر الساعة الرابعة بعد الظهر، وكانت أشعة الشمس تنفذ إلى غرفته ~~فقال في نفسه: إن الطقس جميل وفي مثل هذا الطقس تخرج ماري خطيبة لوسيان للنزهة، ولا بد لميلادي ~~أن تراها لتعرفها، فنادى خادمه الجديد جاك وخرج وإياه. # 15 # أما خطيبة لوسيان فإنها بعد أن صحت من رقادها صعد إليها البواب وأعطاها ذلك الصندوق الذي ~~أحضره لها الماجور هوف، فسألته عن الذي أرسله فقال لها: لا أعلم. فحسبت أنه هدية من لوسيان ~~وأطلقت سراح البواب. # وكان هذا الصندوق من خشب الصندل ومفتاحه معلقا به، وذهبت به إلى غرفتها ففتحته بيد تضطرب، ~~ووجدت به قطعا من الدانتيلا الثمينة مصفرة مما يدل على تقادم عهدها، وأنها أثر عائلي قديم، ~~ووجدت في الصندوق أيضا كتابا معنونا باسمها ففتحته وأسرعت بنظرها إلى التوقيع فاضطربت ~~اضطرابا شديدا؛ لأنها لم ms1425 تجد توقيع لوسيان، فنادت أباها وقرأت وإياه هذه الرسالة، وهي كما ~~يأتي: # ابنتي المحبوبة ... # اسمحي لي أن أدعوك بهذا الاسم، فإنك الملاك الذي أرسله الله لحراسة ولدي الحبيب. إني في ~~باريس من عدة ساعات فقط، ومنذ ثلاثة أيام لم أكن أطمع بالحضور إليها، وقد أرسلت إلى ولدي ~~مع رجل أئتمنه عقدا من الماس هدية لك، ولا أعلم إذا كان لوسيان قدمه لك أو أنه أبقاه إلى ~~يوم العرس. # أما أنا فإني أرسلت إليك هذه الدانتيلا القديمة التي تجدينها في الصندوق؛ لأنها كانت ~~على الثوب الذي لبسته يوم عرسي، وأنا لا أعلم إلى الآن وا أسفاه إذا كان يؤذن لي أن أضم ~~ولدي إلى صدري، ولكني طامعة بهذا الرجاء، وفي كل حال فإني أحب أن أرى تلك التي اختارها ولدي ~~عروسة له، وعلمت بعد الاستقصاء أنك تخرجين للنزهة في التويلري مع أبيك، فأرجو أن تذهبي ~~اليوم حسب العادة؛ لأن والدة لوسيان تعرفك حين تمرين بها من دقات قلبها. # وكانت الرسالة موقعا عليها باسم ألن، ففرحت ماري فرحا لا يوصف وقالت: ما عسى أن يكون من ~~لوسيان بعد أن يعرف أمه فإني أخشى أن يقتله الفرح. # وأقامت مع أبيها وهي تناجي نفسها بأعذب الأمالي، إلى أن دنت ساعة الأصيل، وزهت سلطانة ~~الكواكب في سمائها، فلبست ثيابا بسيطة تزيدها جمالا وسارت مع أبيها إلى النزهة في التويلري ~~وقلبها يخفق خفوق الطائر؛ لرجائها أن ترى لوسيان، فما رأت أحدا عند وصولها، وجلست على مقعد من ~~مقاعد الحديقة تراقب المتنزهين وتتوقع أن ترى من تحب من حين إلى حين. # وبعد أن استراح أبوها هنيهة، نهض وإياها وجعلا يتنزهان بين أشجار الحديقة، وعند ذلك وقفت ~~مركبة بالقرب من الحديقة وخرج منها رجل وغلام وهما روكامبول وخادمه جاك، الذي كان في خدمة ~~ميلادي، ودخلا إلى الحديقة وكانا متنكرين تنكرا عظيما، ولا سيما جاك؛ حذرا من أن تعرفه ~~ميلادي، ووقفا في ظل شجرة وجعلا يراقبان القادمين إلى الحديقة. # وكان والد ماري قد تعب من المشي فجلس على مقعد ms1426 مع ابنته، وبعد هنيهة أقبلت مركبة وخرجت ~~منها امرأة تناهز الأربعين، وهي بارعة في الجمال ولابسة ملابس تدل على بساطتها أنها من ~~النبيلات، فمشت تلك المرأة في الحديقة دون أن تراها ماري، وجلست على مقعد في ظل شجرة بحيث كانت ~~ترى كما تشاء دون أن تراها الفتاة. # وعند ذلك قال جاك لروكامبول: هذه هي ميلادي يا سيدي. # وتفرس فيها روكامبول حتى انطبعت صورتها في ذهنه وخرج مع جاك من الحديقة إلى المركبة التي ~~كانت تنتظره خارجا، ودخل إليها معه وأرخى ستائر نوافذها، ثم عمد إلى صندوق كان أبقاه فيها ~~ففتحه وأخرج منه ملابس جديدة وتزيا بها، وخلع تنكره القديم، وعاد إلى شكل الماجور ~~أفاتار. # وعند ذلك خرج من المركبة وقال لجاك: اذهب الآن وحدك إلى المنزل وانتظرني به. # وعاد روكامبول إلى الحديقة وهو بملابس الماجور أفاتار وذهب توا إلى الفتاة وأبيها وقال ~~لها بعد أن حياها ألست الآنسة ماري برتود؟ # فاضطربت ماري وقالت: نعم يا سيدي! ~~- إني صديق للوسيان. # وزاد اضطراب ماري وقالت: ألعله قادم؟! ~~- كلا يا سيدتي، لذلك أرسلني. # فذعرت ماري وقالت: رباه كيف أرسلك؟! ولماذا لم يحضر؟! ~~- لا تضطربي يا سيدتي؛ إذ ليس ما يدعو إلى الاضطراب، والحكاية أنه اختصم مع أحد أعضاء ~~النادي فتبارزا وأصيب بخدش خفيف بعد قتل خصمه. # وصاحت ماري تقول: ويلاه، أهو جريح؟ قل لي بربك: أأصيب بمكروه؟ قل ولا تخف عني شيئا ~~بالله؟ ~~- لا تجزعي يا سيدتي، فإنه جريح وجرحه بسيط. # وصاحت ماري صيحة ثانية، ثم سمع روكامبول صيحة أخرى شديدة، والتفت فرأى أن هذه الصيحة خرجت ~~من صدر ميلادي المختبئة في ظل الشجرة، وأنها أغمي عليها من الحنو والخوف. # 16 # ولنعد الآن إلى فاندا؛ فقد علم القراء أن السير جمس نيفلي الذي استلم رئاسة جمعية الخناقين ~~من السير جورج ستوي فتن بها حين رآها وأنها كانت توهمه أن روكامبول خدعها وخانها، وأنها لا تحيا ~~إلا بالانتقام، وأن السير نيفلي كان مندفعا إلى الحضور معها إلى باريس بعاملين؛ وهما: عامل ~~حبها، والتفتيش عن ms1427 جيبسي التي اختطفها روكامبول من معبد الهنود في لندرا وهي فوق ~~المحرقة. # ولقد علم القراء أيضا كيف أنهما باتا ليلة في قصر روشربين ولم يعلم بسر الخيال ولم يخطر ~~له في بال أنه يقيم في قصر امرأة تخدمها جمعية الخناقين بملء الغيرة والإخلاص. # ولما وصل مع فاندا إلى باريس أقام وإياها في فندق اللوفر وهو أجمل فنادقها، غير أنه كان ~~واسع الثروة، فكره أن تقيم حبيبته في الفندق، واشترى لها في اليوم التالي منزلا جميلا بما فيه ~~من الرياش وأقام معها، وركع أمامها وقال لها: هو ذا قصرك أيتها الحبيبة فاحكمي فيه وبي كما ~~تشائي. # فابتسمت له فاندا ألطف ابتسام وقالت له: إذن أنت تحبني؟ ~~- إن سعادتي أن أكون لك عبدا ما حييت. ~~- وأنا أوافقك في هواك، لكن على شروط أحب أن تسمعها. ~~- وأنا لا أشترط إلا أن أمتثل لشروطك، فمري بما تشائين. ~~- لقد قلت لك: إن لي شروطا والحق أني لا أشترط غير شرط واحد، وهو أن تنتقم لي، فإذا ~~انتقمت كما أريد أحببتك حب الهائمين، وصرت أنا العبدة وأنت السيد المطاع. # وكانت فاندا في باريس منذ ثلاثة أيام ولكنها لم تستطع أن تخرج من المنزل إلا مرة واحدة، ~~فلما انتقلت مع السير نيفلي إلى المنزل الجديد لم يكن يفارقها لحظة فقالت له فاندا في اليوم ~~الثالث: إنك وعدتني أن تنتقم لي وأنت تعلم بأني لا أحبك إلا على هذا الشرط، فما بالك تناسيت هذا ~~العهد؟ وإذا كنت تنفق ساعاتك بقربي فكيف تستطيع أن تعثر بهذا الشقي الذي اختطف جيبسي؟ # فابتسم السير نيفلي وقال لها: إن لدي قوما يشتغلون بأمري ويضحون أنفسهم لكلمة تخرج من فمي ~~فهم ينفذون إرادتي، وهم الذين يبحثون الآن عن هذا الرجل وينتقمون لك منه كما تريدين. ~~- ومتى يعثرون به ؟ ومتى يكون هذا الانتقام؟ ~~- بعد يومين أو ثلاثة أيام، وأنا أنتظر نتائج مساعيهم في هذا المنزل. # وتنهدت جزعا وقالت: كيف أطيق الصبر ثلاثة أيام؟ # وفيما هم على ذلك دخل الخادم يحمل رسالة إلى السير نيفلي، ms1428 فارتعش حين رأى طوابع البريد ~~الغريبة عليها، ثم فضها وقرأ ما فيها ووضعها في محفظة جيبه دون أن يطلع عليها فاندا. # وعاد إلى فاندا فحادثها بضع دقائق ثم قال لها: إني مضطر أن أذهب إلى إدارة بنك دافيد ~~همبري. # أما فاندا فإنها كانت تنظر خلسة إلى الرسالة حين كان يقرأها، ولم تعلم من أمرها إلا أنها ~~مكتوبة بلغة هندية، وكانت الرسالة واردة إليه من كلكوتا وهي كما يأتي: # علي رمجاه يأذن للمس ألن أن تعرف ولدها، وعلى السير جمس نيفلي نائبي في أوروبا أن ~~يبلغها هذا الأمر. # ولم يكد السير نيفلي يخرج من المنزل حتى أسرعت فاندا وركبت مركبة وانطلقت بها إلى المنزل ~~الذي يقيم فيه روكامبول، ولكنها لم تجده فيه كما تقدم، وكتبت إليه تلك الرسالة التي أخبرته فيها ~~بما علمته ووعدته أن تعود إليه في منتصف الليل وسلمت الرسالة إلى ميلون. # أما السير نيفلي فإنه لم يكن يكاتب مس ألن؛ أي ميلادي، إلا بواسطة بنك همبري، فذهب إلى ~~البنك وكتب إليها ما يأتي: # إن وكيل علي رمجاه يريد أن يرى الماجور هوف، فليرسل الجواب إلى السير جمس نيفلي في شارع ~~جبرائيل في الشانزليزيه وليعين مكان الاجتماع. # وبعد ربع ساعة ورد إليه الجواب الآتي: # إن الماجور هوف ينتظر السير نيفلي بين الساعة 11 ومنتصف الليل في نادي إسبرج. # وقد وصل هذا الكتاب إلى منزل السير نيفلي قبل عودته من البنك بمدة عشر دقائق، وكانت فاندا ~~في المنزل فأخذ الخادم الكتاب من عامل البريد فدفعه إليها وانصرف. # فأسرعت فاندا إلى شفرة رقيقة فحمتها وأدخلتها برفق بين طيات الظرف؛ فانسال الغراء وانفتح ~~الظرف دون أن يتمزق ورقه، فاطلعت على الرسالة وأرجعتها إلى الظرف وأقفلته. # ثم أتى السير جمس ففتح الرسالة وتلاها دون أن يهتدي إلى ما فعلته فاندا، فلما أذنت الساعة ~~الحادية عشرة خرج من المنزل وأخبر فاندا أنه سيعود متأخرا. # ولم يكد يبرح المنزل حتى أسرعت فاندا إلى روكامبول؛ حيث كان ينتظرها، وأخبرته بمضمون ~~الرسالة فقال لها: حسنا فعلت، وقد ms1429 بلغنا المراد فيما أظن، ولم يبق علينا إلا أن نضع الخطة ~~التي يجب أن ننتهجها، فاجلسي بجانبي واصغي لما أقول. # 17 # بينما كان روكامبول يشرح خطته لفاندا كان يجري في الشارع الأميريكي أمور خطيرة لها علاقة ~~عظيمة بمشروع روكامبول. # وكان يوجد في هذا الشارع قهاوي؛ وهي: قهوة النعيم، وقهوة الأبرياء، وقهوة ~~الألدورادو. # أما قهوة النعيم فكان يتردد إليها المتشردون الذين لم يمهروا بعد في مهنة اللصوصية ولم ~~يحصلوا على شهاداتها. وأما قهوة الأبرياء فلم يكن يدخل إليها غير الذين سجنوا ست مرات على ~~الأقل لجرائم مختلفة. وأما قهوة الألدورادو فكان يجتمع فيها كبار اللصوص، ويحق حضور مجتمعاتهم ~~وحفلاتهم لصغارهم، فكانت تغص كل ليلة، بعد منتصف الليل، بلصوص هذا الشارع. # وكان في هذا الشارع كثير من الأفران والآبار التي نزحت مياهها، فكان هؤلاء اللصوص ينامون في ~~الشتاء فوق الأفران الدافئة، وينامون في الصيف في تلك الآبار الرطبة؛ ولذلك كثر وجود اللصوص في ~~هذا الشارع. # ففي تلك الليلة التي كان روكامبول مجتمعا فيها بفاندا، كان بعض أولئك اللصوص في قهوة ~~الألدورادو وبينهم فتاة تبحث في مباحث الغرام، فاعترضتها رصيفة لها قائلة: أتعتقدين أنت بالغرام ~~يا زبلي؟ ~~- كيف لا أعتقد به؟ ولو كنت تعرفين غرامي بغوستاف وشغفه بي لما اعترضت علي هذا الاعتراض، ~~لكنه سجين لا يستطيع الوصول إلينا كي يثبت لك صدق الغرام، أما أنا فإن إيمان قلبي بالحب لا ~~يتزعزع، وفوق ذلك إني أعرف من يحب الحب نفسه. ~~- كيف ذلك؟ ومن هو هذا الأبله؟ وأين يجدونه؟ ~~- يجدونه في المنزل الذي كنت فيه وطردوني منه لعجزي عن دفع أجرة الشهر، وما هو أبله، بل هو ~~متوقد الذهن تدل مخائله على النجابة والذكاء، وحكايته أنه يهوى فتاة ما رأت عيناي أجمل منها ~~لكنها مجنونة، لا تطيق أن ترى سواه وتضحك وتبكي في حين واحد. ~~- ألعله يحبها لجنونها؟ # فقالت زبلي: لا أعلم، لا أعلم، ولكنه فتى جميل في الثامنة عشرة من عمره، ووالله ما حنت أم ~~على ولدها حنو هذا الفتى على تلك الفتاة؛ ms1430 فإنه ينام عند قدميها ويبيت طول ليله ساهرا عليها، ~~وقد اشتدت أعراض جنونها في إحدى الليالي فرأيته يبكي بكاء يقطع القلوب. # فقالت السارقة: ويح لنفسي! إني لو عثرت بمثل هذا العاشق لحبسته وأوثقته؛ خوفا من أن ~~يسرقوه! وماذا يدعى هذا العاشق المفتون؟ ~~- إنه يدعى باسم غريب، لم أسمعه غير مرة من غوستاف، وهو مرميس! # فلم تكد تلفظ هذا الاسم حتى برز رجل من بين الجمهور وقال: افسحوا لي كي أرى هذه ~~الفتاة. # فتباعد الحضور احتراما له وهم يقولون: هو ذا باتير! # كل من طالع الأجزاء السابقة يعرف أن باتير هو زعيم تلك العصابة التي انتزعها منه روكامبول ~~وخلف في قلبه الحقد الدفين، فكان باتير هذا لا يزال محترما في تلك القهاوي، غير أن الفتاة زبلي ~~كانت حديثة العهد في المهنة فلم تحفل به احتفال أولئك اللصوص، ودنا باتير من زبلي قائلا لها: ~~إنك تعرفين إذن مرميس؟ ~~- نعم! # فاتقدت عيناه ببارق نفذت منه أشعة الحقد، وأضاف: إني لم أر هذا الغلام منذ عهد طويل، فهل ~~تقولين أين يقيم؟ ~~- كلا، إني أرى من عينيك أنك تريد به شرا؛ فلا أرشدك إلى مكانه. # فقال بلهجة المتوعد: بل ترشدينني إليه. ~~- كلا؛ لأني خائفة عليه منك. # عند ذلك دنا منها صاحب القهوة وقال لها همسا: لقد أخطأت أيتها الفتاة لا يجب معاداة رجل ~~مثل باتير. # غير أن الفتاة كانت باسلة فلم تخف هذا الوعيد وقالت: كلا، إني لا أرشدك إلى ~~مكانه. # فضم باتير يديه وهجم عليها يريد أن يضربها، فتداخل صاحب القهوة بينهما قائلا لباتير: لا ~~حاجة لضربها؛ لأن الرجل لا يضرب المرأة إذا كان قادرا على نيل مأربه بواسطة أخرى. # فاصفر وجه باتير وأجابه: إني أضرب من أريد. # ثم تقدم منها فاعترضه صاحب القهوة أيضا وقال: اصغ إلي وتأن. إن هذه الفتاة قد دلت ~~على مكان مرميس دون أن تريد. ~~- كيف ذلك؟! ~~- ألم تقل: إن الفتى الذي يدعى مرميس يقيم في المنزل الذي كانت هي مقيمة فيه وطردت منه؛ ~~لأنها لم تدفع الأجرة؟ # فقالت ms1431 زبلي: ولكن لا يوجد بينكم من يعرف أين كنت أقيم؟ # فبرزت لها عند ذلك إحدى الفتيات وقالت: إنك منخدعة، أنا أعرف منزلك القديم؛ لأنك كنت تقيمين ~~في منزل خمار، في شارع فيرلابو، وهذا المنزل في وسط الشارع من الجهة اليسرى، وبالقرب منه دكان ~~بائع تبغ. # فأنكرت زبلي كل الإنكار، غير أن باتير علم من اضطراب صوتها أنها غير صادقة في إنكارها، ~~فقال: لقد علمت الآن ما أريد أن أعلمه. # ثم ترك الألدورادو وذهب إلى سطح فرن فاضطجع قرب رفيق، فسأله رفيقه: ماذا صنعت ~~بالألدورادو؟ ~~- علمت عنوان مرميس. # فاستغرب الرجل هذا الاسم وقال: من هو مرميس هذا؟! ~~- لقد أصبت، إنك لم تعرفني إلا بعد اعتزال الرئاسة! ~~- نعم، إني لم أعرفك، غير أني أرى من تحية الرفاق لك أنك كنت من قبل شيئا مذكورا. # وتنهد باتير وقال: وا أسفاه! لقد انقضت تلك الأيام، وأنا أحاول منذ ستة أشهر أن أؤلف عصابة ~~ولا أظفر بمراد، فكان بعض أولئك اللصوص يعتذر بقوله: إن مهنة اللصوص بائرة في هذه الأيام، ~~وبعضهم يجيب: أية ثقة تريد أن تكون لنا برجل غلبه روكامبول وانتزع منه عصابته؟ # فقال له اللص: وأي عجب لهذا؟! إن روكامبول قد غلب كثيرين سواك. # فثارت كوامن الحقد في صدر باتير وأجاب: إنه سلبني رجالي ونفوذي، حتى صاحبة الخمارة التي كنا ~~نأوي إليها؛ لأني أردت أن أستدين منها ريالا واحدا فأبت، ولو لم يتيسر لي سرقات صغيرة من حين ~~إلى حين لمت من الجوع. ~~- هو ذاك، ولكنك لم تذكر لي شيئا عن مرميس. ~~- إنه غلام ربيته وعلمته أساليب المهنة، فكان أذكى لص بين العصابة، فسلبني إياه ~~روكامبول. ~~- ألعلك تريد أن تدخل في العصابة، أو أنت تبحث عنه لتراه؟ # فامتعض وجه باتير وارتسمت على محياه علائم الحقد الوحشي وقال: أنا أخضع لهذا الرجل؟ ولكني ~~أريد أن أراه لأنتقم. ~~- اصغ إلي أيها الصديق؛ إني ما عرفت روكامبول ولكني سمعت من أخباره ما يدعوني إلى نصحك بعدم ~~التعرض له. ~~- قد أصبت، إنه قد يغلبني إذا كنت وحدي ms1432 ولكني أجد أصحابا يعينوني عليه، وسوف ترى. # ولم يزد باتير على ما قاله شيئا، لكنه عاد إلى الاضطجاع وجعل يراقب الداخلين والخارجين من ~~الألدورادو، حتى بلغت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. # وانطفئت أنوار القهوة، وتفرق من كان فيها، فقام باتير وجعل يتأهب للذهاب، فسأله رفيقه: إلى ~~أين؟ ~~- إلى حيث أقضي القضاء المبرم على روكامبول. # فقال له: إني أعيد عليك النصح، فارجع عن التصدي لهذا الرجل؛ إذ لست كفؤا له. ~~- إن الأيام بيننا، ومن يعش ير. # ثم تركه ومضى. # 18 # سار باتير إلى باريس، فجعل يجتاز شوارعها المقفرة في تلك الساعة المتأخرة من الليل، فلا يرى ~~غير بعض المارة من حين إلى حين ولا ينتبه إليهم؛ لانشغاله بروكامبول، وهو لو رأى أحدهم منفردا ~~في مثل ذلك الوقت وفي غير هذه الأحوال لانقض عليه وسلبه ما معه، غير أن انشغاله بالانتقام صرفه ~~عن كل أمر سواه. # وما زال سائرا حتى بلغ إلى شارع بلوفند، في الشارع الذي حبس فيه تيميلون أنطوانيت وفاندا. ~~وهناك وقف باتير عند أحد أبواب المنازل ووضع إصبعيه في فمه وصفر صفيرا خاصا، فلم يفتح الباب ~~لكن النافذة المطلة على الشارع فتح بعضها، وأعاد باتير الصفير ففتحت النافذة كلها، وسمع صوت ~~يقول: ها أنا قادم إليك؟ # وبعد حين فتح الباب وخرج منه رجل، وكان هذا الرجل تيميلون عدو روكامبول الألد الذي طالما ~~ورد ذكره في الأجزاء السابقة. # وكان ظهره قد انحنى وبدت عليه دلائل الكبر وتغير وجهه، حتى لو رآه روكامبول نفسه لما استطاع ~~أن يعرفه. # وقد عاد هذا الداهية إلى باريس غير حافل بروكامبول؛ لأنه لم يعد إلى تلك العاصمة إلا ~~للانتقام منه؛ لأن هذا الرجل لم يكن يحب في الوجود غير ابنته، ولا يطمع إلا بالمال، وقد ماتت ~~ابنته وضاع ماله، ولم يعد يتشوق إلا للانتقام من روكامبول. # وكان قد لقي يوم عودته باتير، وهو يعرفه كما يعرف جميع اللصوص، وسأله عن أحواله فقص عليه ~~باتير جميع ما حدث له مع روكامبول، ولما أتم حديثه سأله: إذن ms1433 أنت تكره روكامبول؟ ~~- كرهي له لا يوصف. ~~- وأنا أكرهه بعض الكره؛ إذ بيني وبينه حساب قديم يجب تسديده، فقل لي: أين تبيت في ~~الليل؛ كي أجدك حين الحاجة إليك؟ ~~- على سطح الفرن في الشارع الأميريكي. ~~- حسنا، لا بد لنا أن نلتقي. ثم افترقا. # وبعد يومين علم تيميلون أن روكامبول في لندرا، فسافر إليها ثم عاد منها بعد ثمانية أيام، ~~فلقي باتير وقال له: إن روكامبول عاد من لندرا إلى باريس، فابحث عنه في الليل والنهار، وفي أية ~~ساعة تقف فيه على أثره أسرع إلى إخباري في شارع بلفوند. # ولذلك أسرع باتير إلى موافاته في تلك الليلة حين علم مقر مرميس، ولما سمع تيميلون صفيره فرح ~~فرحا وحشيا؛ لوثوقه من أن باتير قد اهتدى إلى روكامبول، ولما برز له من الباب سأله: أوجدته؟ ~~وأين هو؟ ~~- إني لم أجده، ولكني علمت أين يوجد مرميس. # ثم قص عليه كلمة كلمة، جميع ما حدث له في الألدورادو. # وسر تيميلون من تقريره وقال له: إذن إن مرميس يقيم مع امرأة؟ ~~- كلا، بل مع فتاة حسناء. ~~- إنها مجنونة ولا تتكلم غير الإنكليزية. ~~- لا أعلم بالحقيقة من أمرها بعد؛ غير أن زبلي تكلمت عنها هذا الكلام. # فاتقدت عينا تيميلون ببارق من السرور، ووضع يده على كتف باتير قائلا: أظن أنك اكتشفت ~~اكتشافا عظيما. ~~- أحق ما تقوله؟ ~~- لم أعلم الحقيقة بعد، ولكني أظن أنه يوجد في باريس أو في لندرا من يدفع كثيرا من النقود؛ ~~للاستيلاء على هذه الفتاة التي تقيم مع مرميس، وهلم بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى شارع فيرابو، ألم تقل أنها تقيم هناك؟ ~~- ليكن ما تريد، غير أنه يجب الحذر الشديد من مرميس؛ لأنه يعرفني ويعلم أني لا أحب رئيسه ~~روكامبول. ~~- ولكنه لا يعرفني أنا، فقف أنت بعيدا وأرشدني إلى المنزل، فهذا كل ما أريد. ~~- إذن هلم بنا. # وسار الاثنان إلى ذلك الشارع، وقد نفض تيميلون عنه غبار الشيخوخة وقوم حب الانتقام ~~عوج ظهره، فسار وهو يقول: أي روكامبول! إن ابنتي قد ماتت، ولم أعد أخشاك، ms1434 وأنا أضحي ~~حياتي مقدما في سبيل الانتقام منك! # 19 # ولنبسط للقراء الآن السبب الذي حمل روكامبول على إقامة مرميس وجيبسي في شارع فيرابو؛ فإنه ~~حين عاد من لندرا إلى باريس قال في نفسه: إني أحضرت اثنين يجب أن أبالغ في إخفائهما؛ وهما: ~~السير جورج ستوي الذي أستعين به على السير جمس وطائفة الخناقين، وجيبسي التي يجب أن أحجبها عن ~~السير جمس. # أما السير جورج؛ لا أجد له محلا أفضل من شارع سانت جرمان؛ لأن الإنكليز لا ينتابون هذا ~~الشارع، وإذا كانت فاندا قد أحسنت تمثيل دورها لا بد أن تكون مثلتني لدى السير جمس بأني من ~~أولئك الخناقين الذين يلبسون أحسن الثياب وينتحلون أفضل الألقاب وينتابون أجمل الشوارع وأشهر ~~النوادي، وإذا كنت قد اختطفت جيبسي واتخذتها خليلة لي كما يعتقد، لا بد لي من أن أتخذ لها ~~منزلا جميلا في الشانزليزيه، أو في شارع ملهرب. إذن يجب أن أقيمها في شارع لا يطرقه إلا ~~العوام؛ إذ لا يخطر في باله أني أقيمها في مثله. # ولذلك أرسل نويل كي يبحث له عن منزل حقير في شارع يسكنه الفقراء، واستأجر غرفتين في منزل ~~خمار أقام فيها مرميس وجيبسي. # وكان قد أصدر أمره إلى مرميس أن لا يفارق جيبسي لحظة، ولكن مرميس لم يكن في حاجة إلى تلقي ~~مثل هذا الأمر؛ لأنه كان مشغوفا بحب الفتاة، وقد استأجر اثنان من العصابة؛ وهما: مورت وشانوان ~~غرفة تحت غرفة جيبسي، وكانا يلعبان بالورق في حانوت الخمار ويراقبان. # أما جيبسي فقد كانت مجنونة، وجنونها لم يقلق روكامبول؛ لاعتقاده أنه متى عرف الداء وجد ~~الدواء، وكان واثقا أن جنون جيبسي لم يكن ناتجا، كما يتبادر إلى الأذهان، عما لقيت من الرعب ~~يوم وضعها الخناقون على المحرقة في معبدهم وأضرموا النار في الحطب، بل إن جنونها كان لفرط شغفها ~~بآرثر نويل، ولما لقيته بعد ذلك الحب من جفائه واحتقاره، وكان خبيرا بعواطف القلوب فقال في ~~نفسه: إن هذا الحب القديم لا يدفعه غير حب جديد، ولذلك سر سرورا ms1435 عظيما حين باغت مرميس مع ~~جيبسي ورأى تلك النظرات التي تشف عن الغرام الأكيد. # ولم تكن جيبسي تخرج من غرفتها ولا تقبل الطعام إلا من مرميس، وكان مرميس يعتني بها منذ ~~ثمانية أيام اعتناء الأم بولدها ولا يكلمها إلا بالإشارة؛ لأنه كان يجهل اللغة الإنكليزية، ~~فأحضر له روكامبول كتبا بهذه اللغة وقال له: إن جيبسي لا بد لها أن يعود إليها الصواب، فادرس ~~لغتها؛ فقد يروق لك أن تحادثها بعد شفائها. # فجعل مرميس يدرس هذه اللغة بملء الاجتهاد، وهو يرجو أن يعرف أن يقول لها يوما: ~~أحبك. # وكان ميلون ونويل يزورانها أيضا، فكانت لا تنظر إلى نويل وتبتسم لميلون؛ لأنها لم تكن تعرف ~~غير ميلون ومرميس! # وفي اليوم التالي الذي اجتمع فيه تيميلون بباتير وأرشده إلى المكان الذي يقيم فيه مرميس مع ~~جيبسي، كان رجل مارا في شارع فيرابو عليه ملامح المسكنة وهو يرتدي ثيابا بدت عليها آثار ~~القدم، فكان ينتقل من بيت إلى بيت يحاول استئجار غرفة وفي يده قطعة من الخشب الأسود مكتوب ~~عليها بحروف بيضاء هذه الكلمات: مكتب معد للتخديم. # وما زال يتنقل وهو لا تعجبه غرفة حتى انتهى إلى منزل الخمار الذي تقيم فيه جيبسي، فنادى ~~البواب فبرز له الخمار نفسه وقال له: لا بواب عندي؛ فماذا تريد؟ ~~- أريد غرفة أجعلها مكتبا لي. ~~- أتدفع مقدما؟ ~~- نعم. # فدخل به إلى الخمارة ودخلا من باب فيها إلى ساحة، وصعدا سلما مظلمة حتى انتهيا إلى الدور ~~الأول، وهناك صف من الغرف فأخذ الخمار مفتاحا، وبينما هو يفتح إحدى الغرف نظر الرجل من ثقب قفل ~~الغرفة المجاورة ورأى مرميس جالسا يقرأ أمام سرير جيبسي فعرفه للحال؛ لأن هذا الرجل المتنكر ~~بشكل شيخ الخدامين لم يكن إلا تيميلون. # وبعد أن فتح الخمار بابها دخل تيميلون في أثره وتفحصها تفحصا دقيقا ، واعترض اعتراضات شتى ~~حتى انتهى الأمر بقبوله ونقده أجرة شهر مقدما قائلا: سأحضر غدا أثاثي. # ثم خرج وإياه وعلق إعلانه على باب المنزل وانصرف. # وبعد ساعة عاد إلى الخمار وقال له: ms1436 أعطني مفتاح الغرفة؛ لأني أحب أن أقيس نوافذها؛ كي أعرف ~~قياس الستائر. # فأعطاه المفتاح، وصعد تيميلون وحده ودخل إلى الغرفة المجاورة لغرفة مرميس، وجعل يتأملها ~~فوجد أن الغرفتين لا يفصل بينهما غير جدار رقيق من الخشب ملصوق فوقه ورق ملون، فأغلق باب ~~الغرفة وأخرج مدية من جيبه، وأزاح الورق وجعل يثقب الخشب بملء الرفق؛ كي لا يسمع مرميس، حتى ~~أوشك أن يتم الثقب، ثم قال في نفسه: كفى اليوم، وسأعود غدا إلى إتمام الثقب، وأعاد الورق إلى ~~ما كان عليه ونزل إلى الحانوت ورد المفتاح إلى الخمار وانصرف. # وفيما هو ذاهب رأى امرأة دخلت إلى الشارع لابسة ثياب الخادمات، فعرف للحال أنها فاندا وقال ~~في نفسه: إما أن يكون الشقاء قد بلغ منها فاضطرت إلى الخدمة، وإما أن تكون متنكرة بهذه ~~الثياب. # ومشى الهويناء وهو يراقبها خلسة، فمرت به دون أن تعرفه، ودخلت حانوت الخمار فانجلت له ~~الغوامض وقال: إنها دون شك رسول روكامبول إلى مرميس. # كان يوجد بإزاء الخمارة دكان لبيع التبغ وتتولى البيع فيه امرأة ثرثارة، فذهب تيميلون إليها ~~واشترى مقدارا من التبغ وبادأها بالحديث، وهي تزن له التبغ، فما صدقت أن رأته يريد المحادثة ~~حتى اندفعت بكلامها كالسيل فما أبقت على شيء مما تعلمه عن سكان هذا الشارع. # وكان تيميلون يسمع حديثها وعيناه ناظرتان إلى الخمارة فرأى رجلين دخلا إليها من بابها ~~الداخلي وجلسا يلعبان بالورق، وعلم أن أحدهما شانوان والآخر مورت، ثم رأى رجلا ثالثا قد انضم ~~إليهما وعرف أنه ميلون، وقال في نفسه: يظهر أن روكامبول شديد الحرص على تلك الفتاة، فبعث جميع ~~رجاله لحراستها. # وعند ذلك خرجت فاندا، فقطع تيميلون حديثه مع المرأة على الكره منه، واندفع يقتفي أثرها حتى ~~رأت مركبة في الطريق صعدت إليها وقالت للسائق: سر بي إلى شارع سانت لازار نمرة 28. # وكان تيميلون سمعها تدل السائق على هذا المنزل، ولم يكن يوجد في تلك الساعة مركبة غير هذه، ~~ولكنه رأى في الوقت نفسه أن مركبة من مركبات الأومنيبوس، التي تسير ms1437 إلى شارع سانت لازار، قد دنت ~~منه وركب فيها، غير أن الأومنيبوس لا يدرك المركبات، فتوارت مركبة فاندا عن أبصاره. # وكانت المسافة بعيدة إلى ذلك الشارع الذي كانت فاندا ذاهبة إليه، غير أن تيميلون لم يبال ~~بذلك البعد؛ لأنه عرف نمرة المنزل. ولما وصلت مركبة الأومنيبوس إليه رأى مركبة جميلة واقفة عند ~~بابه، وأن امرأة خرجت منه، وقالت لرجل كان يصحبها: سأفعل ما تريد، وإلى اللقاء في هذا ~~المساء. # وارتعش تيميلون؛ لأنه عرف أن هذه المرأة هي فاندا وقد خلعت تنكرها ورجعت إلى روائها القديم، ~~وقد زاد ارتعاشه حين رأى الرجل يعين المرأة على الصعود إلى المركبة ويقول للسائق: إلى ~~الشانزليزيه؛ إذ عرف أنه الماجور أفاتار؛ أي روكامبول. # وقال في نفسه: لقد علمت الآن أن روكامبول يقيم في سانت لازار وأن جيبسي تقيم في فيرابو، ~~ومتى عرفت إلى أين ذاهبة فاندا أستطيع أن أعلم أين يقيم السير جمس نيفلي. # ثم سار به الأمنيبوس إلى الشانزليزيه حيث كانت فاندا ذاهبة. # 20 # ولندع تيميلون يقتفي أثر فاندا، ولنقص على القراء ما حدث بين فاندا وروكامبول في الليلة ~~السابقة حين اغتنمت فرصة خروج السير جمس من المنزل، وأسرعت إلى سانت لازار لمقابلة روكامبول؛ ~~فقد قال لها حين خلا بها: لم يعد حاجة إلى الاهتمام بمعرفة أسرار السير جمس؛ فقد عرفت حكاية مس ~~ألن؛ أي ميلادي، بالتدقيق وذهب وقت البحث، وآن أوان العمل. اعلمي أن ميلادي قد قتلت أختها ونهبت ~~مال ابنتها ويجب أن ترد إلى ابنة أختها؛ أي إلى جيبسي، الأموال المسروقة. ~~- ألا يجب أن نعرف أين توجد هذه الأموال؟ ~~- إن السير جمس لا يعرف أين موضعها؛ لأنها بيد ميلادي، والذي أراه أن الثروة لم تمس بل ~~إيرادها كان يقسم إلى قسمين: تأخذ ميلادي قسما، ويرسل القسم الآخر إلى خزينة الخناقين؛ كي ~~يستعينوا به على إخراج الإنكليز من الهند متى توفرت لهم الأسباب، لكني لا أزال أجهل السبب الذي ~~حمل علي رمجاه على هجر ميلادي ومنعها عن رؤية ولدها. # ثم قص عليها ما ms1438 حدث أمامه في حديقة التويلري وقال لها: إن ماري برتود عرفت أن ميلادي والدة ~~خطيبها، ولما رأت ما أصاب ميلادي من الإغماء استعانت بي، فحملتها إلى مركبة سارت بنا إلى منزل ~~ماري، واقتنعت ماري ونحن في الطريق أن جرح لوسيان سريع الاندمال، ولما استفاقت ميلادي من ~~إغمائها جعلت تبكي بكاء شديدا، فقالت لها ماري: يجب أن نذهب إلى منزله؛ لأن وجود أمه بقربه ~~يعجل في شفائه. # فاضطربت ميلادي حين سماعها هذا الاقتراح وقالت: كلا، إن ذلك محال؛ إذ لا أستطيعه! ثم ~~استحلفت ماري أن لا تذكر شيئا من أمرها أمام لوسيان، واستحلفتني أنا أيضا نفس اليمين؛ ~~لاعتقادها أني من أصحاب ابنها. # تعجبت فاندا وقالت: كيف تأبى أن ترى ابنها وهو جريح؟! ~~- ليست هي تأبى هذا اللقاء لكن علي رمجاه يمنعها عن الاجتماع بابنها لسر ستكشفه ~~الأيام. ~~- إذن أنت موطد العلائق مع ميلادي. ~~- ومع الماجور هوف أيضا، لقد جددت معرفتي به حين أعدت ميلادي إلى الجران أوتيل. ~~- وعلى ماذا عولت الآن؟ ~~- إني لم أر في صدر ميلادي غير عاطفة واحدة؛ وهي حبها لابنها، ويجب أن نضربها في موضع ~~ضعفها. ~~- كيف ذلك؟! ~~- افترضي أن ماري برتود قد اختفت، وأن لوسيان علم أن أمه قد اختطفتها. ~~- حسنا، وبعد ذلك؟ ~~- نرشد لوسيان على ميلادي ونقول له: هذه أمك، وهي وحدها تستطيع أن ترشدك إلى خطيبتك. # وقالت فاندا: ولكن ميلادي تثبت لابنها أنها بريئة، وأنها لا تعلم أين هي ماري. ~~- نعم. # ثم سكت هنيهة وقال: أتظنين أنه حين ترى ميلادي ابنها في حالة يأس لاختفاء خطيبته، وأتى ~~أحدهم قائلا لها: ماذا تدفعين إذا أنقذت ابنك وأعدت له الصبية ألا تدفع له ثروتها؟ ~~- ربما. ~~- وهذا الذي أبتغيه. ~~- ولكن كيف السبيل إلى اختطاف الفتاة وأين نضعها؟ ~~- ذلك سهل ميسور علي لا سيما ولي مثل هذه العصابة. # وسكتت فاندا هنيهة ثم قالت: أيها الرئيس، أعزمت على أن تبقيني مدة طويلة مع السير ~~نيفلي؟ ~~- إلى أن يتم لي النصر الأكيد على الخناقين وعلى ميلادي. ~~- إن ذلك يطول! ~~- بل هو ms1439 أقصر مما تظنين. ~~- سأفعل ما تريد، إنما بقي أمر أراك لم تفطن له؛ وهو أن لوسيان وماري شريفان، وكلاهما نقي ~~القلب، طاهر السريرة، أليس من الظلم أن نضربهما هذه الضربة القاضية؟ # ووضع روكامبول يده فوق جبينه شأن المفكر المهموم وقال: لقد خطر في بالي جميع ما تقولين، ~~ولكني رأيت ولا بد من إرجاع الملايين لجيبسي، ومتى عادت إليها فهي تعطي دون شك ابن ميلادي شيئا ~~من هذا المال. ~~- ولكنها مجنونة؟ ~~- إنها تشفى ولا خطر عليها من هذا الجنون. ~~- ليكن ما تريد، والآن بماذا تأمر؟ ~~- ليس لدي اليوم شيء أقوله، ولكن يجب أن أراك غدا. # وذهبت فاندا، وفي صباح اليوم التالي عادت إلى روكامبول فقالت له: لدي أخبار عن علي ~~رمجاه. # ثم أخبرته أن السير نيفلي لم يعد في تلك الليلة إلا قرب الفجر وكان معه رجلان هنديان قدما ~~من لندرا، فخلا بهما في غرفة مجاورة لغرفتي، وقد أنصت إلى حديثهم ولم أفهم شيئا؛ لأنهم ~~كانوا يتكلمون باللغة الهندية، لكني سمعتهم يذكرون اسم جيبسي مرات كثيرة واستنتجت من ذلك أنهم ~~وقفوا على أثرها. # فقال روكامبول: لا بأس، إذا كان الخناقون جاءوا إلى مساعدته فإني لا أدعهم يساعدونه. ~~- كيف ذلك؟! # فقام روكامبول إلى خزانة وأخرج منها زجاجة فيها رشاش أبيض وأعطاها إياها، وقال لها: يجب أن ~~تسقي السير نيفلي هذا المخدر هذه الليلة، وإنه حين يستقر في جوفه يسقط صريعا فتضعين عند ذلك ~~مصباحا على نافذة الغرفة المشرفة على الحديقة فأعلم أن الأمر قد تم. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن البقية خاصة بي، اذهبي الآن، ولكن قبل أن تعودي إلى السير نيفلي، اذهبي إلى فيرابو ~~واسألي ميلون عن جيبسي، وإذا كان رأى ما يوجب الحذر. # فامتثلت فاندا وتنكرت بالشكل الذي رآها فيه تيميلون، ثم خرجت وعادت بعد ساعة، فخلعت تنكرها، ~~وأوصلها روكامبول إلى المركبة وقال للسائق: إلى الشانزليزيه، وهي الكلمة التي سمعها ~~تيميلون. # 21 # بينما كان الماجور هوف عند ميلادي في الفندق الذي كانت فيه، جاءه عامل دافي همبري برسالة ~~السير جمس، وكانت ميلادي ms1440 تقول لفرانز: إلى متى هذا الصبر على ظلم علي رمجاه؟ أيكون لي ابن، وهو ~~أبوه، ويكون هذا الابن مريضا جريحا معرضا لخطر الموت، ثم لا يأذن لي أن أراه؟ # فقال لها فرانز: إنك تعلمين أن ثروتك مرهونة لإرادة علي رمجاه والخضوع له، فافتكري ~~واحذري. ~~- لا أبالي إذا كنت فقيرة؛ فإني أحب أن أرى ابني. ~~- ولكنك إذا كنت فقيرة ألا يكون ابنك فقيرا مثلك؟! # فردت هذه الكلمات الصواب إلى ميلادي وقالت: يا للشقاء! ولكني لا أعلم لماذا هذا الرجل ~~يمنعني عن أن أرى ولدي وهو قد هجرني منذ خمسة عشر عاما. ~~- أنا أعلم. # فدهشت ميلادي وقالت: أنت؟! # وقبل أن يجيبها دخل الرسول برسالة السير جمس، وتلاها فرانز وعرضها على ميلادي فقالت: من هو ~~السير جمس هذا؟ ~~- هو وكيل علي رمجاه وخلف السير جورج ستوي. ~~- أهو الآن هنا؟ ~~- دون شك، إنه يريد أن يراني. # ثم قام إلى المائدة فكتب إلى السير نيفلي تلك الرسالة التي فتحتها فاندا واطلعت على فحواها، ~~كما تقدم، وعاد إلى ميلادي فقالت له: لقد قلت لي إنك تعرف السبب في حرماني من أن أرى ~~ولدي. ~~- ولكني أستمهلك في إيضاح السبب إلى الغد فربما غنيت عن ذلك بعد مقابلة السير نيفلي. # فلم تجد ميلادي سبيلا إلا الإلحاح، وفي المساء ذهب فرانز إلى نادي أسبرج وبعد حين جاءه ~~الخادم برقعة زيارة السير جمس، فاستقبله في القاعة المعدة لاستقبال الغرباء. # وبعد أن تبادلا الإشارات السرية وتعارفا، قال السير جمس: إني حامل أوامر علي رمجاه. # فانحنى فرانز وقال: بماذا يأمر الرئيس؟ # إنه يأذن لميلادي أن ترى ولدها. # فإن هذا الرئيس الأعظم سيتخلى عن الرئاسة؛ لأنه يتولاها منذ خمسة وعشرين عاما ولا يجيز ~~نظام الخناقين تولي رئيس واحد أكثر من ربع قرن، وأنا أقول لك هذا القول مقدمة للبحث في ثروة مس ~~ألن؛ فإن نصف إيراد هذه الثروة كان يدفع حتى اليوم إلى الخزينة الهندية، ولكن علي رمجاه متى ~~تخلى عن السلطة يضطر إلى التصفية. # قال فرانز: ماذا تريد بذلك؟ ~~- أريد أنه يجب ms1441 عليه أن يدفع للخزينة أصل المال وليس الإيراد. ~~- إن مس ألن لا تخالف لعلي رمجاه أمرا. ~~- هو ما يرجوه، ولكني أعد نبأ آخر إلى مس ألن وهو أن رئيس جمعيتنا الأعظم يجب عليه أن يكون ~~عازبا مدة توليه الرئاسة ولكنه يحق له الزواج متى تخلى عنها ولا يزال علي رمجاه يهوى ميلادي ~~ويحب ولدها؛ لأنه ولده أيضا. # فاضطرب فرانز وقال: ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أن علي رمجاه قادم إلى أوروبا وهو يريد أن يتزوج ميلادي. # فارتعد فرانز وقال: هذا إذا رضيت ميلادي؟ ~~- إن هذا شأنها وليس شأني، ولكن لا بد لي من أن أطلعك على أمر وهو أن ميلادي وإن تكن قد ~~دفعت نصف مالها إلى الخناقين مقابل قتل أبيها؛ فإنها لا تزال تحتاج إلى هذه الطائفة لصيانة ~~النصف الآخر؛ لأن الفتاة النورية أي جيبسي لا تزال في قيد الحياة وهي تستطيع مطالبتها بهذه ~~الثروة كل حين. ~~- إني أعلم أنكم تكلفتم بجيبسي. ~~- ولكنها أفلتت من أيدينا وغادرت إنكلترا إلى باريس. ~~- أجاءت وحدها؟ ~~- كلا، بل مع رجل يحبها ويحميها وقد يمكن أن ينتقم لها؛ لأنه رجل شديد. فاضطرب فرانز ~~اضطرابا عظيما وقال: يجب أن تموت هذه الفتاة. # وأنا ما أتيتك إلا لمثل هذا. # 22 # وافترق السير جمس نيفلي عن فرانز في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ولكنه لم يعد إلى ~~منزله إلا حين شروق الفجر، وقد عاد إليه مع الهنديين اللذين تقدم ذكرهما في حديث فاندا، ~~فأقام معهما ساعة ثم صرفهما ونام نوما هادئا إلى الظهر، بينما كانت فاندا مع ~~روكامبول. # ولما صحا أحضر له الخادم رسالة ففضها وقرأ ما يأتي: # إن رجلا عاش زمنا طويلا في لندرا يسأل السير نيفلي أن يقابله؛ لأنه يستطيع أن يخدمه ~~خدمات جليلة. # ولم يكن السير نيفلي في ظروفه الحاضرة وورد مثل هذه الرسالة لمزقها دون أن يجيب عليها، غير ~~أن الهنديين أبلغاه أنهما يئسا من لقاء جيبسي فأمل خيرا بصاحب هذه الرسالة وأمر الخادم أن ~~يدخله إليه. # وبعد هنيهة دخل الخادم بالرجل، ونظر السير ms1442 نيفلي هذا الزائر فرأى عليه ملامح نبلاء ~~الإنكليز، وما شكك لحظة أنه منهم، أما الرجل فإنه حياه وفاجأه بقوله: أيها الميلورد، إني أعرف ~~أين هي جيبسي. # ولو فوجئ السير نيفلي بدوي مدفع لما بغت كما بغت بقول هذا الرجل، وقال في نفسه: هب أن هذا ~~الرجل عرف أين تقيم جيبسي؛ فكيف عرف أني أهتم لها؟! # أما الرجل فإنه كان يتوقع منه مثل هذا الانذهال، فوضع إصبعه على شفتيه وقال له: أيوجد لديك ~~غرفة معتزلة إذا خلونا بها لا يسمع حديثنا أحد؟ ~~- لا يوجد في المنزل غير امرأة لا تعرف الإنكليزية وأنا واثق منها كل الثقة. # فابتسم الرجل وقال: إذا كان الحذر واجبا فإنما هو من هذه المرأة. # وارتعش السير وقال: أوضح لي ما تقول ... # فاستأذن الرجل السير نيفلي وأغلق الباب ثم عاد إليه قائلا: أيها الميلورد، إننا لسنا الآن ~~في لندرا، وإذا كان لديك في باريس عصابة من الخناقين فليست هي الآن في هذا المنزل، وإذا خطر لك ~~أن تستعمل العنف لا تجد من يعينك؛ لذلك أقول لك: إنك إذا خفت أو حملتني على الانصراف تفقد خير ~~فرصة تعينك على إيجاد جيبسي والاستئثار بثروتها التي قد تطالب بها يوما من الأيام، فاصغ إلى ~~حديثي ولا تلمني إذا حذرت من تلك المرأة التي تثق بها. # ولم يسع السير نيفلي بعد ما رآه من هذا الشخص الواقف على داخل أسراره إلا الإذعان له فقال: ~~إننا في الدور الثاني من هذا المنزل والمرأة التي تخشاها مقيمة في الدور الأول، ولا سبيل لها ~~إلى سماع حديثنا. ~~- إذن اصغ؛ فإني أبدأ بذكر شيء عن أمورك فإنك تدعى في لندرا السير جمس نيفلي، وأنت زعيم ~~جمعية الخناقين، وقد خلفت بهذه الزعامة السير جورج ستوي؛ لعدم كفائته، ثم إنك أتيت باريس ~~لسببين؛ أحدهما: لخدمة الجمعية التي تمثلها، والثاني: غرامك بهذه المرأة المقيمة في ~~منزلك. # وإن هذه المرأة تدعى فاندا، وقد أخبرتك عنها أن عاشقها تخلى عنها واختطف فتاة نورية تدعى ~~جيبسي، وأنت آت إلى باريس؛ كي تنتقم ms1443 لفاندا من عاشقها القديم؛ لأنها لا تحبك إلا على هذا ~~الشرط، وكي تظفر بجيبسي، ولذلك أحضرت اثنين من الهنود؛ كي يبحثا عن الصبية وعن خاطفها، وخابت ~~مساعيهما ومساعيك؛ لأن هذا الشخص أعظم من الهنود، وقد طالما عجز عنه بوليس باريس. # فاندهش السير نيفلي وقال: من هو هذا الرجل؟! ~~- هو رجل يدعى روكامبول كان من كبار المجرمين، ثم تاب توبة صادقة، أتريد أن أقص عليك ~~بإيجاز؟ ~~- نعم ... # فحكى له حكايته وكيف هرب من سجن طولون وما جرى له البارون مورليكس. # حتى إذا فرغ من حكايته قال له السير نيفلي: ~~- أهو الذي اختطف جيبسي؟ ~~- نعم ... ~~- ألعله يهواها؟ ~~- كلا، ولكنه يهوى تلك المرأة التي تهواها أنت. ~~- كيف يكون ذلك وهو قد هجرها شر هجران؟! ~~- إني يا حضرة الميلورد أدعى تيميلون، وقد عرفت روكامبول وفاندا حق العرفان وهما يسخران بك، ~~وفي كل يوم. # فاضطرب السير نيفلي وقال: إن هذا محال! ~~- بل هو الحقيقة وقد اجتمعا في صباح اليوم. # فضحك جمس ضحكة مرة ثم قال: إذا كان حقا ما تقول فإنها موتا تموت. # وجعل يخطو في أرض الغرفة خطوات مضطربة وآثار الغضب الوحشي بادية بين عينيه، ثم وقف أمام ~~تيميلون وقال له: إني لا أعلم من أنت، ولكن اصغ إلى ما أقول، فاعلم أنه إذا كان ما تقوله حقا؛ ~~فإن هذه المرأة تموت، وأما إذا كنت كاذبا فأنت الذي تموت دونها. # فابتسم تيميلون وقال: إني أرجو أن أعيش بعدها عمرا طويلا، ثم أرجوك أن تعلم يا سيدي أني ~~ما أتيت إليك كي أخبرك فقط بما ينذرك من الأخطار. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- أن أتفق وإياك، فقد قلت لك: إني أعرف أين جيبسي، وأنا أستطيع أن أسلمها لك، وأن أثبت أن ~~روكامبول وفاندا لا يزالان متعاشقين يتراسلان ويهزأون بك. ~~- إذن أنت قادم لتبيعني هذه الأسرار؟ ~~- إن الانتقام فوق المال . # ثم اتقدت عيناه ببارق من الغضب وقال: إن روكامبول قتل ابنتي. ~~- إذن أنت تريد الانتقام؟ ~~- اصغ إلي يا حضرة الميلورد، إني شديد الفقر، ومع ذلك فإني لا أسألك ms1444 من المال إلا قدر ما ~~أحتاج إليه من النفقة؛ لإنفاذ مشروعنا، فإذا سلمت إليك جيبسي وعلقت روكامبول على المشنقة وأحببت ~~أن تنعم علي بشيء من المال أسد به عوزي كنت لك من الشاكرين. # وكان السير نيفلي قد تمرس بالآفات ودرس أخلاق الأمم وعلم أن عاطفة الانتقام، أشد العواطف ~~الإنسانية، فوثق مما قاله تيميلون وقال له: لقد صدقتك. ~~- إذن نحن على اتفاق وأنت راض أن أخدمك؟ ~~- نعم ... ولكني أريد قبل كل شيء، أن تبرهن لي على اتفاق روكامبول وفاندا. ~~- هو ذاك، وسأبرهن لك عن ذلك في منتصف هذه الليلة. ~~- إذن؛ فإن فاندا تموت. ~~- كلما عجلت بموتها أحسنت؛ فإنها أعظم مساعد لهذا العدو الشديد الذي يدعونه روكامبول، ولا ~~بد لي قبل انصرافي من أن أنبهك إلى أمر يا سيدي الميلورد، وهو أني عندما كانت ابنتي في قيد ~~الحياة لم أكن أخشى إلا روكامبول، أما الآن؛ فإن روكامبول لا يخشى سواي، ولهذا أحذرك من أن تذكر ~~اسمي أمام أحد من الناس، فإذا وصل إليه خسرنا كل شيء. ~~- كن مطمئنا؛ فقد نسيت اسمك. ~~- هذا جل ما أتمناه ... # ثم ودعه وانصرف. # أما فاندا فإنها لم تر تيميلون حين دخوله وانصرافه، وأما السير نيفلي فإنه بعد انصراف ~~تيميلون، الذي أرسلته الأقدار لنصرته، أبلغ فاندا أنه منحرف الصحة فلا يتعشى هذه الليلة ولكنه ~~يتناول معها الشاي في الساعة التاسعة، وأقام في غرفته وهو يحاول إخفاء اضطرابه؛ كي يتمكن من ~~الاجتماع بها دون أن تظن به ظنون السوء. # وكذلك فاندا فقد كانت أيضا شديدة الاهتمام بالأوامر التي أصدرها إليها روكامبول وهي «أن ~~السير نيفلي يثقل علينا فإذا شرب هذا الرشاش ضعي مصباحا على النافذة المشرفة على الحديقة وعلي ~~الباقي.» # وكان لفاندا ثقة عظيمة بروكامبول ولكنها كانت تقول في نفسها، كيف يستطيع اختطاف السير نيفلي ~~من شارع الشانزليزيه؟! وماذا يريد أن يصنع به؟! وكيف أمهد له سبل هذا الاختطاف؟! # وبعد أن أمعنت في التفكير أبعدت جميع الخدم بطرق مختلفة؛ كي يخلو الجو لروكامبول، وبعد حين ~~جاءها السير نيفلي وكانت ms1445 فاندا قد أعدت الشاي ووضعت في كأس السير نيفلي ذلك الرشاش الذي أخذته ~~من روكامبول. # وكان السير نيفلي قد آلى على نفسه أن يقتل فاندا إذا ثبت له ما قاله عنها تيميلون، ولكنه ~~آلى على نفسه أيضا أن يحتفظ بمظاهر السكينة إلى أن يأتيه تيميلون بالبرهان. فدنا من فاندا فقبل ~~يدها حسب عادته، ثم جلس حول مائدة الشاي فقالت له: أتريد كأسا من الشاي؟ ~~- دون شك. # فأخذت الإبريق وصبت في كأسه وكأسها وهو ينظر إليها نظرات تدل على مبلغ افتنانه بها، في حين ~~أن العواصف كانت ثائرة في قلبه ولم يرها مرة أجمل مما كانت عليه في هذه الساعة، فثارت الغيرة في ~~فؤاده ونسي ما عقد النية عليه من التزام السكينة فنظر إليها قبل أن يشرب جرعة من الشاي وقال لها ~~بلهجة المتهكم: كيف حال صديقك روكامبول؟ # فاضطربت فاندا بالرغم من دهائها لهذه المباغتة وبدت عليها ملامح الذعر بشكل ظاهر، فلم يعد ~~السير نيفلي محتاجا إلى برهان تيميلون؛ إذ قرأ خيانتها بين عينيها فاستل خنجره وهجم عليها وهو ~~يقول: أيتها الخائنة، إنك خدعتيني فاستعدي للموت. # 23 # ورأت فاندا أنه لم يعد لها مناص وأن خنجر جمس سيخترق قلبها فلا ينقذها غير الصدفة والاتفاق، ~~ولكنها عاشت زمنا طويلا مع روكامبول فتعلمت الحيلة في مثل هذه المواقف، واستعانت على عدوها ~~بدهائها، فوثبت إلى آخر الغرفة وسقط الرداء عن منكبيها فظهر من تحته كتفاها ونصف صدرها، فوقفت ~~يد السير جمس وتراجع وهو ينظر مبهوتا إلى جمال هذا الصدر الذي لم يره قبل الآن، ثم ضحك، وقد ~~هاجت به العواطف الوحشية وقال: إنك ستموتين دون شك ولكني أحب أن يكون انتقامي تاما ... ولم يتم ~~كلامه. # فتنفست فاندا الصعداء، وعلمت أن الوقت لا يزال لديها فسيحا بما رأته من ظواهر افتتانه بها، ~~وركعت وقالت: ماذا يهمني الموت والعار إذا كنت تنقذ ولدي؟ # فاندهش السير جمس وقال: ولدك؟! ألعل لك ولدا؟! # فضحكت فاندا ضحك القانطين وقالت: أتحسب أنه لو لم يكن لي ولد في قبضة روكامبول ms1446 أكنت أطيع ~~مثل هذا الشقي السافل؟ # ثم كشفت صدرها وقالت له بلهجة المتوسل: افعل بي ما تشاء ثم اقتلني بعد ذلك؛ فقد استحقيت ~~القتل، ولا أبالي بالموت، ولكن عدني أنك تنقذ ولدي من قبضة روكامبول. # فانقلب السير جمس انقلابا غريبا، حتى إن يده سقطت إلى ركبته وهي لا تزال مسلحة بالخنجر، ~~فوقفت فاندا وقالت له: إذا أبيت أن تجيب طلبي وتعدني هذا الوعد فإني أنجو من قبضتك بالموت، ثم ~~أدنت من فمها خاتما كان بإصبعها؛ فخدع السير جمس بهذه المظاهرة وحسب أنه يوجد في خاتمها سم ~~يقتل في الحال، وهو لم يكن يريد قتل فاندا فقط ... # فعاد إلى المائدة وجلس أمام كأس الشاي المعد لذلك فقال لها: إذن لك ولد كما تقولين؟ ~~- نعم. ~~- أتحبينه؟ ~~- وأية أم لا تحب ولدها؟ # قال: أتقولين إنه في قبضة روكامبول، وإنك تخافين أن يقتل هذا الولد؟ # وكان يسألها هذه الأسئلة وعيناه تنظران إلى كتفيها العاريتين وصدرها الجميل فيتزايد هياجه ~~بالتدريج، وهي تنظر إليه نظرات توسل تفتن الجماد، فثار في فؤاده جمر ذلك الحب الشائن، ونوى على ~~إجابتها إلى سؤالها وإدراك سؤاله منها ثم قتلها. # فقال: تكلمي بإيجاز، ماذا تريدين أن أصنع بولدك؟ # فعلمت فاندا أنه قد حكم عليها بالموت، وحاولت أن تطيل الوقت راجية أن تجد منفذا للخلاص ~~فقالت: أريد أن تنقذ ولدي فعدني وعد الصادقين. ~~- إني أعدك بذلك ولكني أريد أن أعلم أين هو؟ ~~- ليس من يعلم مقره غير روكامبول. ~~- وروكامبول أين يقيم؟ ~~- في شارع سانت لازار نمرة 28. ~~- أهذا كل ما تطلبينه إلي؟ # فنظرت إليه نظرة ساحرة وقالت: نعم. # ولكن السير نيفلي لم يكن من الذين تلين قلوبهم هذه النظرات فقال لها: إننا الآن وحدنا في ~~هذا المنزل؛ فإن جميع الخدم قد ذهبوا والمطر ينهمر في الخارج؛ فلا يسمع أحد صراخك، فاعلمي أنه ~~يجب أن تطيعيني ... وتموتي . # ثم أخذ الخنجر وحاول أن يهجم عليها فقالت له: دعني أصلي وأستغفر الله قبل أن تقتلني. # وعادت إلى الركوع. ~~- إنك تؤمنين بالآلهة وتعتقدين بالخلود؟! إذن صلي ولكن ms1447 أسرعي بالصلاة. # ثم أخذ كأس الشاي كأنه يريد أن يشغل نفسه كي لا يطول انتظاره، وشرب ما فيه. # وبعد ذلك هجم بخنجره على فاندا فصاحت صيحة يأس فألقى خنجره على المائدة وأوقفها وضمها إلى ~~صدره وجعل يقبلها، ويقول: إني أحبك وأبغضك في حين واحد. # غير أن فاندا هبت لها قوة من السماء فتخلصت منه وصدمته صدمة قوية وأسرعت إلى المائدة فقبضت ~~على الخنجر، وقالت له: إذا دنوت خطوة فأنت من الهالكين. # وضحك السير نيفلي وقال: أتحسبين أن الخناقين يخشون خنجر امرأة؟! # ثم تراجع إلى الوراء وأخرج من جيبه ذلك الحبل الذي اشتهر باستعماله الخناقون، وخافت فاندا ~~خوفا شديدا وأيقنت أنها مائتة لا محالة، وأما السير نيفلي فإنه أطلق الحبل فالتف على عنق ~~فاندا فأطبقت عينيها وتأهبت للموت وهي تذكر همسا اسم روكامبول. # على أنها شعرت أن الحبل لم يضغط على عنقها، ففتحت عينيها ورأت السير نيفلي واقفا وقوف ~~الصنم وقد اصفر وجهه اصفرار الأموات، وهو يتمتم كلمات لا معنى لها ... # ثم أن أنينا مزعجا ووهت رجلاه وحاول أن يشد الحبل؛ كي يضغط على عنق فاندا، ولكن الحبل ~~أفلت من يده وانقلب على الأرض صريعا؛ بفعل ذلك المخدر الذي وضعته له فاندا في كأس ~~الشاي. # ثم انطبقت عيناه وأخذ جسمه يهتز ويتشنج كأنه في حالة النزع، ولم يكن غير دقيقة حتى سكن جسمه ~~وأصبح شبيها بالأموات. # وتنهدت فاندا تنهد المنفرج بعد اليأس، وبقيت بضع دقائق مضطربة لا تعمل شيئا غير النظر إلى ~~هذا الرجل الذي كاد يقتلها، ثم ذكرت روكامبول وذكرت معه الواجب، وقامت إلى المصباح وأخذته عن ~~المائدة ووضعته على النافذة حسب الاتفاق، فرأت رجلا يمشي في الحديقة ثم رأت رجلا آخر، فعلمت ~~أنهما روكامبول وميلون. # وبعد هنيهة دخل روكامبول إلى الغرفة وسألها: أقضي الأمر؟ # أجابته بلهجة المضطرب: نعم، وها هو ملقى على الأرض. # ونظر إليه روكامبول ثم نظر إلى فاندا، ورأى الحبل لا يزال في عنقها، فذعر وقال: ما ~~هذا؟ ~~- لولا دقيقة واحدة لكنت من الأموات. # ثم قصت عليه ms1448 جميع ما حدث لها معه، فقال لها: لا بأس، إنك لا تخشينه ~~بعد الآن ... ~~- ألعله مات؟ ~~- كلا ... ولكنه في نفس الحالة التي كانت فيها أنطوانيت حين أخرجناها من سجن سانت لازار، إذا ~~كنت تذكرين، لو كنت في الزمن القديم لكنت قتلته دون إشفاق، أما الآن فقد آليت على نفسي أن لا ~~أسفك دما بشريا إلا حين أضطر الدفاع عن نفسي. ~~- إذن على ماذا عولت؟ وماذا تصنع به؟ ~~- سأسجنه في قبو منزل الخمار الذي تقيم فيه جيبسي إلى أن أسترجع ملايين جيبسي، وأخدره مرة ~~ثانية، وأضعه في صندوق وأشحنه إلى لندرا بعنوان أحد الخناقين كما تشحن البضائع. # ثم التفت إلى ميلون وقال له: أتسمع حركة؟ ~~- لا ... # وقالت فاندا: لا يوجد سوانا في المنزل فإني صرفت الخدم لهذا الغرض. ~~- أحسنت ... # ثم أمر ميلون أن يحمل السير جمس وينتظره عند باب الحديقة، فحمله ميلون وخرج به ~~ممتثلا. # وعاد روكامبول إلى فاندا وقال لها: أستودعك الله وسنتقابل غدا. ~~- كيف ذلك أتتركني وحدي في هذا المنزل؟! ~~- نعم، إذ يجب أن تبقي فيه ولا خطر عليك ... ~~- لماذا؟ ~~- ألم أقص عليك قصة المس ألن؟ إذن اعلمي أن علي رمجاه رئيس الخناقين الأعظم في الهند تجدد ~~غرامه بميلادي بعد أن هجرها عشرون عاما، وهو يريد أن يتزوجها، غير أن ميلادي تأبى هذا الزواج؛ ~~لأنها استرسلت في هوى فرانز، الذي يدعو نفسه الماجور هوف ... # وهي ستحضر غدا إلى هذا المنزل؛ كي ترى فيه السير جمس وهي لا تعرفه من قبل ولكنها تعرف أنه ~~نائب علي رمجاه، وغرضها من هذه المقابلة أن يحمل علي رمجاه على الرجوع عن قصده من زواجها، وأريد ~~أن تبقي في هذا المنزل كي تستقبليها. ~~- وأنت أين تكون؟ ~~- أكون معك دون شك، وسأحضر إليك قبل الساعة الثامنة صباحا. # ثم ودعها وقبل جبينها وخرج. # ووقفت فاندا في النافذة تشيعه بالنظر ، حتى توارى عن نظرها مع ميلون، وعادت إلى الغرفة ~~وتنهدت تنهدا طويلا قائلة: لقد سلمت الليلة من أشد الأخطار ... # ولم تكد تتم كلامها حتى سمعت صوتا من ms1449 ورائها يقول: إذا سلمت في المرة الأولى فلا تسلمين في ~~الثانية. # والتفتت منذعرة، فرأت رجلا وامرأة واقفين دون حركة على عتبة الباب، أما الرجل فكان ~~تيميلون، وأما المرأة فكانت شيفيوت التي جرحتها فاندا بالرصاص حين أنقذت أنطوانيت من ~~مخالبها. # وعرفتها فاندا للحال، وصاحت مستغيثة صيحة منكرة غير أن صياحها لم يبلغ إلى روكامبول؛ لأنه ~~كان قد خرج من الحديقة. # 24 # أما روكامبول فإنه سار في أثر ميلون، وكان ميلون حاملا السير جمس على كتفيه، وألقوه في ~~مركبة كانت تنتظرهم بقيادة نويل، فصعد إليها روكامبول وميلون ووضعا السير نيفلي بينهما، وأمر ~~روكامبول نويل أن يسير بهم إلى منزل الخمار، الذي تقيم فيه جيبسي. # وسارت المركبة بهم تقطع الأرض نهبا حتى وصلت إلى منزل الخمار، وأخرجوا السير نيفلي ووضعوه ~~في إحدى الغرف مؤقتا، ودخل روكامبول مع الخمار إلى أقبية المنزل يتفقدها، ورأى بينها قبوا تحت ~~قبو آخر له باب سري على سطح أرض القبو الذي فوقه، لا يظهر له أثر، واختار روكامبول هذا القبو ~~بعد أن فحصه فحصا دقيقا، وأمر ميلون فأنزل السير نيفلي إليه ثم أقفل بابه وقال: إن هذا الرجل ~~سيصحو بعد يومين وسترى إذا كان يبقى له شهية للطعام حين يستفيق. # ثم خرج إلى الشارع وتبعه ميلون، وكان نويل لا يزال ينتظر في المركبة وسأله ميلون: أأذهب معك ~~أيها الرئيس؟ ~~- كلا، ابق هنا، وغدا لا تنس موعدنا في الساعة التاسعة. # وركب روكامبول المركبة قائلا لنويل: سر بي إلى الجران أوتيل. # وبعد ذلك بربع ساعة وقفت المركبة أمام باب الفندق، وهناك قهوة خاصة بالفندق، ولم يدخل ~~روكامبول إليه بل دخل إلى القهوة؛ حيث رأى فرانز وميلادي جالسين حول مائدة، يشربان الشاي وهما ~~منهمكان انهماكا عظيما، بمحادثة يظهر أنها كانت خطيرة جدا، حتى إنهما لم ينتبها إليه حين ~~دخوله، ولكنهما لو رأياه لما عرفاه؛ لأنه كان متنكرا بزي الإنكليز. # وجلس روكامبول قرب مائدة مجاورة لمائدتهما، وطلب إلى الخادم أن يأتيه بكأس شراب وبجريدة ~~التيمس، ولما جاءه بالجريدة أدناها من وجهه حيث ms1450 لم يعد أحد يراه، وجعل يوهم أنه يقرأ وهو في ~~الحقيقة يسمع حديث فرانز وميلادي ولم يفته منه حرف. # وكانت ميلادي تقول لفرانز: ما أجمل ولدي لوسيان فإني ما كنت أحسب أنه جميل إلى هذا الحد، ~~فإنه أبيض البشرة مثلي ولكنه حاد النظر براق العينين كأبيه. # ورد فرانز: بالله لا تذكري اسم أبيه؛ لأني شديد الغيرة عليك منه. # وهزت ميلادي كتفيها إشارة إلى عدم اكتراثها بعلي رمجاه. # وتابع فرانز: لا تحاولي الإنكار؛ فإنك لا تزالين تحبينه. # وضحكت ميلادي ضحكا أزال من فؤاده كل شك وقال لها: إن الغيرة بقدر الحب. ~~- كن مطمئنا؛ فإني لا أنكر أني أحببت علي رمجاه أصدق حب، غير أنه هجرني وتخلى عني ~~فتناسيت حبه حتى نسيته، ولو لم يكن والد ابني لما ذكرته بلسان، وكفى أنه هجرني 20 عاما، ولما ~~فرغ من شئونه السياسية قال في نفسه: إن لي ولدا وامرأة في أوروبا فلأذهب إليهما. # والآن اعلم أني أحتقرك، وعندما أذكر أني من النبيلات أذكر أيضا أنك كنت خادما في منزل ~~أبي، ولكن الجريمة جعلتنا متساويين، وأنا أحتقرك وأحبك في حين واحد؛ لأنك ألفتني دهرا طويلا ~~فتمكن هواك مني وجرى حبك في عروقي مجرى دمي وفي مفاصلي؛ لأن يدي سفكت دم أبي وأنت كنت تقبل هذه ~~اليد، إذن لا تغار علي بعد الآن لأني لا أحب علي رمجاه. ~~- لا ريب عندي فيما تقولين، ولكن علي قد يكون باقيا على حبك، فلو خطر له أن يتخذك زوجة ~~شرعية فماذا تفعلين؟ ~~- ماذا تظن؟ أأتزوجه؟! ~~- ربما. # فابتسمت ابتسام الأبالسة وقالت: اصغ إلي يا فرانز، إن علي رمجاه لا يزال الرئيس الأعظم ~~للخناقين ولديه جيش من أولئك الجنود السريين يستطيع أن يفعل بمساعدتهم ما يشاء، ولكنه سيتخلى عن ~~هذه السلطة كما يقال، فإذا بقيت له فلا بد له من البقاء في الهند فلا نخشاه، وإذا تخلى عنها ~~وحضر إلى أوروبا لا يبقى له شيء من وسائل النفوذ السرية، ويصبح رجلا عاديا كسائر الأشخاص، ~~فكيف نخشاه؟ ~~- لكنه إذا عاد وطلب الاقتران ms1451 بك، أترفضين؟ ~~- كلا، بل أقبل. # فامتعض وجه فرانز وقال: كيف ذلك؟! ~~- إني أقبل كي يكون لولدي والد معروف، وأما البقية فهي عليك؛ لأنك ذكي الفؤاد، وإذا عاد علي ~~رمجاه إلى أوروبا يكون خاليا من كل سلطة كما تقدم؛ إذ يكون قد اعتزل رئاسة الخناقين، وإذا كان ~~الخنجر لا يخترق صدره؛ فإن السم يمزق أحشاءه. # وعقب هذا الحديث سكوت قصير دل على الرضى، ثم عاد فرانز إلى الحديث قائلا: على ماذا ~~عولت؟ ~~- على أن أرى نائب علي رمجاه. ~~- وماذا تقولين له؟ ~~- أقول له: إني مستعدة لاستقبال علي رمجاه للامتثال لما يريد، لكني أشترط شرطا واحدا، وهو ~~قتل تلك النورية التي قد تطالبني بثروة أمها؛ أي أختي. ~~- ومتى عزمت على مقابلة السير جمس؟ ~~- غدا. ~~- هل أصحبك إليه؟ ~~- كلا، لأني أذهب إليه وحدي في الساعة العاشرة. # فانحنى فرانز إشارة إلى الامتثال، ثم شرب جرعة من الشاي ونظر إلى ما حواليه، كأنه خشي أن ~~يكون أحدا سمع الحديث، فلم ير أحدا؛ لأن روكامبول كان قد توارى عن الأنظار، وكانت الساعة ~~الأولى بعد منتصف الليل. # بعد ذلك ببضع ساعات؛ أي في الساعة الثامنة من الصباح، ذهب روكامبول إلى منزل السير نيفلي ~~وطرق الباب، ففتح له أحد الخدم فقال له: السير نيفلي في المنزل؟ ~~- كلا يا سيدي. ~~- والسيدة؟ ~~- هي أيضا خارج المنزل. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنها خرجت من المنزل مساء أمس ولم تعد بعد. ~~- في أية ساعة؟ # فاضطرب الخادم وقال: الحق يا سيدي أني لا أعلم شيئا من الحقيقة، كسائر خدم المنزل، لقد ~~أذنوا لنا أمس بالانصراف ولما عدنا في الساعة الثالثة من الصباح، رأينا جميع الأبواب مفتوحة، ~~ولم نر السيد ولا السيدة. # فارتعش روكامبول؛ إذ كان يعلم أنهم لا يجدون السير نيفلي، ولكن اختفاء فاندا لم يخطر له في ~~بال، فدخل إلى المنزل والعرق البارد ينصب من جبينه وقلبه منقبض أشد الانقباض. # 25 # لنعد الآن إلى فاندا، لقد تركناها منذعرة وقد رأت تيميلون وشيفيوت واقفين في الباب بعد ذهاب ~~روكامبول. # وكل من قرأ الأجزاء الماضية يذكر ms1452 ما كان في صدر شيفيوت هذه من الحقد على فاندا حين أطلقت ~~رصاصة على صدرها وأنقذت أنطوانيت من قبضتها، وقد عرف القراء في الجزء السابق أن روكامبول لقيها ~~وهي تحمل تلك الطفلة الموشومة، وهي ابنة ناديا، فضمها إلى حزبه يوم جرد باتير من عصابته، وعهد ~~بالطفلة إليها وإلى صاحبة الخمارة. # فأقامت شيفيوت مع صاحبة الخمارة، بعد سفر روكامبول إلى إنكلترا، ثم وسوس الخناس بين ~~المرأتين فاختصمتا، واضطرت شيفيوت إلى ترك الخمارة والطفلة. # ولم تكن شيفيوت قد خضعت لروكامبول إلا لما تولاها من الرعب، فذهبت في البدء إلى خمارات ~~باريس، وعادت إلى عيشتها السابقة ومشاركة اللصوص إلى أن طاردهم البوليس، فالتجأت معهم إلى ~~الشارع الأميريكي، وهناك لقيت باتير فحكت له ما اتفق لها مع صاحبة الخمارة وحكى لها اتفاقه مع ~~تيميلون وهي واثقة من فوزه، لا سيما بعدما عرفت أن ابنته قد ماتت وبات حرا مطلقا لا يخشى ~~روكامبول. # أما فاندا فإنها لما رأت هذين العدوين الشديدين واقفين بالباب ذعرت ذعرا شديدا، وخطر لها ~~أن تفر منهما وتلقي نفسها من النافذة إلى الحديقة، وأسرعت إلى النافذة، غير أن حبل السير جمس ~~كان لا يزال معلقا في عنقها وطرفه ملقى على الأرض، فأسرع تيمليون ووضع رجله عليه وأسرعت ~~شيفيوت إلى الخنجر الذي تركته فاندا إلى الطاولة. أما تيميلون فإنه أخذ طرف الحبل بيده وشده ~~فضغط على عنق فاندا، واضطرت مكرهة إلى أن تتبعه؛ حذرا من أن تختنق. # وقد حدث جميع ذلك بسرعة عظيمة فقال لها تيميلون: لقد قبضنا عليك هذه المرة ولا سبيل لك إلى ~~النجاة بعد الآن. # ودنت منها شيفيوت وصفعتها صفعة شديدة صاحت لها فاندا صيحة ألم بصوت مختنق، وحاولت شيفيوت ~~أن تخنقها بيديها فحال تيميلون دون قصدها وقال: ارجعي، لا أريد أن تخنقيها. # فاعترضته شيفيوت وقالت: من عساه يكون أولى مني بخنقها ولا يزال أثر رصاصها بصدري؟ ~~- هو ما تقولين، ولكن الوقت لم يحن بعد، وثقي أني لا أدع أحدا يخنقها سواك. # وعند ذلك دخل باتير فقال لهما تيميلون ms1453 بلهجة السيادة: أوثقا يديها وضعا منديلا في فمها كي ~~لا تصيح؛ لأننا سنجتاز مسافة شاسعة قبل الوصول إلى حيث نسير. # وبعد ذلك بربع ساعة كانت فاندا ملقاة في مركبة وهي موثوقة اليدين والرجلين بحراسة شيفيوت ~~وباتير، فركب تيميلون بإزاء السائق وسار بالمركبة إلى جهة الشارع الأميريكي. # ولقد وصفنا هذا الشارع للقراء، وكان من شأنه في ذلك العهد الذي نقص فيه هذه الرواية أنه ~~كان ملجأ أمينا للصوص؛ لأن الجنود طالما طاردتهم في ذلك المكان فكانت تندحر عنهم كل مرة ~~بخسائر؛ لكثرة ما كان فيه من العقبات والدهاليز الخفية التي يلجأون إليها، ولما عجزت الشرطة ~~عنهم تركتهم وشأنهم. # وقد اتفق مرة لتيميلون حين كان بوليسا سريا، أنه اكتشف موضعا في ذلك الشارع لا يعرفه ~~أحد؛ وذلك أن لصا سرق مرة مبلغا كبيرا من المال، فقبضت الحكومة عليه ولكنها لم تعثر ~~بالنقود، فأرسلت إليه تيميلون كي يغريه على الإقرار فاتفق معه على أن ينقذه من السجن، ويقتسم ~~وإياه النقود إذا أرشده إليه، فرضي اللص؛ كي ينقذه كما وعد، فأعطاه مبردا لكسر قيوده، وقال له: ~~إذا أقبل الظلام وكسرت قيدك، أسرع إلى النافذة تجد حبلا معلقا فيها، فتمسك به واخرج من السجن ~~تجدني في انتظارك. # وفي المساء كسر اللص قيده وكان الظلام حالكا والنافذة على علو شاهق فخرج إليها واعتصم ~~بالحبل، فما نزل خطوة حتى انقطع الحبل بدهاء تيميلون فانقلب يهوي إلى الأرض وتحطم ومات وفاز ~~تيميلون وحده بالنقود وبمعرفة ذلك المكان الخفي. # فلما وصلت المركبة التي يقودها تيميلون إلى الشارع الأميريكي سار بها إلى منعطف خفي ~~فأوقفها، ونزل إلى فاندا فحل قيود رجليها وقال لها: يجب أن تسيري معنا الآن إلى حيث نريد وإني ~~لا أريد قتلك لكنك إذا حاولت الهرب قتلتك في الحال دون إشفاق. # فلم تجد فاندا أولى من الامتثال وسارت يخفرها باتير وشيفيوت ويتقدمهم تيميلون ؛ ليرشدهم إلى ~~الطريق. # وساروا نحو ربع ساعة حتى اقتربوا من الآبار، فقال باتير: أعرف بئرا خفية، ألا تريد أن ~~تراها أيها الرئيس؟ # فقال تيميلون: ms1454 إن الآبار التي تعرفها أنت يعرفها سواك، ولا أريد أن يرى أحد هذه الأسيرة ~~الجميلة. ~~- إلى أين إذن نسير؟ ~~- إلى بئر الشيطان. ~~- إنها بئر شهيرة لا يذهب إليها أحد من الناس. ~~- ذلك؛ لأنه لا يوجد بينكم من يعرف مدخلها، أتعرف مدخلها أنت؟ ~~- كلا، ولم أجد أحدا من الرفاق يعرفه. ~~- إذن، اتبعوني؛ لأني أقدم منكم في المهنة وأعرف ما لا تعرفون، وأنت أيتها الحسناء لا تنسي ~~ما قلته لك؛ لأن حياتك موقوفة على إشارة تبدو منك. # وسار بهم تيميلون في طريق مقفرة لا يسلكها أحد من الناس، حتى انتهى إلى سور قديمة تهدم ~~معظمها؛ لتقادم عهدها. # فدخل منها إلى حديقة مهجورة ذلت أغصانها، فسار إلى آخرها ووجد هناك كثيرا من الأحجاب ~~والأدغال بعضها فوق بعض، فالتفت إلى شيفيوت وقال لها: احرصي جيدا على الأسيرة، وأنت يا باتير ~~هلم معي إلى إزاحة هذه الأدغال والحجارة. # فاقترب باتير منه وتعاون الاثنان على إزاحتها؛ فانكشف لهم فم بئر عمقها نحو مترين، فألقى ~~تيميلون نفسه فيها وأخرج من جيبه شمعة وكبريتا فأنار الشمعة وجعل يفتش في البئر ويمر يديه على ~~جدرانها، فكان باتير وشيفيوت ينظران معجبين وفاندا تنظر نظرة الرعب، وقلبها ينذرها بمصاب، وأن ~~هذا الرجل يعد لها عقابا هائلا لا يخطر إلا في بال الأبالسة. # وعثرت يد تيميلون، بالجدار بينما كان يبحث، فرأوا أن ذراعه قد دخلت في الجدار، ثم شاهدوا ~~حجرا ضخما قد سقط وفتح فيه منفذا يكفي لمرور إنسان، فعاد وعليه دلائل الفوز إلى الطرف الأخير ~~من البئر وقال لباتير: هات الأسيرة الآن. # فحمل باتير فاندا بين يديه وأدلاها إلى البئر بالحبل الذي كانت موثوقة به، ولما بلغت إلى ~~البئر قال لها تيميلون: انزلا أنتما الآن. # فنزل باتير وتبعته شيفيوت فرأيا أن ذلك المنفذ الذي فتح في الجدار يؤدي إلى سرداب ~~طويل. # فقال لهما تيميلون: احرصا على الأسيرة الآن. # فقالت له شيفيوت: أتريد أن أخنقها؟ ~~- كلا، لم يحن الوقت بعد. # ثم دخل من المنفذ إلى الدهليز قائلا: اتبعوني. # فدخلت فاندا وتبعتها شيفيوت ms1455 وهي تنهال عليها بأقبح الشتائم، وسار باتير وراءهم فكان ~~تيميلون يتقدمهم وبيده الشمعة، فيضطر إلى الانحناء من حين إلى حين؛ لقلة ارتفاع قبة ~~السرداب. # ثم وقف أمام باب ضخم من الخشب، وكان له قفل كبير مفتاحه فيه، فأدار المفتاح ففتح الباب وهب ~~منه هواء بارد؛ يدل على شدة الرطوبة في هذا المكان. # فدخل تيميلون وتبعه جميعهم، ووجدوا قبوا متسعا لا منفذ منه، وجعلت الجراذين والفيران ~~تتراكض منذعرة بين أرجلهم، فقال تيميلون لفاندا بلهجة المتهكم: أرجو على الأقل أن لا تمل سيدتي ~~في هذه القاعة؛ لأن لها رفاقا فيها! # ثم أشار إشارة إلى باتير فقلب فاندا إلى الأرض، وتعاون مع شيفيوت على تقييد رجليها وتركاها ~~ملقاة على ظهرها، فدنا تيميلون وأخرج الكمامة من فمها وقال: لا بأس من أن تصرخي وتستغيثي فعسى ~~أن ترسل إليك الأقدار من يعينك. # فنظرت فاندا نظرة احتقار وقالت له: إني لم أخف، ولن أخافك، فافعل بي ما تشاء. # فقالت لها شيفيوت: سيكون لك خير غذاء فكلي من هذه الجراذين إلى أن تأكلك. # فاضطربت فاندا وهالها ما سمعته من هذه الشقية فقالت: ليكن ما يريده الله، ولا بد لروكامبول ~~أن يبحث عني ويجدني، والويل لكم أيها الأشقياء. # فقال لها تيميلون: وأنا في انتظار ذلك، أتمنى لك ليلة مباركة. # ثم خرج مع رفيقيه فساد الظلام في القبو وسمعت فاندا صوت قفل الباب وصرير المفتاح، ثم سمعت ~~خطوات أولئك الأشقياء هنيهة، وانقطع بعد ذلك ولم تعد تسمع غير صوت الجرذان. # ولما صعد تيميلون إلى سطح البئر الأول، وضعوا الحجارة والأدغال على بابه كما كانت. # وقالت شيفيوت لتيميلون: لقد أحسنت بهذا الانتقام، غير أني كنت أؤثر أن أخنقها بيدي. ~~- لماذا؟ ~~- لأننا نضمن موتها. ~~- نعم، ولكنها إذا ماتت خنقا تموت دون عذاب. ~~- لقد أصبت أيضا، ولكني أخشى أن يدركها روكامبول. # فضحك تيميلون وقال: وأنا أرجو أن يدركها روكامبول فقد نصبت له الفخ. ~~- أي فخ تعني؟ ~~- فاندا. # ثم سار الثلاثة في سبيلهم دون أن يوضح لها تيميلون مقاصده. # 26 # في صباح اليوم ms1456 التالي؛ أي بعد بضع ساعات من زمن القبض على فاندا والسير جمس، حيث وقع أحدهما ~~في قبضة روكامبول والآخر في قبضة تيميلون، فتح صاحب الخمارة التي يقيم فوقها مرميس وجيبسي ~~خمارته، جاء حمالان يحملان أثاث تيميلون؛ ليضعاه في الغرفة التي استأجرها في منزله بصفة شيخ ~~الخدامين. # وكان تيميلون يسير وراءهما متنكرا، فدخل إلى الخمارة وطلب إلى صاحبها أن يعطيه مفتاح ~~غرفته، فأعطاه المفتاح وقال له: لقد انتظرتك أمس فلم تحضر! # فاعتذر له تيميلون عذرا مقبولا، ثم دعاه إلى أن يشرب كأسا معه فرضي الخمار شاكرا وجلس ~~الاثنان حول مائدة بينما كان الحمالان ينقلان الأثاث إلى الغرفة. # وفيما هما يتحدثان بدرت التفاتة من تيميلون إلى سطح القبو المعد لتخزين الخمر؛ فانتبه وجعل ~~ينظر نظرة المراقب. # والعادة في أيام الشتاء حين تكثر الوحول، أن كل خمارة وتاجر وصاحب قهوة وغيرهم يضع الرمال ~~في أرض دكانه أو مخزنه كي لا يلوثها الداخلون إليها بالوحول فتظهر آثار أقدامهم على تلك ~~الرمال. # وقد استلفت أنظار تيميلون أنه رأى آثار أقدام مختلفة فوق سطح قبو الخمارة ورأى أولا آثار ~~قدمين حافيين فعلم أنهما قدما الخمار نفسه؛ لأنه خلع حذاءه حين النزول إلى القبو، ثم رأى آثار ~~قدمين ضخمين ورأى بينهما آثار حذاء لطيف، فداخلته الظنون وترك الخمارة هنيهة بحجة مراقبة أثاثه ~~وخرج إلى الشارع. # وكانت الوحول لا تزال على حالها في ذلك الشارع من الليلة السابقة؛ لأن الكناسين لم يكونوا ~~قد أزاحوها بعد، ورأى فوق تلك الوحول آثار الأقدام نفسها التي رآها على رمال سطح القبو. # فاقتفاها، ورأى أثر عجلات مركبة وقفت قرب منزل الخمار ولاحظ آثار الأقدام قد احتجبت عند هذه ~~العجلات، فأيقن أن الذين دخلوا إلى القبو هم الذين قدموا بالمركبة. # وعاد تيميلون إلى غرفته وأطلق سراح أحد الحمالين وأعطاه أجرته وبقي الآخر وهو باتير الذي ~~كان متنكرا بملابس حمال، فقال له باتير: إني أنتظر أوامرك. ~~- صبرا لأرى إذا كان الطير لا يزال في القفص. # ثم قام إلى الجدار وأزاح عنه الورق ونظر من ms1457 الثقب الذي ثقبه فيه كما تقدم، فرأى منه أن ~~جيبسي لا تزال نائمة، ورأى قرب سريرها مرميس جالسا حول مائدة عليها كتاب مفتوح وقد وضع رأسه ~~بين يديه وجعل يقرأ في ذلك الكتاب؛ لأنه كان يدرس اللغة الإنكليزية كما أمره روكامبول باعتناء ~~عظيم؛ رجاء أن يتعلمها ويتمكن يوما من محادثة من يحب فيها. # فسأله باتير: ألا يزال في الغرفة؟ # أشار إليه تيميلون إشارة المصادقة، ثم سد الثقب بقطعة من العجين كانت في جيبه وأعاد الورق ~~إلى ما كان عليه وعاد إلى باتير قائلا: إن الطير لا يزال في قفصه ولم يبق علينا إلا إيجاد ~~السير نيفلي. ~~- من يعلم ماذا صنع به روكامبول؟ ~~- أظن أني أعلم؛ لأن روكامبول قد جاء أمس مع ميلون إلى هذا المنزل ودخلا إلى ~~الخمارة. ~~- كيف عرفت ذلك؟! # فضحك تيميلون وقال: إنك أيها الأبله لم تكن إلا لصا، ولكنك لم تخدم البوليس، اصغ إلي الآن ~~تعلم. # ثم ذهب وإياه إلى آخر الغرفة فجلس كل منهما على كرسي، وجعل تيميلون يكلم باتير همسا ~~قائلا: أتذكر أننا حين ذهبنا ليلة أمس إلى منزل السير نيفلي رأينا مركبة واقفة قرب باب ~~الحديقة؟ ~~- نعم. ~~- إن هذه المركبة كانت لروكامبول استخدمها لاختطاف الإنكليزي، ولم نكن نستطيع عند ذلك ~~مقاومته؛ لأنه كان مع رجاله وهو أشد منا، فاكتفينا باختطاف فاندا. # فقال باتير، عند ذكر فاندا: إني لا أزال على رأي شيفيوت بشأن هذه المرأة. ~~- ما هو رأي شيفيوت؟ ~~- أن نقتلها في الحال ونأمن شرها. # فهز تيميلون رأسه وقال: لقد قلت لك إن لي مأربا في الإبقاء عليها، فلا تجادلني. # وأحنى باتير رأسه إشارة إلى الخضوع، وعاد تيميلون إلى حديثه السابق وقال: إن روكامبول ~~اختطف الإنكليزي في مركبة، وقد وجدت آثار عجلات مركبة قرب منزل هذا الخمار، ورأيت في خمارته أثر ~~حذاء ضخم عرفت مساميره في الأرض، وهو حذاء ميلون دون شك الذي كان يحمل الإنكليزي على كتفه، ~~ورأيت بقربه حذاء لطيفا لا شك عندي أن صاحبه روكامبول. ~~- أتظن أنهم جاءوا به إلى هنا؟ ms1458 ~~- بل أؤكد. ~~- إذن، إن الخمار شريك لهم؟ ~~- وهذا لا ريب فيه. ~~- أين تظن أنهم وضعوا الإنكليزي؟ ~~- لم أعلم بعد، وربما وقفت على الحقيقة هذا المساء، اصغ إلي الآن؛ إنه يجب أن تجتمع ~~بشيفيوت. ~~- إنها تنتظرني في زاوية شارع مرتين. ~~- إذن اذهب إليها وسيرا معا إلى بئر الشيطان بالطعام إلى فاندا؛ لأني لا أحب أن تموت ~~جوعا، بل أحب أن تبقى في قيد الحياة لحاجتي إليها الآن، ولا أظن أن الجرذان أكلتها. # وحاول باتير أن يعترضه فقال له تيميلون ببرود: ألا تريد أن تنتقم من روكامبول؟ ~~- أعندك شك في ذلك؟ ~~- إذن اعلم أنك إذا خالفت أقل أمر من أوامري لا أكون مسئولا عن شيء، بل إني أفعل خيرا من ~~هذا؛ وهو أني أعقد الصلح مع روكامبول وأدعك تفعل ما تشاء. # فاضطرب باتير لهذا الإنذار وقال: كفى، مر بما تريد. ~~- تذهب إلى فاندا بسلة من الطعام، ولا تفارقها إلا متى رأيتها اكتفت من الأكل. ~~- أيجب أن أحل وثاق يديها؟ ~~- دون شك، ولكنك تعيد وثاقها متى فرغت من الطعام، ويجب أن تأخذ معك غدارة. ~~- لماذا؟! ~~- لقتل شيفيوت إذا تعرضت لفاندا بشيء من القسوة. ~~- سأمتثل لما تريد. # ففكر تيميلون هنيهة ثم قال لباتير: انظر إلى هذه النافذة، إنها تطل على الشارع، ويجب أن ~~تحضر إليه عند منتصف الليل، فإذا رأيت النافذة مفتوحة اخلع حذاءك واصعد إلى غرفتي وادخل إلي؛ كي ~~نفتش عن الإنكليزي. # فامتثل باتير وانصرف لتنفيذ أوامر تيميلون، أما تيميلون فإنه بقي في غرفته إلى الظهر وهو ~~يراقب راجيا أن يرى روكامبول وميلون فلم يحضر أحد منهما، وفيما هو يحاول الانصراف رأى اثنين من ~~الحمالين يدخلان برميلا ضخما من الخمر إلى قبو الخمارة، والخمار يساعدهم لضخامة البرميل، فعرض ~~تيميلون مساعدته على الرجل فرضيها شاكرا. # وعاونهم حتى أدخلوا البرميل إلى القبو وهو يراقب كل ما يراه، فلما وصل البرميل إلى القبو ~~المظلم أنار الرجل شمعة كي يستنير بها ويضعها موضعه، فاندهش تيميلون؛ لأنه رأى في أرض القبو ~~الموحلة أثر الأقدام الذي رآه في الخمارة ms1459 وفي الشارع! # وبعد ذلك صعدوا جميعهم إلى الخمارة فراقب تيميلون باب القبو وشرب كأسا من الشراب مع الرجل ~~وخرج، فما مشي هنيهة في الشارع حتى رأى ميلون قادما إلى الخمارة فقال في نفسه: إنه قادم للبحث ~~عن فاندا، ثم مضى في شأنه وهو يضحك ضحك الساخر. # وفي الساعة العاشرة من المساء عاد إلى غرفته وأضاء الشمعة وفتح النافذة المطلة على الشارع، ~~وقال: لننتظر الآن إلى أن تقفل الخمارة أبوابها، ويتفرق الناس. # 27 # وأقام تيميلون في منزله ينظر من الغرفة المطلة على الشارع فيراقب المارة ويعود إلى الغرفة ~~المشرفة على الخمارة، فيراقب زبائنها، فكان يسمع أقدام المقيمين في هذا المنزل يصعدون إلى غرفهم ~~للمبيت فيها، وبقي على ذلك إلى منتصف الليل، فرأى صاحب الخمارة أقفل باب خمارته المتصل بالشارع، ~~ودخل من الباب المتصل بالمنزل إلى غرفة له عند مدخل المنزل العام فدخل إليها. # كل ذلك جرى وتيميلون يراقب ما حوله كل المراقبة، حتى إذا انتصف الليل وسمع غطيط النائمين، ~~ذهب إلى النافذة المطلة على الشارع فرأى باتير واقفا ينتظره، فأشار إليه أن يوافيه إلى الباب ~~العمومي، ثم خلع نعليه ونزل ففتح الباب برفق دون أن يسمع له أحد حسا، فدخل الاثنان غرفة ~~تيميلون وجعلا يتحادثان بصوت منخفض، فقال تيميلون: أرأيت الأسيرة؟ ~~- نعم. ~~- ألم تمت ولم تأكلها الجرذان؟ ~~- كلا، لأني لم أر في حياتي أشد منها أعصابا، وأثبت جنانا بين النساء. ~~- كيف ذلك؟! ~~- ألا تعلم أننا أوثقنا يديها ورجليها وألقيناها على الأرض؟ ~~- نعم! ~~- ولكننا رأيناها واقفة، ولا أدري كيف تمكنت من الوقوف؟! ~~- ألعلها قطعت وثاق رجليها؟ ~~- كلا، فقد كانت موثقة كما تركناها، لكن يظهر أنها لقيت عناء شديدا من الجرذان؛ لقد لمحت ~~في خدها أثر العض الموجع ولذلك بذلت جهدها فوقفت وسحقت بعض هذه الجرذان. ~~- أكانت عليها علائم اليأس؟ ~~- كلا، بل كانت هادئة رابطة الجأش، وقد حاولت شيفيوت أن تسيء إليها فمنعتها. ~~- وهل أكلت؟ ~~- بشهية عظيمة! فإني حللت وثاق يديها، ولما انتهت من الطعام أعدت الوثاق فما أبدت ~~مقاومة! ~~- أبدر منها شيء ms1460 يدل على أملها بالنجاة؟ ~~- لم تقل كلمة بهذا الشأن، لكنها هادئة. ~~- سيان عندي كيف كانت، غير أن المهم أن نسرع بالعمل. ~~- أعلمت أين هو الإنكليزي؟ ~~- بالتقريب، هلم بنا. # ثم قام تيميلون إلى خزانة وأخذ منها حبلا وضعه في جيبه وقال لباتير: اعلم أن خطرا عظيما ~~يتهددنا؛ لأن جميع عصابة روكامبول يقيمون في هذا المنزل، وأخصهم من رجال عصابتك القديمة، فإذا ~~شعروا بنا كنا من الهالكين؛ ولذلك يجب الانتباه الشديد ولا سيما حين نزولنا إلى السلم؛ كي لا ~~يشعر بنا الخمار. ~~- سأكون على خير ما تريد، وما زلت أرجو أن أنتقم من روكامبول! ~~- كل آت قريب. # ثم أخذ من خزانته حلقة ضخمة فيها كثير من المفاتيح المختلفة وخرجا من الغرفة إلى السلم، ~~فكان تيميلون يقف عند كل درجة ويصغي فلا يسمع غير غطيط النائمين. # فلما وصلا إلى آخر السلم عطفا إلى قبو الخمار فجعل تيميلون يمر يده على الباب متلمسا قفله ~~حتى عثر به، فقال لرفيقه: إن كسر هذا الباب سهل ولكني أخشى أن ينتبه لصوته النائمين. # ثم أخذ المفاتيح من جيبه يجربها في القفل بصبر عجيب حتى فتح، ودخل إليه مع باتير وأقفل ~~الباب، ثم أضاء شمعته، وجعل يفحص هذا القبو فحصا مدققا فلم يجد أثرا للأسير، فطرق كل موضع في ~~جدرانه عله يجد بابا سريا فلم يجد، ففتح البراميل وأزاحها من موضعها فلم يعثر بشيء، ثم ~~أرجعها إلى ما كانت عليه وجعل يفحص الأرض فرأى عليها آثار الأقدام، واتبعها فرأى أنها انتهت عند ~~منتصف أرض القبو فقال في نفسه: لا بد أن يكون تحت هذا القبو قبو آخر، فأعطى الشمعة لباتير ووضع ~~أذنه على الأرض وأصغى؛ إذ قال في نفسه إن الأسير مهما بالغوا بشد الكمامة على فمه فإنه يستطيع ~~الأنين، لكنه لم يسمع شيئا فعاد إلى تجربة أخرى، وهي أنه جعل يزيل الوحول والأتربة عن المكان ~~الذي انتهت إليه آثار الأقدام فانكشفت له حلقة ضخمة ففرح فرحا عظيما وتعاون مع باتير على رفع ~~الحلقة فارتفع معها باب من ms1461 الخشب كانت مغروسة فيه وانكشف له من تحت هذا الباب بئر عمقها نحو ~~ثلاثة أمتار. # وعند ذلك أخذ الشمعة من باتير وأدناها من فم البئر فرأى جسما ممدودا على الأرض لا حراك ~~فيه فوقف شعر رأسه من الذعر؛ لأنه خشي أن يكون قتيلا، وإذا مات السير جمس ضاعت أمانيه. # غير أنه بقي له شيء من الرجاء، فأخذ الحبل الذي أحضره معه فلف بعضه على وسط باتير وعقده، ~~فقال له باتير: ماذا تصنع؟! ~~- سوف ترى، ثبت قدميك في الأرض. # ثم أمسك الحبل ونزل إلى البئر والشمعة بيده، ورأى السير جمس ممدودا، فلمس جسمه فرآه ~~باردا، فوضع يده على قلبه فوجده ينبض، فأجال نظره في القبو فرأى طاقة مفتوحة تنفذ إلى المزاريب ~~فانتبه للحال وقال: إنهم لم يدعوا هذه النافذة مفتوحة إلا التماسا للهواء كي لا يموت، فهو إذن ~~غير ميت، وإنما قد سقوه مخدرا فأصابه ما أصاب أنطوانيت حين أخرجوها من سجن سانت لازار. # وحاول أن يستوثق من صحة ظنه؛ ففتح فم السير جمس ونظر إلى لثته فوجدها حمراء؛ وذلك يدل على ~~الحياة فقال في نفسه: سنتم البحث في غير هذا المكان والمهم الآن إخراجه من هذا القبو. # وعند ذلك أخذ حبله الطويل فلفه تحت ذراعي السير جمس وعقده ثم تسلق على الحبل حتى بلغ سطح ~~البئر فاستعان بباتير ونشلا السير جمس من البئر. # فلما رآه باتير اضطرب وقال: إنه ميت! وأية فائدة لنا منه؟! ~~- كلا، ولو كانوا يريدون قتله لقتلوه في منزله ولم يتكلفوا عناء نقله إلى هذا ~~المكان. ~~- ولكن جسمه بارد وقلبه ساكن ولا أثر للحياة فيه. # فضحك تيميلون ضحك المشفق وقال: يظهر جليا أنك لا تعرف شيئا من أعمال روكامبول. # فذعر باتير ذعرا شديدا بدت لوائحه على وجهه فقال له تيميلون: ألعلك كنت تحسب مخاصمة ~~روكامبول من الأمور السهلة؟ ~~- كلا، ولكن لم يخطر في بالي أنه يحيي ويميت؟ ~~- بل هو يفعل أكثر من ذلك، فإذا كان الخوف قد تولاك فلا يزال الوقت فسيحا لديك. # فتحمس باتير وقال: كلا، ms1462 إن ثقتي بك أعظم من خوفي منه. # وعند ذلك ركع تيميلون أمام السير جمس وهو يعيد النظر إليه، وكلما حدق في وجهه رأى أن حالته ~~تشبه الحالة التي كانت عليها أنطوانيت فيزداد وثوقا بحياته. # وكان باتير يراقبه، فلما رأى دلائل الرجاء على وجه تيميلون قال له: إذن هو حي؟ ~~- دون شك. ~~- ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- يجب أن نرجع كل شيء إلى ما كان عليه، فإنهم لا بد أن يدخلوا إلى القبو ثم يجب أن تحمل ~~السير جمس إلى غرفتي. # فجعل الاثنان يصلحان البراميل وأعادا باب البئر إلى موضعه وأرجعا الوحول والتراب إلى ما ~~كانت عليه حتى اختفى أثر الباب، فأمر تيميلون باتير بحمل السير جمس فخرجا من القبو وأقفلا بابه ~~وصعدا بجمس إلى غرفة تيميلون، دون أن يشعر بهما أحد. # وبعد أن وضعه فوق سريره قال باتير: إنك تؤكد إنه حي، ولكنه ضائع الرشد دون شك، فكيف يرد ~~إليه الصواب؟! ~~- لا حاجة إلى ذلك فهو يفيق من تلقاء نفسه. ~~- متى؟ ~~- إنه شرب المخدر ليلة أمس وسيستفيق ليلة غد كما جرى لأنطوانيت. ~~- وما يجب أن نصنع من الآن إلى الغد؟ ~~- يجب أن نهتم بروكامبول. # فاتقدت عينا باتير بشرر الحقد، وفتش تيميلون جيوب السير نيفلي فلقي فيها أوراقا مالية تبلغ ~~قيمتها ألف ريال؛ فسر بها وقال: سنحارب بهذا المال روكامبول، ويعجبني من الإنكليز أنهم يدفعون ~~نفقات الحروب، ثم أخذ من هذه الأوراق 300 فرنك دفعها لباتير قائلا: اذهب الآن كما أتيت وسأقفل ~~الباب الخارجي بعد ذهابك، وفي صباح غد تذهب إلى منزلي في شارع بلفرند ثم تقابل البواب وتعطيه ~~هذا المال وتكلفه عني أن يشتري لي برميلا من البارود. # فعجب باتير وقال له: ماذا تريد أن تصنع بالبارود؟! ~~- ستعلم ذلك فيما بعد. ~~- أهذا كل ما تأمرني به؟ ~~- كلا، بل يجب أيضا أن تذهب إلى امرأة عجوز تقيم في شارع فيلديو ولا بد أنك ~~تعرفها. ~~- ما اسمها؟ ~~- فيليبيت. ~~- عرفتها. ~~- إذن أرسلها إلي فإني بحاجة إليها. ~~- ومتى يجب أن أعود؟ ~~- في الليلة القادمة في ms1463 مثل هذه الساعة ... # وانصرف باتير لتنفيذ أوامره وبقي تيميلون وحده أمام السير جمس. # 28 # بينما كان تيميلون منصرفا بكل قواه إلى الانتقام بعد أن ضحى حياته مقدما في سبيله، وبينما ~~كان يعد الوسائل الجهنمية لبلوغه أمانيه كانت فاندا لا تزال سجينة في بئر الشيطان. # وقد علم القراء كيف دخلت إلى هذا السجن، وكيف أن تيميلون أوثق يديها ورجليها، وأمر باتير ~~حين أرسله بالطعام إليها أن يحميها من شيفيوت. # وقد أقامت في تلك البئر يوما وليلة كانا لديها كالأدهار؛ لفرط ما لقيته من الهول في مطاردة ~~الجرذان، غير أنها لم تيأس وكانت تذكر روكامبول في ساعاتها الهائلة فتطمئن نفسها وتقول: أليس هو ~~الذي أنقذ أنطوانيت من سجن لازار فأماتها وأحياها؟ أليس هو الذي أنقذ مدلين من مخالب مورليكس، ~~وقد ذهب للبحث عنها في أقصى سيبيريا؟ أليس هو الذي أنقذ جيبسي من النار وقد وضعها الخناقون على ~~المحرقة؟ إذن هو ينقذني دون شك ولا خوف علي أن يقتلني تيميلون، إذا كان هذا قصده لفعل، وقد يكون ~~مراده أن يميتني جوعا، لكني أستطيع الصبر على الجوع أربعة أيام، ولا بد لروكامبول أن يهتدي إلى ~~سجني في خلال هذه المدة فإنه يبحث عني الآن دون شك؛ لأنه لم يجدني في منزل السير نيفلي. # وكانت قد ألفت الظلمات المكتنفة بها وتلك الجراذين التي كانت تجول بين قدميها، ولم تكن تعلم ~~المسكينة كم مضى عليها من الزمان في تلك البئر؛ لأن الظلام كان سائدا فيها، ولا ينفذ إليها نور ~~النهار. # وفيما هي على ذلك، سمعت عن بعد أصواتا ووقع أقدام، ورأت أشعة من النور تنفذ إلى سجنها ~~من خلال الباب، وجاشت نفسها بالأمل وقالت: ألا يمكن أن يكون روكامبول قادما لإنقاذي؟ ولكن ساء ~~فألها لسوء حظها؛ لأن الباب انفتح ورأت باتير داخلا تصحبه شيفيوت، فقالت في نفسها: لقد دنت ~~الساعة، وما هما قادمان إلا لقتلي، فعولت على الدفاع بأسنانها؛ لأنها كانت موثوقة اليدين ~~والرجلين. # إلا أن باتير طمأنها بقوله: إننا قادمان بطعام العشاء لسيدتي الدوقة. # وقالت ms1464 شيفيوت: تبا لك من شقية! لقد أكرهوني على أن أحضر لك العشاء، وأنا لا أريد إلا أن ~~أمتص دم عروقك. # وأجابتها فاندا بنظرة احتقار، وأخرج باتير مسدسا من جيبه وقال لشيفيوت: إنك تعلمين أوامر ~~الرئيس ولا تضطريني إلى تنفيذها فيك أو أقتلك لا محالة. # وعضت شيفيوت شفتها من القهر وقالت: حسنا ... سأصبر. # أما فاندا فإنها استنتجت من ذلك أن تيميلون لم يحكم بموتها بعد، وبالتالي فهي تستطيع أن ~~تأكل آمنة من أن يكون الطعام مسموما. # وبينما كان باتير يحل وثاق يديها كانت شيفيوت تخرج الأكل من السلة وتضعه أمام المصباح الذي ~~جاءت به، وكانت الجرذان تهرب متبددة حين رأت أشعة النور، وشيفيوت تتهكم على فاندا وتشتمها بأقبح ~~الألفاظ. # وكان هذا الطعام مؤلفا من خبز وجبن ودهن خنزير ونصف زجاجة من النبيذ، وجعلت تأكل بشهية وهي ~~غير مكترثة بما تسمعه من الشتائم وتمكنت من أن تأخذ قطعة من الدهن وتجلس عليها. # ولما انتهت من طعامها أوثق باتير يديها وذهب مع شيفيوت وأقفلا الباب وانصرفا، فعادت الظلمات ~~إلى ما كانت عليه. # غير أن فاندا بينما كانت تأكل والنور أمامها كانت تتظاهر بالاشمئزاز من شتائم شيفيوت وتنظر ~~إلى جدران البئر نظر الفاحص، فرأت أن جدرانه كثيرة الثقوب والحفر، ورأت في أعلى أحد الجدران ~~ثقبا يشبه عش الطيور فخطر لها في الحال خاطر الفرار. # وكان باتير قد أوثقها وأبقاها على ظهرها فوق الأرض، غير أن يديها كانتا مقيدتين وبقيت ~~أصابعها مطلقة دون قيد، فجعلت تبحث بأصابعها في الأرض عن قطعة الدهن التي اقتصدتها من الطعام ~~حتى عثرت بها، وجعلت تمسح بها وثاق يديها حتى أذابتها كلها فوق الوثاق. # وعند ذلك انقلبت على بطنها بحيث أصبحت يداها بارزتين؛ لأنهما كانتا مشدودتين وراء ~~ظهرها. # وكان النور قد زال وانقطعت الأصوات، فعادت الجرذان إلى الطواف حول فاندا ولكنها لم تنتهرها ~~في هذه المرة؛ بغية إرهابها وإبعادها، بل إنها سكتت ولم تتحرك كأنها أصبحت تأنس ~~بالجرذان. # وشم الجرذان رائحة الدهن فأقبلت تلتمسه فوق وثاق يدي فاندا فتلحس الوثاق ms1465 ثم تطلب المزيد ~~فتقرضه بأسنانها الحادة، كل ذلك وفاندا صابرة لا تتحرك والجرذان تلعب فوق ظهرها وتتلهى بقرض ~~الوثاق لما رأت عليه من الدهن. # فلما أحست أن الجرذان قد أكلت كثيرا من الوثاق حتى ضعف تحركت حركة عنيفة، فتفرق الجرذان من ~~حولها ثم شدت الوثاق فقطعته وصارت مطلقة اليدين وعند ذلك حلت بيديها وثاق رجليها، وأصبحت قادرة ~~على استعمال أعضائها وسحق الجرذان برجليها، ولكنها لم تزل أسيرة بسجنها المظلم. # وفيما هي مستندة إلى الجدار تعمل الفكرة في طريقة النجاة، شعرت أن الجرذان تتراكض وعلمت من ~~صياحها أنها منذعرة كأنما فاجأها عدو ولم تكن تتوقع مفاجأته، فرفعت عينيها في إحدى زوايا البئر ~~فرأت نقطتين تنيران كالقبس، فقالت في نفسها: لا شك أنهما عينا هرة وأن الله أرسلها لي معينا ~~على هذه الجرذان. # ولم يطل وقوف هذه الهرة؛ فإن فاندا رأتها وثبت وتلا وثوبها صيحة الجرذان، فدنت فاندا من ~~الهرة وانتهرتها، فهربت وتسلقت مقدار متر من الجدار، ثم وقفت والتفتت فرأت فاندا بريق عينيها، ~~وعرفت الطريق التي سارت فيها، فتقدمت فاندا أيضا فصعدت ووقفت في مركز أعلى فمدت فاندا يديها ~~ومشت إلى الجدار الذي تسلقته الهرة حتى وصلت إليه. # وكانت جدران البئر كثيرة الثقوب، وقد عرفت فاندا ذلك حين كان باتير في البئر؛ فإنها رأت ~~الحفر على ضوء مصباحه. # وقد كانت رأت أيضا شبه كوة في مرتفع الجدار فقالت في نفسها: لا شك أن هذه الكوة منفذ إلى ~~الخارج خفي عن تيميلون وإلا لما نفذت الهرة إلى هذا المكان، فرجح لديها أمل الفرار، فأخذت تتسلق ~~الجدار بصبر عجيب فتبحث بيديها عن الثقوب فإذا ظفرت بها تعلقت بها ثم جعلت تبحث برجليها عن ~~ثقوب أخرى ترتكز عليها، فإذا صعدت واستقرت ترتاح قليلا ثم تعود قليلا إلى البحث عن ثقوب ~~أعلى فتتسلقها وتنشب فيها يديها ورجليها. # كل ذلك والهرة تختفي وتغيب فترشدها ببرق عينيها إلى الطريق. # ولبثت على ذلك نحو ساعة وهي معرضة للسقوط في كل حين، حتى أوشكت أن تبلغ إلى آخر الجدار ms1466 ~~واختفى عنها أثر المنفذ ولكنها شعرت بأنفاس حامية تهب فوق شعرها فعلمت أنها أنفاس الهرة، ~~فزجرتها فهربت وولجت من المنفذ فاهتدت فاندا إليه، ولم يكن غير هنيهة حتى نشبت يديها بأطرافه ~~وأمنت السقوط. # وكانت هذه الكوة كبيرة يستطيع الإنسان أن يمر بها، وهي منفذ دهليز طويل لا يزيد ارتفاعه عن ~~متر، فدخلت فاندا إليه وعللت نفسها بقرب النجاة، فجعلت تزحف على بطنها فيه زحف الأفاعي فلم يطل ~~زحفها حتى رأت نورا خفيفا يتجلى لها، فعلمت أنه نور النهار. # وكان الدهليز كثير التعاريج، فجعلت فاندا تزحف على بطنها حتى رأت عن بعد عشرة أقدام ذلك ~~المنفذ الذي يخرج منه النور؛ ففرحت فرحا لا يوصف، ولم يعد لديها شك بالنجاة لا سيما وقد رأت ~~الدهليز يرتفع سطحه ويتسع كلما دنت من المنفذ؛ بحيث لم تعد في حاجة إلى الزحف، وبلغت ذلك الثقب ~~الذي يخرج منه النور ورأت أنه يشرف على بئر أخرى لا سطح لها؛ لأنها رأت النور يتدفق فيه من ~~جميع الجهات. # غير أن هذا الثقب كان ضيقا جدا يستحيل على الإنسان أن يمر منه مهما كان نحيلا، ففحصته ~~فاندا وصاحت صيحة يأس؛ لأنها رأت أن المنفذ من صنع الطبيعة لا من صنع الإنسان، وهو في صخر ~~أصم لا يفيد في توسيعه غير الآلات، ومن أين تجدها في سجنها الضيق؟ # ولكنها جعلت تنظر من هذا الثقب إلى البئر المشرف عليها فرأت في أرضها كثيرا من الرمال ~~ومصطلى للنار وبعض أخشاب متفرقة وأباريق مكسرة، فاستدلت من ذلك أن بعض اللصوص يلجأون إلى هذه ~~البئر ويبيتون فيها، فقالت في نفسها: إنهم قد يحضرون فأطمعهم بالمال فينقذونني وعند ذلك عاد ~~إليها الرجاء بالنجاة. # ولبثت على ذلك عدة ساعات تستنشق هواء نقيا وهي آمنة من الجرذان، ثم رأت أن النور جعل ~~يضعف بالتدريج فعلمت أن النهار قد انقضى، وبعد حين أقبل الليل وساد الظلام. # وقد خطر لفاندا أن ترجع على أعقابها وتعود إلى البئر التي وضعت فيها؛ حذرا من أن يعود ~~تيميلون ورجاله فيفطنون إليها، ms1467 ولكنها سمعت عند ذلك حركة في البئر التي يشرف عليها المنفذ فعلمت ~~أنها وقع أقدام، ثم رأت شبحا أسود وسمعت صوت امرأة تقول: حبذا لو كان باقيا أثر للنار؛ فإن ~~البرد يقتلني. # ثم رأتها تبحث في الرماد علها تجد نارا مخبوءة فرأت بقية من نار، فنفخت فيها ووضعت فوقها ~~الأخشاب فرأت فاندا على لهيب النار وجه تلك المرأة، وتنهدت تنهد المنفرج بعد اليأس. # 29 # ولنعد الآن إلى تيميلون؛ فلقد تركناه أمام السير نيفلي وهو لا يزال غائبا عن الصواب، وكان ~~تيميلون أمر باتير أن يبحث له عن امرأة تدعى فيليبيت ويرسلها إليه وأن يعود هو نفسه إليه في ~~الليلة القادمة. # كان تيميلون قد وضع السير نيفلي في غرفة داخلية بعيدة عن السلم؛ بحيث لو استيقظ وصرخ لما ~~يتولاه من الاندهاش؛ لا يصل صوته إلى الخارج، ويستطيع تيميلون أن يظهر له كل شيء فاضطر لهذا ~~السبب أن يبقى في المنزل إلى أن يستفيق؛ إذ لو صحا ووجد نفسه منفردا وفي الحالة التي كان عليها ~~فلا بد له من الضجر والخروج من المنزل فينفضح الأمر. # وقد فات تيميلون؛ لانهماكه بالسير نيفلي، أن يأمر باتير بإرسال الطعام إلى فاندا وجلس ~~بالقرب من الإنكليزي يراقبه ويتوقع صحوه من حين إلى حين. # أما فيليبيت التي كان ينتظر قدومها؛ فقد كانت في بدء أمرها من بنات الهوى، فلما دالت دولة ~~جمالها، وانقطعت أسباب رزقها، جعلت ترتزق من السرقة، وقد خدمت تيميلون بإخلاص في كثير من ~~الأغراض. # وفي الساعة العاشرة من الصباح جاءت هذه المرأة إلى تيميلون، فأدخلها إلى المنزل وأقفل بابه، ~~ودار بينهما الحديث الآتي، فقال تيميلون: ماذا تصنعين؟ ~~- لا أزال أعمل بالمهنة التي تعرفها، غير أن البوليس منتشر في كل مكان وقد ضيق علينا سبل ~~الارتزاق. ~~- أين تبيتين في الليل؟ ~~- كنت أبيت في الأسبوع الماضي في الشارع الأميريكي. ~~- والآن؟ ~~- اضطررت إلى المبيت في بئر في ضواحي هذا الشارع؛ لكثرة ما لقيته من مطاردة الجنود، وهذه ~~البئر لم يحضر إليها أحد بعد، وإني أبيت فيها منذ ms1468 ثلاثة أيام وحدي. # فأخذ تيميلون ورقة كبيرة بيضاء ورسم عليها طريق جميع الآبار التي يعرفها، وقال لها: انظري ~~في هذه الخريطة، ودليني على مكان البئر التي تبيتين فيها. # فنظرت إليها نظرا مدققا وأرشدته إلى المكان فانذهل؛ لأنه علم أنها تنام في بئر مجاورة ~~للبئر التي سجن فيها فاندا وقال لها: ألم تجدي في أسفل هذه البئر ثقبا صغيرا تحت صخر ~~أصم؟ ~~- لم ألاحظه. ~~- ولكنك بت فيه ثلاث ليال كما تقولين، ألم تسمعي صوت امرأة تستغيث؟ ~~- كلا! ومن أين تأتي الاستغاثة؟! ~~- من جوف الأرض. ~~- لم أسمع شيئا، وفوق ذلك إني أنام سكرى لا أعي على شيء. ~~- ولكن إن أردت أن نتفق على عمل، أول ما أشترطه عليك أن لا تسكري. ~~- أتريد أن أمتنع عن الشرب مدة طويلة؟ ~~- يومين فقط. # فتنهدت وقالت: كيف أطيق الصبر يومين؟ ~~- متى علمت أنك ستكسبين 200 فرنك. ~~- إذا كان ما تقول فإني أرضى ولا أشرب غير الماء، قل ماذا تريد أن أصنع؟ # عاد تيميلون إلى الخريطة ودلها على المكان المسجونة فيه فاندا، فقال لها: إنك تعلمين هذا ~~المكان، ألم تجدي هنالك سورا أو حديقة مخربة؟ ~~- نعم رأيتهما ودخلت إلى الحديقة أيضا. ~~- ألم تجدي بها بئرا مغطاة بالأغصان والحجارة؟ ~~- نعم نعم، ويخال لي أني أراها من هنا. ~~- إذن اعلمي أن هذه البئر يوجد تحتها بئر أخرى لها باب محكم الأقفال، ولهذه البئر كوة في ~~أعلى جدارها تنفذ إلى سرداب يتصل بالبئر التي تنامين فيها، وإذا بحثت في بئرك تجدين في أرضها ~~ثقبا صغيرا يظهر لك منه السرداب، ولكن هذا الثقب ضيق، لا يمكن لجسم أكبر من جسم الهرة أن يمر ~~منه وهو في صخر أصم، بحيث لو أراد البناءون توسيعه بالآلات لما استطاعوا ذلك إلا بشغل يومين ~~على الأقل. # وقد سجنت في هذه البئر امرأة لا بد أن تسمعي صوت استغاثتها. ~~- وإذا سمعتها تستغيث أيجب أن أسكت؟ ~~- كلا، بل إنك تخرجين من بئرك وتذهبين إلى الحديقة فتزيلين الأدغال وتنزلين إلى البئر التي ~~حبست فيها المرأة، وتجدين بابا قويا ms1469 لا تستطيعين كسر أقفاله. ~~- وأية فائدة من ذهابي إلى هذا الباب؟ ~~- إنك تحاولين كسره ولا تستطيعين، عند ذلك تعلم تلك المرأة الموثوقة اليدين والرجلين أنك ~~تريدين إنقاذها، فتستغيث بك وتعهد إليك قضاء مهمة في شارع سانت لازار. ~~- أأذهب إلى حيث ترسلني؟ ~~- دون شك، لكن يجب أن أراك في الساعة السابعة من صباح غد في زاوية هذا الشارع. ~~- أهذا كل ما تريد؟ ~~- نعم، وبعد أن أراك تذهبين إلى حيث ترسلك المرأة. ~~- ولكنك أنت الذي سجنت هذه المرأة، فكيف تريد أن ينقذها سواك؟ ~~- اذهبي الآن في سبيلك وستعلمين كل شيء. # فامتثلت العجوز وذهبت، فعاد تيميلون إلى غرفة السير نيفلي وهو يقول: سيكون روكامبول غدا في ~~قبضتي. # 30 # وقد عرف القراء الآن أن هذه المرأة التي لقيتها فاندا في البئر لم تكن إلا فيليبيت. # وكانت هذه العجوز قد حافظت على عهدها مع تيميلون فلم تشرب قدحا مدة النهار بطوله، فلما ~~عادت إلى البئر كانت صاحية، وقد ذهبت في البدء إلى البئر التي دخلت منه فاندا، فوقفت عند بابه ~~مدة طويلة فلم تسمع صياحا ولا استغاثة. # فعادت إلى بئرها وجعلت تنفخ النار كما تقدم في حين أن فاندا كانت في الدهليز أمام الثقب ~~المشرف على البئر. # وكانت فاندا تنظرها وهي تنفخ النار من الثقب، ولكنها لم تتبين وجهها؛ لضعف نور اللهب، فبعد ~~أن ترددت هنيهة عزمت على الركون إليها والاستغاثة بها فبدأت بالسعال؛ كي تسترعي سمع العجوز، ~~فسمعت العجوز سعالها وتظاهرت بالانذهال العظيم وقالت: من عسى يوجد في هذا المكان؟! # وأجابتها فاندا من الثقب وقالت: يوجد امرأة تعيسة تكاد تموت من الجوع. # فأخذت العجوز قطعة ملتهبة من الخشب وأدنتها من الثقب ورأت وجه فاندا وقالت لها: من أنت؟! ~~وكيف وصلت إلى هنا؟! ~~- إني أسيرة في هذه البئر وقد برح بي الجوع. # وقد أدركت فيليبيت في الحال أنها أسيرة تيميلون، وأنها تمكنت من حل وثاقها والبلوغ إلى ~~الدهليز ، ولكنها تظاهرت بالانذهال وقالت لها: كيف تمكنت من الدخول إلى الدهليز وهذا الثقب ضيق ~~لا يمكن أن ms1470 يمر به إنسان؟! ~~- إني لم أسجن بهذا الدهليز، بل في بئر تتصل به، وإن في هذه البئر كثيرا من الجرذان فقضمت ~~وثاق يدي، وفككت بعد ذلك وثاق رجلي، وبعد البحث الطويل رأيت منفذا بلغت منه إلى هذا المكان، ~~وكنت أرجو أن أستطيع النجاة، ولكن الثقب ضيق ولا سبيل إلى الخروج منه. ~~- ومن الذي سجنك؟! ~~- رجل يكرهني ويريد أن يميتني جوعا. # فأخذت العجوز قطعة خبز من جيبها وقالت: خذي وكلي فإنك لا تموتين جوعا بعد أن اهتديت إليك، ~~لكن ألا يوجد طريقة لإنقاذك؟! ~~- إنك عجوز لا تستطيعين كسر باب البئر التي سجنت فيها، لكنك تستطيعين أن تدعي لي الرجل الذي ~~يهواني. ~~- ألك عشيق؟ ~~- نعم، وهو من كبار الأغنياء، وسيهبك مالا يكفيك إلى آخر العمر. # فارتعشت فيليبيت كأنما خطر لها أن تخون تيميلون، وكانت فاندا لا تزال بالملابس التي كانت ~~عليها حين اختطفها تيميلون، ولم يكن قد خطر لهم تفتيشها، فأخذت كيسا من جيبها وهزته فسمعت ~~العجوز رنين ما فيه من الذهب ومدت يدها إليها، فقالت لها فاندا: اصغي إلي، إني لست متسولة وإني ~~كثيرة المال وكذلك عشيقي؛ لأنه من أصحاب الملايين، وإذا وصلت إليه وأخبرته بأمري وأنقذني أعطاك ~~مائتي جنيه، عدا ما أمنحه إياك أنا من الهبات. # فاضطربت العجوز اضطرابا شديدا وذكرت أن تيميلون لم يعدها إلا بخمسة عشر دينارا، في حين ~~أن هذه المرأة تعدها بثروة عظيمة، فقالت لها: قولي يا سيدتي، أين هو عشيقك هذا؛ لأنك تريدين أن ~~أذهب إليه دون شك؟ ~~- نعم، وهو يقيم في شارع سانت لازار نمرة 52، واسمه الماجور أفاتار. ~~- إنه اسم غريب أخاف أن أنساه وأنسى اسم الشارع والنمرة. # فأخذت فاندا ورقة من دفتر كان بجيبها، وكتبت عليه باللغة الروسية بضعة أسطر وباللغة ~~الفرنسية اسم الماجور أفاتار ونمرة الشارع ثم أعطتها الورقة، وقالت لها: أسرعي إليه، وإذا لم ~~تجديه في المنزل تجدين رجلا ضخما وهو خادم المنزل وهو يرشدك إلى الماجور أفاتار. ~~- سأفعل ما تريدين، وها أنا ذاهبة في الحال، ولكن ألا تعطيني واحدا من ms1471 هذه ~~الدنانير؟ # كلا، إنك إذا كان لديك دينار فلا تمرين بخمارة حتى تدخلي إليها وتسكري قبل الوصول إليه، ~~ولكنك ستكونين راضية أتم الرضا بعد عودتك، والآن قولي أين نحن من ساعات الليل؟ ~~- في الساعة 11. # فسرت فاندا؛ لأنهم لم يحضروا لها الطعام وقالت: لا شك أنهم لا يحضرونه قبل الصباح؛ لأنهم ~~لو حضروا ولم يروها بحثوا عنها فوجدوها في الدهليز، فلما ذهبت العجوز أقامت فاندا ترجو ~~وتنتظر. # أما العجوز فإنها لما صارت خارج البئر تنبهت لما هي فيه وتنازعها عاملان: عامل الإخلاص ~~لتيميلون، وعامل الطمع بالمال؛ لأن تيميلون وعدها أن يعطيها خمسة عشر دينارا لكن فاندا وعدتها ~~بمائتين، فعزمت في البدء على خيانة تيميلون، لكنها ذكرت أن هذا الداهية كان يخدم البوليس فقالت ~~في نفسها: إني إذا خنته من أجل المال قبض علي وسلبني ما كسبته وعدت بالخسران. # وفيما هي واقفة هذا الموقف من التردد رأت رجلا يدنو منها، ثم سمعت هذا الرجل يناديها ~~باسمها، فعلمت أنه صوت تيميلون، وقالت له: كيف أتيت إلى هنا؟ ألعلك خشيت أن أخونك؟ ~~- كلا، ولكن حدث لي ما لم يكن في الحسبان، بحيث تمكنت من مبارحة المنزل، وأتيت أتجسس في هذا ~~المكان والآن هل سمعت صراخها؟ ~~- بل سمعت ما هو خير من ذلك؛ لأنها كلمتني ورأيتها. # فاضطرب وقال: هذا محال؛ لأنك لا تستطيعين المرور من الثقب. ~~- هو ما تقول، ولكنها هي تمكنت من الوصول إلى الثقب؛ لأن الجرذان قرضت وثاقها؛ فتسلقت ~~الجدار إلى الدهليز ووصلت منه إلى الثقب ووعدتني بإعطائي مائتي دينار إذا أنقذتها. # فغير تيميلون خطته في الحال وقال: حسنا سنقتسم هذا المال. ~~- كيف ذلك؟! ~~- ذلك لأني لم أقبض أجرة سجنها غير 40 دينارا. # فظنت العجوز أنها أدركت قصده وقالت له: إذن اذهب إلى الرجل الذي أرسلتني إليه في شارع لازار ~~نمرة 52؛ لأنها أعطتني رسالة إليه؟ ~~- دون شك. # ثم أخذ منها الرسالة وجعل يقرأها على نور سيكارة كان يدخنها. # 31 # وقد عرف القراء أن تيميلون كان متقيدا بالبقاء أمام السير نيفلي؛ إذ كان يخشى ms1472 أن يستفيق ~~فجأة ويفتضح أمره، أما السبب في وجوده عند بئر العجوز، فهو أن السير نيفلي قد استفاق قبل أن ~~يلتقي تيميلون بالعجوز بساعتين. # وكان تيميلون قد أقام طول النهار قرب السير نيفلي وهو يفتح النوافذ من حين إلى حين، وينظر ~~إلى السير نيفلي فيجده جثة باردة، ويذكر أن أنطوانيت لم تستفق إلا بعد 3 أيام، ولا بد إذن ~~للسير نيفلي أن يبقى على هذه الحال يوما وليلة أيضا. # غير أنه كان يقول: إن الأمزجة تختلف وإن بنية الرجال أشد من بنية النساء فقد يصحو قبل هذه ~~المدة. # وقد صحت ظنونه؛ فإنه بينما كان يفتكر بهذه الأمور سمع فجأة تنهدا ضعيفا خرج من صدر ~~السير نيفلي، فارتعش تيميلون وأسرع إليه فوجد أن شفتيه قد فتحتا بعد انطباقهما، ووضع يده فوق ~~قلبه فشعر أن النبض عاد إليه وعادت الحياة. # وعند ذلك أخذ قدحا ووضع فيه خلا وغمس بأطراف منديله وجعل يدلك صدغيه، ثم شفتيه ثم عينيه ~~وكان في خلال ذلك قد خلع تنكره وعاد إلى الهيئة التي عرفه بها السير نيفلي في منزله. # ولم يطل دلكه حتى فتح السير نيفلي عينيه، ثم ابتسم وقال له: كنت أعرف من أنت؛ إذ عرفتك من ~~صوتك. # فتراجع تيميلون منذهلا وقال: كيف ذلك؟! ~~- ذلك أني حين شربت ذلك المخدر فقدت كل صوابي ما خلا حاسة السمع، فعلمت كل شيء وسمعت حديث ~~فاندا مع روكامبول وحديث روكامبول مع ميلون في المركبة التي نقلوني إليها، وعرفت أيضا اسم ~~الشارع الذي نحن فيه وهو فيرابو، وأن جيبسي تقيم في هذا المنزل مع فتى يدعى مرميس، ثم علمت ~~أيضا أنهم وضعوني في بئر وأنت الذي أنقذتني منها. # والآن لنتحدث؛ إذ عرفت أني عالم بكل شيء، لقد علمت من حديثك مع امرأة تدعى فيليبيت أن ~~فاندا في قبضتك. # فقال تيميلون: نعم. ~~- ماذا عزمت أن تصنع بها؟ ~~- أن أستخدمها شركا لقنص روكامبول ثم أقتل الاثنين. ~~- متى؟ ~~- كنت أنتظر لتنفيذ ذلك أن تستفيق. ~~- لماذا، ألعلك محتاج إلي؟ ~~- كلا ... # فابتسم السير جمس وقال: ms1473 إذن تريد أن تعرض علي شروطك؟! # فقال له تيميلون: لقد قلت لك أيها الميلورد منذ يومين: إن خير جزاء لي هو قتل روكامبول، ~~ومع ذلك إني فقير وقد صرت شيخا، فإذا أردت أن تساعدني بشيء من المال، يقيني شر العوز في ~~شيخوختي، أكون لك من الشاكرين. ~~- كم تريد؟ ~~- مائة ألف فرنك ... ~~- سأعطيك هذا المال، أهذا كل ما تريد؟ ~~- وتعطي أيضا الذين خدموك قدر ما تريد ... ~~- ليعينوا أيضا المبلغ الذي يريدونه فلا أبخل عليهم بشيء، أبقي شيء بعد؟ ~~- كلا، سوى أمر واحد وهو أني أنبهك أن هذا المنزل غاص بأعدائنا ويجب الحذر الشديد، أما الآن ~~وقد صحوت فقد وجب أن أبدأ بالعمل. ~~- افعل ما تشاء. # وعند ذلك سمع صفيرا من الشارع فقال تيميلون: هو ذا باتير قد حضر. # وقال له السير جمس: أهو الرجل الذي واعدته على المقابلة في هذا المساء؟ ~~- نعم ... ~~- إذن أوضح لي أمرا لا يزال خافيا علي ... ~~- قل ما تريد يا سيدي. ~~- لماذا أمرت هذا الرجل أن يشتري برميلا من البارود؟ # فأجابه ببرود: كي أنسف به فاندا وروكامبول ... # ثم عاد إلى التفكير وقال له: يجب الآن أن أذهب للقاء باتير. ~~- افعل ما تشاء؛ فإن من كانت له مهارتك لا يتعارض فيما يريد. # 32 # ولنعد الآن إلى روكامبول، لقد غادرناه حائرا مضطربا في منزل السير جمس حين علم من الخدم ~~أن فاندا غير موجودة فيه، وقد أجابه الخدم كلهم جوابا واحدا؛ وهو أنهم خرجوا من المنزل ~~بالإجازة ولما عادوا إليه، عند الفجر لم يجدوا السيد ولا السيدة. # فقال لهم روكامبول عند ذلك: إني صديق حميم للسير جمس نيفلي، وأنا قلق مثلكم لاختفائه، وإذا ~~كان لا بد لي من إيجاده وإيجاد السيدة التي كانت معه يجب أن تطيعوني، ثم إني مرتاب ريبة شديدة ~~وينبغي لاكتشاف الحقيقة أن لا يعلم أحد من سكان الشارع بشيء مما حدث. # ووعده الخدم بالامتثال له وبالكتمان، فدخل روكامبول إلى القاعة وأقام ينتظر . # وبعد ربع ساعة جاء ميلون فقال له روكامبول: كنا نحسب أن الفوز لنا ms1474 فإذا نحن مغلوبون. # وحملق ميلون بعينيه وقال: لا أفهم ما تعني. ~~- أين فاندا؟ ~~- يجب أن تكون هنا. ~~- إنهم لم يروها في المنزل منذ الليلة الماضية، ولا حاجة إلى القول أنهم اختطفوها. ~~- من الذي اختطفها؟! ~~- هذا ما يجب أن نبحث عنه، فاتبعني. # ثم مشى أمامه يتبعه ميلون إلى غرفة فاندا، وهي الغرفة التي تخدر فيها السير جمس، ففحص أرض ~~الغرفة وقال له: انظر ألا تجد فيها أثر العراك والنعال الموحلة. ~~- نعم ... ~~- إنهم اختطفوها دون شك، وقد رأيت هذه الأقدام عند الباب الخارجي، وأثر مركبة ذات أربع ~~عجلات ولا بد أن يكونوا استخدموها لنقل فاندا. ~~- إذا لم يكن الإنكليزي الذي اختطفها فمن تراه يكون؟ ~~- أخشى أن يكون ذلك من صنع رجاله، وقد أنفذوا خطة كانت مقررة من قبل. # فقال ميلون: إن ذلك بعيد أيضا؛ لأنه إذا كان الإنكليزي أمر رجاله من قبل كما تقول فلماذا ~~لم يصبر على تنفيذ أمره وحاول قتلها؟! # فاقتنع روكامبول من كلام ميلون ولكنه قال: لا بد أن يكون الذين دخلوا إلى هذا المنزل على ~~اتفاق مع السير جمس، وإلا كيف تمكنوا من الدخول؟! ~~- إني لا أرى ما تراه؛ لأنهم إذا كانوا على اتفاق معه كان يجب أن يفتح لهم الباب بنفسه؛ إذ ~~لم يكن أحد من الخدم في المنزل، وإذا كان ذلك فلماذا لم يقبلوا لنجدته حين اختطفناه؟ ~~- لقد أصبت أيضا، فمن تظنه اختطفها؟! ~~- أظنه ذلك الرجل الألماني الذي تدعونه الماجور هوف. # ففكر روكامبول هنيهة ثم قال: إذا صح ظنك؛ فإن هذا الرجل لم يفعل وحده ما فعل، ولا بد أن ~~يكون لميلادي دخل بهذا الشأن، وستحضر ميلادي؛ لأنها واعدت السير نيفلي على الاجتماع في هذا ~~المنزل. # وفيما هو يقول ذلك سمع صوت جرس الباب الخارجي فأطل من النافذة المشرفة على الحديقة، ورأى ~~امرأة نزلت من مركبة ودخلت وهي مبرقعة ببرقع كثيف، فعلم روكامبول لفوره إنها ميلادي، وأسرع ~~إلى مناداة أحد الخدم وقال له : ادخل بهذه المرأة إلى القاعة وسلها أن تنتظر. # فامتثل الخادم وانصرف. # أما ميلادي ms1475 فقد كانت واثقة أن الذي يستقبلها هو السير جمس نيفلي نائب زوجها علي رمجاه ~~الهائل، ودخلت دون حذر، ولم تكد تجلس في القاعة حتى دخل روكامبول. # وانذهلت ميلادي حين رأته؛ لأنها ذكرت في الحال أنه ذلك الرجل الذي قال: إنه صديق لوسيان، ~~وأوصلها إلى منزل خطيبته، وقالت له: كيف اتفق وجودك هنا يا سيدي؟! ألعلك تعرف السير ~~جمس؟! ~~- إنه عهد إلي يا سيدتي أن أستقبلك. # فاضطربت ميلادي اضطرابا شديدا ولكنها أخفت اضطرابها وقالت: تريد أن تقول يا سيدي: إن ~~السير جمس اضطر إلى الذهاب لبعض الشئون فعهد إليك أن تدعوني إلى الانتظار؟ ~~- كلا يا سيدتي؛ فإن السير جمس سافر في هذا الصباح إلى لندرا. ~~- إذن لم يبق لي إلا الرجوع من حيث أتيت. ~~- لا حاجة إلى رجوعك يا سيدتي؛ فإن لي سلطة السير جمس، بل لي سلطة علي رمجاه أيضا. # فانذهلت ميلادي انذهالا شديدا وقالت: ماذا تقول؟! ~~- لا يجب أن تنذهلي يا سيدتي؛ فإن لرئيس الخناقين في الهند كثيرا من النواب في أوروبا ~~... ~~- ماذا تدعى يا سيدي؟ ~~- الماجور أفاتار، وسأذكر لك بأتم الإيجاز، ما تعلمين منه أني واقف على كل أسرارك؛ فإن علي ~~رمجاه والد ابنك وإنك اشتركت معه بقتل أبيك وبينك وبينه أسرار كثيرة تقضي عليك بطاعته. # فأيقنت ميلادي أنه حقيقة نائب علي رمجاه، وقالت له: بماذا يأمر الرئيس؟ ~~- سأطلعك على أوامره بعد ثلاثة أيام، وقد أذنوا لك أمس برؤية ابنك فهل رأيته؟ ~~- نعم ... ~~- إذن بعد ثلاثة أيام في مثل هذه الساعة ترينني عند ابنك، فتعلمين ما يريد علي ~~رمجاه. # ونهضت ميلادي تحاول الانصراف فودعها روكامبول بملء الاحترام، حتى إذا وصلت إلى الباب قال ~~لها: كلمة أيضا يا سيدتي. ~~- ما هي؟ ~~- لا يوجد في باريس من يعرف شيئا من علائقي مع الخناقين، فإذا أردت السلامة لولدك فاحذري ~~أن يعلم باجتماعنا أحد. ~~- لا حاجة إلى توصيتي، وسأكتمها كل الكتمان عن ولدي. ~~- لا أريد كتمانها عن ولدك فقط بل عن فرانز أيضا. # فاحمر وجه ميلادي وقالت: أتعرف هذا السر أيضا؟! ~~- إني ms1476 أعرف كل شيء، فاحذري. # ثم أعانها على الصعود إلى المركبة وعادت إلى الفندق. # وعاد روكامبول إلى ميلون وقال له: إن هذه المرأة كانت تحسب أنها تجد السير جمس ولا تعلم ~~شيئا من أمر فاندا. # فقال ميلون: إذن لا دخل لها في اختطافها. ~~- إني واثق كل الثقة ... # ثم وضع رأسه بين يديه وجعل يفتكر. # وقال ميلون: اصغ إلي يا حضرة الرئيس، إن فاسيلكيا قد ماتت، والسير نيفلي في قبضة يدنا، وإذا ~~كانت فاندا قد اختطفت فما اختطفها إلا تيميلون. # فاضطرب روكامبول اضطرابا شديدا وقال: ويحك! ما هذا الاسم الذي ذكرته؟! وكيف خطر لك هذا ~~الخاطر؟! ~~- ذلك لأن تيميلون ألد عدو لك. ~~- هو ما تقول، ولكنه غير موجود في فرنسا؟ ~~- من يعلم؟ ~~- وهب أنه الآن في فرنسا فكيف اهتدى إلى فاندا؟ ~~- ألم تقل لك فاندا: إن السير نيفلي حاول قتلها؟ ~~- نعم ... ~~- إذن من الذي أنبأه بخيانة فاندا حتى أراد قتلها وقد كان مفتونا بها؟ # واتقدت عينا روكامبول ببارق هائل من الغضب وقال: الويل له إذا كان قد تصدى لي. # وهز ميلون رأسه وقال: أظن يا حضرة الرئيس أن تيميلون لم يعد يخشاك! ~~- لماذا؟! ~~- لأنه لم يعد لديه ما يخافه بعد موت ابنته. # ورجع روكامبول خطوة إلى الوراء وقال: أأنت واثق مما تقول؟ ~~- نعم، وقد علمت ذلك حين كنا في لندرا. # وعاد روكامبول إلى التفكير إلى أن قال له ميلون: أرى يا سيدي، أنه إذا كان تيميلون قد ~~اختطفها فلا يجب أن نضيع الوقت بالتفكير فقد يخشى أن يقتلها. # وجعل العرق البارد ينصب من جبين روكامبول دون أن يجيب، فقال له ميلون: يجب أن نخرج من هذا ~~البيت؛ كي نبحث عن تيميلون. ~~- كلا، يجب أن تبقى أنت هنا فإنه إذا كان تيميلون قد اختطفها فهو حليف السير نيفلي دون شك، ~~ولديه مفتاح المنزل وهو غير عالم باختطاف السير نيفلي، فإذا كان ذلك فلا بد له من العودة إلى ~~هذا المنزل ليراه. ~~- أصبت يا سيدي وسأبقى هنا، وأنت ماذا تصنع؟ ~~- إني ذاهب للبحث عن ms1477 فاندا. ~~••• # مهما يكن البوليس حاذقا فإنه يضل سعيا حين بحثه عن مجرم لم يهتد إلى أثر من ~~آثاره. # وكان روكامبول أمهر من أحذق بوليس في العالم كما دلت عليه أعماله، إلا أنه في هذه المرة خفي ~~عنه كل أثر؛ فإن ميلون نبهه إلى تيميلون، غير أن مداخلة هذ الرجل لم تكن أمرا أكيدا، ولا ريب ~~أن فاندا قد اختطفت ولكن لم يقم دليل لروكامبول أن الذي اختطفها هو تيميلون، فرأى روكامبول أن ~~يبدأ بالبحث عن فاندا. # فخرج من المنزل وكان أول ما رآه أثر دواليب المركبة التي عاد فيها تيميلون فرأى أنها قد ~~دارت قبل مسيرها، فعلم أنها سارت في جهة الشانزليزيه. # فلقي حمالا كان يرود في ذلك الشارع فسأله، أخبره الحمال أنه شاهد بعد نصف ساعة من منتصف ~~ليلة أمس مركبة مرت بقربه، وسمع رجل يقول لسائقها: سر بنا إلى رومانفيل من الشارع الخارجي، ~~ولم ينظر الحمال إلى داخل المركبة فلم يعلم من فيها. # فلم يستفد روكامبول شيئا مما سمعه؛ لأن هذه المعلومات كانت مبهمة فسار في سبيله، ولكنه لم ~~يبتعد قليلا حتى ناداه العتال وقال له: إن مصابيح المركبة كانت حمراء وكان أحد الجوادين أبيض ~~اللون والآخر أسود. # وهذان اللونان كثيرا الشيوع بين جياد المركبات غير أن روكامبول قال في نفسه: لا بد أن يكون ~~قد استأجروا المركبة من هنا، فلنرى. # وسار روكامبول إلى أقرب إصطبل فرأى تلك المركبة التي وصفها الحمال واقفة عند بابه، وعلى ~~دواليبها أثر وحول حمراء وبيضاء، وهذه الوحول لا توجد عادة في شوارع باريس، فلا بد أن تكون ~~هذه المركبة سارت إلى الضواحي ومرت قبل ذلك بتلك السواقي التي تنحدر فيها مياه المعامل ~~القذرة. # ففتح روكامبول باب المركبة ودخل إليها وقال للسائق: إني أستأجر مركبتك بالساعة. ~~- إلى أين يريد سيدي أن أسير به؟ ~~- فنظر إليه روكامبول تلك النظرات الجافة الخاصة برجال البوليس وقال: إلى إدارة البوليس، ~~فأظهر السائق حركة اشمئزاز تنبه لها روكامبول وسار بمركبته بالكره عنه. # فلما وصلت إلى الشانزليزيه أوقف روكامبول ms1478 السائق وقال له: إننا ذاهبان إلى دائرة البوليس ~~ولكن لا نصل إليها بوقت قريب كما تظن. # فانذهل السائق وقال: لماذا؟! ~~- لأنه يجدر بنا أن نذهب توا إلى رومانفيل. # فلم يكد روكامبول يتم جملته حتى بدت دلائل الذعر على وجه السائق، فقال روكامبول: يسرني أنك ~~فهمت قصدي كما أرى من اضطرابك فقف قليلا، ثم خرج من المركبة وصعد إلى جنب السائق وجلس بقربه ~~وقال له: سر الآن؛ فإني أحب أن أحادثك في بعض الشئون. # 33 # إذا كان يوجد فئة بين الناس تخاف البوليس خوفا أكيدا فهي فئة الحوذيين، ولعل ذلك لكثرة ما ~~ترتكب من الهفوات ولشدة غلظتهم في معاملة من يركبون مركباتهم؛ ولذلك حسب السائق أن روكامبول من ~~كبار رجال البوليس السري فهلع قلبه خوفا ولكنه أخفى اضطرابه قدر الإمكان، وحاول أن يتظاهر ~~بالجسارة؛ توهما منه أن ذلك يدفع عنه المظنة، فقال له: ماذا تريد أن تحدثني به؟ وما هذا السلوك ~~الغريب؟ وإلى أين تريد أن تسير؟ # ونظر إليه روكامبول نظرة هادئة وقال له: لا تحاول الإنكار مع مثلي؛ فإنه لا يفيدك، وإذا ~~سرت بك إلى دائرة البوليس فإنك تقيم في السجن إلى أن ينتهي أمرك. # وقال له السائق بلهجة الخائف: لكن الأبرياء لا يسجنون؟ ~~- بشرط أن يثبتوا براءتهم ولا أرى ذلك سهلا عليك، على أني سأقص عليك أمرك بإيجاز؛ كي لا ~~تعود إلى الإنكار، فاعلم أنك أجرت مركبتك في الليلة الماضية ... ~~- دون شك، وما يمنعني عن تأجيرها؟ ألا يجب أن أعيش؟ ~~- نعم، ولكن ذلك يتعلق بالرجل الذي أجرته إياها، فإذا كنت لا تريد أن تقول: ماذا فعلت في ~~الليلة الماضية فأنا أقول عنك: إنك خرجت من شارع مارينيان. ~~- هذا الشارع الذي أقيم فيه. ~~- وإنك ذهبت منه إلى رومانفيل. # فاضطرب السائق اضطرابا شديدا لم يبق لروكامبول أقل أثر للريب، فتابع: وكان يوجد في ~~مركبتك امرأة قيدوها ووضعوا الكمامة في فمها. # وتبدل اضطراب السائق باصفرار الوجه، وتابع روكامبول: إن وجهك ينوب عن لسانك بالاعتراف، ~~فلنذهب الآن إلى رومانفيل قبل الذهاب إلى البوليس، ms1479 واحذر أن تسلك غير الطريق التي سلكتها ~~أمس. # قال له السائق: أرى يا سيدي أنك من كبار رجال البوليس وأحذقهم ولا ينطلي عليك محال. # فابتسم روكامبول قائلا: لقد حاولوا ذلك كثيرا ولم يفلحوا! ~~- لكني أقسم لك يا سيدي أني لا أعرف الرجلين ولا المرأة التي اختطفوها! ~~- إذن كان يوجد رجلان؟ ~~- نعم ... ~~- وامرأة؟ ~~- إنك تعلم ذلك أكثر مني. ~~- ربما ... لكنني أحببت أن أمتحنك لأعلم إذا كنت صادقا، فقل لي الآن: كيف كان هذان ~~الرجلان؟ ~~- أحدهما طويل ضخم الجثة أبيض الشعر. ~~- أيدعى تيميلون؟ ~~- هو ما تقول؛ فإني سمعت الرجل الذي كان معه يدعوه بهذا الاسم. ~~- والآخر، ماذا يدعى؟ ~~- إن اسمه غريب؛ لأني سمعت المرأة تدعوه باتير وهو يدعوها شيفيوت. # وجمدت عروق روكامبول من الخوف والإشفاق على فاندا، وقال في نفسه: ما عسى يكون مصيرها بين ~~هؤلاء الأشقياء الثلاثة؟ # وبعد صمت قليل قال للسائق: إن خلاصك موقوف على إخلاصك، وإلا فالسجن يكون نصيبك؛ لأنك ~~اشتركت مع هؤلاء الأشقياء باختطاف امرأة، وربما بقتلها. # وصاح السائق صيحة رعب قائلا: أقسم لك يا سيدي أني كنت أحسب الأمر أمر غرام. # وقد تبين لروكامبول الصدق من مخائله وقال: سر بي الآن إلى رومانفيل وهناك أنظر في ~~أمرك. # وسار السائق في نفس الطريق التي سار بها ليلة أمس، حتى وصل إلى المكان الذي وقف فيه تلك ~~الليلة ووقف قائلا: هنا أوقفوني يا سيدي، وساروا بالمرأة. # ونزل روكامبول ورأى أثر أقدامهم جميعهم فعلم أن هذه الطريق مؤدية إلى الآبار، وقال في نفسه: ~~إما أن يكونوا قد قتلوها، وإما أن يكونوا سجنوها في إحدى تلك الآبار، فإذا كان الأول فقد أتيت ~~بعد الأوان، وإذا كان الثاني فلا يزال الوقت فسيحا لإنقاذها، وفي كل حال فإني لا أستطيع الدخول ~~إلى هذا الشارع بهذه الملابس فصبرا إلى المساء. # ثم عاد إلى المركبة وقال للسائق: عد بي إلى باريس. # فقال له السائق بصوت يضطرب، إلى أين تريد أن أسير بك يا سيدي؟ # قال: إلى إدارة البوليس، وقد رأى روكامبول ما أصابه من الرعب، ms1480 فقال له: لا أنكر أنك اشتركت ~~بالخيانة ولكني واثق أنك اشتركت بها دون أن تعلم. # فرجا السائق بعض الخير وقال: أقسم لك يا سيدي أني بريء. ~~- ذلك أكيد عندي، ولكن قد نحتاج إلى النظر في أمرك، فماذا تدعى؟ وأين تقيم؟ ~~- أدعى إمبرواز جيرود، وأقيم في شارع نقطة الذهب نمرة 3. # فأخذ روكامبول دفتره من جيبه وكتب ما قاله، ثم قال له: سر بي إلى الشارع الذي لقيتك فيه ~~وسوف نرى في أمرك. # فتنهد السائق تنهد الراحة وسار به إلى قرب منزل السير نيفلي، فخرج روكامبول من العربة وقال ~~له: انتظرني، ثم دخل إلى المنزل فرأى ميلون لا يزال فيه، فأخبره بجميع ما اتفق له. ~~- ميلون: إذن يجب أن نذهب إلى الآبار في الحال. ~~- كلا ليس الآن؛ فإن الأشقياء إذا كانوا قتلوا فاندا فلا فائدة من أبحاثنا، وإذا كانوا ~~سجنوها فلا ينفع البحث عنها إلا في الظلام؛ حيث نختلط مع أولئك اللصوص الذين يبيتون في تلك ~~الآبار. ~~- لقد أصبت، فماذا يجب أن أصنع إلى المساء؟ ~~- يجب أن تبقى هنا؛ فإن تيميلون لم يختطف فاندا من هذا المنزل إلا وله مأرب فيه، فلا بد له ~~من العودة إليه. # ثم تركه وعاد إلى السائق وقال له: اذهب الآن في شأنك، ولكني أشير عليك أن تدعي أنك مريض، ~~فترجع المركبة إلى الإصطبل وتذهب إلى منزلك فتقيم فيه. # السائق ببساطة: لماذا؟! ~~- لأننا قد نحتاج إليك بصفة شاهد، وكان يخلق بي أن أرسلك إلى السجن غير أني أشفقت عليك؛ ~~لاعتقادي أنك بريء، ثم أشير عليك بأمر آخر؛ وهو أن الصدفة قد تجمعك بأحد أولئك اللصوص، فاحذر ~~أن تخبرهم بشيء مما جرى، واعلم أنه يوجد من يراقبك. # فبكى السائق لسروره بالنجاة وانطلق داعيا لروكامبول وهو يحسبه من كبار رجال ~~البوليس. # 34 # وفي المساء اجتمع ميلون وروكامبول فلبسا ملابس قديمة وتنكرا وذهبا إلى الشارع الأميريكي، ~~فدخلا إلى إحدى خماراته وطلبا كأسين من الشراب وجعلا يراقبان زبائن تلك الخمارة وهم خليط من ~~اللصوص والمتشردين. # وفيما هما على ذلك دخلت امرأة ms1481 وهي تبكي وتستنجد بأولئك اللصوص وتقول: لقد أوشك أن يقتلني ~~هذا الخائن ولم أجد بين الرفاق من يدافع عني، فلو لم أهرب لأجهز علي. # وقال لها أحد الحاضرين: من هذا؟! ~~- هو ليون الذي كان يتفانى في غرامي، ورغب عني بحب زبلي الفتاة التي تقيم في شارع ~~فيرابو. # وانتبه روكامبول انتباها عظيما عند ذكر اسم فيرابو، وعادت المرأة إلى حديثها وقالت: ~~أتعلمون كيف أصبت بهذه الخيانة ... إن هذه الفتاة التي تدعى زبلي جاءت إلى الشارع الأميريكي منذ ~~أسبوع؛ لأن صاحب الخمارة في شارع فيرابو طردها من منزله، وجعلت تقص علينا القصص وتروي لنا حديث ~~غلام يدعى مرميس. # وكان بين الحاضرين باتير، فأراد أن يعرف أين يقيم مرميس فأبت أن تخبره، وحاول ضربها، ولكن ~~صاحب الخمارة تداخل وعرف العنوان، ولا أعلم كيف أني أشفقت على هذه الفتاة وتوليت حمايتها ~~وصحبتها إلى البئر التي أقيم فيه، وفي اليوم التالي جاء ليون وأخبرنا أن البوليس عازم على كبس ~~الشارع؛ فهربنا وأخذت زبلي، ولم يمض 3 أيام حتى ملكت قلبه فطردني وحلت هذه الغادة ~~مكاني. # وفي هذه الليلة هاجني الحقد إلى الانتقام منها فما زلت أبحث عنها حتى عثرت بها في خمارة ~~قرب بئر الشيطان، ولكن ليون كان معها، وبدلا من أن أنتقم منها انتقمت مني؛ فإن هذا الخائن ~~انهال علي بالضرب الأليم، حتى أوشكت أن أموت ولم أجد من يحميني. # ولما وصلت بحكايتها إلى هذا الحد أظهر روكامبول أنه تحمس لحديثها ودنا منها قائلا: أنا ~~أنتقم لك من هذا الرجل، لقد راق لي جمالك. # ونظرت إليه الفتاة نظرة المنتقد وقالت: وأنت تروق لي أيضا؛ لأنك جميل! ~~- نعم وقوي أيضا ... ~~- إذن أحبك بشرط أن تنتقم لي من ليون. ~~- بل أسحقه سحقا ولا يعود بعدها إلى الخيانة. # والتف اللصوص حول روكامبول ولم يكونوا قد رأوه من قبل، وجعلوا يسألونه: من هو؟ ومن أين أتى؟ ~~فأجابهم: أنا منكم وقد أتيت من أميريكا (أي من السجن حسب اصطلاحهم ). # ثم نظر إلى الفتاة قائلا لها: أتريدين أن تذهبي معي ms1482 الآن للبحث عن هذا الرجل؟ ~~- أتنتقم لي منه أمامي؟ ~~- بلا ريب، بل أنتقم لك من كل من يحاول الانتصار له. # ثم تأبط ذراعها وخرج بها وتبعهما ميلون، وقال لها وهما على الطريق: إني سأنتقم لي ولك على ~~السواء فإنك أنت حاقدة على باتير. ~~- لا أظن أنك تجده في المحل الذي نحن ذاهبون إليه! ~~- لماذا؟! ~~- لأنه منذ عدة أيام لم نره فيه ... ~~- لا بأس وسنرى. # وسارت بهما الفتاة حتى بلغت إلى المكان الذي وقفت فيه المركبة، ورأى روكامبول آثار أقدام ~~تيميلون، فارتعش لا سيما حين رأى الفتاة تسير في الجهة التي سار فيها تيميلون. # وما زالوا يسيرون حتى انتهوا إلى الخمارة المحيطة ببئر الشيطان، ومروا عدة مرات بهذه البئر ~~المسجونة فيها فاندا دون أن يفطنوا لها؛ إذ لم يكن أحد يعرف مدخلها. # وقد ذهبوا إلى كل تلك الخمارات فلم يجدوا ليون ولا زبلي، حتى أضنكهم المسير وانتهوا قرب ~~الفجر إلى خمارة فدخلوا إليها، وكانت الفتاة قد مسها الجوع، فجعلت تأكل وتفرط في شرب الخمر حتى ~~دب النعاس في أجفانها وأطبقت عيناها، وقام روكامبول وتبعه ميلون ودفعا ثمن الأكل والشرب، وخرجا ~~من تلك الخمارة والمرأة نائمة فيها، ولم تنتبه إليهما. # وعاد الاثنان إلى منزل روكامبول فغيرا ملابسهما ثم ذهبا إلى منزل السير نيفلي، وعلما من ~~الخدم أنه لم يحضر أحد إلى المنزل، فعاد روكامبول إلى منزله وأرسل ميلون إلى بيت الخمار؛ حيث ~~تقيم جيبسي، فأخبره الخمار أن فتاة تدعى زبلي جاءت إلى البيت وطلبت أن ترى مرميس وطردتها؛ لعدم ~~ثقتي بها، وعاد ميلون إلى روكامبول وأخبره بما كان، فأمره أن يعود إلى الخمارة وأن ينتظر فيها ~~عودة زبلي، وإذا عادت وعلم منها ما تريد يرجع إليه ويخبره، فامتثل ميلون ومضى. # وأقام روكامبول ينتظر في منزله وكان يثق ثقة تامة بذكاء فاندا ويقول في نفسه: إنها إذا ~~كانت سجينة فلا تعدم وسيلة لإخباري. # ومضى النهار ولم يعد ميلون واستدل من ذلك أن زبلي لم تعد إلى بيت الخمار قبل الليل. # ولما أوشك روكامبول ms1483 أن ييأس سمع صوت مجادلة في صحن الدار؛ وذلك أن امرأة كانت تريد أن تدخل ~~إلى روكامبول والخادم يمنعها، فأسرع روكامبول ليعلم سبب هذا الخصام، ورأى فيليبيت بملابس ~~المتسولات تحمل بيدها تلك الورقة التي كتبت عليها فاندا إلى روكامبول تخبره أنها سجينة بأمر ~~تيميلون وتدعوه إلى أن يتبع حاملة الرسالة؛ كي ترشده إلى مكانها. # ففرح روكامبول وجعل يتأهب للمسير مع فيليبيت. # 35 # ولنعد الآن إلى تيميلون؛ ذلك أننا تركناه مع فيليبيت، وقد أخذ منها الورقة التي كتبتها إلى ~~روكامبول فقرأها ثم ردها إلى العجوز. # وكان قبل ذلك غادر السير نيفلي بعد أن أوصاه بالحذر الشديد وذهب لمقابلة باتير فلقيه ينتظره ~~في عطفة الشارع وسأله: ماذا صنعت بالبرميل والفتيل؟ # هيأت كل شيء ووضعت كل المعدات في البئر. # فنظر تيميلون في ساعته وقال: نحن في الساعة التاسعة الآن بحيث نستطيع أن نرى فيليبيت قبل ~~ذهابها. # ثم ذهب الاثنان فأقام باتير عند البئر المسجونة فيه فاندا، وذهب تيميلون إلى البئر التي ~~كانت فيه العجوز، فلقيها تتأهب للرحيل. # ولم تكن العجوز تعلم شيئا من مقاصد تيميلون، كما أنها لم تكن تعرف شيئا عن الماجور ~~أفاتار، ولما أطلعته على رسالة فاندا سر بها وقال: أرى أن التوفيق يخدمنا كما نريد. ~~- كيف ذلك؟! وماذا يجب أن أصنع؟! ~~- تذهبين بهذه الرسالة إلى صاحبها وأنت تعرفين عنوانه. ~~- أتظن أنه يعطيني المائة دينار؟ ~~- بلا ريب وسوف نقتسمها. ~~- أقسم بالله إذا وصل هذا المبلغ إلى جيبي لأقضين بقية العمر بين الخمر والقناني فأصل ~~السكرة بالسكرة ولا أستفيق ما حييت. # وضحك تيميلون وقال: ستنالين ما تطمعين به على شرطين؛ أحدهما: أن لا تسكري سلفا، والثاني: ~~أن تطيعيني في كل ما أريد. ~~- سأكون لك أطوع من بنانك فقل ما تشاء. # وأخذ تيميلون بيدها وقال لها: لقد بت عدة ليالي في هذه البئر دون أن تعلمي شيئا من ~~أسرارها، فاعلمي أن هذا الثقب الذي كلمت منه المرأة السجينة منحوت من الصخر الأصم لا يمكن ~~توسيعه إلا بآلات ضخمة تستلزم وقتا طويلا، وفوق ذلك ms1484 فهو لا ينفذ إلى البئر، بل إلى الدهليز، ~~إلا أنه يوجد في طرف هذه البئر التي تقيمين فيها منفذ آخر ينفذ إلى البئر التي فيه السجينة من ~~دون أن يعترضه الدهليز، وهذا الثقب ضيق كالثقب الأول، إلا أنه منحوت من الحجارة الطرية المبنية ~~وكل من كان معه مطرقة يستطيع توسيعه بأقرب وقت، وإذا كان لديه حبل أدلاه إلى البئر وبلغ ما ~~يريد. ~~- أين هو هذا المنفذ؛ فإني لا أراه؟ ~~- هو في طرف البئر مغطى بالأدغال، وإذا وصلت إلى هذا الرجل الذي أرسلتك إليه السجينة ~~تخبرينه أنه يجب أن يحضر معه حبلا ومطرقة، إنما اجتهدي أن تقبضي منه المال مقدما ... ~~- لماذا؟! ~~- لأني لا أعلم ما يتفق، وقد يهوي إلى البئر عند نزوله إليها. # فابتسمت وقالت: أظن أني فهمت قصدك. ~~- لا شك عندي بذكائك وإذا فقدت جزاءه لا تفقدين جزائي، إنما احذري هذا الرجل كل ~~الحذر. ~~- وأنا أنفقت نصف عمري في السجون. # ثم افترقا فذهبت العجوز إلى روكامبول وذهب تيميلون إلى باتير، ولقيه ينتظره عند فم البئر ~~وقال له: لننزل إلى البئر؛ فإني أحب أن أرى المهمات التي أحضرتها. # ثم نزل الاثنان فأنار باتير مصباحا وجعل تيميلون يفحص برميل البارود والفتيل، فأدخل الفتيل ~~بالبرميل ووضع البرميل عند باب القبو ثم قال: إن هذا البارود يكفي لنسف البئر وما ~~يجاورها. ~~- ألعلك أعددته لروكامبول؟ ~~- بلا ريب، أما هو جدير بهذه الميتة؟! # وبرقت أسرة باتير بأشعة الفرح وأجاب: بورك فيك؛ لأن هذا الانتقام لا يخطر في بال أحد من ~~البشر. ~~- أما الآن فلم يبق علينا إلا أمر واحد. ~~- ما هو؟ ~~- أن نضع أيدينا في جيوبنا وننتظر. ~~- ننتظر من؟ ~~- ننتظر أن يقع الطير في الشرك. ~~- إني فهمت ما ستفعله بالتقريب ولكني لم أعرف طريقة الوصول إلى قصدك ... ~~- صبرا وسترى كل شيء؛ فإن روكامبول لا يستطيع النجاة إلا إذا كان ~~من الأبالسة ... # ثم قال لباتير: لا تفه بحرف ولا تكلمني إلا إذا كلمتك. # أما فيليبيت؛ فإنها كانت وصلت إلى روكامبول وأعطته رسالة فاندا كما قدمناه، ونظر روكامبول ms1485 ~~إلى هذه العجوز، وعرف لأول وهلة أنها من أولئك النساء اللواتي نزلن إلى أقصى درجات المجتمع ~~الإنساني، ولكنه أمعن في الرسالة وعلم أن الخط خط فاندا، ولم يكترث بالرسول، ثم إنه أيقن أن ~~فاندا في قبضة تيميلون، وإذا تمكنت من إغراء من يحمل رسالتها؛ فإن هذا الرسول لا يمكن إلا أن ~~يكون من أتباع تيميلون. # أما هذه العجوز فقد كانت متوقدة الذهن شديدة الدهاء حين لا تكون سكرى! وكأنما علمت ما يجول ~~في خاطر روكامبول، فقالت له بلهجة تبين منها الصدق: إني خاطرت يا سيدي خطرا عظيما في سبيل ~~الوصول إليك؛ إذ لو علموا بخيانتي لقتلوني دون شك، ولكن السيدة التي أرسلتني إليك قالت لي: إنك ~~كريم وإنك تمنحني مائتي دينار. ~~- اطمئني، ستنالين هذا المال ... # وذكرت العجوز وصية تيميلون وقالت له: إني أؤثر يا سيدي أن أقبضه ~~في العاجل ... ~~- كلا، إني لا أدفع لك شيئا قبل إنقاذ السيدة التي أرسلتك. # فسكتت العجوز، لكن روكامبول علم من سكوتها أنها لا ترشده إلى مكان فاندا إلا إذا رأت المال، ~~فقال لها: اتبعيني. # ثم تقدمها إلى غرفته وفتح درجا كان فيه كثير من الأوراق المالية فأراها إياها وقال: ~~أتعرفين قيمة هذه الأوراق؟ # فهزت العجوز رأسها وقالت: لقد جمعت كثيرا منها في أيام صباي. # وأخذ روكامبول 4 أوراق تبلغ قيمتها 200 دينار ثم أقفل الدرج قائلا لها: متى أوصلتني إلى ~~مكان الأسيرة أعطيتك هذه الأوراق. # ورأت العجوز من صحة عزمه أن كل جدال لا يفيد، فقالت له: لقد رضيت، ~~فهلم بنا ... ~~- إلى أين نمضي؟ ~~- إلى جوار الشارع الأميريكي؛ فقد حبسوا السيدة في بئر لا يهتدي إليها أحد، وليس هذا كل ~~الذي أريد أن أقوله لك؛ إذ يجب التأهب لإنقاذها ولو كنت في عهد الشباب لما احتجت إليك؛ وذلك لأن ~~لهذه البئر ثقبا ضيقا يقتضي لتوسيعه مطرقة ويد قوية ويقتضي لإنقاذها حبل طويل. ~~- سنأخذ ما نحتاج إليه على الطريق، ثم دخل إلى غرفة أخرى فوضع في جيبه مسدسين وتسلح بخنجر ~~وعاد فخرج وإياها، وركبا مركبة ms1486 فأمر السائق أن يسير بهما إلى شارع فيرابو. # ولما وصل إلى الخمارة ترك العجوز في المركبة ودخل فلقي ميلون ومورت وامرأة عرف روكامبول ~~أنها مرتون، وهي تلك المرأة التي كانت مع أنطوانيت في سجن سانت لازار وكان معها كلبها وهو نائم ~~تحت الطاولة، فأسرع الجميع لاستقباله، وقال روكامبول لمرتون: ماذا تصنعين هنا؟ ~~- أرسلتني فتاة تدعى زبلي؛ كي أحذر مرميس من باتير؛ فإنه يريد به شرا. ~~- لقد عرفت جميع ذلك. # ودنا منه ميلون وقال: أعرفت شيئا عن فاندا؟ ~~- نعم، ثم نادى روكامبول الخمار وقال له: أحضر حبلا متينا طويلا ومطرقة حالا. ~~- أين تذهب أيها الرئيس؟ ~~- لإنقاذ فاندا. ~~- إذن أتيت لتأمرنا أن نصحبك؟ ~~- كلا، إذ يجب أن تبقوا هنا؛ فإن تيميلون وباتير لا بد أنهما يرودان حول المنزل ويجب الحرص ~~على جيبسي. # فقال له ميلون: ألا يكفي أيها الرئيس مورت والخمار ومرميس ومرتون لحراستها؟ فدعني أصحبك في ~~هذه المرة فإني خائف عليك. # فأراه روكامبول المسدس والخنجر وقال: متى كان هذا السلاح معي فلا خوف علي وإنما الخوف على ~~جيبسي، فاحرصوا عليها ولا تغفلوا طرفة عين عنها. ~~- إنما قل لي: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى الآبار المجاورة للشارع الأميريكي. # وعند ذلك جاءه الخمار بالمطرقة والحبل فأخذهما وذهب إلى المركبة؛ حيث كانت تنتظره العجوز، ~~فصعد إليها وقال للسائق: سر بنا الآن إلى الشارع الأميريكي. # 36 # أما فيليبيت فإنها قلقت حين رأت روكامبول عطف على شارع فيرابو ودخل إلى الخمارة، ولكن ما ~~لبثت أن رأته عاد وحده حتى اطمأنت وقالت في نفسها: ماذا يهمني أن أعلم ما فعل في هذه الخمارة، ~~المهم عندي أن أنال الجزاء من هذا الرجل أو من تيميلون. # وسارت بهما المركبة فجعل روكامبول يسألها أسئلة مختلفة فحكت له ببساطة تاريخ حياتها، وذكرت ~~له كيف أنها سمعت سعال فاندا من الدهليز وهي في البئر وكيف أنها رأتها من الثقب، ثم إنها وصفت ~~له البئر والدهليز والثقب وصفا دقيقا وقالت: إني سمعت حكاية السجينة من فمها فعلمت أنه لا ~~يقدم على هذه الأعمال ms1487 إلا تيميلون. ~~- أتعرفين إذن هذا الرجل؟ ~~- نعم، وقد اشتغلت معه فيما مضى من زماني إلى أن بات يخدم البوليس، فانفصلت عنه وقد اتفقت ~~مع السيدة السجينة على أن تعطيني مائتي دينار؛ فأنا أرجو أن أعيش بهذا المال بقية أيامي. # ولما وصلت المركبة إلى الشارع الأميريكي أوقفها روكامبول فصرف سائقها وقال للعجوز: اتبعيني ~~فإني أعرف الطريق إلى بئر الشيطان ولكني لا أعرف مدخلها. فسارت في أثره حتى وصل إلى البئر الذي ~~كان مختبئا فيها تيميلون وباتير. # وعند ذلك تقدمته العجوز وقالت: قد وصلنا فاتبعني، فتبعها روكامبول دون أن يخطر له وجود ~~اللصين في البئر، ولو كان معه كلب مرتون لعلم بأمرهما، ولكن الكلاب امتازت عن الإنسان بحاسة ~~الشم. # وعطفت العجوز عطفة فوصلت إلى بئرها ونزلت إليه فنزل روكامبول في أثرها ودنا من الثقب، ~~فنادى فاندا فأجابته بصيحة فرح لا تدرك وصفها الأقلام. # وأمر روكامبول العجوز أن تشعل شيئا من الأخشاب والأعشاب اليابسة ففعلت ورأى بنورها أن ~~توسيع الثقب محال. # فقالت له فاندا: إني لم أدخل من هنا كما ترى، ثم وصفت له البئر وبابه الخشبي والدهليز الذي ~~هي فيه. # فقال لها روكامبول: إذن سأعود إلى باب البئر فأكسره. # قالت العجوز: إن الباب متين ولا تكفي هذه المطرقة التي معك لكسره، غير أني أجد طريقة أسهل ~~وأقرب من كسر الباب. ~~- ما هي؟ ~~- إنه يوجد في طرف هذه البئر ثقب آخر ينفذ رأسا إلى البئر ولا يعترضه هذا الدهليز، وهو من ~~الحجارة اللينة بحيث يمكنك توسيعه بمطرقتك في أقرب حين، ولديك حبل طويل تبلغ به بعد ذلك ~~مرادك. ~~- لقد أصبت، فأين هو هذا الثقب؟ # فكشفت العجوز عنه الأدغال، فرأى أنها مصيبة فيما قالت. # فقال لفاندا: ارجعي إلى البئر فسأعمل برأي العجوز. ~~- أسرع؛ فإن قواي قد تلاشت من السهر والجوع، ثم جعلت تزحف في الدهليز حتى وصلت إلى الجدار، ~~فنزلت متمسكة بثقوبه كما صعدت، ولم تكد تبلغ الأرض حتى سمعت صوت سقوط حجارة ضخمة، فعلمت أن ~~روكامبول قد وسع الثقب لا سيما وقد رأت ms1488 كوة عظيمة قد فتحت في سقف البئر. # وكان روكامبول قد استعان بالمطرقة فبلغ ما أراده من توسيع الثقب وأيقن من صدق العجوز، فنادى ~~فاندا من الثقب؛ كي يعلم إذا كانت قد وصلت إليه، فأجابته. # فقال لها: سأنزل إليك فإنك لا تستطيعين الصعود على الحبل. # ثم أخذ روكامبول ذلك الحبل الطويل المتين الذي أحضره معه وربط طرفه بصخر ضخم، وشد وثاقه، ~~وأيقن من متانته وأمسك الحبل وجعل ينزل إلى البئر. # وكان يجب على العجوز أن تطلب إليه في هذه الساعة ما وعدها به من المال، إلا أنها خشيت أن ~~يفطن إلى الحيلة. # وعند ذلك سمعت العجوز وقع أقدام في البئر، فالتفتت ورأت تيميلون مشهرا بيده خنجرا، وقد ~~أسرع إلى الحبل المشدود بالصخر فقطعه، وسمع على الفور صوت سقوط روكامبول على الأرض، وصيحة صعدت ~~إليه من أعماق تلك البئر. # وكان هذا الصوت صوت ذعر؛ فإن المرء مهما بلغ من بسالته وجراءته لا يسعه إلا الانذعار حين ~~يحدث ما حدث لروكامبول. # وقد أجاب صوته صوت آخر وهو صوت فاندا؛ فإن ذعرها كان أشد من ذعره، وأسرعت إليه وقالت له: ~~رباه! ماذا أصابك؟! ألعلك جرحت؟! ~~- لا أظن، ولكني طائش الفكر ضائع الرشد. # ثم جعل في ذلك الظلام الدامس يحرك أعضاءه كي يعلم إذا كانت كسرت ساقه أو رض جسمه، ثم مشى ~~بضع خطوات فأيقن أنه سليم؛ لأن أرض القبو كانت رطبة فلم يؤثر عليه هذا السقوط. # وعانقته فاندا وهي تقول: لقد اجتمعنا أخيرا. ~~- نعم، لكني أسير مثلك وقد نصبوا لي فخا وسقطت فيه كالأبله. # ثم ضحك ضحك المحتقر نفسه قائلا: إنه لا يزال يوجد على بلاهتي من يثق بي. # وإن من كان مثل روكامبول يعلم في الحال أن انقطاع الحبل لم يكن من قبيل الصدفة بل كان ~~خديعة مدبرة من قبل، فقال: لقد خدعونا ولم نفطن لهم، ويجب علينا أن ننظر في وجوه ~~النجاة. # وكان يحمل دائما في جيبه علبة من الكبريت الشمعي، فأخرجها من جيبه وأنار عودا من ~~عيدانها، وجعل يفحص المكان الذي ms1489 هو فيه فرأى فوق رأسه في سطح البئر منفذا كبيرا وهو المنفذ ~~الذي فتحه بيده كأنما هو قد حفر قبره بيده، وعلم لأول وهلة أن الصعود محال؛ لأن المنفذ كان في ~~وسط السقف. # ثم أدار نظره ورأى باب البئر الخشبي الذي دخلت منه فاندا، ولكن روكامبول ارتكب كل الأغلاط ~~في تلك الليلة؛ فإنه ترك المطرقة قرب الصخر الذي ربط فيه الحبل، ولم يبق له رجاء لكسر الباب سوى ~~تلك الصخور التي سقطت من القبة، وأعطى علبة الشمع لفاندا وقال لها: أنيري لي؛ كي أرى. # ثم أخذ حجرا ضخما من الحجارة الثلاثة التي سقطت في البئر وصدم به الباب الخشبي صدمة ~~هائلة وهو يرجو أن يكسره، لكنه رأى أن الحجر نفسه قد تحطم وانحل إلى تراب؛ لشدة الصدمة، ولمتانة ~~الباب، وعلم أن الحجر رملي لا فائدة منه، وصدم الباب بالحجر الثاني وأصابه ما أصاب ~~الأول. # وعند ذلك وضعت فاندا يدها فوق كتفه وأطفأت الشمعة وقالت له: اصغ، ألا تسمع؟! ~~- ماذا؟ ~~- حركة وراء الباب ... # فأصغى روكامبول فسمع صوتا يشبه صوت المنشار في الخشب، فقال لفاندا: قفي ورائي ولا تبدي ~~حركة ... # وكان صوت المنشار يتزايد، ثم رأى نورا يضيء من وراء الباب، ثم رأى منشارا يفتح كوة في باب ~~البئر، ودنا روكامبول من فاندا وقال: من يعلم؛ فقد يكون ميلون قادما لإنقاذنا، فلم تجبه فاندا ~~بشيء. # وكان كلما بلغ المنشار من الباب يزداد النور ظهورا، إلى أن فرغت تلك اليد من النشر وسقطت ~~قطعة الخشب المنشور، ففتح منفذ من الباب مستدير بقدر حجم الصحن، وسطع النور في البئر على وجهي ~~روكامبول وفاندا، وسمع روكامبول في الوقت نفسه صوتا يقول بلهجة الساخر: أي روكامبول، إن هذا ~~آخر ما يكون بيننا، وقد أتيح لي النصر عليك. # وعرف روكامبول للحال أن الصوت صوت تيميلون فأجابه: كلا، إن وقت نصرك لم يحن بعد، ثم أطلق ~~غدارة من الثقب. # ودوى صوته دويا شديدا جعل يتجاوبه الصدى نحو عشر ثوان، ثم انقطع الصوت وعادت السكينة ~~إلى البئر، وانطفأ المصباح ms1490 الذي كان مع تيميلون، فحسب روكامبول أنه قتل. # إلا أن مدة هذا الرجاء لم تطل؛ إذ سمع قهقهة تيميلون، يضحك ضحك الساخر فتسلح روكامبول ~~بالغدارة الثانية. # وكان تيميلون قد أحنى رأسه حين خرجت رصاصة روكامبول بحيث أخطأه فقال: إنك كنت تصيب المرمى ~~في غير هذا العهد، أما الآن؛ فإن يدك ترتجف؛ لدنو ساعتك. # فأطلق روكامبول عليه غدارته الثانية قائلا: خسئت أيها الشقي؛ لأن ساعتي لا تزال ~~بعيدة. # وعند ذلك سمع أن تيميلون قد صاح صيحة ألم قائلا: لقد أصبت. # فانقض روكامبول على الباب وأمسك بالنافذة التي فتحت فيه، وجعل يهزه هزا عنيفا فلم ينل ~~منه غاية لفرط متانته. # وسمع تيميلون يقول أيضا: لقد أصبت حقيقة ولكني سأنتقم يا روكامبول؛ فإن ساعتك قد ~~دنت. # ثم سمع صوتا آخر قائلا: بل سننتقم كلانا. # فعلم أنه صوت باتير، وجعل يهز الباب هزا عنيفا دون فائدة قائلا: لم تحن الساعة بعد ~~أيها الخاسر. # وكانت فاندا واقفة وراءه ولم تعلم كيف يريد أن ينتقم تيميلون، ولكن قلبها كان ينذرها ~~بانتقام هائل. # فقال تيميلون: أي روكامبول، إنك لم يخطر لك في بال أني أعود، لكنك أخطأت؛ فإن ابنتي ماتت ~~ولم أعد أخشاك، فاقتفيت أثرك واتبعت خطواتك وأحبطت مساعيك؛ وذلك أنك أردت أن تتخلص من السير ~~جمس؛ حذرا على جيبسي، ولكني أنقذت السير جمس وهو سيقتل جيبسي ... إني أريد أن تعرف كل هذه الأمور ~~قبل أن تموت؛ لأنك ستموت ... نعم أيها العزيز، إنك ستموت أفظع موت. # وكان صوته يدل على تألمه وأن جرحه كان بالغا، فأخذ روكامبول علبة الكبريت الشمعي من فاندا ~~ورأى من الثقب باتير وتيميلون ووراءهما جسم لم ينتبه إليه، وكان باتير يعين تيميلون على الوقوف ~~وكلما وقف عاد إلى السقوط وصاح متألما؛ فإن رصاصة روكامبول اخترقت فخذه. # ورأى تيميلون أن روكامبول ينظر إليه فصرخ: لا تفرح لشقائي فإنك ستموت شر موت، ثم زحف قليلا ~~إلى الجهة اليمنى بحيث ظهر برميل البارود لروكامبول، وأدرك قصد تيميلون الهائل، وصاح صيحة رعب ~~وانذعار. # أما تيميلون فإنه قال ms1491 لباتير: أشعل الفتيل الآن واحملني وهلم بنا للخروج من هذه البئر، فنفذ ~~باتير الأمر. # وكان تيميلون يتألم تألما شديدا قائلا لباتير: لنسرع بالرحيل كي لا يضجر هذا العزيز ~~روكامبول، ووضع باتير الفتيل في البرميل وذهب إلى طرفه الآخر وأشعله، وكان هذا الفتيل يبلغ طوله ~~نحو خمسة أمتار بحيث يقتضي له نصف ساعة لتبلغ ناره للبرميل. # وبعد أن أشعل الفتيل حمل تيميلون على كتفيه وخرج به، والاثنان يودعان روكامبول بأفظع عبارات ~~التهكم ... # وظل روكامبول ناظرا إليهما حتى تواريا عن أبصاره والفتيل يشتعل ببطء. # وبعد عدة ثوان سمع روكامبول صيحة كبيرة من تيميلون تلاها شتم قبيح، وأصغى مع فاندا فسمعا ~~تيميلون يقول: تبا لك من خائن. # ورد باتير: ليس لدي حبل، ولا أستطيع أن أصعد بك إلى سطح البئر، وليس الذنب ذنبي إذا كنت ~~ثقيل الجثة مكسور الساق. ~~- إذن أتتركني هنا؟ ~~- ذلك لا بد منه. # وكان صوته يدل على أنه بات خارج البئر، فصرخ تيميلون: تبا لك من خائن سافل، ثم انقطعت ~~الأصوات. # وسرى إلى نفس روكامبول بعض الرجاء قائلا: لا بد له من إطفاء الفتيل؛ كي لا يموت معنا، إلا ~~أن هذا الرجاء لم يلبث طويلا؛ لأنه شاهد تيميلون يزحف زحف الأفاعي حتى وصل إلى البرميل فنام ~~بقربه قائلا بلهجة وحشية تدل على الانتقام: إذن لنمت جميعنا. # وكان الفتيل لا يزال يشتعل، فأيقن من صدق عزمه، فضم فاندا إلى صدره وتمتم: يجب أن ~~نموت. # 37 # بينما كان الفتيل يشتعل، وبينما روكامبول وفاندا وتيميلون ينتظرون تلك الساعة الهائلة حين ~~يصل إلى البارود ويحدث ذلك الانفجار، كانت حوادث أخرى تجري في خمارة فيرابو. # وقد علمنا أن روكامبول لم يشأ أن يصحب معه ميلون، وأمره أن يتولى مع أفراد العصابة حراسة ~~جيبسي، فلما خلا ميلون بأصحابه أخبرهم بأمر الرئيس قائلا لهم: إن قلبه ينذره بحدوث ~~مكروه. # وفيما هم يتحدثون في الخمارة رأوا مرميس دخل إليهم وهو حافي القدمين وبملابس النوم، ووضع ~~إصبعه في فمه؛ إشارة إلى وجوب الصمت! # فأيقنوا أن الأمر خطير، وسأله ميلون ms1492 عما جرى، فقال له: لقد عبثوا بنا وبالرئيس أيضا ونحن ~~غافلون كالأطفال، ثم التفت إلى الخمار وسأله: ألم تضعوا الإنكليزي في البئر؟! ~~- نعم. ~~- ولكنه نجا ... # فذعر الحاضرون وقالوا: كيف ذلك؟! وبأية طريقة؛ فإن الباب لا يزال مقفلا؟! ~~- لا أعلم ولكننا لا نزال قادرين على أسره لحسن الحظ؛ لأنه يقيم بيننا في هذا البيت، وفي ~~غرفة هذا الرجل الذي يدعي أنه شيخ الخدامين، وقد عرفت ذلك في هذه الساعة؛ إذ سمعت جيبسي تصيح ~~وقد أتاها الكابوس، فأسرعت إليها ودخلت إلى غرفتها المظلمة فرأيت نورا ينفذ من ثقب صغير في ~~الجدار الفاصل بين غرفتها وغرفة شيخ الخدامين، فخطر لي أن أعلم ما يصنع هذا الشيخ في هذه الساعة ~~المتأخرة من الليل، فصعدت على كرسي ونظرت من الثقب، ورأيت الإنكليزي بعينه جالسا حول طاولة ~~وعليه علائم التفكير، وإذا كنتم في ريبة مما أقوله فاخلعوا نعالكم واصعدوا إلى الغرفة تروا ما ~~رأيت. # وصعدوا جميعهم إلى الغرفة وجعل كل واحد منهم ينظر من الثقب فيرى السير جمس ويرجع ~~منذعرا. # ولما تحققوا مما قاله مرميس خرجوا من تلك الغرفة؛ كي لا يسمع السير جمس حديثهم، وجعلوا ~~يتشاورون فقال ميلون: ماذا يجب أن نصنع؟ # فأجابه مرميس: إن الأمر بسيط. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الرئيس لم يسجنه في البئر إلا بغية إبعاده مؤقتا، فتعالوا معي وأنا أقضي هذه ~~المهمة. # ثم مشى إلى الباب فأوقفه الخمار قائلا: إني لا آمن دهاء الإنكليز، وهذا الرجل قد يكون ~~مسلحا، فاصبروا إلى أن أحضر مطرقتي؛ فإنها تقتل بضربة واحدة. # ونزل الخمار إلى خمارته ووقف ميلون ومرميس عند باب الغرفة، ولما عاد الخمار بمطرقته قرع ~~مرميس الباب فسمع صوت اهتزاز كرسي مما يدل على أن جمس وقف بعنف، وصبر مرميس هنيهة ثم قرع الباب ~~ثانية، ولم يفتح، فأوعز إلى ميلون بكسر الباب فصدمه بكتفه صدمة قوية فانفتح ودخل الثلاثة، ~~فرأوا السير نيفلي واقفا وعليه علائم الذعر والرعب؛ إذ عرف مرميس وميلون. # وعند ذلك أشار مرميس إشارة إلى ميلون فانقض على الرجل وضغط على ms1493 عنقه حتى أوشك أن يخنقه، ~~وأسرع الخمار بمطرقته ورفعها فوق رأسه وهو يقول: إذا فهت بكلمة فأنت من الهالكين. # وأشار السير نيفلي بيده إلى أنه يطيع، فقال مرميس: دعه إذن يا ميلون فإننا سنتحدث قليلا، ~~وأقفل الباب، لكن مرتون دخلت مع كلبها قبل أن يقفله وقالت: وأنا أريد أن أكون معكم. # ثم دنا مرميس من السير نيفلي قائلا: لا حاجة بنا أيها الميلورد أن نسألك عن اسمك فإننا ~~نعرف أنك تدعى السير نيفلي زعيم الخناقين في لندرا، لكننا نريد أن نعلم كيف أصبحت هنا وقد دفناك ~~في القبو منذ يومين؟! ~~- إن معرفة ذلك بسيط؛ فإن أصحابي أنقذوني. ~~- هذا لا يخفى علينا، ولكننا نريد أن نعرف من هم هؤلاء الأصحاب، فإذا بحت لنا بأسمائهم ~~أبقينا عليك حتى يعود الرئيس فإنه لم يصدر إلينا أمر بشأنك، ولكنك إذا أصررت على الكتمان قتلناك ~~ولا ينكر علينا الرئيس هذا القتل. # فاصفر وجه نيفلي ولكنه أصر على الكتمان قائلا: افعلوا بي ما شئتم؛ فإني لا أعرف الذين ~~أنقذوني. # فرد مرميس: احذر؛ فإن وقتنا أقصر من تضييعه في المخابرات. # وقال ميلون: الأمر واضح؛ فإنه لم يوجد في غرفة المستأجر الجديد إلا لأن هذا المستأجر أراده ~~فيها. # فابتسم السير نيفلي وقال: ربما! # ولم يصدق الخمار هذا القول فسألهم: كيف يستطيع مثل هذا الشيخ عمل مثل هذه الفعال؟! # ورد ميلون: لم يبق عندي أن هذا الشيخ شريك الإنكليزي وأنه عبث بنا كلنا. # فنظر مرميس إلى السير نيفلي وقال له: قل لنا اسم هذا الشيخ. # فهز كتفيه قائلا: لا أعلم. ~~- احذر من العناد وإلا قتلتك. # فاعترض ميلون قائلا: كلا إن الرئيس لم يأمرنا بقتله. ~~- ولكن الرئيس قد يكون معرضا لأشد الأخطار في هذه الساعة! # وبرقت عينا السير نيفلي بأشعة الفرح، وعوى كلب مرتون وقد عض ثوبا لتيميلون فقالت: لا شك أن ~~هذا الثوب ثوب عدو. # وخطر لميلون خاطر، فسأل الخمار أن يصف لهم هذا الشيخ، ولما أتم الخمار وصف شيخ الخدامين صرخ ~~ميلون: إنه قد يكون تيميلون! # وعند ذكر ms1494 هذا الاسم نظر مرميس فجأة إلى السير نيفلي فرأى أنه قد بدرت منه حركة استدل منها ~~على أنه حقيقة تيميلون، وجعل الكلب ينبح نباحا شديدا فقال مرميس: إني أشترك مع ميلون بظنه، ~~بل أثق أن هذا الشيخ هو تيميلون بعينه، وأن الرئيس يحدق به خطر شديد، فإذا لم يقل لنا هذا ~~السير أين هو تيميلون قتلناه. # إلا أنه أنكر فقالت مرتون: لا حاجة إلى ذلك فقد قال الرئيس لميلون: إنه ذاهب إلى الآبار ~~الكائنة وراء الشارع الأميريكي، وأنا أعرف طرق هذه الآبار وكلبي يقتفي أثر تيميلون. ~~- إذن شدوا وثاقه، ولتأخذ مرتون ثوب تيميلون فإنه يعين الكلب على اقتفاء أثره. # وقد عادت إلى مرميس تلك السيادة التي كانت له على العصابة في لندرا، وأمر بإنزال السير ~~نيفلي إلى القبو، ووضعوه في برميل فارغ وهو موثوق اليدين والرجلين، وأمر شانوان بالوقوف بسلاحه ~~أمام البرميل حتى يعودوا، ثم أمر الخمار بالوقوف أيضا على باب غرفة جيبسي فلا يفارقه لحظة، ~~وبعد ذلك أخذ مسدسا وخنجرا وكذلك ميلون وخرجا تصحبهما مرتون وكلبها فركبوا مركبة إلى الشارع ~~الأميريكي. # ولما وصلوا إليه أطلقوا سراح المركبة وأخرجت مرتون ثوب تيميلون وأظهرته للكلب ثم قالت: ابحث ~~عن تيميلون. # ونبح الكلب أمامهم نباحا شديدا، وانطلق أمامهم إلى جهة الآبار في الطريق التي سلكها ~~تيميلون وروكامبول والثلاثة يتبعونه وهم واثقون من فوزه؛ لأنه كان يشم التراب حينا ثم يندفع ~~بالسير بعد أن ينبح مما يدل على أنه عرف الأثر. # وظل هذا دأبه نحو ساعة، وهو يسير بهم من بئر إلى بئر حتى انتهى إلى تلك الحديقة المسورة ~~ودخل إليها، فوقف عند فم البئر المسجونة فيه فاندا فجعل ينبح نباحا شديدا، فدخلوا جميعهم إلى ~~الحديقة وسمع مرميس أصواتا مختلفة كأنها خارجة من جوف الأرض، فوقف مع رفيقيه على مسافة بضع ~~خطوات من فم البئر قائلا لهما: اصبرا لنرى ما يكون من الكلب. # وفي الحال رأوا رجلا خرج من فم البئر فلم يعترضه الكلب، بل إنه دنا من البئر وجعل ينبح، ~~أما الرجل ms1495 فإنه حين صعد من البئر جعل يعدو كمن يحاول الفرار، ولكن ميلون هجم عليه وقبض على ~~عنقه، فأسرع إليه مرميس ولم يكد ينظر إليه حتى عرف أنه باتير زعيمه القديم. # وحاول باتير التخلص من ميلون قائلا له: دعني. # لكن ميلون صرعه إلى الأرض وركع على صدره وسأله: إذا أردت الحياة فقل لي: أين ~~روكامبول. # فلم يجب فوضع خنجره على عنقه ووخزه به وهو يقول: قل في الحال أو أغمدت في عنقك ~~الخنجر. ~~- لا أعلم أين هو. ~~- كذبت أيها السافل، ثم وخذه في عنقه ثم تابع: قل أو أقتلك. # فصاح باتير صيحة ألم وقال: إنه سيهلك وأنت أيضا تهلك مثله إذا لم تدعني أهرب وتهرب ~~معي. # فنظر إليه ميلون نظرا طائشا وصاح به: أوضح ما قلته! ~~- بعد خمس دقائق ينفجر البارود ونهلك جميعنا. # فذعر ميلون حتى إنه رفع رجله من فوق صدره دون أن ينتبه فنهض باتير وحاول أن يهرب، إلا أن ~~ميلون قبض عليه بيد من حديد فجعل باتير يصيح قائلا: دعني أفر أو يقضى علينا جميعا، وكان ~~يتكلم وأسنانه تصطك من الخوف. # ولما رأى أن ميلون لا يتركه أجاب: إن روكامبول وتيميلون في هذا البئر ويوجد فيها تحت ~~أقدامنا برميل من البارود فيه فتيل يشتعل وسينسف كل ما في هذا المكان. # ولم يكن مرميس قد فاه بكلمة إلى الآن، فلما سمع حديث باتير صاح صيحة منكرة وأسرع إلى ~~البئر فألقى نفسه فيها وكان الكلب قد سبقه منذ حين. # أما ميلون؛ فإن عينيه جحظتا من الغضب فقال لباتير: إنك لا تسمع صوت هذا الانفجار أيها ~~الشقي، ثم أغمد خنجره في صدره فهوى إلى الأرض يتخبط بدمائه. # ومع ذلك فقد كان ذلك الفتيل الهائل مستمرا في اشتعاله وكان تيميلون مضطجعا بجانب البرميل ~~ينتظر الموت بسكينة، وجعل روكامبول يهز الباب هزا عنيفا دون أن يتمكن من كسره حتى سئمت نفسه ~~وأوشك أن يجن من يأسه، فإنه كان يريد الموت لنفسه، غير أنه كان يريد إنقاذ فاندا، فنادى تيميلون ~~من كوة الباب وقال ms1496 له: أنا أعلم أنك تريد موتي ولا أسألك العفو عني، ولكن أيروق لك أن تدع هذه ~~المرأة تموت؟ # ولم يجبه بشيء، وعاد روكامبول إلى الحديث وهو ينظر نظرات الاضطراب إلى دنو النار من البرميل ~~وقال لتيميلون: إني أقسم لك أن أغمد هذا الخنجر في قلبي إذا كنت تنزع هذا الفتيل. # فضحك تيميلون وأجاب: إنك خلقت حسن الطالع؛ فقد تخطئ يدك قلبك. ~~- إنك لا تطفئ النار إلا متى وثقت من موتي؟! # وكان يقول له هذا القول بلهجة المتوسل، فأكبت فاندا على عنقه وقالت: كلا، بل أموت ~~معك. # وعاد روكامبول إلى استعطاف تيميلون: لا أنكر أنك تكرهني كرها لا ألومك فيه على قتلي، ولكن ~~أيخلق بك أن تغمس يدك في جريمة قتل امرأة؟! # فأجابه تيميلون بلهجة المتهكم: ألعلك أشفقت على ابنتي حين أخفتها من الموت فأمتها من ~~الخوف؟ # فأطرق روكامبول برأسه هنيهة ثم استل خنجره قائلا: إني سأقتل نفسي ومتى رأيتني قتيلا؛ فقد ~~تشفق عليها وعلى نفسك. # غير أن فاندا انقضت على يده واختطفت منه الخنجر وقذفته من ثقب الباب فوقع بعيدا عن تيميلون ~~وقالت: إن الموت معك أحب إلي من الحياة. # فأن روكامبول أنينا مزعجا وجعل تيميلون ينظر إلى النار تدنو تباعا إلى البرميل، وعند ~~ذلك عانقت فاندا روكامبول فجأة وقالت: أتسمع؟ ~~- ماذا؟! ~~- نباح كلب فوق سطح البئر التي نحن فيها. # وكان هذا الكلب كلب مرتون؛ فإنه بعد أن أزال الأدغال عن فم البئر شم رائحة تيميلون فنبح هذا ~~النباح ثم قالت: إن قلبي يحدثني بأنهم قادمون لإنقاذنا ... ~~- من تظنين هذا القادم؟ ~~- لا أعلم، ولكني لا أزال أرجو. # ثم نبح الكلب نباحا ثانيا ولكن نباحه كان بعيد المدى، فنظر روكامبول إلى الفتيل وقال: ~~أمل باطل. ولكنه ما لبث أن قال هذا القول حتى رأى على نور الفتيل الضعيف شبحا أسود انقض فجأة ~~انقضاض الصاعقة على تيميلون. # فقالت فاندا: هو ذا كلب مرتون فقد عرفته. # فقال روكامبول وقد رآه انقض على تيميلون: ولكنه لا يعرف كيف يطفئ الفتيل، وا أسفاه! # أما الكلب ms1497 فإنه نشب أظافره في عنق تيميلون فجرى بينهما عراك هائل، وحاول تيميلون أن يأخذ ~~الخنجر الذي ألقته فاندا فلم يهتد إليه فجعل يدافع عن نفسه بيده، ولكن الكلب كان ينهكه أيضا ~~فإذا نجا تيميلون منه هنيهة عاد إلى الوثوب عليه وإرهاقه بالعض، فكان روكامبول يرجو أن يقع حين ~~وثوبه على الفتيل فينزعه من البرميل ولكنه كان محكم الوضع. # أما تيميلون فقد جاهد في وقاية نفسه من الكلب فلم يفلح ولم يمر به هنيهة حتى تغلب عليه ~~الكلب وانقطع صوت تيميلون؛ فإن الكلب خنقه، فقال روكامبول: إننا نموت وقد انتقم لنا على ~~الأقل. # وكان الفتيل قد قرب من البرميل فلم يبق بين النار وبينه غير قيد إصبعين، فقال روكامبول: لقد ~~انقطع كل رجاء، وركع وجعل يصلي إلى الله ملتمسا الصفح عن ذنوبه. # وركعت فاندا أمامه وقالت: أحبك، فإذا لم نلتق في الحياة التقينا بعد الموت، وعزائي أني ~~أموت بين يديك. # ولم يبق غير مقدار دقيقة واحدة لاشتعال البارود. # وعند ذلك سمع الاثنان صوت جسم هبط إلى أرض البئر، وصوت رجل يقول: لقد زال الخطر. # وكان هذا الرجل مرميس؛ فإنه أسرع إلى الفتيل فانتزعه من البرميل. # وعند ذلك شعر روكامبول أن فاندا أغشي عليها بين يديه فقال: إن الله لم يأذن لي أن أموت، فلا ~~شك أنه لم يصفح عني بعد. # 38 # بعد يومين من هذه الحوادث التي رأيناها؛ أي بعد أربعة أيام من اختطاف فاندا من منزلها، جعل ~~خدم هذا المنزل يتشاورون فيما يفعلونه حينما قنطوا من عودة السير جمس وفاندا، فاقترح أحدهم ~~إبلاغ البوليس، وقال آخر: بل السكوت أولى؛ فإن أسيادنا قد يعودون وربما ساءتهم معرفة البوليس ~~بأحوالهم. وطال الجدال بينهم حتى ارتأى أحدهم سرقة ما خف وغلا من المنزل وتركه وشأنه إلى أن ~~يعود أصحابه، فلقي هذا الفكر استحسانا من الجميع وعولوا على إنفاذه. # وفيما هم يتناقشون في أي الحاجات يسرقون ويعدونها ويتفقون على اقتسامها؛ إذ طرق الباب ~~فاضطربوا جميعهم وأسرع أحدهم إلى الباب وفتحه ، فدخلت فاندا وعليها علائم ms1498 عدم الاكتراث كأنها ~~برحت المنزل منذ ساعة، حتى إنها لم تسأل الخدم إذا كان أحد قد جاء في غيابها؛ فنقض رجوعها خطة ~~هؤلاء الخدم؛ لأنها سواء كانت خليلة السير جمس أو حليلته؛ فإنها كانت السيدة الآمرة في البيت، ~~ولا يسع الخدم إلا الامتثال لها، فدخلت توا إلى غرفتها ونادت الخادمة فأمرتها أن تعينها على ~~خلع ملابسها. # وبعد ذلك بساعة وقفت مركبة عند باب المنزل وخرج منها روكامبول فدخل وعرف الخدم أنه صديق ~~السير جمس، وكانت علائم السكينة بادية عليه مثل فاندا كأنهما لم يلقيا شيئا من الأخطار منذ ~~يومين. # أما روكامبول فإنه دخل إلى الدار دخول صاحبه، ولم يسأل هذه المرة عن السير جمس بل قال ~~للخادمة: هل السيدة في قاعة الاستقبال أو في غرفتها؟ ~~- بل في غرفتها. # فذهب توا إليها فقبل يدها وجلس بقربها. # وخلا الخدم بعد ذلك إلى بعضهم وكلهم مستغربون مما رأوه، فاتفق رأيهم على أن السيدة كانت ~~خليلة الإنكليزي فاستبدلته بالفرنسي وقرروا أن لا بد من الطاعة وحمد الله؛ لعدم تسرعهم بنهب ~~المنزل. # أما روكامبول فإنه خلا بفاندا ودار بينهم الحديث الآتي فقالت فاندا: لا أزال أيها الرئيس ~~أحسب نفسي حالمة؛ لفرط ما مر بنا من الغرائب في هذه الأيام. ~~- الحق أننا نجونا من خطر لم أجد أشد منه فيما مضى من عجائب حياتي، ولولا أن أدركنا ~~مرميس لكنا من الهالكين. ~~- الحمد لله فقد صفا لنا الجو ولم نعد نخشى تيميلون ولا باتير. ~~- إن تيميلون قد مات، وباتير أصيب بجرح بالغ، وهو إما أن يلقى حتفه كما يقول الطبيب، وإما ~~أن يعيش معتوها، وفي الحالين لا يخشى أن يبوح بأسرارنا. ~~- ألا تقول لي الآن، أيها الرئيس، لماذا أردت أن أعود إلى هذا المنزل؟ ~~- لأن المنزل لك وعقد شرائه مسجل باسمك. ~~- والسير نيفلي ماذا نصنع به؟ ~~- يقيم معك في هذا المنزل. # فانذهلت فاندا وقالت: كيف ذلك؟! أما عزمت على أن تبقيه في قبو الخمارة؟! ~~- كلا، بل يقيم معك، ويكون في أسرك بحراسة ميلون . ~~- والخدم؟ ~~- نطلق سراحهم بعد ms1499 أن نعطيهم راتب شهر على سبيل المكافأة، ونستبدلهم عند ذلك بنويل ومورت ~~وشانوان وميلون ومرتون ومرميس وجيبسي، فيكون جميع من في المنزل أعوانا لنا، بل يكون لنا جيش ~~نجعل مركزه العام في هذا الشارع. # فلم تفهم فاندا المراد من كل هذا وقالت له: وبعد ذلك؟ ~~- كيف تسألينني هذا السؤال؟ ألا تعلمين أن مشروعنا لم يتم شيء منه بعد؟! وهل قبضنا على ~~ملايين جيبسي؟! ~~- أصبت، ولكن كيف السبيل إلى هذه الأموال؟! ~~- إنه سر من أسراري لا أستطيع أن أبوح به الآن. # 39 # ولنعد الآن إلى السير نيفلي، لقد تركناه مقيدا في البرميل بحراسة أحد أفراد العصابة، فلما ~~عاد مرميس وميلون إلى الخمارة أخبر مرميس الخمار وحارس نيفلي جميع ما اتفق لهم، وكان السير يسمع ~~الحديث فيئس يأسا شديدا حين علم أن تيميلون قد مات وهو المعين الوحيد الذي كان يعتمد عليه في ~~إنقاذه من روكامبول. # وبعد أن فرغ مرميس من حكايته قال: إن الرئيس لا يحضر إلى هنا ولكنه يأمر أن ينقل هذا ~~الإنكليزي إلى القبو، إلى أن يصدر بشأنه أمر جديد. # فامتثلوا لأمر الرئيس وأخرجوه من البرميل إلى القبو، وأقام فيه ثلاثة أيام لم ير في خلالها ~~غير ميلون؛ إذ كان يأتيه مرتين في اليوم، فيحل وثاقه ويقدم له الطعام إلى أن يفرغ من الأكل فيشد ~~وثاقه كما كانوا يفعلون بفاندا. # وبقي على ذلك ثلاثة أيام، وفي الليلة الرابعة جاء ميلون ومرميس ونويل فأخرجوه من القبو ~~ووضعوه في صندوق كبير معد لنقل البضائع، بعد أن شدوا وثاقه ووضعوا الكمامة في فمه، ثم حملوه ~~على مركبة نقل إلى المنزل الذي تقيم فيه فاندا، وهناك أدخلوا الصندوق إلى المنزل ثم فتحوه ~~وأخرجوه منه، فوجد نفسه أمام روكامبول. # فقال له روكامبول: أسالك العفو يا حضرة الميلورد؛ لأن رجالي قد تعودوا الغلظة. # ثم أشار إلى ميلون ففك قيوده وخرج وبقي روكامبول وحده مع السير نيفلي فسأله: أتريد أن نتحدث ~~الآن؟ ~~- ليكن ما تريد، فلا أحب إلي من هذا. ~~- لكن لا بد لك قبل ذلك ms1500 من أن تأكل؛ لأنك جائع دون شك، وكذلك لا بد لك من تغيير ملابسك، ~~وهذه غرفتك لا تزال على ما كانت عليه فادخل إليها. # فشكره السير ودخل إلى تلك الغرفة فأقفل بابها، وكأنما قد جال في فكره خاطر الفرار، فأحكم ~~إقفال الباب من الداخل ووضع المزلاج بحيث لا يمكن فتح الباب من الخارج إلا بعد كسره، ثم أسرع ~~إلى النافذة وفي نيته أن يثب منها إلى الحديقة، لكنه تراجع مبهوتا؛ إذ وجد أن قضبان الحديد قد ~~وضعت فيها؛ خلافا لما كانت عليه من قبل، فعلم أنهم حسبوا لفراره حسابا وجعل يفكر في وسيلة ~~أخرى. # وكان من عادته أن يضع مفتاح الخزانة التي يضع فيها ملابسه تحت آنية من الخزف على المغسلة، ~~فرفع الآنية ووجد المفتاح فقال في نفسه: لا شك أن الخزانة لم تفتح؛ لأن المفتاح لا يزال في ~~موضعه. # ثم فتح الخزانة وغير ملابسه المتسخة بملابس نظيفة، وأخرج منها مسدسا وضعه في جيبه بعد ~~أن تيقن أن رصاصاته لا تزال فيه، ولما رأى أن لا سبيل إلى فراره من هذه الغرفة اعتمد على مسدسه، ~~وخرج إلى روكامبول فوجده جالسا حول المائدة وميلون يضع عليها الطعام، فجلس بإزائه وانصرف ميلون ~~فجعل روكامبول والسير نيفلي يأكلان. # وبعد أن أكلا بعد الطعام وشربا زجاجة من الخمر قال له روكامبول: اسمح لي يا حضرة الميلورد ~~أن أبسط لك الحالة؛ كي تفهم ما أريد، فإنك في لندرا زعيم الخناقين. ~~- نعم، ولا أزال مقلدا هذا المنصب. ~~- بورك لك فيه، لكن يظهر أن الخناقين لم يكترثوا لفقد زعيمهم، ثم إني نزعت جيبسي من قبضة ~~السير جورج، فعزلته أنت من منصبه؛ لأنه لم يحسن توليه. ~~- هذا أكيد. ~~- أما السير جورج فإنه برح لندرا دون أن تعلم، وكنت أقل منه كفاءة لهذا المنصب؛ لأنك سقطت ~~في الفخ الذي نصب لك، ووثقت من كره فاندا لي وتدلهت في حبها فعميت عن الرشد، وتبعتها إلى باريس ~~وهنا بدأت حوادثك المكدرة. # فأجابه بجفاء: وبعد ذلك؟ ~~- أسألك الصبر يا سيدي؛ إذ لا ms1501 بد لي من إتمام أقوالي؛ كي أصل إلى ما أريد؛ لأن الأقدار دفعت ~~إليك في باريس مساعدا علمت دون شك كيف كانت عقباه، فأصبحت وحدك لا نصير لك غير أولئك الخناقين ~~الذين لا يحضرون لنجدتك، وبالتالي فإنك ستكون أسيري إلى آخر العمر، إلا إذا خطر لي أن أقتلك ~~وأريحك من الأسر الطويل. # أما وقد أظهرت لك حالتك فاسمح لي أن أعرض عليك شروطي علها توافقك، واعلم أن السير جورج ~~كان شديد التعصب يحسب أن روح أبيه كامنة في جسم سمكة حمراء؛ فكان يخدم الإلهة كالي؛ لأنه كان ~~يعبدها، أما أنت فإنك أوفر منه عقلا وأكثر دهاء وأنت تخدم هذه الإلهة بالظاهر، وأما في ~~الحقيقة فإنك تخدم أغراضا سياسية تحجبها بحجاب الدين، وإنك لم تحاول خنق جيبسي وإحراقها؛ لأنها ~~لم تكن عذراء كما كانت تقضي به عليها أحكام الإلهة كالي، بل لأن لهذه الفتاة النورية ثروة ~~عظيمة تريدون اختلاسها. # فاضطرب السير نيفلي وقال: أتعرف أيضا هذا السر؟! ~~- هذه هي الثروة التي سرقتها مس ألن بالاتفاق مع عشيقها علي رمجاه رئيس الخناقين الأعظم في ~~الهند على أن تقتسم بين الاثنين، أما مس ألن فقد ظفرت بها وستكون في قبضتي حينما أريد. ~~- أحق ما تقول؟! ~~- دون شك! ألا تذكر ذلك القصر الذي بت فيه ليلة مع فاندا في بيكارديا، إن هذا القصر كان لمس ~~ألن وأنت لا تدري، وقد باتت فاندا في إحدى غرفها؛ حيث جاءها الخيال بب خادم أبيها، فكلم فاندا ~~وهو يحسب أنه يكلم مس ألن وعدد لها جميع ذنوبها، أعلمت الآن كيف اطلعت على هذا السر؟! # فاصفر وجه السير نيفلي وقال له: ماذا تريد بهذا الكلام؟ ~~- أريد بها أني سأكره مس ألن على رد الثروة بواسطة ابنها وأريد منك أن لا تعارض في شيء، ثم ~~إني توليت بحمايتي جيبسي النورية وناديا ابنة الجنرال الروسي وأحب أن أتفق معك. ~~- قل شروطك. ~~- هي أن يرجع الخناقون عن مطاردة الفتاتين، وفي مقابل ذلك أطلق سراحك فتعود إلى إنكلترا، ~~وأقسم أني لا أتداخل بعد ms1502 ذلك في شئونك. # وكان السير نيفلي يسمع كلام روكامبول وهو غائص في لجج التفكير فقطع روكامبول تصوره وقال له: ~~لا تؤاخذني يا سيدي إذا ألححت عليك؛ إذ لا بد لي من معرفة حقيقة عزمك في القريب العاجل. # فأجابه السير نيفلي: لا حاجة إلى الانتظار؛ لأنك ستعلم حقيقة أفكاري في الحال وهي رفض شروطك ~~لسببين؛ أحدهما: أني لا أستطيع عصيان علي رمجاه، والآخر: لأني وطنت النفس على الخروج من ~~هنا. # فقال له بلهجة الهازئ: لكن خروجك من هنا لا يكون من النافذة فيما أظن. ~~- كلا إني أعلم أنك طوقت جميع النوافذ بالحديد، لكني لا أجد ما يمنعني عن الخروج من ~~الباب. # ثم وقف فجأة وقد توقدت عيناه كالجمر وأخرج المسدس من جيبه، فوثب روكامبول مسرعا إلى ~~الباب، فقال له السير نيفلي: افتح هذا الباب أو أطلق النار عليك. # فظهرت عند ذلك علائم الخوف على روكامبول وصاح مستغيثا بميلون، فقال له السير نيفلي: إنه ~~يصل إليك لكن بعد أن تموت. # ثم أطلق المسدس فلم تخرج رصاصته ولم يسمع غير صوت الكبسول، فأطلق طلقا ثانيا ثم ثالثا، ~~فكان نصيبهما نصيب الأول، وعند ذلك سمع السير نيفلي قهقهة روكامبول، فعلم أنه قد عبث به وسقط ~~المسدس من يده، وكان روكامبول قد صنع بمسدس السير جمس كما فعل به زامبا من قبل في رواية «الغادة ~~الإسبانية». # وبعد أن ضحك روكامبول ضحكا طويلا نادى ميلون فلما جاءه قال له: أرى أنه صار ينبغي أن ~~نتخلص من هذا الرجل. # فأيقن نيفلي هذه المرة أنه بات من الهالكين. # 40 # ولنعد إلى لوسيان ابن ميلادي الجريح، فنقول: إنه عرف أمه فكانت معرفته بها داعية إلى ~~التعجيل في شفائه، فلما دخل في دور النقاهة تقرر أن يتزوج خطيبته ماري برتود بعد أسبوعين، وكان ~~سروره عظيما في البدء ثم انقلبت مظاهر هذا الفرح إلى مظاهر السويداء؛ وذلك لأنه أراد أن يعرف ~~أباه كما عرف أمه فقالت له أمه: اكتفي بأنك علمت أمك واعلم أنه يستحيل علي الآن أن أصرح لك ~~باسمي ms1503 وباسم أبيك. ~~- أهو حي على الأقل؟! ~~- نعم، ولكني أخشى أنك لا تراه في الحياة. # فأطرق لوسيان برأسه وانقطع عن سؤالها. # وكان فرانز كثير التردد عليه وكلما زارته أمه صحبها إليه، فاتفق مرة أنه باغته وهو ينظر ~~إليها نظرة لا تدل على أنها نظرة خادم أو عشيق، فلما خلا بأمه قال لها: لقد عرفت أبي؛ وهو ~~الماجور هوف. ~~- أقسم لك يا بني إنك منخدع. # فعلم لوسيان أن فرانز عشيق أمه، وزاد بلباله منذ ذلك اليوم. # أما ميلادي فقد كانت تتنازعها عوامل كثيرة، فبينما هي فرحة بلقاء ولدها؛ إذ تنكمش ويضيق ~~صدرها كأنما قلبها كان ينذرها بمصاب أليم، فكانت هذه الظواهر كلها تزيد في هواجس ~~لوسيان. # وبينما كانت يوما عند ولدها؛ إذ دخل الماجور أفاتار عائدا فحياها أمام ولدها تحية لا تدل ~~على أن بينهما شيئا من العلائق، وأقام هنيهة ثم انصرف بعد أن قال لميلادي سرا: إني أنتظرك ~~قرب الباب الخارجي. # وأقامت ميلادي عند ولدها مدة وجيزة، ثم ودعته وخرجت إلى الشارع، فوجدت روكامبول ينتظرها في ~~مركبة فصعدت إلى جانبه وأمر السائق أن يسير إلى المنزل الذي تقيم فيه فاندا. # وكانت ميلادي لم تر روكامبول منذ 4 أيام وهي معتقدة كل الاعتقاد أنه وكيل علي رمجاه فقال ~~لها: لقد طال غيابي عنك يا سيدتي لكني كنت في لندرا وأنا قادم منها الآن. # فاضطربت ميلادي ولم تجسر أن تسأله إذا كان لقي علي رمجاه. # وظلت المركبة سائرة حتى وصلت إلى المنزل، فترجل روكامبول وساعدها على النزول، ثم دخل ~~الاثنان إلى قاعة الاجتماع فجلس كل منهما بإزاء الآخر، ودار بينهما الحديث الآتي، فابتدأ ~~روكامبول: قلت لك يا سيدتي: إني قادم من لندرا. ~~- ألعلك رأيته فيها؟ ~~- من هو؟ ~~- علي. ~~- كلا، لكنه سيكون في باريس قبل 8 أيام. # ورأى روكامبول أن وجهها قد اصفر، حتى باتت شبيهة بالأموات، فقال لها: اسمحي لي يا سيدتي أن ~~أخبرك عما جرى في لندرا؛ كي تعلمي ماذا أريد منك. ~~- تكلم. ~~- لقد تغيرت الوزارة في لندرا يا سيدتي، فتعين لوزارة ms1504 البحرية والمستعمرات رجل ملء قلبه ~~الحزم والثبات والبسالة، فاتفق مع حكمدار الهند وهو لا يقل حزما عنه على إبادة هذه الجمعية ~~السرية التي يدعونها جمعية الخناقين وهي هذه الجمعية الهائلة التي يوجد بين أعضائها كثيرون من ~~أشراف الإنكليز أنفسهم. # فقالت له ميلادي بلهجة الهازئ: إذن قد قضوا عليها بالإبادة! ~~- نعم يا سيدتي، وقد صرح الوزير أنه سيضطر إلى محاكمة كثير من النبلاء؛ لأن أسرار هذه ~~الجمعية التي يتولى رئاستها علي رمجاه قد انفضحت. ~~- من الذي فضحها؟! ~~- هو رجل عرف تاريخ حياة علي رمجاه وماضي مس ألن بركنس. # فأظهرت ميلادي علائم القلق غير أن روكامبول اندفع في حديثه قائلا: وإن هذا الرجل عرف أيضا ~~السبب الذي وشمت من أجله بنات بعض نبلاء الإنكليز بإشارت سرية وكرست للإلهة كالي. ~~- أحق أن هذا الرجل يعرف كل هذه الأسرار؟! ~~- نعم، وقد باح بها للوزير، فوعد الوزير بمعاقبة الآثمين. ~~- إن ذلك صعب لعدة أسباب؛ أحدها: أن هذه الجمعية متسعة متشعبة في جميع الأقطار. ~~- هو ما تقولين، وليس لها على امتدادها وتشعبها غير رئيس واحد وهو علي رمجاه. ~~- ثم إن علي رمجاه لا يقيم في لندرا. ~~- نعم، لكنه سوف يحضر إلى باريس. ~~- وماذا يستطيع البوليس الإنكليزي أن يصنع في هذه العاصمة الفرنسية؟ ~~- لا يستطيع أن يصنع شيئا، لكن الرجل الذي باح بأسرار الجمعية للوزير الإنكليزي تعهد له أن ~~يسلمه علي رمجاه. ~~- دون إذن حكومة فرنسا؟! ~~- دون شك حتى إن البوليس الفرنسي نفسه لم يعلم أن علي رمجاه جاء إلى باريس. ~~- هذا الرجل قد تطرف بوعده ولا أظنه يلاقي غير الفشل. # فتبسم روكامبول قائلا: إنه لم يقتصر في وعده على هذا الحد بل إنه وعد أيضا بتسليم مس ~~ألن. # فاضطربت ميلادي وقالت: كيف ذلك؟! أيسلمني أنا؟! ~~- نعم يا سيدتي؛ إن لديه أوراقا تثبت أن مس ألن قد قتلت أباها الكومندور بالاشتراك مع علي ~~وخادم كان يدعى فرانز. ~~- هذا مستحيل؛ إذ لا سبيل إلى الإثبات. ~~- إنك مخطئة؛ لأن لديه برهانا عظيما، وهو مذكرة كتبها المسيو بب وكيل مس ms1505 ألن فوصلت إلى ~~هذا الرجل وفيها كل ما يحتاج إليه من البراهين القاطعة. # فلم تكترث ميلادي لهذه البراهين وقالت له: أظن أن لك سلطة علي رمجاه فتستطيع تلافي هذا ~~الخطر. ~~- إنك مخطئة يا ميلادي؛ لأن الرجل الذي سيسلم علي ومس ألن وفرانز وزعماء الخناقين هذا الرجل ~~يا ميلادي هو أنا. # فصاحت ميلادي صيحة منكرة ونظرت إلى روكامبول نظرة ملؤها الرعب كأنما هوة عميقة هائلة قد ~~انفتحت بينها وبين روكامبول. # ثم خطر لها أن هذا الرجل هو حقيقة وكيل علي رمجاه لكنه يحاول تجربتها فبقي لها شيء من ~~الأمل. # غير أن روكامبول ضرب على هذا الرجاء وأضاف: لقد كان لك يا سيدتي أخت تدعى مس أنا. # فاضطربت ميلادي وأجابت: أتعرف هذا أيضا؟! ~~- نعم، وأنك خنقتيها. ~~- لست أنا التي خنقتها، بل علي. ~~- إنك وعلي واحد، أليس كذلك؟! # فأطرقت برأسها ولم تجب، أما روكامبول فعاد إلى حديثه قائلا: وإن أختك ماتت عن فتاة تدعى ~~جيبسي، ولهذه الفتاة الحق بإرث أموال أمها التي اختلستموها. # فوقفت ميلادي، وقد اتقدت عيناها بنار الغضب وقالت: كلا هذه الثروة لولدي. # فضحك روكامبول قائلا: أواثقة أنت مما تقولين؟! ~~- قلت لك: إنها لولدي؛ لأني اشتريتها بحياة ملؤها الجرائم واليأس. ~~- إني كنت أنتظر منك هذا الإقرار. ~~- وأنا لا أفهم ما تقول؛ لأني لا أستطيع حل الألغاز! ~~- إذن اصغي إلي؛ إني موضح لك ما خفي عنك، اعلمي أن ابنك شريف جميل باسل، وهو لا يغمس يده ~~بهذه الثروة المدنسة، وإذا قيل لابنك لوسيان: إن هذه النقود التي ستنفقها على زواجك وهذه ~~الهدايا التي ترسلها إلى عروسك وهذا البذخ الذي تعده لها ولك وجميع هذه الأموال قد وصلت إليك من ~~الجريمة، فماذا تظنين أنه يجيب؟! # ورأى روكامبول أنها أنت أنينا مزعجا وأخفت رأسها بين يديها فقال لها: اصغي إلي؛ إن ~~الموقف خطير، وإني أحب الاتفاق معك. # فنظرت إليه وقالت: على ماذا تريد الاتفاق؟ ~~- إني أعرف كل تاريخك، ولدي ما أحتاج إليه من البراهين لإثبات جرائمك، ولا أسهل علي من ~~تسليمك إلى الحكومة الإنكليزية ms1506 ، غير أني لا أفعل هذا إلا حين أقنط من الاتفاق معك. # فقالت له بلهجة المتهكم: أراك يا سيدي كثير الإشفاق فهل تريد أن تخبرني سبب هذه ~~الرحمة؟! ~~- نعم، والسبب هو ابنك ولو لم تكوني أم لوسيان لما وجدت في قلبي ذرة من الرحمة. ~~- إذن لا تسلمني إلى الحكومة. # ثم نظرت نظرة سريعة إلى ما حولها، كأنها قد خطر لها خاطر الفرار، فابتسم روكامبول وقال: ~~اطمئني يا سيدتي فليس في نيتي أن أحبسك عندي، لكنك تخطئين كل الخطأ إذا خرجت من هنا قبل أن نتفق ~~الاتفاق النهائي. ~~- قل: ماذا تريد مني؟ ~~- إنك شديدة الجرأة والدهاء وإذا وقفت أمام المحاكم فقد تنكرين كل ما يتهمونك به كل ~~الإنكار، نعم إن القضاة لا يكترثون لإنكارك ويحكمون عليك لكن ابنك قد يبرئك؛ لما يسمعه من شدة ~~إنكارك وهذا ما أريده، بل أريد أن يكون لك قاضيا واحدا وهو ابنك. # فارتعشت ميلادي وقالت: كلا، إنك لا تبلغ بقسوتك هذا الحد. ~~- بل أعمل أعظم من ذلك إذا لم ترجعي الثروة المسروقة. ~~- أأجرد ابني وأجعله من الفقراء؟ ~~- ذلك لا بد منه. ~~- بل ذلك لا يكون ما دام بي عرق ينبض. ~~- اصغي إلي أيتها السيدة، إن أباك الكومندور بركنس قد مات عن ثروة عظيمة، وقد أوصى بهذه ~~الثروة كلها لأختك مس أنا فأصبحت كلها بيديك. ~~- إن ما تقوله قد يكون أكيدا غير أنه يوجد ما تجهله! ~~- ما هو؟! ~~- هو أني خبأت هذه الثروة في موضع لا يمكن أن تهتدي إليه الحكومة ولا أنت ولا علي رمجاه ~~الذي لم يقبض إلى الآن غير نصف إيراد تلك الثروة الطائلة. ~~- لا أنكر أني لا أعلم موضع الثروة؛ ولأجل ذلك رأيت أن أستخدم الطريقة الوحيدة التي تحملك ~~على الإقرار. # فتظاهرت بنفاذ الصبر وقالت: تريد أن تخبرني أن هذه الطريقة هي ولدي؟ ~~- نعم، إذ لا أجد أفضل منها؛ لأن ابنك متى علم جميع جرائمك ينتحر دون شك ويؤثر الموت على ~~العار. # فصاحت ميلادي صيحة تبين منها ضعفها، غير أن مظاهر هذا الضعف تبدلت ms1507 في الحال، وقالت: ومن ~~يضمن لك أن ابني يصدق ما تقول؟ # فتنهد روكامبول وقال: إن إقناعه منوط بي، والآن انظري يا سيدتي إلى الليل؛ فقد أخذ يبسط ~~جناحيه، ولا أحب أن يخطر لك أني ناصب لك فخا؛ لأن أمثالنا يتحاربون وجها لوجه ولا يستعملون ~~الغدر ويستخدمون أفضل ما لديهم من الأسلحة. ~~- لقد عرفت سلاحك فاعلم أني لا أخشاك. ~~- وأنا محضتك خالص النصح وأمهلك إلى الغد. ~~- وإذا أبيت غدا إجابة سؤالك؟ ~~- يعلم ابنك كل شيء ولا تقع التبعة إلا عليك. ~~- إذن إلى الغد. # ثم وقفت تحاول الذهاب فنادى روكامبول ميلون قائلا له: أحضر مركبة للسيدة. # وبعد ربع ساعة كانت ميلادي سائرة إلى الفندق وقلبها ملؤه الحقد واليأس، ولكنها كانت مصممة ~~على أن لا ترجع فلسا من تلك الثروة المخصصة لابنها. # ولما ذهبت دخلت فاندا إلى غرفة روكامبول وقالت له: إني لم أفهم شيئا أيها الرئيس مما ~~فعلت. # أجابها: إن ساعة العنف والإكراه لم تحن بعد؛ لأن ميلادي شديدة العناد والكبرياء، فهي قد ~~تصعد من تلقاء نفسها إلى درجات المشنقة ولا تخبرنا بمكان ملايين النورية، ونحن نحتاج الآن إلى ~~رد هذه الملايين. # 41 # في الوقت نفسه الذي خرجت فيه ميلادي من عند روكامبول إلى الفندق الذي كانت تقيم فيه في شارع ~~أماريسان، كان قطار باريس قد وقف في المحطة فنزل منه رجل نحاسي اللون أسود العينين والشعر غير ~~أن الشيب كان قد وخط بعض شعره، فكان يظهر في رأسه شبه النجوم وله أسنان ناصعة البياض ولحظ ~~براق. # وكان يصحبه رجلان لهما ذات لونه النحاسي وهما حسنا الملابس، على أنهما لم يكونا غير ~~خادميه. # وكان الرجل قادما من الأستانة إلى باريس بطريق البر، فاجتاز الدانوب وفيينا وألمانيا وهو ~~مسافر بجواز تركي كتب فيه اسمه رستق باشا. # وكان أحد هذين الرجلين اللذين يصحبانه يشغل عنده وظيفة ترجمان، فلما نزلوا من القطار، أحضر ~~مركبة وأمر بنقل الأمتعة إليها، ثم أمر السائق أن يسير بهم إلى الجران أوتيل، وهو الفندق الذي ~~تقيم فيه ميلادي وفرانز. # وبعد ms1508 هنيهة وصلت المركبة إلى الفندق فخرج منها رستق باشا وأمر أن يعدوا له أفضل مكان في ~~الفندق ولم يكن يتكلم إلا بواسطة الترجمان؛ إذ كان يظهر أنه لا يعرف كلمة من اللغة ~~الفرنسية. # وبينما كان خدام الفندق ينقلون أمتعته وخادماه منشغلان بإعداد الغرف التي عينت له جعل رستق ~~باشا، أو هذا الهندي الذي يدعي أنه من الأتراك، يتنزه ذهابا وإيابا على رصيف الشارع. # وكان على ادعائه أنه من الأتراك لابسا ملابس الأوروبيين فلم ينتبه أحد إليه ولم يزعجه ~~المارة بشيء. # وبعد حين جاء الخادم وأخبره أن الغرف قد تهيأت فأشار له أن ينصرف، وبقي يتنزه على الرصيف ~~وينظر إلى المركبات التي تدخل كل حين إلى هذا الفندق الكبير. # وفيما هو على ذلك؛ إذ رأى مركبة قد دخلت إلى الفندق ورأى فيها امرأة صفراء الوجه تدل هيئتها ~~على أنها في اضطراب شديد، فارتعش حين رآها وقال باللغة الإنكليزية: هذه هي مس ألن. # وعند ذلك أسرع ووقف وراء المركبة بحيث لا تراه حين خروجه، أما ميلادي، وكانت هي نفسها عائدة ~~من عند روكامبول، فإنها لما خرجت من المركبة، أسرع إليها أحد خدام الفندق فقالت له: هل عاد ~~الماجور هوف؟ ~~- كلا يا سيدتي؛ إنه لم يعد بعد. # وكانت ميلادي شديدة الاضطراب، وعلائم القلق والحيرة بادية على وجهها؛ بحيث إنها لم تنظر إلى ~~أحد من الذين كانوا حولها، ولم تر ذلك الغريب الذي كان واقفا وراء المركبة وعيناه تتقدان؛ فإنه ~~لم يكد يسمع اسم الماجور هوف يخرج من شفتيها، حتى اضطرب واصفر وجهه اصفرارا شديدا. # أما ميلادي فإنها صعدت والخادم أمامها إلى غرفتها وخلت إلى نفسها. # وقد كانت أظهرت شيئا من الجلد أمام روكامبول، غير أنها حين أتت وحدها فكرت في أمورها ~~فعلمت أنها شديدة التعقيد؛ لا تحل إلا بارتكاب الجرائم الهائلة أو بالتخلي عن المال. # ثم افتكرت أن ولدها إذا عرف آثامها أنكرها واحتقرها وأنف من مالها، بل ربما أفضى به اليأس ~~إلى الانتحار، كما قال لها روكامبول، فهاجتها عواطف الحنو وأوشكت أن ms1509 تجن من اليأس. # ولكنها عادت إلى التفكير بهذه الثروة التي لم تنلها إلا بعد إهراق الدماء، وأنها أودعتها في ~~مكان خفي لا يمكن أن تنالها يد مغتصب، فعز عليها تسليمها، لا سيما وقد عودت ولدها عيشة البذخ ~~والترف وقالت له حين عرفته: إنك أغنى غني في فرنسا. فكيف تستطيع أن تقول له الآن: إنك أفقر ~~فقير؟! # وقد علمت من محادثتها مع روكامبول أنه خصم شديد عنيد لا يسلم من يخوض معه في مجال الأخطار، ~~فإذا لم يسرع خصمه بالتأهب كان من الخاسرين لا محالة. # ولم يكن لديها غير رجل واحد يستطيع أن يخدمها في مثل هذه المهمات؛ وهو فرانز، فأسرعت إلى ~~الاجتماع به ولكنها وجدت أنه لم يعد بعد إلى الفندق كما تقدم. # أما فرانز أو الماجور هوف فإنه كان يقيم معظم الليل في النادي مع اللاعبين ولا يعود إلا بعد ~~انتصاف الليل. # وكان جميع من في الفندق يعلمون اتصال فرانز وميلادي، ونادت ميلادي الخادم الذي لقيته حين ~~وصولها وأمرته أن لا ينام قبل عودة الماجور هوف، وأن يخبره حين عودته أنها بانتظاره. # وانصرف الخادم وفتحت ميلادي نافذة غرفتها ووقفت تستنشق الهواء البارد؛ إخمادا لثورة غضبها ~~المتوقد في فؤادها. # ولبثت على هذه الحالة نحو ساعة وهي تفكر في طريقة تعينها على الفرار من روكامبول وإنقاذ ~~ولدها منه وأمنها مطاردته، فلم تجد لذلك وسيلة. # وفيما هي على ذلك سمعت وقع أقدام في الرواق المتصل بغرفتها فقالت في نفسها: هو ذا فرانز قد ~~عاد، ثم سمعت بابها يطرق فأذنت للطارق بالدخول. # وعند ذلك فتح الباب ودخل منه رجل لم تكد تراه ميلادي حتى ذعرت ذعرا شديدا، وكاد يغمى ~~عليها من الخوف. # أما هذا الرجل فلم يكن روكامبول ولا فرانز، بل كان ذلك الرجل الذي انتحل لنفسه اسم رستق ~~باشا، فتقدم من ميلادي ببطء وهو مشبك يديه فوق صدره قائلا لها: أعرفتيني يا مس ألن؟ # فوهت ركبتاها وسقطت على كرسي كانت واقفة بالقرب منه وهي تجيب: علي رمجاه! # فاستل علي خنجرا؛ لأن هذا ms1510 الهندي المتنكر كان علي رمجاه رئيس الخناقين الأعظم في الهند ~~وأجابها: نعم أنا هو علي رمجاه وقد أتيت لعقاب الخائنين! # 42 # وكان علي رمجاه ينظر إليها نظرات هائلة ويدنو منها والخنجر مشهر بيده، وهي تنظر إليه مبهوتة ~~وأسنانها تصطك من الخوف. # ثم دنا منها أيضا وقال: أي مس ألن، أين ضاعت تلك العهود والمواثيق؟! وكيف نكثت بذلك ~~الأيمان ...؟ إنك لا تجيبين بحرف ولكني أعرف كل شيء؛ فإن قلبك قد ملكته لسواي وأنت تكرهينني ~~الآن. # فركعت أمامه وقالت: أسألك العفو؟ ~~- لا عفو عندي ولا رحمة وسيكون الموت عقابك وعقاب فرانز، ولكني أريد أن أعرف قبل ذلك: أين ~~ولدي؟ # وقد تهدج صوته حين قال ولدي وبدت فيه لهجة الحنان، كأنما هذه اللفظة كانت ماء على جمر غضبه ~~المتوقد. # أما ميلادي فكانت تنظر إليه برعب، لكنها على رعبها كانت تبدو عليها ملامح الإعجاب به؛ لأن ~~شمس الهند المشرقة لم تؤثر على جماله، ولم تحدث تلك الأعوام الطويلة أقل أثر في جبينه، فكان ~~لديها كما نظرته لأول مرة. # وعاد علي إلى القول: أين ولدي؟ # وكان الخنجر لا يزال في يده غير أن لهجة حنوه طمأنت ميلادي، فقالت له: إنه في باريس أراه كل ~~يوم وهو يعبد أمه عبادة. # وألقى علي خنجره كأنه يخشى أن تسبقه يده إلى الانتقام وكانت ميلادي لا تزال راكعة فقالت له: ~~لا أنكر أن زلتي عظيمة ولكنني أرجو أن يكون عفوك أعظم، فإنك هجرتني عشرين عاما لم أرك فيها ولم ~~تكتب لي في خلالها حرفا، بل كنت تصدر إلي أوامرك الهائلة بواسطة عبيدك! ألم تمنعني كل هذا ~~الدهر أن أرى ولدي؟ ألم أعش هذا العمر معتزلة عن الناس كما يعيش النساك، وأنا أنتظر عودتك دون ~~أن يتحقق هذا الرجاء؟ ~~- لم يكن أمري بيدي وأنت تعلمين المنصب الذي كنت فيه. ~~- أما أنا فقد كنت وحدي مسترسلة إلى الأحزان تتمثل لي ذنوبي، ويقتلني تقريع الضمير، وليس ~~لدي صديق أئتنس به وأفرج بعشرته همومي، وقد تركت لي في خدمتي رجلا أنت جعلته شريكا ms1511 لي في ~~الجريمة، وهو رجل شقي سافل، غير أنه كان عارفا بأسرار جرائمي فلزمني لزوم ظلي وتدله ~~بغرامي. # ثم زحفت على رجليها إلى علي رمجاه وقد شعرت أن حب هذا الرجل قد عاد إلى فؤادها، وعادت سلطته ~~القديمة، وهو الرجل الذي أغرت فرانز على قتله، وقالت بلهجة القنوط: نعم، إني كبحت جماح نفسي ~~أعواما طويلة، لكن هذا الرجل الصبور تغلب على علي رمجاه في ساعة ضعفت فيها نفسي ونكثت بعهودي ~~وخنت عهدك المقدس، فأنا أستحق أفظع موت فاقتلني كما تشاء، لكني ألتمس منك أن تأذن لي قبل الموت ~~أن أرى ولدي. # فأوقفها علي بيده ونظر إليها نظرا طويلا وهي منكسة الطرف وقال لها: إنك لا تزالين ~~جميلة. # وعلمت ميلادي أنها نجت من قبضته. # أما علي فقد تابع بعد سكوت طويل: إني أريد قتل هذا الرجل وسأقتله لا محالة. # فأطرقت ميلادي برأسها إلى الأرض وقد تخلت عن الماجور هوف. # وعاد علي إلى الحديث فقال: إني الآن حر وقد سلمت سلطتي الهائلة التي طالما أقصتني عن ~~أوروبا، فلم أعد أدعى علي رمجاه زعيم الخناقين، بل أنا أدعى الآن رستق باشا، فلا تستطيع حكومة ~~الهند والحكومة الإنكليزية وصولا إلي، وأنت غنية وأنا غني وقد أتيت للبحث عنك. ~~- إلى أين تريد أن تذهب بي؟ ~~- إلى البلاد الأميريكية؛ فإن سفينة لي تنتظرني في الهافر. ~~- وولدنا؟! ~~- يسافر معنا ... ~~- ولكنه شاب جميل عازم على الزواج ... ~~- إذن تسافر خطيبته معنا ... # وبينما كان علي رمجاه يخاطبها كانت تتذكر ما قاله لها الماجور أفاتار والشروط التي عرضها ~~عليها قبل ساعة؛ فأخذت يد علي رمجاه بين يديها وقالت له بصوت مضطرب دل على مبلغ خوفها: أتظن يا ~~علي أنك حر؟! ~~- دون شك! ~~- ولكنك منخدع فقد يقبضون علينا ونصبح أسيرين بعد يومين. ~~- ومن الذي يأسرنا؟! ~~- تقبض علينا الحكومة الإنكليزية فتحاكمك بصفتك زعيم الخناقين، وتحاكمني أنا لقتلي ~~أبي. # فضحك ضحكا عاليا وقال: إنك تعلمين أن الحكومة الإنكليزية عينت جائزة عظيمة منذ أعوام ~~كثيرة لمن يأتيها برأسي، ولا يزال هذا الرأس مركبا على هذا ms1512 البدن كما ترين! ~~- ولكن خطر اليوم غير خطر أمس. ~~- كيف يكون هذا الخطر؟! وكيف يقبضون علي وأنا مسافر بجواز عثماني وأدعى رستق باشا؟! ~~- إنك منخدع فليست الحكومة التي تقبض عليك بل الماجور أفاتار. # ثم قصت عليه جميع ما جرى لها مع روكامبول، ولما أتمت حديثها ضحك علي رمجاه قائلا: أيوجد من ~~يجسر على التعرض لي؟! إذن سأسحقه سحق الزجاج! ~~- وهو يسحقك. # وغضب علي ولكنه ما لبث أن عاد إلى السكينة فقال: تقولين: إن هذا الرجل أمهلك 24 ساعة ~~للتفكير؟ ~~- نعم ... ~~- ولكننا سنكون خارج باريس قبل هذه المدة أنا وأنت وولدنا وخطيبته. # وفيما كان علي يتكلم، سمع وقع أقدام في الرواق ثم قرع باب الغرفة؛ فاصفر وجه ميلادي ثم فتح ~~الباب ودخل منه الماجور هوف؛ أي فرانز، فاضطربت ميلادي اضطرابا عظيما وغطت وجهها ~~بيديها. # 43 # وقد اضطرب فرانز أيضا حين دخوله؛ لأنه يعرف نفوذ ذلك الهندي الهائل، أما علي فإنه وثب ~~مسرعا إلى الباب فأقفله ووقف بينه وبين فرانز؛ حذرا من فراره. # أما فرانز فإنه نظر نظرة الفاحص إلى ميلادي فأطرقت بنظرها إلى الأرض، وعلم أن الهندي قد عاد ~~إلى تسلطه على قلبها. # ودنا علي رمجاه من فرانز وقال له: أيها العبد الزنيم، إنك تجاسرت على رفع عينيك إلى المرأة ~~التي أحبها فوجب أن تموت. # ثم أسرع إلى الأرض والتقط ذلك الخنجر الذي رماه؛ حذرا من أن تبتدره الحدة فيطعن به ~~ميلادي. # غير أن فرانز لم يكن هيابا وقد دبت الحماسة إلى قلبه بحضور ميلادي، وكان هو أيضا ضخم ~~الجثة عريض المنكبين شديد العضلات كعلي، فاستل خنجره وقال لعلي: إنك مخطئ، فما أنا بعبد، وما ~~أنا بخادم. # فقال علي بلهجة المحتقر: إذن أنت ماذا؟! ~~- أنا رجل رفعتني ميلادي إليها وساوى الحب بيني وبينها في كل مقام. # فلم يجبه علي، ولكنه التفت إلى ميلادي وسألها: أتسمعين ما يقوله هذا الرجل؟! # وأطرقت ميلادي بعينيها دون أن تجيب، فقال لها علي: إن هذا الرجل يفتخر بأنك تحبينه فقولي ~~لي: إنه سافل منحط لا يستحق ms1513 منك نظرة رفق. # وقال لها فرانز: قولي إذن لعلي رمجاه: إن شفتي تقبل شفتيك منذ عشرة أعوام، وإن الحب قد ألف ~~بين قلبينا فكنا نقتسم السراء والضراء وكنا روحا واحدة في جسمين. # وسكتت ميلادي ولم تجسر على النظر إلى واحد من هذين الرجلين اللذين سيقتتلان من أجلها. أما ~~فرانز فإنه هز الخنجر بيده وقد غضب لصمتها وقال: أرى أن هذا الرجل قد أخافك يا ألن وقد تهددك ~~بسلطته السرية الهائلة، ولكني لا أخشاه، ولا أخشى هذه السلطة. # وكأنما هذه الكلمات قد أذكرت ميلادي ما كانت تعلمه من بأس علي رمجاه ووازنت بين قوة الرجلين ~~ورجحت في تصورها كفة علي، ثم ذكرت أنها ابنة أعظم نبلاء إيكوسيا، وأنها قد انغمست في حب خادم ~~لها، فنظرت إلى فرانز نظرة ساحقة وقالت له: أيها العبد الزنيم، إنك كاذب، فما أنت إلا من أسفل ~~الخدم وما أحببتك في حياتي، بل أنا أحتقرك. # وصاح فرانز صيحة منكرة وطاش رأسه واتقدت عيناه ثم انقض بخنجره على ميلادي وقال: إنك ~~ستموتين قبله أيتها الفاجرة الخائنة. # ولكنه قبل أن يتمكن من الوصول إليها وطعنها الطعنة القاتلة سمع صوتا في الغرفة يشبه ~~الصفير، ثم شعر أن حبلا قد التف على عنقه وجذبه فسقط على الأرض لا يعي. # وقد أطلق على عنقه هذا الحبل علي رمجاه وهو سلاح الخناقين الهائل، ولما رأى علي أن فرانز ~~سقط على الأرض سقوط الأموات أسرع إلى ميلادي، وهي توشك أن تجن من الرعب، فتأبط ذراعها وقال لها: ~~هلمي بنا إلى ولدنا لنأخذه ونهرب. ~~••• # ومع ذلك؛ فإن روح فرانز لم تفارق جسمه الذي لا يتحرك ولا يعلم إذا كان مات أو بقي حيا بعد ~~أن التف ذلك الحبل الهائل على عنقه، غير أن روحه الخالدة لم تضمحل، ولم تفقد حاسة الحقد ~~والغيرة، فحدثت أعجوبة يستحيل تأويلها، غير أنها لم تكن دون مثيل روى العلماء كثيرا من هذه ~~الحوادث العجيبة. # ذلك أن روح فرانز اجتازت الفضاء وجعلت تقتفي أثر علي رمجاه وميلادي خطوة خطوة! # ولا يعلم ms1514 كم أمضت في طوافها واقتفائها أثر هذين العدوين. # وقد مضى الليل وأقبل النهار ودخل الخدم إلى تلك الغرفة التي تركتها ميلادي، فوجدوا الماجور ~~هوف طريحا في أرضها لا حراك فيه، وأسرعوا إلى إحضار الطبيب، ولما فحصه قال: إنه ميت. # وكان يوجد في الفندق في ذلك الحين رجل روسي جاء لزيارة أحد النازلين في الفندق، ولما ذاع ~~خبر موت الماجور هوف تقاطر جميع من كان في الفندق إلى غرفته وبينهم الروسي، ودنا من فرانز ففحصه ~~وقال للطبيب: أظن يا حضرة الدكتور أنك مخطئ؛ فإنه لم يمت بعد! # واستاء الطبيب وقال له باحتقار: ألعلك يا سيدي من الأطباء؟! ~~- إني أدعى الماجور أفاتار وأنا طبيب حين تدعوني الصدف إلى ممارسة هذه الصناعة، ثم تركه ~~ودنا من سرير فرانز وقال: إني سأحيي هذا الميت! # 44 # في هذه الليلة نفسها شعر لوسيان بعد أن ذهبت أمه بحزن شديد تولد عن أسرار مولده الخفية ~~وكتمان أمه عنه حقيقة مولده واسم أبيه. # وكان لوسيان قد نسي هذه المشاغل قبل شهر؛ لانشغال فؤاده بحب خطيبته وكان يرى المستقبل ~~باسما له، ولكنه بعد أن لقي أمه أظلم هذا المستقبل في عينيه، وقد حاول تلك الليلة أن ينام فلم ~~يستطع إطباق جفنيه ولم يذق طعم الرقاد، وعادت إليه الحمى كما كانت في أول عهد جرحه. # ودقت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وهو يتقلب على فراشه منكمش الفؤاد، كأنما قلبه كان ~~ينذره بأمر هائل، وفيما هو على ذلك سمع جرس الباب الخارجي يدق فاضطرب قلبه؛ لعلمه أن هذا ~~القادم بعد منتصف الليل لم يحضر إلا لشأن خطير! # وفتح أحد الخدم الباب الخارجي وبعد هنيهة رأى أن باب غرفته قد فتح ودخلت منه أمه، فقال لها: ~~لقد علمت أنك أنت القادمة حين طرقت الباب؛ فإن قلبي كان يحدثني بقدومك لشأن خطير. ~~- لقد صدق حديث قلبك يا بني؛ فإني ما أتيت في هذه الساعة المتأخرة إلا لتوديعك وداع ~~الأبد. # وصاح لوسيان وأخذ يدها بيديه فضغط عليها ضغطا شديدا وقال: كيف تفارقينني فراق الأبد ms1515 وأنا ~~لم أكد أعرفك؟ أتريدين لي الموت يا أماه؟ ~~- أريد أن تكون أسعد إنسان في الأرض. ~~- كيف أكون سعيدا وأنت تنذرينني بهذا الفراق الأبدي، وأي فرق بينه وبين الموت؟ ~~- إنك ستعيش سعيدا مع امرأتك فتسلو فراقي، وهذا ما قدر لي يا بني فإني ما أتيتك في مثل هذه ~~الساعة إلا لتوديعك وإخبارك بما أشكل عليك من أمري؛ فإنك لم تعرف سوى أني أمك، حتى إنك تجهل ~~اسمي. # ولقد قلت لك: إنك لن تعرف أباك إلى الأبد، ولكني لا أريد في مثل هذه الساعة الرهيبة ساعة ~~الفراق الأبدي أن أدع في فؤادك أقل أثر للريب بي يدعوك إلى احتقاري. ~~- أنا أحتقرك يا أماه وأنت عندي أجل النساء وكفى أنك أمي؟ ~~- اصغ إلي يا لوسيان؛ إن أباك حي وهو يحبك كما أحبك، بل هو الآن في باريس. # فوثب لوسيان من فراشه وقال: أيكون أبي في باريس ولا أراه؟! ~~- لا سبيل إلى أن تراه؛ فإنه سيبرح باريس قبل الفجر فلا يراك ولا تراه إلى الأبد، ولا تعجب ~~لذلك يا بني فإني مسافرة معه قبل الفجر، ولهذا أتيت لتوديعك بعد منتصف الليل، ثم يجب أن تعلم يا ~~بني أن أباك لا يحضر إلى المدينة التي تقيم فيها ولا يراك، وأن أمك لا تفارقك هذا الفراق الذي ~~لا لقاء بعده، إلا وقد حكمت عليهما الأقدار هذه الأحكام الجائرة. # ثم اندفعت في البكاء فكاد لوسيان يجن من إشفاقه وجعل يقبل أمه ويبكي معها، فمسحت ميلادي ~~دموعها وقالت: إن أباك يا لوسيان قد حكم عليه بالإعدام. # وانذعر لوسيان حتى أوشك أن يسقط على الأرض، ثم عاد إليه رشده وسكينته وقال: أريد أن أعرف ~~الحقيقة مهما كانت ومهما كان وقعها شديدا علي. ~~- نعم يا ولدي يحق لك أن تسأل معرفة هذه الحقيقة، فاسمع الآن تعلم كل شيء، إني إنكليزية ~~وأبوك هندي، أما أنا فإني من أشرف أسرات إيكوسيا وأما أبوك فهو أحد أبناء ملوك الهند الذين ~~اغتصب ملكهم الإنكليز. # وتنفس لوسيان الصعداء وقال: إذن، إن أبي لم يكن ms1516 من المجرمين. ~~- إن أباك أعظم نبيل، وقد أراد الإنكليز أن يستعبدوه كما استعبدوا سواه فأبت نفسه الكبيرة ~~حمل الضيم، ودافع دفاع اليأس عن عرش أجداده وقاتل قتال المستبسل المستميت وطالما كسر جيش ~~الإنكليز شر انكسار؛ لأنه كان يقود الهند بنفسه إلى أن خانته الأقدار وخسر معركة كبرى وقع ~~فيها أسيرا بأيدي الإنكليز، وأرسلوه إلى لندرا وقد عرفته وأحببته وأحبني حبا يشبه ~~العبادة. # وكان أبي حاكما في الهند وقد أقام في تلك البلاد دهرا طويلا، وكان يحتقرهم ويكرههم أشد ~~الكره، ولو علم بحبي له لكان قتلني لا محالة. # غير أن كره أبي للهنود لم يمنعني عن حب هذا الفتى، واتفقنا على الزواج وعقد زواجنا بالسر ~~كاهن من الكاثوليك. # فبرقت أسرة لوسيان بأشعة الفرح وقال: إذن إن ولادتي شرعية ولا شك في نسبي. ~~- هذا لا ريب فيه يا بني؛ لأن أمك لا ترتكب إثما غير أنك ابن رجل مضطهد، ولنعد الآن إلى ~~حكاية أبيك، فإنه تمكن من الفرار من لندرا بعد زواجنا على باخرة تجارية فحملته إلى الهند وهناك ~~جمع بقايا جيشه وعاد إلى مقاتلة الإنكليز وقاتلهم 30 عاما، كان يتراوح في خلالها بين الانتصار ~~والانكسار، فتارة يدحر أعداءه إلى شاطئ البحار وطورا يدحرونه فيعتصم في الجبال. # إلى أن قنط الإنكليز منه فجعلوا يرسلون لقتاله الجيش تلو الجيش حتى أفنوا جنوده واضطر إلى ~~مبارحة الهند والكف عن القتال؛ لامحاق جنده. # ولما علمت الحكومة الإنكليزية بفراره عينت جائزة عظيمة لمن يقبض عليه وبثت العيون والأرصاد ~~في كل مكان، فهي تقبض عليه أينما وجدته. # فسألها لوسيان: أيمكن القبض عليه وهو في فرنسا؟ ~~- نعم؛ فإن القبض عليه لا يكون مباشرة؛ لأنه يوجد في باريس عصابة تنتظر قدومه للقبض عليه ~~بالسر. ~~- أكانوا يعلمون أنه سيحضر إلى باريس؟ ~~- نعم؛ فإنهم كانوا يعلمون أنه له فيها ولد وامرأة ... # ففرح لوسيان وقال: إذن سأراه ... ~~- كلا؛ لأنه يسافر في هذه الليلة إلى الهافر وهناك سفينة تنتظره للذهاب به إلى أميريكا حيث ~~يكون آمنا من الإنكليز؛ ولهذا جئت إليك كي أودعك ms1517 الوداع الأخير. ~~- إذن أنت تسافرين؟ ~~- لا بد لي أن أتبع زوجي. # فطوق لوسيان عنق أمه بذراعيه وقال: كيف أبقى هنا وحدي؟ وماذا يمنعني من السفر معك؟ ~~- أنت تسافر معنا إلى أميريكا؟! ~~- بلا ريب. ~~- وخطيبتك؟! ~~- تسافر معنا. ~~- أتظنها ترضى بالسفر؟! ~~- إنها ترضى بكل ما أرضاه. ~~- أتعلم أنه يجب أن نسافر بعد ساعة؟ ~~- لا شيء يحول دون سفري وسفر خطيبتي؛ فإن ساعة تكفينا للتأهب. # وعند ذلك سمعا مركبة وقفت عند باب المنزل، فقالت ميلادي: هو ذا قد جاء؛ ليسير بي، ثم طرق ~~الباب الخارجي ففتح ودخل منه علي رمجاه فاجتاز حديقة المنزل وصعد إليه فقالت له ميلادي: أبشر يا ~~بني فسترى أباك. # وبعد ذلك بخمس دقائق كان هذا القاتل السفاك يضم لوسيان إلى صدره وعلائم الحنو بادية بين ~~عينيه، وكانت ميلادي واقفة بالقرب منهما تنظر نظرات الإعجاب إلى الولد وأبيه، وحسب لوسيان أن ~~أباه من أبطال التاريخ، وأن أمه من ملائكة الطهر! فصاح صيحة فرح وقال: إني أسافر معكما إلى أقصى ~~مكان في المعمور. # فقالا: إذن هلموا بنا؛ فإن الوقت غير فسيح. # وأسرع لوسيان إلى لبس ملابسه وخرجوا جميعهم إلى منزل خطيبته ماري وأخبرها لوسيان بجميع ما ~~اتفق، فوافقت على السفر وخرجت معهم فساروا جميعهم إلى الهافر. # أما ميلادي فكانت في جميع تلك المدة مضطربة أشد الاضطراب؛ لخوفها من روكامبول ولم تكن خائفة ~~من أن يمنعهم عن السفر، بل كان معظم خوفها من أن يرى لوسيان ويقول له: إن هذا الرجل الذي حسبته ~~من أبطال التاريخ هو من أبطال اللصوص، وتلك الأم التي حسبتها من ملائكة السماء هي قاتلة أختها ~~وأبيها، وهي شيطان بصورة إنسان. ~~••• # ولنعد الآن إلى فرانز، لقد تركناه فاقد الرشد في الجران أوتيل بين طبيب يقول: إنه ميت لا ~~رجاء منه وبين روكامبول الذي كان يثبت أنه من الأحياء. # وقد خرج الطبيب مستاء وبقي روكامبول وكثير من الناس في الغرفة، فقال لهم روكامبول: إني ~~أحتاج أن أكون وحدي مع هذا العليل، فخرج الجميع ولم يبق في الغرفة إلا روكامبول ms1518 وفرانز. # وأخذ روكامبول مسحوقا وأذابه في كأس ماء، ثم أجلس فرانز في سريره وفتح فمه وسقاه ذلك ~~المسحوق، وجعل يفرك صدغيه بالخل، ولم تمض هنيهة حتى اهتز فرانز في السرير ثم زاد الاهتزاز وجعل ~~يتنهد. # غير أنه لم يستيقظ ولم يفتح عينيه ولكن شفتيه تحركتا، وخرجت منها لفظة ميلادي بصوت ضعيف ~~يشبه الهمس، فأقفل روكامبول باب الغرفة من الداخل وأقبل يصغي إلى كلماته؛ لوثوقه أنه مصاب ~~بالنوم المغناطيسي وسمعه يقول بصوت متقطع دون أن يفتح عينيه: أي ميلادي، إني أعلم أين هربت ~~وإلى أين رحلت، ولكن الأرض مهما اتسعت فلا يمنعني اتساعها عن طوفها والوصول إليك. # ولم يخطئ روكامبول فإنه كان في حالة النائمين ذلك النوم المغناطيسي، وذكر في الحال باكارا ~~وتلك الفتاة اليهودية التي كانت تنومها فتعلم منها أسرار أندريا وروكامبول، فدنا من فرانز ووقف ~~أمامه كما يقف من يحاولون التنويم، وجعل يشير إلى جبهته تلك الإشارات الاصطلاحية ويمد يده من ~~فوقها دون أن يلمسها، وكان فرانز يظهر مقاومة الجواد العاصي على مروضه إلى أن ظهرت منه ~~إشارة الخضوع، فوضع عند ذلك روكامبول يده على جبينه وقال له: آمرك أن تنظر. # وأظهر فرانز جهدا عظيما يدل على أنه يمتثل بالرغم عنه ثم قال: أراهما، أرى ~~الاثنين. # فقال روكامبول: من هما؟ ~~- ميلادي. ~~- حسنا، ومن الثاني؟ ~~- علي رمجاه؛ فإن الاثنين قد برحا باريس. # فاضطرب روكامبول وقال: متى؟ ~~- هذه الليلة ... ~~- إلى أين ذهبا؟ ~~- إلى البحر. ~~- ألا ترى سفينة؟ ~~- نعم ... ~~- ما نوعها ولونها؟ ~~- من نوع الإبريق مدهونة بالدهان الأسود. ~~- ومن ترى فيها؟ ~~- ميلادي. ~~- ألعلها وحدها؟ ~~- كلا فهي مع علي رمجاه و... ~~- أيوجد معهما أحد أيضا؟ ~~- نعم، رجل وامرأة. ~~- أتعرفهما؟ # فسكت فرانز هنيهة ثم قال: نعم عرفتهما؛ فهما لوسيان وخطيبته، وإني أراهما الآن. ~~- ألعل السفينة متأهبة للسفر؟ ~~- كلا ... فإن مراسيها لا تزال في البحر. ~~- ولماذا لا تسافر؟ ~~- لشدة اضطراب البحر، ولأن من يعهد إليه إخراج السفن من الميناء يأبى الخروج بها؛ حذر ~~الأنواء. # فقال روكامبول في نفسه: هذا كل ما أريد معرفته. # وعند ذلك ms1519 وضع يديه على جبهة فرانز وقال له: آمرك أن تصحو. # وتنهد فرانز لفوره تنهدا عميقا وفتح عينيه فأجال في الغرفة نظرا حائرا إلى أن وقع نظره ~~على روكامبول. ~~- أهذا أنت يا حضرة الماجور؟! وكيف أتيت إلى هنا؟! بل كيف أنا نفسي موجود في هذا ~~المكان؟! # وأجابه روكامبول: اجتهد أيها الصديق أن تتذكر ما جرى لك ليلة أمس وأنا أتمم تذكارك ... # وصاح فرانز صيحة منكرة وقال: نعم ذكرت ذلك الرجل ... # ثم توقف عن الكلام فقال له روكامبول: تريد ذلك الرجل الذي أطلق حبل الخناقين على عنقك ~~وخنقك، انهض وانظر في المرآة أثر الخنق في عنقك. # فاصفر وجه فرانز وأجاب: تبا له من شقي. ~~- إن هذا الشقي هو علي رمجاه زعيم الخناقين ووالد لوسيان وعشيق ميلادي الأول. # وذعر فرانز وسأله: كيف تعرف هذا؟ ~~- اسمع أيضا ... إن ميلادي وعلي رمجاه برحا باريس. ~~- متى برحاها؟! فإني أدركهما ولو ذهبا إلى أقصى المعمور. ~~- إن إدراكهما سهل؛ لأني أعلم إلى أين ذهبا. ~~- كيف عرفت ذلك؟! وإلى أين ذهبا؟ ~~- أسألك المعذرة أيها الصديق فإنك أنت الذي قلت كل ذلك؛ لأني نومتك نوما ~~مغناطيسيا. # وبينما فرانز ينظر إلى روكامبول نظرات الانذهال قال له روكامبول: اعلم إنك مدين لي بالحياة؛ ~~فإن أحد الأطباء حكم أنك ميت منذ ربع ساعة ولو لم أعترضه وأتعرض لإحيائك لكانوا دفنوك حيا، ~~فأنا قد خدمتك خدمة جليلة، غير أني سأخدمك خدمة أجل من هذه؛ وهي القبض على علي رمجاه وعلى ~~ميلادي التي لم تعد تهواك، فاسمع الآن ما أريده. # ثم خلا به روكامبول نحو ساعة ودار بينهما حديث طويل لم يعلم به أحد. # 45 # كانت فاندا لا تزال مقيمة في ذلك المنزل الذي سجن فيه السير جمس وأقام معها عصابة ~~روكامبول. # وقد لبثت في هذا المنزل 15 يوما لا تخرج إلا للنزهة في حديقته إلى أن جاءها روكامبول فدخل ~~توا إلى غرفتها وقال لها: لقد جئتك بتعليماتي. ~~- كيف ذلك؟! ألعلك عازم على السفر أيضا؟! ~~- نعم ... ~~- إلى أين؟ ~~- لا أعلم الآن، ولكني سأعلم بعد يومين ms1520 وسأصحب معي في سفري هذا ميلون ومورت ونويل . ~~- وأنا؟ ~~- تبقين هنا مع مرميس لحراسة جيبسي. ~~- والإنكليزي ماذا تريد أن تصنع به؟ ~~- سأصحبه معي. # ثم قرع الجرس فأتى ميلون فقال له: تأهب للسفر بعد ساعة. ~~- أأسافر معك؟ ~~- نعم ... # ثم التفت روكامبول إلى فاندا وسألها: كيف حال جيبسي؟ ~~- إنها ستشفى بعد أسبوع ويعود إليها صوابها وهي قد تعلقت بي بعد قدومها إلى هذا المنزل فلا ~~تفارقني لحظة. ~~- ومرميس؛ ألعله فقد سلطته عليها؟ ~~- كلا لقد وثقت أنها تحبه. ~~- إذا عاد إليها صوابها فإني أريد أن تتزوج مرميس؛ لأنه أهل لها. ~~- والملايين؛ ماذا جرى بها؟ ~~- إني مسافر للحصول عليها. # ثم مد يده إلى جيبه وأخرج منها غلافا ضخما مختوما وأعطاه لفاندا وقال لها: خذي الآن هذا ~~الغلاف وإذا لم أعد بعد ثمانية أيام فافتحيه واعملي بكل ما فيه؛ لأنه يتضمن تعليماتي. # واضطربت فاندا كأنما خشيت أن يصاب روكامبول بمكروه جديد وقالت له: سأطيعك في ما تريد، ولكن ~~كيف لا تعود بعد ثمانية أيام؟! ~~- إني مسافر إلى الهافر. ~~- إلى إنكلترا؟ ~~- لا أعلم إلى أين تكون وجهتي إلا بعد أن أبلغ متن السفينة. # وأطرقت فاندا برأسها ولم تلح بالسؤال. # أما السير جمس فإنه كان لا يزال في القبو موثق اليدين والرجلين، وكان ميلون يحضر له الطعام ~~مرتين في اليوم فيحل وثاقه إلى أن يأكل، ثم يعود إلى شده ويدعه في ظلمات القبر. # وقد كان السير جمس استرسل إلى اليأس في بدء أمره وحاول الانتحار مرارا فلم يفلح، ثم استسلم ~~إلى الأقدار وذهب ما أصابه من اليأس فلم يعد يكترث لما هو فيه. # وأقام في هذا السجن الضيق خمسة عشر يوما، إلى أن فتح يوما باب القبو ورأى ميلون داخلا ~~إليه، غير أن ميلون لم يكن وحده هذه المرة؛ فقد كان يصحبه رجل لم يلبث السير جمس أن رآه حتى ~~ارتعش؛ إذ عرف أنه فرانز؛ أي الماجور هوف خادم ميلادي الأمين. # أما فرانز فإنه أخذ كيسا من جيبه مملوءا من الذهب ودفعه إلى ميلون وقال: خذ جزاء ms1521 خدمتك، ~~فأخذ ميلون الكيس وتظاهر بالسرور، فأيقن السير جمس أنه أغراه على خيانة روكامبول. # أما ميلون فإنه تركهما وانصرف، فنظر السير نيفلي نظرة ابتهاج إلى فرانز وسأله: أنت هنا؟! ~~وكيف أتيت؟! ~~- أتيت لأنقذك؛ فقد أغريت هذا الخادم الذي نيطت به حراستك وأنت حر الآن. ~~- وروكامبول؟! ~~- ليس في المنزل. ~~- ولكن هذا المنزل غاص بخدامه. ~~- إنك مخطئ أيضا؛ لأنهم قد برحوا المنزل كلهم، ولم يبق فيه أحد، وكل ذلك بفضل ~~ميلون. # ثم فك قيوده وقال له: هلم بنا؛ لأن الوقت ضيق. ~~- أنخرج من هنا؟! ~~- نعم ثم نبرح باريس على الأثر وإذا أردت أن تكون حرا، فإني أطلب إليك أن تقسم لي يمينا ~~أن تطيعني مدة 48 ساعة طاعة لا حد لها مهما كانت أوامري غريبة! ~~- إني أطيعك وأقسم لك على ذلك مهما كانت أوامرك؛ لأني شديد الظمأ إلى الحرية. ~~- إذن اتبعني. # فتبعه السير نيفلي وخرج الاثنان خارج المنزل وكانت مركبة تنتظر على الباب ففتح فرانز ~~المركبة وقال للسير نيفلي: ادخل. ~~- إلى أين نحن ذاهبان؟! ~~- إلى محطة السكة الغربية؛ حيث نسافر في قطار نصف الليل إلى الهافر. ~~- وماذا نصنع في الهافر؟! ~~- نسافر منها إلى إنكلترا. # فاتقدت عينا السير نيفلي بأشعة الحقد وقال: كنت أود أن أنتقم من روكامبول قبل السفر. ~~- إننا سننتقم هناك؛ لأن روكامبول في إنكلترا. # فلم يخطر للسير نيفلي أن فرانز انفصل عن ميلادي وانضم إلى روكامبول وسافر وهو آمن مطمئن لا ~~تدور الخيانة في باله. # 46 # كان منظر ميناء الهافر غريبا في بابه؛ لأن السفن لم تخرج منذ أسبوع من حوضه؛ لكثرة العواصف ~~والأنواء، ولأن هذه السفن لم تجد مرشدا يجسر أن يخرج بها من الميناء، فكانت الخمارات والفنادق ~~المجاورة للميناء غاصة بالبحارة. # وكانت السفن تراقصها الرياح فوق المياه، فيخشى عليها وهي داخلة الميناء أن تقطع مراسيها؛ ~~لشدة هياج البحر، وندر وجود الناس على الأرصفة؛ لشدة عصف الرياح. # وهناك خمارة تدعى الفتاة المتوحشة، كان فيها نحو ثلاثين رجلا كانوا ينظرون فيها من خلال ~~الزجاج إلى سفينة هندية تدعى سيوا، وقد ms1522 استلفتت أنظارهم؛ لجمال رونقها، وجعلوا يتحدثون فيها، ~~وقد افتتح الحديث بحار قديم بينهم أحنت ظهره الأيام، فكان يقول: إن البحر هائج وهذه العواصف لا ~~تهدأ قبل ثمانية أيام على الأقل، ولا يمكن لهذه السفينة الهندية أن تخرج من الميناء. # فقال له أحد البحارة: أرأيت ربانها، فإننا لا نراه يفارقها ولم ينزل مرة إلى البر؟! ~~- نعم رأيته في السفينة نفسها، وأما الربان الثاني؛ فقد جاء في صباح اليوم إلى هذه الخمارة؛ ~~لشحن ما تحتاج إليه السفينة من المئونة، ولكنه لم يتجاوز هذه الخمارة وما ذهب مرة إلى الأسواق؛ ~~لأنهم يحضرون له جميع ما يحتاج إليه في الميناء وهو يتكلم بالإنكليزية والفرنسية وإخاله يتقن ~~جميع اللغات؛ لأني رأيته يكلم الهنود أيضا. # وكان بين الحضور رجل في أذنيه حلقتين كبيرتين من النحاس، فكان يسأل البحارة أسئلة مختلفة ~~عن الميناء ومخارجها، فيعلم منهم كل أمورها بالتدقيق. # ولبثوا على ذلك إلى أن غابت الشمس، فتفرقوا جميعهم وذهب كل في شأنه وبعد ساعة عاد ذلك ~~الرجل الذي كانت في أذنيه الحلقتان وطلب إلى صاحبة الخمارة أن تحضر له العشاء فقالت له: أتريد ~~أن تأكل وحدك، أم تحب أن يكون لك رفيق؟ ~~- بل أود أن يكون لي رفيق؛ فمن هو هذا الرفيق؟ ~~- هو ربان السفينة الهندية الثاني وقد صعد إلى الغرفة العالية. ~~- إذن سأصعد إليه. # ثم صعد إلى الغرفة فلم يكد يراه الربان حتى حياه تحية المرءوس للرئيس، فأقفل صاحب الحلقة ~~الباب وقال له: كل شيء تهيأ؟ ~~- نعم على ما يرام. ~~- ألم يعرفوهم؟ ~~- لم يعرفوا أحدا منهم؛ لأن ميلادي مرت ثلاث مرات بالقرب من فرانز فلم تعرفه. ~~- ولا ميلون؟ ~~- وكذلك ميلون؛ فقد صبغ وجهه بلون نحاسي وصبغ شعره بلون السواد فلم يعد يعرف. ~~- أأنت واثق من بقية البحارة؟ ~~- ثقتي من نفسي. ~~- إني مسرور منك يا نويل؛ لأنك تبرهن لي عن ذكائك منذ عهد بعيد. # فقال له نويل: لقد أقمت عشرة أعوام، يا حضرة الرئيس، في خدمتك. ~~- أترى أننا نستطيع السفر غدا؟ ~~- إن البحر شديد الهياج، ولكن الذي ms1523 أراه أنه يجب السفر في القريب العاجل. # فقال له روكامبول ، وكان متنكرا بشكل الهنود وواضعا تلك الحلقة في آذانه: وأنا أيضا أرتئي ~~رأيك ولا أبالي بالعواصف؛ فقد ألفتها، ولا يعارض علي رمجاه في السفر؛ لأنه لا ينتظر غير المرشد، ~~وسيحصل غدا على المرشد؛ لأن هذا المرشد هو أنا! # فضحك الاثنان وجعلا يأكلان. # 47 # كان الظلام مدلهما، والهواء زمهريرا، والسفن ترقص فوق الأمواج المضطربة فتلتطم بالقوارب، ~~وقد أقفرت الأرصفة من الناس؛ لاشتداد العواصف. # وكان على ظهر تلك السفينة الهندية التي تقدم ذكرها، رجلان واقفان قرب الدفة يتحدثان بصوت ~~منخفض؛ وهما: نويل وميلون. # وكان كلاهما متنكرين أتم التنكر؛ بحيث لو دخلا إلى شارع فيرابو وهما بهذا الزي لما عرفهما ~~أحد. # وكان ميلون يسأل نويل: كيف حدثت هذه العجائب؟! وكيف أصبح هو الربان الثاني لهذه ~~السفينة؟! # فقال له نويل: اصغ إلي؛ إني موضح لك كل شيء. ~~- إني مصغ كل الإصغاء والذي أعلمه أنك سافرت مع الرئيس إلى إنكلترا منذ 3 أسابيع. ~~- نعم في اليوم التالي لإنقاذه من البئر. ~~- هو ما تقول، لكن لماذا سافر إلى لندرا؟! ~~- إنه ذهب لمقابلة وزير البحرية في المستعمرات فقال له: «إن الحكومة الإنكليزية عينت جائزة ~~لمن يأتيها بعلي رمجاه رئيس الخناقين الأعظم فأعطني هذه الجائزة.» ثم أخبره بأمور كثيرة عن ~~الخناقين، ويظهر أن الوزير وثق به ثقة عظيمة؛ فإنه أعطاه جميع ما طلبه في الحال وعين له كثيرا ~~من الرجال يمتثلون لأمره فأتينا توا من بريتون إلى هنا. ~~- إني لم أفهم شيئا بعد؟! ~~- اصغ إلي فستعلم كل شيء، إنهم أعلموا الرئيس في الوزارة بأمور كثيرة، مثال ذلك: أنهم ~~أخبروه أن سفينة هندية بحارتها من الهنود، يقودها الربان الثاني، ستحضر من الهافر؛ كي يسافر ~~فيها الربان الأول إلى نيويورك. # فسأله ميلون: ألعل الربان الأول هو ذلك الرجل الذي جاء صباح أول أمس؟ ~~- هو بعينه ولكن كما رأيت لم يحضر وحده بل جاء بعائلته التي سترافقه في هذا السفر. ~~- ولكني لم أعلم بعد كيف اتصلت بهذه السفينة الهندية وصرت ربانها ms1524 الثاني وصرنا - نحن عصابة ~~روكامبول - بحارتها؟ ~~- إن الأمر بسيط؛ فقل لي: أتذكر كيرشي والسير جورج ستوي؟ ~~- نعم. ~~- إن كيرشي أطلع روكامبول على بعض أسرار الخناقين، وأطلعه بقيتها السير جورج ستوي وهو حاقد ~~على السير جمس نيفلي وعلي رمجاه حقدا لا يشفيه غير القتل. ~~- إني أعلم كل ذلك. ~~- فاستعبد روكامبول السير جورج، ولا بد لك أن تعلم أن السير جورج قد عزل من منصب رئاسة ~~الخناقين في لندرا، لكنه بقي في الظاهر رئيسا، وبقيت له تلك الأشائر والاصطلاحات السرية الخاصة ~~بالرؤساء، فلما وصلنا إلى لندرا أرسل روكامبول إلى السير جورج تلغرافا يأمره فيه بالحضور فحضر، ~~وأرسله روكامبول إلى هذه السفينة الهندية التي كانت في مياه لندرا، فعرف الربان الثاني بنفسه ~~فاستقبله بملء الاحترام والخضوع. # ولقد فاتني أن أخبرك بأمر آخر وهو أن علي رمجاه حين برح الهند كتب إلى السير جورج ستوي ~~مصدرا إليه الأوامر، ولما كان السير جورج قد استبدل بالسير نيفلي أرسلت هذه الأوامر من لندرا ~~إلى السير نيفلي في باريس، غير أنه كان في قبضة روكامبول، فوقعت هذه الأوامر بيد روكامبول وأطلع ~~عليها السير جورج. # أما السير جورج فإنه حين قابل الربان الثاني علم منه أنه لا يعرف علي رمجاه، وكان منصب ~~الرئيس يدعو الربان إلى طاعته في كل شيء، فأمره أن يركب مع ثمانية من بحارة قارب السفينة، ~~فامتثل وركب السير جورج معهم، فتولى هو نفسه قيادة القارب، ولم يكن باقيا في السفينة غير أربعة ~~من البحارة. # فسار السير جورج بهذا القارب إلى سفينة تجارية إنكليزية، كانت راسية في محل معتزل فأنزلت ~~السفينة كثيرا من القوارب الغاصة بالرجال، فأحاطوا بقارب السير جورج وأسروا الربان والبحارة ~~الثمانية وحبسوهم مقيدين في السفينة. # أما السير جورج فإنه بقي في القارب وبقي معه اثنان من بحارة تلك السفينة الإنكليزية وهما ~~مورت وأنت يا ميلون وأنا. # أما السفينة الإنكليزية فقد كانت أرسلتها الحكومة بطلب روكامبول وعادت بالربان والبحارة ~~الهنود إلى الميناء وسلمتهم للحكومة، أما السفينة الهندية فسارت بقيادتي إلى الهافر، ولما وصلنا ms1525 ~~إلى هنا اخترت من نحتاج إليهم من البحارة من ميناء الهافر وقيدنا البحارة الهنود الأربعة وهم ~~الآن يئنون ويتوجعون في عنبر السفينة. # أعلمت الآن كيف احتال روكامبول على علي رمجاه، وكيف بات هذا الرجل في قبضتنا؟ فإنه هو الذي ~~أوصى عملاءه أن يرسلوا إلى ميناء الهافر سفينة تنتظره فيها، فأرسلوا له هذه السفينة وأخبروه أن ~~اسمها سيوا فنزل إليها وحبس نفسه فيها دون أن يدري. ~~- متى نسافر؟ ~~- غدا. ~~- وروكامبول، أيكون معنا؟ ~~- إنه متنكر بزي المرشد الذي جاء صباح اليوم. # فدهش ميلون وقال: إني لا أرى أقدر منه على التنكر؛ لأني حدقت فيه كل النهار فلم ~~أعرفه! # فوضع نويل إصبعه على فمه وقال له: اسكت؛ هذه ميلادي قادمة. # 48 # وكانت ميلادي قد صعدت من غرفتها إلى ظهر السفينة، وتبعها علي رمجاه فتأبط ذراعها ووقف ~~وإياها على مسافة بعيدة من ميلون ونويل؛ بحيث يتعذر وصول صوتيهما إليهما، غير أن الهواء كان ~~يهب من جهة ميلادي إلى جهة ميلون ونويل فيحمل إليهما حديثهما، وهذا ما سمعاه: # قالت ميلادي: أتظن يا علي أننا نستطيع السفر؟ ~~- دون شك! ~~- وهذا البحر؛ ألا ترى أمواجه يبلغ زبدها إلى ظهر السفينة؟! ~~- إن المرشد الذي جاءنا في الصباح يثبت أننا نستطيع الخروج من الميناء، ومتى خرجنا منها ~~وبلغنا إلى عرض البحر تهدأ الأمواج وتسكن الرياح؛ لأنها في الموانئ أشد منها في عرض ~~البحار. ~~- آه لو تعلم كم أود السرعة في الفرار! ~~- ألا تزالين تخافين هذا الرجل؟ ~~- إني أخافه أشد خوف، حتى إن شعري يقف عندما يخطر في بالي وهو ممثل لي في كل مخيل. ~~- لا تخشين أيتها الحبيبة بأسا، فلا تمر بضع ساعات حتى نأمن من كل خطر. # فسكتت ميلادي هنيهة ثم قالت: أأنت واثق من الرجلين اللذين تركناهما في باريس؟ ~~- كما أثق بنفسي. ~~- أتظن أنهما يستطيعان بالتوكيل الذي أخذاه منا أن يقبضا تلك المبالغ الطائلة المودعة في ~~بنك دافيس همفري؟ ~~- دون شك. ~~- أأنت واثق أيضا أنهما يحملان هذه الأموال إلينا في نيويورك؟ ~~- ليس لي أقل ريب؛ لأنهما من ms1526 عبيدي المخلصين. # فنظرت ميلادي إلى السماء وقد بدأت تظهر منها أشعة الفجر فقال لها علي: اطمئني سنبرح الهافر ~~بعد ساعتين. # فظهرت عليها علائم السرور وقالت: سنأمن روكامبول بعد ساعتين، ولو كنت تعلم ما لقيته في هذه ~~الأيام الثلاثة من العناء، لعزيتني لخوفي من هذا الرجل الذي أنقذ جيبسي من المحرقة؛ فقد خيل لي ~~أنه وقف على أثرنا، وكنت كلما رأيت قاربا يسير في مياه الميناء أحسب أنه قادم فيه. ~~- ما هذا الجنون؟! أفقدت ثقتك بي إلى هذا الحد؟ أنسيت أني علي رمجاه؟ # فسكتت ميلادي ولم تجب؛ لأن قلبها كان ينذرها بمصاب أليم، فكانت عرضة لتأثرات ~~هائلة. # واستأنف علي الحديث وقال: إني أخبرت لوسيان أن السفينة ستبحر عند الفجر؛ لأنه يجب أن ~~يكون على ظهرها حين إبحارها؛ كي يودع فرنسا الوداع الأخير. ~~- إذن سأذهب إليه أنا؛ فقد رأيت نورا نافذا من غرفته مما يدل على أنه غير نائم. # ثم تركته ونزلت إلى غرفة لوسيان فوجدته متكئا على فراشه يتأمل في ماضيه ومستقبله، وفي ذلك ~~الأب الذي بقي عشرين عاما لا يعرفه، ثم لما عرفه علم أنه محكوم عليه بالإعدام، واضطر إلى ~~الفرار معه إلى البلاد الأميريكية. # فلما رأى أمه داخلة إلية قال لها: أدنا وقت السفر يا أماه؟ ~~- نعم، فإننا نبرح الميناء بعد ساعة ولا يزال الوقت فسيحا لديك إذا أردت الرجوع مع خطيبتك ~~إلى باريس. ~~- إني أحب باريس؛ لأني ربيت فيها، ولكن الواجب يقضي علي أن أكون مع والدي، وما زالت خطيبتي ~~راضية بالسفر؛ فإني لا آسف لبعدي عن فرنسا ما زلت مع خطيبتي ووالدي. # فقبلته قبلات ملؤها الحنو وقالت: هلم بنا إذن إلى ظهر السفينة؛ فقد بدأوا بنشر ~~قلوعها. # وبعد ذلك بساعة كانت هذه السفينة الهندية تسير في الميناء خارجة إلى عرض البحر بقيادة ~~روكامبول الذي كانوا يحسبونه مرشد الميناء. # وكان روكامبول يصدر الأوامر إلى البحارة بمهارة لا تبقي مجالا لأقل ريب؛ لأنه من كبار ~~العارفين بفنون البحر! فسارت بهم السفينة وجميع ركابها على ظهرها حتى خرجت من الميناء، ms1527 فجعلوا ~~ينزلون إلى غرفهم تباعا فلم يبق غير علي رمجاه، وكان واقفا ينظر إلى اضطراب الأمواج غير مكترث ~~لأخطارها بعد وثوقه من النجاة من روكامبول؛ إذ لم تخطر له الخيانة في بال؛ لأن جميع البحارة ~~كانوا يشيرون إشارات الخناقين التي تعلموها من روكامبول، ويستحيل أن يخون أعضاء هذه الجمعية ~~رئيسهم الأعظم. # أما ميلادي فإنها كانت لا تزال موجسة خوفا شديدا وقلبها يحدثها أنها لم تنج بعد من ~~أخطار روكامبول. # وبينما كانت في فراشها عرضة لمثل هذه الهواجس والتصورات، سمعت صوتا يشبه الأنين، فأصغت ~~وعلمت أنه غير صوت الصواري وغير أنين الرياح بل هو أنين إنسان خارج من أعماق السفينة، فاضطربت ~~اضطرابا شديدا وهمت بالصعود لإخبار زوجها، ولكنها رأته جاء من نفسه؛ كي يطمئن عليها فأخبرته ~~بما سمعت فذعر علي وأصغى إلى هذا الأنين، فعلم أنه أنين قوم من الهنود؛ إذ كانت تصل إلى مسمعه ~~كلمات متقطعة باللغة الهندية؛ لبعد المسافة. # فداخله الشك وقال: كيف حبس هؤلاء الهنود في عنبر السفينة دون أن أعلم؟! # فقالت له ميلادي: تنبه؛ فإن قلبي ما أنذرني بمصاب إلا وكان المصاب واقعا لا محالة. # فعاد علي إلى ظهر السفينة فوجد البحارة في مواضعهم والمرشد؛ أي روكامبول، يصدر الأوامر ~~ونويل؛ أي الربان الثاني، في موضعه عند الدفة فلم ينتبه أحد لصعوده غير روكامبول. # وكان الهواء زمهريرا، ونويل قد صبغ وجهه ويديه بلون الهنود، فبينما كان علي يراقبه وهو غير ~~منتبه إليه هبت نسمة شديدة كشفت قميصه عن صدره، فظهر لعلي أنه ناصع البياض خلافا للون وجهه ~~ويديه! فأجفل وقال في نفسه: إن هذا الرجل متنكر وهو من أهل الغرب ولكن كيف يمكن أن يحل محل ~~الربان الثاني المرسل إلي من كلكوتا؟! # وقد أيقن أنهم خانوه فأخذ المسدس من جيبه وهم بإطلاقه على نويل لكنه أعاده فجأة إلى جيبه ~~وقال: الخيانة قد حدثت، وجميع بحارة السفينة تحت إمرة مدبر المكيدة، وقد حبسوا البحارة الهنود ~~دون شك، ولا بد لي قبل كل شيء أن أرى أولئك البحارة الأصليين فأنقذهم ms1528 من العنبر، وأقف على أسرار ~~المكيدة فأستعين بهم على مقاومة أصحابها. # ثم رجع أدراجه وروكامبول يراقبه دون أن يعلم، فنزل إلى السفينة وذهب إلى العنبر فأصغى لأنين ~~الهنود جليا، ورأى الباب مقفلا فجعل يتمعن الفكرة في وسيلة لفتح الباب. # وفيما هو يبحث عن آلة يتمكن بها من كسر الباب رأى فجأة رجلا قد وقف أمامه فصاح صيحة الرعب ~~وتراجع منذعرا إلى الوراء كأنما رأى ميتا قد بعث من قبره! # أما هذا الرجل الذي خرج إلى علي رمجاه من بين البراميل المكدسة في العنبر فقد كان الماجور ~~هوف؛ أي فرانز، الذي توهم أنه قتله بحبله وأنه بات من الأموات! # أما علي رمجاه فإنه قبل أن يصل إلى منصب زعيم الخناقين الأعظم كان من عصابة الخناقين، وقد ~~نال شهرة خاصة بإطلاق الحبل على العنق، فما أطلق حبله على عنق رجل إلا قتله لا محالة، فكيف ~~أمكن لفرانز أن يسلم من حبله وقد رآه بعينه صريعا على الأرض؟! وهب أنه سلم من الحبل، فكيف اتفق ~~وجوده في هذه السفينة؟! # غير أن لأهل الشرق الأقصى اعتقاد بالأرواح لا يتزعزع ولا يزول من نفوسهم مهما استنارت هذه ~~النفوس بالعلم والمعرفة. ولما كان علي موقنا أن فرانز قد قتل رجع إليه اعتقاده الهندي وأيقن ~~أنها روح فرانز قد ظهرت أمامه فتراجع منذعرا حتى التصق بالجدار وهو يقول: إلى الوراء أيها ~~الخيال إلى الوراء! # وكان علي متسلحا بمسدس وخنجر، فلم يخطر له أن يطلق المسدس أو يستل الخنجر؛ لوثوقه أنه ~~أمام روح فرانز والسلاح لا يؤثر بالأرواح. # غير أن اعتقاده ما لبث أن تزعزع حين سمع صفير فرانز، ورأى رجلين قد أسرعا إليه فانقضوا ~~جميعهم على الهندي فجندلوه وجردوه من سلاحه، وكان اللذان أقبلا لنجدة فرانز ميلون ومورت. # وكان ميلون قد ركع فوق صدره وقال له: إني مأمور بقتلك إذا صحت أقل صياح. # وقال فرانز لميلون: ضع ركبتك فوق صدره ولكن لا تطبق فمه؛ لأني أمنعه عن الصياح ولكني لا ~~أمنعه عن الكلام؛ إذ قد يخطر له ms1529 محادثتي. # فرفع علي عينيه إلى فرانز وقال له: إذن أنت حي ولم يقتلك الحبل؟! ~~- كلا لم أمت كما تراني. ~~- ألديك أوامر بشأني؟ ~~- ربما. ~~- من الذي أصدر إليك هذه الأوامر، ألعله الربان الثاني؟ ~~- كلا، بل هو مرشد السفينة. # فارتعش علي وعلا عند ذلك أنين الأسرى فقال له فرانز: ألعلك تستغرب هذا الأنين؟! # فأجابه علي: قبحت من خائن، لقد علمت كل شيء؛ إنك وأصحابك قد استوليتم على سفينتي؟! ~~- هي الحقيقة بعينها. ~~- وهؤلاء الأسرى هم خدامي الهنود الأمناء، ولكن الهنود مشهورون بالصبر ولا بد لهم من كسر ~~الباب والمجيء لنجدتي وإنقاذي. # فقال له فرانز بلهجة الساخر: وعند ذلك تأمر بشنقنا، غير أنه بقي أمر لم تعرفه يا حضرة ~~الرئيس، وهو أن بحارتك الاثني عشر قد أصبحوا أربعة فقط، فإذا تخلصوا من أسرهم لا يستطيعون ~~مقاومتنا. ~~- تبا لكم أيها الأشقياء، ألعلكم ألقيتموهم في البحر؟! ~~- كلا بل أرسلناهم في سفينة إنكليزية إلى لندرا. # فأن علي أنين القانطين وقال: ويحك أيها الخائن ماذا فعلت؟! ومن هو هذا الرجل الذي ~~تخدمه؟! ~~- هو نفسه سيخبرك باسمه. # ولم يكد فرانز يتم حديثه، حتى دخل مرشد السفينة، بعد أن عهد بقيادتها إلى نويل، فقال لعلي ~~رمجاه: إذا كنت تريد أن تعرف من أنا، فاعلم أني أدعى أمام «ميلادي» الماجور أفاتار، وأما أمامك ~~فإني أدعى روكامبول. # ثم أشار إلى ميلون بالنهوض عن علي وأمر عليا بالوقوف. # فقال له: إنك أنت وميلادي قد اشتركتما بسرقة ثروة فتاة قد توليت حمايتها فهل تريدان إرجاع ~~هذه الثروة إلى صاحبتها؟ # فاتقدت عينا علي بجمر الحقد وأجاب: كلا لا نرجعها ما زال لنا عرق ينبض. ~~- إذن أضطر إلى عمل عملا يكسبني مثل هذه الثروة المختلسة؛ وهو القبض من حكومة الهند ~~الجائزة التي عينتها لمن يقبض على علي رمجاه. # فاصفر وجه علي من الرعب وقد أدرك حرج الموقف، غير أنه لم يجب بحرف فقال روكامبول لعصابته: ~~أحكموا وثاق هذا الرجل وضعوه في السجن مع السير جمس نيفلي. # ثم تركهم وصعد إلى ظهر السفينة، بينما كانوا يقيدون يديه ms1530 ورجليه بقيود الحديد. # 49 # لما صعد علي رمجاه إلى ظهر السفينة غادر ميلادي في غرفتها مضطربة الحواس؛ لما سمعته من أنين ~~الأسرى، ولو كان حدث لها هذا منذ عشرين عاما لما اكترثت له؛ لأن ثقتها بعلي في ذلك العهد كانت ~~فوق كل حد. غير أن عليا أصبح كهلا، وهو وإن كان لم يزل وحشي الأخلاق غير أن الأيام قد أخذت ~~إقدامه وثباته، وقد باغتته ميلادي مرات فرأته يقف ويتردد في كل أمر خطير، فضعفت تلك الثقة به ~~واشتدت مخاوفها. # ومع ذلك لم تبرح غرفتها بل لبثت فيها تنتظر عودة علي، إلى أن مضت ساعة دون أن يعود، فزادت ~~هواجسها وصعدت إلى ظهر السفينة؛ كي تبحث عنه، فرأت جميع البحارة في مواقفهم ما خلا المرشد، ~~وبحثت عن علي فلم تجده، فنزلت إلى غرفته فرأت بابها مفتوحا، ورأت رجلا جالسا فيها أمام مائدة ~~وظهره متجه إلى الباب؛ فما شكت أنه علي ودخلت وأغلقت الباب. # وعند ذلك التفت الرجل فذعرت ميلادي ذعرا شديدا وأوشكت أن تسقط على الأرض؛ لأن الرجل الذي ~~رأته كان مرشد السفينة، ولكنه لم يكن أصفر الوجه ولم يكن في أذنه حلقة ولم يكن مسترسل الشعر بل ~~كان بوجه الماجور أفاتار الذي ألقى في قلبها هذا الرعب، فالتفت إليها روكامبول وقال ببرود: إني ~~أنتظرك يا سيدتي منذ حين. # ولما رأى ما كان من انذعارها قدم لها كرسيا وقال: اجلسي يا سيدتي واطمئني؛ فإنك في حاجة ~~إلى صفاء الذهن، فلقد نصحتك في باريس خالص النصح فلم تكترثي لنصحي؛ لأنك توهمت أنك تستطيعين ~~النجاة من قبضتي مع علي رمجاه شريكك في الجريمة، فبرحتما باريس تحت جنح الظلام وصحبتما لوسيان ~~وخطيبته وأباها. # فأطرقت ميلادي برأسها دون أن تجيب وبقيت واقفة، فقال لها روكامبول: اسمحي لي يا سيدتي أن ~~أخبرك عما جرى بإيجاز؛ كي تعلمي حرج موقفك. # ثم قص عليها ما عرفه القراء من استيلائه على السفينة بمساعي جورج ستوي وإرسال ثلثي بحارتها ~~إلى لندرا، إلى أن علمت أنه هو الآمر الناهي في السفينة ms1531 وأن بحارتها لا يخالفون له أمرا، فقال ~~لها: والآن لقد عزمت على الوفاء بوعدي فأسلم علي رمجاه وعامله السير جمس إلى الحكومة الهندية ~~ومس ألن قاتلة أبيها وأختها إلى الحكومة الإنكليزية لترى رأيها في عقابها. # وكأن ميلادي لم تثق بحديث روكامبول فقالت له: أنت تدعي ما لست قادرا عليه؛ لأنك لا تعلم من ~~هو علي رمجاه! # فابتسم روكامبول وقال لها: إنك مخطئة يا سيدتي؛ فإن علي رمجاه الذي تعتمدين عليه هو الآن ~~مقيد بقيود الحديد وملقى في عنبر السفينة مع أولئك البحارة الذين كنت تسمعين أنينهم. # فارتعدت ميلادي ثم قالت: كلا إن هذا محال، وإنك من الكذابين. # فنادى روكامبول عند ذلك فرانز وقال له: تعال أيها الماجور وأثبت لميلادي أني من ~~الصادقين. # فدخل فرانز، ولما رأته ميلادي أوشكت أن تجن وحاولت الفرار، غير أنها وجدت أن فرانز أقفل ~~الباب من الداخل، فركعت أمامه وقالت له: أسألك الرحمة والعفو. # أما فرانز فإنه ضحك ضحكا شديدا وقال لها: لا يحق لي يا سيدتي أن أرحمك وأعفو عنك فليس ~~أمرك في يدي، وما أنا صاحب السلطة في هذا المكان، إنك تخليت عني وانضممت إلى علي رمجاه، فانضميت ~~أنا إلى أعدائك وأصبحت عبدا لهم لا أخالفهم فيما يأمرون. # فجعلت ميلادي تنظر نظرات الذعر والرعب إلى هذين الرجلين وهي لا تعلم من سيكون القاضي ~~عليها. # وعاد روكامبول إلى الحديث فقال لها: لقد عرضت عليك يا سيدتي طرق الخلاص والعيش عيشة سعيدة ~~إذا كان ضميرك يساعدك على هذا العيش فأبيت وتصاممت عن نصائحي. # فعادت إلى ميلادي حميتها وقالت: كيف أقبل وأنت تريد نهب ولدي؟! ~~- كلا، لا أريد نهبه بل أريد تجريده من ثروة ليست له. ~~- إن هذا محال ولو قطعت إربا، فليس من يعلم هذه الثروة إلا أنا، فلا تصل إليها يد ~~مغتصب. # فانبرى لها فرانز وقال: لقد أخطأت يا ميلادي؛ فإني أعرف موضعها أيضا. # ارتعشت ميلادي وقالت: أنت؟! ~~- نعم، فإني عشت معك عشرين عاما فما فاتني سر من أسرارك، وأنا أعلم الآن أنه إذا عرض ms1532 على ~~السير جوهن ماك فرسون المقيم في أدنبورج هذه المدالية المعلقة بعنقك يعطي حاملها تلك الثروة ~~المودعة في بنك همبري دافيس وشركاه. # فاضطربت ميلادي اضطرابا عظيما وجعلت تنظر إلى الاثنين نظرات نمر وقع في فخ، وتقول: ~~ولدي ... إنهم يريدون نهب ولدي؟ # فقال لها روكامبول: أخفضي صوتك لئلا يسمعك لوسيان. ~~- وإذا سمع؟! ~~- نضطر إلى أن نطلعه على الحقيقة. ~~- ولكنه لا يصدق أقوالك. ~~- ربما كان ما تظنين ولكنه لا يلبث بعد بضعة أشهر حين يحكم عليكم القضاء بالشنق أمام سجن ~~نوجات أن يصدق ما قلناه. # فاختلجت ميلادي وركعت أمام روكامبول وقالت: إنك يا سيدي لا أثر للرحمة في قلبك. # فأجابها بصوت يتهدج: إنك مخطئة يا ميلادي، ولكنها مهمة يجب علي قضاؤها، فاعلمي الآن أن ~~الوقت ضيق، وقد دنونا من شواطئ إنكلترا، فهل تريدين المقايضة؟! ~~- ماذا تعني بها؟ ~~- أعني أن أكتم جرائمك وأدع لك حب ولدك وأبقي لك شيئا من هذه الثروة التي سأرجعها إلى ~~صاحبها. ~~- أتفعل هذا؟ ~~- ليس لي حق التصرف بهذا المال ولكني أثق أن ابنة أختك توافقني على ما أفعل. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- هذه شروطي: وهي أن تعطيني هذه المدالية المعلقة بعنقك، وعندما نصل إلى إنكلترا تخرجين من ~~السفينة مع ابنك وخطيبته وأبيها وميلون خادمي الأمين، فيأخذ ميلون المدالية ويبقى معك في ~~إنكلترا إلى أن يقبض المال ويعود معك إلى فرنسا؛ حيث تقيمين فيها مع ابنك وهو لا يعلم شيئا من ~~سابق أعمالك، وعند ذلك يعطيك ميلون من هذه الثروة مليونا؛ وهو يكفيك للعيش مع ابنك وامرأته ~~عيشة سعة. # فأطرقت ميلادي برأسها إلى الأرض وهي لا تزال مترددة ثم رأت أن لا حيلة لها ولا رجاء ~~بالمقاومة فانتزعت المدالية من عنقها ودفعتها إلى روكامبول وهي تتنهد وتقول: وعلي رمجاه؟ # فأخذ روكامبول المدالية وقال: إنك لن ترينه بعد الآن. ~~- كيف ذلك؟! ~~- إني سأذهب به إلى كلكوتا وأسلمه إلى حاكم الهند. # ثم التفت إلى فرانز وقال له: أرى أيها الماجور أننا قد دنونا من الشاطئ فاصعد إلى الربان ~~الثاني وقل له ليعد القارب. ms1533 # فخرج فرانز وقالت ميلادي: لكن كيف تفرق ولدي عن أبيه؟ # فابتسم روكامبول وأجاب: سوف ترين، لقد أعددت كل شيء. # فأحنت رأسها وجعلت الدموع تتساقط من عينيها. # وبعد ساعة أنزلوا القارب إلى البحر وأنزلوا فيه جميع أمتعة ميلادي ولوسيان وخطيبته بأمر ~~روكامبول. # وكان روكامبول أمر أن يقدم الشاي للوسيان وخطيبته، فوضع فيه مخدرا حتى إذا شربه مع خطيبته ~~تخدروا جميعهم وناموا، أما ميلون فإنه لما تم نقل الأمتعة عاد إلى روكامبول قائلا: لقد تم كل ~~شيء. ~~- إذن لقد حانت ساعة الفراق. # فتنهد ميلون وسأله: ألعلك تسافر أيها الرئيس سفرا طويلا؟ ~~- لا أعلم. ~~- ولكننا نلتقي بعد ذلك على الأقل؟ ~~- لا أعلم أيضا، اسمع الآن تعليماتي وخذ هذين الكتابين إلى لندرا، فأعط أحدهما إلى مس ~~سيسيليا وهو يتضمن الشكر لها عن مساعدتها لي على مقاومة الخناقين وحسن توصيتها بي لدى وزير ~~البحرية، والثاني للطبيب كرشوف الألماني الشهير. # ثم تصحب ميلادي ولا تفارقها إلا حين سفرها، وبعد ذلك تذهب إلى إيكوسيا ومعك هذه المدالية، ~~فتقبض من الرجل الذي أخبرتك عنه جميع ثروة جيبسي، ثم تعود إلى فرنسا. ~~- وماذا عسى تستفيد جيبسي من هذه الثروة وهي مجنونة؟ ~~- إني واثق من شفائها، ومتى شفيت فإنها تتزوج مرميس وهو ينفق ريع هذه الثروة في أحسن وجوه ~~الخير. # فقال له ميلون بصوت يتهدج من الحنو: إن قلبي ينذرني بأنك مفارق أوروبا فراق الأبد. ~~- وأنا أيضا أعتقد بالأقدار مثلك، وقلبي يحدثني أني لا أموت إلا في باريس، واصغ إلي يا ~~ميلون: إني كنت شر الناس ثم تبت، ولكن الله لا يقبل توبتي إلا إذا كرست ما بقي لي من حياتي لصنع ~~الخير، وقد كنت حسبت بعد حادثة فاسيليكا أن مهمتي قد انقضت فحاولت الراحة بالانتحار، لكني نجوت ~~فكانت تلك الحادثة وحادثة نجاتي من لغم تيميلون أعظم برهان على أن الله لم يرد لي الموت، وأن ~~مقاومتي للخناقين في لندرا وباريس يجب أن أتمها في الهند مقر هذه الطائفة. # فغطى ميلون وجهه بيديه وبكى، ثم التفت إليه وسأله: ألا تصحبني ms1534 معك أيها الرئيس؟! ~~- كلا، إذ يجب أن تبقى في أوروبا لتنفيذ أوامري. # ثم دفع إليه غلافا ضخما مختوما كتب فوقه اسم مرميس وقال له: والآن قد حان الفراق أيها ~~الصديق، فأستودعك الله. # فأخذ ميلون يد روكامبول فقبلها وغسلها بدموعه وهو يقول: قل يا سيدي إلى اللقاء، واسأل الله ~~معي أن نلتقي. # وبعد ذلك ببضع دقائق أنزلوا إلى القارب لوسيان وخطيبته وأباها وهم مخدرون لا يعون على شيء، ~~ثم نزلت في أثرهم ميلادي، فقال لها روكامبول: لقد أمرت ميلون أن يدفع لك مليونا بعد ~~شهر. # فنظرت إليه نظرة ملؤها العظمة والكبرياء. # فقال لها: لا ينبغي يا سيدتي أن تنظري إلي هذه النظرات، بل يجب أن تحمدي الله الذي أنعم ~~عليك بابن باسل شريف كان السبب في إنقاذك من عقاب الله وعقاب الناس؛ لأن الله لا يعاقب الأم ~~المجرمة؛ كي لا ينسحق قلب ولدها البريء. # فلم تجبه ميلادي بحرف ونزلت إلى القارب، واندفع بهم إلى البر بقيادة ميلون. # أما روكامبول فإنه التفت إلى نويل وقال له: سر بنا الآن في طريق الهند. # 50 # بعد ذلك بأربعة أشهر كانت جيبسي مع فاندا جالستين على مقعد في حديقة ذلك المنزل الذي أخذته ~~فاندا من السير جمس نيفلي ومعهما رجل هو ذلك الطبيب الألماني، الذي أرسل إليه روكامبول كتابا ~~إلى لندرا مع ميلون يدعوه فيه إلى معالجة جيبسي. # وكانت فاندا تحادث الطبيب بصوت منخفض لا تسمعه جيبسي فتقول: أتظن يا حضرة الطبيب أن جيبسي ~~قد شفيت من مرضها؟ ~~- كل الشفاء. ~~- ألا ترى خطرا عليها بإرجاع الشاب الذي تهواه؟ ~~- بل إن وجوده معها الآن يبعد عنها كل خطر في المستقبل. # فقامت فاندا لفورها ونادت ميلون وقالت له: اذهب في الحال إلى مرميس وقل له يحضر. # وكان الطبيب أمر بإبعاد مرميس عن جيبسي مدة معالجتها، فأقام في منزل خارج المدينة، وقد ~~تغيرت حالته في هذه المدة وتبدلت أخلاقه، فباتت مظاهره وطباعه تدل على الخير بعد أن كان من زمرة ~~اللصوص. # فلما وصل إليه ميلون وأخبره بوجوب عودته ms1535 إلى جيبسي أوشك أن يجن من فرحه، فما صدق أن سمع ~~حديث ميلون حتى غادر المنزل غير مكترث به، فامتطى جواده وأطلقه ينهب الأرض إلى منزل من ~~يحب. # وكانت فاندا تنتظره عند باب الحديقة فلما وصل إليها ترجل، فأخذت فاندا بيده ودخلت به ~~إلى المكان الذي كانت فيه جيبسي. # فلما رأته جيبسي قادما من بعيد ارتعشت ثم احمر وجهها، والطبيب بعيد عنها يراقب، حتى إذا ~~وصل إليها مرميس مدت إليه يدها وقالت: اجلس بجانبي أيها الصديق؛ فلم أعد مجنونة، وأنا الآن أذكر ~~كل ما مضى، فإنك أنت الذي أنقذت النورية المسكينة، وأنت الذي جئت بي إلى فرنسا، وأنت تحرسني مدة ~~جنوني وتسهر علي سهر الأخ على أخته. # ثم جذبته إليها وقبلت جبينه وقالت له بصوت يضطرب: هذا دليل امتناني وعربون حبي لك. # وكان الطبيب وفاندا واقفين على مسافة بعيدة عنهما يراقبانهما، فقال لها الطبيب: إن الخطر ~~قد زال ولكنه قد يعود، إلا إذا أسرعتم بعقد زواج هذين العاشقين؛ فإن جيبسي إذا صارت أما زال ~~عنها كل خطر. # سنسرع جهد الإمكان لا سيما وأن هذه هي إرادة الرئيس. # وقد تنهدت فاندا حين ذكرت روكامبول، فإنها منذ خمسة أشهر أي منذ غادر باريس لم تره ولم يصل ~~إليها شيء من أخباره. ~~••• # مر على ذلك شهر والعاشقان مقيمان في منزل واحد ولكنهما لم يتزوجا، وعاد الطبيب الألماني ~~إلى محل إقامته في لندرا، وشفيت جيبسي شفاء تاما إلا من غرامها بمرميس، فإنها بلغت بحبها ~~إياه حد الهيام. # على أنها كانت تبدو دائما بمظاهر السويداء على ما هي عليه من الغنى والجمال والصبوة ~~والشباب. فلم تكن فاندا ومرميس يعلمان سر هذه الكآبة، وقد سألتها فاندا مرارا كثيرة، فكانت ~~تندفع في البكاء ولا تجيب بحرف. وكانت حين تباحثها بقرب زواجها بمرميس تتنهد تنهدا عميقا ~~وتسكت، فسرت هذه الكآبة إلى مرميس، والحزن أقرب جار لليأس. # وبينما كان مرميس جالسا يوما مع فاندا يتحدثان بكآبة جيبسي، قطب مرميس جبينه وقال: لقد ~~عرفت الآن سر هذا الحزن؛ وهو أن ms1536 جيبسي لا تزال تهوى السير آرثر نويل. ~~- إنه فكر بعيد عن الصواب؛ فإن جيبسي تحتقر عاشقها القديم، والمرأة لا تحب من تحتقر. ~~- من يعلم، إن الطباع تختلف؟ ~~- ألم ترها كيف اضطربت حين رأتك، وكيف قبلت جبينك وقالت لك: أحبك؟ ~~- نعم، ولكن هذا الحب قد يكون حب إخاء وأن قلبها لا يزال يهوى السير آرثر. ~~- أيمكن أن تهوى هذا الذي أهانها وتخلى عنها في ساعة الخطر؟ # فاصفر وجهه وقال بلهجة الواثق: كل شيء ممكن. # وكان اضطراب مرميس يحمل على الإشفاق، ولم يزل لفاندا بعض السيادة عليه فقالت له: إن كل ما ~~نقوله مبني على الظنون، اذهب الليلة إلى منزلك ولا تبت معنا، وأنا أقسم لك أني سأقف على ~~الحقيقة، وأطلعك عليها صباح غد. # فامتثل مرميس صاغرا وركب جواده وانصرف. # ولم يكد مرميس يتوارى عن أنظارها حتى ذهبت إلى غرفة جيبسي وطرقت بابها، فأذنت لها جيبسي ~~بالدخول بصوت يضطرب، ولم تكن قد رقدت بعد بل إنها كانت تكتب، فجلست فاندا قربها وأخذت يديها ~~وقالت لها: أتحبين مرميس يا جيبسي؟ # فصبغ وجهها بلون الاحمرار وقالت: إن حبي له فوق كل حب، وكل جوارحي تهواه. ~~- إذا كان ذلك ما تقولين، فما هذا الحزن عند قرب موعد زواجكما؟! وما لورد خديك قد ذبل كأنك ~~مكرهة على الزواج، بل كأنك مقدمة ضحية على هيكله؟! # فنظرت جيبسي إلى فاندا نظرة تشف عن فؤاد ملؤه اليأس وقالت: إنك يا سيدتي أحسنت إلي ~~إحسانا عظيما وعاملتني بحنو الأمهات منذ عرفتك، فهل تسمحين لي بمثل هذه المعاملة بضع ~~ساعات؟ ~~- ماذا تريدين بهذا القول؟! ~~- أريد أن أستمهلك إلى صباح غد، فإذا عدت إلي غدا صباحا تعلمين حقيقة السر الذي أشكل ~~عليك. # وكانت تتكلم هذا الكلام بلهجة القانطين، وقد اتقدت عيناها فجأة فخشيت فاندا أن يعاودها ~~الجنون، ولم تلح بالسؤال، فقامت على أن تعود إليها في الصباح، فعانقتها جيبسي عناقا طويلا ~~وضمتها إلى صدرها ضما شديدا. # وأحست فاندا بدمعتين حارتين سقطتا على عنقها، فخرجت فاندا من غرفتها وهي تخشى أن يكون قد ms1537 ~~عاد إليها الجنون، وباتت تلك الليلة على أحر من الجمر؛ لخوفها عليها حتى إنها جاءت إلى ~~غرفتها مرات لتتفقدها فرأت أنها أطفأت مصباحها ولم تسمع لها حسا. # وعند الصباح جاء ميلون إلى فاندا قائلا لها: لقد شاهدت هذه الليلة جملا في الحلم، وما ~~شاهدت هذه الرؤيا مرة إلى فجعت بموت محب. # فتركته فاندا وذهبت إلى غرفة جيبسي حسب الاتفاق وطرقت بابها فلم تجب، فوالت القرع ولم يجبها ~~أحد وكان المفتاح في قفله ففتحته ودخلت، فرأت جيبسي في سريرها بملابسها ورأت يديها منبسطتين فوق ~~صدرها فحسبتها نائمة، غير أن ميلون دخل في أثرها ونظر إلى جيبسي وقال: رباه! ماذا أرى؟! إنها ~~ميتة لا رجاء فيها! # 51 # ولم يخطئ ميلون؛ لأن جيبسي كانت ميتة، فأخذت فاندا يدها فوجدتها باردة ولكن آثار السكينة ~~بادية على وجهها، كأنما هي قد ماتت فجأة دون نزع، وكان قرب السرير مائدة رأت فاندا عليها ~~كتابين؛ أحدهما بعنوان فاندا والآخر بعنوان مرميس، وبالقرب من الكتابين خاتم كانت جيبسي تلبسه ~~دائما وتقول: إنه وصل إليها من النور الذين ربوها، ولهذا الخاتم وعاء يشبه القبة ويظهر بمظهر ~~الفص، فرأته فاندا مفتوحا فأيقنت أنه كان فيه سم زعاف وأن جيبسي شربت هذا السم. # وبينما كان ميلون يعول ويصيح كانت فاندا تفض غلاف الكتاب المعنون باسمها بيد تضطرب وقد ~~اصفر وجهها فقرأت ما يأتي: # أسألك العفو يا سيدتي فما تكتمت عنك إلا لأني لم أجسر أن أبوح لك بمكنونات قلبي. # إني أموت يأسا وغراما، لقد أحببت مرميس هذا الفتى الباسل الذي كنت بالأمس تدعيه خطيبي ~~حبا ليس بعده حب، فما تجاسرت على أن أكون امرأته؛ لأني أحببته أصدق حب. # إن جيبسي النورية تستطيع أن تتزوج أي رجل يريد زواجها كيفما اتفق غير أنها ابنة مس ~~أنا، ابنة أعظم نبيل بين الإنكليز، فإذا أرادت أن تتزوج من تحبه وجب عليها أن تكون نقية ~~كالزهرة، طاهرة كالملاك، ولم تكن جيبسي النورية على شيء من هذه الطهارة؛ فإنها كانت ترقص ~~في الحانات، وكانت عشيقة آرثر ms1538 نويل. # إني إذا تسميت باسم أسرتي عرفني من حضر رقصي، وإذا تزوجت مرميس فقد يراني آرثر نويل، ~~وكلا التذكارين مؤلم شديد فرأيت أن أخلص منهما بالموت. # إني أهب كل ثروتي لمرميس بعد الموت كما وهبته قلبي في الحياة. # وأعتمد عليك يا سيدتي في تبريد لوعته وتخفيف أشجانه وشفائه مما سيصيبه من اليأس؛ فأنت ~~خبيرة بطب القلوب، وهو فتى فقد تشفين فؤاده بتوالي الأيام. # ورجائي أن يتناساني وأن يشغل فؤاده بحب سواي؛ فإنه غني جميل وسيجد فؤادا للغرام في ~~قلوب الفتيات. # هذه أماني تلك الفتاة المسكينة، التي ستموت بعد هذه السطور، وأسأل الله أن يحقق هذه ~~الأماني، فأستودعك الله يا سيدتي، وداعا أبديا. # وألتمس منك المغفرة وألتمس غفران الله لي، وأختم كتابي معتمدة عليك بتعهد مرميس. # جيبسي # وسقط هذا الكتاب من فاندا ووقفت تتأمل وجه تلك الفتاة النائمة فوق سرير الموت نوم الطفل في ~~مهده، ثم توجعت لها وقالت: هنيئا لك فقد عذبت في الحياة واسترحت بالموت. # وقال ميلون: ما زلت أعتقد أنها لم تشف بعد حتى صدق ظني.وا أسفاه! إن انتحارها لهذه الأسباب ~~لا يدل على عقل رجيح. # وبينما كان ميلون وفاندا راكعين أمام سريرها يصليان سمعا وقع حوافر جواد وقف عند الباب ~~وعلما أن القادم هو مرميس، فأسرع ميلون إلى الخارج ووقف في طريقه قائلا له: لا تدخل. # وللمرء ساعات تصدق فيها أحاديث قلبه كل الصدق حتى يصبح كالأنبياء. فصرخ مرميس يقول: إن ~~جيبسي ماتت! # ثم دخل بالرغم عن ميلون إلى غرفة الميتة، فوجدها مسجاة على السرير ووجد فاندا راكعة ~~تصلي. # وإن من اليأس ما تنفد له الدموع، وينحبس به اللسان، وهذا ما أصيب به مرميس؛ فإنه لم يفه ~~بكلمة ولم يذرف دمعة، بل أخذ الكتاب المعنون باسمه ففضه وتلاه. # وقد تضمن هذا الكتاب وداعا يقطع القلوب، ورجت فيه جيبسي من حبيبها أن يقبل ملايينها، وأن ~~ينفق منها باسمها ما استطاع في سبيل الخير، ثم التمست منه في الختام أن يشغل فؤاده عنها، وأن ~~يعيش سعيدا. # فلما أتم تلاوة ms1539 الكتاب أخذ يد جيبسي الباردة فقبلها وخرج من غرفتها إلى غرفته دون أن يفوه ~~بكلمة ، وأخرج من خزانته مسدسا وضعه على صدغه بملء البرود وأطلقه، ولكن يدا شديدة حولت يده عن ~~صدغه، فوقعت رصاصة المسدس في الجدار فاخترقته، وكانت هذه اليد يد فاندا. # فلما رآها مرميس غضب؛ لتعرضها له فقال لها: دعيني أموت؛ لا رجاء لي بعدها في الحياة. # وحاول أن يطلق النار على نفسه أيضا، غير أن فاندا تمكنت بمساعدة ميلون من تجريده من المسدس ~~وقالت: لا يحق لك الموت؛ لأن الرئيس لا يريد أن تموت. # فاصفر وجه مرميس عند ذكر روكامبول وقال: الرئيس؟! وماذا يريد الرئيس؟! ~~- إنه ترك لك كتابا متى تلوته تعلم ما يريد. # ثم أعطته كتابا ضخما مختوما، كتب على غلافه هذه الكلمات: # إن هذا الكتاب يحتوي على تعليماتي لمرميس، ولا يحق له أن يطلع عليها إلا إذا غبت عاما ~~كاملا عن باريس. # 52 # بعد بضعة أيام من الحوادث المتقدمة، نشرت جريدة الهافر هذا الخبر الآتي: # بينما كانت السفينة ماري وربانها قونديران قادمة من جزيرة الاتحاد إلى الهافر وجدت قرب ~~جزيرة القديسة هيلانة زجاجة مختومة، ففضت ختامها ووجدت فيها الكتب الأربعة الآتية؛ ~~وهي: # كتب هذا الكتاب في السفينة سيوا المسافرة إلى الهند بقيادة الربان أفاتار تحت راية ~~إنكليزية، وقد كشف على مظهر السفينة في الساعة السابعة من مساء 14 يوليو سنة 81. # إن المطافئ تشتغل منذ 48 ساعة لإطفاء النار الملتهبة في السفينة؛ فقد لعبت في عنبر ~~الزاد ولا تزال تشتعل ببطء. # إن الرياح هادئة والبحر يشبه بسكونه البحيرات، والسفينة لا تستطيع السير؛ لسكون ~~الرياح. # ونحن نبعد الآن خمسا وأربعين مرحلة عن السنغال، ومنذ أمس وقفت السفينة ولم تعد ~~تسير. # وقد عللنا أنفسنا عند ظهر أمس بشيء من الرجاء؛ فإننا رأينا سفينة تسير في عرض البحر ~~على مسافة بعيدة منا، فأطلقنا مدفعا؛ إشارة إلى ما نحن فيه من الخطر، ولكنها لم تقف، ~~وسارت تخترق المياه حتى توارت عن أنظارنا. # لا تزال النار تشتعل وستصل بعد أربع وعشرين ms1540 ساعة إلى مستودع الذخائر فتنسفنا وينتهي ~~الأمر. ~~••• # في 15 يوليو الساعة السادسة صباحا: # ساد اليأس في السفينة؛ فإن المطافئ لم تفلح وأنهكت قوى البحارة فانقطعوا عن العمل وهم ~~ينتظرون الموت بسكينة. # وعادت الرياح إلى الهبوب، ولكنها هبت متأخرة؛ فإن السفينة لا تجتاز أكثر من ميلين في ~~الساعة وهي تبعد عن الشاطئ 400 ميلا. # الدخان الأسود يخرج من العنبر، وقد قربت النار من مستودع الذخائر، ولا حيلة لنا بعزله، ~~ونحن ننتظر أن تنسف بنا السفينة من حين إلى آخر. # إذا وصلت هذه السطور إلى أوروبا فنرجو من يعثر بها أن ينشرها في الجرائد السيارة؛ فإن ~~اسم أفاتار لا يعرفه غير القليل من الناس، ولكن يوجد في باريس من يهتم له. ~~••• # في اليوم نفسه، الظهر: # رأينا مركبا شراعيا فأشرنا إليه إشارات الخطر، ولكنه توارى عن أبصارنا دون أن يرانا، ~~فأنزلت إلى البحر القارب الوحيد الذي معنا فلم يسع هذا القارب الصغير غير ستة أشخاص ونحن 19 ~~رجلا في السفينة، فأمرتهم أن يقترعوا دوني على من ينزل في القارب؛ لأن الربان يجب أن يبقى ~~في السفينة إلى آخر ساعاتها، فأصابت القرعة ستة من البحارة، فنزلوا إلى القارب وهم يبتعدون ~~الآن عنا ويبكون، أتراهم يصلون سالمين إلى البر؟ إن الله وحده يعلم. ~~••• # في اليوم نفسه، الظهر أيضا: # القارب يبتعد ونحن نشيعه بالنظر، توارى الآن عن أبصارنا فلم نعد نراه، تفقدنا النار ~~بالنظر فعلمنا أنها ستصل إلى مستودع الذخائر بعد ساعة فتنسفنا مع السفينة، ليكن ما يريده ~~الله. # الربان الأول: أفاتار # الربان الثاني: نويل # انتهى تقرير روكامبول الذي كان موجودا في الزجاجة، وقد أضافت جريدة الهافر على هذا التقرير ~~ما يأتي: # كانوا يتحدثون أمس في قهوة الأميرالية أن السفينة مويت سمعت في الساعة العاشرة من 15 ~~يوليو دويا شديدا وهي قريبة من السنغال، فحكم ربانها أن هذا الدوي صوت انفجار حدث في ~~سفينة دون شك، ولكنه تعذر عليه أن يعلم مسافة بعد هذا الانفجار عن البر. # البستانية الحسناء‏ # البستانية الحسناء‏ # | البستانية الحسناء # | البستانية الحسناء # | روكامبول ms1541 (الجزء العاشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | البستانية الحسناء # 1 # في الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان بعض فتيان الباريسيين الأغنياء مجتمعين في ناد لهم ~~يدعونه نادي كريفيس. # وكانوا جالسين في القاعة العمومية يتحدثون بشأن اختفاء دي مورفر أحد أعضاء هذا النادي، فإنه ~~احتجب منذ عامين، ولم يعلم أحد كيف كان اختفاؤه. # وكان بينهم فتى يدعى كازمير، وهو حديث الدخول في هذا النادي، فأشكل عليه فهم هذه ~~الحكاية، فقال للمتحدثين: عفوا أيها السادة، فإني حديث العهد بينكم، فهل يتفضل علي واحد ~~منكم بتفصيل هذا الاختفاء الغريب؟ # فانبرى له الفيكونت دي مونتيجرون، وقال: إني أنا أدخلتك إلى هذا النادي، وأنا أقص عليك ~~ما تتوق إليه من معرفة اختفاء دي مورفر، فاسمع. # إن غاستون دي مورفر كان في السادسة والثلاثين من عمره، وهو أديب جميل، حلو الحديث، وافر ~~الثروة، وكان طلق الوجهة، فرح القلب، فلم يحزن مرة، ولم يتدله بغرام، ولم يحدث له في أدوار ~~حياته الآمنة ما يدعوه إلى الانتحار. ~~- ومع ذلك ألعله انتحر؟! ~~- ليس منا من يعلم شيئا من أمره، وحكايته أنه خرج ليلة من هذا النادي مع شارل هدنوت ~~ابن الصراف الشهير، فذهبا ماشيين إلى شارع مدلين فشارع سيرسنس، حيث يقيم المركيز دي مورفر، ~~وهناك افترقا على أن يلتقيا في اليوم الثاني، فذهب شارل في شأنه، ودخل المركيز إلى ~~منزله. # وقد أخبر بواب منزله في اليوم التالي أنه أعطاه حين عودته تلك الليلة كتابا أرسل إليه، ~~ففضه وقرأه وقد بدت عليه علائم التأثر، فألقى الغلاف على الأرض، ووضع الرسالة في جيبه، ثم خرج ~~لفوره من المنزل، وقال لبوابه: إني لا أعود في هذه الليلة. # وفي اليوم التالي لم يحضر، ثم توالت الأيام دون أن يعود، فتداخل البوليس في أمره، ونشرت ~~الجرائد خبر اختفائه، وأرسلت صورة المركيز إلى جميع الأنحاء، فذهبت كل هذه المساعي أدراج ~~الرياح، وقد أرسلت عائلته عمالا على نفقاتها إلى إنكلترا وروسيا والولايات المتحدة كي يبحثوا ~~عنه، فلم يهتدوا إلى أثر من آثاره، ولم يعلموا ms1542 إذا كان ميتا فيبكى، أو كان حيا فيطمع ~~بلقائه. ~~- وهذا الكتاب الذي ورد إليه، فكان علة اختفائه، ألم يعثروا عليه؟! ~~- إنهم لم يعثروا عليه، بل عثروا على الغلاف، فعلموا أن خطه خط امرأة. ~~- إذن كان عاشقا دون شك، فكيف تقولون إنه لم يعشق؟! ~~- إنه كان يحب إحدى فتيات المسارح كما يحب الرجل جواده، وقد كلفته كثيرا من النفقات، ولكنه ~~كان واسع الثروة. ~~- ألم يكن منغمسا بالدسائس؟ ~~- ذلك ما لا يعرفه أحد غير أن طرق عيشه لا تدل على شيء من هذا. # أحد اللاعبين: أنا لا أعتقد أنه انتحر. # دي منتجوون: وأنا أعتقد هذا الاعتقاد أيضا، وحقيقة رأيي في هذا الاختفاء الغريب أنه ناتج ~~عن جناية هائلة، وأن يدا أثيمة قد عبثت به، فقد كثرت هذه الجرائم في باريس منذ عشرة أعوام، ~~وكلها خفية هائلة تكتنفها الأسرار، فلقد اتفق أنه بينما كان العمال يهدمون منزلا رأوا في أحد ~~أقبيته هيكلا من عظام الإنسان، ولا يبعد أن يكون المركيز مورفر حبس في قبو من هذه الأقبية ~~السرية، فيتحدث كهول باريس في مستقبل الأيام حين ينقض البناء، ويقولون: هذه جثة المركيز الذي ~~طالما خاضت الجرائد في سر اختفائه الغريب. # وعند ذلك نهض أحد الحضور وقال: لقد مر بنا عام بجملته ونحن لا نتحدث في كل ليلة إلا بحديث ~~هذا المركيز، فتنقبض صدورنا لنكبته، ولا نحلم في الليل إلا بالجرائم والآثام، فبالله ألا رجعتم ~~عن هذا الحديث المحزن، وهلم نتحدث بغرام صديقنا مريون عاشق البستانية الحسناء. # فوافق الجميع على هذا الرأي، وقال مونتجمرون للعضو الجديد: إن غوستاف مريون الذي سنتحدث ~~بأمر غرامه - وهو فتى حلو الشمائل واسع الثروة - عشق البستانية الحسناء منذ عهد قريب، ولا يزال ~~ساعيا لاسترضائها. ~~- ومن هي البستانية الحسناء؟ فإني ما سمعت بها قبل الآن. ~~- لم نعلم شيئا من أمرها قبل ثمانية أيام، وغاية ما علمنا أنها بائعة زهر تقيم في شارع ~~بلفي، ويقول عاشقها مريون: إنها لو ظهرت في الأوبرا لكشف جمالها جميع تلك الشموس الساطعة ~~فيها. ~~- ألعلها تحبه؟ ~~- كلا، ms1543 ويظهر أنها لا زوج لها ولا عشيق، فإنها دائما تلبس السواد فيزيدها جمالا، وجميع ~~خدامها يحترمونها كل الاحترام، وليس بينهم من يعلم موطنها ، فإن مريون قد أنفق إلى الآن ~~عشرين ألف فرنك في سبيل معرفة شيء من أحوالها، أو إغواء أحد خدامها، فلم يفز بمراد. # فقاطعه أحد الحضور وقال: لقد فاتتك أخبارها يا مونتيجرون، فإن مريون تمكن أمس من إغواء ~~أحد خدامها، وهو الخادم الوحيد الذي ينام في منزلها، فأعطاه مائة دينار، وأخذ منه مقابل ذلك ~~مفتاح الحديقة ومفتاح المنزل، وعليه أن يجد وسيلة للوصول إليها، فقد قال هذا الخادم: إنه منذ ~~دخل في خدمتها لم يرها أذنت لرجل بالدخول إلى منزلها. ~~- إذن ما عساه يصنع؟! ~~- إنه اختار أربعة من أصدقائنا وأنا منهم؛ كي نرافقه في هذه الليلة إلى منزل الحسناء، فنقف ~~في الطريق موقف الحراس ويدخل هو إلى المنزل. # مونتيجرون: ولكن البوليس أيها الصديق منتشر في كل مكان حتى في شارع بلفي. ~~- وماذا يهمنا من البوليس؟ فإننا سنقف خارج المنزل وهو يدخل إليه، فإذا رضيت تلك الحسناء أن ~~يختطفها كان ذلك من حسن توفيقه، وإذا أبت واستغاثت هربنا، فما علم بأمرنا أحد. # مونتيجرون: إذا كان ذلك كما تقول، فأنا أذهب معكم أيضا. # وفيما هو يقول هذا القول دخل مريون الذي يتحدثون عنه، فقال: عافاك الله يا مونتيجرون فأصحبك ~~معنا، فالتفت جميع الأعضاء عند ذلك فرأوا مريون داخلا، فقال له أحدهم: ماذا تقول يا مريون ~~أجاد أم أنت مازح؟ ~~- بل أقول الجد، وقد جئت بمركبة تنتظرني عند الباب، وهي تسع خمسة أشخاص، فمن أحبني ~~فليتبعني. # مونتيجرون (ضاحكا): أيجب أن يكون معنا سلاح؟ ~~- كما تريدون أما أنا فإن مسدسي لا يفارق جيبي. # فقام عند ذلك الخمسة الذين عولوا على الذهاب، فلبسوا قبعاتهم وخرجوا إلى المركبة الواقفة ~~عند باب النادي، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فقال لهم مريون: إننا نصل إلى منزل هذه ~~البستانية الحسناء بعد نصف ساعة، وفي الساعة الثالثة نجتمع على المائدة كلنا في القهوة ~~الإنكليزية، فدعا الرفاق له ms1544 بالنصر وركبوا المركبة، فسارت بهم إلى شارع بلفي وهم يضحكون ~~ويمازحون مريون. # 2 # وكان الظلام مدلهما، والبرد شديدا، والهواء زمهريرا، غير أن هؤلاء الفتيان لم ~~يكونوا يكترثون لمثل هذه العوارض الجوية، وقد التهبت في أحشائهم نيران الخمر المعتق. # وما زالت المركبة سائرة بهم حتى وصلت إلى بلفي، فأوقفها مريون، فقال له مونتيجرون: ألعلنا ~~وصلنا؟ ~~- كلا، ولكن صوت المركبة في هذا الشارع المقفر قد ينبه أنظارها، وإنما أريد أن أباغتها، ~~فهلم بنا نسير فإن البيت قريب. # وقال مونتيجرون: إني لا أرى شيئا فأين هو؟ ~~- انظر أمامك إلى هذا النور الضعيف؛ فإنه ينبعث من غرفة رقادها. ~~- ألا يوجد منازل مجاورة له؟ ~~- كلا، إن أقرب منزل منه يبعد عنه مائة متر على الأقل، فهو يعتبر في معزل عن البيوت. # ونزل شبابنا الخمسة من المركبة وساروا في هذا الشارع، الوحل إلى الركب حتى وصلوا ~~إليه، ورأوا حديقة كبيرة تكتنفه والسكينة سائدة في جميع جهاته، ولم يروا غير نور ضعيف ينبعث من ~~النافذة في الدور العلوي. # وقال مريون: قفوا هنا أيها الرفاق، وادعوا لي بالتوفيق ... # ثم أخذ مفتاحا من جيبه، وسار إلى باب الحديقة ففتحه ودخل، واجتاز رواقا فيها إلى باب ~~المنزل، فأخرج مفتاحا آخر من جيبه وفتحه. # كان الظلام شديدا ولديه علبة من الكبريت الشمعي، فانكشف له على نورها سلم فرش فوق ~~درجاته بساط ضيق، وصعد على هذه الدرجات، فكان البساط يخفي صوت وقع أقدامه حتى انتهى إلى آخر ~~السلم، فوصل إلى الرواق ورأى في آخر الرواق نورا، فأطفأ شمعته، ومشى مخففا وطأه كما يمشي ~~اللصوص، وهو يسترشد بهذا النور. # ولما وصل إلى حيث ينبعث النور رأى غرفة نصف بابها الأعلى من الزجاج، فقال في نفسه: هذه غرفة ~~رقادها فلنر. # وعند ذلك مشى إلى الباب بملء الحذر، ونظر من زجاجه إلى داخل الغرفة، فلم يكد نظره يستقر حتى ~~وقف شعر رأسه، وانصب العرق البارد من جبهته، ووقف الريق في حلقه، وانقلب إلى الوراء وقد صاح ~~صيحة رعب بصوت مختنق. # ذلك أنه رأى هذه الغرفة ms1545 مفروشة بالأثاث الأسود كغرف الأموات، ورأى في وسطها سريرا فوقه ~~جثة، وأمام هذا السرير امرأة واقفة تنظر إلى الجثة والدموع تنهمل من عينيها. # أما المرأة فكانت البستانية الحسناء، وأما الجثة فكانت جثة رجل عرفه مريون حالا، إنه ~~المركيز غوستاف دي مورفر الذي اختفى منذ عام، وذهبت مباحث البوليس وأهله أدراج الرياح بعد أن ~~بحثوا عنه عاما كاملا في جميع أنحاء الأرض. # 3 # ولم يكن مريون قد أغمي عليه حين سقوطه، ولكنه كان قد أصيب بشلل في جسمه وعقله لهول ما ~~رآه، فلم تعد ساقاه تحملانه، وانعقد لسانه، ولم يعد يستطيع الوقوف بعد سقوطه. # ثم رأى أن الباب قد فتح، وخرجت منه تلك الفتاة التي رآها واقفة أمام جثة المركيز، ولم ~~تكن تبكي، بل كانت عيناها تتقدان كالجمر، وكانت صفراء الوجه مضطربة الأعصاب تدل هيئتها على ~~الغضب الشديد؛ حتى إن جمالها قد استحال إلى قبح، وكاد مريون ينكرها. # فدنت منه، وقالت له بلهجة الأمر: قم. # فنهض مريون لفوره، وقد أثرت به نظراتها النارية أشد تأثير، فأخذت يده وجذبته إلى تلك ~~الغرفة السوداء وهي تقول: ما زلت تريد فادن وانظر. # وكانت تجذبه إلى الغرفة بعنف وتعيد عليه هذا القول بلهجة التهكم، فما مر بهذا الفتى ساعة ~~رعب أشد من هذه الساعة، فأدار وجهه ولم يستطع أن يرى، فجذبته أيضا إلى الشموع الموقدة حول ~~الجثة، وقالت له: قلت لك انظر. ألم تأت إلى هنا كي تقف على أسراري؟ # فنظر مريون عند ذلك إلى الجثة والرعب ملء فؤاده، فأيقن أنها جثة المركيز، ورأى أن هذا ~~المركيز لا يزال بملابسه التي كان يلبسها يوم اختفائه، ولكن صدرته كانت مفقودة، وقميصه مفتوح ~~يكشف عن صدره، فرأى في ذلك الصدر جرحا فوق الثدي الأيسر، ورأى الدم عليه، فلم يدر إذا كان أصيب ~~بخنجر فمات غدرا واغتيالا، أو أصيب بسيف فمات موت الأشراف. # وكان يرى من أثر الدم وهيئة الوجه أن المركيز لم يمت إلا منذ بضع ساعات، فكيف اتفق ذلك ~~والبوليس يفتش عنه منذ عام؟! وماذا حدث ms1546 لهذا المركيز في مدة سنتين كاملتين، وهو لم يقتل إلا منذ ~~ساعات؟! إن ذلك مما تحار في إدراك كنهه العقول. # وكان ينظر إلى جثة المركيز مورفر والبستانية الحسناء واقفة بالقرب منه تقذف من عينيها ~~لهبا، وتقول لمريون بلهجة المتهكم: ما بالك خائفا؟! ولماذا لا تدقق النظر؟! # فكانت أسنانه تصطك من الرعب، وقد خاف من هذه المرأة الحية أكثر مما خاف من ذلك الرجل ~~الميت. # ثم أخذت يده فجأة وهزته بعنف ونظرت إليه نظرة هائلة، ~~فقالت له: والآن أصغ إلي ... # فحاول مريون أن يتكلم فتلجلج لسانه وتمتم بعض كلمات لا معنى لها، فقالت له: قلت لك ~~أصغ إلي، فإنك تأتي كل يوم إلى منزلي منذ شهر بحجة شراء الزهور، ثم لم تر ميلا مني إليك، ~~فأغويت أحد خدمي، وتمكنت بفضله من الوصول إلى هذا المكان، وكنت تحسب أنك آت لترى امرأة حسناء ~~تهواها فوجدت جثة قتيل، هل شفتك هذه الجثة من ذاك الغرام؟! # ولما رأت أنه لم يجبها بحرف قالت له: أشفق عليك؛ لأنك لا تزال في مقتبل العمر وغرور الصبا، ~~ولو لم أكن آليت على نفسي أن لا أسفك دما بشريا إلا في سبيل الدفاع، لما كنت الآن في عداد ~~الأحياء، فإذا شئت أن تحيا سعيدا وتبلغ سن الكهولة فأقسم لي بهذه الجثة أنك لا تبوح بحرف مما ~~رأيت. # فكان مريون يرتجف ويضطرب دون أن يجيب، فهزته هزا عنيفا دل على شدة أعصابها، وقالت له ~~بلهجة التوعد: قلت لك: أقسم بهذه الجثة! # فخيل لمريون من لهجتها أن حياته بين أيديها، وأنها إذا فاهت بكلمة بات من الأموات، وكان ~~فتى لم يتجاوز العشرين من عمره، فزاد اضطرابا، ولكنه لم يقسم، فهزته مرة ثالثة، ونظرت إليه ~~نظرة هائلة تبين منها صدق وعيدها، وقالت له: قلت لك أقسم ... # فوضع مريون يده مكرها فوق الجثة، وقال بصوت مختنق: أقسم على الكتمان. # وعند ذاك أطفئت جميع الأنوار بغتة، كأنما يدا سحرية أطفأتها، وساد الظلام في تلك الغرفة، ~~فأوشك مريون أن يجن من رعبه لما هاله ms1547 من هذه الأسرار، ثم شعر أن يدها مسكت يده، وسمعها ~~تقول له: اتبعني؛ فتبعها وهو لا يعرف أين يسير حتى وصلت إلى سلم، فنزلت أمامه وهي تقوده كما ~~يقاد العميان، ولما بلغت آخر السلم فتحت بابا، وأخرجت مريون، وعادت فأقفلت الباب. # وكان هذا الباب موصلا إلى الحديقة، فلم يمش مريون خطوتين حتى شعر أن قواه قد تلاشت، فسقط ~~مغميا عليه لا يعي شيئا. # 4 # بعد ذاك بمدة 48 ساعة كان أعضاء نادي كريفيس مضطربين اضطرابا عظيما، فإنهم لم يروا مريون ~~ولا رفاقه الأربعة منذ يومين، فسهروا ليلتهم بطولها منتظرين قدوم واحد منهم يخبرهم بما جرى، فلم ~~يحضر أحد. # وكان أحد الأعضاء ذهب إلى منزل مريون ومونتيجرون وبقية الرفاق، فأجابه البوابون أنهم لم ~~يعودوا إلى منازلهم منذ ليلتين. # وطال تحدثهم في سبب اختفائهم، فقال أحد الأعضاء: أرى أن هؤلاء المجانين قد أصيبوا بمكروه، ~~فإني ضعيف الثقة بجسارة وشجاعة مريون، وعندي أن لهذه المرأة التي ذهب إليها زوجا أو عشيقا، ~~وأن هذا العاشق ألقى مريون من نافذة المنزل حين دخوله إليه. # فقال أحدهم: إن ذلك ممكن الحدوث. # وقال آخر: إنهم إذا ألقوه من الشباك لا يموت، إن للعشاق وللسكارى إلها يحرسهم، فإذا صح ذلك ~~فقد يكون أصيب بجرح أو برضوض فنقل إلى أحد المنازل المجاورة، ولكن ماذا حدث لرفاقه الأربعة ~~كما تعلمون؟ # فقال أحدهم: إن معظم سكان شارع بلفي من الأسافل، فقد يتفق أنهم أساءوا إليهم، أو جرى بينهم ~~خصام فشوهوا وجوههم، وخجلوا أن يظهروا أمامنا بمظاهر الخذلان. # وعند ذلك سمعوا صوتا يقول: لقد أخطأت أيها الصديق، فالتفتوا وصاحوا جميعهم: هو ذا ~~مونتيجرون! # أما مونتيجرون، فقد قال لهم: لقد أخطأتم أيها الأصحاب، فإن أهل بلفي لم يشوهوا وجوهنا، ولم ~~يسيئوا إلينا كما ظننتم ... ~~- ومريون ماذا جرى له؟! ~~- إنه مجنون. ~~- ألعله جن جنون غرام؟ ~~- كلا، بل إنه جن جنونا مطبقا، وأرجو أن لا تضحكوا أيها السادة، فإني لا أقول ما أقوله ~~على سبيل المزاح، بل هي الحقيقة بعينها، وأوردها لكم بملء الأسف. # فانكمشت ms1548 نفوسهم، وبدت على وجوههم علائم الحزن، وجعل مونتيجرون يحدثهم بما جرى لهم، وأخبرهم ~~كيف ذهبوا إلى منزل البستانية الحسناء، وكيف دخل مريون وحده إلى ذلك، ثم أخبرهم كيف أن النور ~~انطفأ بعد أن دخل بنصف ساعة دون أن يسمعوا صوت استغاثة؛ فقلنا: لقد فاز مريون فيما أراد، وإن ~~هذه الحسناء كانت تخدعه بمظاهر نفورها للاستزادة من هيامه لما رأت من حداثة سنه. # وعزمنا عند ذلك على الرحيل، لكني أردت قبل ذلك أن أخبر الخادم أننا عدنا إلى شئوننا؛ كي ~~يخبر مريون بانصرافنا عند انصرافه. # وكان باب الحديقة مفتوحا، فدخلت إليها ومشيت إلى الباب، ولكني ما سرت بضع خطوات حتى عثرت ~~بجسم ملقى على الأرض، فنظرت وإذا هذا الجسم جسم صديقنا مريون وهو بلا حراك. # فصحت عند ذلك صيحة رعب، وأسرع الرفاق إلي حين سمعوا صياحي، ووجدنا مريون مغميا عليه، ~~ولم يكن في جسمه أثر جرح أو رضوض، فأشكل علينا سبب هذا الإغماء، وخطر لنا أن نطرق باب هذه ~~المرأة، وأن نكسره إذا أبت أن تفتح لنا، غير أن الحكمة تغلبت على حدتنا لحسن الحظ، فقلنا: يجب ~~أن نهتم بصديقنا قبل كل شيء، ثم نعلم منه بعد أن يستفيق علة هذا الإغماء، فننهج في أعمالنا ~~مناهج الحكمة، وفوق ذلك فإنه هو الذي أساء إلى نفسه بدخوله إلى منازل الناس في ظلام الليل دخول ~~اللصوص، وإذا دخلنا دخوله عرضنا أنفسنا للأخطار. # واستقر رأينا أن نخرج مريون من الحديقة، فحملناه وخرجنا به إلى الشارع، ففعلنا كل ما ~~استطعناه، ولم نتمكن من أن نرجع إليه هداه، ولو لم نكن نشعر بدقات نبضه الضعيف لحكمنا أنه من ~~الأموات. # وكان الفجر أوشك أن يلوح، وخشينا أن يرانا أحد من البساتين، فيقف البوليس على أمورنا، ~~فحملنا مريون إلى المركبة، وسرنا به إلى فندق الرأس الأسود، ووضعناه فوق سرير، واستدعينا له ~~طبيبا، فأقام ساعة يعالجه بالدعك وشم الأرواح المنعشة حتى فتح عينيه، وجمد الدم في عروقنا؛ ~~لأنه جعل ينظر إلينا نظرا تائها ولم يعرف أحدا منا. # وكانت أسنانه ms1549 تصطك من الرعب، وبلغ منه الهذيان شر مبلغ، ثم جعل يبكي ويضحك في حين واحد ~~ويقول: إياكم أن تذهبوا إليها. # ودام هذيانه متصلا إلى مساء أمس، فخف ما به، وعادت إليه السكينة، وكنا لا نزال حول سريره، ~~وعرفنا جميعنا، ودنوت منه عند ذلك، وحاولت أن أسأله عما جرى له، فعاد إليه رعبه القديم وقال: ~~احذروا من الذهاب إليها. ~~- سنمتثل، لكن قل لنا على الأقل ماذا جرى لك ... ~~- لا أستطيع أن أقول شيئا، لقد أقسمت يمينا محرمة ... # ثم عاد إليه الهذيان، ولم يعد يحدثنا بشيء. # وجاء الطبيب ففحصه فحصا مدققا، وقال: إنه مجنون، وأخشى ألا يشفى من هذا الجنون. # وقاطع أحد الأعضاء مونتيجرون، وقال له: أظن أنكم أبلغتم البوليس بما جرى. # فهز مونتيجرون كتفيه، وقال: إن من يعمل ما عملناه، ويدخل البيوت كما دخل إليها مريون لا ~~يسعه الافتخار بعمله، ولا ينظر البوليس إلى عمله نظرة استحسان. ~~- هو ما تقول، ولكن لا بد أن يكون في هذا المنزل سر هائل ذهب بصواب مريون، ويحسن الوقوف على ~~هذا السر. ~~- وأنا أرى رأيك، ولكني أقسمت أن أكتشف هذا السر بنفسي قبل البوليس، وأن أدخل منزل ~~البستانية الحسناء بالرضا أو بالعنف مهما كابدت في هذا السبيل من الأخطار. ~~- أتقضي هذه المهمة وحدك؟ ~~- كلا، بل يصحبني من يريد منكم، لكني لا أقبل غير واحد. # فأقبل كل واحد منهم يقول: أنا لها، حتى اضطروا إلى الاقتراع، فأصابت القرعة ذلك العضو ~~الجديد الذي يدعى كازمير، فدنا من مونتيجرون وسأله: متى تريد أن أذهب إلى هذه السيدة؟ ~~- الآن فإن مركبتي تنتظرني عند باب النادي. # وقال لهم: أستحلفكم بالشرف أيها الأصدقاء أن تكتموا هذا الأمر كل الكتمان إلى أن ~~أعود. # فأقسم له الجميع كما طلب، وخرج لفوره مع كازمير إلى النادي. # 5 # وكانت هذه الحادثة قد أهاجت فضول مونتيجرون، فعزم على اكتشاف سر الحسناء غير مكترث لما ~~هنالك من الأخطار، ورأى أن رفاقه الثلاثة الذين ذهبوا مع مريون قد ذعروا ذعرا شديدا لما رأوه ~~من جنونه، فلم يكاشفهم بقصده، ms1550 ولكنه أخذ مفتاحي: الحديقة ومنزل البستانية، وذهب إلى النادي؛ ~~كي يختار رفيقا له في هذه الرحلة، فأصابت القرعة كازمير كما تقدم. # وخرج وإياه، فركبا المركبة التي كانت تنتظره ، وسلحه بخنجر، فسارت بهما المركبة حتى بلغت إلى ~~ذلك المنزل. # وكانت السكينة سائدة والمصباح ينير في نافذة الغرفة كما كان في تلك الليلة، وأخذ مونتيجرون ~~أحد المفتاحين من جيبه، ففتح باب الحديقة، وقال لكازمير: اتبعني، فتبعه وسار بين الأشجار مائة ~~خطوة، فرأى مونتيجرون شبحا أسود يدنو منه، فهمس في أذن صاحبه وقال له: انتبه. # ووضع يده على قبضة خنجره. # أما الشبح الأسود فإنه ما برح يتقدم حتى تبين لمونتيجرون أنه رجل، ثم سمع صوت هذا الرجل ~~يقول: من هنا؟ # فلم يجب، فدنا الشخص أيضا ورأى مونتيجرون وكازمير، فقال لهما: من أنتما؟ # فانقض عليه مونتيجرون فجأة انقضاض الصاعقة، وضغط على عنقه حتى كاد يخنقه، وهو يقول: إذا ~~فهت بكلمة فأنت من الهالكين. # فذعر الرجل وقال بصوت مختنق: رحماكم لا تقتلوني إذا كنتم من اللصوص. ~~- إني أعرف كثيرا من الخدم يقتصدون. ~~- ولكني أقسم لك بكل مقدس إني لست منهم. # غير أن اضطراب صوته كان يدل على أنه كاذب في ادعائه الفقر. # وذكر مونتيجرون أن صديقه مريون قد رشاه بمائة دينار مقابل إعطائه المفتاحين، فقال له: إذا ~~لم يكن لديك غير المائة دينار التي أخذتها من مريون لكفى. # فاضطرب الخادم وقال: أتعرف هذا؟ ~~- بلا ريب، والبرهان أني فتحت باب الحديقة بالمفتاح الذي بعته إياه. # وغير الخادم خطته للفور، وزالت عنه آثار الرعب فقال: أسألك العفو يا سيدي، لقد حسبتك قبلا ~~من اللصوص، ولكني أرى سيدي من النبلاء. ~~- إذن علمت السبب في مجيئي إلى المنزل. ~~- علمت بعض الشيء ... ~~- إذن اجمع حواسك واستشر نفسك. ~~- ماذا يريد سيدي؟ ~~- أريد أن أخيرك بين أمرين، إما ضربة خنجر أو مائة دينار. ~~- لا شك أن سيدي يمزح؛ لأنه يعلم يقينا أن المائة دينار خير من طعنة خنجر ... ~~- أتختار المال؟ ~~- بلا ريب ... ~~- إذن تكلم ... ~~- ماذا يريد سيدي معرفته؟ # فمد مونتيجرون يده إلى ms1551 النافذة التي يشع فيها النور، وقال له: ماذا يوجد فوق؟ # فأجاب الخادم بصوت يضطرب: إني يا سيدي أب لخمسة أولاد لا معين لهم إلاي، وقد بعت ~~المفتاح إلى المسيو مريون فنهج مناهج المجانين، أما أنت يا سيدي فيظهر أنك من العقلاء، فإذا ~~أسديتك نصيحة رجوت أن تعمل بها وتقبل نصحي. ~~- ما هي هذه النصيحة؟ ~~- هي يا سيدي أن تعود إلى منزلك، فإن الليلة باردة والضباب كثيف، وأخشى عليك من ~~الزكام. # فغضب مونتيجرون وقال: ويحك أيها الشقي، أهذا وقت المزاح والحديث عن الطقس؟! قل لي ما أسألك ~~عنه أو أقتلك شر قتل، ثم عاد إلى الضغط على عنقه وإنذاره بالخنجر. # فلما شعر الخادم بوخز الخنجر عاد إليه ذعره، فقال: ليسألني سيدي عما يشاء أجبه. ~~- لمن هذا المنزل؟ ~~- للسيدة. ~~- من هي هذه السيدة؟ ~~- ليس هنا من يعرف اسمها، فإن جميع أهل الشارع يدعونها ~~البستانية الحسناء ... ~~- كم بقي لها هنا؟ ~~- عامين ... ~~- من أين أنت؟ ~~- لا أعلم ... # وكانت لهجة الخادم تدل على الصدق، فأشار مونتيجرون بيده إلى النافذة التي ينبعث منها النور ~~وسأله: أهذه هي الغرفة التي تبيت فيها تلك السيدة؟ ~~- أظنها غرفتها. ~~- كيف تظن؟ ~~- ذلك لأني لم أصعد إلى الدور العلوي من هذا المنزل، ولم يصعد إليه أحد غيري من الخدم أو ~~العمال، الذين يشتغلون عند سيدتي في النهار، وكل ما أستطيع أن أقوله لك هو أن شارل مرسيه بات من ~~المجانين. ~~- من هو شارل مرسيه هذا؟! ~~- هو فتى من فتيان باريس توله بحب سيدتي، فجاء وتسلق جدار الحديقة، ثم أسند سلما إلى ~~جدار المنزل، وتسلق درجاته إلى هذه النافذة التي ترى النور ينبعث منها. ~~- وماذا جرى له؟ ألعلها ألقته من السلم؟ ~~- كلا، ولكنه نزل من تلقاء نفسه، وقد جمد الدم في عروقه، ووقف وجحظت عيناه، فجن لساعته، ~~ولا يزال مجنونا إلى الآن. ~~- ولكن ماذا رأى في تلك النافذة؟ ~~- لا أعلم، لكن سيدي يحسن عملا إذا عاد من حيث أتى. ~~- كلا، إن ذلك لا يكون. ~~- إذن ألا تزال مصرا على الدخول إلى المنزل؟ ms1552 ~~- دون شك، ويجب عليك أن تكون في مكانك، والويل لك إذا خطر لك أن تتبعني. ~~- لا خطر علي يا سيدي، فإني لا أجسر على الدخول إلى هذا المنزل . ~~- إذا وجدتك في مكانك بعد أن أعود أعطيتك مائة دينار. ~~- ستجدني إن شاء الله جالسا تحت هذه الشجرة في انتظارك. # وقد كان خطر لمونتيجرون أن يبقي كازمير في الحديقة حارسا على الخادم، غير أن كازمير أبى ~~إلا أن يدخل وإياه، ففتح مونتيجرون باب المنزل، ودخل يتبعه كازمير كما دخل مريون منذ ليلتين، ثم ~~أقفل الباب من الداخل، ووضع الزلاج؛ كي يأمن دخول الخادم في أثرهما، وصعد درجات السلم إلى الدور ~~العلوي، حتى انتهيا منه إلى ذلك الباب الزجاجي، فأطل منه ونظر من خلال زجاجه فذعر ذعرا شديدا؛ ~~لأنه رأى نفس ما رآه مريون؛ أي جثة المركيز دي مورفر، ولكن البستانية الحسناء لم تكن في تلك ~~الغرفة السوداء. # ورأى كازمير ما كان من اضطراب رفيقه، فدنا من الباب وصاح صيحة رعب حين رأى تلك الجثة، فشد ~~مونتيجرون على يده، وقال اسكت: وكان مونتيجرون شجاع القلب، فلم تمر به بضع ثوان حتى عادت إليه ~~سكينته، فتفرس بالجثة مليا، ثم همس في أذن رفيقه، وقال: لقد عرفت الآن السبب في جنون ~~مريون؛ فإنه رأى هذه الجثة، وعرف أنها جثة المركيز دي مورفر، ونحن الآن لم نكتشف سرا، بل ~~اكتشفنا جريمة هائلة، ويجب أن نستقصي إلى النهاية. # وكان الباب الزجاجي مقفلا، فحاول أن يفتحه فلم ينجح، فقال: مهما يكن من النتيجة، فلا بد لي ~~من الاستقصاء إلى النهاية. # ثم رفس الباب بشدة، فتحطم زجاجه وفتح. # غير أنه حدث عند ذلك ما يشبه السحر، فإن الشموع التي كانت موقدة حول الجثة أطفئت فجأة، ~~وساد في تلك الغرفة ظلام مخيف. # ولم يبال مونتيجرون بما حدث، فجرد خنجره، وقال لرفيقه: جرد خنجرك، ثم تأبط ذراعه، ~~ومشى الاثنان إلى الجثة، لكنهما لم يمشيا خطوتين حتى صاح مونتيجرون صيحة منكرة؛ ذلك أن الأرض قد ~~هبطت تحت قدميه فسقط مع رفيقه في ms1553 هوة لم يرها. # 6 # وشتم مونتيجرون شتما قبيحا، وقال بصوت جلي يدل على أنه لم يسقط من علو شاهق: ما هذه ~~الأسرار التي تكتنفنا في عالم السحر؟! # فأجابه كازمير وقد سقط بالقرب منه: بل نحن في حكايات ألف ليلة وليلة. # مونتيجرون: أأصبت بكسر أو رض؟ ~~- كلا فإني سليم وأنت؟ ~~- وأنا أيضا. ~~- ولكن أين نحن ومن أين سقطنا؟ ~~- لا أعلم، ولكننا سنعلم، ثم فتش في جيوبه فوجد علبة كبريت، فأنار عودا منها، ونظر مع ~~رفيقه إلى ما حواليه، فوجد كثيرا من الأواني مرصوفا بعضها قرب بعض قد زرعت فيها الأزهار ~~الشتوية، ثم رأى مستوقدا ووجد فوقه شمعة قد ذاب نصفها، فأسرع إليها وأنارها، وجعل الاثنان ~~ينظران بجلاء إلى المحل الذي سقطا فيه، فوجدا أنهما في غرفة تشبه الحديقة، وفيها أزهار غريبة لا ~~توجد في أوروبا. # ثم نظرا إلى السقف الذي هبطا منه، فوجدا أن أرض الغرفة العليا التي خسفت بهما كانت من ~~الخشب، وأنها كانت شبه باب يفتح بلولب سري، فلما أدير اللولب فتح الباب إلى الجهة السفلى ~~فسقطا. # وجعل يفحص الغرفة والحديقة، فوجد فيها بابا متينا لا يمكن فتحه إلا بمفتاحه أو بالآلات ~~الضخمة، ونافذة لم يهتد إلى طريقة فتحها، فخطر له أن يكسر برغيا من براغيها، ثم يعالج رواقدها ~~الخشبية بخنجره فيكسرها، ويفر منها إلى الحديقة الكبرى. # غير أنه وجد بعد الفحص أن هذه النافذة من الحديد، وأنها كانت مدهونة بلون الخشب، فلم يبق ~~لديه غير رجاء كسر البرغي. # ثم خطر له أن يرجع كما سقط؛ لأنه رأى طاولة فوضعها قرب الجدار وصعد فوقها، ومد يده فلم تبلغ ~~السقف، وكان الجدار مصقولا فلا سبيل إلى تسلقه، فلم يجد منفذا للخلاص إلا بكسر البرغي، فأخذ ~~خنجره - وكان كازمير ينير له - وحاول كسر البرغي فانكسر الخنجر، فاستعمل خنجر كازمير فانكسر ~~أيضا، فقال: لا سبيل إلى كسره إلا بمبرد، ومن أين نجيء به في هذا السجن؟! # ففطن كازمير أن لديه مدية ذات شفرات كثيرة وأن إحدى شفراتها مبرد، فعرضها على مونتيجرون؛ ~~فسر ms1554 بها سرورا عظيما، وأخذ يبرد البرغي بصبر عجيب. # وكان كازمير يحمل الشمعة، فقال لرفيقه: إن نورها لا يدوم أكثر من نصف ساعة، فقد التهب ~~معظمها. ~~- لا حاجة لي بها الآن فأطفئها، ومتى أتممت كسر البرغي عد إلى إنارتها، فأطفأها كازمير، ~~وعاد مونتيجرون إلى كسر البرغي. # ولبث على ذلك نحو ربع ساعة، وعلائم الفوز تبدو له كلما اشتغل حتى أوشك أن يفوز بمرامه، فقال ~~له كازمير: ألا تشعر بما أشعر به؛ فإني أشعر بدوار عظيم؟ ~~- كلا، وربما كان ذلك من رائحة الأزهار، فتجلد فإن الفوز قريب. # فجلس كازمير على إحدى أواني الزهر، وقد زاد دوار رأسه فلم يستطع الوقوف، وجعل مونتيجرون ~~يبرد البرغي، فلم تمر به هنيهة حتى شعر هو أيضا بنفس الدوار، فقال: لقد أصبت يا كازمير فقد ~~أصابني ما أصابك، فإني أشعر أن الأرض تدور بي. # فلم يجبه كازمير بحرف، فخاف مونتيجرون وسقطت المدية من يده، وقال لكازمير: أنر الشمعة فإني ~~لا أرى شيئا في هذا الظلام، فلم يجبه أحد؛ فأيقن أن رفيقه قد فقد الحس، ومشى في تلك الغرفة ~~يبحث عنه، فعثر به وسقط فوقه، فجعل يصيح صياح المختنق، ثم حاول أن ينهض، فلم يستفق، ثم أطبقت ~~عيناه فلم يعد يشعر بشيء. # وعند ذلك فتح باب سري في تلك الغرفة لم يكن مونتيجرون وكازمير قد اهتديا إليه، ودخل منه ~~رجل وامرأة: أما المرأة فقد كانت مقنعة، ولكن مونتيجرون لو رآها لعلم أنها البستانية الحسناء، ~~وأما الرجل فقد كان ذلك الخادم الذي لقيه مونتيجرون في الحديقة منذ ساعة وحذره من أن ~~يتبعه. # فقال الخادم للبستانية: إننا لو تركناهما في هذه الغرفة يا سيدتي لما استفاقا إلى ~~الأبد. ~~- كلا، فإني أقسمت أن لا أسفك دما بشريا إلا حين الاضطرار، فقل هل أعددت المركبة؟ ~~- نعم فإنها عند الباب منذ ربع ساعة. ~~- احضر ورفيقك، واحمل هذين المجنونين إلى أحد شوارع باريس المقفرة، فإنهما إذا تنشقا الهواء ~~المطلق يستفيقان من هذا الإغماء. ~~- إذا لم تحذري يا سيدتي، فإن فجيع ما تجريه لا ينتهي ms1555 بسلام، فهزت كتفيها وقالت له بلهجة ~~الآمر: اصدع بما أمرت. # ثم تركته وانصرفت، فأمر الخادم رفيقه فحملوا مونتيجرون وكازمير، وخرجوا بهما إلى المركبة ~~التي كانت واقفة عند باب الحديقة . # 7 # بعد ذلك بيومين كان رئيس البوليس السري جالسا في مكتبه في الساعة الثامنة من الصباح، وهو ~~منهمك في تلاوة كثير من الرسائل التي وردت إليه في ذلك اليوم، وكلها مكتوبة بالأرقام ~~الاصطلاحية، وهو رجل حاد البصر تدل هيئته أنه خلق لهذه المهمة، وهو يدعى: المسيو ~~ليبرافيه. # وكانت الحكومة تثق به ثقة شديدة؛ لما أظهره من الحذق في الأعمال الخطيرة الدالة على مهارته، ~~فلما أنشأت قلم البوليس السري - وهو حديث العهد في فرنسا - عهدت إليه برئاسة هذا القلم؛ فحقق ~~الظن به. # غير أنه من يوم توليه هذا المنصب الدقيق لم يرد عليه مشكلة أصعب من مشكلة اختفاء المركيز دي ~~مورفر، فإنه لم يدع محلا في باريس لم ينقبه، وأرسل عماله السريين إلى جميع أقطار الدنيا، فلم ~~يعلم شيئا من أمر هذا الاختفاء الغريب إلى أن قنط من إيجاده فترك البحث عنه، ولكن دلائل الهم ~~كانت بادية عليه لما أصابه من الفشل في هذه المهمة. # وفيما هو منهمك في تلاوة التقارير السرية إذ دخل إليه حاجب بابه، وأعطاه رقعة زيارة مكتوبا ~~عليها اسم الفيكونت دي مونتيجرون، وقال له: إن صاحب هذه الرقعة يا سيدي يرجو أن تأذن له ~~بمقابلتك. ~~- ليصبر قليلا. ~~- إنه يلح يا سيدي بالدخول، ويقول: إن الأمر خطير. # فانتهره الرئيس وقال: قل له أن يصبر إلى أن أفرغ مما أنا فيه. # فخرج الخادم وعاد رئيس البوليس إلى مطالعة التقارير. # وقد رأى بين هذه الرسائل المكدسة على طاولته رسالة علم من طابع غلافها أنها من لندرا، ~~ورأى في زاوية من زوايا الغلاف علامة سرية؛ فارتعش وأسرع إلى فض هذا الغلاف، فسقطت منه صورة ~~فوتوغرافية ما لبث أن تبينها حتى قال بلهجة الدهش: هذا هو بعينه! # وكان هذا الرسم يمثل رجلا في الثلاثين من عمره، بل يمثل جثة رجل جالس على كرسي، ms1556 وقد مال ~~رأسه إلى كتفه الأيسر، وفوق ثديه الأيسر طعنة خنجر أو سيف ... # ففتح رئيس البوليس درجا، وأخرج منه رسما شمسيا يمثل رجلا واقفا حاملا قبعته وآثار ~~الصحة بادية عليه ، ثم جعل يقابل بين الرسمين، فرأى أنهما واحد وأن كليهما يمثلان المركيز دي ~~مورفر، فوضع الرسمين على الطاولة، وأخذ الرسالة المرسلة من لندرا، فتلا فيها ما يأتي: # إن هذه الجثة التي أرسلت إليك رسما في طي هذا الكتاب وجدت أمس في خمارة الملك ~~جورج، في وينغ، وهذه الناحية من شر النواحي في لندرا. # وصاحب الخمارة يدعى كالكراف، كما يدعى الجلاد في لندرا، ويقال: إنه ابن عمه، ~~وللخمارة شهرة غريبة يخافها الناس خوفا شديدا؛ حتى إن البوليس يخافها ولا يجسر على الدخول ~~إليها بعد منتصف الليل، وقد اتفق مرات كثيرة أن البوليس كان يدخل إليها فلا يخرج منها؛ لذلك ~~لم يكتشفوا هذه الجثة إلا بما أذاعه صاحب الخمارة، وهذا ما قاله: كان رجل فرنسي نجهل اسمه ~~يأتي كل ليلة إلى هذه الخمارة، وتصحبه امرأة إرلندية، وافرة الجمال، وكان ينفق معها جانبا ~~من الليل في تلك الخمارة على معاقرة الشراب. # ولم يكن يكلم أحدا ولا يسيء إلى أحد، ولم يروه مرة في حالة سكر، ولكنه كان مفتونا ~~بتلك الإرلندية. # ومن الغرائب أن تلك المرأة كانت ترتدي ثيابا تدل على الفقر، في حين أنه كان يرتدي خير ~~الثياب، وينفق في تلك الخمارة بملء السخاء، فلم يدفع غير الذهب. # ففي ليلة أول أمس (كما يقول صاحب الخمارة) تخاصم الرجل الفرنسي والمرأة الإرلندية فجأة، ~~فطعنته بخنجر، وقد حاول صاحب الخمارة أن يقبض عليها، غير أنه كان يوجد كثير من البحارة، ~~فحالوا دون قصده، وساعدوها على الفرار. # هذا ما رواه صاحب الخمارة إلى بوليس تلك الناحية، فأخبرني البوليس وذهبت إلى الخمارة ~~فرأيت الجثة، وعرفت في الحال أنها جثة غوستاف دي مورفر الذي نبحث عنه منذ عهد بعيد، ومع ذلك ~~فقد رأيت أن أصوره وأرسل إليك الرسم وأكتب لك أيضا عما أعلمه. # مانويل # ولما فرغ رئيس الشرطة ms1557 من قراءة هذا التقرير دخل الحاجب أيضا، وقال: إن الفيكونت مونتيجرون ~~يا سيدي يقول: إن لديه أمورا خطيرة خاصة بالمركيز دي مورفر يجب أن يطلعك عليها. # فاهتز الرئيس حين سمع هذا الاسم، وقال: ليدخل في الحال. # ثم وضع الرسم طي التقرير، وخبأه في الدرج. # وعند ذلك دخل مونتيجرون، فأحسن استقباله وسأله عما يعلم، فقال له: إني يا سيدي كنت من ~~أصدقاء المركيز دي مورفر الذي نبحث عنه منذ عام دون أن نجده. # غير أني عرفت باتفاق غريب أن صديقي قد مات مقتولا، وقد رأيت جثته بعيني منذ 48 ~~ساعة. # فقال له الرئيس: ألعلك قادم يا سيدي الفيكونت من لندرا؟ ~~- كلا، فإني لم أبرح باريس ... ~~- ورأيت جثة المركيز دي مورفر؟ ~~- نعم ... ~~- متى؟ ~~- منذ 48 ساعة كما قلت لك ... ~~- أين؟ ~~- على مسافة مرحلتين من باريس في بيت كائن في الخلاء. # فاضطرب الرئيس ثم فتح درجه، وأخرج الرسم الذي جاء من لندرا، فعرضه على مونتيجرون وقال: ~~أتعرف صاحب هذا الرسم؟ ~~- هو هو بعينه، وقد رأيته في الحالة التي رسم فيها. # فنهض الرئيس نهضة الحائر، وقال: أسألك المعذرة يا سيدي الفيكونت، فإن ما ترويه لي يدعو إلى ~~الجنون. # 8 # وجعل كل منهما ينظر إلى الآخر منذهلا، فيقول الرئيس: ما هذه الحكاية التي يرويها ~~الفيكونت؟! ويقول مونتيجرون: لماذا يدعو سرد روايتي إلى جنون رئيس الشرطة؟ إلى أن افتتح ~~مونتيجرون الحديث، فقال: أرى أن الشرطة قد زارت هذا المنزل بينما كنت مغميا علي لاختناقي ~~برائحة الأزهار، ودليل ذلك أنه وجد الجثة وأخذ رسمها. # فقاطعه رئيس الشرطة فجأة، وقال: لم أرسل أحدا إلى هذا الشارع، ولم يكبس أحد هذا المنزل، ~~ولم أفهم كلمة مما تقول. # فتراجع مونتيجرون مبهوتا، وقال: إذا كنت يا سيدي لم تجد الجثة كما تقول، فكيف وصل إليك ~~رسمها؟! # فبهت رئيس البوليس ونظر إليه نظر الفاحص، وقال: إني لا أرى مع ذلك عليك شيئا من دلائل ~~الجنون. ~~- كلا والحمد لله لست من المجانين. ~~- ولا أنا أيضا. ~~- هذا ما أرجوه لك. ~~- ولكني أرى أننا كلانا ms1558 من المجانين. ~~- كيف ذلك يا سيدي؟! ~~- تقول: إنك رأيت جثة المركيز دي مورفر؟ ~~- نعم. ~~- في بلفي قرب باريس؟ ~~- نعم. ~~- من هي صاحبة المنزل؟ ~~- هي امرأة يدعونها البستانية الحسناء، ولا يعرفون لها غير هذا الاسم. ~~- وهذه الجثة؟ ~~- هي نفس الجثة التي يمثلها الرسم، وقد رأيت الجرح بعيني فوق الثدي الأيسر. # فجمع رئيس البوليس هداه، وقال له: لنفرض يا سيدي الفيكونت أنني لم أقل شيئا، فلا تهتم ~~لكلامي ولا لانذهالي، بل قص علي جميع ما اتفق لك بالتفصيل. # فحكى له عند ذلك مونتيجرون جميع ما حدث من غرام مرتون بالبستانية الحسناء، وما أصيب به من ~~الجنون، ثم قص عليه ذهابه إلى ذلك المنزل مع كازمير إلى أن هبط به سقف الغرفة، وأغمي عليه وعلى ~~رفيقه من رائحة الأزهار، وأنه حين استفاق من إغمائه وجد نفسه في منزله على سريره والطبيب واقف ~~يعالجه، فعلم أن البوليس لقيه في شارع مقفر مع رفيقه مغما عليهما، ففتش جيوبهما وعرفهما من ~~رقاع الزيارة، فحملهما إلى منزلهما، ثم قال له: إني أقمت في منزلي إلى المساء، وزارني صديقي ~~كازمير، وأخبرني بما جرى له، فاتفقنا على أن نخبر البوليس بما كان، ولهذا أتيت إليك. # وكان الرئيس مصغيا إليه كل الإصغاء، فلما أتم حديثه فتح الدرج وأخذ الرسالة التي وردت إليه ~~من لندرا وعرضها على مونتيجرون. # ولما اطلع مونتيجرون على هذه الرسالة ذهل ذهولا شديدا، فقال له الرئيس: أرأيت يا سيدي؟! ~~أيمكن أن تكون جثة المركيز في لندرا وباريس في وقت واحد؟! ~~- إني أقسم لك بشرفي إني رأيت جثة المركيز، كما هي ممثلة في هذه الصورة! ~~- حسنا، ولكن هذه الصورة أما هي صورة المركيز؟! ~~- دون شك. ~~- تقول: إنك رأيت جثة المركيز؟ ~~- نعم. ~~- أتذكر في أية ساعة؟ ~~- عند منتصف الليل. # فوضع الرئيس إصبعه فوق أحد سطور الرسالة الواردة من لندرا، وقال له: اقرأ، ألم يقل عاملي ~~إنه صور الجثة ليلة أمس، ثم ألم تكن ليلة أول أمس ليلة الخميس؟! # فظهرت علائم الاضطراب على مونتيجرون، وقال: لا أعلم ما أقول! إلا ms1559 إذا اتفق وجود رجل يشبه ~~المركيز هذا الشبه بالوجه، والتقاطع، والثياب، وبالموت ميتة واحدة في ليلة واحدة بجرح في موضع ~~واحد، لقد صدقت يا سيدي، لا شك أن واحدا منا مصاب بالجنون. ~~- هذا ما أراه، ولكن قل لي أيضا: أأنت واثق من أنك رأيت المركيز نفسه؟ ~~- كل الوثوق. # فجعل كل منهما ينظر إلى الآخر، وهو لا يدري ما يقول. # وعند ذلك رن صوت آلة تلغرافية كانت في غرفة رئيس البوليس، فقام الرئيس إلى الآلة، وعلم أن ~~التلغراف وارد إليه من لندرا، إذ كان له سلك خاص يتصل من غرفته إلى تلك العاصمة، فحل رموزها، ~~وهو كما يأتي: # لندرا: السبت في الساعة الثامنة صباحا # نقلت الجثة مساء أمس إلى المحل الذي يعرض فيه القتلى المجهولون، وكان يحرسها نفران ~~من البوليس فشربا مخدرا ممزوجا بالتبغ وهما لا يعلمان فناما، وسرقت الجثة. التفاصيل ~~بالبريد. # مانويل # فلما تلاها الرئيس عرضها على مونتيجرون، وقال له: اقرأ! ثم قال له بعد أن قرأها: إني أشتغل ~~في مهنتي هذه منذ عشرين عاما، فما وردت علي جناية أعقد من هذه الجناية! # فقال له مونتيجرون: ألا تنوي يا سيدي تفتيش هذا المنزل قبل أن يرد إليك كتاب عميلك؟! ~~- دون شك، وسأذهب وإياك في الحال، وما دام يوجد جثتان لا بد لنا أن نظفر بواحدة! # 9 # بعد ذلك بساعتين كانت مركبته تجتاز شارع بلفي، فوقفت عند باب منزل البستانية الحسناء، فخرج ~~منها المسيو ليبرفيه رئيس البوليس السري واثنان من رجال البوليس وهم متنكرون بالثياب الرسمية ~~السوداء. # وكان وراء مركبتهم مركبة جميلة فيها مونتيجرون وصديقه كازمير. # فطرق الرئيس باب المنزل، وهو ينظر نظرة الفاحص إلى الحديقة المحيطة به، فوجد كثيرا من ~~العمال يشتغلون بقطف الأزهار وتنسيقها وجعلها طاقات معدة للبيع، وبينهم رجل ضخم الجثة يسير ~~ذهابا وإيابا ويلقي عليهم الأوامر، فلم ير الرئيس في ظواهر هذا المنزل شيئا يدل على ~~الريبة. # فلما طرق الرئيس الباب أسرع إليه الرجل الضخم، ففتح الباب وحيا الرئيس وجماعته بملء ~~الاحترام لاعتقاده أنهم من الزبائن. # فقال ms1560 له الرئيس: إننا نريد أن نرى صاحبة المنزل. ~~- لا شك يا سيدي أنكم من زبائن مدام ليفيك. # فحفظ الرئيس هذا الاسم في ذاكرته، وقال: نعم إننا من زبائنها، ولكننا نحب أن نراها. ~~- عفوا يا سيدي، ألعلك لم تضطلع على النشرة التي أذاعتها هذه الأرملة أمس؟! فإنها أعلنت ~~انسحابها من الأعمال، وباعتني كل حدائقها، وتخلت لي عن هذا المنزل. # فقطب الرئيس حاجبيه، وقال: ماذا تدعى أنت؟ ~~- خادمك بوليدور كروسيجان. ~~- إذن أنت خلفت مدام ليفيك؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- متى؟ ~~- إن عقد الشراء قد تم بيننا منذ خمسة عشر يوما، ولكني لم أستلم المنزل وحدائقه إلا ~~أمس. ~~- ومدام ليفيك ألعلها باقية في المنزل؟ ~~- كلا يا سيدي، فإنها برحته ليلة أول أمس إلى باريس، فإذا شئت أعطيناك عنوانها، فإنها تقيم ~~في شارع تامبل نمرة 69. # ثم تنهد لخيبة رجائه فيهم، إذ كان يعتقد أنهم قادمون لشراء الأزهار. # فتأبط الرئيس ذراعه وسار به إلى الحديقة، وقال له: أرى أنه يجب أن أخبرك من أنا، فإني ~~أدعى ليبرفيه؛ أي رئيس البوليس السري. # فارتعش بوليدور وقال بلهجة دلت على براءته: ماذا عملت يا سيدي؟ وأي شأن لي مع ~~البوليس؟ ~~- إني تبينت براءتك من عينيك، وأنا واثق من أنك لا دخل لك فيما اضطرني إلى زيارة هذا المنزل ~~وقد يسوءني إزعاجك، غير أني لا أجد بدا من إجراء واجباتي. ~~- واجباتك؟ ~~- نعم. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه يجب علي تفتيش هذا المنزل. ~~- تفتيش منزلي أنا؟! ~~- أي تفتيش هذا المنزل الذي كنت أحسب أني أجد مدام ليفيك فيه؛ لذلك أسألك أن لا تدع أحدا ~~يعلم ما أنا آت لأجله، وأن تستقبلني استقبال صديق تمويها على هؤلاء العمال. # فاحمر وجهه وتندى بالعرق، وقال بصوت يضطرب: إني يا سيدي مقيم في هذه الناحية منذ ثلاثين ~~عاما، فليس فيها من لا يعرفني، ولم أعمل في حياتي ما يحمل على الشك. ~~- لقد قلت لك: إني واثق بك، ويظهر أنك أسأت فهم كلامي، إني لا أبغي تفتيش منزلك بل منزل ~~المرأة التي يدعونها البستانية الحسناء، ونعم إنك ms1561 اشتريت منها المنزل، وذلك لا يمنعني عن ~~تفتيشه. ~~- لماذا تريد تفتيشه؟ ~~- لحدوث جريمة فيه. # فاضطرب الرجل اضطرابا شديدا، وقال: إذا صح ما روي لك عن حدوث جريمة، فليست مدام ليفيك ~~التي ارتكبتها؛ لأنها من أشرف النساء. ~~- ألعلك تعرفها منذ عهد بعيد؟ ~~- إني أعرفها منذ عشرة أعوام، وقد توفي زوجها بين يدي، فإنه كان من أصدق إخواني، وإذا أردت ~~يا سيدي بعد هذا التأكيد أن تفتش المنزل، فهلم أدخلك إليه، ولكنك لا تجد فيه شيئا؛ لأني لم ~~أحضر أثاثي إليه بعد. ~~- لا بأس فهو واجب لا بد من قضائه. # فمشى بوليدور إلى المنزل، وتبعه رئيس البوليس والبوليسان ومونتيجرون وكازمير، فلما فتح ~~الباب وصعدوا السلم المؤدي إلى الدور العلوي، قال رئيس البوليس لمونتيجرون: هذا هو السلم الذي ~~صعدت إليه؟ # أجابه: هو بعينه. وإذا شئت مشيت أمامك إلى الغرفة التي كانت فيها الجثة. ~~- فعل! # فمشى مونتيجرون حتى بلغ تلك الغرفة ذات الباب الزجاجي، ففتح بابها وولج إليها فتبعه الجميع، ~~لكنه لم يجد الجثة، بل وجد أن جدران تلك الغرفة التي كانت موشحة بالسواد زال السواد عنها، وبرزت ~~بلون أزرق جميل كانت تزيده أشعة الشمس جمالا. # فاستاء مونتيجرون أشد الاستياء، وخشي أن يشكك رئيس البوليس في روايته، لكن استياءه لم يطل، ~~فقال للرئيس: لا شك أن البستانية الحسناء بعد خروجها من المنزل لم تترك الذي نبحث عنه في هذه ~~الغرفة، ولكن الذي أراه أن إخراج الجثة من منزل ليس بالأمر اليسير، ولا بد لهذه الجثة التي ~~رأيناها أن تكون باقية هنا في محل خفي. # فذعر صاحب المنزل، وقال بلهجة المستنكر: جثة في هذا المنزل؟! # فنظر إليه رئيس البوليس نظرة الفاحص، فما وجد في ملامحه غير الصدق، فقال له: نعم كان يوجد ~~جثة في هذا المنزل. ~~- ولكن أين كانت؟ ~~- في هذه الغرفة التي نحن فيها، وكانت مغطاة بوشاح أسود، وكذلك جدران هذه الغرفة. ~~- إني لم أر هذه الغرفة إلا كما ترونها الآن. # فقال الرئيس لمونتيجرون: أذكر أنك قلت لي إن أرض هذه الغرفة قد سقطت ms1562 بك، فسقطت إلى حديقة ~~تحت هذه الغرفة، وأغمي عليك من رائحة زهورها. ~~- هو ما قلته لك، وأظن أن أرض الغرفة مقسومة إلى قسمين: قسم ثابت وقسم يتحرك ويفتح بلولب أو ~~غير ذلك. ~~- وأنا أرى ما تراه فلنبحث عن سر هذا الباب. # وجعلوا كلهم يبحثون في أرض تلك الغرفة الخشبية، فلم يهتدوا إلى طريقة فتح الباب، ولكن رئيس ~~البوليس لاحظ أن الألواح الخشبية المبسوطة في أرض الغرفة جديدة، فخطر له أن البستانية الحسناء ~~قد وضعتها قبيل خروجها من المنزل إخفاء لآثار الباب، فأمر من معه في المنزل أن ينزعوا تلك ~~الألواح، فنزعوها وظهر تحتها أرض خشبية قديمة. # وبعد البحث الطويل وجد في أسفل الجدار لولبا صغيرا مصبوغا بلون أرض الغرفة بحيث لا تراه ~~العين، فما أوشك أن يديره حتى خسف قسم من أرض الغرفة فجأة، وسقط مونتيجرون وكازمير دون أن يصاب ~~أحد بمكروه؛ لأن العلو لم يكن شاهقا، فسر رئيس البوليس، وأسرع فوثب إلى حيث سقطت جماعته، فلما ~~اجتمعوا كلهم في أرض تلك الغرفة الجديدة التي هبطوا إليها، شاهدوا في زاوية منها سجفا، فأزاحوه ~~فوجدوا وراءه ذلك السرير الذي رآه مونتيجرون، وعليه تلك الجثة التي أصيب مريون من أجلها ~~بالجنون. # أما رئيس البوليس فإنه اضطرب اضطرابا شديدا؛ إذ أيقن أنها جثة المركيز دي مورفر، ولكنه ما ~~لبث أن دنا منها ولمسها بيده حتى صاح صيحة انذهال، فأسرع إليه مونتيجرون وقال: ماذا؟ ~~- ما هي جثة إنسان، بل هي جثة من الشمع، وقد هزأت بنا هذه المرأة كما تشاء. # ولقد أصاب الرئيس؛ لأن هذه الجثة كانت تمثالا من الشمع يشبه المركيز أتم الشبه، وهي من تلك ~~التماثيل العجيبة التي تفتخر بها المعامل الإنكليزية. # 10 # من البوليس مانويل إلى رئيس البوليس السري المسيو بيرفيه: # يا حضرة الرئيس # أرسلت إليك أمس نبأ برقيا لا أجد بدا من إتمام تفصيله بهذا الكتاب، أنت تعلم تعصب ~~الشرائع الإنكليزية بتسليم المجرم إلى حاكمه الشرعي، وبتسليم جثة القتيل قبل عرضه في محل ~~خاص. # وقد كتبت إليك: إني لقيت جثة ms1563 المركيز دي مورفر، وأرسلت إليك رسمها، ولكني لم أستطع ~~استلام الجثة؛ لأن الشريعة تقضي بعرضها في مكان خاص يدخل إليه من أراد. # وقد عرضت الجثة فعرفها أحد اللوردية وقال: إنه من أصحاب المركيز، وعرفتها أيضا امرأة ~~فقالت: إن المركيز كان مقيما في منزلها، فكتبت عنوان هذه المرأة، وفي المساء ذهبت إليها ~~وأدخلتني إلى الغرفة التي كان يبيت فيها المركيز، فرأيت في المستوقد كثيرا من الأوراق ~~الممزقة والمحروقة، فجمعت منها بعض قطع لم تصل إليها النار، وضممتها إلى بعضها فاتضح لي ~~منها هذه الكلمات: ~~... وعد لي أيها الحبيب، لقد عفوت عنك وسامحتك. # ورجعت من عندها إلى دار الحكومة، وحصلت على الإذن بنقل الجثة إلى فرنسا في اليوم ~~التالي، ثم ذهبت لإعداد معدات السفر، وفي الصباح دخل علي البوليس الإنكليزي، وقال لي ~~بلهجة المضطرب: إن الجثة قد سرقت. # أما تفصيل سرقة الجثة فهو: أنها كانت موضوعة في غرفة لها نافذة تشرف على البحر، وكان ~~يتولى حراستها بوليسان إنكليزيان، وفيما هما جالسان أمامها يدخنان، تثاقلت أجفانهما وناما ~~نوم تخدير، فتسلق سارقو الجثة إلى نافذة الغرفة، فكسروا روافدها وأنزلوا الجثة إلى قاربهم ~~وهربوا بها. # أما البوليسان فلم يستفيقا إلا في الصباح، ووجدا الجثة قد سرقت. # واتضح بعد التحقيق أن التبغ الذي كانا يدخنان منه كان فيه مادة مخدرة، فقبض على بائع ~~التبغ، وقد شغلت هذه الحادثة جميع بوليس لندرا، فلم يهتد إلى شيء بعد، ولكننا لا نزال نرجو ~~أن نجد الجثة. وسأخبرك غدا بما يكون. # مانويل # ولنعد الآن إلى رئيس البوليس، فإنه عندما ظفر بهذا الوجه الشمعي الذي خدع به كل من رآه، ~~وحسب أنه وجه المركيز دي مورفر، أمر رجلي البوليس اللذين كانا معه بحراسته وبمراقبة صاحب ~~المنزل فلا يأذنا له بالخروج، ثم خرج من المنزل مع مونتيجرون وكازمير، وهو يقول لهما: إني سأقبض ~~على هذه المرأة، فإما أن يكون هذا الشخص الذي دلنا على منزلها صادقا فيكون بريئا، أو يكون ~~كاذبا فيكون شريكا لها في الجريمة. # وذهب مع رفيقه إلى المنزل، وسأل ms1564 البواب عن البستانية الحسناء فأجابه: إنها سافرت، وقالت: ~~إنها لا تعود إلا بعد ثمانية أيام. # فأخذ الرئيس مفاتيح المنزل منه بعد أن أخبره بصفته، ودخل مع مونتيجرون وكازمير، فلما دخلوا ~~إلى غرفة النوم وجدوا صورة المركيز دي مورفر معلقة بالجدار وهو بثياب الفلاحين، ثم رأى رئيس ~~الشرطة رسالة مختومة فوق منضدة، وعليها هذا العنوان «إلى الفيكونت دي مونتيجرون» فدفعها إليه ~~ففضها وقرأ ما يأتي: # إن هذا الكتاب سيصلك دون شك، بل ربما أخذته بيدك من الموضع الذي تركته فيه، فإنك أردت ~~أن تميط الحجاب عن أسراري، ولما أعجزك الأمر استعنت برجال الشرطة، ولكنك لن تقف ولن يقف ~~الشرطة على شيء من دخائل سري، وسيذهب جهدك وجهدهم عبثا باطلا لا فائدة فيه، لا سيما وأنه ~~لا يوجد بينكم من يعرفني؛ إذ لا يوجد بين عصابتكم غير رجل واحد رأى وجهي، لكنه أصبح من ~~المجانين. # والآن اسمح لي يا سيدي الفيكونت أن أسدي إليك نصيحة، وهي أنك غني ولا تزال في مقتبل ~~الشباب، فارجع عن قصدك من اقتفاء أثري أو أصيبك بنكبة تنغص عليك الحياة. # أما البوليس فسيفرغ جهده في البحث عن دي مورفر الميت أو الحي، ثم يرى أنه لا يظفر ~~بمراد، فيمل ويرجع عن البحث، فاقتد بالبوليس ذلك خير لك. # وإني لا أنصحك هذا النصح إلا لما أعلمه من صداقتك مع المركيز دي مورفر فاقبل النصيحة، ~~أما أنا فإني سأبرح باريس ولا أعود إليها، قد أعود وقد نلتقي كل يوم عشرين مرة وفي عشرين ~~مجلس ولا تعلم من أنا، وفي الختام أعود ما بدأت به من النصح، فاقبله من امرأة أحبت صديقك ~~وتدلهت بغرامه. # البستانية الحسناء # وفتش رئيس الشرطة بعد ذلك كل المنزل تفتيشا دقيقا، فلم يعثر على أقل أثر لهذه ~~البستانية، وأفرغ جهده بعد ذلك فلم يظفر بالجثة ولا بالمرأة، وذاع هذا الخبر في العاصمة، فاضطرب ~~له الناس، وعاد الشرطي مانويل من لندرا بعد أسبوع دون أن يقف على شيء. # ومر على هذه الحادثة عام فتناساها الناس وكفت عنها ms1565 الشرطة، غير أنه أشيع بعد عام أنهم ~~شاهدوا المركيز دي مورفر حيا في بلاد الهند، واتفق عند انتشار هذه الإشاعة أن إحدى المركبات ~~صدمت الشرطي مانويل فسحقته، وألح وهو في حالة النزع أن يرى رئيس الشرطة في المستشفى، وأسرع ~~إليه الرئيس ولم يعلم أحد إذا كان حديثهما خاصا بالمركيز دي مورفر؛ لأن هذه المداولة بقيت في ~~طي الكتمان. # 11 # يذكر قراء الجزء السابق - أي رواية ملايين النورية - أن روكامبول ترك رسالة لمرميس ~~تتضمن تعليماته، وأمره أن لا يفتحها إلا إذا مضى على سفره عامان دون أن يعود. # وقد كان مضى على سفره إلى الهند نحو عامين دون أن يعلم أحد شيئا مما حدث له، ولم يعلم أحد ~~في أوروبا إذا كانت السفينة التي ذهبت به وبالأسرى الهنديين التهمتها النار أو سلمت، وإذا كان ~~روكامبول بقي حيا أو ابتلعته الأمواج. # وكانت فاندا ومرميس متلازمين لم يفترقا ومعهما ميلون، وكأنهم ينتظرون عودة الرئيس بفارغ ~~الصبر ولا يتحدثون إلا بأمره. # وكان ميلون أشدهم جزعا عليه وأعظمهم يأسا من لقائه، فكان يهز رأسه بعض الأحيان، ويقول: ~~إنه مات وا أسفاه دون شك! # فتجيبه فاندا: إن هذا محال، وأنا واثقة أنه لا يزال من الأحياء، أتريد أن تعلم ما يحملني ~~على هذا الوثوق؟ ~~- كيف لا أريد، وأنا أكاد أجن من يأسي؟ ~~- إني عصبية المزاج شديدة التأثير، ومن أعظم الناس قبولا للنوم المغناطيسي، وإذا كثرت ~~هواجسي بالذين أحبهم ظهروا لي في الحلم بالحال التي يكونون فيها. ~~- وهل رأيت روكامبول في حلمك؟ ~~- رأيته نحو عشر مرات منذ فراقه. # فهز ميلون رأسه، وقال: إنها أضغاث أحلام، لا تظهر خفيا، ولا تبين غيبا. ~~- لو كان يوجد هنا من يعرف طريقة التنويم المغناطيسي، لنومني أمامكم وأظهرت لكم أين يقيم ~~روكامبول، وماذا يصنع الآن، وإذا كان في نيته أن يعود. # فتنبه مرميس لقولها، وقال: إذا كنا لا نحتاج إلا إلى منوم لمعرفة حقيقة حالة روكامبول، فإن ~~الأمر سهل ميسور؛ لأني أعرف أين أجد هذا المنوم. ~~- اذهب يا بني وائتني به. # فقرع ms1566 مرميس جرسا وأسرع إليه أحد الخدم، وقال له: قل للسائق ليهيئ لي المركبة في ~~الحال. # وكان مرميس قد تغيرت أخلاقه وحالته بعد موت جيبسي، فبات من الذين يشار إليهم بالبنان لحسن ~~أدبه ولين أخلاقه وشرف طباعه ، وإن حبه لجيبسي ونكبته بفقدها وملازمة فاندا له كل ذلك أدبه خير ~~تأديب، وقد زال اليأس من قلبه، ولم يبق من آثاره غير ظواهر السويداء، وإن القنوط لا يتمكن من ~~قلب الفتى وهو لم يتجاوز العشرين. # وقد كان أتم دروسه في مدة هذين العامين؛ أي في غياب روكامبول، فتخرج على أشهر الأساتذة بفضل ~~ثروته، وبات جميع أصحابه ومعارفه من النبلاء وخيرة المتأدبين. # وكانت النساء تتوددن إليه، والأوانس يخطبن وده لأدبه وجماله وماله، غير أن قلبه لم يكن يتسع ~~لغرام بعد فقده من يحب، فكان إذا مال فؤاده إلى التهتك أو دفعه غرور الصبا إلى الاسترسال إلى ~~الملاذ تمثلت له تلك الفتاة التي كان يهواها، وعاد إلى الاكتئاب وكبحت هذه الذكرى جماح ذلك ~~الغرور (راجع رواية ملايين النورية). # ثم إنه كان يحترم روكامبول احترام الآباء، وكان يعلم أنه عهد إليه بمهمة سرية مختومة لا ~~بد له من قضائها. وإن هذه الثروة التي خلفتها له جيبسي لا يحق له أن ينفقها إلا في وجوه الخير، ~~فكان يقتصد منها كل الاقتصاد إلا في حين إغاثة ملهوف أو إعانة بائس مسكين. # هذه هي حالة مرميس الذي استحال بفضل روكامبول من حال إلى حال، وقد تركناه ذاهبا إلى ~~المنوم المغناطيسي، وهو رجل أميركي اشتهر بهذا الفن شهرة واسعة في باريس، ولما وصل إليه ~~أخبره بالغاية التي جاء من أجلها فخرج وإياه وعاد به إلى فاندا. # ولما استقر به المقام قالت له فاندا: افحصني يا سيدي لنرى إذا كنت خاضعة للتنويم. # ففحصها وقال لها: بل أنت أشد الناس خضوعا له. ~~- إذن نومني وأذن لمرميس أن يسألني ما يشاء أثناء نومي. # فأجلسها المنوم على كرسي كبير، ووضع يديه فوق يديها، وجعل ينظر إليها تلك النظرات ~~الخاصة، ولم يمر حين وجيز حتى ms1567 أطبقت عيناها، وانحنى رأسها، وتنهدت تنهدا عميقا، فعلم ~~الأميركي أن التنويم قد تم، وقال لها: انظري. إني أريد أن تنظري. # فارتعشت فاندا هنيهة، وظهرت على وجهها علائم المقاومة، ثم زالت هذه العلائم فجأة ففتحت ~~شفتيها وقالت : أرى ... # وكان العرق ينصب من جبين مرميس وميلون لوثوقهما أنهما سيعلمان ما حدث لروكامبول. # وبدأت فاندا بالكلام، وجعلت تفوه بكلمات متقطعة مبهمة مضطربة، كأنما نفسها كانت في عراك ~~لاغتصابها حجاب تلك الظلمات السرية التي تكتنف روح النائم حين طيرانها إلى عالم الأرواح ~~واجتيازها تلك المسافات الشاسعة على بقائها متصلة بجسم النائم. # ثم انقشع الاضطراب عن وجهها وانبسطت نفسها، وظهرت عليها علائم الهدوء والسكينة، وبات كلامها ~~واضحا جليا لا يداخله شيء من الإبهام وقالت: إني أراه. ~~- من هو الذي ترينه؟ ~~- هو. # فأشار مرميس إلى المنوم إشارة مفادها أننا نعرف الذي تعنيه، ثم همس في أذنه قائلا: سلها ~~أين هو؟ # فقال المنوم: أين ترينه؟ ~~- إن السماء مرصعة بالكواكب، ومع ذلك فهي قاتمة سوداء ... الحر شديد ... وهذه الرياح التي تثير ~~الأمواج كأنها من نار ... إنها تهب من الغرب ... خط الاستواء غير بعيد. إن شراع السفينة تكاد تمزقه ~~الرياح، والأمواج تنشق أمامها فتسير في وديانها، هذا هو ... إنه جالس في مجلس الربان رابط الجأش ~~عالي النفس ... # إنه يحسن قيادة السفن كما يحسن قيادة الرجال ... الرياح موافقة، وكل شيء منتظم في السفينة ~~... # ثم سكتت فقال لها الأميركي: قولي ماذا ترين أيضا؟ ~~- لا شيء سوى الضباب ... # وعادت إلى السكوت. # وقال الأميركي همسا لمرميس: إن الحالة ستتغير بعد قليل لنصبر. # وبعد عدة دقائق عادت فاندا إلى الارتعاش، ولكن علائم الرعب الشديد ارتسمت فجأة فوق وجهها، ~~وصاحت صياح المستغيث وقالت: رباه! # فقال لها المنوم: ماذا ترين؟ ~~- النار في السفينة ... إنها ناشبة في العنبر ... ويلاه! ... إنها ستصل إلى مستودع البارود ~~... # ثم سكتت هنيهة، وعادت فقالت: لا تزال النار تتأجج ... إنهم أنزلوا القارب إلى البحر ... نزل فيه ~~الناس. إنهم يبتعدون عن السفينة المحترقة ... ~~- وهو؟ ~~- هو لا يزال باقيا في السفينة ... إني أراه واقفا على ms1568 سطحها يشيع القارب بالنظر. رباه! إن ~~لسان النار يندلع ... قرب اللهيب من مستودع البارود. # ثم تحركت حركة عنيفة فوق كرسيها، وصاحت بصوت هائل: الانفجار! # فجعل الأميركي ومرميس وميلون ينظر كل منهم إلى الآخر نظرات الذعر، غير أن فاندا انقطعت فجأة ~~عن الارتعاش، وأشرق وجهها بنور البشر وتنهدت تنهدا طويلا دل على الارتياح. # فقال لها المنوم: ماذا رأيت؟ ~~- إني ما رأيت ولكني أرى. ~~- ماذا ترين؟ ~~- أراه ... إنه يسبح في المياه مستعينا بخشبة كبيرة من بقايا السفينة ... طلع النهار. لا يزال ~~يسبح ... البحر هادئ ... هو ذا سفينة قد ظهرت في عرض البحر وهي تدنو منه، ها هي وصلت إليه، فأنزلت ~~القارب ... واطرباه! إنه نجا. # فصاح ميلون ومرميس أيضا صيحة فرح، أما فاندا فإنها صمتت، ولم تعد تفوه بكلمة، فقال ميلون: ~~يجب أن نوقظها. # فاعترضه مرميس وقال: كلا، إذ يجب أن نعلم أين هو، فلا يكفينا أنه حي، ثم أشار إلى الأميركي ~~أن يسألها. # فوضع الأميركي يده فوق جبهتها، فعادت سلطته عليها، وقال لها: انظري فإني أريد أن ~~تنظري. # فاختلجت فاندا، ولكن وجهها ظهرت عليه علائم الارتياح مما يدل على أنها ترى أمورا تسرها، ثم ~~قالت: إنه فوق صهوة جواد أبيض مسرج بسرج مذهب، وهو يسير بجانب فارس يلبس لباسا أحمر، وعلى ~~كتفيه رمانات من ذهب، وأمامهما رجال ملابسهم حمراء أيضا، وهم يسيرون أمامهما بالموسيقى، ~~ووراءهما جنود مختلفة الملابس، وهم قادمون من معركة قاتل فيها «هو» قتال الأسود، والجميع يسيرون ~~في حقول خضراء. # فقال مرميس: هذه بلاد الهند دون شك. # وقال لها الأميركي: إلى أين هو ذاهب؟ ~~- لا أعلم، فإن الليل قد هجم والشمس قد توارت في الحجاب، ولكن لا أزال أسمع صوت ~~الموسيقى. # فالتفت عند ذلك الأميركي إلى مرميس، وقال له: إن السيدة قد تعبت وصار يجب أن تستفيق. ~~- كما تريد. # فوضع الأميركي يديه على رأسها وذراعيها وكتفيها، وحركها تباعا ففتحت عينيها وأجالت في ~~الحضور نظرا حائرا، ثم ذكرت ما كانت هي فيه فقالت: ماذا جرى للرئيس، أما هو حي؟ # قالوا: بلى. ms1569 ~~- أين هو؟ ~~- في الهند. ~~- ألعلي قلت إذا كان يعود؟ # فقال لها الأميركي: كلا، فقد تعبت وسأنومك مرة أخرى. # فنظرت فاندا إلى مرميس نظرة سرية مفادها أننا لا نستطيع أن نتكلم بحرية بوجود هذا ~~الرجل. # وبعد حين ذهب مرميس بالأميركي، فقالت له فاندا: لا تنس يا مرميس أن غدا موعد فتح كتاب ~~روكامبول. ~~- سأحضر في الساعة الثامنة من صباح غد، ثم انصرف مع الأميركي. # فقالت فاندا لميلون: أوثقت الآن يا ميلون أن روكامبول لم يمت؟ # 12 # أما مرميس فإنه أوصل الأميركي بمركبته إلى منزله، ثم أمر الخادم أن يعود بالمركبة إلى ~~المنزل، وسار ماشيا يتنزه في شوارع باريس ويتفكر بروكامبول وبموعد فتح الرسالة، وبما عسى أن ~~يكون قد عهد إليه من المهمات. # وكانت الساعة الحادية عشرة مساء، وقد راقت السماء، واعتل النسيم، وكثر المتنزهون في ~~الشوارع، فبينما كان يسير قرب الأوبرا شعر بيد وضعت فوق كتفه، فالتفت فرأى الفيكونت ~~مونتيجرون. # وكان هذا الفيكونت قد رجع عن البحث عن المركيز مورفر ليأسه من لقائه، فحيا صديقه مرميس، ~~وقال له: لقد أحسنت بالتنزه فإن الهواء عليل. ~~- نعم فإن هذه الليلة تشبه ليالي الربيع، فيحسن استنشاق هوائها. ~~- بشرط أن يكون الفكر نقيا كسمائها طليقا كهوائها، ثم تنهد. # فقال له مرميس: ما بالك تتنهد أيها الصديق، ألعلك فوجئت بنبأ محزن؟! ~~- كلا، ولكنه الغرام يا مرميس فقد بدأ به قلبي حين تفرغ منه القلوب. ~~- كيف ذلك فإني لا أفهم ما تقول؟ ~~- إن التمثيل في الأوبرا ينتهي عند انتصاف الليل، ولا يزال الوقت فسيحا لإطلاعك على سري، ~~تعال معي أيها الصديق إلى هذه القهوة المجاورة للأوبرا أبح لك بأسراري. ~~- ليكن ما تريد فليس لي شاغل يمنعني عن أن أذهب معك. # وذهب الاثنان إلى القهوة، فجلس مونتيجرون في مكان يرى منه كل من يخرج من الأوبرا ويدخل ~~إليها، ثم بدأ حديثه مع مرميس، فقال: إني كنت من سن العشرين إلى الثلاثين أبعد رفاقي عن ~~الاندفاع بتيار الشهوات، فكنت أنفق دخل ثروتي بالحكمة والسداد، وأنهى نفسي عن كل غي، ms1570 ولا أشغل ~~قلبي بهوى حسناء حذرا من مغبات الغرام، ولا أتجاوز المدى في شأن من الشئون حذرا من العواقب، ~~ولكني حين تجاوزت سن الطيش والغرور، جريت في حلبة هاتين الآفتين كأنهما من حقوق الصبا، وكأني ~~ندمت لتجاوزي عن هذا الحد، فجعلت أنغمس في كل ملذة، وأتداخل في كل شأن، ألا تذكر حكاية المركيز ~~دي مورفر؟ ~~- أتعني بها حكاية اختفائه؟ ~~- نعم، فقد شغلت نفسي عامين لم يكن همي فيهما إلا اختراق حجب هذا السر ... ~~- ألعلك وقفت على الحقيقة؟ ~~- كلا، وفوق ذلك فقد أوعزت إلي عائلته نفسها أن أنقطع عن الأبحاث؛ وذلك أن لهذا المركيز ~~وريثا فجاءني في صباح يوم، وقال: لقد قابلت رئيس الشرطة، واتفقنا على عدم البحث عن ابن عمي ~~المنكود واعتباره من الأموات، ورجائي أن تكف مثلنا عن البحث عنه. ~~- ألعلك امتثلت وامتنعت؟! ~~- لم أجد بدا من الوقوف عند حدي، لا سيما أني مللت البحث، ويئست من لقاء ذلك الصديق، لكني ~~كنت تعودت المشاغل وألفت الاهتمام، فرأيت أن قلبي بات بحاجة إلى شاغل جديد. ~~- أوجدت هذا الشاغل؟ ~~- دون شك إذ أصبحت من العشاق. # فابتسم مرميس وقال: من هي هذه الفاتنة التي ملأ حبها فراغ قلبك؟ ~~- اسمح لي أيها الصديق قبل ذكر اسمها أن أخبرك كيف أعيش منذ شهر؛ أي منذ باض وفرخ هذا الحب ~~في قلبي، فإني أحضر ثلاث مرات في الأسبوع إلى الأوبرا إذ أجد التي أحبها فيها، وإذا رأيتها أخال ~~أن دقات قلبي تبلغ مسامع الناس، فإذا أشرق الصباح امتطيت جوادا، ومررت به مرتين أو ثلاثا من ~~تحت نوافذ منزلها في الشانزليزيه دون أن أطمع برؤياها، فإنها تكون نائمة، ولكن يرضيني أن أرى ~~نوافذ غرفتها، وأقنع حينئذ أن أرى من يراها. # ثم إني أذهب كل ليلة لا تمثل فيها الروايات في الأوبرا إلى المنزل الذي أعرف أنها تقضي ~~السهرة فيه، فألقاها ولا أكلمها، ولم أكلمها مرة إلى الآن، ولكن عيني كانت تنوب عني فتعرب عن ~~غرامي بأفصح لسان، ولا أدري إذا كانت فهمت لغة عيني وعلمت أنهما ms1571 رسول قلبي، ولكني لو سئلت ~~الحياة بساعة من قربها لرضيت وما أسفت على الحياة. # فقال له مرميس بلهجة الكآبة: إذن أنت مريض هوى؟ ~~- مجنون غرام لا يرجو الرشاد، وصريع وجد لا يود أن يستفيق. ~~- إذن إن هذه المرأة بارعة في الجمال؟ ~~- لا أعلم فإن عين المحب لا ترى جمال المحبوب، وليس الجمال رائد الهوى إلى القلوب، غير أنها ~~ذات عينين ساحرتين. # إذا نظرت قلبا خليا من الهوى # تقول له كن مغرما فيكون # فهل تريد أن تراها؟ ~~- دون شك، إذ لا موضع في قلبي لهيام العيون. ~~- إذن اذهب الآن إلى الأوبرا، وانظر إلى اللوج الأول تجدها طالعة فيه بين الجميلات طلوع ~~القمر بين النجوم، وإنك تجد بقربها رجلا ينيف عمره على الخمسة وأربعين، وهو زوجها. ~~- أهو فرنسي؟ ~~- كلا، بل هو إسباني. ~~- إذن هي إسبانية مثله. ~~- كلا، بل أظنها روسية، والحقيقة أنه ليس من يعلم شيئا من أمرها، فإنها جاءت باريس منذ ~~شهرين، ولا يعلمون من أين أتت، ولكنها تزور أشرف البيوت، وما جرت حفلة في سفارة إلا ودعيت ~~إليها. # فنهض مرميس وقال: لقد هجت فضولي، فأنا ذاهب لأراها في الحال. أتريد أن تكون معي؟ ~~- كلا، بل أبقى هنا وستجدني عند عودتك في مكاني. ~~- كما تشاء ... # ثم تركه وانصرف توا إلى الأوبرا، وجلس في لوجه الخاص به وكان مجاورا للوجها، فلما رآها ~~ذهل لجمالها الباهر، وكانوا يتحدثون عنها في اللوج المجاور للوجه، فأصغى إلى الحديث دون أن ~~ينقطع عن النظر إليها. # 13 # وقد رأى مرميس من جمال هذه المرأة ما يفتن الزهاد، فعذر صديقه مونتيجرون لافتنانه بها وأصغى ~~إلى ما يتحدثون عنها باللوج المجاور للوجه. # وكان اثنان مقيمين في هذا اللوج وهما يتحدثان باللغة الإنكليزية، غير أنه كان قد أتقن هذه ~~اللغة منذ عهد حبه لجيبسي، فلم تفته كلمة من حديثهما، وسمع ما يأتي: # قال أحدهما: إذن أنت لا تثق أيها الصديق بزواج دون روميو؟ ~~- على الإطلاق. ~~- ولكنه رقص أول أمس في السفارة الإسبانية؟ ~~- على أي شيء يدل رقصه فيها؟ ~~- يدل على ms1572 أنه زوج هذه المرأة، إذ لا يجسر أن يصحب خليلته إلى بيت السفير، ويدعي أنها ~~امرأته. ~~- إذا كان دون روميو حقيقة تزوج هذه المرأة، فهو إذن زوجها الرابع. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني عرفت أزواجها الثلاثة، وإن هذه المرأة ليست روسية ولا إنكليزية كما يتوهمون، بل ~~هي فرنسية، وأنا واثق أنها ولدت في باريس، ومع ذلك فقد رأيتها أول مرة في لندرا. ~~- متى كان هذا؟ ~~- منذ خمسة أعوام، وكانت في ذلك العهد زوجة اللورد هرنج، فادعت أنها تزوجته في لندرا، وكانت ~~تعيش في لندرا عيشة رخاء كما هي عائشة هنا. ~~- وكانت تدعى اللادي هرنج؟ ~~- كما تدعى هنا دون روميو، وكما تدعى في الآستانة البرنسس كولوتين، وفي مرسيليا مدام ~~كاتلان. ~~- إن ما تقوله عجيب يبعد تصديقه أيها البارون. ~~- ولكنه الحقيقة بعينها، وأنت تعلم أني تركت باريس منذ عهد بعيد، فلا أزورها غير مرة أو ~~مرتين في العام، ولا تطول زيارتي أكثر من يومين، فقد لا تراني في المرة؛ لأني مسافر ~~غدا. ~~- وإذا رأتك؟ ~~- يصفر وجهها وتغدو كالأموات. ~~- ألعل ذلك لما تعلمه من علائقك مع أزواجها؟ ~~- كلا، بل لعلائقي معها، فقد وقفت على الكثير من أسرارها. ~~- لقد هجت فضولي أيها البارون. ~~- ولكني أقسمت أن لا أبوح بشيء مما عرفته من أسرارها. ~~- ألست بصديقك المخلص؟! ~~- ومن أجل أنك صديقي أريد أن أكتم عنك ما عرفته عن هذه المرأة؛ كي لا تلقى بسبب ذلك ما ~~يسوءك، على أني سأخدمك بقدر ما أستطيع، فهل أنت حقيقة مغرم بها؟ ~~- ومن ذا الذي يراها ولا يهواها؟! ~~- إذن فاسمع، إن الفصل الأخير من هذه الرواية سينتهي تمثيله، وسنخرج قريبا من الأوبرا، ~~فتتأبط ذراعي، وتقف عند الباب إلى أن تمر. ~~- تريد بذلك أنها تراك وتراني معك؟ ~~- نعم ... ~~- وبعد ذلك؟ ~~- عليك أن تسعى لمقابلتها في المسرح والمتنزهات أو المنازل، فإذا اجتمعت بها قل لها: إني ~~أحبك يا سيدتي، وأنا صديق البارون «س». ~~- أتظن أني أظفر برضاها بعد هذا؟ ~~- ربما، وقد قال البارون هذه الكلمة وهو يبتسم ابتسام الساخر، فلم تخف الابتسامة ms1573 عن مرميس، ~~كما أنه لم تفته كلمة من هذه المحادثة، فلما انتهى تمثيل الرواية سبق الرجلين إلى باب الأوبرا ~~ووقف ينتظر. # وبعد هنيهة أقبل البارون «س» ورفيقه، ثم جاءت بعدهما دون روميو وهي متكئة على ذراع زوجها، ~~فجعل مرميس يحدق بها وبالبارون. # أما هذه المرأة فإنها عند بلوغها إلى الباب رأت فجأة هذا البارون، فاصفر وجهها، ووضعت ~~منديلها في فمها كي تكتم صيحة دهش خرجت من صدرها، ثم نظرت نظرة بغض هائلة إلى البارون، وسارت مع ~~زوجها فاقتفى مرميس أثرهما. # 14 # وما مشى مرميس في أثرهما خطوات حتى وجدت الفيكونت مونتيجرون واقفا في عرض الطريق، وقد اصفر ~~وجهه حين رآها مرت أمامه، ووهت قواه حتى أوشك أن يسقط. # وكانت هي ركبت المركبة مع زوجها وابتعدت، فشغل مرميس بصديقه مونتيجرون عن لحاقها، فإنه حين ~~رآه مقبلا إليه تحول لون وجهه من الاصفرار إلى الاحمرار. # فقال له مرميس: ماذا أصابك ألعلك رأيتها؟! # فتأبط مونتيجرون ذراعه، وجره بعنف إلى القهوة، وهو يقول: تعال معي فإني أظن أن صوابي قد ~~فقد وأصبحت من المجانين. # فاضطرب مرميس للهجة كلامه، وقال له: ماذا دهاك وما دعاك إلى الجنون؟! ~~- إنها ابتسمت لي حين مرورها. ~~- لك أنت؟ ~~- نعم أيها الصديق، فإنني أشعر أن البراكين النارية تتأجج في صدري. إنها نظرت إلي وابتسمت ~~لي، وما كنت أطمع بأكثر من هذا الابتسام. ~~- إذن أي سبب يحملك على الجنون، فإن ابتسامها لك دليل رضاها عنك، وغاية ما يقال عنك أنك رجل ~~سعيد. ~~- نعم غير أن من فرح النفس ما يقتل. # ثم نظر إليه محدقا، وقال: أنت مخلص لي يا مرميس؟ ~~- أعندك شك في إخلاصي؟ ~~- إذن لا تدعني وحدي، فإني أخشى على صوابي، وتعال معي إلى القهوة، فنتعشى ونبقى فيها إلى أن ~~يطلع الصباح. أتريد أن تبقى معي؟ # وكان مونتيجرون في أشد حالة من الاضطراب، فما وسع مرميس مخالفته، وقال له: هلم بنا، ولكني ~~لا أجد داعيا لهذا الاضطراب بعد أن ابتسمت لك. ~~- بل إن هذا الابتسام يرعبني. ~~- لماذا؟ ~~- لأنها قد تسألني ms1574 بعده حياتي وثروتي وشرفي فأبذلها. # فابتسم مرميس وقال: إنه ثمن فاحش. # وفيما هما جالسان حول مائدة يأكلان ويشربان دخل إليهما الخادم يحمل رسالة على صينية من ~~الفضة، وقال: لقد أتى الآن خادم إلى القهوة، وسأل إذا كان الفيكونت مونتيجرون يتعشى هنا، فلما ~~أجبناه بالإيجاب دفع إلينا هذه الرسالة، وقال: يجب إيصالها إليه في الحال. # فاصفر وجه مونتيجرون، وأشار مرميس إلى الخادم أن ينصرف، ثم نظر الفيكونت إلى الرسالة وهي لا ~~تزال على الصينية كأنه لا يجسر أن يفتحها، فاختلج وارتعش وقال: لا أجسر أن أفضها. # مرميس: ماذا أصابك؟ أمن أجل ابتسامة تبلغ هذا الحد من الضعف؟! ~~- ولكنك لا تعلم ممن أتت هذه الرسالة التي لا أجسر على فتحها. ~~- أتحسبها منها؟ ~~- دون شك فخذها وافتحها عني. # فأخذ مرميس الرسالة وفتحها، وقرأ بصوت منخفض ما يأتي: # إذا كان الفيكونت دي مونتيجرون لا يزال شجاعا كما يعهد به أهل باريس، فليحضر في الساعة ~~الثانية بعد منتصف الليل إلى وراء كنيسة العذراء يجد مركبة ذات جوادين. # ولم تكن الرسالة مذيلة بتوقيع، فقال مونتيجرون: إنها منها دون شك؛ فقد أنبأتني دقات ~~قلبي. ~~- ألعلك نويت الذهاب إليها؟! ~~- كيف تشكك في ذلك؟ # فقطب مرميس جبينه، وخيل له أن هذه الرسالة شرك نصب لصديقه، ولكنه لم يظهر له شيئا من ريبة، ~~فنظر مونتيجرون في ساعته، وقال: يجب أن أنتظر ساعة أيضا ستكون كالأدهار. # فأجابه مرميس: لا بأس فسنتعاون على قتلها، ولكني لا أعلم بعد ذلك ما ينبغي أن أصنع، فلقد ~~عاهدتك أن أبقى معك إلى الصباح، فإذا ذهبت إلى هذا الموعد فماذا أفعل؟ ~~- تنتظرني هنا. ~~- وإذا لم تعد؟ ~~- إذا لم أعد إلى الساعة السادسة فأنت مطلق السراح. # سأنتظر كما تريد، ولكني أرجوك أن تأخذ معك هذا المسدس من قبل الحذر، فإننا في أيام المرافع، ~~والحذر في مثل هذه الأمور محمود. # فأخذ مونتيجرون المسدس من مرميس، ولما دقت الساعة الثانية ركب مركبته، وسار إلى كنيسة ~~العذراء. # أما مرميس فإنه لبث في تلك القهوة، فجعل تارة يتلهى بالألعاب، وتارة بقراءة ms1575 الجرائد حتى بزغ ~~الصباح، ودقت الساعة السادسة، فلبس قبعته وحاول الانصارف، ولكنه رأى أن باب الغرفة التي كان ~~فيها قد فتح فجأة، ودخل مونتيجرون وعيناه تتقدان كالجمر، فقال لمرميس: إني سأتبارز بعد ساعة في ~~الغابات، وأنت شاهدي فهلم بنا إلى صديقي كازمير. ~~- ولكن قل لي على الأقل من هو خصمك؟ قال: هلم فسأخبرك باسمه على الطريق، فإن المركبة ~~تنتظرنا على الباب وفيها السيوف. # حين خرج مونتيجرون من القهوة الإنكليزية، وغادر فيها مرميس كان شديد الاضطراب؛ حتى إنه خشي ~~أن يلقاه أحد أصدقائه في الطريق فيعلم أمره، أو يثنيه عن قصده، فركب مركبة مقفلة حتى إذا وصل ~~بها إلى قرب كنيسة العذراء أوقفها ونزل منها، فسار إلى وراء تلك الكنيسة، فوجد المركبة التي ~~وصفت له بالرسالة واقفة في انتظاره. # فمشى مونتيجرون إلى تلك المركبة مشية السكران، وهو يخشى كلما دنا منها أن يسقط لتزايد ~~اضطرابه، فلما وصل إليها برز منها رأس امرأة مبرقع بحجاب كثيف، فلم يعرفها مونتيجرون إلا من ~~دقات قلبه. # ثم شعر أن يدا ناعمة مسكت يده، وسمع صوتا رخيما يقول له: اصعد، فامتثل مونتيجرون، وصعد ~~إلى المركبة وهو بين حي وميت. # وكان السائق قد تلقى الأوامر من قبل دون شك، فأطلق عنان الجياد فسارت إلى جهة ~~الشانزليزيه. # وعند ذلك بدأت المرأة الحديث فقالت: إني أعلم يا سيدي الفيكونت أنك باسل وأنك ~~تهواني. ~~- ماذا تريدين يا سيدتي؟ أتريدين أن أموت من أجلك؟ ~~- بل أريد أن تخاطر بحياتك الثمينة عندي، ثم نظرت إليه نظرة من تحت نقابها اخترقت صميم ~~قلبه، فقال: إني مستعد يا سيدتي أن أبذل في سبيل رضاك أكثر من هذه الحياة. ~~- إذن اعلم يا سيدي أن مبارحتي باريس غدا وعدم رجوعي إليها إلى الأبد؛ منوط بك، فعليك ~~يتوقف بقائي في هذه العاصمة، وأنت وحدك تستطيع أن تحملني على حبك. # وقد قالت هذا القول بلهجة أولئك الإسبانيات اللواتي يعرضن حبهن على البواسل جزاء الانتقام ~~لهن عن إهانة؛ فبرقت أسرة مونتيجرون بأشعة الفرح، وقال: مري يا سيدتي أفعل ما ms1576 ~~تريدين. ~~- يوجد رجل تجاسر على إهانتي بعد أن يئس من رضاي، فاستحال حبه إلى كره، وتبدل غرامه بحقد ~~عظيم دفعه إلى الانتقام مني، فهو يختلق النمائم والأكاذيب، وكلما رأيته في بلد هربت منه، ولكنه ~~لا يلبث أن يعلم المكان الذي قررت إليه فيدركني فيه. # فأجابها مونتيجرون بملء البساطة: إذن سأقتل هذا الرجل. ~~- إن زوجي غيور وحشي، ولكني لا أحبه، ولا أريد أن أعتمد عليه بانتقامي. ~~- اذكري يا سيدتي اسم هذا الرجل وعلي البقية. ~~- إن هذا الرجل باسل شديد الميل إلى الخصام لا يرهب عدوا، ولكنه إذا علم أني أنا التي ~~سلحت يدك يأبى مبارزتك ولو أهنته كي لا يفوته الانتقام مني، حتى إنه قد يهرب منك ولا يخشى ~~العار. # فتحمس مونتيجرون وقال: تبا له من نذل جبان! ~~- أقسم لي أنك ستجد حجة تمتنع بها عن ذكر اسمي. ~~- أقسم لك أقدس قسم. # فضغطت على يده ضغطا لطيفا، وقالت: إنك إذا قتلت هذا الرجل أصبحت عبدة لك، وتركت كل شيء في ~~هذا الوجود من أجلك، وسرت معك إلى أقصى مكان في الأرض. # فطاش رأس مونتيجرون من الوعود، وقال: اذكري لي اسمه يا سيدتي بالله. # فأظهرت المرأة شيئا من التردد، ثم قالت: وإذا كان هذا الرجل من أصحابك. ~~- لا أبالي. ~~- وإذا كان من أصدقائك المخلصين؟ ~~- إنه الآن ألد عدو لي بعد أن تجاسر على إهانتك. ~~- إذن فاعلم يا سيدي أن هذا الرجل الذي أهانني والذي أريد له الموت، والذي سأبيعك قلبي ~~بالانتقام منه هو البارون هنري «س». # فارتعش مونتيجرون لأن هذا البارون من أصدقائه، وهو من أعضاء نادي أسبرج، وكان يعرف عنه أنه ~~غريب الأطوار، سافر أسفارا كثيرة منذ عدة أعوام، ثم انقطع إلى الإقامة في أراضيه، فلم يكن يزور ~~باريس إلا في القليل النادر، لكنه إذا زارها فلا بد له من الحضور إلى النادي. # ولم يكن بين البارون وبين مونتيجرون علائق وداد متينة، بل كان يعرفه كما يعرف جميع أعضاء ~~ذلك النادي، فلما ذكرت له اسم البارون تنهد تنهد المنفرج، وقال لها: ms1577 سأقتله يا سيدتي أو ~~يقتلني. # فأوقفت المركبة عند ذلك، وقالت لمونتيجرون: إذن إلى اللقاء، بل إلى الغد؛ فإني أرجو أن ~~أراك. ~~- أين أراك يا سيدتي؟ ~~- في نفس المكان الذي رأيتني فيه الليلة وفي الساعة ذاتها. # ثم أعطته يدها فجعل يلهبها بقبلاته الحارة، وقالت له: اذهب بأمن الله فإن روحي ~~تحميك. # وخرج مونتيجرون من المركبة، وهو يكاد يفقد الرشد، وجعلت عينه تتلفت إلى المركبة فمتى بعدت ~~عنه تلفت قلبه. # ووقف حينا وقفة الحائر المضطرب، ثم ثاب إليه رشده فسار ماشيا كي تطول المسافة ويجد وقتا ~~لتقرير الخطة التي يجب أن ينهجها مع البارون هنري. # وما زال سائرا حتى وصل إلى نادي أسبرج، فوجد أعضاءه يقامرون ويلعبون الباكارا، وكان البنك ~~بيد البارون هنري عدوه الجديد. # 15 # وكان اللاعبون منهمكين في المقامرة - وجميع أعضاء النادي مشتركون به - فكان كلهم يربحون ما ~~خلا أصحاب البنك؛ أي البارون هنري، فإن الخسارة كانت مختصة به وحده، فكان حين دخل مونتيجرون ~~منقبض الصدر لفداحة خسارته مقطب الحاجبين، على أنه كان وافر الثروة، ولكنه كان من أولئك الذين ~~تؤثر بهم خسارة القمار أشد تأثير، فكان يتململ ويقول: أف لهذه الليلة! ما أنكد بختي فيها! ~~فإني لم أربح مرة واحدة. # ثم لما رأى أن الخسارة مستمرة قال: إني أطلب تغيير هذا الورق فهو شؤم علي. # فنظر إليه الحاضرون بجملتهم نظرات الإنكار، فقال لهم: ما بالكم تنظرون إلي هذه النظرات؟ ألا ~~يحق لي تغيير الورق؟! إني لا أطلب إلا حقي. # فانبرى مونتيجرون من وراء اللاعبين، وقال: أرجوكم أيها السادة أن تعذروا حضرة البارون، فإنه ~~صار من أهل الاقتصاد. # وقد ضحك إثر هذا القول ضحك تهكم واستهزاء، فقطب البارون حاجبيه، وقال: كيف تقول يا حضرة ~~الفيكونت أني بت من أهل الاقتصاد؟! # فأجابه بلهجة المتهكم: هذا ما يقوله الناس يا سيدي وأنا أرويه عنهم. ~~- ألعلك تحسب الاقتصاد جريمة؟ ~~- كلا، بل هو واجب، ولا سيما على من يكون في حالتك. # فنظر إليه البارون ببرود، وقال: ماذا تعني بما تقول؟ ~~- لا أقول شيئا إذ ms1578 ليس ذلك من شأني. ~~- أتريد بما قلته أني أصبحت فقيرا فاضطررت إلى الاقتصاد؟ ~~- كلا، بل إني أعتقد أنك لا تزال من كبار الأغنياء. ~~- إذن ماذا أردت بما قلت؟ ~~- أردت به يا عزيزي البارون أني سمعت الناس يتحدثون أنك محتاج إلى حفظ ثروتك ~~لورثائك. ~~- أما ورثائي فليس لي وارث غير ابن أخت هو أغنى منى، وأنا أرجو أن لا يرثني إلا بعد دهر ~~طويل. ~~- وأنا أرجو معك هذا الرجاء غير أن الناس لا يقصدون بورثائك هذا الوريث؟ ~~- ماذا يقصدون؟ ~~- يقولون يا سيدي إنك عشت زمنا طويلا في أراضيك. ~~- ذلك لأني أحب الخلاء، وأفضل العيش في اللورين. ~~- ولأن بنات اللورين بارعات في الجمال. # فظهرت على البارون علائم نفاد الصبر، وقال: ما هذا الهزء يا فيكونت، وأي غرض لك فيه ونحن في ~~مقام اللعب؟! ~~- إذا كان لم يرق لك، فعد إلى اللعب وافترض أني لم أقل شيئا. # وكان مونتيجرون يشفع كل كلمة بلهجة تهكم ظاهرة، فوقف البارون هنري وقال: كلا فإنك جريت ~~شوطا بعيدا ولم يعد بد من التوضيح. ~~- أي إيضاح تريد؟ ~~- أريد أن تقول لي من هم هؤلاء الورثة؟ ~~- ولكنك تعرفهم أكثر مني أم تريد أن يعرفهم جميع الحاضرين؟ # وقد قال هذا القول وهو يبتسم ابتسام التهكم والهزء، بحيث اتضح لجميع الحاضرين أنه يقصد ~~مخاصمة البارون بانتحال الأسباب. # فاصفر وجه البارون، وقال: نعم، أريد أن يعلم جميع الحاضرين وجميع الناس. ~~- إذن، ليعلموا أن ورثاءك خادمة منزلك وأولادها. # فوقع هذا القول على البارون وقع الصاعقة، وقال بصوت متهدج من الغضب: إنك كاذب نمام، وما هذه ~~الفرية إلا من مختلقاتك. # أما مونتيجرون فإنه أخذ قفازه بملء البرود، وضرب به البارون وهو يقول: إن كلمة كاذب كبيرة ~~يا بارون، وسأعيدها إلى صدرك. # فأخذ البارون القفاز عن الأرض فوضعه على المائدة، وقال: إنك تجدني يا فيكونت في الساعة ~~السابعة من هذا الصباح في الغابات، وأحضر معك سيوفك وغداراتك؛ إذ يجب أن يموت أحدنا أو كلانا في ~~هذا الصباح. ~~- هو ما تقول وسألاقيك في الموعد المعين. # ثم ms1579 خرج من النادي والناس حائرون لهذا الخصام. # وجعل الحاضرون يستغربون اعتداء الفيكونت الظاهر، ويسألون البارون هنري عن الأسباب إلى أن ~~أقسم لهم بأنه لا يعلم شيئا من أسبابه، وأن الفيكونت كان كاذبا فيما اتهمه به، فكفوا عن ~~سؤاله، وعادوا يلعبون إلى الصباح، فخرج البارون هنري، وذهب إلى صديقين له من الضباط، وطلب ~~إليهما أن يكونا شاهديه، وسار الثلاثة إلى الغابات، والبارون يفكر ويقول في نفسه: لقد فاتني أن ~~أسأل أصحاب مونتيجرون إذا كان مصابا بداء الغرام؛ فإني أخاف أن يكون لتلك المرأة يد في هذا ~~الخصام. # وعند الساعة السابعة وصل مونتيجرون مع شاهديه مرميس وكازمير، فوجد البارون ينتظره مع ~~شاهديه. # 16 # عندما خرج الفيكونت مع مرميس من القهوة الإنكليزية إلى بيت كازمير، حاول مرميس وهما على ~~الطريق أن يقف على سر صديقه والسبب الذي دعاه إلى المبارزة، فلم يجبه الفيكونت، ولكنه قال له ~~بعد إلحاحه: افرض أني أتبارز مع زوج امرأة أحبها. # فأضل هذا الجواب حساب مرميس، وظن أن مونتيجرون ذهب لمقابلة المرأة، فباغتهما زوجها واضطر ~~إلى مبارزته، ولكنه كان يقول في نفسه: ألعل ذلك خيانة أم هو فخ نصبته تلك المرأة التي سمع ما ~~كان يقول عنها البارون هنري في الأوبرا؟! # وحاول مرات كثيرة وهما على الطريق أن يقف على الحقيقة، ولكنه لم يظفر بمراده إلى أن وصلا ~~إلى بيت كازمير، فدعاه الفيكونت وذهب الثلاثة في مركبة إلى الغابات. # وحاول كازمير أيضا أن يستجلي الحقيقة، فما لقي غير ما لقيه مرميس من الخيبة. # ولما دنوا من المكان المعين للمبارزة قال مونتيجرون لشاهديه: إني أسألكما أن تقسما لي ~~بشرفكما أنه مهما كانت نتائج هذه المبارزة فلا تحاولا البحث عن أسبابها. # فقال كازمير: إذن أنت تريد أن تكون نتيجة هذه المبارزة قتل أحدكما؟ ~~- دون شك، وكل ما أطلبه إليكما أن تقسما لي هذا القسم، كي أقاتل مطمئن البال. # فأقسما له ... # وبلغت المركبة بهم الغابات، فوجدوا مركبة في انتظارهم تقل ضابطين والبارون هنري، فلم يعلموا ~~أيهم خصم صديقهم مونتيجرون حتى نزلوا من ms1580 المركبة، ورأى مرميس أن الخصم هو البارون هنري صاحب ~~الحديث عن المرأة في الأوبرا، فالتفت منذعرا إلى مونتيجرون، وقال له مشيرا إلى البارون: أهذا ~~هو خصمك؟ ~~- نعم ... ~~- إذا كان ذلك فإني أسألك أن تسمع ما سأقوله لك قبل المبارزة. # فنفر الفيكونت وقال: أية فائدة من ذلك؟ ~~- لو لم تكن هذه المباحثة واجبة لما طلبتها إليك. ~~- وإذا كنت لا أريد؟ ~~- إني ألتمسها منك التماسا. # فأفلت منه وانضم إلى الجماعة، وهو يقول: أرجوكم أيها السادة الإسراع. # غير أن مرميس لم يقنط من صديقه، فدنا منه وقال له بصوت منخفض: لقد علمت الآن لماذا دعتك هذه ~~المرأة إلى مقابلتها، فإنها لم ترد بذلك غير حملك على قتل البارون هنري. ~~- حسنا وبعد ذلك؟ ~~- لا يحق لك أن تبارزه. # فضحك مونتيجرون ضحكا عاليا وقال: ألعلك تطلب إلي أن أسترضيه ونحن في ساحة ~~المبارزة؟! # فتنهد مرميس، وأيقن أنه لا رجاء له بإقناعه فتركه وشأنه. # أما مونتيجرون فإنه دنا من كازمير وقال له: أصغ إلي، واسمع إرادتي الأخيرة، إني أريد أن ~~تكون شروط المبارزة أن لا ينفصل أحدنا عن الآخر إلا بالموت. # فأطرق كازمير وكانت شروطا هائلة، وخلاصتها: أن يقف كل من الخصمين على مسافة ثلاثين خطوة من ~~رفيقه، ويطلق عليه رصاصتين، وإذا لم يسفر القتال عن قتل أحدهما عادا إلى إتمام المبارزة ~~بالسيف. # وكان مرميس مصفر الوجه ينذره قلبه بمصاب أليم، فوقف المتبارزان في المواقف المعينة، وأشار ~~أحد الشهود ببدء المبارزة، فتقدم البارون هنري خطوتين وأطلق غدارته، فلم يتحرك مونتيجرون؛ لأن ~~الرصاصة مرت من فوق رأسه، فأخطأته ولم يطلق غدارته؛ لأنه انتظر أن يطلق خصمه غدارته ~~الثانية. # وبعد لحظة أطلق البارون غدارته الثانية، فسقطت يد مونتيجرون التي كان يقي بها رأسه فجأة إلى ~~جنبه؛ لأن رصاصة البارون كانت قد اخترقتها. # فأخذ مونتيجرون غدارته بيده اليسرى، وأطلقها على خصمه فلم يصبه، فصاح صيحة غضب وأطلق ~~الثانية، فاضطرب البارون لكنه لم يقع، فأسرع الشهود ورأوا أن رصاصة مونتيجرون قد اخترقت ساقه، ~~وقال أحدهم: كفى! إنكما لم تعودا تصلحان ms1581 للقتال. # أما مونتيجرون فأبى، وقال: إننا نتم المبارزة بالسيف حسب الاتفاق. # فقال له مرميس: إن يدك اليمنى قد أصيبت، ولا تستطيع إدارة السيف بها. ~~- لا بأس، فإني أحسن استعمال اليسرى، إلا إذا كان البارون قد عجز عن القتال. # فأجابه البارون بسكينة : كلا إني لا أزال أستطيع الوقوف. # ولم يجد الشهود سبيلا إلى معارضتهما، فأعطوا كلا منهما سيفا، وعادا إلى القتال. # وجرى بينهما قتال هائل طال زمنه لمهارة الاثنين في قتال السيف. # وفيما هما يتقاتلان، وقد أخذ منهما التعب كل مأخذ، سمع الشهود صيحتين في حين واحد. # وذلك أن مونتيجرون هجم على خصمه هجمة منكرة، فاخترق بحسامه صدر خصمه، ولكن سيف خصمه اخترق ~~صدره أيضا عند هجومه، فسقط الاثنان على العشب في حين واحد. # 17 # في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم الذي حدثت فيه تلك المبارزة الهائلة ذهب مرميس إلى ~~نادي أسبرج، فوجد جميع أعضائه يبحثون في سر هذه المبارزة الخفي، وكلهم منقبضو الصدر؛ لأنهم ~~علموا أن مونتيجرون قد مات والبارون في حالة النزع. # وكان مرميس قد بقي أمام صديقه مونتيجرون إلى أن ذهبت روحه، وقد توسل إليه قبل موته بالدموع ~~كي يخبره شيئا عن المرأة التي سببت قتله، فأبر بقسمه ولم يبح بحرف، ولكنه قال له قبل الوفاة: ~~خذ خصلة من شعري بعد موتي، وأرسلها إلى تلك المرأة فإنك تعلم أين تقيم. # ثم مات وهو يناجيها، فكان آخر كلمة قالها: أحبك. # فهاج فضول مرميس؛ لأنه أيقن أن تلك المرأة التي كانت سبب المبارزة هي نفس المرأة التي سمع ~~البارون هنري يتحدث عنها في الأوبرا، ولكنه أحب أن يعلم من هي، فجاء إلى نادي أسبرج عله ~~يقف على شيء من تاريخها. # وكان الأعضاء يتحدثون عن هذه المبارزة كما قدمناه، فاتفقوا جميعهم على القول: إنه لم يكن ~~بين المتبارزين سبب ظاهر يدعو إلى القتال، إلى أن قال أحدهم: إن السبب فيه المرأة، وإن كليهما ~~كانا يعشقانها. # فأجابه مركيز من الأعضاء: وأنا أرى ذلك محالا؛ لأن البارون هنري لم يكن مقيما في ms1582 باريس ~~ولا يزورها إلا نادرا. ~~- ليس في ذلك ما ينفي غرامه بإحدى نسائها. ~~- إنه كان يهوى الفتاة جورجيت، ولكنه جفاها وتناسى غرامها منذ عامين. ~~- قد يكون عالقا بامرأة من البيوت الكريمة. ~~- ولكن المأثور عنه أنه لا ينتاب المنازل، وإذا جاء باريس لا يذهب إلا إلى الأوبرا وهذا ~~النادي. # فتداخل عند ذلك مرميس، وقال: أما أنا فإني أؤكد لكم، أيها السادة، أن سبب هذا القتال لم يكن ~~إلا المرأة؛ لأن مونتيجرون كان من عشاقها. # فقال المركيز: من هذه التي كان يعشقها؟ ~~- هي امرأة حسناء لا أعرف اسمها، ولكني رأيتها وعلمت أنها واعدته على اللقاء في الليلة ~~الماضية، وقد بقيت معه إلى الساعة الثانية من الصباح؛ أي إلى حين فارقني وذهب للقائها، وعاد في ~~الصباح ينذرني بتلك المبارزة. # فقال له المركيز: تقول إن مونتيجرون ذهب للقائها في الساعة الثانية، وفي هذه الساعة كان ~~البارون هنري في النادي معنا، ولم يفارقنا إلا بعد خصامه مع مونتيجرون، فكيف اتفقت هذه الغيرة ~~والعاشقان لم يجتمعا لدى المرأة؟! ~~- هو ما تقول، غير أن البارون هنري كان في الأوبرا عند نصف الليل، وكنت أنا في لوج مجاور ~~للوجه، فسمعتهم يتحدثون عن تلك المرأة التي يعشقها مونتيجرون. ~~- إذن من هي هذه المرأة؟ ~~- لا أعلم! ولكني سمعت البارون يذكرها بكل سوء، وأنا واثق من صدقه في ما قاله عنها؛ لأنها ~~كانت السبب الوحيد في تلك المجزرة، ثم إني أعتقد أنه يجب أن ننتقم لمونتيجرون، وأن نعاقب هذه ~~المرأة أشد عقاب؛ ولهذا أتيت إليكم. # ونظر الجميع إلى مرميس نظرة انذهال، وقال له المركيز: كيف ننتقم منها ونحن لا ~~نعرفها؟ ~~- لكن البارون يعرفها، وهو لم يمت بعد. ~~- بل إن جرحه مميت وهو في حالة الاحتضار، لكنه لم يفقد الرشد. ~~- إذن ليذهب بي أحدكم إليه؛ لأني أثق أنه يخبرني باسم تلك المرأة متى أخبرته بما عرفته ~~عنها. ~~- أنا أذهب بك إليه فإن منزله قريب. # وعند ذلك خرج مرميس والمركيز من النادي، وبعد عشر دقائق وصلا إلى منزل البارون، وطلبا ~~مقابلته، فقال لهما ms1583 أحد أصدقائه: لقد جئتما بعد فوات الأوان وا أسفاه! # فاضطرب مرميس وقال: ألعله مات؟! ~~- كلا، لكنه يحتضر، فلندعه يموت بسلام. ~~- ولكن يجب أن ننتقم له بعد الموت؛ لأنه مات ضحية خيانة امرأة، وكلمة تصدر من فمه تكشف لنا ~~السر، وتمهد لنا سبل الانتقام، فدعني بالله أراه فقد أسمع منه هذه الكلمة. # وكان مرميس يكلمه بلهجة المتوسل، فلم يسعه إلا إجابته إلى ما أراد، فأخذه بيده ودخل به إلى ~~البارون. # وكان البارون في حالة النزع غير أنه لم يفقد رشده، فلما رأى مرميس عرف أنه كان شاهد خصمه، ~~فابتسم له، وتمتم كلمة شكر. # أما مرميس فإنه دنا منه، وقال له: لقد كنت يا سيدي البارون في الأوبرا ليلة أمس، فسمعتك ~~تذكر امرأة دون روميو، وإن مونتيجرون كان يحب تلك المرأة. # فاتقدت عينا البارون، كأنما قد نفض عنه غبار الموت، وأصغى إليه كل الإصغاء، فقال له مرميس: ~~إن هذه المرأة يا سيدي هي التي سلحت مونتيجرون ودفعته إلى مبارزتك، فأستحلفك بالله يا سيدي أن ~~تذكر لي اسم هذه المرأة كي تنال عقابها قبل أن تعاقب في السماء. # فتأثر البارون تأثرا لا يوصف حين سمع أقوال مرميس، واستوى جالسا في سريره، واتقدت عيناه ~~بلهب، ثم انطفأت تلك الشعلة فجأة، وسقط ميتا لا حراك فيه، ولكنه قبل أن يموت خرجت من فمه تلك ~~الكلمة مع نفسه الأخير، وكانت تلك الكلمة «البستانية الحسناء». # 18 # وكان مرميس يعرف شيئا من تاريخ هذه المرأة منذ عام، فإنه عرف من أعضاء نادي كريفيز حكاية ~~هذه المرأة مع المركيز دي مورفر، الذي أعجز الشرطة أمر اختفائه كما تقدم في أول هذه الرواية، ~~فلما سمع من فم البارون حين موته اسم تلك المرأة الهائلة ارتعش ارتعاشا عظيما، غير أن البارون ~~لم يذكر الاسم إلا لمرميس، فلم يسمعه إلا تلميذ روكامبول. # أما المركيز الذي صحب مرميس والأطباء الذين كانوا في ذلك المنزل، فإنهم لم يعلموا إلا أن ~~البارون قد توفي، فلما خرج إليهم مرميس من غرفة الميت قال لهم: لقد أتيت ms1584 بعد فوات ~~الأوان. # وبعد هنيهة برح ذلك المنزل مع المركيز. # وكان مرميس يقول له وهما على الطريق: إني واثق من أنه لو علم البارون أن مونتيجرون يريد ~~مبارزته من أجل تلك المرأة، لأكره خصمه بكلمة واحدة أن يرجع عن هذا القتال، وأن يصافحه مصافحة ~~الأصدقاء. ~~- ومن هي تلك المرأة السرية؟ ~~- أصغ إلي أيها المركيز، ألا ترى على وجهي علائم الاضطراب؟! ~~- نعم وأرى أيضا علائم العزم الأكيد على أمر يجول في خاطرك. ~~- هو ما تقول أيها المركيز، لقد أقسمت يمينا منذ خمس دقائق أمام جثة البارون. ~~- وما هذه اليمين؟ ~~- هي أن أنتقم لمونتيجرون وللبارون. ~~- ولكن كيف تنتقم لهما؟ ~~- أتقسم لي بالشرف أن تبقي ما أقوله لك طي الكتمان؟ ~~- نعم أقسم. ~~- إذن اعلم أن البارون قبل أن يموت ذكر اسما، وهذا الاسم سيرشدني بإذن الله إلى كشف جريمة ~~هائلة. ~~- ألعلك محتاج إلي؟! ~~- لا أحتاج إلى مساعدتك الآن، ولكني إذا احتجت إليها أذهب إليك. ~~- وأنا أكون سعيدا لخدمتك. ~~- إذن إلى اللقاء أيها المركيز. ~~- ألا تذهب معي إلى النادي؟ ~~- كلا. ~~- وإذا سألوني عما جرى فماذا أقول لهم؟ ~~- قل إنه مات حين دخولنا إليه، فلم نقف منه على شيء. # ثم افترق الاثنان فعاد المركيز إلى النادي، أما مرميس فإنه نظر في ساعته، وقال: لا تزال ~~أمامي ساعتان لفض رسالة روكامبول. # ثم ذكر أن مونتيجرون أعطاه خصلة من شعره كي يعطيها بعد موته لتلك المرأة، فقال: لا يزال ~~الوقت فسيحا لدي، فلأذهب إليها بهذه الحجة. # وركب مركبة من مركبات الأجرة، فأمر سائقها أن يذهب به إلى ~~الشانزليزيه رقم 69. # وبعد حين وصلت المركبة إلى ذلك المنزل، فأطلقها مرميس، وجعل يفحص ذلك المنزل الذي وقف ~~أمامه، فشاهد منزلا جميلا كائنا في وسط حديقة تكتنفها أشجار باسقة، ولم ير غير نور واحد ~~ينبعث من خلال إحدى النوافذ. # وعول مرميس على الدخول وطرق الباب، فأقبل خادم وفتح له، فلما رآه الخادم أظهر الانذهال، ~~وقال بأدب: أظن أن سيدي مخطئ ضل عن القصد. ~~- كلا، أليس هذا منزل دون روميو فيجير؟ ~~- نعم. ms1585 ~~- ألعل دون روميو في المنزل؟ ~~- كلا، يا سيدي فهو في النادي. ~~- والسيدة؟ ~~- هي في المنزل، ولكنها لا تقبل زيارة أحد حين غياب زوجها. # فأخرج رقعة زيارة، وقال له: اذهب بها إلى السيدة، فمتى وصلت إليها تستقبلني دون شك. # ثم دخل إلى الحديقة غير مكترث للخادم، ولكنه بدلا من أن يعطيه رقعة زيارة زيارة باسمه ~~أعطاه رقعة من رقاع مونتيجرون. # فسار بها الخادم إلى سيدته وهو يتبعه حتى دخلا إلى المنزل، فسبقه الخادم إلى غرفة السيدة، ~~فأعطاها الرقعة ثم عاد إليه، وقال له: إن مولاتي تنتظر سيدي الفيكونت. # فدخل مرميس إلى تلك المرأة التي قتلت رجلين بكلمة من فمها، فوجدها جالسة على مقعد شرقي، ~~فنظرت إليه نظرة تدل على السلامة، وقالت له: يسرني أن أراك يا سيدي الفيكونت مونتيجرون؛ لأن ~~زوجي دون روميو طالما حدثني عنك. # فقال في نفسه: لقد بدأت تمثل دهاءها فلنحذر، ثم دخل وأخذ يتمعن في وجهها، فوجدها مبتسمة ~~ساكنة، ولم يبد عليها شيء يدل على التأثر. # وبعد أن جلس قالت له: لقد عرفت يا سيدي، ما دعاك إلى هذه الزيارة؟ ~~- كيف عرفت ذلك يا سيدتي؟ ~~- لقد أخبرني زوجي أنه ربح منك في النادي ليلة البارحة مبلغا كبيرا، وأنك آت لوفائه حسب ~~العادة المتبعة بينكم، فإن دين القمار يجب وفاؤه قبل مرور 24 ساعة عليه. # فلما رأى مرميس تماديها في التنكر أراد أن يضع لها حدا، فقال: لقد اشتد بيننا سوء التفاهم ~~يا سيدتي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني لست الفيكونت مونتيجرون. # فوقفت وقالت له بلهجة الإنكار: إذا لم تكن الفيكونت مونتيجرون، فمن أنت؟! ~~- صديق له. ~~- إذن أنت قادم من قبله؟ ~~- دون شك يا سيدتي، ثم أخرج من جيبه محفظة صغيرة فأخرج منها خصلة الشعر التي أعطاه إياها ~~الفيكونت وقدمها لها، فتظاهرت بالانذهال العظيم، وقالت: ما هذا المزاح؟ ~~- إني لا أمزح يا سيدتي، فإن الفيكونت تبارز في صباح اليوم مع البارون هنري. # فلم تظهر المرأة شيئا من علائم التأثر، وقالت: من هو البارون هنري؟ ~~- هو رجل كان قبل هذه ms1586 المبارزة من أصدقاء خصمه. ~~- ولماذا تبارزا؟ ~~- من أجل امرأة كان البارون يقول: إنها من شر النساء، وكان الفيكونت يحبها حب جنون. ~~- وما كانت نتيجة المبارزة؟ ~~- مجزرة يا سيدتي، الفيكونت مات بعد ظهر اليوم. ~~- والبارون؟ ~~- مات منذ ساعة. ~~- إنك تروي لي خبرا هائلا يا سيدي ، أحقيقة أن هذه المبارزة كانت مجزرة؟ ~~- أصغي إلي يا سيدتي إن الفيكونت عهد إلي قبل موته أن أذهب إلى تلك المرأة، فأقول لها إنه ~~مات سعيدا؛ لأنه مات من أجلها، وكلفني أن أقص خصلة من شعره وأعطيها لهذه المرأة، ثم قدم لها ~~خصلة الشعر. # فتراجعت المرأة إلى الوراء ونظرت إليه نظرة هائلة، ثم قالت: لا شك أنك منخدع يا سيدي، فما ~~أنا تلك المرأة التي مات من أجلها الفيكونت. ~~- ولكنه ذكر اسمك يا سيدتي. ~~- هذا محال. ~~- ألست امرأة دون روميو؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أنت هي المرأة التي مات من أجلها الفيكونت. # فقالت له بلهجة دلت على اضطرابها: إن موعد رجوع زوجي من النادي قد اقترب، وإننا وإن كنا في ~~زمن المرافع فقد لا تعجبه منك هذه الممازحة التي جسرت عليها. ~~- قلت لك يا سيدتي: إني لا أمزح، وإذا شئت برهانا على ما أقول فاعلمي أن الفيكونت كان له ~~صديق يدعى المركيز مورفر. # فاضطربت المرأة اضطرابا خفيفا، وقالت: اعذرني يا سيدي فإني غريبة لا أعرف أعيان العائلات ~~الفرنسية. ~~- اصبري يا سيدتي، فإن هذا المركيز قد اختفى ويظنون أنه قتل. # فظهرت عليها علائم نفاد الصبر، وقالت له: ماذا تهمني هذه الأمور؟ ~~- ألم أقل لك: إن المركيز كان صديق الفيكونت؟ ~~- حسنا وبعد ذلك؟ ~~- لقد كان للمركيز المختفي أو المقتول صديق آخر يدعى البارون هنري، ولإحدى النساء يد في ~~اختفائه بل في قتله على الأرجح. # فوقفت عند ذلك وقالت: يظهر لي أنك مختل الشعور، فحوادثك قد تراكمت حتى بت مكرهة لأسألك ~~إرجاءها إلى الغد. ~~- كلمة أيضا يا سيدتي قبل أن تطرديني، ثم وقف بينها وبين الباب كي يحول عدم خروجها، وقال: ~~هذه المرأة التي سببت قتل الفيكونت ومورفر قد ذكر ms1587 لي البارون هنري اسمها الحقيقي قبيل وفاته، ~~وهذه المرأة تدعى البستانية الحسناء؛ أي أنت يا سيدتي. # فتراجعت منذعرة إلى الوراء وقالت: من أنت أيها الرجل؟ ~~- أنا هو الرجل الذي سيريح الأرض من شرورك، وينتقم للموت بالموت، فذعرت البستانية حين رأت ~~الخنجر يلمع في يد مرميس. # 19 # وكان ذعر البستانية شديدا، فقالت له بصوت يتهدج: رحماك لا تقتلني. # ثم ضمت يديها وجعلت تنظر إليه نظرة المتوسل، فقال لها: ليس الفضول الذي جاء بي إليك، ولكني ~~أقسمت يمينا لا بد لي من البر بها ... ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أعلم. ~~- ماذا؟ ~~- إذا كنت حقيقة تلك المرأة الملقبة بالبستانية الحسناء. ~~- نعم أنا هي. ~~- إذن أنت تعلمين ما حدث للمركيز دي مورفر؟ # وركعت وقالت: لا تسألني عن هذا المركيز. ~~- بل أريد أن أعرف كل خفي من أمره، أو أقتلك في الحال شر قتل. # وكانت علائم الرعب بادية في وجهها حتى أيقن مرميس أنها باتت في قبضة يده، فقال لها: إننا ~~الآن في الغرفة، وفيها نافذة تشرف على الحديقة، فإن خطر لك أن تستغيثي قتلتك وهربت من النافذة ~~قبل أن يصل إليك أحد. # فعضت يديها من اليأس، ثم قالت: ولكن أسرار هذا المركيز ليست أسراري. ~~- سيان عندي، فقد أقسمت أن أعلم أين مات المركيز وكيف مات، ولا بد لي أن أعرف كل ~~شيء. # ولما تبينت هذه المرأة صدق العزم من لهجة مرميس، وعلمت من اتقاد عينيه أنه يقتلها لا محالة ~~إذا أصرت على الإنكار، قالت له: إن حكاية المركيز مورفر طويلة يا سيدي، وقد كتبتها بجملتها ~~ووضعتها في هذه الخزانة التي تراها، وهذا مفتاحها. # ثم أخرجت مفتاحا صغيرا كان معلقا في عنقها، فدفعته إليه وقالت: إذا كنت غير واثق بي ~~فافتحها بيدك. # فأخذ مرميس المفتاح وذهب إلى باب الغرفة وأقفله من الداخل، وعاد إلى الخزانة ففتحها، فقالت ~~له: ألا ترى درجا صغيرا في الجهة اليمنى؟ ~~- نعم. ~~- افتحه تجد فيه تلك الأوراق. # ففتحه دون حذر، ولكنه ما لبث أن فتح حتى خرج منه دوي شديد، وبرزت ms1588 من جوف الجدار المسندة ~~إليه الخزانة آلتان من الحديد امتدتا كالذراعين طوقتا بغتة مرميس، ثم انضمتا عليه فلم يعد ~~يستطيع حراكا. # وذلك أن هذه الخزانة كانت من تلك الخزائن التي اخترعوها للوقاية من اللصوص، فوضعت فيها تلك ~~الآلة السرية للقبض على السارق، وجعل الدوي للتنبيه إليه، فإذا فتح الدرج يضغط على لولب فيه ~~متصل بالآلة السرية، فيمتد الذراعان الحديدان ويلتفان على من يعثران به. # ويوجد كثير من الصناديق الحديدية التي توضع فيها أموال المصارف إذا فتحت على غير طريقتها ~~المعروفة خرج منها رصاصة قتلت السارق، غير أن خزانة البستانية الحسناء كانت آلتها معدة للقبض ~~على السارق والتنبيه إليه فقط دون أذيته. # ولما علم مرميس بالمكيدة وأحس بتلك الآلة الضاغطة صاح صيحة منكرة أجابته البستانية عليها ~~بقهقة الساخر. # وبينما هو يحاول التخلص من هذا القيد الشديد عبثا دنت منه، وقالت له: إنك أصبحت يا سيدي في ~~قبضة يدي، وبكلمة واحدة تخرج من فمي يقضى عليك، ولكني أشفق على شبابك وأسديك النصيحة نفسها التي ~~أسديتها إلى مونتيجرون من قبلك، وهي: «لا تتدخل في شئوني.» # ونظر مرميس إلى وجهها فوجد عليها علائم الهزء، ولكنه رأى عينيها تتقدان، وكان الخادم قد سمع ~~دوي الآلة فأقبل وطرق الباب، فقالت له البستانية من داخل الغرفة: عد إلى شأنك فلست محتاجة ~~إليك. # ثم ذهبت إلى النوافذ فأقفلتها إقفالا محكما، وأسدلت عليها الستائر ودنت من الجدار، فضغطت ~~على لولب، ففتح باب سري لم يره مرميس من قبل وخرجت منه. # وبقي مرميس وحده يحاول التخلص من قيده فلا يستطيع، وقد أنهكت قواه، ودخل الرعب قلبه، ثم رأى ~~نورا قد اتقد فجأة بالقرب منه، وجعل يخرج منه دخان أبيض كدخان تبغ فيملأ الغرفة، ثم يتكاثف ~~ويصبح كالغيوم المتلبدة. # وانذهل لهذا الدخان الفجائي ورآه يدنو وهو يحمل رائحة عطرية تملأ خياشيمه، ثم تكاثر الدخان ~~وأحاط به، فسر برائحته العطرية ووجد بها لذة عجيبة سكنت غضبه، وكان شأنه شأن من يعالج همه بشرب ~~الراح، فلا يشرب بضع كاسات حتى تنجلي الغمامة السوداء ms1589 عن مستقبله، ويراه بلون الورد إذ ينظر ~~إليه من خلال أقداح الخمر. # ثم جعل ذلك النور الذي رآه قد اتقد فجأة يضعف ويأخذ بالخمود حتى أصبح كالجمر، ثم انطفأ، ~~ولكن الدخان كان لا يزال يتكاثف، وهو يتنشق رائحته بملء الارتياح ويشعر بتخدير جسمه ~~تباعا. # وبعد ربع ساعة أطبقت عيناه، فأطلقت الآلة الحديدية سراحه وارتدت إلى موضعها، غير أنه لم ~~يخطر له الفرار في بال، وانطرح في أرض الغرفة، وجعل يتلذذ بتلك الرائحة العجيبة، وقد استرخت ~~مفاصله وانحلت قواه، ومع ذلك فقد كان يشعر أنه أسعد إنسان. # 20 # وكان مرميس في حالة سكر شديد تشبه حالة متعاطي الحشيش، فكانت عيناه مطبقتين، ولكنه لم يكن ~~نائما، بل كان يشعر بكل ما يجري حوله. # وقد حاول أن يقف مرتين فلم يستطع، ولكنه أفرغ جهده في المرة الثالثة، فمشى خطوتين وهو ~~يتمايل حتى وصل إلى الكرسي الذي كانت جالسة عليه البستانية، فسقط أمامها خائر القوى وعاد إلى ~~حالته القديمة. # ثم شعر فجأة أن الدخان قد تبدد، وشعر بنور جديد دخل إلى الغرفة، ففتح عينيه ولم ير شيئا، ~~ولكنه شعر أن جميع حواسه منصرفة إلى البستانية الحسناء، وأن تلك المرأة التي هجم عليها بخنجره ~~قد تمثلت له بجمال باهر يدهش الأبصار، فأغمض عينيه وقال: ما أجمل هذه المرأة! وكم يجب أن ~~تحب؟! # وعند ذلك سمع وقع خطوات في الغرفة، ففتح عينيه ورأى البستانية تدنو منه وهي تبتسم ابتساما ~~يفتن العابد، فجلست على الكرسي وهو منطرح تحت قدميها، وقالت: ألا تظن أنه يجب أن يحبني ~~الناس؟ ~~- نعم فإنك أجمل امرأة على الأرض، ولعلك هاربة من السماء. # فأخذت يده بين يديها، وقالت له بدلال: وأنت ألا تحبني؟ # فلم يدر ماذا يجيب، وحاول أن ينهض ويطوق عنقها بذراعه فلم يستطع الوقوف. ~~- أرى أنك تحبني، فكيف أحببتني؟ أما كنت منذ هنيهة عازما على قتلي؟ ~~- لا أعلم سوى أني أحبك، مري أطع فإني أصبحت من عبيدك ... # وطوقته البستانية بذراعيها، وقالت: إنك فتى جميل باسل تستحق أن تحل في قلبي، ولكني ms1590 أحب أن ~~أعلم لماذا تريد أن تنتقم لمونتيجرون؟ # وكأنما هذا الاسم قد أثر تأثير الكهرباء بمرميس، فاتقدت عيناه ببارق من الصواب، وحاول أن ~~يجمع هداه، لكن المخدر كان مؤثرا به شر تأثير، فقال: مونتيجرون من هو هذا الرجل، فإني لا ~~أعرفه؟! # وعلمت البستانية أن جسمه قد تخدر تماما ولا سبيل إلى الوقوف على الحقيقة منه، وعادت إلى ~~مداعبته والهزء به إلى أن أطبق عينيه، وطار فكره إلى عالم الأرواح. ~~••• # ولما استفاق مرميس من هذه السكرة وفتح عينيه شعر بهواء بارد، ورأى أنه كان نائما على أرض ~~رطبة، وتطلع إلى ما فوقه، ورأى السماء ملبدة بالغيوم، وأن الفجر قد انبثق، وكل ما كان يراه من ~~آثار البستانية قد زال. # وقد وجد نفسه مستلقيا على ظهره في أرض يبنون فيها منزلا، وقد رض جسمه، ووجد أن حواسه لا ~~تزال مضطربة من آثار ذلك الدخان الذي كان يستنشقه فأسكره تلك السكرة التي أضاعت رشاده. # ونهض وجعل يحرك أعضاءه حركات عنيفة كي يعيد إليها لينها العادي، ثم خرج من ذلك المكان الرطب ~~الذي نام فيه ليلته فافترش الأرض والتحف السماء. # وكان أثناء سيره يذكر ما مر به من الحوادث، فذكر قتل مونتيجرون والبارون هنري، ثم ذهابه إلى ~~البستانية الحسناء، وتلك الآلة الحديدية التي قبضت عليه وجعلته عاجزا عن الدفاع، ورائحة الدخان ~~العطرية، ونظرات تلك المرأة التي كان منطرحا تحت قدميها، فثار غضبه وهاج فؤاده وقال: إن هذه ~~المرأة قد عبثت بي كما عبثت بمونتيجرون، والبارون هنري، ودي مورفر، غير أني تلميذ روكامبول، ~~وسترى هذه الحسناء ما يكون مني. # وما مشى بضع خطوات حتى اهتدى إلى طريقه، فسار توا إلى منزل فاندا. # وكانت فاندا تنتظره بفارغ الصبر، فقالت له: كيف تأخرت إلى الآن؟ ألعلك نسيت كتاب ~~الرئيس؟ ~~- لقد أصبت؛ فقد كان موعد فتحه أمس في منتصف الليل، فاعذريني فليس الذنب ذنبي. # ثم جلس بقربها دون أن يخبرها بشيء مما جرى له، وفض ذلك الكتاب المحتوي على أوامر ~~روكامبول. # 21 # إن الغلاف الذي فضه مرميس كان ms1591 محتويا على رسالة وكراس ضخم، فوضع الكراس على حدة وقرأ ~~الكتاب، وهو كما يأتي: # يا أصحابي # إني بعد دقائق قليلة أكون قد برحت باريس إلى الهند، فإذا صدق حسابي عدت من تلك البلاد ~~بعد عامين، على أني إذا لم أعد فعليكم أن تنفذوا إرادتي فأصغوا إلي. # إنك يا فاندا كنت سيدة عظيمة، ثم هبطت إلى الحضيض قبل أن أعرفك. # وأنت يا مرميس كنت لصا سفاكا قبل أن ألتقي بك وأهديك. # وأنت يا ميلون، إنك الوحيد بيننا الذي لم ترتكب إثما فيما مضى من أيامك الطاهرة، ولكنك ~~أصبحت مثل رفيقيك شريكا لروكامبول الذي انقلب من الشر إلى الخير، ويجب أن تعمل ما ~~يعملانه. # إني عندما هربت من سجن طولون أيها الأصحاب علمت أن الله لم يطلق حريتي إلا على أن أنفق ~~كل ساعة من ساعات حياتي في صنع الخير استغفارا عن زلاتي، وأنتما يا فاندا ويا مرميس قد ~~أذنبتما مثلي وتبتما توبة صادقة مثلي، فوجب عليكما أن تضحيا حياتكما في سبيل الخير مثلي، ~~فإن حياتنا لم تعد لنا، بل لكل بائس منكود وشقي مظلوم. # إذن اسمعوا، إني بينما كنت أمس أعد معدات سفري جاءني كتاب دون توقيع، فقرأت فيه ما ~~يأتي: # إذا كان الرجل الذي يدعو نفسه روكامبول والماجور أفنتار لا يزال نصير المظلومين ~~وعدو الظالمين، فليتفضل بالحضور إلى شارع منيلمونتان نمرة 16 حيث يجد أتعس إنسان في ~~الوجود. # فلما تلوت الكتاب ذهبت مسرعا إلى ذلك الشارع، ولما بلغت المنزل أسرع إلي غلام صغير ~~هزيل تدل عيناه على الذكاء، وسألني: هل أنت يا سيدي الذي يدعونه روكامبول؟ ~~- نعم ... # إذن اتبعني فإن أمي كانت واثقة من حضورك. # ثم سار أمامي فتبعته إلى غرفة حقيرة في آخر دور من أدوار المنزل، ودخل الغلام إلى ~~الغرفة وقال: هو ذا روكامبول يا أماه! # ودخلت في أثره ووجدت سريرا خشبيا في زاوية الغرفة، وعليه امرأة صفراء الوجه هزيلة ~~الجسم تدل عيناها على الضنك، غير أن آثار الجمال النادر لا تزال بادية عليها. # وجعلت تلك المرأة تنظر ms1592 إلي وتبتسم، ثم مدت إلي يدها، وقالت: لم يكن عندي شك بحضورك، أما ~~أنا فقد خيل لي أني أعرف هذه المرأة منذ عهد بعيد، ولكني لم أذكرها، ولما رأتني أحدق بها ~~هذا التحديق قالت لي: إنك لم تعرفني، ولكني عرفتك، ألا تذكر الفيروزة يا روكامبول؟ (راجع ~~رواية التوبة الكاذبة). # فانذهلت وقلت: أنت هي الفيروزة؟ ~~- نعم إنك عرفتني منذ عشرة أعوام حين كان عمري 20 عاما. ~~- ولكن ماذا أصابك؟ وكيف بلغت إلى هذا الشقاء؟! ~~- إن حديثي طويل لا أستطيع أن أقصه عليك؛ لأني أشعر بدنو الأجل، لكني كتبت جميع ~~حكايتي. # ثم مدت يدها إلى تحت وسادتها، وأخرجت هذا الدفتر الذي ترونه في طي الغلاف، وأعطتني إياه ~~وقالت: أتعلم أني كنت آخر خليلة للمركيز «دي مورفر»؟ # فانذهلت انذهالا عظيما؛ لأني كنت عرفت اختفاء هذا المركيز، فابتسمت وقالت: لقد كنت ~~خاطئة كما كنت أنت، وارتكبت ذنوبا هائلة كما ارتكبت أنت، ولكني تبت توبتك، وبت أرجو ~~عفو الله ولا أبالي بالموت، ولكني مشفقة على هذا الصغير الذي أوصلك إلي. # ألعله ابنك؟ ~~- كلا، إنه يعتقد أني أمه، ولكنه ابن المركيز دي مورفر. ~~- ولكن المركيز دي مورفر قد اختفى. ~~- نعم ... ~~- ألعله قتل؟ ~~- كلا ... ~~- ولكنه مات ... ~~- كلا فإنه لا يزال حيا يرزق. ~~- إذن أين هو؟ وماذا جرى له؟ ~~- اقرأ هذا الدفتر تعلم منه كل ما تريد. ~~- وأعطتني الدفتر وقد اصفر وجهها وغارت عيناها، فقالت: إني واثقة من أني سأموت هذه ~~الليلة. ~~- بل تعيشين عمرا طويلا، وسأهتم بك كل الاهتمام. ~~- بل أقصر همك على هذا الغلام، أما أنا فإني سائرة إلى الأبدية، أما ترى الموت يجول بين ~~عيني؟ فأقسم لي بالله أنك تقرأ ما كتبته في الدفتر، وأنك تنتقم للمظلوم. # ولما أقسمت لها قالت: لقد أصبت باعتمادي عليك، ثم مدت يدها إلي شاكرة واغرورقت عيناها ~~بالدموع. # أما أنا فقد رأيت علائم الموت بادية بين عينيها، وأنها لا تعيش إلا بضع ساعات، ولكني مع ~~ذلك أحضرت لها طبيبا وممرضة، وقلت لها: إني سأعود صباح غد لأراك. # ثم خرجت من ms1593 عندها ومعي الدفتر. # وفي صباح اليوم التالي أعددت معدات السفر إلى الهافر، وذهبت لعيادة الفيروزة، ووجدت ~~أنها قد ماتت في الليل، وكان الغلام واقفا يبكي، فدفعت إلى بواب المنزل نفقات دفنها، وأخذت ~~الغلام إلى دير للراهبات في شارع البوسطة، فوضعته فيه، ودفعت عنه راتب ثلاثة أعوام مقدما، ~~وقيدت اسمه بدفاتر الدير باسم «مكسيم لوران» فقبلوه بهذا الاسم. # والآن إذا فتحتم كتابي بعد مضي عامين؛ أي إذا لم أعد من الهند قبل انقضاء هذه المدة، ~~فاعلموا أنه يجب عليكم أن تفعلوا ما عهد إلي بفعله، وإذا كنتم قد فتحتم هذا الكتاب، ~~فاعلموا أني قد مت في الهند، وخلفت لكم هذه المهمة إرثا تتقاسمونه على السواء، فاحذروا من ~~التهاون في قضائها، فإني أقسمت يمينا للفيروزة قبل أن تموت. # روكامبول # 22 # لما تلا مرميس كتاب روكامبول دفعه إلى فاندا، وقال لها: اقرئي. # فقرأته فاندا بصوت مرتفع أمام ميلون، فتحمس ميلون وقال: لنفعل ما يريده الرئيس. # فقال مرميس: أظن أني بدأت بإنفاذ أوامر الرئيس دون أن أعلم. # فقالت له فاندا: كيف ذلك؟! ~~- أصغيا إلي، فسأوضح ما قلت: إن هذا الكتاب الذي قرأناه الآن يدل على أن هذا الدفتر الذي لم ~~نقرأه بعد، خاص بالمركيز دي مورفر، وقد رويت لكم في العام الماضي حكاية اختفاء هذا المركيز، ~~وما كان له من التأثير. # ثم أزيدكما على ما تعلمانه أن صديقه مونتيجرون قد بذل جهده للوقوف على آثاره فلم يفز، وقد ~~قتل هذا المسكين أمس في مبارزة، والذي قتله صديق له يدعى البارون هنري. # فقالت فاندا: وما سبب المبارزة؟ ~~- إن مونتيجرون كان يهوى امرأة تكره البارون هنري. ~~- ومن هي هذه المرأة؟ ~~- هي تلك البستانية الحسناء التي وجدوا في منزلها، منذ ثلاثة أعوام، مثالا من الشمع يشبه ~~المركيز دي مورفر شبها عجيبا خدع به رئيس البوليس نفسه. ~~- إذن هذه المرأة مقيمة في باريس؟ ~~- نعم، وقد أنفقت جانبا من الليل بقربها. # ثم حكى لهما جميع ما اتفق له تلك الليلة مع البستانية الحسناء، التي انتحلت لنفسها اسم دون ~~روميو. ms1594 # ولما انتهى من سرد حكايته قال لفاندا: والآن فإني أستشيرك فيما يجب أن أفعله، فهل ينبغي أن ~~نقرأ هذا الدفتر الضخم؟ أم نستوثق قبل قراءته إذا كانت البستانية لا تزال في باريس؟! # فقالت فاندا: إني أرى الرأي الأخير أولى بالاتباع، فإننا نستطيع أن نقرأ الدفتر في كل ~~حين. # فقال عند ذلك مرميس لميلون: هلم معي لنغير زينا ونذهب إلى بيت البستانية. # وامتثل ميلون ودخل الاثنان إلى الغرفة، وبعد ربع ساعة خرجا منها وهما متنكران أشد التنكر، ~~بحيث إن فاندا نفسها أوشكت أن لا تعرفهما. # فقال مرميس: إن هذه الحسناء التي كنت عاشقها بالأمس إذا عرفتني بعد هذا التنكر لا أكون من ~~تلامذة روكامبول. # ثم سار مع ميلون إلى بيت البستانية، فقال له على الطريق: إنك ستقول في ذلك البيت الذي نحن ~~ذاهبان إليه أني ابن أخيك، وأني من الماهرين في سوق المركبات، وقد بلغك أن دون روميو محتاج إلى ~~سائق لمركباته، فجئت بي لإدخالي في خدمته، وفي خلال الحديث نعلم إذا كانت البستانية الحسناء ~~باقية في باريس أم لا. # وذهب الاثنان حتى وصلا إلى ذلك المنزل، فقرع مرميس بابه الخارجي ففتح الباب، واستقبلهما ~~الخادم وسألهما عما يريدان. ~~- بلغنا أن الدون روميو محتاج إلى سائق، أليس كذلك؟ ~~- لا أعلم. ~~- إني جئت كي أعرض عليه خدمة ابن أخي هذا، فإنه من حذاق الماهرين في هذه الصناعة. ~~- إن سيدي قد خرج الآن من المنزل على جواده. ~~- متى يعود؟ ~~- في الساعة الحادية عشرة. # وعند ذلك فتحت نافذة الغرفة المشرفة على الحديقة، وبرز منها وجه البستانية الحسناء، فرآها ~~مرميس، وقال لميلون بلغة اصطلاحية: هذه هي، فرآها مليون أيضا. # ثم خرج الاثنان وقالا للخادم: إننا سنعود حين عودة سيدك، ولما بعدا بضع خطوات عن المنزل قال ~~مرميس لميلون: يجب أن تبقى هنا لمراقبة المنزل. ~~- وإذا خرجت منه؟ ~~- اتبعها إلى حيث تسير فلا يفوتك أثرها، أما أنا فإني عائد إلى فاندا، ثم تركه ~~وانصرف. # وجلس ميلون فوق حجر ضخم على بعد عشرين خطوة من المنزل، فكان بابه ms1595 ظاهرا له بحيث لا يخرج ~~أحد منه دون أن يراه، ولبث على ذلك ساعتين، ورأى الخادم خرج كثيرا، فكان يغيب حينا ثم يعود ~~دون أن ينتبه إليه. # ثم رأى فارسا وصل إلى باب المنزل فترجل عن جواده، ودخل وقد تمعن به ميلون فوجده رجلا ~~قويا يبلغ الأربعين من العمر، أسمر الوجه، تدل ملامحه على أنه من الإسبانيين. # فلما رأى ميلون أنه دخل إلى المنزل ورآه ممتطيا جوادا، أيقن أنه دون روميو نفسه، فأقبل ~~إلى البواب ففتح له، وقال: إنك تريد أن ترى دون روميو؟ ~~- نعم، فإني أحب أن أعرض عليه خدمة ابن أخي. ~~- أين هو ابن أخيك؟ ~~- لقد طال عليه الانتظار، فأرسلته يتجول في باريس، ولكنه سيعود قريبا، فأرجوك أن تذكرنا ~~أمام مولاك. ~~- بل ستكلمه أنت، فإنه سيخرج قريبا مع السيدة، ألست أنت حوذيا كابن أخيك؟ ~~- نعم. ~~- إذا لم يكن لديك عمل فقد وجدت لك عملا. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن سائق مركبات سيدي مريض، والذي يسوق مركبته الآن يخشى منه، لا سيما وأن الجياد ~~قوية، فإذا جمحت لا يستطيع كبحها. # فقال ميلون في نفسه: إن مرميس أمرني أن أقتفي أثر هذه السيدة أين ذهبت، وهذه خير فرصة ~~لاقتفاء أثرها دون مشقة، ثم قال للخادم: إني اعتزلت هذه المهنة منذ عهد غير بعيد، ولكني سأعود ~~إليها راجيا أن تروق خدمتي لسيدك فيعين ابن أخي. ~~- إذن تعال معي إلى الإصطبل لإعداد المركبة، فامتثل له ميلون. # وبعد ساعة كان ميلون جالسا مجلس السائق في مركبة البستانية الحسناء وبقربه خادم، ثم أقبل ~~دون روميو والبستانية الحسناء وصعدا إلى المركبة. # فسأل ميلون الخادم: إلى أين يريدان الذهاب؟ ~~- إلى سانت مالديه، فإنهما استأجرا منزلا في الغابة للمصيف فيه، وأرسلت إليه العمال ~~لإصلاحه فهما ذاهبان لتفقد الأعمال. # فقال ميلون في نفسه: لم يبق سبيل للخوف من سفر هذه البستانية، وهي قد استأجرت منزلا ~~للمصيف. # وأطلق أعنة الجياد فانطلقت تنهب الأرض من شارع إلى آخر، حتى بلغ بها إلى منزل معتزل تحيط به ~~الأشجار من كل الجهات، أوقفه ms1596 الخادم عند بابه وقال: لقد وصلنا. # ثم نزل وفتح باب المركبة، فخرج منها دون روميو والبستانية، ودخلا إلى ذلك المنزل. # وكان بالقرب من ذلك المنزل حانة يختلف إليها العمال حين فراغهم، فأشار الخادم لميلون إليها، ~~وقال له: هلم بنا إلى هذه الحانة نشرب كأسا من الخمر، فإن سيدي لا يخرجان من المنزل قبل ~~ساعة. ~~- حبا وكرامة، ونزل ميلون من المركبة فتركها عند باب المنزل، وسار مع الخادم إلى الخمارة ~~فدخلا إليها. # وكانت تلك الخمارة مقفرة لا يوجد فيها غير صاحبتها وهي عجوز شمطاء، فطلب إليها الخادم ~~زجاجة بيرا، وجلس حول مائدة مع ميلون يشربان. # ولم يفرغا من شربها حتى دخل اثنان من العمال إلى الخمارة، ثم دخل عامل آخر، ثم تلاه اثنان ~~أيضا، فجلس جميعهم حول المائدة التي كان جالسا عندها ميلون والخادم. # وعند ذلك قامت تلك العجوز إلى باب الخمارة، فأحكمت إقفاله من الداخل، فداخل الريب قلب ~~ميلون، وقال لرفيقه: لماذا تقفل المرأة هذا الباب؟ ~~- سوف تعلم أيها الرفيق. # ثم أشار إشارة إلى أولئك العمال الذين دخلوا، فانقضوا فجأة على ميلون، وألقوه على الأرض ~~بالرغم عن دفاعه الشديد وقوته الهائلة. # 23 # وبينما ميلون قد وقع في الفخ، كما تقدم، كان مرميس قد ذهب إلى فاندا، وجعلا يقرآن دفتر ~~الفيروزة الضخم، وكان عنوان هذا الدفتر «الميت الحي»، وهو منقسم إلى أبواب وفصول كالكتب المعدة ~~للطبع. # ففتحه مرميس وبدأ يقرأ ما يأتي: # الفصل الأول من كتاب الفيروزة # في ليلة اشتدت أنواؤها من ليالي الشتاء الباردة سنة 1823، وقفت مركبة في شارع لوفوا، ونزل ~~منها رجل، وكان هذا الرجل متشحا برداء كبير، فدفع أجرة السائق وأطلق سراحه. # ثم سار في ذلك الشارع، وهو كلما سار خطوة يلتفت إلى الوراء، كأنه يخشى من يقتفيه إلى أن ~~اجتاز شارع لوفوا، ودخل في شارع شابانيس فوقف عند المنزل رقم 14 وطرق بابه. # ففتح له البواب ودخل في رواق مظلم انتهى منه إلى سلم. # وكان البواب نائما عند الباب، ففتحه دون أن ينهض عن مضجعه، وقال: من ms1597 الداخل؟ فلم يجبه ~~الرجل، واستمر في صعوده السلم، وحسب البواب أنه من سكان المنزل وأنه تأخر في أحد المراسح، ~~وتركه وشأنه وعاد إلى النوم. # أما الرجل فإنه حين انتهى من صعود السلم سار في رواق طويل إلى باب كان ينبعث منه نور ~~ضعيف. # وكان مفتاح الباب في قفله من الخارج ففتحه، ودخل إلى ردهة وجد في يمينها ويسرتها بابين، ~~ففتح أحد هذين البابين، ودخل منه إلى غرفة معدة للنوم، وسمع منها أنينا. # غير أن هذا الأنين انقطع حين سمع صاحبه وقع أقدام الرجل، ثم سمع هذا الرجل صوت امرأة تقول ~~بلهجة مضطربة تدل على الألم الشديد: أهذا أنت يا أرمان؟ # ولم يجب الرجل بحرف، ولكنه دنا من السرير الذي كانت المرأة نائمة فيه وأزاح ~~الستائر. # ولم يكن من نور في الغرفة غير نور اللهب المنبعث من المستوقد، ورأى الرجل على هذا النور ~~الضعيف امرأة تعض يديها، وعلى وجهها علائم الألم الشديد. # وعادت المرأة فقالت: أهذا أنت يا أرمان؟! ... ويلاه من هذه الساعة! فإني أحسبها ساعتي ~~الأخيرة، ثم جعلت تعض اللحاف كي تمتنع عن الصراخ. # أما الرجل فإنه خلع عنه الوشاح فجأة وكان يستر وجهه، فلما رأته المرأة ذعرت ذعرا أنساها ~~آلامها وصاحت صيحة منكرة ارتجت لها جوانب الغرفة. # غير أن الرجل لم يدعها تصيح غير هذه الصيحة، فضغط على عنقها بيده، وقال لها: إذا فهت ~~بكلمة واحدة قتلتك دون إشفاق. # وكان خوفها عظيما، حتى إنها نسيت ما هي فيه من آلام الولادة؛ لأن هذا الرجل الذي رأته لم ~~يكن أرمان الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر. # ولما رأت هذا الرجل وما كان منه جمد الدم في عروقها، وقالت له: أهذا أنت؟! # أما هو فإنه ذهب إلى الباب وأقفله من الداخل، وعاد إليها فقال بصوت الهازئ المتهكم: إني ~~أعلم شيئا من علم الطب والجراحة، وسأغنيك عن الطبيب الذي ذهب أرمان لإحضاره. # وقالت له: اقتلني كما تشاء؛ لأن ذلك من حقك؛ لأني خنتك وأنا امرأتك، ولكن لا تهزأ بي ~~بالله في هذه الساعة. ms1598 ~~- إني لا أهزأ ولا يدور المزاح في خاطري وأنا في هذا المقام، بل إني أعيد عليك ما قلته ~~لك، وهو أني ملم بفن الطب والجراحة، وسأنوب عن الطبيب الذي تنتظرينه كما سترين. ~~- أواه إني أقرأ بين عينيك صورة العقاب بموتي. # وأجابها ببرود: إنك مخطئة أيتها السيدة، فلا أريد لك الموت. ~~- أين أرمان ، ولماذا لم يعد؟! ~~- لأني قتلته، فهو لن يعود. # فاضطربت اضطرابا شديدا، ونهضت وهزت هزا عنيفا ذلك الرجل الذي كان زوجها فخانته، وأتت ~~تستر زلتها في بيت حقير، واتقدت عيناها بلهب الحقد، وجعلت تهزه وتقول له: تبا لك من قاتل ~~سفاك. # غير أنه لم يغضب لما سمعه من إقرارها، بل جلس على كرسي أمام سريرها، وقال بملء السكينة: ~~لقد عدت يا سيدتي اليوم من إسبانيا، ولم يعلم أحد من الناس بعد أني في باريس، وجميع الناس هنا ~~يحسبون أنك الآن مقيمة في أراضينا في نورمانديا ... # ثم إن زلتك لم يعلم بها أحد بعد، ولا يجب أن يدري بها أحد ويقول: إن الدوقة دي ~~فنسترانج خانت زوجها وولدت بالإثم والخيانة. # وهي خيانة يا سيدتي لا يعلمها غير ثلاثة في الوجود وهم: أرمان، وأنت، وأنا. أما أرمان فقد ~~قضى السهرة بقربك، ولما شعرت بقرب الولادة أسرع لإحضار الطبيب، لكني لقيته في الطريق قبل أن ~~يصل إليه وتصديت له، وقلت: إني عالم بكل شيء. # ففهم ما أردت وذهب معي إلى مكان معتزل، وتبارزنا ولقي الموت من حسامي جزاء بغيه، ولكنه ~~تمكن من أن يخبرني قبل مماته بما أنت فيه وأرشدني إلى مكانك. # بقي ذلك الخادم الذي أخبرني بسر خيانتك، لكني سأصحبه معي إلى إسبانيا، وهناك أتخذ ~~الاحتياطات اللازمة كي لا يعود، ولا يبقى من المطلعين على هذا السر غير أنا وأنت، فلا تروق لك ~~الفضيحة مهما صغرت نفسك بهذه الحياة، فلا تبوحي بسر تكون فضيحتك بعده أكثر من فضيحتي، وأما ~~أنا فإني رجل كثير الطموح إلى المعالي، فلا أشغل نفسي بالاهتمام بخائنة، وقد صغرت في عيني فلا ~~أتدانى إلى الانتقام منك، إذن ms1599 ثقي أني لا أقتلك. # وأنت الآن مقيمة في هذا المنزل متنكرة باسم غريب، فاتخذي ما تجدينه صالحا من الاحتياطات؛ ~~لتعودي غدا إلى قصرنا في شارع سانت دومنيك دون أن يعلم أحد شيئا. # وكان الدوق يقول لها هذه الأقوال بملء السكينة، غير أن تلك المرأة كانت قد اشتدت عليها ~~آلام الولادة فلم تفقه حديثه. # أما الدوق فقد كان عارفا بفن التوليد كما قال، فأخذ يعالج امرأته إلى أن ولدت في الساعة ~~الثانية من الصباح مولودا ذكرا، وأغمي عليها. # ولف الدوق الطفل بملاية السرير وخبأه تحت وشاحه وانصرف، فلما استفاقت الدوقة من ~~إغمائها لم تجد زوجها ولا ذلك المولود. # الفصل الثاني من كتاب الفيروزة # بعد شهر من هذه الحادثة الغريبة التي وردت في كتاب الفيروزة كانت فرقة من الجنود الفرنسية ~~تحتل قرية من جبال كاتولون تدعى أوجاكا. # وكان احتلالهم لهذه القرية إثر الحرب الثانية التي نشبت مع إسبانيا سنة 1823. # وكانت هذه الفرقة مؤلفة من فصيلتين من الفرسان بقيادة الكولونيل فنسترنج، وهو الدوق دي ~~فنسترنج الذي جرى له مع امرأته ما رويناه في الفصل المتقدم. # وكان هذا الدوق يناهز الثلاثين من العمر، شديد القوى، عرف بالقسوة، وقد خدم في روسيا ~~في عهد الإمبراطورية الأولى، وجرد السلاح على مواطنيه الفرنسيين، ولم يكن الجيش الفرنسي يميل ~~إليه، غير أنه كان معروفا بالشجاعة فلم ينكرها عليه أحد. # على أنه مع شجاعته كان ذكي الفؤاد حسن التدبير شديد الصرامة في تنفيذ النظام العسكري، ~~وإذا غلب لا يعرف قلبه الرحمة بالمغلوب. # وكان قد احتل قرية أوجاكا في الصباح، فأصدر أمره بإعدام اثني عشر رجلا من أهلها ~~اتهموا بإجراء حرب المناوشات ومشاكسة الفرنسيين، ولم يمهلهم غير يوم وليلة، فقبض على هؤلاء ~~المساكين، وزجوا في سجن مظلم كانت تتولى خفارته الجنود، إلى أن تحين ساعة الإعدام، وهي في ~~فجر اليوم التالي. # وكان بين هؤلاء الأسرى شيوخ وفتيان، حتى إنه كان بينهم غلام لا يتجاوز خمسة عشر ربيعا، ~~جاءت أمه باكية معولة، وانطرحت على قدمي الدوق تستعطفه ابنها، فرفسها هذا الدوق ms1600 الوحشي برجله، ~~وأمر أن يكون ابنها أول المقتولين. # وكان أيضا بين أولئك الأسرى رجل يناهز الأربعين، صبغت أشعة الشمس وجهه الأبيض بلون ~~الذهب، فصار يشبه وجوه العرب، وهو يدعى مينوس. # ومن صفات هذا الرجل أن عينيه كانتا تدلان على الجرأة والميل إلى الفتك، وهو عصبي المزاج، ~~أنوف، قليل الكلام، وقد انطرح في زاوية من السجن بعيدا عن رفاقه لا يكلم أحدا، وإذا كلموه ~~لا يجيب. # وحكايته أنه لم يكن من أولئك الإسبانيين الذين يدافعون عن بلادهم، ولم يكن أعداؤه تلك ~~الجنود الفرنسية، بل كان ربيب الجبال وعدو الهيئة الاجتماعية بأسرها والناس بجملتهم، فقد كان ~~من مشاهير زعماء اللصوص. # وكان السبب في أسره، أنه كان يهوى فتاة في تلك القرية، فكان يزورها في كل ليلة، ولم يكن ~~أحد من رجال عصابته يعتدي على القرية إكراما لها. # وكانت الفتاة قد أحبته أيضا حبا شديدا، ثم علمت أنه أحب سواها، فأضمرت له الشر وعزمت ~~على الفتك به، إلى أن حانت لها الفرصة يوم احتلال الفرنسيين لقريتها، فسقته مخدرا ممزوجا ~~بالخمر، وذهبت إلى قائد الفرقة فوشت به أنه من الخوارج. # فلما صحا وجد نفسه مقيد الرجلين، مكتوف اليدين، في سجن مظلم وبقربه كثير من الأسرى ~~المقيدين. # وقد علم كما علم بقية الأسرى أن موعد إعدامه عند الفجر. وكان جميع رفاقه قد ناموا في ~~الليل واستسلموا إلى الأقدار، أما هو فلم يغمض له جفن طول ذلك الليل. # وفيما هو يفكر في مصيره، فتح باب السجن ودخل إليه جنديان فرنسيان، وبيد أحدهما مصباح، ~~فأيقظ النائمين، وقال لهم: من منكم يدعى مينوس؟ # فانبرى له اللص قائلا: هو أنا، فماذا تريد؟ # فدنا منه الجندي ففك قيد رجليه، وقال له: قم واتبعنا. # فأجابه مينوس قائلا: إلى أين؟ ألعلكما تريدان شنقي قبل أن يطلع الصباح؟ ~~- كلا، ولكننا ذاهبان بك إلى قائدنا؛ لأنه يريد أن يراك. # فمشى مينوس بين الجنديين وهو موثق اليدين حتى وصلا إلى حيث يقيم الدوق فنسترنج، فدخل شامخ ~~الرأس، غير مكترث بما رآه من دلائل العظمة، فنظر ms1601 إليه الدوق، وقال: أتريد أن أعفو عنك؟ # فانذهل مينوس وقال: إني أريد العفو دون شك، إذ لم أقنط بعد من الحياة، ولكن لماذا تريد أن ~~تعفو عني؟ ~~- لأني محتاج إليك. ~~- قل إذن شروطك. # وكان يوجد في الغرفة التي كان فيها الدوق مهد فيه طفل لا يزيد عمره عن شهر، وهو الطفل ~~الذي ولدته امرأته، فأشار بيده إلى المهد، وقال لمينوس: انظر هذا الطفل، إنني أكرهه كرها لا ~~حد له حتى إني أريد له الموت، ولكني لا أحب أن أقتله. ~~- إذن تريد أن تعتمد علي. ~~- نعم، ولكن أصغ إلي. أتعلم ما أريد منك؟ وكيف أنك تشتري حريتك؟ ذلك أني أريد أن تأخذ ~~هذا الطفل إلى الجبل الذي تقيم فيه، فتربيه بين رفاقك اللصوص، وتأتي كل عام إلى بوسطة بايون، ~~وذلك في يوم عيد الميلاد، فتجد كتابا باسمك يحتوي على مائتي ليرة، نفقات الطفل. # فانذهل مينوس وقال: إذن لا تريد قتله؟ ~~- كلا، بل أريد أن تعلمه مهنتك وتجعله لصا مثلك، فقد يأتي يوم يحكم عليه فيه ~~بالشنق. ~~- وإذا نجا من المشنقة؟ ~~- إنك تأتي في كل عام إلى البوسطة، فتقبض النفقات التي أرسلها إليك إلى أن يبلغ هذا الطفل ~~20 عاما فيأتي ويجد كتابا باسمه. ~~- رضيت وسأفعل ما تريد. ~~- أتقسم لي على الوفاء؟ ~~- أقسم بما تشاء. ~~- حسنا، فخذ الطفل، وسأرسل معك بعض الجنود كي يخفروك إلى الجبل. # ثم نادى أحد الضباط، فأمره بإرسال مينوس والطفل مخفورين إلى الجبل، وبعد ساعة برح مينوس ~~تلك القرية، وهو يحمل بيديه ذلك الطفل الذي ولدته امرأة الدوق دي فنسترنج، وبلغ أمر اختفائه ~~جميع أهل باريس. # الفصل الثالث من كتاب الفيروزة # مر على هذه الحادثة 14 عاما، والغلام يربى بين عصابة مينوس. # وكان ذلك في عام 1837؛ ففي أحد أيام فبراير من هذا العام، كانت مركبة بوسطة قادمة من ~~بيون، فوصلت في الصباح إلى قرية أوجاكا التي تقدم ذكرها. # وكانت سياسة البلاد قد تغيرت في هذا العهد، فوضعت الحرب الأجنبية أوزارها، ونابت منابها ~~الحروب الداخلية، فانقسم الإسبانيون قسمين: قسم ms1602 تحزب للدون كارلوس وأراده ملكا على الإسبان، ~~وقسم مال إلى تأييد الملكة إيزابيل، ولكل من الحزبين زعيم شديد يدفع البلاد في تيار الحرب ~~الأهلية. # ولذلك كان السفر في إسبانيا شديد الخطر على المسافرين، فلما وصلت المركبة إلى أوجاكا دنا ~~منها أحد الضباط، وأزاح ستارها فوجد فيها امرأة ناحلة مصفرة يظهر أنها مصدورة، وبقربها غلام ~~يبلغ الخامسة عشرة، وعلى الاثنين دلائل النعمة والترف. # فسأل الضابط تلك السيدة عن البلدة التي تسافر إليها، فقالت له: إني أدعى المركيزة دي ~~مورفر، وهذا ولدي يدعى بعد قتل والده: المركيز غوستاف دي ~~مورفر - هو ذلك المركيز نفسه الذي تقدم خبر اختفائه في أول ~~هذه الرواية - ونحن مسافران يا سيدي إلى قاديس للاستشفاء بهوائها من دائي كما وصف لي ~~الأطباء. ~~- إني أدعو لك بالشفاء العاجل يا سيدتي، غير أن الطريق غير آمنة، وسأعطيك جوازا يقيك ~~اعتراض الجنود، غير أني لا آمن عليكما مكر اللصوص في الجبال، إذ لا بد لكما من اجتيازها، ومن ~~يمر بها لا يسلم من قبضة مينوس إلا بفدية عظيمة. # فاصفر وجه المركيزة، وظهرت عليها دلائل الخوف، ورأى ولدها علائم خوفها، فاتقدت عيناه، ~~وقال: ما بالك خائفة يا أماه وأين أنا؟! ألا أستطيع أن أحميك؟! # فتنهدت وقالت: لا أنكر بسالتك يا بني، ولكن ما عساك أن تصنع مع عصابة لصوص؟! # ثم استأنفت الحديث مع الضابط، وقالت: من هو مينوس هذا؟ وكيف السبيل لاتقائه؟ ~~- إنه يا سيدتي زعيم لصوص هائل، وقد عقد حزبنا اتفاقا معه، فهو لا يعتدي على جنودنا، ~~ونحن لا نخفر المسافرين إلى الجبال التي يقيم فيها. ~~- وإذا وقعنا في شركه فهو يطلب فدية كما تقول؟ ~~- نعم، ولكنها فدية جسيمة؛ فهو لا يقنع بالقليل. ~~- وإذا عجزت عن دفعها؟ # فأطرق الرجل برأسه دون أن يجيب، وكان جندي واقفا معه يسمع الحديث، فقال: من لم يدفع ~~الفدية يا سيدتي يقتل دون إشفاق. # فنزلت المركيزة مع ولدها من المركبة إلى الفندق الذي وقفت أمامه وهي مفكرة مهمومة، وكانت ~~صاحبة الفندق علمت بأمرها، فدنت منها وقالت ms1603 لها بصوت منخفض: إنك إذا بت يا سيدتي هذه ~~الليلة في فندقي فقد أرشدك إلى طريقة تنقذك من هذه الأخطار. # فرضيت المركيزة شاكرة، وأقامت يومها في غرفتها ولم تخرج منها. # ولما أقبل المساء، وترصعت سماء تلك القرية بالكواكب اللامعة، تفرقت الجنود، ولم يبق في ~~ذلك الفندق غير صاحبته والمركيزة وابنها وبعض الخدم. # وعند ذلك دخلت صاحبة الفندق إلى غرفة المركيزة، وقالت لها: لقد وعدتك يا سيدتي أن أسهل لك ~~سبل الوصول إلى قاديس دون خطر، وها أنا سأفي بوعدي. # ففرحت المركيزة، وقالت: كيف ذلك؟ ~~- إننا في هذه القرية يا سيدتي نحب اللصوص، فإن زعيمهم مينوس لم يسئ إلينا بشيء. # وكانت صاحبة الفندق جميلة وهي في ريعان الشباب، فأدركت المركيزة قصدها وابتسمت، فقالت ~~الفتاة: إن هؤلاء اللصوص لا يأتون إلى قريتنا في النهار، بل يأتون في الليل للادخار والتموين، ~~فيتغاضى الجنود عنهم لما بين الفريقين من الاتفاق. ~~- نعم لقد عرفت أمر هذا الاتفاق من الضباط. ~~- وإن بيدرو يأتي كل ليلة إلى هذا الفندق. ~~- من هو بيدرو هذا؟ ~~- هو نائب الزعيم مينوس في رئاسة العصابة، وإن الزعيم يحبه كما يحب الغلام برديتو. ~~- ومن هو برديتو؟ ~~- هو غلام تبناه مينوس منذ 14 عاما. # فالتفت المركيز إلى أمه، وقال لها باحتقار: أيكون لهؤلاء اللصوص أولاد كسائر ~~العائلات؟ # فنظرت إليه أمه نظرة الموبخ، وعادت صاحبة الفندق إلى الحديث، فقالت: لا بد أن يأتي بيدرو ~~هذه الليلة، ومتى أتى طلبت إليه أن يحميكما فيفعل. ~~- أنستطيع عند ذلك اجتياز الجبل آمنين؟ ~~- إذا وعد بيدرو بحمايتكما فلا خطر عليكما، وسأحمله على أن يعد، صبرا إن زمن حضوره قد ~~دنا. # وبعد هنيهة سمعت صاحبة الفندق وقع حوافر جواد، فاحمر وجهها وقالت: هو ذا قد حضر. # ثم أخذت مصباحا ووضعته على النافذة، إشارة إلى أنه يستطيع الدخول إلى الفندق. فلم يمض ~~زمن وجيز حتى فتح باب الغرفة ودخل منه هذا اللص. # وكان هذا اللص فتى يبلغ الثلاثين من العمر، رشيق القوام، حلو الشمائل، تدل عيناه على ~~السلامة، وعلى أنه لم ms1604 ينخرط في سلك اللصوص إلا لأسباب أكرهته على امتهان هذه المهنة السافلة، ~~ولما رأى المركيزة وابنها قطب حاجبيه، ولكنه ما لبث أن ارتاح لرؤيتهما لما رأى عليهما من ~~مخائل النبل والدعة. # أما صاحبة الفندق فإنها خرجت به من تلك الغرفة وتداولت معه هنيهة، ثم عادت إلى المركيزة ~~وقالت لها: إن بيدرو رضي يا سيدتي أن يتولى حمايتكما، وأقسم لي على الوفاء بالقديس يعقوب حامي ~~إسبانية، لكنه يقول: إنه يجب أن تسافرا الآن؛ لأن الزعيم مينوس عازم على الغارة على الضواحي ~~عند الفجر. ~~- أية علاقة لغارته بسفرنا؟ ~~- ذلك لأنك لا تستطيعين اجتياز الجبل آمنة إلا بجواز من مينوس، ويريد بيدرو أن يدركه قبل ~~الفجر للحول على هذا الجواز. # فوافقت المركيزة على السفر، ونفحت صاحبة الفندق بمبلغ من المال جزاء إخلاصها، وبعد حين ~~سارت المركبة بها وبولدها وهي واثقة ملء الثقة بيمين هذا اللص. # الفصل الرابع من كتاب الفيروزة # وسارت بهم المركبة، فكانت المركيزة وابنها جالسين في داخلها، وبيدرو جالسا بجانب ~~السائق. # وبينما كانت المركبة تسير في ظلام الليل في تلك الطرق المقفرة دار بين المركيزة وابنها ~~الحديث الآتي، فقال المركيز: إنني قد بلغت السادسة عشرة من عمري وصرت رجلا، أليس كذلك يا ~~أماه؟ # فتنهدت والدته وقالت: نعم يا بني. ~~- إنك تستطيعين الآن أن تخبريني بكل شيء. # فبدت عليها علائم الاضطراب، وقالت: ماذا تعني بهذا القول؟ ~~- أحب يا أماه أن أعرف ... # أريد أن أعرف كيف مات أبي؛ لأني حين كنت صغيرا وكنت أسأل يجيبونني أنه في الجيش. ~~- وهو كذلك يا بني، فقد كان ضابطا في الجيش. ~~- وبعد ذلك قيل لي إنه قد مات. ~~- وهذا أكيد أيضا. ~~- ولكن كيف توفي؟ # فتنهدت المركيزة وسكتت، فقال لها بلهجة احترام: بالله لا تخفي الحقيقة عني يا أماه، ~~فقد علمت أن أبي قتل غدرا، وإنما أقول غدرا؛ لأن الأطباء وإن كانوا قرروا أنه قتل بضربة ~~سيف، غير أننا لم نعثر على الشهود ولا الخصم، وأنا أنتظر يا أماه أن أعرف الحقيقة منك؛ لأنك ~~تعلمينها دون شك. # فتنهدت ms1605 والدته أيضا وقالت: إن دائي قد استفحل يا بني، وأنا أعلم أن ساعات حياتي باتت ~~معدودة، وكنت أنتظر إلى أن تبلغ العشرين من عمرك لأبوح لك بهذا السر، غير أني لا أعيش وا ~~أسفاه إلى ذلك اليوم، ولا أجد بدا من الإباحة لك بالسر. ~~- تكلمي يا أماه، فإني لا أبلغ غير الخامسة عشرة من عمري ، ولكني أعد نفسي في مصاف الرجال، ~~ولا بأس من إطلاعي على الحقيقة قبل الأوان. ~~- إني يا غوستاف أبكي أباك منذ أربعة عشر عاما، وكنت أعبده عبادة مع أنه كان مسيئا إلي، ~~واعلم يا بني أنك ولدت بعد أن مضى على زواجنا عامان، كنا في خلالهما أسعد خلق الله، ~~لتبادل الحب بيننا، وكنا نحيا كالحمامتين في قصرنا في مورفان، وكنا نحسب حدائقه جنات ~~أعدت لنا. # ثم انتهت أجازة أبيك، فعاد إلى منصبه في الجيش، وعدت معه إلى باريس، فما مر بنا ثلاثة ~~أشهر حتى أصبحت أتعس امرأة في الوجود؛ ذلك أن امرأة أخرى جذبت فؤاد أبيك وحلت في قلبه ~~مكاني. # ودام ذلك نحو عام وأنا مقيمة حول مهدك، متآسية بقربك، لا أراك تبتسم لي حتى أتوجع لشفاء ~~أبيك، وكان لا يجيء إلى المنزل إلا في آخر الليل، ثم انقطع عنه عدة أسابيع لم أره فيها ~~مرة. # وفيما أنا ساهرة ذات ليلة، وقد ثارت هواجسي لاحتجابه، وبزغ الفجر وأنا جالسة أبكي قرب ~~مهدك، سمعت طرق الباب الخارجي فأوجست شرا، وقلت: من عساه يجيء في هذه الساعة؟ # ثم أسرعت إلى النافذة المطلة على الباب فرأيت البواب يفتحه، ثم رأيت جنودا يتقدمهم بوليس ~~دخلوا بعده، وتلاهم أربعة رجال يحملون جثة وضعوها فوق محمل، وكانت الجثة جثة أبيك. # وهنا لا أذكر لك ما أصابني من اليأس، فسألت البوليس عن القاتل، فقال: إنه لا يدري، وذهبت ~~إلى الملك وانطرحت على قدميه، والتمست منه إجراء التحقيق فأصدر أوامر مشددة، وبحث البوليس ~~ثلاثة أشهر فلم يهتدوا إلى القاتل. # غير أن رئيس البوليس جاءني مساء يوم، وقال لي: إن زوجك يا سيدتي لم يقتل ms1606 غيلة، بل أثر ~~مبارزة. ~~- ومن كان خصمه؟! ~~- زوج المرأة التي كان يهواها. # فقال المركيز: لكن ألم يخبرك رئيس البوليس عن اسم هذا الرجل؟ ~~- كلا؛ لأنه أبى أن يخبرني، لكني عرفته من سواه. ~~- بالله إذن اذكريه لي. # وفيما كانت تحاول إخباره، إذ وقفت المركبة فجأة، وأحاط بها كثيرون من لصوص الجبال وجميعهم ~~مسلحون. # وكان هؤلاء اللصوص قسما من عصابة مينوس، والمكان الذي وصلت إليه المركبة محطتهم ~~الأولى، فلما عرفهم بيدرو وثب من المركبة، وأسرع إليهم قبل أن يطلقوا نيرانهم، فعرفهم بنفسه، ~~فامتثلوا له وأذنوا للمركبة بمواصلة السير، فاطمأنت المركيزة وعادت إلى حديثها، فقالت لابنها ~~ما يأتي: مر على مقتل أبيك يا بني خمسة أعوام، ففيما أنا مقيمة في قصرنا في باريس ذات يوم، ~~جاءني خادم عجوز بيضت السنون شعره، وقال لي: يوجد يا سيدتي امرأة على فراش الموت، تحب أن ~~تراك قبل وفاتها، لأمر خطير. # وتفرست في وجه الخادم فرأيت علائم السلامة تجول بين عينيه، فقلت له: من تكون هذه ~~المرأة؟ ~~- لا أستطيع أن أذكر لك اسمها، وإنما تريد أن تستغفر منك قبل الموت! ~~- أين هي؟ ~~- في بيت قريب من هنا إذا شئت يا سيدتي سرت بك إليه. # وكان يتكلم بلهجة المتوسل المستعطف، ودلائل الصدق بادية في حديثه، فما وسعني إلا الامتثال ~~له، لا سيما وقد خطر لي أن هذه المرأة قد تكون هي التي سببت قتل أبيك؛ لأنها تقول: إنها تريد ~~أن تستغفر مني، ولم يسئ إلي أحد سواها. # فأمرت الخادم أن يسير أمامي، وتبعته حتى وصلنا إلى ذلك المنزل، ففتح بابه بمفتاح كان معه، ~~ودخل بي إلى منزل كبير سرنا به من رواق إلى ردهة، فانتهينا إلى غرفة أدخلني إليها ~~وانصرف. # ورأيت في تلك الغرفة امرأة مضطجعة فوق سرير، فكانت آثار الجمال بادية عليها، غير أن دلائل ~~قرب الموت كانت ظاهرة على وجهها المصفر. # فلما رأتني اتقدت عيناها كأنما قواها قد عادت إليها، وقالت لي: حسنا فعلت يا سيدتي ~~المركيزة بقدومك إلي؛ لأني أنا هي تلك المرأة التي كان ms1607 يهواها زوجك، وأنا الدوقة دي ~~فنسترنج. # فنظرت إلى تلك المرأة التي كانت السبب في قتل أبيك نظرة شفت عما في قلبي من الاحتقار، ~~وكأنها أدركت معنى هذه النظرة، فقالت لي: رحماك لا تنظري إلي هذه النظرات، إني على فراش ~~الموت. # فتهيبت هذا الموقف وزالت من قلبي آثار الضغينة، فمددت يدي إلى يدها، وقلت لها: إني غفرت ~~لك فموتي بسلام وعسى أن يغفر الله لك. # فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: أشكرك خالص الشكر يا سيدتي، ولكني لن أموت قبل أن أطلعك ~~على سر هائل. ~~- تكلمي يا حضرة الدوقة إني مصغية إليك. # ثم دنوت منها لما رأيت من خفوت صوتها؛ كي لا أحملها مشقة الكلام، فقد كان صوتها خفت ~~وتجمعت كل دقائق حياتها في عينيها. # واعترفت لي عند ذلك بكل ما حدث، وقالت: إنه حين سقط المركيز قتيلا من سيف الدوق فنسترنج، ~~كانت تعاني آلام الولادة في منزل استأجرته خاصة لستر زلتها، وجاءها زوجها بعد ساعتين، وولدت ~~بحضوره غلاما هو في الحقيقة ابن المركيز دي مورفر لا ابن زوجها الدوق، فهو يا بني أخوك من ~~أبيك. # فارتعش المركيز وقال: إذن لي أخ؟ # فأجابته أمه: لا أعلم إذا كان لا يزال حيا، أو أنه بات من الأموات؛ لأن الدوقة لم تكن ~~تعلم حقيقة أمره قبل وفاتها؛ لأنها عندما ولدته أغمي عليها، ولما استفاقت من إغمائها لم تجد ~~زوجها، ولم تجد الطفل، وقد طالما سألت زوجها الدوق عن الطفل فلم يجبها بحرف. # واتقدت عينا المركيز بأشعة الغضب، وقال: أرجو على الأقل أن يكون هذا الدوق باقيا في قيد ~~الحياة. ~~- دون شك، وفوق ذلك لقد ترقى في مراتب الجندية حتى بلغ إلى رتبة جنرال. ~~- ليكن مارشالا إني لا أدعوه إلا بقاتل أبي. ~~- هو ذاك يا بني. إن أباك قتل دون أن ينتقم له أحد. ~~- سأكون أنا هذا المنتقم، يا أماه، وإني أقسم لك على ذلك بتربة أبي. # وفيما هو يقسم هذا القسم وقفت المركبة لإحاطة اللصوص بها في محطة، فأسرع إليهم بيدرو ~~وعرفهم بنفسه، وتابعت المركبة ms1608 سيرها، لكنها عادت إلى الوقوف بعد ربع ساعة. # وفي هذه المرة دنا من المركبة أحد هؤلاء اللصوص، ففتح بابها وقال باللغة الإسبانية: من ~~أنتم؟ # وقد انعكست أشعة مصباح المركبة على وجهه، فلم تلبث أن رأته المركيزة حتى صاحت صيحة دهش ~~ممتزجة بالرعب، وذلك أن هذا الوجه الذي رأته كان وجه غلام في الرابعة عشرة من عمره، أسمر ~~الوجه، أسود الشعر، براق العينين، وكان يشبه ولدها المركيز شبها عجيبا لا يتفق إلا بين ~~الأخوين. # وكذلك الغلام فإنه لما رأى المركيز صاح مثل تلك الصيحة؛ لأنه رأى ما رأته المركيزة من ~~الشبه العجيب. # الفصل الخامس من كتاب الفيروزة # كان مينوس قد شاخ لتقدم الأيام به وابيض شعره، ولكن رونق الشباب كان لا يزال جائلا بين ~~عينيه، ولا يزال لصوته الرنان لهجة السيادة؛ لأنه يتولى منذ 20 عاما السيادة المطلقة على ~~الجبل. # فكان الإسبانيون بجملتهم يخافونه، حتى قواد الأحزاب، فكان كل منهم يخطب وده كي يضمه إليه ~~ويستعين بعصاباته على خصمه، فتردد مدة طويلة في الأمر، ثم قرر أن يكون مستقلا. # ومن أقواله المأثورة في هذا المعنى: إن الملوك لا يستحقون أن نقاتل لأجلهم، وإن مهنة نهب ~~المسافرين أشرف من مهنة القتال من أجل الملوك، فبقي لصا مع افتخاره بأن الملوك تكاتبه ~~وتسترضيه. # وكان في جباله يشبه الملوك في عواصمهم؛ إذ كان له بلاط وحاشية وأعوان. # وكان في عهد شبابه كثير الشغف بالنساء وله في كل قرية حظية، وقد اتفق مرة أن عصابته عثرت ~~بستة من البدو وأربع نساء من البدويات بينهن فتاة في الرابعة عشرة من عمرها وفتاة في العاشرة، ~~فقتل الرجال الستة وتزوج إحدى المرأتين على الطريقة النورية وهي كسر الإبريق، وأمر رجاله أن ~~يقترعوا على المرأة الثانية. # أما الفتاتان فإنه أنعم بواحدة منهما على نائبه بيدرو، فأبى قبولها مدعيا أنه مولع بحب ~~سواها، فاتخذها الزعيم لنفسه، وأدخل في ذلك الجبل مبدأ تعدد الزوجات، أما الفتاة الصغيرة التي ~~عمرها 10 أعوام فإنه جعلها خطيبة لبرديتو، ولنذكر الآن من هو برديتو. # يذكر ms1609 القراء تلك الليلة التي كان فيها مينوس سجينا في قرية أجاكا يتوقع تنفيذ إعدامه عند ~~الفجر، وكيف أن جنديين أتيا به إلى الدوق دي فنسترنج، فأعطاه طفلا وعهد إليه أن يربيه مقابل ~~إنقاذه من الإعدام. # وكان برديتو ذلك الطفل، فتبناه مينوس وكان يذهب في عيد الميلاد من كل عام إلى بوسطة ~~بايون، فيجد كتابا باسمه وفي طي الكتاب نفقة هذا الغلام التي كان يرسلها الدوق. # وقد وفى الدوق بما وعده به من إرسال النفقة، وكذلك مينوس فقد أبر بيمينه، وربى ~~الغلام كما أراد الدوق، فقد قال له حين دفعه إليه: أريد أن تجعله لصا مثلك، فجعله كما أراد ~~ولم يخل بشيء من الوصية. # وأفضى الأمر بمينوس أنه بات يحب برديتو كابنه، وعلمه جميع أسرار مهنته بإخلاص، فشب ~~الغلام على القسوة والجرأة، وما بلغ ال 14 من سنيه حتى فاق معلمه. # وكان حين يقضي مينوس بقتل أسير لم يدفع الفدية، يبادر برديتو إلى مينوس ويلتمس منه أن ~~يأذن له بقتله، إذ كان يجد لذة عظيمة بسفك الدماء. # وكانت تلك الفتاة النورية التي جعلها مينوس خطيبة لبرديتو فتاة متوقدة الذهن، بارعة ~~الجمال، تدعى روميا، وكانت معجبة بخطيبها كل الإعجاب، حتى إنها كانت تصحبه في غزواته، ~~وتبدي من دلائل التفنن والدهاء على حداثة سنها، ما يدل على أنها خليقة بهذا اللص وأنه أهل ~~لها، فكان مينوس يحب الخطيبين حبا مفرطا؛ لاعتقاده أنهما زرع يده وأنهما يدعيان إلى ~~المباهاة. # وكثيرا ما كان يتفق أن مينوس يضطجع في ظل شجرة، فتجلس روميا عند قدميه وتنشد له أناشيد ~~البدويات حتى ينام متلذذا بصوتها الرخيم. # لذلك كان برديتو وروميا الوحيدين بين أهل العصابة الحائزين على ثقة الزعيم وحنوه، فكانا ~~يدلان عليه كل الإدلال، ويحكمان في ذلك الجبل كما يريدان دون أن يرد لهما حكم. # ففي تلك الليلة التي كانت فيها المركيزة تجتاز الجبال مع ولدها في مركبة بحماية بيدرو، ~~كان مينوس جالسا بظل شجرة يعد خطة غزو ضيعة مجاورة وأسر شيخها طمعا بثروته، فاختار من ~~رجال العصابة ms1610 من يصلح لهذه الغزوة، وأمر نائبه بيدرو الذي كان يذهب كل ليلة إلى ضيعة أجاكا أن ~~يعود قبل الصباح. # وقبل الصباح كان مينوس قد صحا من رقاده، وجعل ينتظر عودة بيدرو، فجاءه برديتو وهو تام ~~العدة والسلاح، فقال له مينوس: لماذا تأهبت هذا التأهب؟ ألعلك تريد أن ترافق الغزاة؟ # وكانت روميا واقفة بجانبه، فقالت: وأنا أذهب معه. # فحاول مينوس أن يمنعها قائلا: إنه قد تحدث معارك أخاف عليك فيها؛ إذ لا بد من تبادل ~~إطلاق الرصاص. # فاتقدت عيناها وقالت: إنه مشهد جميل، وهذا جل ما أتمنى أن أراه. # وقال برديتو: ألا تصحب اللبوة الأسد يا أبي في طلب القنص؟! ~~- إذن اذهبا يا ولدي وكونا حذرين. # فذهب الاثنان، وبعد ذلك بربع ساعة عادت روميا وحدها إلى مينوس، وكانت عيناها متقدتين ~~بلهب، وشعرها منبوش تعبث به الرياح وعليها علائم الهياج الشديد. # فاضطرب مينوس عندما شاهدها، وقال لها: ما هذا الهياج؟ ولماذا عدت وحدك؟ ~~- إن برديتو وبيدرو يتخاصمان. ~~- لماذا؟ ~~- لأن بيدرو يريد حماية امرأة وغلام عثرنا بهما في مركبة، وإن برديتو يريد قتل أحدهما ~~فيمنعه بيدرو. ~~- لماذا يريد قتله ألعله لم يدفع الفدية؟ ~~- كلا، إنه لا يريد قتله لهذا السبب ... ~~- إذن لماذا يريد قتله؟ ~~- لأن الغلام المسافر يشبهه شبها عجيبا، ثم قالت بكبرياء: ويحق لبرديتو أن لا يشبهه أحد ~~من الرجال. # فارتعش مينوس لذكر هذه المشابهة، وقال: هلمي معي إلى محل الحادثة، فإني أريد أن أتحقق ~~بنفسي. # الفصل السادس من كتاب الفيروزة # لما وصل مينوس إلى حيث كانت المركبة دهش دهشا عظيما لما رآه من التشابه بين المركيز ~~وبين برديتو، ولم يشكك في أنهما أخوان. # وقد رأى الاثنان ينظر كل منهما إلى الآخر نظرات العداء والحقد، ويحاول الهجوم على خصمه لو ~~لم يكن بيدرو حائلا بينهما يمنع الخصام، والمركيزة واقفة تضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح، ~~وهي لا تدري ما يكون. # وكان برديتو يقول للمركيز: بأي حق أيها الكلب الفرنسي تشبهني؟ # فيقول المركيز: لا أعلم أي اتفاق سيئ جعل بيننا هذا الشبه، ولكني ms1611 أمنعك أن تمد يدك ~~إلي. # ولم يكن للمركيز سلاح غير نظراته، ولكن هذه النظرات الدالة على الغضب والاحتقار كانت تهيج ~~برديتو كل الهياج، ولولا بيدرو لأطلق عليه النار. # وكانت المركيزة تتوسل إلى ابنها أن يعود إلى المركبة، فيجيبها بيدرو ويقول: لا تخشي يا ~~سيدتي، فقد وعدتكما بالسلامة، ووعدي مقدس لا ينكث. # وعند ذلك دخل مينوس بين اللصوص، وقال : ما بالكم وماذا جرى؟! # وابتعد اللصوص حين سمعوا صوت زعيمهم بملء الاحترام حتى إن برديتو نفسه انقطع عن إنذار ~~المركيز. # فتقدم بيدرو وقال: إني وجدت يا حضرة الزعيم في قرية أجاكا هذه السيدة وابنها وهي مريضة ~~كما تراها، وصف لها الأطباء الذهاب إلى قاديس استشفاء بهوائها، وقد أخذت جوازا من زعيم حزب ~~دون كارلوس ومن زعيم حزب الملكة إليزابيث غير أنها لا تستطيع اجتياز الجبال إلا بإذن ~~منك. # فقال مينوس: ألعلك توليت حمايتها؟ ~~- نعم ... ~~- أتعهدت لها بحمايتها؟ ~~- نعم يا حضرة الرئيس، وأقسمت لها. # فنظر الزعيم إلى برديتو نظرة تأنيب، وقال: يجب احترام العهود يا ابني. # فتراجع برديتو منخذلا صاغرا، ولكنه التفت بعد أن تراجع بضع خطوات وتهدد المركيز بنظرات ~~هائلة، فأجابه المركيز بنظرة احتقار. # أما مينوس فإنه دنا من المركيز، وقال لها: اطمئني يا سيدتي، فإن نائبي قد تعهد بحمايتك، ~~وستخرجين من هذا الجبل آمنة كما دخلت إليه. # فانحنت المركيزة شاكرة، وعاد مينوس إلى التأمل بالمركيز، فقالت له المركيزة: أراك تعجب ~~نفس إعجابي لما تراه من الشبه بين الغلامين، فهل هذا الغلام ولدك؟ ~~- كلا ... ~~- من أين أتى إليكم، وكيف اتفق وجوده بينكم؟! ~~- ذلك سر يا سيدتي لا أستطيع الإباحة به، وقد تعهدت بكتمانه للرجل الذي عهد إلي بهذا ~~الغلام. ~~- لا أحاول اكتشاف أسرارك يا سيدي، ولكني ألتمس منك أن تخبرني في أي عهد دفع إليك هذا ~~الغلام. ~~- منذ أربعة عشر عاما، وكان طفلا في المهد. # فذكرت المركيزة ما قالته لها الدوقة دي فنسترنج، وقالت: لقد عرفت الحقيقة الآن، فإن الرجل ~~الذي دفع إليك الغلام هو فرنسي يدعى الدوق دي فنسترنج، وهو برتبة ms1612 كولونيل في الجيش. ~~- يسوءني يا سيدتي أني لا أستطيع أن أبوح بشيء. # فقالت له بلهجة المتوسل: بقيت لي كلمة واحدة عن هذا الغلام أرجو أن تأذن لي ~~بقولها. ~~- ألعله ابنك؟! ~~- كلا، بل هو ابن زوجي، وقد خلفت له أمه ثروة عظيمة في فرنسا، فإذا رضي أن يسير معي إلى ~~فرنسا لاستلام تلك الثروة أتعترضه؟ # فارتعش زعيم اللصوص وامتعض لون وجهه، وبات فريسة الاضطراب الشديد، فإنه كان يحب برديتو حب ~~الآباء للأبناء، ولكنه تغلبت عليه عوامل المروءة، فقال: كلا يا سيدتي، لا أعترضه، وآذن له ~~بالذهاب معك إذا شاء. # بعد ذلك بساعتين أمر مينوس أن يعدوا مركبة المركيزة وابنها، وأمر بيدرو أن يخفرها مع عشرة ~~من أعوانه إلى آخر الجبل، وجعلت المركيزة تكلم برديتو بواسطة مينوس، فقالت له: إني أعرف أهلك، ~~فإذا رضيت أن تسير معي إلى فرنسا تغدو من النبلاء الأغنياء. # فنظر إليها باحتقار وقال: لماذا تريدين أن أسير معك؟ ~~- لأني كنت صديقة لأبيك ... ~~- ليس لي أب غير مينوس. # فقالت له بلطف: إني عرفت أمك يا بني. # فهز كتفيه وقال: ولكنك لست أمي في كل حال؛ لأن الإنسان لا يكره أمه، وأشعر أني أكرهك ~~وأكره ابنك أشد الكره. # ثم نظر إلى المركيز نظرة حقد، فأجابه المركيز بمثلها وكأن كليهما كان يقول للآخر: سوف ~~نلتقي. # ولما رأت المركيزة أن لا رجاء لها بحمله على السفر أمرت المركبة بالمسير، وانطلقت تجري ~~بخفارة بيدرو. # الفصل السابع من كتاب الفيروزة # بعد خمسة أعوام - على هذه الحوادث التي بسطناها - كان شاب وصبية يظهر من ملابسهما أنهما ~~من الإسبان يدخلان مدينة بايون في يوم من أيام الصيف الشديد الحر، وطافا في شوارعها حتى ~~انتهيا إلى مطعم فدخلا إليه. # كان الشاب في الثانية والعشرين من عمره، والفتاة في السابعة عشرة، وكلاهما جميل الوجه، ~~غير أن جمالهما كان مختلفا، فكانا يلفتان إليهما أنظار الناس. # وكان الفتى طويل القامة، أبيض الوجه، أسود الشعر، براق العينين تدل عيناه على القسوة ~~والشراسة، على أنه بالرغم عن ملابسه الدالة على الفقر المدقع، ms1613 فإنه كان يمشي مشية المعجب ~~بنفسه المحتقر لأبناء جنسه، كأنما كل ما في الوجود تحت مطلق سلطانه. # وكانت الفتاة تسير متوكئة على ذراعه، وهي شقراء الشعر يتدفق النور من محياها، وقد لوحت ~~الشمس وجهها فصبغته بأشعتها الذهبية، ولها عينان سوداوان تنفثان السحر وتبسطان نفوذهما في كل ~~قلب، وهي ربعة القوام عصبية المزاج، أحسن ما فيها أن كل ما فيها حسن. # وكان الناس ينظرون إليها معجبين بهذا الجمال، فينظر إليهم الفتى نظرات وحشية، كأنه يخشى ~~عليها العين من تلك العيون. # وجلس معها حول مائدة في ذلك المطعم، وجاءهما الخادم ليسألهما ما يأكلان، فقال الفتى: خبز ~~وجبن وخمر، وقد قال هذا القول بلهجة المباهاة، كأنه طلب أثمن مأكولات المطعم، وامتثل الخادم ~~وأحضر لهما ما طلبا. # وجلسا يأكلان ويتحادثان، فقال الفتى: يا روميا أرى هؤلاء الناس كثيري الفضول، فلنتحدث ~~بلغة النور التي علمتني إياها أيام الحداثة. ~~- ليكن ما تريد يا برديتو، فإني بعد موت مينوس لم أعد أحب سواك، فأنت حبيبي وسيدي. # فتنهد برديتو متأسفا على زعيمه، وقال: لقد سلبتنا إياه الأقدار، وكنت أرجو أن يكون معنا ~~في هذه المدينة. # فقالت الفتاة: ليست يد الأقدار التي سلبتنا إياه بل يد الخيانة، فإنه كان يثق بجواني كل ~~الثقة، فخانه وباح بسر قدومنا إلى الجيش الملكي. ~~- لقد صدقت وإن نجاتنا نحن كانت من العجائب. ~~- هو ذاك فإن رجال عصابتنا أبيدوا بين قتيل وأسير، أتظن أنهم شنقوا مينوس؟ ~~- دون شك؛ فإنه حاول أن يقتل نفسه، ولكنهم طوقوه وأعدموه شنقا. ~~- إن بيدرو كان أشد منه حظا، فإنه قتل في ساحة المعركة. # فقاطعها برديتو، وقال لها بعنف: لا تذكري لي اسم هذا الرجل. ~~- ألعلك لا تزال حاقدا عليه؟! ~~- دون شك إذ لولاه لما منعني مينوس عن قتل ذلك المركيز الفرنسي الذي يشبهني. ~~- تريد به أخاك؟ ~~- لا أعلم إذا كان أخي، ولكن الذي أعلمه أني إذا لقيته ~~في أي مكان قتلته لا محالة ... ~~- أعلمت السبب الذي يدعوك إلى هذا الحقد عليه والسعي لقتله؟ ~~- كلا، ولكني أشعر أني أكرهه كرها ms1614 لا حد له حتى إني قد ألتذ بمص عروقه وشرب ~~دمائه. ~~- إذن فسأكرهه أنا أيضا نفس الكره، وأتمنى له الموت. ~~- بل لا بد لي من قتله متى ظفرت به، فإن حياته قد طالت. ~~- أرى هذا الكره دليلا على أنكما أخوان. ~~- قلت لك: لا أعلم، ولكني سأعلم هذه الحقيقة بعد ساعة. # فانذهلت روميا، وقالت: كيف ذلك؟ ~~- أصغي إلي، فإنه منذ عشرين عاما؛ أي منذ ولادتي كان يحضر مينوس في كل عام مرة إلى ~~بايون، فيأخذ كتابا يحتوي على مبلغ كبير من المال لنفقاتي، ولأجل هذا أتيت بك إلى هنا مشيا ~~على الأقدام كي أستعلم عن أمر هذا الكتاب. ~~- أيعطونك الكتاب؟ ~~- دون شك، فإنه سيكون هذه المرة معنونا باسمي. ~~- كيف علمت ذلك؟ ~~- من مينوس، فإن الرجل الذي دفعني إليه في عهد طفوليتي قال له: سأرسل لك نفقاته باسمك ~~عشرين عاما، وبعد ذلك أرسل إليك كتابا باسمه يتضمن تعليماتي. ~~- أتظن أن الكتاب يحتوي على المال حسب العادة؟ ~~- هذا ما أرجحه، لكن اهتمامي بهذا الكتاب ليس من أجل المال؛ بل لأني أرجو أن أقف منه على ~~أسرار مولدي، بل أرجو أن تصدر لي الأوامر فيه بالتفتيش على ذلك الفرنسي الذي يشبهني ~~وأقتله. ~~- إذن هلم بنا إلى البوستة. # ونادى برديتو الخادم، فدفع له ثمن الطعام، وانصرف مع روميا وهو يقول لها: هذا آخر فلس بقي ~~لدي. # وخرجا من المطعم تشيعهما الأبصار. # ووصل الاثنان إلى البوسطة، فلقيا موزع البريد جالسا قرب شباكه يطالع جريدة، فنظر إلى ~~برديتو بازدراء، وقال له: ماذا تريد؟ ~~- إني أدعى برديتو بن مينوس، ولا بد أن يكون لديك كتاب باسمي فإني جئت أطلبه. ~~- ألديك أوراق تثبت أنك صاحب هذا الاسم. ~~- كلا. ~~- اذهب من حيث أتيت إلى أن يتيسر لك الحصول على هذه الأوراق. # ثم عاد إلى مطالعة الجريدة دون أن يكترث له، فتداخلت عند ذلك روميا في أمره، وقالت للموزع ~~وهي تبتسم خير ابتسام: إننا لا نعرف أحدا يا سيدي في هذا البلد، وقد جئنا من محل بعيد ~~وكابدنا كثيرا من المشاق ms1615 فلا سبيل لنا إلى الرجوع. # فلما رأى الموظف ذلك الجمال الفتان رق فؤاده، وعاد إلى برديتو، وقال له: أعد ذكر ~~اسمك. # فذكر له اسمه، فأخرج الموظف غلافا ضخما وأعطاه إياه، فشكرته الفتاة وخرجت ~~بخطيبها. # وخرج الاثنان إلى الشارع، فذهبا إلى منعطف مقفر وفتح برديتو الكتاب، فتناثرت منه أوراق ~~التقطتها روميا، وفرحت بها فرحا لا يوصف إذ وجدت أنها أوراق مالية. # أما برديتو فإنه أخرج الكتاب من الغلاف وقرأ ما يأتي: # إن الغلام الذي تبناه اللص مينوس إذا وصل إليه هذا الكتاب، يجب عليه أن يخلع ملابسه ~~الإسبانية ويتزيا بزي الفرنسيين، ثم يذهب إلى فندق تولوز فيستأجر خير غرفة فيه. # وفي طي الكتاب، كتاب آخر مختوم، فإذا لم يحضر إليه أحد بعد ثمانية أيام، فليفتح ~~الكتاب الثاني ويطلع على ما فيه. # وكان الكتاب خاليا من التوقيع، لما قرأه أمام روميا قال لها: ماذا تشيرين علي أن ~~أفعل؟ ~~- أرى أنه يجب أن تمتثل لما جاء في هذا الكتاب. # فوافقها برديتو على ذلك، وذهب الاثنان إلى أشهر محلات بيع الملابس، فاشتريا أفضلها وخلعا ~~ثيابهما الرثة، ثم انطلقا بذلك الزي الجديد إلى الفندق الذي ذكر لهما في الكتاب فنزلا فيه، ~~وجعلا كل يوم يخرجان إلى النزهة بأجمل المركبات، فتحوم عليهما الأبصار كالنطاق. # إلى أن قال برديتو لروميا في ليلة: لقد حان لنا أن نفتح هذا الكتاب ونرى ما فيه. ~~- كلا، إذ لم يبق لنا في هذا الفندق غير ثمانية أيام، وموعد فتحه غدا فلنصبر إلى ~~الغد. ~~- وقبل أن تتم كلامها دق باب الغرفة التي كانت فيها مع برديتو، فقام برديتو إلى الباب ~~ففتحه، فظهر له رجل طويل القامة وخط الشيب رأسه، وقد وضع في عروة سترته زرا أحمر إشارة إلى ~~أنه من أصحاب الرتب، فدخل إلى الغرفة وقال لبرديتو: أنا هو ذلك الرجل الذي تنتظره. # الفصل الثامن من كتاب الفيروزة # لندع هذا الرجل يتباحث مع برديتو وروميا في فندق تولوز في بايون، ولنعد إلى باريس فنقول: ~~كانت المركيزة دي مورفر قد توفيت مصدورة لم ms1616 يجدها نفعا هواء قاديس، وكان ابنها المركيز دي ~~مورفر قد بلغ الحادية والعشرين من عمره. # وكان غنيا جدا تقضي عليه تلك الثروة والحرية بالجري في مضمار الشباب، غير أنه لم ~~يكترث بملاهي الصبى ولم يغتنم اللذات، بل كان دائم الهم كثير التفكير؛ لأنه كان أقسم على أن ~~ينتقم من قاتل أبيه، لم يتيسر له البر باليمين، ولبث الدوق فنسترنج في قيد الحياة تكتنفه ~~المهابة والاحترام. # ولم يكن ذلك جبنا من المركيز، فقد كان مشهودا له بالبسالة، غير أن السبب في ذلك أنه يوم ~~وفاة أمه لم يكن قد بلغ سن الرشاد، فذهب إلى منزل الدوق وكان يعيش في الشانزليزيه عيشة ~~العزلة، فلقيه وقال له: لقد دفنت يا سيدي أمي التي ما قتلها غير الحزن على أبي الذي قتلته، ~~أعلمت السبب في قدومي إليك؟ ~~- نعم فإنك تريد الانتقام لأبيك ومعرفة السبب في قتله. ~~- دون شك. ~~- إن طلبك حق لا سبيل إلى مراجعتك فيه، غير أني أسألك الإذن بإبداء ملاحظة بسيطة، وهي أنك ~~لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرك بعد. ~~- وماذا يهمك عمري؟ ~~- يهمني إذ لا يحق لي أن أبارزك قبل سن البلوغ، فاذهب وعد إلي بعد خمسة أعوام تجدني طوعا ~~لأمرك. # فعلم المركيز أن الدوق مصيب في اعتراضه فتركه وانصرف. # وبعد خمسة أعوام؛ أي في اليوم الذي جاء فيه برديتو وروميا إلى بايون، بلغ المركيز سن ~~الرشد، فدفع إليه الوصي أمواله وسلمه حساباته ووصية أمه، ففتح الوصية وقرأ فيها ما يأتي: # أكتب يا بني هذه السطور من قاديس، فلا تقرأها إلا حين بلوغك سن الرشد؛ أي حين يكون ~~الموت أقصاني عنك وحكم علينا بفراق الأبد. # وإني أطلعتك على كل شيء حين اجتيازنا الجبل، ولكني أخبرتك عن مقابلتي مع الدوقة دي ~~فنسترنج وهي على فراش الموت، واعلم الآن بقية حديث هذه الدوقة: # إنها أعطتني قبل وفاتها أوراقا مالية أودعتها باسمك عند وكيل أعمالك، وقالت: إن ~~الولد الذي سلبني إياه الدوق دي فنسترنج هو ابن زوجك المركيز أرمان دي مورفر، فأقسمي لي ~~باسم ms1617 هذا المركيز الذي أحببناه كلانا وبكيناه أنك تفعلين كل ما أطلبه إليك. # فلما أقسمت لها قالت لي: إني بعت جميع ما لدي، وحولت ثروتي إلى هذه الأوراق المالية ~~التي أعطيتك إياها، وهذه الأوراق تبلغ قيمتها ثلاثة ملايين فرنك، وهي لابني، فأسألك أن ~~تبحثي عنه فإذا وجدته فادفعي إليه هذا المال، وإذا وثقت من موته فإن هذه الأموال ترجع ~~إليك، وتكون ملكا حلالا لك ولابنك من بعدك. # إذن فاعلم يا بني بأنك رأيت كما رأيت أنا ذلك اللص الذي عهد بتربيته إلى مينوس وهو ~~ابن الدوقة وابن أبيك، فمتى فتحت كتابي هذا فابحث عنه جهدك وادفع إليه هذه الأموال، وإذا ~~وثقت من موته فاحفظ الأموال لنفسك. # هذا هو الكتاب الذي كتبته المركيزة قبل وفاتها، فلما اطلع عليه المركيز قبله باحترام، ~~وقال: سأصدع بأمرك يا أماه، ولكني قبل ذلك يجب أن أنتقم لأبي. # ثم وضع الكتاب في محفظة بين أوراقه، وخرج من منزله إلى منزل الدوق دي فنسترنج، فسأل ~~البواب عنه فقال: إنه مسافر. ~~- إلى أين؟ ~~- لا أعلم. ~~- متى يعود؟ ~~- بعد شهر ... ~~- حسنا، سأنتظر عودته. # وعاد من حيث أتى ... # وفي المساء ذهب إلى النادي وجعل يطالع الجرائد، فاستلفت نظره المقطع الآتي وهو: # تمكنت الحكومة بعد الجهد من القبض على مينوس زعيم اللصوص الشهير وجميع عصابته، فقتل ~~بعضهم بالبنادق، وقتل الآخرون شنقا بحيث لم يبق أحد من أولئك اللصوص، واستراح الناس ~~من شر تلك العصابات التي تعيث فسادا في جبال إسبانيا منذ 20 عاما. # فأيقن المركيز أن برديتو قد هلك مع رجال العصابة، وقال: إذن قد أصبحت تلك الملايين ~~لي. # الفصل التاسع من كتاب الفيروزة # ولنعد الآن إلى برديتو الذي غادرناه مع روميا والدوق دي فنسترنج في فندق طولون، فإنه ~~حينما دخل عليهما هذا الرجل الأشيب، وقال لبرديتو: أنا هو الرجل الذي تنتظره. # حاولت روميا تأدبا أن تخرج من الغرفة كي تخلي لهما المكان فمنعها الدوق، وقال لها: ابقي ~~بيننا يا ابنتي، فإنك الفتاة التي طالما كنت أبحث عن مثلها كي تكون عونا ms1618 لهذا الصديق العزيز، ~~فاجلسي بيننا واسمعي حديثنا. # وكان يقول هذا القول بلهجة الساخر، وهو يبتسم ابتسام الأبالسة، وينظر إلى برديتو نظرات ~~كهربته، فلم يستطع مقاومته على الرغم مما عرف به من الجسارة. # ثم جلس بجانب روميا وأخذ يدها بين يديه، وقال لها: إن جمالك فتان تستطيعين أن تغوي به كل ~~قلب. # فاضطرب برديتو ونظر إليه نظرة وحشية، فقال: لا تقل لها مثل هذه الأقوال. # فأجابه بلهجة الساخر: لماذا يا بني؟ ~~- لأنها إذا خانتني فلا يكون جزاؤها غير القتل. ~~- لقد أحسنت، ولكننا لا نريد الآن البحث في هذه المواضيع. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- لقد قلت لك: إني أنا الرجل الذي تنتظره. ~~- ولكني لم أعلم من هذا القول من أنت. ~~- أنا الرجل الذي عهد بك إلى مينوس منذ 30 عاما. ~~- إذن أنت المركيز دي مورفر؟ ~~- كلا ... ~~- لقد حسبت أنك أبي. ~~- كلا لم يكن لي هذا الشرف. ~~- إذن لماذا عهدت بي إلى مينوس، وكنت تدفع نفقاتي في كل عام؟ ~~- هذا سري. ~~- إذا كنت تكتم عني هذا السر، فلماذا أردت أن تراني؟ # فارتعش الشيخ وقال: لقد كانت تمر بي ساعات أرتاب فيها بفساد أخلاقك، فلقد كنت أقتفي آثارك ~~منذ ولدت إلى اليوم، وعلمت من نفسك فوق ما تعلمه منها إلى أن بلغت العشرين من سنيك، وصرت من ~~مشاهير اللصوص والسفاكين حتى أوشكت أن تقتل أخاك. ~~- إذن أنت تعرف أني ابن المركيز دي مورفر؟ ~~- دون شك. ~~- أي أخو ذلك الفتى الذي يشبهني كل الشبه؟ ~~- هي الحقيقة بعينها ... # فقال له برديتو بلهجة وحشية ارتعش لها الدوق: إني إذن لم أقتله فليس الذنب ذنبي، ولولا ~~مينوس لما كان الآن في عداد الأحياء. ~~- أكنت تكرهه إلى هذا الحد؟! ~~- بل وددت لو شربت من دمه. ~~- ألا تزال تكرهه إلى الآن؟ ~~- لا أزال على كرهه ما دام بين جنبي قلب ينبض. ~~- ولكن هذا الفتى لم يسئ إليك بشيء. ~~- إني رأيته مرة فأثار الحقد في نفسي عليه، والبغض مثل الحب؛ قد يكون من أول نظرة. ~~- إذن لو علمت أن هذا الفتى قد ms1619 اختلس ثروتك، فماذا كنت تصنع؟ ~~- هو سرقني؟! ~~- دون شك، وقد اختلس منك ثروة عظيمة تقدر بالملايين. # ففتح برديتو سترته فظهر من تحته قبضة خنجر هائل، وقال: إني إذا التقيت به أغمدت هذا ~~الخنجر في قلبه. # فابتسم الدوق وقال: إني لا أمنعك عن قتله غير أن الوقت لم يحن بعد. ~~- ماذا تريد بهذا القول؟ ~~- أريد أنك محتاج الآن إلى إتمام تربيتك . ~~- كيف ذلك؟ ~~- لأن طعنة الخنجر لا يقدم عليها غير العوام، فإنها تقتل الخصم بلحظة فتريحه، وما هكذا ~~يكون الانتقام. ~~- وكيف تريد أن أقتله؟ ~~- أريد أن تميت المركيز دي مورفر، لكن بعد نزع طويل هائل ترتعد لذكره الفرائص. ~~- يبدو أنك تكرهه مثلي ... ~~- بل إن كرهي له فوق كل حد. ~~- ولم هذا الكره؟ ~~- لأنه ابن الرجل الذي ثلم عرضي ودنس شرفي. ~~- إذن قد عرفت من أنت فإنك زوج أمي. ~~- هو ما تقول ... # فنظر إليه برديتو نظرة مستطيلة، وقال: أرى أننا خلقنا لنتفق. ~~- لأني لم أقتصد في تربيتك يا ولدي العزيز. أريد بعد أن أفسدت نفسك وجعلتك من أفظع اللصوص ~~أن أنير فكرك وأهذب عقلك، فإنك الآن لص جاهل، وأنا أريد أن تكون ممتازا على أقرانك في كل ~~شيء. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- بعدها أخبرك بذلك الانتقام الرهيب الذي أعددته لأخيك المركيز دي مورفر. # ثم أخذ الدوق يد روميا، وقال لها: وأما أنت أيتها الحسناء، فإني أريد أن تكوني بين العالم ~~مثال الهول، فتلقي الذعر في القلوب وتزرعين الابتسام فتجني الجثث، فإنك خير امرأة صالحة ~~لإلقاء المفاسد والشرور، فاستعدي للسفر فإننا مسافرون غدا جميعنا. ~~- إلى أين؟! ~~- إننا سنطوف أوروبا، وإني قد تبنيتكما منذ اليوم فأنتما ولداي. # وفي اليوم التالي برح الدوق دي فنسترنج وبرديتو وروميا مدينة بايون إلى إيطاليا. ~~••• # لما وصلت فاندا ومرميس إلى هذا الحد من كتاب الفيروزة توقف مرميس هنيهة عن القراءة ونظر ~~إلى الساعة، وقال: لقد بلغت الساعة الأولى بعد الظهر، ولم يعد ميلون بعد، وأظنه باقيا في ~~موقفه يراقب البستانية الحسناء. # وجعلت فاندا تقلب صفحات الكتاب، وتقول: إننا لم نعلم أمرا ms1620 جوهريا مما طالعناه إلى ~~الآن. # فقال لها مرميس: لقد أخطأت فإني علمت منه أمرا خطيرا، وهو أن البستانية الحسناء هي نفس ~~روميا. ~~- وأنا أرى رأيك. ~~- إذن لنتم قراءة الكتاب. # قالت فاندا: أظن أن الأولى بنا أن نعلم ما فعل ميلون في مراقبته البستانية ~~الحسناء. ~~- إني واثق من أنه لا يزال في موقفه. ~~- إذن عد إلى القراءة. # فأخذ مرميس الدفتر وقرأ ما يأتي: # الفصل العاشر من كتاب الفيروزة # وبينما كان الدوق دي فنسترنج مسافرا إلى إيطاليا مع برديتو وروميا، كان المركيز دي مورفر ~~ينتظر بصبر عودة قاتل أبيه، ولكن الوقت الذي عينه الخادم لعودته انقضى دون أن يعود الدوق، ثم ~~مضى شهر وتلاه آخر إلى أن مضى عام ولم يعد. # وكان المركيز قد أفرغ جهده في سبيل البحث عن عدوه فلم يعلم مكانه. # ثم أشيع في باريس أن هذا الدوق قد مات، ولكن هذه الإشاعة لم تثبت، فلم يعول عليها المركيز ~~إلى أن ورد إلى باريس جريدة اسمها أوريان؛ أي الشرق، وهي جريدة عثمانية، فقرأ فيها الباريسيون ~~ما يأتي: # خرجت الباخرة مركيز من ميناء كندا أمس مستظلة بالراية العثمانية، وثارت عاصفة شديدة ~~أغرقتها بمن كان فيها على مسافة 10 أميال على الشاطئ. # وقد حدثت هذه الفاجعة في الليل، وكان الضباب كثيفا، فمرت بها باخرة حين غرقها، ~~وحاولت إنقاذ ركابها فلم تستطع، فغرق جميع البحارة والركاب، وكان فيهم كثير من أهل ~~الوجاهة والشهرة بينهم الجنرال الفرنسي الدوق دي فنسترنج، الذي كان مسافرا إلى أزمير ~~لأسباب صحية، ولا شك أن فقد هذا الجنرال سيكون له دوي شديد في فرنسا، فقد كان من مشاهير ~~رجال الجيش. # ولما اطلع المركيز دي مورفر على هذا النبأ تنفس الصعداء، وقال: لقد عاقبه الله عني، ~~فالحمد لله. # وصفا باله بعد ذلك، وجعل يعيش عيشة هادئة مطمئنة وهو واسع الثروة بما خلفه له أبوه، وقد ~~زاد ماله بثروة برديتو؛ لاعتقاده أن هذا اللص قد شنق؛ فضم ماله إلى أمواله. # وقد بدأ بالتجول والسياحة، فساح نحو أربعة أعوام في جميع ms1621 أنحاء الأرض، ثم عاد إلى باريس ~~وعاش عيشة راضية لا تكدرها الهموم، ولا تعكر صفوها الحوادث، إلى أن بلغ الثامنة والعشرين من ~~عمره فنفذت إلى قلبه أشعة الغرام، وغيرت عيشه كل التغيير. # وحكاية غرامة أنه كان عائدا في إحدى الليالي من النادي إلى منزله، فلما وصل إلى ~~الشانزليزيه سمع صوت امرأة تستغيث وهي في مركبة قريبة منه كان يراها على ضوء القمر، فأسرع ~~ورأى رجلين واقفين عند بابها يحاولان إرغام المرأة على النزول منها. # وكان السائق قد أركن إلى الفرار؛ لأنهما تهدداه بالقتل، وكانت المرأة تصيح مستغيثة منهما ~~وقد ملأ الخوف قلبها. # ولم يكن لدى المركيز من السلاح غير عصا في داخلها حربة، فجردها من غمدها وهجم بها على ~~الرجلين، فدافعا في البدء وطعنه أحدهما بخنجر فخدش كتفه خدشا صغيرا، ثم تركاه مع المرأة ~~وهربا. # فلما أمن المركيز كيدهما أقبل على هذه المرأة، فرآها تضطرب اضطرابا عظيما، وقد بللت ~~دموعها ثيابها. # وكانت صبية بارعة في الجمال، وقد زادها الخوف والبكاء جمالا، فقالت له بصوت حنون: أشكرك ~~يا سيدي ألف شكر، فقد أنقذتني من مخالب الموت، ولولاك لما أبقى علي هذان الرجلان. ~~- ماذا كانا يبغيان منك يا سيدتي؟ ألعلهما يريدان سرقة ما عليك من الحلي؟! # فهزت رأسها وقالت: كلا؛ فإن أحدهما زوجي، والثاني أخي. ~~- لا بأس عليك، إني سأتولى حمايتك، فهلمي معي نذهب سيرا على الأقدام، فإن سائق المركبة ~~سيعود إليها. # فامتثلت وتأبطت ذراعه فسار وإياها. # أما هذه المرأة فإنها ابنة تاجر في أنفرس، وقد تزوجت جوهريا هولانديا، فسلب الزوج ~~مهرها بعد أن عاملها أسوأ معاملة، ثم تخلى عنها. # وكان لها أخ طلبت إليه أن يحميها فجاءها إلى باريس؛ لأن زوجها كان فيها، وكانت لا تزال ~~تحبه، فاعتقدت أن أخاها سيصلح بينهما. # غير أن أخاها كان فاسد الأخلاق فاتفق مع زوجها على قتلها لاتهامها بالخيانة، ودس لها السم ~~في الطعام فلم تمت إلى أن لقيها هذه الليلة في الشانزليزيه، فجاهر بقصده وحاول قتلها، وكاد ~~يقتلها لو لم ينقذها المركيز. # هذه هي ms1622 حكايتها التي قصتها عليه فصدقها، ورأى أنه لم يعد له بد من حمايتها فعرضها عليها، ~~فقبلتها شاكرة وأتت معه إلى منزله. # الفصل الحادي عشر من كتاب الفيروزة # وأحبها المركيز حبا عظيما وأحبته، فاستأجر لها منزلا معتزلا، وجعل يزورها فيه وولدت ~~منه غلاما، ولم يكن يكدر صفوهما مكدر. # وقد مضى على عهد حبهما عام لم يلق الحبيبان فيه غير الغبطة والنعيم. إلى أن جاءها ليلة ~~ورآها واجفة جازعة، وقرأ بين عينيها صورة الرعب الشديد، فقال: ما بالك أيتها الحبيبة وما ~~أصابك؟! ~~- لقد خفت يا غوستاف خوفا شديدا هذه الليلة، فإني رأيت رجلين يدوران حول المنزل وينظران ~~إليه نظرات منكرة، فما شككت أنهما يريدان قتلي. ~~- إن ذلك محال فإنك لا تخرجين من هذا المنزل المعتزل، ولا سبيل لهما إليك، وبعد أفلست أنا ~~جنبك ومن يجسر أن يمد إليك يدا؟ ~~- إنهما إذا رأياني يغتنمان الفرصة ويقتلاني دون إشفاق، وأنا أحبك يا غوستاف حبا لا ~~يحيط به وصف كاتب، ولكني بت ميالة إلى الهرب. # فارتعش وقال: لماذا؟ ~~- لأن لي سرا خفيا أحب أن يبقى طي الكتمان. ~~- إني أقسم لك بشرفي أني لا أسألك عن سرك، ولا أسعى أقل سعي للوقوف عليه. ~~- وأنا واثقة من قولك، ولكني أرجوك أن تنقذني، فلست آمنة على نفسي في هذا المنزل. ~~- ممن تخشين؟ أمن زوجك؟! ~~- لقد خدعتك أيها الحبيب قبل أن أحبك فليس لي زوج. ~~- إذن تخشين من الذي كان يحبك؟ ~~- لم يكن لي عشيق، وقد أقسمت لي أنك لا تسألني عن سري. ~~- وإنني أجدد القسم. ~~- إذن، إذا كنت تحبني فأنقذني. # وكانت تقول هذا القول وأسنانها تصطك من الخوف، فارتعش المركيز، وقال لها: ولكن ممن تريدين ~~أن أنقذك؟ ~~- لا أستطيع أن أقول ... ~~- أتريدين أن أبقى معك في الليل والنهار فلا أفارقك لحظة؟ ~~- كلا بل يجب أن أسافر من هنا، وأن تخبئني في مكان خفي خارج باريس. # وكان المركيز يحبها حبا شديدا ولا يطيق بعادها، فاتفقا على أن يموها على الخدم ~~بأنهما قد انفصلا، فتسافر هي إلى بلجيكا فتقيم فيها ms1623 أسبوعا، ثم تعود متنكرة، فيطردان الخدم ~~بعد أن يذيعوا أن العاشقين قد انفصلا وأن العشيقة قد سافرت، وتعود إلى المنزل بزي جديد، ~~ويعينان خدما جددا فيعتقد الذين تخشاهم ويزول عنها الخطر. # وفي الحال تظاهرا أمام الخدم بالانفصال، فأعطاها أمامهم مائة ألف فرنك تمويها عليهم أنه ~~أرضاها بهذا المبلغ من المال، ثم ركبت القطار في الليلة نفسها وسافرت إلى بلجيكا. # وبعد أسبوع عادت إلى المنزل نفسه وهي متنكرة بزي الإنكليزيات، وأحضرت معها خادمين ~~إنكليزيين، وعاد المركيز معها إلى عيشهما السابق وهو يحسب أن كل خطر قد زال. # وقد احترم المركيز يمينه، فلم يسألها شيئا عن أسرار حياتها، وغاية ما كان يعلمه عنها ~~أنها تدعى جوليا وأنها لا عائلة لها، وأن اللذين كانا يريدان قتلها لم يكونا زوجها ~~وأخاها. # ولكن جوليا على ما كانت فيه من الأمن كانت تخشى دائما هذين الرجلين، وتقول: إنهما إذا ~~عثرا علي فلا بد لهما من قتلي. # وكان المركيز يأتي ممتطيا جواده، فاتفق أنها بينما كانت ليلة بانتظاره في النافذة سمعت ~~صفيرا فهلع قلبها، ثم رأت شبحا أسود ظهر في الحديقة على أثر الصفير، فتراجعت خائفة إلى ~~الغرفة وأيقنت بوقوع المصاب. # أما هذا الشبح الذي رأته جوليا فقد كان يدنو من النافذة، وهو شبح رجل معتدل القامة خفيف ~~الحركات، فإنه حين وصل إلى النافذة وثب إليها كما يثب النمر، وولج منها إلى تلك الغرفة التي ~~كانت فيها جوليا بين حية وميتة لما تولاها من الرعب. # وكان رعبها شديدا حتى إنها لم تفطن إلى دق الجرس ومناداة الخدم به، وعقد لسانها فلم ~~تستطع أن تستغيث، ولكنها ركعت أمام الرجل الذي كان يتهددها، وقالت: رحماك لا تقتلني. # أما الرجل فقد كان مشهرا خنجرا بيده، فنظر إليها نظرة هائلة، وقال لها: أبحث عنك أيتها ~~الخائنة منذ عام. # فجعلت تستجير به وتقول: رحماك لا تقتلني. ~~- كيف لا أقتلك أيتها الخائنة وقد هزأت بنا ونكثت بعهودك؟! ~~- إني لم أجسر على تنفيذ أوامركم. ~~- لماذا؟ # فنهضت بعد أن كانت جاثية، ورجعت إلى الوراء وقد ms1624 عادت إليها جسارتها، فقالت: اقتلني كما ~~تشاء، فإني أوثر الموت على أن أكون آلة لتنفيذ أغراضكم السافلة. ~~- ولكن لماذا لا تجسري على تنفيذها؟ ~~- لأني أحبه. # فزأر هذا الرجل زئير الوحوش الضارية، وقال: أنت تحبينه؟ ~~- وسأحبه ما بقيت في قيد الحياة. # فبرق الخنجر بيده وهوى عليها، وكاد يطعن أحشاءها بخنجره، ولكنه صاح فجأة صيحة دهش وتوقف ~~عن قتلها؛ إذ رأى بقربها مهد طفل، فأن أنين الموجع وقال: لقد عرفت السبب الآن ... # وكأنما جوليا أدركت قصده فأسرعت إلى طفلها، وحومت حول مهده كأنها تريد أن تحميه. # وكان هذا الرجل برديتو تلميذ مينوس، وشقيق المركيز دي مورفر، فقال: لقد علمت السبب الآن، ~~وسيكون هذا الطفل الذي حملك على خيانتنا رهينة عندنا إلى أن تعودي إلى الوفاء. # وكان الخنجر قد سقط من يد برديتو حين انذهاله لرؤية الطفل، فلما علمت جوليا قصده التقطت ~~الخنجر عن الأرض، ووقفت بين برديتو وطفلها، وهي تقول: ادن منه الآن إذا استطعت. # فضحك برديتو ضحك الساخر، وقال: إني أستطيع قتلك متى شئت، ولكني أحب أن أحادثك قبل ~~استعمال القسوة، فقد أصبحت أما كما يظهر. ~~- إنك ترى ولدي الذي أدافع عنه. ~~- وأنت تحبين مورفر؟ ~~- أعظم حب. ~~- أهكذا تبرين بقسمك، وبمثل هذه الخيانة يكون وفاء الوعود؟ ~~- لا أنكر أني وعدتكم أن أكون آلة بيدكم لتنفيذ أغراضكم، ولكني ما حسبت قلبي يهوى ~~المركيز. ~~- أظن أن هذه هي المرة الأولى التي عرف قلبك فيها الغرام. # فأطرقت جوليا هنيهة، ثم رفعت رأسها وقالت: إني لا أعلم ما كنت فيه حين ساقتني الأقدار ~~إليكم ورمتني بين أيديكم، ولا أنكر أني كنت فتاة سافلة لا أتردد في الاتفاق مع أمثالكم على ~~ارتكاب كل منكر، فأقمت مع المركيز ثمانية أيام وأنا عازمة على تنفيذ مقاصدكم ثم ... ~~- ثم أحببته أليس كذلك؟ ~~- نعم أحببته وأحبه وسأحبه إلى آخر ساعة من حياتي. ~~- ستحبينه كما تشائين، ولكن لا بد لك من الامتثال لنا. ~~- هذا محال. ~~- ولكني أراه سهلا ميسورا، أليس هذا ابنك الذي أراه؟ ~~- إذا كنت تجسر على الدنو منه فافعل. ms1625 # فهز برديتو كتفه إشارة إلى الاحتقار، وقال: دافعي بخنجرك ما تشائين، فإننا إذا لم نأخذ ~~ابنك اليوم أخذناه غدا، وهو يكرهك على الخضوع لنا متى بات في أيدينا. # قال هذا وتقدم منها خطوة، فوقفت جوليا في موقف الدفاع، فقال لها: أجيبي أتخضعين ~~لنا؟ ~~- كلا. ~~- لم يبق علي لوم، فقد حذرتك. # ثم انقض عليها انقضاض الصاعقة غير مكترث لخنجرها، فجعلت تصيح وتستغيث وتضربه بخنجرها بيد ~~مضطربة، وجرحته بذراعه وكتفه جراحا أسالت دمه على ثيابه، فهاج برديتو لمنظر الدماء، وحمل ~~عليها حملة منكرة وهي تصيح وتطعنه حتى قبض على وسطها وألقاها إلى الأرض. # وعند ذلك سمع وقع خطوات الخدم وقد أسرعوا منذعرين لصياح مولاتهم جردها من خنجرها، وأغمده ~~في صدرها، وهو يقول: إنك لا تبوحين بشيء على الأقل. # ثم أسرع إلى النافذة فهوى منها إلى الحديقة، وتوارى عن الأنظار. # أما الخدم فقد جاءوا بعد فوات الأوان، فلم يستطيعوا القبض على القاتل، ووجدوا سيدتهم ~~غارقة بدمائها ويداها ممدودتان إلى مهد طفلها، كأنها تحاول أن تحميه حتى بعد الموت. # الفصل الثاني عشر من كتاب الفيروزة # بينما كانت خادمة غرفة جوليا تحاول إنهاضها، وثب أحد الخدم من النافذة في أثر القاتل وجعل ~~يستغيث، ولكن المنزل كان معتزلا فلم يسمع صياحه أحد وكان برديتو قد احتجب. # أما جوليا فإنها كانت لا تزال حية، فلما سمعت صياح الخادم قالت لخادمتها: ناديه لا فائدة ~~من صياحه. # وكان الدم ينصب غزيرا من جرحها، فتمكنت الخادمة من إنهاضها، فأجلستها على كرسي وقالت ~~لأحد الخدم: أسرع وائتنا بطبيب. # فأوقفته جوليا وقالت: إن جرحي قاتل لا تنفع فيه حيلة الأطباء، فأقفلوا النوافذ والأبواب ~~وأصغوا إلي. # وكان الطفل نائما في مهده نوم الملائكة، فقالت جوليا: إني قد أعيش ساعة بعد، فاجتهدوا أن ~~تسدوا الجرح بما يمنع سيل الدماء. # فأخذت الخادمة منديلها وضمدت جرحها، فنظرت جوليا نظرة حنو إلى طفلها، وقالت لمن حولها من ~~الخدم: احرصوا عليه كل الحرص إلى أن يعود المركيز دي مورفر، ولا تفارقوه لحظة حتى ~~يأتي. # وكان صوتها يخفت، وبدأت ms1626 قوتها تتلاشى، فنظرت إلى الخادمة، وقالت لها: إنك تجدين في عنقي ~~مفتاحا صغيرا، وهو مفتاح صندوق صغير في غرفتي، فإذا مت انزعيه من عنقي وأعطيه للمركيز، ~~وقولي له: إنك تجد في الصندوق إيضاح السر. # وكان هذا آخر ما قالته، فتلاشت قواها وتجمعت حياتها في عينيها التي كانت تنظر بهما طفلها ~~النائم، ثم أطفئ نظرها وأطبقت عيناها، فأدركتها الوفاة وعادت تلك الروح إلى مبدئها. # وجعل كل من أولئك الخدم ينظر إلى رفيقه نظرات تدل على الرعب، وكانوا حديثي العهد بخدمتها، ~~فلم يتعلقوا بها بعاطفة الإخلاص، غير أنهم كانوا شاعرين بثقل وطأة تبعة هذه الحادثة عليهم، ~~فجعلوا يتساءلون عما يجب أن يصنعوه. # فقالوا: إن سيدتنا أوصتنا بالحرص على الطفل، وهو ما يدل على أن الطفل معرض للخطر. وإذا ~~بقينا بقربه، ألا نتعرض نحن أيضا لهذا الخطر؟ # فاعترضتهم الخادمة وقالت: لقد وعدنا هذه السيدة القتيلة أن نحمي طفلها، وأن لا نبرح هذه ~~الغرفة حتى يأتي المركيز. # فخجل الخدم حين رأوا تحمسها، وحملوا القتيلة إلى سريرها، وعادوا إلى الغرفة التي كان فيها ~~الطفل، فلم يطل انتظارهم حتى سمعوا وقع حوافر جواد؛ فأيقنوا أنه جواد المركيز. # ودخل المركيز إلى ذلك المنزل وهو يتوقع أن يرى جوليا في الدار، فلم ير أحدا. # وكان الخدم حين حملوها إلى غرفتها مروا بها من الدار، فسالت دماؤها عليها، ولم يكن هناك ~~نور، فشعر المركيز أن قدميه تدوسان فوق مادة سائلة، فأخذ علبة الكبريت من جيبه وأشعل عودا من ~~عيدانها، فرأى الدم وصاح صيحة منكرة وجعل ينادي جوليا فلم يجبه أحد. # فأسرع عند ذلك إلى غرفتها، وفتح بابها بيد تضطرب، فوجد شمعتين منارتين حول سريرها، ورأى ~~حبيبته مسجاة على السرير ميتة لا حراك فيها، فأيقن أن أحد هذين الرجلين الخفيين قتلها، فتهدد ~~السماء بقبضته، وأقسم على الانتقام من قاتلها، وكانت ساعة يأس هائلة. # ثم جاءه الخدم وأخبروه بما كان، وأعطته الخادمة مفتاح الصندوق، فأمر الخدم أن ينصرفوا إلى ~~غرفهم، وأخذ الصندوق ففتحه وأخرج منه كتابا مختوما ~~مكتوبا على غلافه هذا ms1627 العنوان: # إن هذا الكتاب إلى غوستاف دي مورفر الذي طالما أحببته بعد وفاتي، ولا يحق له فتحه ما ~~زلت في قيد الحياة. # وجلس المركيز على كرسي بجانب سرير القتيل، وفض الكتاب، وقرأ فيه ما يأتي: # حبيبي غوستاف # كنت كل ليلة حين تفارقني أخاف أن لا يكون بعد الفراق لقاء، فينقبض صدري ويستولي علي ~~رعب شديد. # إني محكوم علي بالقتل، أيها الحبيب ، وإنما هم يريدون قتلي؛ لأني عصيتهم فيك. # ألم تسمع بتلك الجمعيات السرية، التي كانوا يدعونها في العصور الوسطى بجمعيات القضاة ~~الأحرار؟! # إن قوانين هذه الجمعيات كانت تقضي بإعدام كل من لا ينفذ أوامرها، إذا ما عينته لقتل ~~عدو لها. # وأنا أصبت بهذا الحكم؛ لأنهم أمروني بقتلك، ولكنهم لم يريدوا أن تموت موتا سريعا، ~~بل موتا بطيئا سريا فعصيتهم، وكنت أقسمت لهم على تنفيذ أوامرهم فنكثت بهذه ~~اليمين. # وبدلا من أن أقضي عليك ذلك القضاء الهائل أحببتك وعبدتك، وكان قلبي يحدثني أني سأموت ~~من أجلك وفي سبيل هواك. # ولقد خدعتك يا غوستاف شهرا كاملا وكذبت عليك؛ لأني لم أكن تلك المرأة المسكينة التي ~~يضطهدها زوجها وأخوها كما قلت لك؛ لأن ما حدث يوم لقيتني في الشانزليزيه لم يكن غير فخ ~~نصبناه لك. # ويا ليتك لم تمر تلك الليلة في تلك الساعة، ويا ليتني لم أرك، فمن يراك ولا يهواك ~~وأنت على ما عرفتك به من النبل والجمال؟ # إني كنت من شر خلق الله نفسا وأدبا، فلما أحببتك طهرت نفسي من آثامها، وتمثل لي ذلك ~~الإثم الفظيع الذي عهد إلي تنفيذه بأقبح الصور، فأنفت من الجرائم كأني لم أرتكبها في ~~حياتي. # ولو علمت ماضي سيرتي وكيف اتصلت بأولئك الذين استخدموني؛ لقتلك العجب مما طرأ علي من ~~الانقلاب. # وهذه خلاصة سيرتي فاسمعها: إني في جميع ما رويته لك من الأكاذيب لم أكن صادقة، إلا ~~فيما رويته لك عن أصلي، فإني بلجيكية وقد ولدت حقيقة في بروكسل. # وبدء سيرتي أن أحد الألمان اختطفني وأنا في السادسة عشرة من عمري، وكان يحبني حب ~~جنون، ms1628 فأنفق علي أموالا كادت تذهب بثروة أهله. # وكان في مقتبل الشباب، فلما رأى أهله ما فعل بسببي فصلوه عني، وحبسوني في أحد السجون ~~عامين. # ثم خرجت من السجن، فعدت إلى بلدي فقيرة معدمة، ولم يكن لي أهل ولا أصدقاء، فنزعت ~~منازع الفساد وسرت أقبح السير، فبدأ سواد تاريخي منذ ذلك العهد. # ثم برحت بروكسل إلى باريس، وبرحت باريس إلى هولاندا مع رجل كان يعيش عيشة السعة، ~~ويدعو نفسه الكونت بت، وحقيقة أمره أنه كان رجلا يهوديا من فينيسيا برع براعة عظيمة في ~~سلب باعة المجوهرات. # وكان لديه عصابة منظمة لا تخالف أمره، فتسير معه إلى عواصم أوروبا، ويرتكبون فيها ~~أقبح المنكرات. # وقد كنت خليلة هذا الرجل، ولكني كنت أجهل جرائمه، وأحسب أنه حقيقة من الأشراف، فكان ~~يحسب الناس أنني امرأة له. # فاتفق أننا كنا مرة في لاهاي، فذاع خبر سرقة محل من أعظم محلات باعة الألماس. # ولم يكن في سبيل إلى الظن بالكونت بت؛ لاتصاله بالعائلات الكبرى ورفعة منزلته، ولكن ~~أحد رجال عصابته خانه، إذ لم ينل ما يستحقه من الغنيمة، فهرب من هولاندا بعد أن ترك ~~كتابا لرئيس البوليس يخبره فيها بتفاصيل السرقة. # وفي اليوم التالي كبس البوليس المنزل الذي كنا فيه، فوجد المجوهرات المسروقة، وقبض ~~على هذا الكونت الكاذب وعلى من معه، فحاولت إثبات براءتي ولكنهم لم يصغوا إلي، وبعد ~~التحقيق علموا أن هذا الكونت يهودي من لصوص فينيسيا وأني شقية من بنات الهوى. # وقد صدر الحكم علي وعليه بالسجن وبالكي في الكتف إشارة إلى جرائمنا، إنما كان ~~الحكم علي شديدا لا يحتمل، فقد كان منه أنه بعد أن يكوى كتفي بتلك الإشارة الخاصة ~~بالمجرمين، أنفى إلى إحدى المستعمرات، وأزوج على الكره مني بأحد المجرمين المنفيين، وهو ~~حكم هائل لو وجدت سبيلا للانتحار حين صدوره لفعلت. # والعادة في هولاندا أن تسفير المجرمين إلى المنفى يجري مرة كل ثلاثة أشهر، وقبل السفر ~~بليلة يحضرون آلة الكي إلى السجن، فيحمونها بالنار ويكوون المجرم الذي يريدون تسفيره أمام ~~المسجونين. # فأقمت في ms1629 ذلك السجن أحد عشر أسبوعا أنتظر ذلك العقاب الهائل في سجن فسد هواؤه، وقل ~~الطعام فيه، فكنت في أسوأ حالة من القنوط، غير أن رفيقاتي في ذلك السجن المظلم، كن يقضين ~~النهار والليل ضاحكات لاعبات، يترنمن بالأغاني والأناشيد، كأنهن في حفلة طرب، بل كن ~~يتغزلن بأولئك الأزواج الذين سيتزوجن بهم في المنفى، كأنهن سائرات إلى نعيم. # أما أنا فكنت إذا تمثلت يد الجلاد يكوي كتفي، وما سألاقيه في المنفى، يجمد الدم في ~~عروقي من الرعب. # وفيما أنا على هذه الحال أرسلت إلي الأقدار شيطانة بصورة إنسان، فعرضت علي إنقاذي ~~من السجن على أن أعدها بقتل رجل أعرفه. # ولما وصل المركيز إلى هذا المقطع من الكتاب خيل له أنه سمع وقع خطى في الحديقة، فقام إلى ~~النافذة وأطل منها، فلم ير أحدا فحسب نفسه واهما لاضطرابه، وعاد إلى الكتاب يتم تلاوته فقرأ ~~ما يأتي: # إن هذه المرأة التي اقترحت علي هذا الاقتراح كانت تلقب المصرية، وهي في الثانية ~~والعشرين من عمرها بارعة الجمال، وكانت مسجونة مثلي ومحكوما عليها كما كان محكوما ~~علي. إنما لم يعلم أحد منا نوع جريمتها التي سيقت من أجلها إلى السجن. # ولما جاء مأمور السجن، وأبلغنا أن موعد كي أكتافنا غدا، شعرت بخوف هائل، وتمكن مني ~~الذعر فجعلت أبكي بكاء شديدا وأعض كفي من اليأس. # فدنت مني تلك التي يلقبونها بالمصرية، وقالت لي وهي تبتسم: يظهر أنك خائفة. ~~- كيف لا أخاف وموعد تنفيذ العقاب غدا؟! # فتمعنت بي هنيهة ثم قالت لي: إنك بارعة في الجمال، ولا بد أن تكوني فتنت كثيرا من ~~القلوب. # فأجبتها: ولكني سيقضى علي غدا، ولا أحسب أني أحيى إلى تنفيذ العقاب. ~~- بماذا تكافئينني إذا أنقذتك من السجن؟ ~~- أهبك حياتي وأسفك من أجلك دمائي بشرط أن لا يمسني الجلاد، وأن لا ينفوني إلى ~~مستعمراتهم فيزوجوني بأحد اللصوص. # فنظرت إلي نظرة طويلة ثم قالت: ألديك سر مقدس تقسمين به فلا تنكثين؟ ~~- ليس لدي أقدس من تذكار أمي التي توفيت حين ولدتني. ~~- أتريدين النجاة؟ ~~- لا أريد ms1630 سواها، ولكن من عساه ينقذني؟! ~~- أنا! # فنظرت إليها نظرة انذهال، ثم غلب علي الشك بأمرها، وحسبتها تهزأ بي. فعدت إلى البكاء ~~وقلت لها: ولكنك سجينة مثلي فكيف تستطيعين إنقاذي؟ ~~- إني أنقذك وأنقذ نفسي. # وقد قالت لي هذا القول بلهجة تبينت منها الجد فأجبتها: إذن اشترطي علي ما تشائين. إني ~~أرضى بما تقترحين. ~~- أتقسمين على الوفاء؟ # ورفعت يدي وحاولت أن أقسم، فأوقفتني وقالت: لا تقسمي الآن إذ يجب أن تعلمي قبل القسم ~~ما أريده منك. ~~- تكلمي إني مصغية إليك. ~~- لي عشيق يهواني ويغار علي غيرة شديدة، حتى إنه ليقتلني إذا نظرت إلى سواه، وأنا ~~أهواه كما يهواني. غير أن له عدوا شديدا نغص عيشنا وقد أقسمنا على قتله. # ولكن طريقة الموت التي أعدها له لا تتم إلا على يد امرأة تحمله على الوقوع في شرك ~~هواها وهي ميتة بطيئة هائلة. # وقد عرضت نفسي لهذه المهمة، فرفض طلبي باحتقار وقال لي: إنه إذا لمس يدك فإني أقتلك ~~قبله. # وإنما رفض طلبي لشدة غيرته علي وشغفه بي، فهل تريدين أن تكوني تلك المرأة التي ~~نطلبها؟ # فارتعشت لهذا الاقتراح، وقلت: ما هذه الجريمة التي تعرضينها علي؟ إنها عظيمة ~~هائلة؟ # فقالت لي ببرود: إذا أبيت الامتثال لنا إني أجد كثيرات يقبلن بشرطي بين هؤلاء ~~السجينات، وإني أمهلك ساعة فاختاري بين ما تعده لك الحكومة من العقاب وبين ما أعده لك من ~~النجاة. # فاضطربت ونازعت نفسي إلى أن تمثل لي ذلك الجلاد بناره، فذعرت وهانت لدي ~~الجرائم. # وبعد ساعة عادت تلك المرأة وقالت: إن الصباح أوشك أن ينجلي، وقرب وقت مجيء الجلاد، ~~فوافقيني على النجاة قبل فوات الأوان. # فتغلب الرعب على عواطفي، وقلت: إني أرضى بما تريدين. # ثم أقسمت لها على الوفاء والخضوع مدة سنتين لها ولعاشقها وشيخ هو صديق العشاق، فقالت ~~لي: إذن قري بالا، فستخرجين من هذا السجن بعد ساعة. # فانذهلت وقلت: كيف يكون خروجنا؟ ~~- إنه سهل ميسور، فإننا رشونا السجان بالمال الجزيل، وسوف ترين أننا نخرج منه دون أن ~~يعترضنا أحد كما يخرج ms1631 المرء من منزله. # وقد وفت بوعدها فإنها غادرتني هنيهة، ثم عادت إلي وقالت: أسرعي فقد حان موعد قدوم ~~الجلاد. # فاضطربت لذكر هذا الاسم، وخرجت معها متأبطة ذراعها إلى ردهة السجن، فلم يعترضها أحد، ~~ثم دنونا من السجان وأنا لا أصدق بالنجاة، ورأيت السجان قد غض نظره كأنه لا يرانا. # فخرجنا وقد بدأت أشعة الصباح تنجلي، وركبنا مركبة وانطلقنا بها إلى الميناء ، وركبنا ~~قاربا صغيرا وسرنا به إلى سفينة شراعية كبيرة كانت متأهبة للمسير، فاستقبلنا فيها عاشق ~~تلك المرأة، وسارت بنا السفينة إلى فرنسا فبلغناها بعد ثمانية أيام. # وبعد شهر عزم أولئك الأشقياء على قتلك قتلا فظيعا، لا يخطر في بال الأبالسة. # أتريد أيها الحبيب أن تعرف كيف كانت طريقة هذا القتل الهائل؟ إذن فاسمع. ~~••• # وكانت الصفحة قد انتهت عندما وصل بالقراءة إلى هذا الحد، وبينما هو يقلب الصفحة التي ~~بعدها ليقف على حقيقة هذا السر الرهيب سقط فجأة على قفاه. # وذاك أن الشمعتين أطفئتا، وسمع دوي غدارة، وشعر بمادة مائية أصابت وجهه. فسقط على الأرض ~~طائش الرشد، وأفلت كتاب جوليا من يده. # وعند ذلك دخل رجل من النافذة المفتوحة، فأسرع إلى المركيز والتقط الكتاب، ثم عاد مسرعا ~~من حيث أتى قبل أن يثوب المركيز إلى رشده ويتمكن من النهوض. # أما ما أصاب المركيز فقد كان مؤلما وغريبا في حين واحد، ووجه الغرابة فيه أنه سقط على ~~الأرض بقوة غير منظورة إلا أنه لم يرها، وأما كونه مؤلما فإنه شعر أن جميع جسمه كأنه قد ~~احترق بمياه غالية، وأحس بمادة أكالة قد دخلت في عينيه. # وقد أصيب بألم شديد، حتى إنه بقي عدة دقائق ضائع الرشد، لا يعي على شيء، ولم يستفق من ~~إغمائه إلا بعد ربع ساعة، فشعر باختناق، وشم رائحة في هواء الغرفة تهيج القيء. # وكان أول ما فعله أنه أسرع إلى النافذة وهي لا تزال مفتوحة، فاستنشق الهواء النقي، وعاد ~~إليه صوابه، فافتكر بما حدث له، وأيقن أن ذلك من نتائج مادة أطلقت عليه ففعلت هذه ~~الفعال. # وحاول ms1632 أن يدنو من المستوقد ليقرع الجرس، فلم يستطع لملاشاة قواه؛ ولأن هذه الرائحة ~~المقيتة قد زادت فلم يجد بدا من الالتجاء إلى النافذة التماسا للهواء النقي. # وكانت الغرفة المقيم فيها مشرفة على الحديقة، والخدم يبيتون في غرفة لهم في تلك الحديقة، ~~فنادى أحدهم بصوت أبح فأجابه، فقال له: اصعد إلي حالا بمصباح فلا نور عندي. # فأنار الخادم مصباحا، وصعد به إلى مولاه، ولكنه ما خطا خطوة في تلك الغرفة حتى حدثت ~~أعجوبة أخرى، ارتعدت لها فرائص المركيز والخادم. # ذلك أنه حدث انفجار عظيم والتهبت النار تلك الغرفة فجأة، كأنما كانت مملوءة من الغاز، ~~فعلقت النار بشعر الخادم وملابسه، فترك المصباح وهرب منذعرا، وهو يصيح صياح الألم لا يلوي ~~على شيء. # ثم علقت النار بعده بالمركيز دي مورفر، لكنه لما رأى أن الغرفة بجملتها قد التهبت وأنها ~~أصبحت كانون، أسرع وألقى بنفسه من النافذة إلى الحديقة، فوصل إليها سالما وأطفأ ما علق ~~بثيابه من النار. # لكنه على ما أصابه من هذه الكوارث الفجائية لم يفقد رشده، ففكر بطفله وركض إلى الغرفة ~~التي كان نائما فيها، فوجده في مهده ورأى الخادمة جالسة بقربه وهي لا تعلم ما حدث. # فأخذه من مهده وخرج به فتبعته الخادمة، ولو تغافل عنه هنيهة لذهب فريسة النار. # وامتد اللهيب بسرعة من غرفة إلى غرفة حتى التهم المنزل بجملته، وباتت تلك القتيلة ~~المسكينة كتلة رماد. ~~••• # وقد مضى زمن طويل على تلك الحادثة الهائلة التي خفي سرها على المركيز إلى أن ذهب عنه ~~تأثيرها وراق باله، فذكر أنه قرأ مرة في إحدى الصحف الهولاندية عن اختراع علم من سر ذلك ~~الحريق. # وهذا الاختراع هو أن أحد علماء هولندا اكتشف طريقة لصيد الطيور بالبنادق، دون أن تقتل أو ~~تجرح أو تصيب بأذى. # وذلك أنه يحشو البنادق بالبارود حسب العادة المعروفة، ثم إنه بدلا من أن يضع فوق هذا ~~البارود قطعا من الورق والقماش حسب المعتاد، يضع قطعة من الشمع تسد مخرج البارود سدا ~~محكما، ويملأ أنبوبة البندقية من الماء، ثم ms1633 يسد فم الأنبوبة بقطعة أخرى من الشمع، فتمنع ~~القطعة الأولى اتصال البارود بالماء، وتمنع القطعة الثانية خروج الماء من أنبوبة البندقية، ~~قبل إطلاقها. # ثم يخرج بعد ذلك إلى الصيد، فإذا رأى طائرا أراد صيده وحفظه سالما، صوب عليه البندقية ~~وأطلقها، فينفجر البارود ويطرد بقوته المياه. فتخرج شبه إعصار وتسقط على الطائر، فتضيع رشده، ~~وتبل أجنحته فلا يستطيع الطيران ويسقط على الأرض ؛ فيأخذه الصياد حيا بفضل هذه الحيلة ~~الغريبة. ~~••• # فلما ذكر المركيز دي مورفر هذا الاختراع، أيقن أنهم أطلقوا عليه بندقية حسب الطريقة ~~نفسها، ولكنهم بدلا من أن يضعوا فيها ماء وضعوا مادة غازية، فلما أطلقوها انتشر الغاز ~~بالغرفة، ثم دخل الخادم بالمصباح فالتهب. # غير أن هذه الحيلة لم تخطر له في تلك الليلة لشدة ما أصابه من الاضطراب، فلم يكن يعي على ~~شيء. # ولقد تقدم لنا القول إن هذا المنزل الذي كان يقيم فيه المركيز مع جوليا كان معتزلا في ~~شارع مقفر، فلما أنقذ الطفل من الحريق خرج به إلى الحديقة، وتطلع إلى المنزل ورأى أن النار قد ~~علقت بجميع جوانبه، ولم يجد سبيلا لإطفائها، فهرع مع الخدم إلى الخارج وجعلوا يصيحون ~~ويستغيثون، فأسرع الناس لنجدتهم. # ولكن النار كانت قد التهمت المنزل بجملته، وجعلت تأكل نفسها إذ لم تجد ما تأكله. # أما جثة جوليا فقد ذهبت طعمة للنار، كأنما الأقدار أرادت كتمان سر مقتلها الذريع، وعاد ~~المركيز دي مورفر إلى منزله في باريس، وقد أخذ منه الاضطراب كل مأخذ. # ثم أطلق سراح الخادمين الإنكليزيين والخادمة الذين كانوا في خدمة جوليا، بعد أن أنعم ~~عليهم بالمال الجزيل، وسألهم كتمان سر مقتل سيدتهم. # قالت الفيروزة: وفي اليوم التالي عهد المركيز بطفله إلى مرضع، فعنيت بهذا الطفل دون أن ~~تقف على سره الهائل، الذي لا يزال إلى الآن من الألغاز الخفية. # الفصل الثالث عشر من كتاب الفيروزة # إني أكتب هذا الكتاب لك يا روكامبول؛ لأنك موضع ثقتي، وأنت رجائي الوحيد. # إنك علمت ماضي حياتي حين كنا ننغمس سوية في حمأة الجرائم والآثام، وحين ms1634 كنت وإياك آلة ~~لتنفيذ أغراض أندريا السافلة. # وأنت تذكر دون شك تلك الضربة الهائلة التي ضربتنا إياها باكارا، فكانت السبب في توبتنا ~~الصادقة. # وأما أنا فإني جننت بعد تلك الضربة الشديدة، فنقلوني إلى مستشفى المجانين، وأقمت فيه خمسة ~~أيام. # ثم قدر لي الشفاء فخرجت تائبة مستغفرة، ألتمس عفو الله عن ذنوبي السابقة، وأرتزق بالعمل ~~الشريف، وإن تلك الحسناء التي كانوا يلقبونها بالفيروزة، والتي لعبت بفرناند روشي وليون ~~رولاند، والتي كانت تجرح خطرات النسيم خديها، ويدمي الحرير بنانها، باتت عاملة فقيرة تشتغل ~~الليل والنهار، فتعيش من كسب يديها، وتنفق ما زاد عنها على الفقراء لإيثارها عيشة الصلاح على ~~عيشة الفجور. # إن ما لقيته من المتاعب والمشاق لم يؤثر على جمالي، فكنت أبذل كل جهد كي أحجب هذا الجمال، ~~فلا أتأنق بملبس ولا أحفل بزينة، ولكن كل ذلك لم يمنع ازدحام العشاق، فكانت رسائلهم ترد إلي ~~من كل صوب، فلم أكترث لأحد منهم لاعتقادي أن قلبي ماتت فيه عواطف العشق. # وكان بجوار منزلي أرملة تناهز الأربعين، وعندها غلام في الثانية أو الرابعة من سنيه، ~~فاستحكمت أواصر الصداقة بيننا، وكنت أحسب في البدء أن الغلام ولدها، ولكنها أخبرتني أنه ليس ~~ولدها، وأنها لا تعرف اسمه ولا أهله؛ لأن رجلا عهد به إليها، وعين لها نفقته مائة فرنك في ~~الشهر، فكانت تعيش وإياه من هذه النفقة. # وكان يجيئها في الأسبوع رجل شاب، يرتدي بملابس العمال، فيتفقد الغلام. # وقد قال لهذه الأرملة: إني لست والد الطفل، لكن أهله عهدوا إلي بمراقبته والاعتناء ~~بأمره، وهم من غير هذه البلاد. # وكنت أزور جارتي في كل يوم، فاتفق مرات كثيرة أني رأيت عندها ذلك الرجل، فكنت أتمعن به ~~وأتفرس في وجهه، فلا أرى هيئته توافق ملابسه الرثة، وعلمت من يديه الناعمتين أنه من أهل ~~الترف، وليس من أهل المهن في شيء، وإنما كان متنكرا بأزياء العمال لغرض من الأغراض خفي علي ~~في ذلك الحين. # وكان صبوح الوجه، جميل الطلعة، رشيق القوام، حلو الحديث، ولا يتسع المقام الآن لتفاصيل ms1635 ~~الحب، فأقتصر على القول: إني شعرت بعد ستة شهور أني جذبت إليه، وأن قلبي تنبهت فيه تلك ~~العواطف القديمة فأحببت هذا الرجل، وهو المركيز دي مورفر. # وكان المركيز قد أسف أسفا شديدا على جوليا وبكاها زمنا طويلا، ثم دملت الأيام جرحه ~~وتحول حنانه إلى غلامه، وبقي مفكرا مهموما؛ لأنه كان يخشى على الغلام من الذين قتلوا أمه، ~~ولهذا كان يتنكر بملابس العمال حين يتفقده كي لا ينبه إليه أنظار أولئك الأعداء الذين لم ~~يعرفهم فلا يعرفون مكان الطفل. # وبعد عام كنت أراه في خلاله معظم الأيام، فقد ماتت تلك الأرملة وعهد بغلامه إلي، فعشت ~~معه وأحبني حبا شديدا، وباح لي بجميع تلك الأسرار التي بقيت خفية، ولو لم ينتزعوا منه كتاب ~~جوليا لزال الخفاء عن كل هذه الغوامض. # وكان كلما كبر الولد ونما يزيد قلق المركيز عليه، ويكثر اهتمامه بمستقبله، وقد قال لي ~~يوما: أصغي إلي، إن الذين قتلوا أمه هم أعدائي، وذلك لا ريب فيه عندي. # غير أني لا أعرف هؤلاء الأعداء، فإني أعرف أنه كان لي عدوان لدودان وهما: الدوق دي ~~فنسترنج وبرديتو وكلا الاثنين ماتا، فإن أحدهما مات غريقا، والآخر أعدم شنقا، فلا بد ~~إذن أن يكونوا غير هذين العدوين، وقد يكون أعدائي محيطين بي وأنا لا أعلم إذ لا أعرف لي ~~عدوا غير هذين. # وإن لي ثروة عظيمة ولست بمتزوج، فإذا مت فجأة أو قتلت دون أن أكتب وصيتي يرث هذه ~~الثروة الطائلة أقارب بعيدون عني يتسمون باسم عائلتي لكني لا أعرف منهم أحدا. # ولذلك اتخذت الاحتياطات اللازمة حتى إذا مت فجأة لا يصبح ولدي من غير مال. # فقلت له: ماذا فعلت؟ ~~- إني أخذت ثروة الدوقة دي فنسترنج، وأضفت إليها كل ما لدي من المال، بحيث لم أبق غير ما ~~عندي من المنازل والأراضي. # وقد بلغ هذا المال الذي جمعته أربعة ملايين فرنك، وكله أوراق مالية فخبأته في مكان لا ~~يستطيع أحد أن يدري به إلا أنا وأنت، وإني أحب أن أدلك على المكان كي تدفعي ms1636 بالمال لولدي إذا ~~أصبت بمكروه. # وكانت الساعة العاشرة حين كان يقول لي هذا القول، وكان الغلام نائما فقال لي: هلمي معي ~~إلى منزلي في الشانزليزيه فقد خبأت المال فيه. # وكان عندي خادمة شديدة الإخلاص فعهدت إليها بالطفل، وسرت مع المركيز فركبنا مركبة وذهبنا ~~إلى منزله في الشانزليزيه. # الفصل الرابع عشر من كتاب الفيروزة # وكان للمركيز قصر في ذلك الشارع له باب خاص في شارع سيرسنس لا يدخل منه سواه ويكتنفه ~~حديقة متسعة الأرجاء. # فدخل بي المركيز من الباب الخاص، واجتاز بي الحديقة ثم دخلنا إلى المنزل، ولم يكن فيه ~~أحد، فسر المركيز وقال: يسرني أن لا يراك أحد عندي كي لا ينتبه أحد إلى ولدي. # ثم دخل بي إلى غرفة متسعة، فأنار شمعة كانت على المستوقد، وقال لي: يوجد في هذه الغرفة 4 ~~ملايين فرنك أتعلمين أين هي؟ ~~- أين لي أن أعلم؟ ألعلها في هذه الخزانة؟ ~~- كلا. ~~- أفي هذا الدرج؟ ~~- كلا، ولكن تقضين العمر باحثة على هذا المال في هذه الغرفة دون أن تهتدي إلى ~~مكانه. # ثم أشار بيده إلى إناءين من الأواني التي توضع فيها الأغراض المنزلية، وقال لي: إن المال ~~في أحد هذين الإناءين فابحثي عنه. ~~- في أيهما؟ ~~- لا أعلم، إن الخدم يغيرون مواضعهما في كل يوم. # فدنوت من أحدهما ورفعت منه صندوق الصفيح الذي توضع فيه الأزهار فلم أر تحته شيئا. # ابتسم وقال لي: ابحثي علك تجدين. # حسبت أنه يوجد أيضا صندوق سري، فمددت يدي وجعلت أبحث راجية أن أظفر بلولب سري فلم أظفر ~~بشيء. # وكان بجانب الإناء عمودان من الخشب ملتصقان به بالظاهر، فدنا المركيز من أحد العمودين، ~~فضغط على زر يشبه طابع المسمار، فانفصل العمود عن الإناء، فأخذه المركيز وقال لي: إن هذا ~~العمود مثقوب من الداخل، وقد خبأت فيه المال فانظري ... # ثم ضغط على زر آخر في العمود، ففتح غطاء الثقب، فمد يده وأخرج لفافة من الأوراق المالية ~~قيمتها 4 ملايين فرنك، وبعد ذلك ردها إلى موضعها، وأرجع العمود إلى جانب الإناء فالتصق به ms1637 كما ~~كان. # فقلت له: لقد أجدت غاية الإجادة باختيار هذا المكان لتخبئة المال؛ إذ لا يخطر هذا الموضع ~~لأحد في بال، ولكننا لنفرض أنك مت ذلك الموت الفجائي الذي تخشاه ألا يبدءون بوضع الأختام على ~~منزلك؟! ~~- دون شك. ~~- ألا يستولي ورثاؤك على ما فيه، فكيف أنال هذين الإناءين؟ ~~- لقد أخطأت، إني توقعت كل شيء، وذلك أني كتبت وصيتي، فأوصيت بجميع أملاكي وأطياني ~~لعائلتي التي تسمى باسمي، ولكني وهبت كثيرا من أصدقائي هدايا مختلفة مثال ذلك: أني وهبت ~~مكتبتي للفيكونت مونتيجرون، ومجموعة أسلحتي للبارون هبنسون، ووهبتك أنت هاتين الآنيتين باسم ~~حنة دلاكور الملقبة بالفيروزة، فمتى اطلع ورثائي على هذه الوصية يقنعون بأموالي، ويسلمون هذه ~~الهدايا لأصحابها، فتأخذين الإناءين وفي إحداهما المال. ~~- لقد علمت الآن، وقاك الله ما تخشاه ولا أصابك مكروه. # ومر على ذلك العهد عدة شهور، وكان الولد يشب وينمو والمركيز يهدأ ويطمئن، إلى أن ورد إليه ~~ذات يوم كتاب من لندرا اضطربت له حواسه، فدفعه إلي بعد تلاوته، وقرأت ما يأتي: # بينما المركيز دي مورفر يتنعم بملذاته آمنا مطمئنا في باريس، وهو يعتقد أنه ليس ~~عليه واجب يقضيه، نجد عدوه الهائل وعدو كل أسرته يهزأ به وهو مقيم في إنكلترا على أتم ~~الهناء والغبطة. # إن المركيز دي مورفر حسب أن الدوق دي فنسترنج قد مات وأكلته أسماك البحار، ولكنه أخطأ ~~في زعمه فإن هذا الدوق لا يزال حيا يرزق، وقد أوهم المركيز دي مورفر أنه مات كي ينجو من ~~انتقامه. # فإذا كان المركيز دي مورفر لم ينس اليمين التي أقسمها لأمه قبل موته، وإذا كان لا ~~يزال راغبا في الانتقام لأبيه، فليبرح باريس في الحال وليسرع إلى لندرا، فإذا وصل إليها ~~فليذهب توا إلى خمارة الملك جورج في ناحية وينغ، وليقل لصاحب هذه الخمارة واسمه ~~كالكراف: أنا ذلك الذي كتب إليه أن يحضر وهو يخبره عند ذلك أين يقيم الدوق دي فنسترنج ~~وكيف يجده. # وكان هذا الكتاب دون توقيع، فلما قرأت ما فيه حدثني قلبي أن هذا الكتاب فخ ms1638 نصب للمركيز، ~~وقلت له: إياك أن تذهب إلى لندرا. # انذهل لكلامي وقال: لماذا؟! ~~- لأني أخاف أن يكون الكتاب مكيدة. # لم يكترث لكلامي، وقال: إذا كان الدوق حيا كما يقولون في هذا الكتاب لا بد لي من ~~الانتقام لأبي. # وقد بكيت كثيرا وتوسلت إليه أن لا يسافر فلم يجد البكاء، ولم ينفع التوسل وسافر في ~~الليلة نفسها. # وفي اليوم التالي وردني منه هذه الرسالة : # الكتاب زور وكالكراف لم يفهم شيئا مما قلت له، ولم يسمع في عمره اسم الدوق دي ~~فنسترنج، سأعود في هذه الليلة وأكون غدا في باريس. # ولكنه لم يعد في اليوم التالي كما قال، وتوالت الأيام وكنت أعد ساعاتها دون أن ~~يعود. # وبعد ثمانية أيام بينما كنت مسترسلة إلى عوامل اليأس إذ دخل علي المركيز، فصحت صيحة لم ~~تكن صيحة فرح لعودته، بل صيحة ذعر لرؤياه؛ فإني وجدته قد نحل حتى بات كأنه خيال نفسه. # الفصل الخامس عشر من كتاب الفيروزة # ولقد قلت: إن مورفر قد نحل وبات خيالا، وهي حقيقة لا مجاز فيها، فإن لون وجهه كان يشبه ~~الأموات، وإذا مشى يسقط لضعفه ولا تستقر قدماه، وقد شخص بصره واسترخت شفتاه. # ولما رأيته على هذه الحالة ذعرت ذعرا شديدا، وقلت: بالله قل لي ما دهاك؟ # ولكنه لم يجبني بل ذهب إلى الغرفة الثانية التي كان فيها ولده. # وكان الغلام نائما فدنا منه، وجعل ينظر إليه ويتأمل وجهه دون أن يفوه بكلمة، كأنه كان ~~يلتمس من النظر إلى ولده قوة تعينه على الكلام. # وبعد حين عاد إلي وعيناه مغرورقتان بالدموع فمد يده لمصافحتي وقال: اغفري لي. ~~- عن أي شيء تريد أن أغفر لك؟ # فارتعش المركيز وقال: لا أعلم ... # ثم ابتسم ابتسام الأبله، وعاد فقال: لا أعلم ... إني مجنون ... لا تسأليني عن شيء الآن ... ~~أخبرك بكل شيء. # ولم تعد ساقاه تحملانه، فسقط على كرسي واهي القوى. # وأقام في منزلي مدة شهر لم يخرج منه، وكان ذلك في زمن صيف، ومعظم أصحابه برحوا باريس ~~للاصطياف، فلم ينتبه أحد لاحتجابه، وكان ms1639 الناس يعتقدون أنه لا يزال في باريس. # وبعد شهر عاد إليه هداه، وعادت معه العافية فزالت آثار البلاهة والجنون، وانطلق لسانه ~~بالكلام فقال لي يوما: أتعلمين أيتها الحبيبة أني كنت في عداد المجانين؟ # فنظرت إليه ولم أجسر على سؤاله. ~~- نعم إني كنت مجنونا، وكان جنوني من الغرام حتى نسيتك ونسيت ولدي، بل إني نسيت نفسي ولم ~~أذكر اسمي. # والآن فقد زال والحمد لله ما كنت أشكوه على أني لا أزال أعتقد أن هذه المرأة ليست من ~~البشر، ولا شك أنها من الأبالسة فقد سحرتني. # فاضطربت لكلامه ورأى مني دلائل الاضطراب، وقال: اطمئني أيتها الحبيبة فسأخبرك بكل شيء كي ~~تعلمي أن جنوني قد زال وعاد إلي الصواب، وهذه خلاصة ما رواه من قصتها: # إنه سافر إلى لندرا من باريس في الساعة الثامنة مساء، فبلغ إليها في الساعة الخامسة من ~~الصباح، واستراح هنيهة وأكل، ثم ركب مركبة وأمر الساق أن يذهب إلى وينغ. # وقد ذهل السائق حين رأى رجلا تدل ملابسه وملامحه أنه من الأعيان، يحاول الذهاب إلى تلك ~~الناحية التي لا يذهب إليها غير الرعاع، وقد زاد انذهاله حين أمره المركيز أن يذهب به إلى ~~خمارة الملك جورج؛ لأن هذه الخمارة كانت مشهورة لدى الخواص والعوام، لا ينتابها غير اللصوص ~~وكبار المجرمين. # غير أنه لم يسعه إلا الامتثال، فأوصله إلى باب تلك الخمارة، ودفع له المركيز أجرته وأطلق ~~سراحه. # ودخل المركيز إلى الخمارة، فذهب توا إلى صاحبها كالكراف (الذي تقدم ذكره في الروايات ~~السابقة) فقال له: أأنت كالكراف صاحب هذه الخمارة؟ ~~- نعم ياسيدي. ~~- إذن أنا هو الرجل الذي تنتظره ... # وقد قال له نفس العبارة التي قرأها في الرسالة الواردة إليه. # أما كالكراف ظهر منه الاندهاش، وقال له: إني لا أنتظر أحدا يا سيدي. # فأخذ المركيز الرسالة من جيبه وأطلعه عليها. # فزاد اندهاشه، وقال: إنه لا يعلم شيئا من هذا الحديث. ~~- ولكن ألا تعرف الدوق دي فنسترنج؟! ~~- هذه أول مرة يا سيدي سمعت فيها هذا الاسم. # وكان يتكلم بلهجة تدل على الصدق ms1640 لم تدع أقل مجال للشك بصدقه. # وعاد المركيز إلى الفندق الذي كان نازلا فيه، وأرسل إلي ذلك التلغراف الذي ذكرته من ~~قبل. # وأقام في غرفته بقية يومه إلى أن حان موعد السفر، وذهب إلى المحطة كي يعود إلى باريس فوجد ~~القطار قد سافر فاضطر للانتظار إلى الصباح. # وعاد إلى الفندق، وقال في نفسه: لا ريب أن هذا الدوق لا يزال حيا، وقد أجده في خمارة ~~الملك جورج، فإن الرجل الذي كتب لي هذا الكتاب قد يكون أراد أن يخبر كالكراف بما كتبه لي، ثم ~~حال حائل دون قصد، إذ لا يعقل أن يكتبوا لي مثل هذا الكتاب كي أحضر فلا أجد أحدا، ولا شك أن ~~كاتب هذا الكتاب عارف بجميع أمري، ولا بد إذن أن يكون في الأمر سر سأكتشفه في الخمارة. # وكان يعلم أنه لا بد له من التنكر إذا أراد الذهاب إلى تلك الخمارة، فإن من يذهب إليها من ~~كرام الناس في الليل كان الخطر عليه شديدا، وذهب إلى بائع ملابس فاشترى بدلة بحار قديم، ثم ~~خلع ملابسه ولبسها، وبعد ساعة كان في تلك الخمارة الهائلة. # ولما وصل إليها وجدها غاصة بالشاربين، ورأى من فظاعة أولئك السكارى وروائح شرابهم ما ~~هاله، ولكنه صبر راجيا أن يقف على شيء من أمر الدوق، فجلس على مائدة وطلب من الخادم أن يأتيه ~~بكأس من الشراب. # الفصل السادس عشر من كتاب الفيروزة # وكان المركيز لا يرى شيئا من حوله حين دخوله؛ لكثرة دخان التبغ المتكاثف في تلك ~~الخمارة. # ولكن نظره لم يلبث أن ألف ذلك الدخان، فجعل ينظر إلى زبائن الخمارة، فلم يجد بينهم غير ~~بحارة ولصوص ومومسات، وكلهم يشربون ويضحكون، فلم ينتبه أحد منهم إليه؛ لأنه كان متنكرا ~~بملابسهم حتى إن صاحب الخمارة نفسه تظاهر أنه انخدع بتنكره فلم يلتفت إليه. # وكان بين النساء فتاة أرلندية شقراء الشعر ذات جمال فضاح استلفتت إليها جميع ~~العيون. # وكانت تغني غناء بدويا بصوت رخيم، فيصفق لها الحضور تصفيقا عظيما لافتتانهم بها ~~وبصوتها، والمركيز ينظر ms1641 إليها مع الناظرين دون أن يفهم كلمة من أناشيدها. # وكان يتطلع إليها ويشعر باضطراب كأنما عيناها قد سحرتاه وجذبتا فؤاده بمغناطيسهما. # وكانت ظواهر الفتاة تدل على أنها متسولة، وأنها تغني في تلك الخمارة للارتزاق، فكانت لا ~~تنقطع عن الغناء إلا لشرب كأس يقدمه لها أحد المفتونين بها، فتنظر إليهم نظرات تدل على عدم ~~الاكتراث حتى إذا رأت المركيز نظرت إليه نظرة خاصة، كأنما قد راق في عينيها فتكهرب جسمه لهذه ~~النظرات. # ثم تعود إلى الغناء فإذا أنشدت نغما حنونا شفعته إلى المركيز، فكان يغض من طرفه كأنه لا ~~يطيق احتمال تلك التطلعات. # وطال غناؤها وتواترت تطلعاتها واشتد اضطراب المركيز، حتى إنه حاول الفرار لخوفه من عواقب ~~جمالها الفتان، فتحفز للقيام، وكأنما أدركت قصده فنظرت إليه نظرة تشف عن غنج ودلال، فلم يطق ~~الوقوف وعاد إلى الجلوس حيث كان. # وتابعت الإرلندية غناءها، ورأى المركيز أن يقتدي بالحاضرين، فطلب كأسا ثانية من الشراب ~~فجاءه الخادم بما طلب، وأشعل له سيكارة دون أن ينتبه المركيز إلى نظرة سرية تبودلت بين ~~الإرلندية وبين الخادم. # ولما جعل يدخن بها أحس أن تبغها أشد مما كان تعوده، فلم يبال وجعل ينظر إلى الفتاة بشوق ~~وإعجاب. # ثم أحس بانحطاط عام في جسمه كان يتزايد بالتدريج، كأنما هذا الانحطاط قد تولاه من تأثير ~~عينيها، أو من مخدر وضع في شرابه أو في النار التي أشعل منها سيكارته. # ولم يطل به العهد على هذه الحالة حتى أحس بطنين في أذنيه وتثاقل جفناه، فبذل جهدا عظيما ~~كي يتمكن من فتح عينيه، ولكنهما أطبقتا وغلبه النعاس، فسقط ذراعاه على المائدة ونام، وتابعت ~~الفتاة غناءها، وحسبه الحاضرون قد سكر، ولم يكترث به أحد. # غير أن نومه لم يكن نوما طبيعيا، فإن عينيه كانتا مقفلتين ولم يكن يستطيع حراكا، ~~ولكنه كان يسمع كل حديث يدور حوله، ويفقه كل معانيه في حالة صحو تام. # ثم انقطعت الإرلندية عن الغناء، وأعلن كالكراف لزبائنه أن الليل قد انتصف، فأمر بإطفاء ~~المصابيح، وانصرف الزبائن واحدا بعد واحد، ms1642 وأحس المركيز أنه بات وحده في هذه الخمارة، وحاول ~~جهده كي يتمكن من الحركة وفتح عينيه فلم يستطع، وكان كالنائم أصيب بكابوس. # ثم سمع كالكراف يقول: لندعه نائما. # فقال له الخدم: أليس الأولى بنا أن نلقيه خارج الخمارة؟ # ثم سمع صوتا يقول: كلا فإني سآخذه أنا. # فارتعش المركيز إذ علم أن هذا الصوت صوت الإرلندية. # ثم أحس أن يدا قوية أوقفته، وسمع الإرلندية تقول: إني أعطيك مائة جنيه إذا أوصلته إلى ~~شاطئ التاميز حيث تنتظرني مركبتي. # فبذل المركيز كل ما أمكنه من الجهد كي يستفيق، فلم يستطع وقال في نفسه: إني حالم لا شك ~~وإلا فكيف تكون هذه المتسولة على ما رأيتها من الفقر، ثم تهب مئات الدنانير ويكون لها مركبة، ~~ولا ريب أني حالم مصاب بكابوس، وعند ذلك أحس أنه محمول على كتف كالكراف، وأنه خرج من الخمارة ~~فاستنشق الهواء النقي. # الفصل السابع عشر من كتاب الفيروزة # وكان المركيز على هذه الحال، وهو لا يدري إذا كان حالما أو مخدرا. # وأحس أن كالكراف وقف، وسمع الإرلندية تقول: قد وصلنا. # فوضعه في المركبة التي كانت تنتظر عند شاطئ التاميز، وكان سمعه قد رق وانجلى وانصرفت إليه ~~قوى حواسه بجملتها، وكان يسمع كل شيء وهو نائم نوم الأموات لا يستطيع حراكا. # وسمع صوت السائق يقول: أين تريد أن تذهب ميلادي؟ # فأجابته الإرلندية: إلى القصر. # فانطلقت المركبة تنهب الأرض بجيادها المطهمة. # أما المركيز فقد كان انذهاله عظيما من هذه الحادثة الغريبة، فإنه رأى هذه الإرلندية في ~~أشد حالة من الفقر، ثم رآها تهب صاحب الخمارة مائة جنيه، ثم رآها تركب مركبة فيدعوها السائق ~~ميلادي، وهو لقب النبيلات، فكيف هذا التناقض؟ وما كان غرضها بالتنكر؟ وأي شأن لها في ~~اختطافه؟ # كل هذه الغرائب أشكلت عليه وشغلته حتى إنه تمنى لو خسر كل ماله وتمكن من فتح ~~عينيه. # ولكن التخدير كان بالغا منه أقصى حدوده، وظلت المركبة تسير نحو عشر دقائق فوقفت وسمع ~~المركيز أن بابها قد فتح، وأحس أن شخصا وقف بباب المركبة، ms1643 ودار بينه وبين الإرلندية الحديث ~~الآتي: قال الرجل: ماذا فعلت؟ ~~- هذا هو فقد أتيت به. ~~- ألعلك خدرته؟ ~~- دون شك فانظر إليه. ~~- نعم هو بعينه. # فقال المركيز في نفسه: أذكر أني سمعت هذا الصوت، ولكني لا أذكر أين ومتى. # وعاد الرجل إلى الحديث، فقال: لو تعلمين مقدار غيرتي لما أقدمت على اختطافه. ~~- ما هذه الحماقة؟ ~~- ليس ما أقوله حماقة، فإني موقن أنه سيهواك. ~~- ربما ... ~~- وأنت؟ # فأجابته الإرلندية ضاحكة ضحك الساخر من قوله، ثم سكتت هنيهة وقالت: يجب علي قضاء هذه ~~المهمة التي لا يقدم على قضائها أحد. # فأن الرجل أنين الموجع، وقال: إنما لا تنسي أنك إذا ~~نقضت عهودك أقتلك شر قتل ... # فضحكت أيضا وقالت: إني لا أخافك. # وعند ذلك أطبق باب المركبة فعادت إلى سيرها. # فزاد اضطراب المركيز ازدياد الإشكال، وشدة تعقد هذا اللغز؛ إذ لم يذكر هذا الرجل الذي ~~كلمها، ولم يعلم ما يريد ولم يدرك ما قصده من هذا التهديد. # وكان المركيز شجاع القلب غير أنه أحس بخوف شديد في تلك الساعة فذكرني وذكر ولده. # وظلت المركبة تسير حتى وقفت عند باب، فأحس أن الباب قد فتح، وأن رجلين أقبلا إليه فأخرجاه ~~من المركبة وحملاه، فصعدا به سلما حتى انتهيا إلى قاعة مفروشة بالطنافس، فوضعاه على مقعد ~~فيها وخرجا بأمر الإرلندية. # وعند ذلك سمع الإرلندية تعزف على البيانو، وتغني ذلك الغناء البدوي نفسه الذي كانت تغنيه ~~في خمارة الملك جورج. # وبعد حين أحس المركيز أن حواسه بدأت تعود، وكان أول ما عاد إليه حاسة الشم، فشم رائحة ~~عطرية وجد بها لذة خاصة غريبة. ~~••• # وهنا توقف مرميس عن القراءة وقال: لقد عرفت هذه الرائحة. # فقالت له فاندا: كيف ذلك؟ ~~- عرفتها حين كنت في أسر البستانية الحسناء، فإنها تنتج عن ضباب كثيف تخرج منه هذه ~~الرائحة العطرية المسكرة، ولا شك عندي الآن أن هذه الإرلندية المتسولة هي نفس تلك المرأة التي ~~يراقبها ميلون؛ أي البستانية الحسناء بعينها. # فقالت له فاندا: ربما صح قولك فأتم القراءة لنرى. # فعاد مرميس إلى القراءة، ms1644 وتلا ما يأتي: # الفصل الثامن عشر من كتاب الفيروزة # وكان الدخان يتصاعد في تلك القاعة التي كان فيها المركيز ويتكاثف فيحيط به، ويملأ خياشيمه ~~ورئتيه، فيرد إليه الحياة ويشفيه تباعا من ذلك التخدير. # وبعد أن عادت إليه حاسة الشم عادت إليه حاسة النظر، ففتح عينيه ورأى ضبابا كثيفا رطبا ~~شفافا، فكان يرى من خلاله جميع موجودات تلك القاعة. # وقد رأى أنه في قاعة بديعة مفروشة بأثمن الأثاث الشرقي، ورأى مصباحين جميلين موضوعين فوق ~~المستوقد. # وكانت الإرلندية لا تزال جالسة على البيانو تعزف عليها تلك الألحان البدوية، ولكن المركيز ~~كان نائما على مقعد وراءها، فلم ير وجهها، وجعل يقول في نفسه: أيمكن أن تكون هذه المرأة تلك ~~الإرلندية التي لقيتها في خمارة الملك جورج؟! # إني سمعت صوتها وأناشيدها، فهي ذات الأناشيد التي سمعتها في خمارة الملك جورج. # والصوت نفس صوتها الرخيم، ولكن ما هذا الثوب الذي تلبسه، وما هذا الجلال الذي تبدو فيه؟ ~~وما هذه القاعة التي أنا فيها؟! # ثم قال بصوت مرتفع وقد أشكل عليه حل هذه الألغاز: ولكن أين أنا؟! # فسمعت الفتاة صوته وانقطعت عن الغناء، ثم التفتت إليه فصاح صيحة دهش عظيمة وقال: هي ... ~~هي! # وقد رأى تلك المرأة التي خلبت لبه، لكنه لم يجدها تلك الإرلندية ذات الثياب الخلقة ~~الرثة، بل رآها بمظهر السيدات العظيمات، وقد لبست ثوبا من الحرير الأبيض يشف عن معصمين ~~كالمرمر وصدر كالعاج، وهي تبتسم ابتساما يفتن النساك، فلم يتمالك عن الدهشة وترديد ذكر ~~تلك المحاسن. # كان الدخان قد تكاثف وأحس برائحة عطرية تنبعث منه فتخدر دماغه، وحدث له نشوة ~~الشاربين. # أما الإرلندية فإنها أقبلت إليه بتيه ودلال، فمدت له يدها المترفة الناعمة وقالت: السلام ~~على المركيز. # فارتعش المركيز حين لمست يده كأنه قد مس آلة الكهربة، فوثب عن المقعد وركع أمامها وقبل ~~يديها، وجعل ينظر إليها نظرة هيام ويقول لها: ما أبدع هذا الجمال! # فابتسمت له وقالت: لقد سمعت من غيرك هذا القول. # ثم أخذت كرسيا فأدنتها منه، وجلست بقربه فقالت له: ms1645 ربما ظننت أنك حالم، ولكنك في أتم ~~اليقظة، فإنك نمت في خمارة كالكراف واستفقت عندي. ~~- إني لم أكن نائما يا سيدتي. ~~- هو ما تقول فإنك كنت تسمع مدة رقادك كل ما كان يقال حواليك، وقد ذهلت حين علمت أن هذه ~~الإرلندية الفقيرة تهب المئات ولها قصور ومركبات. ~~- هو ذلك، ولكني لا أفهم شيئا من جميع الألغاز. # ثم جعل ينظر إليها نظرات دهش وحيرة تشير إلى أن كل ما يجري حواليه هو فوق عقول ~~البشر. # فابتسمت له وقالت: ألم تقرأ قصة ألف ليلة وليلة؟ ~~- نعم. ~~- إذن افترض أني السلطانة شهرزاد، وأنك بدلا من أن تقرأ حكاية مكتوبة ترى حكاية ممثلة. ~~ولا تسألني كيف عرفت اسمك وكيف جئت بك إلى هنا؛ فإن جهدك يذهب سدى. ~~- إن جمالك الفتان يشغلني عن كل سؤال. ~~- إذن أنا جميلة في عينيك؟ ~~- بل أنت حورية هربت من السماء. ~~- ألا تخشى أن أكون من الأبالسة؟ ~~- كوني كما تشائين، فأنت أجمل من تقع عليه العيون. # وكان الضباب لا يزال يتكاثف، وسكر المركيز يتزايد، فوضعت يدها بين يديه، وقالت له: أحبك ~~... نعم أحبك منذ عهد بعيد، وأنت لا تدري. # فانذهل المركيز وقال: أنت تحبينني؟ ~~- نعم أحبك حبا ليس بعده حب. ~~- ولكني لم أرك مرة قبل اليوم. ~~- لقد أخطأت أيها الحبيب فقد رأيتني في إسبانيا. # فانكشف للمركيز في الحال حجاب الماضي، وتمثلت تلك الإرلندية لعينيه فتاة صغيرة، فذكر تلك ~~النورية التي رآها في عصابة مينوس مع برديتو حين كان ذاهبا مع أمه إلى قاديس. # وكأنما تلك الفتاة عرفت من عينيه فكره، فقالت له: أرى من عينيك أنك قد عرفتني، فإنني ~~روميا النورية خليلة برديتو، ولكن برديتو كان أخاك، وكان يشبهك كل الشبه، وهو قد مات وأنا ~~أحبك. أعلمت الآن؟ # ثم طوقت عنقه بذراعيها وقبلته قبلة عاشق، وهي تقول: إن برديتو قد مات، ولكني أقسمت يمينا ~~لخياله. # فقال المركيز وقد تمكن منه السكر: ما هذا القسم الذي أقسمته؟ # فأجابته: أقسمت أن لا أستسلم لك إلا بعد مرور عامين على وفاته، وقد كاد ms1646 ينقضي هذا الزمن، ~~فلا أنكث بيميني إذا استرسلت في هواك. # وكان المركيز ينظر إليها نظر المفتون دون أن يجيب، فقالت: واعلم أيها الحبيب أني من بنات ~~ذلك الشرق الذي تكثر فيه الأوهام ويتغلب الخيال على الحقيقة، فهلم نشترك معا في التدخين بهذه ~~النرجيلة. خذ إنها ذات أنبوبتين. # ثم وضعت أحد الأنبوبتين في فمه، وقالت له: اشرب، إني أريد. # ولم يبق للمركيز إرادة لدى هذه الفتاة، فجعل يدخن فيملأ دخان الحشيش والأفيون ~~رئتيه. # وذهبت روميا وغادرته صريع سكره في تلك الغرفة، وكان يخال له وهي بعيدة عنه، أنها معانقة ~~له، فيقبل الهواء وهو مطبق العينين لسكره، ويعتقد أنه يقبلها ويخاطبها بأرق ألفاظ ~~الغرام. # الفصل التاسع عشر من كتاب الفيروزة # قالت الفيروزة: إني أنا التي أخبرت المركيز عن مدة أسره في قبضة روميا، ولولاي لما عرف ~~شيئا من هذا؛ لأن الأفيون قد أثر به تأثيرا شديدا وأضل صوابه، فكانت تمر به الساعات دون أن ~~يشعر، وهو لا يعلم إذا كان حبه لروميا في اليقظة أم في الحلم، ولا يدري إذا كانت هذه المرأة ~~حقيقة أم خيال، وهذا ما يحدث لكل من يشرب الأفيون. # وكان كلما صحا من سكره يعتقد اعتقادا راسخا أن روميا تحبه، ثم تعود وتسقيه من ذلك السم ~~الزعاف فيعود إلى غيبوبة السكر. # وبقي على ذلك سبعة أيام وهو لا فرق عنده إذا حضرت أم غابت؛ لأنها كانت ممثلة له بكل مخيل، ~~تناغيه بلفظها الحنون، وتشنف سمعه بصوتها الرخيم، وفي هذه الأيام السبعة لم يذق طعاما؛ لأن ~~من يشرب هذا النوع من المسكرات قلما يتناول الطعام. # وكانت روميا تنزع الأنبوبة من فمه من حين إلى حين، وتطعمه حبة مصنوعة من مادة مخدرة، فلم ~~يذكر أنه دخل إلى فمه غير هاتين الحبتين في جميع تلك المدة. # ثم انقضى هذا الحلم في صباح يوم، إذ صحا عند الفجر، فشعر ببرد شديد ورأى نفسه ملقيا على ~~أرض كثر فيها الجليد وهو بملابس البحارة على مثل ما كان عليه في خمارة الملك جورج. # والعجيب ms1647 أن اللصوص لم يسلبوه عدة نومه، وهو ما يعد عجيبا في لندرا، فقد كان في جيبه مائة ~~جنيه ذهبا وأوراق مالية، وكان لابسا ساعة بسلسلة من الذهب فبقيت في جيبه، ولم تمد إليها يد ~~السارقين. # غير أن المركيز لم يذكر شيئا من ذلك، فإنه بعد أن مر به سبعة أيام لا يتغذى إلا بالحشيش ~~والأفيون أصبح معتوها أبله، فلم يذكر عند صحوه غير روميا، وبقي يناجيها وهو يعتقد أنها لا ~~تزال وإياه. # ومر في ذلك الحين بوليس ورأى ظواهر بلاهته وسمع أقواله، فحكم عليه بالجنون، وسار به إلى ~~دائرة البوليس فحكم البوليس بجنونه أيضا، وقرر إرساله إلى المستشفى. # غير أنه اتفق وجود طبيب في الدائرة رأى المركيز فعلم حالته وأنكر جنونه، وأثبت لرئيس ~~البوليس أن ما أصابه كان من تأثير الأفيون، ولا حاجة إلى إرساله للمستشفى، وأنه إذا أرسل إلى ~~منزله شفي من تلقاء نفسه بعد بضعة أيام. # فوافق الرئيس على قول الطبيب، وفتشوا جيوب المركيز علهم يجدون أوراقا تدل على اسمه، ~~فوجدوا جواز سفره وعرفوا الفندق الذي كان مقيما فيه، فأرسل إليه وعرفه صاحب الفندق. # وفي الليلة نفسها أرسلوا معه من أوصله إلى فرنسا، فخفف السفر شيئا من اضطراب دماغه، ولما ~~وصل إلى باريس كان لسانه قد انطلق بالكلام، فدل الرجل الذي كان يرافقه على منزلي وجاءني به ~~وقد علمت كيف وصل. # قالت الفيروزة: والآن أيها العزيز روكامبول لم يبق لدي شيء أخبرك به سوى تتمة ما جرى ~~للمركيز. # وذلك أنه مرت ستة أشهر فشفي المركيز أتم الشفاء وعاد إليه صوابه، بل عاد إليه زهوه ~~القديم، ولكن خوفه على ولده كان يزيد؛ لاعتقاده أنه له أعداء يريدون قتله واختطاف ولده، فكان ~~يزورني كل يوم ليتفقده عندي. # وكان يذهب إلى النادي، ويحضر سباق الجياد، ولا يفوته تمثيل رواية جديدة، غير أني كنت ~~ألاحظ منه أثر انكماش في نفسه، على ما كان يبدو من ظواهر ارتياحه، فقلت له مرة: ما بالك ~~هاجسا ألعلك لا تزال تفتكر بهذه المرأة؟! # فقاطعني وقال لي ms1648 بعنف: ربما! # ثم تركني وانصرف، وفي اليوم التالي عاد وهو يبتسم، فلم أذكر له تلك المرأة بعد ~~ذلك. # ومضى على ذلك عدة أيام. إلى أن جاءني ليلة وعليه ملامح الاضطراب الشديد، فنظرت إليه نظرة ~~رعب وما جسرت على سؤاله، ثم رأيته انعكف على تقبيل ولده بلهف، فلم أجد بدا من سؤاله عن هذا ~~الاضطراب، فقال لي: إني رأيتها. # فذعرت وقلت: من هي التي رأيتها؟ ~~- روميا! وقد مرت بي مرور البرق في الشانزليزيه وهي في مركبة مقفلة، فعرفتها وهي هي ~~بعينها. # فما جسرت على أن أجيبه، ولبثت أنظر إليه نظرات تشف عما داخل قلبي من الرعب. # ولكنه لم يكترث بي، وعاد إلى حديثه فقال: نعم هي بعينها! وقد حاولت أن أقتفي أثرها بجوادي ~~إلى الشارع الملكي، وهناك احتجبت عن نظري ... إنها دون شك في باريس ... ولكن باريس متسعة فأين ~~أجدها؟ # فاضطربت لقوله، وقلت له: أيها التعس كيف تهتم بلقائها؟! ألعلك نسيت ما أصابك ~~منها؟! # وكأنما عادت إليه ذكرى ذلك الجنون، فذعر وقال: كلا إني لن أراها ولا أهتم بها. # وأقام في المنزل ثلاثة أيام لم يخرج منه لحظة إلى أن قال لي: لقد شفيت الآن تماما، ولم ~~يعد علي أقل خطر من هذه المرأة. # وكنا في ذلك الوقت في زمن الربيع فقال لي: أتريدين أن نسافر؟ ~~- إلى أين؟ ~~- نسوح في أوروبا أو نذهب إلى جبال سويسرا كما تشائين. # فتلقيت اقتراحه بالسرور لحذري من أن يرى تلك المرأة مرة ثانية في باريس، وقلت: أسافر معك ~~إلى حيث تشاء. ~~- إذن تأهبي للسفر فسنسافر غدا. # ثم تركني وانصرف إلى النادي. # وكان آخر العهد به وا أسفاه، فقد جاء الغد وتعاقبت الأيام دون أن يعود، وفي ذلك العهد شاع ~~خبر اختفائه الغريب. # الفصل الأخير من كتاب الفيروزة # لقد سمعت يا روكامبول دون شك بخبر اختفائه، وعلمت أن البوليس بحث عن المركيز في جميع ~~أنحاء المعمورة، فلم يهتد إلى أثره. # وسيضيع كل جهد في البحث عنه؛ إذ ليس هناك من يعلم حقيقة ما جرى له إلاي، ms1649 ولكني كنت مضطرة ~~إلى الكتمان؛ لأني كنت أقسمت يمينا محرجة للمركيز دي مورفر أن لا أذكر لأحد، ولا أتكلم عنه ~~أمام أحد، وذلك لفرط خوفه على ولده، إذ لو علم أعداؤه علائقي معه لوجدوا الولد وما عدموا ~~وسيلة للفتك به. # ومضى شهر على اختفائه دون أن أقنط من رجوعه. # على أني كنت واثقة من أنه في قبضة روميا، ولكني كنت مترددة بين ثلاث مسائل وهي: هل تقتله ~~بطريقة السكر؟ وهل يحبها حبا أكيدا؟ وهل مات برديتو حقيقة؟ فلم يتيسر لي حل مسألة ~~منها. # وكان الولد يسألني كل يوم عن أبيه، فلا أدري بماذا أجيبه. # إلى أن ورد إلي بعد عهد بعيد كتاب علمت من طابعه أنه من مرسيليا، وعلمت من خطه أنه من ~~المركيز، ففضضته بيد ترتعش من الفزع، وقرأت ما يأتي: # أسألك العفو أيتها الحبيبة، فإن الأقدار قد عبثت بي، وبراثن روميا قد نشبت في؛ لأن ~~تلك المرأة التي أخشاها وأعبدها قد تمكنت مني كما تشاء، وأنا لا أعلم إذا كانت ملاكا ~~أرسل من السماء، أو شيطانا رجيما قذفته جهنم. # قد أفرغت كل جهد للإفلات من قبضتها، فما وجدت إلى ذلك سبيلا، وهي تقودني إلى حيث ~~تشاء، ولكني لا أعلم إلى أين. # إن باخرة تنتظرنا في الميناء سنسافر عليها غدا، وقد سألتها متى نعود إلى باريس ~~فقالت: بعد عامين. # إني تركت ولدي، وقد تمكنت من أن أكتب إليك هذا الكتاب السري خفية عن روميا؛ لأنها ~~منعتني عن الكتابة، وإنها لا تريد أن يعلم أحد أين أنا وإذا كنت ميتا أو في قيد ~~الحياة. # ولا بد أن تقلق الحكومة وأصحابي لاحتجابي، فإني اتخذت كل الوسائل لإخفاء ~~آثاري. # على أن الحكومة لا تهتم بالبحث عني إلا بعد عدة أيام، لكن يجب عليك السرعة في كل ~~حال. # إن الحكومة ستبحث عني دون أن تجدني، فيحسبونني ميتا ويضعون الأختام على منزلي، ~~فابحثي في جيب سترتي تجدي مفتاح حديقة منزلي، فخذيه واذهبي إلى المنزل وترقبي خروج الخدم ~~منه، فادخلي وخذي المال من إناء الزهر ms1650 التي أرشدتك إليه. # وإنما أرجوك أن تسرعي بأخذ المال؛ لأني أشعر أن هذه المرأة قد ملكت فؤادي، وتملكت ~~عواطفي ولا بد لي من أن أبوح لها بكل أسراري؛ لأنها تريد أن تقف مني على كل شيء. # أودعك وداعا قد يكون أبديا، فاندبي بختي العاثر، وأشفقي علي، وأحبي ولدي. # غوستاف # وكان هذا الكتاب يا روكامبول آخر ما وقفت عليه من أخبار المركيز، لكنه يكفي لحملي على ~~الاعتقاد بأن المركيز لم يمت، أما هذا الكتاب الذي أرسله إلي فقد وصل إلى إدارة البريد في 2 ~~أبريل ولم يصلني إلا في 30 يونيو، وكانت الأختام قد وضعت في خلال هذه المدة على منزل المركيز؛ ~~فلم أتمكن من الحصول على المال. # ولم يكن عندي غير 3 آلاف فرنك وبعض المجوهرات، فعشت بها عامين مع ذلك الغلام. # وقد تمكن مني الحزن على هذا الحبيب، ويئست من لقائه، وساعد الحزن واليأس ما كنت أعانيه من ~~شظف العيش؛ فمرضت وشعرت بدنو الأجل. # وأقمت عامين أنتظر رجوعه دون جدوى، وكنت أخاف أن يكون قد مات، ولكن صوتا سريا كان ~~يحدثني بأن المركيز حي، غير أنه يعذب عذابا شديدا يفضل عليه الموت، وإنه لا يستطيع ~~إنقاذه غير أنت يا روكامبول. # فإذا تمكنت يا روكامبول من الحصول على الإناءين من منزل المركيز دي مورفر فافعل؛ فإنك ~~تضمن بذلك مستقبل الغلام، وتطمئن نفسي فتباركك من العالم الأخير. # الوداع فإني متوكلة عليك. # الفيروزة # هنا انتهى كتاب الفيروزة، ولكن يد روكامبول قد خطت عليه هذه الحاشية وهي: # إن الأختام لا ترفع عن منزل المركيز دي مورفر إلا متى ثبتت وفاته ثبوتا ~~قضائيا. # أما ابن المركيز فهو آمن الآن شر العوز، ولا حاجة إلى التعجيل لنيل مال أبيه، ولا بأس ~~من الصبر مدة عامين، ثم نسعى بالحصول على الإناءين. # فلما تمت قراءة ذلك الكتاب الغريب جعل مرميس ينظر إلى فاندا وهي تنظر إليه، فقالت له: ~~إننا لم نقف على شيء مهم من هذا الكتاب. ~~- لكنني علمت منه أمرا لم يعد لدي به ريب على ms1651 الإطلاق. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن روميا والبستانية الحسناء شخص واحد. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أما وقد باتت البستانية الحسناء في أيدينا، فسنكرهها على إخبارنا بما حدث ~~للمركيز. # وبينما هو يقول هذا القول فتح الباب فجأة، ودخل منه ميلون مصفر الوجه ممزق الثياب وعليه ~~علائم الذعر فقال: لقد أخطأت يا مرميس؛ لأن هذه المرأة لم تقع في قبضة يدك. # فذعر مرميس وقال: ماذا تقول؟ ~~- إن الطير قد فر من القفص. # ثم جلس ميلون على كرسي وهو منهوك القوى بينما كان مرميس وفاندا ينظران إليه نظرات ~~الانذهال. # وكانت تلاوته كتاب الفيروزة قد طالت إلى الليل في حين أن مرميس كان يسرع بغية الوقوف على ~~النتيجة. # وكان له ثقة تامة بخضوع ميلون، فلم يخطر له في بال أن ميلون يبرح المركز الذي عينه فيه ~~لمراقبة البستانية الحسناء. # فلم يجد مع فاندا كلمة يقولها حين رأى ميلون على هذه الحالة، وجعل كل منهما ينظر إلى ~~الآخر. # ثم افتتح مرميس الحديث وقال له: ماذا دهاك يا ميلون؟ # وكان ميلون شديد الاضطراب يتكلم ويتلعثم، فلم يفهما حكايته إلا بعد الجهد، وهذا بيان ما ~~حدث له: يذكر القراء أنه بينما كانت البستانية الحسناء مع زوجها يتفقدان الأعمال في ذلك ~~المنزل الذي استأجراه للمصيف كما قدمناه، دعا خادم المركبة ميلون الذي كان يسوق جيادها كما ~~قدمناه، إلى شرب كأس من البيرة في خمارة مجاورة للمنزل. # ويذكر القراء أنه حين دخل ميلون مع الخادم إلى الخمارة، وشرب وإياه الكأس الأول أشار ~~الخادم إشارة خفية إلى العمال الذين كانوا في الخمارة، فانقضوا على ميلون وألقوه إلى الأرض، ~~وقيدوا يديه ورجليه بالرغم عما أظهره من الدفاع الشديد. # وكان في تلك الخمارة قبو مظلم، فأنزلوه إليه وربطوا فمه بمنديل ثم تركوه وانصرفوا، فبذل ~~كل ما لديه من القوة للتخلص من قيوده، فلم يفلح. # على أنه تمكن من تمزيق المنديل بأسنانه، فانطلق صوته وجعل يصيح مستغيثا مستنجدا، فلم ~~يجبه غير الصدى ولم يسمع صراخه غير الذين قيدوه لكنهم لم يقيدوه لينجدوه. # ومضى النهار كله وهو ms1652 ملقى في أرض القبو، والزبد يخرج من شدقيه دون أن يجد وسيلة ~~للخلاص. # ولما أقبل الظلام رأى نورا ينبعث من سلم القبو، ثم رأى صاحبة الخمارة قادمة إليه وفي ~~يدها مصباح. # فلما رآها ميلون هاج ثائره، وصاح بها صيحة أرعبتها، فتراجعت عنه قليلا وقالت له: إن ~~الصياح لا يجديك نفعا، وخير لك أن تسمعني. # فانقطع ميلون عن التهديد وسألها: ماذا تريدين؟ # أجابته: إنهم هزءوا بك وأساءوا إليك، ولكني أستطيع نفعك، إذا كنت تريد. # فحملق ميلون بعينيه وقال: ألعلك تفكين قيودي؟ ~~- ذلك منوط بك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إني يا سيدي امرأة فقيرة لا أكسب رزقي إلا بشق النفس؛ ولذلك أرضى بالكسب كيفما اتفق ~~مهما اختلفت وجوهه، فإذا جاءني رجل وعرض علي مائتي فرنك فكيف أستطيع الرفض؟! ~~- ألعلهم دفعوا لك المال مقابل حبسك إياي في قبو خمارتك؟ ~~- هو ما تقول يا سيدي، ولكن كان الشرط بيننا أن أبقيك في السجن إلى أن تغيب الشمس، ثم ~~أطلق سراحك، فأنا الآن قادمة لفك قيودك ورجائي أن لا تسيء إلي. # فاحتدم ميلون غيظا، وقال: تبا لك من شقية كيف لا تريدين أن لا أسيء إليك بعد ما بدر ~~منك ومن أصحابك؟! ~~- ذلك موكول إليك، فإذا كنت عازما على ضربي فإني أبقيك هنا وأعود إلى شأني. # فشعر ميلون أنه أخطأ بوعيده، وقال لها: لا بأس فكي قيودي وأنا أتعهد أن لا أسيء ~~إليك. ~~- لا أقنع بالتعهد بل أريد منك يمينا. ~~- إني أقسم بالله إني لا أمد إليك يدا. ~~- إني أثق بيمينك؛ لأني تبينت من عينيك علائم الصلاح، ولكن الحرص واجب في كل حال. # فاضطرب ميلون وقال: ما هذا الحرص؟ ألعلك رجعت عن حل قيودي؟ ~~- كلا، ولكني سأحل قيد رجليك، ولست في حاجة إلى إطلاق يديك لتمشي. # ثم أخذت مقصا وقطعت الحبل الذي كان يوثق رجليه فوثب ميلون واقفا، أما صاحبة الخمارة ~~فقد كان خوفها عظيما من ميلون؛ فهربت منه حذرا من أن يسحقها برجليه. # أما ميلون فلم يكترث لها، إذ كان كل اهتمامه منصرفا إلى البستانية الحسناء؛ ms1653 ليعلم أين هي ~~فصعد إلى الخمارة بسكينة، ولقي صاحبتها فيها، فقال لها: سيان عندي الآن إذا أطلقت يدي أو ~~أبقيتهما مقيدتين، ولكني أرجوك أن تقولي لي إذا كنت تعرفين من هم هؤلاء الناس الذين أساءوا ~~إلي هذه الإساءة. ~~- إني لم أكن أعرف أحدا منهم أمس، وقد جاءني في صباح اليوم رجل بناء، وقال لي: أتريدين ~~أيتها العجوز أن تكسبي 200 فرنك؟ # فسألته: ما يجب أن أعمل مقابل ذلك؟ # أجابني: لا شيء سوى أن تدعينا نفعل في خمارتك ما نشاء، وأن تسمحي لنا بقبو ~~الخمارة. # فقال ميلون: ولكن السيد والسيدة اللذين كنت أسوق مركبتهما ماذا حدث لهما؟ ~~- ألم يكونا سيديك؟! ~~- كلا. ~~- إني لم أعرفهما وما رأيتهما من قبل. ~~- وهؤلاء العمال الذين قيدوني؟ ~~- إنهم لم يشتغلوا في ذاك البيت قبل اليوم. ~~- من هو صاحب البيت الذي يشتغلون فيه؟ ~~- نبيل من أهل سانت جرمان. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- الدوق دي فنسترنج. # فعلم ميلون أنه لا يستطيع أن يستطلع منها فوق ما علم، فقال لها بلهجة تبينت منها الصدق: ~~إني لا أريد بك سوءا؛ لأنك كنت مكرهة على التغاضي عن هؤلاء الأشرار، وإن بجيبي 50 فرنكا ~~فإذا حللت وثاقي أعطيتك هذا المال. # فاطمأنت العجوز لكلامه وحلت وثاق يديه، وأبت أن تأخذ المال مكتفية بما كسبته، فغادرها ~~ميلون وأسرع إلى الشارع، وركب مركبة وسار بها إلى منزل البستانية الحسناء. # ولما وصل إليه نظر إلى نوافذه فلم يجد أثرا للنور، فطرق الباب ففتحته امرأة وقالت له: ~~ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أكلم سيدة المنزل. ~~- أنا هي يا سيدي. # ولما رأته ينكر عليها هذا القول تبسمت وقالت له: ألعلك تريد محادثة تلك الإسبانية التي ~~كانت مستأجرة منزلي بأثاثه؟! ولكنها سافرت مع زوجها، في الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم، في ~~القطار المسافر إلى بلجيكا. # فانصرف ميلون عنها وقد انقتم وجهه بظلمة اليأس، وعاد بمركبته إلى فاندا ومرميس حيث لقيهما ~~على ما وصفناه. # فلما سمعت فاندا حديثه انصرف فكرها إلى روكامبول، فقالت: إنه مضى على سفره عامان وهو لم ~~يعد إلى الآن. ms1654 # فتنهد مرميس وقال: لو كان الرئيس هنا لما لقينا هذا الفشل، ولما وقعنا بهذا ~~الإشكال. # وفيما هو يقول هذا القول طرق الباب الخارجي طرقا يدل على قدوم زائر؛ فارتعش الثلاثة ~~كأنما قلوبهم قد اشتركت بعاطفة واحدة. # 24 # وسكت الثلاثة هنيهة، وكل منهم ينظر إلى الآخر نظرات تشف عن الرجاء بأن يكون القادم ~~روكامبول، فإنهم كانوا يعتقدون، بعد أن نامت فاندا ذلك النوم المغناطيسي، أن روكامبول لا يزال ~~حيا وقد حان موعد رجوعه. # وكان أول من تكلم معهم مرميس، فقال: ألعله الرئيس عاد إلينا؟ # ثم قام مسرعا إلى الباب ففتحه ودخل ذلك الزائر، فرأى أنه لم يكن روكامبول، ولكنه كان رجلا ~~لابسا ملابس الأوروبيين وهيئته تدل على أنه من الهنود. # وكان بيده كتاب مختوم، فانحنى أمام مرميس وحياه تحية شرقية، ثم دفع إليه الكتاب، فما أوشك ~~أن قرأ العنوان حتى صاح صيحة دهش، إذ عرف من خطه أنه من روكامبول، وكانت فاندا وميلون قد أقبلا ~~في أثر مرميس. # وكان الكتاب معنونا باسم فاندا ومرميس، فأخذته فاندا وأسرعت إلى فضه فقرأته، وهو كما يأتي: # أيها الرفاق # إنكم قد اطلعتم دون شك على كتاب الفيروزة، وعرفتم الآن من هي هذه المرأة التي تدعى ~~البستانية الحسناء، وعلمتم ضرورة البحث عن المركيز دي مورفر، فابحثوا فقد دنت ساعة ~~العمل. # إنك يا مرميس وأنت يا فاندا جديران بأن تكونا من أعواني، فاعملا يدا واحدة مع ~~ميلون. # إن الرئيس من ورائكم وهو ساهر عليكم فلا تخافوا. # روكامبول # ولم يكن لهذا الكتاب تاريخ، ولم يكتب فيه المكان الذي صدر منه، فلم يعلموا إذا كان ورد ~~إليهم من باريس أو من أقاصي الهند. # فنظرت فاندا إلى الهندي وقالت له بلهف: أين روكامبول؟ ألعله في باريس؟ # فلم يجبها الهندي بحرف. # فهز مرميس ذراع ذلك الهندي، وقال له بصوت يتهدج: بربك قل لنا أين هو الرئيس؟ # فرفع الهندي عينيه، وهز كتفيه إشارة أنه لا يفهم ما يقول. # فقال له مرميس: أتفهم اللغة الإنكليزية؟ # فبرقت عين الهندي وأشار برأسه إشارة إيجاب، فقال ms1655 له مرميس: أين هو روكامبول؟ # فلم يجبه الهندي، ولكنه أشار إليه إشارة علم منها أنه إما أن يكون غير عارف بمقر روكامبول، ~~أو أنه يعرف أين هو ولكنه لا يقدر أن يقول. # غير أن مرميس لم يكتف بهذه الإشارات، فقال له: ما بالك لا تجيبنا ألعلك أخرس؟ # وعند ذلك فتح الهندي فمه، فذعر الثلاثة ذعرا شديدا؛ إذ رأوا هذا المنكود مقطوع ~~اللسان. # ولما رأوا هذا المنظر الهائل قال له مرميس: من قطع لسانك؟ ألعلهم الإنكليز؟! # فأشار الهندي إشارة نفي. # فقال مرميس: أم هم الخناقون الذين شنعوا بك هذا التشنيع؟ # فأشار الهندي إشارة إيجاب، ثم أشار إشارات أخرى فهم منها مرميس أن الخناقين أوشكوا أن ~~يخنقوه، وأن نجاته منهم كانت من العجائب. # فقال له مرميس: من الذي أنقذك من مخالبهم؟ # فوضع الهندي يده على كتاب روكامبول إشارة على أنه هو الذي أنقذه، فقال مرميس: والآن ألا ~~تريد أن تقول لنا أين هو الرئيس؟ # فأشار إشارة نفي، ثم رسم علامة الصليب على فمه، فعلموا أنه أقسم يمينا على الكتمان. # فقال ميلون: كفى لا تسألوه ولنحترم يمينه وإرادة الرئيس. # فقالت فاندا بيأس: كيف ذلك؟ أيكون الرئيس قريبا منا ولا نستطيع أن نراه؟! # أما الهندي فإنه انحنى أمامهم وانصرف. # فقالت فاندا: لا بد لي أن أعرف أين ذهب. # ثم دخلت مسرعة إلى غرفتها، فلبست قبعتها وخرجت في أثر الهندي لكنها لم تدركه إذ كان قد ~~توارى عن الأنظار. # فقال لها مرميس حين عودتها: لقد أخطأت في اقتفاء آثاره؛ لأن الرئيس لم يكتب لنا إلا لأنه لا ~~يريد أو لا يستطيع أن يرانا، فلنمتثل له ونبدأ في كشف الظلمات عن سر اختفاء المركيز دي ~~مورفر. # والآن فإن فاندا ومرميس قد وقفا على كتاب الفيروزة، فعلما منه حقيقة أمر البستانية الحسناء ~~واتصالها بالمركيز، إنما بقيا جاهلين ما جرى لهذا المركيز، وهو ما طالما سعى إليه البوليس وأهل ~~باريس. # وسنتولى كشف هذا السر للقراء، فنعود بهم إلى عهد عامين من قبل؛ أي منذ خرج المركيز دي مورفر ms1656 ~~من نادي أسبرج إلى منزله، فأعطاه البواب ذلك الكتاب الذي يذكره للقراء، فاختفى بعده ذلك ~~الاختفاء. # 25 # عندما تناول المركيز الكتاب من يد البواب وتمعن في عنوانه ارتعش؛ إذ رأى خطه يشبه خط ذلك ~~الكتاب الذي ورد إليه قبل ذلك بشهرين من لندرا. # ورأى من الطابع أن الكتاب وارد من لندرا أيضا، فزاد اضطرابه وأسرع إلى فضه، فنظر إلى ~~التوقيع فقرأ اسم روميا. # وقد اصفر وجهه حين قرأ اسم هذه المرأة، ولم ينس بعد ما أصابه منها، وقرأ الكتاب وهو كما ~~يأتي: # حبيبي غوستاف # غدا يمر عامان على موت برديتو، فأصبح حرة، وحق لي أن أهواك. # إذا كنت لا تزال تهواني اخرج من منزلك دون أن تدع أحدا يعلم إلى أين أنت ذاهب، واذهب ~~إلى شارع مدلين تجد في أول منعطف منه مركبة أجرة ذات جوادين: أحدهما أسود، والآخر أبيض، ~~ونمرة المركبة 1763 اصعد إليها، وقل للسائق أن يسير بك إلى شاليون، فلا يمر بك بضع دقائق ~~حتى تغدو بين ذراعي من تحبك إلى الموت. # روميا # وبينما كان المركيز يقرأ الكتاب كان البواب قد ذهب إلى غرفته، فلم ير اضطراب ~~المركيز. # فلما أتم تلاوته تردد حينا وذكر الفيروزة وابنه ونازع قلبه حبهما وحب روميا، فكان الفوز ~~لهذه الفاتنة، فنادى البواب وقال له: إني ذاهب وقد لا أعود قبل صباح غد، ثم ذهب إلى حيث دفعت به ~~الأقدار. # وكان يمشي بخطوات سريعة مضطربة، وهو كأنه مصاب بحمى حتى وصل إلى المكان الذي عينته له روميا ~~فوجد تلك المركبة بعينها، وعرفها من جواديها ونمرتها، فدنا من السائق وقال له: إلى ~~شاليون. # علم السائق أنه هو الرجل المنتظر، وقال له: تفضل. # وصعد إلى المركبة فصعد المركيز، وسارت به تقطع الأرض نهبا، وكانت المركبة محكمة الأقفال، ~~وزجاجها مدهونا بدهان أبيض منعه أن يكون شفافا بحيث لم يعلم المركيز إلى أين يذهب به السائق، ~~غير أنه لم يكترث لشيء من ذلك لشغفه بتلك المرأة؛ ولاعتقاده أنها مكتنفة بالأسرار، وما زالت ~~المركبة تسير حتى شعر بعد ms1657 نصف ساعة أنها وقفت، ثم سمع صوت فتح باب كبير، فدخلت منه المركبة ~~وأقفل بعد دخولها، وعند ذلك وقفت ودنت خادمة من بابها وفتحته، وقالت له: تفضل واتبعني يا سيدي ~~المركيز. # فخرج المركيز من المركبة، فرأى أنه بوسط حديقة باسقة الأشجار، وفي نهاية الحديقة منزل جميل، ~~ثم سار في أثر الخادمة، فصعدت به إلى الدور الأول من المنزل وأدخلته إلى قاعة، ثم قالت له: تفضل ~~يا سيدي فإن السيدة ستحضر قريبا . # فجلس المركيز على مقعد من مقاعد تلك القاعة، وأجال فيها نظر الفاحص، وذهل مما رآه؛ إذ إن ~~هذه القاعة كانت تشبه القاعة التي كان فيها مع روميا في لندرا شبها غريبا، كأنها قد نقلت من ~~لندرا إلى باريس، وأغرب ما رآه مصباحان كانا على المستوقد، كانت تنبعث منهما نفس تلك الرائحة ~~العطرية المسكرة التي شمها وسكر منها في قاعة لندرا. # ولما ملأ الدخان رئتيه وبدأ السكر يتمكن منه دخلت روميا، فلم يرها أجمل مما رآها في تلك ~~الساعة، وأسرع إليها وهو يتهادى من سكره، فابتسمت له ابتساما أضاع رشده، وجلست معه على مقعد ~~واحد، فنظرت إليه نظرة عاشق مفتون، وقالت وهي تبتسم: إني لا أستطيع أن أحبك قبل الغد في مثل هذه ~~الساعة. # وركع المركيز أمامها وقال: كيف أصبر إلى الغد ولماذا؟! ~~- إن غدا سيكون يوم مرور عامين على وفاة برديتو، ألم تقرأ كتابي؟! ~~- قرأته وأنت تقولين فيه غدا أكون لك، ألم يكن تاريخ الكتاب أمس؟ ~~- هو ذاك، ولكني لم أعتبر تاريخ كتابته، بل تاريخ وصوله إليك. # فقبل يدها بلهف، وقال: إن ساعات هذا الغد تعد بالأعوام والعصور ومن لي بمرورها؟! # وكان السكر قد تمكن منه، وبدت دلائله بتلعثم لسانه واتقاد عينيه، ولم يكد يقول هذا القول ~~حتى أفلتت منه فجأة، وقالت بلهجة المضطرب: ويلاه إن خوفي شديد. # فاضطرب المركيز وقال: علام الخوف أيتها الحبيبة؟ وممن تخافين؟! ~~- لا أستطيع أن أقول ... كلا لا يجب أن تعلم ... ولكنني لا أستطيع أن أكتم أمرا عنك ... ويلاه ~~يخال لي أنه معنا في ms1658 هذه الغرفة ... إني أشم رائحته ... إني أشعر بأنفاسه تحرقني. وأرى نظراته تنفذ ~~إلى قلبي كالسهام. # فاضطرب مورفر، وقال: من هو هذا فإني لا أرى أحدا؟ ~~- برديتو. ~~- ألم تقولي لي إنه مات منذ عامين؟ ~~- عامان ينقصان يوما. ~~- إذن اطمئني فإن الأموات لا يبعثون في الأرض. ~~- إن هذا اعتقادكم أهل الكتب المنزلة، أما أنا فلست منكم، واعتقادي أن الغيرة إذا اشتدت ~~تبعث العشاق من القبور. ~~- ولكن برديتو ليس له قبر. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه شنق ولم يدفن، فكان قبره بطون العقبان. # فزاد اضطراب روميا، ووقفت منذعرة وقالت: إني أشم رائحته ... إنه هنا ... إن أنفاسه تهب على ~~شعري. ~~- اطمئني أيتها الحبيبة فإن الأموات لا يتنفسون. ~~- هو ذا عيناه تنظران إلي نظر الحقد والوعيد. ~~- إن الأموات لا ينظرون فاهدئي. ~~- إني أراه، بل أسمع دقات قلبه. ~~- قلت لك اطمئني أيتها الحبيبة، فإنها خيالات تمثلها لك الأوهام، ومتى كان للأموات قلوب ~~تنبض؟! # ثم هاج اضطرابها، وهاج ثائر غرامه، فقام إليها وضمها إلى صدره ضما عنيفا، وللحال اصفر ~~نور المصباحين، وسمع في تلك الغرفة قهقهة شديدة لم يعلم المركيز مصدرها؛ لأنها كانت تسمع من كل ~~مكان. # فقابلت روميا هذا الضحك السري بصياح الرعب، ثم انطفأت الأنوار وانقطع الضحك. # وظهر فجأة في تلك الغرفة لهب أحمر تحول بعد ظهوره إلى لون بنفسجي ثم أبيض، وظهر في وسط هذا ~~اللهب خيال أسود. # وكان هذا الخيال خيال برديتو، وسمعه المركيز يصيح بروميا ويقول لها: احذري أيتها ~~الخائنة. # 26 # كان المركيز باسلا، ولم يكن من أهل الأوهام، ولكنه شعر بأن الدم قد جمد في عروقه لما تولاه ~~من الرعب، فأفلتت روميا من يده دون أن يمنعها، وصاحت صيحة منكرة، وهربت فتبعها صوت الخيال يقول: ~~احذري أيتها الخائنة. # ثم تحول النور الأبيض إلى نور بنفسجي، ثم أحمر، ثم تلاشى، فسادت الظلمة في الغرفة، واختفى ~~الخيال ولم يبق غير ذلك الدخان وتلك الرائحة العطرية. # وجعل المركيز ينادي روميا، ولكنها لم تجب، وحاول أن يخرج من الغرفة ولكنه لم يستطع، فإن ذلك ~~اللهب انبعث ms1659 منه عند انطفائه رائحة كبريتية قضت على حواسه، فما مشى خطوتين حتى سقط على الأرض، ~~وجعل ينادي روميا فلم يجبه أحد. # ثم اشتدت عليه تلك الرائحة، فأغمي عليه وأطبقت عيناه. # ولما استفاق من إغمائه زالت رائحة الكبريت، ورأى أشعة المصباح قد نفذت إلى الغرفة، وأحس ~~بتخدر دماغه، غير أنه كان مالك الرشد، فقام إلى النافذة ففتحها وجعل يتنشق الهواء النقي. # وكانت تلك النافذة تطل على الحديقة التي رآها حين دخوله إلى المنزل وهي عالية الأسوار، فلم ~~ير ما بعدها، وعند ذلك تذكر تلك الليلة الغريبة التي مرت به، وذكر ذلك الخيال الذي ظهر له بين ~~اللهب، وأنه خيال برديتو. # ولم يكن لديه شك أن برديتو قد مات شنقا مع عصابة مينوس، فلم يسعه إلا أن يعلل ظهور هذا ~~الخيال كأعجوبة أراد الله بها أن يعاقب روميا على خيانتها. # ولقد يتفق للمرء في بعض أحواله أن فكره يضطرب حتى لا يعلم إذا كانت الحقيقة قد استحالت إلى ~~حلم، أو أن حلما هو حقيقة الحياة، وهذا ما أصاب المركيز، غير أنه ذكر تماما كل ما حدث له في ~~تلك الغرفة، وأنه حين ظهور الخيال كان يضم روميا إلى صدره. # وفيما هو على ذلك إذ فتح الباب وظهرت روميا، وصاح المركيز صيحة فرح، أما النورية فقد كانت ~~مصفرة الوجه تدل عيناها على بكائها، فدنت منه، وقالت له: إني أكاد أجن مما حدث. ~~- إذن إن ما حدث كان حقيقة، ولم أكن من الحالمين. ~~- كلا أيها الحبيب فإننا لم نحلم، وإن برديتو بعينه ظهر لنا، ولا بد لنا بعد الآن من هذا ~~الافتراق. # فركع المركيز أمامها وقال: أي افتراق تعنين فإني أهواك، ولا يفرق بيننا غير الموت. ~~- وأنا أيضا أهواك، ولكني أخشى برديتو. ~~- ما يهمنا الخيال أيتها الحبيبة فإن برديتو من الأموات. ~~- ألا تخاف الأموات أنت؟! ~~- إني أهواك ولا أخشى غير فراقك. # ففكرت هنيهة ثم قالت: أذكر أني سمعت في حداثتي عجائز قبيلتي تقول: إن الأموات يلتمسون الإذن ~~أحيانا بالخروج من القبور، ولكنهم لا يستطيعون ms1660 الذهاب إلا إلى محل معين، وقد ظهر لنا برديتو في ~~هذا المنزل، فإذا تركناه وصح قول العجائز فهو لا يستطيع أن يدركنا في موضع آخر. ~~- إذن لنهرب. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث تريدين. # ففكرت هنيهة ثم قالت: إني أعرف مدينة لا أجد أبدع منها كأنها خلقت للعشاق. ~~- ألعلك تريدين بها نابولي؟! ~~- هي بعينها، فمتى تريد أن نسافر إليها؟ ~~- اليوم، بل الآن؛ لأني لا أطيق أن أراك على هذا الاضطراب. # فهزت رأسها وابتسمت ابتسام الحزين، ثم قالت: إن خيال برديتو قد أنذرنا، وربما لقيت حتفي ~~بحبك، فإذا كنت أخاطر من أجلك بحياتي، بل إذا كنت أهبك هذه الحياة، ألا تهبني أنت مثل هذه ~~الهبة؟! ~~- دون شك. ~~- إذن أريد أن تبرح باريس دون أن تدع أثرا يدل عليك، ودون أن يعلم أحد من أهلك وأصحابك أين ~~أنت، فإذا وافقتني على ذلك نبرح باريس هذا المساء إلى أن أتخذ كل احتياطاتي. # فوافقها المركيز على كل ما أرادت، وفي الليلة نفسها أمرت المركيز أن يتنكر ففعل، وذهب ~~الاثنان إلى المحطة فسافرا إلى مرسيليا، ولما وصلا إليها لم يذهبا إلى فنادقها، بل ذهبت به إلى ~~منزل صغير معتزل مشرف على البحر، وقالت له: إن السفينة التي ستسير بنا إلى نابولي تنتظرنا في ~~هذه الميناء. # 27 # إن من كان الشقاء قسمته لا يرى إلا الشقاء كيف سرى، وهذا ما أصاب المركيز دي مورفر؛ فقد ذهب ~~الحب برشده، فعمي عن مكائد هذه المرأة، وبات آلة بيدها تديره كيف تشاء، فشغلته عن الافتكار ~~بالفيروزة وأنسته ولده. # وكانت روميا قد تركته وحده في ذلك المنزل بحجة أنها ذاهبة لتتفقد السفينة التي سيسافران ~~فيها، وأقفلت عليه الأبواب. # فلما خلا المركيز في ذلك المنزل عاد إليه هداه وذكر ابنه، ومع ذلك لم يخطر له خاطر الفرار ~~من روميا؛ لشدة شغفه بها، ولكنه ذكر المال الذي عينه لابنه، وقال في نفسه: لا بد للفيروزة أن ~~تستولي على هذا المال، فإن هذه الرحلة قد تكون آخر رحلاتي، فكتب عند ذلك للفيروزة الكتاب الذي ~~تقدم ms1661 ذكره، ولم يصلها إلا بعد شهر؛ أي بعد فوات الأوان. # ولما كتب الكتاب أخذ يفكر في طريقة إرساله إلى البوسطة؛ إذ لم يكن يستطيع الخروج من المنزل، ~~ففتح نافذة مطلة على الشارع ورأى سائسا يسير الهويناء، وتبين في وجهه علامة السلامة والوفاء، ~~فناداه وألقى إليه ذلك الكتاب مع قطعة من الذهب، وكلفه أن يضع الكتاب في إدارة البريد، فأخذ ~~السائق الكتاب فرحا بالعطية مثنيا على كرمه وانصرف. # وبعد هنيهة عادت روميا، فعاد المركيز إلى نسيان ولده وكل ما في الوجود، حتى إذا أقبل الليل ~~قالت له: إننا سنسافر الليلة في السفينة، وسنبرح المنزل بعد ساعة. ~~- كما تشائين أيتها الحبيبة، فإني لا أخالف لك أمرا. # وبعد ساعة قامت به إلى النافذة، وقالت له: انظر إلى النور الأحمر إنه نور السفينة التي ~~سنسافر عليها. # ثم سمعت صفيرا، فأخرجت صفارة من جيبها وصفرت بها، ثم قالت له: إن هذا صفير القارب الذي جاء ~~لنقلنا إلى السفينة فهلم بنا الآن. # وخرج الاثنان من ذلك المنزل إلى حيث كان القارب الذي جاء لنقلنا إلى السفينة فهلم بنا ~~الآن. # وخرج الاثنان من ذلك المنزل إلى حيث كان القارب، فنزلا به ومخر بهما إلى السفينة، فلما وصلا ~~إليها رأى المركيز على ظهرها شيخا عجوزا ذا لحية طويلة بيضاء ظهر لمحة ثم اختفى، فقال ~~المركيز: إني رأيت هذا الشيخ، فمن هو؟ وأين رأيته؟ # وكان جميع البحارة قد أسرعوا إلى استقبال روميا باحترام عظيم يدل على أنها السيدة المطلقة ~~في تلك السفينة، وكانوا ينظرون إلى المركيز نظرات الانذهال، ويكلمون سيدتهم بلغة سرية لم يفهمها ~~المركيز. # فسارت روميا إلى غرفة فسيحة مفروشة بأفضل الأثاث، وقالت له: هذه غرفتك، ثم أقفلت الباب ~~وقالت له: هلم بنا إلى العشاء. # وبعد ساعة كان المركيز صريع سكر وغرام لا يستفيق، فقرعت روميا جرسا فدخل ذلك الرجل ذو ~~اللحية البيضاء الذي رآه المركيز حين صعد إلى السفينة وهو يبتسم ابتسام الأبالسة. # وجلس الرجل أمام روميا، وقال لها: إننا نستطيع أن نتحدث الآن فإنه لا يستفيق ms1662 إلا بعد ~~ساعتين. ~~- أأنت واثق أنه لا يسمع حديثنا، كما كان يسمعه حين إغمائه في لندرا؟ ~~- نعم فإن مخدر اليوم غير مخدر أمس. # فنظرت روميا إلى هذا الشيخ نظرة تهكم، وقالت له: إن الخدمة بأوامرك مجيدة يا أبي فإنك لست ~~من البشر، بل أنت شيطان في صورة إنسان. # فهز كتفيه وقال: إني أنتقم إذ لا أجد بدا من الانتقام. ~~- انتقم كما تشاء فإن هذا الرجل لا يهمني شأنه، ولكن كل ذلك يقضي علي بالحذر منك. ~~- لماذا؟ ~~- أصغ إلي تعلم؛ فقد كنت تحب امرأتك حبا قويا، وقد هفت امرأتك فولدت برديتو من هذه ~~الهفوة؛ ولذلك يكون انتقامك من برديتو وليس من مورفر. ~~- هذا ما يلوح لك بالظاهر، وأما بالحقيقة فلا ونعم ... # إني قتلت مورفر الذي كان والد برديتو، ووالد هذا المركيز الطريح عند قدميك، ولكني لا أقتصر ~~على قتل الرجل الذي دنس شرفي، ولا يشفي آلامي غير الانتقام من أسرته بجملتها كي لا يبقى من ~~يدعى مورفر بالوجود. # فقالت روميا: لا أنكر عليك يا حضرة الدوق حق الانتقام غير أن انتقامك من عائلة مورفر لا ~~يمنعك أن تكره برديتو أيضا، فهو ابن تلك الزلة التي دعت إلى كل هذا الانتقام. # فقال لها الدوق دي فنسترنج: هو الحق ما تقولين؛ فإني كنت أكره حبيبك برديتو من قبل، كما ~~أكره الآن هذا المركيز، ولم أخنقه يوم ولادته؛ لأني أردت أن أعد له عذابا هائلا، لذلك عهدت به ~~إلى مينوس وقلت في نفسي: إما أن ينشأ شريف العواطف فيلقى شر عذاب لوجوده مع اللصوص، وإما ينشأ ~~لصا مثلهم فلا يكون نصيبه غير المشنقة. # وكان مينوس يخبرني بكل حوادثه، وعلمت منه يوما أنه التقى بالمركيزة وابنها في الجبل، وما ~~كان من تباغض الغلامين، فخطر لي انتقام جميل وهو أن أثير أحقاد برديتو على أخيه، ثم أجمع بين ~~الاثنين فيمزق كل منهما الآخر، ولكنك حلت أنت دون هذا المشروع. # فاندهشت روميا وقالت: أنا؟ ~~- نعم أنت؛ فإني حين توليت تربيتك وتربية برديتو رأيت أنكما متساويان بفساد المبدأ، ms1663 وأنكما ~~متحابان؛ فكرهت أن أفرق بينكما، وزال من قلبي كره برديتو. # فنظرت إليه روميا نظرة المرتاب، وقالت: أحق ما تقول؟ ~~- دون شك فقد حصرت بغضي بالمركيز، وأنت تعلمين أني لا أريد أن يموت موتا بسيطا، بل أريد ~~أن يكون موته بطيئا ونزعه شديدا طويلا لا ينتهي. # فضحكت روميا، وقالت: إنك أعظم سفاك رأيته في حياتي يا أبي، وسأفعل ما تريد. ~~- وأنت أعظم شيطانة عرفتها، ولو لم ينقض عهد شبابي لأحببتك. # ثم صب من زجاجة شراب في كأسين وشرب وإياها، فقالت له روميا: أيجب أن نبدأ الليلة؟ ~~- دون شك، ولكن متى أصبحنا في عرض البحر، فقد أمرت الربان أن يسير بالسفينة عند انتصاف ~~الليل. # ثم كشف ساعته وقال: أي بعد ربع ساعة. ~~- متى يفيق المركيز؟ ~~- بعد ساعتين. # وعند ذلك قرع الباب قرعا خفيفا، فقالت روميا: إن الطارق برديتو دون شك. ~~- ليدخل فلا بأس من دخوله. # ودخل برديتو وكان لا يزال يشبه المركيز شبها عجيبا فقال: إني جائع. # فقالت: هو ذا الطعام معد فكل. # فنظر إليها نظرة منكرة، وقال: أكرهك اليوم بقدر ما كنت أحبك أمس. # فارتعشت روميا، وقالت: لماذا تبغضني أيها الحبيب؟ ~~- لأن فم هذا الرجل النائم قبل شفتيك. ~~- ما هذه الغيرة التي لا محل لها؟ ألا تعلم أني لا أحب سواك في هذا الوجود؟! # فجلس برديتو معهم على المائدة فصب لنفسه كأسا وشرب، ثم أخذ سكينا عن المائدة، وجعل يتطلع ~~إلى الدوق، وإلى روميا، وإلى المركيز النائم تطليعات ملؤها الحقد، وقال: يجول في خاطري فكر ~~هائل. # فقال له الدوق ببرود: ما هو هذا الخاطر؟ ~~- هو أن أقتلكم جميعا. # فارتعشت روميا، أما الدوق فلم يظهر عليه شيء من علائم الاضطراب، وقال: إنك إذا قتلت هذا ~~الرجل فلا تكون قد انتقمت. ~~- حسنا، ولكني أكون قد سكنت ثائر غضبي. ~~- وإذا حملك الغضب على الفتك بروميا، فإنك تيأس بعد قتلها لأنك تهواها. ~~- هذا ممكن. ~~- وأخيرا إن قتلتني أنا تحرم أموالي الطائلة التي سأورثك إياها. # فسكن هذا القول غضب اللص وقال: لقد أصبت. # ثم ألقى ms1664 السكين إلى الأرض. # وعند ذلك شعروا بأن المائدة ترتج، فعلموا أن السفينة رفعت مراسيها وقامت من الميناء. # 28 # ولبث المركيز نائما ساعتين، كما قال الدوق، ثم انتبه من تلقاء نفسه كما ينتبه من ينام ~~نوما طبيعيا. # ولما استفاق وجد روميا بقربه ولم يكن في الغرفة غيرهما، فابتسمت له وطوقت عنقه بيديها، فقال ~~لها: ألعلي كنت نائما؟ ~~- نعم أيها الحبيب، فقد شربت كثيرا من الخمر الإسباني المعتق، فأفضى بك الإفراط في شربه ~~إلى النوم. ~~- كيف ذلك ألعلك كنت معي؟ ~~- نعم فلم أفارق مكاني. # ثم شعر أن السفينة تسير، فقال: إن السفينة تمخر في البحر، فهل هي سائرة بنا إلى ~~نابولي؟ # فابتسمت له ابتساما خلب لبه، وقالت: إنها تسير بنا إلى حيث تشاء، فأنت الآمر هنا أيها ~~الحبيب. ~~- بل أنت الآمرة الناهية؛ لأني عبد هذا الجمال. ~~- إذا أردت أن أتولى أنا إدارة هذه الرحلة، ذهبت بك إلى بلاد الشرق، بلاد أجدادي، فنسير إلى ~~مصر وتركيا، ونشاهد أزمير والآستانة، ونجتاز بلاد العجم، ونبلغ إلى شواطئ الكنغ. أتوافق على هذه ~~الخطة؟ ~~- إني أريد ما تريدين أيتها الحبيبة. # ثم جذبها إليه بلطف يريد ضمها، فشعر فجأة أن أرض الغرفة قد انشقت وظهر منها ساحة متسعة ~~الأرجاء. # فصاحت روميا صيحة ذعر وأفلتت من يديه، ونظر المركيز إلى تلك الهوة التي فتحت أمامه، فرأى ~~ذلك المنظر الذي رآه في منزل روميا في باريس؛ أي ذلك اللهب الذي يبدو أحمر ثم يصبح بنفسجيا ثم ~~أبيض، ويظهر من خلاله خيال برديتو. # وكانت روميا تصيح صيحات منكرة، والمركيز يحاول أن يضمها إليه، لكنها هربت وانطفأ مصباح ~~الغرفة فلم يعد يراها. # ثم حدثت أعجوبة أعظم من تلك، وهي أنه رأى روميا واقفة تحت ذلك اللهب الذي كان ظاهرا فيه ~~برديتو، وقد مسخت مسخا فصارت قامتها لا تتجاوز نصف ذراع، ورأى برديتو يشير إليها بيده إشارة ~~المنتقم وسط ذلك اللهب، ويقول لها بصوت يتهدج من الغضب: «هذا هو انتقامي أيتها الخائنة، فلتكوني ~~عبرة لسواك.» # ثم احتجب الخيال وتحول اللهيب إلى دخان انبعثت ms1665 منه رائحة كريهة، ضيقت أنفاسه، فأسرع يريد ~~الهرب من تلك الغرفة؛ فاصطدم بجسم ملقى على الأرض وأغمي عليه لقوة هذه الرائحة، فسقط بين ذراعي ~~روميا التي تحولت من جسمها الممسوخ إلى جسمها العادي. # وعند الصباح صحا من رقاده وهو مضطرب الحواس محموم، فكان يذكر حادثة الليل كحلم مزعج، وقد ~~وجد نفسه في سرير من أسرة السفينة، فلم يعلم إذا كان ما رآه حلما أو حقيقة، ولكنه كاد يقتنع ~~أنه كان حالما حين رأى روميا على ظهر السفينة بهيئتها العادية. # فلما رأته روميا أقبلت إليه تبتسم وتقول: لقد أطلت الرقاد. # فنظر إليها منذهلا وقال: إذن لست أنت؟ ~~- ماذا؟ ~~- ألست من الأقزام؟ ~~- بل إني على عكس ما تقول، فإني من طويلات القوام. ~~- لكني رأيت مع ذلك في هذه الليلة ... ~~- ماذا رأيت؟ ~~- رأيت برديتو قد مسخك وحولك إلى قزم. # فاصفر وجه روميا وقالت: برديتو؟ ~~- نعم فإني حين كنت هذه الليلة معي أضمك إلى صدري، فقد ظهر لنا برديتو في السفينة كما كان ~~يظهر في باريس. ~~- إني ما رأيت شيئا. ~~- عجبا ألم تري أمس خيال برديتو؟ ~~- كلا، وجميع ما شاهدته أنك تعشيت ونمت. ~~- أعلم أني نمت، ولكني صحوت بعد هذا النوم. ~~- كلا إنك ما صحوت إلى الآن. ~~- كيف ذلك؟ ألم تكلميني عن الخمر الإسباني؟ ~~- لم أقل لك شيئا أيها الحبيب، فقد كنت نائما نوم السكارى حتى اضطررت إلى الاستعانة ~~ببحريين لنقلك إلى فراشك. # وكانت روميا تتكلم بلهجة صادقة، حتى وثق المركيز كل الوثوق أنه كان حالما. # ومضى ذلك النهار والسفينة سائرة حتى أقبل الليل، وجلس المركيز مع روميا على مائدة العشاء، ~~فشربت وشربت، ثم صبت له آخر كأس بقي في الزجاجة، وجعلت تناديه وتشاغله حتى وضعت له في الكأس ~~مخدرا، فما استقر شرابه في جوفه حتى تثاقلت عيناه وسقط على الكرسي لا يعي، غير أن إغماءه في ~~هذه المرة كان شبيها بإغمائه في لندرا؛ أي إنه كان فاقدا كل حواسه ما عدا حاسة السمع. # فذكر تلك الليلة التي سقط فيها صريعا في خمارة كالكراف، ms1666 حين كانت الإرلندية تغني، وسمع أن ~~الباب قد فتح ودخل منه رجل فقال: أهو نائم الآن؟ # فعرف أنه صوت برديتو. # ثم سمع روميا تقبله، وتقول له: إنك مخطئ يا برديتو بإساءتك إلي؛ لأني لا أحب سواك. ~~- إذا كان ذلك فلماذا لا تؤذنون لي بقتله في الحال؟ # فارتعش المركيز لأنه كان يسمع كل ما يقال أمامه، ثم سمع صوت ذلك الشيخ ذي اللحية البيضاء، ~~يقول وهو واقف على عتبة الباب: هلم، أيها العاشقان الجميلان، إلى سطح السفينة، فقد دنونا من ~~شواطئ إيطاليا الجميلة؛ لأن لديكما فرصة كافية؛ إذ لا نعود إلى تمثيل دور الخيال إلا بعد ~~ساعتين. # فخرج العاشقان وصعدا إلى ظهر السفينة. # أما الدوق فإنه بقي في الغرفة، ودنا من المركيز ووضع فمه عند أذنه، وقال له: أيها المركيز، ~~إنهم يهزءون بك. # 29 # ولا يحيط وصف كاتب بما كان يكابده هذا المركيز من العناء حين كان يسمع كل هذه الأقوال، فقد ~~كان يسمع ويفتكر ويعي كل شيء، لكنه لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يفتح عينيه. # ولم يقتصر الدوق على ما قاله له، بل إنه جلس بقربه وجعل يتلو عليه الحديث الآتي: # أيها المركيز إنك حين صعدت إلى السفينة رأيتني، وخشيت أن تكون قد عرفتني بالرغم عن هذه ~~اللحية الطويلة البيضاء التي غيرت كل ملامحي، ولكن ظهر لي بعد ذلك أنك لم تعرفني، فلا بد لي ~~الآن من أن أعرفك بنفسي فاسمع: # أيها المركيز إني ذلك الرجل الذي دنس أبوك عرضي فقتلته، أنا الجنرال الدوق دي فنسترنج الذي ~~جئته يوما تريد مبارزته انتقاما لأبيك، فأبيت مبارزتك حتى تبلغ سن الرشد. # ثم غادرت باريس وأظهرت أمام العالم أجمع أني مت غرقا في البحر تمويها عليك، ولكني لا ~~أزال حيا، وكذلك برديتو ابن أبيك وابن امرأتي فإنه لم يعدم شنقا كما تتوهم، فتحالفت وإياه ~~على قتلك، كما أني أقسمت على قتله أيضا، وهو لا يعلم ويحسب أني له من المخصلين، ولكنك أنت ~~ستقتل هذا اللص لا أنا، فأصغ إلي. # إنك الآن نائم ms1667 نوم تخدير؛ لأني وضعت لك في الشراب مخدرا تعلمت صنعه في الشرق، وهو يخدرك ~~ساعتين دون أن تفقد حاستي السمع والإدراك. # أما روميا وبرديتو فإنهما يعتقدان أنك نائم الآن كما كنت نائما أمس؛ أي أنك لا تسمع ولا ~~تعي وستعود إليك روميا بعد ساعة، فمتى فتحت عينيك تجدها بقربك، وسترى أشعة الحب تتقد في عينيها ~~وتراها تبتسم لك ألطف ابتسام وتناديك بأعذب الألقاب. # ثم يعود تمثيل دور الخيال على ما عهدته، فيتقد اللهب ويظهر منه خيال برديتو، وعند ذلك ترتعد ~~روميا وتفر منذعرة، فمتى ابتعدت عنك رأيتها قد مسخت قزما. # إنها لا تمسخ أيها المركيز، ولكنها تظهر لك بهذا المظهر الغريب بفضل انعكاس أشعة المرائي، ~~وهي طريقة مشهورة لا بد أن تكون قد عرفتها من قبل، أعلمت الآن أيها المركيز كيف يظهر لك الخيال ~~وكيف تمسخ روميا؟! # وهنا نصيحة أيها المركيز تتبعها إذا شئت، وهي أنك عندما تفيق من إغمائك تجد مسدسا محشوا ~~بقربك، فإذا ظهر لك الخيال وهربت روميا منك، فأطلق المسدس على برديتو واقتله قبل أن ~~يقتلك. # ثم ضحك ضحكا عاليا وتركه وانصرف. # أما روميا وبرديتو فكانا واقفين على ظهر السفينة ينظران إلى الشواطئ الإيطالية متعجبين ~~بجمالها، وكان برديتو يقول لروميا: لقد ندمت لاتفاقي مع هذا العجوز الذميم. ~~- لماذا أيها الحبيب؟ ~~- لأني أكابد عناء شديدا من الغيرة، فإن فم هذا الرجل قد قبل شفتيك. ~~- كيف تسوءك هذه القبلة وأنت تعلم أن قلبي لك؟ ~~- لأني لا أطيق أن أنظر هذا المركيز يقبلك ويضمك. ~~- ما هذه البلاهة؟ ~~- ليس ما أقوله بلاهة، فقد بت أخشى أن تختم هذه الرواية بما يجعلها فاجعة؛ إذ لا أطيق ~~الصبر، فقولي متى نفرغ من تمثيلها؟ ~~- لا أعلم. ~~- ألم يقل هذا الشيخ الذي بعناه حياتنا وأجسامنا بيع السلع؟ ~~- كلا إنه لم يطلعني على نواياه. # وعند ذلك ظهر لهما الشيخ، وقال: إنكما لن تعلما ولا تريان ختام الرواية، والآن إن الوقت قد ~~حان إذ دقت الساعة الثانية. # فقالت روميا: أنا نازلة. # ثم تركتهما ونزلت إلى غرفة المركيز. ms1668 # وكان المركيز قد بدأ يصحو من رقدته، فطوقت عنقه بذراعيها، وقالت له: أيها النائم الأبدي ألا ~~تنفك عن عادة النوم بعد العشاء؟ # فصحا المركيز عند كلامها كل الصحو، وقال: أسألك العفو فهذه آخر ليلة أنام فيها. ~~- أحق ما تقول؟! ~~- أقسم لك. # فجعلت تناغيه وتداعبه كما فعلت أمس، ثم ظهرت فجأة مناظر أمس؛ فانكسر المصباح وخسفت الغرفة ~~وظهر اللهب في وسطه برديتو، وجعلت روميا تمثل الذعر وتصيح صيحة الرعب. # غير أن المركيز ذكر في الحال ما قاله له الدوق وهو نائم، ومد يده فعثرت بالمسدس، فأخذه في ~~الحال وأطلقه على برديتو الظاهر بين اللهب، فوقعت الرصاصة في قلبه، وصاح صيحة منكرة وانقلب ~~قتيلا على الأرض. # ثم حاول المركيز أن يطلق رصاصة ثانية على روميا. لكن روميا ما لبثت أن رأت برديتو قتيلا، ~~حتى هاجت هياج اللبوة، وسبقت المركيز فجردت خنجرا وانقضت عليه انقضاض الكواسر، فطعنته به طعنة ~~هائلة وهي تزمجر زمجرة الأسود، وحاولت أن تشفعها بطعنة أخرى كي تجهز عليه، لكن بحارة السفينة ~~هجموا عليها، وجردوها من الخنجر، وقيدوا رجليها ويديها بأمر الدوق. # 30 # مضى عشر ساعات على هذه الحادثة كانت روميا في خلالها مقيدة اليدين والرجلين، وهي تصيح وتعول ~~وتطلب أن ترى جثة حبيبها برديتو، فلا يجيبها غير صدى الغرفة التي كانت مسجونة فيها. # وكان الدوق خبيرا بفن الجراحة، فكان يسمع عويل روميا ولا يكترث لها؛ لأنه كان مهتما ~~بتحنيط جثة برديتو، فإنه أخذ الجثة وحنطها منعا لانحلالها، ثم نزع الرصاصة منها وجعل الجرح ~~المستدير مثلث الزوايا حتى يحسب من رآه أنه جرح خنجر أو سيف لا جرح رصاصة. # وبعد أن انتهى من تحنيطه جاء بموسى وحلق له لحيته، ولم يبق له غير شاربيه فقصهما على شكل ~~شاربي المركيز دي مورفر، وكان المركيز يشبه اللص شبها غريبا كما تقدم، فلما حلق لحية اللص ~~أصبح اللص تماما بحيث لا يشك من رأى جثته أنها جثة المركيز. # أما المركيز فقد كان مصابا بالحمى من جرحه وهو ضائع الرشد، فذهب الدوق إلى سريره ms1669 وجعل ينظر ~~إليه بفرح وحشي، ويقول: إني لم أنل غير نصف انتقامي بل أقل من النصف؛ لأن برديتو مات دون أن ~~يتألم، ولا مشاحة أن هذا اللص كان ابن الجريمة لكنه لم يكن يدعى مورفر. # وما أوشك أن ذكر هذا الاسم حتى اضطرب صوته، وقال: إذا كنت لا أعتقد بخلود النفس فكيف أكون ~~انتقمت؟ # لكني أعتقد بخلود الأرواح، وأن أرواح المائتين تهيم بالفضاء وتحوم حول من كانت تحبهم فتفرح ~~لسرورهم وتحزن لأحزانهم، ولا شك أن روح تلك الخائنة حائمة الآن حول جثة ولدها برديتو، وروح هذا ~~اللص حائمة حول سجن روميا وكلاهما في عذاب. # ثم ترك المركيز وشأنه وذهب إلى روميا، فقال لها: كفاك أنينا وعويلا فقد كنت أحسبك قوية، ~~ولكني أراك تبكين بكاء الأطفال. ~~- كيف لا أبكي أيها الشقي وقد قتل برديتو. وأي رجاء لي بعده بالحياة؟! # فهز الدوق كتفيه، وقال: أتموتين قبل أن تنتقمي؟! ~~- لقد انتقمت بقتل القاتل. ~~- إنك منخدعة؛ لأن المركيز لم يمت. ~~- ولكنه سيموت؛ لأني طعنته بخنجر مسموم. # فضحك الدوق وقال: إنك منخدعة أيضا أيتها الحبيبة، فقد بدلت خنجرك المسموم حين كنت نائمة ~~بخنجر مثله غير مسموم؛ ولذلك لم يمت المركيز بل إنه سيحيى؛ لأن جرحه غير خطر. # فأنت روميا أنين الموجع، وكادت تفترس الدوق بنظرات حقدها غير أن الدوق لم يكترث ~~لنظراتها، وقال لها: أتعدين موت المركيز السريع انتقاما؟ إني لا أرى رأيك أيتها الحسناء، وعندي ~~أنه يجدر بك أن تقتليه كل يوم بالعذاب حتى تروي غليلك. ~~- ربما كنت مصيبا. ~~- وأنا واثق من أنك تعملين برأيي، لا سيما متى علمت أن للمركيز غلاما يرث منه أربعة ~~ملايين، فتمتعي بهذه الثروة، وانتقمي من صاحبها كما تشائين. # ثم تركها مقيدة اليدين والرجلين وصعد إلى ظهر السفينة، فأخذ نظارة مكبرة ونظر بها الأرض ~~التي أشرفت عليها السفينة، وهي أرض جزيرة مالطة. # ورأى أن السفينة كادت تصل إليها، فنادى الربان وأمره أن يعد القارب لنزوله إلى البر ففعل، ~~ثم وقفت السفينة وأنزل القارب، فأنزلوا فيه أمتعة الدوق، وبعد ذلك ms1670 قال الدوق للربان: بعد ساعتين ~~تحل وثاق روميا، وتقول لها: إن السفينة ومجارتها تحت أمرها. # ثم أمر الدوق بحارة القارب أن يسيروا به إلى مالطة، منفصلا عن السفينة، واستمرت السفينة في ~~سيرها إلى الشرق، وهي تحمل جثة برديتو المحنطة، والمركيز المحموم من جرحه، وقد بات في قبضة تلك ~~المرأة الهائلة. # 31 # ولنعد الآن إلى باريس لنرى ما فعل مرميس وفاندا، فإنهما أقسما أن يخضعا لأوامر روكامبول ~~ويجدا جثة المركيز. # في اليوم التالي لفراغ فاندا ومرميس من تلاوة كتاب الفيروزة، عقد تلامذة روكامبول اجتماعا ~~في منزل فاندا، وجعلوا يتباحثون في طريقة الشروع في العمل. # وقد افتتحت فاندا الحديث فقالت: إن لدينا ثلاثة أمور يجب علينا إجراؤها: أولها وأخصها ~~الحصول على الإناءين اللذين وضع فيهما المال. # فقال مرميس: إن هذه المهمة من أصعب المهام وأدناها إلى السرعة، أما وقد أمر الرئيس بتنفيذها ~~فلم يعد بد من الامتثال. ~~- والأمر الثاني: ضرورة إيجاد تلك المرأة، والثالث: تفقد الغلام الذي قال روكامبول: إنه ~~وضعه في دير في شارع البورصة، فقد مضى على إقامته فيه عامان، وقد يحدث كثير من الأمور في ~~عامين. ~~- لقد خطر لي الآن أن أعارضك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه يجب أن يكون أول ما نهتم به هو البحث عن الغلام، ونرى إذا كان أحد قد بحث عنه ~~قبلنا؛ لأني أخشى أن تكون البستانية الحسناء قد وقفت على جميع أسرار المركيز، ومنها سر هذا ~~الغلام، والذي أراه هو أنه يجب أن يذهب ميلون في الحال إلى هذا الدير، فيسأل رئيسته إذا كان أحد ~~قد سأل عن الغلام، من قبل الذي وضعه في الدير، ثم يخبرها بأنها ستحضر اليوم سيدة شقراء تدفع ما ~~تأخر دفعه من نفقات الغلام وتخرجه من الدير. ~~- إذا كان ذلك فلماذا لا يخرجه ميلون؟ ~~- ذلك لأن هذا الغلام قد كابد كثيرا من المشاق والمخاوف، فبات كثير الحرص، ولا شك أنه ~~يطمئن إلى امرأة ويثق بها أكثر من ثقته برجل. # فوافقته فاندا وذهب ميلون، فقال مرميس: أما أنا فسأعلم من الآن ms1671 إلى الظهر أين يوجد منزل ~~المركيز دي مورفر. ~~- والبستانية الحسناء؟ ~~- اطمئني فسأجدها في باريس بالرغم عن اتساعها. # أما ميلون فإنه لبس خير ملابسه، وذهب توا إلى الدير فاستقبلته الرئيسة خير استقبال، ~~وسألته عما يريد فقال لها: إني آت بشأن الغلام الذي عهد إليك منذ عامين. ~~- من الذي عهد به إلي؟ ~~- رجل أنا وكيله. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- الماجور أفاتار. ~~- حسنا إن الغلام عندنا وهو في أتم العافية، ويتقدم في الدروس كل يوم لفرط ذكائه. ~~- ألم يسأل عنه أحد في هذين العامين؟ ~~- كلا، ولماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لا أعلم! فقد أمروني أن أسألك فامتثلت، ثم أمرت أن أخبرك أيضا أن والدة الغلام ربما حضرت ~~اليوم لدفع حسابه وإخراجه، وهي شقراء تناهز الخامسة والثلاثين من العمر. ~~- ليكن ما تريد، ولكني أشفق أن يخرج هذا الغلام الذكي من ديارنا قبل إتمام دروسه؛ لأنه أذكى ~~جميع من لدينا من البنين. # وعند ذلك دق جرس مؤذنا بخروج الأولاد من غرف الدرس إلى الحديقة للرياضة، فأطلت الرئيسة من ~~النافذة وقالت لميلون: تعال وانظره فإنه على ذكائه العظيم وافر الجمال. # فدنا ميلون من النافذة ورأى الغلام على ما وصفته له، وهو بين 12 و13 من العمر؛ فانطبع رسمه ~~في ذاكرته. # بعد ذلك بساعة جاءت إلى هذا الدير مركبة عليها إشارة النبلاء، وخرجت منها امرأة جميلة ~~شقراء، فقابلت رئيسة الدير وقالت: إني والدة الغلام الذي أخبرك وكيلي منذ ساعة أني سأحضر ~~لأخذه. # ثم أخرجت ورقة مالية قيمتها ألف فرنك، فدفعتها لها وسألت إحضار الغلام. # فأمرت الرئيسة بإحضاره، فجعلت تقطعه ضما وتقبيلا وهو منذهل مما يراه؛ لأنه لم يكن رآها ~~من قبل، فقالت له: إني أمك يا بني وقد فارقتني طفلا فنسيتني هلم بنا الآن إلى أبيك. # ثم أخذته بعد أن ودعت الرئيسة وشكرتها، وخرجت به إلى مركبتها. # وبعد ساعة أيضا جاءت امرأة أخرى شقراء، وطلبت الغلام باسم الماجور أفاتار. # وكانت هذه المرأة فاندا، فلما علمت أن الغلام خرج من الدير صاحت صيحة منكرة، وعلمت أنه بات ~~في قبضة البستانية الحسناء. ms1672 # 32 # أما مرميس فإنه ذهب إلى النادي حين ذهب ميلون إلى الدير، فاجتمع بأصحابه وجعلوا يعاتبونه ~~لانقطاعه عنهم يومين، فاعتذر إليهم بما يجده من الحزن على الفيكونت مونتيجرون والبارون ~~هنري. # فقال له أحد الحضور: إننا جميعنا لا نزال آسفين، غير أن جميع أحزان العالم لا تخرج الأموات ~~من قبورهم، والعاقل من شغل عنهم بالأحياء. # على أن هذه الفلسفة لم تمنع الحضور عن البحث في هذه الحوادث، فقد خاض بها مرميس حتى وصل إلى ~~المركيز دي مورفر، فقال: لا تزال مسألة هذا المركيز من المشاكل التي لم يحلها أحد. # فأجابه ذلك المتفلسف: لا أرى حاجة إلى حلها بعد أن حلها الموت. ~~- ولكنهم لم يعثروا على برهان يثبت موته. # فأجابه صديق له يدعى البارون فيليب، وقال: وأي دليل أعظم من إيجاد جثته. ~~- إنهم لم يجدوا جثته، بل وجدوا تمثال شمع. ~~- ولكن في لندرا ... ~~- يدعون أنهم وجدوا جثة تشبهها، ولكن لم يثبت شيء؛ لذلك لا أزال أعتقد أن المركيز دي مورفر ~~حي إلى أن يثبت موته، وقد أتيت اليوم خصيصا لأكلمكم بشأنه. # فنظر الجميع إليه بانذهال، فقال مرميس: إن دي مورفر قد اختفى منذ خمسة أعوام، ولا بد أن ~~تكون أزيلت الأختام عن منزله للاطلاع على وصيته. # فقال البارون: إن موعد فتحها غدا. ~~- أعرفت وريثه؟ ~~- نعم فهو ابن عم له يدعى بوكدر موزفر، وهو من أصدقائي. ~~- إذن أسألك يا حضرة البارون أن تعطيني كتاب توصية له. # فانذهل البارون وقال: أي شأن لك مع هذا الرجل وهو غريب عن باريس لا يعرف أحدا ~~فيها؟! # فابتسم مرميس وقال: هو سر من أسراري، وقد تعلمونه في مستقبل الأيام. # فكتب له البارون، وذهب إلى حيث يقيم ابن عم المركيز. # وكان هذا الرجل في الخامسة والأربعين من عمره، وكان من قبل ضابطا في الجيش، ثم اعتزل ~~الخدمة، وأقام في أرض له في الريف، فكان يعيش من ريعها القليل عيشة القانعين، على أنه كان وافر ~~الأدب كثير الظرف، فلما جاءه مرميس وأطلعه على كتاب البارون استقبله خير استقبال، وقال ms1673 له: إني ~~طوع لك فيما تريد فمرني يا سيدي بما شئت. ~~- علمت أنك سترث تركة المركيز دي مورفر. ~~- نعم. إن أباه ابن عم أبي، ولكني لم أره في حياتي، وما كنت أتوقع مثل هذا الإرث، فإن موته ~~لم يثبت بعد، ولا يجيز لي القانون أن أرث التركة، بل يحق لي أن أتصرف بريعها إلى أن تمضي سنوات ~~هينة. ~~- إني ما تشرفت يا سيدي بزيارتك إلا بشأن هذا الإرث؛ لأني واثق أن المركيز قد كتب وصية وهو ~~قد أوصى بثروته لأقربائه ؛ أي أنت يا سيدي، لكنه وهب بهذه الوصية بعض الهبات. ~~- إذا كانت هذه الوصية موجودة كما تقول لا بد من احترامها وتنفيذ كل ما فيها، ولا أستطيع أن ~~أحقق شيئا قبل الغد حين ترفع الأختام عن المنزل، فإذا شئت يا سيدي احضر إليه ظهر الغد. ~~- سأحضر يا سيدي. ~~- أتأذن لي يا سيدي أن أسألك إذا كنت من أصدقاء المرحوم ابن عمي؟ وهل عرفت بهذه الوصية ~~منه؟! ~~- كلا، ولكني آت من قبل امرأة كانت خليلة له، وقد منحها بوصيته هبة أحب أن تبقى عندها ~~تذكارا منه. ~~- ثق يا سيدي أني لا أخل بحرف من هذه الوصية، وغدا نلتقي فأسلمك تلك الهبة. # فشكره مرميس ثم ودعه وانصرف وهو يقول في نفسه: إن الذي نسعى إليه هو نيل الإناءين، وقد ماتت ~~الفيروزة. ولكن فاندا تقوم مقامها، وتتسمى باسمها الوارد في الوصية فإنه لا يوجد بين أصدقاء ~~المركيز من كان يعلم بحبه الفيروزة. # ثم ذهب إلى فاندا فلم يجدها إذ كانت ذهبت إلى الدير. # 33 # وقد وجد ميلون فأخبره ما فعل بالدير، وأن فاندا ذهبت لإحضار الغلام، فانتظر ساعة فلم تعد ثم ~~ساعتين ثم ثلاثا، حتى سئم الانتظار، وخشي أن تكون أصيبت بمكروه. فقال له ميلون: أتريد أن أذهب ~~إلى الدير لأرى ما حدث لها؟ ~~- كلا فلننتظر الغروب، فإذا لم تعد ذهبت وإياك. # وغابت الشمس دون أن تعود فاندا، فزادت هواجس مرميس وذهب مع ميلون إلى رئيسة الدير، فألقاها ~~جازعة مضطربة، ووصفت له المرأة ms1674 التي سبقت وأخذت الغلام، فعلم من وصفها أنها البستانية الحسناء، ~~وأيقن أن فاندا تتبعها، فخرج من الدير مع ميلون وهو لا يعي من فرط غمه واضطرابه. # وكان الظلام قد أقبل والهواء باردا، والشارع مقفرا، والمطر ينهمر غزيرا، فوقف مرميس خارج ~~الدير يعمل الفكر في طريقة البحث عن فاندا، غير مكترث للأخطار. # وفيما هو ينظر يمنة ويسرة رأى خمارة قرب الدير، فحدثه قلبه أنه قد يقف على أثر فاندا من تلك ~~الخمارة، فرأى فيها جماعة من البنائين يسكرون، ورأى صاحبة الخمارة تنظر إليه نظرة خاصة، فدنا ~~منها وجعل يحادثها أحاديث مختلفة، وهي تنظر إليه نظرات تدل على أنه وصف لها من قبل. # وفطن مرميس لهذه النظرات، فقال لها: إنك تستطيعين أن تفيديني بعض الإفادات. ~~- سل يا سيدي ما تشاء. ~~- أيجيء إلى هذا الدير المجاور لخمارتك كثير من الناس؟ ~~- نعم وذلك في يومي الخميس والأحد. ~~- وفي غير هذين اليومين؟ ~~- يندر قدوم الزائرين، غير أنه جاءت اليوم امرأة جميلة شقراء، فدخلت إليه وخرجت بغلام جميل، ~~وبعد ساعة جاءت امرأة أخرى شقراء، فدخلت الدير وخرجت منه مسرعة وعليها علائم الاضطراب الشديد، ~~فغابت نحو ساعة وعادت. # فعلم مرميس أنها فاندا فقال: ألعلها عادت إلى الدير؟! ~~- كلا، ولكنها عادت إلى الشارع ودخلت هذه الخمارة. # ثم نظرت إليه نظرة الفاحص، وقالت له: اسمح لي يا سيدي أن أسألك عن اسمك. # فاطمأن مرميس وذكر لها اسمه فقالت: إذن خذ هذه الرسالة فهي لك من هذه المرأة. # فأخذ مرميس الرسالة وعلم من عنوانها أنها خط فاندا، ففضها وقرأ ما يأتي: # إن الغلام اختطفته البستانية الحسناء، ولكنها تركت أثرا لا أزال أقتفيه، فإن أحد ~~الحمالين رأى مركبتها وقفت عند كنيسة سانت جنفياف، فدخلت إلى الكنيسة مع الغلام، ثم عادت ~~وركبت وإياه في المركبة وأمرت السائق أن يسير إلى سانت مانديه. # وأظن أنها ذهبت إلى المنزل الذي ذهبت إليه أنت وميلون، فأخذت مركبة وسرت في أثرها؛ إذ ~~لا بد لنا من استرجاع الغلام. # وربما عدت في المساء إلى منزلي، ولكني قد ms1675 لا أعود، ولما كنت واثقة من حضورك مع ميلون ~~إلى الدير للسؤال عني تركت هذه الرسالة في الخمارة لتعلم أين أنا، فإذا مضت الساعة التاسعة ~~دون أن أعود أيقن أني في خطر وأسرع إلى إنقاذي في سانت مانديه. # فاندا # فلما قرأ مرميس الرسالة دفع لصاحبة الخمارة عشرين فرنكا، ثم خرج إلى ميلون وكان ينتظره في ~~مركبته، فأطلعه على الرسالة، ثم قال له: يجب أن ننهج مناهج الحكمة في هذه المشكلة، فإن فاندا ~~إما أن تكون حقيقة قد اقتفت آثار البستانية، وعند ذلك فلا بد لها من الفوز لذكائها وجرأتها، ~~وإما أن يكون الحمال قد خدعها، فسقطت في فخ نصبته لها تلك الداهية. ~~- إذن لنسرع إلى سانت مانديه. ~~- كلا، بل نرسل سائق مركبتنا إلى منزل فاندا ليعلم إذا كانت عادت إليه، ونحن نرود في هذا ~~الشارع، فإن قلبي يحدثني أننا سنقف فيه على شيء لم يكن في الحسبان. # ثم أمر السائق أن يذهب إلى المنزل، فيتفقد فاندا ويعود إليه في الحال، فامتثل السائق، وسار ~~مرميس وميلون في ذلك الشارع. # وكان الشارع خاليا من الناس لانهيار الأمطار، فسارا حتى وصلا إلى مدرسة الحقوق، ورأى مرميس ~~ثلاث مركبات للأجرة واقفة هناك، فما لبث أن مر بها حتى ارتعش؛ ففتح بابها فجأة وقال للسائق: إذا ~~كنت غير مأجور فسر بنا إلى الشانزليزيه. # فامتثل السائق وتأهب للمسير، فدخل مرميس وميلون، وسارت المركبة، فهمس مرميس بأذن ميلون ~~قائلا: لقد عثرنا بواحد من عصابة تلك المرأة الهائلة. # فانذهل ميلون وقال: كيف ذلك؟ ~~- ألا تذكر ذلك الإسباني الذي كان يظهر أنه زوج البستانية؟ ~~- نعم. ~~- إنه نفس السائق الذي نركب مركبته الآن، فاصبر ولا تفه بحرف بل أصغ إلي، فإن البستانية ~~علمت أن فاندا ستجيء بعدها إلى الدير لأخذ الغلام، وأنا واثق الآن أن هذا الحمال الذي رأته ~~فاندا كان جاسوس البستانية وأنها سقطت في الفخ، ولكن هذا الفخ لم ينصب لها وحدها بل نصب لنا ~~أيضا بدليل وجود هذا السائق المتنكر في هذا المكان. # فقال ميلون، ولكننا إذا ms1676 ركبنا المركبة نكون قد دفعنا بأنفسنا إلى الفخ. ~~- هذا ما يظهر لك، ولكن اصبر وسترى. # وسارت المركبة بهما من شارع إلى شارع حتى دخلت في شارع مقفر لا يمر به أحد عادة في الليالي ~~المظلمة، فقال مرميس لميلون: لقد دنا الوقت فانتبه. # ثم نادى السائق وأمره بالوقوف فامتثل، فأخرج مرميس عند ذلك مسدسه ووضعه على صدغ السائق وهو ~~يقول: احذر أن تفوه بكلمة أو أقتلك في هذا الشارع المقفر شر قتل. # ثم وثب ومسدسه بيده إلى جانب السائق، وهو نفس الإسباني الذي كان يصحب البستانية الحسناء إلى ~~الأوبرا، فيحسب الناس أنه زوجها، وقال له: إذا أردت السلامة فلا بد لك من الامتثال. # وبانت على الإسباني علائم الذعر، وقال: ماذا تريد أن أفعل؟ # أريد أن تترك مكانك وتنزل الى المركبة فتقيم فيها مع رفيقي. # ثم نادى ميلون، وقال: انتبه لهذا الرجل، وإذا بدرت منه بادرة فاقتله دون إشفاق. # فنزل السائق وهو يضطرب من الخوف، فقبض ميلون على عنقه بإحدى يديه، وجرد خنجره باليد ~~الثانية، ودفع مرميس المركبة فسارت تنهب الأرض حتى وصلت إلى منزل فاندا، فدخل الثلاثة إليه دون ~~أن يبدي الإسباني شيئا من المقاومة. # ثم دخلا به إلى غرفة فأنار مرميس شمعتين، وأقفل الباب ونظر إلى الإسباني، فقال: أظنك تعلم ~~أن من كان من أمثالنا وسقط في قبضة خصمه لا يشتري سلامته إلا بالإقرار. # ثم كشف ساعته وقال: إني أمهلك ثلاث دقائق لتقول لنا أين هي البستانية، وأين هي فاندا، وماذا ~~كنت تصنع قرب الدير وأنت متنكر بزي سائق؟! # وكان الإسباني قد ملك روعه في هذه المدة، وقال له: وإذا أبيت أن أجيب. ~~- إننا في شارع كثير السكان، فلا أقتلك بالرصاص كي لا يسمع الناس دوي المسدس، ولكني أقتلك ~~بهذا الخنجر. # نظر إليه الإسباني نظرة يأس، وقال: إني مائت في الحالين، فإذا كتمت عنك الحقيقة تقتلني وإذا ~~بحت بها قتلوني. ~~- من هم الذين يقتلونك؟ ~~- رجال عصابتها، فإنهم يقتلوني بأمرها دون إشفاق. ~~- ولكني سأحميك. # فاتقدت عينا الأسباني بأشعة الأمل، ثم انطفأ ms1677 هذا الشعاع فجأة وقال: لا شك عندي أنك تحاول ~~حمايتي، ولكن لا يستطيع إنسان مقاومة هذه الداهية. ~~- سترى بعد إقرارك كيف أستطيع أن أحميك، والآن فقد أوشكت الدقائق الثلاث أن تنقضي قبل أن ~~ينفذ فيك العقاب، ثم سار إلى ميلون، فجرد خنجره ووقف فوق رأس الإسباني ينذره بالقتل. # فاستعد الإسباني وقال: سأعترف بكل شيء، إنها هي التي أقامتني في المركبة قرب الدير. ~~- متى؟ ~~- بعد أن اختطفت الولد. ~~- ماذا كان قصدها؟ ~~- إنها كانت عالمة أن امرأة غيرها ستحضر إلى الدير لتطلب الغلام ، فلما أتت تلك المرأة إلى ~~الدير وخرجت منه قانطة من لقاء الغلام رأت حمالا على الطريق، وهو من أتباع البستانية الحسناء، ~~سألته فأرشدها كما تلقن، ولم يكن في ذلك الشارع غير مركبتي صعدت إليها، وأمرتني أن أسير إلى حيث ~~أرشدها الحمال؛ أي إلى سانت مانديه، حتى إذا وصلت بها إلى محل معين مقفر أوقفت المركبة، فخرج ~~رجلان من أتباعنا كانا كامنين في منعطف، فدخلا إلى المركبة وربطا فم المرأة كي لا تستغيث، وسارت ~~بهما إلى سانت مانديه. # فقال مرميس: وبعد ذلك؟ ~~- بعد ذلك أمرتني أن أعود إلى موقفي الأول قرب الدير، وأن أراقبكما لأني أعرفكما، وما كنت ~~أحسب أنكما تعرفاني وأنا متنكر، حتى إذا عرفت ما تريدان أن تصنعاه أعود إليها وأخبرها. ~~- إذن هي الآن في سانت مانديه؟ ~~- نعم مع الغلام والمرأة الشقراء. ~~- ماذا تصنع بهما؟ ~~- لا أعلم. ~~- إذن لا بد لي من إخبارك أن الدقائق الثلاث قد انقضت. # فاضطرب الإسباني لهذا الإنذار، وقال: ولكني يا سيدي لست سوى خادم بسيط استخدمتني تلك المرأة ~~لأغراضها غير أني لا أفهم أسرارها. # فقال مرميس ببرود: يسوءني أن تكون جاهلا لهذه أسرار، ثم أشار إلى ميلون، وقال له: اقتل هذا ~~الرجل إذ لم يبق لنا فائدة فيه، فلم يكد يتم كلامه حتى صاح الإسباني وقد رأى بريق خنجر ميلون: ~~رحماك يا سيدي، فإني أعترف بكل شيء وأقسم لك على الصدق فيما أقول. # فجلس مرميس بإزائه وقال: إني مصغ إليك فقل ما تعلم ms1678 ... # 34 # وكانت هيئة الإسباني تحمل على الإشفاق، وتدل على أنه سيضحي بكل شيء للفرار من الموت، فتطلع ~~إلى مرميس، وقال له: أتحميني وتحبسني في منزلك إذا أخبرتك بكل شيء؟ ~~- نعم ... ~~- إذن فاعلم أن البستانية الحسناء تدعى روميا. ~~- قد علمنا ذلك من قبل. ~~- وهي عشيقة برديتو الذي قتله المركيز دي مورفر ... ~~- ماذا جرى لهذا المركيز؟ ~~- إنه معها ... ~~- إذن فهو حي؟ ~~- إنه حي إذا صح أن يدعى من كان في حالته من الأحياء، فإنه معتوه مجنون يتقلب بين الفرح ~~والكآبة، ويمزج بين الضحك والبكاء ، فهو يموت في كل يوم ألف ميتة؛ لفرط ما يلقاه من العذاب الذي ~~لا نهاية له، وسيكون لابنه، وللمرأة التي قبضت عليها، نفس نصيبه، ولو عثرت بك لعذبتك نفس ~~العذاب. ~~- ولكنها لم تظفر بي بعد. ~~- وأنا أشير عليك أن لا تدخل معها في معترك، وإذا لم تقبل نصحي، وقدر لك الظفر بها ~~فاقتلها قتل الحيوانات المفترسة، ولا تعاملها كما تعامل النساء؛ فإنها ليست من الناس. # فقال له مرميس: سأقتلها دون شك، ولكن يجب أن أعرف أين هي قبل أن أقتلها. ~~- قلت لك إنها في سانت مانديه. ~~- وحدها؟ ~~- كلا، بل هي مع رجلين من النور يخضعان لها كل الخضوع، ولكني أعرف طريقة تمكنك من قتلها دون ~~أن يستطيع النوريان حمايتها، وهي أن هذا البيت الذي تقيم فيه مزودج؛ أي إنه ذو دورين، يظهر ~~الدور الأول منه للعيون، وأما الدور الثاني فهو في جوف الأرض لا يراه أحد، ولا يهتدي إلى مدخله ~~أحد، فلو قضيت العمر باحثا عن مدخله لما علمت أن تدخل إليه، وذلك أنه يوجد في حديقة المنزل بئر ~~لا ماء فيها، وفي أسفل البئر سرداب سري يدخل منه إلى ذلك المنزل، ولكن البئر كائنة في وسط ~~الحديقة، وهي عميقة وفيها جميع معدات الاستقاء، فلا يخطر في بال أحد أنها باب هذا المنزل ~~السري. # ثم يوجد هناك سر آخر، وهو أن باب السرداب يقفل دائما من الداخل، فلا يفتح إلا متى سمعت ~~البستانية كلمة اصطلاحية تلقنها لجميع أعوانها ms1679 كل يوم، وهي تبالغ هذه المبالغة في الاحتياط كي ~~لا يأخذها أحد على غرة، ولا يعلم مدخل المنزل إذا سقط اتفاقا في البئر. # فسأله مرميس: وما هو هذا الاصطلاح؟ ~~- إنك متى وصلت إلى البئر تقف عند فمها وتصفر، ثم تصبر هنيهة إلى أن تسمع صفيرا من داخل ~~البئر مثل صفيرك، فإذا سمعت هذا الصفير تقلد صوتي، وتقول هذه الكلمة الاصطلاحية التي لقنتنا ~~إياها اليوم وهي «الانتقام»، وعند ذلك ترى جوف البئر قد استنار، وترى البستانية قد خرجت إليه من ~~الباب، فإذا كنت تجيد الرماية أطلقت عليها مسدسك وقتلتها. # ولما سمع مرميس قول هذا الرجل جعل يفكر، وكان يتراوح بين أن يأخذ معه الإسباني لتحقيق صدقه ~~وبين أن يدعه مقيدا بحراسة ميلون، إلى أن استقر فكره على الرأي الأخير، فسأله: كم يقتضي من ~~الوقت للذهاب إلى سانت مانديه والرجوع منها؟ ~~- ساعتين. ~~- بل أمهلك أربع ساعات، فإذا انقضت ولم أعد فأنت رجل ميت لا محالة. # ودخل مرميس إلى إحدى الغرف، فجاء بحبال وأمر ميلون أن يقيد رجلي الإسباني ويديه ويقيم جنبه ~~ولا يفارقه لحظة، ثم كشف ساعته وقال لميلون: نحن الآن في الساعة العاشرة من المساء، فإذا حانت ~~الساعة الثانية بعد انتصاف الليل ولم أعد فاقتل هذا الرجل دون إشفاق. # فامتثل ميلون وقيده وجلس بقربه، أما مرميس فإنه أخذ مسدسين فسلح سائق مركبته بأحدهما، وذهب ~~وإياه إلى سانت مانديه، وهو يرجو أن يظفر بالبستانية وبإنقاذ أسراها. # أما ميلون فإنه أقفل الباب من الداخل بعد ذهاب مرميس، ثم وضع كرسيه عند الباب وجلس عليه ~~وعيناه تراقبان الإسباني المقيد، وتنظران إلى الساعة من حين إلى حين. # وكان الإسباني ملقيا على ظهره وقد منعته قيوده من الحركة، فمضت ساعتان، ثم ثلاث دون أن ~~يعود مرميس، فثارت هواجس ميلون وبدأ يقطب حاجبيه. # وعند ذلك ذابت الشمعة التي كانت تنير الغرفة وانطفأت، فقام ميلون إلى غرفة ثانية لإحضار ~~شمعة ثانية وهو آمن على الأسير؛ لأنه مقيد أشد التقييد، غير أن هذه الفترة الوجيزة كانت كافية ~~للإسباني فإنه ms1680 بذلك جهدا عظيما فانقلب على بطنه بشدة، وكان في صدره زجاجة صغيرة فانكسرت لصدمة ~~الانقلاب وسال ما كان فيها على الأرض، ففاحت رائحة شديدة كاد يختنق بها ميلون عند رجوعه، فأخذ ~~علبة الكبريت من جيبه وحكها على العلبة كي يشعل الشمعة، فما لبث أن ظهر نورها حتى ظهرت فجأة تلك ~~العجيبة الغريبة التي قرأناها في كتاب الفيروزة، فإن هذا السائل الذي سال من زجاجة الإسباني ~~التهب على الفور فالتهبت الغرفة بجملتها، ولفحت تلك النار المستعرة ميلون فصاح صيحة ألم وذعر، ~~واحترق وجهه ولحيته وشعره وخرج منذعرا من الغرفة إلى الرواق. # ولما رأى اللهب يتبعه وأنه علق بجميع البيت جعل يصيح مستنجدا، ولكن المنزل كان خاليا من ~~الخدم، فإن مرميس وفاندا كانا يتوقعان حدوث أمور خطيرة فيه، فأطلقا سراحهم كي لا يعلموا بشيء ~~مما يجري، ولم يبقيا غير السائق والسائس لثقتهما من رفقائهما. # ثم ذكر ميلون أنه لا يوجد في المنزل سواه، ورأى البيت أصبح أتونا؛ فنسي ذلك الأسير الذي ~~كان مقيدا وسط اللهب، وأسرع إلى الشارع يصيح بصوته الجهوري مستغيثا من النار. # فتجمع الناس من حوله وبعد هنيهة اتصل الخبر برجال المطافئ، فأسرعوا بمضخاتهم واستمروا ~~يعالجون النار بالمياه وغيرها من وسائل الإطفاء إلى الساعة الثالثة، حيث تمكنوا من إطفائها ~~وانصرفوا. # وعند ذلك ذكر ميلون ذلك الإسباني، فقال في نفسه: ما عسى أن يكون جرى له، ألعله تمكن من قطع ~~حباله بواسطة النار فنجا، أم أصبح فريسة اللهب؟! # فصعد إلى الغرفة التي تركه فيها فوجد جميع أثاثها رمادا، ~~ولم يجد أثرا للإسباني ... # وأقام ميلون وحده في ذلك المنزل الذي أكلته النار، فذكر تلك الرائحة التي شمها حين دخوله ~~إلى غرفة الأسير، وأيقن أن ذلك كان من صنعه، وأنه احتال هذه الحيلة للنجاة، فأيقن بالتالي أن ~~مرميس أصابه ما أصاب فاندا، وكل ذلك بخطئه وعدم احتراسه، فجلس على عتبة الباب الخارجي، ووضع ~~رأسه بين يديه وهو يكاد يجن من يأسه، ثم جعل يمزق ثيابه من القنوط ويبكي بكاء الأطفال، وفيما هو ~~على ms1681 ذلك شعر بيد وضعت فجأة على كتفه، فالتفت وهو يوشك أن لا يرى فانقبض ووقف على الفور كأنما ~~آلة كهربائية قد حركته، وصاح صيحة فرح غريبة خرج معها اسم روكامبول. # عاد روكامبول بعد سفره الطويل، ورآه ميلون رأي العين، فجعل يقبل يديه وينظر إليه فيضحك ~~ويبكي في حين واحد. ~~••• # ولنترك الآن روكامبول وميلون، ونقص على القراء ما جرى لمرميس حين ذهب إلى منزل روميا متبعا ~~تعليمات ذلك الإسباني الخائن، فنقول: ذهب مرميس مع سائق مركبته إلى منزل روميا، فدخل معه إلى ~~الحديقة ، وذهب توا إلى البئر كما أرشده الإسباني، فوقف عند بابها وأشعل عود كبريت، وألقاه في ~~جوف البئر؛ ليتأكد إذا كانت خالية من الماء، فسقط وظل مشتعلا بحيث أيقن مرميس أن البئر لا ماء ~~فيها. # ثم أشعل عودا ثانيا من ذلك الكبريت الشمعي، وانحنى به على البئر وجعل ينظر إلى أسفله ورأى ~~أثرا يشبه أثر الباب، فأيقن من صدق تعليمات الإسباني، وأنه اضطر إلى خيانة البستانية الحسناء ~~لإشفاقه على نفسه من الموت. # ثم أخذ صفارة من جيبه، وصفر بها كما قال له الإسباني، فما مرت دقيقة حتى خرج من جوف البئر ~~صفير يشبه صفيره، فتراجع مرميس خطوة عن فم البئر كي لا يرى، وحمل بيده مسدسه، ثم قلد صوت ~~الإسباني وقال كلمة السر وهي «الانتقام»، ورأى على الفور أن جوف البئر قد استنار وأن يدا برزت ~~من بابها السري تحمل مصباحا، ثم تلا ظهور اليد ظهور رأس، وحدق مرميس بالرأس، ورأى بنور المصباح ~~رأس روميا وأيقن أن الإسباني لم يكذب بشيء مما رواه. # وعند ذلك صوب مسدسه على الرأس وأطلق النار ودوى في جوف البئر. # وانطفأ المصباح، وسمع مرميس صيحة ألم؛ فخفق فؤاده خفوقا شديدا ليقينه أنه قتل ~~المرأة. # ونظر مرميس إلى ما حوله وإلى المنزل المبني فوق الأرض، فلم ير فيه أثرا للنور، فالتفت إلى ~~الخادم وقال له: إني سأنزل إلى البئر، ألا تزال مصمما على أن تتبعني؟! ~~- دون شك. ~~- إذن سأتقدمك ثم تنزل بعدي. # وكان للبئر خرزة ms1682 معلق فيها حبل يصل إلى أسفل البئر، فتعلق مرميس بالحبل ونزل عليه، ثم تلاه ~~السائق، فأشعل مرميس شمعة ورأى بابا مفتوحا يدخل منه إلى سرداب طويل، ورأى أثر الدماء متصلا ~~في ذلك السرداب، ولكنه لم ير جثة البستانية، فقال في نفسه: لا شك أنها دخلت إلى داخل وهي في نزع ~~الموت. # ثم التفت إلى السائق وقال له: إذا كنت خفت فإن الوقت لا يزال فسيحا لديك، فاصعد وعد من حيث ~~أتيت. ~~- إنك تحتقرني يا سيدي، فما أنا من الذين يرهبون في مواقف الشدة. ~~- إذن هلم بنا وليحرسنا الله. # ثم دخل الاثنان إلى ذلك السرداب، وفي يد كل منهما مسدسه. # وكان مرميس يتقدم السائق في الدهليز، وكلما أطفئت الشمعة أنار غيرها، فيرى أثر الدم متصلا، ~~ولكنه ما تقدم 20 خطوة، وهو يمشي مشي الحذر المتأني حتى سمع صوتا غريبا يشبه صوت هدم منزل، ~~ورجع إلى الوراء فانذعر؛ إذ رأى قبة السرداب قد سقطت حجارة من ورائه بحيث سدت الطريق، وبات ~~يستحيل عليه الرجوع، وأيقن في الحال أن سقوط القبة لم يكن من قبيل الصدفة والاتفاق، بل إنها ~~هدمت خاصة كي يقطع على الرجلين خط الرجعة، فلم يعد يشعل الشمعة، واستمر سائرا أمام السائق في ~~الظلمات وهو يقف مصغيا منصتا من حين إلى حين، ويقول في نفسه: لا شك أن البستانية قد أصيبت ~~بجرح خفيف، ولو كان جرحها بالغا لما تمكنت من اجتياز هذه المسافة. # ثم أحس فجأة بتنفس إنسان بالقرب منه فوقف فانقطع التنفس، وقال للسائق: ألا تزال ~~تتبعني؟! ~~- نعم. # فقال مرميس في نفسه: يجب أن أعلم أين أنا. # وأخذ علبة الكبريت الشمعي من جيبه ولم يكن باقيا فيها غير ثلاثة عيدان، فأنار أحدها ونظر، ~~ورأى السرداب طويلا لا نهاية له، ورأى الأرض مفروشة بالرمال وعليها بعض نقط من الدماء، ومد ~~نظره إلى آخر ما يتصل إليه من السرداب، فلم ير من أثر روميا غير نقط دمائها، فقال لرفيقه: لم ~~يبق في العلبة غير عودين. ~~- أبقهما يا سيدي إلى حاجة أشد ms1683 من حاجتنا الآن إلى النور. # وكان السائق طويل القامة، فكان يضطر إلى السير منحني الظهر في السرداب، وفيما كان مرميس ~~سائرا أمامه سمع فجأة صوت رعب وألم، فالتفت وقال منذعرا: ماذا حدث؟ # فلم يجبه السائق فقال له: أين أنت وما حدث لك؟ # ولم يجب أيضا، فأشعل عند ذلك شمعة ونظر إلى ما وراءه، ورأى الرمال قد انزاحت ورأى مكانها ~~أثر باب هوة، وعلم أن الباب قد فتح تحت قدمي السائق، وسقط إلى الهوة، وعاد الباب إلى ما كان ~~عليه. # وقد اضطرب مرميس اضطرابا عظيما، وأيقن أنه سقط في فخ تلك الداهية، فاستسلم للقضاء، ومشى ~~فسمع ضحكا شديدا يدل على الهزء به، وكانت الشمعة قد انطفأت وادلهم الظلام، فمد يده بمسدسه إلى ~~الجهة التي صدر منها الضحك، وأطلق النار واستنار السرداب لحظة بنار الرصاص، ولكنه لم ير أحدا ~~في حين أن صوت الضحك كان يدل على أن الضاحك قريب منه. # ثم توالى الضحك، فأن مرميس أنين الموجع لغضبه، وأطلق المسدس مرة ثانية على جهة مخرج ~~الصوت، فانقطع الضحك، وجعل قلبه يدق دقات شديدة لحسبانه أنه أصاب المرمى. # غير أن ذلك لم يطل، وسمع صوت روميا تقول له بصوت الهازئ: لقد اقتصدت يا سيدي بعيدان ~~الكبريت، فاقتصد برصاص المسدس فقد تحتاج إليه. # فصاح مرميس، وقد عرف صوتها: ألم تقتلي أيتها الأفعى؟ # وأسرع إلى علبة الكبريت، فأنار الشمعة الأخيرة الباقية فيها، فرأى هذه المرأة عدوته واقفة ~~على مسافة عشر خطوات منه، وهي تبتسم ابتسام الهازئ وتنظر إليه نظرات الاحتقار. # فصوب مرميس مسدسه وأطلق النار عليها، فانطفأت الشمعة وسمع روميا تقول له ببرود: لم يبق لديك ~~غير رصاصتين. # وأطلق مرميس الرصاصة الخامسة، فأجابته بضحك المتهكم: أطلق السادسة أيها الأبله عساك ~~تصيب. # فقنط مرميس، وأطلق الرصاصة الأخيرة، وهو يرجو أن لا يخطئ المرمى. # وعند ذلك بزع النور فجأة فأنار السرداب، ورأى مرميس البستانية الحسناء واقفة أمامه ضاحكة ~~هازئة. # 35 # ولا يسع القلم وصف ما أصابه من اليأس بعد هذا الفشل وفراغ مسدسه من الرصاص، غير ms1684 أنه كان ~~لديه خنجر، وكان ذلك النور الذي لم يعلم من أين أتى لا يزال ساطعا ينير السرداب، فجرد خنجره ~~وانقض على البستانية وهو يحسب أنه يدركها إذا هربت منه، غير أنها لم تتحرك ولبثت واقفة في ~~مكانها تنتظر بملء السكينة، فحمل عليها حملة منكرة وطعنها بصدرها طعنة نجلاء، فأصاب الخنجر ~~جسما حديديا وانكسر. # وعلم مرميس أنها لابسة درعا من الفولاذ، فهجم عليها يريد خنقها بيديه. # وكاد مرميس يجن من غيظه، فقد أضاع مسدسه وخنجره ونوره، فجعل يبحث عن عدو غير منظور في دهليز ~~لم ير فيه غير العجائب المدهشة، وهو يتوقع كل حين أن يصاب بما أصيب به السائق، فيسقط في هوة أو ~~يفاجأ بمكيدة أخرى. # وكان يسير إلى الأمام بملء الحذر، وكلما مشى عرف من صوت روميا أنها لا تزال تتقدمه، وتضحك ~~عليه ضحك الهازئين. # ثم انقطع هذا الضحك فجأة وظهر لمرميس نور ضعيف عن بعد، فجعل هذا النور نصب عينيه وسار إليه ~~ثابت القدم، رابط الجأش، غير مكترث لما كان يتوقعه من المكائد بسبب ما تولاه من القنوط. # وما زال يسير حتى وصل إلى هذا النور، فوجده نورا ضعيفا ينبعث من خلال باب. # ولم يتردد هنيهة وفتح الباب، فانفتح وظهر له نور عظيم، فوقف على عتبة الباب وجعل ينظر، ورأى ~~قاعة متسعة تشبه كل الشبه تلك القاعة التي وضعت فيها روميا المركيز دي مورفر في لندرا، كما قرأ ~~في كتاب الفيروزة. # ورأى في وسط القاعة سريرا، وفوق السرير امرأة مضطجعة، فلما رآها مرميس صاح صيحة فرح وأسرع ~~إليها؛ لأن هذه المرأة كانت فاندا. # ولم تكن فاندا نائمة، فلما سمعت مرميس يناديها باسمها التفتت إليه، وقالت له: ماذا تريد ~~أيها الرجل؟ # فأجفل مرميس وارتد منذعرا، ورأى بين عيني فاندا علائم الجنون وأنها لم تعرفه. # أما فاندا فإنها لم تكترث لانذعاره، وقالت له بلهجة لطيفة: إنك لم تخطئ أيها الفتى، فقد كنت ~~أدعى فاندا من قبل، أما اليوم فإني أدعى السلطانة فاطمة، وسأتزوج البرنس علي شقيق السلطان زوجي ~~الأول، ms1685 وسيتولى خطيبي السلطنة فأكون سلطانة مثله، وسترى ما يعده لي من الملاهي المدهشة. # ثم حدقت بمرميس، وقالت: يخال لي أني أعرفك أيها الرجل، فأين رأيتك من قبل، أما أنت رئيس ~~التشريفات في بلاط البرنس علي؟! # فصاح مرميس صيحة منكرة، وقال لها بلهجة اليأس: فاندا كيف لا تعرفينني وأنا مرميس؟ ~~- إني ما سمعت هذا الاسم من قبل. ~~- روكامبول. # فارتعشت فاندا عندما سمعت اسم روكامبول، ونزلت من سريرها فوضعت يدها فوق كتف مرميس، وقالت ~~له بحنو: ماذا قلت لي؟ ~~- روكامبول. # فقطبت حاجبيها ووضعت رأسها بين يديها ، وبذلت جهدا عظيما كي تذكر هذا الاسم، ثم قهقهت ~~ضاحكة، وقالت: لا أذكر شيئا. # وكان في تلك القاعة بيانو، فذهبت إليه وجعلت تعزف عليه غير مبالية به، فلطم جبينه بيده ~~وقال: ويلاه إنها مجنونة! # فأجابه صوت من ورائه يقول: وستجن مثلها بعد بضع ساعات. # فالتفت ورأى البستانية الحسناء واقفة على عتبة الباب، فقال لها: تبا لك من شقية. # وحاول أن ينقض عليها، ولكنه شعر فجأة بأن رجليه لا تستطيعان المسير، كأنما قوة خفية حالت ~~بينه وبينها، فقال لها: لا بد من سحقك أيتها الأفعى. # فقالت له روميا: ستسحقني في غير هذا المكان، وأما الآن أصغ إلي: إنك أردت أن تتداخل في ~~شئوني وهي غير شئونك، وحاولت أن تقف على أسراري ولا شأن لك بها، وأردت أن تميط ذلك الحجاب السري ~~المنسدل على حادثة المركيز دي مورفر، كما حاول ذلك من قبلك البارون هنري والفيكونت ~~مونتيجرون. # أما البارون والفيكونت فقد قتلا كما علمت، وهذه المرأة أرادت أن تقف على أسراري أيضا، ~~فانظر إليها تراها مجنونة جزاء مداخلتها في شئوني. # والآن إني أخيرك بين أمرين وهما: إما أن تعرف كل شيء وتموت، أو تكتفي بما رأيت فتعيش ولكن ~~مجنونا كهذه المرأة، فاختر إذ لا مناص لك من أحد هذين الشرطين. # ولحظت روميا أنه ارتاع من الجنون، فقالت له: إذا أردت الوقوف على أسراري، أطلعك على كل شيء ~~وأريك المركيز دي مورفر، ولكنك حين تراه تموت. # وإذا كنت تريد ms1686 الحياة وفضلت الجنون، وهو قد يكون خيرا من العقل، إني أقضي على صوابك بلحظة ~~بل بإدارة لولب. انظر ... # ثم ضغطت على لولب في الحائط، فخرج منه في الحال دخان رطب أبيض عرفه مرميس للفور، إذ ذكر ما ~~لقيه منه حين كان في قبضتها في المرة الأولى. # وعادت روميا فضغطت على لولب آخر، فانقطع الدخان حالا وقالت له: اختر الآن. ~~- أريد أن أعرف كل شيء. ~~- وتموت؟ ~~- نعم. ~~- إذن ليكن ما تريد، وسأطلعك على كل شيء. # وصفقت بيديها ثلاث مرات، فدخل عند هذه الإشارة رجلان. # 36 # ونظر مرميس إلى هذين الرجلين فلم يعرفهما، ولكنه ما لبث أن نظر إلى الآخر حتى دهش دهشا ~~غريبا، إذ عرف أنه هو ذلك الإسباني الذي تركه مقيد اليدين والرجلين بحراسة ميلون، ولم يكن لديه ~~أقل مجال للشك؛ لأن الإسباني كان لا يزال مرتديا بالملابس نفسها؛ أي بملابس سائق ~~المركبة. # وكان أحد الرجلين مسلحا بمسدس والآخر بخنجر، فقالت له البستانية: انظر إنهما مسلحان وأنت ~~أعزل، فأنت في قبضتي ولا مناص لك من يدي، وبكلمة تصدر من فمي ينقض عليك هذان الرجلان ويقضيان ~~عليك. # ورأى مرميس أن الخطر قد استفحل فزاده الإقدام على الموت جرأة، وما راعه غير فاندا جالسة ~~تعزف على البيانو وهي رافعة نظرها إلى السماء، فنسي موقفه، وقال: وارحمتاه عليك أيتها ~~المنكودة. # فقالت له روميا: تقول إنك تريد أن ترى، وإذا كنت لا تزال تؤثر الموت على الجنون ~~اتبعني. ~~- نعم فسيري بي إلى حيث تشائين. # وأخذت يده بيدها وأمرت الرجلين أن يسيرا أمامهما، وسارت بأثرهما مع مرميس إلى غرفة أخرى، ~~ولما فتح الرجلان بابها ودخل مرميس مع روميا تراجع إلى الوراء، إذ رأى نفس ما رآه ماريون ~~ومونتيجرون من قبله منذ أربعة أو خمسة أعوام؛ أي إنه رأى جثة ممدودة على منصة وحولها أربع شمعات ~~مضاءة. # فقالت له روميا بلهجة الحزن الشديد: انظر أنت أردت أن ترى. ~~- من هذا ألعله مورفر؟ # فهزت رأسها وقالت: كلا ليس هذا مورفر الذي تراه، فقد خدعت به كما خدع ms1687 سواك. ادن من هذه ~~الجثة الراقدة، والمسها بيدك تجد أنها جثة بشرية لا تمثالا من الشمع، إن هذه الجثة جثة الرجل ~~الوحيد الذي أحببته في هذا الوجود. # ثم دنت من الميت فقبلت جبينه، وعادت إلى مرميس وعيناها تتقدان، فقالت: إن هذا الرجل الذي ~~تراه هو برديتو الذي قتله مورفر، برديتو الذي أحببته منذ حداثتي، وأنا أنتقم بموته في كل ليلة ~~بل في كل ساعة. # إنك أردت أن تقف على أسراري وستعلم كل شيء. # ثم أخذته بيده وسارت به إلى باب آخر، ولما فتحته شعر مرميس أن الدم قد جمد في عروقه؛ إذ رأى ~~غرفة شبيهة بغرف السجون، ورأى مصباحا معلقا في سقفها، وفي آخر الغرفة فراش من القش عليه رجل ~~شيخ وفي وسطه سلسلة من الحديد معلقة بالجدار. # فلما رأى الشيخ روميا بدت عليه علائم الرعب، فضم يديه شأن المتوسل، وقال بصوت يتهدج: رحماك ~~أعفي عني. # ولم يكن هذا الرجل مجنونا، بل كان يشعر بحقيقة كل ما يقاسيه من العذاب. # فضحكت روميا ضحك المتهكم، وقالت له: ألعلك عفوت أنت عن برديتو؟! هل رحمت شبابه لأرحمك وأعفو ~~عنك؟! # ثم التفتت إلى مرميس، وقالت له: ما دمت قد قرأت كتاب الفيروزة، فأنت تعرف هذا الرجل، بل هذا ~~الشيطان المتنكر بصورة إنسان. # إن هذا الوحش الكاسر قد رباني وربى برديتو، وزرع في نفوسنا الحقد على المركيز دي مورفر، هذا ~~هو الدوق دي فنسترنج الذي علمني أن أقتل النفوس بالروائح العطرية، وأن أسلب العقول بالقبلات، ~~وهو الرجل الذي سلح المركيز دي مورفر بمسدس وحمله على قتل برديتو. # وأخرجته من ذلك السجن وهي تضحك هازئة بالدوق، فتبعها مرميس وهو لا يعلم إذا كان في يقظة أو ~~حلم، ويعجب كيف علمت بكتاب الفيروزة. # ثم جعلت تضحك ضحك الأبالسة، وتقول: لقد حسب هذا الأبله أني رضيت من الانتقام بتعذيب مورفر، ~~وأنه نجا مني. ولكن لا أكون انتقمت لبرديتو إذا أنا لم أعذب هذا الشيخ الضئيل، فإنه أعطاني ~~كثيرا من المال ووهبني السفينة، وجعل بحارتها طوعا لأمري، فبذلت ms1688 المال للبحارة، واستعنت بهم ~~فنصبت له فخا وقع فيه، فقبضت عليه، وانظر ما أعددت له من العذاب. # وكان في زاوية الغرفة أتون ناري لا يراه الشيخ، فأشارت إلى الإسباني إشارة فهمها، فأخذ ~~قضيبا من الحديد ووضعه في النار. # وسمع الشيخ هذه الحركة فبكى وأن، وقال: رحماك. ~~- ألعلك رحمتني بمن أحب؟! # ثم جعلت تدير القضيب الحديدي في النار حتى احمر، فانتزعته ودنت من الشيخ، فكوت به كتفه ~~وذراعه، وجعل الشيخ يصيح بصوت يقطع القلوب من الإشفاق، حتى إن مرميس نسي موقفه والتمس العفو ~~للشيخ، فضحكت روميا ضحكا عاليا ورمت القضيب إلى الرجل. # ثم عادت إلى مرميس، وقالت له: بقي عليك أن ترى مورفر هلم بنا. # وسارت به إلى غرفة أخرى، ولما فتحت بابها نظر مرميس ورأى غرفة تشبه معابد الهنود علقت فيها ~~مصابيح مختلفة، كانت أشعتها تتراقص على جدران صورة فيها الرسوم الغريبة بحيث كانت تشبه معبد ~~الإلهة سيوا الذي كادت تحترق فيه جيبسي النورية. # ثم سمع صوت أنفاس إنسان بالقرب منه، فالتفت ورأى رجلا جالسا على مقعد شرقي في زاوية ~~الغرفة، وهو بارز الوجنتين غائر المقلتين، مرخي الشفة، وبيده غليون طويل كان يدخن به، وتنبعث ~~منه رائحة الأفيون. # فدنا منه مرميس وحدق به، فرأى رجلا يشبه الخيال غير أنه على تجعد وجهه وهزاله كان يشبه جثة ~~برديتو التي رآها كل الشبه، وقال في نفسه: إذن لا بد أن يكون هذا المنكود المركيز مورفر. # وتحرك شارب الأفيون غير أن تحركه لم يكن لأنه رأى مرميس فإنه كان لا يرى غير ما يوحيه إليه ~~سكره، ويتمثل له شخص يحبه ولا يراه فيناغيه بأرق ألفاظ الغرام. # وقد تمثل له ذلك الحبيب، وجعل يقول: نعم أحبك، ولو عشت معك إلى الأبد لرأيت الأبد قصير ~~المدى سريع الزوال. # ثم بسط ذراعيه وضمهما إلى صدره، وكأنه يعانق شخصا حقيقيا. # وجعل مرميس يتأمله، وهو يوشك أن يجن من الشفقة عليه، فدنت منه روميا وقالت له: ما رأيك بهذا ~~الرجل؟ # فارتعش مرميس وقال: أهو المركيز دي مورفر؟ ~~- هو ms1689 بعينه ... ~~- أهذا كل انتقامك؟ ~~- نعم ... # فضحك مرميس وقال: أحمد الله فقد كنت أحسبك أشد عنفا وأغلظ فؤادا، فإن هذا الرجل قد ذهب ~~الأفيون بصوابه فهو لا يدرك معنى انتقامك، بل أراه سعيدا يقضي ساعاته بين الأحلام وخيالات ~~الغرام. # فابتسمت روميا ولم تجب. # فقال لها: لا أنكر أنك ستقتلين جسمه قتلا بطيئا، ولكن لا سلطان لك على نفسه. ~~- أتظن؟ ~~- إنك قتلت شعوره بالإدمان على السكر، فلم يعد يشعر بعذابك، حتى إنك لو أردت قتله لاستقبل ~~الموت دون أن يدري أنه يموت. ~~- أراك ذكي الفؤاد، فإن كل ما تقوله أكيد بالظاهر غير أنك مخطئ في الحقيقة، فإن هذا المركيز ~~تمر به ساعات هائلة يذكر بها اسمه وولده وكل حياته السابقة، فيخافني خوفا لا يوصف، وأتمثل له ~~بمثال الأبالسة، ثم يعود فيحبني كما تراه الآن. ~~- هذا محال؛ لأن الأفيون يخمد الذاكرة. ~~- هو ذاك غير أنه لدي دواء يبطل تأثيره مؤقتا. # ثم أخرجت زجاجة صغيرة من صدرها تحتوي على رشاش أبيض، فأخذت شيئا من هذا الرشاش ووضعته في ~~الغليون، ثم قدمته للمركيز ووضعته في فمه، وقالت له: أريد أن تدخن. # فامتثل المركيز وجعل يدخن دون أن يعي، فنظرت البستانية إلى مرميس، وقالت له: اصبر هنيهة ~~وسترى ما يكون. # 37 # وكان مرميس ينظر إلى هذا الشبح الذي يدعونه المركيز دي مورفر وروميا جالسة بقربه، ولم يكن ~~معها أحد من أتباعها. # ونعم إنه قد فقد مسدسه وخنجره، غير أنه كان رجلا شديدا، والرجل أشد من المرأة في كل حال، ~~فقد كان يستطيع أن ينقض عليها ويقتلها قبل أن تتمكن من الاستغاثة، غير أن هذا الفكر لم يدر في ~~خاطره، فإن هواء تلك الغرفة التي كان فيها، أضعف أعصابه، وسكن ثائر غضبه، ففقدت نفسه كل حمية؛ ~~ولذلك كانت روميا واقفة بقربه دون شيء من الحذر. # وكان المركيز عاكفا على التدخين بشوق شأن الشرقيين، الذين يلتمسون الملاذ في عالم الخيال، ~~وبدأ ذلك الرشاش يؤثر فيه، فامتنع عن التمتمة وكف عن المناجاة، وجعل ينظر من حين إلى حين دون ms1690 أن ~~يعرفهما. # فقالت روميا: إنه لم يعرفنا بعد. ~~- ألعله يستطيع معرفتنا؟! ~~- دون شك متى تم تأثير هذا الرشاش. # وبعد هنيهة رأى عيني المركيز تضيئان شيئا فشيئا بأشعة تدل على العقل، ثم ألقى الغليون من ~~يده إلى الأرض مغضبا وتحرك حركة فوق مقعده وقال: أين أنا؟ # فقالت روميا بصوت التهكم: السلام عليك يا حضرة المركيز. # فعرفها المركيز وضم قبضة يده يحاول ضربها، وهم أن يثب عليها وهو ينظر إليها نظرات حقد هائل ~~ورشفته بألحاظها الساحرة، وقالت له: احذر فأنت تعلم أن رجليك لا يحملانك وأنك لا تستطيع ~~الوقوف. # فأن أنين الموجع وقال: هو ما تقولين. # ثم سقط على مقعده وقد ذهب جهده في الوقوف عبثا. # وكان صوت البستانية يصل إلى أذنيه كفحيح الأفعى، وقالت له: أيها المركيز أين أنت؟ ~~- نعم، أعلم أني ضحيتك وشهيد انتقامك، وأنك شيطان في صورة إنسان. ~~- إذن تعلم أنك المركيز دي مورفر. ~~- ما أنا بشيء الآن ولا اسم لي. ~~- ولكنك كنت المركيز دي مورفر أليس كذلك؟ ~~- نعم ... ~~- وكان لك خليلة تدعى الفيروزة. # فتنهد المركيز وقال: مسكينة فقد يقضي عليها الغم. ~~- بل قضى عليها ... ~~- لقد أخبرتني من قبل بهذا النبأ المشئوم، ولكني لا أصدق قولك. ~~- ولك ولد أليس كذلك؟ # فتنبه المركيز عند ذكر ولده تنبها شديدا، وقال: كلا ليس لي ولد ولم يكن لي أولاد. ~~- أتريد أن تقول إنك لم تقل لي أين هو هذا الغلام؟! ولكني أعرف مكانه. ~~- كذبت أيتها السافلة. # ولما قال هذا القول نظر إلى مرميس، فقال: من هذا؟ ~~- كيف ذلك ألم تعرفه؟ ~~- كلا، لكنه أحد أتباعك أو أحد شركائك في الجرائم. ~~- لقد خدعت أيها المركيز، فإن هذا الرجل من أصحابك. # فنظر إليه مليا، ثم وضع رأسه بين يديه وقال: لا أعرفه ولا أذكر أني رأيته. ~~- إذا لم يكن صديقك مباشرة، فهو صديق صديقك مونتيجرون، ألم أقل لك مرة أن مونتيجرون قد مات، ~~أما هذا الرجل فهو صديق له، وقد أراد مثله أن يبحث عنك ووجد غلامك. # فنظر إليها المركيز نظرة غضب، وقال: قلت لك ms1691 ليس لي أولاد. # فالتفتت روميا إلى مرميس، وقالت له: قل لهذا المركيز أن ابنه كان حتى هذا الصباح في الدير ~~الكائن في شارع البوستة. # فأطرق مرميس برأسه إلى الأرض وقال: هذا أكيد. # فاتقدت عينا المركيز ووقف وهو يكاد يحرقها بنظراته، وقال: نعم لي ولد، ولكنك لا تستطيعين ~~الاهتداء إليه. ~~- قلت لك إني أعلم مكانه. ~~- وأنا قلت لك إنك كاذبة فيما تدعين. ~~- إنه في قبضة يدي أيها الغشيم وسترى بعينيك. # ثم صفقت ثلاث مرات، ففتح فجأة باب في جدار الغرفة لم يكن منظورا، وارتفعت أصوات صراخ ~~الغلام . # فالتفت مرميس منذعرا ورأى في وسط الغرفة الجديدة التي فتح بابها غلاما عاري الأكتاف، مقيد ~~اليدين والرجلين، ورأى رجلين ينهالان عليه بالضرب بالسياط، وهو يصيح صيحات تقطع القلوب من ~~الإشفاق دون أن يجد قلبا يحن عليه ويرحم ذلك الجسم الصغير. # وكان هذا الغلام ابن المركيز دي مورفر الذي اختطفته روميا من الدير. # 38 # وقد كان الرشاش الذي وضعته روميا في غليون المركيز رد إليه بعض الصواب. # أما مرميس فقد ردت إليه قوته المتخدرة حين رأى دموع الغلام وصياحه؛ فانقض على اللصين اللذين ~~كانا يضربانه. # وعند ذلك أشارت روميا إشارة إلى الرجلين، فتركا الغلام وهجما على مرميس، فجرى بينهم عراك ~~هائل وقد ضاعف الغضب قوة مرميس، فكانا يفوزان عليه ويلقيانه على الأرض، ثم ينهض متغلبا عليهما ~~إلى أن وهت قواه وظفرا به، فألقياه إلى الأرض وركع أحدهما فوق صدره وأشهر خنجره، ثم قال لسيدته: ~~أتريدين أن أطعنه؟ ~~- كلا، بل قيداه. # فتعاون الرجلان على تقييده، ولم يفه بكلمة إذ كان من تلامذة روكامبول، وهو يعلم أن ~~الاستغاثة في هذا المقام لا تفيد. # أما البستانية فإنها أمرت الإسباني أن يفك قيود الغلام، وكان المسكين لا يستطيع أن يصيح ~~حذرا من الضرب، ففك قيوده ثم أمرته أن يذهب به، فامتثل. # وبقي مرميس وحده مع البستانية الحسناء مقيدا، ودنت منه وقالت له: إني لا أحب أن أباحثك ~~وأنت ملقى على الأرض، ثم أمسكت كتفيه ورفعته بخفة عجيبة دلت على ms1692 شدة قوتها البدنية، ووضعته على ~~المقعد فقالت: لنتحدث الآن. # فنظر إليها نظرة احتقار على ما كان فيه من الخطر ولم يجبها. # أما المركيز مورفر فكان لا يزال مغميا عليه؛ لأنه حين رأى ابنه في قبضة البستانية وسمع ~~صراخه ورأى أنه لا يستطيع أن يغيثه - صاح صيحة هائلة وسقط على الأرض لا يعي. # وجلست روميا قرب مرميس ورفست المركيز برجلها، وقالت: لا حاجة إلى الاهتمام به، فحين يستفيق ~~من إغمائه يعود إلى ذهوله القديم، وأما أنت أيها الفتى إني أعرف من أنت، إنك تدعى مرميس، ورئيسك ~~لص يدعى روكامبول، غير أن روكامبول مسافر، وقد مات دون شك، وما أنت بكفء لأن تعمل ~~أعماله. # إنك كنت في بدء أمرك لصا، ثم أصبحت غنيا، ولم يخطر لي أن أتداخل في أمورك، ولكن الغرور ~~قد تولاك فأحببت أن تعرف كل شيء، فاضطررت إلى المداخلة في أمرك، فوضعت العيون عليك، وأغريت أحد ~~خدمك فأخبرني بالكتاب الذي كنتم تقرءونه بملء الاهتمام، فأمرته أن يسرقه ففعل، وهو كتاب ~~الفيروزة، سرق منك أيها الأبله وأنت من الغافلين. # إني أنتقم من الرجل الذي كنت أحبه، وهو حق من حقوقي، فأردت أن تنزع مني هذا الانتقام، فقبضت ~~عليك وهذا من حقوقي أيضا. # وكان لك شريكة بهذا العدوان فجعلتها مجنونة كما رأيت، ولا يستطيع سواي أن يرد إليها الصواب، ~~ولكني ما تعودت هذا الكرم. # إني سأبرح باريس بعد خمسة أيام، وبعد ثمانية أيام أكون بين الماء والسماء، ومعي هاتان ~~الضحيتان فلا يشغل بالي بعدها من يهتم بشئون المركيز. # وبعد خمسة أيام يجدون بين أنقاض هذا المنزل امرأة مجنونة واقفة قرب جثة، وإن المجانين لا ~~تصدق أقوالهم، أما المجنونة فهي فاندا، وأما الجثة فهي أنت. # ثم ضحكت ضحك الهازئ، وقالت: لا أخالك ترجو أن أعفو عنك. ~~- اقتليني فإني أحتقرك. # فعادت إلى الضحك وقالت: تعجبني منك هذه الجرأة، فقد طالما أعجبت النساء بالأبطال؛ ولذلك ~~فإني لا أقتلك بمسدس أو بخنجر كما قد يتبادر إلى ذهنك، فإن إراقة الدماء محرمة علي، ولكني ~~أميتك ميتة ms1693 تنطبق على جرأتك وتوافق بسالتك وإقدامك. # إنك رجل ذكي الفؤاد قرأت تواريخ الأمم، وعلمت دون شك أن الصينيين أغلظ الأمم قلوبا وأشدهم ~~تفننا بالتعذيب، وقد تعلمت منهم طريقة للقتل أنفذها فيك، وهي أني سأميتك باليقظة الدائمة فلا ~~ينطبق جفناك إلا على الموت. # وكان مرميس باسلا لا يكترث بالموت، ولكنه لم يسعه حين علم هذه الميتة إلا أن ينذعر وتظهر ~~عليه علائم الخوف، فضحكت روميا وقالت: إن من يعذب هذا العذاب يموت بمدة خمسة أيام، ولكن من كان ~~باسلا مثلك لا يجد هذه المدة طويلة. # ثم صفقت بيديها ثلاثا فحضر إليها رجلان، واضطرب مرميس فقال في نفسه: أين أنت يا روكامبول ~~فتنقذني من هذا البلاء؟! # 39 # ولما جاء الرجلان قالت لهما: يجب أن تبقيا مع الرجل فلا تفارقانه. # وقالت لمرميس: اطمئن أيها الباسل، فسأزورك في هذه المدة من حين إلى حين، ثم تركته وانصرفت، ~~فجلس الرجلان بقرب مرميس. # وجعل مرميس ينظر إليهما ويفتكر بالطريقة التي سيميتانه فيها، ثم يفتكر بروكامبول ويقول: إني ~~لو كنت أعلم أنه في باريس لما يئست. # ومضى على ذلك ساعتان فضعفت قوته الطبيعية، وبدأ النعاس يدب إلى جفنيه. # والرجلان أمامه ينظران عينيه منفحتين فلا يفعلان شيئا إلى أن تغلب عليه النعاس فأطبق ~~جفنيه. # وفي الحال سمع دويا فجائيا ففتح عينيه منذعرا، وتحرك متململا بقدر ما تسمح له قيوده، ~~وكان هذا الدوي من قضيب حديدي قرع به الإسباني طبلا من النحاس، فعلم مرميس أن العذاب قد ~~بدأ. # ومضى على ذلك خمس ساعات أغمض مرميس عينيه في خلالها عشرين مرة، وكلما أطبق جفنيه أيقظه فجأة ~~دوي الطبل. # غير أنه تعود هذا الدوي واشتدت حاجته إلى النوم، فلم يعد يوقظه صوت الطبل، فقال الإسباني ~~لرفيقه: اذهب وائتني بالإناء. # فخرج رفيقه وعاد بعد هنيهة يحمل إسفنجة وإناء فيه مياه مبردة بالثلج، وجعل يغمس الإسفنجة ~~بالمياه المبردة ويعصرها على رأسه كلما أطبق عينيه، فيهب المسكين منذعرا لا يجد الراحة إلا ~~بالموت. # ومضت ساعتان على هذه الطريقة الثانية، فأتت البستانية الحسناء وقالت للرجلين: ms1694 اذهبا وناما ~~فأنا أتولى السهر عليه عنكما. # وقد بدأ مرميس يشعر بطنين في أذنيه وثقل في دماغه، ولكنه حين رأى تلك المرأة هاج أشد هياج، ~~وجعل يشتمها أقبح شتم وهي تضحك كأنه يثني عليها. # ثم انقطع عن الشتائم وتجلد نحو ساعتين إلى أن أغمض عينيه بالرغم عنه، فأخذت البستانية ~~دبوسا طويلا من دبابيس البرانيط ووخزته به، فصاح مرميس متألما وأحس أنه سيفقد رشده. # كل ذلك وروميا جالسة أمامه تراقب عينيه بصبر عجيب، فإذا أطبقهما وخزته بالدبوس، وما زالت ~~على ذلك حتى صبغ الدبوس بدمه وأصيب بالذهول، ولكنه على ذهوله كان يسمع صوت حفر فوق رأسه، وربما ~~خيل له ذلك لتزايد طنين أذنيه، أما البستانية الحسناء فكان يظهر أنها لم تسمع شيئا، وقد اضطجعت ~~على مقعد بالقرب منه، وحملت كتابا بيدها وجعلت تقرأ مقطعا في الكتاب وتنظر نظرة إلى ~~مرميس. # ومضت ساعات كثيرة على هذه الحالة واستحال ذهوله إلى ضعف شديد، وتغلب عليه سلطان النوم حتى ~~كانت روميا تضطر إلى وخزه مرتين أو ثلاثا كي يستفيق. # وعند ذلك دخل الرجلان وهما يحملان كانونا كبيرا تتقد فيه النار وقضيبا من الحديد، فجن ~~مرميس من رعبه حين رأى النار؛ إذ خطر له عقاب الدوق دي فنسترنج. # ولكن النوم تغلب عليه بالرغم من رعبه، وكان القضيب الحديدي قد وضع في النار، وجاء الإسباني ~~ونزع الثياب عن كتفي مرميس، فلم يكد يطبق عينيه حتى شعر بأن النار قد كوت كتفه، فهب منذعرا ~~كالمجانين، ودام هذا العقاب الثالث عشر ساعات لم ير مرميس في خلالها البستانية الحسناء، وكان ~~كلما غفا تكوي النار جسمه فيصيح ويتوجع وقد تخضب جسمه بالدماء، وتمكنت منه الحمى، ولكنه كان مع ~~ذلك كله يسمع حركة فوق رأسه لا يعلم ما هي. # وفيما هو على ذلك إذ نظر الإسباني إلى رفيقه نظرة انذهال، فإنه سمع ما كان يسمعه مرميس وقال ~~له: يجب أن نوقظ السيدة ونخبرها. # فتأكد مرميس عند ذلك بصدق سمعه وعلل نفسه بالنجاة. # وبعد حين عادت البستانية الحسناء، فأشار لها الإسباني ms1695 إلى السقف حيث سمع الصوت. # فأصغت روميا وسمعت تلك الحركة فاصفر وجهها، وزاد رجاء مرميس، وعند ذلك سقط قسم من السقف ~~فجأة، ووقع حجر ضخم عند قدمي روميا فتراجعت منذعرة إلى الوراء. # ثم تلا هذا الحجر حجر ثان فثالث، ففتحت كوة في السقف وسقط منها رجلان، فصاحت البستانية صيحة ~~ذعر، وصاح مرميس وهو بين حي وميت صيحة انتصار. # ذلك أن هذين الرجلين اللذين انقضا انقضاض الصاعقة كانا روكامبول وميلون، وكلاهما يحمل ~~خنجرا في فمه ومسدسا في يده. # 40 # وكان اضطراب مرميس شديدا حتى إنه أوشك أن يغمى عليه من شدة الفرح، وأسرع ميلون وقطع قيوده ~~بخنجره. # أما روكامبول فإنه وضع يده على كتف روميا، وقال لها: إنك لا تعرفينني، ولكني سأخبرك ~~باسمي. # وتحمس مرميس وقال: روكامبول. # غير أن روكامبول هز رأسه، وقال: إني لا أدعى أمام هذه السيدة روكامبول ولا الماجور أفاتار، ~~ثم حدق بها وقال: بل إني ذلك الرجل الذي يجب أن يحضر من الهند. # فحدث عند ذلك ما يحدث في مباغات المراسح، فإن هذه المرأة العاتية الهائلة التي قضت على ~~مرميس بموت اليقظة، وهذا الشيطان الرجيم الذي يعذب المركيز منذ خمسة أعوام، بل هذا الوحش الكاسر ~~الذي يجلد الأطفال بالسياط، ويكوي الشيوخ بالنار، إن هذه المرأة ركعت فجأة أمام روكامبول، ~~ولكنها لم تركع ركوع مجرم يلتمس العفو، بل ركوع عبد يتنظر الأوامر، فجعل روكامبول ينظر إليها ~~نظراته الحادة، وكان المركيز دي مورفر لا يزال منطرحا على الأرض وهو مخدر بالأفيون. # فنظر إليه روكامبول وقال: إنه لم يمت بحمد الله، وسيعود إلى ما كان عليه، فإذا كان لديك ~~سموم تقتل فإن لدي منها ما يعيد الحياة. # ثم نظر إلى مرميس، وقال: وأنت كم بقي لك هنا؟ ~~- لا أعلم بالتدقيق ولكني أظن أني هنا منذ يومين على الأقل. ~~- وفاندا أين هي؟ # فأشار مرميس بيده إلى غرفة وراءه، وقال: إنها في تلك الغرفة، ولكنها ~~مجنونة وا أسفاه! # فنظر روكامبول نظرة جفاء إلى روميا، فاضطرب وقالت له: رحماك إني أعيد إليها الصواب. ms1696 # فقال لها ببرود: هذا ما أرجوه على الأقل، والويل لك إذا أصيبت بمكروه. # وكان مرميس لا يزال له بقية من الرشد على ما لقيه من العذاب، وكان يتوقع من روكامبول أن ~~يعاقب البستانية وأعوانها في الحال، ولكن روكامبول لم يفعل شيئا من ذلك، بل إنه أعاد مسدسه إلى ~~جيبه، وخنجره إلى منطقته، وقال للبستانية: إني أتيت في الوقت الملائم لإنقاذهم، ولو كان أصيب ~~أحد منهم بمكروه لما كنت أبقي عليك. # وكانت روميا لا تزال جاثية أمامه، فقال لها: انهضي أيتها العبدة، فإني محتاج إلى ~~خدمتك. # فوقفت وقالت: مر أيها الرئيس. # وتمتم مرميس قائلا: لا شك أن ما أراه مثلته لي الحمى! # فسمعه روكامبول وقال له: بل إنك في يقظة، وقد زال عنك الخطر وأنت في حاجة للرقاد ~~فنم. ~~- إني أشد حاجة إلى الشرب مني إلى النوم، فإن النار تتأجج في صدري. # فنظر روكامبول إلى البستانية نظرة خاصة، فالتفتت إلى الإسباني وكان منذهلا أتم الانذهال ~~مما يراه وكلمته بلغة سرية لا يعلمها غير النور، فذهب الإسباني وعاد بعد هنيهة بكأس مبردة من ~~الخمر وقدمه لمرميس بملء الاحترام. # فتردد مرميس عن شربها إلى أن أمره روكامبول، فشرب الكأس مطمئنا جرعة واحدة، ثم سقط على ~~الأرض لا يلوي على شيء، وأطبق جفنيه فنام نوما هنيئا بعد ذلك العذاب الشديد. # ولما رأى روكامبول أنه غفا قال للبستانية: اتبعيني الآن. # فتبعته صاغرة وخرجا من الغرفة. ~~••• # ولم يدر مرميس حين استيقظ من رقاده كم كانت مدة نومه، ولكنه وجد نفسه لا يزال في تلك الغرفة ~~التي أنقذه منها روكامبول دون أن يجد أثرا لروكامبول والبستانية والمركيز، بل كان وحده في تلك ~~الغرفة المنارة بضوء ضعيف، فنظر إلى ما حواليه وقال: أين ذهبوا وأين أنا؟! # وعند ذلك فتح الباب، وظهر له ميلون ففرح مرميس لرؤياه، وقال: أين نحن الآن يا ~~ميلون؟ ~~- في منزل سانت مانديه تحت الأرض. ~~- وفاندا؟ ~~- إن الرئيس صحبها وإياه. ~~- وهي؟ (يريد البستانية الحسناء وقد ظهرت عليه علائم الذعر حين ذكرها.) ~~- سافرت أيضا مع الرئيس. ms1697 # فانذهل مرميس، وقال: ما هذه الأسرار؟ # فقال ميلون: وأنا منذهل نفس انذهالك، ولكن الرئيس لا يظهر أسراره لأحد. # وكأن مرميس كان لا يزال يخشى أن يكون حالما لفرط ما لقيه من العذاب، فقال لميلون: إذن أحق ~~ما رأيته؟! وأن الرئيس عاد من الهند وأنه هو الذي أنقذني؟! ~~- ذلك لا ريب فيه. ~~- أسافر بعد ذلك كما تقول؟ ~~- نعم، وقد تركني بقربك وأعطاني إليك هذا الكتاب الضخم وهذه الرسالة. # فأخذ مرميس الكتاب ونظر في صفحته الأولى فوجد فيه هذا العنوان: # كتاب كنوز الهند بقلم الماجور أفاتار # ثم فض الرسالة المعنونة باسمه وقرأ ما يأتي: # 41 # ولدي العزيز # إني لم أعاقب ذلك الوحش المفترس الذي يدعونه «البستانية الحسناء»، ولكنها مع ذلك قد عذبت ~~المركيز دي مورفر عذابا قضى على صوابه وا أسفاه! وأخشى أن لا يعود إليه رشده إلا بعد زمن ~~طويل، وعذبتك أنت عذابا هائلا يحلو بعده كل انتقام، فإني لو تأخرت عن نجدتكم بضع ساعات لما ~~كنت أنت والحبيبة فاندا على قيد الحياة. # غير أني لم أضرب هذه المرأة ضربة قاضية تسحقها، بل أعددت لها وسائل التوبة والاستغفار لسر ~~دقيق ستدرك تفاصيله متى قرأت كتاب كنوز الهند، وهو الكتاب الذي كتبته بيدي وأرسلته إليك مع ~~ميلون. # إنك سمعت دون شك بأخبار الهند، التي يعبث فيها الخناقون وبخفاياها وأسرارها ~~الهائلة. # على أن هذه البلاد ليست قاصرة على رجال الشر، بل إن فيها كثيرا من رجال النبل والخير، ~~وكثيرا من الجمعيات العظيمة المتحدة لمقاومة مظالم الإنكليز. # وإن بين أحرار الهند الذين أبوا الخضوع للإنكليز أميرا يؤثر ألف موت على العبودية، وهذا ~~الأمير كان من أصحابي. # إن روكامبول اللص السفاك عاش عامين جنبا إلى جنب مع أعظم نبيل في الوجود، فشاطره البؤس ~~والنعيم ولم يفصل بيننا غير الموت. # وقد أقسمت لهذا الأمير النبيل، وهو ينظر إلي للنظرة الأخيرة يمينا حرجة لقضاء شأن خطير ~~أؤمل أن أنال بعد قضائه ما أرجوه من عفو الله، وستكون أنت عوني على البر بهذا اليمين. # ومن أجل هذا غفرت ms1698 عن «البستانية الحسناء»، وعينتها في خدمتي لحاجتي إليها في هذه المهمة ~~الخطيرة، إنها آلة هائلة فلا يفل الحديد إلا الحديد. # إذن اقرأ الكتاب الذي أرسلته إليك وموعد لقائنا قريب. # روكامبول # 42 # فلما قرأ مرميس هذه الرسالة قال لميلون: متى سافر الرئيس إلى لندرا؟ ~~- أمس مساء ... ~~- وهل أمرك أن تبقى معي؟ ~~- نعم وأنا معك منذ غفوت؛ أي منذ ساعتين، ساعة نمتها دون أن تتحرك؛ لأن الرئيس سقاك مخدرا ~~كي يسهل عليك الرقاد، ويسهل علينا ضمد جراحك. ~~- وماذا يجب أن أصنع الآن؟ ~~- يجب أن تبقى هنا بأمر روكامبول، فقد قال لي: لا يجب أن يبرح مرميس هذا المنزل قبل أن يقرأ ~~جميع كتاب كنوز الهند، ولدينا هنا كل ما نحتاج إليه. ~~- إذن سأبقى امتثالا لأمره، ولكني على فرط شوقي لمطالعة كتابه أوثر الطعام على المطالعة ~~الآن؛ لأني أوشك أن أموت جوعا. # فخرج ميلون وعاد بعد هنيهة يحمل مائدة صفت عليها صحون الطعام، فأكل مرميس بشراهة لا توصف، ~~وسأل ميلون خلال الطعام كيف اهتدى إلى السرداب الأرضي، فأخبره ميلون عند ذلك بجميع ما جرى له ~~بعد خروجه من المنزل، وكيف احترق المنزل، وكيف فاجأه روكامبول وهو يمزق صدره من قنوطه، فأخبرت ~~الرئيس عند ذلك بجميع ما قاله الإسباني لك، فلم يتوقف روكامبول لحظة، وجئنا إلى البئر فاهتدينا ~~إلى مدخل السرداب، ولكنه رأى أن القبة قد تهدمت وسدت المدخل، فخطر له عند ذلك أن يصعد إلى ~~المنزل ويفتح منه المنفذ إلى السرداب، فدام ذلك يومين كاملين. ~~- وماذا جرى للسائق المسكين الذي كان يصحبني؟ ~~- وجدناه في هوة يكاد يموت من الجوع، فأنقذناه وهو الآن في المنزل. # فشكر مرميس الله لإنقاذه، ولما فرغ من الطعام أخذ كتاب روكامبول وبدأ يقرأ، فكان عنوان فصله ~~الأول «محرقة الأرملة». # كنوز الهند‏ # كنوز الهند‏ # | كنوز الهند # | كنوز الهند # | روكامبول (الجزء الحادي عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | كنوز الهند # 1 # عرف القراء من رواية البستانية الحسناء التي تقدمت هذه الرواية أن روكامبول مسافر إلى ~~لندرا مع روميا وفاندا. ms1699 # وقد عرفوا أيضا أن مرميس نام ستين ساعة متوالية في ذلك السرداب المخيف في منزل ~~البستانية الحسناء، فلما استفاق لم يجد شيئا من آثارها الهائلة، فلم ير المركيز ~~المعتوه، ولا فاندا المجنونة، ولا الدوق الذي كان يكوى بالنار، ولا الطفل الذي كان ~~يجلد بالسياط، بل وجد أمامه ميلون فأخبره كيف أنقذه روكامبول وأعطاه كتابا ضخما ~~عنوانه «كنوز الهند»، وأمره باسم روكامبول أن لا يبرح هذا السرداب قبل أن يتم تلاوة ~~الكتاب، فلم يسع مرميس إلا الامتثال، وجلس يقرأ كتاب روكامبول، فكان عنوان أول فصل من فصوله: # محرقة الأرملة # إن هذا الكتاب وضعه روكامبول وكتبه بخطه، فضمنه جميع ما جرى له من الحوادث في الهند ~~خلال إقامته فيها عامين متصلين لم يلق فيهما غير العجائب النادرة من كل ما يطير بالنفس ~~إلى عالم الخيال، ويشغل المطالع بتلاوتها عن كل ما في هذا الوجود. أما هذا الكتاب ~~الغريب فقد بدأ كما يأتي: ملت الطير صياح البشر، وراعها احمرار الشفق، فاستقرت على ~~الغصون، واختبأت بين الورق. # وغابت الشمس في البحر، وذهب معها حرها المحرق، واستبدلت رياح السموم التي تتساقط من ~~أعالي الجبال بنسمات بليلة كانت تهب من جهة البحار. # وبزغت النجوم في سماء الهند الصافية، فبدأ الناس يتهادون في الشوارع، ويسيرون متنزهين ~~في سهول كالكوتا يستنشقون ذلك النسيم العليل بعد أن كان يصهر أجسامهم حر النهار. # والعادة في الهند أن معظم قومها ينامون في النهار أيام الحر الشديد، فلا يستيقظون إلا ~~حين تتوارى الشمس في الحجاب، حتى إذا هجم الظلام خرجوا من بيوتهم، وهبوا من ذلك الرقاد ~~الإكراهي، وتجولوا في الشوارع بين ساع وراء رزقه وبين متنزه مرتاح إلى رطوبة ~~الليل. # وهناك بيت بني من القصب الهندي عند أبواب كلكوتا في سهل قسم من المدينة يدعى ~~«المدينة السوداء»، كان فيه أربعة من ضباط الإنكليز مجتمعين حول طاولة يشربون ~~الشاي. # وكان بينهم ضابط فرقة - وهو أصغرهم سنا - فقال لرفاقه: أرأيتم في صباح اليوم حين ~~عودتكم من المناورات موكب الأرملة المفجع؟ # فقال أحدهم: أي موكب ms1700 هذا؟ ~~- موكب أرملة الرجاه نجد كوران. ~~- كلا، لم أر شيئا من هذا. # فقال أكبرهم سنا: ألعل أرملة الرجاه قد توفيت؟ ~~- كلا. ~~- إذن لماذا تقول إنه مفجع؟ # وكان الضابط الصغير يدعى جاك بلاكويلد. ابتسم وقال له: يظهر جليا يا صديقي هاريس ~~أنك قادم حديثا من أوروبا، وأنك لا تعرف شيئا من تقاليد أهل هندنا المحبوبة. # فابتسم هاريس أيضا وقال: لتكون محبوبة قدر ما تشاء، ولكن حرها غير محبوب؛ فإنه لا ~~يطاق. ~~- إنك إذا قارنت بين حر كلكوتا وضباب لندرا يهون عليك أمر هذا الحر، على أني من أهل ~~لندرا يتصل نسبي بجد ولده الملك غليوم سفاحا، أي أني إنكليزي بحت من الأسرات القديمة، ~~ومع ذلك فلو خيرت بين أن أبقى في حامية كلكوتا وبين أن أكون في ثكنة من ثكنات لندرا ~~لاخترت البقاء في هذه البلاد. ~~- ربما كان ذلك لتعودك مناخها، وعسى أن أتعوده مثلك؛ فلنعد الآن إلى الأرملة، ~~واذكر لنا مما تعرفه من أمرها. ~~- إنها هندية في السادسة عشرة من عمرها، ومن كانت في هذا العمر في بلادنا تحسب من ~~الفتيات، وأما في الهند فإنها توشك أن تحسب من العجائز. ~~- نعم، فقد قرأت شيئا من هذا في الكتب، ولكن هذه الصبية العجوز هل هي جميلة؟ ~~- إنها لا تزال في نضارة الجمال. ~~- وهي أرملة؟ ~~- إنها أرملة الرجاه نجد كوران، وهو أمير من أمراء الجبال أبى حتى وفاته الخضوع ~~للإنكليز، ولا يزال يوجد ستة أمراء لم يخضعوا لنا بعد. # فابتسم الضابط وقال: ولكنك تعلم أن إنكلترا لا تحب العجلة؛ لأنها تورث الندم كما يقول ~~المثل العربي، فهي تقاتلهم من حين إلى حين بسلاح النار، ولكنها تقاتلهم كل يوم بسلاح ~~الأفيون، وهو أشد فتكا من طعن السيوف وكرات المدافع. # والآن قل لنا: أمات هذا الأمير؟ ~~- نعم، إنه توفي منذ شهر، وقد وصلت أرملته مساء البارحة تصحبها حاشية عظيمة إلى أبواب ~~المدينة، فتجولوا بها كل الليل يصدحون لها الألحان الهندية المحزنة. # وفي هذا الصباح أركبوها جوادا وأدخلوها إلى المدينة باحتفال عظيم. ~~- وما أتت تعمل ms1701 في هذه المدينة؟ ~~- أتت لتموت. ~~- ألعلهم يريدون إحراقها بعد موت زوجها حسب عوائد الهنود؟ ~~- هو ما تقول. ~~- ولماذا يريدون إحراقها في كلكوتا دون سواها؟ ~~- لأن زوجها الأمير من أعظم أشراف الهنود، ولأن مدفن عائلته في كلكوتا. ~~- مسكينة هذه المرأة التعيسة؛ فإنها لو خيرت لما اختارت هذه الميتة الشنعاء. ~~- هو ما تقول، ومن يريد الموت لنفسه؟ فقد مر موكبها اليوم من تحت منزلي، ورأيت تلك ~~المنكودة صفراء الوجه والدموع تملأ عينيها، ولكن سيان عند أولئك الجلادين الغلاظ ~~الأكباد رضيت أم لم ترض؛ إذ لا بد لها من صعودها إلى المحرقة، وإذا تمنعت أصعدوها ~~إليها بالقوة. ~~- ومن ينفذ هذه المهمة؟ ~~- أهلها وخدام زوجها الميت. ~~- كيف تجري مثل هذه الأمور الهائلة الهمجية في كلكوتا، أما هي مدينة ~~إنكليزية؟! ~~- دون شك. ~~- إذن كيف تأذن الحكومة الإنكليزية بهذه الفظائع؟ ~~- أعيد عليك ما قلته لك في بدء هذا الحديث، وهو أنك قادم حديثا من أوروبا، فاعلم ~~أنه أولا: لا يحب حكمدار الهند أن يتداخل في شئون الهنود الدينية. ~~- وثانيا؟ ~~- وثانيا: أننا نعلم يقينا أن أرملة الرجاه ستموت في كلكوتا، ولكن الحكومة والشعب ~~والبوليس يجهلون الساعة والمكان المعين للقتل؛ ولذلك فإنهم يطوفون بتلك المنكودة في ~~أرجاء المدينة المتسعة يوما أو يومين، وقد يطوفون ثلاثة أيام، ثم يحجبون كلهم عن ~~الأنظار فلا يعلم أحد مقرهم إلى أن يعثر البوليس بعد بضعة أيام في شارع من الشوارع ~~الوطنية المعتزلة على رماد المحرقة؛ فنعلم أن القضاء قد نفذ فيها، وأنها قد أحرقت ~~بالنار. # فاهتز القائد لهول ما سمع وقال: لو كنت حاكم الهند لعرفت كيف أحول دون هذه الفظائع ~~التي يسود لها وجه الإنسانية، وعار علينا نحن الإنكليز أن لا نقتلع جذور هذه الهمجية ~~ونحن في طليعة الأمم المتمدنة. # فهز القائد الصغير كتفه وحاول أن يجيبه، ولكن حال دون ذلك دخول ضابط آخر عليهم، ~~فشغل عن الإجابة باستقباله وقال له: أهذا أنت يا حضرة الماجور؟ ~~- نعم، أنا بعينه. ~~- وما لوجهك مصفرا وصوتك يتهدج؟ ~~- لأني اجتزت خمسين مرحلة على جوادي دون ms1702 أن أقف. ثم جلس على كرسي واهي القوى، فقال ~~الضابط الصغير لرفاقه: أعرفكم أيها الأصحاب بالسير إدوارد، أشد رجل عرفته في البلاد ~~الإنكليزية، وأعظم الناس جراءة وإقداما. # فانحنى الجميع أمامه وتم التعارف. # وعند ذلك قال له الضابط: إن هيئتك يا حضرة الماجور لا تدل على التعب وحده، بل على ~~الاضطراب أيضا. ~~- هو ذاك، فإني محتاج إلى أربعة رجال أشداء لقضاء شأن خطير. ~~- هو ذا، نحن أربعة نعينك فيما تريد؛ فأخبرنا عن هذه المهمة. # 2 # إن هذا الرجل الذي دخل على الضباط الأربعة دون أن يتوقعوا قدومه كان في الثامنة ~~والعشرين من عمره. # وكان دون الربعة، أي أن جسمه أميل إلى القصر منه إلى الطول، وهو أسود الشعر، أسمر ~~الوجه، وقد لوحت شمس الهند وجهه فبات يشبه الشرقيين أكثر مما يشبه الإنكليز. # ولقد تقدم تقدما سريعا في الجيش، وكان السبب في تقدمه ما أظهره من الجرأة والبسالة ~~في كثير من المعارك التي كان يسيرها الإنكليز على أمراء الهنود. # بل ربما كان سر هذا التقدم حسن إتقانه اللغة الهندية؛ إذ كان من المجيدين فيها تكلما ~~وكتابة، فكان يتنكر بأزياء الهنود ويمتزج بالثائرين على الإنكليز، فلا يزال يعاشرهم ~~ويتزلف إليهم حتى يتمكن من سرقة مشروعاتهم، والوقوف على خططهم الحربية وقواتهم ~~ومراكزهم، فيعود بجميع هذه التفاصيل إلى الجيش الإنكليزي؛ فيتأهبون لمحاربة أولئك ~~العصابة بأعظم من قواتهم، ويهجمون عليهم هجوم الواثق المطمئن؛ فلا يكون لهم غير النصر ~~الأكيد. # على أن قواد الإنكليز كانوا مختلفين في تقدير أعماله والحكم عليها؛ فكان بعضهم ~~يعتبرون أن أعمال الماجور إدوارد تدل على الجرأة والإقدام لمخاطرته بحياته في سبيل أمته ~~وبلاده. # ويرى آخرون أن أعماله على ما فيها من الجرأة لا تخلو من شبه مهنة الجاسوسية، وهي مهنة ~~مستنكرة، فيرد عليهم آخرون أن التجسس غير منكر في الحروب. # ولذلك كان لهذا الماجور بين القواد من يحبونه ويعجبون به، ومن يحتقرونه. # ولكنهم على اختلافهم في تقدير أعماله كانوا متفقين على الاعتراف له بالبسالة ~~النادرة. # وكان هذا الماجور على بسالته وافر الذكاء، ms1703 رحب الصدر، كثير الدهاء؛ فكان يتخلق بما ~~يريد من الأخلاق، ويظهر غير ما يضمر. # غير أن الجلد خانه في هذه المرة؛ فقد كانت دلائل الاضطراب ظاهرة على وجهه حتى اضطر ~~القائد الصغير إلى سؤاله مرة ثانية عن سبب اضطرابه. # فعاد الماجور تباعا إلى سكينته العادية وقال: تقدم لي القول، أيها الرفاق، أني اجتزت ~~خمسين مرحلة دون أن أقف إلا لتغيير الجواد؛ فقد قتلت أربعة جياد. ~~- من أين أنت آت؟ ~~- من جبال الهند التي تتألف منها مملكة الرجاه نجد كوران. ~~- أهو هذا الرجاه الذي جيء بامرأته إلى كلكوتا لتحرق فيها؟ ~~- هو بعينه، وإني ما قتلت الجياد الأربعة وجئت بهذه السرعة إلا من أجل هذه ~~الأرملة. # فثار فضول الضباط الأربعة لهذا النبأ وصاحوا جميعهم بصوت واحد: كيف ذلك؟ ~~- أتعرفون كيف مات الرجاه؟ ~~- كلا. ~~- إنه كان في حفلة صيد، فسقطت على رجله حربة مسمومة من تلك الحراب التي يسممها ~~الهنود في قتال النمور وغيرها من الوحوش الضارية، فلا يفيد سمها دواء، ولها تأثير في ~~القتل أشد من تأثير سلاحنا الناري. # فجرح الرجاه جرحا خفيفا، لكن جسمه تسمم في الحال فما عاش غير بضع ساعات. # فقال الضابط: أمات دون أن يخضع للإنكليز؟ ~~- نعم، وكذلك أخوه عثمان الذي خلفه على الإمارة إثر وفاته. ~~- قل لنا يا حضرة السير: أية علاقة بين سرعتك في سفرك وبين أرملة الرجاه ~~الحسناء؟ ~~- ذلك أني كنت في مهمة لدى الرجاه الميت؛ وهي أني عرضت عليه بعض اقتراحات مآلها أن ~~يحالف إنكلترا، ويكون عدوا لأعدائها، بشرط أن تضمن له استقلاله. # فضحك القائد وقال: لا جرم فهذه عادة إنكلترا النبيلة في مخابراتها، والآن قل لنا: ~~ماذا جرى بعد ذلك؟ ~~- مما لا ريب فيه أني لم أدخل إلى بلاط ذلك الأمير بملابسي الأوروبية، بل إني تزييت ~~بأزياء الهنود. # ولما كنت عارفا بلغة الهنود وسكان ضفاف الكنغ، تنكرت بملابس هندي من مدينة بناريس، ~~ولم يكن عارفا بحقيقة حالي غير الرجاه نجد كوران وشقيقه عثمان. # أما الرجاه الميت فإنه لم يرض باقتراحي، لكنه لم يرفضه، ms1704 وفيما نحن نتخابر فاجأه ~~الموت. # وعند ذلك، ارتقى سرير الإمارة شقيقه عثمان، فدعاني إليه وقال لي ما يأتي: إني أرفض ~~مطالب الإنكليز، ولكني أوافق على أن لا أشهر السلاح ضدها إذا كنت قادرا على قضاء مهمة ~~سرية أعهد بها إليك. ~~- ما هي؟ ~~- أرأيت أرملة أخي؟ ~~- نعم ... ~~- إنه حكم عليها حسب عوائدنا الهمجية أن تموت حرقا بالنار. ~~- عرفت ذلك. ~~- لتنقذها إنكلترا من هذا العقاب، فلقد أصبح مواليا لها. # فقاطع القائد الصغير السير إدوارد وقال له: لقد بدأت أن أفهم. ~~- كلا، فأصغ إلي تعلم الحقيقة؛ فإن الرجاه الجديد عثمان حينما عهد إلي بهذه ~~المهمة كانت الأرملة قد أرسلت إلى مدينة كلكوتا يصحبها أهل وأصدقاء زوجها. # وهي تدعى كولي نانا، ومعنى هذا الاسم باللغة الهندية «اللؤلؤة السمراء». # فلما علمت أنها سافرت خشيت أن يفوت الأوان، فوعدت الأمير بأن إنكلترا ستنقذ الأرملة، ~~وجئت كما علمتم من السرعة. # فقال الضابط: إذن أنت محتاج إلى أربعة رجال أشداء لإنقاذ الأرملة؟ ~~- هو ذاك. ~~- لماذا تريد أن يكونوا أربعة فقط؟ ~~- لأني وضعت خطة لي في نجاحها ملء الثقة، ولكن زيادة عدد الرجال الذين يعينوني على ~~تنفيذها يفسدها. # والآن أرجو أن تصرحوا لي إذا كنت أستطيع الاعتماد عليكم. # فصاح الجميع بصوت واحد مشيرين إلى قلوبهم. ~~- إذن أصغوا إلي. # ثم شرب جرعة من الشاي وجعل يحدثهم بما يأتي. # 3 # قال: تعلمون أيها السادة أني أتقن اللغة الهندية إتقانا عجيبا حتى إني أتكلم بلهجة ~~الهنود فلا يعرف أحد منهم أني غريب عنها. # وإني وإن كنت ولدت في لفربول وكانت أسرتي من الأسرات القديمة الإنكليزية، فإني أتيت ~~إلى الهند في عهد الحداثة؛ فتعلمت لغة قومها واقتبست عوائدهم حتى صرت كواحد ~~منهم. # ثم إني حبست عامين عند ملك الأهور، فكان جميع ذلك مع هيئتي الشرقية كافيا لأن يحسبني ~~الهنود واحدا منهم، فإذا تنكرت بملابسهم لا أفرق عنهم بشيء. # وكذلك جعلت أجتاز الهند بجملتها تارة أمتطي الجياد، وتارة على ظهور الفيلة، فأدخل ~~إلى معابد البراهمة فأقتبس أسرار الديانات، وأحج في المساجد فأصلي مع المسلمين، ms1705 فأتنكر ~~مرة بلباس رجل من أهل دلهي، وأتزيا مرة بزي تجار الأفيون، وأقلد أحيانا أغنياء كشمير؛ ~~فلا يعلم أحد من الهنود أني إنكليزي من بلاد الإنكليز. # قال الضابط: إننا نعرف منك جميع ما تقوله يا حضرة الماجور. ~~- عفوا، فإني أفصل لكم هذا التفصيل؛ إذ لا بد منه لمعرفة الخطة التي اتفقت عليها مع ~~الأمير عثمان. ~~- إذن أصغوا لنعلم هذه الخطة. # فقال إدوارد: إن أرملة الرجاه وصلت إلى كلكوتا مساء أمس. # فاعترضه الضابط وقال: كلا؛ فإنها كانت مساء أمس مع موكبها في السهول عند أبواب ~~كلكوتا، ولم تدخل إليها إلا صباح اليوم. ~~- لا بأس، وإن الموكب قد طاف النهار كله من معبد إلى معبد في المدينتين البيضاء ~~والسوداء. # وهم سيستريحون هذه الليلة في فندق من تلك الفنادق الهندية التي يدعونها ~~شولتري. # وفي اليوم التالي يعودون إلى الطواف كما فعلوا اليوم، حتى إذا أقبل الليل احتجبوا عن ~~الأنظار فلا يدري البوليس الإنكليزي أين يذهبون مهما بالغ في البحث عنهم. # ذلك أنهم يذهبون بطرق ضيقة إلى مكان معتزل يتفقون عليه سرا على شاطئ البحر أو في ~~السهل، فينصبون فيه المحرقة. # ولكن هذا السر الذي خفي عن جميع الناس لم يخف علي، وسأعرف مكان اجتماعهم دون ~~سواي. # فقالوا جميعهم: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني سأتنكر منذ صباح غد بملابس الهنود وأختلط بالموكب فلا أفارقه. # وهم سيحتفلون بي ولا يشكون بأمري لأنهم رأوني في بلاط الرجاه الفقيد، ورأوا أنه كان ~~يعاملني خير معاملة، فيعتقدون أني أشاركهم في حفلتهم تجملا وودادا، فلا يكتمون عني ~~أمرا. # وفي المساء أكون معهم في المحل السري الذي سيجتمعون فيه، فإذا أقبل الليل ساعدتهم على ~~نصب المحرقة، وفي هذه الساعة يأتي دور الحاجة إليكم إذا كنتم لا تزالون على ~~وعدكم. # فنظر إليه الضباط الأربعة نظرات تدل على الانذهال، أما هو فإنه تابع حديثه فقال: إنه ~~في الليلة التي تتقدم الإحراق - إذ إن الأرملة لا تحرق إلا عند الفجر - توضع تلك ~~المنكودة المحكوم عليها بالموت إحراقا في خيمة وحدها، وتوضع أمامها لآلئها ومجوهراتها ms1706 ~~وجميع زينتها، فإذا حملوها إلى المحرقة أخذت تلك المجوهرات واللآلئ الثمينة، فجعلت ~~تلقيها قطعة قطعة إلى النار قبل أن يلقوها وسط أجيجها. # وفي هذه الليلة الهائلة يجتمع الموسيقيون حول تلك الخيمة، وينشدون الأناشيد الغريبة ~~الشجية، فتنقبض لها النفوس وتسيل المدامع. # أما تلك المنكودة، فإن هذه الساعة تكون من أشد ساعاتها؛ إذ تعلم أن ساعتها الأخيرة قد ~~دنت، فلما تصدح تلك الموسيقى بألحانها المحزنة تفقد صوابها من التأثر، وينعقد لسانها من ~~الخوف. # وقد جعلت جل اعتمادي في إنقاذها على حالتها في تلك الساعة؛ إذ لا يحيط بها في ذلك ~~الحين غير تلك الجوقة الموسيقية. # وسأخبركم في المساء عما أعزم عليه، ولكنني لا أعلم الآن الطريقة التي سأتمكن بها من ~~مخابرتكم. # على أني سأجد طريقة مضمونة، فعليكم أن تقربوا عند انتصاف الليل من محل اجتماع الهنود، ~~وإنكم ستجدون جميع أولئك الهنود الذين يرافقون موكب الأرملة سكارى من الحشيش والأفيون، ~~منهوكي القوى من الرقص والطواف، حتى إن الموسيقيين أنفسهم يكونون أشبه برفاقهم، بل أشد ~~منهم إلى الرقاد. # ولكن سيكون أربعة رجال بين أولئك الهنود لا يسكرون ولا ينامون، وهم إخوة الأرملة ~~المحكوم عليها بالإحراق، فإن عوائد الهنود أن أخص أقرباء المحكوم عليها يتولون التنفيذ، ~~وتقضي عليهم شرائعهم الدينية بالصوم والسهر إلى أن ينفذ الإعدام، وسيكون شأنكم مع هؤلاء ~~الأربعة؛ إذ لا تجدون سواهم من يقاومكم. # فقال أحدهم: ألعلنا نحن الذين نتولى اختطافها؟ ~~- كلا، بل إنكم تتولون مقاومة أولئك الرجال الأربعة الذين سيدافعون عنها أشد دفاع، ~~إلا إذا قتلها الرعب وحال الموت بينها وبين ذلك الدفاع. ~~- إذن يجب أن نتقارع بالسيوف ونتقاتل بالمسدسات. ~~- ربما. ~~- وهؤلاء الهنود ألا يقدمون لنجدتهم - فإنهم مهما بلغ من سكرهم - لأنهم يستفيقون في ~~مثل هذا الخطر؟ # فابتسم السير إدوارد وقال: إني لمثل هذا أردت أن يكون لدي أربعة من البواسل ~~الأشداء، وفوق ذلك فإن أربعة من الإنكليز يعادلون عشرة من الهنود على الأقل. # فتحمس الضابط الصغير وقال: بل عشرين. # وانصرف أحدهم إلى الحديث عن الأمير عثمان فقال: يظهر أن هذا ms1707 الأمير الجديد من ~~المتمدنين. ~~- كلا، بل هو أعظم همجية من أخيه. ~~- إذا كان ذلك كما تقول فكيف أشفق على امرأة أخيه، بل كيف يخالف تقاليده المقدسة ~~ويحاول إنقاذها من النار؟! # فابتسم السير إدوارد وقال: ذلك لأن في فؤاده نارا سعيرها أشد من سعير نار المحرقة؛ ~~لأنه هائم مفتون باللؤلؤة السمراء، أي بامرأة أخيه التي ستحرق. ~~- إذن تطلب إلينا قضاء مهمة غرام؟ ~~- وماذا يهمنا ذلك أيها السادة؟ لأننا إذا أنقذناها نكون قد قضينا واجبا إنسانيا؛ ~~إذ لا ذنب لهذه المرأة غير موت زوجها وجور تلك التقاليد، وفوق ذلك فإني إذا أنقذتها ~~يصبح هذا الأمير الجديد صديقا لي ولكم ولإنكلترا، التي نفارق أوطاننا العزيزة ~~لخدمتها. ~~- أحسنت، وإني أجد قضاء هذه المهمة ميسورا ما خلا أمرا، فإني أجده كثير ~~التعقيد. ~~- ما هو؟ ~~- إني واثق من استطاعتنا إنقاذها. ~~- هذا ما أرجوه. ~~- ولكن ماذا يصنع الأمير الجديد، فإن رعيته ورجال بلاطه يعرفون أنها امرأة أميرهم ~~القديم، فإذا عادت إلى بلاط الأمير الجديد علموا أنها امرأة أخيه، وأنه خان بإنقاذها ~~تقاليدهم المقدسة؟ # فقال السير إدوارد: إن جميع هذا قد توقعناه وتلافيناه من قبل ذلك؛ إن لهذه الأرملة ~~أختا تشبهها في تقاطيع وجهها، ولا تختلف عنها إلا بلون شعرها، فإن شعر أختها أشقر وشعر ~~الأرملة أسود. # وكلتاهما ابنتا غني من تجار الأفيون. # وإن الأمير عثمان خاطب للفتاة الشقراء، فهو سيسافر إلى بلد أبيها في أول هذا الشهر ~~للقدوم بخطيبته بموكب عظيم. # على أن تاجر الأفيون وشقيقة الأرملة عالمان بنية الأمير عثمان، واقفان على هذا ~~السر. # فمتى اختطفنا الأرملة نذهب بها إلى منزل أبيها، وهناك طبيب هندي خبير بصبغ الشعر، ~~فيصبغ شعر الأرملة حتى يغدو كشعر أختها، وبذلك يتم الشبه بينهما، ونزف الأرملة إلى ~~الأمير بدلا من أختها. # ثم نهض واقفا وقال: أستودعكم الله إلى الغد. # 4 # وقبل أن يسير سأله الضابط قائلا: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- إني ذاهب لأختلط بموكب الأرملة، ولأجل ذلك ينبغي أن أنزع ملابسي وأتزيا بزي ~~الهنود. ~~- حسنا، ولكنك لم تقل لنا أين نجدك ms1708 في الغد؟ ~~- ذلك لأني إلى الآن أجهل أين أكون، ولكن خطر لي خاطر؛ وهو أن الموكب بعد أن يطوف هذا ~~القسم من كلكوتا الذي ندعوه المدينة السوداء لا بد له أن ينتهي من طوافه عند المعبد ~~الكائن في المدينة البيضاء، أي في القسم الأوروبي. # وذلك أن هذا المعبد مبني منذ عصور بعيدة، وهو مقدس عند الهنود، ويؤثرون الصلاة فيه ~~على سواه من المعابد، وأنا واثق أن الموكب ينتهي بزيارة هذا المعبد. ~~- ألعلك تريد أن يكون التقاؤنا هناك؟ ~~- نعم، إني أحب أن يذهب أحدكم منذ صباح الغد فيقف عند باب المعبد حتى يراني، فمن يذهب ~~منكم ؟ # قال الضابط الصغير: أنا لها. ~~- إذن تذهب إلى باب المعبد وتنتظر، وإنك ستراني بين المحتفلين، ولكنك لا تعرفني لشدة ~~تنكري، فإذا رأيت الناس قد خرجوا جميعهم من المعبد فادخل أنت إليه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تجد في إحدى زوايا المعبد تمثالا عظيما يمثل الإله سيوا، وتجد عند قدم التمثال ~~صرة صغيرة فيها حبوب من القمح، تعود الهنود أن يضعوا أمثالها في المعابد، فخذ الصرة ~~وافتحها تجد فيها رسالة مكتوبة بقلم رصاص وفيها تعليماتي. # ثم قام وودع رفاقه وانصرف. # ولما بلغ الباب الخارجي امتطى جواده ودخل به إلى كلكوتا، فاجتاز المدينة السوداء، أي ~~مدينة الوطنيين، إلى المدينة البيضاء، أي مدينة الإفرنج، ووقف عند باب منزل كبير، ~~ففتح مصراعه للحال، وأسرع إلى خدمته عبدان أسودان، فوقفا أمامه بملء الاحترام. وكان ~~هذا المنزل منزله. # وكان ضباط الإنكليز في الهند يعيشون بسعة ورخاء لارتفاع رواتبهم، فإن راتب الماجور ~~يبلغ مائة ألف فرنك في العام. # وفوق ذلك فإن الماجور إدوارد كان معدودا من الأغنياء بفضل ثروته الخاصة، فكان ينفق ~~عن سعة. # على أن الناس كانوا يختلفون في ثروته، فمنهم من يقول: إنها من آبائه، ومنهم من يقول: ~~إنها من مصادر سرية؛ ولذلك لم تكن سمعته خالية من الشوائب والعيوب. # بل كانوا يدعون أنه باع الإنكليز، بطريقة شائنة، أسرار أمراء كانوا من أصحابه ~~وكانوا يأتمنونه على أسرارهم، وأن هذه الخيانة وأمثالها مصدر تلك ms1709 الثروة. # ولكن الإفرنج تؤثر سماء الهند في نفوسهم، فتضعف اهتمامهم بشئون سواهم، وتدعو كل ~~مهاجر منهم إلى الاهتمام بشئونه الخاصة. # وبمثل هذه الثروة كان يقاوم أعداءه، فيساعد فقراء الضباط بماله؛ فيشتري صداقتهم ~~بالمال. # وترجل الماجور عن جواده، ودخل إلى منزله فخلع ملابسه واغتسل، ثم نادى خادما هنديا ~~مخلصا في خدمته وقال له: أحدث شيء جديد؟ ~~- كلا. ~~- أرأيت موكب الأرملة؟ ~~- نعم، رأيته في الصباح. ~~- أين يكون الآن فيما تظن؟ ~~- أظنهم يستريحون الآن في فندق الحية الزرقاء. # وكان الماجور يحادث خادمه الوفي ويلبس ملابسه الهندية، فلما أتم تنكره ظهر أنه من ~~تجار أفغانستان الذين يتاجرون بالأفيون واللؤلؤ والأحجار الكريمة. # وعند ذلك فتح بابا سريا وخرج منه إلى الشارع، فلم يعلم بتنكره أحد من خدم المنزل ~~ما خلا خادمه الأمين الهندي، الذي كان له به ملء الثقة خلافا لسائر الخدم، فإنهم ما ~~رأوه إلا بملابس الضابط. # وبعد ساعة دخل إلى فندق الحية الزرقاء فوجد فيه الأرملة ورجال الموكب. # وكان الرقص قد بدأ، فوضعوا تلك الأرملة المنكودة على بساط تحت قبة من الخيزران، ~~وجعلوا يرقصون حولها وهي تنظر إليهم نظرات تشف عما دخل فؤادها من الرعب، وأخوتها ~~الأربعة محدقون بها ينشدون حولها الأناشيد الغريبة، فاختلط الماجور بأهل الموكب، ثم شق ~~الجموع ودنا من مجلس الأرملة. # 5 # على أن معظم رجال الموكب عرفوا الماجور، ولكنهم لم يعرفوا أنه ذلك الضابط في جيش ~~الإنكليز، بل عرفوا أنه ذلك التاجر الهندي الذي طالما رأوه في بلاد الرجاه ~~الميت. # وقد أعد أقرباء الأرملة حضوره حفلتهم لطفا منه وتوددا، فشكروه واستقبلوه خير ~~استقبال، ثم قدموا له من ثمارهم الجافة، فجلس بينهم يدخن معهم وينظر إلى رقص ~~الراقصين. # ولما توارت الشمس في حجابها انتهى الرقص، وسقط الراقصون لا يعون لفرط إجهادهم في ~~الرقص. # وعند ذلك وقف أهل الأرملة إيذانا بانتهاء حفلات النهار، وابتدأت حفلات الليل؛ وهي ~~الطواف بالمشاعل والأنوار المختلفة. # أما تلك الأرملة المنكودة الحظ، فإنهم خبلوا عقلها بأحاديثهم الدينية، وبإظهار ما ~~ستلاقيه في السماء بعد أن ضحت نفسها في ms1710 حب زوجها، فاختبل عقلها، وتمثلت لها تلك السماء ~~بمظاهر مختلفة، فلم تعد تفرق بين الحقيقة والخيال، وجعلت تتكلم عن زوجها، وعن الفردوس، ~~وعن الإله وشنو، فيختبل عقلها وتتمثل تلك الحفلات السماوية التي تنتظرها، وهذه الحفلات ~~الأرضية التي تعيشها، فتبكي وتضحك وتغني في وقت واحد. # وكانوا في النهار قد أركبوها جوادا، فلما بدأت حفلة الليل أركبوها فيلا أسود وضعوا ~~فوق ظهره بناية تشبه الأبراج. # وكان رجال الموكب يخفرونها من مشاة وفرسان، فعادوا إلى الطواف في المدينة تتقدمهم ~~المشاعل والمباخر تفوح منها أزكى الروائح. # ولبثوا على ذلك الطواف إلى أن أسفر وجه النجم وأشرق الفجر، فعادوا إلى الفندق وأقاموا ~~فيه التماسا للراحة من تعب الليل، وفرارا من هجير النهار. # وانقضى ذلك النهار، وهبت نسمات البحر فخرجوا من الفندق، وكان ذلك آخر حفلاتهم، فبرح ~~الموكب المدينة السوداء إلى الشارع الإفرنجي، ثم ذهبوا منه إلى معبد الحية ~~الزرقاء. # وكان هناك كثير من الناس على اختلاف الأجناس والطبقات ينتظرون الأرملة عند أبواب ~~المعبد، فلقي أهل الموكب عناء شديدا في اختراق الزحام والدخول إلى معبدهم. # أما السير إدوارد فإنه لم يفارق الموكب لحظة، وكان ملازما لإخوة الأرملة كل وقته، ~~فرأى بين الجموع المحتشدة عند باب المعبد السير جاك - وهو أحد الضباط الأربعة - الذي ~~واعده على الاجتماع به في هذا المكان. # غير أن السير جاك وقف مدة طويلة بقربه ونظر إليه مرات كثيرة فلم يعرفه. # وأدخلوا الفيل وعليه الأرملة إلى المعبد، فبدأ البراهمة بالصلاة، ولما انتهوا منها ~~بدأ الدراويش بالدوران، ثم تلاهم الكهنة فجعلوا يهزون رءوسهم يمنة ويسرة، وينشدون ~~أناشيد غريبة بلغتهم السنسكريتية المقدسة، وكان ذلك ختام الحفلات. # أما السير إدوارد فإنه عرف ما كان يريد أن يعرفه، وذلك أن إخوان الأرملة سروا ~~لتكرمه بحضور حفلتهم، فأخبروه عن المكان السري الذي عينوه لإحراق أختهم. # ولما خلا المعبد من أولئك المحتفلين، دخل السير جاك - أحد الضباط الأربعة - وذهب ~~توا إلى تمثال الإله سيوا، فوجد عند قاعدة التمثال صرة من القمح، فأخذها وفتحها وأخرج ~~منها ورقة كتب عليها السير ms1711 إدوارد ما يأتي: # إن المحرقة ستنصب على مسافة مرحلتين من شمال المدينة في واد مقفر يقال له: ~~وادي اللآلئ الوردية، وسنكون هناك عند انتصاف الليل. # فوضع الضابط الرسالة في جيبه وسار إلى رفاقه الثلاثة، وعاد الموكب بالأرملة إلى ~~المدينة السوداء حتى وصلوا إلى الفندق. # وهناك تفرقوا فعاد قسم منهم إلى منازلهم، وتبودلت بين القسم الآخر إشارات سرية فذهب ~~بعضهم يمنة، وبعضهم يسرة. # أما الأرملة فقد دخلوا بها إلى الفندق وأقفلوه، وعند ذلك دنت مراقبة البوليس ~~الإنكليزي، وهي مراقبة لا يراد بها غير المظاهرة؛ إذ لم يكن من سياسة الإنكليز أن ~~يتعرضوا لتقاليد الهنود الدينية مهما بلغت تلك التقاليد من الهمجية والفظاعة. # وقد جاءت ثلة من الجند يقودها ضابط إنكليزي، فطرق باب الفندق، فبرز له رجل هندي وسأله ~~عما يريد. ~~- أريد أن أرى أرملة الرجاه. ~~- إنها لم تعد من عالم الأرض. # وأقفل الباب فلم يفتحه، ومنع الضابط عن الدخول. # فأمر الضابط عند ذلك بكسر الباب، فكسروه ودخلوا عنوة، فوجدوا الفيل وذلك البرج ~~العظيم الذي كان فوق ظهره، ولكنهم لم يجدوا الأرملة في ذلك البرج. # وفتش البوليس جميع غرف الفندق والمنازل المجاورة؛ فلم يجدوا أثرا للأرملة، وكان هذا ~~القائد قد اقتنع أنه قد أتم واجباته، فأمر رجاله بالانسحاب وعاد بهم إلى الثكنة. # أما رجال الموكب فإنهم كانوا ينسلون في ذلك الحين واحدا أثر واحد، ويسيرون في طرق ~~مختلفة إلى المكان المعين للاجتماع. # وأما الضباط الأربعة فإنهم امتطوا جيادهم، وتدججوا بسلاحهم، وساروا إلى ذلك الوادي ~~الذي أرشدهم إليه السير إدوارد لإنقاذ تلك الأرملة، التي كانت مشردة العقل تحسب أن هذه ~~الليلة آخر لياليها. # 6 # إن هذا الوادي الذي كانوا يدعونه وادي اللآلئ الوردية لم يكن اسمه ينطبق على مسماه في ~~شيء؛ إذ كان واديا تحدق به جبال كثيرة الصخور من الشرق والغرب، ولم يكن فيه غير ~~الهشيم. # وتكتنفه من الجنوب، أي من طريق كلكوتا إليه، سلسلة غابات كثيفة لا يأوي إليها غير ~~النمور المفترسة، والأفاعي الهائلة، والفهود الكاسرة. # وفي تلك الغابات كان يريد ms1712 إخوان الأرملة أن يختبئوا لإحراق أختهم، وإنما اختاروا هذا ~~الوادي حذرا من الجنود الإنكليزية؛ إذ لا يستطيعون الوصول إليهم إلا بعد أن يجتازوا ~~هذه الغابات، وخوف الإنكليز من الوحوش الكاسرة مشهور. # وقد ادلهم الظلام وبدأ رجال الموكب يتوافدون واحدا بعد واحد إلى ذلك الوادي، فينصبون ~~خيامهم فيه حول خيمة الأرملة التي كانت منصوبة وسط الخيام. # والعادة في مثل هذا المقام أن يقف البراهمة والموسيقيون خارج الخيمة، فيعزفون على ~~الآلات وينشدون أناشيد التهنئة لتلك المرأة السعيدة في الدار الآخرة؛ لبسالتها ولحاقها ~~بزوجها بعد الموت. # ولم يكن يحق لأحد من البراهمة والموسيقيين الدخول إلى خيمة الأرملة، ولا لأحد من رجال ~~الموكب ما خلا إخوتها. # وفي ذلك الحين دخل إخوتها إلى خيمتها، فجعلوا يتفقدون كل بدوره صندوقا من الأبنوس ~~كانت فيه مجوهرات الأرملة. # وكان مع الأرملة امرأة سوداء تدعى مانورا، وهي شقيقة كولي نانا بالرضاع، فكانت تبكي ~~بكاء شديدا لإشفاقها على الأرملة التي ستموت. # أما الإخوان فإنهم تبادلوا نظرات خفية تشير إلى الرضى مما رأوه من تأهب أختهم إلى ~~الموت، وأيقنوا أنها ستصعد إلى المحرقة وهي تنشد نشيد الوداع المقدس، فخرجوا من عندها ~~وهم يقولون: إننا نستطيع نصب المحرقة مطمئنين. # وعادت مانورا إلى البكاء والشهيق لتيقنها أن كولي نانا ستحرق عند شروق الشمس. # ولكن الأرملة أقفلت صندوق جواهرها بسكينة بعد ذهاب إخوتها، ودنت من مانورا فقالت لها: ~~كفي عن البكاء أيتها الحبيبة. # فنظرت إليها السوداء نظرة انذهال وقالت: كيف لا أبكي وأنت ستموتين بعد قليل؟ # فابتسمت الأرملة وقالت: ربما نجوت من الموت. # فصاحت السوداء صيحة فرح، غير أن الأرملة وضعت سبابتها على فمها وقالت لها: اسكتي ولا ~~تظهري شيئا من علائم الرجاء كي لا يقفوا على أمرنا. ~~- ولكن على أي شيء عقدت هذا الرجاء؟ ~~- قلت لك: إني لا أريد أن أموت، ولن أموت على هذه المحرقة. # فهزت مانورا رأسها وقالت: لكنهم يصعدونك عليها بالقوة. ~~- كلا، إن عثمان ساهر علي. # فارتعشت مانورا عند سماعها هذا الاسم ولم تفه بحرف، فقالت لها الأرملة: إن الرجاه ms1713 ~~عثمان يحبني حبا صادقا، وقد تحالفنا على الولاء، وأقسم أنه ينقذني من المحرقة، ومثل ~~هذا الأمير لا ينكث بيمينه. # وكأنما مانورا كانت لا تزال في ريب من صدق هذه الوعود، فرفعت سجف الخيمة وقالت: إن ~~النجوم قد اصفرت ويكاد يمحقها الفجر. ~~- لا بأس. ~~- إني أرى إخوتك يا سيدتي ذاهبين إلى الغابة. ~~- ليذهبوا حيث شاءوا. ~~- لكنهم ذاهبين لإحضار حطب المحرقة. ~~- ليفعلوا ما يريدون؛ فإن عثمان يصل قبل أن تنصب المحرقة. # وكانت تقول هذا القول بلهجة الواثق المطمئن. # غير أن لهجتها لم تؤثر على مانورا فقالت: وكيف يستطيع عثمان أن يعلم أين نحن؟ # إنك تعلمين، يا سيدتي، أنه حين تفرق الموكب ساعة الغروب لم يكن من يعرف المكان الذي ~~سنجتمع فيه غير إخوتك، وأنهم ما عهدوا بسرهم إلا للأخصاء. ~~- هو ما تقولين ولكن أصغي إلي، أرأيت بين المحتفلين ذلك التاجر الأفغاني؟ ~~- أتعنين به ذلك الرجل الذي كان يلازم بلاط زوجك الفقيد؟ ~~- هو بعينه. ~~- نعم رأيته قد اختلط بالموكب، ألعله جاء بأمر عثمان؟ # فدنت الأرملة منها وهمست في أذنها قائلة: إنه اقترب مني حين كانوا يطوفون بي وقال لي: ~~«لا تخافي؛ إني ساهر عليك.» # فوثقت مانورا بعض الوثوق وجلست معها تراقب انبثاق الفجر وهي تتراوح بين اليأس ~~والرجاء. # وبعد حين بدأ أولئك الهنود يستفيقون من رقادهم وقد ثقلت أدمغتهم من الأفيون، وعاد ~~إخوان الأرملة من الغابات فجعلوا ينصبون المحرقة بمساعدة عبيدهم. # فلم تكد مانورا تنظر إليهم حتى جنت من يأسها وقالت: سيدتي، لم يبق لدينا غير ساعة! ~~فأين الرجاه؟ # وقبل أن تجيبها انقطع غناء البراهمة فجأة، وسمعت المرأتان وقع حوافر الخيل، وتلا ~~ذلك دوي إطلاق مسدسات وصيحات، فصاحات الأرملة تقول بملء الفرح: هو ذا عثمان قد ~~حضر. # غير أن الأرملة قد أخطأت؛ لأن هؤلاء الفرسان لم يكونوا من رجال عثمان، بل كانوا أولئك ~~الضباط الإنكليز الأربعة انقضوا على الهنود انقضاض الصاعقة؛ ففرقوا شملهم ومزقوهم كل ~~ممزق. # وقد قاوم إخوان الأرملة مقاومة عنيفة، غير أن ذلك التاجر الأفغاني، أي السير إدوارد، ~~انضم إلى الجنود، ms1714 وجرى بين الفريقين معركة شديدة؛ فكان إخوان الأرملة يسقطون واحدا تلو ~~واحد، وأسرع من نجا من الهنود إلى الفرار. # وعند ذلك هجم السير إدوارد على الأرملة فأردفها وراءه على جواده، وانطلق بها يسابق ~~الرياح إلى كلكوتا وهي توشك أن تجن من سرورها، وتترنم باسم حبيبها عثمان. # 7 # مضى عشرة أعوام على اختطاف الأرملة ونجاتها من ذلك العقاب الهمجي الفظيع. # وكان إخوتها الأربعة قد قتلوا، فلم يبق من يستطيع اكتشاف سر الاتفاق بين الرجاه عثمان ~~وبين الأرملة. # أما السير إدوارد فإنه ذهب بها توا إلى أبيها، فأقامت مختبئة عنده عدة أشهر، وقد ~~صبغ الطبيب شعرها الأسود بلون شعر أختها الأشقر، فتم الشبه بين الأختين. # على أنه أشيع في تلك المدينة أن كولي نانا أرملة الرجاه أنقذها من المحرقة جنود من ~~الإنكليز، ولكن لم يشكك أحد بأن للرجاه عثمان يدا في ذلك الإنقاذ. # ولذلك ذهب عثمان بعد ستة أشهر إلى منزل والد الأرملة في موكب حافل وتزوج بها، والناس ~~يحسبون أنه تزوج أختها لأن الشبه بين الأختين كان كثيرا لا سيما بعد صبغ الشعر. # ثم إن الهنديات يضعن فوق وجوههن نقابا ثخينا من الحرير، فلم يتمكن الناس من رؤية ~~وجه الأرملة حين زفافها، وسار الأمير بزوجته كولي نانا وهم يحسبونها أختها. # ولقد حدث في العشرة الأعوام المتقدمة أمور كثيرة؛ فإن الأمير عثمان جمع تحت رايته ~~جميع القبائل الجبلية المحيطة به للحرب دفاعا عن الاستقلال، فعظم شأنه. # وكان الفرق بينه وبين أخيه أن أخاه كان شبه رئيس حزب، فلم يكن خاضعا له غير بعض ~~القرى، خلافا لعثمان فقد انضم إليه أهل الجبال، وخضع لرايته نحو عشرين مدينة من المدن ~~الكبرى؛ فبات له جيش عظيم خشي الإنكليز بأسه، وزاد طمعه بالاستقلال. # غير أن القراء يذكرون ما قاله عثمان للسير إدوارد وهو: «لتنقذ إنكلترا أرملة أخي من ~~المحرقة وأنا أخضع لها.» # ولكنه حين رأى ما بلغ إليه من القوة، وعلم أن الأرملة لم تنقذها إنكلترا، بل السير ~~إدوارد؛ نكث بوعوده، ووالى السير إدوارد وجعله وزيره ms1715 الأول لمملكته. # وكان هذا كل ما يسعى إليه الماجور إدوارد؛ فإنه حمل الأمير عثمان على الوثوق به حتى ~~جعله لديه في هذا المقام، وأشاع في كلكوتا بعد اختطاف الأرملة الحسناء أن السير إدوارد ~~قد قتله الهنود، فلم يعد أحد يسمع شيئا من أخباره على الإطلاق. # وجعل، حينما تقلد هذا المنصب، يدرب جنود الرجاه عثمان على التقليد الأوروبي، ويخفف ~~وطأة العوائد الهمجية، ويمدن ذلك الشعب تباعا. # ولم يكن من يعلم إلى الآن إذا كان هذا القائد الإنكليزي قد خان حكومته، أم أنه يمهد ~~لها سبيلا خفيا. # غير أن ظواهر سياسته كانت تدل على الخيانة، لا سيما وأن كثيرا من الشعوب التي كانت ~~خاضعة للإنكليز جنحت إلى العصيان، وجعلت تنضم إلى جنود الرجاه. # وكان عمر الماجور في ذلك العهد 40 عاما، وهو شديد البسالة، حارب الإنكليز مرات باسم ~~الرجاه ففاز عليهم، وأبلى فيهم حتى ألقى الرعب في قلوبهم. # وكان الماجور متنكرا أشد التنكر لا يعرفه أحد إلا باسم تريبورينو ما خلا عثمان، ~~وأرملة أخيه كولي نانا، فإنهما كانا وحدهما يعرفان حقيقة أمره وأصله. # وكان عثمان قد رزق من زوجته غلاما، أتى ذكي الفؤاد كوالده، فكان يبشر بمستقبل ~~حسن وعمره يومئذ 10 أعوام. # وفي ذلك العهد جاء إلى بلاط الرجاه رجل أوروبي فرنسي، وكان هذا الرجل ~~روكامبول. # ويذكر القراء - فيما قرءوه من الروايات السابقة - أن روكامبول كان قد ذهب إلى الهند ~~لتسليم علي رمجاه، زعيم الخناقين، إلى حكومة الهند. # فلما قضى هذه المهمة أصبح متحيرا بين أن يعود إلى أوروبا وبين أن يبقى في الهند، ~~يترقب الحوادث تحت سماء تلك البلاد المحرقة وعلى ضفاف الكنغ والفرات، واختار البقاء في ~~بلاد طالما هاجت أسرارها عواطف قلبه، ودفعته إلى درسها. # فاستقبله الرجاه عثمان خير استقبال، وعينه قائدا في جيشه، فقبل روكامبول هذا المنصب، ~~وتولى مهامه منذ ذلك اليوم. # غير أنه لاحظ أن تريبورينو، أي السير إدوارد، لم يكن راضيا عن هذا التعيين؛ لحذره من ~~وجود مزاحم له في بلاد الأمير. # على أن الأمير كان يثق ms1716 به ثقة لا حد لها، لكنه لم يعترض على تعيينه، بل كتم غيظه ~~وأظهر الرضى. # أما روكامبول فإنه علم لأول مرة رآه أنه من الإنكليز، فنفر منه ووقع كرهه في قلبه ~~وقال في نفسه: إن هذا الرجل قد خان الإنكليز وهو منهم، فلا بد له من خيانة الرجاه. في ~~حين أن الأمير كان يغدق عليه إنعامه، ويطلق له مجال النفوذ بحيث لم يدع في سبيل إكرامه ~~زيادة لمستزيد. # ولكن هذا الرجل كان كثير المطامع، شديد الميل إلى العلاء، فلم يرضه أن يكون الوزير ~~الأول، بل أراد أن يكون الحاكم المطلق. # وفي كل بلاط يوجد متآمرون، وأكثر ما يكون أولئك المتآمرون من أصحاب صاحب البلاط ~~وأهله. # وكان للرجاه ابن أخ من كولي نانا، والعادة في أوروبا أن الولد يخلف أباه في الملك، ~~وأما في الهند فالعادة أن الأخ يخلف أخاه في أكثر الإمارات. # وكان عمر ابن أخيه 20 عاما، فطمع بهذه الإمارة التي لم تبلغ إلى هذا الحد إلا بفضل ~~عمه، غير أنه لم يكن له قوة ولا أعوان، ولم يجد حول عمه غير الأمناء المخلصين. # فكان يكتم قصده عن سائر الناس، فلم يدرك بغيته غير تريبورينو، فاتفق الاثنان سرا ~~على خلع الأمير عثمان. # وكانت القوة العسكرية بإدارة تريبورينو، فمهد أسباب الثورة على الأمير، وكاد يفوز ~~بقصده غير أن أسرارها انفضحت، فتنصل منها وألقى كل تبعاتها على ابن أخي الأمير، فأمر ~~بإعدامه، ولم يخطر في باله أقل ريبة بوزيره تريبورينو، بل زاد به وثوقا؛ لاعتقاده أنه ~~هو الذي كشف أسرار الثورة. # ولم يطلع على حقيقة سر هذه المكيدة غير روكامبول، ولكنه رأى أن الأمير شديد الثقة ~~بوزيره فلا يصدقه إذا أخبره بمكيدته، وفوق ذلك فقد كان تريبورينو كثير الدلال على ~~مولاه، شديد النفوذ في بلاطه، فرأى أن الدخول معه في هذا المأزق محفوف بالخطر. # غير أنه عول على مناوأته وتضحية نفسه في سبيل إنقاذ الأمير عثمان من مخالبه، غير ~~مكترث بما سيلقاه من الصعاب، ويعترضه من الأخطار، فقد أوقف نفسه منذ ms1717 تاب توبته الصادقة ~~لصنع الخير، ومساعدة كل مظلوم؛ التماسا لعفو الله عن ذنوبه الماضية. # وكان الأمير قد أعد له قصرا يقيم فيه منذ ولاه منصب القيادة في الجيش، فبينما كان ~~يوما في منزله جاء ضابط من قبل تريبورينو يدعوه إلى زيارته في قصره على شواطئ الكنغ، ~~فلم يمكنه إلا تلبية الدعوة، فامتطى جواده وسافر. # 8 # كان الأمير تريبورينو بعد الأمير عثمان صاحب الكلمة النافذة في البلاد، وكان بيده ~~قيادة الجيش العليا، ولما كان روكامبول من قواد الجيش فقد أصبح تحت إمرته، فلا بد له من ~~الامتثال. # غير أنه كان واثقا أن هذا الوزير يكرهه ويخافه، وأنه لم يدعه إليه إلا وقد نصب له ~~فخا يغتاله به تخلصا من كيده. # ومع ذلك لم يتردد لحظة في الخضوع، فامتطى جواده ولم يصحب معه غير نفر قليل من الفرسان ~~والخدم، وسافر مع رسول الوزير إلى شاطئ الكنغ. # ولما توارت الشمس وصل إلى غابة كثيفة، مكتظة بالأشجار، واقعة على ضفاف النهر، فرأى ~~كثيرا من الفرسان وبعضهم على ظهور الفيلة، فاندهش لمرآهم، وزاد اندهاشه حين علم أنهم ~~مرسلون من قبل تريبورينو لانتظاره. # وسأل الرسول عنهم فقال: إنهم فرسان الوزير الأكبر، وقد أرسلهم لاستقبالك دلالة على ~~أنه يحبك ويريد تعظيمك في العيون. # فقال روكامبول في نفسه: بل ليقبضوا علي فيزجني في أعماق سجونه. # غير أنه لم يكترث لجميع ما رآه، وتوكل على الله في أمره، وقد كان ذلك شأنه منذ توبته، ~~فلم يعد يخشى خطرا من الأخطار. # واستقبله الفرسان وساروا به يخفرونه إلى منزل الوزير الأكبر، وهو يتوقع في كل حين أن ~~ينقضوا عليه وعلى رفاقه، فلم يفعلوا، بل كانوا يؤانسونه ويكرمونه حتى وصلوا به إلى منزل ~~تريبورينو ودخلوا به إليه. # وكان هذا الوزير القائد الهائل مضطجعا على حصير في قاعة، وحواليه فريق من العبيد ~~بعضهم يحرقون البخور، وبعضهم يروحون بمراوح تخفيفا لوطأة الحر، وفي وسط القاعة بركة ~~مترعة بالمياه التماسا للرطوبة. # فلما رأى الوزير روكامبول نهض من مضجعه، وأسرع إليه فحياه على الطريقة الإفرنجية ~~أجمل ms1718 تحية، ثم أمر جميع من كان في القاعة بالخروج، فامتثلوا وبقي الاثنان ~~منفردين. # ولما خلا بهما المكان ولم يبق أحد من الجنود، نظر إلى الوزير فرآه غير خطته فجأة، ~~فجلس على كرسي بعد أن كان مضطجعا على الحصير، وأشار لروكامبول بالجلوس، فجلس، ودار ~~بينهما الحديث باللغة الفرنسية، فقال الوزير: إني أحببت أن أراك لوثوقي من إمكان ~~اتفاقنا. # فنظر إليه روكامبول دون أن يجيب. # واستطرد تريبورينو حديثه فقال: إنك فرنسي أليس كذلك؟ ~~- نعم. ~~- إن من طبع الفرنسيين كره المهاجرة، ومن يبعد ثلاثة آلاف مرحلة عن بلاده يكون من ~~طلاب الصدفة، أي أولئك الذين يلتمسون الرزق والثروة بالدسائس والفتن. # ثم ابتسم ابتسام احتقار وقال : إني لا أبحث عن برهان عما أقول، فإن قدومك إلى بلاط ~~الرجاه، وانتظامك في سلك جيشه أصدق برهان على قولي. # فقال روكامبول: هب أني من طلاب الصدفة وأهل الفتن. # فابتسم الوزير وقال: ومن أجل هذا وثقت أن اتفاقنا ممكن كما قلت لك. ~~- إني مصغ إليك؛ فأوضح عما تريد. ~~- اعلم أن الرجاه عثمان أمير قادر بالظاهر. # فقال روكامبول: وأظن أنه قادر بالحقيقة أيضا. # فتظاهر الوزير أنه لم يسمع كلامه وقال: إن كل أمير هندي تكون إنكلترا على أبوابه تصبح ~~قوته هباء منثورا؛ لتعرضه للأخطار في كل يوم. ~~- ولكن الأمير يستطيع الدفاع دهرا طويلا بحمد الله. ~~- أتظن أنه يستطيع الثبات؟ ~~- إلا إذا نكب بخيانة. ~~- إذن تظن أن خيانته ممكنة؟ ~~- عجبا، ألم يخونوه قبل الآن؟ # وقد قال له روكامبول هذا القول وهو يحدق به، فرمى الوزير سيكارة كان يدخن بها، وقال ~~بلهجة احتقار شديد: أتظن أيها الرجل أني دعوتك إلي كي أحدثك بجلاء؟ ألا تعلم أني عارف ~~بما تفتكره بي؛ فإنك تعتقد أن يدي قد انغمست في مؤامرة ابن الرجاه السابق على ~~عمه؟ ~~- بل إني أعتقد أعظم من ذلك. ~~- ماذا تعتقد؟ ~~- أعتقد أنك أنت الذي دبرت المؤامرة، ثم تنصلت منها حين خفوقها وألقيت تبعتها على ذلك ~~المنكود فقتل شر قتل. # فقال له ببرود: لقد أصبت. # فنظر إليه روكامبول نظرة تشف عن ms1719 بأسه، وتدل على أنه لا يكترث لنفوذه، وقال له: ~~والآن ماذا تريد مني؟ ~~- أريد قبل كل شيء أن أقص عليك تاريخي. ~~- وأنا مصغ إليك. ~~- إذن فاعلم أني لست هنديا ولا أدعى تريبورينو. ~~- أعرف ذلك وأعرف أنك من الإنكليز. ~~- كيف عرفت؟ ~~- بل أعرف أنك تدعى الماجور إدوارد لنتون. ~~- أرى أنك عارف بأمري، ولكني أرجوك أن تفترض أمرا. ~~- ما هو؟ ~~- هو أني لا أزال أمينا وفيا لإنكلترا. ~~- أنت؟ ~~- نعم أنا، فإني في هذا المنصب منذ عشرة أعوام، ويعتقد الهنود أني هندي، ولكني مخلص ~~للإنكليز. ~~- وأنت تحاربهم في كل يوم؟ ~~- ذلك لأن الغاية تبرر الواسطة، وما ضرهم إذا حاربتهم وأدركوا قصدهم في ~~النهاية. ~~- ليعذرني سيدي الوزير إذا كنت لا أفهم الألغاز. ~~- إذن أصغ إلي لأكشف لك سر هذه الألغاز: إن الرجاه نجد كوران كان أميرا ضعيفا يسهل ~~على الإنكليز سحقه في كل حين. ~~- ألعلك من أجل ضعفه ساعدت أخاه عثمان فجعلته من كبار الأمراء الأشداء؟ ~~- بل إني استخدمت عثمان وجعلته واسطتي في إضعاف جميع صغار الأمراء الخارجين على ~~الإنكليز. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك أصبحت تلك الشعوب التي تحارب الإنكليز حرب مناوشات في قبضة يدي، أديرها ~~كما أشاء، والآن فإن معركة واحدة منظمة يثيرها الإنكليز على الرجاه عثمان تمحق قوته ~~وقوة جميع الأمراء الصغار الذين جمعهم تحت رايته منذ عشرة أعوام إلى الآن. # ثم سكت هنيهة وجعل ينظر إلي فقلت له: لقد أدركت قصدك وعلمت سياستك، ولكني لم أعلم ~~بعد ماذا تريد مني. ~~- أصغ إلي فإني مخبرك بما أريد. # 9 # وكان ثبات روكامبول وتجلده قد أثرا على هذا الداهية، وعلم أنه لا يؤخذ بالخدعة ~~والاحتيال، فعزم على مباحثته بجلاء فقال: إنك ترى بأني أحسنت التخلق بأخلاق الهنود، ~~وبالغت في تقليد عاداتهم حتى لم يعد يخطر لأحد منهم أني قد أكون من الإنكليز. # ولكني على فرط ما ألقاه من الغبطة والنعيم، وعلى نفوذي الذي لا يضاهيني أحد فيه في ~~هذه البلاد، فقد مللت شمسها المحرقة، وضجرت هذه العيشة الشرقية التي أتكلفها تكلفا منذ ~~20 عاما. ms1720 # فقال روكامبول: إذن لا تريد خيانة الرجاه إلا لضجرك من العيش في بلاده؟ ~~- ربما كان هذا السبب، وفوق ذلك فإني إنكليزي، ويجب علي تسليم عثمان إلى إنكلترا، ~~فإذا فعلت غير ذلك أكون قد خنت أمتي وخدعت بلادي. ~~- وما تمنحك إنكلترا مقابل هذا الوفاء؟ # فابتسم وقال: هذه هي غاية الغايات؛ فإني شديد الطمع بالغنى. ~~- ولكن خزائنك غاصة بالذهب. ~~- وأي ضرر إذا زادت إنكلترا في ثروتي؟ ~~- لا شيء من الضرر، ولكن الرجاه عثمان واسع الثروة وثروته بين يديك. ~~- من أطاق التماس شيء غلابا واغتصابا لم يلتمسه سؤالا؛ فإني إذا سلمت الرجاه ~~للإنكليز سلموني خزائنه، فأعود إلى أوروبا وأعيش في باريس أو في لندرا عيشة يحسدني ~~عليها الملوك. ~~- لقد فهمت يا سيدي الوزير كل ما تقول، ولكني لم أعلم بعد لماذا دعوتي إليك. ~~- لأقترح عليك أن تكون معي. ~~- على من؟ ~~- على الرجاه دون شك. # فهز روكامبول رأسه وقال: لقد دعوتني يا سيدي من طلاب الصدفة والحوادث، وأنا منهم، غير ~~أني لست من الخائنين. ~~- إذن تأبى ما أقترحه عليك؟ ~~- كل الإباء. # فلم يظهر شيء على الوزير من علائم الغضب والاستياء، بل نظر إلى روكامبول وقال له بملء ~~السكينة: إنك تستطيع الآن أن تعود، ولكني لا أدعك تسافر قبل أن تقيم في ضيافتي، وتأكل ~~من طعامي. # فقال روكامبول في نفسه: إنه يريد أن يقتلني بالسم دون شك. # ثم تركه وانصرف إلى منزل أعد لإقامته. # وأقام روكامبول في ضيافة تريبورينو ثلاثة أيام كان الوزير يعامله فيها خير ~~معاملة. # وكانا يأكلان على مائدة واحدة، فكان الوزير يبدأ بالأكل من الصحن كأنه قد أدرك مخاوف ~~روكامبول فأراد تطمينه. # فاطمأن روكامبول، ولكنه بقي مرتابا في أمر الضباط الذين قدموا معه من العاصمة؛ فإنه ~~لم يعلم شيئا منهم، ولم يدر إذا كان قد قتلهم أو اكتفى بسجنهم؛ لأنه لم ير أحدا منهم ~~مدة إقامته عند الوزير. # وفي اليوم الثالث، دعاه تريبورينو فجامله خير مجاملة وقال له: لقد كان لكلامك خير ~~تأثير في نفسي، فاستنار به فؤادي، ورجعت عما كنت عازما ms1721 عليه من خيانة الرجاه؛ فإنه ~~من المحسنين إلي ولم أبلغ هذه النعمة إلا من فضله. # وكان يقول هذا القول بلهجة تشف عن الصدق الأكيد، حتى أوشك روكامبول أن ينخدع به لو ~~لم ير من اتقاد عينيه ما يكذب هذه اللهجة. # أما تريبورينو فإنه لم يتكلف مراقبة روكامبول، فقال له: لا أرى حاجة إلى إخبار الرجاه ~~بما كان بيني وبينك، فلا تزعجه بشيء من ذلك واعتمد على وفائي. # فقال له روكامبول: وأنت فاعتمد على سكوتي؛ فإني لا أريد إلقاء النفرة بينكما ما زلت ~~صادقا في خدمة مولاك. # ولما خرج روكامبول من حضرة الوزير وجد عند بابه أولئك الضباط الذين صحبوه في سفره، ~~ففرح بهم فرحا شديدا؛ إذ كان يعتقد أن الوزير قتلهم جميعا. # غير أنه رأى أن واحدا منهم كان مفقودا، فسأل عنه، فأجابه أحد الضباط بلهجة تشف عن ~~الحزن: إنه ذهب أمس لصيد النمر فافترسته الوحوش الكاسرة. # وكان هذا الضابط الذي أخبروه بموته شابا هنديا يدعى موساني أخلص في خدمة روكامبول ~~إخلاصا عجيبا، فحزن لوفاته أشد الحزن. # وكان تريبورينو قد خرج معه يشيعه إلى الباب الخارجي وهو يلاطفه ويجامله خير ملاطفة، ~~فلما حان وقت السفر قال له الوزير: إن للهنود عادة في ضيافتهم قديمة لا تزال متبعة إلى ~~الآن؛ وهي أنه حين يزور عظيم منهم عظيما مثله يقيم في ضيافته ثلاثة أيام، وعند السفر ~~يحفظ جواده أو فيله تذكارا، ويعطيه جوادا أو فيلا من عنده. # ولما كنت في عيون هؤلاء الناس من عظماء الهنود، فلا بد لي من اتباع هذه العادة حفظا ~~للتقاليد. ~~- إذن عزمت على أخذ جوادي؟ ~~- نعم، ولكني سأعوضك عنه فيلا من خير أفيالي. انظر إلى هذا الفيل الواقف بقربنا؛ فهو ~~المعد لسفرك، وهو هدية مني إليك. # فنظر روكامبول ورأى فيلا أبيض عظيم الجثة هائل الخلقة يندر وجوده في بلاد الهند، ~~ورأى فوق ظهره برجا من العاج مرصعا بالحجارة الكريمة، فاستعظم الهدية، ورابه أمرها، ~~ولكنه أثنى على الوزير ثناء طيبا. ثم ودعوه، وامتطى ظهر الفيل فسار عائدا إلى ms1722 الرجاه ~~لا يصحبه غير الفرسان الذين جاءوا معه. # وبعد ذلك جعل روكامبول يفتكر في أمر الوزير، وكيف أنه أوقفه على أسرار خيانته ~~الهائلة، ثم برحه آمنا مطمئنا، فقال في نفسه: لا بد أن يكون أضمر الشر ودبر لي ~~مكيدة هائلة، أو أنه أمر أتباعه أن يكمنوا لنا في الطريق فيقتلونا شر قتل؛ إذ لا يعقل ~~أن تبلغ السلامة إلى هذا الحد من هذا الداهية، فيرجعني إلى مولاه وأنا أحمل أسرار ~~خيانته. # وظل روكامبول سائرا مع رفاقه إلى أن وصل في مساء اليوم الأول إلى غابة كثيفة، فقال ~~في نفسه: لا بد أن يكون الكمين في هذه الغابة، وأمر رجاله بالتأهب. # غير أنه أخطأ هذه المرة أيضا؛ فإنه سار كل الليل دون أن يتعرض له أحد حتى أشرق الفجر ~~وهو لا يزال سائرا على فيله في الغابات. # وكان الفيل يسير بملء السكينة، ويخضع كل الخضوع لراكبه؛ فلا يسير إلا في الجهة التي ~~يشير إليها روكامبول بقضيبه، ولكنه انتفض فجأة واهتز اهتزازا عنيفا حتى كاد ~~روكامبول يسقط عن ظهره، ثم رفع خرطومه وجعل يتنفس بعنف وجميع جسمه يرتجف، فظن روكامبول ~~أنه شم رائحة نمر فأصابه هذا الاضطراب. # وكذلك رفاقه فقد حسبوا نفس الحساب، وجعلوا ينظرون منذهلين إلى اضطراب الفيل، ويتأهبون ~~لمقاومة ما يعترضهم من الوحوش، غير أنهم ساروا مدة طويلة دون أن يروا أثرا ~~للوحوش. # أما الفيل فإنه ظل مندفعا في سيره، ولكنه كان كلما تقدم خطوة يزيد اضطرابا. # ودام على ذلك روكامبول يتوقع شرا قريبا إلى أن خرج من وسط الغابة صوت غريب لم يدرك ~~سره، ولكنه علم أنه صوت إنسان، فهاج الفيل عند سماع الصوت هياجا شديدا، وانطلق في تلك ~~الغابات انطلاق السهم، فقتل بأرجله أحد رفاقه واستمر على عدوه لا يلوي على شيء. # وإن سرعة الفيل لا تقاس إليها سرعة الجياد، فكان يعدو بسرعة البرق يجتاز تلك الغابات ~~المكتظة بالأشجار دون أن يلتطم بها، ويسير في طرق خاصة كأنه قد تعود اجتيازها من ~~قبل. # فأدرك روكامبول الخطر، وحاول أن ms1723 يثب عن ظهر الفيل مؤثرا أن تنكسر يده أو رجله على ~~أن يتعرض لخطر القتل ببقائه على ظهر الفيل. # وكأنما الفيل قد أحس بقصده؛ فإنه مد خرطومه إلى روكامبول ووضعه على كتفيه ضاغطا ~~عليهما في محله، ولم يعد يستطع حراكا، واستمر يعدو عدوه السريع. # غير أن روكامبول لم تضعضع الحادثة صوابه، فالتفت إلى ورائه فلم يجد رفاقه، وعلم أنهم ~~لم ينطلقوا في أثره، ولم يطاردوا الفيل؛ فأيقن أن تريبورينو قد اشتراهم بماله وضمهم إلى ~~حزبه، فباتوا من أعوانه على الرجاه. # وقد صدق ظنه، فإن هؤلاء الخائنين لم يقتصروا على عدم مطاردة الفيل الثائر، بل إنهم ~~تركوه وشأنه، وساروا في طريق آخر ضاحكين كأنهم كانوا يعلمون بمصير قائدهم. # وقد ذكر روكامبول وهو مقيد على ظهر الفيل بخرطومه الشديد أن الهنود يستفيدون من ذكاء ~~هذا الحيوان الذكي؛ فيستخدمونه جلادا لإنفاذ عقابهم فيمن يريدون قتله. # وذلك أنهم يضعونه فوق ظهر فيل خاص مدرب، فيسير الفيل بالمحكوم عليه ويقيده بخرطومه ~~بحيث لا يستطيع النزول عنه، ويظل سائرا في طريق خاصة إلى أن يسمع مروضه يناديه ~~نداء خاصا فيندفع بالسير، ولا يعلم أحد إلى أين يذهب بذلك الرجل المحكوم عليه ~~بالقتل. # ولهذا النوع من الفيلة ذكاء وحكمة عجيبان؛ فإن الفيل الجلاد يسير بالمحكوم عليه إلى ~~مكان خفي كأنه يبغي إخفاء الجريمة، وهو يسير به ساعات، بل أياما إلى أن يصل إلى المكان ~~الذي يكون قد اختاره لإنفاذ العقاب، فينفذه على طرق شتى. # وذلك أنه إما أن يقبض عليه بخرطومه فيجلد به الأرض بعنف شديد فيتحطم، أو يلقيه على ~~الأرض ثم يسحق صدره برجله الهائلة فيطحنه طحنا، أو يأخذه بخرطومه فيقذفه بالهواء فيسقط ~~على الصخور الناتئة، أو يضرب به غصن شجرة غليظ فيخترق جسمه، أو يخرق قلبه ~~بأنيابه. # وفي كل حال، فإن من يركبه لا ينجو من الموت بإحدى هذه الطرق الهائلة. # وقد ذكر روكامبول هذه العادة فارتعش ولم يشكك أنه سائر إلى الموت، وأنه راكب ظهر ~~فيل جلاد، ولا سيما حين سمع ذلك الصوت الإنساني ms1724 الغريب الذي خرج من جوف الغابة؛ فأيقن ~~أنه صوت المروض، وأن تريبورينو قد خدعه شر خداع، وانتقم منه شر انتقام. # واستمر الفيل يعدو حتى اجتاز الغابة، وانتقل إلى سهل واسع كثير الأعشاب النامية، وفي ~~بعض أماكن من هذا السهل الواسع آثار الحصاد وبعض المنازل. # فقال روكامبول في نفسه: لا يزال الوقت فسيحا لدي؛ فإن هذا الفيل الذكي لا ينفذ عقابه ~~بي في هذا المكان المأهول. # وكان تريبورينو قد توقع كل شيء، فحسب لكل شيء حسابه، ولكن فاته أن يجرد روكامبول من ~~سلاحه؛ إذ كان يعلم أن رصاص المسدس لا يقتل الأفيال الضخمة على الفور. # غير أن روكامبول قد أحضر معه من أوروبا مسدسا من طراز جديد يحشى برصاص دمدم، الذي ~~إذا أطلق ونفذ في الجسم انفجر فيه ومزقه شر ممزق. # أما الرصاصة العادية فإنها تنفذ إلى جسم الفيل، ولكنها لا تقتله على الفور، أو قد لا ~~تصيب منه مقتلا، خلافا للرصاصة المنفجرة؛ فإنها أين وقعت في جسمه انفجرت ومزقته ~~شظاياها، وهي أفضل من الرصاصة ذات الرأس الفولاذية المحددة التي يستعملونها في قنص ~~الأسود والنمور والتماسيح. # وكان الفيل الجلاد قد ضغط عليه وقيده بخرطومه كما تقدم، ولكن بقيت يده اليمنى مطلقة ~~السراح لم يصل إليها خرطوم الفيل، فمدها روكامبول إلى جيبه وأخرج منها ذلك ~~المسدس. # ثم قال في نفسه: إني إذا تمكنت من قتل الفيل على الفور فقد نجوت من الموت، وإلا انتقم ~~مني إثر الانفجار وداسني برجليه فطحنني طحنا. # ولم يمر على روكامبول ساعة خطر كهذه الساعة على فرط ما لقيه في حياته من أخطار ~~الموت. # ولكنه لم يضع رشده وصوب مسدسه بملء السكينة إلى عنق ذلك الفيل الضخم. # 10 # ولم تكن إصابة المرمى من الأمور السهلة الميسورة؛ وذلك لأن جلد الفيل شديد الغلظة، ~~وفوق ذلك فهو كثير التجعد يشبه حلقات بعضها فوق بعض، بل يشبه قشورا تتجعد وتتلوى شبه ~~رمال الصحاري إذا نسفتها الرياح. # ولذلك فقد وجب على روكامبول أن يختار حينا يمتد فيه ذلك الجلد، وتنبسط تلك التجعدات ms1725 ~~كي تجد الرصاصة منفذا أمينا إلى الجسم، فتنفجر فيه ويحدث ما كان يرجوه من الموت ~~المعجل. # فجعل يترقب الفرصة وهو مصوب مسدسه إلى جهة الشمال؛ كي تنفجر رصاصته في جهة ~~القلب. # وكان الفيل يسير فوق العشب بخفة النمر، وفي هذا السهل كثير من الهوات كان يثب من ~~فوقها وثوب الخيل المدربة على الصيد. # وفيما هو يتأهب للوثوب من فوق هوة كبيرة انبسط جلد عنقه وانتثرت طياته، فانتهز ~~روكامبول هذه الفرصة وأطلق النار. # وعند ذلك اهتز الفيل اهتزازا عنيفا هائلا تقطعت له حلقات البرج، فقذفه هذا ~~الاهتزاز إلى خارج الحفرة وفيه روكامبول، أما الفيل فإنه سقط في الهوة. # وذلك أن الرصاصة نفذت إلى جهة القلب وانفجرت فقتلته على الفور، ونجا روكامبول من ~~الموت. # أما روكامبول فإنه نهض بعد سقوطه وقد رض جسمه خرطوم الفيل وذلك السقوط، ولبث هنيهة ~~مضعضع العقل. # ثم ثاب إليه رشده، فبحث عن مسدسه ووجده ملقى على الأرض أمامه وقد سقط من يده لهول ~~سقوطه عن الفيل، فوضعه في جيبه، وجعل ينظر إلى ما حواليه ليفحص المكان الذي كان ~~فيه. # فوجد نفسه في سهل عظيم لا تبلغ العين نهايته، ورأى تلك الغابات الكثيفة التي اجتازها ~~الفيل بعيدة جدا عنه، فقال في نفسه: لا بد لي للاهتداء إلى شواطئ الكنغ أن أعود ~~أدراجي، وأجتاز تلك الغابات، وأعرض نفسي لأخطار لا حد لها، ولكنه رأى أنه لا يسعه إلا ~~اتباع هذه الخطة؛ إذ لا يعرف غير هذا الطريق، فعاد يمشي في تلك السهول إلى الغابات ~~ملتمسا ضفاف النهر. # ومشى ساعة فوق عشب السهول متبعا آثار الفيل إلى أن وصل إلى نبع ماء، وكانت قواه قد ~~وهت، فجلس فوق العشب ليستريح ويروي ظمأه من ماء ذلك النبع. # ثم استلقى على تلك الأعشاب - ومن المعروف أن من وضع أذنه على الأرض تبلغ الأصوات إلى ~~مسمعه أكثر من بلوغها إليه إذا كانت الأذن معرضة للهواء - فسمع روكامبول وهو على هذه ~~الحالة صوت عدو سريع أيقن أنه عدو فيل، فاضطرب وقال في نفسه: ألعل ms1726 تريبورينو أرسل ~~في أثري رسولا يعود إليه بحقيقة أمري، ويبشره بتنفيذ العقاب بي؟ # وقد ترجح لديه هذا الظن، فلم يغتم له، ورجا أن يبعث بهذا الرسول فيأخذ فيله بالقوة ~~أو بالحيلة، ويعود عليه إلى الرجاه؛ ولذلك أخذ مسدسه ووقف موقف المتأهب. # وكان صوت عدو الفيل يدنو منه، وبعد حين رأى الفيل قادما إلى جهته، فاضطرب فؤاده ~~وتأهب لمناداة راكبه، ولكنه ما أوشك أن يدنو منه ويرى ذلك الراكب حتى اهتز اهتزاز ~~النشوان من السرور، وصاح صيحة فرح. # ذلك أنه رأى راكب الفيل وعلم أنه خادمه الهندي الأمين موساني الذي أشاع عنه تريبورينو ~~أنه خرج لصيد النمر فافترسته الوحوش. # وكان الفيل لا يزال على مسافة 40 مترا منه، فجعل ينادي بأعلى صوته ويشير إليه ~~بيديه. # فأسرع موساني إليه، ولما رآه صاح مثله صيحة فرح، فأوقف الفيل وقال له: إن هذا الفيل ~~يعدو بي منذ ثلاثين ساعة باحثا عنك وما كنت أطمع بلقائك حيا. # فعجب روكامبول لإفلاته ونجاته وقال له: كيف تمكنت من البحث عني؟ ~~- إني كنت أسيرا عند الوزير، فتمكنت من النجاة، وعلمت أنهم دفعوك إلى الفيل الجلاد، ~~فكيف نجوت منه؟ ~~- إني قتلته. # فنظر إليه ببلاهة وقال: كيف يمكن أن يكون ذلك؟ لأن الرجل لا يستطيع قتل فيل. ~~- سأخبرك فيما بعد كيف قتلته؛ فقص علي أنت ما جرى لك، ومن أين أتيت؟ ~~- من سجن تريبورينو. ~~- ألم تذهب لصيد النمر؟ ~~- كلا. ~~- إذن ماذا حدث لك؟ ~~- حدث لي أنه منذ وصولنا إلى بلاط الوزير حاولوا أن يتخذوني من حزبهم؛ لأنهم كانوا ~~يعرفون شدة إخلاصي لك. # ولما رأوا إصراري على الوفاء حبسوني بأمر الوزير؛ لأنه أبى قتلي بشفاعة جارية عنده ~~كانت تحبني حبا شديدا، وهي التي أطلقت سراحي، فإنها لما علمت أنهم دفعوك إلى الفيل ~~الجلاد فتحت لي باب السجن، وأخبرتني بأمرك وبأمر الفيل وقالت لي: ابحث عن طريقة تنقذ ~~بها سيدك. # وأخبرتني أيضا أن جميع رفاقك الضباط خانوا الرجاه وانضموا إلى الوزير، فانقطع رجائي ~~منهم. # على أني علمت أن الفيل الجلاد أنثى، فبقي ms1727 لي شيء من الرجاء بإنقاذك. # ولهذه الجارية نفوذ عند الوزير، فأعطتني خاتما من الذهب وأرسلتني به إلى منزل أحد ~~كبار الضباط. # فلما انتهيت إليه أظهرت له ذلك الخاتم، فعلم أني آت من عند الجارية وقال لي: قل ماذا ~~تريد؟ ~~- أريد فيلا وما يحتاج إليه من عدة. # فنادى أحد أتباعه وأمره بإعداد ما طلبت. # وبعد هنيهة رأيت الفيل واقفا عند الباب، فامتطيته وسرت في أثرك أسابق الريح. # وللفيل حاستان قويتان فيه؛ وهما: حاستا السمع والشم، فما سار بي ساعة حتى علمت من ~~اضطرابه أنه أدرك أثر الفيل الجلاد، وأنه يسير في نفس الطريق التي كنت تسير ~~فيها. # واشتد عندي الرجاء بإنقاذك، وسار بي ذلك الفيل ينهب الأرض نهبا، وقد رأيت الآن أن ~~فيلي لم يخطئ، ولكن أين تركت فيلك الذي قتلته كما تقول؟ # فأخبره عند ذلك روكامبول بجميع ما جرى له، وأراد أن يبرهن له عن فعل رصاصة مسدسه، ~~فأخذه وأطلق رصاصة منه على شجرة، فدخلت في جذعها حتى تفجرت وسقطت الشجرة قطعا متفرقة ~~كأنما قد انفرجت تحت الألغام. # وبعد ذلك ركب روكامبول الفيل مع موساني وسار بهما. # لكنهما لم يعودا إلى الكنغ كما كان يحاول روكامبول قبل أن يلتقي بخادمه، بل سار بهما ~~في طريق الجبال الكائنة وراءها عاصمة عثمان. # وبعد مسير بضع ساعات وجدا منزلا فوقفا عنده، وقد عضهما الجوع بنابه، فأكلا فيه ما ~~تيسر، وأسرعا إلى مواصلة السفر كي يخرجا من دائرة نفوذ تريبورينو العسكرية؛ إذ كانا ~~معرضين لإعادة القبض عليهما. # واستأنفا السير حتى إذا أمنا اعتداء الوزير جعلا يتحدثان، فقال موساني: إن هذا ~~الوزير المنافق عامل على خيانة الرجاه عثمان. # فقال روكامبول: لقد عرفت هذه الخيانة. ~~- إنه ضم إليه جميع قواد الحصون حتى إذا جاء الإنكليز فتحوا لهم أبوابها فدخلوها ~~آمنين. ~~- لكن لحسن الحظ لا يزال الوقت فسيحا لدينا، فسنخبر الأمير بأسرار هذه ~~الخيانة. # فهز موساني رأسه وقال: كلا، لقد فات الأوان. ~~- لماذا؟ ~~- لأن هذا الوزير عامل على خيانة مولاه منذ عهد بعيد، وقد أصبح نصف الجيش ms1728 من حزبه لا ~~يخالفونه فيما يريد. ~~- وماذا يفيده ذلك إذا بقي النصف الآخر مواليا للأمير عثمان؟ # فقال موساني بلهجة الارتياب: لكن أتظن أن الرجاه يصدق ما نقوله عن خيانة ~~وزيره؟ ~~- دون شك متى شفعت أقوالي بالبراهين. ~~- إنك مخطئ يا سيدي؛ لأن الرجاه يحب تريبورينو حبا عظيما وأنا أعلم السبب. ~~- ما هو السبب؟ ~~- إني عرفته من جارية الوزير، فإنه مولع بها وهي واقفة على معظم أسراره، وقد أطلعتني ~~عليها، ومما قالته لي عن سبب حب عثمان للوزير: أن الوزير أنقذ كولي نانا من اللهب، وكان ~~الأمير عثمان يهواها، فتمكن حبها من قلبه. # وأما الوزير فإنه يكره الأمير كرها شديدا يعادل ذلك الحب؛ لأنه غيور منه. ~~- على من ؟ ~~- إن كولي نانا زوجة الأمير عثمان باتت شبيهة بالعجائز؛ لأنها بلغت السادسة والعشرين ~~من عمرها، وهو سن الكهولة في الهند. # لكنه على حبه إياها وإكرامه لها قد تزوج بفتاة تبلغ 14 من عمرها لم تر العيون أبدع ~~منها، وهي تدعى دابي كوما. ~~- أهي التي يحبها الوزير؟ ~~- إنه يحبها حبا لا حد له، وهو لا يريد خيانة عثمان وتدمير بلاده على فرط إحسانه ~~إليه إلا طمعا بسلبه هذه المرأة. # ونعم إن الإنكليز قد وعدوه بالأموال الطائلة إذا سلمهم الأمير عثمان وولي عهده، لكن ~~الذي دفعه إلى الخيانة ذلك الغرام لا المال. ~~- لكن كيف تمكنت الجارية من معرفة أسرار الوزير؟ ~~- لأنه كان يهواها من قبل وكانت تهواه، فكان يطلعها على أسراره في ساعات سكره وغفلات ~~غرامه، وما زالت موالية له إلى أن علمت بحبه لامرأة عثمان، فلدغتها عقرب الغيرة، وهي ~~ساعية الآن كل جهدها في سبيل الانتقام منه لنكثه بعهوده. # وقد قالت حين أطلقت سراحي: اذهب واجتهد في إنقاذ سيدك قبل أن يقتله الفيل الجلاد، ~~فإذا لم تستطع إنقاذه اذهب إلى الأمير عثمان وانطرح عند قدميه وقل له: إن تريبورينو من ~~الخائنين. # فلما أتم موساني حديثه رأى روكامبول أنه سيستفيد من حديث غرام الوزير بامرأة الأمير ~~لإقناع الرجاه على خيانة وزيره، فإن هذا الغرام سيؤثر عليه ms1729 أعظم تأثير. # واستأنف الاثنان السير كل تلك الليلة وقسما من اليوم الثاني. # حتى إذا توسطت الشمس في كبد السماء، ونجت الأرض من هجيرها المحرق، برزت لهما مدينة ~~بيضاء مستظلة بظل جبل شاهق يقيها شر الحر، وغابة كثيفة تحيط بها عند سفح الجبل. # وكانت هذه المدينة البيضاء، المدينة المقدسة كما يدعوها أهل تلك الجبال، وقد اختارها ~~الرجاه عاصمة له؛ تبركا بها وإرضاء لأهل الجبال. # لكن الرجاه لم يكن في حاجة إلى براهين روكامبول لإثبات خيانة وزيره كما سيتضح من ~~الفصول التالية. # 11 # إن عاصمة الرجاه كانت تدعى نارفور، وهي محصنة أعظم تحصين؛ إذ كان يحيط بها ثلاثة ~~أسوار بعضها وراء بعض. # وهي مبنية في سفح جبل شاهق، يحيط بها نطاق من البراري يمتد إلى سهول الهند الخصيبة، ~~وفي وسطها غابة باسقة الأشجار تقيها حر الشمس. # فإذا اجتاز القادم إليها السور الثالث يجد بيوتا بيضاء سميت المدينة باسمها، وفي كل ~~شارع من شوارعها نبع يتدفق منه الماء فيترطب به الهواء. # وهناك حدائق غناء لا يخلو منها بيت تدلت أثمارها، وزكت أزهارها، فكانت جنة ~~للناظرين. # وفي وسط المدينة سراي الأمير، وهي قصر ضخم محصن كأنه مدينة ضمن مدينة، وكان محصنا ~~أقوى تحصين، وهو عظيم الاتساع بحيث لو تمكن العدو من اجتياز الأسوار الثلاثة، يستطيع ~~أهل المدينة بجملتهم أن يقيموا في هذا القصر، ويحاصروا ما بقيت لهم ذخيرة تمكنهم من ~~الدفاع. # وقد حدث مثل ذلك في تاريخ هذه المدينة منذ قرن؛ فإن الملك أدو حاصر نارفور عدة أشهر، ~~فخرق الأسوار الثلاثة واحدا تلو الآخر، فالتجأ أهل المدينة إلى السراي، أي إلى الحصن، ~~ودافعوا فيه زمنا طويلا، حتى مل ملك أدو محاصرتهم، واضطر إلى الرجوع عنهم بالخيبة ~~والخذلان. # وهذه السراي التي كان يقيم فيها الأمير عثمان كان فيها شوارع وحدائق ومحلات ~~عمومية. # ولكن لم يكن يستطيع الدخول إليها إلا من كان معروفا أنه في خدمة الأمير ومن رجاله ~~الحربيين، فلو أراد هندي من العوام الدخول إليها قبض عليه أو طرد. # وكان في وسط هذه السراي ms1730 بناية مربعة لا نوافذ فيها تصل إليها أشعة الشمس من السقف، ~~وهي دار الحريم، وعلى بابها حارسان من الخصيان يحرسانها في الليل والنهار. # وكان من عادات حرم الأمير أن لامرأته الشرعية وحدها الحق بالخروج من السراي وإظهار ~~وجهها للعموم، وأما الجواري وسائر النساء فكان يحق لهن الخروج إلى الحمام والمنتزهات، ~~لكنهن لا يخرجن إلا مبرقعات، ولا يحق لأحد الدنو منهن. # وكانت دار الحريم في محل فسيح، وبالقرب منها خمارة يختلف إليها جنود حرس الأمير ~~الخاص، فيشربون ويتنادمون ويبثون ما في أفئدتهم من لواعج الغرام. # ففي ذات ليلة، قبل وصول روكامبول إلى نارفور بيومين، كان جنديان جالسين على مقعد عند ~~باب الخمارة يتحدثان بصوت خفيض. # وكان أحدهما هنديا بحتا لا غش فيه، والآخر عبدا أسود، وقد دار بينهما الحديث ~~الآتي: # قال الهندي لرفيقه: أتعتقد أيها الصديق بفردوس الإله وشنو؟ # فأجابه الأسود بملء البساطة: لا أعلم. ~~- لكن يجب أن يحسن اعتقادك بهذا الفردوس. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه موجود، ومن يدخل إليه يجد لذات لا حد لها، ونعيما خالدا لا يحيط به ~~وصف. # فاسترخت شفة العبد، وظهرت أسنانه البيضاء وبدت عليه علائم البشر. # فقال له الهندي: أرأيت زوجة الأمير الأخيرة؟ ~~- الحسناء؟ ~~- نعم. ~~- كيف أستطيع أن أراها؟ إن الرجاه لا يأذن لها بالخروج سافرة الوجه حتى في ظلام ~~الليل. ~~- لكن الخصي رومافلي يقول إنها أجمل ملكات الهند. ~~- لقد أصاب هذا الخصي؛ لأن نور جمالها يكسف كل شمس. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- لأني رأيتها. ~~- أنت رأيتها؟ ~~- نعم، لقد رأيتها سافرة الوجه؛ فعلمت أنها خلقت كما اشتهت. ~~- اعلم إذن أن الإله وشنو له في فردوسه آلاف النساء أجمل من هذه المرأة، وهو يزفهن ~~لمن يدخل الفردوس. # فاتقدت عينا العبد وقال: كيف السبيل إلى بلوغ هذا الفردوس؟ ~~- يجب على من يريد الدخول إليه أن يخاطر بحياته من أجل رجل يحبه الإله وشنو؛ فإذا مات ~~في سبيل المخاطرة ذهب توا إلى الفردوس، وإذا سلم من الموت فإن الإله وشنو يحميه إلى ~~آخر ساعة من حياته إلى أن يموت الموت الطبيعي. ~~- وبعد ms1731 ذلك؟ ~~- وبعد ذلك تفارق نفسه الجسد فيفتح الإله أبواب فردوسه ويأتي لمقابلة تلك النفس مع ~~نسائه الحسان، وكل واحدة منهن خير من ألف امرأة من ملكات الهند ونساء الرجاه. # فصمت العبد هنيهة وأطرق مفكرا ثم قال: من هذا الشخص الذي أحبه الإله وشنو؟ ~~- هو تريبورينو الأكبر. ~~- أحقا ما تقول؟ ~~- دون شك؛ فإن من يموت في سبيل تريبورينو يذهب توا إلى فردوس وشنو، فتدخل نفسه في ~~جسم فتى جميل أبيض كالحليب. ~~- كيف يمكن ذلك وأنا أسود؟ ~~- إنهم يعطون نفسك جسما أبيض أنقى من العاج. # ففكر العبد أيضا ثم قال: حسنا، سأموت في سبيل تريبورينو، ولكن أتؤكد لي أن هذا ~~الفردوس موجود حقيقة؟ ~~- إني لو لم أكن واثقا كل الثقة من هذا النعيم لما خدمت تريبورينو، ولما خاطرت ~~بحياتي في سبيله، ثم ألا تعلم أن هذا الوزير أنفذ سلطانا وأعظم بأسا من الأمير؛ فإن ~~ما يريده الوزير لا بد أن يكون. ~~- وماذا يريد الوزير؟ ~~- إنه يهوى امرأة ويريد الحصول عليها. ~~- لكنه كثير المال، وافر الكنوز؛ فلماذا لا يشتريها؟ ~~- لأنها ليست من النساء التي تباع، فهي امرأة الرجاه الأخيرة الحسناء التي يدعونها ~~مورتار. # فانذهل العبد انذهالا عظيما من هذا السر الهائل الذي ائتمنه عليه حتى وقع الكأس من ~~يده، وجعل ينظر إلى الهندي بملء الذهول. # فقال له الهندي: إن تريبورينو قد أقسم بإلهه أن ينال امرأة الرجاه، ولا بد أن ~~ينالها. ~~- لكن أسوار سراي الحريم عالية، وأبوابها من الحديد. ~~- ورغم ذلك سيفتحونها. ~~- من الذي يفتحها؟ ~~- أصغ إلي أيها الصديق، لقد تماديت معك في القول حتى لم يعد بد لي معك من واحد من ~~أمرين؛ وهما: إما أن أقتلك فأكون آمنا على أسراري، أو تقسم لي على كتمان ما قلته وما ~~سأقوله لك؛ فيرضى عنك الإله وشنو وتدخل إلى جناته. # ثم جرد خنجره من غمده وأنذر به العبد. # أما العبد فإنه لم يخف من الخنجر خوفه من حرمانه الجنان، فقال له: إني أقسم لك بحظي ~~من ذلك الفردوس بأني أكتم كل ما تلقيه إلي، ms1732 وأكون في خدمة الوزير أطوع من البنان، فقل ~~ما تريد. ~~- لقد صدقتك ووثقت بوفائك. اعلم الآن أن الإله وشنو يحب تريبورينو حبا شديدا حتى ~~إنه أوحى الإخلاص إلى قلوب كل الذين يخدمون هذا الوزير، فيأتون يضحون في خدمته تضحيات ~~أهون منها الموت. ~~- ألا تذكر لي شيئا من هذه الخدمات؟ ~~- نعم، سأروي لك حكاية تكون خير مثال لإخلاص أتباع هذا الوزير، وهي أنه كان للوزير ~~عبد يدعى كوجلي، وهو أسود مثلك غير أنه من الأقاليم الغربية، أي أن سواده مشرب بالحمرة، ~~وهو من أولئك العبيد الحسان الذين طالما هامت بهم الجواري، وقضين بهم حبا. # وإن في كلكوتا راقصة حسناء - تدعى ممونا - هامت بهذا العبد وهام بها، فتوافقا على ~~الزواج ورضي به تريبورينو، فسر العبد سرورا لا يوصف لفوزه بمن يحب. # وبعد حين، نادى الوزير هذا العبد الولهان وقال له: إني أحب امرأة الرجاه، وأعتمد عليك ~~بالدخول إلى دار نسائه. # أتعلم ماذا فعل هذا العبد الوفي؟ # إنه امتثل لمولاه، وترك عروسه، وتنازل عن الرجولية في الحال؛ إذ لا يدخل دار نساء ~~الأمير غير الخصيان. ~~- إني لا أفهم ما تقول. ~~- ألا ترى هذا الخصي الأسود الجديد الذي يخرج أحيانا من دار الحريم فيجالسنا في ~~الخمارة؟ ~~- نعم. ~~- هذا هو كوجلي الذي رضي أن يكون خصيا على فرط عشقه لعروسه؛ لاستماتته في خدمة ~~الوزير، فهل رأيت أصدق من هذا الإخلاص؟ إن هذا مثالا من ألوف مثله على ما يلاقيه ~~الوزير من وفاء أتباعه، ولا يتيسر ذلك إلا لمن تعضده الآلهة. # فقال له العبد: لقد فهمت، وأرجو أن يوحي إلي الإله وشنو مثله هذا الإخلاص، ولكني أرى ~~أن وجود كوجلي في دار حريم الأمير لا يكفي لاختطافها. ~~- إنك تقول الحقيقة؛ لأن كوجلي وحده لا يستطيع اختطافها، لأن الخصيان يستطيعون الخروج ~~من دار الحريم، ولكنهم لا يستطيعون الخروج من القلعة، ولا يحق للنساء أن يخرجن منها ~~أيضا إلا بصحبة أزواجهن. ~~- إنك تثبت اعتراضي فيما تقول. ~~- نعم، ولكن كوجلي سيخرج غدا من دار الحريم ومعه زوجة الرجاه فيسلمها ms1733 لنا. ~~- لنا نحن؟ ~~- نعم، لي ولك، وعلينا عند ذلك أن نخرجها من الحصن، فإذا فزنا بما نسعى إليه نصبح ~~من كبار الأغنياء بفضل تريبورينو. ~~- وإذا باغتنا الحرس وقبضوا علينا؟ ~~- يقطع الرجاه رأسينا، ولكن روحينا تطيران إلى فردوس الإله وشنو. # وكأنما جميع هذه البراهين لم تقنع العبد فقال له: تقول إن كوجلي يخرج بزوجة الرجاه من ~~دار الحريم ويدفعها إلينا، فهل ترضى زوجة الرجاه أن يختطفها؟ ~~- دون شك. ~~- لماذا؟ ~~- لأنها حين باعها أبوها للرجاه بعشرة آلاف كيس كانت عاشقة فتى هنديا جميلا من ~~بناريس، وقد تحالفا على الوفاء. # وكان تريبورينو عارفا بجميع ذلك، فعلم كوجلي ماذا يفعل؛ ولذلك فإن كوجلي سيقول لزوجة ~~الرجاه إنه قادم من قبل عشيقها لاختطافها ، وهي ستوافقه دون شك على الفرار. ~~- ونحن ماذا نفعل؟ ~~- نخدعها بنفس الحيلة ونقول لها إننا رسولا عاشقها. # فبقي العبد مترددا وقال له: أتظن أننا نستطيع الخروج من الحصن؟ ~~- نعم. ~~- كيف؟ ~~- ذلك أن زوجة الرجاه تخرج من دار الحريم مبرقعة، وفوق ذلك فإن كوجلي يصبغ جسمها بلون ~~السواد. أليس لك زوجة سوداء؟ ~~- نعم. ~~- إذن تأخذ زوجة الرجاه بيدها، وتصل بها إلى باب الحصن فتكشف شيئا من النقاب عن ~~وجهها وتقول: إنها امرأتي، فيأذن لك الحارس بالخروج بها، فتخرجا حالا. ~~- أتظن أنه يأذن لي؟ ~~- دون شك؛ لأن هذا الحارس سيكون الذي يحادثك الآن، أي أنا. ~~- إذا كان ذلك فإن الأمر سهل، ولكن ماذا أصنع بها بعد الخروج من الحصن؟ ~~- تذهب بها إلى خمارة اللؤلؤة الزرقاء، وهناك تجد مركبة وخفراء أرسلهم تريبورينو ~~فتقول للمرأة: إن هذه المركبة وهؤلاء الخفراء أرسلهم عشيقك. والآن، هل عزمت عزما ~~أكيدا صادقا على خدمة الوزير؟ ~~- نعم إذا كنت تقسم لي إن فردوس وشنو كائن حقيقة. ~~- إني أقسم لك بكل عزيز في الأرض ومقدس في السماء على صدق ما أقول. ~~- وأنا أقسم لك بفردوس وشنو أني سأكون من أخلص المخلصين في خدمة الوزير. # وعند ذلك فتح باب دار الحريم وخرج منه الخصيان. # 12 # كان الهندي صادقا في تلك التفاصيل التي رواها ms1734 للعبد؛ فإن امرأة الرجاه الجديدة، وهي ~~دابي كوما، لم تجف لها دمعة منذ دخولها إلى بلاط الرجاه. # وكانت تحب فتى جميلا نبيلا من بناريس عاهدها وعاهدته على الزواج برضى عائلتيهما ~~اللتين احتفلتا بعقد الخطبة، فسر سكان المدينة بجملتهم لفرط جمال الخطيبين. # غير أن سلطان المال نافذ في الشرق نفوذه في الغرب، وهو يفعل في كلكوتا كما يفعل في ~~باريس. # وقد اتفق يوم عقد الخطبة وجود ضابط من ضباط الرجاه عثمان في بناريس، فحضر الخطبة ~~وأكرمه والد الخطيبة إكراما عظيما، فخرج الضابط مفتونا بجمال الصبية. # ولما عاد إلى نارفور أخبر مولاه الرجاه بما رأى، ووصف له الفتاة وصفا أخذ بمجامع ~~قلبه، فأمر الأمير عثمان أن يعود إلى بناريس ويشتري الفتاة من أبيها بما يريده من ~~المال. # وجزعت الفتاة جزعا شديدا، وتوسلت إلى أبيها بالدموع السخينة؛ فلم يفدها الدمع ولم ~~تغنها الشفاعة، فباعها للأمير بعشرين لك روبية، واللك في اصطلاح الهنود والأعجام مائة ~~ألف، والروبية فرنكان ونصف، فيكون قد باعها بخمسة ملايين فرنك. # وأخذها الضابط وجاء بها إلى مولاه، ولكنه قبل وصوله إلى نارفور مر بالمدينة التي يقيم ~~فيها تريبورينو، فرأى امرأة الأمير وفتن بها، فلم يهدأ له بال من تلك الساعة، وكان قد ~~عرف أمرها فزاد انشغافا بها، وهاجت كوامن عشقه وحقده على الأمير عثمان بما غرس في نفسه ~~من بذور الحسد والمبادئ السافلة، ولكنه لم يظهر للفتاة شيئا من هذا الغرام والهيام ~~حذرا من أن يتصل أمره بالأمير عثمان. # وسار بها الضابط إلى بلاط الأمير فرآها فوق ما وصفت له، ولكنه لم يلق منها غير ~~النفور، ولم تقابله بغير البكاء، فهاجت كوامن عشقه وتمكن حبها من قلبه، ولكنه كان واسع ~~الصدر، كثير الصبر، فكان يقابل صدها باللين والملاطفة وهو يرجو أن تألفه يوما وتعلم ~~أنه أهل لحبها. # ومضى على الفتاة شهر وهي لا تنقطع عن البكاء إلى أن دخل إلى السراي خصي جديد يدعى ~~كوجلي، فتعين في الحال لخدمة دابي كوما. # وقد عرف القراء هذا الخصي أنه خادم الوزير الأمين، ms1735 فجعل من يوم دخوله يدبر وسائل ~~اختطاف الفتاة، ويمهد السبل للذهاب بها إلى سيده الخائن. # وكان أول عمله اختلاطه بجنود الحرس الخاص، واهتمامه بإغوائهم بطرق مختلفة، فلم يفلح ~~إلا مع ذلك الهندي، ولكن أغوى العبد كما تقدم؛ فيكون أغوى اثنين لاختطاف الفتاة. # ولقد قلنا إن كوجلي خرج من دار الحريم وأقبل إلى حيث كان الهندي والعبد، فلما رآه ~~الهندي غمزه بعينه، فدنا منه كوجلي وقال له: أتريد أن تحادثني بشيء؟ ~~- نعم. # فنظر كوجلي إلى العبد المقيم مع الهندي وقال له: من هذا؟ ~~- إنه رجل يريد الصعود إلى فردوس الإله وشنو. # فنظر إليه كوجلي وقال: أحق ما يقول؟ ~~- نعم. وقد اتقدت عيناه بشعاع الرجاء، فأيقن كوجلي أنه مخلص في تعهده ، وأنه سيضحي ~~حياته في سبيل الوزير. # وأقام مع الاثنين نحو ساعة، فشربوا الشاي واتفقوا على ما سيصنعونه في الليلة القادمة ~~لاختطاف الفتاة. # ثم تركهما كوجلي وعاد إلى دار الحريم فأقام فيها ينتظر هبوط الليل. # وكان الرجاه عثمان قد زهد في جميع نسائه لافتتانه بهذه الفتاة، فجاء إليها وجعل ~~يلاطفها ويؤانسها، ولكنه لم يلق منها غير الصد والبكاء كما عودته منذ اشتراها. # فعزاها وخفف كربتها بالكلام اللين والوعود الجميلة، ولكن أين للعشاق أن تشغلهم ~~الوعود والأماني عما يكونون فيه من وجد ولوعة. # وبعد أن خرج الأمير من عندها دخل إليها كوجلي وهي لا تزال دامعة العين فقال لها: ما ~~بك يا لؤلؤة الشرق تبكين؟ ~~- لأن أبي باعني بيع السلع وما أنا من الرقيق. ~~- لقد أصبت يا سيدتي، ولكن لكل ضيق فرجا، وقد يمكن إنقاذ الأسرى. # فهزت رأسها وقالت: وا أسفاه، إني أصبحت ملكا للرجاه، ولا بد لي يوما للامتثال ~~مكرهة. # فنظر إليها الخصي محدقا وقال: كيف ذلك، أتنقضين يمينك وتنكثين بعهودك؟ # فاهتزت الفتاة اهتزاز الورقة حركتها الرياح وقالت: كيف علمت أني أقسمت يمينا ~~وتقيدت بعهود؟ ~~- ألم تقسمي يمين الوفاء لخطيبك رمسيس في بناريس قبل أن تفترقا؟ # فأبرقت عينا الفتاة، وخرج البريق من خلال دموعها كما تنفذ أشعة الشمس من خلال المطر ~~ثم ms1736 قالت: ألعلك تعرف رمسيس؟ ~~- بل أقول خيرا من ذلك؛ وهو أن رمسيس أرسلني إليك. # فصاحت الفتاة صيحة فرح حاولت كتمانها فخرجت من صدرها كالزفير. # ومضى كوجلي في حديثه فقال: انظري إلي يا سيدتي؛ فإني كنت قبل ثمانية أيام رجلا، ~~فرضيت أن أغدو من الخصيان كي أصل إليك؛ لأني من خدام رمسيس. ~~- وهو أرسلك إلي؟ ~~- نعم، وإذا رضيت أن تتبعيني تصبحين حرة، وتفلتين من قبضة الأمير بعد بضع ~~ساعات. ~~- أنا أصبح حرة؟ ~~- دون شك، وتسيرين في طريق مدينة بناريس حيث ينتظرك خطيبك رمسيس. # فضمت الفتاة يديها وقالت: ويلاه، أخشى أن تكون عابثا بشقائي، وأن تكون من جواسيس ~~الأمير تحاول الوقوف على أفكاري. ~~- قلت لك يا سيدتي: إني خادم رمسيس المخلص ؛ فثقي بقولي لأن الأمير غير محتاج إلى ~~الوقوف على نياتك؛ فهو يعلم أنك تعشقين سواه. # فوثقت دابي كوما بما قاله وجعلت تتأهب للفرار وقلبها يكاد يطير سرورا. # وعند انتصاف الليل بينما كان جميع النساء نائمات في السراي دخل كوجلي إلى الفتاة وقال ~~لها: هلم بنا فقد آن الأوان. # ثم وضع على وجهها نقابا كثيفا كبيرا غطى كل جسمها، وذهب بها إلى قاعة كانت تجتمع ~~فيها بالنهار خادمات وجواري الرجاه، وهي القاعة المعدة لإعداد مواد التزجيج ~~والتخضيب. # وهناك وعاء كان قد أعد فيه كوجلي صباغا أسود، فأخذ إسفنجة وأزاح النقاب عن وجه دابي ~~كوما، ثم مسح وجهها ويديها وعنقها وما ظهر من جسمها بهذه المادة السوداء، فتبدل لونها ~~الأبيض بلون الأبنوس. # وصبر هنيهة حتى جف السائل على وجهها فخرج بها من دار الحريم. # ولما كانت الخوادم كلهن من الجواري السود في ذلك القصر حسب رئيس الخصيان أنها واحدة ~~منهن، فأذن لها ولكوجلي بالخروج وفتح لهما الباب بيده، فخرج الاثنان إلى الردهة الكائنة ~~أمام الخمارة التي اجتمع فيها الهندي والعبد الذي أغراه. # وكان العبد يسير في تلك الردهة ذهابا وإيابا وهو ينتظر خروج زوجة الرجاه من حين إلى ~~حين، فلما رآه كوجلي ناداه وقال له: خذ زوجتك واذهب بها إلى حيث اتفقنا. # فعلم ms1737 العبد أنها زوجة الرجاه؛ فأخذ بيدها وسار بها. # أما دابي كوما فإنها خافت حين رأت كوجلي عاد إلى القصر فالتفتت إليه وقال: ألا تأتي ~~معنا أنت؟! ~~- كلا، ولكن لا تخافي؛ فإن العبد الذي يصحبك هو أيضا من خدام رمسيس، فثقي به كما ~~تثقين بي ولا تخشي شيئا؛ فإنك بالغة ما تريدين بإذن الله. # فصدقت دابي ووثقت بالعبد، فسار بها وهو آخذ بيدها حتى وصلا إلى باب السراي ~~الخارجي. # وقد تم الفرار كما توقعه الهندي، فقد كان الهندي نفسه على ذلك الباب يتولى الخفارة، ~~وكان رئيس الحراس واقفا بالقرب منه حين وصلت زوجة الرجاه إلى الباب. # فنظر رئيس الحراس إلى العبد وقال له: من أنت؟ ~~- من جنود الرجاه. ~~- وهذه المرأة ؟ ~~- هي امرأتي. # فقال الهندي للرئيس: هو ما يقول يا سيدي؛ فإني أعرف الاثنين. # فقال الرئيس للعبد: إلى أين أنت ذاهب بامرأتك في مثل هذه الساعة؟ ~~- إلى حفلة عرس في المدينة دعينا إليها؛ فإن العروسين من أصحابنا. # فأشار الضابط عند ذلك إلى الهندي أن يأذن لهما بالخروج، ففتح الباب وخرج العبد ~~بالفتاة وقد نجت من أسر الرجاه. # وسار بها العبد بضع خطوات ورأيا المركبة المعدة لاختطافها يكتنفها الحراس، فركبتها ~~واثقة مطمئنة وهي تحسب أن الذي أرسلها خطيبها رمسيس، ولم يخطر لها في بال أن ذلك من صنع ~~ذلك الوزير الخائن، فما أشرق الصباح حتى بعدت بعدا شاسعا عن مدينة نارفور المقدسة ~~عاصمة الرجاه، ولم يعد للرجاه يد تبلغ إليها. ~~••• # ولم يشعروا في القصر بهذا الفرار إلا في اليوم التالي حين دخلت المواشط إلى غرفة دابي ~~كوما ولم يجدنها. # واتصل الخبر بسرعة إلى الرجاه، فهرول وهو يستشيط غيظا ويقسم على أن يقتل رئيس ~~الخصيان أفظع قتل روي في تاريخ الهمجية. # وفيما هو ينذر ويتوعد وقد أمر بإحضار رئيس الخصيان إذ دنا منه كوجلي وقال له: لا تتهم ~~يا سيدي هذا العبد؛ فهو بريء، وأنا أخبرك بحقيقة ما جرى. # ولم يكن كوجلي قد دخل في خدمة الوزير ورضي أن يختطف له زوجة الرجاه إلا ms1738 لرجائه أن ~~يقتله الأمير؛ فيذهب توا إلى فردوس وشنو. # أما الرجاه فإنه ذهل لما سمعه من كوجلي ولما رآه من جرأته فقال له: أية حقيقة تعني؟ ~~وماذا جرى لدابي كوما؟ # فابتسم كوجلي ابتسام المتهكم، ونظر إليه نظرة ملؤها الكبرياء ثم قال له: إن هذه ~~الحسناء باتت خارج نفوذ سلطانك، وهي الآن بين ذراعي تريبورينو. # فصاح عثمان صيحة منكرة عندما سمع اسم وزيره وقال له: ويحك أخبرني حقيقة ما جرى ~~بالتفصيل. # فقص عليه كوجلي عند ذلك خيانة تريبورينو بلهجة تشف عن السرور، فنسي عثمان في تلك ~~اللحظة المرأة التي كان يجن بهواها، وتجسمت له خيانة وزيره الهائلة بعد أن أغدق عليه ~~بنعمه، وساواه بنفوذه، وشاركه بماله، فكبرت عليه هذه الخيانة الفظيعة، وجعل يبكي بكاء ~~الأطفال من غيظه، ويهدد السماء بقبضته. # وكأنما كوجلي لم يشأ أن يتمتع وحده بفردوس وشنو، فذكر اسم شريكيه في اختطاف امرأة ~~عثمان؛ وهما: الهندي والعبد. # فأمر عثمان أن يشنق الثلاثة في الحال. وقد شنقوا في اليوم نفسه الذي دخل فيه روكامبول ~~وموساني إلى نارفور عاصمة عثمان. # ولكن دابي كوما كانت قد أصبحت في دار الوزير، فوجد روكامبول ذلك الأمير المنكود الحظ ~~قد اسودت الدنيا بعينيه فلم يعد يرى غير القتل والانتقام. # وهنا نتجاوز عن كثير من الحوادث التي حدثت إثر هذا الاختطاف بما لا يفيد القراء، ~~ونقتصر على القول بأن الخفاء قد زال بين الأمير ووزيره، ولكن بعد فوات الأوان، أي بعد ~~أن تمكن تريبورينو بدهائه، وانخداع الأمير بوفائه، من إغواء الجند وضمهم إلى ~~حزبه. # فجعل كل من الفريقين يتأهب لمحق خصمه، ولكن الوزير كان أشد من عثمان، فما مضى ستة ~~أشهر على اختطاف الفتاة حتى احتدمت نار القتال في مملكة الرجاه. # وكان تريبورينو قد رفع راية العصيان، وجاهر بتسليمه للإنكليز ضاما إليه ثلثي جيش ~~عثمان. # فما زال يزحف ظافرا منصورا من بلد إلى بلد حتى بلغ إلى نارفور عاصمة عثمان ~~فحاصرها. # ولم يبق لهذا الأمير من المخلصين حوله غير روكامبول وستة آلاف جندي كانوا جميعهم ~~محصورين ms1739 في العاصمة يقاتلون الجيوش المحدقة بها من فوق الأسوار. # ففي صباح يوم من أيام الحصار استعرض عثمان جنوده وخطب فيهم، فحثهم على الدفاع، وذكر ~~لهم خيانة وزيره بعبارات ألقت الحماسة في قلوبهم؛ فأقسموا على أن يدافعوا عن عثمان ~~والوطن حتى الموت. # ولما فرغ من الاستعراض نادى روكامبول وسار به إلى مكان معتزل لا يراهما فيه أحد من ~~الناس وقال له: إني في حاجة إليك أيها الصديق؛ فتعال نتحدث. # وجلس وإياه فقال له عثمان: إنك آخر رجل اعتمدت عليه ووثقت بوفائه وإخلاصه؛ لأنك ~~فرنسي، ولذلك أحببت أن أئتمنك على سر يتعلق عليه مستقبل أسرتي، وأسترسل إليك كما أسترسل ~~إلى أخ شقيق. # فانحنى روكامبول وقال: قل أيها الأمير ما تشاء؛ فإنك وضعت ثقتك في موضعها، وما أنا من ~~الخائنين. # فقال له: إن أول علم كان يتعلمه الأطفال من أسرتي منذ قرن هو النفور من إنكلترا، وعدم ~~الركون إليها، فكان أعظم غلطة غلطتها في حياتي هي وثوقي بتريبورينو، ورفعه إلى مقام ~~الوزارة على علمي أنه من الإنكليز. # وكانت الهند منذ مائة عام يحكمها ملوك أشداء، وكانت شعوبها حرة سعيدة تعيش بالأمن ~~والرخاء من ضفاف الكنغ إلى الفرات. # فأقبل الإنكليز إليها، وجعلوا يستعينون على قومها تارة بالقوة، وتارة بالخداع ~~والدهاء حتى استعبدوا قومها، وأنزلوا ملوكها عن عروشهم، وأبادوا كل سلطة فيها للعنصر ~~الهندي. # أما أنا، فإني آخر أولئك الملوك المحافظين على استقلالهم، ولكني أعلم ما سأصير إليه؛ ~~فإني أرى كما ترى ما يحدق بي من الأخطار. # وقد توقعت هذا الخطر منذ عرفت خيانة تريبورينو الذي أغدقت عليه بإنعامي، وأيقنت أن ~~الأسد البريطاني سينشب بي براثنه، ولكن إذا تمكن الإنكليز من إبادتي لا أحب أن تبيد ~~أسرتي بجملتها. # أما أنا فقد يقضى علي اليوم أو غدا؛ فأقتل في ساحة الدفاع عن وطني وسلاحي ~~بيدي. # فإذا قضيت قضي على آخر بقعة حرة من بقاع الهند، ولكن يجب أن يعيش بعدي من يرثني من ~~أسرتي، فقد يأتي يوم ينهض فيه ذلك الوريث فيذكر أباه ويستعين برجال الهند ms1740 فيطرد من ~~البلاد عدوها، ويعيد إليها حريتها السابقة ومجدها القديم، ويكون هذا الفضل منسوبا ~~لأسرتي. # فقال له روكامبول: ألعلك تريد أن تعهد إلي بولدك؟ ~~- نعم، فإني أحب بعد موتي أن تسير به إلى أوروبا، وأن تعلمه أن يكره الإنكليز. # فبدت على روكامبول علائم القلق، ورأى عثمان تلك العلائم فقال له: لا تخف، فقد جمعت ~~لولدي في مدة عشرة أعوام ثروة عظيمة سرية تكفيه لأن يعيش حسب مقامه ومقام أسرته. # فقاطعه روكامبول وقال: ولكن يظهر يا سيدي أنك نسيت ما نحن فيه. ~~- كلا لم أنس شيئا. ~~- إننا محصورون، وقد بلغ الأعداء أسوار القصر فأحدقوا به كالنطاق. ~~- إني أرى ما تراه. ~~- ولا بد لنا من الوقوع في قبضتهم مهما بلغ من دفاعنا. ~~- إني متوقع هذه الخاتمة، ومن أجل ذلك عزمت على تضحية حياتي. ~~- إذن فإن ابنك يقع مثلنا في قبضة الإنكليز. # فلم يجبه الرجاه. # فقال روكامبول: وكذلك ثروتك؛ فإنها تصبح لهم. # فهز عثمان رأسه مبتسما وقال: إنك منخدع. ~~- ألعلك وجدت طريقة لإنقاذ ابنك؟ ~~- نعم ... ~~- وثروتك؟ ~~- وثروتي أيضا؛ فهي مع ولدي في أمان. # فجعل روكامبول ينظر إليه منذهلا وينتظر أن يكشف له الحجاب عن هذا السر. # فقال له عثمان: اعلم الآن أن هذا الغلام الذي يحييه الشعب تحية الأمراء، وتضمه كولي ~~نانا امرأتي الأولى إلى صدرها، كما تضم الأم ولدها، أن هذا الأمير الصغير الذي يعتقد ~~جميع من يحيط بي أنه ولي عهدي وأميرهم بعدي؛ ليس بولدي. # فزاد انذهال روكامبول ولم يقاطعه استيفاء للحديث. # فتابع عثمان: إني كنت دائما أتوقع أن يصيبني من الإنكليز ما أصابني اليوم، فاحتطت ~~لنفسي من كيدهم، وجعلت ولدي في مأمن منهم، وذلك أنه بعد أن ولدت كولي نانا بشهرين ~~أخذت الغلام من مهده، ووضعت مكانه غلاما من عمره، فكبر الغلام حتى بلغ الآن عشرة أعوام ~~وأمه تحسبه ولدها والناس يحسبونه ولدي. # فصاح روكامبول صيحة دهش وقال: إذن البرنس علي ليس ولدك؟ ~~- كلا، بل هو ابن أحد أتباعي أخذته يتيما من أبيه، وقد ماتت أمه أيضا. ~~- ولكن أين هو ms1741 ولدك ولي عهدك؟ ~~- إنه بعيد جدا عن هذه العاصمة، وهو يجهل أني أبوه، ولكنك ستخبره بكل شيء بعد موتي ~~متى اجتمعت به في كلكوتا. ~~- أهو في كلكوتا؟ ~~- نعم في المدينة السوداء؛ أي مدينة الهنود، وهو عند رجل فقير خياط. # وهذا الرجل فقير في الظاهر يبدو للناس منه أنه يعيش من صناعته مع غلام له يبلغ ~~العاشرة من العمر، والحقيقة أنه يعيش مع ولدي عيشة سعة ورخاء. # أما هذا الرجل فهو مسلم عثماني يدعى حسنا، كان من خدام بيتنا؛ فائتمنته على ولدي ~~وثروتي، وما زالت ثقتي وطيدة بالمسلمين. # وقد أقام ولدي عنده منذ الطفولية، فهو يحسب أنه والده ويناديه «أبي». # والآن فاسمع ما أريده منك: إني حين أفقد كل رجاء ، وحين أنشب المعركة الأخيرة، وأضرب ~~آخر ضربة بحسامي، بل حين يخرج من صدري النفس الأخير تبرح أنت العاصمة وتسير إلى كلكوتا؛ ~~فتذهب إلى حسن الخياط وتظهر له هذا الخاتم. # ثم أخرج من إصبعه خاتما نقش على فصه كتابة هندية معناها «تذكر»، فوضعه في إصبعه ~~وقال: إنك حين تظهر هذا الخاتم للخياط يأتيك بالغلام، ثم يذهب بك إلى قبو في منزله ~~الحقير؛ فترى فيه من أكداس الذهب والحجارة الكريمة ما لا يوجد مثله بين كنوز ملك لاهور. ~~وهذا الكنز هو إرث ولدي. # ثم عطف فقال: إنك شديد الإخلاص، ذكي الفؤاد، فلا تعدم وسيلة تنقل هذا المال بها إلى ~~أوروبا دون أن يعلم الإنكليز، ثم تذهب بولدي إلى تلك البلاد الآمنة، فتعلمه أن أباه قد ~~مات في سبيل استقلال الهند، وأني لم أورثه هذا المال، بل أورثته الحقد على إنكلترا؛ ~~فلينفق المال في سبيل وطنه. # فقال روكامبول: إني سأفعل كل ما أمرتني به. ~~- وأنا واثق كل الثقة. # ثم مد له يده فقبلها، وقام الاثنان إلى موضع الحصار. # وكان الإنكليز يحاصرون المدينة بعنف شديد. # والحامية تدافع بثبات أشد. # غير أن كثرة عدد الأعداء تغلبت على بسالة الأمير وجنوده، فكانت جنود الوزير محدقة ~~بالمدينة من كل جانب، وقد ضيقت نطاق الحصار، وجعلت الأسوار تتهدم واحدا ms1742 تلو الآخر، ~~ومدافع الوزير تدوي دوي الرعود القاصفة فتدك المعاقل والحصون. # وكان المحصورون يزيد عوزهم إلى القوت والذخيرة في كل يوم حتى اضطر عثمان أن يقصي عن ~~المدينة كل من لا يفيد في الدفاع؛ اقتصادا في قوت الحامية. # إلى أن اشتدت الأزمة على المحصورين ولم يبق لهم شيء من الزاد، فدعا عثمان روكامبول ~~وقال له: أرى أن الدفاع عن نارفور بات ضربا من المحال، وخير لنا أن تخترقها صفوف ~~الإنكليز ونعتصم بالجبال، فإذا تمكنا من البلوغ إليها تيسر لنا أن ندافع دفاعا مقرونا ~~بالفوز. # وكانت الخطة خطة جرأة نادرة، على أنها كانت ممكنة إذا استعين عليها بالخداع ~~والحيلة. # وكان ذلك العهد عهد الأمطار، فكانت أبواب السماء مفتوحة والمطر ينهمر كأفواه ~~القرب. # فعقد عثمان مجلسا عسكريا، وشاور أعضاءه في الأمر، فقرروا أن يترقبوا ليلة حالكة ~~الظلام، كثيرة الأمطار، فيخرجون تحت جنح الليل إلى الجبال فلا يشعر بهم الأعداء. # وقد اتفق لهم ذلك في الليلة التي تلت عقد المجلس، فقد اشتد فيها الحلك، وبلغ سيلها ~~إلى الركب، والتجأ الإنجليز المحاصرون إلى الخيام. # فتأهب عثمان للخروج، وأمر فوضعوا النساء والأطفال على ظهور الفيلة في وسط المعسكر ~~وقاية لهم من الأخطار. # ثم أمر بفتح الأبواب، فخرج الجيش بجملته وفي مقدمتهم عثمان وروكامبول، وساروا قرب جيش ~~العدو صامتين يحاولون إخفاء حركاتهم. # ولكن حراس جيش الوزير تنبهوا لهم؛ فنفخوا في أبواقهم، وهب جيش الوزير منذعرا، فلم ~~يكن غير هنيهة حتى التحم الجيشان، فخرجت السيوف من أغمادها، وأبرقت الخناجر والحراب، ~~وأرعدت البنادق والمسدسات، فكان قتالا شديدا هائلا خضب الأرض بالدماء، ولم يتعارف ~~فيه الخصمان إلا بتألق البروق. # وتمكن جيش عثمان بعد الصبر والاستبسال من الانسحاب إلى واد عميق في شمال المدينة، ~~ولكنهم وجدوا هنالك جيشا آخر، فلقوا معه من العذاب أشد ما لقوه من الجيش الأول. # ودامت المعركة الهائلة ناشبة بين الفريقين حتى أشرق الصباح، ورأى جيش عثمان قمم ~~الجبال المجاورة، ولكنهم رأوا آلافا من الجنود قد هرولوا من تلك الجبال وطوقوا جيش ~~الأمير. # ولم يكن هؤلاء ms1743 الجنود من الإنكليز، بل كانوا من جنود تريبورينو أقامهم في الجبال كي ~~يمنعوا الأمير من الالتجاء إليها. # وهنا عاد القتال إلى أشد مما كان عليه فاستمر إلى المساء. # وكان أعوان الأمير يسقطون أمامهم الواحد تلو الآخر، وهو يقاتل في مقدمتهم قتال ~~الأبطال، وعن يساره روكامبول، وقد أبلى في تلك الحرب خير بلاء، ودفع الموت عن الأمير ~~عدة مرات. # وظل هذا دأبهم حتى لم يبق لدى الأمير غير شرذمة من الرجال؛ فأصابته رصاصة وقعت بين ~~أحشائه، فخر عن جواده صريعا، وسقط بين يدي روكامبول مخضبا بدمائه. # وقد أيقن عند ذلك بالموت، فنظر إلى روكامبول بعين المحتضر وقال له: «تذكر». # ثم تنهد تنهدا طويلا وهو يقول: «انتقم لي». # فكانت آخر كلمة قالها وأسلم الروح، فعادت إلى مبدئها وهي تحمل وعد روكامبول بمطاردة ~~ذلك الوزير الخائن والانتقام منه. # 13 # كان تريبورينو قد علم بأن روكامبول قتل الفيل الجلاد، وسلم من الموت، وعاد إلى الأمير ~~عثمان. # وكان يعلم أنه كان يقاتل مع الأمير جنبا لجنب. # فلما تم انتصاره على جنود عثمان، وتمزق ذلك الجيش شر ممزق، أمر فرقة من الجند كي تبحث ~~عن روكامبول، فتوزعت في أنحاء مختلفة، وسارت في جميع الطرق تبحث عنه. # غير أن روكامبول قد تمكن بدهائه من الإفلات والنجاة، فتنكر بزي لا يعرف به، وهام في ~~الجبال طريدا شريدا عدة أسابيع، وكان يجتنب في سيره المدن، حتى القرى، ولا يسير إلا ~~في الجبال والسهول؛ لأن جميع المدن والقرى قد سقطت في قبضة تريبورينو، فلو مر بها لما ~~أمن القبض عليه. # ولبث هائما يسير من جبل إلى سهل، ومن سهل إلى جبل نحو شهرين، حتى انتهى إلى سهول ~~هندستان حيث لا سلطان فيها لتريبورينو، فأقام هناك بضعة أيام عند أحد الهنود، ثم استأنف ~~السير فوصل بعد شهر إلى كلكوتا، فأمن كيد الوزير ومطاردة جنده. # وعند ذلك ذكر ما وعد به الرجاه، وجعل يهتم بالبحث عن حسن الخياط الذي أودع عنده ابن ~~الرجاه. # وكان جميع الذين يقيمون في المدينة السوداء من كلكوتا ms1744 يعرفون هذا الخياط، فسأل ~~روكامبول عنه أحد غلمان الفندق الذي نزل فيه فأرشده إلى منزله. # وكان بيت حسن صغيرا لا يدل شيء من ظواهره على العظمة، ولا يخطر في بال أحد أن ملايين ~~الرجاه قد أودعت فيه. # فلما وصل روكامبول إلى هذا المنزل لقي حسنا جالسا على عتبة بابه، وهو شيخ جليل تدل ~~معارف وجهه وسكينته على ما فرط عليه من السلامة والوفاء. # فدنا روكامبول منه وقال له: ألعلك أنت الذي يدعونه حسنا الخياط؟ ~~- نعم، أنا هو، فماذا تريد مني؟ # فأراه روكامبول خاتم الرجاه عثمان بإصبعه وقال له: أتعرف هذا الخاتم؟ # فارتعش حسن حين رأى الخاتم وأسرع فأدخل روكامبول إلى المنزل وأقفل الباب بسرعة كأنه ~~يخشى أن يباغته أحد. # فلما خلا به قال له: يظهر أنك قادم من قبل عثمان؟ ~~- نعم. ~~- كيف حاله؟ # فسقطت دمعة من عين روكامبول عند هذا السؤال وقال له: لقد توفي الأمير. # ثم قص عليه خيانة تريبورينو بالتفصيل، وذكر له استبسال عثمان بالدفاع، وأنه توفي ~~كالأبطال. # وكان حسن يصغي إليه وهو أصفر الوجه، منقبض الصدر، حتى إذا فرغ روكامبول من حديثه رفع ~~يده إلى السماء وقال: هي إرادة الله ولا رد لقضائه. # وبعد سكوت قصير قال روكامبول: أين هو الغلام؟ ~~- إنه يغتسل يا سيدي، وسيعود بعد ساعة. ~~- والكنز؟ ~~- سأريك إياه، هلم معي. # ثم قام فأخذ مصباحا وسار به إلى الجدار فكشف عنه ستارا، فظهر سلم طويل يؤدي إلى قبو ~~المنزل، فنزل درجاته وروكامبول يتبعه حتى انتهيا إلى القبو، وكان فارغا لا شيء ~~فيه. # وقد علم روكامبول أنه لا بد أن يكون لهذا القبو باب سري يدخل منه إلى حيث خبأ الكنز، ~~غير أنه تعجب حين لم يجد أثرا لباب أو منفذ في حيطان القبو. # أما حسن فإنه ابتسم وقال له: سوف ترى. # ثم دنا من أحد الجدران وبدأ ينقر عليه بيده في مواضع مختلفة وهو يصغي إلى صوت نقراته، ~~حتى سمع صوتا رنانا يشبه صوت النقر على دف، فأخذ خنجره من منطقته، وأدخل شفرته ~~الدقيقة بين ms1745 حجرين، فانزاح أحدهما للحال وظهر في الجدار قفل فولاذي. # وعند ذلك أخذ حسن مفتاحا كان يعلقه في عنقه وقال لروكامبول: إن هذا القفل من صنعي، ~~وقد وضعت لفتحه طريقة كثيرة الإشكال بحيث تقتضي عدة أيام كي أعلمك إياها. # ثم أدخل المفتاح في القفل وأخذ يديره يمنة ويسرة وهو يلفظ ألفاظا لم يفهمها ~~روكامبول ويعد على أصابع يده اليسرى. # وما زال هذا دأبه عدة دقائق حتى فتح الباب، وهو باب متين من الحديد يتألف منه نصف ~~الجدار وقد صبغ بلونه، فظهر لروكامبول قبو آخر. # ودخل الاثنان فوضع حسن مصباحه فوق سبيكة ذهبية وقال لروكامبول: انظر الآن، هذا هو كنز ~~عثمان أمامك. # فأخذ روكامبول المصباح بيده وجعل يطوف في هذا القبو العجيب ؛ فلا تقع عينه إلا على ~~سبائك الذهب وأكداس اللآلئ واليواقيت وغيرهما من أنواع الحجارة الكريمة. # فدهش روكامبول وابتسم كأنه ذكر عهد حياته السابق حين كان تلميذا لأندريا، فلو ظفر ~~بمثل هذا الكنز في ذلك العهد لكان ظهر بريق خنجره في صدر حسن قبل أن يظهر لعينه بريق ~~تلك اللآلئ. # وبعد أن تفقد ذلك الكنز وعرف مقدار تلك الثروة الهائلة قال لحسن: إن عثمان أمرني أن ~~آخذ منك جميع الأموال، وأن أذهب بها وبولده إلى أوروبا فأدربه على بغض ~~الإنكليز. ~~- إن خاتم مولاي عثمان بإصبعك؛ فلا يسعني إلا الخضوع لك. # ثم خرج الاثنان من القبو الداخلي، فأقفل حسن باب الكنز وأعاد الحجر إلى موضعه، وصعد ~~الاثنان إلى البيت. # وكان الغلام قد عاد من الحمام، فلم يكد يراه روكامبول حتى أيقن أنه ابن الرجاه عثمان ~~لفرط ما وجد بينهما من الشبه، وقال: هذا هو ابن كولي نانا الحقيقي دون شك، وليس ذلك ~~الغلام الذي كنا نراه في بلاط عثمان. # وكان الغلام ينظر إلى روكامبول باندهاش فقال له حسن: هو ذا مولاك يا بني منذ الآن؛ ~~فاتبعه إلى حيث أمرك. # فقال له روكامبول: كلا، لم يحن الوقت بعد؛ فليبق الغلام عندك إلى أن أتم المعدات ~~اللازمة لرحيلنا. # فأطرق حسن برأسه وقال: ليكن ما ms1746 تريد. # أما الغلام فلم يفهم من كل ذلك غير معنى الافتراق، فجعل يبكي. # ثم نهض روكامبول يحاول الانصراف فقال لحسن: إنك لا تراني بعد الآن إلا في اليوم الذي ~~أكون قد تأهبت فيه للسفر، وأنا ذاهب الآن لأهتم بإيجاد جماعة من أهل الوفاء والإخلاص ~~أستعين بهم على نقل الأموال إلى سفينة بطريقة أمينة. # ثم ودعه وانصرف، فأقام عدة أيام في كلكوتا يبحث عن طريقة تعينه على نقل كنز عثمان إلى ~~أوروبا دون أن تشعر به الحكومة الإنكليزية. # ولم يكن روكامبول قد صحب من خدامه الأوفياء الذين كانوا له في بلاط عثمان غير خادمه ~~الوفي موساني، وكان يقيم معه في أحد فنادق المدينة السوداء، وقد رضي أن يغادر بلاده من ~~أجله ويسافر معه إلى أوروبا. # ففي ذات ليلة، قال موساني وعليه علائم الرعب: أرى، يا سيدي، أنهم قد عرفوا من نحن؛ ~~لأني أراهم يقتفون أثرنا حين خروجنا كل يوم. ~~- من الذي يتبعنا؟ ~~- رجل أسود أراه من أتباع تريبورينو. # فخطر لروكامبول أن يغير موضع سكنه، فانتقل وخادمه من المدينة السوداء إلى المدينة ~~البيضاء حيث كان يقيم الإنكليز. # وأقام هناك في فندق شهير، فخلع عنه ثياب الهنود وارتدى الثياب الأوروبية، فكان يظهر ~~للناس أنه سائح. # فبعد أن أقام في ذلك الفندق الجديد يومين شعر في الليلة الثالثة وهو يشرب الشاي أن ~~الشاي لزج، فلم يكترث لذلك لا سيما وأنه كان قد شرب كل ما في الكأس. # غير أنه لم يمض عليه ساعة حتى تثاقلت أجفانه، وشعر برغبة شديدة إلى النوم، فأطبقت ~~عيناه بالرغم عنه ونام نوما عميقا. # فلما استيقظ رأى أن أشعة الشمس قد ملأت غرفته، فنادى موساني الذي كان ينام في غرفة ~~مجاورة لغرفته، فلم يجبه، ولكنه سمع أنينا مزعجا. # وكرر النداء فتوالى الأنين، فوثب عند ذلك من فراشه وأسرع إلى غرفة موساني، فوجد ~~منظرا تقشعر له الأبدان وترتعد منه الفرائص. # ذلك أنه وجد الخادم الوفي مكبل اليدين والرجلين، ملقى على ظهره والدم يسيل من فمه، ~~وقد فتح موساني فمه حين رأى ms1747 روكامبول، فوجد أنه مقصوص اللسان. # وقد علم روكامبول أنهم قطعوا لسان خادمه وهو نائم في غرفته نوم تخدير. # فأسرع إلى حل وثاقه، وبينما هو يحل قيد ذلك المسكين صاح صيحة منكرة، وتراجع منذعرا ~~قانطا؛ لأن عينه وقعت على إصبعه فلم يجد فيه خاتم عثمان. # 14 # وكان موساني مقصوص اللسان فلقي روكامبول عناء شديدا بفهم حقيقة الذي حدث له؛ إذ كان ~~يكلمه بالإشارة. # أما الذي علمه منه، فهو أنه عند نصف الليل سمع ضجيجا رابه، فجاء إلى غرفة روكامبول ~~يبغي إيقاظه، ولكنه كان نائما نوم تخدير، فذهب كل جهد في إيقاظه عبثا. # ولما يئس من إيقاظه ذهب إلى الباب كي ينادي خدم الفندق. # ولكنه لم يكد يخرج من غرفة روكامبول ويصل إلى باب غرفته حتى شعر بأن غطاء كثيفا قد ~~ألقي على وجهه، ثم أحس برجلين قد حملاه وأوصلاه إلى غرفته وأقفلا بابها. # فدافع موساني دفاعا شديدا، ولكن الرجلين كانا أشد منه فألقياه إلى الأرض، ووضعا ~~كمامة في فمه كي لا يستغيث. # ولما صرعاه قيدا يديه ورجليه بحبل رفيع من الحرير، ثم أزاحا الغطاء عن وجهه بحيث ~~بات يسمع ويرى. # فرأى موساني أن هذين الشخصين كانا من الهنود، وعرف من ثيابهما أنهما من عباد ~~الإلهة كالي، أي من طائفة الخناقين التي عرف القراء فظائعها في الأجزاء السابقة. # وكان أحدهما لا يزال في عنفوان الشباب، والآخر كهلا، فكان الكهل يأمر والفتى ينفذ ~~تلك الأوامر. # فقال له الكهل: دعه الآن في مكانه وهلم بنا إلى غرفة رفيقه؛ فإن المخدر لا بد أن يكون ~~قد فعل فعله فيه. # ثم تركا موساني وذهبا إلى روكامبول، فهزاه في سريره هزا عنيفا فلم يستفق. # وعند ذلك ابتسم الفتى ابتساما يشف عما داخل فؤاده من الحقد وقال للكهل: أهذا هو ~~الذي غلب علي رمجاه؟ ~~- هو بعينه. ~~- ولماذا لا نخنقه؛ فهي أفضل فرصة للانتقام؟ ~~- ذلك لأن الذين أرسلونا منعونا عن قتله؛ لأن لهم في حياته مآرب كما يظهر. # فهز الفتى رأسه إشارة إلى الأسف، أما الكهل فإنه أخذ يد ms1748 روكامبول ونزع من خنصره خاتم ~~عثمان. # وبعد أن دقق النظر في فحصه قال: هو بعينه؛ فلندع الآن هذا الرجل نائما ولنعد إلى ~~رفيقه. # ثم وضع الخاتم في جيبه، وخرج الاثنان من غرفة روكامبول إلى غرفة موساني. # وكان موساني قد تمالك رشده، فجعل يفحص الشخصين بإمعان كي لا يغيب رسمهما عن ذهنه متى ~~أطلق سراحه. # فدنا أحدهما منه وأشهر خنجره فوضعه على عنقه وقال له باللغة الهندية: إننا سننزع ~~الكمامة عن فمك كي تستطيع الإجابة عما نسألك عنه، فتأهب للجواب، واعلم أنه لا فائدة من ~~صراخك؛ لأن جميع خدام هذا الفندق أعوان للذي أرسلنا، فلا تطمع أن يغيثك منهم أحد، وفوق ~~ذلك فإن مولاك قد أسقي مخدرا، فلو دوت المدافع قرب أذنه لا يستفيق. # وإن من طبع الهندي الحكمة والسكينة والصبر، فلما أيقن موساني أنه لا فائدة له في ~~المقاومة تظاهر بالاستسلام للقدر، وأشار بعينه إشارة تدل على تأهبه للجواب. # فنزع الكهل الكمامة عن فمه وبدأ بسؤاله فقال: إنك خادم هذا الرجل الأبيض، أليس ~~كذلك؟ ~~- بلى. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- أفاتار. ~~- أتعلم من أين أتى؟ ~~- كلا. ~~- متى دخلت في خدمته؟ ~~- من ثمانية أيام. ~~- إنك كاذب. ~~- بل أؤكد لكما أني لم أحضر إلى كلكوتا قبل ثمانية أيام. ~~- ربما كنت صادقا فيما تقول، ولكنك تعرف ذاك الرجل قبل هذه المدة. ~~- كلا. ~~- إنك منافق كذاب. # فقال له موساني ببرود: لا حيلة لي في قول الحق لمن لا يريد أن يسمعه. ~~- بل أنت كاذب لا تقول الحق، ألم يكن مولاك هذا الأبيض صديقا حميما للرجاه ~~عثمان؟ ~~- لا أعلم. ~~- ألم يعطه عثمان خاتمه قبل قتله؟ ~~- لا أعلم. ~~- بل تعلم، وهذا هو الخاتم. # فتكلف موساني الانذهال وعاد الشيخ إلى سؤاله فقال له: كن صادقا في قولك إذا كنت تؤثر ~~الحياة. ~~- لا أعلم إذا كان سيدي قد أخذ الخاتم من عثمان لأنه لم يقل لي شيئا، لكنك أنت الذي ~~قلت لي فصدقتك. ~~- إن هذا الخاتم أعطاه عثمان لمولاك كي يريه لشخص في كلكوتا. # فتكلف موساني هيئة البلاهة وقال: من هو ms1749 هذا الشخص؟ ~~- هذا الذي نبحث عنه لأننا لا نعرفه، ولا بد من الاهتداء إليه. ~~- يسوءني أني لا أعرف أيضا؛ فلا أستطيع أن أدلكم عليه. # فاتقدت عينا الشيخ ببارق من الغضب وقال له: إنك لو كنت تعلم العقاب الذي أعددته لك ~~لما تأخرت لحظة عن الإقرار، ولما أصررت على الكتمان. ~~- عاقبني بما تشاء فإني لا أعلم شيئا. # فظهرت على وجه الشيخ علائم نفاد الصبر، والتفت إلى رفيقه وقال له: لم يبق لنا فائدة ~~بلسان هذا الخادم فاقطعه. # فلم تظهر أمارات الخوف على موساني، وأخذ الفتى خنجره فقال: إني متأهب لقطع ~~لسانه. ~~- افعل؛ لأنه لا يزال مصرا على الكتمان. # وعند ذلك حاول موساني أن يقطع قيوده؛ فهب بقوة عظيمة فوقف على قدميه. # ولكن الهنديين انقضا عليه وألقياه على الأرض، فركع أحدهما فوق صدره وقال له: ~~تكلم. ~~- إني لا أعلم شيئا. ~~- قل لنا أين يقيم هذا الشخص الذي يريد مولاك أن يريه خاتم الرجاه عثمان. ~~- لا أعلم، لكني لو كنت عالما به لما أخبرت عنه. ~~- إذن قد جنيت على نفسك؛ فلتعاقب بما تستحقه. # ثم ضغط بيديه ضغطا شديدا على عنقه حتى اندلع لسانه، فأسرع الفتى إلى اللسان فجذبه ~~وقطعه بالخنجر. ~~••• # وبعد ذلك لم يعد موساني يذكر شيئا؛ إذ قد أغمي عليه لفرط ما نزف من دمائه، وأشغله ~~الألم عن كل شيء سواه، فلما استفاق من إغمائه جعل يئن أنينا مزعجا إلى أن استفاق ~~روكامبول من نومه وسمع أنينه ورآه على ما وصف. # وكان أول ما اهتم له روكامبول إغاثة هذا المسكين، فضمد جراحه بقدر ما تيسر له. # ثم ذكر غلام عثمان وثروته وسرقة الخاتم من إصبعه، فترك موساني في مكانه وخرج من ~~غرفته؛ بغية الذهاب إلى الشيخ حسن وإخباره بسرقة الخاتم؛ كي لا يخدعه السارق. # فلبس ثيابه وهم بالخروج، لكنه لم يبلغ باب الفندق الخارجي حتى فوجئ باثنين من البوليس ~~الإنكليزي وقبضا عليه. # 15 # وقد سأل أحد هذين البوليسين روكامبول قائلا: أأنت الذي يدعونه الماجور ~~أفاتار؟ ~~- نعم. # فقبض على أعلى ثوبه وقال له: ms1750 إذن هلم معنا. # وكان روكامبول قد تعلم أيام جهله أن مقاومة البوليس، في كل بلاد، لا فائدة ~~فيها. # وذلك لأن المجرم إذا حاول الفرار أو الدفاع تزيد جريمته ثبوتا في أعين القضاة، وأما ~~إذا سار مع الذين يقبضون عليه ساكتا هادئا متكلفا عدم الاكتراث؛ فإن ذلك قد يكون ~~من أوفر الأدلة على براءته. # فلما رأى روكامبول أن البوليس قبض عليه، وأيقن أن الجدال معه محال قال له: إني سائر ~~معك إلى حيث تشاء، لكني لست من رعاع المجرمين؛ فأرجوك أن ترفع يدك عني فأكون طوعا ~~لك. # فأجاب البوليس طلبه، وسار البوليسان وروكامبول بينهما. # وبعد أن ساروا هنيهة قال لهما روكامبول: ألا تريدان إخباري إلى أين أنتما ذاهبان ~~بي؟ # فقال له أحدهما: إلى قسم بوليس الناحية. ~~- ألعلك تعلم بماذا أنا متهم؟ ~~- كلا، وكل ما نعلمه أنه صدر إلينا الأمر بالقبض عليك. وهذه صورة الأمر. # ثم أطلعه على صورة الأمر. # وكانت كلكوتا مقسمة إلى عدة أقسام، وفي كل قسم مركز للبوليس ينظر في أمور ذلك ~~القسم. # فحسب روكامبول، في البدء، أنهما ذاهبان به إلى أقرب مركز من الفندق. # غير أن ظنه أخطأ؛ فإنهما مرا به بذلك المركز دون أن يدخلا به إليه، ثم واصلوا السير ~~فاجتازوا المدينة البيضاء إلى المدينة السوداء. # وكانوا يسيرون في الشارع الذي يقيم فيه الشيخ حسن، فسر روكامبول حين عرف ذلك ~~الشارع وقال في نفسه: إن السعد يخدمني دون شك؛ إذ لا بد لنا من المرور بدكان الشيخ حسن ~~فأراه، ولا أعدم وسيلة من الإشارة إليه على فقد خاتم عثمان مني. # وكان أمله يزيد كلما تقدم في ذلك الشارع من دكان الشيخ. # ولما كانوا في الطريق قال له أحد البوليسين: إنك قد تعجب لأننا لم نسر بك إلى مركز ~~البوليس التابع للجهة التي قبضنا عليك فيها. ~~- نعم، ولا أعلم كيف غيرتم معي ذلك الاصطلاح. ~~- إني مخبرك بالسبب: ألم تكن مقيما في المدينة السوداء منذ بضعة أيام؟ ~~- بلى. ~~- ألم تكن إقامتك في فندق الحية الزرقاء؟ ~~- بلى. ~~- إذن اعلم أنه ms1751 لا بد أن تكون الشكوى صادرة عليك من ناحية ذلك الفندق؛ فإن رئيس ~~البوليس في ذلك المركز أمرنا بالقبض عليك. # فلم يجب روكامبول بشيء. # وقال البوليس الثاني: أظن أن للقبض عليك علاقة بقتل ملاعب الأفاعي. ~~- ما هي تلك الحادثة؟ ~~- إنه كان يقيم في فندق الحية الزرقاء رجل صناعته ملاعبة الأفاعي، وقد وجد قتيلا في ~~الليلة الماضية، وربما كانوا يتهمونك بقتله. # فابتسم روكامبول، وكان إلى ذلك العهد موقنا أن لتريبورينو يدا في القبض عليه، كما ~~أنه كان واثقا أن سرقة الخاتم وقطع لسان خادمه من صنع ذلك الوزير الخائن. # غير أنه رأى أن البوليس يذكر له تلك التهمة بملء البساطة، فتزعزع ريبه، وقال في نفسه: ~~قد يكون القبض عليه لهذه التهمة، ولا يكون للوزير شأن فيها. # فإذا كان ذلك فقد يطلقون سراحي بعد استنطاق قصير المدى، فأعود إلى الشيخ حسن وأخبره ~~بحقيقة ما جرى. # لكنه كان يعلم بطء القضاء الإنكليزي في الأحكام، فخشي أن تطول مدة إيقافه والتحقيق في ~~أمره، فرأى أن الأولى الإسراع بإخبار الشيخ حسن حذرا من أن يخدعه الوزير وهو في ~~السجن. # وعند ذلك عزم على إدراك مآربه بالحيلة؛ ففيما هم سائرون مروا بخمارة فقال لهما ~~روكامبول: إني شديد الظمأ؛ فهل تأذنان لي بشرب شيء من المبردات؟ # قالا: بل نشرب معك أيضا؛ فإن الحر يكاد يقتلنا. # ودخلا معه وكانا يحادثانه بملء البساطة واللطف، فزادت ثقته بهما وأيقن أنهما ليسا من ~~أتباع الوزير. # وكان مما قاله لهما في خلال الحديث: إن هذه التهمة جائرة؛ فلست من القتلة المجرمين، ~~وفوق ذلك فقد تركت فندق الحية الزرقاء منذ أسبوع، والقتل حدث فيه أمس كما ~~تقولان. # فقال له أحدهما: لا شك عندنا ببراءتك؛ فإن مخائلك تدل على الشهامة والنبل والترفع عن ~~مثل هذه الموبقات، غير أنه صدر إلينا الأمر بالقبض عليك، ولا بد من تنفيذ أوامر الرؤساء ~~كما تعلم. # وقال الآخر: إننا نسوقك مكرهين إلى موقف القضاء لثقتنا ببراءتك، وعندي أن رئيس ~~البوليس لا يباحثك هنيهة حتى يثق من براءتك فيطلق سراحك ms1752 بعد أن يعتذر إليك. ~~- وأنا واثق مثلكما تلك الثقة. # وبعد حين مد يده إلى جيبه، ثم ضرب جبينه بيديه، وتكلف الأسف العظيم. # فقال له أحدهم: ماذا أصابك؟ ~~- لقد فقدت محفظة أوراقي وفيها جميع الأوراق التي تثبت جنسيتي، ولا أعلم كيف أثبتها ~~لدى رئيس البوليس. # ثم قال بملء اليأس: إن فيها أيضا أوراقا مالية قيمتها 200 جنيه أهبها لمن يرد إلي ~~المحفظة. # فنظر البوليسان كل إلى الآخر نظرة سريعة وقال له أحدهما: أتظن أنك فقدتها على ~~الطريق؟ # وقال الآخر: ألا يمكن أن تكون نسيتها في الفندق؟ ~~- كلا، لقد ذكرت الآن أين فقدتها؛ إني كنت ليلة أمس أتنزه في هذا الشارع، فلقيت فتاة ~~جميلة أرلندية من فتيات الهوى فذهبت وإياها إلى منزلها. ~~- ألعلها سرقت المحفظة ؟ ~~- كلا، إنها ذهبت بي إلى بيتها، وأنا واثق أن المحفظة قد سقطت في ذلك المنزل. ~~- ذلك ممكن. ~~- وقد يتفق أن الفتاة لم تر المحفظة. ~~- وأين بيت الأرلندية؟ ~~- لا أعلم نمرته ولا اسم الشارع، ولكني واثق أنه في هذا الشارع الذي نحن فيه. ~~- أتعرف الطريق إليه؟ ~~- دون شك؛ فهل تأذنا بالذهاب إليه؟ # فتشاور الاثنان بالنظر، ثم قال أحدهما: لا أجد بأسا من أن ينتظر رئيس البوليس ربع ~~ساعة أيضا، وفوق ذلك فإن البحث عن السرقات من واجباتنا؛ فهلم بنا إلى بيت الأرلندية ~~للبحث عن محفظتك. # فدفع روكامبول ثمن الشراب وخرج مع البوليسين، فتظاهر في البدء أنه عرف الطريق، ثم ~~أوهمهما أنه ضل عنها، فكان يندفع بهما إلى الأمام ثم يعود إلى الوراء وهما يتبعانه بصبر ~~عجيب دون أن يظهرا شيئا من الملل. # إلى أن أظهر علائم السرور وقال لهما: لقد اهتديت الآن، فهذا هو المنزل الظاهر ~~أمامنا. ~~- إذن لنذهب إليه. # وكان روكامبول رأى الشيخ حسنا عن بعد جالسا على باب منزله، فمثل الدور خير تمثيل، ~~حتى بات معتقدا أنه أضل البوليسين عن قصده. # ولما وصل إلى بيت الشيخ حسن وقف، فقال له البوليس: أين هو المنزل؟ # فدلهما على بيت مجاور لدكان الشيخ حسن. # فقالا: هلم بنا إليه. # 16 ms1753 # وكان الشيخ حسن جالسا عند بابه كما قدمنا، فلما رأى روكامبول آتيا مع البوليسين نظر ~~إليه نظرة انذهال لم تخف على الشرطيين، ووضع روكامبول سبابته على فمه يشير عليه ~~بالاحتراس، فتظاهر البوليسان أيضا أنهما لم يريا تلك الإشارة. # وسار الثلاثة، فلما مروا بالشيخ حسن رفع روكامبول يديه وظهرت على وجهه علائم الحزن ~~الشديد. # فنظر حسن إلى يديه فرأى أن خاتم عثمان مفقود، وأيقن أنه سرق من روكامبول أو أنه ~~أخذ منه بالعنف، فغمز بعينه إشارة إلى أنه أدرك القصد، وإلى أنه لا يمتثل لسواه ولو ~~أتى بالخاتم المفقود. # ولما وصلوا إلى المنزل الذي عينه روكامبول قال له البوليس: أهذا هو بيت ~~الأرلندية؟ # قال: وا أسفاه، إني أخطأت أيضا؛ فليس هو المنزل الذي دخلت إليه أمس. # وعند ذلك أخذ الرجلان يضحكان وقال له أحدهما: إني ناصح لك أن تقتصر اليوم على ما ~~أجريته من الأبحاث؛ فقد فعلت الذي تريد أن تفعله، وعرفنا ما نريد أن نعرفه. # فاضطرب روكامبول وأدرك بلحظة أن هذين الرجلين قد وقفا على سره، وأنهما ليسا على ما ~~كان يعتقد فيهما من السذاجة. # وفيما هو ينظر إليهما نظرات الانذهال التفت أحد البوليسين إلى ورائه، وأشار إشارة إلى ~~مركبة فيها عبدان كانا يسيران بها في أثر البوليس دون أن يلتفت روكامبول إليها. # أسرع العبدان بالقدوم وقال البوليس لروكامبول بلهجة المتهكم: إنك تعبت دون شك من ~~السير؛ فاصعد الآن إلى المركبة علك تستريح. # ثم فتح المركبة، ولم يكن فيها أحد، فصعد روكامبول وصعد بعده البوليسان. # وكان قد ذهل ذهولا شديدا حين سمع البوليس يقول: «قد فعلت ما تريد أن تفعله، وعرفنا ~~ما نريد أن نعرفه»، فبات يطيعهما فيما يريدان دون روية. # وسارت بهم المركبة فقال لهما: إلى أين تسيران بي؟ # قال له أحدهما: إلى محل بعيد، ثم أخرج مسدسه فوضعه فوق صدر روكامبول وقال له: إننا ~~نعرفك من أهل الدهاء والنشاط، فلا بد لنا من أن نتوقاك؛ ولذلك أشهرت عليك هذا المسدس، ~~فإذا حاولت الدفاع فأنت من الهالكين. # أما البوليس ms1754 الآخر فإنه أقفل باب المركبة بسكينة وأنزل ستائرها، ثم أخرج بإشارة من ~~رفيقه حبلا من الحرير المتين، وأوثق به يدي روكامبول وثاقا شديدا. # وبعد أن فرغ من تقييده أمره أن يخرج من المركبة، فخرج وبقي فيها روكامبول وبوليس ~~واحد، فقال له البوليس: أما وقد قيدناك الآن فلم يبق خوف علي من البقاء معك ~~وحدي. # وسارت المركبة بهما فاجتازت المدينة السوداء حتى وصلت إلى أبواب كلكوتا فوقفت، وحسب ~~روكامبول أن السير قد انتهى، ولكنه أخطأ في حسابه؛ فإنه حين وقفت المركبة أزاح البوليس ~~ستارها، وأسر إلى العبدين اللذين كانا يسوقانها كلمات لم يسمعها روكامبول، فاستأنفت ~~المركبة المسير وخرجت من المدينة. # وعند ذلك التفت البوليس إلى روكامبول وقال له وهو يبتسم: أنقذتك الآن من موقف ~~حرج . ~~- كيف ذلك؟ # فضحك البوليس ضحك المتهكم وقال: إن البوليس لم يخطر له في بال أن يتهمك بقتل ملاعب ~~الأفاعي. ~~- إذن بماذا يتهمونني؟ ~~- إنهم لا يتهمونك، لكن يريدون القبض عليك للاستيثاق منك ليس إلا. ~~- ولماذا؟ ~~- لأنهم لا يريدون أن تقضي تلك المهمة الخطيرة التي عهد إليك بقضائها الرجاه ~~عثمان. # فصاح روكامبول صيحة دهش دون أن يجيب. # فقال له البوليس: أرأيت كيف أن تريبورينو لا تخفى عليه خافية، وأن ولاءه خير من ~~عدائه. ~~- إن الوزير رجل خائن. ~~- لا أنكر ما تقول. ~~- إذن أنت تعرف أنه من الخائنين؟ ~~- دون شك، ولكن البحث في خيانته أمر لا يفيدنا بشيء، فاعلم الآن أن الوزير، أو هذا ~~الخائن كما تريد أن تدعوه، يعلم أن الرجاه قد عهد إليك بقضاء مهمة. ~~- قد يكون ذلك، ولكنه لا يعرف أسرار تلك المهمة. ~~- إنك مخطئ؛ فهو عارف بكل شيء. ~~- أيعلم بما وعدت به عثمان؟ ~~- بل يعلم أنه أعطاك خاتما. ~~- وهذا الخاتم؟ ~~- يعلم أنك إذا أظهرته لرجل في كلكوتا يعطيك كنوز الرجاه عثمان المخبوءة عنده، ولكن ~~الوزير لم يكن يعرف اسم هذا الرجل ولا أين يقيم. ~~- وهو لن يعرفه أبدا. ~~- إنك مخطئ أيضا؛ فقد عرفناه بفضل خطئك؛ وهو الشيخ حسن الخياط. # فاضطرب روكامبول اضطرابا عظيما دون أن ms1755 يظهر شيئا من اضطرابه ثم ابتسم وقال: إني ~~لا أفهم ما تريد أن تقول، ولم أسمع باسم هذا الرجل قبل الآن. # وكان روكامبول مطمئنا فلم يكترث لما سمعه من البوليس؛ لاعتقاده بأن عمال الوزير قد ~~يعذبون الشيح حسنا أفظع تعذيب، وقد يقتلونه، ولكنهم لا يعلمون منه موضع الكنز، وقد زاد ~~اطمئنانه حين رأى أن هذا الرجل المتنكر بملابس البوليس لم يسأله كلمة عن ابن الرجاه ~~عثمان، فأيقن أن تريبورينو لم يكن عالما بأمره، وأنه يعتقد أن الغلام هو ابن الشيخ حسن ~~وليس ابن الرجاه. # وطال بهما السير فقال له روكامبول: إلى أين أنت ذاهب بي؟ # إلى مكان بعيد كي يتيسر لتريبورينو الحصول على الكنز وهو في مأمن منك. # فعلم روكامبول أنه لم يبق له فائدة من سؤال هذا الرجل، وأنه خير له أن ينصرف إلى ~~التفكير في أمره، ويبحث عن طريقة صالحة لنجاته، فانزوى في المركبة يتظاهر بالنوم وهو ~~يعمل الحيلة والتفكير. # واستمرت المركبة على سيرها ذلك اليوم كله فلم تقف إلا عند المساء. # وعند ذلك أزاح البوليس ستار المركبة، فرأى روكامبول أنها وقفت في برية متسعة قرب غابة ~~كثيفة. # فنزل عامل تريبورينو من المركبة وأمر العبدين بالنزول، ثم أخرج روكامبول وقال له ~~بلهجة الساخر: إنك قد تعبت من الجلوس دون شك، وبت في حاجة إلى المشي والرياضة، فهلم ~~بنا نمشي في هذه الغابة؛ فإن المركبة لا تستطيع السير فيها. # ولم يكن لروكامبول سبيل للدفاع؛ فإن يديه كانتا مقيدتين وراء ظهره، وذلك الرجل ~~المتنكر بملابس البوليس مشهر عليه مسدسه، فلو حاول الدفاع قتل لا محالة دون أن ينفع ~~قتله ابن الرجاه. # فسار صاغرا بإزاء الرجل والعبدان يسيران وراءهما، فدخلوا إلى الغابة وساروا بين ~~أشجارها نحو ساعة. # وكانت الشمس قد توارت في حجابها، وأقبل الليل فوصلوا إلى شجرة عظيمة باسقة تكفي ~~أغصانها وعمدها لبناء سقف منزل بجملته، فوقفوا عندها، وعلم روكامبول في الحال ذلك ~~العقاب الهائل الذي أعد له. # ذلك أن هذه الشجرة كانت من النوع الذي يدعونه # Man ~~cenillier ~~، وهو ms1756 شجر سام يكثر وجوده في الهند وأميركا وجزائر ~~الأنتيل، فإذا أقام المرء في ظلها ليلة واحدة نفذت سمومها إلى رئتيه فنام نومة ~~أبدية. # فلما وقفوا عندها التفت البوليس إلى روكامبول وقال له وهو يضحك: قد وصلنا؛ فلا ~~نحملك بعد الآن مشقة السير. # 17 # وأشار عند ذلك إشارة إلى العبدين فانقضا في الحال على روكامبول وقيدا رجليه، ثم ~~ربطا حبلا في وسطه، وربطا هذا الحبل في الشجرة بحيث لم يعد يستطيع حراكا، وأيقن أنه ~~حكم عليه بالموت في ظل هذه الشجرة السامة. # ولما فرغ العبدان من تقييده قال له البوليس: إن تريبورينو دفعك إلى الفيل الجلاد ~~فانتصرت عليه، وقتلت ذلك الفيل العزيز، والآن قد قضيت المهمة التي عهد إلي قضاءها، ~~فأتمنى لك أن تسلم من هذا الخطر الجديد . # إنك رجل باسل مقدام تستحق خيرا من هذا الموت، ولكن الموت واحد مهما تنوعت أسبابه، ~~ومن كانت له بسالتك لا تروعه الشدائد، ويعرف طرق الصبر على الموت. # ثم قهقه ضاحكا وانصرف بعبديه. # وبقي روكامبول مقيدا بالشجرة لا يستطيع حراكا، فجعل ينظر إلى الرجل والعبدين حتى ~~تواريا عنه بين الأشجار، فبات وحيدا مقيدا في غابة لا يسكنها غير الوحوش الضواري، ~~فإذا سلم من أنيابها لا يسلم من سم الشجرة. # ولبث على هذه الحالة حينا وقد تمكن اليأس من قلبه، وبذل جهدا عظيما كي يقطع قيوده ~~فلم يستطع لمتانتها؛ فقد كانت من الحرير، وهي معقودة بطرق يستحيل حلها إلا على ~~عاقدها. # وهجم الليل، وسطع نور القمر، فأدرك روكامبول هول موقفه، وعلم أنه لم يصب في حياته ~~بأشد من هذا الخطر. # ولا يدرك هول هذا الموقف إلا من عرف غابات الهند الكثيفة؛ فإنها تكون في النهار هادئة ~~ساكنة، فإذا أقبل الليل هبت الرياح، واهتزت الأغصان، فخرج لاهتزازها صوت يضطرب له ذلك ~~الهدوء. # ثم يمتزج بتلك الأصوات أصوات أخرى تخرج كالرعد القاصف وهي أصوات النمور. # ثم يشعر الجالس فيها أن الأرض تهتز به، وذلك أن أسرابا من الفيلة لا عد لها تدخل إلى ~~تلك الغابات بعد أن ms1757 تكون قد أتلفت سهول الذرة والأرز في النهار، فتتساقط لاهتزازها ~~الأشجار من سيرها والأوراق الذابلة، وتحملها الرياح إلى السهول. # وهناك أصوات منتظمة رنانة تشبه أصوات (الصناجات) التي تنقر بها الراقصات المصريات، ~~وهي أصوات الأفاعي المعروفة بذوات الأجراس. # فإذا قدر لمنكود أن يقص موقف روكامبول في مثل هذه الغابة لا يلبث أن يضل رشده لما ~~يتولاه من الرعب. # ولم يكن عناء روكامبول قاصرا على الفزع، بل إنه كان يتألم آلاما شديدة من تأثير سم ~~الشجرة المقيد بها. # فقد شعر حين بدأ هواء الشجرة السامة ينفذ إلى رئتيه بحرارة شديدة عقبها صداع ~~أليم. # ثم زالت الحمى وتلاها برد شديد، فجعلت أسنانه تصطك، وجسمه يضطرب ويهتز، ومعدته تنكمش، ~~وقلبه يتصاعد حتى خشي أن يخرج من فمه. # ثم اشتد الصداع فكان يشعر كأن آلة من الحديد تضغط على صدغيه، وأن مطارق غير منظورة ~~تضرب رأسه ضربات غير متتابعة، وأن إبرا محددة الأطراف تخز رأسه من كل مكان. # وبعد هذا الصداع الأليم أصيب بما يشبه النزع، فقد تراكمت عليه الآلام حتى لم يعد يخص ~~عضوا دون آخر، ثم تلا ذلك الهذيان والبحران، فأصيب بما يصاب به شارب الأفيون، فكان ~~يتألم ويسر في حين واحد. # وجاء بعد ذلك دور التخيلات، فكان يرى نفسه تارة ممتطيا جوادا ينهب به الأرض في ~~البراري الفسيحة، ويرى مرة أن فتاة حسناء تداعبه وتلهب فمه تقبيلا. # ثم تنعكس هذه التخيلات فيرى أفعى هائلة تسعى إليه، ونمرا مفترسا فاغرا فمه راكضا ~~إليه، وفهدا جائعا يمد إليه براثنه لافتراسه. # وفي جميع هذه المدة يسري الموت إليه ببطء، وهو خير أنواع هذا العذاب. # وكان روكامبول يعود إليه الطمع بالحياة حين يسمع تلك الأصوات الهائلة المنكرة، فيجد ~~نفسه مقيدا أشد تقييد، فيحاول أن يصيح أو يستغيث فلا يخرج صوته من صدره، وقد خطر له أن ~~يصلي التماسا للعزاء، فلم يعلم ماذا يقول. # وكانت الحمى تمثل له في البدء تلك الأصوات والضواري، غير أنه لم يلبث بعد ذلك حتى ~~استحال الخيال إلى حقيقة، ورأى نمرا هائلا، ms1758 أرقش الجلد، متسع البراثن، كبير الشدقين ~~دنا من تلك الشجرة وقد شم رائحة الإنسان، فأسرع لافتراسه، ووثب حتى بات على عشرين خطوة ~~منه، فجعل ينظر إليه بعينين تتقدان كأنهما من لهب. # فانتفض روكامبول وقد أزال هذا المنظر الكريه آثار الحمى والهذيان، وعاد إليه كل رشده ~~لاستفحال الخطر، لا سيما حين سمع زئير هذا الوحش الضاري ترتج له أرجاء الفضاء كدوي ~~الرعود. # ولكنه وا أسفاه كان مقيد اليدين والرجلين مشدودا إلى الشجرة، فلا يستطيع دفاعا ولا ~~فرارا. # ووقف النمر بعيدا عنه ينظر إليه بعينيه الناريتين، فما شك أنه غدا فريسة هذا الوحش ~~المفترس. # غير أن النمر لم يتقدم ولبث في مكانه، ثم فتح شدقيه وجعل يزأر زئيرا يشبه دوي ~~المدافع وهو ينظر إليه دون أن يثب عليه. # وحملت الرياح زئيره الهائل، فتناقله الصدى، ودوى في تلك الغابة وفي الجبال المجاورة ~~لها. # وبعد ذلك خيل إليه أنه سمع زئيرا يشبه زئير هذا النمر من مكان بعيد، فحول النمر نظره ~~عن روكامبول، والتفت إلى الجهة التي سمع منها ذلك الصوت. # وكأنه كان ينادي رفاقه كي يستعين بهم عليه؛ فإنه لما سمع الزئير البعيد عاد هو إلى ~~الزئير المتصل. # وكان نور القمر ساطعا، فلم يمض هنيهة حتى رأى نمرا آخر قد انضم إلى النمر الأول، ~~فقال روكامبول في نفسه: لا شك أنه قد دعاها كي تشاركه في لحمي. # وكأنما للوحوش لغة سرية يتفاهمون بها؛ فإن النمرين حين التقيا جعل كل منهما ينظر إلى ~~الآخر كأنهما يتشاوران، ثم عادا إلى التحديق به دون أن يدنوا خطوة منه. # فحار روكامبول في أمرهما وترددهما وهو يتوقع انقضاضهما عليه كل حين إلى أن انجلت له ~~أسباب هذا التردد. # وذلك أن القمر كان في كبد السماء، فكان نوره يتدفق فوق الشجرة فبسط ظله حولها دائرة ~~من النور. # وكان روكامبول مقيدا في الشجرة فلا يصل إليه النور الحاجز بينه وبين النمرين، ~~فكأنهما خافا من النور، أو أنهما علما بالفطرة الغريزية أن الشجرة سامة فخشيا الدنو ~~منها، وهو أمر مشهور؛ فإن ms1759 الحيوان يدرك بالفطرة ما يضره كما يدركه الإنسان بالعلم ~~والاكتساب. # وربما كانا لا يعلمان أنه مقيد اليدين والرجلين ولا يستطيع حراكا، فكانا يتوقعان أن ~~يخرج من ظل الشجرة هاربا منهما؛ فينقضا عليه ويفترساه. # أما روكامبول فقد أصابه من الرعب ما لا يوصف، واشتدت عليه آلام التسمم حتى استفحل ~~يأسه، وفضل الموت العاجل بين أنياب هذه الوحوش الضواري على الموت البطيء بظل الشجرة ~~المسمومة، فلم يحتل على النمرين لإرهابهما وإبعادهما، بل عول على أن يثيرهما عليه كي ~~ينجو من حياة يفضلها الموت. # فجمع شفتيه وجعل يصفر وهو يرجو أن يثير النمرين بالصفير ويحملهما على الانقضاض ~~عليه. # غير أنه لقي عكس ما كان يرجوه؛ فإن النمرين ابتعدا حين سمعا الصفير وهما يزأران حتى ~~غابا عن نظره. # وحسب أنه قد نجا منهما، ولكنهما لم يلبثا أن عادا، فكانا يسيران ويقفان كأنهما يرهبان ~~أمرا، أو ينتظران نجدة. # وكانا يزأران زئيرا تدوي له الآفاق، فلم تمر هنيهة على ذلك حتى انضم إليهما ثلاثة ~~نمور أخرى. # وكانت آلامه قد اشتدت حتى بات يحسب الموت حياة، فقال في نفسه: لا بد أن تحمل الجرأة ~~أحد هذه النمور إلى اجتياز دائرة النور؛ فأنجو مما أنا فيه وأستريح. # ولكنه أخطأ حسابه أيضا؛ فإن النمور اصطفت شبه دائرة وجعل كل منها ينظر إلى رفيقه ثم ~~ينظر إلى ظل الشجرة السامة دون أن يجسر على اجتياز الدائرة. # غير أن عيونها البراقة النارية كانت تفعل فيه أكثر من براثنها، فعادت إليه الحمى ~~والهذيان، فتمثل له أن هذه الحيوانات الضارية لا حقيقة لها، وأنها خيالات مثلتها له ~~الحمى. # واشتد به الصداع فجعل يصيح متألما؛ فكانت النمور تجيبه عن صياحه بالزئير، ولكنها لا ~~تجسر على الانتقال من مواضعها، فكانت تقتله بزئيرها ونظراتها، والشجرة تميته برائحتها ~~السامة. # وفيما هو على ذلك رأى حيوانا آخر قد انضم إلى النمور. # ولم يكن هذا الحيوان نمرا، بل كان فهدا هائلا، أصفر الظهر، أبيض البطن، فأفسحت له ~~النمور محلا بينها، وجعلت تتطلع إليه ويتطلع إليها كأنها تقص عليه أمرها ms1760 معه. # وكأنما هذا الفهد لم يكن يدرك ما كانت تدركه هذه النمور من خطر الشجرة؛ فإنه وثب من ~~بينها فاجتاز دائرة النور غير هياب وانقض على روكامبول. # فأغمض روكامبول عينيه واستعان بالله على لقاء الموت؛ إذ لم يبق له شك فيه. # أما الفهد فإنه نشب براثنه في كتفي روكامبول، وجذبه جذبة قوية قطعت الحبل المشدود به ~~وسطه إلى الشجرة، ثم ألقاه فوق ظهره وفر به هاربا من النمور يعدو عدو البرق بين ~~الغابات الكثيفة. # أما النمور فإنها جعلت تعدو في أثره وهي تزمجر وتزأر وتطلب حظها من الفريسة. # وكانت النمور تعدو عدوا سريعا حتى أوشكت أن تبلغ الفهد وتنزع منه روكامبول، غير ~~أنها قبل أن تصل إليه دوى في أنحاء الغابة صوت غريب لم تألف الوحوش سماعه في ~~الغابات. # وكان هذا الصوت صوت طبل كبير له دوي شديد؛ فخافت النمور من هذا الصوت الغريب، وأركنت ~~إلى الفرار تاركة حقها من الفريسة للفهد. # ثم تلا صوت الطبل ظهور أنوار المشاعل؛ فكانت هذه الأنوار أدعى إلى فرار النمور من صوت ~~الطبل. # غير أن الفهد كان أشد منها جرأة، ولعله لم يخف لأن وقوع الفريسة بين يديه هاج نهمه ~~فلم يبال بالأخطار. # ولذلك لم يهرب؛ بل إنه ألقى روكامبول على الأرض، فوضع يده الهائلة فوق صدره، والتفت ~~إلى جهة النور، ومصدر الصوت وهو يتهدج من الغضب، ويصيح صيحات تكفي وحدها لقتل أشد الناس ~~جرأة؛ من الخوف في مثل هذا الموقف الرهيب. # وكان صوت الطبل يدنو من الفهد، وقد تألقت أنوار المشاعل فظهر حاملوها، فانشغل الفهد ~~عن النظر إلى روكامبول بالنظر إليها، وجعل يزيد هياجه كلما اقتربت منه، ويزيد ضغطه على ~~صدر روكامبول. # أما روكامبول فإنه نظر إلى تلك الأنوار فرأى ثلاثة من الهنود يحملون المشاعل، وآخر ~~يحمل طبلا ينقر عليه، وكلهم مسلحون بالبنادق؛ فاشتد رجاؤه بالنجاة، فلم يعد يحفل بضغط ~~الفهد وغضبه. # وكان الهنود قد دنوا من الفهد وباتوا منه على بضعة أمتار، فرأى روكامبول أحدهم قد صوب ~~بندقيته، ثم سمع فجأة صوت ms1761 إطلاقها، فصاح صيحة ألم شديدة؛ لأن الفهد ضغط عليه ضغطا ~~قويا كاد يحطم عظام صدره، ثم أطبق عينيه وأغمي عليه. # أما الرصاصة فقد أصابت قلب الفهد فسقط قتيلا، وكان ضغطه على روكامبول آخر ~~انتقام. # 18 # ولما استفاق روكامبول من إغمائه وجد نفسه في مكان لا يعرفه، ولم يجد أثرا للفهد ~~والنمور. # وقد وجد نفسه في منزل هندي مبني من القصب، وهو من المنازل التي يسكنها من يقيمون قرب ~~الغابات من الهنود، ويحصدون الذرة والأرز. # فلقي أمامه ثلاثة رجال لم يعرف منهم غير رجل واحد، لكنه ما لبث أن رآه حتى صاح صيحة ~~فرح؛ لأن هذا الرجل كان موساني خادمه الوفي الأمين. # أما خادمه فإنه أكب على يديه ورجليه يقبلها بملء الفرح والاحترام. # ثم أخبره بالإشارة أنه كان يحسبه من الأموات، وأنه إذا كان باقيا في قيد الحياة ~~فإنما ذلك بفضله وفضل هذا الرجل، وأشار إلى أحد الرجلين الهنديين. # فنظر روكامبول إلى الرجل الثاني الذي أشار إليه، فإذا هو رجل عالي القامة، أسمر ~~الوجه، أسود اللحية، تدل مخائله على النبل والجرأة والإقدام. # أما هذا الرجل فإنه لما رأى روكامبول ينظر إليه كلمه باللغة الفرنسية فقال: إنك ~~تريد أن تعرف دون شك من أنا؟ # فانحنى روكامبول إشارة الإيجاب، فقال الرجل: إني أدعى نادرا، وأنا زعيم تلك الجمعية ~~القادرة التي تقاوم الخناقين، فإن أولئك الخناقين من أبناء الإلهة كالي، إلهة الشر، أما ~~نحن فإننا من أبناء الإله سيوا إله الخير والصلاح. # إنك لا تعرف من أنا، ولكني أعرف من أنت، فإنك خدمتنا أجل خدمة بانتصارك على علي ~~رمجاه، زعيم الخناقين الأكبر، فقد كان عدونا اللدود، وإنما أنقذتك من أجل هذه الخدمة، ~~ولسنا من الذين يضيع عندهم الجميل. # فجعل روكامبول ينظر إلى هذا الرجل باندهاش. # أما نادر فإنه مضى في حديثه فقال: إن براثن الفهد قد مزقت جلدك وأصابتك بجراح كثيرة، ~~غير أني فحصت جراحك بعد أن قتلت الفهد فعلمت أنها غير بالغة. # وقد ضمدت جراحك على الطريقة الهندية، فوضعت في كل جرح مرهما ms1762 لا يعرفه غير الهنود، ~~وهو يشفي أشد الجراح ببضع ساعات. # وإنك ستشفى أتم الشفاء بعد يومين، وتصبح قادرا على العودة إلى كلكوتا، وهناك لا خوف ~~عليك فإن نفوذي يحميك. # فنظر إليه روكامبول نظرة أعربت عن امتنانه العظيم وقال: إني أشكرك كيفما كنت. # وعاد نادر إلى الحديث فقال: لقد أنقذتك اعترافا بجميلك على جمعيتنا كما تقدم، ولكن ~~كان لي في إنقاذك مأرب آخر؛ وهو أني سأحتاج إليك يوما ما. ~~- مر بما تريد؛ فإن هذه الحياة التي أنقذتها باتت وقفا لخدمتك. ~~- سأخبرك فيما بعد بحاجتي إليك، وأما الآن فدعني أقص عليك كيف أنقذتك من ذلك الموت ~~الهائل. # ثم جلس على كرسي قرب مقعد من القصب الهندي كان روكامبول نائما عليه وقال: إن ~~لطائفة الخناقين جواسيس منتشرة في كل مكان، وكذلك نحن، فإن لنا كثيرا من الجواسيس، ~~ولنكد الطالع أني لم أكن في كلكوتا حين جئت أنت إليها، ولم أعلم بمقاصد تريبورينو ~~إلا بعد فوات الأوان. # وذلك أني كنت في صباح أمس في منزلي، فدخل علي خادمي وأخبرني أنه على الباب رجل هندي ~~يريد أن يطلعني على أمور خطيرة. # فأمرت بإدخاله، فدخل الرجل وجثا على ركبتيه أمامي وقال: إني يا مولاي من أبناء سيوا ~~مثلك، ولكني دخلت في خدمة تريبورينو ولا أحب أن يصاب من تحميه بمكروه. # ثم أخبرني أنه باغت خادمين مخلصين في خدمة الوزير، فعلم من حديثهما أنهما سرقا في ~~الليل خاتم عثمان من إصبعك، وأنهما قطعا لسان موساني. # وقد علم أيضا أنهما عازمان على اختطافك، والذهاب بك إلى غابة وربطك إلى شجرة سامة كي ~~تموت في ظلها. # ثم ذهب بي ذلك الرجل الذي أخبرني بهذا النبأ إلى فندق باتافيا الذي كنت تقيم فيه حين ~~سرقوا منك الخاتم، فعلمت أن صاحب الفندق من أتباع الوزير، وأن بوليسين إنكليزيين قد ~~قبضا عليك. # وقد رأيت في هذا الفندق موساني فضمدت جراحه، وذهبت وإياه لاقتفاء أثرك، فعلمت أنك قد ~~تقدمتنا، وعرفت من الهنود أنهم قد خرجوا بك من كلكوتا بمركبة مقفلة تجرها الجياد، ~~فامتطيت ms1763 مع موساني جوادين وخرجنا أيضا من كلكوتا للبحث عنك. # وكنا كلما رأينا جماعة من المزارعين نسألهم عن المركبة فيرشدوننا إلى الطريق التي ~~سارت فيها. # لكن أقوالهم كانت متفقة على أنكم كنتم تتقدمونا بعدة ساعات. # وما زلنا نسير من محطة إلى محطة حتى انتهينا إلى منزل في هذه الغابة، فرأيت هناك ~~المركبة التي حملتك وجيادها، فعلمت أنهم قد توغلوا بك في الغابة. # وكنت أعلم أن هذه الغابة كثيرة الطرق، فليس من الحكمة أن أقفو أثركم فيها. # ثم إني كنت أعلم أن الأشجار السامة لا تقتل في أمد قصير؛ ولذلك رأيت أن أكمن عند مدخل ~~الغابة للذين ذهبوا بك إليها؛ إذ لا بد لهم من العودة إلى المركبة التي تركوها عند ~~المدخل. # فاختبأت مع موساني بين الأدغال نحو ساعتين. # وبعد ذلك رأيت ثلاثة رجال قد خرجوا من الغابة، وهم عبدان أسودان ورجل أبيض لا فرق بين ~~لونه ولون الإنكليز؛ فعرفت للحال أنه من أخلص الناس في خدمة الوزير وقلت في نفسي: إن ~~هذا الرجل يؤثر الموت وكل عذاب على خيانة سيده؛ فهو لا يهدينا إلى الشجرة السامة التي ~~قيدوك فيها، ووجوده يضر بنا. # وصبرت عليه حتى رأيته يصعد إلى المركبة فأطلقت عليه رصاصة من بندقيتي، فأصابت منه ~~مقتلا وسقط صريعا. # وعند ذلك خرجت مع موساني من بين الأدغال وهجمنا على العبدين، فركعا أمامنا وهما ~~يطلبان العفو، فسألتهما أن يرشدانا إلى الشجرة التي قيدوك فيها وأنذرتهما ~~بالقتل. # أما أحدهما فأبى أن يرشدنا كل الإباء؛ فطعنه موساني بخنجرة طعنة كانت القاضية. # وأما الثاني فإنه لما رأى ما كان من قتل رفيقه خاف من الموت ورضي أن يرشدنا ~~إليك. # وكان الليل قد أقبل فأحضرت المشاعل للاهتداء، والطبل لطرد الوحوش والأفاعي، ودخلنا ~~جميعا إلى الغابة حتى اهتدينا إليك وأنقذناك من الفهد، وأنت تعرف البقية. # فشكره روكامبول شكرا جزيلا ثم قال له: إني مدين لك بالحياة، ولم يبق إلا أن تخبرني ~~بما تنتظره مني. ~~- ستعرف ذلك بعد يومين حين نصل إلى كلكوتا، وأما الآن فلا بد لك ms1764 من الراحة. # ثم تركه وانصرف. # 19 # وبعد ذلك بيومين كان روكامبول في كلكوتا؛ فإن المرهم الذي عالجه به نادر قد أفاده ~~فائدة عظيمة فلم يشعر بشيء من الألم. # وكأن حسن وفائه لعثمان قد أسرع في شفائه؛ فإنه ذكر سرقة الخاتم منه فكاد يجن من ~~إشفاقه على الكنز وابن عثمان. # وفيما هو يدخل باب المدينة مع نادر قال له نادر: إننا قد بلغنا كلكوتا فلا أفارقك بعد ~~الآن، ومتى كنت معك فلا خوف عليك من الوزير مهما بلغ من السلطة والنفوذ. ~~- إني صدقتك ولي بك ثقة لا تتزعزع. ~~- إلى أين تريد أن نذهب الآن؟ ~~- إلى الشيخ حسن؛ فإني مضطرب البال عليه. ~~- إذن هلم بنا. # وسار الاثنان إلى المدينة السوداء حتى إذا وصلا إلى منزل حسن سرى الأمل إلى فؤاد ~~روكامبول ؛ لأنه وجد الشيخ حسنا جالسا كعادته عند عتبة الباب. # وقال روكامبول في نفسه: لا شك أنه فهم إشارتي فلما جاءوا بالخاتم لم يخبرهم ~~بشيء. # ثم دنا روكامبول مع نادر منه، فنظر حسن إلى روكامبول نظرة تدل على عدم ~~الاكتراث. # فعجب روكامبول لهذا الفتور وقال له: ألم تعرفني؟ # فنظر إليه الشيخ نظرة تدل على البلاهة دون أن يجيب. # فقال له روكامبول: كيف لم تعرفني أيها الشيخ؟ أنا هو القادم من قبل الرجاه ~~عثمان. # فارتعش حسن عند سماعه اسم عثمان، ثم ابتسم ورفع يديه إشارة إلى أن الأمير بات في ~~السماء. # فقال نادر لروكامبول: إن هذا الرجل قد اختلط عقله؛ فإن عينيه تشيران إلى أنه مصاب ~~بالجنون. # وكانت هناك فتاة جالسة عند باب المنزل المجاور لمنزل حسن، فدنت من نادر وروكامبول ~~وقالت لهما: ألعلكما من أقرباء هذا المسكين؟ # فقال نادر: نعم. ~~- يظهر أنكما لم تعلما ما أصابه؛ فإن ثلة من الجنود قد طوقت منزله مساء أول أمس، فخرج ~~حسن إليهم وهو منذهل مما يرى، فقبضوا عليه، وأراه رئيسهم خاتما كان في إصبعه. # أما حسن فإنه نظر إلى الخاتم بانذهال قائلا: إني لا أعلم ما تريد. # فدخل الجنود عند ذلك به إلى المنزل وأقفلوا ms1765 بابه، فجعل حسن يصيح صياحا سمعه كل ~~الجيران، فسمعناه يقول: إني رجل خياط فقير، فمن أين تأتيني الكنوز؟! # وكان الجنود ينذرونه بالقتل إذا لم يبح بسر الكنز فيقول لهم: اقتلوني في الحال ولا ~~تعذبوني؛ فإني شيخ كبير ولا طاقة لي على احتمال العذاب. # لكن الجنود لم يقتلوه، بل إنهم أشعلوا النار في المنزل، فكنا نرى نورها ينفذ من ~~النوافذ، ثم سمعناه يصيح صياحا يدل على الألم الشديد، ثم سمعنا غناءه فعلمنا أن العذاب ~~أفقده الصواب. # وذلك أن الجنود قد حملوه بأمر رئيسهم وعرضوا قدميه للهب النار فلم يغنهم تعذيبه ~~شيئا. # ولما يأسوا من إقراره ورأوا أنه كاد يشرف على الموت تركوه وجعلوا يفتشون المنزل، فما ~~تركوا شيئا في مكانه، ولكن يظهر أنهم لم يجدوا شيئا من تلك الكنوز الوهمية ، فإنهم ~~خرجوا صفر اليدين. # فتنهد روكامبول عند ذلك تنهد المنفرج؛ ليقينه من بقاء الكنز في موضعه، وقال للفتاة: ~~لقد كان للشيخ حسن غلام، فأين هو؟ وماذا جرى له؟ ~~- إن الجنود أخذوه ولم نره بعد ذلك. # فهمس روكامبول في أذن نادر وقال: إن هذا الوزير الخائن قد قبض على الغلام. ~~- سنجده إلا إذا كانت سولت له النذالة أن يقتله. ~~- لندخل إلى منزل هذا المسكين المختل فقد نقف منه على شيء. # فوافقه نادر، ودخل الاثنان فتبعهما حسن وعليه مظاهر القلق كي يمنعهما عن الدخول، لكنه ~~لم يسر خطوة حتى سقط لاحتراق قدميه. # فحمله روكامبول ودخل به إلى المنزل، ثم أشار إلى نادر أن يقفل الباب فأقفله، ودخلوا ~~جميعا، فكان حسن ينظر إليهم نظرات الرعب. # ثم نزلوا إلى القبو، فجعل روكامبول ينقر بيديه على الجدار كي يهتدي من الصوت إلى باب ~~الكنز الدفين، كما فعل حسن من قبل، فاهتدى من الصوت إليه، وأخذ خنجره وأدخله بين حجرين ~~فانزاح أحدهما وظهر القفل الفولاذي. # وعند ذلك جعل حسن يضحك ضحكا عاليا كأنه كان يهزأ بهما لوثوقه من أن هذا الباب لا ~~يستطيع أحد غيره أن يفتحه، ثم انقطع ضحكه واستولى عليه رعب رهيب فبكى بكاء ~~الأطفال. ms1766 # أما روكامبول فإنه كان واثقا من أن الجنود لم يهتدوا إلى الكنز. # لكنه أراد أن يعالج هذا الباب عله يستطيع فتحه ليطلع نادرا على ما فيه من ~~الأموال. # وكان يعلم أن المفتاح معلق بعنق حسن، فاستعان عليه بنادر وأخذ منه المفتاح بالرغم من ~~دفاعه الشديد. # ثم ذهب به إلى القفل فأدخله فيه، وجعل يديره يمنة ويسرة مرات كثيرة دون أن يتمكن من ~~فتحه، فنظر نظرة يأس إلى نادر وقال له: إن لقفل هذا الباب سرا لا يعرفه إلا حسن، لكنه ~~مجنون وا أسفاه. # فأجابه نادر: ثق بي، فسأهتدي إلى فتحه، وإني لم أتول زعامة قومي عبثا، ثم ابتسم ~~ابتسامة تدل على ثقته بنفسه، فذهب عن روكامبول ما كان يشعر به من اليأس. # 20 # وكان نادر قد أدرك صعوبة الوقوف على أسرار القفل فقال لروكامبول: إننا قد نشتغل ~~أشهرا كثيرة في محاولة فتح هذا الباب بمفتاحه دون أن نهتدي إلى سره. # فإنكم - معاشر الأوروبيين - قد اخترعتم أقفالا تفتح بحروف يصطلح عليها، لكن الهنود ~~قد سبقوكم بمراحل في مضمار هذا الاختراع. # وذلك أنكم جريتم بها على طريقة الحروف وجرينا بها على طريقة الأرقام، وشتان بين ~~الطريقتين؛ فإن الحروف محدودة، وأما الأرقام فلا حد لها. # ولا بد أن يكون هذا الباب قد أقفل بأرقام لا يمكن معرفتها إلا من الشيخ حسن، وإلا فلا ~~سبيل إلى حلها. ~~- لكنه مجنون. ~~- إني أعلم ما تعلمه من جنونه. ~~- إذن ألعلك تريد أن تشفيه؟ # فهز نادر رأسه وأجاب: لا فائدة من ذلك. # فلم يفهم روكامبول شيئا من قصده. أما نادر فإنه ابتسم وقال له: هلم نبرح هذا القبو ~~إلى المنزل؛ فإننا نتحدث فيه كما نريد. # فأخرج روكامبول المفتاح من القفل وأعاد الحجر كما كان، ثم صعد مع نادر بالشيخ حسن إلى ~~المنزل، فكان حسن يصفق بيديه تصفيق تهكم كأنما قد عاد إليه بعض صوابه، وعرف أنهما لا ~~يستطيعان فتح الباب. # ولما دخلوا إلى المنزل وأقفلوا جميع أبوابه، قال نادر لروكامبول: إن الوزير قد أتقن ~~اللغة الهندية كل الإتقان، ms1767 بحيث لم تعد تخفى عليه خافية من دقائقها، غير أنه لم يتقن ~~درس أخلاقنا وعاداتنا؛ فهو إنكليزي النشأة ولا يمكن أن يكون هنديا محضا. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يجهل بعض أسرارنا؛ فإن الهند بلاط السموم القاتلة والمخدرات الخفية، فإن كان ~~الوزير قد عرف شيئا منها فقد غابت عنه أشياء، ولو كان يعرف منها ما أعرفه لتيسر له ~~الحصول على الكنز. # فعجب روكامبول وقال له: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنه كان يستطيع الوقوف على سر الكنز من حسن نفسه، بل إنه كان فتح له باب الكنز ~~بيده. ~~- أيفتح الشيخ حسن باب الكنز للوزير؟! ~~- دون شك. # فزاد عجب روكامبول، أما نادر فإنه مضى في حديثه قائلا: إن الهندي إذا عطش عصر قطعة ~~من الليمون في كأس من الماء فأروى ظمأه، وإن الهندي إذا أرق وتعذر عليه النوم أخذ ~~حبة من الأفيون فابتلعها، وإذا جرح داوى جرحه بمرهم يستخرجه من عصير نبات يدعى باللغة ~~الهندية يوما، ومعناه لسان الحية، وبهذا المرهم قد شفيت جراحك. # فإذا مزج الليمون المرطب مع الأفيون المنوم ولسان الأفعى الذي يشفي الجراح؛ تألف من ~~هذا المزيج سم غريب لا يخطر في بال أحد منكم معشر الإفرنج. # وذلك أن من يشرب جرعة من هذا المزيج يصاب بفرح عصبي غريب؛ فينطلق لسانه بالكلام، ~~ومهما كان كتوما حريصا على أسراره فإنه لا يلبث أن يشرب هذا المزيج حتى يبوح بكل ~~أسراره. # فتنبه روكامبول لحديث نادر وذكر حادثة بعيدة جرت له حينما كان تلميذا لأندريا، وهو ~~ذلك الشراب الذي أعطاه إياه أندريا، فأرغمته باكارا على شربه ووقفت منه على جميع أسرار ~~أستاذه. # فبذل روكامبول معظم جهده كي يطرد تلك الذكرى المؤلمة ثم قال لنادر: كيف نستطيع الآن ~~الحصول على مواد هذا المزيج؟ ~~- ذلك سهل ميسور؛ فإن ورق لسان الحية معي في جيبي. # ثم أخرج من جيبه ضمة من أوراق صغيرة تشبه ورق الورد ووضعها أمامه على الطاولة. ~~- والأفيون؟ # فابتسم نادر وقال: إن الهندي مهما كان فقيرا ومهما كان الأفيون غاليا فلا بد أن ~~يوجد في منزله ms1768 كمية منه. # ثم قام إلى طاولة كان الشيخ حسن يضع فيها أدوات الخياطة وفتح درجها وجعل يبحث فيها، ~~فوجد حبة صغيرة من الأفيون فأخذها ووضعها أمام الأوراق الجافة. # فرد روكامبول: بقي علينا الليمون. ~~- هلم بنا نبحث في البيت علنا نجد قطعة منه. # فبحثوا فلم يجدوا شيئا، فذهب نادر إلى الباب ففتحه، ووجد الفتاة الهندية لا تزال ~~جالسة عند عتبة الباب، فأعطاها غرشا وسألها أن تشتري له به ليمونا لمعالجة الشيخ، ~~فامتثلت الفتاة وعادت بعد هنيهة بالليمون. # وعند ذلك أخذ نادر جرنا صغيرا من مطبخ المنزل فغسله ثم سحق فيه حبة الأفيون، وفت ~~لسان الحية فمزجها مع الأفيون، ثم نقلها إلى كأس ماء وعصر فوقها الليمون، فظهر لون ~~المزيج أحمر كشراب الورد. # وكان حسن ينظر إلى نادر نظر البلاهة. # فدنا نادر وهو يحمل الكأس وقال له: اشرب؛ فإن هذا الشراب مفيد لك. # فأخذ حسن الكأس من يده، وشرب نصفه جرعة واحدة كما يشرب الطفل ما يعرض عليه دون أن ~~يعرف ما يشرب. # فالتفت نادر إلى روكامبول وقال له: راقب الآن هذا الرجل، سوف ترى ما يكون تأثير هذا ~~الشراب. # أما حسن فإنه لم يكد الشراب يستقر في جوفه حتى أصيب في البدء بذهول عظيم، ثم جعل وجهه ~~يتلون وعيناه تتقدان، وانطلق لسانه بكلام لا يفهم، فكان كمحموم مصاب بالهذيان. # وعند ذلك قال نادر لروكامبول: اتبعني الآن. # فتبعه، ونزل الاثنان إلى القبو فقال له نادر: أزح الحجر وضع المفتاح في القفل، ~~ففعل. # أما حسن فإنه كان لا يزال في المنزل يهذي، ثم بدت عليه مظاهر الفرح والارتياح، فجعل ~~يغني ويدعو نادرا وروكامبول إلى سماع غنائه وكأنه لم يرق له أن يتمتع وحده بسماع ~~غنائه، فتبع روكامبول ونادرا إلى القبو وهو يزحف زحفا لآلام قدميه. # والتفت روكامبول بعد أن وضع المفتاح في القفل فرأى حسنا خلفه يضحك. # أما نادر فإنه جعل يدير المفتاح في القفل وهو يتظاهر بالاضطراب والقلق، فلما رآه حسن ~~على تلك الحال ضحك ضحك المتهكم ووقف فدفع نادرا بكوعه، ووضع ms1769 يده على المفتاح ثم نظر ~~إليهم نظر الهازئ، وأدار المفتاح عدة مرات ففتح الباب، وظهر الكنز وما فيه من الذهب ~~الوضاح واللآلئ اللامعة. # 21 # أما حسن فإنه بعد فتح الباب أظهر من غرائب الاحتيال ما أضحك الاثنين، ثم حاول أن ~~يقفله، ولكن روكامبول حال بينه وبين الباب، وحمله نادر فأدخله إلى قبو الكنز وألقاه على ~~الأرض. # فقاوم حسن مقاومة ضعيفة، ثم لما رأى نفسه ملقى على الأرض نسي ما هو فيه وعاد إلى ~~هوسه، فجعل يبكي ويغني ويندب ويستبشر في حين واحد. # فقال نادر لروكامبول: إننا إذا أقفلنا هذا الباب لا نستطيع فتحه بعد إقفاله، ولا ~~نستطيع البقاء على هذه الحالة المخطرة؛ لأن عين الوزير غير غافلة، ولما كان واثقا أن ~~الكنز موجود في هذا المنزل فهو قد أحاطه بالجواسيس، وبث حوله الأرصاد والعيون؛ لأنه لم ~~يكتف بتفتيش أعوانه لهذا المكان. ~~- هذا لا ريب فيه، فماذا يجب أن نعمل؟ # فأطرق نادر هنيهة يفكر ثم قال: لدي رجال مخلصون، لكن يقتضي لي وقت لجمعهم. ~~- ولو جمعتهم، أتعهد إليهم بمراقبة هذا المكان؟ ~~- كلا، ولكني أستعين بهم على نقل جميع ما في هذا القبو من الذهب والجواهر. ~~- إلى أين تنقلهم؟ ~~- اصبر فسأجيبك متى أمنا صياح هذا الرجل؛ فإنه يقلقنا ببكائه وغنائه. احرص عليه ~~إلى أن أعود. # ثم تركه في القبو وصعد إلى المنزل، فأخذ من درج حسن كمية كبيرة من الأفيون فوضعها في ~~غليونه وأشعله، ثم عاد به إلى حسن فأعطاه إليه، فما طال تدخينه حتى سكت وتمكن منه ~~الذهول. # وعند ذلك جلس نادر فوق برميل في القبو وقال لروكامبول: أصغ إلي الآن أيها الصديق، إن ~~هذه الأموال المودعة في هذا القبو كثيرة جدا، بحيث يتعذر نقلها إلى أوروبا بالطرق ~~العادية المألوفة؛ لأن عمال الجمارك يفتشون السفن قبل سفرها، وإذا عثروا بهذه الأموال ~~ضبطوها دون تردد. ~~- لكني تعهدت لعثمان وهو يحتضر أن أنقلها. ~~- دون شك. ~~- إذن يجب نقلها إلى أوروبا. ~~- إنك تستطيع نقل الأحجار الكريمة، وأما الذهب فلا فائدة من نقله. ~~- لماذا؟ ~~- دعني ms1770 أخبرك قبل ذلك كيف يسهل علينا نقل الجواهر: اعلم أن لطائفة أبناء سيوا التي ~~أتولى رئاستها ثروة واسعة تزيد على ثروة أعدائهم أبناء كالي. # ولنا مثلهم عمال ووكلاء سريون بين الإنكليز يخضعون لنا كل الخضوع، ويمتثلون ~~لأوامري كل الامتثال. # وإن بين أبناء طائفتي الذين يعتمد عليهم في المهمات ربان سفينة إنكليزية يدعى جون ~~ثان، وهو لي من أصدق المخلصين، وسيسافر إلى لندرا بعد ثمانية أيام بشحنة من الحبوب؛ ~~ولذلك رأيت أن أخبئ الجواهر داخل أكياس خاصة مشحونة حبوبا، فإذا تفقدها عمال الجمارك ~~لا يهتدون إليها. ~~- إذا كان ذلك كما أخبرتني، فلماذا لا نشحن الذهب أيضا داخل تلك الأكياس؟ ~~- لأن الذهب كثير، وهو أثقل من اللآلئ، فإذا شحن على تلك الطريقة تعرض للخطر. ~~- إذن كيف ينقل الذهب إلى أوروبا؟ ~~- لا حاجة إلى إرساله إلى أوروبا، بل يظل في الهند، وذلك أننا ندفعه إلى خزينة طائفة ~~أبناء سيوا، وأنا أعطيك حوالة بقيمته على مصرف من مصارف لندرا العظيمة، فيدفعها إليك في ~~الحال. ~~- إنها طريقة حسنة غير أنه كيف يتيسر لنا نقل تلك الأموال من القبو. ~~- هنا وجه الصعوبة؛ إذ يستحيل علينا إخراج الأموال من باب هذا المنزل دون أن يشعر بنا ~~الذين يراقبونه. ~~- إني لا أرى ما تراه؛ لأن الوزير كان منذ يومين يجهل اسم هذا الرجل. ~~- ذلك ممكن غير أن البوليس الإنكليزي لا تغفل له عين، ومثل تلك القيمة من الثروة لا ~~يسهل تهريبها أمام عينيه. ~~- هو ما تقول غير أن تلك الثروة لم تدخل دفعة واحدة إلى القبو، فهي تخرج منه أجزاء ~~متفرقة كما دخلت إليه. ~~- ذلك ممكن أيضا غير أني أعتقد أن لهذا القبو مخرجا آخر من غير بابه الذي دخلنا ~~منه، فهلم نفتش عن هذا المخرج، فإذا وجدناه أخرجنا المال بجملته منه، وذلك خير من ~~إخراجه متفرقا؛ فإن الوقت غير متسع لدينا، وعلينا كثير من الرقباء والعيون. ~~- ليكن ما تريد؛ فلنبحث. # ومشى نادر إلى جدار القبو فجعل ينقر عليه بقبضة خنجره في أمكنة مختلفة حتى اهتدى إلى ~~مكان ms1771 سمع منه صوتا يدل على فراغ فقال: هو ذا المخرج وسوف ترى. # ثم أخذ خنجره وجعل يزيح به الكلس المتجمد في الجدار، حتى إذا كشطه ظهر له تحته ثقب ~~تمد منه اليد، فمد يده فشعر بزلاج وراء الجدار، فرفع الزلاج ودفع الجدار بيده، فإذا ~~الجدار باب فتح وظهر منه سرداب طويل مظلم، فظهرت علائم السرور على وجه نادر وقال: هو ذا ~~المخرج الذي كنت أتوقع وجوده. ~~- إلى أين ينتهي هذا السرداب. ~~- سوف نعلم؛ إذ لا بد لنا من المسير فيه. ~~- لكن ما نصنع بحسن فإنه قد يقفل علينا الباب؟ ~~- لا تخف، لقد سقيته كمية كبيرة من الأفيون؛ فهو لا يستفيق منها قبل عدة ساعات ولا ~~خوف علينا منه، هلم بنا. # ثم أخذ المصباح الذي كانوا يستنيرون به في القبو ودخل إلى السرداب، فتبعه ~~روكامبول. # 22 # مما يؤثر عن الإنكليز وتأثيرهم على البلاد التي يحتلونها، والأمم التي يسيطرون عليها، ~~أن كل بلد تطأ أقدامهم فيه تنتشر بين قومه عاداتهم وأخلاقهم، ويجري قومه تقليد الإنكليز ~~في كل شيء حتى في طريقة إنشاء منازلهم. # مثال ذلك كلكوتا؛ فإن بعض شوارعها لم يكن يفرق بشيء عن شوارع لندرا، حتى إن المدينة ~~السوداء نفسها، أي مدينة الوطنيين، امتدت إليها يد الهندسة الإنكليزية. # ومما فعله الإنكليز في كلكوتا أنهم بنوا المجاري تحت الأرض، وأنشأوا بركة عظيمة في ~~المدينة من جنوبها إلى شمالها، فكانت تشبه ميناء داخليا. # وكانت مياه المجاري تصب في تلك البركة من أقنية مبنية تحت الأرض، فإذا حان وقت الجزر ~~دخلت مياهه إلى البركة وحملت أقذار المجاري. وكانوا يستعملون البركة أيضا لإصلاح ~~السفن، وكان نادر يعلم دون شك بأمر البركة، فكان يرجو أن يجد منفذا إليها من السرداب، ~~فمشى أمام روكامبول بمصباحه. # أما السرداب فكانت قبته عالية بحيث لا يضطر السائر فيه إلى الانحناء، لكنه كان ضيقا ~~فلا يستطيع اثنان أن يسيرا جنبا إلى جنب. # فلما سار نادر بضع خطوات قال لروكامبول: إننا سنجد مجرى دون شك؛ فإن الإنكليز أنشئوا ~~المجاري في المدينة السوداء. ms1772 ~~- إلى أين تنتهي تلك المجاري؟ ~~- إلى حوض إصلاح المراكب. # وما سار الاثنان عشرين خطوة حتى وجدا منعطفا فتنبه نادر لأمر وقال: يجب أن نعود إلى ~~القبو؛ لأني أخشى أن يكون لهذا السرداب منعطفات كثيرة تؤدي إلى طرق مختلفة، فإذا أردنا ~~العودة لا نهتدي إلى الطريق، ولذلك لا بد لنا من دليل. ~~- أين تجد الدليل؟ ~~- سترى، ارجع الآن أدراجك. # فرجع روكامبول وتبعه نادر إلى القبو، فلما وصلا إليه صعد نادر إلى المنزل وعاد يحمل ~~حبلا رفيعا طويلا، ثم دخل إلى السرداب أمام روكامبول وقال: سر بنا؛ فهذا هو ~~الدليل، وما زال الحبل بيدنا فلا نضل الطريق إذا أردنا الرجوع. # فاستصوب روكامبول صنعه، وسار الاثنان في السرداب فانتهيا إلى سلم تنزل درجاتها في جوف ~~الأرض. # وكان الحبل بيد نادر فقال لروكامبول: إننا إذا لم نصادف طريقين فلا حاجة بنا إلى ~~الحبل، ولكن دلائل السرداب تشير إلى أننا نلقى كثيرا من الطرق. # وكانت درجات السلم ثلاثين درجة، فلما انتهيا منها إلى آخر درجة وجدا سردابا ~~جديدا. # وكانا يسمعان صوتا يشبه الهدير فوق رأسيهما، فأصغى نادر إلى الصوت ثم قال: أتعلم أين ~~نحن الآن؟ ~~- كلا! ~~- إننا تحت الحوض. # ومشيا بضع خطى فظهر لهما طريقان في السرداب الجديد، فقال له نادر: لقد حان وقت ~~استعمال الحبل. # ثم أخذ خنجره فشكه في الأرض وربط به طرف الحبل، وسار في أحد الطريقين وبقية الحبل في ~~يده. # وما زالا سائرين حتى انقطع هدير الحوض، وكان الحبل قد بلغ نحو ثلثيه، فاعترض سيرهما ~~سلم آخر غير أن درجات هذا السلم يصعد عليها خلافا لدرجات السلم الأخرى، فصعدا السلم ~~وانتهيا إلى قاعة متسعة، غير أن سقفها كان واطئا بحيث يمكن للواقف أن يمسه بيده، ~~فاستوقف سيرهما سماع حركة فوق السقف عرف منها أنها خطى إنسان. # ولم يكن لهذه القاعة منفذ فقال نادر: يستحيل أن تكون هذه الطريق توصل إلى البحر، ولا ~~بد أن يكون لهذه القاعة شأن. # وكان يصل إلى مسامعهم من فوق القبة أصوات جماعة يتحدثون، ولكنهما لم يفهما ms1773 شيئا من ~~كلامهم المبهم. # فقال نادر: دعني أركب على كتفيك وأعطني خنجرك علني أهتدي إلى معرفة هذه ~~الأصوات. # ثم ركب فوق كتفي روكامبول وبلغ القبة، فأخذ الخنجر وجعل يحفر بالسقف، فما طال حفره ~~حتى تنهد تنهد الرضى والارتياح؛ إذ وجد السقف مبنيا بالخشب وليس بالحجارة، ورأى ~~في هذا الخشب أثر باب فقال: هذا المنفذ الذي نبحث عنه؛ فقد لقيناه. # 23 # وعند ذلك وثب نادر عن كتف روكامبول إلى الأرض وقال: لنبحث الآن عما نحن فيه؛ فإني قد ~~وجدت المنفذ في هذا السقف، وإذا دفعت بابه السري دفعة قوية فتح، ولكننا لا نعلم إلى ~~أين ينفذ هذا الباب، فإني أسمع منه أصواتا كثيرة. # فقال روكامبول: أرى أن أموال الرجاه لم تدخل إلى القبو من منزل حسن، بل من هذا الباب ~~السري؛ ولذلك أعتقد أن هذه الأصوات التي نسمعها هي أصوات قوم مخلصين للرجاه ~~عثمان. ~~- وأنا أرى رأيك، ولكن كيف نستطيع أن نثبت لهم أننا نحن أيضا من المخلصين ~~للرجاه. # فتأوه روكامبول وقال: لقد أصبت فقد سرقوا مني الخاتم. ~~- وفوق ذلك فإني لا أستطيع الجزم بأن المال وصل إلى القبو من هذا المنفذ؛ فإننا قبل ~~أن نصل إلى هذه القاعة رأينا طريق السرداب قد تشعبت إلى طريقين. ألا يمكن أن تكون ~~الأموال وردت من الطريق الأخرى؟ ~~- هو ما تقول، لكنا قد وجدنا منفذا لإخراج الأموال. ~~- لا شك عندي ببسالتك؛ فقد عرفتك حق العرفان، ومن كان مثلنا لا تعترضه الصعاب. ~~- على ماذا عزمت؟ ~~- على فتح باب السقف، لكن لا بد لي من خنجري؛ فإنه قوي النصل، فابق في مكانك إلى أن ~~أعود به. # ثم تركه وعاد مسترشدا بالحبل الممدود إلى حيث شك خنجره وربط به طرف الحبل. # أما روكامبول فإنه بينما كان ينتظر عودته جعل يصغي إصغاء تاما عله يفهم شيئا من ~~تلك الأصوات التي كان يسمعها؛ فقد اختلطت وارتفعت بعد ذهاب نادر. # وكان روكامبول يعرف جميع لغات أوروبا، ويعرف الهندية ولغاتها المختلفة، غير أنه لم ~~يفهم كلمة من تلك الألفاظ الغريبة التي ms1774 كانت تخترق السقف إلى مسمعه. # فلما عاد نادر أخبره بما سمع، وبأن القوم يتكلمون بلغة لم يسمعها مرة من قبل. # فابتسم نادر وقال له: سأكون أسعد حظا منك؛ فإني لا تخفى علي خافية من جميع لغات ~~الهند. # ثم صعد فوق كتف روكامبول ووضع أذنه على السقف، فما أصغى هنيهة حتى أشرق وجهه بنور ~~البشر وقال: لقد عرفتهم فهم أصدقاء. ~~- من هم؟ ~~- هم أبناء طائفتي؛ أي أبناء سيوا. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- من اللغة التي يتكلمون بها؛ فهي اللغة السرية المقدسة التي لا يفهمها العوام، وإنما ~~نحن الآن تحت معبد وهؤلاء الناس يصلون فيه؛ فإن هذه الساعة ساعة الصلاة. ~~- إذن نستطيع فتح الباب ولا خوف علينا. ~~- دون شك، ولكن الوقت لم يحن بعد، وخير لنا أن ننتظر فراغهم من الصلاة وخروجهم من ~~المعبد. ~~- إذن لننتظر كما تشاء. # فنزل نادر عن كتف روكامبول ونظر في زيت المصباح، فرأى أنه لا يزال كافيا للإنارة مدة ~~ساعة، فاضطجع على الأرض قرب روكامبول ينتظر انتهاء الصلاة. # ثم أخذت تلك الأصوات تضعف تباعا إلى أن انقطعت، فقال نادر: هو ذا أبناء سيوا قد ~~أخذوا يذهبون. ~~- ألعل الصلاة قد انتهت؟ ~~- نعم، وسوف تسمع الكاهن يقول: اذهبوا أيها المؤمنون؛ فإن الإله سيوا راض ~~عنكم. # وقد تم ما قاله نادر؛ فإنه بعد هنيهة سمع الكاهن يقول لهم تلك العبارة، فقال: لقد ~~تفرق المصلون؛ فهلم بنا إلى العمل. # ثم عاد إلى الصعود فوق كتف روكامبول، فعالج الباب بخنجره ودفعه بشدة ففتح. # 24 # وشعر روكامبول أن رجلي نادر قد فارقتا كتفيه، ورآه قد اختفى في ذلك المنفذ الذي ~~فتحه. # ولكنه لم يلبث أن ظهر له بعد حين فمد له يده وقال له: تعلق بي واصعد إلي. # فتعلق به روكامبول وصعد، فلما صار داخل المنفذ نظر إلى ما حواليه فرأى قاعة فسيحة ~~نقشت على جدرانها رسوم غريبة مختلفة. # وكانت هذه التماثيل والرسوم تشبه الرسوم التي تنقش في معابد الإلهة كالي، غير أن ~~الفرق بينهما أن رسوم الإلهة كالي تمثل الشر والفظائع والدماء، وهذه ms1775 تمثل الخير والرحمة ~~والسلام. # وكان هذا المعبد الذي دخلا إليه مظلما لا نور فيه، ولكن نور الشفق كان ينفذ ضعيفا ~~إليه، فرأى روكامبول في جوانب تلك القاعة الفسيحة بعض التماثيل الموضوعة على الأرض ~~فحسبها هنودا يصلون. # وكان في وسط هذه القاعة تمثال عظيم جدا وتحت قدميه مصباح ضعيف النور تنبعث منه ~~رائحة ذكية. # أما نادر فإنه أقفل الباب الذي فتحه ونظر إلى روكامبول فقال: إننا الآن وحدنا في هذا ~~المعبد. # فعجب روكامبول وقال: كيف وحدنا؟ وأشار إلى التماثيل. # فابتسم نادر وقال: إنها تماثيل من الخشب والحجارة، ونحن الآن في معبد من معابد الإله ~~سيوا، وهو كائن على شاطئ الحوض الأيسر في وسط المدينة السوداء. ~~- وهذه الأصوات التي كنا نسمعها؟! ~~- إنها أصوات المصلين، وقد انصرفوا بعد انتهاء صلاة الغروب. ~~- والكاهن؟ ~~- إنه يقفل الأبواب الخارجية ولا بد أن يرجع. ~~- أرأيته؟ ~~- كلا، ولكنه سينذهل حين يرانا. ~~- أيجب أن نستعمل الخنجر؟ ~~- لا حاجة إليه، فإذا كان الكاهن هو الذي أعرفه فإنه سيكون في خدمتنا. # وفيما هما على ذلك سمعا صوت خطوات بعيدة، ثم رأيا الباب قد فتح ودخل منه رجل يحمل ~~مصباحا. # وكان هذا الرجل مرتديا ثوبا أبيض وعلى حقويه منطقة زرقاء، عاري الرأس، أبيض الشعر، ~~تدل هيئته على أنه تجاوز الستين من العمر. # فلم يرهما حين دخل، ولكنه حين تقدم منهما ورآهما ذعر ذعرا شديدا، وجمد الدم في ~~عروقه، وجعل ينظر إليهما نظرات حائرة تدل على ما داخل فؤاده من الرعب، ولا سيما وقد رأى ~~روكامبول وهو بملابس الإفرنج؛ فأيقن أن المعبد قد تدنس. # أما نادر فإنه تقدم منه وقال له: «كوريب». # وكان هذا الاسم اسم الكاهن، فلما سمع أنهم ينادونه باسمه اطمأن ورفع مصباحه ناظرا ~~إلى من يناديه، فلما عرفه ركع فجأة ومرغ وجهه بالأرض عند قدمي نادر، فعلم روكامبول ~~مبلغ نفوذ هذا الرجل في تلك البلاد. # أما نادر فإنه أمر الكاهن أن ينهض، فنهض ووقف أمامه وقفة الخضوع والاحترام. # فقال له نادر: أتعرف من أنا؟ ~~- إنك السيد وأنا العبد. ~~- إذا أمرتك ms1776 أن تتكلم أتمتثل؟ ~~- دون شك؛ ألم أقل لك: إني العبد وإنك السيد؟ ~~- أيها العبد، إنك أقفلت أبواب الهيكل. ~~- نعم يا مولاي. ~~- ولكننا مع ذلك موجودون فيه، وليس للمعبد غير مدخل واحد. أتعلم من أين دخلنا؟ # فاضطرب الكاهن وقال: كلا يا مولاي، ولكن الإله سيوا شديد الحول كثير ~~الاقتدار. ~~- إن الإله سيوا لا يتداخل في شئوني. ثم ضرب برجله على الأرض فوق الباب الذي فتحه ~~وقال: إننا دخلنا من هنا. # فاصفر وجه الكاهن وجعل يضطرب وينظر إلى الباب نظر الحائر. # فجرد نادر خنجره وقال: لقد وعدت أن تتكلم فلا بد لك من الوفاء. # 25 # غير أن خنجر نادر لم يرعب الكاهن كوريب، بل إنه نظر إلى نادر بثبات وقال له: أيها ~~السيد، إنك عاقل حكيم، ومن كانت له حكمتك فهو يأذن لأتباعه بالإيضاح. ~~- إذن تكلم. ~~- إني بصفتي كاهنا للإله سيوا أكون عبدك؛ لأنك رئيسنا الأعظم، ولكن بصفتي إنسانا ~~فإن لي علائق وعهودا يقضي علي واجب الوفاء باحترامها، فأنت إذا أمرت الكاهن أطاعك ~~وأجابك إلى ما تريد، وأما إذا أمرت الإنسان أن يبوح بسر مؤتمن عليه؛ فإن خنجرك لا يفيد ~~في حمله على الإقرار. # فلم يغضب نادر لهذه الجرأة وقال: أصغ إلي، أنت أيضا تعلم أني لا أريد حملك على ~~الإقرار إلا لقصد صالح، واعلم أن الرجاه عثمان كان صديق هذا الرجل الذي تراه ~~معي. # فنظر الكاهن إلى روكامبول نظرة حذر. # وعاد نادر إلى الحديث فقال: وإن الرجاه عثمان أعطاه خاتمه. # فقال الكاهن: أين الخاتم؟ # فقال روكامبول: لقد فقدته. # فابتسم الكاهن ابتسامة تدل على عدم التصديق، فقال له نادر: إن تريبورينو وزير الرجاه ~~سرقه من هذا الرجل. # وكأنما اسم تريبورينو قد أثار العواصف في نفس الكاهن فقال: إن هذا ممكن؛ فإني لا ~~أستعظم أمرا من هذا الرجل الخائن، لكني لا أستطيع أن أبوح بشيء إلا إذا رأيت ~~الخاتم. # فقال روكامبول: إني إذا كنت قد فقدت الخاتم فإن آثاره لا تزال مرسومة في إصبعي؛ فانظر ~~علك تعرفه. # فنظر الكاهن في إصبع روكامبول فوجد ms1777 ثلاث علامات حمراء نتجت من ضغط حجارة الخاتم على ~~الإصبع فقال: إن الآثار قد تكون آثار خاتم الرجاه عثمان، ولكنها قد تكون أيضا من ~~غيره. # فقال له نادر: إذا كنت لا تصدقنا فإني أقنعك ببرهان آخر. ~~- ما هو؟ ~~- هو أننا اكتشفنا كنز عثمان الذي كان بحراسة الشيخ حسن. # رأى نادر أن وجه الكاهن قد اصفر واضطرب فقال له: خفض من روعك؛ فإننا أصدقاء. عثمان ~~مات، وإننا لا نريد إلا إنقاذ ثروته من الوزير. # فقال الكاهن: إذا كنتم تعرفون مكان الكنز الذي عهد إلي عثمان حراسته مع الشيخ حسن؛ ~~فما تريدان أن أقول بعد ذلك، وماذا تبغيان منها؟ ~~- إننا نريد أن تعيننا على إخراج هذه الأموال من مكانها. # فعاد الشك إلى الكاهن وقال لنادر: أتجيبني أيها الرئيس إذا سألتك أن تقسم لي ~~يمينا؟ ~~- دون شك. ~~- ضع يدك على تمثال إلهنا سيوا. # وضع نادر يده فوق التمثال. ~~- أقسم لي بإلهنا أن خاتم الرجاه عثمان كان في إصبع هذا الرجل الذي يصحبك. ~~- إني أقسم لك بالإله سيوا أن الرجاه عثمان أعطاه خاتمه وأوصاه أن يأخذ المال. # فتنهد الكاهن تنهد الراحة كأنه أنزل عن عاتقه حملا ثقيلا وقال: مر الآن، أيها ~~السيد، بما تشاء فإني مستعد للطاعة والامتثال. ~~- إني أريد نقل الأموال من مكانها؛ فإن الشيخ حسنا فقد صوابه، ولا بد للوزير من ~~اكتشاف الكنز. ~~- إن ذلك سهل ميسور؛ فإننا نخرج الأموال من حيث أدخلناها. ~~- نعم، ولكن متى؟ ~~- في الليلة القادمة. ~~- ماذا نصنع بالباب الحديدي، أنبقيه مفتوحا إلى الغد؟ ~~- ولكن كيف تمكنتما من فتحه؟ # قص عليه نادر عند ذلك جميع ما اتفق له ولروكامبول مع حسن، وكيف احتالا عليه حتى فتح ~~الباب. # فقال الكاهن: إني لا أعرف سر قفل الشيخ حسن، ولكن إذا أقفل بابه فإني أفتح بابي، ~~وكلاهما يؤديان إلى الكنز. ألم تفتح باب السرداب بمزلاج حين كنت في قبو حسن؟ ~~- نعم. ~~- وأنا أستطيع رفع المزلاج من داخل السرداب وفتح الباب الثاني؛ فلا يمنعنا إقفال باب ~~حسن عما نريد. ~~- إذن تعال معنا. # ثم ms1778 فتح نادر باب المعبد المؤدي إلى السرداب ونزل الثلاثة منه، فساروا يسترشدون بالحبل ~~حتى وصلوا إلى مكان الكنز. # فكان البابان مفتوحين، وهما: باب السرداب، أي باب الكاهن، وباب حسن الذي يتصل إليه من ~~قبو منزله. # فقال الكاهن: ادخلا الآن إلى قبو الكنز واقفلا الباب، وأنا أبقى خارجا في السرداب، ~~وسترى كيف أفتح الباب. # فدخل نادر وروكامبول وأقفلا الباب، ووضعا المزلاج مكانه ووقفا ينتظران. # أما الكاهن فإنه جعل يبحث في الظلام من الخارج عن باب خفي، فلما عثر به أداره فارتفع ~~المزلاج وفتح الباب؛ فدخل الكاهن وقال لنادر: أرأيت كيف أني فتحته؟ # قال نادر: لم يبق علينا خوف من إقفال باب الشيخ حسن، فتعال معنا الآن. # وكان حسن لا يزال صريع الأفيون، فأخرجوه من القبو، وأقفلوا باب الكنز، وأعادوا حجر ~~القفل إلى ما كان عليه، ثم صعدوا بحسن إلى منزله. # فقال روكامبول: ماذا نصنع بحسن؛ فإنه مجنون ولا نأمن فلتات لسانه؟ # فقال نادر: إننا سنرسله إلى محل أمين. ~~- ولكنه نائم. ~~- لا بأس فسنرسله في مركبة مقفلة. # ثم أمر الكاهن أن يذهب ويأتيه بمركبة مقفلة، فامتثل وعاد بها بعد حين وجيز. # 26 # ولما جاءت المركبة حملوا حسنا إليها وصعد الكاهن بعده، فقال روكامبول لنادر: أين ~~نذهب الآن؟ ~~- يجب أولا أن نحكم إقفال المنزل ثم تسير معي إلى منزلي. ~~- ألك منزل في كلكوتا؟ ~~- نعم، وستكون فيه بمأمن من خيانة تريبورينو. # ثم دنا نادر من الكاهن وكلمه بلغتهم المقدسة السرية كلمات لم يفهمها روكامبول، ~~وأشار له إشارة فانطلقت المركبة. # فقال له روكامبول: إلى أين أرسلت الشيخ؟ ~~- إلى المعبد الذي كنا فيه؛ فإن الإنكليز أنفسهم لا يدخلون معابدنا، ومهما بلغت جسارة ~~تريبورينو فهو لا يستطيع التفتيش عن الخياط فيه. # ثم أقفل نادر المنزل ونادى تلك الفتاة التي كانت لا تزال مقيمة عند عتبة الباب ~~المجاور فقال لها: إذا سأل أحد عن الشيخ فقولي له إن أهله ذهبوا به إلى منزلهم ~~لمعالجته. # وهذا هو مفتاح المنزل فأبقيه عندك؛ إذ قد يتفق أن يعود الجنود للبحث في ms1779 هذا المنزل ~~لاعتقادهم أن الشيخ حسنا خبأ فيه كنزه، فإذا عادوا فأعطيهم المفتاح، وليبحثوا قدر ما ~~يشاءون؛ إذ لا يوجد شيء مما يتوهمون. # ثم تركها وانصرف مع روكامبول إلى المدينة البيضاء. # ولكنهما قبل أن يجتازا المدينة السوداء مرا بخمارة ووقفا عند بابها، فرأى روكامبول ~~دليلا جديدا على مبلغ نفوذ نادر؛ ذلك أن صاحب الخمارة أسرع إليه حين رآه وركع أمامه ~~مقبلا الأرض. # فأمره أن يقف، ثم دخل مع روكامبول إلى أحد غرف الخمارة المعتزلة وخلع ملابسه الهندية ~~ولبس ملابس الإفرنج، ثم نظر إلى روكامبول وقال له وهو يبتسم: ألعلك منذهل مما ~~تراه؟ ~~- لا أنكر عليك؛ فإنك قد تغيرت كل التغيير بهذه الملابس حتى لا يشك من يراك أنك من ~~الأوروبيين. ~~- إني كنت أقيم في لندرا وباريس بهذا الزي. ~~- كيف ذلك، أسكنت في باريس؟ ~~- نعم، وكنت مقيما فيها في فندق موريس، وأتعشى في القهوة الإنكليزية حتى إنه كان لي ~~فيها حكايات غرام؛ فقد عشقتني امرأة تدعى روميا. # فصاح روكامبول صيحة انذهال، فقال له نادر: ما سبب انذهالك؟ ألعلك عرفت هذه ~~المرأة؟ ~~- لا أعلم، أليس لها اسم آخر؟ ~~- بلى، فإنها تلقب بالبستانية الحسناء، وإني أرى من توالي انذهالك أنك تعرفها. ~~- أعرف عنها أنها من أجمل النساء، ولكن ليست الحية السوداء التي تسعى في غابات هندكم ~~بأشد خطرا منها. ~~- هو ما تقول؛ فإني أعلم من هذه المرأة فوق ما تعلم، ولكنها لا تخاف في الوجود غير ~~رجل واحد. ~~- ومن هو هذا الرجل؟ ~~- هو أنا، وسأقص عليك جميع ذلك حين نصل إلى المنزل. # ثم عاد إلى ملابسه حتى أتم تنكره على ما يريد. # إن في الهند جنسين من الناس؛ أحدهما: الهندي البحت الذي لم تمتزج دماؤه بدماء ~~الإفرنج. وهذا الجنس يشبه لون بشرته لون النحاس. # والجنس الآخر: هو الجنس الذي تزوجت أجداده بنساء الإنكليز؛ فجاء أحفادهم بيض ~~الوجوه. # أما نادر فقد كان من هذا الجنس الأخير المختلط، فلما لبس الملابس الأوروبية أصبح كأنه ~~من الإنكليز أنفسهم. # ولما أتم تنكره قال: هلم بنا الآن. # وخرج ms1780 الاثنان من الخمارة وذهبا إلى المدينة البيضاء، وكانت تتألق في شوارعها ~~المصابيح، حتى إذا وصلا إلى آخر شارع الحكومة، وهو أعظم شوارع كلكوتا، وقف نادر عند باب ~~حديقة متسعة فأخذ مفتاحا من جيبه وفتح الباب، فأسرع خادمان من الهنود إلى ~~استقباله. # وقد عرف روكامبول من طريقة استقبالهما لمولاهما أنهما يعدانه من أشراف الإنكليز، ولا ~~يعلمان أنه زعيم أبناء سيوا. # فأخذ الهنديان مصباحين وسارا في تلك الحديقة أمام نادر وروكامبول حتى بلغا إلى البيت، ~~فدخل نادر بصديقه إلى قاعة متسعة مفروشة على النسق الإنكليزي، فجلسا قرب مائدة وقال له: ~~لنشرب الآن الشاي، ثم أخبرك بقصتي مع البستانية الحسناء. # وعند ذلك أمر أحد الخدم باللغة الإنكليزية أن يحضر الشاي، فلما أحضره بدأ نادر يقص ~~الحكاية قائلا ... # 27 # إن الهند مثل جميع البلاد التي يجتاحها الفاتحون، ويتعاقب عليها الغزاة، وتتوالى فيها ~~الغارات الأجنبية، وإن تتابع هذه الغزوات كثر فيها الأحزاب السياسية والعقائد ~~الدينية. # وهي مختلفة المنازع، فإنك تجد بين أحزابها من يؤيد السيطرة الإنكليزية، وبينهم من ~~يحاول طرد الإنكليز، وهنا فريق يدافعون عن استقلالهم ولا يخضعون إلا لزعماء يختارونهم ~~من بينهم، وهناك جماعات لا تخضع إلا لأمراء الهند؛ إذ يجدون أحكامهم أخف وطأة من أحكام ~~الإنكليز، إلى غير ذلك من الأحزاب المتشعبة والمنازع المتفرقة. # ولذلك تجد في الشارع الواحد من شوارع كلكوتا عابد الإلهة كالي وعابد الإله سيوا، ~~والبوذي بجانب البراهمي، والمسلم إزاء المسيحي. # ومن أجل ذلك أيضا حجبت السياسة ببراقع الدين؛ فإنك قد تجد كاهنا من عباد سيوا ~~وهو لا يعتقد بسيوا، وتجد زعيما للخناقين لا يؤمن بالإلهة كالي؛ لأنهم إنما يستخدمون ~~هذه الأديان لبلوغ مآربهم السياسية. # على أن أشد هذه الطوائف الدينية وأعظمها سلطة ونفوذا طائفة الخناقين ~~وطائفتي. # وقد رأيت علي رمجاه لأنك أنت الذي سلمته للإنكليز؛ فعرفته هنديا ظريفا، وعرفت في ~~لندرا السير جمس نافلي، والسير جورج ستوي، فوثقت أن بين الخناقين رجالا من الذين يشار ~~إليهم بالبنان في المجتمعات العالية والنوادي الشريفة. # فقاطع روكامبول نادرا قائلا: من أين علمت ms1781 أني عرفت السير جمس، والسير جورج ~~ستوي؟ # فابتسم نادر وأجاب: لأني أتيت إلى لندرا بعد أن برحتها بثلاثة أيام، وذلك منذ عامين، ~~وعلمت هناك أن جماعة ادعوا أنهم من أبناء سيوا ألقوا الرعب في قلوب الخناقين. # وكنت أتيت إلى لندرا لمقاومتهم فيها، ورأيت أنهم قد غابوا وتضعضع شملهم، فأردت أن ~~أعلم من هو هذا الغالب الجريء. # إن الإنكليز والفرنسيين مهما بلغ بوليسهم من الذكاء والتفنن في استطلاع الخفايا، ~~فإنهم لا يذكرون بإزاء الهندي؛ ولذلك فإني لم أقم في لندرا ثلاثة أيام حتى عرفت كل ~~شيء بمساعدة هنديين قدما معي من الهند. # فانذهل روكامبول قائلا: كيف عرفت كل شيء؟ ~~- نعم، عرفت كل شيء حتى اسمك، فإنك فرنسي، وقد انتحلت اسما روسيا وهو الماجور ~~أفاتار، أليس كذلك؟ ~~- بلى. ~~- ولكن اسمك الحقيقي روكامبول؟ # فاضطرب وأجابه: أتعرف هذا أيضا؟ ~~- بل أعرف أنك كنت من المجرمين، ومن شر رجال الإثم والموبقات، ولكنك تبت إلى الله ~~توبة صادقة، وأصبحت من أهل الخير والصلاح، فدفعت كثيرا من الآثام بفضل ذكائك ~~وبسالتك. # فانحنى روكامبول شاكرا لهذا الثناء. # وعاد نادر إلى حديثه فقال: إني عرفت في لندرا جميع ما فعلته، وعرفت كيف أنك أخذت معك ~~إلى باريس السير جورج ستوي، زعيم الخناقين السابق في أوروبا، وكيف أن امرأة مخلصة جذبت ~~بمحاسنها ودهائها السير جمس، خليفة جورج ستوي في الزعامة. # إنك دمرت سلطة تلك الجمعية الهائلة، وقضى أسرك لعلي رمجاه على كل سلطتها في أوروبا، ~~لكنها عادت إلى تنظيم شئونها، وستعود إلى ما كانت عليه من الشرور الهائلة والآثام ~~الفظيعة. ~~- وبعد لندرا، ألعلك تبعتني إلى باريس؟ ~~- لم أتبعك على الفور. ~~- لماذا؟ ~~- لأني كنت في حاجة إلى تنظيم جمعيتنا؛ فإنه يوجد لنا أعداء ألداء في نفس عاصمة ~~الإنكليز. ~~- ولكنك بعد ذلك اجتزت المضيق وأتيت باريس. ~~- نعم، فقد جئتها بعد شهر من سفرك بعلي رمجاه إلى الهند. ~~- وكم أقمت فيها؟ ~~- ستة أشهر. ~~- وفي هذه المدة عرفت البستانية الحسناء؟ ~~- نعم، فأصغ إلي الآن. # وعند ذلك قرع باب القاعة التي كانا فيها ودخل خادم، ms1782 فسأله نادر: ماذا تريد؟ ~~- إن على الباب يا سيدي رجلا هنديا أبيض الشعر يريد أن يراك. ~~- قل له يحضر في الغد. ~~- إنه يلح في مقابلتك، وقد طلب مني أن أذكر لك اسمه. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- كوريب. # فارتعش نادر عند ذكر اسم الكاهن، وطلب من الخادم إدخاله. # وبعد حين، دخل الكاهن كوريب وعلى وجهه ملامح الاضطراب الشديد، فأطلق نادر سراح ~~الخادم وسأل الكاهن: ماذا دهاك؟ ولماذا هذا الاضطراب؟ ~~- إني فقدت شارتي. ~~- أية شارة؟ ~~- الشارة التي أعلقها في عنقي. # فقطب نادر حاجبيه وقال لروكامبول باللغة الفرنسية: إن الشارة التي يتكلم عنها هي قطعة ~~من النحاس يعلقها في عنقه بشريطة من الحرير، وهي العلامة التي يعرف بها أنه كاهن، ~~فإذا اجتمع أبناء سيوا للصلاة في المعبد فلا بد له من إظهار هذه الشارة وإلا ~~قتلوه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأننا لا نستطيع استعباد هؤلاء الناس إلا بمثل هذه الأوهام والخرافات؛ ولذلك ~~فلا بد من إيجاد الشارة المفقودة. # ثم التفت إلى الكاهن وسأله: أين فقدت الشارة؟ ~~- في بيت الخياط. ~~- إذن اذهب إلى البيت وابحث عنها فيه، وخذ مفتاحه من الفتاة المقيمة في البيت ~~المجاور. # فانصرف الكاهن والرعب ملء فؤاده، وعاد نادر إلى تتمة حديثه مع روكامبول. # 28 # أقمت في باريس أدرس أخلاق قومها وعاداتهم؛ لأني لم أكن أتيتها من قبل، فكنت أتنقل بين ~~قهاويها ونواديها وملاعبها وحدائقها العمومية وكل مكان يجتمع فيه الناس. # وقد ذهبت ليلة إلى الأوبرا فرأيت في أحد ألواجها امرأة لم تقع العيون على أبدع ~~منها. # فجعلت أنظر إليها نظر المعجب بهذا الجمال النادر، وقد ملكت شغافي وخلبت فؤادي ~~بمحاسنها الفتانة. # وبينما كنت أنظر إليها رأيت أنها تنظر إلي نظرات لا تختلف عن نظراتي، كأنها كانت ~~تستحسن مني ما استحسنت منها. # ولقد كان يقال لي إن لنظراتي سلطة سرية تجذب إليها أقسى النفوس. # فما تحققت هذا الكلام إلا في تلك الليلة؛ لأن هذه المرأة كانت تضطرب حين أنظر إليها ~~اضطراب الحمامة إذ رأت بازيا ينقض عليها، حتى خيل لي أني إذا أشرت إليها ms1783 إشارة بيدي ~~تركت لوجها وأسرعت إلي وهي تقول: مر أطع. # ولما انتهى التمثيل خرجت وصدري يلتهب غراما، فقلت في نفسي: إن النساء الأوروبيات لا ~~زمام لهن، فلأسلو هذه المرأة بشرب الحشيش. # ثم ذهبت إلى فندق موريس الذي كنت مقيما فيه متنكرا باسم أرثر كولدري، وهو الاسم ~~الذي أدعى به هنا أيضا حيث أقيم في المدينة البيضاء، فإن جميع قومها يحسبونني من أعيان ~~الإنكليز، ولا يخطر لأحد في بال أنني نادر رئيس أبناء سيوا الأكبر. # ولما وصلت إلى الفندق دخلت إلى غرفتي فلم أستطع الرقاد، ففتحت النافذة وجعلت أنزه ~~طرفي في الحديقة. # ومرت بي الساعات حتى أشرق الصباح وأنا واقف قرب النافذة أتأمل محاسن هذه الحسناء، فما ~~شككت أن حبها قد جرى مجرى دمي في مفاصلي. # وفيما أنا على ذلك وقد أشرقت الشمس وملأت بأشعتها الفضاء إذ طرق باب غرفتي ودخل إلي ~~الخادم برسالة. # ولم أكن أعرف أحدا في باريس؛ لأني لم أكن فيها إلا منذ ثلاثة أيام، فعجبت لهذه ~~الرسالة وأسرعت إلى فضها، فقرأت فيها باللغة الإنكليزية ما يأتي: # إذا كانت المرأة التي كانت أمس في الأوبرا قد أثرت بعض التأثير على السير ~~أرثر كولدري، وإذا كان السير أرثر كولدري شجاع القلب، عزيز النفس، كتوم اللسان؛ ~~فليحضر في الساعة العاشرة من مساء اليوم وراء الكنيسة الكائنة في الشارع ~~الكبير، وهي كنيسة مدلين. # وهناك يجد امرأة غير المرأة التي رآها في الأوبرا، ولكنها هي التي أرسلتها؛ ~~فليتبعها. # ولم يكن للرسالة توقيع، فكدت أطير من الفرح، وجعلت أعد دقائق النهار وساعاته بفارغ ~~الصبر حتى حسبتها كالأدهار. # ثم انقضى النهار وأقبل الليل وأتت ساعة الاجتماع، فأسرعت إلى المكان المعين فرأيت ~~امرأة مبرقعة الوجه دنت مني حين رأتني، فقالت لي باللغة الإنكليزية: أأنت السير ~~أرثر؟ # فأجبتها بصوت يتهدج: نعم، أنا هو. ~~- أترضى أن تتبعني؟ ~~- إلى آخر الأرض. # فأخذت بيدي وسارت بي إلى عطفة في الشارع. # وكانت هناك مركبة فأصعدتني إليها ثم صعدت بعدي، فجلست بجانبي وأرخت ستائر المركبة ~~وقالت لي: عليك شرط لا أستطيع ms1784 أن أسير بك إلا إذا وافقتني عليه. ~~- ما هو؟ ~~- لا بد لي من عصب عينيك. ~~- لماذا؟ ~~- كي لا ترى؛ فلا تعلم المكان الذي أذهب بك إليه. ~~- أعصبي عيني كما تشائين، إني مستعد لكل شيء. # فعصبت عيني، وأمرت السائق بالمسير. # فسارت بنا المركبة نحو ساعة. # وكنت حديث العهد بباريس وشوارعها فلم أعلم أين أنا. # وما زلنا نسير حتى شعرت من صوت المركبة أنها دخلت تحت قبة، ثم شعرت أنها وقفت. # فقالت لي المرأة: لقد وصلنا، هات يدك. ~~- إذا كنا قد وصلنا فلماذا لا ترفعين العصابة عن عيني؟ ~~- لم يحن الوقت بعد، اخرج الآن من المركبة. # فنزلت وقادتني بيدي إلى حيث لا أعلم. # ولكني كنت أشعر أني أمشي فوق الرمل، ثم تلا هذا الرمل سلم فاجتزناهما، وشعرت أن ~~الهواء قد خفت رطوبته، ثم شعرت أني أمشي فوق طنافس مفروشة في الأرض، وبعدها فتح باب ~~ودخلنا منه، فرأيت من خلال العصابة نورا نافذا. # وعند ذلك قالت لي المرأة: ارفع العصابة الآن عن عينيك. # وتركت يدها من يدي فسمعت خطواتها تبتعد عني. # واستطرد نادر حديثه فقال ... # 29 # فتحت عيني فوجدت نفسي في غرفة نسائية تدعونها أنتم معاشر الإفرنج غرفة الزينة. # وكانت رائحة الطيب تفوح من الغرفة، وقد فرشت أرضها بأفخر أنواع الطنافس، وهي مزدانة ~~بأجمل الرياش وأدق المصنوعات، مما يدل على الثروة وحسن الاختيار. # ولما فتح الباب وخرجت منه المرأة أقفل حالا، ورأيت نفسي وحدي في الغرفة. # ولكن قلبي كان يحدثني بأن إلهة هذا المنزل تدنو من الغرفة التي أنا فيها، وقد صدق ~~حديث قلبي؛ فما مرت بضع ثوان حتى رأيت سجفا كان يستر بابا قد أزيح، وبرزت منه تلك ~~الفاتنة التي شغلت قلبي بجمالها وبت بها من المغرمين. # وقد دخلت وهي تتهادى دلالا وتبتسم ابتساما يفتن النساك، فمدت يدها إلي وقالت لي ~~باللغة الإنكليزية: الحق، يا سيدي، أنك رجل شريف، فقد رضيت بجميع شروطي. # فوقفت أتأمل تلك المحاسن الجاذبة، وقد شغلت عن رد سلامها، فكان شغلي عنها بها. # أما هي فإنها جلست على ms1785 مقعد شرقي وأجلستني بجانبها، ثم نظرت إلي وقالت: أسألك العفو ~~يا سيدي لقد جرت عليك بعصب عينيك على فرط ثقتي بإخلاصك ووفائك، غير أني فعلت ذلك ~~مكرهة مضطربة؛ فإني معرضة نفسي بحبك لخطر الموت. ~~- كيف ذلك؟ ~~- نعم، إن زوجي غيور، وإذا علم بأمري لا أنجو من الموت. ~~- هذا شأن أغلب الأزواج يا سيدتي. هل تريدين أن أقتله؟ ~~- لقد راق لي كلامك، وهو يدل على ما توسمته فيك من البسالة. # ثم ابتسمت وقالت: كلا، لا أريد أن يموت هذا الزوج، ويكفيه ما هو فيه. # وكانت في تلك الغرفة التي تقيم فيها آنيتان غرست فيهما أزهار علمت من عطرها أنها ~~أزهار هندية وقلت في نفسي: لا شك أنها عرفت من أنا فاختارت تلك الأزهار إرضاء لي، وهي ~~غاية ما تتناهى إليه سلامة الذوق. # غير أن رائحة الأزهار كانت شديدة حتى إني كنت أشعر أنها تفعل بي ما تفعل الخمر في ~~رءوس الشاربين. # وكانت جالسة بجانبي، ووضعت يديها بين يدي وجعلت تبتسم لي ابتساما حلوا وتقول: إني ~~ما رأيتك غير ساعة أمس في الأوبرا، ولكن قلبي تحت مطلق سلطانك. # فأجبتها بما أملاه علي الغرام من عبارات الحب الصادق. # وفيما أنا أناجيها وأغازلها قاطعتني فجأة وقالت: إني غريبة الأطوار، كثيرة التقلب، ~~ولكني قد أحبك حبا طويلا؛ فهل تحبني أنت؟ ~~- إني أحبك حبا لا تصفه أقلام الشعراء. ~~- أتثبت في حبي؟ ~~- ما بقي لي ذرة من الحياة. # فأطرقت هنيهة إطراق المفكر ثم قالت: لقد طالما سمعت مثل هذا الكلام ثم أسفرت الأيام ~~عن ضده، ولكن يقال إنكم معشر الإنكليز موصوفون بالثبات، وسنرى. # وأقمت معها ساعتين وأنا أسكر سكرين من ألحاظها وأزهارها. # ثم تغلبت رائحة الأزهار علي ونمت نوم السكران وأنا لا أعي على شيء. # غير أنه خيل لي حين أطبقت عيني أني رأيت بابا قد فتح وبرز منه رجل أصفر الوجه نحيل ~~يشبه الخيال، فوقف على عتبة الباب ونظر إلي نظرات تشف عن الرعب والغضب. # ولم أعد أفقه شيئا بعد ذلك؛ إذ أطبقت عيناي واستغرقت في ms1786 سبات عميق. # ولما فتحت عيناي شعرت بهواء بارد يهب على وجهي ويرتجف له كل جسمي. # ذلك أني وجدت نفسي نائما على مقعد من مقاعد المنتزهات العمومية في باريس لا يظلني ~~غير السماء، وكان ذلك عند بزوغ الفجر، فانتبهت منذعرا مضعضع الرشد، ولكن لم يطل بي ~~الأمر حتى جمعت حواسي وذكرت حوادث ليلتي. # وكانت يدي موضوعة في جيبي كأنها وضعت خاصة، وشعرت بأنها تلمس ورقة، وأخرجت الورقة ~~فإذا هي رسالة؛ ففتحتها وقرأت ما يأتي: # أخيرك بين أمرين؛ وهما: إما أن نفترق فراق الأبد فلا تراني بعد الآن، أو ~~تقبل بشروطي. # انظر في خبايا قلبك واستشر فؤادك، علك تجد من غرامه ما يدعوك إلى ~~الامتثال. # واعلم أنك إذا رضيت أن تكون عبدا لي أكون أمة لك. # وشروطي هي أن لا تبحث كي تعرف من أنا، وأن لا تذكر اسمي أمام أحد من ~~الناس. # ومن شروطي أنك مهما رأيت من الغرائب في منزلي لا تحاول اكتشاف أسرارها، وتنظر ~~إليها نظرك إلى الأمور العادية المألوفة. # هذه هي شروطي، وإذا راق لك الخضوع لها فاحضر في الساعة العاشرة من مساء اليوم ~~إلى نفس المكان الذي أتيت إليه أمس؛ تجد تلك المرأة نفسها تنتظرك في مركبتها ~~وتحملك إلي. # إذن الوداع أو إلى اللقاء، ولك الخيار. # روميا # فقلت في نفسي حين قرأت الكتاب: إني ذاهب دون شك؛ لأن جمال هذه المرأة لا يزال ضاغطا ~~علي، وفوق ذلك فقد ذكرت ذلك الباب الذي فتح وذلك الخيال الذي ظهر منه ونظر إلي تلك ~~النظرات، فهاج مني حب الاستطلاع وقلت: لا بد لي من الذهاب. # 30 # وفي المساء، ذهبت إلى الملتقى فرأيت المرأة نفسها في المركبة، فعصبت عيني كما فعلت ~~في الليلة السابقة، وسارت بنا المركبة في الطريق التي سارت فيها ليلة أمس. # وجعلت أفتكر والمركبة سائرة بنا في أمر هذه المرأة، فقلت في نفسي: إنها تريد أن تحبني ~~بشرط أن لا أحاول الوقوف على أسرارها، وهو شرط عادل؛ لأن لكل إنسان حقا بصيانة ~~أسراره، ولماذا لا أطيعها؟ # وكنت وأنا ms1787 أفكر هذا التفكير مخلصا لها، عازما عزما أكيدا على الوفاء بوعدي وأن لا ~~أتعرض لشيء من أسرارها. # ثم وقفت المركبة وأخذت المرأة المبرقعة بيدي وأدخلتني إلى ذلك المنزل السري. # وقد حدث كل شيء كما حدث في الليلة السابقة؛ فإني دخلت إلى الغرفة ورأيت النور من خلال ~~العصابة، وأمرت بنزع العصابة عن عيني، فلما نزعتها وجدت نفسي منفردا في نفس الغرفة ~~التي كنت فيها أمس. # وقد وجدت الآنيتين في موضعهما، ودنوت منهما، وجعلت أفحص الأزهار فحص الخبير، وعلمت أن ~~كل نوع منها خاص للتنويم. # وكنت أعرف هذه الأزهار من بلادنا، وعلمت أن رائحتها إذا دخلت إلى الرئتين لا يستطيع ~~من يشمها مقاومة النوم مهما بذل من الجهد. # غير أني علمت أن لهذه الأزهار دواء خاصا إذا شربه من يشمها أبطل تأثيرها. # ولكن أين لي أن أستحضر الدواء وأنا في الغرفة شبه سجين، فقلت: لا بد من الصبر إلى ~~الغد لاكتشاف تلك الأسرار. # وأقمت في الغرفة وحدي عشر دقائق ثم أقبلت روميا، فتمثلت لعيني أجمل مما رأيتها أمس، ~~وكان لي معها ما كان في تلك الليلة؛ لأن الدوار جعل يتولاني شيئا فشيئا من رائحة ~~الأزهار، وطرت من عالم الحقائق إلى عالم الأحلام، ورأيت ذلك الخيال الذي برز لي ~~أمس. # غير أني في هذه المرة سمعت الخيال يتكلم، ولا أدري إذا كان ذلك لأن الأزهار لم تؤثر ~~تأثيرها أمس، أو أن الخيال جاء حقيقة، أو إذا كان ذلك مما مثلته لي سكرة ~~الأزهار. # أما ما سمعته، فهو أن الخيال دنا من روميا وقال لها بصوت يتهدج: إن قلبك لا يعرف ~~الرحمة والإشفاق. # فكان جواب البستانية الحسناء أن ضحكت ضحك الهازئ. # أما الخيال فقد سمعت وأنا مطبق العينين أنه ركع أمامها وقال لها: لكنك تعلمين أني ~~أحبك. # ولم تجبه، بل إنها ضحكت ضحكا عاليا. # ولم يكن قد بقي لي من حواسي غير حاسة السمع، فسمعت الخيال يقول: ألا يكفيك أنك تصدين ~~غرامي؟ فما بالك تقطعين قلبي بالغيرة وتعطفين على هذا الرجل أمامي؟ إنك لست ms1788 من النساء، ~~بل أنت حيوان مفترس. # وعادت روميا إلى الضحك دون أن تجيب. # أما أنا فإني بذلت كل ما في وسعي من الجهد كي أفتح عيني، فذهب جهدي عبثا، وبدأ ~~الطنين في أذني فلم أعد أسمع غير أصوات متقطعة من الخيال تدل على يأسه، وأصوات ضحك ~~المرأة وهزئها بهذا الرجل المنكود. # ثم تغلب علي النوم، فلما استيقظت وجدت نفسي على مقعد خشبي في حديقة الشانزليزيه، ~~ورأيت في جيبي رسالة موجزة كتب فيها ما يأتي: # إلى اللقاء في هذا المساء في نفس الساعة والمكان. أحبك. # روميا # وعدت إلى الفندق وقلت في نفسي: سأعرف هذه الليلة كل شيء. # ولقد تقدم لي الكلام أني عرفت سر تلك الأزهار، وأني أعرف الدواء الذي يبطل ~~تأثيرها. # فاستحضرت هذا الدواء وعزمت على الذهاب إلى تلك الحسناء لوثوقي من كشف أسرارها. # ولما حانت الساعة المعينة ذهبت إلى ما وراء كنيسة مدلين، وركبت المركبة مع المرأة ~~المبرقعة التي كانت تنتظرني، وذهبت معها إلى روميا. # وهناك رفعت العصابة فلم أجد أحدا، ووقفت عند الأزهار أراقبها. # وقد لقيت في الآنيتين أزهارا هندية، ولكنها كانت غير الأزهار التي عرفتها أمس ~~واستحضرت الدواء الخاص لإبطال تأثيرها، فأيقنت أن لا فائدة من هذا الدواء، وأن هذه ~~المرأة الهائلة قد رأتني أمس أراقب أزهارها فتوقعت ما فعلته واستبدلتها بسواها. # 31 # ولم يخطر الدواء ببالي، ولم أكن أريد استعمال العنف معها حذرا من العواقب؛ لأني ما ~~أتيت باريس لمثل هذه الشئون. # ثم خطر لي أن لهذه المرأة مطلق الحق بكتمان أسرارها، لا سيما وأنها اشترطت علي أن لا ~~أتعرض لها، ورضيت بشروطها، فإذا حنثت بعهودي أكون من الخائنين. # غير أن هذا الخيال الغريب ومظاهر يأسه وسائر أحواله قد أثرت علي تأثيرا شديدا، ~~وهاجت بي عواطف الفضول فتغلبت على عهودي. # وكنت واثقا أن الزهور الجديدة التي وضعتها روميا في الآنيتين ستؤثر بي نفس تأثير ~~الزهور السابقة، وأنه لا سبيل إلى اتقاء تأثيرها، ولا بد لي من النوم كما نمت من ~~قبل. # فتأملت هنيهة ووضعت خطة للاستطلاع ms1789 رأيتها ميسورة، وذلك أني رأيت وراء الآنيتين ستائر ~~من الحرير، ووراء الستائر نافذة من زجاج. # فأزحت الستائر وقطعت الزجاج بخاتم من الماس، ووضعت القطعة التي كسرتها على الأرض ~~برشاقة واعتناء، فنفذ الهواء إلى الغرفة، والهواء الطلق خير واق من تلك ~~الأزهار. # ثم أعدت الستائر إلى ما كانت عليه إخفاء للثقب، وعدت إلى مكاني أنتظر عودة تلك ~~الحسناء. # وبعد حين، فتح الباب ودخلت، ولكنها لم تكن تبتسم حسب عادتها، بل كنت أرى النار تتوقد ~~في عينيها. # ومع ذلك فإنها جلست بقربي وقالت لي ببرود: إنك يا سير أرثر كولدري رجل سافل ~~دنيء. # فوقفت عند هذه الإهانة كأني قد تكهربت وقلت: سيدتي، ماذا تقولين؟ ~~- أقول: إنك رجل سافل؛ لأنك نكثت بعهودك ولم تف بما تقيدت به من العهود. # فجعلت أنظر إليها نظرات الذهول دون أن أجيب. # أما هي فإنها استأنفت الحديث وقالت لي بلهجة ذكرتني هزءها بالخيال: إنك أردت أن ~~تعرف ما منعتك عنه من أسراري. ~~- نعم. ~~- ولذلك كسرت زجاج النافذة كي يدخل الهواء الطلق إلى الغرفة فيمنع تأثير الأزهار ولا ~~تنام؛ بحيث تستطيع أن ترى الخيال. أليس كذلك؟ # ثم ضحكت ضحكا مغتصبا دل على مبلغ انفعالها وقالت: بلى، إنك سوف تنظر ما تريد أن ~~تنظر، ولكنك لا تنظر شيئا بعده. # فقلت في نفسي: إن هذه المرأة تؤنبني أشد تأنيب، ولكن لا سبيل إلى اعتراضها؛ فإنها ~~مصيبة، وإنما الذنب علي لنكثي عهودي. # وعادت روميا إلى الحديث فقالت: إنك تريد أن تعرف، يا سير أرثر، هذا الرجل الذي أعذبه ~~وأصليه نار حقدي وانتقامي. إذن اعلم أن هذا الرجل يحبني، وأنه قتل من أجل حبه لي الرجل ~~الذي كنت أهواه. ألعلك راض الآن عن هذا الإقرار؟ # فخجلت لفضولي، وعلمت إساءتي إلى هذه المرأة فقلت لها: أسألك العفو يا سيدتي فلا أعود ~~إلى الفضول بعد الآن. # فقاطعتني وهي تضحك ضحك الساخر وقالت: إنك تكلمني عن المستقبل كأن المستقبل لك، ولكن ~~هيهات؛ لقد فات الأوان. # ثم قرعت جرسا كان أمامها وقالت لي وأنا أنظر إليها مبهوتا: ms1790 إني لا أحب يا حضرة ~~السير أرثر أن تفشي أسراري؛ ولذلك حكمت عليك بالموت. # ولم تكد تتم كلامها حتى فتح الباب ودخل منه رجلان وانقضا علي. # وإني أعهد نفسي قادرا على مقاومة اثنين، غير أن هجومهما علي كان فجأة دون انتظار؛ ~~فلم أتمكن من الدفاع، وألقياني على الأرض قبل أن أراهما. # وعند ذلك قالت لهما روميا بملء البرود: تعلمان أني لا أحب الدماء، اخنقاه ~~خنقا. # فأخذ أحد الرجلين العصابة التي عصبت بها المرأة عيني في الطريق ولفها على ~~عنقي. # ولكن قبل أن يضغط على عنقي التقت عيني بعينيه، وصاح كلانا صيحة واحدة. # فقلت: هذا أنت يا ناجلي؟ ~~- من أرى؟ أأنت الرئيس؟ # ثم نهض عني لفوره وقال لرفيقه: قم عنه؛ هذا هو الرئيس. # فنهض الرجل منذعرا، وجعل الاثنان يفكان قيودي. # أما روميا فإنها بهتت ونظرت إلى الرجلين وقد وقفا أمامي وقفة الاحترام فاضطربت وقالت: ~~ويحكما أيها الشقيان؛ ماذا تفعلان؟ # فقال لها ناجلي: إنه الرئيس! # ثم نظر إلي وقال: أتريد أن أقتل هذه المرأة؟ # فاتقدت عيناي عند ذلك ولم أعد ذلك الشريف الإنكليزي الخامل، بل صرت الرئيس الهائل، ~~فنفذت نظراتي النارية كالسهام إلى الهندي وروميا، وطأطأ كلاهما الرأس يسألان ~~العفو. # 32 # وهنا اختلف مقامنا، وصارت العبدة وصرت السيد. # أما ناجلي فإنه بعد أن التمس مني العفو جرد خنجره وركع أمامي فقال: أيجب أن أقتل ~~هذه المرأة؟ ~~- كلا، اذهب الآن، وإذا احتجت إليك ناديتك. # وخرج ناجلي مع رفيقه وبقيت مختليا مع روميا. # وكانت روميا تضطرب لنظراتي اضطراب الحمامة لنظرات البازي، وتتوقع صدور حكمي، ولعلها ~~أول مرة في حياتها لقيت مثل هذا الخوف، فوضعت يدي على كتفها وقلت لها: من حسبت ~~أني أكون؟ # فنظرت إلي مضطربة وقالت بصوت يتهدج: لا أعلم من أنت، ولكني ما خضعت لنظرات رجل في ~~حياتي كما أخضع الآن لنظراتك السحرية. # فابتسمت وقلت: كيف استخدمت هذين الرجلين؟ ~~- جئت بهما من الهند. ~~- ألعلك ذهبت إلى الهند؟ ~~- نعم. ~~- متى؟ ~~- منذ خمسة أعوام. ~~- ما كان غرضك من الذهاب إليها؟ ~~- معرفة طبائع الزهور السامة ms1791 ودرس السموم على اختلافها. ~~- ولماذا التعذيب لهذا الرجل الذي لقيته عندك في الليلة الماضية؟ ~~- نعم؟ ليس لي على سؤالك من جواب. ~~- إذن تكلمي فإني أريد أن أعرف كل شيء. # وكانت واقفة أمامي مطرقة الرأس يدل اصفرار وجهها على ما لقيته من الخوف. # ثم ظهر أنها قد تغلبت على خوفها؛ فإنها تجاسرت على النظر إلي وقالت: من أنت أيها ~~الرجل الذي يركع أمامك رجلان كنت أحسب أنهما يؤثران الموت على عصياني؟ ~~- لست إنكليزيا، بل أنا هندي واسمي نادر. # ورأيت أن اسمي لم يؤثر عليها فقلت لها: سلي عني ناجلي يخبرك من أنا! # ثم ذهبت إلى النافذة التي كسرت زجاجها ففتحتها وجعلت أستنشق الهواء الطلق. # وكانت النافذة تشرف على حديقة فقلت: أين أنا؟ ~~- أنت في منزلك. # وكانت نبرات صوتها حين قالت هذا القول تدل على الإخلاص الأكيد، والحب الصادق، ولعلها ~~قدرت نفوذي وسلطاني عليها فتولدت في نفسها عواطف الخضوع والحب والاحترام لي، وهي عواطف ~~قد تنطبع في نفس المغلوب إزاء الغالب. # أما أنا فقلت لها بجفاء: إني أريد الخروج من هنا. # فنظرت إلي نظرة كشفت لي خبايا نفسها وقالت: كن من تشاء من الناس ومر بما تشاء ~~فأمتثل، فإني غدوت أمة لك. ~~- إنك أردت لي الموت؛ فلا أحبك بعد الآن. ~~- ولكن إخلاصي سيشفع بجريمتي، وسأتبعك إلى حيث تريد كما يتبع الكلب الأمين ~~مولاه. # فقلت لها بلهجة الآمر: كلا، بل أريد أن أخرج من هنا. # فتنهدت تنهدا طويلا، ورأيت الدمع يتساقط من عينيها، ولكني تركتها ومشيت إلى ~~الباب وناديت ناجلي. # وأسرع إلى تلبيتي فقلت له: سر بي إلى خارج البيت. # والتفت قبل ذهابي فرأيت روميا جاثية وهي تنظر إلي، ولكني لم أحفل بها وخرجت من البيت ~~يتقدمني ناجلي. # ولما وصلنا إلى الشارع قلت له: عد إلى البيت وابق في خدمة هذه المرأة. ~~- إذن ألا تريد أن أقتلها؟ ~~- كلا! وانصرفت. # وكان البيت الذي أدخلت إليه معصوب العينين كائنا في الشانزليزيه كما رأيت عند خروجي ~~منه. # وعرفت الطريق، وعدت توا إلى فندق موريس الذي كنت ms1792 مقيما فيه، وشعرت أني قد أخطأت مع ~~هذه المرأة وأسأت إليها؛ فإن الانتقام حق مقدس، ومن الظلم أن أحمي ذلك الرجل الذي قتل ~~حبيبها، فأقسمت على أن أعود إلى هذه المرأة ولا أتداخل بشأن من شئونها. # وقد توهمت أن حبها زال من قلبي بعد أن أرادت قتلي، ولكني كنت مخطئا في هذا الوهم؛ ~~فإني أصبحت في اليوم التالي وأنا أشد بها افتتانا من قبل. # ولكني تجلدت ونازعت نفسي ثلاثة أيام فما ذهبت إليها ولا حاولت أن أراها. # وفي اليوم الرابع، رأيت باب غرفتي قد فتح في الصباح ودخلت منه تلك البستانية ~~الحسناء. # وهنا توقف نادر عن إتمام قصته مع روميا وقال لروكامبول: سأتم لك قص هذه الحكاية ~~وسأخبرك بما أريده منك اليوم الذي نسافر فيه إلى أوروبا. # أما الآن، فقد تقدم الليل، وأنت محتاج إلى الراحة لا سيما ونحن في حاجة إلى التفكير ~~بطريقة نقل كنوز الرجاه غدا. # ثم نادى أحد خدمه وأمره أن يذهب به إلى الغرفة التي عينها لمبيته. # وفي مساء اليوم التالي جاء نادر وقال: كل شيء قد تهيأ؛ فهلم بنا. # وكان قد تأهب في النهار واتخذ ما ينبغي من التدابير؛ فإن روكامبول رأى رجلا لم يعرفه ~~قد زاره في منزله، ولكنه علم أن هذا الرجل الذي كان متنكرا بزي الإنكليز لم يكن منهم، ~~بل كان من الهنود. # وقد علم أنه من أعوان نادر السريين، وأن نادرا أصدر إليه أوامر سرية بشأن كنز ~~الرجاه. # وخرج نادر وروكامبول من المنزل، فلما كانا في الطريق قال نادر: إني أعددت سفينة في ~~الحوض لنقل الأموال إليها من السرداب السري. # ويوجد في هذه السفينة اثنا عشر هنديا من المخلصين في خدمتي، فمتى نقلت الأموال إلى ~~هذه السفينة تخرج بها من الحوض إلى السفينة الكبرى التي أعددتها للسفر بالأموال إلى ~~أوروبا. # فاستحسن روكامبول الخطة، واجتاز الاثنان المدينة البيضاء إلى المدينة السوداء حتى ~~انتهيا إلى تلك الخمارة التي غير فيها نادر زيه. # فدخل نادر إليها وخرج منها بعد حين بملابس الهنود، فسار الاثنان ms1793 إلى المعبد حيث كان ~~ينتظرهما الكاهن كوريب. # ولما بلغا منتصف الطريق صفر نادر بفمه صفيرا خاصا. # وكان هناك رجل هندي نائما على الأرض، فوقف عندما سمع الصفير وأسرع إلى نادر، فرآه ~~روكامبول وعرف أنه هو ذلك الرجل الذي زار نادر في منزله وهو متنكر بملابس ~~الإنكليز. # أما نادر فإنه قال له: ليذهب رجالك توا إلى المعبد. # فانحنى الهندي إشارة إلى الامتثال وتوارى في الظلمات. # وبعد حين وصل الاثنان إلى المعبد، فوقف نادر وقفة الحائر وقال لروكامبول: أرى المصباح ~~مطفئا في المعبد. # فقال له روكامبول: أي مصباح تعني؟ ~~- المصباح الذي يجب أن يضاء ليلا ونهارا في المعبد؛ فإن أشعته تنفذ عادة من خلال ~~النوافذ، ولكني لا أرى شيئا. # وقد ظهرت على نادر علائم القلق، فنادى الكاهن كوريب من الخارج مرارا فلم يجب. # وكان لديه مفتاح للمعبد ففتحه ودخل مع روكامبول، فلم ير غير ظلمات، وجعل ينادي كوريب ~~فلم يجبه غير الصدى. # وعند ذلك أنار مصباحا ومشى به إلى وسط المعبد حيث كان باب السرداب السري، فأجفل وصاح ~~صيحة يأس وقال: يا للخيانة! # ذلك أنه رأى ذلك الباب السري الذي ينفذ منه إلى باب قبو الكنز مفتوحا، فما شك بعد أن ~~رأى انطفاء المصباح المقدس أن الخيانة حدثت لا محالة. # فقال لروكامبول: هلم معي، فلا حاجة إلى التأمل. ثم نزل أمامه إلى السرداب وبيده مصباح ~~وخلفه روكامبول، فسارا في السرداب الذي تقدم وصفه حتى وصلا إلى باب القبو الحديدي، ~~فتنهدا تنهد المنفرج لأنهما رأيا الباب مقفلا. # غير أن نادرا أدنى مصباحه من الأرض وجعل يفحص التراب، فصاح صيحة منكرة وعاد إلى ~~الوثوق من الخيانة وسرقة الكنز. ~~- ماذا رأيت في الأرض؟ ~~- رأيت أثر أقدام. # فأخذ روكامبول المصباح منه، وفحص تلك الآثار فحص العارف الخبير، فتبين له أنها كانت ~~غارقة في التراب؛ مما يدل على أن أصحابها كانوا يحملون أحمالا ثقيلة فتنغرس أقدامهم في ~~الأرض لثقل الوطأة. # ومع ذلك فإن الباب كان مقفلا، فخطر لنادر أن يمتحن امتحانا آخر لا يبقى بعده مجال ~~للشك، ms1794 وقد ذكر أن الكاهن كوريب قد أدار لولبا في الجدار من الخارج فسقط المزلاج وفتح ~~الباب. # وجعل يبحث عن اللولب مدة طويلة حتى عثر به وأداره وفتح باب القبو على الفور. # ودخل نادر وروكامبول إلى القبو المخبوء فيه الكنز، ولكنهما ما لبثا أن دخلا حتى ~~تراجعا منذعرين واجفين؛ وذلك أنهما لم يجدا أثرا لكنز الرجاه عثمان. # 33 # وبعد أن ثابا من دهشتهما الأولى جعل كل منهما ينظر إلى الآخر نظر الحائر المضطرب؛ فإن ~~القبو لم يبق فيه شيء على الإطلاق من أثر الكنز. # فقال روكامبول: من تظنه سرق الكنز؟ ~~- إني واثق من وفاء الكاهن كوريب؛ فإن الخيانة لا تخطر له في بال، وإن هذا الكاهن قد ~~احتجب، فكيف تمكنوا من الوقوف على سره؟ إن هذا من المشكلات التي يعسر حلها، ولا يتيسر ~~لي إدراكها إلا متى علمت ماذا جرى له. # وكان باب القبو المؤدي إلى بيت الشيخ حسن مقفلا، وهو من الحديد الضخم فلا سبيل إلى ~~فتحه أو كسره؛ ولذلك رجع الاثنان على عقبيهما في السرداب، وبعد نصف ساعة وصلا ~~المعبد. # فجعل نادر يبحث ومصباحه بيده في جميع أنحاء المعبد عن الكاهن كوريب فلم يجده. # ولما علم أنه لا فائدة من البحث خرج مع روكامبول من المعبد وهو مضطرب البال لاختفاء ~~كوريب والخياط؛ إذ كان أمره بوضعه في المعبد. # وكان هذا المعبد مبنيا في مكان معتزل لا يجاوره غير بعض بيوت معظم سكانها من ~~المسلمين، وهم لا يكترثون لعبادة سيوا ولا يهتمون بأبنائه. # فدنا نادر من البيت المقابل للمعبد وطرق بابه، ففتح له رجل بيضت شعره السنون وسأله ~~عما يريد. # فقال له نادر: بأي دين تدين؟ ~~- إني أؤمن بالله واليوم الأخير. ~~- ألعلك تعرف الكاهن كوريب؟ # فابتسم الشيخ وقال: إني أعرفه منذ خمسة وعشرين عاما، وفي كل يوم نلتقي. ~~- أتعرف أين هو؟ ~~- إني رأيته اليوم آخر مرة عند غروب الشمس، وقد دخل إلى المعبد مع شيخ عرفته، وهو ~~الشيخ حسن الخياط، ثم رأيته خرج وحده. ~~- وحسن، أبقي في المعبد؟ ~~- نعم. ~~- وكوريب، ms1795 ألم تعلم عنه شيئا؟ ~~- كلا، ولكني رأيته حين خرج من المعبد كثير الاضطراب. # فنظر نادر إلى روكامبول قائلا: لقد كان اضطراب الكاهن لفقده العلامة، وكان في ذلك ~~الحين قادما إلي. # ثم عاد إلى محادثة الشيخ فسأله: ألم تر أحدا دخل إلى المعبد؟ ~~- بلى، قد رأيت في الساعة العاشرة من المساء كثيرين من عباد سيوا دخلوا إليه، وبعد أن ~~دخلوا أقفلوا الأبواب، ثم أطفئوا المصباح. ~~- أتذكر كم أقاموا في المعبد؟ # فانذهل الشيخ وقال: إنهم لا يزالون فيه. ~~- كيف ذلك؟ ألم ترهم خرجوا منه؟ ~~- كلا. # فقال نادر لروكامبول: إن الأمر غريب، ولكني عرفت الحقيقة فيما أظن. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنهم دخلوا من المعبد وخرجوا من السرداب. ~~- نعم، ولكن جميع ذلك لا يهدينا إلى كوريب وحسن. ~~- إن حسنا كان سكران، فقد يكونون حملوه على الأكتاف. ~~- وكوريب؟ ~~- سنهتدي إلى آثاره من بيت الشيخ حسن. # ثم تركا ذلك الشيخ وذهبا إلى بيت الخياط، وهناك وجدا تلك الفتاة التي أعطاها نادر ~~مفتاح البيت وسألها عن المفتاح. # فقالت له: إني دفعته إلى رجل شيخ جاء يطلبه باسمك. ~~- وماذا فعل؟ ~~- إنه دخل إلى المنزل. ~~- ألم تريه خرج منه؟ ~~- كلا. # فزاد الإشكال وأعجم هذا السر على نادر، غير أن الفتاة قالت: لقد دخل في أثره كثير من ~~الرجال. # فقال لها نادر: ومن هم هؤلاء الرجال؟ أعرفت أحدا منهم؟ ~~- نعم، عرفت اثنين منهم، وهما اللذان كانا يتوليان قيادة الجنود الذين كبسوا بيت حسن ~~في طلب الكنز وأخذوا غلامه. # فقال نادر لروكامبول: لقد ظهرت يد تريبورينو ولم يبق مجال للشك. # ثم قال للفتاة: وماذا جرى بعد ذلك؟ ~~- إنهم طرقوا الباب ففتح لهم الشيخ فدخلوا، وبعد ساعة خرجوا من المنزل وساروا في طريق ~~الترعة. ~~- والشيخ؟ ~~- لم أره بينهم، وهو في المنزل دون شك. # فتركا الفتاة وذهبا إلى منزل حسن وطرقا الباب، فلم يفتح لهما أحد، ولكنهما سمعا من ~~ورائه صوتا يشبه غطيط النائم. # وكان نادر قوي العضل، شديد الأعصاب، فدفع الباب بكتفه دفعة قوية فانفتح، ودخل الاثنان ~~إلى المنزل فوجدا الكاهن كوريب ms1796 ملقى على الأرض، ووجدا بالقرب منه ذلك الكأس الذي وضع ~~فيه نادر الشراب لحسن كي يحمله على الإقرار بسره بعد شربه. # وكان حسن قد شرب جرعة من ذلك المزيج وبقيت بقيته في الكأس. # فنظر نادر إلى الكأس فرآه فارغا، فعلم أن الكاهن عاد يبحث عن العلامة التي فقدها في ~~منزل حسن، وكان ظمآن فشرب ما وجده في الكأس، ولما دخل أعوان الوزير الذين كانوا يراقبون ~~المنزل كان الشراب قد أثر بالكاهن، فوقفوا منه على سره بهذا الاتفاق الغريب. # وقد تأثر نادر تأثرا شديدا مما أصابه من الفشل، ولكنه نظر إلى روكامبول وقال: إن ~~الأمر لا يدعو إلى القنوط، وإذا لم يكن الوزير قد برح الهند فلا بد لنا من استرجاع ~~الكنز. # 34 # وكان روكامبول قد بات شديد الثقة بنادر منذ أنقذه من براثن الفهد، ولم يكن نادر ~~يفارقه بعد ذلك العهد حذرا عليه من بطش الوزير؛ فإنه كان كثير الدلال على حكومة ~~الإنكليز. # فلما خرجا من منزل الخياط وكلاهما مضطرب الخاطر قال له نادر: أتعرف، يا روكامبول، ~~شوارع كلكوتا؟ ~~- حق العرفان. ~~- إذن اذهب إلى منزلي في المدينة البيضاء. ~~- وأنت؟ # فابتسم نادر قائلا: أما أنا فلدي مهمة يجب قضاؤها. # ثم استطرد قائلا: لقد قلت لك من قبل إني لا أفارقك لشدة الخطر عليك، أما الآن فلم ~~أعد أخشى عليك شيئا من الأخطار. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأن الوزير كان يريد قتلك من قبل لخوفه من تأثير نفوذك عند الرجاه، فلما مات ~~الرجاه بات يريد الخلاص منك كي تنطلق يده في البحث عن الكنز، وهو الآن قد ظفر بهذه ~~الأموال فلم تعد تخطر له في بال. ~~- أتظنه لا يهتم بي؟ ~~- دون شك؛ إذ لديه مهمات خطيرة تشغله عنك، وأنت تعلم أن هذا الرجل يحاول منذ عهد بعيد ~~أن يخلع زي الهنود ويعود إلى أوروبا، فيضم إلى الأموال التي غنمها من الهند الكنز الذي ~~اختلسه، ويعيش برخاء يحسده عليه الملوك. وأهم شاغل يشغله الآن نقل أموال الرجاه إلى ~~إحدى البواخر؛ فهو لا يفتكر بك ms1797 بعد هذا الشاغل، ولذلك أسألك أن تذهب إلى منزلي تنتظرني ~~فيه. ~~- ولكن أنت إلى أين تذهب؟ ~~- إني ذاهب لاقتفاء أثر تريبورينو، وخير لي أن أكون وحدي؛ فإن لي كثيرا من المخلصين ~~بين الهنود إذا رأوك معي امتنعوا عن الإباحة لي أمامك بما يعلمون. # ثم أخذ كيسه من جيبه فأخرج منه قطعة ذهب مكسورة وأعطاه إياها وقال له: إذا أظهرت هذه ~~القطعة إلى خدمي في منزلي أطاعوك في كل ما تريده كما يطيعونني. # وبعد أن أعطاه القطعة تركه وانصرف، فوقف روكامبول ينظر إليه وهو يبتعد عنه. # ولم يبتعد بضع خطوات حتى رآه وقف وصفق بيديه ثلاث مرات، فأسرع إليه هنديان كانا ~~نائمين على طريق عند باب أحد البيوت. # فتبادل وإياهم كلمات لم تصل إلى مسامع روكامبول، ثم ذهب الثلاثة، فبقي روكامبول ينظر ~~إليهم حتى تواروا عن أبصاره، فذهب إلى المدينة البيضاء وهو مشتغل البال على الكنز، ~~ولكنه كان يرجو أن يظفر نادر به؛ لما رآه من اهتمامه، ولما علمه من مبلغ نفوذه بين ~~قومه. # وبعد ساعة، وصل إلى بيت نادر وطرق بابه، ولما فتح له الخادم أراه القطعة الذهبية، ~~ففعلت به فعل السحر، واتصل خبرها بجميع الخدم فوقفوا بين يديه وقفة الاحترام وقالوا له: ~~مر نطع؛ فإننا نخدمك كما نخدم سيدنا في هذا البيت. # وأقام روكامبول في بيت نادر يومين لم يعلم عنه شيئا حتى بدأ يخاف عليه، ولكن خوفه لم ~~يتجسم؛ فإنه بينما كان جالسا في غرفة نومه يضرب أخماسا بأسداس إذ فتح باب سري في تلك ~~الغرفة ودخل منه نادر وهو بملابس الهنود، فكان أول ما قاله: إننا وجدنا ما نبحث ~~عنه. # فظهرت علائم البشر على محيا روكامبول وقال: أوجدت الكنز؟ ~~- وجدت الكنز والغلام ولم يبق لنا غير الاستيلاء عليهما. # ثم أخذ نادر بيده وقال له: هلم معي. # وخرج وإياه من الباب السري الذي دخل منه إلى الغرفة. # 35 # وخرج نادر وروكامبول من سرداب مظلم ضيق انتهيا منه إلى سلم يؤدي إلى الحديقة، فقال له ~~نادر: إني لم أتمكن ms1798 من تغيير ملابسي الهندية، فاضطررت إلى الدخول بها من هذا الباب ~~السري كي لا يعلم خدم منزلي حقيقة أمري؛ فإنهم يعتقدون أني من الإنكليز ولا يعرفون سر ~~هذا السرداب. # ولما وصلا إلى الحديقة اجتازاها إلى باب كان مفتاحه مع نادر، ففتحه وخرج الاثنان إلى ~~الشارع، وهناك وقف نادر وقال: إن تريبورينو يسافر غدا. # فارتعش روكامبول ارتعاشا بدت علائمه على وجهه، فقال له نادر: أتذكر حين دخلنا قبو ~~الشيخ حسن إلى السرداب المؤدي إلى المعبد أننا رأينا طريقين مختلفين؟ ~~- نعم. ~~- إن الطريق الذي لم نسلكه يؤدي إلى الحوض، وينتهي بثقب ينفذ منه إلى الماء، وقد أخرج ~~تريبورينو أموال الرجاه عثمان من ذلك الثقب. ~~- وأين هي الآن هذه الأموال؟ ~~- إنها باتت في سفينة تجارية تشتغل بالتهريب منذ عهد بعيد ولها عنبران. ~~- وهي ستسافر غدا بالكنز؟ # فابتسم نادر وأجاب: نعم، ولكن من اليوم إلى الغد يحدث كثير من الأمور، فاتبعني وسوف ~~ترى. # ثم ذهب الاثنان إلى المدينة السوداء وسارا إلى تلك الخمارة التي يغير فيها نادر ~~أزياءه، ودخلا إليها. # وهناك أصدر نادر بعض أوامر سرية، فأخذ صاحب الخمارة بيد روكامبول وذهب به إلى غرفة ~~مظلمة، فوجد بها ثيابا خاصة ببحارة أهالي ملقا. # وكان يعلم أن البحارة الملقيين يؤثرون على البحارة الهنديين لاشتهارهم بالقوة ~~والدربة، ولكن لون روكامبول كان ناصع البياض خلافا لسكان تلك الجزيرة. # غير أن صاحب الخمارة أحضر وعاء من النحاس كان فيه سائل أسود، وأشار إليه أن يخلع ~~ثيابه، ففعل، حتى إذا أصبح عاريا أخذ إسفنجة وجعل يغمسها بالسائل ويطلي بها جسمه، ~~فأصبحت بشرته لامعة كلون النحاس، بحيث لم يعد يختلف لونه في شيء عن لون أهل ~~ملقا. # وبعد أن جف الطلاء لبس الثياب التي كانت معدة له، فتم الشبه، وذهب مع صاحب الخمارة ~~إلى القاعة الكبرى فوجد فيها نحو ثلاثين بحارا كان بينهم ستة من الملقيين. # وجعل روكامبول ينظر بين أولئك البحارة باحثا عن نادر فلم يجده، لكنه سمع أحد ~~الملقيين يضحك ضحكا عاليا وهو ينظر إليه، فارتعش وعلم أنه ms1799 نادر، وأنه تنكر مثل ~~تنكره. # ثم ذهب إليه وجلس بقربه، فهمس نادر في أذنه قائلا: ألعلك منذهل مما تراه؟ ~~- دون شك؛ فإني لا أعلم سبب هذا التنكر. ~~- إنك ستعرفه بكلمتين، فإن بحارة السفينة التي يسافر فيها تريبورينو لم يتم ~~عددهم. ~~- أتظن أنهم يختاروننا؟ ~~- دون شك؛ فإن ربان هذه السفينة إنكليزي قديم العهد في مهنته، ولكنه شديد البخل، فهو ~~يختار البحارة الملقيين لرخص أجورهم، ولإيثارهم على الهنود في مهنة البحار. ~~- ألعله هو الذي سيختارنا؟ ~~- نعم، سيحضر قريبا إلى هذه الخمارة، ورجائي أن يختارنا جميعنا. ~~- من تعني بجميعنا؟ ~~- جميع هؤلاء الملقيين؛ فإنهم من رجالي الأمناء المخلصين، وهم متنكرون مثلنا. ~~- لقد فهمت كل شيء. # وقبل أن يجيبه نادر فتح باب الخمارة ودخل منه الربان الإنكليزي فوقف له جميع ~~البحارة. # 36 # وكان هذا الربان يدعى جون هابر، وهو قصير القامة، ممتلئ الجسم، شديد القوة، وكان عنقه ~~ضخما قصيرا يشبه عنق الثور بغلظته، وله لحية كبيرة حمراء، وجبهة ضيقة، ونظرات حادة ~~تدل على الشراسة. # وكانت جميع ملامحه تدل على الإرادة الثابتة، فلما دخل إلى القاعة وضع يديه وراء ظهره، ~~وجعل يخطر في القاعة ذهابا وإيابا وهو يفحص أولئك البحارة كمن يفحص سلعا يشتريها، ~~فما استوقف بصره غير الملقيين، وجعل يعدهم واحدا واحدا على أصابعه. # فهمس نادر في أذن روكامبول قائلا: إذا أخذنا جميعنا كانت لنا السيادة في ~~السفينة. # غير أن نادرا أخطأ في حسابه كما سترى. # أما الربان فإن نادرا كان أول من استلفت نظره من الملقيين، فمشى إليه وسأله بلغة ~~الجزائر الهندية: أأنت حر؟ ~~- نعم. ~~- كم تطلب أجرة عن خدمة عام؟ ~~- ثمانمائة غرش. # فهز الربان كتفيه ونظر إلى روكامبول فقال له: وأنت؟ # فأدركه نادر قبل أن يجيب وقال للربان: إن هذا أخي، وإننا لا نسافر إلا إذا كنا سوية ~~كما تعودنا. # فسأله الربان: إذن أدفع لكما ألفا ومائتي غرش. # فرفض نادر لاعتقاده أن رفضه يزيد الربان تمسكا به. # فأجابه الربان: إذن أعطيكما ألفا وثلاثمئة وخمسين ولا أزيد على ذلك غرشا، فأنتما ~~مخيران. # ونظر نادر ms1800 إلى روكامبول ليوهم الربان أنهما يتشاوران، ثم أجابه: إننا نرضى بألف ~~وأربعمائة، فإن شئت دخلنا في خدمتك، ونحن من خير البحارة. # فشتم الربان شتما قبيحا وقال: إن هؤلاء الكلاب الملقيين يطمعون أن تكون رواتبهم ~~كرواتب السفراء، ثم تنهد تنهدا طويلا وقال: لا بأس؛ فقد رضيت بهذه الأجرة. # ثم تركهما وعاد إلى فحص بقية الملقيين وجميعهم هنود متنكرون من أتباع نادر. # وكانوا ستة، لكنه لم ينتخب منهم غير اثنين، ولعله لم يكن محتاجا إلى أكثر من ~~أربعة. # فقال نادر: إننا سنغدو أربعة، وهو عدد قليل بإزاء بحارة السفينة. # فسأله روكامبول: ألا نسافر الآن؟ ~~- بلى، نسافر دون شك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نستولي على السفينة فنلقي تريبورينو في البحر ونذهب بكنز الرجاه وابنه إلى ~~أوروبا. ~~- نعم، فإني أريد أن أرى البستانية الحسناء، وقد كتبت إليها عن قدومي. # وقد اتقدت عيناه حين ذكر اسم روميا، فلم يعلم روكامبول شيئا من قصده ؛ لأن نادرا لم ~~يذكر له غير طرف من حكايته مع روميا. # وبعد أن أتم الربان اختياره أمر صاحب الخمارة أن يحضر له زجاجة من الشراب، ثم دعا ~~بإشارة منه نادرا وروكامبول والبحريين الآخرين اللذين اختارهما فشاركهم في ~~شرابه. # ثم أخرج من جيوبه عهودا مطبوعة، فكتب في كل عهد منها اسم البحري المسافر، ومقدار ~~الأجرة، والمدة المتفق عليها، فكتب كل منهم توقيعه تحت الشروط وتم الاتفاق. # ولما تم التوقيع دفع لكل منهم أجرة ثلاثة أشهر مقدما حسب العوائد المألوفة، وأقاموا ~~يشربون حتى فرغت الزجاجة، فقال لهم: لقد آن أوان الرحيل؛ فهلموا بنا إلى ~~السفينة. # وتنغص نادر إذ حسب أنهم سيكونون أربعة في السفينة، وأن بحارتها الآخرين اثنا ~~عشر. # غير أنه لم يقنط وقال لروكامبول: هلم بنا؛ فإن الواحد منا يعادل ستة، ورجائي معقود ~~بالفوز. # ثم قاما فمشيا أمام الربان جون هابر، فكان يسوقهم أمامه سوق المواشي. # وبعد ساعة بلغا السفينة. ~~••• # كانت الليلة التي أقلعت فيها السفينة الشراعية بالكنز حالكة الظلام. # وكانت هذه السفينة تدعى وست إنديا، وهي لربانها جون هابر، وقد برحت ميناء كلكوتا في ms1801 ~~الساعة السابعة، أي عند غروب الشمس. # وكان الربان قد أقام نادرا وروكامبول في محل واحد، ولكنهما لم يتمكنا من المحادثة ~~إلا بعد ست ساعات من سفر السفينة، فكانا يتحدثان باللغة الفرنسية، ولا يوجد من يتكلم ~~بهذه اللغة في السفينة غير ربانها وتريبورينو. # أما تريبورينو فقد كان آخر من صعد إلى السفينة، وقد رآه نادر وروكامبول حين صعوده ~~إليها؛ فإذا به قد عاد إنكليزيا فتزيا بأزياء الإنكليز، وقص شعره على الطريقة ~~الإفرنجية، فكان من يراه يحسب أنه من أشراف يورك أو لانكشير. # ولا يخطر لمن يراه أن هذا الرجل الشريف قد أنفق كل ليلته في الأمس على جمع تلك ~~الأموال التي اختلسها ونقلها إلى السفينة. # وكانت السفينة تشحن أرزا وقهوة، فلم يعلم روكامبول إذا كان ربانها عالما بأن تلك ~~الأكياس حشوها من الذهب، أو أنه كان متفقا مع الوزير على تهريب الكنز. # غير أن هذا الوزير القديم كان يظهر أنه السيد المطلق في السفينة، حتى إن جون هابر ~~نفسه على فرط قحته وغلظته كان يخضع له ويقف أمامه وقفة الاحترام. # ولما خلا روكامبول بنادر قال له: لقد خشيت أن يكون تريبورينو قد عرفني. ~~- متى؟ ~~- حين استعرض البحارة. ~~- لا تخش فلا يمكن أن يعرفك وأنت متنكر بهذا الزي الغريب، أما أنا فإنه يستحيل أن ~~يعرفني؛ لأنه لم يرني قبل الآن. # وكانت سكينة نادر واطمئنانه يدهشان روكامبول، فسأله: إننا أربعة فقط في ~~السفينة. ~~- أعرف ذلك. ~~- وإن سائر البحارة إنكليز، وهم أشداء يقاتلون جيدا. ~~- لا بأس. ~~- وفوق ذلك فإن الوزير يصحبه خادمان، فإذا أضيفوا إلى البحارة الإنكليز كانوا جميعهم ~~خمسة عشر، وما نحن إلا أربعة. # فابتسم نادر دون أن يجيب. # فتابع: وفوق ذلك أيضا فإن جون هابر من أهل الثبات في أقواله وأعماله. ~~- من يعلم؟ # فخطر لروكامبول حينئذ أن نادرا يريد إغواء الربان وحمله على خيانة الوزير. # وكأنما نادر أدرك فكره فقال: كلا، إني لا أغوي هذا الرجل إلا إذا يئست من جميع ~~الوسائل. ~~- إذن على أي شيء تعتمد؟ # فدنا نادر من جدار السفينة ms1802 ومد يده إلى الجهة الغربية قائلا: انظر إلى آخر ما يمتد ~~إليه بصرك من البحر، ألا ترى نورا يشبه نور النجم يضطرب فوق الأمواج؟ ~~- نعم. ~~- إنه ينبعث من قارب يسمونه باصطلاحكم: «جنك». ~~- أهو قارب صيني؟ ~~- نعم، ولكن الصينيين الذين فيه مثل الملقيين الذين في هذه السفينة. # فأشكل فهم قصده عليه، فسأله مستفسرا: بالله أوضح لي عن قصدك؛ فإني لم أفهم ماذا ~~تقصد. ~~- إننا حين خرجنا من الخمارة كتبت بسرعة كتابا أعطيته إلى أحد الملقيين الذين لم ~~يخترهم الربان. ~~- لمن أرسلت الكتاب؟ ~~- لنائبي في زعامة أبناء سيوا، فقد أمرته أن يعد قاربا ويذهب به مع فريق من رجالنا ~~لمطاردة هذه السفينة التي نسافر عليها. ~~- أيجسر قارب صغير على مهاجمة هذه السفينة الكبيرة؟ ~~- عند أول إشارة تصدر مني إليه. ~~- ومتى يكون ذلك؟ ~~- لا حاجة إلى العجلة؛ فإننا نستطيع الصبر يومين وثلاثة. # فدهش روكامبول وسأله: كيف يمكن لهذا القارب الصغير أن يدرك السفينة ويسير سيرها ثلاثة ~~أيام؟ ~~- ذلك لأنك تجهل سرعة هذه القوارب؛ فإنها تبنى بشكل خاص؛ إذ لا غرض منها إلا ~~المطاردة، وهي تسبق أسرع السفن. # وعاد الأمل إلى روكامبول باسترجاع كنز الرجاه عثمان، وحاول أن يتم محادثته مع نادر، ~~غير أن نادرا قاطعه قائلا له: كفى؛ فإن الربان قد حضر. # وعاد الاثنان إلى عملهما. # وصعد جون هابر إلى سطح السفينة يراقب سيرها وهو يبتسم ابتسام الرضى والارتياح. # 37 # ودنا الربان وتوكأ على جدار السفينة وجعل ينظر إلى الأفق قائلا: إن السماء صافية، ~~والريح موافقة، فإذا استمرت على ما هي عليه الآن نصل إلى لفربول بعد خمسة أشهر. # وفيما هو ينظر إلى السماء بعين الرضى شعر بيد وضعت فوق كتفه، فالتفت ورأى تريبورينو، ~~فأسرع إلى السلام عليه بملء الاحترام. # فسأله تريبورينو: إني أرى عليك علائم الارتياح؛ فهل الطقس موافق لسير السفينة؟ ~~- كل الموافقة. ~~- وإنك تحب أن تصل لندرا بأسرع ما يمكنك من الوقت، أليس كذلك؟ # وتنهد الربان تنهدا طويلا وقال: إني بلغت من العمر خمسين عاما، وأنا أسير في الهند ~~منذ 20 ms1803 عاما، حتى مللت السفر. ~~- أظن أن هذا السفر يكون آخر أسفارك؟ ~~- وهذا الذي أرجوه. ~~- ستجعل مركز إقامتك في لندرا؛ لأنك تقبض مني مائتي ألف ليرا إنكليزية، وهي ثروة ~~طائلة تستطيع أن تعيش بها كما تريد في العاصمة. # فاحمر وجه القبطان حين سمع بهذه الثروة، وكاد يطيش صوابه حين علم أنه سيقبض 5 ملايين ~~فرنك أجرة تهريب كنوز الرجاه. # ثم ثاب إلى رشده وتمتم قائلا: كلا، إني لا أقيم في لندرا. ~~- إذن أين تقيم؟ ~~- أقيم في بلدي في يونكشير، وأشتري أرضا متسعة في البلاد التي ولدت فيها، وأتزوج ~~كاتي. ~~- من هي كاتي؟ ~~- هي فتاة حسناء من أهلي يبلغ عمرها الآن 26 عاما، فلا أكبر في عينيها ولا تصغر في ~~عيني، ثم إني أبني كنيسة ومستشفى بفضل هذه الثروة؛ فإن صنع الجميل من خير ما تطيب به ~~النفوس. # وكانا يتحدثان باللغة الفرنسية لاعتقادهما أن نادرا وروكامبول ملقيان، وأن الملقيين ~~لا يعرفون اللغة الفرنسية. # وقد سمع روكامبول حديثهما فهمس في أذن نادر قائلا: لا تطمع بإغواء الربان. ~~- لماذا؟ ~~- لأن تريبورينو سيعطيه ثروة لم يحلم بها ولم يطمع أن يدركها بالتصور. ~~- لقد أصبت، ولكن القارب لا يزال يطارد سفينتنا. # ثم جعل ينظر إلى القارب وهو في آخر ما يمتد إليه النظر إلى البحر. # أما الربان وتريبورينو فقد عادا إلى الحديث، فتابع تريبورينو: أأنت واثق من بحارة ~~السفينة؟ ~~- نعم، كما أثق بنفسي. ~~- أأنت واثق أيضا أنه لا يوجد بين بحارتك من يعلم حقيقة ما تشحنه السفينة؟ ~~- إنهم جميعهم يعتقدون أنها تشحن الأرز والقهوة، وفوق ذلك فليس بينهم من يعرف سر ~~العنبر الداخلي غير اثنين لي بهم ملء الثقة، بحيث لا خطر على الكنز إلا من ~~الغرق. # ولكني لا أخشى الغرق أيضا؛ فقد ألفت السير في هذه الطريق، وإن سفينتي من أشد السفن ~~وأقواها على مصادمة الأمواج. # وفيما هو يتكلم نظر إلى النور الذي كان ينبعث من القارب فاضطرب وسأله: ما هذا؟ # فنظر تريبورينو النور أيضا وقال: إنه منبعث من منارة دون شك. ~~- كلا فلا يوجد ms1804 منائر في هذه الجهة. ~~- إذن فهو من سفينة في الطريق التي نسلكها. ~~- قد يكون ذلك، ولكني أخافها. # فاضطرب الوزير قائلا: كيف تخافها؟ ~~- لأني أخاف القرصان الصينيين. # ثم تركه مسرعا ونزل إلى غرفته، وعاد يحمل نظارته المكبرة، فما كاد ينظر بها إلى ذلك ~~النور حتى صاح صيحة غضب: هذا ما كنت أخشاه. ~~- ما هذا؟ ~~- قارب صيني. ~~- وكيف تخاف القوارب ولك مثل هذه السفينة الضخمة؟ ~~- لأنها تحمل قرصانا، وسنضطر إلى استعمال هذين المدفعين الموجودين في ~~سفينتنا. # فقطب الوزير حاجبيه ولم يجب. # فقال نادر لروكامبول: إني لو استطعت إطفاء نور القارب لفعلت؛ فإنهما رأياه قبل ~~الأوان. # أما الوزير والربان فإنهما عادا إلى الحديث يتشاوران، وكان نادر وروكامبول مصغيين ~~إليهما ولم تفتهما كلمة من ذلك الحديث. # 38 # وكان القارب يبعد نحو 3 أميال عن السفينة، غير أن الربان كان يرى جميع حركاته بمنظاره ~~الكبير، فرأى أنه يسير في طريق السفينة، ويظهر خوفه للوزير. # أما تريبورينو فإنه أنكر عليه هذا الخوف وقال: كيف يجرؤ هذا القارب على ~~مهاجمتنا؟ ~~- إنك مخطئ يا سيدي؛ فإني لا أزال أذكر قاربا هاجمنا حين كنت ربانا ثانيا في سفينة ~~تدعى ليفربول، وهي أكبر من سفينتنا. ~~- ماذا جرى؟ ~~- إنه هؤلاء القرصان لا يختلفون عن الأبالسة؛ فإن قاربهم يكون فيه على الغالب كثير من ~~الرجال الأشداء، فإذا وصلوا إلى مرمى مدافع السفينة التي يطاردونها أنزلوا جميع ما ~~لديهم من الفلائك الصغيرة إلى البحر، وينزل إليها ثلاثة أرباع البحارة، فيهربون من ~~قذائف المدافع، ويحيطون بالسفينة من كل جهاتها دون أن تتمكن المدافع من إغراقها لسرعة ~~حركاتها، واستحالة إصابة المرمى. # وإن لدينا الآن نحو عشرين رجلا، ولكني واثق من أن هذا القارب يحمل ضعف عددنا من ~~القرصان، فإذا وصلوا إلينا تفرقوا بالفلائك الصغيرة. ~~- إني لم أر إلى الآن موقف الخطر؛ فإن القارب قد يدركنا لأنه يسير بالهواء، فإذا وصل ~~إلينا أطلقنا عليه قنابلنا، وأما إذا نزلوا في الفلائك الصغيرة، فكيف يدركوننا وهم ~~يسيرون بقوة المجاذيف؟! # فهز الربان رأسه وأجاب: إن القرصان موصوفون بالصبر، وإن ms1805 الأوقيانوس الهندي معروف ~~بسكون رياحه، فلا يسلم من القرصان غير السفن البخارية؛ لأنها تسير سيرا منتظما غير ~~مكترثة بسكون الرياح. أما السفن الشراعية فإن قوارب القرصان تطاردها أياما، بل قد ~~تطاردها شهرا كاملا حتى تسكن الرياح، وتقف السفينة، وينزل القرصان إلى الفلائك ~~ويدركونها بالمجاذيف. # وقد يتفق أن السفينة تغرق بعض هذه الفلائك، ولكن ما سلم منها يهاجم السفينة، ~~وبقية القرصان يدركونها سباحة فيصعدون إليها، وتنشب بين الفريقين معركة هائلة ~~بالمسدسات والخناجر والمجاذيف، فتصبغ السفينة بدماء المتقاتلين، وتنجلي المعركة في ~~الغالب عن فوز القرصان. # فاضطرب الوزير اضطرابا شديدا حين فكر أن هذا الكنز وهذه الأموال التي جمعها ~~بالخيانات والمآثم ستقع غنيمة باردة بأيدي القرصان. # وعاد الربان إلى تتمة حديثه قائلا: وإن دوارع جلالة الملكة قد طهرت البحر من هؤلاء ~~القرصان، ولكن يظهر أنه لا يزال يوجد منهم بقية. # وبينما كان الاثنان يتحدثان كان نادر وروكامبول يصغيان إليهما، ويراقبان نور القارب، ~~فرأيا أن النور يبتعد ويصغر، فلم يدركا القصد من هذا الابتعاد. # وقد رأى الربان ما رأياه فاطمأن وقال: أظن أن القرصان لم يرونا؛ فإني أراهم ~~يبتعدون. # وبعد أن أقاما نحو ساعة يراقبان ويتحدثان هبط تريبورينو إلى غرفته، وبقي الربان فوق ~~ظهر السفينة كل ذلك الليل حتى توارى القارب عن نظره، فاطمأن وتمتم في نفسه: إما أن يكون ~~القرصان قد رجعوا عن مطاردتنا، أو أنهم لم يرونا، أو أنهم يطاردون سفينة أخرى، وعلى ~~كل فقد أمنا الخطر. # وعند الصباح عاد إليه تريبورينو فارتاحت نفسه لبعد القارب وسأله: أرى أننا قد أمنا ~~الخطر لا سيما وأن السفينة تسير سيرا حسنا لموافقة الرياح. ~~- نعم، ولكنها لا تسير هذا السير أمدا طويلا؛ فإن الرياح لا تلبث أن تهدأ، ثم مد ~~يده إلى الأفق في الجنوب الغربي قائلا: انظر، ألا ترى هذه الغمامة الصغيرة التي تشبه ~~طير البحر؟ ~~- نعم. ~~- إنها مقدمة لعاصفة ستهب علينا فتثور الرياح ثورة عظيمة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك تهدأ الرياح بعدها أتم الهدوء؛ بحيث قد يمر بنا يومان أو ثلاثة دون أن ms1806 ~~تجتاز السفينة أكثر من ميل واحد، وهنا يجب أن نضرع إلى الله وأن نلتمس حماية القديس ~~جورج، حامي إنكلترا؛ كي يقينا شر القرصان ولا تدركنا فلائكهم. # فقال نادر لروكامبول: لقد أصاب هذا الربان؛ فإن سكون الرياح سوف يعقب العاصفة التي لا ~~بد أن تثور قريبا. # ولقد كان كلاهما مصيبا؛ فإنه بعد أن توارت الشمس في حجابها أربد وجه الأفق، وأظلمت ~~السماء بالغيوم الكثيفة، وحجبت النجوم، وهطلت الأمطار كأفواه القرب، وعصفت الرياح، ~~فاضطربت الأمواج فجعلت تهاجم السفينة مهاجمة الجيوش، وترتد عنها ارتداد الجبان. # وعند انتصاف الليل بلغت العاصفة أشد أطوارها، فكانت السفينة ترقص فوق الأمواج وربانها ~~يقودها بملء السكينة والحزم. # أما تريبورينو فقد خاف خوفا شديدا على كنوزه؛ إذ لم يمر بخاطره مثل هذه الأخطار، ~~فكان يجيء إلى الربان وعليه علائم الذعر الشديد ويسأله عن حالة السفينة، فيجيبه الربان: ~~إني لا أخشى سكونها، ولا أخاف هجوم القرصان. # وفيما هو يقول ذلك حانت منه التفاتة فصاح صيحة المغضب وصرخ بصوت مضطرب: هو ذا سفينة ~~القرصان قد ظهرت؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. # فالتفت تريبورينو منذعرا، فرأى سفينة القرصان تضطرب فوق الأمواج اضطراب سفينته، ~~وتلقى من العاصفة ما تلقاه. # أما نادر فإنه التفت إلى قارب رجاله وقال وصدره يخفق: حييتم أيها الشجعان. # 39 # وكانت أمواج البحر تتعالى علو قمم جبال الألب ثم تهوي إلى الأعماق فتصبح السفينة في ~~واد من المياه. # وفي كل حين تتدفق الأمواج فوق ظهر السفينة فتغسلها. # وكانت الصواري تئن لعوامل الرياح وتوشك أن تتحطم. # كل ذلك وروكامبول واقف يشتغل شغل البحارة ويتذكر تلك الليلة الهائلة التي فر بها من ~~سجن طولون، ولقي فيها من أهوال العاصفة ما يذكره القراء. # ولم يكن يخشى على السفينة من الغرق لما رآه من حزم الربان ومهارته. # أما تريبورينو فقد كان واقفا بجانب الربان، وكلاهما ينظران إلى سفينة القرصان، فكان ~~الربان يقول كلما رآها: إني لا أخشى ثورة الرياح، بل أخشى ثورة القرصان. # فقال له تريبورينو: إنهم يلقون من العاصفة ما نلقاه. ~~- هو ms1807 ما تقوله، غير أني لا أخشاهم الآن، بل حين تسكن الرياح. # ولم يكد يتم قوله حتى هبت ريح عاصفة مالت بالسفينة وأوشكت أن تدفنها باللجج، فانقض ~~الربان انقضاض الصاعقة على الصاري الأكبر وضرب حبله بفأسه فقطعه، ثم نادى البحارة ~~فاشتغلوا جميعهم بكسر الصاري بما كان لديهم من الفئوس. # وبعد عشر دقائق سقط الصاري الأكبر، فكان له دوي شديد، وكسر جدار السفينة، غير أنها ~~ارتفعت وسلمت من الغرق بعد انكساره، فصاح الربان صيحة المنتصر. # وعند ذلك جعل ينظر إلى الجهة التي كانت تسير فيها سفينة القرصان فلم يرها. # فقال له تريبورينو: أظن أن العاصفة أغرقتها. ~~- كلا، بل إن تيارا قد جذبها، وفي كل حال فقد أمنا شر هؤلاء القرصان. # وكان نادر وروكامبول يسمعان الحديث، فقال له نادر: إن الربان قد أخطأ هذه المرة؛ إذ ~~لا يوجد تيارات في هذه الجهات، ولا بد لرجالي من إدراكنا. # وكان يتكلم بلهجة الواثق المطمئن بحيث لم يبق شك لدى روكامبول باسترجاع الكنز. # إن العواصف هائلة في بلاد بحر الهند، ولكن أمرها لا يطول، ويعقبها في كل حالة من ~~أحوالها سكون الريح أياما. # وقد اتفق مثل ذلك بعد هذه العاصفة، فإن الهواء سكن سكونا تاما عند الفجر، فجعل ~~البحارة يهتمون بإصلاح ما أتلفته العاصفة من السفينة. # وكانت الأمواج حين كانت السفينة تنقلب قد ابتلعت ثلاثة من البحارة، فسقطوا عن ظهر ~~السفينة إلى البحر حين التوائها، وبين هؤلاء واحد من الملقيين، بحيث لم يبق فيها من ~~أعداء تريبورينو غير ثلاثة. # وكان القارب قد توارى عن الأنظار، فقال روكامبول لنادر: إذا كان لا يوجد تيارات في ~~هذه الجهات، فكيف اختفى القارب؟ ~~- إنه قد اختفى لغرض من الأغراض، ولا بد له أن يدركنا. # أما الربان فكان واقفا مع تريبورينو يراقبان السفينة وقد سكنت الرياح وامتنعت ~~السفينة عن المسير، غير أن الاثنين كانا قد ارتاحا بعض الارتياح لاعتقادهما أن القرصان ~~قد غرقوا بالعاصفة. # ولما طال احتجاب القارب بدأت علائم الاضطراب تظهر على نادر وقال: يستحيل أن يضل كوسلي ~~الطريق. ~~- من ms1808 هو كوسلي هذا؟ ~~- هو نائبي الذي يتولى قيادة القارب ومن فيه؛ فإنه يعرف طرق السفن الشراعية إلى ~~أوروبا حق العرفان. # وفيما هو يتحدث وينظر إلى البحر شد على يد روكامبول قائلا له: انظر. مشيرا إلى ~~جهة الغرب. # وكان روكامبول حديد البصر غير أنه لم ير شيئا، ولكنه سمع شتما قبيحا خرج من فم ~~الربان، فعلم أن ما رآه نادر بالعين المجردة قد رآه الربان بالنظارة المكبرة، وهو سفينة ~~القرصان. # وكان الربان يصيح صياح الذعر قائلا: القرصان. # ثم التفت إلى الوزير وتابع: لم يبق شك في أن القرصان يطاردوننا. ~~- أتظنهم يهاجموننا؟ ~~- قبل غروب الشمس. وقد وجب علينا الإسراع بالتأهب. # ثم أوقف إصلاح السفينة، وأمر بحشو المدافع، ووزع الأسلحة على البحارة، وأقام الجميع ~~ينتظرون قدوم القارب الذي كان يسير إليهم ببطء، ولكنه كان مستمرا في السير خلافا ~~للسفينة. # وما زال يدنو حتى بات على مسافة مرمى المدافع؛ فأنزل إلى البحر أربع فلائك نزل إلى كل ~~واحدة منها ثمانية رجال. # أما الربان فدمدم قائلا: إني كنت أحسبهم أكثر عددا، ولكنه سيكون لنا معهم شأن ~~عظيم. # أما الفلائك فقد تفرقت وذهبت كل واحدة منها في سبيل بغية الإحاطة بالسفينة، ودنت ~~إحداها منها بغية مهاجمتها من الأمام، فقال الربان: لنغرق هذه في البدء. # ثم أطلق عليها بيده أحد المدفعين. # 40 # فدوى المدفع دويا شديدا، وخرج دخان البارود منه فكان كالغمام، وقد أطبق نادر ~~وروكامبول عيونهما حين دوى صوت المدفع، ثم فتحاهما، وانجلى الغمام فرأوا أن القنبلة لم ~~تصبها، وأنها هاجمة على السفينة. # فصاح الربان صيحة غضب منكرة، وأطلق على الثانية المدفع الآخر، وكان محشوا بقذائف ~~صغيرة، فنام الرجال على بطونهم ولم يصب أحد منهم بأذى. # وكانت الفلائك الثلاث الأخرى قد أحدقت بالسفينة من كل جانب وباتت عرضة لنيران ~~البنادق، فأمر الربان بحارته بإطلاق النار فصوبوها على إحدى الفلائك، وأطلقوها عليها ~~دفعة واحدة فانقلبت وغاص رجالها في المياه. # ولكنهم ظهروا بعد هنيهة يسبحون وفي أفواههم الخناجر. # أما الفلائك الأخرى فكانت تتقدم، وكان الربان يصيح: أطلقوا النار! ms1809 # فصوب كل بحار بندقيته وأطلق ممتثلا لأوامر الربان، ولكنهم أخطئوا المرمى كأنما يدا ~~خفية كانت تحيل القذائف عن أغراضها. # ثم وصلت الفلائك إلى السفينة، فتسلقوا عليها من كل جانب، وصعد الذين كانوا يسبحون على ~~الحبال، فلم تمض عشر دقائق حتى أصبحوا جميعهم على ظهر السفينة وقد قتل بعضهم حينما ~~كانوا يصعدون. # فالتفت روكامبول إلى نادر وقال له: أرى أنه قد آن الأوان. وكان في يده فأس فحاول أن ~~يضرب به رأس الربان، غير أن نادرا أمسك يده وقال له: لا تفعل أو نفقد كل رجاء. # ذلك أن نادرا كان قد شاهد عن بعد دخانا كثيفا يتصاعد في الفضاء فقال له: انظر، ~~لقد خسرنا كل شيء حين وثقنا من الفوز. ~~- كيف ذلك؟ # فأجابه نادر بصوت يتهدج من الغضب: إن هذا الدخان خارج من مدرعة إنكليزية. # وكان القتال قد حمي وطيسه بين الفريقين بحيث لم ينتبه أحد منهما لدخان المدرعة ما خلا ~~القارب الذي كان رجال نادر فيه، فإنه رأى المدرعة وأركن إلى الفرار. # وقد صبغ سطح السفينة بدماء المتقاتلين؛ لأن البحارة الإنكليز كانوا يقاتلون قتال ~~اليأس بفئوسهم، ورجال نادر يقاتلون قتال الفائز بخناجرهم، وقد اختلط الفريقان أيما ~~اختلاط بحيث لم ينتبه أحد إلى أن نادرا وروكامبول لم يشتركا في هذا القتال. # إلى أن بانت الدارعة على قيد من السفينة، فأطلقت مدفعا كان له دوي قوي، فصاح الربان ~~صيحة الفرح والاستبشار قائلا: لقد نجونا. # وكان الربان قد أصيب بعشرة جروح، فلما سمع البحارة صياحه ورأوا الدارعة أيقنوا من ~~النجاة وجعلوا يقاتلون بملء البسالة. # أما الهنود فقد هالهم ما رأوه ووقفوا موقف التردد لا يعلمون ما يفعلون، ثم سمعوا ~~صوتا يناديهم بلغة خفية. # وكان هذا الصوت صوت نادر؛ فإنه أمرهم باللغة المقدسة التي لا يفهمها غير أبناء سيوا ~~أن يهربوا، فامتثلوا وألقوا أنفسهم في البحر، وأسرعوا يسبحون إلى فلائكهم والدماء تسيل ~~من أجسامهم. # وكانت الدارعة لا تزال بعيدة، ولكنها تمكنت من إدراك القارب فأطلقت عليه نيرانها، ~~فغرق بمن كان فيه. أما الفلائك فقد ms1810 تمكنت من النجاة. # وكان نادر يراقب جميع ذلك، فاستاء لغرق القارب، وفرح لنجاة الفلائك، فقال له ~~روكامبول: إني أخشى أن تنزل الدارعة أحد سفنها فتطارد الهاربين. ~~- كلا، إننا على مسافة قريبة من الشاطئ، وهذه الشواطئ كثيرة الصخور؛ فلا تخاطر ~~الدارعة بنفسها. # ولقد أصاب نادر؛ لأنه حين وصلت الدارعة إلى السفينة كانت الفلائك قد بلغت البر آمنة، ~~فصعد أحد ضباط الدارعة إلى السفينة ففحص ما حدث، وكتب تقريرا بما جرى. # ولم يكن باقيا من بحارة السفينة غير عشرة، منهم روكامبول ونادر والهنديان. # وكان الربان مجروحا بكتفه وذراعه وصدره، وتولى قيادة السفينة الربان الثاني، لكن ~~السفينة نجت بفضل الدارعة. # أما الضابط فإنه أسر اثنين من رجال نادر منعتهما جراحهما عن الهرب، وعاد إلى دارعته ~~فذهب بهما في طريق كلكوتا. أما السفينة فإنها اضطرت إلى الذهاب إلى أقرب ميناء تجاري ~~لتجديد من فقد من بحارتها، وإصلاح ما طرأ عليها من الخلل. # وعند ذلك خلا نادر بروكامبول وقال له: لا يجب أن تقنط، ولا يزال لي بقية رجاء. # فأجاب روكامبول: بل إن لي ملء الرجاء إذا تركتني أتولى العمل مكانك، وسوف ترى. ~~- ما هي خطتك؟ ~~- سأقولها متى أخبرتني عن أمرين. ~~- ما هما؟ ~~- هل الهندي المتنكر الذي بقي معنا يحسن السباحة؟ وهل يستطيع بلوغ الشاطئ ~~سابحا؟ ~~- دون شك! ~~- وهل أنت واثق من أن هذه الشواطئ كثيرة الصخور؟ ~~- كل الثقة. ~~- حسنا سوف ترى. # ثم انشغل عن محادثته بمراقبة الربان الثاني الذي صعد إلى سطح السفينة لتولي قيادتها ~~بدلا من جون هابر الجريح. # 41 # وكان الربان الثاني في السفينة يدعى مرفي، وكان الشبه بعيدا بينه وبين جون هابر؛ فإن ~~الربان الأول كان ضخم الجثة، بدينا، قصير القامة، عريض الأكتاف، أحمر الشعر، خلافا ~~للربان الثاني، فإنه كان فوق الربعة، نحيف الجسم، أشقر الشعر، يشبه بقامته وحركاته ~~روكامبول حين كان يدعى الكونت دي كامبل، أي حين أتم أستاذه تدريسه وتدريبه وأرسله ~~خاطبا للإسبانية، كما يذكر قراءة الغادة الإسبانية. # وكانت عادة هذا الربان الثاني أن يصعد إلى سطح السفينة مكشوف ms1811 الرأس، لكنه حين يتولى ~~القيادة في الليل يلبس رداء طويلا له قبعة واسعة تغطي معظم وجهه. # وكان روكامبول يراقب منه جميع ذلك، فذكر حياته السابقة، وخطر له أن يعود إليها إلى ~~حين. # وذلك أنه جال في فكره أن يمثل دور هذا الربان ويتنكر بزيه، لا سيما لما رآه من الشبه ~~بينهما بالقوام ورقة البدن. ومهارة روكامبول بتقليد الأزياء غير خافية على ~~القراء. # ولما أتى الليل كان الهواء ساكنا، غير أنه كان يوجد في الأفق قطع متفرقة من الغيم ~~تشير إلى أن الهواء قد يثور بعد بضع ساعات. # فصبر روكامبول إلى أن نزل الربان الثاني إلى غرفته فقال لنادر: متى تولى الثاني قيادة ~~السفينة؟ ~~- عند الظهر، وقد نزل الآن إلى غرفته كي ينام. ~~- من يخلفه؟ ~~- رئيس البحارة؛ فإنه يتولى القيادة إلى منتصف الليل ثم يعود الربان الثاني ~~ليتولاها. ~~- حسنا، وإني أرجو التوفيق. # فنظر إليه نادر منذهلا وقال: ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- عزمت على أن أتولى القيادة عند منتصف الليل بدلا من الربان الثاني. ~~- ومتى توليتها ماذا تفعل؟ ~~- أدفعها إلى الشاطئ فتتحطم على الصخور، وهناك نستعين برجالك على تخليص الكنز؛ إذ لا ~~خطر عليه من الضياع لأنه في العنبر الداخلي السري. ~~- إنها خطة تدل على الجرأة، لكني لا أرى تنفيذها سهلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أعلم كيف تستطيع أن تتولى القيادة مكان الربان، ولا كيف يتخلى لك ~~عنها؟ # فابتسم روكامبول وأجاب: هذا سر من أسراري، وسوف ترى. # أما نادر فإنه اطمأن لارتياح روكامبول وقال له: إن من ينتصر على علي رمجاه فغير بعيد ~~أن يفوز على مثل هذا الربان؛ فقل بماذا تريد أن أساعدك؟ ~~- أن تأمر الهندي الذي معنا كي يخضع لي أتم الخضوع. # فنادى نادر الهندي المتنكر بأزياء الملقيين وأصدر إليه أوامر بلغة أبناء سيوا السرية، ~~فانحنى الهندي أمام روكامبول قائلا له: إني مستعد لطاعتك في كل ما تريد. # وكان قد أزف وقت النوم ونام جميع البحارة، فلما أيقن روكامبول أنهم ناموا جميعهم ~~نادى الهندي وقال له: اتبعني. # ثم سار وإياه إلى ms1812 الغرفة التي ينام فيها الربان الثاني ووقف متنصتا عند بابها إلى أن ~~سمع غطيطه، ففتح الباب ودخل مع الهندي ثم أقفله من الداخل بالمزلاج. # وعند ذلك أشار إلى الهندي أن يعد الحبل لتقييد الربان، ففك حبلا كان قد عقده على ~~وسطه، وهو حبل من الحرير الدقيق يشبه حبل الخناقين، ثم أشار إليه إشارة أخرى فهمها ~~فانقض الاثنان على الربان الثاني. # أما الربان فإنه صحا مرعوبا منذعرا وحاول أن يصيح مستغيثا، غير أن روكامبول عالجه ~~بكمامة سد بها فمه فلم يتمكن من الصياح، وعاجله الهندي فأوثقه وثاقا متينا عرف به ~~الهنود. # ولما أتم وثاقه جعل الربان ينظر إليهما نظرات ملؤها الرعب، ثم تبدل فزعه بالانذهال ~~حين سمع روكامبول يكلمه باللغة الفرنسية؛ لأنه لم يسمع أولئك الملقيين يتكلمون بغير ~~لغتهم وباللغة الإنكليزية. # أما روكامبول فإنه قال له بصوت منخفض: يسوءني يا سيدي أن أسيء إليك، غير أن ذلك ~~موقوف على إرادتك، وإذا خرجت عن حد السكينة اضطررت مكرها إلى إلقائك في البحر؛ لأني ~~محتاج إلى سكوتك. # ولم يكن الربان يستطيع الإجابة؛ لأن الكمامة كانت تمنعه عن الكلام، والوثاق يمنعه عن ~~الحركة، غير أنه أن أنينا خرج من تحت الكمامة كصوت المختنق. # فالتفت روكامبول إلى الهندي وقال له: إذا أن أيضا مثل هذا الأنين فاقتله. # فجرد الهندي خنجره ووقف فوق رأس الربان. # عند ذلك دنا روكامبول من المغسلة وأخذ إسفنجة وجعل يبلها بالماء ويدعك بها وجهه، فذهب ~~لونه الأسود وأصبح مثل الربان. # وكان الهندي والربان ينظران إليه بانذهال عظيم؛ لأن كليهما لم يخطر له في بال أن هذا ~~البحار الملقي من الإفرنج. # وبعد أن أتم روكامبول غسل وجهه خلع ملابسه وأخذ ملابس الربان المعلقة فلبسها، ~~وأخذ رداءه الكبير واتشح به فوق الملابس، وستر رأسه بالقبعة. # ثم جعل ينظر في المرآة ويصلح تلك الملابس حتى بات الشبه قريبا بينه وبين الربان ~~لتشابههما بالقوام. # فلما رأى الربان هذا الشبه عاد إلى الأنين، فحاول الهندي أن يقتله، غير أن روكامبول ~~منعه بإشارة، ودنا من الربان فجعل ms1813 يكلمه، فانذهل الربان انذهالا عظيما لأن روكامبول ~~لم يقتصر على تقليده بزيه وملابسه، بل سمعه يقلد صوته ولهجته أتم التقليد. # 42 # وكان نادر مضطجعا فوق ظهر السفينة ينتظر ما يكون من روكامبول بقلق شديد، فقد مر به ~~زمن طويل دون أن يرى روكامبول أو الهندي. # أما روكامبول فإنه بعد أن حادث الربان الثاني مقلدا صوته، وبعد أن شاهد علائم بين ~~عينيه قال له: إنك لم تعلم من أنا، ولكنك عرفت الآن دون شك ما عزمت على فعله؛ لأني أنا ~~الذي سيتولى قيادة هذه السفينة في هذه الليلة. # ولقد حرمت على نفسي سفك الدماء وقتل أخي الإنسان، وإني أراك بحارا نشيطا، وقد تكون ~~رجلا شريفا، وإذا كنت حرا طليقا، فإن واجباتك تدعوك إلى الاستغاثة والاستنجاد ~~علينا؛ فيلقونني مع هذا الرفيق في أسفل العنبر. # فأشار الربان برأسه إشارة تدل على أنه لو كان حرا لما فعل غير هذا. # فتابع روكامبول: لذلك وجب علي أن أستوثق من سكوتك ومنعك عن الاستغاثة؛ لأني إذا تركتك ~~حرا في هذه الغرفة فإنك تستطيع أن تصيح صياحا يخرج كالأنين من خلال الكمامة، ولا بد ~~أن يسمعوك. # فأشار الربان إشارة مصادقة. # وكان روكامبول يعلم أن البحارة موصوفون بالتدين الشديد لكثرة تعرضهم للأخطار، ونظر ~~إلى المائدة فرأى فوقها من آلات البحارة توراة، فأخذ هذا الكتاب المقدس وعاد إلى الربان ~~فقال له: إني محتاج إلى سكوتك عشر ساعات، وبعد ذلك أطلق سراحك، فإذا أقسمت لي بهذه ~~التوراة أن تلزم السكينة في هذه المدة، فلا تصيح ولا تحاول حل قيودك؛ رضيت بقسمك وعفوت ~~عنك. # فظهرت بين عيني الربان علائم الأنفة من الخيانة، وأجاب بهز رأسه ورفعه إلى العلاء ~~مرات متتالية، إشارة إلى أنه لا يرضى الخيانة، وأنه غير مكترث بالموت. # فرد روكامبول: لكني أقتلك إذا أبيت الامتثال. # فهز كتفيه؛ يريد أنه يؤثر الموت على العار. # فنظر روكامبول في ساعته، فوجد أن الوقت لا يزال فسيحا لديه، فجلس عند سرير الربان ~~وخاطبه بصوت يشبه الهمس: إنك متى عرفت قصدي، وعلمت أن غايتي ms1814 نبيلة ترضى بحلف ~~اليمين. # ثم قص عليه بإيجاز خيانة تريبورينو، وأن استرجاع الكنز منه ورده إلى صاحبه حق لا ~~ينكره شريف. # وكان روكامبول يقص عليه هذه القصص بكلمات مؤثرة راجيا أن يحمله على الرضى، فيمتنع عن ~~قتله، لكنه أصر على الإباء وأشار بعينيه ورأسه أنه يؤثر الموت. # فاضطرب روكامبول في أمره، وأشفق من قتل رجل شريف باسل يستخف الموت في سبيل الواجب، ~~وجعل يفكر بحيلة صالحة؛ لأنه لا يستطيع حراسته بالغرفة، وليس من الحكمة أن يدعه وحده ~~فيها. # وفيما هو يفكر التفت إلى جدار الغرفة، فرأى النافذة المطلة على البحر مفتوحة، فمد ~~رأسه منها وجعل ينظر نظر الفاحص، فرأى أن السفينة قد زادت سرعتها بحيث لا يستطيع السابح ~~إدراكها، وأن الظلام مشتد الحلك بحيث لو سقط رجل في البحر من السفينة لا يراه حراسه، ~~فخطر له خاطر سريع وعاد إلى الهندي فسأله: أخبرني نادر أنك تجيد السباحة، فهل تستطيع ~~بلوغ البر سباحة؟ ~~- دون شك. ~~- وإذا ألقيت هذا الربان إلى البحر ثم سقطت أنت بعده؛ أيمكنك قطع قيوده بخنجرك قبل ~~أن يغرق؟ ~~- نعم. # فنظر روكامبول إلى الربان الثاني وقال له: يسوءني أن أسيء إليك غير أني مضطر، وأسأل ~~الله أن يصونك ويقيك. # ثم شد وسطه بحبل وهو ينظر إليه نظر الاحتقار غير مكترث للموت، وأنزله من النافذة ~~والحبل بيده حتى بلغ إلى سطح الماء، ونزل بعده الهندي وهو مشهر خنجره، حتى إذا بات ~~الاثنان في الماء أفلت روكامبول الحبل فاختفيا تحت الأمواج. # وكان روكامبول قد أمر الهندي أن يذهب إلى الشاطئ، ويجمع أبناء سيوا الذين سلموا من ~~مطاردة الدارعة في موضع تكثر فيه الصخور، وأمره أن يشعل، متى اجتمعوا، نيرانا تشير إلى ~~موضعها. # ولبث روكامبول حينا في النافذة يراقب الاثنين، فرأى الربان قد اختفى بين الأمواج، ثم ~~شاهده بعد دقيقة وقد ظهر فوق سطح الماء لأن الهندي قطع وثاقه. # ثم سمع من سطح السفينة صوتا يصرخ: شخص في البحر! # فأسرع إلى السطح وهو بملابس الربان، ووجد أن رئيس البحارة الذي كان ms1815 يتولى قيادة ~~السفينة عازم على إنزال قارب لانتشاله، فاعترضه قائلا: إننا نخسر القارب ولا نتمكن من ~~إنقاذه، وفوق ذلك إن هذا الرجل من الملقيين. # وقد اشتهر الإنكليز باحتقار أهل تلك الجزر حتى إنهم يحسبونهم من البهم، ثم إن ~~روكامبول كان لابسا ملابس الربان الثاني ساترا وجهه بالقبعة، وقد قلد صوته أتم تقليد؛ ~~فلم يسع رئيس البحارة مخالفته. # وكان نادر قد شاهد سقوط شخصين فحسب أنهما روكامبول والهندي، واستند إلى حائط السفينة ~~وجعل ينظر إلى البحر نظرات اليأس. # وشاهد روكامبول ذلك منه، فترك القيادة حينا بيد رئيس البحارة وذهب إلى نادر ووضع يده ~~على كتفه وهو غير منتبه، فالتفت إليه منذعرا، ولكنه عرفه للحال، فقال له روكامبول: لقد ~~تم كل شيء على ما أبتغي، وأنا الآن أتولى إدارة السفينة، فعد لي بعد هنيهة إلى أن ينام ~~رئيس البحارة. # ثم تركه وعاد إلى رئيس البحارة واستلم منه القيادة وأطلق سبيله، فانصرف إلى قمرته ~~لينام وهو آمن مطمئن غير مكترث لغرق البحار؛ لاعتقاده أنه من الملقيين. # 43 # بعد ذلك بساعة كان نادر يدير دفة السفينة وروكامبول يتولى القيادة العامة دون أن ~~ينتبه إليه أحد؛ لأنه كان يقلد صوت الربان أتم التقليد، وكان الظلام حالكا وكل بحار ~~منهمك في عمله الخاص. # ولم يكن روكامبول يخشى إلا من رئيس البحارة، ولكنه كان ذهب إلى غرفته، فخلا الجو له ~~ولنادر، ودفع السفينة إلى حيث يريد دون أن ينتبه البحارة إلى جهة سيرها لشدة ~~الظلام. # وكان الهندي قد سقط إلى الماء منذ ثلاث ساعات وروكامبول يعلم أنه يسير إلى جهة ~~الشاطئ، ولم يره أشعل النيران حسب الاتفاق، وبات يخشى أن يطلع الفجر فيفتضح ~~أمره. # وفيما هو مفكر ونظره متجه إلى الشاطئ إذ شاهد نورا أحمر قد سطع فجأة، وشاهد دخانا ~~كثيفا يكتنفه، فما شك أنه نور العصابة وضعه الهندي حسب الاتفاق في موضع تكثر فيه ~~الصخور. # فاطمأن خاطر روكامبول، ولم يعد يشغله غير أمر واحد، وهو ابن الرجاه عثمان، فإنه كان ~~في السفينة مع تريبورينو، فجعل يتداول ms1816 مع نادر في طريقة إنقاذه من الغرق حين تكسر ~~السفينة، فاتفقا أنه حين تلطم السفينة بأول حجر يهجم نادر على الغرفة فيختطف الغلام ~~ويسقط به إلى البحر. # ولم يكن في السفينة غير عشرة بحارة، ولكن رجال نادر أكثر عددا، ومتى جنحت السفينة ~~وتحطمت فوق الصخور هجم أبناء سيوا على أولئك البحارة المضطربين فكان فوزهم ~~مضمونا. # وعلى ذلك اطمأن الرجلان ودفعا السفينة، فاندفعت تسابق الرياح إلى جهة النيران. # أما تريبورينو فإنه بعد أن بددت الدارعة شمل القرصان ارتاحت نفسه، وكان يتفقد الربان ~~الجريح من حين إلى آخر إذ لم يكن يستطيع مغادرة الفراش، كما أنه كان يصعد إلى ظهر ~~السفينة كلما خرج من غرفته فيدخن سيكارة ويراقب الجو ثم يعود إلى الغرفة. # وقد اتفق أنه صحا من نومه فسمع أنين الربان وتألمه الشديد من جراحه، فاتشح برداء كبير ~~وذهب لعيادته، فعزاه وآساه ثم صعد إلى ظهر السفينة حسب عادته، فرأى كل شيء سائرا في ~~مناهجه المألوفة، ولم يستوقف نظره غير ذلك الضوء الذي كان ينبعث من الشاطئ، ولكنه حكم ~~بعد إطالة النظر أنه منارة وضعت لإرشاد المسافرين. # وكان نادر جالسا عند الدفة يديرها، وفوق الدفة مصباح ضعيف، فرأى تريبورينو وجهه على ~~ضوء ذلك المصباح، واستغرب وجود هذا الملقي؛ إذ إن للدفة عمالا أخصاء. # فدنا منه وسأله عن السبب في قيادته الدفة. # فأجابه نادر بملء السكينة: إن الربان عينه عليها لأنه يعرف هذه الجهات حق العرفان، ~~ولأن عمال الدفة قتل معظمهم في المعركة الأخيرة التي حدثت مع القرصان. # فاقتنع من جوابه وعاد إلى قمرته. # وعند نزوله مر بغرفة الربان الجريح وكان لا يزال يئن ويتوجع، فدخل إليه. # أما الربان فإنه انقطع عن الأنين حين شاهده وسأله: كيف البحر؟ ~~- إنه موافق لسير السفينة. ~~- والطقس؟ ~~- إن الرياح آخذة بالشدة. ~~- ومن على الدفة؟ ~~- واحد من الملقيين. # فارتعش قائلا: من الذي عينه عليها؟ ~~- الربان الثاني. ~~- المسيو مرفي؟ ~~- نعم. ~~- إن هذا مستحيل. ~~- بل هذا الذي حدث؛ لأن الملقي يدير الدفة. # فاضطرب الربان وحاول أن ينهض ويصعد إلى ms1817 ظهر السفينة فلم يستطع، فقال لتريبورينو: ~~أرجوك أن تذهب إلى مرفي وتدعوه إلي لأني أحب أن أكلمه. # فامتثل تريبورينو وعاد إلى ظهر السفينة. # وكان روكامبول يمشي ذهابا وإيابا فوق السفينة وهو يدخن، وقد باتت السفينة على قيد ~~نصف ميل فقط من الشاطئ. # فتصدى له تريبورينو وقال له باللغة الفرنسية: أشعل لي سيكارتي. # فلم يرد وأعطاه سيكارته. # أما تريبورينو فإنه أشعل سيكارته وأعادها له، فرأى وجهه على ضوئها الضعيف وصاح صيحة ~~منكرة لأنه عرفه. # 44 # وقد حال هدير الأمواج دون سماع صيحة تريبورينو فلم تصل إلى مسامع البحارة. # أما روكامبول فإنه أيقن أن الوقت أقل من أن يتردد، فهجم عليه فجأة وقبض بإحدى يديه ~~على عنقه ثم جرد خنجره قائلا: إذا فهت بكلمة فأنت من الهالكين. # ولم ير أحد من البحارة ما جرى ما خلا نادر، فإنه شاهد الاثنين عن بعد فعلم أن الأمر ~~خطير، فترك الدفة وهي موجهة إلى الشاطئ وأسرع إلى روكامبول، فرآه قابضا على عنق ~~تريبورينو وعلم كل شيء. # وكان تريبورينو بعد أن نال هذه الثروة العظيمة أصبح جبان النفس، منخلع القلب، ولم ~~يجب بكلمة، ولكنه كان ينظر إلى روكامبول نظرات ملؤها الرعب. # وعاد روكامبول إلى الوعيد وقال له بصوت منخفض: إذا جاء أحد إلى نجدتك أغمدت خنجري في ~~قلبك فلا يجدك حيا. # ثم التفت إلى نادر قائلا له: أسرع أنت إلى غرفة هذا الخائن وخذ الغلام، واسقط به إلى ~~المياه ولا تخف علي فسنجتمع في الشاطئ. ~~- والسفينة؟ # إنها سائرة إلى حتفها، ألا تراها دنت من الشاطئ؟ أسرع الآن ولا تضع الوقت. # وانطلق نادر إلى غرفة تريبورينو. # وبعد هنيهة سمع روكامبول صوت صياح الغلام، ثم سمع صوت سقوط في المياه فأيقن أن نادرا ~~قد نجا بالغلام. # وعند ذلك انصرف إلى تريبورينو فألقاه صريعا إلى الأرض، فصاح عند سقوطه صيحة شديدة ~~خشي روكامبول أن يكون البحارة قد سمعوها، فرفع خنجره وحاول أن يغمده في صدره، ولكنه قبل ~~أن يضربه شعر بيد قوية قد دفعته عن خصمه، وسمع صوتا يصرخ ms1818 بلهجة الملح المضطرب: ~~أسرعوا. أديروا الدفة. اطووا الشراع. # فعلم أن الصوت صوت الربان الأول، وشاهد أن الذي دفعه عن تريبورينو كان رئيس ~~البحارة. # أما السبب في قدوم الربان، فإنه استبطأ تريبورينو فأيقن أنه لم يتأخر إلا لأمر خطير، ~~فأجهد نفسه وخرج من غرفته، فكان أول ما شاهده أضواء أبناء سيوا، وهو يعلم أنه لا منائر ~~في تلك الجهات، ثم شاهد السفينة تتجه إلى الشاطئ وأنها باتت قريبة جدا منه. # وكاد يجن من يأسه وصاح بصوته القوي ينادي رئيس البحارة، فهب الرجل من نومه مرعوبا، ~~وأسرع إلى تلبية نداء رئيسه، فصعد الاثنان إلى ظهر السفينة وشاهدا ذلك الخطر المحدق ~~بها. # وانصرف الربان إلى ملاقاة الخطر المحدق بها، وهجم رئيس البحارة على روكامبول وأنقذ ~~تريبورينو من الموت. # أما الربان فإنه نجى السفينة من الخطر بإسراعه في طي القلوع وتحويل الدفة، فأمنت ~~الخطر بعد أن كانت سائرة إلى الهلاك، ولو تأخر هنيهة لقضي عليها ولم تنفعها ~~الوسائل. # وأما روكامبول فإنه نهض مسرعا، وانقض على رئيس البحارة، وطعنه بخنجره، وركض إلى حائط ~~السفينة بغية الهرب بإلقاء نفسه في المياه، غير أنه وجد ثلاثة من البحارة قد اعترضوا ~~سبيله، فلم يفضل له إلا النزول إلى جوف السفينة والهرب من أحد منافذها. # فأسرع راكضا إلى النزول حتى إذا وصل إلى غرفة الربان الأول شاهد أن البحارة ~~وتريبورينو كادوا يدركونه، فدخل الغرفة مسرعا وأقفل الباب من الداخل. # فرفس تريبورينو الباب برجله وجعل يصيح قائلا: اكسروا الباب واقتلوا الخائن. # وكان لباب هذه الغرفة كوة كان الربان قد فتحها خاصة لمراقبة العمل، فأطل روكامبول ~~منها فرأى تريبورينو يزبد كفحل الجمل الهائج ومعه خمسة بحارة، فعلم أنهم سوف ~~يكسرون الباب ولا يبقى له مناص منهم. # غير أنه وجد طريقة لحسن حظه توقفهم عن كسر الباب إلى أن يأمن شرهم؛ وذلك أن الربان ~~حينما شاهد سفينة القرصان احتاط لها وأمر بإخراج صناديق البارود من العنبر، ففرقوها في ~~الغرف ووضعوا صندوقا منها في غرفة الربان قرب سريره. # وقد وجد على مائدة الربان ms1819 غدارتين، فتسلح بهما، وصوب إحداهما على البرميل. # وعند ذلك سمع صوت تريبورينو قائلا: اكسروا الباب واقبضوا على هذا اللص. # فأجابه من الداخل: إنك إذا كسرت الباب أطلقت مسدسي على برميل البارود فنسفت بكم ~~السفينة نسفا، وبتم جميعكم طعاما لأسماك البحر. ~~••• # إلى هنا انتهى كتاب روكامبول وقد أقام مرميس في تلاوته ثماني ساعات، فلما وصل إلى آخر ~~صفحة من هذا الكتاب الغريب وقف وقفة الحائر، إذ لم يعلم كيف نجا روكامبول من السفينة، ~~وإذا كان التقى بنادر وابن الرجاه عثمان أم لم يلتق بهما، وماذا جرى بين روميا ونادر؟ ~~كل ذلك بقي لديه لغزا يعسر حله. # فلما أتم تلاوته إلى ميلون وسأله: إن هذه الحكاية لم تتم بعد. ~~- ستعرف بقيتها متى التقيت بالرئيس. ~~- لكن متى نلتقي وأين؟ ~~- ستعلم ذلك غدا. ~~- والآن، أنبقى في هذا البيت؟ ~~- كلا، بل نخرج منه متى شئت. ~~- إذن لنخرج الآن فقد بت محتاجا إلى الهواء والنور بعد هذا الحبس الطويل في جوف ~~الأرض. ~~- هلم بنا . # وخرج الاثنان. # 45 # بعد ذلك بثلاثة أيام كان مرميس وميلون في لندرا، وقد وصلا إليها في الصباح ونزلا في ~~فندق هانوفر. # وكانت هيئة مرميس تظهر على أنه من الأشراف، وهيئة ميلون على أنه وكيله. # أما السبب في قدومهما إلى لندرا، فهو أنه حين خرجا من البيت السري قال له ميلون: إني ~~أخبرك الآن بأوامر الرئيس، فهي أننا نبيت الليلة في باريس وغدا نذهب إلى لندرا. ~~- إن روكامبول ينتظرنا فيها دون شك. ~~- لا أعلم، ولكنه أمر أن نقيم في فندق هانوفر حين نصل إلى لندرا، وهذا كل ما ~~أعلمه. ~~- إذن لا بد أن نجده أو نجد فاندا. # وباتا تلك الليلة في باريس، وفي اليوم التالي سافرا إلى لندرا ونزلا في الفندق الذي ~~أمر روكامبول أن ينزلا فيه، فلما كتب مرميس اسمه في سجل المسافرين ورأى أن عمال الفندق ~~قرءوه دون اهتمام؛ علم أن روكامبول غير مقيم فيه. # وأقام في ذلك الفندق طول النهار راجيا أن يحضر روكامبول، ولكنه لم يحضر، فلما حل ~~الليل ms1820 قال لميلون: ابق أنت في الفندق وأنا ذاهب للطواف في المدينة علي أظفر ~~بروكامبول. # ثم لبس وتأنق وذهب إلى النادي الهندي، وهو في ذلك العهد من أعظم النوادي، فتعشى فيه ~~وذهب إلى الأوبرا حيث كانوا يحتفلون فيها بتمثيل رواية جديدة، لاعتقاده أنه لا بد أن ~~يجد الرئيس بين المتفرجين. # فلما دخل وجد القاعة غاصة بأعيان الإنكليز، ففتش بنظره عن روكامبول تفتيشا دقيقا ~~فلم يره. # ولكنه رأى غرفة من غرف الأوبرا لا تزال فارغة، فقال في نفسه: لا بد أن الرئيس قد ~~استأجر هذه الغرفة له ولفاندا وسوف يحضر؛ فإن الممثلين لم يفرغوا بعد من تمثيل الفصل ~~الأول. # وبعد هنيهة رأى أن باب هذه الغرفة قد فتح ودخل منه رجل وامرأة، ولم يكن الداخلان ~~روكامبول وفاندا، غير أن علائم الدهشة ظهرت على وجه مرميس لأن هذه المرأة التي دهش ~~لجمالها جميع الحاضرين إنما كانت روميا، أي البستانية الحسناء. # أما الرجل الذي كان يصحبها فقد كان مربوع القوام، وهو بين العمرين أميل إلى الكهولة، ~~غير أنه كان شديد التأنق بملابسه تدل ملامحه على النبل، فلم يكد يدخل إلى اللوج حتى ~~انصرفت إليه الأنظار وتحولت عن البستانية الحسناء. # فدهش مرميس ولم يدر السبب في اتجاه الأنظار إلى الرجل دون المرأة، وكان إلى جانبه رجل ~~من الإنكليز رآه في النادي، فالتفت إليه وقال له: أتعلم سبب اهتمام الناس بهذا الرجل؟ ~~فهل كان ذلك لجمال امرأته؟ ~~- كلا، بل إنهم قد انصرفوا إليه دونها لاهتمامهم به نفسه. ~~- ومن عساه يكون هذا الرجل؟ ~~- هو الماجور لنتون. # فارتعش مرميس إذ علم أنه تريبورينو. # أما الإنكليزي فإنه مضى في حديثه فقال: إن هذا الرجل قدم حديثا من الهند بثروة عظيمة ~~لا يحيط بها وصف، ولا تذكر في جنبها ثروات الإنكليز، حتى لقد قيل عنه إنه جاء من الهند ~~بألوف من الأحجار الكريمة التي لا يوجد مثلها في تيجان الملوك. ~~- ولكن كيف حصل على هذه الثروة؟ ~~- الشائع أنه جمعها من تجارة الأفيون. ~~- وهل جعل إقامته في لندرا؟ ~~- يقال إنه سيقيم ms1821 فيها في الصيف، وأما في الشتاء فسيقيم في قصر فخيم اشتراه في بلاد ~~الغال. # فبدأ مرميس يفتكر أن لروكامبول يدا في جميع ذلك، وسأله قائلا: هل امرأته قدمت معه ~~من الهند؟ ~~- ذلك ما لم يعلمه أحد إلى الآن؛ فإن الماجور قد جاء معها، ولكن يظنون أنها ~~فرنسية. ~~- أتراه تزوج بها في باريس؟ ~~- ربما. # ثم نظر مرميس إلى اللوج فرأى روميا ترمقه بنظرة المحدق، فعلم أنها عرفته، ثم رأى أنها ~~تبتسم له ابتسامة سرية، فقال في نفسه: إنها جرأة نادرة، غير أن تريبورينو لم يرها تبتسم ~~لأنه كان منصرفا عنها إلى مشاهدة التمثيل، خلافا لروميا فإنها كانت شاخصة بأبصارها ~~إلى مرميس، وجال في فكره خاطران؛ وهما: إما أن روميا لم تقم مع تريبورينو إلا بأمر ~~روكامبول، وإما أنها تخلصت من روكامبول وكان اجتماعها بالماجور لنتون من قبيل الاتفاق ~~والصدفة. # وأقام ينتظر حتى انتهى التمثيل فكان أول خارج من القاعة، فوقف عند الباب كي يرى ~~البستانية الحسناء عند انصرافها، وفيما هو واقف ينتظر شعر بيد وضعت على كتفه، ~~فالتفت فرأى الرئيس. # 46 # أما روكامبول فإنه أجابه وهو يبتسم: أراك منذهلا مما رأيته، ولكنك ستزيد انذهالا ~~فاصبر. # وما لبث أن أنهى كلامه حتى أفلت منه مسرعا واختبأ وراء أحد العواميد، فأدركه مرميس ~~قائلا له: ماذا تفعل؟ ~~- إني أختبئ كما ترى. # وعند ذلك خرجت البستانية الحسناء وهي تتكئ على ذراع تريبورينو وقد احمرت وجنتاه، وبدا ~~على جسمه وبدت في عينيه علائم الرضى والقحة كأنه كان يقول: ما فاز باللذات غير أهل ~~الشر. # أما روكامبول فإنه قال لمرميس: انظر إلى هذا الرجل. ~~- لقد عرفته فهو تريبورينو، ولكن بقيت أشياء لم أعرفها. # فابتسم روكامبول قائلا: لم يحن الوقت بعد، وستعرف كل شيء. # ومرت البستانية الحسناء فرأت مرميس وابتسمت له، ثم مد روكامبول رأسه فذهب الابتسام عن ~~شفتيها، وبدت على وجهها علائم الخوف والخضوع. # ثم مشت مع الوزير إلى مركبة فخمة كانت تنتظرهما، فركبا فيها وانطلقت بهما ~~مسرعة. # فلما ابتعدت المركبة أخذ روكامبول بيد مرميس قائلا له: ms1822 هلم بنا يا بني. # ثم مشى وإياه حتى خرجا من الزحام فقال له: اعلم الآن أن تريبورينو هائم بالبستانية ~~الحسناء هياما شديدا منذ ثمانية أيام. ~~- إن أهل لندرا يعتقدون أنها امرأته؛ فكيف اتفق ذلك؟ ~~- لأنهم يعلمون أنه جاء بها من باريس، فاعلم الآن، يا بني، أن هذه المرأة التي كانت ~~تكوي الشيخ بالنار حتى تطفئ دماؤه ناره، والتي ذهبت بعقل المركيز دي مورفر، وكانت ~~تجلد ولده بالسياط، والتي كادت تقضي عليك بالسهر؛ أن هذه المرأة الهائلة أطوع لي من ~~البنان، وهي تخضع لأمري خضوع العبيد. ~~- لقد رأيت شيئا من هذا غير أني لا أعلم غايتك من تسليمها إلى تريبورينو. ~~- غايتي أن أجعلها آلتي في تنفيذ أغراضي منه. ~~- وماذا جرى لابن الرجاه؟ ~~- لقد نجا. ~~- وأين هو الآن؟ ~~- في باريس. ~~- أتسمح لي، أيها الرئيس، أن أسالك سؤالا؟ ~~- قل. ~~- ماذا جرى للدوق فنسترنج والمركيز مورفر وابنه؟ ~~- إن الدوق الشيخ مات، والمركيز في مستشفى المجانين، لكنهم يرجون له الشفاء، وأما ~~ابنه فقد تكفلت به فاندا، ولم أعد أخشى الآن روميا، فمتى فرغت من شأني مع تريبورينو ~~أعدت للمركيز ثروته من ابن عمه؛ فإن الناس يعتقدون إلى الآن أنه ميت. ~~- وفاندا، أهي في باريس؟ ~~- كلا، بل هي معي في لندرا. # ثم سكت روكامبول هنيهة ونظر إلى مرميس قائلا: أراك تريد أن تسألني أيضا سؤالا آخر ~~يتردد بين شفتيك حتى يكاد يلهبهما. ~~- هو ما تقوله يا حضرة الرئيس. ~~- إنك تريد أن تعرف كيف خرجت من السفينة، وكيف اجتمعت بنادر وابن الرجاه. إن الأمر ~~بسيط؛ فإني حين كنت في غرفة الربان جون هابر كنت مصوبا الغدارة على برميل البارود ~~أنذر السفينة بالنسف، فخاف تريبورينو أن أكون صادقا في وعيدي وجعل يتشاور مع الربان ~~فيما يجب فعله، فاغتنمت فرصة انشغالهم عني وخلعت ملابس بجملتها وخرجت من نافذة غرفة ~~الربان المطلة على البحر وألقيت نفسي. # كان الفجر قد انبثق، فلما شعروا بسقوطي إلى البحر كنت أبتعد عن السفينة نحو مائة متر، ~~فأسرعوا إلى ظهر السفينة وأطلقوا علي بنادقهم، فكان ms1823 الرصاص يسقط حولي كوابل المطر، ~~ولكني كنت أغوص تحت الماء سابحا فأمكث دقيقة حتى يحسبوني غرقت، ثم أطفو على وجه الماء ~~متنفسا فيعودون إلى إطلاق الرصاص. # وما زال هذا دأبي ودأبهم حتى بعدت عن مراميهم وأمنت رصاصهم، وكان الشاطئ قريبا، فلما ~~دنوت من جهة النار رأيت نادرا مسرعا إلي بقارب صغير، فانتشلني من المياه، وسافرت ~~السفينة آمنة إلى أوروبا تحمل كنوز الرجاه وذلك الوزير الخائن. # فقال مرميس: بقي أمر يا سيدي أود أن أعلمه، وهو بقية حديث نادر مع روميا، والسر في ~~سلطانك عليها. ~~- أما بقية هذا الحديث فقد أرويه لك في موضع آخر، وأما تسلطي عليها فهو أن هذه المرأة ~~قد أحبت نادرا حبا عظيما، وانضمت إلى سلك أبناء سيوا، وقد جعلني نادر رئيسا لهذه ~~الطائفة في أوروبا، فأنا الآن فيها كما كان جورج ستوي في لندرا؛ لذلك وجب على روميا أن ~~تطيعني لأني بت رئيسها المطلق، وجميع خدامها من أبناء سيوا، وهم يعرفون رئاستي وما لي ~~عليهم من حق السلطة المطلقة؛ فلا سبيل لها إلى عصيان أمري. # والآن فإن لدينا كثيرا من المهام التي يجب قضاؤها، فاعلم أنه يجب عليك أن تتربص في ~~هذا المكان إلى أن تأتيك امرأة. ~~- من هي هذه المرأة؟ ألعلها البستانية؟ ~~- كلا، بل تأتيك امرأة أرلندية فتظهر لك قطعة من النقود، فإذا أظهرتها لك ~~فاتبعها. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى البستانية، حيث تمتثل لها في كل ما تريد، وتفعل كل ما تطلب إليك أن ~~تفعله. # وذكر مرميس ما لقيه من العذاب في منزل هذه المرأة الهائلة، وظهرت عليه علائم ~~الاضطراب، فقاله له روكامبول: لا تخف بعد الآن هذه المرأة؛ فقد باتت منا. # ثم تركه وانصرف، وبقي مرميس واقفا في مكانه ينتظر الأرلندية. # 47 # وتربص مرميس في مكانه ينتظر وهو يراقب خمارة في الشارع كثر تردد الناس إليها وخروجهم ~~منها، حتى شاهد امرأة متسولة خرجت من تلك الخمارة وقربت منه. # وذكر مرميس أنه شاهد هذه المرأة قبل الآن، ولكنه لم يذكر أين حتى سمع صوتها، وذكر ~~للحال ms1824 أنها تلك الأرلندية التي ساعدت على اختطاف حبيبته جيبسي الغجرية، وقد اضطرب قلبه ~~وهاج غضبه، وهم أن ينقض عليها وينتقم منها، غير أنه ذكر وصية الرئيس، فعلم أنه لا يحق ~~له أن يعمل غير ما أوصاه به، فسكن ثائره، وكظم غيظه. # ولم يخطر في باله أن هذه الأرلندية قادمة إليه حتى رآها دنت منه فقالت له: هل أنت ~~مستعد؟ # فذهل مرميس وسألها: لأي شيء؟ ~~- لتتبعني؟ ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حيث أمرك الرئيس؛ أي إلى بيت روميا. # ثم أظهرت له قطعة من النقود فلم يشكك أنها هي التي عينها الرئيس، لكنه لم يتمالك عن ~~إظهار استغرابه واشمئزازه فقال لها: إني سأتبعك، ولكني أعجب من الرئيس كيف يختار عماله ~~من الأشقياء أمثالك. # قالت: ليكن حكمك علي كما تشاء غير أني أخدم من يحسن إجازتي بملء الإخلاص. # ثم مشت أمامه فتبعها مرميس، وما زالا سائرين حتى وصلا إلى جسر لندرا. # وكان الضباب كثيفا والظلام مدلهما، فسألهما: إلى أين أنت سائرة بي؟ ~~- إلى النهر، وسنجتازه إلى بيت روميا كما أخبرتك. # فتفقد مرميس خنجره ومسدسه ومشى في أثرها غير هياب لاعتماده على هذين الحليفين، حتى ~~إذا وصلا إلى الشاطئ خلعت الأرلندية ثوبها الأعلى، فظهرت رجلا بملابس البحارة، ثم ~~أخرجت قبعة من جيبها فلبستها وسترت تحتها شعرها. # وهناك قارب كان قد وضع خاصة لها، ففكت حباله، ونشرت شراعه، ونادت مرميس فوافاها ~~إليه وانطلق يخوض التيمس. # فسألها: ألعل المكان لا يزال بعيدا؟ ~~- إنه خارج لندرا، وسنصل قريبا؛ فإن القارب ينطلق انطلاق السهم لموافقة ~~الريح. # فجلس مرميس في مؤخر القارب يفكر بروكامبول ومقدرته على امتلاك القلوب؛ فإنه ما استخدم ~~رجلا ولو كان من اللصوص الآثمة حتى انقلب إلى الهدى وخدمه بملء الوفاء والإخلاص، كأنما ~~لهذا الرجل قدرة فوق قدرة الإنسان. # وظل القارب يسير في النهر والأنوار تحتجب تباعا حتى بات في ظلام دامس، فعلم أنه خارج ~~لندرا. # وبعد أن توغلا هنيهة في الظلام ظهر له على الشاطئ الأيسر ضوء ينبعث من أحد المنازل ~~فقال لها: ما هذا الضوء الجديد ms1825 الذي نراه؟ ~~- هو ضوء المنزل الذاهبين إليه وقد أشرفنا عليه. # ثم قامت إلى الشراع فطوته، ووضعت المجدافين في موضعهما وجعلت تجدف بهما، فما مرت بها ~~بضع دقائق حتى وصلت إلى الشاطئ، فنزلت إليه وربطت القارب. # وعند ذلك نزل مرميس فقالت له: انظر هذا البيت والحديقة التي تكتنفه، ألا ترى باب ~~الحديقة؟ ~~- بلى. ~~- هو ذا مفتاحه. # ثم أعطته مفتاحا صغيرا وقالت له: اذهب وافتح به الباب، وامش في الحديقة حتى تغدو ~~تحت نوافذ المنزل فصفق بيديك ثلاث مرات؛ فإنها العلامة المتفق عليها. ~~- ألا تأتين معي أنت؟ ~~- كلا. # ثم تركته وعادت من حيث أتت. # 48 # وقد تردد مرميس هنيهة حين رأى الأرلندية تركته وعادت مسرعة، وجال الشك في نفسه؛ إذ ~~خشي أن تكون هذه المرأة رسول تريبورينو. # غير أن هذا الخوف لم يتجسم في قلبه؛ فإنه ذكر أنها أظهرت له الإشارة التي عينها ~~الرئيس، فأخذ المفتاح وتقدم إلى باب الحديقة ففتحه، ودخل ويده قابضة على مسدسه من قبيل ~~الاحتياط. # ولما دخل أقفل الباب، ورأى ضوءا منبعثا من نافذة في المنزل فاهتدى به واخترق ~~الحديقة توا إليه، حتى إذا بات تحت تلك النافذة صفق بيديه ثلاث مرات، فرأى أن الضوء ~~قد تحول عن مكانه، ثم رأى أن باب الغرفة المشرفة على الحديقة قد فتح. # وهناك سلم من الرخام فصعد درجاته غير هياب حتى انتهى إلى باب، فولج منه إلى فسحة ~~ضيقة لا ضوء فيها، وسمع صوت امرأة تقول له: تعال من هنا، فعلم أن الصوت صوت ~~روميا. # ثم شعر أنها أخذت بيده وقالت: اتبعني. # فتبعها وسارت به إلى أن اجتاز تلك الفسحة وانتهيا إلى سلم فرشت درجاته بالطنافس فقالت ~~له همسا: اصعد واحذر أن يسمع حس لوقع أقدامك. ~~- ألسنا وحدنا هنا؟ ~~- كلا، فإن لنتون في الغرفة التي فوقنا. ~~- أفي الغرفة التي رأيت فيها الضوء؟ ~~- نعم. # فصعد مرميس بما أوصته من التأني حتى وصلا إلى آخر السلم، ففتحت البستانية الحسناء ~~بابا عن يسارها ودخلت منه، فتبعها مرميس فوجد نفسه في قاعة صغيرة تكتنفها ~~الظلمات. ms1826 # غير أنه رأى في أحد جدران القاعة ثقبا صغيرا ينفذ منه النور الذي شاهده وهو في ~~الحديقة. # فقالت له روميا: ضع عينك فوق هذا الثقب وانظر. # ففعل ونظر مقعدا شرقيا كبيرا، ورأى عليه شخصا نائما بملابسه وقد سقطت فوق صدرته ~~البيضاء بعض نقط من الخمر. # ورأى بجانب المقعد منضدة وضعت فوقها قناني الشراب الفارغة، وصينية عليها بقايا ~~طعام. # فقالت همسا: إنه نائم. # فوضع مرميس فمه في أذنها وسألها: ألعله نائم نوم تخدير بأدويتك السرية؟ ~~- كلا، بل هو صريع السكر. ~~- ألعله سكر بالأفيون؟ ~~- بل بالخمر. # فابتسم مرميس وقد عجب كيف أنها أسكرته بالخمر وفي وسعها أن تضله عن الرشد بما لديها ~~من العقاقير المخدرة. # وكأنها قد علمت ما جال في فكره فقالت له: أراك منذهلا مما تراه، لكن الماجور لنتون ~~هو غير المركيز دي مورفر. # وقد لفظت اسم المركيز بصوت أجش، فعلم مرميس أنها لو لم تصبح عبدة لروكامبول لما سلم ~~قاتل حبيبها برديتو من انتقامها الفظيع. # غير أن مرميس لم يجبها فقالت له: إن لنتون عاش في الهند دهرا طويلا، فهو يعلم ما ~~أعلمه من أسرار الأزهار والمخدرات والسموم، ولا أستطيع الوقوف على سره بالمخدرات، بل ~~بالغرام. ~~- ألعل له سرا؟ ~~- دون شك؛ ألم يقل لك الرئيس شيئا عنه؟ ~~- كلا، فقد قال لي: إنهم سيأتون بي إليك، وإنك ستخبرينني بما يجب أن أعلمه. ~~- إذن فاعلم أن الماجور لنتون عاد من الهند بثروة عظيمة. ~~- إني أعلم بهذه الثروة. ~~- وأن الرئيس يريد سلبه إياها. ~~- وهذا أعلمه أيضا. ~~- غير أننا لا نزال نجهل أين توجد هذه الأموال، فإنه شديد الحذر، كثير الحرص عليها، ~~وقد خبأها في مكان لا يعلم به أحد، وهو على فرط غرامه بي لم أستطع أن أعلم منه شيئا ~~إلى الآن. ~~- ولكنه لا بد أن يكون أودع أمواله المصارف، فكيف السبيل إليها؟ ~~- إنه لم يودع شيئا منها خلافا لما تتوهم، بل إنه اكتنزها أو خبأها في مكان لا ~~يهتدي إليه سواه. وهذا ما نبحث عنه الآن أنا والرئيس. ~~- ولكنك تقولين: إنه ms1827 يهواك. ~~- نعم، لكنه يحبني كما يحب الغني أداة ثمينة، أو حصانا جميلا، فهو يحبني بعينيه ~~لجمالي، ولكنه لم يحبني بقلبه بعد، على أنه إذا لسعت هذا القلب عقرب الغيرة بات في ~~قبضة يدي أفعل به ما أشاء. ~~- ولكني أراه يذهب بك إلى المراسح والمنتديات، فلو كان يخشى الغيرة لما عرضك ~~للعيون. ~~- إنه يرى الناس يحدقون بي فيسر؛ لأنه لا يغار من جميع الناس. وإن الغيرة لا تكون ~~إلا من واحد. ~~- أتريدين أن تقولي: إنك تستطيعين حمله على الغيرة؟ ~~- دون شك، إذا أردت أن تمثل الدور الذي أسألك تمثيله بأمر روكامبول. ~~- إني أفعل كل ما يأمرني به الرئيس. ~~- إذن فاسمع. # ثم جلست وإياه على مقعد كان يبعد خطوتين عن الثقب الذي رأى منه تريبورينو. # 49 # أما تريبورينو فقد كان صريع سكره وهو نائم بسكينة وارتياح. # وقد كان متعودا منذ عشرين عاما أن يسكر عند العشاء وينام، فإذا صحا من رقاده ذهبت ~~السكرة وعاد إلى ما كان عليه من الصحو. # وكان آخر عهد القراء به أننا تركناه في الباخرة العائدة من الهند إلى إنكلترا، لكنه ~~لم يعد إلى بلاده توا، بل إنه عاد قبلا إلى فرنسا وأقام في باريس عدة أيام. # وإنه كان يتجول ليلة في شارع الإيطاليين إذ رأى البستانية الحسناء فدهش لجمالها، ولا ~~نعلم إذا كانت يد الصدفة قد دفعتها إلى لقائه في هذا الشارع أم يد روكامبول، ولكن الرأي ~~الثاني أقرب إلى الصواب. # أما تريبورينو فقد كان واثقا من نيل كل ما يريد بفضل تلك الثروة الهائلة، فلما رأى ~~روميا وراقه جمالها أرسل من اقتفى أثرها، وحظي منها بموعد لقاء، وبعد ثلاثة أيام جاء ~~بها إلى لندرا. # ولم يكن قلبه خاليا من الغيرة كما توهمت روميا؛ فإنه إذا كان واثقا من المستقبل فلم ~~يكن مطمئنا للماضي، وكان يقول في نفسه: إن هذه الحسناء مهما بلغ من طمعها فإني أستطيع ~~إرضاءها بجزء من مائة من إيرادي، ولكني أخشى أن يكون قلبها عالقا بأحد عشاقها، وأنها ~~تحبني حب مكر ورياء. # أما ms1828 روميا فإنها لم تكن تجهل مخاوفه، فكانت تزيد هواجسه، ولا تكشف له شيئا من أسرار ~~ماضيها، بل إنها كانت تبدر منها من حين إلى حين كلمات مبهمة تهيج ثائر هذا العشيق فيبيت ~~منها بليلة الملسوع. # ولقد تقدم لنا القول أن تريبورينو كان يسكر فينام، ثم يستفيق من تلقاء نفسه بعد أن ~~تزول نشوة السكر، غير أنه في هذه الليلة لم يستفق من تلقاء نفسه حسب عادته، بل إنه صحا ~~لسماعه صوت ألم شديد؛ فهب منذعرا إذ علم أن هذا الصوت صوت عشيقته روميا. # فناداها باسمها فلم تجب، فوثب من مقعده إلى الغرفة المظلمة المجاورة، فعثر بجسم ممدد ~~على الأرض. # وكان ضباب السماء قد انقشع ونفذت أشعة القمر إلى تلك الغرفة، فرأى تريبورينو على نوره ~~روميا ممددة على الأرض لا حراك بها. # فذعر ذعرا شديدا وقد حسبها ميتة، فحملها بين ذراعيه وجعل يناديها فلا تجيب. # وفيما هو يجس قلبها شعر أن يده قد لمست مادة لزجة عند كتفها، فصاح صيحة منكرة؛ إذ علم ~~أنها دماء، وأسرع إلى جرس الخدم فقرعه قرعا شديدا، فوافاه اثنان منهم وبأيديهما ~~المصابيح، وحملوا البستانية إلى سريرها، وجعل يفحصها فرأى أنها مجروحة في كتفها جرحا ~~غير خطر، ولكن الدماء كانت تتدفق منه. # وجعل يشممها المنعشات حتى استفاقت، ففتحت عينيها وجعلت تنظر إلى ما حواليها نظرات ~~تشف عما داخل قلبها من الرعب. # وسألها تريبورينو: قولي ماذا جرى؟ ~~- لا شيء. ~~- كيف لا شيء وهذا الدم؟ ~~- إني عثرت بالمقعد فسقطت. ~~- بل إنك تكذبين. ~~- كلا، كلا، لم يحدث شيء. ~~- إنك أصبت بضربة خنجر. ~~- لا أعلم. ~~- من دخل إلى هنا؟ # فنظرت روميا إلى ما حولها بذعر وقالت: لم يدخل أحد. # وكانت النافذة مفتوحة، وكانت تقول هذا القول وهي ناظرة إليها نظرة تتنهد؛ كي توهمه أن ~~الرجل دخل إليها من النافذة، وأنها تتنهد لما علق بقلبها من هواه. # وقد رأى تريبورينو منها هذه النظرات، فجن من غيرته وترك روميا بين أيدي الخدامين ~~يضمدان جرحها، ثم ركض إلى الحديقة وجعل يفحص ترابها، فرأى آثار ms1829 أقدام على الرمل فاقتفى ~~الأثر حتى انتهى إلى باب الحديقة فوجده مفتوحا. # ولم يعد يشكك أن البستانية جرحت من أحد عشاقها، وعاد إلى المنزل وهو يزبد من الغضب، ~~وأمر الخدامين بالانصراف وجلس بجانبها فقال لها: إن رجلا قد دخل هذه الليلة إلى هذه ~~الغرفة وطعنك بخنجره، فمن هو هذا الرجل؟ # فهزت البستانية الحسناء رأسها وقالت له: لا تسألني فإني لا أستطيع أن أقول ~~شيئا. # فقال لها بلهجة التهديد: ولكني أريد أن أعرف كل شيء. ~~- ذلك محال. # فضرب الأرض برجليه وقال: قلت لك أريد أن أعلم. ~~- ولكني لا أستطيع أن أقول شيئا، فإذا شئت اقتلني. # ونظر تريبورينو فرأى ذلك الخنجر الذي جرحت به روميا على الأرض، وأسرع إليه فاختطفه ~~وعاد به إلى روميا فقال لها: تكلمي أو لا تلقين مني غير الموت. # 50 # أما البستانية الحسناء فإنها لبثت ساكنة هادئة كأنما هذا الإنذار غير موجه ~~إليها. # وأما تريبورينو فإن الغيرة قد صعدت من قلبه إلى رأسه فألهبت دماغه، وبات كالمجانين، ~~ولبث يردد هذا القول: تكلمي أو أقتلك. # ولما طال تهديده رفعت روميا رأسها بعد إطراقها، ونظرت إليه بعين كانت تتقد اتقاد ~~السلاح سطعت عليه أشعة الشمس، ثم ابتسمت ابتسام الساخر وقالت له: تريد أن أتكلم، أليس ~~كذلك؟ # فضغط تريبورينو على قبضة الخنجر حتى كاد يسحقها وقال: بلى، أريد أن أعلم كل ~~شيء. # فلم يظهر على روميا شيء من الرعب وقالت له: إذا كانت هذه إرادتك؛ فليكن ما تريد ~~وسأتكلم. ~~- أرأيت كيف انتهى بك التهديد إلى الخوف؟ ~~- كلا، إني لا أخاف هذا الموت الذي تنذرني به، ولكني أريد أن أنهج معك منهج الحرية؛ ~~فقد كفاني ما ألقاه كل يوم من غيرتك. # وكانت تتكلم هذا الكلام بلهجة تظهر التهكم، فاضطرب تريبورينو، ولكنه كظم غيظه وصبر ~~إلى أن تتم حديثها. # وعادت روميا إلى الكلام فقالت: إني سأكون معك حرة الكلام والضمير، فاعلم أني لست ~~امرأة طاهرة نقية، وما أنا من أهل العواطف والأحلام، بل أنا تاجرة جمال، ولكني شديدة ~~الطمع ببضاعتي، فأنا أريد قصرا ms1830 لا منزلا، ولو استطعت لصغت النجوم عقودا وجملت ~~بها هذا العنق الذي تهواه. # أما وقد عرفت ذلك مني، فاعلم الآن أني ما أصغيت إلى حديث غرامك إلا بعد أن قيل لي ~~بأنك أعظم مثر في هذا الوجود. # فأجابها تريبورينو: وأنا أعلم أنك طامعة بمالي، ولو كنت مكانك لما فعلت غير ما ~~تفعلين، ولكن جميع ما قلته لا ينبئني عن هذا الرجل الذي دخل إلى غرفتك. ~~- بل هذا الرجل كاد يقتلني، وطبع فوق كتفي أثرا من خنجره ... # فهاج غضبه وقال: نعم، إني أطلب أن أعرف اسم هذا الرجل. # صبرا وأصغ إلى أن أتم حديثي: إنك حين لقيتني في باريس كان لي خيل ومركبات وجواهر ~~وقصور، ولم يكن علي ديون، فكنت أنفق في العام ثلاثمائة ألف فرنك. ~~- ماذا تريدين بذلك؟ ~~- أريد أنه قبل أن يعود الماجور لنتون بالكنوز من الهند كان يوجد في باريس من يحبني ~~وينفق علي كما أشتهي. # فوقع هذا الكلام من قلبه وقوع السهم؛ لأنها عرفت منه موضع الضعف؛ إذ علم أن مزاحمه في ~~عشقها لم يكن من عامة الناس وفقرائهم، فهاجت عوامل الغيرة منه وسألها: ومن هو هذا الرجل ~~الذي يستطيع أن ينفق إنفاقي؟ ~~- إنه شخص هواني هوى عظيما، ولم يسئ إلي بشيء، فلما تركته ولحقتك إلى لندرا ~~كتبت إليه كتاب وداع، ولكني حرصت على إخفاء أثري. ~~- وهذا الأثر؟ ~~- اقتفاه لفرط عشقه إياي وعرف أين أنا. ~~- أجسر على القدوم إلى هنا؟ ~~- نعم. ~~- ولماذا لم توقظيني حين قدومه؟ ~~- لأسباب أولها أنك كنت سكران. ~~- وثانيها؟ ~~- وثانيها أني لا أستطيع طرد رجل عشقني عشقا مخلصا، ونهج معي مناهج الكرام. # فقال لها بلهجة المحتقر: ولكن هذا الكرم دفع به إلى هاوية الإفلاس؟ ~~- إنك منخدع؛ لأن ثروة هذا الرجل الذي أخبرك عنه لا تنضب ولو أنفق على عشر نساء مثلي ~~لما أثرن عليه. # فهاجت كبرياء هذا السارق، وثارت عوامل الغيرة في قلب هذا العاشق فسألها: من هذا ~~الرجل؟ وماذا يدعى؟ ~~- إنك لا تعرف اسمه. ~~- لكن من يكون له مثل هذه الثروة يعرفه جميع ms1831 الناس لاشتهاره؟ ~~- افترض أنه أمير روسي. ~~- إذا كان هذا الرجل غنيا إلى هذا الحد؛ فكيف تركته من أجلي؟ ~~- لأنهم قالوا لي إنك أغنى منه. # فسر تريبورينو من هذا المديح وأجاب: لقد أصابوا؛ لأني أغنى إنسان في هذه ~~البلاد. ~~- هذا ما يعتقده الناس في لندرا وباريس، بل هذا ما كنت أعتقده أنا، ولكني لا أعتقد ~~بشيء من هذا الآن. # فتراجع منذعرا وقال: كيف ذلك؟ ~~- إني صدقتك في البدء فلم أسأل عنك ولا عن مقدار ثروتك، على أن هذا الرجل الذي جاءني ~~في هذه الليلة قال لي: إذا كان الماجور أغنى مني تنازلت له وتراجعت عن غرامك. ~~- لقد أصبت بثقتك بي أولا، وأخطأت في النهاية، وأنا أقبل بهذا الشرط، فماذا قال لك ~~الرجل أيضا عني؟ ~~- يقول أيضا: إن هذا الرجل يموه على الناس تمويها، وإنه لم يعد من الهند إلا ~~بمال قليل وبعض الحجارة الكريمة، وإن جميع ثروته لا تقوم بنفقتك شهرين ثم يتخلى عنك ~~لإفلاسه؛ فتخسريه وتخسريني. # فضحك ضحكا عاليا وقال: أهو يظن هكذا؟ ~~- بل هو يقين لديه يثبته بالأدلة. ~~- وما هو برهانه؟ ~~- برهانه أنك لم تستودع مصرفا من مصارف لندرا وباريس وفرانكفورت وفيينا مليونا ~~واحدا من الثروة التي تدعيها. ~~- هذا أكيد. ~~- وبرهانه أنك لا تمتلك شبرا من الأرض في إنكلترا وفرنسا وغيرهما. ~~- وهذا أكيد أيضا. ~~- وآخر براهينه أنهم سألوا عنك حاكم الهند بالتلغراف، فأجاب أنك برحت الهند بثروة ~~قليلة جمعتها من اقتصادك في رواتبك. ~~- هذا أكيد أيضا، غير أن لي ألوفا من الملايين تكدس بعضها فوق بعض. ~~- أين هي هذه الملايين؟ # فنظر إليها عند هذا الكلام نظرة البازي إلى فريسته ثم قال لها بعد سكوت قصير: إذا قلت ~~لك أين هذه الملايين كلفك هذا السر ثمنا غاليا. # فضحكت روميا ضحكا دلت به على عدم تصديقها ثم قالت: رضيت بالثمن، ولكني أريد أن ~~أعرف. # 51 # وساد السكوت بين تريبورينو والبستانية الحسناء، وكان كل منهما يفحص الآخر ويقول في ~~نفسه: ترى من يكون الغالب؟ # إلى أن بدأ تريبورينو الحديث قائلا: إذن أنت ms1832 تعتقدين أيتها الحسناء أني مموه ~~محتال؟ ~~- هذا ما يقوله الناس عنك. ~~- وترين أني فقير لا تكفيك ثروتي شهرين، ولكني كما قلت لك: لا يوجد في جميع أوروبا ~~من يملك ربع ثروتي. ~~- كل ذلك ممكن، ولكن الكلام وحده لا يكفي. ~~- أتريدين إذن أن تري ثروتي كي تصدقي؟ ~~- دون شك. ~~- احذري! ~~- من أي شيء تريد أن أحذر؟ ~~- من أمر بسيط؛ وهو أني أخاف اللصوص. ~~- ذلك من حقك؛ لأن من كان مثريا وجب عليه الحرص على ماله. ~~- إنه، إلى الآن، لم يعلم الموضع الذي خبأت فيه أموالي غير شخص واحد. ~~- إذا كنت قد أوقفت على سرك واحدا، فلا بأس من أن تطلع عليه اثنين. ~~- لكن هذا الرجل الذي أطلعته على سري بات عبدا لي، وباتت حياته في قبضة يدي، فهل ~~يروق لك أن تكوني مثله؟ ~~- أقبل إذا أضحت هذه الكنوز تحت أمري. ~~- ولكن يجب أيتها الحبيبة أن أخبرك قبل كل شيء كيف أصبح هذا الرجل عبدي، وباتت حياته ~~بيدي. # إن هذا الرجل الذي ائتمنته على سري ارتكب جريمة إذا أذيع سرها حكم عليه بالإعدام، ~~وإن لدي الأدلة الكافية على ثبوت جريمته، فإذا فشا سر كنوزي أفشيت سر جريمته، فأعدمته ~~بكلمة أرسلها إلى رئيس البوليس، غير أنك لا تقاسين إلى هذا الرجل؛ لأنك لم ترتكبي جرائم ~~فيما أظن. ~~- من يعلم؟ ~~- ولو افترضت أنك مجرمة، فليس لدي برهان يؤيد جريمتك. # فقالت له بلهجة تدل على صدق العزيمة: وإذا أعطيتك هذا البرهان؟ # فاضطرب تريبورينو وأتمت هي حديثها فقالت: كلا، إن جميع ذلك لا يفيد، وأنا لا أزال ~~واثقة من أن ما قيل لي عنك حقيقة لا شك فيها، فاسمح لي أن أكلمك بحرية وجلاء. # فقال لها ببرود: تكلمي. ~~- إن هذا الرجل الذي جاء إلى منزلي وطعنني بالخنجر واسع الثروة، وثروته ظاهرة للعيان، ~~وإن من الحكمة إيثار الجلي على الخفي، والثابت على المجهول. # أما وقد عرفت هذا، فاعلم أن هذا الرجل يدعى غاستون، وهو في مقتبل العمر يأخذ جماله ~~وريعان صباه بمجامع القلوب، ولم أكن أحبه قبل ms1833 هذا العهد، غير أنه حين طعنني الليلة هذه ~~الطعنة بت ميالة إليه؛ لأن المرأة تحب الذي تخشاه، ولذلك قد عزمت عزما أكيدا أن ~~أبيت الليلة في منزلك فأستريح، ثم أفارقك في الغد فراق الأبد. # فلم يضطرب تريبورينو لكلامها، بل قال لها بملء السكينة: وإذا أريتك كنوزي؟ ~~- هذا أمر يصعب عليك فيما أظن. ~~- وإذا أريتك إياها؟ ~~- أوافق ولكن بغير شرط. ~~- ذلك مستحيل! ولكني أشترط عليك شرطا واحدا يسهل عليك احتماله، إذا كنت صادقة ~~النية؛ وهو أنك لا تفارقيني بعد اطلاعك على هذا السر. ~~- على شرط أن يحق لي التمتع بالكنز. ~~- دون شك. # فابتسمت وقالت: رضيت، وهلم بنا؛ لأنك ما خبأت كنوزك في هذا المكان دون شك. ~~- هو ما تقولين، ولكني لا أستطيع الذهاب الآن. ~~- هو ذا برهان آخر على العجز. ~~- كلا، ولكن يجب علي قبل ذلك أن أحتاط لنفسي. ~~- ممن؟ ~~- منك! # ثم قرع الجرس فأسرع إليه أحد الخدم، وهو رجل هندي جاء به من الهند فأخلص في خدمته ~~إخلاصا أكيدا، حتى إنه لو أمره بارتكاب الآثام في خدمته لما تردد، وكان هذا الهندي ~~يدعى لبتينو، فناداه وقال له بالهندية: أترى هذه السيدة؟ ~~- نعم. ~~- إنك ستقيم معها إلى أن أعود، وإذا أرادت الخروج من هذه الغرفة فاقتلها. # ثم أعطاه الخنجر الذي بيده وقال لروميا: أرجوك أن تصبري بضع ساعات فقط إلى أن ~~أعود. ~~- ومتى تعود؟ ~~- في المساء لأذهب بك إلى المكان المعهود. ~~- أتذهب في مركبة؟ ~~- كلا، بل في سفينة. ~~- وماذا يجب أن أصنع حتى تعود؟ ~~- يجب أن تصبري وتحذري؛ أما صبرك فعلى البقاء في هذه الغرفة، وأما حذرك فمن الخروج ~~منها؛ لأن هذا الهندي وحشي الأخلاق، وقد أمرته أن يقتلك إذا حاولت الهرب، وهو سيلازمك ~~ملازمة ظلك. ~~- ليكن ما تريد، ولكني أسالك أن تأمر الهندي أن يقف في الرواق عند باب الغرفة ~~ليخفرني، كي لا أكون وإياه في غرفة واحدة. ولا سبيل لي إلى الهرب من نافذة هذه الغرفة، ~~لأنها تعلو عشرين مترا عن الأرض، ثم لا فائدة لي من الهرب بعد ms1834 أن عزمت عزما أكيدا ~~على أن تريني الكنز. ~~- لقد أصبت. # ثم أمر الخادم أن يقف عند الباب خارج الغرفة وانصرف. # وبقيت روميا وحدها، وبقي الخادم في الرواق يتمشى ذهابا وإيابا مشهرا ~~الخنجر. # وبعد ذهاب تريبورينو بساعة كانت روميا تلاعب حمامة قالت لتريبورينو إنها اشترتها من ~~أحد بائعي الطيور في لندرا. # وكانت الحمامة تطير في جهات الغرفة، فتنتقل من كتفها إلى كل مكان في الغرفة كما يتنقل ~~الطير على الأغصان. # وبعد أن لاعبتها روميا هنيهة قامت إلى منضدة وكتبت على ورقة صغيرة ما يأتي: # راقبوا البيت؛ سيذهب بي تريبورينو هذا المساء في قارب. اتبعوه لأنه سائر إلى ~~موضع الكنز. # ثم أخذت الورقة فطوتها وربطتها بشريطة في عنق الحمامة، وفتحت النافذة فأطلقتها، وطارت ~~الحمامة وحلقت في الفضاء تشق عباب الريح. # وعند ذلك ابتسمت وقالت: هذه هي حيلة لم يفطن لها هذا الأبله الخائن؛ إذ لم يخطر له أن ~~هذه الحمامة من الحمام الزاجل. # 52 # مضى النهار كله دون أن يعود تريبورينو، فأقامت روميا في غرفتها لم تبرحها، وأقام ~~الهندي على الباب لم ينصرف عنه. # وبعد أن أطلقت الحمامة بساعة، عادت إليها تلك الحمامة ووقفت على النافذة وجعلت تحرك ~~جناحيها، فأسرعت إليها ووجدت الشريطة معلقة بعنقها وفيها ورقة، ففتحتها وقرأت فيها ~~هاتين الكلمتين: «إننا ساهرون!» # وعندما أقبل الليل عاد تريبورينو، وكان الضباب قد انقشع فرأت روميا من نافذتها القارب ~~الذي جاء به، وشاهدت بحارين. # غير أن هذا القارب لم يكن من القوارب الخاصة بالملاحة في نهر التاميز، بل كان من ~~قوارب السفن التجارية؛ إذ شاهدت على قبعات البحارة اسم السفينة التي يخدمون ~~فيها. # ولما دخل تريبورينو إليها قال لها: ألا تزالين أيتها الحبيبة مصممة على مشاهدة ~~الكنوز؟ ~~- دون شك؛ لأني لا أقيم معك إلا على هذا الشرط كما اتفقنا. ~~- ليكن ما تريدين. # ثم قام إلى خزانة ففتحها وأخرج منها قطعة من القماش بشكل كيس له ثقب من وسطه. # فسألته: ما هذا الكيس؟ وماذا تريد به؟ ~~- أريد أن أحيط به رأسك، فإذا لبسته فلا ms1835 ترين الطريق الذي سرت فيه. وهو احتياط لا بد ~~لي منه. ~~- افعل ما تشاء؛ فلا يهمني إلا أن أشاهد الكنز وأثق من ثروتك. ~~- إذن هلمي بنا. # وخرج الاثنان من المنزل إلى الشاطئ، وهناك وضع الكيس في رأسها، وربط أطرافه في عنقها، ~~ولكنها قبل أن تلبسه شاهدت على قيد عشرين مترا من القارب سفينة ضخمة معدة لنقل الفحم، ~~وشاهدت رجلا واقفا عند مقدمتها يدخن. # فقالت في نفسها: إني لم أشاهد هذه السفينة قبل الآن، فإذا كانت هي سفينة روكامبول فلا ~~تستطيع إدراك القارب؛ لأنها بطيئة السير لضخامتها. # ثم أخذ تريبورينو بيدها وصعد بها إلى القارب وقال للبحارة: سيروا بنا. # فسار القارب ومر بسفينة الفحم، فلم يكترث بها تريبورينو، ولم ينتبه إلى كلب أسود من ~~كلاب الأرض الجديدة كان واقفا قرب الرجل على مقدم السفينة. # فلما ابتعد القارب عن السفينة أشار الرجل إشارة إلى الكلب فألقى نفسه في النهر وجعل ~~يسبح مقتفيا أثر القارب. # أما البستانية فإنها كادت تختنق من ذلك الكيس، ولكنها عولت على الصبر إلى النهاية ، ~~فقد أمرها روكامبول أن تكتشف الكنز، فلم تجد بدا من الامتثال. # وكانت المسافة شاسعة بلغت سير ساعة لم تكن البستانية تسمع في خلالها غير وقع المجاذيف ~~بانتظام، وبعد ذلك شعرت أن القارب قد وقف، ثم أحست أن تريبورينو قد أخذها بيدها وصعد ~~سلما، فعلمت أن القارب قد توقف قرب سفينة كبيرة. # ثم شعرت أنها بلغت إلى سطح تلك السفينة الكبرى، وسمعت صوتا يقول: كل شيء قد تهيأ يا ~~مولاي. فأجاب تريبورينو صاحب الصوت قائلا: أنحن وحدنا؟ ~~- نعم، لقد بعثت جميع البحارة إلى البر. ~~- والغرفة؟ ~~- إنها مهيأة حسب أوامركم. ~~- حسنا. # ثم مشى بضع خطوات مع البستانية ونزل بها سلما، حتى إذا انتهيا من نزوله قال لها: إنك ~~تستطيعين الآن أن تنظري؛ ففكي قيود الكيس وانزعيه عن رأسك. # فأزاحت ذلك الكيس الذي كاد يخنقها ونظرت إلى ما حواليها، فرأت ذلك الرجل الذي كان ~~يكلم تريبورينو وهو جون هابر، وشاهدت أن السفينة خالية لا يوجد فيها أحد ms1836 سوى هذين ~~الرجلين. # وعند ذلك قال لها تريبورينو: سترين أيتها الحبيبة أني غير مموه خداع كما يتوهم ~~عشيقك. # ثم دخل بها إلى غرفة جون هابر، وكان يوجد تحت سريره حصير هندي، فأزاح الحصير فظهر من ~~تحته لولب أداره ففتح باب غرفة سري ينزل إليها بسلم، فأخذ الربان مصباحا ونزل درجات ~~السلم، فتبعه تريبورينو وروميا حتى انتهيا إلى الغرفة السرية، فرأت أن ضوء المصباح كان ~~ينعكس على أكداس الذهب وأحجار الألماس فتتقد اتقادا. # فوقفت وقفة المنذهل مما شاهدته من الثروة الهائلة، ووقف تريبورينو أمامها وقال لها ~~بلهجة الساخر: أترينني صادقا فيما كنت أدعيه أم أنا من المموهين المخرفين؟ # 53 # وكانت البستانية قد عرفت قبلا من روكامبول مقدار هذه الثروة العظيمة، ولكنها لم ~~يسعها إلا الاندهاش لأنها شاهدت أكثر مما سمعت، غير أنها نظرت إلى تريبورينو وقالت له ~~بعظمة وسكينة: حسنا، لقد بت معتقدة الآن أنك من الأغنياء العظام. ~~- أترين أني أعظم ثروة من عشيقك القديم؟ ~~- دون شك، والبرهان أني سأبقى معك. # فابتسم وقال لها: إنك ستبقين معي دون ريب؛ فإن زمن سفرك قد فات. ~~- كيف ذلك؟ ~~- سوف أخبرك، وهلمي معي. # ثم أشار إلى جون هابر أن يقفل باب الكنز، وقال له: سر بنا إلى غرفة السيدة. # فامتثل الربان ومشى أمامهما وهما يتبعانه حتى وصل إلى غرفة متسعة، فدخلا إليها وقال ~~لها: هو ذا المكان الذي عين لإقامتك. # فاضطربت لما ظهر عليه من دلائل التهكم وقالت: أهذا مسكني؟ ~~- دون شك. ~~- لكن أتمنى أن تكون إقامتي فيه إلى الصباح. ~~- بل إلى شهرين أو ثلاثة أشهر. ~~- كيف يكون ذلك؟ ~~- لأننا سنسافر. وماذا يهمك ما زلت من الأغنياء؟ ~~- لا أنكر أني عولت على الإقامة معك، ولكني لا أبغي أن أكون سجينة في هذه ~~الغرفة. ~~- إنك تبقين فيها إلى أن تقلع بنا السفينة، وعند ذلك تصعدين إلى سطحها. ~~- إلى أين نحن مسافرون؟ ~~- لا أستطيع أن أخبرك اليوم. ~~- لكن قل لي على الأقل متى نسافر؟ # غدا مساء قبل غروب الشمس إذا وافقتنا الرياح. ~~- إذن يمكنني أن أعود ms1837 صباحا إلى البر؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك عرفت الآن سري، ولا أحب أن يذاع السر في أحياء لندرا. # فأذعنت لاعتقادها أن إقناعه محال، وقبلت مكرهة بهذا الأسر، فقال لها: لكن إقامتنا ~~في هذه الغرفة لا تمنعنا عن العشاء. ~~- من يخدمنا؟ ~~- جون هابر الربان في هذه السفينة؛ فإنه وسفينته ملك لي. # ثم ضرب بيده على منضدة وأسرع إليه الربان فقال: هات العشاء. # وذهب الربان وعاد بعد حين يحمل صينية عليها عشاء فاخر صف من حولها قناني النبيذ، ثم ~~حاول الانصراف فأوقفته بحركة وقالت لتريبورينو: ألا تأذن لي بإحضار حمامتي؛ فإنها ~~تؤانسني بهذا السجن؟ ~~- كيف لا، فإني لا أبغي أن تتضجري، ولا أتمنى لك إلا الخير. # ثم قال للربان: اذهب إلى المنزل وأحضر الحمامة بقفصها من غرفة السيدة. # فامتثل الربان وجلس تريبورينو حول المائدة يأكل ويشرب القدح تلو القدح حسب عادته في ~~كل ليلة، فلم تحن الساعة الثانية بعد انتصاف الليل حتى صرعه الشرب، فانقلب ونام على ~~الأرض. # فقامت روميا عند ذلك إلى الباب، فرأته محكم الإقفال من الخارج، وأنه متين لا سبيل إلى ~~كسره، فضربت الأرض برجلها من القهر وقالت: إني أسيرة، ولكن لا بد للرئيس أن يعلم أننا ~~مسافرون غدا، وكيف لي بإخباره؟ # وبعد ساعة، سمعت صرير المفتاح في القفل، ثم فتح الباب ودخل الربان يحمل قفص الحمامة ~~وهي نائمة فيه. # فأعطاها إياها ونظر إلى تريبورينو نائما تحت المنضدة فهز رأسه وقال: إن صوت المدافع ~~لا يوقظه الآن. ~~- ألعلك محتاج إليه؟ ~~- كل الاحتياج؛ لقد جئته بنبأ خطير، ولكن لا بأس فسأصبر حتى يستفيق. # ثم انصرف وأقفل باب الغرفة من الخارج كما كان. # غير أن هذه الغرفة كان لها نافذة تطل على البحر كأكثر غرف البواخر، ففتحتها وقد خطر ~~لها أن تعود إلى استخدام الحمامة، ثم نظرت نظر الفاحص إلى تريبورينو، فرأت أن السكر أخذ ~~منه، وأنه لا يستفيق قبل ساعتين أو ثلاثة، فأخذت دفترا صغيرا من جيبها فانتزعت منه ~~ورقة وكتبت عليها ما يأتي: # أنا في سفينة لا أعرف اسمها، ولكن ms1838 الربان يدعى جون هابر، والأموال مخبوءة في ~~العنبر. إننا نسافر مساء غد. واللبيب يفهم بالإشارة. # روميا # ثم أيقظت الحمامة، وكان الفجر أوشك أن ينبثق، فعلقت الورقة في عنقها وأطلقتها. # وكان تريبورينو لا يزال نائما، غير أن الحمامة لم يطل غيابها؛ فإنها عادت بعد ساعة ~~ووقفت على نافذة الغرفة، ووجدت البستانية في عنقها ورقة، ففتحتها وقرأت هذه الجملة: ~~«نحن على أتم الاستعداد.» # فأعادت الحمامة إلى القفص، وبعد هنيهة صحا تريبورينو من سكرته ووجدها نائمة قربه على ~~مقعد. # 54 # ولنرجع الآن بالقارئ إلى عهد بضع ساعات مضت، أي حين كان تريبورينو سائرا بالقارب مع ~~البستانية، وحين سقط الكلب في البحر بإشارة من صاحبه مقتفيا أثر القارب. # أما صاحب الكلب فإنه لبث بعد سقوطه واقفا في مقدمة سفينة الفحم، وبعد هنيهة صعد إليه ~~شخص من عنبر السفينة، وكان هذا الشخص مرميس. # وقد عرف القراء دون شك أن صاحب الكلب لم يكن إلا روكامبول، وكان الاثنان بملابس ~~الفحامين، وقد اسود وجهاهما وأيديهما من غبار الفحم الموجود في السفينة. # فلما صعد مرميس قال له روكامبول: لقد مر بنا ~~هذا اللص بقاربه دون أن ينتبه إلينا. # فأجابه مرميس: إنه منشغل عنا بغرامه. ~~- بل بأمواله، وفي كل حال فإن روميا في أثره كما قالت لنا في الرسالة التي تركتها مع ~~الحمامة. # فابتسم مرميس ابتسام المعجب بأستاذه وقال له: إن هذه الطريقة التي ابتكرتها للمراسلة ~~هي خير الطرق. ~~- إني لم أبتكرها يا بني؛ فقد كانوا يستعملونها في العصور الوسطى، وهذا الحمام يسمى ~~عندهم الحمام الزاجل. ~~- والكلب؟ ~~- إنه من خير الكلاب التي تستخدم للتجسس، فقد أتيت به من الأرض الجديدة حين عودتي من ~~الهند، وهو سيتبع القارب حتى يعرف مقره ولو اجتاز التاميز إلى المانش، وإذا توقف القارب ~~عند السفينة عاد إلينا فقادنا إليها. # وكانت السفينة تسير ببطء في أثر القارب فلا تصل إليه حتى اختفى عن الأنظار، فجعل ~~الاثنان يتحدثان وهما ينتظران عودة الكلب، فقال له مرميس: لقد علمت كيف أن تريبورينو لم ~~يطلع البستانية على سره لشدة ms1839 إشفاقه على كنزه، ولكني لم أعلم كيف أنك لم تعلم إلى الآن ~~موضع الكنز؟ # فأجابه: إني أبحث عنه منذ شهر فلا أهتدي إليه، ولكني وثقت أن تريبورينو لم يضع شيئا ~~من المال في مصارف باريس ولندرا وأدمبره ودبلين. ~~- ولماذا؟ أتراه يحاول دفنها في الأرض شأن الأغنياء، وهو على ما عهد به من ~~الذكاء؟ ~~- كلا، ولكنه علم أن الأفكار ثارت عليه، وأن نظرات حكومة الهند قد تحولت إليه؛ فهو ~~ينتظر إلى أن تهدأ ثورة الأفكار بشأن ثروته، وتفرغ الحكومة من البحث في مصادر هذه ~~الثروة؛ ولذلك فهو يخفيها الآن في مكان لا تصل إليه العيون. # وقد كان خطر لي في بدء بحثي أنه يتركها في مكانها في سفينة الربان جون هابر الراسية ~~الآن في الحوض، غير أني رجعت عن هذا الخاطر لما أعلمه عن دهائه وحرصه؛ فإن هذا الربان ~~قد يقلع بسفينته في ليلة مظلمة إلى ميناء مجهول ويستأثر بالمال. # وفيما روكامبول يحادث مرميس سمع نباحا، فعلم أنه صوت كلبه وقال: هو ذا الكلب قد عاد ~~إلينا بالخبر اليقين ، وسوف ترى. # وبعد حين وصل الكلب إلى سفينة روكامبول، فلما شاهد صاحبه نبح نباحا قويا وعاد إلى ~~السباحة أمام السفينة كأنه يريد إرشادها إلى المكان الذي ذهب إليه القارب. # فقال روكامبول: هلم بنا الآن في أثر الكلب. فسار الكلب سابحا أمامها، والسفينة تتبعه ~~حتى انتهى إلى سفينة جون هابر، فجعل يطوف حولها. # فأيقن روكامبول أن البستانية في تلك السفينة، وأن الكنز لا بد أن يكون فيها، فأخذ ~~مرسى سفينة الفحم وألقاه في البحر. # فقال مرميس: ماذا تصنع أيها الرئيس؟ ~~- إننا سنقف قرب هذه السفينة. ~~- إلى متى؟ ~~- لا أعلم؛ فإني أراقب الحوادث، ثم اضطجع واضطجع مرميس بقربه، فكان روكامبول شاخصا ~~ببصره إلى السفينة يراقبها. # وبعد ربع ساعة شاهد روكامبول شخصا ينزل من السفينة إلى القارب وبيده مصباح، فعرفه ~~روكامبول وقال لمرميس: هو ذا جون هابر قبطان السفينة، وقد شفيت جراحه وعاد إلى ما كان ~~عليه من القوة. ~~- ألا يجب أن نقتفي أثره؟ ~~- كلا، ms1840 إنه ذهب إلى البر ولا بد أن يعود. # ولقد أصاب روكامبول، فإن هذا الربان عاد بعد ساعة يحمل بيده قفصا فيه حمامة، فقال: ~~إن البستانية ساهرة، وسنقف على حقيقة أمرها قبل الفجر. ~~- ماذا يجب أن نصنع الآن؟ ~~- أنت تبقى هنا تراقب كل ما يحدث في السفينة، أما أنا فعائد إلى المكان الذي تذهب ~~إليه الحمامة عادة فأقف على أخبار روميا. # ثم تركه وغطس في البحر فعاد سباحة إلى البر. # 55 # ووصل روكامبول إلى البر فنفض ثيابه من الماء، وذهب إلى وينغ في خمارة كالكراف التي ~~عرفها القراء باسم خمارة الملك جورج، فلم يندهش كالكراف لمرآه؛ إذ تعود أن يرى منه كل ~~غريبة، ولكنه أدخله إلى غرفة فيها كثير من الملابس المختلفة، فغير روكامبول ملابسه ودخل ~~إلى القاعة العمومية وهو بملابس البحارة. # وكان في هذه القاعة بعض البحارة يشربون، وبينهم شخص منزو حول منضدة يشرب منفردا ولا ~~يشارك القوم في حديثهم. # فلما شاهده روكامبول ارتعش وقال: إني عرفت هذا الشخص، ولكني لا أذكر أين، غير أنه لم ~~يطل تذكره حتى علم أنه كان رفيقا له في سجن طولون، فأنكر وجوده في هذا المكان لا سيما ~~وقد شاهده بملابس رؤساء البحارة في السفن الكبرى، فقال في نفسه: كيف تمكن هذا اللص أن ~~يفر من السجن فيغدو بحارا، ثم يرتقي إلى رئيس؟ # فخطر له أن يبحث في شأنه، ففتح ساعته كي يعلم إذا كان لديه من الوقت ما يضيعه في ~~البحث عن أمر هذا الرجل، فرأى أن الساعة الثالثة فقال في نفسه: لا يزال لي فرصة ساعة؛ ~~فإن الحمام لا يرى في الليل. # وكان للمكان الذي ألفت الحمامة أن تحضر إليه برسائل البستانية نافذة في غرفة ~~الأرلندية، وهي الغرفة التي كانت تقيم فيها جيبسي، أي أنها لا تبعد غير بضع خطوات عن ~~خمارة الملك جورج. # وكان الفصل في ذلك العهد خريفا فلا يشرق النهار قبل الساعة الخامسة، فلما نظر ~~روكامبول في ساعته قال في نفسه: إن روميا لا تطلق الحمامة قبل ساعة، ولا ms1841 يزال الوقت ~~فسيحا لدي. # وكان من عادة روكامبول أنه يعتمد على الصدفة والاتفاق، فقد علمته التجارب أن الصدفة ~~خير معين؛ لذلك دنا من هذا الرجل الذي رآه في الخمارة وجلس بقربه وحياه. # فقال له ذلك الرجل اللابس ملابس رؤساء البحارة: لقد أتيت بعد فوات الأوان أيها ~~الرفيق؛ فقد ألفت بحارة السفينة ولم أعد محتاجا إلى أحد. ~~- ما هي هذه السفينة؟ ~~- هي وست إنديا لربانها جون هابر، وقد عهد إلي الربان أن أعد بحارتها لأنها مزمعة ~~على السفر. # فاضطرب روكامبول حين سمع اسم هذا الربان وقال للرجل: إني أهنئك بما بلغت ~~إليه. ~~- بماذا تهنئني أيها الرفيق؟ وما الذي بلغت إليه؟ ~~- ألم تكن هناك؟ ~~- أين هناك؟ # فما أحب روكامبول أن يطيل الحديث فقال له باللغة الفرنسية: ألا تذكر أيها الصديق أننا ~~أكلنا أكلا واحدا في سجن طولون. # فاصفر وجه الرجل وقال له وهو يتلعثم: إنك مخطئ؛ فما دخلت في حياتي السجون. # فأجابه روكامبول ببرود: بل دخلت إلى سجن طولون وكنت تدعى فيه نمرة 4، أما اسمك ~~الحقيقي فأذكر أنك تدعى جوزيف كوتيريه أو روديريه. لا أعلم؛ فإن العهد بعيد. # فلما سمع الرجل هذه التفاصيل الصادقة جعل يضطرب وباتت أسنانه تصطك من الخوف، ورأى أنه ~~لا سبيل إلى الإنكار فقال له: رحماك أيها الرفيق ولا تفضح أمري؛ فإني كما تقول قد هربت ~~من السجن وكنت أدعى فيه 41، لكن ليس في إنكلترا من يعلم بشيء من أمري. وقد وصلت إلى ما ~~تراني فيه بفضل حسن سلوكي، ولو كان لي ثروة لوهبتك إياها، لكني أهبك كل ما ~~أملكه. # فابتسم روكامبول وقال: أمعن النظر بي لعلك تعرفني. ~~- كلا، بل يلوح لي، ولكن هذا محال. ~~- أراك عرفتني. ~~- 117؟ # فقال روكامبول وهو يبتسم: نعم هو بعينه سجين طولون القديم. # وكأنما هذا الرجل قد اطمأن لما عرفه؛ فإن 117، أي روكامبول، اشتهر في سجن طولون شهرة ~~فائقة؛ فإنه أنقذ السجين من الموت، ومنع آلة الإعدام أن تسقط، ومن ينقذ إخوانه من ~~السجون؛ فلا يعيدهم إليها ولا تخطر له خيانتهم في بال. # وهذا ms1842 الذي حمل جوزيف على الاطمئنان حتى إنه جاهر به فقال لروكامبول: نعم، لقد عرفتك ~~ولم أعد أخشى خيانتك؛ لأني عرفتك. # فقال له روكامبول: لا أنكر أني لا أخونك، ولكني أشترط في ذلك أن تطيعني في كل ما ~~أريد. # فعاد الرجل إلى الاضطراب فقال: إني أطيعك في كل شيء ما عدا الإثم؛ فإني تبت توبة ~~صادقة. ~~- وأنا أيضا. ~~- وقد كرهت العيش القديم، وآثرت العيش بعرق الجبين، أما وقد عرفت ذلك مني فقل ما ~~تريد. ~~- أريد أن أشتري آثامك الماضية بعمل صالح يكون كفارة عما اجترمته من الذنوب. # فبدت على وجه جوزيف علائم السرور والارتياح وقال: أحقا ما تقول؟ ~~- إن روكامبول لم يكذب بعد أن تاب، فهل تطيعني متى وثقت من سلامة قصدي؟ ~~- أطيعك طاعة لا حد لها. ~~- إذن فاسمع. # وخلا روكامبول بهذا الرجل، ولم يعلم أحد ما جرى بينهما حتى كالكراف. # غير أن روكامبول حين بدأ الفجر ينبثق خرج من الخمارة وهو يقول: لقد أصبح تريبورينو في ~~قبضة يدي. # ثم انصرف إلى غرفة الأرلندية لينتظر الحمامة، وفتح النافذة فما طال انتظاره. # ولما أقبلت الحمامة برسالة البستانية التي تقدم نشرها أجابها عليها بقوله: # نحن على أتم الاستعداد. # 56 # أما تريبورينو فإنه صحا من نومه حسب عادته حين شروق الشمس، فأجال في الغرفة نظر ~~الفاحص فوجد البستانية نائمة، ووجد الحمامة في القفص. # وقد وجد أيضا نافذة الغرفة مفتوحة، فخطر له في البدء أن البستانية فتحتها بغية الهرب ~~منها، لكنه ابتسم وقال في نفسه: إن هذا محال؛ فإن الأغنياء لا يهرب منهم النساء، وإنما ~~فتحت النافذة التماسا للهواء. # وفيما هو على ذلك سمع قرع الباب، ثم رآه قد فتح ودخل منه جون هابر فقال له: إني أتيت ~~في الليل لأراك ولكنك كنت في حالة من السكر يتعذر بها محادثتك. ~~- ألعلك أتيتني بشأن خطير؟ ~~- دون شك. ~~- ما هو؟ ~~- أولا: أنني جددت تأليف طاقم السفينة. ~~- لماذا؟ ~~- إذ لم أجد من الحكمة استخدام الهنديين وتجديد الاتفاق معهم لا سيما وقد بت مشككا ~~ببعضهم. ~~- ألعلك خائف منهم على ms1843 الكنز؟ ~~- هو ما تقول. # فسر تريبورينو وقال: الحق أنك رجل شريف أمين. ~~- لقد خدعتك الظنون بي؛ فما أنا بشريف، بل أنا خائن مثلك، ولكني رأيت أن فائدتي هي في ~~صيانة أموالك، فبت حريصا عليها هذا الحرص. # ولم يظهر تريبورينو استياء من كلام الربان وقال له: إذن فقد غيرت البحارة؟ ~~- نعم، ولم أبق واحدا من القدماء. ~~- وهل البحارة الجدد ماهرون؟ ~~- إنهم من البحارة المجربين، وقد كلفت باختيارهم رجلا فرنسيا كان من كبار المجرمين ~~ففر من سجنه وبات من خير البحارة. ~~- كيف ذلك، أتختار مجرما لقيادة السفينة؟ ~~- ألم أقل لك إنه فر من سجنه، فهو سيكون لنا من أوفى الأوفياء؛ إذ يعلم باطلاعي على ~~سره. ~~- أرى أنك قد تعلمت طريقتي، ونهجت مع هذا الرجل كما نهجت معك، وهي طريقة صالحة في كل ~~حال. والآن قل لي متى نستطيع السفر؟ ~~- إننا سنخرج من الحوض في هذا المساء، ونرسو الليلة في عرض النهر في الجهة المقابلة ~~لمنزلك، وعند الفجر نسافر، فقل لي أنت أيضا إلى أين أزمعت السفر؟ ~~- إننا سنتجول في إيكوسيا الشرقية؛ فقد اشتريت هناك منزلا منحوتا في جوف صخر، وفي ~~نيتي أن أخبئ أموالي فيه؛ إذ تكون هناك في أمان. ~~- أما وقد ائتمنتني على سرك، فاسمع أخبرك بما لا يخطر لك في بال: أتذكر ذلك الرجل ~~الذي حاول نسف سفينتنا ثم نجا من النافذة وتوارى سابحا في البحر؟ ~~- أتريد به ذلك الفرنسي صديق الرجاه الذي يدعى أفاتار، ولكنه غرق قبل أن يصل إلى ~~البر؟ ~~- أتظن أنه غرق؟ ~~- بل أؤكد؛ فقد نشرت جرائد الهند بجملتها أنهم عثروا بجثته وجثة نادر. # فقال له الربان ببرود: ولكن الجرائد كلها منخدعة؛ فإن هذا الفرنسي لا يزال حيا ~~يرزق، وهو الآن في لندرا. # فاصفر وجه تريبورينو وقال: إن وجوده فيه خطر شديد علينا؛ فلنسرع بالرحيل. ~~- ولكني كفيتك مئونة هذا الخطر، ألا تذكر أنه بعدما أبداه من الجرأة في محاولة ~~الاستيلاء على السفينة أننا كتبنا تقريرا عن شرح الواقعة أمضاه جميع البحارة؟ ~~- نعم. ~~- إن هذا التقرير وحده يكفي ms1844 للحكم عليه بالإعدام إذا اتصل بنظارة البحرية، وسيقبض ~~عليه اليوم. ~~- ولكن أين؟ ~~- في فندق بريستول حيث يقيم ويعيش عيش الأشراف. ~~- أأنت واثق من كل ما قلته لي؟ ~~- كل الثقة. ~~- أرأيته بعينك؟ ~~- رأيته منذ يومين في تياترو غاردن، فأرسلت أحد بحارتي يقتفي أثره، فاقتفاه وعلم أنه ~~يقيم في هذا الفندق باسم الماجور أفاتار. # وجعل العرق ينصب من جبين تريبورينو وقال: أتظن أن البوليس يصدق ما تقول؟ ~~- دون شك، فسأذهب إلى نظارة البحرية فأطلعها على التقرير وأخبرها باسم الفندق، فترسل ~~من يقبض عليه. # فمسح تريبورينو عرق جبينه وقال: لقد أحسنت، ولكني كنت أؤثر أن يكون هذا الشيطان قد ~~مات غرقا. ~~- إنهم سيعدمونه رميا بالرصاص، فإذا تنوعت أسباب الموت فالموت واحد. # وعند بلوغهما بالحديث إلى هذا الحد تنهدت روميا، وكانا يحسبان أنها نائمة، فقال له ~~تريبورينو: كفى؛ لقد صحت من رقادها ولا أحب أن تسمع هذا الحديث. # أما روميا فإنها فتحت عينيها وفركتهما مرات متتالية وهي تنظر نظرات الانذهال إلى ما ~~حواليها، وتمثل الصحو من الرقاد أتم تمثيل، ولم يشككا أنها كانت نائمة . # 57 # ولنعد الآن إلى مرميس فإنه بقي مضطجعا فوق سفينة الفحم يراقب سفينة تريبورينو كما ~~أمره روكامبول، وأقام طول ليله يراقب السفينة دون أن يلوح له شيء جديد. # وعند الفجر رأى الكلب قد التفت، فالتفت إلى الجهة التي التفت إليها فرأى رجلا واقفا ~~وهو يشير إليه بالمجيء، فما شك أنه روكامبول بالرغم عن تغير زيه وشكله، فأسرع إلى ~~موافاته. # وكان هذا الرجل روكامبول نفسه، وقد بالغ في التنكر كي لا يعرفه أحد، فلما صعد مرميس ~~إلى قاربه عاد الاثنان إلى الرصيف، وسارا حتى إذا انتهيا إلى شارع مقفر قال له ~~روكامبول: إني لو لم أشر إليك لما عرفتني؛ فإني متنكر بزي جون هابر ربان هذه السفينة ~~التي فيها الكنز، وسأتولى قيادة السفينة وأخرج بها من الحوض عند منتصف الليل، فتكون أنت ~~الربان الثاني. # فانذهل مرميس وقال له: ولكن تريبورينو مقيم فيها، وهو يعرف ربانها معرفة جيدة؟ ~~- إني حين أصعد إلى ms1845 السفينة يكون تريبورينو قد بات أسيرا فيها. ~~- من يأسره؟ ~~- أنت. # وزاد انذهال مرميس وقال له: أتم حديثك، فإني لا أفهم كلمة من هذه الألغاز. ~~- إن الأمر بسيط؛ لأن تريبورينو وجون هابر سيسافران هذه الليلة إلى مكان مجهول، وقد ~~عرفت ذلك من رسالة البستانية، ثم إن جون هابر قد أطلق سراح جميع بحارته وكلف شخصا أن ~~يجمع له عشرة بحارة أشداء، وعرفت هذا الرجل وبات شبه عبدي، ولو كان الوقت فسيحا لدينا ~~لأخبرتك بجميع هذه التفاصيل، ولكنك سترى فتعلم كل شيء. ~~- وإلى أين نحن ذاهبان الآن؟ ~~- إلى خمارة كالكراف حيث نجد فيها هذا الرجل وجون هابر معا؛ إذ لا بد له من الحضور ~~إلى الخمارة لموافاته. # وظل الأمر مبهما ملتبسا على مرميس، ولكنه لم يجسر على سؤال روكامبول. # وبعد نصف ساعة بلغا الخمارة واجتمعا بجوزيف كرتيريه في غرفة خاصة، وقال روكامبول ~~لجوزيف: أأنت واثق أن جون هابر سيحضر إلى هنا؟ ~~- دون شك؛ فإني متفق معه على أن أريه البحارة الذين جمعتهم، وموعدنا هنا في الساعة ~~العاشرة. ~~- وهل أنت واثق أيضا أنه لا يوجد بين البحارة الذين جمعتهم من يعرفه؟ ~~- نعم، فليس بينهم من اشتغل في سفينته. ~~- إذن ابقوا أنتم هنا، وأنا أنتظر في الغرفة المجاورة؛ فإني أخاف أن يأتي فجأة ~~فيراني. # ثم تركهما ودخل، وبقي مرميس وجوزيف ينتظران. # ولما أذنت الساعة التاسعة أقبل جون هابر ودخل إلى القاعة فقال لجوزيف: لقد تأخرت ~~قليلا؛ فإني كنت في نظارة البحرية لقضاء بعض المهام، فمن هذا الذي أراه معك؟ ~~- هو أحد البحارة الذين جمعتهم، وسيحضر الآخرون فتراهم. ~~- إذن نشرب زجاجة خمر إلى أن يحضروا. # ولكنه قبل أن يطلب الزجاجة سمع صوتا يشبه صفير الهواء، وشعر بحبل التف على عنقه ~~وجذبه فسقط على الأرض. # ذلك أن روكامبول خرج من مخبئه وأطلق الحبل عليه حسب الطريقة التي تعلمها من ~~الخناقين. # وعند ذلك انقض عليه جوزيف ومرميس بأمر روكامبول فقيداه، وأشهر روكامبول خنجره وقال ~~له: تخير بين طاعتي فيما أريد، وبين أن تموت على الفور، وأسرع بالجواب ms1846 فإن الوقت ~~ثمين. # وكان جون هابر حكيما، وفوق ذلك فقد رأى من أعمال روكامبول ما يدعوه إلى الحكمة، فلم ~~يستغث ولم يقاوم. # ولما أتم مرميس تقييده نادى روكامبول كالكراف وسأله أن يحضر له أدوات الكتابة، فامتثل ~~وخرج، وجون هابر ينظر إليه نظرات الحقد والتأنيب. # أما روكامبول فإنه قال للربان: إننا سنحل قيد يدك اليمنى كي تكتب ما أمليه ~~عليك. ~~- وإذا أبيت أن أكتب؟ ~~- تموت في لحظة. # فلم يسعه إلا الامتثال، فأملى عليه روكامبول ما يأتي: # لحضرة الماجور لنتون # أرسل إليك رئيس بحارتي الذي سيتولى قيادة السفينة مع البحارة العشرة الذين ~~اختارهم، ولي فيهم ملء الثقة، وهو سيخرج بالسفينة من الحوض وينتظرني على مسافة ~~مرحلة من لندرا، وعند منتصف الليل أحضر وأكون متأهبا لتنفيذ أوامرك، أما تأخري ~~في البر فلقضاء بعض المهام. # جون هابر # فلما كتب هذه الرسالة طواها روكامبول ووضعها في جيبه، ثم نادى كالكراف أيضا وقال له: ~~إنك مسئول عن هذا الرجل مدة عشرة أيام تسجنه في خلالها في قبو الشراب الذي اتفقنا ~~عليه. # ثم أضاف إلى ذلك بلهجة المتهكم قائلا: وبعد عشرة أيام تطلق سراحه فيذهب للبحث عن ~~سفينته. # 58 # وحمله كالكراف وذهب به إلى القبو، وأقبل البحارة بعد حين فعرضهم جوزيف على روكامبول ~~وهو متنكر بزي جون هابر وقال لهم: هو ذا الربان الأكبر. # ثم خلا روكامبول بمرميس فقال له: إني لا أحب أن أذهب في النهار إلى السفينة كي لا ~~يعرفني تريبورينو، وسأوافيكم إليها في الليل؛ فإنه يسكر وينام حسب عادته، فاجتهد حين ~~تذهب إلى السفينة أن ترى روميا وتقول لها أن تضع جميع هذا المخدر في كأس شرابه. # فقال مرميس: أهذا كل ما تأمرني بقضائه؟ ~~- نعم، فاذهب الآن مع البحارة إلى السفينة، وخذ المخدر لروميا. # ثم نادى جوزيف وأعطاه خطاب جون هابر إلى تريبورينو، وأمره أن يذهب بالجميع إلى ~~السفينة. # وبعد أن ذهب البحارة دخل روكامبول إلى غرفته، فخلع تنكره وارتدى ملابس النبلاء، ثم ~~خرج من الخمارة وجعل يتجول في شوارع لندرا حتى انتهى إلى ms1847 مكتب التلغراف، فدخل إليه ~~وأرسل التلغراف الآتي: # فلكستون فندق بلجيكا # إلى مدام فاندا كرايلف # تم العمل. سافري مع الغلام وميلون بقطار الليل. # أفاتار # ولم يعد توا إلى فندق بريستول الذي كان مقيما فيه، بل إنه ذهب إلى بيكاديللي ~~فتغدى، ثم إلى نادي «بال مال» فأقام فيه يطالع الجرائد إلى وقت العشاء. # وعند الساعة الثامنة، ذهب إلى فندق بريستول كي يأخذ أوراقه، فلما وصل إليه رأى ~~الأرلندية تنتظر جازعة. # فقال لها: ماذا أصابك؟ وماذا تريدين؟ ~~- إني طفت جميع لندرا باحثة عنك، وأنا أنتظرك هنا منذ الظهر؛ فإن الحمامة قد ~~عادت. # فارتعش روكامبول وقال: أهي حاملة رسالة؟ ~~- نعم، وهذه هي. # فأخذ روكامبول الرسالة بيد تضطرب، وأشار إلى الأرلندية أن تتبعه إلى غرفته، وهناك فتح ~~الرسالة وقرأ فيها ما يأتي: # إن جون هابر يعلم أنك في لندرا، وقد شكاك إلى نظارة البحرية؛ فاحذر أن تعود ~~إلى فندق بريستول. # فاصفر وجه روكامبول وقال: يجب أن نبرح هذا الفندق في الحال، فماذا فعلت ~~بالحمامة؟ ~~- أبقيتها عندي. ~~- حسنا فعلت. # وبينما هو يجمع أوراقه بسرعة إذ قرع باب غرفته وسمع صوتا من الخارج يقول: افتحوا ~~باسم الشرع. # فاضطرب روكامبول وعلم أن البوليس قد ظفر به، ولكنه رأى أنه لا بد من فتح الباب، فقال ~~للأرلندية: إني سأعطيك رسالة؛ فضعيها في عنق الحمامة وأطلقيها عند الفجر. # ثم ذهب ففتح الباب، ودخل رجلان من البوليس فقال له أحدهما: أأنت الماجور ~~أفاتار؟ ~~- نعم. ~~- لقد صدر إلينا الأمر يا سيدي بالقبض عليك، وهذه صورة الأمر. ~~- ولكن بأي ذنب أنا متهم؟ ~~- يتهمونك أنك حاولت في خليج بنغال نسف سفينة وست إنديا. # فقال روكامبول بسكينة: لا شك أنهم مخطئون، ولكني لا أحاول إقناعكم أنتم؛ إذ ليس ذلك ~~من شأنكم؛ ولذلك سأتبعكم إلى حيث تريدون، إنما أسألكم أن تأذنوا لي بكتابة كلمة إلى ~~صديق لي؛ ليوافيني دون شك إلى محل التوقيف فيخرجني منه. # فأذن له البوليس بالكتابة، فأخذ ورقة وكتب عليها بضعة أسطر بالقلم الرصاص، ثم دفعها ~~إلى الأرلندية وقال لها: أرسليها عند الفجر ms1848 مع الحمامة. # وعاد إلى البوليس وقال: هلموا بنا. # 59 # كانت السكينة سائدة في السفينة وست إنديا، وقد وصل إليها جوزيف ومرميس والبحارة عند ~~الظهر، فدفع جوزيف إلى تريبورينو الرسالة التي أملاها روكامبول على جون هابر، فقرأها ~~دون أن يشكك فيها وقال في نفسه: إن الربان لم يبق في البر إلا للقضاء على روكامبول ~~القضاء المبرم. # وقد اغتنمت روميا فرصة وجوده على سطح السفينة فكتبت إلى روكامبول تلك الرسالة التي ~~أعطته إياها الأرلندية بعد فوات الأوان، وأقامت تنتظر عودة الحمامة عدة ساعات فلم ~~تعد. # ثم نزل تريبورينو إلى غرفتها وقال لها: اصعدي إلى سطح السفينة وسرحي الطرف بجمال ~~الميناء؛ فإن الطقس جميل. # فامتثلت روميا وصعدت، وكان أول رجل رأته مرميس؛ فتنهدت تنهد الارتياح وعلمت أن الرئيس ~~قد أدرك المرام. # أما مرميس فإنه اغتنم فرصة انشغال تريبورينو بمحادثة رئيس البحارة، فدنا منها وقال ~~لها: إن الرئيس يحضر عند نصف الليل، فبكري بالعشاء مع تريبورينو، وضعي في كأسه هذا ~~المنوم. # فأخذت روميا المخدر وعادت إلى غرفتها تتفقد الحمامة، لكن الحمامة لم تعد، غير أن كلام ~~مرميس طمأنها على روكامبول. # وعند الساعة السادسة دخل تريبورينو وقال لها: إننا سنبرح الحوض هذه الليلة، وعند ~~الصباح نسافر. # وقالت بلهجة تدل على عدم الاكتراث: ليكن ما تريد. # وبعد حين رفعت المراسي ونشرت القلوع، فخرجت السفينة تمشي الهوينا من الحوض. # وكانت روميا قد تمكنت خلال النهار من محادثة مرميس وقالت له: إن خوفي شديد؛ فإن جون ~~هابر في البر وسيشكوه إلى نظارة البحرية. # فابتسم مرميس وقال: إن هذا الربان بات سجينا عندنا فلا نخشاه. ~~- ولكن الحمامة لم تعد إلى الآن؟ ~~- إن الرئيس أبقاها عنده دون شك كي لا يحمل تريبورينو على الريب، وسيعود بها ~~إلينا. # وعند الساعة العاشرة، خلا تريبورينو مع البستانية في غرفتها، وبدأ بالسكر والعشاء حسب ~~العادة وقال لها: إن جون هابر قد لا يعود قبل نصف الليل، وإذا عاد في هذا الحين أكون ~~طائرا في عالم الأحلام بفضل هذه الخمر المعتقة. ~~- أما أنا فأكون صاحية، ms1849 وإذا أردت أن تأمره بشيء أنوب عنك في تبليغه أمرك. ~~- نعم، فإن السفينة سترسو بعد ساعة قرب منزلي الذي كنا فيه، فمتى وافانا إليها مريه ~~باسمي أن لا يرفع المراسي قبل أن أستفيق. # وجلس حول المائدة، وجعل يأكل ويشرب وهي تنادمه وتناغيه حتى أوشك سكر الخمر واللحظ أن ~~يذهب بصوابه، فدست له في كأسه ذلك الرشاش المخدر، فشربه وكان آخر كأس؛ إذ صعق فجأة حين ~~استقر في جوفه، وأطبق عينيه وسقط بين قواعد المائدة. # وقامت روميا عند ذلك فهزته هزا عنيفا فلم يستفق، وأيقنت أن المخدر قد صرعه. # ثم نادت مرميس وقالت له: هو ذا قد بات صريعا، وهو لا يستفيق قبل يومين كما علمت من ~~المخدر، فكم الساعة الآن؟ ~~- إننا في منتصف الليل. وقد رست السفينة في المكان المعين. ~~- إذن إن غياب الرئيس لا يطول. # ثم صعدت وإياه إلى سطح السفينة، ولم يطل وقوفهما حتى رأيا قاربا يدنو فقالت: لا شك ~~أنه قارب الرئيس. # غير أن القارب مر بالسفينة دون أن يقف. # وثارت هواجس روميا ومرميس، وتمكن الخوف منهما على الرئيس، لا سيما وأن مرميس قد ذكر ~~ما قاله جون هابر حين وصوله إلى خمارة كالكراف؛ فقد قال: إنه كان عائدا من نظارة ~~البحرية. # ومرت الساعات، وكانت القوارب تمر بالسفينة دون أن تقف؛ فأيقن مرميس أن روكامبول قد ~~أصيب بنكبة، وعول على الرجوع إلى البر، وأمر جوزيف أن يعد له قاربا. # وكان الفجر قد انبثق، فبينما البحارة ينزلون إلى البحر رأت روميا الحمامة تحوم حول ~~السفينة. # وقالت: هو ذا الحمامة قد عادت. # وأسرعت إلى غرفتها فأخذت الحمامة، ورأت في عنقها رسالة فانتزعتها منه، وقرأت مع مرميس ~~ما يأتي: # أنا الآن سجين، ولكني سأخرج من سجني غدا أو بعد غد؛ فلا تقلقوا علي، واكتبوا ~~في الحال رسالة إلى مس ألن في لندرا أني سجين. # ثم سافروا عند الصباح إلى الهافر، وأبقوا تريبورينو في العنبر، وكلما ~~استفاق اسقوه المخدر، أما أنا فإني سأوافيكم إلى الهافر أو أكتب إليكم؛ ~~فانتظروني أو انتظروا ms1850 كتابا مني فيها. # روكامبول # فوقفت روميا موقف الحائر وقالت: ماذا يجب أن نصنع؟ # وقال لها مرميس: يجب أن نصدع بأمر الرئيس؛ فهو سيوافينا دون شك، أو نتلقى أوامره من ~~الهافر متى بلغنا إليها. ~~- إذن ليكن ما تريد. # وكتب مرميس رسالة إلى مس ألن - وهي تلك الفتاة النبيلة التي أنقذها روكامبول من مخالب ~~السير جورج ستوي، فكانت له خير حليف مع أبيها اللورد - وبعثها إليها مع بحار. # فلما وثق من وصولها أمر بأن تقلع السفينة، فسارت تشق عباب البحر إلى الهافر وفي ~~عنبرها الكنوز وسارقها. # وصلت السفينة إلى الهافر بعد بضعة أيام، فأسرع مرميس بالنزول إلى البر باحثا عن ~~روكامبول، فكان أول من رآه ميلون، فدهش لمرآه وقال له: كيف أتيت؟ وأين الرئيس؟ ~~- إن الرئيس لا يزال في لندرا، وأنا هنا مع فاندا وسائر رجال العصابة، وقد صدر إلينا ~~أمره أن نوافيك إلى الهافر نعطيك هذا الكتاب. ~~- وأين هي فاندا الآن؟ ~~- إنها في فندق قريب مع بقية العصابة، ونحن هنا منذ ثلاثة أيام ننتظر وصول السفينة، ~~فكنت أحضر كل يوم إلى الميناء وألبث فيها إلى المساء. # ثم أعطاه كتاب روكامبول وهو معنون باسم مرميس وروميا، فأخذه وعاد به إلى السفينة، ~~ففضه وقرأ فيه مع روميا ما يأتي: # أكتب إليكم من لندرا؛ فقد تحتم علي البقاء فيها إلى أجل غير محدود لقضاء ~~مهمة خطيرة. أرجو أن أغسل بقضائها ذنوبي السابقة وأنال عفو الله. # وأنا بخير وعافية، وقد خرجت من السجن بمساعي المس ألن وأبيها اللورد، وقد يمر ~~عهد طويل دون أن تقفوا على شيء من أخباري؛ فاحذروا من البحث أو القدوم إلى ~~لندرا إذا لم ترد إليكم أوامري مهما تلبست أحوالي بالخفاء، ومهما انقطعت عنكم ~~أخباري. # والآن، فإني أوصيك يا مرميس أن تدعو إليك جميع رجال العصابة فتنقلوا الأموال ~~تباعا إلى البر، حتى إذا باتت كلها لديكم ضع النقود في مصرف باريس باسمي، ~~وأبق اللآلئ والأحجار الكريمة أمانة في ذلك المصرف. # وبعد فراغك من نقل الأموال ووضعها حيث أمرتك؛ تعود إلى السفينة ms1851 فتطلق ~~سراح البحارة، وبعد أن تكافئهم خير مكافأة، وتسقي تريبورينو جرعة من المخدر، ثم ~~تتركه وحده بالسفينة وتعود برفاقك إلى باريس؛ فإن جون هابر سيوافيه إلى الهافر ~~للبحث عن سفينته، فيفعلان ما يشاءان. ومتى فرغت من جميع ذلك فابعث إلي برسالة ~~برقية بعنواني الذي تعرفه؛ كي أطلق سراح الربان، وأهديه إلى مرسى ~~السفينة. # ثم أريد متى عدت إلى باريس أن تشغل جميع رجال العصابة كلا بمهنته، وتعطيهم ~~لهذه الأعمال من أموال جيبسي؛ فإنها لا يجب أن تنفق إلا في سبيل الخير، فاجعل ~~ميلون مقاولا؛ لأن مهنته بناء، وتجعل جواني تاجر لحوم؛ لأن مهنته جزار، وهلم ~~جرا، ثم تجتمعون كل أسبوع للمداولة برئاسة فاندا فيما يجب صنعه من أعمال ~~الخير والبر. # أما روميا فيجب أن تسافر في الحال إلى الهند حيث ينتظرها نادر في ~~كلكوتا. # ويجب على مرميس أن يزور كل يوم ابن المركيز مورفر في مدرسته، ويتفقد أباه في ~~المستشفى، كما يجب على فاندا أن تعتني بابن الرجاه، وفي كل شهر ترسلون إلي ~~تقريرا وافيا عن جميع أعمالكم بالعنوان الذي أبعثه إليكم كل شهر. # وفي الختام أعيد عليكم ما بدأت به؛ فاحذروا أن تبحثوا عني مهما انقطعت ~~أخباري. # وهذا كل ما أطلبه إليكم؛ فاعملوا بما علمتكم، واعلموا أن روحي ساهرة عليكم ~~أين كنتم. # روكامبول # فأسف مرميس لبعد روكامبول أسفا شديدا، ولكنه لم يسعه إلا الامتثال، ففعل جميع ~~ما أمره به، وبعد أسبوع سافرت روميا إلى الهند كما أمرها نادر، وأودعت الأموال في مصرف ~~باريس كما أمر روكامبول. # وبات سارق الكنوز وحيدا فريدا في تلك السفينة، فلما استفاق من نومه وزال تأثير ~~التخدير وتفقد كنزه وعلم مصيره جن من يأسه، فأطلق غدارة على صدغه أسالت دماءه، وجاء ~~جون هابر إلى السفينة فوجد ذلك اللص الخائن جثة باردة، فألقاه في البحر غير آسف عليه، ~~وعاد بسفينته إلى بلاده راضيا من الغنيمة بالإياب. # ابن أرلندا‏ # ابن أرلندا‏ # | ابن أرلندا # | ابن أرلندا # | روكامبول (الجزء الثاني عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده‏ # | ابن ms1852 أرلندا # 1 # هناك على ضفاف نهر التاميز، في ليلة ادلهم ظلامها وتلبد الضباب في سمائها، كان نحو ~~خمسين سفينة بخارية تسير ذهابا وإيابا في ذلك النهر العظيم، فتنقل الركاب من ضفة إلى ~~ضفة. # وإن بينهما سفينة ازدحم فيها الناس، بين نساء ورجال وأولاد على اختلاف طبقاتهم، فكان ~~معظمهم شاخصين بأبصارهم إلى امرأة بين ركاب السفينة، لا تتجاوز الخامسة والعشرين من ~~عمرها، ومعها غلام يبلغ عمره عشرة أعوام. # وقد اختلفت نظرات الناس إليهما، بين المعجب والمنذهل والمشفق؛ لأن ملابسهما كانت رثة ~~تدل على الفقر، في حين أن مخائلهما كانت تدل على النبل والشهامة. # وكانت المرأة لابسة قبعة من القش وعلى كتفها شال قديم من نسيج القطن، وفي رجليها ~~نعلان يدل تكدس الغبار عليهما أنها اجتازت مسافة شاسعة مشيا على الأقدام. # أما الغلام فقد كان عاري الساقين إلى الركبتين، حاسر الرأس لا يستره غير شعر أشقر ~~كثيف. وقد وشحته أمه وقاية له من البرد بوشاح يظهر أن أصل لونه كان أحمر وأزرق. ولكنه ~~استحال لتقادم العهد به فصار أصفر سنجابيا. # أما الذي دعا ركاب السفينة إلى إطالة النظر إلى الغلام وأمه، فهو أن هذه الأم على فقر ~~ملابسها، كانت فتنة للناظرين بما وهبها الله من الجمال، وكان أصدق وصف للغلام أنه كان ~~ملاكا لم ترسم مثل وجهه الصبوح أيدي أبرع المصورين. # وكانت المرأة بيضاء الوجه، قرمزية الشفتين، زرقاء العينين، سوداء الشعر. أما الغلام ~~فكان أشقر الشعر، وله علامة غريبة يتميز بها، وهي خصلة حمراء دقيقة كانت تتسرب من شعره ~~الأشقر إلى جبهته. # وكان الغلام وأمه ينظران بقلق إلى تلك العيون المحدقة بهما، ولا يفهمان لها معنى، ثم ~~يحولان أنظارهما عن الناس إلى ضفتي النهر؛ فيريان على أنوار المصابيح ما كانا يمران به ~~من المنازل والحدائق والمحطات والجسور، فيظهر من اندهاشهما أنهما غريبان. # ولم يكن بين المسافرين من يعلم من أين قدما، لأنهما ركبا السفينة من محطة كرنويش وقد ~~وصلا إليها ماشيين. فتنهدت الأم وأخذت كيسها وفيها نحو ثلاثة شلنات وبضع قطع من ms1853 النقود ~~النحاسية، فأخرجت منه بنسين ثمن التذكرتين، وأقامت في المحطة تنتظر قدوم السفينة وهي ~~حاضنة ابنها. # ولم تكلم أحدا مدة الانتظار حتى إذا وصلت السفينة إلى محطة أحواض الهند، سألت رجلا ~~بقربها: هل نحن في لندرا؟ # وكان هذا الرجل بائع سمك، وهو أيكوسي فقال لها: نعم ولا؛ لأن لندرا لا نهاية لها كما ~~يقول الإنكليز فإلى أين أنت ذاهبة؟ # فترددت المرأة هنيهة ثم قالت له: إني ذاهبة إلى شارع يوجد فيه كنيسة تدعى سانت جيل، ~~واسم هذا الشارع لورنس ستريت. ~~- إني أعرف هذا الشارع وهذه الكنيسة، فهي كنيسة كاثوليكية. ~~- نعم. ~~- ألعلك أرلندية؟ ~~- نعم يا سيدي. # وكان هذا الرجل كريم الأخلاق، ولكنه كان كثير الكلام؛ فراق له الحديث مع هذه المرأة ~~لما رآه من جمالها، وجعل يصف لها الطريق المؤدي إلى الكنيسة وصفا مفصلا دقيقا حتى ~~إذا انتهى من تفصيله قال لها: ألعلك ذاهبة يا سيدتي إلى أهل لك في تلك الناحية؟ ~~- كلا، إني لا أعرف أحدا من لندرا، ولكن قيل لي إنه يوجد في شارع لورنس رجل أرلندي ~~يدعى بتريك سأقيم عنده أنا وابني . ~~- إن اسم بتريك كثير الشيوع بين الأرلنديين، وإذا كنت لا تعلمين عن هذا الأرلندي غير ~~اسمه الأول، فإنه ستبيتين هذه الليلة دون مأوى. # فرفعت الأرلندية عينيها إلى السماء وقالت: إن الله رءوف كريم، ولا يتخلى عنا. # واستأنف الرجل الحديث فقال لها: إنك قادمة إلى لندرا لتشتغلي فيها دون شك. ~~- لا أعلم. # فاستغرب الرجل جوابها لا سيما حين رأى ملابسها الرثة، وقال لها: إن جميع الناس في ~~لندرا يشتغلون ما خلا اللوردية. ~~- إني أتيت بمهمة أليس غدا يوم 27 أكتوبر؟ ~~- نعم. ~~- إذن قد وجب علي أن أكون صباح غد في كنيسة سانت جيل، وأن أقدم ولدي لكاهن تلك ~~الكنيسة. # فقال لها الأيكوسي ببساطة: ولماذا تريدين تقديمه للكاهن، في يوم معين؟ ~~- لأن أباه أوصاني بذلك قبل وفاته. # وكانت الأرلندية تحادث الأيكوسي، وهي غير مكترثة للناس الذين كانوا ينظرون إليها، ~~وبينهم رجل من النبلاء وامرأة كانا ينظران إلى ولدها ms1854 نظرات خاصة. # وعاد الأيكوسي إلى الحديث، وقد أعجبه أدب المرأة وأشفق عليها؛ لسلامة قلبها فقال لها: ~~إن امرأتي يا سيدتي كريمة الأخلاق، فإذا أردت أن تبيتي الليلة عندنا مع ولدك استقبلتكما ~~بملء الارتياح، وعند الصباح تذهبان إلى الكنيسة. # وكانت لهجة الأيكوسي تدل على المروءة الصادقة، والإخلاص الصحيح، غير أن المرأة رفضت ~~دعوته شاكرة وقالت له: يجب علي أن أذهب إلى حيث أمرت أن أذهب. # وكانت السفينة قد وصلت إلى المحطة التي يسير فيها الأيكوسي إلى منزله، فقال لها: إذن ~~أستودعك الله وأسأله أن يقيك شر المعتدين. # ثم انصرف وعادت السفينة إلى سيرها. # وكان الرجل النبيل والمرأة لا يزالان في السفينة. أما الرجل فكان ينظر إلى عيني ~~الغلام ويقول في نفسه: ما أشبه هذه النظرات المتقدة بنظرات أدمون. # وأما المرأة فإنها انسلت كالأفعى، وجلست بجانب الأرلندية وابنها. # 2 # كانت هذه المرأة التي انسلت إلى الأرلندية، أشرفت على سن الكهولة، وهي زرقاء العينين، ~~مصفرة الأسنان، رقيقة الشفتين، تدل ملامحها على الخبث والدهاء. # فدنت من الأرلندية فبدأت حديثها معها بالثناء على ولدها، والإعجاب بجماله، ثم استطردت ~~من ذلك إلى تعريفها بنفسها. فأخبرتها أنها كاثوليكية تدعى مسز فانوش وأن مهنتها تربية ~~الأطفال، وأنها تقيم في منزل قرب أكسفورد على مسافة خطوتين من سانت جيل. # فقالت لها الأرلندية: تقولين إنك كاثوليكية، ألعلك أرلندية؟ # فاشمأزت المرأة في البدء ولكنها فطنت إلى أن كل غريب يأنس بقومه في غربته فقالت لها: ~~إني لم أولد في أرلندا، ولكني أرلندية الأصل فقد كان جدي أرلنديا، فلما هاجرنا إلى ~~لندرا بقينا على مذهب الكثلكة. وقد لقيت عناء شديدا من زوجي - رحمه الله - فإنه كان ~~بروتستانتيا، وكان يحاول إكراهي على تغيير مذهبي في كل حين. # ثم غيرت الحديث وقالت لها: أأنت ذاهبة إلى سانت جيل؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- ألعلك تعرفين أحدا من الأرلنديين في تلك الجهة؟ ~~- كلا يا سيدتي، ولكني مرسلة إلى شخص يدعى بتريك. ~~- في شارع لورنس أليس كذلك؟ ~~- هو ما تقولين. # وكان بجانب مسز فانوش امرأة لا تقل عنها ms1855 خبثا كما تدل ظواهرها فتبودلت بينهما نظرة ~~سرية لم ترها الأرلندية، فكتبت المرأة بسرعة اسم بتريك، وسانت جيل، ولورنس ~~ستريت. # وعادت مسز فانوش إلى محادثة الأرلندية فقالت لها: ماذا عزمت أن تصنعي بغلامك الجميل، ~~ألا تدخليه في مدرسة جامعة؟ # فابتسمت الأرلندية ابتسام حزن وقالت: لا أعلم لأني فقيرة، وربما طال زمن فقري. ~~- إني أرى مخائل النجابة تلوح بين عيني ولدك، وإذا شئت أدخلته إلى مدرستي مجانا لوجه ~~الله، وأنا مربية أطفال كما قلت لك. # وكان الغلام يسرح نظره، خلال حديث تلك المرأة مع أمه، بالقصور التي كانت تمر بها ~~السفينة. # فلما مل هذه المناظر، عاد إلى أمه وشاهد مسز فانوش؛ فشعر بعاطفة كره لها وقال لأمه: ~~من هي هذه المرأة يا أماه؟ # فابتدرته مسز فانوش بقطعة من الحلوى، أخرجتها من كيس مخملي كانت تحمله بيدها، وقالت ~~له: إني يا بني أرلندية مثلك، فاقبل مني هذه الحلوى. # وكان الغلام جائعا غير أنه رفض الحلوى على جوعه؛ لنفوره من هذه المرأة وتشاغل عنها ~~بالنظر إلى مياه النهر. # وعادت فانوش إلى محادثة الأرلندية فقالت لها: إنك لا تعرفين شيئا من لندرا أيتها ~~العزيزة، فإني أعرف هذا الرجل الذي تدعينه بتريك. فهو إسكافي فقير، ستلقين عناء شديدا ~~في المبيت عنده، وربما لا تجدين في منزله قطعة من الخبز. ~~- لا بأس فسأشتري طعاما إذ لا يزال معي بقية نقود. ~~- لقد قلت لك إني أقيم على قيد خطوتين من كنيسة سانت جيل، فإذا بت عندي هذه الليلة ~~تبيتين على أحسن حال، ثم تذهبين في الصباح إلى الكنيسة. فأبيت قريرة العين بضيافة ~~أرلندية مثلي. # ونظرت الأرلندية إلى ولدها كأنها تستطلع إلهام قلبه بالنظر، فانضم الغلام إلى أمه ~~والتصق بها كما تتلاصق الطيور حين تشعر بدنو العاصفة، ثم قال لها بلهجة الخائف: لا ~~تذهبي يا أماه إلى منزل هذه المرأة. # فقالت له فانوش: ليكن ما تريد يا بني. # ثم تبادلت نظرة سرية مع رفيقتها. أما الغلام فإنه أخذ يد أمه وقبلها بلهف كأنه شعر ~~بأنه أنقذها من خطر ms1856 عظيم. # ولقد تقدم لنا القول في الفصل الأول أنه كان يوجد بين ركاب السفينة رجل من النبلاء ~~ينظر نظرات خاصة إلى الغلام وأمه. # وكان مستمرا على مراقبة الغلام، فلما رأى ما كان منه ومن فانوش، وعلم أن السفينة ~~باتت قريبة من المحطة، نظر إلى ما حواليه فرأى بقربه رجلا يناهز الخامسة والأربعين من ~~عمره، تدل هيئته على أن جميع شقاء لندرا قد تجمع فيه. # وكان لابسا بنطلونا برزت منه ركبتاه، وقبعة لا إطار لها، وسترة تجمعت فيها ألوان ~~الأرض والسماء لتقادم عهدها. ولكنه كان واقفا في السفينة وقفة الشامخ المتعاظم، ولعله ~~كان يفتخر بأنه لا يدانيه في الفقر أحد. # فدنا منه الرجل النبيل وقال له: إني أدعى اللورد بالمير، وأقيم في شستر ستريت فإذا ~~وافقتني فيما أريد أعطيتك عشرة جنيهات. # فاضطرب الفقير إذ لم يملك في زمانه هذه القيمة وقال له: ألعلك تهزأ بي يا ~~سيدي؟ ~~- كلا، قل لي ماذا تدعى؟ ~~- شوكنج. ~~- ومهنتك؟ ~~- لا مهنة لي. ~~- ومن أين ترتزق؟ ~~- من أبواب الصدفة. ~~- هو ذا الصدفة قد فتحت لك أبوابها اليوم فادخلها. ~~- بل أنت فتحت لي أبواب السعادة. فقل ماذا تريد أن أعمل؟ ~~- أترى هذه المرأة الجالسة على المقعد مع ولدها؟ ~~- نعم. ~~- أريد أن تتبعها متى نزلت من المركب حتى تدخل منزلا لتبيت فيه؛ فتعود إلي وتخبرني ~~عن موضع المنزل؛ فتكسب المال. ~~- هذا أمر سهل ميسور، فإذا قضيته أين أجدك؟ ~~- تجدني في منزلي الذي أرشدتك إليه، فاحذر أن يغيب عنك أثرها. # وكانت مسز فانوش في ذلك الحين قد دنت من رفيقتها، وقالت لها: إنك تعلمين أن مسز إميلي ~~سوف تطالب بولدها، ثم إنك تعلمين أيضا أن ولدها قد مات. وهل كان يخطر لنا في بال أن ~~الأمور تنقلب إلى هذا الحال إذ لا بد لنا من هذا الغلام. ~~- ولكن الأم ماذا نفعل بها؟ ~~- إن ويلتون يتخلص منها. # وعند ذلك وصلت السفينة إلى المحطة، فخرج الناس منها وازدحمت بهم المحطة، وبينهم ~~الأرلندية وابنها وهي لا تعلم كيف تسير. # 3 # وخرجا من المحطة ms1857 فسارا على الرصيف وراء الجموع المزدحمة، وكانت الأرلندية آخذة ولدها ~~بيدها وهي خائفة وجلة من هذا الازدحام، لا تعلم كيف تسير فإن بائع السمك كان قد أرشدها ~~إلى الشارع الذي تريد الذهاب إليه غير أنها نسيت كل ما قاله؛ لأنها لم تأت قبل هذه ~~المرة إلى لندرا، وكانت تضيع رشدها بين هذه الجموع. # ثم خف الزحام بعد سير طويل فسألت أحد المارة عن شارع لورنس ستريت، فأجابها أنه لا ~~يعرفه فشكرته، واستمرت في سيرها، فسألت آخر فأجابها كما أجابها الأول، فواصلت السير وقد ~~ضلت الطريق وسارت في جهة الغرب، وطريقها من جهة الشرق. # وقد أجهدها السير ولم يعد يستطيع ابنها المشي، فشاهدت خمارة فدخلت إليها؛ بغية ~~الاستراحة والاسترشاد. # وفيما هي جالسة مع ولدها على مقعد، شاهدت رجلا دخل الخمارة وطلب كأسا من الخمر فسرت ~~الأرلندية لمرآه إذ ذكرت أنه كان معها في سفينة واحدة، فاستأنست به وأملت أن يرشدها إلى ~~الطريق. # وكان هذا شوكنج نفسه الذي أرسله اللورد بالمير مقتفيا أثر الأرلندية، فوقف قربها ~~وكأسه بيده ثم نظر إليها فلقيها تتطلع إليه فقال لها: أظن يا سيدتي أنك ضللت السبيل في ~~هذه العاصمة العظيمة. ~~- نعم، فإني أسأل منذ ساعة عن شارع لورنس ستريت، ولا أجد من يرشدني إليه. ~~- ذلك لأنك لم تسيري إلا في الشوارع التي يسكنها الأغنياء، وهم لا يعرفون هذا الشارع ~~الذي يسكنه أشد الناس فقرا، غير أني فقير مثلك، وقد وجب التعاون على الفقراء. وإذا شئت ~~كنت دليلك إلى هذا الشارع. ~~- إني أقبل شاكرة ممتنة، وأسأل الله أن يجزيك عني خيرا. # فشرب شوكنج كأسه ومشى أمامها فتبعته مع ولدها، وقد اطمأنت إليه لما رأته من دلائل ~~السلامة بين عينيه، وكذلك الغلام فإنه نظر إليه في البدء نظرة تشف عن الريبة، ولكنه لم ~~يلبث أن وثق به، وأعطاه يده وسار وإياه. # وذلك إن مخائل هذا الرجل كانت تدل على المروءة، وطيب العنصر، فلم تحجب ظواهر فقره تلك ~~الشمائل، وإنما رضي أن يقتفي أثر الأرلندية بأمر اللورد لشدة فقره. ms1858 # ولم يخطر له أن اللورد قد أعجبه جمال المرأة، فقال في نفسه: ليس ذلك من شأني وكان يجب ~~علي أن أعرض عن هذه النقيصة، ولكن فقري شديد وإذا كان هناك إثم، فإن الله يعاقب به ~~ذلك الغني الذي يستغوي الفقراء بأمواله، ويتخذ ذهبه الوضاح ذريعة لإغواء القلوب ~~الطاهرة. # وما زال يسير بهما حتى وصل إلى هذا الشارع، وهو أفقر شوارع لندرا، ولا يقيم فيه غير ~~الأرلنديين، وكلهم فقراء معدمون. # وقد وجدوا امرأة واقفة عند باب منزل فقالت لها الأرلندية: أتعرفين يا سيدتي ~~بتريك؟ ~~- أي بتريك تعني، إن هذا الاسم كثير الشيوع بيننا. ~~- بتريك الإسكافي. ~~- نعم إن منزله في أول هذه العطفة غير أنك لا تجدينه في منزله، فإذا أردت أن تكلمي ~~امرأته فهي في المنزل. # فشكرتها الأرلندية، وذهبت مع شوكنج وولدها إلى ذلك المنزل، وهو منزل حقير لا باب له ~~ويصعد إليه بسلم متهدم. # فأجفلت الأرلندية من مظاهر هذا الفقر المدقع، خلافا لشوكنج، فقد كان ذلك مألوفا ~~عنده، ووقف في أسفل السلم، وجعل ينادي امرأة بتريك. # وبعد تكرير النداء مرات ظهرت من النافذة امرأة نحيلة رثة الملابس ، وعلى صدرها رضيع ~~صغير. فنظرت إلى من يناديها نظرا تائها يدل على اليأس وقالت: ماذا تريدون مني ومن ~~يسأل عن بتريك؟ إن البوليس قبض عليه هذه الليلة، وزجه في السجن دون إشفاق، فهو لا يعود ~~قبل أن يقتلنا الجوع. # فالتفت شوكنج إلى الأرلندية وقال لها: لقد سمعت شكوى هذه المنكودة البائسة، ولا رجاء ~~لك في المبيت عندها. # فنظرت الأرلندية إلى ابنها نظرة ملؤها الإشفاق وقالت: رباه! أين نبيت؟ # فقال لها شوكنج ببساطة: لا أعلم إذا كان لديك نقود. ~~- لم يبق معي غير ثلاثة شلنات وستة بنسات. ~~- إذن، لقد هان الأمر إذ يوجد في هذا الشارع فندق تبيتين فيه، وتتعشين فيه مع ولدك، ~~ولا تدفعين غير شلن واحد، وفي الصباح يفعل الله ما يشاء. ~~- هلم بنا إليه فقد أضنى ولدي التعب والجوع. # فحمل شوكنج الغلام وسار به أمام أمه في طريق الفندق، فما سارت ms1859 في أثره بضع خطوات، حتى ~~شعرت بيد لمست كتفها، فالتفتت فرأت مسز فانوش. # فقالت لها فانوش: ألم أقل لك أيتها الحبيبة إنك لا تجدين مأوى في هذا الحي، وإني أحمد ~~الله إذ لقيتك ثانية وتيسر لي تفريج كربك وخدمة ابنة وطني العزيز فهلمي معي إلى منزلي ~~ولا تخيبي رجائي. # ونظرت الأم إلى ولدها كأنها تريد استشارته غير أن الغلام كان قد أضناه التعب، ونام ~~بين يدي شوكنج. # فعادت فانوش إلى الإلحاح بلهجة تشف عن كرم عاطفة، وسلامة قصد، فاغترت الأرلندية ~~بلطفها وأجابت دعوتها. # 4 # وكأنما اتساع لندرا قد راعها حتى باتت تقبل بالمبيت عند أول إنسان يدعوها، وقد نسيت ~~ما شعرت به من الكره لأول مرة رأت فيها فانوش في السفينة، ولم تذكر غير شيء واحد وهو أن ~~ولدها تعب جائع. # فأسرعت فانوش إليها فتأبطت ذراعها، وأشارت إلى شوكنج أن يتبعها بالغلام فامتثل ومشى ~~في أثرهما. # وكان منزل هذه المرأة قريبا، وهو أجمل منازل هذا الشارع، فلما وصلوا إليه فتحت فانوش ~~بابه بمفتاح كان معها، ودخلوا جميعا فصعدوا سلما انتهو منه إلى ردهة متسعة، ودخلوا ~~إلى غرفة مضاءة . # وكان في هذه الغرفة امرأة عجوز، وفتاتان صغيرتان، فقالت فانوش للعجوز: إني أتيت ~~بامرأة فقيرة مع ولدها ليكونا في ضيافتي فأرجو يا عمتاه أن تعتني بهما خير ~~اعتناء. # ونظرت العجوز إليها بسرور وارتياح، ورحبت بهما خير ترحيب وهي تقول: إن الضيف الفقير ~~من عند الله. # ودنا شوكنج من الأرلندية فقال لها: إنك ستبيتين عند خير قوم - كما تبين لي - فاحمدي ~~الله. # أما الأرلندية فإنها لما رأت أنها آمنة مطمئنة على ولدها، جعلت تبكي بكاء ~~الفرح. # وأخذت فانوش بيدها وأجلستها قرب المستوقد وهي ترتعد من البرد، وطلبت من العجوز أن تعد ~~الطعام. # ثم التفتت إلى الرجل وقالت له: إني لا أستطيع أن أبقيك في المنزل؛ إذ لا يبيت في ~~منزلي رجال فاشرب هذه الكأس من الخمر، وخذ هذا الشلن مكافأة لك، والله يجزيك عن هذه ~~المرأة وولدها خيرا. # فشرب شوكنج الخمر وأخذ الشلن ms1860 ثم انصرف وهو يقول في نفسه: لا شك أن هذا اليوم من أفضل ~~أيامي، فقد شربت فيه خمرا، وأمسيت وفي جيبي شلن، وعملت جميلا مع أم وابنها، وإذا وفى ~~اللورد بوعده، ولم يكن هازئا بي فقد تمت سعادتي. # ثم حفظ في ذهنه رقم المنزل، وانصرف عائدا إلى اللورد وهو يفكر بالعشرة جنيهات التي ~~سيقبضها، ويهجس بسعادته الجديدة. # بينما كان شوكنج ذاهبا إلى اللورد بالمير، كانت الأرلندية وولدها يتعشيان، وكانت ~~دموع الشكر تهطل من أعينهما بين لقمة ولقمة. # وكانت الفتاتان الصغيرتان تأكلان معها، فدنت الفتاة الصغرى من الغلام وقالت له: ماذا ~~تدعى؟ ~~- رالف. # فعانقته مسرورة وقالت: إذن سنلعب سويا غدا. # أما الفتاة الكبرى، فكانت تنظر إلى رالف وأمه، نظرات حزن وإشفاق. # ولما انتهوا من العشاء قالت فانوش للأرلندية: إنك تعبة دون شك فهلم إلى الغرفة التي ~~أعددتها لك. # وقامت فمشت أمامها تحمل مصباحا، فتبعتها الأرلندية ودنت الفتاة الكبرى من رالف ~~فعانقته كما فعلت الفتاة الصغيرة، غير أنها اغتنمت فرصة ذهاب فانوش وقالت له همسا: ~~احذروا من أن تقيموا هنا. # فقال لها الغلام: لماذا؟ ~~- لأنهم يضربونك كما يضربونا كل يوم . # وعند ذلك دخلت العجوز، وشاهدت الفتاة تحدث رالف فنظرت إليها نظرة منكرة اضطربت لها ~~الفتاة، فانفصلت عن الغلام، وتبع أمه إلى الغرفة التي سارت إليها. # وهناك قالت فانوش للأرلندية: ألم تقولي لي أنك تودين الذهاب غدا إلى سانت ~~جيل؟ ~~- نعم. ~~- في أية ساعة؟ ~~- يجب أن أكون في الكنيسة مع ولدي عند الساعة 8. ~~- إذن أستودعك الله وسنوقظك في الساعة 7. # ثم تركتها وانصرفت، فأقبل الغلام إلى أمه وبين عينيه دلائل الحذر، وقال لها: أنقيم ~~هنا وقتا طويلا يا أماه؟ ~~- كلا سوف نبرح هذا المنزل غدا. ~~- لماذا لا نذهب الآن؟ ~~- لأن ذلك مستحيل يا بني. # فسكت الغلام ولكنه عاد إلى الحديث حينما كانت أمه تخلع عنه ملابسه، فقال لها بصوت ~~خفيض: إني خائف يا أماه. ~~- لماذا أنت خائف وممن تخاف؟ ~~- إن الفتاة الكبرى قالت لي لا يجب أن تقيموا هنا؛ لأن هؤلاء النساء يضربونك كما ms1861 ~~يضربونا. # فقالت له أمه بصوت المؤنب: ألست أنا معك يا بني. فكيف يضربونك وأنا بقربك؟ # فسكن خوفه وقال: إذن نبيت هذه الليلة ولكن أتعديني أن نخرج غدا من هذا ~~المنزل؟ ~~- دون شك. # وقبلها الغلام وصعد إلى سريره، ولم تمر به بضع دقائق حتى نام نوما عميقا. # أما الأرلندية فإنها ركعت قرب سريرها، وجعلت تصلي وتشكر الله لإحسانه إليها. # وفيما هي تصلي شعرت فجأة بأن حرارة شديدة قد دبت إليها، ثم أحست بدوار رأسها عقبه ~~انحلال أعضائها، وانطباق أجفانها. # فحسبت أن ذلك على أثر ما لقيته من مشقة السير، ولكنها حاولت أن تفتح عينيها فلم ~~تستطع، وأرادت أن تصيح مستغيثة فاختنق صوتها، ولم تستطع أن تتفوه بحرف. # وبعد جهاد غير طويل، فقدت رشادها، وسقطت على الأرض لا تعي. # وعند ذلك فتح باب الغرفة، ودخلت منه مسز فانوش، ودخل في أثرها رجل قبيح الهيئة رث ~~الملابس. # 5 # بعد أن أدخلت فانوش الأرلندية إلى غرفتها وتركتها، عادت إلى قاعة الطعام؛ فأمرت ~~العجوز أن تدخل الفتاتين إلى مرقديهما، وأخذت من جيبها رسالة فجعلت تتطلع إليها وعيناها ~~تتقدان بأشعة الفرح فتقول: لقد خدمتني الأقدار أجل خدمة، وسوف تشاهد السيدة إميلي أن ~~لدي ولدا أعطيها إياه، بشرط أن يجد رسولي ولتون. # وعند ذلك طرق باب الغرفة التي هي فيها، ثم فتح ودخل منه رجل يشبه بظواهر فقره ورثاثة ~~ملابسه شوكنج غير أنه يختلف عنه بهيئته لأن كل ملامحه كانت تدل على الرذيلة وفساد ~~الأخلاق. # ولما رأته فانوش فرحت بقدومه وقالت: أهذا أنت يا ولتون؟ ~~- نعم يا سيدتي، لقد وافاني رسولك فأتيت بأمرك. ~~- لقد أحسنت ولكني أرجو أن لا تكون أفرطت في الشراب. # فابتسم الرجل ابتسام القانط وقال: أين أنا من السكر، إني منذ أمس لم آكل ولم ~~أشرب. ~~- إذن اجلس على هذه المائدة واشرب كأسا من البيرا، واملأ جوفك من الطعام، وأصغ ~~إلي لأننا سنتحدث بأمور خطيرة. ~~- ألعلك تودين إغراق إحدى الفتاتين؟ ~~- كلا، بل أود أن تتذكر أشياء ماضية. ~~- إني جيد الذاكرة فإني حين يهجم الليل، ms1862 ويمنعني الجوع عن الرقاد، يتمثل لي جميع ~~أولئك الأطفال الذين قتلتهم بأمرك حتى إني أراهم يرقصون فوق الحصير الذي أنام ~~عليه. # فهزت فانوش كتفيها وقالت: إنك تتخيل خيال الشعراء، ولكن لا سبيل الآن إلى مباحث ~~الخيال؛ لأني سأعطيك جنيها على الفور وجنيها كل أسبوع مدة عام إذا وافقتني فيما ~~أريد. # فقال لها بلهجة المتهكم: لقد أخطئوا، يا سيدتي، بتمثيل الأبالسة بقرون، ولو شاهدوك ~~قبل ذلك العهد، لما جعلوا إلا رسمك مثالا للشيطان؟ ~~- هب أني الشيطان نفسه، أتقبل أن أغويك؟ ~~- إني أقبل بالرغم عني إذ يجب أن أعيش، فقولي ماذا تودين. ~~- أود أن تعود بالذكرى إلى تسع سنوات خلت، ألا تذكر منذ تسعة أعوام أن رجلا نبيلا ~~جاءني بطفل صغير؟ ~~- إنهم يأتونك بالأطفال كل يوم. ~~- نعم، ولكن ذلك الطفل، الذي أحدثك عنه، لا يمكن أن ننساه. ~~- ماذا يدعى الذي جاء به؟ ~~- هو السير جون واترلي، أحد ضباط الجيش الهندي، فقد دفع إلي الغلام وسافر في اليوم ~~الثاني إلى كلكوتا، فأصيب هناك بمرض قاتل كما قيل لي وترجح عندي أنه لا يعود. # وكان هذا الغلام ابنه من فتاة تدعى مسز إميلي همبوري، وهي ابنة أحد اللوردية، ومن ~~كبار الأسرات النبيلة، بحيث كان نبلها حائلا دون زواجها بمن تهواه، فجاءنا بالغلام ~~وقال: ربوه إلى أن يبلغ الخامسة عشرة من عمره، وعلموه مهنة يعيش بها عيشا شريفا. وصرح ~~لنا أن أم الغلام وأباه لا يستطيعان أن يطلباه. ~~- نعم، لقد ذكرت هذا الطفل، وذكرت أن أباه دفع لك ثمانمائة جنيه لتربيته، فكرهت إنفاق ~~المال على الطفل، وأمرتني أن ألقيه في النهر بعد سفر أبيه، ولكن لماذا تريدين أن أذكر ~~هذه الحادثة؟ ~~- لأن أباه عاد إلى طلبه. ~~- كيف ذلك ألم يمت إثر مرضه؟ ~~- كلا، بل إنه تزوج مسز إميلي؛ لأن أباها اللورد قد مات فاعترفت بهفوتها لأخيها، ~~والتمست منه أن يأذن لها بزواج الضابط، فصفح عنها وأذن لها بالزواج فكتبت إلي مع ~~زوجها يسألان إعادة الطفل. # فكبر الأمر على ولتون وقال: إن الموقف شديد فعلى ماذا ms1863 عولت؟ # فابتسمت فانوش وقالت: إن جميع الأطفال متشابهون في سن الولادة، وإن مسز إميلي تسألني ~~الآن إعادة طفل تركته منذ تسعة أعوام، وعمره شهران، فأنا أرد إليها غلاما بالغا تسعة ~~أو عشرة أعوام، ولا يخامر قلبها شيء من الشك. ~~- لقد أحسنت ولكن أين تجدين هذا الغلام؟ ~~- إنه في هذه الغرفة فاتبعني. # ثم أخذت مصباحا وتقدمته إلى الغرفة التي كانت فيها الأرلندية المنكودة، وابنها رالف ~~وكانا قد رقدا بتأثير المخدر كما قدمناه. # ولما دخل ولتون في إثر فانوش ذعر، وقال: إني أرى امرأة. ~~- لا تخشى فإني سقيتها مخدرا لا تستفيق منه قبل أربع ساعات، وقد بقي عليك أن تنيمها ~~نوم الأبد. ~~- أهذه هي المهمة التي تريدين أن أقضيها؟ ~~- نعم ... ~~- وهذا الغلام الجميل النائم؟ ~~- إنه ابنها، وإنما أقتل أمه كي أبعدها عنه إلى مسز إميلي. ~~- ولكن فاتك أن لهذا الغلام عشرة أعوام من العمر، فهو يذكر أهله وبلاده وأمه. ~~- لقد فطنت لكل شيء، وألفت حكاية أقصها على مسز إميلي وهي أني دفعت طفلها إلى مرضع ~~أرلندية، وكنت أرسل لها نفقاته في كل شهر، ولما أرسلت إلي تطلب ابنها كتبت إلى المرضع ~~أن تحضر به أرلندا؛ فجاءت به وكافأتها أحسن مكافأة وأرجعتها إلى بلادها. ~~- إنها خير حيلة ولا أزال على سابق رأيي فيك، وهو أن الشيطان لو رسم حق رسمه لما كان ~~إلاك. ~~- كفى بلاهة، واعلم الآن أنه يجب قتل هذه المرأة. ~~- بأية طريقة؟ # فهزت كتفيها، وقالت: ألعلك نسيت طريقة النهر؟ # فحك ولتون أذنه وقال: كلا، ولكن المرأة الكبيرة لا تحمل بوشاح كما يحمل الطفل. ~~- ولكنها تحمل في مركبة ولا يزال جواني السائق صديقا لك فيما أظن فإني أدفع له ~~جنيهين أجرة نقلها. # ووقف ولتون وقفة المتردد غير أن فانوش حلت كيسها فحلت عقدة لسانه، ودفعت له الأجرة ~~مقدما، فأخذ المال وقال: إن هذه الأيام شديدة العسر، ولا بد للمرء أن يعيش. # ثم دنا من الأرلندية فحملها على كتفه، وخرج بها إلى قاعة الطعام دون أن تستفيق ~~وألقاها على المائدة. # فقالت له فانوش: ms1864 يجب علينا أن نهتم الآن بإيجاد سائق المركبة. ~~- لقد كفيتك مئونة هذا الاهتمام، فإني علمت أنك لم تبحثي عني إلا لارتكاب جناية ~~جديدة، وبحثت عن مركبة، وجئت إليك بمركبة السائق نفسه. ~~- وأين هو الآن؟ ~~- إنه ينتظرني على الباب. # فاتقدت عيناها بأشعة الفرح الوحشي، وقالت: بورك فيك فإنك ما خلقت إلا للمنكرات ~~والآثام. # 6 # وحملوا تلك الأرلندية المنكودة، وهي لا تعي ونزلوا بها فأوقفت فانوش ولتون عند الباب ~~وخرجت هي فتفقدت الطريق ثم عادت فقالت له: أسرع بحملها إلى المركبة قبل أن يفاجئنا ~~البوليس. # ورأى ولتون أن الوقت قد حان للإدلال عليها التماسا لزيادة الأجرة، فقال لها: إني ~~ممتثل لك، ولكني لا أعلم ما يكون من السائق، إذ لم أخابره بعد. # ففقهت فانوش مراده وقالت له: إن الوقت غير متسع للمخابرة فخذ كل ما لدي الآن في هذا ~~الكيس، وسأزيدك حين تعود. # ثم ألقت إليه كيسا فيه نحو عشرين جنيها، فأخذه فرحا وحمل الأرلندية، وخرج بها ~~وألقاها في المركبة، وجلس بجانبها، ثم أمر السائق أن يسير إلى النهر. # وانطلقت المركبة وقد خاصر ولتون الأرلندية كي لا تقع من الاهتزاز، بحيث لو رآهما أحد ~~لما شكك أنهما عاشقان. # وكان ينظر إليها فلا يراها لازدياد الظلام في ذلك الشارع المقفر، وبعد حين اجتازت ~~المركبة ذلك الشارع إلى شارع كثرت أنواره، وكانت تلك الأنوار تنبعث إلى المركبة، ورأى ~~ولتون وجه الأرلندية وارتعش، لأنه لم يكن إلى الآن نظر وجه هذه المرأة التي سيقتلها ~~طمعا بالقليل من المال. # وإنما كان ارتعاشه لما رآه من جمالها الباهر، ولما طبع على ذلك الوجه من علائم الطهر ~~والسلامة، وقال في نفسه: حيف على هذه المرأة أن تموت في نضارة الشباب. # واستمرت المركبة في سيرها، وحجب الظلام وجه الأرلندية، وعاد ولتون إلى التفكير وجعل ~~يوبخ نفسه ويقول: بل الحيف على من كان مثلي، يرتزق من قتل النفوس ثم يجد بين جنبيه ~~قلبا يشفق ويحن. # وبعد هنيهة وقفت المركبة وسمع ولتون السائق يناديه، فقال له: ماذا تريد ولماذا توقفت ~~عن ms1865 السير؟ ~~- أريد أن أعلم الذي جئنا به من لندرا. ~~- إنها امرأة. ~~- ألعلها ميتة؟ ~~- كلا، بل هي نائمة نوم تخدير. ~~- إني لا أشترك بهذا المشروع يا ولتون. ~~- لماذا؟ ~~- لأني تعودت إغراق الأطفال وليس النساء. ~~- أما هما واحد؟ ~~- كلا، فإن قتل النساء يورث الشقاء. ~~- إنك تمزح دون شك. ~~- كلا، فإن هذا اعتقادي، وفوق ذلك فإن هذه المرأة قد تستفيق وتستغيث. ~~- لا خوف من ذلك فقد سقيت جرعة كبيرة من الأفيون فهي شبه المائتين. ~~- وكم عينت أجرتنا؟ ~~- خمسة جنيهات. ~~- للاثنين؟ ~~- كلا، بل لكل واحد خمسة. # ولبث السائق مترددا في أمره وقال: إن المهمة صعبة يا ولتون. ~~- لكنهم دفعوا لنا مقدما، أتريد أن تقبض حصتك؟ # فتنهد السائق وقال: هات، لكن سوف تعلم أن هذه الحادثة ستؤدي بنا إلى المشنقة. # فابتسم ولتون وقال: أليس الموت واحدا مهما تنوعت أسبابه، ومتى كان أمثالنا يتوقعون ~~غير موت الشنق؟ # ثم نقده خمسة جنيهات، وعادت مركبته إلى المسير، وعاد ولتون إلى التفكير وبالأرلندية ~~فقد كانت منزوية في المركبة لا تفرق عن الموتى. # وما زالت المركبة تسير من شارع إلى شارع، حتى وصلت إلى جسر التيمس. # وكان يجتمع على هذا الجسر في النهار ألوف من المركبات، فإذا أقبل الليل انقطع سيرها، ~~وأقفر ذلك المكان، ولا يسمع فيه غير هدير أمواج النهر. # وهناك أمره ولتون بالوقوف، وأخرج من جيبه حبلا من الحرير الدقيق فربط به رجلي ~~الأرلندية ويديها حتى إذا ألقاها في المياه، واستفاقت لبردها لا تستطيع دفاعا وتغور في ~~الأعماق. # وبعد أن أتم وثاقها، خرج من المركبة ثم حمل الأرلندية، ومشى بها مشي الخائف الوجل إلى ~~الضفة. # 7 # ولم يكد يسير بها خطوتين حتى استوقفه السائق وقال: احذر. # فالتفت ولتون منذعرا؛ فرأى نورا كبيرا يدنو منه، وهو نور مركبة من تلك المركبات ~~الضخمة التي تنقل عليها البضائع فأسرع عائدا بالأرلندية إلى المركبة، واختبأ بها إلى ~~أن تمر مركبة النقل. # ثم مرت تلك المركبة الضخمة، وأصاب نور مصباحها وجه الأرلندية، فعاد ولتون إلى ~~الاضطراب وحار في أمره ولم يدر ما يصنع. ms1866 # وقد استبطأه السائق بعد مرور المركبة فقال له: ما بالك ساكتا؟ # فلم يجب وعاد إلى حثه على الإسراع. # غير أن ولتون لم يسمع حديثه، وكان كالمصاب بدوار وجعل يناجي نفسه فيقول: ما هذا الخوف ~~وما كنت أرهب القتل وأخشى هذه المواقف؟ # وعاد السائق إلى حضه على السرعة فأجابه ولتون بصيحة رعب ذلك أن الأرلندية تنهدت ~~تنهدا ضعيفا بعد أن كانت ساكتة كالأموات فوقف ولتون منذعرا وقال: كلا لا ~~أريد. # فقال له السائق: ماذا تريد ألا تريد إغراقها؟ ~~- كلا! ~~- إذن، أعزمت أيها الشقي أن ترد المال لفانوش؟ ~~- كلا، فإني لا أريد المال ولا أغرق هذه المرأة، فإن جمالها يأخذ بمجامع ~~القلوب. # فقهقه السائق ضاحكا وقال: يسرني أن أراك من أهل الغرام، أما وقد عزمت على أن ترد ~~المال، فلا فرق عندي بين أن تغرقها أو تبقي عليها، بل إني أوثر سلامتها، فإن قتل ~~النساء يورث الشقاء، كما قلت لك، ولكن ماذا يجب أن نعمل؟! ~~- لا أعلم ولكنها شربت مقدارا كبيرا من الأفيون، بحيث يتسع لدينا مجال التروي قبل ~~أن تستفيق. ~~- والآن إلى أين نذهب؟ ~~- اذهب إلى حيث تشاء شرط أن تبعد عن هذا النهر. # فقال له السائق ممازحا: ألعلك تريد أن تتزوج هذه الحسناء؟ # واضطرب ولتون وقال: كلا فإني لا أجني جناية الزواج، فاذهب بنا إلى أفقر مكان في ~~وينغ. ~~- كما تريد. ودفع الجياد فسارت باللصين والأرلندية نحو ساعة حتى وصلت إلى المكان الذي ~~عينه ولتون، فوقفت المركبة عند باب خمارة، ونزل ولتون والسائق ودخلا إليها وجلسا يشربان ~~ويتشاوران. # فقال له ولتون: لقد ارتأيت الرأي السديد في الطريق وذلك أن فانوش عهدت إلينا إخفاء ~~الأم كي تتمكن من الاستيلاء على الولد. ~~- ألهذه المنكودة ولد؟ ~~- نعم وسأقص عليك هذه الحكاية في فرصة أخرى، والآن إن فانوش نقدتنا الأجرة كي نخفي ~~الأم، وإذ قد أحضرناها إلى هذا المكان، فإنها لا تسمع بعد ذلك بأخبارها. ~~- لكن لهذه الأم ولدا كما تقول فهي تبحث عنه حتى تجده. ~~- هو ما تقول غير أن هذه المرأة غريبة، ms1867 وهي لم تعرف لندرا قبل هذه الليلة، بل إنها لا ~~تعرف اسم فانوش، ولا الناحية التي تركت فيها ولدها، فكيف تستطيع أن تجده في هذه العاصمة ~~التي تشبه القارب باتساعها؟ ~~- إذن، ماذا عولت أن تصنع بها؟ ~~- عولت أن نذهب بها إلى حديقة عمومية من حدائق وينغ فنضعها على مقعد من مقاعدها، ~~ويفعل الله بها بعد ذلك ما يشاء. ~~- إنه رأي سديد فهلم بنا قبل أن تستفيق. # وخرج الاثنان من الخمارة إلى المركبة، وساروا بالأرلندية إلى أفقر شارع في وينغ، ~~فحل ولتون قيودها، وأنزلها إلى محل عمومي، وأجلسها على أحد مقاعده، وقال لرفيقه: إن ~~جسمها قد بات حارا، وذلك دليل على قرب استفاقتها، وقد قرب زمن تردد الناس إلى وينغ ~~فإن حاناتها لا تفتح قبل منتصف الليل، فإذا استفاقت فلا تعدم نصيرا بين هؤلاء ~~اللصوص. ~~- دون شك فإن المرأة تلقى خير ضيافة في وينغ بل في كل مكان. ~~- ليس ذلك من شأننا، والمهم عندنا أننا أبقينا على حياتها، وسرقنا مال فانوش كما ~~ينبغي أن يسرق. # ثم ذهب اللصان وهما يضحكان. # وبعد حين تنبهت عصابات وينغ، وظلت تلك المنكودة نائمة فوق ذلك المقعد . # 8 # كان حساب فانوش أن الأرلندية لا بد لها أن تستفيق بعد أربع ساعات من شربها المخدر، ~~وقد تقدم لنا القول أنها تنهدت عندما كانت في المركبة مع ولتون، فكان ذلك دليلا على ~~قرب استفاقتها. # غير أن اللصين تركاها منذ ساعة، وهي لا تزال نائمة فوق المقعد الخشبي معرضة لبرد تلك ~~الليلة القارص. # ولم تكن حانات وينغ قد فتحت أبوابها بعد. # أما الأرلندية فإنها بدأت بعد حين أن تستفيق، فتحركت ثم تمطت ثم فتحت فمها، وخرج من ~~شفتيها اسم ولدها رالف، فإنها كانت تحلم به مدة رقادها، وقد رأته شب وترعرع وبات يمشي ~~بخطوات ثابتة قوية إلى المستقبل. # ولما تحركت شفتاها فتحت عينيها، وكانت حانات وينغ قد فتحت أبوابها فتوارد إليها ~~اللصوص والمومسات من كل فج. # وقد حسبت تلك المنكودة حين فتحت عينيها أنها لا تزال حالمة غير أن ms1868 برد الهواء أزال ~~منها هذا الظن. فوقفت منذعرة وكانت أول ما قالته: رباه! أين ولدي وأين أنا؟ # ثم جعلت تمشي مشي المجانين، وتنادي ولدها رالف. ولكن رالف لم يجب. # وعند ذلك وضعت رأسها بين يديها كأنها تحاول جمع حواسها. فذكرت تلك المرأة التي باتت ~~عندها، وكيف أنها بعد أن نام ولدها، جثت راكعة تصلي، ثم شعرت بدوار في رأسها، ثم لم تعد ~~تذكر شيئا. فصاحت عند ذلك صيحة يأس هائلة، إذ علمت أنهم سقوها مخدرا كي يسرقوا ~~ولدها. # ولكنها لم تكن تعرف اسم المرأة التي كانت عندها، ولا نمرة منزلها غير أن للأمهات قوة ~~تنبعث من السماء فقالت في نفسها لأجدنه أين كان، وآخذه من يد خاطفته. # ثم جعلت تسير إلى الإمام هائمة، وهي تحسب أنها قريبة من ذلك المنزل، إذ لم يخطر لها ~~أنهم أبعدوها عنه مسافة أربعة أميال. # وجعلت تخترق الشوارع والأزقة، وهي تارة تفرح ويشرق وجهها بنور البشر حين تحسب أنها ~~اهتدت إلى الطريق، ثم لا تلبث أن تعود إلى اليأس حين تعلم أنها ضلت السبيل، فيقطب وجهها ~~وتنظر إلى ما حولها نظرات لا تستقر على شيء. # وكانت تمر بين عصابات اللصوص والبحارة الداخلين إلى الخمارات والخارجين منها في ذلك ~~الشارع المخيف، فيكلمونها بألفاظ بذيئة، فتفر منهم وقد ملأ الرعب قلبها، وتسير فلا تجد ~~أمامها غير أمثالهم. # إلى أن مرت بعصابة من المومسات، كن يتخاصمن عند باب خمارة، فدنت منهن، وقد أنست بمنظر ~~النساء، وقالت لهن: كيف الطريق إلى سانت جيل؟ # فجعل بعض هؤلاء الفواجر يعبث بها، وبعضهن يضحك عليها ولم يرشدها إلى الطريق. # غير أن واحدة منهن ضخمة الجثة، هائلة المنظر، شرسة الأخلاق، ليس فيها شيء من صفات ~~الإنسان، تقدمت إلى الأرلندية وقالت بلهجة التهديد: ماذا أتيت تعملين هنا، وأنت لست من ~~أهل الحي؟ ألعلك علمت بقدوم البحارة اليوم من الهند فأتيت تزاحميننا في رزقنا؟ أم لعلك ~~تريدين مزاحمتي على وليم؟ # ثم ضمت يدها وهجمت عليها تريد أن تضربها، فهربت الأرلندية منها مذعورة، ولكن تلك ~~الفاجرة ms1869 وثبت عليها وثبة النمر المفترس، فقبضت عليها، وجعلت تجرها وتقول: إنك لا تبلغين ~~مرادا من وليم، ولا أطيق مزاحمة فيه. # أما الأرلندية فجعلت تصيح بصوت مختنق وتقول: إني لا أبحث عن وليم بل أبحث عن ولدي. ~~بالله دعيني أبحث عن ولدي، وارحميني فإني أقسم لك أني لا أعرف وليم. # وفيما هي تبكي وتستغيث والنساء يضحكن من حولها، إذ سمعت صوت رجل يقول: هو ذا أنا ~~وليم، فمن يذكر اسمي؟ # فالتفتت الأرلندية وشاهدت رجلا بملابس البحارة، عالي القامة، عريض المنكبين، فبسطت ~~يديها إليه شأن المتوسل وقالت له: بالله ارحمني ودافع عني. # فدنا منها وليم وقال: من هي هذه المرأة؟ فإني لم أرها من قبل، لكنها حسناء. # ثم أشار إلى المرأة أن تتخلى عنها، فلما رأت المرأة أنه قد استحسن الأرلندية هاجت في ~~فؤادها عوامل الغيرة، فصفعتها صفعة أسالت الدماء من أنفها غير مكترثة لوليم. # فغضب وليم غضبا شديدا، وضربها بصدرها ضربة شديدة ألقتها على الأرض صريعة والتفت إلى ~~النساء وقال: إن كل من يمس هذه المرأة بسوء لا يلقى غير هذا العقاب. # ثم عاد إلى الأرلندية يعزيها ويواسيها، فاستأنست به وقالت له: أسألك بحق السماء أن ~~تعينني على إيجاد ولدي. ~~- ألك ولد؟ ~~- نعم وقد سلبوني إياه، فرده إلي أباركك وأدعو لك الله. ~~- أتحبيني إذا أعدت إليك ولدك؟ # فلم تدرك تلك المنكودة معنى حبه الوحشي وقالت له: نعم نعم، أحبك حتى الموت. ~~- أين هو ولدك؟ ~~- سر بي إلى سانت جيل وأنا أجده. ~~- ولكن هذا المكان بعيد جدا من هنا. ~~- بالله سر بي إليه. لنركب مركبة فإنها تقرب الأبعاد. ~~- سأفعل ما تريدين، ولكن هلمي معي قبل ذلك نشرب كأسا من الخمر إني شديد ~~الظمأ. # ثم ضمها إلى صدره وتأبط ذراعها، وأراد أن يسوقها إلى الخمارة بالعنف. فعلمت أن نكبتها ~~مع هذا الرجل شر من نكبتها مع تلك المرأة. وحاولت أن تفلت منه، ولكنها لم تستطع ~~إفلاتا، فجعل يجرها جرا وهي تصيح وتستغيث، فلا تسمع من حولها غير قهقة الضاحكين، ~~وبذاءة الهازئين. # 9 # كان ms1870 بالقرب من ذلك المكان خمارة يدعونها الخمارة السوداء، أطلق عليها هذا الاسم لكثرة ~~ارتكاب الآثام فيها. # ولم تكن تفتح أبوابها إلا بعد انتصاف الليل، فيسرع إليها نحو خمسين رجلا وامرأة من ~~أهل ذلك الحي، ويجلسون حول موائد الشراب، فيتنادمون ويعاقرون الخمر ويتخاصمون لأدنى سبب ~~فتسيل دماؤهم على تلك الموائد، ثم تغسل الدماء دون أن يتداخل البوليس في أمورهم وتعود ~~إلى ما كانت عليه حتى الصباح. # وكانت تتولى هذه الخمارة امرأة. فكانت تنظر إلى المتخاصمين مبتسمة غير مكترثة لنتائج ~~الخصام، حتى إذا قتل أحد أولئك الأشرار، أمرت خادما لها فحمل الجثة وألقاها في الشارع ~~واستمرت الحفلات كأنه لم يحدث قتل ولم تسفك دماء. # وإن بين زبائن هذه الخمارة الهائلة رجلا، كان يجلس كل ليلة قرب مجلس صاحبة الخمارة ~~فيشرب كأسا من الشراب جرعات صغيرة، والمرأة تنظر إليه من حين إلى حين نظرات تشف عن ~~الارتياح والإعجاب. # وكان هذا الرجل في الحلقة الرابعة من عمره، أشقر الشعر، ربعة القوام، تظهر مخائل ~~النبل، وآثار الشهامة بين عينيه، فتظهر أنه من طينة غير طينة أولئك اللصوص، وأن قدومه ~~إلى تلك الخمارة كان لمآرب في النفس. # ولذلك كان يستلفت إليه الأنظار، ولم يكن أحد من زبائن الحانة يعلم أصل هذا الرجل ~~فبعضهم كان يظنه أيكوسيا، وآخرون يحسبونه أرلنديا أو إنكليزيا، وفريق كانوا ~~يقولون أنه فرنسيا. # وقد كان كثير التردد على هذه الخمارة، غير أنه لم يكن يكلم أحدا، فإذا شرب كأسه دفع ~~ثمنه وانصرف. # ولكنه كان أحيانا يغرق في عباب التصورات، فيقيم الساعة والساعتين وهو مقطب الجبين، ~~عابس الوجه، يناجي نفسه، فلقبه أهل الخمارة بالرجل العبوس، فسمي عندهم بهذا اللقب، إذ ~~لم يكن له عندهم اسم معروف. # وقد حاول بعضهم أن يعرفوا شيئا عن هذا الرجل، ولم يجدوا سبيلا لذلك إلا بمخاصمته، ~~فاتفق ثلاثة منهم على مبادرته بالعدوان، فانقض عليهم انقضاض الصاعقة وصرع الثلاثة ~~واحدا بعد آخر، فسجل اسمه منذ تلك الحادثة بين أبطال الخمارة، وبات الكل يجلونه ~~ويحيونه تحية الاحترام. # ولم يكن يجالسه في ms1871 الخمارة غير رجل واحد. وكان الجميع يحبونه لفقره، وسلامة قلبه، وهو ~~شوكنج، ذلك الرجل الذي أرسله اللورد بالمير لاقتفاء أثر الأرلندية - كما عرف القراء - ~~فكان الرجل العبوس يدفع عنه في كل ليلة ثمن شرابه، ويحسن إليه بما يقيه شر ~~الجوع. # فبينما كان اللصوص والبحارة مجتمعين في تلك الليلة يسكرون ويعربدون، والنساء ترقص ~~وتغني، وصاحبة الخمارة تنظر خلسة إلى الرجل العبوس، وهو منشغل عنها بهواجسه إذ دخل رجل ~~إلى الخمارة استلفت أنظار الجميع، فصاحوا جميعهم صيحة عجب قائلين: هو ذا شوكنج. # وإنما كان عجبهم لأنهم شاهدوا هذا الرجل على غير ما عرفوه فإن عهدهم به رث الثياب، ~~بارز الكوع، حافي القدمين. فرأوه عاد إليهم فجأة وهو بملابس التجار. # فقالت إحدى النساء: ما هذه النعمة؟ إني أرى في قدميك نعلين جديدين؟ # وقال لص آخر: وإني أراك لابسا قميصا جديدا. # وقالت صاحبة الحانة: لا شك أنه بات من أهل الثروة؛ لأنه لابس قبعة. # فضحك شوكنج وقال: نعم لقد بت غنيا، ولكن اطمئنوا لأني أودعت نقودي في ~~المنزل. # فضحك الجمع، وتركهم معجبين بأمره، وذهب إلى الرجل العبوس وجلس بجانبه، وقال له: إني ~~سأدفع اليوم ثمن الشراب، فقد طالما دفعت عني. # 10 # فابتسم الرجل العبوس وقال: معاذ الله أن أمنعك عما تود لأني لا أبغي مساس أحد فادفع ~~أنت إذا كانت هذه مشيئتك غير أني أود أن تجيبني عن سؤال أسألك إياه. ~~- سل ما تشاء. ~~- ألديك نقود؟ # فأجابه بصوت منخفض: اسكت ولا تفضحني أمامهم، فقد كسبت الليلة عشرة جنيهات، فأنفقت ~~واحدا على ملابسي، واشتريت سترة بثلاثة شلنات، وقبعة بشلنين، وبنطلونا بشلن ونصف، ~~وحذاء بأربعة شلنات، وقميصا بشلنين، وكلها جديدة، فأصبحت كما ترى بهجة النواظر. # وكنت أود أن أشتري كثيرا غير أن الحكمة تغلبت علي، فعزمت على استئجار غرفة لأسبوعين، ~~بحيث يبقى معي ثمانية جنيهات ونصف فأعيش بها عاما كاملا عيش الأمراء. # فابتسم الرجل العبوس وقال له: ولكن كيف كسبت هذا المال؟ ~~- إن الأمر بسيط، فقد خدمت أحد اللوردية خدمة كافأني عنها بهذا المبلغ. ~~- كيف كان ms1872 ذلك؟ وما هي هذه الخدمة؟ ~~- إني كنت أجتاز في مركب وبين ركابها أحد اللوردية، فدنا مني ودلني على امرأة وقال ~~لي: إذا تبعتها وعدت إلي بعنوانها أعطيتك عشرة جنيهات، ففعلت وكسبت هذا المال بشرف ~~كما ترى. # فهز الرجل العبوس رأسه وقال له: أتحسب أن هذه الطريقة في الكسب من الطرق ~~الشريفة؟ # فاحمر وجه شوكنج من الخجل، وأدرك خطأه فقص على الرجل العبوس جميع ما عرفه من أمر ~~الأرلندية، دون أن يغفل عن شيء من التفاصيل. فلما أتم حديثه قال له الرجل العبوس: إنك ~~ارتكبت طيشا لا يشفع فيه غير سلامة قلبك. ~~- لماذا؟ ~~- إنك أحسنت بمساعدتك هذه المرأة، ولكنك أسأت بإرشادك اللورد إليها فقل لي ماذا يدعى ~~هذا اللورد؟ ~~- اللورد بالمير. # فقال له بلهجة المؤنب: لقد كان ينبغي أن تعلم أن لوردا غنيا لا يبحث بحثا سريا ~~عن عنوان امرأة فقيرة لغاية صالحة. # فاضطرب شوكنج وقال: لقد أصبت فإني أخطأت وقد أغواني ذهبه، وما أنا فيه من الفقر غير ~~أني أعرف المنزل الذي غادرت فيه الأرلندية، أتود أن أعود إليها وأحذرها من هذا ~~اللورد؟ # فلم يجد الرجل العبوس فرصة لإجابته، إذ سمع صيحة عظيمة في الخمارة. # ذلك أنه دخل إليها رجل كان آخذا بتلابيب امرأة يسوقها مكرهة، وهي تستجير منه به ~~وتتوسل إليه أن يطلق سراحها. # أما الرجل فإنه دفعها إلى وسط القاعة، وجلس جلوس المنتصر أمام مائدة، فشمر عن ساعديه ~~إظهارا لعضلاته القوية. # وقال: إني وليم البحار وقد خضعت لي نساء وينغ كلهن، وهمن بي هياما، فلا بد لك أن ~~تقتدي بهن وتخضعي لي. # فصاح الجميع بصوت واحد: ليحيا وليم. # وأقبل النساء يعنفن تلك المرأة المنكودة لنفورها من وليم، فإذا استغاثت هزئن ~~بها. # ولما سمع شوكنج هذا الضجيج التفت وصاح صيحة الدهش حين شاهد الأرلندية. # فقال له الرجل العبوس: ماذا أصابك؟ ~~- هي هي! ~~- من هي؟ ~~- الأرلندية! ~~- أم الغلام؟ ~~- هي بعينها. ~~- كيف اتفق وجودها هنا؟ ~~- لا أعلم! # فكف الرجل العبوس عن محادثته، وجعل يتأمل وجه هذه الأرلندية، وهو يندهش لجمالها ~~النادر، ms1873 ولما تبينه في وجهها من دلائل الشرف والطهر. فكانت مع أولئك اللصوص، تشبه ~~ملاكا سقط من السماء إلى الجحيم. # وكانت حين نظر إليها قد جثت راكعة، وقالت بصوت يخنقه البكاء: بالله ارحموني وأشفقوا ~~علي فما أنا كما يحسبني هذا الرجل، بل أنا أم منكودة اختطفوا منها ولدها. أستحلفكم ~~بالله أن تنقذوني من هذا الرجل، وتدعوني أبحث عن ولدي. # وكأنما وليم قد خشي أن تدفع المروءة أولئك اللصوص إلى نجدتها. فأخرج خنجره ووضعه على ~~المائدة وقال: إنكم جميعكم تعرفون من أنا، وقد رأيت هذه المرأة وأعجبني جمالها. فمن ~~منكم يجسر على منازعتي فيها وإنقاذها مني؟ # فسكت الجميع ولم يجسر أحد على اعتراضه فجذبها إليه وقال لها: أرأيت أيتها الحسناء كيف ~~أنه لا يوجد من يجسر على منازعتي فيك؟ إذن ستكونين امرأة وليم على رغمك. # غير أن وليم لم يكد يتم حديثه حتى رأى رجلا اخترق القاعة، ودنا منه، فقال: بل إنك ~~تتركها على رغمك، وأنا الذي أنقذها منك. # فصاح الجميع عند ذلك: ليحيا الرجل العبوس! فإنه هو الذي تصدى لوليم. أما الأرلندية ~~فقد اتقدت عيناها بأشعة الرجاء، فبسطت لهذا الرجل يد المتوسل، وعلمت أن الله أرسل لها ~~من يخلصها من أولئك الفجار. # 11 # كان مثل هجوم هذا الرجل على وليم، مثل هجوم داود النبي على جليات الجبار. # إن وليم لم يكن جبارا، ولكنه كان يشبه الجبابرة بضخامة جسمه، حتى لقد يحسب من يراه ~~أنه لو ضرب ثورا لقتله، خلافا للرجل الذي كانوا يلقبونه بالعبوس، فإنه كان نحيل الجسم ~~تظهر عليه آثار النعومة كأنه من أولاد اللوردية. # فلما رآه وليم قادما إليه يحاول مخاصمته ضحك ضحكا شديدا، ثم جعل يتهكم عليه ويلقبه ~~بألقاب النساء استخفافا بقوته. # غير أن هذا الرجل نظر إليه نظرة منكرة، خرج على أثرها اللهب من عينيه، فاضطرب وليم ~~لهذه النظرة وانقطع عن الضحك، ووقف في موقف الدفاع. # أما الرجل العبوس فإنه حال بينه وبين الأرلندية وقال له: إني أمنعك عن أن تمد يدك ~~بسوء إلى هذه المرأة. # فتحمس ms1874 اللصوص لما رأوه من ظواهر بسالته. وصاح بعضهم: يحيا الرجل العبوس. # وأما وليم فإنه ضم يديه وهجم على الرجل، وأطلق يده الهائلة عليه غير أن الرجل وثب ~~وخلا من تلك الضربة، واختل توازن وليم، فاغتنم الرجل الفرصة، ولكمه لكمة شديدة في صدره؛ ~~فانقلب وليم على ظهره. # وكان في وسع ذلك الرجل أن يستفيد من نصره، ويطعنه بخنجره طعنة قاضية غير أنه لم يفعل ~~شيئا من ذلك، بل إنه وقف مكتوف اليدين، ينتظر نهوض خصمه وعودته إلى القتال. # أما وليم فإنه نهض وهو يزأر زئير الأسود، وجرد خنجره وهجم على الرجل العبوس، فلم يجرد ~~الرجل خنجره، ولكنه خلا من الضربة كما فعل في المرة الأولى. ثم انقض على خصمه، وحمله ~~وألقاه على مسافة مترين. فسقط صريعا وسقط الخنجر من يده. # فأسرع الرجل ووضع رجله فوق الخنجر، ووقف ينتظر نهوض خصمه أيضا، وجعل ينظر إلى من كان ~~حواليه فرأى شوكنج واقفا مصفر الوجه، ورأى أن الأرلندية قد عرفته والتجأت إليه. # فنادى عند ذلك شوكنج وقال له: إني أعهد إليك بهذه المرأة، وليعلم كل من في هذه القاعة ~~إني قد توليتها بحمايتي. # فوقع هذا الكلام خير وقع من اللصوص، فجعلوا يصفقون بأيديهم تصفيق الاستحسان ويصيحون: ~~يحيا غالب وليم. # وهم وليم أن يعيد الكرة على خصمه غير أنه توقف وانقطعت أصوات اللصوص وساد السكون فجأة ~~في تلك الخمارة. # ذلك أنهم رأوا رجلا دخل إلى القاعة فأثر فيهم هذا التأثير العجيب، وباتوا كأن على ~~رءوسهم الطير. # ووقفوا وقفة الاحترام أمام هذا الرجل، وهم مطرقون الرءوس هيبة وإجلالا. # أما هذا الزائر الجديد الذي أكره اللصوص والفواجر على احترامه، فقد كان في مقتبل ~~الشباب، طويل القامة، أصفر الوجه، أشقر الشعر طويله، وكان يتدلى على كتفيه. # وهو نحيل الجسم، أسود الملابس، نحيف الأعضاء، حتى يحسبه الناظر إليه امرأة متنكرة ~~بملابس الرجال. # فاخترق صفوف اللصوص حتى وقف قرب وليم فقال له: لقد قال الله من قتل يقتل وقال أحبوا ~~بعضكم بعضا، فقد خلق الإنسان لمعاونة أخيه الإنسان. فما بالكم ms1875 أيها الإخوة ~~تتقاتلون؟ # فركع وليم الوحشي أمام هذا الرجل، وأحنت المومسات رءوسهن، وأطرق اللصوص إطراق ~~الاحترام. # وصاحت الأرلندية هو ذا الله قد أرسل لي ملاكا من ملائكته الأطهار لإنقاذي. # أما هذا الرجال الذي فعلت كلماته بنفوس أولئك الأشرار فعل السحر فقد كان كاهنا ~~كاثوليكيا أرلنديا، عرفه جميع سكان وينغ، حين كان الهواء الأصفر يفتك بهم الفتك ~~الذريع، فلا يجدون من يكترث بهم، ويعتني بمعالجتهم غير هذا الكاهن. # فكانوا يحترمونه احتراما مقدسا، وقد عرف بينهم باسم الكاهن صموئيل كاهن كنيسة سانت ~~جيل. # ونظر هذا الكاهن نظرة المؤنب إلى وليم وقال له: إني ما جئت هذه الخمارة إلا من أجلك، ~~فقد قيل لي إنك تسيء معاملة امرأة، وتريد إكراهها على الأمور الشائنة. فأسرعت كي أنقذها ~~منك، وأهديك إلى الصراط القويم. # فاضطرب وليم وقال له، وهو لا يجسر أن ينظر إليه: أرجوك أن تصفح عني، وإني لا أعود إلى ~~مثل هذه المآثم بعد الآن. # وعاد الكاهن إلى الأرلندية، وهي ملتجئة إلى شوكنج فقال لها: من أنت أيتها ~~المرأة؟ # أجابت: إني أم منكودة، خطفوا ولدها، فأشفق علي يا سيدي، ورد إلي ولدي. # فقال لها شوكنج: لا تخشي يا سيدتي مكروها على ولدك؛ لأني أعرف المنزل الذي بات فيه ~~ألست أنا الذي أوصلتك إلى هذا المنزل؟ فثقي بي ولا بد لي من إرجاع ولدك إليك. # فصاحت الأرلندية صيحة فرح، وأكبت على يد الكاهن تقبلها فقال لها: أرى من لهجة كلامك ~~أنك أرلندية. ~~- نعم يا سيدي. ~~- وأنا أرلندي فلينقذ الله الوطن العزيز. # ثم التفت إلى الرجل العبوس وقال له: وأنت أيها الرجل الكريم الذي تولى حماية هذه ~~المنكودة من أنت؟ ~~- إني رجل يطمع أن يكون من أهل الخير والصلاح، فإذا أذنت لي أن أكون بمعيتك كنت لك ~~أطوع من العبيد. # ثم ركع أمام الكاهن، وقبل يده باحترام. # 12 # وعند ذلك أخذ جميع أولئك اللصوص يخرجون من تلك الخمارة، كأنما هم أنفوا من الإقامة في ~~محل دنس طهر بوجود هذا الكاهن فيه، ولم يبق في الخمارة غير ms1876 صاحبتها، والأرلندية، ~~وشوكنج، والكاهن والرجل العبوس. # ولما تفرق الجميع عاد الكاهن إلى محادثة الأرلندية فقال لها: إذن أنت قادمة من ~~أرلندة؟ ~~- نعم يا سيدي، فقد وصلت إلى لندرا هذه الليلة مع ولدي. ~~- ما الذي دفعك إلى مهاجرة أرلندا؟ ألعله الفقر شأن جميع إخواننا الأرلنديين؟ ~~- كلا يا سيدي، ولكنني أتيت إلى لندرا قياما بواجب مقدس، فقد أمرت أن أحضر الصلاة في ~~سانت جيل، في الساعة الثامنة من صباح غد. # فارتعش الكاهن وقال: ألعلك نذرت نذرا؟ # فنظرت إليه نظر الواثق المطمئن وقالت: إن قلبي يحدثني بأنك من رجال الله، فلا جناح ~~علي إذا بحت لك بحقيقة أمري. ~~- تكلمي. ~~- إني فلاحة فقيرة ولدت في جوار دبلين، وأنا ابنة صياد. وقد عهد إلي زوجي قبيل ~~وفاته بقضاء مهمة لا أعلم شيئا من سرها. ولكني أقسمت له يمينا على قضائها. ~~- ما هي هذه المهمة؟ # فأجابت يجب علي أن أذكر لك بعض قصتي، كي تفهم المهمة التي انتدبت لها. # لما كبرت وترعرعت جعلت أعين أبي في التماس الرزق، فهو يصيد السمك وأنا أحيك له الشباك ~~على أنه كان يسافر أحيانا في مراكب الصيد إلى الأرض الجديدة ويصيد الحوت فيغيب ثلاثة ~~شهور. # وقد اتفق أني بينما كنت ليلة في المنزل وكان أبي مسافرا إذ أقبل إلي رجل يركض ~~مذعورا، وهو مخضب بالدماء فولج المنزل وقال لي: أستحلفك بالله وبأرلندا التي سفكت دمي ~~من أجلها أن تخبئيني. # فلم أنظر إليه، ولم أنتبه لجراحه، ولم أسمع غير كلمة الوطن المقدسة. فأدخلته وفرشت له ~~سرير أبي فنام فيه، وكنت أسمع عند ذلك عن بعد دوي البنادق. # ولم أعلم ماذا حدث غير أني ذكرت ما سمعته في ذلك الصباح من بعض الصيادين وهو أن ~~الثورة قد نشبت في أرلندا، وأن إنكلترا أرسلت سفنها وجنودها لكبح الثائرين. # فعلمت أن ما أصاب هذا الرجل، اللاجئ إلى منزلنا، إنما كان من عداء الإنكليز. # فانصرفت إلى الاعتناء به، وأقمت طول الليل أصلي وأسأل الله أن يشفي الجريح، ولا يهدي ~~الإنكليز إليه. # وعند الصباح برحت المنزل، ms1877 وذهبت إلى الميناء، فعلمت أنه جرت معركة هائلة بين ~~الأرلنديين والإنكليز. فكان النصر فيها للجنود وبددوا شمل إخواننا الأرلنديين، وهرب من ~~سلم منهم إلى الجبال غير أن الإنكليز لم يفرحوا بهذا النصر، لأنهم لم يستطيعوا القبض ~~على زعيم الثائرين. # فأسرعت عائدة إلى المنزل، وكان قلبي يحدثني أن ذلك الجريح هو نفس ذلك الزعيم، الذي ~~يبحث عنه الإنكليز. # وأقام عندنا عدة أسابيع، وأنا أضمد جراحه كل يوم حتى شفي وتعافى، وكان أبي قد عاد من ~~السفر فاعتنى به نفس اعتنائي وأكرم مثواه، فأقام عندنا مختفيا بضعة شهور. # وكان في مقتبل الشباب، وضاء الطلعة تدل نظراته على أنه تعود الحكم على القلوب، ~~فأحببته وأحبني ووافق أبي على زواجنا، فتزوج بي. وبعد أن سافر الإنكليز قبل أن يشتغل مع ~~أبي في مهنته، ويتعاونان على الارتزاق. # وقد رزقت منه غلاما، فكان يحمله بين يديه ويقول لي: إن هذا الغلام قد يكون منقذ ~~أرلندا. # فكنت أصدق كل ما يقول، وأومن بكلامه كما أومن بالله. # وهنا تنهدت الأرلندية تنهدا طويلا، وأخرجت منديلها فمسحت به دموع عينيها. # فقال لها الكاهن صموئيل: أتمي حديثك يا ابنتي. وكانت لهجته تدل على أن الأمر ~~خطير. # 13 # وعادت الأرلندية إلى حديثها فقالت: توالت الأيام وبدأ الشعر ينبت في رأس ولدي، فكان ~~أسود قاتما، والعهد بشعور الأرلنديين أن تكون شقراء ولا سيما في عمر الحداثة. # ثم رأينا يوما بين الشعر خصلة حمراء تنبت فجأة، فرأيت زوجي قد صاح صيحة فرح وقال لي: ~~لقد كنت مصيبا حين قلت لك إن هذا الغلام ينقذ أرلندا. # أما أنا فلم أفهم شيئا من قوله، ولكنه مضى في حديثه فقال: أصغي يا امرأتي العزيزة ~~لما أقوله لك، فإني اليوم صياد فقير أعيش معك على فقرنا عيش السعداء غير أني قد اضطر ~~إلى فراقك فراقا قد يكون أبديا؛ لأن أرلندا قد تحتاج إلي في الغد، فأعود إلى ~~امتشاق ذلك الحسام، الذي سقط مني في المعركة الأخيرة. # ولا يعلم غير الله ما يكون من أمري، فقد أنتصر على من ms1878 يضطهدنا، وأنقذ أرلندا من نير ~~الإنكليز، وقد يكون النصر لأعدائنا فأموت في المعارك تاركا هذه المهمة لولدنا ~~العزيز. # ومهما يكن من أمري فاصدعي بما أقوله لك، وهو أنه في سنة 1860 يجب أن تغادري أرلندا ~~مع ولدك. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى إنكلترا حيث يقيم أسيادنا ومضطهدونا. وإذا وصلت إليها اذهبي في الساعة الثامنة ~~من صباح 27 أكتوبر إلى كنيسة سانت جيل، وادني بولدك من الهيكل، فإذا فرغ الكاهن من ~~الصلاة، قدمي له الولد وقولي له: «لقد أتيتك بالذي تنتظرونه.» # فأقسمت له أن أفعل ما يريد. ومرت بنا الأيام وتوالت الأعوام، وهو معي يشتغل بالصيد ~~فما جسرت مرة على طول عهدي بصحبته أن أسأله شيئا عن ماضيه. # إلى أن جاء منزلنا في ليلة مظلمة رجال، لم أعرفهم من قبل فلما رآهم فرح بهم وأنس ~~بلقائهم وقال لقد طال عهد غيابكم فقالوا: جئنا حين الأوان، فإن أرلندا محتاجة إلينا ~~الآن، وفي اليوم التالي سافر معهم، فلم تحل دون سفره دموعي، فلما ودعني قال لي: تذكري ~~اليمين ولا تنسي سانت جيل في 27 أكتوبر سنة 1860. # وبعد أيام اضطرمت الثورة في أرلندا، فجعلت القرى تثور الواحدة تلو الأخرى، فاندحرت ~~الجنود الإنكليزية مرات كثيرة، غير أن الإنكليز يحاربون بأموالهم، فإذا قتل الجندي حل ~~مكانه سواه، وهم يملئون البحر سفنا عند الاقتضاء خلافا للأرلنديين، فإنهم يحاربون ~~برجالهم، فإذا قتل المجاهد منهم لا يجدون سواه، وظل القتل مخيما على الفريقين عدة أيام ~~حتى انتهى القتال، وانجلى عن فوز الإنكليز، وعادت أرلندا تئن تحت نيرهم الثقيل. # ولكني لا أعلم ما جرى لزوجي، فحملت ولدي وذهبت به من قريتي إلى دبلين، فلما بلغت ~~إليها سمعت الأجراس تدق، ورأيت الشوارع غاصة بجماهير الناس، فسألت عن السبب في ذلك فقيل ~~لي إن المحكمة العليا حكمت بالإعدام على زعيم الثوار، وسينفذون الآن هذا الحكم. # فانقبضت نفسي وحدثني قلبي بمصاب أليم، وحاولت الرجوع ولكني كنت أشعر بقوة عظيمة ~~تجذبني إلى ساحة الإعدام. # ثم باتت تلك الساحة، ورأيت المشنقة منصوبة فحاولت الرجوع ولكن الناس كانوا ms1879 يزاحموني؛ ~~فالتصقت بتلك المشنقة دون أن أريد، وبعد هنيهة جاءوا بالمحكوم عليه وأصعدوه درجات ~~المشنقة فأغمضت عيني كي لا أرى ذلك المنكود، ولكنهما فتحتا بالرغم عني، فصحت صيحة منكرة ~~حسب الناس أن روحي خرجت معها من صدري، ذلك أن هذا المحكوم عليه كان هو، أي زوجي، وقد ~~رآني، وقال لي: «تذكري.» # ولم أعلم ما جرى بعد ذلك فقد أغمي علي، فلما فتحت عيني وجدت الظلام أسدل جناحه، ~~والناس قد تفرقوا، ورأيت نفسي بعيدة عن ذلك المكان الذي قتل فيه زوجي شهيد أرلندا، ~~ووجدت بجانبي رجلا لم أكن أعرفه من قبل، وهو يحمل ولدي النائم فقال لي: اتبعيني، ~~فتبعته وأنا فاقدة رشادي، لا أعلم أين أنا ولا كيف أسير. # وبعد مسير ساعة، وصلت إلى طريق قريتي فقال لي: اذهبي الآن إلى منزلك إذ لم أعد أخشى ~~على ولدك، فإن الظالمين لا يبحثون عنه في منزلك، ولو علموا أنه ابن زعيم الأرلنديين لما ~~أبقوا عليه، فاذهبي الآن رأف الله بحالك وتذكري. # ثم تركني وانصرف، فعلمت بعدئذ أن هذا الإنسان كان عارفا بما أوصاني به زوجي. # وعند ذلك مسحت الأرلندية دموعها، وركعت أمام الكاهن صموئيل وقالت له: إنك عرفت كل شيء ~~أستحلفك بالله وبذلك الإنسان الذي في سبيل الوطن أن تساعدني في سبيل إيجاد ولدي، إذ يجب ~~أن أكون معه في سانت جيل وأن ... # فقاطعها الكاهن بإشارة وقال: أنا هو الكاهن الذي سيقيم الصلاة غدا في سانت جيل، وأنا ~~هو الذي ينتظر قدومك بالغلام. # فنظرت إليه بانذهال عظيم وقالت: أنت هو؟ ~~- نعم يا ابنتي وأنا أيضا أنتظرك. ~~- وولدي أين هو؟ ~~- كوني مطمئنة فسوف نجده. # ثم التفت إلى شوكنج والرجل العبوس وقال لهما: إنكما ستساعدانني على إيجاد الطفل فيما ~~أظن. # فأجابه شوكنج إن إيجاده سهل؛ لأني أعرف أين هو. # وقال الرجل العبوس: إني مستعد لخدمتك في كل ما تريد. # فقال لهم: إذن هلموا بنا فإن هذا الغلام الذي نبحث عنه هو الذي تنتظره أرلندا. # وهموا بالخروج من الخمارة، فتقدمهم الكاهن ولكنه لم يمش خطوة ms1880 إلى الباب حتى رأى رجلا ~~قد دخل إلى هذه الخمارة، فما أوشك أن رآه حتى ارتعش ونظر إلى رفاقه نظرة تدل على القلق ~~والاضطراب. # 14 # ولم يكن منظر هذا الرجل الذي دخل يدعو إلى ما لقيه الكاهن من الاضطراب، فقد كان حسن ~~البزة، نظيف الملابس، مختما بخاتم ثمين من الماس مما يدل على أنه من أهل اليسر غير أن ~~عينيه كانتا غائرتين، وكانتا تشيران إلى ما فطر عليه من الخبث والطمع. # وكان على بساطة ظواهره يلقي الرعب في قلوب كثيرين من الذين عرفوه، فإنه كان يدعى ~~توماس الجن، وهو من أشهر المرابين في لندرا، وقد أرادت التقاليد أن يكون من ~~الإسرائيليين. # غير أنه كان يخالف أبناء طائفته في كثير من مبادئهم، فإن الربا يكاد يكون خاصا ~~بالإسرائليين، ولكن معظمهم يأخذون ربحا حلالا خلافا لهذا اليهودي، فقد كان يبلغ به ~~الطمع أن يجعل الربا ضعف الأصل لا يردعه ضمير ولا تمنعه عواطف رحمة وإشفاق. # وكان من عادته أن لا يرد طالب قرض، ومن كلامه المأثور: إن كل مديون لا بد له أن يدفع ~~في النهاية، وإن من يطالب بحقه لا يضيع له حق، ولذلك كان يسلف كل من يستدين منه بفوائد ~~عظيمة ، فلو قبض منه ربع ماله عليه لكان الرابح ولكنه كان يستعين بنظام لندرا الصارم، ~~فيستوفي كل ما يعتقده حقا، وما هو إلا سرقة واختلاس، ولذلك ألقى الرعب في قلوب ~~أمثاله، فكان إذا حيى أحدهم رفيقا قال له: أجارك الله من توماس. وكان هذا الدعاء خيرا ~~من التحية. # هذا هو الشخص الذي دخل إلى الخمارة السوداء، فارتعش لرؤياه الكاهن. # أما توماس فإنه لم يحفل باضطراب الكاهن بل دنا منه وقال له: إنه لو قيل لي إني قد ~~أجدك في مثل هذا المكان لما صدقت، ولهزأت بالقائلين. # وأجابه الكاهن بعظمة: إن من كان كاهنا يا سيدي، وجب عليه أن يذهب إلى كل مكان يدعوه ~~إليه الواجب. ~~- أرجوك العفو ومعاذ الله أن أحاول انتقادك، ولكني قلت هذا القول لأني أبحث عنك بحثا ms1881 ~~طويلا منذ حين فلا أجدك. ~~- ذلك لأني أقمت أسبوعين قرب مريض، ولم أكن أبرح منزله إلا إلى الكنيسة. ~~- ولذلك لم يجدوك في منزلك منذ أسبوعين، ولكنك أخطأت إلى نفسك خطأ عظيما. ~~- لماذا؟ ~~- لأن رجال النظام والعدالة قد فعلوا في هذه المدة ما وجب عليهم. والآن فلنبحث في ~~الموضوع فإنك اقترضت مني مائة جنيه لكنيستك منذ عام، وقد استحق الدين منذ شهر فما وفيته ~~إلى الآن. ~~- نعم، لكني كتبت إليك أستمهلك شهرين. ~~- لا أنكر ما تقول. ~~- وإني أقسم لك بأني أفيك مالك بعد شهرين، فقد أمرت وكيلي في أرلندا أن يبيع ما بقي ~~لي فيها من الأرض، وسيردني المال في أقرب حين. # وضحك توماس ضحك الهازئ، وقال: إني أعرف أراضي أرلندا وأثمانها، وأنا أشير عليك أن ~~تبحث عن طريقة أخرى. ~~- ماذا تهمك الطريقة ما دام المال سيدفع إليك؟ ~~- لقد أصبت لأن ذلك من شئونك الخاصة، ولا دخل لي بها. # ثم وقف وهم بالخروج من الخمارة، وظهرت علائم السرور على محيا الكاهن وقال له: إذن ~~رضيت إطالة الأجل شهرين؟ # فاندهش توماس وقال: متى قلت لك هذا القول؟ ~~- ولكني أقسم لك بأني سأفيك مالك حين الاستحقاق. ~~- هذا ما أتمناه لك. ~~- إذن أترفض تمديد الأجل ؟ ~~- إني لا أرفض ولا أقبل، لأن أمرك بات منوطا برجال النظام فاتفق معهم على ما ~~تشاء. ~~- إني رجل فقير، لا سبيل لي إلى التقاضي. # فهز توماس كتفه وقال: ليس ذلك من شأني. # ثم تركه وخرج من الخمارة، وتبعه الكاهن وفي أثره شوكنج والرجل العبوس والأرلندية، ~~والكاهن يتوسل إليه وهو لا يجيب حتى انتهى إلى مركبة، كان فيها اثنان وقال لهما: اذهبا ~~بحضرة الكاهن إلى سجن المفلسين، فإن أوامر القبض عليه صريحة لا اعتراض فيها. # ووضع أحد الجنديين يده على كتف الكاهن وأمره أن يصعد إلى المركبة. # وعند ذلك نظر الكاهن إلى الرجل العبوس نظرة يأس وقال: أستحلفك بالله أن تهتم بإيجاد ~~الغلام. ~~- أقسم لك بالله إني سأجده. # وصعد الكاهن إلى المركبة، وسار به الجنديان، وتهدد شوكنج توماس بقبضته ولكنه ms1882 هز كتفه ~~ومشى في حال سبيله دون أن يعبأ به، أما الأرلندية فإنها ركعت وجعلت تصلي. # 15 # وبعد أن انتهت من صلاتها وبكائها، أنهضها الرجل العبوس وقال: إني وعدتك بإرجاع ولدك، ~~ولا بد من إرجاعه فاطمئني وهلمي بنا. # ونهضت الأرلندية وسارت مع الرجلين، وكان الصباح قد طلع فركبوا مركبة، ودل شوكنج ~~السائق على الشارع الذي تقيم فيه فانوش، وانطلقت بهم تنهب الأرض. # وقال الرجل العبوس لشوكنج إبان مسير المركبة: يجب علينا الآن أن نبحث عن السبب الذي ~~حمل المعتدين على التفريق بين الأم وولدها فدعني أسألها علي أقف على السبب. # ثم جعل يسأل الأرلندية أسئلة مختلفة، غير أن هذه المنكودة لم تكن تعرف من أمرها أكثر ~~ما يعرف منه شوكنج، وقصت عليه كل ما علمه القراء إلى أن أخبرته بالدوار الذي أصابها حين ~~كانت واقفة تصلي، وأنها فقدت رشادها ولما استفاقت وجدت نفسها بعيدة عن ولدها في أقذر ~~شارع. # وقال لها: أرني لسانك. # فامتثلت ففحصه وقال: إنهم سقوك مخدرا، ونقلوك من مكان إلى مكان دون أن تشعري، وذلك ~~يدل على أنهم يريدون فصلك عن ولدك لسبب أجهله الآن، ولكن لا بد لي من معرفته فاطمئني ~~أيتها السيدة، فإنهم لم يسرقوا ولدك ليسيئوا إليه، فإن هذه المدينة المتسعة كثيرة ~~الأغنياء، ومن يعلم فقد يكون القصد من سرقة هذه المرأة لولدك أن تتبناه. ~~- كلا فإن مهنتها تربية الأطفال، وقد رأيت عندها بنتين صغيرتين كانتا ترتعشان خوفا ~~منها، حتى إن إحداهما قالت لولدي: لا تقم في هذا المنزل أو يضربوك كما يضربوننا. # وتاه الرجل العبوس في مهامه التصور والتفكير، واسترسلت الأرلندية إلى البكاء وظلت ~~المركبة مندفعة في سيرها حتى وصلت إلى الشارع المقيمة فيه فانوش، وأوقفها شوكنج على ~~مسافة قريبة من المنزل. # وقال له الرجل العبوس: ما هي نمرة المنزل؟ ~~- 35! ~~- إذن انتظرني في المركبة إلى أن أعود. # فأجفلت الأرلندية وقالت: ألا تصحبني ولماذا تدعني في المركبة ألست أنا التي يجب أن ~~تطلب ولدها؟ ~~- نعم يا ابنتي ولكننا لا نستطيع إرجاع الغلام إلا بالحيلة ms1883 لا بالعنف، لأن في هذه ~~العاصمة لا ينال مثل هذا الحق بالقوة غير الأغنياء وأصحاب المقامات، وما نحن منهم، وفوق ~~ذلك لا يحق دخول المنازل عنوة لأحد. # وذكر شوكنج ما في جيبه من الذهب وقال: ألم أخبرك أني غني؟ # فابتسم الرجل العبوس وقال: وأنا ألم أخبرك أنك طاهر القلب، وأنك أبله فانتظرني هنا مع ~~هذه السيدة حتى أعود. # وأطرق شوكنج برأس خجلا، وذهب الرجل العبوس إلى جهة المنزل، لكنه بدلا من أن يقرع ~~بابه تجاوزه إلى سواه. # وكان يوجد بإزاء المنزل خمارة دخل إليها وطلب كأسا من الشراب ثم أخذ يحادث صاحبتها ~~فقال لها: أتعرفين مسز فانوش؟ ~~- نعم فإنها من زبائني. ~~- أين تقيم؟ ~~- في هذا المنزل الذي أمامك رقم 35. ~~- إنما أسألك عنها؛ لأن لدي فتاة صغيرة أحب أن أعهد إليها بتربيتها، لقد علمت أنها ~~مربية أطفال. # واضطربت صاحبة الخمارة، وظهر أن عاملين يتنازعانها إلى أن تغلب أحدهما على الآخر ~~فقالت له: إني أرى عليك مخائل السلامة، وقد وجب علي نصحك ونصيحتي أن لا تضع فتاتك عند ~~هذه المرأة. ~~- لماذا، أما هي مربية أطفال؟ ~~- هي كذلك بالظاهر، أما بالحقيقة فهي سارقة أطفال. # فشكرها الرجل العبوس وتركها وانصرف. فمر بمنزل فانوش ونظر إليه نظرة الفاحص وتجاوزه ~~ماشيا على الرصيف؛ بغية فحص جميع ما يكتنفه وما يجاوره، ورأى رجلا تدل ملابسه على ~~الفقر المدقع، يسير الهوينى على الرصيف. # وتفرس فيه وكأنه دق عرفه فرسم على وجهه علامة الصليب بإبهام يده اليمنى، ولما رأى ~~الفقير هذه العلامة السرية، ورأى الرجل العبوس يتفرس فيه دنا منه وقال له: لقد عرفت ~~علامتك فماذا تريد أيها الأخ؟ # وأعاد الرجل العبوس رسم علامة الصليب مرة ثانية، ولكنه رسمها هذه المرة باليد ~~اليسرى. # فانحنى الفقير باحترام وقال له: مر أيها الرئيس فإني طوع لأمرك. # فقال الرجل العبوس: لقد علمت دون شك أن العلامة الأولى يراد بها أننا إخوان متساوون ~~في جمعية واحدة، وأن العلامة الثانية يراد بها أن لهذه الجمعية رؤساء ومرءوسين، فاعلم ~~الآن أني واحد من أولئك الرؤساء. ms1884 ~~- ماذا تريد أن أصنع؟ ~~- أريد أن تتبعني. # وتبعه الفقير ممتثلا دون أن يجيب. # 16 # أما الرجل العبوس فإنه سار توا إلى المركبة. # وقال له شوكنج: ماذا صنعت ألم تجد الغلام؟ # فلم يجبه والتفت إلى الأرلندية، وهي تبكي بكاء الأطفال وقال لها: لا أسألك يا سيدتي ~~إذا كنت تريدين إيجاد ولدك، فإنك تبذلين حياتك في هذا السبيل، ولكني أسألك أن تصغي ~~إلي. # فكفكفت الأرلندية دمعها وقالت: قل يا سيدي ما تريد؟ ~~- إن هذه المرأة التي كنت عندها سارقة أطفال، وهي لم تسرق ولدك للإساءة إليه بل لبيعه ~~لعائلة تبحث عن وريث، كما يظهر فاطمئني على ولدك فليس عليه أقل خطر، واعلمي أن هذه ~~المرأة لا تتوقع أن تراك، وإذا رأتك الآن أضعت الغلام، ولا تجيز الشرائع الإنكليزية ~~الدخول إلى المنازل فهي تنادي البوليس في الحال، وتطردك من المنزل. # نعم إنك تستطيعين رفع شكواك إلى القضاة، لكنها تكون قد تمكنت من إبعاد الولد قبل أن ~~يشرع القضاة بالتحقيق ولذلك يجب إذا أردت أن أعيد إليك ولدك أن تطيعيني طاعة لا حد ~~لها. ~~- مر أطع وقل ما يجب أن أصنع. ~~- يجب أن تبقي هنا في هذه المركبة مع شوكنج. # ثم التفت إلى شوكنج وقال له: إني ذاهب الآن إلى منزل هذه المرأة فإن رأيتني قد ظهرت ~~لك من نافذته دع السيدة في المركبة واحضر إلي. ~~- سأفعل ما تريد، اخفض صوتك لأني أرى رجلا يسمعنا. وقد أراد به الرجل الفقير. ~~- لا تخف هذا الرجل فهو معنا وراقب النافذة، وإذا رأيتني منها فأسرع إلي. # ثم تركهما وانصرف مع الفقير إلى منزل فانوش، وقد أمره أن يزرر ثوبه وفعل مثله إيهاما ~~لأهل المنزل أنهما من البوليس السري. # ولما بلغا الباب طرقاه مرات متوالية فلم يفتح الباب، بل فتحت نافذة مطلة على الشارع ~~وأطلت منها امرأة عجوز، فقالت لهما: ماذا تريدان؟ # أجابها الرجل العبوس: إننا نريد منزل مسز فانوش. ~~- إنه منزلها، لكنها ليست فيه الآن. ~~- لا بأس، افتحي لنا. ~~- ولكن من أنتما؟ # فقال لها الرجل العبوس بلهجة ms1885 الآمر: قلت لك افتحي. # فترددت العجوز هنيهة، ثم فتحت لهما ودخلا، وأسرع الرجل العبوس إلى إقفال الباب ~~والدخول. # ولما تبينتهما العجوز ذعرت وظهرت عليها علائم الخوف وقالت لهما: من أنتما وماذا ~~تريدان؟ # ولم يجبها الرجل العبوس بل تقدم إلى إحدى الغرف، وفتح بابها ورأى فيها البنتين ~~الصغيرتين، فامتنعتا عن الشغل وجعلتا تنظران إلى هذين الشخصين. # وعند ذلك التفت الرجل العبوس إلى العجوز وقال لها: تقولين إن مسز فانوش ليست في ~~المنزل؟ ~~- كلا؟ ~~- أين هي؟ ~~- مسافرة. ~~- حسنا وأين هي الأرلندية؟ # وارتعشت العجوز وقالت: لا أفهم ماذا تقول. ~~- لقد جاء أمس في الليل إلى هذا المنزل رجل وامرأة وغلام. ~~- إنك منخدع يا سيدي. ~~- كلا، لأن الرجل برح المنزل، أما المرأة والغلام فقد بقيا فيه. ~~- قلت لك يا سيدي إني لا أفهم ما تقول. # ثم نظرت إلى البنتين نظرة تهديد، كأنها تحذرهما من أن تبوحا بشيء غير أن الرجل العبوس ~~انتبه لنظرتها، فدنا من إحدى البنتين، وقال لها بلهجة لطف وحنان، ألم يحضر يا ابنتي ~~مساء أمس رجل وامرأة وغلام؟ # فقالت له الفتاة دون أن تكترث للعجوز: نعم يا سيدي. # وغضبت العجوز غضبا شديدا، وأخذت سوطها وحاولت ضرب الفتاة وهي تقول: سوف ترين أيتها ~~الكاذبة. # غير أنه قبض على يدها ومنعها عن ضربها ثم عاد إلى الفتاة وقال لها: قولي الحقيقة يا ~~ابنتي ولا تخافي، أتعشى الثلاثة الذين قدموا أمس هنا في هذا البيت؟ ~~- نعم. ~~- وبعد العشاء؟ ~~- أدخلوا الغلام وأمه إلى هذه الغرفة. # وأشارت إلى غرفة مقابلة لها، فأمر العبوس الفقير أن يفتح بابها ففتحه، ولم يكن أحد ~~فيها، وقال للفتاة: أين هما الآن؟ ~~- لا أعلم يا سيدي. ~~- ألم تريهما في هذا الصباح؟ ~~- كلا. ~~- ربما إنك لم تري الأم فهل رأيت الولد؟ ~~- كلا. ~~- وأين هي مسز فانوش؟ ~~- لا أعلم. # وعادت العجوز إلى الهياج وقالت: سوف أميتك أيتها الكاذبة جلدا بالسياط. # وهمت أن تهجم عليها، ودفعها الرجل بصدرها دفعة شديدة، وسقطت على المقعد وقال لها: إذا ~~خطر لك أن تفوهي بكلمة قتلتك دون إشفاق. ms1886 # ثم دنا من النافذة ففتحها، ووقف كي يظهر لشوكنج كما اتفقا. # 17 # ورأى شوكنج إشارة الرجل العبوس وأسرع إلى مقابلته، ونزل الفقير ففتح له الباب، أما ~~المرأة العجوز فقد كانت ملقية على المقعد، وهي توشك أن يغمى عليها من الخوف، وأما ~~البنتان فقد كانتا تضحكان. # ولما دخل شوكنج نظر إلى ما حواليه ولم يجد الولد، وقال له الرجل العبوس: أخاف أن ~~يكونوا خطفوه. # ثم عاد إلى الفتاة الصغيرة وقال لها: أأنت واثقة يا ابنتي أنك لم تري الولد مع مسز ~~فانوش؟ ~~- نعم. ~~- أتعرفين هذا الشخص. وأشار إلى شوكنج؟ ~~- نعم، هو الذي جاء أمس مع المرأة والغلام. # والتفت عند ذلك إلى الرجل الفقير وقال له: إني أعهد إليك بمراقبة هذه العجوز، وإذا ~~فاهت بكلمة وحاولت الاستغاثة اخنقها. # ثم خرج من الغرفة مع شوكنج وتفقد جميع غرف المنزل، وبحث في الحديقة وفي السطح بحثا ~~مدققا، فلم يجد أثرا للغلام، وعاد إلى العجوز فوجدها ترتعش من الخوف غير أنها كانت ~~مصممة على الإنكار وقال لها: إنك قد ارتكبت جريمة هائلة لا يكون عقابك بعدها غير الشنق ~~على أني أعد لك وسيلة للنجاة إذا أردت السلامة، وهي أن ترشديني إلى مكان الغلام. # وقالت له بصوت يتهدج من الخوف : اصنع بي ما تشاء، لأن الله يعينني عليك. ~~- إنه يوجد مركبة أوقفناها خاصة قرب هذا البيت، سنأخذك بها إلى إدارة البوليس وهناك ~~تقولين ماذا فعلتم بابن الأرلندية، إلا إذا أردت أن تقولي هنا فنكفيك هذه ~~المشقة. ~~- قلت لك لا أعلم. ~~- بل تعلمين. ~~- اقتلني إذا شئت، فإني لا أقول شيئا ولا أعلم شيئا. # فقال له شوكنج: أتريد أن أخنقها؟ ~~- افعل، لأن الموت أقل ما تستحق. # وأخذ شوكنج منديله ولفه على عنقها فجعلت تصيح بصوت أبح وتقول: اقتلوني إذا شئتم ولكني ~~لا أقول. # وأمره الرجل العبوس أن يضغط ففعل مهددا، وصاحت العجوز صياح المختنق وكادت تبوح بما ~~تعلمه. # غير أنهم سمعوا فجأة جرس الباب الخارجي يقرع قرعا شديدا، فكف شوكنج عن الضغط ونظر ~~إلى الرجل العبوس نظرة المستشير، ms1887 واغتنمت العجوز هذه الفرصة وجعلت تصيح وتستغيث. # ثم توالى قرع الجرس فأسرع الرجل العبوس إلى النافذة المطلة على الشارع، وأطل منها ~~ورأى مركبة جميلة واقفة عند باب المنزل، وقد خرج منها رجل نبيل وقف بجانبه رجلان من ~~البوليس. # وأدرك العبوس ما يحدق به من الخطر وأسرع إلى شوكنج والفقير وقال: هلموا بنا إلى الهرب ~~وأسرعا. # ثم تقدمهما راكضا إلى الحديقة، ووجد المفتاح في بابها ففتحه وخرج منه وأسرع الرجلان ~~إلى الخروج في إثره. # ولما أمنوا الخطر قال العبوس لشوكنج: إننا لم نجد الغلام اليوم ولكن لا بد أن نجده في ~~الغد. # ثم أعطاه ورقة مالية قيمتها عشرة جنيهات وقال له: خذ هذه الورقة واذهب بالأرلندية ~~واستأجر لها بيتا موافقا وسليها عن مصابها، وعدها بإنقاذ ولدها قريبا لأني كما قلت ~~لك لا بد من أن أجده. ~~- وأنت ألا تحضر معنا؟ ~~- كلا إذ يجب أن أرى الكاهن صموئيل. ~~- كيف تراه وهو في السجن؟ ~~- ذلك أني سأحبس نفسي معه في السجن. ~~- لكنك إذا دخلت إلى السجن لا تخرج منه فكيف تستطيع البحث عن الغلام؟ ~~- إني أواعدك على اللقاء غدا في الساعة الرابعة في شارنج كروس، وعادتي أن أفي متى ~~وعدت. # ثم افترقا فذهب شوكنج إلى الأرلندية وهو يتوجع لمصابها، وذهب الرجل العبوس يتبعه ~~الفقير إلى شارع أكسفورد، وهناك أمر الفقير أن يعود إلى بيت فانوش. وأن يراقب ذلك الرجل ~~النبيل الذي دخل إليه ويقتفي أثره أينما ذهب، ويعلم اسمه، وضرب له موعدا للقاء في ~~المكان الذي عينه لشوكنج. # فانحنى الفقير وانصرف ممتثلا، وذهب الرجل العبوس في شأنه. # 18 # ولنذكر الآن ما جرى لابن الأرلندية وكيف اختفى. # ولا بد لنا أن نعود بالقارئ إلى بضع ساعات، حين كان ولتون والسائق ذاهبين بالأرلندية ~~بغية إلقائها في النهر، فإن مسز فانوش لبثت واقفة في ذلك الحين عند باب المنزل تشيع ~~اللصين بالنظر حتى توارت المركبة عن أنظارها، وعادت إلى منزلها وأحكمت إقفال ~~بابه. # ثم دخلت إلى الغرفة التي كان نائما فيها ابن الأرلندية، وجعلت تتفرس فيه ms1888 وتقول في ~~نفسها: ما أعجب هذا الاتفاق الذي قدر لي الخروج من ذلك المأزق الضيق، بل إن هناك ~~اتفاقا أعجب، وهو أن هذا الغلام يشبه ابن مسز إميلي بعض الشبه، فإني سأسعد هذه المرأة ~~كما أشقيت تلك، ومصائب قوم عند قوم فوائد. # وعند ذلك خرجت إلى قاعة الطعام ونادت العجوز قائلة لها: اجلسي بجانبي نتحدث فإن أمرنا ~~خطير. # ولم يرق هذا الاقتراح للعجوز وقالت: لقد دب النعاس إلى أجفاننا فلننم الآن ولنرجئ ~~الحديث إلى الغد. # فاتقدت عينا فانوش بأشعة الغضب وقالت: أتظنين أيتها البلهاء أني أدفع لك راتبا كي ~~تأكلي وتشربي وتنامي؟ # فاشمئزت العجوز من هذا التقريع العنيف وقالت: أشكرك يا سيدتي لإحسانك إلي بالرواتب ~~الكثيرة، لكني لو لم أكن في منزلك لما سارت أعمالك هذا السير المنتظم، فإن الأولاد عندك ~~لا يرهبون إلاي. ~~- ذلك أكيد، لكن أعيد عليك ما قلته وهو أنه يجب أن نتحدث. ~~- إذن قولي ما تريدين. ~~- يجب أن ننظر الآن فيما يجب أن نفعله بهذا الغلام. ~~- إنك تعلمين أكثر مني. ~~- إن مسز إميلي وزوجها سيحضران بعد شهر فليس الوقت متسعا لدينا كي نربيه على ما ~~نريد. ~~- إن السوط يكفل حل كل عسير. # فهزت فانوش كتفها وقالت: إنك كلما كبرت زدت خرفا وبلاهة. ~~- وبخيني واشتميني كما تشائين فإنك تدفعين لي رواتبي. ~~- لا أريد توبيخك بل أريد أن أظهر لك أن نفسك خالية من الذكاء، فإنه يجوز لنا أن نضرب ~~الأطفال الذين عهد إلينا بتربيتهم؛ لأن أهلهم يدفعون لنا نفقاتهم ولا يطلبونهم إلا بعد ~~عهد طويل، أما هذا الغلام فإننا سنسلمه إلى مسز إميلي بعد شهر، فنحن أحوج إلى إرضائه ~~منا إلى ضربه، وذلك أولا لكي ينسى أمه التي افترق عنها بما يجده من المؤانسة ~~والملاطفة، ثم لأني رأيت منه صدقا في العزيمة وصلابة في الرأي، ولذلك لا أجد بدا من ~~أن ننهج معه مناهج اللين. ~~- إذن اعهدي به إلي فإني لا أعرف الرفق في تأديب البنين. ~~- بل سأفعل خيرا من ذلك، أي إني سأبعده عن هذا البيت، ms1889 فإنه متى صحا فيه، ولم يجد ~~أمه، ملأ الدنيا صراخا وعلم أهل الشارع بأمره، وافتضح أمرنا. ~~- والسوط؟ # وغضبت فانوش وقالت: ألا تزالين أيتها البلهاء تذكرين السوط، ألم أقل لك إني أريد أن ~~ألاينه وأسترضيه؟ ~~- عفوك فقد نسيت، ولنعد إلى قولك الأخير، فإلى أين تريدين الذهاب به؟ ~~- إلى ذلك البيت الجديد الذي اشتريته في خلاء همبستاد، فإنه يكاد يكون مقفرا، وفيه ~~حديقة غناء يلعب فيها الولد كما يشاء، فمتى عادت مسز إميلي أكون قد دربته على ما أريد، ~~وجعلته يعتقد أنها أمه الحقيقية، وأن الأرلندية، لم تكن غير مرضعة، أما أنت فستبقين في ~~البيت وتحتفظين به كما لو كنت فيه. ~~- إنك تعلمين أني مخلصة لك كل الإخلاص. ~~- إذن اذهبي الآن ونامي، أما أنا فإني ذاهبة الآن بالغلام. # فانصرفت العجوز وهي تقول افعلي ما تشائين، أما أنا فإني أفضل السوط. # ولم تحفل فانوش بقولها، ونادت خادمتها وقالت: احضري مركبة فإننا ذاهبون الآن إلى ~~همبستاد. # فامتثلت الخادمة، وعادت فانوش إلى حجرة الغلام. # وكان الغلام نائما نوم تخدير - كما تقدم - والمخدر يؤثر بالصغار وضعفاء البنية أكثر ~~من تأثيره بالكبار والأصحاء، فأخرجته من سريره دون أن يستفيق وألبسته ثيابه. # ولما انتهت من ذلك عادت الخادمة وأخبرتها أن المركبة على الباب فأمرتها أن تحمل ~~الغلام إليها. # فقالت لها: ألعلك تريدين إغراقه أيضا؟ # أجابت: كلا، فإننا سنكسب منه ألف جنيه على الأقل، بل نحن سنذهب به في البرية. # وحملته الخادمة وخرجت به وتبعتها فانوش إلى المركبة، وسارت بهن وبلغت همبستاد بعد ~~ساعة والغلام لا يزال نائما، وأخرجتاه من المركبة وأطلقتا السائق. # وكان هذا البيت صغيرا قليل الغرف، غير أنه كان يحيط به حديقة متسعة، وحملت الخادمة ~~الغلام واجتازت به الحديقة تتقدمها فانوش، فشعرت أنه بدأ يتحرك وقالت لسيدتها: إنه ~~سيفيق قريبا. ~~- لا بأس الآن فليستفق ويصرخ قدر ما يشاء، فلا جيران لنا يسمعون صياحه. # ثم دخلت به إلى البيت، ووضعته على مقعد، ولم يكد يستقر عليه حتى تحركت شفتاه، وكان ~~أول كلمة فاه بها قوله «أمي». # وبعد ms1890 هنيهة فتح عينيه ونظر إلى ما حواليه ورأى فانوش وقال لها: أين أمي؟ ~~- نائمة يا بني. # فنهض عن المقعد ونظر إلى نفسه ورأى نفسه بملابسه وتذكر أنه خلعها قبل وقال لفانوش: ~~لماذا أنا بملابسي؟ فلم تجبه. # وعاد إلى سؤالها عن أمه فقالت له: إني ذاهبة لأناديها. # ثم خرجت من الغرفة، وقد نظرت إلى الخادمة نظرة سرية، وكانت قد علمتها ماذا يجب أن ~~تصنع مدة سيرهما في المركبة. # أما رالف فإنه سأل الخادمة أيضا: لماذا أنا بملابسي؟ ~~- إن أمك ألبستك إياها. ~~- وأين هي الآن؟ ~~- في الدور العلوي. ~~- إني أريد أن أذهب إليها. # ثم مشى إلى الباب فحالت الخادمة دونه وقالت له: بل تبقى هنا. ~~- وإذا كنت لا أريد. ~~- ولكني أنا أريد. # وضرب الأرض برجله وقال: إني أريد أن أذهب إلى أمي. # ثم حاول أن يبعد الخادمة ويخرج فوقفت عند الباب ومنعته، فدفعها بعنف وغضبت منه وصفعته ~~على وجهه صفعة تألم منها ألما شديدا، وضم يده وضربها ضربة شديدة نتج عنها أن هذه ~~المرأة الوحشية أخذت سوطها وقالت له: سوف ترى أيها الوقح كيف أربيك. # ثم انهالت بسوطها على ذلك المسكين، فجعل يصيح صياحا يقطع القلوب من الإشفاق، لكن هذه ~~المرأة لم يكن لها قلب يعرف الرحمة . # 19 # ولندع الآن هذا الغلام المنكود مع ظالميه، والأرلندية أمه مع شوكنج، ولنعد إلى ذلك ~~الكاهن صموئيل الذي تركنا الجنديين ذاهبين به إلى السجن فنقول: يوجد في لندرا سجن خاص ~~بالذين يتأخرون عن دفع ديونهم. ينفق كل دائن على من يسجنه فيه إلى أن يدفع الدين فيخرج ~~منه أو يمل الدائن من الإنفاق ويطلق مدير السجن سراحه. # وقد كان هذا الكاهن استدان مائة جنيه من الصراف الإسرائيلي، وأنفقها على المعوزين من ~~قومه، وهو يرجو أن يفي الدين في الأجل المعين بما سيبيعه من أرضه في أرلندا، إلا أن ~~البيع لم يتيسر في الموعد المضروب، وأدخله الصراف إلى سجن المفلسين، وأبى أن يمدد أجل ~~دينه، كما علم القراء من حديثهما في الخمارة السوداء. # ومن شروط هذا ms1891 السجن، أنه إذا أراد أحد أقرباء المديون أو أحد أصحابه أن يسجن بدلا ~~منه يأذنون له فإذا عجز المديون عن الوفاء وأراد الذي سجن مكانه أن يخرج من السجن، جيء ~~بالمديون الأصلي فسجن، وأطلقوا سراح من ناب عنه. # غير أن هذا الكاهن على كثرة أصحابه ومريديه لم يلق من يعرفه حين ذهب به الجنديان، ~~وأبت نفسه الكريمة أن يطلب إلى من كان في الخمارة أن يسجن واحد منهم في مكانه إلى أن ~~يتيسر له السعي لإيجاد المال، وسيق إلى السجن وعينوا له خير مكان في القاعة العامة فإن ~~الجميع كانوا يحبونه لما عرف به من الصلاح. # ولقد تقدم لنا القول أن الرجل العبوس أخبر شوكنج أنه سيجتمع بالكاهن في سجنه، وواعده ~~على المقابلة في اليوم التالي، ولما افترق عن شوكنج ذهب إلى منزله وغير ملابسه، ومضى ~~توا إلى سجن المفلسين، وهو يفكر في طريقة تمكنه من أن يرى الكاهن ويخرجه من ~~السجن. # ولما وصل إلى ذلك السجن، وجد في باحته قهوة يختلف إليها أهل المسجونين وأصحابهم ~~فيقيمون فيها إلى أن يؤذن لهم بمقابلتهم. # وجلس أمام مائدة مع الجالسين، وجعل يجيل بينهم نظر الفاحص الخبير بشقاء ~~القلوب. # ونظر فتاة في ريعان الشباب فضح فقرها لباسها، وستر ذلك الفقر ظواهر الأدب والوقار، ~~فهاجت بقلبه عوامل الشفقة لما رآه من دلائل انكسارها وشقائها؛ فإنها كانت مطرقة إلى ~~الأرض والدموع تنهل من عينيها، ولا ترفع نظرها إلا حين تشعر بقدوم قادم جديد إلى ~~القهوة. # ثم دنا منها وسألها عن سبب بكائها بلهجة حنو أنست بها الصبية، وحكت له حكايتها، ~~وخلاصتها أن مهنة أبيها النجارة، وأنه مديون بعشرة جنيهات لشخص لا رحمة في قلبه، وقد ~~سلمه منذ ساعة إلى الجنود لسجنه حتى يفي الدين فأرسل إليها أبوها من أخبرها بالأمر ~~فسبقته إلى السجن كي تراه قبل دخوله إليه، وإنها الآن تنتظره. # وقد حكت له هذه الحكاية بملء البساطة، فوصفت له معيشتها مع أبيها، وأنهما في أشد ~~حالات الفقر، بحيث يستحيل على أبيها وفاء الدين. وأنه ms1892 إذا بات ليلتين في السجن تموت هي ~~من الجوع، ويموت هو من اليأس. # فرق الرجل العبوس لحكايتها، وتمثل له الشقاء بأبلغ صورة، فطيب خاطر الفتاة ووعدها ~~خيرا. # وقد خطر له أن يستفيد من هذه الصدفة في الغاية التي يسعى إليها. فبينما هو يحادث ~~الصبية ويعدها بإنقاذ أبيها من السجن تفريجا لكربتها، إذ دخل إلى القهوة جنديان كان ~~بينهم رجل تدل ملابسه أنه من العمال، وقد طبع اليأس على جبينه، فلما رأته الصبية شهقت ~~وقالت: هذا أبي، ثم أكبت على صدره تغسله بدموعها. # فاحترم الجنديان هذا المشهد المؤثر، وابتعدا عنها وجلسا حول مائدة وطلبا زجاجة من ~~الشراب يصرفان الوقت بها حتى يتم الرجل وداع ابنته ويوصيها بما يريد. # وعند ذلك دنا الرجل العبوس من الجنديين وحياهما أحسن تحية، فاستقبلاه خير استقبال لما ~~رأياه من حسن أدبه، وظواهر نبله، وجمال لباسه، مما يدل أنه من الأعيان، وأنه قادم إلى ~~السجن للفرجة والتفقد، شأن كثير من ذوي اليسار والفراغ. # أما الرجل العبوس فإنه جلس معهما وجعل يحادثهما عن سجن المفلسين ونظاماته. ثم استطرد ~~إلى البحث في أمر هذا الرجل وابنته، والسبب في سجنه ومبلغ دينه. فأخبراه بما عرفه من ~~الصبية، فأظهر الرجل العبوس توجعا شديدا لهذا المنكود شاركه فيه الجنديان، لأنهما ~~كانا عارفين بفقره المدقع. # ثم قال لهما: لقد خطر لي أن أحل محله في السجن. # فضحك الجنديان لاقتراحه وحسباه ممازحا فقال له أحدهما: كيف يدخل من كان مثلك ~~السجون؟ ~~- يدخل ليخرج سواه. ~~- ولكنك لست من أهل الرجل ولا من أصدقائه. ~~- ومع ذلك إني أحب أن أحل محله لأفرج غمه. ~~- إن ذلك سهل عليك تستطيعه دون الدخول إلى السجن، فإذا دفعت عنه ما عليه أطلقناه في ~~الحال. # فابتسم الرجل العبوس وقال: إني أعلم من ذلك ما تعلم، غير أني أوثر الدخول إلى السجن ~~لأسباب كثيرة، منها أني أجد لذة في هذه المشقة التي سأكابدها عن هذا المنكود لا أجد ~~مثلها إذا اقتصرت على دفع المال، فقد تعودت مثل هذا الإحسان حتى مللته. # ومنها ms1893 أني أحب أن أدرس أحوال هذا السجن، وأتفقد المسجونين فيه، علي أجد بينهم من ~~يستحق الإفراج فأدفع دينه وأفرج عنه. وماذا عليكما إذا أدخلتماني إلى السجن بدلا من ~~هذا الرجل؟ # فعبس الجندي وعلم أنه غير مازح فيما قاله لما رآه من ظواهر جده فقال له: لا بأس، غير ~~أن العادة أن يدخل السجين نفسه إلى السجن، ولا يخرج منه إلا بدفع المال أو عفو الدائن ~~أو حلول غيره محله كضامن له إلى أن يجمع المال. وجميع هذه الأمور يكون مرجع الحكم فيها ~~إلى حاكم السجن دون سواه. ~~- إني أعلم جميع هذه القيود، غير أن حاكم السجن لا يعرف هذا الشخص بالذات. ~~- ماذا تريد بهذا القول؟ ~~- أريد به أني لو لبست هذه الملابس الرثة، التي يلبسها ذاك النجار، وعرضت على حاكم ~~السجن باسمه لحبسني، وهو يعتقد أنه يحبس النجار نفسه. ~~- لكن من يقدمك للحاكم باسم النجار؟ ~~- أنت ورفيقك هذا، ولا جناح عليكما، لأني سأدفع المال عن هذا النجار. ولدي كثير منه ~~في محفظتي، فيطلقون سراحي ولا يدري بأمرنا أحد. فتكونان قد أحسنتما إلي لتسهيل سبل ~~غايتي، وما وراءها إلا الخير، وأحسنتما إلى نفسيكما بما سأدفعه لكما من المكافأة عن هذه ~~الخدمة الصالحة. # ثم أخرج محفظة من جيبه ، كي يدفع ثمن الشراب، وفتحها أمام الجنديين. فرأيا فيها من ~~الأوراق المتكدسة ما أدهشهما، فجعلا يتشاوران بالنظر. # وبعد أن دفع الرجل العبوس عشرة أضعاف ثمن الشراب بسخاء نادر، وعاد إلى إغواء ~~الجنديين، وقد ترك المحفظة مفتوحة أمامهما. فطال العهد بهما حتى أقنعهما فنقدهما عشرين ~~جنيها، واتفق معهما على أن يلبس ملابس النجار كي لا يلتبس أمره على الحاكم. # ولما تم الاتفاق ذهب إلى النجار وابنته، وأخبرهما بما حدث فجعلا يبكيان بكاء الفرح ~~والامتنان. # ثم دخلا إلى غرفة من غرف القهوة، ولبس الرجل العبوس ملابس النجار، وعاد إلى الجنديين ~~فذهبا به إلى الحاكم، فأمر بإدخاله إلى السجن. أما النجار وابنته فإنهما عادا إلى ~~منزليهما، وهما يدعوان الله لهذا الإنسان النبيل. # 20 # وكان حاكم هذا السجن ms1894 كثير الشفقة والحنان، شديد الرأفة بالمسجونين، حريصا على ~~راحتهم. فلما دخل عليه الرجل العبوس، وهو بملابس النجار طيب خاطره وعزاه ثم دخل به إلى ~~السجن. # وعندما فتح باب السجن، كان الكاهن صموئيل راكعا على الأرض، وبيده كتاب صلاة. وكانت ~~تلك القاعة مظلمة رطبة لا نار فيها تقي ألم البرد غير أن وجه الكاهن كان يشرق بفضيلة ~~الصبر إشراقا. فلما رأى الحاكم قد دخل عليه وقف له احتراما وحياه. # فتأثر الحاكم لما رآه من شقائه وقال له: إن تأثري شديد من هذا المرابي المحتال، لأنه ~~لا أدب في نفسه، ولا رحمة في قلبه، وليس له شيء من صفات الإنكليز. # فابتسم الكاهن وقال له: لماذا تحكم عليه هذا الحكم الصارم؟ ~~- لأني أراه أفرط في العنف، لكن عنفه لا يطول لأن لي سلطة تامة في السجن ~~وسأستخدمها. # ثم التفت إلى كاتبه وقال له: اكتب في الحال كتابا إلى توماس الجن، وقل له إن ما ~~ينفقه على مسجونيه غير كاف وإن إدارة السجن ترى أن الكهنة لا يجب أن يعاملوا معاملة ~~الصادين، وأنه إذا لم يعين في القريب العاجل نفقات كافية للكاهن صموئيل فإن الإدارة ~~تطلق سراحه. # فابتسم الكاهن أيضا وقال له: أشكرك يا سيدي خير الشكر لأنك خير من عرفت من الحكام ~~ولكني أرجوك أن لا تكتب شيئا لهذا المرء لأني بخير، وقد تعودت شظف العيش. ~~- لكن ذلك مستحيل إذ لا تستطيع أن تعيش هذا العيش وإذا رضيته لنفسك فلا أرضاه ~~لك. ~~- إني أعود أيضا إلى شكرك ورجائك أن لا تكتب لهذا الشخص، لأنه من أهل الشر ولن تنال ~~منه شيئا. غير أني أسألك أن تأذن لي بالكتابة إلى أرلندا فإنهم يرسلون إلي في الحال ~~قيمة ما علي لهذا الشخص. ~~- سأفعل ما تريد ولكن بقاءك على هذا الفراش من القش يؤذيك، لأن البرد قارص. ~~- لقد رقدت مرات على أخشن منه، انظر إلى هؤلاء المسجونين التعساء؛ لأنهم أولى ~~بالإشفاق مني. # وفيما هو يتكلم رأى الرجل العبوس بجانب الحاكم فبرقت عيناه وحاول أن يكلمه، غير ms1895 أن ~~العبوس أسرع إلى وضع سبابته فوق فمه إشارة إلى السكوت فانصرف الكاهن إلى محادثة الحاكم، ~~وبعد هنيهة تفقد الحاكم المسجونين وخرج من السجن. # وبعد ذلك خلا الكاهن بالرجل العبوس، وقد اعتبر لأول وهلة رآه أن دخوله إلى السجن لم ~~يكن لدين عليه بل كان الدين حجة تذرع بها للوصول إليه فكان أول ما سأله إياه قوله: ~~أعثرت على الغلام؟ # فرد العبوس: كلا. # فامتعض الكاهن وقال: رباه! إني أسير في السجن، ولا حيلة لي بالبحث. # فقال له العبوس: إني لم أعثر على الغلام، ولكني سأعثر عليه وأقسم لك على ذلك. ~~- لكن كيف تجده وأنت سجين مثلي؟ ~~- هو ما تقول. غير أني أستطيع الخروج من السجن حين أريد. ولكني أردت أن أراك وأحدثك، ~~ولهذا دخلت إلى السجن بدلا من إنسان فقير. # فعجب الكاهن لأمره ورأى الإخلاص يجول في عينيه فقال له: من أنت أيها المرء لأني توسمت ~~فيك الخير حين رأيتك؟ # فأطرق العبوس بعينيه إلى الأرض وقال: إني كنت من كبار المجرمين فتبت توبة صادقة منذ ~~عشرة أعوام، وأنا أضحي نفسي كل يوم في سبل الخير راجيا أن أنال عفو الله. # ثم رأى أن الكاهن لم يثق به كل الثقة، فرسم بإبهامه على وجهه تلك العلامة السرية التي ~~أكرهت ذلك الفقير على الخضوع حين شاهده قرب بيت فانوش. # فارتعش الكاهن حين رأى العلامة، وعاد العبوس إلى رسمها أيضا، فمد الكاهن يده وصافحه ~~وقال: إذن أنت أرلندي، وقد كنت أحسبك فرنسيا؟ ~~- بل أنا فرنسي ولكن جميع أهل الشقاء إخواني. ~~- ولكني رأيت من علامتك السرية، أنك واحد منا فمن أدخلك في سلكنا؟ ~~- شخص مات في سبيل أرلندا. ~~- وهذا الشخص؟ ~~- إن الإنكليز الذين حكموا عليه وأعدموه شنقا يحسبون أنه إنسان فقير متسول من عامة ~~الناس ويدعونه فالتن. # فاضطرب الكاهن وقال: أنت عرفت فالتن؟ ~~- إني عشت وإياه عيشا واحدا ستة أشهر في دبلين. ولما حكم عليه بالإعدام أنقذته من ~~سجنه، وكاد يفوز بالفرار إلى أوروبا. ولكن الله أبى أن يبلغ كل مراده، فإني استأجرت ~~سفينة ms1896 وجعلت بحارتها من الفرنسيين، وتوليت أنا رئاستها، فركبناها وركب معنا فالتن، وكنت ~~واثقا من الفوز كل الثقة. # وفيما نحن في البحر والسفينة تمخر بنا إلى أرض الحرية قال لي فالتن: إني أراك واثقا ~~من الفوز غير أن قلبي يحدثني بأني غير ناج من قبضة الإنكليز، وقد حان لي أن أخبرك من ~~أنا لأن ساعتي أتت. # ثم مال على أذني وأخبرني عن تينك العلامتين، وهما علامة العضو البسيط في جمعيتنا ~~وعلامة الرؤساء. # وقال لي: إنك ستذهب أيضا إلى لندرا فتبحث في تلك المدينة المتسعة عن كاهن شاب يدعى ~~الكاهن صموئيل، فإنه رئيسنا الأكبر إلى أن يترعرع الغلام الذي ننتظره فيتولى الرئاسة ~~العليا مكانه، ومتى اجتمعت بالكاهن حدثه عني، وإذا كنت قد قضيت فاذكر حوادثي الأخيرة. ~~أما إذا بلغت إلى أرض الحرية ونجوت من الإنكليز لا تقل شيئا عني لأنه لم يرني مرة في ~~حياته ولكنه يعرفني. ~~- إذن قد مات فالتن؟ ~~- نعم، فإننا بينما كانت السفينة تمخر بنا، هبت عاصفة شديدة ألقتها على الصخور، ~~والتجأنا كلنا إلى صخر ولم يكن عندنا ريب أننا سنموت جوعا. غير أنه عندما أشرق الصباح ~~ظهرت لنا دارعة إنكليزية فقال فالتن: هلموا نشير إليها. # فمنعته عن ذلك وقلت: إننا إذا استسلمنا إلى الدارعة عرفوك وقبضوا عليك وعدت إلى ~~سجنك. # قال: إذا مت أنا افتديتك وافتديت سائر البحارة، فالموت محتم ومعاذ الله أن أرضى لكم ~~الموت من أجلي. ثم نزع قميصه دون أن يصغي إلي، وجعل يشير بها إلى الدارعة، فرآنا ~~رجالها، وأسرعوا إلى نجدتنا. فحملونا بقارب إلى الدارعة فنجونا كلنا ما خلا ~~فالتن. # فقال الكاهن: أرأيته حين إعدامه؟ ~~- نعم فقد أعدم بعد ذلك بأسبوع في مدينة دبلين، وكنت واقفا تحت المشنقة فكان آخر ~~كلمة قالها لي «تذكر». # وكان العبوس يروي الرواية بلهجة تدل على تأثره، فمد إليه الكاهن يده، وقال: أمن أجل ~~هذا أتيتني؟ ~~- نعم. ~~- رباه وكيف السبيل إلى إيجاد الولد لأن الأرلندية قد صدقت فيما قالته، وابنها هو ~~الذي ننتظره لنكون له خداما أمناء. ~~- إني أقسم ms1897 لك بأننا نجده. # فقال بلهجة تشف عما خامر فؤاده من الحزن: لكن كيف؟ # فابتسم العبوس وقال: أصغ إلي تعلم كيف نجد الغلام. # 21 # ثم قص عليه جميع ما حدث له بالتفصيل، وكيف دخل إلى منزل فانوش، وأيقن من اختفاء ~~الغلام، حتى إذا أتم حديثه قال الكاهن: إني أرى عليك مظاهر الارتياح، لاعتقادك أن ~~الغلام قد اختطفته المرأة لبيعه لإحدى العائلات، وإن التفتيش عنه سهل ميسور، فأصغ ~~إلي الآن أنت بدورك. # كانت أرلندا منذ مائة عام على ما هي الآن راصفة في قيود الذل والاستعباد للإنكليز ~~فاستمرت ثلاثين عاما تحارب حرب كفاح عن حريتها برئاسة رجلين كانا أخوين. # وكان هذان الشخصان من نسل ملوكنا القدماء، وللأرلنديين اعتقاد أنه لا ينقذ أرلندا من ~~ربقة العبودية غير أحد أبناء هذه الأسرة. # وقتل أحد الأخوين في ساحة القتال، أما الآخر فقد خان أمته ووطنه وباع نفسه للإنكليز؛ ~~فكافأته إنكلترا فجعلته عضوا في البرلمان ومنحته لقب اللوردية. # وولد لهذا الخائن ولدان فخلف أحدهما أباه في البرلمان وبقي إنكليزي المبدأ، وأما أخوه ~~فإنه ذكر أن الدماء التي تجول في عروقه أرلندية وأنه يجب أن يموت شهيدا بها. # وهذا الرجل يدعى السير أدموند، فإنه برح إنكلترا عائدا إلى أرلندا وقد علمت كيف مات ~~من الأرلندية . ~~- أهو والد الغلام الذي نبحث عنه وزوج تلك المنكودة؟ ~~- هو بعينه. ~~- لقد فهمت الآن كل شيء. ~~- كلا، لم تفهم شيئا، فإن أخا السير أدموند بدلا من أن يمد يده لأخيه، ويعينه على ~~إنقاذ أرلندا من قبضة الإنكليز، مالأ الإنكليز على أخيه وحقد عليه حقد اللئام. ~~- ألا يمكن أن يكون هذا الخائن نفسه قد اختطف الغلام؟ ~~- نعم إنه هو الذي اختطفه ولكنه لم يسرقه ليجعله وريثه، بل ليمحو أثره من الوجود ~~ويتبعه بأبيه؛ فإن من قتل الأسد لا يعف عن الشبل، ونهر التيمس بعيد الغور. # ارتعش الرجل العبوس وذكر في الحال ما أخبره به شوكنج عن ذلك اللورد الذي أمره أن ~~يقتفي أثر الأرلندية وأعطاه عشرة جنيهات، فقال للكاهن: إنك مصيب في ظنك ms1898 كما أرى. فهل ~~تعرف اسم هذا اللورد شقيق السير أدمون؟ ~~- نعم إنه يدعى السير بالمير. # فصاح الرجل العبوس صيحة خوف وإشفاق وقال: لم يبق لدي شك أن سارق الغلام هو هذا ~~اللورد، ولذلك يجب أن نسرع إلى الخروج من السجن في الحال ونجد الولد. # فأن الكاهن أنين الموجع. وقال: كيف السبيل إلى الخروج من السجن؟ إن هذا المرابي ~~قد حبسني وعاملني دون إشفاق؛ لأنه مدفوع إلى هذه الفظاعة من أولئك الذين يضطهدوننا، ولم ~~يكن غير آلة في أيديهم فإنهم قد عرفوا أن الغلام قادم من أرلندا وأني سأحتفل صباح اليوم ~~بقداس بحضور أربعة رجال هم رؤساء مثلي في جمعيتنا وهم قادمون من أرلندا وأيكوسيا وبلاد ~~الغال وأميركا، وأنا صلة التعارف بينهم فإنهم لا يعرفون بعضهم بعضا ولكن أعدائنا عرفوا ~~بأمرهم، وعرفوا أني سأبارك الغلام أمامهم فحالوا دون هذا الاجتماع بسجني في اليوم ~~المعين لاجتماعنا وحالوا دون مباركة الولد باختطافه. # ثم أطرق برأسه وقال: ويلاه إنهم قد يكونون قتلوه، وأنا أسير في هذا السجن فكيف ~~أعمل؟ ~~- أما الولد فلا بد أن نجده ويستحيل أن يقتلوه كما تتوهم، وأما هذا السجن فإننا ~~نستطيع الخروج منه متى شئنا. # فنظر الكاهن إلى ملابسه الرثة وقال: يستحيل الخروج من السجن إلا بعد دفع الدين وأين ~~نجد المال؟ ~~- تجده في جيبي فإن لدي من الأموال قدر ما تشاء لخدمة أرلندا، فلا تعجب لأمري فستعلمه ~~بعد. # وقد رأيت الحاكم ميالا إليك فادعه الآن، وأنا أدفع عنك وعني ونخرج من هذا السجن في ~~الحال. ثم أخرج محفظة أوراقه من جيبه، وفتحها أمام الكاهن فسر بما رآه سرورا لا يوصف ~~وأسرع إلى خادم السجن فسأله أن يدعو له الحاكم. # وبعد هنيهة أقبل الحاكم فدفع الرجل العبوس دينه ودين الكاهن، فسر الحاكم بما رآه من ~~كرم الرجل العبوس، وعلم - كما أوهمه - أنه رجل غني من أهل الخير يتنكر ويدخل مثل هذه ~~السجون، فيفرج عن التعساء فيها، وللحال أطلق سراحهما مع رجلين آخرين دفع عنهما الرجل ~~العبوس دينهما لما تبينه من ms1899 حالتهما التي تحمل على الإشفاق، وسار الكاهن والرجل العبوس ~~وقد شيعهما الحاكم إلى الباب بمظاهر الاحترام والإجلال. # 22 # عندما خرج الكاهن والعبوس من السجن كان الظلام قد انسدل وأضاءت لندرا مصابيحها، وهي ~~لا تنقص عن المليون وتعكس أشعتها على مياه التيمس، وترقصها الرياح وتضطرب فوق الأمواج. ~~ولما بلغا إلى الشارع سأله الرجل العبوس إلى أين يريد الذهاب؟ ~~- إلى كنيسة سانت جيل. # وسارا مسرعين وجعلا يتحادثان على الطريق ما يأتي: # وقال له الرجل العبوس: إني عهدت بالأرلندية صباح اليوم إلى شوكنج، وواعدته على اللقاء ~~غدا لأني لم أكن متوقعا الدخول إلى السجن بهذه السهولة، ولذلك فلا نستطيع أن نقف على ~~أخبار الأرلندية وابنها قبل غد. ~~- كيف نقف على أخبار ابنها؟ ~~- لأني كلفت رجلا فقيرا من جمعيتنا أن يقتفي أثر الرجل النبيل الذي طرق باب بيت ~~فانوش حين كنت فيه وواعدته على اللقاء غدا أيضا كما واعدت شوكنج. ~~- في أي مكان؟ ~~- في محطة شارتج كروس. ~~- إذن لنذهب توا إلى سانت جيل، وقد يكون الأربعة الذين أنتظرهم كتبوا لي ~~شيئا. # وساروا حتى انتهوا إلى منزل فانوش، وهو في طريقهم إلى سانت جيل، ورأى العبوس ذلك ~~البيت مظلما لا أثر للنور فيه، ثم رأى رجلا يمشي على الرصيف فارتعش لمرآه، لأنه كان ~~ذلك الفقير الذي كلفه بمراقبة النبيل، وناداه وقال له: لماذا أنت هنا؟ ~~- لأن الشخص لا يزال في البيت. ~~- أهو فيه منذ الصباح؟ ~~- كلا، بل إنه خرج صباحا وسار بمركبته إلى منزله في الشارع شترستريت. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- اللورد بالمير. # ودنا الكاهن عندما سمع هذا الاسم، ورآه الفقير فتوقف عن الكلام إلى أن أمره العبوس ~~بالكلام وقال: إنك أمرتني أن أعرف اسم هذا الرجل ومنزله، وأن أعود بعد ذلك إلى مراقبة ~~البيت، وعدت ووقفت بجواره مراقبا كل النهار ولم يحدث شيء، وبقيت العجوز في البيت، غير ~~أن اللورد عاد إلى البيت منذ ساعة وهو لا يزال فيه. # والتفت العبوس إلى الكاهن وقال له: إني لا أجد بدا من الدخول إلى هذا البيت. ~~- كيف تدخل ms1900 إليه؟ ~~- لا أعلم، ولكني سأجد طريقة وربما دخلت من باب الحديقة المشرف على الزقاق، غير أنه ~~يجب أن تبقى أنت والفقير في مكانكما. ~~- حسنا سأقف، لكن ماذا يجب أن أعمل. ~~- تتبعان اللورد بالمير إذا خرج من المنزل قبل أن أعود إليكما؟ ~~- سأقف فاذهب أنت في شأنك. # وابتعد الكاهن والفقير ووقفا في منعطف وجعلا يراقبان البيت، وذهب الرجل العبوس إلى ~~الزقاق بغية دخول البيت من باب الحديقة، فما مشى خطوتين إلى الزقاق حتى أحس أن رجلا ~~يتبعه، ووقف فرأى الرجل قد وقف أيضا فتنبه له وقال: سوف نرى من هذا الشخص. # ثم عاد إلى المشي وتبعه الرجل إلى أن مر بباب الحديقة، ورأى نورا ينبعث من نافذة ~~المنزل إلى شجرة كبيرة في الحديقة. # وهناك وقف ورأى الشخص أسرع في خطواته واقترب منه وقال في نفسه: لقد عرفت من أنت وماذا ~~تريد وسوف ترى أني أخبث منك. # ولما كاد يدنو منه مشى العبوس مجتازا باب الحديقة، وجعل يمر بأبواب المنازل فيهزها ~~ويتفقدها كي يعلم إذا كانت محكمة الإقفال، ثم عاد بعد أن تفقد جميع أبواب الزقاق إلى ~~الحديقة. # والعادة في إنكلترا أن البوليس يتفقد المنازل، فإذا رأى باب أحدها مفتوحا طرق الباب ~~ونادى أصحاب البيت كي يقفلوه، بحيث أيقن الشخص الذي كان يتبع العبوس أنه من رجال ~~البوليس السري. # ولما عاد العبوس بعد تفقد المنازل إلى الحديقة، التقى بالشخص الذي كان يتبعه فقال له ~~الرجل: ألعلك نسيت أيها الزميل أنك متنكر فكيف تتفقد الأبواب؟ # فقال له العبوس: إني تعودت هذه العادة بحيث لا أمتنع عنها ولو كنت متنكرا. # فخدع الرجل وكان بوليسا متنكرا بقول العبوس وقال: لقد أصبت فإني أنا متعود هذه ~~العادة أيضا، وقد تفقدت هذه الأبواب قبلك، ولكن ماذا تعمل هنا؟ # فغمز العبوس بعينه وقال: وأنت ماذا تعمل؟ # وضحك البوليس وقال له: أرى أنك أحد الأربعة الذين طلبهم اللورد اليوم من إدارة ~~البوليس. ~~- هو ذاك. ~~- لا أدري ما يحمل هذا اللورد على مبارحة قصره المنيف والقدوم في الليل إلى أشد ms1901 ~~الشوارع خطرا، إذ لا يقيم في هذا الشارع غير الأرلنديين، فلو علموا أن عضوا من ~~البرلمان قد جاء شارعهم، فماذا يفعلون؟ ~~- اسكت أيها الرفيق فإن ذلك لا يعنينا، لكن هذا اللورد يقيم في المنزل منذ ~~ساعة؟ # وقال البوليس: نعم. ~~- ولذلك بدأت أخاف عليه، ولم يعد بد من الاطمئنان. # وقد ذكر الرجل العبوس أنه حين خرج صباحا من باب الحديقة أقفل الباب وراءه إقفالا ~~بسيطا، ودنا من ذلك الباب ودفعه ففتح، ودهش البوليس وقال له: ماذا تفعل؟ ~~- أريد أن أتفقد اللورد فإني أخشى أن يكون أصيب بمكروه. # ولم يعترضه البوليس لاعتقاده أنه زميل له، ودخل العبوس وأقفل باب الحديقة من الداخل ~~بالمفتاح، فمشى مشيا خفيفا إلى ناحية المنزل واختبأ وراء الشجرة، ونظر إلى النافذة ~~التي كان ينبعث منها النور في غرفة أرضية فرأى المرأة العجوز واللورد بالمير جالسين على ~~مقعد وهما يتحدثان، فنام على الأرض وأخذ يزحف زحفا إلى النافذة كي يسمع ما يقولان. # 23 # لا بد لنا قبل بيان السبب الذي عاد من أجله اللورد إلى منزل فانوش أن نعود إلى ما حدث ~~في صباح ذلك اليوم حين اضطر الرجل العبوس ورفاقه إلى الهرب من باب الحديقة. # فإن اللورد بالمير حين عاد إليه شوكنج، وأخبره بعنوان المنزل الذي ذهبت إليه ~~الأرلندية، رأى أن يحضر إلى منزل فانوش، ويقول للأرلندية: إنه كان صديقا لزوجها، ويذهب ~~بها وبولدها إلى منزله، وهناك لا يعدم وسيلة لإدراك سؤاله من هذا الغلام الذي قد يكون ~~خطرا قويا على إنكلترا يوما من الأيام. # فذهب إلى المنزل وطرق الباب مرارا فلم تفتح له العجوز إلا بعد أن استفاقت من رعبها، ~~وهرب العبوس ومن كان معه، فاعتذرت إليه لتأخرها عن فتح الباب بحجة أنها كانت في ~~الحديقة. # ثم دخلت به إلى قاعة الجلوس، ورحبت به ترحيبا عظيما لما رأته من ظواهر نبله، فقال ~~لها اللورد: إنك مربية أطفال أليس كذلك؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- ولك شريكة كما قيل لي؟ ~~- نعم، لكنها ليست في لندرا الآن فهي في الضواحي. ~~- لا ms1902 بأس، ولكنكم أضفتم أمس امرأة وابنها أليس كذلك؟ ~~- فارتعشت العجوز وحسبت أنه زوج مسز إميلي فقالت له: ألعلك يا سيدي السير ~~واترلي؟ ~~- كلا، بل أنا اللورد بالمير. # وعضت العجوز شفتها، ووقفت موقف الحذر فقال لها اللورد: إني أتيت بطلب المرأة والغلام ~~لأنهما من أهلي. ~~- ولكنهما سافرا في هذا الصباح يا حضرة الميلورد. ~~- إلى أين؟ ~~- لا أعلم. # فنظر إليها نظر الفاحص وقال: أأنت صادقة فيما تقولين؟ ~~- نعم يا سيدي الميلورد، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ولكن شريكتي قد تقول لك ما أجهله أنا. ~~- وأين هي شريكتك الآن؟ ~~- في منزلها في ضواحي لندرا، لكنها ستعود في المساء فإذا أحببت أن تراها تجدها في ~~انتظارك. # ورأى اللورد من حديثها واضطرابها أن في الأمر سرا وقال لها: إني أمنحك مائة جنيه ~~إذا كنت تخبرينني في مساء اليوم أين أجد الأرلندية وغلامها ولا سيما الغلام. ~~- إذن أنت تبحث يا حضرة الميلورد عن الغلام بشكل خاص؟ ~~- نعم. # وكانت العجوز كثيرة الطمع، حاقدة على مولاتها، فطمعت بمال اللورد وقالت له: إذن عد في ~~المساء، وإني أعدك بإخبارك عما تريد. فتركها اللورد وذهب. ~~••• # أما العجوز فإنها استرسلت إلى التصورات بعد ذهابه، وجعلت تقول في نفسها: إن فانوش ~~محتاجة إلى الغلام وهؤلاء الثلاثة الذين كادوا يقتلونني محتاجين إليه، ثم إن هذا اللورد ~~النبيل الذي طالما قرأت اسمه في جريدة التيمس محتاج إليه فلماذا لا أغتنم هذه الفرصة ~~وأستفيد من أمواله. # إني إذا كتمت السر ووفيت بعهد فانوش، فإنها ترضى عني وتكافئني عن وفائي بثوب قديم أو ~~حذاء جديد، وهذا منتهى ما يبلغ إليه كرمها، لكن كرم هذا اللورد لا يقف عند حد وعده بل ~~أضمن بماله مستقبلي، ولا أبوح له بالسر إلا بعد أن ينقدني ما أريد، ويبعدني عن لندرا، ~~بحيث أكون أمنت انتقام فانوش. # وعلى ذلك فقد عزمت عزما أكيدا على خيانة فانوش. # أما اللورد بالمير فإنه عاد في الساعة الثامنة مساء، لكنه خشي سوء العاقبة بذهابه ~~منفردا إلى شارع يقيم فيه الأرلنديون، وذهب إلى مدير البوليس وأخبره عن المكان ms1903 الذاهب ~~إليه، وسأله أن يرسل إلى تلك الجهة أربعة من رجال البوليس السري. # وكانت العجوز قد أنامت البنتين حين قدومه ففتحت له الباب، وذهبت به إلى غرفة أرضية ~~معتزلة في الحديقة كي لا يسمع حديثهما أحد، ثم أقفلت الباب وجلست وإياه على مقعد قرب ~~النافذة وقالت له: إني أعلم يا حضرة اللورد أين هو الغلام، لكني لا أخبرك بموضعه إلا ~~بعد شروط أقترحها فإن حياتي ورزقي معرضان للخطر. # فأجابها ببرود: قولي ما هي شروطك. ~~- أطلب ما يقيني شر العوز إلى آخر العمر. ~~- أيكفيك إيراد مائة جنيه في العام؟ ~~- يكفي، لكن ليس هذا كل ما أطلبه. ~~- ماذا تريدين غير هذا؟ ~~- أريد أن أبرح لندرا كي لا يقف الذين أخونهم على أثري. ~~- أتريدين الذهاب إلى أوروبا؟ ~~- كلا فإني أوثر الإقامة في بريتون. ~~- اذهبي إلى حيث تشائين. # وفيما كانت العجوز تتكلم سمعت حركة في الحديقة فأسرعت منذعرة إلى النافذة كي ترى مصدر ~~هذه الحركة. # 24 # إن الحركة التي سمعتها العجوز كانت صادرة من الرجل العبوس كما سترى فلقد تركناه يزحف ~~على بطنه حتى وصل إلى تحت النافذة، لكنه لم يكن يسمع حديث اللورد والعجوز. # وكانت النافذة عالية نحو مترين، وفي قربها شجرة ضخمة التصقت أغصانها بجدار الغرفة، ~~ورأى الرجل العبوس في ذلك الجدار مروحة يضعها الإنكليز في معظم الغرف لتجديد الهواء، ~~فارتأى أن يتسلق الشجرة، ويضع أذنه على مروحة الجدار، فانكسر الغصن لثقل جسمه، وخرج ~~لانكساره ذلك الصوت الذي سمعته العجوز. # ولو جرى مثل هذا الحادث لغير الرجل العبوس، كان سقط على الأرض وافتضح أمره، غير أنه ~~لما شعر بانكسار الغصن وثب كالهر إلى غصن آخر وتعلق به، وجعلت العجوز تجيل نظرها في ~~الحديقة دون أن ترفع رأسها إلى الشجرة، فاطمأنت وعادت إلى اللورد وقالت: لا شك أن هذا ~~الصوت خرج من الزقاق، وعند ذلك عاد الرجل العبوس فاختار موقفا صالحا للسمع وسمع ما ~~يأتي: # قال اللورد بالمير: ما بالك لا تزالين مضطربة وإذا كنت أتولى حمايتك فمم ~~تخافين؟ # قالت: ذلك لا ريب ms1904 فيه، غير أني لا أقول شيئا قبل أن أصير في طريق بريتون. ~~- كيف ذاك ألا تقولين لي الليلة أين هو الغلام؟ # وأجابته بلهجة كاد ييأس لها اللورد: كلا لا أقول، ومع ذاك فلا خوف على الغلام، ولا ~~بأس أن تراه غدا. ~~- لكنك وعدتيني أن تخبريني بأمره في هذا المساء. ~~- أصغ يا سيدي لاقتراحي فإن خوفي شديد ولا أنثني عن عزمي، أما اقتراحي فهو أن تأتي ~~في الساعة السابعة من صباح غد، فتحضر إلي المال الذي وعدتني به وأذهب معك في مركبتك ~~إلى حيث يقيم الغلام. # ولما رأى اللورد من لهجتها أنه يستحيل إقناعها قال: لا بأس، سأحضر غدا. # ثم وقف يحاول الانصراف، فنزل الرجل العبوس عن الشجرة وهو يقول في نفسه: لقد قضي الأمر ~~وليس اللورد بالمير الذي يأخذ الغلام بل نحن. # ثم خرج من الحديقة إلى الزقاق بينما كانت العجوز منهمكة بتوديع اللورد ورأى البوليس ~~لا يزال في مكانه فقال له البوليس: ماذا جرى؟ ~~- لم يجر شيء فإنه لا يزال في المنزل فابق في مكانك، وسأذهب أنا فأراقب في ~~الشارع. # ثم تركه وانصرف إلى حيث كان الكاهن والفقير، فأسرع إليه الكاهن وقال: ماذا ~~رأيت؟ ~~- لا حاجة الليلة إلى اقتفاء أثر اللورد فإننا سنظفر بالولد غدا في مثل هذه ~~الساعة. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- إني سأقص عليك ما علمت واحكم بعد ذاك. # ثم قص عليه جميع ما سمعه من اللورد والعجوز، وأضاف إلى ذاك قوله: إني واثق كل الثقة ~~ولو كنت أعلم أين شوكنج الآن لذهبت إلى الأرلندية وطمأنتها، لكن لندرا متسعة ولا بد ~~من الصبر إلى الغد. ~~- لنصبر والآن هلموا بنا إلى سانت جيل. # وسار الثلاثة إلى تلك الكنيسة، ففتح الكاهن بابها بمفتاح كان بجيبه ودخل مع ~~رفيقيه. # وكان فيها أمام الهيكل رجل عجوز راكع يصلي، ولما رأى الكاهن نهض منذعرا وأسرع إليه ~~فقال: ألعلك نسيت يا سيدي أن اليوم كان يوم 27 أكتوبر فقد كانت الكنيسة في الصباح غاصة ~~بالمصلين؟ ~~- وا أسفاه إني كنت في السجن للدين الذي ms1905 تعرفه، فلا تخف هذين الرجلين فإنهما من ~~إخواننا وأخبرني بما جرى. ~~- إن الناس انتظروا حتى سئموا، فتفرقوا وكان بينهم الأربعة الذين تنتظرهم فانصرفوا مع ~~الناس إذ لم أجد سبيلا لحملهم على الانتظار. # فقال الكاهن بلهجة اليأس: وأنا لا أجد سبيلا للاهتداء إليهم، فقد مضى الموعد ~~المعين. # فابتسم الرجل العبوس وقال: أما أنا فسأجدهم. ~~- كيف؟ ~~- بواسطة الجرائد فإنه يوجد في لندرا مائتا جريدة يقرأها ملايين الناس، فلننشر في ~~جميع هذه الجرائد إعلانا واحدا مآله أن كاهن سانت جيل يعلن لطائفته أن الاجتماع ~~الديني الذي كان موعد عقده 27 أكتوبر قد تأجل إلى 3 نوفمبر، فإذا نشر هذا الإعلان في ~~مائتي جريدة فلا بد أن يطلع عليه أولئك الأربعة القادمون من أرلندا وأيكوسيا وأميركا ~~وبلاد الغال. ~~- إن الطريقة مضمونة، ولكن أين نجد المال لنشر هذه الإعلانات؟ ~~- تجده عندي إن لدي كثيرا من الملايين معدة لخدمة أرلندا. # 25 # ولنعد الآن إلى الأرلندية، إن هذه المنكودة عندما عاد إليها شوكنج فأخبرها أن ابنها ~~غير موجود في منزل فانوش صارت تبكي بكاء مؤلما، وهي توشك أن تجن من يأسها، فأخذ شوكنج ~~يعزيها ويعدها الوعود الجميلة، وهي لا تريد إلا بكاء ويأسا فقال لها: كفاك يا سيدتي ~~بكاء، إن الرجل العبوس لا بد أن يجد ابنك، ويأتي به أينما كان أليس لك ثقة بهذا الرجل ~~الكريم؟ فلم تجبه. فقال: إذا كنت لا تثقين به ألا تثقين بالكاهن صموئيل؟ ~~- ولكنه في السجن. ~~- إنه سيخرج منه اليوم أو غدا دون شك، إن الرجل العبوس وعد بإنقاذه وهو لا يخلف ~~وعدا. # ولبث شوكنج يعزي هذه المنكودة، ويواسيها حتى أذعنت له ورضيت بالذهاب معه إلى غرفة ~~يستأجرها لها، فذهب الاثنان إلى منزل معد للتأجير فاستأجر غرفة للأرلندية وغرفة له ~~وأقام معها طول ذلك النهار. # وكانت قاعدة معه تظهر الجلد، ولكنها لم تكتم في خاطرها قصدا عزمت على فعله وهو أن ~~تغافل شوكنج وتعود إلى بيت فانوش معتقدة أنها لا تعود منه إلا بولدها. # فلما أقبل الليل تظاهرت أنها في حاجة ms1906 إلى النوم، فودعت شوكنج ودخلت إلى ~~غرفتها. # أما شوكنج فإنه كان طاهر القلب، سليم النية، ولكنه على طهارة ضميره لم يكن يخلو من ~~عيوب لطول عهده بعشرة الأشرار، فكان أخص ما اقتبسه منهم عادة السكر. # فلما نامت الأرلندية ذكر ما في جيبه من المال، وحن إلى الشرب فخرج من المنزل إلى أقرب ~~خمارة منه، وجعل يشرب وهو يعتقد أن الأرلندية قد أضناها التعب فنامت. # غير أنه كان مخطئا في زعمه، إن هذه المنكودة سمعت وقع أقدامه على السلم حين خروجه من ~~المنزل فأطلت من النافذة وراقبته حتى رأته اجتاز الشارع فخرجت من البيت، وسارت إلى ~~الشارع المقيمة فيه فانوش وهي تقول في نفسها: سأكرهها على إرجاع ولدي أين كان. # بينما كانت تسير مسرعة، وهي لا تعي لفرط اضطرابها صدمت رجلا كان قادما من الطريق ~~الذاهبة فيها فصاح الرجل صيحة دهش حين رآها، ونظرت الأرلندية إليه فتذكرت أنها رأته أمس ~~في السفينة. # أما الرجل فقد كان اللورد بالمير وكان في ذلك الحين عائدا من بيت فانوش بعد أن اتفق ~~مع العجوز على ما عرفناه. # وكان شوكنج لم يذكر شيئا للأرلندية عن اللورد بالمير احتفاظا بثقتها فيه ولخجله من ~~ارتكاب خيانة التجسس لا سيما بعد أن عنفه الرجل العبوس على ما فعل، لم تجد الأرلندية ما ~~يحملها على الخوف من هذا اللورد. # أما اللورد فلم يكد يراها حتى صاح صيحة دهشة، وعقبها صيحة فرح وقال: أهذا أنت أيتها ~~العزيزة؟ # وكانت الأرلندية قد رأته في السفينة يمتاز على سائر ركابها بمظاهر نبله، ثم رأته الآن ~~وهي في أشد مواقف الضيق، شعرت بعاطفة سرية تدفعها إلى الثقة به، سرت لرؤياه وقالت: أحمد ~~الله لالتقائي بك، إن الله قد أرسلك إلي. ~~- ولكني أراك تبكين؟ # قالت بصوت يتهدج: إنهم خطفوا ولدي فرده إلي بالله، إنك قوي قادر. # وكان اللورد لا يعلم أنهم فرقوا بين الأم والولد. # تأبط ذراعها وقال لها: اصعدي معي إلى هذه المركبة، إني عضو من أعضاء مجلس اللوردية ~~وسأرد لك ولدك بما لي ms1907 من النفوذ. # امتثلت المنكودة وصعدت إلى المركبة، وقد أشرق في قلبها نور الرجاء، وسارت المركبة إلى ~~منزل اللورد. # أما شوكنج، كان في ذلك الحين آمنا مطمئنا، يشرب القدح تلو القدح. # وكانت هذه المنكودة لم تر منذ وصولها إلى لندرا غير الأشقياء والبؤساء ورجال الشر، ~~سرها أن أرسلت لها الأقدار معينا قويا من أعظم رجال المملكة سلطة ونفوذا وثقة به، ~~إن جميع الذين عرفتهم وعدوها بإرجاع ولدها فما وجدت بينهم من صدق في وعده، وقد وعدها ~~هذا اللورد النبيل مثل وعدهم، فكان أولى منهم بثقتها وأدعى إلى رجائها، وفوق ذلك أن ~~اللورد كان يكلمها بأرق الألفاظ. # ولما عرفها بنفسه وملأ قلبها رجاء قال لها: بقي أن تعلمي أيتها العزيزة أني لم ألتق ~~بك اتفاقا، إني أبحث عنك منذ أمس في هذه العاصمة المتسعة الأرجاء. # فدهشت وقالت: أنت تبحث عني ولماذا؟ ~~- لأن هذا الولد العزيز الذين تبكين لفراقه أذكرني رجلا عرفته في عهد شبابي، وهو من ~~خير الأصدقاء. ثم تنهد وقال بلهجة بدا فيها التأثر: وإن هذا الصديق قد مات وا أسفاه ~~لأشرف الغايات. # فارتعشت الأرلندية وذكرت زوجها اللورد. # أما اللورد فإنه مضى في حديثه وقال: إن هذا الحبيب أدمون قد مات في سبيل أرلندا ~~العزيزة، ألا يمكن أن يكون هذا الرجل والد ابنك؟ # واضطربت تلك الأم اضطرابا عظيما وقالت: أتدعو هذا الرجل الذي مات مجاهدا عن أرلندا ~~أدمون وتقول إنك تحبه؟ # فتظاهر اللورد بالبكاء وقال: كيف لا أحبه وهو أخي؟ # وقالت الأرلندية: وأنا كيف لا أبكيه وهو زوجي، وكيف لا أثق بعد الآن بإرجاع ولدي وهو ~~ابن أخيك؟ # فعانقها اللورد عناقا طويلا، وقال: لقد عرفت ذاك من عيني الغلام فلا تبكي بعد الآن ~~أيتها الحبيبة فإن ولدك ولدي ودمه دمي وهو عندي. # وأوشكت المسكينة أن تجن من فرحها، وقالت كيف ذلك ألعلك وجدته وكيف تقول أنه ~~عندك؟ ~~- نعم إنه مقيم في قصر من قصوري، يبعد ثلاثين مرحلة عن أرلندا، وأنا مخبرك بكل أمر ~~فإن امرأة مهنتها سرقة الأطفال خدعتك ودعتك إلى ms1908 منزلها، ففرقت بينك وبين ولدك أليس ~~كذلك؟ ~~- نعم فقد سقتني شرابا مخدرا فضاع رشادي. ~~- ثم ألقوك في الطريق. ~~- نعم ولما استفقت وجدت نفسي في مكان مجهول. ~~- أتمي حديثك يا ابنتي. # وقد دفعها إلى الكلام كي يقف على حقيقة أمرها ويؤلف حيلة لخديعتها. # وحكت له كل ما جرى لها بالتفصيل، وكيف اهتم الكاهن والرجل العبوس بأمرها. # وعلم اللورد أن اللذين اختطفوا ولدها لا يريدون به غير المتاجرة، وندم على ما وعد به ~~العجوز إذ كان يعتقد أنها تخون أرلندا بإرشاده إلى الغلام. # وعند ذاك وقفت المركبة أمام باب قصره، فنزل وأنزل الأرلندية فبهتت لما رأته من ظواهر ~~العظمة والجلال، ودخل بها اللورد إلى ذاك القصر المنيف وقال لها: هنا ولد زوجك أخي. ثم ~~مشى بها من قاعة إلى أخرى حتى أدخلها إلى قاعة الاجتماع الكبرى، فجلس وجلست بجانبه وهي ~~منذهلة لما تراه من البذخ والثروة. ثم قرع الجرس فأسرع الخادم إلى إجابته. # فقال: اصعد إلى غرفة مسز ألن وقل لها إن أباك ينتظرك في القاعة الكبرى، وإنه وجد الذي ~~كان يبحث عنه. # فانحنى الخادم وانصرف. # وبعد هنيهة، فتح الباب ودخلت منه صبية تدهش الأبصار بجمالها، وفخامة ملابسها، فخجلت ~~الأرلندية من نفسها لفقر ملابسها، ودنت منها الصبية وحيتها. # وقال لها أبوها: عانقيها يا ابنتي فإنها أرملة الحبيب أدمون. ~~••• # أما شوكنج فإنه أقام في الخمارة إلى منتصف الليل، فتعشى وعاد إلى غرفته فنام إلى ~~الصباح، وانتظر الأرلندية مدة طويلة فلم تخرج من غرفتها، وقام إلى تلك الغرفة وطرق ~~بابها فلم تجب، فقلق ونظر إلى الباب ورأى المفتاح فيه فأداره وفتح الباب ووجد الغرفة ~~خالية، والنافذة مفتوحة، والفراش على ما كان عليه من انتظام أول الليل. # ونادى عند ذاك صاحبة المنزل، وسألها عن الأرلندية فقالت إنها لم ترها. # وكان في ذلك البيت امرأة من ساكنيه فقالت إنها رأت الأرلندية خارجة من البيت في أول ~~الليل. # فأظلم النور في عيني شوكنج، وأشرف على اليأس وخرج من البيت لا يعي وأخذ يطوف في ~~الشوارع والأزقة المجاورة ms1909 سائلا عن الأرلندية ذاكرا أوصافها فلم يرشده أحد ~~إليها. # وقال في نفسه: لقد فقدت كما فقد الغلام، ولولا إدماني الشراب لما أصبت بهذه النكبة، ~~فويح لنفسي ماذا أقول للكاهن صموئيل، وماذا أقول للرجل العبوس؟ # وقد ذكر عند ذاك موعده مع العبوس في محطة كروس فقال: لأذهب إليه فإن هذا الرجل قادر ~~على كل شيء، فهو يجد الغلام وأمه وقد أخطأت ولا بد لي من إخباره بما حدث. # وذهب إلى المحطة فوجد الرجل العبوس بانتظاره، ورأى معه الكاهن صموئيل، فعظم العبوس في ~~عينيه، إذ وفى بما وعد به من إنقاذ الكاهن، لكنه كان مضطرب الوجه متلعثم اللسان، ولم ~~يعلم منه العبوس خبر اختفاء الأرلندية إلا بعد الجهد، ولما أتم حكايته قال له: ألم تهتد ~~إلى المكان الذي يمكن أن تكون فيه. # فقال شوكنج: لو كنت أعلم ذاك المكان لكنت ذهبت إليه. # فهز الرجل العبوس رأسه وقال: ألا تذكر أنك أوقفت اللورد بالمير على أثرها فمن من ~~الناس غيره يهتم بشأنها؟ # فقال الكاهن: أتظن أن اللورد اختطفها؟ ~~- لا أقول ذاك على سبيل الظن بل إن لي ملء الثقة، وإذا كانت الأرلندية قد اختطفت فهي ~~دون شك عند اللورد بالمير. # ولما سمع شوكنج كلامه هم بالذهاب. # فقال له العبوس: إلى أين؟ ~~- إلى بيت اللورد. ~~- كلا لم يحن الوقت ، إذ يجب أن نجد الابن قبل الأم. ~~- متى نجده؟ ~~- في هذا المساء ونحن في حاجة إليك فهلموا بنا لأن الوقت فسيح لدينا. # 26 # كان اللورد بالمير يتحدث مع ابنته في الساعة السابعة من المساء. # وكانت ابنته مسز ألن من الفتيات اللواتي إذا شبهت بالثمرة، فقد يقال فيها إنها نضجت ~~قبل أوان النضج، فإنها على غضاضة شبابها، وما يدعو إليه سنها من الاندفاع في تيار ~~الصبا. # كانت تتشاغل عن ملاهي النساء على فرط جمالها بأحاديث السياسة وآراء العلماء. ولم ~~يفتها شيء من دقائق تاريخ بلادها، وأسرار الثورة الأرلندية، وكانت تشبه أباها بكره ~~أرلندا، وهي مهد أسرتها وأم آبائها، وتكره كل ممالئ لها على الإنكليز، بحيث كانت ms1910 أعظم ~~نصير لأبيها في تلك الأغراض. # وكان أبوها في تلك الساعة يحدثها عن الأرلندية وابنها، فبدأت بمعارضته قائلة: إني لم ~~أدرك قصدك إلى الآن. ~~- لكنه بسيط فإني أريد الاستيلاء على الغلام، وحرمان الأرلنديين منه إذ قد يتولى ~~زعامتهم متى ترعرع وبلغ رشده. ~~- إن القصد حسن، لكن. ~~- لقد فهمت ما تريدين فإنك تنكرين علي تربية الغلام الذي لطخ أبوه اسم عائلتنا بموته ~~شنقا. ~~- هو ذاك. # فابتسم وقال: أصغ إلي يا ابنتي فإني بت واثقا الآن أن الغلام لم يسرقه الأرلنديون ~~ليجعلوه رئيسا لهم، بل اختطفته امرأة لتبيعه من عائلة تتبناه، وهنا لا بد لك أن تعجبي ~~كيف أني أسعى إلى إنقاذه وحقي أن أدعه وشأنه بين أولئك السارقين، لكن أصغي إلي إصغاء ~~تاما تعلمي قصدي. # إني أريد الاستيلاء على الأم وابنها وإرسالهما إلى قصرنا، في ضواحي فلاسك، فأملق ~~الولد كل تمليق، وأوهم الأم أني أرلندي المشرب، وأني عامل على استقلال أرلندا بالسر، ثم ~~أعين للغلام كثيرا من الخدم والمرشدين يربونه على ما أريد. ~~- ولكن أمه تربيه على ما تريد وتدربه على حب أرلندا؟ # فابتسم اللورد ابتسام الأبالسة وقال: إن الأم قد تموت فإن المرء معرض للموت كل ~~حين. # فقد تسقط من شاهق فتقتل، أو تشرب ماء باردا إثر تعب فتموت، أو تأكل أكلة تتخمها، ~~وأكثر موت الناس بالتخم، فلنفرض أن الأم ماتت عن ولدها وهو في الثانية عشرة من عمره، ~~فإذا ربيناه على حب الإنكليز، لا يبلغ سن الشباب حتى ينسى أرلندا والأرلنديين، وإذا كان ~~إنكليزيا صادقا، فإنه يخلفني في مجلس اللوردية بعد موتي. # واندهشت الصبية وقالت: ماذا أسمع يا أبي إني لا أفهم ما تقول. ~~- إني أريد أن أجعل هذا الغلام زوجا لك يا ألن. # فامتعض وجه الفتاة وظهر النفور والكبرياء بين عينيها قائلة: أنا أتزوج هذا الشريد ~~الطريد المتسول؟ ~~- لا تنسي يا ابنتي أن أباه أخي وفوق ذاك فإني لم أقل لك كل ما في نفسي بعد ومتى علمت ~~كل قصدي هان الأمر عليك. ~~- إني مصغية إليك. ~~- أول ما ms1911 أبدأ به أني في عرف الناس من أغنى الأغنياء، لكني في الحقيقة أوشك أن أكون ~~فقيرا فقد خسرت ثلاثة أرباع ثروتي في تلك الهوة التي يدعونها البورصة، وأصل ثروتنا أن ~~أبي حين تخلى عن أرلندا، وهو يومئذ رئيسها وحالف الإنكليز كافأته الحكومة أعظم مكافأة ~~فمنحته معظم أراضي العصاة التي ضبطتها بحيث بات جدك أعظم غني في بلاد الإنكليز. # ولم يكن يخطر له في بال أن أخي أدمون سيخون الإنكليز ويعود إلى أرلندا، فقسم تلك ~~الثروة العظيمة بيني وبينه قبيل وفاته بإذن خاص من البرلمان، فإن حق الإرث في الأسرات ~~النبيلة للبكر كما تعلمين، فبت كثير الغنى ولكني لم أنل غير نصف ثروة أبي. ~~- وماذا جرى للنصف الآخر؟ ~~- ضبطته الحكومة حين شذ أخي عن طاعتها، وذهب إلى أرلندا وتولى زعامة الثائرين، لهذا ~~أردت أن أربيه على حب الإنكليز، فإذا اشتهر أمره تمكنت من حمل الحكومة على إرجاع مال ~~أبيه إليه، وإذا تزوجت به تزوجت رجلا غنيا تحفظين به مقام أسرتك ونفوذها فهل تجدين ~~نفورا منه بعد الآن؟ ~~- كلا يا أبي، ولكن كم عمر هذا الغلام؟ ~~- عشرة أعوام. ~~- وأنا لي من العمر ستة عشر عاما. ~~- وماذا عليك إذا كان أحدث منك فإن الزواج أصبح في هذه الأيام زواج غايات، فإذا ~~تزوجته تزوجت ثروته، وهذا كل ما يطلب منك فعله. ~~- لقد رضيت والآن أتعلم أين هو الغلام؟ ~~- كلا فإن المرأة العجوز سترشدني إليه، وقد حان الموعد ولا بد من الذهاب الآن. ~~- أتذهب وحدك، ألا تخاف مكيدة في شارع لا يسكنه غير الأرلنديين؟ ~~- لقد حذرت قبل أن تحذريني فطلبت إلى رئيس البوليس أن يرسل إلى ذاك الشارع أربعة ~~متنكرين من رجاله يعرفونني فلا خوف علي وهم يخفرونني، والآن إني ذاهب في مركبة للأجرة ~~فاعتني بالأرلندية وابذلي الجهد في حملها على الثقة بنا. ~~- لم يبق لنا حاجة بذلك فقد باتت ثقتها بنا لا حد لها بعد أن أريتها صورة زوجها ~~أدمون. # وقبل اللورد جبين ابنته وانصرف. # وبعد خمس دقائق كان اللورد في الشارع، فرأى مركبة ms1912 واقفة معدة للأجرة فصعد إليها وأمر ~~السائق أن يسير إلى ديدلي ستريت، وانطلقت المركبة ودفعها السائق فجعلت تنهب الأرض ~~نهبا، لا جرم فإن شوكنج كان فيما مضى من عهده من سائقي المركبات الماهرين. # وذهبت المركبة فمرت بشارع دبر وستمنستر فشارع البرلمان إلى أن مرت بشارع الأميرالية، ~~فأوقف اللورد المركبة وأطل من نافذتها فرأى رجلين واقفين فأسرعا إلى المركبة. # فقال له أحدهما: نحن الذين تنتظرنا يا حضرة الميلورد. # وفتح لهما باب المركبة قائلا: إذن اصعدا. # فصعد الرجلان وجلسا أمامه، ودفع السائق المركبة إلى حيث أمره اللورد أي إلى بيت ~~فانوش. # ولما وقفت عند بابه خرج اللورد وطرق الباب، فأسرعت إليه العجوز إذ كانت في ~~انتظاره. # وقالت: لقد خفت في البدء أن لا تعود، ثم تعلمت حينا بهذا الرجاء، وتمنيت أن لا تعود ~~لشدة خوفي. ~~- مما تخافين؟ ~~- من أولئك الذين سأخونهم فإنهم إذا عثروا بي قتلوني لا محالة. # فأخرج اللورد محفظته من جيبه، وقال لها ببرود: لقد أحضرت لك المال الذي طلبتيه، ~~وتذكرة السفر في القطار الذي يبرح لندرا إلى بريتون عند منتصف الليل. # فمدت العجوز يدها بلهف لتقبض المال، غير أن اللورد أرجع المحفظة إلى جيبه وقال لها: ~~لا أعطيك شيئا إلا بعد أن أرى الغلام فأوصلك بنفسي إلى المحطة. # فظهرت علائم الريب على العجوز، وقالت: من يضمن لي أنك لا تخدعني؟ ~~- يضمنه اسمي فإني أدعى اللورد بالمير. ~~- لقد وثقت بك، لكن ماذا عزمت أن تصنع بالغلام؟ ~~- أريد أن أرده إلى أمه. # فاضطربت العجوز اضطرابا شديدا لاعتقادها أن الأرلندية في قعر التيمس، وقالت: أين هي ~~أمه؟ ~~- إنها عندي وقد وصلت إلي بعد أن نجت من الموت بشكل عجيب، أرأيت كيف أني عالم بكثير ~~من الأسرار، فلا تضيعي الوقت عبثا، واعلمي أني أحضرت معي بوليسين سيذهبان معنا، فإما ~~أن تهديني إلى الغلام فأدفع لك المال وأوصلك إلى المحطة، وإما تمتنعي فأسلمك إلى ~~البوليسين. # فهلع قلب العجوز وقالت: إني أقسم لك يا سيدي أني أرشدك إلى موضع الغلام. ~~- إذن هلمي بنا. # فخرجت من ms1913 المنزل، ودخلت مع اللورد إلى المركبة، ورأت فيها رجلين كما قال، غير أنها لم ~~تتبينهما، لأن مركبات لندرا لا مصابيح فيها، فسألها اللورد: إلى أين ترغب ~~الذهاب. ~~- إلى همبستماد في شارع ماتمونت نمرة 18. ~~- أنجد الغلام هناك؟ ~~- دون شك. # فأمر اللورد السائق أن يسير إلى الجهة التي عينتها العجوز فامتثل السائق وهو شوكنج ~~كما عرف القراء. # وبعد ساعة وصلوا إلى المكان المعين فرأوا منزلا صغيرا تحيط به حديقة متسعة، فأمر ~~اللورد العجوز أن تخرج من المركبة كي ترشدهم فذعرت وقالت: أسألك بالله أن تبقيني في ~~المركبة فإنهم يقتلونني دون شك إذا رأوني. ~~- إذن ابقي فيها فإن المال معي، ولا أخالك تهربين دونه. # ثم خرج من المركبة وخرج في أثره الشخصان المتنكران، فدنا من الباب وحاول أن ~~يقرعه. # غير أن أحد الشخصين حال دونه وقال له: لا يجب أن ننبه أهل البيت بطرق الباب. ~~- ولكن كيف ندخل إليه؟ ~~- لقد تحسبت لكل شيء. # ثم أخرج من جيبه حلقة ضخمة فيها كثير من المفاتيح المختلفة الأشكال، وأخذ يعالج الباب ~~بتلك المفاتيح، حتى فتحه وقال للورد: تفضل يا سيدي بالدخول. # فدخل اللورد آمنا مطمئنا، ودخلا في أثره وأقفلا الباب ثم انقضا عليه فجأة وألقياه ~~إلى الأرض وقيداه ووضعا في فمه كمامة، وعلى عينيه عصابة وألقياه عند جذع الشجرة. # وعند ذاك قال أحدهما لرفيقه: هلم بنا الآن لنبحث عن الغلام. # وكان هذا الرجل المتنكر العبوس كما كان سائق المركبة شوكنج. # 27 # ولنعد الآن إلى حيث تركنا الغلام مع خادمة فانوش، فإن تلك الخادمة انهالت عليه ~~بالسوط، وضربته ضربا مؤلما فجعل يصيح وهو كلما صاح زادته ضربا. # وعند ذاك فتح الباب فجأة، ودخلت منه فانوش وكانت الخادمة لا تزال تضربه فصاحت بها ~~فانوش صيحة قوية، وهجمت عليها وانتزعت السوط من يدها، وطردتها من الغرفة فخرجت الخادمة ~~دون أن تفوه بكلمة. # وعادت فانوش إلى الغلام، وضمته إلى صدرها، وجعلت تقبله وتسترضيه فنفر منها وقال لها: ~~أين أمي؟ # فقالت له بلطف: إن أمك يا بني قد سافرت إلى حين ms1914 وعهدت إلي بالاعتناء بك. # فنظر إليها نظرة رجل فاحص كأنه يريد أن يخترق خفايا قلبها وقال: إنك تخدعينني. ~~- وأي غرض لي بخداعك يا بني وأنت ترى عطفي عليك، أما أمك فقد سافرت حقيقة لكنها ~~ستعود؟ ~~- متى تعود؟ ~~- غدا. ~~- إنك تخدعينني أيضا، وأنا أريد الذهاب من هذا المنزل. ~~- إلى أين تذهب يا بني؟ ~~- إلى اللحاق بأمي. ~~- ولكن هذا مستحيل، فإن أمك سافرت. # وضرب الأرض بقدمه وقال: إني أريد أن أخرج من هذا البيت. ثم مشى إلى الباب. # واعترضته فانوش وقالت له بلطف: قلت لك يا بني إن أمك مسافرة، فإذا أردت أن نعاملك ~~معاملة اللين واللطف، وجب عليك أن تكون هادئا مطواعا لنا وإلا ... ~~- اضربيني كما تشائين، لكني دعيني أخرج من هنا. # فأجفلت فانوش لما رأته من عناد الغلام، ونادت الخادمة فأقبلت وبيدها السوط، فقالت ~~لها: أدخلي هذا المتمرد إلى مضجعه. # ثم خرجت وتركته مع الخادمة، فأخذت الخادمة يده وجرته بعنف، فكان يصيح وهي تضربه ~~ويستغيث بأمه باكيا، حتى لم يعد يستطيع صبرا على الضرب، فكف عن المقاومة والاستغاثة ~~ودخل إلى مضجعه، فجلست الخادمة بقربه تتهدده بالسوط إلى أن دب النعاس إلى جفنيه ~~فنام. # ولما صحا رأى أشعة الشمس قد ملأت غرفته، وأجال في تلك الغرفة نظرا حائرا، ورأى أنه ~~وحيد فيها وعاد إلى مناداة أمه. # ففتح الباب ودخلت فانوش وهي تبتسم، وحاولت أن تقبله فدفعها عنه وقال: أريد أن أرى ~~أمي. ~~- إنها ستعود غدا. # وتظاهر الغلام بتصديقها، وكف عن البكاء والسؤال. # فجعلت فانوش تملقه وتلاطفه وتعده بقرب عودة أمه، ثم أذنت له أن يلعب في ~~الحديقة. # ونزل إليها وأقام فيها نحو ساعتين يتسلق من شجرة إلى أخرى حتى مل اللعب، وعاد إلى ~~البيت وقد علم أنه غير البيت الذي كان فيه مع أمه وقال في نفسه: لا بد لي من الهرب منه ~~والذهاب إلى البيت الذي تقيم فيه أمي إذ أجدها دون شك. # وقد تجسم هذا الخاطر في فكره، فلم يعد يفتكر إلا بالفرار، لكن فانوش كانت كل النهار ~~معه، ms1915 فصبر صبر الرجال بعد أن قرر خطة الفرار، وتظاهر أمامها بملء الطاعة والانقياد، ~~فباتت واثقة من إدراك قصدها منه. # وبعد العشاء قالت له: لقد حان وقت الرقاد فهلم إلى غرفتك. # ولم يعترضها ودخل معها طائعا ساكتا، فخلعت عنه ملابسه وأرقدته في مضجعه، ثم أقفلت ~~الباب وخرجت إلى غرفة أخرى، وأقامت مع خادمتها تتحدثان. # أما رالف فإنه صبر ساعة، ثم قام فلبس ملابسه جميعها دون الحذاء، وعول على الفرار ~~واثقا من إدراك أمه إذ لم يكن يعلم شيئا من اتساع لندرا، وهو يحسبها لحداثته كالقرية ~~التي ولد فيها. # ولما أتم ملابسه فتح النافذة المطلة على الحديقة، وهناك شجرة كبيرة تتصل أغصانها ~~بالنافذة تتدلى منها إلى الحديقة دون أن يسمع له حس. # وبينما كان الغلام قد وثب إلى الحديقة، كانت المرأتان تتحدثان، وكانت الخادمة تلوم ~~فانوش لإخبارها العجوز بأنها أتت بالغلام إلى هذا المنزل، وكانت فانوش تخطئها لعدم ~~الثقة بالعجوز، إذ لا يوجد ما يحملها على الخيانة. # وفيما هما تتحدثان سمعتا حركة فقالت فانوش: ما هذه الحركة التي أسمعها ألعلها صادرة ~~من غرفة الغلام؟ ~~- كلا، بل يخال لي أنها من الحديقة، وإني أسمع وقع خطوات. ~~- وكيف يكون ذلك وباب الحديقة محكم الإقفال؟ ~~- لا أعلم. # ثم أصغت قليلا وتابعت: إني أسمع وقع خطوات، وإن الخطوات تقترب. # واصفر وجه فانوش لأنها سمعت أيضا صرير مفتاح في قفل باب المنزل، ثم وقفت موقف الحذر ~~وقالت: الويل لهم إذا كانوا لصوصا فإني لا أخافهم. # لكنها لم تكد تتم كلامها حتى فتح باب الغرفة، ودخل منه رجلان وهما الرجل العبوس ~~والفقير. # وكان بيد العبوس مسدس فصوبه على فانوش وقال لها ببرود: لا حاجة إلى الصياح يا سيدتي ~~فما نحن من اللصوص، لكني أريد أن أحادثك، ويجب أن تصغي إلي. # فذعرت فانوش وراعتها نظرات هذا الرجل الساحرة، فلم تقو على النظر إليه وطأطأت رأسها ~~ثم قالت: من أنت وماذا تريد؟ ~~- أتعرفين اللورد بالمير يا سيدتي؟ # فاطمأنت فانوش لسماعها اسم رجل من أعضاء البرلمان وقالت: كلا. ~~- إن هذا اللورد ms1916 يبحث الآن عن ابن أخيه. ~~- إني لا أفهم ما تقول. ~~- لكنك ستفهمين، فإنك تقيمين في الشارع الأرلندي، ومهنتك تربية الأطفال ولك شريكة ~~عجوز وهي التي أرشدت اللورد إلى منزلك هذا، وباعته أسرارك بمبلغ جزيل. # فقالت لها الخادمة: أرأيت كيف صدق ظني لحذري من هذه الخائنة؟ # وعاد الرجل العبوس إلى محادثتها فقال لها: لكن هذه العجوز لم تقبض المال بعد لحسن ~~الحظ؛ فأعطينا الغلام وخذي أنت المال. # وظهرت على فانوش علائم الفرج، ونظرت إلى غرفة الغلام كأنها تستوثق من إقفال ~~بابها. # وباغت الرجل العبوس هذه النظرة وقال: لقد عثرنا به هذه المرة. # ثم وثب إلى باب الغرفة وفتحه، ولكنه ما لبث أن دخل حتى وقف على عتبة الباب حائرا ~~مبهوتا؛ لأنه لم ير الغلام ولكنه رأى سريرا صغيرا عليه أثر الغلام، فدنا منه ووضع ~~يده عليه فوجده لا يزال حارا. # ونظر إلى النوافذ فرأى إحداها مفتوحة، وهي التي تطل على الحديقة فأطل منها، فلم ير ~~أحدا. # وعند ذلك دخلت المرأتان وصاحتا صيحة دهش صادقة لم يشكك الرجل العبوس بعدها أن الغلام ~~قد هرب من النافذة دون أن تعلما، فتسلق الشجرة ونزل إلى الحديقة كما نزل الغلام وبحث في ~~جميع ضواحيها وأطرافها، فلم يجد له أثر إلى أن وصل إلى شجرة تصل أغصانها إلى أعلى ~~الجدار، ورأى غصنا منكسرا ساقطا منها، وعلم من الكسر أنه حديث فأيقن أن الغلام قد ~~تسلق هذه الشجرة إلى سور الحديقة، ووثب منه إلى الشارع. # وكان الفقير قد أدركه إلى الحديقة، وكذلك شوكنج فقال لهما الرجل العبوس: إن الغلام لم ~~يهرب إلا من زمن قريب، ولا بد أن نجده في همبستاد فهلموا نبحث عنه. # ثم خرج الثلاثة باحثين عن الغلام، وقد ترك العجوز في المركبة وهي توشك أن تجن من ~~الخوف واللورد بالمير مقيدا مكموما مبرقعا ملقى في الحديقة على الأرض. # 28 # ولنعد الآن إلى مس ألن ابنة هذا اللورد، فإنها كانت تنتظر عودة أبيها وقد جلست مع ~~الأرلندية تلاطفها وتعدها أجمل الوعود، وتمنيها بمستقبل ابنها التماسا ms1917 لثقتها بها ~~وبأبيها. # غير أن الأرلندية كانت في غنى عن هذه الوعود، فإن ثقتها باتت قوية باللورد حين رأت في ~~قصره صورة زوجها، وهو في العشرين من عمره، ولم يخطر لها أن اللورد يحقد عليه؛ لأنه لم ~~يخبرها بشيء من ماضيه. # وبقيت مس ألن معها إلى منتصف الليل، وهما في غرفتين متجاورتين، ثم استأذنت منها ~~وسألتها أن تستريح بالنوم قائلة إن اللورد لا يعود بابنها قبل الصباح؛ لأن القصر الذي ~~وضعه فيه بعيد، فاطمأنت الأرلندية وذهبت مس ألن إلى غرفتها. # وقد استبطأت أباها وباتت عرضة للهواجس والأفكار، ففتحت نافذة غرفتها وأشرفت منها على ~~حديقة القصر الغناء تستنشق النسيم العليل، وتفرج كربة السأم بمناظر الأشجار. # ثم ملت هذه المناظر فجلست قرب مكتبتها، وأخذت كتابا فجعلت تقرأ فيه وهي مولية ظهرها ~~للنافذة المفتوحة. # وفيما هي تقرأ وتشاغل نفسها بالمطالعة، عن غياب أبيها سمعت صوت حركة في الغرفة، ~~فالتفتت ورأت رجلا واقفا وراءها مشهرا بيده خنجرا، وهو ينظر إليها بعينين براقتين ~~فعلتا في نفسها فعل الكهرباء بالجسم، وعقد لسانها عن الصياح. # أما الرجل العبوس فإنه دنا منها وقال: احذري أن تستغيثي إذا كنت تؤثرين ~~السلامة. # وتراجعت منذعرة وعيناها شاخصتان إلى هذا الرجل الذي تجاسر على إنذارها بالقتل، وهي لم ~~تره مرة من قبل. # على أن هذا الرجل كان جميل الملابس تدل هيئته على أنه من الأشراف، وكان أعجب ما فيه ~~عينيه، فقد كان لهما سلطة غريبة على القلوب تغض لهما الأبصار. # وكأنما مس ألن قد اطمأنت قليلا لهيئته، فحلت عقدة لسانها وقالت له: من أنت وماذا ~~تريد وكيف دخلت إلى هنا؟ ~~- إني أسألك العفو مرارا يا مس ألن فقد أكرهت على الدخول إلى غرفتك من النافذة، إذ ~~لا يجب أن يراني أحد. # وكان يقول لها هذا الاعتذار بلهجة لطيفة، أثرت في فؤادها أكثر من تأثير عينيه، وخافت ~~تلك النظرات أكثر مما خافت من الخنجر. # فعادت إلى سؤاله عما يريد وقد استندت إلى الجدار حذرا من السقوط لفرط ~~اضطرابها. # فقال لها: إني آت يا ms1918 سيدتي لأكلمك باسم أبيك. # فدهشت الفتاة وقالت: باسم أبي؟ # ثم جعلت تنظر إليه نظرات الدهش فأخرج خاتما من إصبعه، وأعطاها إياه وقال لها: ~~أتعرفين هذا الخاتم؟ # فنظرت الفتاة إلى الخاتم وقالت: نعم، إنه خاتم أبي فهل هو أعطاك إياه؟ # فابتسم الرجل وقال: نعم ولا يا سيدتي أي إن الخاتم برهان على أن أباك في قبضة يدي، ~~وأن حياته متعلقة بحياتي. # فذعرت الفتاة وقالت: ولكن من أنت أيها الرجل؟ ~~- إن اسمي لا يفيدك شيئا، يا سيدتي، فإنهم يدعونني «الرجل العبوس». # ثم دنا منها أيضا وقال: يوجد عندكم يا سيدتي، امرأة تدعى حنة الأرلندية. # فعاد إلى الفتاة بعض ثباتها وعنفوانها فقالت له: ماذا يهمك شأنها؟ # فقال لها العبوس بملء السكينة. إنك تسأليني يا سيدتي سؤالا يحق لك سؤاله ولذلك أجيبك ~~عنه فأقول: إن اللورد بالمير أباك كان منذ يومين في سفينة يجتاز النهر فلقي هذه المرأة ~~مع غلامها، وعلم من ملامح الغلام أنه ابن أخيه السير أدمون بالمير. # وحاولت الفتاة أن تصيح صيحة دهش، غير أن نظرات هذا الشخص ضغطت عليها فسكتت. # وعاد إلى الحديث فقال: إن اللورد بالمير قد اختطف هذه المرأة، وجاء بها إلى منزله ~~وعول على اختطاف الغلام أيضا لفرط اهتمامه بهما، ولما كنت أنا أيضا أهتم بهذه المرأة ~~وغلامها فقد خاطرت بالدخول إلى غرفتك، وتسلقت سور الحديقة ثم تسلقت الأشجار إلى ~~النافذة، بحيث لو رآني البوليس أو خدم القصر لقضيت بقية أيامي في أعماق السجون. # فزادت دهشة مس ألن وجعلت تنظر إلى هذا الرجل نظرة الفاحص، فتراه على أحسن حال ثم تراه ~~يكلمها بملء السكينة كأنما قد جاءها بعد موعد، ولكنها كانت مصغية إليه فلم تجبه. # ومضى العبوس في حديثه فقال: إني فعلت أعظم مما رأيت مني إني قبضت على نبيل من مجلس ~~اللوردية، فقيدته ووضعت في فمه كمامة. فاحذري من أن تفوهي بحرف، فإني إذا لم أخرج من ~~هنا حرا سالما فإنك لا ترين هذا اللورد المقيد إلى الأبد، وهو أبوك لأن حياته موقوفة ~~على حياتي. # ثم ms1919 قال: وهي تنظر إليه نظرات ممزوجة بين الرعب والإعجاب: إن الأرلندية في هذا المنزل، ~~وأنا أريد أن أراها. # وقد قال هذا القول بلهجة سيادة هاجت كبرياء الفتاة فقالت: لم يقل أحد لي كلمة أريد ~~قبل الآن. ~~- وأنا أعتذر إذا كنت أول من قالها لك، وقد ألجأتني الضرورة فلا تضيعي الوقت لأن حياة ~~أبيك في خطر، وقد يحدث عن امتناعك ... # فقاطعته الفتاة وقالت: ما يضمن لي صحة ما تقول؟ ~~- يضمنه خاتم أبيك الذي أريتك إياه. # فعضت شفتها ولم تجب. فقال لها: إذن، أرجوك أن تذهبي بي إلى غرفة الأرلندية. # وكانت نظراته لا تزال ضاغطة عليها، تفعل فيها فعل السحر. وفوق ذلك فقد أيقنت أن أباها ~~معرض للخطر. ففتحت باب غرفتها ودلته على غرفة الأرلندية المجاورة لغرفتها، فقال لها قبل ~~أن يخرج: لي كلمة أيضا يا سيدتي. ~~- قل. ~~- لقد قلت لك إن أباك في خطر، إلا إذا خرجت من منزلك حرا سالما. واحذري أن تنادي ~~خدمك لأني إذا لم أعد إلى عصابتي عند الفجر، يصبح اللورد بالمير جثة لا حراك ~~فيها. # ونظرت إليه نظرة هائلة دلت على ما في فؤادها من الحقد وقالت: سأعمل ما تريد لكنك إذا ~~سلمت اليوم لا تسلم غدا. ~~- قد تدركون ما تريدون مني في الغد. أما اليوم إن السيادة لي. # ثم فتح باب غرفة الأرلندية ودخل. فسقطت تلك الفتاة المتكبرة على كرسي وقد وهت قواها. ~~ثم غطت عينيها بيديها كأنها تخاف أن تصيبها نظرات ذلك الشخص. # وكانت الأرلندية لا تزال ساهرة تصلي، وهي تنتظر عودة اللورد بابنها. وقد كان الحديث ~~بين الرجل العبوس والفتاة بصوت منخفض، فلم تسمع شيئا منه. ثم إنها لم تشعر بدخول الرجل ~~إليها لانصرافها إلى الصلاة حتى دنا منها ووضع يده على كتفها فالتفتت إليه منذهلة. ~~فأسرع إلى إسكاتها بإشارة وقال لها: أستحلفك باسم ولدك أن تصغي إلي، وأن لا تصيحي ~~أدنى صيحة تنبه إلينا الخدم. # وعرفته الأرلندية بالرغم من تغيير زيه، وذكرت أنه أنقذها من يد البحار فقالت له ~~باطمئنان: ماذا تريد ms1920 مني؟ ~~- إني آت لأكلمك باسم زوجك الميت وابنك الحي. # فارتعشت تلك الأم لاسم ولدها وقالت: إنهم سيردونه إلي. ~~- وأنا آت يا سيدتي لأكلمك أيضا باسم أرلندا التي تحاولين خيانتها دون أن تعلمي ما ~~تفعلين، بل أنا آت باسم هذا الكاهن الذي جئت بولدك من أرلندا لتقدميه إليه. # ونظرت إليه منذهلة وهي لا تعلم ما يريد فقال: أنت يا امرأة السير أدمون أتعلمين أين ~~أنت الآن؟ ~~- إني في منزل أخو زوجي، وحامي ولدي. ~~- بل أنت في قبضة قاتل زوجك، ومضطهد ولدك، بل أنت في منزل ذلك الخائن الذي دمر أرلندا ~~وقتل منقذيها. ~~- إنك كاذب دون شك. # فوضع يده فوق صدره وقال: إني أقسم لك باسم ولدك الذي لا يرده إليك سواي إني لا أقول ~~غير الحق. ~~- ماذا تقول عن ولدي؟ إن اللورد بالمير سيأتيني به، قبل أن يطلع الصباح. # فأجابها ببرود: إن اللورد بالمير لا يعود إلى منزله، إلا إذا خرجت أنت منه! ~~- كيف ذلك أتريد أن أبرح هذا المنزل؟ ~~- إني باسم زوجك الميت، وولدك الحي، والكاهن الذي ينتظرك، وأرلندا التي تعتمد عليك، ~~أدعوك إلى الخروج من هذا المنزل والذهاب معي. # وكانت الأرلندية تنظر إليه نظرات الريبة، فما خفي ذلك على العبوس وقال: أرى أنك غير ~~واثقة بي. # فأطرقت ولم تجب. # وتابع قائلا: إنك لا تثقين بي كما أنك لم تثقي بالكاهن؛ لاسترسالك بثقتك إلى شقيق ~~زوجك وما هو إلا قاتله. ~~- من يضمن لي صدق ما تقول؟ ~~- لقد أصبت فقد وعدتك في المرة الأولى أن أرد لك ولدك فما فعلت فصار يحق لك أن لا ~~تصدقي الآن ما أقول. ~~- رد لي ولدي أصدقك في كل شيء. ~~- إني لا أستطيع رده إلا إذا خرجت أنت من هنا. واسمعي السبب إن ابنك قد اختطفته امرأة ~~تتاجر ببيع الأطفال، لكنه لو كان عندها أو لو كان شريدا تائها في أحياء لندرا لما لقي ~~من الخطر نذرا مما يلقاه في منزل اللورد بالمير. وماذا قال لك هذا اللورد؟ إنه قال إني ~~أخو زوجك وإن ولدك ms1921 ولدي ومنزلي منزلك. ~~- نعم لقد قال لي هذا الكلام. ~~- وهو سيفي بوعده فتعيشين في بيته عيشة كرائم العقائل، وينشأ ابنك عنده كما ينشأ ~~أبناء النبلاء، لكنك أنت قد تموتين. ~~- وماذا علي من الموت إذا غادرت ولدي سعيدا؟ ~~- لقد أصبت، إنه قد يبلغ أقصى درجات السعادة. لكنه ينشأ يا امرأة السير أدمون محبا ~~لإنكلترا، كارها لأرلندا وشهدائها، ومنهم زوجك الفقيد. # فارتعشت وقالت: ماذا تقول؟ ~~- أقول إن زوجك مات شهيد أرلندا، وهو يلعن إنكلترا. لكن اللورد بالمير كان من أشد ~~أعضاء البرلمان نفوذا، وكان يستطيع إنقاذ أخيه من الشنق، لكنه رضي له الموت وقتل ~~الأسد، وهو الآن يريد أن يجعل الشبل إنكليزيا فينتقم مرتين. # إن ابنك قد يصبح لوردا نافذ الكلمة، عظيم الجاه، كارها لأرلندا متشيعا للإنكليز ~~ويعيش عيشا سعيدا، غير أن أباه في قبره ينكره ويأنف أن يكون والدا له أفترضين ~~بهذا؟ # فذعرت الأرلندية وقالت له: كفى بالله! إن ابني لا يكون إنكليزيا ما حييت. ~~- إذن، اعلمي أنك إذا خرجت معي من هذا المنزل يغدو ابنك فقيرا ويعيش عيش الشقاء ~~والجهاد. لكنه يغدو زعيما لجيش سري، وإن هؤلاء الجنود الأمناء، قد يضحون اليوم بدمائهم ~~في سبيل الوطن، لكن لا بد لهم أن ينتصروا، ويطردوا الإنكليز من أرلندا، فتذكري كلام ~~زوجك السير أدمون واختاري. # وكأنما ذكرى زوجها قد فعلت بها فعل السحر فوقفت قائلة هلم بنا، إني رضيت أن أبرح هذا ~~المنزل. ~~- كلمة أيضا يا سيدتي، إن ابنك لم نجده بعد، لكن لا بد لنا أن نجده لأن أرلندا تبحث ~~عنه الآن لتجعله رئيسها. ~~- لقد وثقت بكلامك لكن أتظن أن اللورد بالمير كان يخدعني حين وعدني أن يعود ~~بولدي؟ ~~- كلا، لكنه فشل كما فشلنا، لأن المرأة التي سرقت ولدك ذهبت به إلى همبستاد، وعرف ~~اللورد بالمير المنزل الذي خبأته فيه وذهب لإحضاره مع شخصين كنت أنا أحدهما. # فتعجبت قائلة: كيف أنت؟ # نعم، لأنه كان يحسبني من رجال البوليس السري، ولما وصلنا إلى المنزل وجدنا أن ابنك قد ~~هرب منه. # لكن ذلك لا ms1922 يحمل على الخوف؛ لأنه سوف يتوه في الأزقة ساعة أو ساعتين فيهتدي إليه ~~البوليس، ويأخذه إلى الدير كولد متشرد، فيبيت فيها بمأمن إلى أن نذهب ونطلبه. ~~- أتقول الحق؟ ~~- دون ريب لأنه لا يجد في الأزقة من الخطر معشار ما تجدينه ويجده في منزل هذا ~~اللورد. ~~- لقد وثقت بك يا سيدي، لأن عينيك وقلبي يحملاني على الثقة بك، والركون إليك. ~~- أشكرك باسم أرلندا، هلمي بنا لأن الكاهن صموئيل ينتظرنا خارج الباب فقد أخرجته من ~~السجن. ~~- ليكن ما تريد، هلم بنا. # فتأبط العبوس ذراعها، وذهب بها إلى غرفة مس ألن فقال لها: إنك يا سيدتي قد وفيت بشيء ~~مما طلبته إليك، لكن بقي لي عندك مأرب ولا تزال حياة أبيك في خطر حتى تقضيه. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن توصلينا إلى باب الحديقة الخارجي؛ لأننا سنخرج من ذلك الباب إلى الزقاق، ~~فلا يشعر بنا أحد. # فنظرت مس ألن إلى الأرلندية وقالت لها بلهجة العتب: إذن عولت على فراقنا، والذهاب مع ~~هذا الشخص؟ ~~- هذا ما تريده أرلندا. # فحاولت أن تجيبها، غير أن نظرات الرجل العبوس كهربتها، فحملت بيدها المصباح، وسارت ~~أمامهما من رواق إلى رواق حتى انتهوا إلى الحديقة، ففتحت بابها الخارجي مغضبة حانقة ~~وقالت للرجل العبوس: هو ذا قد بلغت ما أردت. # فقال لها متهكما: إلى اللقاء يا سيدتي. # فهاجت فيها عوامل الكبرياء والحقد وقالت: نعم إلى اللقاء ولا بد لنا أن نلتقي، وسيكون ~~بيننا ما يقل دونه الموت. # 29 # ولقد كان الرجل العبوس صادقا فيما قاله عن الغلام، فقد تفرق هو وشوكنج والفقير في ~~جميع جهات همبستاد، باحثين سائلين عن الغلام، فلم يجدوه لأن الغلام بعد أن نزل من ~~النافذة إلى الحديقة، لم يكن يجول في خاطره غير الهرب من فانوش وما لقي في منزلها من ~~العنف. # وكان يعتقد أنه إذا خرج من المنزل لا بد أن يجد أمه؛ لذلك أسرع إلى تسلق سور الحديقة، ~~فسقط مرارا وتهشمت يداه ورجلاه الصغيرة، ولكنه كان كلما سقط زاد همة وعزيمة. وعاد إلى ~~تسلق ms1923 الجدار، مستعينا بما يكتنفه من الأشجار حتى بلغ مراده، وبلغ إلى أعلى الجدار ~~فتدلى منه وألقى نفسه إلى الشارع العام ذاكرا اسم أمه فقط، ورض جسمه رضوضا شديدة، ~~ودميت يداه ورجلاه، لكنه لم يكترث لما أصابه بعد أن ظفر بحريته، وهو لو بقي هنيهة في ~~المنزل لأنقذه العبوس ونجاه من خطوب كثيرة. # وكان أول ما عمله بعد أن نهض، أنه نظر إلى ما وراءه نظرة المنذعر، كأنه خشي أن تكون ~~فانوش قد أدركته بسوطها، فجعل يركض هائما على وجهه حتى بعد بعدا شاسعا عن همبستاد ~~وبلغ لندرا المتصلة بها. # ولم يكن يخطر لهذا المسكين أنه يبعد عن المنزل الذي كانت فيه أمه هذا البعد الشاسع، ~~فقد جاءوا به وهو نائم إلى همبستاد، وجميع أزقة لندرا متشابهة. فكان يسير من حي إلى حي ~~هائما حائرا، والدم يسيل من قدميه وركبتيه. # ولم يكن يعرف اسم الشارع الذي غادر فيه أمه فيسأل عليه، فجعل يسير مندفعا إلى ~~الأمام، وإذا رأى شارعا يشبه الشارع الذي كانت فيه أمه جد في السير، واتقدت عيناه ~~بأشعة الأمل. وإذا طال سيره وعلم أنه أضل السبيل، وقف قانطا جازعا يذكر أمه ويبكي، ثم ~~لا يجد من يجيبه ويرثي لدموعه، فيستمر في سيره. # وبقي على ذلك 4 ساعات حتى وهت قدماه من المشي، وضعفت نفسه من الجزع، فجلس على حافة ~~باب منزل واسترسل إلى البكاء، فكان بكاؤه يقطع القلوب من الإشفاق. # غير أن أهل لندرا مشهورون بعدم الاكتراث، فقد مر بهذا المسكين كثير من الناس، فلم ~~يكترث أحد لبلواه، بل إن كثيرين منهم لم ينظروا إليه. إلى أن اتفق مرور امرأة به فوقفت ~~تنظر إليه نظرة المتوجع، ثم وضعت يدها فوق كتفه وقالت له بصوت حنون: ماذا أصابك يا ~~بني؟ # والتفت رالف إلى تلك المرأة التي رقت له فرآها صبية حسناء، وخيل له أنها تشبه أمه ~~فزاد بكاؤه وشهيقه. # فقالت له: ألعلك ضائع يا بني؟ ~~- إني أبحث عن أمي؟ ~~- ماذا تدعى أمك؟ ~~- حنة. ~~- أأنت أرلندي؟ ~~- نعم. ~~- وأنا أيضا أرلندية ms1924 مثلك واسمي سوزان، أتحب أن تذهب معي لأعينك على لقاء ~~أمك. # فنظر إليها الغلام نظرة شكر. لكن عينيه كانتا تدلان على الارتياب فقالت: تعال معي ~~أيها الحبيب كي لا يقال إن سوزان الأرلندية تدع غلاما من أبناء وطنها يموت في أزقة ~~لندرا من البرد والجوع، ثم أخذت بيد الغلام وسارت به. # غير أن الغلام حاول الامتناع في البدء، إلى أن رأى في نبرات صوتها الرقيقة ونظراتها ~~الحنونة ما دعاه إلى الامتثال فقال لها: أحقيقة إنك أرلندية يا سيدتي؟ ~~- إني ولدت في دبلين يا بني. ~~- وتساعديني على لقاء أمي؟ ~~- دون ريب وإذا كانت أرلندية فإن إيجادها سهل ميسور؛ لأن جميع الأرلنديين متعارفون في ~~هذه المدينة لما بينهم من جامعة الشقاء. ~~- أقسمي لي إنك لا تخدعيني. ~~- أقسم لك بالله يا بني إني صادقة، وإني أريد لك الخير، فأين تقيم أمك وفي أي ~~شارع؟ ~~- في سانت جيل. ~~- ليس هذا اسم شارع بل اسم كنيسة. ~~- لا أعلم غير هذا الاسم. ~~- حسنا سنذهب غدا إلى سانت جيل، فإذا كنت أنت تبحث عن أمك فهي أيضا تبحث عنك دون ~~ريب. # فاضطرب رالف وقال: لماذا لا نذهب الآن؟ ولماذا التأجيل إلى الغد؟ ~~- لأن الكنائس لا تفتح في الليل. # فأيقن الغلام أنها مصيبة في قولها، فمسح دموعه بكم ثوبه وقال: لكن الغد بعيد. # فابتسمت له قائلة: كلا يا بني ألا تعلم أننا الآن في منتصف الليل؟ # فاقتنع الصبي، وسار معها حتى وصلا إلى مطعم، فقالت له: ألعلك جائع؟ ~~- كلا. # فواصلا السير حتى اقتربت من الشارع التي كانت مقيمة فيه، فلقيها كثير من الناس، ~~وجعلوا يمازحونها بشأن الغلام، وهو لا يفهم شيئا مما يقولون، حتى مرت قرب خمارة، ~~فلقيها أحد الفتيان وقال: كيف حال ولتون؟ ~~- لا أعلم، إني لم أره منذ يومين. ~~- ألعله مسجون؟ # فردت بصوت مضطرب: لا أعلم. ~~- ومن هذا الغلام الذي معك؟ ~~- لقيته جالسا عند باب يبكي. ~~- إن مخائل النجابة تبدو بين عينيه، وسيكون له أعظم شأن بين اللصوص. ~~- لكني أرجو له غير ما ترجوه؛ لأني سأرده ms1925 غدا إلى أمه. # فقال لها الفتى: لو سمعك ويلتون تتفوهين بهذا الكلام، لما نجوت من ضربه. # ثم ودعها وانصرف. # وسارت سوزان والغلام حتى وصلت إلى منزلها، وهناك رأت رجلا آخر تعرفه فقالت: أرأيت ~~ويلتون؟ ~~- كلا، لكني أعلم أنه بدأ بعمل خطير، قد ينجح فيه لأن سرقة الجيوب لم تعد تفيد في ~~مهنتنا لكثرة حذر الناس. # فلم تجبه ودخلت والغلام إلى المنزل فأنارته، وظهر لرالف أن هذا المنزل مؤلف من غرفة ~~واحدة أعدت للطبخ والاستقبال والنوم، ووجد طاولة صغيرة كان عليها بقية من الطعام وإبريق ~~فيه بقية من البيرا. # فسألته سوزان: أتريد أن تأكل الآن؟ ~~- كلا يا سيدتي. ~~- أتريد أن تنام؟ ~~- حبذا النوم، ولكني لا أستطيعه إلا إذا وعدتني وعدا صادقا بلقاء أمي غدا. ~~- لقد أقسمت لك يا بني فنم مطمئنا. # ثم حملته إلى سرير كان في زاوية الغرفة، فلم يكد يستقر عليه حتى نام لفرط ما عاناه من ~~التعب. غير أنه لم يسترسل في نومه حتى صحا، إذ سمع وقع أقدام في الغرفة تلاها صيحة فرح ~~من سوزان. ففتح عينيه ورأى رجلا في الغرفة، ورأى سوزان تعانقه وتقول: قد طال غيابك حتى ~~خشيت أن تكون مسجونا، فضحك الرجل وأجابها بقبلة. # فاضطرب رالف وكاد يصيح، إذ رأى يد الرجل عارية، وهي مصبوغة بالدماء. # 30 # ولم يكن هذا الرجل قد رأى الغلام بعد لانشغاله بسوزان، وكانت سوزان قد نسيت الغلام ~~لفرحها بقدوم الرجل. # أما رالف فإنه كان يضطرب في سريره، ولا يجسر أن يتكلم. # ودار الحديث بينهما فقالت سوزان: لقد خفت عليك خوفا عظيما فأين كنت؟ # وكان هذا الرجل عشيقها ويلتون، فجلس بقربها وقال لها: لقد كان أمري خطيرا، وأوشك ~~الجنود أن يقبضوا علي، ولكني فزت فوزا تاما وسلمت من الجنود. ثم مد يده إلى جيبه ~~وجعل يخرج منه دنانير ويلقيها أمامها، حتى اجتمع منها قدر كثير. وعند ذلك رأت سوزان يده ~~مخضبة بالدماء فذعرت وقالت: ماذا أرى ألعلك قتلت الشيخ المنكود؟ ~~- كلا، إني وعدتك أن لا أسفك دما بشريا إلا إذا ms1926 اضطررت. ~~- إذن من أين هذه الدماء؟ ~~- اسمعي ما جرى إن المنزل الذي سرقناه كائن بين الحقول - كما تعلمين - ولم يكن فيه ~~غير صاحبه الشيخ، فدخلنا إليه وقيدنا العجوز ثم أخذنا ماله فاقتسمناه أمامه بملء ~~السكينة. # ولما تمت القسمة وحاولنا الخروج من الباب، رأينا العسس وراءنا، فعدنا إلى حديقة ~~المنزل. وجرى في أثرنا الجنود بعد أن اغتصبوا الباب. وأسرعت أنا إلى سور الحديقة وتسلقت ~~الجدار فأدركني جندي وجذبني برجلي فهويت إلى الأرض وقبض علي وأخذ يصيح مستغيثا ~~بإخوانه لأنهم كانوا يطاردون رفاقي. وهنا رأيت أنه لا بد لي من سفك الدماء، فأغمدت ~~خنجري في صدره وهربت. # وكان رالف يسمع الكلام ولا يفهمه، لكن هيئة ويلتون كانت تدعوه إلى الخوف. # أما الرجل فكان جميل الوجه، يمتزج جماله بالقسوة، فكانت سوزان تعجب بجماله ولا تهاب ~~قوته، ولكن رالف لم يكن يتجاوز العشرة أعوام، فخاف هذا الشخص خوفا قويا. # وحالت التفاتة ويلتون ورأى الغلام، فدهش وقال بلهجة المغضب: من هذا؟ # فأغمض رالف عينيه لخوفه وحبس أنفاسه وردت سوزان بلهجة المستعطف: إنه ولد فقير، ~~التقيته تائها في الطريق يبكي، فأشفقت عليه لأنه أرلندي مثلي كما تعلم. # فقال متهكما: يسرني أن أرى منك هذا الإشفاق. # ثم دنا قرب السرير كي يرى الغلام، فأمسكت يده قائلة له: أرجوك أن لا تسيء إليه فهو ~~نائم، انظر إلى جماله إنه يشبه الملائكة. ~~- إنه جميل كما ... ولكن ماذا تريدين أن تصنعي به؟ ~~- سأرده غدا إلى أمه، في شارع الأرلنديين، قرب كنيسة سانت جيل. ~~- حسنا، والآن أتريدين أن ننام ثلاثتنا في سرير واحد؟ ~~- سأنقله إلى المقعد. # ثم دنت من رالف، وأيقظته ففتح عينيه، وتطلع خائفا إلى ويلتون فقالت له: لا تخف يا ~~بني إنه لا يؤذيك. # فلم يجبها الولد، لكن الخوف كان باديا بين عينيه. # أما ويلتون فإنه حدق بالولد مليا، ثم قال لسوزان: قد أخطأت إذ عزمت على إرجاعه إلى ~~أمه وخير لنا لو بقي عندنا. # فاضطرب رالف اضطرابا قويا. أما سوزان فإنها اعترضته بعنف قائلة: كلا يجب أن يسقط ms1927 ~~إلى الهوة التي وقعنا فيها، وأكون أنا التي قذفته إليها. ~~- أراك من أهل الفضيلة هذه الليلة، فدعي شرفك هذا الآن؛ لأن هذا الغلام يفيدنا على ~~حداثته فائدة بليغة. ~~- كلا، إن هذا لا يكون. # فغضب ويلتون وقال: ويحك؟ أبلغ من قحتك أن تجسري على اعتراضي. ثم رفع يده منذرا إياها ~~بالضرب. # فردت قائلة: اضربني ما تشاء، ولكني لا أريد أن يخرج هذا الصبي لصا مثلك. # فهاج غضبه وقال: أتحتقريني أيضا أيتها الشقية. # ثم هم بضربها، ولكن حدث أمر لم ينتظر، وهو أن الغلام الصغير الذي كان واقفا عند ~~السرير، يرتعش من الخوف أسرع إلى ويلتون وحال بينه وبين سوزان قبل أن تصل إليها يده، ~~وقد اتقدت عيناه وحسب نفسه رجلا قادرا على حماية تلك المرأة. # فلما رأى ويلتون ما كان من جرأته سر به سرورا عظيما، وضحك قائلا: طب نفسا أيها ~~العزيز، إني لا أضربها إكراما لك. ثم أراد أن يعانقه فنفر الغلام منه، وتهدده بالنظر ~~الشذر فقال ويلتون: لقد أحسنت أيضا. ثم عانق سوزان وقال: إني أعانقها أيضا إكراما لك ~~فاطمئن. # فارتاح خاطر سوزان وقالت: إنك تظهر من الشر ما ليس فيك. ~~- سأفعل ما تريدين أيتها الحبيبة، وسنرد الغلام غدا إلى أمه، ودعيه الآن ~~ينام. # وكان يكلمها وينظر إلى الغلام نظرات حنو. لكن رالف لم يطمئن حتى عادت سوزان إلى وعده ~~وتطمينه، فذهب إلى المقعد ونام آمنا. # ولما أيقن ويلتون أنه نام قال همسا في أذن سوزان: إن الأقدار أرسلت إلينا هذا ~~الغلام. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إننا غدا في مثل هذه الساعة يكون لنا بفضل هذا الغلام من المال ما يكفينا شر هذه ~~المهنة. # فقالت بلهجة التأنيب: لقد قلت لك يا ويلتون، إني لا أريد أن يكون هذا الغلام من ~~اللصوص. ~~- لا تغضبي أيتها الحبيبة، وأصغي إلي تعلمي ما أريد. # وكان الولد نائما لا يسمع الحديث، وفوق ذلك فقد كانا يتكلمان همسا مبالغة في الحذر، ~~فقال ويلتون: إني أريد أن أعمل عملا أخلص به من هذه المهنة الخطيرة، فإني إذا بقيت ms1928 ~~عليها لا يبعد ذلك اليوم الذي ترقص فيه رجلاي بالخلاء في سجن نيوجات. ~~- لا تقل هذه الأقوال، فإنك تخيفني من الموت فتميتني من الخوف. ~~- ولكن الشنق نصيب أمثالي فلا بد أن ألاقيه. ~~- بالله كفى. ~~- إني ملاق هذا الجزاء؛ لأن الله الذي تستحلفيني به كائن حي سيبلوني بهذا العقاب على ~~أنه لو كان لي ألف جنيه فقط؛ لنجوت من الشنق وعشت عيشة السعداء. ~~- إذا ظفرت بهذا المال ترجع عن مهنتك الشائنة، وتمتنع من السرقات وتبرح ~~إنكلترا؟ ~~- دون شك، أسافر بك إلى فرنسا، وأتزوج منك ونعيش ما بقي لنا من العمر عيش ~~الأشراف. # فتنهدت وقالت: وا أسفاه إن التعلل بالأماني سهل، وأين لنا أن نظفر بهذا المال. ~~- من يعلم فإن هذا الولد يخدمنا خدمة جليلة، ويحق لنا الرجاء. # فعادت سوزان إلى تأنيبه وقالت: لماذا تريد أن تصير هذا الولد الشريف المنكود لصا، ~~ألم تر جماله ونبله، أيخلق بمثل هذا الولد وهو يشبه الملائكة أن يكون مأواه ~~السجون؟ # فضحك اللص ضحك الساخر وقال: يعجبني أن أراك نبيلة العواطف، ولكني أعدك وعدا صادقا ~~أن أرد الولد إلى أمه متى قضيت مأربي. ~~- وما هو مأربك؟ ~~- أصغي إلي فإني مهتم بأمر خطير منذ عهد بعيد، ولم أطلع عليه العصابة كي لا تشاركني ~~بما سأختلسه، فإنه يبلغ ألف وقد يبلغ أربعة آلاف. ~~- أربعة آلاف جنيه! إنها ثروة لا تدرك بالأحلام، وممن تسرقها؟ ~~- من رجل يسرق الناس مثلي، ولكنه يعد من أشراف اللصوص؛ لأنه يسرق الناس بالعلانية ~~والجهر، ونحن نسرقهم بالسر، ولأنه لا يرحم فقيرا، ولا يشفق على عامل وقد ملأ اسمه ~~القلوب ذعرا. ~~- ما اسم هذا الرجل؟ ~~- هو توماس الجن. ~~- أهو ذلك المرابي الشهير؟ ~~- هو بعينه فإني أتهيأ منذ عام لسرقة ما سرقه من الناس ولدي الآن مفاتيح تفتح جميع ~~أبواب منزله. ~~- أين يقيم؟ ~~- في شارع فلبيرن قرب محطة وسترن، وهو يعيش وحده فليس في منزله خادمة أو خادم. ~~- ولكنه يبقي نقوده في صناديق مصرفه، ولا يضع مثل هذا المبلغ في بيته وهو فيه وحده ~~كما تقول؟ ms1929 ~~- إني أراقبه منذ عام أتم المراقبة، وقد علمت أنه يبقي نقوده في مصرفه جميع أيام ~~الأسبوع ما خلا يوم الأحد لعلمه أن بعض الناس يحتاجون إلى المال في هذا اليوم فلا ~~يجدونه إلا عنده في بيته لإقفال الأسواق أيام الأحد؛ فيطمع فيهم ويأخذ من الربا قدر ما ~~يشاء، ولذلك يأخذ مساء السبت مبلغا كبيرا من المال النقدي والأوراق المالية إلى بيته ~~وهو آمن على ماله في ذلك البيت، لأنه يضعه في صندوق ضخم من الحديد لا يستطيع أحد ~~اغتصابه إلاي، فإني علمت سره. ~~- كيف ذاك؟ ~~- إني قبل أن أكون لصا كنت تاجرا صغيرا، وكنت متزوجا زواجا شرعيا، فما خرب ~~تجارتي غير هذا المرابي، وهو الذي قتل امرأتي رغما، فإني علقت بشركه واستدنت مبلغا ~~صغيرا، وتجسم المبلغ بزوره واحتياله، وبلغ معدل ما أخذه من الربا ثلاثمائة في المائة، ~~فأفلست حين عجزت عن الدفع، وغلت يدي عن الأعمال، ودخلت إلى سجن المفلسين، وكان ذاك ~~اليوم بدء عهدي بالسرقات. # أما صندوق هذا المرابي، فقد وضعه في غرفة ليس لها غير باب واحد، ولهذا الباب نافذة ~~صغيرة جدا، فإذا أتى أحد لمقابلته في منزله ينظره من تلك النافذة قبل أن يفتح له ~~الباب، ولو كنت أستطيع مد يدي من النافذة لبلغت مرادي من صندوق هذا المرابي منذ عهد ~~طويل. ~~- أليس لك مفتاح لهذا الباب؟ ~~- نعم ، ولكني إذا فتحته أقتل في الحال، وذلك أن هذا الخبيث قد وضع وراء الباب بندقية ~~بشكل عجيب بحيث إنه إذا فتح الباب أطلقت البندقية، ووقع رصاصها في صدر من يفتحه. ~~- ولكنك قلت لي إن هذه الغرفة ليس لها غير باب واحد، فكيف يدخل منه توماس ولا تصيبه ~~البندقية؟ ~~- وهذا السر الوحيد الذي لم أوفق إلى كشفه من أسرار منزله. ~~- إذن لا رجاء بسرقة صندوقه، إذ يستحيل الدخول إلى الغرفة. ~~- كلا، فإن نافذة الباب لو كانت متسعة لمددت يدي منها، وقطعت بمقص حبلا ربط به الباب ~~واتصل بالبندقية، وإذا قطع الحبل لا يبقى خوف من انطلاقها، لكن النافذة ضيقة ويدي ms1930 ضخمة، ~~ولهذا أردت أن أبقي الغلام عندنا كي أستخدم يده الصغيرة فيقطع الحبل، وعند ذاك أبلغ ~~مرادي من الصندوق، وأتوب إلى الله توبة صادقة، ولا أعود بعدها إلى ارتكاب منكر. ~~- أتعدني وعدا صادقا أن ترد الولد إلى أمه بعد قضاء مأربك؟ ~~- أقسم لك بالله. # أجابت: ولكن توماس قد لا يخرج من منزله متى كان فيه هذا القدر من المال. ~~- كلا، فإني أراقبه منذ عام كما قلت لك، فهو يضع المال في الصندوق كل ليلة سبت، ثم ~~يضع البندقية في موضعها، ويخرج آمنا فيقضي ليلته في الملعب. ~~- حسنا، وماذا تصنع بالولد إلى يوم السبت؟ ~~- إني أتعهد بحمله على الصبر. # فقالت له بصوت مضطرب: ألعلك تريد ضربه؟ ~~- أقسم لك إني لا أفعل شيئا من هذا. ~~- حسنا. ماذا تصنع؟ ~~- سوف ترين. # وهنا انقطع حديثهما فأطبقا أجفانهما، وناما كما نام الولد. # 31 # ولما استفاقا صباحا كان رالف لا يزال نائما فقال ويلتون لسوزان: كنت عولت على أن ~~أسقي الولد مخدرا فينام إلى المساء، حيث أذهب به إلى بيت المرابي، لكني رأيت أن ذاك ~~يحمله على الشك بنا، والذي أراه الآن هو أن تذهبي به حين يصحو بحجة البحث عن أمه، ~~وتسيرين به كل النهار من شارع إلى شارع، وتبعدين كل البعد عن سانت جيل حذرا من أن يظفر ~~بأمه اتفاقا. # ومتى أقبل المساء، تدخلين به إلى الخمارة الكائنة في أول عطفة من شارع إدورد فتتعشين ~~معه، وقبل أن تفرغا من الطعام أحضر إليكما بمركبة وأنا في ملابس نظيفة، وهناك يكون بدء ~~العمل. ~~- سأفعل كل ما تريد على شرط أن تجدد وعدك إلي بإعادته إلى أمه. ~~- سأفعل بعد أن يقطع حبل الباب، ويكون ذلك أول ما أهتم به. ثم تركها وخرج من البيت ~~على أن يجتمعا مساء في المكان المعين. # أما سوزان فإنها خرجت بالولد بعده، وجعلت تسير به من شارع إلى شارع، وتنتقل من مكان ~~إلى مكان، ومن كنيسة إلى كنيسة، وفي كل موضع توهمه أنها تسأل عن أمه بحيث بات له فيها ~~كل ms1931 الثقة، لكنه لم يظفر بأمه، وكان يمشي حزينا منكسر القلب. # وما زال هذا دأبهما حتى الليل، فدخلت به الخمارة المعينة، وطلبت أكلا وشرابا، وكان ~~رالف قد تعب تعبا شديدا، حتى اضطرت سوزان إلى حمله فأكل بملء الشهية، لكنه كان يلهج ~~كل حين بأمه، ولا يذكر غير اسمها، وكانت سوزان تعلله بالعودة إلى البحث عنها غدا، ~~وتضمن له لقاءها فيثق بها ويرتاح لوعودها. # وفيما هما يأكلان فتح باب الخمارة، ودخل ويلتون فقال للغلام لقد وجدت أمك يا ~~بني. # ولم يدر الولد بما يجيبه لشدة فرحه، لكنه وثب إليه فتعلق به، وجعل يعانق هذا اللص ~~ويذرف دموع الامتنان. # وقال له ويلتون: لا تحول إلينا الأنظار يا ابني وأصغي إلي لأخبرك الحقيقة، إن أمك ~~في السجن، لكنها ليست مسجونة في سجن الحكومة، بل في منزل أحد الأشرار، كما كنت أنت ~~مسجونا في ذلك المنزل الذي كانوا يضربونك فيه. # فأجفل الصبي وقال: أيجسرون على ضربها؟ ~~- كلا، لم يضربوها بعد ولكنا إذا تأخرنا عن إنقاذها فلا بد أن يضربوها، وقد عرفت لحسن ~~الحظ المكان المسجونة فيه. # ثم غمز سوزان بعينه فقالت له بملء البساطة: أين هو ذاك المكان؟ ~~- إنه غير بعيد. # فقال رالف: إذن هلم بنا لإنقاذها الآن. # فابتسم ويلتون وقبل رالف قبلة حنو ثم قال له: إني معجب ببسالتك يا بني، ولكن وقت ~~إنقاذ أمك لم يحن بعد. ~~- لماذا؟ ~~- إذ يجب علينا أن ننتظر إلى أن ينام حراسها، فأتم الآن عشاءك وسنذهب بعد ~~العشاء. # ثم انصرف عنه إلى سوزان، وجعل يحدثها بلغة اللصوص الاصطلاحية، وهي لغة لا يفهمها رالف ~~فقال: لقد أعددت كل المعدات، وأرجو أن نعود بفوز عظيم ونرتاح من عناء المهنة. ~~- أأنت واثق من وجود المال في المنزل. ~~- نعم، فقد راقبته ورأيته دخل إلى البنك في الساعة الثالثة والنصف، وخرج منه بكثير من ~~الأوراق المالية، وقد التقى ساعة خروجه بصديق له فسمعته يواعده على اللقاء في ليشتر ~~سكار في الساعة العاشرة، لذلك لا بد له من ركوب القطار في الساعة التاسعة ونصف، ms1932 ولا بد ~~لنا أن نصبر حتى نسمع صفير القطار. ~~- ومتى ظفرنا بالمال، فماذا نصنع بالولد! # نذهب به إلى كنيسة سانت جيل، فلا بد لأمه أن تطلبه منها فنودعه هناك، ونذهب توا إلى ~~فرنسا. # وأقاما يتحدثان بمثل هذه الأحاديث إلى أن حان الوقت المعين، فخرجوا من الخمارة إلى ~~مركبة كان أعدها ويلتون، فدخلت إليها سوزان والغلام، وصعد ويلتون فجلس بجانب السائق ~~وأمره أن يسير إلى المحطة. # ولم يكد يبلغ إليها حتى رأى ويلتون توماس الجن صاعدا مسرعا إلى درجات سلم المحطة، ~~فأيقن أنه مسافر وأن الجو قد خلا له، فأمر السائق أن يسير إلى منزل المرابي، ولما بلغ ~~إليه أوقفه عند باب الحديقة، ونزل من المركبة فأخرج منها سوزان والطفل. # ثم فتح باب الحديقة بمفتاح كان معه، ودخلوا جميعا فأقفل الباب وبقيت المركبة تنتظر ~~في مكانها. # وبعد أن اجتازوا الحديقة، صعدوا سلما انتهوا منها إلى باب المنزل، فأخرج ويلتون ~~مفتاحا وفتح الباب مطمئنا لوثوقه أنه لا يوجد أحد في المنزل. فسأل الولد: أهنا محبوسة ~~أمي؟ ~~- نعم، يا بني وسوف تراها فاحذر أن تتكلم كي لا يستيقظ النيام. # وبعد ذاك مشوا في رواق طويل، انتهوا منه إلى باب الحجرة التي فيها الصندوق. # وأنار ويلتون شمعة كانت في جيبه، وخاطب سوزان انظري ألا ترين هذا الثقب الصغير في باب ~~الغرفة؟ ~~- نعم. ~~- هذا هو الثقب الذي يجب أن يمد رالف يده منه ويقطع الحبل. # 32 # ولنعد الآن إلى توماس الجن فإنه خرج من البنك بعد أن قبض منه ألفي جنيه، وعاد بها إلى ~~مكتبه فجعل يكتب رسائل إلى عملائه، إذ كان ذلك اليوم يوم السبت والبريد لا يشتغل يوم ~~الأحد في بلاد الإنكليز. # وقبل أن يفرغ من كتابة رسائله قرع باب مكتبه؛ فأمر الطارق بالدخول دون أن ينهض من ~~مجلسه، ولكنه ما لبث أن رأى هذا الزائر حتى وثب من مكانه مضطربا وأسرع إلى استقباله ~~بملء الاحترام. # وكان هذا الزائر رجلا طويل القامة، عليه مسحة من الشباب، وهو براق العينين، تبدو ~~عليه مخائل النجابة ms1933 والعزم الأكيد. # وكانت ملابسه كلها سوداء مثل رجال الدين فقال له: إنك لم تنتظر زيارتي يا مستر ~~توماس. ~~- كلا يا سيدي، لم يخطر لي في بال أن أنال هذا الشرف. ~~- إن الوقت غير متسع لي الآن، فلا أطيل المباحثة وأدخل توا في الموضوع، إنك أوقفت ~~الكاهن صموئيل، وهو لا يستطيع أن يعقد حفلة 26 أكتوبر، لكن سجنه لا يكفي لنجاح المهمة ~~التي نخدمها، وقد جاء إلى لندرا أربعة رجال خطرهم عظيم على إنكلترا، وبحثوا بحثا ~~دقيقا عن الكاهن فلم يظفروا به، ولكن عيوننا لم تغفل عنهم فإن واحدا منهم قد سرق وهو ~~قادم من أميركا إلى لفربول. وكان معه حوالة على بنك همبري وشركاه، غير أن هذه الحوالة ~~قد سرقت أيضا فلم يبق له شيء من المال. لكن أحد عمالي كان يقفوه في الليل والنهار، وقد ~~أقنعه على الالتجاء إليك فهو سيحضر إليك غدا الأحد، ويسألك أن تسلفه ألف جنيه لميعاد ~~شهر فتعطيه ثلاثة آلاف. ~~- أحب أن أعطيه كل ما تأمرني به غير أن البنك أقفل الآن، وليس لدي غير ألف ~~جنيه. ~~- لقد توقعت ذاك؛ فأحضرت لك المال. # ثم أخذ محفظته من جيبه، وأخرج منها أوراقا مالية بقيمة ثلاثة آلاف جنيه، وأعطاه ~~إياها وقال: هذا كل ما أردت أن أقوله لك اليوم، ثم تركه وانصرف. فشيعه المرابي إلى ~~الباب بملء التعظيم والاحترام. # ولما أصبح وحده قال في نفسه: هذه أول مرة اجتمع فيها لدي في منزلي خمسة آلاف جنيه، ~~فلا بد لي من مضاعفة الحذر والاحتياط. ثم خرج من مكتبه، فركب مركبة وذهب بها إلى ~~المنزل. # وهناك دخل إلى الحجرة التي وصفناها من بابها فوضع المال في الصندوق الحديدي، ووضع ~~البندقية في موضعها، فربط زنادها بطرف حبل رفيع، وربط الطرف الآخر بالباب بحيث إذا فتح ~~الباب من الخارج اشتد الحبل، وأطلقت البندقية على فاتحه. # غير أن المرابي لم يقتصر هذه المرة على البندقية لكثرة ما كان لديه من الأموال، فعمد ~~إلى احتياط آخر لم يكشفه ويلتون قبل الآن، وهو أنه ms1934 كان لديه مدفع صغير من المدافع ~~الرشاشة، يضعه عندما يريد المبالغة في الحذر فوق الصندوق الحديدي، ويربط زناده بحبل ~~ويشد الحبل إلى أعلى الباب بحيث لا يستطيع الناظر من نافذة الباب أن يراه، بل يرى فقط ~~حبل البندقية، ولهذا خفي أمره على ويلتون. # فلما أتم وضع البندقية والمدفع، واطمأن باله أراد الخروج ولكنه لم يخرج من الباب بل ~~أنه أزاح سريره قليلا، وضغط على لولب كان مستترا وراء السرير ففتح باب سري يؤدي إلى ~~سلم في جوف المنزل؛ فخرج منه وأقفله ثم نزل درجات السلم فانتهى منها إلى باب سري آخر ~~ففتحه، فإذا هو بالحديقة فخرج منها إلى الشارع، وذهب منه إلى المحطة. # ولما وصل إليها ذهب ليشتري تذكرة، فسمع وهو يصعد السلم صوتا يناديه فالتفت ورآه وعلم ~~أنه جوهان كالفرن، وهو جندي السجن الذي ذهب بالكاهن إليه فقال له الجندي: إني كنت ~~ذاهبا إلى مكتبك يا سيدي غير أني رأيتك داخلا إلى المحطة فأسرعت إليك. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- إني آت إليك بالدين الذي كان على الكاهن الأرلندي. # فاضطرب المرابي وقال: كيف دفع ومتى، ومن أين جاءوه بالمال؟ ~~- لا أعلم، ولكنه دفع منذ يومين، فأطلق حاكم السجن سراحه وأمرني اليوم أن أحضر لك ~~المال. ثم أعطاه أوراقا مالية قيمتها مائتا جنيه، وهو يعجب لما يراه من دلائل استياء ~~المرابي وانقباض سحنته والعهد به أنه لا يفرحه غير المال. # أما توماس فإنه أخذ الأوراق ووضعها في جيبه، ونظر في ساعته فقال في نفسه: لا يزال ~~الوقت فسيحا وليس من الحكمة أن أذهب إلى محلات اللهو والشراب ومعي مثل هذا المبلغ، ~~فلأعد به إلى البيت وأسافر في قطار آخر. # وعند ذلك خرج من المحطة وسار عائدا إلى منزله، وقبل أن يبلغ إليه رأى مركبة عند بابه ~~فاضطرب وقال: من عسى أن يكون في منزلي؟ # وأسرع في خطواته فرأى باب الحديقة مقفلا والسائق نائما في المركبة، ولم يجد أثرا ~~للنور في البيت فقال في نفسه: لعل وقوف المركبة هنا من قبيل الاتفاق، ثم ms1935 فتح باب ~~الحديقة ودخل. ~~••• # كان ويلتون وسوزان والصبي في المنزل حين دخل إليه المرابي، وقد ذكرنا للقراء كيف ~~دخلوا إليه. # وكان أول ما صنعه ويلتون أنه نظر من نافذة الباب الصغيرة فرأى الحبل في مكانه وقال ~~للصبي: إن أمك في هذا المنزل كما قلت لك، فإن شئت أن تراها وجب عليك أن تفعل كل ما ~~أقوله لك. ~~- سأفعل كل ما تريد. # فحمله ويلتون وقال له: مد يدك من النافذة، وابحث عن حبل متصل بها. # فمد الصبي يده وقال: قد عثرت بالحبل. # فأعطاه مقصا وقال: قص الحبل بهذا المقص. # فامتثل الغلام، وقص الحبل. # فأنزله ويلتون إلى الأرض، فأخذت سوزان بيده، ووقفت معه إزاء الباب فنظر ويلتون من ~~النافذة، فرأى الحبل مقطوعا ساقطا إلى الأرض؛ فاطمأن من البندقية وأخذ مفتاحا من ~~جيبه فوضعه في قفل الباب وأداره، ثم جذب الباب إليه وخرج دوي هائل يشبه دوي الرعد ~~القاصف، واشترك بهذا الدوي صيحتان، إحداهما خرجت من صدر ذلك الغلام الصغير المنكود؛ ~~فسقط مضرجا بدمائه، والثاني من سوزان فإنها أصيبت برصاصة بصدرها، وكان ذلك دوي المدفع ~~الرشاش. # أما ذلك اللص الأثيم فقد نجا من المدفع بأعجوبة، فسلم الأثيم وأصيب البريء. # وفي الوقت نفسه فتح باب الحديقة، وكان الذي فتحه توماس الجن، فلما بوغت بصوت المدفع ~~جعل يصيح مستنجدا إذ أيقن أن المدفع لم ينطلق إلا لمباغتة اللصوص. # أما ويلتون فلم ينتبه لصياح المرابي، ولم يكترث لمصاب الغلام، ولم يحفل بسرقة ~~الأموال، فلم يشغله غير تلك الخليلة التي رآها مضرجة بدمائها، فإن عواطف الحب الصادقة ~~قد تتمكن حتى في نفوس اللصوص فاحتملها وأسرع بها هاربا إلى الحديقة، فابتدره توماس ~~وقبض على عنقه وهو يقول: أيها اللص إنك ستنال جزاءك. # وكان بين الاثنين عراك شديد في الظلام أسفر عن أن ويلتون طعن المرابي بخنجره في بطنه، ~~وهرب بسوزان وهي مغمى عليها، أما ذلك الطفل المنكود فقد تركه صريعا على الأرض وهو مصاب ~~برصاصة في كتفه. # 33 # وحمل ويلتون سوزان إلى المركبة، وهو يكاد يجن إشفاقا عليها ms1936 وأمر السائق أن يسير، ~~فسار بهما إلى المنزل وهناك أطلق سراح السائق، وأخرجها من المركبة وهي لا تزال مغميا ~~عليها، فأدركه وهو عند الباب صديق له يدعى كرفان فذعر لما رآه من إغماء سوزان واضطراب ~~عشيقها فقال: ماذا حدث؟ ~~- حدث أني فشلت في مهمة أتأهب لها منذ عام، وأظنهم قتلوا لي هذه الحبيبة فإنها ~~جريحة. # وكان يقول هذا القول بصوت يتهدج من الاضطراب والإشفاق، كمن يجهش بالبكاء، فطيب كرافان ~~خاطره، وساعده على حملها إلى المنزل وقال: إني كنت خادما عند طبيب جراح؛ فتعلمت منه ~~بعض المبادئ. # وكانت سوزان مصابة برصاصتين، إحداهما تحت الثدي الأيمن، والثانية في العنق، فلما ~~وضعها ويلتون فوق السرير ورآها لا تتحرك، جعل ينتف شعره ويلطم وجهه ويصيح ويلاه إنها ~~قتيلة لا رجاء فيها. # ففحصها كرافان وقال: كلا إنها مغمى عليها، وليست جراحها خطرة انظر إن إحدى الرصاصتين ~~أصابت ضلعا، والثانية لم تنل غير الجلد فهلم الآن نضمد الجرحين. # فأخذ هذان اللصان يمزقان ملابسهما؛ ليضمدا بها الجراح، ويمنعا نزف الدماء ثم خرج ~~كرافان من المنزل، وعاد مسرعا بشيء من الخل فجعل يدعك به صدغيها، فما طال بها الأمر ~~حتى تنهدت ثم فتحت عينيها، ورأت ويلتون وصاحت صيحة فرح وابتسمت له. # وجعل هذا اللص يبكي سرورا، وقد أعاده الحب إنسانا، فأخذ يقبلها ويقول إنك حية ~~والحمد لله. # فقالت سوزان: إني أحمد الله لنجاتك ، أما أنا فقد دنت ساعتي. # ثم خطر لها خاطر فجائي، فالتفتت إلى ما حولها وقالت: رباه أين الغلام؟ ~~- لا أعلم حقيقة أمره لانصرافي إلى الاهتمام بك، فإما أن يكون قتيلا أو هو ~~جريح. # فاضطربت وقالت: لقد أخطأت يا ويلتون، فإنك ستحمل تبعة دمه المسفوك ظلما. ثم جعلت ~~تبكي. # أما ويلتون فإن وجهه تجهم عند ذكر الغلام وقال: إني أوثر أن يكون قد مات كي لا يبوح ~~بما علمه من أمرنا. # فعادت المخاوف إلى سوزان، وجزعت على حبيبها قائلة له: إني الآن بين يدي الموت كما قلت ~~لك فودعني أيها الحبيب آخر وداع، واهرب فإن البوليس ms1937 يبحث عنك دون شك. ~~- أأنا أهرب وأودعك على ما أنت فيه فإني أوثر ألف شنق على هذا الغدر الذميم. ~~- يسرني أن أراك قبل موتي، ولكن لي أخ بين الذين أحبهم أريد أن أراه. ~~- أأنت لك أخ؟ ~~- نعم إنه رجل فقير يكسب رزقه بشق النفس؛ لأنه بقي شريفا وأبى أن ينغمس في الآثام، ~~فلا ترفض طلبي بالله فهذا آخر ما أطلبه إليك. ~~- ولكن أين هو أخوك؟ ~~- إنه يقيم في ديدلي ستريت وهو إسكافي. # فتحمس كرافان لكلامها وقال لها: وماذا يدعى أخوك؟ ~~- جون كولدن. ~~- لقد عرفته أليس نمرة البيت المقيم فيه 27؟ ~~- هو بعينه. # فقال له ويلتون: إذا كنت قد عرفته أيها الصديق، فأرجوك أن تذهب إليه وتأتي به. # فامتثل كرافان ومضى، وبقي ويلتون ينظر إلى سوزان نظرات اليأس. # فقالت له بلهجة المؤنب: لماذا أيها الحبيب لم تصغ إلي، وترد الغلام إلى أمه؟ # فغطى وجهه بيديه وقال: هو القدر أيتها الحبيبة ولا حيلة برده. ثم ركع أمام سريرها، ~~وخاض في عباب التصورات. # 34 # أما كرافان فإنه سار توا إلى شارع ديدلي ستريت، ووقف عند البيت الذي نمرته 37، ~~وهناك أقبية تحت الأرض ينزل إليها بسلم من الرصيف، يشتغل فيها العمال، فنزل كرافان إلى ~~القبو فرأى صاحب دكان الأحذية، وأمامه العمال يشتغلون فدنا منه وقال: إني أبحث عن جون ~~كولد، فقد قيل لي إنه يشتغل عندك. # فامتعض وجه صاحب الدكان وأجابه . كلا إنه ليس هنا. ~~- أين أستطيع أن أجده الآن؟ # فنظر إليه الرجل نظر المشفق وقال له: ألعله من أصدقائك؟ ~~- كلا، لكني قادم إليه بمهمة. # وجعل العمال يتساءلون حين سمعوا اسم كولدن ويتكلمون همسا. # أما صاحب الدكان فإنه نهض عن كرسيه إلى كرافان وقال له: إني لا أعرفه، لكني أرى أنك ~~من الإنكليز، ويجب على الإنكليز أن يتعاونوا، ولهذا وجبت علي نصيحتك فاعلم يا بني أنك ~~إذا كنت من أصدقاء جون كولدن فخير لك أن تقاطعه وتبتعد عنه. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه ضل سواء السبيل وانضم إلى أولئك الأرلنديين الذين دأبوا على كيد المكائد ~~لبلادنا الحرة. ~~- أشكرك ms1938 لنصحك، لكني أتيته بمهمة كما قلت لك ومتى أنهيتها لا أكترث لأمره، بل أعين ~~البوليس إذا انتدبني للقبض عليه، ولكني في حاجة إلى أن أراه، وأرجوك أن ترشدني إلى ~~مكانه. ~~- إني طردته من دكاني حين علمت أنه دخل في سلك تلك الجمعية السرية الأرلندية التي ~~تأتمر كل يوم بدولة الإنكليز، فهو لا يشتغل عندي منذ ذلك العهد. ~~- لكن ألا تعلم أين يقيم؟ ~~- رأيته عدة مرار يتردد إلى هذه الخمارة التي بإزائنا. # فشكره كرافان وذهب توا إلى الخمارة، وجعل يقول في نفسه: إني لا أجد في نفسي ما يجده ~~هذا الإسكافي من الغيرة على بلاده، ويسرني وجود هذه الجمعية السرية فإنها منذ تكاثر ~~أعضاؤها انصرف البوليس عن الاهتمام باللصوص، وتركنا نفعل ما نشاء. # قال هذا في نفسه وذهب إلى الخمارة، فطلب كأس شراب وأجال نظره في الحاضرين فوقع على ~~رجل لابس ملابس جديدة، فأحدق به وأخذ ينظر معجبا إلى ملابسه ويقول: إني أعرف هذا الشخص ~~حق المعرفة، لكني أنكر ما أراه عليه من ظواهر النعمة فقد عهدته من أمثالي. # ثم دنا منه فوضع يده على كتفه قائلا: أي صديقنا شوكنج لقد أصبحت من أهل الثروة كما ~~أرى، فمن أين هذه النعمة؟ # فنظر شوكنج إلى محدثه ثم نظر إلى ملابسه نظرة ملؤها الكبرياء وقال: إن من جد ~~وجد. ~~- لقد أحسنت البيان غير أني لا أجد فرقا بين الشقاء والرخاء، فإنك على ما أنت فيه من ~~ظواهر الإثراء مفكر مهموم كمن حكم عليه بالشنق. # فتنهد شوكنج تنهدا طويلا دون أن يجيب، ولكنه نظر إلى الساعة المعلقة في الحائط نظر ~~الجازع، فقال له كرافان: ألعلك تنتظر أحدا؟ ~~- نعم ... ~~- وأنا أيضا فإني أنتظر جوهن كولدن. # فدهش شوكنج وقال: من الذي تنتظره؟ ~~- جوهن كولدن. ~~- وأنا أيضا أنتظر الشخص نفسه، أليس ذلك بعجيب؟ # غير أن كرافان لم يتمكن من الرد، فإن باب الخمارة فتح عند ذلك ودخل منه كولدن فصاح ~~الاثنان قائلين: هذا هو. # أما كولدن هذا فهو نفس الشخص الأرلندي الفقير الذي رآه الرجل العبوس عند ms1939 باب منزل ~~فانوش، وأدخله في سلك عصابته. # ولما دخل كولدن لم يكترث لكرافان ودنا من شوكنج فقال له: إننا على وشك أن نجد الصبي، ~~فلقد قيل لنا أن امرأة وجدته يبكي عند باب أحد المنازل فأخذته. # فانتبه كرافان للحديث وقال: ألعلكم تبحثون عن غلام؟ # فالتفت جوهن إليه وقال: أهذا أنت؟ ثم صافحه قائلا: نعم إننا نبحث عن غلام ~~فقدناه. ~~- ما هي صفات هذا الغلام وعمره؟ ~~- إنه أرلندي أشقر جميل، لا يزيد عمره عن عشرة أعوام. ~~- إذا كان هذا ما تقولون فأنا أرشدكم إليه، ألم تقل يا جوهن إنه كان يبكي، وأن امرأة ~~قد أخذته؟ ~~- نعم. ~~- إذن، اعلم أن هذه المرأة التي لقيت الصبي الأرلندي هي أختك سوزان. # فصاح جوهن قائلا: ليحمي الله أرلندا. # ثم أحنى رأسه مكتئبا، فلم ينتبه شوكنج لكآبته وقال: إذن هلموا بنا إلى مكان الصبي. # 35 # وسار الثلاثة إلى منزل سوزان، فكان كرافن يقول في نفسه: إني أتيت لأدعو أخا سوزان، ~~وليس من شأني أن أخبرهم بتفصيل ما جرى للغلام، بل قد أخطأت بالحديث عنه. # وأما شوكنج فكان يتبعه ويقول في نفسه: إن الأرلندية هربت من المنزل، إذ لا ثقة لها ~~بي، وقد أصابت في شكها، لأني كنت السبب في دخولها إلى منزل فانوش، ولكني سأرد لها ~~غلامها الآن فأستعيض تلك الثقة، وفوق ذلك فإن الرجل العبوس يعود إلى ثقته بي، لأنه ~~يحسبني الآن من البله. # وأما كولدن فكان يقول: ما عسى تريد مني أختي، وأنا لم أرها منذ عهد؟ # وسار الثلاثة حتى اقتربوا من المنزل، فتأبط كرافن ذراع كولدن وقال له: ألعلك لم تر ~~أختك من أمد طويل؟ ~~- نعم فإنها قد نهجت مناهج الضلال، وقد أنكرتها حين رأيتها تخطر بثياب الحرير فإن ~~أبناء أبي لا يأكلون طعامهم إلا ممزوجا بعرق الجبين، وإذا كنت قد رضيت أن أتبعك إليها ~~لأني أريد أرى هذا الغلام رجاء أن يكون هو الذي أبحث عنه. ~~- لا أظنك تجهل أن أختك تقيم مع رجل يدعى ويلتون. ~~- نعم أعرفه وهو من اللصوص. ~~- هو ms1940 ما تقول وقد حدثت نكبة. # فاضطرب كولدن وقال: ما هذه النكبة؟ ~~- إن سوزان وويلتون حاولا سرقة منزل، فخبط سعيهما وأصيبت سوزان بجراح. # فارتعد جوهان كولدن، ونسي حياة أخته الأثيمة. فلم يذكر إلا أنها أخته. وأسرع في ~~خطواته حتى بلغوا إلى المنزل. فكان أول من دخل إليه وتبعه شوكنج، ووقف على عتبة الباب ~~وأجال في الحضور نظرا وقال: أين هو الصبي؟ # فتلفت ويلتون إليه، ثم التفت إلى كولدن وقال له: ماذا يريد هذا الرجل؟ # فأجابه شوكنج قائلا: إني أريد الولد. ~~- أي ولد هذا؟ ~~- الولد الذي وجدته امرأتك. ~~- إنك لا تراه فقد بات من الأموات. # فأن شوكنج والأرلندية أنين الموجع، وأمسك جوهان كولدن ذراع أخته وهزها بعنف وقال: ~~لا أعلم إذا كانت جراحك خفيفة أو كنت في خطر الموت، وإنك إذا أردت أن يعفو الله عن ~~ذنوبك الماضية، فأخبرينا أين هو الصبي؟ # فتوجعت سوزان واغرورقت عيناها بالدموع وردت: إني أنا وجدته، أما ويلتون ~~فأضاعه. # فاضطرب شوكنج ودخل إلى الحجرة وهو يقول: أضاع أيضا؟ # ولم تجبه سوزان، بل قالت لأخيها: ألعلك تعرف هذا الولد؟ ~~- نعم ألا يدعى هذا الولد الذي عثرت به رالف؟ ~~- نعم. # فقال لها بلهجة الوعيد: إذن أخبرينا بما جرى له. ~~- لا أعلم حقيقة أمره، فقد يكون قتيلا، وقد يكون مجروحا مثلي. # وعندها أخذت تعترف لأخيها وشوكنج بكل ما حدث دون أن يجسر ويلتون على مقاطعتها، حتى ~~إذا انتهت من كلامها، رأت دمعة تجول في عين أخيها وسمعته يقول لها: ويحك أيتها الشقية ~~إنك أضعت أرلندا بأسرها بإضاعتك هذا الصبي. ~~- أرلندا؟ ~~- نعم، إنك لا تعلمين أية نكبة نكبت بها وطنك وبلادك، واعلمي أنه يجب عليك أن تخبرينا ~~أن تركتيه، فقد يكون جريحا كما تروين. ~~- تركناه في كلدن ستريت في منزل توماس الجن المرابي. # فارتعد ويلتون خوفا وقال: ماذا تفعلين يا سوزان أتريدين أن ترسليني إلى ~~المشنقة؟ # وكان شقيق سوزان ضخم الجثة، قوي العضل، فوقف أمام ويلتون وقال له: إذا كان الولد قد ~~قتل، فليس إقرار سوزان الذي سيرسلك إلى الشنق، بل ms1941 هو خنجري الذي يقذف بك إلى هوة ~~الأبد. # وحسبت سوزان أن عشيقها وأخاها سيختصمان فقالت لهما: بالله خليا الخصام فليس هذا وقته، ~~ودعاني أنظر إليكما النظر الأخير. # وكان كرافن قد خرج هنيهة من الحجرة، فعاد عند ذلك منذعرا وهو يقول: قد أقبل رجال ~~البوليس وهم كثيرون يا ويلتون. أسرع إلى الفرار لأنهم ما جاءوا إلا للقبض عليك. # فقال ويلتون: يا للشقاء إن الولد لم يمت، وقد باح لهم بأمري، دون ريب. # وسمعه شوكنج يتكلم هذا الكلام، فسر سرورا عظيما، وقال له: إذا كنت صادقا فيما ~~تقول، أيها اللص الأثيم، وكان الولد حيا صفحت عنك. # أما ويلتون فلم يصغ إليه، بل وثب من الغرفة لخوفه من البوليس، وصعد درجات السطح وهو ~~لا يلوي من خوفه على أحد. # ولما بلغ السطح كان الجنود قد دخلوا إلى الغرفة؛ فتقدم رئيسهم وقال إننا نبحث عن شخص ~~يدعى ويلتون. # فرد كرافن قائلا: إن الطير قد هرب من القفص. ~~- وإننا نبحث أيضا عن امرأة تدعى سوزان. # فأجابته سوزان، بصوت يتهدج من الاضطراب، قائلة: أنا هي يا سيدي. # وكان الجنود يعلمون أن كرافن من اللصوص. غير أن البوليس في بلاد الإنكليز لا يقبض على ~~اللص إلا حين يرتكب الجريمة، فاقتصر على أن يأخذه كشاهد فقط. # ولذلك سأله عما يعلم فقال له: إن شوكنج وجوهان كولدن أتيا إلى الحجرة، وسألا عن ولد ~~أضاعاه. # فأكد رئيس الجنود أن الولد لا يزال حيا، وأنه مصاب بجرح خفيف. # وهنا ضمت سوزان يديها إلى صدرها وقالت لرئيس الجنود: إنني أنا وويلتون المجرمان وأما ~~الصبي فهو بريء. # أما رئيس الجنود لم يحفل بكلامها وقال لها: لك أن تقولي ما تشائين. أما الولد فلا بد ~~له أن يذهب إلى سجن الطاحون، ويقيم فيه إلى أن يبلغ العشرين من عمره. # وهنا ارتعدت فرائص شوكنج وجوهان، لأنهما كانا يعرفان هذا السجن الهائل، الذي اخترعه ~~الإنكليز لتأديب السارقين، لأنهم يلقون فيه من العذاب ما يدل على أن الذين اخترعوه لا ~~أثر في قلوبهم للرحمة. # ولما تأكد رئيس ms1942 الجنود أن كرافن لا يد له في هذه السرقة، أذن له بالانصراف. # فانصرف باكيا بكاء الأطفال وهو يقول: ترى أيبقي العبوس هذا الطفل المنكود في ذلك ~~السجن الهائل المخيف؟ # 36 # ولنعد الآن إلى منزل توماس الجن، فإنه عندما دوى المدفع وسمع الجيران دويه، فخافوا ~~وحسبوا أن أنابيب الغاز قد انفجرت، ولم يجسر أحد على الخروج، بل فتحوا النوافذ وجعلوا ~~ينظرون بعضهم إلى بعض ويتساءلون. # ثم خرج بعضهم بعد ربع ساعة، فكان قدوة لسواه واجتمع عند باب الحديقة كثيرون، ولم يجسر ~~أحد على الدخول. # وبعد هنيهة أقبل البوليس وأخذ مصباحا ودخل، فتبعه الناس. وهناك رأوا ذلك المرابي ~~طريحا على الأرض، يستغيث لفرط ما نزف من دمائه، لأن خنجر ويلتون قد أصاب ضلوعه فأسال ~~دمه غزيرا. # أما الجرح فلم يكن خطرا، فنادوا على الفور طبيبا مجاورا وحملوا توماس إلى سريره، ~~ورأوا عند باب الغرفة ذلك الفتى المنكود مضرجا بدمائه؛ فحملوه إلى غرفة توماس. # فصاح توماس قائلا حين رآه: هو ذا واحد من أولئك اللصوص الذين حاولوا سرقتي. # غير أن الحضور تلقوا كلامه بالشك لما رأوه من حداثة عمر الولد، وجماله النادر، وهيئته ~~التي تدل على السلام، فنظر الطبيب جرح الولد أيضا، ورأى أن الرصاصة أصابت الجلد ~~فقط. # وكان الفتى عندئذ مغميا عليه، فرد الطبيب صوابه إليه بما شممه من المنعشات. ولما ~~فتح عينيه، أجال بين الحضور نظرا حائرا مضطربا، وأخذ يبكي. # وصرخ به توماس يقول: يا ربيب اللصوص، قل من الذين كانوا معك. # فذعر الولد وتمادى في بكائه دون أن يجيب. # ولما رأى توماس أنه لا يجيب، وأن الناس لا يعتقدون أن الولد شريك اللصوص، أراهم ~~النافذة الصغيرة في الباب، وباح لهم بسر المدفع والبندقية، وأراهم الحبل المقطوع، وأثبت ~~لهم أن الفتى مد يده من النافذة وقصه، وأن يد الرجل لا يمكن أن تدخل منها ~~لضيقها. # أما رالف فقد هاله ما سمعه، واعترف بما يعرفه، وذكر اسم ويلتون وسوزان. # ولما سمع البوليس اسم ويلتون عرفه، ففرق الجميع وأخذ رالف وهو يقاسي من ms1943 خوفه ما ~~يكابده من جرحه، وسار به إلى مركز البوليس. # فعجب مأمور المركز لأمره، وسألهم عن هذا الولد، فأخبروه بما حدث له. # فركع رالف أمامه وأقسم له أنه غير لص. # أما المأمور فلم يحفل بكلامه، وأمر الكاتب أن يكتب ما يقول، وأخذ يستنطقه. فأخبره ~~رالف بأمه وكيف أضاعها، وعن تلك المرأة التي سجنته في منزلها وكانت تضربه، وكيف أن ~~الأرلندية وجدته، إلى آخر ما علمه القراء. # وكان يتكلم بلهجة مؤثرة، ولما أتم حديثه نظر المأمور في ساعته وقال للكاتب: اختم ~~التقرير؛ لأن الساعة قد بلغت العاشرة الآن، وغدا يوم الأحد وهو يوم راحة. ثم أمر ~~السجان أن يذهب به إلى السجن، وأن يعود به إليه يوم الإثنين. # فجعل رالف يبكي ويتوسل إلى المأمور أن يطلق سراحه ويبحث عن أمه، غير أنه لم يكترث له ~~لاعتقاده أنه لص ذكي، تدرب على المهنة منذ حداثته، وأن الحكاية التي رواها ~~ملفقة. # وكان طبيب البوليس واقفا فقال للمأمور: إن هذا الفتى جريح ويحتاج إلى عناية. # فأجابه بجفاء: لا بأس عليه، سيشفى في الحبس. # ثم أخذ تقريرا كان أمامه عن رجل قتل أمس، ورأى فيه أنهم يتهمون بقتله لصا يدعى ~~ويلتون، وإذا كان قد سمع من رالف اسم ويلتون، أمر فريقا ليقبضوا عليه. # وقد عرف القراء كيف أنهم كبسوا منزله، وكيف فر منهم. # أما رالف فإن السجان دفعه بعنف إلى سجنه المؤقت، وهو يبكي وينتحب، فرماه على فراش من ~~القش لينام عليه، والدم لا يزال يسيل من جرحه. # 37 # لم تكد تدق الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، حتى غصت كنيسة سانت جيل بالمصلين، ~~ومعظمهم بالملابس الرثة، بل إن كثيرين منهم كانوا حفاة الأقدام، مما يدل على شدة فقر ~~الأرلنديين. # وكانوا خليطا عظيما من النساء والأولاد والرجال والشيوخ. وإنما كانوا كثيرين في ذاك ~~اليوم، لما أشيع بينهم من أن كاهنهم صموئيل قد زج في الحبس، وكانت علائم الحزن والقلق ~~بادية في وجوههم، وكلهم ينتظرون بفارغ الصبر، أن يفتح باب الهيكل، ليروا من الذي يخدم ~~القداس. ms1944 # ثم بدأت الصلاة والقلوب واجفة مضطربة، وفتح باب الهيكل فصاح جميع الحضور صيحة فرح ~~بصوت واحد؛ لأنهم رأوا الأب صموئيل واقفا بالباب. # وبدأ الأب صموئيل بالصلاة حتى إذا فرغ من تلاوة الإنجيل، وقف بباب الهيكل وقال يخاطب الناس: # أيها الإخوة # في مثل هذه الساعة من يوم 26 أكتوبر، أي منذ أربعة أيام، وكان موعد الاحتفال ~~بقداس خاص، وكنا ننتظر قدوم أربعة من بلاد بعيدة لا يعرف بعضهم بعضا، ولكنهم ~~مجموعون متعارفون في حب أرلندا وطننا العزيز، وكان الاتفاق أن أكون أنا واسطة ~~التعارف بينهم. # وقد اتفق ما حال دون حضوري في ذاك اليوم، فلا أعلم إذا كانوا قد حضروا فيه، ~~ثم لا أعلم إذا كان قد حضر أحد منهم اليوم، فإذا كانوا قد جاءوا فليدخلوا إلى ~~الهيكل بعد انتهاء القداس. # وبعد أن فرغ من خطبته، أتم حفلة القداس. # وكان عند باب الهيكل امرأة راكعة تصلي، وتذرف الدمع السخين، وهي الأرلندية والدة ~~رالف، الذي تركناه جريحا ملقيا في الحبس على فرشة من القش. وكان بالقرب منها رجل ~~ينظر إليها نظرات الإشفاق، وهو الرجل العبوس. # ولما انتهت الصلاة وتفرق الناس، أخذ العبوس بيد الأرلندية، ودخل بها إلى الهيكل ووقف ~~أمام صموئيل. # ثم دخل في أثرهما رجلان، واقتربا من الأب صموئيل، وأظهرا له إشارات سرية عرفهما ~~وأجابهما بمثلها، ثم التفت إلى العبوس وقال له: لم يحضر من الأربعة غير اثنين. # فأجابه الرجل العبوس قائلا: إني سأعثر عليهما، إذ لا بد أن يكونا في لندرا. # فاطمأن الأب صموئيل لحديثه وقال للاثنين: من أين أتيتما؟ # فقال أحدهما: من أيكوسيا. # وقال الآخر: من بلاد الغال. # فقال للأيكوسي: كم رجل عندك؟ ~~- عشرون ألفا. # وسأل الآخر هذا السؤال، فرد: ثلاثون ألفا. # فأطرق الرجل العبوس برأسه وقال: إن هذا العدد لا يكفي، ولم يحن وقت العمل. # فقال الأيكوسي: ولكنه لا بد أن يحين، فأين هو الفتى الذي ننتظره؟ # فوضع الأب صموئيل يده فوق كتف الأرلندية وقال: هذه أمه. # فاصفر وجه الأيكوسي وقال: إني أراها تبكي، فهل أصيب الفتى بمكروه؟ ms1945 # فرد صموئيل: نعم إنه في قبضة أعدائنا. # فنظر العبوس نظرات متقدة، تكهرب الأجسام، وقال: سأنقذه من أيديهم. # فارتعش الرجلان لنظراته وقالا له: من أنت؟ ~~- إني مثلكما وأحد زعماء هذه المهمة النبيلة التي نخدمها. # فقال أحدهما: ما اسمك؟ ~~- لا اسم لي. # فبهت الرجلان لهذا الجواب الغريب، وأخذ كل منهما ينظر إلى الآخر، فقال لهما العبوس: ~~إني أنوب عن شخص مات شهيد أرلندا، وقد تلقيت أوامره الأخيرة قبيل موته، وكنت واقفا تحت ~~مشنقته. # فقالا: وهذا الشخص ماذا يدعى؟ ~~- فالتن. # فانحنى الرجلان احتراما. # وعندها التفت العبوس إلى الأب صموئيل وقال له: إنك أصبت بصلاتك اليوم صلاة الأموات عن ~~نفوس الذين سيموتون، إذ لا بد أن يسفك دم كثير قبل أن ننزع الغلام من أيدي المضطهدين ~~الآثمين؟ # فارتعش الرجلان لكلامه، ورفعت الأرلندية عينيها إلى السماء، وهما مغرورقتان بالدموع، ~~وقال له صموئيل: سيكون شهداء أرلندا كثيرين، وستسيل دماؤهم الزكية فتروي الأرض، وإني ~~أزودك ببركات الله وأرجو أن يحميك ويقيك. # وعندها تركهم العبوس، وخرج من الكنيسة فلقي عند بابها شوكنج ينتظره؛ لأنه قد عرف منه ~~حوادث الأمس. # ولم يكن شوكنج كاثوليكيا أرلنديا فوقف عند باب الكنيسة، ولم يشترك في الصلاة لأنه ~~من شيعة البروتستانت. # وكان منذ أسبوع لا يكترث لأمور أرلندا، ولا تهمه شئون الأرلنديين. فبات الآن كواحد ~~منهم بعد أن عرف الأرلندية والأب صموئيل، وبحث عن الغلام، ولا سيما بعد أن تعلق بخدمة ~~هذا الشخص السري الذي يتنكر باسم الرجل العبوس. # ولما لقيه العبوس قال له: أفعلت كما قلت لك؟ ~~- نعم، إن ويلتون قد قبض عليه، وذلك أنه صعد إلى السطح كما أخبرتك أمس، ولكنه لم يجسر ~~على النزول منه، لأن البيت كانت تطوقه الجنود، فاختبأ داخل أنبوبة المستوقد طول ~~ليله. # وعند الصباح كانت الجنود لا تزال في الطريق، ولكنه رأى نافذة قد فتحت أمام المستوقد، ~~وبرز منها لص يدعى جاك، ويلقبه إخوانه بالعصفور الأزرق، فقال لويلتون: أسرع بالخروج، ~~لقد عثرت على طريقة لإنقاذك. # فامتثل ويلتون وخرج من مخبأه. وفيما هو ينزل درجات السلم، أطبقت ms1946 عليه الجنود، وكانوا ~~مختبئين في منزل فطوقوه وأسروه. ~~- يظهر أن جاك قد خانه. ~~- هو ذاك، والسبب في هذه الخيانة أن جمعية اللصوص عقدت جلسة حين كان ويلتون مختبئا ~~فوق السطح فحكمت عليه. ~~- لماذا ولأي ذنب اقترفه؟ ~~- إنه سرق أخيرا منزلا مع بعض زملائه، فأخذ فوق نصيبه من القيمة اختلاسا، أي إنه ~~سرق إخوانه. ولهذا قررت الجمعية تسليمه بدلا من إنقاذه. وهذا سبب ما كان من خيانة ~~العصفور الأزرق، فإنه خدعه بأمر الجمعية. ~~- ألم يدافع ويلتون عن نفسه حين طوقه الجنود؟ ~~- نعم، فإنه دافع دفاع اليأس، ولم يقبضوا عليه إلا بعد أن جرح اثنين منهم جراحا ~~خطرة، ولذلك ساروا به توا إلى سجن نيوجات، وسيشنق بعد أسبوعين. ~~- وماذا حدث لعشيقته سوزان؟ ~~- إنهم لم يستطيعوا نقلها من غرفتها، لفرط ما نزف من دمائها، وقد قرر الطبيب إنها لا ~~تشفى قبل شهر، فوضع البوليس حارسا على باب منزلها إلى أن تشفى. ~~- ومتى شفيت يذهبون بها إلى السجن؟ ~~- دون ريب إذا أراد اللصوص. ~~- كيف ذلك؟ ~~- هذا ما أخبرني به كرافان، فإن جمعية اللصوص التي حكمت على ويلتون، ستجتمع أيضا ~~وتنظر في أمر سوزان. وهم مختلفون بشأنها والأكثرية ترى أنها غير مذنبة، وإذا أجمعوا على ~~تبرئتها أنقذوها. ~~- أينقذونها رغم البوليس؟ ~~- بل بملء إرادته، لأن البوليس في هذا الشارع لا يفعل إلا ما يريده اللصوص. # فابتسم العبوس وظهر من هيئته كأنه يذكر أمورا بعيدة، ثم التفت إلى شوكنج وقال له: ~~أين جوهان كولدن؟ ~~- إني لم أره، ولكنه يجب أن يكون قرب مركز بوليس كلبيرن يراقب الفتى. # فافتكر العبوس هنيهة ثم قال له: أصغ إلي الآن، فإنك قد لا تراني عدة أيام فلا تقلق ~~علي، وانتظر هنا إلى أن يخرج الأب صموئيل والأرلندية فإنها اطمأنت الآن، لأننا لم ~~نخبرها بما حدث لولدها، ووعدناها بإرجاعه وهي واثقة بنا. # فقال له شوكنج: أترى تصدق هذه الوعود، وينجو هذا الغلام المنكود؟ # فهز العبوس كتفيه وقال: إنك لا تزال ساذج القلب، وكيف لا ينجو؟ أتريد أن ندعه في ذاك ~~الحبس المخيف؟ ms1947 ~~- وكيف تمنع البوليس أن يدخله إليه؟ # فابتسم العبوس ولم يجب. وقال له شوكنج: لدي رأي، أرجو أن يكون مصيبا. ~~- ما هو هذا الرأي؟ ~~- هو أن نحيط مركز البوليس بخمسين رجلا من الأشداء، فإذا خرجت الجنود برالف إلى ~~الحبس أطبقنا عليهم وأخذناه بالهجوم. ~~- إن رأيك في غاية السداد. ولكنه فاتك أنه يوجد قرب مركز البوليس ثكنة غاصة بالجند، ~~إذا نفخ بالبوق أتوا زرافات، ومزقونا برصاص بنادقهم كل ممزق. ~~- أصبت فلم تخطر لي هذه النكبة، أما إذا دخل الفتى إلى حبس الطاحون فكيف تخرجه ~~منه؟ ~~- ذاك موكول لي، وسوف ترى. فابق هنا إلى أن يخرج الأب صموئيل والأرلندية، واحرص عليها ~~كل الحرص، فقد وكلت حراستها إليك. # ثم تركه وسار إلى الشارع الكبير، وركب مركبة وأمر سائقها أن يسير به إلى شارع بال ~~مال، وهو شارع عظيم لا يقيم فيه غير النبلاء. # فسارت المركبة وجعل العبوس يقول في نفسه: لقد مضى عهد طويل دون أن أعود إلى المنزل، ~~فماذا عسى أن تقول عني صاحبته؟ # ولما وصلت المركبة إلى ذاك الشارع، أوقفها عند باب منزل فخم، وخرج ودفع أجرة السائق، ~~وأخذ مفتاحا من جيبه ففتح الباب ودخل. فكان السائق ينظر معجبا إلى ملابسه الرثة ~~ويقول: ماذا يصنع هذا الفقير في منازل اللوردية؟ # 38 # وبعد ساعة خرج الرجل العبوس من هذا المنزل، وهو لابس خير الملابس، وقد امتطى جوادا ~~من أفضل الجياد، وخرج وراءه خادم على جواد آخر. # وكان في قرب ذلك المنزل بائع كتب، رأى الرجل العبوس حين دخل بملابسه الرثة. فأنكر ~~دخوله وظن فيه الظنون. ثم رآه خرج وهو على أفخر ما يكون من الهندام والتأنق، فحار في ~~أمره وراح ينظر إليه منذهلا حتى ابتعد عنه ولم يعد يراه. # أما العبوس فإنه سار يتبعه خادمه، فقطع شارع بال مال إلى جمس ستريت، ثم إلى بيكاديللي ~~وذهب منها إلى هايدبارك. وكانت الساعة العاشرة صباحا، وقد كثر المتنزهون من رجال ~~ونساء، ومعظمهم يمتطون الجياد. # فما سار هنيهة في أروقة ذلك البستان الكبير، حتى رأى فتاة ms1948 مقبلة على فرسها وراءه، ~~فالتقى النظران واتقدا اتقاد السلاح المصقول أصابته أشعة الشمس، فصرخت الفتاة منذعرة: ~~هذا هو. # وقال العبوس: هذه هي مس ألن. # وكانت مس ألن، ابنة اللورد بالمير، تسير يتبعها خادم عجوز. ولما رأت أن الرجل العبوس ~~قد تجاسر وحياها، غضبت غضبا عظيما والتفتت إلى خادمها، وأشارت إليه أن يوافيها، فلما ~~دنا منها وقالت له: أرأيت هذا الشخص الذي حياني؟ ~~- نعم. ~~- أريد أن تتبعه الليل والنهار، وتلازمه ملازمة ظله، ولا تعود إلي إلا بعد أن تعرف ~~اسمه وأين يقيم. # فانحنى الخادم ممتثلا، وسار في أثر العبوس. # أما هو فلما رآها تكلم خادمها، أدرك قصدها فقال في نفسه: إن خادمك لن يقضي المهمة ~~التي انتدبته إليها. ثم فك أزرار ثوبه، وأخرج من جيبه دفترا، فانتزع منه ورقة وكتب ~~عليها ما يأتي: # يظهر يا مس ألن أنك تريدين أن تعرفي من أنا اطمئني فسأتشرف بإخبارك عما ~~ترغبين الوقوف عليه بنفسي في الليلة القادمة عند نصف الليل. # خادمك المطيع # المجهول # ولما فرغ من الكتابة طوى الورقة، ونادى خادمه فقال له: أسرع بإدراك تلك الفتاة، ~~وأعطها هذه الورقة. # فأخذها الخادم وقال له: أين ألقاك يا سيدي بعدها؟ ~~- لست محتاجا إليك، فاذهب بعد إعطائها الرسالة إلى المنزل. # ثم افترق الاثنان وذهب الخادم إلى الفتاة، وسار العبوس يتنزه وخادم مس ألن يتبعه ~~كيفما سار. # وظل العبوس يسير من مكان إلى مكان، وهو يهزأ بالخادم الذي يتبعه، حتى انتهى إلى غدير ~~يفصل بين طريقين، حرم البوليس على الفرسان قطعه. ولكن العبوس لم يحفل بهذا المنع، فبحث ~~عن أضيق مكان في الغدير، ولكز بطن فرسه فوثب به من ضفة إلى ضفة، وجرى في الطريق الآخر ~~يسابق الرياح. # وكان الخادم العجوز يبعد عنه عدة أمتار، فأسرع في أثره وأراد الاقتداء به فجمح جواده ~~وأبى الوثوب، فكان بين الفرس والفارس نزاع قوي أسفر عن انتصار الفارس، فوثب الجواد كما ~~أراد راكبه. ولكنه لم يتمكن من اجتياز الغدير فبلغت يداه الضفة، ولكن رجليه سقطتا في ~~المياه، فانقلب الخادم إلى ms1949 الأرض. وأسرع إليه البوليس كي يغرمه بالجزاء المفروض على ~~الذي يجتاز النهر. فلم يكد ينتهي الخادم من نقاشه مع البوليس، حتى رأى أن العبوس قد ~~احتجب عن الأنظار. فعاد إلى مولاته بالخيبة والخذلان. # أما الرجل العبوس فإنه واصل سيره آمنا، وهو يقول في نفسه: لأذهب الآن إلى مركز ~~البوليس كيلبرن علي أعثر على طريقة لإنقاذ الفتى قبل إرساله إلى الحبس. ~~••• # إن مراكز البوليس في لندرا تشبه مراكزه في مصر، غير أن الفرق بينهما أنه يبقى في كل ~~مركز قاض دائم يحق التبرئة والحكم وإطلاق المسجونين. وكان رئيس هذا المركز قاضيا شريف ~~الأخلاق حاد الطباع، لكنه كان عاقلا خبيرا شديد الوطأة على اللصوص، حتى إنه كان يقطع ~~دابرهم. # وكان له ابنة يحبها حبا عظيما، لا يلين فؤاده القاسي غير صوتها الحنون. وقد كان ~~ذلك اليوم يوم أحد، وهو يوم يرتاح فيه القضاة فلا يشتغلون، فكان هذا القاضي يراجع في ~~منزله بعض المذكرات، وبيته فوق مركز البوليس. # وفيما هو منهمك في تلاوتها فتح باب غرفته، ودخلت منه ابنته فانقطع عن القراءة، وابتسم ~~لها قائلا: ماذا تريدين يا ابنتي؟ ~~- إني أراك منهمكا في الأشغال، أتشتغل يوم الأحد؟ ~~- ذلك لا بد منه، إذ يجب علي أن أضع تقريرا لحادثة الأمس. ~~- وأنا قد أتيت أيضا لأحادثك في هذا الشأن، وأتمنى أن لا تؤنبني يا أبي؟ # فقال لها بلهجة حنو: متى كنت أؤنبك يا ابنتي قولي ما تشائين. ثم شدها نحوه وقبلها ~~بجبينها. ~~- إن طبيب المركز قد جاء الآن. ~~- ماذا يريد ألعله أتى من أجل هذا الولد الجريح؟ ~~- نعم يا أبي، فقد أتى يسألني ضمادا لجرح الولد المنكود، أعطيته وساعدته على ضمد ~~جراحه، ولكني واثقة يا أبي من براءة هذا الصغير. ~~- أتظنين أنه بريء؟ ~~- بل أؤكد وقد قص علينا حكايته، وهي تؤثر بالجماد. # فهز القاضي كتفيه دون أن يجيبها، وانصرف عن محادثتها إلى النظر في تقرير كان أمامه، ~~فما أتم تلاوته حتى ارتعش وقال: ما هذا؟ # فلم تجسر الفتاة على محادثة أبيها بشأن الولد بعد ما ms1950 رأت اضطرابه، ولكنه هو افتتح ~~الحديث بشأنه، فقال لها: تقولين أن الولد قص عليك حكايته ماذا قال لك؟ ~~- يقول إنه أتى إلى لندرا منذ أربعة أيام فقط مع أمه، وأنه أرلندي وأمه تدعى حنة، وأن ~~امرأتين فصلتاه عن أمه، وحبستاه في بيت له حديقة، فهرب من هذا البيت راجيا أن يلقي أمه ~~وصار يركض في شوارع لندرا، وهو لا يعلم أين يسير حتى عثرت به امرأة تدعى سوزان، فسارت ~~به إلى دارها ووعدته أن تجمعه بأمه في الغد. # فضرب القاضي يده على المذكرة التي قرأها وقال: ما هذا الاتفاق الغريب انظري هذه ~~المذكرة، فقد أرسلها لي الآن معاون بوليس مالبورج، وأظنها خاصة بهذا الولد ~~فاقرئيها. # تناولت الفتاة المذكرة، وقرأت ما يأتي: # في صباح اليوم أتى إلى مركزنا اللورد بالمير، أحد أعضاء المجلس الأعلى، وقال ~~لنا أن ولدا أرلنديا يدعى رالف وعمره عشرة أعوام سرقته امرأتان وأخذتاه إلى ~~بيت في همستاد، فغافل الولد المرأتين وهرب من البيت، ولا بد أن يكون تاه في ~~شوارع لندرا، وأن البوليس حجر عليه كما يحجر على المتشردين. # وإن اللورد بالمير يهتم بهذا الولد كل الاهتمام، ويطلب أن يرد إليه على ~~عهدته، ثم إنه وضع جائزة قدرها ألف جنيه يمنحها لمن يرد إليه الولد. # فرحت الفتاة فرحا عظيما وقالت: لا شك أن الولد هو الذي يطلبه، وأنك سترده إليه أليس ~~كذلك يا أبي؟ ~~- إن الأمر مستحيل؛ لأن الولد قد اشترك بسرقة، ويجب على اللورد بالمير أن يحضر غدا ~~بنفسه ويطلبه مني. ~~- لا بأس فيسطلق سراحه في كل حال، وهذا ما أتمناه، ولكن ألا يجب أن نخبر اللورد ~~بأمره؟ ~~- لقد أصبت يا ابنتي، وسأذهب بنفسي وأخبره. # ثم قام فلبس قبعته وقال: إني ذاهب إلى منزل اللورد، وقد أغيب ساعة، فإذا حدث أمر ~~بغيابي فادعي سكرتيري المستر توب، ولكن اكتبي المذكرات بيدك، فإني لم أجد أجهل من هذا ~~السكرتير على طول عهده بالخدمة. # ثم خرج وهو يقول في نفسه، ما أجمل هذا الاتفاق فسأقبض الجائزة، وهي تبلغ قيمة ms1951 راتبي ~~عن عشرة أعوام فأجعلها مهرا لابنتي؟ # وعادت الفتاة إلى غرفتها، ولم يطل جلوسها حتى سمعت وقع حوافر جواد في الشارع، فأطلت ~~من الشباك فرأت فارسا جميلا، نزل عن حصانه عند باب المركز فأعطاه لأحد الغلمان ودخل ~~إلى المركز، وكان هذا الفارس الرجل العبوس. # 39 # ولنذكر الآن من أين جاء الرجل العبوس قبل أن ندخل بأذهان القراء معه إلى مركز ~~البوليس، فإنه حين تخلص من مراقبة خادم مس ألن ذهب توا إلى منزل توماس الجن ذلك ~~المرابي الجريح، فوجد الناس مزدحمين عند باب الحديقة يتحدثون بحادثة الأمس، وكل منهم ~~يرويها رواية مختلفة. # وكان جميع سكان ذلك الشارع يعرفون ذاك المرابي المحتال، فما وجد بينهم من أشفق ~~لنكبته، بل كان بعضهم يأسفون لعدم فوز اللصوص. # وقد حاول بعض الجيران أن يعودوه، ليس إشفاقا عليه بل من قبيل الفضول، غير أن المرابي ~~أتى بممرضة في الليلة، وأمرها أن لا تأذن لأحد بالدخول إليه. # فلما وصل الرجل العبوس، ورأى الناس جمال فرسه وملابسه، ما شككوا أنه من كبار النبلاء، ~~ثم رأوه قد اختلط بفريق منهم، وسألهم عن سبب تجمعهم فحكوا له ما حدث لتوماس، وكيف أنهم ~~سمعوا دوي المدفع، فأظهر عجبا شديدا وقال لهم: إني من أهل الشذوذ والفضول، وقد تعودت ~~أن أقيد في دفتري جميع الجرائم الكبرى التي تحدث في لندرا، ولا بد لي من أن أرى هذا ~~الرجل. # وإن أهل الشذوذ كثيرون في بلاد الإنكليز بين نبلائهم، حتى إن الشذوذ يكاد يكون خاصة ~~بهم، لذلك تلقى الجمهور كلامه بالارتياح، فأخذ العبوس دفترا من حقيبته، وأخذ يكتب فيه ~~أجوبة الأسئلة التي كان يلقيها على الحضور، حتى إذا فرغ من الأسئلة قال: إني أريد أن ~~أرى هذا المرابي. # فقال له أحدهم: لا سبيل يا سيدي اللورد إلى رؤيته، فإنه لا يؤذن لأحد بالدخول. ~~- لكنه يأذن لي. # ثم ترجل عن فرسه ودفعه لأحد الحاضرين، وتقدم من باب المنزل وقرعه. # وبعد حين أتت الخادمة فقال لها: قولي لسيدك إن لوردا نبيلا يريد أن يرى منزلك، ms1952 ~~ويدفع مقابل ذلك عشرة جنيهات. # ودهشت الخادمة لهذا الكرم، وعادت إلى توماس لتخبره. # والعادة عند الإنكليز أنهم يتراهنون على كل ما يحتمل الرهان، ويغتنمون كل فرصة لفرط ~~ولوعهم بالمراهنة، فلما رأوا الخادمة عادت إلى سيدها لتستأذن الرجل بالدخول حمي وطيس ~~المراهنة بين القائلين بقبول توماس بإدخاله والقائلين برفضه، ووقفوا ينتظرون عودة ~~الخادمة. # ثم عادت الخادمة فتطاولت إليها الأعناق، وسمعوها تقول له: تفضل يا سيدي. # فاسودت وجوه وابيضت أخرى، ودخل الرجل العبوس إلى المنزل، ورأى المرابي مضطجعا في ~~سريره. # وعند ذاك طلب إليه أن يريه المدفع وأراه إياه، وأخبره بطريقة وضعه ثم أخبره بكل ما ~~حدث في تلك الليلة، حتى إذا وصل بحكايته إلى الغلام الأرلندي سأله العبوس: أين هو ~~الغلام؟ ~~- في السجن. ~~- في أي سجن؟ ~~- في سجن مركز كلبورن. ~~- إذن أريد أن أراه، وإني أدفع لذلك عشرة جنيهات أيضا. # فطمع المرابي بالمال وقال: إن للقاضي صديق لي، فهو لا يرفض طلبي إذا طلبت منه أن يأذن ~~لك بمشاهدة الغلام. ~~- إذن اكتب لي كتاب توصية، فإني أدعى اللورد كورنهيل. # فكتب المرابي ذلك الكتاب إلى القاضي، ثم قبض المال من العبوس، وهو يتنهد ~~بشرا. # أما العبوس فإنه أخذ الكتاب، وودع المرابي وخرج، فلما وصل إلى باب الحديقة، رأى ~~الخادمة تجادل شخصا يريد الدخول لمقابلة توماس وهي تأبى إدخاله قائلة إنه مريض لا ~~يستطيع مقابلة أحد، ولما رأى أنه لا حيلة معها قال لها: قولي لسيدك إني غريب قادم من ~~أميركا. # ولما سمع الرجل العبوس وارتعش، ثم أحدق به وقال: أتتكلم الفرنسية يا سيدي؟ # فرد الأميركي بتلك اللغة. # وفي خلال ذلك أشار العبوس بسرعة تلك الإشارات الخاصة بزعماء الأرلنديين فانذهل ~~الأميركي ورد بمثل إشارته، فقال العبوس بالفرنسية: إذن أنت هو الشخص الذي ننتظر قدومه ~~من أميركا فهلم بنا، إذ لم يبق لك حاجة بالدخول إلى هذا المرابي المحتال، فقد أنقذتك يد ~~الاتفاق من شراكه. # 40 # وسار الاثنان إلى مركز البوليس، فلما وصلا إليه وقف الأميركي بعيدا، وترجل العبوس عن ~~فرسه، ودنا من الباب ms1953 وطرقه. # وكانت ابنة القاضي قد رأته من النافذة، وأعجبت به كما تقدم فلم تنادي السكرتير بل ~~قامت بنفسها، وفتحت الباب فحياها العبوس أحسن تحية وقال لها: إني أخشى يا سيدتي أن أكون ~~مخطئا، إذ لا يمكن أن تكون فتاة لها ما لك من الجمال، وهي تفتح أبواب السجون. # فسرت الفتاة لهذا الثناء، ورأت عليه ظواهر النبلاء فقالت: إلى أين أنت ذاهب يا سيدي ~~الميلورد؟ ~~- إلى مركز بوليس كليبرن. ~~- لقد وصلت فهذا هو المركز، وما أنت بمخطئ. ~~- إني أريد أن أرى القاضي؟ ~~- هو أبي. ~~- لا شك يا سيدتي أن أباك كثير العجب والافتخار بهذا الجمال الباهر. # فاحمر وجه الفتاة، وأطرقت بنظرها إلى الأرض فقال لها: لدي كتاب يا سيدتي لأبيك من ~~المستر توماس الجن. ~~- أهو ذلك المرابي الذي كادوا يقتلونه ليلة أمس؟ ~~- هو بعينه فاسمحي لي يا سيدتي أن أخبرك من أنا، فإني أدعى اللورد كورنهيل، وأنا مولع ~~منذ أعوام بجميع تواريخ الجرائم وتفاصيلها، فبات لدي منها مجموعة نفيسة. ~~- ولكن أبي غائب الآن. # فظهرت على العبوس علائم الاستياء، غير أن الفتاة استدركت فقالت: إنه يحق لي يا سيدي ~~أن أفتح رسائل أبي، لقد خولني هذا الحق. ~~- إذن خذي واقرئي يا سيدتي. # وأعطاها كتاب التوصية، ففضته وقرأت ما فيه ثم قالت: إذن يجب أن أدعو مستر ~~توبي. ~~- من هو؟ ~~- إنه سكرتير أبي، فإنه يقرأ التوراة في غرفته. # ثم وقفت في باب غرفتها، ونادت السكرتير فرد عليها. # وعادت إلى العبوس وقالت: إنك لو رأيت يا سيدي الميلورد هذا الغلام المنكود لأشفقت ~~عليه كل الشفقة فإنه يشبه الملائكة، وقد أخطأ المستر توماس باتهامه لأنه بريء دون شك، ~~كما اتضح لي من حكايته. ~~- ألعله قص عليك أمره؟ ~~- نعم يا سيدي وقصته محزنة. ~~- حبذا يا سيدتي لو حكيتها لي، فأكتبها في دفتري. ~~- حبا وكرامة. # ثم قصت عليه كل ما علمته من أمر الغلام، حتى إذا أتمت حكايتها قالت: لكني أظن أنهم ~~سينقذونه غدا. ~~- من الذي ينقذه؟ ~~- شخص نبيل من اللوردية، طلبه من المركز. # فارتعش العبوس وقال: ms1954 أتعرفين اسم هذا اللورد؟ ~~- نعم، فإنه يدعى اللورد بالمير. ثم حكت له كل ما علمته من أبيها عن ذاك اللورد، ~~وعندها أقبل سكرتير أبيها فقالت له: أليس مفتاح السجن معك يا مستر توبي؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أعرفك باللورد كورنهيل فإنه واسع الثروة، شديد الولع بجمع أخبار الجرائم، وهو ~~يريد أن يرى الغلام الأرلندي السجين. ~~- إن ذلك محال يا سيدتي. ~~- لماذا؟ ~~- لأن المستر بوث ... ~~- ألا تعلم أن المستر بوث هو أبي؟ ~~- لا أنكر ذلك. ~~- ألا تعلم أنه يستحسن كل ما أفعله؟ ~~- لا أنكر أيضا يا سيدتي ما تقولين، ولكنه ... ~~- حسنا، ماذا؟ # واضطرب السكرتير قائلا: لكني أخشى أن يكون حضرة الميلورد يريد إنقاذ الغلام. # وضحك الرجل العبوس، واستاءت الفتاة من السكرتير، وقالت للعبوس: أرجوك يا سيدي أن ~~تعذره فما أخطأ أبي بتلقيبه بالأبله. # وتألم السكرتير من كلامها، وكان يهواها وهي تهزأ به فقال لها: أنت يا سيدتي صاحبة ~~الأمر فمريني أطع، ولو دعت هذه الطاعة إلى طردي. ~~- إذن لا أحملك هذه التبعة فهات المفتاح. # وتنهد السكرتير وأعطاها مفتاح السجن، فأخذته منه وقالت للرجل العبوس: تفضل يا حضرة ~~الميلورد فإني أفتح لك السجن. ~~- وهل أرى الغلام؟ ~~- دون شك فإنه سجين فيه. # ثم مشت أمامه فأخرج الرجل العبوس ورقة مالية من جيبه وأعطاها للسكرتير، وذهب في إثر ~~ابنة القاضي. # 41 # ووصلا إلى الباب الأول وهو مصفح بالحديد، ففتحته الفتاة وتقدمت إلى الرجل العبوس ~~وبيدها مصباح، فاستوقفها العبوس وكتب في دفتره مذكرة عن الباب الحديدي. # وابتسمت الفتاة لما رأته من غريب أخلاقه، ونزلت أمامه سلما طويلا يبلغ ثلاثين درجة، ~~وهناك انتهت إلى باب حديدي آخر، أشد كثافة من الأول، فتوجع العبوس للغلام المنكود وقال ~~في نفسه: يا ويحهم إنهم زجوه في أعماق السجون، كما يسجنون من يحكم عليه ~~بالإعدام. # وفتحت الفتاة الباب، ودخلت إلى دهليز طويل مظلم وتبعها وقلبه يخفق إشفاقا على هذا ~~الغلام الصغير الذي قدر له أن يبيت جريحا في الحبس، ويؤخذ بجريرة اللصوص. # وبعد أن مشيا في الرواق المظلم بضع خطوات، سمع ms1955 الفتاة تقول: لا تخف هذا أنا. # ونظر العبوس ورأى الغلام المسكين منطرحا على فراش من القش، ونسي الدور الذي يمثله ~~واغرورقت عيناه بالدموع. # أما رالف فإنه لما سمع صوت الفتاة أنس بها، لأنها هي التي ضمدت جراحه مع ~~الطبيب. # فقالت له: ألا تزال تتألم؟ ~~- قليلا يا سيدتي، ولكني شديد الظمأ. # ثم نظر إليها نظرة الملتمس وقال لها: إنك كريمة يا سيدتي، كما ظهر لي منك فلماذا لا ~~تخرجينني من هذا الحبس المظلم، وتدعينني أبحث عن أمي؟ # وعندها دنا الرجل العبوس من الفتاة وسألها: أتسمحين لي يا سيدتي أن أكلم هذا الفتى ~~بلغة بلاده؟ # فابتسمت الفتاة وقالت: أليست لغة الأرلنديين والإنكليز واحدة؟ ~~- هو ذاك، ولكن للأرلنديين لغات خاصة تتكلم بها عامتهم، فهل تأذنين لي أن أكلمه ~~بها. ~~- افعل. # ولم يكد العبوس يفوه بالكلمة الأولى حتى صاح الغلام صيحة دهش، وأصغى إلى الحديث كل ~~الإصغاء. # وقال له بتلك اللغة التي لا تفهمها الفتاة: اعلم يا بني أني صديق لأمك التي تبحث عنك ~~وتبكي لبعادك، ولكني سأردك إليها فأصغي إلي الآن. # وكان رالف قد ألف هذه الوعود حتى لم يعد يصدقها، لكنه حين سمع الرجل يكلمه بلغة قومه ~~وثق به. # وجعل الرجل العبوس يحدثه عن أمه، وجميع ما حدث له منذ قدومه إلى لندرا، والفتى مصغ ~~إليه إلى أن أتم حديثه فقال: يجب عليك أن تكون رجلا، وأن تكترث بالصعاب فإنهم ~~سيحاكمونك غدا؛ لأنك كنت شريك سوزان وويلتون. # وبكى الفتى وقال: أقسم لك بأني لم أكن عالما بما كانوا يريدونه مني. ~~- إني واثق يا بني من براءتك، لكن القضاة لا يصدقون ما تقول. # فقال رالف بلهجة اليأس: رباه إذن أيبقونني في الحبس؟ ~~- نعم، وسينقلونك إلى حبس آخر، وعند ذلك أخلصك من الحبس؛ لذلك يجب عليك أن تصبر إلى ~~غد. ~~- وأمي ألا أراها؟ ~~- ستراها غدا دون شك. ~~- أتعدني وعدا أكيدا يا سيدي؟ ~~- بل أقسم لك يا بني فاطمئن. # وعند ذلك التفت إلى الفتاة وقال لها: لقد أزعجتك يا سيدتي بحديث لم تفهميه. ~~- ولكن ماذا ms1956 قلت له؟ ~~- أخبرته أنه سيحضر لورد من النبلاء فينقذه من الحبس، ويرده إلى أمه. # وهنا عاد إلى محادثة رالف بلغة قومه فقال: إذا كنت تريد أن ترى أمك يا بني، فاحرص أن ~~تفوه بكلمة مما قلته لك للفتاة. # فابتسم الفتى ابتسام رجل وقال: لا تخف فلا أبوح بحرف. # ثم تمدد على فراش القش الذي خصص له، وعند ذلك خرجت الفتاة من الحبس وتبعها الرجل ~~العبوس. # وبعد هنيهة كان العبوس يمتطي فرسه ويقول: هو ذا المعركة قد نشبت بيني وبين اللورد ~~بالمير وابنته، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء. ثم ذهب لمقابلة الأميركي الذي كان ~~ينتظره في منعطف الشارع. # 42 # يوجد في لندرا كثير من عصابات اللصوص، كل عصابة مستقلة عن سواها، غير أن جميع تلك ~~العصابات خاضعة لجمعية واحدة. # ولتلك الجمعية مكان سري تحت الأرض، يجتمع فيه أعضاؤها عند الاقتضاء، وهي مثل المحاكم ~~المنظمة فيها قضاة ومحامون ومنفذون للأحكام الصادرة منها، ولها قانون منظم لا يحيدون عن ~~بنوده، فإذا اتهم أحد اللصوص بخيانة عرضت خيانته على محكمة الجمعية، فإذا صدر الحكم ~~عليه بالإعدام خنقوه في منزله في ليلة حالكة الأديم، وألقوه مكتوف اليدين والرجلين في ~~نهر التيمس أو غير ذلك مما يختارونه من أنواع القتل. # وقد كانت جلسة تلك الجمعية معقودة في تلك الليلة، للحكم غيابيا على سوزان، فإن ~~اسمها كان مسجلا بدفتر اللصوص، وكانت جريحة لا تستطيع الحضور. # فلما التئمت الجلسة قال الرئيس: هل تكامل عدد الأعضاء؟ # فعدهم الحاجب وقال: نعم فإنهم اثنا عشر. ~~- أين الشاكي؟ # فتقدم لص منهم وقال: أنا هو. وكان ذلك اللص الذي يلقبونه بالعصفور الأزرق. # فقال الرئيس: وأين المحامي؟ # فتقدم كرافان صديق ويلتون وسوزان وقال: أنا. # فالتفت الرئيس إلى الأول وقال: تكلم. # فأخذ العصفور الأزرق يثبت للقضاة أن سوزان كانت شريكة لويلتون، وأن ويلتون قد سرق مع ~~عصابته أحد المنازل، فخص نفسه اختلاسا بالقسم الأكبر من القيمة. ولما كانت محكمة ~~اللصوص قد حكمت على ويلتون بتسليمه إلى البوليس. ثم لما كانت سوزان شريكته بالجريمة، ~~فهو ms1957 يلتمس من المحكمة إبقاء هذه المرأة بين أيدي الجنود الذين يخفرونها، وعدم السعي في ~~إنقاذها. # ولما فرغ من كلامه أذن الرئيس للمحامي أن يتكلم، فأثبت كرافان للقضاة أن سوزان لم تكن ~~شريكة لويلتون في جرائمه، بل كانت له خليلة صادقة خاضعة. # وبعد أن أيد بالبرهان أن ويلتون لم يكن يطلعها على أسراره، وأنها لم يكن لها علم ~~بخديعة ويلتون لرفاقه، طلب من المحكمة تبرئتها، والسعي في إنقاذها من الجنود المحيطة ~~بمنزلها. # وبعد أن سمع الرئيس أقوال الخصم والمحامي اختلى بالأعضاء، فتداول معهم مليا ثم أصدر ~~حكمه ببراءة سوزان، وبضرورة مساعدتها وإنقاذها. # وفيما هم يتداولون في اختيار طريقة صالحة لإنقاذها، سمعوا وقع أقدام على سلم المغارة ~~التي كانوا يجتمعون فيها فذعروا؛ لأنهم لم يكونوا بانتظار أحد ووضع كل يده على ~~خنجره. # ثم دخل هذا الزائر الجديد فهموا بالهجوم عليه، غير أن العصفور الأزرق صاح بهم قائلا: ~~لا تفعلوا فهو منا. # فرد الزائر قائلا: دون ريب. # ثم تقدم مبتسما إلى وسط الحلقة، وكان هذا الزائر الرجل العبوس. # وكان العبوس مرتديا تلك الملابس التي كان يلبسها حين ذهابه إلى الخمارة السوداء، ولم ~~يكن يعرفه بين أولئك اللصوص المجتمعين غير العصفور الأزرق؛ لأنه كان يراه في تلك ~~الخمارة. # وكان اللصوص يحترمون العصفور الأزرق لاشتهاره بينهم، فلم تؤثر عليه خسارة قضيته على ~~سوزان، ووثقوا بما قاله لهم عن العبوس. فمشى العبوس إليهم بقدم ثابتة، وأجال بينهم تلك ~~النظرات الجاذبة. وكان اللصوص ينظرون إليه معجبين بإقدامه خاضعين لنظراته. # وإن للصوص لندرا لغة اصطلاحية كسائر اللصوص، فتقدم العبوس من العصفور الأزرق، وصافحه ~~شاكرا ثم التفت إلى جمعية اللصوص، وخاطب أعضاءها بلغتهم الاصطلاحية فقال: اعلموا أيها ~~الأصدقاء أني قد نهجت قديما في مناهجكم، وامتهنت مهنتكم، وإذا كنت اليوم قد اتخذت غير ~~هذه المهنة، فذاك لأني لقيتها أفضل. # فحدث ضجيج بين أولئك اللصوص، وظهرت عليهم ظواهر الانذهال، إذ لا يعتقدون أنه يوجد ~~مهنة تفضل مهنة اللصوصية. # وعاد العبوس إلى الحديث وقال للرئيس: إنكم حاكمتم سوزان، أليس كذلك؟ ~~- نعم ... ~~- وحكمتم ms1958 بضرورة إنقاذها؟ ~~- دون ريب. # فنظر إليه كرافان نظرة ارتياب وقال له: ألعلك تريد الاعتراض على هذا الحكم؟ ~~- معاذ الله إني أحب هذه المرأة، وإنما أتيت إليكم من أجلها. # ثم التفت إلى الرئيس وقال: بأية طريقة تريدون إنقاذها؟ # فرد الرئيس: بالطريقة التي ألفناها؛ لأن الجنود الذين يخفرونها لا يزيدون عن ثمانية ~~وسنجمع رجالنا، ونطلب إلى الجنود الإفراج عنها حسب العادة فإما ننقذها بالرضى أو ~~بالقوة. ~~- أهذه هي خطتكم في إنقاذها؟ ~~- نعم إنها أسهل خطة. ~~- لكنكم مخطئون ولا تعلمون. # فصاح الجميع بصوت واحد قائلين: لماذا؟ ~~- إني مخبركم بالسبب، وهو أن البوليس في هذه الأيام لا يهتم باللصوص لانصرافه إلى ~~الاهتمام بالأرلنديين، وأنتم تعلمون أن سوزان أرلندية، وقد بلغ البوليس أن لها علائق ~~بالجمعيات الأرلندية السرية، فعزمت الحكومة على تعيين أحد قضاة لندرا ~~لاستنطاقها. # قال الرئيس: متى؟ ~~- غدا. # فقال العصفور الأزرق: ولكنها جريحة، لا يتيسر نقلها إلى مركز القاضي. ~~- القاضي سيحضر بنفسه إليها. # فضحك اللصوص جميعهم وقالوا: إن هذا أعظم تشريف لنا؛ لأنها أول مرة يحضر القضاة ~~شوارعنا. # فقال العبوس: لقد علمتم الآن فرط اهتمام الحكومة بسوزان، لأنها سترسل القاضي إليها، ~~ولفرط خوفها من الأرلنديين عينت مائتي رجل من البوليس السري، يقيمون حول منزلها إلى أن ~~يتم التحقيق في أمرها، ولذلك يتعذر عليكم إنقاذها بالكره؛ لأن الجنود أكثر منكم عددا ~~وخير لكم أن تصبروا إلى الغد. # فقاطعه كرافان قائلا: أية فائدة من الغد، لأنه سيكون مثل اليوم؟ ~~- كلا ، لأن سوزان لا تعلم شيئا مما يصنعه الأرلنديون. فمتى أتاها قاضي التحقيق، وحقق ~~في أمرها يعلم أنها لا علاقة لها بالأرلنديين، وأنها فقط من اللصوص، فيكتفي بالجنود ~~الساهرة عليها، وينصرف رجال البوليس السري إلى شئونهم. # فقال كرافان: إذا كان ما تقوله حقيقة، إني موافق لرأيك. ~~- هي الحقيقة دون ريب. # فقال الرئيس: إذن أنت أرلندي! ~~- هو ما تقول فأنا أريد إنقاذها؛ لأن أخاها من عصبتنا، وأنتم تريدون إنقاذها لأنها ~~منكم. ثم ارتد إلى العصفور الأزرق قائلا: أتعرفني أنت؟ ~~- دون شك، إني لم أنس قتالك مع البحار. ms1959 ~~- ألك ثقة بي. ~~- إني أتبعك حتى الحبس. ~~- إني لا أكلفك مثل هذا العناء، بل أقتصر على أن ترشدني إلى منزل سوزان. ~~- لكن الجنود هناك لا يأذنون لك بالدخول. # فابتسم العبوس وقال: سوف ترى أني داخل إلى حيث أشاء. ~~- إذن هلم بنا. # فحيا الرجل العبوس اللصوص، وخرج مع العصفور الأزرق، فلما توسطوا الطريق قال له اللص: ~~لا أعلم إذا كانت جمعيتكم أفضل من جمعيتنا، ولكنك إذا دخلت في زمرة اللصوص، ضمنت لك أن ~~تكون الرئيس علينا. # فابتسم العبوس وقال: سوف نرى. # ثم سار الاثنان حتى قدم من منزل سوزان، فدله عليه فودعه العبوس قائلا: لم يعد لي ~~حاجة إليك. # ثم افترقا وذهب العبوس توا إلى المنزل، وكان على الباب أحد أفراد البوليس فمنعه عن ~~الدخول، غير أن العبوس أشار له تلك الإشارات السرية الأرلندية، فانحنى البوليس وأذن له ~~بالدخول. فصعد سلم ذلك المنزل وهو يقول في نفسه: مسكينة إنكلترا فهي تعتقد أنها سيدة ~~العالم، ولا تدري أن عدوها بين جندها، وأن الأرلنديين في كل مكان. # 43 # كانت ملابس العبوس الظاهرية تدل على الفقر لرثاثتها، فهي ثوب طويل خلق، ولكنه كان ~~يستر تحت هذا الثوب الطويل ملابس أخرى. فلما بدأ بصعود السلم خلع ثوبه الخلق وقلبه ~~وحمله على ساعده، فظهر من تحته بملابس رسمية سوداء، ثم أخرج من جيبه عصا صغيرة من العصي ~~التي يحملها ضباط البوليس. # وإن في لندرا عادة غير موجودة في غيرها من البلاد، وهي أن أشرافها يتطوعون في خدمة ~~البوليس خدمة شرف. # فإذا اتفق حدوث خصام في شارع، وقوي فيه المتخاصمون لكثرة عددهم على البوليس، برز من ~~الناس المتجمهرين واحد أو أكثر من النبلاء، فأخرجوا من جيوبهم تلك العصي القصيرة، ~~وأعانوا البوليس في القبض على المتخاصمين. # وقد كان العبوس مقيما في شارع بال مال، أشهر شوارع لندرا. وكان ظهر بمظهرين، أحدهما ~~سري فيعاشر من عرفناهم، وينتاب المحلات التي تقدم لنا وصفها، والآخر ظاهري فكان يعاشر ~~النبلاء، ويتردد على أفخم الأندية؛ ولذلك كان أحد أولئك الضباط المتطوعين. # ولما وصل ms1960 إلى باب غرفة سوزان، لقي جنديين واقفين فأراهما العصا، فانحنيا أمامه ودخل، ~~فأشار إلى الجنود الذين كانوا داخل الغرفة، فخرجوا ولم يبق منهم أحد وهم يحسبونه من ~~كبار رجال البوليس، وأنه أتى للتحقيق بأمر الأرلندية. # أما الرجل العبوس، فإنه لما خلا بسوزان قال لها: إني آت من قبل أخيك. # فارتعشت قائلة: ألعلك تعرفه؟ ~~- بل هو صديقي. # فبان على سوزان ظواهر الريبة، وحسبته يريد إغواءها، فابتسم العبوس وقال لها: إني ~~صديقه وسأثبت لك ما قلته. # ثم أخذ يكلمها بلغة أهل الشواطئ الأرلندية عن زمن حداثتها وعيشها العائلي بما لا ~~يعلمه غير أخيها. # وأزال من نفسها كل ريب، وقالت: مر يا سيدي، فقد باتت لي فيك ملء الثقة. ~~- إنك عشت يا سوزان عيشة دعارة وفساد، ولكنك على غوايتك لم تنسي وطنك العزيز. ~~- إني أحب وطني، وأفديه بدمي. ~~- وكذلك أخوك فإنه من أعضاء جمعيتنا السرية، وأنا أحد رؤسائها، وإنما زرتك الآن لأن ~~أرلندا محتاجة إليك. ~~- أتحتاج إلي أنا ومن عسى أن أكون فتحتاج إلي البلاد إني امرأة لصة متهمة بجناية ~~سيحكم علي بأشد عقاب؟ ~~- كلا، إنهم لا يحكمون عليك بشيء فقد اتفق الأرلنديون على إنقاذك. ألست أخت جوهان؟ إن ~~جوهان ورفاقه سينقذونك على أن تخدمي أرلندا الخدمة التي تطلبها إليك. ~~- قل يا سيدي، ماذا تريد أن أصنع؟ ~~- إنك ذهبت بغلام إلى الموضع الذي جرحت فيه. # فغطت سوزان وجهها بيديها وقالت: مسكين هذا الفتى، فقد يكون قضي عليه وذلك ذنب ويلتون ~~لا ذنبي. ~~- إني أعرف ما تعرفينه، وأزيدك إن الغلام لم يمت، ولكنه مسجون وسيأتيك القاضي ويسألك ~~عنه. ~~- إذن أقول الحقيقة، إنه بريء ونحن خدعناه. ~~- وهذا ما أتيت لأجله؛ لأني لا أريد أن تثبتي براءة الفتى. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أصغي إلي ... # ثم أخذ يكلمها همسا مدة طويلة، فلم يدرك بما جرى بينهما أحد. ولكنه حين أتم حديثه ~~قالت له: لقد علمت كل قصدك الآن، وسأطيعك في كل ما تريد. ~~- إذن أودعك الآن على أمل اللقاء قريبا، فتشجعي واعلمي أن أرلندا لا تنسى من يخدمها. ~~ثم ms1961 تركها وانصرف، فودعه الجنود بالاحترام. # ولما سار في الشارع ركب مركبة وسار بها إلى بيكاديللي، وهناك رأى شوكنج واقفا قرب ~~خمارة، فأوقف المركبة وناداه ثم سأله: أين الكاهن والأرلندية والأميركي؟ ~~- إنهم في الكنيسة. ~~- إذن اذهب إلى الأب صموئيل، وقل له إننا سنعقد جلسة في الساعة الثانية بعد نصف ~~الليل. ~~- ألعل الجلسة للمباحثة في شأن رالف؟ ~~- هو ذا فأسرع الآن بالذهاب. # ثم أمر السائق أن يذهب إلى شارع هاي ماركت، وهناك نظر في ساعته، فرأى أنه لا يزال ~~باقيا خمس دقائق لانتصاف الليل، فقال: لقد حان الوقت للذهاب إلى مس ألن، فقد وعدتها أن ~~أزورها حين انتصاف الليل، ولا بد من الوفاء. # 44 # ولنذكر الآن ما حدث في قصر اللورد بالمير منذ يومين. فإنه منذ دخل الرجل العبوس إلى ~~ذلك المنزل، من نافذه غرفة مس ألن، وخرج منه بالأرلندية، بعد أن صعق تلك الفتاة بنظراته ~~الساحرة. باتت تلك الليلة مضطربة، واجفة القلب. فكانت كالحمامة طاردها البازي فأفلتت ~~منه بعد العناء. # وقد جلست على كرسي، قرب النافذة المفتوحة، إلى أن أشرق الصباح. وهي تفتكر بهذا الرجل ~~الجريء المقدام، خضعت لنظراته هذا الخضوع. # وفيما هي مشردة الفكر شعرت أن باب غرفتها قد فتح، فاضطربت إذ لا يدخل عليها أحد دون ~~استئذان. # ونظرت فرأت أن هذا الداخل هو أبوها، فزاد اضطرابها لما رأته من دلائل غضبه، واختلال ~~ثيابه واتساخها فصاحت تقول: ما هذا الذي أنت فيه وماذا دهاك؟ # فقال بصوت يتهدج من الغضب: يا ويح أولئك اللصوص! فقد مكروا بي. ~~- من تعني يا أبي؟ ~~- أولئك الأرلنديون الذين تجاسروا أن يقبضوا على أبيك، ويقيدوه ويلقوه في إحدى زوايا ~~الحديقة، وقد كاد يموت لو لم تنقذه فانوش وخادمتها عند الصباح. ~~- إني أعرف يا أبي الرجل الذي فعل بك هذه الفعال. # فدهش وقال: كيف تعرفيه؟ ~~- إنه جاء أيضا إلى بيتنا؟ ~~- متى؟ ~~- هذه الليلة. # فاضطرب اللورد وقال: أمجنونة أنت أم حالمة؟ ~~- لا هذا ولا ذاك يا أبي، لأن هذا الشخص لم يخرج من هنا إلا بالأرلندية. # ثم قصت ms1962 عليه ما حدث لها، وكيف أنه دخل من النافذة، ولم تستطع أن تستغيث لتأثير نظراته ~~بها، ولأنه هددها بقتل أبيها إذا لم يعد إلى العصابة في الموعد المعين. # وكان اللورد بالمير واثقا من شجاعة ابنته، فأيقن لما رآه من اضطرابها، أن ذاك الشخص ~~أثر بها تأثيرا عظيما. # وكان لديه طريقتان ينهجهما، وهما إما أن يخبر البوليس على الفور بما جرى له، أو يكتم ~~الأمر ويعهد إلى البوليس أمر التفتيش على الغلام. غير أنه فضل الرأي الأخير؛ لأن ابنته ~~ضغطت عليه. # ومضى على ذلك يومان، وجاء يوم الأحد فقالت مس ألن في نفسها: إن القتال سيكون هائلا ~~بيني وبين ذاك الشخص، ولكني سأكون قوية شديدة بقدر كرهي له وحقدي عليه. # وخرجت بعد ذلك تتنزه على فرسها، فلقيت الرجل العبوس. وأمرت خادمها أن يقتفي أثره، كما ~~قدمنا، وبعد هنيهة رأت خادم العبوس قد دنا منها وأعطاها رسالة. فاضطربت وقالت: لقد بلغ ~~من وقاحته أن يكتب لي. # ثم دفعها الفضول إلى معرفة محتوى الرسالة، فأخذتها من الخادم وقرأتها فاحمر وجهها، ~~وبدت عليها ظواهر الأنفة والاستكبار، لأن الرجل العبوس كتب إليها أنه سيزورها هذه ~~الليلة عند انتصاف الليل. # فمزقت الرسالة قطعا صغيرة وألقتها إلى الأرض، ثم نظرت إلى الخادم وقالت: إذا أردت أن ~~تكون من أهل الثروة، فقل لي من هو الشخص الذي أعطاك الرسالة. ~~- هو سيدي. ~~- أعرف ذلك ولكني أسألك عن اسمه. # فابتسم الخادم وقال: لا أعلم. # أما هي فقد أمسكت كيسا ملؤه الذهب، ودفعته إلى الخادم قائلة: إذا كنت تقول لي عن اسم ~~مولاك وأين يقيم أعطيك ألف جنيه، بل أعطيك ثلاثة أضعاف هذه القيمة إذا صدقت في ~~خدمتي. # فرد الخادم كيسها وقال لها ببرود: مهما بلغت ثروتك فإن سيدي أغنى منك، ومن يخدمه لا ~~يخونه. ثم انحنى أمامها، وأطلق لجواده العنان. # فامتعض وجه الفتاة وقبض القهر نفسها، فعادت إلى منزلها وهي تشبه أهل القنوط. # وهناك وجدت أباها منشرح الصدر طيب النفس، فقال لها حين رآها: أبشري لقد وجد ~~الغلام. ~~- أين وجد، ms1963 وأين هو؟ ~~- إنه في أحد سجون البوليس، وقد كان القاضي الذي تولى تحقيق أمره عندي الآن. ~~- وماذا جرى؟ ~~- سأذهب غدا إلى ذلك المركز، وأطلب الغلام. وقد اتفقنا أن يرده القاضي إلي. # فهزت الفتاة رأسها وقالت: لماذا لا تطلبه اليوم يا أبي؟ ~~- لأن الصبي وجد بين عصابة لصوص، ولا بد للقاضي من محاكمته علنا، حسب الأصول، قبل أن ~~يرده إلي. وهذا اليوم يوم أحد، لا تشتغل فيه المحاكم. ~~- لكني أخشى غدا أن يكون فات الأوان. # فاندهش اللورد وقال: لماذا؟ ~~- أصغ إلي يا أبي، إني لا أستطيع الزيادة في التصريح. لكن ثق أن أعداءنا ليسوا من ~~اللصوص ولا المتسولين، بل إن رجلا نبيلا واسع الثروة، يثير علينا هذا العداء. ~~- ماذا تعنين بذلك؟ إني لا أفهم شيئا مما تقولين؟ # فأخذت الفتاة يد أبيها وقالت: أتثق بي يا أبي؟ ~~- دون شك. ~~- أتصغي؟ ~~- تكلمي. ~~- أتريد أن تعكس السلطة بيني وبينك، فتكون لي سلطة الوالد، ولك امتثال الولد؟ # ثم نظرت إليه نظرة غريبة، استدل منها على أن الأمر خطير، ورأى أن الطبيعة قد منحتها ~~سلطانا عليه. فأطرق بنظره إلى الأرض وقال: تكلمي يا ابنتي فسأصنع ما تريدين. # 45 ~~- أول ما أبدأ به يا أبي رجاؤك أن لا تسألني عن شيء، وأن تعدني بإجابتي إلى كل ما ~~أسألك إياه. ~~- لقد وعدتك فقولي. # فأخذت مس ألن بيد أبيها، وسارت إلى رواق يصل بين غرفته وغرفتها من إحدى جهتيه، وينتهي ~~من الجهة الأخرى إلى قاعة فسيحة أعدها اللورد لأشغاله. فوقفت في تلك القاعة وقالت له: ~~أريد أن تكون هنا في هذه الليلة، قبل انتصاف الليل بقليل، ويكون معك خادمان وكلكم ~~مسلحون. # فارتعش اللورد، وقال: لماذا؟ # ولم تجبه على سؤاله، بل مضت في حديثها فقالت: وينبغي أن تدع باب الغرفة مفتوحا، ~~وتصغي كل الإصغاء. ~~- سأفعل كل ما تريدين ولكن لماذا؟ ~~- أما وعدتني يا أبي أن لا تسألني، واعلم الآن أنك متى سمت دوي غدارة ... # فقاطعها اللورد وقد اصفر وجهه وقال: دوي غدارة؟ ~~- لا تخف يا أبي فأنا سأطلقها. ~~- ولكن لماذا؟ ms1964 ~~- ألعلك نسيت وعدك يا أبي، فعدت إلى السؤال؟ ~~- حسنا ومتى سمعت دوي الغدارة؟ ~~- تسرع إلي مع الخادمين، وإذا وجدتم باب غرفتي مقفلا اكسروه، وعند ذلك تعلم ما يجب ~~أن تصنع. # ووقفت مس ألن عند هذا الحد، ولم توضح لأبيها كلمة عن قصدها، وتركته مضطرب البال ~~عليها. # وعادت إلى غرفتها، وأمرت وصيفاتها وخادماتها أن لا يدخلن إليها إلا إذا ~~نادتهن. # ثم أقفلت باب غرفتها، وأقامت وحدها فكانت مصفرة الوجه، بادية الاضطراب، ولكن عينيها ~~كانتا تدلان على عزم أكيد. # ومما دل على صدق عزمها، أنها قامت إلى خزانة، ففتحتها وأخرجت منها مسدسا ففحصته ~~ووضعته في جيبها. # ثم فتحت النافذة المشرفة على الحديقة، وهي النافذة التي دخل منها الرجل العبوس، وجلست ~~بقربها وهي تتطلع إلى الحديقة، وتنتظر قدوم الرجل العبوس. # وكانت السماء صافية، والرياح ساكنة والحديقة خاوية، ولكن الوهم كان يمثل لعينيها ~~الرجل العبوس. # وإذا رأت غير شيء ظنته رجلا لا سيما وأنه لا يستطيع الوصول إليها إلا من الحديقة، ~~كما فعل في المرة السابقة. # وأقامت تنتظر ساعة وهي متنبهة كل التنبه، حتى دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، دون أن ~~يحضر حسب الوعد، فوقفت مضطربة وقالت: أيجسر أن يهزأ بي؟ # ثم تحولت عن النافذة إلى المستوقد، ولم تكد تخطو خطوة حتى صاحت صيحة ذعر، وجمد الدم ~~في عروقها، واضطربت قدماها حتى أوشكت أن تسقط، ذلك أنها رأت رجلا واقفا ينظر إليها ~~مبتسما، وهو الرجل العبوس. # فحاولت أن تصيح وتستغيث، ولكن لسانها تلجلج، وأرادت أن تمشي فما استطاعت، وهي منذعرة ~~من هذا الرجل لا تعلم كيف دخل إلى غرفتها، وهي مقفلة الأبواب حتى حسبته من عالم الخيال. ~~ثم حلت عقدة لسانها فقالت بصوت مختنق: أهذا أنت؟ # فأجابها بلهجة تشف عن أرق العواطف: وعلام العجب يا سيدتي؟ ألم أقل لك إني سأزورك عند ~~نصف الليل، وإنما أتيت إليك لأعلم إذا كنت راضية عني؟ # فقالت بلهجة الاستكبار: ومن أي شيء تريد أن أرضى؟ ~~- من صدق وعدي، ألم يعد أبوك حيا؟ ~~- إنك أتيت يا سيدي إلى غرفتي ms1965 من حيث لا أعلم، فهل تريد أن تخبرني كيف دخلت؟ ~~- إني دخلت من الباب. وأنت ترين يا سيدتي، أن لي أصدقاء في نفس منزلك. ~~- لكنها جرأة نادرة. ~~- هو ما تقولين يا سيدتي، وإني مقترح عليك الآن اقتراحا أحب أن تسمعيه. # فاضطربت الفتاة لنظرات هذا الرجل وقالت له: قل إني مصغية إليك كل الإصغاء. ~~- إن أباك يا سيدتي عازم على أن يطلب غدا من مركز بوليس كليبرن ابن ~~الأرلندية. # فتراجعت منذعرة وقالت: أتعرف هذا أيضا؟ ~~- إني أعرف كل شيء، وأرجوك أن تمنعي أباك عن طلب الفتى. # فردت بعظمة: لماذا تريد أن أمنعه؟ # فابتسم قائلا: لأن ذلك يرضيني. # وهنا اتقدت عيناها لمساس كبريائها، والتقى نظرها بنظره فقاومته وقالت: أصغ إلي الآن ~~يا سيدي، فقد آن لي أن أتكلم. ~~- قولي يا سيدتي ما تشائين. ~~- أريد أن أعرف من أنت، ولماذا تجاسرت على الدخول إلى غرفتي. # فرد متهكما: أحقا ما تقولين؟ ~~- إني أمهلك عشر ثوان للتفكير. ~~- وبعد الثواني العشر؟ # فأخرجت الفتاة المسدس من جيبها وقالت له: إني بعد ذلك لا أكون مسئولة عن حياتك. ثم ~~شهرت مسدسها عليه وقالت: قل أم أنت مقتول. # وكان العبوس بعيدا عنها، بحيث لا يفيد خنجره فكررت مس ألن قولها: قل أو أطلق عليك ~~النار! # 46 # على أن العبوس لم يظهر عليه شيء من الخوف ولم ينبس بكلمة، بل وضع يديه فوق صدره ~~وابتسم. فهاجت مس ألن لبسالته واستخفافه، فأطلقت المسدس، فلم يخرج له صوت، فأعادت ست ~~مرات فلم ينطلق رصاص المسدس. # وعند ذلك جرد العبوس خنجره، ووثب إليها فقال: إذا صحت فإني لا أقتلك أنت بل أقتل ~~أباك، فإنه على مسافة خطوتين منا، إذا سمع صياحك حضر في الحال. # وكانت المس ألن باسلة، غير أن ثبات هذا الشخص وخوفها على أبيها حملاها على التسليم، ~~فأرخت نظرها إلى الأرض، وهي ترتعش وقالت له: ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن أحدثك ببعض الشئون. # ثم أخذ بيدها، وأجلسها على كرسي، ولبث واقفا أمامها. # فقال لها: لقد قلت لك يا مس ألن إنه ms1966 لي أصدقاء في منزلك، ويثبت ما أقوله لك عدم ~~انطلاق المسدس، فقد نزعت يد خفية ما كان فيه من الرصاص. # أما وقد علمت ذلك، فاسمعي الآن ما أقول: إني أتيت لأعرض عليك الحرب أو السلم، فاختاري ~~بين الاثنين. # أما السلم فهو أن ترجعي مع أبيك عن الخطة التي جريتما عليها، وتكفا عن الأعمال التي ~~كثر تداخلكم فيها. فإنكم خنتم أرلندا وأنتم منها، فارتكبتم أعظم شطط. # إن أباك يا مس ألن لم يقتصر على خيانة أرلندا، بل إنه خان أخاه ودفعه بيده إلى ~~الموت. # فقد وقع هذا التقريع في نفس الفتاة وقالت: إن أبي من الإنكليز. ~~- ولكن أباه من زعماء الأرلنديين. وهو حر أن يكون كما يشاء، غير أنكم إذا رضيتم الصلح ~~بقي أبوك غنيا شريفا عضوا في البرلمان. # فقالت بلهجة المتهكم: أتأذن له بالبقاء في البرلمان؟ # فلم يكترث لتهكمها وقال: نعم، ونصفح أيضا عما جناه على أخيه. وفي مقابل ذلك ترجعان ~~عن غاية الاستيلاء على ابن عمك السير أدموند، لأنه الزعيم الوحيد الذي تنتظره أرلندا ~~بجملتها بصبر وثبات أن يبلغ العشرين من عمره، ليتولى رئاستها فقد عقدت كل رجائها ~~عليه. # فقالت متهكمة أيضا: أهذه شروط السلم؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إني كنت أجهل من أنت حتى الساعة، أما الآن فقد علمت أنك أحد زعماء هذه الجمعية ~~الأرلندية التي تريد أن تحارب إنكلترا، وليس بين أعضائها غير اللصوص. ~~- ربما. # فتشجعت الفتاة وقالت: لقد عرفنا بشروط السلم، فهات شروط الحرب. ~~- هي أن ترجعوا عن المطالبة بالغلام، وعن المداخلة في أي شأن من شئون أرلندا. # واتقدت عينا الفتاة ببارق دل على أنفتها واستكبارها وقالت: إذن نختار الحرب، وستكون ~~هائلة بيننا. # فقال لها ببرود: أستودعك الله يا سيدتي، وليكن ما تريدين. ~~- بل قل إلى اللقاء، فلا بد أن نلتقي. ~~- هو ما تقولين. # ثم أسرع إلى النافذة المفتوحة، ووثب منها إلى الحديقة، وتوارى عن الأبصار. ~~••• # بعد ذلك بساعة كان الرجل العبوس حاضرا في جلسة عقدها الكاهن وزعماء الأرلنديين ~~الثلاثة، لأن الرابع لم يعرفوا مقره، وكان حاضرا ms1967 في تلك الجلسة الأرلندية والدة ~~الغلام، فقال لهم الرجل العبوس: اعلموا يا سادتي أن رجلا عظيما سيطلب غدا أن يأخذ ~~الغلام، وهو اللورد بالمير. # فاضطربت الأرلندية وقالت: ولكني أنا أسبق إلى طلبه فيردوه إلي، وهو ولدي. ~~- كلا أيتها العزيزة فإنك أرلندية وابنك متهم بسرقة فلا يردونه إليك بخلاف اللورد، ~~فهو من أعيان الإنكليز فيربى في منزل ذلك الخائن، وينشأ على احتقار وطنه، أتريدين أن ~~ينشأ مواليا للإنكليز؟ # فاتقدت عيناها وقالت: كلا والله بل أوثر ألف مرة أن يموت. ~~- كلا إنه لا يموت، بل سأرده إليك. ~~- متى؟ ~~- متى نقلوه إلى سجن الطاحون. # فنظرت إليه نظرة قلق المرتاب وقالت: كيف ذلك يا سيدي، أتستطيع أن تفتح أبواب ~~السجون؟ # فأجابها بلهجة الواثق المطمئن: إني أستطيع كل ما أريده يا سيدتي فاطمئني. # وقال لها الكاهن عند ذلك: تذكري يا ابنتي كلام زوجك الأخير وكوني قوية. ~~- سأكون. # فقال لها الرجل العبوس: سنلتقي غدا في مركز البوليس، وسأعلمك ما يجب أن ~~تقوليه. # ثم نهض فقال: إن شهادة سوزان وحنة كافيتان لمنع اللورد من الاستيلاء على ~~الغلام. ~~••• # وفي اليوم التالي كان قاضي مركز كليبرن في منزله مع ابنته، يتناول طعام الصباح فقالت ~~له ابنته: إذن سترد الفتى اليوم للورد بالمير. ~~- نعم يا ابنتي، ولكن حصلت مشكلة جديدة أخشى منها، وهي أن سوزان الأرلندية سئلت أمس ~~عن الفتى فقالت: إن أمه قد وضعته عندها ليتعلم، ولما كانت هذه الفتاة من اللصوص فقد ~~باتت الجريمة ثابتة عليه؟ ~~- وماذا تفيد شهادة المرأة، إذا كان مثل هذا اللورد النبيل يطلبه؟ ~~- هو ما تقولين فإني لا أحفل بشهادة هذه المرأة إذا جاء اللورد، ولكن إذا جاءت أم ~~الفتى فلا بد لي عن سؤالها، فإذا وافق كلامها كلام سوزان، لم يبق سبيل لرد الفتى إلى ~~اللورد. # وعند ذلك جاء سكرتير القاضي وقال: قد دنت الساعة العاشرة يا سيدي، فهل أفتح باب ~~المحكمة ويدخل الناس؟ ~~- نعم، افتحه وها أنا قادم في الحال. # وانصرف السكرتير وقام القاضي، فلبس رداء أسود ووشاحا أزرق، ودخل إلى المحكمة ms1968 وجلس في ~~مجلسه، وكانت القاعة قد غصت بالحضور، فأمر القاضي أن يحضر الفتى السجين فأحضروه وقال ~~له: ماذا تدعى؟ ~~- رالف. ~~- أأنت أرلندي؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- أين أهلك؟ # وبدأ الفتى بحكاية ما جرى له غير أن القاضي أسكته بإشارة، والتفت إلى الحضور فقال: ~~أيوجد بينكم من يرضى أن يضمن هذا الفتى؟ # فخرج اللورد بالمير من بين الجمهور ودنا من القاضي وقال له: أنا أضمنه. # فسأله القاضي قائلا: أتعرف هذا الفتى! ~~- نعم. # فقال للفتى: وأنت أتعرف اللورد؟ ~~- كلا. ~~- لا بأس إن حضرة اللورد، قد تنازل إلى ضمانتك. # وكان الفتى عند ذلك يجيل نظره بين الحضور، فصاح صيحة أجيب بمثلها ومد يديه فقال: يا ~~أمي. # وأسرعت أمه إليه وقالت: ها أنا يا ولدي لا تخف. # وعند ذلك أوقفها القاضي قائلا لها: من أنت أيتها المرأة. ~~- إني أدعى حنة، والدة الفتى. # وصادق اللورد على كلامها، وقال لها القاضي ببرود: إن النظام يقضي علي أن أسألك ~~فاحذري مما ستقولينه، فإن على كلامك تتوقف حرية ولدك الذي يطلبه حضرة اللورد. # فاضطربت حنة وقالت له: إذ كان لا بد يا سيدي من تسليم ولدي لهذا اللورد، فإني ألتمس ~~منك أن تبعث به إلى السجن، فإن هذا اللورد يحاول إغوائي، وهو يرجو أن يظفر بي متى ظفر ~~بولدي. # فضج الناس لهذا القول الغريب وقال اللورد: إن هذه المرأة كاذبة. # إلا أن كلامه ضاع بين ضجيج الناس، ولم يحفلوا به ومالوا إلى تصديق الأرلندية، فإن ~~المرء بالطبع ميال إلى الضعيف. # ولما رأى القاضي سوء منقلب اللورد، قال للأرلندية: أتعترفين أيتها المرأة أنك أم هذا ~~الفتى؟ ~~- نعم. ~~- أتعرفين امرأة أرلندية تدعى سوزان؟ ~~- إنها صديقة لي، وهي من بلدي. ~~- أأنت أودعت عندها ولدك كما تقول؟ ~~- نعم. # فتلا القاضي عند ذلك إقرار سوزان، ثم أصدر حكمه على رالف بالحبس خمسة أعوام في سجن ~~الطاحون، فصاحت أمه صيحة عظيمة، وسقطت مغميا عليها بين يدي الرجل العبوس. # وبعد هنيهة استفاقت فخرج بها وهو يقول: لقد فزنا اليوم أعظم فوز بإنقاذه من اللورد ~~وسأنقذه قريبا ms1969 من السجن. # 47 # إذا ذكر حبس الطاحون أمام الناس يعتبرونه حبسا عاديا، فلا يخامر قلوبهم شيء من ~~الرعب، ولكن من عرف هذا الحبس ترتعد فرائصه خوفا، وتسيل نفسه إشفاقا على من حكم عليه ~~نكد الطالع بالسجن فيه. # إن هذا السجن يسمى بالطاحون؛ لأنه يشبه الطواحين والنواعير بما أعد فيه من الآلات ~~وذلك أنه يوجد فيه عمود طويل، ركبت فيه صناديق فارغة على الجانبين وفيه لولب يدار فتدور ~~الصناديق الفارغة من الأعلى إلى الأسفل، كما تدور الصناديق في النواعير. # ويقابل هذه الصناديق خشبة ثابتة، لا تتحرك يمسك بها المحكوم عليه بالأشغال، وتبقى ~~رجلاه في الفضاء فيسندهما إلى أحد الصناديق التماسا للراحة، غير أن هذه الطاحونة تدور، ~~فإذا دار الصندوق هوت رجلاه، فأسندها إلى صندوق آخر فيهوي أيضا، وهكذا لا تزال ~~الصناديق تدور ورجلاه تعلقان بها وتفلتان منها، فيكون مثل رجليه في هذه الطاحونة مثل ~~الماء في صناديق النواعير، وهو لا يستطيع أن يوقف هذه الحركة، فإذا أوقف رجليه قبل أن ~~تقف الطاحونة، مرت بهما الصنادينق في دورانها فكسرتهما. # ويستمر عقاب هذا المنكود على ما قدمناه ربع ساعة فيوقف السجان الطاحونة، فينزل ~~المحبوس ويأتي بمحبوس آخر يعاقبه نفس العقاب. # هذا هو الحبس الهائل المخيف الذي سيق إليه الولد الصغير، وحكم عليه بالتعذيب فيه على ~~هذه الطريقة المرعبة خمسة أعوام، تكفيرا عن ذنب لم تقترفه يداه. # وكان هذا الحبس قديما جدا يديره حاكم خاص وقائد من الجيش، وكانت الحكومة شارعة ~~ببناء سواه بدلا منه في نفس مكانه، فلا تهدم مكانا حتى تبني حبسا سواه. # وكان لهذا الحبس مأموران: أحدهما للداخل، والآخر لحراسة الباب الخارجي الذي يدخل منه ~~أهل المحبوسين لمشاهدتهم. # وهذا المأمور أرلندي الأصل كاثوليكي المذهب، ولكنه كان يتشيع للإنكليز بالظاهر تشيعا ~~عظيما وهو أرلندي النزعة في الباطن، فلم يكن أحد من الإنكليز يظن أنه من ~~الأرلنديين. # وكان الباب الذي يتولى حراسته مشرفا على الشارع، ففي اليوم الذي دخل فيه الولد إلى ~~الحبس جاء إلى هذا المأمور رجل عليه دلائل الفقر المدقع فحياه ms1970 تحية الأهل وناداه بابن ~~عمه فأجفل المأمور - واسمه المستر بين - لظواهر فقره وقال له: من أنت، وكي تدعوني ابن ~~عمك؟ ~~- إني أدعوك بابن عمي لأني أدعى جوهن كولدن. # فحدق به المأمور مليا وقال: لقد أصبت فلقد تبدلت تبدلا عظيما من عشرين عاما فما ~~عرفتك، ثم مد يده وصافحه وقال له: ماذا أتيت تعمل هنا؟ ~~- إذا أردت الحقيقة يا ابن عمي العزيز، فإني آت لأراك. # فامتعض المأمور لما رآه من ظواهر فقره ولكنه كان طاهر القلب طيب السريرة فقال: أرى من ~~ملابسك ما يدل على فقرك ولكني فقير مثلك، فإن لي امرأة وبنتين وراتبي الصغير لا يكاد ~~يفي بحاجتهم. # فابتسم جوهن وقال: إني أعلم ما أنت عليه فما أتيت أسألك مالا، بل ألتمس مساعدتك في ~~أمر لا يؤذيك بشيء. ~~- قل أيها القريب فإننا أبناء أخوين. ~~- هو ذاك ونحن أيضا أرلنديان. ~~- اخفض صوتك فليس من يعرف هنا أنني من الأرلنديين. ~~- لقد أحسنت في تنكرك فقد ساءت سمعة الأرلنديين في هذه الأيام وبات الإنكليز ينظرون ~~إليهم بعين الجفاء. ~~- يسرني أن أراك ترتئي رأيي. ~~- كما يسوءني أن العامل الأرلندي لم يعد في وسعه أن يجد عملا يرتزق به في هذه ~~العاصمة الواسعة لما يجده من جفاء الإنكليز، فقد مر بي شهر كامل لم أعمل فيه عملا على ~~فرط اهتمامي بإيجاد عمل. ~~- ما هي مهنتك؟ ~~- إني إسكافي وبناء، ولكني أفضل مهنة البناء لمكاسبها، لهذا أتيت إليك راجيا إدخالي ~~بين العمال الذين يشتغلون في بناء السجن الجديد. ~~- إن ذلك سهل ميسور، لكن يجب علي أن أخبرك بحسنات هذه المهنة وسيئاتها في هذا السجن، ~~أما الحسنات فهي أن من يشتغل في قسم منه لا يخرج! ~~- عجبا كيف ذلك؟! ~~- ذلك أنهم لم يقتصروا على بناء سجن جديد، بل إنهم يصلحون أيضا القديم، وفي نظام ~~السجون أن المسجونين لا ينبغي أن يكون لهم علاقة مع أحد خارج السجن، فإذا كان البناء ~~يشتغل في ترميم الحبس القديم فلا بد له من الاختلاط مع المسجونين، فإذا أذنوا للعامل أن ~~يخرج من ms1971 الحبس قبل انتهاء العمل فقد يحمل كلاما أو رسالة من أحدهم إلى أهله أو عصابته ~~فيسهلون له سبيل الفرار. ~~- أيشتغل جميع العمال في الحبس القديم؟ ~~- كلا، بل بعضهم، وطريقتهم في ذلك أنهم يجمعون كل العمال كل يوم سبت ويقترعون على ~~العدد الذي يحتاجون إليهم في الحبس القديم، ومن أصابته القرعة فلا بد له من الامتثال، ~~وإنما يقترعون، إذ لا يوجد بينهم من يرضى بالاشتغال بالحبس القديم، وعند ذلك يصبح هذا ~~العامل كواحد من المحابيس. ~~- ولكن أيكون حبسه طويلا؟ ~~- كلا، بل يقيم فيه ثمانية أيام، فينزعون ثيابه عند دخوله ويلبسونه ثياب الحبس، فإذا ~~انتهى الأسبوع فتشوه تفتيشا دقيقا، وأعادوا إليه ثيابه ويعود إلى الاشتغال بالقسم ~~الجديد، وهناك تطلق له الحرية. ~~- إني لا آسف إذا أصابتني القرعة، إذ ليس لي امرأة وبنون. ~~- حسنا، قد تصيبك القرعة كل مدة اشتغالك؟ ~~- ذلك سيان عندي بشرط أن أشتغل. ~~- إذن سأدخلك بين العمال، غير أنه بقي لي شرط آخر، وهو أنه يجب أن تنكر جنسيتك كما ~~أنكرتها فإنهم لا يقبلون الأرلنديين، وفوق ذلك سأقول لمدير الأشغال إنك ابن عمي تسهيلا ~~لقبولك. ~~- أقسم لك إني سأدعي أني إنكليزي بحت، متى تقدمني للمدير؟ ~~- هذه الليلة بين الساعة الثامنة والتاسعة، فاذهب الآن وعد إلي في الموعد ~~المعين. # وعند ذاك افترقا فودعه جوهان كولدن، وسار حتى انتهى إلى خمارة فدخل إليها وهناك لقي ~~العصفور الأزرق بانتظاره فقال له: ماذا فعلت؟ ~~- إنهم يدخلونني غدا في الخدمة. ~~- إذن سأخبرك عن العوائد المألوفة في ذلك السجن، فإنك شقيق سوزان وقد وجبت علينا ~~خدمتك، والآن أتعلم أنهم سينقذون سوزان هذه الليلة بمساعي الرجل العبوس؟ # ثم أظهر إعجابه به وقال: حبذا لو رضي هذا الرجل أن يكون منا، فإنه يتولى رئاستنا ~~المطلقة. # وقاطعه جوهان قائلا: لنتكلم الآن عن حبس الطاحون. # 48 # في يوم السبت من ذلك الأسبوع الذي جرت فيه الحوادث المتقدمة، دقت الساعة الثانية في ~~سجن الطاحون، وقرع الجرس الكبير الخاص بالذين يعملون في الحبس الجديد. # وكان الحبس القديم في الجهة الغربية، والحبس الجديد ms1972 في الجهة الشمالية، وكانوا يعملون ~~فيه ببطء، وكلما بنوا غرفة من الجديد، هدموا غرفة تماثلها من القديم. # وكان كلا الحبسين محاط بسور عظيم ليس له غير باب واحد، وهو الباب الذي يتولى خفارته ~~ابن عم جوهان كولدن، ومن هذا الباب يدخل صباحا جميع العمال، فيفتشهم المأمور تفتيشا ~~دقيقا حذرا من أن يدخلوا إلى السجن أشياء ممنوع إدخالها. # وبعد أن يدخل العمال من الباب الخارجي، يجدون قاعة فسيحة لها بابان من الحديد، أحدهما ~~يؤدي إلى الحبس القديم حيث يحبس المسجونون، والآخر يؤدي إلى الحبس الجديد الذي كانوا ~~يشتغلون فيه. # وكان الجرس يدق مؤذنا بالساعة التي يرتاح فيها العمال، فامتنعوا عند سماعه عن العمل ~~واجتمعوا وجعلوا يتحدثون ويتنادمون إلى أن ينقضي وقت الراحة. # وكان واحد منهم جالسا بينهم، ولكنه لا يحدث أحدا، فالتفت أحدهم إلى رفيق له وسأله: ~~من هذا العامل؟ ~~- إنه عامل جديد دخل في صباح اليوم. ~~- ماذا يدعى؟ ~~- جوهان، وقد أدخله مأمور الحبس الجديد، وهو من أهله كما يقول. ~~- إذن حبذا لو أصابته القرعة بدلا مني. ~~- إني أراك شديد الخوف من هذه القرعة وتظهر اضطرابك منها في كل أسبوع في حين أنك كنت ~~أسعد العمال، فإنك تعمل في هذا الحبس منذ عامين ولم تصبك القرعة غير واحدة فلماذا هذا ~~الخوف؟ ~~- إني لا أخاف على نفسي أيها الصديق وسيان عندي أن أبيت في المنزل أو في ~~الحبس. ~~- إذن على من تخاف؟ ~~- ألعلك متزوج؟ ~~- كلا. ~~- إذن أعذرك إذا أنكرت علي الخوف من البقاء في الحبس ثمانية أيام. # فأجابه آخر كان يسمع الحديث: لقد اتضحت الآن أسباب خوفك فإنك متزوج بامرأة حسناء تغار ~~عليها. ~~- لقد أصبتم، فلقد كان لي امرأة حسناء وكنت أغار عليها كما يغار كل متزوج على زوجته. ~~ثم تنهد وتابع: ولكن امرأتي قد ماتت وا أسفاه. # قالوا: إذن على من تخاف بعد موتها؟ ~~- أخاف على بنتها وبنتي فإنها في ريعان الصبا والجمال، وهي تعمل في أحد المخازن فأذهب ~~بها صباح كل يوم إلى ذلك المخزن وأعود بها منه في المساء، ms1973 فإذا غبت عنها ثمانية أيام ~~فماذا يصيبها وأهل الدعارة تغص بهم شوارع لندرا؟ # وعند ذلك تقدم جوهان كولدن فاختلط بين العمال وقال لذلك الذي يخاف أن تصيبه القرعة: ~~إني هنا أيها الرفيق منذ هذا الصباح فلم تستحكم الصلة بيني وبينكم بعد، غير أن حديثك ~~أثر بي وأنا رجل عازب وليس لي عائلة، فإذا أصابتك القرعة دخلت إلى الحبس القديم ~~مكانك. # فمد الرجل يده إليه وصافحه شاكرا وأثنى جميع العمال على ما أظهره جوهان من ~~المروءة. # وعند ذلك فتح باب كبير ودخل منه رجل كبير ضخم فسكت المتحدثون واتجهت الأنظار إليه، ~~فإنه كان يحمل كيسا مملوءا بالكرات الصغيرة المنمرة. # ودنا جوهان كولدن من والد الفتاة وقال له: كيف يكون عادة الاقتراع؟ ~~- انظر إلى هذا الرجل الذي دخل الآن، إنه مدير الأعمال وهذا الكيس الذي معه يحتوي على ~~كرات خشبية بقدر عدد العمال، وهي نمر متسلسلة من الواحد إلى آخر ما يبلغ إليه عددنا ~~وسيقترب كل واحد منا فيهز الكيس ويأخذ نمرة من النمر، وبعد تفريق النمر ينادي المدير ~~مبتدئا من نمرة واحد فإذا كانوا يحتاجون مثلا إلى خمسة عشر عاملا ينادي من نمرة واحد ~~إلى نمرة خمسة عشر، ومن كان معه أحد هذه النمر أصابته القرعة ودخل إلى الحبس ~~العتيق. ~~- لقد فهمت فاجعل وقوفك بجانبي حتى إذا رأيت أن القرعة أصابتك أعطيتني نمرتك وأخذت ~~نمرتي. # وتأثر الرجل وقال: أحقا أنك تحل محلي إذا أصابتني القرعة؟ ~~- دون شك. ~~- ولكنك لم تعرفني قبل اليوم فما دفعك إلى هذا الصنيع؟ ~~- لم يحملني عليه غير تأثري من حكايتك وإشفاقي على ابنتك من أن تنالها يد الأشرار، ~~وأنا وحيد شريد، لا فرق عندي بين أن أكون سجينا أو مطلقا. # فشكره الرجل شكرا جزيلا. # وقاطعهما عند ذلك مدير العمال فقال لهم بصوت جهوري إني مخبركم يا إخواني بخبر سيئ، ~~وهو أنه تهدم حائط في الحبس القديم، ويلزم لإصلاحه كثير من العمال، لذلك سيزيد عدد ~~الذين تقع عليهم القرعة اليوم عن مثله في كل أسبوع. # وجعل كل من ms1974 العمال ينظر إلى الآخر نظرات تشف عن اضطرابهم، ثم عاد المدير إلى الحديث ~~فقال: إننا محتاجون إلى خمسة عشر عاملا، أي بزيادة عشر عمال عن العدد المألوف، فتشجعوا ~~أيها الإخوان وهلموا إلى النمر فإنه أسبوع يمضي كما مر سواه. # وكان عدد العمال مائة وستصيب القرعة ربعهم، فاصطفوا صفا طويلا وجعل المدير يمر بهم، ~~فيمد كل منهم يده إلى الكيس، ويأخذ نمرة فكان بعضهم ينظر إلى نمرته ليطمئن، وبعضهم ~~يبقونها في أيديهم دون أن ينظروا إليها. # أما والد الفتاة فلم يطق الصبر، ونظر إلى نمرته فاصفر وجهه؛ لأنها كانت ثلاثة وخشي أن ~~تكون نمرة كولدن قريبة أيضا. # ولما أخذ جوهان كولدن نمرته نظر فيها، وابتسم ثم دنا من والد الفتاة وقال له: ما هي ~~نمرتك؟ ~~- ثلاثة وا أسفاه. # فأبرقت عينا جوهان ببارق الرجاء وقال: لا بأس هات نمرتك، وخذ نمرتي فإنها تجاوزت عدد ~~خمسة وعشرين وهي 69 وقبل والد الفتاة شاكرا، وتبادل الاثنان النمرتين. # ولما فرغ المدير من توزيع النمر جعل يناديهم بالأعداد، مبتدئا من الواحد إلى الخمسة ~~وعشرين، فكان كل واحد معه نمرة من هذه النمر، يلبي النداء حتى تكامل عددهم، فسيقوا ~~جميعهم اثنين اثنين إلى السجن الداخلي. # وكانوا يمرون جميعهم بالمعامل المختلفة، كالحدادة والنجارة حيث يعمل فيها الذين حكم ~~عليهم أحكاما خفيفة من المسجونين. # ثم اجتازوا إلى الحبس حيث يقيم المسجونون الذين حكم عليهم بالتعذيب بالطاحونة على ما ~~قدمناه، فانقبض جوهان حين علم أن هذا الصغير المنكود سيعاقب هذا العقاب الشاق . # 49 # والآن لنعد إلى حيث ذهبوا برالف إلى الحبس، وهو ذلك الغلام الذي يقول التاريخ إن آمال ~~أرلندا كانت معلقة عليه، فإنهم ساروا به في مركبة المجرمين، في اليوم التالي للحكم ~~عليه، وكان قد جاءه أحد رجال البوليس فحمله ووضعه في المركبة، فلم يبال بعد أن فرقوا ~~بينه وبين أمه بأي سجن يكون. # ولم يكن رأى ذلك البوليس قبل الآن، ولكنه ارتعش ارتعاشا عظيما، حين سمعه يهمس في ~~أذنه فيقول: «لا تخف يا بني، إن أمك وأصدقاءها ساهرون ms1975 عليك.» # وكان همس في أذنه الكلام، بتلك اللغة الخاصة التي كلمه بها اللورد كورنهيل في الحبس، ~~حتى لقد خيل للغلام أن صوت الاثنين واحد، لكنه حدق تحديقا طويلا بالبوليس، فلم يجد به ~~أقل شبه باللورد، ومع ذلك فإن الرجاء ملأ قلبه الصغير؛ لأن هذا الرجل كلمه عن أمه وبلغة ~~قومه. # وسارت به المركبة من مركز إلى مركز، وكلما وقفت عند مركز ينقلون إليها المحكوم عليهم ~~بسجن الطاحونة. # حتى وصلت إلى ذلك السجن الرهيب فخرج منها البوليس، وأخرج منها الغلام فقال له بصوت ~~خشن: امش. # غير أن قسوته لم ترهبه، فمشى بقدم ثابتة غير هياب. # ودخل البوليس برالف إلى رئيس السجن ففتح سجلا أمامه وجعل يسأل الأسئلة المألوفة، ~~فكان البوليس يجيبه فيذكر اسم الفتى وعمره والجريمة التي ارتكبها والحكم الذي صدر ~~عليه. # ولما أتم الرئيس الكتابة جعل ينظر إلى البوليس نظر الفاحص ثم قال: إني لم أرك قبل ~~الآن. # فأجابه البوليس بسكينة: لقد أصبت يا سيدي فهذا أول يوم توليت فيه هذه الخدمة. ~~- كيف ذلك؟ ألعل مستر لنتون مريض؟ ~~- هو ما تقول يا سيدي، وإنك لم ترني قبل الآن لأني كنت بوليسا في الأقاليم، وقد ~~دعوني إلى العاصمة منذ يومين. ~~- أين كت في الأقاليم؟ ~~- في منشتر وكنت أخدم فيها السجون أيضا. ~~- حسنا. هات سواه. ~~- لي كلمة أيضا يا سيدي أمرني قاضي المركز أن أقولها لك، وهي أن اللص الصغير جريح في ~~كتفه، وهو يرجوك أن لا تعاقبه بالطاحونة قبل أن يشفى من جراحه، ولا يقتضي ذلك غير بضعة ~~أيام. ~~- ليس ذلك من شأني، بل هو شأن الطبيب وسنعرضه للفحص غدا. # في صباح اليوم التالي دخل رئيس الحراس والطبيب إلى الغرفة المسجون فيها الفتى، فقال ~~له الرئيس بلهجة عنيفة قف أيها اللص احتراما للطبيب فإنه قادم لفحصك. # فلم يخف رالف من تلك اللهجة القاسية لارتياحه إلى ذلك الصوت، واقترب الطبيب منه وقال: ~~أهذا هو الفتى الذي سرق صندوق توماس الجن؟ # ثم جعل ينظر إليه ويقول: إنه جميل الوجه ومن الحيف أن يكون ms1976 من اللصوص. # ثم اقترب منه وجعل يبحث في جرحه بقسوة دعت رالف إلى الصياح من الألم. # وقال له الرئيس: إني أراه جريحا لا يستطيع عمل شيء ولا أدري كيف خطر للقاضي أن يحكم ~~عليه بالطاحونة وهو لم يبلغ عشرة أعوام. ~~- لا أنكر أنه جريح، لكن الرصاصة خرجت من كتفه وليس هناك خطر فقد اندمل الجرح. # ثم جعل يهز كتف الفتى بعنف إثباتا لقوله ويقول: لم يبق من الجرح غير الأثر القليل ~~وسيزول الأثر بعد أسبوع. ~~- وفي تلك المدة ألا ترى أنه يجب وضعه في المستشفى؟ ~~- لا حاجة إلى ذلك فإنه معافى. # فتجهم وجه الرئيس وحاول أن يعترض، غير أن الطبيب قاطعه قائلا: لقد قلت لك إنه لا ~~فائدة من ذلك فإن اللص الصغير يستطيع العمل. ~~- أيعمل اليوم؟! ~~- نعم. # فتنهد الرئيس وخشي الطبيب أن يتهمه بالقسوة فقال له: إني كثير الرأفة ولذلك عينت ~~رئيسا لنادي الرحمة بالإنسان، غير أن القسوة في موضعها رأفة ولا يحسن الرأفة ~~باللصوص. # ثم خرج من غرفة رالف وتبعه الرئيس وأقفل الباب وبقي رالف وحده نحو ساعة. # وبعد ذلك فتح الباب فحسب الفتى أن البوليس قد فتحه، ولكنه رأى حارسين من حراس الحبس ~~دخلا إليه وبيد أحدهما شهادة من الطبيب أن الفتى معافى يستطيع العمل وجرداه من ثيابه ~~وألبساه ثياب السجن وذهبا به إلى محل العمل. # وفي ذلك الحين خرج رئيس الحرس من الحبس، وسار في الشارع حتى انتهى إلى خمارة، فدخل ~~إليها ورأى رجلا يشرب فيها، وكان هو الرجل العبوس، فحياه تحية سرية ثم جلس وجعلا ~~يتحدثان باللغة الأرلندية الاصطلاحية، فسأله الرجل العبوس قائلا: أين الفتى الآن ~~أنقلتموه إلى المستشفى؟ ~~- كلا، بل في حبس الطاحونة. # فاصفر وجه الرجل العبوس، وقال رئيس الحراس إن الطبيب لا رحمة في قلبه فإنه واسع ~~الثروة كثير الحرص فلو ولي القضاء لحكم بالإعدام على من يسرق درهما. # فقال له الرجل العبوس: لقد فسدت خطتنا فإنها مبنية على اعتبار أن الفتى في ~~المستشفى. ~~- دون شك. ~~- وهل هو في قاعة الطاحون. ~~- نعم، وليس ms1977 في تلك القاعة من أعتمد عليه. ~~- ألعل قاعة الطاحون بعيدة عن المستشفى؟ ~~- كلا. ~~- أيستطيع العمال أن يدخلوا إلى تلك القاعة؟ # فارتعش الرئيس، وقال لقد خطر لي خاطر، وهو أن الجدار الفاصل بين هذه القاعة وبين محل ~~العمال غير متين. ~~- متى يسقط؟ ~~- حين أريد. ~~- إذن احرص أن لا يكون ذلك قبل يوم السبت، إذ سيدخل في اليوم بين العمال واحد من ~~إخواننا. # فقال الرئيس: لينقذ الله أرلندا. # ثم جعل الاثنان يتحدثان بصوت منخفض. # وكان رئيس الحراس، واسمه باردل، يكلم الرجل العبوس بملء الاحترام، ويخضع له الخضوع ~~التام. # وذلك لأنه كان من أعضاء الجمعية الأرلندية السرية، التي كان الرجل العبوس أحد ~~زعمائها. وهي جمعية كانت في ذلك العهد عظيمة، تضطرب لها إنكلترا. ولا تزال أسرارها خفية ~~لأن التاريخ لم يكشف إلا القليل منها إلى الآن. # ومن أسرار هذه الجمعية أن أعضاءها لم يكونوا يتعارفون إلا بالإشارات السرية والكلمات ~~الاصطلاحية التي كانت تتغير مرة كل شهر. # وكان السبب في تعارف الرجلين، أنه حين حكم على رالف، تنكر العبوس بالملابس التي كان ~~يلبسها حين كان يدعو نفسه اللورد كرونهيل، وذهب إلى ذلك الحبس قبل أن يرسلوا الفتى ~~إليه، بحجة أنه مولع بجمع أخبار الجرائم. # ودخل إلى المستشفى ومحلات العمل، وفحص جميع السجن فحصا دقيقا ما خلا قاعة الطاحون ~~قائلا: إنه سيعود إليها مرة أخرى. # وكان غرضه من زيارة هذا الحبس، أن يبحث عن الموظفين فيه إذ كان يعلم أنه يوجد بينهم ~~كثير من الأرلنديين، كما كان يوجد بين البوليس. # فجعل ينتقل من قاعة إلى قاعة، ويتفحص الموظفين بالإشارة. إلى أن مر برئيس الحراس ~~وأشار له تلك الإشارة، وأجابه بمثلها فسر العبوس، وسأله الاختلاء به. # ولما اختليا أشار إليه إشارة الرؤساء، فانحنى باردل وقال: مر أيها الرئيس بما تشاء ~~فإني من المطيعين. ~~- لا أستطيع أن أقول لك شيئا هنا، كي لا أنبه الظنون. فإذا رأيتني خرجت من الحبس، ~~فاخرج منه بعد ساعة ووافني في الحال إلى أول خمارة في الشارع. ~~- سأكون عندك في الموعد المعين. ms1978 # وبعد ساعة اجتمع الاثنان في الخمارة فقال العبوس: ألا يوجد في دائرة نفوذك أحد من ~~إخواننا؟ ~~- كلا. ~~- أحتى من المسجونين؟ ~~- كلا. ~~- ولكني علمت أن مأمور الباب الخارجي أرلندي. ~~- هو ذاك. ولكنه كثير البنين، شديد الفقر، وهو يحرص على منصبه كل الحرص. وقد يبيع، في ~~سبيل الاحتفاظ به، أرلندا والأرلنديين. ~~- بأية طريقة نستطيع إدخال العمال الأحرار إلى حبس الطاحون؟ ~~- لدي طريقة سهلة وهي أن الطاحونة الكبيرة تمر حين دورانها بأحد جدران القاعة، وقد ~~بات متداعيا إلى السقوط. فإذا وقفت تلك الآلة فجأة، صدمت الحائط صدمة عنيفة، فيسقط دون ~~شك. ~~- كيف توقفها؟ ~~- إني أضع في سبيل دورانها قطعة من الحديد، فإذا مرت بها تفككت وصدمت الحائط تلك ~~الصدمة. ~~- حسنا اسمع الآن خطتي إنه يوجد بين العمال الذين يدخلون حبس الطاحون عامل من ~~إخواننا، أتراه يكفي لإنقاذ الغلام؟ ~~- قد يكفي. وذلك أن العمال حين يدخلون هذا الحبس، يعاملون نفس معاملة المسجونين، ما ~~عدا الطعام. فيحبس كل منهم في غرفة حين المساء. فإذا سقط حائط الطاحونة، فلا بد لهؤلاء ~~العمال من المبيت في الرواق المجاور لهذه الطاحونة. # ثم إنه يوجد لكل رواق حارس خاص يستحيل إغراؤه؛ لأنهم جميعهم من المتعصبين على ~~الأرلنديين. ~~- ولكن ظهر لي أن كل رواق ينتهي إلى فسحة. ~~- هو ذاك. # فقال العبوس: إذن لنفرض أن جوهان يبيت في الرواق المسجون فيه الفتى، أليس ذلك ~~ممكنا؟ ~~- دون شك؛ لأنه منوط بي. ~~- ولنفرض أيضا أن حارس الرواق من أتباعنا. ~~- ولكن هذا محال. ~~- قلت لنفرض. فإذا أخذ جوهان الفتى، وسار به إلى فسحة الرواق، ألا يجد معك مفتاح باب ~~الفسحة؟ ~~- دون شك. ~~- وإن كل فسحة تنتهي إلى باب يؤدي إلى السجن الجديد، أليس لديك مفتاح هذا ~~الباب؟ ~~- نعم، ولكن مفتاح الباب الخارجي مع المستر بين، وهو لا يفارقه لحظة. ~~- ذلك سيان عندي، لأن جوهان متى وصلت بالفتى إلى الحبس الجديد، فهو لا يخرج به من باب ~~الحبس العام. وعلى ذلك لم يبق أمامنا غير حائل واحد، وهو حارس الرواق. ~~- ولكنه أعظم حائل يا سيدي، ms1979 كما قلت لك. # فابتسم الرجل العبوس وقال: سوف ترى أن الأمر على عكس ما تراه. والآن فلننظر في نتيجة ~~أبحاثنا، إن الحائط يسقط يوم الجمعة مساء أي ليلة السبت؟ ~~- نعم. ~~- وفي يوم السبت، يدخل جوهان مع رفاقه العمال إلى حبس الطاحونة لترميم الجدار. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك تأتي إلي يوم السبت مساء في الخمارة، فأريك كيف أن كل شيء ممكن. ~~- إذا كانت حياتي مفيدة لأرلندا، فإني أسفك دمي من أجلها. ~~- لا حاجة إلى ذلك بل إننا سننقذ الفتى، وتبقى أنت في منصبك ولا يعلم بأمرك ~~أحد. ~~- إذن إلى اللقاء. # ثم افترقا، وذهب كل منهما في شأنه. # 50 # ولنعد الآن إلى رالف، ونقص ما جرى لهذا الشهيد الصغير في ذلك السجن الرهيب. # كان اليوم يوم سبت، أي بعد أن دخل رالف إلى الحبس بخمسة أيام. فكان عذابه الأيام ~~الأولى من سجنه لا يحيط به وصف، ولا يستوفيه تغيير، فإنه كان يتعلق بيديه الصغيرتين ~~بتلك الخشبة، ولا يكاد يلقي رجليه على الصناديق، كي يستريح حتى يشعر أنها دارت، وباتت ~~رجلاه في الخلاء. # وعذبوه هذا العذاب ربع ساعة، ثم أراحوه فأنزلوه، وهو يلهث من التعب. وقد بلت ثيابه من ~~العرق، واصفر وجهه حتى بات كالأموات، وأشفق عليه المسجونون فودوا لو تحملوا عنه عذابه، ~~ولكن تنفيذ العقاب في إنكلترا لا تقبل فيه شفاعات. # وكان يتولى تعذيب أولئك المنكودين رجل فظ الطباع، قاسي القلب يدعى ويب. # ولم يكن هذا اسمه الحقيقي، بل لقبا لقبه به إخوانه، لما رأوه من فظاعته وقسوته؛ لأن ~~هذه اللفظة عندهم معناها الكرباج. # وإنما لقب بالكرباج، لأن كرباجه لم يكن يسقط من يده إلا على ظهور أولئك ~~المسجونين. # فإذا تأفف أحدهم من الألم أو شكا من التعب، انهال عليه بذلك الكرباج دون إشفاق، حتى ~~يدوي صياحه في ذلك الحبس. # وهذا ما أصاب ذلك الفتى المسكين، فقد لقي من كرباج ذلك العاتي أعظم نصيب. # ولما أقبل المساء ذهبوا به إلى سجنه، وهو واهي القوى، ولم يكن يبكي ولم يقنط، لأن ~~كلمة ذلك ms1980 الرجل الذي قال له: إن أمك ساهرة عليك. كانت قد رسخت في أذنه، وملأت نفسه ~~أملا. # وبات على العقاب والأمل إلى يوم السبت. فأخرجوا المسجونين صباحا، وساروا بهم صفا ~~طويلا إلى قاعة التنكيل يتقدمهم ويب. # وجعلوا يصعدون بهم إلى الطاحونة، وهي أربعة أقسام، كل قسم منها مستندا إلى ~~جدار. # حتى إذا وضعوا أربعة منهم في الطواحين الأربع أدير اللولب، فدارت الطواحين في البدء ~~دورانا بطيئا ثم أسرعت فجأة. ولكنها لم تتم دورتها الأولى، حتى خرج صوت هائل كدوي ~~الرعد؛ ذلك أن إحدى هذه الطواحين صدمت بالحديد الذي وضعه رئيس الحراس، فوقفت بغتة وصدمت ~~الحائط صدمة هائلة، فسقط وخرج له ذاك الدوي العظيم. # وهنا اختلط المسجونين، وأصيب بعضهم بشظايا الآلة، فانجرحوا وساد الرعب في جميع السجن، ~~فأقبلوا إلى قاعة الطاحونة من كل ناحية. # وأسرع عمال السجن ورؤسائه، لحذرهم من ثورة المسجونين، واغتنامهم تلك الفرصة. وكان بين ~~الموظفين رئيس السجن العام ورئيس الحراس، فارتأيا إرجاع المسجونين إلى غرفهم. # ثم أحضروا المهندسين، فقرروا بعد فحصهم أن هذا الحائط لم يكن متينا، خلافا للحيطان ~~الثلاثة، أي إن الطواحين الثلاث الباقية، لا خوف عليها في عملها. # فأعادوا المسجونين من غرفهم إلى قاعة الطاحونة، وجعلوا يعذبونهم بالطواحين ~~الثلاث. # ثم جاء دور البنائين، فدخلوا إلى الحبس القديم، وفي طليعتهم جوهان كولدن. # فأجال بين المحكوم عليهم بالعذاب نظرا فاحصا، وجعل يبحث عن الفتى فرآه جالسا على ~~الأرض، إذ كان في ذلك الحين دوره بالاستراحة، ورأى العرق ينصب منه فدنا منه وقال له ~~همسا: لا تخف إني صديق لأمك، ثم أسرع بالابتعاد عنه، والاختلاط بين العمال دون أن يراه ~~أحد. # أما الصبي فإنه صاح صيحة دهش سمعها ويب، فالتفت إليه وجلده بكرباجه، فصاح متألما ~~وجلده مرة ثانية. # فرأى الصبي جوهان واقفا بعيدا عنه ينظره، ويشير إليه بإصبعه أن يسكت، ففهم الفتى ~~إشارته وسكت. # ولكن ويب لم يكتف بجلده، بل أصعده إلى الطاحونة قبل مجيء دوره بالتعذيب انتقاما منه ~~لصياحه. ~~••• # وفي اليوم نفسه كان الرجل العبوس وباردل رئيس الحراس، متفقين ms1981 على الاجتماع في ~~الخمارة. # ولما حانت الساعة السابعة، كان العبوس في الخمارة حسب الاتفاق، أما باردل فلم ~~يحضر. # ثم فتح الباب ودخل شوكنج، ولم يكن يوجد في الخمارة أحد فقال العبوس: ماذا فعلتم ~~أأعدتم كل شيء؟ ~~- نعم وقد أحضرنا الحبل الطويل المعقد، وستكون المركبة على باب المنزل في الوقت ~~المعين. ~~- أين هي الأرلندية؟ ~~- لقد أتينا بها مع سوزان، وهما الآن في المنزل. ~~- ومتى تحضر المركبة؟ ~~- سيحضر فيها كرافان في الساعة التاسعة. # وعند ذلك فتح باب الخمارة أيضا، ودخل منه باردل رئيس الحراس، وكان العبوس ينتظره ~~فدعاه إلى الجلوس معه. ودار بينهما الحديث باللغة الأرلندية الاصطلاحية. # فقال العبوس: قل لي ماذا حدث؟ ~~- إن الحائط سقط. ~~- أأصاب الفتى بجراح؟ ~~- كلا. ~~- وجوهان كولدن؟ ~~- إنه يعمل في قاعة الطاحونة مع العمال. ~~- هل فعلت ما قلته لك؟ ~~- بالتدقيق. ~~- أعد علي ما فعلت. ~~- إني أقمت جوهان في نفس الرواق الذي أقمت فيه الفتى، وأقفلت الأبواب بيدي، وأعطيت ~~جوهان خنجرا. ~~- ولكني أرجو ألا يحتاج إليه. ~~- وبعد أن أقفلت جميع الأبواب، تركت بابه مفتوحا، ثم أبعدت خفير الفسحة الكبرى بحجة ~~المطر، وأنه لا فائدة من حراسة السجن الجديد، لعدم وجود أحد فيه. ~~- ومن هو حارس الرواق؟ # فقطب باردل حاجبيه وقال: إنه رجل وحشي الأخلاق، نلقبه بالكرباج، لقسوة طباعه، وأخشى ~~أن يحتاج جوهان كولدن إلى استعمال الخنجر. # ففكر العبوس هنيهة ثم قال: أيدخن هذا الرجل التبغ؟ ~~- إنه مولع به مثلي. ~~- إذن لقد سهل الأمر، انظر إلى هذه العلبة إنها تغنيك عن الخنجر. ~~- كيف ذلك إني لا أفهم شيئا؟ ~~- ألا ترى أن هذه العلبة تفتح من الجهتين؟ ~~- نعم. ~~- إن فيها طبقتين، يفصل بينهما حاجز رقيق يستره التبغ، فانظر إلى الطبقة اليمنى تجد ~~عليها نقشا خلافا للطبقة الأخرى، فهي ملساء، ففي الساعة التاسعة اذهب لمراقبة الحراس، ~~فإذا وصلت إلى هذا الحارس، فقدم له سيكارة من الطبقة ذات الباب المنقوش، وخذ لنفسك من ~~الطبقة ذات الباب الأملس. ~~- لقد فهمت فإن تبغ الطبقة المنقوشة ممزوج بمادة مخدرة. ~~- هو ذاك، والآن تريد أن تعلم ms1982 كيف يخرج جوهان كولدن، والغلام من السجن الجديد؟ ~~- دون شك، فإن خروجهما لا يزال لدي متلبسا بالغموض. # قال العبوس: اخرج قبلي وانتظرني في عطفة الشارع، فسأوافيك بعد عشر دقائق. # فامتثل وبقي العبوس هنيهة مع شوكنج يحدثه ببعض الشئون، ثم خرج الاثنان من ~~الخمارة. # وكانت الليلة حالكة السواد، وقد تكاثف ضبابها، فكانت أنوار مصابيح الغاز تظهر من ~~خلاله، كما يضيء الجمر من خلال الرماد. # وكان باردل واقفا في عطفة تحت نور أحد المصابيح ينتظر العبوس، فلما وافاه أخذ بيديه ~~وقال له: هلم بنا فسأريك كيف أننا لا نحتاج في سبيل إنقاذ الفتى إلى الخروج به من باب ~~السجن العام. # 51 # وسار الرجل العبوس وباردل يتبعهما شوكنج، حتى وصلوا إلى منزل مشرف على الحبس الجديد، ~~يدل السكون فيه على أنه لا يسكنه أحد. # ففتح الرجل العبوس بابه، وصعد الثلاثة سلالمه إلى أن وصلوا إلى الدور الأعلى ~~فيه. # وهناك فتح العبوس باب غرفة، وظهر لهم نور شمعة ضعيف، ورأى باردل غرفة تدل على فقر ~~ساكنيها، إذ لم يكن يوجد فيها من الأثاث غير ما لا يمكن الاستغناء عنه. # ثم رأى في هذه الغرفة امرأتين، لا ينطبق جمالهما الباهر على ظواهر هذا الفقر. # وكانت هاتان المرأتان سوزان والأرلندية والدة رالف، فإن العبوس جاء بهما إلى ذلك ~~المنزل. # فقال: ستجتمعين بابنك في هذا المساء. # وقد بدأ العبوس حين دخولهم إلى الغرفة بأن أطفأ الشمعة، ثم ذهب إلى النافذة ففتحها ~~ونادى باردل قائلا: انظر. # وأطل باردل من النافذة وقال: إن الضباب كثيف، ولا أرى كل شيء، ولكن يخال لي أن هذه ~~النافذة مشرفة على فسحة السجن الجديد. ~~- هو ما تقول. ~~- وأرى أنه لا يفصل بينهما غير عرض الشاعر، وهو أضيق شوارع لندرا. ~~- هو ذاك، وإن الفاصل بينهما أيضا سور السجن العريض، وهو لا سقف له كما ترى. # فلم يفهم رئيس الحراس مراده، وقال له: ماذا تعني بذلك؟ ~~- أصغ إلي تعلم قصدي. إن النافذة يبلغ ارتفاعها ستين قدما. ~~- تقريبا. ~~- فافترض أنك أنت وجوهان، تأتيان بالفتى من سجنه ms1983 إلى الفسحة التي تراها، أي فسحة ~~السجن الجديد. ~~- نعم. ~~- فسألقي لكم من هذه النافذة حبلا طويلا معقدا، أعلق طرفه بحديد النافذة، فيسقط ~~الحبل من فوق السور إلى فسحة السجن، حيث تكونون. وعند ذلك يركب الفتى ظهر جوهان، ويتسلق ~~به الحائط بواسطة الحبل المعقد، حتى يبلغ إلى أعلاه. وبين أعلى السور وهذه النافذة ~~مسافة ثلاثة أمتار، فإذا وضع لوح سميك من الخشب بينهما، سار بالغلام على اللوح، ودخل من ~~النافذة إلى الحجرة. ~~- وأين هو الحبل؟ ~~- هذا هو. # ثم أراه حبلا طويلا ملفوفا، وقد كثرت فيه العقد، وجعلت المسافة شبرا بين العقدة ~~والأخرى؛ تسهيلا للصعود عليه، بحيث يصبح شبيها بالسلم. # فابتسم باردل وقال: إن هذا الفكر جميل وبسيط، ولكنه لا يخطر لي. ~~- وكذلك علبة التبغ، فإنها لم تخطر لك أيضا. ~~- هو ذاك. ~~- والذي أراه الآن أنه يجب الإسراع؛ لأن الوقت غير متسع لدينا. ~~- أيطول زمن بدء التأثير بالمخدر؟ ~~- بعد خمس دقائق من شربه. ~~- وماذا يحدث للحارس حين يدخن تلك السيكارة؟ ~~- ينام نوم الأموات، ولا توقظه المدافع، ولا يستفيق إلا عند الصباح. ~~- إذن الفرار بالصبي بات سهلا؛ لأني أبعدت حراس فسحة السجن الجديد، ولم يبق شيء ~~نخافه غير الصدفة. ~~- أي صدفة تعني؟ ~~- لا أدري فقد يمر بنا أحد الحراس اتفاقا، بل يخطر للمدير العام أن يجول في ~~الرواقات، ويراقب مراقبة فوق العادة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إذا لم يحصل شيء من هذا، نصل إلى فسحة السجن كما صممت، ويفر جوهان بالصبي إلى هذه ~~الغرفة، ولكني أرى أنه يجب علي أيضا أن أفر معهما. ~~- لماذا؟ ~~- لأني إذا بقيت في السجن، يعلمون بفرار الغلام. ~~- دون شك. ~~- وهم يعلمون أن مفتاح باب الفسحة لا يكون إلا معي في الليل. ~~- ليعلموا. ~~- ولكن ذلك يدعو إلى اتهامي بتسهيل فراره. # فابتسم العبوس وقال: أتظن أنهم يتهمونك؟ ~~- بل أؤكد، لأن الحارس ويب سيقول فوق ذلك إني سقيته مخدرا. وفي كل حال فلا يسعني إلا ~~الامتثال لأمرك، فمر أطع. ولكني أستطيع إذا كنت مطلق السراح أن أفيد أرلندا بشيء. ولهذا ~~أفضل الفرار فإنهم ms1984 إذا اتهموني وزجوني في أعمق سجن، فلا أعود أستطيع خدمة الوطن العزيز ~~بشيء. # فأجابه العبوس ببرود: إن كل ما تقوله ملؤه الحكمة والصواب، ولكن لا فائدة فيه. # فتراجع منذعرا وقال: كيف لا فائدة فيه؟ ~~- دون شك. ~~- ألا تحتاج أرلندا إلى خدمتي؟ ~~- بالعكس. ~~- إذن كيف أستطيع خدمتها، وأنا مغلول اليدين في السجن؟ ~~- إنك لا تذهب إلى السجن ولا تغل يداك، بل تبقى في حبس الطاحونة، وتفيدنا فيه فوائد ~~كثيرة. ~~- أأبقى في حبس الطاحونة سجينا؟ ~~- بل تبقى كما أنت الآن محترما محبوبا، وتبقى في منصبك وهو رئاسة الحراس. # فنظر باردل إليه نظرة بلاهة وقال له: إني لا أفهم شيئا من هذه الألغاز. # فابتسم العبوس وقال: سوف ترى أن الأمر بسيط، كما رأيت في مسألة الحبل وعلبة ~~التبغ. ~~- أأبقى رئيس الحراس في سجن، وأسهل فيه فرار المسجونين، ويكون الأمر بسيطا؟ ~~- دون شك. ~~- ومفتاح الفسحة. ~~- إنهم سرقوه منك. ~~- وتخدير التبغ؟ ~~- إنك تخدرت أيضا، كما تخدر الحارس ويب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك بعد أن تخدر ويب وينام. وبعد أن تساعد جوهان ويفر بالصبي، تعود بملء ~~السكينة والارتياح إلى الحبس القديم، وتدخن سيكارة من تلك السكاير المخدرة التي أعطيت ~~منها ويب، وتنام مخدرا في نفس الرواق الذي نام فيه. # فصاح باردل صيحة دهش وقال: إن هذا الفكر بسيط جدا، ولكنه لم يخطر لي. ~~- ذلك لأنه بسيط. والآن اعلم أنهم سيدققون غدا كل التدقيق، ثم تنجلي أبحاثهم عن ~~اتهام بائع التبغ، فإذا سئلت عن الذي باعك التبغ فقل إنك اشتريته من الدكان الصغيرة ~~الكائنة في أول الشارع. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أمرته أن يسافر الليلة إلى فرنسا، وسيبحثون عنه فلا يجدوه فتثبت التهمة عليه ~~وتنجو. والآن لم يبق لدينا من الوقت غير ساعة، فعد إلى الحبس وافعل كل ما قلته ~~لك. # فامتثل باردل وانصرف. وعاد العبوس إلى الأرلندية فرآها تبكي فقال لها: إن بكاءك ~~سيستحيل بعد ساعة إلى بكاء سرور، حين تضمين إلى صدرك ولدك، فكفي عن البكاء وثقي بمراحم ~~الله. # 52 # كان ويب الحارس، أي الرجل الملقب بالكرباج، ms1985 مشهورا بالفظاعة كما قدمنا. وكان يكره ~~الأرلنديين كرها عظيما. فإذا دفع نكد الطالع أحدهم إلى ذلك السجن، وتولى هو تشغيله ~~عذبه عذابا لا يطاق، ونكل به أفظع تنكيل. وكان يعلم أن الفتى أرلندي، فكان يجور عليه ~~كل الجور غير مشفق على جسمه الصغير. # وقد تقدم لنا القول أنه سمع رالف، وصاح صيحة دهش، فأيقن أنه رأى بين البنائين رجلا ~~يعرفه، فجلده بكرباجه وأصعده إلى الطاحونة قبل أن يجيء دوره. # ثم لما فرغ من تشغيله هذا الشغل الشاق، ناداه بلهجته المألوفة فأيقن المسجونون أنه ~~ناقم على الفتى يريد جلده، وود كل منهم لو تحمل عنه ألم الضرب؛ لفرط إشفاقهم ~~عليه. # أما رالف فإنه لبى النداء، وسار مرتفع الرأس شامخ الأنف، غير مكترث بنظرات ذلك الرجل ~~الوحشي. # فسأله ويب عن الرجل الذي عرفه من بين البنائين، وأنذره بالضرب فلم يجبه رالف إلا ~~بالإنكار، فحقد عليه وضربه ضربا مؤلما، ثم أعاده إلى الطاحونة. ودام يعذبه هذا العذاب ~~والمسجونون ينظرون ولا يجسرون على اعتراضه حتى المساء. # فجاء باردل وشاهد أعمال ويب المنكرة، فوبخه أقسى توبيخ ولم يسعه إلا أن ينظر إلى ~~الفتى نظرة إشفاق لم تخف على ويب. فهاج لها وحقد على رئيسه حقدا عظيما؛ لتوبيخه إياه ~~أمام المسجونين، لا سيما وأنه كان يكرهه منذ زمن بعيد؛ لأن باردل كان قد شكاه مرتين ~~للمدير العام، لما يرتكبه من الفظاعة، فعاقبه المدير في المرتين. # ومع ذلك فإن باردل لم يجسر على إبعاده عن الخدمة في تلك الليلة، وتركه يتولى حراسة ~~الرواق الذي أقام فيه البنائون ورالف. # وعادة الحراس في ذلك السجن أنهم يتغيرون كل ساعتين. وأما في الليل فقد تحتم على ~~الحارس أن يحرس أربع ساعات متوالية. # وقد ذهب ويب يتعشى في الساعة السادسة، أي حين كان باردل يدخل المسجونين والبنائين إلى ~~غرفهم، وقد دفع الخنجر إلى جوهان، وترك غرفته وغرفة رالف مفتوحة كما قدمنا. # وكان باردل يعلم أن ويب يعود إلى الحراسة، في الساعة الثامنة والنصف. # وانصرف بعد إدخال المسجونين إلى لقاء الرجل العبوس. ms1986 # أما ويب فإنه ذهب للعشاء مع صديقه جوناتان، ولم يكن له صديق سواه بين عمال السجن، ~~لاتفاقهما في الفظاعة، ولاتحادهما على كره رئيسهما باردل. # وفي المثل المأثور أن الطيور على أشكالها تقع. فلما اجتمع هذان الحارسان، جعلا ~~يتعشيان ويطعنان بباردل طعنا قبيحا، ويتمنيان له كل شر، ويستنبطان الحيلة شأنهما في ~~كل اجتماع. # وقد دار بينما في تلك الليلة الحديث الآتي فقال جوناتان: لقد طال عسف هذا الرئيس بنا، ~~وإني أراك أصلح منه للرئاسة. # فأجابه ويب: ومتى كانت الناصية تعطى لمستحقيها، فإن جميع الرؤساء متحاملون علينا، حتى ~~لقد بت أخشى أن أقضي العمر كله في هذا المنصب الحقير. ~~- ولكنك إذا سعيت قد تنال منصب باردل. ~~- وأين لي ذلك أيها الصديق، ألا ترى ميل المدير إليه وتعلقه به؟ ~~- إن المدير مخطئ. ~~- وهذا رأيي أيضا. ~~- وفوق ذلك فإن باردل يتهامل في الخدمة منذ بضعة أيام. ~~- أتظن أنه يتهامل؟ ~~- بل أظن أنه يحاول مساعدة أحد المسجونين على الفرار. # فارتعش ويب واتقدت عيناه وقال: وما حملك على أن تفتكر به هذا الفكر، ألديك ~~برهان؟ ~~- إني أراه منذ يومين يكثر الخروج من السجن، حتى إنه يخرج ثلاث مرات في اليوم ~~الواحد. ~~- وأين يذهب؟ ~~- إلى الخمارة في أول الشارع. ~~- خمارة الحارس القديم الذي عزل؟ ~~- هو بعينه، وقد رأيته أمس، مختليا في تلك الخمارة مع رجل لم ترضني هيئته. ~~- أحق ما تقول؟ # وخفض جوناتان صوته وقال: أسمعت بأولئك الأرلنديين الذي يشغلون الحكومة في هذه الأيام؟ ~~إن قلبي يحدثني بأنه منهم وأنه الآن خارج السجن . ~~- لقد كذب حديث قلبك دون شك، فقد تركته الآن منشغلا بإدخال المسجونين والعمال إلى ~~غرفهم. ~~- ولكنه سيخرج من السجن متى قضى هذه المدة. ~~- يسوءني أني رضيت أن أنوب هذه الليلة بالحراسة عن زميلنا بيرلي. ~~- لماذا؟ ~~- لأني كنت أقفو أثر باردل حين خروجه من الباب العام. # فقال له جوناتان: إننا أيها الصديق، مرتبطان بوثاق الصداقة منذ عهد بعيد. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أني هذه الليلة حر إلى منتصف الليل، فإذا شئت أن تقفو أثر باردل ms1987 توليت الخدمة ~~مكانك إلى أن تعود. ~~- لا أحب إلي من ذلك، فإن ما قلته لي قد هاج بي عاطفة الحقد على باردل، غير أنه يجب ~~أن تنتظر إلى أن يسلمني باردل الخدمة، فتحرس مكاني. ~~- كما تريد. # وقد تم الأمر على ما توقعه جوناتان، فإن ويب ذهب إلى الرواق، فتبعه باردل وقال له: قف ~~مكاني في الحراسة، فإني سأخرج من السجن لبعض الشئون، وأعود في الساعة التاسعة ~~للتفتيش. # ثم تركه وانصرف إلى الخمارة التي واعد الرجل العبوس على الاجتماع به فيها. # وبعد عشر دقائق أقبل جوناتان فتولى الحراسة مكان ويب، وذهب ويب إلى مأمور السجن ~~الخارجي، فتكلف هيئة الاهتمام وقال له: ألم تر باردل؟ ~~- إنه خرج الآن، وأظن أنه ذهب إلى الخمارة. ~~- يجب أن أحادثه في شأن هام، فاسمح لي بالخروج. # فأذن له المأمور وذهب ويب توا إلى الخمارة، ولكنه لم يدخل إليها بل لبث واقفا ~~خارجها، ونظر من زجاج بابها الخارجي، فرأى في داخلها باردل جالسا مع الرجل العبوس، ~~ومختليا به خلوة سرية. # وبعد هنيهة خرج باردل فاختبأ ويب، ثم اقتفى أثره دون أن يراه، ورأى أنه لم يذهب إلى ~~السجن، بل إنه وقف في عطفة ينتظر، فوقف هو أيضا بعيدا عنه إلى أن أقبل الرجل العبوس ~~وشوكنج، فرآهما قد انضما إلى باردل، وساروا جميعهم في الطريق. # 53 # كان ويب على فظاعته فطنا حكيما مبالغا بالحيلة والحذر، بحيث كان يسير في أثرهم ~~فيراهم ولا يرونه، حتى رآهم قد دخلوا إلى منزل مشرف على سور السجن، فوقف يراقب ماذا ~~يكون، وهو لا يجسر أن يتبعهم إلى ذلك المنزل. # ووقف بعيدا وعيناه شاخصتان إلى النوافذ، ورأى نورا ضعيفا من خلالها، ثم رأى أن ~~النور قد انطفأ، وأن النافذة قد فتحت. # وكان ثاقب البصر، فحدق بتلك النافذة ورأى رأسي رجلين قد برزا منها، وأيقن أن باردل ~~أحدهما. # وهنا اقترب حتى أصبح تحت النافذة، وجعل يصغي متنصتا عله يسمع كلمة من حديث الرجلين، ~~غير أن الصوت يذهب صعدا ولا ينزل من الأعلى إلى الأسفل، ms1988 ومع ذلك فإنه كان يسمع لغطا، ~~ولكنه لا يفهم شيئا من الحديث. # على أنه بات واثقا مما قاله له جوناتان، وهو أن رئيس الحراس يأتمر منذ أيام لإنقاذ ~~أحد المسجونين، فبذل جهدا عظيما، وأصغى إصغاء تاما، حتى إنه حبس أنفاسه عله يفهم ~~كلمة واحدة مما يتحدث به الرجلان، وسمع ولكنه لم يسمع غير كلمة واحدة وهي الحبل، فاضطرب ~~قلبه وقال في نفسه: أما وهما قد ذكرا الحبل، فلم يبق شك بصدق ظنون جوناتان من أنهم ~~يحاولون إنقاذ مسجون، وإذا كان ذلك فلا بد أن يكون باردل شريكا بالجريمة. # وعند ذاك رأى ويب أنه قد عرف كل ما يمكن أن يعرفه، وأنه لم يعد بحاجة لوقوفه تحت ذلك ~~المنزل، فعاد على أعقابه وبلغ السجن قبل أن يخرج باردل من المنزل. # وكان أول ما خطر له حين دخوله إلى السجن، أن يذهب إلى المدير العام ويعرض له ما سمعه ~~ورآه، لكنه عاد عن هذا القصد حذرا من أن لا يصدقه المدير لميله إلى باردل، ورأى أن من ~~الحكمة أن يقبض عليه متلبسا بالجريمة. وعند ذلك ذهب توا إلى صديقه جوناتان، ورآه في ~~موقف الحراسة ينتظر عودته بفارغ الصبر. # أما جوناتان فإنه رآه يبتسم ابتساما معنويا، فأيقن أنه وقف على سر من الأسرار ~~وقال: ما وراءك؟ ~~- لقد كنت مصيبا في ظنونك أيها الصديق. ~~- أرأيت أن لباردل علائق خارجية؟ ~~- نعم. ~~- مع من؟ ~~- مع قوم لا أعرفهم، ولكني واثق أنهم يريدون إنقاذ أحد المساجين، غير أني لم أوفق إلى ~~معرفة هذا السجين . ~~- ولكني أنا عرفته. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أليس باردل الذي أقفل أبواب غرف المسجونين هذه الليلة؟ ~~- نعم. ~~- ولكنه ترك باب إحدى الغرف مفتوحا. ~~- باب أية غرفة؟ ~~- نمرة 16 تعال وانظر. # وجعل صدر ويب يخفق خفوقا قويا وقال: إنها غرفة الغلام الأرلندي. ~~- ألم أقل لك إن باردل من جمعية الأرلنديين؟ ~~- أصغ إلي إنه يجب أن تبقى هنا في الرواق. ~~- دون شك. ~~- وإن باردل سيأتي في الساعة التاسعة. ~~- ربما. ~~- وبعد سيسألك لماذا خلفتني في الحراسة فتقول له ms1989 إني مريض؛ لأنه يحذرني أكثر مما ~~يحذرك. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكد، وهو سيبعدك بحجة من الحجج. ~~- وعند ذلك ماذا أصنع؟ ~~- تذهب إلى الفسحة، وتختبئ فيها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ليس الوقت فسيحا فأوضح لك كل شيء، ولكني واثق أن باردل سيخرج الغلام من سجنه، ~~ويأتي به إلى فسحة السجن الجديد، بعد ذلك نتبعه إلى تلك الفسحة، وتصيح مستنجدا وعلي ~~البقية إذ أكون هناك، فنقبض عليه متلبسا بالجريمة. # ثم تركه وانصرف إلى الفسحة، فاحتجب عن الأبصار. # وبعد هنيهة جاء باردل، وهو متشح بوشاحه وقد علق في زناره حلقة فيها مفاتيح الغرف ~~وبيده مصباح. # وكان جوناتان واقفا في موقف الحراسة، فدنا منه وارتعش حين رآه في مكان ويب وقال: أين ~~ويب وكيف أنت هنا؟ ~~- إنه يا سيدي مريض، وقد أنابني عنه. ~~- لماذا لم يقل لي؟ ~~- لأنه خشي أن توبخه، وقد سألني أن أنوب عنه ونحن على العشاء. # وقال بجفاء: أخاف أن يكون أخطأ في اختيارك، فإنك لا تصلح لحراسة الليل كما ~~أرى. ~~- لماذا يا سيدي؟ ~~- لأنك لا تطيق السهر؛ لأن النعاس قد سرى إلى عينيك منذ الآن. # ثم وضع المصباح على الأرض، وأخذ من جيبه علبة السكاير التي أعطاه إياها الرجل العبوس ~~وأعطاه سيكارة قائلا: خذ ودخن كما أصنع أنا، فإن التدخين يعين على السهر. # وأخذ جوناتان السيكارة شاكرا، وأشعلها وجعل يدخن وهو مطمئن. # 54 # إن الرجل العبوس أعطى باردل هذا السيكار المخدر كي يدخن منها ويب، فكانت من حظ ~~جوناتان، غير أن باردل رأى أن النتيجة واحدة، فإن جوناتان كان يخلف ويب في الحراسة، ~~والغرض تخدير حارس الرواق. # وصار الاثنان يدخنان، فكان جوناتان يظهر عجبه بالتبع وارتياحه ثم قال: من أين تشتري ~~يا سيدي التبغ الفاخر؟ # فضحك باردل وقال له: مهما يكن فاخرا فلا أراه يفيدك في السهر، فإنك عدت إلى النعاس، ~~فخذ هذه السيكارة الأخرى ما زلت معجبا بهذا التبغ. # تناولها وأشعلها من السيكارة الأولى، وصار يدخن بها. # وعند ذلك قال باردل: ابق في مكانك واحذر أن تنام، فإني ذاهب الآن وسأعود ms1990 للمراقبة، ثم ~~تركه وانصرف. # فصار جوناتان يشيعه بالنظر وهو معجب بأمره، ويقول في نفسه: لقد أخطأ ويب في حسابه، ~~إنه كان يعتقد أنه سيتخذ حجة لإبعادي، فإذا هو يبعد نفسه. # ثم جعل يسير في الرواق ذهابا وإيابا وهو يقول: إن ويب سيطول انتظاره ويأتي لينقذني، ~~فأسلمه الحراسة وأذهب في شأني. # فقد مثل لنا الحقد على باردل أمورا لا حقيقة لها، فإن هذا الرئيس يتولى منصبه من ~~عشرين عاما، لا يخاطر به من أجل غلام وهو طامع بالترقي. # وفيما هو يمشي شعر ببرد فجائي، لم يدر سببه فالتف بردائه وقال: لا شك أن النار مطفأة ~~في المستوقد، وإلا من أين هذا البرد الشديد؟ # ثم اشتد عليه البرد، وكان ذلك من تأثير المخدر، فذهب إلى زاوية ووقف فيها كأنه يحاول ~~الفرار من البرد، شعر أن ساقيه لا يحملانه فجلس القرفصاء، وعند ذلك شعر بصداع أليم ~~فأطبقت عيناه، وحاول أن يقف فلم يستطع، وأن يستغيث فلم يخرج له صوت، ثم حاول أن يفتح ~~عينيه فلم تفتحا، فكاد يجن مما أصابه، ولكن عذابه لم يطل فإنه سقط على الأرض فاقد ~~الرشد، وقد بلغ منه المخدر كل مبلغ. # وعند ذلك فتح باب الرواق، وظهر منه باردل ومصباحه بيده فدنا من جوناتان، وهو ملقى على ~~الأرض لا حراك به فناداه وهزه، لم يجب، رفسه برجله وقال: لقد نال ما يستحق، ثم تركه ~~وذهب إلى غرفة جوهن كولدن. # وكان جوهن لا يزال ساهرا ينتظر عودة باردل، ففتح باردل باب غرفته وناداه بتلك اللغة ~~الأرلندية الاصطلاحية أن يخرج إليه. # أسرع جوهن إليه وقال له باردل: ألا يزال خنجرك معك؟ ~~- نعم. ~~- إذن هلم بنا، فقد أزف الوقت. ~~- إني مستعد لكل شيء، لنسر إلى حيث تريد. # ثم سار الاثنان فمرا بجوناتان، وهو صريع على الأرض، قال له جوهن: ألعلك قتلته؟ ~~- كلا، بل قتلت حواسه فهو نائم الآن نوم تخدير. # ومشيا في الرواق إلى أن وصلا إلى غرفة الغلام، وكان المسكين قد أنهكه التعب في النهار ~~مما لقيه من عناء الطاحونة ms1991 وكرباج الحارس، فنام نوما عميقا. # وجعل الاثنان يتأملان وجهه الجميل هنيهة، قال جوهن: ألا ترى هذا الوجه الملائكي، ~~والله إني أكاد أشفق أن أوقظه؟ ~~- إن نومه سيكون أكثر هدوءا بعد ساعة، حين ينام في حجر أمه. # ثم هزه برفق وجعل الاثنان يبتسمان كي لا يخاف، ففتح عينيه ونظر إلى باردل وقال له: ~~أهذا أنت الذي تقفل باب سجني كل ليلة وتحدثني عن أمي؟ ~~- نعم أنا هو يا بني، فقم واتبعني ولا تفه بحرف. # وأسرع الغلام إلى لبس ثيابه دون أن يسأله إلى أين يذهب به، فأمسك جوهان بيده، وسار ~~باردل أمامهما فتبعاه إلى باب الفسحة، وهناك أطفأ باردل مصباحه وفتح الباب. # وكان السكون سائدا في فسحة السجن والظلام حالكا، فتقدمهما باردل وتبعه جوهان ~~بالغلام، وهو لا يجسر أن يكلمه كلمة عن أمه؛ خوفا من أن تبدر منه صيحة فرح فينفضح ~~أمرهم. # وكانوا لا يزالون في فسحة السجن القديم، ولا يفصل بين القديم والجديد غير باب، ففتحه ~~باردل ودخل الثلاثة إلى الفسحة الكبرى، وعند ذلك سأله جوهان قائلا: إلى أين نحن ~~سائرون؟ ~~- انظر إلى العلاء، ألا ترى منزلا مشرفا على السور؟ ~~- نعم. ~~- ألا ترى نافذة مفتوحة؟ ~~- نعم. ~~- إنه يوجد حبل معقد ربط أحد طرفيه إلى حديد تلك النافذة، وسقط الطرف الآخر إلى أرض ~~الفسحة، أفهمت الآن؟ ~~- نعم ... # وتقدم الرجلان بالغلام حتى بلغا إلى السور، فارتعش باردل فجأة وصاح صيحة دهش وخوف، ~~ذلك أنه رأى رجلا ملتصقا بجدار السور، وبيده ذلك الحبل المعقد. # ولما رأى هذا الرجل باردل، مشى إليه مشي الظافر وقال له: لقد قبضت عليك متلبسا ~~بالخيانة، ولم يبق سبيل للإنكار. # واضطرب باردل اضطرابا عظيما، إذ علم من صوته أنه ويب، ذلك الحارس الوحشي الذي ادعى ~~أنه مريض؛ كي يخلفه جوناتان بالحراسة. # 55 # أما ويب فقد كان رابط الجأش آمنا؛ لوثوقه من أن جوناتان قادم لنجدته من وراء باردل، ~~خلافا لباردل فإنه ذعر ذعرا شديدا، ولم يكن خوفه على نفسه، بل على الغلام الذي فوجئ ~~عند الوثوق من إنقاذه من ms1992 هذه النكبة، ولكن وقت اضطرابه لم يطل، وعاد لفوره إلى سكينته ~~العادية! # أما ويب فإنه قال متهكما: بورك لك في هذه المهنة الجديدة أيها الصديق العزيز، فإنك ~~تسهل للمساجين سبيل الفرار، وتبعد عنك الخفراء، وتطلق الحبال من نوافذ المنازل ~~المجاورة، لكن عين ويب ساهرة عليك، وأنه. # ولم يدع له باردل فرصة لإتمام حديثه، فانقض عليه وقبض على عنقه بيده، كي يمنعه عن ~~الصياح. # وجعل ويب يصيح بصوت مختنق مستنجدا بجوناتان، وهجم عليه جوهان كولدن عند ذلك بخنجره، ~~وقال له باردل: اطعنه والله يحمي أرلندا. # وكان باردل وجوهان قريبين، غير أن ويب كان يدافع دفاع اليأس، وكان هم باردل أن يلقيه ~~على الأرض، ويضغط على عنقه كي يمنعه عن الاستغاثة، فإن أضعف صوت يصل إلى الخفراء ~~يستفزهم، لذلك كان يضغط على عنقه ضغطا شديدا، فلم يمسك يده ولم يخطر له أنه يحمل ~~خنجرا مع أن مدير السجن العام كان أصدر أمره إلى جميع الحراس بحمل الخناجر. # أما ويب فإنه شعر أن باردل يكاد يخنقه بضغطه على عنقه، لكن ذلك لم يمنعه عن استلال ~~خنجره. # وقال باردل لجوهان: اطعنه بخنجرك. # وصاح جوهان عند ذلك صيحة ألم، لأن ويب كان سبقه إلى طعنه بخنجره، ولما شعر جوهان بألم ~~الطعنة هجم عليه هجوم الكواسر، وطعنه بخنجره طعنة نجلاء، ولم يعد يدافع عن نفسه، وشعر ~~باردل وهو لا يزال ضاغطا عليه أنه قد انحط وتلاشى؛ لأن الخنجر قد أصاب قلبه، فاخترقه ~~وقضى عليه في الحال. # وتركه باردل عند ذلك، فسقط على الأرض ميتا لا حراك به. # أما الغلام فقد كان واقفا، ينظر هذا المشهد الهائل وقد ملأ الذعر قلبه، فدنا منه ~~باردل وقال: لا تخف يا بني لقد نجوت، وسوف ترى أمك. # ثم أمره أن يركب ظهر جوهان، وأمره أن يتسلق الجدار بواسطة الحبل المعقد. # وكان الضباب كثيفا فلم ير الغلام النافذة، ولا المنزل، بل كان يرى الحبل، كأنه معلق ~~في السماء. # وركب ظهر جوهان، وطوق عنقه بيديه. # وأخذ جوهان الحبل وبدأ يصعد. # غير أنه ms1993 لم يثب الوثبة الأولى، حتى شعر أن قواه قد اضمحلت، فأفلت الحبل مرغما، وسقط ~~بالغلام إلى الأرض وهو يقول: وأنا أيضا قد أصبت بما أصيب به. # ذلك أن خنجر ويب كان قد أصاب فخذ جوهان، فنزف دمه بغزارة ودعا إلى ما رأيناه من ~~انحطاط قواه. # ولما رأى باردل ما أصابه، أوشك أن يجن من يأسه، وخاف أن تكون الأقدار قضت على المشروع ~~بجملته، ولم يجد بدا من أن يتولى هو بنفسه إنقاذ الغلام. # وكان رالف قد نهض واقفا، فأسرع إليه باردل وقال له: اركب ظهري وتعلق بي جيدا، ~~فسأحاول بنفسي الصعود بك. # وكان رئيس الحراس على ما يبدو من ظواهر قوته قد تجاوز سن الكهولة، ولم يكن متمرنا ~~على شيء من الألعاب الرياضية، ولم يكن لأعضائه شيء من تلك المرونة الخاصة بأعضاء ~~الشباب، فحاول أن يتسلق الجدار، بينما كان جوهان راكعا يحاول النهوض فلا يستطيع ويقول ~~لباردل: أنقذ الفتى، ولا تهتم بسواه الآن. # فصعد وعلم لأول وهلة أنه لا يجد قوة تعينه على بلوغ المراد، وأن صعوده محال فلبث ~~ممسكا بالحبل، وهو يكاد يجن من اليأس. # وفيما هو على هذه الحالة من القنوط، لا يعلم ماذا يصنع، سمع صوتا يناديه ويقول: عد ~~إلى الأرض، واترك الحبل. # فسقط باردل على الأرض منذهلا، والفتى فوق ظهره، ورفع عينيه إلى مصدر الصوت، فرأى ~~رجلا ينزل من السور مستعينا بالحبل، حتى بلغ الأرض، ورأى أنه الرجل العبوس. # أما الرجل العبوس فإنه نظر نظرة سريعة إلى ما حوله، فرأى ويب قتيلا وجوهان جريحا، ~~فعلم كل ما حدث وقال لباردل: إني سمعت من النافذة ما حدث بينكم، وأسرعت لنجدتكم فأين ~~رالف؟ ~~- ها هو. # فنظر إلى جوهان وقال: أين جرحت؟ ~~- في الفخذ. ~~- أتشعر بضعف. ~~- إني كثير الضعف، وأراني مشرف على الموت، ولكني لا أكترث بالموت، إذا نجا ~~الغلام. ~~- بل أنقذكم جميعا. # وكان الحبل طويلا يجر على الأرض، فأخذه الرجل العبوس، وربط به وسط جوهان ثم قال له: ~~إنني صاعد الآن برالف إلى الحجرة، ومتى وصلنا إليها وبات ms1994 الفتى بمأمن اسحب الحبل مع ~~شوكنج، وأنت مربوط به، فننقذك أيضا. # ثم التفت إلى باردل وقال له: أما أنت فافعل ما أوصيتك به، ولم يبق لديك ما تخشاه من ~~ويب فهو قتيل، فعد إلى رواق السجن القديم، ودخن سيكارة من التبغ الذي أعطيتك إياه، فإذا ~~رأوك مخدرا لا يتهمونك. # فأشار باردل إشارة امتثال، وأركب الرجل العبوس الفتى فوق ظهره، وجعل يتسلق به ذلك ~~الجدار المرتفع بخفة الغلمان، حتى توارى عن نظر باردل، فصاح صيحة فرح وقال: لقد نجا ~~الفتى، فلتحيا أرلندا وليحيا زعيمها. # فأجابه جوهان بصوت خافت بمثل دعاءه ثم قال: اذهب الآن أيها الحبيب، وأستودعك ~~الله. ~~- بل إلى اللقاء، فسيرفعونك بالحبل، وتشفى من جرحك. # ثم ودعه وهو متأثر لنكبته، وعاد إلى السجن القديم، ليفعل ما أمره به الرجل العبوس، ~~وينجو من تهمة الخيانة. # أما جوهان كولدن فكان يتمتم بصوت ضعيف قائلا: إني أصبت بجرح قاتل، لكن عزائي أني ~~أموت شهيد أرلندا، فلتحيا بعدي، وليحيا نصراؤها. # وكان الرجل العبوس قد أدرك مراده في ذلك الحين، ودفع رالف إلى أمه، وقد عرف جوهان ذلك ~~من الحبل المعلق به، فإنه بدأ بالتوتر، ثم أحس بالجذب، ثم رأى نفسه قد ارتفع عن سطح ~~الأرض، فملئ فؤاده رجاء، لكن هذا المنكود لم يكد يصل إلى مرتفع السور، حتى صاح صيحة ~~رعب هائلة، وهوى ساقطا على الأرض. # ذلك أن الحبل انقطع لثقل جسمه، فكان آخر ما قاله ذلك المنكود، إني كنت واثقا من دنو ~~ساعتي، فلو سلمت من الشنق، لما سلمت من الجرح، فلتذهب تلك النفس شهيدة وطنها، ولأمت ~~فداء ابن أرلندا. # قلب المرأة‏ # قلب المرأة‏ # | قلب المرأة # | قلب المرأة # | روكامبول (الجزء الثالث عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده‏ # | قلب المرأة # 1 # عرف القراء من رواية ابن أرلندا، كيف فاز الرجل العبوس بإنقاذ ذلك الغلام الذي كانت ~~أرلندا بجملتها عاقدة آمالها عليه، وكيف أن اللورد بالمير عم هذا الفتى، ومس ألن ابنة ~~ذلك اللورد، يبذلان ما يسعهما من الجهد في سبيل الاستيلاء على ms1995 هذا الفتى؛ طمعا بثروته، ~~وابتغاء تشتيت شمل الأرلنديين بعد فقد زعيمهم. # ونحن نبسط للقراء في هذه الرواية ما جرى من الحوادث الغريبة بين الرجل العبوس وبين ~~تلك الفتاة ابنة اللورد، التي أقسمت على التنكيل بالرجل العبوس منقذ زعيم الأرلنديين ~~وساعدهم الأيمن في المهمات. # وكان آخر عهدنا بالرجل العبوس أنه صعد بالفتى من فسحة السجن إلى تلك الغرفة المشرفة ~~عليها، حيث كانت والدة الفتى وشوكنج، وأنه حاول إنقاذ جوهان كولدن فلم يفز لانقطاع ~~الحبل به. # فلما دفع الغلام إلى أمه كان مشهدا مؤثرا لا يحيط به وصف. # وكان الرجل العبوس أعد مركبة تنتظر على باب المنزل، فقال للأرلندية: كفى يا ابنتي ~~وهلم بنا إلى الفرار؛ لأننا غير آمنين في هذا المنزل، وإذا بقينا به هنيهة فقد يقبضون ~~علينا ونساق جميعنا إلى السجن. # ثم خرج بها وبالفتى وبشوكنج فركبوا تلك المركبة وسارت بهم، فأخذ الرجل العبوس يد ~~الأرلندية وقال لها: إني قد رددت إليك ابنك، ولكنه محكوم عليه بالسجن خمسة أعوام، ~~وقد ارتكب فوق ذلك جناية الفرار من سجنه، وقتل بسببه أحد حراس السجن. # وأريد بذلك أن ابنك ليس لك الآن، بل هو للبوليس ويجب أن نبالغ في الحرص عليه. # فطوقت الأرلندية ولدها بذراعيها كأنما الخطر قد تمثل لها حقيقة، وقالت: إني ~~أحميه. # فابتسم الرجل العبوس، وقال: ولكن الأفضل أن نحذر من البوليس. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك ما أتعهد به إذا كنت تثقين بي. # فأجفلت الأرلندية وقالت: ألعلك تريد أن تفصلني عن ولدي أيضا؟ ~~- كلا، ولكني سأجد طريقة تستطيعين أن تريه بها كل يوم بل كل ساعة، ألم تسمعي بمدرسة ~~أبناء المسيح؟ # فنظرت إليه نظرة انذهال وقالت: كلا. ~~- إنها مدرسة إذا دخل إليها الفتى وتزيا بزي تلامذتها، لا تستطيع الحكومة القبض ~~عليه لما لها من الامتيازات؛ لأن ابنك قد بات الآن بين خطرين، أحدهما خطر الحكومة التي ~~حكمت عليه، ولا بد لها من البحث عنه بعد فراره. # والثاني وهو الخطر الأشد، اللورد بالمير، قاتل أخيه زوجك وعم ولدك، فهو لا يفتأ ~~يبحث عنه ms1996 مع فتاته. # ولذلك فقد وجب أن نغير اسم ولدك، وندخله في هذه المدرسة، بحيث يبيت فيها آمنا كل ~~خطر. # وإني سأفعل جميع ذلك، غير أني أحتاج إلى مهلة يومين، يجب أن أحذر بهما عليكما كل ~~الحذر، ولا أستطيع ذلك إلا إذا أطعتني طاعة لا حد لها. ~~- ومتى عصيتك يا سيدي في أمر منذ عرفتك إلى الآن؟ # فلم يجبها الرجل العبوس، وجعل ينظر إلى مياه التميس مفكرا، والمركبة تسير على ضفته ~~إلى أن وقف السائق بها حيث أمر. # فقال لها العبوس: لقد وصلنا يا ابنتي فانزلي. # ثم وثب من المركبة إلى الأرض، وأنزل الفتى، ثم خرجت الأرلندية من المركبة ونظرت إلى ~~ما حولها، فرأت خلاء متسعا ليس فيه غير بعض بيوت صغيرة متفرقة، وفي وسط هذا الخلاء ~~كنيسة كاثوليكية تحيط بها مقبرة متسعة، وهي كنيسة سانت جورج الكاتدرائية. # فقال العبوس عند ذلك لشوكنج: اذهب الآن في شأنك، وعند الصباح تذهب إلى سانت جيل فترى ~~الأب صموئيل، وتقول له: إن الأمور قد جرت على ما تمنيناه، وإن الغلام قد نجا. # فذهب شوكنج بالمركبة، وعاد الرجل العبوس إلى الأرلندية، فقال لها: إننا سنكون بمأمن ~~هنا من رجال الحكومة؛ إذ لا يوجد في جميع لندرا بوليس يجسر على أن يبحث عنا في ~~المقابر. # ثم سار بها وبالفتى في تلك المقبرة التي كانت قبورها البيضاء تظهر للعين على شدة ~~الظلام حتى وصلوا إلى الكنيسة، فقرع الرجل العبوس بابها ففتح الباب على الفور، وظهر ~~رجل يحمل بيده مصباحا، فقال له العبوس: إننا نحن الذين تنتظرهم. # قال له الرجل: من أرسلكم؟ ~~- أرسلنا ذلك الذي نخضع له كلنا، إلى أن يبلغ الزعيم رشده ويغدو رجلا. ~~- إذن ادخلوا. # 2 # وكان هذا الرجل شيخا أحنت ظهره الأيام، وبيضت شعره السنون، وطالت لحيته حتى بلغت ~~صدره. # فلما دخلوا أقفل الباب وسار أمامهم بمصباحه، فاجتاز إلى الكنيسة، ثم صعد بهم سلما ~~يؤدي إلى جرس الكنيسة، وهناك غرفة تحت قبة الجرس دخلوا إليها. # فقال الرجل العبوس للأرلندية: هو ذا المكان الذي تختبئين فيه ms1997 مع ولدك، وإني أستحلفك ~~بأبيك وباسم أرلندا أن لا تبرحي هذا المكان إلا حين أعود إليك بنفسي. # وأنت هنا في مأمن مع ولدك حتى ولو وشوا بك إلى البوليس، فإنه لا يجسر على الدخول ~~إليه، ولكنه إذا علم بوجودك مع ولدك في هذه الكنيسة طوقها بالرقباء إلى أن تخرجي منها، ~~فيطول سجنك في الغرفة. ~~- لا أبالي بالسجن مهما طال عهده إذا كان ولدي معي. ~~- إذن اقسمي لي أنك لا تبرحين الحجرة. ~~- أقسم لك بتربة زوجي الشهيد. ~~- وأنا سأعود إليك بعد يومين. # ثم قبل الفتى، وودعها وانصرف. # ولما خرج من الحجرة لقي الشيخ حارس الكنيسة ينتظره، فسأله: أحقيقة ما قلته لي؛ إنه في ~~كل يوم تأتي امرأة بملابس السواد عند الفجر تبكي وتصلي فوق أحد القبور؟ ~~- نعم يا سيدي، فإني أفتح باب المقبرة في الساعة السادسة من صباح كل يوم، فأجدها على ~~الباب. ~~- إذن تقفل الباب في كل ليلة؟ ~~- نعم، وإنما أبقيته مفتوحا الليلة من أجلك. ~~- وبعد ذلك ماذا تصنع تلك المرأة؟ ~~- تدخل إلى المقبرة، ولم أر وجهها إلى الآن؛ لأنها تتبرقع بنقاب كثيف وتذهب إلى ~~القبور. ~~- أما رأيتها عند أي قبر تقف؟ ~~- نعم. ~~- إذن سر أمامي ودلني عليه. # فسار الشيخ أمامه، وهو يبسط أشعة مصباحه على القبور كي يهتدي إلى القبر، وكان الرجل ~~العبوس يقول في نفسه: إذا كانت هذه المرأة هي التي أظنها، فقد أصبح اللورد بالمير في ~~قبضتي، وبت قادرا على قتال مس ألن مقاتلة الأكفاء للأكفاء. # وبعد هنيهة وقف الشيخ أمام قبر، فأخذ العبوس المصباح من يده وأدناه من الضريح، فرأى ~~مكتوبا عليه: # هذا ضريح ديك هارمون، مات في العشرين من عمره، شهيد الغرام. # فقال للشيخ: أهنا تقف المرأة وتبكي؟ ~~- نعم. # ولم يكن يوجد تاريخ تحت الكتابة، غير أن ظاهر الضريح كان يدل على أنه حديث البناء، ~~فقال الرجل العبوس للشيخ: أتعلم متى دفن هذا الشاب؟ ~~- كلا، ولكني أشاهد تلك المرأة من عهد قريب كل يوم دون انقطاع، وقد أخبرت الأب صموئيل ~~بما رأيته. ~~- حسنا، فقد عرفت ms1998 ما كنت أريد أن أعرفه. # ثم أقفل راجعا، ولكنه لم يخرج من باب المقبرة، بل عاد إلى الكنيسة، فدهش الشيخ وقال ~~له: ألعلك تريد مقابلة الأرلندية أيضا؟ ~~- كلا، ولكني أريد أن أنتظر في الكنيسة إلى أن تحين الساعة التي تحضر فيها ~~المرأة. # ثم تركه ومضى إلى مكان الاعتراف ودخل إليه. # أما الشيخ فإنه كان يعلم أن الرجل العبوس من كبار زعماء الأرلنديين فلم يعترضه بشيء، ~~بل انحنى أمامه وقال: متى تريد يا سيدي أن أوقظك؟ ~~- متى فتحت باب المقبرة. # فانصرف الشيخ، والتف العبوس بردائه، ونام نوما هادئا. # وعند الصباح أقبل الشيخ لإيقاظه، فوجده مستيقظا، فقال له: أفتحت الباب؟ ~~- نعم. ~~- أأتت المرأة؟ ~~- كلا، ولكنها ستحضر قريبا. # فتركه العبوس وذهب إلى ذلك الضريح الذي رآه في الليل، واختبأ وراء ضريح يشرف ~~عليه. # ولم تمر هنيهة حتى رأى المرأة مقبلة، وهي مقنعة بقناع كثيف، فمشت توا إلى الضريح ~~حتى إذا وصلت إليه ركعت أمامه، وجعلت تبكي وتنتحب، وتقول أقوالا تقطع القلوب من ~~الإشفاق، فكان مما قالته وسمعه العبوس: أين أنت يا ولدي؟ أحق أن الأموات لا يرجعون؟ وما ~~بالك لا تجيب نداء أمك ولا ترثي لنحيبها؟ ألم تكن بي برا رحوما! فما للعهد غير فيك ~~يا ولدي! وكيف أنا عائشة بعدك! إنهم قتلوك حبا، ولكنهم قتلوني دونك، فإنما الميت ميت ~~الأحياء. # ثم تشهق وتنتحب، وتذرف الدمع السخين، وتنادي ولدها بأشجى النداء، كأنما هي ترجو أن ~~يجيب نداءها، حتى إذا ثاب إليها رشدها ورأت أنها تخاطب ميتا، حبست دمعها المنسكب، ~~وانصرفت إلى الصلاة عن نفس فقيدها الحبيب. # ثم نهضت نهوض القانطين، وذعرت حين رأت الشمس مرتفعة، كأنها خشيت أن يفاجئها أحد وهي ~~في هذا الموقف، فأسرعت إلى ضريح ولدها، وقبلت ذلك الحجر المنقوش عليه اسمه قبلة ~~الخاشع، وعادت مسرعة من حيث أتت. # وعند ذلك سار الرجل العبوس في إثرها، وهي لا تراه، حتى انتهت إلى منزلها وهو في زقاق ~~ضيق، وحاولت أن تدخل فأسرع العبوس ووضع يده على كتفها، فالتفتت إليه مرتعبة وهمت أن ms1999 ~~تصيح، ولكنه بادرها بإشارة سرية من أشائر الأرلنديين، وذهب اضطرابها، وجعلت تنظر إليه ~~بدهش، فقال لها: ألست والدة ديك؟ # فجزعت تلك الأم عند سماع اسم ولدها الميت، وقالت له: بالله لا تذكر هذا الاسم أمامي ~~وأشفق علي. ~~- إني كنت صديق ديك وأنت أمه. ~~- قلت لك لا تذكر هذا الاسم؛ فإنهم يقتلوني أيضا إذا عرفوا أني في قيد الحياة؛ ~~لأنهم يعتقدون أني ميتة كولدي، ولم يبق لي غير عزاء واحد في هذه الحياة التعيسة، وهو ~~أني أذهب عند مطلع كل فجر فأبكي على ضريحه، فإذا علم الذين قتلوه أني في قيد الحياة كان ~~الخطر عظيما علي. ~~- لقد كان الخطر عظيما أمس، أما اليوم فقد زال كل خطر. ~~- لماذا؟ ~~- ذلك لأني سأحميك؛ فإني كنت صديق ولدك، وأنا ألد أعداء مس ألن بالمير التي مات ~~ابنك ضحية هواها. # فصاحت المرأة عند ذلك صيحة خرجت معها مكنونات صدرها. # فقال لها الرجل العبوس: لا تفوهي بحرف هنا، وادخلي بي إلى منزلك؛ إذ يجب أن أعرف كل ~~شيء، كي أستطيع أن أنتقم لابنك الحبيب. # 3 # ثم أخذ العبوس بيدها ودخل بها إلى منزلها، فذهبت تلك الأم المنكودة إلى غرفة ففتحتها، ~~وقالت: هنا مات ولدي. # ثم انطرحت على مقعد في تلك الغرفة، وهي واهية القوى، وقالت للرجل العبوس: تقول إنك ~~عرفت ولدي، وكنت صديقا له، فأين كنت تراه؟ ~~- في ويت هال. ~~- لا أعرف ذاك المكان الذي تذكره، ولكني كنت أعلم أن ولدي كان يبرح المنزل كل ليلة، ~~فما كنت أعترضه؛ إذ كنت أراه يكاد يجن من يأسه. # فقال العبوس: إني غادرت لندرا مدة، ثم عدت إليها، فأخبروني أن ابنك قد مات شهيد ~~الغرام، ولم أجد بين إخوانه من يخبرني حقيقة أمره؛ ولذلك أردت أن أعلم منك كل شيء ~~بالتفصيل. # فوثقت تلك الأم منه لما رأته من دلائل الصدق والوفاء بين عينيه، ولا سيما أنه قد أشار ~~لها تلك الإشارة الدالة على أنه مثلها من الأرلنديين، فحكت له حكايتها كما يأتي: إني ~~امرأة أرلندية كان زوجي إنكليزيا، وهو ms2000 من جنود البحارة، فرآني يوما في أحد موانئ ~~أرلندا، وتزوج بي على اختلاف مذهبينا فتبعته إلى لندرا. # وبعد سنة من زواجنا غادرني وسافر في دارعة، فولدت غلاما بعد شهر من سفره، وما رأيته ~~بعد ذلك العهد؛ لأن تلك الدارعة غرقت، وما نجا أحد من بحارتها، فعينت لي الحكومة راتبا ~~صغيرا. # وقد خطر لي عند ذلك أن أعود إلى أهلي في أرلندا، غير أن مستقبل ولدي أثناني عن السفر، ~~فاستخدمت في محل تجاري فكان راتبي منه وما أقبضه من الحكومة يساعداني على تربية ولدي ~~وتعليمه. # ولما بلغ السادسة عشرة من عمره ترك المدرسة، واستخدم في أحد المصارف براتب كان ~~يكفينا، فمنعني عن العمل، وأقمنا في هذا المنزل الذي تراه. # ودام ذلك عامين كنت في خلالهما أسعد أم وأسعد امرأة، إلى أن جاءنا يوما صاحب ~~المنزل الذي نقيم فيه فقال لولدي: إن أرض هذا المنزل للورد من أعظم نبلاء إنكلترا، وإن ~~هذا اللورد محتاج إلى سكرتير، فهل تريد أن تكون في خدمته فأسعى لك هذا السعي، فإنك تكسب ~~منه ضعف ما تكسبه الآن. # فما ترددنا في قبول هذا الاقتراح، وفي اليوم التالي ذهب بولدي إلى اللورد، فأعجب ~~بذكائه وعينه سكرتيرا له، فكان في كل يوم يذهب إلى منزله فيكتب له بإملائه جميع ~~رسائله. # ومضى على ذلك شهران وأنا أحسب نفسي سعيدة بسعادة ولدي، وقد تغيرت عوائده تغيرا ~~فجائيا لم أفطن له في ذلك العهد، مع أن عيون الأمهات تنفذ إلى أعماق قلوب أبنائهن فلا ~~تخفاهن خافية من أسرارها. # فقد كان من عادته قبل دخوله في خدمة اللورد أن لا يكترث للبهرجة والزينة، وكانت ~~ملابسه على أتم البساطة، لكن عاداته تغيرت بعد ذلك، فأصبح شديد التأنق كثير ~~البهرجة، ثم تبدلت أخلاقه من الزهو إلى الانقباض بالتدريج، فما مر به عهد طويل حتى ~~تجهم وجهه، ولم يعد يلقى إلا مقطب الجبين، فما شككت أن الغرام قد نفذ إلى ~~قلبه. # وقد أتى لي يوما قائلا: إن اللورد بالمير كثرت أشغاله في هذه الأيام لانعقاد جلسات ms2001 ~~البرلمان، وإنه مضطر إلى الاشتغال معه في الليل، فصدقته وبقي شهران يخرج كل ليلة بعد ~~العشاء، ومن ذلك العهد بدأت حياته السرية، وبدأ عذابه وعذابي، فكنت يوما أرى وجهه ~~مقتما بظلمات اليأس فينقبض قلبي، ويوما أراه مشرقا بنور البشر فأفرح لفرحه، لكنه لم ~~يكن يبوح لي بشيء من مكنونات صدره. # وما زلت معه بين اليأس والرجاء إلى أن جاءني يوما وعلائم السرور بادية بين عينيه، ~~فقال: لقد حان لي أن أبوح لك بسري، فإني أحب ابنة اللورد بالمير. # فذعرت لهول هذا الخبر وقلت: ويحك أيها التعس كيف تحبها وبينكما هذا التباين في ~~المقام؟ ~~- ولكنها تحبني. # فجعلت أبكي وأتوسل إليه أن يرجع عن هذا الجنون، وأن يعتزل خدمة اللورد، لكنه أبى ~~لاعتقاده أنها تحبه، وأنها راضية بزواجه، فاضطررت مكرهة إلى الامتثال؛ لأني رأيت ~~السهم قد نفذ، ولم يبق سبيل لرده عن هذا الغرام الجائر. # ولا أدري ما جرى بينه وبين هذه الفتاة الهائلة، ولكني رأيت اليأس قد دب إلى قلبه ~~بعد زمن قريب، فلم يعد يلين بكلامي، ولم يعد يتحدث بغير الموت. # إلى أن أصيب بحمى عقبها هذيان، فلم يكن يتكلم إلا عن مس ألن، ولم أكن أفارقه لحظة، ثم ~~خفت وطأة الحمى وزال الهذيان بعد أسبوع، وكان ذلك اليوم يوم أحد، فسول لي القدر ~~المحتوم أن أذهب إلى الكنيسة، فلما عدت منها رأيته شديد الاصفرار، فصحت بالرغم عني ~~صيحة ذعر، أما هو فابتسم وقال: أسألك العفو يا أماه لما ترينه مني من نكران الجميل، ~~فإني قد نسيت أمي الحنون، ولم أفتكر إلا بشقائي والخلاص منه. # وعند ذلك رفع عنه الغطاء فصحت صيحة هائلة؛ ذلك أني رأيت الفراش مصبوغا بدمه ~~الزكي. # وهنا انقطعت عن الحديث، وجعلت تبكي بكاء شديدا. # فأخذ الرجل العبوس بيدها، وجعل يعزيها بأرق الألفاظ إلى أن حبست دمعها، وعادت إلى ~~الحديث فقالت ... # 4 # إن القنوط تمكن من صدر ولدي المنكود، وطعن نفسه بخنجر ثلاث طعنات. # ولما رأيت هذا المنظر الهائل جعلت أصيح مستنجدة، فأسرع إلي صاحب البيت، أما ms2002 ولدي ~~فإنه قال لي وهو يبتسم: لا فائدة من الاستغاثة يا أماه، فقد دنت الساعة. # ولم يكن مخطئا وا أسفاه! فإن كل جرح من جراحه الثلاثة كان قاتلا، ولكنه غالب ~~بشبابه الموت ستا وثلاثين ساعة، لم يكن يفتر في خلالها عن طلب الغفران مني عما جناه ~~علي، وعن ترديد اسم ألن. # ولما بدأ دور النزاع نظر إلي نظرة الحزين، وقال لي: إني أريد يا أماه أن أدفن في ~~مقبرة كاثوليكية، وأن تدفن معي هذه المحفظة المختومة فتجعلينها وسادة لرأسي، فإن هذه ~~المحفظة تحوي الرسائل التي كانت تبعثها إلي تلك الظالمة. # ثم قضى نحبه على صدري، فدعوت كاهنا أرلنديا فأخبرته بكل ما حدث وهو الكاهن صموئيل، ~~فذهب وعاد بأربعة من الأرلنديين، وكنت قد وضعت المحفظة بيدي تحت رأسه، فأقفلوا التابوت ~~وساروا بذلك الابن الحبيب الذي طالما تمنيت أن أفديه. # وهنا عادت إلى البكاء الأليم حتى لم يبق في جفنيها دمع، فقال لها الرجل العبوس: ~~ألعلك رأيت مس ألن؟ # فاضطربت المرأة واتقدت عيناها حين سمعت اسم قاتلة ابنها، وقالت: نعم رأيتها مرة ~~واحدة، وعلمت أن ولدي قد أحبها لفرط جمالها، وأنها قتلته لما رأيت في عينيها من دلائل ~~المكر والشر. ~~- أين رأيتها يا سيدتي؟ ~~- رأيتها هنا، فقد زارتني بعد وفاة ولدي بيوم واحد، وكنت وحدي لا أنيس لي غير اليأس، ~~فرأيت الباب قد فتح ورأيت فتاة دخلت منه، فحسبت حين رأيتها أنها من ملائكة السماء، ~~إلى أن كلمتني فعلمت أنها من أبالسة جهنم، وإليك ما قالته بلهجة السيادة ~~والاستكبار: أيتها المرأة إني ابنة اللورد بالمير، وإن ولدك عشقني عشقا لم أدفعه إليه، ~~وقد علمت وعلم أبي أنه لم يخلف لك شيئا من المال، ولذلك أتيت إليك كي أعطيك ما في هذه ~~المحفظة من الأوراق المالية، فإنها تعينك على العيش، وفي مقابل ذلك أن تعطيني جميع ~~أوراق ولدك. # فعلمت أنها تريد أن تشتري مني رسائلها إليه، فدفعت لها محفظتها باحتقار وقلت لها: إن ~~كل أثر لولدي مقدس لا تمسه يدك الدنسة. فخرجت وقد ms2003 نظرت إلي نظرة ملؤها الضغينة ~~والحقد. # ومر على ذلك ثلاثة أيام، وبينما أنا جالسة في الليلة الثالثة أندب ولدي، رأيت زجاج ~~النافذة قد كسر فجأة، ودخل منها رجلان متنكران مقنعان، فهجما علي ووضعا كمامة في ~~فمي، ثم جعلا يبحثان في المنزل، فعلمت أنهما يبحثان عن رسائل مس ألن، ولكنهما ذهبا دون ~~أن يظفرا بشيء؛ لأن الرسائل كانت في الضريح. # وفي اليوم التالي جاء صاحب المنزل وكان من المشفقين علي، فقال لي: إن حياتك هنا ~~معرضة للخطر. فذهبت إلى أقفر شارع في لندرا فاختبأت به شهرين، وأذاع صاحب المنزل في ~~خلالهما خبر وفاتي، فلما أيقنت أن خبر وفاتي قد اتصل بمس ألن عدت إلى المنزل الذي ~~مات فيه ولدي، وأنا لا أخرج منه إلا مرة كل يوم عند الفجر كي أزور الضريح. # وهنا انتهت حكايتها وعادت إلى البكاء، فوقف الرجل العبوس وقال لها: إذن قد وضعت رسائل ~~مس ألن في الضريح؟ ~~- نعم. ~~- ألا يعلم أحد بوجودها فيه؟ ~~- لا يعلم بأمرها سواك، وإني لم أبح لك بسرها إلا حين رأيت إشارتك الرئيسية ~~الأرلندية التي يجب أن يخضع لها كل الأرلنديين. ~~- وأنا لا أبوح بما أؤتمن عليه من الأسرار، فثقي إن دم ولدك لا يذهب هدرا، والآن ~~أخبريني كيف تعيشين؟ ~~- إني أعيش بشغل يدي، وبفضل صاحب المنزل الذي أنا فيه. # فأخذ من جيبه قبضة من الجنيهات ودفعها إليها قائلا: إن أرلندا لا تهمل ~~أبناءها. # ثم أفلت منها مسرعا كأنه لا يريد أن يسمع شكر هذه الأم البائسة، وسار في الشارع وهو ~~يقول: لقد أصبحت ابنة بالمير في قبضة يدي. ~~••• # وبعد حين كان مع الأب صموئيل يتباحثان عن ابن أرلندا، فقال له الكاهن: أرى أن الغلام ~~لا يزال معرضا للأخطار. ~~- لا خطر عليه ما زال مختبئا مع أمه في كنيسة المقبرة. ~~- ولكن لا يمكن أن يقيما فيها مدة طويلة حذرا من افتضاح أمرهما. ~~- هو ما تقول، لذلك سأذهب الآن وأخرجهما؛ إذ قد وجدت مكانا ليقيم الغلام فيه ولا ~~يستطيع أحد إخراجه منه. ~~- أين؟ ~~- في ms2004 مدرسة أبناء المسيح، وهي المدرسة التي بناها إدورد السادس، فجعلها تحت رعاية ~~محافظ العاصمة، وجعل من امتيازاتها أن كل تلميذ يلبس ملابسها الرسمية لا يستطيع أحد مسه ~~بسوء ولو كان من القاتلين، فلنفرض أن رالف دخل إلى هذه المدرسة ولقيه يوما أحد حراس ~~سجن الطاحون، فإنه ينحني أمامه ولا يجسر على القبض عليه. ~~- إني أعرف جميع ما ذكرته عن امتيازات هذه المدرسة، لكني أعلم أيضا أن إدخال الغلمان ~~في سلك تلامذتها من أصعب الأمور. ~~- ولكني وجدت طريقة ميسورة، ألا تذكر أنه حين وصول الفتى إلى لندرا مع أمه سرقته ~~امرأة تدعى مسز فانوش؟ ~~- نعم أذكر، لكني لا أدري ما كانت تريد من سرقته. ~~- لكني أنا أعلم، فإنها أرادت أن تستعيض به عن غلام قتلته، وكان أهله عهدوا إليها ~~بتربيته، وهذا الغلام إذا كان في قيد الحياة يحق له الدخول إلى هذه المدرسة؛ لأن أباه ~~من الضباط، ولذلك سأعيد رالف إلى مسز فانوش. # فأجفل الكاهن وقال: كيف ذلك؟ # أما الرجل العبوس فإنه ابتسم وقال: أرجوك أن تثق بي ألم تجربني في المهمات؟ # ونظر إليه الكاهن نظرة إعجاب وقال: ولكن من أنت، فإني على طول عهدي بك لم أعرفك إلى ~~الآن؟ # فأطرق العبوس برأسه إلى الأرض وقال: لقد قلت لك إني رجل ارتكب أعظم الآثام، وهو ~~يرجو عفو الله بأعظم توبة. # ثم نهض يحاول الذهاب، فقال له الكاهن: إلى أين؟ ~~- إلى مسز فانوش. # ثم ودع الكاهن وخرج من الكنيسة، فلقي عند بابها شوكنج ينتظره، فقال له: إن فانوش ~~لم تعد إلى منزلها في لندرا، وهي لا تزال في همبستاد. ~~- إذن هلم بنا إليها. # 5 # لقد تركنا مسز فانوش في الجزء الأول من هذه الحلقة في منزلها في همبستاد، وكانت ترسل ~~خادمتها كل يوم إلى لندرا؛ لأنها لم تكن تجسر على الذهاب إليها، فقد كانت تخشى ثلاثة ~~أمور: أولهما أن يشكوها اللورد بالمير فتحقق الحكومة في أمرها، والثاني أن يعود أولئك ~~الرجال الذين بحثوا عن رالف ولم يجدوه، والثالث أنها كانت تخشى مس ms2005 إميلي وزوجها أن ~~يطالبانها بولدهما. # وقد مرت العشرة أيام ولم يعد إليها الرجل العبوس وأعوانه، ولم يأتها أحد من ~~قبل اللورد بالمير. # وفي اليوم العاشر أرسلت خادمتها إلى لندرا كي تبحث لها عن رسائل، وأقامت تنتظر وهي ~~خائفة وكأنها تتوقع حدوث مصاب، إلى أن عادت الخادمة تحمل كتابا، أخذته وفضته بيد ترتجف ~~ونظرت إلى التوقيع فاضطرب فؤادها، ثم قرأت الكتاب فكان متضمنا هذه الكلمات الوجيزة: # غدا أحضر مع امرأتي، ونرى ولدنا العزيز ... # وكان هذا الكتاب من الماجور واترلي زوج مسز إميلي، وضعت فانوش رأسها بين يديها وقالت: ~~ماذا أعمل الآن؟ إني قتلت ولدهما منذ عشرة أعوام، أي حين عهد به إلي تخلصا من ~~نفقاته، ولم أخبرهما بموته كي يواصلا إرسال النفقات، وسرقت ابن الأرلندية حين علمت ~~بعزمهما على الحضور كي أجعله بدلا من ولدهما، فهرب الأرلندي مني، رباه كيف ~~أعمل؟ # وكانت الخادمة تسمع كلامها فقالت لها: لا أجد بأسا عليك، فإن والد الغلام سيذهب إلى ~~منزلك في لندرا فتقول له العجوز إنك مسافرة مع الغلام. # فتنهدت فانوش وقالت: ولكنها تبيعني بعشرة جنيهات، بل إذا دفع لها أقل من هذا المبلغ ~~ترشده إلى منزلي هنا، أنسيت كيف خانتني مع اللورد بالمير؟ ~~- لقد أصبت، إذا شئت فلنسافر حقيقة. ~~- ولكن إلى أين نسافر والماجور قادم غدا؟ ~~- نسافر إلى بلدي في أيكوسيا. ~~- ولكن الماجور يشكوني إلى الحكومة، ولا بد للبوليس أن يعلم في النهاية أين أنا، ثم ~~يهتدون إلى ولتون الذي كان يعيننا على قتل أولئك الأطفال، فيحكم علينا بالإعدام ~~جميعا. # فلم يظهر على الخادمة شيء من علائم الخوف ، وقالت: أما الشنق فهو أقل ما نستحقه، ولكن ~~عزائي أن تلك العجوز الشمطاء ستموت معنا، فلو لم ترشد اللورد بالمير إلى منزلك لما ~~أصبنا بهذه النكبة. # ولم تكد الخادمة تتم حديثها حتى سمعتا وقع خطوات في الحديقة، فوقفت المرأتان ~~منذعرتين، وكان الليل قد أرخى سدوله فلم تريا أحدا ولكنهما كانتا تسمعان صوت اقتراب ~~الخطوات. # ولم تمض هنيهة حتى رأتا أن باب الغرفة قد فتح، وظهر ms2006 منه شوكنج، فرجعت فانوش ~~منذعرة إلى الوراء؛ إذ عرفت أنه أحد أولئك الرجال الذين قيدوا اللورد وطلبوا منها ~~رالف. # ثم رأت بعده الرجل العبوس، ولكنه لم يكن يلبس تلك الملابس التي رأته فيها منذ عشرة ~~أيام، بل كان متنكرا بزي البوليس، فما شككت أنهما قادمان للقبض عليها. # وكان الاثنان مسلحين، فأشهر الرجل العبوس مسدسه، ودنا من فانوش وقال لها: إنك ~~تعلمين، كما أعلم، أنه لا يوجد جيران لك في هذا المنزل، إذا استغثت لا يجيبك أحد، وفوق ~~ذلك إني بملابس البوليس كما ترين. # سقطت فانوش راكعة على ركبتها والتمست العفو منه، فنظر إلى شوكنج وأمره أن يذهب ~~بالخادمة إلى المطبخ ولا يدعها تهرب، فأخذ الخادمة ممتثلا، وبقي العبوس فقال لها: أول ~~ما أبدأ به أني لست آتيا للقبض عليك، اطمئني، فإذا كنت لم أقبض عليك على ما لدي من ~~براهين على جرائمك، فذلك لأني أريد الاتفاق معك، فإني أراك ذكية الفؤاد. # فارتعشت فانوش وجال في خاطرها أن هذا الرجل يريد أن يسهل لها سبيل الفرار مقابل مبلغ ~~من المال، فقالت له: إني يا سيدي أفعل كل ما تريده مني، ولكني لست غنية. # فابتسم العبوس وقال: إنك مخطئة فلست بطالب مال، فاصغي إلي ودعيني أذكر لك شيئا من ~~أمرك، فإنك قتلت إلى الآن عشرة أطفال منهم ابن الماجور واترلي، وسيأتي هذا الماجور غدا ~~يطالبك بولده، فلا تستطيعين رده إليه، فيشكوك وينفضح أمرك، ولا يكون عقابك غير ~~الشنق. # وكانت فانوش تضطرب اضطرابا شديدا، فقال لها: لكن إنقاذك ممكن من جميع هذه الأخطار، ~~فإن الفتى الأرلندي الذي هرب من منزلك قد وجدناه، ويمكنك أن تقدميه للماجور بأنه ~~ولده، فهو لا يعرف ابنه وقد دفعه إليك وهو في المهد منذ عشرة أعوام، ولم يره مرة بعد ~~ذلك العهد. # وسألت فانوش: أين هو الفتى؟ ~~- عندي. ~~- أترده إلي؟ ~~- كلا، لكني أضعه في مكان تذهبين إليه مع مسز إميلي والماجور فتجدونه فيه. ~~- إني لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- لا بأس إذا لم تفهمي، فستعلمين كل شيء فيما ms2007 بعد، أما الآن فانظري من هذه النافذة، ~~ألا تجدين المنزل الأحمر المعتزل؟ ~~- نعم، لكنه مقفر لا يسكنه أحد في الشتاء. ~~- بل سيسكنه رجل عجوز يجب أن تذهبي إليه، وهو يخبرك بما يجب أن تصنعيه. ~~- والغلام؟ ~~- سيكون هناك. ~~- أيكون وحده؟ ~~- كلا مع أمه. # فأشكل هذا القول على فانوش، وعاد إليها سوء الظن بالرجل العبوس، فقالت: إني لا أعرف ~~ذلك الرجل، حتى إني لا أعرف اسمه. ~~- إنه يدعى ليرتون، فإذا ذهبت إليه يستقبلك في الحال، لكني أرى من دلائل عينيك أنك ~~غير واثقة مني فدعيني الآن أهديك نصيحة، وهي أن تفعلي كل ما أقوله لك دون اعتراض، وإلا ~~فإنك لا تسلمين من العقاب الذي تعرفينه. # فاضطربت فانوش وقالت: سأطيعك في كل ما تريد. ~~- وإني أحذرك أيضا من الفرار، فإنك لا تخطين خطوة حتى يقبض عليك الجواسيس، أما إذا ~~لم تخالفي قولي فإنك تبيتين آمنة من كل ما تخشينه. ~~- لكن بقي أمر يا سيدي أظنك تجهله، وهو أن هذا الغلام الأرلندي وافر الذكاء شديد ~~البأس، فهو يقول للماجور إنه ليس بولده الحقيقي، ويشكوني إليه. ~~- إنك مخطئة، فإن الغلام سيعانقك حين يراك، ويفعل ويقول كل ما تريدينه، والآن أستودعك ~~الله على أن أراك غدا، فاحذري أن تنقصي شيئا مما قلته لك، ولا تنسي المشنقة. # ثم تركها وذهب إلى شوكنج وقال له: هلم بنا، فإن لدينا مهمة خطيرة يجب قضاؤها في هذه ~~الليلة. # ومشى أمامه فتبعه حتى وصلا إلى منزل صغير، فقال له الرجل العبوس: أتدري إلى أين نحن ~~ذاهبان؟ إن ذلك لا يخطر في بالك، مهمتنا في هذه الليلة نبش قبر ميت. # فاضطرب شوكنج، وقال: ألعل الميت في هذا المنزل؟ # ولم يجبه الرجل العبوس، بل صعد أمامه وهو يشيعه، ففتح إحدى غرفه بمفتاح كان معه، ودخل ~~ثم أقفل باب الغرفة. # ونظر شوكنج في أثاث الغرفة فلم يجد فيها غير كرسي وخزانة ومقعد، ولكنه لم يجد قبورا ~~ولا موتى، فابتسم العبوس وقال له: إن القبور لا تبنى في المنازل أيها الأبله. ~~- ولكني أراك في هذا ms2008 المنزل كأنك صاحبه، وأنا أعرف منزلك. ~~- إن لي في لندرا عشرين منزلا فاطمئن، فإنك لا تنام في الخلاء ما زلت في خدمتي، أما ~~دخولي إلى هذا المنزل الآن فلكي أتنكر بغير الزي الذي أنا فيه؛ لأن رجال البوليس ~~لا يحفرون القبور. # ثم خلع ثيابه وارتدى ملابس غيرها، وخرج مع شوكنج توا إلى الكنيسة، حيث كانت ~~الأرلندية وابنها. # وقرع الباب ففتح له حارس الكنيسة، ودخل مع شوكنج وقال له: أحدث أمر جديد؟ ~~- إن الغلام وأمه لا يزالان في الغرفة، وقد حضر في هذا المساء الكاهن صموئيل، ~~فقابلهما وأمرني أن أطيعك في كل أمر. # وقال العبوس لشوكنج: انتظرني خارج الكنيسة إلى أن أعود إليك. # وقال لحارس الكنيسة: أحضر لي معدات الحفر؛ لأني أريد أن أنبش القبر الذي ~~تعهده. # ثم تركه وصعد إلى الأرلندية المقيمة مع ولدها في قبة الجرس. # أما شوكنج فإنه وقف عند باب الكنيسة، وجعل ينظر نظرات خوف وذعر إلى القبور، فيضطرب ~~ويقول في نفسه: إني ما خفت في حياتي من الأحياء، أما الأموات فلا طاقة لي على ~~لقائهم. # وجعل المسكين ينتفض من الخوف بالرغم من ثقته الشديدة بالرجل العبوس، حتى إنه ترحم ~~على أيام شقائه الماضية، وكاد يندم لانتظامه في خدمة الرجل العبوس. # ثم أقبل العبوس يحمل معدات الحفر فقال لشوكنج: هلم بنا. # فنظر شوكنج إلى تلك المعدات نظرة ذعر، وقال: أحق إذن إننا سننبش قبرا؟ ~~- متى كنت ممازحا أيها الأبله؟ # ثم التفت إلى حارس الكنيسة، وقال له: متى تفتح باب المقبرة عادة؟ ~~- عند الفجر. ~~- إنني سأذهب هذه الليلة بالفتى وأمه، فمتى ذهبنا تقفل باب المقبرة، ولا تفتحه إلا ~~قرب الظهر أتدري لماذا؟ ~~- لا. ~~- ذلك كي لا تستطيع تلك المرأة التي تأتي عند كل فجر الحضور غدا حسب عادتها، فإننا ~~سننبش القبر هذه الليلة، ولكن اطمئن فإننا لا نريد أخذ الميت، وفي صباح غد تحضر الحفار ~~وتأمره أن يصلح الضريح بحيث إذا جاءت المرأة لا تعلم أنه قد نبش. # ثم تركه ومشى بين القبور أمام شوكنج، فكان يتبعه ورجلاه ms2009 تضطربان من الخوف، حتى وصلا ~~إلى ضريح شهيد الغرام، فأعطى العبوس المصباح لشوكنج، وجعل يحفر الضريح حتى انتهى إلى ~~التابوت. # وهنا أخذ العرق ينصب من جبين شوكنج، وسقط المصباح من يده وانطفأ، وجعلت أسنانه تصطك ~~من الخوف، وقال للعبوس بصوت يتهدج: ألعلك يا سيدي تضطرني إلى حمل الجثة. إني أسألك ~~المعذرة فإن ذلك فوق طاقتي. ~~- تبا لك من أبله، أتراني تلميذ طبيب يسرق الجثث لتشريحها، اذهب وانتظرني في ~~الكنيسة فسأقضي هذه المهمة وحدي، بل قف مكانك فقد فرغت من هذه المهمة. # ثم فتح التابوت دون أن ينير المصباح، وأخرج لفافة من الورق كانت موضوعة تحت رأس الميت ~~كما أخبرته أمه، وعاد فأهال التراب كما كان وهو يقول: نم آمنا أيها الحبيب فسأنتقم ~~لك. # وعاد إلى الكنيسة وقال للحارس: أصحا الغلام من رقاده؟ ~~- نعم. ~~- إذن قل لأمه تحضر به، فإني أنتظرهما. # وبعد هنيهة خرج العبوس وشوكنج والغلام وأمه، فأقفل الحارس الباب، وركبوا جميعهم مركبة ~~وسارت تنهب الأرض إلى همبستاد. # 6 # وكان الرجل العبوس قد أخبر الأرلندية بمشروعه، فركبت معه دون أن تسأله سؤالا، وكذلك ~~ولدها فقد كان آمنا مطمئنا مع العبوس. # ولما سمع شوكنج العبوس يأمر السائق بالذهاب إلى همبستاد قال له: ألعلنا عائدين إلى ~~منزل فانوش؟ # فاضطربت الأم ورالف لذكر هذا الاسم، لكنهما لم يخافا. # أما العبوس فإنه قال: كلا، بل نحن ذاهبون إلى منزلي في البرية. ~~- ألك منزل أيضا في البرية؟ ~~- ليس منزلي بل منزلك. # فاختبل شوكنج وقال: أنا لي منازل في البرية؟ ~~- نعم أنت. # ورأى شوكنج أن علائم الجد بادية بين عيني الرجل العبوس ، فقال له: إني رأيتك يا سيدي ~~تخترع العجائب، وكنت أول من آمن بك، غير أني ليس لي منازل بل إن الغرفة التي ~~استأجرتها ستنتهي مدة إيجارها غدا، وربما بت في الخلاء. # فقال له بلهجة المؤنب: ألعلك أنفقت الجنيهات العشرة التي قبضتها من اللورد ~~بالمير؟ # فأطرق برأسه خجلا وقال: إني ما قبضت مثل هذا المبلغ في حياتي، ولما وصل إلى يدي ظننت ~~أنه لا يفنى ms2010 وأسرعت في إنفاقه. ~~- لا بأس فإن الأموات لا يحتاجون إلى مال ومنازل. # فابتسم وقال: لكني حي يا سيدي، أكلمك وتكلمني كما ترى. ~~- أما أنا فسأبرهن لك أنك لست ميتا فقط، بل إنه لم يعد يوجد في الأرض اسم ~~شوكنج. # وضحك شوكنج، وقال: إني شديد الأمانة يا سيدي، لكن ليس إلى هذا الحد. ~~- اصبر وسترى، لكنك قائل في نفسك الآن إني من المجانين. # ولم يجبه شوكنج، لكنه جعل ينظر إليه وعلائم القلق بادية في عينيه. ~~- وإذا طلبت إليك أن تذهب بي إلا بدلام بدلا من أن تتبعني إلى همبستاد، لا تجزع ~~واصبر، وسترى أن كل ما قلته لك حقيقة لا ريب فيها. # واندفع شوكنج مع تيار الهواجس، وقد كانت حادثة المقبرة ضعضعت رشده، فأجهز كلام العبوس ~~عليه. # ومما زاد في اضطرابه أن الأرلندية كانت تسمع كلام الرجل العبوس، فلم يظهر عليها شيء ~~من علائم الدهشة على غرابة تلك الأقوال. # واستمرت المركبة تسير حتى أوقفها العبوس، فنظر شوكنج من بابها وقال: إننا ذاهبون إلى ~~منزل فانوش. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد، انظر أليس هذا منزلها؟ ~~- دون شك، ولكن اخرج الآن من المركبة وسوف ترى. # ثم خرج العبوس والأرلندية وغلامها، وخرج بعدهم شوكنج، وهو يعجب كيف أن العبوس يهزأ به ~~على ما عرف به من الجد؟ # وساروا جميعهم بضع خطوات يتقدمهم العبوس، إلى أن وقف عند منزل مقابل لمنزل فانوش ~~وطرق بابه، فأسرع خادمه وفتح الباب. # وعند ذلك التفت شوكنج إلى الرجل العبوس وقال: إلى أين نحن ذاهبون؟ # لزيارة منزلك في البرية. ~~- ألا تزال تهزأ بي يا سيدي؟ ~~- ومتى رأيتني مزحت أو كذبت؟ # وعند ذلك فتح الباب فدفع العبوس شوكنج وساروا في إثره واجتازوا مماشي الحديقة، ثم ~~دخلوا فسحة متسعة أرضها من المرمر، وفيها كثير من التماثيل، ففتح الخادم بابا فظهرت ~~منه غرفة مفروشة بأجمل الرياش، وفي وسطها مائدة رصفت عليها صحون الطعام وأنواع الشراب، ~~فقال شوكنج في نفسه: لا شك أني حالم، لكنه حلم جميل أرجو أن يطول إلى أن أشرب ما على ~~هذه ms2011 المائدة من الشراب. # فجلس العبوس حول المائدة واقتدوا به، فقال لشوكنج: لا شك أنك جائع، فإننا ما تعشينا ~~بعد. ~~- ولكني من الأموات يا سيدي وكيف يأكل المائتون؟ ~~- إن شوكنج الذي مات ولست أنت. ~~- ألست واحدا أنا وشوكنج؟ ~~- سوف ترى أنك مخطئ، ولكن من كان مثلك من خيرة النبلاء لا يجلس على المائدة بهذه ~~الملابس. ~~- لنفرض أني أمسيت نبيلا، لكني أين أجد غير هذه الثياب؟ ~~- إن خادم غرفتك يذهب بك إلى غرفة التزين، فتلبس ما يروق لك. # فجعل شوكنج يحيل نظره بين العبوس والأرلندية ويقول: خادم غرفتي! غرفة التزين! لا شك ~~أني حالم، لكن هذا الحلم سيذهب بعقلي! # وعند ذلك قرع العبوس جرسا، ففتح باب ودخل منه خادم، فأسرع إلى شوكنج وانحنى أمامه ~~بملء الاحترام، وقال: أتأمرون سعادتكم أن أذهب بكم إلى غرفة الملابس؟ # فلما رأى شوكنج هذا الاحترام، وسمع الخادم يلقبه بألقاب السعادة، دنا من الرجل ~~العبوس وقال له: اقرص يدي بالله، علي أستفيق فقد راعني هذا الحلم. # فدفعه العبوس بيده وقال: اذهب أيها الأبله، وكفاك حماقة. # فأيقن شوكنج بعد هذه الصدمة أنه حقيقة في يقظة، وسار في إثر الخادم وهو يقول في نفسه: ~~إن الرجل الذي يهزأ بالبوليس، وتفتح له أبواب السجون، غير كثير عليه أن يهزأ ~~بي. # وخرج الخادم من تلك الغرفة يتبعه شوكنج، وسار به من فسحة إلى فسحة، ومن قاعة إلى ~~قاعة، وشوكنج ينظر إلى ما حوله من فاخر الرياش نظرات المجانين، حتى دخل به إلى قاعة ~~الحمام وقال: يجدر بسعادتك أن تستحم. # فعاد شوكنج إلى الظن أنه حالم، لكنه وجد الحلم جميلا، فخلع ثيابه الرثة البالية ~~واستحم، فلما فرغ من الاستحمام التمس منه الخادم أن يمشطه ويزينه فأذن له، ثم خرج من ~~الحمام إلى القاعة التي خلع فيها ثيابه، فوجد بدلا من تلك الثياب الرثة قميصا من ~~أنعم الكتان، ورباط رقبة أبيض، وصدرة أزرارها من النحاس الأصفر، وأخذ الخادم يلبسه بملء ~~الاحترام. # ولما فرغ من جميع ذلك نظر في المرآة فأعجب بنفسه، ورأى أنه بات ms2012 يشبه اللوردية، فقال ~~له الخادم: والآن يا صاحب السعادة، أتريد أن أوصلك إلى قاعة الطعام؟ # ونظر عندها شوكنج إلى الخادم نظرة تأنيب وقال له: والآن أيها الوقح ألا تريد ~~الإيضاح؟ ~~- مر يا سيدي ماذا تريد؟ ~~- أولا أريد أن أعلم من أنت؟ ~~- إني خادم غرفة سعادتكم. ~~- أراك تلقبني بألقاب السعادة. ~~- أما أنت اللورد ويلموت؟ ~~- أنا اللورد ويلموت؟! ~~- دون شك يا سيدي. ~~- وأين أنا الآن؟ ~~- في قصرك. ~~- ولكن ألا تعلم أيها الأبله من أنا؟ ~~- كيف لا أعلم يا سيدي، ألم أقل لك إنك اللورد ويلموت؟ ~~- بل إني أدعى شوكنج، وليس لي منازل إلا في الحانات. # وعند ذلك سمع صوتا يقول له عند عتبة الباب: بل أنت اللورد ويلمورت، وهذا القصر قصرك ~~فشوكنج قد مات. # فالتفت منذعرا فرأى الرجل العبوس وقد تردى بتلك الملابس التي كان يلبسها حين كان ~~يدعو نفسه اللورد كورنهيل، فقال له الرجل العبوس: هلم بنا الآن إلى العشاء، وسأخبرك ~~كيف أن شوكنج قد تقمص بجسم اللورد ويلموت. # فمشى شوكنج يريد أن يتبعه، ولكن الخادم استوقفه وقال له: لقد نسيت يا سيدي أن تأخذ ~~نقودا. # فوقع هذا الكلام على شوكنج وقوع المياه الباردة على الرأس وقال: نقود! ومن أين تريد ~~أن آخذها؟ # فأجابه العبوس ضاحكا: إنك تأخذها من خزانتك يا حضرة اللورد. # ثم أراه خزانة جميلة كانت في الغرفة ومفتاحها فيها، وقال له: افتحها وخذ منها ما ~~تشاء. # فامتثل وفتح الخزانة بيد ترتجف، فقال له: افتح الآن هذا الدرج. # ففتحه واصفر وجهه لما رآه من أكداس الذهب، ورجع خطوة إلى الوراء وهو يقول: ما ~~هذه المناظر إني أكاد أجن. ~~- إذا كان ذلك فخذ ما تريده من الذهب، فينتفع به قبل أن تجن. # فمد شوكنج يده إلى المال وهي ترتعش، وأخذ خمسة جنيهات وضعها في جيبه، وإنما اقتصر ~~عليها لأنه ما رأى في حياته مثل هذا القدر من المال، فراعه منظر الذهب حتى إنه لم يستطع ~~اغتنام الفرصة. # أما الرجل العبوس فإنه أخذ بيد شوكنج، وقال وهو يبتسم: إنك جائع دون ms2013 شك. ~~- لا أعلم، وكيف تريد أن أعلم إذا كنت جائعا وأنا لا أدري إلى الآن إذا كنت ميتا ~~أم حيا؟ # فضحك العبوس وسار به إلى المائدة، ولم يكن فيها فسأل شوكنج: أين الأرلندية ~~وولدها؟ ~~- إنهما نائمان. ~~- أهما نائمان في قصري؟ ~~- نعم. # فتمعن هنيهة ثم قال له: إني أخدمك يا سيدي منذ عهد بعيد، ألم أخدمك بإخلاص؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أي ذنب جنيته فعاقبتني عنه بالهزء؟ ~~- لست هازئا بك ولا ريب عندي بإخلاصك، فاجلس أمامي واشرب كأسا من الخمر ~~ولنتحدث. # فصب في كأسه وشرب، وعند ذلك قام الرجل العبوس إلى منضدة صغيرة عليها معدات الكتابة، ~~فأدناها من المائدة. ~~- ما هذا ولماذا أدنيت أدوات الكتابة؟ ~~- لتكتب وصيتك. # فصاح شوكنج صيحة منكرة، وسقطت الكأس من يده وقال: لقد علمت الآن سبب قولك لي إن شوكنج ~~قد مات، فإنك وضعت لي سما في الخمر التي شربتها. # 7 # جرى بين الرجل العبوس وشوكنج حديث طويل، وفي اليوم التالي زارت فانوش شوكنج. فلندع ~~الآن ما جرى بينهم إلى مقام آخر، ولنذهب بتصور القارئ إلى فندق سانت جمس حيث يقيم ~~الماجور واترلي وامرأته مسز إميلي والدا الغلام اللذان أودعاه مسز فانوش. # كانت مسز إميلي قد تزوجت الماجور واترلي بعد موت أبيها، وهو من الأشراف الأغنياء، ~~ولكنها لم ترث منه شيئا؛ لأن مال الأب لا يرثه غير بكر أبنائه في اصطلاح الإنكليز، ~~وكان زوجها فقيرا فلم يكن لهما غير راتبه من الجيش. # وقد وصلا إلى لندرا في انتصاف الليل، فذهبا إلى ذلك الفندق وباتا فيه، وعند الصباح ~~نهضا باكرا وجعلا يتحدثان، قالت له امرأته: أأنت واثق من أننا سنلاقي هذا الولد العزيز ~~بعد الفراق الطويل؟ ~~- دون شك أيتها العزيزة سأجده حيث تركناه. ~~- ولكني أشعر بانقباض في نفسي لا أدري له سببا، وأخشى أن يكون أصيب بمكروه، إننا لم ~~نعلم شيئا عنه منذ عشرة أعوام. ~~- إني أؤكد لك أنه حي. # فغطت رأسها بين يديها، وقالت: أما أنا فلا أجسر على تصديق ما تقول. ~~- ما هذا الجنون أيتها الحبيبة، إني ms2014 أقسم لك بأننا سنجده قويا جميلا معافى. ~~- يظهر أن ثقتك شديدة بهذه المرأة التي عهدنا إليها تربيته. # فارتعش الماجور، وقال: دون شك. ~~- مسكين ولدنا، من يدري كيف يكون مستقبله؟ ~~- إنه لا يكون غنيا، ولكنه يخرج جنديا كأبيه. ~~- ما هذا الظلم الفادح في شرائعنا، إن أبي مات عن كثير من الملايين ورثها أخي البكر. ~~أيكون لأخي مثل تلك الثروة، ويعيش ولدي فقيرا منكودا؟ # فسالت دمعة من عين هذا الوالد الحنون، وقال: ليست السعادة بالغنى أيتها الحبيبة، ~~والآن إني ذاهب إلى منزل تلك المرأة، وسأعود إليك قريبا بولدنا الحبيب. ~~- كيف ذلك؟ ألا أذهب معك؟ ~~- كلا، إن السفر قد أتعبك، ثم إن الفرح قد يؤذيك، فابقي هنا وسأعود بعد ساعة. ثم ~~تركها وركب مركبة وذهب إلى منزل فانوش في لندرا، حتى إذا وصل إليه دق الباب بيد تضطرب، ~~ففتحت له الخادمة وقالت: ماذا تريد؟ ~~- أريد مسز فانوش. ~~- إن منزلها هنا يا سيدي، ولكنها ليست في منزلها، ألست الماجور واترلي؟ ~~- نعم، أين ذهبت. ~~- إنها في منزلها في همبستاد، وقد أرسلتني إلى هنا كي أنتظرك وأذهب بك إليها، فإنها ~~مع ولدك في البرية. # فصاح الماجور صيحة فرح وقال: أهو بخير؟ ~~- إنه على خير وعافية، فهلم بنا يا سيدي، إني أرى دلائل الجزع بادية عليك. # وسار الاثنان إلى همبستاد، وكانت فانوش تنتظر الماجور في غرفتها، فكان أول سؤال له: ~~أين ولدي؟ # فابتسمت فانوش وقالت: إني أعلم نفاد صبرك وشوقك إلى لقائه، غير أني أرجوك أن تصغي ~~إلي، إن ابنك بخير وعافية، وهو على مسافة خطوتين من هذا المنزل، وسأذهب بك إليه في ~~الحال . # فسكن جأش الماجور، وعادت فانوش إلى الحديث فقالت: إني عهدت بتربية غلامك إلى امرأة ~~أرلندية فربته خير تربية، وصار يدعوها بأمه، فلما ورد كتابك كتبت إليها أن تحضر ~~به. ~~- ولكن لماذا لم تجئ به إلى هنا؟ ~~- تفضل يا سيدي وانظر من هذه النافذة، ألا ترى سور حديقة، وأنه يوجد وراء هذا ~~السور قصر للورد أرلندي واسع الثروة، وقد أحب هذا اللورد ولدك حبا ms2015 شديدا، وهو يدعى ~~اللورد ويلموت، فأحب أن يتبناه إذ ليس له أهل ولا بنون، وإنما قلت لك تلك الأقوال كي ~~تعلم السبب لوجوده الآن في قصر اللورد، والآن هلم بنا إذا شئت أن تتبعني. ~~- أأرى ولدي هناك؟ ~~- دون شك. # وذهب الاثنان إلى القصر، فلما دخلا الحديقة كان رالف يلعب فيها، فنظر إلى الماجور ~~نظرة انذهال، وقالت فانوش له: هو ذا ولدك. فأسرع إليه فحمله بين يديه، وصار يضمه إلى ~~صدره ويقبله. # وفيما هو على ذلك أقبل خادم وقال له: إن مولاي اللورد ويلموت يعد نفسه سعيدا ~~باستقبال الماجور واترلي في غرفته، فإنه مصاب بداء النقرس ولا يستطيع الخروج ~~لاستقبالك. # فحمل الماجور رالف، وهو يعتقد أنه ولده وذهب إلى ويلموت، أي إلى صاحبنا شوكنج. # 8 # وكانت هذه الرواية قد مثلت مرارا أمام مؤلفها الرجل العبوس، حتى أتقنوا تمثيلها ~~كل الإتقان. # فلما دخل الماجور رأى امرأة تذرف الدموع الغزيرة، وهي الأرلندية، فدنت منه قائلة: ~~أتوسل إليك يا سيدي أن لا تفرقني عن ولدي، فقد ربيته وغذيته بلبني حتى بت ~~أحبه. # فتأثر لكلامها ووعدها بما طلبت، ثم سار وراء الخادم إلى غرفة اللورد ويلموت، فوجد ~~شيخا هرما نائما في سريره، وبالقرب منه شخص لابس ملابس سوداء. # وكان هذا الشيخ اللورد ويلموت، أي شوكنج، والرجل الواقف بالقرب منه العبوس، فحياهما ~~الماجور، وجلس قرب السرير ومعه رالف. # ولما خرج الخادم قال ويلموت للماجور مشيرا إلى الرجل العبوس: إنه يا سيدي طبيبي ~~الخاص. # فانحنى أمام الطبيب وعاد ويلموت إلى الحديث فقال: إن لهذا الغلام يا سيدي فضلا ~~عظيما علي، فقد كان عزائي الوحيد في متاعبي وأوجاعي، وقد كان يأتي إلي كل يوم، ~~فأذكر حين أراه ولدا وحيدا فقدته لما بينهما من الشبه الغريب. ~~- أفقدت ولدك وهو في هذا العمر؟ # فظهرت على اللورد علائم التأثر وقال: نعم، إنه يشبهه في كل شيء، واعلم يا سيدي أني ~~أحببت ولدك كما كنت أحب ولدي، وأنا الآن مصاب بداء عضال، فأذن لي أن أضمن مستقبل هذا ~~الغلام الحبيب. # ثم أشار ms2016 إشارة إلى الطبيب، فجاءه بمحفظة، فأخذها اللورد وقال يخاطب الماجور: إنني لا ~~أقرباء لي وليس لي من يرثني، فأحببت أن أجعل ابنك وريثي، وكتبت وصيتي بهذا الشأن بحيث ~~لم يبق إلا أن توقع أنت عليها؛ كي يصح أني تبنيته، وإني جعلته وريثي، ولكني ~~أشترط مقابل ذلك شرطا واحدا. ~~- قل يا سيدي اللورد. ~~- إن ولدك سيكون بفضل الثروة التي سأمنحه إياها من كبار الناس، ولذلك يجب أن يتعلم ~~خير تعليم، وشرطي الذي أقترحه عليك هو أن يتعلم في مدرسة أبناء المسيح، وإن إدخاله سهل ~~عليك لأنك من ضباط الجيش البري، وأبناء الضباط يؤثرون على سواهم في دخول هذه ~~المدرسة. ~~- هو ما تقول يا سيدي، فإن قضاء هذه المهمة سهل ميسور علي. ~~- وإني أزيد على شرطي اقتراحا آخر، وهو أني أحب تنفيذ الشرط في الحال؛ إذ قد أموت ~~قريبا لاستفحال دائي، ولا تستغرب هذا الطلب مني يا سيدي، فإن ولدي الفقيد كان من ~~تلامذة هذه المدرسة. ~~- إني أقبل يا سيدي جميع شروطك راضيا مسرورا، فإنني لا أرى أحسن من هذه ~~المدرسة. # فأخذ اللورد عند ذلك عقد التبني وعرضه على الماجور، وفي هذا العقد بيان ثروة اللورد، ~~وهي أموال يبلغ ريعها ثلاثين ألف جنيه في العام، وأراض كثيرة في أرلندا. # فلما رأى الماجور هذه الثروة العظيمة التي ستكون لولده، ورأى أنه هو الذي سيتولى ~~إدارتها، أخذ القلم ووقع على العقد في الحال. # وعند ذلك تنهد الرجل العبوس تنهد الفرج؛ لأن هذا الضابط بات مقيدا بعد ~~توقيعه، متعهدا بإدخال رالف الذي يعتقد أنه ولده إلى مدرسة أبناء المسيح. # أما الماجور فإنه قال للورد ويلموت: إن امرأتي تنتظر عودتي إلى الفندق بفارغ الصبر؛ ~~لأنها لا تعلم إذا كان ابنها بين الأحياء أو الأموات، أتأذن لي يا سيدي أن أذهب إلى ~~لندرا وأعود بها كي تشاركني في التوقيع على العقد؟ ~~- دون شك فاذهب يا سيدي بأمن الله. ~~••• # وبعد أن ذهب الماجور قال الطبيب - أي الرجل العبوس - للمرحوم شوكنج: إني راض عنك يا ~~شوكنج، فقد أحسنت تمثيل ms2017 دورك. ~~- إني فهمت كل ما حدث يا سيدي ما خلا أمرا واحدا. ~~- ما هو! ~~- هو أن رالف بات ابن الماجور واترلي. ~~- ذلك يكون إلى أن أظهر للماجور بالبراهين الناصعة أن رالف هو ابن السير أدمون ~~بالمير، لكن هذا اليوم لا يزال بعيدا، وما زال الغلام في هذه المدرسة نكون آمنين عليه ~~إلى أن يبلغ رشده، ويتولى زعامة الأرلنديين. ~~- لقد سلمت في ذلك، لكن هذه الثروة الطائلة لمن تكون؟ ~~- للغلام. ~~- أهي حقيقة؟ ~~- دون شك. ~~- والأرض؟ ~~- إنها بعض ما خصص للمهمة التي نسعى إلى قضائها. ~~- ووالدة الغلام ماذا نصنع بها؟ ~~- سندخلها بصفة خادمة للغلام. # فنظر شوكنج إلى العبوس نظرة إعجاب، وكف عن السؤال. # 9 # ولنعد الآن إلى مس ألن عقدة هذه الرواية، وعدوة الرجل العبوس اللدودة، فإنها ~~كانت جالسة مع أبيها اللورد بالمير في غرفة أشغاله، يتحدثان عن مقالة كتبتها صحيفة ~~التيمس عن فرار الغلام الأرلندي من سجن الطاحون بمساعي أحد زعماء الأرلنديين يلقب ~~بالرجل العبوس، وأن البوليس أعياه التفتيش عن الغلام وعن العبوس الذي قتل أحد حراس ~~السجن، ونوم الآخرين نوم تخدير، حتى إنها وضعت جائزة لمن يقبض عليه. # وكان أبوها يقرأ هذه المقالة، فلما أتم تلاوتها قالت له: لقد أخطأت التيمس يا أبي، ~~فإن الرجل العبوس ليس من عامة الأرلنديين كما ذكرت، بل هو زعيمهم الأكبر، وهو نفس الشخص ~~الذي قيدك في منزل تلك المرأة التي ذهبت إليها لإحضار رالف، وهو نفس الشخص الذي تجاسر ~~على الدخول إلى غرفتي عند انتصاف الليل، وقد صدقت التيمس بقولها إنه سارق الغلام من ~~السجن، وهو الذي أخفاه عن العيون. ~~- ولكن أين خبأه ؟ ~~- إني أعلم ما لم يعلمه البوليس من أمره، فإنه نكر الغلام باسم غريب، وأدخله مدرسة ~~أبناء المسيح، فبات البوليس عاجزا عنه كما تعلم. # فاحتدم اللورد غيظا وقال: لكن كيف عرفت جميع هذا؟ ~~- اصغ إلي يا أبي، إني لست سوى امرأة، ولكني أقسمت يمينا محرجة أن أحبط مشروع ~~الأرلندي وأسحق واضعه. ~~- إني لا أفهم ما تقولين. ~~- إن الأرلنديين متى فقدوا زعيمهم تفرقوا، ms2018 وتشتت شملهم، وما زعيمهم غير هذا الذي ~~يلقبونه بالرجل العبوس، ويحسبونه من عوام الناس. ~~- أتريدين مخاصمة هذا الشخص الشديد؟ ~~- نعم، وإني واثقة من الفوز عليه، لكن بشرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن لا تسألني عن خطتي، وتفعل ما أقول لك دون اعتراض. # فاضطرب اللورد وقال: أحب يا ابنتي أن أرضيك في كل شيء، لكني أراك مقتحمة أخطارا قد ~~تسوء عاقبتها. # فابتسمت الفتاة وقالت: لا أنكر يا أبي أني من النساء، لكن بين جنبي قلبا يحب ~~الانتقام، وأنا أكره هذا الشخص السري كرها عجيبا، يسدد عزائمي وينيلني مأربي من ~~إسقاطه؛ لذلك يجب أن تطيعني دون أن تسألني عن شيء. # فأطرق اللورد برأسه إلى الأرض وقال: سأفعل يا ابنتي كل ما تريدين. # وعلى ذلك فقد اتفق الاثنان على كره الرجل العبوس والانتقام منه. # وكان كره اللورد له أنه انتزع منه الغلام وحرمه من تلك الثروة الطائلة التي كان ~~يطمع فيها، وهي تكرهه لأنه امتهنها ودخل إلى غرفتها في منتصف الليل ووقف على سرها، فإنه ~~كان أخبرها بالرسائل التي عثر عليها بالضريح، فإنه لقيها في اليوم التالي، وقال لها إني ~~أعرف مكان تلك الرسائل التي كتبتها إلى ديك المنكود الذي مات شهيد غرامك، فأصبحت منذ ~~ذلك الحين تخضع له صاغرة، وتضمر له في نفسها حقدا لا يطفئ حره إلا القتل. # وكان الرجل العبوس قد وعدها حين لقيها آخر مرة أن يزورها في اليوم التالي عند انتصاف ~~الليل، فمضى الزمن المضروب دون أن يحضر، ولكنها لقيت على المستوقد رسالة لم تعلم كيف ~~أتت، ففضتها بيد ترتجف وقرأت ما يأتي: # مس ألن # سأغيب بضعة أيام، فلا أستطيع أن آتي في الموعد المعين، لكن اطمئني، فإني شديد ~~الحرص على الرسائل فلا تنالها إلا يدي. # عدوك اللدود # فجعلت مس ألن منذ ذلك اليوم تنتظر الرجل العبوس كل ليلة، ولكنه لم يحضر فزاد حقدها ~~وعولت على قتله شر قتل؛ لأنه بات مطلعا على أسرارها الفاضحة، ورأت أن أباها غير كفؤ ~~لإعانتها، فعزمت على أن تستعين على عدوها برئيس ms2019 الأساقفة الإنجليكان، لما بين ~~الإنجليكان والكاثوليك من العداء الديني الذي لا يقارنه عداء. # ولما استقرت على هذا الرأي ركبت مركبة وذهبت إلى منزل الأسقف، لكنها قبل أن تبلغ إليه ~~ذهبت إلى منزل امرأة فقيرة، كانت تستخدمها في أغراضها، فأوقفت مركبتها في الشارع ودخلت ~~ماشية في الزقاق المؤدي إلى منزلها، فعلمت من تلك المرأة أن زوجها في السجن لدين عليه، ~~فدفعت لها قيمة الدين، وأمرتها أن ترسله إليها بعد خروجه من السجن. # وكانت هذه المرأة مريضة، فعلمت منها أن الأب صموئيل يعودها في مرضها، وينعم عليها بما ~~يقيها شر الجوع، فسرت مس ألن بهذا الاتفاق؛ إذ باتت واقفة على أثر هذا الكاهن، وذهبت من ~~عندها بعدما حذرتها بوجوب كتمان أمرها عن الكاهن. # 10 # كان الزقاق الذي تسكن فيه هذه المرأة قذرا، كثرت فيه الحانات والسكارى، فبينما كانت ~~مس ألن سائرة فيه إلى الشارع حيث تنتظرها المركبة رأت رجلين يتعقبانها، فخافت وأسرعت في ~~سيرها، لكن أحد الرجلين أدركها فتأبط ذراعها، ثم خاصرها، وقال: إلى أين أنت ذاهبة أيتها ~~الحسناء؟ # فأفلتت منه وهربت، غير أنه جعل يركض في إثرها وقد انضم إليه رفيقه، فقبض عليها مرة ~~ثانية وقال لها: لقد عرفتك، فإنك خليلة فارلن عدوي اللدود، إني ضربته أمس ضربة كسرت ~~أسنانه، وسأسلبه اليوم خليلته. # وحاولت مس ألن أن تفلت منه فلم تستطع، فقالت له: دعني لست بخليلة هذا الرجل، وما سمعت ~~اسمه قبل الآن. ~~- بل أنت كاذبة، فقد عرفتك وليس خليلك هنا الآن فيحميك. # فتملصت مس ألن وجعلت تركض، ولكن السكير أدركها، وفيما هو ضاغط على خصرها أخرجت خنجرا ~~صغيرا من جيبها وطعنته به طعنة نجلاء في صدره فأفلتها الرجل، وسقط يخبط بدمه، وأسرعت ~~الفتاة بالعدو حتى كادت تبلغ موقف المركبة. # لكن السكارى خرجوا من تلك الحانات لما سمعوه من صياح الرجل، وانطلقوا كلهم في إثر ~~الفتاة، فلم تمض هنيهة حتى طوقوها، وباتت محصورة بينهم، وكان بعضهم يمتهنها ويقول ~~إنها من أهل الحي، وبعضهم يقول هي غريبة سارقة، وآخرون يقولون بل هي ms2020 قاتلة سفاكة، ~~هلموا إلى القبض عليها وجرها إلى مركز البوليس. # أما مس ألن فكانت تقاوم ما أمكنها المقاومة وتحاول الفرار، وفيما هي تناضل عن نفسها ~~سقط البرقع الكثيف التي كانت مقنعة به، فانكشف وجهها وظهر جمالها للعيون، وكان خير شفيع ~~لدى أولئك السكارى، حتى إن أحدهم التمس لها عذرا وقال: حرام أن تموت هذه المليحة ~~شنقا. # فرد آخر: إن الشنق لا مفر منه إذا كان الجريح بات قتيلا. # أما مس ألن فإنها خافت في البدء خوفا شديدا، ثم عادت إليها سكينتها، فأجالت نظرا ~~تائها بين أولئك المتجمهرين وقالت لهم بلهجة السيادة: لقد رأيتم وجهي، فهل يوجد من ~~يعرفني؟ # فقال أحد الحاضرين: إني في هذا الحي منذ ثلاثين عاما، فلم أرها في خلالها مرة ~~واحدة. # وعادت مس ألن إلى الحديث فقالت: إن هذا الرجل السكير تعرض لي بالسوء، وطاردني إلى ~~أن قبض علي وأراد بي شرا فطعنته دفاعا عن نفسي، ومن منكم لا يدافع عن نفسه في ~~مواقف الخطر؟ # فقال بعض الحاضرين: إنها مصيبة فيما تقول ولا لوم عليها. # وقال آخرون: بل يجب أن تسلم للشرع، وهو يحكم بأمرها. # وقالت صاحبة الخمارة: لا تغتروا بجمالها ونعومة يديها، فإنها من السارقات. # فتحمست مس ألن لهذه التهمة وقالت لها: لقد كذبت أيتها المرأة، ولو عرفتم من أنا ~~لأطرقتم الرءوس إجلالا. # فقهقه بعض الحضور وقال: لنذهب بها إلى البوليس، فهو أعلم منا باحترام ~~الأشراف. # وهنا اختلف المتجمهرون؛ فكان بعضهم معها وبعضهم عليها، غير أن الأكثرية كانوا يريدون ~~الذهاب بها إلى مركز البوليس. # وقد اشتد نضالهم حتى كادوا يتخاصمون، وكاد الفريق القاضي عليها يفوز بها ، وفيما هم ~~على ذلك دخل رجل بينهم لم يعلم أحد من أين أتى، ولكنه انقض عليهم انقضاض الصاعقة، فجعل ~~يبدد شملهم يمنة ويسرة، ويدفع مس ألن إلى موقف المركبة، وكان كلما دفع رجلا من أولئك ~~السكارى سقط على الأرض من قوة الصدمة. # وما زال يفرق عنها الناس وأنصارها منهم يساعدونه، حتى بلغ بها المركبة ففتح بابها ~~وأدخلها إليها، ثم صعد ms2021 في إثرها وأقفل الباب، وأمر السائق أن يسير إلى شارع أدم ~~ستريت. # وعند ذاك تفرست مس ألن في ذلك الرجل الذي حماها وأنقذها من الافتضاح، فلما رأته ~~صاحت صيحة دهش غريبة قابلها بالابتسام، فإنه كان عدوها الرجل العبوس. # 11 # ثم تنهدت جزعا ونظرت إلى هذا العدو الشديد نظرة الرجل الخائف، فابتسم الرجل العبوس ~~وقال لها: اعترفي يا سيدتي أني أتيت حين الحاجة إلي فأنقذتك. # وزاد اضطراب الفتاة وقالت: أنت! ~~- نعم أنا كما ترين. ~~- ولكن من أنت؟ وكيف أجدك في كل سبيل؟ ~~- إن ذلك من عوامل الصدفة والاتفاق يا سيدتي. ~~- لكني لا أرى للصدفة دخلا في شئونك. ~~- بل أقسم لك أني وجدت الليلة اتفاقا في هذا الشارع، فقدر لي أن أنقذك مما ~~كنت فيه من الأخطار، وإني لا أعلم يا سيدتي كيف أتيت إلى هذا الشارع، ولعلك جئت إليه ~~للبحث عن والدة ديك. # فاضطربت الفتاة لذكر اسم الفتى الذي قتلته حبا وقالت له: اسكت. ~~- إذن أسألك المعذرة يا سيدتي عن جلوسي معك في هذه المركبة، فإني ما فعلت ذلك إلا ~~لأني أحب أن أحادثك في بعض الشئون. ~~- قل ما تريد فإني مصغية إليك، وفي هذا المقام لا يسعني إلا شكرك عن إنقاذي هذه ~~الليلة، فإنهم لو ساروا بي إلى مركز البوليس لاضطررت إلى إظهار اسمي. # وقد قالت هذا القول بصوت أجش، دل على أنها مكرهة بعامل الأدب على شكره، لكن ~~عينيها كانتا تدلان على ما يضمره قلبها من الحقد والشر. # ولم يكثرت العبوس لظواهر حقدها، وقال لها: أبدأ يا سيدتي بالاعتذار عن إخلالي بالموعد ~~الذي عينته لك، ثم أخبرك أين توجد الرسائل التي كتبتها إلى ديك. # فاصفر وجه الفتاة، وخافت خوفا شديدا، حتى إنها أسفت لنجاتها من السكارى. # أما الرجل العبوس فإنه مضى في حديثه فقال: إن جواد مركبتك يا سيدتي سريع الجري، فقد ~~وصلنا إلى جسر وستمنستر دون أن نتكلم شيئا، وأخشى أن نبلغ منزلك قبل أن يفرغ ~~الحديث. # فأوقفت المركبة وقالت للسائق: لا تذهب بي توا إلى المنزل، بل ms2022 سر بطريق الدير، ~~وعرج على ندوة البرلمان، وسر من هذا الطريق حتى تصل إلى شارع ترافلفار، ثم نظرت ~~إلى الرجل العبوس وقالت له: تكلم يا سيدي، فإني مصغية إليك. # فقال لها الرجل العبوس: إن ظواهر أعمالي يا سيدتي تدل على أني لست من أهل المدنية، ~~لكني في الحقيقة على غير ذلك، ولا أنكر أني أخللت بما وعدتك به من زيارتك عند منتصف ~~الليل، لكني كنت كثير المشاغل، فإنك تعلمين أنهم زجوا ابن أرلندا، أي ابن عمك ~~العزيز، في سجن الطاحون، ثم علمت ما كان من إنقاذه وكفى بذلك شاغلا يمهد الاعتذار، ~~لكنك تعلمين أيضا أن قيامة الحكومة قد قامت علي، وعينت جائزة لمن يقبض على الرجل ~~العبوس ميتا أو حيا، فإذا كان الغلام أمن المخاطر ونجا من السجن، فإني في أشد مواقف ~~الأخطار. # فقالت له بلهجة المتهكم: ألعلك تريد يا سيدي أن أحميك وأخفيك عن الرقباء؟ ~~- بل إني أريد منك فوق ما تظنين، وأتوقع منك أشد من الخطر الذي أنا فيه. ~~- كيف ذلك؟ # فقال لها: إني ذلك الرجل الذي أنقذت الغلام من السجن، وأنا هو ذاك الرجل المتهم بقتل ~~الحارس، وقد أخذ البوليس يبحث عني، فإذا عثروا علي حوكمت وشنقت، وأنت تكرهينني ~~أليس كذلك؟ ~~- لا أنكر أني أكرهك، وإن تكن قد أنقذتني منذ هنيهة. ~~- ومع ذلك فإني صحبتك في مركبتك على معرفتي أنك عالمة بأمري، ونحن الآن في شارع ~~البرلمان على قيد خطوتين من مركز البوليس، انظري تجدي البوليس واقفا على الرصيف، فإذا ~~فتحت نافذة المركبة وأشرت إليه يسرع ويقبض علي، فلا يكون مصيري عندها إلا الشنق، أهذا ~~جل ما ترغبين ؟ # فخفق فؤاد الفتاة خفوقا شديدا وردت: هذا أكيد. ~~- ولكنك ترين أني لم أضطرب لهذا الخطر، ولا أزال جالسا بقربك غير خائف منك، فإني ~~مسلح. ~~- وماذا يفيدك السلاح مع رجال البوليس؟ ~~- ولكنه يفيدني معك يا مس ألن، فليس سلاحي المسدس والخنجر، بل هو ذاك السر الذي ~~تعلمينه. # فارتعشت مس ألن ولم تجب، ومضى في حديثه وقال: لقد قلت لك يا ms2023 سيدتي إني أنتظر منك ~~أكثر ما تظنين. ~~- أحقيقة ما تقول وما عساك تريد مني؟ ~~- أريد أن تكوني حليفتي فيما أنا شارع به من المهام. # فضحكت ضحك الهازئ وردت: لا شك أنك مجنون. # فقال لها ببرود: اصغي إلي يا سيدتي، إن أباك قد خان أرلندا. ~~- إن أبي لم يخنها، فهو من الإنكليز. ~~- ليكن ما تقولين، فإني لا أحب مجادلتك بالألفاظ، والذي أريده منك أن تشتركي معي في ~~خدمة أرلندا. ~~- إن هذا لا يكون، وإن فعلته فلا أفعله إلا مكرهة مضطرة. ~~- من يعلم فقد تضطرين. # ثم نظر إليها تلك النظرة التي طالما فعلت في نفسها فعل الكهربائية، وأطرقت بنظرها ~~كي يزول تأثير نظراته، ثم رفعت رأسها وقالت: إني أراك معتمدا على تلك الرسائل التي ~~ألقتها إليك يد الاتفاق أو الجناية أو الإثم، أليست هذه الرسائل عندك؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- من أين أخذتها؟ ~~- من ضريح ديك هاريسون. # وتنهدت مس ألن وقالت في نفسها: لا شك أني بلهاء؛ إذ كان يجب أن يخطر لي هذا ~~الخاطر. # وقد سكتت ولم تجب، وقال هذا الرجل العبوس: لقد أخطأت يا مس ألن، فإني غير معتمد ~~على هذه الرسائل، ولكنني أبقيها عندي سلاحا أدافع به في آخر ساعة. ~~- على أي شيء تعتمد في حملي على الاشتراك في خدمة أرلندا؟ ~~- إن قلبك قد بلغ من كرهي إلى أبعد الغايات، ولكن لا بد لي من الاستيلاء على هذا ~~القلب، ولا تعقد هذه المحالفة بيننا غير يد الغرام. # ثم فتح باب المركبة وهو يقول إلى اللقاء يا سيدتي. لا تخشي أمرا؛ لأن رسائلك في مكان ~~أمين. # ووثب من المركبة مسرعا، وجعل يعدو مبتعدا عنها، وهي تنظر إليه باهتة معجبة حتى ~~توارى عن الأنظار. # 12 # ثم ثابت إلى رشدها فكاد قلبها يتفطر من الغيظ وقالت: إن هذا الرجل قد غلبني، ولكن لا ~~بد لي أن أسحقه كما الأفعى. # وكانت العواصف تثور في نفسها وتقول: من هذا الرجل الذي وقف على سري، وكيف عرف كل ~~حقيقة من دقائق حياتي، وأنا لا أعلم شيئا ms2024 من أمره، وإني أراه تارة من النبلاء، وتارة ~~من العوام، فبينما هو يتنزه في هايد بارك ممتطيا أكرم جواد، إذ هو في وينغ في أقذر ~~الحانات؟ # وما هذه النظرات السحرية التي امتاز بها على أقرانه من الرجال؟ وما هذه القحة التي ~~يبدو بها، فقد كلمني كمن له سلطان علي، وأنذرني واتهم أبي بالخيانة؟ # ولما وصلت إلى هذا التصور شعرت أن كبرياءها قد انسحقت، فهاجت منها عوامل الانتقام ~~وقالت: إن هذا لا يطاق، ولا بد من عقاب هذا الرجل، وليس له غير رئيس الأساقفة، فلا يفل ~~الحديد إلا الحديد. # ثم أوقفت السائق وقالت: سر بي في الحال إلى لونتج هيل. # فامتثل السائق وسار جواده ينهب الأرض. # وكانت مس ألن تحدث نفسها خلال سير المركبة فتقول: لا جرم أن الكره الديني أشد من ~~الكره السياسي، وهذا الأسقف سألجأ إليه فيعينني في انتقامي أكثر من مائة وزير. # وبعد ربع ساعة وصلت المركبة إلى منزل الأسقف، فخرجت مس ألن منها ودخلت إلى ذلك ~~المنزل، فأقامت في قاعة الاستقبال وانتظرت فيها قدوم الأسقف. # ثم جاء الأسقف وهو بملابس السواد الدالة على أنه من أساقفة الإنجليكان، فلما دخل ~~الغرفة ورأى مس ألن دهش بجمالها، ورجع خطوة إلى الوراء كأنما خشي تجربة الشيطان. # أما مس ألن فإنها ابتسمت، وقالت له: ألست يا سيدي بحضرة الأسقف السير بترس ~~توين؟ # فنظر إليها مقطبا وقال: نعم أنا هو. ~~- ليطمئن بالك يا سيدي، فلست طالبة إحسان، وما أنا من عامة الناس. ~~- من أنت يا سيدتي؟ ~~- أرى أنك لم تعرفني. ~~- هو ما تقولين، ولكن يخال لي أني رأيتك. ~~- وأنا قد رأيتك مرتين عند أبي . # فدهش الأسقف وقال: عند أبيك يا سيدتي؟ ~~- نعم، وقد حضرت مجلسكما فكنتما تتحدثان بأمور خطيرة. # فحدق بها وقال: إنني ذكرت الآن إني رأيتك، ولكني أرى أنك قد تغيرت. ~~- لم يتغير بي شيء غير ملابسي، على أني لا أريد أن أتعب ذاكرتك، إني أدعى مس ألن ~~ابنة اللورد بالمير. # فكان لذكر اسمها تأثير شديد على الأسقف، فإنه وقف وانحنى ms2025 أمامها باحترام، ثم قال: ~~أسألك المعذرة، يا سيدتي، فقد عرفتك الآن حق العرفان. ~~- إذن اعلم يا سيدي الأسقف أني ما أتيت إليك في الساعة العاشرة إلا لأمر ~~خطير. # فانحنى الأسقف أيضا، وقال: إني مصغ إليك. ~~- إني قادمة من أجل أرلندا. # فاتقدت عينا الأسقف لذكر أرلندا، وظهرت منهما علائم الحقد، فسرت مس ألن لهذه ~~العلائم وقالت له: إن ابنة اللورد بالمير يا سيدي مطلعة على دقائق السياسة كما لا ~~يخفاك. ~~- لا ريب عندي في ذلك يا سيدتي، فقد ذكرت حضورك حين كنت أحادث أباك بهذه الشئون ~~واشتراكك معنا بالآراء. ~~- ذلك لأن أبي ليس له كاتم أسرار سواي، فأنا أفتح رسائله، وأنا أكاتب باسمه كبار ~~الناس، ولأبي نفوذ كبير في المجلس الأعلى كما تعلم. ~~- ذلك أمر مشهور، فإنه أشد اللوردية نفوذا. ~~- ثم إنه ألد عدو لأرلندا ولأولئك الأشقياء الأرلنديين الذين تفاقم شرهم في هذه ~~الأيام، وجعلوا يحاربون إنكلترا بالسر. # فاتقدت عينا الأسقف ببارق الحقد. # وأتمت مس ألن حديثها وقالت: غير أن أعداءهم أشد من أعداء أبي وأحزابه. # فقطب الأسقف جبينه وقال: من هم هؤلاء الأعداء يا سيدتي؟ ~~- أنت ورجالك. ~~- أتظنين؟ ~~- أؤكد؛ لأن العداء السياسي قد يزول بزوال السبب، خلافا للعداء الديني فإن ناره لا ~~تخمد. وإن الكاهن الإنجليكاني يكره الكاثوليكي، وما مقر أولئك الكاثوليك في بلادنا غير ~~أرلندا. ~~- هو ما تقولين. ~~- ولأجل هذا أتيتك؛ لأني أذكر أنك عرضت على أبي أن تساعده بذلك الجيش السري الذي ~~تتولى أنت قيادته، أليس كذلك؟ # فنظر السير بترس توين إلى الفتاة دون أن يجيبها، فرآها تبتسم ابتسامة ممزوجة بالثقة ~~والهزء كما يبتسم أهل السياسة. # وعادت إلى الحديث فقالت : إن للمذهب الإنجليكاني جمعيات دينية لها أغراض سياسية، ~~ولديها جمعيات سرية لها نفوذ عظيم على أساقفة المذهب، حتى على أسقف كونتوربوري نفسه. ~~وأنا أعلم يا سيدي أنك الزعيم الأكبر لأعظم هذه الجمعيات السرية، التي عزمت عزما ~~أكيدا على إبادة الأرلنديين. ~~- هو ما تقولين. ~~- ولأجل هذا أتيتك؛ لأن أبي أخطأ برفض ما عرضته عليه من المساعدة، غير أني لا ms2026 أرتكب ~~ما ارتكبه من الخطأ. ~~- ألعل أباك اللورد أدرك هذا الخطأ. ~~- كلا لست آتية من قبل أبي. ~~- إذن من قبل من؟ # فأجابته ببرود: إني آتية من نفسي. # فنظر الأسقف عند ذلك إليها معجبا، ثم ارتعش حين التقى نظره بنظرها، ورأى ذلك الشعاع ~~الذي ينبعث من عينيها، فيدل على توقد الذكاء وثبات الإرادة، فوثق لفوره بهذه الفتاة ~~التي زادتها الطبيعة قوة بما وهبتها من سلاح الجمال، وقال لها: تكلمي يا سيدتي، إني ~~مصغ إليك وفي إصغائي دلالة على رضاي بمحالفتك. ~~- إذن اعلم يا سيدي، ولا أزيدك علما أنك ورجالك قد ضربتم أرلندا ضربات رهيبة، ولكنكم ~~لم تفوزوا إلى الآن؛ لأن توماس الجن ذاك المرابي الخاضع لكم كل الخضوع، قد أحبطت ~~مساعيه، فإنه ما لبث أن سجن الكاهن صموئيل، حتى خرج الكاهن من سجنه وعاد إلى زعامة ~~قومه. ~~- أتعرفين هذا؟ ~~- بل أعرف أيضا أن أعداءكم الأرلنديين كانوا ينتظرون أربعة زعماء اتفقوا على ~~الاجتماع في صباح الأحد في كنيسة سانت جيل، مع ذلك الكاهن الذي ذكرته لك. ~~- هذا أكيد. ~~- إن الكاهن خرج من السجن، ولكن الزعماء الأربعة تاهوا في شوارع لندرا، ولم يتمكنوا ~~من الاجتماع في الكنيسة لسجن الكاهن في اليوم المعين، وهم لا يعرف بعضهم بعضا. ~~- هذا أكيد أيضا. ~~- وإن توماس الجن كاد يموت قتيلا، وخرج الكاهن من السجن، واجتمع الزعماء الأربعة بعد ~~تفريقهم. ألا ترى يا سيدي، إني واقفة على دقائق هذه الحوادث؟ ~~- هو ما تقولين، ولكني معجب كيف وقفت على هذه الأسرار؟ ~~- وسيكون عجبك أشد حين تعلم أني أعرف منها فوق ما تعرف، أتذكر يا سيدي كيف أنهم خطفوا ~~ابن أرلندا من السجن؟ ~~- نعم، وقد كان خطفه رجل من عمال الأرلنديين، ويلقب بالرجل العبوس. ~~- وهذا الذي تجهله يا سيدي؛ لأن هذا الرجل ليس من عمالهم، بل هو زعيمهم الأكبر، ~~أرأيت أني علمت ما لم تعلمه وأنت رئيس الجمعية السرية الكبرى، وما لم يعلمه أبي وهو ~~أعظم رجل في البرلمان؟ # فحاول السير بترس توين أن يجيبها، ولكنها أوقفته بإشارة وقالت: إن ms2027 الرجل الذي عرفت ~~أنه زعيم الأرلنديين الأكبر، والذي عجز عنه بوليس لندرا، قد عرفته أنا ورأيته. # فاضطرب الأسقف وقال: أنت رأيته! وأين كان ذلك؟ ~~- إني رأيته مرات كثيرة في منزلي وفي الخارج. ~~- متى؟ ~~- لقد جاء إلى منزلي منذ ثلاثة أسابيع، ورأيته أيضا منذ أسبوع، ومنذ ساعة. ~~- منذ ساعة؟ ~~- نعم، وقد كان جالسا أمامي في المركبة، يكلمني دون كلفة كما أكلمك. # فتعجب الأسقف وقال: ولكن، من أين أتى ذاك الشخص؟ وماذا يريد؟ ~~- إن هذا سر من أسراري. والآن، أتريد أن تعلم لماذا أتيت إليك؟ ~~- دون شك. ~~- إذن، أعلم أنك مع أصحابك تكرهون أرلندا كرها قويا دعا إليه التعصب الديني، ولكني ~~أكره أرلندا؛ لأني أكره الشخص الذي يتولى زعامة الأرلنديين، ويعد لهم فوزا قد يكون ~~قريبا. # فامتعض وجه الأسقف وقال: كلا، إن ذلك لا يكون. ~~- بل هو كائن إذا تغافلنا عنه، ولكني أقسمت يمينا محرجة أن لا تثبط لي همة، ولا ~~تتراخى لي عزيمة قبل أن أسحق ذاك الشخص، وهذا هو السبب الذي أتيتك من أجله. # وإذا تحالفنا كنت عوني على زعيم الأرلنديين، وكنت عونك على تمزيق شملهم. # أتريد أن تكون حليفي؟ # فمد الأسقف يده وصافحها، وقد اتقدت في عيونها بوارق الانتقام، وبات للرجل العبوس ~~عدوان قديران لا يستهان بهما. # 13 # ولنعد الآن إلى امرأة بادي، وهي تلك المرأة التي زارتها مس ألن وأعطتها ما على ~~زوجها من الدين كي تخرجه من السجن، وأمرتها أن تبعثه إليها بعد إطلاق سراحه. # وفي اليوم التالي أخرجت المرأة زوجها من السجن، وجاءت به إلى المنزل، فسر سرورا ~~عظيما، ثم سألها عن الذي أحسن إليها، فقالت له: مس ألن . # فلم تظهر عليه علائم الامتنان، بل إنه امتعض وقال: لا شك أنها محتاجة إلي. ~~- هو ما تقول، إنها تنتظرك الليلة. ~~- أين؟ ~~- عند باب حديقة منزلها. # فصمت بادي هنيهة، ثم قال: إن مس ألن نبيلة وغنية، ولكنها شريرة. ~~- إني أعلم ما تعلمه عنها، ولكنها محتاجة إلينا، فهي تدفع لنا أجرة خدماتنا. ~~- وإذا أرادت أن تستخدمنا لأمر سيئ؟ # فهزت ms2028 امرأته كتفيها وقالت: إن من برح به الفقر، وبات يخشى على أولاده من الموت ~~جوعا، لا يبالي بالمقاصد؟ # فاضطرب بادي وقال: إني بت نادما لخروجي من السجن. ~~- هذا ما كنت أتوقعه منك، فقد تعودت الكسل حتى بت عاجزا عن العمل. # وكأنما هذا التقريع قد أثر بالزوج فقال لها: اصغي إلي يا امرأتي العزيزة، إنك ~~تعلمين أني أنتهي بعد كل جدال بالإذعان لك والامتثال لما تريدين، فاعلمي الآن أن مس ألن ~~لم تشفق علينا هذا الإشفاق إلا وهي تريد أن تستخدمنا في أسوأ المقاصد، فإذا شئت كنت ~~آلة في يدها، ولكني إذا أصبت بمكروه، وكانت عاقبة خدمتي تلك الفتاة الشنق، فإن تبعة ~~دمائي تقع عليك، وأنت المسئولة عن بنينا. ~~- إني راضية بهذه التبعة، وإنها لن تقع علي. ~~- إذا كان ذلك فإنا راض، وسأذهب إلى مس ألن كما تريدين. # وتعشى بادي مع امرأته وأولاده، ثم خرج من المنزل وقال لامرأته: إني ذاهب لمقابلة ~~الأصحاب. ~~- ولكن احذر أن تنسى الموعد المعين، فإنها بانتظارك. # ومضى بادي إلى إحدى الحانات حيث يجتمع أصدقاؤه، فلقي اثنين منهم، فجلس معهما وجعلوا ~~يتحدثون بالأعمال ومشاقها، فكان بادي يشكو ويتململ، والرفيقان يتشاوران بالنظر. # إلى أن بدرت منهما نظرة تدل على الاتفاق، فقال له أحدهما: لقد خطر لنا أن نشركك في ~~مهمة عهدت إلينا يكون لك منها مال وفير. ~~- ما هي هذه المهمة؟ ~~- إن الحكومة عينت جائزة قدرها مائتا جنيه لمن يقبض على الرجل العبوس، وقد وقفنا ~~على آثار ذاك الشخص الهائل وعلمنا أين يقيم، فهل لك أن تكون معنا فيكون لك ثلث الجائزة؟ ~~إننا نستفيد من قوة ساعدك، وأنت تستفيد من وقوفنا على آثاره. ~~- لا أرفض ولا أقبل، وسأرجئ جوابي إلى الصباح إذ علي مهمة. # فأجابه أحدهما: لقد أخطأت فإن فوزنا مضمون. ~~- ولكني تعهدت عهدا لا بد لي من قضائه، وقد أقضي مهمتي في ساعة وأتبعكما، فأين ~~تكونان؟ ~~- في روتشريت قرب الكنيسة، وربما كنا في المقبرة. ~~- في أية ساعة؟ ~~- عند انتصاف الليل. ~~- إذن سأوافيكما. # ثم شرب كأسه وودعهما، وانصرف ms2029 إلى منزل مس ألن وهو يقول: لا أدري ماذا تريد مني تلك ~~الفتاة، ولكني كنت أؤثر لولا امرأتي أن أكون مع هذين الزميلين، وأعينهما على سفالة ~~غايتهما، فإنهما أشرف من صدق تلك الفتاة كيف كان. ~~••• # ولندخل الآن إلى قصر اللورد بالمير من حديقته إلى غرفة مشرفة عليها، حيث كانت مس ~~ألن جالسة وحدها تنتظر، فإنها بعد أن تعشت مع أبيها تركها وذهب إلى البرلمان، ودخلت هي ~~إلى مخدعها، بعد أن منعت الخدم من الدخول إليها. # وكانت قد أقامت في الليلة السابقة في تلك الغرفة، فكانت تخرج من حين إلى حين إلى ~~الحديقة وتطل من بابها، عساها تجد بادي الذي كانت تنتظره ولم يحضر. # وفي الليلة التالية دخلت إلى الغرفة نفسها، ولم تكن وحدها بل كان معها الأسقف بترس ~~توين. # وكان كلاهما يتكلمان بصوت منخفض، فكانت مس ألن تنهض عند كل فترة من الحديث إلى ~~النافذة، فتطل منها وتصغي. # فسألها الأسقف: ألعلك تنتظرين قدوم أحد؟ ~~- نعم، إني أنتظر ذلك الرجل الذي أخبرتك عنه، وإني معجبة لإبطائه وقد دفعت لامرأته ما ~~كان عليه من الدين كي تخرجه من السجن. ~~- لعلها لقيت بعض الموانع، وما عسى تريدين منه؟ ~~- إنه ينفعنا نفعا كبيرا، فقد قلت لك إن امرأته وأولاده كانوا عائشين مدة سجنه من ~~فضل كاهن كاثوليكي. ~~- ألعله الأب صموئيل زعيم الأرلنديين؟ ~~- هو نفسه، ولكن هذا الكاهن ليس زعيم الأرلنديين، بل هو أحد الزعماء، وما الزعيم ~~الأكبر إلا الرجل العبوس؛ ولذلك أرجو باستخدام هذا الشخص الذي أنتظره أن أعرف مركز الأب ~~صموئيل، ومتى اقتفينا أثر الأب عرفنا مكان الرجل العبوس. ~~- لقد أصبت، ولكن هذه الحرية والمساواة في إنكلترا، تضران بنا ضررا بليغا. # إن الحكومة تعلم أن لهذا الكاهن أعظم اتصال بالعصابات الأرلندية السرية، فلو كان ذلك ~~في غير هذه البلاد لقضت الحكومة عليه في الحال، ولكنها عندنا لا تقبض عليه إلا ~~متلبسا بالجريمة مهما علمت خفاياه، ولولا ذلك لبلغنا منه ما نريد. ~~- إنك ترى إذن ما أراه، وهو أنه لا بد من استعمال الحيلة. ms2030 ~~- هو ما تقولين، وهذا ما كنت أبحث عنه، ولعلي أجد حيلة تسهل لنا المراد. # وعند ذلك سمعت مس ألن قرعا على باب الحديقة، فقالت: هو ذا الشخص الذي أنتظره قد أتى، ~~فاصبر إلى أن أفتح له. # ثم خرجت إلى الحديقة وفتحت الباب، فكان الطارق بادي، فسارت أمامه وأمرته أن يتبعها ~~إلى حيث كان الأسقف ينتظرها. # فقالت له: لا بأس أن تجيبني عما أريد أمام حضرة الأسقف، فإنه من أصدقائي، واعلم أني ~~ما دعوتك إلا لمهمة تضمن لك الخير والمستقبل الحسن. # فانحنى بادي أمامها وقال لها: هذا ما أرجوه يا سيدتي، فقد أبيت الآن قضاء مهمة كان لي ~~منها مال جزيل. ~~- قل لي ما هي تلك المهمة؟ ~~- يظهر أن الحكومة وضعت جائزة، لمن يقبض على شخص يدعى الرجل العبوس. # فارتعش الأسقف والفتاة وقالت له: كيف عرفت ذلك؟ ~~- عرفته من صديقين لي يقولان إنهما يعرفان مكان هذا الرجل، وطلبا إلي أن أساعدهما ~~في القبض عليه على أن أنال ثلث الجائزة. # فبرقت أسرة الأسقف، واتقدت عينا الفتاة بأشعة الفرح، ولم يعلم أحد ما حصل ~~بينهما وبين بادي، غير أن هذا الإنسان كان يقول حين خرج من ذلك القصر: ويح لنفسي! إنني ~~بعتها بيع السلع لهذين الشيطانين الرجيمين. # وسار ذاك المنكود إلى منزله، فلقي ولديه نائمين وعليهما دلائل الراحة، وأمهما ساهرة ~~بجانبهما، فقال لها بلهجة المتهكم: يظهر من نومهما الهادئ أنهما تعشيا عشاء طيبا هذه ~~الليلة. ~~- نعم، إن ذلك من فضل مس ألن المحسنة إلينا، ألعلك رأيتها؟ ~~- نعم. ~~- ولكني أراك آسفا، فهل لم تحسن استقبالك؟ ~~- بل إنها قابلتني خير مقابلة. ~~- إذن ألم تعهد إليك بمهمة؟ ~~- بل كلفتني بما كنت أتوقعه منها. # ثم جعل يدخن صامتا مفكرا، وامرأته تنظر إليه، دون أن تجسر على مقاطعته، إلى أن ~~قال لها فجأة: في أي يوم يزورك الأب صموئيل؟ ~~- غدا، إذ تعود أن يزورنا كل أحد. ~~- إنه من أهل الخير والصلاح، أليس كذلك؟ ~~- دون شك فطالما أحسن إلينا، ووقى أولادنا شر الجوع. # فابتسم بادي ابتساما هائلا، وقال: إذن ms2031 اعلمي أيتها الأم أننا سنخون هذا الإنسان ~~الذي خلص أولادنا من الجوع. # فارتعشت المرأة ولم تجب، وعاد بادي إلى الكلام قائلا: إننا سنخون هذا الإنسان ~~عملا بإرادة مس ألن، ألم تقولي لي أن من برح به الفقر، وخشي على أولاده الجوع لا ~~يبالي بالمقاصد؟ # فتنهدت المرأة وقالت: نعم، إن هذا معتقدي. ~~- إذن سنخون هذا الأب الجليل. ~~- ولكن كيف؟ ~~- سوف ترين. # ثم قام يحاول الانصراف فسألته: إلى أين؟ ~~- إلى حيث أنفذ أوامر مس ألن. # وودعها وانصرف ناظرا نظرة حنو إلى ولديه. # فلما توارى عن امرأته ابتسمت وقالت: وما تهمني خيانة هذا الكاهن، إنه أرلندي، وهل تجب ~~الشفقة على الأرلنديين؟ # أما بادي فإنه ذهب إلى مقبرة كنيسة سانت جورج، فالتقى بصديقيه اللذين لقيهما في ~~الخمارة، وكانا كامنين في تلك المقبرة للرجل العبوس؛ كي يقبضا عليه وينالا جائزة ~~البوليس. # 14 # لقد تركنا السير بترس توين ذلك الأسقف ومس ألن تلك الفتاة الهائلة مختليين في غرفتها، ~~فلم يعلم أحد ما دبراه من مكائد السوء. # وبقي الأسقف عندها إلى الساعة الثانية بعد نصف الليل، فلما انصرف كانت علائم الفرح ~~الأكيد ظاهرة على وجه الفتاة، إشارة إلى الانتصار، فإن الحقد لم يتجسم في قلبها تجسمه ~~في تلك الليلة. # وكان من عادة مس ألن أن تدخل إلى مخدع أبيها في أي وقت أرادت، فخرجت من الغرفة التي ~~كانت فيها مع الأسقف، وحاولت الذهاب إلى غرفة نومها فرأت، وهي سائرة في الرواق، نورا ~~ينبعث من غرفة أبيها، فقالت في نفسها: إن جلسات البرلمان تعقد ليلا، وندر أن تنتهي ~~في مثل هذا الوقت، ثم إن من عادة أبي أن يذهب إلى النادي بعد انصرافه من البرلمان، فلا ~~يعود إلى المنزل قبل الفجر، فما باله اليوم قد غير تلك العادة؟ # وقد شغل بالها على أبيها، فذهبت توا إلى غرفته وقرعت بابها، ثم والت القرع فلم ~~يجبها أحد فقالت في نفسها: ألعله نام ونسي أن يطفئ المصباح؟ # وعند ذلك نظرت من ثقب القفل، فرأت مائدة كبيرة وضعت عليها الكتب والجرائد، ورأت ms2032 ~~شخصا جالسا أمامه مديرا ظهره للباب، وهو غارق في بحار الهواجس والتأملات. # فعلمت من ذلك الثوب الطويل الذي كان متشحا به أنه ثوب أبيها، ففتحت الباب ودخلت، ~~ولكن هذا الرجل الفكير لم ينهض من مكانه ولم يلتفت إليها. # فابتسمت مس ألن وقالت في نفسها: إن أبي يعتقد أنه من كبار رجال السياسة، فهو يتصور ~~الآن أن العالم بات في قبضة يده. # ثم تقدمت خطوة إلى الأمام. # وعند ذلك سقط الرداء فجأة عن ذلك الرجل، والتفت إلى مس ألن، فصاحت صيحة رعب وجمد ~~الدم في عروقها، وانعقد لسانها عن الكلام؛ ذلك أن هذا الرجل الذي كان متشحا برداء ~~اللورد بالمير لم يكن اللورد بالمير، بل كان الرجل العبوس. # لما رأى الرجل العبوس ما كان منها وثب مسرعا إلى الباب، وأقفله كي يحول دون ~~فرارها. # غير أن مس ألن لم تكن تستطيع الفرار لاضطراب رجليها، ولا تستطيع الاستغاثة لانعقاد ~~لسانها من الرعب، فدنا منها الرجل العبوس وقال لها مبتسما: إني وعدتك يا مس ألن ~~بزيارة، فوجب علي الوفاء بوعدي. # ثم تقدم منها ووضع يدها بين يديه، فتكهرب جسم الفتاة حين لمست يده، وعادت إليها ~~كبرياؤها وهيبتها، فقالت له بصوت يتهدج من الغضب: أيها الشقي، إنك لن تخرج من ~~هنا. # ثم وثبت إلى الجدار المعلق فيه حبل الجرس، ولكن العبوس سبقها إليه فحال بينها ~~وبينه، وقال لها بصوت منخفض: اطمئني يا سيدتي، فإني لا أريد قتلك، ولا أتجاوز معك حد ~~الاحترام، بل أقسم لك إني لا أقاوم خدمك متى دعوتهم للقبض علي، ولا أمنعك عن دعوتهم ~~بعد أن تسمعي كلامي. # فعاد الرعب إلى قلبها وقالت: أنت! أنت ! # أما العبوس فبقي محافظا على سكينته وقال لها: اصغي إلي يا سيدتي، وافعلي بعد ذلك ~~ما تشائين، أما الآن فاعلمي أن أباك في النادي يلعب بالورق مع أصحابه، وهم أصحابي، ~~وسيدوم لعبهم إلى الساعة الرابعة بعد نصف الليل، فإذا لم أعد إلى ذلك النادي في ~~الساعة الرابعة، تكون حياة أبيك معرضة للخطر، فإن اثنين من رجالي ms2033 كامنان له عند باب ~~النادي ومستعدان لقتله حين خروجه منه، إلا إذا عدت إليهما وألغيت هذا الأمر. # أعلمتي الآن الخطر الذي ينذر أباك إذا قرعت الجرس، وقبض علي خدمك، اقرعيه إذا كنت ~~تجسرين؟ # فتجلدت مس ألن وقاومت نظرات العبوس، فقال لها: إني أحب منك هذه البسالة، فإنك عدو ~~شديد من كان مثلي يحسب له حسابا، وإن عواطف المرأة لم تتغلب عليك؛ لأنك حويت في صدرك ~~قلب رجل، فهلم نتحدث إذ لا تزال بيننا ساعة تكفينا للحديث. # ثم أخذ يدها مرة ثانية، وأجلسها على المقعد، فجلس بقربها وقال لها: إنك تكرهيني ~~كثيرا. ~~- نعم، إني أكرهك أشد كره، ولا أخافك. ~~- لقد علمت أنك أقسمت يمينا محرجة على قتلي، وأن أسعد أيامك سيكون ذلك اليوم الذي ~~أعلق فيه مشنوقا في سجن نوايت. ~~- إنك واقف على الحقيقة، وهذا هو قصدي بعينه، اقتلني إذا شئت فإنك قادر على قتلي، ~~وأنا لا أستطيع دفاعا. # فابتسم الرجل العبوس، وقال: كلا، إني لا أريد بك شرا، ولا أريد لك غير ~~الخير. ~~- ذلك لأنك معتمد على تلك الرسائل التي يفضحني إظهارها، ولاعتبارك أنها خير سلاح، ~~ولكنك مخطئ يا سيدي، اعلم أن المرأة إذا اشتد حقدها تضحي بشرفها في سبيل ~~الانتقام. # ففتح الرجل العبوس عند ذلك سترته، وأخذ من جيبه محفظة أوراق، ودفعها إليها وقال لها: ~~إن رسائلك يا سيدتي في هذه المحفظة فخذي افحصيها، واطرحيها في النار. # مدت مس ألن يدا مضطربة إلى المحفظة، وقالت له: احذر فإنك تجرد نفسك من ~~السلاح. # فأجاب مبتسما: إني ألقاك أعزل، ولا أخشاك. # فاصفر وجه الفتاة من الغيظ، وأخذت الرسائل منه وهي تقول: أتحسب نفسك قويا إلى هذا ~~الحد؟ # فلم يجبها العبوس إلا بالابتسام. # 15 # فهزت أريحية المروءة مس ألن، وقالت: وأنا أيضا لا أحارب عدوا مجردا من ~~السلاح، فخذ هذه الرسائل التي كنت تنذرني بها، فإن القتال بيننا يكون أشد. # ابتسم العبوس أيضا وقال لها: بل دعيها معك وألقيها في النار، فلا فائدة لي بها، ~~واسمعي أحدثك بأمر آخر، ألم أقل لك ms2034 إني أقمت رجلين على باب النادي ليقتلا أباك ~~إذا لم أعد إليهما في الساعة الرابعة؟ ~~- نعم. ~~- إذن فاعلمي أني كنت كاذبا فيما قلته، فإني لم أر أباك، ولا يكمن له أحد، وإنك ~~ترين أني أصبحت من غير سلاح، فإن الرسائل معك، وإن أباك آمن في النادي، وما يمنعك من ~~أن تقرعي الجرس وتنادي الخدم، فيقبضوا على الرجل الذي عجز بوليس لندرا عن القبض ~~عليه. # ثم وقف أمامها مبتعدا عن الجرس، وقد وضع يديه فوق صدره وجعل ينظر إليها بسكينة ~~واطمئنان. # فكانت عينا ألن تتقدان نارا وجسمها ينتفض، فقالت له: إنك شديد الجرأة أو غير حكيم، ~~وإلا لما بدرت منك هذه الأقوال. ~~- إذا كنت ترين ذلك لما لا تغتنمين الفرصة؟ ~~- ألا تعلم أني أقسمت أن أسلمك للقضاء؟ ~~- دون شك. ~~- إذن أنت تريد أن تكون أكرم مني فيما فعلت، ولكني لا أدعك تفوز علي مثل هذا الفوز، ~~نعم إني أكرهك وأريد لك كل شر، ولكني إذا كنت أريد هلاكك، فلا أحب أن أناله ~~بالخيانة. # ولقد أحسنت بأنك جردت نفسك أمامي من السلاح، فلا أقاتلك وأنت أعزل، فخذ رسائلي إن ~~شئت وارحل حرا آمنا، إن البوليس لن يقبض عليك تحت سقف منزلي. # فكف الرجل العبوس عن الابتسام، وتجهم وجهه، وقال لها: يا مس ألن أنت لست المرأة ~~التي أريد أن تكون محط أمالي، غير أنك مشيت خطوة إلى قصدي. # فقالت له بلهجة المتهلل: أحق ما تقول؟ ~~- إنك قد أصبحت مخلصة بعدائك. ~~- ولكنه عداء لا يقف بي عند حد. ~~- لكن كيف شئت، فإنه سيخدم مقاصدي في مستقبل الأيام. # فقالت له بلهجة تشف عن الاحتقار العظيم: تقول إنك تطمع أن أخدم مقاصدك، فهل يمكن ~~معرفة هذه المقاصد؟ ~~- دون شك، فإني ما أتيت إلا لهذا. ~~- إذن تكلم، فإني مصغية إليك. # فقال لها الرجل العبوس وقد تكلف الرقة والدعة: يا مس ألن إنك صبية حسناء، وهبتك ~~الطبيعة خير ما تهب أبناءها من الحمية والذكاء، وأنت من أنبل نساء المملكة، فإذا أيدت ~~مشروعا فلا بد له من النجاح. ms2035 ~~- هذا ما أرجوه. ~~- عفوك يا سيدتي، فقد أخطأت في تأويل كلامي، فإني لا أريد بما قلته المشروع الذي ~~تخدمينه الآن، بل المشروع الذي ستخدمينه، وهو الذي سيفوز. ~~- ما هو المشروع؟ ~~- أرلندا؟ # فأجابته بضحك يشف عن هزئها واحتقارها. # غير أن الرجل العبوس لم يكترث لظواهر احتقارها فقال لها: لقد كان لأبيك أخ مات شهيد ~~أرلندا التي تهزئين بها الآن. ~~- إن هذا الأخ كان من المتمردين العصاة. ~~- سيأتي يوم يا مس ألن لا يكون الخائن المتمرد في عرفك هذا الأخ بل ... ~~- حسبك لا تتم القول إنك تريد أن تعني أبي فيما أظن. ~~- إذن سيأتي يوم وما هو ببعيد، توقفين فيه شبابك وجمالك وثروتك وذكاءك لخدمة أرلندا ~~مهد أجدادك. # وكان الرجل العبوس يتكلم بلهجة الواثق المطمئن، فاضطربت مس ألن لسكينته وقالت له: ~~اذهب يا سيدي. ~~- لا أذهب قبل أن أخبرك كيف يكون تغيرك وانتقالك من حزب إلى حزب، وهو منحصر بكلمتين ~~يا سيدتي وهما إنك ستحبينني. # فعبق وجهها بالاحمرار، وقالت له: كفى، اذهب في الحال، أو أفقد رشادي وأنادي ~~الخدم. # وكان العبوس حين قال لها هذا القول تراجع حتى التصق بالجدار المسدولة فوقه ~~الستائر. # وعادت تأمره بالذهاب، وهي تشير بيدها إلى الباب. # غير أنه لم يخرج من الباب التي كانت تشير إليه، بل إنه مد يده من تحت الستار، ولم يكن ~~غير لحظة حتى رأت أنها باتت وحدها في تلك الغرفة. # ذلك أن هذا الرجل الغريب قد توارى عن أنظارها، وخرج من منفذ سري لم تعرفه هي ولا ~~أبوها وهو منزلهما، فكادت تجن من الهوس لعرفانها أنه يستطيع الدخول إلى منزلها والخروج ~~منه دون أن يراه أحد. # ووقفت هنيهة حائرة مضطربة لا تجسر على شيء إلى أن زال خوفها تباعا، فأخذت المصباح ~~ودنت من المكان الذي توارى منه الرجل العبوس، فأزاحت الستار وبحثت طويلا في الموضع ~~الذي رأته مد يده فيه، ولكنها لم تعثر على شيء. # فجعلت تنقر على الجدار علها تقف من اختلاف الصوت على مكان المنفذ فما اهتدت إلى ~~شيء. # وطال ms2036 بحثها حتى أدركت عجزها، ووضعت مصباحها فوق المستوقد قائلة: ما هذه العجائب التي ~~مرت بي، ألعلي حالمة أو أنا من المجانين؟ # غير أن الرسائل التي تركها الرجل العبوس كانت لا تزال في موضعها تجيبها بأفصح لسان ~~أنها ليست مجنونة ولا حالمة. # وأسرعت إلى المحفظة، وأخذت منها تلك الرسائل التي كتبتها إلى ذلك الفتى المنكود، الذي ~~قتلته حبا، وجعلت تعدها لأنها كانت تعرف مقدارها، فما انتهت من عدها حتى اصفر ~~وجهها؛ إذ رأت أنها تنقص رسالة، ربما كانت هي الرسالة التي أوضحت فيها غرامها كل ~~الإيضاح، وأغوت بها ذاك الفتى المنكود. # ولما خطر لها هذا الخاطر هاجت هياج اللبؤة وقالت: ويح لهذا الشقي، أنه لا يزال يهزأ ~~بي، وإن ظفرت به مرة أخرى لا يجد في قلبي ذرة من الإشفاق والرحمة. # ثم طرحت تلك الرسائل في النار حتى إذا صارت رمادا سمعت صوت إقفال الباب الخارجي، ~~وعلمت أن أباها اللورد بالمير قد عاد من النادي. # 16 # ووقفت عندها مس ألن موقف المترددة بين أن تنتظر أباها في غرفته حيث كانت، وبين أن ~~تخرج منها قبل وصوله. # ثم رأت أنها لا بد لها من إخبار أبيها؛ لأن الرجل العبوس لو كان قد خرج من الباب ~~لتمكن إنكار أمره عن أبيها، لكنه خرج من منفذ سري فلم تجد بدا من محادثته في شأنه ~~للاشتراك معها في البحث عنه. # وعلى ذلك بقيت في الغرفة تنتظر دخول أبيها، فانذهل حين رآها وقال: ما تفعلين هنا في ~~مثل هذه الساعة؟ # فقالت له ببرود: إنك تعلم يا أبي شروطي. ~~- نعم، إني أعلم أني أنا الساعد العامل، وأنت الرأس المرشد، أليس كذلك؟ ~~- نعم، ولكن يجب أن تكون أيضا الأب الذي يشير ويعلم ابنته ما تجهله. ~~- ما تعنين بذلك وما تجهلين؟ ~~- اسمح لي يا أبي قبل أن أوضح لك السبب لوجودي في غرفتك، أن أسألك أسئلة أرجو أن لا ~~تدهش منها، فقل لي هل المنزل الذي نقيم فيه لنا؟ ~~- دون شك يا ابنتي، فقد اتصل إلي بالإرث من أبي، ms2037 ولم هذا السؤال؟ ~~- سأخبرك فقل لي أيضا هل ألواح القاعة الخشبية قديمة العهد؟ ~~- نعم. ~~- وهذه القاعة التي نحن فيها، ألها غير بابين؟ ~~- كلا وأنت ترينهما. ~~- إنك مخطئ يا أبي، إنه يوجد باب ثالث. ثم أخذت المصباح وقالت له: تعال معي. # فتبعها اللورد بالمير إلى الجدار الذي طالما بحثت فيه عن اللولب السري. # وهناك أشارت إلى مكان فيه، وقالت: إن الباب الثالث يجب أن يكون هنا. # فأخذ اللورد المصباح من يدها، وجعل يبحث في كل مكان من الجدار، إلى أن أعياه البحث ~~فقال لها: أين وجدت هذا الباب يا ابنتي، إني لا أرى له أقل أثر. ~~- وأنا أيضا لا أراه مثلك، ولكني واثقة أنه موجود. # ثم تابعت بلهجة ثقة زعزعت اعتقاده: إني رأيت بعيني هذا الباب قد فتح وأقفل، وقد ~~خرج منه شخص كان هنا منذ ساعة. # فرجع اللورد منذعرا، وقال: من هذا الشخص، وكيف يدخل إلى غرفتي؟ ~~- إنه كان فيها وهو متشح بردائك وعلى رأسه قبعتك، وكان جالسا حول طاولتك، وظهره ~~إلى الباب الذي دخلت منه. # فنظر اللورد إلى ابنته نظر الخائف، كأنما خشي أن تكون قد فقدت رشادها، غير أنها أشارت ~~بيدها إلى ردائه وقبعته اللذين تركهما الرجل العبوس على الكرسي. # فنظر اللورد إليهما وقال: ولكن من هو؟ ~~- إنه هو. # وقد قالت هذه الكلمة بصوت يتهدج من الغضب، ويعرب عما في فؤادها من الحقد، فعلم ~~اللورد أنه ذلك الرجل الذي انتزع منه الغلام، وبات زعيما للأرلنديين، أي ذاك الرجل ~~العبوس الذي عبث ببوليس لندرا، وتجاسر على الدخول إلى منزل لورد كي يخلو بابنته، بل ذاك ~~الرجل الذي قيده وكممه في حديقة منزل فانوش، فاضطرب لجسارته النادرة، والتفت إلى ~~ابنته وقال: إني أريد يا ألن أن أسديك نصيحة. ~~- ما هي؟ ~~- هي أن تنقطعي عن مناظرة هذا الرجل، فلنبرح إنكلترا سائحين. ~~- لماذا يا أبي ألعلك خفته؟ ~~- ليس خوفي على نفسي يا ابنتي، بل عليك. ~~- لقد كان هذا اليوم يا أبي آخر أيام انتصارات هذا الرجل، وسأسحقه سحق ~~الزجاج. # وكانت يد اللورد ms2038 بالمير لا تزال تبحث في الجدار، فقال لها: ولكني لا أجد شيئا من أثر ~~ذاك الباب، فإما أن يكون هذا الرجل من السحرة، أو تكون عيناك قد مثلتا لك هذه ~~الأوهام. # ولكنها لم تجبه بل تركته، وأسرعت إلى النافذة، وجعلت تصغي فسمعت صوت صفير ~~اصطلاحي. # وقد وصل الصفير إلى مسمع أبيها، فقال لها: ما هذا؟ ~~- انتظرني هنا يا أبي. # ثم خرجت من الغرفة إلى الرواق، وهناك سلم نزلت منه إلى الحديقة. # وكانت الساعة قد بلغت الرابعة بعد انتصاف الليل، فاجتازت الحديقة غير هيابة، وفتحت ~~بابها المشرف على الطريق. # أما الصفير الذي سمعته فقد كان رمزا اتفقت عليه مع بادي حين كان عندها، فإنه وعدها ~~حين خروجه أن يعود إليها بعد اجتماعه برفيقيه الطامعين بالقبض على العبوس. # ولما فتحت الباب رأته واقفا فقالت له: ماذا حدث؟ ~~- إني عرفت المكان الذي يختبئ به الرجل العبوس، فإنه يقيم في قبة جرس كنيسة سانت ~~جورج. # فارتعشت، إذ ذكرت أن الفتى الذي خدعته وقتلته بغرامها قد دفن في مقبرة ~~الكنيسة. # ثم قالت له: أعلم رفيقاك بهذا الاكتشاف؟ ~~- لقد كانا يحسبان من قبل أنه في الكنيسة، فلما وثقت أنه في القبة أرجعتهما عن تلك ~~الفكرة. ~~- حسنا فعلت، فاحرص أن تخبرهما بشيء، وتعال معي الآن فإني محتاجة إليك. # فدخل بادي وأقفلت باب الحديقة وسارت أمامه، فتبعها طائعا ممتثلا، وذهبت به إلى غرفة ~~في الحديقة فيها معدات وآلات، وأمرته أن يأتي بمطرقة وإزميلا ثم قالت له: ~~اتبعني. # فحمل الآلتين وتبعها. # 17 # ولم يكن بادي يعلم شيئا مما تريده مس ألن، غير أنه عندما باع إرادته للفتاة عول أن ~~يكون آلة صماء في يديها لقضاء أغراضها ، وفوق ذلك فقد كان يرى نفسه فقيرا معدما ~~مغلوبا على أمره من امرأته وبنيه، ولم يكن قد تربى تربية صالحة تبعده عن مواقف الزلل، ~~فرأى أنه لا وسيلة له يعيش بها عيشا شريفا، ورضي أن يخدم مس ألن كيف كانت ~~مقاصدها. # أما مس ألن فإنها اجتازت به الحديقة إلى السلم، وصعدت منه إلى ms2039 الرواق، ثم دخلت منه ~~إلى الغرفة وهو يتبعها. # وكان اللورد لا يزال مضطربا لما سمعه من ابنته، فلما رآها عائدة بذلك الرجل الفقير، ~~دهش وقال لها: من هذا؟ ~~- هو شخص أستخدمه. ~~- وما الآلات التي يحملها؟ ~~- إن عيني لم تمثلا لي الأوهام يا أبي، كما قلت، ولست من اللواتي يعتقدن بالسحر، ~~فلا بد أن يكون في الجدار مخرج سري أريد أن أعرف إلى أين ينتهي. # ثم حملت المصباح، وعادت إلى البحث في الجدار بحثا مدققا، فلم تقف على أثر لذلك ~~الباب الذي رأته فتح وأغلق أمامها، ولكنها كانت تذكر مكانه فدلت بادي عليه وقالت ~~له: افتح لي ثقبا هنا. # فأخذ بادي مطرقة وإزميله وبدأ بالعمل. # غير أن اللورد اعترض ابنته وقال: ماذا تفعلين إن صوت المطرقة سيوقظ جميع من في ~~المنزل من الخدم، فيسرعون إلينا ويقفون على السر. # فقالت له بسكينة: اقفل الباب من الداخل بالمفتاح فلا يدخل إلينا أحد، وعاد بادي إلى ~~العمل، فأزال قشرة الجدار وأصاب إزميله جسما صلبا. # فقال اللورد بالمير: إنه صخر صلب. ~~- كلا، بل صفيحة من الحديد. ~~- إذن أزل هذه الصفيحة. # وكانت إزالتها سهلة، فإنه جعل يثقب ما حواليها حتى أزال كل ما كانت عالقة به من ~~الطين، فأخرجها من الجدار وانكشف ما تحتها، وصاحت مس ألن صيحة انتصار؛ إذ رأت بابا ~~مصبوغا بلون الحديد لا قفل له ولا زلاج، لكن به زر من النحاس. # فأدارت الزر ففتح الباب في الحال، ودخل منه هواء رطب، وظهر رواق ضيق مظلم. # فالتفتت مس ألن إلى أبيها وقالت له: يجب أن نعلم إلى أين ينتهي هذا الدهليز. ~~- وأنا من رأيك فاصبري إلى أن أعود. # ثم خرج إلى غرفة مجاورة، وعاد بمسدسين فدفع واحد لابنته، وتسلح بالآخر، وقال لها: ~~هلمي بنا الآن. # أما مس ألن فإنها أعطت المصباح لبادي، وقالت له: سر أمامنا بهذا الدهليز. # وسار بادي أمامهما يحمل المصباح وهما يتبعانه، ولم يكن الدهليز طويلا فانتهوا منه ~~إلى سلم، وعند ذلك نزل بادي ورفع المصباح إلى ما فوق رأسه ms2040 كي ينير لهما الطريق. # وكانت درجات السلم كثيرة، ولما نزلوا ثلاثين درجة وقف بادي فقالت له: لماذا ~~توقفت؟ ~~- إني أسمع صيحة لا أعلم ما هي. # فأصغت وسمعت صوتا يشبه أمواج البحر يبلغ إلى المسامع من مسافة بعيدة، فقالت لبادي: ~~إذا كنت خائفا هات المصباح فأنا أسير أمامك. ~~- كلا يا سيدتي، فإني لست من الذين يخافون. # ثم مشى أمامهما وتبعاه، وكان هواء الدهليز يتغير تباعا كلما تقدموا في المسير ~~حتى صار باردا نقيا، فعلمت مس ألن أنهم قد تجاوزوا حدود المنزل، وأنهم ينزلون في جوف ~~الأرض. # ثم انتهوا من نزول السلم، فشعر بادي بأنه يسير فوق أرض رطبة تكاد تكون موحلة. # ورأى الثلاثة على نور المصباح أنهم في محل يشبه القبور، وفي هذا القبو منفذ إلى دهليز ~~عريض. # والتفتت مس ألن عند ذلك إلى أبيها، وقالت له: لم نعلم شيئا من أمر هذا السلم ~~والدهليز، فإن كليهما قديم العهد، انظر إلى حجارة القبة، فإنها سوداء تدل على مرور ~~العصور بها. # وكان ذلك الصوت الذي سمعوه آخذا بالارتفاع، فوضع اللورد بالمير يده فوق جبينه، ~~وقال: لقد ذكرت، فإننا الآن فيما أظن على مسافة قريبة من ويت هال، ولا شك أن الدهليز قد ~~حفر في عهد شارل الأول حين كان سجينا، وقد حفره أعوانه لإنقاذه، وأظن أنه متصل بنهر ~~التيمس قرب جسر وستمنستر، أما الصوت الذي نسمعه فهو صوت تكسر الأمواج على ~~الصخور. ~~- إذن فلنسر إلى النهاية. # ثم أخذت المصباح من بادي وسارت أمامهما في ذلك الدهليز، وهي تقول في نفسها: عجبا كيف ~~تيسر للرجل العبوس اكتشاف الدهليز؟ # 18 # وقد أصاب اللورد بالمير فيما قاله؛ لأن الدهليز قد حفره أنصار ذلك الملك التعيس شارل ~~الأول كي ينقذوه. # وكانت مس ألن وأبوها وبادي كلما تقدموا خطوة في الدهليز وجدوا آثارا تدل على ~~القدم، وقد رأت فوق تلك الأرض الرطبة آثار أقدام، فما شككت أنها خطوات العبوس صنعت تلك ~~الآثار، فإن الدهليز لم يدخل إليه إنسان منذ مائتي عام. # ولبثت مس ألن تسير في طليعة ms2041 رفيقيها، وصوت الأمواج يزيد ارتفاعا كلما تقدموا، مما ~~يدل على قربهم من التيمس. # وفيما هم سائرون نفذت إليهم نسمة شديدة كادت تطفئ المصباح، فجعلت مس ألن تحميه بيديها ~~وتصونه من الهواء، إلا أن الهواء اشتد فجأة فأطفأ المصباح، وباتوا يتخبطون في ظلام ~~دامس. # ولكنها لم تحضر معها كبريتا وغيره من معدات النور، فاضطربت وخشيت أن لا تهتدي إلى ~~الطريق، إلا أن بادي كان لديه علبة من ذلك الكبريت الشمعي الذي يستعمل للزينة لاقتباس ~~النور، فهو لا يحرق لكنه ينير نورا أحمر هنيهة وجيزة ثم ينطفئ. # وأعطى بادي العلبة إلى اللورد، فأضاء واحدة منها وقال: إن العلبة تكفينا ~~للعودة. ~~- إلى أين نعود؟ ~~- إلى المنزل. ~~- هذا محال، فلا بد لي من البلوغ إلى نهاية الدهليز ولو مشيت في الظلام الحالك، ثم ~~مشت أمامهما دون أن تنتظر جواب أبيها، غير مسترشدة إلا بذلك النور الضعيف. # وما زالت تسير وهي تشعر كلما تقدمت بازدياد رطوبة الأرض، حتى شعرت فجأة أنها ~~تسير في المياه. # واقترح اللورد مرة ثانية أن يعودوا إلى المنزل ولكنها اعترضت، وعند ذلك ظهر لهم نور ~~أحمر ينبعث من بعيد كأنه مصباح معلق بقبة الدهليز. ~~- لم نعد في حاجة إلى النور، فإن النور المنبعث يرشدنا. # ولكنها لم تسر بضع خطوات حتى شعرت أن الماء قد بلغ إلى ركبتيها. # وكان اللورد يسير مقتفيا أثرها ويده على مسدسه، ومستعد لإطلاقه عند أول خطر تتعرض له ~~ابنته. # وكانوا كلما قربوا ينجلي لهم النور، وتزيد أصوات المياه ارتفاعا حتى انتهوا من ~~اجتياز السرداب المظلم، وعلموا أنه مشرف على نهر التيمس، ورأوا ذلك النور فكان مصباحا ~~من الغاز موضوعا عند ضفة النهر، تنبعث منه أشعته إلى أول السرداب من ثقب متسع كان ~~محفورا في جسر النهر على علو مترين من سطح المياه. # وكانت مس ألن قد وصلت قبل رفيقيها إلى ذلك الثقب، فعرفت الطريق التي سلكها الرجل ~~العبوس والثقب الذي دخل منه، ورأت حلقة من الحديد مربوطة في الثقب، فأيقنت أن العبوس قد ~~أتى إلى السرداب بقارب ms2042 وعاد به كما أتى. # فلما انتهت من جميع أبحاثها قال لها أبوها: ألا تقولين لي الآن عما أسفرت تلك ~~الأبحاث والرحلة الليلية؟ ~~- إنها أرشدتني إلى طريقة سأنهجها. ~~- ما هي؟ ~~- ذلك سر من أسراري، وأنت تعلم شروطي يا أبي، فاسمح لي أن أكتم عنك هذا السر، وهلم ~~نعد الآن على أعقابنا، فقد عرفنا الطريق. # فعادوا جميعا والظلمات تكتنفهم، فكانوا يسترشدون من حين إلى حين بكبريت العلبة وهم ~~يسيرون ويتوقون الاصطدام بأيديهم كما يسير العميان، حتى وصلوا إلى القبو واهتدوا إلى ~~السلم. # وبعد ربع ساعة كانوا جميعهم في غرفة اللورد بالمير، فأخذت مس ألن كيسا مملوءا ~~بالذهب، ودفعته إلى بادي قائلة: خذ هذا المال مقابل كتمانك لما رأيت، واعلم أن هذه ~~الهبة لا دخل لها بما وعدتك به من المكافأة. # فأخذ بادي الكيس دون أن يظهر عليه شيء من علائم السرور، وقد أطرق برأسه إلى الأرض ~~وقال: لا حاجة يا سيدتي إلى أن تدفعي لي الهبات عن كتماني، فإني عاهدت نفسي على الإخلاص ~~لك، منذ رضيت أن أكون من عبيدك وبعتك نفسي. # فهزت مس ألن كتفيها دون أن تجيبه، ونظرت إلى أبيها فقالت له: يوجد في لندرا كثير من ~~العمال الماهرين، فيجب أن يصلحوا هذا الباب الذي كسرناه، ويعيدوا الجدار كما كان، وإنما ~~ينبغي إتمام كل ذلك اليوم؛ لأن الرجل العبوس قد يعود في المساء، ولا يجب أن يعلم شيئا ~~من اكتشافنا. # وعندها أشارت إلى بادي أن يتبعها وخرجت من الغرفة إلى الرواق، ونزلت إلى الحديقة وهو ~~في إثرها حتى بلغت إلى الباب. # وكان الفجر قد انبثق، وبدت أشعته تخترق ذلك الضباب الكثيف الذي يخيم على لندرا ستة ~~أشهر في العام، ففتحت مس ألن باب الحديقة كي يخرج بادي وقالت له: إن هذا اليوم يوم أحد، ~~وهو موعد زيارة الأب صموئيل لامرأتك وأولادك أليس كذلك؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- وأنت تظن أن الرجل العبوس يختبئ في قبة جرس كنيسة سانت جورج؟ ~~- بل أنا واثق. ~~- اذهب الآن وانتظر في منزلك إلى أن يأتي الأب ms2043 صموئيل فتقول له هذا القول، وهو أنه ~~يوجد ثلاثة رجال يفتشون عن الرجل العبوس، وقد علموا أنه يبيت في قبة الجرس، وقد رأوا أن ~~يدخلوا إليها في الليلة التالية ويقبضوا عليه، ثم تذكر له أسماء رفاقك الذين يبحثون ~~عنه. # ودهش بادي وقال: ولكن الأب صموئيل أرلندي، والعبوس مثله، فإن أخبرته بذلك يحذره ~~فيهرب. # فابتسمت مس ألن وقالت له: افعل ما قلته لك، ولا تحاول أن تفهم مقاصدي. # 19 # ولنعد الآن إلى أحد أشخاص هذه الرواية الذي تركناه منذ زمن بعيد وهو الأب ~~صموئيل، ذلك الكاهن الرءوف الذي شغف الفقراء، وملأ حبه قلوب البؤساء حتى اللصوص. # كان ذلك اليوم يوم أحد، والأب صموئيل يحتفل في صباحه بقداس في كنيسة سانت جيل. # وهناك فريق من المصلين راكعون على الأرض الباردة؛ لأن الكنيسة لم يكن فيها شيء من ~~الكراسي والمقاعد لفقرها. # وكان الأب صموئيل واقفا في باب الهيكل يبارك الشعب بعد انتهاء القداس، ويرشدهم خير ~~إرشاد، وكان موضع عظته في ذاك اليوم وجوب الإحسان إلى الفقير، ومساعدة البائس، ونصرة ~~الأرامل واليتامى، وكان يتدفق كالسيل، ويلقي أجزل الكلام، ويمثل لذة المحسن وأجره أجمل ~~تمثيل. # وبعد ذلك انتقل إلى الكلام عن الجامعة الأرلندية، فبدأ بالكلام عن بني إسرائيل، ~~وسيرهم في التيه إلى الأرض الموعودة، ثم شبه الأرلنديين بالإسرائيليين والإنكليز ~~بالمصريين من حيث الاضطهاد، فكان لكلامه أعظم وقع وأجمل تأثير. # وكان بين الذين يسمعون عظته رجلان لابسان ملابس السواد، كانا يصغيان إلى أقوال صموئيل ~~كل الإصغاء دون أن ينتبه إليهما أحد. # ولما فرغ الأب صموئيل من عظته، وتقدم الناس لتناول القربان، انسل الرجلان من ~~بين الحضور وخرجا مسرعين من الكنيسة، ولم يقفا حتى بلغا شارع كرافانشامل. # وكان الرجلان متفاوتين في العمر، أحدهما السير بترس توين، والآخر قسيس فتى من قسس ~~تلك الطائفة. # فقال القسيس للرئيس: ما رأيك بهذا الأب؟ ~~- أرى أنه لو كان يوجد مثله كثيرون بين كهنة الكاثوليك لجذبوا بسحر بيانهم جميع ~~الإنجليكان. ~~- إذن نحمد الله أنه لا يوجد في لندرا سواه. ~~- نعم، ولكن الأب ms2044 صموئيل استطاع بدهائه من ضم كثيرين إلى مذهبه، وهو أحد الشخصين ~~الذين نخشاهما، وأما الآخر فهو ذاك الشخص الذي عجز بوليس لندرا عن إيجاده، وهو الذي ~~يلقبونه بالرجل العبوس. ~~- ألم ترد إليك رسالة في هذا الصباح من ابنة اللورد بالمير؟ ~~- نعم، وقد قالت لي فيها أن هذا الشخص سيكون في قبضة يدنا بعد ثلاثة أيام، ولكني أريد ~~أن أقبض على هذا الزعيم الثاني الذي يدعونه الأب صموئيل. ~~- وا أسفاه! إنك ترجو المحال يا سيدي فيما أراه أن للمذهب الكاثوليكي مطلق الحرية في ~~أرلندا، وليس لدينا برهان يثبت اشتراك الأب صموئيل مع الثوار الأرلنديين. ~~- هو ما تقول، ولكني حيث كنت أسمع عظته، خطر لي أن الأب صموئيل شديد المطامع لتوقد ~~ذكائه، وإننا نستطيع أن ندخله إلينا من هذا الباب. ~~- ولكنك تعلم أنه شديد الزهد بالمال، وأنه يفرق كل ما يملكه على الفقراء. ~~- قد لا يطمع بالمال، وقد يغره الجاه والرتب، فأساعده على نيل كل ما يريد شرط أن ~~أحادثه ساعة، فقد وضعت خطة أرجو أن تسفر عن الفوز بعد أن أقابله. ~~- أأنت تطلب أن تراه؟ ~~- لست أنا بل أنت. # فدهش القسيس، وقال: أنت يا سيدي على جلال قدرك تقابل مثل هذا الصعلوك، وأنت أعظم رجال ~~كنيستنا، بل أنت الذي تلقي الأوامر سرا حتى إلى أسقف كنتربوري. # فأجابه بجفاء: إن الغاية تبرر الواسطة، وفوق ذلك فإن هذا الشخص من أصحاب العقول ~~الراجحة، وهو في قومه أرفع منزلة مني بين قومي، فاصغ الآن إلى ما ألقيه إليك واعمل ~~بالتدقيق، اعلم أنه يوجد في سوتوارك قرب كنيسة سانت جورج زقاق يدعى آدم ستريت. ~~- إني أعرفه. ~~- وفي هذا الزقاق يوجد ممر يقيم فيه شخص يدعى بادي له امرأة وولدان، وهذه العائلة ~~إنجليكانية، ولكن الفقر قد برح بها حتى اضطرت إلى قبول الصدقات من كاهن كاثوليكي، وهذا ~~هو الأب صموئيل، وقد علمت أنه سيذهب إليها اليوم بين الساعة العاشرة والحادية عشرة على ~~هذا الصباح، فاعمل أن تكون قرب ذلك المنزل في هذا الوقت. # ومتى رأيت الكاهن ms2045 خرج من المنزل تعرض له في الطريق وقل له: «يوجد شخص مشرف على ~~الموت، وهو كاثوليكي المذهب، ولكنه كان يتظاهر أنه إنجليكاني حرصا على مركزه، وهو الآن ~~على فراش الموت، وقد طلب إلي أن أجيئه بكاهن كاثوليكي.» ~~- أتظنه يقبل بالحضور إذا قلت له هذا القول؟ ~~- دون ريب. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تأتي به إلى البيت المجاور لمنزلي أي بيت طباخي. ~~- أيوجد فيه حقيقة شخص يحتضر؟ ~~- نعم وهو طباخي بعينه. ~~- ولكنه من الأرلنديين يا سيدي، وقد طردته حين عرفته. ~~- هو ما تقول، ولكني أرجعته اليوم، بعد أن تعهد أن يخدمني بإخلاص. # فانحنى القسيس، وانصرف لتنفيذ أوامر سيده. # وبعد ساعة كان واقفا في زقاق آدم ستريت، فرأى بعد هنيهة الأب صموئيل داخلا إلى منزل ~~بادي، فوقف عند الباب ينتظر خروجه. # 20 # أما الأب صموئيل فإنه لما قرع الباب رد عليه صوت رجل من الداخل، فسر صموئيل لأنه ~~عرف أنه صوت بادي، وكان سروره أنه خرج من السجن، فلما دخل حياه قائلا: أهذا أنت؟ ~~أخرجت من السجن؟ # فقبل يده باحترام وهو يضطرب، وقال: نعم يا سيدي. ~~- ألعلك دفعت دينك أم هربت؟ ~~- لا هذا ولا ذاك يا سيدي، بل دفعوا عني. # فابتسم الأب صموئيل ابتسامة رضى وقال: يسرني أنه لا يزال يوجد أهل مروءة في بابل التي ~~يلقبونها بلندرا. # فأطرق بادي مستحييا وقال: لا تهنئني يا سيدي بخروجي من السجن، فإنك لو عرفت من أطلق ~~سراحي لما غبطتني. # وهناك أقبلت امرأته وولداه فقبلوا يد الكاهن، فقال بادي لامرأته بجفاء: اذهبي ~~أيتها المرأة إلى السوق واشتري خبزا، وأنتما اذهبا والعبا فإني أحب أن أبقى وحدي مع ~~حضرة الأب صموئيل. # فانصرفت المرأة بولديها على الفور ممتثلة. # أما الأب صموئيل فقد أعجب بلهجة بادي، لما رآه عليه من علائم القنوط، وأما بادي فإنه ~~لبث مطرقا برأسه إلى الأرض إلى أن سمع إقفال الباب الخارجي. # وعندها التفت إلى الأب صموئيل وقال له: إني يا سيدي إنكليزي، ومذهبي إنجليكاني، ولكنك ~~أرلندي طالما أحسنت إلى عائلتي، وحميت ولدي من الموت جوعا، فلا ms2046 أحب أن أسيء إلى أرلندا ~~وأنت منها. # إني يا سيدي كنت سجينا لدين علي قيمته عشرة جنيهات، وهو مبلغ زهيد لدى الكثير من ~~الناس، وأما لدينا فهو يعادل جميع كنوز إنكلترا. # وقد كنت ليلة أمس في السجن فسمعنا الجرس يدق، والأبواب توشك أن تقفل، وإن الإنسان يا ~~سيدي شرير بالطبع، غير أن الشقاء يزيده شرا ويحكم ملكة السوء فيه. # وإني بينما كنت أبكي ذاكرا امرأتي وولدي وما يقاسون من الجوع، كان المسجونون معي ~~يضحكون علي ويهزءون بي، فيقولون لي هو ذا الجرس قد قرع من أجلك، وهذه امرأتك التي ~~ترثي لشقائها قد أتت لتدفع دينك وتخرجك من السجن. # وقد كانوا يقولون ذلك على سبيل الهزء، وفيما هم على ذلك جاءني الحارس، وقال: تعال فقد ~~أتى من ينقذك. # فظننت أنه يهزأ مثلهم، ولكني تبعته إلى أن بلغنا الفسحة، ودهشت حين رأيت ~~نقولا. # فقال الأب صموئيل: من هو نقولا هذا؟ ~~- إنه شخص محتال سيئ السيرة والسريرة، أكرهني الشقاء مرات إلى مشاركته في بعض ~~المهمات. ~~- أهذا الذي أخرجك من السجن؟ ~~- نعم يا سيدي، فلما أطلق سراحي وخرجت وإياه من السجن قلت له: ألعلك أصبحت غنيا ~~وبت قادرا على افتدائي بعشرة جنيهات؟ # فأجابني: كلا، ولكني أرجو أن أكون غنيا في حين قريب، أما الآن فقد عهدوا إلي ~~بمهمة خطيرة إذا فزنا بها كان لنا منها خير وفير، ودفعوا لي قسما مقدما، فرأيت أن ~~أشركك في قضاء هذه المهمة، فنغدو أربعة: أنا وأنت ومكفرسون وجوهان. # ولم يشأ نقولا أن يزيد شيئا على ما قال، فغادرني عند جسر واترلو قائلا: اذهب الآن ~~إلى امرأتك وأولادك، وسنلتقي هنا عند منتصف الليل. # فقال له الأب صموئيل: إنك ذهبت دون ريب إلى هذا الملتقى، فما هي هذه المهمة؟ ~~- هي أن نقبض على شخص أرلندي محكوم عليه بالإعدام، يلقب بالرجل العبوس. ~~- لقد عرفت سبب اضطرابك الآن، ولكن ثق أنهم لا يجدون هذا الشخص الذين يبحثون ~~عنه. ~~- إنك مخطئ يا سيدي؛ لأن نقولا يعرف أنه مختبئ في قبة الجرس في كنيسة ms2047 سانت ~~جورج. # فاصفر وجه الأب صموئيل، ولم يقل كلمة. # وأتم بادي كلامه فقال: إن البوليس قد عرف أيضا هذا المحل الذي يختبئ فيه، فكمن له في ~~الطريق حتى يخرج؛ إذ لا يحق للبوليس الدخول إلى الكنيسة. # وهنا تنهد بادي تنهد الآسف الحزين، وركع أمام الأب صموئيل فقال له: إني يا أبي ~~لا أخدع من يحسن إلي، فأنقذ هذا الشخص قبل أن يقبضوا عليه. # فسر الكاهن من إخلاصه، وقال له: إنك رجل شريف طاهر السريرة يا بادي، وسنكافئك عن ~~هذا الإخلاص، فقل كم هي حصتك من جائزة القبض على الرجل العبوس؟ ~~- مائة جنيه. ~~- إن أرلندا فقيرة، ولكنها على فقرها لا تتقاعس عن مكافأة المخلصين لها، فسأحضر لك ~~مائة جنيه يوم الأحد القادم. # ثم أخرج جنيها من جيبه ودفعه لبادي، فأبى أن يأخذه وقال: لسنا بحاجة إلى النقود؛ لأن ~~نقولا أعطاني مقدما جنيهين، وهما يكفيان لنفقات أسبوعين، فادفع هذه الصدقة لمن هو ~~أتعس منا. # فتأثر الكاهن من كلامه، ورد المال إلى جيبه، ثم صافحه مودعا وهو يقول: إنك ~~إنسان طيب السريرة، وسيجازيك الله عما فعلت. # وبعد أن ذهب الأب صموئيل عادت امرأة بادي، فلقيته واضعا رأسه بين يديه، والدمع ~~يترقرق في عينيه، فقالت له: ماذا حصل أوثق الكاهن مما قلته له، إذن ستكون مس ألن راضية ~~عنا؟ # فغضب بادي على امرأته وتهددها بقبضة يده، ثم عاد إلى نفسه فقال: ويح لنفسي ما ~~أشقاها! # فأجابته امرأته بضحك قوي، ثم قالت له: لا ريب أنت ساذج القلب كما أراه من علائم ~~الندم. وعلام الندم، أعلى ما قبضته من مس ألن؟ إن الفقراء لا يندمون إلا على ما ~~يفوتهم، ومن كان مثلنا يجب عليه خدمة من يقيه الشر والعوز. # فلم يجبها بادي بشيء، ولكنه برح المنزل فذهب يتنزه على شاطئ النهر تفريجا ~~لكربته، فإن خيانته للكاهن نغصت عيشه، وكاد يقتله تقريع الضمير. # 21 # أما الأب صموئيل فإنه خرج من منزل بادي وهو ضيق الصدر مضطرب البال، لخوفه على الرجل ~~العبوس، بعد أن وثق أن البوليس ms2048 قد عرف مكان اختبائه. # غير أن خوفه من الذين اتفقوا على القبض عليه لنيل الجائزة كان أشد من خوفه عليه من ~~البوليس، فإن كان الإنكليزي يطمع بالمال يقدم على جسام الأمور ولا تعترضه ~~الصعاب. # ولذلك كان أول ما خطر له حين خروجه من منزل بادي أن يسرع إلى كنيسة سانت جورج لإنذار ~~العبوس. # وكانت الكنيسة قريبة من المنزل الذي خرج منه، فلما خرج ذهب توا إلى الكنيسة. # وكان القسيس الذي أرسله بترس توين ينتظر خروج الأب صموئيل في عطفة الزقاق كما تقدم، ~~فرآه مصفر الوجه شديد الاضطراب حين خروجه، ثم رآه قد سار في طريق الكنيسة معارضا ~~الطريق الذي كان ينتظره فيه، فلم ير من الحكمة أن يناديه. # ولكنه تبعه مقتفيا أثره، وكان الأب صموئيل يسير مسرعا غير منتبه إلى القسيس لشدة ~~اضطرابه، حتى وصل إلى الكنيسة فدخل إليها، وبقي القسيس منتظرا في الخارج وهو يقول في ~~نفسه: سأنتظر إلى أن يقضي شأنه في الكنيسة، فلا بد له من الخروج منها. # أما الأب صموئيل فإنه دخل توا إلى الكنيسة، وكان الناس لا يزالون مزدحمين فيها، ~~فصعد مسرعا درجات السلم المؤدية إلى قبة الجرس، ودخل إلى الغرفة التي يبيت فيها ~~العبوس، فلقيه نائما نوما هادئا، وظهرت على محياه سيماء البشاشة. # وزاد اضطراب الأب صموئيل لما رآه عليه من ظواهر الدعة والاطمئنان، وقال في نفسه: قد ~~يكون نائما مثل هذا النوم إذا فاجأه أولئك الأشقياء هذه الليلة. # ثم دنا وهز كتفه برفق، ففتح العبوس عينيه، ونظر إلى الأب صموئيل مبتسما، فجلس في ~~سريره وقال له: أسألك المعذرة إذ لقيتني نائما؛ لأني لم أكن أنتظر زيارتك. # ثم تأمل محيا الأب صموئيل فراعه اصفراره، فقال له: ماذا حصل؟ وما دعاك إلى هذا ~~الاضطراب؟ # فرد صموئيل خائفا: إنهم عرفوا مكانك. ~~- هذا الذي كنت أتوقعه، فقل لي يا سيدي ماذا حصل؟ وكيف عرفت ذلك؟ # فقص عليه الأب صموئيل عندها جميع ما سمعه من بادي. # فقال له الرجل العبوس: لقد قلت لك إني كنت أتوقع ذلك؛ لأن ms2049 شوكنج قد وقع أول أمس في ~~قبضة أولئك الأشقياء، ونجا منهم، وكان بينهم بادي، ولكن ألم تقل لي الآن أن بادي خرج ~~من السجن ليلة أمس؟ ~~- هذا ما قال لي. ~~- ولكنه كاذب فيما قاله؛ لأنه خرج من السجن منذ يومين، ولا أدري قصده من كذبه، كما ~~أني لا أعلم الآن غايته من خيانة رفاقه بغية إنقاذي، ولكني سأقف على الحقيقة ~~غدا. # فبهت صموئيل لما رآه من سكينة العبوس وقال له: ولكنك لا تبقى هنا على الأقل. # فابتسم العبوس، وقال: بل أبقى هنا، أي إني أعود في المساء، أما الآن فإني مضطر إلى ~~الذهاب إلى هايد بارك. ~~- لأي غرض؟ ~~- لأقابل مس ألن. ~~- لتقابل ابنة اللورد بالمير ألد أعدائك؟! ~~- نعم، إني أريد أن أجعلها من أخلص الخادمين لأرلندا. # ثم نزل من سريره، ففتح حقيبة ملابس كانت في الغرفة، وقال للأب صموئيل: إنك إذا نزلت ~~إلى الكنيسة، وأقمت فيها هنيهة أمر بك فتراني ولا تعرفني، وإنما أقول لك هذا كي تطمئن ~~علي؛ لأني لا أخاف أولئك الكامنين لي. # فهدأ بال الأب صموئيل لسكينة العبوس، ونزل إلى الكنيسة فركع عند باب الهيكل قرب مدخل ~~السلم المؤدي إلى القبة، بينما كان العبوس منهمكا في تغيير زيه. # 22 # لبث الأب صموئيل راكعا عند باب الهيكل، وهو ينظر من حين إلى حين إلى مدخل السلم ~~راجيا أن يرى العبوس، فلم يره حتى انتهت الصلاة، وأخذ المصلون يخرجون من ~~الكنيسة. # وعند ذلك رأى شخصا دنا منه وحياه، وركع أمام باب الهيكل، فرد الأب تحيته دون أن ~~يكترث به ورأى أنه لا يعرفه. # وكان لابسا ملابس بسيطة، ولكن في غاية التأنق، وفي خنصره خاتم ثمين من الماس، وفي ~~يده كرباج قبضته من الفضة. # وكان أسود الشعر والعينين، غير أن هيئته كانت تدل على أنه من الإنكليز، فركع وصلى ~~صلاة قصيرة، ثم نهض وحيا الكاهن مرة ثانية، ومشى إلى الباب الخارجي ببطء. # وإن الشعب الكاثوليكي في لندرا شديد الفقر؛ لأن معظمه من الأرلنديين، فعجب الأب ~~صموئيل لما رآه من ظواهر ms2050 غنى هذا الرجل، وأخذ يراقبه وهو منذهل أشد الانذهال. # حتى إذا خرج هذا الشخص من الكنيسة إلى الفسحة الخارجية رأى خادما أيكوسيا يمسك ~~بيده لجام فرس كريم، فزاد دهش الأب صموئيل حين رأى الخادم أسرع بالفرس إليه وقدم له ~~اللجام بكل احترام. # ووثب الرجل إلى ظهر الجواد ولكنه لم يسرع بالسير؛ لأن فقراء الأرلنديين تجمهروا حوله ~~ومدوا أيديهم له مستعطين، فأشار إلى خادمه أن يوزع عليهم الصدقات بسخاء عظيم. # ثم دنا منه جندي شيخ فقير، قطعت يداه في المعارك، وسأله الإحسان فأعطاه جنيهين، ~~وقال له، مشيرا إلى الأب صموئيل: أتعرف هذا الكاهن؟ ~~- نعم، فهو الأب صموئيل. ~~- اذهب وقل له يدنو مني. # وكان الأب صموئيل لا يزال ينظر إليه معجبا بما يراه، ففهم من الإشارة ما يريده، وأتى ~~إليه بنفسه، فأخذ الرجل محفظة ملأى بالأوراق المالية من جيبه وقال له: أتأذن لي يا حضرة ~~الكاهن أن أقدم لك هذه الهبة للكنيسة؟ # فاشتدت دهشة الأب صموئيل، ولكن دهشته هذه المرة لم يكن لما رآه من سخاء هذا الإنسان، ~~بل لما قد سمعه من صوته، فقد ذكر أن هذا الصوت صوت الرجل العبوس، فإنه لم يبق من ~~دلائل الشبه به غير هذا الصوت. # ولما رأى الأرلنديون الأب صموئيل يحادث هذا الشخص النبيل، ابتعدوا عنهما ~~احتراما. # فقال الرجل العبوس للكاهن وهو يبتسم: إذا كنت أنت لم تعرفني بعد هذا التنكر، فكيف ~~تخاف أن يعرفني البوليس، وأولئك الكامنون لي للقبض علي فاطمئن؛ لأني لو أردت لجئتك في ~~هذا المساء شيخا عجوزا يلتمس منك صدقة فلا تعرفه. # وعندها حياه وسار بجواده وهو لا يزال ينثر المال على أولئك البؤساء، فتفرق الناس ~~تباعا بعد هنيهة وتوارى العبوس عن الأنظار ، ولم يبق في تلك الفسحة غير الأب صموئيل، ~~وهو تائه في بوادي الأفكار. # وكان القسيس الذي أرسله بترس توين إلى الأب صموئيل ينتظر منذ ساعة، فلما رأى تفرق ~~الناس والكاهن وحده في الكنيسة، دخل إليه ودنا منه، فذعر الأب صموئيل حين رآه؛ لاستفحال ~~العداء بين قسس الإنجليكان وكهنة ms2051 الكاثوليك في ذلك الوقت. # غير أن القسيس لم يكترث لهذه الظواهر، فدنا منه وحياه بملء البشاشة ~~والاحترام. # ثم قال له: إننا يا سيدي الكاهن مهما بلغنا من الافتراق، فإننا نأتلف بجامعة الحنان ~~حين يدعونا الواجب المقدس إلى مساعدة الإنسان. # فرد عليه صموئيل تحيته، وقال: لقد أصبت يا سيدي، إن افتراق كلمتنا بالمذهب لا يمنع ~~اجتماعنا في المبدأ. ~~- إني ذهبت في البدء إلى كنيسة سانت جيل، ولما لم ألقك فيها أتيتك إلى هنا، ~~ولقد اتفق لك كثيرا يا سيدي، فيما نعلم أنك كنت تساعد بنقودك واعتنائك كثيرا من ~~الذين أخنى عليهم الدهر من أهل طائفتنا. ~~- إن جميع الناس إخوان. ~~- ونحن أيضا يا سيدي نجري على مبدئك، ودليل ذلك أنه يوجد الآن بين يدينا شخص تعس ~~كاثوليكي، وهو في حالة النزع، وقد بذلنا له كل ما يمكن بذله من الجهد والعناية تعزية ~~له عما هو فيه، ولكنه حين رأى نفسه مشرفا على الموت سألنا أن ندعوك إليه ليعترف، ~~ولا أظنك تأبى الذهاب معي إليه يا سيدي. ~~- كيف أرفض، ومن يرفض مساعدة شخص يحتضر؟ ~~- إذن هيا معي. # فخرج الاثنان ولقيا مركبة أجرة، فركبا بها وسارا. # 23 # ولم يكن الأب صموئيل يعلم إلى أين يسير به القسيس، إلى أن وصلت بهما المركبة إلى ~~الجسر، فأمر القسيس السائق أن يتجه إلى كنيسة سانت بول. # فأجفل الأب صموئيل، وقال له: كيف يكون ذاك الشخص كاثوليكيا وهو في كنيستكم؟ ~~- لا أعلم، وما أنا إلا منفذ لأوامر السير بترس توين، فهو الذي أرسلني. # فلم يجبه الأب صموئيل، ولكنه غرق في بحار الهواجس ولم يفه بكلمة، حتى وصلت ~~المركبة إلى كنيسة الإنجليكان، فنزل الكاهنان منها ودخلا إلى الكنيسة، وكانت أول مرة ~~يدخل فيها الأب صموئيل إلى كنائس الإنجليكان. # وكان للكنيسة سلم يؤدي إلى منزل السير بترس توين، وهو طويل يبلغ مائة درجة. # فقال له القسيس: إن الشخص المريض يا سيدي في منزل السير بترس توين، فاصعد هذا السلم ~~إليه تجده هناك مع المريض. # فبقي القسيس في الكنيسة وصعد الأب ms2052 صموئيل، حتى إذا انتهى من درجات السلم الطويل، لقي ~~السير بترس توين واقفا عند باب غرفة، فأحسن استقباله وقال له: تعال معي فإن المريض في ~~هذه الغرفة. # ودخل الأب صموئيل في إثره، فلقي سريرا فيه شخص تبدو عليه علائم قرب الموت. # وعند ذلك خرج السير بترس توين وهو يقول للأب صموئيل: إن المسكين يا سيدي يود أن يعترف ~~فاسمح لي إذن أن أدعكما منفردين، وستراني عند انصرافك في انتظارك كما رأيتني حين ~~قدومك. # ثم خرج فأقفل الأب صموئيل الباب، وعاد إلى ذلك المريض فتأمله وعرفه، فقال له: كيف ~~فاجأك المرض وقد كنت معافى، وكيف عدت إلى خدمة هذا الزعيم بعد أن طردك؟ # فرد الأرلندي بصوت منخفض: اصغ إلي يا سيدي، فقد أمروني أن أمثل هذا الدور كي ~~يحتالوا عليك بالحضور إليهم، فلم أجد بدا من الامتثال؛ لأنهم أنذروني بالقتل، وكنت ~~في قبضتهم. # أما أنا فلا أخون الأرلنديين، واعلم أن زعيم الإنجليكان إنما أرجعني إلى خدمته لهذه ~~الحيلة، ولا أعلم ما يريدون منك، ولكن يجب أن تحذر منهم كل الحذر، فإنهم سقوني شرابا ~~لا أدري ما هو فأصبت بعده بالحمى، وأصبحت كما تراني غير أني لم أفقد صوابي، ولهذا ~~احرص من هؤلاء الأشرار. # فعجب الأب صموئيل للمكيدة ولم يعلم الغرض منها، فأقام نحو نصف ساعة مع الأرلندي يسأله ~~أسئلة مختلفة عله يقف على شيء من أسرار هذه الحيلة، ولم يهتد إلى مراد. # وكان السير بترس توين واقفا عند باب الغرفة ينتظر خروج الأب صموئيل من عند المريض ~~وهو يحسبه يعترف. # فلما عجز الأب صموئيل عن الوقوف على خفايا المكيدة من الأرلندي، خرج من عنده مصفر ~~الوجه، ولكنه ثابت الجأش مستعد لمقاومة كل ما يتوقعه من الأخطار، فلقيه السير بترس توين ~~قرب الباب، وقال له: تعال معي يا سيدي؛ إذ يجب أن أحدثك في بعض الشئون. فتبعه الأب دون ~~أن يجيبه. # إن كنيسة بول مبنية فوق قمة عالية، وهي مرتفعة البناء بحيث إن المطل منها تظهر له ~~لندرا بجملتها؛ لإشرافها عليها من ms2053 كل جهاتها. # وقد ذهب السير بترس توين بالأب صموئيل إلى سطح الكنيسة، كما ذهب الشيطان بالسيد ~~المسيح إلى قمة الجبل لإغوائه، فقال له: انظر إلى ما يمتد إليه بصرك. # فقال له الأب صموئيل: لماذا تريد أن أنظر إلى لندرا؟ ~~- إن لندرا سيدة العالم، وهذه الكنيسة التي تقف الآن فوق سطحها سيدة لندرا، إنك يا ~~سيدي لا تزال في مقتبل الشباب، وأنت متوقد الذهن، ذكي الفؤاد، فصيح اللسان، لم لا ~~تكون عظيما كما تقتضيه نفسك العظيمة؟ # فبهت الأب صموئيل، وقال: إني لا أفهم ما تقول. ~~- لا أسألك أن تنظر إلى ما تحت قدميك، بل انظر هناك، في الجهة الغربية، إلى ذلك القصر ~~الشاهق العظيم، الذي لا يحجبه الضباب عن الأنظار، ألا تراه؟ ~~- نعم، فهو قصر لمبث بالاس. # فقال له السير بلهجة العظمة والكبرياء: إن هذا القصر يقيم فيه رئيس طائفتنا، وهو قصر ~~فخيم، وشيت جدرانه بالذهب، وبنيت سلالمه بالمرمر، إني أقدم لك هذا ~~القصر. # فرجع الأب صموئيل خطوة إلى الوراء، ونظر إليه كما نظر السيد له المجد إلى الشيطان حين ~~قال له إني أهبك مملكة الأرض. ثم قال له: ألي أنا تريد أن تمنح هذا القصر؟ # وقد قال له هذا القول بلهجة المضطرب، فحاول السير توين أن يستفيد من اضطرابه وقال: ~~انظر إلى هذه المدينة الواسعة التي يدعونها لندرا، إنها عاصمة إنكلترا، بل عاصمة ثلاث ~~ممالك، بل هي عاصمة العالم بأسره، فإنك في أي مكان جلت فيه من المعمورة حتى الصحارى، ~~وفي أي ماء مخرت فيه من البحور إلى الغدران والخلجان، تجد الراية الإنكليزية خافقة تشير ~~إلى ما بلغناه من العظمة. # إن لندرا سيدة البلاد تسود عليها سلطتان إحداهما سلطة النبلاء، والثانية سلطة رجال ~~الدين، فيتولى رئيس الوزراء إحداهما، ويتولى أسقف كنتر بوري عامة الأخرى، أتريد أن تكون ~~يوما خليفة هذا الأسقف وتصبح رئيس رجال الدين في بلاد الإنكليز؟ إن توقد ذهنك يدل على ~~أن الله إنما خلقك لتكون من قادة الأفكار ورسل الهدى، فلا بد أن تكون نفسا طامحة إلى ms2054 ~~العلاء، فدع هذا المذهب العتيق، فقد صدأ لما تعاقب عليه من الدهور، وتخلى عن هذه ~~الكنيسة القديمة، وهلم إلينا تجد عندنا ما تطمع فيه من مجد وهناء. # فاستحال انذهال الكاهن إلى احتقار، ولكنه لم يفه بكلمة، فحسب السير توين أنه ~~تمكن من إغوائه، فاندفع في حديثه يحاول إتمام الغواية وقال: إنك نشئت على المذهب ~~الكاثوليكي وصرت كاهنا في عهد شبابك، وخدمت مذهبك بملء الغيرة والإخلاص، فقل لي ماذا ~~لقيت من الفوائد؟ فإنك تعظ أولئك الأرلنديين الفقراء وتعيش فقيرا مثلهم، وتخدم مبدأهم ~~الذي لا بد أن يكون نصيبه الفشل، أيروق لك أن تفني شبابك وأنت على ما عرفت به من الذكاء ~~في خدمة مبدأ لا رجاء بفوزه، وتنفق العمر معدما فقيرا؟ # تعال إلينا تجد الثروة قد فتحت لك أبوابها، والنعم مغدقة عليك من كل صوب، والأماني ~~تبتسم لك أين سرت، فلا يمر بك عهد قريب حتى تصبح أحد ذينك السائدين على لندرا، بل على ~~إنكلترا بأسرها. # وهنا لم يسع الأب صموئيل السكوت، فقال له بصوت مختنق: إذن أنت تسألني أن أستبدل ~~مذهبا بمذهب؟ # فأجابه السير بملء القحة: بل أريد أن تعتقد اعتقادا راسخا بأفضلية مذهبنا، وتعتنقه ~~باختيار واعتقاد. # وعند ذلك خطا الكاهن إلى السير توين، فأخذ يده وقال له: اصغ إلي يا سيدي كما أصغيت ~~إليك. # وقد انقلب الأب صموئيل فجأة من حال إلى حال، فاتقدت عيناه بأشعة الغضب وتهدج صوته، ~~حتى إن السير بيترس توين أطرق بنظره إلى الأرض، كأنه لم يطق أن يتحمل نظراته. # أما صموئيل فإنه مشى بمحدثه خطوة وأراه أيضا لندرا، فقال له: نعم، لقد أصبت فإن ~~لكم القصور الباذخة الموشاة جدرانها بالذهب، ولكم البحار وما فيها من الجواري والمنشآت ، ~~ولكم السيادة التجارية في جميع أرجاء العالم. # إنك أريتني يا سيدي لمبث بالاس والبرلمان ووستمنستر، وأنا أرجوك أن ترسل نظرك إلى ~~أبعد من هذه الأماكن في جهة الشمال، وتطلقه حول تلك المنازل الحقيرة، ألا ترى بينها ~~تلك الكنيسة البسيطة التي تدعوها كنيسة سانت جورج؟ # إن هذه الكنيسة ms2055 لنا يا سيدي، وهي تعادل كنيسة القديس بطرس في روما، وإن الهيكل الذي ~~نصلي فيه هو نفس الهيكل الذي كان يصلي فيه الكهنة المسيحيون الأولون منذ ثمانية عشر ~~قرنا. # وبعد، فكيف تحدثني بقدم مذهبنا، ومتى كان طول العهد بالمذهب شأنا له؟ ألا ترى أن ~~شيعتكم قد أسست منذ الأمس، فما مر بمذهبكم الجديد نصف قرن حتى تشعب إلى طوائف، ~~وبتم أنتم أخوان تتقاتلون اقتتال الأعداء، يبتدع الزعيم منكم بدعة فيلتف حوله الناس، ~~وفي كل يوم لكم بدعة، أما نحن فليس لنا غير هيكل واحد. # ثم إنكم تضعون في كنائسكم صور عظماء رجالكم من القادة والأمراء، أما نحن فإننا نضع ~~تماثيل زعماء كنيستنا الأقدمين، فإنهم لم يبلغوا هذا المبلغ من الإكرام عندنا إلا ~~لثباتهم في الإيمان. # ومهما يكن من أمر كنيستنا الأرلندية وضعفها، فإنها تثبت ثبوت الجبل الراسخ مهما هبت ~~عليها العواصف؛ ذاك لأن إيماننا خالد أبدي لا يتزعزع. # إنك تريني مملكتكم وقصوركم، وأنا أريك منازلنا الحقيرة المحيطة بكنيستنا الفقيرة، ~~ولكني أقول لك إننا على فقرنا أغنى منكم على ثروتكم، ولو خيرنا لما رضينا بغير هذا ~~الفقر، فإنه مع إيماننا الصادق خير من مجدكم الباطل. # وكان الأب صموئيل يقول هذا القول بصوت رنان يشبه صوت أوتار الأرغن، وقد اتقدت عيناه ~~ببارق من الغضب حتى خشي السير بترس توين أن يعترضه، ولم يجسر على النظر إليه. # أما الأب صموئيل، فإنه وقف في حديثه عند هذا الحد، وأشار إلى السير توين إشارة ملؤها ~~العظمة والكبرياء، فابتعد السير توين من طريقه وخرج الأب مرتفع الرأس شامخ الأنف، فنزل ~~من سلم المنزل إلى الكنيسة ومنها إلى الشارع. # وكان القسيس الذي أتى به لا يزال واقفا في مكانه ينتظر أوامر رئيسه، فلما رأى الأب ~~صموئيل على هذه الحالة، أيقن أنه قد حدث بينه وبين رئيسه أمر خطير. # وأسرع إلى سطح الكنيسة فرأى السير توين واقفا متكئا على الشرفة ودلائل الاضطراب ~~بادية عليه، ولم يشعر بقدوم القسيس، ولم يجسر على مفاتحته بالحديث إلى أن حانت التفاتة ~~من ms2056 الزعيم ورأى القسيس، وقال له بلهجة الغاضب الحاقد: إن هذا الكاهن بات من ألد أعدائنا ~~فقد فشلت معه، لكني سأسحقه سحق الإناء، وسيكون القتال شديدا بيننا. # ثم ضم يديه وأشار بهما إلى كنيسة سانت جورج، وقال: الويل لأبناء هذه الكنيسة ~~ولزعيمهم، فسيكون لهم معي شأن تذكره بعدي التواريخ. # 24 # ولندع الآن الأب صموئيل خارجا من الكنيسة، والرجل العبوس ذاهبا إلى هايد بارك ~~على أمل أن يرى مس ألن، ولنعد إلى جوهان ونيقولا، اللذين كانا يحاولان القبض على ~~العبوس. # فإن بادي تربص معهما قسما من الليل، ثم قال لهما: إنكما مخطئان، فإن العبوس غير ~~مقيم في القبة. # فقال له نيقولا: أين تظنه مختبئا؟ ~~- ذلك سري فلا أبوح به. ~~- ولكننا الآن شركاء، فلا حق لك أن تكتم عنا أمرا إنما اشتركنا من أجله. # فقال له بادي: أرجوك أن لا تستاء مني، وأن تصغي إلي، فإني حين لقيتكم كنت أنا ~~أيضا متعهدا بالقبض على الرجل العبوس، ولكني لم أكن أعمل لأجلي. ~~- لأجل من؟ ~~- لأجل شخص غني قادر أن يدفع أضعاف ما يدفعه البوليس من المكافأة، وقد قلت لكم الآن ~~إني أعلم أين يختبئ العبوس. ~~- إذن لماذا لا ترشدنا إلى مكانه. ~~- لا أستطيع أن أرشدكم إليه قبل أن يأذن لي الذي أخدمه، ولا تخشيا خسارة الجائزة، ~~فإنكما ستنالان ضعف ما ترجوان. # وكان بادي يتكلم بلهجة تشف عن الصدق والإخلاص، فوثق به نيقولا وقال له: متى ترى هذا ~~الشخص الذي تخدمه؟ ~~- في هذه الليلة، وأنا ذاهب الآن. ~~- ومتى نراك؟ ~~- حيث تريدان. # فقال له نيقولا: إذن تجدنا هنا عند ضفة النهر، فإننا سننام في أحد القوارب. ~~- وأنا سأوافيكما. # ثم تركهما وانصرف. # وقد عرف القراء ما حدث لبادي، فإنه تركهما وذهب إلى المس ألن، ففتح لها الدهليز كما ~~قدمناه. # وقد كان بادي أخبرها بما حدث، فأمرته أن يخبر الأب صموئيل بأن البوليس علم مكان الرجل ~~العبوس، وأطلقت سراحه، فغيرت بذلك جميع الخطة التي اتفق عليها مع رفيقيه. # أما جوهان ونيقولا، فإنهما انتظرا بادي مدة طويلة إلى أن ms2057 دب النعاس في أجفانهما، ~~فناما في القارب واستيقظا بعد نوم طويل، فلم يحضر بادي مع أنه عاهدهما على ~~الملتقى. # واستاء جوهان واشتدت ظنونه ببادي، وقال لرفيقه: إني أرى غير ما رأيته من هذا الرجل، ~~فهو إما يهزأ بنا أو أنه يخوننا. # فقال له نيقولا: وأية فائدة له من خيانتنا؟ ~~- إنه يخدم الأرلنديين، ألا تعلم أين يقيم؟ ~~- إنه يقيم في زقاق من أزقة آدم ستريت. ~~- إذن هلم نذهب إليه فنقف على الحقيقة. # فوافقه نيقولا، وذهب الاثنان إلى شارع آدم ستريت. # وكانت الساعة التاسعة صباحا، أي في الوقت الذي أقبل فيه الأب صموئيل لمنزل بادي، ~~فرآه جوهان حين ذهابه، وهز يد رفيقه وقال له: انظر ألا ترى الرجل اللابس السواد، ~~ألا تعلم من هو؟ ~~- إنه الأب صموئيل الأرلندي، بل زعيم الأرلنديين، ولا شك أنه يعرف مقر العبوس، فلم ~~لا نتبعه بدلا من أن نسير إلى منزل بادي. # فوافقه أيضا وسارا على بعد بضع خطوات من الكاهن يقتفيان أثره. # ثم رأياه قد وقف عند منزل بادي ودخل، فاضطربا ونظر جوهان إلى نيقولا وقال له: لم ~~يبق لدي ريب أن بادي يخدعنا، ما زال الأب صموئيل قد دخل إلى منزله. # وبعد هنيهة رأيا امرأة بادي وولديه قد خرجوا من المنزل، فمر جوهان بالمنزل ونظر ~~نظرة الفاحص من إحدى نوافذه، فرآه يصافح بيده يد بادي ويهزها، وقد ظهرت على وجهه علائم ~~الامتنان. # ونادى رفيقه بالإشارة وقال له: انظر أعندك شك بعد أنه من الخائنين؟ ~~- ما زال الأمر كذلك فلا بد من عقابه، وهنا تحالف الرفيقان واتفقا على قتل ~~بادي. # ثم انصرفا على أن يعودا في المساء، فإن القتل أستر في الظلام. # وبعد حين، عادت امرأة بادي فجعلت تحادثه بما سيناله من الثروة في خدمة مس ألن، بينما ~~كان جوهان ونيقولا يتآمران على قتله. # 25 # ولنعد الآن إلى الرجل العبوس، فقد تركناه خارجا من كنيسة سانت جورج ممتطيا ~~فرسا كريمة، وقد بالغ في التنكر حتى إن الأب صموئيل نفسه لم يعرفه إلا من صوته. # وسار بجواده ms2058 خببا إلى وستمنستر، واجتاز شارع التلغراف، ودخل إلى الحديقة الملكية عند ~~الظهر. # والعادة في لندرا أن الأشراف يتنزهون في هايد بارك في أواسط النهار، فإذا بزغت الشمس ~~واخترقت أشعتها ضباب لندرا الكثيف، أقبل الفرسان والفارسات إلى تلك الحدائق إقبال ~~العطاش على موارد الماء. # وقد صفا الجو في ذلك اليوم بعد الصفاء، فلما قدم العبوس رأى كثيرا من الناس قد سبقوه ~~إلى تلك الحدائق الغناء، فجال بينهم واستلفت فرسه أنظار الجميع لندور الجياد الأصيلة ~~في بلاد الإنكليز. # وكان جماعة من الفرسان مجتمعين حين مر بهم العبوس، فاختلفوا بين أن يكون ~~إنكليزيا، أو فرنسيا، أو أميركيا، وكان اختلافهم مؤديا إلى الرهان حسب عادة ~~الإنكليز، فلا أحب إليهم من الرهان. # وقد طال خلافهم حتى قال بعضهم: إنه هندي. # وقال آخرون: بل إنه برازيلي. # وكان بينهم شاب يدعى البارون إدموند فقال لهم: إني أعرف هذا الرجل، فهو روسي يدعى ~~الكونت ر. وهو عاشق مفتون بالمس ألن ابنة اللورد بالمير. # فاعترضه أحد الحاضرين، وقال له: ما هذه القصص التي ترويها يا إدموند. ~~- إني لا أستنبط، بل أروي الحقيقة، فإنكم تعلمون أن مس ألن أجمل فتاة في بلاد ~~الإنكليز، وقد ردت كل خطابها، وليس فيهم غير الغني النبيل، ألا تذكرون حكاية ابن ~~اللورد س. وكيف أنه حاول الانتحار من أجلها في العام الماضي؟ # فرد أحدهم: بل نذكر أيضا البارون وليم الذي سفك دمه منتحرا في سبيل ~~غرامها. ~~- إذن فاعلموا أن مس ألن سافرت على إثر هذه الحادثة إلى إيطاليا، وأقامت فيها عامين ~~وهنا يبدأ تاريخها. # وقال الجميع: بالله ارو لنا شيئا من أخبارها. ~~- أروي لكم ما تعلق بهذا الروسي، فأنها أقمت شهرا في موناكوا، وهذه المدينة ~~يزورها كثير من الروسيين كما تعلمون، وخلبت في هذا الشهر عقل الكونت، وأقسمت على أن ~~يتزوجها. # قال أحدهم: أتظن أن هذا الرجل الذي مر بنا هو الكونت الروسي، وكيف تؤيد ~~رأيك؟ ~~- بأمر بسيط، وهو أن مس ألن لم تأت إلى هايد بارك منذ ثلاثة أشهر، وهي قد أتت ~~اليوم. # ورد ms2059 أحدهم: لقد أصبت، فقد رأيتها الآن داخلة من ويث هال. # وقال آخر: إن قولك هذا لا يبرهن على شيء. # فاعترض عند ذلك واحد منهم، وقال: إنكم تستطيعون عقد الرهان أيها السادة، وأنا أراهن ~~مع إدموند وأثبت صحة ما قاله. # وكان المعترض فتى يدعونه المركيز لاكروا، فقالوا له: كيف تثبت ذلك أيها ~~المركيز؟ ~~- ذلك سهل ميسور لدي، فإني أذهب إلى مس ألن نفسها وأسألها، فإني من أصدقائها. # وقال له أحدهم ممازحا: ولكنك لا تتزوجها فيما أعتقد. ~~- معاذ الله، فإن زوج مس ألن لا يكون زوجا لها بل عبدا. # وعند ذلك تراهن الفريقان على ألف جنيه، فقال قسم منهم إن العبوس هو الكونت الروسي ~~عاشق مس ألن، وقال الفريق الآخر إنه ليس روسيا ولا عاشقا. # ولما تم الاتفاق على الرهان بينهم، لكز المركيز بطن جواده، وسار مقتفيا أثر مس ألن ~~حتى أوشك أن يدركها، فالتفتت إلى ورائها وعرفته فحيته وهي تحسب أنه سيمر بها دون أن ~~يكلمها، ولكنه حين وصل إليها جعل جواده محاذيا لجوادها، وقال لها: إني عقدت رهانا ~~يا مس ألن. ~~- ما هو هذا الرهان؟ ~~- هو أن الكونت الروسي في لندرا، وأنه الآن في هايد بارك، وقد أتى ليراك. # فابتسمت وقالت: إن هذا الكونت قد هام بي في موناكو، ولكنه نسيني الآن دون شك. ~~- ولكن ذلك محال يا سيدتي، فإنه في لندرا. ~~- ألا يمكن أن يكون أتى إليها لغير مهمة الغرام؟ ~~- ومع ذلك فإنه الآن معنا في هذه الحدائق. ~~- ألعلك تعرفه؟ ~~- كلا، ولكننا رأينا فارسا مر بنا لا يعرفه أحد منا، غير أن السير إدموند يقول ~~إنه الكونت. ~~- وأين هذا الفارس؟ ~~- هو الذي أمامك على فرسه الأسود ووراءه خادم. # فنظرت إلى حيث أشار فرأت ذلك الفارس أي الرجل العبوس، فقالت: إني بعيدة جدا عنه ولا ~~أرى وجهه، فلا أستطيع أن أعلم إذا كان هو الكونت، فهل تريد أن تصحبني لأدركه؟ ~~- حبا وكرامة يا سيدتي. # ودفعت عند ذلك فرسها، وانطلق انطلاق الريح والمركيز يتبعها، ولكنه لم يركض بها هنيهة ~~حتى أوقفته ms2060 فجأة؛ لأنها اقتربت من الرجل العبوس وعرفت فرسه والخادم الذي كان ~~يتبعه. # فانذهل المركيز وسألها: لماذا أوقفت الجواد؟ # فاصفر وجه الفتاة، ولكنها تجلدت وابتسمت؛ إخفاء لاضطرابها ثم قالت: إنك تعلم ~~يا حضرة المركيز إني غريبة الأخلاق، فأنا أريد منك الآن أن تبقى هنا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أريد أن أدنو من هذا الرجل وحدي، فإذا كان هو الكونت الروسي أو لم يكن عدت ~~إليك، فتعلم إذا كنت خسرت الرهان أو كنت من الرابحين. ~~- ليكن ما تريدين. # فتركته مس ألن واقفا في ظل شجرة، وأرخت لجوادها العنان، فاندفع في إثر الرجل ~~العبوس. # 26 # أما العبوس فإنه رأى مس ألن تتبعه فدفع جواده مسرعا إلى أحد أبواب الحديقة؛ كي تقرب ~~المسافة ويسهل عليه الخروج حين الاقتضاء. # وتبعته مس ألن مسرعة أيضا، وهي بين الشك واليقين في أمره، فإنها وثقت أنه هو بعينه ~~حين رأت الجواد وخادمه، ولما دنت منه وتبينت وجهه صاحت صيحة دهش، وانذهلت ذهولا ~~شديدا حين رأت أنه غير العبوس الذي تعرفه. # ولم يتمالك العبوس عن الابتسام، ونظر إليها تلك النظرات المكهربة، فغضت بصرها وهي ~~تقول في نفسها: لا شك أنه هو بعينه، فإذا كان قد غير وجهه فإنه لم يغير ~~عينيه. # وكان العبوس عند ذلك دنا منها بجواده، وحياها بصوت رخيم كشف النقاب عن تنكره؛ إذ ~~عرفته أيضا من صوته، فقال لها: أسألك العفو يا مس ألن، فإني اضطررت إلى هذا ~~التنكر. # فقالت له معجبة: أهذا أنت أيضا؟ ~~- نعم وسترينني كل يوم إلى أن تحبينني. # ثم سار بجواده بإزاء جوادها، والخادم يسير في إثرهما على مسافة بعيدة. # وأخذ يحادثها من غير كلفة فيقول: ما أجمل هذا اليوم! إنه يشبه أيام الربيع، وما أرق ~~أحاديث الغرام فيه! أليس كذلك؟ # ونظرت إليه نظرة احتقار، وقالت له بلهجة المتهكم: ألا تزال على ما كنت فيه من ~~الجنون. ~~- ربما. ~~- إنك أمس مثلت دور السحرة، وأراك اليوم تمثل دور الدون جوان، وتحاول ~~استغواء القلوب. ~~- يعجبني منك هذا التهكم، فإنه يدل على البغض، وإن البغض مقدمة الحب ms2061 لدى من يعرفون ~~خفايا القلوب. # فهزت كتفيها احتقارا، وقالت: إنك كنت أمس تحت سقف منزلي، فاحترمت حقوق الضيافة، ~~أما الآن فإننا في محل عمومي، ويوجد بالقرب منا نحو عشرين نبيلا يعتقد بعضهم أنك كونت ~~روسي، وأن هذا الكونت أيضا من عشاقي. ~~- ماذا تعنين بذلك يا مس ألن؟ ~~- أعني أني إذا أشرت إشارة إلى هؤلاء النبلاء أسرعوا إلي، ولا يبقى علي إلا أن ~~أقول لهم إن هذا الرجل الذي لا تعرفونه والذي حسبتمونه نبيلا ... # فقاطعها الرجل العبوس وقال لها مبتسما: إنه من أشقياء الناس، وإنه زعيم أولئك ~~الأشرار الذين يتآمرون على إنكلترا، وإنه ذلك اللص الذي أنقذ الغلام الأرلندي من سجن ~~الطاحون، أليس هذا الذي تريدين أن تقوليه يا مس ألن؟ ~~- نعم، فإني أستطيع أن أناديهم وأقول لهم هذا القول. # وأجابها بسكينة: وإنهم من النبلاء كما تقولين، ولكل نبيل الحق بأن يكون بوليسا عند ~~الاقتضاء، فلا يحتاجون إلى بوليس للقبض علي، إذن اصدري أمرك إليهم، فإني لا أتزحزح من ~~مكاني ولا أحاول الفرار. ~~- إنك تنذرني كما أرى، ولكن احذر. # فقال لها بلهجة المتهكم: وأنت يا سيدتي، ألا تحذرين من أن يقال عنك بأنك ذات علائق ~~مع اللصوص. ~~- إني لا أبالي بما يكون من سمعتي، إذا بلغت غايتي من الانتقام. ~~- إذن نادي هذا المركيز الذي ينتظرك في ظل الشجرة. ~~- كلا، بل أريد اليوم أن أكون كريمة أيضا، كما كنت أمس، وفوق ذلك فإن هذا اليوم يوم ~~أحد تعقد فيه المهادنات. ~~- وماذا تخشين مني يا مس ألن بعد أن أرجعت إليك الرسائل التي كتبتها إلى ذلك الفتى ~~المنكود؟ # وقطبت جبينها، واتقدت عيناها ببارق الغضب، وقالت له: أتجسر أيضا أن تباحثني في هذه ~~الرسائل، بعد أن حجزت واحدة منها عندك . # فاضطرب العبوس فجأة، وقال: إن هذا محال يا سيدتي، فقد عددت الرسائل التي أعطيتك ~~إياها، فهي سبع عشرة رسالة. ~~- وأنا كتبت ثماني عشرة. # فقال لها بلهجة تشف على الصدق الأكيد: إني أقسم لك يا مس ألن أني ما وجدت في الضريح ~~غير سبع عشرة ms2062 رسالة، وإني لا أعلم شيئا من أمر الرسالة المفقودة، لكني أقسم لك أيضا ~~أني سأقف على حقيقتها، فإذا كانت موجودة رددتها إليك. # ثم حياها مودعا، وابتعد عنها يعدو خببا بجواده، فوقفت مس ألن تنظر إليه حتى ~~توارى عن الأنظار. # فقالت في نفسها: إن هذا العدو عدو شريف، وأنا واثقة أن الرسالة ليست عنده، ولكن أين ~~هي؟ # وبعد أن توارى العبوس عن أنظارها، عادت إلى المركيز الذي كان لا يزال ينتظرها، فقالت ~~له مبتسمة: يسوءني أنك خسرت الرهان يا سيدي المركيز؛ لأن الشخص ليس الكونت الروسي، ~~فادفع الرهان ولا تعد لمثله. # ثم تركته ضاحكة، وذهبت في طريق آخر. ~~••• # وبقيت تتنزه في الحدائق إلى الساعة الثانية بعد الظهر، فلما عادت إلى منزلها أعطاها ~~الخادم رسالة باسمها ففضتها، ولم تكد تقف على ما فيها حتى اضطرب قلبها، فإنها ~~كانت تحتوي على الرسالة المفقودة، ورسالة من الرجل العبوس هذا نصها: # إن والدة الفتى حفظت تلك الرسالة على سبيل التذكار، فأرجعتها إليك مع تقديم ~~واجب الاحترام، فاقبليه من ذاك الذي لا بد أن تحبيه. # الرجل العبوس # فهاجت أحقاد مس ألن هياج البراكين النارية، فمزقت الرسالتين وقالت: أما الآن ~~وقد بت لا أخشاك فسوف ترى ما يكون مني، إن الحرب قد بدأت الآن، وسأسحقك سحق ~~الزجاج. # 27 # إن يوم الأحد في لندرا أقبح أيام الأسبوع، لما يعتري الإنسان فيه من الملل، فإن جميع ~~المخازن والأندية تقفل أبوابها، وتعطل الأعمال بجملتها، وتسود السكينة فيها، فلا تجد في ~~شوارعها غير شراذم من الناس يسيرون الهويناء سكوتا وجوما، بعضهم من قبيل التدين ~~احتراما لذلك اليوم، وبعضهم على سبيل العادة. # ولذلك يعدون هذا اليوم كليلة العاشق لا نهاية لها. # حتى إذا توارت الشمس في الحجاب، واتقدت مصابيح الغاز في الشوارع، وفتحت الحانات ~~أبوابها، تنفس الناس الصعداء، وخرجوا متهللين مستبشرين فغصت الطرقات، وعادت الأعمال ~~إلى مجاريها، فكانوا كلهم كأنهم في حفلة عيد. # وأخص ما يكون الزحام في شوارع الفقراء، فإن الحانات فيها تفتح أبوابها في الساعة ~~الثامنة، فتغص بالسكارى، ويعربدون على ms2063 قدر سكرهم، ولكن البوليس يتساهل معهم في تلك ~~الليلة تساهلا عظيما، فلا يقبض على سكير ولا يؤنب معربدا؛ كي لا ينغص على الناس ~~سرورهم بعد ضجرهم العظيم في ذلك اليوم الطويل. # وكان بادي مقيما في منزله مع امرأته وولديه في ذلك اليوم، فلما أقبل المساء حنت ~~نفسه إلى الشراب، وقال لامرأته: إني ذاهب أتنزه قليلا، فإني مصاب بصداع خفيف. ~~- ولكن البرد يزيد صداعك؛ لأنه قارص. ~~- إني أزرر ثوبي فأتقيه. ~~- أؤثر أن تبقى في المنزل، ولا أدري لماذا؟ ~~- أقول لك الحق، إني كنت مصابا بصداع، ولا أريد التنزه، بل أريد أن أشرب كأسا مع ~~الإخوان. ~~- يوجد عندنا إبريق ملآن من البيرا السوداء، فاشرب منه ما تشاء. ~~- إن الشرب في المنزل لا يلذ كالشرب في الحانات. # فتنهدت امرأته، وقالت: وقد صدق من قال فيكم معشر الرجال إنكم فطرتم على ~~العناد. # فتغلبت عواطف الجفاء من بادي على عواطف السلام، وقال لها مغضبا: لماذا تودين أن ~~أبقى في البيت؟ ولم هذا الاستبداد؟ ~~- قلت لك لا أعلم. ~~- أيكفي هذا البرهان السخيف لحملي على الامتثال لك، أم تحسبين أننا خلقنا لإرضائكن ~~ولنكون لكن عبيدا؟ ~~- إن قلبي يحدثني بحلول مصيبة، وقد ظهر لي من الأب صموئيل أنه غير واثق بك. # ثم لا أعلم ما كانت غاية مس ألن من أمرها لك أن تحذر صموئيل من الكامنين للرجل ~~العبوس. ~~- وأنا لا أعلم أيضا، ولا أزال أعد أمرها من الألغاز. ~~- إنها مثل أبيها، تكره الأرلنديين أشد الكره، فكيف تسعى إلى إنقاذ هذا ~~الأرلندي. ~~- قلت لك لا أفهم شيئا من مقاصدها، حتى إني لا أريد أن أبحث في أوامرها الغامضة، ~~وإني عولت على الخضوع لها، منذ بعتها نفسي بيع السلع. # ثم تركها وخطا خطوة إلى الباب، ولكنها أمسكت ذراعه وأوقفته، وقالت له: اصغ إلي، ~~فلقد قلت لك إنه خيل لي أن الأب صموئيل غير أمين معك. ~~- ماذا تريدين بذلك؟ ~~- أريد أن تبقى في المنزل؛ لأني أخاف عليك من الأرلنديين. # فهز بادي كتفيه استخفافا وقال: إذا كان لا بد من الخوف، ms2064 لا يكون خوفي من ~~الأرلنديين. ~~- ممن إذن؟ ~~- من نيقولا وجوهان. ~~- لماذا؟ ~~- لأني وعدتهما أن أوافيهما في الليلة السابقة، غير أن مس ألن منعتني من ~~رؤيتهما. # ولكني لا أقابلهما في هذه الليلة، فإني ذاهب إلى الحانة التي بجوارنا، وهما لا يزالان ~~كامنين قرب الكنيسة. # فقالت له بصوت مضطرب: إذن لا بد لك من الذهاب. ~~- دون شك فقد قتلني الضجر، وسيحييني الشراب. ~~- بادي، أرجوك أن تبقى. # وقد قالت له هذا القول بلهجة دلال، فخشي بادي أن يؤثر عليه دلالها، فتكلف الغضب، ~~وقال: لقد لقيت من الضجر منك أكثر ما لقيه الناس من هذا اليوم الثقيل، فدعيني أذهب إلى ~~حيث أشاء، فقد سجنت شهرا كاملا، أتريدين أن تسجنيني أنت أيضا؟ # ثم أبعدها بجفاء، وخرج من المنزل. # فلم يبتعد عنه مسافة قريبة حتى لقيه جوهان، وقال له: إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى خمارة إليزابت، أشرب كأسا من البيرا. ~~- إذن هلم بنا، إني رفيقك. # ثم تأبط ذراعه وسار به، فلم ير الناس بعد ذلك العهد بادي المنكود حيا. # 28 # لقد رأينا كيف كانت امرأة بادي تلح على زوجها بالبقاء في المنزل، وتنتقل معه من ~~التحذير، إلى الضغط، إلى الاستعطاف والالتماس، دون أن تفوز بمراد، فإن النساء مهما بلغ ~~من سلطتهن على الرجل لا يبلغن منه مرادا متى أصر على قضاء بغيته، ولا سيما إذا كانت ~~بغية السكر أو المقامرة. # فلما خرج بادي من المنزل غير مكترث لامرأته وتوسلها، أنامت المرأة ولديها، وجعلت ~~تقرأ في التوراة منتظرة عودة زوجها، وهي تنظر إلى ولديها النائمين من حين إلى ~~آخر. # ولبثت تقرأ، حتى انقطعت أصوات الناس من الخارج، إشارة إلى تقدم الليل، فزاد اضطراب ~~تلك الزوجة واشتدت هواجسها، فأقفلت توراتها وقامت إلى الباب الخارجي، فوقفت على العتبة ~~تنتظر على أحر من الجمر. # وكانت كلما رأت شخصا قادما حسبته زوجها، حتى إذا مر بها واستمر في سيره، زادت ~~هواجسها، وتمكنت منها المخاوف، فإن قلبها كان ينذرها بمصاب أليم. # ولما طال انتظارها دون أن يعود، عولت على أن تبحث عنه ms2065 في الخمارات التي يختلف ~~إليها. # فدخلت إلى المنزل فتفقدت ولديها، ثم خرجت فأقفلت الباب وسارت في تلك الخمارات تبحث ~~عنه فلم تجده. # وكانت تسأل عنه السكارى وكلهم يعرفونه، فقال لها أحدهم: إني رأيته ذاهبا في جهة ~~التميس. # فأيقنت المرأة أنه ذاهب إلى خمارة إليزابيت؛ لأن جيبه كان مفعما بالنقود، فآثر هذه ~~الخمارة لغلاء المشروبات فيها. # فذهبت إلى تلك الخمارة، فلم تجده ولم تجد أحدا يعرفه، ولكنها سألت الحاضرين إذا كان ~~بينهم من يعرفه أو رآه. # فأجابها أحدهم: إني رأيته منذ ساعة ذاهبا إلى كنيسة سانت جورج وهو يتمايل في مشيته ~~كالسكران. ~~- أكان وحده؟ ~~- كلا، بل كان مع شخصين أظنهما أرلنديين. # وكان هذا الشخص الذي يحدثها جوهن، الذي لقي بادي حين خروجه من منزله. # فاضطربت المرأة اضطرابا شديدا حين سمعت ذكر الأرلنديين، وخرجت مسرعة عائدة إلى ~~منزلها، وهي تحسب أنها تجد زوجها فيه، وتقول في نفسها: إن الساعة كانت قد بلغت الرابعة ~~صباحا، فإذا هو لم يعد فقد أصيب بنكبة لا محالة. # وكانت كلما اقتربت من المنزل شعرت باضطراب في ساقيها وخفوق في قلبها، حتى إذا وصلت ~~إلى مدخل الزقاق الذي يقيمون فيه رأت جماعة من الرجال يتحدثون، وعليهم علائم الاهتمام ~~كأنهم يتحدثون بأمر خطير، فدنت منهم مضطربة دون أن ينتبه لها أحد، فرأت الزقاق غاصا ~~بالناس، ورأت بينهم نحو عشرة من أفراد البوليس. # وكان البوليس والجماعة واقفين أمام منزلها، فدنت خطوة أيضا، ثم وقفت منذعرة وقد رعبت ~~رعبا قويا؛ ذلك أنها رأت باب المنزل مفتوحا، ورأت بعض الناس فيه، ثم سمعت صوتا لا ~~يمكن أن تنخدع فيه وهو صوت ولدها. # وقبل أن تخطو أتت إليها إحدى جاراتها، فصافحتها وهي تقول: ما هذه النكبة أيتها ~~العزيزة، إنها لا تقبل العزاء. # ولم تكن قد عرفت شيئا بعد، ولكنها علمت كل شيء بعد صراخ ولديها، وكلام ~~جارتها. # فدخلت إلى المنزل، وقد اصفر وجهها، واحمرت عيناها، فلقيت فيه زوجها بادي ولكنها ~~لقيته ميتا لا حراك فيه. # وقد رأته منطرحا على الأرض، وولداها حول الجثة ms2066 يصيحان صياحا يقطع القلوب، وكان منظر ~~الجثة هائلا، فإنها كانت مطعونة أربع طعنات اثنتين في بطنه، واثنتين في الكف ~~والوجه. # غير أن بادي لم يقتل بهذه الجراح؛ إذ لم يكن بينها جرح قاتل، ولكنه مات مخنوقا، ~~فإن أثر ضغط الأيدي كانت بادية في العنق. # ثم إن ملابس الميت كانت تدل على أنه دافع دفاع اليأس قبل أن يموت، فإنها مقطعة ~~ممزقة، كما أن آثار الضغط والجراح الأربعة كانت تشير إلى أن قاتله لم يكن واحدا بل ~~جماعة. # وكان البوليس الطواف قد عثر حين طوافه ببادي ملقى في أحد الأزقة وهو مضرج بدمه، ~~فعرفه واحد منهم وقال: إني لا أعرف اسم القتيل، ولكني أعرف أين يقيم. # ولذلك أتوا به بدلا من أن يرسلوه إلى المحل المعين لعرض القتلى. # وكان الناس قد تجمهروا عليهم حين ذهابهم به، فعرفه كثيرون، ولم تمض هنيهة حتى انتشر ~~الخبر في ذلك الشارع، وأقبل الناس من كل صوب إلى المنزل. # وكان رئيس البوليس قد حضر في ذلك الحين وباشر التحقيق. # أما امرأة بادي فقد أصيبت بذهول عظيم حين فوجئت بهذه النكبة، فأرادت أن تبكي فحبس ~~دمعها، وحاولت أن تعول فانعقد لسانها. # وأخذ رئيس الشرطة يسأل من كان حوله من الناس عما يعلمون من أمر ذاك القتل الذريع، ~~فلم يجد بينهم من يجيبه. # ولكن امرأة بادي لم تلبث أن سمعت سؤال الرئيس حتى حلت عقدة لسانها، فدنت من ~~الرئيس وقالت له بصوت مختنق يتهدج: إن قاتله هو الكاهن، فلم يكن لزوجي أعداء. # فقال لها الرئيس وقد حسب أنه وقف على سر الجناية: أي كاهن تعنين يا سيدتي؟ ~~- الكاهن الكاثوليكي. ~~- أتظنين أنه قاتل زوجك؟ # فاتقدت عيناها من نار، وظهرت على وجهها علائم الانتقام الوحشي، فقالت: إذا لم يكن ~~الكاهن قد قتله، فهو الآمر بالقتل دون ريب، وإن رجاله الذين قتلوا زوجي المسكين. ~~- أوضحي يا سيدتي كل ما تقولينه بالتفصيل، فإن في بلادنا الحرة لا يسلم مجرم من ~~العقاب مهما ارتفع مقامه وعظم منصبه. # فاختنق صوت المرأة وقالت: إن هذا ms2067 الكاهن الكاثوليكي الذي أتهمه أرلندي، وقد أحسن ~~إلينا مرات كثيرة، فاضطررنا إلى قبول إحسانه مكرهين لشدة فقرنا. # فتعجب الرئيس وقال لها: إذا كان ذاك الكاهن قد أحسن إليكم، كما تقولين، فكيف يسيء بعد ~~ذلك الإحسان؟ وأية فائدة له من قتل زوجك؟ ~~- إن زوجي كان مشتركا مع اثنين بغية القبض على الرجل العبوس، ونيل الجائزة من ~~الحكومة، وقد علم الكاهن بذلك، ولما كان أرلنديا وكان الشخص الذين سيقبضون عليه ~~أرلنديا، فقد حقد الكاهن على زوجي وأمر أتباعه بقتله فقتلوه. # وكان يوجد كثير من الناس في البيت يسمعون إقرار المرأة، واتهامها الكاهن الأرلندي ~~بالقتل، فصادفت التهمة هوى من نفوسهم ووافقوا المرأة على أقوالها. # وكان بين أولئك الناس رجلا لابسا ملابس السواد، وكان واقفا بينهم دون أن ينتبه ~~إليه أحد، فلما سمع التهمة اتقدت عيناه بأشعة الفرح، فانسل من بين الجماعة وبرح المكان ~~مسرعا وعليه علائم الاهتمام. # أما ذلك الرجل فقد كان السير بترس توين، ألد أعداء الأب صموئيل. # أما رئيس البوليس فإنه لما رأى أن التهمة عظيمة، وإنها لاحقة بأحد رجال الدين، أمر ~~بتفريق الناس وإخراجهم من البيت؛ استيفاء للتحقيق مع المرأة. # فأخرجوا جميعهم ووقفوا جماعات متفرقة في الشارع، وجعلوا يتحدثون بهذه التهمة، ~~ويذكرون الأب صموئيل، فيختلفون فيه بين مصدق للتهمة وبين منكر لها؛ لأنه كان ~~مشهورا بالخير ولا سيما بين الطبقة السفلى، فلم يعدم أنصارا بين أولئك ~~المتجمهرين. # وإنهم على أحاديثهم تلك إذ امتزج بينهم شخص لم يعرفه أحد من قبل، فجعل يسأل الناس ~~عن سبب تجمهرهم حتى وقف على الحقيقة، فذهب إلى منزل بادي وقال للبوليس الواقف على الباب: ~~ألا توجد جثة قتيل في المنزل، والرئيس يحقق في أمره؟ ~~- نعم يا سيدي، وما شأنك في ذلك؟ ~~- أرجوك أن تبلغ الرئيس بأن لدي تعليمات عن هذه الجناية يجب أن أبلغه إياها. # فدخل البوليس إلى المنزل، وأخبر رئيسه بما سمعه من ذلك الرجل، فأمر بإدخاله على ~~الفور. # ودخل الرجل فسأله الرئيس: من أنت يا سيدي؟ ~~- إني طبيب ألماني. ~~- ماذا تسمى؟ ~~- كونار هوزر. ms2068 ~~- تقول إن لديك تعليمات عن الجناية، فقل ما تعلمه. ~~- إني أستطيع أن أظهر لك القاتل. # فارتعشت امرأة بادي وقالت: إنك إذا فعلت هذا تباركك نفسي، وتباركك عظام زوجي تحت ~~الثرى. # وقال له رئيس البوليس: إذن أنت تعرف القاتل، فقل لنا ما اسمه. ~~- إني لا أعرف اسمه يا سيدي ولا أعرفه أيضا، ولكن إذا أمر سيدي بإجراء ما أطلبه إليه ~~أظهرت صورة القاتل لجميع الناس. # فاستغرب الرئيس كلامه، وقال: إني لا أفهم ما تقول. ~~- لقد قلت لك يا سيدي إني طبيب، وأنا أشتغل منذ عشرين عاما في مسألة طبية خطيرة، ~~توفقت لاكتشافها، وهي التي لمحت لك عنها الآن. # وكان يتكلم بسكينة ورزانة، تشف عن اعتقاد متين، وتشير على أنه من العلماء الخبيرين، ~~غير أن الرئيس لم يتمالك عن فحصه؛ إذ خشي أن يكون مجنونا. # فقال له الطبيب مبتسما: لا تطل فحصي يا سيدي، فإن ما قلته لك حقيقة راهنة عندي، ~~وسأكشف لك القاتل، وأمثل رسمه لجميع الناس، وأنا لا أسألك أن توقف سير التحقيق أو تمتنع ~~عن القبض على المتهمين بالجناية. ~~- إذن ماذا تطلب؟ ~~- أطلب أمرا بسيطا، وهو أن ترسل هذه الجثة إلى مستشفى القديس بورتولمايو، أو تبقى ~~هنا، ولكن بشرط أن لا يمسها أحد إلى صباح غد. ~~- وبعد الصباح؟ ~~- أظهر لكم القاتل دون شك. # ثم أخذ من جيبه محفظة وأخرج منها أوراقا مالية قيمتها خمسون جنيها، وقال: إن العادة ~~يا سيدي أن يدفع من يريد المداخلة في تحقيق جريمة تأمينا ماليا يدل على سلامة قصده، ~~فتفضل وخذ مني التأمين. # فأبى الرئيس أخذها وقال: لا حاجة إليها، أما الجثة فستبقى هنا مكانها بحراسة اثنين ~~من البوليس، وغدا تفعل ما قلت عنه، وأما الحكومة فإنها بالطبع لا توقف تحقيقها ~~بانتظار نتائج أبحاثك. # فانحنى الرجل شاكرا وانصرف، فما سار بضع خطوات في ذلك الزقاق حتى لقي شخصا ينتظره، ~~فتأبط ذراعه وسار وإياه. # 29 # أما هذا الشخص الذي كان ينتظره فقد كان شوكنج، وقد عرف القراء دون شك أن ذاك ~~الألماني لم يكن غير ms2069 الرجل العبوس الذي تجاسر على المثول أمام رئيس البوليس، والبوليس ~~يبحث عنه في كل مكان، وقد عين جائزة لمن يقبض عليه. # وكان السبب في قدوم العبوس إلى الزقاق، أنه كان يسير مع شوكنج مستطلعا أخبار بادي ~~للوقوف على خديعته للكاهن. # فلما وصل قرب منزله رأى احتشاد الناس، وسمع لغطهم وترديدهم اسم الأب صموئيل، فأمر ~~شوكنج بانتظاره وامتزج بين الناس، وعلم منهم تلك التهمة الهائلة التي يتهمونه ~~بها. # وقد عرف القراء كيف دخل إلى منزل بادي، وكيف خرج منه مزودا بإذن رئيس البوليس أن ~~يجري امتحاناته العلمية بالجثة. # فلما مشى مع شوكنج لم يجسر شوكنج على مباحثته، لما رأى عليه من علائم الانشغال، حتى ~~إذا وصلا إلى جسر وستمنستر، قال له شوكنج: أتريد يا سيدي أن تجتاز للضفة ~~الثانية؟ ~~- نعم، إذ يجب أن نذهب إلى سانت جيل، لأرى الأب صموئيل، ألم تسمع ما كان يقول ~~الناس؟ ~~- نعم سمعتهم يتهمونه بقتل بادي، ولكني مطمئن الخاطر عليه، فإنه ليس من أهل ~~الإثم. ~~- أما أنا فلست مطمئنا، فاصغ إلي الآن، إنهم قتلوا بادي واتهموا الأب صموئيل ~~بقتله، وهي تهمة تتلقاها الحكومة بملء الارتياح؛ لأنها تعلم أن الأب صموئيل زعيم ~~الأرلنديين، وهي تقبض عليه بأضعف من تلك التهمة. ~~- هو ما تقول، ولكنه يثبت براءته. ~~- ليس هو الذي يستطيع إثباتها، بل أنا، فإني سأظهر لهم القاتل. ~~- وعندها يطلقون سراحه. ~~- كلا، فإن الحكومة إذا أرادت التسويف في أمر بلغت منه ما تبتغي، فهي تبقي الأب ~~صموئيل في الحبس إلى أن تقبض على القاتل، ولكن البوليس لا يقبض على القاتل، بل يسهل ~~له سبل الفرار كي يبقيه في الحبس. ~~- إذن ماذا نعمل؟ ~~- إن رئيس البوليس لم يصدر أمره بعد بإلقاء القبض عليه، فيجب أن ننذره كي لا يخرج من ~~الكنيسة قبل ظهور الحقيقة. ~~- ولكنهم يقبضون عليه في الكنيسة. ~~- يسوءني منك يا شوكنج أنك تجهل قوانين بلادك، وإني أحتاج أن أعلمك إياها وأنا غريب ~~عنها. # فاعلم أن البوليس في بلاد الإنكليز يحق له أن يقبض على أي شخص في ms2070 قارعة الطريق ويذهب ~~به إلى المركز، ولا يحق له القبض عليه في منزله إلا بأمر خاص، وأما الكهنة ولو كانوا من ~~الأرلنديين، فلا يحق له القبض عليهم في كنائسهم، مهما عظمت الجريمة، إلا بأمر خاص من ~~وزير العدلية، ولا يستطيع الوزير إصدار الأمر إلا بعد مصادقة البرلمان، فينبغي لذلك ~~يومين على الأقل. ~~- وفي هذين اليومين؟ ~~- إذا لم يقبض البوليس على المجرم الحقيقي، قبضت عليه أنا. ~~- إذن أنت تعرفه. ~~- كلا. # فقال شوكنج بملء السذاجة: إني رأيتك يا سيدي تفعل أمورا غريبة، أما ما تقوله الآن ~~فوق حد تصوري. # فابتسم العبوس وقال: سترى أعظم من هذا. # ثم استمرا في سيرهما حتى وصلا إلى سانت جيل، وكانت الساعة الخامسة صباحا، فلقيا ~~الكاهن مستيقظا يصلي صلاة الفجر. # فدخل إليه العبوس وبقي حتى أتم صلاته، فقال: يجب يا سيدي أن تنزل إلى الكنيسة فلا ~~تخرج منها أبدا. # فدهش وقال: لماذا؟ ~~- إنك تعرف المدعو بادي. ~~- دون شك، فإنه هو الذي أخبرني أنهم كامنون لك قرب كنيسة سانت جورج. ~~- إذن اعلم أن بادي مات قتلا، وإنهم يتهمونك بقتله. # فتراجع الكاهن مندهشا، وقد بدت عليه علامات الأنفة والاشمئزاز وقال: أنا! # وعند ذلك سمعوا وقع أقدام عند باب الكاهن، فارتعب شوكنج وقال: إنهم قدموا للقبض ~~عليه. # أما العبوس فإنه استل خنجره، ووقف بين الكاهن وبين الباب يحاول الدفاع عنه إلى آخر ~~نسمة من حياته. # 30 # ثم سمعوا صوت وقوع الأقدام على السلم، فتطلع العبوس إلى الأب صموئيل فرآه يضطرب، ~~فقال له: إنهم لا يبلغون إليك إلا بعد أن يمشوا على جثتي. # فأجاب: رد خنجرك إلى غمده يا بني، ومعاذ الله أن أرضى أن تسفك نقطة دم ~~لأجلي. # وعندها طرق الباب، فأسرع الأب وقال: من الطارق؟ # فأجابه صوت من الخارج باللغة الأرلندية: إننا شخصان محتاجان إلى كاهن. # فقطب الرجل العبوس حاجبيه، وأسرع الأب صموئيل ففتح الباب، ودخل شخصان عرف الأب صموئيل ~~أحدهما فقال له: أهذا أنت؟ وماذا تريد؟ # فرد الأرلندي باكيا إن امرأتي ولدت منذ أسبوع فمات المولود، وهي الآن ms2071 مشرفة على ~~الموت، وليس لي مال لإحضار طبيب ولا أستطيع أن أحضر لها غداء، ولا أحب أن تموت دون ~~اعتراف. # فرق الأب لشكواه وقال: اصبر فإني أذهب معك. # ثم دخل إلى غرفته وتناول ما كان في خزانته من المال اليسير لإنفاقه عليها حين ~~الاقتضاء، وهم بالخروج. # فاعترضه العبوس قائلا: أستحلفك بالله أن تصغي إلي. # فدهش الأب وقال: ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أذهب مكانك لإغاثة تلك المرأة، وأنت تعلم أن لي إلماما بالطب، فإذا رأيتها ~~مشرفة حقيقة على الموت، عدت إليك وذهبت بك إليها غير مكترث بالأخطار. ~~- كلا، يجب علي الذهاب حيث يدعوني الواجب. ~~- غير أن قلبي يحدثني بأنها مكيدة نصبت لك، وأن أعداءنا قد رشوا ذينك ~~الرجلين. ~~- ذاك محال، فإني أعرف أحدهما حق المعرفة، ومهما يكون الأمر يجب علي الذهاب. # ثم أفلت منه، وقال للرجلين: سيرا أمامي، فإني في إثركما. # فقال العبوس: ونحن أيضا نسير معكم. # ثم أشار إلى شوكنج أن يتبعه، فخرج الأب والرجلان، وسار العبوس وشوكنج في إثرهما على ~~قيد بضع خطوات. # وفيما هما سائران قال العبوس لشوكنج: أظننتني مخطئا باسترسالي إلى المخاوف، فإن رئيس ~~البوليس لم يتمم تحقيقه بعد، ومتى ذهب إلى منزله ينام، فلا يصدر الأمر بإلقاء القبض ~~على الأب صموئيل إلا قرب الظهر. ~~- أتظنه يستطيع الرجوع إلى الكنيسة قبل صدور الأمر؟ ~~- نعم، وهو بعيد عن الخطر إلا إذا حدث ما ليس في الحسبان. # وفيما هما سائران ضغط الرجل على يد شوكنج، وقال له بصوت منخفض: ما هذا؟ انظر إلى ~~الرصيف. ~~- إني أرى ثلاثة رجال من أفراد البوليس يتحدثون همسا، ولكن تلك الأمور ~~مألوفة. ~~- ولكني أرى غير رأيك، فقد رابني اجتماعهم. # وكان الأب صموئيل يسير مستعجلا والرجلان يتقدمانه، فلما وصلوا إلى حيث كان أفراد ~~البوليس اعترضهم الجنود، ودنا أحدهم من الكاهن فقال له: من أنت؟ ~~- أنا الأب صموئيل. ~~- أأنت كاهن كنيسة سانت جيل؟ ~~- نعم. ~~- إذن، سألقي القبض عليك باسم الشرع، وبأمر ناظر العدلية، فتفضل واتبعنا. # وهنا وجف قلب شوكنج وصاح صيحة ذعر، فضغط الرجل العبوس على ms2072 يده، وقال له: لا تفه ~~بكلمة؛ إذ يجب علينا إنقاذه، ولا يفيد العنف في هذه الأحوال، بل إن الغنيمة ~~بالفرار. # ثم أخذ بيد شوكنج ودخل به زقاقا ضيقا، وتواريا عن الأنظار. # 31 # وقد أشكل على العبوس صدور الأمر إلى البوليس بالقبض على الأب صموئيل، في حين أن ~~التحقيق في مقتل بادي لم يكد يتم، على أننا نوضح للقراء كيف كان ذلك، وكيف كان ~~العبوس مصيبا بمخاوفه على الكاهن فحذره من الأرلنديين اللذين قدما في ~~طلبه. # يذكر القراء أنه حين كان الناس متجمهرين في منزل بادي يتهم معظمهم الأب صموئيل ~~بقتله، كان بينهم بترس توين، وأنه لم ينتبه إليه أحد منهم على جلالة قدره وعلو مكانته ~~بين الإنكليز. # ويذكر القراء أن مس ألن أخبرت السير بترس توين حليفها بما قاله لها بادي: إن الرجل ~~العبوس مختبئ في كنيسة سانت جورج، وأنه يبيت في قبة جرسها. # ولم يكن ذاك الزعيم القوي ناقما على الرجل العبوس بل على الأب صموئيل، فسر للخبر ~~وقال في نفسه: إن الأب صموئيل لا بد أن يزور الرجل العبوس لما بينهما من العلائق، ولذلك ~~يجب تعيين الرقباء قرب تلك الكنيسة كي أعرف مواعيد زياراته. # فلما عين الرقباء ذهب قبل انسدال الظلام إلى وكيل العدلية، فاستقبله الوكيل خير ~~استقبال. # وعند ذلك قال له بترس توين: إني أستطيع أن أسلمكم الشخص الذي تبحث عنه الحكومة، ~~ولكني أشترط لذلك أن تعطيني أمرا بالقبض، وتدع فراغا في محل اسم الشخص الذي يقبض ~~عليه. # فاعترضه الوكيل قائلا: إن الشرائع الإنكليزية لا تجيز مثل تلك الأمور. # فقال له بترس: إننا لا نستطيع القبض على الرجل العبوس إلا إذا قبضنا على ~~شريكه. ~~- من هو شريكه؟ ~~- كاهن كاثوليكي يدعى الأب صموئيل. ~~- كيف تثبت اشتراكه مع العبوس؟ ~~- إنك تعلم أن من كان مثلي لا يستخف بالشرائع، ولا يقدم على مثل هذه الأمور إلا ~~بعد التثبت، إذا كنت أسألك أمرا بالقبض فما ذلك إلا بعد وثوقي من عدالة المطلب، وأنه ~~قانوني لا اعتراض عليه. # فقال الوكيل: ولكن هناك ms2073 أمرا لا يمكن مخالفته، وهو أننا لا نستطيع القبض على كاهن في ~~منزله إلا بأمر ناظر العدلية. ~~- ولكن لا أقبض عليه في منزله ولا في كنيسته، بل في الشارع، وليس في ذلك ما يمنعه ~~القانون. # وما زال الاثنان يتجادلان حتى أفحم الوكيل، فكتب الأمر ووقع عليه وأعطاه إياه، ~~فأخذه بترس توين وخرج به يحسب أنه ملك الدنيا لفرط حقده على الأب صموئيل. # ثم سار إلى الجهة التي أقام فيها المراقبين لتفقدهم، مر بجهة منزل بادي ولقي الناس ~~محتشدين وسمع منهم أن بادي قد قتل، وأن امرأته تتهم الأب صموئيل فغير كل مشروعاته ~~السابقة، وانسحب من بين الجمع وذهب إلى أحقر شارع يقيم فيه أفقر الأرلنديين، وهناك لقي ~~ذينك الرجلين الأرلنديين فأغواهما بالمال، وأرسلهما إلى الأب صموئيل، وأبلغ البوليس ~~صورة الأمر بالقبض عليه، فامتثل وكمن له كما وصفناه. # أما الأب صموئيل حين رأى البوليس قد تعرض له، أيقن بصدق ظن الرجل العبوس، ولكن بعد ~~فوات الأوان، قال للبوليس القابض عليه: لماذا قبضتم علي؟ وبماذا اتهمتوني؟ ~~- بجناية قتل. # فأطرق برأسه إلى الأرض، وقال: إني بريء مما أنا متهم به، ولكني أتبعكم إلى حيث ~~تريدان، إلى أين تذهبان بي؟ ~~- إلى حبس نوايت. # فنظر الأب إلى حواليه باحثا عن العبوس وشوكنج، ولكنه لم يرهما، فإنهما تواريا عن ~~الأنظار. # 32 # وسار الجنود بالأب صموئيل إلى الحبس الخاص بالذين يرتكبون الجنايات الكبرى، فدهش مدير ~~الحبس حين رآه؛ لأنه كان يعرفه، لا سيما حين عرف أنهم يتهمونه بالقتل، فأيقن أنه بريء ~~وأن في الأمر خديعة أو سوء ظن، غير أنه فحص الأمر بالقبض عليه، فوجده صريحا لا يحتمل ~~التأويل، بحيث إنه لم يجد بدا من سجنه، فسجنه في خير غرفة من غرف الحبس واعتنى به كل ~~الاعتناء. # أما الأب صموئيل فإنه كان راضخا لأحكام القدر، وكان يعتقد أن براءته لا بد أن تظهر ~~فيرتاح باله، ثم يتذكر أن له عدوا قويا قادرا يدعى بترس توين فيخاف. # ولم يكن خوفه على نفسه، بل على أولئك البؤساء الذين كان ms2074 يعولهم بما يجمعه لهم من أهل ~~البر والإحسان. # وأقام في ذلك الحبس ثلاث ساعات، ثم فتح باب سجنه ودخل إليه المدير وصافحه بيده، وقال ~~له مبتسما: لقد أرسلوا إلي أوراق التحقيق بأمرك، ووقفت على تفاصيل التهمة، فسرني ~~أنك ستخرج بريئا بإذن الله، فإنهم يتهمونك بقتل إنسان يدعى بادي، والذي يتهمك امرأة ~~القتيل دون سواها، وليس لديها شيء من البراهين. لا بد من تبرئتك. ~~- هذا ما أرجوه، إن من كان مثلي لا يرتكب جرائم القتل. ~~- وسيذهبون بك الآن إلى القاضي، ويوقفونك أمام جثة القتيل، والمرجح لدي أنهم ~~سيطلبون إليك ضمانة مالية ويطلقون سراحك. # فهز الأب رأسه أسفا وقال: إن مقدار الضمانة في مثل هذه المواقف يكون عظيما، ~~وهيهات أن أظفر به، فلا بد لي في الحالين من البقاء في الحبس. ~~- المروءة لا يعدم أبناؤها، فستجد من يدفع عنك المال. # ثم أخرجوه من الحبس فوضعوه في مركبة، وساروا به إلى منزل بادي حيث كان رئيس ~~البوليس. # وكانت الجثة لا تزال في موضعها، فإن الرئيس قد وفى بما وعد به الرجل العبوس. # وكان كثير من الناس محتشدين عند باب المنزل، فلما أنزل الكاهن من المركبة استقبله ~~بعض الأجلاف بالشتم واللعن، واستقبله آخرون بالهتاف، فاختلطت الأصوات حتى لم يعرف ~~القادح من المادح. # أما الأب فإنه دخل إلى المنزل غير مكترث بما لقيه، فكان ثابت الجأش بادي السكينة، ~~ولما رأته امرأة بادي زأرت زئير الوحوش، وهمت بالانقضاض عليه وهي تقول: تبا لك من ~~قاتل سفاك. # إلا أن البوليس حال بينها وبينه، وأعادها إلى موقفها، فكانت تنظر إليه ولهيب الانتقام ~~يتقد من عينيها. # أما الكاهن فنظر إليها نظرة المؤنب، وقال لها: أتحسبين أني أنا سفكت دم الرجل الذي ~~كنت أساعد امرأته وابنته؟ # فأطرقت المرأة رأسها إلى الأرض اتقاء لنظراته، ثم قالت: إنك إذا لم تكن أنت ~~القاتل فقد قتله أحد رجالك بأمرك. ~~- إنك منخدعة يا سيدتي. ~~- إن زوجي لم يكن له أعداء، فمن يكون قاتله غير أحد الأرلنديين؟ # وكان البوليس يحول دون دخول الناس إلى المنزل، ms2075 غير أنه لما أتى القاضي وكان النظام ~~بأن تكون المحاكمة علنية أمر بإدخال الناس، فدخلوا أفواجا، وكان بينهم رجل دنا من ~~المرأة، وقال لها: اطمئني يا سيدتي، سأظهر لك القاتل في أقرب حين. # وعرف رئيس البوليس هذا الرجل الذي أوهمه أنه طبيب ألماني، وما هو إلا العبوس كما ~~قدمناه. # وكان يصحب العبوس شخصان يحملان آلة مغطاة بجوخ أخضر، فقال له الرئيس: ما هذا؟ ~~- هي الآلة التي أخبرتك أني سأكتشف بها القاتل. # ولما سمع الكاهن صوته عرفه فارتعش، أما العبوس فإنه عاد إلى محادثة رئيس البوليس ~~فقال: إنك سترى يا سيدي دون شك من لهجة الكاهن أنه بعيد عن مواقف التهم، وأن هذه التهمة ~~باطلة، ألا ترى أن تطلق سراحه بضمانة حسب المعتاد؟ ~~- سنفعل ذلك متى أظهرت لنا القاتل كما وعدت. # وعند ذلك دخل اثنان إلى المنزل، أحدهما فتاة مرتدية ملابس بسيطة يحسبها الناظر إليها ~~لأول وهلة أنها من عوام الناس، والآخر متشح بملابس سوداء لم يكد الكاهن يراه حتى ~~علم أنه السير بترس توين، فتأكد أنه هو الذي نصب له هذه المكيدة لما بينهما من ~~الأحقاد. # أما الفتاة فقد عرفتها امرأة بادي، إذ كانت مس ألن نفسها، فانذهلت وحاولت أن تكلمها، ~~ولكنها وضعت سبابتها على فمها بغية إسكاتها، وحولت نظرها عنها إلى ذلك الطبيب ~~الألماني، ولم تكد تراه حتى بدت على وجهها آثار الاضطراب، وكان الرجل العبوس قد رأى ~~هذا الاضطراب منها، فقال في نفسه إنها عرفتني. # ولكنه لم يكترث لها ودنا من الآلة، فأزاح عنها غطاءها الأخضر، فانكشفت آلة تصوير ~~شمسي، فانذهل الحضور وجعلوا يتساءلون ما عساه أن يصنع بهذه الآلة. # 33 # ولقد قلنا إن الرجل العبوس لم يكترث لمس ألن حين تأكد أنها عرفته، والحقيقة أنه ~~تظاهر بعدم الاكتراث، إلا أن قلبه كان يخفق خفوقا شديدا، فإن هذه الفتاة كانت ~~تستطيع بعد أن عرفته أن تخطو خطوة إلى القاضي، وتهمس كلمة في أذنه فيقبض عليه. # غير أنها لم تفعل شيئا من ذلك، حتى إنها لم تكلم السير بترس ms2076 توين بشأنه، ولا ندري ~~إن كان ذلك مروءة منها، أم أنها كانت تريد أن تصبر إلى النهاية كي تعلم ما يريد أن ~~يصنعه بالآلة. # ولم يكن خوف العبوس على نفسه بل على الأب صموئيل، فإنه إذا لم يكشف القاتل وقعت ~~التهمة على الكاهن، وأعيد إلى سجن نوايت. # ولذلك تلبس بلباس الصبر فطرد الخوف من نفسه، وأسرع إلى القاضي فقال له: أرجوك يا سيدي ~~أن تأمر بإيقاف الجثة، وإسنادها إلى الجدار، بحيث يكون وجه القتيل إلى جهة ~~الآلة. # فقال له: ماذا تريد أن تصنع؟ ~~- إني ضعيف التعبير باللغة الإنكليزية يا سيدي، وسيظهر لك من فعلي أكثر ما يظهر من ~~قولي. # فأمر القاضي جنديين أن يفعلا ما سأله الطبيب، ففعلا. # فأخذ الرجل العبوس عند ذلك زجاجة من جيبه تحتوي على سائل لا لون له كالماء. # وسأله القاضي: ما هذا؟ ~~- سائل البيلادونا، وسوف ترى ما أصنع بها. # ثم دنا من بادي ففتح عينيه اللتين أغمضهما الموت، وصب فيهما بضع نقط منها. # وكان السكوت سائدا بين الناس يكادون يحبسون أنفاسهم، حتى إن امرأة بادي نفسها أوشكت ~~تنسى أحزانها لانذهالها مما كانت تراه. # والتفت العبوس إلى مس ألن فرأى وجهها قد اصفر، ورأى أنها مهتمة أكثر من جميع ~~الحاضرين بما يفعله، فنظر إليها تلك النظرة السحرية، فغضت بصرها ولم تستطع مقاومة ~~نظراته. # وربما كانت هذه النظرات قد أثرت عليها في ذلك الحين، فإنها كانت قادرة أن تزج هذا ~~الرجل في أعماق الحبس بكلمة واحدة تصدر من فمها. # وفيما هم على ذلك، دخل رجل ظهرت عليه علائم الاهتمام أكثر من سواه، فقالت امرأة بادي ~~حين رأته: هذا هو جوهان، وقد رأى زوجي في ذات الليلة التي قتل فيها. # فتطاولت الأعناق إلى جوهان، وقال: نعم، إني رأيت هذا المنكود ذاهبا إلى الخمارة، ولو ~~توقعت له مثل هذه النكبة لما فارقته لحظة، فقد كان من أخلص إخواني، ثم مسح دمعة ~~سالت فوق خده. # أما الرجل العبوس فإنه بعد أن قطر من ذلك السائل في عيني بادي عادتا إلى ms2077 الانطباق، ~~فوقف أمام الجثة يراقبها وهو بعيد عنها والناس كلهم ينظرون. # وعند ذلك صاحت امرأة بادي صيحة دهش عجيبة، وقالت: رباه! ماذا أرى؟ ألعل زوجي قد قام ~~من الموت؟ # ذلك أن العينين قد فتحتا من تلقاء نفسهما، فذهل جميع الحاضرين نفس ذهول امرأة بادي، ~~وحسبوا ذلك من خوارق العجائب. # وهمت امرأة بادي أن تدنو من الجثة، فاعترضها العبوس قبل أن تصل إليها، وقال لها ~~متلطفا: إن الأموات لا يحيون يا سيدتي ولا يرد إليهم الحياة غير الله، والذي ظهر من ~~عيني زوجك إنما كان من تأثير البيلادونا فيهما، فإن هذا السائل إذا قطر في العينين ~~اتسعت الحدقة حتى يضيق عنهما الجفن، فأرجوك أن تبقي في مكانك ولا تعرقلي عملي. # فامتثلت المرأة، وأخذ الرجل العبوس الآلة التصويرية ووضعها بإزاء الجثة، وأخرج ~~الرجلان اللذان كان يصحبانه قناني محتوية على سوائل يستعملها المصورون. # وكان قرب تلك الغرفة التي كانوا فيها غرفة مظلمة، فأمر العبوس الرجلين أن يدخلا ~~الصندوق والزجاجات إلى تلك الغرفة، ثم بسط الغطاء فوق الآلة، وصوبها إلى وجه بادي ~~وغطى رأسه بالوشاح، وبعد عشر ثوان أزاح الوشاح عن رأسه، وأخرج من الآلة قنينة دخل بها ~~مسرعا إلى الغرفة المظلمة واحتجب عن أنظار الناس. # وهنا زاد عجب الناس، ولم يكن بينهم من يعلم مراده، حتى إن القاضي نفسه كانت تظهر ~~عليه علائم الانذهال. # وبعد حين خرج العبوس فرآه الناس مضطربا، والعهد به أنه هادئ، فمشى إلى رئيس البوليس ~~وقال: أسألك يا سيدي أن تأمر بإقفال باب المنزل، ولا تدع أحدا من الحضور يخرج ~~منه. # وزاد اضطراب الناس لهذا القول، وأمر الرئيس أن يقفل الباب، فاصفر وجه مس ألن ونظرت ~~نظرة قلق إلى السير بترس توين، وكان عدد الموجودين في المنزل يبلغ ثلاثين بينهم ~~جوهان. # 34 # وكان البوليس قد أحكم إقفال باب المنزل، فلم يستطع أحد الخروج منه، وقد ظهرت علائم ~~القلق على الجميع ما خلا العبوس، فإن السكينة قد عادت إليه، فالتفت إلى القاضي وقال: ~~إني أسألكم المعذرة يا سيدي فقد أطلت ms2078 انتظارك، ولكني فزت فوزا بمهمتي أتى أعظم مما ~~كنت أتوقعه، فإنني لم أكتشف القاتل فقط، بل إني أثبت أنه موجود هنا بيننا. # وكان لهذه الكلمات وقع شديد على الجمهور، حتى إن واحدا بينهم رجع من الصف الذي كان ~~فيه إلى الصف الذي كان وراءه. # وعاد العبوس إلى مخاطبة القاضي، فقال: إن هذا القتيل المنكود كانت آخر نظراته إلى ~~قاتله، فانطبعت صورته في إنسان عينه، كما انطبعت الحادثة كلها بتفاصيلها ~~الأخيرة. # وقد صورت عيني المغدور فظهرت على الزجاجة صورة المجرم والحادثة والمكان الذي ~~حدثت فيه الجناية. # فاندهش القاضي وقال: أهذا من الممكنات؟ ~~- ليتفضل سيدي القاضي، وليأت معي إلى هذه الغرفة المظلمة، يجد كل ما قلته له ~~أكيدا لا ريب فيه. # فوافقه القاضي ودخل الاثنان إلى تلك الغرفة، فساد السكون على الجمهور، وكان حزنهم لا ~~يوصف. # أما العبوس فإنه أغلق باب الغرفة، وصب على الزجاجة بعض السوائل وعرضها على القاضي، ~~وحدق بها القاضي وهو يوشك أن لا يصدق عينيه؛ إذ رأى رسم عيني بادي، وقد طبع على ~~العين اليمنى شخص قابض على عنق شخص، وكان المجرم واقفا مشهرا خنجرا يقطر من دم ذلك ~~المنكود، وهو ينظر إلى جثته نظر الفائز المنصور. # فقال العبوس للقاضي: كيف رأيت يا سيدي؟ ~~- أرى أنك أفدتنا فائدة جليلة بهذا الاكتشاف. ~~- إنك رأيت رسم المجرم يا سيدي في هذه الصورة، فإذا أظهرته لك أمام الجمع ~~أتعرفه؟ ~~- دون شك فإن الصورة ظاهرة تماما. # وخرج الاثنان من الغرفة المظلمة إلى الغرفة المجتمع فيها الناس، فجلس القاضي في ~~مجلسه. # وأجال العبوس نظره بين الحضور، فرأى مس ألن لا تزال في موقفها، وهي وحدها التي عرفته ~~بين الجمع، فقال في نفسه: إنها لم تفضح أمري بعد. # وهو لا يعرف السير بترس توين، ولكنه عرف أنه العدو الألد للأرلنديين، فلم يكترث لهما ~~ومشى خطوة إلى الأمام وهو يقول: إن المجرم بينكم. ثم وثب وقبض على شخص وقال: هذا ~~هو. # وكان هذا الشخص جوهان فصاح صيحة منكرة، وحاول أن يتخلص من العبوس، غير أن ms2079 العبوس ~~انتزعه من بين الجمع ودفعه دفعة شديدة، فانقلب تحت قدمي القاضي. # أما القاضي فإنه تطلع تطلع المشمئز الآنف المستنكر، وتأمل وجهه فوجد أنه ~~ينطبق على الرسم الذي رآه فوق الزجاجة منطبعا في عيني بادي. # وأما امرأة بادي فإنها اضطربت حين رأته، وقالت: نعم، نعم، لا بد أن يكون هو ~~القاتل. # وهنا ضاع رشاد جوهان؛ لأن غرابة اكتشاف الجريمة ضعضعت صوابه، بحيث لم يقو على ~~الإنكار فقال: نعم، أنا هو القاتل ... إن بادي قد خاننا فانتقمت منه. # ثم قص على القاضي كل الجريمة بتفاصيلها، وكيف أنه خدعهم حتى اضطر إلى قتله، وكيف ~~سار به إلى زقاق مقفر، وطعنه بخنجره ثم قضى عليه خنقا. # وكان قد تحمس لذكر الانتقام، فأراد أن يزيد الجريمة إثباتا فجرد خنجره، وهو لا ~~يزال مصبوغا بدم بادي وألقاه على الأرض أمام القاضي، وهو يقول: هذا هو الخنجر الذي ~~طعنته به فافعلوا بي ما تشاءون. # فأمر القاضي الجنود بالقبض عليه، والتفت إلى الأب صموئيل فقال: إن براءتك قد ظهرت يا ~~سيدي، فأنت الآن حر. # فشكره وهم بالخروج، ولكنه قبل أن ينصرف رأى السير بترس توين قد دنا من القاضي ~~وقال: إنك تتجاوز حد سلطتك يا حضرة القاضي. # فاندهش القاضي وقال: كيف ذاك؟ ~~- لأن الأمر بالقبض على هذا الكاهن موقع عليه من دار العدلية، ولا يحق لك ~~نقضه. ~~- لقد أصبت، ولكنني أستطيع إطلاق سراحه بضمانة إلى أن يحاكم المجرم، وعندها يحضر ~~إلى المحكمة ويثبت براءته، فإنها جلية واضحة كما رأيت، لا سيما وأن المجرم الحقيقي لا ~~يعرفه كما هو ظاهر، وهذا ما يدل على أن المجرم المعترف لا شريك له بالجريمة. # وقال جوهان مؤيدا كلام القاضي: كلا، ليس لي شريك في الجريمة، ولا أعرف هذا ~~الكاهن. ~~- وأنا أيضا أؤيد ما قلته من وجوب إطلاق سراحه بضمانة مالية. # فدنا الأب صموئيل عند ذلك من القاضي، وقال: إني يا سيدي شديد الفقر لا أستطيع أن أدفع ~~لك شيئا. # فكثر الهرج بين الناس لهذا القول، وعند ذلك خرج من بينهم عبد ms2080 أسود أبيض الشعر، فدنا ~~من القاضي وقال: إني يا سيدي مستعد لأن أدفع عن هذا المحترم أية ضمانة. # أما هذا العبد فقد كان لابسا خير الملابس، فحسبه الناس سفيرا لإحدى الجمهوريات ~~الأميركية. # 35 # أما هذا العبد فلم يكن إلا شوكنج، فلنبسط للقراء الآن كيف وجد في منزل بادي ~~مستعدا لدفع المال، عائدين إلى الوقت الذي قبض فيه على الأب صموئيل، فهرب الرجل ~~العبوس وشوكنج وذهب الاثنان إلى شارع ليستر، ثم عطفا منه على شارع جيرارد وهو شارع يقيم ~~فيه كثير من الفرنسيين. # وكانت الساعة الخامسة صباحا، ولا يزال الناس نياما، فقال العبوس لشوكنج: هلم معي ~~إلى هذا المنزل، فإنه أحد منازلي الكثيرة التي أخبرتك عنها. # ثم أخذ مفتاحا من جيبه، ففتح باب منزل في الشارع ودخل يتبعه شوكنج، وصعدا إلى الدور ~~الثالث. # ووقف عند باب مكتوب عليه هذه الكتابة «ساجون فرنز مصور شمسي» وقرع الباب. # وبعد هنيهة سمع صوت من الداخل يقول: من القادم؟ # فأجابه الرجل العبوس من الخارج: إن أشعة الشمس خير مساعد للمصورين. # وكانت هذه الكلمة رمزا اصطلاحيا بين الأرلنديين دون شك، فإن الباب فتح في الحال ~~وظهر منه رجل في مقتبل الشباب، وعيناه تدلان على أن النعاس لا يزال متمكنا فيه. # فقال له العبوس باللغة الفرنسية: إني لم أزرك منذ عهد بعيد، وقد زرتك اليوم ~~مبكرا. # ففرك المصور عينيه، وقال: كل التبكير، كم الساعة الآن؟ ~~- الساعة الخامسة. ~~- إنك خير قادم في أية ساعة أتيت، ولا سيما في هذه الأيام. ~~- ألعلك تريد أن تقول إن المال قليل لديك؟ ~~- بل غير موجود. ~~- لا بأس، فخذ الآن هذه الجنيهات العشرة، فيسر بها أمرك، وإني أطلب منك أن ~~تعيرني آلة التصوير التي عندك لبضع ساعات. ~~- أتصور بها قبل أن تشرق الشمس؟ ~~- كلا، فإني محتاج إليها في الساعة العاشرة. ~~- أين تريد أن أرسلها؟ ~~- إلى خمارة شونت في شارع سوتوارك. ~~- إذن أذهب بها بنفسي. ~~- لا حاجة إلى أن تحضر أنت، فأرسل بها اثنين من عمالك، والآن عد إلى فراشك فإني ~~منصرف. # ثم تركه ms2081 وخرج مع شوكنج، فاستوقف مركبة وأمر سائقها أن يذهب بهما إلى همبستاد. # فتنهد شوكنج وذكر تلك الليلة التي جعله فيها العبوس لوردا عظيما، فمرت مرور ~~الأحلام. # وأدرك العبوس سر تنهده، وقال مبتسما: سأرد لك مجدك السابق، وأجعلك أعظم من ~~اللورد. # وما زالت المركبة سائرة بهما حتى وقفت عند منزل في همبستاد، فدخلا إليه وخلا الرجل ~~العبوس بشوكنج في غرفة فخمة، وقال له: أتعلم ما أنا صانع بك الآن؟ ~~- كلا، ولكني لا أبالي فقد تعودت عجائبك. ~~- إني أريد أن أجعلك عبدا أسود، وأصبغ وجهك ويديك وكل ما يظهر للعيون من جلدك بلون ~~الأبنوس. # فصرخ شوكنج قائلا: أأنا أكون من العبيد؟ # فلم يحفل به وقام إلى خزانة، فأخرج منها بضعة وسامات تبهر الأنظار، وقال: سأضع فوق ~~صدرك أيضا هذه النياشين. # فخف وقر السواد على شوكنج، وجعل ينظر إلى هذه النياشين نظرة المتعجب. # فقال العبوس: ولكن أتعلم ماذا يكون اسمك؟ ~~- كلا، ولكني أريد اسما ينطبق على هذه الوسامات الكثيرة. ~~- بل هو أعظم منها، فإنك تدعى «دون كريستوفور إيمتدز إيكوردوفا إبسنتافيا ~~إيبوغوتا». # فضحك شوكنج وقال: ما هذا الاسم الطويل، أيمكن أن يكون من أسماء البشر؟ ~~- إنه اسم رجل من نبلاء أهل البرازيل، وأنت الآن من كبار موظفي حكومة الأرجنتين، ~~فاحفظ اسمك واحذر أن تنساه. # فجعل شوكنج يكرر هذا الاسم الغريب، وخرج الرجل العبوس هنيهة، ثم عاد بإناء فيه صباغ ~~أسود وإسفنجة، وصبغ بها وجه شوكنج ويديه وعنقه، وألبسه ملابس البرازيليين، وزين صدره ~~بتلك الوسامات اللامعة. # فأخذ ينظر إلى المرآة معجبا بشكله، وقد تعزى بلقبه الجديد عن لقب اللوردية ~~القديم. # أما العبوس فإنه تركه أمام مرآته وذهب إلى الخزانة، فأخذ منها محفظة تكدست فيها ~~الأوراق المالية ودفعها إليه. # فبهت وقال له: ما هذا؟ ~~- هي أوراق مالية، تبلغ قيمتها ألفي جنيه ، أريد أن تضعها في جيبك. ~~- لأية غاية؟ ~~- سأخبرك بغايتي، فاجلس الآن وأصغ إلي. # فجلس ممتثلا، ولكنه احتال كي يكون مجلسه أمام المرآة، فلا يحرم التطلع إلى تلك ~~النياشين التي يزدان بها صدره. # 36 # فلم يتمالك ms2082 العبوس عن الضحك لما رآه من غرور شوكنج وخيلائه، فقال له: لا بد أن تكون ~~علمت يقينا أني لم ألبسك هذه النياشين، ولم أمنحك اللقب الرنان كي تعجب بمشاهدتها في ~~مرآتك. # فخجل وقال: دون شك، وأنا أنتظر أوامرك. ~~- لقد قلت لك إني سأكتشف قاتل بادي، ولكن تذكر ما قلته لك منذ ساعتين، وهو أنهم إذا ~~قبضوا على الأب صموئيل، فإنهم قد يبقونه في الحبس، ولو تأكدوا من براءته، وقد رأيت كيف ~~أنه لم يكترث للأخطار، وخاطر بما نبهته منه في سبيل الواجب، فسقط في الفخ الذي ~~نصب له؛ ولذلك فقد وجب علينا إنقاذه. ~~- وهو ما أرجوه، وفي اعتقادي أنك قادر على كل شيء. ~~- إذن، خذ هذه المحفظة المالية واتبعني، فقد يتفق أنهم يبرئون ساحة الكاهن في ~~الموضع الذي نحن ذاهبون إليه، غير أنه قد يصعب إيجاد المجرم في الحال؛ ولذلك إما ~~يرجعونه إلى الحبس، وإما يطلقون سراحه وقتيا بضمانة. # وهنا يبدأ دورك؛ لأن الكاهن لا يستطيع دفع الضمانة، فمتى سمعته يتكلم عن الضمانة تلبث ~~صامتا مختلطا بالجمع دون أن تفوه بكلمة إلى أن يتكلم الكاهن، ويظهر عجزه عن دفع ~~الضمانة. ~~- وعند ذلك أدفع المال؟ ~~- دون شك، وسأخبرك في المركبة كيف تتصرف لضيق المقام الآن، فهلم بنا. # ثم خرج العبوس وشوكنج إلى المركبة التي كانت تنتظرهما، فسارت بهما إلى الخمارة التي ~~كان ينتظر فيها آلة التصوير، فأخذها وسار بها مع شوكنج إلى منزل بادي. # وقد عرف القراء كيف أن شوكنج دنا من القاضي، وعرض عليه دفع الضمانة عن الكاهن، وكيف ~~أن الناس قد انذهلوا من منظر هذا العبد، وعجبوا لما أبداه من المروءة. # أما القاضي فإنه تفحصه بنظره، وقال: من أنت؟ # فأجابه: إني أدعى كريستوفور إيكوذوفا ذيمندس إبسنتافيا إيبوغوتا. # وقد قال ذلك بلهجة إسبانية على ريق لم يبلعه، ونفس لم يقطعه، ثم ظهرت عليه علائم كأنه ~~يعتز بهذا النسب الطويل، وقال: إني كاثوليكي المذهب، وإن ديني يقضي علي أن أساعد ~~الكاهن الكاثوليكي، وأفرج كربته. # ثم أخذ من جيبه محفظة الأوراق المالية، ms2083 وأفرغ ما فيها أمام القاضي دون اكتراث، وهو ~~يقول: قل يا سيدي مقدار الضمانة التي تريدها. ~~- ألفا جنيه. ~~- هي أمامك فخذها. # فاصفر وجه السير بترس توين، ونظر القاضي إلى الأب صموئيل، وقال: إنك يا حضرة الكاهن ~~مطلق السراح، بشرط أن تحضر إلى المحكمة يوم محاكمة هذا المجرم. # فشكره الأب صموئيل، وخرج من بين الجمهور، وكان الناس يحنون له الرءوس ~~احتراما. # أما العبوس فإنه كان قد دنا في ذلك الحين من مس ألن، فنظر إليها تلك النظرة الجاذبة، ~~وقال لها: إنك عرفتني أليس كذلك؟ # فأجابته بصوت مضطرب: نعم. ~~- ولماذا لم تسلميني إلى البوليس؟ # فارتعشت الفتاة وقالت له: اخرج معي أخبرك عن السبب. # وعند ذلك أمر القاضي بفض الجلسة، فشكره العبوس لخدمته الجليلة، وبرح المنزل. # فخرج الناس، وكان أول المنصرفين الرجل العبوس، فتبعته مس ألن على الأثر وتأبطت ذراعه ~~دون كلفة، حتى لقد توهم الناس أنها من أهله، وأنها جاءت معه. # فلما ابتعدا قليلا من المنزل قال لها: إني معجب لأمرك، فإن كلمة واحدة منك كانت ~~كافية لزجي في الحبس. ~~- ولكني لم أقل هذه الكلمة. ~~- لماذا؟ ~~- هذا سري. ~~- ولكني عرفت هذا السر. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن ساعة حبك قد دنت. # فنزعت يدها منه، وقالت له: لقد تسرعت بالحكم علي. # فأجابها ضاحكا ضحك الواثق المطمئن. # وذهب هو مواصلا سيره، وبقيت هي واقفة تنظر إليه إلى أن توارى عن أنظارها، فعضت شفتها ~~من الغيظ، وقالت: نعم، نعم، لقد دنت الساعة، ولكنها ليست الساعة التي أتدانى فيها إلى ~~حبك، بل الساعة التي أسحقك فيها تحت قدمي سحق الزجاج. # وهنا ذكرت السير بترس توين، فرأت أن تعود إليه. # 37 # وعادت لفورها إلى منزل بادي، فوجدت الناس يتفرقون، والبوليس قبض على جوهان، وساروا به ~~إلى الحبس، ولم يبق هناك أثر يدل على الجريمة. # وقد ذهب الناس وكلهم راضون عن حكم القاضي وإطلاق سراح الكاهن، ما خلا السير بترس ~~توين، فإنه كان لا يزال واقفا في الزقاق يسير ذهابا وإيابا، وهو يرغي ويزبد من ~~الغيظ ويقول في نفسه: ms2084 لقد أساء إلي هذا القاضي إساءة لا تغتفر، وسيكون لي معه شأن، ~~فإني أخبرته همسا من أنا وقلت له أن ناظر العدلية يريد أن يبقى الأب صموئيل في الحبس، ~~ولكنه تظاهر أنه لم يفهم ما قلته ولا بد لي من عزله. # وفيما هو يناجي نفسه في هذه الشرور، ويمهد سبل الانتقام من القاضي النزيه، شعر ~~بيد وضعت على كتفه، فالتفت فرأى مس ألن، فقال لها: أين كنت، فإني بحثت عنك ~~كثيرا؟ ~~- إني رافقت الطبيب الألماني إلى آخر الزقاق لشدة إعجابي بما فعله. # فقال لها متهكما: ألعلك استحسنت عمله؟ ~~- دون شك، فإن اكتشافه لم يسبقه إليه أحد. # فعاد إلى تهكمه، وقال: إذن لماذا لا توصي أباك اللورد ليعرض مكافآته على ~~البرلمان. # فابتسمت مس ألن وقالت: الحق إنه كان يستحق المكافأة، فإنه كان السبب في إطلاق سراح ~~كاهن أرلندي. ~~- وهذا العبد الذي تبرع بتقديم الضمانة؟ # فابتسمت ابتساما مما يدل أنها تعرفه أيضا. # فغضب السير، وقال: أرى أنك كنت تعرفين هذا الطبيب من قبل، فصحبته حين خروجه. ~~- دون شك، فإني أعرفه وأعرف العبد أيضا، فإنه شريكه. # فاشتد غضبه حتى كاد يتميز من الغيظ، وقال: إن هؤلاء الأشرار قد اتفقوا على إنقاذ ~~الكاهن. # فابتسمت مس ألن وقالت: إني أريد أن أخبرك بأمور خطيرة، ولكن يجب من أجل ذلك أن تكون ~~رابط الجأش، وقبل كل شيء أن تبرح هذا الزقاق، فقد استلفت وقوفنا فيه أنظار ~~الناس. ~~- إلى أين تريدين أن نذهب؟ ~~- نركب مركبة ونذهب بها إلى منزلك. ~~- ليكن ما تريدين، فلنذهب. # ولما سارت بهما المركبة قالت له المس ألن: لقد قلت لك إني أعرف الطبيب والعبد، ~~والآن أقول إنهما والأب صموئيل من الأرلنديين المعادين للإنكليز. ~~- إن الأب صموئيل مشهور أمره، فهل الطبيب والعبد من جمعيته السرية؟ ~~- إني لا أؤكد ذلك كل التأكيد ، ولكني رأيت حين التحقيق أن الطبيب قد تبادل مع العبد ~~نظرة سرية، فأيقنت أنهما شريكان. ~~- ولكن من هو هذا الطبيب الألماني؟ ~~- إن هذا الرجل ليس ألمانيا، ولا طبيبا، ولا أظنه إنكليزيا أيضا، بل ms2085 ربما كان ~~من الفرنسيين، ولكني لا برهان لي على ذلك. ~~- كيف ذلك؟ ألم تقولي إنك تعرفينه؟ ~~- دون شك، ولكني أعجب بك كيف لم تدرك هذا السر على ما عرفت به من الحذق والذكاء، ~~فإن هذا الرجل الذي يتلبس كل يوم بألف وجه، ويتخلق بألف خلق، وعجز بوليس لندرا عن ~~القبض عليه، إن هذا الطبيب الألماني يا سيدي هو الرجل العبوس. # فاختبل السير توين وقال لها: ماذا تقولين؟ أهذا هو الرجل العبوس؟ ~~- هو بعينه. ~~- وقد عرفتيه حين انعقاد الجلسة. ~~- بل عرفته حين دخل. # فضحك ضحكا عصبيا وقال: لا شك أنك مجنونة يا مس ألن. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك كنت تستطيعين إيقافه بكلمة واحدة تقولينها للقاضي. # فقالت له ببرود: هو الحق ما تقول، ولكن لم أكن أريد أن يقبض عليه في ذلك ~~الوقت. # وكانت المركبة قد وصلت إلى منزل السير بترس توين، فلم ينتبه إلى وقوفها لفرط ~~اضطرابه، فنزلت مس ألن وقالت له: هلم معي الآن، فسأوضح لك كل شيء في غرفتك. # ثم دخلا إلى المنزل. # 38 # وكان في غرفة السير بترس توين قسيس شاب ينتظر عودة رئيسه، فلما رآه داخلا مع مس ألن ~~حاول الخروج، فاستوقفته الفتاة وقالت: إنك تستطيع البقاء معنا، فإني أعلم أنك مساعد ~~رئيسك الأيمن، فلا أخشى أن أتكلم أمامك. # وكانت هيئة بترس توين قد خرجت عن حد الإنسانية لفرط غضبه واضطرابه؛ فقد احمر وجهه ~~حتى كاد الدم يخرج منه، وظهر الزبد على شفتيه كالجمال الهائجة، واحمرت حدقتاه حتى ~~بات كالحيوان المفترس بعد معركة، خلافا لمس ألن فإنها كانت ساكنة هادئة مبتسمة، فتطلعت ~~إلى ذلك الزعيم الهائج وقالت: اجلس يا سيدي، وأصغ لما أقول. # فامتثل وهو لا يعي، وبدأت الفتاة حديثها وقالت: أتذكر يا سيدي حين زرتك أول مرة ماذا ~~قلت لك؟ قلت لك يوجد رجل أكرهه كرها لا تصفه الأقلام لأنه قد أهانني، أتريد أن تشترك ~~معي بالانتقام منه، فأجبتني بالرضى، أليس كذلك يا سيدي؟ ~~- دون شك. ~~- إذن فاعلم أني إذا كنت لم أقبض على هذا الرجل اليوم، وإذا ms2086 كنت قد خرجت معه دون ~~كلفة، فما ذلك إلا لأن ثمرة انتقامي لم تنضج بعد، وإنه لدينا مهمة خطيرة يجب علينا أن ~~نهتم بها قبل القبض على هذا الرجل. ~~- إني لا أفهم ما تقولين. ~~- إني موضحة لك الأمر، فأصغ إلي؛ إنك تعلم أن للأرلنديين زعيما أكبر وهو غلام ~~لا يتجاوز عمره عشرة أعوام، وأن الأرلنديين بجملتهم ينتظرون بفارغ الصبر أن يبلغ أشده ~~كي ينضموا تحت لوائه. # وقد كنا استولينا على ذاك الغلام أنا وأبي، ووضعناه في منزلنا، ولكنهم اختطفوه ~~منا. ~~- وهل فقدتم أثره؟ ~~- كلا، فإني أعلم أين هو الآن، فإنهم قد خطفوه أيضا من حبس الطاحونة، وكان خاطفه ~~الرجل العبوس. ~~- إني أعلم تلك التفاصيل، ولكني لا أعلم ما حدث بعد ذلك للغلام. ~~- إنهم أدخلوه مدرسة أبناء المسيح. # فاضطرب وقال: إن ذاك محال. ~~- قد يكون مستحيلا، ولكني واثقة من صحته، وأنا أجهل كيف أدخلوه إلى تلك المدرسة، ~~ولكنه مقيم فيها وهو بحماية اللورد المحافظ، كما أن المدرسة لا تسري عليها ~~القوانين. ~~- إذن لا بد أن يكون قد انتحلوا له اسما آخر، ولا بد لنا من إظهار اسمه ~~الأصلي. # فابتسمت مس ألن وقالت: أرأيت كيف يجب أن نضع العبوس في المقام الثاني، فإنك تعلم ~~ضرورة القبض على الغلام. ~~- دون شك. ~~- هذه هي المرة الخطيرة التي يجب أن تفرغ جهدك في إتمامها. ~~- ولكنها مهمة صعبة، فإن هذه المدرسة لا تسري عليها القوانين، ولا يؤثر فيها ~~النظام. ~~- ولكن الحيلة أبلغ من النفوذ في قضاء الحاجات، وإن لنا مساعدا عظيما يدعونه مسز ~~فانوش، وهي التي حبس عندها الغلام أول مرة وسأجد تلك المرأة. # ثم نهضت تهم بالذهاب، فقال لها السير بترس توين: أراك ذاهبة يا سيدتي، ألعلك نسيت ما ~~وعدتني به من الإيضاح. ~~- لقد أصبت، فإنك تريد أن تعرف كيف أني اكتشفت أمر الرجل العبوس، فاعلم أن هذا الرجل ~~قد خطر له خاطر غريب، جعله نصب عينيه، وهو أن كرهي له سيستحيل إلى حب. # ثم قالت وقد ابتسمت ابتسامة هائلة: وأنا أيضا قد خطر لي ms2087 نفس ما خطر له. ~~- كيف ذلك؟ ألعلك تريدين أن تحمليه على حبك؟ وما هو قصدك؟ ~~- نعم، إني أريد أن يهواني، وعند ذلك يبدأ انتقامي، إنك قد لا تفهم كلامي، ولكن لا ~~بأس، فستصلك أخباري غدا، والآن أستودعك الله. # ثم تركته وانصرفت، فلبث الكاهنان ساكتين إلى أن سمعا إقفال الباب الخارجي من ~~ورائها. # ثم قال السير بترس توين للكاهن الشاب: لقد بدأت أخاف من هذه الفتاة، إذ لا بد لها أن ~~تخوننا. # فدهش الفتى وقال: لماذا؟ ~~- إذ لا يوجد بين البغض والحب غير خطوة، ولكني سأراقبها فلا يفوز علينا هؤلاء ~~الأرلنديون. # 39 # يوجد في لندرا مكان أطلق عليه اسم جهنم، تديره امرأة تدعى مسز بيرتون. # وليس في هذا المحل ما ينطبق على مسماه من نار حرها لا يطفأ، وأبالسة سلاحهم ~~الفئوس، بل إن فيه ما ينطبق على معنى هذا المسمى كما ستراه. # إن الداخل إلى هذا المحل يجد على يساره محلا لبيع التبغ، وعلى يمينه فندقا فرنسيا ~~يتولى إدارته الألمان. # وكانت صاحبة محل التبغ امرأة لا هي عجوز ولا فتاة، لا هي قبيحة ولا حسناء، وكانت تتقن ~~اللغة الفرنسية، ولمحلها كثير من الزبائن. # ولم يكن يظهر في هذا المحل الملقب بجهنم نور ولا نار، ولا يسمع له حس من الخارج، ~~في حين أن بابه كان يفتح ويغلق كل حين. # وكانت المركبات تصل إليه وتقف، فيخرج منها تارة رجل نبيل، وتارة امرأة متأنقة، ~~فيفتح الباب لهؤلاء الزائرين ثم يقفل، فتعود المركبات مسرعة من حيث أتت. # وحيث لو كان الدخول إلى هذا الجحيم ممنوعا لما تمكن البوليس من رؤية الداخلين ~~لإسراعهم في الدخول، على أن مسز بيرتون كانت تدفع رسما فلا يعارضها البوليس. # ففي الليلة التي نقص فيها هذا الحديث، كان رجلان عليهما مظاهر النبل يسيران مشيا ~~على الأقدام إلى هذا المنزل السري. # وكانت الساعة الأولى بعد نصف الليل، فتنهد أحدهما وقال لرفيقه: إن لندرا قد ~~تغيرت تغيرا عظيما منذ سبعة أعوام. # فأجابه رفيقه: هو ما تقول، ولكنها على تغيرها لا تزال عاصمة ms2088 العالم، ولا يزال الذهب ~~الحاكم المطلق فيها، وهو رسول إلى الملذات. ~~- إني كنت أتوقع منك هذا الجواب أيها البارون، فإني حين برحت إنكلترا إلى الهند كان ~~لي ما لك من العمر، ولكن قلبي لم يكن يتسع إلا لغرامي السري. ~~- إني أعلم غرامك القديم بالمس إميلي، ولكني علمت أن هذا الغرام أسفر عن الزواج، وأنك ~~من أسعد الأزواج. # فتنهد الرجل وقال: وا أسفاه! # إن هذا الرجل كان الماجور واترلي، وهو الرجل الذي دفع ولده إلى مسز فانوش، كما ~~تقدم في الجزء السابق، وقد أوهموه أن ابن أرلندا ولده، ووافق على إدخاله بمدرسة ~~أبناء المسيح، على أن يكون وريثا للورد ويلموت أي شوكنج. # فأجابه رفيقه: إني أعجب لتنهدك حين ذكر سعادتك، وهل يتنهد السعداء؟ ~~- نعم أيها البارون، متى كانت سعادتهم لم تتم. ~~- ألعلك سلوت مس إميلي؟ ~~- بل لا أزال أعبدها. ~~- إذن ماذا ينقصك بعد ذلك؟ ~~- إني ولعت بعادة صعبة المراس حين كنت في الهند، ومن أجل هذا رجوتك أن تعرفني ~~بالمسز بيرتون. ~~- ولكني ما فهمت شيئا بعد مما تعنيه. ~~- إذن فاعلم أني مولع بشرب الأفيون، ولا يوجد في جميع لندرا محل صالح لدخول الأشراف ~~إليه، فإن جميع المحلات التي يشربون فيها الأفيون يكثر تردد العامة إليها، ولا يليق ~~بأمثالنا انتيابها. # فابتسم رفيقه، وكان يدعى البارون متشل، وقال: إذن اطمئن. ~~- أيشربون الأفيون عند مسز بيرتون؟ ~~- نعم، ولكنهم يتعاطونه بالسر، ولا يقبلون في هذا المكان إلا من كان مشهودا له ~~بالظرف والرزانة والكتمان، وموصى به خير توصية. ~~- أتظن أن مسز بيرتون تقبلني في عداد زبائنها؟ ~~- دون شك ما زلت أنا الموصي بك، فإنها لا ترفض لي طلبا، ولكن محل شرب الأفيون منفصل ~~في ذلك المكان عن محل اللعب، وأنا أدخلك إليه بشرط أن لا تحكم علي بمرافقتك. ~~- ليكن ما تريد. # وعندها وصلا إلى باب جهنم، فطرق البارون متشل الباب، ففتح على الفور ودخل ~~الاثنان. # 40 # وقد دخل الاثنان فأقفل الباب وراءهما، ومشيا في رواق يكاد يكون مظلما لضعف النور ~~فيه؛ إذ لم يكن فيه ms2089 غير مصباح صغير معلق في قبة الرواق. # فدهش الماجور وقال: إذا كان مدخل هذا المكان دليلا عليه، فقد أخطأنا في المجيء ~~إليه. ~~- سوف ترى. # ثم سارا في ذلك الرواق حتى انتهيا إلى آخر، فوجدا بابا مقفلا فطرقه البارون متشل ~~طرقتين خفيفتين، وصبر هنيهة فطرقه طرقة ثالثة قوية، كأنما هذا النوع من الطرق مصطلح ~~عليه. # ففتح الباب ودخل الزائران إلى قاعة فسيحة كثرت فيها الأنوار، ولكن لم يكن فيها شيء ~~من أدوات الزينة والبهرجة. # وكان يوجد فيها مستوقد ومحل الشاي، وفي وسط القاعة طاولة بسيطة كانت جالسة أمامها ~~امرأة بيضاء الشعر، وعليها كثير من الحلى وفي أصابعها كثير من الخواتم الثمينة. # على أنها على بياض شعرها كانت حادة البصر، وعليها مسحة من جمال قديم. # فحياها البارون متشل تحية تدل على الصداقة، فردت تحيته بمثلها ونظرت إلى ~~الماجور واترلي، فأخذ البارون بيده ودنا منا، وقال: أقدم لك يا سيدتي الماجور واترلي، ~~فإنه من النبلاء وهو خير أصدقائي. # فانحنت العجوز أمامهما، وقالت لهما: لا مانع من دخولكما يا ولدي، فادخلا. # فاندهش الماجور واترلي من قولها؛ لأنه لم يجد في تلك القاعة غير الباب الذي دخل ~~منه. # ولكن متشل أخذ بيده وسار به إلى الجدار، فأدار لولبا ففتح باب على الفور ودخل منه ~~الزائران. # وقد رأى الماجور أنه بات في رواق آخر يشبه الرواق الأول، ولكنه أعرض من الأول وأكثر ~~نورا، ورأى في الأرض بسطا ممددة، وعلى الجدران رسوما تمثل الطيور والأزهار. # وكان كلما سار خطوة يجد مصابيح متلألئة، موضوعة فوق أعمدة من الرخام. # فلم يسيرا بضع خطوات حتى سمعا أصوات من الداخل، فقال متشل: إنهم يرقصون، ولا شك أن ~~المدموازيل أولمب تعزف على البيانو. ~~- من هي المدموازيل أولمب؟ ~~- إنها فتاة فرنسية بارعة الجمال، جاءت إلى لندرا فلقيت نجاحا باهرا، وهي تتردد ~~دائما على محل مسز بيرتون. # فقاطعه الماجور قائلا: إني أيها الصديق جندي قدمت حديثا من الهند، فلا أعلم عوائد ~~النبلاء ومصطلحاتهم، فهل تأذن لي أن ألقي عليك سؤالا؟ ~~- اسأل ما تشاء أيها ms2090 الصديق. ~~- إننا دخلنا إلى منزل يقامرون فيه ويرقصون ويشربون الأفيون، فإذا كان ذلك كما رأيت، ~~فلماذا جعلوا له هذا المدخل؟ ولماذا هذا التكتم والتحفظ؟ ألعله من البيوت الممنوع ~~الدخول إليها؟ ~~- كلا. ~~- إذن ما هذه الألغاز؟ ~~- يدهشني منك أيها الصديق أنك تتكلم ببساطة أولئك الأقوام الذين يعيشون تحت سماء خط ~~الاستواء، فإنك تجهل الشرائع الإنكليزية على كونك من الإنكليز. # ألا تعلم أن شرائعنا تبيح لكل إنسان أن يفعل كل ما يشاء، على أن لا يضر ~~سواه. # وهذا منزل مسز بيرتون معد للقمار والرقص والسكر بالأفيون كل الليل، فلو كان على ~~قارعة الطريق وكانت نوافذه مشرفة على الشارع، ألا يؤذي ضجيج الرقص وعربدة السكارى من ~~يجاور هذا المنزل من الناس ويؤرقهم عند نومهم؟ ~~- لقد علمت الآن، ولكن هذه المرأة التي استقبلتنا في القاعة، أهي مسز بيرتون أم هي ~~جدتها أم أمها؟ ~~- لا هذا ولا ذاك، بل هي مراقبة المنزل، فلا يدخل أحد إليه إلا إذا عرفته، ولا يمكن ~~أن يدخله أحد إلا إذا كان من الأشراف، والآن سيخبرونها بقدومنا وسأقدمك لصاحبة ~~المنزل. # وكانا قد وصلا عند ذلك إلى آخر الرواق، فوجدا حارسين لابسين ملابس حريرية مزركشة ~~بخطوط الذهب، وفتح أحدهما مصراعي الباب، فانفتح عن قاعة عظيمة كان فيها كثير من ~~الأعيان، وكثيرات من الحسان، وحفلة الرقص دائرة. # ودخل الزائران وقال البارون لرفيقه الماجور: اصبر إلى أن ينتهي الرقص فأقدمك لصاحبة ~~المنزل. # 41 # ثم انتهى الرقص، وذهب الرجال بالنساء إلى مجالسهن، فأخذ البارون متشل بيد الماجور ~~واترلي وذهب به إلى امرأة بين العمرين، ولكنها أقرب إلى الكهولة، وهي متأنقة وفي ~~عنقها عقد من اللؤلؤ الثمين. # وكانت على كهولتها لا تزال حسناء، وهي المسز بيرتون صاحبة المنزل. # فدنا منها البارون متشل فلثم يدها، وقدم لها صديقه الماجور، فصافحته بيدها وقالت: ~~إن هذا المنزل منزلك منذ الليلة يا سيدي. # وجرت بينهما المجاملات المألوفة ثم افترقا، فذهبت إلى باب المنزل لاستقبال زائر جديد، ~~وبقي الماجور مع رفيقه البارون، وقال له البارون: أرأيت كيف أن هذا المنزل ms2091 يشبه منازل ~~النبلاء في كل شيء؟ ~~- هو ما تقول، ولكني لم أعلم إلى الآن أين يشربون الأفيون فيه؟ # فابتسم البارون وقال: إنك كثير التسرع أيها الصديق، وما بعد العجلة إلا ~~الندامة. # فانقطع الماجور عن سؤاله، وهو يجيل نظرا حائرا بين الراقصين والراقصات، فلا يقع ~~بصره إلا على فتاة حسناء وفتى نبيل. # ثم قال له البارون: هلم بنا الآن إلى قاعة المقامرة. # فامتثل الماجور منقادا له انقياد الأعمى، وذهبا إلى منضدة كان عليها بعض اللاعبين، ~~وبينهم أحد النبلاء ويدعى السير روبرت هاتون، فعرفه البارون بالماجور، وابتسم ~~ابتسامة معنوية. # وأدرك السير روبرت معنى ابتسامته، وقال للماجور: يبدو يا سيدي أنك مثلنا من شراب ~~الأفيون، فصبرا إننا ذاهبون إلى قاعة التدخين متى دنت الساعة. # فدهش الماجور وقال: ألعل الأفيون له ساعة معينة؟ ~~- نعم، وهي الساعة الرابعة بعد نصف الليل، أي حين ينصرف اللاعبون والراقصون ولا يبقى ~~في تلك القاعات غير أولئك الأذكياء، الذين يؤثرون ملاذ الروح على ملاذ الجسد. # فصادق البارون متشل على هذا القول من قبيل المجاملة، وشكر السير روبرت ضاحكا، فأجابه ~~السير معتذرا وقال: لقد نسيت أنك لا تشرب الأفيون، على إني لا أزال أنتقد عليك أنك ~~تجهل ملذات شربه التي لا حد لها. # هز البارون كتفيه دون أن يجيب. # غير أن السير روبرت أبى إلا أن ينتصر للأفيون وأحزابه، فقال: إنكم أيها المجانين لا ~~تكرهون الأفيون إلا لجهلكم ملاذه، على أنكم لو اندمجتم في سلك شرابه لعلمتم أنكم في ~~ضلال، وإني أقول لك ذلك بشكل خاص، إنك من أهل الخيال، ولا أرى إلا أن تصحبنا ليلة ~~فتصبح بعدها من أشد أنصارنا. ~~- أما أن تكون هذه الملذة الروحية على ما وصفته لي، فإن ذلك من الممكنات، وأما أن ~~تغويني على الاقتداء بك فلا، ولكني أرجوك أن تصف لي القاعة التي تدخنون فيها . ~~- هي قاعة صغيرة غطيت جدرانها بالأقمشة الشرقية، ويوجد فيها مقعد طويل يمتد من أول ~~القاعة إلى آخرها، فيتربع فوقه المدخنون وفي يد كل منهم غليون يضع فيه التبغ وحبة ms2092 ~~من الأفيون، فيولعه ويدخن. # حتى إذا انتهى من تدخين الحبة الأولى امحت مظاهر تلك القاعة كلها وزالت جدرانها، ~~وانكشفت لعينيه السماء الزرقاء، وتألقت منها الشمس الساطعة، وبرزت الجواري الحسان ففتنت ~~عقله بابتسامتها. # فضحك البارون متشل وقال: أهذا الذي تدعوه ملذة لا حد لها؟ إني أؤثر ألف مرة أن ألثم ~~أنامل مدموازيل أولمب، تلك الفتاة الحسناء الجالسة هناك قرب المستوقد، على تلك الملذة ~~الروحية التي لا حد لها كما تقول، وأؤثر ابتسامتها الحلوة الصحيحة على ابتسامة ~~الحورية الوهمية التي يمثلها لكم الأفيون، فينتهي بكم إلى الخمول. # نظر السير روبرت إلى الماجور واترلي، وقال له وهو يبتسم ابتسام المشفق عليه لهذا ~~الاعتقاد: لا سبيل إلى جداله. ~~- دون شك ولا سبيل إلى مجادلته في الأفيون، إنه لن يدرك شيئا من أسراره إلا ~~بالسماع. # فقال البارون متشل: قد تكون مصيبا، إن الجدال في هذا الشأن محال، ولكن عاقبة الحشيش ~~والأفيون لا يجهلها أحد، وكفى بذلك برهانا أن أوله خوف وآخره ضعف. # فتنهد الماجور وقال: هي الحقيقة بعينها، ولكن بينهما ساعة لا تباع بالملك. وقد ظهرت ~~عليه علائم الشوق الشديد، فقال للسير روبرت: ألم يحن بعد الزمن؟ # فضحك السير روبرت وقال: لا يزال أمامنا ساعة، وسأعرفك الآن بهذه الفتاة ~~الآشورية. # أجابه الماجور دون اكتراث: من هي هذه الفتاة؟ ~~- إنها فتاة حسناء يكسف أشعة حسنها جمال الحوريات التي يمثلها لكم الأفيون. # تبودلت بين السير روبرت والماجور نظرة إشفاق على البارون متشل، وقال له البارون: احكم ~~علي بما تشاء على أن تأذن لي بأن أعرفك بالآشورية، فقد وعدتها بذلك فأوشكت أن تجن من ~~سرورها، لا سيما حين علمت أنك قادم من الهند. ~~- سأمتثل لك فيما تريد، ولكنك تعلم أني أعبد امرأتي عبادة، لا يؤثر علي جمال ~~النساء. ~~- سوف ترى، فيا طالما قال الأزواج قبلك هذه الأقوال. # وبعد أن انتهى من اللعب ذهب البارون متشل بالماجور واترلي إلى قاعة كان فيها كثير من ~~النساء، وهناك فتاة طلعت بينهن مطلع القمر بين النجوم، وهي بسامة الثغر، سوداء الشعر، ~~براقة ms2093 العينين، فلم يكد يراها الماجور حتى ارتعش، ونسي أنه قادم إلى منزل مسز بيرتون ~~لشرب الأفيون. # 42 # كان لهذه الفتاة التي يلقبونها بالآشورية اسم آخر دون شك، ولكن هذا اللقب تغلب على ~~اسمها حين قدمت إلى لندرا ونالت فيها شهرتها البعيدة. # وكانت بارعة في جمالها، وقد اشتهرت أيضا في باريس وفينا وفلورنسا، إلا أن شهرتها في ~~لندرا كانت أعظم؛ إذ راقت في عيون الإنكليز لسواد شعرها، وندور سواد الشعر بين ~~الإيكوسيات، والأرلنديات. # ولم يكن أحد يعلم من أين أتت، بل لا أحد يعلم حقيقة أصلها، فإنها كانت تتكلم أكثر ~~اللغات الشائعة كأبنائها، وقد عثرت بها مسز بيرتون، فجعلتها زينة منزلها، وازدحم الناس ~~في ذاك المنزل بعد قدومها، وكان ذلك منذ شهرين. # ثم امتدت شهرتها وانتشرت في جميع لندرا، لا سيما بعد تزاحم العشاق عليها واقتتالهم ~~في سبيل هواها، فقد حدثوا عنها أن اللورد ه. هام في هواها وهو في مقتبل الشباب، ولما ~~لم يرق في عينها انتحر عند باب منزلها، ورووا كثيرا من هذه الحوادث المفجعة حدثت في ~~سبيل هواها، فكانت من أدعى أسباب شهرتها. # أما الماجور واترلي الذي كان يدعي أنه يعبد امرأته، فإنه لم يكد يراها حتى اختلج ~~وارتعش، وأحس أن لهذه الحسناء سلطانا خفيا عليه. # أما الفتاة فإنها أشارت إلى كرسي بقربها، وسألته أن يجلس بجانبها، فامتثل ونسي منذ ~~تلك الساعة الغاية التي أتى من أجلها إلى منزل مسز بيرتون، وهي شرب الأفيون؛ ذلك أنه ~~لقي من سكر عينيها ما لا يذكر معه سكر الأفيون بشيء. # وأما البارون متشل الذي كان واسطة التعارف بين صديقه الماجور وبين الآشورية، فإنه بعد ~~أن قضى هذه المهمة ترك صديقه وشأنه، وجال في القاعة بين الحاضرين باحثا كأنه يفتش على ~~شخص واعده على الملتقى، فلم يجد ضالته وقال: أظن أن صديقي أرثير يهزأ بي. # ولكنه لم يتم جملته حتى فتح باب القاعة ودخل منه رجل في مقتبل الشباب، فأسرع إليه ~~البارون متشل وقال: لقد طال انتظاري حتى كدت أقنط من حضورك. ms2094 # وكان هذا الرجل نفس ذلك المركيز الشاب الذي تبع مس ألن في هايد بارك، حين كان رفاقه ~~يتراهنون على الرجل العبوس، وقد حسبوه الكونت الروسي، فقال له المركيز: ها قد أتيت ~~فماذا حدث؟ # وقال له البارون: حدث كل ما أردته، فإن الماجور قد حضر. ~~- أهو هنا؟ ~~- نعم، وهو يحادث الآن الآشورية. ~~- إذن إن الأمور سائرة على محور النجاح. ~~- سيذهبون به قريبا إلى قاعة تدخين الأفيون إذا اقتضى الأمر، ولكني أظن أن عيني ~~الآشورية تقضيان الحاجة، وتفعلان به أكثر من الأفيون، انظر إليه أيها الصديق تر أن ~~روحه باتت بين شفتي هذه الفتانة. # ونظر المركيز إلى الماجور، ورأى أن الآشورية قد فتنته بدلالها، وأنه شاخص الطرف لا ~~ينظر إلا جمالها، ولا يسمع غير أقوالها. # وهنا انقطع الصديقان هنيهة عن الحديث، ثم أخذ البارون متشل بيد الماجور وسار به إلى ~~مكان خال من الناس في القاعة، وقال له: أتريد أن نتحدث قليلا أيها الصديق؟ ~~- ليكن ما تريد. ~~- لقد أدهشتني بأعمالك حتى بت في حاجة إلى طلب الإيضاح منك. # فابتسم المركيز، وقال: إني لا أنكر عليك انذهالك من إهمالي، فأنا نفسي مندهش منها ~~أكثر منك. ~~- إني لا أفهم شيئا مما تقوله إلا إذا كنت تريد الهزء بي. ~~- معاذ الله أن أهزأ بأصدقائي. ~~- إذن أوضح لي ما أسألك عنه. ~~- سل ما تشاء. ~~- اجتمعنا أول أمس في النادي فاقترحت علي أن ألاعبك بالورق، ووضعت شرطا غريبا في ~~بابه، وهو أني إذا كنت أنا الرابح تدفع لي ألف جنيه، وإذا كنت أنت الرابح أصنع مدة ~~ثلاثة أيام كل ما تطلبه إلي، على شرط أن لا تسألني إجراء ما يمس بالشرف. # واصبر فإني لم أنته بعد، فإنك حين غلبتني سألتني إذا كنت أعرف الماجور واترلي؟ ~~فأجبتك بالإيجاب، وقلت لي إني أريد أن تدخله إلى منزل مسز بيرتون، ثم قلت لي يجب أن ~~تعرفه بالآشورية وتسكره بغرامها، وإذا لم يؤثر عليه جمالها يجب أن يسكر ~~بالأفيون. ~~- نعم، فقد قلت لك كل هذا. # وقال البارون: وأنا قد فعلت كل ms2095 ما طلبته إلي، وجئت به كي يشرب الأفيون، ففعلت به ~~عينا الآشورية ما لا يفعله ذاك السم. ~~- حسنا فعلت، لقد وفيت بعهودك. ~~- نعم، ولكني أريد أن أعلم غايتك من سكر الماجور أو غرامه. ~~- ليس لي غاية. # وأظهر البارون عجبه وقال: كيف يكون هذا ممكنا؟ ~~- هي الحقيقة بعينها أيها الصديق، وأنا أمتثل لسواك كما أنت تمتثل لي. ~~- ألعلك لعبت مثلي على مثل هذا الشرط وخسرت؟ ~~- كلا، ولكني أنا أيضا قد فتنت بآشورية كما فتن الماجور، ولكن الآشورية التي ~~فتنت بها لا تدخل إلى مثل هذه المنازل، وهي التي أمرتني لسبب لا أعلمه أن أجمع بين ~~الآشورية والماجور واترلي. ~~- أيمكن أن تذكر لي اسم الفتاة التي تهواها. ~~- نعم، فإنها تدعى مس ألن بالمير. # ودهش البارون وقال: ما هذه الألغاز إني لا أفهم شيئا منها. ~~- لا يروعك ذلك، فإني أنا أيضا لا أفهم شيئا منها. # وكان الناس قد بدءوا في ذاك الحين ينصرفون؛ لأن ساعة شرب الأفيون قد حانت. # 43 # في الليلة نفسها في الساعة الخامسة صباحا كانت مركبة واقفة في زاوية من شارع ~~بالتين. # وكان وقوفها منذ ساعة كأنما السائق كان ينتظر خروج أسياده من أحد منازل الشارع، حتى ~~كان يحسب الناظر أنها خالية لا أحد فيها، لو لم يكن يرتفع سجفها من حين إلى حين ويبرز ~~منه رأس امرأة كانت تطل وتنظر نظر الفاحص. # وكانت واقفة قرب باب جهنم، أمام منزل مسز بيرتون، وكان باب المنزل يفتح كل ربع ~~ساعة، ويخرج منه أحد الزائرين. # وكانت السيدة المقيمة في المركبة تراقب كل خارج من المنزل، حتى إذا رأته أرخت ~~السجف، إلى أن خرج المركيز الذي تقدم لنا وصفه، وأبقت السجف مرفوعا حتى دنا منها ~~فقالت له: ادخل. # ودخل المركيز إلى المركبة، وأقفل بابها ثم حيا تلك السيدة تحية الهائمين؛ لأنها ~~كانت مس ألن. # وسارت بهما المركبة فسألته مس ألن: أخبرني الآن ماذا حدث؟ ~~- حدث كل ما أردته، فإنه أشبه بالمجانين. ~~- ألعله شرب الأفيون؟ ~~- كلا، إذ لا حاجة إليه، ومع ذلك فإنه أتى ms2096 خصيصا لشربه؛ لأن له به ولعا غريبا، كما ~~يظهر، غير أن نظرات الآشورية أنسته الأفيون، حتى إنهم جاءوا يخبرونه بافتتاح قاعة ~~التدخين لم يجبهم لانصرافه إلى الآشورية. ~~- ألعله باق معها؟ ~~- نعم، ولكنه سينصرف قريبا؛ لأن مسز بيرتون أرسلت أحد خدامها لإحضار مركبة لهما. ~~انظري فهذه مركبة قد وقفت عند باب جهنم. ~~- أتظنه يسير معها؟ ~~- بل أؤكد، فإنه كان ينظر إليها نظرات المفتون. # وأمرت مس ألن سائقها أن يتقدم إلى باب جهنم، وأن يقف أمام المركبة المنتظرة، ثم ~~قالت للمركيز: إني أريد أن أتحقق الأمر بنفسي. # وبعد هنيهة فتح باب جهنم الخارجي، ورأت مس ألن امرأة خرجت منه، وهي متشحة بشال من ~~الكشمير فعلمت أنها الآشورية. # وكانت متوكئة على ذراع رجل رآه المركيز همسا لمس ألن: هذا هو الماجور واترلي. # ثم رأت مس ألن أن الآشورية صعدت إلى المركبة، وسمعتها تقول للماجور: اصعد ~~بجانبي. # فصعد ممتثلا وسارت بهما المركبة. # وعند ذلك قالت مس ألن للمركيز: لقد اطمأن بالي الآن فأشكرك لإخلاصك. # وقال لها المركيز: أتعلمين يا سيدتي أني لم أفهم شيئا إلى الآن من كل ما ~~يجري. ~~- ذلك لأني لا أريد أن تفهم، أنسيت شروطنا يا حضرة المركيز، ألم تسألني أن أأذن لك ~~بمرافقتي مرتين في الأسبوع في هايد بارك، واشترطت عليك أن تخدمني مقابل ذلك دون أن ~~تحاول الاطلاع على أسراري، وقد وفيت بوعدي فوجب عليك أن تفي بوعدك. ~~- وهذه الأسرار أتبقى غامضة علي إلى الأبد؟ # وضحكت مس ألن قائلة: إني لا أقول هذا القول، فإذا كنت كتوما طائعا فقد أطلعك ~~على بعض الأسرار، وإني مستعجلة فأستودعك الله. ~~- كيف ذلك أتتركينني وحدي؟ ~~- أتريد أن أوصلك إلى منزلك؟ ~~- حبذا يا سيدتي. # وأمرت السائق أن يذهب إلى نمرة 24 في شارع بال مال، حتى إذا وصل بهما إلى ذلك المنزل ~~لثم المركيز يدها، وقال لها: أين أنت ذاهبة الآن يا سيدتي؟ ~~- هذا أيضا سر لا يجب أن تعلمه الآن. # وخرج المركيز من المركبة وهو يعجب لأمر هذه الفتاة، أما مس ألن فإنها ms2097 أمرت السائق أن ~~يسير بها إلى همبستاد نمرة 18. # فامتثل السائق، واتكأت مس ألن في مركبتها. # وبعد نصف ساعة وقفت المركبة عند باب منزل مسز فانوش، تلك المرأة التي اختطفت ابن ~~أرلندا، والتي وجد اللورد بالمير في حديقتها مكبلا مكموما. # 44 # ولندخل الآن إلى منزل مسز فانوش التي عرف القراء أمرها مع ابن أرلندا، فنقول إنها ~~رجعت عن مهنتها السابقة وهي تربية الأطفال، وتخلصت من تلك العجوز التي كانت تضرب ~~الأطفال ذلك الضرب الموجع بعد أن خانتها كما تقدم. # ويذكر القراء ما حدث بينها وبين الرجل العبوس، فإنها بعد أن هرب رالف ابن أرلندا من ~~منزلها في همبستاد عادت إلى لندرا، فرأت منزلها خاويا خاليا لا عجوز فيه ولا ~~أطفال. # أما العجوز فقد كانت سافرت إلى حيث أرسلها اللورد بالمير بعد أن أرشدته إلى منزل مسز ~~فانوش، وأما الأطفال فقد كان الرجل العبوس نقلهم إلى محل أمين يتربون فيه. # ولم تأسف مسز فانوش لفراق الأطفال والعجوز، وعادت إلى همبستاد، وباتت في منزلها ~~مطمئنة إلى أن جاءها الرجل العبوس، فخافت خوفا عظيما؛ لاعتقادها أنه سينتقم منها ~~ويعذبها شر عذاب، غير أنها اطمأنت حين علمت أنه يريد استخدامها في إيهام الماجور واترلي ~~أن ابن أرلندا ولده بغية إدخاله مدرسة أبناء المسيح. # وكان العبوس قد دفع لها مقابل ذلك مبلغا عظيما من المال، فعاشت به عيشة السكينة، ~~ولم تعد تخاف غير العبوس الذي تجاسر على أن يعبث بلورد نبيل من أعظم رجال البرلمان ~~نفوذا. # وكانت لا تزال محتفظة بخادمتها الإيكوسية، وكانت ترسلها لاستطلاع الأخبار؛ إذ لم تكن ~~تجسر على الخروج من منزلها، وعلمت أن الحكومة تتهم الرجل العبوس بجريمة تستوجب الإعدام، ~~وأنه لم يعد إلى منزل شوكنج منذ عهد بعيد، واطمأن بالها لاعتقادها أنه سجين، وأن ~~العقاب لا بد أن ينفذ فيه. # وفيما هي جالسة ذات ليلة تشرب الشاي سمعت طرق باب منزلها الخارجي، وأرسلت خادمتها كي ~~ترى من الطارق، وعادت إليها برسالة لم يجئ بها عامل البريد، بل رجل لم تتبين وجهه؛ ~~لأنه ms2098 كان ملثما. # واضطربت مسز فانوش كأنما قلبها قد أنذرها بمصاب، وفتحت الرسالة بيد ترتجف، وأسرعت ~~بنظرها إلى موضع التوقيع فلم تجد توقيعا، أما الرسالة فكانت كما يأتي: # يطلب إلى مسز فانوش أن تنتظر في هذه الليلة زيارة شخص يريد أن يحادثها بأمور ~~خطيرة. # فإذا لم تفتح لهذا الزائر عرضت نفسها لأخطار لا تستطيع تفاديها. # وإذا خطر لها أن تلتجئ إلى البوليس وتعرض عليه هذه الرسالة، أو ائتمنت سواها ~~على هذا السر، عرضت نفسها لغضب شخص قوي قادر. # وسقطت الرسالة من يدها لما أصابها من الرعب، ونادت خادمتها، وقالت لها بصوت يتلجلج: ~~لقد خدعوك؛ لأن الرجل العبوس ليس في السجن. # ولبثت مسز فانوش منذ ذاك الحين على أشد حالة من الرعب والجنون، ولكنها امتثلت لما ورد ~~في الرسالة فلم تطلع عليها البوليس، ولم تبح بسرها لخادمتها، بل أمرتها أن تذهب ~~إلى مضجعها، وذهبت هي إلى تلك الغرفة المطلة على الحديقة، وهي الغرفة التي دخل منها ~~قبلا الرجل العبوس وشوكنج فجأة كما تقدم، فجعلت تراقب باب الحديقة وتنتظر زيارة ~~الشخص السري وهي ترتعش رعبا لأقل حركة تسمعها. # ومرت الساعة الثانية والثالثة والرابعة بعد انتصاف الليل دون أن يحضر أحد، وحسبت أن ~~الرسالة مزورة. # وارتاحت بعض الارتياح، غير أن اطمئنانها لم يطل؛ فإنه لم تحن الساعة الخامسة حتى ~~سمعت طرق الباب، فانتفض جسمها واضطرب قلبها حتى شعرت أنها لا تستطيع القيام. # ولكنها تجلدت وخرجت من الغرفة إلى الحديقة، فمشت بأقدام مضطربة إلى الباب، ولما فتحت ~~الباب تنهدت تنهد المنفرج بعد ضيق؛ إذ رأت امرأة قصدت لها قائلة: أأنت هي مسز ~~فانوش؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- أنا هو الشخص الذي تنتظرينه، وأنا أدعى مس ألن ابنة اللورد بالمير، فسيري أمامي ~~إلى منزلك. # 45 # وامتثلت مسز فانوش، وتبعتها مس ألن إلى الغرفة التي كانت تنتظر فيها منذ حين. # وقد اطمأنت فانوش أنها لقيت امرأة مثلها، وأنها حلوة رقيقة الحديث، وقالت في نفسها: ~~لا بد أن تكون رقيقة الطباع لا سيما وهي ابنة لورد نبيل. # ولكنها حين ms2099 وصلت إلى الغرفة، ورأت مس ألن أزاحت النقاب، ونظرت إليها بعينيها ~~البراقتين لم يسعها إلا الارتعاش. # وقالت لها مس ألن: إن الوقت أضيق من أن ننفقه بالإسهاب الممل، وسأوضح لك سبب زيارتي ~~بأوجز كلام، فقولي ألم تكوني مربية أطفال؟ ~~- نعم. ~~- ألم تتعودي خنق أولئك الأطفال حين لا تجدين فائدة من أهلهم؟ # فاصفر وجه مسز فانوش، وقالت: إنها أراجيف يا سيدتي أشاعها عني بعض أهل الشر. ~~- بل رواها رجل يدعى ويلتون، وهو الآن في السجن. # واضطربت فانوش حتى لم تعد تعلم بما تجيب، فهزت مس ألن كتفيها، وقالت لها: لقد قلت ~~لك أيتها السيدة إن ضيق الوقت يمنعني عن الإسهاب، فاعلمي الآن أني أتيت لأخيرك بين ~~أمرين، وهما إما السجن والحكم بالإعدام، وإما التبرئة ومكافأتك بأربعة آلاف جنيه، وهي ~~ثروة تعيشين من ريعها مدى الحياة. # وحاولت فانوش أن تتكلم فقاطعتها مس ألن بجفاء، وقالت: اصغي إلي، تعلمي أني عالمة ~~بكل شيء، فإنه منذ بضعة أشهر كتب إليك ضابط عائد من الهند يدعى الماجور واترلي، يطلب ~~إليك إرجاع ولده الذي ائتمنك عليه. # وصاحت مسز فانوش قائلة: هو ذا يا سيدتي برهان على براءتي مما يتهمونني به، فإني أرجعت ~~هذا الغلام إلى أبيه الماجور، والبرهان أنه اليوم في مدرسة أبناء المسيح. # فابتسمت مس ألن وقالت: إني أعرف كل ما تقولينه، وأعرف أيضا أن هذا الغلام ليس هو ابن ~~الماجور، بل هو غلام أرلندي يدعى رالف وأنت التي سرقته. # وأطرقت فانوش برأسها إلى الأرض حين رأت مس ألن واقفة على حقيقة أمرها. # وعادت مس ألن إلى الحديث فقالت: إن الغلام قد هرب وسقط بأيدي عصابة من اللصوص أدت به ~~إلى السجن في سجن الطاحون، فأنقذه رجل يدعونه الرجل العبوس كي تقدميه للماجور واترلي ~~بصفته ولدا له. # واصفر وجه فانوش عند ذكر الرجل العبوس، وقالت: إن هذا الرجل قوي شديد، وقد أمرني ~~ولم أجد بدا من الامتثال. # وأجابتها مس ألن ببرود: إذن اعلمي أني أنا عدوة هذا الرجل الشديد، والحرب ناشبة بيني ~~وبينه. ~~- أأنت تجسرين ms2100 على معاداة الرجل العبوس؟ # وقالت الفتاة بلهجة الواثق مما يقول: إني على وشك الظفر به الآن، وسأسحقه قريبا سحق ~~الزجاج، غير أني محتاجة إلى مساعد لأضربه الضربة القاضية، وهذا المساعد هو أنت. # فارتعشت فانوش من الخوف وقالت: كلا يا سيدتي، لا أجسر على معاداته. # فمدت مس ألن يدها إلى جيبها، وأخرجت منها ورقة عرضتها عليها. # ووجف قلب فانوش وقالت: إن هذا أمر بالقبض علي؟ ~~- نعم، وهو موقع عليه من ناظر الحقانية. ~~- رباه، إذن هلكت. ~~- هو ما تقولين، فإني أستطيع - حين أريد - إعطاء هذا الأمر إلى اثنين من رجال البوليس ~~فيذهبان بك إلى السجن، ولا يكون جزاؤك غير الشنق بعد أسبوع، ولكني أؤثر أن أجازيك بما ~~وعدتك به من المال إذا كنت تخدمينني. ~~- ولكن إذا خدمتك يقتلني الرجل العبوس. ~~- وإذا لم تخدميني تشنقين، فاختاري أهون الوبائين. ~~- ويلاه! وأية فائدة من الاختيار بين الشرين إذا كان الموت يجول بينهما؟ ~~- لا تقنطي واصغي إلي، ترين أن هذه الأخطار يمكن اتقاؤها، فإني حين أستخدمك ~~للقضاء قضاء مبرما على الرجل العبوس يشنق هذا الرجل في اليوم نفسه، ولا يستطيع ~~الانتقام منك. ~~- ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- يجب أن تبادري بالكتابة لناظر الحقانية أن الولد الذي رد إلى الماجور واترلي ليس ~~ولده، وأنه أرلندي اسمه رالف، وأنه نفس الغلام الذي هرب من سجن الطاحونة. ~~- ولكني إذا كتبت هذه الكتابة أكون قد اعترفت بجنايتي. ~~- دون شك، ويجب أن تعترفي أيضا أنك دفعت ولد الماجور واترلي الحقيقي إلى حليف لك ~~يدعى ويلتون فأغرقه في النهر. ~~- أذن يحكمون علي بالشنق. ~~- هو ما تقولين، ولكنك تنالين عفو الملكة. ~~- من يضمن لي نيل هذا العفو؟ # وقالت لها مس ألن ببرود وبلهجة دلت على الإخلاص الأكيد: يضمنه لك ابنة اللورد ~~بالمير واللورد بالمير نفسه. # 46 # طلع النهار كما يطلع عادة في لندرا، أي إن الضباب يحمر ويرق حتى ترى الأشجار من ~~خلاله. # وقد نفذت أشعته إلى الغرفة التي كانت فيها ابنة اللورد، فقالت لمسز فانوش: هو ذا ~~الصباح قد بزغ ولم أعد أستطيع ms2101 البقاء، فإذا كنت لا تزالين خائفة من العبوس، هلمي ~~معي أذهب بك إلى موضع أمين لا يصلك فيه شر المعتدين. ~~- إلى أين تذهبين بي؟ ~~- إلى منزل الأسقف بترس توين أعظم رجال لندرا نفوذا. ~~- إني لم أسمع أبدا بهذا الاسم. # فابتسمت مس ألن وقالت: ولكنك سمعت بأسقف كنتربوري دون شك، فاعلمي أن هذا الأسقف ~~العظيم يتلقى من السير بترس توين أوامر سرية. # وعلمت فانوش أنه لم يعد بد لها من الانقياد إلى ابنة اللورد؛ لأنها كانت تحمل ~~الأمر بإلقاء القبض عليها، فقالت لها: إني مستعدة للذهاب معك إلى حيث تشائين. # واتشحت مس ألن بردائها، وأرخت النقاب على وجهها، وخرجت بفانوش من ذلك المنزل إلى ~~مركبتها، وأمرت السائق أن يذهب بها إلى منزل الأسقف بترس توين. # وكأنما هذا الأسقف كان ينتظر زيارة مس ألن، فإنه بقي ساهرا إلى هذه الساعة، ولما ~~وصلت المركبة إلى منزله دخلت مس ألن إليه مع فانوش وعرفته بها قائلة: هذه هي المرأة ~~التي حدثتك عنها. # فأدخل الأسقف الاثنين إلى قاعة الاستقبال، وأخذ ينظر إلى فانوش نظرات الفاحص، فأشارت ~~له مس ألن إشارة سرية أدرك قصدها، وذهب إلى غرفة أخرى فتبعته مس ألن تاركة فانوش وحدها ~~في القاعة. # ولما خلا الاثنان قال لها الأسقف: أرضيت بما اتفقنا عليه؟ ~~- إنها رضيت بكل شيء، فهل أبلغت ناظر الحقانية؟ ~~- دون شك، ألم أرسل لك الأمر بالقبض عليها، ولكني أرى صعوبة جديدة لم نكن ~~نتوقعها؛ فإن هذه المرأة ستكتب حكايتها بيدها، ثم تؤيد باعترافها الشفاهي أمام ~~البوليس ما كتبته بيدها. ~~- ولكني وعدتها بالعفو. ~~- ذلك صعب، لأنها ستحاكم علنا وتنشر الجرائد أخبارها، وتحول دون العفو. ~~- ولكن لا سبيل إلى محاكمتها، إذ يمكن إطلاق سراحها بضمانة، فتبرح إنكلترا قبل ~~المحاكمة. ~~- ولكنك ربما تجهلين نظام مدرسة أبناء المسيح، وما تتمتع به من الامتيازات منذ عهد ~~إدورد السادس منشئها. ~~- سوف ترى أني لا أجهل شيئا، فإن كل تلميذ من تلامذة هذه المدرسة، يلبس الوشاح ~~الأزرق والجرابات الصفر لا يمكن القبض عليه، إلا إذا ارتكب جريمة في ms2102 الطريق خارج ~~المدرسة. # وأنا أعلم أنه لو قيل للبوليس إن هذا الغلام متنكر باسم سواه، وأنه من المجرمين ~~المحكوم عليهم، فإما يصدق أو ينكر، وفي الحالين لا يجسر أن يقبض عليه. # وحتى لو تمكنا من إغراء أحد رجال الشرطة، وقبض عليه وذهب به إلى سجن الطاحون ~~وعرفه جميع الحراس، فإن اللورد المحافظ يسرع في الحال إلى طلبه وإخراجه. # فقال لها الأسقف: أرأيت إذن كيف أن مساعينا تحبط أمام الامتيازات الممنوحة لهذه ~~المدرسة؟ ~~- ولكن الحيلة تعيننا على هذه الامتيازات، فإن الشرطة ستقبض على الغلام بغير زيه ~~المدرسي. # ألم أقل لك إني اتفقت مع امرأة تدعى الآشورية على أن تغري الماجور واترلي؟ ~~إذن فاعلم أن دور الغواية قد بدأ، وأنه لا تمضي ثمانية أيام حتى يصبح هذا الماجور آلة ~~بيد تلك الحسناء تعبث به كما تشاء، ولا تعود تخطر امرأته له في بال، ثم إني احتلت ~~أيضا على إبعاد امرأته كي يخلو الجو للآشورية، فإنها الآن خارج لندرا. ~~- ماذا فعلت؟ ~~- إني احتلت حيلة بسيطة، وهي أنه بعد أن خرج زوجها من منزله ذاهبا إلى قاعة جهنم كي ~~يشرب الأفيون، وامرأته تحسب أنه ذهب إلى النادي حسب العادة، زورت تلغرافا وأرسلته ~~إليها، وخلاصة هذا التلغراف أن أخاها في إيكوسيا، أصيب فجأة بمرض شديد، وأنه لا بد ~~من حضورها. # فلما وصلها هذا التلغراف الملفق، بحثت عن زوجها في كل مكان فلم تجده؛ لأنه كان عند ~~مسز بيرتون، فتركت له كتابا في المنزل وفي النادي، وسافرت في الحال إلى إيكوسيا، وهي ~~ستجد أخاها معافى عند وصولها، فتعلم أن التلغراف مزور. # ولو افترضنا أنها عادت توا يقتضي لذلك أسبوع، وهو كاف لإتمام مهمتنا، وذلك أن ~~الماجور واترلي سيصير في خلاله عبدا للآشورية، كما هو عبد للأفيون، ومن عادته أن يحضر ~~ابنه مرة في الأسبوع من مدرسة أبناء المسيح، ويجيء به إلى المنزل، ولكنه سيجيء به هذه ~~المرة إلى منزل الآشورية لغياب امرأته. ~~- ولكننا لا نزال حيث كنا من الصعوبة، فإن كل أب ينقل ولده إلى هذه ms2103 المدرسة، ~~يتعهد أن لا ينزع ملابسه، إلا بعد أن تنتهي مدة تعليمه. ~~- إني أعرف كل ذلك، ولكن الماجور لا يخل بتعهده، بل إن الآشورية تسكره بالأفيون حتى ~~يضيع رشاده، وعند ذلك تغوي الغلام وتلبسه ملابس أجمل من ملابسه وأكثر لمعانا. ~~- وعند ذلك تحضر الشرطة؟ ~~- هنا ينتهي عملي، ويبدأ عملك. ~~- ولكنك تعلمين أن القبض على الناس في المنازل يحرمه الشرع. ~~- ولكنه غير محرم في هايد بارك، فإن الآشورية تغتنم فرصة انشغال الماجور بسكره ~~الأفيوني، وتذهب بالغلام بغية التنزه بالحدائق. # وبينما كان الأسقف ينظر إلى مس ألن نظر المعجب بذكائها وتوقد ذهنها، سمع قرع الباب ~~الخارجي ثم رأى أن باب الغرفة قد فتح ودخل منه سكرتيره، وقال: إن رئيس البوليس قد حضر ~~يا سيدي. ~~- أدخله إلى قاعة الاستقبال. # ثم ذهب بنفسه إلى تلك القاعة التي كانت تنتظر فيها فانوش على أحر من الجمر، وهي لا ~~تعلم ما يكون مصيرها، فقال لها: لقد حان وقت اعترافك يا سيدتي بكل شيء. # وعند ذلك فتح الباب ودخل رئيس البوليس، فجعل العرق البارد ينصب من جبينها، وقد ~~اشتد رعبها لمنظر البوليس، حتى خيل لها أن المشنقة قد نصبت أمامها، وأن الجلاد ~~يقول لها لقد جاء دورك الآن فاصعدي. # 47 # ولندخل الآن إلى منزل الآشورية، فإن هذه الحسناء التي كان الناس يقتتلون عليها، ~~والتي كانت عيناها تفعل فعل السحر بألباب الرجال، كان لها منزل عظيم في بورتلاند بالاس ~~يشبه القصور الفخمة. # وذلك أن السير أرثر، ذلك النبيل المنكود الذي انتحر في سبيل هواها، بنى لها القصر ~~وأهداها إياه من خلال ضريحه، فإنه كان قد شيد هذا القصر من أجلها، فاستعان على بنائه ~~ونقوشه بخير المهندسين والمصورين والنقاشين، وأنشأ فيه حديقة غناء، وضع فيها ~~التماثيل الجميلة، فبات أشبه بهيكل بناه لمعبوده. # غير أن معبوده أبى أن يقيم فيه ذلك العهد، فلما قنط السير أرثر من حبها انتحر، فوجدوا ~~في وصيته أنه يهب هذا القصر بما فيه من الرياش للآشورية، فاستولت عليه غنيمة باردة ~~وأقامت فيه دون أن يزجرها ms2104 ضميرها كأنها اشترته بمالها. # وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم الذي جاءت فيه مس ألن بفانوش إلى منزل الأسقف، ~~كانت الآشورية جالسة عند نافذة غرفتها المطلة على الحديقة، تستنشق نسيم الصباح، وتتدفأ ~~بأشعة الشمس التي فازت على الضباب وبددته. # وكانت تنظر من حين إلى حين إلى رجل كان نائما في غرفتها على مقعد طويل وهو الماجور ~~واترلي نفسه. # وكان نائما بملابسه - وهي مختلة النظام، وهو منفوش الشعر - نوما عميقا يدل على أنه ~~أفرط في شرب الخمر والأفيون. # وكان في زاوية الغرفة مائدة عليها بقايا الطعام والشراب، وفي قربها نارجيلة ذات أنبوب ~~طويل. # وكانت الآشورية تنظر إليه من حين إلى حين نظرات الفاحص، ثم تعود إلى الحديقة وتنظر ~~إلى بابها نظرات الجزع، كأنها كانت تنتظر قدوم زائر. # ثم سمعت صوت مركبة وقفت عند بابها، فقالت في نفسها: سوف تراه نائما، وتعلم أني ~~وفيت بوعدي. # وعند ذلك خرجت امرأة من تلك المركبة، كانت تدل خطواتها أنها في عهد الصبى، وكانت ~~مقنعة بقناع كثيف يستحيل معرفة وجهها من خلاله، ولكن الرجل العبوس لو لقيها وأرسل ~~نظراته من النافذة إلى ذلك القناع لاخترقه، وعلم أنها مس ألن، فإنها هي نفسها كانت تلك ~~الزائرة التي تتوقعها الآشورية. # وكانت عائدة من منزل الأسقف بترس توين، حيث جرى كل شيء فيه طبق رغائبها، فإن مسز ~~فانوش غرها المال وأخافها العقاب، فاعترفت لرئيس الشرطة بأن ابن الماجور واترلي قد ~~أماته خادمها غرقا، وأنها قدمت له بدلا منه الغلام الأرلندي وأوهمته أنه ~~ولدها. # وبعد أن كتبت اعترافها اتفق الأسقف مع رئيس الشرطة على إطلاق سراحها بضمانة قدرها ~~ألف جنيه، فدفعت مس ألن المال، وأقامت فانوش في منزل الأسقف آمنة انتقام الرجل ~~العبوس. # أما مس ألن فقد كان ظمؤها إلى الانتقام من العبوس شديدا، فأرادت قبل أن ترسله إلى ~~المشنقة أن تنزع من نفسه كل رجاء، فتقضي على حليفته فانوش، وتعيد ابن أرلندا إلى سجن ~~الطاحونة، وتضرب الأرلنديين الضربة القاضية. # وبعد أن ذهب رئيس البوليس، قالت لبترس توين: يجب ms2105 الآن أن تهتم بإيجاد رجل ثقة خبير من ~~خير رجال الشرطة، فإن مثل هذه المهمة لا يجب أن تعهد لغير الأكفاء. # وعند ذلك افترق الاثنان، فذهب الأسقف إلى إدارة الشرطة العمومية، وذهبت مس ألن إلى ~~منزل الآشورية. # فلما وصلت ورأت الماجور واترلي نائما، وقربه نارجيلة الأفيون، ظهرت عليها علائم ~~السرور، ونزعت برقعها وظهرت للآشورية بجمالها وعلائم كبريائها، فغضت بصرها وشعرت ~~أنها لا تستطيع إلا أن تكون خاضعة لهذه الفتاة. # أما مس ألن فإنها جلست، وقالت لها: ماذا حدث؟ # وبقيت الآشورية واقفة احتراما، وقالت: لقد أتيت به منذ الساعة الرابعة بعد أن كاد ~~يفتتن بي، وأقسم لي أنه يتبعني إلى حيث أريد، فتعشينا وشرب مقدارا كبيرا من الخمر، ~~وكثيرا من الأفيون حتى غاب عن الصواب، ولكنه استيقظ من الصباح، وعاد إليه شيء من ~~صوابه، فذكر امرأته وقال: مسكينة إنها الآن على أسوأ حال لغيابي. # فأطلعته على كتابها إليه، وهو الكتاب الذي تخبره به عن أخيها ومرضه الفجائي واضطرارها ~~إلى السفر إلى إيكوسيا، ثم أخبرته أن امرأته أرسلت هذا الكتاب إليه في النادي، فأرسلوه ~~من النادي إلي. # فقرأ الكتاب وتأثر تأثيرا أطار سكرته، فأخذت يده بين يدي، وقلت له: إذا كانت ~~امرأتك قد سافرت، فمم تخاف؟ # فرأيت أن جسمه قد تكهرب لنظراتي، فناديت خادمتي وأمرتها أن تعد النارجيلة، وأخرجت من ~~درج حبة من الأفيون، فلما رآها أشرق وجهه ونسي كل ما فيه، وأقبل على أنبوب النارجيلة، ~~فما تركه حتى نام وبات كما ترينه الآن. # فقالت مس ألن: لقد أحسنت، ولكن يجب إيقاظه بعد ساعة أو ساعتين، فليدعك صدغاه ~~وأعصابه بهذا الماء. # ثم أعطت الآشورية قنينة فيها سائل أحمر، وقالت لها: إنك إذا فركت صدغيه بهذا السائل ~~استفاق، ويبقى خامل الذهن، ولكنه يفهم ما تقولين له. ~~- ماذا تريدين أن أقول له؟ # وقالت لها مس ألن بلهجة السيدة الآمرة التي تعودت أن تطاع: اصغي إلي، تعلمي ~~ما أريد. # 48 # قد يعجب القراء من خضوع الآشورية لمس ألن على ما مثلت به هذه المرأة من ms2106 الشهرة ~~والدلال على عشاقها، وتألق أهل الشبيبة من حولها، ومن كان في منزلتها لا يخضع التماسا ~~للمال ولا يرهب علو المقام. # غير أن هذه الحسناء، على وفرة جمالها وسلطان دلالها، كانت مقيدة بماضيها الذي ~~يجهله جميع سكان لندرا، ما خلا السير بترس توين، ومس ألن. # وقد اتفق أن مس ألن كانت محتاجة، لتنفيذ أغراضها الخفية، إلى امرأة جميلة مدنية ~~تستطيع أن تقودها بلجام ذنوبها الماضية، وتعهد إليها إغواء رجل فتطيع، فكاشفت بأمرها ~~السير بترس توين، فأرشدها إلى الآشورية. # وقد كان هذا الأسقف معروفا بنفوذه، وانتشار بوليسه السري في سائر أنحاء لندرا، فلم ~~تكن تخفاه خافية من كل ما يجري فيها، وإذا أراد نكاية أحد من كبار القوم عمد إلى ~~الدسائس مستعينا عليها بما لديه من الأسرار، فأنزله إلى الحضيض. # وحكاية هذه الآشورية أنها كانت إنكليزية، وقد سرقت سرقات كثيرة وهي في الخامسة عشرة ~~من عمرها، وكانت تدعى في ذلك العهد إينا بيتلام وهي إسرائيلية. # وقد حكم عليها بالسجن عشرة أعوام؛ عقابا على جرائمها العديدة، فساعدها أحد ~~عشاقها على الفرار من السجن. # وبرحت إنكلترا، وذهبت إلى فرنسا، ثم إلى إيطاليا، فشفع جمالها بغموض ماضيها، وأقامت ~~في دار الغربة عشرة أعوام إلى أن وثقت من نسيان أمرها في لندرا، فحنت إلى الوطن ~~وعادت إلى لندرا منذ عام، فلقيت من احتفاء الشباب بها ما جعلها في مقام ~~الأميرات. # وبقيت وهذا دأبها إلى أن اكتشف بوليس هذا الأسقف أمرها، فلما طلبت إليه مس ألن امرأة ~~حسناء مجرمة أرشدها إلى الآشورية، وحكى لها كل ما عرفه عن ماضيها. # ففي الليلة نفسها تنكرت مس ألن وذهبت إلى منزل الآشورية، وكان أول ما فاجأتها به ~~أنها حيتها باسمها القديم أي إينا بيتلام، فاصفر وجهها وعلمت أن أمرها قد انفضح، ~~ولم تكن إلا في غرور. # فاغتنمت مس ألن فرصة اضطرابها، وقالت لها: إنك الآن مهددة بالعودة إلى السجن إلا ~~إذا خدمتني خدمة صادقة في ما أريد، وأنا لا أطلب إليك ما يستحيل إجراؤه، بل أسألك ~~قضاء أمر تفعلين ms2107 مثله في كل ليلة، وفوق ذلك أكافئك خير مكافأة. # فرضخت الآشورية لمطالبها، وباتت عبدة لها منذ ذلك الحين، ففعلت كل ما طلبته ~~إليها. # فلما فاجأتها أخيرا، ورأت الماجور نائما كما قدمناه، قالت لها: اصغي إلي الآن، ~~فإنك تعلمين الدور الذي يجب أن تمثليه حين يصبح الغلام في منزلك. # وقد كنت أمس مترددة في تعيين اليوم الذي يجب فيه الإجراء؛ لأني كنت أجهل تأثيرك ~~بالماجور، أما وقد وثقت من حسن هذا التأثير، فقد حان وقت العمل. # اعلمي الآن أن هذا الماجور حين يستفيق من سكره قد يخطر على باله عزيزان، وهما امرأته ~~وولده، فإذا صحا تأمري خادمك أن يذهب إلى منزل الماجور فيعود منه بهذه الرسالة البرقية ~~المزورة المختومة، وهذه الرسالة من امرأته إليه وهي تحتوي على ما يأتي: # زوجي العزيز # إن أخي بات آمنا من الخطر، وأنا سأقيم بين العائلة أربعة أيام، وفي اليوم ~~الخامس أكون في لندرا. # ثم أعطتها الرسالة قائلة: إن الماجور حين يطمئن على امرأته، ويعلم أنها ستغيب خمسة ~~أيام، يعد نفسه سعيدا بالإقامة عندك في هذه المدة. # غير أنه يذكر أن هذا اليوم يوم الخميس، أي يوم الإجازة في مدرسة أبناء المسيح، وأنه ~~تعود أن يذهب بولده إلى النزهة في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، فإذا كان ذكر أمامك، ~~وهو لا بد أن يذكره، فأظهري شوقك إلى رؤية ابنه، وعلي الباقي. أعلمت ما أريد ~~منك؟ ~~- نعم. ~~- إن الغلام يتغدى عندك، وفي خلال الغداء اسقي الماجور من قناني الخمر التي جئت ~~بها إليك، فإن فيها مخدرا إذا شربه نام على الأثر، وعند ذلك تظهرين للغلام هذه ~~الملابس الجميلة التي أحضرتها لك أيضا، وتلبسيه إياها بدلا من ملابسه. ~~- وفي أية ساعة تريدين أن أذهب؟ ~~- في الساعة الثامنة بعد الظهر، فتدخلين به من باب بال مال، وتذهبين به ماشية إلى ~~ضفاف الغدير، فأمر بك ممتطية جوادا وأشير إليك إشارة خفية أعين لك فيها المكان ~~المقيم فيه البوليس السري. # فوعدتها الآشورية بالامتثال لرغائبها، فأرخت مس ألن نقابها الكثيف على ms2108 وجهها، ~~وذهبت إلى مركبتها، فعادت توا إلى المنزل. # وكان أبوها قد عاد من النادي، فنام وهو يحسب أن ابنته نائمة حسب عادتها، فلما وصلت مس ~~ألن إلى المنزل رأت عند الباب رجلا ينتظرها، وهو رجل نحيف الجسم واضعا على عينيه ~~نظارات زرقاء، فأعطاها رسالة وقال لها: إنها من السير بترس توين. # ففضتها وقرأت فيها ما يأتي: # إني مرسل إليك رجلا من رجال البوليس السري، وهو ثابت الإرادة شديد ~~العزيمة، فسيقبض على الغلام بمهارة، بحيث لا يستلفت إليه الأبصار، غير أنه لما ~~كنا نخشى تيقظ الأرلنديين ومراقبتهم لهذا الغلام الذي يعتبرونه سيدهم ~~الأعلى، أعطتني إدارة البوليس كثيرا من الجنود السرية يخفرون البوليس الذي ~~سيقبض على الغلام، ويحولون دون هجوم الأرلنديين. # فلما أتمت مس ألن تلاوة الرسالة، نظرت إلى هذا الرجل، فأعجبتها سكينته الواضحة ~~وقالت: أتعلم أني قد عينت جائزة قدرها ألف جنيه لمن يقبض على الغلام. ~~- أشكرك يا سيدتي، ولكني لا أعرفه. ~~- اذهب في الساعة الثامنة بعد الظهر إلى الحدائق، وقف عند مدخلها من جهة بال مال ~~أظهره لك. # فانحنى الرجل مسلما عليها بملء الاحترام وانصرف. # 49 # في هذا اليوم نفسه قبل أن تشرق الشمس، وقبل أن يتبدد الضباب المخيم على لندرا، كان ~~نور ينبعث من نافذة غرفة في مدرسة أبناء المسيح، وأشعته تضطرب من وراء الستائر. # وكانت هذه الغرفة غرفة امرأة صبية، هي إحدى الغاسلات في تلك المدرسة. # وكانت المرأة تنقطع عن العمل من حين إلى حين، وتطل من النافذة فتزيح الستارة وتتطلع ~~إلى الشارع. # على أنها لم تكن تتوقع دخول أحد إليها من الخارج، فإن هذه المدرسة لا يدخل إليها غريب ~~عنها، ولكنها كانت تطل كي تراقب الفجر، وتعلم الساعة التي هي فيها، فإنها كانت تنظر دنو ~~الساعة السابعة بفارغ الصبر، فلما دقت الساعة دق الجرس، فبدت على وجه المرأة علائم ~~السرور. # وكان هذا الجرس جرس المدرسة المؤذن باستيقاظ التلامذة، وهذه المرأة والدة ابن أرلندا ~~التي أدخلها العبوس إلى المدرسة بصفة عاملة كي ترى ابنها كل يوم؛ إذ لم ms2109 تكن تطيق ~~فراقه. # فبعد أن دق الجرس بعشر دقائق قرع باب غرفة الأرلندية، ودخل ولدها رالف فأكب على ~~عنقها يقطعه تقبيلا ويقول: ما أطول الليل يا أماه! فإني لم أرك منذ أمس. ~~- اسكت ولا تناديني بأمك، فأنت تعلم أني في عيونهم مربيتك، وإذا عرفوا حقيقة أمرنا ~~كان جزاؤنا الشنق. # فرعب رالف وقال: إنهم يرجعونني إلى سجن الطاحونة، أليس كذلك؟ ~~- نعم يا بني وا أسفاه، وكفى أنهم أذنوا لي أن أراك في صباح كل يوم، ثم ضمته إلى ~~صدرها وجعلت تقبله قبلات حنو لا يدرك حقائق أسرارها غير الأمهات، وقالت له: أتعلم أن ~~هذا اليوم يوم خميس، أي يوم الإجازة المدرسية؟ ~~- نعم، وسيأتي هذا الرجل الذي أدعوه بأبي فيذهب بي إلى النزهة، وإنه كثير الرأفة بي، ~~وهذه المرأة التي أغضب حين اضطر إلى أن أدعوها بأمي تقبلني حين تراني، وتذرف الدمع ~~السخين فلا يسعني عند ذلك إلا البكاء؛ لأني أفتكر بك. ~~- كلا يا رالف، إني لا أريد أن تبكي، بل أريد أن تحب هذه المرأة، والآن افتكر يا بني ~~أنك ستراني اليوم مرتين. # فصفق الغلام بيديه سرورا وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني أنا أيضا سأخرج اليوم من المدرسة، فإن هذا اليوم من الأعياد، ومدير ~~المدرسة يعلم أني كاثوليكية، فأذن لي بالذهاب إلى كنيسة سانت جيل مرتين في الأسبوع، ~~والآن قل لي متى يأتي الماجور واترلي عادة للذهاب بك إلى النزهة؟ ~~- في الساعة العاشرة صباحا. ~~- إذن سأذهب إلى الكنيسة قبل هذه الساعة، ثم لا بد من أن أعود إلى المدرسة توا، ~~فأقف عند الباب وأنتظر خروجك، فأراك مرتين. # وهنا دق جرس المدرسة مرة ثانية مؤذنا بدخول التلامذة إلى قاعات التدريس، فودع ~~رالف أمه باكيا وانضم إلى التلامذة. # وبعد ذلك بساعة كانت الأرلندية داخلة إلى كنيسة سانت جيل، وكان رجل واقف عند الباب ~~وهو خادم الكنيسة، فلما رآها دنا منها وقال لها: إن الأب صموئيل أمرني أن أنتظرك هنا ~~لأخبرك أنه يجب أن يراك. # فقلقت الأرلندية لهذه الدعوة، وافتكرت بابنها وحسبت ألف حساب، ms2110 وجعلت تقول في نفسها: ~~ما عسى أن يريد مني الكاهن، لا شك أنه يوجد خطر جديد. # ولما انتهت الصلاة أسرعت إلى الكاهن وقالت له: ماذا حدث؟ وأي خطر ينذر ولدي؟ ~~- إنهم يريدون اختطافه من مدرسة أبناء المسيح. # فاصفر وجه الأرلندية اصفرارا شديدا، وعقد لسانها فلم تستطع أن تنطق ~~بحرف. # فقال لها الكاهن: لقد وردني أمس من الرجل العبوس هذه الرسالة، وهذه هي ~~فاقرئيها. # فتناولتها تلك الأم المنكودة بيد تضطرب، وقرأت ما يأتي: # يوجد خطر جديد يتهدد الغلام، ولم أعرف حقيقة أمره بعد، ولكني سأعرفه ~~قريبا، وأما الذي علمته الآن فهو أنهم يحاولون اختطاف الغلام من مدرسة أبناء ~~المسيح، ولذلك يجب الحذر الشديد، فإذا رأيت أم الغلام قل لها أن تقف في مواقف ~~الحذر. # فصاحت الأرلندية: رباه ما عساهم يفعلون بولدي بعد كل ما فعلوه؟ # فطيب الكاهن خاطرها، وقال لها: لا تخشي أمرا فإن الله يحمينا، لكن عودي الآن في ~~الحال إلى مدرسة أبناء المسيح، فراقبي ولدك كل المراقبة. ~~- لكن اليوم يوم الإجازة المدرسية، وسيحضر الماجور واترلي فيذهب به إلى النزهة حسب ~~عادته كل يوم خميس. ~~- إذن اجتهدي أن تريه قبل ذهابه، وقولي له أن لا يخلع وشاحه الأحمر، ولا جراباته ~~الصفراء مهما حدث له، فإنه ما زال متشحا بهذه الملابس لا يستطيع أحد أن يقبض ~~عليه. # وغادرته الأرلندية، وذهبت وهي تفتكر كيف تستطيع أن ترى ولدها قبل ذهابه إلا إذا ~~انتظرته في الطريق. # ولما استقرت على هذا الرأي قررت أن تنتظره عند باب المدرسة. # وكان يوجد قرب هذا الباب دكان بائع حلوى، فدخلت وجلست في مكان مشرف على الطريق، وطلبت ~~شرابا وحلوى كي يحق لها الإقامة والانتظار. # ولم يطل انتظارها، فإنها رأت بعد حين مركبة وقفت عند باب المدرسة، وخرج منها ~~الماجور واترلي، فأسرعت إليه قبل أن يقرع الباب؛ لأنها لا تستطيع محادثة ولدها إلا ~~بواسطة الماجور، وكان الماجور غائر العينين، أصفر الوجه، مستدلي الشفة، كما يكون عادة ~~شراب الحشيش والأفيون حين يستيقظون. # وقد حدث كل شيء وفقا لرغائب مس ms2111 ألن، فإن الماجور واترلي حين استفاق من سكره، ورأى ~~الآشورية أمامه لم يذكر شيئا مما مضى وقال: أين أنا؟ # ثم عادت إليه الذكرى وصاح صيحة الوجل، وذكر اسم امرأته، فأعطته الآشورية ذلك التلغراف ~~المزور، وعلم منه أن امرأته في إيكوسيا، وأنها لا تعود إلا بعد أسبوع، واطمأن باله ~~ونظر نظرة المفتون إلى الآشورية، وذكر انطلاق حريته بغياب امرأته، ولم يعد يذكر غير ~~تلك الحسناء، حتى أنه نسي ولده. # غير أن الآشورية لم يرق لديها هذا النسيان، وقالت له: ألعلك نسيت أيها الحبيب أن ~~اليوم يوم خميس، أم أنك لا تحب أن تذهب بابنك إلى الحدائق؟ ~~- كلا، ولكن جمالك أنساني كل شيء حتى هذا اليوم. ~~- أما انا فلا أنساه؛ لأني أحب أن أرى ولدك، لقد أحببته لأنه ابنك. ثم طوقت عنقه ~~بذراعيها، وقالت له: ألا تأذن لي بأن أراه أيها الحبيب، وأن يتغدى معنا اليوم على ~~مائدتي؟ ~~- دون شك، وها أنا ذاهب الآن لفوري. # ثم قام وهو يتعثر من سكره، وأصلح ثيابه وخرج من عند الآشورية إلى مدرسة أبناء المسيح، ~~وهو لا يزال خامد الذهن لإفراطه في شرب الأفيون، حتى إنه حين دنت منه الأرلندية عند باب ~~المدرسة وحيته، نظر إليها منذهلا ولم يعرفها فقال لها: من أنت؟ وماذا ~~تريدين؟ # أما الأرلندية فإنها اضطربت، وقالت له بصوت يتلجلج: إني مرضع ولدك، وأحب أن ~~أراه. # وتذكرها الماجور عند ذلك وقال: حسنا، سترينه حين أخرج به من المدرسة. # فتركها ودخل. # وكانت الأرلندية قد رأت هذا الماجور مرارا ولم تعهد به غير الدعة وحلاوة اللسان، ~~وراعها ما رأته من الانقلاب، وخشيت أن يكون ذلك من صنع الذين يريدون اختطاف ~~ولدها. # وبعد نصف ساعة خرج الماجور بالغلام، ولما رأى أمه أسرع إليها وأخذ يقبلها، وكان ~~الماجور ينظر إليها نظرات خامدة ساهية كنظرات شراب الحشيش. # أما الأرلندية فإنها أوهمت الماجور أنها تقبل ولدها، وهمست في أذنه قائلة باللغة ~~الأرلندية: أوصيك يا ولدي أن لا تخلع هذه الملابس عنك مهما اختلقوا لك من الحجج، أتعدني ~~بذلك يا ms2112 بني؟ ~~- دون شك، إني لا أخالف لك أمرا. # وعند ذلك أخذ الماجور رالف من يديه وصعد به إلى المركبة، وأمر السائق أن ~~يسير. # وسارت المركبة، ووقفت الأرلندية تشيعها باكية حتى توارت عن الأنظار. # وعند ذلك همت بالدخول إلى المدرسة، ففاجأها عبد أسود لم تكن تراه وناداها، وأجفلت ~~لمنظره، وقالت له: من أنت؟ وكيف تعرفني؟ ~~- أنا شوكنج يا سيدتي، لا تدخلي المدرسة بل اتبعيني ولا تخافي؛ لأن الرجل العبوس ساهر ~~على ولدك، وأنا آت إليك من قبله. # وعرفته الأرلندية من صوته، وسارت معه وهي تنظر إلى سواد لونه، منذهلة لهذه ~~الاستحالة. # 50 # أما الماجور واترلي، فإنه سار برالف إلى منزل الآشورية، ولم يكن الغلام قد أدرك القصد ~~من تحذير أمه أن لا يخلع ملابسه، غير أنه قرر أن يطيعها، لقد كان على حداثته وافر ~~العقل، وعلم أن أمه لم تحذره هذا التحذير عبثا. # وكان الماجور واترلي قد عوده أن يذهب به كل يوم خميس إلى منزله، ولما رأى المركبة ~~وقفت عند باب منزل لا يعرفه أنكر ذلك، وسأله: لماذا أتيت بي إلى هذا المنزل؟ # فانتبه من خموله وقال له: إن أمك سافرت إلى إيكوسيا لبعض الشئون، وهذا المنزل لقريبة ~~لي تريد أن تراك. # وكانت الآشورية تتنزه عند ذلك في الحديقة، وقد أعياها الانتظار، ولما رأت الماجور ~~داخلا برالف أسرعت إلى الفتى، وأخذت تقبله قبلات تدل على الحنو، وتكلمه ألطف كلام، ~~ثم صعدت به إلى المنزل وتبعها الماجور، فجلسوا جميعهم على مائدة وضع عليها أفخر ~~أنواع الطعام، فأكلوا وصبت المدام في الكئوس، وهي المدام التي أرسلتها مس ألن ~~فسكر الماجور وتخدر جسمه بما وضع في الخمر من المواد. # أما رالف فإن الآشورية كانت لا تسقيه من الخمر لاعتقادها أنه لا يمانع في تغيير ~~ملابسه، فلا فائدة من تخديره. # وكان الغلام قد تعود هذه النزهة الأسبوعية في الحدائق، وكان ينتظرها بفارغ الصبر كل ~~يوم خميس، ولما رأى أن الماجور قد تخدر ونام، نظر إليه نظرة الحزين وقال: لم يبق ~~سبيل لذهابنا اليوم إلى ms2113 الحدائق. # فضمته الآشورية إلى صدرها بملء الحنو، وقالت: سأذهب بك أنا يا بني. ~~- أنت يا سيدتي! ~~- نعم أنا، انظر يا بني من النافذة ألا ترى المركبة معدة؟ # فأطل رالف من النافذة، ورأى مركبة جميلة يدهش رواؤها الأبصار، فقال: أنسير في هذه ~~المركبة؟ ~~- دون شك. # وعند ذلك قرعت الآشورية جرسا أمامها، فأقبلت خادمة ووضعت على المقعد قبعة حمراء وضع ~~عليها ريش أخضر ولباس أزرق وسترة مخملية بلون العناب عليها شرائط جميلة، وسر الغلام ~~بهذه الملابس، وقال لها: ما هذا يا سيدتي؟ ~~- هذه ملابسك الجديدة أعدها لك أبوك كي تخرج بها إلى النزهة، فتصبح بها أجمل ~~أقرانك، أما هي جميلة يا رالف؟ # وتنهد الغلام وقال: لا أنكر أنها جميلة يا سيدتي، غير أني لا أستطيع أن أخلع ~~ملابسي، فإن أمي منعتني. ~~- ولكن أمك مسافرة، فكيف رأيتها؟ # واضطرب رالف وقال: لا أريد بها أمي تلك، بل أريد بها مرضعتي لأني أسميها أمي. ~~- إذن ألا تريد أن تلبس هذه الملابس؟ ~~- كلا يا سيدتي. # ورأت الآشورية من تصميمه أنه ثابت الإرادة، وأنه يستحيل إغواؤه إلا بالحيلة، وعزمت ~~على استخدام الشراب الذي أحضرته مس ألن، فصبت في كأسه قليلا من الخمر من زجاجة كان ~~ينظر إليها رالف وهما على المائدة، فلا يجسر أن يطلب الشرب منها. # وشرب الغلام دون احتراس، وجعلت الآشورية تلاعبه وتداعبه وهو فرح بها، معجب بلطفها، ~~ولم يمض على ذلك بضع دقائق حتى أثر الشراب فيه تأثيره العجيب، فإنه لم يشعر بدوار ~~ولم ينم ولم يحدث له شيء من أعراض التخدر، ولكنه استحال بعد انقباضه وتحرسه إلى ~~سرور غريب، وصار ينظر إلى الماجور واترلي وهو نائم على المقعد، فيضحك ضحكا شديدا حتى ~~تسيل دموعه. # وكان النبيذ الذي شربه ممزوجا بمخدر هندي يستخلصه الهنديون من نبات، إذا شرب المرء ~~عصيره يفقد الذاكرة إلى حين، وقد أحضرته مس ألن للآشورية كي تسقيه للغلام إذا عاند ~~وأصر على عدم تغيير ملابسه، ففقد رالف ذاكرته فجأة حين شربه، ونظر إلى الماجور وضحك ~~عليه ولم يعرفه، ثم نظر ms2114 إلى المرآة فأنكر وشاحه وقال: ما أقبح هذه الملابس! # فقالت له الآشورية: ولكنك لا تريد أن تغيرها. ~~- بل أريد، فإني لا أطيق النظر إليها. ~~- ولكن ألم تقل لي أن أمك حذرتك من تغيير ملابسك. # وأمعن رالف الفكرة هنيهة عند ذكر أمه، فلم يخطر في باله شيء، ودنا من الآشورية وجعل ~~يقبلها ويقول: أنت هي أمي. # وباتت الآشورية منذ ذلك الحين الحاكمة على الغلام، ونادت الخادمة فأسرعت إليها بتلك ~~الملابس الجديدة التي أعدتها لرالف، ثم جردته من ثيابه القديمة وألبسته الجديدة، ~~فسر بها سرورا لا يوصف، وكان سرور الآشورية أشد من سروره، فأخذت بيده وقالت: هلم ~~بنا الآن إلى النزهة. # وبعد حين كانت الآشورية والغلام داخلين إلى حدائق هايد بارك من بال مال، حيث كانت مس ~~ألن قد واعدت البوليس الذي تعهد بالقبض على رالف أن يوافيها إلى هذا المكان. # وقد كان البوليس ومس ألن واقفين في المكان المعين ينتظران، وكانت مس ألن ممتطية ~~جوادا، وكان البوليس متنكرا بملابس الأشراف، وهي بعيدة عنه قدر عشر خطوات، وكان كلما ~~مرت مركبة فيها غلام نظر إليها نظر السائل، فتشير له إشارة سلبية برأسها، إلى أن مرت ~~مركبة الآشورية، ودخلت إلى الحدائق وحيت مس ألن، وأسرعت مس ألن إلى البوليس وقالت: ~~هذا هو الغلام. ~~- حسنا لقد عرفته، وسأجمع رجالي فإنهم متفرقون. # لا أظن أنك تحتاج إليهم فإن الغلام قد شرب مخدرا يحول دون مقاومته، وأما ~~الأرلنديون فلا أظنهم عالمون بأمرنا ولا خطر علينا منهم. # ثم تركته وأدركت بجوادها مركبة الآشورية، وأشارت لها إشارة أوقفت بعدها المركبة، ~~ونزلت مع الغلام وأخذت بيده وسارت تتنزه به عند ضفة الغدير ووقفت في مكان معين، بينما ~~كانت مس ألن واقفة على بعد منها تراقب ما يجري. # وعند ذلك دنا البوليس من الآشورية فقالت له الفتاة: ماذا تريد؟ ~~- أنا هو الذي تنتظرينه فاتبعيني، فأني سأركب معك في مركبتك، ونخرج من الحدائق فلا ~~نستلفت إلينا الأنظار. # وامتثلت الآشورية وعادت بالغلام إلى المركبة، وصعد البوليس السري، فجلس بجانبها ~~وأمر السائق أن ms2115 يسير إلى حديقة ترافلغار، وانطلقت المركبة وتبعتها مس ألن، حتى إذا ~~وصلت إلى تلك الحديقة، أوقفها ذلك البوليس السري ذو الشعور البيضاء عند تمثال شارل ~~الأول. # وكان هناك مركبة تنتظر أمام منزل البوليس، فحمل الغلام بيده ونقله بعنف إلى المركبة ~~الأخرى، وأمر السائق أن يذهب به إلى سجن الطاحونة. # فلما ابتعدت عن الأبصار دنت مس ألن من الآشورية، فقالت: لقد أحسنت الطاعة فستكونين ~~مطمئنة بعد الآن وستنالين الجزاء. # فشكرتها الآشورية وعادت إلى الحدائق، أما مس ألن فقد كانت علائم الفرح بادية بين ~~عينيها فقالت: لقد انتصرت الانتصار الأول على الرجل العبوس، ولكنه نصر مبين. # 51 # عرف القراء أنه ليست مس ألن وحدها التي قبضت على الغلام، فقد اشترك معها في ذلك ~~السير بترس توين، وكانت له اليد الطولى، فهو الذي تحصل على الأمر بالقبض عليه، وهو الذي ~~أرسل ذلك البوليس الحازم الذي قبض على الغلام، وهو الذي أرشد مس ألن إلى الآشورية، وعلى ~~الجملة، فقد كانت ابنة اللورد أشبه بالقائد الذي يضع خطة القتال، وكان الأسقف أشبه بقلم ~~الاستعلامات. # وكان الأسقف قد ذهب أيضا إلى الحدائق في الموعد المعين للقبض على الغلام، فإنه كان ~~شديد القلق، وكان يخشى أن يعترض الأرلنديون البوليس، فإما يختطفون الغلام أو تهرق ~~الدماء بين الفريقين. # غير أن الأمور جرت على غير ما توقع، فلما وثقت مس ألن من القبض على ابن عمها وسمعت ~~البوليس يأمر السائق أن يذهب به إلى سجن الطاحونة، عادت يتبعها خادمها إلى الحدائق حيث ~~لقيت فيها السير بترس توين جالسا في مركبته ينتظر معرفة النتيجة على أحر من ~~الجمر. # ونزلت عن الجواد وأعطته للخادم، وصعدت إلى مركبة الأسقف، فقالت له بلهجة الفائز: كيف ~~ترى؟ ~~- أظن أن الأمر قد انقضى، وقد أرسلت كاتم سري إلى سجن الطاحونة كي يرى بعينه دخول ~~الفتى إلى السجن. # فابتسمت الفتاة ابتسام الساخر، وقالت: ألعلك نسيت يا سيدي الأسقف أن هذا الفتى الذي ~~تشمت به هذه الشماتة هو ابن عمي؟ # فنظر إليها الأسقف نظر الحذر وقال: لا ms2116 أظن أنك تريدين حمايته بعد ذلك. ~~- بل سأحميه، فإن لي مآرب لا تعلمها. # ثم نظرت في ساعتها وقالت: لقد وعدنا البوليس بجائزة ألف جنيه، فهل يقبضها من منزلك ~~أو من منزلي؟ ~~- من منزلك. ~~- ولكنه لا يأتي قبل ساعة إلى أن تتم إجراءات إدخال الغلام إلى السجن، فقل لسائق ~~مركبتك أن يذهب بطريق سانت جمس إلى منزلي؛ إطالة للزمن فأحدثك بشأن هذا ~~الغلام. # وأمر الأسقف السائق بما أرادت، وعاد إلى الإصغاء إليها فقالت: إن أبي أراد التنكيل ~~مرارا بأولئك الأرلنديين فما فاز مرة بشيء من مشروعاته، وإن هذا الغلام الذي جعله ~~الأرلنديون رئيسهم الأعظم هو ابن عمي، أي ابن السير أدمون الذي مات شنقا في دبلين ~~وضبطت إنكلترا ثروته، أما غاية أبي فهي أن يضع عنده والدة الفتى ويربي ولدها على كره ~~أرلندا، حتى إذا بلغ سن الشباب زوجني به واسترد ثروة أبيه المضبوطة. # فقال لها الأسقف: ولكن ذلك محال، فإن الغلام محكوم عليه ولا يمكن إطلاق سراحه. ~~- ولكنك نسيت أن أبي من أشد أعضاء البرلمان نفوذا، وأنه لا يصعب عليه أن ينال عفو ~~الملكة عن الغلام متى طلب أن يرد إليه. ~~- لقد أصبت، ولكن أتعتقدين أنه قد تأسس على حب بلاده؟ ~~- إننا حين نفرقه عن أمه، وحين يشنق الرجل العبوس ونأمن شر أولئك الزعانف، نربيه ~~على ما نشاء. # فلم يعترضها الأسقف وقال لها: يجب أن نسرح إلى منزلك، فقد واعدت كاتم سري على أن ~~يوافيني إليه ليخبرني بما جرى للغلام. ~~- إذن مر السائق بالإسراع. # وبعد حين كان الاثنان في غرفة مس ألن المشرفة على الحديقة، فمرت بهما ساعتان، ثم ~~ثلاث دون أن يعود كاتم سر الأسقف، فشغل بال الأسقف وكذلك مس ألن، فإنها أنكرت بطء ~~البوليس في العودة لقبض الجائزة. # وفيما هما على هذا الاضطراب، قرع باب الحديقة فقام الأسقف لفتحه وتبعته مس ألن، ~~فوجد الأسقف أن الطارق كان كاتم سره فقال له: ماذا حدث؟ ~~- إن مدير السجن ينتظر قدوم الغلام منذ ثلاث ساعات، ولكنه لم يحضر إلى الآن، وعنده ms2117 أن ~~الغلام لم يقبض عليه بعد. # فالتفت الأسقف إلى مس ألن وقال: أيمكن ذلك؟ ~~- ذلك محال فقد حضرت ساعة القبض عليه. ~~- لعل البوليس ذهب به إلى سجن نوايت. ~~- وذلك محال أيضا، فقد سمعته بأذني يأمر السائق أن يسير به إلى سجن الطاحونة. # فقال كاتم السر: إذن لا بد أن يكون الأرلنديون ظفروا به واختطفوه. # فاتقدت عينا الأسقف ببارق الغضب، وخرج من باب الحديقة مهرولا، فقالت له مس ألن: إلى ~~أين أنت ذاهب؟ ~~- إلى السجن لأرى ماذا حدث. # ثم ذهب فتبعه كاتم سره، وبقيت مس ألن وحدها خائفة وجلة، وهي تقول: إذا كانوا قد ~~أنقذوه، فما أنقذه غير هذا الشيطان المريد الملقب بالرجل العبوس. # 52 # وقد اضطربت حواس مس ألن في البدء، فجعلت تمشي تحت الأشجار بخطوات غير موزونة، وعيناها ~~متقدتان بلهب من النار كاللبؤة تدور في محبسها فلا تجد مخرجا. # وفيما هي على ذلك قرع باب الحديقة أيضا، فأسرعت إليه وفتحته، فوجدت أمامها ذلك ~~البوليس الذي قبض على الغلام في الحدائق، فحياها مبتسما بملء الاحترام، وقال لها: ~~أسألك عفوا يا سيدتي عن تأخري، فقد اضطررت إليه مكرها. # وكانت سكينة هذا الرجل ولهجته الدالة على الفوز، قد اطمأنت إليه وقالت له: إذن لم ~~يحدث لك حادث؟ # فتظاهر الرجل بالانذهال وقال: لم أفهم ما تريدين. ~~- إني أكلمك عن الغلام. # لقد قبضت عليه وكنت أنت معي في هايد بارك، ورأيتني ذهبت به وبالآشورية، وقد اقتفيت ~~أثرنا إلى ترافلغار كما أظن، ورأيتني أخذت الغلام إلى مركبة أخرى. ~~- نعم، وسمعتك تأمر السائق أن يذهب بكما إلى سجن الطاحونة، غير أن كاتم أسرار الأسقف ~~بترس توين كان في ذلك السجن، فلم يرك ولم ير الغلام. ~~- لأني لم أذهب بالغلام إلى السجن. ~~- كيف؟ ألعل الأرلنديين اختطفوه؟ ~~- كلا، وهو لا يزال في قبضة يدي. ~~- إذن لماذا لم تذهب به إلى السجن على الأثر؟ # فابتسم الرجل وقال لها: يوجد لذلك سببان يا سيدتي، لا يقالان في هذا ~~المكان. ~~- هلم معي إلى المنزل، وتقدمته إلى غرفتها المشرفة على الحديقة، حتى ms2118 إذا جلسا ~~فيها أقفلت الباب، وقالت له: قل لي الآن ماذا دعاك إلى عدم الذهاب به إلى ~~السجن؟ ~~- لأني خشيت أن أمر بشارع الأرلنديين فغيرت الطريق، وذهبت إلى التيمس فوضعت ~~الغلام في سفينة. ~~- أتريد أنك وضعته في إحدى تلك السجون التي يستخدمها البوليس لتكون سجونا ~~مؤقتة؟ ~~- بل وضعته في سفينة سترفع مراسيها هذه الليلة وتسافر إلى فرنسا. # فذعرت مس ألن ذعرا شديدا، ونظرت إلى هذا الرجل نظر الحيرة دون أن تجيب، فلبث الرجل ~~يبتسم وقال لها ببرود: هذا هو السبب الأول يا سيدتي، أتريدين معرفة السبب ~~الثاني؟ # فضربت الأرض برجلها وقالت: كيف لا أريد؟ تكلم. ~~- إن السبب الثاني يا سيدتي هو أنه يجب أن يكون الغلام في أمان. ~~- ألعلك اخترت سفينة تبرح إنكلترا بعد بضع ساعات. ~~- لقد خدعتك يا سيدتي بما قلته لك، فإن السفينة قد سافرت بالغلام وأمه. # فصاحت صيحة منكرة وحدث عند ذلك ما يشبه العجائب، فإن هذا الرجل ذا الشعر الأبيض سقط ~~شعره فجأة عن رأسه، وسقطت أيضا نظاراته الزرقاء التي كانت تحجب عينيه، فوقف أمامها ~~وجعل يضحك ويقول: أما عرفتيني يا مس ألن؟ # فرجعت منذعرة إلى الوراء، وقالت بصوت يتلجلج: من أنت؟ ماذا أرى؟ الرجل ~~العبوس؟! ~~- كان يجب أن تعرفيني من قبل، فاعترفي أنك خسرت هذه المعركة أيضا، واستعدي للمعارك ~~القادمة إن كان لديك سلاح. # فنظرت إليه نظرة تشف عما داخل فؤادها من العجز والحقد، وقالت: أنت ... أنت ... # نعم أنا هو ... وسوف ترينني في كل حين يا مس ألن إلى أن تحبيني، ثم تجاسر على الركوع ~~أمامها، وأخذ يدها ولثمها، وهي ترتجف ارتجاف الحمامة أدركها البازي. # غير أن براكين الانتقام هاجت في صدرها، فأفلتت منه ووثبت إلى المستوقد فأخذت خنجرا ~~كان عليه، وهجمت به على الرجل العبوس وهي تقول: إني أكرهك كرها لا حد له. فحاول ~~العبوس أن يخلو من خنجرها، ولكنه أصابه في ساعده فجرحه، وأسال دماءه، وعندها هجم عليها ~~فقبض على يدها الجميلة المسلحة، وقال لها: إن سلاح عينيك أمضى من سلاح يدك. ثم ms2119 ضحك ~~وقال: ليس بعد هذا البغض الشديد غير الحب الأكيد. # وعند ذلك جردها بلطف من خنجرها، وقال لها: إلى اللقاء يا سيدتي. ثم وثب من النافذة ~~إلى الحديقة، وسقطت مس ألن على مقعد واهية القوى، وقد اصفر وجهها حتى خشي عليها من ~~الموت. # 53 # وإيضاحا لهذه الحادثة العجيبة التي لم تدرك مس ألن غير نتيجتها، لا بد لنا أن نعود ~~إلى حيث تركنا شوكنج قد لقي الأرلندية والدة رالف عند باب المدرسة فعرفها بنفسه، ~~وسألها أن تتبعه. # ولم تجد بدا من الامتثال وتبعته فاستوقف مركبة، وصعد بها إليها وأمر السائق أن ~~يذهب إلى شارع عينه له، فوجف قلب تلك الوالدة المنكودة وقالت له: لقد بت خائفة ~~على ولدي. ~~- يحق لك أن تخافي يا سيدتي فإنك أم، أما أنا فإني مطمئن؛ فإن الرجل العبوس وعد ~~بإنقاذه من الخطر، ومتى وعد وفى لا محالة. ~~- رباه ما هذا الخطر الذي ينذره. ثم قالت له ببساطة: وما هذا السواد الذي صبغت به؟ ~~ومن صبغك؟ ~~- لقد صبغني الرجل العبوس وقاية لي من أعدائي، وإني أخشى أن يبقيني بهذا اللون إلى ~~آخر العمر، ولكن أتعلمين ماذا أدعى الآن؟ ~~- شوكنج أو اللورد ويلموت. ~~- لا هذا ولا ذاك، لقد استبدلت اللوردية بالمركيزية، وأنا أدعى الآن دونكر بستوفورو ~~إيكوردوفا إيميندس ريستتاقي إيبورغورا، وأحمل من الأوسمة وسام الليل الأبيض، والنسر ~~الأصفر، والأفعى الزرقاء، ألا ترين علائم الشرف على صدري، إن في هذه الأوسمة والألقاب ~~خير تعزية يا سيدتي عن لون بياضي. # ولم تتمالك الأرلندية عن الابتسام بالرغم عما هي فيه من الاضطراب. # وبعد حين وصلت المركبة إلى الشارع الذي عينه، فأطلق شوكنج سراحها وذهب بالأرلندية ~~إلى النهر، فأراها سفينة بخارية راسية فيه وقال لها: إني ذاهب بك إلى هذه ~~السفينة. # فاضطربت الأرلندية وقالت: أتريد أن أبرح إنكلترا دون ولدي. ~~- كلا، بل إن ولدك سيحضر إليها أيضا فنسافر كلنا، إن الرجل العبوس قد وعد، وهو سيفي ~~دون شك بما وعد. # وضمت الأرلندية يديها وقالت: سيان عندي إذا برحت إنكلترا وبرحت وطني ms2120 ما دام ولدي ~~معي. # ثم ركبت قاربا صغيرا مع شوكنج، وذهب الاثنان إلى الباخرة، فاستقبل ربان السفينة ~~شوكنج بملء الإجلال والاحترام، وسألت الأرلندية شوكنج: إلى أين تسافر الباخرة؟ ~~- لا أعلم، فإن لدي أوامر مختومة لا يحق لي أن أفتحها إلا في عرض البحر، أما الربان ~~فإن لديه أوامر بمغادرة التاميز، وأن يسير في جهة هولندا. # وأقامت الأرلندية في تلك الباخرة عرضة للقلق والاضطراب مدة أربع ساعات؛ لشدة إشفاقها ~~على ولدها، إلى أن رأوا قاربا يدنو من الباخرة، ولم يكد يبلغ إليها حتى صاحت الأرلندية ~~صيحة فرح، فإنها رأت رجلا صعد من القارب إلى السفينة يحمل غلاما، وعرفت أن الفتى ~~ولدها، ولكنها لم تعرف ذلك الرجل، فهمس شوكنج في أذنها قائلا: هذا هو الرجل ~~العبوس. # وكان العبوس قد سقى رالف شرابا أزال تأثير الشراب الذي سقته إياه الآشورية، فعادت ~~إليه ذاكرته ودهش حين رأى نفسه مع رجل لا يعرفه. # فقال له العبوس: ألم تعرفني يا رالف؟ ~~- إن لك يا سيدي صوت الرجل العبوس، ولكن ... ~~- تريد أنه ليس لي وجهه، فهل أنت خائف مني؟ ~~- كلا، فإن هيئتك تحمل على الاحترام. ~~- إذن اصغ إلي يا بني. ثم قص عليه جميع ما جرى له عند الآشورية، وأخبره بالخطر ~~الذي كان محدقا به. ~~- ولكن إلى أين أنت ذاهب بي الآن؟ ~~- إلى باخرة تلقى فيها أمك. # فاطمأن خاطر رالف، وكان لقاؤه مع أمه مؤثرا عليه أشد تأثير، فتركهما الرجل العبوس ~~يتعانقان، ونادى الربان وشوكنج وأحد الأرلنديين، فقال لهم مشيرا بيده إلى جهة الجنوب ~~الغربي: إنكم ستبيتون بعد بضع ساعات بعيدين في عرض البحر عن مرامي المدينة الإنكليزية، ~~وستجدون بين زبد الأمواج صخرا يتعاظم كلما دنوتم منه حتى تروه مدينة عظيمة، وهي مدينة ~~كاليس أي بدء البلاد الفرنسية، حيث يجد ابن أرلندا إخوانا في البلاد التي يستطيع ~~الكاثوليكيون أن يدخلوا فيها آمنين إلى كنائسهم، إنكم ذاهبون إلى هذه البلاد. # فصاح شوكنج قائلا: لتحي فرنسا. # ووجه الرجل العبوس عند ذلك كلامه إلى شوكنج، فقال له: أما أنت فإنك ms2121 لا تذهب الآن ~~إلى كاليس، بل تسير مع ركب الباخرة إلى أن تجتاز قصر دوفر، وهناك تلقى دون شك باخرة ~~البريد فتستوقفها وتعود بها، فإني محتاج إليك. # وقالت الأرلندية: ونحن، ألا نعود أبدا إلى بلادنا؟ ~~- إنكم تعودون متى أزفت ساعة النصر، ومتى أصبح ولدك رجلا قادرا أن يقود إخوانه إلى ~~ساحة الحرب. # ثم ودع الأرلندية وعانق الغلام، وقال لشوكنج وهو نازل من الباخرة: أعط الربان ~~تلك الأوامر المختومة التي أعطيتك إياها متى سرتم في عرض البحر، فيعلم منها ماذا يجب أن ~~يصنع بالغلام وأمه، أما أنت فارجع إلي حتى أرجع لك لونك القديم. # فبهت شوكنج وقال: لكن أعدائي يعرفونني، فكيف تريد لي القتل. ~~- ليس لك أعداء غير جوهان وهو سيشنق قريبا، ولا يبقى إلا أسفك لخسارة لقب المركيز، ~~ولكني أعيد إليك لقبك القديم وهو اللورد ويلموت، فاطمئن في الحالين. ~~- ليكن ما تريد يا سيدي، والآن أية مهمة بقيت علينا؟ ~~- بقي علينا مهمات أخبرك بواحدة منها، وهي أنه يجب أن نشنق مسز فانوش، فإنها تستحق ~~الشنق. # ثم ودعه ونزل إلى قارب سار به إلى الشاطئ. # وعند ذلك صفرت السفينة وأقلعت تشق أمواج التيمس السوداء. # ولبث الرجل العبوس واقفا ينظر إليها حتى اختفت وراء الأحواض. # فابتسم وقال: لقد بات ابن أرلندا الآن في أمان يا مس ألن، وقد كان كرهك لي عظيما ~~وسيكون حبك أعظم. # 54 # كان الرجل العبوس قد أتى إلى منزل مس ألن بعد سفر الباخرة بالغلام وأمه، ويذكر القراء ~~ما جرى بينه وبين تلك الفتاة، وكيف أنه وثب من نافذة غرفتها إلى الحديقة. # وقد خرج من باب تلك الحديقة فألفى الجو مقتما، وقد بدأت عجائب الضباب تظهر في سماء ~~لندرا. # ولهذا الضباب تأثير في تلك العاصمة، فإنه يبدأ من الفجر إلى الساعة العاشرة، فتبدده ~~الشمس، حتى إذا حانت الساعة الرابعة بعد الظهر عاد إلى ما كان عليه، وذلك في أغلب أيام ~~الشتاء، فيسود وجه السماء، وتظلم تلك العاصمة حتى لا يهتدي المارة إلى سبيلهم، وتنار ~~المنازل والمخازن والطرق، ويقف ms2122 البوليس وبأيديه المشاعل كي يهدي من يضل سبيله من ~~المارة، وحتى لا يتعطل سير المركبات، فتدخل جيادها إلى الإصطبلات إلى أن ينقشع ~~الضباب. # وقد كان الضباب في بدئه حين خرج الرجل العبوس هاربا من منزل مس ألن، فلقي مركبة ~~واقفة فصعد إليها، وسار به السائق شوطا بعيدا، حتى إذا استفحل أمر الضباب واشتد حلك ~~الظلام أوقف السائق مركبته وقال للرجل العبوس: أسألك العفو يا سيدي؛ فإني لا أستطيع ~~السير. ~~- لا بأس فإني أسير ماشيا. # ثم نقده أجرته وتطلع إلى ما حوله، وعلم أنه بات في شارع بعيد عن منزل مس ألن، بحيث ~~لم يعد يخشى أن يدركه لاحقوه. # وعند ذلك ذهب وهو يخترق الضباب دون تردد إلى شارع سانت جيل، وتطلع إلى منزل هناك ~~فرأى في إحدى نوافذه مصباحا، وهي علامة متفق عليها دون شك، فوضع إصبعه في فمه ~~وصفر، فأزيل النور من موضعه في الحال، ونزل رجل إلى الباب الخارجي فقال: من ~~الطارق؟ ~~- هو الذي تنتظره. # ففتح الباب ودخل العبوس. # وكان هذا الرجل باردل، رئيس حراس سجن الطاحونة، الذي كانت له اليد الطولى في إنقاذ ~~رالف كما تقدم في الرواية السابقة. # فقال له الرجل العبوس: أنت هنا منذ عهد طويل؟ ~~- كلا، فقد برحت السجن منذ ربع ساعة. ~~- ماذا حدث؟ ~~- حدث ما كنا نتوقعه، فإن حاكم السجن مل الانتظار، ولكن ثقته كانت قوية ~~بالبوليس سيمونز الذي أرسله للقبض على الغلام. # فضحك الرجل العبوس وقال: أنا هو سيمونز. # فعجب باردل وقال: كيف ذلك؟ ~~- إن سيمونز من جمعيتنا، وهو في خدمة البوليس الإنكليزي منذ عهد طويل، فلما عهد إليه ~~مدير البوليس الأكبر القبض على الغلام أخبرني بما جرى، وتوليت عنه قضاء هذه المهمة، ~~والغريب أنهم عهدوا إليه أيضا القبض على الرجل العبوس. # فقهقه باردل ضاحكا وقال: ماذا يكون مصيره بعد هذه الخدعة؟ ~~- لا خوف عليه، فقد دبرت أمره خير تدبير، والآن أخبرني عما رأيته من حاكم ~~السجن . ~~- لقد قلت لك إنه سئم الانتظار، ولكنه لم يقنط، خلافا للكاهن الذي أرسله الأسقف ~~بترس ms2123 توين، فإنه أيقن أن في الأمر سرا فأسرع إلى إخبار سيده. ~~- وماذا فعل الأسقف؟ ~~- إنه أسرع إلى السجن وهو يرغي ويزبد، فطمأنه الحاكم بقوله إن ثقته شديدة بالبوليس ~~سيمونز، وأنه إذا لم يعد بالغلام توا إلى السجن، فما ذلك إلا لأنه يخشى هجوم ~~الأرلنديين عليه، فهو يترقب فرصة موافقة للحضور به. ~~- هو قال ذلك؟ وماذا أجاب الأسقف؟ ~~- إنه عول على الانتظار، وهو الآن في سجن الطاحونة. ~~- إذن هلموا بنا إلى ناحية السجن، وقد خطر لي خاطر جميل سأنفذه بفضل الضباب. ~~- ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- سوف ترى. # ثم تأبط ذراعه وخرج به يخترق ظلمة الضباب حتى وصلا إلى الخمارة المجاورة للسجن، ~~فدخل العبوس به إليها وقال: إني أريد أن أكتب رسالة أعهد إليك بإيصالها إلى السجن، ثم ~~نزع ورقة من دفتر وكتب عليها ما يأتي: # إن الغلام في قبضتي فلا خوف عليه، ولكن يستحيل إحضاره إلى السجن، فإن ~~الأرلنديين يرودون حوله وهم على أتم التأهب. # سيمونز # وبعد أن أتم كتابتها دفعها إلى باردل، وقال له: اذهب بها إلى مدير السجن، وقل له إن ~~أحد الشيالين جاء بها. # فامتثل باردل وانصرف، فناداه الرجل العبوس قبل أن يبتعد، وقال له: إذا اتفق أن الأسقف ~~خرج من السجن وهو محال، فاختلق حجة للخروج من السجن، وأسرع إلي وأخبرني. # وعاد العبوس إلى الخمارة، وطلب كأسا من الشراب، وكانت الخمارة خالية لا يوجد فيها ~~غير شخص واحد من ساقة المركبات، كان واقفا يشرب فيحدث صاحب الخمارة ويشكو له شقاءه ~~في مهنته، ولا سيما في أيام الشتاء، فيقول: إن هذا الضباب قد ضيق علينا سبل الرزق، ~~فإني أضطر إلى دفع أجرة المركبة 10 شلنات لصاحبها، وأضطر إلى نفقات علف الجواد، ثم ~~أكره على الإقامة في الخمارة بسبب هذا الضباب الثقيل. # وكان صاحب الخمارة يعزيه فيقول: إن هذا الضباب سوف ينقشع. # فأجابه السائق متأوها: ولكنه ينقشع بعد انقشاع الزبائن. # وكان العبوس مصغيا إلى الحديث ، فنادى السائق وسأله أن يشرب معه كأسا، فعد السائق ~~ذلك نعمة وتنازل؛ لأن ملابس ms2124 العبوس كانت تدل على أنه من الأعيان. # ولما جلس على مائدته قال له العبوس: يبدو أنك غير مسرور. ~~- كيف يأتيني السرور وأنا مضطر أن أدفع غدا ثمانية عشر شلنا لصاحب العربة، ولم ~~أشتغل كل يومي إلا بشلنين. ~~- إني عارض عليك أمرا يكون فيه إصلاح حالك، فخذ أولا هذا الجنيه كي تطمئن نفسك، ~~ثم اعلم أني قد عقدت رهانا غريبا، وهو أن أتنكر بزي سائق مركبة، وأقودها في هذا ~~الضباب الكثيف إلى همبستاد دون أن أضل الطريق مرة. # فقال له السائق: إن هذا محال يا سيدي، فإن السواق أنفسهم لا يهتدون. # فأجابه ببرود عرف به الإنكليز: إذن أخسر الرهان، ولكن اسمع الآن ما أقترحه عليك، ~~إني سأدفع إلى صاحب هذه الحانة مائة جنيه رهنا على مركبتك وجوادك، فأين هما ~~الآن؟ ~~- بجوار الخمارة. ~~- حسنا، وسأعطيك أنت عشرة جنيهات مقابل ثوبك وقبعتك. ~~- هذا فوق الزيادة، وقد رضيت بهذا الاقتراح. # وعند ذاك فتح باب الخمارة ودخل باردل، فدنا من الرجل العبوس وقال له باللغة ~~الأرلندية الاصطلاحية: إن الأسقف لا يزال في السجن، وقد سر من تلاوة الرسالة، ولكنه ~~سيبرح السجن الآن، فقد قال للحاكم إنه غادر في منزله امرأة مقيمة وحدها، ووعده أن ~~يعود في الغد. # فقال له الرجل العبوس: ألم يطلب مركبة يعود بها إلى المنزل؟ ~~- نعم، وقد أرسلني لهذا الغرض، ولكني غير واثق من إيجاد مركبة، فإن الضباب ~~شديد. ~~- انتظرني خارج السجن ولا تبحث عن المركبة، فسأتولى أنا البحث عنها. # فامتثل باردل وأخرج الرجل العبوس محفظة من جيبه، وأخذ منها أوراقا قيمتها مائة جنيه ~~دفعها لصاحب الحانة، وقال له: إذا لم أرجع ظهر غد المركبة والجواد لهذا ~~السائق، تدفع له هذا المال. # ثم دفع عشرة جنيهات للسائق وقال: هات الآن ثوبك وقبعتك. # فخلع السائق ثوبه وقبعته، وهو يعجب لغرابة أطوار هذا الرجل، فلبسهما العبوس وذهب مع ~~السائق حيث كانت المركبة، فاستلمها منه وعاد إلى باردل، فقال له: اذهب الآن إلى السجن ~~وقل للأسقف إنك أحضرت له المركبة، وإنها واقفة عند الباب. # 55 ms2125 # وكان الأسقف قد اطمأن قلبه لرسالة البوليس، فإن السبب الذي اختلقه الرجل العبوس فيها، ~~وهو خوفه من الأرلنديين، كان سببا معقولا لم يدع للأسقف أقل مجال للشك. # وكان ذلك رأي حاكم السجن أيضا، فلما أنس الأسقف بموافقة الحاكم قال: لم يبق لدي ~~الآن عمل هنا. # فقال له الحاكم: ولكن كيف تذهب يا سيدي؟ # فعجب الأسقف لقوله؛ لأنه أتى إلى السجن قبل انتشار الضباب، أي قبل أن ينقطع سير ~~المركبات، وكان باردل يسمع الحديث فأخبره بالضباب وبتعذر إيجاد المركبات، فأمره أن ~~يبحث عن مركبة، فخرج باردل مسرورا لأنه وجد فرصة لمقابلة الرجل العبوس. # وقد عرف القراء ما جرى في الخمارة، وبعد عشر دقائق خرج الأسقف من السجن وركب تلك ~~المركبة التي كان يقودها الرجل العبوس، وأمره أن يذهب به إلى منزل في شارع كرسنت، فدفع ~~العبوس الجياد وانطلقت العربة تسير في ذلك الظلام الدامس، وكان سرور الأسقف عظيما ~~بفوزه، فلم ينتبه للطريق التي كانت تسير فيها العربة، لا سيما وأن الظلام كان حالكا ~~وشوارع لندرا كلها متشابهة، غير أنه انتبه بعد ربع ساعة حين وصلت العربة إلى ساحة كثرت ~~فيها الأنوار، فنادى السائق وقال له: ألا ترى أنك مخطئ، فإني أظن أننا في ليستر، وهي ~~الجهة المناقضة لجهة منزلي؟ # فقال العبوس: كلا يا سيدي، فإني لم أخطئ فإننا في سيسكس. ~~- إذا كان ذلك فواصل السير. # واجتازت العربة تلك الساحة المنورة وعادت إلى الظلام، وجعل الرجل العبوس يسير بها في ~~الشوارع الضيقة إلى أن أوقفها عند خمارة، فأنكر الأسقف وقوفه وسأله عن السبب، فقال: إني ~~أريد شراء شمعتين. # ثم نزل من العربة ودخل إلى تلك الخمارة. # وبعد هنيهة عاد منها إلى كرسيه، فلم ينتبه الأسقف إلى أن رجلين قد خرجا معه وتعلقا ~~بين دواليب العربة. # ثم استأنفت العربة السير إلى أن وقفت أيضا، فأطل منها الأسقف ورأى أنها وسط سهل، ~~فأنكر وقوفها في هذا المكان ونادى السائق مغضبا، وقال : إلى أين أنت ذاهب بي؟ ~~- لقد وصلنا يا سيدي. ~~- ويحك كيف وصلنا؟ # ثم ms2126 فتح باب العربة ووثب منها إلى الأرض، فاشتد خوفه إذ رأى بقربه رجلين، ونظر إلى ~~ما حواليه فلم يجد أثرا للمنازل، وسمع صوت اضطرابات الأمواج، فأيقن أنه عند جسر من ~~جسور لندرا، وقال للسائق: ألم أقل لك أيها الرجل إنك ضللت الطريق؟ # فقهقه العبوس ضاحكا ثم قال: كلا يا سيدي، وسوف ترى أني لم أخطئ. # ثم وضع أصبعه في فمه وصفر، فأسرع في الحال قارب في النهر إلى الدنو من ~~الشاطئ. # وعند ذلك دنا العبوس من الأسقف وقال: إني أعترف يا سيدي بأني حدت بك عن الطريق، ولكني ~~لم أفعل ذلك إلا في سبيل خدمتك، فقد علمت أنك تريد أن ترى رجلا طالما تحدث الناس ~~به، وقالوا إنك تريد أن تشنقه. # فاضطرب الأسقف لهذه الكلمات وتراجع منذعرا، أما العبوس فإنه قال ضاحكا: أتشرف يا ~~سيدي بأن أقدم لك الرجل العبوس الذي طالما بحثت عنه، وها هو في حضرتك بزي سواق ~~المركبات. # فأن الأسقف أنين الموجع، وحاول أن يرجع ويهرب، لكن الرجلين حالا دون فراره ووضعا ~~أيديهما على كتفه، فقال له الرجل العبوس: إنك الآن أسيرنا يا حضرة الأسقف. # وكان القارب قد وصل في هذا الحين إلى الشاطئ، فعلم هذا الأسقف أنه بات في قبضة ~~العبوس، ونظر نظرا تائها إلى ما حوله، فلم ير غير أعدائه، فقال في نفسه: إني لو ~~قبضت على هذا الرجل لعاملته دون إشفاق، وهو سيعاملني دون شك بما أضمرته له من الشر، ~~فكان رعبه شديدا. # أما الرجل العبوس فإنه قال بلهجة المتهكم: أسأل يا مولاي المعذرة؛ فإني مضطر أن ~~أتخذ معك بعض الوسائل. ثم أخذ حبلا من الحرير فعقده على عنقه وقيد يديه، فما ~~شكك أنهم سيخنقونه، ثم قيدوا أيضا رجليه وأنزلوه إلى القارب، فقال الأسقف في نفسه: ~~إنهم لو أرادوا قتلي لخنقوني وألقوني في النهر، ولكنهم يريدون سجني لا محالة لغرض ~~خفي. # وعند ذلك أمر العبوس أحد الرجلين أن يعود بالعربة إلى صاحبها، ثم أمر أحد النوتية أن ~~يسير بالقارب، وقال للأسقف: إنه لا بد ms2127 أن يكون في جيبك يا سيدي أوامر خطيرة قد ينفعني ~~الاستيلاء عليها. # ثم أمر أحد النوتية أن يفتش جيوبه، وجرد خنجره، وتهدد به الأسقف بالقتل إذا استغاث، ~~وبعد حين أخرج النوتي محفظة من جيب الأسقف ودفعها للرجل العبوس، فأخذها وقال: سنفحصها ~~متى وصلنا. # 56 # وكان النوتية أنفسهم لا يعلمون إلى أين يسيرون بالأسير، إلى أن همس الرجل العبوس في ~~أذن أحدهم فأرشده إلى الطريق. # ولا بد أن يكون قد أشكل على القراء كيف أن الرجل العبوس قد ظفر بهؤلاء الأعوان، ولم ~~يكن متأهبا من قبل للقبض على الأسقف، وبيانا لذلك نقول: إن العبوس كان مقتصرا منذ ~~عرف الأب صموئيل على مساعدة بعض الأعوان كشوكنج وغيره من الأرلنديين، ولكنه كان يعلم ~~أنه يوجد في لندرا مائتا ألف من الأرلنديين موزعين في كل أنحائها، وأنهم جميعهم ~~يخضعون لمن يظهر لهم الأشائر الأرلندية السرية. # فلما كان سائرا بالأسقف في العربة ووصل إلى الخمارة، أوقفها بحجة حاجته إلى شراء ~~شمع، وكان يعلم أنه لا بد من وجود أرلنديين في تلك الخمارة، فدخل إليها ولم ينتبه إليه ~~أحد حين دخوله، غير أنه طلب كأس شراب بلهجة أرلندية محضة، ورأى أن بعض الأنظار قد ~~تحولت إليه، فرسم علامة الصليب بالرمز الاصطلاحي، فأجابه بعض الحضور برسم مثلها، ~~فأظهر الإشارة الدالة على رئاسته، فدنا عند ذلك اثنان منه وقالا له: مر أيها السيد ~~بما تريد. فقال لهما باللهجة الأرلندية الاصطلاحية: إني محتاج إلى رجلين شديدين، فماذا ~~تدعى أنت؟ # فأجابه المسئول: هاريس. ~~- وأنت؟ مشيرا إلى الآخر. ~~- مشيل. ~~- إذن اخرجا معي تجدا مركبة أنا أسوقها فاختبئا بين دواليبها من الوراء، واعلما أن في ~~هذه المركبة ألد أعداء أرلندا. # أما وجود القارب في النهر وإسراعه إلى إجابة الرجل العبوس حين صفر؛ أن العبوس كان ~~يقيم في هذا القارب كل ليلة مع اثنين من الأرلنديين منذ جعل يسير إلى منزل مس ألن من ~~ذلك النفق السري الذي تقدم لنا وصفه ، فكان هذان الرجلان ينتظران قدوم الرجل العبوس ~~كل ليلة تحت الجسر ولا ms2128 يبرحان موقفهما. # وكان القبض على الأسقف قد جال فجأة في خاطره، فلم يعين المكان الذي يجب أن يسجنه ~~فيه، ولكنه خطر له والقارب يسير أن يسجنه مؤقتا في عنبر إحدى تلك السفن الضخمة التي ~~ينقلون عليها الخيول من التيمس إلى الخارج. # ولما وصل القارب إليها التفت إلى هاريس، وقال له: إني معهد إليك الآن بمهمة خطيرة، ~~وهي حراسة هذا الرجل، فإنه أشد إيذاء للأرلنديين من البرلمان نفسه، فاصعد الآن به إلى ~~السفينة. # فصعد به، وأمر العبوس أن ينزل به إلى العنبر ففعل، وكان الظلام حالكا فأنار العبوس ~~شمعته فاستنار المكان، ونظر الأسقف ذلك الرجل فانطبع رسمه في ذهنه، وقال في نفسه: إني ~~سأنتقم إذا قدرت لي النجاة انتقاما هائلا، وأعذبه عذابا لا تذكر معه فظاعة ~~الأقدمين. # وعند ذلك طاف العبوس بشمعته فاستوثق من أنه لا يوجد منفذ في عنبر السفينة، فألقى ~~الأسقف على قفاه وربط منديلا على فمه كي يمنعه من الاستغاثة، ثم صعد مع الأرلندي إلى ~~ظهر السفينة بعد أن أقفل باب العنبر وقال له: يجب أن تبقى هنا لحراسة هذا الرجل إلى أن ~~أعود، وسأرسل إليك الطعام بعد ساعة فاحذر أن تغادر السفينة، وأنا أوصيك بالحرص على ~~الأسير باسم أرلندا، ثم يجب الاحتياط لكل أمر، فإن من عادة بعض المتشردين أن يناموا في ~~أمثال هذه السفن، فاحذر أن تدع أحدا منهم يدخل. # فقال هاريس: ولكن قد يتفق أيضا أن يمر البوليس البحري لمراقبة أولئك اللصوص ~~المتشردين في تلك السفن، فإذا أرادوا الصعود إلى هذه السفينة فماذا أصنع؟ ~~- إذا رأيت البوليس دنا من السفينة بغية الصعود إليها، فاخنق الرجل المسجون ~~بالعنبر. ~~- حسنا، سأفعل كل ما قلته. # فتركه الرجل العبوس وعاد إلى البر مع أحد الأرلنديين، فنظر في ساعته فإذا الساعة ~~العاشرة، فقال في نفسه: إن الباخرة التي سافرت بالغلام وأمه وشوكنج أقلعت من التيمس في ~~الساعة الثالثة بعد الظهر، فيقتضي لها أربع ساعات كي تخرج من التيمس فتلاقي بعد ساعة ~~باخرة البريد، فيوقفها شوكنج ويبلغ بها الشاطئ في الساعة ms2129 التاسعة. # ويركب القطار القادم إلى لندرا ويعود إليها في فالافيه في هذه الليلة في الساعة ~~الحادية عشرة. # وعند ذلك ذهب مع الأرلندي فاشترى طعاما، وأرسله معه إلى هاريس، وذهب توا إلى ~~المحطة كي ينتظر شوكنج. # فلما وصل القطار كان شوكنج أول النازلين منه، فاستقبله العبوس وقال له: أأعطيت ~~تعليماتي للربان؟ ~~- نعم. ~~- لقد اطمأن بالي الآن على الغلام وأمه، فلننظر الآن في شأن مسز فانوش. ~~- ماذا يجب أن نصنع بها؟ ~~- نقبض عليها بموجب أمر يقضي بالقبض على هذه المرأة موقع عليه من ناظر العدلية، غير ~~أني مضطر إلى تغيير زيي، وأنت جائع دون شك، فادخل إلى هذا المطعم وانتظرني فيه، وحذار ~~أن تفرط بالشراب. ~~- وأنت إلى أين ذاهب يا سيدي؟ ~~- إن لي غرفة في كل شارع، وغرفتي في هذا الشارع على قيد خطوتين من المطعم. # ثم افترقا فدخل شوكنج إلى المطعم، وبعد ربع ساعة عاد إليه العبوس وهو بثياب الشرطة، ~~فخرج به إلى عربة، وأمر السائق أن يذهب به إلى منزل السير بترس توين، فاضطرب شوكنج ~~وقال: كيف نذهب إلى هذا الرجل؟ # فابتسم العبوس قائلا: ذلك لأنه ليس في منزله. # 57 # يذكر القراء أن مسز فانوش اعترفت بجميع جرائمها لرئيس الشرطة، وأن مس ألن دفعت ~~ضمانة مالية فبقيت في منزل الأسقف. # ولما انصرف رئيس الشرطة قال لها بترس توين: إن تهمتك خطيرة جدا، ولا بد من محاكمتك ~~بعد أسبوع، وليس بعد المحاكمة غير الحكم بالإعدام، ولكني سأسهل لك سبل الفرار إلى ~~البلاد الأميركية قبل محاكمتك، فابقي في منزلي مع خادم غرفتي إلى أن أعود. # ثم تركها وذهب إلى الحدائق، فمنزل اللورد بالمير، فسجن الطاحون، إلى أن وقع أسيرا في ~~قبضة العبوس، فسجنه في عنبر السفينة كما قدمناه. # أما العبوس فإنه ذهب مع شوكنج إلى منزل الأسقف، وكان متنكرا بثياب الشرطة، ولديه ~~محفظة أوراق الأسقف، وهي تحتوي على أموال كثيرة، وبينها الأمر بالقبض على فانوش، فلما ~~وصل إليه استقبله الخادم فأخبره أنه آت من قبل الأسقف للقبض على المرأة باسم ~~الشرع. # فسأله ms2130 الخادم إذا كان يحمل رسالة من الأسقف. # فقال له: بل أتيتك بخير من الرسالة، فإنه أعطاني محفظة أوراقه المالية، وفيها نحو ~~خمسة آلاف جنيه، وأمرني أن أدفعها إليك فتكون خير علامة. # فأخذ الخادم المحفظة فعلم أنها لسيده، وعد ما فيها من الأوراق فوثق أن القبض على ~~فانوش كان برضى مولاه، فلم يعترض وأدخل الرجل العبوس وشوكنج إلى غرفة فانوش. # أما فانوش فإنها حين علمت حقيقة مصيرها تمكن منها اليأس فسقطت مغميا عليها، فأمر ~~الرجل العبوس شوكنج أن يحملها وخرجا بها إلى مركبة، فسارت بهما إلى منزل قاضي التحقيق، ~~وهناك خرج العبوس من المركبة ودخل إلى منزل القاضي، فسأله باسم الأسقف أن يعيد إليه ~~أوراق التحقيق في قضية مسز فانوش، كي يرسلها إلى سجن نوايت حذرا من فرارها، فدفعها ~~إليه، وعاد بها إلى المركبة، وأمر سائقها أن يذهب إلى سجن نوايت. # وكانت فانوش لا تزال مغميا عليها، ولكنها استفاقت في الطريق وذعرت، وقالت: أين ~~أنا؟ # فضحك الرجل العبوس وقال: إنك أيتها العزيزة، بين بوليسين يذهبان بك إلى سجن نوايت، ~~ولا تخرجين منه إلا يوم تنفيذ الإعدام. # فارتعشت فانوش وقالت: رباه! إني سمعت هذا الصوت من قبل. # فعاد العبوس إلى الضحك، وقال لها: إن هذا المصير يعلمك عاقبة خيانة الرجل ~~العبوس. # فصاحت فانوش صيحة منكرة حين علمت أنها باتت في قبضة هذا الداهية، وعادت إلى ~~الإغماء. # وبعد هنيهة أقفلت أبواب ذلك السجن الرهيب على تلك المرأة التي لم ترحم الأطفال، فلم ~~يرحمها القضاء. # وعاد الرجل العبوس إلى المركبة، فقال له شوكنج: إلى أين نذهب الآن؟ ~~- إلى همبستاد، فقد حان لي أن أفي بما وعدتك به الآن، وأن أرد لك لونك ~~القديم. # فسر شوكنج وسارت بهما المركبة، فقال له شوكنج وهما على الطريق: إنك يا سيدي قد ~~أنقذت الغلام وأمه وأرسلتهما إلى باريس، فبت في مأمن عليهما، ولكن أنت؟ # فابتسم العبوس وقال: أما أنا فإن مهمتي لم تنته بعد، ولا يحق لي أن أبرح أرلندا، ~~فإن الأرلنديين ينتظرون أن يبلغ زعيمهم الأكبر مبلغ ms2131 الشباب، فيقودهم إلى النصر، ولكن ~~هذا الجيش السري يحتاج الآن إلى قائد حازم نشيط ورجل نبيل يدبر هذه المؤامرة التي ~~اكتنفت إنكلترا بأسرها، وإن الأب صموئيل يحتاج إلى شخص مثلي. # فهز شوكنج رأسه وقال: كل ذلك رائع، ولكن يوجد عدوان شديدان عولا على إهلاكك، وهما ~~السير بترس توين، ومس ألن. ~~- أما الأول فلا أخشاه، وأما الثانية فسأخافها إلى أن تحبني. ~~- ألا تزال طامعا بقلب الفتاة؟ ~~- نعم. # وقد قال هذا القول بلهجة الواثق، غير أن شوكنج لم يثق بفوزه، وقال له بعد سكوت قصير: ~~إني أعجب كيف تميل إلى غرام هذه الفتاة، وهي ليس لها من الإنسانية غير ظواهرها! ~~- ولكنها تصبح يوم تحبني عبدة لي، فأستخدمها كما أشاء لخدمة الأرلنديين. # فهز شوكنج رأسه أيضا وقال: لا أنكر عليك عنادك، فإنك من النوابغ، ولكل نابغة ~~هوس. # ووصل الاثنان إلى همبستاد، وكان الفجر أوشك أن ينبثق، فركب العبوس مزيجا ودفعه ~~لشوكنج وقال له: اطل بهذا المزيج ما اسود من جسمك، وادخل إلى الحمام واغتسل يذهب ~~عنك السواد. # وبينما كان شوكنج في الحمام كان العبوس في غرفة يغير زيه، وقد خلع عنه لباس ~~البوليس وانتزع شعوره البيضاء وأزال آثار الغضون والتجعيد عن وجهه، فأصبح شابا جميلا ~~تشوق رؤيته الأبصار، ثم ودع شوكنج وقال: إني ذاهب لأعد سجنا موافقا لحضرة الأسقف ~~يليق بمقامه. # وخرج من المنزل وعاد إلى لندرا، وأعد ذلك السجن، ثم ذهب إلى شاطئ التميس وصفر ~~فأسرع قارب إلى الشاطئ وفيه ذلك الأرلندي. # فقال له العبوس: ألعلك فعلت ما أوصيتك به؟ ~~- نعم، إني أخذت الزاد إلى هاريس. ~~- ووكيف حال الأسير؟ ~~- إنه لا يزال مسجونا في العنبر. ~~- إذن سر بي إليه، إني أحب أن أراه. # فدفع الأرلندي إلى المكان التي كانت السفينة راسية فيه، حتى إذا وصل إليه صاح العبوس ~~صيحة دهش وحذر؛ لأنه لم يجد أثرا للسفينة، وقد اختفت فاختفى معها الأسقف دون ~~شك. # 58 # ولا بد لنا لمعرفة السبب في اختفاء السفينة مع الأسقف، أن نرجع بضع ساعات قبل وصول ~~الرجل العبوس ms2132 إلى خمارة قرب الشاطئ التي كانت راسية عنده السفينة. # كان في هذه الخمارة طائفة من الطبقة السفلى يعاقرون المدام، وقد انتصف الليل، ~~فخفت منهم العقول وتثاقلت الأجسام، وإن بينهم ثلاثة يشربون على مهل وحذر، خلافا ~~لسائر الحضور، وقد انفردوا حول المائدة وجعلوا يشربون ويتباحثون. # وبينما هم كذلك دخل عليهم رجل دلت ملابسه على الفقر المدقع، وهو نيقولا الذي عرف ~~القراء عنه أنه كان شريك جوهان في التربص للرجل العبوس بغية القبض عليه ونيل ~~الجائزة، فجلس بينهم وسألهم أن يطلبوا له كأس شراب لحسابهم. # فقال له أحدهم: أرى أنك أصبحت فارغ الوطاب بادي الأنقاض. ~~- بل إني بت ليلة أمس على الطوى، ولم يتيسر لي الاحتيال على الطعام، فأنا أحتال على ~~الشراب. ~~- كيف ذلك؟ ألعلك تركت العمل في الأحواض؟ ~~- لقد مللت هذه المهنة الشاقة، ويئست من رزقها الضيق فما ضيقت إلا على نفسي. ~~- أتريد أن تشترك معنا في مهمة، يضمن لك فيها الطعام والشراب أسبوعا، ثم يكون لك بعد ~~ذلك خمسون شلنا، تنفقها على ما تريد من أغراضك. ~~- ما هي هذه المهمة؟ ~~- هي أن المستر مانتاج تاجر الخيل الشهير عهد إلينا بإرسال بعض جياد إلى بولونيا ~~بطريق التيمس، ونحن في حاجة إلى رابع. ~~- إذن سأكون رابعكم، فقد تعودت خوض البحار. # وأقام الأربعة في تلك الخمارة إلى الساعة الأولى بعد نصف الليل، ثم ذهبوا جميعهم إلى ~~تلك السفينة التي كان الأسقف سجينا فيها. # وكان هاريس لا يزال فيها يحرس الأسقف، فلما تقادم الليل اضطجع وهو بملابسه فوق باب ~~العنبر. # واستيقظ حين سمع أصوات الأربعة، وصعد إلى ظهر السفينة، فأدرك لفوره أنه لا يستطيع ~~لقاء أربعة، وأنه لا سبيل معهم إلا بالحيلة، فقال لهم بلهجة مستاء: ماذا تريدون؟ # فأجابه زعيمهم: إننا نريد أن نستخدمك، ولا إخالك ترفض خمسين شلنا. ~~- إن ذلك يتعلق بالمهمة التي تعهدون بها إلي. # فقال له الزعيم: ماذا تعمل في هذه السفينة؟ ~~- وأنتم ما تريدون بالقدوم إليها؟ # قال الزعيم: أتشرف بإخبارك أني ربان هذه السفينة التي شرفتها الليلة ~~بزيارتك. ~~- إذن، أسألك ms2133 المعذرة يا سيدي، فإني لم أجد محلا أبيت فيه، فأويت إليها. ~~- لا بأس، ولكني أخيرك الآن بين أمرين، وهما إما أن تغادر السفينة فتقيم بقية ليلتك ~~في غير هذا المكان، أو تسافر معنا إلى حيث نحن مسافرون إن كنت تعرف مهنة ~~البحرية. ~~- أما هذه المهنة فإني من أكفائها، فقد اشتغلت فيها عشرة أعوام بوظيفة مرشد ~~للسفن. ~~- إذن نعهد إليك بالدفة. # فسر هاريس لذلك؛ إذ خطر له خاطر سريع، وذلك أن الأسقف لا يفوه بحرف حين يشعر بسفر ~~السفينة؛ لاعتقاده أن جميع من فيها من الأرلنديين، فإذا سارت السفينة وكانت دفعها ~~بيدي، دفعت بها إلى الصخور فتحطمت وغرق الأسقف؛ لأنه مقيد اليدين والرجلين، أما أنا ~~فأسلم لأني أجيد السباحة، وأما غرق الأسقف فهو جل ما يتمناه رئيسنا، فأكون قد أقمت بما ~~تعهدت به؛ لأني لا أستطيع لقاء أربعة. # ولما خطر له هذا الخاطر رضي أن يسافر مع الجماعة، فصعدوا جميعهم إلى السفينة ورفعوا ~~الصواري وأعدوا القلوع، وأقاموا ينتظرون ورود الجياد إلى أن وردت الساعة الخامسة، ~~فأصعدوها إلى السفينة وأقلعت من مرساها تشق عباب التميس. # ولما سارت السفينة وفرغ نيقولا من مهمته وهي نقل الجياد، وحاول أن ينام، وخطر له ~~النوم في العنبر اتقاء للبرد، ففتح بابه ونزل إليه وهو في ظلام دامس. # ولم يكد يستقر فيه حتى سمع أنينا ضعيفا، فأخذ علبة كبريت من جيبه، وأنار أحد ~~عيدانها ونظر إلى مصدر الأنين، فرأى رجلا ممددا على الأرض مقيد اليدين والرجلين ~~مكموم الفم، فأسرع إليه ونزع الكمامة عن فمه. # فقال له: من أنت؟ # فأيقن الأسقف أن هذا الرجل لم يكن عارفا بأمره. # فقال له: إني رجل غني إذا أنقذتني مما أنا فيه كافأتك بمائتي جنيه، فقل لي أنت من ~~أنت؟ ~~- إني رجل من فقراء الإنكليز أتيت هذه السفينة عاملا فيها، وهي تشحن جيادا إلى ~~بولونيا. ~~- إذن أنت لست من الأرلنديين؟ ~~- كلا. ~~- وماذا جرى للرجل الذي كان في السفينة؟ ~~- إنه لا يزال فيها وهو يدير دفتها. ~~- أتستطيع إنقاذي؟ ~~- دون شك يا سيدي، فإني ms2134 أخبر الربان بأمرك فيعود بالسفينة إلى البر وتخرج منها ~~حرا آمنا. ~~- كلا، فإني لا أحب أن يعلم أحد بأمري. ~~- إذن يوجد طريقة أخرى لإنقاذك، وهي أن أفتح إحدى النوافذ وألقيك منها إلى النهر، فلا ~~يشعر بسقوطك أحد. ~~- إنها طريقة صالحة، ولكني لا أعرف السباحة. ~~- أما أنا فإني أجيدها، وسألقي نفسي إلى المياه في إثرك، ونحن على مسافة قريبة من ~~البر فأبلغ بك إليه سالما بإذن الله. ~~- بل تلقي نفسك قبلي، فإني أخاف الغرق. ~~- كما تشاء. ~~- إذن ابدأ بفك قيودي، فقد وافقت على هذه الطريقة. # ففك نيقولا قيده، ثم فتح إحدى نوافذ السفينة، وتدلى منها إلى المياه، فاقتدى به ~~الأسقف، واستمرت السفينة في سيرها دون أن يشعر أحد بفرار الاثنين. # 59 # مضى على ذلك أسبوعان جرى في خلالهما كثير من الحوادث، فإن شوكنج عاد إلى لون البياض، ~~وصدر الحكم بالإعدام على قاتل بادي فأعدم شنقا، وصدر الحكم أيضا على فانوش بالإعدام ~~فتعين موعد تنفيذه هذا اليوم الذي سنجد فيه الرجل العبوس وشوكنج. # في الساعة السادسة من صباح ذلك اليوم، أي قبل أن تشرق الشمس، كان الناس يتقاطرون ~~أفواجا إلى جهة سجن نوايت ليشاهدوا شنق مسز فانوش، تلك المرأة العاتية التي قتلت ~~كثيرا من الأطفال، فصح فيها قول الكتاب: أنذر القاتل بالقتل ولو بعد حين. # وكانت جميع المحلات العمومية المشرفة على السجن قد أجرت نوافذها للراغبين بمشاهدة ~~قضاء الإنسان على الإنسان، وارتكاب القضاء تلك الجريمة نفسها التي يعاقب الناس عليها، ~~أي جريمة القتل. # والعادة في بلاد الإنكليز أن الناس يقبلون على هذه المشاهد إقبال الفرنسيين في ~~بلادهم على ملاعب الروايات؛ ولذلك لم تبق نافذة في تلك المحلات دون تأجير. # وكان بين أولئك المتفرجين، ومعظمهم من أهل المقامات، فتاة مبرقعة بنقاب كثيف ومعها ~~وصيفة لها، وقد استأجرتا نافذتين وجاءتا قبل جميع الناس لشوقهما إلى مشاهدة هذا المنظر ~~الكريه. # وكان جميع المستأجرين حضروا وجلسوا في نوافذهم المعينة، ما خلا نافذة واحدة لم يكن ~~فيها أحد ، ولكن كان عليها كتابة تدل على أنها مأجورة كي ms2135 لا يقيم فيها غير ~~صاحبها. # وكانت هذه الفتاة تنظر من نافذتها إلى ساحة الإعدام، فترى أعوان الجلاد ينصبون ~~المشنقة، ثم تعود إلى تلك النافذة الخالية فتنظر إليها لتعلم إذا كان قد أتى صاحبها ~~ولتعرف من هو. # وبعد حين أقبل رجلان وهما بملابس تدل على الفقر، فجلس أحدهما في تلك النافذة، فعجب ~~الناس لظواهر فقره واستئجاره هذه النافذة بالمال الكثير، ولكنهم قالوا إنه قد تنكر ~~بهذا الزي لغرض من الأغراض، أو ليكون حرا بالفرجة كما يشاء دون أن يتقيد بعادات ~~الأغنياء وآدابهم المألوفة، وكان هذان القادمان العبوس وشوكنج. # أما الرجل العبوس فإنه أطلق نظره بين الحاضرين، حتى أصاب تلك الفتاة ذات النقاب، ~~فارتعش وتمتم قائلا: لقد قدر لي أن أراك هنا وهذا ما كنت أتوقعه. # ثم ترك شوكنج ومشى إليها بين ازدحام الناس، فوقف أمامها وقفة الاحتشام وقال لها: ~~ألست يا سيدتي بحضرة مس ألن بالمير؟ # فاضطربت الفتاة وقد عرفته وقالت له بصوت يتهدج: ادن مني نتحدث، فإني لم أرك منذ عهد ~~طويل. # فدنا العبوس وكان الجلاد قد أعد المشنقة، فانشغل الناس عنهما بتلك المناظر، وبدأ ~~الرجل العبوس الحديث، فقال: لقد كنت واثقا يا مس ألن أني سأجدك في هذا المكان. ~~- ألعلك تشكك يا سيدي بأني أحب أن أرى نتيجة انتصارك، فإنك أنت سبب إعدام هذه ~~المنكودة. # فابتسم العبوس وقال: إذا كان الله قد ولاني الانتصار للمظلومين، ألا يجب علي ~~الانتصار للحق والقضاء على الظالمين؟ # ألم تستحق هذه المرأة ما تلاقيه من عقاب القتل، بعد أن قتلت كثيرا من الأطفال ~~الضعفاء؟ # ثم غير مجرى الحديث وعاد إلى الابتسام، وقال: إني منذ أسبوعين لم أتشرف بلقائك يا ~~مس ألن، فهل لا تزالين على كرهي؟ ~~- بل إن هذا الكره قد زاد حتى لم يعد له حد. # فأخذ العبوس يدها بيده، فشعر أنها تضطرب اضطرابا خفيفا، وقال: أحقا إنك ~~تبغضينني؟ ~~- ليس بعد هذا البغض بغض. ~~- هو ما تقولين، فقد دنت الساعة. ~~- أية ساعة؟ ~~- ساعة يستحيل هذا الكره إلى حب أكيد، يعادل ذلك البغض الشديد. ms2136 # فلم تجب مس ألن بشيء، ولكنها تنهدت تنهدا خفيفا، لم يكد يظهر لاجتهادها ~~في إخفائه، ثم نظرت في ساعتها كأنها تريد إشغال نفسها، إخفاء لتأثرها، وقالت: لم ~~يبق لدي من الوقت غير عشر دقائق، فهل تأذن لي بسؤال؟ ~~- سلي يا سيدتي ما تشاءين. ~~- إنك وضعت ابن عمي العزيز في محل أمين، أليس كذلك؟ ~~- دون شك، وإذا شئت أخبرتك بتفاصيل أمره، فهو الآن مقيم في فرنسا يتربى في إحدى ~~مدارسها العالية إلى أن يصبح رجلا، وسترين يا مس ألن حين تدنو الساعة، ويتولى زعامة ~~الأرلنديين ما يكون من أمره، فإنه خلق للزعامة. # وكانت يدها لا تزال في يده، فشعر أنها تزيد اضطرابا، ولكنها أخفت ما بها وقالت: ~~أشكرك عما أخبرتني عنه، فهل لك أيضا أن تخبرني عما فعلته بالسير بترس توين؟ # فارتعش الرجل العبوس لهذا السؤال، ونظر إليها نظرة حاول أن يخترق بها أعماق قلبها، ~~ويكتشف مخبآت أسرارها، ثم قال لها: ألا تعلمين ما حدث له؟ # فأجابته بلهجة تشف عن الصدق: إني لم أره منذ أتيتني متنكرا بثياب ~~البوليس. # فخدع الرجل العبوس بظواهر صدقها، وتوهم أنها تقول الحق، وقال لها: اعلمي يا مس ~~ألن أني اختطفت هذا الأسقف كما اختطفت الغلام، وذلك في الليلة نفسها، وسجنته في سفينة ~~بحراسة رجل أرلندي يدعى هاريس. # واتفق لنكد الطالع أنهم احتاجوا إلى هذه السفينة، لنقل جياد عليها من فرنسا، فاضطر ~~هاريس أن يكون فيها بوظيفة مدير الدفة، احتفاظا بالأسير. # فمخرت في التميس وانتشر الضباب بعد حين، وكان خير مساعد له في تحقيق مشروعه، غير أنه ~~سمع سقوط جسمين في المياه، فظن أن أحد البحارة قد أنقذ الأسقف السجين في العنبر، ولم ~~يستطع أن يتحقق هذا الأمر؛ إذ لم يكن يستطيع ترك الدفة، فلم يجد بدا من تنفيذ مشروعه ~~وقد نفذه. ~~- ما هذا المشروع؟ ~~- هو أنه دفع السفينة إلى الصخور فتحطمت، ونجا هاريس سباحة دون أن يعلم ما حدث ~~للسجين لكثافة الضباب، ولكننا نرجو أن يكون الأسقف ... # وهنا توقف العبوس عن الكلام، لما سمعه من ms2137 ضجيج الناس، فإن الجلاد أحضر مسز فانوش ~~إلى المشنقة، وهي تصيح وتستغيث وتبكي وتحاول الإفلات من أيدي الجنود. # ولكن الجلاد أسرع إلى إلباسها القبعة السوداء، وأوقفها في موقف الإعدام، ثم وضع ~~الحبل مسرعا في عنقها وأدار لولبا، فهوت تلك الجانية، وجعلت رجلاها ترقصان في ~~الفضاء. # وعند ذلك خرج الرجل العبوس بمس ألن، وقال لها: كيف رأيت يا سيدتي؟ # وقالت له بلهجة مؤثرة، خفقت لها جوانحه: رأيت يا سيدي أنك شخص هائل، فأنا أكرهك ولكني ~~أعجب بك. # ثم حاولت التخلص منه فمنعها، وقال لها: إني أحب أن أراك، فعيني لي ~~موعدا. ~~- أتجسر أيضا أن تجيء إلى منزلي؟ ~~- نعم لأنك ستحبينني، إذا لم تكوني قد أحببتني. ~~- إذا كانت لك الجرأة، فاحضر إلي من ذلك الدهليز الذي كنت تأتي إلي منه من ~~قبل. ~~- متى؟ ~~- غدا عند نصف الليل. ~~- سأكون عندك في الساعة المعينة. # ثم حياها وأشار لشوكنج أن يتبعه. # 60 # وفي اليوم التالي لهذه الحادثة كان قارب يخترق مياه التميس قبل انتصاف الليل بحين ~~وجيز، وفي هذا القارب رجلان أحدهما شوكنج وهو يجدف، والآخر الرجل العبوس وهو واقف في ~~مؤخر القارب حاسر الرأس، متشحا بردائه، تائها في مهامه التفكير. # وكان الضباب كثيفا حتى إن أنوار الغاز كانت تظهر ضئيلة، فتشبه النور خلل ~~الرماد. # وكان شوكنج يسير بالقارب وهو يتنهد من حين إلى آخر، فلا ينتبه إليه العبوس إلى أن ~~دنا من جسر وستمنستر. # وقال لمولاه: أحقا يا سيدي أنك ذاهب إلى الموعد؟ # فانقطع خيط تصور الرجل العبوس لكلام شوكنج، وقال له: دون ريب. # فتنهد شوكنج أيضا وقال له: إني لو كنت في مكانك لفعلت غير ما تفعل. ~~- ماذا كنت تفعل؟ ~~- كنت أرجع عن هذا الفكر. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخشى أن يكون في الأمر مكيدة. # فابتسم العبوس دون أن يجيب، ولكن شوكنج لم يعتبر نفسه مغلوبا وقال: ربما كنت مصيبا ~~في هزئك بي يا سيدي، ولكني لا أستطيع مقاومة ما يحدثني به قلبي. ~~- وبماذا يحدثك قلبك؟ ~~- بأنك إذا ذهبت إلى الموعد أصبت بمكروه. # فهز العبوس ms2138 كتفيه، ونظر في ساعته على نور سيكارته. ~~- لم يبق لدينا غير ربع ساعة، فأسرع في التجذيف؛ إذ لا يجمل بي أن أدع هذه ~~الحسناء تنتظر. ~~- إذن أنت واثق من حب هذه الحية الرقطاء. ~~- كل الوثوق. # ورفع شوكنج عينيه إلى السماء، كأنه يلتمس عفو الله لهذا الشخص الذي أضله الغرام، ~~فإنه ليست مس ألن التي تهواه، بل هو الذي فتن بهواها. # وكأنما العبوس قد أدرك أفكاره فقال له بجفاء: أسرع إلى التجذيف قبل فوات ~~الأوان. # فامتثل شوكنج مكرها، وعاد العبوس إلى تصوراته إلى أن وصل القارب إلى مدخل الدهليز، ~~وربط شوكنج حبلا بحلقة حديدية كانت في الجدار، وربط بطرفه الأخير القارب، فقال له ~~الرجل العبوس: انتظرني هنا إلى أن أعود. # غير أن شوكنج حاول أن يجادله أيضا على رجاء إقناعه، وقال: إنك إذن لا تصدق حديث ~~قلبي؟ ~~- كلا. ~~- ولا تزال تظن أن الفتاة تهواك؟ ~~- سأتوثق من حبها بعد ساعة. # ورفع عينيه أيضا إلى السماء كأنه يستشهد الله على جنون مولاه، ثم قال: ألديك مسدسك ~~وخنجرك؟ ~~- كلا. # فلم يتمالك شوكنج من إظهار غضبه وقال: ليس بعد هذا الجنون جنون، أتعرض بنفسك لهذه ~~الأخطار ثم لا يكون معك سلاح؟ # فضحك العبوس وقال له: ويحك أيها الأبله، ومتى كان العشاق يذهبون إلى مواعيد الغرام ~~مدججين بالسلاح؟ # ثم تعلق بالحلقة، فوثب منها إلى مدخل الدهليز قائلا لشوكنج: انتظرني إلى أن أعود، ~~فإذا طلع الصباح ولم أعد، فاذهب إلى كاليس حيث ينتظرك الغلام وأمه، وخذ الأوراق من ~~الربان، واعمل بما تراه مكتوبا فيها. # ثم توارى عن الأنظار. # فلما بقي شوكنج وحده قال: رباه لقد خفت، إن حديث قلبي صادق لا ريب فيه. # وإنما كان خوف شوكنج على العبوس لا على نفسه، إنه انتشله من وهدة الفقر المدقع إلى ~~قمة النعيم، فبات وهو المتسول الشحاذ آمنا طوارق الأيام، لا يخاف الفقر، ممتعا ~~بالألقاب والوسامات، لا تفرغ جيوبه من المال، في حين أنه لم يكن يرى الدينار إلا في ~~أحلامه ، فهاله ما رآه من تهور العبوس؛ لأنه لم ms2139 يكن يعتقد بصدق حب النساء، وكان يعتبر ~~أن المرأة لا هم لها إلا خديعة الرجل، ولا شاغل لها غير العبث به من الصباح إلى ~~المساء. # لما بقي وحده في القارب جعل يتأوه ويتنهد ويقول: لا شك أن لكل نابغة ضربا من ~~الهوس والجنون، وأن العبوس من النوابغ، ولكنه أصيب بهوس الحب وألقى بنفسه إلى الفخ الذي ~~نصب له، ولولا اعتقادي برجحان عقله سيجد مخرجا، لقتلت نفسي قانطا. # وكان شوكنج على اعتقاده بوجود المكيدة، قوي الثقة بذكاء سيده ومقدرته على النجاة، ~~فمثلت له الوحدة والمخاوف أمورا لم تكن تجري إلا في مخيلته، فتوهم في البدء ~~أنهم يقتلون العبوس وأنه يسمع صوت نزعه، ثم توهم أن الدهليز ملؤه براميل البارود لا ~~تلبث أن تنسفها أيدي المعتدين، فيقتل العبوس شر قتل، غير أنه لم يجر شيء من ذلك إلا ~~في مخيلة شوكنج لاشتداد مخاوفه، فقد كانت السكينة سائدة ولم يصدر أقل صوت من ~~الدهليز. # ولكن شوكنج سمع فجأة صوتا خارجا من النهر لا من الدهليز، وكان الصوت صوت مجازيف ~~تعمل في المياه بانتظام تام، فقال في نفسه: إما أن يكون هؤلاء من الصيادين، أو يكونوا ~~من البوليس، وفي كل حال فإنهم لا يرونني لكثافة الضباب واشتداد الظلام. # وكان هذا الصوت يزيد ارتفاعا مما يدل على أن أولئك الملاحين يدنون من قاربه، ولكنه ~~لم يكن يراهم بل كان يسمع أصواتهم متقطعة، فعلم أن الحديث كان دائرا بينهم على إعدام ~~فانوش وجوهن، ولكنه علم أن صوت أحدهم كان صوت نيقولا رفيق جوهن الذي أعدم، فاضطرب ~~وندم لتغيير لون السواد؛ لأن هذا الرجل كان من أصدقاء جوهن، وكان شوكنج من أعدائه، فخطر ~~له أن يلقي نفسه في النهر ويعود سباحة إلى البر. # وفيما هو يتردد في تنفيذ ما خطر له كان قارب الملاحين قد دنا من قاربه، ووثب منه ~~رجلان إليه فقبضا على عنق شوكنج وألقياه في ذلك القارب، فحاول أن يتخلص منهما وصار ~~يستغيث، فصاح بهما رجل كان لا يزال في القارب، وقال لهما: كمماه، ms2140 وإذا صاح اقتلاه. ~~فعلم شوكنج أن هذا الآمر كان الأسقف بترس توين، كما علم أن القابض عليه كان ~~نيقولا. # أما نيقولا فإنه ضغط على عنقه ضغط المنتقم، وقال له: إنك كنت السبب في قتل جوهن مع ~~أنه كان رفيقك، فستنال جزاءك. # وعندها قال لهما الأسقف من القارب الثاني: اقتصرا الآن على تقييد هذا، ثم اصنعا به ~~بعد ذلك ما ترومان، فقيداه وكمماه. # فصعد الأسقف وقال لهما: سيرا بي الآن إلى سلم جسر وستمنستر، فإنهم ينتظرونني عند ~~اللورد بالمير، فذهبا به إلى الجسر، فترك القارب وصعد إلى البر. # ثم قال للرجلين: إنكما تعلمان ماذا يجب أن تصنعاه، فاذهبا الآن واصنعا ما أمرتكما ~~به. # عاد الرجلان إلى موقف شوكنج الأول عند الدهليز، فكان شوكنج يقول في نفسه: لا شك أن ~~العبوس قد سقط في الفخ الذي نصبته له تلك الفتاة الداهية، وأن الأسقف لم يغرق في النهر ~~كما كنا نتوهم، وهو ذاهب إلى منزل اللورد بالمير. # أما الرجلان فإنهما حين وصلا إلى الدهليز عادا إلى سفينتهما، فأخرجا مخلين من الحديد ~~ودنوا من حائط الدهليز، فجعلا يفتحان فيه ثقبا تحت خط المياه، فنظر شوكنج ما يصنعان ~~وفهم مرادهما، إنهما كانا يحاولان فتح ممر للمياه إلى الدهليز فتدخل المياه إليه، فإما ~~تغرق الرجل العبوس إذا كان في داخله، أو تقطع عليه خط الرجوع إذا كان في المنزل. # وهنا انقبضت نفس شوكنج بعد أن تمثلت له الحقيقة الهائلة، ولم يجد معزيا له غير ~~الصلاة، فجعل يبتهل إلى الله كي ينقذه وينقذ العبوس من هذا الخطر العظيم. # ولكن نيقولا ورفيقيه كانا يواصلان الثقب في الجدار، وينزعان حجارته حجرا حجرا، إلى ~~أن فتحا ثقبا متسعا، فارتج قاربهما حتى أوشك أن يغرق؛ فإن مياه النهر دخلت بعنف عظيم ~~إلى الدهليز. # 61 # ولنقتف الآن أثر الرجل العبوس، فإنه صعد من القارب إلى فم الدهليز، ووثب منه إلى ~~الأرض، فسار في ظلامه المخيف وهو مطمئن البال واثق من حسن النتيجة، حتى إنه لم يحمل ~~سلاحا. # وتقدم لنا وصف هذا الدهليز ms2141 حين اكتشفته مس ألن مع أبيها وبادي، فلا نعود إليه، بل ~~نقول إن العبوس اخترقه حتى بلغ إلى بابه السري ففتحه، ودخل منه إلى غرفة مس ألن، فوجدها ~~معطرة منورة، ولكنه لم يجد مس ألن فيها، وقال في نفسه: لا بأس، إذ يجب أن أكون ~~السابق في مثل هذه المواقف، لكنه ارتاح إلى ما رآه من زيادة التأني في مفروشات الغرفة، ~~واستدل من ذلك على ارتياح الفتاة. # ولكنه لم يكد يستقر في تلك الغرفة حتى دخلت مس ألن تتهادى في مشيتها، وقد لبثت ~~ثوبا من المخمل الأسود كانت به فتنة للناظرين، فدنت من الرجل العبوس، ومدت يدها ~~إليها وصافحته. ~~- يسرني أنك دقيقة في مواعيدك. # ثم جلست على مقعد، وأشارت له بالجلوس بقربها. # وقالت له مبتسمة: ألا تزال تحبني يا سيدي؟ ~~- كما تحبينني أنت. # ثم ركع عند قدميها وأخذ يدها بين يديه، وجعل يكلمها بأفصح لغة يوحيها الغرام، ويعرب ~~لها عن وجدانات نفسه بألفاظ لا ترق وتعذب لدى شعب من الشعوب رقتها في أفواه ~~الباريسيين. # وبينما الرجل العبوس يعتقد أنه قد سحرها برقيق ألفاظه، واستغواها بلطف معانيه، ضحكت ~~تلك الفتاة الساحرة فجأة. ~~- يا ويحك، إنك من المجانين. # ووقف الرجل العبوس متثاقلا، ولكن دون انذهال. # وقال: أحق إنك تشبهينني بالمجانين؟ ~~- بل إنك مجنون وأبله معا. ~~- لماذا؟ # فنظرت إليه عند ذلك نظرة برقت عيناها، وقالت بلهجة الساخر: ذلك أنك تجاسرت على ~~الاعتقاد بأني أحبك. ~~- ولكني لا أزال أعتقد هذا الاعتقاد. # ثم أخذ يدها فقبلها، فاختلف ضحكها وارتجفت يدها، فقالت له: أتعلم أنك قد سقطت في ~~فخ لا تستطيع أرلندا بجملتها إنقاذك منه، على أني حذرتك أمس حين قلت لك أتجسر على ~~الحضور إلى منزلي؟ # فأجابها ببرود: هو ما تقولين، ومع ذلك فقد أتيت. # فأشارت بيدها إلى باب السلم، وقالت له: انظر إلى منزل أبي وهذا السلم، فهما غاصان ~~بالجنود. # فقال لها بسكينة دون أن يبدو عليه شيء من الاضطراب: أحقيقة ما تقولين؟ ~~- أحسبك طامعا أن تخرج من حيث دخلت، أي من الباب السري. ms2142 # ولم يجبها الرجل العبوس، وجعل ينظر إليها نظرات غرام ضعضعتها، وهو غير مكترث لما ~~تنذره به من الأخطار، كأنما غرامها قد أشغله عن كل خطر. # وبعد ذلك سمعا دويا يشبه دوي الرعد البعيد. # وقالت له: ألا تسمع هذا الدوي؟ # فأجابها بسكينة وهو ينظر إليها مبتسما: نعم أسمعه، وأعلم أنه صوت مياه التميس دخلت ~~إلى الدهليز، وسيبلغ إلينا بحيث لا يبقى لدي إلا واحد من أمرين، وهما إما الموت غرقا ~~أو التسليم للجنود. ~~- أتعرف هذا أيضا؟ ~~- نعم، قد عرفته منذ الصباح. ~~- عجبا! وكيف أتيت؟ إنك لا شك مجنون. ~~- كلا، فإنك في الصباح كنت كارهة لي وربما تكرهينني الآن أيضا، أما إذا تمثل لك ~~هلاكي فإنك تحبينني، وهذا كل ما أطمع فيه. # ثم نظر إليها تلك النظرات المغنطيسية الجاذبة، فتكهربت لها نفسها، وكان صوت مياه ~~النهر يزيد ارتفاعا دلالة على تقدمها في الدهليز. # ولا يستطيع قلم كاتب أن يصف قوة تلك الجاذبية السحرية التي ترسلها النواظر أشعة ~~مكهربة، فتصل بين القلوب وتفعل فيها فعل السحر، وغاية ما يقال عما جرى في تلك اللحظة ~~أن مس ألن أصيبت بما تصاب به الحمامة حين يدركها البازي، فركعت أمام الرجل العبوس، ~~وقالت له بصوت يتلجلج: رحماك، واعف عني، فإني أهواك. # وقد كانت هذه المرة صادقة في قولها، فإنها ما أتمت كلامها حتى نهضت فوثبت إلى ~~عنقه تقطعه تقبيلا، وتقول: رباه ماذا صنعت! يجب أن نهرب، هلم إلى الفرار وإلا قبض ~~عليك وهلكت. هلم إلى الفرار، فإن الوقت لا يزال متسعا. # وكانت تبكي فتدفعه بيدها قائلة: اهرب. # ثم تضمه إلى صدرها وتقول: بل نهرب معا، فإني أتبعك إلى حيث تشاء. # ثم تجذبه إلى الدهليز وتقول له: هلم بنا، فقد نجد منفذا منه. # أما العبوس فكان يتطلع إليها مبتسما دون أن يعترضها فيما تفعل، ويقول: لقد كنت ~~واثقا أن جهادي معك سينتهي بهذا الفوز. # وعند ذلك تراجعت منذعرة، وصاحت صيحة منكرة قائلة: رباه! قد فات الأوان، فقد وصلت ~~إلينا المياه تحمل بين أمواجها الموت. # فابتسم الرجل العبوس ms2143 أيضا وقال: لقد فات الأوان. # أما هي، فإنها أسرعت إلى الباب الذي كانت قد سدته بالحجارة في غرفتها حين اكتشفت ~~الدهليز، وقالت له: إنك قوي شديد، اكسر هذا الباب، فإني لا أعلم إذا كان يؤدي بنا إلى ~~النجاة، ولكن قد يكون لنا منه الخير. # ثم انقضت بنفسها على الباب تدفعه بيدها، وقال العبوس: لا فائدة من كسره، فإن المياه ~~من ورائه. # وكان يقول ذلك بملء السكينة، دون أن يظهر عليه شيء من علائم الخوف، في حين أن مس ألن ~~كانت تذرف الدموع الغزيرة، وقد ولهت لإشفاقها عليه حتى بلغت حد القنوط. # فكان يبتسم ويقول لها: لقد كنت واثقا أنك ستحبينني. كأنما لم يكن يشغله في تلك ~~الساعة الرهيبة غير هذا الخاطر. # وكانت مياه التيمس تتصاعد حتى دخلت إلى الغرفة، وبلت أقدامهما، فاشتد يأسها وقالت ~~له: إنك شجاع باسل، فافتح الباب واخترق هؤلاء الجنود، فإنهم لا يتجاوزون ثلاثين رجلا، ~~خذ أيها الحبيب غدارتيك وجرد خنجرك وباغتهم بالانقضاض عليهم، فقد تفوز ~~بالنجاة. # وقال لها بسكينة: ليس لدي أسلحة، ولا يجمل بي أن أزور من أحب مدججا بالسلاح. # فصاحت الفتاة صيحة قنوط، وهاجت هياج اللبؤة المشفقة على أشبالها، وكأنما أرادت أن ~~تفدي حبيبها بنفسها وتقيه الموت، فطوقت عنقه بذراعيها وقالت: إنهم لا يقبضون عليك ~~إلا بعد أن يقتلوني. # وعند ذلك سمع ضجيج على باب السلم. # ثم فتح فجأة وظهر منه السير بترس توين وكثير من الجنود، فقال لهم مشيرا إلى الرجل ~~العبوس: اقبضوا على هذا الرجل. # فوقفت مس ألن بينهم وبينه، وحاولت إغواء الأسقف فقالت له: دعنا نمر بحق السماء. ~~أستحلفك بالله، وبكل عزيز لديك أن تدعنا نذهب؛ فإني أحبه، لا تسئ إليه، أفعل لك ما ~~تريد، وتكون قد اشتريتني بإحسانك. # ثم عادت إلى عناق الرجل العبوس، فجعلت تقبله وتبكي، ولو كان بيدها خنجر لانقضت على ~~هذا الأسقف ومزقت أحشاءه. # أما الأسقف فإنه نظر إليها نظر الشامت، وقال لها بلهجة الساخر: إني كنت أتوقع يا ~~مس ألن أن تسقطي في هوة هذا الغرام، ms2144 وأن تصفحي عن هذا العدو اللدود، ولكني لست امرأة ~~فلا أصفح عن أعدائي. # ثم أشار إلى الجنود أن يقبضوا عليه. # وتعانق الحبيبان. # واغتنم الرجل العبوس هذه الفرصة، وقال لها باللغة الفرنسية: إننا أيتها الحبيبة ~~مفترقان، ولكن فراقنا لا يطول، فإني أخرج من السجن حين أشاء. # لا تهتمي بي أيتها الحبيبة، بل انصرفي إلى خدمة أرلندا والأرلنديين، ابرحي لندرا إلى ~~باريس، وابحثي فيها عن رجل يدعى مرميس وآخر يدعى ميلون وامرأة تدعى فاندا، فقولي ~~لهم تعالوا إلى لندرا بأمر الرئيس، يمتثلوا لأمرك ويحضروا في الحال. # إني أيتها الحبيبة ألقب في لندرا بالرجل العبوس، وأما في باريس فإني أدعى ~~روكامبول. # وهنا أطبق الجنود على روكامبول، وساروا به إلى السجن بأمر ذلك الأسقف. # ولم تشفع له دموع ابنة اللورد ولا منزلة أبيها، ولكن دهاءه كان أعظم شافع لدى قلبها، ~~فبلغ منه ما أراد. # تلميذ روكامبول‏ # تلميذ روكامبول‏ # | تلميذ روكامبول # | تلميذ روكامبول # | روكامبول (الجزء الرابع عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | تلميذ روكامبول # 1 # كانت أنقاض المنزل الذي تهدم متراكمة، وحجارة المنزل الذي يبنونه متكدسة، وبينهما نار ~~مشبوبة يتألق لهيبها في ظلام الليل الدامس. # وكان قرب هذه النار رجلان، أحدهما حارس أدوات البناء، وهو جندي قديم، قطعت رجله في ~~حرب القرم، والآخر بناء لا يتجاوز عشرين عاما. # وكان هذا الفتى قد اشتغل كل النهار بملء الاجتهاد، ولكنه على فرط تعبه وعلى تقدم ~~الليل لم يكن نائما، بل كان ملتفا بردائه ومضطجعا قرب تلك النار وهو يحاول الرقاد ~~فلا يستطيع، ويتقلب من جنب إلى جنب متأوها متنهدا كأنما هو في عذاب أليم. # وكان الحارس يراقب هذا الفتى مراقبة المشفق عليه من حين إلى حين، فلما طال تنهده قال ~~له: ماذا أصابك يا ليمسون، وما لي أراك منذ أيام تبيت هنا في حين أن جميع زملائك يبيتون ~~في منازلهم؟ ~~- ذلك لأنه ليس لي منزل. ~~- كيف يكون ذلك، ألا تقبض أجرتك في كل أسبوع أم أنك تنفقها على الملاهي ؟ ~~- بل أرسل نصفها إلى أمي ويكفيني ms2145 الباقي لاستئجار غرفة وللمعيشة كسائر رفاقي، ولكني ~~أؤثر النوم بالهواء الطلق. ~~- عجبا كيف تؤثره في مثل هذه الليالي الباردة؟ ~~- ذلك لأني لا أخاف البرد. # فعجب الحارس لأمره وقال: ليكن ولكن ما لي أراك لا تعرف طعم الرقاد منذ أسبوع، وأنت لا ~~تزال في مقتبل الشباب؟ # فتنهد الفتى، وقال: إن النعاس لا يجد سبيلا إلى أجفاني. # فابتسم الحارس وقال: بل ذلك لأن أشعة الغرام قد نفذت إلى قلبك. # فاهتز الفتى وجلس متربعا على الأرض وقال: كيف عرفت ذلك، ومن أنبأك أني من ~~العشاق؟ ~~- إن دلائل العشق لا تخفى على أحد يا بني، كحامل المسك لا يخلو من العبق. وأنا لم ~~أبلغ بعد حد الكهولة، فأبسط لي يا بني أمرك عساي أنفعك برأي صالح، فقد طالما تقلبت على ~~مهاد هذا الغرام حتى بت خبيرا بأدواء القلوب. # فعاد ليمسون إلى التنهد وقال: ولكن هيهات أن تجد دواء لقلبي، فإن دودة أرض عشقت نجمة ~~سماء فكيف تصل إليها؟ # فضحك الحارس وقال: أراك تستعمل الاستعارات، فهل أنت دودة الأرض؟ ~~- نعم. ~~- والنجمة أين هي؟ ~~- هي فوق. # ثم أشار بيده إلى منزل عال مشرف على البناء الجديد. # فابتسم الحارس وقال: لا تقنط يا بني فإن الدودة تصير فراشة فتطير وتدرك هذه ~~النجمة. # فتنهد الفتى أيضا وقال: هب أنني صرت فراشة فليس لي رجاء؛ فإن نجمتي عالية جدا لا ~~تدركها ذوات الجناح. ~~- ألعلها من نساء الأعيان؟ ~~- ربما كانت أميرة، فإني كل يوم حين تسطع أشعة الشمس أذهب فأقف عند بابها حين تخرج ~~إلى النزهة في مركبتها. ~~- هل تخرج وحدها؟ ~~- كلا، بل يصحبها رجلان، ولكن هيئتها تدل على أنها تحتقرهما وتخافهما، حتى كان يخطر ~~لي بعض الأحيان أن أهجم عليهما بمطرقتي وأقتلهما شر قتل. ~~- ولكنك لن تفعل وإلا كنت من المجانين! ~~- قد أكون مجنونا في هواها، ولكن ذلك لم يمنعها عن أن تبتسم لي. ~~- أهي ابتسمت لك؟ ~~- نعم، فإنها كانت واقفة في نافذتها تنظر إلى الشارع نظرة الطير المحبوس في القفص ~~وكنت واقفا في معمل البناء أتأمل محاسنها الباهرة ms2146 فنظرت إلي فجأة وعلمت أني مأخوذ ~~بجمالها فابتسمت لي. # وكان الفتى يقول هذا القول بصوت يتهدج فقال له الحارس: لقد بت أخاف على صوابك، ولكن ~~أتم بسط حكايتك؛ فقد أفيدك بنصيحة متى وقفت على كل أمرك. # 2 # فمضى الفتى البناء في حديثه فقال: إني لست من أهل الدهاء والرياء، ولكني لست من أهل ~~السذاجة المطلقة، فأنا أعلم أن هذه الفتاة الحسناء لا تبتسم لي إلا لأنها محتاجة إلي ~~في غرض من الأغراض. ~~- أتظن أنها محتاجة إليك؟ ~~- دون شك ألم أقل لك: إنها سجينة في منزلها؟ ~~- ما أظنك إلا فقدت رشادك، ومتى كان السجناء يخرجون من سجونهم إلى المتنزهات؟ ~~- وأي خطر من فرارها إذا كان السجانون يصحبونها؟ ~~- إني تقلبت في جميع أنواع الغرام ومر بي كثير من الحوادث، فلم أجد مثل أمرك ~~هذا! ~~- أصغ إلي حتى النهاية وسوف بعد ذلك بساعة، كان مرميس وميلونترى، فإن حب هذه ~~الفتاة باغتني لأول نظرة، فلم أتدبر في أمري، وشعرت أن هواها قد جرى في قلبي مجرى دمي ~~في مفاصلي. # وقد رأيتها أول مرة في يوم سبت فلما رأيتها تبتسم لي تضعضع عقلي وغلت يدي عن العمل، ~~حتى إن مدير البنائين أنذرني بالطرد إذا استمريت على ما كنت عليه من التهاون. # وكان اليوم التالي يوم الأحد؛ أي يوم دفع الأجور، فقبضت أجرتي واشتريت بها ثوبا ~~جديدا فلبسته، وجعلت أتخطر حول المنزل طامعا برؤية هذه الحسناء. # وهي تقيم في هذا المنزل الذي تراه مشرفا على معمل البناء ومنزلها في الدور الثالث ~~منه، فقد استأجرت جميع ذلك الدور، ورأيتها أول مرة تطل من نافذة غرفة زينتها. # فابتسم الجندي وقال: أظنها من غنيات أهل الدعارة، وأنها ما ابتسمت لك إلا للعبث ~~بك. # ولكنه رأى أن الفتى قد اشمئز ونفر من قوله، فاستدرك خطأه وقال: ومع ذلك، فقد أكون ~~مخطئا، فلنفترض أنها من الأميرات وتمم حديثك. ~~- إني طفت حول المنزل نحو ساعة فلم أرها، فذهبت إلى هذه الخمارة المقابلة للمنزل ~~فرأيت رجلا يسير ذهابا وإيابا، فما شككت أنه رقيب ms2147 متنكر، ثم رأيت بواب المنزل واقفا ~~عند الباب ولي معه سابق عشرة فدعوته إلى شرب كأس من الخمر معي علي أقف منه على شيء من ~~أخبار الفتاة، فأجاب الدعوة ودخلنا إلى الخمارة فما شربنا الكأس الثالثة حتى بدأت ~~أحادثه بأمر هذا المنزل الفخيم وأغبطه على استخدامه فيه. # فقال لي: قد يجوز أن تغبطني لو كان المنزل مأهولا بجملته، ولكن دورين منه لا يزالان ~~فارغين، ثم إنه قد يحدث لنا أمور مزعجة مع هؤلاء الأجانب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- يوجد الآن فتاة إنكليزية تقيم في الدور الثالث منه يظهر أنها من النبيلات، وأنها ~~ابنة لورد هربت من منزل أبيها إلى هذا المنزل. # وقد صحبت معها حين حضورها خادمة وخادمين كلهم من الإنكليز، فلم تكد تستقر في المنزل ~~حتى أحضرت مركبة وطافت بها جميع باريس كأنها تبحث عن رجل لا تعلم مقره. # ولم تعد إلا في المساء فجاء رجلان وطلبا أن يحادثاها، ولكنهما لم يخرجا من المنزل بعد ~~المحادثة بل بقيا فيه، واستبدلا جميع ما كان من الخدم وجعلا يراقبانها مراقبة شديدة حتى ~~إنها أرادت أن تكلمني فوقف واحد منهما ووالله لقد أشفقت عليها؛ فإنها تذهب إلى النزهة ~~كل يوم، ولكن الرجلين يصحبانها فلا يفارقانها لحظة عين. # هذا كل ما يعرفه البواب من أمر الفتاة فتركته وقد أيقنت منه أن هذه الصبية من خير ~~أسرات الإنكليز، وأنها أسيرة هذين الرجلين. # وفي اليوم التالي عدت إلى العمل وأنا منقبض النفس، أود لو بذلت نفسي في سبيل إنقاذها، ~~فبينما أنا أشتغل بنحت حجر وعيناي تنظران إلى نافذتها، فتحت تلك النافذة، وأشرقت منها ~~الفتاة إشراق القمر من السحاب، فكانت تجيل طرفها باحثة إلى أن رأتني، فاستقر نظرها ~~علي وابتسمت لي. # فشعرت أن جسمي قد تكهرب، وقد اشتد خفوق قلبي حتى كدت أسمع ضرباته. # فشخصت عيناي إليها ولم يكن أحد يراقبنا، وكأنما أدركت ما أصاب نفسي من الاضطراب ~~لابتسامها، فوضعت إصبعها على فمها، كأنها تشير علي بوجوب الكتمان. # ثم أخذت ورقة من جيبها وألقتها من النافذة فسقطت وراء ms2148 أكداس من الأخشاب القديمة ~~وأشارت إلي إشارة تفيد أنها ألقت الورقة إلي، ثم أقفلت النافذة ودخلت إلى ~~غرفتها. # وكنت بعيدا عن هذه الأخشاب وما أحببت أن أسير إليها لالتقاط الورقة على الفور فقلت ~~في نفسي: إن موعد فرصة طعام الصباح قريبة وسألتقطها حين يدق الجرس لا سيما وقد أيقنت ~~أنه لم يرها أحد. # فقال له الجندي: وبعد ذلك؟ # فتنهد الفتى وقال: سوف ترى ما كان من نكد طالعي وطالعها، فإني بينما كنت أنتظر فرصة ~~الطعام لالتقاط الورقة وأنا آمن عليها وقد اطمأنت نفسي لوثوقي من احتياج الفتاة إلي، ~~قدم شخص إلى ورشة البناء التي أعمل فيها وطلب أن يتكلم مع المدير. # فجعلت أنظر إليه دون اكتراث، وأنا أحسب أنه صاحب الأرض، أو أنه أحد المهندسين؛ إذ ~~كانت ظواهره تحمل على الاحترام، وهو بين العمرين. # فأسرع إلى لقائه وسمعته يقول: إني أقيم في الدور الثالث من هذا المنزل وقد سقطت من ~~النافذة إلى أرض المعمل ورقة لها أهمية عندي فأرجوك أن تأذن لي بالتفتيش عنها. # فأذن له المدير دون اعتراض، فذهب توا إلى حيث سقطت الورقة ورأيته وا أسفاه قد ~~التقطها ووضعها في جيبه. # فقال له الجندي: إنك على ذلك لم تعلم ما كتبته لك. ~~- كلا. ~~- أما رأيتها بعد هذه الحادثة؟ ~~- بل أرها في كل صباح، وإنها تفتح النافذة وتنظر إلي نظرة السائل كأنها تريد مني ~~شيئا. ~~- ذلك يدل على جهلها ما حدث لاعتقادها أنك قرأت رسالتها. ~~- هذا أكيد وا أسفاه وهي تنظر إلي نظرات تشف عما داخل نفسها من الغم والانقباض مما ~~يقطع القلوب من الإشفاق. ~~- ألم تحاول الدخول إلى منزلها؟ ~~- كلا. # وامتعض الجندي وقال: لقد كان العشاق في عهد الجندية أجرأ منكم على اقتحام ~~الصعاب. ~~- ماذا كنت تصنع لو كنت في مكاني؟ ~~- كنت أدخل إلى المنزل من بابه. ~~- وهذا الرقيب الذي لا يفارق الباب لحظة؟ ~~- كنت أدق عنقه. ~~- والبواب؟ ~~- أرشوه بالمال فينصرف به إلى الخمارة. ~~- والرجلان اللذين يحرسانها ويبيتان معها في المنزل؟ ~~- أقتلهما إذا اعترضا سبيلي. # فأطرق الفتى البناء ms2149 برأسه إلى الأرض وقال: لا أستطيع الموافقة على هذا الرأي. ~~- ذلك لأنك لست من الجنود القدماء. # فابتسم الفتى ابتسام المكتئب وقال: إني لم أكن جنديا ولكني أسفك دمي طائعا مختارا ~~في سبيلها. ~~- إذا خاطر بحياتك على ما قلت لك. ~~- إني لست من رأيك. ~~- لماذا؟ ~~- لأني إذا جريت على ما تشير به من العنف، في سبيل الوصول إليها، لا أبلغ ما أسعى ~~إليه من تخليصها، بل تفضي النتيجة إلى عكس ما أريد وتريد. ~~- إذا ماذا تعمل؟ ~~- لقد خطر لي خاطر أرجو أن يكون مفيدا، ولكن لا يمكن تنفيذه قبل ثمانية أيام، وذلك ~~إلى أن يتم بناء الدور الثالث من هذا البناء الذي نشتغل فيه، وذلك أن نوافذه تصبح ~~مساوية لنوافذ غرفة الفتاة، لتساوي المنزلين بالارتفاع، وليس بينهما غير عرض الشارع، ~~وهو لا يتجاوز ستة أمتار. # وإذا تم هذا البناء ترقبت ليلة مظلمة لا يكون فيها غير أنا وأنت في المعمل فمددت ~~لوحا خشبيا من نافذة المنزل الجديد إلى نافذة منزلها ودخلت إليها على هذه الطريقة ~~دون خطر ودون أن يراني أحد. # فسر الجندي لاقتراحه وقال: إنه خاطر حسن ويسرني أن أراك أشد جرأة مما كنت أظن. ~~- ليس في الأمر جرأة، إني أعمل في حرفتي منذ عشرة أعوام وقد ألفت هذه الخطوات وإذا ~~نجح قصدي هربت على هذه الألواح، حتى إذا صحا النيام رأوا أن الطير أفلت من ~~القفص. ~~- إن ذلك يدلني منك على التروي والحكمة، اصنع ما أنت صانع. ~~- لقد علمت الآن السبب في نومي في المعمل في حين أن جميع الرفاق يذهبون إلى منزلهم، ~~وأرجو أن تكتم سري بعد أن بحت لك به. ~~- إني جندي والجندي لا يخون على أني لا أقتصر على كتمان سرك، بل أكون لك خير ~~معين. # وكان الفجر قد انبثق وبدأت الطيور تناغي، فنظر الجندي إلى ذلك المنزل الذي دله عليه ~~الفتى، ورأى النافذة التي كلمه عنها، ثم رأى أن النافذة قد فتحت فجأة وظهرت منها ~~الفتاة. # فلم يتمالك الجندي من إظهار دهشته لما رآه من ms2150 جمالها ووقف يتأمله معجبا بتلك المحاسن ~~الفاتنة. # أما الإنكليزية فلم تراهما وقد فتحت النافذة لتستنشق نسيم الصباح. # وقال الجندي للبناء: أعرفت اسم الحسناء؟ ~~- نعم، فقد قال لي البواب: إنه سمعهم ينادونها مس ألن. # وعند ذلك حانت التفاتة من الفتاة فرأت الفتى البناء ينظر إليها وارتعشت وجعلت تبتسم ~~له كأنها علمت بأنه سيكون منقذها. # 3 # نعم إن تلك الفتاة كانت مس ألن بعينها، ابنة اللورد بالمير، تلك التي كانت من ألد ~~أعداء الرجل العبوس - أي روكامبول - فأصحبت الآن من أشد الناس إخلاصا له وولاء في ~~حبه. # وإن من قرأ الرواية السابقة - أي قلب المرأة - يذكر من دون شك تلك المكيدة الهائلة، ~~التي نصبتها مس ألن لروكامبول، وهي تحبه وتحسب أنها تكرهه. # حتى إذا ظهر لها بمظاهر اليأس، ورأت أن الجنود أطبقوا عليه من جانب والمياه تدفقت ~~عليه من جانب آخر، ثار في قلبها ذلك الحب الذي كانت تحسبه بغضا، وحاولت أن تقيه بنفسها ~~وتجعل جسمها ترسا له، ولكنها لم تجد أثرا للرحمة في قلب ذلك الأسقف بترس توين رئيس ~~المذهب الإنجليكاني وألد أعداء الأرلنديين. # وقد شعرت الفتاة فجأة، أنها تهوى ذلك الشخص الذي سلمته إلى أعدائه، فابتسم وقال: إنك ~~سلمتني إلى أعدائي، ولكنك ستنقذيني منهم يا مس ألن. # ويذكر القراء، أنه بينما كان الأسقف بترس توين يصدر أوامره إلى الجنود بالقبض على ~~الرجل العبوس، كان العبوس يقول لمس ألن باللغة الفرنسية: «إننا مفترقان أيتها الحبيبة، ~~ولكن فراقنا لا يطول وإني أخرج من السجن متى شئت. # لا تهتمي بي أيتها العزيزة بل بأرلندا التي نخدمها، ولا تسألي أباك شيئا، ولا تهتمي ~~بإخراجي من السجن، بل سافري من لندرا إلى باريس، وابحثي فيها عن شخص يدعى مرميس، وآخر ~~يدعى ميلون، وامرأة تدعى فاندا، وقولي لهم: هلموا معي إلى لندرا بأمر الرئيس يمتثلوا لك ~~ويسرعوا إلى المجيء. # إني أيتها الحبيبة ألقب في لندرا بالرجل العبوس، ولكني أدعى في باريس ~~روكامبول». # ثم مشى روكامبول إلى السجن مع الجنود، يمشي مشية المنتصر لفوزه بقلب تلك الفتاة، ms2151 وقد ~~تركها وهي توشك أن تجن من حزنها، ولكنه بات موقنا أنها باتت رهينة هواه. # وكان أبوها لم يعد بعد من البرلمان. # ولما خرج الأسقف والجنود بروكامبول من المنزل، رأت أنها قد باتت أرلندية، وأنها لم ~~يعد لها اتصال بأبيها. # واغتنمت فرصة غيابه، وجمعت ما كان لديها من الحلي والنقود ووضعتها في حقيبة. # وكان لديها خادمان وخادمة امتازوا في الإخلاص لها على سائر الخدم. وأخذت حقيبتها، ~~وأمرت أولئك الخدم أن يسافروا معها، فلم يبلغ روكامبول سجن نوايت حتى بلغت مس ألن مع ~~خدامها إلى المحطة، وبرحت معهم لندرا. # وفي مساء اليوم الثاني غادرت بولونيا، ووصلت إلى باريس عند انتصاف الليل. # وكانت مس ألن تعرف باريس كما يعرفها كبار أغنياء الإنكليز؛ فإن هذه العاصمة تشوق ~~إليها الشعب الإنكليزي، ولا سيما الأغنياء منهم فلا يوجد بينهم من لا يزورها ولو مرة في ~~العام. # ولم يكن روكامبول قد أرشد مس ألن إلى أماكن عصابته، بل اكتفى بذكر أسمائهم فعلق ~~بذهنها اسم ميلون وفاندا. # ولكن ذلك لم يكن كافيا في تلك العاصمة المتسعة للاسترشاد إليهما، فرأت أنها لا بد من ~~السعي والتعب للبلوغ إليهما. # وكانت حين تجيء مع أبيها إلى باريس تقيم عادة في منزل في شارع لويس الكبير، فذهبت مع ~~خدامها إلى ذلك المنزل نفسه، واستقبلتها صاحبته بملء الترحيب والتكريم، وباتت فيه تلك ~~الليلة. # وقد باتت بليلة الملسوع، فلم يغمض لها جفن، ولم يتمثل لها غير روكامبول وظواهر جلاله ~~وكبريائه، وما عساه يعانيه في ذلك السجن الرهيب، ثم تذكر أنها هي التي كادت له، ورمته ~~في السجن، فتتأوه وتبكي بكاء الأطفال. # وفي صباح اليوم التالي بدأت في البحث، فأخذت الكتاب الذي تنشر فيه أسماء التجار ~~وأصحاب العمال، وجعلت تقلب فيه، وهي تقول في نفسها: إني أبحث عن ميلون، وإذا وجدت ~~عنوانه ذهبت إليه وقلت له: أتعرف الرئيس؟ إنها طريقة بسيطة، ولكنها قد تكون أحسن الطرق ~~إلى نيل المراد. # ثم جعلت تقرأ الأسماء فوجدت كثيرين يدعون بهذا الاسم فكتبت عناوينهم وذهبت إليهم ~~جميعا فلم ms2152 تجد بينهم من يعرف اسم روكامبول. # فعادت في المساء إلى المنزل وقد خطر لها خاطر غريب، لا يتمثل إلا للإنكليز فكتبت هذه ~~الرسالة الآتية وهي: # المسيو ميلون، ومدام فاندا، وكلاهما صديقان للمسيو ر. يرجى منهما أن يسرعا في ~~المجيء إلى شارع لويس الكبير، نمرة 50، والمسألة خطيرة جدا. # وعولت على أن ترسل هذه الرسالة إعلانا إلى جميع الجرائد فلا بد لميلون وفاندا ~~وأصحابهما أن يقرءوا الإعلان فيحضران إليها. # غير أن لنكد طالعها، لم يتسع لها الوقت لإرسال هذا الإعلان؛ لأن جسمها كان قد أضنكه ~~التعب في النهار، ولم تكن قد نامت ليلة أمس، فتعشت مسرعة، وحاولت أن تنام، ثم سمعت ~~الخادم يحادث زائرا باللغة الإنكليزية. # ثم رأت الخادمة دخلت إليها تحمل رقعة زيارة كتب عليها الاسم: # سير جمس وود # أكسفورد ستريت # فهمت أن تجيب الخادمة أنها لا تقبل زيارة من لا تعرفه، ولكن السير جمس دخل في أثر ~~الخادمة قبل أن تجيبها بشيء. # فاصفر محيا مس ألن لهذه الجرأة، وتوقعت مصابا، لا سيما أنها رأت من خلال الباب شخصين ~~أيضا، كانا واقفين في الفسحة، وهي لا تعرفهما. # ولكنها على اضطرابها لم يذهب عنها شيء من عظمتها. # ونظرت إلى السير جمس نظرة ملؤها الكبرياء والإنكار، وقالت له: ماذا تريد أيها الرجل ~~مني؟ وبأي حق تدخل إلى غرفتي دون أن أأذن لك؟ ~~- إني أسألك العفو يا سيدتي، إني شخص شريف لا أغتصب الحقوق، ولم أدخل غرفتك إلا ~~مسلحا بحق الدخول. # فاحمرت عيناها من الغضب وقالت: ماذا تعني؟ ~~- أعني أني أحمل جوازا موقعا عليه من سفير إنكلترا في باريس. ~~- وماذا يفيدني هذا الجواز؟ ~~- ولدي أيضا يا سيدتي أمر من رئيس الشرطة، وأنا من كبار أفراد الشرطة في ~~لندرا. # فتراجعت الفتاة منذعرة مما سمعته وأيقنت بحلول المصيبة. # أما هو فإنه قال لها ببرود: أعلمت يا سيدتي الآن، لماذا تشرفت بالدخول إلى غرفتك؟ إن ~~أباك اللورد، وصديقه الأسقف بترس توين قد أرسلاني. # فصاحت الفتاة صيحة ذعر وسقطت على كرسيها واهية القوى مما أصابها من مفاجأة ~~الاضطراب. ms2153 # 4 # كان السير جمس يناهز الخمسة والأربعين من عمره، وقد وخط الشيب عارضيه، ولكنه كان قوي ~~البنية أحمر المحيا جامد الحركة حسن البزة، يتكلم بملء السكينة لا يتجاوز حدود الاحترام ~~مع محدثيه. # فالتفت إلى الفتاة وقال: أسألك يا سيدتي في البدء أن تعذريني، ثم أرجوك أن تصغي إلي ~~وأن تكوني صبورة فقد قلت لك من أنا، وإني لا أفعل غير ما يدعوني إليه الواجب فلا لوم ~~علي ولا تثريب. # إني يا سيدتي برحت لندرا مزودا بأوامر قانونية لا بد لي من تنفيذها ولا أتجاوز حدود ~~سلطتي في شيء. # فقالت له الفتاة، وقد عادت إليها بعض سكينتها: أرجوك أن توضح لي كل ما تقول. ~~- إني مستعد يا سيدتي للامتثال فسلي ما تشائين. ~~- لقد قلت لي: إنك مزود بتعليمات بشأني؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- من أعطاك تلك التعليمات أو الأوامر؟ ~~- اللورد بالمير والدك النبيل. ~~- وما هي تلك الأوامر؟ ~~- إنها قد تكون شديدة الوقع يا سيدتي، ولكن خطتك وسلوكك يعدلانها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن أباكي قد علم السبب الذي برحت من أجله لندرا وهو يريد أن تعودي إليها، بل ~~إنه يريد أن لا يكون لك أدنى اتصال بأولئك الأشقياء الذين أتيت تبحثين عنهم في ~~باريس. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن الأوامر التي جئت بها تتعلق بهذين الأمرين. ~~- وما هي هذه الأوامر؟ ~~- إني أنفذت قسما منها، فذهبت إلى سفير إنكلترا في باريس وأطلعته على كتاب من أبيك، ~~فساعدني رئيس البوليس، وحصلت منه على أمر بالقبض عليك. # فذعرت مس ألن وتراجعت إلى الوراء قائلة: إذا أنت آت للقبض علي؟ ~~- إن ذلك يتعلق بك يا سيدتي. ~~- كيف يتعلق بي؟ ~~- لأن البرلمان تنتهي جلساته بعد أسبوعين فيتفرق أعضاؤه، ويستطيع أبوك عند ذلك مغادرة ~~لندرا والبحث عن ابنته في باريس. ~~- ومن الآن إلى انتهاء الجلسات ماذا تصنع؟ ~~- أخيرك بين أمرين وهما أن أضعك في أحد المستشفيات الخصوصية أو أن تبقي حرة في هذا ~~المنزل بمراقبتي، فإذا وافقت على الاقتراح الثاني، أضطر إلى إبدال خدمك بغيرهم وأقيم في ~~هذا المنزل مع زميل ms2154 لي بحيث لا تستطيعين الخروج من المنزل، إلا إذا كنت مصحوبة بواحد ~~منا. # ثم ابتسم وقال لها: أرجو أن لا يزعجك هذا الاقتراح؛ فإنك سوف تحمدين صحبتنا وستخرجين ~~كل يوم متنزهة إلى الغابات، وإذا شئت ذهبنا بك إلى الملاعب وإلى كل مكان يحلو لك الذهاب ~~إليه، كأنك حرة مطلقة ولا يعلم أحد من الناس أننا رقيبان عليك، ثم إنك تستطيعين أن ~~تنفقي بملء السعة، فإن أباك اللورد مرسل إليك حوالة على بنك روتشيلد في باريس تقبضين ~~منه كل ما تحتاجين إليه من النفقات. # قالت له بلهجة المتهكم: وإذا رفضت اقتراحك ماذا تصنع؟ ~~- أضطر يا سيدتي مكرها آسفا أن أذهب بك مع زميلي في هذه الليلة نفسها إلى مستشفى ~~خاص حيث تراقبين فيه مراقبة خاصة. # وكان السير جمس يتكلم بلهجة تدل على ثباته، فما شكت أنه يفعل ما قال، ورأت من ~~ملامحه أن إغوائه محال، وأنه لا يخل بالواجب الذي انتدب إليه. # ثم وازنت بين الويلين فرأت أن تختار أخفهما؛ فإنها إذا قامت في المستشفى تكون فيه ~~أسيرة يصعب إفلاتها منه، وأما إذا بقيت في المنزل بمراقبة السير جمس بقي لها رجاء ~~بالتملص بما تهيئه لها الصدفة وذهنها المتوقد. # وعند ذلك تظاهرت أنها تفتكر وتتمعن ثم نظرت إليه وقالت له: حسنا لقد رضيت ~~باقتراحك. # ومنذ ذاك اليوم باتت معيشة مس ألن على ما وصفها الفتى البناء للحارس الجندي، فإن ~~البوليسين باتا لا يفارقانها لحظة في النهار، فإذا أقبل الليل وضع أحدهما سريرا عند ~~باب غرفتها بحيث لا تستطيع الخروج من تلك الغرفة دون إيقاظه. # فكانت مس ألن تجهد الفكرة بإيجاد طريقة للخلاص، وقد ضيق عليها هذان الرقيبان كل ~~التضييق، حتى أطلت يوما من نافذتها وباغتت الفتى البناء وهو ينظر إليها نظرات الوله ~~والهيام، فخطر لها أن تستخدم هذا الفتى في سبيل خلاصها. # وفي اليوم التالي ألقت إليه الرسالة من نافذتها وهي التي سقطت وراء الأخشاب والتقطها ~~البوليس. # أما هذه الرسالة فقد كانت كما يأتي: # لدي مهمة عظيمة أحب أن أعهد إليك ms2155 بها ويكون لك منها نفع عظيم إذا وفيت، فإذا ~~قرأت هذه السطور فارفع نظرك إلى النافذة فإذا كنت راضيا بخدمتي فارفع قبعتك ~~مرتين متواليتين إشارة إلى قبولك وعند ذلك أرسل إليك تعليماتي. # واتفق لنكد طالعها أن السير جمس باغتها بنظره وهي ترمي الرسالة، فأسرع إلى المعمل ~~واستولى عليها قبل أن يتمكن الفتى البناء من معرفة ما فيها. # وفي ذلك اليوم قال لها: إنك إذا عدت يا سيدتي إلى ما فعلته اليوم أضطر إلى نقلك إلى ~~ذلك المستشفى الذي أنذرتك به. # ومنذ تلك الحادثة لم يؤذن لها أن تفتح نافذتها في النهار؛ أي حينما يكون البنائون في ~~المعمل، فإذا اتفق أنها فتحتها تجد أن أحد البوليسين قد أسرع إليها ووقف ~~بجانبها. # وكان من عادة البنائين أنهم يحضرون في الساعة السادسة صباحا وينصرفون في الساعة ~~السابعة مساء فيتولى الحارس الجندي عند انصرافهم حراسة المعمل، فلم يكن السير جمس يرتاب ~~به؛ لأنه رأى أن الفتاة قد ألقت الرسالة إلى الفتى البناء. # ومر على ذلك ثمانية أيام إلى أن أرقت مس ألن ليلة وفتحت نافذتها عند الفجر فرأت ذلك ~~البناء مقيما مع الحارس الجندي في المعمل. # وكان البنائون لم يحضروا بعد إلى المعمل والسير جمس لا يزال نائما لاعتقاده أن مس ~~ألن نائمة في ذلك الحين، ولما رأت مس ألن ذلك الفتى ارتعشت وعاد إليها الرجاء بالنجاة، ~~فأخذت من جيبها وانتزعت منه ورقة وكتبت عليها كتابة بمعنى الرسالة الأولى. # وقد استولى الفتى في هذه المرة على الرسالة، وكان يعرف القراءة، فلما أتم تلاوتها رفع ~~قبعته مرتين متواليتين إشارة إلى القبول ودخلت مس ألن وأقفلت النافذة. # 5 # وقد دخلت وهي مطمئنة لوثوقها أن الفتى البناء يبيت في المعمل ولا يبرحه في المساء كما ~~يفعل سائر البنائون. # أما السير جيمس فإنه استيقظ قبل أن يحضر البنائون، ولكنه لم يشك في شيء. # وفي ذلك اليوم ذهبت كعادتها إلى غابات بولونيا يصحبها الرقيبان ولم تعد إلا وقت ~~العشاء، فدخلت إلى غرفتها لتغيير ثيابها، فاغتنمت هذه الفرصة وكتبت إلى ms2156 الفتى البناء ~~الرسالة الآتية: # ألا تستطيع أن تصل إلي بطريقة من الطرق، فإما أن تأتي إلى غرفتي بسلم أو ~~تصعد إليها من المدخنة، إنك الرجل الوحيد الذي أعرفه في باريس، وأنا أسيرة في ~~المنزل الذي تراني فيه، وإذا كنت تستطيع الوصول إلي فاكتب لي؛ لأني سأعلق في ~~هذه الليلة خيطا رفيعا أربطه بالنافذة وأدليه إلى الأرض فلا ينتبه إليه أحد، ~~اربط بطرفه جوابك، وإني في الختام أعيد عليك ما قلته قبلا وهو أني سأجازيك خير ~~الجزاء. # ولما أتمت كتابة الرسالة طوتها وخبأتها داخل ثياب صدرها. # وكان السير جمس يراقب المعمل كل النهار حتى إذا أقبل الليل وانصرف البنائون زالت ~~شكوكه وانصرف إلى مراقبتها. # أما مس ألن فإنها بعد العشاء قامت إلى البيانو، وجعلت تعزف عليها ألحانا شجية تشف ~~عما داخل فؤادها من الوجد على روكامبول، ولبثت على ذلك إلى الساعة العاشرة. # ثم نام الرقيبان فدخلت إلى غرفتها وأقفلت بابها وأطفأت شمعتها ومشت مشيا خفيفا إلى ~~النافذة ففتحتها بملء الاحتراس والسكينة، فلم يسمع لها صوت. # وأطلت منها فرأت رجلين يصطليان قرب النار ويتكلمان بأصوات منخفضة وعلمت أنهما الجندي ~~والبناء. # وكانت الليلة مقمرة فلما رأى البناء أن النافذة قد فتحت وبرز منها وجه الإنكليزية ~~خفق قلبه وهب مسرعا فوقف تحت النافذة. # وعند ذلك ألقت إليه الرسالة وتوارت عن الأنظار. # وأخذ البناء الرسالة وعاد بها إلى حيث كان الجندي وأطلعه عليها، فعجب الجندي لأمرها ~~وقال: من عسى أن يكون قد أسرها في هذا المنزل، إلا إذا كان زوجها الغيور؟ # أما الفتى فإنه أخذ قلمه الرصاصي الذي يرسم به الخطوط على الحجارة حين يقسمها، وبحث ~~عن ورقة فلم يجدها فالتقط من الأرض قطعة من الآجر الأحمر وكتب عليها بقلمه الغليظ ما يأتي: # يوجد في ورشة البناء سلم طويل يصل إلى نافذة غرفتك، وإذا كنت تصبرين ستة أيام ~~وصلت إليك وأنقذتك من الأسر إذا كنت ترغبين. # ثم أخذ قطعة الآجر وعاد بها إلى تحت النافذة. # وكانت واقفة وراء الزجاج فرأته يكتب على قطعة الآجر، فأدلت ms2157 إليه خيطا دقيقا متينا ~~من الحرير، فربط به تلك الآجرة فجذبتها إليها. # وبعد دقيقتين أرجعتها وكتبت تحتها هذه الكلمة: «سأنتظر.» # وقد أجهدت مس ألن فكرها كي تعلم الطريقة التي يحاول إنقاذها بها فلم تعلم، ولكنها ~~كانت واثقة بهذا الفتى. # وفي اليوم التالي كانت جالسة وحدها على المائدة مع السير جمس فقالت له: متى يأتي أبي ~~فيما تظن؟ ~~- لقد وردني اليوم كتاب منه يقول فيه: إنه سيكون في باريس بعد ثلاثة عشر ~~يوما. ~~- إني معجبة لأمر وهو أنه لماذا لم يعهد إليك إرجاعي إلى لندرا بدلا من الحضور ~~بنفسه ليعود بي إليها. # فابتسم وقال: لأنه لا نية له أن يعود بك إلى إنكلترا. ~~- أحق ما تقول. ~~- كل الحق يا سيدتي، فإنه لا يريد أن يجمعك بالأرلنديين في بلاد الإنكليز. ~~- إلى أين يريد أن يذهب بي؟ ~~- أظن أنه سيقيم معك فصل الشتاء في إيطاليا. ~~- حسنا لقد علمت. # وانقطعت بعد ذلك عن محادثته. # وتوالت الأيام وهي تعدها بالدقائق والساعات، فكانت تلك السجينة المنكودة الحظ تنظر من ~~حين إلى حين إلى ورشة البناء، فترى المنزل الجديد آخذا بالارتفاع، وإنهم يسرعون في ~~بنائه سرعة عظيمة حتى إنهم بلغوا في اليوم الرابع إلى الدور الثاني على مساواة ~~غرفتها. # وفي اليوم السادس فتحت نافذتها في ليلة مظلمة ورأت الفتى البناء واقفا تحت الغرفة ~~وبيده قطعة من الآجر وعلمت أنه يود أن يراسلها وأدلت له الخيط، وربط بها القطعة ورفعتها ~~إليها. # وكان الفتى قد كتب عليها هذه الجملة: «غدا أكون في غرفتك عند انتصاف الليل.» # ولما قرأتها ألقتها من النافذة وعادت إلى فراشها فلم تنم تلك الليلة لشدة هواجسها، ~~ولكنها أخفت اضطرابها أمام السير جيمس فلم يشك في شيء. # وفي المساء دخلت إلى مضجعها وتظاهرت بالنوم، وكان السير جمس قد وكل حراستها إلى رفيقه ~~وخرج لبعض الشئون وعاد في الساعة الحادية عشرة، فأطلق سراح رفيقه ووضع سريره عند باب ~~غرفة الأسيرة. # ولم يكن يدخل إلى غرفتها على الإطلاق، لكنه كان قد ثقب في باب غرفتها ثقبا ضيقا ~~يراقبها ms2158 منه في الليل فنظر من الثقب ورأى أنها نائمة في فراشها فاطمأن خاطره وصعد إلى ~~سريره فنام. # ولما انتصف الليل قامت إلى النافذة ففتحتها، وكان القمر يتلألأ في السماء، فأطلت منها ~~ورأت الفتى البناء واقفا في شرفة دور المنزل الجديد الثالث ومعه الحارس الجندي. # ولما رأياها قد فتحت النافذة أخذ الاثنان لوحا كبيرا من الخشب وجعلا يتعاونان على ~~جره إلى نافذتها وهي مقابلة للشرفة التي كان فيها. # فبدأت تفهم حيلة هذا الفتى لا سيما حين بلغ طرف اللوح إلى نافذتها واستقر عليها بينما ~~كان طرفه الآخر مستقرا على الشرفة. # وعند ذلك أغمضت عينيها من الخوف، فإنها رأت ذلك الفتى الباسل قد ركب فوق هذا اللوح ~~الخشبي الذي لا يبلغ عرضه قدما، يزحف فوقه إلى نافذتها، معرضا نفسه لأعظم الأخطار ~~بالسقوط من ذلك العلو الشاهق. # 6 # غير أن الفتى كان قد ألف هذه المخاطر وتمرس عليها منذ الحداثة، فلم يكترث لها ولو وقف ~~سواه هذا الموقف لأصيب بالدوار لعلو هذا الجسر الهوائي الذي كان يسير عليه. # وما زال يزحف متباطئا منحدرا إلى أن بلغ النافذة، وكانت قد فتحت روافدها فاستقبلته ~~وأعانته على الدخول إلى غرفتها وقد قالت له همسا: احذر أن ترفع صوتك أو تذهب مساعينا ~~أدراج الرياح. # وكانت قد أطفأت نور الغرفة غير أن أشعة القمر كانت ساطعة تنفد إليها وتضيئها، ويرى ~~الفتى وجه الفتاة تسطع عليه تلك الأشعة وتزيده بهاء على بهاء. # وكأنما قد عقد لسانه فلم ينبس بكلمة، بل إنه حسب نفسه حالما لحظوته بهذا اللقاء على ~~ما كان بينهما من تباين المقام، فإنه كان يرى نفسه بناء حقيرا، وينظر إلى ملابسه، ~~فيجدها رثة بالية، وإلى يديه فيراهما ضخمتين محجرتين. # ثم يقارن بين حالته وحالتها فيجد أنها ابنة لورد، وينظر إلى ملابسها فيجدها ترفل ~~بالدمقس والحرير، وإلى يديها الناعمتين المترفتين ويخشى أن يدميهما باللمس، ثم يسمع ~~فمها الجميل يهمس في أذنه بأرق صوت كلاما يدل على الثقة، فيعلم أنها قد اعتمدت عليه ~~وشاركته في أمرها ورفعته من حضيضه ms2159 إلى أوجها، فيحسب نفسه من الحالمين. # أما مس ألن فإنها كانت تعلم دون شك موضع ذلك الثقب الذي ثقبه السير جيمس في باب ~~غرفتها لمراقبتها، وأخذت بيد الفتى وسارت به إلى مكان من الغرفة لا ينفذ إليه الثقب، ~~ولا تراهما عين الرقيب، فأدنت فمها من أذنه حتى لمستها وقالت هامسة: إني لا أعرفك ولكن ~~ثقتي بك شديدة. # فتكهرب ذلك الفتى المنكود وقال لها: أنا أيضا لا أعرفك يا سيدتي. ~~- تريد أنك مخلص لي؟ ~~- بل إني أسفك دمي من أجلك. # فابتسمت له وقالت: وأنا أرجو أن لا تراق نقطة من دمك في سبيلي، وأؤمل أن تتمكن من ~~خدمتي فيما أريد. ~~- مري يا سيدتي أفعل. ~~- لا سبيل الآن إلى الإسهاب؛ فإن الوقت ضيق وأنا أخبرك بملء الإيجاز عن حالتي، فإني ~~ابنة لورد إنكليزي هربت من منزل أبي لقضاء مهمة أعتبرها خطيرة. # فنظر إليها نظرة إعجاب وقال: لو لم تكن مقدسة لما غادرت منزل أبيك! # وعادت إلى حديثها وقالت: إني أتيت إلى باريس للبحث عن رجل لا أعرفه ولا أعرف منزله، ~~ولا بد لي من إيجاده؛ فإنه يدعي ميلون. # ودهش الفتى وقال: ميلون؟ ~~- نعم، ألعلك تعرف من يدعى بهذا الاسم؟ ~~- إن مقاول المنزل الذي نبنيه يدعى يا سيدتي ميلون. ~~- رباه أيمكن أن يكون هو؟ ~~- من هو يا سيدتي ألعله الرجل الذي تبحثين عنه؟ ~~- قلت لك: إني لم أعرفه ولم أره. ~~- ألا تعلمين إذا كان من الكهولة أو الفتيان؟ ~~- كلا. ~~- إن المقاول الذي أعنيه ضخم الجثة أبيض الشعر مشهور بكرم الأخلاق وطهارة ~~القلب. ~~- إن كل ما أستطيع أن أقصه عن الرجل هو أنه يجب أن يكون عارفا لامرأة تدعى فاندا ~~ورجل يدعى روكامبول. ~~- إن ذلك يكفي وسأذهب في الصباح إلى ميلون فأقول له: أتعرف رجلا يدعى روكامبول ~~وامرأة تدعى فاندا، وإذا أجاب بالإيجاب كان هو الشخص الذي تبحثين عنه وأخبرك في الليلة ~~القادمة. ~~- حسنا، ولكني أحب أن أخرج من هذا المنزل، أتجد طريقة لإخراجي منه؟ ~~- إن الطريقة سهلة ميسورة ولكن يجب أن أعود إلى ms2160 المكان الذي أتيت منه. ~~- لماذا؟ ~~- كي أضع لوحا من الخشب أعرض وأثخن من هذا. ~~- إني أجد هذا اللوح كافيا وأنا جريئة لا أخشى السقوط. ~~- ولكن هذا اللوح رقيق لا يحتمل اثنين. # وتمعنت هنيهة وقالت: أرى أن الأفضل إرجاء ذلك إلى الليلة القادمة وأن ترى ميلون الذي ~~أخبرتني عنه. ~~- سأراه في الغد. ~~- ثم تبحث لي عن غرفة خارج باريس وتحضر لي ثياب بسيطة مما يلبسه النساء الفقيرات، وخذ ~~ما تحتاج إليه من النفقة. # ثم دفعت إليه كيسا محشوا بالذهب فقال لها: سأنفذ أمرك يا سيدتي بالتدقيق فاستعدي ~~غدا في مثل هذه الساعة لأني سأمد لوحين مزدوجين من الخشب الثخين العريض فتسيرين عليهما ~~دون خطر. ~~- إنك رجل طيب القلب وستنال خير الجزاء عن إخلاصك. # ثم مدت إليه يدها فقبلها بملء الاحترام وخرج من النافذة إلى اللوح وعاد عليه إلى شرفة ~~المنزل الجديد، وسحب اللوح وركعت مس ألن عند ذلك وشكرت الله لإرساله إليها من ~~ينقذها. # ولما فرغت من صلاتها دنت من باب غرفتها وأنصتت ولم تسمع من السير جمس ما يدل على ~~الرقاد، واضطربت ولكنها كانت تحادث الفتى بحيث يصعب أن يسمع الشرطي ذلك الحديث. # على أنها باتت تلك الليلة عرضة للقلق، ولم تطمئن إلا في صباح اليوم التالي حين رأت ~~السير جمس؛ فإنها رأت السكينة بادية عليه فقال لها: أرجوك يا سيدتي أن تصبري على عشرتي، ~~فإنك لا تتحملني على مضضها غير اثني عشر يوما. # وقالت مس ألن في نفسها: بل ربما نجوت منك الليلة، ثم انصرفت إلى التفكير بذلك الفتى ~~البناء. # 7 # أما الفتى البناء، فإنه حين وصل إلى شرفة المنزل كان الحارس الجندي ينتظره، وتعاون ~~على إرجاع اللوح إلى مكانه، وقص الفتى على الحارس جميع ما جرى له مع مس ألن. # وقال له الجندي بعد أن فرغ من حديثه: ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- إن الأمر بسيط، لقد عزمت على أن أرى المسيو ميلون. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أسأله إذا كان يعرف رجلا يدعى روكامبول. ~~- إني لا أوافقك على رأيك. ~~- لماذا؟ ~~- لأني ms2161 رجل مجرب، وأنت لا تزال في مقتبل العمر وقد قلت لك: إن التسرع غير محمود في ~~هذه الأمور. ~~- أرجوك الإيضاح أيها الرفيق فإني لم أفهم شيئا مما تقول. # فقال له الجندي: افترض يا بني أن المسيو ميلون، مقاول هذا البناء لا يعرف روكامبول، ~~وليس هو ذلك الشخص الذي تبحث عنه الإنكليزية، أليس ذلك ممكنا؟ ~~- كل الإمكان. ~~- وإذا سألته هذا السؤال فهو سيسألك عن السبب وأنت تخبره بالحقيقة. ~~- دون شك. ~~- وأن ميلون قد تجاوز عهد الشباب وخطا إلى الكهولة فهو لا يكترث بأمور الغرام، ولا ~~ينظر إلا إلى مصلحته الخاصة أفهمت الآن؟ ~~- كلا أيها الرفيق. ~~- إذا فاعلم أن المسيو ميلون هو رئيسك، وأنه لا ينظر في جميع ما تقوله إلا إلى أمر ~~واحد. ~~- ما هو؟ ~~- هو أنك تتغاضى عن عملك وتصرف نهارك بالغرام وليلك بتسلق البيوت المأهولة، وأن ~~الشرطة قد تعلم بأمرك، وأن صاحب المنزل المأهول قد يشكو أمره إلى الحكومة ويكون كل ذلك ~~بسببك. # وتنهد الفتى وقال: إنك مصيب فيما تقول؛ لأن كل ذلك قد يحدث. ~~- وتكون النتيجة أنه يطردك من المعمل، ولا تعود قادرا على إنقاذ الإنكليزية. # وانقبضت نفس الفتى لهذه الحقيقة الظاهرة وسأله: ماذا كنت تصنع لو كنت في ~~مكاني؟ ~~- كنت أكتم الأمر عن المسيو ميلون وأهتم بإيجاد غرفة للفتاة، وما طلبته من الثياب، ~~وعندما يقبل الظلام نمد لوحين من الخشب وتنقذها، حتى إذا صارت خارج المنزل وأمن عليها ~~الرقباء تذهب إلى ميلون وتسأله إذا كان يعرف روكامبول؛ إذ لا تبالي بعد ذلك بما يكون ~~منه؛ لأن الفتاة تغنيك عن العمل بعد إنقاذها. ~~- لقد أصبت وسأعمل برأيك. # ثم ذهب الاثنان إلى غرفة كانا قد أوقدا فيها النار فناما، ولما أشرق الصباح قال ~~الجندي: لقد خطر لي خاطر وهو أن لي أختا غسالة تقيم في شارع مقفر وهي تحبني حبا ~~شديدا، فإذا سألتها أن تقيم الإنكليزية عندها لا تمانع. # وشكره الفتى شكرا خالصا. # ومضى ذلك النهار والبناء يترقب زوال الشمس بفارغ الصبر وهو لا يجسر أن يرفع عينيه إلى ms2162 ~~النافذة حذرا من أن يعلم رفاقه شيئا من قصده أو ينتبه إليه الذين يترقبون ~~الفتاة. # ولكنه وجد لوحين قويين يفيدانه لتنفيذ مأربه فنقلهما إلى الدور الثالث. # ولما أقبل الليل انصرف العمال وجاء الحارس وهو يحمل صرة تحت إبطه وخلا بالفتى وقال ~~له: لقد رأيت أختي وهي تنتظرك الليلة مع الإنكليزية، وقد أعطتني هذه الصرة من الثياب ~~لتلبسها الفتاة حين فرارها. # وأوقدا نارا وأقاما حولها ينتظران انتصاف الليل. # وكانت تلك الليلة حالكة الظلام فقد تلبدت فيها الغيوم وحجبت نور القمر، وكان الحارس ~~يظهر سروره بهذا الظلام؛ لأنه أستر للفرار. # وبعد أن مر قسم طويل من الليل رأيا نورا في غرفة مس ألن فقال الفتى البناء للحارس: ~~إني لا أبرح مكاني ما زال النور في الغرفة. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه يدل على أنها ليست وحدها في الغرفة فمتى انطفأ وضعنا الألواح بين الشرفة ~~والنافذة. # وقبل أن يتم حديثه انطفأ المصباح وفتحت النافذة، فتعاون الاثنان على مد اللوحين حتى ~~إذا فرغا ركب الفتى البناء الجسر الهوائي وجعل يزحف فوقه إلى غرفة الفتاة. # ولم يكد يبلغ نصف الطريق حتى رأى أن روافد النافذة قد فتحت بعنف وبرز منها وجه إنسان، ~~لكنه لم يكن وجه مس ألن بل وجه رجل، فأخذ الرجل طرف اللوح المتصل بالنافذة ورفعه بقوه ~~وألقاه في الفضاء، وسقط الفتى يهوي إلى الأرض من ذلك العلو الشاهق، وسمع الحارس الجندي ~~صيحة هائلة خرجت من صدر ذلك الفتى المنكود الحظ. # 8 # إن من يقيم في باريس منذ عهد غير بعيد يرى الجهة اليسرى من الشانزليزه قد تغيرت ~~تغيرا عظيما في العامين الآخرين، فإن قرية شاليوت القديمة قد اختفت بجملتها، وقصر ~~دوقة دي إلب وبستانه، وهو عدة أفدنة قد استحال إلى أراض مخصصة للبناء بحيث لا يمر زمن ~~وجيز حتى تشاد مكان هذه الأراضي مدينة جديدة. # وقد دعي الشارع الجديد شارع مورتي، ولم يكن فيه غير أراض معدة للبيع، وبعض أبنية ~~جديدة متفرقة فيه. # وكان الشارع يقفر ليلا ولا تمر فيه مركبة، في حين أنه كان ms2163 على قيد خطوتين من ~~الشانزليزه، ولم يكن أحد يجسر على المرور فيه في الليل خوفا من اللصوص. # على أنه في تلك الليلة، وفي نفس الساعة التي هوى فيها ذلك الفتى المنكود من نافذة مس ~~ألن إلى الأرض كانت مركبة جميلة تسير في ذاك الشارع يجرها فرسان كريمان، ولما بلغت إلى ~~آخره قرب الشانزليزه وقفت ففتح شاب، كان فيها بابها ونزل منها. # وكان الشاب متشحا برداء لا تنفذ إليه الأمطار ووضع قبعة على رأسه اتقاء للمطر وأشعل ~~سيكارا وقال للسائق: عد إلى المنزل. ~~- ألا تريد أن أنتظرك يا سيدي؟ ~~- كلا. # ورجع السائق وكان يلتفت مرارا عله يعلم أين يذهب سيده ماشيا على الأقدام في مثل هذه ~~الساعة. # وكأنما الشاب قد أدرك قصد السائق ولبث واقفا في مكانه حتى توارت المركبة عن الأنظار، ~~وسار مسرعا حتى بلغ التركيدارو فاجتاز منه شارع فرنسوا الأول، وهو مقفر أيضا، ووقف في ~~مكان منه وقد سمع وراءه صوت رجلين يتكلمان بصوت منخفض. # ودخل بين الأدغال ووقف يسمع ما يتحدث به الرجلان حتى إذا دنوا منه رأى أن أحدهم ضخم ~~الجثة عالي القامة وقال في نفسه: لا بد أن يكون هذا ميلون. # ثم سمع حديثهما وكان أحدهما يقول للآخر: إذا لا يجب أن أحضر إليك الليلة؟ ~~- كلا، مهما دعت الحال إلا إذا عاد الإنكليزي الذي جاء في مساء أمس. ~~- أأنت ذاهب إلى نفس المكان الذي تذهب عادة إليه؟ ~~- نعم، فعد الآن إلى المنزل فلم يبق حاجة إليك. # وعاد الرجل الصغير من حيث أتى واستمر الرجل الضخم في سيره. # وعند ذلك خرج الفتى من الأدغال ودنا من الرجل الضخم، والتفت إليه الرجل وقال له: من ~~أنت؟ # فأجابه الفتى: أهذا أنت يا ميلون؟ # وسر ميلون وقد عرف الفتى من صوته وقال: أرجوك المعذرة يا مرميس فما عرفتك إلا من صوتك ~~لشدة الظلام. # فأخذ تلميذ روكامبول بيد ميلون ذلك الخادم المخلص الأمين لرئيسه وسار وإياه، فقال ~~ميلون: أرأيت يا مرميس حرصي على الحضور في ميعاد جلستنا الشهرية؟ ~~- وأنا كذلك حريص ms2164 مثل هذا الحرص. ~~- إني واثق بأن جميع العصابة يحضرون. ~~- ما خلا فاندا. # فذهل ميلون وقال: لماذا؟ ~~- إني أرسلتها إلى إنكلترا باحثة عن روكامبول وعسى تجده. # فهز ميلون رأسه وقال بصوت يتهدج: إني أخشى أن يكون الرئيس أصيب بمكروه. ~~- إنك كنت تخاف هذا الخوف وتقول نفس القول منذ أربعة أعوام حين كان الرئيس في ~~الهند. ~~- لا أنكر أني كنت أقول هذا القول. ~~- ولكنك لا تنكر أن الرئيس قد عاد. ~~- هو الحق أيضا غير أن المثل المأثور: «ما كل مرة تسلم الجرة.» # فأظهر مرميس نفورا من ميلون وقال له: إنك نسيت واجب الاحترام للرئيس يا ميلون، أيجمل ~~بك أن تشبه الرئيس بالجرة؟ ~~- اعذرني أيها الصديق، فأنت تعلم أني ساذج الفطرة سمج الألفاظ ولا تجهل مقدار احترامي ~~للرئيس، ولكنه مثل ما جرى على لساني فنطقت به وأنا لا أريد غير معناه. ~~- لا بأس، ولكنك نسيت أن هذا الرئيس القوي المحبوب يعبث بالموت ويستقبله باسم ~~الثغر. ~~- ولكن قد مضى عهد طويل يزيد عن نصف عام دون أن نقف على شيء من أخباره. ~~- إن لندرا غير بعيدة عن باريس، فإذا كان الرئيس لم يوقفنا على أثر أخباره فقد يكون ~~بذلك له مأرب خفي، غير أني سمعت الرجل الذي فارقك الآن يحدثك عن رجل إنكليزي فمن هو هذا ~~الرجل؟ ~~- نعم سأخبرك عنه متى وصلنا إلى محل الاجتماع. # ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى أرض مسورة بالأدغال، ففتحا بينهما ممرا ودخلا. # وقال ميلون: أظن أننا أول القادمين. ~~- أخبرني الآن من هو هذا الإنكليزي. # 9 # وأعاد ميلون مدخل الأدغال إلى ما كان عليه وسار مع مرميس جنبا إلى جنب في تلك ~~الأرض. # وقال له: لقد جاءني منذ ثمانية أيام رجل إنكليزي. # ولم يكن الرجل من النبلاء أو الأغنياء، بل كان رجلا تدل ملابسه الرثة على فقره ~~المدقع، فحسبته لأول وهلة متسولا وهممت أن أحسن إليه فمنعني عن ذلك بقوله: إني ما أتيت ~~يا سيدي لمثل ذاك. # ثم قص علي قصة طويلة مفادها أنهم سرقوه وهو قادم من لندرا ms2165 إلى باريس ، وكان مما سرق ~~منه كتاب خطير، وهو يتضمن حوالة مالية على رجل يدعى ميلون أعطاه إياه رجل يدعى الرجل ~~العبوس، أتعرف أحد يدعى بهذا الاسم؟ ~~- كلا. ~~- وأنا أيضا، ولكن خطر لي بعد ذهاب ذاك الإنكليزي أن الرجل العبوس قد يكون ~~الرئيس. ~~- ما الذي أوحى إليك ذاك الخاطر؟ ~~- إن الإنكليزي أخبرني، حين سألته عن الرجل العبوس، أنه فرنسي وأنه يعمل على استقلال ~~أرلندرا، وأنه رجل قوي قادر لا يقدم على أمر إلا يكون به من الفائزين، ومثل تلك الصفات ~~تنطبق على روكامبول كل الانطباق. # فظهرت على محيا مرميس علائم التفكير وقال: أتم حديثك. ~~- ويظن الإنكليزي أن الرجل العبوس الذي أعطاه كتاب الحوالة، قد وقع عليه بغير ذاك ~~الاسم، ولكنه أعطاه إياه مختوما، فلم يذكر غير عنوانه وهو اسم ميلون وذهب إلى جميع ~~الذين يدعون بهذا الاسم فكانوا يطردونه لظواهر فقره. # ولقد أخطأت أنا أيضا نفس الخطأ، فقد حسبته متشردا محتالا، وكان ذلك اليوم الذي ~~جاءني فيه يوم سبت؛ أي يوم محاسبة العمال، فأعطيته عشرة فرنكات وقلت له: ليس لي وقت ~~لمقابلتك الآن، اذهب وعد إلي في غير هذا اليوم. ~~- ألعله عاد؟ # فتنهد ميلون وقال: كلا، ولكني أمرت خادمتي ووكيلي وكل من يقيم في منزلي أن يحتفظوا ~~بالرجل إذا عاد، وأن يسرعوا إلى إخباري في أي مكان كنت فيه. ~~- أحتى في المكان الذي نحن ذاهبان إليه؟ ~~- نعم. ~~- لقد أحسنت بهذا الاحتياط، وإن قلبي يحدثني بأن الرجل قادم من عند الرئيس. # فتنهد ميلون أيضا وقال: ولكن إذا لم يعد فماذا تصنع؟ ~~- نبحث عنه. ~~- إن باريس واسعة ولا يكون مثلنا في البحث عنه إلا مثل الباحث عن إبرة بين أكداس ~~الحشيش. ~~- لقد أخطأت؛ لأن الإنكليز قليلون بيننا، ولا سيما الفقراء منهم. # وسار الاثنان في تلك الأرض المعدة للبناء، بين أنقاض المنازل المتهدمة وأدوات المنازل ~~الجديدة، حتى انتهوا إلى محل يشبه البئر، وقد غطى فمه بالأدغال والشوك. # فأزاح ميلون تلك الأدغال، فانكشفت عن قبو متسع فدخل مرميس وتبعه ميلون. # وقال ميلون: إننا أول ms2166 القادمين فلم يحضر أحد بعد. ~~- لا بأس إننا ننتظر. # فأخذ ميلون شمعة من جيبه وكبريتا وأنارها، فظهر في القبو سلم داخل في جوف ~~الأرض. # ونزل فيه وتبعه مرميس، حتى إذ نزلا ثلاثين درجة باتا في دهليز وظهر لهما نور ~~بعيد. # وقال ميلون: يظهر أني كنت مخطئا، فمن عسى يكون قد تقدمنا من أفراد العصابة؟ ~~- أظنه مورت إن منزله قريب من القبو. # فأطفأ ميلون الشمعة، وسار مع مرميس مسترشدين بذلك النور الذي كان ينبعث من ثقب قفل - ~~كما يظهر - حتى وصلا إلى منبعث النور وهناك باب مقفل. # وطرقاه ثلاث مرات متوالية ففتح لهما ودخلا فوجدا رجلا ضخم الجثة وقد بيضت شعره ~~الأيام. # 10 # كان هذا الرجل الذي فتح باب القبو جواني الجزار، وهو ذلك الرجل الذي تقدم لنا وصفه في ~~الروايات السابقة، حين كان جلاد في سجن طولون، فأنقذه روكامبول من السجن، وأتى به إلى ~~باريس وضمه إلى أفراد عصابته. # وكان أول القادمين إلى ذلك المجتمع السري في تلك المغارة التي كانت باقية من آثار ~~الأبنية الأولى. # ولا بد لنا أن نذكر السبب في اجتماع العصابة في ذاك المكان مرة في كل شهر فنقول: يذكر ~~القراء أنه حين عاد روكامبول من الهند سار بجميع رجاله إلى لندرا فلما استرد تلك ~~الأموال التي اختلسها الماجور من ابن الرجاه لبث رجاله ينتظرونه في الباخرة، فلم يعد، ~~ولكنه أرسل إليهم كتابا قال فيه: عودوا إلى فرنسا وسأتبعكم. # فمر على تلك الحادثة عام ولم يعد روكامبول. # وكان جميع أفراد عصابته وكل من أخلص له، يجتمعون مرة في كل شهر برئاسة مرميس أو ميلون ~~في خمارة أو في قهوة، وكل منهم يرجو أن يعلم نبأ جديدا عن روكامبول حتى إن بعضهم ~~سافروا مستطلعين مستكشفين فلم يقفوا على أثره. # ثم إن رجال روكامبول لم يكونوا من أولئك البؤساء والتعساء الذين يشغلهم الفقر عن ~~الاهتمام بغير شئونهم، فإن روكامبول كان قد أتم إحسانه إليهم، وإنه لم يقتصر على تطهير ~~قلوبهم من وصمة الشر والآثام وجعلهم من أهل الخير ms2167 والصلاح، بل إنه التمس لهم عفو ~~الحكومة بواسطة الكونتس أرتوف؛ أي باكارا، والكونت أرمان دي كركاز، وجعل لكل منهم مهمة ~~يرتزق منها وينفق ما يزيد عنه على التعساء. # وقد أنشأ لجواني الجزار مجزرا، يبيع فيه المواشي واللحوم في شارع باسي، فكان الناس ~~يحترمون هذا الرجل لما رأوه من ظواهر صلاحه. # وجعل ميلون مقاول أبنية ومنازل، فإنه كان بناء قبل أن يعرفه، وعين له رأسمالا عظيما ~~من أموال مرميس التي اتصلت إليه من جيبسي النورية فانتظمت أعماله واتسع نطاق أشغاله حتى ~~بلغ عدد العمال في معامله ألف وخمسمائة عامل وبات من أهل الثروة واليسار. # وافتتح من أموال مرميس أيضا مخزنا كبيرا لبيع الأخشاب عهد به إلى مورت فإنه كان في ~~بدء عهده نجارا. # وعلى الجملة فإنه أشغل كل واحد من رجال عصابته بالمهنة التي يعرفها، فحسنت أحوالهم ~~وعظم في نفوسهم ذاك الرجل الذي كان في بدء أمره لصا مثلهم فتاب وبات من أفضل أهل ~~الخير والصلاح. # على أن منظر تلك العصابة حين اجتماعها في تلك المغارة السرية، كان من أغرب المناظر، ~~فإن كلا منهم كان يأتي بالملابس التي يلبسها حين شغله، فيحتك ثوب فاندا الحريري بثياب ~~النجار الزرقاء، وفروة ميلون الطويلة برداء مورت القصير، وتلتقي رائحة مرميس العطرية ~~وملابسه الناعمة بثياب الجزار الخشنة وما تلطخ فوقها من لطخ الدهن وروائح ~~اللحوم. # ثم إن اجتماعهم أشغل أفكار البوليس، فإنهم كانوا مرة مجتمعين في خمارة فارتاب أحد ~~رجال البوليس في أمرهم وكتب عنهم تقريرا إلى مأمور القسم في ذلك الشارع. # وكان المأمور يعرف ميلون فدعاه إليه وسأله عن أسباب هذا الاجتماع فأجابه: إننا أصدقاء ~~قدماء نأدب مأدبة في كل شهر تجمع عقدنا، وتجدد عقد صداقتنا. # فاكتفى المأمور بهذا الجواب غير أن ميلون رأى أن الحرص أفضل فقال لمرميس: إني أكره ~~مداخلة البوليس في شئوننا، وسأدلك على محل نجتمع فيه في الشهر القادم فلا يهتدي إليه ~~البوليس. # ولذلك اختار تلك المغارة القديمة في ذلك الشارع المقفر وأرشد إليه جميع العصابة، ~~فكانوا يجتمعون فيها كل ms2168 شهر آمنين مراقبة العيون. # وقد تقدم لنا القول أن جواني كان أول القادمين، ثم تلاه مرميس وميلون، ووصل بعدهما ~~مورت وعشرة غيرهم. # وكان كل منهم ينظر إلى الرفاق نظرة تدل على الكآبة؛ لأنه لم يكن بينهم من عرف شيئا ~~عن روكامبول. # فلما انتظم عقدهم قال مرميس: هل أتى الجميع؟ # قال ميلون: نعم ما خلا فاندا. # قال مرميس: لقد قلت لك: إنها ذهبت إلى لندرا، وربما لا تتمكن من حضور مجتمعنا ~~هذا. # وقبل أن يتم حديثه فتح الباب فجأة فصاحوا جميعهم صيحة فرح إذ رأوا فاندا واقفة على ~~عتبة الباب. # وكانت لا تزال بثياب السفر وهي متشحة برداء مبطن بالفرو فقالت: إني أتيت من لندرا ~~أحمل إليكم أخبارا عن روكامبول. # فصاحوا جميعهم صيحة ارتجت لها جوانب المغارة وقالوا: ليحيا روكامبول ليحيا ~~الرئيس. # فلما انتهوا من صياحهم قالت فاندا: إني لا أعلم وا أسفاه أين هو، ولكني أؤكد لكم أنه ~~لا يزال حيا. # قال مرميس: إذا ألم تريه؟ ~~- كلا، ولكني اتبعت آثاره إلى عهد أسبوعين، وبعد ذلك اختفت عني تلك الآثار. # فقال ميلون: وا أسفاه إن ذلك يدل على أنه أصيب بمكروه. ~~- كلا؛ لأني حين فقدت أثره كان منتصرا على أعدائه. # وقال مرميس: من هم أعداؤه. ~~- إن أعداء روكامبول الآن هم أولئك الذين يضطهدون الأرلنديين، والكنيسة الكاثوليكية؛ ~~أي: الشعب الإنكليزي، وقد ترأس روكامبول الأرلنديين في لندرا وهم يدعونه الرجل ~~العبوس. # فصاح ميلون مندهشا: أتقولين إنهم يدعونه الرجل العبوس؟ ~~- نعم. ~~- لقد ثبت الآن أن ذاك الإنكليزي المنكود الحظ كان قادما إلي من عند ~~الرئيس. # وقد ظهرت على ميلون علائم اليأس بعد هذا القول. # وقال مرميس لفاندا: أخبرينا الآن من أين أنت آتية؟ وماذا عرفت عن روكامبول؟ # 11 # وكانت فاندا قد عادت تلك الليلة نفسها من لندرا، فلم تذهب إلى منزلها الفخم في شارع ~~مارينيان، بل أتت توا من المحطة إلى مجتمع العصابة، وهي لا تزال بثياب السفر، فأوقفت ~~مركبتها في شارع مورلي وأتت سيرا إلى المغارة. # وكان السكوت سائدا بين أفراد العصابة، وكلهم ms2169 ينتظرون بملء الجزع ما سترويه لهم فاندا ~~عن روكامبول. # فجلست فاندا قرب مرميس وقالت: إننا حين برحنا لندرا بأمر الشرطة، كان روكامبول ~~مسجونا فيها، ولكنه خرج من السجن في اليوم التالي بضمانة. # ثم اختفى من لندرا عدة أيام، فتعذر على رجال الشرطة الإنكليزية إيجاد آثاره. # فقال لها ميلون: وأنت أوجدت آثاره؟ ~~- نعم. ~~- أفي لندرا؟ ~~- في لندرا نفسها، فقد بدأت في التنقل من فندق إلى فندق، وأقمت في جميع الفنادق ~~الفرنسية مدة ثمانية أيام، ولكن هذه المساعي لم تسفر عن الفوز، فقلت في نفسي: إني لا ~~يمكن أن أجده في مثل هذه الفنادق فلأبحث عنه في غير تلك الأمكنة. # ثم ذهبت إلى شارع الأحواض فما أقمت في فندق، بل استأجرت غرفة في منزل حقير وتنكرت ~~بثياب العوام. # وأنا أعرف اللغة الإنكليزية كأبنائها، فجعلت في النهار أتجول في الشوارع والأزقة، وفي ~~الليل أدخل الحانات والمنتديات العمومية، فلم يفدني كل ذلك في شيء. # وكانت غرفتي في ذلك المنزل الذي كنت فيه في الدور الثاني، وكان يقيم في غرفتي عائلة ~~مؤلفة من أبوين وابنتين، بينهم فتاة حسناء، وكنت أراها تمر أمامي فأرى عليها آثار نحول، ~~تدل على أنها ناقهة من داء شديد، فكنت كلما رأيتها ابتسمت لها إلى أن أفضى الأمر بنا ~~إلى التعارف. # فقلت لها يوما: إني أرى عليك أثر النحول، فهل كنت مريضة؟ ~~- بل كنت مشرفة على الموت فأرسل لي الله من أنقذني. ~~- أهو طبيب حاذق؟ ~~- بل هو محسن نبيل، فإن دائي لم يكن يشفيه غير الراحة وتبديل الهواء وهو ما لم يكن ~~ميسورا لفقري. # فأرسل الله إلي رجلا كريما نبيلا، عرف تلك العلة وأزالها بفكره الوضاح، وهو رجل ~~أظنه فرنسي الأصل ولم أعلم حقيقة اسمه، فإنه كان يلقب بالرجل العبوس. # ثم قصت علي ما عرفته من أخبار ذاك الرجل وأخلاقه، ووصفت لي تقاطيع جسمه. # إلى أن أخبرتني أن لديها رسمه، فشاقتني أخبار ذاك الرجل إلى رؤية وجهه، فلما رأيت تلك ~~الصورة صحت صيحة فرح؛ إذ عرفت أنها صورة روكامبول. # وعند ذلك ms2170 جعلت أستقصي من تلك الليلة أخباره، فعلمت بإرشادها كثيرا من أموره، وجعلت ~~أقفو أثره خطوة خطوة، وكلما أوشكت أن أظفر بلقائه فقدت ذلك الأثر. # وقد عرفت جميع الرجال الذين خدموه وكانوا تحت لوائه أشبه بالجيش الصغير، وعلمت غايته ~~والمعارك التي خاضها والفوز الذي ناله. # ثم علمت أيضا أنه أرسل منذ ثلاثة أسابيع إلى فرنسا غلاما أرلنديا يعده الأرلنديون ~~زعيمهم الأكبر. # وأرسل مع هذا الغلام رجلا إنكليزيا يدعى شوكنج، وينبغي أن يكون الآن في باريس، ~~وهو لا بد أن يكون واقفا على كثير من أسرار الرجل العبوس. # فقال ميلون: لا شك أن هذا الإنكليزي، هو نفس الشخص الذي أتاني. # وعادت فاندا إلى الحديث فقالت: إن الغلام سافر إلى باريس، وبقي روكامبول في لندرا، ~~فركب في إحدى الليالي قاربا ذهب فيه بمياه التميس إلى جسر وستمنستر ومنذ ذلك العهد لم ~~يعد يراه أحد. # على أنه قال وهو في القارب: إنه قد لا يعود. # وقد بذلت جهدا عظيما للوقوف على ما جرى له فلم أعلم غير ما ذكرت لكم من ~~أخباره. # فقال ميلون: وا أسفاه إنه بات من الأموات. # فهز مرميس كتفه وقال: إن روكامبول لا يموت. # وقالت فاندا: إني أعتقد نفس اعتقادك، ولكن كيف انقطعت أخباره وأين هو الآن؟ # فقال جواني: إنه قد يكون في باريس. # وقال مورت: إني طالما ظننت هذا الظن. # وقال مرميس: إنه لو كان في باريس لكنا رأيناه. # وهنا عاد الأمل إلى قلب ميلون فقال: أذكر أننا حين كنا منذ أربعة أعوام قانطين من ~~لقائه باغتني شخص وأنا قابع على عتبة الباب فوضع يده على كتفي وقال لي: أيها الأبله! إن ~~من كانت لديه مهمة لا يموت قبل قضائها. # فالتفت فكان ذاك الرجل روكامبول. # فرد مرميس: إذا ثق أنه سيقول لك هذا القول مرة أخرى؛ لأن المهمة الأخيرة التي تولاها ~~لم تتم بعد. # إن إنكلترا لا تزال تضطهد أرلندا، وتسيء إلى أساقفة الكاثوليك وتفرغ جهدها للتنكيل ~~بالأرلنديين. # وعلى ذلك فإن روكامبول لم يمت بعد. # فقال ميلون: من يعلم ms2171 إذا كان محتاج إلينا ، ويا حبذا لو تيسر لي لقاء ذاك الإنكليزي ~~الذي زارني. # وعند ذلك سمعوا وقع أقدام خارج المغارة فقال مرميس: من عسى يكون القادم ألعلنا ننتظر ~~أحد بعد؟ # فرد جواني: كلا، إن عددنا قد تم. # فقالت فاندا: رباه! إني أسمع دقات قلبي لاضطرابي، ألا يمكن أن يكون القادم ~~روكامبول؟ # وهنا سادت السكينة وخفقت القلوب وانصرفت الأنظار إلى الباب. # 12 # وقد مرت بهم دقيقة هائلة لما تولاهم من الاضطراب، ثم فتح الباب فظهرت علائم ~~الاشمئزاز على وجوههم. # ذلك أن هذا القادم لم يكن روكامبول، بل كان وكيل ميلون الذي رافقه في شارع مورني حين ~~لقيهما مرميس، وحذره أن لا يجيء إليه إلا إذا أتى الرجل الإنكليزي. # فلما رآه ميلون داخلا قال له: لماذا أتيت إلي؟ ~~- ذلك لأنه حدث مصاب عظيم يا سيدي. # فاضطرب ميلون وقال: ويحك ما هذا المصاب؟ ~~- إنك تعلم أن فتى بناء ينام عادة في ورشة لويس الكبير. ~~- كلا، لا أعلم ولكن أتم حديثك. # ثم التفت إلى مرميس وقال: أرجوك المعذرة، فإن هذا الأبله أتى يحدثني بأشغالي الخصوصية ~~في هذا المكان. ~~- لا بأس فليتمم حديثه. # فقال الوكيل: إن هذا الفتى يا سيدي، قد سقط من الدور الثالث، وربما ألقوه منه، فإني ~~لا أعلم الحقيقة، غير أن هذا المنكود قد بلغ حد الاحتضار. # وقد ذهبوا به إلى مركز الشرطة، وهناك دعوني إليه، فلما رأيته قال لي: أرجوك أن تبحث ~~لي عن ميلون لأراه قبل الموت، فإذا كان هو ميلون الذي يعرف روكامبول فقل له لدي سرا ~~عظيما أحب أن ألقيه إليه قبل ذهابي إلى العالم الأخير. # فلما سمع ميلون حديث وكيله، وثب إلى الباب وقال: أهو قال هذا القول؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- إذا أنا ذاهب إليه. ~~- يجب الإسراع يا سيدي، وقد أوقفت مركبة عند أول الشارع، فهلم إليه. # فهم ميلون بالخروج فقال له مرميس: اصبر إني ذاهب معك. # ثم التفت إلى الحضور وقال لهم: ابقوا هنا إلى أن نعود، إن غيابنا لا يطول أكثر من ~~ساعة. # وخرج ms2172 الاثنان في أثر وكيل ميلون ، فركبا المركبة التي كانت تنتظره في أول ~~الشارع. # وسارت بهم إلى مركز الشرطة فبلغت إليه بعد ربع ساعة. # وكان الفتى البناء هناك، في حالة تقطع القلوب من الإشفاق، وقد وقف الجندي الحارس ~~أمامه يرث لبلواه، ويعين الطبيب على ضمد جراحه، فكان يقول: إني موقن بقرب الساعة، ولكني ~~لا أبالي بالموت إذا كان ميلون الذي أعرفه هو ذلك الرجل الذي تبحث عنه الإنكليزية، وإذا ~~كان يدركني قبل الموت. # أما الحارس الجندي فكان يسمع أقواله ويبكي، ثم ينظر إلى الطبيب نظرة السائل. # لكن الطبيب لم يكن يجيب بحرف. # عندما جاء ميلون ومرميس ظهرت على وجه الفتى علائم البشر وقال لميلون: لقد كنت واثقا ~~أنك أنت هو الذي كانت تبحث عنك. # قال له ميلون بصوت يضطرب إشفاقا على هذا المنكود الحظ: من هي التي تبحث عني يا ~~بني؟ ~~- الإنكليزية. ~~- ومن هي هذه الإنكليزية؟ ~~- هي الفتاة الأسيرة في المنزل المشرف على الورشة، وقد أردت إنقاذها فأصغ إلي يا ~~سيدي، ولا تقطع علي الحديث فإني أخاف أن يدركني الموت قبل استيفائه. # فحال الحارس دون ما يبتغي وقال له: إني أعرف الحكاية يا بني كما تعرفها فدعني أرويها ~~عنك، وإذا أخطأت أصلحت خطئي. # وعند ذلك خرج الطبيب احتراما لإرادة هذا المحتضر، واندفع الحارس في حديثه، فقص على ~~مرميس وميلون جميع ما مضى مما عرفه القراء، أما ميلون فإنه لم يفهم شيئا مما تريده هذه ~~الإنكليزية، ولكن مرميس لم تفته كلمة من حكاية الحارس. # فلما أتم حكايته ووافق عليها البناء نادى مرميس الطبيب وقال له: ألا يمكن نقل هذا ~~الجريح من هذا المكان؟ ~~- إن ذلك يستحيل قبل الغد. # فأوصاه وأوصى مأمور القسم به خيرا ونادى الحارس وقال له: هلم أنت معنا؛ لأننا ~~محتاجان إليك. # فقال له ميلون: إلى أين تذهب؟ ~~- إلى المحل الذي جرت فيه الحادثة فإني أحب أن أرى النافذة ثم خرج مع ميلون يتقدمهما ~~الحارس إلى معمل البناء. # 13 # إن ميلون كان عارفا بذكاء مرميس فلم يكن يثق إلا به ms2173 ولا يعتمد إلا عليه بعد ~~روكامبول ، ولذلك تبعه إلى حيث أراد وهو واثق بأن بحثه سيسفر عن نتيجة حسنة. # فلما وصل إلى المعمل قال مرميس للحارس: أرني النافذة. # فأراه إياها وأراه اللوح الخشبي الذي سقط بالفتى فصعد مرميس إلى شرفة المنزل الجديد ~~وفحص المسافة الفاصلة بينها وبين غرفة مس ألن، وأخذ دفترا من جيبه وخط فيه بعض ~~كلمات. # ثم عاد إلى ميلون وقال له: أصغ إلي الآن فإنه يجب أن تعود إلى المغارة وتقول ~~للعصابة: إننا لا نستطيع أن نخبرهم بشيء الآن، ولكننا نحتاج إليهم قريبا. ~~- وأنت ماذا تصنع؟ ~~- أقيم هنا. ~~- أتقيم هنا وحدك؟ ~~- نعم، إني سأجول قليلا في هذا الشارع ثم أعود، فقل للحارس أن يطيعني في كل ما آمره ~~به. # فنادى ميلون الحارس وقال له: إني أنا مقاول هذا البناء، ولكن رفيقي مهندسه أفهمت ~~المراد؟ ~~- تريد أنك أنت تشبه الكولونيل وهو يشبه الجنرال، إني سأطيعه يا سيدي كما ~~أطيعك. # فقال مرميس لميلون: يكفي الآن، اذهب إلى حيث قلت لك. # فامتثل ميلون دون أن يعترض أو يسأل، فإنه تعود أن يطيع مرميس كما كان يطيع ~~روكامبول. # أما مرميس فإنه حين خلا بالحارس وضع يده على كتفه وقال له: تعال معي وتبعه الحارس ~~وذهب الاثنان إلى شارع لويس الكبير، فدنا مرميس من منزل مس ألن وقال للحارس: أهو ذا باب ~~منزل الفتاة؟ ~~- نعم هو بعينه. # فأخذ دفتر وكتب فيه نمرة المنزل. # وقال الحارس: قد يمكن يا سيدي أن الفتاة لا تزال في المنزل، وأنها لم تبرحه هذه ~~الليلة. ~~- هذا ما أريده منك أن تساعدني على معرفته. ~~- أتريد أن أقرع الباب وأسأل؟ # فابتسم مرميس لسذاجته وقال: كلا، بل أريد أن تذهب معي إلى منزلي في البدء. # فاستغرب الحارس من قوله وقال له: إلى منزلك يا سيدي؟ ~~- نعم، فهو قريب من الشارع. # وكان مرميس يقيم في منزل جميل ويسكن الدور الأول منه، فلما وصلا إليه وطرق الباب فتح ~~له خادمه، فدهش حين رأى سيده عائدا إليه بعد انتصاف الليل يصحبه رجل رث ms2174 الثياب مبتور ~~الساق، ولم يمهله أن يمعن النظر بالحارس بل أمره أن يعود إلى فراشه. # ثم دخل بالحارس إلى منزله، وكان انذهاله أشد من انذهال الخادم لما رآه من الأثاث ~~الفاخر، وجعل يسأل نفسه عن السبب بالمجيء به إلى مثل هذا القصر الجميل. # غير أن الجندي يتمرن على الصمت مدة خدمته ويغدو الصمت من طبعه، ثم إن ميلون قد أمره ~~أن يطيعه، ولم يجد بدا من الامتثال، ولم يسأله عن شيء. # أما مرميس فإنه سار به إلى غرفة أشغاله فقال له: انظر إلى الآنية الموضوعة على ~~المنضدة، فإن فيها ثلاث زجاجات مختلفة من الخمر، فاشرب ما يروق لك منها، وإذا نعست نم ~~على هذا المقعد وسأعطيك رداء للنوم. ~~- لست بحاجة إلى الرداء يا سيدي فإني أنام بثوبي. ~~- أما أنا فإني محتاج إلى ثوبك وسأبدله بثوب آخر. ~~- ماذا تريد أن تصنع به؟ ~~- أريد أن ألبسه وأتولى حراسة المعمل الليلة. ~~- ودهش الحارس وقال: إني لا أفهم يا سيدي ما تقول. ~~- أصغ إلي تعلم المراد. # ثم صب له كأسا من الوسكي وصب لنفسه مثله وشربا، ثم قال له: إنك تعلم يقينا أنه ليست ~~الإنكليزية التي ألقت اللوح من النافذة، ورمت ذلك الفتى المسكين. ~~- دون شك؛ لأنه لم يرتكب هذا الإثم الفظيع غير أحد الرجلين الذين يحرسانها. ~~- هو ذاك، ولا بد أن الرجلان قد رأياك مع الفتى البناء وهما على غير ثقة منك. ~~- ربما. ~~- لذلك أحببت أن أتولى عنك الحراسة، حتى إذا رأيا في الصباح سواك علما أن صاحب المعمل ~~استبدلك فلا يشكان بي. ~~- كل ذلك موافق يا سيدي، ولكنك لا تزال في مقتبل الشباب. ~~- وماذا يضر ذلك؟ ~~- وأنك سليم الأعضاء والعادة أنهم لا يستخدمون في هذه الوظائف غير الجنود ~~المشوهين. # فضحك وقال: إذن سأقطع ساعدي. # فدهش الحارس وقال: ماذا تقول يا سيدي، وكيف تقطع ساعدك؟ ~~- اخلع ثيابك واجلس أمام النار إلى أن آتيك بثياب غيرها. # وامتثل الجندي وأخذ مرميس ثيابه، ودخل إلى أحد الغرف وقال له: سوف ترى. # وبعد هنيهة عاد ونظر إليه ms2175 الحارس نظرة دهش؛ إذ رأى سحنته قد تغيرت وابيض شعره وقطع ~~ذراعه الأيسر، بحيث لم يعرفه إلا من صوته فقال له: إني عرفت ببياض شعرك؛ فإنك لبست ~~شعرا مستعارا، ورسمت على وجهك خطوطا ظهرت كالغصون ولكني لا أعلم ماذا صنعت ~~بذراعك. ~~- إني ربطت باطن كفي بكتفي ولبست فوقه الثوب وصرت كأني مقطوع اليد. # ثم ابتسم وقال: إني كنت أيها الصديق ممثلا قبل أن أكون مهندسا، ولما كان التمثيل في ~~هذا العهد شعوذة ومخرقة فقد تعلمت منه التنكير. # وعند ذلك أعطاه ملابس جديدة فلبسها، ثم تركه وسار إلى المعمل وهو يقول: سوف نرى إذا ~~كان الشرطي الإنكليزي أشد دهاء من تلاميذ روكامبول. # 14 # ووصل وهو متنكر بزي الحارس إلى المعمل وصعد توا إلى الدور الثالث وبسط لوحا من ~~الشرفة المحاذية لغرفة مس ألن، وأقام يراقب وهو يقول في نفسه: إنه لا بد لهذين الرجلين ~~اللذين ألقيا الفتى أن يعودا إلى المنزل إذا كانا قد برحاه فأراهما من الشرفة دون أن ~~يرياني، لكنهما إذا كانا باقيين في المنزل فإني لا أراهما إلا إذا أنارا مصباحا في ~~الغرفة. # وقد أخطأ مرميس في حسابه فإنهما لم يخرجا من المنزل ولم ينيرا الغرفة، ولكن أحدهما ~~فتح تلك النافذة التي سقط منها الفتى وأطل منها فجعل يراقب الطريق. # وكانت السكينة سائدة والمسافة قريبة بينه وبين الرجلين وأصغى إصغاء تاما، وسمع أحد ~~الرجلين يقول لرفيقه: إن الحارس قد ذهب. # فقال له رفيقه: والفتى البناء؟ ~~- إنهم حملوه. ~~- أظن أنه لم يبح بشيء. ~~- دون شك وسيعلل البوليس سقوطه من قبيل الاتفاق. ~~- ذلك سيان عندي وخير لنا أن نبرح المنزل. ~~- دون شك؛ إذ لم يعد لنا عمل به بعد أن بات الطير في القفص على أني لا أخشى أحدا حتى ~~إني إذا اضطررت إلى قول الحقيقة اعترفت بها لقائد الشرطة، وفوق ذلك فإنه أطلق ~~يدي. # وسمع مرميس كل ما دار بينهما من الحديث وقال في نفسه: لقد بت واثقا الآن أن هذين ~~الرجلين من شرطة لندرا، وأنهما قدما للقبض على ms2176 الصبية والعودة بها إلى بلادها، ولكني ~~أود لو رأيت وجههما وحبذا لو أنارا مصباحا. # غير أنهما لم يقضيا رغبته، بل إنهما أقفلا النافذة وعادت السكينة إلى ما كانت ~~عليه. # وصبر مرميس إلى أن أشرق الفجر، فلم ير شيئا فنزل من الدور الثالث إلى أرض المعمل، ~~فأوقد نارا ووجد في جيب ثوب الحارس الذي كان يلبسه غليونا وتبغا فجعل يدخن. # ولم يكن موعد قدوم العمال قد حان بعد فأخذ يراقب تلك النافذة، ولكنها لبثت مقفلة ~~فانصرف إلى مراقبة الباب ولبث مدة طويلة شاخصا إليه إلى أن فتح نحو الساعة السادسة، ~~وخرج منه البواب يحمل المكنسة. # فكنس الرصيف ثم دخل إلى الخمارة المحاذية للمنزل فاقتدى به مرميس ودخل إلى تلك ~~الخمارة وطلب إلى الخمار كأسا من الشراب وجعل يشكو من البرد. # ونظر إليه البواب وكان قد طلب أيضا كأس شراب فقال: من أنت ألعلك حارس المعمل؟ ~~- نعم. ~~- ولكنك غير الذي كان أول أمس. ~~- نعم، فإني توليت الحراسة مكانه مساء البارحة؛ لأنه مريض. ~~- إذا أنت الذي كنت في المعمل الليلة؟ ~~- نعم. ~~- لقد حدثت مصيبة في معملكم، ولكن حدث في منزلنا ما هو شر منها فأخبرنا عن تفصيل ما ~~حدث عندكم. ~~- إن أحد البنائين كان نائما في الدور الثالث فسقط منه. ~~- ألعله قتل؟ ~~- كلا، ولكني لا أظنه ينجو من الموت. ~~- مسكين إني سمعت صياحه وأردت الخروج إليه فمنعتني امرأتي. ~~- إنك لم تنم دون شك بعد الحادثة. ~~- إن أسفي ليس من الحادثة، بل من هؤلاء الناس المقيمين عندنا، فإني لا أجد معهم ساعة ~~راحة، وأخصهم هؤلاء الإنكليز؛ فإن لدينا منهم رجلين وفتاة حرموني لذة الرقاد. ~~- كيف ذلك ألعلهم يعودون متأخرين؟ ~~- إنهم يذهبون ويعودون ويعودون في كل ساعات الليل، مثال ذلك ليلة البارحة فإن الفتاة ~~لم تعد إلى المنزل، وقد كانت خرجت في الساعة الثالثة بعد الظهر مع الرجلين فلم تعد إلى ~~الآن. ~~- والرجلان ألم يعودا؟ ~~- إنهما عادا وأظن أنهما كانا يعدان معدات الرحيل كل الليل؛ لأني علمت في الصباح ~~أنهما ذهبا. # وعلم مرميس من البواب ms2177 ما كان يريد أن يعلمه، وهو أن مس ألن والبوليسين برحا المنزل ~~ولم يبق عليه إلا البحث عنهما، وعن تلك الفتاة التي سجناها دون شك في غير المنزل بدليل ~~رجوعهما دونها، وبدليل ما سمعه من أحدهما حين قال: إن الطير قد بات في القفص فلا حاجة ~~إلى بقائنا في المنزل. # 15 # ولنذكر الآن ما جرى لمس ألن وكيف أن طريقة إنقاذها قد حبطت بعد أن كانت مدبرة أحسن ~~تدبير؛ ولذلك يجب أن نعود إلى تلك الليلة التي تمكن فيها الفتى البناء من الدخول إلى ~~غرفتها فنقول: إن السير جمس كان من أفضل رجال الشرطة وأبصرهم بمعرفة دخائل القلوب ~~وأسرارها، وقد عرف أسرار ألن على مبالغتها في إخفائها. # وقد تقدم لنا القول: إنه ثقب ثقبا في باب غرفتها الذي كان يراقبها منها، وإنها كانت ~~عالمة بهذا الثقب فوقفت مع البناء في مكان منحرف عن الثقب وكانت تعتقد أن الشرطي كان ~~نائما. # غير أن مس ألن لم تفطن إلى مرآة كانت في غرفة البوليس تجاه الثقب، ودخلت إليها أشعة ~~القمر من ذلك الثقب وعكست عليها صورتها والفتى. # وقد رآهما الشرطي فكتم أنفاسه وقام إلى الجهة التي كانا واقفين فيها وأصغى إليهما، ~~ولم يفته حرف من حديثهما وعول على أن يقتحم باب الغرفة ويقبض على الفتاة لو كانت عزمت ~~على الفرار مع الفتى في تلك الليلة. # غير أنه سمع اتفاقهما فلم يظهر شيئا من ريبه، ووضع في تلك الليلة الخطة التي يجب أن ~~يجري عليها. # وفي اليوم المعين لفرارها خرج بها في ساعة النزهة فركبت بجانبه في المركبة وسارت معه ~~حسب عادتها دون حذر، وذهبت المركبة إلى المنتزه حتى إذا دارت دورتها حول البحيرة أمر ~~السائق أن يذهب إلى جهة الأرز. # فاستغربت مس ألن لتغيير خطة النزهة المألوفة وقالت له: إلى أين تريد الذهاب؟ # فأجابها ببرود: لدي مهمة خاصة في تلك الجهة أحب قضاءها. ~~- ولكننا ذاهبون إلى غابات بولونيا؟ ~~- هو ما تقولين. # ولم تشأ مس ألن معارضته حذرا من أن تولد في نفسه ms2178 الشكوك وقالت له: لنذهب. # ولما وصلت المركبة إلى الأرز سارت مسرعة إلى بولونيا، حتى إذا خرجت من الغابات رأت مس ~~ألن رفيق السير جمس واقفا قرب مركبة يظهر أنها كانت تنتظر، أمر السير جمس السائق أن ~~يقف حيث كانت واقفة المركبة. # فاضطربت ونظرت إليه نظرة المستطلع فابتسم لها وقال لها: إن البرد شديد يا سيدتي، ~~فهلمي نستبدل مركبتنا المكشوفة بهذه المركبة المقفلة وقاية لنا من البرد. # فهمت أن تعترض، ولكنه قال لها: تأبطي ذراعي ولا تقاوميني. # وكان يقول هذا القول بلهجة سيادة هاجت لها الفتاة فقالت: أرى أنك نصبت لي ~~مكيدة. ~~- إنك مخطئة وسنتحدث مليا في المركبة. # وكان الشارع مقفرا وموقف الشرطة بعيدا عن المكان الذي كانوا فيه ورأت أنها باتت ~~أسيرة الرجل، وأنها لا بد لها من الامتثال ونزلت من مركبتها وصعدت إلى المركبة الثانية، ~~فصعد السير جمس بجانبها وأقفل الباب فأمر الشرطي الثاني العربة أن تسير. # ولما سارت المركبة قال لها السير جمس: إنك أنت يا سيدتي التي أكرهتني على أن أسلك معك ~~هذا المسلك، ولو شئت لكنا بقينا في ذلك المنزل ننتظر والدك النبيل، ولكنك حاولت الفرار ~~فلم أجد بدا من الاحتياط. # فاصفر وجه الفتاة وقالت: إلى أين أنت ذاهب بي؟ ~~- إن الفتى البناء سيطول انتظاره لك يا سيدتي في الليلة القادمة. # فصاحت مس ألن صيحة اليأس وقالت له: ويحك أيها الشقي ماذا فعلت؟ ~~- إنها كلمة يثقل وقعها علي أيتها السيدة، ولا تقال لأمثالي؛ فإني رجل شريف أتمم ~~واجباتي. ~~- ولكن إلى أين أنت ذاهب بي؟ ~~- إلى مستشفى صحي. # فذعرت مس ألن ذعرا شديدا وهمت أن تفتح باب المركبة وتلقي نفسها منه، فضحك السير جمس ~~وقال: إن الباب محكم الإقفال. # وحاولت أن تنظر من نوافذ الزجاج فرأت أنه مصبوغ بدهان يمنع نفوذ البصر منه، ووراءه ~~قضبان من الحديد، فهاجت هياج اللبوة فقدت أشبالها، ولو كان لديها خنجر لمزقت أحشاء ~~الشرطي. # أما السير جمس فإنه لبث ساكنا هادئا وكان يبتسم ويقول لها: لا فائدة يا سيدتي من ~~هياج قد ms2179 يؤذيك. # فانهالت عليه بالشتائم المفجعة، ولكنه لم يجبها ، وظلت المركبة سائرة وقد أجهدت فكرها ~~كي تعلم الجهة التي تسير فيها فلم تستطع، فعادت إلى شتمه وإهانته، فأخذ عددا من جريدة ~~كان معه وجعل يقرأ فيها غير مكترث لشتائمها. # وبعد حين وقفت المركبة، فأعاد السير جمس الجريدة إلى جيبه وقال: لقد وصلنا. # 16 # وكان رفيقه جالسا بجانب السائق، فلما وقفت المركبة وثب إلى الأرض وفتح الباب المقفل ~~بالمفتاح. # وأخذ السير جمس يد مس ألن وخرج بها من المركبة، ورأت أنها في وسط فسحة مستورة من ثلاث ~~جهات بجدران عالية، في الجهة الرابعة بناية عظيمة مربعة تشبه السجون؛ فإن جميع نوافذه ~~كانت مشبكة بقضبان ضخمة من الحديد. # وكان هناك رجل لابس ثياب الجنود، فأسرع إلى السير جمس وحياه باحترام فسأله الشرطي: ~~هل المدير هنا؟ ~~- نعم يا سيدي، وأظن أنك الميلورد الذي ينتظره. ~~- نعم أنا هو فأبلغ المدير زيارتي. # فدخل إلى المنزل وبقي السير جمس مع مس ألن وهي تنظر إليه نظرات تشف عن الحقد وحب ~~الانتقام فقال لها: أتعلمين أين أنت الآن؟ ~~- نعم إني في سجن. ~~- بل في مستشفى المجانين، ولكنك لا تبقين فيه غير أسبوعين إلى أن يأتي أبوك من لندرا ~~وهو الذي سيتولى إخراجك منه في اليوم الذي يحضر فيه. # فاضطربت وهالها هذا المصير فقالت: ولكني لست مجنونة. ~~- إني لا أنكر ذلك، ولكننا لسنا في لندرا، بل نحن في عاصمة أجنبية، فمتى أردنا ~~الاحتفاظ بإنسان نكاشف بأمره الشرطة الفرنسية، فيخيرنا بين حبسه في السجن أو في أحد ~~المستشفيات، ألعلك تؤثرين سجن سانت لازار؟ # فأجفلت لاسم هذا السجن وظهرت عليها علائم الرعب والأنفة فقال لها: إني كنت أؤثر أن ~~أبقيك في أحد المستشفيات الصحية، ولكن من كان له ذكاؤك يسهل عليه الفرار من المستشفيات ~~البسيطة، وأما في مثل هذا المستشفى فإن الطبيب نفسه يكون مسئولا عليك. ~~- تريد أنك متفق وإياه على ارتكاب هذه الجريمة؟ # فهز السير جمس كتفيه وقال: إني لا أبالي بهذه الشتائم، فإن ضميري لا يقرعني بشيء، ~~وبعد فإني ms2180 سأبتعد عنك فلا أتشرف بلقائك إلا في لندرا. # وعند ذلك عاد الجندي فقال للسير جمس: إن المدير ينتظر سيدي الميلورد. # فدنا السير جمس من مس ألن وقال لها بصوت منخفض: أقسم لك أنك ستعاملين هنا خير معاملة ~~إذا لم تقاومي. ~~- وإذا قاومت؟ ~~- يضطرون إلى اعتبارك مجنونة حقيقة، ويعاملونك معاملة المجانين حين هياجهم؛ أي إنهم ~~يصبون عليك المياه المثلجة. # واقشعر جسم الفتاة وقد مرت في خاطرها ذكرى سريعة هائلة، وهي أنها زارت مرة مستشفى ~~المجانين المشهور في لندرا، فرأت المجانين يركعون ويتوسلون وهم يذرفون الدموع مسترحمين ~~طالبين إنقاذهم من عقاب المياه الباردة. # أما السير جمس فإنه اغتنم فرصة رعبها فقال لها: لدي أوامر مهمة بإدخالك إلى هذا ~~المستشفى، فكل ما تقولينه للطبيب لا يفيدك في شيء، أما مدير المستشفى فإن مهمته أشبه ~~بمهمة السجان، فهو ينفذ الأوامر كما ترد إليه، ولا يد له في شيء. # وعند ذلك أكره مس ألن على أن تتأبط ذراعه ففعلت وسار بها في أثر الجندي، فجعلوا ~~يجتازون من غرفة إلى غرفة حتى بلغوا إلى غرفة المدير، وهو رجل في الخمسين من عمره تدل ~~ملامحه على حب الأثرة والاستبداد، فخف لاستقبالهما. # فقال له السير جمس: إني قادم إليك يا سيدي المدير باللادي التي كتبت لك عنها، وأرسلت ~~لك أوامر الشرطة بشأنها، المعدة لها من سفارة إنكلترا. # فنظر المدير إليها نظرة تدل على عدم الاكتراث وقال له: لقد أعددنا لها الغرفة. # فأيقنت مس ألن أن هذا الرجل لا رجاء لها فيه. # أما المدير فإنه قرع جرسا كان أمامه، فجاء اثنان من الممرضين فقال لهما: اذهبا ~~بالسيدة إلى الغرفة نمرة 13. # ولم يسع الفتاة إلا الاعتراض على عمله وقالت للمدير: ألعلكم تسجنونني كمجنونة في ~~الغرفة؟ # وأجابها المدير بجفاء: دون شك. # وعلمت أن هذا المدير شر من ذلك الشرطي، ونظرت إلى الاثنين نظرة احتقار. # وسارت في أثر الممرضين. # بعد ذلك ببضع دقائق كان السير جمس وزميله يصعدان إلى المركبة وقال له رفيقه: إلى أين ~~تذهب الآن؟ ~~- إلى شارع لويس الكبير. ~~- لماذا، ms2181 ألإحضار ثياب الفتاة؟ ~~- كلا، فإننا سنرسلها إليها في وقت آخر، ولكننا نذهب إلى ذلك المنزل لانتظار الفتى ~~البناء. ~~- وأي شأن بقي لنا معه، فإنه ينتظر أن تفتح النافذة إلى أن يمل الانتظار فينصرف؛ لأن ~~النافذة لا تفتح. ~~- بل أفتحها أنا، فإن الفتى قد تداخل فيما لا يعنيه وكاد يفسد علي أمري ويعبث ~~بسمعتي، فيجب أن يعاقب. # وعلى ذلك تقرر عقاب ذلك الفتى المسكين الذي دفعته المروءة إلى إنقاذ مس ألن. # أما مرميس فقد علم أن مس ألن أرسلت إلى مستشفى صحي، ولكنه لم يعلم أين هو ذلك ~~المستشفى. # 17 # ولنعد الآن إلى مرميس، فإنه بعد أن وثق أن السير جمس ورفيقه قد برحا المنزل ولم يعودا ~~إليه عاد إلى منزله. # وكانت الساعة السابعة صباحا ووجد أن الحارس الجندي قد شرب كفاءته من الشراب ونام، ~~فغير مرميس ملابسه وأيقظ الجندي ثم أعاد إليه ملابسه وقال له: إني معهد إليك بمهمة؛ وهي ~~أن تذهب إلى المسيو ميلون المقاول وتعطيه هذه الرسالة. # وهي رسالة دعاه فيها إلى الحضور إليه في الحال. # وبعد أن ختمها ودفعها إلى الجندي قال له: والآن لم يبق لي إلا أن أستحلفك بشرف ~~الجندية بأن لا تخبر أحدا عما جرى في الليلة الماضية ولا عن الإنكليزية، وأن لا تذكر ~~شيئا عن استبدال ثوبي بثوبك وتنكري بزي الحراس، وذلك لأن إفشاء هذه الأمور يضر بنا ~~ضررا عظيما. # فأقسم الجندي بشرفه على الكتمان، ونفحه مرميس بمائتي فرنك فتردد الجندي في قبولها، ~~فألح عليه وقال له: إني من أصحاب الملايين وأنت أحوج مني إلى هذه القيمة ~~الزهيدة. # فأخذها الجندي شاكرا وأسرع بالذهاب إلى ميلون، ولم تمض نصف ساعة حتى أقبل فقال له ~~مرميس: اعلم الآن أن الفتاة الإنكليزية قد اختفت. ~~- منذ متى؟ ~~- منذ أول أمس. # وقال ميلون: إذا لم تكن في المنزل حين أصيب هذا البناء المسكين، لكن أعلمت أين هي ~~الآن؟ ~~- لو كنت عالما بمقرها لما دعوتك لمشاركتي في البحث عنها. ~~- وكيف يمكن إيجادها، إن ذلك مستحيل فيما أراه. # وابتسم مرميس ms2182 وقال: إنك لا تزال على سذاجتك الفطرية إلا حين يكون روكامبول معنا، فإنه ~~يفتح عينيك. ~~- لقد أصبت، فإني حين أبتعد عنه أصبح كالحيوان الأعجم. ~~- ولكن أصغ إلي واتبع تعليماتي، فإن الفتاة الإنكليزية التي أتت تبحث عن رجل يدعى ~~ميلون وامرأة تدعى فاندا هي آتية من قبل روكامبول دون شك، وإنه لم يرسلها إلا لأنه في ~~خطر ولأنه محتاج إلينا. ~~- هذا لا ريب فيه كما يظهر. ~~- إذا يجب أن نجد هذه الفتاة وننتزعها من أيدي الذين اختطفوها ونعلم ما يريده ~~روكامبول منا. ~~- لكن كيف نجدها؟ ~~- بهذين الرجلين اللذين كانا يحرسانها فإنهما من أعداء روكامبول دون شك بدليل منعهما ~~الفتاة عن الاجتماع بك وبفاندا، ولذلك يجب علينا أولا أن نبحث عن هذين الرجلين ومتى ~~وجدناهما عرفنا أين هي مس ألن. ~~- لكن كيف نستطيع إيجادهما؟ ~~- إنهما من رجال الشرطة، ولا أسهل من إيجاد المشتغل بالمهنة. ~~- كيف؟ ~~- أيوجد لديك الآن نقود في منزلك؟ ~~- نعم، لدي مائة ألف فرنك. ~~- أين وضعتها؟ ~~- في الصندوق الحديدي. ~~- أهو ذاك الصندوق الذي اشتريته حديثا من لندرا؟ ~~- هو بعينه. ~~- إنه مثل الصندوق الذي عندي، وسأسرق غدا من صندوقك ما أودعت فيه من المال. # فحملق ميلون بعينيه وقال: ماذا تريد بذلك؟ ~~- إنه لا يوجد غير لص واحد إنكليزي تمكن من طبع أقفال هذا النوع من الصناديق على ~~الشمع، وصنع مفاتيح يفتحها بها حين تلوح له الفرصة أفهمت؟ ~~- كلا، لم أفهم شيئا بعد. ~~- مع أن الأمر بسيط، فإن أموالك تسرق من صندوقك فتشكو الأمر إلى إدارة الشرطة، فتعتقد ~~الشرطة الفرنسية أن سارق المال هو ذلك اللص الإنكليزي لاشتهار أمره في هذه الصناديق، ~~ولما كان هذان الرقيبان على مس ألن في باريس، فإن الشرطة الفرنسية تستعين بهما على ~~إيجاد السارق. ~~- ولكن هل تعلم إدارة الشرطة الفرنسية أن هذين الشرطيين موجودان في باريس؟ ~~- إني واثق كل الوثوق، وسأبرهن لك عن ذلك وأوضح لك عن تلك الخطة التي وضعتها، فإن ~~روكامبول نفسه لا ينتقد علينا. # ثم قام وأشعل سيكارا وأعطى مثله لميلون وقال: أصغ إلي ms2183 الآن. # 18 # إنني إذا وفقت بين ما رواه لنا الحارس الجندي وبين أبحاثي نجد أن الأمر قد مضى كما ~~يأتي: وهو أن روكامبول أرسل إلينا مس ألن فلم تكد تصل إلى باريس حتى أخذت تبحث عنك، ~~ولكن البوليسين الإنكليزيين وصلا قبل أن تجدك فسجناها في المنزل وأقاما معها ~~يراقبانها. # ومن هنا قد اتضح لي جليا أن الشرطة الفرنسية لها يد في هذا الأمر؛ لأن الشرائع ~~الإنكليزية لا نفوذ لها في فرنسا. # ولو أرادت الفتاة أن تلجأ إلى أي نفر من أنفار الشرطة لأنقذها من الإنكليزيين. # فقال ميلون: ولماذا لم تفعل ذلك؟ ~~- لأن الإنكليزيين قد سبقاها إلى إدارة الشرطة، فتمكنا بواسطة السفارة الإنكليزية من ~~الحصول على أمر بالقبض على الفتاة، يعملان به حين الاقتضاء. ~~- لقد فهمت الآن. ~~- إذا انتبه لقولي، إنه يوجد في صندوقك مائة ألف فرنك. ~~- نعم. ~~- وسأسرقها. # فضحك ميلون وقال: ولكنك ستردها دون شك؟ ~~- ولكن قبل أن أردها تذهب إلى إدارة الشرطة وتعرض شكواك وتهتم الشرطة بإيجاد السارق ~~والمسروق. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إن الشرطي يعلم لأول وهلة أن السارق من الإنكليز. ~~- كيف يمكن أن يتصل إلى هذه المعرفة؟ ~~- ذلك منوط بي فلا تهتم به، واسمع إنه متى وثق أن السارق إنكليزي يستعين بالشرطيين ~~الإنكليزيين، فأوهمهما أنني أنا السارق فيأخذان باقتفاء أثري، ولكني أدرك من أثرهما ما ~~يدركانه من أثري ومتى عرفت مقرهما عرفت مقر مس ألن. # فنظر ميلون إلى مرميس نظرة المعجب به وقال له: إنه قد يمر ظروف أحسب في خلالها أنك ~~الرئيس نفسه. # فابتسم مرميس وقال: إن روكامبول، لو لم يجدني أهلا لخدمته، لما جعلني تلميذه، ولما ~~نهض بي من وهدة الشر وحضيض المفاسد، إلى ما أنا فيه. ~~- لقد أصبت ولكن ... ~~- لكن ماذا؟ ~~- إنك تسرق المال وتوهمهم أنك السارق، فإذا اتفق أنهم قبضوا عليك، فكيف تبرئ ~~نفسك؟ ~~- لإنهم لا يقبضون علي، وعلى افتراض أنهم ظفروا بي، فإني أعددت طريقة ~~الخلاص. ~~- إذا لنصنع ما تريد. ~~- متى تكون عادة في منزلك؟ ~~- عند الظهر، وهو الوقت الذي يكون فيه عندي رؤساء ms2184 عمالي لتلقي الأوامر. ~~- إذا عد إلى منزلك وانتظرني فيه. # فامتثل ميلون طائعا وانصرف. ~~••• # وقد رأى القراء كيف أن ميلون عاد إلى مهنته القديمة، فإنه قبل أن يدخل في خدمة والدة ~~أنطوانيت، وقبل أن يزج في سجن طولون كان من البنائين. # وأعطاه مرميس رأسمالا كبيرا بأمر روكامبول كي يشتغل فيه بالأبنية، إلى أن يصدر أمر ~~آخر من روكامبول. # فاحترف مهنته وكان يشتغل بملء الجد والوفاء، فاتسع نطاق أشغاله وصار لديه مئات من ~~العمال. # وكان يقيم في شارع ماريتيان، على قيد بضع خطوات من منزل فاندا. # فكان منزله - ولا سيما في أيام دفع أجور العمال - يشبه الدوائر الكبرى لكثرة ما يحتشد ~~فيه من البنائين والنجارين والفعلة والملاحظين، فإنه كان متوليا بناء نحو عشرين بناية ~~في حين واحد. # وقد كان ذلك اليوم الذي اجتمع فيه بمرميس يوم سبت؛ أي يوم دفع الأجور. # وبينما كان ميلون يحاسب رؤساء العمال عند الظهر، وقفت مركبة جميلة عند باب منزله، ~~وخرج منها رجل بسيط الثياب، ولكن جميع ظواهره تدل على أنه من الأعيان. # وكان هذا الرجل أشقر الشاربين أحمر شعر الرأس، لابسا قميصا أزراره من الماس الثمين، ~~وهو يتوكأ على عصا قبضتها من الذهب ولابسا قبعة لا تصنع إلا في إنكلترا. # فطرق الباب، وفتحت له الخادمة، فقال لها: هل المقاول ميلون في منزله؟ ~~- نعم. # فدخل توا إلى حيث كان ميلون وقال له بلهجة إنكليزية محضة: أتشرف يا سيدي بالسلام ~~عليك، وإني أدعى اللورد كاندول من أعضاء مجلس البرلمان، وأنا مقيم في أوتيل ~~موريس. # فاستقبله ميلون خير استقبال ورد تحيته بملء الاحترام. # فقال له الإنكليزي: إن طبيبي الخاص وصف لي الإقامة في باريس مراعاة لصحتي، فأحببت أن ~~أشيد منزلا فخما في الشانزليزه. ~~- إذا تفضل معي يا مولاي أريك ما لدي من الرسوم. # ثم دخل به إلى الغرفة التي كان فيها الصندوق، فلما خلا بهما المكان قال له اللورد ~~بلهجة فرنسية: ألم تعرفني يا ميلون؟ # فدهش ميلون؛ إذ عرفه من صوته أنه مرميس، فإنه كان يحدثه قبلا بصوت مستعار، ms2185 وقال له: ~~إن روكامبول نفسه لا يستطيع أن يعرفك بهذا التنكر . ~~- إذا كنت لا أعرف أن أتنكر حين الحاجة، فكيف يحق لي أن أدعى تلميذا ~~لروكامبول؟ ~~- والآن هل أتيت لتسرقني؟ ~~- كلا، بل لأهيئ معدات السرقة، غير أني أردت أن يراني رجالك، ولذلك اخترت الساعة التي ~~يجتمعون فيها عندك لقبض الأجور، والآن فلنتحدث بما أتيت لأجله. # 19 # ثم سار به إلى الصندوق وقال له: أرني صندوقك قبل كل شيء. # وكان هذا الصندوق داخلا في جوف الجدار، فأخذ ميلون مفتاحا معلقا في عنقه، وفتح ~~الباب الأول الكائن في الجدار، فانفتح عن صندوق إنكليزي. # وكان صندوقا ضخما، يبلغ ارتفاعه ارتفاع خزانة المرآة العادية، وتبلغ زنته ألف ~~كيلوغرام. # وهو من الصناديق التي لا تعمل فيها النار. # ولم يكن له غير قفل واحد صغير، غير أن طريقة فتحه اصطلاحية، فإذا أدخل صاحبه المفتاح ~~في هذا القفل أداره شمالا ويمينا عدة مرات مختلفة على طريقة لا يعرفها غير صاحب ~~الصندوق. # فأمر مرميس أن يفتح الصندوق ففتحه وقال له: أين وضعت المائة ألف فرنك؟ ~~- في هذه المحفظة السوداء التي تراها. ~~- والآن أقفل باب الجدار. # فأقفله ميلون وفحص مرميس قفله وقال: إن اغتصابه سهل ميسور بحيث يمكن فتحه دون أقل ~~عناء. ~~- ولكن ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- أول ما أبدأ به الخروج من عندك، فتشيعني إلى الخارج وتقول لي بصوت يسمعه كل من عندك ~~من العمال: أيها الميلورد إني أتشرف بانتظارك في الساعة الرابعة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وعند ذهابي توصي خادمتك أن تدخلني حين وصولي إلى غرفتك؛ أي إلى هذه الغرفة التي ~~فيها الصندوق، فإني سأحضر قبل الساعة الرابعة، واجتهد أن تتأخر فتحضر بعدها، بحيث يثبت ~~أني أقمت وحدي في غرفتك ثلاثة أرباع الساعة. ~~- وعندما أحضر؟ ~~- تجدني قد انصرفت بحجة تأخرك عن الموعد، فتدخل إلى غرفتك فتجد باب جدار الصندوق ~~مكسورا والصندوق مفتوحا. ~~- سأقل كل ما قلته ولكن بعد ذلك؟ ~~- وإنك لا تعود وحدك إلى الغرفة، بل تعود مع أحد وكلائك، كي يكون شاهدا على ما ~~ترى. # وتذهب معه بعد ms2186 ثبوت السرقة إلى فندق موريس لتسأل عن اللورد كاندول فلا تجده ~~بالطبع . # ثم تذهب إلى إدارة الشرطة فتعرض شكواك، وتتهم اللورد الإنكليزي، وتظهر للشرطة جميع ~~إشاراته وملامحه وملابسه كما رأيتني. ~~- حسنا وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك ينتهي عملك فلا تهتم بعد بالأمر. # ثم خرج وهو يقول له مبتسما: إن المال سيرد إليك دون شك، فلا خوف عليه. # فشيعه ميلون حتى إذا وصل إلى حيث كان عماله، قال له على مسمع منهم: حبذا يا حضرة ~~الميلورد، لو تكرمت بالرجوع في الساعة الرابعة حيث أكون قد تفرغت من مشاغلي، فأريك ~~الأرض المعدة للبيع التي حدثتك عنها. # فأجابه مرميس بلهجة إنكليزية قائلا: كم ينبغي من الزمن لبناء منزلي؟ ~~- ثلاثة أشهر. ~~- إنه زمن بعيد ولا طاقة لي بالصبر إلى هذا الحد. ~~- إذا سأتمه بشهرين على أن نشتغل في الليل على أنوار كهربائية، ولكن ذلك يكلف ~~كثيرا. ~~- لا بأس، دعهم يشتغلون ليلا، فإني أدفع كل ما يطلب إلي من النفقات. # ثم تركه وانصرف، فقال أحد الوكلاء لميلون: إنك ستربح أرباحا كثيرة من هذا ~~الإنكليزي. # فأجابه ميلون ضاحكا: وسنأخذ بثأرنا، من الإنكليز، عن معركة واترلو. # ثم أتم ميلون محاسبة وكلائه وصرفهم، فركب مركبة وذهب لتفقد المعامل، بعد أن أوصى ~~الخادمة بإدخال الإنكليزي إلى غرفته، حين يعود. # غير أن خطة مرميس بدأ عليها حادث غير منتظر، عدلها تعديلا خفيفا، وذلك أن ميلون ~~بينما كان ذاهبا لتفقد معامله، رأى رجلا يجتاز رصيف الشارع وهو مطرق الرأس يمشي مشية ~~الحزين، فارتعش حين رآه وأمر السائق أن يقف في الحال. # ثم وثب من المركبة وأسرع إلى هذا الرجل، فإنه كان ذلك الإنكليزي الذي جاءه من قبل ~~الرجل العبوس، فوضع يده على كتفه وقال له بلهجة الفرح المسرور: لقد تيسر لي لقاؤك بعد ~~العناء الشديد، فهل كنت عائدا إلي؟ # وكان هذا الرجل شوكنج نفسه، خادم روكامبول في لندرا، فقال له بلهجة المكتئب الحزين: ~~نعم يا سيدي، لقد بلغ بي الشقاء حده بعد فقدي تلك الحوالة التي سرقوها مني مع المرأة ~~والغلام، فبت ms2187 في حالة تستوجب الإشفاق. # فقال له ميلون: لم يبق حاجة إلى الحوالة ، فإني أنفق عليكم منذ الآن عن سعة، وأعطيكم ~~كل ما تحتاجون إليه، ألم تقل لي إن الذي أرسلك هو الرجل العبوس؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- إذا اعلم أنه أخلص أصدقائي. # ثم فطن إلى مس ألن فقال له: إنك عشت مدة طويلة مع الرجل العبوس فهل عرفت فتاة ~~إنكليزية تدعى مس ألن؟ # فاصفر وجه شوكنج، واتقدت عيناه ببارق من الحقد، وقال له: مس ألن؟ ~~- نعم. ~~- إنها يا سيدي ألد أعداء الرجل العبوس. # فتراجع ميلون منذعرا، وهو يقول: إنها ألد أعدائنا، ونحن نريد إنقاذها؟ # 20 # كان شارع مارينيان مقفرا، كسائر الشوارع الجديدة المشادة في جوار ~~الشانزليزيه. # وكان ميلون وشوكنج يتحدثان وهما واقفان على الرصيف دون أن يراهما أحد لندور المارة في ~~ذلك الشارع. # وقد سكن اضطراب ميلون بعدما رأى شوكنج فقال له: أحق ما تقول: إن مس ألن عدوة الرجل ~~العبوس؟ ~~- بل هي شر عدو ويخشى بأسها، وهي تكره الرجل العبوس كرها لا يوصف. ~~- ألديك برهان يثبت ما تقول؟ ~~- تعال معي يا سيدي إلى حيث هي حنة ورالف، يعيدا عليك نفس ما قلته. ~~- من هي حنة هذه؟ ~~- والدة رالف. ~~- ورالف؟ ~~- إنه الغلام الذي سيغدو يوما زعيم الأرلنديين العام. ~~- أهما في فرنسا؟ ~~- بل هما في باريس، وأنا الذي جئت بهما إليها، فإن الرجل العبوس أعطاني حوالة ~~ونقودا، وبعد وصولنا بثمانية أيام سرقت منا الحوالة والنقود. ~~- ألم تشكو أمرك إلى البوليس؟ # فابتسم شوكنج ابتسامة حزن وقال: إن الذين سرقونا هم أعظم منا، ولا تنالهم يد ~~الشرع. ~~- إننا في فرنسا وليس في بلادنا من يعلو على الشرع. # فهز شوكنج رأسه وقال: إن الذين سرقونا ليسوا فرنسيين، وفوق ذلك، فإنهم أعداء لنا ~~تبعونا من لندرا، وليس الرجل العبوس معنا فيحمينا. ~~- أين هما المرأة والغلام؟ ~~- إنهما يقيمان معي في غرفة صغيرة قريبة من فندق لوريس، في أفقر شوارع باريس. # فقال ميلون: لقد أذكرتني معملا لي هناك، فهلم بنا نقضي المهمتين في حين واحد. # ثم عاد إلى ms2188 الموضوع الوحيد الذي كان يشغل خاطره فقال: إذا إن مس ألن عدوة الرجل ~~العبوس؟ ~~- إنه لم يجد فيما مر به من الحوادث الجسام عدوا أشد منها، وطالما كنت أخشى عليه ~~منها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه كان يحاول أن يحملها على حبه. # فذكر ميلون مقدرة روكامبول وقوة سلطانه على القلوب، غير أن ذلك لم يمنعه عن سوء الظن ~~بمس ألن. # فقال لشوكنج: اصعد إلى مركبتي وانتظرني فيها إلى أن أعود، فإني داخل إلى منزلي لقضاء ~~بعض المهام. # ثم تركه ومشى بضع خطوات إلى منزله، فدخل وكتب الرسالة الآتية: # لم يبق لنا فائدة من السرقة؛ إذ لا يفيدنا الاهتمام بمس ألن، لقد رأيت ~~الإنكليزي الذي جاءنا من قبل الرجل العبوس، وأكد لي أن مس ألن عدوة لدودة، لا ~~صديقة حميمة كما توهمنا، وأنها معولة على إهلاك روكامبول. # فابق في منزلي حين وصولك إليه وانتظرني فيه إلى أن أعود، فإني ذاهب إلى شارع ~~لوريس. # ميلون # ثم أعطى الكتاب للخادمة، وقال لها: متى جاء الميلورد الإنكليزي الذي أوصيتك أن تدخليه ~~إلى غرفتي، أعطه هذا الكتاب وقولي له أن ينتظر. # فأخذت الخادمة الكتاب وخرج ميلون إلى لقاء شوكنج وهو يقول: طالما ساعدنا أعداء الرئيس ~~ونحن نحسب أنهم أعوانه. # في نحو الساعة الرابعة وقفت مركبة عند باب منزل ميلون، وخرج منها ذلك الميلورد ~~الإنكليزي؛ أي مرميس، فأعطته الخادمة الرسالة وأدخلته إلى غرفة سيدها. # فلما خلا بالغرفة فتح الرسالة وقرأها وقال: إن هذا الرجل ساذج القلب، فلا يغير فطرته ~~شيء حتى عشرة روكامبول. # ثم أخذ قلما وكتب إلى ميلون ما يأتي: # إنك أبله لا يمكن إصلاحك فإن مس ألن إذا كانت صديقة لروكامبول فقد وجب علينا ~~إنقاذها. # وإذا كانت عدوة له فقد وجب علينا أن نقبض عليها؛ ولذلك كان إنقاذها واجبا في ~~الحالين. # أما أنا فقد سرقت مالك، فلا تضع الوقت بالتفكير، وأسرع في الحال، حين تقف ~~على رسالتي هذه، إلى إدارة الشرطة، واعرض شكواك. # وبعد أن كتب هذه الرسالة ختمها وعنونها باسم ميلون، وأقفل باب الغرفة من ms2189 الداخل كي لا ~~يدخل عليه أحد، ثم أخرج من جيبه مبردا ودنا من الصندوق، وهو يذكر مبتسما مهنته ~~القديمة، فعالج باب الصندوق الخارجي ففتحه. # ويذكر القراء أن ميلون ترك الباب الداخلي مفتوحا فأخذ مرميس منه محفظة الأوراق ~~المالية فوضعها في جيبه وأقفل باب الصندوق الخارجي كي لا يرى الباب مفتوحا. # وأقام في الغرفة نحو ربع ساعة ثم خرج والرسالة بيده فوجد الخادمة في الطابق السفلي ~~فأعطاها الرسالة وقال لها بلهجة الحانق: إن سيدك رجل قليل التربية فإن من كان بمقامي لا ~~يحملونه على الانتظار. # ثم تكلف هيئة العظمة وأعطاها ليرتين وانصرف. # وكانت مركبته لا تزال واقفة على الباب، فأمر سائقها أن يسير به إلى شارع مورتي، وهناك ~~استوقفه فنزل من المركبة وذهب ماشيا على الأقدام إلى تلك المغارة التي كانوا يجتمعون ~~فيها كل شهر، فخلع ثياب تنكره ولبس ملابسه العادية، ثم عاد إلى منزله وهو يقول في نفسه: ~~إن مس ألن إذا كانت من أعدائنا فقد وجب علينا حتما إنقاذها واستخدامها في سبيل ~~أغراضنا. # 21 # ولنعد الآن إلى ميلون فإنه سار مع شوكنج من شارع ماريبيان إلى شارع لورسين حتى انتهى ~~إلى منتصف الشارع، فوقفت بهما المركبة عند باب منزل حقير كان أمامه أرض معدة للبناء، ~~وقد نصب فيها لوح أسود كتب عليه بأحرف كبيرة: «ميلون المقاول البناء.» # فأراه شوكنج الكتابة وقال له: إني لم أهتد إليك إلا بها، فإن معملك بإزاء البيت الذي ~~نقيم فيه، ذهبت إليك في المرة الأولى ولم أجسر أن أعود ثانية، غير أني كنت أرجو أن ~~أراك مع حنة حين حضورك لتفقد الأعمال فترانا وتشفق علينا. # فقال ميلون: إن لدي كثيرا من معامل البناء في باريس بحيث لا يتيسر لي تفقدها ~~بجملتها، ولو لم أرك اتفاقا لما اتفق لك أن تراني في ذلك المعمل لشدة بعده عن مركز ~~أعمالي. ~~- ولو لم ترني لكنا هلكنا جوعا؛ فإني خدمت سائسا في إصطبل قريب من هنا فلم أخدم ~~أسبوعا حتى طرأ على صاحب الإصطبل ما دعاه إلى السفر، ms2190 فباع الخيل والمركبات وعدت إلى ~~التجول والاستعطاء. # وبينما كان شوكنج وميلون يتحدثان قرب باب المنزل مر بهما رجلان وسارا ذهابا وإيابا ~~قرب المعمل عدة مرات كأنهما كانا يستغربان وقوف ميلون مع ما يبدو من ظواهر غناه مع ~~شوكنج وظواهر فقره المدقع ماثلة للعيون. # ولم تكن هيئة الرجلين تدل على التجسس وحب الاستطلاع، بل كان يبدو منهما أنهما يتنزهان ~~في تلك الجهة لكثرة أشجارها وصفاء هوائها، ولكنهما كانا يتكلمان بصوت منخفض. # غير أن شوكنج سمع منهما حين مرورهما بقربه كلمة استغرب لها، فقال له ميلون: ماذا ~~أصابك؟ ~~- لا شيء، غير أن الرجلين من الإنكليز. ~~- ألا تظنهما من أهل الشارع؟ ~~- كلا، بل أظنهما شرطيين إنكليزيين يراقباننا، وأظن أنهما هما اللذان سرقانا. # فهز ميلون كتفه وقال: إذا بدرت منهما بادرة سوء، أمرت البنائين عندي ينكلون بهما ~~تنكيلا، والآن فلندخل لنرى المرأة والغلام فدخل الاثنان إلى المنزل من رواق طويل وبقي ~~الإنكليزيان واقفين في آخر الشارع وقد رأياهما دخلا إلى المنزل. # وكانت الغرفة التي تقيم فيها الأرلندية وابنها حقيرة لا أثاث فيها ولا مستوقد لها، ~~ولم يكن فيها غير طاولة قديمة ومقعد من الخشب كانت تنام عليه المرأة وولدها، وكيس من ~~القش كان ينام عليه شوكنج. # ولم يكن على الطاولة كسرة خبز ولا قدح ماء، ولا شيء يدل على أن هؤلاء البؤساء قد ~~أكلوا منذ عهد قريب. # فتأثر ميلون من ظواهر الفقر المؤلم، وعجب بجمال الأرلندية وظواهر أنفتها. # أما شوكنح فإنه عانق الأرلندية وقال لها: بشراك يا حنة قد نجونا فهذا هو ميلون صديق ~~أبينا الرجل العبوس. # وأخذ ميلون الغلام بين يديه وقبله وقد اغرورقت عيناه بالدموع إشفاقا ثم قال لهم: ~~إنكم لا تقيمون يوما بعد في هذه الغرفة، فإن منزلي كبير لا يضيق بكم، وستعيشون معي ~~إلى أن ترد الأوامر بشأنكم من روكامبول. # وقد زادت هواجس ميلون على روكامبول بمناسبة ذكره، وجعل يسأل الأرلندية عنه أسئلة ~~مختلفة، وهي تجيبه بما ينطبق على روايات فاندا بعد عودتها من لندرا. # ثم جعل يستقصي منهم عن ms2191 السرقة، فأخبروه أنهم حين حضورهم إلى باريس كان لديهم كثير من ~~المال وحوالة عليه فأقاموا في فندق جميل، وهو الفندق الذي سرقوا فيه، ولم يكن شوكنج ~~يتهم أحدا بالسرقة، إلى أن أخبره صاحب الفندق أن رجلا إنكليزيا كان يقيم عنده في ~~غرفة مجاورة لغرفتهم وأنه سافر مسرعا يوم حدوث السرقة. # وقال ميلون: إن المصيبة غير عظيمة، فقد لقيتموني وأنا لا يعوزني المال. # ثم أعطى شوكنج مائتي فرنك وقال له: اشتر ثيابا لكم جميعا وبعد ذلك خذ الغلام وأمه ~~واحضر بهما إلى منزلي. # وعندها تذكر أن مرميس سيكون عنده في الساعة الرابعة، لكنه حسب أنه سيرجع عما قرره من ~~سرقة المال من صندوقه حين يطلع على رسالته ويعلم منها أن مس ألن عدوة لا صديقة، فلم ~~يذهب إلى المنزل، بل ذهب إلى المعمل ليتفقد الأشغال، فرأى أن الإنكليزيين لا يزالان ~~يتمشيان في الشارع. # أما الرجلان فإنهما رأيا ميلون خارجا من المنزل إلى المعمل، فقال أحدهما لرفيقه: لا ~~بد لنا أن نعلم ما كان يعمل هذا الرجل في المنزل. # 22 # إن هذين الرجلين اللذين كانا يراقبان ميلون وشوكنج وينظران إليهما خلسة، إنما كانا ~~السير جمس، وإدوارد زميله الشرطي الآخر. # وكان السير جمس يقول لرفيقه: أرأيت يا إدوارد كيف أننا لم نضع وقتنا عبثا منذ ~~البارحة، فإننا أصبحنا واثقين من عدم فرار مس ألن، ووجدنا أثر شوكنج والأرلندية ~~وابنها. ~~- لقد أحسنت إنما لا أعلم ماذا يجب أن نصنع الآن؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أننا أتينا بمهمة الوثوق من مس ألن ومنعها عن مقابلة الأرلنديين، ولكن أي شأن ~~لنا مع شوكنج والغلام وأمه؟ # فابتسم السير جمس وقال: إنني كنت الرأس المرشد، وكنت أنت اليد العاملة منذ أتينا لهذه ~~المهمة، ولكن ما ظهر لي من دلائل حكمتك ورجاحة عقلك منذ أسبوعين، يحملني على الإباحة لك ~~بحقيقة المهمة التي أتينا من أجلها إلى فرنسا. ~~- إني مصغ إليك أيها الصديق فقل. ~~- لا يخلق بنا الوقوف كي تحول حولنا الأنظار، فلنسر ذهابا وإيابا كمن يتنزه ولا ~~تحول نظرك عن ms2192 هذا المنزل. # ثم تأبط ذراع رفيقه وقال له وهما يمشيان، ليس اللورد بالمير وحده الذي أرسلنا إلى ~~باريس، فقد أرسلنا أيضا الأسقف بترس توين، ذلك الرجل القادر الذي يتولى رئاسة المذهب ~~الإنكليكاني، فإن أرلندا لم تهج فيما مر بها من الأدوار هياجها في هذه الأيام، وقد اشتد ~~ساعد الأرلنديين حتى باتت إنكلترا نفسها تخافهم. # وقال له إدوارد: وهل هؤلاء المقيمون في هذا المنزل من الأرلنديين؟ ~~- نعم. ~~- ومس ألن؟ ~~- إنها ابنة اللورد بالمير؛ أي إنها إنكليزية غير أنها تدلهت في حب رجل فرنسي يلقب في ~~لندرا بالرجل العبوس، وهو الذي أرسلها إلى فرنسا لتجيئه بالمدد؛ لأنه الآن سجين في ~~لندرا وسيحاكمونه قريبا، أما مهنتنا الأولى فهي أن نمنع اتصال مس ألن بأولئك الذين ~~جاءت لتبحث عنهم. ~~- ألعلك عرفتهم؟ ~~- كلا، ولكني سأعرفهم فلنتحدث الآن عن الأرلنديين. ~~- ولكني لا أجدهم يدعون إلى الاهتمام، فإنهم في أشد حالات الشقاء، ولا أراهم من أهل ~~البأس والعقل، ولا من أهل البسالة والنفور. ~~- إنك مخطئ، فإن شوكنج كان في لندرا كمساعد للرجل العبوس. ~~- والمرأة؟ ~~- إنها أرملة شقيق اللورد بالمير، وقتل زوجها شنقا لانضمامه إلى الأرلنديين، وهذا ~~الغلام الذي رأيته زعيم الأرلنديين الأعظم وهو لا يتجاوز عشرة أعوام. ~~- ماذا ينبغي أن نصنع بهم أنقبض عليهم؟ ~~- كلا، فإن الوقت لم يحن بعد. ~~- إذا تريد أن نخطفهم؟ ~~- نعم. ~~- ولكن ... ~~- سوف ترى، فإن شوكنج لم يكن لديه درهم في هذا الصباح، فقد أرسلت من سرق أمواله، ~~وحوالة كانت معه على ميلون المقاول. ~~- أليس هو ذلك الرجل الضخم الذي دخل مع شوكنج إلى المنزل؟ ~~- هو بعينه. ~~- كيف اتفق التقاؤهما؟ ~~- أظن أن شوكنج عاد إلى ميلون، وأن ميلون جاء معه كي يقابل المرأة ويتثبت من صدق ~~أقواله، ولا بد أن تكون الأرلندية قد وافقت على أقوال شوكنج، وأن يكون ميلون أعطاهم ما ~~يحتاجون إليه من المال، بل ربما خطر له أيضا أن يذهب بهم إلى منزله؟ ~~- أتدعه يفعل. ~~- لقد قلت لك: إنه ليس لدي أمر بالقبض على مس ألن، ولكننا نستطيع اختطاف الغلام؛ ms2193 لأن ~~الأسقف بترس توين واللورد بالمير وعداني بمكافأة قدرها عشرة آلاف جنيه إذا عدت بالغلام ~~الأرلندي إلى لندرا. ~~- أتعلم ماذا يريدان أن يصنعا به؟ ~~- لا أعلم. ~~- لعلهما يريدان إعدامه؟ # قد يكون ذلك، ولكن تبعة الجريمة تقع عليهما، أما نحن فيقبض كل منا خمسة آلاف جنيه إذا ~~تيسر لنا إيصاله إلى لندرا. # فطرب إدوارد لهذه الجائزة العظيمة وقال: إذا أسرع بالعمل. ~~- ذلك يتعلق بالحوادث، فإن شوكنج لا بد أن يخرج من المنزل، وتبقى الأرلندية وابنها ~~وحدهما فيه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أصغ إلي، فإني أريد أن أبوح لك بسر لم تكن تعلمه، وهو أني كنت قديما من الجمعية ~~الأرلندية ورقيت إلى منصب عظيم في جمعياتهم السرية، غير أني كنت فقيرا مثل جميع ~~الأرلنديين وبعت نفسي لإنكلترا سدا لعوزي، ولأني لست من أصحاب المبادئ. ~~- تريد أنك عارف بأسرار الأرلنديين؟ ~~- بل إني أعرف رموزهم وإشاراتهم السرية التي يتعارفون بها. # وبينما هما يتكلمان رأيا شوكنج خارجا من المنزل فقال السير جمس: انظر إنه خارج من ~~المنزل ويجب اقتفاء أثره. ~~- أأحدثه؟ ~~- دون شك، وتقول له: إنك إنكليزي، وإنك رأيته فقيرا معدما فوجبت عليك مساعدته، ثم ~~تجتهد أن تسير به إلى الضفة الثانية من النهر بحجة تختلقها وتطيل معه الحديث بحيث يغيب ~~ساعة عن المنزل وهو الوقت الذي أحتاج إليه. ~~- وأنت ماذا تصنع؟ ~~- سأعود أرلنديا وأقابل هذه الأرلندية. # وعند ذلك افترق البوليسان، فذهب إدوارد في أثر شوكنج وذهب السير جمس إلى منزل ~~الأرلندية وهو يقول: لا بد لي من الاستيلاء على الغلام. # 23 # لقد عرف قراء «قلب المرأة» شوكنج وأخلاقه، فإن تأثير السعادة والشقاء كان يتخلف فيه، ~~فهو إذا كان فقيرا معدما بات حكيما عاقلا حذرا، وإذا سمع رنة النقود في جيبه ذهبت ~~حكمته، وانطفأ نور ذلك العقل. # ويذكر القراء أيضا حين جعله الرجل العبوس لوردا كيف أنه كان يرتكب الهفوة إثر ~~الهفوة، حتى أوشك أن يفسد ما تقلده من أعمال لولا مراقبة الرجل العبوس. # ولما جاء باريس وسرق ما كان لديه من المال أقدم إقداما عجيبا، وفعل ms2194 ما لا يستطيعه ~~سواه في سبيل الارتزاق، كي يقوم بأود الأرلندية وابنها ويظفر بميلون. # ولما ظفر بصديق روكامبول، وملأ جيبه نقودا تبدد ذلك الذكاء، وذهبت تلك الحيلة ~~العجيبة على الرزق، وبات أبله العقل ساذج القلب، كثير الركون إلى الناس والأيام، فلا ~~يحذر أحدا، ولا ينظر إلى المستقبل إلا من خلال أقداح الخمر. # وذلك أنه حين كان واقفا منذ ساعة مع ميلون عند باب المنزل ورأى الإنكليزيين يرودان ~~حول المنزل، نظر إليهما بعين الحذر حين سمعهما يتكلمان باللغة الإنكليزية. # ولو كان خرج من المنزل كما كان حين دخل إليه؛ أي خالي الوفاض، بادي الانقباض، لكان ~~نظر إلى ما حواليه عساه يرى الرجلين، غير أن جيبه كان مفعما بما قبضه من ميلون، فسار ~~دون أن يتدانى إلى الالتفات، وتبعه الشرطي إدوارد وهو لا يراه. # وكان شوكنج ذاهبا لشراء ثياب له وللأرلندية وابنها، ومن كانت له أخلاق شوكنج لا يسير ~~ماشيا على الأقدام حين يستطيع الركوب، فلما وصل إلى الشارع رأى مركبة من نوع الأمنبوس ~~فصعد إليها وهو يعلل نفسه بركوب مركبة خاصة حين رجوعه. # وسارت مركبة الأومنيبوس الهويناء، وبعد هنيهة استوقفت بإشارة من الشرطي إدوارد وصعد ~~إليها وجلس بجانب شوكنج، ولم يعرفه شوكنج؛ لأنه ما رآه غير لمحة حين كان مع السير ~~جمس. # وجاء مراقب المركبة لقبض الأجرة فبدرت من شوكنج كلمة إنكليزية، فأظهر إدوارد انذهالا ~~وتكلف السرور وقال: أأنت إنكليزي؟ # فأجابه بالإيجاب. # ودار بينهما الحديث فقال له إدوارد: أأنت هنا منذ عهد طويل؟ ~~- منذ شهر. # فنظر الشرطي إلى ملابسه نظرة المشفق وقال: ألعلك أتيت باريس للاشتغال بمهنة سواق ~~المركبات؟ # فاستاء شوكنج من ظواهر إشفاقه وقال بجفاء: كلا. ~~- أرجو ألا يسوءك اقتراحي، فإني غني لا أطيق أن أرى مواطني في عسر وضيق. # ثم أعطاه رقعة زيارته فشكره شوكنج وأدخلها في جيبه. # ولما وصلت المركبة إلى شارع فوجيراد وقفت ونزل منها شوكنج وتبعه إدوارد ووضع يده على ~~كتفه وقال: إن كل إنكليزي يلقى مواطنا له في بلاد أجنبية يشرب وإياه كأسا من الخمر، ms2195 ~~فهل ترفض دعوتي. # فاهتز شوكنج لذكر الخمر، وهو من المولعين بها وقال له: معاذ الله أن أرفض مثل هذا ~~الطلب يا سيدي؟ ~~- إذا هلم بنا إلى هذه الخمارة؛ فإنها حسنة الظواهر. # وكان في تلك الخمارة كثير من الزبائن، فجعلوا ينظرون إلى إدوارد وشوكنج نظر الإعجاب ~~لما رأوه من اختلاف ملابسهما الدالة على ما بينهما من تباين المقام. # غير أنهما ذهبا إلى طاولة معتزلة في آخر الخمارة وطلبا زجاجة من نبيذ برتو، فشرباها ~~وطلب إدوارد زجاجة ثانية، فلم يعترضه شوكنج وشرباها، وطلب زجاجة ثالثة وطعاما مختلفا، ~~فهاجت شهية شوكنج فأكل وشرب قدر ما يأكله أربعة رجال أصحاء. # وكان الشرطي يتوقع أن يصرعه السكر من حين إلى حين، غير أن شوكنج كان مدمنا للشراب ~~فلا يصرعه القليل منه، ومع ذلك فقد أثر فيه تأثيرا أعاد إليه ذكرى أيامه السابقة مع ~~الرجل العبوس حين كان يتنعم بماله ومجده ويغير ألقابه من لورد إلى بارون إلى ~~مركيز. # فلما امتلأ بطنه من الشراب، شرب كأسا وجعل يتبسم ابتساما معنويا ثم قال للشرطي: ~~أرجوك أن تعذرني يا سيدي، فإني مضطر أن أفارقك لقضاء بعض المهام. # وعند ذلك نادى خادم الخمارة، فقال له إدوارد: ماذا تريد منه؟ # أجابه ببرود: إني أريد أن أدفع الحساب. # ثم أخذ قطعة نقود ذهبية ووضعها على المائدة، فتظاهر الشرطي بالانذهال، أما شوكنج فإنه ~~عاد إلى الابتسام وقال: إن المرء ليس بثيابه يا مواطني العزيز، فاعلم الآن أني لورد ~~غريب الأخلاق يقال عني من أهل الشذوذ. # وأنا أسافر متجولا في البلاد بغية الوقوف على أخلاق الأمم وعاداتهم، وقد تنكرت اليوم ~~بهذه الثياب الرثة وتجولت في شارع سانت مارتلي ورأيت شبها عجيبا بينه وبين شارع ~~سبيتهلد في لندرا. # فوقف الشرطي إجلالا وقال بلهجة الاحترام: ولكن ألا تتدانى يا حضرة اللورد إلى تشريفي ~~بذكر اسمكم الشريف. # فاهتز شوكنج اهتزازا كبيرا وقد زاده السكر تيها حتى أوشك أن يصدق نفسه: إني أدعى ~~اللورد ويلموت. # ثم نهض بملء العظمة كما ينهض اللورد عن كرسيه في مجلس البرلمان. ms2196 # 24 # كان السير جمس قد قال لرفيقه إدوارد: إن ساعة تكفيني لاختطاف الغلام ووضعه في محل ~~أمين ، وقد مضى أكثر من ساعة على اجتماعه بشوكنج، فلما نهض يحاول الذهاب قال في نفسه: ~~ليذهب الآن حيث شاء ولم يعترضه في شيء. # أما شوكنج، فإنه وقف وقوف المنتصر ومد يده إلى إدوارد فقال بلهجة المتواضع: لا بأس من ~~أن تزورني خلال إقامتك في لندرا. # فشكره الشرطي وقال: إن هذا شرف عظيم لي يا سيدي اللورد. # فتشامخ شوكنج وقال: إني مقيم في أوتيل لابيه، وليس لدي رقعة زيارة، ولكني سآمر رجال ~~الفندق أن يدخلوك إلي متى حضرت. # ثم تركه وهو معجب بنفسه لتمكنه من خداعه وافترقا فذهب كل منهما في سبيل. # أما شوكنج، فإن الشرب كان قد أثر فيه تأثيرا يعد قليلا بالقياس إلى المدمنين من ~~الإنكليز، ولو أصاب رجلا غير الإنكليز لصرعه؛ أي إنه وصل إلى محل بائع الثياب دون أن ~~يلتطم بالجدران. # وكان هذا المحل يشتري الثياب القديمة فينظفها ويبيعها للمقتصدين، فدخل شوكنج إلى ~~المحل ودفع لصاحبه 60 فرنكا، فألبسه ثوبا جميلا وزاده قميصا وأعطاه قفازا. # وخرج من عنده وهو يتمايل سكرا وعجبا وهو لا يشك أنه لورد حقيقي بعد هذه ~~الثياب. # وبعد أن نظر نفسه في جميع مرائي المحل مرارا وامتلأت نفسه من الغرور، فطن إلى ثياب ~~الأرلندية وولدها فقال في نفسه: كان يجب أن أحضرهما معي، لكن لا بأس فسأذهب في مركبة ~~وأعود بهما. # وسار حتى وصل إلى لكسمبرج، وكان أول من رآه في تلك الحديقة الشرطي إدوارد، وهو جالس ~~على مقعد يطالع في إحدى الجرائد فدنا منه شوكنج وسعل كي يحول إليه الأنظار، فالتفت ~~الشرطي إليه وتظاهر بالدهشة وخف للسلام عليه وهو ينظر إلى ملابسه نظرة إعجاب. # وقال له شوكنج: إني بعد أن فارقتك ذهبت إلى الفندق وغيرت ملابسي؛ لأني سأحضر جلسة ~~مجلس الشيوخ، ولكنك قد هجت شوقي إلى الشراب بما سقيتني إياه، فهل لك أن تشرب ~~زجاجة؟ ~~- إني لا أجسر على رفض طلب سيدي اللورد، ولكني ألتمس ms2197 منه على ما بيننا من تباين ~~المقام أن يأذن لي هذه المرة بدفع ثمن الشراب. ~~- لا بأس فقد أذنت لك. # وعند ذلك دخل الاثنان إلى الخمارة في الحديقة، وكان إدوارد يقول في نفسه: لا أعلم ما ~~فعل السير جمس فقد يكون محتاجا إلى أكثر من الوقت الذي عينه، فلنطل الزمن بالضحك على ~~هذا الأبله. # وكان شوكنج قد شرب مقدارا عظيما كما قدمناه وجلس مع إدوارد وجعل يشرب من الزجاجة ~~حتى صرعته الخمر وسقط على الأرض لا يعي لسكره، فنادى إدوارد صاحب الخمارة وقال له: إن ~~هذا الرجل مولع بالشراب وهو من أغنياء الإنكليز، وقد سكر كما تراه فاحمله وضعه على مقعد ~~من مقاعد الحديقة معرضا للهواء الطلق إلى أن يستفيق. # فامتثل الخمار وحمله مع رجلين من خدمه إلى الحديقة. # ومن كان يدمن الشراب كان سكره قصير المدى؛ ولذلك لم يمر بشوكنج ثلاث ساعات حتى صحا من ~~سكرته ففتح عينيه وجمع حواسه فذكر ما كان منه وما صار إليه وقال: ويح لنفسي ما أشقاني ~~فقد تركت الأم وابنها وانصرفت إلى السكر. # ثم ذكر اتفاقه مع ميلون على اللقاء فهب منذعرا وأسرع بالخروج من الحديقة، وكان عزاؤه ~~الوحيد أن الرجل العبوس لا يعلم ما كان من تقصيره. # وهناك لقي مركبة فركبها وقال في نفسه: أظن أن خطئي ممكن إصلاحه، فإني سأبقي المركبة ~~لحسابي فأذهب بها مع حنة ورالف إلى بائع الثياب ونذهب في الأثر إلى منزل ميلون. # وبعد ربع ساعة وقفت المركبة عند باب منزل الأرلندية فخرج شوكنج منها، وصعد إلى الغرفة ~~التي يبيتون فيها، فوجد الباب مفتوحا ولم يجد فيها أحدا. # فانذعر وجعل يجيل نظرا حائرا مضطربا، وكانت فتاة عاملة تقيم في غرفة مجاورة ~~لغرفتهم فرأته وقالت له: إن امرأتك وولدك قد سافرا. # فاضطرب ووقع هذا القول عليه وقع الصواعق فقال لها: كيف سافرا ومتى ولماذا؟ ~~- إن أحد مواطنيكم جاء إلى هنا وذهب بهما. ~~- أهو رجل إنكليزي؟ ~~- نعم. # فوهت قواه حتى حسب أن الأرض تميل به وذكر اللذين رآهما يرودان حول ms2198 المنزل حين كان ~~يحادث ميلون، وذاك الرجل الإنكليزي الذي أسكره فصاح صيحة رعب وخرج من المنزل راكضا ~~كأنه أصيب بالجنون. # 25 # أما ميلون فإنه عاد إلى منزله ووجد كتاب مرميس بدلا من أن يجده بنفسه، فقرأ تلك ~~الرسالة وقال في نفسه بعد الإمعان: إن مرميس مصيب فيما فعل، وكانت الخادمة لا تزال ~~واقفة أمام ميلون، فأظهر أمامها شدة استيائه من كتاب الإنكليزي وقحته، وعند ذلك جاء ~~اثنان من وكلائه فأخبرهما بأمر هذا اللورد الغريب وقال لهما وهو يتكلف مظاهر الكدر: إني ~~تأخرت ربع ساعة عن الموعد المضروب، فحسب هذا الرجل الغريب أني احتقرته وكتب لي كتابات ~~شائنة. # فقال له أحد الوكيلين: إذا لم يبق رجاء بعودته؟ ~~- ليذهب حيث شاء، فإن لدي كثيرا من الأعمال فلا أبالي بمثله والآن اصعدا معي إلى ~~غرفتي لأريكما رسم بناء جديد تعهدت ببنائه. # وكان ميلون يمثل دوره تمثيلا متقنا، فتقدم وكيله إلى غرفته ولم يكد يفتح بابها حتى ~~صاح صيحة طبيعية، وأسرع الوكيلان إليه فوجداه واقفا وقفة المنذهل وهو يقول: لقد ~~سرقوني. # وكان يجيد تمثيل الرعب إجادة طبيعية بحيث لم يخطر لأحد أن يشك في قوله، وخرج من ~~الغرفة ونادى الخادمة فقال لها: منذ أي حين خرج هذا اللورد. ~~- منذ ربع ساعة. ~~- في أي جهة مضى؟ ~~- رأيت مركبته ذهبت إلى جهة الشانزليزه. ~~- ألم تقرئي نمرتها؟ ~~- كلا، لم أنظر إلى النمرة، ولكني نظرت إلى السائق. ~~- أتعرفيه إذا رأيتيه؟ ~~- دون شك. # فخرج ميلون من المنزل مسرعا وتبعه الوكيلان، فركب مركبة معهما وهو يقول بلهجة ~~القانط: لا شك أن هذا اللص متنكر بثياب الأعيان وأن البحث عنه محال، ولكن لا بد من ~~إبلاغ الشرطة. # وكان مدير شرطة تلك الناحية يعرف ميلون حق العرفان، فما شك بكلامه فكتب أقواله وأقوال ~~الوكيلين والخادمة وقال: إني سأرسل قضيتك إلى إدارة الشرطة، فإنه يوجد في باريس الآن ~~بوليسان من الإنكليز لهم اتصال ببوليسنا، فإذا ثبت أن السارق إنكليزي، فهما يظفران به ~~دون شك، ولكن البوليس الإنكليزي لا يعمل شيئا مجانا. # فقال ميلون: ms2199 إني أدفع ربع المال المسروق إذا اقتضى الأمر. # غير أن البوليس لم يكتف بكتابة المحضر، بل حاول إجراء التحقيق التام فبدأ بالذهاب إلى ~~منزل ميلون وفحص الصندوق، فوجد أن قفل الجدار مكسور وأن قفل الصندوق نفسه سليم وليس فيه ~~أقل أثر من الاغتصاب فاستدل من ذلك أن الصندوق قد فتح بمفتاح مصنوع في إنكلترا حيث ~~صنع الصندوق. # ولما أتم فحصه قال لميلون: إن إدارة الشرطة قد تدعوك غدا لاستعلام منك واستئناف ~~التحقيق. ~~- سأذهب حين تدعوني. # فذهب الشرطي في شأنه، وتظاهر ميلون أنه يريد الإقامة منفردا في غرفته لشدة أسفه على ~~المال. # غير أنه لما خلا بنفسه ذهبت عنه آثار الانقباض وقال في نفسه: إنهم يتهمونني بالبلاهة، ~~وقد أتهم نفسي بالبله أيضا غير أني قد فعلت اليوم ما لا يفعله روكامبول ومثلت دوري ~~تمثيلا خدع به وكلائي ومأمور الشرطة نفسه. # ثم ظهرت عليه مظاهر الإعجاب بنفسه، وجعل ينظر في حساباته بملء الرضى. # وفيما هو على ذلك طرق باب غرفته، ودخلت الخادمة فقالت له: لقد جاء يا سيدي إنكليزي ~~آخر وهو يطلب أن يراك. # فتذكر ميلون موعده مع شوكنج وقال لها: أتدل ملابسه على الفقر؟ ~~- كلا، فإنه لابس خير الثياب. ~~- أيصحبه امرأة وغلام. ~~- كلا، بل هو وحده ولكنه يبكي بكاء شديدا، فاحذر يا سيدي فإني أخشى أن يكون هذا ~~الإنكليزي أيضا من الماكرين. # فخرج ميلون من غرفته ونزل إلى الدور الأسفل، حيث كان ينتظر شوكنج فاستقبله باكيا ~~وقال له: لقد اختطفوا حنة ورالف أيضا. # ثم قص عليه جميع ما كان يعلمه. # ولم يكن شوكنج يعلم غير أمرين، أحدهما أن رجلا إنكليزيا سقاه فأسكره، والآخر أن ~~رجلا إنكليزيا أيضا قدم إلى المنزل وذهب بالأم والغلام. # فأشكل الأمر على ميلون، وقال في نفسه: لا يحل هذا المشكل إلا مرميس. # ثم أوصى شوكنج أن يبقى في المنزل إلى حين عودته، وذهب إلى بيت مرميس فوجده وقص عليه ~~ما جرى. # فلما فرغ من حديثه ابتسم مرميس وقال له: أهذا الذي أشكل عليك فهمه؟ ~~- وأي إشكال أعظم ms2200 من هذا؟ ~~- إن الذين اختطفوا الغلام هم نفس الذين سجنوا المس ألن. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد، وقد نصبت لهم فخا فمتى وقعوا فيه استرجعنا الغلام وأمه كما نسترجع المس ~~ألن. # فأعجب ميلون به وقال له: أرى لك قريحة الرئيس، فإنك تجد مخرجا من كل أمر. ~~- لا أقول لك: إن لي ذكاء روكامبول، ولكني أذكى منك؛ فإنك تغرق في قدح ماء كما ~~يقولون. # 26 # ولنذكر الآن ما جرى للأرلندية وابنها، فإن السير جمس أخبر رفيقه إدوارد أنه كان من ~~الأرلنديين، وحكايته أنه بعد أن خان تلك الطائفة، التي أصبحت شغل إنكلترا الشاغل، هرب ~~إلى البلاد الأميركية خوفا من الأرلنديين، ثم عاد بعد أن أقام مدة طويلة في لندرا، فلم ~~يعرفه فيها أحد. # وكان يعتمد في خديعة الأرلندية على تلك الإشارات التي كان يعرفها حق العرفان، فإنه ~~كان من كبار تلك الطائفة قبل أن يبيع نفسه للإنكليز بيع السلع. # وكان قد تداول مرات كثيرة مع اللورد بالمير ومع الأسقف بترس توين قبل أن يحضر إلى ~~فرنسا، فعلم من هذا الأسقف جميع ما جرى أخيرا من الحوادث، ولكنه لم يبح بشيء منها ~~لرفيقه إدوارد. # ويذكر القراء أنه حين كان يقيم مع رفيقه في منزل مس ألن لحراستها كان يعهد في أول ~~الليل بمراقبتها إلى رفيقه ويذهب متجولا في أنحاء باريس للبحث عن الأرلنديين ~~ومراقبتهم. # وأن البوليس الفرنسي لم يأذن له إلا بالقبض على مس ألن، ولكنه سمح له بواسطة السفارة ~~أن يقتفي أثرهم، وعين في خدمته رجلا حاذقا يعرف جميع خفايا باريس. # وقد جعل السير جمس نصب عينيه البحث عن الغلام وأمه، والقبض عليهما، ثم إيجاد محل أمين ~~يسجنهما فيه، إلى أن ترد إليه الأوامر من الأسقف، ويذهب في كل ليلة مع الرجل الفرنسي، ~~فيطوف في الشوارع المقفرة باحثا عن منزل معتزل بعيد حتى فاز ببغيته، فانصرف إلى البحث ~~عن الغلام وأمه. # وبعد ذلك بثلاث أيام عثر بالبيت الذي يبحث عنه، ووقف في المساء على أثر الأرلندية ~~وابنها. # فبينما كان إدوارد يسير مقتفيا أثر ms2201 شوكنج، كان السير جمس يصعد إلى منزل الأرلندية، ~~وقد وضع خطة لإغوائها، يستحيل عليها أن تعلم المراد منها. # فلما وصل إلى الدور الثالث رأى فتاة خارجة من باب منزلها فقال لها: أين يقيم الإنكليز ~~من هذا البيت؟ # فدلته على غرفة الأرلندية فصعد إليها. # وكان باب الغرفة لا يزال مفتوحا، بعد ذهاب شوكنج، وكانت جالسة مع ابنها تلاعبه ~~وتمازحه، وقد اطمأن بالها بعد أن اجتمعت بميلون، فلما رأت السير جمس ذعرت غير أنه ~~بادرها بالإشارة الأرلندية السرية، فمشت إليه مطمئنة وقالت له: ماذا تريد أيها ~~الأخ؟ # فأجابها باللغة الأرلندية الاصطلاحية: إني أبحث عنك أيتها الأخت منذ عهد طويل. ~~- عني أنا؟ ~~- نعم، وعن ابنك زعيمنا الأكبر. # وعند ذلك ركع أمام الغلام وقبل يديه بملء الاحترام، ثم قال له بلهجة الكئيب: إن ~~واحدا من إخواننا يحتضر في هذه المدينة المتسعة التي لجأنا إليها فرارا من الذين ~~يضطهدوننا، وقد أراد هذا المحتضر أن يردد نفسه الأخير أمام الزعيم الذي ستلقى إليه ~~مقاليد أرلندا، فهل ترفضون طلب ذاك المنكود في ساعة الموت؟ # فأجابته حنة: كلا أيها الأخ، وسنسير معك إليه. # غير أن السير جمس، ذلك الخائن الذي باع سر إخوانه للإنكليز، كان قد ألف حكاية صغيرة ~~يرويها للأرلندية، كي يتم إغوائها بمساعدة إشاراته السرية فقال لها: أصغي إلي أيتها ~~الأخت، فإني قد أتيت خصيصا إلى باريس من أجلك، ولكني لم أقف على أثرك إلا منذ بضع ~~ساعات. # فنظرت إليه حنة وقالت: من الذي أرسلك إلي؟ ~~- رجلان يدعى أحدهما صموئيل. # فأزال اسم هذا الكاهن من نفس الأرلندية كل ريب وأتمت الإشارات السرية تطمينها. # وعاد السير جمس إلى الحديث فقال: إني أبحث عنك منذ ثمانية أيام، وإنما أبحث عنك ~~لسببين الأول هو صدور الأمر إلي بإيجادك، والثاني وجود ذاك الأخ المنكود على فراش ~~الموت، والتماسه بركة رئيسنا الأعظم قبل مفارقته الحياة. ~~- أين يقيم هذا المحتضر؟ ~~- إنه يقيم في منزل بعيد يجب أن نسير إليه في المركبة. ~~- أيمكن أن نعود قبل هجوم الليل؟ ~~- دون شك. # فابتسمت حنة وقالت: ms2202 إنك تنذهل، أيها الأخ، لمبادرتي إياك بهذا السؤال. ~~- هو ما تقولين. ~~- إنك آت من قبل الكاهن صموئيل كما تقول، ومن رجل آخر أليس كذلك؟ ~~- نعم أيتها الأخت. ~~- ما اسم الرجل الآخر؟ ~~- لا اسم له، ولكنهم يلقبونه بالرجل العبوس. # فمدت حنة يدها إليه وقالت له: ما دام الاثنان قد أرسلاك إلي، فإني أتبعك حيث ~~تشاء. # ثم إني لا أخفي عنك أمرا من أموري فإننا حين جئنا إلى باريس أرسل الرجل العبوس معنا ~~رفيقا. ~~- وهذا الرفيق يدعى شوكنج. ~~- أتعرفه؟ ~~- نعم وكنت أرجو أن أراه معك. ~~- إنه ذهب في بعض الشئون. ~~- وا أسفاه كنت أحب أن ننتظره فيذهب معنا، ولكن الرجل في حالة النزع وأخشى أن يعيقنا ~~الانتظار فيموت قبل أن نصل إليه. ~~- لقد أصبت، وفوق ذلك فإن شوكنج عندما يكون ملآن الجيب لا يهتم بالإسراع في العودة ~~وسأخبرك عن أمرنا في الطريق. ~~- وأنا ذاهب لإحضار مركبة فتأهبي. # ثم ذهب، فأسرعت حنة بارتداء ملابسها، وأخذت غلامها بيدها وحاولت أن تسير به فلم يسر، ~~فذهلت أمه لمقاومته وقالت له: ماذا طرأ عليك؟ ~~- إني أخاف يا أماه. ~~- لماذا الخوف يا بني وممن خفت؟ ~~- إن خوفي من هذا الشخص ولا أحب الذهاب معه. ~~- لا سبيل إلى الخوف؛ فإنه من إخواننا الأرلنديين. ~~- كلا، وإني خائف منه. # وكانت ثقة حنة بالسير جمس راسخة بعدما أخبرها أنه قادم من قبل الرجل العبوس والكاهن ~~صموئيل، فأنبت ولدها وقالت له: إنك رجل والرجل لا يخاف. # فتحمس الغلام ووقف فقال لأمه بعظمة: إذا كنت تريدين الذهاب فلنذهب، ولكن سوف ترين ~~أننا سنصاب بنكبة. # فلم تحفل حنة بقول ولدها وحسبت حذره من قبيل الهواجس. # أما رالف فإنه لم يقاومها بعد أن أنذرها ونزل معها، فوجد السير جمس قد جاء بالمركبة، ~~فصعدا إليها مع السير جمس، وسار السائق إلى حيث أمره الشرطي. # وقد أخبرته حنة وهم سائرون بما جرى لهم في باريس، وكيف أنهم سرقوا منهم مالهم ~~والحوالة إلى أن أخبرته بحضور ميلون إليه وإحسانه إليهم ودعوته لهم إلى منزله. # ثم قالت له: وهذا ms2203 هو السبب في اضطراري إلى الرجوع قبل الظلام؛ لأننا وعدناه أن نكون ~~عنده في هذا الموعد. ~~- حسنا وأنا أذهب بكما إليه متى فرغنا من هذه المهمة. # وظلت المركبة سائرة من شارع إلى شارع، حتى وصلت إلى شارع ضيق يدعى الشارع الأخضر، ~~فدخلت فيه ووقف عند منعطف لم تدخل فيه المركبة. # فنزل السير جمس وأعان الأرلندية وابنها على النزول وقال لها: إن المنزل قريب جدا من ~~هنا. # ثم حاول أن يأخذ بيد الغلام، فنفر منه والتصق بأمه. # فقال له السير جمس، باللغة الأرلندية الاصطلاحية: ألعلك خفت يا بني؟ # فأثرت لهجته الحنونة وهذه اللغة برالف فأعطاه يده، وسار الشرطي بالاثنين في ذلك ~~الشارع. # 27 # كان هذا الشارع الضيق كثير السكان، ولكن معظمهم من العمال، فكانوا إذا أشرق الصباح ~~هجروا مساكنهم إلى المعامل فلا يعودون إلا حين يقبل الظلام. # ولذلك لم يكن يوجد فيه مدة النهار غير امرأة ترضع ولدها أو صغار يلعبون عند أبواب ~~المنزل. # وكان يوجد في وسط هذا الشارع من جهة مدخل الشارع الأخضر منزل مرتفع ذو ثلاثة أدوار، ~~فكان يقيم في الدور الأول منه رجل فحام، وفي الدورين الآخرين فريق من العمال. # غير أن العمال لا يقيمون في منازلهم إلا في الليل كما قدمناه، فلا يبقى في المنزل ~~نهارا إلا ذلك الفحام. # وقد دخل السير جمس مع حنة ورالف إلى ذلك المنزل، فلم ترعهما قذارته، ولا ضيق ذلك ~~الشارع، فقد ألفت مثل هذه المناظر في شوارع لندرا المقفرة. # ولذلك دخلت إلى رواق المنزل المظلم في أثر السير جمس دون تردد أو خوف. # ولما بلغوا إلى آخر الرواق انتهوا إلى باب قرعه السير جمس فأسرع الفحام إلى فتحه ~~واستقبال الزائرين. # وهذا الفحام يناهز الأربعين من العمر، وهو ضيق الجبهة صغير العينين قوي العضلات شديد ~~البنية، ولكن هيئته تدل على الشر. # وكان أرملا، غير أن الأقوال قد اختلفت عن موت امرأته، فقال بعضهم: إنه سقاها سما، ~~وقال آخرون: إنه قتلها خنقا، فلما اشتهرت الإشاعات سجنه البوليس، وأطلق سراحه بعد ~~التحقيق. # ثم ms2204 إنه كان له ابنة تبلغ الخامسة عشرة من عمرها كان يعاملها أسوأ معاملة وينهكها ~~ضربا. # فلما ماتت أمها هربت من منزل أبيها، فلم يعلم أحد ما جرى لها، ولم يكترث أبوها ~~لاختفائها. # وكان هذا الرجل يدعى شاباروت، وهو شديد البخل كثير الشغل، فظ الطباع هائل ~~الخلقة. # وكان جميع أهل الشارع يخافونه، وإذا جاء النساء لشراء الفحم والحطب من دكانه لا يجسرن ~~على تخطي العتبة. # على أنه كان كثير الصمت لا يعاقر الخمر ولا يخاصم أحدا، ومع ذلك فقد كانوا يخافونه ~~ويبتعدون عنه ما استطاعوا. # ويذكر القراء أن السير جمس كان قد استخدم رجلا فرنسيا عارفا بجميع خفايا باريس، ~~فقال له الرجل يوما: إنك قد سألتني أن أرشدك إلى رجل شديد العزم ثابت الإرادة يقدم على ~~كل أمر، فإذا كنت لا تزال في حاجة إلى هذا الرجل فهلم معي أرشدك إليه. # فتنكر السير تلك الليلة بثياب العمال وسار معه إلى حانته، فأراه ذلك الرجل الفحام ~~جالسا في زاوية الخمارة يتعشى وقال له: هذا هو الشخص الذي تحتاج إليه، فاتفق معه يفعل ~~ما تشاء، أما أنا فإني ذاهب إذ لا أتداخل بينكما في شيء. # ولا شك أن الفحام كان عالما باحتياج السير جمس إليه، فإنه استقبله على شراسة طباعه ~~بالابتسام. # فجلس السير معه وطلب قنينة خمر فشرباها معا وتحادثا مليا، فأفضت المحادثة إلى أن ~~السير أعطاه قبضة من الذهب فبات الفحام بعد هذه المقابلة طوعا للشرطي في كل ما ~~يريد. # وقد اجتمع به السير مرارا بعد هذا الاجتماع. # وكان التقاؤهما دائما في الحانات، ولم يزره في دكانه غير مرة واحدة، وهي المرة ~~الأخيرة. # فلما وصل السير جمس مع الأرلندية وابنها لم يدخل إلى دكان الفحام، بل دخل في الرواق ~~وطرق الباب، فأسرع الفحام بغية فتحه وتبودلت بينه وبين السير جمس نظرة سرية، كان يقول ~~له فيها: اتبعني، فقد فهمت المراد. # وكان السير ماسكا يد الغلام فتبع الفحام وورائهما الأرلندية، فاجتازوا فسحة كانت ~~مظلمة في رابعة النهار. # وفي جوار هذه الفسحة فسحة أخرى، ms2205 بل هي سقف كان الفحام يخزن تحته فحمه وأخشابه. # وساروا على هذا السقف في الظلام الحالك. # وكان السير كلما آنس من رالف ترددا يكلمه بلغته الاصطلاحية، فيطمئن ويسير. # وكانت الأرلندية ترجو من حين إلى حين أن ترى سريرا وعليه ذلك الرجل المحتضر، ولكنها ~~لم تر شيئا. # واستمروا سائرين حتى وصلوا إلى باب في آخر الفسحة ففتحه فلم يروا شيئا لشدة ~~الظلام. # ولكن الفحام أضاء شمعة وتقدمهم، فوجدوا أنهم في مكان يشبه القبو. # وكان نور الشمعة ضعيفا حتى إنهم لم يروا ما يوجد داخل هذا القبو، ولكنهم كانوا ~~يشعرون أنه سقف خشبي وأنه تحته فراغ. # فكان الفحام يتقدم الجميع بشمعته، وفي أثره السير والغلام، ووراءهما ~~الأرلندية. # فلم يسيروا ثلاث خطوات حتى وقف الفحام وانحنى إلى الأرض باحثا كأنه يلتقط شيئا، ~~فانذهل الغلام لانحنائه ثم شعر باهتزاز شديد، تلاه صيحة وصوت يشبه صوت سقوط جسم في ~~المياه، فالتفت الغلام منذعرا فلم ير أمه. # أما الأرلندية فإنها قد اختفت، ذلك أن الأرض قد فتحت تحت قدميها فسقطت في هوة تحت ~~السقف الذي كانوا يسيرون عليه. # 28 # وكان رالف قد ذعر لهذا الصوت الذي سمعه وحسب في البدء أن الحادث بسيط، فالتفت وراءه ~~مناديا أمه، غير أن حركة السقف الذي فتح فجأة كانت سريعة بحيث فتح تحت أقدام حنة ~~وانغلق بأسرع من لمح البصر، فلم ير الغلام شيئا مما حدث. # ولكن الذعر تمكن من قلبه حين التفت ولم ير أمه، وحاول الرجوع والإفلات من يد السير ~~جمس وهو ينادي يا أماه. # أما السير فإنه مسكه بيد شديدة، بينما كان الفحام يضحك لصياحه ضحك المستهزئين، فعض ~~رالف تلك اليد بملء قوته، حتى إن السير صاح متألما وأفلته. # فانقض الفحام عند ذلك عليه، وضغط على عنقه ضغطا منعه عن الصياح. # وكان هذان الشقيان سمعا بعد سقوط حنة صوت جسم يضطرب في المياه، ثم انقطع هذا الصوت، ~~وساد السكون فقال الفحام ضاحكا: أظن أن أمرها قد انقضى. # وعاد إلى الضغط على عنق الغلام حتى اندلع لسانه وانحبس ms2206 الدم في وجهه فصاح به السير ~~قائلا: ويحك إنك ستخنقه، فاحذر أن تقتله فإن حياته ثمينة عندي. # وكان الغلام لا يزال يناضل ، فقال الفحام للسير جمس: إذا أربط فمه بمنديل. # فتعاون الشقيان على ربط فمه، وحملاه إلى مستودع الفحم، فألقاه ذلك الوحش الكاسر في ~~الأرض ووضعه في كيس فحم فارغ، فكاد غباره يعمي عينيه. # وعند ذلك دار بين الاثنين الحديث الآتي: قال الفحام للسير: ماذا يجب أن نصنع ~~به؟ ~~- أتظن أن أمه قد غرقت؟ ~~- دون شك، فإن المياه التي سقطت فيها يبلغ عمقها عشرة أقدام فليطمئن بالك، وقل لي ~~ماذا نصنع بالغلام؟ ~~- يجب أن تبقيه عندك. ~~- إلى متى؟ ~~- إلى الغد. ~~- أيجب أن أطعمه؟ ~~- دون شك، إلا إذا اشتد صياحه فعاقبه بالجوع. ~~- إني سأضعه في مكان يصرخ به قدر ما يشاء فلا يسمع صياحه أحد، ثم حمل الكيس الذي وضع ~~فيه الغلام وقال له مشيرا إلى قطعة ضخمة من الخشب: أزح هذه الخشبة من موضعها. # فأزاحها السير جمس فانكشفت عن سلم يؤدي إلى قبو فقال له: انتظرني هنا، فإني عائد ~~إليك. # ثم نزل وبعد هنيهة عاد وقال: إني سجنته في قبو لا يجد منه مخرجا ولا يجيب صياحه فيه ~~غير الصدى ثم مد يده إلى السير جمس وقال: لقد فعلت ما علي فافعل أنت ما عليك، فأخذ ~~السير جمس ألف فرنك ذهبا من جيبه ودفعها له وقال: خذ نصف أجرتك الآن. # فحملق الفحام بعينيه وقال: والنصف الآخر؟ ~~- سأدفعه لك متى أخذت منك الغلام وأنا أريد بذلك أن تحرص عليه. ~~- كن مطمئنا فسأحرص عليه كل الحرص. ~~- إذا سأحضر غدا لاستلامه وأدفع لك بقية ما اتفقنا عليه. # فتنهد الفحام وقال: ليكن ما تريد. # ثم افترق الاثنان ودخل الفحام إلى دكانه وخرج السير من الرواق إلى الشارع الآخر، وركب ~~المركبة التي جاء فيها وذهب توا إلى إدارة التلغراف وأرسل الرسالة البرقية الآتية: # لحضرة الأسقف بترس توين # لندرا 92 أوكسفورد ستريت # إن رالف عندي، أيجب أن نسافر؟ أجبني على الفور. # سير جمس # وبعد أن أرسل ms2207 الرسالة الدموية سار آمنا مطمئنا إلى القهوة الإنكليزية ليتناول فيها ~~طعام العشاء وهي القهوة التي واعد رفيقه إدوارد على مقابلته فيها. # غير أن إدوارد أبطأ في الحضور، ولم يعد إلا بعد أن أتم السير عشاءه، فقال له إدوارد: ~~ماذا صنعت؟ ~~- قضي الأمر. ~~- وأين وضعت الغلام؟ # فابتسم السير وقال: في محل أمين لا يصل إليه أحد. ~~- أما أنا فإني مررت بالفندق وأحضرت لك منه كتابا ورسالة برقية وردتا باسمك. # فأخذها السير منه وبدأ بفتح الرسالة البرقية وهي واردة إليه من الأسقف بترس توين فقرأ ~~ما يأتي: # اكتب كتابا مفصلا وانتظر أوامر جديدة. ~~- كما يريد، ثم فتح الكتاب فوجد أنه من البوليس الفرنسي وقد تضمن ما يأتي: # احضر في الساعة التاسعة صباح غد إلى مكتبي، فإن لدي اقتراحا أعرضه عليك ~~ومهمة أعهد بقضائها إليك. # فقال بعد أن قرأ هذه الرسالة: إني لا أعلم ما يريد مني غير أني أظن أنه يستخدمنا في ~~سبيل القبض على بعض اللصوص الإنكليز؛ إذ يوجد عصابة منهم قدمت حديثا إلى باريس وهو أمر ~~يسرني، فإننا لا نخدم البوليس الفرنسي مجانا. ~~- إذا تذهب في الساعة التاسعة من صباح غد؟ ~~- دون شك، إنها فرصة مناسبة للكسب، ثم جعل يدخن مع رفيقه دون أن تخطر في باله تلك ~~المرأة المنكودة أو يمر في خاطره ذلك الغلام الصغير. # 29 # في صباح اليوم التالي ذهب السير إلى إدارة الشرطة ودخلت مركبته إلى رصيف ~~أورفيفر. # وهناك محطة للمركبات كان فيها نحو عشرين مركبة تنتظر وهي خالية من الناس، ما خلا ~~مركبة كانت ستائرها مرخية، ولكن رجلين كانا ينظران فيها من خلال تلك الستائر إلى كل ~~قادم. # وكان هذان الرجلان مرميس وميلون، فقد صعدا إلى هذه المركبة منذ الساعة الثامنة ونصف ~~وقالا لسائقها: إنهما ينتظران قادما وإنهما استأجرا مركبته بالساعة فأوقفها في خدمتهما ~~وجعل الاثنان يراقبان القادمين إلى دائرة الشرطة من خلال السجف ويتحدثان بصوت ~~منخفض. # وافتتح مرميس الحديث فقال: أتحسب يا ميلون أن الإنكليز يستطيعون التنكر في باريس، فإن ~~من كان مثلي يعرفهم ms2208 من حركاتهم إذا تعذر عليه معرفتهم من وجوههم. # وقال ميلون: إذا أنت تريد أن تعرفه؟ ~~- دون شك. ~~- ولماذا لا تدعني أقابل مدير الشرطة قبله . ~~- ذلك لأنك تعرف الرجلين اللذين كانا يرودان حول منزل الأرلندية حين كنت مع شوكنج، ~~فإذا جاء أحدهما لإدارة الشرطة عرفته وأرشدتني إليه، ثم إني أحب أن يصل قبلك إلى دائرة ~~الشرطة. # ثم تنقلا من حديثهما إلى حديث آخر، وفيما هما على ذلك مرت بهما مركبة فوقفت عند باب ~~الشرطة وخرج منها رجل وكلم السائق. # فقال مرميس: هذا هو إذا لم تخطئ فراستي. # وقال ميلون: لقد أصبت فإنه أحد الرجلين اللذين رأيتهما البارحة. ~~- إذا أصغ إلي، فإن هذا الشرطي قد صعد إلى دائرة الشرطة لمقابلة المدير، فاصبر ~~هنيهة واصعد في أثره، واجتهد أن تخرج معه سواء عهد إليه المدير بالبحث عن سارق أموالك ~~أو لم يعهد إليه. ~~- لماذا؟ ~~- لتكون واثقا من أن هذا الرجل لم يأت إلى دائرة الشرطة لغير هذه المهمة. ~~- كفى لقد فهمت وبعد ذلك ماذا أصنع؟ ~~- تعود إلى منزلك. ~~- وأنت؟ ~~- أما أنا فلدي كثير من المهمات، وسأبدأ منها باقتفاء أثر هذا الرجل. ~~- إن فكري يحدثني بأنه لا يرضى أن يبحث عن السارق. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أدعى ميلون ولأنه أحد الرجلين الذين سرقا حوالة شوكنج علي، فهو يؤثر ~~الابتعاد عني. ~~- إنك مخطئ فاخرج الآن من المركبة واذهب إلى إدارة الشرطة فقد آن الأوان. # فامتثل ميلون دون أن يعترض ونادى مرميس السائق فدله على مركبة السير جمس وقال: ~~أتستطيع مركبتك أن تدرك هذه المركبة حين انطلاقها؟ ~~- دون شك. ~~- إني أريد اقتفاء أثر راكبها وسأكافئك عن ذلك بعشرين فرنكا. ~~- سأفعل ما تريد فلا يغيب عنك لمحة طرف. # أما السير جمس فإنه دخل إلى المدير فأحسن استقباله وقال: إني دعوتك أيها الزميل ~~لمشاركتي في البحث عن سرقة ارتكبها أحد مواطنيكم. ~~- إني أعلم بوجود عصابة من لصوص الإنكليز في باريس، فهل مقدار المال المسروق ~~عظيم؟ ~~- مائة ألف فرنك. ~~- كم تدفع لي إذا وجدت المال؟ ~~- ربعه؛ أي خمسة وعشرين ألف فرنك. ms2209 ~~- إن القدر يسير لا يحمل على الاهتمام، غير أنك ساعدتني في مهمتي خير مساعدة ولا بد ~~لي من مساعدتك أيضا، فأرني أوراق التحقيق. # وقبل أن يتم مطالعتها دخل ميلون فنظر إلى السير جمس نظرة تدل على عدم المبالاة بحيث ~~اقتنع السير جمس أن ميلون لم يعلم بعد باختطاف الأرلندية وغلامها، وأنه لم ينهمك إلا في ~~البحث عن ماله المسروق. # وأخبره مدير الشرطة أنه هو صاحب المال المسروق، فسأله أسئلة كثيرة واسترشد منه على كل ~~علائم الرجل الإنكليزي الذي زاره ثم قال: عد يا سيدي إلى منزلك ولا تهتم بهذه السرقة ~~وسنرجع إليك أموالك بعد ثلاثة أيام. ~~- ألا يجب أن أراك في خلال هذه المدة؟ ~~- كلا، فإني عرفت عنوانك فمتى قبضت على السارق كتبت إليك في البريد. # وكان السير جمس بلهجة الواثق من فوزه، فتظاهر ميلون بالسرور وقد فعل ما أمره به مرميس ~~فإنه لم يخرج من غرفة مدير الشرطة إلا مع السير جمس ولم يفترق عنه إلا في الفسحة ~~العمومية وعاد إلى منزله، وركب السير جمس المركبة التي تنتظره وسارت به. # وعند ذلك أمر مرميس سائق مركبته أن يقتفي أثره وجدد له الوعود. # ولم يكن لمركبة السير جمس نافذة من الوراء فلم ير مركبة مرميس ولم يخطر في باله أنهم ~~يتبعونه. # ولبثت مركبة السير جمس تسير ومرميس في أثرها حتى وقفت عند باب فندق اللوفر فأطلق سراح ~~السائق وصعد إلى الفندق. # أما مرميس فإنه أوقف مركبته بعيدا عن الفندق فخرج منها وأطلق سراحها، ثم أخرج من ~~جيبه محفظة أوراق فألقاها على الأرض بحيث تلوثت في الوحل وابتلت بمياه المطر فحملها ~~بيده وذهب إلى الفندق وهو يقول: لنلعب الآن مع هذا الإنكليزي لعبة المحفظة، فإنه لا ~~يفطن لها مهما بلغ من الخبث والدهاء. # 30 # إن خدعة المحفظة مشهورة في باريس دون سواها وهي خدعة لم يستنبطها اللصوص ولم يألفوها، ~~ولكن الذي اخترعها جماعة النصابين. # وقد استنبطوها خاصة للجاسوسية ومكائد الغرام، فإنه يوجد منهم جماعة في كل شارع يقيمون ~~فيه الأغنياء فيتجسسون ms2210 النساء والرجال ويستفيدون مما يعلمونه من أسرار غرامهم. # مثال ذلك أنهم يجدون رجلا يسكن في منزل فخيم وهو غني عجوز قبيح الوجه، ثم يعلمون أن ~~له امرأة جميلة صبية فيأخذون من ذلك الحين مراقبة تلك المرأة. # وأن الواحد يكمن لتلك المرأة فيجد أنها تخرج في صباح كل يوم من منزلها فيتبعها ويجد ~~أنها دخلت إلى الكنيسة وهي تحمل كتاب الصلاة فيدخل في أثرها، فيجد أنها خرجت من باب آخر ~~فلا يتأثر لاحتجابها، بل يسر لأنه يرى أن ظنونه قد تحققت فيها. # وفي اليوم الثاني يأتي إلى الكنيسة في الموعد نفسه فيكمن لها قرب الباب الذي خرجت منه ~~بالأمس فيراها قد ركبت مركبة ودلت السائق على المنزل الذي تريد الذهاب إليه فيقفو أثرها ~~ويعرف اسم العاشق الذي تزوره كل يوم. # فلا يمر بذلك عهد طويل حتى يرد إلى العاشق كتاب من ذلك الجاسوس ينذره فيه بإخبار زوج ~~عشيقته بسر غرامه إذا لم يدفع له مبلغا بعينه ويكتب مثل هذا الكتاب للزوجة، فإما أن ~~يكون لديها المال المطلوب فتدفعه أو تبيع ما لديها من الحلي والمجوهرات هربا من ~~الفضيحة أو تخبر الشرطة بأمرها فيقبض على هذا النصاب ويبقى سرها مكتوما لشدة حرص ~~الشرطة على الكتمان. # ومن ذلك أن أحد هؤلاء النصابين يتفق أن يكون في غابات بولونيا أو في الشانزليزه فيرى ~~مركبة وقفت وفيها رجل وامرأة فيخرج الرجل منها ويذهب ماشيا على الأقدام وتعود المركبة ~~بالمرأة إلى منزلها، فيعلم هذا النصاب أنهما كان في موعد غرام، ويقتفي أثر المركبة حتى ~~يرى المنزل الذي وقفت عنده ويرى المرأة خرجت منها وصعدت إلى المنزل. # وعند ذلك يأخذ من جيبه محفظة جميلة من الجلد الروسي فيغمرها بالتراب ويذهب بها إلى ~~بواب ذلك المنزل فيقول له: إن تلك السيدة التي دخلت الآن سقطت منها محفظة وهي تدفع أجرة ~~السائق، فقل لي اسمها وفي أي دور تقيم كي أرجعها إليها. # فيقول له البواب: إنها فلانة، وإنها تقيم في الدور الأخير من المنزل إلى جهة اليسار ~~فيشكره النصاب ms2211 ويصعد، ولكنه لا يقف عند باب البيت، بل يصعد إلى السطوح فيقيم هنيهة ثم ~~يعود وقد عرف اسم المرأة ومنزلها. # ومن ذلك الحين يأخذ بمراقبتها حتى يعثروا بعاشقها، فيرسلون إليهما رسائل الإنذار كما ~~تقدم. # ولنعد الآن إلى موضوعنا فإن مرميس قد لجأ إلى هذه الخدعة ليعلم اسم هذا البوليس ~~الإنكليزي والاسم الذي يتنكر به في الفندق. # وكان قد لبس ثياب رثة فدنا من البواب وأراه المحفظة ووصف له الرجل الإنكليزي الذي ~~دخل، وسأله أن يرشده إلى غرفته كي يرد إليه المحفظة التي سقطت منه. # فقال له البواب: إنه يدعى السير جمس وود ويقيم في الغرفة التي نمرتها 18، ثم أذن له ~~بالصعود إشفاقا عليه لما رآه من دلائل فقره. # 31 # كان هذا الفندق الذي دخل إليه السير جيمس من أعظم فنادق باريس وأتقنها إدارة وتنظيما ~~بحيث لا يمكن أن يدخل إليه زائر دون أن يراه البواب ويدقق في أمره. # ولكن حين يدخل الزائر إليه ويصعد إحدى سلالمه الكثيرة تبطل المراقبة ولا يلتفت أحد ~~إليه. # وفي هذا الفندق نحو ألف غرفة وكثير من الأروقة فكان يزدحم فيه الإنكليز والألمان ~~والروس والأتراك، ويمتزج فيه الخادم مع السائق، والحمال مع الترجمان، ومنظف الغرف مع ~~خدام باعة الثياب. # فلما دخل مرميس إليه وأمن المراقبة قال في نفسه: إن العجلة تورث الندامة والوقت فسيح ~~لدي لفحص أحوال هذا الرجل. # وقد رد محفظته إلى جيبه؛ لأنه لم يخطر له في بال أن يقابل السير وجها لوجه بحجة ~~المحفظة، بل اتخذها ذريعة للدخول إلى الفندق بملابسه الرثة. # ولكنه ذهب إلى الرواق الذي كانت فيه غرفة الشرطي وجعل يسير ذهابا وإيابا وهو لا ~~ينفك عن زيارة باب تلك الغرفة. # وقد رأى أن مفتاحها لا يزال في قفله من الخارج فقال في نفسه: إن السير غير عازم على ~~إطالة الإقامة في غرفته، ولولا ذلك لكان أخرج المفتاح من قفله وأقفل غرفته من الداخل ~~وربما كان ينتظر زيارة زائر. # ولم يكن مرميس مخطئا في ظنه، فإنه لم تمر به بضع دقائق ms2212 حتى أقبل الشرطي إدوارد ففتح ~~الغرفة ودخل إلى السير جمس. # وكان الرواق مقفرا؛ إذ لم تكن تلك الساعة ساعة عودة المقيمين في الفندق فما نظر ~~مرميس أحدا فيه ودنا من باب الغرفة يحاول الإصغاء لما يجري بين الاثنين من ~~الحديث. # وأن العادة في مثل هذه الفنادق الكبرى أن يضعوا مقاعد من الخشب في كل رواق كي يستريح ~~عليها المنتظرون، وكان يوجد مقعد عند باب غرفة السير. # وأخرج مرميس أنبوبة طويلة من الكاوتشوك تبلغ ثخانتها قدر ثخانة الإصبع فوضع طرفها في ~~ثقب قفل الباب برفق ووضع طرفها الآخر في أذنه وجلس على ذلك المقعد فلم تفته كلمة من ~~الاثنين لانحسار الصوت بواسطة هذه الأنبوبة وبلوغه إلى أذنه كما يبلغ إليه بواسطة ~~التليفون. # وقد سمع الاثنان يتكلمان باللغة الإنكليزية فجرى بينهما الحديث كما يأتي: # وقال إدوار: لعلك قادم من هناك؟ ~~- نعم، وقد وصلت الآن. # ماذا قال لك البوليس، وما هي هذه المهمة؟ ~~- إنها سرقة مائة ألف فرنك. ~~- ومن هذا المثري؟ # فضحك السير جمس وقال: إنه لا يخطر لك في بال، فهو ذلك المقاول الذي رأيناه البارحة؛ ~~أي وكيل الرجل العبوس. ~~- أهو ميلون؟ ~~- هو بعينه. ~~- أرأيته هناك؟ ~~- نعم رأيته في غرفة المدير. ~~- ولكنك رفضت قضاء هذه المهمة دون شك؟ ~~- بل قبلتها شاكرا. ~~- ولكن. # فقاطعه السير جمس قائلا: إني أعلم ما تريد أن تقوله، وهو أننا نقدم على أمر محفوف ~~بالخطر؛ إذ قد يتفق أن ميلون وشوكنج يبحثان عن الأرلندية وابنها. ~~- هو ذاك. ~~- وتريد أيضا أن ميلون قد رآنا قرب منزل شوكنج سوية، فإذا امتزجنا معه فقد يشك ~~بنا. ~~- نعم، والذي أراه أنه لا يجب أن نتداخل في الأمر. ~~- بل نعمل يدا واحدة، ولكننا نعمل مفترقين فلا يرانا أحد معا، والأجدر بك الآن أن ~~تبرح هذا الفندق وتقيم في الغران أوتيل. # فلم يقتنع إدوارد من كلامه وقال: إن الأجدر بنا أن نعود إلى لندرا بعد موت الأرلندية ~~والاستيلاء على الغلام. ~~- إن ذلك محال، فإن الأسقف بترس توين أمرني في رسالته البرقية أن أكتب له ms2213 كتابا ~~مفصلا، وأن أنتظر أوامره الجديدة. ~~- أكتبت هذا الكتاب؟ ~~- نعم، وقد أرسلته في هذا الصباح. ~~- إذا سيصل الليلة إلى لندرا، فلنفرض أن الأسقف أرسل إليك رسالة برقية يأمرك فيها ~~بالسفر فماذا تفعل؟ ~~- نسافر. ~~- والسرقة أتدعها؟ ~~- كلا، فإني أرجو أن نظفر بالسارق في هذه الليلة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني واثق بعض الوثوق أن السارق هو ذاك اللص الإنكليزي الذي عهدنا إليه سرقة ~~شوكنج. ~~- ما حملك على اتهامه؟ ~~- إنه حين سرق مال شوكنج وكتاب الرجل العبوس إلى ميلون دفعت له أجرته ووعدني أن يعود ~~إلى لندرا، ولكنه لم يسافر فقد رأيته البارحة في الشارع، وعندي أن كتاب الرجل العبوس ~~أطمعه بميلون وحاول أن يسرقه ويشتغل لحسابه. ~~- أتظن أنك تجده؟ ~~- دون شك. ~~- وإذا كان هو السارق أتسلمه للحكومة الفرنسية؟ ~~- كلا، بل أقتصر على استرجاع المال منه. # وكان مرميس يسمع كل الحديث، فلم تفته كلمة منه بفضل تلك الأنبوبة، وقال في نفسه: إن ~~ذلك يدعوني إلى تعديل خطتي، ولكني قد وثقت أن الغلام في قبضتهم. # وعاد إلى الإصغاء إذ عاد الاثنان إلى الحديث بعد سكوت قليل فقال إدوارد: ومس ~~ألن؟ # فأجابه: إنها لا تزال في سجن سانت لازار. # فارتعش مرميس وقال في نفسه: لقد عرفت الآن نصف ما كنت أريد أن أعرفه. # ثم قام عن المقعد فأخرج الأنبوبة من القفل وأعادها إلى جيبه وجعل يسير ذهابا وإيابا ~~في الرواق. # وبعد هنيهة فتح باب الغرفة وخرج منه السير جمس وإدوارد، وكان إدوارد بحقيبة السفر ~~فقال مرميس في نفسه: لا شك أنه ذاهب بها إلى الغران أوتيل. # ثم أسرع إلى الحقيبة فأخذها من يد الشرطي وقال: ألا تحتاج يا سيدي إلى حمال؟ # 32 # أما السير جمس فإنه على توقد ذكائه وطول خبرته بمهنته لم يداخله شيء من الريب بمرميس ~~فأعطاه إدوارد الحقيبة دون احتراس، فأخذها ومشى أمامهما على مسافة قريبة بحيث كان يسمع ~~حديثهما. # وكان السير حاسر الرأس مما يدل على أنه كان عازما على البقاء في الفندق وإيصال رفيقه ~~إلى آخر الرواق. # فقال له: متى ms2214 أراك؟ ~~- في هذه الليلة. ~~- أين؟ ~~- تدخل إلى القهوة الإنكليزية في الساعة السابعة حيث تجدني على المائدة فلا تكلمني ~~شيئا، لكن انظر إلى مائدتي فإذا رأيت أمامي صحن محار، فاعلم أني وجدت المال المسروق ~~وعند ذلك حدثني؛ إذ لا يبقى لي شأن مع صاحب المال، وأنا أرجو أن يردني نبأ هذه الليلة ~~من الأسقف. # وهنا ودعه وعاد إلى غرفته، وخرج إدوارد من الغرفة يتقدمه مرميس بالحقيبة وقد سمع ~~حديثهما الأخير، فسار إلى الغران أوتيل وأسرع مرميس إلى كاتب الفندق وقال: أعدوا غرفة ~~في الحال لحضرة الميلورد. # فابتسم إدوارد وقال: إني لست ميلورد يا بني. # فقال مرميس بسذاجة: ولكن سيدي من الإنكليز، أليس كل الإنكليز لوردية؟ # فضحك إدوارد لبساطته وقال: كلا، فإني لست لوردا ولكن سير. ~~- إن هذه اللفظة لا يدور بها لساني. # وعند ذلك نادى الخادم أحد الخدم وقال له: أعد لحضرة اللورد الغرفة نمرة 21 في الدور ~~الأول في سلم ج. # ورفع مرميس قبعته ووقف ينتظر للبخشيش فأعطاه إدوارد فرنكا وصعد إلى غرفته، أما مرميس ~~فإنه خرج من الفندق وهو يردد نمرة الغرفة كي لا ينساها وذهب إلى منزله. # وكان مرميس يقيم في أجمل شارع في باريس فكان خدامه ينذهلون حين يرونه يتنكر بالثياب ~~الرثة، ويختلفون في تأويل هذا التنكر فيقول بعضهم: إنه وافر الثروة وقد عاشر الإنكليز ~~فاكتسب غرابة أخلاقهم، ويقول آخرون: بل إنه عاشق لفتاة من العمال، فهو يلبس لبسهم كي ~~يروق في عينيها؛ إلى غير ذلك من الأقوال. # وقد ابتسم مرميس حين عاد إلى منزله، ورأى ما كان من دهشة خدمه فغير ملابسه ونادى خادم ~~غرفته وقال له: اذهب في مركبة في الحال إلى شارع ماريبيال وائتني بميلون. # فامتثل الخادم وانصرف مسرعا. # وبعد هنيهة دخل خادم آخر وأخبره أن فاندا تنتظره في قاعة الاستقبال، فذهب إليها وقال ~~لها: إني كنت على وشك الكتابة إليك. ~~- إذا لقد أحسنت بالمجيء؟ ~~- نعم؛ لأني محتاج إليك. # ثم جلس بقربها وقال لها: إني أعلم الآن أين هي مس ألن؛ فإنها في سجن ms2215 سانت لازار، وإني ~~معتمد عليك. ~~- بماذا أبإخراجها الآن من السجن؟ ~~- لا أدري، فإن ذلك يتوقف عليك وعلى حكمك فيها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه يتضح حسب رواية الفتى البناء المنكود الذي سقط من نافذتها أن مس ألن تحب ~~الرئيس. ~~- نعم. ~~- ولكن يتضح من رواية شوكنج ومن روايتك أن هذه الفتاة أعدى عدو لروكامبول؛ ولذلك يجب ~~أن تقابليها وتحدثيها فنضع خطتنا بعد حكمك فيها. ~~- حسنا سأفعل. ~~- ولكني لم أبحث في طريقة تمكنك من الدخول إلى السجن. ~~- أما أنا فإني وجدت الطريقة دون بحث فمتى يجب أن أذهب؟ ~~- في أقرب حين وحبذا لو أمكنك الذهاب اليوم. ~~- إن هذا محال لا أستطيعه قبل الغد. ~~- لماذا؟ ~~- لأن التي سأذهب إلى السجن معها لا تصل إلى باريس إلا في آخر قطار يصل هذه ~~الليلة. ~~- إني لم أفهم ما تقصدين. ~~- إني سأدخل إليه غدا أو متى أردت بفضل راهبة كانت في ليون ولي على هذه الراهبة فضل ~~عظيم، وهي ستبيت عندي في هذه الليلة وفي صباح غد أذهب إلى السجن بصفة راهبة ~~معها. ~~- ولكن أتظنين أنها توافق على هذه الخدمة؟ ~~- إني متى أخبرتك بحكايتها تعلم أنها لا ترفض لي طلبا. # ثم ابتسمت وتابعت: إني أعرفها منذ عهد بعيد؛ أي منذ ذلك العهد الذي أدخلني فيه الرئيس ~~إلى سجن سانت لازار لإنقاذ أنطوانيت ميلر. ~~- إذن حدثيني بأمرها إذ إن الوقت فسيحا لدينا لأن ميلون لا يصل قبل نصف ساعة. # 33 ~~- إذن فاسمع، إنني منذ ستة أعوام أدخلني روكامبول إلى سجن سانت لازار لإنقاذ أنطوانيت ~~ميلر منه «راجع رواية سجن طولون» ولقينا فيه راهبة أثرت عليها أنطوانيت بلطفها وأدبها ~~وأثرت عليها بحنوي وإخلاصي. # ولم تكن هذه الراهبة مشككة ببراءتي وبراءة أنطوانيت، بل كانت واثقة أن دخولنا إلى ~~السجن إنما كان بدسائس الأشرار، فأحبتنا حبا عظيما، وأنت تعلم كيف خرجت أنطوانيت من ~~السجن. ~~- نعم، فإنها خرجت ميتة بالظاهر. ~~- إن الجميع كانوا يعتقدون بموتها حين أخرجناها، ما عدا روكامبول الذي وضع هذه الخطة ~~وعصابته التي أعانته على تنفيذها. # ثم مضى على ذلك ms2216 عام تزوجت بعده أنطوانيت وسافر الرئيس لقضاء بعض المهمات الخطيرة وكدت ~~أنسى لازار ومن كان فيه إلى أن كنت خارجة يوما من الكنيسة ولقيت راهبة حيتني ~~واستوقفتني. # وعلمت للحال أنها الراهبة التي كانت تتودد لنا في سجن سانت لازار. # أما الراهبة فإنها قالت لي: لا إخالك يا سيدتي تأبين أن تخبريني حقيقة أمر مضى عليه ~~عهد طويل. # ثم أخذت يدي بين يديها وقالت لي بلهجة المتوسل: الشائع يا سيدتي في السجن أن مدموازيل ~~أنطوانيت لم تمت. ~~- ولكنك أنت رأيتها قد أرقدت في النعش. ~~- نعم، ولكن الرواية مختلفة. # وقاطعتها وقلت لها بصوت منخفض: تعالي إلى منزلي يوم تخرجين من السجن أخبرك كل ~~شيء. # وكان من عادة الراهبة أن تخرج مرة في كل أسبوع من السجن، فلم يمض ذلك الأسبوع حتى ~~جاءتني فأخبرتها بجميع ما فعلناه، ولم أكتم عنها شيئا مما مضى. # وجعلت تزورني في كل أسبوع حتى باتت خير صديقة لي، وكنت أعطيها كل مرة مبلغا من المال ~~تفرقه على المسجونات. # إلى أن قالت لي يوما: إن ملجأ القديس حنة غير كاف لدفع النكبات ولو كان لي مال ~~لأنشأت مثله، ولكني أنشأته في مكان يبعد جدا من باريس، ولا يخطر للبائسات اللواتي ~~يطرقن أبوابه أن يرجعن إلى تلك العاصمة الجهنمية. # وقلت لها: إن قصدك نبيل وسأجد لك المال المطلوب. # وفي ذلك اليوم استشرت روكامبول فأذن وسألته مالا فأعطى، وقد سألتك أنت أيضا ألا ~~تذكر يا مرميس؟ ~~- نعم، وأذكر أني أعطيتك مائة ألف فرنك إعانة للملجأ. ~~- هو ذلك الملجأ الذي تولته الراهبة ماري ودعته باسم القديسة مريم. ~~- أين هو هذا الملجأ؟ ~~- هو بالقرب من مدينة ليون. ~~- إذا فإن الراهبة اعتزلت خدمة السجون وخرجت من هذه المصلحة. ~~- إنها اعتزلت خدمة السجون، ولا تزال باقية فيها وذلك أن هذا الملجأ الذي أنشأته ~~خصوصيا، ولكنه خاضع لخدمة السجون ومراقبة الحكومة، فإذا كانت سجينة وأحسنت السلوك في ~~سانت لازار، أرسلوها إلى ملجأ القديسة مريم كي تتم فيه بقية المدة المحكوم عليه بها، ~~وقد يتفق أن تبقى ms2217 فيه. # ولذلك فإن الراهبة ماري تأتي من حين إلى حين إلى سجن سانت لازار، أو ترسل أحد ~~الراهبات من عندها فتتعهد السجينات وتنظر في شفائهن ومبلغ تأثير السجن في نفوسهن، فإذا ~~رأت بينهن سجينة صادقة التوبة جديرة بالرحمة توسطت في سبيل نقلها إلى الملجأ، وقد يتفق ~~أنها تخرج كل مرة أربعا أو خمسا من اللواتي كانت مهنتهن السرقة والفساد. # وقد كتبت لي البارحة أنها قادمة هذه الليلة إلى باريس وسأذهب إلى المحطة ~~لاستقبالها. ~~- حسنا، ولكن كيف رأيت أنه يمكنك الدخول معها إلى سجن سانت لازار. ~~- إني أدخل معها كرفيقة لها. ~~- ولكنك لست من الراهبات. ~~- كلا. ~~- أتظنين أن الراهبة ماري شديدة الإخلاص بك والثقة بحسن قصدك فتسمح لك بالتنكر بملابس ~~الراهبات؟ ~~- إني قد وضعت خطة أضمن نجاحها فاكتف بالوثوق من دخولي غدا إلى سانت لازار وألق ~~علي تعليماتك. ~~- إن تعليماتي منحصرة بكلمتين وهما معرفة الحقيقة. ~~- تريد أن تعلم إذا كانت مس ألن من أعداء روكامبول أو من أصدقائه. ~~- هو ذاك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إذا ثبت لك أنها من أعدائه تركناها في سانت لازار، فإن هذا السجن ضامن اتقاء شرها، ~~وإذا كانت من الأصدقاء أنقذناها. ~~- لا أظن أن إنقاذها من مثل هذا السجن سهل ميسور؛ فإني لا أزال أذكر ما لقيناه من ~~العناء في إنقاذ أنطوانيت. # وضحك مرميس وقال: إني أعرف كل هذه المتاعب، ولكنها تخرج دون أدنى مشقة. ~~- من يخرجها من السجن؟ ~~- الذي أدخلها إليه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أصغي إلي أيتها العزيزة، فإن الذي أدخلها إلى هذا السجن بوليس إنكليزي جاء من ~~لندرا إلى باريس، وقد عرفت اسمه اليوم فإنه يدعى السير جمس وود. # وقد كان سجنها في البدء في مستشفى صحي غير أنها حاولت الفرار فنقلها إلى سجن سانت ~~لازار كي يكون مطمئنا عليها؛ إذ لديه كثير من الشواغل في باريس. ~~- إذا إن الأمر لا يدعو إلى السرعة. ~~- بل إنه يدعو إلى أتم الإسراع؛ فإن السير وود قد يسافر الليلة أو غدا فلا بد لي من ~~معرفة حقيقة ما نجهله عن مس ms2218 ألن. # ثم قص عليها ما فعله وقال: إن كل ما صنعته معقول وقد يسفر عن النجاح الأكيد، غير أن ~~الاتفاق قد يفسد كل ما دبرته إذا لم أسرع بالعمل ؛ فإن السير وود قد يرد إليه في هذه ~~الليلة أمر بالسفر فيأخذ مس ألن والغلام ويسافر بهما. ~~- أأنت واثق أنه هو الذي اختطف الغلام؟ ~~- كل الثقة. ~~- أتعلم أين وضعه؟ ~~- كلا، ولكني سأعلم. # وعند ذلك فتح باب الغرفة التي كانا فيها ودخل ميلون يتبعه شوكنج وعليه علائم ~~اليأس. # فقال له مرميس: لا تيأس فسنجد الغلام وأمه. # فأجابه شوكنج بصوت متقطع من الإشفاق: إن الغلام قد تجده، وأما تلك الأم المنكودة، ~~فإني أخشى أن يكونوا قتلوها. # فاضطرب الثلاثة وجعل كل منهم ينظر إلى الآخر. # 34 # ولنعد الآن إلى السير جمس وود؛ فإن هذا الشرطي كان مصيبا في اتهامه الإنكليزي الذي ~~استخدمه لسرقة شوكنج. # وذلك أن الشرطي الإنكليزي في لندرا يعرف كل اللصوص معرفة تامة، ولا سيما أولئك اللصوص ~~الذين يبرحون لندرا في وقت الضباب ويقدمون إلى العواصم الكبرى التماسا للارتزاق فيها ~~من مهنتهم الشائنة. # ومثل هذا الشرطي الحاذق لم يكن يعرف أولئك اللصوص فقط، بل كان يعرف اختصاص كل لص ~~بسرقاته، فإن بين أولئك اللصوص من يقتصر على سرقة البضائع من المخازن، وبعضهم يختصون ~~بسرقة الجيوب في مركبات الأومنيبوس، وبعضهم يذهبون إلى الكنائس ويغتنمون فرص الزحام ~~وآخرون إلى المراسح. # وكان السير وود يعرفهم كلهم في باريس، وقد عرف أيضا لصا إنكليزيا كانت مهنته صنع ~~الأقفال. # وكان هذا اللص يدعى سميث، وكان عاملا في لندرا في معمل لصنع الصناديق الحديدية، ~~ولما وقف على أسرار المهنة وبرع فيها تخلى عنها واحترف اللصوصية. # وهو الذي استخدمه السير وود لسرقة شوكنج، وكان قد أخبره أنه عائد إلى لندرا، غير أنه ~~رآه منذ يومين فأيقن أنه سارق المال؛ إذ لا يوجد سواه من يستطيع فتح صندوق ميلون ~~المصنوع في المصانع الإنكليزية دون أن يكسر قفله. # وكان السير وود حاذقا لبيبا كما قدمنا غير أنه لم يكن من السحرة، ms2219 ولا يستطيع غير ~~الساحر أن يعلم أن ميلون قد سرق نفسه؛ أي إنه ادعى السرقة بغية نصب مكيدة للسير ~~وود. # ومما نذكره عن علاقة السير جمس وود بهذا اللص الإنكليزي أنه حين رآه المرة الأولى في ~~باريس قال له: إني لست في خدمة الشرطة الفرنسية، فلا خوف عليك مني، بل إني سأستخدمك ~~وأدفع لك. # وقد استخدمه في سرقة شوكنج ودفع له أجرة جيدة، فكان الرضى متبادلا بين الفريقين ~~وباتا يشبهان الحليفين. # وكان بوسع السير وود أن يرشد إليه الشرطة الفرنسية ويعود إلى لندرا لما صدر إليه ~~الأمر بالعودة، غير أنه لم يكن يريد إساءته، بل أراد الاقتصار على استرجاع المال ~~المسروق طمعا بريعه؛ أي حصته منه. # فأرسل رسالة إلى سميث يدعوه فيها وبعد ساعتين حضر إليه، فاستقبله السير وود بالبشاشة ~~وقال له: كنت أخشى أن لا أجدك، وأن تكون قد سافرت. ~~- لقد رجعت عن السفر فقد لقيت في باريس أشغالا موافقة. ~~- ماذا عملت وما هي هذه الأشغال؟ # فأجابه اللص: إني اتفقت مع شريكين والأعمال رائجة كما يظهر فقد ربحنا صفقة ~~رابحة. ~~- أيدخل فيها المائة ألف فرنك التي سرقتها من المقاول؟ # فظهرت علائم الدهشة على سميث، وكانت صادقة ظاهرة حقيقتها حتى وثق السير وود أنه مخطئ ~~باتهامه. # غير أنه لم يكتف بهذه الظواهر، وجعل يسأله أسئلة مختلفة فلا يزيد إلا إنكارا. # فلما أيقن من براءته أخبره بكل ما جرى من أمر هذه السرقة على ما علمه من مدير الشرطة ~~ومن ميلون نفسه. # فقال له اللص: إني لا أستطيع أن أبدي رأيا قبل أن أرى الصندوق، لكني أعتقد أنهم ~~يهزءون بك. ~~- من يهزأ بي؟ ~~- لا أستطيع أن أعلم إذا كان الصندوق قد وجد مفتوحا كما قلت فلا يستطيع فتحه على ~~هذه الصورة غير اثنين أحدهما أنا، ولكني قلت لك: إني لست السارق. ~~- والآخر؟ ~~- هو إنكليزي يدعى جوهان، ولكني واثق أنه ليس في باريس. ~~- ولكن الصندوق قد فتح. ~~- لا أنكر ذلك ولكنه لم يفتح كما قلت وفي كل حال لا أبدي حكمي فيه ms2220 قبل أن ~~أراه. ~~- إن هذا سهل. # ثم أخذ ورقة وكتب فيها ما يأتي: # سيدي # إني آخذ باقتفاء أثر الذي سرق أموالك، وسأظفر به غير أني لا بد لي من أن أرى ~~صندوقك، ولذلك سأحضر إلى منزلك في الساعة الحادية عشرة من هذا المساء مع زميل ~~لي، ويجب أن تكون وحدك في البيت كي لا يرانا أحد عند دخولنا لأسباب سأخبرك بها ~~عند اللقاء. # سير جمس وود # ثم طوى الرسالة وأرسلها مع أحد خدام الفندق إلى ميلون وقال لسميث: اذهب الآن وانتظرني ~~في الساعة السادسة في الشانزليزه عند عطفة شارع مارينيان. # فامتثل اللص وذهب بعد أن واعده على اللقاء. # فلما خلا السير جمس بغرفته ذكر ما قاله له اللص وهو «أنهم يهزءون بك»، فقال في نفسه: ~~من عسى يهزأ بي أشوكنج الأبله أم هو ميلون؟ إن هذا لا يعقل، وفوق هذا، فإن السرقة حدثت ~~حين كنت منهمكا باختطاف الأرلندية وابنها. # غير أن هذا الشرطي على بسالته وحذقه خامر قلبه الخوف، فخطر له أن يأخذ رالف ومس ألن ~~ويعود بهما إلى لندرا دون أن يكترث بهذه السرقة. # وفيما هو يتردد في هذا الخاطر وقد أوشك أن يعول عليه دخل إليه خادم الفندق يحمل رسالة ~~برقية من لندرا ففضها وتلا فيها ما يأتي: # ابق في باريس ثمانية أيام، إننا سنحاكم الرجل العبوس والحكم عليه مضمون، ~~التفاصيل بالبوسطة. # بترس توين # فتمعن السير وود مليا بهذه الرسالة ثم قال في نفسه بعد التفكير: إنه لا بد لي أن ~~أصدع بالأمر وأبقى هنا ثمانية أيام، فلا بد بالتالي من عمل ألهو به، لا سيما وقد وعدت ~~مدير الشرطة بالقبض على السارق، وعندي أن ميلون لو لم يكن ماله قد سرق لما شكا أمره ~~إلى الشرطة، ولا إخال سميث إلا مخطئا؛ فإن السارق لا بد أن يكون في باريس. # وعندها وضع الرسالة في جيبه وخرج من الفندق متجولا إلى المساء، ثم عاد إليه فوجد فيه ~~رسالة من ميلون يخبره بها أنه سينتظره في الموعد المعين، فعول على ms2221 أن يذهب إليه مع ~~سميث. # 35 # ولنذكر الآن ما جرى للشرطي إدوار، فإنه غادر فندق اللوفر إلى غران أوتيل، وكان مرميس ~~يحمل أمتعته كما قدمناه فبعد ذلك بساعتين تأهب إدوارد للنزول إلى قاعة الطعام. # وفيما هو يفتح باب غرفته للخروج لقي خادما حياه بملء الاحترام وقال: إني آت إليك من ~~قبل سيدي. ~~- ماذا يدعى سيدك؟ ~~- المسيو بايتافن. ~~- إني لا أعرفه. ~~- إن سيدي يعلم أنك لا تعرفه، ولكنه أمرني أن أخبرك بأنه يقيم في شارع وبر على خطوتين ~~من هذا الفندق، وأنه واسع الثروة يبلغ إيراده في العام مائة ألف جنيه، وأنه يسره أن ~~يحدثك هنيهة. # ثم دفع إليه رقعة زيارة كتب عليها اسم بايتافن وهو الاسم الذي كان يدعو به نفسه ~~مرميس. # فظهرت على إدوارد علائم التردد فقال له الخادم: إن مما قاله لي سيدي: إن السير إدوار ~~يعلم أن لنا صديقا مخلصا في إنكلترا، وإني أدعوه إلى مناولة طعام الغذاء معي لسؤاله ~~عن هذا الصديق. # وكان إدوارد يعلم أن شارع أوبر لا يقيم فيه غير النبلاء والأغنياء وأنه قريب جدا من ~~غران أوتيل، فعلم أن هذه الدعوة سرية، ولكنه لم يجد فيها ما يدعو إلى الخوف، لا سيما ~~والخادم ترك له رقعة سيده فقال للخادم: اذهب أمامي فإني سائر معك. # فمشى الخادم أمامه وسار إدوارد في أثره إلى المنزل الذي يقيم فيه مرميس وهو بيت فخيم ~~حسن الرواء جميل الظاهر متسع الفتحات يصعد إليه بسلالم من المرمر. # فصعد إدوارد تلك السلالم وهو يقول في نفسه: ما عساه يريد مني هذا الرجل وأنا لا ~~أعرفه؟ # وكان مرميس يقيم في الدور الأول من المنزل فطرق إدوارد الباب، ففتح له خادم وأدخله ~~إلى غرفة الاستقبال وهي مفروشة بأبدع الرياش. # فمر قبل دخوله إلى تلك القاعة بفسحة واسعة وضعت فيها طاولة الطعام وعليها الأطعمة ~~الأولية، فأيقن إدوارد أن الخادم لم يخدعه وأن الرجل ينتظره للطعام. # وبعد هنيهة فتح أحد أبواب القاعة ودخل مرميس فلم يكد إدوارد ينظر إليه حتى ظهرت عليه ~~علائم الدهشة ms2222 وابتسم فقال له: ألعلك عرفتني يا سيدي؟ # فأجابه إدوارد بصوت يتلجلج: ربما، ولكن كيف أعلل هذا الاتفاق؟ ~~- إني ذلك الحمال الذي نقل أمتعتك اليوم من فندق اللوفر، ولا يشغل هذا التنكر بالك يا ~~سيدي؛ فإن لندرا إذا كانت مقر أهل الشذوذ والأخلاق الغريبة، فإن باريس لا تخلو منهم ~~أيضا. # والحكاية أنه خطر لي اليوم أن أراهن على أمر فكسبت الرهان بواسطتك وأنت لا تعلم، ~~وسأقص عليك تفصيل هذا الرهان أمام الرجل الذي راهنته وهو صديق لك. ~~- أهو صديق لي؟ ~~- نعم، إنه من الإنكليز. # وعندها فتح الباب وقال الخادم: هذا اللورد ويلموت. # فذعر إدوارد وتذكر شوكنج، لا سيما حين رآه قد دخل وهو لابس الثياب الرسمية السوداء، ~~وأزرار قميصه من الماس الوهاج، وأيقن أن في الأمر خدعة. # فقام عند ذلك مرميس إلى المستوقد، فأخذ منه مسدسا لم يكن إدوارد قد رآه فصوبه إليه ~~وقال له: إن هذا المسدس يا سيدي من المخترعات الأميركية الحديثة فهو يطلق بقوة ضغط ~~الهواء لا بقوة البارود فلا يسمع له دوي ولا حس. # أريد بذلك أنه إذا بدر منك أقل مقاومة أطلقت عليك هذا المسدس فقتلتك دون أن يسمع أحد ~~شيئا، حتى خدم المنزل، ويبقى البواب مشتغلا في تلاوة جريدته دون أن ينتبه إلى ~~شيء. # فاضطرب إدوارد ولكنه تجلد وقال: إذا كنت تمازحني يا سيدي، فهو مزاح مؤلم. ~~- كلا، لا أمازحك، ألا تعرف اللورد ويلموت؟ ~~- نعم عرفته. ~~- إذن، فاعلم أنه هو الذي رجاني أن أجمع بينكما على مائدتي. ~~- إذا كان هذا ما تقول، فما شأن هذا المسدس، ألعله من مقدمات الطعام المهيجة ~~للقابلية؟ ~~- كلا، ولكني أعددته لاستخدامه إذا رفضت دعوتي. ~~- لم يخطر في بالي أن أرفض هذه الدعوة. ~~- إذن هلم بنا إلى المائدة. # ثم أشار إشارة إلى شوكنج فهمها فتأبط ذراع الشرطي وقال له: هلم بنا إلى المائدة يا ~~مواطني العزيز. # وكان شوكنج قوي البنية شديد العضل، وكان مرميس يسير وراءهما بمسدسه، وفوق ذلك فإن ~~خادما قويا كان واقفا بالباب، فأيقن إدوارد أن المقاومة لا تفيد، ms2223 وأنه قد سقط في ~~الفخ الذي نصب له كما يسقط الأرنب، فسار إلى المائدة مستسلما للقضاء وقعد بجانب ~~شوكنج. # أما مرميس فإنه قعد بإزائه ووضع المسدس قبالته، ثم أشار إلى الخادم الواقف بالباب أن ~~يذهب فامتثل وأقفل الباب. # وعند ذلك نظر إلى إدوارد وقال له: لنتحدث الآن فلا يسمع حديثنا أحد، وسأذكر لك ما ~~أريده بغاية الإيجاز، فأنت أتيت إلى باريس مع السير جمس وود. # فلم يجبه إدوارد وجعل ينظر إليه نظر المبهوت. # فقال له مرميس: وإنكما أتيتما بمهمتين، إحداهما إرجاع مس ألن إلى إنكلترا. ~~- إنها المهمة الوحيدة ولا سواها لنا. # فهز مرميس كتفيه وقال: وأما مهمتكما الثانية فهي اختطاف الغلام الأرلندي الذي كان ~~يتولى شوكنج مراقبته. # ولذلك أرجوك أن تعلم يا سيدي العزيز أن من كان مثلنا يضبطون الناس في شارع مثل هذا ~~الشارع، وفي قصر يسكنه كثير من الناس يقدمون في أعمالهم إلى النهاية. # وأنا أخيرك الآن بين مائة ألف فرنك تقبضها فتعيش سعيدا وبين رصاصة تقع في صدرك لتذهب ~~بك إلى العالم الأخير. # ثم جعل يلاعب المسدس بيده من غير اكتراث، وهو ينتظر جواب البوليس. # 36 # ورأى مرميس أن هذا المبلغ من المال قد أثر تأثيرا حسنا بإدوارد، فلم يقتصر على ~~الوعد، بل أخرج من جيبه دفتر حوالات على بنك إنكلترا ووضعه أما إدوارد. # فقال إدوارد في نفسه: إني قد أخطأت بتسرعي في قبول دعوة هذا الرجل، ولكني قد أصبحت في ~~قبضته الآن وهو قادر أن يصنع بي ما يشاء ولا يبعد أن يقتلني ولا يعلم بمقتلي ~~أحد. # أما مرميس فإنه قال له: لقد حسبت ما سيدفعونه لك، مقابل خدمتك في المهمتين، فرأيت أنه ~~لا يتجاوز نصف هذا المبلغ، ومع ذلك فإني أزيدك أيضا خمسين ألف فرنك، فإني واسع الثروة ~~ولا يؤثر بها مثل هذا المبلغ. # فبرقت عينا إدوارد من الفرح، ورأى مرميس بريقها، فقال له بلطف: أرى أنك رجل حكيم مجرب ~~والاتفاق معك ممكن ميسور، فاعلم الآن أني أعرف أين سجنتم مس ألن ولست بحاجة إليكم ms2224 ~~لإنقاذها، ولكني لا أعلم أين سجنتم الغلام. ~~- ولا أنا أيضا. # فقطب مرميس حاجبيه وقال له: احذر فإنك ستخيب الرجاء فيك وتفقد الأمل بالاتفاق. ~~- إني أقسم لك. # فقاطعه وقال له: لا تقسم بل قل الحقيقة، فإذا بحت بها أعطيتك حوالة على بنك إنكلترا ~~بمائة وخمسين ألف فرنك. ~~- إني لا أكتمك يا سيدي شيئا مما أعلمه، ولكن لا حيلة لي بإيضاح ما لا أعلمه، ولو ~~أنذرتني بالموت، فإن السير جمس اختطف الغلام وأمه حين كنت أنا منهمكا بإبعاد اللورد ~~ويلموت عن المنزل بما سقيته من الخمر. ~~- ولكنك رأيت السير في المساء؟ ~~- نعم. ~~- ألم يقل لك ما فعله بهما؟ ~~- نعم، فقد أخبرني أنه وضعهما في محل أمين؟ ~~- أين؟ ~~- في شارع بعيد عند رجل فحام يدعى شابروت. ~~- ألا تعلم اسم الشارع؟ ~~- كلا. # فقال له مرميس بسكينة: انظر يا سيدي إلى هذه الساعة فإني أمهلك 5 دقائق، إذا لم أعرف ~~في خلالها أين هو الغلام، أطلقت عليك رصاص المسدس. # فاصفر وجه إدوارد وجعل العرق ينصب من جبينه وقال: إني لست مساويا للسير في المنصب ~~فثق يا سيدي أني لا أعلم غير بعض أسراره، ولكني لا أعلمها كلها وأنا أقسم لك أني لا ~~أعلم أين وضع الغلام؟ # فجعل مرميس يلعب بمسدسه، وقال له: لم يبق لديك غير ثلاث دقائق. ~~- إني قلت الحقيقة فاصنع بي بعد ذلك ما أنت صانع، ولكني أطلعك على سر من أسرار السير، ~~إذا علمته فعلت به ما تشاء، وإنما أقوله لأبرهن عن صدقي. # فبدأ مرميس يثق بصدق إدوارد وقال له: قل ما هو السر؛ فإني أمهلك أيضا بضع ~~دقائق. ~~- هذا السر هو أن السير لم يختطف الغلام وأمه بالشدة أو بالوعيد، بل إنه دعاهما إلى ~~اتباعه فتبعاه. # فقال شوكنج: إن هذا محال؛ فإن الأرلندية كانت تعلم أن الأعداء محيطون بنا من كل جانب ~~فكانت تحذر كل الناس. ~~- هو ما تقول، ولكنها لا تحذر من أخ، فإن السير جمس كان أرلنديا مثلها. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن السير كان من رؤساء الجمعيات الأرلندية السرية ms2225 في بدء عهده فخانها وباع ~~نفسه لإنكلترا، وقد وثقت به حنة للإشارات الأرلندية السرية التي أبداها لها. # فقال له مرميس: أهذا هو كل سرك؟ ~~- نعم. # فتمعن هنيهة وقال: إنك قد تكون كاذبا في كل ما قلته لي، فلا تطمع أن يكون لك بعد هذا ~~الإيضاح ودادية مع السير. ~~- إني لم يكن لي معه مثل هذه العلائق في حين من الأحيان، وغاية ما بيني وبينه أننا ~~نشتغل في مهنة واحدة، غير أنه داخل في سلك الشرطة السياسية، وأنا أشتغل في خدمة الشرطة ~~العمومية على أني أؤثر مصلحتي الخاصة على كل شأن، وقد جريت معك الآن شوطا بعيدا في ~~الإقرار، فلم يعد يسعني إلا خدمتكم، وقد قلت لك: إني لا أعرف أين هو الغلام؟ ولكني ~~سأعرف كل شيء بالتفصيل. # فابتسم مرميس وقال: ليس لدي ما يدعوني إلى الريب بصدقك، غير أني تعودت أن أعمل أعمالي ~~بنفسي، ولا بد أن يكون ثبت لك ذلك بالبرهان، فقد رأيتني اليوم قد اقتفيت أثرك وأنا ~~بثياب الحمالين، ولذلك أرجوك أن تأذن باتخاذ بعض الاحتياطات، إلى أن أتأكد من صحة ما ~~رويته لي. ~~- إن ذلك سهل عليك ميسور لك. ~~- نعم، ولكن يشترط في ذلك أن تبقى هنا. ~~- سأبقى بملء الرضى. ~~- إذا إن الاتفاق تام وسأدفع لك المال على الفور. # ثم وضع المسدس في جيبه، وأخذ دفتر الحوالات وكتب له حوالة على بنك إنكلترا بمائة ~~وخمسين ألف فرنك وأعطاه إياها. # وأخذها إدوارد ووضعها في جيبه، وقد أفعم قلبه سرورا بهذه الثروة الجديدة. # فقال له مرميس: قم الآن واتبعني. # فامتثل إدوارد، وتقدمه تلميذ روكامبول، فاجتاز قاعة الطعام إلى غرفة ثانية ومنها إلى ~~غرفة ثالثة لم يكن فيها نوافذ، وإنما النور كان ينفذ إليها من السقف. # فأدخله مرميس إليها وقال له: إنك ستقيم في هذه الغرفة بحراسة اللورد ويلموت ورجل آخر، ~~إلى أن أعثر بالغلام وأنقذ مس ألن، ورجائي أن تعذرني لاتخاذي هذه الاحتياطات، فإن ~~الحكمة تدعوني إليها، على فرط ثقتي بإخلاصك. # فقال له إدوارد بسكينة: افعل بي ما تشاء، ms2226 فإني أسيرك وقد بعتك نفسي. # فنادى مرميس ذلك الخادم الذي كان قد أرسله إلى إدوارد، وهو رجل شديد، فقال له مشيرا ~~إلى إدوارد: إنك تراقبه أشد المراقبة حتى أعود، فإذا رأيته يحاول الفرار فقيد يديه ~~ورجليه، وإذا استغاث ضع في فمه كمامة. # فانحنى الخادم إشارة إلى الامتثال وقال له إدوارد وهو يبتسم: إني ما قلت لك غير ~~الحقيقة، وسيثبت لك صدقي بالبرهان. ~~- وأنا ذاهب للبحث عن هذا البرهان. # ثم تركه وانصرف بعد أن عهد بحراسته إلى الخادم وشوكنج. # 37 # يذكر القراء أن السير جمس كان قد واعد سميث اللص على اللقاء في شارع مارينيان. # فلما حانت ساعة اللقاء كان سميث قد حضر ماشيا، وجعل يتنزه في ذلك الشارع، ثم أقبل ~~السير جمس في مركبته، فوقفت في المكان المعين للاجتماع. # وقد رآه سميث فجاء إليه وقال: ألعلك مستعجل يا سيدي؟ ~~- لماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لأني كنت أود أن أحدثك هنيهة. ~~- اصعد إلى المركبة نتحدث فيها، فإن السائق لا يسير بها قبل أن آمره. # فجلس سميث بجانبه وقال له: إن هذا الصندوق المسروق لا يستطيع فتحه كما فتح إلا جوهان ~~وأنا، ولكن جوهان في لندرا. ~~- لقد قلت لي هذا القول اليوم. ~~- ولكن الآن جئتك بالبرهان الأكيد فقد قرأت في جريدة التيمس أن الشرطة قبض في لندرا ~~على جوهان وهو الآن في سجن نوايت. ~~- أهذا كل ما تريد أن تقوله؟ ~~- نعم، ولو كنت في مكانك لتخليت عن هذا العمل؛ فإنهم يعبثون بك كما أرى. # فهز السير كتفه وقال: ماذا علي ومما أخاف، فإني مندوب الشرطة الإنكليزية، وفي جيبي ~~كتاب من السفير، ثم إني جريت في هذه المهمة شوطا بعيدا فلا يسعني الرجوع. ~~- إذا افعل ما تشاء. # فأمر عند ذلك السائق أن يذهب إلى منزل ميلون. # وسارت المركبة حتى بلغت إليه ووقفت عند بابه، فخرج الاثنان وطرقا الباب ففتح وظهر ~~لهما ميلون يحمل بيده مصباحا وقد تكلف هيئة البساطة التامة. # فنظر السير حين رآه إلى سميث نظرة معنوية تفيد أن هذا الرجل البسيط لا ms2227 يهتم بغير ماله ~~المسروق. # أما ميلون فإنه حيا الشرطي وقال له: إني أنتظرك يا سيدي بفارغ الصبر؛ فإن أحد وكلائي ~~أخبرني منذ ساعة أنه رأى الرجل الذي سرقني سائرا في مركبته. # فأشار السير جمس إلى سميث، وقال له: ألا تظن أن هذا هو السارق؟ # فابتسم ميلون وقال: إن الفرق بعيد جدا. ~~- ألعلك وحدك؟ ~~- دون شك، ألم تطلب إلي أن أكون وحدي وقد كنت أنتظر قدوم عائلة فقيرة مؤلفة من أب ~~وأم وغلام ولكنهم لم يحضروا. ~~- لماذا؟ ~~- لعلهم تأخروا لبعض الأسباب، فأجلوا قدومهم إلى الغد. # فظهرت على السير علائم الرضى وقال في نفسه: إنه لا يعلم شيئا من اختطاف رالف. # ثم قال لميلون: لا يذهلك يا سيدي أني سألتك أن تكون وحدك؛ فإننا نحن أفراد الشرطة ~~الإنكليزية نحب أن تكون أعمالنا سرية، وقد أسفرت طريقتنا عن نجاح مضمون. ~~- إن على كل رجل يا سيدي أن يتقن مهنته، فأنا أجيد صناعة البناء وأنت تحسن القبض على ~~اللصوص. ~~- ولقد أحضرت لك أحد زملائي فهو إذا رأى الصندوق يعرف على الفور كيف فتح. ~~- إذا اتبعاني. # ثم صعد قبلهما فتبعاه وقال السير لرفيقه بالإنكليزية: أرأيت كيف أنك مخطئ بعدما رأيت ~~ظواهر هذا الرجل؟ # أما ميلون فإنه لم يلتفت إليهما وتظاهر أنه لم يسمع حديثهما، ودخل بهما إلى الغرفة ~~التي كان فيها الصندوق فقال لهما: إني تركت الصندوق على ما وجدته كي يسهل على البوليس ~~مراقبته. # فقال له سميث: حسنا فعلت. # ثم أخذ منه المفتاح وجعل يفتح الصندوق به ويقفله مرارا وهو يظهر استغرابه إلى أن قال ~~له: ألعلك بحت بسر فتحه لأحد؟ ~~- لا. ~~- إن ذلك محال؛ إذ لا يستطيع أن يفتحه دون كسره غير العارفين بسره، فهل تذكر أن أحدا ~~نومك تنويما مغنطيسيا؟ ~~- كلا. ~~- هل وضعت المفتاح في مكان تصل إليه الأيدي؟ ~~- إنه لا يفارق عنقي. # فالتفت سميث إلى السير وقال له بالإنكليزية: إني أعيد عليك ما قلته، فإن الرجل يهزأ ~~بنا. # ولم يكد يتم كلامه حتى سمع حركة من ورائه فالتفت الاثنان فوجدا أن ms2228 الباب قد فتح وأن ~~رجلا دخل منه. # وقد عرف السير لأول وهلة أن هذا الرجل كان الحمال الذي رآه في الفندق يحمل أمتعة ~~إدوارد، غير أنه أبدل ملابسه الرثة بثياب الأعيان، فاصفر وجهه وأيقن أن سميث كان ~~صادقا في حذره، وأن الفخ قد نصب له وسقط فيه. # أما مرميس فإنه نظر إلى السير جمس وقال له وهو يبتسم: إن للبوليس الإنكليزي صيتا ~~حسنا يا سيدي، ولكني أخشى أن يفقد اليوم هذا الصيت. # ثم دخل إلى الغرفة فدخل بأثره ثلاثة رجال وهم: مورت وجواني الجلاد وشوكنج. # فابتسم شوكنج كما ابتسم مرميس وقال للسير: سوف نرى ما يكون بيننا يا سارق ~~الأطفال. # 38 # إن السير جمس كان من أهل الجرأة والذكاء، وقد علم لأول وهلة أن هذا الصندوق إنما كان ~~مكيدة نصبت بمهارة واعتناء. # وقد علم أيضا أن ميلون وهذا الفتى الحمال وشوكنج وكل من كان في الغرفة هم من أعوان ~~الرجل العبوس، وقد تمكن من قلب سجنه أن يوقفهم على الحالة، ولكن ذلك لم يتيسر إلا ~~بواسطة مس ألن، فكيف تيسر لهم الاجتماع بها؟ # هذا الذي أشكل فهمه على السير، ولكنه لم يحاول التفكير بهذا السر ولا وقت له للتفكير ~~بغير ما جاء إليه، فإنه كان يرى أن الصاعقة تنقض على رأسه، وأنه يجب الاهتمام ~~باتقائها. # غير أنه تجلد ولم يظهر عليه شيء من علائم الرعب، بل إنه كان يبتسم إلى تلك العصابة ~~باحثا عن رئيسها. # على أن مرميس لم يدع له وقتا للتمعن، فإنه دنا منه وقال: إنك شديد الذكاء يا سيدي، ~~فلا بد أن تكون علمت بما صرت إليه، وأنك أصبحت في قبضتنا. # فظهر الرعب على وجه سميث، ونظر إليه السير نظرة تفيد أننا سننجو من هذا الشرك فلا ~~تخف. # وعاد مرميس إلى مخاطبته فقال: إننا هنا في شارع مقفر، وهذا المنزل الذي نحن فيه ~~تكتنفه حديقة متسعة، أريد أنك إذا استغثت لا يسمعك أحد ليقدم لنجدتك. # فلبث السير محافظا على السكينة وقال: من يعلم؟ ~~- أنا أعلم والآن فإنك ms2229 عرفت دون شك ماذا نريد منك. ~~- كيف يمكن أن أعرف. ~~- إذا سأساعدك على المعرفة. ~~- كما تريد. ~~- ألم تكن حارسا لتلك الفتاة التي تدعى مس ألن بالمير؟ ~~- هو ما تقول. ~~- ولكنها قد اختطفت فماذا صنعت بها ؟ ~~- إن هذا من أسراري ولا دخل لأحد فيه. ~~- ولكن الصدفة قد أعانتني فعرفت أين وضعتها. ~~- إذا كنت تعرف مكانها فلماذا تسألني؟ ~~- اسمع أقص عليك تاريخ اختطافها؛ فإنك وضعتها في البدء في مستشفى المجانين وأقمت ~~تنتظر التعليمات من لندرا، فلما وردت إليك سعيت بواسطة السفارة فأدخلتها إلى سجن سانت ~~لازار. ~~- إن كل ما تقوله أكيد. ~~- إني واثق من صدق قولي، ولكن الذي أريده أنك إذا كتبت بخطك بضع كلمات يطلقون سراح مس ~~ألن. ~~- ولكن هذه الكلمات لا أكتبها. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- كل الحق، فإنك لم تحملني على القدوم إلى هذا المنزل إلا وأنت عازم على إبقائي فيه ~~حتى إنك قد تقتلني أيضا ولكنهم ينتقمون لي. # فابتسم مرميس وقال: من ينتقم لك؟ # فأشار السير إلى ميلون وقال له: إني حين رأيت هذا الرجل عند مدير الشرطة يشكو سرقة ~~أمواله، وكنت أعلم أنه الرجل الذي تبحث عنه مس ألن لم أصدق كلمة من شكواه. # وإني أتيت إلى فرنسا مندوبا من حكومتي، فوجبت على الحكومة الفرنسية حمايتي. # ولذلك أبلغت الخبر رئيس الشرطة قبيل قدومي إلى هذا المنزل، فأرسل ستة من رجال الشرطة ~~وهم ينتظرون في عطفة الشارع، فإذا لم أعد إليهم بعد ربع ساعة جاءوا لنجدتي فأسرع بقتلي ~~قبل أن يحضروا. # فظهرت علائم القلق على ميلون، أما مرميس فإنه ضحك ضحكا عاليا وقال: الحق أنك من أهل ~~الصبر والذكاء يا سير جيمس؛ فإنك قدرت على اختراع هذه الحكاية في موقفك الحرج. ~~- أتظن أني أخترع؟ ~~- بل أؤكد وهو ذا البرهان، أنك خرجت في صباح اليوم برفقة ميلون من دائرة البوليس فلم ~~تخبر المدير بحذرك، بل لم يخطر لك الحذر عند ذلك في بال. ~~- ولكني رأيت المدير في النهار. ~~- كلا، فإني أرسلت من يقتفي أثرك، وإذا شئت أخبرتك كيف أمضيت كل ms2230 يومك بالتفصيل، غير ~~أن الوقت أضيق من أن أضيعه في مثل هذه الأحاديث، فاعلم الآن أني وجدت طريقة لإخراج المس ~~ألن من سجن سانت لازار. # فلندع مس ألن ولنبحث عن الأرلندية وابنها، فإننا لا نعلم ما صنعت بهما، ونريد أن ~~نعلم يا سير جمس. # فهز كتفيه وقال: إنكم لن تعلموا. ~~- بل نعلم وفوق ذلك فإننا نعلم من أمر ما تحسب أنه خاف علينا؛ أي أننا نعلم بأنك كنت ~~من أعضاء الجمعية الأرلندية السرية، ثم بعت نفسك لإنكلترا. # فخان السير جلده هذه المرة واصفر وجهه فقال له مرميس: وأنت تعلم يا سيدي ذلك العقاب ~~الهائل الذي يعاقب به الأرلنديون من يخونهم، فإن من ضمن شرائعهم السرية هذا البند: # إن العضو الذي يخون الجمعية يقبض عليه ويحاكم، فيحكم عليه بالموت، ويبدءون ~~في إعدامه بقطع لسانه، ثم يقطعون يديه ورجليه ويفقأون عينيه، ثم يقتلونه جوعا ~~إذا لم يجهز هذا التقطيع عليه. # هذا هو ملخص بند الخيانة يا سيدي، وإني أستطيع إرسالك إلى الذين خنتهم ضمن ~~صندوق. # فتشحن كما تشحن الطرود، وتنال هناك ما تعلمه من العقاب، إلا إذا أرجعت الأرلندية ~~وابنها. ~~- إني أرفض كل الرفض فاصنع بي ما تشاء. ~~- ولكنك لا تزال مخطئا أيضا وقد ترجع عن غرورك متى علمت أننا نعرف اسم ~~شاباروت. # فارتعش السير جمس واضطرب اضطرابا لم يخف على مرميس. # وكان رجال العصابة يسمعون الحديث. # فلما ذكر اسم شاباروت تقدم جواني الجلاد وقال: إني أعرف رجلا فحاما يدعى بهذا ~~الاسم. # أما السير فإنه عاد إلى سكينته، فلما رأى مرميس إصراره على العناد قال لرفاقه: إننا ~~سنتحدث هناك. # ثم قال للسير: هلم بنا إلى سجنك يا سيدي. # وعند ذلك فتح بابا وأدخله مع رفيقه إلى غرفة وأقفل الباب. # فلما خلا الاثنان بتلك الغرفة وقال السير جمس لسميث: لقد توهموا أنهم يحملونني على ~~الإقرار بالوعيد وقد ساء فألهم. ~~- ولكننا لا نزال في قبضتهم. # فنظر السير إلى نوافذ الغرفة وقال له: أيصعب عليك وأنت من مشاهير اللصوص كسر هذه ~~النافذة؟ # فأجابه اللص بصيحة ms2231 ذعر اشترك بها الاثنان، وذلك أن أرض الغرفة خسفت بهما، وجعلا ~~ينزلان إلى الأعماق نزولا تدريجيا، وكلما نزلا ابتعدت عنهما النوافذ. # فأيقن السير جمس عند ذلك، باستفحال الخطر، وعلم أن أعداءه رجال أشداء. # 39 # بينما كان السير جمس وسميث قد وقعا في قبضة مرميس وعصابته، كانت حوادث أخرى تجري في ~~منزل شاباروت الفحام الذي سجن فيه رالف وسقطت أمه في تلك البئر على ما وصفناه. # أما هذه البئر فإنها قبو متسع تجتمع فيه الأمطار، وهذا القبو مشترك بين شاباروت ~~وجيرانه فيشرف عليه شاباروت من فسحة في منزله، ويشرف عليه جيرانه في المنزل من دكان ~~كانت في ذلك العهد مفتوحة الأبواب؛ إذ كانت من غير إيجار. # وكان هذا القبو مغطى من الجهتين بباب من الخشب حذر السقوط فيه فغير السير جمس باب ~~شاباروت ووضع فيه لولبا بحيث إذا أدير اللولب ومر من فوقه جسم فتح الباب وسقط الجسم ثم ~~انغلق الباب على الفور، وعاد إلى ما كان عليه. # وهذا الذي حدث لتلك الأرلندية المنكودة، فإنها عندما مرت فوق الباب انحنى ذلك الفحام ~~إلى الأرض وأدار اللولب فسقطت المرأة في المياه وسمع السير جمس صيحتها الهائلة، ثم سمع ~~صوت تخبطها في المياه ثم انقطع الصوت فأيقن أنها باتت من الأموات. # غير أن الله الذي يحمي الضعفاء من الأقوياء لم يرد لها الموت، وأبى أن تنفذ مكيدة أهل ~~الشر بتلك الأم التعيسة، فإنها حين سقطت في تلك المياه هوت فيها إلى آخر مبلغ عمقها، ثم ~~صعدت إلى سطحها وأعانها انتفاخ ثوبها على العوم فلم تصيح بعد صيحتها الأولى ولم تستغث، ~~بل إنها حبست أنفاسها وأصغت إصغاء تاما، فسمعت ابنها يصيح قائلا: أين هي أمي، ردوا ~~إلي أمي. # ثم انقطع صوت ولدها وسمعت ضحك الفحام والسير جمس، فعلمت للفور أن سقوطها لم يكن ~~اتفاقا بل مكيدة، وأنهم أرادوا إغراقها كي يختطفوا ابنها، فإذا شعروا أنها لا تزال في ~~قيد الحياة نزلوا إليها وأغرقوها. # ولم يكن سكوتها حرصها على حياتها، بل لخوفها على ولدها، فإن ms2232 الأمل لا يفارق الإنسان ~~إلا حين الموت، وقد ذكرت أنهم فرقوا بينها وبين ولدها مرارا فقدر الله لهما أن يجتمعا ~~بعد الافتراق. # وكانت المياه شديدة البرودة والهواء فاسدا، ولكنها تجلدت ولم تتحرك ثم أخذت ثيابها ~~تثقل بالمياه حتى أوشكت أن تغرقها ورأت أنها تهبط تباعا. # وكانت ابنة حياة؛ أي أنها كانت ماهرة بالسباحة، غير أنها لم تشأ أن تسبح حذرا من أن ~~يسمعوا حركة جسمها فلبثت على ذلك ثلاث دقائق مرت بها كساعات النزع إلى أن سمعت صوت ~~خطوات السير جمس والفحام من فوق رأسها وأيقنت أنهما ابتعدا، فهاجت فيها عواطف الأمومة ~~وحب الحياة وجعلت تسبح بعنف شديد في تلك المياه الآسنة. # وكان الظلام دامسا، فكانت كلما تقدمت ترى الظلام قد خف حتى بلغت البئر الثانية التي ~~تشرف عليها من الدكان. # فتقدمت أيضا حتى صارت تحت الدكان فرأت نور النهار ينبعث ضئيلا من شقوق سقف ~~البئر. # وعند ذلك جعلت تسبح علها تعثر بما ترتاح إليه من متاعب السباحة إلى أن أتاها الله ~~بالفرج، فعثرت بعد الجهد الشديد بعود من الحطب كان عائما على سطح المياه فاستعانت به ~~كما يستعين النوتي ببقايا السفينة التي تحطمها الأنواء. # وعند ذلك سمعت فجأة صوت باب يفتح فوق رأسها: فهلع قلبها وحسبت أن السير جمس والفحام ~~علما أنها لم تغرق، فأتيا ليجهزا عليها، غير أنها سمعت بعد فتح الباب ما اطمئنت له ~~نفسها وهو صوت فتى يغني أغنية كانت شائعة في ذلك العهد، فأدركت على الفور أن رجلا قد ~~دخل إلى الدكان، وأنه غير الرجلين اللذين تخشاهما، فجعلت تصيح مستغيثة بأعلى ~~صوتها. # وبعد هنيهة سمعت أن الغناء قد انقطع فجأة قبل إتمامه، فعلمت أن صوتها قد وصل إلى مسمع ~~المغني وعادت إلى الصياح. # وعند ذلك فتح سقف البئر ودخلت أشعة النهار إلى المياه فأيقنت الأرلندية أن الله قد ~~أرسل إليها منقذا ليقيها ويقي ولدها من ظلم الأشرار. # 40 # تقدم لنا القول أن بيت الفحام يجاوره بيت آخر، وأن الفحام كان يشرف على البئر وسكان ~~ذلك ms2233 المنزل المجاور يشرفون عليها من دكان لم تكن مأجورة في ذلك العهد. # وكان الفحام واثق أن المنزل لا يوجد فيه أحد بالنهار؛ لأن كل سكانه من العمال. # غير أن هذا المنزل كان يقيم في قسم منه امرأة غسالة وابن لها يدعى بوليت وهو في ~~مقتبل الشباب. # وكان بوليت هذا من أحذق غلمان باريس تقلب في كثير من الأعمال، كان في التاسعة من عمره ~~مستخدما في مطبعة، واشتغل نجارا في الثانية عشرة وخدم في المراسح في الخامسة عشرة، ~~وبعدها اعتزل هذه المهن وصار مغنيا في القهاوي، ثم ارتقى إلى مهنة ممثل في الضواحي، ثم ~~تعين سكرتيرا لقوميسير الشرطة في بلفيل. # فهو قد تقلب في كثير من المهن كما ترى، ولكنه لم ينجح في واحدة منها، فإن القوميسير ~~الشرطة، قال له: إنك لا تصلح لمهنتنا لميلك إلى التمثيل. # وقال له مدير الجوق: إنك لا تصلح للتمثيل لتعلقك بالغناء. # وقال له صاحب قهوة الغناء: إن السامعين قد صفروا لك استهجانا فلا يسعني ~~قبولك. # وقال له النجار: إنك كثير التصور والغزل. # أما صاحب المطبعة فإنه أرسله بمسودة مقالة إلى كاتبها لإصلاحها فأضاعها في الطريق ولم ~~يعد إلى المطبعة. # على أنه كان ذكي الفؤاد، طيب السريرة كثير الأصدقاء، وكان له أيام عسر وأيام رخاء، ~~فإذا جاءت أيام اليسر أنفق عن سعة وعاش مع أصحابه عيشة الرخاء، وإذا دهمه العسر لجأ إلى ~~بيت أمه وأقام معها يعيش من فضلة كسبها. # وكان هذا اليوم من أيام بؤسه؛ أي إنه كان ملازما بيت أمه. # وقد كان سمع الناس يتحدثون بجرائم جاره الفحام وخطر له أن يغتنم فرصة فراغه ويراقبه، ~~فكان ينزل إلى تلك الدكان وفيها نافذة تشرف على فسحة بيت الفحام، فيراه مرارا يمر ~~بالفسحة فيأخذ قطعة من مرآة مكسورة ويضعها على النافذة محنية بحيث يرى كل ما يصنعه ~~الفحام دون أن يراه جاره فيرى ملامح الشر تنطبع فوق وجهه حين يعتقد أنه وحده فينقطع عن ~~التكلف ويظهر بهيئته التي فطر عليها. # وقد بلغ من مراقبته إياه أنه ms2234 عرف كل أخلاقه وعاداته، وخرج مرات في أثره وعرف الخمارة ~~التي يتعشى فيها كل ليلة مع أن الفحام لم يره ولم يعرفه على التصاق المنزلين. # ففي الليلة التي خلا بها السير جمس بالفحام كان بوليت في تلك الخمارة فرابه اجتماع ~~هذين الرجلين في مثل هذه الخمارة على ما بينهما من تباين المقام كما كانت تدل ثياب ~~السير جمس، فتنبه بوليت وقال في نفسه: إن القوميسير قد طردني من الخدمة لاعتقاده أني ~~كسول لا أصلح لها ولقد كان مصيبا في اعتقاده، أما إذا ذهبت إليه يوما وقلت له: إني ~~اكتشفت جريمة وأوقفته على تفاصيلها، فإنه يكافئني دون شك ويردني إلى الخدمة. # وقد استدل بوليت من اجتماع الرجلين أنهما لم يجتمعا إلا للاتفاق على جريمة، فجعل من ~~ذلك الحين يراقب جاره مراقبة شديدة. # وبعدها بيومين رأى عربة وقفت في الشارع عند عطفة الزقاق المؤدي إلى بيت الفحام، ورأى ~~فيها ذلك الذي مع الفحام؛ أي السير جمس، ومعه امرأة وغلام لم يعرفهما. # ثم رآهم جميعا قد دخلوا إلى بيت الفحام فأسرع إلى الدكان ووقف في النافذة المشرفة ~~على الفسحة واستعان بالمرآة فلم ير شيئا. # وعند ذلك خطر له أن يغني بصوت مرتفع على رجاء أن يسمع الفحام صوته، فإذا كان عازما ~~على الجريمة لا يجسر على ارتكابها متى سمع صوته، ولكنه لم يعلم أن الأمر قد قضي حين ~~كان عائدا إلى منزله للمراقبة من النافذة. # على أنه حين كان يغني سمع صوت الأرلندية تستغيث، فانقطع فجأة عن الغناء، وعاد إلى ~~الإصغاء، فسمع الصياح وعلم أنه صادر من البئر، فأسرع إلى الخشبة الموضوعة فوقها وأزاحها ~~وجعل ينظر إلى المياه باحثا عن مصدر الصوت. # وكانت الأرلندية قد نهكت قواها وخفت صوتها، ولكنها لما رأت أن سقف البئر قد فتح ورأت ~~رأس إنسان قد ظهر لها عادت لها قوتها وجعلت تستغيث بملء صوتها. # فقال لها بوليت: لا تخافي، تجلدي دقيقة فسأنقذك. # ثم تركها وعاد مسرعا إلى البيت فجاء بسلم طويلة وأنزلها إلى تلك البئر فبات أسفلها ms2235 ~~راكزا في قاع البئر وأعلاها مستندا إلى حائط الدكان. # وعند ذلك أسرعت الأرلندية وتمسكت بالسلم غير أنها لم تقدر أن تصعد إليها لثقل ثيابها ~~ولفرط ما لقيته من التعب، فنزل بوليت وأعانها على الصعود. # وكان بوليت على ذكائه وسوء معشره طيب السريرة طاهر القلب فلم يخطر في باله الفحام ~~والشرطي في تلك الساعة، بل تمثلت له تلك المرأة على ما كانت فيه من الشقاء، ولم يخطر في ~~باله غير إنقاذها، فلما بلغ بها إلى سطح الدكان ترك السلم في موضعها وذهب بالأرلندية ~~إلى بيت أمه. # ولم تكن أمه قد عادت بعد إلى المنزل فنزع ثياب الأرلندية المبتلة ولفها بأغطية السرير ~~ثم أشعل نارا فوضعها كي تتدفأ بها وقال لها: اطمئني يا سيدتي فسأنقذ ولدك كما ~~أنقذتك. # أما الأرلندية فلم يخامرها شيء من الخوف على ولدها؛ لأنها كانت تعلم شدة انشغال ~~اللورد بالمير بالاستيلاء عليه، ومع ذلك فإن كلام بوليت قد زاد في تسكين ~~اضطرابها. # أما بوليت فإنه تمعن قليلا في الحالة ثم قال في نفسه: إن أمي ستعود قريبا وإذا رأت ~~هذه المرأة عندي أرهقتني بالأسئلة والاعتراض، ثم لا تمر ساعة حتى يعرف هذه الحادثة جميع ~~أهل الحي، إذا لا بد لي أن أفر بها من هنا كي لا تراها. # ولما استقر رأيه على ذلك قال للأرلندية: إذا أردت أن لا يصاب ولدك بمكروه ~~فاتبعيني. # فتبعته الأرلندية طائعة فنزل بها إلى غرفة تحت البيت تعدها أمه للغسل فأدخلها إليها ~~وقال لها: لا أستطيع إنقاذ ولدك إلا إذا بقيت هنا. # فوعدته بالامتثال فخرج بوليت وأقفل الباب من الخارج مبالغة في الحذر. # ثم ذهب إلى الشارع حيث كانت المركبة واقفة فوجد أنها انصرفت، فأيقن أن السير وود قد ~~ذهب فدخل إلى الزقاق المؤدي إلى بيت الفحام فوجده واقفا على عتبة دكانه بملء السكينة ~~وعلائم السرور بادية عليه. # وقد أيقن بوليت أن الغلام قد اختطف، ولكنه لم يعلم إذا كان السير جمس قد ذهب أو إذا ~~كان باقيا في بيت الفحام. # وكان في ms2236 ذاك الزقاق غسالات يغسلن الثياب على قارعة الطريق، وجعل بوليت يمازحهن ويراقب ~~خلسة الفحام، فرآه قد دخل مرارا ثم عاد إلى موقفه فقال في نفسه: لا شك أن الغلام سجين ~~عنده وأن دخوله مرارا لم يكن إلا لتفقده. # وعند ذلك عاد إلى البيت ووقف في تلك النافذة المشرفة على فسحة بيت الفحام فلم ير ~~أثرا، فخطر له خاطر لا بد في تنفيذه من الجرأة، وهو أن الأرلندية قد سقطت إلى المياه ~~من ثقب في سطح قبو الفحام فهو يدخل إلى القبو كما سقطت منه. # ولم يطل تفكيره بهذا الخاطر، بل إنه نزل لفوره إلى الدكان، وكانت السلم لا تزال في ~~البئر فخلع ثيابه وألقى نفسه في المياه وجذب السلم إليه فجعل يسبح بها متجها إلى جهة ~~قبو الفحام فوضع السلم على الجدار وصعد عليها إلى أن مست يداه السقف الخشبي فرفعه بكتفه ~~وولج منه إلى القبو. # وكان بيت الفحام يشبه بيت أم بوليت بغرفه وأقبيته وطريقة بناءه فلم يصعب على بوليت ~~البحث فيه وجعل يجول من مكان إلى آخر حتى سمع أنينا في القبو الداخلي فأيقن أنه أنين ~~الغلام المسجون فيه. # وعند ذلك دنا من الباب وفحص قفله فوجده شديد المتانة بحيث رأى أن إنقاذ الغلام في تلك ~~الساعة مستحيل، لا سيما وأن الفحام لا يزال في المنزل، ولكنه اطمئن على الغلام؛ إذ علم ~~أنه لا يزال حيا، وأن هذين الآثيمين لم يبطشا به كما أرادا البطش بأمه، فارتأى أن ~~يعود بعد أن يذهب الفحام إلى الخمارة لمناولة العشاء حسب عادته كل ليلة، ثم يحضر معه ما ~~يحتاج إليه من المعدات. # وفيما هو يحاول الرجوع من حيث أتى سمع وقع أقدام الفحام آتيا إلى جهة القبو، فأسقط ~~في يده وخشي افتضاح أمره، وما ينتج عنه من تعذر إنقاذ الفتى أكثر مما خشى على نفسه من ~~ذلك الوحش الكاسر. # ولكنه لم يفقد هداه فنظر إلى ما حواليه فرأى أكداس الحطب مرصوفة بانتظام في زاوية، ~~فأسرع واختبأ وراءها، ثم دخل الفحام يحمل ms2237 سلة من الطعام فذهب دون أن يرى بوليت إلى رف ~~من الخشب، فأخذ من فوقه مفتاحا فتح به باب القبو ودخل إلى الغلام بسلة الطعام فرآه ~~بوليت وقال في نفسه: لقد غنيت بهذا الاكتشاف عن المعدات، لقد علمت أين يضع مفتاح ~~القبو؟ # أما الفحام فإنه خرج من القبو بعد أن أطعم الغلام فأقفله وأعاد المفتاح إلى مكانه ثم ~~انصرف. # وكان بوليت شديد الجرأة كثير الإقدام غير أنه كان حكيما على حداثة سنه وارتأى أن ~~يؤجل إنقاذ الفتى إلى أن يذهب الفحام إلى الخمارة حذرا من عودته المفاجئة. # ولذلك عاد إلى سقف البئر ففتحه ونزل إلى الماء وعاد بالسلم إلى جدار الدكان وصعد ~~إليها فلبس ثيابه، ثم صعد إلى غرفة أمه. # وكانت قد عادت من عملها وأخذت تعد طعامها، فشم بوليت رائحة الطعام وعلم أن والدته في ~~المنزل، فذعر لحضورها حذرا من افتضاح أمره، ثم اطمئن وقال في نفسه: قد يوجد بين النساء ~~من تكتم السر ليلة، وأنا لا أحتاج إلى أكثر من هذا الزمن لإنقاذ الفتى. # وعند ذلك دخل فجأة إلى والدته، فأرادت أن تنتهره، فوضع إصبعه على فمها فقال لها: ~~أرجوك أن لا تصيحي يا أماه، وأن تنتبهي إلى ما أقول ولو مرة في العمر. # فقالت له: ماذا تريد أيها الوقح، وما بالك مبتلا، ألا تشفق علي أم تحسبني خلقت ~~لخدمتك؟ ~~- قلت لك: لا تصيحي يا أماه، فإن لدينا ثروة، وهذه الثروة موقوفة عليك. # فضحكت ضحك الهازئ وقالت له: ويحك ما هذا الهذيان، ألا تزال تحدثني كل يوم بمثل هذه ~~الأماني وأنت على ما عرفت به من الكسل والخمول، ألا تخجل أن أعولك في حين أنه يجب عليك ~~أن تعولني؟ ~~- أصغي إلي بالله، فإني لست من الهازئين. ~~- ولكن من أين أنت قادم؟ ~~- سأخبرك بكل شيء. # ثم ذهب إلى الباب فأقفله ووضع المفتاح في جيبه، فقالت: رباه إن ولدي قد جن. # أما بوليت فإنه قال لها برزانة: إني سأغدو قوميسيرا للبوليس. # وهزت الأم كتفها ثم جعلت تنظر إلى ولدها كأنها ms2238 باتت خائفة على صوابه. # فقال لها: وسأنال جائزة عظيمة. ~~- ولكن. # فقطع عليها حديثها وقال: لا سبيل إلى الاعتراض يا أماه؛ لأن الثروة مضمونة كما قلت لك ~~إذا أردت. ~~- ماذا تريد أن أصنع؟ ~~- ماذا تطبخين في هذا القدر ؟ ~~- لحما وبصلا. ~~- أنضج الطعام؟ ~~- إنه على وشك النضج، ولكن أية علاقة لثروتنا بهذا الطعام؟ ~~- إن له علاقة شديدة؛ لأنه الواسطة. # وضحكت المرأة وقالت: ألعله واسطة ترقيتك إلى مقام قوميسير؟ ~~- نعم يا أماه. # واستاءت الأم إذ حسبته يهزأ بها وسألته: ألا تقول لي أيها الوقح ماذا كنت تصنع في ~~الدكان؟ ~~- إن هذا لا يعنيك. ~~- أهكذا تجيب أمك أيها الشقي؟ ~~- كفى يا أماه تأنيبا، وأعطني زجاجة خمر وقطعة من الخبز، ثم ذهب إلى القدر فرفعها عن ~~النار. # وحاولت أن تصيح به فقال لها: إنك إن اعترضت علي أو صحت حرمتيني من رتبة ~~القوميسير. # ثم وضع الخبز تحت إبطه وحمل الزجاجة بيد والقدر بيد وخرج من الغرفة بعد أن فتح الباب ~~وهو يقول: إن هذه المنكودة أشد حاجة منا إلى الطعام بعدما لقيته من العناء. # غير أن والدة بوليت لم تكن لتتخلى عن طعامها بسهولة، فاندفعت في أثر ولدها حتى أدركته ~~وقد دخل إلى الأرلندية. # ولما رأت الأم تلك الأرلندية وما لها من الجمال صاحت صيحة منكرة، وحسبت أنها فهمت كل ~~شيء وهي لم تفهم شيئا وقالت لابنها: تبا لك من لص فاجر، أتسرق طعامي وقد كلفني تعب ~~النهار كي تطعمه لخليلتك؟ # غير أن بوليت أسرع فوضع الطعام أمام الأرلندية، وبادر إلى الباب فأقفله ثم وضع يده ~~على فم أمه وقال لها: إنك ما دمت قد أتيت إلى هنا ورأيت فلا أجد بدا من إخبارك ~~فاسمعي. # ورأت الأم ملامح الجد بين عينيه، وتبينت خطورة الأمر من نبرات صوته، فانقطعت عن ~~الصياح وأصغت إليه. # أما بوليت فإنه أشار بيده إلى الأرلندية وقال لها: انظري يا أماه إلى هذه المرأة، ~~فإني لو لم أدركها لقضت غرقا. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أتعرفين جارنا الفحام؟ ~~- أليس هو شاباروت الذي قتل امرأته؟ ~~- هو ms2239 بعينه، وقد ألقى منذ ساعة هذه المرأة في البئر فأنقذتها حين سمعت صياحها. # وكانت أم بوليت عجوزا صخابة ثرثارة، ولكنها كانت طيبة السريرة كولدها، ولما أيقنت أن ~~المرأة مظلومة، وأنها ليست من بنات الهوى أصغت إلى ولدها وسمعت قصة الأرلندية. # أما بوليت فإنه أخبر الأرلندية أن ولدها لا يزال في قيد الحياة ثم أكرهها على الأكل ~~مع والدته ووعدها بإنقاذ ابنها فجعلت تبكي سرورا. # وعندها التفت بوليت إلى أمه وقال لها: إني أرى أبواب المستقبل قد فتحت أمامي ونحن ~~الآن في حاجة إلى الرصانة. ~~- ماذا تريد بذلك؟ ~~- أريد أن هذا الفحام لم يلق المرأة في البئر وسجن غلامها في القبو إلا وله شريك في ~~هذه المهمة الشائنة، وقد رأيت هذا الشريك يحادث الفحام، ولذلك فقد وجب الحذر. ~~- دون شك، وعندي أنه يجب أن تسرع في الحال إلى رئيس البوليس فتخبره بجلية ~~الأمر. ~~- ليس هذا بالرأي الصواب، فإن الفحام قد يخنق الغلام متى رأى رجال الشرطة قادمين ~~إليه. ~~- إذا ما العمل؟ ~~- يجب أن تبقى هذه المرأة هنا إلى أن أنقذ ولدها، ويجب أن تحرصي عليها كل ~~الحرص. ~~- كن واثقا من ذلك. ~~- واحذري أن تدعي أحدا يراها. ~~- سأفعل. ~~- نعم، أوصيك بالكتمان؛ لأن كلمة تبدر منك تفسد كل أمر. ~~- إني أعدك بأن أكتم أمرها عن كل الناس. ~~- بل تعديني أيضا أن لا تذهبي إلى منازل الجيران. ~~- سأقيم في غرفتي فلا أبرحها حتى تعود. ~~- إذا كان كما تقولين فاعلمي إذا أن الساعة بلغت السادسة الآن وهذا موعد خروج الفحام ~~إلى الخمارة للعشاء، فيجب اغتنام هذه الفرصة. # ثم ترك الأرلندية تعتني بها أمه، وخرج من المنزل إلى الزقاق، فرأى الفحام لا يزال ~~واقفا في الباب، فجعل يسير ذهابا وإيابا ويراقب الفحام. # وكانت الغاسلات تغسل الملابس في ذلك الزقاق وبينهن فتاة حسناء كانت تنظر إلى بوليت ~~نظرات حب وإدلال. # وقد رآها الفحام فاحمر وجهه من الغضب، ولم يكن غضبه لاعتقاده أنه يراقبه، ولكنه ~~استاء؛ لأنه رآه يرود أمام دكان الغسالات، فإن هذا الوحش الكاسر على غلظة ms2240 كبده، كان يحب ~~أحد تلك الغاسلات ودبت الغيرة إلى قلبه الوحشي. # أما تلك الفتاة التي كان يهواها فكانت تدعى بولينا، وهي نفس الفتاة التي كانت تنظر ~~إلى بوليت تلك النظرات التي تشف عن الحب الصادق. # وكان قد بلغ من حبه لتلك الفتاة أنه عزم على الاقتران بها دون أن يكاشفها بقصده، ~~لاعتقاده أنه ذو مال وأن الغاسلات لا مال لهن. # وكان كلما مر بالغاسلات، وهو يحمل الفحم إلى زبائنه، ينظر إلى الفتاة نظرة المعجب ~~بجمالها، ويزيد فيه ميل الزواج بها. # ولما رأى بوليت يمر ذهابا وإيابا بدكان الغاسلات تنبهت فيه عواطف الغيرة واتقدت ~~عيناه نارا. # وفيما هو على ذلك خرجت تلك الفتاة بطبق الماء المتسخ، فنظرت إلى بوليت وقالت له وهي ~~تضحك: احذر. # فأسرع بوليت إلى التراجع حذرا من أن تصيبه المياه فقالت له الفتاة باسمة: أراك يا ~~مسيو بوليت تفرط في الحذر من المياه. # فذهل بوليت حين سمعها تناديه باسمه فقال لها: ألعلك تعرفيني أيتها الفتاة؟ ~~- دون شك فقد حضرت تمثيلك مرة فأعجبت بك، ألا تهبني ورقة الدخول، فلا شك أن لديك ~~كثيرا من الأوراق. ~~- أعطيك متى شئت وقدر ما تشائين. ~~- إني أشكرك مقدما، فاذهب الآن فإن صاحب الدكان يراني أحدثك، وإذا شئت فانتظرني في ~~الساعة التاسعة في مدخل الزقاق نتفق على تعيين الساعة التي نذهب فيها لحضور التمثيل، ثم ~~تركته ودخلت إلى الدكان. # وكان الفحام قد رآهما يتحدثان فاصفر وجهه من الغيرة وأقفل باب دكانه، ولكنه لم يذهب ~~بل بقي واقفا قرب الباب. # أما بوليت فإنه خشي أن يعلم بأنه يراقبه فمشى يحاول الخروج من الزقاق. # وكان الظلام قد أقبل فلم يسر هنيهة حتى شعر أن الفحام قد انقض على عنقه وهو يقول: إنك ~~تتداخل فيما لا يعنيك وسترى ما يكون جزاؤك. # ثم ضغط عليه بعنف شديد حتى كاد يخنقه. # 41 # أما بوليت فإنه حين سمعه يقول له هذا القول لم يخطر له أن الفحام يريد الإشارة إلى ~~تلك الفتاة، بل حسب أنه اطلع على أمره وعلم أنه ms2241 يحاول إنقاذ الغلام فقال وقد كاد يخنقه ~~لشدة ضغطه على عنقه: اتركني أيها الأثيم، أو أدفع بك إلى الشنق؟ # وصاح شاباروت صيحة هائلة وكف عن الضغط على عنقه، فاغتنم بوليت الفرصة وأجاب: إنك قتلت ~~امرأتك ولدي على ذلك برهان. # فأجابه الفحام: لا ريب عندي أنك ستذيع هذه الأقوال في الحي، ولكني أهزأ بك ~~وبأقوالك. ~~- والإنكليزية التي ألقيتها في الماء؟ # وقد ذكر له بوليت أمر الإنكليزية راجيا أن يرعبه فيطلق سراحه، ولكن ساء فأله، فإن ~~الفحام حين ذكر له جريمته زادته إقداما على الجرائم فضغط على عنق بوليت وهو يقول: أما ~~وقد عرفت هذا السر، فلا تطمع بعده بالحياة. # وجرى بين الاثنين عراك عنيف، وكان الظلام حالكا، والزقاق مقفرا، والفرق بعيدا بين ~~الاثنين، فإن ذلك الفحام الوحشي كان يشبه الجبابرة، وقد زاده الغضب قوة على قوته، فبات ~~يعبث ببوليت كما يشاء. # أما بوليت فإنه شعر بالغلبة وشعر أنه ليس من أكفاء ذلك الخصم الشديد، فجعل يصيح ~~مستغيثا. # غير أن الفحام لم يمهله، فإنه صرعه وألقاه إلى الأرض وركع فوق صدره ثم أخذ مدية غليظة ~~من جيبه وطعنه بها. # فأن بوليت أنينا مزعجا ولم يتحرك. # وعند ذلك نهض الفحام عنه وقد جحظت عيناه وانصب العرق من جبينه، وقد توهم أنه قتله ~~فضحك ضحكا هائلا وقال: لقد أصبح عدد قتلاي ثلاثة. # ثم تراجع عن فريسته وقد شعر أن ساقيه يضطربان، ثم وقف وجعل ينظر نظرات تائهة دون أن ~~يجسر على النظر إلى بوليت، فإن القتلة يصابون حين الجريمة بمثل هذا الذهول. # ولبث هنيهة حائرا مضطربا، مقيدا بقوة خفية، إلى أن سمع وقع أقدام، فأسرع إلى ~~الفرار إلى الجهة المضادة لمصدر الصوت، وأطلق ساقيه للريح. # فكان يسير راكضا إلى أن بلغ شارع سانت أمبرواز، ومن هناك سار إلى شارع سانت أوجين ~~فالترعة، ولبث نحو ساعة يسير مضطربا خائفا دون أن يهتدي إلى أين يسير، فكان تارة ~~يندفع في سيره، وتارة يمشي الهويناء، ثم يقف مستريحا، فترن في أذنيه كلمات بوليت ~~الأخيرة فيهلع قلبه خوفا ms2242 من سوء المصير. # وعند ذلك بدأ المطر يتساقط، فلجأ إلى مكان يقيه المطر، وعادت إليه سكينته فقال في ~~نفسه: إني قتلت هذا الفتى دون أن يراني أحد، فمن يتهمني وليس بيني وبينه علاقة أو ~~اتصال، ولا يعلم الناس ما أضمرت له من الأحقاد. # وهنا ارتاح لهذا الخاطر وجعل يفكر في ماذا يفعل. # إن من يطالع تقاويم الجرائم يجد فيها ثلاثة أمور: أولها أن القاتل أول ما يخطر له ~~بعد ارتكاب الجريمة أن يعد سبيلا لدفع التهمة عنه، وثانيها أنه يحدث له شوق شديد إلى ~~الخمر، فيندفع إلى أقرب خمارة يجدها، والثالث أنه بعد أن يترنح سكرا يذهب إلى محلات ~~الدعارة والفساد. # ولذلك كان أول ما خطر لهذا الفحام أن يذهب إلى الخمارة بعد أن أيقن أنه لم يره أحد ~~حين ارتكاب الجريمة. # فذهب إلى الخمارة المجاورة للمكان الذي كان فيه وكانت غاصة بالزبائن، وقد لعبت الخمرة ~~بالرءوس فانطلقت الألسن وتشعبت الأحاديث. # فدخل وهو يتكلف السكينة جهده على أن تقطيب حاجبيه وغلظة جسمه نفر الناس منه، فلم ~~يكلمه أحد من الحاضرين خلافا لعادة السكارى، فإن السكر يؤلف بين قلوبهم ويقربهم من كل ~~بعيد. # أما الفحام فإنه هب إلى منضدة لم يكن عليها أحد وقعد فجاءه الخادم وأحضر له ما طلبه ~~من طعام وشراب. # فجعل يأكل ويشرب وهو يراقب الحضور، فلم يجد بينهم من شغل به أو اهتم له، فاستدل من ~~ذلك أن أمره لم يفتضح؛ إذ لم يسمع خلال أحاديثهم ما يشير إلى ارتكاب جريمته. # وفرغت قنينة الشراب فتلاها بالثانية وأردفها بالثالثة إلى أن حانت الساعة العاشرة وهي ~~إقفال تلك الخمارة، فاضطر إلى الخروج منها مكرها وهو تائه في مهامه الأفكار في الطريق ~~التي جاء منها، فقطع الترعة إلى شارع أوجين ومنه إلى شارع سانت إمبرواز، ومنه إلى ~~الشارع الذي يدخل منه إلى الزقاق. # وهنا تنبه بالرغم من سكره وجعل يخاطب نفسه فيقول: لماذا هذا التخوف ومن يخطر له أن ~~يتهمني؛ إذ لم يكن قد رآني أحد، وفوق ذلك فإني تعشيت ms2243 في خمارة كان فيها كثير من الناس ~~يشهدون لي. # وعند ذلك عول على الدخول إلى الزقاق، فدخل حتى وصل إلى منزله وأخرج المفتاح من جيبه ~~ووقف منذعرا وقد اضطرب من الرعب حتى أوشك أن يسقط. # ذلك أنه رأى نورا يضيء في منزله، فأيقن أن الشرطة قد اتصل بها أمر الجريمة. # وأن منزله قد غص برجال الشرطة للقبض عليه، فجمد الدم في عروقه من الخوف، ثم أقفل ~~راجعا وجعل يهدر وهو لا يعقل من الخوف ولا يهتدي إلى سبيل. # وها نحن موضحون السبب، في وجود النور والناس، في دكان ذلك الفحام. # 42 # بينما كان الفحام قد طعن بوليت تلك الطعنة النجلاء، وهام على وجهه بعد الجريمة، كانت ~~الغاسلات يداعبن بولينا ويمازحنها؛ إذ رأينها تحادث بوليت، فجعلن يسألنها عن هذا الفتى ~~وهي تجيبهن معجبة به إعجابا يدل على افتتانها بهواه. # وما زلن يمازحنها حتى انتقلن من المزح إلى الهزء، فكبر عليها هزؤهن وأوشك هذا المزاح ~~أن يفضي إلى المهاترة. # وتدخلت عند ذلك صاحبة الدكان، وهي رئيسة الغسالات فأصلحت بينهن، وعادت إلى بولينا ~~فكلمتها برزانة وقالت لها: أحقيقة أنك تهوين هذا الفتى؟ # فاحمر محيا الفتاة ولم تجب. # فاستدلت من سكوتها واصفرار وجهها على صدقها في حبه وقالت لها: إني أعلم أنك لست على ~~شيء من الخفة ونزق الشباب، وأنك إذا كنت تحبين هذا الفتى فعلى سبيل الاقتران به. # ولكنك تعرضين بمستقبلك للخراب، فليس لهذا الفتى مهنة وما هو من أهل الجد والإقدام، ~~ولا مال له على أنك لو اتبعت سبل الرشاد لتيسر لك القران بعد شهر برجل له مهنة ~~معروفة. # فقالت لها الفتاة: ماذا تعنين؟ ~~- أعني أنك تصبحين بعد شهر مدام شاباروت إذا كنت ترغبين. # فضحكت بولينا ضحك الهازئة وقالت لها: أشكرك لهذا النصح، فإن هذا الشخص يشبه ذلك ~~الأمير الذي كان يقتل كل امرأة يتزوجها حين تروق في عينه سواها. ~~- لا حقيقة لما أشيع عنه وفوق ذلك فهو كثير المال. # فهزت الفتاة كتفيها وقالت: أية حاجة لي بالمال وأنا أكسب قوت يومي، ms2244 ألم يقل الله لا ~~تهتموا بالغد إن الغد يهتم بكم، ثم أية مقارنة بين غاسلة لا تفارق المياه، وبين فحام ~~لا يغسل وجهه إلا يوم الأحد؟ # فضحكت الغاسلات لقولها، وقالت لها إحداهن: ولكن هذا الفحام هائم بك، فقد رأيته ينظر ~~إليك نظرات الوجد، وأنت حرة فاختاري ما تشائين من الفتيان، غير أنه لا بد لي من نصيحة ~~أسديها لك، وهي أن تحذري من هذا الشخص. ~~- وماذا يعنيه أمري؟ ~~- لا أقول: إنه يعنيه، ولكن الغيرة قد تدفعه إلى كل مكروه، ولو رأيته كيف كان ينظر ~~إلى ذلك الفتى الذي كنت تحدثينه لحذرت كل الحذر، فإن عينه تدل على الشر وقد تحمله ~~الغيرة على الانتقام. # فاهتزت بولينا إشفاقا وسكتت فلم تفه بكلمة بعد هذا الحديث. # ولبثت الغاسلات يشتغلن إلى الساعة السابعة، ثم انقطعن عن العمل وبسطن مائدة العشاء، ~~حتى إذا فرغن من الطعام قالت بولينا لصاحبة الدكان: إني لا أستطيع العمل في هذه الليلة ~~فقد تركت أمي متوعكة في هذا الصباح، وأخشى أن تكون مريضة وليس من يعولها سواي. # وكانت بولينا صادقة في قولها، فإنها كانت تريد افتقاد أمها، ثم إنها كانت تريد أن ~~توافي بوليت؛ إذ اتفقت معه على اللقاء في الساعة التاسعة. # فلما حان الموعد المعين أخذت سلتها التي أحضرت فيها طعام الصباح فأدخلتها في كوعها ~~ومشت وهي مضطربة لهذا اللقاء. # وفيما هي سائرة تعلل نفسها بالأماني، أو تعد رق الألفاظ لتحادث بها بوليت، عثرت بجسم ~~فالتفتت منذعرة ورأت جسما ممدودا على الأرض لا حراك فيه. # فراعها هذا الاتفاق ولم تعلم أهو جسم سكير أم قتيل، ولو اتفق مثل ذلك لسواها لهربت ~~خوفا. # غير أن بولينا على حداثتها كانت ثابتة الجنان، فانحنت على هذا الجسم كي ترى صاحبه، ~~ولكنها لم تحدق فيه حتى تراجعت منذعرة وصاحت صيحة حنو وتألم؛ فإن هذا الشخص كان ~~بوليت. # وعند ذلك أكبت عليه تنقذه وتنظر في أمره، فرأت الدم سائلا منه، فخافت خوفا ~~شديدا. # ولكنها لم تستغث ولم تترك بوليت لطلب النجدة، بل إنها تولت ms2245 الأمر بنفسها ووضعت يدها ~~على قلبه وشعرت أنه يخفق خفوقا خفيفا استدلت منه أنه لا يزال في قيد الحياة. # وقد اطمأنت وارتاحت بعض الارتياح، وكان أول ما خطر لها أن حبيبها لم يجرحه هذا الجرح ~~غير شاباروت الفحام. # وخافت ولكن خوفها لم يكن على نفسها، بل على بوليت وحاولت أن تسرع بإحضار المدد ~~لبوليت، ولكن خوفها عليه من الفحام منعها عن الذهاب. # ثم أيقنت أنه مغمى عليه بعد أن سمعت دقات قلبه، فرأت أن تنقذه بما تعلمه من الوسائل ~~ووضغت فمها على فمه وجعلت تنفخ نفخا خفيفا، فتصل أنفاسها إلى رئته. # وكانت تفرك يديه بيديها وتناديه بأعذب الألفاظ فلا يستفيق. # وعند ذلك خطر لها خاطر أملت أن يعينها على إفاقته، وهو أنها كانت قد اشترت في الصباح ~~برتقالا غير تام النضج، فذكرت أنه لا يزال معها برتقالة في سلتها. # فأخذتها وفلقتها فلقتين واستعملتها مقام إسفنجة فكانت تفرك بها صدغيه وشفتيه وأعصابه ~~فتفعل به فعل الخل. # وبعد أن أطالت الفرك على هذه الطريقة تنهد بوليت تنهدا خفيفا، فردت بتنهد الفرح ~~والاستبشار، ثم فتح عينيه وقال بصوت خفيف خافت: أين أنا؟ # فشعر عند ذلك بقبلة حارة كادت تحرق شفتيه، وسمع صوتا حنونا لطيفا يقول له: لا تخف ~~يا مسيو بوليت، فهذا أنا صديقتك الصغيرة ... بولينا الغسالة. # إن الفحام حين طعن بوليت بمديته صوبها إلى البطن لوثوقه من أن الطعنة في ذلك الموضع ~~تكون قاتلة. # غير أن مديته أصابت شيئا صلبا، وهو حافظة نقود بوليت التي كانت في جيب بنطلونه، ~~فزلقت عن النقود ولم تصب البطن كما كان يريد، بل أصابت الفخذ فجرحته جرحا طويلا، ~~ولكنه غير بليغ؛ إذ لم يقطع له عرق من عروقه. # غير أن الضربة كانت قوية أصابت بوليت بألم شديد أحدث له هذا الإغماء. # فلما صحا من إغمائه نهض واقفا على قدميه، فارتاحت بولينا لاستفاقته، ولكنها ذكرت ~~الفحام فاضطربت وقالت: رباه! إني أنا السبب في جميع ما أصابك. # فأخذ بوليت يدها بين يديه وقال وهو ينظر إليها نظرات الامتنان: ms2246 كيف تقولين إنك أنت ~~السبب؟ ~~- نعم، أليس هو الفحام الأثيم الذي جرحك؟ ~~- هو بعينه فكيف تكونين السبب؟ ~~- إنه حاول قتلك لغيرته علي منك، فإن هذا الشقي مغرم بي وقد رآني أحدثك. # فأدرك بوليت جلية الأمر، وعلم أن الفحام لم يحاول قتله؛ لأنه كان يراقبه، بل لأنه كان ~~يهوى الفتاة. # وهنا نظرت بولينا إلى ثيابه فذعرت وقالت: إن ثيابك مصبوغة بالدماء فهل تشعر بألم ~~شديد؟ ~~- كلا. ~~- إذا كنت لا تستطيع المشي فتوكأ علي، إن منزلي قريب من هنا وأمي ليست فيه، هلم ~~بنا. # فامتثل بوليت واستند على كتفها، فمشى عدة خطوات دون أن يشعر بألم. # ثم إن برد هواء الليل أنعشه وزاد في قوته، فتمكن من الوصول مع الفتاة إلى بيتها ~~القريب دون عناء شديد. # فلما وصلت به إلى خارج بيتها، رأت أن لا نور فيه، فعلمت أن والدتها لم تعد بعد، وأنها ~~ستسهر في المرسح الذي تشتغل فيه، فإنها بوابة أحد المسارح. # ففتحت باب المنزل ودخلت ببوليت إليه وأجلسته على كرسي كي يستريح إلى أن تنير ~~المصباح. # ولما أنارت مصباحها نظرت إلى بوليت ورأته أصفر الوجه، غير أنه لم يكن يظهر عليه أن ~~جرحه بليغ. # وكان هذا المنزل الصغير مؤلفا من غرفتين إحداهما للنوم والثانية للمطبخ فذهب بوليت ~~إلى المطبخ فنزع لباسه وتفقد الجرح فإذا هو بسيط لا يدعو إلى الخوف. # وكانت بولينا قد أحضرت له خرقة وخلا، فضمد الجرح بيده مؤقتا، ثم عاد إليها فقال لها ~~وهو يبتسم: لم ينلني من هذا الجرح غير خوفي السابق من عقباه، وهو بحمد الله لا يدعو إلى ~~الاكتراث غير أنه يجب أن يعتقد الفحام أنه قتلني. # وعندما ذكر الفحام، خطرت له الأرلندية، التي عهد بحراستها إلى والدته، وتذكر الغلام ~~المسجون في القبو، فعادت إليه حميته ونسي ما هو فيه. # أما الفتاة فإنها قالت: يجب إبلاغ البوليس فيقبض عليه ويسجنه فتأمن شره؛ لأنه أخطأك ~~اليوم، ولكنه قد يعود إلى ما فعله في الغد حتى يصادف منك مقتلا، فإنه وحش كاسر. # ثم نظرت إليه ms2247 نظرات تشف عن غرام صادق طاهر، وقد جال الدمع في عينيها إشفاقا عليه من ~~ذلك الفحام. # غير أن بوليت لم يكن يفتكر بها في ذلك الحين، بل كان كل همه قاصرا على الأرلندية ~~وولدها. # وكان يقول في نفسه: إن شاباروت يعتقد أنه قتلني، فهو سيقضي ليلته في الحانات وأماكن ~~اللهو والخلاعة، شأن القتلة السفاكين، وإذا عاد إلى بيته فلا يعود قبل الصبح، ولذلك ~~فسأجد متسعا من الوقت لإنقاذ الغلام. # وعند ذلك أخذ يد الفتاة بين يديه فقال لها: إنك حويت من طيب السريرة بقدر ما حويت من ~~الجمال وقد رأيت فيك ما دلني على ثبات جأش وقوة جنان، فهل أنت شجاعة القلب كما ~~أرى؟ # فاحمر محيا الفتاة وقالت: عند الاقتضاء. ~~- إذا تذهبين معي؟ ~~- إلى أين؟ أإلى دائرة البوليس؟ ~~- كلا. ~~- إذا إلى أين؟ ~~- إلى بيت شاباروت الفحام. # وظهرت علائم الذعر على محياها وقالت: أتذهب إلى بيت هذا الضاري؟ ~~- اطمئني إذ لا يمكن أن يكون في بيته. # ونظرت إليه نظرة ذهول وردت: ولكن ماذا تريد أن تصنع في ذلك البيت؟ ~~- أريد إنقاذ غلام قد يموت جوعا إذا تأخرت عن إنقاذه. # فأشكل هذا القول على بولينا، ونظرت إلى بوليت نظرات خوف، كأنها خشيت أن يكون أصيب ~~عقله بالخبل، لفرط ما نزف منه من الدماء. # 43 # أما بوليت فإنه أدرك معنى نظراتها، فابتسم لها وقال: اطمئني، أيتها الحبيبة، فإني على ~~أتم الهداية، وسأبرهن لك عن صدقي فيما أقول. # ثم قص عليها جميع ما حدث في النهار، وكيف أنه أنقذ الأرلندية من البئر وعلم مكان ~~الغلام المسجون. # ثم أتم حديثه فقال لها: إذا كنت لا تزالين في ريب مما قلته، فهلمي معي إلى بيتنا، ~~تجدي تلك الأرلندية مع والدتي، فقد عهدت إليها حراستها. ~~- لا حاجة إلى ذلك إني أصدقك. # ثم بدرت منها حركة دلت على الاستياء فقالت: إذا أنت لم تحضر إلى الزقاق إلا لمراقبة ~~الفحام. # فأدرك سر استيائها وقال: بل ولكي أراك أيتها الحبيبة. # فردت بدلال: إنك غير صادق هذه المرة. ~~- بل إني صادق، ms2248 وإذا شئت أن تكوني امرأتي كنت سعيدا معك، ولا عبرة بما اشتهرت به من ~~الكسل، فإني أغدو بعد اقتراني بك من أهل الجد والإقدام. # فاحمر محياها قليلا وقالت: سوف نرى في ذلك. ~~- إذا فلنهتم الآن بهذا الغلام المنكود المسجون في القبو. # فردت بلهجة تدل على رعبها: ألا تزال مصرا على إنقاذه؟ ~~- دون شك أو يموت جوعا. ~~- ولكن كيف؟ ~~- إننا ندخل إلى بيت الفحام في البدء ثم ندخل إلى القبو. # فضمت يديها قائلة: رباه! لا شك أنه مجنون. # فابتسم قائلا: ماذا رأيت من دلائل جنوني. ~~- دخولك إلى بيت الفحام، ألعلك تريد أن يقتلك؟ ~~- إني لا أخشاه الآن؛ إذ لا يمكن أن يعود إلى بيته هذه الليلة وهو يحسب أنه ~~قتلني. # على أن بولينا لبثت تضطرب من خوفها على بوليت، وتحسب دخوله إلى بيت الفحام خطرا من ~~أشد الأخطار التي لا يقدم عليها عاقل. # فلما رأى منها هذا الخوف قال لها: ما زلت خائفة فلا حاجة لي بذهابك معي، غير أني أحب ~~أن أسالك عن شي وهو هل تظنين أن الجيران قد عادوا إلى البيت؟ ~~- لقد عادوا دون شك وهم نيام الآن؛ لأن جميعهم من العمال. ~~- أليس للمنزل بواب؟ ~~- كلا. ~~- إذا إن كل مستأجر له مفتاح للباب؟ ~~- بل إن لهذا الباب العام زلاجا يفتح الباب مثل باب بيتنا. ~~- إني كنت أعلم ذلك، فإن بيتنا مثله أيضا، ولكني أردت أن أستوثق. # وردت بولينا: ولكن هب أنك دخلت إلى البيت كما تقول فكيف تدخل إلى الدكان؟ ~~- إن ذلك سهل فإني راقبت الفحام ورأيته حين يذهب إلى العشاء يقفل دكانه فيضع مفتاحها ~~تحت عتبة الباب. ~~- هذا أكيد وأنا رأيته يفعل ذلك عدة مرات. ~~- إذا اطمئني علي، فسأبلغ ما أريده من إنقاذ الغلام، والآن أودعك شاكرا لك حسن ~~اعتنائك بي، وسأزورك غدا إذا سمحت لأوفيك حقك من الشكر والامتنان. # ثم هم بالخروج من المنزل، وهو لا يزال منحط القوى، يتمايل في مشيه من ضعفه تمايل ~~السكارى، فأسرعت إليه بولينا وقالت له: إنك لا شك فقدت صوابك، ms2249 أتحسب أني أدعك تذهب ~~وحدك، وأنت على هذه الحال؟ ~~- ماذا تقصدين، ألعلك تريدين الذهاب معي؟ ~~- وكيف يخطر لك أن أدعك تذهب وحدك، وأنت على ما أنت فيه من الضعف؟ ~~- ولكني أراك خائفة من الفحام؟ ~~- هو ما تقول، ولكن خوفي لم يكن علي بل عليك، وفوق ذلك فإذا أصبت بمكروه لا قدر ~~الله فإني أصاب به مثلك فهلم بنا. # فضمها بوليت إلى صدره شاكرا وخرج بها. # وكان ما نزف من دمائه قد أضعفه، فكان يسير مترنحا ترنح السكارى، غير أن بولينا كانت ~~تعينه على احتمال السير. # وكانت المسافة قريبة بين المنزلين، فلما وصل إلى بيت الفحام، نظر بوليت إلى ما حواليه ~~نظرة الفاحص، فرأى الزقاق مقفرا، والسكينة سائدة، فظهرت عليه علائم التردد وقال ~~للفتاة: إن الذي سأعمله بسيط جدا لا يحتاج إلى اثنين، فدعيني أقضي هذه المهمة وحدي ~~وانتظريني هنا إلى أن أعود. # فاعترضته الفتاة قائلة: كلا بل أدخل معك. ~~- ألا تزالين مصرة؟ ~~- كل الإصرار؛ إذ يجب أن أشاركك في البؤس والنعيم وأقتسم كل خطر، ألم تقل لي أنك تريد ~~أن أكون امرأة لك؟ # فعانقها بوليت ثانية عناق شكر وحنان وقال: إذا هلم بنا. # ودنا بوليت من الباب فمد يده من ثقبه وفتحه، فخفق قلب بولينا، ولكنها دخلت بجرأة من ~~ذلك الباب؛ لأنها كانت تحب بوليت وهي معه والحب يولد الشجاعة في قلوب النساء. # وكان بوليت يعلم أين يضع الفحام مفتاح دكانه؟ # وبحث عن المفتاح ووجده في مكانه ففتح به الدكان ودخل مع خطيبته وسط الظلام ~~الدامس. # غير أن كل فتيان باريس يحملون كبريتا شمعيا في جيوبهم، فأخذ بوليت علبته وأضاء ~~عودا منها وبحث مستعينا بنوره الضئيل فوجد شمعدانا موضوعا على كيس الفحم فأنار ~~الشمعة. # وفي ذلك الوقت وصل شاباروت عائدا إلى منزله، فرأى النور وأيقن أن رجال البوليس ~~أقبلوا ليبحثوا عنه، فأركن إلى الفرار لا يلوي على شيء لخوفه كما تقدم. # أما بوليت فإنه دخل مع الفتاة من الدكان إلى فناء البيت، فقالت له بولينا: إن نوافذ ~~الجيران تشرف على ms2250 هذه الدار، ألا تخشى أن يرونا منها؟ ~~- ألم تقولي إنهم نيام؟ ~~- إني كنت أود أن نسير من غير نور، ولكني لا أعرف داخلية المنزل، وأخشى أن نسقط في ~~البئر. # ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى البئر فأراها بوليت الباب الذي سقطت فيه ~~الأرلندية. # وعند ذلك نزلا إلى القبو الأرضي المسجون فيه الغلام، وكان بوليت قد رأى الفحام أين ~~خبأ مفتاحه وعلم موضعه، فأخذ المفتاح وفتح به باب القبو. # وكان الغلام يئن في محبسه ويذرف الدمع السخين؛ إذ لا يستطيع الاستغاثة، فلما رأى باب ~~سجنه قد فتح ذعر ذعرا شديدا، وحاول أن يقطع رباطه فلم تستطع يداه الصغيرتان. # غير أن بولينا أسرعت إليه وحملته بين ذراعيها، وهي تتوجع لمصابه إشفاقا عليه. # فارتاح الغلام لصوتها الحنون وظواهر إشفاقها وكف عن الأنين، وعلم أن الله أرسل من ~~ينقذه من قبضة ذلك الأثيم. # وفك بوليت قيوده وبعد ربع ساعة كان رالف بين ذراعي أمه تلاعبه وتقبله وهي توشك أن لا ~~تراه. # أما بوليت فإن التعب وما نزف من دمائه أنهك قواه فأغمض عينيه وسقط ثانية على الأرض ~~مغميا عليه. # 44 # ولنعد الآن إلى شاباروت، فإنه بعد أن رأى النور في منزله خاف خوفا شديدا وفر هائما ~~على وجهه في أنحاء باريس، وهو لا يعلم أين يستقر من القلق. # وبقي هائما تائها كل ليله إلى أن كاد يشرق الفجر، ووجد نفسه في شارع ليون وهو يمشي ~~بخطوات متوازنة لاضطرابه، وقد زاده الخوف شراسة، فكان اتقاد عينيه وانقلاب سحنته وتقطيب ~~حاجبيه تدل على ما فطر عليه من الغلظة والهمجية. # وكان يعتقد كل الاعتقاد أن البوليس عرف بأمره، وأتى ليبحث عنه في منزله. # ورأى أن مناخ باريس لم يعد يوافقه وعول على الفرار إلى ليون بالقطار الذي يسافر في ~~الساعة الخامسة ونصف. # وقد قال في نفسه: إني أركب هذا القطار المسافر إلى ملهوس فأكون الليلة في سويسرا حيث ~~أكون في مأن من البوليس. # وقد تقدم لنا القول أن السير جمس كان قد أعطاه ألف فرنك وكان المال ms2251 لا يزال في جيبه ~~فأدخل يده إليه متفقدا ذلك المال وهو يقول في نفسه: إني أسافر بهذا المال إلى آخر ~~الأرض. # فذهب إلى المحطة بغية شراء تذكرة السفر، فلما وصل إليها وجد بعض المسافرين واقفين عند ~~شباك التذاكر. # ولكنه قبل أن يبلغ هذا الشباك رأى رجلين من البوليس واقفين يراقبان كل مسافر وينظرون ~~إلى وجهه ويسألانه بعض الأسئلة. # فلم يعد لديه مجال للريب بأن إدارة البوليس خشيت أن يفر من باريس، فأرسلت من يقبض ~~عليه في المحطة. # وعند ذلك رجع من حيث أتى، وقد زادت هواجسه واشتد اضطرابه فعاد إلى شارع ليون، وهناك ~~سجن يدعونه سجن مازاس، فنظر إليه نظرة ذعر ووضع رأسه بين يديه كأنه يحاول أن يستوثق أنه ~~لا يزال رأسه فوق كتفيه. # وقد تمكن منه اليأس، فلم ير شافيا من هذا الداء الأليم غير الخمر فدخل إلى أول خمارة ~~رآها مفتوحة. # وكان في الخمارة فريق من عمال السكة الحديدية جالسين حول منضدة يتحدثون. # فجلس الفحام حول طاولة قربهم وطلب كأسا من الأبسنت فشربه جرعة واحدة، وطلب سواه وجعل ~~يصغي إلى حديث العمال فذعر ذعرا شديدا لأول كلمة سمعها حتى كاد الكأس يسقط من ~~يده. # ذلك أنه سمع صاحب الخمارة يقول للجماعة: ولكنهم لم يقبضوا عليه. # فأجابه أحدهم: ولكن لا بد من القبض عليه. # وقال آخر: القبض عليه غير مضمون فقد يتمكن من الفرار. # فرد صاحب الخمارة وهو يبتسم: هيهات أن يجد مناصا، فقد تغير العهد القديم وبات ~~البوليس السري منتشرا في جميع الأنحاء، فهم يعثرون بالسارق والقاتل كما يعثر كلب الصيد ~~بالطريدة. # فسأله الجماعة: ألعل الفتى الجريح قد مات؟ ~~- كلا، ولكن حالته تنذر بالخطر. # فتأسف الجماعة عليه وقالوا: مسكين إنه لا يزال في مقتبل الشباب. # وكان شاباروت يصغي إلى الحديث والعرق البارد ينصب من جبينه، ولم يكن لديه شك أنهم ~~يعنونه بحديثهم دون أن يعرفوه، ومع ذلك فإنه لم يسرع بالخروج من تلك الخمارة حذرا من ~~تنبيه الأنظار إليه. # وعاد إلى الشرب والإصغاء، فكان الحاضرون يتحدثون ولا ms2252 يخرجون في حديثهم عن موضع هذه ~~الجناية، غير أنهم لم يذكروا أمامه اسم القاتل واسم القتيل، وغاية ما علمه أن القتيل ~~فتى في مقتبل الشباب، ومن عسى يكون هذا الفتى غير بوليت؟ # وما زال شاباروت في هذا العذاب الأليم إلى أن سمع أحد عمال السكة الحديدية يقول: ولكن ~~هذا القاتل لا يستطيع الفرار بقطارنا دون شك. # فقال أحدهم: ألعلهم يعرفونه بالمحطة؟ ~~- إذا كانوا لا يعرفونه فأنا أعرفه. # فتنهد شاباروت تنهد الراحة والفرج، وقال في نفسه: إن هذا الرجل قد رآني حين دخلت، ~~وأنا الآن جالس بقربه، فلا شك أنهم لا يعنونني بهذا الحديث. # ثم عاد إلى الإصغاء، فسمع صاحب الخمارة يقول: إنه قد أقام عندي مدة طويلة، فلم يخطر ~~لي في بال أنه من أهل الشر، وأنه يطعن مثل هذه الطعنة النجلاء. # فزاد ارتياح الفحام وقال في نفسه: هذه أول مرة دخلت فيها إلى هذه الخمارة وقد أحدث له ~~هذا الارتياح جرأة في نفسه فاشترك معهم ونادى صاحب الخمارة وقال له: بأية جريمة ~~يتحدثون؟ ~~- إن أحد العمال قتل زميلا له في هذه الليلة طمعا بسلب مائة فرنك كان المسكين قد ~~اقتصدها. ~~- ألعله هرب؟ ~~- ربما، ولكنهم يعتقدون أنه لا يزال في الشارع وذلك ممكن، فإنه قد يرجو أن يفر بالسكة ~~الحديدية؛ لأنه من عمالها. # فأيقن عند ذلك شاباروت، أن البوليسين اللذين كانا يفحصان الوجوه في المحطة لم يكونا ~~هناك للقبض عليه، بل للقبض على ذلك القاتل، فلم يعد يخاف السفر. # وعند ذلك خرج من الخمارة وسار توا إلى المحطة، ولكنه لم يكد يبلغ إليها حتى سمع صوت ~~صفير القطار فعلم أنه وصل بعد فوات الأوان. # وكان أحد عمال المحطة قد رآه فقال له: لا بأس عليك؛ إذ يوجد قطار أيضا يسافر بعد ~~ثلاث ساعات. # غير أن شاباروت أبى الانتظار، فخرج من المحطة وهو يقول في نفسه: من يعلم فقد أكون ~~مبالغا في خوفي، وقد لا يكون الأمر على ما توقعته ولا بد لي من البحث والاستقصاء كي ~~أعلم ماذا حدث. # ثم ms2253 رجع فجعل يجتاز من شارع إلى شارع حتى قرب من الشارع الذي يقيم فيه، فتغلبت الحكمة ~~على الخوف وقال في نفسه: لا بد لي من التجسس فاعلم إذا كانوا عثروا بجثة بوليت، وإن ~~كانوا يتحدثون بي فقد يمكن أن يكون النور الذي رأيته في منزلي نور اللصوص لا نور رجال ~~الشرطة. # ولما خطر له هذا الخاطر لم يجد أقرب إلى تنفيذه من الحانات فجعل يدخل من حانة ويخرج ~~منها إلى حانة فيشرب في كل خمارة كأسا ويسمع من يتحدثون به؛ فكان جميع الناس يتحدثون ~~بأعمالهم الخاصة ولم يسمع حديثا يدل على اكتشاف جريمته. # وما زال على ذلك إلى أن ولج خمارة كان صاحبها يعرفه، فاستقبله خير استقبال ولم يظهر ~~عليه شيء من دلائل الاتهام. # وكانت هذه الخمارة قريبة من منزله، وهي كثيرة الزبائن، وأيقن الفحام أن جريمته لم ~~تعرف؛ لأنها لو اشتهرت لما خفيت على صاحب تلك الخمارة، ثم إن السكر زاده جرأة فأقام ~~مدة طويلة في تلك الخمارة وهو يصغي إلى حديث كل داخل إليها، ولم يسمع أحدا ذكره بلسان، ~~ولذلك خرج منها مطمئنا وذهب سائرا في طريق منزله على نية التجسس في الطريق مبالغة في ~~الاستيثاق. # وقبل أن يبلغ إلى منزله مر بدكان الحلاق الذي كان يحلق عنده وكان فيها كثير من الناس ~~وكلهم يعرفونه، وقد رأوه جميعهم، فلم يظهروا له شيئا فاطمأن خاطره وزادت جرأته ودخل ~~إلى الدكان، فحلق لحيته وهو يحدثه بكثير من الأمور، فإن ثرثرة الحلاقين واحدة في جميع ~~البلاد. # ولكنه على كثرة كلامه لم يذكر له شيئا من جريمة الأمس، فخرج من عنده مرتاح البال وهو ~~يقول في نفسه: إذا كان الحلاق لم يتحدث بهذه الجريمة، فهي لا تزال خفية دون شك، ولا خوف ~~علي من الذهاب إلى منزلي بعد هذا. # 45 # قد تبدل خوف شاباروت بجرأة عظيمة فدخل إلى الزقاق وجعل ينظر في الأرض عله يقف على أثر ~~من دماء بوليت في الموضع الذي طعنه فيه. # ولكن السماء قد أمطرت مطرا غزيرا في ms2254 تلك الليلة، فجرف السيل الدماء ومحى ~~أثرها. # وذهب عندئذ مطمئنا إلى منزله، وقبل أن يصل إليه لقيه صاحب خمارة في الزقاق وقال له: ~~هات لي كيسا من الفحم. # ودنا منه الفحام وحياه فقال صاحب الخمارة: يظهر أنك لم تبت في منزلك هذه ~~الليلة. # واضطرب الفحام وسأله: كيف عرفت هذا؟ ~~- إني طرقت بابك في هذا الصباح لحاجتي إلى الفحم فلم أجدك. ~~- نعم، إني لقيت أمس صديقا من مواطني وهو قادم حديثا إلى العاصمة فسرت معه تلك ~~الليلة باللهو، ثم تركه بعد أن اطمأن من حديثه وقال: سأحضر لك ما طلبته من ~~الفحم. # وذهب إلى دكانه فمر بدكان الغاسلات التي تجاورها ونظر إليهن حسب عادته فرآهن يشتغلن، ~~ورأى بينهن بولينا. # فخفق قلبه حين رآها وذهب إلى منزله فوجد الباب مقفلا كما كان، وافتقد مفتاح القبو ~~فوجده في موضعه ففتح الدكان ودخل فبحث فيها ولم يجد أثرا يدل على البحث والتنقيب؛ إذ ~~رأى كل شيء لا يزال في مكانه فقال في نفسه: إذا ليس رجال الشرطة الذين جاءوا إلى منزلي ~~ليلة أمس. # وكان شاباروت لا يبقي في دكانه غير القليل من المال فإذا بلغ ما يجمعه مائة فرنك ~~أرسلها إلى بنك الاقتصاد، وقد ذكر أنه ترك في الليلة الماضية ما يقرب من هذه القيمة في ~~درج كان مفتاحه معه، فافتقد المال فوجد أنه لا يزال في مكانه، وتمتم من عسى أن يكون قد ~~دخل إلى منزلي؛ إذ لم يكن فيه أثر للشرطة أو اللصوص. # ثم أخذ يبحث، وخرج من دكانه إلى الفناء، ومن الفناء إلى الرف الذي كان يضع فوقه مفتاح ~~القبو الذي سجن فيه الغلام فوجده حيث تركه وأسرع إلى ذلك القبو ووقف منذعرا مبهوتا؛ ~~إذ رأى بابه مفتوحا، ولم ير فيه أثرا للغلام. # وعندها أدرك في اعتقاده سر الأمر؛ إذ أيقن أن السير جمس قد جاء في طلب الغلام، وأنه ~~هو الذي كان في منزله في الليل وحسبه من رجال الشرطة وأركن للفرار، ثم وقف يعض على ~~أسنانه من الغيظ ويقول: ms2255 إن هذا الشقي قد سرق الغلام كي لا يدفع لي بقية ما اتفقنا عليه؛ ~~لأنه لم يدفع لي غير ألف فرنك؛ أي نصف قيمة الاتفاق. # ولم يعد يخطر له في بال أن اللصوص أو الشرطة دخلوا إلى منزله بعد أن استوثق في ~~اعتقاده أن الإنكليزي هو الذي أتى لسرقة الغلام، وأسف أسفا شديدا على ما خسره من ~~المال، ولكن هذا الأسف لم يشغله عن الافتكار ببوليت؛ إذ لم يكن يعلم ما جرى له وهل بات ~~قتيلا أم هو لا يزال في قيد الحياة. # وكان يضرب أخماسا وأسداس ويقول: إذا كان قد قتل فكيف اتفق أنه لم يعلم بأمره أهل ~~الزقاق وهو منهم، لا شك أنه لم يقتل، بل هو جريح وحمل نفسه ولجأ إلى بعض الأماكن، لكن ~~إذا صح هذا الافتراض، فكيف لم يعرض شكواه ولماذا البوليس لا يهتم بالقبض علي. # وقد طاش رأسه وأمعن في التفكير ولم يهتد إلى حل الألغاز. # ثم ذكر ما قاله بوليت حين ضغط على عنقه وكاد يخنقه وهو تهديده بالشنق لقتله امرأته ~~ورمي الأرلندية في البئر، وكيف تسنى له أن يعرف هذا السر؟ # وكانت جميع هذه المشاكل تعرض له تباعا، فلا يستطيع حل واحدة منها ويضيع صوابه ~~بينها، فكان تارة تتمثل له رجال الشرطة، وتتجسم في نفسه المخاوف ويحاول الفرار، وتارة ~~يطمئن ويؤثر البقاء في المنزل. # وطال تردده، حتى إنه بقي كل النهار في الدكان، ولم ير أحدا قد اهتم به. # وقد أرسل الفحم في المساء إلى زبائنه كالمعتاد، وكان يمر في ذهابه وإيابه بدكان ~~الغاسلات، فينظر نظرات حنو إلى بولينا، لكن الفتاة كانت منصرفة إلى عملها، فلم تكترث له ~~ولم تنظر إليه. # مضى النهار وذهب في الليل إلى الخمارة التي تعود أن يتعشى فيها، وتعشى ولم يسمع أحدا ~~ذكر أمامه بوليت وعاد إلى المنزل آمنا مطمئنا، ولم يشغله غير الأسف على الألف فرنك ~~التي كان يرجو أن يقبضها من السير جمس. # ثم نام نوما هادئا، ولكن لم يطل نومه حتى سمع قرعا شديدا ms2256 على باب المنزل فصحا ~~مرعوبا وقال: إنهم الجنود دون شك ولم يبق سبيل للفرار. # ولم يسعه إلا القيام فنهض من الفراش خائفا متثاقلا وقال بصوت مختنق: من ~~الطارق؟ # فأجاب صوت من الخارج قائلا: أنا. ~~- من أنت؟ ~~- أنا جواني الجزار. # فتنهد الفحام تنهد الارتياح؛ إذ كان يعرف هذا الجزار، إذ كان يجتمع به في الخمارة ~~التي يتعشى فيها. # أما جواني هذا فهو الذي كان يلقب بالجلاد حين كان في سجن طولون وأنقذه روكامبول ~~وجعله من رجال عصابته. # ولما فتح الفحام بادره جواني بقوله: إني قادم للبحث عن الغلام وأمه. # وحاول الفحام الإنكار وقال: أي أم وأي غلام؟ ~~- الأرلندية وابنها الذين جيء بهما إلى منزلك أيها الصديق العزيز. # 46 # ولم يكن جواني قد جاء وحده، فقد صحبه مرميس ودخل الاثنان مسرعين حين فتح الفحام ~~الباب. # أما الفحام فقد اصفر وجهه اصفرارا شديدا حين سمع جواني يطالبه بالأرلندية والفتى، ~~ولكنه أصر على الإنكار وقال لسائله: إني لا أعلم ماذا تعني إذ لم أر أرلندية ولا ~~أرلنديا. # وضحك مرميس وقال: لكنك سوف ترى أنك رأيتهما. # ثم أخرج مسدسا من جيبه وقال: إني أستطيع حملك على الإقرار بهذا المسدس، لكن لدي ~~طريقة أفضل منها فانظر. # ثم جلس أمام طاولة يأكل عليها شاباروت طعام الصباح فوضع عليها المسدس وفك أزرار جيبه ~~وأخرج منها محفظة ونثر منها كثيرا من الأوراق المالية على الطاولة. # وكانت مدية الفحام لا تزال في جيبه، لكنه علم أن المدية لا توازي المسدس، ثم إنه كان ~~كثير الحب للمال، فلما رأى تلك الأوراق تتناثر من المحفظة اتقدت عيناه ببارق الطمع، ولم ~~يعد يخطر له غير أمر واحد وهو أن الإنكليزي سرق الفتى ولم يدفع له الألف فرنك، وجال في ~~فكره أن يعوض المال بالمال الموجود. # وكأنما تلميذ روكامبول قد أدرك ما في نفسه فقال: إذا كنت تحب المال وتريده وجب عليك ~~أن تتكلم وهذه ألف فرنك أدفعها لك مقدما. # فمد الفحام يده وأخذ الورقة المالية بلهف فقال مرميس: يظهر أنك تريد الإقرار بدليل ms2257 ~~أخذك المال فقل لنا: ماذا صنعت بالفتى. # وأجاب الفحام وقد اضطربت يده بالورقة المالية: أما وقد علمت شيئا من هذه الحكاية، ~~فلا بد لي أن أخبرك بحقيقتها بعدما ظهر لي من كرمك، لا سيما وأن هذا الإنكليزي قد ~~خدعني؛ لأنه وعدني بألفي فرنك . ~~- ألم يدفع لك المال؟ ~~- إنه دفع لي النصف ووعدني أن يدفع النصف الآخر حين يعود لأخذ الغلام. # فقال مرميس: وماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- حدث أنه عاد في الليلة الماضية فاغتنم فرصة غيابي من المنزل ودخل دخول السارقين ~~وأخذ الصبي ولم يدفع لي ما وعدني من المال. # وكان الفحام يتكلم ببساطة تشف عن الصدق الأكيد فقال مرميس في نفسه: لا شك أنه صادق في ~~قوله أو هو يعتقد أنه صادق، ثم قال للفحام: في أية ساعة تحسب أن الإنكليزي جاء إلى ~~منزلك؟ ~~- بين الساعة العاشرة والحادية عشرة من مساء أمس. # فأجاب مرميس ببرود: إن هذا مستحيل؛ لأنه كان يعلم ما فعله السير جمس في الليلة ~~الماضية. # فاضطرب شاباروت لهذا التكذيب وقال: إذا من يحضر إلى منزلي ويأخذ الفتى؟ ~~- لا أعلم، لكني واثق أنه غير الإنكليزي فقل لي الآن: ما فعلت بالأم، فارتعش الفحام ~~ولم يجب. # أما مرميس فقد رأى أنه يخاف الإقرار فقال بلهجة السيادة: قل الحقيقة أزدك ألفا ~~أخرى. # ونظر الفحام إليه بعينين تتقدان، وتنازعه في ذلك الحين عاملان عامل الرهبة وعامل ~~الطمع، فقد قال في نفسه عن مرميس: إن هذا الرجل قد يكون بوليسا متنكرا يحاول خديعتي ~~ولكنه قال أيضا: لا شك أن شأن هذا الصبي خطير، فإنهم يتنازعون عليه ويدفعون الألوف من ~~أجله وهي فرصة أغتنمها ولا أظفر بمثلها في كل حين. # وقد تغلب الطمع فيه على الحكمة وأمحى رسم المشنقة الذي كان قد تمثل لعينيه، وحل المال ~~عقدة لسانه فقال: إن الأم قد قتلتها. # فظهرت على جواني علائم الذعر، وأما مرميس فقد كان تعلم من أستاذه روكامبول الصبر ~~والتأني في هذه المواقف فقال: كيف قتلت هذه المرأة؟ # ثم أخذ ورقة أخرى بألف فرنك ودفعها ms2258 إليه فأخذها الفحام وقال: إني أغرقتها. ~~- أين أغرقتها أفي الترعة؟ ~~- كلا بل في البئر. ~~- تعال معي أدلك عليها. ~~- إذا سر أمامي واحذر أن تحاول الفرار فإني أقتلك دون إشفاق. # فوضع الفحام الورقة في جيبه دون أن يعترضه مرميس وقص عليه بإيجاز كل ما حدث بالقبو، ~~وكيف أن سقف البئر خسف تحت قدمي الأرلندية فهوت إلى المياه. # فقال مرميس: إذا هلم بنا نرى المكان الذي سقطت فيه. # فأضاء الفحام شمعة، وفتح باب الدكان المؤدي إلى الفسحة وخرج فتبعه مرميس وهو يقول: لا ~~تنس أني أتبعك والمسدس مشهر بيدي. # وسار الفحام دون أن يجيب حتى وصلوا إلى القبو، وهناك اعتراه اضطراب غريب لدنوه من محل ~~الجريمة وأصابه من الوجل نفس ما أصابه حين طعن بوليت ولم يجسر على النظر إليه، فقد كان ~~هذا الرجل من كبار الأئمة السفاكين، ولكنه إذا قتل لا يطيق النظر إلى فريسته وهذا شأن ~~كثير من المجرمين. # ولما وصل إلى سقف البئر وقف وقد اصفر وجهه واضطربت رجلاه وقال لمرميس: انظر أنت إذا ~~شئت أما أنا فإني لا أطيق النظر. # ثم جعل يرتعش كمن أصاب جسمه برد وأدار وجهه كي لا ينظر. # أما مرميس فإنه أخذ الشمعة وأشار إلى جواني أن يفتح باب البئر ففتحه. # وعندها قال لهما شاباروت: لا بد أن تكون الجثة عائمة طافية على سطح المياه، فإنها ~~غريقة منذ أمس. # وكان يقول هذا القول بصوت مختنق فما شك مرميس بصدقه ونظر في تلك المياه فقال: إني لا ~~أرى جثة طافية كما تقول، بل إني أرى سلما. # فذهل الفحام وقال: أترى سلما كما تقول؟ ~~- نعم. ~~- وجثة المرأة؟ ~~- لا أثر للجثة. # وتشجع الفحام قليلا ودنا من البئر، فانحنى فوقها متباطئا متثاقلا ثم زادت جرأته ~~ونظر إلى المياه على نور الشمعة وحدق في جوانب البئر فلم ير الأرلندية، بل رأى سلما ~~طافية على وجه المياه كما قال مرميس. # وهناك انذهل انذهالا عجيبا وسأل: إن هذا عجيب فكيف وجد السلم في البئر، ومن عساه ~~يكون نزل إليها؟ ~~- أتظن أنهم ms2259 نزلوا إلى البئر؟ ~~- دون شك. # وكان يوجد في القبو معقل طويل، فألقى الفحام طرفه إلى السلم وجذبه إليه فأخرجه من ~~المياه. # ثم أخذ يفحص خشبه على نور الشمعة فقال: إن الخشب لم يبل وهو ما يدل على أن السلم لم ~~يلق في هذه المياه من عهد بعيد. # وفيما هو يفحصه نظر حرفا مكتوبا عليه فقال: إن هذا السلم سلم الدكان المجاورة التي ~~تشرف أيضا على هذه البئر، وهذا الحرف المكتوب هو الحرف الأول من اسم صاحبها، ولكن هذه ~~الدكان غير مأجورة فمن ذا الذي نزل إلى البئر من تلك الدكان وأنقذ المرأة؛ إذ لا شك ~~عندي الآن أن المرأة قد نجت من الموت. # وأخرج مرميس ورقة مالية أيضا وقال له: إني أزيدك ألف فرنك إذا تكلمت بإيضاح. # وزال عند ذلك اضطراب شاباروت، وقد فرح فرحين أحدهما بالمال، والآخر بنجاة المرأة ~~ونجاته من التبعة فعادت إليه سكينته وأخذ يحدث مرميس بجميع ما اتفق له. # 47 # كان شاباروت مفطورا على الشر، كأنما خلق له، وقد زاده تعلقا به شغفه الشديد ~~بالمال، وبخله العجيب حتى إنه لم يكن يحجم عن جمعه ولو أنذر بالقتل. # على أنه مع ذلك لم يكن يخلو من الذكاء والحكمة، فلما رأى السلم طافيا على المياه، ~~ورأى مكتوبا عليه الحرف الأول من اسم صاحب الدكان تنبه وجعل يفتكر متمعنا. # وكان مرميس وجواني ينظران إليه، وينظران بصبر نتيجة تفكيره وتمعنه إلى أن انتهى ~~الفحام من تفكيره الطويل فقال لهما: أصغيا إلي. # ثم نظر إليهما نظرة الشريك للشريك بأمر نال جزاؤه مقدما عليه وقال: إننا حين جئنا مع ~~الإنكليزي والأرلندية وابنها كان الإنكليزي يسير بالفتى في طليعتنا وهو يجتنب المرور ~~فوق سطح البئر. # وكنت أسير وراءهما والمرأة تسير في أثري فوق سقف البئر حيث سقطت فيها وصاحت صيحة ~~واحدة. # فقال مرميس: وبعد ذلك؟ ~~- لم يصدر منها بعد ذلك صوت، فحسبت وحسب الإنكليزي أنها قضت نحبها غرقا، وأما الفتى ~~فكان يصيح صياحا شديدا فحملناه إلى القبو وسجناه فيه. ~~- أذهبتم به دون أن ms2260 تستوثقوا من موت أمه؟ ~~- نعم. ~~- وبعد ذلك عدت وذهب الإنكليزي فأحضر الطعام للفتى، وأردت أن أتفقد المرأة في البئر ~~فما جسرت. # فقال له مرميس: لا فائدة من هذه الأقوال؛ لأني لم أستدل منها على شيء. ~~- لقد عولت على أن لا أكتمك أمرا بعد ما رأيته من كرمك، فإني أحب فتاة غسالة في هذا ~~الزقاق، وقد رأيت فتى يحادثها وتحادثه بدلال، فكبر الأمر علي وصبرت حتى افترقا فتعقبت ~~الفتى وأشبعته ضربا ولكما ثم طعنته بمديتي. # فقال جواني: أية فائدة من هذه الأخبار؟ # فلم يجبه الفحام ومضى في حديثه فقال: لقد ذكرت حين كنت رابضا فوق صدره أنه كان ~~يدعوني قاتلا سفاكا فحسبت في البدء أنه يشير بذلك إلى امرأتي، فإن بعض الناس يتهمونني ~~بقتلها غير أني أخطأت؛ لأنه كان يشير إلى الأرلندية؛ إذ قال: إني رميتها في ~~البئر. # فتنبه مرميس وقال: أهو قال هذا القول؟ ~~- نعم، وهو قول أضاع رشادي فأغمدت مديتي في بطنه وأركنت إلى الفرار. ~~- وماذا فعلت بعد ذلك؟ ~~- فعلت ما يفعله المجرمون في هذه الحوادث، فتنقلت من خمارة إلى خمارة، ثم عدت إلى ~~منزلي متجسسا فرأيت فيه نورا وحسبت أن رجال الشرطة يكبسون منزلي وعدت إلى ~~الفرار. # وهناك عدت إلى الحانات وقد خطر لي أن أهرب من باريس، ولكن خطر لي أني مخطئ في مخاوفي، ~~فإن الإنكليزي هو الذي كان في منزلي، فعدت ولما لم أر فيه الفتى أيقنت أن الإنكليزي قد ~~سرقه كي لا يدفع لي بقية ما اتفقنا عليه من المال. # وكان جواني قد فرغ صبره لهذه الحكاية وحاول أن يقاطعه مرارا، فكان مرميس يمنعه إلى ~~أن فرغ الفحام من قص حكايته كما عرفها القراء فقال لهما: أما الآن وقد رأيت هذا السلم ~~فقد وثقت أني كنت مخطئا فليس الإنكليزي الذي سرق الفتى. ~~- إذا من هو؟ ~~- إن هذه البئر مشتركة بيني وبين جيراني يشرف عليها من الدكان كما يشرف عليها من ~~المنزل، والذي أراه أن المرأة حين سقطت في البئر أغمى عليها في البدء ثم استفاقت ms2261 بعد ~~خروجي من المنزل فاستغاثت وسمعوا صياحها من الدكان فأنقذوها. ~~- ولكنك تقول: إن الدكان غير مأجور. ~~- لا بأس فقد يتفق أن يكون فيها أحد من الجيران في تلك الساعة، فأنقذ الأرلندية بهذا ~~السلم. # فقال مرميس: قد يمكن أن يكون الجيران أنقذوا الأرلندية كما تقول ، لكن من أنقذ ~~ولدها؟ ~~- إن الذي أنقذ الأم دون شك فإنه دخل إلى منزلي من البئر بواسطة السلم وبحث عن الفتى ~~ووجده، ولا أظن منقذه غير الفتى الذي طعنته بمديتي بما أنه كان يعلم أني ألقيت ~~الأرلندية في البئر. ~~- ولكنك تقول: إنك قتلته. ~~- لقد كنت مخطئا في توهمي؛ إذ لو كان قتيلا لظفروا بجثته، ولما خفي أمره على أهل ~~الحي، ولكني أظن أن مديتي لم تصب منه مقتلا، وأنه تظاهر بالموت كي لا أجهز ~~عليه. # وبينما كان شاباروت يقول هذا القول سمعوا ضجيجا من الخارج تلاه طرق الباب وسمعوا صوت ~~الطارق يقول: افتحوا باسم الشرع. # وصاح شاباروت صيحة منكرة وجمد الدم في عروقه من الرعب. # 48 # يذكر القراء أن بوليت أغمى عليه في منزل أمه بعد أن رد رالف إلى الأرلندية، ولما رأت ~~أمه ما كان من إغمائه خافت خوفا شديدا وجعلت تصيح. # وأسرعت بولينا إليها فقالت لها: لا تخافي يا سيدتي، فإن جرحه بسيط لا خوف ~~عليه. ~~- أهو جريح ومن جرحه، رباه ما هذا المصاب، قولي من جرحه! ~~- جرحه الفحام يا سيدتي. # ولم تكن الأرلندية تفهم اللغة الفرنسية، غير أنها فهمت حكاية بولينا من إشارتها؛ ~~لأنها كانت أفصح من الكلام. # وأسرعت إلى منقذها مع أمه فنزعتا ثيابه وجعلتا تنشقانه الخل، فما طال الأمر حتى فتح ~~عينيه. # وعندها ابتسم لأمه تطمينا لها وقال: يسر المرء أن يصنع ما يجب عليه للإنسانية ولو ~~مرة في العمر. # ثم جعل يجيل نظره بينها وعيناه مغرورقتان بالدمع وبين الأرلندية وهي تضم ولدها إلى ~~صدرها إلى أن استقر نظره على تلك الفتاة، ونظر إليها نظرة تشف عن امتنانه لها. # ثم أخذ يدها فوضعها في يد أمه فقال لها: أحبي هذه الفتاة ms2262 يا أماه؛ لأنها هي التي ~~أنقذتني من الموت. # فضمتها أمه إلى صدرها فقالت لها: إني لا أعلم يا ابنتي من أنت، لكني أرى أنه يحبك، ~~وإذا كان يريد الزواج بك، فلست أنا التي تعترض على هذا الزواج. # فاحمر وجه الفتاة وظهرت علائم السرور على محيا بوليت، وبعد هنيهة قال لأمه، والآن ~~يا أماه، إن الأمر خطير ويجب أن تعملي بما أوصيتك به من قبل. # اطمئن فقد وعدتك بالكتمان ولا أحنث بوعدي، أتريد أن أقسم لك بتربة أبيك؟ # لا حاجة إلى ذلك يا أماه فقد وثقت بوعدك، والآن اصغيا إلي، إن شاباروت قد يكون ~~معتقدا أنه قتلني فلا يعود إلى منزله هذه الليلة، وكذلك لا يجب أن نبلغ البوليس خبر ~~جنايته الآن، بل ننتظر حتى يعود إلى منزله. # ووافقت بولينا على هذا الرأي، واتفقت مع بوليت على أن تذهب صباح غد إلى عملها حسب ~~العادة وأن لا تخبر رفيقاتها بحرف عما جرى. # ثم ودعته وذهبت إلى منزلها. # وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي نهض بوليت من فراشه معافى نشيطا، فجاءته ~~بولينا وأخبرته أنها ذهبت لإرسال بعض الثياب المغسولة إلى أصحابها، فاغتنمت هذه الفرصة ~~لزيارته وإخباره أن شاباروت قد عاد إلى منزله. ~~- إذا سينام هذه الليلة في السجن. # فلما دنت الساعة السادسة، وهو الموعد الذي يذهب فيه الفحام إلى الخمارة للعشاء، ذهب ~~بوليت إلى القوميسير رفيقه، وأخبره بجميع ما حدث. # فلم يشك القوميسير بكلامه وأبلغ الأوامر اللازمة، فأخذوا يراقبون الفحام وقد تبعوه ~~منذ خرج من منزله إلى الخمارة، وإنما لم يقبضوا عليه في ذلك الحين، بناء على طلب بوليت؛ ~~إذ أراد أن يقبض عليه في الليل؛ لأنه كان عازما على الاقتران تلك الليلة ببولينا، فما ~~أحب افتضاح هذا الأمر في النهار. # فبينما كان شاباروت يحدث مرميس بما جرى سمع قرع الباب كما تقدم وسمع الطارق يقول: ~~افتحوا باسم الشرع! # فهلع قلبه من الخوف ونظر إلى مرميس نظر المتوسل. # أما مرميس فإنه غير خطته فجأة، وقال للفحام بجفاء: إنك تسمعهم يقرعون الباب ms2263 باسم ~~الشرع، فلماذا لا تفتح؟ أتريد أن يكسروا الباب؟ # فرد الفحام بصوت يتلجلج: ولكنهم قادمون للقبض علي. ~~- هذا ممكن. ~~- ألا تستطيع أنت إنقاذي؟ # فجعل مرميس يضحك ثم قال له: لسنا نحن الذين أبلغنا البوليس، فقد تعودنا أن لا معتمد ~~في قضاء أغراضنا إلا على أنفسنا ، ولكننا لا نتداخل في شئونه. # ثم قرع الباب ثانية ولم يجسر الفحام على فتحه فذهب جواني وفتحه. # فدخل القومسير يتبعه جنديان ثم دخل في أثرهم بوليت فكان ضربة قاضية على ~~الفحام. # أما القومسير فإنه ذهب توا إلى الفحام وقال له: إني أقبض عليك باسم الشرع. # فأسرع الجنديان بأمر البوليس وفتشا جيوبه وأخرجا منها المدية التي كانت معه وقبضا ~~عليه. # وعند ذلك التفت القومسير إلى مرميس وجواني وسألهما عن اسميهما. # فقال له جواني: إني أدعى جواني، وأنا جزار في باسي في شارع التلغراف. # فنظر إلى مرميس وقال له بأدب: وأنت يا سيدي؟ # فقال له مرميس: إني أدعى بايتافن، وأنا من المتمولين ومنزلي في شارع أوبرت نمرة 1. # ثم أخرج رقعة زيارة ودفعها إليه. # فعجب القومسير إذ كان يعلم أن هذا الشارع لا يقيم فيه إلا الأشراف وقال: كيف اتفق ~~وجودك هنا يا سيدي؟ ~~- لم يكن اتفاقا، بل قد أتيت خصيصا لسؤال هذا الرجل عن امرأة حاول أن يقتلها وعن ~~غلام كان يسجنه. # وعندها تقدم بوليت وقال: اطمئن يا سيدي إن المرأة والغلام بخير وأنا أزودك من ~~أخبارهما ما تريد. # فنظر مرميس إلى هذا فرأى الذكاء يتوقد بين عينيه. # 49 # وحدث سكوت قصير، فإن الفرنسي بطبعه سريع الفهم. # وكان مرميس يشبه بوليت في أنه نشأ منشأ غلمان باريس، فنظر كل منهما إلى الآخر نظرة ~~واحدة، عرف كل منهما منزله الآخر، فعرف مرميس أن بوليت يشبهه، حين كان في الثامنة عشرة ~~من عمره، وعرف بوليت أن مرميس من أولئك الغلمان الذين يرتقون بالذكاء والجد ~~والاتفاق. # فاكتفى مرميس بهذه النظرة وعاد إلى القومسير وقال: إن هذا الفحام يا سيدي سيجيبك عن ~~كل جرائمه الكثيرة التي ارتكبها، وأن ذلك من شأنه ms2264 وليس من شأني، إنما أرجوك أن تأذن لي ~~بإيضاح الحالة بعض الإيضاح منعا للإشكال. # فاعلم أنه يوجد في باريس شرطي إنكليزي أرسل إلى لندرا بمهمة اقتفاء أثر بعض أولئك ~~الأرلنديين البؤساء المتهمين بالثورة على إنكلترا. # فهز القومسير كتفه وأبدى إشارة تفيد أن فرنسا لا تهتم بتنفيذ مآرب إنكلترا. # فأدرك مرميس معنى إشارته وقال: إن فرنسا تود أرلندا كما تود البولونيين وكل شعب مضطهد ~~مظلوم. # أما هؤلاء الأرلنديون الذين ذكرت لك أمرهم، فقد جاءوا إلى باريس، ومعهم حوالة مالية ~~علي، وهم رجل وامرأة وغلام، فكان يعمل هذا البوليس الذي يقتفيهم على إخفاء الرجل ~~والمرأة والعودة بالغلام إلى لندرا. # فقال له القومسير: إني أعرف هذه الحكاية، فإن هذا الشرطي يدعى السير جمس وود وقد طلب ~~إلينا مساعدته في مهمته، فاعتذرنا بحجة أن ذنوب الأرلنديين سياسية محضة فلا بد لفرنسا ~~بالقبض عليهم، ولكني لم أعرف غير هذا. ~~- إذا، اسمع النتيجة. إن هذا الشرطي أبعد الرجل الذي كان يصحب المرأة والغلام، ثم ~~جاء بهما إلى منزل هذا الرجل الذي قبضت عليه، فألقى المرأة في البئر. # والغلام؟ # قال بوليت: إني أنقذته وهو مع الوالدة. # وأوشك الفحام أن يجن من اليأس. # أما القومسير فإنه قال للحضور: إنكم تستطيعون أن تنصرفوا، وإن كنا في حاجة إلى ~~شهادتكم دعوناكم. # ثم أمر الجنديين أن يخرجا بالفحام فدافع دفاع القانطين، ولكنهما غلباه وقيداه وأخرجاه ~~مقيدا مغلولا. # ونظر إلى بوليت نظرة ملؤها الحقد وقال: سوف ترى ما يكون مني إذا قدر لنا أن ~~نلتقي. # فضحك بوليت وقال له: ستفصل المشنقة بيننا، ويموت حقدك في قلبك. ~~••• # بعد ذلك بساعة، كان مرميس وميلون وشوكنج وجواني مجتمعين في منزل بوليت. # وكانت هناك الأرلندية وابنها وبوليت وأمه بولينا، فلما رأت الأرلندية شوكنج ارتاحت كل ~~الارتياح. # فقال لها شوكنج: لم يبق لدينا ما نخشاه أيتها العزيزة فإن أصدقاء الرجل العبوس يتولون ~~حمايتنا. # فقال مرميس: هو ما تقول، ولكن الرجل العبوس؛ أي روكامبول، محتاج إلينا. ~~- إن مس ألن تقول هذا القول ولكنها ألد الأعداء. ~~- لقد كانت من ms2265 الأعداء. ~~- وهي لا تزال. ~~- من يعلم؟ # ثم نظر إلى بوليت وقال له: إن ما رأيت منك يدل على الذكاء وطيب السريرة، فاسمح لي أن ~~أكافئك على جميلك فقل لي: ماذا تريد أن تكون؟ # فلم يجب بوليت بشيء، ولكنه جعل ينظر إلى أمه وبولينا. # فتولت أمه الجواب وقالت لمرميس: إن ولدي يكون سعيدا إذا وجد محل يخدم فيه. # وقال بوليت: وأنا أقنع براتب ألف فرنك في العام. # وقالت بولينا: أما أنا فإني أشتغل في عملي عند ذلك وأتزوج بوليت فأغدو معه كبنات ~~الملوك. # فابتسم مرميس وقال لها: في أي شارع تريدين أن تكوني؟ ~~- في شارع تمبل. ~~- سيكون لك ما تريدين. # فقالت أم بوليت: وولدي؟ ~~- سيعمل في خدمتي وأجعله كاتم أسراري. # فصاحت بولينا صيحة فرح وأسرعت إلى بوليت تعانقه. # فابتسم مرميس وقال: وسيكون راتبك ثلاثة آلاف فرنك بدلا من ألف فرنك، ولما كان الزواج ~~يقتضي له نفقات فاسمح لي أن أقدم لخطيبتك هدية العرس. # ثم فتح محفظته وأخرج منها ستة آلاف فرنك أوراقا مالية، ودفعها إلى بولينا. # فاحمر وجه الفتاة وامتنعت عن أخذها. # فقال لها مرميس: خذي يا سيدتي ما أعطيتك إياه، فإني واسع الثروة بفضل فتاة كانت ~~تحبني، وأورثتني هذه الثروة على شرط أن أنفقها في سبيل الخير. # ثم نظر إلى بوليت وقال: اجتهد أن تسرع في زواجك؛ لأني محتاج إليك وسأسافر إلى لندرا ~~في قريب. # وظهر على بولينا علائم الاستياء وخشيت من الفراق. # وأدرك مرميس معنى استيائها وقال لبوليت: وستصحب امرأتك، فتمضيان شهر العسل في بلاد ~~الإنكليز. # فتعانق الخطيبان عندها وذرفت من عينيهما دموع السرور. # 50 # ولنعد الآن إلى شخص من أشخاص هذه الرواية الذي طال سكوتنا عنه، نريد به مس ~~ألن. # إن مس ألن كانت سجينة في سجن سانت لازار، ولكنها لم تكن مختلطة مع المسجونات؛ لأنهم ~~راعوا مقامها ومقام والدها اللورد. # ويذكر القراء أنها كانت قبل إدخالها إلى السجن في مستشفى مجانين يتولاه طبيب خاص، وقد ~~تعهد هذا الطبيب أن يحتفظ بها ثمانية أيام، مقابل مبلغ من المال. ms2266 # وكان السير جمس يرى أن هذا الوقت كاف؛ إذ كان ينتظر في خلاله قدوم اللورد ~~بالمير. # ولكن الزمن المعين مضى ولم يحضر اللورد بالمير. # وكان بوسع الطبيب أن يتعهد بالاحتفاظ بالفتاة ثمانية أيام أخرى، غير أنه حدث حادث لم ~~يكن يتوقعه فحال دون قصده، وذلك أن طبيبا شابا كان معينا في ذلك المستشفى وقد تفقد ~~مس ألن مرارا فأدرك أنها على أتم العقل ولا أثر فيها للجنون. # وكانت الفتاة قد ضغطت عليه، وأثرت فيه تأثيرا عظيما، فذهب إلى مدير المستشفى وقال: ~~إنك تسجن في هذا المستشفى فتاة غير مجنونة، فإذا لم تطلق سراحها فإني لا أشكوك إلى ~~البوليس، بل إلى الجرائد؛ أي لسان الرأي العام. # فخاف المدير أن تفضح الجرائد أمره، وكتب لفوره إلى السير جمس، فاضطرب السير وخشي أن ~~تفر الفتاة منه، فاستعان بالسفارة وطلبت السفارة إلى الشرطي حجز الفتاة مؤقتا، في محل ~~لا يتيسر لها الفرار منه؛ لأنها قاصرة. # فأجاب الشرطي طلب السفارة ونقلت الفتاة من المستشفى إلى سجن سانت لازار في عربة ~~مقفلة، وأعدت لها فيه غرفة خاصة في رواق الراهبات وخادمتان لخدمتها ومنعوا عنها كل ~~اتصال بالسجينات. # على أنها كانت سجينة، وقد علمت لأول وهلة أنهم يحرصون عليها كل الحرص، فأيقنت أن لا ~~سبيل لها إلى الفرار وكاد يستولي عليها القنوط. # ولم تكن تفكر إلا بالرجل العبوس، وأنه في السجن بين أيدي قضاته الذين لا ~~يرحمون. # وكانت ترجو أن يساعدها ذلك الفتى البناء المنكود، وهو الرجل الوحيد الذي كانت تعتمد ~~عليه في إنقاذها، غير أنها لم يردها شيء من أخباره. # ولم تكن تعلم إذا كان قد أخبر ميلون المقاول بأمرها، وإذا كان ميلون هو نفس الذي ~~ينتظره الرجل العبوس في لندرا. # وقد كانت تفكر الليل والنهار في هذه المسائل فلا تهتدي إلى حلها؛ لأنها لم تكن ترى ~~غير الخادمتين ولا تجسر على أن تسألهما شيئا. # غير أن إحدى هاتين الخادمتين قالت لها يوما، وهي تعد لها الطعام: إن الراهبة أرسيل ~~ستزورك اليوم. # فتعجبت مس ألن لهذه ms2267 الزيارة وقالت لها: إني لا أعرف هذه الراهبة، فمن هي؟ ~~- إنها ملاك بصورة إنسان، وحبذا لو كنت في خدمتها. ~~- ولكن لماذا تريد أن تزورني؟ ~~- لا أعلم، ولكن الذي أعلمه هو أنها التمست من الرئيسة أن تأذن لها بمقابلتك. # فشعرت مس ألن بأمل جديد قد تولد في نفسها ، فإنها لم تكن ترجو الهرب من السجن بمساعدة ~~هذه الراهبة، ولكنها كانت ترجو أن تعهد إليها بالبحث عن ميلون وفاندا وإخبارهما عن ~~روكامبول. # وبعدها بساعة فتح باب غرفتها ودخلت منه راهبتان. # وكانت إحدى الراهبتين شقراء والثانية سمراء، فدنت الشقراء من المس ألن وقالت لها ~~باللغة الإنكليزية: أعلمي يا مس ألن أن هذه الراهبة التي تصحبني لا تفهم اللغة التي ~~أكلمك بها، ولم أكلمك بلغة قومك إلا لأني لا أريد أن تفقه الراهبة شيئا مما أقول ~~لك. # واحذري أن يبدو منك أقل أثر من الاضطراب مما سأقول لك، والزمي السكينة التامة؛ لأني ~~قادمة لإنقاذك، وأنا قادمة من قبل الرجل العبوس. # فخفق قلب الفتاة سرورا، ولكنها تجلدت وقالت لها: إذا كنت آتية من قبل الرجل العبوس، ~~فلا بد أن تكوني عارفة أنه عرضة لخطر شديد. ~~- نعم وهو خطر الموت إعداما. # فاصفر وجه الفتاة اصفرارا شديدا لم يخف على الراهبة الشقراء فقالت في نفسها: إنها ~~تهواه. # ثم قالت لها: ولكنك من ألد أعداء الرجل العبوس. ~~- لقد كنت من أعدائه يا سيدتي. ~~- والآن؟ # فأطرقت مس ألن بنظرها إلى الأرض وقالت: والآن فإني أحبه، وقد أحببته في تلك الساعة ~~الهائلة التي خنته فيها فنصبت له الشرك وسلمته بيدي إلى الجلاد. # ثم قصت عليها بإيجاز ما جرى لها مع روكامبول، وكيف نصبت له المكيدة؟ وكانت تتكلم ~~بلهجة تشف عن الصدق والإخلاص. # أما الراهبة فقد أصغت إليها إلى أن أتمت حديثها فقالت لها: لقد وثقت يا سيدتي بصدق ~~إخلاصك، وسننقذ الرجل العبوس، ولذلك سنسافر مساء غد إلى لندرا أنا وأنت وآخرون. # فتعجبت مس ألن مما سمعته وقالت لها: ولكن من أنت يا سيدتي؟ ~~- إني أدعى فاندا وقد أحببت قبلك الرجل ms2268 العبوس. # وقد خفضت فاندا عينيها استحياء حين جهرت بهذا الحب، ثم نظرت إلى مس ألن فرأت أن بارق ~~الغيرة قد اتقد في عيني الفتاة، فابتسمت فاندا وقالت لها: لا تتعبي نفسك بالغيرة فإنه ~~يجب أن يحبك أنت. # فتشاغلت مس ألن عن هذا الموضوع وقالت لها: ولكن كيف تقولين إني مسافرة معك إلى لندرا ~~وأنا سجينة هنا كما ترين؟ ~~- لقد أعددت لك طريقة الخلاص. # 51 # ولا بد لما لنعلم كيف أعدت فاندا لابنة اللورد طريقة الخلاص أن نعود إلى السير جمس ~~وسميث. # ويذكر القرار أننا تركناهما سجينين في منزل ميلون، وقد نزلت لهما أرض الغرفة التي ~~أدخلا إليها في أعماق مجهولة مظلمة. # وقد استمرت أرض الغرفة تنزل نزولا بطيئا نحو أربع دقائق مرت بالرجلين مرور الأدهار ~~لشدة ما لقياه من الرعب. # ثم استقر ذلك السقف الذي هوى بهما، ولكنهما لم يعلما أين كانا لاربداد الظلام، فقد ~~كان الظلام حالكا ورعبهما شديدا، فلبثا هنيهة لم يجسر أحد منهما على أن يفوه ~~بكلمة. # إلى أن افتتح السير جمس الحديث بشتم الفرنسيين أقبح شتم. # وقال سميث: إني أقسم بحامي إنكلترا أني لم أقرأ في روايات ألف ليلة وليلة ما يشبه ~~الرواية التي يمثلونها بنا. # فقال السير جمس، بعد أن مل من الشتائم ولم يدع في قاموس السباب كلمة: ولكن أين نحن ~~الآن؟ ~~- أظن أننا في قبو ومع ذلك فسنرى. # وأخرج من جيبه علبة الكبريت الشمعي، فأضاء عودا ثم ثانيا فثالثا، وكان هو يضيء ~~الشمع والسير جمس يبحث، حتى علم أنهما في محل يشبه بئرا نضبت مياهها، وأنهما على مسافة ~~عشرين مترا في جوف الأرض. # وقد رأى أن بناء البئر حديث فنقر سميث بيده على الجدار فوجد أنه شديد الصلابة وأيقن ~~أنه لا سبيل إلى الفرار. # والحقيقة أنهما كانا في البئر، وأن ميلون كان قد حفرها خاصة لتجريب آلة تسهل طرق ~~البناء، وهي آلة تصعد وتنزل بلولب يدار كما يريد صاحبه فتغني عن السلالم. # وكان مرميس يعلم سر هذه الآلة وهذه البئر، فاستخدمها لسجن البوليس. ms2269 # أما السير جمس ورفيقه اللص، فإنهما أنارا جميع عيدان العلبة حتى علما كيف سقطا إلى ~~الهاوية. # وكان السير جمس قد عادت إليه سكينته بعد ذلك الغضب والحمق فقال لرفيقه: ماذا يريد أن ~~يصنع بنا هؤلاء الأشقياء. ~~- لا أعلم ولكنهم يستطيعون قتلنا ودفننا في هذه البئر. ~~- أكيد ولكنهم لم يقتلونا؛ لأنهم يريدون استخدامي كما أراه. # ولم يكد يتم كلامه حتى اهتز بهم اللوح الذي كانا عليه؛ لأن مساحته كانت قدر مساحة ~~البئر. # فقال اللص: أتراهم يريدون إنزالنا أيضا؟ # كلا، وأظن أنهم سيصعدون بنا. # وقد أصاب السير جمس في ظنه؛ لأن المصعد ما لبث أن اهتز حتى أخذ بالصعود تباعا فقال ~~في نفسه: إنهم يحاولون تخويفنا. # وعندها نظر السير جمس إلى العلاء، فرأى نورا ورأى مرميس مطلا من حافة ~~البئر. # وبقي المصعد آخذا بالارتفاع إلى أن وصل إلى مسافة ثلاثة أقدام من فم البئر، فأوقفه ~~مرميس ومد يده إلى سميث فقال له: تعال أنت. # وحاول السير جمس أن يقتدي به، ولكن مرميس أسرع إلى إدارة اللولب فبدأ المصعد ~~بالنزول. # وعندها قهقه مرميس ضاحكا وقال له: لا فائدة لنا على الإطلاق من سجن هذا اللص معك، ~~وخير لنا أن تكون وحدك فإن الخلوة تدعو إلى الإمعان والتفكير. # فصاح السير جمس صيحة الرعب، وتوارى في الظلمات وسقط إلى حيث كان. ~~••• # وقد توالت الساعات دون أن يناديه أحد، وخطر له خاطر كاد يجن له من الرعب إذ قال في ~~نفسه: إن هذا الرجل قال لي: إنه يعرف أين هي مس ألن، وإنه غير محتاج إلي في سبيل ~~إنقاذها، وقال أحد رجاله: إنه يعرف شاباروت إذا هم غير محتاجين إلي، ومن يعلم ما ~~يكون من شأني معهم فقد يكون مرادهم أن يقتلوني حيا. # وعندها شعر هذا الرجل الذي خان أرلندا فجأة بعذاب جديد؛ لأن الجوع قد عضه بنابه وبدأ ~~يشعر بآلامه. # وكان قد نام عشرون ساعة لم يذق في خلالها طعاما ولا شرابا، فأيقن أنه دفن حيا في ~~تلك البئر. # ثم برح به الجوع والخوف وتلاهما ms2270 حمى عقبها اضطراب في الدماغ مثل لعينيه أمورا ~~غريبة وتصورات هائلة؛ إذ تمثل له أن الأرلنديين يحيطون به من كل جانب ويتشاورون في طرق ~~تعذيبه فيصيح صياحا منكرا، ويستغيث منهم بهم إلى أن ينقطع صياحه، ويستفيق من ذهوله، ~~فتنقشع هذه الأحلام وتزول هذه الخيالات ويعود هداه، فيشعر بآلام الجوع ويجد من عذابه ~~فوق ما كان يجد من آلام الأحلام، ثم تتوالى الساعات ويمر الوقت دون أن يتحرك اللوح الذي ~~كان عليه ودون أن يسمع حسا. # وبعد أن أحس أنه يقاسي آلام النزع شعر أن اللوح قد تحرك، ولم تكن الحمى مثلت له هذه ~~الحركة، بل إن اللوح تحرك حقيقة، وشعر السير جمس أنه يصعد إلى العلاء. # وقد كان فرحه لا يوصف حين رأى النور يتلألأ عند فم البئر، وحين رأى مرميس وبيده ~~المصباح. # وقد كان سروره عظيما؛ لأنه رأى وجه إنسان بعد الوحشة، ورأى نورا بعد الظلمة، فرجا ~~أن يبل حلقه ولو بقطرة ماء. # ثم وقف المصعد بغتة، ورأى السير جمس أنه يبعد عن فم البئر نحو أربعة أمتار، وسمع ~~مرميس يقول بلهجة الهازئ: إني يا سيدي خادمك المطيع. # ورد السير بصوت مختنق: إنك أطلت سجني، فإن العادة في إنكلترا أن يطعموا المسجونين ~~مرتين في اليوم. ~~- يسوءني أن أجدك جائعا غير أني اضطررت إلى إهمال أمرك لكثرة ما طرأ علي من ~~المشاغل بعد أن تشرفت بلقائك. # ورد السير بلهجة دلت على فراغ صبره قائلا: ولكن هذه الآلة الجهنمية قد وقفت وامتنعت ~~عن الصعود. ~~- وأية فائدة من بلوغها إلي، فقد أوقفتها عند الحد الذي يمكننا المباحثة ~~فيه. # فاحتدم السير غيظا وقال: ألعلك تريد إلقائي في البئر؟ ~~- معاذ الله أن أكون من الظالمين، ولكني مضطر إلى إبقائك في سجنك إلى أن تردني أوامر ~~جديدة. ~~- من أين تنتظر ورود هذه الأوامر؟ ~~- إنها على أسلاك البرق من وراء المانش؛ أي من عاصمة بلادكم. # فارتعش السير وأتم مرميس حديثه فقال: قد تقدم لي القول: إنه طرأ علي من المشاغل بعد ~~أن تشرفت بلقائك، وكان أول ms2271 هذه المشاغل التي دعتني إلى نسيانك أني أنقذت رالف ~~وأمه. # فدهش الشرطي وظهر عليه ما دل على عدم التصديق. # فقال له مرميس: إن الأم لم تمت كما توهمتم، وإنكم ألقيتموها في البئر، ولكنها لم ~~تغرق. # ثم قص على السير جميع ما جرى للأم والصبي. # ولو تلقى السير مثل هذا الخبر في الليلة الماضية لجن من اليأس غير أن قواه كان أنهكها ~~الجوع، فتلقى هذا الخبر المؤلم دون اكتراث. # وعاد مرميس إلى الحديث فقال: ثم إني أرسلت رسالة برقية إلى الأب صموئيل في لندرا، وهو ~~الذي أخبرتنا عنه مس ألن. # وأن هذه الفتاة لا تزال في سجن سانت لازار، حيث وضعتها، ولكننا نستطيع ~~مخابرتها. # أما الرسالة التي أرسلتها إلى الكاهن، فقد ذكرت له فيها صفاتك وعلائمك، وأخبرته أنك ~~كنت من الأرلنديين وسألته ما يريد أن نصنع بك فوردني الجواب الآتي فاسمع: ثم أخذ رسالة ~~من جيبه ففتحها وقرأ بصوت مرتفع ما يأتي: # إن جمعيتنا السرية عرفت الرجل الذي وصفتموه فهو يدعى ولهم هولا قبل أن ~~يخوننا، وقد اختفى منذ خمس سنين حتى حسبناه ميتا، افعلوا به ما تشاءون، وإذا ~~أرسلتموه إلى إنكلترا فلا يلقى غير موت هائل فظيع يعاقب به كل من ~~يخوننا. # أما الرجل العبوس فلا يزال سجينا أسرعوا بالحضور. # ثم طوى الرسالة وردها إلى جيبه وقال للسير بلهجة دلت على الثبات: إنك تعلم يا سير جمس ~~ما يكون من عقابك إذا أرسلناك إلى إنكلترا ودفعناك إلى إخوانك الأرلنديين الذين ~~خنتهم. # ورد السير بصوت مختنق: إذا اقتلني هنا فذلك خير لي. ~~- إني كنت عازما على أن أقترح عليك الموت في هذه البئر. # وضاق صدر السير جمس وقد برح به الجوع فصاح يقول: اقتلني كما تشاء، لكن لا تقتلي جوعا ~~وأرسل لي طعاما. # فأجابه تلميذ روكامبول: إنها أمنية بعيدة، فقد قضي عليك أن تموت جوعا. ~~- إذا أغثني بجرعة ماء على الأقل. ~~- إني أعطيك ما تشاء من طعام وشراب إذا كنت تفعل ما أريده منك. ~~- قل ما تريد. ~~- هذا ما كنت أتوقعه ms2272 منك؛ لأن الجوع لا بد أن يفضي إلى الامتثال والخضوع، فانتظرني ~~قليلا ريثما أعود. # ثم تركه وذهب بالمصباح، فبقي السير جمس في الظلمة الدامسة. # وغاب مرميس دقيقتين لم يمر بالسير جمس دهرا أطول منهما إلى أن عاد مرميس يحمل بإحدى ~~يديه مصباحا وبالأخرى محفظة تحتوي على كل أدوات الكتابة فوضع المصباح عند فم البئر ~~بشكل يظهر له منه وجه السير جمس ولا يفوته شيء من عوامل تأثره وقال: سوف ترى يا سيدي ~~فإني أرجو أن نتمكن من الاتفاق. # ثم أخذ كرسيا وأنزلها إلى السير جمس وقال له: اجلس على هذا الكرسي فلا بد لك من ~~الراحة. # ولما جلس قال مرميس: خذ أيضا هذه الطاولة والمحفظة بحيث إنك لم تعد محتاجا إلا ~~للمصباح. # فأخذهما السير جمس وقال: لكني أريد أن أشرب. ~~- سأعطيك كل ما تريد إذا اتفقنا، فخذ الآن المصباح. # ثم أدنى له مصباحا مقفلا مربوطا بخيط متين. # فأخذهما السير جمس أيضا وقال بصوت أبح، كأنما النار قد أحرقت حلقه: أغثني بشربة ~~ماء. ~~- لقد قلت لك: إني سأعطيك كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب إذا اتفقنا. ~~- ولكن ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن تكتب عشرة أسطر. ~~- لمن؟ ~~- إلى مدير البوليس. # فظهرت على السير جمس علائم الأنفة والبسالة بالرغم عما كان يلقاه من الجوع ~~والظمأ. ~~- إني علمت ما تريد مني، وهو أن أكتب إلى مدير البوليس كي يطلق سراح مس ألن، ولكني لا ~~أكتب تلك السطور وأؤثر أن أموت جوعا. # فأجابه ببرود قائلا: كما تريد هذا من شأنك، ثم أدار اللولب فعاد السير جمس إلى ~~النزول، وسمع مرميس يقهقه ضاحكا. # غير أن الظلام لم يكتنف السير جمس حسب العادة، بل إنه كان يرى كل ما يحيط بنور ~~المصباح الذي كان يهوي معه، وكان لديه كرسي يجلس عليها بدلا من الجلوس على ~~الأرض. # وعند ذلك بات هذا الرجل عرضة لعاملين عامل الوفاء والكبرياء، وعامل الجوع وحب ~~الحياة. # غير أن هذين العاملين لم يطل تنازعهما، فإن الجوع قد أنهك قواه وأحرق الظمأ أحشاءه ~~فآثر ms2273 الحياة على الواجب وتغلب جوعه على الكبرياء، فجعل يصيح مناديا مرميس بأعلى صوت، ~~فلم يجب غير الصدى. # وما زال المصعد يهوي حتى استقر فعاد إلى الصياح، ثم جعل يضرب بالكرسي على الطاولة فلم ~~يجب أحد. # ولكنه رأى فجأة أن المصباح معلق في خيط، فقال في نفسه: لا بد أن يكون هذا الخيط ~~متصلا بجرس في فم البئر، وقد ربطوه خاصة كي أنبههم حين إذعاني. # وعند ذلك أخذ الخيط وشده فأخذ اللوح يصعد به للفور حتى وصل إلى قرب فم البئر وظهر ~~مرميس وقال له: لا شك أنك رضيت بما اقترحته عليك بدليل صعودك. ~~- أغثني بشربة ماء أفعل كل ما تريد. ~~- ابدأ أولا بفعل ما أريد وأنا أرسل لك خير ما تشتهيه من الطعام. # فشعر السير جمس أنه مغلوب وأخذ القلم ليكتب فقال له مرميس: اسمح لي أن أملي عليك ما ~~أريد أن تكتبه. # ثم أملا عليه ما يأتي: # سيدي المدير # لقد وردت لي رسالة برقية من لندرا أمرت بها أن أسافر في الحال ولذلك أرسلت ~~إليك بزميلي البوليس إدوارد راجيا أن تدفع إليه الأسيرة. # فدهش السير جمس وأدرك مرميس سر اندهاشه فقال له: إن رفيقك اللورد لا يتصعب مثلك وهو ~~يخدم من يدفع له ما يرضيه. # فلم يجب السير جمس ولكن كتب ما أملى عليه وأمضى الكتاب، فأدار مرميس اللولب فصعد إلى ~~فم البئر فأخذ الكتاب من الشرطي وظهر عند ذلك ميلون يحمل صينية عليها شراب وطعام ~~فاخر. # فلم يكد السير جمس يرى آنية الماء حتى اختطفها وأفرغها في جوفه ثم أسرع إلى قطعة من ~~الخبز فقال له مرميس: لا تزدرد الطعام كما تفعل فقد تختنق، وإني أدعو لك بحسن ~~الشهية. # ثم أدار اللولب، فعاد اللوح إلى السقوط ولكن السير جمس لم يحزن لسقوطه هذه المرة، فقد ~~هبط معه النور وصينية الطعام والشراب. # 52 # ولما خلا المكان بمرميس وميلون فحص مرميس كتاب السير جمس وقال لميلون: إننا نستطيع ~~بعد هذا الكتاب أن نسافر غدا إلى لندرا. ~~- ومس ألن؟ ~~- إنها تسافر ms2274 معنا؛ لأننا سنخرجها من سجنها بفضل هذه الرسالة. ~~- والسير جمس؟ ~~- إنه يصحبنا في هذه الرحلة. ~~- ولكنه يخوننا دون شك. # فابتسم مرميس وقال: إنه متى وصل إلى لندرا لا أخشاه؛ لأن الأرلنديين قد عرفوه الآن، ~~وهم يعدون له أفظع عقاب، فإذا وعدناه بكتمان أمره عنهم يخدمنا كما نريد بملء الإخلاص ~~والوفاء. ~~- إني أتمنى هذه النهاية، ولكنه قد يهرب منا قبل أن نصل به إلى إنكلترا. ~~- ولكنه لا يستطيع الفرار قبل غد في كل حال. ~~- ذلك أكيد، فإنه لا يتمكن أن يخرج من البئر. ~~- وفوق ذلك فإنه لا يخرج منها خروج رجل، بل خروج طرد بضاعة. ~~- الحق لا أفهم ما تقول. # فضحك مرميس وأجاب: أيها الأبله العزيز، إنك لو كنت تفهم كل شيء لما استطعنا أن ندهشك ~~بالغرائب من حين إلى حين. # فامتعض ميلون لكلامه ولكن مرميس علل استياءه بشيء من المزاح وقال: إن الصباح قد طلع ~~فادع لي الشرطي إدوار؛ إذ يجب أن يذهب بهذه الرسالة إلى مدير الشرطة، ويجب أن تخرج مس ~~ألن من سجن سانت لازار قبل الظهر. ~~••• # يوجد على قيد خطوتين من ترعة سانت مرتين مستشفى القديس لويس وهو قائم في وسط أجمل ~~بقعة تكتنفها الأشجار فتلطف هوائها وتدخل الشمس إليه من كل النوافذ. # هناك نقلوا ذلك الفتى البناء المنكود الذي سقط عن اللوح وهو يحاول إنقاذ مس ألن كما ~~ذكرناه في بدء الرواية. # ولقد كان الطبيب قال عنه: إن حالته خطيرة ولكنها لا تحمل على اليأس، ولبث هذا المسكين ~~ثمانية أيام بين الموت والحياة، ثم مضى الأسبوع وتغلبت الحياة بفضل ذلك المساعد القادر، ~~وهو الشباب، ثم إن الراهبات والممرضين كانوا يعتنون به كل الاعتناء لإشفاقهم عليه منذ ~~أول يوم رأوه، لا سيما بعد أن عرفوا حكايته والسبب في سقوطه، وكانت مروءته وبسالته أعظم ~~دافع إلى هذا الحذو والإشفاق عليه. # وكان ميلون قد أرسله إلى ذلك المستشفى وتولى دفع النفقات عنه، وأوصى أن لا يقتصدوا في ~~معدات راحته، فكان يزوره كل يوم ويتفقده، كما كان يزوره كل زملائه ms2275 البنائين، ولا ~~يتحدثون في ذلك المستشفى إلا بأمره. # وقد اتفق أن سيدتين عظيمتين أقبلتا لعيادة هذا البناء الفقير، فدهش العمال والممرضون ~~لزيارتهما، لا سيما لما رأوه من باهر جمالهما ومظاهر عظمتهما. # وكانت المرأتان في عهد الشباب، ولكن إحداهما كانت أكبر سنا من رفيقتها وكلتاهما ~~مبرقعتان ببرقع كثيف. # فلما علم الفتى بأن سيدتين قادمتان لعيادته خفق قلبه، حتى إذا دنت منه المرأتان، ~~ورفعت الصغرى برقعها صاح البناء صيحة دهش وفرح؛ لأنه عرف أن هذه الفتاة القادمة لعيادته ~~هي مس ألن التي أصيب بما أصيب من أجلها. # أما مس ألن فإنها ابتسمت وقالت له: أرجوك أن لا تكون حاقدا علي، فإني لم أزرك إلى ~~الآن؛ لأني كنت سجينة ولم أخرج من سجني إلا اليوم، فكانت عيادتك أول زيارة لي ~~فعلتها. # ولم يجد الفتى ما يجيب به وجعل ينظر إلى الفتاة نظرات الشغف، فقالت له مس ألن: إني ~~سأبرح فرنسا أيها الصديق، ولكني سأعود إليها فأراك ولا أنساك. # وكانت المرأة الثانية التي تصحبها هي فاندا وقالت: ونحن أيضا لا ننساه. # وعند ذلك جلست مس ألن قرب سرير الفتى فأخذت يده بين يديها وقالت له: أليس لك أهل أيها ~~الصديق؟ ~~- نعم، يا سيدتي لي أم فقيرة أرسل إليها نصف ما أكسبه عندما يتيسر لي العمل، ولكن ~~المسيو ميلون وعدني أن يتولاها بعنايته إذا مت على أثر جرحي. # وأجابته بصوت حنون: إنك لا تموت أيها الصديق فقد زال عنك كل خطر بحمد الله، وفوق ذلك ~~فإني لا أريد أن يتولى سواي العناية بأمك فقل لي: ماذا تشتغل أمك؟ ~~- إنها لم تعد تستطيع العمل لعجزها. ~~- ولكني سأمنحها منزلا، وأعين لها خادمة تخدمها ما دامت في قيد الحياة، وخذ هذا ~~المال فإنها تأمن به شظف العيش. # ثم أخذت محفظة جلد جميلة من جيبها وأخرجت منها أوراقا مالية قيمتها عشرون ألف فرنك ~~ودفعتها للفتى البناء، فجال الدمع من عينه ولم يتمكن من شكرها. # وعلمت مس ألن ما كان يجول في نفس هذا الفتى العامي الذي تجاسر أن ينظر ms2276 إليها نظرة شغف ~~بملء الاحترام. # فقالت له: إني ضمنت مستقبل أمك، وأما أنت فسأفيك ما علي حين أعود. # ثم مدت إليه يديها الجميلتين فأدناهما من شفتيه ولثمهما وهو يرتجف. # 53 # بينما كانت مس ألن تودع الفتى البناء كان مرميس وميلون يتأهبان للسفر إلى ~~لندرا. # وقد أدار مرميس لولب المصعد وأصعد السير جمس إليه فقال له: قد أطلعتك على الرسالة ~~التي وردت من الكاهن صموئيل، وقد علمت أن الأرلنديين حكموا عليك بالإعدام، وأنا حر أن ~~أصنع بك ما أشاء، غير أني أقول لك لا تخف فإن أمر حياتك موكول إليك إذ رضيت أن تخدمني ~~فيما أريد، ثم إني أعدك بعفو الأرلنديين عنك إذا رجعت عن خيانتهم وعدت إلى خدمتهم ~~بإخلاص. # وظهرت على السير جمس علائم الرعب لذكر الأرلنديين فقال له مرميس: إنك ستبرح باريس في ~~هذه الليلة وفي صباح غد تصل إلى لندرا. # وكان بالقرب منه صندوق يبلغ طوله مترين، فأشار مرميس إليه وقال للسير جمس: أترى هذا ~~الصندوق؟ ~~- نعم. ~~- إنك ستسافر في هذا الصندوق، فإني لا أحب أن تهرب منا قبل وصولنا إلى ~~إنكلترا. # ثم أشار إلى ميلون فأحضر له زجاجة مختومة وقدحا ففض مرميس ختم الزجاجة وصب ما كان ~~فيها بالقدح وقدمه للسير جمس وقال: اشرب. # ولكن البوليس امتنع عن أخذ القدح وقال: من يضمن لي أنه ليس في القدح سما. ~~- ليس فيه غير مادة مخدرة. ~~- لكن من يضمن لي صدق ما تقول؟ ~~- يضمنه هذا المسدس. # ثم أخرج من جيبه مسدسا وصوبه على السير جمس وقال: اشرب أو أطلق النار. # وعلم السير جمس من اتقاد عينيه صدق عزيمته وقال في نفسه: إذا لم يكن من الموت بد في ~~الحالتين، فإن موت السم أفضل، وقد يكون الرجل صادقا ولا يكون المراد غير تخديري، ثم ~~أخذ القدح وشرب ما فيه جرعة واحدة، فشعر للفور ببرود شديد تولاه، ولم يكد الشراب يستقر ~~في جوفه حتى أطبقت عينيه وسقط على المقعد دون حراك. # فنظر مرميس إلى ميلون وقال له: قل للعصابة تتأهب فقد ms2277 قضي الأمر ونحن ذاهبون لإنقاذ ~~رئيسنا روكامبول. # روكامبول في السجن‏ # روكامبول في السجن‏ # | روكامبول في السجن # | روكامبول في السجن # | روكامبول (الجزء الخامس عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | روكامبول في السجن # 1 # مر شهر بعد قبض الجنود على روكامبول في منزل مس ألن حين وافاها إليه من ذلك الدهليز ~~السري. # ويذكر القراء تلك الكلمات الأخيرة التي قالها لمس ألن، وهي توشك أن تجن من فرط حزنها، ~~قال لها: اذهبي إلى باريس، وعودي بميلون ورفاقه. # ثم مشى مع الجنود إلى السجن بأتم السكينة. # ولما وصلوا به إلى سجن نوايت الرهيب وجد فيه كثيرا من الجنود فاستدل من ذلك على ~~مبالغة الأسقف بترس توين بالحذر، وأن القبض عليه كان مدبرا خير تدبير. # وقد كان في طليعة أولئك الجنود حاكم السجن نفسه وهو محاط بحراسه فحياه روكامبول تحية ~~الصديق للصديق، فقال له الحاكم وقد عرفه: إنك قد عبثت بي مرة حين أنقذت ذلك من السجن، ~~ولكنك لا تجد من ينقذك، فسنحرص عليك أشد الحرص. # فابتسم روكامبول، وقال: إنك تحسن صنعا. ~~- وسأتولى حراستك بنفسي فقد علمنا الآن أنك أحد هؤلاء الزعماء الإرلنديين الذي طالما ~~أقلقوا خواطر إنكلترا. # فأجابه بسكينة: إن ذلك من الممكنات. ~~- ولا بد لي من إخبارك أن يوم إعدامك سيكون بعد ثلاثة أسابيع أو شهر. ~~- إني أشكرك يا سيدي لهذا التفاؤل. # وكان الحاكم لا ينفك عن الابتسام لروكامبول، فقد كان هذا الرجل طروبا بالفطرة، وكان ~~يرى ذلك السجن الرهيب المظلم من أجمل قصور الأرض فوضع يده فوق كتف روكامبول، وقال له: ~~لدي نبأ أخبرك به، وأرجو أن يسرك، فإن أمرك منوط بي في هذا السجن، وأنا حر في معاملة ~~المسجونين كما أشاء. # وبوسعي أن أخفف وطأة سجنهم إذا أردت، والذي يبدو لي منك أنك كريم الأخلاق وافر الأدب، ~~ومن كان مثلك وجبت رعايته ولا يجمل بمثلي أن يعامله معاملة أدنياء المجرمين. ~~- إني أشكرك كل الشكر يا سيدي ولا أنسى لك هذا الإحسان. ~~- والحق إني ميال إليك وإني أجاهر بحبي للفرنسيين، ms2278 ولا أخشى لومة لائم، وفوق ذلك فإنك ~~كما قلت لا رجاء لك بالحياة أكثر من شهر، فلا أحب أن تعذب في خلاله، ولذلك أعددت لك ~~وسائل الراحة، وستجد في غرفتك سجينا آخر يؤاسيك وتؤاسيه، وقد أذنت لك بمطالعة الكتب ~~وقراءة الجرائد. # فقال له روكامبول: أتأذن لي بالكتابة أيضا؟ ~~- دون شك. # ثم أشار إلى الحراس فذهبوا بروكامبول إلى الغرفة المعدة لسجنه وكان لها نافذة تطل على ~~فناء. # ولما دخل إليها رأى رجلا مضطجعا فوق سريره، فهب من مضجعه، ونظر نظرة وحشية إلى ~~الداخلين. # وكان هذا الرجل في الثلاثين من عمره، طويل اللحية نحيل الوجه براق العينين، فناداه ~~أحد الحراس باسم برنيت وقال له: إنك لا تبيت وحدك بعد الآن. # فأجاب: إن ذلك سيان عندي. # ثم عاد إلى مضجعه دون أن ينظر إلى روكامبول، فلما انصرف الحراس وبات روكامبول وحده مع ~~هذا الرجل نظر إليه مبتسما وقال: إني أراك شديد الكآبة أيها الصديق. # فنظر إليه السجين نظرة إنكار وقال: أتريد أن أكون فرحا طلق المحيا في هذا السجن ~~الضيق؟ ~~- أتقيم طويلا فيه؟ ~~- كلا، إني سأشنق في السابع عشر من هذا الشهر. ~~- أي ذنب جنيت؟ # فرسم برنيت علامة الصليب على وجهه، حسب اصطلاح الجمعية السرية الإرلندية. # فدهش روكامبول، وأجابه بمثل إشارته، ورأى وجه الإرلندي قد استنار. # فأشار له روكامبول إشارة سرية أخرى لم يفهمها. # وأدرك لفوره حقيقة أمر هذا السجين وقال: لا شك أن هؤلاء الإنكليز أضعف منا في مجال ~~الحيلة، فإنهم وضعوني مع رجل ليس هو من الإرلنديين ولكنه عرف رموزهم، إنهم يستطيعون أن ~~يجعلوه جاسوسا علي، وسوف نرى ما يكون. # ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: لا تأسف أيها الصديق إن الموت في سبيل الإرلنديين خير ~~من الحياة. # 2 # أما حاكم السجن وهو يدعى روبرت فقد وفى بما وعد به روكامبول، وأنه أرسل إليه كثيرا ~~من الكتب. # ولما أزف وقت الطعام أرسل إليه ولرفيقه، الإرلندي الكاذب، طعاما شهيا. # ولكن روكامبول لم يحدث ذلك الرجل كلمة طول ذاك اليوم وقبل أن تطفأ ms2279 مصابيح الغاز اضطجع ~~في سريره. # وفي اليوم التالي جاء إليه حاكم السجن بنفسه فقال له: كيف أنت؟ # فابتسم روكامبول وقال له: بخير. ~~- أراقت لديك تلك الكتب التي أرسلتها إليك؟ ~~- أشكرك كثيرا إنها من خير ما يقرأ يا حضرة الميلورد. ~~- إني لست لوردا، ولكني غير قانط من أن تكافئني جلالة الملكة فكتوريا بلقب بارون ~~جزاء خدماتي. ~~- إني واثق كل الوثوق من نيلك هذه الأمنية؛ لأنها دون ما تستحق. # فشكره الحاكم وقال: أتريد أن أرسل إليك جرائد؟ ~~- حبذا يا سيدي لو تكرمت بإرسال جرائد بلادي؛ لأن المرء يحن إلى لغته كما يحن إلى ~~وطنه. ~~- سأرسلها إليك هذه الليلة وسأزورك كلما سنحت لي الفرصة فقد أنست بعشرتك فقل لي كم ~~عمرك؟ ~~- تسعة وثلاثين عاما. ~~- من يراك يحكم أنك لا تتجاوز الثلاثين. # فابتسم روكامبول وقال له: ومع ذلك فقد لقيت من المتاعب ما لم يلقه سواي. ~~- ولكنني أعجب لنبيل مثلك كيف ينخرط في سبيل أولئك الإرلنديين الحفاة العراة. # وكان رفيق روكامبول في السجن؛ أي ذلك الجاسوس الذي عينوه لمراقبته واستخراج خفايا ~~أسراره، يسمع الحديث ويمثل دوره أتقن تمثيل، فلما سمع الحاكم يحتقر الإرلنديين تظاهر ~~بالغضب الشديد وتمتم كلمات لا تفهم. # أما روكامبول فقد أجاب الحاكم بقوله: إني قد انضممت إلى الإرلنديين؛ لأني خلقت لنصرة ~~الضعيف والميل معه على القوي. # فوقف الحاكم بالمحادثة عند هذا الحد وانصرف، أما روكامبول فإنه عاد إلى القراءة، دون ~~أن يحادث الجاسوس بكلمة، في حين أنه كان يود أن يسأله ألف سؤال. ~~••• # مضى على ذلك أربعة أيام، كان الحاكم يزور روكامبول في خلالها كل صباح ويحمل معه ~~الجرائد الفرنسية، ثم يغتنم فرصة تشاغل روكامبول بأخذ الجرائد، فينظر نظرة خفية إلى ~~الجاسوس، ولكن هذه النظرة لم تكن تخفى على روكامبول. # فإذا انصرف الحاكم عاد روكامبول إلى القراءة والتفكير. # وكان يقرأ الجرائد الفرنسية بإمعان شديد، فلا يفوته خبر من أخبارها، وبعد ثمانية أيام ~~من إقامته في السجن عثر في جريدة الديبا على المقالة الآتية: # يرى الذين تعودوا النزهة في غابات بولونيا مركبة ms2280 تسير فيها فتاة حسناء كل ~~يوم، وقد استلفتت الأنظار بجمالها وهي إنكليزية كما يقولون. # ويصحب هذه الفتاة في كل نزهة رجلان، يبلغ أحدهما الخمسين من عمره. # وقد حسبوا في البدء أن هذا الرجل والد الحسناء، ولكنهم رأوا من دلائل نفورها ~~منه واحتقارها إياه ما أبعد عنهم هذا الظن، وفسح لهم مجال الريب . # وقد رأى الكونت م ... وهو من مشاهير الباريسيين أن الفتاة الإنكليزية أسيرة ~~واللذين يصحبانها من عمال البوليس وقد أرسلا من لندرا فعسى أن يتوفق الكونت إلى ~~كشف هذا السر. # فلما قرأ روكامبول هذه المقالة أمعن في التفكير وتاه في مهامه التصور، ثم قال في ~~نفسه: من عسى أن تكون تلك الفتاة الإنكليزية غير مس ألن، وإذا كانت هي فقد يكون الكونت م ... وقف على الحقيقة، ولا بد أن يكون الأسقف بترس توين واللورد بالمير، أرسلا في أثرها ~~هذين البوليسين. # ثم أطرق مفكرا وقال: إن هؤلاء الإرلنديين ضعفاء لا يقدموا على المخاطرة في سبيل ~~إنقاذي؛ لأني لست إرلندي الأصل، فيجب أن أعتمد على عصابتي أكثر من اعتمادي عليهم وقد ~~أرسلت مس ألن إلى باريس، وقلت لها: ابحثي عن ميلون ومرميس وفاندا، فإذا كانت المس ألن ~~أسيرة لا تعلم عصابتي شيئا ولا تحضر، إذن لا بد لي من إيجاد وسيلة أدعو بها ~~العصابة. # وعندما جال في نفسه هذا الخاطر نظر إلى ذلك الجاسوس وعن له خاطر سريع فقال: إنهم قد ~~وضعوا هذا الرجل جاسوسا علي، وإذا أصلحت نفسه الساقطة حميته من وصمة الجاسوسية ~~الشائنة واستخدمته فيما أريده من أغراضي، فكان لي خير معين. # وقد عرف القراء تلك النظرات الجاذبة المؤثرة التي عرف بها روكامبول وخطر له أن ~~يستعين بها على استجلاب الجاسوس، لا سيما بعد أن رأى من عينيه أنه أميل إلى الخير منه ~~إلى الشر، وأن الفقر دعاه إلى امتهان هذه المهنة السافلة، ووضع جريدته على السرير وجعل ~~ينظر تلك النظرات إلى الجاسوس. # وأحس الرجل لفوره بتأثير النظرات فيه، وأن نفسه قد تكهربت بها، فلم يكن يطيق النظر ~~إليه ms2281 ويغض من بصره كلما حدق به إلى أن أيقن روكامبول من ذلك التأثير، فقال له بلهجة ~~السيادة المطلقة: ماذا تدعى أيها الرجل؟ ~~- برنيت. ~~- أين ولدت؟ ~~- في دبلين. ~~- ومتى قبضوا عليك؟ ~~- يوم فرار الكولونيل ستيفن. ~~- إني كنت في طليعة الإخوان يومئذ فلا أذكر أني رأيتك بينهم. # فاحمر وجهه احمرارا خفيفا استدل منه روكامبول على ضعفه فقال: أتعلم أننا اليوم في ~~الحادي عشر من هذا الشهر؟ ~~- نعم ... ~~- ولقد قلت لي: إنهم سيشنقونك في اليوم السابع عشر فلم يبق لك في هذا الوجود إلا ستة ~~أيام. # فأطرق الجاسوس بنظره اتقاء لنظرات روكامبول وقال: إني مستسلم للقضاء راض بما كتبه ~~لي. # فحدق روكامبول به تحديقا اضطربت له حواسه وقال: ولكنك تعلم يقينا أنك لا تموت في ~~ذاك اليوم. ~~- من ينقذني؟ ~~- لا ينقذك أحد. ~~- إذن لا بد من الموت. # فعاد روكامبول إلى إرهاقه بنظراته، وقال له: إن الإعدام لا يكون إلا بعد صدور ~~الأحكام، ولم يحكموا عليك بشيء أيها المجنون، بل إنهم وضعوك معي في هذا السجن لمراقبتي، ~~ورضيت أن تتولى هذه المهمة الشائنة لفقرك، ولكني سأغنيك من هذا الباب الحقير، وأغنيك عن ~~الندم وترقيع الضمير فاصغ إلي. # ثم أخذ يبسط له بفصاحته النادرة عيوب الجاسوسية، ويقبح ذلك المبدأ المنحط ويشرح ما ~~تجده النفس من الانبساط في خدمة المبادئ الشريفة ويعلله ببسطة العيش. # وقد أفاض في هذه المباحث إلى أن افتتن عقل الرجل وسال لعابه حتى إذا انتهى من مواعظه ~~وإرشاده بسط يده وقال له: أتريد أن تكون في عداد أصدقائي؟ # فجثا الرجل على ركبتيه، وقد بلغ روكامبول في نفسه ما أراد وقبل تلك اليد التي مدت ~~إليه. # ثم قال: إني لا أعلم من أنت، ولكني أعلم أنك من أهل السلطان على القلوب وسأكون في ~~خدمتك من أوفى الأمناء. # فابتسم روكامبول وقال: سوف ترى أنك غير مخطئ في وفائك متى خرجنا من هذا السجن. # فذهل برنيت وقال: أتطمع بالخروج منه يا سيدي؟ ~~- إني أخرج متى أشاء. # 3 # مر على ذلك أربعة أيام انقطع الحاكم بعدها ms2282 عن زيارة روكامبول لقنوطه من الجاسوس؛ لأنه ~~كان في كل مدة يحضر يشير إلى الجاسوس مستفهما فيغمزه بعينه مشيرا إلى أنه لم يستطع أن ~~يعلم شيئا بعد فانقطع عن زيارته، وجعل يرسل الجرائد الفرنسية مع أحد الحراس. # وكان هذا الحارس الذي يرسله عالما بأمر الجاسوس فكان كلما أتى يسأله بالنظر فيجيبه ~~بالإشارة أنه لم يعلم شيئا إلى أن جاءه يوما فغمزه بعينه مشيرا أن لديه أخبار خطيرة ~~فسر الحارس وانطلق إلى مولاه. # وكان الجاسوس قد استسلم كل الاستسلام إلى روكامبول كما قدمناه، وقد كان لديه حقيقة ~~أخبار هامة يريد أن يبلغها إلى الحاكم. # أما روكامبول، أو الرجل العبوس، فقد كان قرأ في الليلة، هذه المقالة الآتية، في إحدى ~~الجرائد الفرنسية التي يرسلها إليه الحاكم، وهذه هي: # لا يكتفي هؤلاء الإنكليز بما يبدونه من الشذوذ في بلادهم، بل إنهم يقدمون ~~عليها في بلادنا، وهذا خبر ننشره بملء التحفظ، على وثوقنا من صحة ما ~~نرويه. # إن فتاة حسناء من أهل النبل قدمت إلى باريس فاستلفتت الأنظار بحوادثها وهي ~~تدعى مس ألن ابنة اللورد ب ... # وكان قد حضر معها خادمان حين قدومها إلى باريس ولم يعلم أحد سر حضورها إلى ~~العاصمة فأقامت في منزل جميل في أفضل الشوارع، وكان الناس يرونها كل مساء تخرج ~~متنزهة في الغابات. # ولكن يظهر أن هذه الرحلة لم ترق لعائلة الفتاة. # إنه إذا اتفق مثل هذا الحادث في فرنسا، يذهب والد الفتاة الهاربة باحثا عنها ~~ويعود بها، أما في إنكلترا فإن مثل تلك الأمور تجري على عكس ما هي ~~عندنا. # وذلك أن والد الفتاة وهو أحد أعضاء البرلمان الإنكليزي، لم ير من العدل أن ~~يترك جلسات المجلس فلم يحضر للبحث عن فتاته، بل أرسل لها رجلين من كبار الشرطة ~~ولديهما أوامر صريحة صدقت عليها من السفارة الإنكليزية فعثرا بالفتاة وقبضا ~~عليها. # غير أنهما لم يرجعاها إلى إنكلترا كما يتبادر إلى الأذهان؛ لأن والدها اللورد ~~ارتأى إبقاءها في باريس إلى أن تنتهي جلسات البرلمان راجيا أن يمحو تعاقب ~~الأيام ms2283 تلك الفضيحة. # ولذلك عهد إلى البوليسين بمراقبة ابنته، وأن يذهبا بها إلى المسارح ~~والمتنزهات وإلى حيث تشاء، مشترطا أن لا يأذنا لها بالاجتماع مع أحد. # والذي نراه أن الحادث حادث غرام لم يرق، دون شك، في عيني والدها ~~اللورد. # فلما قرأ روكامبول تلك المقالة لم يبق لديه شك أن مس ألن في باريس ، وأنها لم يتيسر ~~لها الالتقاء بميلون. # وعلى ذلك فإن ميلون لم يعلم شيئا من أمره ولا بد من إرسال الأمر إلى العصابة بالحضور ~~إلى لندرا، وهنا جعل يفكر بطريقة تمكنه من إبلاغ العصابة ما يريد ولا شك أنه ظفر بها ~~بدليل أنه انقطع فجأة عن التفكير إلى محادثة برنيت الجاسوس فقال له: اصغ إلي يا برنيت ~~إنهم وضعوك في غرفتي لمراقبتي والوقوف على أسراري. # فاضطرب برنيت وقال: أيها الرئيس ألم أتب توبة صادقة؟ فما بالك توبخني هذا ~~التوبيخ؟ ~~- إني لا أريد تأنيبك، واصغ إلى تتمة حديثي. إن الحاكم يزورني كل يوم، وينظر إليك ~~مستفهما، وهو يرجو أن تكون قد ظفرت ببعض أسراري. ~~- وأنا أعبث به وأخونه كما ترى. ~~- هو ذاك ولكني أريد أن تخونني اليوم. # فدهش برنيت وقال: أنا أخونك يا سيدي؟! ~~- سوف ترى كيف أريد أن تخونني، إني أريد بذلك أنك تخدمني. ~~- إني مستعد للموت في سبيل إرضائك. ~~- إذن، اعلم أنه لا بد أن يأتي الحاكم غدا، أو يرسل أحد حراسه وإذا جاء بنفسه أو إذا ~~جاء الحارس، فاغمز إشارة على أنك عثرت على خبر خطير. ~~- ولكني إذا أشرت تلك الإشارة يدعوني الحاكم إليه. ~~- وهذا الذي أبغيه. ~~- إذن ما أقول له؟ ~~- سأخبرك غدا بما يجب أن تقول؟ # وانقطع روكامبول عن الحديث فصرف ليلته بالتمعن والتفكير. # وفي اليوم التالي لم يحضر الحاكم بل أرسل الحارس، وأشار إليه برنيت تلك الإشارة ~~السرية كما قدمناه. # فلما ذهب الحارس قال روكامبول لبرنيت: إن الحاكم سيدعوك إليه فيما أراه. ~~- دون شك. ~~- إذن اسمع ما يجب أن تقوله له ... قل: إن الرجل العبوس قد ائتمنني على سر من أسرار ~~الإرلنديين، وهو أن ms2284 لهذه الطائفة مركزا عاما في باريس وزعيما يدعى روكامبول. # فقال برنيت: ما هذا الاسم الثقيل؟ # فابتسم روكامبول وقال: ثم تقول إنه يوجد وسيلة سهلة للقبض على هذا الزعيم الذي يدعونه ~~روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين خطرا، أما هذه الطريقة فهو أن يعلن في الجرائد ~~السيارة أن روكامبول قد وقع في قبضة البوليس الإنكليزي وزج في سجن نوايت. # فاعترضه برنيت قائلا: ولكن روكامبول في فرنسا كما تقول، فإذا قرأ ذاك الإعلان بقي ~~فيها. ~~- ولكنك تظهر للحاكم غير ما تظن. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن روكامبول هرب من إنكلترا، لخوفه من مطاردة البوليس، وإذا قرأ هذا الإعلان في ~~الجرائد، أيقن أن البوليس لا يطارده بعد ذلك، لاعتقاده أنه سجين فيعود روكامبول إلى ~~لندرا مطمئن البال. ~~- لقد فهمت. # ولم يتمكن الرجل العبوس من متابعة الحديث؛ لأن باب الغرفة فتح عند ذلك، ودخل منه ~~الحارس، وقال لبرنيت: إنك قد قدمت عريضة إلى الملكة التمست بها تعديل الحكم عليك، وقد ~~قبلت جلالتها العريضة فاتبعني. # فتظاهر برنيت بالسرور العظيم وقال: إلى أين؟ ~~- إلى الحاكم؛ لأنه يريد أن يتلو عليك الأمر بتعديل الحكم، ونجاتك من الإعدام. # فخرج برنيت يتبع الحارس وبقي الرجل العبوس وحده وهو يقول في نفسه: إن النجاح مضمون ~~إلا إذا عرفوا أني أنا هو روكامبول. # 4 # كان الحاكم ينتظر برنيت بفارغ الصبر فلما دخل إليه أخبره بجميع ما تلقنه من روكامبول ~~فسر الحاكم سرورا عظيما وقال لبرنيت: إنه خبر عظيم سنكافئك عليه خير ~~مكافأة. ~~- وهذا الذي أرجوه يا سيدي؛ لأني ما رضيت أن أسجن نفسي طائعا إلا طمعا بمثل ما ~~تعدني به. # فأعاده الحاكم إلى سجن روكامبول وأمر بإحضار مركبة وذهب بها مسرعا إلى منزل الأسقف ~~بترس توين. # وقد تقدم لنا في الأجزاء السالفة وصف ذاك الأسقف، ولكي نزيد وصفه إيضاحا تعرف به ~~حقيقة منزلته لدى القراء نقول: إنه يشبه بزعامته الإنجليكان زعيم الجزويت، وله من ~~التأثير على أسقف كانتروبوري ما لرئيس الجزويت من التأثير على البابا. # وقد لقيه حاكم السجن في منزله فلما دخل ms2285 عليه وجده مكبا على الكتابة ولديه كثير من ~~الرسائل الخطيرة. # أما الأسقف فإنه ذعر لمنظر الحاكم وقال: ماذا ألم بك؟ ألعلك أتيت لتنذرني بفرار الرجل ~~العبوس؟ # فابتسم الحاكم وقال له: ليطمئن مولاي؛ لأني أتولى حراسة هذا الرجل بنفسي فلا يمكنه ~~الفرار، ولكني أتيت أخبرك أنه باح للجاسوس ببعض أسراره. ~~- ألعله ذكر اسمه الحقيقي؟ ~~- كلا ، ولكنه قال: إن أعظم زعيم للإرلنديين مقيم الآن في باريس وإنه يتأهب لعمل سري ~~عظيم. ~~- وما اسم ذاك الزعيم؟ ~~- روكامبول. ~~- إني ما سمعت بهذا الاسم الغريب قبل الآن فهل علمت شيئا عنه؟ ~~- كلا، غير أن الجاسوس عرض علي أمرا يدل على ذكائه ويسهل القبض على ذاك ~~الزعيم. ~~- ما هو هذا الخاطر؟ ~~- إن روكامبول برح إنكلترا لتوهمه أن الشرطة تبحث عنه فلو نشرنا في المورنن بوست ~~والتيمز أن روكامبول زعيم الإرلنديين الشهير قد قبض عليه وزج في سجن نوايت يقف على ~~الخبر حين مطالعته الجريدتين فلا يبقى له سبيل للخوف ويعود إلى لندرا فنقبض ~~عليه. ~~- إنه فكر جيد على بساطته. ~~- أترى أنه يجب إنفاذه؟ ~~- كلا، فدعه الآن إلى أن أفكر فيه، وبعد فاعلم أيها الصديق أن مسألة الإرلنديين لا ~~أضعها في المنزلة الأولى من الاهتمام، فإني إذا كنت قد بذلت ما بذلته من الجد والاهتمام ~~في القبض على الرجل العبوس، فما ذلك إلا لأنه ساعد الأب صموئيل الأيمن. # وأنت تعلم غيرة ذاك الأب العظيمة على الكنيسة واحترام أهل لندرا لا سيما الفقراء منهم ~~بهذا الأب، فلو تركته وشأنه ولو لم أقطع ساعده لأفسد علينا طائفتنا ورد كثيرا من قومنا ~~إلى طائفته. ~~- والرجل العبوس ماذا نصنع به؟ ~~- نحافظ عليه إلى أن يصدر الأمر بإعدامه فإن رئيس العدلية لا يريد محاكمته قبل أن ~~يعرف اسمه الحقيقي. ~~- ولذا أرى أنه لا بد من القبض على روكامبول؛ لأننا إذا قبضنا عليه نعلم منه حقيقة ~~اسم الرجل العبوس. ~~- لقد أصبت ولكن لا تنشر الآن الإعلان في الجرائد واصبر إلى المساء أخبرك ما يجب أن ~~نصنع. # وبعد هنيهة عاد الحاكم إلى سجنه وأرسل ms2286 الأسقف إلى إدارة التلغراف، فأرسل الرسالة الآتية: # باريس ... السير جمس وود. # في أوتيل دي لوفر. # أتعرف زعيما للإرلنديين يقيم الآن في باريس ويدعى روكامبول؟ # بترس توين # وأقام الأسقف في منزله جميع نهاره ينتظر الرد، فلم يرد ذلك؛ لأن السير جمس كان في تلك ~~البئر التي سجنه فيها مرميس كما يذكر قراء رواية تلميذ روكامبول . # فلما سئم الأسقف من ورود الجواب شغل باله وذهب إلى اللورد بالمير فقال: أوردت إليك ~~رسالة من السير جمس؟ ~~- كلا. # فأخبره الأسقف بما كان بينه وبين حاكم السجن، وبانشغال باله لتأخير جواب السير ~~جمس. # فطمأنه اللورد وقال: لا شك أن السير جمس يبحث الآن عن روكامبول، ولا يستطيع أن يجيبك ~~قبل أن يقف على أثره. # فخرج الأسقف من عنده مطمئنا وأرسل يخبر حاكم السجن كي يرسل الإعلان إلى الجريدة فكتب ~~الحاكم الخبر كما يأتي: # إن هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين الذين طالما ~~أقلقوا الحكومة بدسائسهم، قد قبض عليه في دبلين وسيرسل إلى إنكلترا، والمرجح ~~أنه يسجن في نوايت إلى أن تتم محاكمته. # وقد كتب منه ثلاث نسخ فأرسلها إلى التيمز، والمورنن بوست، وإفنن ستار، وهي أشهر ~~الجرائد الإنكليزية، وجعل يفرك يديه فرحا ويعلل نفسه بالقبض على روكامبول، وهو لا يعلم ~~أن روكامبول في سجن نوايت، وأنه قد سقط في فخ روكامبول. # 5 # يرى القراء أن حيلة روكامبول قد جازت على الحاكم والأسقف. # أما الحاكم فقد كان شديد الإعجاب بنفسه لاعتقاده أنه أقنع ذلك الأسقف وحمله على رضاه ~~عنه، أما الأسقف فإنه صبر إلى اليوم الثاني فلم يرد إليه جواب السير جمس فزاد انشغاله ~~وكثرت هواجسه. # وما زال يضرب أخماسا لأسداس ويرسل الأنباء البرقية تباعا إلى السير جمس حتى ورد ~~إليه الجواب البرقي كما يأتي: # بولونيا في الساعة السابعة صباحا. # روكامبول سافر إلى لندرا عند انتصاف الليل بطريق كابس وهو مصفر الوجه أسود ~~الشعر والشاربين تصحبه امرأة شقراء سوداء العينين. # إني أنتظر أوامركم في أوتيل إسبانيا. # السير جمس # فأجابه الأسقف بما يأتي: # فهمت ms2287 مرادك أخبرني عن مس ألن. # وبعد ساعة وصل إليه من السير جمس، أو من الذي استعار اسمه، هذا التلغراف: # مس ألن لا تزال في قبضتنا كن مطمئنا عليها. # ولما تزود الأسقف بهذه الأخبار ذهب إلى إدارة البوليس، فأطلع المدير على ما جرى، ووصف ~~له روكامبول والمرأة التي تصحبه، ووعده مدير البوليس خيرا وضمن له القبض عليه حين ~~وصوله، فتركه الأسقف وذهب إلى سجن نوايت. # ولما لقيه الحاكم قال: كيف رأيت أتظن أن الرسائل التي نشرتها في الجرائد تسفر عن ~~نتيجة حسنة؟ ~~- بل أسفرت عن خير النتائج فاقرأ هذا التلغراف؟ # ثم عرض عليه تلغراف السير جمس فقرأه الحاكم وقال: إذن أتظن أن روكامبول في ~~لندرا؟ ~~- بل هو في الطريق إليها فإن السير جمس من أحذق رجال البوليس ولو لم يكن واثقا من ~~سفره لما أنبأني. ~~- وهذا الجاسوس الذي وضعته مع الرجل العبوس من أهل الحذق والذكاء أيضا فقد حمل ~~بدهائه الرجل العبوس على الوثوق به كل الثقة. ~~- ألعله استطلع منه سرا جديدا؟ ~~- نعم، فإن الرجل العبوس قال له: إنه لو كان روكامبول في لندرا، وتيسر لي أن أحادثه ~~لاستتب النصر لإرلندا وسلمت أنا من الشنق. ~~- أهو قال هذا القول؟ ~~- نعم يا سيدي، وقد خطر لي خاطر أرجو أن يكون صوابا، وهو أن أنقل الرجل العبوس مع ~~جاسوسه إلى غرفة متسعة بحيث أضع فيها ثلاثة أسرة، حتى إذا تيسر القبض على روكامبول ~~وضعناه مع الاثنين في غرفة واحدة. ~~- كيف ذلك، أتحقق أمنية الرجل العبوس وتجمعه بروكامبول؟ ~~- دون شك فإننا نعلم بواسطة الجاسوس هذا السر العظيم وكيف ينجو من الشنق إذا اجتمع ~~بروكامبول. ~~- إني أرى رأيك، فإننا قد نستطيع سماع حديثهما بغير واسطة الجاسوس أيضا، فافعل ما ~~اقترحته وتأهب لاستقبال روكامبول، فلا بد من القبض عليه. # ثم تركه وانصرف إلى منزله فورد في الساعة الخامسة تلغراف ولكنه كان موقعا عليه ~~بإمضاء البوليس إدوارد بدلا من السير جمس. # وكان الأسقف يعلم أن إدوارد قد سافر مع السير جمس بمهمة واحدة فقرأ التلغراف وهو كما ms2288 يأتي: # اقتفيت بأمر السير جمس أثر الرجل الذي تريدون الوقوف على أخباره فهو سيقيم في ~~دوفر نهارا وليلة، وسيسافر مع المرأة التي تصحبه في قطار الساعة السابعة من ~~المساء، وسأوضح السبب في اقتفاء أثرهما بدلا من القبض عليهما. # إدوارد # فلما أتم الأسقف تلاوته قال في نفسه: لا شك أن السير جمس من أمهر رجال البوليس ، ولا ~~بد أن أكافئه مكافئة توازي هذه الخدمة الجليلة. ~~••• # ولنعد الآن إلى حاكم السجن فإنه بعد انصراف الأسقف قال في نفسه: إني سأنقل الرجل ~~العبوس وجاسوسه صباح غد إلى الغرفة ذات الثلاثة أسرة، وسأظفر بالوقوف على أسرار ~~روكامبول. # وكان قد تعود بعد أن بدأ الجاسوس يخبره بأسرار الرجل العبوس أن يزوره في محبسه كل يوم ~~ويبالغ في ملاطفته وتخفيف شقائه. # وقد ذهب إليه بعد انصراف الأسقف وقال له: كيف تجد نفسك في هذه الغرفة؟ ~~- إني متمتع فيها من فضلك بأتم الراحة. ~~- كلا بل هي رطبة وقد تؤذيك. ~~- لم أر فيها ما يدل على الرطوبة. ~~- ولكنها ضيقة أيضا وسأنقلك إلى غرفة أعظم اتساعا بحيث قد تكونوا فيها ثلاثة بدلا ~~من اثنين. # فارتعش روكامبول فقال: ألعلك تريد التفريق بيني وبين برنيت؟ ~~- كلا، بل ربما أضع معكما رفيقا ثالثا أظن أنك تعرفه إذا ذكر لك اسمه فإنه يدعى ~~روكامبول. # فتكلف روكامبول هيئة الاضطراب وقال: إنك مخطئ يا حضرة الميلورد فهذه أول مرة سمعت ~~فيها اسم روكامبول. # وأقام الحاكم هنيهة معه ثم انصرف، ولما خلا برنيت بروكامبول قال: الحق إني لا أفهم ~~شيئا من هذه الألغاز. # فابتسم روكامبول وقال: ستعلم كل شيء متى آن الآوان. # ثم انصرف إلى التفكير وجعل يقول في نفسه: لا أدري إذا كان ميلون قد تسمى باسمي ودعا ~~البوليس يقبض عليه، أو هو مرميس، ولكن لا بد أن يكون واحدا من الاثنين وعلى ذلك فلا بد ~~من ورود أنباء جديدة. # وقد أخطأ روكامبول في حسابه خطأ ضعيفا جدا لا بد لنا في إيضاحه من الرجوع إلى ~~الماضي لإيضاح تلك الأنباء البرقية التي خدع بها الأسقف ms2289 وحاكم السجن. # 6 # إن مرميس حين قبض على السير جمس وسجنه في البئر كما تقدم في رواية تلميذ روكامبول ~~بالغ في إخفاء أمره، والحذر من وقوف أحد على أمره. # ويذكر القراء أن الشرطي إدوارد؛ أي رفيق السير جمس، بات من رجال مرميس، ولكن رجال ~~الفندق الذي كان يقيم فيه السير جمس كانوا يعلمون أن إدوارد والسير جمس واحد، فكان ~~إدوارد يحضر بأمر مرميس مرتين أو ثلاث في كل يوم إلى ذلك الفندق لاستلام الرسائل التي ~~ترد إلى السير جمس، وقد أوهم عمال الفندق أن رفيقه قد سافر في بعض الشئون، فكانوا ~~يدفعون إليه كل ما يرد باسم السير جمس لوثوقهم من اتفاقهما واشتغالهما في خدمة ~~واحدة. # وعلى ذلك فإن إدوارد استولى على الرسائل التي تبودلت بين الأسقف وبين السير جمس ~~ودفعها لمرميس، فعلم منها لفوره ما أصاب روكامبول. # كان الذي علمه من الرسائل أن الرجل العبوس في سجن نوايت، وأنهم سيحاكمونه دون شك وقد ~~يحكمون عليه بالإعدام. # ولكنه علم أيضا من رسائل الأسقف أنه لا يمكن الحكم على العبوس قبل معرفة اسمه ~~الحقيقي، وأنهم لم يظفروا به إلى الآن فعول على الإسراع إلى لندرا مع رفاقه للاهتمام ~~بإنقاذه. # وقبل أن يسافر أرسل إدوارد إلى الفندق عله يقف على رسالة جديدة. # وكان قد قرر قسمة العصابة إلى ثلاثة أقسام يسير كل قسم منها بطريق، ثم يلتقون جميعهم ~~في محل واحد ويسيرون من منزل مرميس. # ولما اجتمعوا عنده وتأهبوا للسفر أقبل إدوارد قادما من الفندق، ودفع لمرميس رسالة ~~برقية معنونة باسم السير جمس. # وكانت نفس الرسالة التي أرسلها الأسقف إلى السير جمس يقول له فيها: ابحث عن زعيم ~~للإرلنديين يدعى روكامبول فإنه في باريس. # فلما تلا مرميس الرسالة دهش لها وأعطاها لفاندا فتلتها ثم تلتها مس ألن فدهشوا ~~جميعهم وجعل كل منهم ينظر إلى الآخر دون أن يتكلم. # وبعد سكوت قصير قال مرميس: إنه لم يعد بد من الإسراع في السفر فإني أرى أن لروكامبول ~~يدا في هذه الرسالة الغريبة. # فقالت فاندا: ms2290 كيف رأيت ذلك؟ ~~- إن روكامبول قد اعتمد بعض الاعتماد علينا حين دخوله إلى سجن نوايت، ولكنه قد اعتمد ~~على نفسه أيضا، وأننا إذا بحثنا في رسائل الأسقف إلى السير جمس، نجد أن قضاة الإنكليز ~~يبحثون عن حقيقة اسم الرجل العبوس، ولا يحاكمونه قبل أن يعرفوه فلا بد أن يكون روكامبول ~~قد فتن قاضي التحقيق وأضله. ~~- أوتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكد أنه إذا كان الأسقف قد ذكر اسم روكامبول فإن الرجل العبوس قد ذكره ~~قبله. ~~- ولكن لأي قصد؟ ~~- لا أعلم، ولكني واثق أن روكامبول قد وضع خطة فلا ينبغي علينا أن نفسدها. # وعلى ذلك قرروا الإسراع بالسفر فوصلوا في الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم إلى ~~بولينا. # وكان الفصل فصل شتاء والبحر مزبدا، قال مرميس للجماعة: إننا نبيت هنا ونسافر في ~~الصباح. # فقالت فاندا: لماذا لا نسافر الليلة؟ ~~- لأني أريد أن أرسل رسالة إلى الأسقف أسبر فيها غوره، ولا بأس إذا بلغنا لندرا في ~~المساء بدلا أن نصل إليها في الصباح. # فقالت مس ألن: ولكني أرى أن الوقت لا يجب أن نضيعه. ~~- اطمئني يا سيدتي فلا بد لنا من إنقاذه. # ولم ينم مرميس إلا غرارا تلك الليلة فإنه كان يمعن فكره طول الليل ويقول في نفسه: لا ~~شك أن روكامبول يهزأ بقضائه وسجانيه. # وعند الصباح نزل إلى قاعة الفندق فرأى ميلون فيها يقرأ الجرائد الإنكليزية، ثم رآه ~~اصفر وجهه فجأة فأسرع إليه وقال له: ماذا أصابك؟ # فأجابه بصوت يتهدج: خذ واقرأ، ثم أعطاه جريدة التيمز التي كان يقرأ فيها ودله بإصبعه ~~على ذلك الخبر الذي نشره حاكم السجن كما تقدم عن القبض على روكامبول. # فلما قرأ مرميس هذا الخبر صاح صيحة فرح دهش لها ميلون وقال: ألعل القبض على روكامبول ~~يسرك يا مرميس؟ ~~- كلا، ولكنك أبله يا ميلون. ~~- كيف حكمت علي بالبلاهة؟ ~~- دون شك، إن هذا الخبر الذي قرأته خير برهان على صدق ما كنت مرتابا فيه، إن ~~روكامبول يهزأ بالبوليس، والبوليس يعتقد أن روكامبول صديق الرجل العبوس، ومما يدلك على ~~أن ms2291 لروكامبول يدا في هذه الأمور أنه مسجون في سجن نوايت منذ خمسة عشر يوما فكيف يقبض ~~عليه في دبلين منذ يومين، وعندي أنه هو الذي حمله على نشر هذا الخبر. ~~- ولكن أي قصد له بهذا الخبر الغريب؟ ~~- إن قصده أن ينبهنا إذا لم تستطع مس ألن الاهتداء إلينا، وإخبارنا أنه بحاجة ~~إلينا. # ثم خرج من الفندق وقال له: اتبعني. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى مركز التلغراف، إني أريد إرسال رسالة برقية إلى الأسقف باسم السير جمس، فإن ~~الشرطي إدوارد مقيم باسمه في فندق إسبانيا. ~~- وأية فائدة من هذه الرسالة؟ ~~- الفائدة منها أن الأسقف يجيب السير جمس عليها إذا كانوا قبضوا حقيقة على رجل دعا ~~نفسه باسم روكامبول. # ولما وصلا إلى التلغراف أرسل الرسالة الآتية: # إن روكامبول سافر إلى لندرا عند منتصف الليل بطريق كاليس وهو مصفر الوجه أسود ~~شعر الشاربين تصحبه امرأة شقراء سوداء العينين. # فقال ميلون وقد اطلع على الرسالة: ولكن هذه الأوصاف كلها تنطبق عليك وعلى ~~فاندا. ~~- هو ما تقول فإن لي بذلك مآرب سوف تعلمها. # وأقام مع ميلون في إدارة التلغراف ينتظر ورود الجواب. # 7 # ولم يطل انتظار مرميس فقد ورد إليه من الأسقف هذا الجواب الوجيز باسم السير جمس وهو: «فهمت المراد فما فعلت بمس ألن؟» # فرفع مرميس التلغراف إلى ميلون وقال: أرأيت كيف أن روكامبول يهزأ بهم؟ ~~- لقد بدأت أن أرى رأيك، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- بقي أمر لم أفهمه؛ وهو لماذا أظهرت ملامحك في التلغراف المرسل إلى الأسقف؟ ~~- كي يسهل القبض علي بصفة روكامبول. ~~- ولماذا تريد أن يقبضوا عليك؟ ~~- كي يرسلوني إلى سجن نوايت فأجتمع فيه بروكامبول وأتلقى أوامره؛ لأنه إذا كان هذا ~~الخبر المنشور في الجرائد من صنعه كما أرى فهو إنما أراد به أن نعلم غايته ونبذل الجهد ~~للوصول إليه في نوايت. ~~- إن الوصول إلى نوايت قد يكون سهلا، ولكن الخروج منه ليس بالأمر السهل. ~~- بل أخرج منه ويعتذرون لي كل الاعتذار عن القبض علي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن السفارة الفرنسية تخرجني. # ثم ابتسم وتابع: ms2292 إن ماضي حياتي قد بعد بعدا شاسعا عن الأذهان، لقد مر بي ستة أعوام ~~أعيش فيها عيش النبلاء، فلا أجلس إلا في أعظم المنتديات ولا أعاشر إلا أكابر القوم، فإن ~~كل الناس يعرفون أني أدعى فيلكس بيتافن وأني واسع الثروة كثير البر والإحسان، وقد كثرت ~~علائقي مع نخبة الناس، ولا سيما المركيز س ... السكرتير الأول في سفارة فرنسا في لندرا، ~~فإنه من أخلص أصدقائي، ولذلك إذا رأيتهم قبضوا علي فلا تعترض ودعهم يفعلوا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يجب أن أقيم يومين في سجن نوايت ... ~~- وبعد هذين اليومين؟ ~~- بعد ذلك تذهب إلى السفارة الفرنسية وتدفع هذا الكتاب الذي سأكتبه إلى المركيز س ~~... # ثم ذهبا إلى الفندق فكتب مرميس الكتاب الآتي: # صديقي المركيز # يظهر أن إنكلترا قد أصبحت بلاد العجائب، وأن بوليسها بات من أهل الخيال وهذه ~~حكايتي في تلك البلاد التي يدعونها بلاد الحرية ومع بوليسها الذي اشتهر بالحذق ~~فاسمعها. # لقيني أحد رجال البوليس فحسبني من أولئك الإرلنديين الذين أقلقوا خواطر رجال ~~البرلمان فقبض علي قبض المجرمين وهو يحسبني أحد زعماء هذه العصابات. # وقد أطلعته على أوراقي وبرهنت له عن صحتها وذكرت له اسمي، فأبى إلا أن يدعوني ~~روكامبول، ولكني اسمتهلته ريثما أكتب هذه الرسالة الوجيزة ودفعتها إلى خادم ~~غرفتي، وأنا مضطر أن أبيت هذه الليلة في سجن نوايت. # ثم إن هذا البوليس لم يقتصر على اتهامي، بل يؤكد لي أني سأشنق بعد ثلاثة ~~أيام، ولكنك لحسن حظي في لندرا. # صديقك # فيلكس بيتافن # وبعد أن كتب هذه الرسالة أعطاها لميلون مع كتاب آخر وقال له: إنك تذهب إلى السفارة ~~بهذه الرسالة بعد أن يقبضوا علي بيومين. # فقال ميلون: ولكن المركيز قد لا يكون في لندرا فإذا اتفق ذلك فماذا أصنع؟ ~~- كلا بل هو فيها فقد ودعته في باريس منذ ثلاثة أيام وشيعته إلى المحطة إذ كان عائدا ~~إلى السفارة في لندرا. # وبعد أن فرغ من هذه المهمة مع ميلون كتب رسالتين برقيتين ونادى الشرطي إدوارد فأعطاه ~~إياهما، وكانت إحداها بتوقيع السير جمس، وهي ms2293 التي تلقاها الأسقف وفيها إشارة إلى أن مس ~~ألن لا تزال تحت الحفظ، والثانية بتوقيع الشرطي إدوارد أرسلت أيضا إلى الأسقف من ~~دوفر. # ولما اطلع عليهما إدوارد قال: لم أفهم المراد من هاتين الرسالتين. ~~- ولكن أمرهما بسيط فإن الأسقف لا بد أن يكون أبلغ الشرطة بعد أن وصل إليه تلغراف ~~الصباح، وعلى ذلك فإن الشرطة متربصة في كل المحطات، وإذا كنت أريد أن أكون حرا يوما ~~وليلة في لندرا يجب أن ينتظروني في دوفر، في حين أنني سأصل في قطار فولكستون الذي سأسير ~~فيه بعد ساعة. ~~- حسنا لقد فهمت. ~~- إذن اصغ إلي، إنك تسافر بطريق كاليس إلى دوفر فترسل منها الرسالة الثانية ثم ~~تسافر في الحال إلى لندرا وتذهب حين وصولك توا إلى منزل الأسقف. ~~- وماذا أقول له؟ ~~- تقول: إنك تركتني، أي تركت روكامبول في دوفر وعينت بوليسين لمراقبتي وأتيت لتتلقى ~~أوامره. ~~- وأين أراك؟ ~~- غدا مساء في كوفان غاردن في خمارة أفنس. ~~- سأوافيك في الموعد المعين. # ثم تركه وسافر إلى كاليس. # أما مرميس وعصابته فإنهم سافروا في باخرة الظهر، وبعد ساعتين كانوا سائرين في طريق ~~لندرا وقد ملأت جرأة مرميس قلب مس ألن أملا ووثقت من الفوز في إنقاذ روكامبول. # 8 # وقد سافروا ثلاث عصابات كي لا يستلفتوا إليهم الأنظار إلى فولكستن، وركبوا القطار إلى ~~لندرا، فكانت فاندا ومس ألن العصابة الأولى، ومرميس وميلون الثانية، والبقية ~~الثالثة. # وكانت مس ألن متنكرة أتم التنكر بحيث لو رآها أبوها لما عرفها، فلما وصل القطار إلى ~~لندرا نزلت فاندا ومس ألن إلى محطة كانتس سكريت وكذلك رجال العصابة، ما خلا مرميس ~~وميلون فإنهما بقيا في القطار الذاهب إلى محطة شارنغ كروس. # ولما وصل القطار إلى تلك المحطة رأى مرميس فيها نحو عشرة من رجال الشرطة، فقال ~~لميلون: انظر إلى رجال الشرطة فإنهم كلهم قد أتوا للقبض علي. # فذعر ميلون خلافا لمرميس فإنه كان يصدر أوامره إلى ميلون باللغة الإنكليزية وبلهجة ~~أهل البلاد حتى لقد توهم البوليس بالرغم من سواد شعره، أنه إنكليزي من ms2294 ضواحي لندرا، ~~وفوق ذلك فإن الرجل الذي كانوا ينتظرونه كانوا يتوقعون أن يجدوا معه امرأة كما ورد ~~للأسقف فلم يعترضوه. # وعند ذلك خرج مرميس مع ميلون من المحطة وقال له: هلم بنا الآن إلى فندق ~~التيجان. ~~- وماذا نعمل بذلك الفندق؟ ~~- نتعشى ... ~~- وبعد ذلك؟ ~~- ننام. ~~- وغدا؟ ~~- غدا نتنزه ونقرأ الجرائد ونمتع النظر بمشاهدة الحسان في الحدائق. ~~- ألا نقابل فاندا ؟ ~~- نقابلها بعد أن نقابل إدوارد فإني لا أستطيع أن أعمل شيئا قبل أن أراه. ~~- والسير جمس ماذا تصنع به فإنه منذ يومين في الصندوق ولم نطعمه إلا في ~~بولونيا. ~~- سنوقظه في هذه الليلة. ~~- وماذا نصنع به بعد ذلك؟ ~~- نطلق سراحه مؤقتا. ~~- ألا تخشى أن يخوننا؟ ~~- إني أخاف خيانته في باريس، وأما في لندرا فهو الذي يخافني. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الإرلنديين قد عرفوه بعد الكتاب الذي كتبته إلى الأب صموئيل وهم لا يرحمون ~~من يخونهم. # فاقتنع ميلون بما سمعه وذهب مع مرميس إلى الفندق، وفيما هما جالسان على المائدة، أقبل ~~رجل عليه مظاهر النبل فحياهما وجلس بقرب مرميس. # ولم يكن مرميس من جمعية الإرلنديين، ولكنه كان قد كتب إلى الأب صموئيل بصفته صديق ~~الرجل العبوس. # أما الرجل الذي جلس بقرب مرميس فإنه حياه وقال له باللغة الفرنسية: ألست يا سيدي ~~الرجل الذي ينتظره الأب صموئيل؟ ~~- ربما ... # فأخرج الرجل ورقة من جيبه وهي رسالة من الأب صموئيل وقال: إننا ننتظرك يا سيدي بفارغ ~~الصبر، فإننا كنا متفرقون في جميع محطات لندرا، وهم لم يفتحوا صناديقك بالجمرك والمحطات ~~التي نزلت منها الآن؛ لأن أكثر رجالها من جمعيتنا. # فنظر مرميس إلى محدثه نظر المنذهل وقال: لكن كيف عرفتم بقدومي وأنا لم أكتب للأب ~~شيئا عنه؟ ~~- ذلك لأننا أرسلنا جواسيسنا فراقبوك من باريس حتى وصلت هنا، وقد ورد إلينا تلغراف ~~باصطلاحات لا يفهمها سوانا علمنا منه أنك قادم بذلك الخائن الذي دعا نفسه السير جمس بعد ~~أن خاننا حذرا منا وأنك قد خدرته ووضعته في صندوق. ~~- لقد صدق من أخبركم فإنك تقول الحق. ~~- وأنا قادم لأخذ ms2295 هذا الخائن. # فقطب مرميس حاجبيه وقال: إذن لا يريد الأب صموئيل أن يفي بما وعدني به. ~~- إن الأب صموئيل لا ينكث وعدا يا سيدي. ~~- ولكن ماذا تريدون أن تصنعوا بالسير جمس؟ ~~- إننا نريد أن نطمئن بالقبض عليه وثق أننا لا نؤذيه. ~~- إذن أرجو أن تمهلني إلى أن نتم العشاء فنصعد معا إلى غرفتي وأسلمك الأسير. ~~- ألديك طريقة سريعة لإيقاظه؟ ~~- إني أوقظه بدقيقة ... # فانخرط الرجل في سلكهما وتعشى معهما وجعل الثلاثة يتحدثون ويتنادمون حتى توهم رجال ~~الفندق أن الرجل من أصدقائهما، فلما طلب غرفة في الفندق مجاورة لغرفتيهما أسرعوا إلى ~~تلبيته. # وبعد أن فرغوا من العشاء صعد الثلاثة إلى غرفة مرميس، وكان الصندوق الذي وضعوا فيه ~~السير جمس في الغرفة، قد ثقبوه من جوانبه كي يتصل به الهواء، ففتحوا الصندوق وأخرجه ~~ميلون منه جثة باردة، ووضعه فوق السرير. # وعند ذلك أخذ مرميس زجاجة صغيرة تحتوي على سائل أخضر فصب منه بضع نقط في فم السير جمس ~~فارتعش لفوره ورجفت عيناه، وفتحت شفتاه وصبر مرميس هنيهة، وصب في فمه بضع نقط أيضا ~~فانتفض السير جمس واستوى جالسا في السرير وقد فتح عينيه، ولم يكد ينظر ذلك الرجل الذي ~~كان مع مرميس حتى عرفه واضطرب وظهرت عليه علائم الذعر. # وقال له الرجل ببرود: أرى أنك قد عرفتني. # فجعل السير جمس وود يضطرب ويرتجف وهو لا يعرف ماذا يقول. # 9 # وعند ذلك قال مرميس للسير وود: لا تخف إذا كنت أسيرنا فإني ما نكثت بوعدي بعد أن ~~علمني رجل يدعى روكامبول أن أحترم العهود، ولكنك تذكر دون شك أني ما وعدتك بالحماية إلا ~~بشرط أن تخدمني بإخلاص ووفاء فإذا وفيت بوعدك لا يصيبك مكروه. # ثم التفت إلى الإرلندي وقال له: أليس كذلك يا سيدي؟ # فأجابه قائلا: دون شك فإن عهودنا مقدسة. # فقال مرميس للسير وود: إني أعهد بك الآن إلى هذا الرجل النبيل وهو يقسم لي أنك لا ~~تصاب بأقل أذى إذا لم تحاول إيذاءنا؛ لأنه يعلم أني وعدتك هذا الوعد باسم الرجل ~~العبوس. ms2296 # فقال الرجل: هذا أكيد وسنفي بالوعد، والآن يا سيدي ماذا تريد أن نصنع؟ ~~- إني أترك الخيار للسير وود بين أن يبقى هنا أسيرا على أن يقسم بشرفه أن لا يفر ~~وبين أن يتبعك. # فقال السير وود وقد نظر نظرة ملؤها الرعب إلى الإرلندي: إني أؤثر البقاء هنا. # ونظر الإرلندي إلى مرميس وقال: أتأذن لي بإبداء رأيي؟ ~~- ما هو؟ ~~- هو أن يبقى وود عندنا إلى أن يخرج الرجل العبوس من السجن. # فقال ميلون: وأنا أرى رأيك أيضا وهو نعم الرأي. # فانطرح السير وود عند ذلك على قدمي مرميس وقال: ارحمني يا سيدي ولا تلقيني في قبضة ~~الإرلنديين. # فقال له مرميس: ومما تخاف إذا كنا لا نؤذيك؟ # فأطرق السير وود برأسه إلى الأرض وقال له الإرلندي: إنني وعدتك بأن لا أؤذيك وأنت ~~تعرفني. # غير أن السير وود لم يجبه فذهب الإرلندي إلى النافذة وقال للشرطي: اعلم يا جمس إني ~~إذا نظرت من هذه النافذة وأشرت إشارة أسرع إلي ستة رجال أشداء فيبدءون بعقابك، على ~~أني أعيد عليك ما قلته وهو أنك إذا تبعتني طائعا مختارا وفينا بما وعدك به الذي قبض ~~عليك. # فقال له مرميس: اتبعه ولا تخف فإني أقسم لك باسم الرجل العبوس أن تكون آمنا كل ~~خطر. # ولم يسع السير جمس بعد ذلك إلا الامتثال وسار مع الإرلندي مكرها مضطرا وهو يقدم ~~رجلا ويؤخر أخرى. # ولما خلا ميلون بمرميس قال له: إني كنت أؤثر أن يبقى السير جمس في البئر بمراقبة أحد ~~وكلائي فلا يشغل بالنا في شيء. ~~- هو ما تقول ولكنه يخدمنا في لندرا خدمات لا يستطيع أن يأتيها وهو في البئر. # فهز ميلون كتفيه وقال: إني لا أضمن صدقه فيما وعد. ~~- لكنه يضمن نفسه فإذا لم يخدمنا كما نريد لا يكون جزاؤه غير الموت. ~~- لكنه قد يضحي حياته في سبيل انتقامه فإن الانتقام عند بعض الناس أفضل من الحياة ~~فإني حين كنت في سجن طولون مع روكامبول لقيت بين أولئك المجرمين من لا يكترث للموت في ~~سبيل أغراضه. ms2297 ~~- قد تكون مصيبا فيما قلته، ولكن لا خوف علينا الآن منه ما زال في قبضة الإرلنديين ~~فلنقصر اهتمامنا الآن على الافتكار بإنقاذ الرجل العبوس؛ أي رئيسنا روكامبول. # ثم دخل إلى غرفته فنام فيها نوما هادئا إلى الصباح وعند الظهر تلقى مرميس رسالة من ~~فاندا قالت له فيها: إنني مع رفيقتي بخير وعافية، ونحن ننتظر أوامرك بفارغ الصبر؛ لأنك ~~أنت الذي يتولى رئاستنا في هذه المهمة. # ولم يفترق مرميس وميلون كل ذلك النهار، وعند المساء ذهبا إلى خمارة نافرن فوجدا ~~الشرطي إدوارد ينتظرهما فيها فجلسوا كلهم حول مائدة وجعلوا يتحدثون بصوت منخفض، فسأله ~~مرميس: قل لنا ماذا حدث. ~~- حدث أنك أصبت في ظنك، فإن الرجل العبوس يهزأ بالحاكم والبوليس والأسقف. # فابتسم مرميس وقال: أحقا ما تقول؟ ~~- نعم، فقد وضعوا معه في سجنه جاسوسا ولا شك أنه فتن الجاسوس فانقلب جاسوسا على ~~الذي عينه. # فقال ميلون: إن ذلك لا يدهشني؛ فإن لعينيه سلطانا نافذا على القلوب. # وقال مرميس: ماذا فعل هذا الجاسوس؟ ~~- أخبر الحاكم أن الرجل العبوس يعتمد في إنقاذه من سجنه على زعيم إرلندي في ~~باريس. # فابتسم مرميس أيضا وقال: إن هذا الزعيم يدعى روكامبول أليس كذلك؟ # فدهش الشرطي وقال: هو ما تقول، وأن الجاسوس نفسه أشار عليهم بأن ينشروا ذاك الخبر ~~الذي قرأته في الصحف؟ ~~- وماذا علمت من الأسقف؟ ~~- علمت أنه يذوب شوقا إلى القبض على روكامبول، وأنهم معتمدون على وضعه مع الرجل ~~العبوس. # فضحك مرميس ضحكا عاليا وقال لميلون: يجب أن تذهب إلى فاندا وتخبرها أنهم سيقبضون ~~علي غدا صباحا. ~~- إني ذاهب الآن فأين أراك؟ ~~- في الفندق الذي أقيم فيه. # ثم قال لإدوارد: لا فائدة من القبض علي الآن فيجب أن ندبر طريقة للقبض علي في ~~الصباح. ~~- أين؟ ~~- في فندق التيجان في سريري. # فقال له إدوارد: إن الدخول إلى سجن نوايت سهل، ولكن كيف تخرج منه؟ ~~- لقد أعددت السبيل لخروجي وأعطيت ميلون التعليمات اللازمة فاطمئن، والآن فانصرف ~~واكتب إلى الأسقف وأخبره أنك عالم أين يوجد روكامبول. # فانصرف الشرطي وذهب ms2298 مرميس إلى الفندق لينام. # 10 # ولنعد الآن إلى روكامبول، أو الرجل العبوس كما يدعونه في السجن، فإن الحاكم نقله إلى ~~غرفة متسعة وذهب لزيارته بعد نقله فقال له: لدي خبر يسرك؛ وهو أنه سيكون لك رفيق ~~ثالث. # فابتسم الرجل العبوس وقال: إذن ألتمس منك أن ترسل لنا ورقا للعب فإننا نلعب لعبة ~~الويست ما دمنا ثلاثة إلا إذا كان هذا الضيف يجعل هذا النوع من اللعب. # وضحك الحاكم قائلا: ولكنك تعرف هذا الرجل أكثر مما أعرفه أنا فهو صديقك ~~روكامبول. ~~- لقد قلت لك يا حضر الميلورد: إني ما سمعت هذا الاسم الغريب قبل الآن. # ونظر إليه الحاكم نظرة الهازئ ثم قال له بلهجة المتهكم: إذن قد أخطأوا بالقبض ~~عليه. ~~- من هم؟ ~~- البوليسان اللذان أرسلناهما إلى فرنسا. # فوقف الرجل العبوس عند هذا الحد من الحديث، غير أن الحاكم عاد إلى الكلام فقال له: ~~ربما أكون قد أخطأت فيما قلته لك من أن روكامبول سيجتمع بك اليوم؛ لأن ذلك قد يكون غدا ~~... ~~- أين سجنته الآن؟ ~~- لم أسجنه بعد ولا أزال في انتظاره. ~~- إذن قد قبضوا عليه؟ ~~- يجب أن يكون قضي الأمر. ~~- ألم تره؟ ~~- كلا. # فتأوه الرجل العبوس وقال: كنت أرجو أن أعرفه من أوصافه لو ذكرتها لي فإنه قد يكون غير ~~اسمه كما غيرته أنا. ~~- إني لم أر هذا الرجل كما قلت لك، ولكنهم ذكروا لي أوصافه فهو معتدل القامة لا يزال ~~في مقتبل الشباب وهو أسود شعر الشاربين وقد جاء إلى لندرا تصحبه امرأة. ~~- أهذه هي كل أوصافه؟ ~~- نعم ... ~~- كأنك لم تقل لي شيئا؛ لأن هذه الصفات يكثر تشابهها بين الناس. ~~- ذلك أكيد ولكنك ستراه؛ لأنه سيسجن معك. # ثم ودعه وانصرف فنظر الرجل العبوس إلى برنيت وقهقه ضاحكا فقال له الجاسوس: أرى أنك ~~قد عرفت هذا الرجل. ~~- دون شك ... ~~- يظهر أنهم خدعوا به وأنه ليس روكامبول. ~~- كيف يكونه أيها الصديق وأنا هو روكامبول. # فأجفل الجاسوس لهذا الدهاء وتمثلت له عظمة هذا الرجل مما زاده احتراما وخضوعا له. ~~فقال له روكامبول وهو ms2299 يبتسم: إنهم لو قالوا لك منذ ثمانية أيام أني أستطيع وأنا في سجن ~~أن أخابر رجالي بواسطة الجرائد أكنت تصدق هذا الزعم؟ ~~- كلا؛ لأن ذلك محال. ~~- ولكنك ترى أنه بات من الممكنات. وهنا لا بد لي من الثناء على البوليس الإنكليزي ~~فإنه خدمني بملء الغيرة والإخلاص. # فقال له برنيت: ولكني إلى الآن لم أفهم حق الفهم مشروعك. ~~- إذن اسمع، إنهم قبضوا علي وأودعوني هذا السجن المنيع بحيث امتنعت عني سبل الخلاص ~~بواسطة أصحابي في الخارج. # وإن لي في فرنسا عصابة يسفك رجالها دماءهم في سبيلي، ولكنهم لا يعلمون أني سجين ~~فاحتلت هذه الحيلة كي يعلموا أين أنا ويحضروا إلي. ~~- ولكنهم إذا حضروا وجعلوا البوليس يقبض عليهم لا يستطيعون إفادتك بشيء. ~~- إنك مخطئ أيضا؛ لأن هذا الفتى الذي سيقبضون عليه باسم روكامبول هو ولد تبنيته ~~لذكائه وانطباعه على الخير، فهو قد عرف دون شك أن هذا الخبر المنشور في الجرائد إنما ~~كان من صنعي، فهو قد حضر إلى لندرا كي يراني ويتلقى أوامري. ~~- وكيف يخرج لتنفيذ الأوامر؟ ~~- سوف ترى فاطمئن، ولم يكد العبوس يتم كلامه حتى سمع في الرواق خطوات الحراس، ثم فتح ~~باب غرفته وظهر حاكم السجن في طليعة الحراس وهم يقودون رجلا بملابس السجن. # ونظر روكامبول إلى هذا السجين دون اكتراث وكان الحاكم يراقبه كل المراقبة فلم يبد له ~~ما يدل على التعارف بين الاثنين. # أما برنيت فإنه نظر إلى الحاكم نظرة تشير أن هذين الشقيين يعبثان بك، فأدرك معنى ~~الإشارة وقال للرجل العبوس: هو ذا الذي أخبرتك عنه وهو فرنسي يدعى روكامبول. # فابتسم الرجل العبوس وقال لهذا السجين الجديد: إن اسمك غريب يا سيدي. # وانحنى مرميس وقال: وما اسمك أنت يا سيدي؟ ~~- الرجل العبوس. ~~- أرى أن اسمينا متفقان بالغرابة. # وعند ذاك اغتنم الحاكم فرصة محادثتهما وأشار إلى برنيت إشارة تدل على وجوب المبالغة ~~في الانتباه وأجابه على إشارته بما طمأنه، ولما خرج الحاكم جعل روكامبول ومرميس ينظر ~~كلا منهما إلى الآخر نظرات عدم الاكتراث حتى خدع برنيت وقال ms2300 في نفسه: يظهر أنهما غير ~~متعارفين. # 11 # يوجد في لندرا طريقة يستعملها البوليس لمراقبة اللصوص وهي المرائي المنعكسة الأشعة ~~فإنهم يضعونها في الشوارع التي يكثر انتيابها أمام المخازن بشكل يرى فيها البوليس وهو ~~يسير ما يجري داخل تلك المخازن فتمتنع السرقات. # وهذه المرائي يستعملها البوليس في السجون عند الاقتضاء عندما يريد المراقبة، وهناك ~~آلة غريبة أميركية يستعملها البوليس في السجون أيضا لسماع ما يتحدث به المسجونون؛ وهي ~~أنابيب يضعونها في غرفة المسجون الذي يريدون مراقبته فتنقل الأصوات كما ينقلها ~~التليفون. # وكان روكامبول ومرميس عارفين دون شك بأسرار هاتين الطريقتين، لذلك لم يظهرا حين ~~التفاتهما ما يدل على التعارف ولم يتحدثا بكلمة تحمل على الريبة، لكن مرميس علم من حذر ~~روكامبول أنهما محاطان بالجواسيس فحذر مثله، حتى إن برنيت على اعتقاده بأن مرميس من ~~أتباع روكامبول خدعته ظواهر الرجلين وظن أنهما غير متعارفين. # فقال للرجل العبوس: يظهر أنهم قد خدعوا يا سيدي. # وأجابه: هو ما تقول. ~~- إذن ليس هو روكامبول. ~~- إن الفرق بعيد بينهما ... ~~- إذن لا تعرفه ... ~~- هذه هي أول مرة رأيته فيها. # وكان مرميس يتظاهر أنه لم يفهم شيئا من معنى حديثهما، إلى أن تعرض له برنيت بالحديث ~~فقال: يظهر، يا سيدي، إنك متضجر من عشرتنا. ~~- ليس ضجري من عشرتكما أيها الرفيق، بل من السجن لا سيما وأنهم قد خدعوا بي وسجنوني ~~دون ذنب. ~~- إذن لست روكامبول الذي طالما تحدثوا عنه في هذه الأيام؟ # فابتسم مرميس وقال: هذه أول مرة سمعت فيها هذا الاسم. ~~- إذن كيف قبضوا عليك وأدخلوك إلى هذا السجن الذي لا يوضع فيه غير كبار ~~المجرمين. ~~- إني لم أجد في ما مر بي من أدوار الحياة، بل لم أقرأ في القصص أغرب من ذاك الخطأ، ~~فإني فرنسي كما يبدو لك، ولكني لا أدعى روكامبول كما يتوهمون، بل أنا رجل غني مشترك في ~~أعظم النوادي الباريسية ولي صحبة مع معظم النبلاء الباريسيين. ~~- يبدو يا سيدي من لهجتك في حديثك أنك من النبلاء. ~~- وقد أتيت إلى لندرا بغية النزهة، ms2301 فأقمت في فندق التيجان، وبينما أنا نائم مطمئن، ~~فتح باب غرفتي ودخل رجال الشرطة، وأكرهوني على ارتداء ملابسي وهم يدعونني باسم ~~روكامبول، ثم جاءوا بي إلى هذا السجن. ~~- ألم يكن معك أوراق تثبت من أنت؟ ~~- كان لدي نحو عشر رسائل تثبت اسمي الحقيقي، ولكنهم أبوا أن ينظروا أوراقي. ~~- ألا تعرف أحدا في لندرا؟ ~~- أعرف بعض أعيانها ولي صداقة تامة مع سكرتير سفارة فرنسا الأول وهو سيخرجني من ~~هنا. ~~- بل هو يخرجك اليوم دون شك، وإن كلمة واحدة منه تكفي لتبرئتك وإطلاق سراحك. ~~- هو ما تقول، غير أن السفارة لا تعلم بأمري قبل الغد؛ لأني أرسلت أمس خادم غرفتي إلى ~~ليفربول فهو يصل إليها في هذا الصباح، ثم يبرحها عائدا إلى لندرا في المساء، فلا يصل ~~قبل صباح غد، وهو خادم قديم عندي يعلم كل علائقي، وسيبحث عني دون شك، فإذا عرف ما حل بي ~~ذهب توا إلى السفارة وأبلغها الأمر، ولذلك تراني مطمئنا ولكني أكره المبيت في ~~السجن. # وكان روكامبول في خلال ذاك الحديث مضطجعا على سريره يقرأ الجرائد، دون أن تفوته كلمة ~~من حديث مرميس، فعلم ما أراد مرميس من محادثة برنيت، وأنه أراد أن يظهر لروكامبول أنه ~~سيلبث في السجن أربعا وعشرين ساعة؛ أي إن الوقت متسع لإيجاد وسيلة للمباحثة، دون أن ~~يخشيا مراقبة أحد. # وعند الظهر جاءوا بالطعام، وكان الرجل العبوس لا يزال مضطجعا في سريره، فنهض من ~~مضجعه وجعل يأكل مع رفيقه دون أن يتكلم، وقد أرسلوا الطعام إلى حارسين يصحبهما الحارس ~~للمراقبة، فجعل يراقبهم وهم يأكلون دون أن يباغتهم بنظرة أو كلمة. # حتى إذا فرغوا من طعامهم وأراد الانصراف، قال له الرجل العبوس: إنك نهجت معي أيها ~~الرفيق، منذ سجنت، نهجا يدل على حسن أدبك وسلامة نيتك، فهل تأذن لي أن ألتمس منك أمرا ~~أرجو أن يكون مقضيا؟ ~~- سل ما تشاء إني لا أبخل بما تجيزه أنظمة السجن. ~~- إني أطلب ورقا للعب وقد التمست هذا الالتماس من حاكم السجن، فلم ينكره ~~علي. # ثم التفت إلى ms2302 مرميس وقال له: أتريد أن تلاعبني، يا سيدي، بالويست؟ ~~- مع الشكر يا سيدي؛ لأني مولع بهذه الألعاب. ~~- وأنت يا برنيت؟ ~~- وأنا أيضا لا يخفف عني وطأة السجن مثل اللعب. # فانصرف الحارس وهو يقول: سأعرض طلبك على الحاكم ورجائي أن أعود إليك قريبا بما ~~تريد. # 12 # وقد أراد روكامبول بلعبة الويست أن يتخذها ذريعة للمباحثة مع مرميس كما يريد. # وبعد نصف ساعة عاد الحارس بالورق ودفعه لروكامبول قائلا: هذا هو ورق الويست، فإن ~~الحاكم لا يحب أن يبخل عليك بشيء، ولكن كيف تلعبون تلك اللعبة؟ ~~- نلعبها نحن الثلاثة. ~~- ولكنك ستغدون اثنين. # فأجفل روكامبول وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الحاكم أذن لأخي برنيت أن يراه. # ثم التفت إلى برنيت وقال له: إن أخاك ينتظرك فهلم معي. # فتظاهر برنيت بالسرور وقد علم أن الحاكم يريد أن يراه؛ إذ لم يكن له أخ وسار في أثر ~~الحارس إلى غرفة الحاكم فوجد رجلا لم يكن يعرفه من قبل وهو الأسقف بترس توين. # فسأله الحاكم قائلا: ألديك ما تخبرنا عنه؟ ~~- كلا، إني لم أعلم شيئا بعد. ~~- ومع ذلك إن الرجل العبوس قد خلا بروكامبول. ~~- ولكني أخشى أن البوليس منخدع يا سيدي؛ لأن الذي حسبه روكامبول ليس روكامبول. ~~- كيف عرفت ذلك؟ # فروى برنيت جميع ما سمعه من مرميس، فهز الأسقف كتفيه وقال: إنهما يمثلان ~~رواية. ~~- ولكن يوجد طريقة سهلة لمعرفة الحقيقة. ~~- وما هي؟ ~~- هو أن تسألوا في السفارة عن هذا الرجل؛ لأنه يدعي أنه صديق السكرتير. # فقال الأسقف: هل عرفتم اسمه؟ # فرد الحاكم: كلا. ~~- يجب أن تعرفه. # فقال برنيت: أعيدوني إلى السجن أعرف اسمه بعد ساعة. # فقال الأسقف للحاكم: إن السير جمس وإدوارد من أمهر رجال الشرطة عندنا، وهما اللذان ~~أثبتا أن هذا الرجل روكامبول، فلم يبق سبيل للريب فيما يقولان. وإذا أخبرنا السفارة ~~بأمر هذا الشخص ونحن لا نعرف اسمه أزعجناها دون فائدة. # ثم التفت إلى برنيت وقال: إن هذا الرجل يقول إنه أرسل خادمه إلى ليفربول وإنه يعود ~~غدا؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- إذن لنصبر إلى ms2303 الغد فإذا كان حقيقة زعيم الإرلنديين، فلا بد أن تبدو منه بادرة خلال ~~هذه المدة غير أني أخشى أن يكونا لا يثقان بك فلا يبوحان أمامك بشيء. ~~- إني لا أرى ما تراه، يا سيدي؛ لأن ثقة الرجل العبوس بي شديدة. # فوافق الحاكم على هذا القول. # فقال له الأسقف: ألم تضع آلة هيدسون، السماعة الأميركية، في الغرفة؟ # فأجابه الحاكم قد سهوت عنها وسأضعها ، فإنها تفيدنا خير فائدة لا سيما وأن برنيت غير ~~متمكن من اللغة الفرنسية، فقد يفوته الكثير من معاني حديثهما. # ثم عاد برنيت إلى السجن، فلما لقيه الرجل العبوس قال له: ماذا فعلت ألقيت ~~أخاك؟ ~~- نعم أيها الرفيق وقد سررت كثيرا بلقائه. # ثم جعل يحدثه بتلك اللغة الإرلندية الاصطلاحية التي يشكل فهمها على الإنكليز كما يشكل ~~فهم لغة البرابرة على المصريين، فقال: إنه أخبر الحاكم بما سمعه من مرميس وعن رأيه ~~بخطئه. # فقال روكامبول: وبماذا أجاب الحاكم؟ ~~- كان معه شخص آخر، وخط الشيب رأسه، ظهر لي أنه من رجال الدين. ~~- لقد عرفته فهو الأسقف بترس توين. ~~- وقد أسف الاثنان لعدم وضع آلة سماعة في هذه الغرفة، لا أعلم ما هي؟ ~~- هي آلة هيدسون الأميركية. ~~- هو ذاك فقد سمعتهما ذكرا هذا الاسم. # فتنهد روكامبول تنهد المرتاح؛ لأنه كان يخشى أن يجول في الحديث مع مرميس، حذرا من ~~هذه الآلة ثم قال له: ألم يتكلما عن آلة الأشعة؟ ~~- كلا. # فقال مرميس: وهما يريدان أن يعرفا اسمي؟ # فدهش برنيت؛ إذ سمعه يتكلم باللغة الإرلندية، أما مرميس فإنه ضحك وقال: إنك ~~أبله. ~~- كيف تقول: إني أبله. ~~- دون شك فإني أنا هو روكامبول. ~~- إذن كل ما قال لي الرجل العبوس كان تمويها وأي سبيل بقي لسوء ظنه بي بعدما رآه من ~~إخلاصي؟ # فقال له روكامبول: إني لم أسئ بك الظن، أيها الصديق، ولكني، كنت أحسب أنهم وضعوا ~~الآلة السماعة في الغرفة، فخشيت شرها. ~~- ولكني لم أعلم بعد ما هي هذه الآلة؟ ~~- هي أنبوبة من الكاوتشوك توضع في السقف، أو تمد على الجدار، ويتصل طرفها ms2304 بالخارج، ~~فتنقل حديث المقيمين في الغرفة، كرجع الصدى. # وقال مرميس: أتظن أنه يوجد في هذا السجن من يعرف اللغة الإرلندية الاصطلاحية. ~~- ليس فيه من يعرفها. ~~- وأنت أتعرف الفرنسية؟ ~~- لي بها إلمام. ~~- إذن سوف نرى إذا كنت تفهم ما نقول. # وعندها قال روكامبول لمرميس ما يأتي: «فجم جأجت تجاجر جيجنج أجلجفجيجصجر.» # فصاح برنيت قائلا: ما هذه اللغة؟ أيوجد بين الناس من يتحدث بها ؟ ~~- هي اللغة التي يتحدث بها أهل جافا في الهند، وأن الإنكليز على طول عهدهم بالهند لا ~~يفهمون حرفا منها. ~~- ولكن أيتكلمون هذه اللغة في بلادكم؟ ~~- يتكلمون بها في البيت الذهبي في باريس كل يوم، وفي سجن نوايت اليوم. # ثم قال لمرميس: والآن يا بني يمكننا أن نتكلم كما نشاء. ~~- «هجذجا جرجاجيجي»؛ أي هذا رأيي. # 13 # إن تلك اللغة التي تحدث بها روكامبول لم تكن لغة جافانية، كما قال بل هي لغة فرنسية ~~محضة، يدخلون بين كل حرف من حروف الكلمة حرفا مصطلحا عليه فلا يفهم السامع شيئا مما ~~يقال إلا إذا كان متمرنا على ذاك الاصطلاح. # وقد جعلنا المثال باللغة العربية تسهيلا لفهم ذاك الاصطلاح أدخلنا حروف الجيم بين كل ~~حرفين من جملة وهذا رأيي، بحيث صارت الجملة كما يلي: «هجذجا جرجاجيجي.» # وهو اصطلاح قديم لا يزال شائعا عندنا بين أولاد المدارس بحيث يتكلم المتمرن على هذا ~~الاصطلاح بسرعة غريبة فيشكل فهم مراده إلا على المتمرن على هذا الاصطلاح. # أما في باريس فإن هذه اللغة غير قاصرة على أولاد المدارس، كما هي عندنا الآن، بل إنها ~~شائعة بين كثيرين من الناس يتحدث بها كثيرون من أهل الطبقة العليا، حتى إنهم أنشأوا بها ~~جريدة يطبع منها نحو سبعين ألف نسخة في الأسبوع. # ومما لا ريب فيه أن حاكم السجن، لو سمع بسماعته الأميركية هذه اللغة لما فهم حرفا، ~~ولو فطن أنها لغة اصطلاحية يتحدث بها الباريسيون لجاء بواحد منهم واستعان به على فهم ~~أمورها، ولكن أنى له أن يخطر في باله هذا الخاطر. # ولذلك كان روكامبول ومرميس يتحدثان بها ms2305 مطمئنين غير مكترثين بالآلة السماعة. # وقد بدأ روكامبول بالحديث فقال لتلميذه: قل لي الآن كيف عرفت أني سجين؟ ~~- أخبرتني المس ألن. ~~- ألعلك رأيتها؟ ~~- هي معنا. ~~- ولكنهم كانوا يراقبونها في باريس وقد سجنوها أيضا. ~~- هو ذاك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أنقذناها. ~~- إذن، حدثني بكل ما حدث بالتفصيل، ما زال الوقت متسعا لنا الآن. # فقص عليه مرميس بالتفصيل جميع ما حدث مما تقدم ذكره في رواية تلميذ روكامبول. # ولم يمض ساعتان، حتى وقف روكامبول على كل ما حدث في باريس، منذ سقوط الفتى البناء، ~~إلى إنقاذ الإرلندية وولدها، وخروج مس ألن من السجن. # ولما أتم حديثه قال روكامبول: ماذا فعلت برالف وأمه؟ ~~- إني لم أجسر على إحضارهما إلى لندرا. ~~- لقد أحسنت. ~~- وفوق ذلك فإني لا أستطيع أن أقدم على أمر بشأنهما إلا إذا كان لدي أوامر منك، ولم ~~يكن بيني وبينك اتصال فوضعتهما في منزل ميلون وجعلت شوكنج حارسا لهما. ~~- ومس ألن؟ ~~- إنها مع فاندا الآن، والآن أيها الرئيس فإنك تعلم أني لا أطيل البقاء في هذا ~~السجن. # فابتسم روكامبول ابتسامة معنوية وقال: ولا أنا. ~~- إن رجائنا وطيد بإنقاذك. # فابتسم روكامبول أيضا وقال: هذا ما أرجوه، ولكنكم إذا لم تفوزوا بإنقاذي خلصت نفسي، ~~فأتم حديثك الآن إن خادم غرفتك الذي قلت إنك أرسلته إلى ليفربول هو ميلون أليس ~~كذلك؟ ~~- دون شك. ~~- ولكنه لم يذهب إلى ليفربول كما قلت. ~~- كلا، ولكنه سينتظر أربعا وعشرين ساعة، ثم يذهب بكتابي إلى السفارة. # فظهرت علائم الرضى على روكامبول وقال: الحق أني غير نادم على تربيتك وتبنيك لأنك ذكي ~~الفؤاد، والآن اصغ إلي: إني خدمت هؤلاء الإرلنديين خدما جليلة وأنقذت زعيمهم الأكبر ~~ودخلت إلى السجن طائعا مختارا في سبيل خدمتهم. # ولكن الإرلنديين لم يعرفوا سر غايتي من دخولي إلى السجن، وفوق ذلك أن لهذه الطائفة ~~إقداما غريبا وجرأة نادرة حين تحاول إنقاذ أحد أبنائها، ولهذه الطائفة زعيم يجلونه كل ~~الإجلال، إذا قنطوا عادا إليهم الرجاء بكلمة تصدر من فمه. # وقد لبثت مدة ثلاثة أشهر مرشدا لهذا الزعيم بل زعيم ms2306 عليه فأقمت إنكلترا وأقعدتها إلى ~~أن خطر لي يوما أن ألقي نفسي في فخ نصبته لي مس ألن، وهي في ذلك العهد من ألد أعدائي ~~بغية تحويلها عن أعدائي واستخدامها في أغراض الإرلنديين. # فلما قبض علي أصبحت خاملا في عيون أولئك الذين ضحيت نفسي في سبيلهم، ولم يخطر ~~لأحد منهم إنقاذي، فما حقدت عليهم؛ لأن المرء قد فطر على نكران الجميل ولم أحاول النجاة ~~بنفسي لرضاي بما قسم لي ولم يبق غير الكاهن صموئيل من الذين يريدون لي السلامة، ولكن ~~بقية الإرلنديين أنكروني وتخلوا عني؛ لأنهم رأوا أني لا أستطيع إفادتهم وأنا في ~~السجن. # فاهتز مرميس وقال: ولكننا نحن لا نتخلى عنك أيها الرئيس الحبيب. ~~- إني عارف بما طويت عليه سرائركم ولذلك أرسلت إليكم مس ألن على أني أريد أن أجرب ~~الإرلنديين تجربة أخيرة، فإما أن أعود إلى نصرتهم أو أتخلى عنهم لإنصار سواهم من ~~المظلومين الذين يعرفون قيمة المروءة فيكافئون أصحابها بإخلاص. ~~- وما هي هذه التجربة؟ ~~- إنك ستخرج غدا من هذا السجن فيعتذر إليك الحاكم والأسقف ورئيس الحقانية، إن في ~~إنكلترا عادة مخالفة لعادات القضاء في فرنسا، وهي أن الحكومة إذا قبضت على رجل تشتبه به ~~خطأ، أنها مضطرة أن تدفع له تعويضا. ~~- إني أعرف ذلك. ~~- وهذا التعويض يجب أن يكون مناسبا لمقام المقبوض عليه ومركزه في الهيئة الاجتماعية ~~وأنت مشترك في أعظم نوادي باريس، وأصحابك من أهل المقامات وشهرتك ذائعة بالثروة ~~فسيحكمون على كل الذين قبضوا عليك بغرامة مالية، فلو طلبت خمسين ألف جنيه لحكمت بها ~~المحكمة ووزعتها على الذين أساءوا إليك، أفهمت الآن؟ ~~- كلا، لم أفهم بعد. ~~- عندما يحكمون لك ينال حاكم السجن أعظم نصيب من الغرامة فتقترح عليه أنك تتنازل عن ~~الغرامة مقابل الإذن لامرأتك بمشاهدة الغرفة التي سجنت فيها والرجل الذي سجنت معه، ~~أما امرأتك فهي فاندا. ~~- سأفعل. ~~- ولكنك قبل ذلك تذهب إلى الكاهن صموئيل وتسأله أن يجمع الإرلنديين ويطلب إليهم ~~إنقاذي ... ~~- وإذا أبوا؟ # ابتسم روكامبول وقال: عندما تعود إلى هنا أضع في جيبك رسالة ms2307 أكتب لك فيها ما يجب أن ~~تصنع. # وعند ذلك فتح باب الغرفة ودخل حاكم السجن فقال روكامبول: لنتم حديثنا معه بهذه اللغة ~~الاصطلاحية فنضحك عليه قليلا. # 14 # أما حاكم السجن فإنه جعل يجيل طرفه بين روكامبول ومرميس ويسمع هذه اللغة الغريبة التي ~~كانا يتحدثا بها دون أن يفهم حرفا. # فلما رآه روكامبول ومرميس وقفا احتراما له ورفعا قبعتيهما فقال الحاكم مخاطبا ~~روكامبول: لقد انتهى الأمر بفوزي عليك وهذا الذي كنت أتوقعه. # فأجابه روكامبول مبتسما: ماذا تعني يا سيدي فيما تقول فإني لم أفهم مرادك؟ ~~- أريد أنك لا تستطيع بعد الآن أن تقول بأنك لا تعرف الأسير، وأشار إلى مرميس. ~~- ولكني لا أعرفه يا سيدي إلا منذ ساعتين فبتنا كأننا صديقان منذ أعوام. ~~- لو كنت لا تعرفه إلا اليوم كما تقول لما كنت تكلمه بلغة لا تفهم. ~~- ولكني أفهم ما أقول ويفهم ما يقول. ~~- إذن إنكما تتكلمان بلغة اصطلاحية. ~~- بل نحن نتكلم بلغة شائعة بين الملايين من الناس وهي لغة أهل جافا. ~~- إذا كان ذلك أكيد فسوف نرى. # فسأله مرميس: ألعله يوجد عندكم سجين من أهل تلك البلاد؟ # ولم يجبه الحاكم بل نادى الحارس الذي كان يصحبه وقال: اذهب وائتني بالسجين ~~ديكس. # فقال الرجل العبوس: من هو ديكس هذا؟ ~~- هو بحار إنكليزي أقام في بلاد الهند عشرة أعوام، وهو مسجون بجريمة السرقة. # فابتسم روكامبول وقال: أتأذن لي يا سيدي أن أتم حديثي مع هذا الرفيق الجديد. ~~- أباللغة الجافانية؟ ~~- دون شك فإني أباحثه في أمور سرية. # ثم قال لمرميس باللغة الاصطلاحية سوف ترى كيف أعبث بهذا الرجل، فإني سأكلم البحار ~~بلغة جافا الحقيقية فإني أقمت عامين في الهند في بلاط الرجاه وعرفت لغات الهنود. ~~- إنك تعرفها دون شك وأما أنا فلا أعرف حرفا منها. ~~- لا ينبغي أن تتكلم فسأتولى الحديث عنك وأنت تلزم الصمت. # فضحك روكامبول ومرميس وبقي الحاكم وبرنيت ينظران إليهما حائرين. # وبعد هنيهة جاء الحارس بالبحار وقال له الحاكم بعظمة: أتعرف يا ديكسون لغة ~~الهنود؟ ~~- إني أعرفها حق العرفان. ~~- إني ms2308 أريد أن تحادث هذا السجين بتلك اللغة، وأشار إلى روكامبول. # والتفت روكامبول إلى ديكسون وقال له بالهندية: يقول الحاكم إنك أقمت عشرة أعوام في ~~الهند فهل طاب لك المقام في هذه البلاد؟ ~~- كلا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني خلقت لصا لا بحارا، وبحارة الهنود أبرع منا. # فقال له الحاكم: ماذا تقول. ~~- إن هذا الرجل سألني إذا كانت راقت لي الهند. ~~- إذن فهمت ما يقول؟ ~~- نعم ... ~~- إذن عد إلى سجنك. # ثم أشار إلى الحارس فعاد به إلى السجن. # والتفت الحاكم عند ذلك إلى روكامبول وقال له: الأجدر بك أن تقول لنا حقيقة اسمك كي ~~يتمكن القضاة من محاكمتك. ~~- ليتمكنوا من الحكم علي بالإعدام؟ ~~- من يعلم فإن مراحم الملكة كثيرة. ~~- تريد أن الملكة تعفو عن المحكوم عليهم بالإعدام. ~~- إن ذلك منها كثير الاتفاق. ~~- ولكن وزير الحقانية قد لا يصادق على هذه الرأفة فينفذ بي حكم الإعدام مع صدور ~~العفو، وهي نصيحة أسديك عليها جميل الشكر. # فيئس الحاكم منه وقال: إنك حر بالدفاع عن حياتك كما تشاء. # ثم ودعه وحاول الانصراف فناداه مرميس وقال له: ألا تأذن لي يا سيدي أن أحادثك ~~هنيهة؟ ~~- تكلم. ~~- ألا تزال واثقا أني أدعى روكامبول؟ ~~- إني كنت مشككا في هذا الصباح، وأما الآن فإني على أتم اليقين. ~~- ألا تأذن لي يا سيدي أن أفترض افتراضا؟ ~~- ما هو؟ ~~- لنفرض أني لست روكامبول. ~~- لنفرض. ~~- لنفرض أني رجل غني من نبلاء الفرنسيين لم يرتكب جريمة يعاقب عليها، وأنه يسافر إلى ~~إنكلترا متنزها، وأن سفير دولته يطالب به ويخرجه من السجن. ~~- إني لا أخاف شيئا من هذا. ~~- ولكني قلت لك إننا نفترض افتراضا. ~~- إذن لنفترض ما تشاء وأنك خرجت من السجن فماذا تصنع؟ ~~- لا أصنع شيئا سوى أني أقاضيك وأطلب تعويضا عن إهانتي وهو غرامة شديدة يا حضرة ~~الحاكم يدفع نصفها أنت ونصفها مدير الشرطة. ~~- لقد أخطأت فإني لا أدفع شيئا؛ لأنهم أمروني بسجنك ليس إلا. ~~- بل أنت المخطئ يا سيدي الحاكم؛ إذ يجب أن تعرف حقيقة اسم السجين قبل سجنه. ~~- إني واثق من صحة ms2309 ما فعلت. # فضحك مرميس ضحك الساخر وقال: من يعش ير. # أما الحاكم فإنه خرج مغضبا وجعل الرئيس وتلميذه يضحكان. # 15 # وبعد ذلك نظر روكامبول إلى برنيت وقال: إني أراك حائرا منذهلا! ~~- ألا ترى ما يدعو إلى الحيرة يا سيدي؟ ~~- دون شك ولكنك ستزيد انذهالا بين ساعتين؛ لأنهم سيفرقون بيننا. # ونظر إليه برنيت نظرة المكتئب الحزين كما ينظر الكلب الأمين لصاحبه حين يفترق عنه ~~فقال له روكامبول: لا تجزع أيها الصديق فإننا سنلتقي. # فرفع برنيت عينيه إلى السماء قائلا: إننا نلتقي إذا أذن كالكراف الجلاد. ~~- ألعلهم حكموا عليك حقيقة بالإعدام؟ ~~- كلا، لقد علمت حقيقة أمري، ولكنهم سيحكون عليك به. ~~- لا تخف علي يا برنيت أترى بين ملامحي ما يدعو إلى الخوف؟ ~~- كلا بل يظهر لي أنك تهزأ بالجلاد كما تعبث بالحاكم. ~~- هو ما تقول، والآن قل لي إلى متى تقيم هنا؟ ~~- إني أستطيع الانصراف غدا؛ لأنهم وضعوني معك لمراقبتك وأظن مهنتي قد انقضت. ~~- كم يدفعون لك مقابل هذه المهمة؟ ~~- إنهم وعدوني بخمسين جنيها إذا أحسنت خدمتهم. ~~- ولكننا سندفع لك مائتين حين خروجك فقد أحسنت خدمتنا. # فأجاب برنيت بلهجة المشكك: ولكن من يدفع لي هذه القيمة؟ # فقال له مرميس: أنا ... ~~- ألعلك تخرج أنت من السجن أيضا؟ ~~- لا أخرج اليوم بل غدا ... # ونظر برنيت إلى روكامبول نظرة إخلاص قائلا: ولكني أبقى في السجن معك ولا أريد الخروج ~~منه. ~~- إن هذا محال الآن أيها الصديق؛ إذ لم يبق لهم بك حاجة فإنك لا تعرف اللغة الهندية ~~وسيستعيضون عن تقاريرك بالآلة السماعة. # ثم عاد إلى الضحك مع مرميس، فعجب برنيت لأمرهما وقال: إني لم أر قبلكما مسجونين ~~يضحكان ملء أفواههم كما تضحكان. # وقال له مرميس: أما وقد تقرر الآن افتراقنا؛ لأنهم لا بد أن يطلقوا سراحك فقد وجب أن ~~نتواعد على اللقاء. ~~- دون شك. ~~- وذلك أولا لأدفع لك ما وعدك به الرئيس. ~~- بل لأنضم إليكم وأكون خير مساعد في إنقاذه. ~~- لهذا ولذاك فقل لي أين أراك؟ ~~- في أولد فرنك نمرة 7. # فقال له روكامبول: ألا تذهب ms2310 في الليل إلى خمارة ونستون؟ ~~- نعم ... # فأجابه مرميس: إذن انتظرني فيها بعد ثلاثة أيام في الساعة الثامنة من المساء. ~~- سأنتظرك دون شك. # وقبل أن يتم حديثه فتح الباب ودخل الحارس فأمر برنيت أن يتبعه، ونظر برنيت إلى ~~روكامبول نظرة وداع مؤثرة وخرج في أثر الحارس والدمع يجول في عينه. # ولما وصلا إلى الرواق قال له الحارس: سأذهب بك إلى حارس الباب الأكبر. ~~- لماذا؟ ~~- للتوقيع على عهد الإفراج عنك فتأخذ ملابسك وتنصرف. ~~- إذن أصبحت مطلق السراح؟ ~~- نعم، فلم تبق حاجة إليك. ~~- ولكنهم وعدوني بخمسين جنيها أفلا أقبضها؟ ~~- كلا فإنك لم تنفعهم بشيء. # فتأثر برنيت تأثيرا شديدا، لكنه لم يفه بحرف وعول على أن ينتقم منهم بمبالغة ~~الإخلاص للرجل العبوس. # وبعد أن خرج برنيت من السجن خرج الحاكم في أثره وركب مركبة وذهب بها مسرعا إلى ~~الأسقف فوجده في منزله، ولما رآه الأسقف بادره بالسؤال عن الرجل العبوس وروكامبول ~~فسأله: أتعارفا؟ ~~- لم يكن في ذاك ريب ولكنهما يتكلمان بلغة غريبة. ~~- ما هي؟ ~~- لغة أهل جافا، وإني لا أعلم كيف يعرفان هذه اللغة. ~~- إن الأمر بسيط فإن للإرلنديين علائق عظيمة في الهند، ويوجد كثير منهم في الجيش، ~~فأنا صايب عدونا الأكبر، فإنهم ألد أعداء إنكلترا ولذلك يكثر اختلاطهم بأعدائهم. ~~- هو ما تقول، ولكننا الآن قبضنا على هذين الزعيمين وسنعرف حقيقة اسم الرجل ~~العبوس. ~~- ألعلك تعرف لغة جافا؟ ~~- كلا، ولكن لدي سجين بحار يعرفها فإذا عينا له جائزة أوقفنا على أسرارهما. ~~- ولكنهما لا يتكلمان أمامه. ~~- ولكنهما يتكلمان حين يكونا مختليين، ألعلك نسيت آلة هيدسون السماعة؟ ~~- ولكن كيف تضع هذه الآلة دون أن يعلما؟ ~~- لقد أمرتهم أن يضعوها في غرفة أخرى، فمتى تم وضعها أنقل الأسيرين إليها فتنقل الآلة ~~حديثهما إلى البحار السجين وسأنقلهما إليها في هذا المساء. ~~- أتظن أنهما لا يفطنان لها؟ ~~- دون شك فإنها لا تخطر لهما في بال، لا سيما وأنهما سيعلمان بأني أنقلهما من غرفتهما ~~المتسعة لذهاب برنيت منها. ~~- لقد أحسنت فاذهب الآن وأتم ما شرعت به. # وبعد أن انصرف الحاكم ms2311 تجهم وجه الأسقف وقال في نفسه: ما هذا الأمر الغريب؛ أني أرسلت ~~إلى السير جمس رسالتين أمرته بهما أن يعود مع مس ألن فلم يجبني الآن، وما عسى أن يكون ~~أصابه؟ # 16 # وعاد الحاكم إلى السجن فوجد العمال قد أتموا وضع الآلة السماعة في غرفة مجاورة للغرفة ~~التي كان فيها روكامبول ومرميس، وقد اشتغل في وضعها اثنا عشر عاملا. # وقد تقدم لنا وصف هذه الآلة وهي أنابيب من الكاوتشوك متصلة وقد وضعوها في السقف ~~وأدخلوها في أنابيب الغاز بحيث بات يستحيل على الأسيرين أن يرياها، ولكنهما قد علما من ~~الجاسوس، أنهم سيضعوا هذه الآلة ولم تكن أسرارها خافية على الرجل العبوس. # أما الحاكم فإنه امتحن الآلة فأدخل اثنين إلى الحجرة وأمرهما أن يتكلما ثم وضع ~~السماعة على أذنه خارج الحجرة وأصغى إليهما فسمع كل الحديث ولم يفته حرف منه، فسر ~~سرورا عظيما وقال في نفسه: لقد وقع الشقيان في الفخ، وسأقف على كل أسرارهما. # على أن سروره لم يتكامل فقد خطر له خاطر نغصه عليه؛ إذ خطر في باله ما قاله له مرميس ~~وهو: «لنفرض أني لست روكامبول.» # ذلك أنه كان يعرف الشرائع الإنكليزية فيعلم أنها صارمة شديدة في مسائل ~~الشخصيات. # ثم إن مرميس قد قال قولا معقولا وهو أنه يجب عليك أن تكون على اليقين من اسم الذي ~~تسجنه؛ فإذا ثبت أني لست روكامبول فقد وجب عليك دفع الغرامة. # وهنا اضطرب اضطرابا شديدا وقال في نفسه: إني اعتمدت على الأسقف والأسقف اعتمد على ~~السير جمس وهذا الشرطي مشهور بالحذق، لكن لكل فرس كبوة، فإذا كان مخطئا فإن التبعة تقع ~~علي. # ولم يكن هذا المنكود غنيا فإنه كان يعيش من راتبه ويقتصد شيئا منه لمستقبل ~~بنيه. # على أنه خطر له خاطر تعزى به بعض العزاء وهو أنه لو لم يكن هذا الرجل روكامبول نفسه ~~لما تكلم مع العبوس بلغة يعتقد أنه لا يوجد من يفهمها، ولو لم يكن بينهما أسرار خفية ~~لكان حديثهما بإحدى اللغات المعروفة. # ثم تسلح بهذا البرهان ms2312 الذي أعاد إليه زهوه وارتياحه، وذهب لزيارة الأسيرين فاستقبله ~~روكامبول خير استقبال وقال بلهجة المتهكم: إني ممتن لما تبديه من كرم الأخلاق يا سيدي؛ ~~لأنك تتفضل بزيارتنا مرتين وثلاثا كل يوم. # وقال مرميس: وأنا أشعر حين أراك بارتياح يخفف عني عناء سجني. # وقال روكامبول: إنه الحق ما يقوله يا سيدي الميلورد فإنك طلق المحيا بشوش الوجه إذا ~~رآك السجين تهلل قلبه وتعزى عما هو فيه. # فقال الحاكم: ولكني وا أسفاه أتيتكم بخبر قد يسوءكم. ~~- قل يا سيدي، فقد ألفنا الشقاء حتى تعودناه. ~~- ألست مرتاحا في هذه الغرفة؟ ~~- كل الراحة. ~~- وهذا الذي يسوءني فإني مضطر إلى نقلكما منها. ~~- لماذا؟ ~~- لأن هذه الغرفة كبيرة وأنتما الآن اثنان. ~~- كيف ذلك؟ ألا يعود الإرلندي الذي كان معنا؟ ~~- كلا، وقد تعدل الحكم عليه ونقل إلى سجن آخر. # فلم يظهر روكامبول شيئا من ملامح الشك على اعتقاده بكذب الحاكم قائلا له: إذ كان ~~ذلك فأذن لنا على الأقل أن نلعب الشطرنج بدلا من الويست. ~~- سأفعل ما تريد فهل يحسن رفيقك لعب الشطرنج؟ # فأجابه مرميس قائلا: إن لي ولعا عظيما بالشطرنج، ولكن لعبي معه لا يطول. # فدهش الحاكم وقال: لماذا؟ ~~- لأني سأخرج من السجن في صباح غد. # وحاول الحاكم أن يبتسم، ولكن اضطرابه لهذا النبأ حال دون ابتسامه، فقال له: لقد تقدم ~~لك معي مثل هذا المزاح. ~~- إني لا أمازحك يا سيدي وسوف يتبين لك صدق ما أقول. ~~- حسنا، سوف نرى. # ثم خرج وهو يبتسم، ولكنه كان شديد الاضطراب لما لقيه من اطمئنان مرميس. # وبعد ذلك بنصف ساعة نقل روكامبول ومرميس إلى الغرفة التي وضعوا فيها السماعة، أما ~~الحاكم فإنه دعا إليه البحار ديكسون قائلا: متى تنقضي مدة سجنك؟ ~~- بعد ثلاثة أشهر. ~~- إني إذا كنت راضيا عنك أنقصت هذه المدة إلى ثلاثة أسابيع، وعند انصرافك أكافئك ~~بخمسة وعشرين جنيها. ~~- إذن قل لي يا سيدي ماذا يجب أن أصنع. ~~- تجلس أولا على هذا الكرسي. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تضع هذه السماعة على أذنك. ~~- ها قد وضعتها. ~~- اصغ، أتسمع صوتا؟ ~~- إني ms2313 أسمع أصوات رجلين يتحدثان. ~~- اصغ جيدا. ~~- إني مصغ كل الإصغاء. ~~- ما يقول المتحدثان؟ ~~- إني لا أفهم حرفا منهما مما يقولاه. ~~- كيف لا تفهم؟ ~~- إني أسمع الحديث ولا أفهم المعنى، ولكني عرفت الذي يتحدث من صوته فهو ذلك السجين ~~الذي أمرتني أن أحادثه أمس، ولكنه لا يتكلم الآن بتلك اللغة الهندية التي كان يتكلم ~~بها. # وصاح الحاكم صيحة غضب قائلا: ولكن اصغ جيدا فقد يكون الحديث مشكلا عليك لبعد ~~المسافة. ~~- كلا يا سيدي فإني أسمع حديثهما كما أسمع حديثك، ولكني لا أفهم حرفا من هذا ~~الحديث. # فتأوه الحاكم قائلا: ما هذا الرجل؟ وبأية لغة جهنمية يتكلم؟ ~~- لا أعلم، لكن يظهر من لهجة حديثهما ما يدل على الرضى والارتياح. ~~- ولكن أتظن أن اللغة التي يتحدثان بها شرقية؟ ~~- ربما، لكن تعال يا سيدي واسمع. # فأخذ الحاكم السماعة من يده ووضعها على أذنه وأصغى. # وكان روكامبول في ذلك الحين يحدث مرميس ويضحك ضحك الساخر فيجيبه مرميس بمثل ضحكه بحيث ~~لم يسمع الحاكم غير الضحك. # ثم انقطعا عن الضحك وعادا إلى الحديث بتلك اللغة الاصطلاحية التي بسطنا مثالها، فقال ~~الحاكم: لا شك أن هذه اللغة التي يتحدثان بها من اللغات الشرقية، وأن هذا الرجل شيطان ~~بصورة إنسان. # ثم ضرب بيده جبينه كمن خطر له خاطر جليل وقال: سوف نرى من يفوز. # 17 # يوجد في جنوب وينهال قرب سكوتلاند يارد بناية عظيمة كتب على بابها بأحرف كبيرة ~~«مدرسة الخطوط واللغات القديمة» فإنهم يعلمون في هذه المدرسة جميع اللغات القديمة ~~كالسفسفيكوية والهيروغليفية وسواها على اللغات الغربية التي لا تهتم بها غير الإنكليز ~~لكثرة علائقهم مع سكان المعمور. # أما الخاطر الذي خطر لحاكم السجن فهو أن يذهب إلى هذه المدرسة ويدعو جميع أساتذتها ~~فيسمعون حديث روكامبول ومرميس ويقفون على أسرار هذه اللغة التي يتحدثان بها. # ولذلك أعاد البحار ديكسون إلى سجنه وركب مركبة فسار بها مسرعا إلى تلك المدرسة، فلقي ~~مديرها وأخبره بمصابه مع الرجلين فابتسم المدير وقال: لا شك أنهما يتكلمان بتلك اللغة ~~المصرية القديمة التي كان ms2314 يتكلم بها المصريون في عهد الفراعنة فتعال معي ننتخب من ~~الأساتذة من يصلح لفهم حديثهما. # وبعد ذلك بنصف ساعة خرج الحاكم من المدرسة يصحب معه أستاذين أنفقا شبابهما على درس ~~اللغات القديمة وذهب بهما الحاكم إلى السجن. # وعند الساعة الثامنة من المساء أخذ أحد الأستاذين السماعة ووضعها على أذنه، فجعل ~~الحاكم ينظر إليه فيرى علائم الذهول بادية عليه، فاستمر على الإصغاء خمس دقائق أخرى، ثم ~~وضع الآلة موضعها وقال: إني لا أفهم شيئا من حديثهما. # فأخذ الأستاذ الثاني الآلة وفعل مثل زميله ثم أعاد الآلة وقال مثل رفيقه فكاد الحاكم ~~يجن من قنوطه. # وكان من رأي أحد الأستاذين أن اللغة التي يتفاهم بها الأسيرين هي إحدى لغات جزر ~~الأوقيانوس، وأنها تشبه لغة جزيرة صندوبج وارتأى الأستاذ الثاني أنها لغة العبيد في ~~أواسط إفريقيا. # ثم اتفق الاثنان أنهما لا يعرفان هذه اللغات، وأشارا على الحاكم أن يدعو رجلا ~~يعرفانه، كان قد أسر مرة في بلاد الكونغو، وطاف جميع جزر الأوقيانوس. # وقد ذكرا للحاكم اسم هذا الرجل وأرشداه إلى عنوانه فأرسل أحد حراس السجن ~~يدعوه. # ولم يكن هذا الرجل يقيم في مدرسة اللغات، بل كان يقيم في ضواحي لندرا فلم يستطع ~~الحارس أن يعود به إلا بعد ثلاثة ساعات. # وكان قد دنا انتصاف الليل، غير أن الأسيرين لم يكن في نيتهما أن يناما كما يبدو، ~~فإنهما كانا لا يزالان يتحدثان ويضحكان فيقع ضحكهما على هذا الحاكم المنكود وقوع ~~الصواعق. # ولما جاء الرجل أصغى إلى حديثهما بالآلة ثم أعادها وقال: ليست هذه اللغة من لغات بني ~~الإنسان. # فاضطرب الحاكم وقال: كيف ذلك؟ أليست من لغات جزر المحيط؟ ~~- كلا. ~~- ألعلها إحدى لغات العبيد في إفريقيا؟ ~~- ولا هذه أيضا. # فتجهم الحاكم وانقبضت نفسه حتى إنه أوشك أن يعول على الانتحار ليأسه من الرجلين، غير ~~أن أحد الأستاذين اللذين جاء بهما من المدرسة خطر له خاطر فدنا من الحاكم وقال له: أليس ~~هذان الأسيران فرنسيان؟ ~~- أظن. ~~- ألم تسمع بتلك اللغة الفرنسية الاصطلاحية، التي يتكلم بها اللصوص ms2315 في فرنسا؟ ~~- نعم. ~~- إنهما يتكلمان بهذه اللغة. ~~- أيوجد في لندرا من يفهم بها؟ ~~- لا بد أن يكون في سجن من سجونها أسير فرنسي. # فنادى الحاكم عند ذلك رئيس الحراس وسأله عن ذلك، فقال: يوجد عندنا في نوايت سجين ~~فرنسي متهم بسرقات كثيرة. ~~- جئني به في الحال. # فأسرع الرئيس وجاءه به، فسأله إذا كان يعرف تلك اللغة فأجابه أنه يعرفها كما يعرف ~~الإنكليزية. # فقال له: ضع إذن هذه الآلة على أذنك واسمع. # فامتثل اللص وأصغى قليلا ثم التفت إلى الحاكم وقال: ليست هذه لغة اللصوص الفرنسيين، ~~ولكنها اللغة الجافانية. # فهز أحد الأستاذين كتفه وقال: لو كانت لغة أهل جافا لفهمنا الحديث. ~~- لم أقل إنها لأهل جافا، بل هي خاصة يتكلمها بعض أهالي باريس ويدعونها ~~جافانية. # فقال الحاكم: ولكنك تفهمها دون شك. ~~- كلا يا سيدي، إنها لغة النساء والنبلاء في باريس. # قال الحاكم وقد بلغ منه القنوط مبلغا عظيما: ولكن ماذا نفعل؟ ~~- يجب أن تحضر من باريس من يعلمها. ~~- ولكن ذلك يقتضي ثلاثة أيام بين ذهاب الرسول وإيابه وبحثه عمن يعرف هذه ~~اللغة. ~~- إذن فاطلب بالتلغراف إحدى محرري جريدة جافا فإن مركز هذه الجريدة في شارع ~~مونتمارتر. # فانذهل الأساتذة الثلاثة وقالوا: كيف ذلك، أتطبع جريدة بهذه اللغة في فرنسا؟ ~~- وهي جريدة كثيرة الانتشار لديها نحو سبعين ألف مشترك. # فقال الحاكم: لكن ذلك يقتضي له زمن طويل، وإذا لم يكن غير هذه الطريقة فلا بد من ~~إجرائها. # وقبل أن يتم كلامه دخل رئيس الحراس والذعر ملء قلبه فقال: رباه ماذا صنعنا وما هذا ~~الخطأ الذي أخطأناه؟ # فذعر الحاكم وقال له: ويحك أي خطأ؟ ~~- إننا سجناه باسم روكامبول وهو صديق مخلص للسكرتير الأول في سفارة فرنسا، وقد جاء ~~هذا السكرتير الآن إلى السجن وهو يرغي ويزبد، ويطلب تعويضا هائلا. # فصاح الحاكم صيحة منكرة وسقط على كرسيه وقد وهنت قواه. # 18 # وكانت الساعة الرابعة بعد منتصف الليل وقد ذهب ميلون إلى منزل هذا السكرتير بالكتاب ~~الذي أعطاه إياه مرميس، فقيل له: إنه في حفلة راقصة ms2316 فالتمس أن يأذنوا له بانتظاره؛ لأن ~~الأمر خطير، فأذنوا له وأقام ينتظر إلى الساعة الثانية بعد انتصاف الليل، فلم يعد فقال ~~له الخادم: إذ كان الأمر خطيرا كما تقول، ولا بد من مقابلته الليلة فاذهب إلى نادي ~~ويست أنديا لأنه هناك. # وأسرع ميلون إلى ذاك النادي فقال له البواب: إن السكرتير أحد أعضاء النادي، ولكنه لا ~~يأتي إليه قبل الساعة الثالثة. # فاضطر ميلون أن ينتظر ويتذرع بالصبر إلى أن قدم هذا السكرتير واطلع على كتاب مرميس ~~فتأثر تأثرا كبيرا وأسرع إلى مركبته يصحبه ميلون، فذهب وإياه إلى سجن نوايت. # ولا يجيز قانون السجون لأحد أن يدخل إليها في هذه الساعة المتأخرة غير أن السكرتير ~~كان يتكلم بلهجة السيادة فينذر ويتوعد بمداخلة سفير فرنسا حتى اضطر بواب السجن إلى ~~مناداة رئيس الحراس. # ولما جاء قال له السكرتير: يوجد عندكم سجين فرنسي. ~~- بل لدينا كثير من الفرنسيين. ~~- لكني أعني رجلا فرنسيا قبضتم عليه في فندق التيجان. ~~- نعم، وهو من أشد أهل الجرائم. # فضحك السكرتير وقال: إنكم تدعونه روكامبول أليس كذلك؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- إن هذا الرجل الذي أودعتموه السجن من أعيان الباريسيين، ومن أصدق إخواني، وأنا أطلب ~~باسم الحكومة الفرنسية الإفراج عنه على الفور. # فاضطرب الرئيس وقال: إن هذا الأمر يا سيدي منوط بالحاكم وما أنا غير قائد ~~الحرس. ~~- إذن اذهب وناد الحاكم. ~~- أفي هذه الساعة يا سيدي؟ ~~- دون شك، وإذا كان قد نام أيقظه من رقاده وقل له: إني السكرتير الأول في سفارة ~~فرنسا. # وخاف قائد الحراس وأيقن من خطورة الأمر وأسرع إلى الحاكم وأخبره بما كان كما ~~قدمناه. # غير أن السكرتير كان قد تبع الحارس إلى غرفة الحاكم لاستقباله وهو يضطرب، فقال له ~~السكرتير دون أن يكترث للأساتذة الثلاثة: إني أتيت إليك لأسألك الإفراج عن صديق لي قد ~~قبضتم عليه خطأ. # فسأله الحاكم بصوت يتلجج: ألا يمكن يا سيدي أن تكون أنت المخطئ فإن الرجل الذي جاءوني ~~به هو روكامبول نفسه؟ # فأجابه السكرتير ببرود: إذا كنت تعتقد أني أنا المخطئ ms2317 فإن التحقيق سهل ميسور. ~~- كيف ذلك يا سيدي؟ ~~- ذلك أن تجمعني بهذا الرجل الذي تدعونه روكامبول. # فتولد الرجاء عند ذلك في قلب الحاكم؛ إذ قال في نفسه: إن مثل هذا السكرتير على علو ~~مقامه لا يمكن أن يكون له صحبة مع المجرمين والأشرار. # وكان في اعتقاده أن رجلا نبيلا لا يحدث رجلا كالرجل العبوس بلغة سرية كل الليل ~~فلا بد إذن أن يكون من أمثاله، لذلك رضي باقتراح السكرتير وقال: هلم معي يا سيدي إلى ~~غرفة الأسير. # ثم مشى أمامه يتقدمه قائد الحراس وتبعهم الأساتذة الثلاثة، أما ميلون فإنه بقي عند ~~الباب الخارجي؛ إذ خشي أن يرى روكامبول فيخونه الجلد ويفضح أمره لا سيما وأن مرميس ~~أوصاه ألا يدخل إلى السجن. # ولما فتح الحاكم غرفة روكامبول ودخل الجميع إليها صاح مرميس صيحة فرح ووثب من سريره ~~إلى السكرتير. # فصاح السكرتير قائلا: لقد ساءني جدا أيها الصديق ما أصابك. # فضحك مرميس وأجاب: ولكني لم أضجر في السجن، لقد تسليت كثيرا بعشرة هذا الرجل ~~والاتفاق معه على الهزء بالحاكم. # فدهش الحاكم وقال: تقول إنكما هزأتما بي. ~~- دون شك فإن هذا الرجل الذي وضعتموني معه في السجن فرنسي وأنا لا أعلم السبب في ~~سجنه، لكنكم أردتم أن أكون شريكه في جرائمه، وأن أكون صديقه الحميم فاقترحت عليه عند ~~ذلك أن نتلهى بالعبث بكم إلى أن تفرجوا عني، فأجابني إلى اقتراحي وهو رجل صالح التربية ~~فإنه قد يكون ارتكب جريمة غير أنه يتقن اللغة الجافانية. # فقال الحاكم: إنها لغة جهنمية. ~~- بل هي لغة لطيفة يا سيدي الحاكم وسأقفك على أسرارها. # غير أن السكرتير لم يمهله فإنه أشار إشارة توديع إلى روكامبول قائلا لمرميس: هلم معي ~~أيها الصديق فإنهم مدينون لك بتعويض، وأقسم لك أن الغرامة ستكون عظيمة بقدر الإساءة ~~إليك. # وبعد نصف ساعة خرج مرميس مع السكرتير من السجن وغادر ذلك الحاكم المنكود عرضة الهواجس ~~لوثوقه من حكم القضاء عليه بالغرامة وهو لم يكن من الأغنياء. # أما روكامبول فإنه عاد إلى سريره ونام مطمئنا ms2318 هادئا واثقا من فوز تلميذه بما ~~أوصاه. # 19 # يوجد في لندرا جمعية أسستها نبيلات الإنكليز يشترك فيها العواقل والأوانس وغرضها ~~تعزية من يحكم عليه بالإعدام قبيل تنفيذ الحكم عليهم. # ولنساء هذه الجمعية لباس خاص يلبسنه حين يحاولن قضاء هذه المهمة الشريفة، فإذا لبسته ~~المرأة أصبحت فوق القانون ولو ارتكبت جريمة؛ إذ لا يجسر أحد على القبض عليها وهي لابسة ~~تلك الثياب. # وكانت مس ألن عضوا عاملا في تلك الجمعية ، ولها غرفة في شارع سرمنت. # كانت تلبس فيها تلك الثياب حين تزور السجون لتعزية المحكوم عليهم بالإعدام. # ويذكر القراء أن فاندا ومس ألن نزلتا في فندق حين وصولهما إلى لندرا ففي اليوم التالي ~~لوصولهما قالت لفاندا: إني لا أستطيع البقاء معك في هذا الفندق. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخاف جواسيس الأسقف وأحب أن أدافع بسلاحي. ~~- أي سلاح تعنين؟ ~~- إنك تعرفين شيئا عن إنكلترا، لكن قد غابت عنك أشياء، فإن في هذه البلاد امتيازات ~~كثيرة تحول دون قوة الشرطة وسلطانهم. # مثال ذلك، تلامذة مدرسة أبناء المسيح، وأعضاء جمعية إعانة المحكوم عليهم بالإعدام، ~~فإن الشرطي إذا تجاسر على اعتراض سيدة من أعضاء هذه الجمعية وهي بالثياب الخاصة هجم ~~عليه الناس ومزقوه تمزيقا، وأنا من أعضاء هذه الجمعية، لذلك فقد وجب أن ألبس لباسها ~~الخاص كي أنجو من غدر الأسقف. ~~- ولكن أين مركز هذه الجمعية؟ ~~- إني لا أذهب الآن إلى مركز الجمعية، بل إلى الغرفة التي أضع فيها ملابسي الخاصة وهي ~~قريبة من هذا الفندق فهل تذهبين معي؟ # ورضيت فاندا بالذهاب معها. # وذهبتا حتى إذا وصلتا إليها وارتدت مس ألن تلك الثياب الخاصة قالت: إني لا أخشى الآن ~~حقد الأسقف. ~~- وغضب أبيك؟ # فابتسمت وقالت: إن كلمتي الأخيرة لم أقلها بعد لأبي فإنه يحبني حب عبادة ولا يزال ~~يحبني هذا الحب. ~~- إذن فهو شديد التعاسة لبعدك عنه. ~~- دون شك، ولكني سأقنعه وأجعله من حزبي. ~~- أتجسرين على مقابلته والذهاب إليه؟ ~~- كيف لا وإني سأذهب إليه في رابعة النهار. ~~- ألا تخافين أن يبقيك في المنزل؟ ~~- ولكني أذهب إليه بهذه ms2319 الثياب وهي تحميني. # ثم قالت بعد سكوت قصير: إني أحب الرجل العبوس الآن وكنت السبب في دخوله إلى السجن ~~وأنا أتولى إنقاذه. # وكانت تتكلم بلهجة الواثق المطمئن، ثم قالت: إني وافقت على مشروعكم ومشروع أصحابكم، ~~ولكن هذا المشروع قد يخفق فإذا لم تنجح مساعيكم فلا بد من نجاحي. # وبعد حين عادت فاندا إلى الفندق، وبقيت مس ألن في تلك الغرفة، وكانت قد استخدمت فتاة ~~إرلندية تصلح لها غرفتها وتحضر لها الطعام في الفندق. إرلندية تصلح لها غرفتها وتحضر ~~لها الطعام في الفندق. ~~••• # مضى على ذلك يومان ففي اليوم الثالث ذهب مرميس إلى الفندق الذي تقيم فيه فاندا، فسرت ~~سرورا عظيما لمرآه وقالت له: أرأيت الرئيس؟ ~~- وأقمت معه يوما وليلتين. ~~- أتلقيت أوامره؟ ~~- تلقيتها تامة، فأين هي مس ألن وكيف لا أراها معك؟ # فأخبرته فاندا بجميع ما اتفق فقال لها: إذن هلم بنا إلى غرفتها؛ إذ يجب أن ~~أراها. # فذهبت فاندا به إلى غرفة مس ألن، واجتمع بها، ثم بدأت تسأله عن روكامبول أدق السؤالات ~~ودلائل الغرام ظاهرة بين عينيها، وهي تضطرب كلما ذكرت اسمه كأنها تراه. # فقال مرميس وهو يبتسم: اطمئني يا سيدتي ... سوف ننقذه، ولا بد من إنقاذه. # ثم أخبرها أن روكامبول أمره أن يقابل الأب صموئيل، وسألها كيف يستطيع أن يجده، ~~فأخبرته أن هذا الكاهن مختبئ منذ قبض على الرجل العبوس؛ لأنه متهم مثله بتحريض ~~الإرلنديين على الإنكليز، ولكني أعلم أين هو. ~~- أين؟ ~~- تذهب إلى سنوارك وتدخل إلى كنيسة سانت جورج فتقول لبوابها: إني قادم لخدمة ~~الإرلندية وكلمه باللغة الفرنسية فإن ذلك يزيد ثقته بك. ~~- أيرشدني إلى مقام الأب صموئيل؟ ~~- ربما ولا سيما إذا كلمته عن الرجل العبوس. ~~- إذن سأذهب الآن فإن الوقت غير متسع لدينا، لا سيما وأن الرجل العبوس يطلب من زعماء ~~الإرلنديين جلسة خاصة للبحث في شأنه. # فقالت له مس ألن: اذهب وأسرع بما أمرك به فإذا لم ينقذه الإرلنديون فأنا أعلم كيف ~~أنقذه. # فانصرف مرميس وخرجت فاندا وهي تفتكر بمس ألن وتقول: رباه ما هذا ms2320 الحب فهي توشك أن تجن ~~لهواه، فيالله من نضارة الشباب! # 20 # وبعد حين كان مرميس وميلون سائرين إلى كنيسة سانت جورج وهما لا يكادان يهتديان لكثافة ~~الضباب، حتى إذا بلغا إليها طرق مرميس الباب ففتح له البواب الشيخ، فلما رأى هذين ~~الرجلين ظهرت عليه علائم الخوف فقال لهما: ما تريدان؟ # فقال مرميس تلك الجملة التي علمته إياها مس ألن؛ وهي أننا قادمان لخدمة ~~إرلندا. # فأجابه البواب قائلا: إني لم أعلم ما تريد. ~~- إني أريد أن أرى الأب صموئيل. ~~- إنه غير موجود هنا وربما كان في سانت جيل. # غير أن مرميس أيقن أن البواب كان كاذبا فيما ادعاه فقال له: احذر أيها الشيخ فإنك قد ~~تضر إرلندا ضررا بليغا إذا لم ترشدنا إلى الأب صموئيل. ~~- ألعلكما إرلنديان؟ ~~- كلا بل نحن أصدقاء الإرلنديين. ~~- وقد تكونان أيضا من أصدقاء الإنكليز، فاذهبا في شأنكما فإنهم حين قبضوا على الكاهن ~~خدعوه بمثل هذه الأقوال. ~~- ولكننا قادمان من فرنسا وقد رأينا رالف وأمه حنة. # فتراجع الشيخ خطوة إلى الوراء، فأيقن مرميس أن اسم الغلام وأمه قد أثرا عليه فقال له: ~~أتريد أن أصفهما لك، فإن حنة طويلة القوام سوداء الشعر زرقاء العينين وافرة الجمال، وأن ~~رالف عمره عشرة أعوام وهو كثير التيه كأبيه السير إدوارد بالمير. ~~- وقد رأيتهما كما تقول؟ # فقال ميلون: وهما الآن عندي. ~~- أين؟ ~~- في منزلي في باريس. # غير أن الشيخ لم يثق كل الوثوق بكلامهما فقال لهما: إني أصدقكما، ولكني لا أعلم مكان ~~الكاهن. # فقال له مرميس: كلا بل أنت تعلم، ولكنك لم تصدق حديثنا بعد، فهل تعرف الرجل ~~العبوس؟ # فارتعش الشيخ لذكر اسمه وقال له: أتعرف الرجل العبوس أيضا؟ ~~- أتعرف أيضا شوكنج؟ # فكاد الريب يزول من قلب الشيخ، وقال له: أتثبت لي أنك تعرف شوكنج؟ ~~- إن الأمر سهل فهو ليس في لندرا. ~~- هذا أكيد. ~~- وهو في فرنسا مع رالف وأمه. # فلم يقتنع بهذا البرهان وقال: إن هذا أكيد أيضا، ولكن الشرطة الإنكليزية لا تخفاه ~~خافية وقد تكونان من الشرطة. # فيئس مرميس وقال: ms2321 إذا كنت لا ترشدنا إلى الأب صموئيل، أفلا تسمح لنا على الأقل أن ~~نعهد إليك بإيصال هذه الرسالة إليه. ~~- إذا رأيته. ~~- لنفرض أنك تراه فإذا رأيته فأعطه هذه الرسالة وقل له: إنها من الرجل العبوس. # فأخذ الشيخ الرسالة من مرميس وقال له: عد في الغد أو في المساء فقد يتفق لي أن أرى ~~الكاهن. ~~- حسنا. # ثم أضاف قائلا: هلم بنا نذهب. # فقال ميلون: كيف نذهب وقد قيل لنا إن الكاهن هنا. ~~- تعال معي وسوف ترى. # فلما ساروا خارج الكنيسة قال ميلون: لقد أخطأنا، فقد كان يجب أن نلح على هذا الشيخ، ~~فإذا أبى أن يجمعنا بالأب صموئيل قبضت أنا على عنقه فمنعته عن الصياح، ودخلت أنت إلى ~~الكنيسة وبحثت عن الأب صموئيل. # وكانا لا يزالان داخل السور فقال له: اجلس هنا على هذا الصخر ثم انظر إلى العلا ألا ~~ترى قبة الجرس؟ ~~- إن الضباب كثيف فلا أرى شيئا. ~~- ولكن حدق النظر، فماذا ترى؟ ~~- إني أرى نورا يتصاعد إلى القبة. ~~- إذن، فاعلم أن الأب صموئيل مختبئ في تلك القبة وهذا النور الذي تراه مصباح الشيخ؛ ~~لأنه صعد إليه بالرسالة فلننتظر هنيهة. ~~- لماذا؟ ~~- سوف ترى. # وبعد حين وجيز جعل ذلك النور ينزل بعد صعوده، ولكنه كان يهبط بسرعة. # فتابع مرميس: إن هذا الشيخ المسكين يجري الآن بهمة الفتيان. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- إنه ينزل من السلم راكضا. ~~- لماذا؟ ~~- لرجائه أن يدركنا قبل أن نحتجب عن الأنظار وسوف ترى. # وكان مرميس مصيبا في ظنه، فإن الشيخ لم يلبث أن فتح باب الكنيسة وخرج راكضا إلى ~~فنائها حيث كان ميلون ومرميس. # 21 # لم يكن مرميس مخطئا حين أخبر ميلون أن هذا الشيخ قد صعد بمصباحه إلى قبة الجرس ~~لمقابلة الأب صموئيل، فإن هذا الكاهن كان مختبئا حقيقة في غرفة سرية كائنة في القبة لم ~~يكن يعلم سرها غير بواب الكنيسة وكاهنها والأب صموئيل. # وقد أنشأ الإرلنديون هذه الغرفة الخفية منذ خمسين عاما، وذلك أن أحد كهنتهم أهان ~~أسقف كانتربوري، في ذلك العهد، وطعن بمذهب البروتستانت، فطاردته ms2322 الحكومة. # وبقي مختبئا في أحد بيوت الإرلنديين حتى بنوا له هذه الغرفة فاختبأ فيها حتى انقضت ~~مشكلته. # ومنذ خمسين عاما إلى عهد هذه الرواية، لم يدخل تلك الغرفة إلا الأب صموئيل. # وذلك أنه جاء ليلة إلى بواب كنيسة سانت جورج وقال له: يجب أن أختبئ. # فرد الشيخ: لماذا، ألعلهم يطاردونك؟ ~~- نعم فقد بحثوا في أوراقي مدة غيابي فوجدوا بينها رسائل من الرجل العبوس الذي قبضوا ~~عليه فأمروا بالقبض علي. # وكان ذلك بمساعي الأسقف بترس توين، فإنه استصدر أمرا من نظارة العدلية بالقبض على ~~الأب صموئيل، ولكنه تمكن من الاختباء قبل أن يعثروا عليه. # ولقد طال اختباء الأب صموئيل، حتى إنه تعذر على زعماء الإرلنديين الاجتماع. # ولكن رسائل الكاهن كانت تصل إليه، وقد وصل إليه التلغراف الذي أرسله مرميس من العاصمة ~~الفرنسية، بواسطة أحد عمال التلغراف الإرلنديين. # أما مبالغة البواب في الحذر من مرميس وميلون، فذلك لأن أفراد الشرطة السرية ~~الإنكليزية كانوا يأتون كل يوم إلى الكنيسة بأزياء مختلفة ومطالب متنوعة فلم يفوزوا ~~بحيلة من حيلهم. # غير أن الأب صموئيل تبين الصدق من لهجة الرجل العبوس فقال للشيخ: من جاء بهذه ~~الرسالة؟ ~~- رجلان. ~~- أين هما؟ ~~- أطلقت سبيلهما. ~~- أمن عهد بعيد؟ ~~- كلا، بل الآن وقد يكونان باقيين في الفناء. ~~- إذن أسرع إليهما وجئني بهما فإنهما من الأصدقاء. # فهرول الشيخ مسرعا وهو ينزل درجات السلم ثلاثا ثلاثا حتى أدركهما فوضع يده على كتف ~~مرميس واستوقفه. # فسأله مرميس: ما لي أراك تلهث من التعب؟ ~~- لأني عدوت عدوا بغية إدراكك. ~~- وأنا أبطأت في الخروج ليقيني أنك ستعود إلي. ~~- إذن اتبعاني إلى الكاهن؛ لأنه ينتظركما. # وبعد هنيهة كان مرميس وميلون في خلوة مع ذلك الكاهن الشاب، فقال له مرميس: إنك قد ~~علمت دون شك، من الرسالة أني خارج من سجن نوايت. ~~- نعم، فهل لقيت الرجل العبوس؟ ~~- بت معه ليلتين. # فوضع الأب صموئيل يده على جبينه وقال: إن من أعظم الشقاء أن يكون العبوس في سجن ~~نوايت. ~~- ولكنه سوف يخرج منه. # فرفع الأب صموئيل عينيه إلى السماء ms2323 قائلا: وا أسفاه إنك لا تعرف الإرلنديين كما ~~يظهر. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إن الرجل العبوس كان زعيمنا الأكبر بضعة شهور، فما تولى أمرا من أمورنا إلا كان ~~الفوز رائده. # على أن أولئك الإرلنديين على شدة تمسكهم بالدين المسيحي لا يزالون من أهل التفاؤل ~~والتشاؤم، فقد كانوا يعتقدون أن للرجل العبوس قوة فوق قوة البشر، ولكنه سقط في الفخ ~~الذي نصب له فتغير اعتقاد الإرلنديين به ولم يعد بينهم من يعتقد به ذلك الاعتقاد ~~السابق. ~~- ولكن ألم يحاول أحد إنقاذه؟ ~~- كلا وا أسفاه. # فابتسم مرميس قائلا: إن الرجل العبوس لم يؤخذ اغتيالا وإذا كان قد خدعه الإنكليزي ~~فهو الذي أراد أن ينخدع. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول الحقيقة. # فتراجع الأب صموئيل لفرط ما أدهشه هذا النبأ. # وتابع مرميس قائلا: إنه رضي أن يؤسر للبلوغ إلى غاية لا ينالها إلا من هذا ~~الباب. ~~- إني لا أفهم ما تقول يا سيدي. ~~- إنكم يا سيدي الكاهن تعرفون أعداءكم الألداء في لندرا، فهل لك أن تذكرهم لي؟ ~~- إنا لنا ثلاثة أعداء أشداء لا نرهب سواهم. ~~- من هم؟ ~~- إن أولهم الأسقف بترس توين زعيم المذهب الإنجليكاني. ~~- والثاني؟ ~~- هو اللورد بالمير. ~~- والثالث؟ ~~- المس ألن ابنة اللورد بالمير وهي ألد أعدائنا. ~~- إنك مخطئ يا سيدي الكاهن. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن المس ألن لم تعد من أعدائكم. ~~- ماذا تقول؟ ~~- لا أقول غير الحق يا سيدي، فإن المس ألن أصبحت إرلندية مثلكم بفضل الرجل ~~العبوس. # 22 # وقد كان هذا الخبر شديد الوقع على الأب صموئيل، حتى إنه أوشك أن لا يصدقه لغرابته ~~فقال لمرميس: ألعلك واثق يا سيدي أن الرجل العبوس لم ينخدع؟ ~~- بماذا؟ ~~- بالمس ألن؛ لأنها شديدة الخداع والرياء وقد يكون ما بدا منها مظاهرة ترمي بها إلى ~~غرض من الأغراض. ~~- لقد كانت مرائية خداعة، كما تقول، إلى أن غلبها الرجل العبوس. ~~- ألعلها تهواه؟ ~~- إنها أحبته، بل فتنت به وتدلهت بهواه، منذ قبض عليه رجال الشرطة. # وكان مرميس قد علم من روكامبول، خلال إقامته معه في السجن جميع الحوادث التي جرت في ms2324 ~~لندرا منذ ستة أشهر. # فقص على الأب صموئيل كيف أن المس ألن كادت للرجل العبوس تلك المكيدة، وكيف أنه سقط في ~~ذلك الفخ طائعا مختارا، فحمل الفتاة على التدله بحبه. # ثم ذكر له تفاصيل سفرها إلى العاصمة الفرنسية، وكيف أنه أنقذها من قبضة السير جمس إلى ~~آخر ما عرفه القراء. # فلما أتم حديثه قال له الأب صموئيل: لقد وثقت الآن من أنها تهوى الرجل العبوس وأنها ~~باتت إرلندية المشرب، ولكني أخشى أن لا يثق بانقلابها بقية الزعماء. ~~- وإذا جاءت بنفسها إليهم؟ ~~- قد يكون في ذلك فائدة وسأدعو الزعماء للاجتماع الليلة. ~~- في أي مكان؟ ~~- أتعرف لندرا؟ ~~- حق العرفان. ~~- يوجد شارع يدعى وينغ، وفيه زقاق يدعى ولكوس. ~~- أعرفه. ~~- إذن لتحضر المس ألن قبل نصف الليل بقليل. ~~- أتحضر وحدها؟ ~~- كلا فإن أهل الزقاق من الرعاع، وقد تعرض نفسها للإهانة إذا أتت وحدها فاصحبها ~~وانتظر هناك. ~~- سأحضر وإياها في الموعد المعين. # ثم حدق الأب صموئيل هنيهة، وأضاف: أتعلم ما ساعد الإرلنديين على تغيير اعتقادهم ~~بالرجل العبوس؟ ~~- كلا. ~~- لأنه غير إرلندي وقد علموا أنه فرنسي. # فاستاء مرميس وقال له: إني أعلم كل ما فعله الرجل العبوس في سبيل خدمتكم بما كنتم ~~تعدونه من الخوارق والمعجزات، ولكننا نحن أعوانه، رأيناه فعل ما يصح أن يسمى بالعجائب، ~~وهو لو شاء الخروج من سجن نوايت، لخرج من تلقاء نفسه، دون أن يحتاج إلى مساعد. # وبدرت حركة من الأب صموئيل تفيد أنه إذا كان كذلك، فلماذا يرجو مساعدتنا؟ # فأدرك مرميس قصده ورد قائلا: إن لكل نابغة يا سيدي هوس ولكل قوي شيء من ~~الضعف. # أما الرجل العبوس فقد كان في بدء عهده من كبار المجرمين وهو من أصدق التائبين، وقد ~~آلى على نفسه أن يكفر عن ذنوبه السابقة بنصرة كل مظلوم، وخدمة كل غرض نبيل. # وقد رآك في خمارة بين السكارى تشبه الملاك بين الأبالسة، فحن لقصدك، وبات إرلنديا ~~مثلك، فإذا أنقذتموه أنتم أفادكم فوائد جمة لا تخطر لكم في بال. ~~- أتطلب لي أنا إنقاذه ...؟ إني أحب هذا الرجل، ms2325 كما أحب نفسي ...! ~~- وإذا تخليتم عنه تخلى لنفسه السراح. # وكان ميلون يسمع الحديث فهاجه ما رآه من برود الأب صموئيل وقال: ونحن ماذا أتينا نعمل ~~في لندرا؟ # فتأوه الأب صموئيل وأجاب: إنه لو كان إرلنديا لأنقذوه ولو اضطروا إلى إحراق لندرا ~~بجملتها، ولكن ما حيلتي بهؤلاء القوم وهم لا يخاطرون بأنفسهم إلا من أجل ~~الإرلنديين. # فابتسم مرميس وقال: لقد صدق الرجل العبوس يا سيدي، حين شبهك بالملائكة، وهو لا يشك ~~بإخلاصك، وإذا تخلى عنه الإرلنديون فلا تخف عليه فإننا نحن أعوانه نستطيع أن نفتح له ~~أبواب السجن؛ لأننا لم نأت إلى لندرا إلا لهذا الغرض. # فأطرق الأب صموئيل مفكرا ثم أجاب: سوف نجتمع في هذه الليلة وسنرى ما يكون. # وعند ذلك هم مرميس وميلون بالانصراف، فقال له الأب صموئيل: لقد نسيت أمرا، وهو أنك ~~لست من الإرلنديين، فلا تستطيع حضور اجتماعنا! ~~- إذن المس ألن تذهب وحدها؟ ~~- كلا إنك توصلها إلى ولكوس وأنا أحضر وأذهب بها. # ثم خرج مرميس وميلون، فكان ميلون يتمتم كلمات لا تفهم، ولكنها تدل على ~~استيائه. # فسأله مرميس: ما أصابك؟ وما تقول؟ ~~- إن الرئيس يضحي نفسه للأغراض النبيلة، ولكن هؤلاء الناس لا يدركون معنى هذه المقاصد ~~ولا يقدرونها قدرها. ~~- لا تتسرع بأحكامك يا ميلون، فقد يفعلون ما يريد الرئيس. ~~- إن نيتهم ظاهرة من فتور هذا الأب. ~~- إذا كان ذلك تولينا نحن تخليصه. ~~- وكيف ذلك؟ أوضعت خطة لتخليصه؟ ~~- دون شك وسنبدأ بتنفيذها الليلة. ~~- كيف يكون ذلك وأنت ستصحب المس ألن؟ ~~- إني سأصحبها عند نصف الليل وسأبدأ العمل قبل هذا الميعاد، فهلم معي إننا سنتحدث على ~~الطريق. # ثم خرج وإياه من فناء الكنيسة وسارا إلى جسر وستمنستر. # 23 # وفيما هما على الطريق قال لميلون: لنتحدث الآن ولنراجع حسابنا فكم يبلغ عدد ~~عصابتنا؟ ~~- أين ذلك؟ ~~- في لندرا. ~~- تريد نحن والذين أتينا بهم؟ ~~- نعم ... ~~- أربعة أنا وأنت وفاندا ومس ألن. ~~- لا تعد النساء فإنهن لا يدخلن في حسابنا. ~~- نحن الاثنان ومورت وجواني وبوليت والسير جمس. ~~- لا تحسب هذا. ~~- وإدوارد؟ ~~- عده، فإننا ms2326 سنكون ستة، ثم إن روكامبول أهداني إلى أربعة نستطيع الاعتماد عليهم حين ~~الاقتضاء، وإذا اضطررنا أيضا دعونا شوكنج من فرنسا. # فذهل ميلون وسأله: ولم هذا الحساب؟ # فابتسم وأجابه: إنك كثير التسرع في الميل إلى معرفة الأمور قبل أوانها. ~~- ولكني لم أفهم شيئا. ~~- اقتصر الآن على العلم أنك ستغير مهنتك فقد كنت مقاولا في فرنسا، أهذا صحيح؟ # فحملق ميلون ورد: دون شك. ~~- لكنك ستغدو بائع حبوب. # فظهرت علائم الاستياء على ميلون وقال: أرى أنك تهزأ بي يا مرميس ولم أكن لأسمح به ~~لغير روكامبول. ~~- اطمئن واعلم أني لا أهزأ بك. ~~- ولكني لم أعلم الآن أي اتصال بين بيع الحبوب والمهمة التي أتينا من أجلها. ~~- سوف تعلم. ~~- متى؟ ~~- بعد ساعة. # وكان الاثنان قد وصلا إلى خمارة، فدخلا إليها وطلب ميلون كأسي شراب. # وأخذ مرميس جريدة التايمز من جيبه، وقلب صفحاتها حتى بلغ إلى الصفحة الرابعة، فوضع ~~إصبعه فوق إعلان ودفع الجريدة إلى ميلون قائلا له: اقرأ. # وكان الإعلان يتضمن أنه يوجد محل تجاه سجن نوايت، لبيع الحبوب وسواها، وأن هذا المحل ~~كثير الزبائن بعيد الشهرة، وأن صاحبه يريد أن يبيعه ويتنحى عن الأعمال. # فلما قرأه ميلون سأله: ما تعني باطلاعي على الإعلان؟ ~~- لقت قلت لك إنك كثير التسرع، تريد معرفة كل شيء قبل أوانه، فاكتف الآن بأن تعلم أن ~~لنا فوائد جمة من محل تجاه سجن روكامبول. ~~- هذا أكيد. ~~- وإننا إذا لم نستفد من ذلك، سوى التعارف مع عمال السجن لكفى. # فكف ميلون عن الأسئلة وشربا كأسيهما، ثم برحا الخمارة ذاهبين إلى جهة ~~ترافلغار. # ثم سارا منها إلى سجن نوايت إلى ذلك المخزن الذي قرأ ميلون الإعلان عنه في جريدة ~~التايمز. # فوقفا بعيدين عنه ودله مرميس عليه قائلا: يجب أن نشتري المخزن والبيت الذي ~~فوقه. # ونظر ميلون إلى البيت، نظرة احتقار قائلا: إن هذا بيت قديم، لا يصلح لشيء. ~~- سوف ترى ما يكون من فائدته وأنه لا يبدل بثمن، ولا بد لنا من شرائه لا سيما وأن ذلك ~~أمر روكامبول. ~~- إذن ليكن ms2327 ما يريد فلندخل إليه. # ثم دخل الاثنان إلى المخزن، ووجدا صاحبه جالسا حول مائدة مكبا على دفاتره. # وحياه مرميس قائلا له: ألست يا سيدي، صاحب الإعلان في جريدة التايمز؟ # فلما رأى أنهما قادمان لشراء مخزنه، أحسن استقبالهما، وقال لهما: نعم أنا هو. # ثم أخذ يصف لهما ما بلغه محله من الشهرة إلى أن فرغ من أوصافه، فسأله مرميس: كم ثمن ~~مخزنك هذا؟ ~~- ثلاثة آلاف جنيه يا سيدي، وهو ثمن زهيد بالقياس إلى شهرته ، لكني مضطر إلى اعتزال ~~الأعمال فلا أجد بدا من هذا التساهل. # وبعد المساومة اتفقا على شرائه بألفي جنيه، فأخرج مرميس من جيبه أوراقا مالية وبسطها ~~على الطاولة قائلا: إني أدفع لك هذا السعر، ولكني أقيدك بشرط. # فبرقت أسرة البائع حين رأى تلك الأوراق وقال: قل يا سيدي ما هو شرطك؟ # فأجاب مرميس: إني سأبرح إنكلترا غدا يا سيدي، وإن رفيقي الذي تراه معي من أهلي، وأحب ~~أن أراه متوليا أعماله قبل سفري، وإنما دفعت لك ألفي جنيه بشرط أن تبرح هذا البيت مع ~~زوجتك في الحال. ~~- إني غير متزوج. ~~- إذن تتركه مع عمالك. ~~- ليس لي أيضا عمال. # فابتسم مرميس قائلا: إن هذا خير دليل على رواج أعمالك، وكثرة زبائنك. ~~- ما ربح هذا المحل يا سيدي من رواج بضائعه، بل من نوافذه المشرفة على السجن، فإنهم ~~كلما شنقوا مجرما فيه اؤجرت النافذة الواحدة بعشرة جنيهات. ~~- رضيت شرط أن تبرح محلك على أثر عقد البيع. ~~- رضيت. # فذهبوا عند ذلك عند أحد المحامين، فكتب لهم عقدا ودفع مرميس الثمن، فانصرف البائع ~~لفوره، وذهب مرميس وميلون إلى المحل فكتبا على بابه هذه الجملة: «تغير صاحب هذا المحل ~~وهو مقفل مؤقتا إلى أن يتم إصلاحه.» # وبعد أن ألصق هذا الإعلان على باب المحل قال لميلون: هلم بنا الآن إلى مس ألن. ~~- وبعدها؟ ~~- نذهب إلى الشارع الذي يقيم فيه باعة الكتب. # فضحك ميلون وقال: إني لا أفهم شيئا مما تقول، إلا إذا كنت من الأنبياء. # وبعد هنيهة دخل مرميس إلى غرفة المس ألن ms2328 فقال لها: سيجتمع زعماء الإرلنديين الليلة في ~~ولكوس وهم ينتظرونك. ~~- سأذهب ولا بد أن يتعهدوا لي بتخليص الرجل العبوس. # ثم قص عليها حديثه مع الأب صموئيل فقالت: لا شك أنهم حمقى؛ لأنهم يريدون أن يكون ~~النصر حليف الرجل في كل أعماله أو يعدونه من الخاملين. ~~- إننا نمتثل لما أمرنا به الرجل العبوس؛ لأنه يريد أن نمتحن هؤلاء الإرلنديين على ~~أنهم إذا أبوا تخليصه خلصناه نحن غير مكترثين بهم. ~~- دون شك فإني إذا رأيت أبي ... # فقاطعها قائلا: أترين أباك؟ ~~- نعم إني أصنع بأبي ما أريد حين أريد. ~~- إذن إلى اللقاء، فسأحضر في الساعة الحادية عشرة لإيصالك إلى مكان الاجتماع. ~~••• # ثم تركها وذهب مع ميلون إلى باعة الكتب، فذهب إلى بائع بينهم يدعى سيمونز، وهو كتبي ~~شهير لديه كثير من الخرائط والكتب التاريخية القديمة، وقال له: إني محتاج يا سيدي، إلى ~~خريطة لندرا في القرن السادس عشر. # فأجابه الكتبي: إن هذه الخريطة التي تطلبها يا سيدي، لا يوجد منها سوى نسختين إحداهما ~~في مكتبة المتحف والثانية في مكتبتي. ~~- ألا تريد أن تبيعني إياها؟ ~~- لقد دفعوا لي مائة جنيه فأبيت. # وأخذ محفظة الأوراق المالية من جيبه قائلا: وإذا دفعت لك مائة وخمسين؟ ~~- أبيعها. ~~- إذن هاتها. # ففتح الكتبي خزانة وأخرج منها تلك الخريطة، وهي مقسمة إلى أقسام كثيرة، وملصقة على ~~قماش بشكل كتاب فدفعها إليه قائلا: إن هذه الخريطة يا سيدي من أغلى الآثار التاريخية، ~~فإنها قد وضعت بأمر شارل الثاني. ~~- إني أعرف ذلك. ~~- وقد أمر بوضعها على أثر تلك المؤامرة الهائلة التي كان المراد منها نسف لندرا ~~بجملتها بواسطة ألوف من براميل البارود. ~~- إني أعرف سر تلك المؤامرة أيضا، وإني آخذ بإنشاء كتاب ولذلك أحببت شراء الخريطة ~~للاستعانة بها على وضع الكتاب. ~~- إذن افتحها يا سيدي لأطلعك على بعض مصطلحاتها. # فامتثل وتابع الكتبي: انظر يا سيدي إلى الخطوط الحمراء إنها تشير إلى الدهاليز التي ~~في ذلك العهد. ~~- ولكنهم قد هدموها بعدها كما أظن. ~~- هو ذاك غير أني واثق أنه لا يزال كثير منها ms2329 باقيا إلى الآن كما كان في عهد ~~المؤامرة. ~~- أين هي؟ ~~- في ضواحي سجن نوايت على الأخص. # ثم وضع إصبعه على إحدى الشوارع المرسومة في الخريطة وأضاف: انظر يا سيدي إلى هذا ~~الشارع فإنه فيه منزلا تجاه سجن نوايت، يمتد تاريخ بنائه من القرن الرابع عشر. ~~- لقد بات أثرا تاريخيا ولا بد لي أن أراه. ~~- إني على اليقين أنك ستجد في أقبية البيت أثر الدهاليز المرسومة في هذه ~~الخريطة. # فأجابه بلهجة تدل على عدم الاكتراث: إن ذلك قد يكون، وسوف نرى. # ثم دفع ثمن الخريطة كما اتفقا وخرج من عنده مع ميلون، فنظر ميلون إلى مرميس نظرة ~~إعجاب قائلا: بدأت أفهم الآن. # فابتسم قائلا: الحمد لله. # 24 # وعند ذلك عاد مرميس وميلون إلى المحل الذي اشترياه فدخلا إليه وجعل مرميس ينظر إلى ~~بضائعه ويقول: لا شك أن ذلك البائع كان جل اعتماده على تأجير النوافذ كما تدل ~~بضائعه. ~~- هو ما تقول، إن كل بضائعه لا تباع بدينار. ~~- ولكننا سنشتري له خير البضائع فتعين فيه امرأة حسناء للصندوق. ~~- ماذا تقول؟ ~~- وتعين أيضا عاملين للبيع وكاتبا للدفاتر والمراسلات. ~~- إذن تريد حقيقة أن أكون من التجار؟ ~~- إني لم أقل غير ذلك. ~~- ولكن لماذا؟ ~~- لأننا في حاجة إلى جمع العصابة كلها في محل واحد دون أن نستلفت إلينا الأنظار فإن ~~مورت وجواني يكونان العاملين للبيع وبوليت لمسك الدفاتر وامرأته بولينا للصندوق. ~~- لقد حسبت أني فهمت في البدء. ~~- وأنت ألم تفهم؟ ~~- وكيف تريد أن أحل هذه الألغاز؟ ~~- إذن فاسمع أن الكتبي قال لنا: إن هذا المنزل لا بد أن توجد في أقبيته الدهاليز التي ~~حفرت أيام المؤامرة. ~~- نعم. ~~- أما هذه الدهاليز قد تكون متصلة بسجن نوايت، ولكنهم قد يكونون هدموا مداخلها فلا بد ~~لنا إذن من الاستعانة بهذه الخريطة لإيجاد مداخل تلك الدهاليز، فإذا وجدناها فلا بد من ~~استعمال الرجال والآلات لتطهيرها وفتح منافذها، فهل يجمل بنا استئجار العمال من لندرا ~~لهذا الغرض السري الخطير فإنهم لا يخرجون في المساء حتى يذيعوا أمرنا فيعلمه جميع ~~الناس؛ ms2330 ولذلك وجب أن يكون عمالنا منا. ~~- أصبت، وأرجو أن تعذرني فقد كان يجب أن أدرك القصد قبل أن تصرح به، ولكني بطيء ~~الفهم كما تعلم. ~~- أما عمالنا أي رجال عصابتنا وهم أنت وبوليت ومورت وجواني فسيكونون عمالا في المحل ~~نهارا وعمال حفر وتنقيب في الليل. ~~- اسمح لي أن أسألك سؤالا آخر وهو أنه لو عثرنا بهذه الدهاليز أتظن أنه يوجد بينها ~~دهليز يتصل بسجن نوايت؟ # فتح مرميس الخريطة وأرى ميلون الخطوط الحمراء فيها التي تعين مواضع الدهاليز فدله على ~~خط أحمر على الجهة اليمنى من المنزل إلى ناحية السجن. ~~- حسنا، ولكن لا يظهر في هذا الرسم إلى أين ينتهي الدهليز، ولا مقدار عمقه. ~~- ولكننا سنعلم. ~~- متى؟ ~~- بعد يومين. ~~- كيف ذلك؟ # فضاق صدر مرميس لكثرة أسئلته وقال له: صبرا أيها الصديق فستعلم كل شيء في وقته ليس ~~لنا الآن متسع من الوقت لهذه الأبحاث. # فأطرق ميلون برأسه ولم يجب، أما مرميس فإنه نظر في ساعته وقال: إن الساعة الثامنة ~~الآن ويجب أن أذهب إلى مس ألن بعد ثلاث ساعات، فهلم بنا الآن نتعشى ثم نذهب للبحث عن ~~رجال العصابة فأين تركتهم؟ ~~- تركت مورت وجواني في يوكدنج حيث يقيم تجار الخيل الفرنسيين. ~~- وبوليت؟ ~~- إنه يقيم مع امرأته في فندق سابونيير. ~~- إذن هلم بنا إلى هذا الفندق، فإني محتاج إلى بوليت وزوجته قبل الآخرين. ~~••• # بينما كان ميلون ومرميس يتعشيان كانت فاندا عند مس ألن. # وكانت مس ألن تتأهب لحضور اجتماع زعماء الإرلنديين فنظرت إلى فاندا وقالت لها وهي ~~تبتسم: رباه ما أشد الإنسان تعرضا للتغيير فإن اسم الإرلنديين كان يثير العواصف في ~~قلبي منذ شهرين، وكنت أرى أنه يتحتم على إنكلترا إبادتهم من الوجود؛ لأنهم كانوا يشبهون ~~عندي الحشرات السامة. # فابتسمت فاندا وقالت لها: والآن؟ ~~- أما الآن فإن الإرلنديين إخواني. ~~- إن ذلك لا يستغرب فقد قيل لي إنك إرلندية الأصل. ~~- هو ذلك، ولكن أبي بات إنكليزيا وجعلته الحكومة لوردا استرضاء له فصارت إنكلترا ~~موطنا لنا. ~~- وكل هذا الانقلاب أحدثه الرجل العبوس؟ # فأجابتها بإعجاب: ms2331 إنك تعرفينه حق العرفان فلا تجهلين نظراته التي تخترق ~~القلوب. # فتنهدت فاندا وقالت: نعم أعلم. ~~- إننا حين ننقذه ويغدو حرا أكون عبدة له وأمشي وإياه جنبا إلى جنب في السبيل الذي ~~ننهجه وهو حرية إرلندا. # وقالت فاندا لنفسها: رباه قد بلغ حبه من قلبها، ثم انحدرت دمعة من عينيها فمسحتها ~~وعندها طرق الباب ودخل مرميس وقال لمس ألن: ألعلك يا سيدتي متأهبة للرحيل؟ ~~- نعم. # وكانت قد لبست الثوب الخاص بنساء تلك الجمعية التي تقدم لنا وصفها. # 25 # انتصف الليل وظهر شارع وينغ بمظهره الحقيقي الذي طالما وصفناه فيما تقدم من أجزاء هذه ~~الرواية؛ لأن هذا الشارع لا يمر به إلى الساعة الثامنة غير أولئك العمال النشطاء الذين ~~يعودون من أعمالهم إلى منازلهم ليناموا، ثم يستفيقون في الساعة الرابعة من الصباح ~~للعودة إلى العمل. # وفي ذاك الحين تقفل أبواب المخازن وينقطع لعب الأولاد في الطرقات والمستنقعات وتسود ~~السكينة في الشارع الرهيب وأزقته الكثيرة. # حتى إذا أوشك الليل أن ينتصف بدأت المخازن الليلة بفتح أبوابها وكثر تردد الناس ~~وازدحامهم، وغصت بهم الحانات، وامتلأت الشوارع باللصوص والبحارة والسكارى فإذا بلغت ~~الخمرة مبلغها من الرءوس لا تجد غير المعربد أو اللص المحتال، ثم تضيق بأصحابها فيتركون ~~المناضد إلى الأزقة بحيث يغدو الشارع بجملته حانة واحدة. # كل هذا والشرطي واقف ينظر إليهم غير مكترث لهم؛ لأن الشريعة الإنكليزية تقضي باحترام ~~حرية الأفراد على أن لا يمسوا حرية سواهم ولذلك يتعذر على المرأة الشريفة أن لا تمر ~~بمثل هذه الشوارع. # غير أن مس ألن كانت مرتدية بثوب السجون وهو ثوب يحترمه كل إنسان في لندرا، حتى ~~اللصوص، بل إن اللصوص وأهل الجرائم يبالغون باحترام هذا الثوب؛ لأن كلا منهم يعلم أنه ~~قد يحتاج يوما إلى تعزية هؤلاء النساء النبيلات في آخر ساعات حياتهم؛ إذ لا بد أن تبلغ ~~بهم الجرائم إلى مواقف الإعدام. # ولما انتصف الليل ومرت مس ألن بثوبها بين أولئك الرعاع فعل ثوبها بهم فعل السحر فإنهم ~~انقطعوا حين بدت لهم عن الغناء والعربدة ms2332 ووقفوا جميعهم بملء الاحترام. # وكان مرميس يسير معها بين أولئك الجماهير وقد اتشح برداء كبير ستر معظم وجهه فما زال ~~سائرا بها حتى وصل إلى المكان المعين، فجلس معها على مقعد لينتظر قدوم الأب ~~صموئيل. # ولم يطل انتظاره فإنه رأى الأب قادما فأسرع لاستقباله وقال: هذه هي مس ألن يا سيدي ~~بانتظارك؟ ~~- إن الوقت متسع لدينا فلننتظر. ~~- ولكن الليل قد انتصف. ~~- هو ذاك غير أن النور لم يتقد بعد. ~~- ما هو هذا النور؟ # وأشار بيده إلى منزل في زاوية الشارع وقال: سيبدو لكم قريبا نور فوق سطح هذا ~~المنزل. ~~- ألعل هذا النور إشارة؟ ~~- نعم ... ~~- ولكننا لا ننتظر طويلا فهذا النور قد ظهر. # والتفت الأب صموئيل ورأى النور قد سطع هنيهة ثم انطفأ فقال لمس ألن: إذن هلمي بنا فقد ~~آن الآوان. # ثم التفت إلى مرميس وقال: وأنت أين نجدك؟ ~~- هنا. ~~- ولكن غيابنا قد يطول. ~~- لا بأس فإن لدي من التبغ ما يخفف علي عناء الانتظار، وفوق ذلك فإن الرجل العبوس ~~قد عهد إلي بمهمة؛ وهي أن أقابل رجلا بحارا يدعى وليم وفتاة تدعى بيتزي. ~~- أما أنا فإني أعود مع مس ألن بعد ساعة. # ثم تركه وسار معها قائلا لها: إن ملابسك هذه خير واق فإني قد أفرغت الجهد في الحيلة ~~حتى بلغت إلى هذا المكان دون أن يقبضوا علي، أما الآن فإني لا أخشى خطرا ما زلت معي، ~~وأي شرطي يجسر أن يقبض على رجل يصحب فتاة من أخوات السجون. # فتأبطت الفتاة ذراعه وسارت وإياه. # 26 # بينما كانت مس ألن تسير متكئة على ذراع الأب صموئيل كان مرميس يبحث عن وليم كما أمره ~~الرجل العبوس. # وكان روكامبول أخبره عن الحانات التي يتردد إليها هذا الرجل، وهو ذاك البحار القوي ~~الذي اختصم مرة مع روكامبول حين كان يطارد الإرلندية والدة رالف وصرعه روكامبول مرات ~~كما يذكر قراء ابن إرلندا، وبات هذا الرجل الذي لم يغلبه أحد قبل روكامبول عبدا له، ~~وجعله من أعوانه، وكان يعتمد عليه في بعض المهام لما رآه ms2333 من إخلاصه. # ولم يكن مرميس يعرفه، ولكنه دخل إلى إحدى الحانات التي يكثر تردده إليها وهو يرجو أن ~~يعرفه من أوصافه أو يسأل عنه؛ لأنه كان مشهورا في تلك الناحية. # ولما دخل إلى الحانة أسرعت إليه فتاة إرلندية وسألته أن يسقيها كأسا من الشراب، ~~فأجابها مرميس إلى ما سألته، وجلس معها حول مائدة وجعل يحادثها أحاديث مختلفة إلى أن ~~ورد ذكر البحارة فقال لها: أتعرفين بحارا يدعى وليم ويقيم في وينغ؟ ~~- أجارك الله يا سيدي أتريد أن تخاصمه؟ ~~- كلا، ولكني أحب أن أراه. ~~- ومن لا يعرف هذا الرجل، فهو عشيق بيتزي، وما هو بحار إلا بالاسم فإنه لا يشتغل منذ ~~ثلاثة أعوام وعشيقته تنفق عليه. ~~- ولكن كيف خطر لك أني أريد مخاصمته؟ ~~- هو أنكم معشر الفرنسيين لا تهابون أحدا؛ لأن وليم لا يجسر أحد على معارضته فيما ~~يريد لما بلغ إليه من قوة الساعد، فهو السيد المطلق في هذه الأحياء، غير أنه اتفق مرة ~~أن وليم كان يحاول الاستبداد بامرأة إرلندية، وقد أكرهها على الدخول إلى هذه الحانة وهي ~~تستغيث، ولا يجسر أحد على أن يغيثها، وكان في الخمارة رجل فرنسي يشبهك بقوامه وبعض ~~ملامحه، غير أن له نظرات تنفذ إلى القلوب، وعينين براقتين لم أر مثلهما في وجه إنسان، ~~ولما رأى هذا الرجل استبداد وليم بالمرأة وتبين في وجه تلك المرأة ملامح الصلاح؛ حمل ~~على وليم حملة منكرة وقذفه قذف النواة، فأكبر الناس هذه الجرأة وعجبوا لهذه القوة ~~النادرة. # أما وليم فإنه نهض عن الأرض وهي يرغي كالجمال وهجم على الرجل الفرنسي هجوم الكواسر، ~~فحمله الفرنسي مرة ثانية وقذف به كما فعل في المرة الأولى، ثم أعاد الكرة مرة ثالثة فلم ~~يكن نصيب وليم غير الخذلان، وعند ذلك أقر لخصمه بالقوة وتخلى عن تلك المرأة ولم يحقد ~~على خصمه، بل أصبح من أخلص أصدقائه. ~~- إن ذلك يدل على أدب نفسه وعرفانه قدر الرجال، ولكن هذا الرجل الفرنسي ألم تعرفي ~~اسمه؟ ~~- إن اسمه لم يعرفه أحد، ولكنه يلقب بالرجل العبوس. ms2334 # فتظاهر مرميس أنه لا يعرفه، وعند ذلك دخل إلى الحانة رجل هائل الخلقة طويل القامة، ~~ضخم الجثة عريض المنكبين، له رقبة كرقبة الثور وشفة أدلاها الإدمان على السكر فباتت ~~كشفة البعير، فقالت الإرلندية لمرميس: هو ذا وليم الذي تسأل عنه فإذا كنت تريد محادثته ~~فهذه أفضل فرصة؛ لأنه لم يسكر بعد. # فشكرها مرميس ودفع لها شلنين ثم قام إلى حيث وقف وليم فدنا منه وقال له: ألست الذي ~~يدعونه وليم البحار؟ # فنظر إليه وليم نظرة احتقار وقال: نعم وأنت ماذا تدعى؟ ~~- إنك لا تعرفني ولكني أتيت لأكلمك من قبل رجل تعرفه. ~~- ومن هو هذا الرجل؟ # فاقترب منه وهمس في أذنه قائلا: إنه يدعى الرجل العبوس. # وظهرت على وليم علائم الدهشة فقال مرميس: هلم نتحدث خارج الخمارة. # ثم خرج به إلى الشارع فسأله وليم: إذن أنت قادم من قبل الرجل العبوس! ~~- نعم كما قلت لك. ~~- إني لم أر أشد من هذا الرجل فإني لم يصرعني أحد سواه في حياتي. ~~- ألم تحقد عليه بعد هذا الفوز؟ ~~- بل قدرته قدره وبت له خير صديق، فإني أبذل حياتي في سبيله إذا احتاج إلي. ~~- إنه محتاج إليك الآن يا وليم ولذا أرسلني إليك. ~~- إذن قل ما يريد، ألعله استاء من عدو فأنتقم له منه بالموت؟ ~~- كلا. ~~- إذن ماذا يريد؟ ~~- إن الرجل العبوس في سجن نوايت. ~~- بالله، ماذا تقول؟ ~~- هو ما قلت لك، وأنا أرجوك أن تفعل كل ما جاز لك فعله فإني لا أكلمك. ~~- ولكن قل ماذا تريد أن أصنع؟ ~~- أريد أن تشرب معي غدا كأسا فأخبرك بما يجب أن تفعل. ~~- وأين أوافيك؟ ~~- في أولد باي تجاه نوايت عند بائع الحبوب. ~~- لقد عرفت المكان. ~~- أتوافينني؟! ~~- سأوافيك. # فنظر مرميس في ساعته ورأى أن الوقت قد أزف لرجوع مس ألن فاعتذر من وليم وانصرف عائدا ~~إلى المكان الذي ذهبت منه مع الأب صموئيل. # 27 # أما مس ألن والكاهن فإنهما تركا مرميس وذهبا إلى ذلك المنزل الذي ظهرت منه إشارة ~~النور الأخضر؛ وهو منزل مرتفع يتألف من أربعة ms2335 أدوار تدل ظواهره على فقر سكانه. # ودخل الكاهن من بابه إلى رواق مظلم وتبعته مس ألن غير هيابة يدفعها الأمل بإنقاذ ~~الرجل العبوس، فلا تبالي بخطر، فالتفت إليها الكاهن وقال لها: اتبعيني يا ابنتي دون ~~خوف. # وهي تقول: إني لا أخاف شيئا. # وقد انتهيا من فوق الرواق إلى باب فطرقه الأب صموئيل بشكل اصطلاحي، ففتح وظهر منه ~~نور ضعيف، رأت به ألن أنها في قصر فيه سلم يتألف من بضع درجات، وكان المصباح معلقا في ~~السقف. # فنزل صموئيل وتبعته مس ألن، فعدت سبع عشرة درجة وانتهيا بعد ذاك إلى رواق آخر، كان ~~فيه نور وفي آخره باب، وسمعا أصواتا بشرية من وراء الباب. # ولما سمع الأب الأصوات قال للفتاة: إن الزعماء مجتمعون وهم لا يتوقعون قدومك، يجب أن ~~تبقي في الرواق إلى أن أدعوك. # ثم تركها في الرواق وطرق الباب فقال له صوت من الداخل: من أنت، وماذا تريد في هذه ~~الساعة؟ ~~- إني أخوكم. # ففتح الباب عن قاعة تحت الأرض في وسطها منضدة طويلة جلس حولها عشرة رجال هم زعماء ~~الإرلنديين. # ولما رأوا الأب صموئيل وقفوا إجلالا له، وقال أحدهم: إنك دعوتنا إلى الحضور وقد ~~لبينا الدعوة. # فقال لهم: إني دعوتكم لأكلمكم عن إرلندا العزيزة وعن الذين خدموها بإخلاص. # ثم أشار إليهم فجلسوا في مواضعهم وبقي وحده واقفا. ~~- إني أريد أن أكلمكم أيها الإخوان عن رجل خاطر بحياته في سبيل إرلندا ... # فأجابه معظمهم: ومن منا لم يخاطر بحياته في هذا السبيل؟ ~~- هو ذاك، ولكنكم إرلنديون. ~~- والذي تعنيه؟ ~~- إنه من الفرنسيين. # فقطب الجميع حواجبهم وقال أحدهم: ألعلك تريد أن تحدثنا أيضا بشأن الرجل ~~العبوس. ~~- نعم أيها الإخوان. ~~- وماذا تريد أن نصنع له وهو ليس إرلنديا؟ ~~- ولكنه خدم إرلندا خدمات جليلة لم يقدم على بعضها سواه من الإرلنديين. ~~- ولكنه ماذا فعل؟ ~~- إنه أنقذ جوهان كولدن. ~~- وبعد ذاك؟ ~~- أنقذ أيضا ذاك الذي نعده زعيمنا العام في مستقبل الأيام. ~~- ولكنه خدع بمكيدة لا يخدع بها العقلاء من أهل الحذر. ~~- إنكم مخطئون. ~~- كيف ذلك؟ أما ms2336 هو الآن في سجن نوايت بسبب هذه المكيدة؟ ~~- هو ذاك، ولكنه لم يقع في الفخ إلا طائعا مختارا، وإنما رضي أن يسجن ويعرض نفسه ~~للإعدام خدمة لإرلندا واستجلابا لأشد أعدائها. # وقد خاض الأب صموئيل في وصف إخلاص الرجل العبوس بلهجة كان لها تأثير شديد على ~~الحاضرين إلى أن قال: وإنكم جميعا تعلمون نسب هذا الغلام الذي سيتولى قيادتنا حين يبلغ ~~سن الرشد. # فقال أحد الزعماء: نعم فهو ابن أخي اللورد بالمير عدونا اللدود. # فأجابه ببرود: إني كنت أنتظر منكم هذا الإقرار فإن مس ألن لم تعد عدوة لإرلندا كما ~~تتوهمون. # فدهش الجميع وقالوا: كيف ذلك؟ ~~- لأن الفتاة أصبحت أشد إخلاصا لإرلندا منا لها. ~~- هذا محال. ~~- بل هي الحقيقة، فإنكم تعرفونني منذ عهد بعيد، وليس بينكم من يجسر على القول أني من ~~أهل الكذب. # فصاحوا جميعهم بصوت واحد: معاذ الله أن نتهمك. ~~- إذن أقسم لكم بإرلندا وهي أمنا العزيزة أن مس ألن من أنصارنا. # ثم مشى إلى الباب ففتحه ونادى مس ألن فقال لها: أرجوك يا سيدتي أن تثبتي لإخواني ما ~~قلت لهم عنك. # فدخلت مس ألن ورفعت البرقع الكثيف عن وجهها فدهش الجميع لمرآها، وقال لها الأب ~~صموئيل: أرجوك أيضا يا سيدتي أن تقولي لهؤلاء الإخوان إني لم أقل غير الحق. # وكانت مس ألن قد اصفر وجهها قليلا لهذا الموقف، ولكن نور العزيمة الثابتة كان يتقد ~~في عينيها. # فقالت: إني كنت أيها الرفاق ألد عدوة لكم، وكنت أشد أعدائكم أيضا، غير أن رجلا نزع ~~هذا العداء من قلبي وأحل محله الإخلاص لكم، ولم يتيسر له نيل هذه البغية إلا بعد أن ~~خاطر بحياته، وإليكم حكايتي معه. # ثم قصت عليهم جميع ما حدث لها مع الرجل العبوس بلهجة دلت على إخلاصها وصدق ~~وفائها. # وختمت حديثها بقولها: إني ألتمس منكم إنقاذ هذا الرجل فهو أصدق وفي لإرلندا، وإذا كان ~~معنا بلغنا منه ما نريد. # وكان لكلام الفتاة تأثير شديد على الزعماء، لا سيما وقد وثقوا كل الوثوق أنها منهم ~~وأنها لا تخلص ms2337 لهم، إلا إذا أنقذوا من تحب، فقدم أحدهم وقال: إني بالأصالة عن نفسي ~~والنيابة عن إخواني أقسم لك يا مس ألن بأمنا إرلندا سننقذ الرجل العبوس. # فأعاد جميع الحاضرين قسمه، فشكرتهم مس ألن وقالت لهم: إني واثقة بكم. # ثم ذهبت إلى الكاهن فركعت أمامه وقالت: أرجوك يا أبتاه باسم إرلندا أن تغفر ~~لي. # فأنهضها وقال لها: إني أغفر لك يا ابنتي عن إساءتك إلينا باسم الوطن، وباسم ~~أبنائه. # 28 # في صباح اليوم التالي فتح ميلون ذلك المخزن الذي اشتراه مرميس وقد رتبه أجمل ترتيب ~~واجتمع فيه أهل العصابة، فكان كل منهم يشتغل بالمهمة التي انتدب لها. # أما ميلون فقد كان واقفا عند باب المخزن ينظر إلى جهة كنت ستريت كأنه ينتظر قدوم ~~زائر. # ولم يطل انتظاره فإن مركبة وقفت عند باب المخزن فتهلل وجه ميلون؛ لأن هذا القادم كان ~~مرميس. # وكان مرميس قد تردى بثياب الإنكليز، وتخلق بأخلاقهم وقلد جميع حركاتهم، بحيث لم يعد ~~يختلف بشيء عنهم، فدفع أجرة المركبة وأطلق سراحها، ثم دخل إلى المخزن فتبعه ميلون وقال ~~له: لقد طال غيابك حتى كاد يفرغ صبري. ~~- ألعلك انتظرتني كل الليل؟ ~~- دون شك. ~~- ولكن ذلك لم يمنعك عن العمل كما أرى. ~~- نعم، ولكني قلقت عليك. ~~- لماذا القلق؟ ~~- لأني لم أعلم ما جرى لك هناك. ~~- سأقول لك ما جرى بجملة واحدة وهي أنهم وعدوا أن ينقذوه وقد واعدت أحد زعمائهم على ~~اللقاء هنا. ~~- متى؟ ~~- في هذا الصباح. # ولم يكد مرميس يتم حديثه حتى دخل إلى المخزن رجل عليه علائم الفقر فتظاهر أنه يريد ~~شراء حاجة له. # وأجال نظره في الحاضرين، فلما رأى مرميس ارتعش وخطا خطوة إليه وقال: مس ألن. # فأجابه مرميس: الرجل العبوس. ~~- إذن أنا هو الرجل الذي تنتظره. # ثم مشى إلى آخر المخزن فتبعه مرميس وجلسا في زاوية، فقال له الإرلندي: لقد أرسلني ~~إليك زعماء الإرلنديين، فإنه بعد أن فارقتنا مس ألن عقدنا جلسة خاصة قررنا فيها إنقاذ ~~الرجل العبوس. # قال مرميس: كيف عولتم على إنقاذه؟ ~~- ذلك ما لا ms2338 نستطيع قوله الآن. ~~- لماذا؟ ~~- لسببين، أما الأول فهو أننا لم نضع خطة إنقاذه بعد، والثاني هو أنك وعصابتك لستم من ~~الإرلنديين. ~~- وما يضركم إذا لم نكن منكم؟ ~~- قد لا يكون في هذا ضرر غير أن نظام جمعيتنا علينا بأن لا نشرك بأعمالنا من لم يكن ~~من أعضائها. # قال مرميس: لكن الرجل العبوس قد شارككم بأعمالكم، وهو فرنسي مثلنا. ~~- ولكنه عضو عامل في جمعيتنا واقف على معظم أسرارها. ~~- ونحن أصحابه ورجاله. # فأجابه الإرلندي ببرود: إننا سنرده إليكم، وماذا تريدون أكثر من هذا؟ # وعندها قام من مكانه فودع مرميس وانصرف دون أن يخبره عن طريقة إنقاذ روكامبول. # فلما انصرف قال ميلون لمرميس: ما قال لك هذا الرجل؟ ~~- إنهم يريدون تخليص الرئيس دون مساعدتنا. # فاستاء ميلون وقال: كلا إن هذا لا يكون، فإننا ما جئنا إلى هذه الديار للنزهة. ~~- دون شك فسنشتغل حسب خطتنا وليعملوا حسب خطتهم، ولكن يجب الإسراع. # فضم ميلون قبضتيه وقال: قبح الله هؤلاء الإرلنديون فإني بت من أشد الناس كرها لهم، ~~ولولاهم لما كان روكامبول في السجن. ~~- وأنا أيضا أكرههم كرهك؛ فإنهم لا يريدون إنقاذه اعترافا بجميله عليهم، بل طمعا ~~بمساعدة مس ألن لهم فيما يريدون. ~~- وإني لو ملكت عمري لبذلت نصفه على أن ننقذ الرئيس قبلهم. ~~- إذن هلموا إلى العمل ولا تبذل شيئا من عمرك. ~~- كيف هذا، أنشتغل نحن في رابعة النهار؟ ~~- نعم، وسنبدأ بتفقد أقبية المنزل والبحث عن مداخل الدهليز. ~~- إذن هلم بنا. # فأخذ مرميس تلك الخريطة التي اشتراها من بائع الكتب وبعض أدوات النور، ثم فتح الباب ~~المؤدي إلى الأقبية ودخل منه فتبعه ميلون. # 29 # كان مرميس قد أخبر ميلون بما يجب أن يفعله طيلة غيابه، فاشترى جميع آلات الحفر ~~والتنقيب والكسر، وكل ما يستعمله البناءون في الردم. # وقد وجد جميع هذه الآلات عند باب القبو. # أما هذا القبو فقد كان كسائر أقبية المنازل، وأن صاحب ذلك البيت القديم أقام فيه خمسة ~~عشر عاما، دون أن يخطر له أن هذا القبو يؤدي إلى دهليز، حفرت فيه ms2339 إبان المؤامرة، في ~~القرن السادس عشر. # فوضع مرميس مصباحه فوق أحد البراميل الفارغة التي كانت في القبو، وفتح الخريطة التي ~~بحوزته وبدأ بالبحث عن رسم البيت المذكور في الخريطة. # فوجده ووجد معه تلك الخطوط الحمراء المشيرة إلى مكان الدهليز، ثم أخذ مصباحه وجعل ~~يتفقد المكان. # ولم يكن لهذا القبو غير باب واحد، وهو الباب الذي دخل منه ميلون ومرميس. # وكان ميلون يطوف وإياه فقال: إني لم أر أثر الدهليز. # فأجابه: ذلك لأنهم قد سدوا بابه بالبناء، فأمسك هذا المصباح ودعني أبحث. # فحمل ميلون المصباح وأخذ مرميس المطرقة وجعل يطرق بها في كل موضع من الجدران ويصغي ~~إلى الصوت، كما يطرق الطبيب صدر المريض حين يفحصه. # وما زال يفحص هذا الفحص حتى سمع صوتا يشبه صوت الطرق على معدن فاختلج وأمر ميلون أن ~~يدني المصباح. # ورأى عند مصدر ذلك الصوت مسمارا مغروسا في الجدار، فأخذ المطرقة وطرق المسمار فغار ~~في الجدار وسقطت على أثرها قطعة من حجر انكشفت عن ثقب في الجدار تمد منه اليد. # فمد ساعده من الثقب فلم يصادف إلا الخلاء. # وعندها أخذ المطرقة وأمر ميلون أن يقتدي به، وجعل الاثنان يطرقان ذلك الجدار بعنف ~~شديد، وبقيا على ذلك حتى فتحا فيه ثقبا يتسع لمرور إنسان. # فأخذ مرميس المصباح بيده، ودخل من ذلك الثقب، ولكنه لم يتقدم قليلا حتى اعترضه قبو ~~آخر أضيق من الأول، وظهر له أنه دون منفذ. # فقال له ميلون، وقد رأى ما رآه: كأننا لم نتقدم شيئا. ~~- سوف نرى. # ثم عاد إلى طرق الجدران بمطرقته كما فعل في المرة الأولى، وبقي يطرق في مواضع مختلفة ~~حتى سمع صوتا يشبه صوت الطبل الرجوج فنظر إلى ميلون نظرة انتصار وقال: هو ذا ~~المنفذ. # فأخذ ميلون يهدم الجدار بمطرقته فما أزال غير قشرته الخارجية وظهر من صوت المطرقة ~~أنها توقع على حديد. # فمنعه مرميس عن العمل قائلا: هذا ما كنت أتوقعه. # ثم جعل يزيل القشرة عن ذلك الحديد، فانكشفت عن باب حديدي يبلغ علوه المتر ولم يكن له ms2340 ~~قفل ظاهر. # فتفقده مرميس، ورأى أنه شديد الكثافة، بحيث لا تفيد به المطارق، فقال لميلون: إن هذا ~~الباب هو باب السرداب، ويكفي أننا وجدناه. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد. ~~- إذن ما العمل الآن؟ ~~- لا شيء بل ننتظر إلى المساء فاتبعني. # ثم رجع مرميس من حيث أتى وهو يقول: لقد بت واثقا الآن من أن الدهاليز لم تدمر، ~~وسننقذ روكامبول قبل أن يشرع الإرلنديون بإنقاذه. # ثم خرج الاثنان من تلك الأقبية. # 30 # ولنعد الآن إلى ذلك الحاكم، حاكم سجن نوايت، فإن الخطأ الذي أخطأه في القبض على مرميس ~~وما يتوقعه من دفع غرامة فادحة قد هد حيله وأنهك قواه. # فنام تلك الليلة نوم الملسوع، ولما استفاق تجسمت تلك الحادثة في خاطره، فكان شديد ~~التأثير كثير الانفعال، حتى إن زوجته وابنتيه كن يخشين على صوابه. # وذلك أن الشرائع الإنكليزية لا ترحم من يخطئ من عمال الحكومة لمبالغتها في احترام ~~حرية الأشخاص. # فإذا قبض شرطي خطأ على رجل آمن، قضي على ذلك الشرطي بدفع ما يطلبه الرجل من تعويض، ~~وكذلك حاكم السجن فإن التبعة عليه تكون أشد وأنكى. # وقد خطر لهذا الحاكم المنكود أن هذا الشخص الذي سجنه باسم روكامبول قد يطلب غرامة ~~مليون فرنك، بالقياس إلى علو مقامه وجاهه وثروته، وقد لا تحكم له المحكمة بكل هذا ~~المبلغ، ولكنها تحكم له ببعضه دون شك، وأي مبلغ يحكم عليه بدفعه يؤدي به إلى الخراب؛ ~~لأنه لم يكن من الأغنياء. # وفي المساء حسب ثروته، وقدر ما يمكن أن يحكم به القضاة عليه مع المراعاة والتساهل، ~~فوجد أنه يزيد أضعاف ثروته فكبر عليه الأمر وجعل يبكي بكاء الأطفال. # واستفاق في صباح اليوم التالي وهو على حاله من القلق والهم فأقام في بيته وهو ينتظر ~~في كل لحظة أن يقرع الجرس، ويرد إليه الإنذار بالذهاب إلى المحكمة لمقاضاته. # ثم خطر له خاطر غريب وهو أن يستشير الرجل العبوس في مشكلته دون أن يعلم المسكين أن ~~نكبته من هذا الرجل. # فذهب إليه وقال له: إني عاملتك في سجنك خير ms2341 معاملة، فجازيتني بنكران الجميل. # فلم يجبه الرجل العبوس ولكنه جعل يضحك، فقال له الحاكم: إنك دفعتني إلى ارتكاب هذا ~~الخطأ بتلك اللغة الجهنمية التي كنت تحدث بها ذلك الرجل، فزاد اعتقادي أنه ~~روكامبول. # فأجابه روكامبول: ولكني أخبرتك يا حضرة الميلورد، أني لا أعرف هذا الشخص. # فتنهد الحاكم وقال: لا أنكر أنك أخبرتني، ولكني لم أستطع التصديق. ~~- وأي ذنب بقي علي فيما صرت إليه، إن موقفك حرج ولو خيرت بين موقفي وموقفك لاخترت ~~الأول. ~~- أتظن أن هذا الرجل الشريف يطالبني بتعويض كما أنذرني؟ ~~- بل إني واثق كل الوثوق وسيفضي ذلك إلى خرابك. # فاضطرب الحاكم وقال: رباه ما العمل؟ ~~- لدي رأي أرجو أن يكون سديدا. ~~- أسرع بإبدائه. ~~- إن هذا الشخص يا حضرة الميلورد واسع الثروة. ~~- ولأجل ذلك، أرجو أن لا يطمع بتعويض لا يفيده، ويكون فيه خرابي. ~~- ولكنه شخص غريب الأخلاق يشبه اللوردية عندكم بشذوذهم، ولذلك ثق أنه سيراك قبل أن ~~يرفع أمره إلى المحاكم، وربما سألك أمرا غريبا مقابل ذلك التعويض. ~~- ولكنه ماذا يطلب؟ ~~- لا أعلم إنما هذا اعتقادي. ~~- وعندها؟ ~~- أشير عليك أن تجيبه إلى ما يطلب فإن من كان في موقفك الحاضر يجب عليه أن يضحي بعض ~~التضحيات. # فتنهد الحاكم تنهدا عميقا وقال: إني أشكرك وأرجوك معذرتي عما بدر مني في بدء ~~الحديث. # ثم هم بالخروج ولكنه عاد فقال لروكامبول: ألست محتاجا إلى شيء؟ # فابتسم قائلا: وأنا أسألك العفو يا سيدي الميلورد فقد نسيت أن ترسل إلي الجرائد ~~اليوم. ~~- لقد أصبت. ~~- وحبذا يا سيدي لو أرسلت لي التايمز أو الإفنن ستار. ~~- سأرسل لك الجريدتين. ~~- أشكرك وأرجوك أن تأذن لي بسؤال. ~~- سل ما تشاء إني مصغ إليك. ~~- متى يحكمون علي؟ ~~- لا أعلم. ~~- ولكنهم سيحاكمونني؟ ~~- دون شك، ولكن ذلك لا يكون قبل أن يعرفوا حقيقة اسمك. # فضحك روكامبول وقال: إذن سأتشرف يا حضرة الميلورد، دهرا طويلا بضيافتك. # فانصرف الحاكم وقد تعزى بعض العزاء بما أخبره به روكامبول، ودخل إلى البيت وسأل إذا ~~كان قد قدم أحد لزيارته: فعلم أنه لم يزره أحد. ms2342 # أما بيت هذا الحاكم في نوايت فقد كان مشرفا على شارع أولد بالي، وهو بيت ضمن بيت؛ أي ~~إنه يوجد بين القسم الكائن فيه بيته وبين السجن جدار فيه باب غليظ من الحديد. # وكان بوسع الحاكم أن يستقبل الناس في بيته دون أن يمروا إليه من السجن. # فجلس الحاكم حول مائدة الطعام وجعل يأكل وهو يفتكر بماذا عسى أن يطلب إليه ذلك الرجل ~~الفرنسي. # وفيما هو يأكل دخل إليه الخادم يحمل على صينية رقعة زيارة، فأخذها الحاكم وقرأ فيها ~~هذا الاسم: # فيليكس بيتافن # شريف فرنسي - فندق التيجان # وقد أعطاه الخادم الرقعة وقال له: إن صاحبها يا سيدي، يلح بأن يراك. # فتنهد الحاكم وقال لبنتيه: لقد أتى الرجل، فإما أن يكون رسول الخراب، أو رسول ~~الخير. # 31 # ودخل مرميس وهو يبتسم ابتساما أشكل فهم معناه على الحاكم، ولكنه كان يظهر له أنه ~~أقرب إلى الشر منه إلى الخير، فاصفر وجهه من الخوف، وسقط العرق البارد من جبينه، فأسرع ~~وقدم له كرسيا وعرفه لفوره بزوجته وابنتيه، كأنه يريد أن يظهر له أنه رب عائلة ~~استعطافا له. # أما مرميس فإنه قال بعد التعارف: إنك عرفت يا سيدي دون شك السبب في زيارتي. ~~- كلا يا سيدي لم أعلم ... ولكني أظن ... وفي كل حال فأكرم بك من قادم مهما يكون سبب ~~زيارتك. ~~- أشكرك يا سيدي وأخبرك أني قادم من عند المحامي ستلج، وأنت تعلم أنه أشهر المحامين ~~في لندرا. # فاضطرب الحاكم وقال: نعم يا سيدي أني سمعت به. ~~- إن المحامي أبرع رجال الشرع، وأزلقهم لسانا وأقواهم حجة وأشدهم حرصا على حقوق ~~موكليه، وقد عرضت قضيتي معك عليه فوجد أن الفوز فيها مضمون. # فمسح الحاكم العرق من جبينه، وجعلت زوجته وابنتاه يذرفن الدموع. # وعاد مرميس إلى الحديث فقال: إن المحامي ستلج قد أكبر هذا الأمر وعول على أن يقاضيك ~~أمام المجلس الخاص الأعلى، وأنت تعلم أن لا رحمة في قلوب قضاة هذا المجلس. # فرفع الحاكم عينيه إلى السماء دون أن يجيب، فقال مرميس: والذي يراه هذا ms2343 المحامي أن ~~المجلس لا يقتصر على الحكم عليك بغرامة عشرين أو ثلاثين ألف جنيه، بل إنه يعزلك من ~~منصبك. # وهنا وهنت قوى ذلك الحاكم المنكود، ونسي مركزه، فركع أمام مرميس وقال له: أعترف يا ~~سيدي أني أهنتك إهانة عظيمة، وأسأت إليك إساءة لا تغتفر، ولكني ألتمس منك أن يسع حلمك ~~ذنبي، وأن تشفق على زوجتي وأسرتي المنكودة. ~~- إني لست يا سيدي الحاكم مجردا من الرأفة كهذا المحامي، ولكنك أنت نفسك تعترف أنك ~~أسأت إلي إساءة لا تغتفر وأي إساءة أشد من أن يجيء الرجل النبيل متنزها في عاصمة ~~الإنكليز فيستقبله رجال الشرطة، ويزج في السجن بين المجرمين. ~~- إنك مصيب يا سيدي في كل ما قلته. ~~- إذن أنت تعترف بوجوب التكفير عن هذا الذنب؟ ~~- دون شك يا سيدي. ~~- إذا كان ذلك فإني أرجو أن أتفق معك وأؤثر الاتفاق الودي. # فتنهد الحاكم وقال: مر يا سيدي بما تشاء. ~~- بل أنت اعرض علي ما تستطيعه من أنواع التعويض والتكفير عن ذنبك. # فعاد الحاكم إلى التنهد قائلا: إني لست غنيا يا سيدي، ومع ذلك فإنه ليست لدي غير ~~خمسة آلاف جنيه وهي مهر ابنتي. # فضحك وأجابه: أي مائة وخمسة وعشرون ألف فرنك. ~~- نعم يا سيدي. ~~- اكتب إلى العاصمة الفرنسية سائلا عني، تعلم أن دخلي السنوي يبلغ مليون ~~فرنك. # فقالت زوجة الحاكم: أتكون يا سيدي غنيا إلى هذا الحد وترضى الخراب لعائلة ~~منكودة؟ ~~- ولكني عرضت الاتفاق الودي على حضر زوجك ورضي به، ولو عهد الأمر إلى القضاء لكان ~~الخراب لا شك فيه. # فقال الحاكم: إني أدفع لك يا سيدي كل ما أملكه. # فابتسم مرميس وقال: وإن سألتك تعويضا أدبيا؟ # فصاح الحاكم صيحة فرح وقال: لقد خطر لي يا سيدي أنك من أشرف الأغنياء لا تكترث ~~للمال. ~~- إن هذا منوط بك ومتعلق بالتعويض. ~~- قل يا سيدي ما تريد، أتحب أن أكتب إليك كتاب اعتذاري في جريدة التايمز؟ ~~- كلا. ~~- أتريد أن أجمع كل رجال السجن فأعتذر إليك أمامهم؟ ~~- كلا. # فذعر الحاكم وخشي أن يكون قد أصيب بشر ms2344 جديد، فقال: كيف تكون الترضية الأدبية إذن ~~وماذا تريد؟ ~~- إني لست يا سيدي من الإنكليز، ولكني من أهل الشذوذ. ~~- قل لي ما تريد. ~~- إني لم أعد آمنا على نفسي في لندرا، بعد أن قبض علي في أشهر فنادقها، ثم إن ~~زوجتي قد خافت خوفا شديدا، ولم يعد يهدأ لها بال من الخوف. ~~- أتريد أن أطلب لك حرسا من الشرطة؟ ~~- كلا بل أريد أمرا أبسط من هذا، وهو أن أقيم في منزلك مع زوجتي إلى أن أعود إلى ~~فرنسا، وإن زوجتي يا سيدي الحاكم من أهل الظرف والكياسة، وهي بارعة في الموسيقى ولا تمل ~~زوجتك وابنتاك عشرتها خلال هذه الضيافة. # فدهش الحاكم لهذا الطلب وقال: ولكن زوجتك تضجر ضجرا شديدا في هذا البيت فإننا في ~~سجن كما لا يخفاك. ~~- ولكنها تستطيع الخروج في النهار كما أظن؟ ~~- دون ريب. ~~- وهذا الذي أرجوه فإنها لا تخاف إلا في الليل. # فنظر الحاكم إلى زوجته نظرة تدل على أن الخطر الشديد الذي كان يتوقع حدوثه لم يصبه ~~غير الخوف. # ثم نظر إلى مرميس وقال له: إن منزلي معد لخدمتك يا سيدي، فأهلا بك وبزوجتك. # فبرقت عينا مرميس بأشعة السرور وأصغى إلى تتمة الحديث. # 32 # وجعل الحاكم يصف منزله وما فيه من أسباب الراحة ترغيبا لمرميس، فإنه وجد أن حل ~~المشكلة بهذا الشكل فوق ما كان يتمناه، ثم قال: إن لدينا قاعة كبرى وثلاث غرف لا ~~أستخدمها في شيء لاتساع البيت بنا فإن شئت خصصتها لك ولزوجتك. ~~- إنها فوق الكفاية؛ لأننا لا نقيم في لندرا أكثر من أسبوع. # فسر الحاكم من هذه النهاية وقال: سنجعل يا سيدي طعامنا ومواعيده على الطريقة ~~الفرنسية. ~~- لا حاجة إلى ذلك يا سيدي، فإننا ألفنا العادات الإنكليزية، غير أن مطالبي لا تقتصر ~~على هذا الحد. # فوجف قلبه وعاد إليه الاضطراب، فقال له مرميس: لقد تقدم لي القول إني من أهل الشذوذ، ~~ومن غرائب أخلاقي أن لي بالشطرنج ولعا غريبا بحيث لا أطيق الصبر عن اللعب به كل ~~ليلة. ~~- إذا كان ذلك ms2345 فإني من البارعين به وسألاعبك به حين تشاء. ~~- كلا، ليس هذا الذي أريده. ~~- إذن ما تريد؟ ~~- إني قضيت أيام شبابي في الهند وهناك نوع من لعب الشطرنج اخترعه البراهمة لا يعرفه ~~أهل أوروبا فلا تعرفه أنت. ~~- دون ريب فإني لا أعرف غير الطريقة المألوفة. ~~- ولكن يوجد بين المسجونين عندك رجل أقام زمنا طويلا في الهند وهو بارع في هذا ~~اللعب. ~~- من هو هذا السجين؟ ~~- هو الرجل الذي سجنتني معه. ~~- الرجل العبوس؟ ~~- هو بعينه. # فاضطرب الحاكم وقال: ولكن يا سيدي ... ~~- إن الرجل شريف الأخلاق حسن التربية. ~~- هو ما تقول بل هو فوق ما وصفته. ~~- ولذلك فإنه سيظهر أمام السيدات في منزلك، بما يجب عليه من الاحترام. # فدهش الحاكم وقال: كيف ذلك يا سيدي؟ أتريد أن أحضر الرجل العبوس إلى منزلي؟ ~~- كل ليلة؛ إذ لا يعرف هذه الطريقة من اللعب سواه. ~~- ولكني مقيد بنظام السجن يا سيدي. ~~- إن أردت أن تحدثني بالنظامات عدت إلى محادثتك بالمرافعات وبما يعتقده المحامي ستلج، ~~وفوق ذلك فإن كنت تخاف أن يهرب فإنك تستطيع أن توقف على الباب قدر ما تشاء من ~~الحراس. ~~- إني لست أخاف فراره سواء كان في محبسه أو في منزلي. # فوقف مرميس عندها قائلا: لقد عرفت الآن الشرط الذي أتنازل به عن حقي من الغرامة ولم ~~يبق عليك غير الرفض أو القبول. # فنظر الحاكم إلى زوجته وتبودلت بينهما نظرتان مفادهما: «إنه خير لنا أن نخالف نظام ~~السجن مخالفة قد لا نؤاخذ عليها، من أن نعرض ثروتنا للضياع.» # وعندها التفت إلى مرميس قائلا: لقد رضيت بشرطك يا سيدي وسيلاعبك الرجل العبوس كل ~~ليلة. ~~- وأنا أتعهد لك بأن لا أرى المحامي ستلج طيلة إقامتي عندك، بل سأكتب إليه أني مسافر ~~وأرجوه أن يوقف القضية إلى أن أعود. ~~- كيف ذلك يا سيدي، ألا ترجع بتاتا عن القضية. ~~- سأرجع عنها يوم سفري، ولكني أقسم لك بشرفي أنك إن وفيت بعهدك وفيت بعهدي فما أنا من ~~الخائنين. # فوثق الحاكم أنه يريد أن يحتاط، وقال له: ليكن يا سيدي، ms2346 ما تريد. # فنهض مرميس ودنا من زوجة الحاكم فقال لها وهي تمسح دموعها سأتشرف غدا يا سيدتي ~~بتقديم زوجتي لك. # فقال الحاكم: كيف، ألا تحضر في هذا المساء؟ ~~- كلا فإننا ذاهبان الليلة إلى كرنويش وسنبيت فيها. # ثم خرج مرميس فشيعه الحاكم إلى الباب الخارجي، حتى إذا ركب مركبته وانصرف، عاد إلى ~~زوجته وقال لها: لقد نجونا بحمد الله من أشد الأخطار. # ثم عانقها وعانق ابنتيه فكانت تمتزج دموع الفرح بدموع الحنان. ~~••• # أما مرميس فإنه توجه توا إلى الفندق الذي تقيم فيه فاندا فقال لها: اعلمي أيتها ~~العزيزة أنك أصبحت زوجتي مدة أسبوع. # فابتسمت فاندا وقالت: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك تدعين منذ الآن السيدة بيتافن، وتبرحين هذا الفندق، وتذهبين معي للإقامة في ~~بيت أسرة إنكليزية؛ أي في بيت السير روبرت. ~~- ولكنه حاكم سجن نوايت. ~~- هو بعينه. ~~- ولكن كيف رضي بذلك؟ ~~- بل رضي أن يجمعنا بشخص تعرفينه، ويسرك أن تجتمعي به، وهو روكامبول. # فاصفر وجه فاندا وجعل يقص عليها جميع ما اتفق حتى إذا أتم حديثه قالت: ولكن أية غاية ~~لك من هذا الاجتماع. ~~- تخليص روكامبول. ~~- كيف؟ ~~- سوف ترين، فقد علمني هذا الرئيس الحبيب أن لا أقول الكلمة الأخيرة من قصدي. # ثم تركها وانصرف فذهب إلى رجل صانع أقفال، شهير بصنع الأقفال الغريبة وهو يقول في ~~نفسه: لا بد أن يرشدني هذا الرجل إلى طريقة لفتح الباب الحديدي الذي وجدته في قبو ~~المنزل فإنه لا ريب باب الدهليز الموصل إلى سجن نوايت. # 33 # ولما دخل مرميس إلى مخزن صانع الأقفال، طلب إليه أن يريه جميع ما لديه من الأقفال على ~~اختلاف أنواعها. # فأراه كل ما كان عنده، فلما أنهى فحصها قال له: لقد قرأت في كتاب قديم عن لندرا، أنهم ~~كانوا يستعملون فيها في القرن السابع عشر أقفالا غريبة الصنع. ~~- لقد استعملوا أقفالا مختلفة في ذلك القرن فأيها تعني؟ ~~- قرأت في الكتاب أنهم كانوا يستعملون أبوابا من الحديد لا تظهر أقفالها. ~~- إني عرفت هذه الطريقة ولدي مثال منها إن شئت أظهرته لك. ms2347 ~~- هذا جل ما أتمناه. ~~- هلم معي إلى متحفي، فإن لدي مجموعة نفيسة من تلك الآثار القديمة، لا توجد عند ~~سواي، حتى إن إدارة المتحف نفسها تحتاج إلي في مثل تلك الشئون. # ثم تقدم مرميس إلى غرفة متسعة ضمن مخزنه وبدأ بالحديث عن القفل السري فقال: أترى هذا ~~الباب الحديدي أمامك؟ ~~- نعم ... ~~- افحصه، أترى فيه قفلا؟ ~~- لا! ~~- افحص جيدا. # فتمعن به مرميس مليا ثم قال: إني لا أجد فيه أثرا لقفل. ~~- إذن انظر. # ثم أخذ مطرقة وجعل يطرق بها الباب الحديدي طرقات يعدها، حتى إذا عد عشرا سمع صوت ~~زلاج حديدي من الداخل قد سقط، ثم فتح الباب. # فسر مرميس سرورا عظيما، وقد أيقن أن باب القبو يشبه هذا الباب، وقال لصانع ~~الأقفال: إنها طريقة عجيبة، لا تخطر في بال أحد. ~~- إني سأوضح لك أسرارها، ولكن لا بد لي قبلها أن أوضح لك تاريخ ابتكارها والسبب في ~~اختراعها. # لقد ذكروا أنه منذ مائة وخمسين عاما انقسم أهل لندرا إلى قسمين؛ قسم انتصر لأسرة ~~ستيوارت، وقسم تحزب لأسرة هانوفر، فتآمر أشياع أسرة ستيورات وحاولوا نسف قسم من مدينة ~~لندرا تذرعا لبلوغ مأربهم من إنزال أسرة هانوفر عن العرش. # ولم تفز هذه المؤامرة، ولكن الحكومة وجدت كثيرا من الدهاليز محفورة في أقبية ~~المنازل، وكانت أبوابها حديدية تشبه هذا الباب الذي تراه أمامك. # وأن هذا الباب لا قفل فيه كما رأيت وقد بقي سره خفيا حتى رشت الحكومة أحد رجال ~~المؤامرة فباح بسر قفله. # فكان مرميس يقول في نفسه وهو يصغي إلى الحديث: لقد أصاب روكامبول بإهدائي إلى هذا ~~الرجل فإني سأقف منه على جميع ما أريد. # وعاد صانع الأقفال إلى الحديث فقال: إن هذه الطريقة الخفية كان المتآمرون يرمون بها ~~إلى غاية؛ وهي أنهم كانوا كثيرين وكانت الأبواب التي صنعوها كثيرة بحيث تعذر صنع مفتاح ~~خاص لكل متآمر منهم فاخترعوا هذه الأبواب وجعلوا طريقة فتحها واحدة فهي تقفل كلها ~~بالطريقة التي رأيتها؛ أي بالقرع عليها بالمطرقة طرقات معدودة. ~~- إنها طريقة مدهشة، ولكن كيف ms2348 يفتحون تلك الأبواب؟ ~~- بالطريقة نفسها، ولكن الفرق بين الفتح والإقفال أنك إن أردت الفتح أطرقت على الباب ~~فيسقط الزلاج، وإن أردت إقفاله طرقت أسفله فيرتفع الزلاج إلى حيث كان، وهذا مثاله، ثم ~~أخذ المطرقة وضرب بها على الباب من أعلاه ففتح، ثم ضرب على أسفله فأقفل. ~~- لقد أدهشتني هذه الطريقة وأنا ممتن لك كل الامتنان من إيضاح سرها، ولا أكتمك يا ~~سيدي أني مندوب من قبل مكتبة الحكومة الفرنسية لإنشاء كتاب عن هذه المؤامرة الهائلة ~~التي دعت إلى صنع مثل هذه الأبواب والبحث في أسرارها، وقد قيل لي: إن أمثال تلك ~~الأبواب السرية موجود عندك فثق يا سيدي أني سأذكرك في كتابي. # أما مرميس فإنه قد عرف ما أراد أن يعرفه، فشكر الرجل وودعه، ثم انصرف بمركبته فبلغ ~~بها بعد نصف ساعة مخزن الحبوب. # وهناك رأى أن عمال المخزن قد زادوا عاملا وهو وليم البحار الذين لم يغلبه إلا ~~روكامبول. # فناداه مرميس وقال له: إننا سنعمل على إنقاذ الرجل العبوس، فهل تريد أن تكون ~~منا؟ ~~- كيف لا أكون منكم فإني أسفك دمي في هذا السبيل. ~~- حسنا، ابق معنا ولما يحين وقت العمل نخبرك، فأقام وليم في المخزن ولبس ثياب ~~عماله. # أما ميلون فأنه رأى علائم السرور بادية بين ثنايا وجه مرميس، فاستبشر بما رآه وقال ~~له: ماذا حدث؟ ~~- هات مصباحك واتبعني. ~~- إلى أين، أإلى القبو؟ ~~- نعم. ~~- ألعلك وجدت وسيلة لفتح الباب؟ ~~- نعم، هلم بنا. # وذهب الاثنان إلى القبو الأول، ثم دخلا إلى القبو الثاني من الثقب الذي ثقباه حتى ~~وصلا إلى الباب الحديدي ففحصه مرميس فحصا مدققا فوجده يشبه الباب الذي رآه عند بائع ~~الأقفال. # فقال ميلون: ولكن لا أجد فيه قفلا، فكيف تقول إنك اهتديت إلى طريقة فتحه؟ ~~- سوف ترى أني أفتحه دون أن يكون له قفل فهات المطرقة التي بيدك وخذ المصباح الذي ~~بيدي وانظر، ثم أخذ المطرقة منه وجعل يطرق بها أسفل الباب على الطريقة التي تعلمها فسمع ~~ميلون بعد ذلك صوت زلاج حديدي سقط دون أن ms2349 يراه. # أما مرميس فإنه ألقى المطرقة إلى الأرض ودفع الباب بيديه دفعة شديدة ففتح لفوره ~~وانكشف عن دهليز مظلم. # وعندئذ أخذ مرميس المصباح من يد ميلون ودخل إلى الدهليز ومعه ميلون وهو يقول: أظن ~~أننا سننقذ روكامبول قبل أن يهتدي الإرلنديون إلى طريقة إنقاذه. # 34 # وسار مرميس وميلون في ذلك الدهليز الحديدي ومرميس يحسب أنه سيبلغ منه نفق يؤدي إلى ~~السجن، ولكنهما لم يسيرا هنيهة حتى اعترضهما جدار آخر فقال: لقد تسرعنا لاعتقادنا ~~بالفوز، ولا بد لنا من العودة أدراجنا وإحضار الآلات اللازمة لفتح منفذ في هذا ~~الجدار. # فعادا إلى القبو الأول وهناك أخذا ما يحتاجان إليه من الآلات ورجعا إلى الجدار ليعملا ~~على هدمه، ولكنهما لم يزيلا قشرته حتى ظهر لهما باب حديدي كالباب الأول ففتحه مرميس ~~بنفس الطريقة السابقة؛ أي بالمطرقة ودخل مع ميلون فوجدا فناء يشبه القاعات. # فأخذ مرميس المصباح وطاف مع ميلون تلك القاعة، فوجدا بها ثلاثة منافذ تؤدي إلى ثلاثة ~~دهاليز فوقف ميلون وقفة الحائر وقال: هذه مشكلة تفوق جميع ما تقدم من المشاكل في هذه ~~الأقبية؛ إذ لا نعلم في أي الطرق نسير. # فقال له مرميس: لننظر في الخريطة عسانا نهتدي بها إلى سواء السبيل. # ثم جلس على الأرض وفتح تلك الخريطة وميلون ينير له، فلم يجد في الخريطة ما يشير إلى ~~الدهليز. # وبعد أن أطرق هنيهة متمعنا التفت إلى ميلون وقال له: إننا مشينا إلى هذا المكان دون ~~تعريج أليس كذلك؟ ~~- هذا ما أظنه. ~~- لنسر في الدهليز الوسط بين الدهليزين. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الطريق إلى سجن نوايت لا تعاريج بها، فلو أردنا المسير إليه من المخزن سرنا إلى ~~الأمام ... ~~- لقد أصبت. # وسار مرميس أمامه بالدهليز المتوسط فلم يسر بضع خطوات حتى اعترضته أكداس من التراب ~~متخلفة عن تهدم جدران. # وعاد مرميس إلى ميلون وقال: إننا أصبحنا في حاجة إلى الرفاق فإن إزالة الموانع يقتضي ~~له عدة ساعات. ~~- أتريد أن أعود فأدعوهم؟ ~~- كلا. # ثم نظر في ساعته فقال: إن الساعة الآن الرابعة فلنصبر إلى الساعة ms2350 السادسة حيث يقبل ~~الظلام. ~~- لماذا؟ ~~- لأن المخازن تقفل أبوابها في هذه الساعة فتقفل أنت مخزنك وتأتي بعمالك فلا ينتبه ~~إلينا أحد. ~~- والآن ماذا نصنع؟ ~~- نسير في دهليز آخر من قبيل الامتحان؛ لأن الوقت فسيح لدينا. ~~- كما تريد. # وعاد مرميس يتبعه ميلون إلى الدهليز الأيمن، وسارا بضع خطوات وعند ذاك وقف مرميس ~~وقال: ما هذا ألا تسمع دويا بعيدا متواصلا؟ ~~- نعم وأظنه صوت المركبات التي تمر فوقنا فإننا تحت الأرض. ~~- لا أظن. # ثم اضطجع ووضع أذنه على الأرض فأصغى هنيهة، وعاد فقال: لا أظنه صوت مركبات. ~~- لنسر أيضا قليلا عسى أن تتبين لنا هذه الأصوات. # فاستصوب مرميس رأي ميلون وسار أمامه نحو ثلاثين خطوة، وهو يراقب ما حوله ثم وقف فجأة ~~وقال: ألا ترى أن الأرض تنخفض تباعا أمامنا كلما تقدمنا؟ ~~- نعم، فما عسى أن يكون هذا؟ ~~- إن انخفاض الأرض المتتابع يدل على أنه يوجد فوقنا مجاري مياه المدينة إلى النهر، ~~ولا شك أن هذه الأصوات التي نسمعها هي أصوات تحدر المياه إلى النهر؛ بدليل اتصال الصوت ~~وارتفاعه كلما تقدمنا. ~~- فلنتقدم أيضا وسوف نرى. # وجعلا يتقدمان في الدهليز، وكلما تقدما زاد ارتفاع الأصوات حتى باتت كهزيم ~~الرعود. # وفيما هما يسيران هب هواء شديد فجأة كاد يطفئ المصباح، فقال مرميس أشعرت بمجرى ~~الهواء؟ ~~- نعم، ولكن الهواء يجري في كل مكان. ~~- هو ذاك، غير أن هذا الهواء بليل وهو يسري من الخارج. ~~- إذا كان كذلك لنعد فقد عرفنا ما يجب أن نعرفه ... ~~- كلا، بل يجب أن نواصل السير. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أريد أن أعلم أين ينتهي الدهليز. ~~- ولكنه ينتهي إلى النهر كما ترى ونحن نسير في جهة معاكسة للجهة التي نريدها؛ أي جهة ~~نوايت. # فضحك مرميس وقال: إنك لا تزال على بلاهتك ... ~~- لماذا؟ ~~- لنفرض أننا أنقذنا روكامبول. ~~- لنفرض هذا فأية حاجة لنا بهذا الدهليز! ~~- حاجتنا به أننا نخرج روكامبول من دهليز السجن إلى هذا الدهليز فنجد هناك سفينة ~~بانتظارنا. ~~- لقد أصبت. ~~- بماذا، أبحاجتنا إلى الدهليز أم بحكمي عليك بالبلاهة؟ # وضحك ميلون وقال: بالاثنين، فلا ms2351 تجر علي بأحكامك يا مرميس فإني بطيء الفهم كما ~~تعلم. ~~- إذا ... اتبعني. # وسارا أيضا بضع خطوات وعندها هبت ريح شديدة فجأة فأطفأت المصباح وباتا في ظلام ~~دامس. # 35 # فاضطرب ميلون وقال: رباه ما نصنع؟ # فضحك مرميس قائلا: أرأيت كيف أنك تغرق في نقطة ماء؟ ~~- ليس لدي كبريت فأنير به المصباح. ~~- ولكن أنا لدي ... # ثم أخرج علبة الكبريت الشمعي من جيبه، وأخرج أيضا مصباحا، له غلاف من الزجاج يقي ~~النور من الهواء، فأضاءه وهو يقول: لقد أحضرت معي المصباح لتوقعي مثل هذه الحادثة فهلم ~~بنا الآن إلى استطراد السير. # فمشيا، وكانا كلما تقدما يرتفع الصوت ويزيد هبوب الهواء، ثم سمعا أن المياه تنحدر ~~مسرعة من فوقهما، وإذا الهواء بات رطبا وعلما أنهما اقتربا من النهر. # وبعد خمس دقائق رأيا نورا يتألق من محل بعيد وقال مرميس: ما عسى أن يكون هذا النور ~~فإنه لا يمكن أن يكون مضاء في الدهليز منذ القرن السابع عشر؟ # فقال ميلون: إني أخشى وجود سوانا فيه وعندي أنه يجدر بنا أن نعود أدراجنا. # فقال له مرميس بلهجة المؤنب: ألعلك خفت يا ميلون؟ ~~- معاذ الله أن أخاف نفسي. ~~- يظهر أنك خائف علي؟ ~~- كلا، ولكني أخشى أن يرانا هؤلاء الناس فيفتضح أمرنا. ~~- لا بأس فلنتقدم، وأن تبين لنا الخطر عدنا من حيث أتينا. # فامتثل ميلون وكانا كلما تقدما يكبر النور ويزيد تألقا وتمتد أشعته كأنما كانت تنعكس ~~على مرآة. # فقال مرميس: لقد علمت الآن ما هذا. ~~- ما هو؟ ~~- إن الذي تراه هو نهر التيمز لأن هذا الدهليز ينتهي إليه. ~~- ولكن المياه لا نور لها. ~~- هو ذاك، غير أن الذي يبدو لك هو نور الغاز المتماوج فوق المياه. ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد الآن. # ثم سارا بضع خطوات أيضا فثبت ما قاله مرميس واتضح أن الدهليز ينتهي عند نهر التيمز، ~~وأن النور كان مصباحا غازيا تتدفق أشعته على مياه النهر. # وكان الضباب قد انجلى، ففحص مرميس المكان الذي كان فيه فوجد أنه على ضفة النهر وعلى ~~يمينه جسر بلاك فريارد وكل ms2352 يساره جسر لندرا. # ولما عرف المكان وضواحيه بالتدقيق عاد ميلون إلى الدهليز وهو يقول: لقد علمت ما كنت ~~أريد أن أعلمه. # وكانا قد قضيا في هذا الاكتشاف نحو ساعة فعادا وهما يفحصان كل مكان يمران به، حتى ~~وصلا إلى تلك القاعة ذات الدهاليز الثلاثة ونظر مرميس في ساعته وقال: إن الساعة تبلغ ~~الخامسة والنصف الآن، ولا يزال لدينا نصف ساعة. ~~- ما تعني بذلك؟ ~~- أعني أننا عرفنا الدهليز الأيمن والمتوسط وبقي علينا الأيسر كي يتم اكتشافنا ولا ~~نكون أضعنا الوقت سدى. ~~- إذن هلم بنا. # ودخلا في الدهليز الأيسر وكانا يسيران صعدا خلافا للدهليز الأول. # وبعد حين عرض لهما باب حديدي مثل الأبواب التي رآها ففتحه مرميس بالمطرقة، كالطريقة ~~التي تقدم وصفها وتقدما، فقال ميلون: إننا لا نسير الآن إلى جهة التيمز. ~~- هو ذاك، بل إننا نسير في الجهة المعارضة له. ~~- ولكني مع ذلك أسمع دويا يشبه دوي المركبات. # فأصغى مرميس هنيهة وقال: إنك مخطئ أيضا فليس هذا الدوي دوي مركبات، وقد عرفت ما أردت ~~أن أعرفه. ~~- ولكن ما هذا الدوي؟ ~~- لقد تركنا أولدبالاي على يميننا ونحن الآن تحت الخط الحديدي، فهذا الصوت الذي ~~سمعناه صوت قطار قد مر من فوقنا ألا ترى كيف انقطع الصوت؟ ~~- لقد أصبت. ~~- لنرجع إلى رفاقنا فقد طال غيابنا عنهم. # وبعد ربع ساعة وصلا إلى المخزن فقال مرميس لرجال العصابة: إننا سنقفل المخزن ونشتغل ~~بغير ذلك من المهام. # وقال ميلون: وإن لدينا من الأعمال ما يقتضي له الليل بطوله. ~~- بل قد يستغرق عملنا عدة ليال. # 36 # في صباح اليوم التالي وقفت مركبة عند باب سجن نوايت في الجهة التي يدخل منها إلى منزل ~~الحاكم، وكان في المركبة مرميس وفاندا. # وأطلت ابنة الحاكم من النافذة ورأتهما بينما كان مرميس يقرع الباب. # وكانت فاندا قد تأنقت بملابسها وتزينت خير تزيين وباتت فتنة للناظرين، بحيث لم تتمالك ~~ابنة الحاكم عن إظهار اندهاشها وإعجابها بذلك الجمال. # أما الحاكم فقد لبس خير ملابسه استعدادا لاستقبال الضيفين الكريمين. # وكان قد أمعن الفكرة طول ms2353 ليله فيما اتفق عليه مع مرميس، وقد خطر له في البدء أنهم ~~يكيدون له، ولكنه قال في نفسه: إذا كان هناك مكيدة فلا يكيدها غير الإرلنديين، ويستحيل ~~أن يكون هذا الرجل النبيل حليفا لهؤلاء الزعانف، وهو صديق السكرتير الأول في سفارة ~~فرنسا. # فاطمأن خاطره لا سيما بعد أن تذكر ما رواه مرميس عن المحامي، وما كان يتوقعه من ~~الإفلاس والعزل لو وقف في مواقف القضاء. # ثم خطر له الخاطر الآتي فقال: لننظر إلى الأمور من أقبح وجوهها، ولأفترض أن لهذا ~~الشريف الفرنسي علاقة سرية مع الرجل العبوس، فغاية ما يكون من عقابي أن ناظر الحقانية ~~يوبخني، ثم لأفرض أمرا آخر يستحيل أن يكون، وهو فرار الرجل العبوس، فإن عقابي عندها لا ~~يكون غير الطرد من الخدمة وتبقى لي أموالي، في حين أنه لو حاكمني الرجل الفرنسي لحكم ~~علي بالغرامة والعزل معا، فأكون قد خاطرت بالمنصب، ومع هذا فسأبالغ في الحذر. # وفي الصباح ذهب لزيارة الرجل العبوس فعلم روكامبول من هيئته أنه قابل مرميس. # أما الحاكم فإنه قال: إنك لا تنكر يا سيدي إني عاملتك خير معاملة في سجنك وخففت ~~شقائك جهد الاستطاعة. ~~- كيف أنكر يا حضرة الميلورد فقد طالما أعربت لك عن امتناني. # وقد أعطيتك جرائد، وأذنت لك بالكتابة وأنت تعلم إن كنت في هذا السجن فليس الذنب ~~ذنبي. ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- ولذلك لا أجد سببا يدعوك إلى الحقد علي. ~~- معاذ الله أن أحقد عليك يا سيدي الميلورد فإني شاكر لإحسانك ممتن لجميلك، وإن قدرت ~~لي النجاة. # فقاطعه الحاكم وقد كره أن يسمع كلمات النجاة وقال: لا حاجة لإطلاق سراحك كي تبرهن لي ~~عن اعترافك بالجميل فإني واثق من كرم أخلاقك؛ ولذا أتيت أستشيرك في شأني. ~~- قل يا سيدي الميلورد، فإني أصدق المخلصين لك. # فقص عليه الحاكم عندها جميع ما جرى بينه وبين مرميس وذكر له الشرط الذي اقترحه ~~للتنازل عن القضية. # فابتسم روكامبول وقال: إني كنت عارفا بما جرى. # فذهل الحاكم وقال: كيف ذلك؟ # اصغ إلي يا سيدي ms2354 الميلورد فإني سأكلمك بحرية وجلاء، إن هذا الفرنسي الذي سجنته معي ~~قد استاء استياء شديدا حين نقلتنا إلى الغرفة الضيقة وعول على الانتقام منك وأخبرني عن ~~طريقة انتقامه. ~~- لم يكن انتقامه هائلا كما كنت أتوقعه. ~~- إنه كان عازما على انتقام شديد لو لم ير من إحسانك إلي ... ~~- ما تعني بذلك؟ ~~- إن هذا الرجل ليس صديقا لي كما أخبرتك من قبل، ولكني فرنسي مثله فلما رأى عطفك ~~علي عول أن ينتقم منك بإثارة ظنونك فقط. ~~- لم أفهم ما تقول؟ ~~- إنه يريد أن يجتمع بي في منزلك كل ليلة مدة أسبوع، فيلاعبني بالشطرنج ويكلمني بهذه ~~اللغة التي أثارت مخاوفك وهواجسك؛ كي يوهمك أن له علاقة بي. # ثم ضحك ضحكا عاليا وقال: ولكني أطمئنك يا سيدي فإنه لا يعلم شيئا من أسراري، ولا ~~تكترث بهذه اللغة فإنه لا يريد بمحادثتي بها غير إثارة مخاوفك، واعتبر نفسك سعيدا ~~لنجاتك من قبضتي المحامي ستلج. # فذعر الحاكم لاسم المحامي، ثم سأل العبوس: ولكني إذا أجبت المسيو بيتافان إلى مطلبه ~~أخالف نظام السجون؛ ولذلك أردت أن أستوثق منك معتمدا على شرفك. ~~- ماذا تريد ...؟ ~~- هو أنه لا بد أن يحاكموك فإذا استنطقوك فأرجو أن لا تذكر أمامهم أنك دخلت ~~منزلي. ~~- أقسم لك بشرفي يا سيدي الميلورد أني لا أبوح بشيء، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ألعلك واثق من عمالك في هذا السجن؟! ~~- إن بينهم اثنين عينتهما لمراقبتك في ذهابك وإيابك، وأنا واثق منهما كل ~~الوثوق. ~~- إذن اعتمد علي يا سيدي بالكتمان فقد أقسمت لك. # وعند هذا فارقه الحاكم وهو مطمئن وعاد إلى منزله وتهيأ لاستقبال مرميس، وأمر أن يعد ~~له ولامرأته خير مكان في منزله. # وقد جاء مرميس وفاندا كما قدمناه في الساعة العاشرة فأسرع الحاكم لاستقبالهما. # وقال مرميس وهو يضحك: كيف كانت ليلتك أمس ألم تأرق لذكر المحامي ستلج؟ # فارتعش الحاكم لذكر اسم هذا المحامي، ولكنه لبث يبتسم وقدم ذراعه لفاندا. # 37 # أما مرميس فإنه لم يكن قد نام تلك الليلة. # فإنه في الساعة السادسة أمر بإقفال المخزن وجميع ms2355 رجال العصابة فيه وكانوا خمسة رجال ~~وامرأة. # أما المرأة فهي بولينا زوجة بوليت، وقد عهد إليها مرميس أن تبقى في المخزن، وأن تطفئ ~~الأنوار وتصغي إلى ما يجري في الخارج حتى إذا سمعت ما يدعو إلى الشبهة تدخل إلى القبو ~~وتنبههم. # وبعد أن أبقاها في المخزن تقدم إلى القبو يتبعه رجال العصابة فظلوا سائرين حتى وصلوا ~~إلى القاعات ذات الدهاليز الثلاثة. # وكان مرميس قد أخذ لفيفة من الخيطان فربط طرف الخيط عند مدخل القبو الأول فجعل يسير ~~واللفيفة بيده والخيط متصل. # أما ميلون فإنه اعتقد أنه فهم قصد مرميس من ذلك الخيط الطويل فقال: لقد علمت ما تريد ~~بهذا الخيط. ~~- أتظن أنك علمت؟ ~~- نعم، إنك تفعل كما يفعلون في سراديب روما فإن الساري فيها إن لم يستعمل هذه الطريقة ~~لا يعرف أن يعود. ~~- لقد أخطأت فليس هذا قصدي ... ~~- إذن ما هو قصدك. ~~- سأبسطه لك فيما بعد. # وكان ميلون قد تعود أن يحترم إرادة تلميذ روكامبول وتكتمه فلم يلح عليه بالسؤال، ~~وتقدمت العصابة في الدهليز المتوسط حتى وصلوا إلى تلك الأتربة المتهدمة التي اعترضت ~~مرميس وميلون وحالت دون تقدمهما حين اكتشاف هذا الدهليز. # فقال لهم مرميس: هلموا إلى العمل أيها الرفاق؛ إذ يجب أن نفتح ممرا بين هذه الأتربة ~~المتراكمة. # فانكبوا جميعهم على العمل بهمة قوية. # وما زالوا يشتغلون أربع ساعات متوالية حتى رفعوا تلك الأتربة وأزالوا حواجز السرداب ~~فصاحوا جميعهم صيحة الفرح والفوز. # وأما مرميس فإنه دفع لفيفة الخيطان لميلون وقال له: امسكها. # ثم أمر بوليت أن يأخذ مصباحا وأخذ من جيبه مقياسا متريا من تلك المقاييس التي ~~يستعملها التجار، ففتحه وجعل يقيس به الخيط المتصل، وكلما قاس مترا ابتعد عن ميلون إلى ~~جهة المخزن، وميلون ينظر حائرا مبهوتا دون أن يجسر على سؤاله. # حتى إذا ابتعد عنه تنهد وقال: ليس لي بهذا الغلام حيلة فإنه يأبى إلا أن يعاملني كما ~~يعاملني الرئيس. # ولم يفهم أحد من رجال العصابة ما كان يريد مرميس بهذه المقايسة غير بوليت، فإنه أدرك ~~شيئا ms2356 من قصده؛ إذ قال له، حين بلغ إلى القبو الأول: إنك قست الخيط لتعلم المسافة التي ~~اجتزناها. ~~- هو ذاك، ولكن لي بهذا القياس قصد آخر. ~~- ما هو؟ ~~- سوف تعلم. # ثم جلس على حجر وقال: إني عددت ثمانية وسبعين مترا فاصعد إلى المخزن فلا بد أن يوجد ~~فيه لفيفة خيطان مثل هذه اللفيفة وأتني بها. # فأسرع بوليت وجاء باللفيفة فقاس مرميس منها ثمانية وسبعين مترا وقطع الخيط، فوضع ~~الخيط الذي قاسه بجيبه، وصعد مع بوليت إلى المخزن فأطفأ المصباح وقال: سوف نرى الآن إذا ~~كان يصح قياسي. # وكانت السكينة سائدة في الشارع، فوضع مرميس أذنه على الباب وأصغى فسمع وقع خطوات ~~بطيئة فقال: إنها خطوات الحارس الليلي فلننتظر إلى أن يمر. # وأقام ينتظر حتى مر الحارس بالمخزن وتعداه فقال: إنه لا يعود إلى هذا الموقف قبل خمس ~~دقائق، وهو وقت كاف لإتمام ما أريد. # فوقف بوليت حائرا وهو لا يفهم شيئا من هذه الألغاز. # 38 # وعند ذلك أمسك مرميس بوليت طرف الخيط وفتح باب المخزن وبيده الطرف الآخر فخرج منه ~~وسار توا إلى سجن نوايت المقابل للمخزن فلم يقف إلا حين انتهى الخيط. # فترك الخيط ومشى إلى حائط السجن وهو يعد خطواته فبلغت إحدى عشر خطوة حين وصل إلى ~~الجدار. # وهنا رجع مسرعا إلى المخزن فأقفل بابه وقال لبوليت: أفهمت الآن؟ ~~- قد فهمت كل قصدك. ~~- إذن اسحب الخيط كي لا يبقى في الشارع أثر يدل على ما نفعل. # فامتثل بوليت، وعاد الاثنان إلى القبو الأول فأنارا مصباحا وذهبا إلى حيث كانت بقية ~~أفراد العصابة فوقف في طليعتها وقال لرجالها: اتبعوني الآن، فتقدموا عشر خطوات، وهناك ~~وجدوا قاعة جديدة يبلغ اتساعها نحو عشرة أمتار. # غير أنهم لم يجدوا فيها منفذا ولا أثرا يدل على وجود باب فقال ميلون: هو ذا عقبة ~~جديدة قد عرضت لنا. # فهز مرميس رأسه وقال: ما أكثر العقبات عندك! # ثم تناول مطرقة وجعل يطرق بها جدران القاعة وبوليت ينير له حتى سمع صوتا معدنيا في ~~الجهة المقابلة للسجن ms2357 وقال: هو ذا الباب، لكن يجب أن نزيل ما يحجبه برفق وعناية كي لا ~~يخرج صوت مرتفع ينبه الأسماع. # ثم ترك المطرقة وأخذ آلة حادة فأمر رفاقه أن يقتدوا به وجعل يزيل طلاء الجدار برفق ~~وسكينة، فما مضت ساعة حتى ظهر من تحت ذلك الجدار باب حديدي يشبه الأبواب التي في تلك ~~الدهاليز. # ولم يكن لذلك الباب قفل، فضحك ميلون وقال: إننا نعرف طريقة فتحه، أليس كذلك يا ~~مرميس؟ # فأجابه: نعم، ولكننا لا نفتحه الآن. ~~- لماذا! ~~- إذ لا فائدة من فتحه الآن، فقد اشتغلنا فوق الكفاية في هذه الليلة. # ونظر ميلون في ساعته وقال: كيف ذلك، فإن الليل لم ينتصف بعد؟! ~~- لا بأس فاتبعوني. # ثم رجع أدراجه وهو يعد خطواته، حتى وصل في ذلك الدهليز إلى المكان الذي وجدوا فيه ~~بقايا الردم فقال: إن المسافة من الباب الحديدي إلى هذا المكان أربع عشرة خطوة، ومن هنا ~~إلى القبو الكائن تحت المخزن ثمانية وسبعون مترا، فتكون المسافة كلها ثمانية وثمانين ~~مترا بالتقريب. # وقد عددت من باب المخزن إلى جدار سجن نوايت ثمانية وسبعين مترا، وعلى هذا فلا بد أن ~~يكون الباب الحديدي الأخير الذي اكتشفناه، كائنا تحت منزل حاكم السجن، ولذلك فلا فائدة ~~الآن من فتح ذلك الباب. # فقال ميلون: إني لم أفهم شيئا بعد. # فابتسم مرميس وقال: ولكن الأمر بسيط. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألم أقل لك إني سأزور مع فاندا سجن نوايت؟ ~~- نعم ... ~~- فإن كان الحاكم عارفا بهذه الدهاليز فهو يريني إياها. ~~- إذن يضطر إلى فتح الباب الحديدي. ~~- كلا فإن الباب لا بد أن يكون محجوبا بجدار من داخل السجن كما كان محجوبا من داخل ~~الدهليز. ~~- إذن فهو لا يستطيع أن يريك شيئا. # فضحك مرميس وقال: سوف ترى، وأما الآن فهلموا بنا، فيجب أن ننام. # ثم سار أمامهم فتبعوه. ~~••• # وفي صباح اليوم التالي، نادى مرميس بوليت وقال له: يجب أن تكون شجاعا. ~~- إن الشجاعة عندي. ~~- ألا تخاف من المبيت في الدهليز؟ ~~- إني أبيت بين المقابر عند الاقتضاء. ~~- اصغ إلي، إني أريد ms2358 منك أن تذهب إلى آخر باب اكتشفناه في الدهليز، فتجتهد أن لا ~~تنام وتصغي كل الإصغاء. ~~- ماذا تتوقع أن أسمع؟ ~~- لا أعلم، ولكنك تحفظ كل ما تسمعه وتنتبه إليه كل الانتباه. ~~- سأفعل ما تريد. # وبعد حين توجه بوليت إلى الدهليز ومضى مرميس إلى فاندا فسار بها إلى بيت حاكم السجن ~~كما قدمناه. # 39 # ولنعد الآن إلى بيت الحاكم، فإن زوجته وابنتيه وجدن من فاندا فوق ما كن يتوقعنه من ~~اللطف والظرف والكياسة، فأعجبن بها غاية الإعجاب. # وقد استحال هذا الإعجاب إلى حب، حين ألبست فاندا إحدى البنتين عقدا ثمينا من ~~اللؤلؤ، وألبست الأخرى خاتما بديعا من أغلى الجواهر. # فأقام الجميع يتحدثون ويتنادمون، حتى دنا وقت الطعام، فأكلوا ولاعب مرميس الحاكم ~~بالشطرنج، فتساهل باللعب كي يغلبه مبالغة بإرضائه. # ولما فرغا من اللعب قال مرميس للحاكم: إننا اتفقنا فيما اتفقنا عليه أن ترى زوجتي سجن ~~نوايت؛ فإنها تحب أن ترى كل ما فيه. ~~- حبا وكرامة وإنني أطلب إليك أمرا يا سيدي. ~~- قل ما تشاء. ~~- إننا اتفقنا أن يلاعبك هذا الرجل السري الذي يدعونه بالرجل العبوس الليلة ~~بالشطرنج. ~~- بل كل ليلة. ~~- هو ذاك وقد اتخذت كل وسائل الحرص، ولا يعلم بأنه يحضر إلى منزلي غير اثنين أثق بهما ~~كل الثقة من حراسي. ~~- ما تريد بذلك؟ ~~- أعني أن ناظر العدلية أصدر إلي أوامر شديدة بشأن الرجل العبوس، وهي أن لا أدع ~~أحدا يراه ولذلك لا أستطيع أن أري زوجتك غرفة هذا الرجل، وستراه في منزلي. ~~- لا بأس ولكنها تستطيع أن ترى بقية المسجونين. ~~- دون شك وسأريكم أيضا جميع السجون على اختلافها من الغرف البسيطة إلى السجون ~~العميقة المظلمة. ~~- أيوجد سجون عميقة في نوايت؟ ~~- نعم يوجد سجنان. ~~- إن هذا يدهشني يا حضرة الميلورد. ~~- لماذا؟ ~~- لأن طريقة السجون العميقة قديمة جدا وقد قرأت في تاريخ إنكلترا أن سجن نوايت أنشئ ~~سنة 1780. ~~- هو ذاك، ولكنه بني على أنقاض السجن القديم الذي احترق في تلك الأيام فبقي هذان ~~السجنان، على أنهما لم يستعملا غير مرة فقد كانا ملجأ ms2359 للمتآمرين أيام مؤامرة البارود ~~المشهورة. ~~- نعم لقد قرأت شيئا عن هذه المؤامرة، ولكن من عهد طويل فلم يعلق بفكري شيء ~~منها. ~~- إنه حديث طويل سأخبرك عنه في غير هذا المقام وإن شئت بدأنا الآن بزيارة السجون ~~العميقة. ~~- لماذا تؤثر أن نبدأ بها؟ ~~- لأنها ليست كائنة في داخل السجن، بل هي تحت أقدامنا حيث نقف؛ أي تحت منزلي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه يوجد تحت منزلي قبو أضع فيه الخمر وفي هذا القبو مدخل السجنين، غير أني حصنتهما ~~ووضعت فوقهما ما يشبه خرزة البئر خوفا من أن يسقط فيها أحد الخدم. ~~- لقد أحسنت، وفوق ذلك فإن السجن العميق لا يختلف في شيء عن البئر. ~~- هو ما تقول، فإن هذين السجنين يبلغ عمق الواحد منهما سبعين قدما، ويمكن النزول ~~إليهما بالحبال وقد نزلت إليهما مرة. ~~- وما رأيت فيهما؟ ~~- رأيت فيهما مدخلا للدهاليز التي حفرت أيام مؤامرة البارود. # فضحك مرميس وقال: إذن يمكن الفرار من سجن نوايت. # فارتعد الحاكم، وقد خطر له الرجل العبوس، ولكنه أخفى اضطرابه وقال: إن هذا محال، فإن ~~هذين السجنين كائنان تحت منزلي، وليس في السجن كما قلت لك وفوق ذلك فإن مدخل الدهاليز ~~قد سد بالجدران. ~~- إن كان كما تقول فلم يبق وسيلة للفرار. ~~- وزيادة في الاستيثاق، نزلت مرة إلى السجنين ومعي بناء، فأمرته أن ينقض الجدار الذي ~~سد فيه مدخل الدهليز ففعل، ولكنه لم يجد جدار، بل وجده قشرة رقيقة من الطين أزالها، ~~فانكشفت عن باب من الحديد. # فاضطرب مرميس وقال: وهذا الباب؟ ~~- إننا ألفيناه متينا لم تعمل فيه المطارق. ~~- ألم تحضر صانع أقفال؟ ~~- أحضرت ستة لا واحدا. ~~- ألم يستطيعوا كسر القفل؟ ~~- إنهم لم يجدوا فيه قفلا فيفتحوه أو يكسروه. ~~- وبعدها ماذا صنعت؟ ~~- وثقت من صلابته فتركته على حاله وطليته بالطين كما كان وجعلت فيه ثقبا صغيرا كي ~~أعرف مكان الباب. ~~- لقد شوقتني إلى مشاهدة هذين السجنين فلنبدأ بهما. ~~- كما تشاء. # وبعد ربع ساعة كان الحاكم يتقدم مرميس وفاندا إلى السجن، ويتقدمهم حارسان يحملان ~~المصابيح. # فقال مرميس لفاندا بصوت ms2360 منخفض: كنت أفضل أن لا تري الرجل العبوس. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أخشى أن تظهر عليك علائم التأثر لمنظره فيفتضح أمرنا. ~~- لا تخف فإني أملك نفسي عند الاقتضاء وسوف ترى هذه الليلة. ~~- وإن ظهرت عليه نفس علائم التأثر؟ # فهزت فاندا رأسها وقالت: إنه لا يحبني أنا الآن. # ثم ابتسمت ابتساما أعرب عما داخل فؤادها من القنوط وقالت: إنه يحب الآن مس ~~ألن. # وبعد هنيهة وصلوا إلى مدخل السجنين فتفقدهما مرميس وكان يسأل الحاكم عن كل ما يشكل ~~عليه؛ فيجيبه دون احتراس، إلى أن قال: أتريدان أن تنزلا إليه؟ # فقالت فاندا: أما أنا فلا. # وقال مرميس: وأما أنا فإني أحب أن أنزل إليهما فإني طالما سمعت بهذه السجون ولم أرها ~~في حياتي. # وأمر الحاكم أحد الحارسين أن يحضر سلما من الحبال، فغاب هنيهة وعاد به. # 40 # فلما ربط الحارس السلم بأعلى البئر قال مرميس للحاكم: إني لا أكلفك يا سيدي مشقة ~~النزول إلى السجن، فقد نزلت إليه مرارا، فأعطني مصباحا وسأنزل وحدي. # فأعطاه المصباح وحمله بإحدى يديه ونزل على السلم برشاقة الغلمان، فلم ينزل عليه درجة ~~بل إنه أمسك الحبل بيده ولف رجليه عليه وترك نفسه يهوي حتى بلغ إلى أسفل السجن. # وأطل الحاكم من فوق قائلا: افحص الباب جيدا. ~~- ولكنك بنيت أمامه حائط كما تقول. ~~- نعم ولكني ثقبت فيه ثقبا فانظر منه بنور مصباحك. # فابتسم مرميس وقال في نفسه: مسكين هذا الحاكم، فإني لم أر أشد بساطة منه. # ثم وضع المصباح قرب الثقب وجعل ينظر فرأى الباب الحديدي. # وقال له الحاكم: أرأيت الباب؟ ~~- نعم وهو غريب الصنع. ~~- إنه رنان صلب فانقر عليه تعرف صلابته. # وقال مرميس في نفسه: ويح لهذا الرجل إنه بات شريكنا وخير عون لنا في تخليص ~~روكامبول. # ثم مد يده من خلال الثقب ونقر على الباب، فخرج له دوي رنان. # وعند ذلك صعد مرميس على السلم درجة درجة، وهو يقول في نفسه: لقد بلغت ما أريد، ولا شك ~~أن بوليت كان يسمع كلامي من وراء هذا الباب. # فلما التقى ms2361 بالحاكم قال له: أليس للسجن الثاني باب مثل هذا الباب؟ ~~- كلا، وهو يشبه هذا السجن أتم الشبه. ~~- إذن لا حاجة إلى النزول إليه فلنتفقد بقية السجن. # وسار الحاكم يتبعه مرميس وفاندا، وجعل يريهما غرف سجنه، وهو معجب بترتيبه، فكان يصف ~~لهما كل ما يريانه ويوضح لهما كل ما يشكل عليهما، وقد بلغ من شغفه بهذا السجن أنه بات ~~يحب من يسجن فيه، حتى إنه قال لمرميس: إني أكاد أبكي حين يخرج سجين من سجني. ~~- ولكنه سجن نوايت لا يخرج منه أحد إلا إلى المشنقة. ~~- ليس ذلك مضطردا فإن جلالة الملكة كثيرة المراحم. # وكانت فاندا تظهر اهتماما عظيما بما تراه وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة، حتى وصلوا ~~إلى الغرفة المسجون فيها روكامبول، فلمس مرميس كتفها وقال لها: هذه هي غرفته. # فاضطربت فاندا، ولكنها أسرعت إلى إخفاء اضطرابها، وكان باب غرفة روكامبول مقفلا فلم ~~يأمر بفتحه. # وغادرت تلك الغرفة إلى سواها فما مضت ساعة حتى تفرجوا على جميع غرف السجن ~~الرهيب. # وبعدها عادوا إلى منزل الحاكم فأقامت فاندا مع زوجته وابنتيه وادعى مرميس أنه مضطر ~~إلى الخروج لمقابلة أصحابه. ~~••• # وقد ذهب مرميس توا إلى المخزن ووقف بعيدا عنه ورأى ميلون واقفا عند بابه، فأشار ~~إليه أن يتبعه. # فامتثل ميلون وتقدمه مرميس حتى ابتعد عن السجن فاجتمع به، وقال له ميلون: ما وراءك من ~~الأخبار؟ ~~- إني أحب أن أسألكم عن أخباركم. ~~- لم يحدث عندنا شيء فإن الحالة كما تركتها. # فقطب حاجبيه وسأله: وبوليت؟ ~~- إنه لا يزال في المكان الذي وضعته فيه. ~~- ألم تره منذ الصباح؟ ~~- إني ذهبت إليه عند الظهر بالطعام. ~~- وبعدها ألم تره؟ ~~- كلا. # فزال التقطيب من جبينه وقال له: حسنا، عد إلى المخزن وانتظرني فإني لا أحب أن أعود ~~معك كي لا يروني من السجن. # فذهب ميلون وركب مرميس عربة وعاد بها إلى المخزن دون أن يراه أحد من الحراس. # وكان رجال العصابة في المخزن وكل منهم يشتغل في مهمته هذا يبيع الزبائن وهذا يقبض ~~الثمن وآخر يقيد في الدفاتر. ms2362 # فذهب مرميس توا إلى القبو مع ميلون، فقال له ميلون: إني لا أعلم لماذا وضعت بوليت ~~عند ذلك الباب الحديدي فما عساك تنتظر منه؟ # فلم يجبه مرميس وسار وإياه إلى حيث كان بوليت. # وأسرع بوليت إلى مرميس وقال له بصوت يضطرب: يظهر يا سيدي أننا لسنا وحدنا في هذا ~~الدهليز. ~~- كيف ذلك؟ ~~- يوجد سوانا وراء هذا الباب الحديدي. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- سمعت نقرا على الباب. ~~- اطمئن فأنا هو الذي قرع الباب. # فدهش ميلون وقال: ولكن أي طريق سلكت إلى هذا المكان؟ # فأجابه: من الطريق الذي سيسلكها روكامبول غدا إلينا؛ لأن ساعة خلاصه قد دنت. # 41 # ولنعد الآن إلى بيت حاكم السجن. ففي الساعة العاشرة كان الحاكم وعائلته وضيفاه جالسين ~~على المائدة يشربون الشاي. # وكان الحاكم طلق المحيا باش الوجه طول النهار، فلما أظلم الليل انقبضت نفسه وتجهم ~~وجهه. # أما سبب انقباضه فقد كان الرجل العبوس؛ إذ تذكر أنه يجب عليه الوفاء بعهده وإدخاله ~~إلى منزله، فلما فرغوا من العشاء، ادعى أنه يريد تفقد السجن وذهب إلى الرجل ~~العبوس. # فحياه روكامبول باحترام وقال له: ماذا أصابك؟ فإني أرى هيئتك تدل على الكآبة. ~~- إني لست كئيبا، ولكني كثير القلق. ~~- لماذا يا حضرة الميلورد؟ ~~- لا أنكر عليك أني خائف منك غير واثق بك، فإنك ستذهب الليلة إلى بيتي وأخشى أن يبدر ~~منك ما يسيء. ~~- إنك تهينني يا سيدي بهذا الظن، وإذا كان بعض الظن إثم، يا سيدي كما يقولون، فإن ظنك ~~كله إثم، وكيف يخطر لي أني أكيد لك بعد إحسانك إلي؟ ~~- أتقسم لي بأنك لا تسيء إلي؟ ~~- لا حاجة إلى الأقسام، يا حضرة الميلورد، فما أنا من أهل الشر كما يحسبون. # فانصرف الحاكم من عنده وقد سكن اضطرابه بعض السكون، ولكنه لم يعد إلى البيت حتى عاوده ~~الاضطراب، وبات يحسب لاجتماع الرجلين ألف حساب. # ولما انتهوا من شرب الشاي، قال مرميس للحاكم: متى ستحضر السجين؟ # فتنهد الحاكم وقال: سأحضره في الحال متى فرغ الحراس من أعمالهم، وأظنهم فرغوا. # ثم نادى أحد الخدم ms2363 وقال له: قل للحارس ويتسون أن ينفذ الأمر الذي أصدرته إليه. # فانصرف الخادم، وبعد ربع ساعة فتح باب القاعة التي كانوا فيها ودخل الرجل ~~العبوس. # فنظر مرميس إلى فاندا فرآها هادئة صامتة ساكتة تمثل دور عدم الاكتراث باضطراب قليل لا ~~يظهر إلا لمثل عين مرميس. # أما روكامبول، فإنه حيا السيدات بلطف وإيناس، دلالة على وفرة أدبه. # فقال مرميس لفاندا: هذا هو الفرنسي المنكود يا سيدتي، الذي سجنت معه. # ثم التفت إلى الرجل العبوس وقال له: إني التمست من حضرة الحاكم إحضارك كي تلاعبني ~~بالشطرنج حسب الطريقة الهندية. ~~- إني مستعد فإني أعرف هذه الطريقة، وقد أخبرني حضرة الحاكم اليوم بنيتك. # فقال مرميس للحاكم: إني أشكرك يا سيدي، وأسألك المعذرة عن كثرة مطالبي. # وكان الحاكم شديد الاضطراب حتى إنه حاول الابتسام فلم يستطع. # وتابع قائلا: إني سأكلم مواطني بتلك اللغة الجافانية وأرجو أن لا يسوءك سماعها كما ~~ساءك من قبل. # فنظر روكامبول إلى الحاكم نظرة خفية معنوية مفادها: ألم أقل لك اليوم إنه يريد أن ~~ينتقم منك بالتحدث معي بهذه اللغة فلا تخف. # وعند ذلك قامت إحدى بنتي الحاكم وقالت له: إن هذه السيدة يا أبي ستشنف أسماعنا ~~بألحانها الشجية على البيانو، بينما يلعب هذان السيدان بالشطرنج. # فقامت فاندا تعزف على البيانو، وبدأ مرميس وروكامبول يلعبان بالشطرنج، وكانت فاندا ~~تعزف عزفا مرتفعا، يحول دون سماع الحديث. # أما مرميس فإنه بدأ الحديث مع روكامبول وهو يلاعبه وقال له باللغة الجافانية: أيها ~~الرئيس إن كل شيء قد تهيأ. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن نجاتك في الليلة القادمة يتعلق بك. ~~- من الذي ينقذني أنتم أو الإرلنديون؟ ~~- نحن. ~~- أوضح قولك. ~~- إني فعلت ما أمرتني به فاشتريت المخزن الكائن تجاه السجن واشتريت الخريطة التي ~~أخبرتني عنها. ~~- أوجدت مدخل الدهليز؟ ~~- وجدت كل شيء. # ثم أخبره تفصيلا بجميع ما فعله، وأنه نزل إلى السجن العميق ونقر على الباب الحديدي ~~فسمع بوليت الصوت من الجهة الثانية ثم قال له: إني استأجرت باخرة وهي راسية في انتظارنا ~~في التيمز، عند نهاية الدهليز الأيمن ms2364 المشرف على ذلك النهر. ~~- أحسنت ولكن الإرلنديين ماذا صنعوا؟ ~~- إني لم أعلم شيئا من أخبارهم. ~~- ولكنهم يشتغلون ويعملون على إنقاذي. ~~- ربما، ولكننا سنبلغ قبلهم هذا المراد. ~~- هذه هي النتيجة التي لا أريدها. # فاضطرب مرميس وقال: لماذا؟ ~~- لأني أريد أن يفعلوا شيئا من أجلي. ~~- وأي فائدة لك من ذلك؟ ~~- لأني أريد أن أعلم بعد إطلاق سراحي إذا كان يجب أن أخدمهم أو أتخلى عنهم. ~~- ولكنه لدينا في فرنسا أعظم من هذه المهمة. ~~- ربما، ولكني أظنك لا تجسر على عصياني. ~~- معاذ الله يا حضرة الرئيس. ~~- إذن اصنع ما أقوله لك. # ثم جعل روكامبول يحادثه ويلاعبه بالشطرنج، والحاكم يسمع حديثهما بقلق شديد دون أن ~~يفهم شيئا، فيضطرب ويقول في نفسه: والله إن هذين الشقيين إذا طال اجتماعهما عندي ابيضت ~~شعوري وذهب عقلي. # 42 # كانت مس ألن لا تزال في الغرفة التي وصفناها، وهي بثياب أخوات السجون حذرا من ~~الأسقف، وكان مرميس قد لقيها قبل أن يذهب إلى بيت الحاكم فقال لها: إني لا أعلم ما ~~يصنعه الإرلنديون، ولكني أؤكد لك بأننا سننقذه. ~~- كيف ذلك؟ # فأخبرها مرميس بجميع ما فعله، ووافقت على خطته، وانصرف إلى بيت الحاكم، وقد وعدها أن ~~يعود إليها ويخبرها بما يكون بينه وبين روكامبول. # وفي اليوم التالي جاءها وهي تنتظره بفارغ الصبر، فتبينت الكآبة من ملامح وجهه، وقالت ~~له: لا شك أن المصيبة قد داهمتنا، فقل لي ماذا حدث؟ ~~- إن المصيبة لم تفاجئنا بعد، ولكني أخشى أن تفاجئنا. ~~- ماذا تعني؟ # فقال لها بلهجة القنوط: إني أعددت كل وسائل إنقاذه، فطهرت الدهليز واستأجرت باخرة ~~تنتظرنا في النهر، ولكنه لا يريد. ~~- من هو؟ ~~- روكامبول. ~~- كيف ذلك؟ ألا يريد أن ينجو من السجن؟ ~~- كلا. # فحارت الفتاة في أمرها، وقالت: ولكن كيف لا يريد؟ ولماذا؟ ~~- لأنه يريد أن يرى ما يكون من الإرلنديين. ~~- إنهم سيبرون بوعدهم وينقذونه دون شك. ~~- ولكن متى؟ ~~- إن الأب صموئيل أبى أن يخبرني. ~~- بل يجب أن نعلم فإني أنقذه بالقوة وبالرغم عنه إذا اضطررت. ~~- إذن تعال معي إلى كنيسة سانت ms2365 جورج، فإننا نجد فيها الأب صموئيل. # فامتثل مرميس وسار معها وهو مكتئب حزين حتى وصلا إلى الكنيسة. # وكان البواب قد عرفها فقالت له المس ألن: قل للأب صموئيل إني أحب أن أراه إذا كان في ~~القبة. ~~- إنه مجتمع فيها مع الزعماء ولا أعلم إذا كان يستطيع مقابلتكما. ~~- لا بأس اذهب وأخبره. # فذهب البواب ثم عاد فقال: إنه ينتظركما فاتبعاني. # فصعدا إلى تلك القبة ووجدا الكاهن مختليا مع أربعة من الزعماء، فقال لهما الكاهن: ~~ألعل لديكما أنباء خطيرة؟ # فأجابته المس ألن: كلا، ولكننا أتينا لنعلم كيف ومتى ستنقذون الرجل العبوس. # فأجابها أحد الزعماء قائلا: إننا وعدناك أن ننقذه، ونحن من الذين يحترمون ~~الوعود. ~~- لا شك عندي فيما تقول، ولكني أحب أن أعلم كيف ستنقذونه. ~~- ذلك سر من أسرارنا لا نستطيع أن نبوح به لأحد. ~~- ولكن متى يكون إنقاذه؟ ~~- قد يكون غدا وقد يكون بعد أسبوع إلى أن تتم معداتنا. # فنظرت الفتاة إلى مرميس نظرة تشف عن اليأس، فقال لها على مسمع منهم: إذن لنصبر إذا ~~كان لا بد من الصبر. # ثم انصرفا فلما باتا خارج الكنيسة قال مرميس للفتاة: لقد عزمت عزما أكيدا لا يثنيني ~~شيء عنه. ~~- ما هو؟ ~~- هو أني سأنقذ روكامبول بالرغم عنه. ~~- ألم تثق بوعود الإرلنديين؟ ~~- إني أثق بها، ولكن يظهر لي أن هؤلاء الإرلنديين من أهل المطل والأمر يدعو إلى ~~الإسراع. # وفيما هما يسيران سمع مرميس صوت رجل يناديه، فالتفت فرأى الشرطي إدوارد فقال له: من ~~أين أنت قادم؟ ~~- إني سائر في أثركما. ~~- لماذا؟ ~~- لأخبركما بنبأ محزن لا أجد بدا من إطلاعكما عليه؛ وهو أن ناظر الحقانية قرر ~~محاكمة الرجل العبوس غدا بناء على إلحاح الأسقف، وربما قضي عليه بعد ليلة من صدور ~~الحكم. # فاصفر وجه مس ألن وأوشكت أن تسقط، أما مرميس فقال: لا يزال لدينا ليلتان وهذا فوق ~~الكفاية. ~~- ولكن إذا أصر على عناده فما تصنع؟ ~~- أنقذه بالقوة وأختطفه اختطافا. # ثم نادى مركبة فأصعد إليها مس ألن وقد وهت قواها، فجلس بجانبها وجعل يشجعها، فسارت ms2366 ~~المركبة بهما إلى غرفتها. # 43 # وأوصل مرميس مس ألن إلى غرفتها وعاد إلى المخزن فوجد ميلون شديد القلق؛ لأنه لم يره ~~بعد أن اجتمع بروكامبول فقال له: لم يعد لدينا وقت ويجب أن نسرع ما أمكنت ~~السرعة. # فرد ميلون أظن أن الإرلنديين سيحدثون حدثا، فإني رأيت كثيرين منهم يرودون في الليلة ~~الماضية حول سجن نوايت. ~~- إذا كان الإرلنديون يريدون إنقاذه فلينقذوه الليلة. ~~- لماذا؟ ~~- لأننا سننقذه الليلة القادمة ولو اضطررت إلى الإكراه، فإنه يريد أن ينقذه ~~الإرلنديون اعترافا بجميله عليهم. # فضم ميلون يديه وقال: ماذا أصاب الرئيس ألعله جن؟ وماذا أتينا لنعمل إذن؟ ~~- أتعلم يا ميلون أنهم سيحكمون عليه غدا، ولكني أرجو أن نكون في طريق فرنسا قبل أن ~~ينفذ الحكم فيه، فهل رأيت ربان الباخرة؟ ~~- نعم، وهو مستعد للسفر. ~~- إذن عد إليه بين الساعة الرابعة والخامسة وقل له إن سيدة ستزوره في الباخرة ~~... ~~- من هي، ألعلها مس ألن؟ ~~- دون شك. ~~- في أية ساعة تزور الباخرة؟ ~~- عند منتصف الليل وقل له أن يتأهب منذ ذلك الحين بحيث نستطيع السفر حين وصولنا إلى ~~الباخرة. ~~- أأنت واثق أننا نستطيع إنقاذه هذه الليلة؟ ~~- دون شك فهلم بنا إلى الدهليز ولنصحب وليم فإنه أشدنا قوة. # فأنار ميلون مصباحا، وأخذ مرميس مطرقة وساروا جميعهم إلى الباب الحديدي الفاصل بين ~~الدهليز والسجن ففتح الباب بالمطرقة على الطريقة التي عرفناها فظهر من ورائه الجدار ~~الرقيق الذي بناه حاكم السجن. # فقال مرميس لميلون: إنك بناء فما رأيك بهذا الجدار ... ~~- إنه رقيق جدا. ~~- ترى أنه يمكن تدميره بالمطارق بسهولة. ~~- لا حاجة إلى المطارق وسوف ترى، ثم صدم الجدار بكتفه صدمة قوية زعزعته فأسرع وليم ~~إليه وقال له: اصبر فسأعينك، واندفع معه على الجدار، فما مضت دقيقة حتى تهدم وانقض وظهر ~~السجن العميق الذي نزل إليه مرميس من بيت الحاكم، فدخل مرميس وتبعه وليم وميلون، وقال ~~مرميس: انظر أتعلم أين نحن الآن. ~~- إننا في بئر كما يظهر. ~~- ولكن في هذا البئر منفذا ويبلغ عمقها ستة أمتار فيجب أن نحضر سلما يبلغ ms2367 طوله ستة ~~أمتار. ~~- إن إحضار السلم سهل ميسور، ولكن كيف يمكن إدخاله من هذا الباب الضيق فإن اتساع ~~البئر لا يزيد عن متر. ~~- لقد توقعت ذلك وأعددت لهذه المشكلة حلا فأوصيت نجارا في شارع أوسبورن بصنع سلم ~~يطوى وينشر، فإن طوي لا يزيد حجمه عن نصف المتر وإن نشر بلغ ستة أمتار، والآن اصغ ~~إلي فإنك تذهب إلى النجار وتحضر السلم في هذه الليلة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تحضروا كلكم في الساعة الحادية عشرة إلى البئر ويتسلح كل واحد بمسدس وخنجر. ~~- وزوجة بوليت؟ ~~- تحضرونها معكم، فإذا وضعنا السلم صعدت أنت في البدء وتبعك الآخرون ما عدا بولينا ~~فلتنتظر عند أسفل السلم. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- عندما تبلغون إلى أعلى البئر تجدون قبوا مقفل بمفتاح فتكسرون القفل وتفتحون الباب ~~فتجدون السلم وتصعدون عليها وتبلغون منها إلى المطبخ وهناك لا تجدوا غير خادمة، وقد ~~تجدونها نائمة، وإذا لم أتمكن من تخديرها وحاولت الصياح فاربطوا يديها ورجليها وكمموها ~~وبعدها تدخلون إلى غرفة مجاورة للمطبخ وهي قاعة الطاعم فتنتظرون هناك. ~~- ماذا ننتظر؟ ~~- كلمة مني تعمل بموجبها. ~~- وإن رأينا في المطبخ غير الخادمة؟ ~~- إن اضطررتم إلى القتل فاقتلوا، ولكن بالخناجر لا بالمسدسات أفهمت الآن؟ # فقال ميلون: كما ينبغي. ~~- إذن فاذهب الآن واحضر السلم وعد إلى الرفاق وأخبرهم بما يجب أن يفعلوا ... # 44 # أما مس ألن فإنها لم تكن رأت مرميس منذ الصباح، ولكنه قال لها حين رآها: إني أعيد ~~عليك ما قلته وهو أني سأنقذه بالكره إن اضطرني إلى الإكراه. ~~- وأنا ماذا يجب أن أصنع؟ ~~- يجب أن تنتظري وسيطول انتظارك إلى الساعة الثامنة حيث يأتي إليك ميلون ويذهب ~~بك. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى باخرة راسية في النهر وهي الباخرة التي تذهب بنا إلى فرنسا. # ثم انصرف عنها فصبرت الفتاة إلى الساعة الثامنة فجاءها ميلون وعلائم السرور بادية على ~~وجهه فقال لها: إننا لم نعد في حاجة إلى الإرلنديين يا سيدتي فسنتولى نحن إنقاذ ~~روكامبول، وقد كنت أخشى أن يتولى إنقاذه سوانا. ~~- ومع هذا فقد ينقذونه؛ إذ لا شك عندي بصدق ms2368 نيتهم بل قد ينقذونه قبلكم! ~~- إن ذلك محال. ~~- سيان عندي إن أنقذناه نحن أو الإرلنديين فإن الغرض أن يتم إنقاذه ... ~~- ولكني أبذل حياتي طائعا راضيا على أن يكون تخليصه على يدنا لا على يد سوانا، فلقد ~~طالما ضحى الرئيس الحبيب حياته في سبيلنا. # فابتسمت مس ألن وقالت: أتظنني غير مخلصة لروكامبول؟ ~~- لا شك عندنا بإخلاصك يا سيدتي ... ~~- يجب أن تعلم أني ضحيت هذا الإخلاص من أجلكم! ~~- كيف! ~~- إن الإرلنديين قد وضعوا خطة لإنقاذه لا أزال أجهلها، وأنتم قد اخترتم الدهاليز ~~لإعداد وسائل فراره، أما أنا فما فعلت؟ إني لم أفعل شيئا إلى الآن، ولكن لتحبط مساعي ~~الإرلنديين، ولتحبط مساعيكم تجد أني أنا الذي أنقذه. # فأجابها ميلون بلهجة خامرها الشك: أنت يا سيدتي؟ ~~- نعم ... فإني أدعى مس ألن بالمير؛ أي ابنة لورد نبيل يعد من أعظم رجال المجلس الأعلى ~~نفوذا، وإن اضطررت تراميت على أقدام الملكة وسألتها العفو عن رجل بلغ حبه من قلبي حد ~~العبادة. ~~- ولكننا لسنا في حاجة إلى هذا يا سيدتي؛ لأنه لا يمضي بضع ساعات حتى يكون روكامبول ~~بيننا. ~~- حقق الله هذا الرجاء فهو أمنية الجميع ... والآن هيا بنا. # وعندها سار بها ميلون إلى الباخرة وقال لها: سنجتمع عند نصف الليل إن شاء ~~الله. # ثم تركها وذهب إلى النجار الذي أوصاه مرميس على السلم، فأخذه وعاد به إلى ~~المخزن. # ولما دخل ميلون وجد جميع رجال العصابة في اضطراب شديد وكانوا قد أقفلوا المخزن عند ~~الساعة السادسة وأطفأوا الأنوار فباتوا في ظلام دامس. # فاستقبله جواني وقال: إننا ننتظرك بفارغ الصبر ... ~~- لما، وما حدث؟ ~~- لقد حدثت أمور كثيرة خلال غيابك. # فقاطعه بوليت وقال: إني سأتولى عن جواني شرح ما حدث، فإنك بعد أن خرجت كثر مرور ~~الإرلنديين بالشارع، وكانوا يمرون اثنين اثنين، ثم رأينا فجأة واحدا منهم يجر عربة من ~~عربات براميل البيرا، فوقف هنيهة عند سجن نوايت بين البابين، فدنا منه عندها رجلان ~~وأعاناه على إنزال البرميل ووضعاه عند الحائط. ~~- وما فعلوا بعدها؟ ~~- لم يفعلوا شيئا سوى أنهم ms2369 ركبوا تلك المركبة وانصرفوا بها. ~~- والبرميل؟ ~~- لا يزال في موضعه فتعال كي نراه. # فخرج بوليت وميلون فتفقدا البرميل، فقال ميلون: ما رأيك في هذا البرميل أتعرف ما ~~فيه؟ ~~- كلا. # فهزه ميلون وقال: إنه شديد الثقل. # فقال بوليت: أظنه محشو بارود. # فارتعش ميلون وقال: ما يعملون بالبارود؟ وأي قصد من وضعه عند الجدار؟ ~~- لأنهم يريدون نسف السجن كما يظهر. # فهز كتفيه وقال: من الذي يبغي نسفه؟ ~~- الإرلنديون بغية تخليص روكامبول. ~~- ويحك! ما هذا الخطأ؟ ألا تعلم أنهم إذا نسفوا السجن بغية تخليصه قتلوا الذي يريدون ~~أن يخلصوه؟ ~~- لقد أصبت، ولكن هلم بنا ندور حول السجن . # فوافقه ميلون وسارا نحو مائة خطوة فوجدا برميلا آخر يشبه الأول، فقال له: أتعلم يا ~~بوليت ماذا هذا؟ ~~- كلا. ~~- إنه خمر سرقه اللصوص، فوضعوه هنا على أن يأخذوه في الصباح. ~~- ربما كنت على حق، ولكني لا أزال أعتقد أنه بارود. ~~- ذلك سيان عندي، فإنهم حين ينسفون السجن نكون قد أخرجنا روكامبول منه. ~~- ربما، ولكني في كل حال أؤثر أن أخبر مرميس بما رأيناه. ~~- إن هذا محال، فكيف يمكننا الدخول إلى سجن نوايت. # فتنهد بوليت وقال: لقد أصبت. ~~- إذن يجب أن نسرع ما أمكننا السرعة وأن نخرج روكامبول من سجنه قبل أن ينسف، فهلم ~~بنا نعود إلى المخزن فقد آن أوان رجوعنا إلى الدهليز. # وعندها رجعا إلى المخزن، ونزلا مع بقية العصابة إلى القبو، فأناروا المصابيح وحملوا ~~السلم، وساروا في الدهليز الطويل حتى بلغوا إلى السجن العميق، فوضعوا السلم وصعدوا ~~جميعهم ما خلا بولينا، فكسروا الباب كما أمرهم مرميس ودخلوا إلى المطبخ وهم يحملون ~~المسدسات بأيديهم والخناجر بأفواههم. # 45 # وكان مرميس قد عاد إلى سجن نوايت قبل هجوم الليل فوجد فاندا تعزف على البيانو مع بنتي ~~الحاكم، ووجد زوجته تشتغل بالتطريز. # أما الحاكم فلم يكن في المنزل في ذلك الحين؛ لأنه لم يكن يعود إلى المنزل إلا ساعة ~~العشاء. # ولما عاد رآه مرميس مصفر الوجه ووجد بين ثنايا وجهه علائم القلق، فقال له: يظهر يا ~~سيدي الحاكم ms2370 أنك متعب الليلة. ~~- هو ذاك أيها الضيف العزيز. ~~- ما أصابك؟ ~~- لدي أنباء سوء. # فأدرك ما يعنيه الحاكم بأنباء السوء ولم يلح عليه بالسؤال، وبعد العشاء دخل هو ~~والحاكم إلى قاعة التدخين، فلما اختليا سأله: قل لي يا سيدي الآن ما هو النبأ السيئ ~~الذي أشرت إليه. ~~- هو أني أخشى ألا يتيسر لك ملاعبة الرجل العبوس بالشطرنج الليلة. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه ورد إلي بلاغ من ناظر الحقانية يتضمن على أن هذا المنكود ستكون محاكمته في ~~صباح غد. # فتكلف الانذهال العظيم، وقال له: ألعلهم عزموا على الحكم عليه قبل أن يعرفوا ~~اسمه؟ ~~- نعم، والذي أراه أنهم سيحكمون عليه بالإعدام ويشنق بعد غد دون شك. # فتأسف عليه ثم قال: ولكني سألاعبه ليلتين أيضا. # فتراجع الحاكم منذعرا وقال: كيف ذلك؟ أتجسر على ملاعبته بعدما علمت من ~~أخباره؟ ~~- دون شك. ~~- ولكني سأضطر إلى زيارة هذا المنكود الليلة وإخباره بما جرى. ~~- ستخبره في الليلة القادمة. ~~- ذلك محال يا سيدي فإن النظام يقضي علي بإبلاغه الخبر في هذه الليلة قبل انتصاف ~~الليل. ~~- إذن ستخبره الليلة، ولكن بعد فراغنا من اللعب. # وقد قال هذا القول بسكينة وارتياح، فكان الحاكم ينظر إليه نظرات إنكار ويقول في نفسه: ~~ما هذا الرجل فقد تجرد قلبه من عاطفة الرفق والإشفاق. # وكأنما مرميس قد أدرك معنى نظرته فقال له: لقد آن الأوان يا سيدي الحاكم لإطلاعك على ~~كل شيء من مكنونات أمري. # فوجف قلب الحاكم وقال: ماذا تعني يا سيدي؟ ~~- أنك تحسبني إلى الآن غنيا من أهل الشذوذ والأخلاق الغريبة. ~~- هو ذاك يا سيدي فأنت الذي حكمت على نفسك هذا الحكم. ~~- نعم، فقد أكون من أهل الشذوذ غير أني من كبار اللاعبين بالشطرنج فإني غلبت في باريس ~~جميع مشاهير هذه اللعبة، ولم يبق في لندرا من يجسر على ملاعبتي، ولكني لقيت رجلا في ~~بطرسبرج، وأعترف لك أنه هو وحده الذي غلبني إلى الآن. ~~- أحق ما تقول يا سيدي ومن هو هذا الرجل؟ ~~- هو الجنرال إيجيتوف فقد قال لي آخر مرة غلبني فيها: «إنك لم ms2371 تتعلم لعب الشطرنج على ~~طريقة البراهمة فلا يمكن أن تكون من أكفائي» وقد علمت يا سيدي الحاكم أن الرجل العبوس ~~يعرف هذا النوع من اللعب. ~~- نعم عرفت. ~~- وقد علمني اللعب ليلة أمس غير أني لا أزال محتاجا إلى التمرين. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك أصبح خير كفوء للجنرال فقد ربح مني مليون ريال في العام الماضي. # فاستعظم الحاكم المبلغ وقال له: مليون ريال؟ ~~- نعم؛ أي نحو أربعة ملايين فرنك أفهمت الآن؟ ~~- لم أفهم شيئا بعد. ~~- إني في مدة سجني في نوايت تنقلت مع هذا المكنود الذي تدعونه الرجل العبوس من حديث ~~إلى حديث، حتى انتهت بنا المباحثة إلى حديث الشطرنج، فأكد لي أنه يعرف الطريقة الهندية، ~~وكنت لا أزال آسفا على الملايين الأربعة التي فقدتها فقلت في نفسي: إن سمح لي حاكم ~~السجن بملاعبة الرجل وتعلمت منه الطريقة الهندية فغلبت الجنرال واسترجعت ما خسرت من ~~الملايين. # فأشرق وجه الحاكم بنور الرجاء وزالت من نفسه وساوس المؤامرة، فإن الهواجس كانت قد ~~تمكنت منه فهدت حيله منذ دخول مرميس إلى السجن. # وعاد مرميس إلى الحديث وقد رأى ما بدا عليه من علائم الاطمئنان، فقال: إنك ترى يا ~~سيدي الحاكم أن دخولي إلى بيتك لم يكن كما كان باديا علي من ظواهر الشذوذ، بل ~~لاسترجاع تلك الملايين، وهي كثيرة تستحق هذا الاهتمام، فإن شنق الرجل العبوس، قبل أن ~~أتمكن من إدراك دقائق أسرار هذا اللعب فقدت الملايين واضطررت أن أعود إلى المحامي ستلج ~~ليطالبك بالغرامة. # فأن الحاكم أنين الموجع وقال: لا أخالك تعود إلى هذا البحث. ~~- إذن دع الرجل العبوس يمرنني التمرين الأخير. # ففرك الحاكم أذنه دون أن يجيب وقد اصفر وجهه من الخوف، فقال له مرميس: إن الوقت غير ~~متسع لدينا فاختر بين حلين، إما الرجل العبوس، أو المحامي ستلج. # 46 # وقد وقف الحاكم التعس شر موقف فهو إما أن يخالف واجباته فيعرض نفسه للعزل والإهانة، ~~أو يخالف مرميس فيعرض ثروته للضياع، وحاله للخراب. # وقد أراد أن يقنع مرميس بأنه من المخلصين له ms2372 فأراه بلاغ الحاكم ثم قال: أترى في أي ~~موقف أوقفتني فإني إن لم أطعك كنت السبب في خرابي، وإن أطعتك خالفت الشرع وعصيت أمر ~~الوزير. ~~- بماذا تخالفه. ~~- بعدم إبلاغ الرجل العبوس هذه الأنباء قبل نصف الليل. ~~- ولكننا نفرغ من اللعب في الساعة الحادية عشرة. ~~- ولكن هذا المنكود يجب أن يقضي مع المحامي عنه هذا الوقت الذي يقضيه ~~بملاعبتك. ~~- ولكنك تقول: إن الحكم عليه لا بد منه، فأية فائدة له من لقاء المحامي؟ ~~- هو ما تقول، ولكن إن علم ناظر الحقانية بما جرى عاقبني بالعزل دون شك. ~~- كلا، بل إني أضمن لك أنه يكافئك خير مكافأة. # فدهش الحاكم وقال: كيف ذلك؟ ~~- ألم تقل لي: إنهم سيحكمون على الرجل العبوس دون أن يعرفوا اسمه؟ ~~- نعم ... ~~- إذن افترض أنه غدا في ساعة المحاكمة تذهب إلى المجلس وتخبر القضاء بحقيقة اسم ~~الرجل العبوس. # فانذهل الحاكم انذهالا شديدا وقال: أنا أقول لهم حقيقة اسمه وكيف يكون ذلك وأنا لا ~~أعرفه؟ ~~- ولكني أقوله لك ... ~~- أنت! إذن أنت تعرف اسمه؟ # فنظر مرميس في ساعته وقال: إن الساعة التاسعة الآن وستحضر الرجل العبوس لملاعبتي في ~~الساعة العاشرة تقريبا. ~~- نعم ... ~~- وفي الساعة الحادية عشرة تنصرف زوجتك وبنتاك إلى مخادعهن. ~~- هو ذاك كما يفعلن في كل ليلة. ~~- وعند ذلك، يبقى في هذه القاعة، أنا وزوجتي وأنت والرجل العبوس. ~~- وبعد ذاك؟ ~~- وبعد ذاك أنادي الرجل العبوس باسمه الحقيقي. ~~- وإن أنكره؟ ~~- أقسم لك أنه لا ينكره. ~~- كيف تثبت أنه لا ينكر؟ ~~- لأني حين كنت معه في السجن قال لي: إني لا غرض لي في إخفاء اسمي إلا لإطالة مدة ~~المحاكمة، ولكنهم إن حكموا علي ذكرت اسمي أمام القضاء. ~~- أحق ما تقوله لي أيها الرجل النبيل؟ ~~- هي الحقيقة بعينها. ~~- أيمكن أن تكون هازئا بي؟ ~~- من يسعى وراء أربعة ملايين فرنك، لا يهزأ بأحد، وعلى ذلك فاحضر السجين، وإن علم ~~ناظر الحقانية أنك أحضرته إلى منزلك وأراد تأنيبك ومعاقبتك، أفحمته بكلمة وهي اسم الرجل ~~العبوس الحقيقي، ثم تقول له: إنك ما خالفت نظام السجن ms2373 إلا لهذه الغاية الحميدة فيكافئك ~~بدلا من أن يعاقبك. # فسر الحاكم سرورا عظيما بهذه النتيجة بعد أن وثق من مرميس وعاد إلى الاشتراك ~~بالحديث العام مع الحضور. # وبعد نصف ساعة برح الحاكم القاعة وهو يقول لمرميس: إني ذاهب لإحضار الرجل ~~العبوس. # فلما انصرف الحاكم خلا مرميس بفاندا وأخبرها بجميع حوادث النهار، فاصفر وجهها حين ~~علمت أن محاكمته غدا، ولكن مرميس قال لها: إن كل شيء قد أعد لفراره الليلة. ~~- وإن أبى الرئيس أن يهرب؟ ~~- لا بد له من أن يقبل. ~~- من يعلم. ~~- أنا، فإنه إن أبى أن يتبعنا عرض نفسه للقتل وعرضنا لأشد الأخطار. # فأطرقت فاندا برأسها وقالت: لا أعلم ما يكون، فإني شعرت اليوم بكآبة لم أشعر بمثلها ~~في ما مر بي من أدوار الحياة، وإن قلبي ينذرني بمصاب كبير. # فهز مرميس كتفه وقال: إن مناخ لندرا دفعك إلى هذه الكآبة والكآبة ولدت في قلبك هذه ~~الهواجس. ~~- ربما صح ما تقول، غير أنه إذا حبط مشروعنا فما نصنع؟ ~~- يتولى إنقاذه الإرلنديون، والآن فهل لدينا خنجر؟ ~~- هو تحت ملابسي ... ~~- إذن فلنصبر، والله من وراء القصد. # وعندها فتح الباب ودخل الحاكم مع روكامبول. # 47 # وكان روكامبول رابط الجأش باسم الثغر تبدو عليه السكينة والارتياح كأنه غير مهدد ~~بالشنق في سجنه الرهيب، بل كأنه ينادم أصحابه في نوادي باريس وهو يدعى الماجور ~~أفاتار. # وكان مرميس يقلد سكينته ويرتاح ارتياحه ما خلا فاندا فإنها كانت حزينة النفس منقبضة ~~الصدر، فشغل روكامبول بما رآه من ظواهر كآبتها. # أما الحاكم فإنه جلس قرب مرميس كي يرى دائما وجه الرجل العبوس ويراقبه، فجعلا يلعبان ~~نحو ربع ساعة دون أن يفوها بكلمة؛ مما استدل منه الحاكم على شدة انهماكهما في اللعب، ~~إلى أن بدأ مرميس يحدثه باللغة الجافانية فقال: لدي أنباء جديدة أيها الرئيس. ~~- لقد توقعت ذلك مما رأيته من كآبة فاندا. # فاعترض الحاكم وقال: كيف ذلك أعدتما إلى الحديث بهذه اللغة الجهنمية؟ # فقال له مرميس: إنك مخطئ يا سيدي الحاكم إننا لا نتكلم بتلك اللغة الاصطلاحية ms2374 التي ~~تخافها. ~~- ولكنكما تتحدثان باللغة الجافانية. ~~- هو ذاك، ولكن حديثنا هذه المرة بلغة جافا الحقيقية. ~~- وأية فائدة من الحديث بها بعد أن رجعت عن الهزء بي. ~~- لأننا نلعب بالشطرنج على الطريقة الهندية ولا بد للتعبير عن المصطلحات بلغة ~~الهنود. # فتنهد الحاكم وقال في نفسه: إن كل شقاء يعرف موعد انتهاءه لا يعد شقاء، وهذه آخر ~~ليلة تعذباني فيها هذا التعذيب. # عند ذلك سأل روكامبول مرميس باللغة الجافانية فقال له: ماذا حدث؟ ~~- رأيت زعماء الإرلنديين الأربعة والأب صموئيل. ~~- ألعلهم يعملون على إنقاذي؟ ~~- نعم ... ولكنهم أبوا أن يخبروني عن خطتهم في إنقاذك وعن الموعد الذي عينوه. ~~- وما يهمنا ذلك ؟ ~~- يهمنا جدا. ~~- لماذا؟ ~~- لأننا نضطر إلى لزوم السكينة بينما الأغراب يشتغلون. # فابتسم روكامبول وقال: أتعلم ما خطر لي يا مرميس؟ ~~- ماذا. ~~- لقد خطر لي أن الإرلنديين يخفقون في مشروعهم وأنكم تخيبون أيضا فلم يبق إلا أن ~~أهتم بنفسي وأحك جلدي بظفري. ~~- ما تعني بذلك؟ ~~- أعني أني سأنقذ نفسي بنفسي. ~~- متى! ~~- بعد ثلاثة أيام. # وعند ذلك بلغت الساعة الحادية عشرة فانصرفت زوجة الحاكم وبنتاه، فقال مرميس ~~لروكامبول: إنه بعد ثلاثة أيام يكون قد فات الأوان. ~~- لماذا؟ ~~- لأنهم سيحكمون عليك غدا ويشنقونك بعد غد. # فارتعش روكامبول ارتعاشا لم يظهر، فقال له مرميس: يجب يا سيدي أن تعذرنا وترضخ ~~لمطالبنا فهذه أول مرة جسرنا فيها على عصيانك، وإن رجال العصابة سيكونون هنا بعد ربع ~~ساعة. # فاتقدت عينا روكامبول وقال: أحق ما تقول؟ ~~- نعم، وقد عزمنا على اختطفاك إن أبيت أن تتبعنا. # فتنهد روكامبول وقال: إن إخلاصكم قد شفع لدي بعصيانكم، وقد صفحت عنكم. # وكان الحاكم يسمع الحديث ولا يفهم كلمة منه. # وجعل ينظر إلى الساعة قلقا وينتظر بفارغ الصبر أن يحين الوقت لمعرفة حقيقة اسم الرجل ~~العبوس. # ولما حان الوقت وبات مرميس واثقا من قدوم رجال العصابة خاطب روكامبول باللغة ~~الإنكليزية فقال له: أليس ما قلته لي أكيدا يا سيدي، وهو أنهم إذا حكموا عليك تعترف ~~لهم باسمك الحقيقي؟ ~~- دون شك. # فصاح الحاكم صيحة فرح وقال: ms2375 إذن تستطيع أن تتكلم الآن. # فقال له روكامبول: لما يا سيدي الميلورد؟ ~~- لأنهم قرروا محاكمتك دون أن يعرفوا اسمك. ~~- لا أظنك تريد فيما قلته إلا حملي على الاعتراف. ~~- كلا وهذا بلاغ ناظر الحقانية يثبت لك ما أقول. # فنظر روكامبول إلى ذاك البلاغ الوزاري دون اكتراث وقال له: متى قرروا محاكمتي؟ ~~- غدا ... ~~- وأنت متى ترى أنهم يشنقونني؟ ~~- بعد غد ... ~~- إذن تريد أن تعرف حقيقة اسمي؟ ~~- إني ألتمس ذلك منك التماسا ورجائي أن تجيبني إليه فإني ما أردت لك إلا ~~الخير. # إذن فاعلم أني أدعى روكامبول. # فوقف الحاكم لانذهاله وقال: أنت روكامبول! ~~- أنا هو بعينه. # وقد قال روكامبول هذا القول وهو يضحك، ولكنه قبل أن يتم ضحكه سمعوا صوت استغاثة ضعيفة ~~ثم سمعوا صوت وقوع جسم على الأرض ثم انقطع الصوت. # فهب الحاكم منذعرا وحاول أن يخرج إلى مصدر الصوت غير أن مرميس حال دونه فقبض على ~~عنقه واستل خنجره فقال: إن مشيت خطوة أو صحت صيحة فأنت من الهالكين. # ثم صاح قائلا: إلي أيها الرفاق. # 48 # وهذه أول مرة وقف فيها الحاكم مثل هذا الموقف، فإنه حين سمع ما قاله له مرميس احمر ~~وجهه في البدء ثم تواترت أوداج عنقه، وجعل يجيل نظرا تائها بين روكامبول ومرميس ~~وفاندا، فيرى علائم اليأس والشدة بادية بين وجوههم. # ثم سمع أن الأصوات قد زادت في مطبخه، ثم رأى الباب قد فتح ودخل فريق من الرجال، ~~فانجلت الحقيقة لهذا الحاكم الساذج، وأدرك سر المكيدة. # فقال في نفسه: إن الرجل الذي دعا نفسه روكامبول له شريك في المؤامرة وهو الرجل ~~الفرنسي الذي هزأ بي وبالسفارة، وهؤلاء الرجال الذين دخلوا هم أعوان هذين ~~الرجلين. # وكان الذين دخلوا إلى القاعة هم ميلون وبوليت وجواني ومورت ووليم، فصافحهم روكامبول، ~~وسأل مرميس عن شوكنج، فقال: إني كتبت إليه أن يحضر، ولا بد أن يكون قد وصل الآن، ولكني ~~لم أره بعد. # أما الحاكم فقد كان في بدء عهده جنديا، ولكنه اعتزل الخدمة العسكرية منذ عشرين سنة، ~~وتعود عيش الترف فذهبت ms2376 حميته، ولما رأى جميع أولئك الناس قد انقضوا على منزله انقضاض ~~الصاعقة، هلع قلبه ووهت رجلاه من الخوف، فسقط جاثيا على ركبتيه وهو يقول: بالله رحماكم ~~وأشفقوا علي. # فضحك مرميس وقال: اطمئن فإننا لا نقتلك إذا لزمت السكينة. # أما روكامبول فإنه التفت إلى ميلون وقال له: أوصلتم إلى هنا دون صعوبة؟ ~~- كلا فإننا لقينا خادمة حاولت أن تستغيث فأوثقنا يديها ورجليها ووضعنا كمامة في ~~فمها. ~~- وغير ذلك؟ ~~- لقينا أيضا حارسا، في الغرفة المجاورة لهذه القاعة، فاضطر وليم إلى قتله. # وكان مرميس لا يزال محتفظا بالرئاسة مع وجود روكامبول، فالتفت إلى الحاكم وقال له: ~~يسوءني يا سيدي أن أجازيك عن حسن ضيافتك لي هذا الجزاء. # ولكني مكره على ما فعلت، فيجب عليك الآن أن تذعن لأحكامنا إذا كنت تؤثر الحياة، فافتح ~~فمك في البدء لنضع فيه الكمامة، ثم اسمح لنا أن نوثق يديك ورجليك. # فبكى الحاكم بكاء الأطفال وقال: أتعاملني هذه المعاملة بعد أن عاملتك معاملة ~~الأشراف؟ ~~- إني شريف في عيني وفي عيون من يعرفني. # ثم أخذ كمامة من جيبه ودنا بها من الحاكم. # فأشار الحاكم إشارة مفادها أنه يريد أن يقول كلمة أيضا. # فقال له مرميس: قل يا سيدي ما تشاء وأوجز ما استطعت فإن الوقت غير فسيح ~~للجدال. # فقال بصوت مختنق: أتعدني أنك لا تسيء إلى امرأتي وبناتي؟ ~~- إني لا أسيء إليهن ولا إليك، فما نحن من أهل الشر. # أتعدني أيضا أنكم لا تسرقوا شيئا من المنزل؟ # فامتعض مرميس وقال: إنك تتهمنا بما نحن براء منه يا سيدي الحاكم، وحقك أن تتهمنا بما ~~تشاء بعد الذي رأيت منا، غير أننا لسنا لصوصا بل نحن متآمرون. # فلم يجد هذا الحاكم المنكود بدا من الإذعان، ففتح فمه ووضع مرميس فيه الكمامة وأوثق ~~يديه ورجليه ووضعه برفق فوق مقعد، ثم قال للجماعة: هلموا بنا الآن. # فقال له روكامبول: ألعل الباخرة متأهبة؟ ~~- إنها تنتظرنا عند مدخل الدهليز. ~~- والمس ألن؟ ~~- إنها فيها. # فمشى روكامبول خطوة إلى الباب ثم التفت وراءه إلى فاندا فوجدها صفراء ms2377 الوجه كئيبة ~~فقال لها: ماذا أصابك؟ ~~- لا أعلم ولكني خائفة. # فقال لها مرميس: أتخافين والرئيس معنا؟ # وقال لها روكامبول: هلمي واتبعيني. # فمشت بالكره عنها وكان ساقاها يضطربان، فشغل بال روكامبول عليها وقال: أخاف أن تكون ~~أصابتها نوبة عصبية. # ثم تأبط ذراعها وسار بها تتبعهما الجماعة حتى وصلوا إلى المطبخ حيث كانت الخادمة ~~ملقية مكممة، فوقفت فاندا وقالت: لا تتوغلوا بالمسير. # فقال مرميس: رباه ماذا أصابها ألعلها جنت؟ # وكان روكامبول قد خاف خوفا شديدا عليها فقال لها: لقد فات الأوان ولم يعد سبيلا ~~للرجوع. # فاصطكت أسنان فاندا وجعلت تقول: لا تتقدموا ... إني خائفة. # 49 # فجعل روكامبول ومرميس وميلون ينظر كل منهم إلى الآخر نظرات الانذهال. # ثم قال روكامبول لمرميس: ألا تعلم لماذا هي خائفة؟ ~~- كلا. # وقالت فاندا: إني أتوقع مصابا. # فقال لها مرميس: ولكننا لا نستطيع البقاء هنا، وأنت عارفة بموقفنا. # فتنهد روكامبول وقال: إن فاندا روسية تعتقد بأحاديث القلوب. # ثم التفت إليها وقال: هلمي بنا أيتها الحبيبة فإن الله يحمينا. # فامتثلت له وسارت معه حتى وصلوا إلى فم البئر، فقال روكامبول مخاطبا رجال العصابة: ~~إني رئيسكم وفي مثل هذا المقام يجب أن أكون آخر من ينزل بعدكم. # فقال له مرميس: ولكنك تنزل قبلي. ~~- لماذا؟ ~~- لأنك قد تؤثر أن ينقذك الإرلنديين فتفضل البقاء. ~~- إنك لا تزال أبله، فقد أردت امتحان تلك الطائفة، وعلمت أنها لم تقدم على إنقاذي غير ~~مكرهة طمعا باسترضاء المس ألن وأبيها، وكفى ذلك برهانا، فانزل. # فنزل الجميع واحدا بعد واحد، فلما اجتمعوا كلهم في أسفل البئر تنهد ميلون تنهد ~~الراحة وقال: لينسف الإرلنديون السجن الآن كما يشاءون ببارودهم. # فارتعش روكامبول وقال: أي بارود تعني؟ ~~- إن الإرلنديين يحاولون نسف سجن نوايت، هذه الليلة، بغية إنقاذك. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- قد رأيت مع بوليت براميل البارود عند جدران السجن، ولكنهم قبل أن ينسفوه نكون قد ~~بعدنا عن موقف الخطر. # وعادت فاندا إلى إظهار مخاوفها وهواجسها، عندما سمعت هذا الحديث. # وكانت بولينا واقفة تنتظر بمصباحها، وقد أهاج الخوف أعصابها، فلما رأت ms2378 زوجها أسرعت ~~إلى معانقته وقالت له: لقد خفت وحدي خوفا شديدا فلنسرع الآن بالخروج من هذا الدهليز ~~بل هذا القبر. # فساروا جميعهم حتى بلغوا القاعة ذات الثلاثة دهاليز، فوقفوا وسألوا مرميس في أي دهليز ~~يجب أن يسيروا، فسار يتقدمهم في الدهليز المؤدي إلى النهر. # ولكنهم لم يسيروا بضع خطوات حتى ارتجت الأرض تحت أقدامهم، وسمعوا دويا هائلا يفوق ~~دوي الصواعق، فسقطوا جميعهم على الأرض لقوة الارتجاج. # وصاحت فاندا قائلة: رباه هذا الذي كنت أخشاه. # وقال ميلون: هو ذا دوي بارود الإرلنديين. # ثم سمعوا دويا آخر من ورائهم فالتفتوا وإذا بسقف الدهليز الذي كانوا يسيرون فيه قد ~~تهدم وسقط صخور كبيرة. # فصاح مرميس بالرفاق قائلا: أسرعوا راكضين فإننا قد ننجو. # فنهض الجميع وأسرعوا ركضا إلى جهة النهر، ولكن الأرض كانت لا تزال ترتج تحت أقدامهم ~~والصخور تتساقط. # فنظر روكامبول إلى ما حواليه بعينين تتقدان وقال: ماذا جرى ألعل ساعتي الأخيرة قد ~~دنت؟ # فقال مرميس: كلا فإن الطريق لا تزال مفتوحة. # أما فاندا فإنها اضطربت اضطرابا شديدا وقالت: بالله كفى لا تسيروا خطوة إلى ~~الأمام. # فقال مرميس: كلا فلنمش. # فسار روكامبول في طليعة رجاله، وهو يقول: لنمش، ويفعل الله ما يشاء. # وتبعه الرفاق يتقدمهم ميلون وهو يشتم الإرلنديين أقبح شتم. # ولكنهم لم يسيروا بضع خطوات حتى سمعوا دويا آخر أشد من الأول، فصاحت فاندا صيحة ~~منكرة وسقطت على ركبتيها. # أما بقية الرفاق فقد جعل كل منهم ينظر إلى الآخر نظرة ملؤها الرعب، ما خلا روكامبول ~~فإنه لبث ساكنا هادئا شامخ الأنف غير مكترث لهذه الأخطار الهائلة. # 50 # وقد طالت مدة تساقط الدهليز فإن القبة كانت تسقط قطعا ضخمة، والأرض تهتز كل حين كما ~~تهزها الزلازل. # وكانت فاندا راكعة تصلي، وبولينا تعانق زوجها بوليت وتقول: إننا نموت معا على ~~الأقل. # وكان ميلون يهدد السماء بقبضته ويشتم الإرلنديين، ومرميس ينظر إلى روكامبول، ~~وروكامبول ساكن رابط الجأش ينظر إلى هذه النكبة ويتوقع نهايتها بسكينة تدل على أنه فوق ~~الموت. # ثم خف الارتجاج وسكن الدوي وانقطع ms2379 تساقط الصخور فقال روكامبول: هيا بنا ... إلى ~~الأمام. # فاتقدت عينا فاندا ببارق من الأمل وقالت: لقد نجونا. # فأجابها روكامبول: كلا إننا ما نجوننا بعد، ولكن تقدموا واتبعوا. # وكانت الصخور تراكمت في ذلك الدهليز، غير أن روكامبول كان يحمل مصباحا فكان يسير ~~أمامهم مستضيئا به وهم يتبعونه آمنين لما رأوا من ظواهر سكينته. # فساروا كذلك نحو مائة خطوة وهناك وقف روكامبول؛ إذ رأى برميلا كبيرا ملقى أمامه في ~~الدهليز. # وقد أيقن أنه برميل بارود؛ لأنه رأى فتيلا في طرفه، فجعل يقول في نفسه: ما هذا ~~البرميل ومن وضعه؟ ألعل الإرلنديين يعرفون طريق هذا الدهليز؟ # وكان الرفاق قد وقفوا لتوقفه فدنا مرميس من البرميل وجعل ينظر إليه منذهلا من وجوده ~~ويظن فيه الذي ظنه الرئيس. # أما روكامبول فإنه بعد أن أتم فحصه قال: يستحيل أن يكون الإرلنديون وضعوه في هذا ~~الدهليز. ~~- ومن عسى يضعه إذا لم يكن الإرلنديون؟ # ودار روكامبول حول البرميل يفحصه أيضا وابتسم قائلا: إنه كائن في هذا الدهليز قبل ~~أن نخلق. # فدهش مرميس وقال: كيف ذلك؟ ~~- وهذا البارود فيه من نحو 200 سنة. ~~- كيف يمكن ذلك أن يكون؟ ~~- انظر إلى خشبه قد نخره السوس ويكاد يفت إذا لمسته الأيدي. ~~- لقد أصبت. ~~- لا تمس الفتيلة فإنها شديدة الجفاف لما تقادم عليها من الأعوام، وهي تستحيل إلى ~~غبار إلى لمستها. ~~- وعلى ذلك فإن البارود قد فسد أيضا لطول عهده. ~~- إنك مخطئ يا مرميس، فإن قوة هذا البارود القديم تبلغ عشرة أضعاف البارود الجديد، ~~فاحذروا أن تدنوا منه بمشاعلكم، وسيروا إلى الأمام. # ثم تقدمهم وتبعوه، وكانوا كلما ساروا يشعرون بأن الأرض تنخفض مما يشير إلى اقترابهم ~~من النهر. # ولكن روكامبول توقف فجأة وقال: هذا الذي كنت أخشاه. # ذلك أنه رأى حجرا ضخما قد سقط من قبة الدهليز وسد مخرجه كما سدت الصخور مدخله من ~~ورائهم. # وزاد رعب فاندا وقالت: هو ذا قد بتنا أسرى. # فلم يجب روكامبول بشيء، وقد ذهب كل رجائه فإنه لا يستطيع أن يرجع إلى الوراء خوفا من ~~الوقوع ms2380 في قبضة الشرطة؛ لأنهم لا بد أن يعلموا ما جرى للحاكم ويسرعوا إلى مطاردتهم في ~~الدهليز، ولا يستطيع أن يتقدم إلى الأمام؛ لأن الطريق قد انسدت. # فتمعن هنيهة والرفاق وقوف حوله ينظرون إليه، ثم قال: يجب أن تغلب أو تموت. # فقال ميلون: كيف يتسنى لنا ذلك الفوز، ومن يستطيع دفع هذا الصخر إلى النهر؟ # وقال مرميس: ألا نستطيع تكسيره؟ # فأجابه ميلون: كيف نستطيع ذلك وليس لدينا شيء من الآلات، ثم ألا ترى أن الصخر أصم ~~صلد؟ # فقالت فاندا: أرى أننا سندفن أحياء في الدهليز. # فقال روكامبول: ربما. # أما بولينا فإنها عانقت زوجها تبكي. # فقال له بوليت: لا تبكي أيتها الحبيبة فإننا لم نقنط بعد كل القنوط، ألا ترين الرئيس ~~انظري إلى وجهه فإنه يدل على أتم السكينة. # أما روكامبول فإنه لم يحفل بهذه الأخطار وقال لمرميس وميلون: اصغيا ألا تسمعان دويا ~~بعيدا؟ ~~- نعم. ~~- إن هذا الصوت صوت دوي أمواج التيمس، فإنه بات على مسافة قريبة منا، وانظر يا مرميس ~~إلى قبة هذا المكان الذي نحن فيه فإنها منحوتة من الصخر الأصم. ~~- هو ذاك ولا خوف علينا من سقوطه. ~~- ليس هذا الذي أريده، ولكنك تعودت إطلاق البنادق، أليس كذلك؟ ~~- دون شك. ~~- إذن لنفرض فرضين، أولهما أن هذا الرواق الذي نحن فيه قريب جدا من النهر. ~~- إن ذلك أكيد لا سبيل فيه إلى الافتراض. ~~- ولنفرض أن هذا الرواق يشبه حديد البندقية. ~~- نعم. ~~- وأن هذا الصخر الذي تحشى بها فإنه يسد سبيلنا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إذن لا يعوزنا لإطلاق تلك الرصاصة غير البارود والبارود عندنا. # فقال ميلون: ألعلك تريد نسف الصخر؟ # فقال روكامبول: كلا، بل أريد دفعه إلى النهر بقوة البارود، كما تدفع الرصاصة ~~البندقية. # وقال مرميس: إن الفكر دقيق، ولكني أرى تحقيقه صعبا. ~~- لماذا؟ ~~- إن البارود لا يلقى وراءه ما يصده في الدهليز كما يلقى في البندقية، فينفجر ولا ~~يكون لنا بعد انفجاره غير الموت. # فقالت فاندا: لقد أصاب مرميس. # أما روكامبول فإنه ابتسم وقال: بل أخطأ. # فنظر الجميع إلى روكامبول نظرات تدل ms2381 على القلق، أما روكامبول فإنه كان ساكنا ~~مطمئنا، ونظر إلى مرميس وقال له: إن الذي ينقصك هو القوة للمقاومة أليس كذلك؟ ~~- دون شك كي تنحصر قوة البارود في الجهة المواجهة فتستطيع دفع الصخر وإلا فلا يكون ~~إلا الانفجار. ~~- ولكن ذلك سهل ويسير، فإني أنا وأنت وميلون نحمل ذلك البرميل الذي لقيناه في الدهليز ~~ونضعه تجاه الصخر ونجعل الفتيل من الوراء؛ أي من جهتنا دون شك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك نحمل جميع الذي نعثر به من الصخور التي تساقطت في هذا الدهليز، فيبنى بها ~~جدارا وراء البرميل تكون سماكته ستة أضعاف سماكة الصخر، وأنت بناء يا ميلون فكم تحسب ~~أن هذا العمل يقتضي له من الزمن؟ ~~- ست ساعات على الأقل. ~~- ولكن الشرطة تفاجئنا قبل ساعة. # فهز روكامبول كتفيه وقال: أما الشرطة فلا نخشاها لسببين؛ أحدهما أن الانفجار قد حدث ~~مرتين وراءنا ولا بد أن يكون قد سد الطريق، والثاني أن هذا البوليس قد يعتقد أننا قتلنا ~~جميعا بهذا الانفجار، فلا يشغل نفسه بمطاردتنا. # فقال ميلون: ولكن العمل يقتضي له ست ساعات من الوقت. # فابتسم روكامبول وقال: أتظن أن الوقت طويل؟ ~~- دون شك. ~~- إذن لنفرض أننا بنينا الجدار بلحظة، وأنه مبني الآن، بحيث لا يبقى علينا إلا أن ~~نلهب الفتيل، فيجب علينا بعدها أن ننتظر سبع ساعات على الأقل. # فنظر الجميع إليه ولم يفهموا شيئا مما قال. ~~- إن هذا الدوي الذي نسمعه هو صوت المياه، وهو يدل على شدة قربنا من النهر. ~~- نعم ... ~~- ذلك لأن النهر الآن في زمن المد، ويجب علينا أن ننتظر لحين تنخفض المياه. ~~- لماذا؟ ~~- لأننا إذا دفعنا الصخر الآن بالبارود يلقى مقاومة عنيفة حين بلوغه إلى فم الدهليز، ~~ولكنه لا يلقى شيئا من ذلك حين تنحصر المياه وتبعد من فم الدهليز فيخف مجرى ~~الهواء. ~~- إن كل الذي تقوله صواب، وإنما بقي لي اعتراض، وهو أننا إذا وضعنا برميل البارود بين ~~الصخر الذي يعترضنا والجدار الذي نبنيه فكيف توصل إليه النار؟ ~~- بواسطة فتيل ندخله من منفذ نجعله في الجدار. ms2382 ~~- وكيف نصنع هذا الفتيل؟ ~~- من قمصاننا. ~~- مهما كان طويلا فإنه لا يقي من يضع فيه النار من الأخطار فإن قمصاننا لا تكفي ~~لإطالته إلى حد اتقاء الخطر. ~~- إن ذلك لا يعنيك؛ لأن الذي يضع النار هو أنا. # فصاح ميلون وفاندا ومرميس بصوت واحد: أنت؟ # فابتسم وقال لهم بسكينة: نعم أنا فإنكم تدعونني الرئيس، ومن كان رئيسا يجب أن يطاع ~~فهلموا إلى العمل. # 51 # وقد تكلم روكامبول فلم يعد بد من الطاعة، وفوق ذلك فإن ساعة الخطر كانت لا تزال ~~بعيدة. # على أن مرميس رأى في عيني ميلون أنه عازم على العصيان، فهمس في أذنه قائلا: لنسرع ~~الآن في بناء الجدار، وسنرى بعد ذلك ماذا يكون. ~~- ليكن ما تريد. # وانصرف جميعهم إلى العمل يدا واحدة. # وقد بدءوا بنقل البرميل، وكان شديد الثقل بحيث اضطر الجميع أن يتعاونوا على نقله ~~وإسناده إلى الصخر. # ثم نزعوا قمصانهم ومزقوها قطعا طويلة، وصنعوا منها فتيلا وأدخلوه في ~~البرميل. # وعند ذلك قال روكامبول للجماعة: هلموا بنا الآن إلى بناء الجدار. # ثم نظر في ساعته، وكانوا جميعهم يحملون المشاعل في أيديهم، فقال لهم: لا حاجة إلى ~~إنارة جميع هذه المشاعل، فقد نحتاج إليها، وفي واحد منها الكفاية. # فأطفأ الجميع مشاعلهم ما خلا روكامبول. # وقال ميلون لمرميس: أرى أن الرئيس شديد الحذر. ~~- وهو مصيب في حذره، فإننا سنقيم هنا عدة ساعات، فإذا أنرنا جميع مشاعلنا احترقت قبل ~~فراغنا من العمل وبتنا في ظلام حالك. # وكان ميلون قد تولى إدارة البناء، فكان كل واحد من الجماعة يذهب ثم يعود بقطعة من ~~الصخور، فيرص ميلون هذه الصخور بعضها فوق بعض. # فلما بلغ ارتفاعه قدمين أدخلوا الفتيل، بحيث بات طرفه الآخر في الخارج وعادوا إلى ~~البناء. # وما زالوا على ذلك أربع ساعات متوالية، وهم يشتغلون بنقل الحجارة ويغنون ويضحكون، ~~كأنهم قد نسوا ما هم فيه، حتى بلغ هذا الجدار إلى سقف الدهليز، فبات برميل البارود ~~محصورا بين الجدار وبين الصخور. # غير أن سماكة الجدار كانت ستة أضعاف سماكة الصخور، بحيث إن ms2383 البارود حين ينفجر يصده، ~~فيدفع الصخور إلى الأمام، كما تدفع قنبلة المدفع. # وقد حسب روكامبول أن قوة المقاومة في الجدار تبلغ ثلاثة أضعاف قوتها في الصخور؛ لأنه ~~قطعة واحدة وذلك كاف لدفعه؟ # وعند ذلك نظر في ساعته. # فقال له ميلون: أحان الوقت؟ ~~- كلا. ~~- ولكننا نشتغل منذ زمن طويل. # فأجابه: إن هذا الزمن الطويل لم يزد على أربع ساعات، ولم يحن بعد وقت الجزر. # فتنهد ميلون ثم قال: كم يجب أن ننتظر بعد؟ ~~- ثلاث ساعات. # فتنهد ميلون أيضا وقال: إنه وقت كاف لقدوم رجال الشرطة. # فلم يعبأ روكامبول بهذا الخطر، وقال له بسكينة: إني أرجو أن لا يحضروا. # ثم جلس فوق صخر وكان رفاقه مجتمعين حوله فقال لهم: اصغوا إلي الآن أيها ~~الرفاق. # فسكتوا جميعهم كأن على رءوسهم الطير، ليسمعوا حديثه في هذا الموقف الرهيب. # فقال روكامبول: إني واثق من النجاة بهذه الطريقة التي ابتكرتها غير أني قد أكون ~~مخطئا في حسابي هذا. # فأجابه مرميس: لا أظن أنك أخطأت. ~~- وأنا أرى ما تراه غير أن العاقل يجب أن يتوقع الخيبة والحرمان قبل أن يتوقع النصر ~~والفوز فإذا كان مخطئا في حسابه فلا يكون قد أخطأ مرتين بركونه إلى الفوز وعدم توقع ~~الخيبة. ~~- هو ذاك يا سيدي، وما زلت مرشدنا الحكيم. ~~- إذن فاعلموا أننا إذا لم نستطع دفع الصخر إلى المياه من منفذ الدهليز فلا بد أن ~~يحدث انفجار البارود تهدما جديدا في الدهليز. ~~- وأنت أيها الرئيس؟ ~~- إني لا أتكلم عن نفسي الآن، فاصغوا إلي. # وقد قال هذا القول بلهجة السيادة المطلقة وبرقت عيناه، فأطرق جميعهم الرءوس ولم يجسر ~~أحد على الاعتراض. # وعاد روكامبول إلى الحديث وقال: إنه حين تبلغ النار إلى البرميل وينفجر باروده، لا بد ~~أن يحدث أحد الأمرين، وهو إما أن يدفع الصخر اندفاع قنبلة المدفع إلى النهر، فيتيسر لنا ~~الخروج من هذا الدهليز ... # فقاطعه مرميس قائلا: وإما ان تتهدم القبة فتسحقنا جميعا. ~~- كلا إنها لا تسحقكم أنتم بل تسحقني أنا. # فقالت فاندا: وهذا الذي لا نريده أيها الرئيس ms2384 فإما أن نعيش معا أو ندفن في قبر ~~واحد. ~~- ولكن هذا الذي أريده أنا. # فقال ميلون: إني أجد طريقة جديدة بسيطة لحل هذه المشكلة أبديها إذا أذنت لي. ~~- ما هي؟ ~~- هي أن نقترع فمن أصابته القرعة تولى إشعال الفتيل. ~~- إنك مصيب في رأيك في الظاهر لكنك مخطئ في الحقيقة. ~~- لماذا يا سيدي؟ ~~- لأنه إذا تهدمت القبة بالانفجار، يستحيل على من يكون في القاعة ذات الدهاليز ~~الثلاثة أن يهربوا، ولا بد لهم من السقوط في قبضة البوليس. # فإذا كنت بينكم وقبض علي البوليس أخذني توا إلى المشنقة، وإذا كان لا بد لي من ~~الموت فإني أؤثر الموت في هذا المكان. # أما أنتم فإنكم لم ترتكبوا جرائم ولم يحكم عليكم بالإعدام، فإن الحكومة قد تسجنكم ~~أياما معدودة ثم تطلق سراحكم. # فقال ميلون: من يعلم، فقد يحسبون احتيالنا في إنقاذك من الجرائم التي تعاقب عليها ~~بالإعدام. ~~- ولكني أنا أعلم، فإني أدرى منكم بالشرائع الإنكليزية، وليس من العدل أن يعرض أحد ~~منكم نفسه للموت من أجلي لا سيما حين لا يكون لي رجاء بالحياة إذا نجوت من ~~الانفجار. # فقالت فاندا: وأية فائدة لنا من الحياة بعدك؟ ~~- إنكم تتمون أعمالي. # فاستاء ميلون لهذا الكلام وقال: أتريد أن نخدم أولئك الإرلنديين الزعانف وهم السبب في ~~ما صرت إليه؟ # فأشار إليه روكامبول بيده وقال له: اسكت. # ثم التفت إلى فاندا وقال لها: اصغي إلي يا فاندا. # فأطرقت فاندا برأسها خشية أن يلتقي نظرها بنظره وقالت: تكلم يا سيدي ... ~~- إذا صح حذري وحدث ما أخشاه؛ أي إذا سحقتني هذه الصخور فاذهبي أنت بعد أن يطلق ~~سراحكم إلى مس ألن. ~~- إنها تنتظرنا في الباخرة. ~~- لا بأس فإنك تبحثين عنها حتى تجديها. ~~- سأمتثل لأمرك. ~~- ثم تذهبين معها إلى روتشريت في الضفة الثانية من التيمس قرب النفق. ~~- إني أعرف هذا المكان. ~~- هناك زقاق في أدم ستريت فتدخلان فيه وتبحثان عن منزل نمرته 17، وهو منزل ذو ثلاثة ~~أدوار تقيم فيه امرأة تدعى بيتزي فتريها هذا. # ثم أخرج نوطا صغيرا من الفضة كان ms2385 معلقا في عنقه بخيط من حرير ودفعه لفاندا، فأخذته ~~وقالت: وبعد ذلك؟ ~~- وعند ذلك تعطيك بيتزي أوراقا. ~~- سأفعل. # فنظر روكامبول في ساعته وقال: في أي يوم نحن من الشهر؟ # فقال مرميس: في الرابع عشر. # فتمعن روكامبول هنيهة ثم قال: إني أخطأت في حسابي فإن زمن الجذر يبتدئ اليوم قبل ساعة ~~من الموعد الذي حسبته، وعلى ذلك فلا بد أن تكون المياه قد انحسرت الآن عند مدخل ~~الدهليز. # فارتجفت فاندا وقالت: إذن آن الأوان. ~~- بل لا يزال لدينا عشر دقائق. # وعند ذلك ركع ميلون أمام روكامبول وقال له: أستحلفك بالله يا سيدي أن تجيبني إلى رجاء ~~ألتمسه منك. ~~- تكلم. ~~- دعني أبقى معك. ~~- ليكن ما تريد. # فصاح ميلون صيحة فرح وجعل الجميع يبكون. # فدنا روكامبول عند ذلك من فاندا فضمها إلى صدره بلهف شديد، ثم عانق كل واحد من ~~الآخرين عناقا أسال الدموع من عيونهم وعادوا جميعهم إلى رجائه أن يأذن لهم بالبقاء ~~معه. # فنظر إليهم روكامبول تلك النظرات الساحرة وقال لهم: إن الوقت قد أزف فابتعدوا. # فابتعد جميعهم سائرين إلى القاعة. # وكانت فاندا تسير في آخرهم وهي تلتفت كل خطوة لترى روكامبول. # أما روكامبول فكان يصيح بهم قائلا: أسرعوا بالابتعاد حتى أيقن أنهم بعدوا عن موقف ~~الخطر، نظر إلى ميلون وقال له: أأنت مستعد؟ ~~- كل الاستعداد. ~~- ألا تشعر بشيء من الندم؟ ألم تخف من الموت؟ ~~- إن الموت معك يحلو. ~~- إذن لنشرع بالعمل. # وعند ذلك أدنى مشعله من الفتيل فالتهب ووقف ينتظر الانفجار الهائل وقفة من لا يكترث ~~للموت. # فكان الفتيل يشتعل ببطء وتتقدم النار فيها تباعا حتى وصلت إلى الجدار الفاصل بينه ~~وبين البرميل. # وكانت فاندا لا تزال تسير وراء الجميع وهي تلتفت كل حين ويكاد فؤادها ينفطر إشفاقا ~~على روكامبول، بينما كان رفاقها يتقدمون حتى كادوا يبلغون القاعة. # فصاح بها روكامبول: أسرعي ... أسرعي. # وكان مرميس يتقدم الجماعة، فأسرع الخطى واقتدى به الرفاق. # ولما وصلوا إلى قرب مدخل القاعة وقف مرميس وقال لفاندا: إنا نبعد ثلاثمائة متر عن ~~البرميل، ولكن الدهليز ms2386 مستقيم بحيث نستطيع مشاهدة الانفجار. # ثم وضع المشعل الذي يحمله وراء ظهره فرأى روكامبول وميلون بنور المشعل الذي كان ~~معهما. # وكانوا واقفين الواحد بإزاء الآخر ينتظران بلوغ النار إلى البارود بملء ~~السكينة. # فوجف قلب فاندا وارتعدت فرائصها. # ولم يكن خوفها على نفسها؛ فقد برهنت على بسالتها في كثير من المواقف المحفوفة ~~بالأخطار، وإنما كانت واجلة على ذلك الرجل الذي تدلهت بحبه حتى باتت تعبده ~~عبادة. # ومضى على ذلك عشر دقائق مرت بتلك العصابة مرور الأدهار لما تولاهم من الجزع على ~~روكامبول وميلون. # ثم رأى مرميس أن الوقت قد حان فقال لرفاقه: ناموا كلكم على الأرض. # فقال جواني: لماذا؟ ~~- لأن قوة الانفجار تلقيكم على الأرض إذا كنتم وقوفا فتنكسر أضلاعكم. # فامتثل الجميع له وانبطحوا على الأرض ما خلا فاندا. # فسألها مرميس أن تقتدي بالجماعة فقالت: كلا إني أحب أن أرى. # وظلت واقفة تنظر إلى روكامبول وميلون. # فقال لها مرميس: وأنا أبقى أيضا كي أرى ما ترين. # ثم وقف جنبها بينما كان الجميع نياما فما مرت بها دقيقة حتى اتصلت نار الفتيل ~~بالبرميل فسمعا دويا شديدا لا يذكر معه قصف الرعود. # وكان الاهتزاز شديدا حتى إن مرميس وفاندا على تماسكهما سقطا على الأرض، غير أنهما لم ~~يغمضا عيونهما فتجلى لهما ما كان يحسبانه من العجائب. # ذلك أنهما رأيا أن المشعل الذي كان يحمله روكامبول قد انطفأ وظهر لهما بدلا منه نور ~~أبيض مستدير كالقمر تألق من آخر الدهليز. # وقد دفع البرميل الصخر إلى الأمام والجدار إلى الوراء في حين واحد. # وعلى ذلك فإن الرئيس لم يخطئ في حسابه حين جعل الدهليز مدفعا والصخر قنبلة. # وكان هذا النور المستدير الذي ظهر لهما ضوء النهار بدأ من فم الدهليز المستدير الذي ~~ينتهي عند نهر التيمز. # وبعد لحظة رأيا روكامبول وميلون قد نهضا فإن قوة الارتجاج قد ألقتهما على الأرض، ثم ~~سمعا صوت الرئيس يناديهم ويقول تقدموا ... إلى الأمام وهو يتقدم مع ميلون إلى ~~النهر. # فصاح مرميس برفاقه وقد أخذ الفرح منه كل مأخذ لقد ms2387 فاز الرئيس ... هلموا بنا ... إلى ~~الأمام، فنهضوا جميعهم وساروا وراء مرميس يتبعون أثر روكامبول وميلون. # وكأنما الله قد أراد أن لا يسيروا بضع خطوات حتى رأوا أن ذلك النور الأبيض المستدير ~~توارى. # ثم شعروا باهتزاز الأرض، فوقف مرميس في مقدمة رفاقه والعرق البارد ينصب من ~~جبينه. # ذلك أن قبة الدهليز الذي كان فيه روكامبول قد سقطت وتراكمت الصخور فسدت المنفذ أيضا ~~وحجبت ذلك النور الذي كان دليل النجاة. # فلما أيقن رجال العصابة من سد المنفذ ساد فيهم الرعب. # وكانت المشاعل قد أطفأت والظلام محدقا بهم والأرض لا تزال ترتج ودوي سقوط الصخور يصل ~~إلى مسامعهم على مسافة 50 مترا. # فقالت فاندا: لقد هلكنا وهذه الساعة الأخيرة قد دنت. # فقال مرميس: من يعلم فقد يفتح الله لنا بابا للنجاة. # ثم أضاء المشعل وقال: يجب أن نرى أين نحن وكيف نسير. # وهنا انقطع دوي التهدم وبطل اهتزاز الأرض فتقدم مرميس من الرفاق وقال: ~~اتبعوني. # فتبعوه وهو يسير أمامهم وينير طريقهم، وكانت زوجة بوليت قد أغمي عليها من الرعب ~~فحملها وسار في أثر الجماعة. # ولبثوا سائرين حتى وصلوا إلى موضع البرميل فمشوا فوق الصخور إلى الجدار الذي هدمه ~~الانفجار فرأوا هناك تشقق الجدار في الجهة التي اندفع فيها الصخر. # ثم واصلوا السير حتى وصلوا إلى المكان الذي رأوا فيها احتجاب النور الأبيض المستدير ~~فوجدوا صخرا هائلا أعظم من ذلك الصخر الذي دفعه البرميل قد انتزع من القبة وسد ~~الدهليز. # فجعل مرميس وفاندا ينظر كل منهما إلا الآخر نظرات تشف عن الرعب وكلاهما يقول بعينيه ~~دون أن يجسر على الكلام، ترى ماذا أصاب الرئيس ألعله سحق تحت هذا الصخر، أو أن الصخر ~~سقط وراءه ففصل بينه وبين رفاقه وسار هو إلى النهر. # وكأنما كل منهما قد فهم قصد الآخر وقد تغلب الرجاء على فاندا فقالت: أرجو أن يكون قد ~~نجا. ~~- وأنا أرجو رجاءك. # ثم نظر إلى رفاقه وقد أخذ الرعب منهم كل مأخذ فقال: لا يجب أن يخطر لنا التقدم في بال ~~فإنكم ترون ms2388 الطريق مسدودا. # فقال جواني: إذن لنعد إلى القاعة التي كنا فيها وسنرى ما يكون بيننا وبين البوليس إذا ~~قبض علينا. # فلم تجب فاندا بكلمة، فإن هذه النكبة الجديدة انهكتها وقد عاودها الشك بعد ذلك الرجاء ~~فكادت تجن من جزعها على روكامبول. # وكأنما أولئك الرفاق المخلصين قد نسوا ما هم فيه من الأخطار. # وانصرف اهتمامهم إلى روكامبول فقال أحدهم: ترى ماذا أصاب الرئيس؟ # فأجابه جواني: لا شك عندي أنه نجا مع ميلون. # ولم يشترك مرميس بهذه المباحثة، ولكنه سار أمام الجماعة ساكنا فتبعوه إلى القاعة ~~التي كانوا فيها. # وهناك جمعهم وقال لهم: يجب أن نتباحث في أمورنا كي نقر على رأي نرجو أن يكون صوابا، ~~ثم أشار لهم إلى ذلك الدهليز الذي جاءوا منه كأنه يشير عليهم الرجوع منه. # فقال جواني: ألعلك تريد أن نرجع إلى نوايت؟ # وقال وليم: إنه بئس الرأي، فإننا إذا عدنا إليه نكون قد سلمنا أنفسنا للبوليس. # فقال جواني: وأي خطر علينا من ذلك؟ ~~- هو أنهم يرسلوننا في البدء إلى سجن الطاحون. ~~- ولكنهم يطلقون سراحنا بعد ذلك. ~~- أما أنتم فقد يطلقون سراحكم، وأما أنا فإني إنكليزي. # أما بوليت فإنه أضاء مشعله وقال: إني سأتفقد هنيهة هذا الطريق الذي تشيرون أن ~~أسلكه. # ثم تركهم وسار نحو خمسين خطوة وعاد فقال: لم يبق سبيل إلى الجدال فقد قطعت جهيزة قول ~~كل خطيب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذاك أن القبة قد تهدمت أيضا في الدهليز المؤدي إلى السجن فسدت الطريق. # فقال جواني: إذن لقد أصبحنا أسرى بين الحاجزين. # وقال مورت: بل حكم علينا بالموت جوعا. # فهز مرميس كتفيه وقال: أرى أنكم تسرعتم باليأس. # فتطاولت إليه الأعناق وحومت عليه الأبصار وقالوا جميعهم: كيف ذلك؟ ~~- ذاك أن هذه القاعة تحتوي على ثلاثة دهاليز أحدها يؤدي إلى النهر والآخر إلى السجن ~~وكلاهما مسدود، غير أنه بقي دهليز ثالث لا نعلم إلى أين يؤدي ولكننا لم نطرقه ~~بعد. # فقالت فاندا: لقد أصبت. ~~- وقد يفتح لنا باب النجاة، فهلموا بنا ندخل إليه. # ثم سار أمام الجماعة فتبعوه ms2389 ودخلوا في ذلك الدهليز، فكانوا يسيرون فيه صعدا خلافا ~~للدهليزين السابقين. # وكان مرميس يسير أمامهم وهو يعللهم برجاء وجود منفذ، فيسيرون وراءه يحثهم الأمل وقد ~~أناروا كل المشاعل للاهتداء. # وفيما هم سائرون وقف مرميس فجأة وقال لهم بصوت منخفض: اسكتوا. # ثم أصغى هنيهة وقال: أحبسوا أنفاسكم ولا يتحرك أحدكم. # ذلك أنه سمع صوتا ولكن هذا الصوت لم يكن صوت انفجار أو دوي تهدم، بل كان صوتا ~~بشريا. # فسكت الجماعة وجعل مرميس يصغي ويقول في نفسه: ألعل ذلك صوت رجال الشرطة أم هي أصوات ~~الإرلنديين القادمين لإنقاذ روكامبول؟ # وبينما هو حائر في أمر هذه الأصوات يشير إلى رفاقه بالصمت ظهر له نور من بعيد ، ثم جعل ~~هذا النور يقترب شيئا فشيئا حتى تبين حامله لمرميس فصاح بصوت الفرح المستبشر قائلا: ~~لقد نجونا. # ورددت الجماعة صوته دون أن يعلموا كيف قدرت لهم النجاة. # ذلك أن هذا الرجل الذي كان يدنو منهم يحمل مصباحا كان شوكنج يصحبه أحد زعماء ~~الإرلنديين. # مذكرة مجنون‏ # مذكرة مجنون‏ # | مذكرة مجنون # | مذكرة مجنون # | روكامبول (الجزء السادس عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | مذكرة مجنون # 1 # لقد تركنا مرميس في ختام الرواية السابقة «روكامبول في السجن» يصيح برفاقه قائلا: «لقد ~~نجونا؛ فهذا شوكنج قادم إلينا من الدهليز.» # وتركنا روكامبول وميلون في ذلك الدهليز؛ فقد تساقطت الصخور، وسدت منفذه، وحجبت روكامبول ~~وميلون عن رفقائهما؛ فلا يعلمون أهما من الأحياء فيرجيا أم هما من الأموات فيبكيا. # ولم يكن مرميس قد خدعته عيناه؛ فإنه رأى شوكنج حقيقة يسير جنبا إلى جنب مع رجل آخر، عرفه ~~- أيضا؛ إنه أحد زعماء الإرلنديين الأربعة الذين رآهم مجتمعين عند الأب صموئيل. # وعند ذلك التفت إلى رفاقه، وقال لهم: «لنتقدم الآن إليهما؛ فإنهما من الأصدقاء.» # وكان شوكنج قد رآهم أيضا، وعرف منهم مرميس، فأسرع إليهم مع رفيقه، وصل إلى مرميس فعانقه ~~بفرح عظيم، وقال له: «إننا نبحث عنكم منذ عهد بعيد، وكنا نخشى أن تكون القباب قد سقطت ~~عليكم.» # ثم أجال نظره بين العصابة باحثا ms2390 عن روكامبول، فلم يره فقال: «أين الرجل العبوس؟» # فأطرق مرميس برأسه دون أن يجيب. # فذعر شوكنج، وقال: «ويلاه! ألعله مات؟» ~~- إننا لا نزال نرجو أن يكون حيا. ~~- كيف ذلك؟! وما تعني؟ ~~- تركناه يتقدمنا مع ميلون في الدهليز المؤدي إلى النهر، وقد فتح سده بالبارود، وفيما هو ~~يتقدمنا وبيننا وبينه نحو مائة متر، تهدمت القبة، فسدت الطريق، وحالت بيننا وبينه، فلا ندري ~~أسحقه الردم أم سلم منه فنجا. # فابتسم شوكنج، وقال: أما أنا فإني مطمئن عليه؛ فإني أعرف الرئيس حق العرفان، فإذا كنتم لم ~~تروه صريعا فهو قد نجا دون شك. # فاطمأن الجميع ما خلا فاندا، وسأله مرميس: «كيف وصلت إلى هنا؟» ~~- إني جئت من باريس - كما أمرتني - إلى المخزن الذي أشرت إليه، فوجدته مقفلا، فذهبت إلى ~~الأب صموئيل، فجمعني بالإرلنديين العازمين على إنقاذ الرئيس. # والتفت الزعيم الإرلندي عند ذلك إلى مرميس، وقال له: «إننا نبحث عنكم، وإذا كنتم قد أصابتكم ~~كوارث فإن الذنب ذنبكم.» # فأجابه مرميس بلهجة تدل على الأنفة: «أتظن أننا أذنبنا؟!» ~~- دون شك؛ فإنكم لو وثقتم من صدق نيتنا على إنقاذ الرجل العبوس لما حاولتم إنقاذه. # فاعترض شوكنج حديثهما، وقال: «ليس هذا الوقت وقت العتاب والخصام؛ إذ يجب أن نخرج الآن من ~~هذا الدهليز، فإن الصخور لا تزال تتساقط والخطر فيه شديد.» # فقال مرميس: «ولكن، من أين دخلتم إلى هذا الدهليز؟» # فأجابه شوكنج: «من المنفذ الثالث.» # فذهل مرميس، وأيقن أن شوكنج يعرف المنفذين الآخرين، فقال له شوكنج: «إن الإرلنديين يعرفون ~~هذا الدهليز كما تعرفونه، وكان في نيتهم أن ينسفوا جانبا من سجن نوايت لو لم تتسرعوا.» ~~- ولكننا لم نعرف خطتهم. # فقال له الزعيم: «أنا أبسطها لك: فإننا وضعنا ثلاثة براميل من البارود في الدهليز، وثلاثة ~~عند جدران السجن، فوضعنا النار في البدء في براميل الدهليز، وأبقينا الآخرين لإسقاط جدران بيت ~~الحاكم.» ~~- ولكن ما كانت غايتكم من ذلك؟ ~~- إنه حين ينهد بيت حاكم السجن يضطرب رجاله، ويختل النظام، فنهجم على السجن، وننقذ الرجل ~~العبوس. ~~- وماذا فعلتم ببراميل السجن؟ ~~- إننا ms2391 حين علمنا أنكم مع الرجل العبوس في الدهليز نزعنا الفتيل من برميلين فلم ينفجر غير ~~برميل واحد. ~~- ولكن، بيت الحاكم قد تهدم؟ ~~- كلا، بل سقط بيت يجاوره، ولم يعلموا إلى الآن كيف كان سقوطه. ~~- والسجن؟ ~~- لم يصب بشيء، وقد أنقذوا الحاكم، فأخبر كيف أنكم قيدتموه وهربتم من البئر إلى الدهليز، ~~فنزلوا من الدهليز بغية مطاردتكم، ولكنهم اضطروا للرجوع. ~~- لماذا؟ ~~- لأن تساقط الصخور كان لا يزال متصلا، ثم لأنهم وجدوا الدهليز مسدودا. ~~- ولكنكم أتيتم من طريق آخر؟ ~~- دون شك. ~~- إذا، نستطيع الخروج من هذا الدهليز؟ ~~- عندما تريدون فاتبعوني إن شئتم. # ثم سار أمامهم والعصابة في أثره، وبعد ربع ساعة وصلوا إلى سلم، فقال مرميس: «إلى أين يؤدي ~~هذا السلم؟» ~~- إلى قبو في خمارة. ~~- وهذه الخمارة ... ~~- هي خمارة يتولاها أحد زعماء الإرلنديين. ~~- أين هي كائنة؟ ~~- في شارع فارنجدون. ~~- إذا، نحن في شرق سجن نوايت؟ ~~- هو ذاك. # فبدءوا النزول من السلم، وكان شوكنج في الطليعة وفاندا في المؤخرة، وهي كأنها قد أودعت ~~روحها في ذلك الدهليز؛ فإنها كانت تتلفت من حين إلى حين، وتقول في نفسها: «رباه، ما عسى أن يكون ~~قد أصابه؟! إنه قد يكون الآن تحت صخر ضخم يردد النفس الأخير!» # وكان هذا السلم مؤلفا من ثلاثين درجة، وهناك باب فتحه شوكنج، فدخل يتبعه الجميع إلى قبو ~~دخلوا منه إلى خمارة لم يكن فيها غير صاحبها، فجعل هذا الرجل ينظر إليهم باحثا عن الرجل ~~العبوس. # وقال مرميس لشوكنج: «أنحن الآن في شارع فارنجدون؟» ~~- هو ذاك. ~~- أنحن فوق فليت ستريت أم تحته؟ ~~- تحته. ~~- إذا، نحن قريبون جدا من النهر. ~~- إننا على بعد خطوات منه. ~~- إذا، هلم بنا نبحث عن الرئيس. ~~- إن ذلك سهل ميسور فإن لدي قاربا في النهر. # فقالت فاندا: «إني أذهب معكما.» # وقال جواني قولها، واقتدى به رجال العصابة، فقال لهم مرميس: «كلا، لا يذهب أحد غير فاندا، ~~أما أنتم فانتظروا عودتنا في هذه الخمارة.» # فلم يجدوا بدا من الإذعان؛ لأنه كان يتولى رئاستهم في غياب روكامبول. # وعند ذلك خرج ms2392 شوكنج ومرميس وفاندا من تلك الخمارة إلى ضفة النهر، فوجدوا قارب شوكنج، فنزلوا ~~إليه وتولى شوكنج إدارة المجاديف، فسأل مرميس إلى أين يريد الذهاب؟ ~~- إلى المدخل الأيمن للدهليز. ~~- إني أعرف موضعه، فهو لا يبعد أكثر من عشر دقائق. # وما زال القارب يسير بهم حتى عثر بأدغال، فقال شوكنج: «هو ذا مدخل الدهليز.» # فنظر مرميس إلى تلك الأدغال، وقال له: «لم يخرجا من الدهليز.» # فشهقت فاندا بالبكاء، وقالت: «إنهما قتلا.» # أما مرميس فإنه لم يجبها، ولكنه أزاح الأدغال، وفتح ممرا فيها، ثم وثب من القارب إلى ~~الأرض، وقال لشوكنج: «ألا يزال المصباح معك؟» ~~- نعم، ولكننا لا ننير إلا في داخل الدهليز. # ثم نزل شوكنج وفاندا ، فدخلوا الدهليز، وأنار شوكنج المصباح، فلم يكد نوره يضيء حتى رجعت ~~فاندا إلى الوراء، وصاحت صيحة ذعر. # 2 # ولقد يتبادر إلى الأذهان أن فاندا ومرميس وشوكنج قد رأوا جثتي روكامبول وميلون فذعروا هذا ~~الذعر. # على أنهم لم يروا شيئا من ذلك، بل الذي دعاهم إلى هذا الرعب أنهم رأوا صخرا هائلا قد سد ~~مدخل الدهليز فحسبوا أن التهدم الذي رأوه وراء روكامبول وميلون قد اتصل أيضا أمامهما ~~فسحقهما. # وقد كان البرهان جليا؛ فإن مرميس قد وثق بعد أن فحص الأدغال أنهما لم يخرجا من الدهليز، ~~ولكن خطر له أن يمتحن امتحانا آخر، وهو أن مياه التيمس تدخل حين المد إلى هذا الدهليز، فتبل ~~أرضه بحيث تنطبع عليها آثار الأقدام. # فأخذ مرميس المصباح من يد شوكنج، وجعل يفحص التراب، فلم يجد أثرا للأقدام، وقد رأى فوق ذلك ~~أن الصخر غير مبتل فاستدل من هذا أن سقوطه كان بعد زمن المد، أي بعد انحسار المياه، فجعل كل ~~من الثلاثة ينظر إلى الآخر نظرات تشف عما داخل قلوبهم من اليأس؛ إذ لم يبق مجال للشك لديهم ~~بأن الصخور قد سحقت روكامبول ورفيقه حين فرارهم، ولكن بقي لهم رجاء واحد، وهو أن صخور القبة قد ~~تكون سقطت من خلفهما ومن ورائهما، فباتا سجينين بين صخرين. # وجعلت فاندا تنظر إلى مرميس، ms2393 ثم تعض كفها من اليأس، وتقول: «رباه! ماذا نفعل؟» # أما مرميس، فكان تائها في تفكيره، ثم خطر له خاطر، فأعاد المصباح إلى شوكنج، ودنا من تلك ~~الصخور المتراكمة التي سدت مدخل الدهليز، فاضطجع قريبا، وأصغى. # فكانت فاندا تنظر إليه دون أن تعلم ما يريد، أما مرميس فإنه جعل يصغي وعلائم اليأس مرتسمة ~~فوق وجهه، ولكنه لم يطل الإصغاء حتى أشرق وجهه بنور الأمل، وقال: «إني أسمع صوتا.» # فأسرعت فاندا، وقالت له بصوت خنقته العبرات: «ماذا تسمع؟» ~~- إني أسمع صوتا بعيدا منقطعا يشبه صوت البشر، ويصل إلى أذني كصوت نقط المياه ~~المتساقطة. # فأصغت فاندا مثله، وقالت: «وأنا أسمع - أيضا - ما تسمع، ولكن الذي أسمعه صوت إنساني ... ~~أصغ ... أصغ، إنه صوت اثنين لا واحد، وهما يقتربان.» # وبعد هنيهة صاحت فاندا صيحة فرح، فقال لها: «ماذا سمعت؟» ~~- صوتهما، يا مرميس، صوت روكامبول وميلون. # ثم جعلت تصيح منادية روكامبول، فقال لها مرميس: «اسكتي، وأصغي؛ فإن النداء لا يفيد.» # وقد أوشكت فاندا أن تجن من فرحها، فانقطعت عن الصياح كي يتسنى له أن يسمع ما ~~سمعته. # وبعد هنيهة قال لها: «لقد أصبت؛ فهذا صوت الرئيس.» ~~- لماذا لا تريد أن أناديه؟ ~~- لأنه لا يسمعك. ~~- كيف نحن نسمعه وهو لا يسمعنا؟! ~~- ذلك لأنه في دهليز بين صخرين، فيخرج لصوته رنين فيصل إلينا، أما نحن فإننا في الهواء ~~الطلق، فيضيع صوتنا في الهواء قبل أن يصل إليه. # فاقتنعت فاندا بهذا البرهان الجلي، وتابع قائلا: «يظهر من لهجة حديثهما أنهما لم يصابا ~~بجراح.» ~~- هو ذاك فإني لا أسمع توجعا، ولكنهما أسيران بين السدين فإذا لم يتيسر لهما الخروج ~~ماتا من الجوع. ~~- ولكننا ننقذهما. ~~- كيف؟ ~~- إننا لا نستعمل البارود دون شك، ولا حيلة لنا باستعمال الآلات وفتح منفذ في هذا السد، ~~ولكن هلمي بنا نعود إلى القارب، فمتى صرنا في عرض النهر أخبرك. # أما شوكنج فإنه لم يفهم كل الحديث؛ لأنهما كانا يتكلمان باللغة الفرنسية، ولكنه علم أن ~~الصوت كان صوت روكامبول وميلون. # ثم ذهب الثلاثة إلى الباب، ودفع شوكنج ms2394 القارب، بأمر مرميس، إلى عرض المياه. # وجعل مرميس يراقب البيوت الكائنة فوق الصخور التي سمعوا من ورائها صوت روكامبول. # حتى إذا عرف ما أراد أن يعرفه عاد إلى البر، فنزلوا جميعهم من القارب، وذهبوا إلى الخمارة ~~حيث كان ينتظرهم الرفاق. # فأمر مرميس أن ينتظروهم - أيضا - فيها، وخرج من تلك الخمارة مع فاندا وشوكنج إلى تلك ~~المنازل التي كان يفحصها من عرض النهر، وجعل يبحث فيها عن منزل حتى عثر عليه، فقال لفاندا: «إني ~~إذا لم أكن مخطئا في حسابي فلا بد أن يكون هذا البيت فوق الصخر الذي سمعنا من ورائه صوت ~~روكامبول.» # ثم دنا من البيت، ففحص بابه، وعاد، فقال: «لقد بت الآن واثقا ؛ فإن هذا البيت لزعيم ~~إرلندي يدعى فرلان، وسيكون خير معين لنا على إنقاذ الرئيس.» # 3 # ولنعد الآن إلى روكامبول، فقد كان آخر عهد القراء به أنه وضع النار في الفتيل (راجع ~~روكامبول في السجن)، وابتعد عنه أصحابه إلى القاعة ذات الثلاثة دهاليز، فبقي مع ميلون ينتظر ~~بلوغ النار إلى برميل البارود. # فلما اتصلت به النار، وحدث ذلك الانفجار الهائل، اهتزت الأرض اهتزازا عنيفا ألقى ~~روكامبول وميلون على الأرض! # ولكنهما نهضا على الأثر، ولم يكد روكامبول ينظر إلى نتيجة الانفجار حتى صاح صيحة المنتصر ~~الفائز، ونادى أصحابه يقول: «اتبعوني؛ فقد فتح السد.» # ذلك أن البارود دفع الصخر إلى النهر، وظهر ضوء النهار من السرداب، فجعل يعدو مع ~~ميلون. # ولكنهما لم يعدوا عشرين خطوة، حتى تهدمت قبة الدهليز من ورائهما وتراكمت الصخور، فحالت ~~بينهما وبين رجال العصابة الذين كانوا يركضون في أثرهما. # فذعر روكامبول، وهم بالرجوع إلى أصحابه، فوجد السد محكما بينه وبينهم، فتمعن هنيهة، ~~ثم قال لميلون: «هلم بنا نخرج الآن من هذا الدهليز، ولا نعدم وسيلة بعد ذلك لإنقاذ ~~رفاقنا.» # ثم ركض روكامبول إلى جهة النهر، وركض ميلون في أثره، وهما يريان النور ينبعث من فم ~~الدهليز. # وعند ذلك رأى روكامبول فجأة أن هذا النور قد احتجب، ثم سمع دويا هائلا أشد من ~~الأول. # ثم ms2395 اهتزت الأرض اهتزازا شديدا، فسقط روكامبول وميلون أيضا، وجعلت الصخور تتساقط حولهما، ~~وكاد أحد هذه الصخور يصيب رأس روكامبول فيسحقه. # وكانت الظلمات تكتنفهما من كل جانب؛ فلم ير روكامبول ما حوله ولكنه سمع ميلون بصوت ~~متهدج: «أين أنت أيها الرئيس؟» ~~- هنا بقربك. ~~- ألعلك جريح؟ ~~- كلا، وأنت؟ ~~- وأنا - أيضا - لم أصب بشيء. # فقال له روكامبول: «إذا لا تبرح مكانك، ولنصبر إلى أن ينتهي تساقط الصخور.» # وبعد حين سكت الدوي، وانقطع تساقط الصخور، وبطل الاهتزاز؛ فنهض روكامبول، وكان ~~مشعله لا يزال معه، ولكنه انطفأ، فأناره. # وعند ذلك قال له ميلون: «أأنهض أنا؟» ~~- نعم، ولكن لا تبرح مكانك. # فقال له ميلون، وقد سر أنه هو والرئيس لم يصابا بأذى : «لقد بلغنا خير مبلغ من ~~التوفيق.» ~~- هو ذاك، فإن هذه الصخور لم تسحقنا، ولكن توفيقنا ليس على قدر ما ظننت. # ثم جعل يفحص على نور مشعله ذلك الدهليز، وما صار إليه بعد تساقط القبة، فرأى منفذ ~~الدهليز قد سد أيضا بصخر عظيم. # فقال لميلون: «أرأيت هذا السد الجديد؟ فقد بات موقفنا كما كان منذ ساعة.» ~~- إذا، لنعد إلى الرفاق. ~~- كيف تعود إليهم وقد حيل بيننا وبينهم بمثل هذا السد؟! # فارتعد ميلون، وقال: «أنحن أسرى الآن؟» ~~- بل، قضي علينا أن ندفن في قيد الحياة. # فأوشك ميلون أن يجن من يأسه، وكان روكامبول أصفر الوجه، ولكنه لم يفقد شيئا من سكينته ~~العادية، فقال لميلون ببرود: «لا يجب، أيها الصديق، أن يضيع اليأس من رشدنا، بل يجب أن نفتكر ~~ونتمعن؛ فإن مركزنا شديد الحرج، ولكنه لا يحمل على اليأس التام.» # فنظر إليه ميلون نظرة ملؤها الأمل، وقال له: «أي رجاء لك بخروجنا؟» ~~- هو أني أرجح سلامة مرميس ورفاقه من الصخور. ~~- ولكنهم إذا سلموا فهم أسرى مثلنا. ~~- ولكن رجاءهم بالخلاص وطيد. ~~- من ينقذهم؟ ~~- البوليس الذي يطاردهم؟! ~~- إنهم يذهبون بهم إلى السجن. ~~- ولكن، إقامتهم فيه لا تطول؛ فإني أعرف الشرائع الإنكليزية. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إنك تعرف مرميس، فهو شديد الذكاء، وتعرف فاندا، فإنها تسفك دمها من أجلي، ولا بد لمرميس ms2396 ~~وفاندا، بعد إطلاق سراحهما، أن يجدا طريقة لإنقاذنا. ~~- لقد يصح جميع ما اقترحته، ولكن، لا بد أن يمر عهد طويل لبلوغهم إلينا. ~~- لا أنكر ذلك فقد يطول يومين أو ثلاثة. ~~- ألا تجد هذا الوقت كافيا لأن نموت جوعا؟! ~~- إن الرجل يستطيع الصبر على الجوع أربعة أيام. # ثم جلس وهو بأتم السكينة على صخر. # أما ميلون فإنه كان هائجا مضطربا، فجعل يجول في سجنه الضيق كما يجول الأسد في ~~قفصه. # فقال له روكامبول: «قلت لك لا تقنط من رحمة الله، يا ميلون؛ فإنك لم تجع كما ~~أظن.» ~~- كلا، ولكني شديد العطش. ~~- إنك ستروي ظمأك بعد أربع أو خمس ساعات. ~~- كيف ذلك؟ ~~- حين يجيء زمن المد فتنساب مياه النهر في هذا الدهليز حتى تبلغ قدميك، فتعال، واجلس ~~بجانبي. # فجلس ميلون بجانبه، وقد خف بعض ما عنده من اليأس؛ لالتصاقه بالرئيس، فقال له روكامبول: ~~«إن الكلام لا لون له، فلا حاجة لنا بنور هذا المشعل؛ فقد نحتاج إليه.» # ثم أطفأ مشعله، وقال له: «أتعلم، يا ميلون، لماذا لم يتمكن مني القنوط؟» ~~- لأنك خلقت غير هياب من الموت؛ فلم أرك اضطربت مرة في حياتي! ~~- ليس هذا هو السبب الذي يدعوني إلى الرجاء. ~~- ما هو؟ ~~- هو اعتقادي أن الله يقيني الموت إلى أن أقضي ما علي من المهام. ~~- إن مهامك لا تنقضي؛ فإنك لا تقضي مهمة حتى تعرض لك أخرى، ألا تريد أن ترتاح؟! ~~- كلا، إن الراحة لا تكفر عن الذنوب. ~~- ولكنك قد جاهدت فوق الكفاية، وكل عمل من أعمالك يكفر عن أعظم ذنوبك التي ارتكبتها، ~~وعندي أنه قد آن لك أن تعود إلى باريس وترتاح. ~~- كلا، لم يحن الوقت بعد؛ فلا يزال لدي مهمة في لندرا. ~~- أية مهمة تعني؟ ألعلها مهمة الإرلنديين؟ ~~- كلا. ~~- ولكن الإقامة في لندرا لم تعد محمودة. ~~- ألم أقل لك إن لدي مهمة فيها يجب قضاؤها؟ ~~- بشرط أن لا تكون خاصة بأولئك الإرلنديين. ~~- لا علاقة لها بهم في شيء. # فلم يجب ميلون، وجعل ينتظر أن يوضح له هذه المهمة. # أما روكامبول ms2397 فإنه صمت هنيهة، ثم قال: «أتعتقد، يا ميلون، أن حبل المشنوق يجلب ~~التوفيق؟» ~~- هذا ما يقوله الناس، أما أنا فإني لا أشاركهم بهذا الاعتقاد. ~~- سوف ترى إذا كانوا مصيبين أو مخطئين. ~~- كيف ذلك؟ ألديك حبل مشنوق؟ ~~- نعم. ~~- أهو في جيبك؟ ~~- بل معقود على وسطي. ~~- إذا، سوف نرى. ~~- إن الوقت فسيح لدينا، وسأقص عليك حكاية تشغلك عما أنت فيه من اليأس، وتقصر علينا هذا ~~الوقت الطويل. ~~- أهي حكاية الحبل؟ ~~- نعم، حبل مشنوق جعلني منفذ وصيته. ~~- تكلم، يا سيدي، فإني مصغ إليك كل الإصغاء. # 4 # وبدأ روكامبول حديثه، فقال: «إنك تذكر، يا ميلون، كيف كانت بداية صداقتنا.» ~~- إنها بدأت، يا سيدي، في سجن طولون، حين كنا مقيدين بقيد واحد . ~~- هو ذاك، وقد حدثتني يوما بحديث تينك الأختين اليتيمتين اللتين سجنت في سبيل إخلاصك ~~لهما. ~~- نعم يا سيدي، فإنك بعد أن أنقذتهما أصبحت لك من أوفى المخلصين وبت لك أوفى من الكلب ~~الأمين. ~~- ولقد حدث لي حادثة تشبه تلك الحادثة، ولم تكن في سجن طولون بل في سجن نوايت، ولم يبق ~~الرجل الذي رواها في قيد الحياة؛ بل هو من الأموات. ~~- ألعله مات شنقا؟ # فتأوه روكامبول، وقال: نعم، واأسفاه! فأصغ إلى الحكاية، فسأقصها عليك؛ فكما توقعت أني ~~لم أقاوم رجال الشرطة حين قبضوا علي في منزل مس ألن، فإني كنت أستطيع النجاة قبل أن يدخلوا بي ~~سجن نوايت؛ لأنهم لم يذهبوا بي إلى هذا السجن توا، بل أوقفوني في البدء في سجن البوليس، فتولى ~~قاضي التحقيق استنطاقي، وسجنني مؤقتا في سجن القسم، فأقمت في ذلك السجن ست ساعات. # وقد لقيت في ذلك السجن امرأة رثة الثياب تجاوزت عهد الشباب، ولكن آثار الجمال لم تزل تدل ~~عليها، فلما رأتني دخلت نظرت إلي في البدء بحذر، ثم جعلت تطيل النظر إلي حتى التقى نظرها ~~بنظري، فأحدقت بي. # وكأنما نظري قد أثر فيها، فقالت لي: «أظن أنك الرجل الذي أبحث عنه.» # فنظرت إليها منذهلا، وقالت: «ألعلك جنيت جناية كبرى؟» ~~- كلا، ولكني من الإرلنديين، وهي عندهم جناية ms2398 لا تغتفر. # فاختلجت قليلا، وبرقت عيناها بأشعة الفرح، ثم قالت: «إذا، سيذهبون بك إلى سجن ~~نوايت؟» ~~- دون شك. ~~- لقد أصبت حين قلت لك إنك الرجل الذي أبحث عنه منذ عهد طويل، فاعلم يا سيدي أني أدعى ~~بيتزي، وأني إيكوسية، وحكايتي أني في كل ليلة أتظاهر بالسكر والعربدة كي يقبضوا علي وما ~~أنا بسكرى كما ترى. # فدهشت لأمرها، وقلت: «وبعد ذلك؟» ~~- إني أتكلف السكر تكلفا، فيقبضون علي، ويودعونني السجن إلى صباح اليوم التالي، وفي ~~الصباح يحكمون علي بغرامة شلنين ويطلقون سراحي. ~~- وأي غرض لك من المظاهرة بالسكر؟ ~~- كي يقبضوا علي - كما قلت - وأنا ناهجة هذا المنهج منذ شهر، وفي كل ليلة يقبضون علي في ~~الشارع. ~~- ولكن لماذا؟! ~~- لأني أبحث عن رجل محكوم عليه بالسجن في نوايت ويكون لي ثقة به. ~~- وماذا تتوقعين من هذا الرجل؟ # فنظرت إلي أيضا نظر الفاحص، وقالت: «إني متوسمة فيك مخائل النبل والشرف، فقل لي ماذا ~~تدعى!» ~~- الرجل العبوس. # فدهشت لقولي، وقالت: أنت هو الرجل العبوس، وقد أذنت أن يقبض عليك؟! ~~- نعم. ~~- ولكنك تخرج من السجن متى شئت؟ ~~- ربما. ~~- بل، ذلك أكيد؛ فقد سمعت الناس يتحدثون بك، ويقولون عنك إنك تصنع ما تشاء، وما دمت الرجل ~~العبوس، فأنا أخبرك بكل شيء. ~~- تكلمي يا سيدتي. ~~- إن زوجي في السجن. ~~- في سجن نوايت؟ ~~- نعم، وقد صدر الحكم عليه بالإعدام؛ فهو سيشنق في اليوم السابع عشر من الشهر ~~القادم. ~~- أي ذنب جناه؟ ~~- قتل لوردا. ~~- لماذا؟ ~~- إن الحكاية طويلة لا أستطيع أن أقصها عليك الآن لضيق المقام، ولكنك ذاهب إلى نوايت ~~وسيقصها عليك زوجي. ~~- ليكن ما تشائين، فهل تريدين أن تبلغيه أمرا؟ ~~- نعم. ~~- هاتي (وأنا أحسب أنها تريد أن ترسل إليه رسالة)، فقالت: «إني لا أريد أن أرسل إليه كتابا ~~بل أكلفك أن تحمل إليه كلامي.» ~~- ماذا تريدين أن أقول له؟ ~~- قل له إني رأيت امرأتك بيتزي والأوراق عندها، فمت مطمئن البال. ~~- هذا كل ما تريدين؟! # فمسحت دمعها، وقالت: «نعم، هذا كل ما أريد.» # وقد بذلت جهدي أن أقف منها على ms2399 سر هذه الأوراق، فأبت أن تجيبني بشيء. # وفي صباح اليوم التالي أدخلوني إلى سجن نوايت، فبت ثلاث ليال في غرفة ضيقة مغلقة بحيث تعذر ~~علي مقابلة زوج المرأة المحكوم عليه بالإعدام. # ثم قرروا في السجن أن يحسنوا معاملتي لطمعهم بحملي على الاعتراف بأسرار الإرلنديين؛ لأني ~~بالغت في الحيلة حتى أوهمتهم أن حسن معاملتي تدعوني إلى الإقرار. # فأخذوا يجاملونني منذ ذلك الحين فأفرجوا عني بعض الإفراج، وأذنوا لي بالخروج إلى ساحة السجن ~~مع بقية المسجونين مرتين في اليوم. # ولم أحدث الرجل بشيء في اليوم الأول، لكني كنت أراقبه فأجده منقبض الصدر مستسلما إلى ~~القضاء وهو قصير القامة، عريض المنكبين، قوي البنية يناهز الستين من العمر وقد وخط الشيب من ~~رأسه. # فمررت به، وهو جالس في إحدى الزوايا، ونظرت إليه ونظر إلي، فاستدللت من نظراته الإخلاص ~~وحسن الوفاء. # فقلت في نفسي إن هذا الرجل قد قتل، ولكنه لم يرتكب هذه الجريمة إلا لغرض نبيل. ~~••• # وفي اليوم الثاني خرجت إلى تلك الساحة في الساعة نفسها، ووجدت الرجل في موضعه، فذهبت إليه ~~توا، وقلت له: أأنت هو الذي قتل اللورد؟ ~~- نعم ... # وقد لفظ هذه اللفظة بسكينة وارتياح دلالة على أنه غير نادم على ما فعل، وأنه لم يرتكب هذه ~~الجريمة إلا قياما بواجب شريف. # فقلت له: «ألست زوج المرأة التي تدعى بيتزي؟» # فاختلج، وقال: «ألعلك رأيتها.» ~~- يظهر أنك لم تعرفني ... ~~- كلا، فمن أنت؟ ~~- الرجل العبوس. # فرجع خطوة إلى الوراء، وحملق بعينه، وقال: أنت هو الرجل العبوس! ~~- نعم، أنا هو وقد لقيت زوجتك، فعهدت إلي أن أخبرك بأنها عثرت بالأوراق وهي ~~عندها. # فصاح الرجل صيحة فرح كأنما قد أخبرته بصدور العفو عنه، ثم قال: «واطرباه! إني أموت الآن ~~مطمئن النفس ناعم البال.» # وعاد فنظر إلي، وقال: «إنك دخلت السجن بملء إرادتك.» ~~- ربما ... ~~- ستخرج منه دون شك عندما تريد. ~~- إني أرجح ذلك ... # فتردد هنيهة، ثم قال: «يجب أن أقول لك كل شيء يا سيدي، وأنا واثق من فوزك في المهمة ~~التي أعهد بها إليك؛ فإن من ms2400 كان مثلك لا يعجزه أمر، وسأمنحك مقابل ذلك الحبل الذي سأشنق به فإنه ~~يجلب لك السعادة.» # ولما وصل روكامبول بحكايته إلى هنا توقف، فقال له ميلون: بالله أتم حكايتك؛ فقد أنسيتني ~~أننا سجينان بين صخرين، وأنه مقضي علينا بالموت جوعا. # 5 # وعاد روكامبول إلى تتمة حديثه، فقال: إن زوج بيتزي لم يزد في ذلك اليوم شيئا على ما ~~قاله؛ إذ قال: «إن الحديث طويل وقد حان موعد الرجوع إلى السجن، ولكني سأخبرك غدا بكل ~~أمري.» # وفي اليوم التالي اجتمعت به، فقلت له: «لقد وجدت طريقة للاجتماع بك عدة ساعات.» # فنظر إلي منذهلا، وقال: «إن ذلك مستحيل في هذا السجن إلا عليك ما دمت الرجل ~~العبوس!» # أما الطريقة التي وجدتها فهي أني حين عدت إلى غرفتي قلت للحارس: «إني أحب أن أكلم حاكم ~~السجن.» # فذهب الحارس، وبعد ربع ساعة جاء الحاكم وهو يبتسم لاعتقاده أني دعوته لأبوح له بأسرار ~~الإرلنديين. # فلما دخل علي قلت له: «إني أحب أن أحدثك في بعض الشئون، يا سيدي الميلورد.» # فبدت عليه علائم السرور، وقال: «لقد كنت أتوقع منك هذا الرشاد وهذه النهاية.» ~~- لم أكن إلا من الراشدين. # فجلس بجانبي، وقال لي: «يا بني ماذا تريد؟» ~~- إن حكم علي بالإعدام أيكون إعدامي شنقا؟ ~~- نعم؛ فإننا لا نعدم إلا بالشنق. ~~- أتظن أنهم يحكمون علي بالإعدام؟ ~~- هذا ما أراه إلا إذا اعترفت بما تعلمه؛ فإنهم يرحمونك دون شك. ~~- هذا الذي أفتكر به الآن. ~~- وهذا ما كنت أتوقعه منك. ~~- ولكني أقول لك، قبل كل شيء، إني لا أخشى الموت، ولا سيما الشنق. ~~- ولكنك مخطئ في توهمك؛ فلو رأيت المشنوق حين يعدمونه لرأيت ما تقشعر له الأبدان فاعمل ~~بنصائحي، يا بني، واعترف بكل شيء، فذلك خير لك وأبقى. ~~- إني أعمل ذلك، ولكني كما قلت لا أخاف الموت شنقا. ~~- وأنا أعيد عليك ما قلته؛ فإن ميتة الشنق أفظع ميتة. ~~- كلا؛ فإن الإعدام في فرنسا يجري بالمقصلة ورؤية هذه الآلة الهائلة تحمل على الرعب، فلو ~~كنتم تعدمونني لما توقفت عن الإقرار. ~~- إننا ms2401 لا نستطيع تغيير طريقة الإعدام من أجلك، ولكني أعيد عليك ما قلته، ودليلي على ذلك ~~أنه يوجد لدينا محكوم عليه بالإعدام، وإني أخاف أن يقضي الرعب عليه قبل قضاء الإعدام. ~~- ولكني لقيته أمس بين المسجونين؛ فما وجدت عليه غير علائم السكينة والارتياح. ~~- ذلك لأنه يتكلف الجلد تكلفا بين رفاقه، ولكنك لو أقمت معه يومين لأدركت حقيقة ~~رعبه. ~~- أتظن أن رعبه يؤثر بي؟ ~~- دون شك، وقد خطر لي أن تبيت هذه الليلة معه في غرفة واحدة، وإني أفعل ذلك لخيرك؛ فإنك ~~إذا أقمت معه خشيت الموت، ومتى خشيته نجوت منه لاضطرارك إلى الإقرار؛ فإني واثق من رحمة ~~القضاة. ~~- أشكرك، يا سيدي، فدعني أبيت الليلة معه وادعني في الغد إليك . ~~- لماذا؟ ~~- لأعترف بكل ما أعلمه إذا وجد الخوف سبيلا إلى قلبي. ~~- سأصدر أوامري بهذا الشأن. # ثم تركني، وانصرف فرحا مسرورا. # وبعد حين جاءني أحد الحراس، وذهب بي إلى غرفة زوج بيتزي، فأقامني معه، وأقفل الباب ~~وانصرف. # ولما خلوت معه قلت: «أرأيت أني وفيت بوعدي وتمكنت من زيارتك؟» # فقال لي بلهجة الإعجاب: «إنك، يا سيدي، تفعل ما تريد!» ~~- حدثني الآن بقصتك. # فامتثل الرجل، ولم ينم تلك الليلة طرفة عين. # وفي صباح اليوم التالي أقبل الحارس وذهب بي إلى الحاكم. # فاعترض ميلون عند ذلك روكامبول، وقال له: «ألا تحكي لي هذه القصة؟!» # فأجابه روكامبول: سأقصها عليك، فاسمع الآن ما جرى مع الحاكم، فقد ذهبوا بي إليه وكنت مصفر ~~الوجه دون شك؛ لأني لم أنم. # فحمل الحاكم اصفراري على محمل الخوف، وقال: «كيف رأيت؟ ألا تزال تحتقر الموت ~~شنقا؟!» ~~- الحق، يا سيدي الميلورد، أني لم أخف بعد. ~~- إذا، لا تريد أن تقر. ~~- لا أقر إلا حين أخاف. # فعض الحاكم شفته، ولكنه كظم غيظه، وقال: «لا بد لي أن أقنعك وسوف ترى.» ~~- ألعلك تريد إقامتي مع هذا الرجل؟ ~~- بل سأفعل خيرا من ذلك. ~~- ماذا عزمت أن تفعل؟ ~~- عزمت على أن أدعك تحضر الشنق؛ فقد كان ذلك متعذرا منذ شهر، أما الآن فقد أذنت الحكومة ~~بأن يحضر ms2402 المسجونون وقت الإعدام؛ لأن الإعدام بات في داخل السجون. # وبينما كان روكامبول يحادث ميلون، قال ميلون بلهجة الرعب: «انظر، يا سيدي، انظر.» # فقال له روكامبول: «ماذا؟» ~~- انظر إلى يسارك. # فنظر روكامبول فرأى نقطتين تتقدان في تلك الظلمات المحيطة بهما. # 6 # كان ميلون شجاعا كما عرفه القراء في كثير من مواقف هذه الرواية، غير أنه لم يكن بشجاع ~~إلا في الأخطار التي يعلمها؛ فإذا عرض له خطر مجهول ضعف وجبن شأن ضعفاء العقول. # أما روكامبول فإنه نهض عن الصخر الذي كان جالسا عليه، ومشى خطوتين إلى جهة ذلك النور، فرأى ~~أن النقطتين قد تغير موضعهما. # فصفق روكامبول بيديه فتوارى النور. # والتفت عند ذلك إلى ميلون، وقال له: أما عرفت، أيها الأبله، ما هذا النور؟ ~~- كلا. ~~- هو نور منبعث من عيني هرة، وما دامت الهرة قد وصلت إلينا فلا بد من وجود منفذ خرجت ~~منه. ~~- أتظن؟ ~~- دون شك، ولكني أخشى أن يكون منفذا ضيقا لا نستطيع نحن الخروج منه. ~~- وقد تكون هذه الهرة سجينة معنا. ~~- ذلك محال؟ ~~- لماذا؟ ~~- إنها لو كانت سجينة مثلنا كما توهمت لكنا رأيناها من قبل، ولما كانت توارت حين صفقت، وبعد ~~فكيف يتفق لهذه الهرة أن تكون سجينة في هذا الدهليز؟! ~~- كما اتفق لنا. ~~- أما نحن فإننا دخلنا في هذا الدهليز من بئر السجن، بعد أن هدمنا الجدار الذي كان يسده، ~~والحقيقة أن هذه الهرة كانت في قبو لا بد أن يكون فوقنا ولا بد أن يكون الانفجار قد فتح منافذ ~~في ذلك القبو للهرة. ~~- ذلك ممكن. ~~- إذا، فلنبحث علنا نستطيع الخروج من المنفذ الذي خرجت منه. # ثم أنار المشعل، وقال: «هلم نبحث الآن.» # وجعل يتفقد مع ميلون سجنه الضيق باحثا عن ذلك المنفذ. # وقد عرف القراء أن الصخور قد تهدمت في الدهليز أمام روكامبول وميلون بحيث سدت ~~الطريقين. # فرجع روكامبول إلى الصخور التي سقطت خلفه في الجهة التي برقت فيها عينا الهرة. # وكانت هذه الصخور طبقات بعضها فوق بعضه فتسلقها روكامبول ونظر إلى القبة فرأى فيها منفذا ms2403 ~~وأمر ميلون أن يصعد على تلك الصخور. # فلما وصل ميلون إليه أعطاه المشعل، ووثب على ظهره، ووقف بين كتفي ميلون، فأدخل نصف جسمه ~~في ذلك الثقب الذي رآه في القبة. # ثم قال له: «هات المشعل الآن.» # وأخذه من يده، وجعل ينظر بنوره من ذلك الثقب، فرأى رواقا طويلا يشبه الدهليز الذي هو ~~فيه. # فوضع المشعل على الأرض، وصعد في ذاك الرواق، فقال لميلون: «انتظرني هنا إلى أن أتفقد هذا ~~الرواق.» # ولم يطل بحثه حتى علم أنه في أحد تلك الأقبية الطويلة التي يستعملها تجار المشروبات عند ~~ضفاف النهر. # وقد تهدم بعض أرض ذلك القبو حين الانفجار، ففتح فيها ذلك المنفذ الذي لم يكن من قبل حتى ~~إن صاحب هذا القبو نفسه قد يكون جاهلا أن قبوه فوق دهليز. # وعند ذلك رجع روكامبول إلى المنفذ، فجلس على حافته، ومد ساقيه قائلا لميلون: «تعلق بساقي، ~~واصعد إلى حيث أنا.» # فصعد، وبات الاثنان في القبو. # عند ذلك حمل روكامبول المشعل وقال لميلون: «اتبعني؛ فلا بد أن ننتهي في هذا القبو إلى ~~باب.» # وسارا بضع خطوات، فرأيا براميل مرصوفة في جانبي ذلك القبو الطويل الضيق، وهنا سمعا دويا ~~فقال ميلون: «ما عسى أن يكون هذا الدوي؟» # فأصغى روكامبول هنيهة، وقال: «إنه صوت أمواج النهر.» # ثم واصلا سيرهما، فرأى روكامبول بعد حين نورا بعيدا. # وأطفأ روكامبول المصباح، فسأله ميلون: «لماذا أطفأت المصباح؟» ~~- لأن هذا النور الذي رأيناه هو نور السماء لا بد أن يكون نافذا من طاقة مفتوحة، أو باب ~~مفتوح، فإن أبقيت المشعل مضاء فقد يراه أحد من الخارج. # وبعد هنيهة وصلا إلى مصدر ذلك النور، ورأيا نافذة مفتوحة، وسمعا من تحتها هدير أمواج ~~التيمس. # وكانت النافذة عالية فقال له ميلون: «ماذا تصنع؟» ~~- إذا أردت أن تدق عنقك فألق بنفسك من هذه النافذة إلى النهر! ~~- ولكننا إن بحثنا في هذا القبو فقد نجد حبلا. ~~- لا فائدة لنا بالحبل؛ فقل لي كم الساعة الآن؟ ~~- نحن في الساعة الرابعة. ~~- إذا، فستعلو المياه بعد نصف ساعة، أي ms2404 حين يجيء زمن المد فنلقي أنفسنا من تلك النافذة ~~فنسقط في المياه وننجو سباحة، أما إن سقطنا الآن فلا تسقط إلا على الأرض لانحسار المياه. # فتنهد ميلون، وقد رأى هذا الزمن الوجيز الذي يحول بينه وبين الحرية أطول من دهر! # أما روكامبول فإنه ابتسم، وقال له: إننا منذ هنيهة كنا سجينين بين صخرين نتوقع الموت ~~جوعا، ففتح الله لك بابا للنجاة فكيف تتنهد وتتضجر؟! ~~- لقد أصبت، يا سيدي؛ فإني لجوج ضجور. ~~- ولكني سأخفف عنك وطأة الضجر بالعود إلى تلك الحكاية التي كنت أقصها عليك. ~~- أتطلعني على سر زوج بيتزي؟ ~~- كلا لم يحن الوقت بعد، ولكني أخبرك بأمر إعدامه. ~~- ألعلك حضرت شنقه؟ ~~- دون شك. # ثم جلس على تلك النافذة، وأدلى رجليه منها إلى الخلاء، وأخذ يحدث ميلون بينما كانت مياه ~~النهر آخذة بالتصاعد تباعا لقرب زمن المد. # 7 # قال روكامبول: وكان الحاكم لا يزال يرجو أن يحملني على الإقرار فكان يحسن معاملتي، وقد ~~أذن لي بالاجتماع مع زوج بيتزي حين أريد، فكنت أعزيه خير تعزية. # أما الحاكم فكان يسألني كل مرة أجتمع فيها مع هذا الرجل إذا كنت ما أزال غير وجل من الموت ~~فأجيبه سلبا. # وتوالت الأيام على ذلك إلى أن جاءني الحاكم ليلة قائلا: «إن غدا موعد إعدام قاتل اللورد ~~ألا تزال راغبا بمشاهدة هذا المشهد الهائل؟» ~~- نعم ... ~~- إذا، يجب أن أنقلك من غرفتك هذه إلا إن أحببت أن تبيت الليلة مع الرجل المحكوم ~~عليه. ~~- إني أوثر أن أبيت مع هذا المنكود، وعسى أن أعزيه. ~~- وأنا أرجو أن يؤثر فيك شقاؤه وبأسه؛ فإن هذا التعس لم يبق له غير ساعات معدودة. ~~- وأنا أرجو رجاءك؛ فإني إذ كنت لا أخشى الموت فلا أحب الحياة. ~~- وهنا مسألة أحب أن أطلعك عليها؛ لأنك تجهلها دون شك. ~~- ما هي؟ ~~- إن جسم المقتول شنقا يعطى للجلاد فيبيعه للأطباء كي يعلموا فيه التلامذة التشريح، ~~ولكن الحبل الذي به يكون ملك المشنوق، وله أن يورثه من يشاء وهذا الحبل يجلب السعادة. ~~- إنه زعم سائد على الأكثرين، ms2405 وإن وهبني هذا الحبل فإني أرجو النجاة من الشنق. ~~- ولا سيما إذا أقررت؛ فإن إقرارك يفيدك أكثر مما يفيدك الحبل. # ثم تنهد، وتركني، وبعد ذلك بساعة ذهبوا بي إلى غرفة زوج بيتزي، وكان لديه فتاتان من أخوات ~~السجون، فابتسم الرجل حين رآني وقال: «إن غدا يومي الأخير.» ~~- ألم تخش الموت؟ ~~- كلا ... # ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: «إنه حين يموت المرء في سبيل الواجب يموت مستريح ~~البال.» ~~- ألم يبق لديك ما تقول؟ ~~- كلا، فقد عرفت كل شيء، ولكني أهبك الحبل الذي سأشنق به؛ إذ يحق لي أن أهبك هذا ~~الحبل. ~~- لقد رجا الحاكم أن تهبني هذه الهبة. # فابتسم الرجل، وقال: «مسكين أنه ليس من أكفائك.» # وقد أمضى الليل والفتاتان تصليان وأنا أتحدث معه بصوت منخفض. # فلما بلغت الساعة الخامسة صباحا، فتح باب الغرفة، ودخل الجنود، فانصرفت الفتاتان، وعانقت ~~الرجل مودعا، فكان آخر ما قاله لي: «تذكر ما وعدتني به.» # فقلت له: «مت بسلام.» وذهب الجنود به إلى ساحة الإعدام. # أما أنا فقد قال لي الحارس: «إني مأمور أن أذهب بك إلى غرفة فيها نافذة تشرف على الإعدام.» ~~ثم ذهب بي إلى تلك الغرفة، وكانت نافذتها مرتفعة فوقفت على كرسي، وأطللت من النافذة، فرأيت ~~الحاكم بملابسه الرسمية واقفا في طليعة الجنود، ورآني، فابتسم لي، وحياني بيده. # ثم ترك الجنود، وجاء إلي فوقف تحت النافذة، وقال لي: أترى كل شيء من المكان الذي أنت ~~فيه؟ ~~- نعم، ولكن من هؤلاء الرجال المرتدون بالملابس السوداء؟ ~~- هم القضاة الذين حكموا على الرجل، والشرع يقضي عليهم بحضور تنفيذ الإعدام. # فقلت في نفسي: «إنها حكمة بالغة؛ فإن القاضي متى وقف هذا الموقف الهائل، ورأى ذلك المنظر ~~المفجع لا يتسرع في أحكامه.» # ثم تركني الحاكم وذهب إلى الجلاد، فوقفت في مكاني أنتظر بقلق شديد نفوذ القضاء في هذا الرجل ~~الذي ما عرفته إلا بعد أن وقفت على سره، فأحللته محلا عظيما من قلبي، وكدت أذوب لهفا ~~عليه. # وفي الساعة السادسة جاءوا به إلى هذا الموقف الرهيف، فصعدوا به ms2406 إلى المشنقة، وهو أصفر الوجه ~~غير أنه كان ثابت الجأش؛ فأجال بين الحاضرين نظرا تائها حتى رآني، فقال لي بعينيه ما يفيد ~~معنى «تذكر». # ثم وضع الحبل في عنقه، وفتحت الهاوية فزج إلى الأبدية. # ولما تفرق الحضور أسرع الحاكم إلي وقال: «ماذا رأيت؟» ~~- رأيت كل شيء. ~~- وماذا كان تأثير هذه الفاجعة عليك؟ # فضحكت، وقلت: «لم تؤثر في أدنى تأثير.» # فقال لي بلهجة دلت على اضطرابه: «إذا، لا تريد أن تبوح بأسرارك؟» ~~- سأرى فيما بعد. # وعندما وصل روكامبول بحكايته إلى هذا الحد نظر إلى مياه النهر فقال لميلون: «إن الماء قد ~~بلغ حده، فهل تريد أن تنزل إليها؟» ~~- ولكنك لم تقل لي سر الرجل المشنوق؟! ~~- سأرويه لك في غير هذا المقام ؛ إذ يجب علينا أن نفر قبل المباغتة، فاتبعني. # ثم وثب إلى المياه وتبعه ميلون فتواريا في الأمواج، ثم ظهرا وجعلا يسبحان إلى جسر ~~لندرا. # 8 # ولنعد الآن إلى مرميس؛ فقد تركناه مع شوكنج وفاندا عند منزل زعيم الإرلنديين، وقد ذكر لهما ~~اسمه، فلما رأى أنهما لم يدركا قصده قال لهما: «إن هذا المنزل ينبغي أن يكون فوق المكان الذي ~~تهدمت فيه قبة الدهليز وسجن روكامبول وميلون، وهو لأحد زعماء الإرلنديين كما تقدم لي ~~القول. # ولهذا المنزل قبو لو نزلنا إليه نجد به منفذا إلى مكان السجن، وإن لم نجد منفذا ثقبنا ~~الأرض.» # فقالت فاندا: «إن كل ما ترويه معقول، ولكن هل أنت واثق أن هذا المنزل كائن فوق المكان الذي ~~سمعنا فيه صوت روكامبول؟» ~~- كل الوثوق. ~~- ولكن كيف عرفت ذلك؟ ~~- أتعلمين؟! إن من بعض أفضال الرئيس علي أنه أمرني بدرس الهندسة، درست هذا الفن درسا ~~دقيقا وقد قست بفضل قواعدها المسافة بينه وبين الدهليز قياسا نظريا، وأرجو أن لا أكون ~~مخطئا في حسابي، والذي أراه أنه يجب أن نثقب ثقبا لا يقل عمقه عن عشرة أقدام. # فقال شوكنج: «إذا، بقي علينا أن ندخل إلى هذا المنزل، ونخبر صاحبه بمرادنا.» ~~- لا حاجة إلى ذلك. # فقالت فاندا: «لماذا؟» ~~- لأن هذا الزعيم الإرلندي ms2407 لا يعرفنا، وما نحن من الإرلنديين ولا نعرف رموزهم السرية ~~فنتعارف بها. ~~- إذا، ما العمل؟ ~~- نرسل شوكنج إلى الخمارة، فيأتينا بالإرلندي الذي كان يصحبه، وهو يكون واسطة التعارف بيننا ~~وبين صاحب المنزل. # ثم أمر شوكنج أن يذهب فانطلق مسرعا، وبقي مرميس وفاندا ينتظران في الشارع. # ولم يطل انتظارهما؛ حيث عاد شوكنج بالإرلندي بعد ربع ساعة. # وكان شوكنج قد أخبره بالأمر، وأتيا يحملان الآلات اللازمة لثقب أرض القبو. # فلما وصل الإرلندي ذهب توا إلى المنزل، ونقر عليه بأصابعه نقرات اصطلاحية، فلم يفتح ~~الباب، وكان مظلما لا نور فيه. # فقال مرميس: «إن سكانه نيام دون شك.» # قال له الإرلندي: «صبرا، ثم جعل ينقر على الباب بطريقة مخالفة للطريقة الأولى، فلم يفتح ~~ولم يظهر أثر للنور.» # قالت فاندا: «ألعل البيت مهجور؟» ~~- كلا، يا سيدتي، ثم عاد إلى طرق الباب بطريقة ثانية فظهر النور فجأة، وفتح الباب، وبرز ~~منه رجل كهل يحمل بيده مصباحا وهو بملابس النوم. # فأشار إليه الإرلندي إشارة سرية بسرعة، فأجابه بمثلها، ونظر إلى مرميس وفاندا نظرة تدل على ~~الاطمئنان، ثم دخلوا جميعهم إلى المنزل. # وكان الإرلنديون من الزعماء، فقال صاحب المنزل لوصيفه باللغة الإرلندية: «ألم يحدث الانفجار ~~النتيجة المطلوبة؟» ~~- كلا. ~~- ولكني سمعت دويا خلت بعده أن نصف لندرا قد تهدم. ~~- أشعرت باهتزاز في المنزل؟ ~~- إنه اهتز كما يهز الأرض الزلزال، ولا بد أن يكون قبو منزلي قد تصدع ... # فقال الإرلندي لمرميس ورفاقه: «إننا سنوضح لكم ما لم تفهموه من حديثنا، والآن فلننزل إلى ~~القبو.» # فقال صاحب المنزل: «ماذا تريد أن تفعل بهذه الآلات؟» ~~- سوف ترى. # وسار بهم صاحب المنزل إلى باب، ففتحه، ونزلوا جميعهم سلما انتهوا منه إلى رواق ضيق طويل ~~كانت البراميل مرصوفة فيه على الجانبين. # وعند ذلك دنا الإرلندي من مرميس، وقال له: «افحص الآن هذا المكان، وانظر إن كنت غير مخطئ في ~~حسابك.» # فأخذ مرميس المصباح، وسار في ذلك الرواق حتى انتهى إلى أن رأى منها نور الفجر، وأطل فوجد ~~أنها مشرفة على نهر التيمس، فقال في ms2408 نفسه: «هذا الذي كنت أتوقعه.» # ثم عاد إلى رفاقه، وقال لهم: «إني لم أخطئ بحسابي، فهلموا بنا أدلكم على المكان الذي ~~تهدم في الدهليز تحت هذا القبو.» # فأذعنوا له، وسار أمامهم في الرواق حتى انتهوا إلى المكان الذي خسفت أرضه، فقال الإرلندي: ~~«لم يكن لدي ريب أن أرض القبو قد انشقت من الانفجار.» # أما مرميس فإنه نزل من ذلك الثقب، فصادفت رجلاه صخورا فأخذ المصباح من شوكنج وتوارى عن ~~الأنظار. # وبعد خمس دقائق عاد إلى رفاقه، فقال: «إن الرئيس قد نجا دون شك.» # وصاحت فاندا صيحة فرح، قائلة: «أأنت واثق، يا مرميس؟» ~~- دون شك فاتبعوني، وسوف ترون. # ثم سار بهم إلى جهة النافذة. # وكانت أرض القبو رطبة، فجعل مرميس يدلهم على آثار الأقدام فيها حتى وصلوا إلى النافذة ~~فاختفت تلك الآثار. # فقال لهم مرميس: «أعلمتم الآن كيف نجا الرئيس وميلون؟!» # ثم أشار بيده إلى النهر، وقال لهم: «إنهما من أمهر الناس في السباحة، وقد وثبا من هذه ~~النافذة إلى النهر على أمواجه إلى جسر لندرا.» # فركعت فاندا عند تلك النافذة، وجعلت تشكر الله. # 9 # بعد ثمانية أيام من هذه الحوادث كان مرميس وفاندا في الدور الأول من منزل في زقاق سانت جورج ~~في شارع وينغ، وقد أوشك الليل أن يقبل وأنيرت مصابيح الغاز. # وكان الاثنان جالسين عند نافذة يتحدثان بصوت منخفض، وينظران إلى الطريق من حين إلى حين ~~كأنهما ينتظران قدوم زائر. # أما فاندا، فقد كانت مقطبة الجبين تقول لمرميس: «قد ذهبت مساعينا أدراج الرياح؛ فإننا نبحث ~~منذ ثمانية أيام عن روكامبول ولا نجده، رباه! ألعله مات؟» # وأجابها مرميس: إن ذلك محال؛ لأنه لو كان قضي عليه وعلى ميلون غرقا لوجدوا ~~جثتيهما. ~~- من يعلم؟ واأسفاه! ~~- إني رأيت جميع الغرقى الذين أخرجوهم من النهر، ثم إنك تعلمين مهارتهما في السباحة ~~... ~~- إذا، ما جرى لهما؟ ~~- إنه سر لا بد أن نهتدي إليه. ~~- ولكن الإرلنديين قد بحثوا عنه في كل مكان، وأخبرتنا اليوم مس ألن أن البوليس الإنكليزي لم ~~يقبض عليه، فهل هي ms2409 واثقة من ذلك؟ ~~- دون شك. ~~- كيف تجزم بهذه الثقة؟ ~~- ذلك لأن اللورد بالير بات يحب الإرلنديين الآن بقدر ما كان يكرههم؛ فإن ابنته قد حملته ~~إليهم وهو لورد وعضو في المجلس الأعلى؛ أي إنه يحق له تفقد السجون ومعرفة ما لا يعرفه ~~سواه. ~~- إن ما تقوله، يا مرميس، يدعو إلى الاطمئنان غير أني لا أزال مضطربة البال على ~~الرئيس. ~~- ممن تخافين عليه؟ ~~- من ألد أعدائه، وهو الأسقف بترس توين. # فهز مرميس كتفيه، وقال: «أما أنا فلا أخاف هذا الأسقف؛ فليس هو من أكفائه.» ~~- ولكننا إن كنا لم نهتد إلى روكامبول، فكيف هو لم يهتد إلينا؟ ألعله لم يبحث عنا ~~لاعتقاده أن الصخور سحقتنا في الدهليز؟ # فلم يجبها في البدء، بل أطرق مفكرا ، ثم قال: «إن الرئيس قد يكون برح لندرا، ولكننا ~~أسأنا إليه إساءة لا تغتفر.» # فدهشت فاندا، وقالت: نحن أسأنا إليه؟! ~~- دون شك، ألا تذكرين حين كان يهم بوضع النار في الفتيل ما قاله لنا، وهو أنه قد يموت ~~بالانفجار، وأنه يجب علينا أن نتم أعماله. ~~- نعم، أذكر ذلك، وقد أمرنا أن نذهب إلى امرأة تدعى بيتزي، وأعطاني نوطا إذا أريتها إياه ~~أعطتني ما لديها من الأوراق. ~~- هو ذاك، فهل فعلنا شيئا من هذا؟ ~~- كلا، ولكننا كنا نرجو لقاءه بعد وثوقنا من نجاته. ~~- وهنا أصل الخطأ؛ لقد كان يجب أن نبدأ أبحاثنا عن بيت هذه المرأة، لأن الرئيس لا بد أن ~~يكون ذهب إليها. ~~- لقد أصبت يا مرميس، وقد كان يجب أن يخطر لنا هذا الخاطر من قبل، فهلم بنا ~~إليها. ~~- كلا؛ إذ يجب أن ننتظر الآن. ~~- ننتظر من؟ ~~- الزعيم الإرلندي، سيزورنا ليخبرنا بنتائج أبحاث الإرلنديين عن رئيسنا. # ولم يكد يتم حديثه، حتى رأى من النافذة ذاك الزعيم قادما مع شوكنج. # وبعد حين دخل الزعيم وشوكنج وعليهما علائم الكآبة. # فقال مرميس مخاطبا الزعيم: «ماذا فعلتم؟» ~~- بحثنا بحثا مستفيضا فلم نظفر بشيء. # وتابع مخاطبا شوكنج: «إننا قد انتهينا حيث يجب أن نبدأ.» ~~- ماذا تعني؟ ~~- أتعرف شارع أدم ستريت؟ ~~- دون شك ms2410 ... ~~- اذهب، وائتنا بمركبة. # فخرج شوكنج، وقال مرميس للزعيم الإرلندي: «أرجو أن تصبر إلى الغد فتجمع رجالك.» ~~- لماذا؟ ~~- لأني أتوقع شيئا جديدا. ~~- كما تريد. # وبعد هنيهة عاد شوكنج، وقال: «إن المركبة عند الباب.» # وودع الزعيم مرميس على أن يجتمعا في الغد وانصرف. # أما مرميس فإنه قال لفاندا: «هلم بنا ولنسرع جهد الإمكان.» # وسأله شوكنج: «ألا تأذن لي بالذهاب معكما؟» ~~- تعال معنا إن أحببت. # ثم ذهب الثلاثة بالمركبة إلى شارع وينغ، ووقفت المركبة عند مدخل زقاق أدم ستريت لتعذر ~~دخولها في الزقاق. # ونزلوا من المركبة، وساروا في ذاك الزقاق حتى وصلوا إلى بيت بيتزي؛ لأن الرئيس أخبرهم ~~بنمرته، فاهتدوا إليه. # وكان المنزل حقيرا تدل ظواهره على فقر ساكنيه، وهو مؤلف من ثلاثة أدوار يدخل إليه من رواق ~~ضيق مظلم. # وكان يوجد عند الباب خمارة فسأل مرميس صاحبها عن بيت بيتزي، فقال له: إنها تقيم في الدور ~~الأعلى ... ~~- أتعلم إن كانت في البيت؟ ~~- نعم؛ فإنها لم تخرج منه منذ عدة أيام، لأنها مريضة. ~~••• # وصعد الثلاثة إلى ذلك البيت وقرع مرميس الباب، فسمع صوتا ضعيفا يقول له: «ادخل.» # فدخل مرميس مع رفيقيه، ووجد تلك المرأة نائمة على مقعد، وهي شديدة الهزال. # ولما رأتهم بيتزي، قالت لهم: «ألعلكم آتون للذهاب بي إلى السجن كما فعلتم بزوجي المنكود، ~~ثم تشنقونني كما شنقتموه؟» # وأجابها مرميس: «كلا، أيتها العزيزة، فما نحن من رجال الشرطة، بل من الأصدقاء.» # وتأوهت قائلة: «أحق ما تقولون أم أنتم تخدعونني؟» ~~- بل إنا نقول الحق، يا سيدتي، فنحن أصدقاء الرجل العبوس. # وارتعدت بيتزي، وقالت بلهجة السرور: «الرجل العبوس، ألعله خرج من السجن؟» ~~- نعم، يا سيدتي. # ثم نظر إلى فاندا نظرة يأس؛ لأنه أيقن من سؤال بيتزي عن روكامبول أنه لم يأت إليها، فانقطع ~~آخر رجاء كان باقيا لديه من البحث عنه. # أما فاندا فقد تمكن اليأس منها، وقالت بصوت خنقته العبرات: «ويلاه! إنه مات، يا ~~مرميس.» # وجلست بيتزي في سريرها، وقد اضطربت اضطرابا شديدا، وقالت: «من الذي مات؟» # ثم جعلت تنظر إلى الثلاثة نظرات ms2411 القلق والجزع. # 10 # وساد السكوت هنيهة إلى أن بدأت بيتزي الحديث، وقالت: «إنكم مخدوعون ... إن ذلك لا يمكن أن ~~يكون، إن الرجل العبوس لم يمت.» # وقال مرميس: «عسى الله أن يحقق رجاءنا.» ~~- إن الرجل العبوس وعد زوجي توما أنه سيعاقب المجرمين، وينتصر للمظلومين، فلا يأذن الله ~~بموته قبل أن يقضي هذه المهمة الشريفة، وهذا الواجب المقدس. # فقال شوكنج: «وأنا أرى رأيك، يا سيدتي؛ فإن الله أرأف من أن يقضي عليه هذا القضاء.» # ونظرت بيتزي إلى مرميس، وقالت له: «ماذا أتيتم تعملون عندي؟» ~~- أتينا لنبحث عن الرجل العبوس. ~~- وأنتم أصحابه كما تقولون؟! ~~- بل نحن تلاميذه، بل أبناؤه. # ورأى مرميس أنها مرتابة بهم، فقال لها: «إننا حين فارقنا الرجل العبوس قال لنا قد يتفق أن ~~لا يكون لقاء بعد هذا، ثم أمرنا أن نحضر إليك.» ~~- عندي أنا؟ ~~- نعم، وأن نسألك باسمه إعطاءنا الأوراق. # وازداد ارتيابها عندما سمعت ذكر الأوراق، وأجابت: «كلا، لا يمكن أن تكونوا قادمين من ~~قبله.» # فقال لها شوكنج: «أقسم لك، يا سيدتي، إن ما قاله لك أكيد لا ريب فيه.» ~~- ولكني لا أستطيع التصديق. # وأخذ مرميس يدها بين يديه، وقال لها: «انظري إلي، يا سيدتي، أتجدين بين ملامحي ما يدل على ~~أني من الكاذبين؟» # فتلجلج لسانها، وقالت: «لا أعلم.» ~~- ثقي، يا سيدتي، واعلمي أنه إذا كان الرجل العبوس قد مات، فإنك تخطئين خطأ شديدا لعدم ~~ثقتك بنا. ~~- إني لا أستطيع التفكير إلا بأمر واحد. ~~- ما هو، يا سيدتي؟ ~~- هو أنه حين ذهبوا بزوجي المنكود إلى السجن قال لي: «احذري أن تسلمي الأوراق لأحد.» ~~- أحتى للرجل العبوس؟! ~~- كلا، فإني أسلمه كل شيء. ~~- ولكن، الرجل العبوس هو الذي أرسلنا إليك. ~~- هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. # فسألها شوكنج: «ألا تعرفينني يا سيدتي؟» ~~- كلا، لكن يخال أني رأيتك مرة ولا أذكر أين. ~~- إني أدعى شوكنج. # وكأنما هذا الاسم قد نبه حواس بيتزي، فقالت: ألعلك شوكنج المتسول؟ ~~- هو بعينه. ~~- قد عرفتك، ولكن ذلك لا يبرهن لي على أنكم قادمون من قبل الرجل العبوس. ~~- ولكني ms2412 صديقه. ~~- كيف تثبت ذلك؟ ~~- أتعرفين، يا سيدتي، الأب صموئيل؟ ~~- أعرفه وأجله غاية الإجلال. ~~- إن جئت به، وقال لك إننا قادمون من قبل الرجل العبوس، أتعطينا الأوراق؟ ~~- دون شك. # ونظر شوكنج إلى مرميس كأنه يستشيره. # فأجابه: إن الرئيس قد أصدر إلينا أوامره، ولا بد من إنفاذها، غير أني أعتقد أنه لا يزال ~~في قيد الحياة. ~~- وأنا أعتقد اعتقادك. ~~- ولكن يجب علينا تنفيذ أوامره كأنه قد مات. ~~- وأنا أرى رأيك أيضا. ~~- لكن أين نجد الأب صموئيل الآن؟ ~~- أنا أتعهد بإحضاره إن كنتم تنتظرونني في هذا المنزل. ~~- ننتظرك، فاركب مركبة، وسر بها على عجل. # فقالت بيتزي: «ليقل لي الكاهن إن الرجل العبوس أرسلكم، أسلمكم الأوراق.» # وجعل مرميس ينظر إلى الغرفة متفقدا باحثا فقالت له: «لو بحثت طول العمر عن هذه الأوراق ~~لما وجدتها.» # أما شوكنج، فإنه انصرف، وجلس مرميس وفاندا عند سرير بيتزي. ~~••• # كان شوكنج يعلم أن الكاهن يقيم في قبة الكنيسة، فركب عربة بغية الإسراع، وذهب توا ~~إليها، وطرق الباب، ففتح له حارس الكنيسة، وهو ذلك الشيخ الذي تقدم لنا وصفه في الأجزاء ~~السابقة. # وكان الشيخ يعرف شوكنج حق العرفان لكثرة ما كان من تردده مع روكامبول إلى زيارة الكاهن، ~~فقال له: لقد مضى عهد طويل لم أرك فيه، فأين كنت؟! ~~- كنت في فرنسا، وأنا قادم الآن لمقابلة الكاهن في شأن خطير، فهل هو في القبة؟ ~~- نعم فاصعد إليه. # فصعد شوكنج، وكان الكاهن يصلي، فانتظر إلى أن فرغ من صلاته، فقال له: «إنك تعلم، يا سيدي، ~~أني صديق الرجل العبوس، بل خادمه المطيع.» ~~- دون شك. ~~- أتؤيد ذلك بشهادتك إن دعيت إليها؟ ~~- دون ريب. ~~- إذا، أتوسل إليك، يا سيدي، أن تذهب معي. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى بيت في أدم ستريت؟ ~~- إني أعلم إلى أين تريد الذهاب بي، أليست صاحبة هذا البيت تدعى بيتزي؟ ~~- نعم. ~~- وهي لم تصدق أنكم جئتم إليها من قبل الرجل العبوس؟ ~~- هو ذاك، يا سيدي، إلا إن شهدت أمامها على صدق كلامنا. ~~- هلم بنا؛ فإني ذاهب معك. # ونظر شوكنج إليه نظر ms2413 الفاحص، وقال له: «ألعلك تعلم، يا سيدي حديث الأوراق؟» ~~- نعم. ~~- من الذي حدثك به؟ ~~- الرجل العبوس نفسه. # فصاح شوكنج صيحة الفرح قائلا: «إذا كان ذلك فلا شك أن الرجل العبوس حي يرزق.» # أما الكاهن فإنه لم يجب. # 11 # ولما خرجا من القبة إلى ساحة الكنيسة أخذ شوكنج يد الكاهن، وقال له بلهجة تدل على القلق: ~~ألم تقل، يا سيدي، إنك رأيته؟ ~~- من؟ ~~- الرجل العبوس. ~~- رأيته دون شك. ~~- متى اليوم أو البارحة؟ ~~- لا اليوم ولا البارحة، بل رأيته منذ أسبوعين في سجن نوايت. # فصاح شوكنج صيحة يأس، وقال: «إن كان ذلك فإنك لا تعلم شيئا عنه؟» # فنظر إليه الكاهن نظرة المنذهل، وقال: «كيف ذلك؟» ~~- يظهر ياسيدي أنك لا تعلم بما حدث، وأن الرجل العبوس قد أفلت من سجن نوايت. ~~- بل أعلم. ~~- إذا، أنت تعلم أين هو الآن؟ ~~- كلا. ~~- أما نحن فنحسبه من الأموات. # فلم يجبه الكاهن بشيء، ولم يظهر عليه شيء من دلائل الأسف كأنما هذا الخبر لم يؤثر ~~عليه. # فقال له شوكنج: إنك تعلم، يا سيدي، دون شك، من أموره أكثر مما نعلم. ~~- ربما ... # فانقطع شوكنج عن السؤال، ولكنه رسخ في ذهنه أن روكامبول لم يمت، وأنه يؤثر الاحتجاب ~~لأغراض خفية إلا عن الكاهن. # ثم خرجا من ساحة الكنيسة إلى الشارع حيث كانت تنتظرهما المركبة، فسارت بهما إلى بيت ييتزي، ~~وكان مرميس واقفا ينتظر عند الباب فلما رأى الكاهن قال له: «أسرع، أسرع.» # فقال شوكنج: «ماذا حدث؟» ~~- إن المرأة مشرفة على الموت، وقد أريتها النوط الذي أعطانا إياه الرجل العبوس، فأصرت ~~على عدم الثقة بنا. ~~- ولكن ما أصابها؟ ~~- إنها أصيبت بعد انصرافك بنوبة عصبية عقبها ضعف شديد، وهي تكاد لا تستطيع التنفس ~~الآن. # ثم دخلوا جميعهم إلى غرفة بيتزي، فرأوها ممدودة على سريرها، وهي تشبه الموتى. # غير أنها حين رأت الكاهن مقبلا تجددت قواها فجأة، واتقدت عيناها ببارق من السرور ~~فقالت: «لقد كنت أخشى أن أموت قبل وصولك.» # فأخذ الكاهن يدها، وقال: «تشجعي، يا ابنتي.» ~~- إنك تعرف مبلغ صبري، يا ms2414 سيدي، حق العرفان، لكني خشيت أن يذهب دم زوجي هدرا ... # ثم أشارت بيدها إلى شوكنج، وقالت: «أتعرف هذا الرجل؟» ~~- نعم. ~~- أهو من أصدقاء الرجل العبوس؟ ~~- نعم ... ~~- أهو آت من قبله؟ ~~- نعم. ~~- إذا، لا بأس من أن أرشده إلى مكان الأوراق. ~~- دون شك ... # فجلست عند ذلك بيتزي في سريرها، وقالت بصوت خافت: «إذا، أصغوا إلي، أتعرفون كنيسة ~~روتهتيت؟!» # فأجابها الكاهن: نعم. ~~- إنها محاطة بمقبرة كسائر كنائس لندرا، فاعلموا أنه يوجد في هذه المقبرة ضريح مكتوب عليه ~~اسم (روبرت)، وعلى هذا القبر صليب من الحديد، لا يوجد سواه على شكله في تلك المقبرة الصغيرة ~~بحيث لا يصعب عليكم إيجاده. # فقال لها مرميس: «ألعلك خبأت الأوراق في ذلك القبر؟» ~~- نعم ... ~~- حسنا فسننبشه ونخرج منه الأوراق. ~~- ولكنكم لا تستطيعون ذلك؛ لأن الأبواب مقفلة في الليل. ~~- اطمئني، يا سيدتي، فإننا نكسر الأبواب ... # فقال شوكنج: «لا حاجة إلى ذلك؛ فإني أعرف طريقة تمكننا من الدخول إلى المقبرة دون أن نكسر ~~أبوابها.» # وقال الكاهن: «وأنا أعرف أيضا الطريقة السرية.» # فقال مرميس: «إذا، لنذهب.» # وقالت فاندا: «أما أنا، فيجب أن أبقى لدى هذه المرأة، إلى أن تنفرج أزمتها.» # فأجابتها بيتزي بصوت ضعيف: «إنك لا تقيمين كثيرا، يا سيدتي؛ فإني أشعر بدنو الأجل، ولكني ~~لا أموت مطمئنة إلا إذا أيقنت أنكم استوليتم على الأوراق.» # فأجابها الكاهن قائلا: «إننا نعود حين نخرجها.» # ثم تقدم مرميس وشوكنج فتبعاه، حتى إذا وصلا إلى الشارع قال لهما الكاهن: «إن هذه المقبرة ~~أحد الأماكن التي يجتمع بها الإرلنديون، وسندخل إليها من الطريق الذي يسلكه الإرلنديون، وهو ~~طريق لا تعلمونه، ولكن الرجل العبوس يعلمه.» # فقال له مرميس: «أراك تحدثنا عن الرجل العبوس، أتعلم ما جرى له؟!» ~~- إنه نجا من السجن. ~~- وبعد ذلك؟ # فاضطرب الكاهن، ولم يجب. # فقال له مرميس: «إننا نخشى أن يكون قد مات.» ~~- كلا. ~~- أأنت واثق أنه لا يزال في قيد الحياة؟ ~~- ربما ... ~~- ألعلك رأيته؟ ~~- كلا، ولكني أؤكد لك أنه لم يمت. # فخفق قلب مرميس خفوقا شديدا، وقال: أسألك، يا سيدي، بالله أن ms2415 تخبرنا بما تعلمه عن الرجل ~~الذي تدعونه أنتم الرجل العبوس، وندعوه نحن الرئيس ... ~~- إني لا أستطيع أن أقول شيئا، ولكني أقتصر على القول إنه حي معافى وإنكم سترونه ~~يوما. # فانقطع مرميس عن الإلحاح، وذكر أن روكامبول قد غاب عنهم مدة طويلة منذ أربعة أعوام، ثم عاد ~~إليهم فجأة دون انتظار. # وما زال الثلاثة سائرين إلى المقبرة حتى وصلوا إلى خمارة مجاورة لها، فطرق شوكنج بابها، فلم ~~يفتح، فعاد إلى الكاهن، وقال: «إني لا أعرف كلمة المرور، يا سيدي.» ~~- أنا أعرفها. ثم دنا من الباب فوضع فمه عند ثقب القفل، وقال بضع كلمات باللغة الإرلندية ~~الاصطلاحية، ففتح الباب. # وقد ذهب صاحب تلك الخمارة حين رأى الأب صموئيل، وقال: «ليس اليوم موعد اجتماع.» ~~- هو ذاك، ولكننا قادمون إلى المقبرة. # وكان صاحب الخمارة يعرف شوكنج، ولكنه لا يعرف مرميس، فلما رآه الأب صموئيل ينظر إليه نظرة ~~إنكار، قال له: «إنه صديق الرجل العبوس.» # فحياه الرجل باحترام، ثم أوقد مصباحه، وقال لهم: «اتبعوني.» # 12 # وقد تقدمهم بعد أن أقفل باب الخمارة إلى باب سري فيها، فانجلى عن قبو، فلما دخلوا إلى ~~ذلك القبو قال الكاهن لصاحب الخمارة: «لم يعد لنا بك حاجة فعد إلى خمارتك.» ~~- ألا تنتظر قدوم أحد بعد؟ ~~- كلا. # فعاد الرجل إلى الخمارة، ومشى الكاهن أمام مرميس وشوكنج حتى وصل بهما إلى دهليز، فساروا منه ~~إلى المقبرة. # وكان الظلام حالكا، غير أن الكاهن كان يعرف موضع القبر فسار بهما إليه. # فقال له مرميس: «ألعلك كنت عارفا بوجود الأوراق في الضريح؟!» ~~- كلا، ولكني أعرف شيئا مما تحويه؛ فقد جاءني رجل منذ ثلاثة أشهر، وقال لي إنه يريد أن ~~يحدثني بأمره، وكان هذا الرجل توما زوج بيتزي. ~~- ألم يكن قبض عليه في ذلك العهد؟ ~~- كلا، وأخبرني بأمره، وتوسل إلي أن أساعده لاعتقاده أني قادر على إنجاح مسعاه، # غير أنه كان لنكد طالعه إيكوسيا (أي بروتستانتيا) ولا يقدم الإرلنديون على مساعدة ~~أعدائهم. # فلما أخبرته بذلك، ودعني وداع القانط وانصرف، فكان هذا آخر عهدي به. # وبعد ms2416 ذلك بيومين قتل توما اللورد أفندال. ~~- ألم تقل له شيئا عن الرجل العبوس؟ ~~- كلا. ~~- كيف عرف الرجل العبوس حكايته؟! ~~- إنه اجتمع به في سجن نوايت. ~~- إذا، لا شك أن الرجل مظلوم؛ فإن الرئيس لا يعمل إلا لنصرة المظلومين. # وعند ذلك وصلوا إلى القبر، وكان الظلام حالكا، فحاول شوكنج أن ينير المكان كي يقرأ ~~الاسم، فمنعه الأب صموئيل، وقال له: «لا حاجة إلى النور؛ فإني أعرف هذا الضريح.» # فقال مرميس: «ولكننا لم نحضر الآلات لنبش القبر!» ~~- لا حاجة إلى ذلك؛ فإن الضريح مسدود بحجر يزاح دون عناء فينكشف عن حفرة وضع فيها ~~التابوت. # فظهرت علائم الرعب على شوكنج، فقال له مرميس: ألعلك خفت؟ ~~- بعض الخوف. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه ينبغي أن تكون الأوراق في التابوت، ولا أطيق النظر إلى الجثث البالية. ~~- إذا، ابق مكانك؛ فأنا أتولى الأمر عنك. # ثم أزال الحجر، ونزل إلى الحفرة، وجعل يبحث بيديه عن التابوت لاشتداد الظلام، فعثر بأربعة ~~توابيت؛ لأن هذا القبر كان من القبور العمومية، ففتحها وجعل يبحث فيها حتى عثر بلفافة ضخمة من ~~الورق ملفوفة بقطعة من القماش المشمع الأسود. # فأخذها، وصعد من الحفرة، ووجد شوكنج واقفا بعيدا لفرط ما ألم به من الرعب. # فناداه مرميس قائلا: «لا تخف؛ فقد قضي الأمر.» # ثم رد الحجر إلى موضعه، وخرجوا جميعهم من المقبرة إلى الخمارة، ثم انصرفوا منها إلى ~~بيتزي، فوجدوا تلك المنكودة في حالة الاحتضار. # فأخذ الكاهن الأوراق وأراها إياها، فلما رأتها قالت: «هي، هي بعينها فلأمت الآن مطمئنة ~~البال.» # وكان ذلك آخر ما قالته، وما زالت الروح تحشرج في صدرها، وجميعهم راكعون يصلون حتى أخرجت ~~النفس الأخير. # فأقام الثلاثة مع فاندا كل تلك الليلة عند سريرها، وقد فتح مرميس تلك الأوراق فوجدها دفترا ~~ضخما مكتوبا عليه هذا العنوان الغريب: # مذكرة مجنون # ففتحه، وجعل يقرأ بصوت مرتفع ما يأتي: # 13 # إن جبال شفيوت تفصل بين إيكوسيا وإنكلترا، وهي جبال شامخة تناطح السحاب وقد لبست عمامة من ~~الثلوج لم تخلعها منذ الأزل. # ويحيط بهذه الجبال غابات كثيفة ووديان ms2417 فرشت ببسط الخضرة، فكانت خير مرعى للماشية. # وكان على بعد ثلاثة مراحل من هذه الجبال قصر شاهق، يدعى قصر باميلتون، بني قبل أن تأخذ ~~إنكلترا الممالك الثلاث، في ذلك العهد الذي كان لكل نبيل فيه جيش يحارب فيه أعداءه النبلاء، ~~فكان أشبه بالحصن المنيع. # فلما توحدت تلك الممالك تحت ظل العلم الإنكليزي، وبطلت سيادة الأفراد، بنى أصحاب هذا الحصن ~~قصرا جميلا بجانبه، وكانوا يصطافون فيه. # وكان صاحب هذا القصر يدعى اللورد باميلتون، وهو من أعضاء المجلس الأعلى في لندرا. # وقد احتفظ بلقب البارون الأيكوسي على كونه من اللوردية لفرط إعجابه بهذا اللقب القديم الذي ~~ورثه من آبائه. # وقد قضى هذا اللورد نحبه في معركة نافارين، وهي المعركة التي اتحدت فيها فرنسا وإنكلترا على ~~تركيا فأخرجتا أسطولها من المياه اليونانية. # وقد مات عن زوجته وولدين، يدعى أكبرهما اللورد أفاندال باميلتون، وكان عمره حين موت أبيه ~~ثلاثة أعوام، وعمر أخيه الأصغر ثمانية عشر شهرا. # فلما علمت اللادي باميلتون خبر قتل زوجها في تلك المعركة برحت لندرا فجأة، وجاءت بولديها، ~~ولكنها لم تقم في ذلك القصر الذي كانت تقيم فيه كل صيف؛ بل أقامت في ذلك الحصن القديم. # وقد حدثت أمور غريبة اتسع بعدها للناس مجال الظنون؛ فإنها أمرت بزيادة تحصين الحصن، ودعت ~~إليها جميع الفلاحين الذين في أراضيها، وهم يشبهون الجيش. # فاختارت أشدهم، وأقامتهم في القصر، ثم عرضت عليهم ولديها واستحلفتهم بخالق السموات والأرض ~~أن يحرصوا على الولدين، فأقسموا، وأردفوا القسم بالهتاف العظيم لها وللولدين. # غير أن نفوسهم شغلت بهذا التحفظ الشديد، وبسكنى ذلك الحصن الذي لم تكن تقيم فيه تلك ~~الأسرة إلا في القرون الوسطى! # وقد أشكل فهم هذا الأمر إلا على رجل أيكوسي يدعى توما كان شقيق امرأة اللورد ~~بالرضاع. # فإنها حين تقدمت إلى ذلك الحصن جعل ينام على كرسي عند باب غرفة الولدين كل ليلة، وبيده ~~المسدس، بينما كان الحراس يرودون عند أبواب القصر في الليل والنهار. # وكانت هي تسير بينهم متفقدة أعمالهم، ولا تغفل عنهم طرفة عين. # وقد ms2418 استمرت على ذلك ثلاثة أشهر؛ فكثرت فيها الأقاويل، وأجمع الناس على أنها فقدت صوابها ~~إثر نكبتها بموت زوجها، ما خلا ذلك الأيكوسي توما؛ أي شقيقها بالرضاع. # فإنه كان ينفي هذه الظنون، ويثبت أنها على أتم حالة من العقل، وأنها مضطرة إلى ما تبديه ~~من الحذر. # غير أنه لم يكن يزيد على هذه الأقوال شيئا، فاختلف الناس بين مصدق ومكذب لأقواله. # وبعد أن تمت الأشهر الثلاثة أرجعت الفلاحين إلى حقولهم، وغادرت ذلك الحصن مع ولديها إلى ~~القصر، فعاد الناس إلى التحدث، وجعلوا يقولون إنها شفيت من الجنون. # أما السبب في رجوعها عن ذلك الحذر وعودتها إلى سكنى القصر فهو أنه وردت إليها رسالة ~~برقية من لندرا كما يأتي: # سافر السيد أرثر صباح اليوم إلى الهند. # والسير أرثر هذا شقيق زوجها الأصغر، فكأنها كانت متحذرة منه حتى إذا أيقنت من سفره اطمأن ~~بالها، ولم تعد في حاجة إلى الحذر. # وفي اليوم التالي لوصول هذه الرسالة زارها في قصرها رجلان أحدهما يدعى اللورد أسكولت ~~والثاني البارون جمس. # أما الأول فهو أبوها، والثاني فهو أخوها، وكان كلاهما في لندرا، وإنما قدما لزيارة اللادي، ~~لما اتصل بهما من أنباء مناهجها، ولخوفهما أن تكون أصيبت بالجنون. # فلما رأتهما استقبلتهما بالبكاء، ولم يريا من حديثها وتصرفها ما يدل على الجنون. # ولكنهما لم يجدا بدا من سؤالها عما اتخذته من أسباب الاحتياط، خلال الشهور ~~الثلاثة. # فأبت اللادي أن توضح لهما الأسباب، فاستعان اللورد بسلطته الأبوية، فلم تجب، فألح عليها فلم ~~يفلح حتى غضب وأنذرها بتجريدها من حق الوصية على ولديها. # فاسترسلت عند ذلك إلى البكاء، وركعت أمام أبيها، وقالت له: «إني أعلم، يا أبي، أنه لا يحق ~~لي عصيانك، ولكني أعلم - أيضا - أني إذا بحت لك بالأسباب التي دعتني إلى الاحتياط فطر ~~الحزن قلبك! فأتوسل إليك أن تأذن لي بالكتمان.» # ولكن اللورد أبى أن يجيبها إلى التماسها، فدخلت به عند ذلك إلى غرفتها ففتحت خزانة وأخرجت ~~منها دفترا مكتوبا بخط كادت تمحو سطوره الدموع! فدفعته إليه، وقالت: «إني ms2419 كتبت حكاية نكبتي، ~~يا أبي، في هذا الدفتر فاقرأ.» # ثم غادرت أباها في الغرفة وانصرفت. # أما اللورد أسكولت فإنه أقام في الغرفة يقرأ نحو ساعة، ثم عاد إلى ابنته وقد امتقع ~~لونه، واصفر وجهه، حتى بات كالأموات، فضم ابنته إلى صدره، ومزج دمعه بدمعها، ثم قال لها: «إني ~~بلغت من الكبر عتيا؛ فلا أستطيع الانتقام لك، ولكن أخاك لا يزال في عنفوان الشباب وهو سيكون ~~ساعدي في الانتقام.» # أما هذا السر الهائل الذي وقف عليه اللورد، فلا بد لنا لإيضاحه من نقل جميع ما حواه ذلك ~~الدفتر، الذي أعطته إياه اللادي، وهذا بيان ما قرأ. # 14 # إن أسرة دندري، التي كان اللورد أسكولت رئيسها، كانت من أهل نورمانديا. # وهي قديمة تتصل بعهد الدوق غليوم اللقيط الذي سئمت به نفسه الكبيرة وبات يدعى الملك غليوم ~~الفاتح، فاتصلت هذه الأسرة بالأسرات النبيلة الإنكليزية منذ ذلك العهد. # وقد أخذ اللورد أسكولت يهتم بتزويج ابنته مس أفلين حين بلغت السادسة عشرة من عمرها. # ومثل هذه الغنية النبيلة الحسناء لم يكن يعوزها الخطاب؛ فقد رغب بها معظم النبلاء، غير ~~أنها كانت مخطوبة منذ عهد بعيد حسب الطريقة الإنكليزية إلى اللورد باميلتون. # وكان للفتاتين قصران متجاوران، فكان الخطيبان متصلين منذ عهد الحداثة. # ولما بلغت الفتاة العاشرة من عمرها والفتى ثمانية عشر عاما، عقدت بينهما الخطبة، وسافر ~~اللورد أفندال إلى الهند في إحدى الدوارع لانتظامه في الخدمة البحرية. # وكان لهذا اللورد شقيق أصغر منه يدعى جورج، كان يزور خطيبة أخيه كل يوم مدة خمسة أعوام، ~~حتى ارتفع حجاب الكلفة بينهما، ثم حل في قلبيهما الحب. # وكانت الفتاة لا يطيب لها عيش بغير لقائه، وكان السير جورج يتمنى أن تهب عاصفة فتغرق ~~الدارعة التي يخدم أخوه فيها. # وبقيا على ذلك إلى أن تغلب الحب فباح به السير جورج لخطيبة أخيه، فأجفلت أفلين، وقالت: ~~«أيها التعس، ألا تعلم أني خطيبة أخيك؟» ~~- نعم، أعلم واأسفاه! ولذلك عزمت عزما أكيدا لا يثنيني عنه شيء؛ فإني إذا فرضت أن أخي ~~يتخلى لي ms2420 عن حقه بخطبتك فإن عائلتنا لا توافق على زواجي بك؛ لأني الأخ الأصغر؛ أي إن كل ثروتنا ~~وألقابنا لأخي الأكبر بفضل شرائعنا الجائرة. # ثم تنهد تنهدا طويلا، وقال: «إني عولت على الرحيل وسأسافر اليوم.» # وسالت دمعة من عين الفتاة، وقالت: «إلى أين تسافر؟» ~~- إلى لندرا في البدء. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أرحل إلى الهند حيث يقيم أخي وأخدم في الجيش. # وتنازع قلب الفتاة عاملان: عامل الحب وعامل الشرف والواجب، إلى أن تغلب الواجب. # ثم مدت يدها إلى السير جورج، وقالت له: «الوداع.» ~~- إنه وداع الأبد. # وفي اليوم نفسه سافر إلى لندرا، ثم برحها إلى الهند. # وكان أبوه لا يزال في قيد الحياة حين سفره، ثم مات بعد ستة أشهر، فورث أخوه الأكبر خطيب ~~حبيبته جميع ثروته ولقب باللوردية والمنصب في البرلمان، فاضطر إلى الرجوع إلى ~~لندرا. # وبعد ذلك بعام تزوج مس أفلين، فخفف توالي الزمن تأثير وجدها، وكانت تفتكر من حين إلى حين ~~بذلك الفتى المنكود، الذي هرب من أجلها إلى الهند. # ولكن زوجها كان يحبها حبا صادقا، وباتت أما، فأنساها الواجب ومرور الأيام والأمومة ~~وحب زوجها ذلك الحب القديم. # غير أن القدر أبى إلا أن يتداخل؛ لأن زوجها على كونه بات من أعضاء البرلمان أحب أن يحتفظ ~~بمنصبه في البحرية. # وكانت الحرب قد نشبت في ذلك العهد بين تركيا وفرنسا وإنكلترا، وكثرت غزوات قرصان البحار ~~وسافر زوجها مع الأسطول، وعادت هي إلى لندرا مع ولديها. # وكان قد صدر الأمر إلى الأسطول بالسفر بأوامر مختومة لا تفتح إلا في جزيرة مادير. # ولم تكن اللادي أفلين تعلم الجهة التي سافر إليها زوجها، ولا تدري من أموره سوى أنه سافر في ~~دارعة تدعى مينوتور. # وطال غياب زوجها، وأقامت وحدها تنتظر قدوم الغائب وتتنهد. # وإن العزلة مستشار سيئ - كما يقولون - فإن تذكار السير جورج عاد إليها بعد أن محته الأيام ~~من صفحات قلبها. # فبينما كانت جالسة ذات ليلة عند نافذة مشرفة على الحديقة رأت رجلا فتح باب الحديقة بمفتاح ~~ودخل إليها، فصاحت صيحة رعب دون ms2421 أن تتبين وجه هذا الرجل. # وأخذت الحبل المعلق به جرس الخدم، وجذبته استدعاء لهم، فلم يحضر لنجدتها أحد من ~~الخدم. # فأوشكت أن تجن من رعبها، وأسرعت إلى الباب قبل أن ترى وجه الرجل. # ولكن هذا الرجل أسرع إليها، فقبض عليها، وقال لها بصوت يتهدج: «ما هذا الرعب، يا أفلين، ألم ~~تعرفيني؟!» # فذهلت ذهولا قويا، وقالت: ماذا أرى؟ السير جورج! ... # فركع جورج عند قدميها، وقال لها: «نعم، أنا هو ذلك المنكود شقيق اللورد أفندال.» # 15 # فأنكرت اللادي أفلين دخوله عليها دخول اللصوص، وقالت له: «كيف أتيت إلى هنا؟» # فأجابها بلهجة حنو خففت من رعبها، وقال لها: «لا تحكمي علي، يا أفلين، حكما جائرا قبل ~~أن تسمعي كلامي.» ~~- ولكن من أين أنت قادم؟ ~~- من الهند. ~~- ألعلك اعتزلت الخدمة؟ ~~- كلا، بل جئت بالإجازة، وربما أتيت من أجلك. # فعادوها الرعب، وقالت: «كيف تجسر أن تجيء من أجلي؟!» ~~- ما أوحى إلي هذه الجرأة غير الحب، يا أفلين. ~~- أيها التعس، أنسيت أني امرأة أخيك؟ ~~- ولكن أخي بعيد. # فذعرت ذعرا هائلا، وقالت: «أعرفت أنه مسافر؟» ~~- نعم، ومن أجل هذا أتيت. # وقد تبينت صدق العزيمة من عينيه، وأدركت مقاصده السافلة، فقالت له: «إنك، يا جورج، شقيق ~~أفندال، وهو زوجي!» ~~- إني أكرهه. ~~- ولكن ألا تزال تحبني؟ ~~- إن نيران الجحيم تتقد بين ضلوعي. ~~- إذا كنت تحبني كما تدعي، فقد وجب عليك أن تحترمني، فاخرج الآن، وعد إلي غدا في رابعة ~~النهار، وادخل من باب هذا القصر الكبير الذي يقيم فيه أخوك. # فقهقه ضاحكا، وقال: «إني لا أحب أن يطردني الخدم.» # ثم أخذ يدها بين يديه، وهم أن يعانقها. # وأفلتت منه إلى آخر الغرفة، وقالت له: «اذهب من حيث أتيت ... إني لا أريد أن تبقى ~~هنا.» # فضحك ضحكا عاليا دون أن يجيب. # وهاج غضبها، وقالت له: «اذهب.» ~~- كلا، إني أهواك. ~~- قلت لك اذهب، أو أدعو الخدم. # وعاد إلى الضحك، ودنا منها. # وعند ذلك مدت يدها إلى حبل الجرس، وقرعته قرعا عنيفا دون أن تسمع له صوتا. # فقال لها: «اقرعي قدر ما ms2422 تشائين، فلا يجيبك أحد؛ لأن الجرس مقطوع.» # فذعرت ذعرا شديدا، وجعلت تستغيث بملء صوتها. ~~- لا فائدة من الصياح؛ فإن جميع الخدم غائبون. # فركضت إلى الباب، وحاولت أن تفتحه وتفر منه، فوجدته محكم الإقفال، فخطر لها عند ذلك أن ~~تثب من النافذة إلى الحديقة. # غير أن السير جورج تعدى عليها، وقال: «كلا، إنك لا تخرجين.» # ثم هجم عليها، وضمها إلى صدره ضما عنيفا، فأغمى عليها، وهي بين يدي ذلك الفاجر ~~الأثيم. # 16 # كانت دارعة اللورد أفندال تمخر في عباب الأوقيانوس ذاهبة في طريق ملبورن إحدى عواصم ~~أوستراليا. # وكان كلما وقفت الدارعة في ميناء يكتب إلى امرأته كتابا ملؤه الحنو والشوق، حتى إنه أوشك ~~أن يستقيل ويعود إلى امرأته وولده، ولكنه رأى أن بلاده في حرب، فإذا استقال عدت استقالته ~~جبنا ونذالة. # وقد أقامت دارعته عامين في أوستراليا تطارد القرصان، ثم استدعته نظارة البحرية إلى ~~لندرا. # فلما قدم ذهبت امرأته لاستقباله، ومعها ولدان؛ لأن الولد الثاني خلق بعد سفر زوجها. # وكانت صفراء الوجه منقبضة الصدر تبدو الكآبة عليها، فراعت هذه الكآبة زوجها، ولم يعلم سبب ~~هذا الانقلاب. # فإنها بعد تلك الليلة الهائلة، التي قضتها مع السير جورج، كرهت معاشرة الناس، وبرحت لندرا ~~إلى قصر باميلتون واعتزلت فيه، وهناك ولدت ابنها الثاني. # أما زوجها فقد راعه هذا التحول، ودعا لها أشهر أطباء لندرا، فأجمع أولئك الأطباء على أنها ~~محتاجة إلى تبديل الهواء، وسافرت مع زوجها إلى إيطاليا، وأقامت شهرين في نابولي ورومة، ولكنها ~~لم تزد في خلالهما إلا نحولا وقنوطا من الحياة. # ولم تكن تبتسم إلا لاثنين، وهما توما شقيقها بالرضاع، وولدها الأكبر، أما ولدها الثاني ~~فإنها لم تكن تنظر إليه حتى تسيل من عينيها دموع الخجل. # ثم عادت مع زوجها إلى لندرا، وكانت فرنسا قد اتفقت مع إنكلترا على الانتصار لليونان. # واضطر زوجها أن يسافر بدارعته إلى ساحة الحرب لمقاتلة الأتراك، وعادت امرأته إلى ~~الإقامة وحدها. # فبينما كانت يوما تتنزه في هايد بارك ومعها ولدها الأكبر وقد قرب الظلام سارت في منعطف، ms2423 ~~ولم يكن فيه أحد من المتنزهين ووراءها خادمان. # وقد توغلت في هذا المنعطف وهي تائهة في مهامه التفكير، وبينما هي على ذلك رأت أن رجلين من ~~عامة الشعب يقتربان منها فخافت، والتفتت وراءها كي تنادي خادميها فلم تجدهما. # وعند ذلك أطبق أحد الرجلين وسد فمها كي لا تستطيع الاستغاثة، واختطف الرجل الآخر الغلام ~~وأركن إلى الفرار. # وبعد ذلك بساعة عثروا باللادي مغمى عليها وذهبوا بها إلى قصرها، أما الغلام فلم يقف له أحد ~~على أثر. # غير أنه لحسن حظ تلك اللادي كان توما أخوها بالرضاع مقيما معها، وقد علم لفوره الغاية من ~~سرقة الغلام. # فإن اختطاف الغلمان كثير الشيوع في لندرا، وهم يسرقونهم كما يسرقون الأمتعة. # ومنهم من يسرق الصغار للارتزاق بهم. مثال ذلك، أن امرأة متسولة لا تكسب رزقها بسعة، إذ لا ~~تجد وسيلة لاستدرار الرحمة والإشفاق، ولكنها إذ كانت تحمل بين ذراعيها طفلا أشفق عليها الناس، ~~ودرت عليها الرزق. # ثم إنه يوجد كثير من المربيات يعهد إليهن بتربية الأطفال فيقتلنهم طمعا بمالهم، ثم إذا ~~جاء وقت تسليم الطفل إلى ذويه سرقت تلك المربية طفلا في عمره، وسلمته لذويه فظفرت ~~بالمال. # غير أن توما لم يخطر له المربيات والمتسولات؛ بل قال في نفسه لأول وهلة إن السارق هو السير ~~جورج دون سواه. # أما اللادي أفلين فإنها لم تكن رأته منذ تلك الليلة الهائلة، ولكن توما رأى ليلة رجلا يرود ~~في الحدائق العمومية، فعرفه بالرغم عن تنكره أنه السير جورج. # ولم يعد لديه شك أنه هو سارق الغلام، وجعل يبحث عنه في تلك العاصمة المتسعة. # وكان توما إيكوسيا، ولكنه ربي في لندرا وعرف كل خفاياها، ولم يطل بحثه عن السير جورج، ~~وعلم أنه يقيم في زقاق مظلم في شارع وينغ، فذهب إليه وانقض على عنقه انقضاض الصاعقة، وهو لا ~~يزال في سريره، فأشهر عليه المسدس، وقال له: «إذا لم ترجع الغلام فأنت من الهالكين.» # أما السير جورج فإنه تظاهر بالانذهال العظيم، وقال له: أي غلام تعني، أيها الشقي؟ ومتى كنت ms2424 ~~من خطفة الغلمان؟! ~~- أعني به ابن اللادي أفلين البكر؛ أي ابن أخيك اللورد باميلتون. # فأنكر السير جورج كل الإنكار وجعل يحتج على هذه التهمة الشائنة. # غير أن توما لم يكترث لأقواله، وقال له ببرود: «إني أمهلك خمس دقائق فإذا لم ترجع إلي ~~الغلام قتلتك دون إشفاق.» # ورأى السير جورج دلائل العزم الأكيد بادية بين عيني توما، فخشي فوات الأوان، وأقر بجميع ما ~~فعل. # وهو أن السير جورج قد دفع ابن أخيه إلى عصابة من اللصوص، وطلب إليهم أن يربوه ويدربوه على ~~مهنتهم، وقد دل توما إلى مكان تلك اللصوص. # فقال توما: «إني أصدق أقوالك، ولكني أود أن تذهب معي إلى اللصوص، وإذا حاولت الفرار أقتلك ~~في قارعة الطريق.» # فارتدى السير جورج ملابسه مكرها مضطرا مع توما إلى اللصوص، واسترد منهم الغلام، ودفعه ~~لتوما وعاد به إلى أمه. # وفي ذلك اليوم اختفى السير جورج، ومرت شهور طويلة دون أن يراه أحد. # أما غرض السير جورج من هذا الاختطاف فإنه كان يكره أخاه اللورد باميلتون ويكره امرأته التي ~~طالما أحبها وتدله بهواها، ولكنه كان يحب ولده منها، وهو ابن اللادي الثاني، أي ابن ~~الجريمة. # ولذلك رأى أنه إذا اختطف ابن أخيه، عادت ثروة أخيه كلها إلى ابنه، أي ابن السير جورج، لأنه ~~معروف لدى الشرع والناس أنه ابن اللورد باميلتون. # ومن ذلك الحين تولى توما مراقبة الغلام، وكان لا يفارقه في الليل والنهار. # وكذلك اللادي أفلين؛ فإنها كانت لا تسير خطوة خارج المنزل إلا إذا كان يصحبها توما، فلما ~~ورد إليها ذلك النبأ الهائل، نبأ مقتل زوجها في الحرب، برحت لندرا مع توما وولديها وسارت بهم ~~إلى ذلك الحصن كما تقدم، فلبثت فيه حتى علمت أن السير جورج سافر إلى الهند، برحت الحصن إلى ~~القصر الذي يجاوره. # 17 # هذا هو سر اللادي أفلين الذي كتبته في الدفتر وعرضته على أبيها اللورد أسكولت فضمها إلى ~~صدره، وقال لها: «إني شيخ عجوز، ولكن أخاك ينوب عني في الانتقام.» # وبعد ثلاثة أشهر كان السير جمس ms2425 أي أخو اللادي في الهند. # وكان السير جورج في كلكوتا حين قدم السير جمس، فلقيه في حفلة راقصة أعدها الحاكم في منزله، ~~فدنا منه وحياه، ثم قال له: «إني قادم من لندرا بمهمة من أجلك، فأرجوك حين ينتهي الرقص أن ~~توافيني إلى الفناء المشرف على البحر.» ~~- سأوافيك. ثم تركه، وعاد إلى الرقص مع ابنة رجاه وافرة المال والجمال. # وبعد ربع ساعة وافاه إلى المكان المعين، فنظر إليه السير جمس نظرة منكرة، وقال له: «إني ~~أعرف كل شيء.» # فاضطرب السير جورج، وقال له: «ماذا تعرف؟» ~~- أعرف أنك خنت أخاك. ~~- وماذا يعنيك أمري؟ ~~- يعنيني منه أنك دنست شرف أختي، وأن جميع دمائك لا تكفيني لغسل هذا العار. ~~- إني طوع لك فيما تريد. ~~- ولكنك تعلم أننا متصلان بصلة قربى. ~~- تريد أنك لا تود استلفات الأنظار إلى أختك. ~~- هو ذاك. ~~- إذا، نتبارز دون شهود. ~~- أين؟ ~~- في غابة على أبواب المدينة. ~~- ليكن. ~~- ولكن هذه الغابة لا يأوي إليها غير النمور، وغيرها من الوحوش الكاسرة. ~~- إنها كسائر غابات الهند، فمتى تريد أن نذهب إليها؟ ~~- غدا عند غروب الشمس؛ فتأكل الوحوش جثة من يقتل منا، ولا يدري بسرنا أحد. ~~- قد رضيت بهذا الاقتراح، وسأوافيك غدا إلى الغابة. # وفي مساء اليوم التالي التقى الاثنان في الغابة، فلم يدر أحد ما جرى بينهما، ولكن السير جمس ~~عاد وحده إلى كلكوتا، وقد بدأت النجوم تشرق في السماء، فكتب إلى أبيه أسكولت هذا التلغراف: # إن شرفنا سليم، وقد انتقمت لها. # وفي اليوم التالي رأى الصيادون في الغابة قطعا من ملابس الجنود الرسمية، وكان قد شاع خبر ~~احتجاب السير جورج، فحسب الناس أن الوحوش قد افترسته في الغابة لاشتهاره بحب الصيد. # أما توما واللادي أفلين، فقد حسبا نفسيهما مطمئنين بعد ورود ذلك التلغراف. # 18 # بعد هذا العهد بخمسة أعوام، وذلك في شهر إبريل سنة 1834 كان اثنان يتحدثان بصوت منخفض في ~~إحدى قاعات قصر باميلتون. # وكان المتحدثان توما وزوجته بيتزي، وهذا بيان الحديث الذي كانا يتحدثان به. # قالت بيتزي: «أعيد عليك ما ms2426 قلته إن اللادي أفلين مخطئة بعودتها إلى هذا القصر.» ~~- إني لا أوافق ولا أعترض على ما تقولين. ~~- ولم هذا التردد في الحكم؟ ~~- لأن اعتقادي قد يكون مخالفا للحقيقة. ~~- أما أنا فإني على غير رأيك. ~~- على أي شيء تعتمدين في تخطئتها؟ ~~- على ما أجده من الضعف المتوالي بجسمها، فإنها آخذة بالانحطاط في كل يوم، وهي مصدورة، دون ~~شك، ومناخ هذه الأرض لا يوافق المصدورين. ~~- ربما كنت مصيبة من هذا القبيل، غير أني أصبحت الآن أرى غير رأيك؛ فإن اللادي أفلين دعتني ~~إليها يوما منذ ثلاثة أعوام، وقالت لي: «إني أحب أن أستشيرك في أمر؛ لأنك من أصحاب الآراء ~~الصائبة.» ~~- تكلمي يا سيدتي. ~~- إني منذ أشهر وأنا أحلم أحلاما هائلة، بل هي حلم واحد، ولكنه حلم يلقي الرعب في ~~القلوب. ~~- اشرحي لي هذا الحلم علي أستطيع تفسيره. ~~- إن حلمي مقسم ثلاثة أقسام، أما القسم الأول فإني أرى نفسي فيه مقيمة في قصر باميلتون ~~الجديد، أتنزه في الحديقة، يصحبني ولدي البكر وليم. # فقاطعته بيتزي، وقالت له: «أعجب لتسمية ولدها البكر وليم، ألم يكن زوجها يدعى ~~أفندال؟!» ~~- نعم ... ~~- أليس العادة في بلاد الإنكليز عند اللوردية، أن يرث الابن البكر اسم أبيه أيضا فيما ~~يرث؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذا، كيف دعوه وليم لا أفندال؟ ~~- ذلك أن أباه اللورد أفندال كان له صديق صدوق، ولما ولد غلامه البكر، أحب ذلك الصديق أن ~~يكون عرابه فسمي الغلام باسمه وهو وليم، وسمي الولد الثاني باسم أفندال ... ~~- لقد فهمت الآن، فعد إلى حديث الحلم. ~~- إن اللادي قالت لي إن القسم الأول من حلمي أجد نفسي أتنزه في حديقة القصر الجديد، ويد ~~ولدي وليم بيدي، ثم أرى فجأة أن وجه ولدي قد امتقع واصفر واستحال إلى خيال، ثم احتجب بغتة ~~بضباب كثيف، ثم أخذ الضباب يتبدد تباعا، فأرى ولدي - إذ لا تزال يده بيدي - ولكني أرى وجهه ~~تغير فيصير أفندال، وليس وليم. # فقلت لها: إنه حادث هائل، ولكنه حلم لحسن الحظ. ~~- اصبر وأصغ إلى النهاية؛ فإني حين أحلم هذا الحلم أستيقظ ms2427 مرعوبة كمن يصاب بالكابوس، ثم ~~أنهض منذعرة واجفة القلب إلى غرفة ابني أتفقده وأعود إلى غرفتي فأنام. ~~- أتحلمين أيضا؟ ~~- نعم ... إني أحلم القسم الثاني من هذا الحلم الهائل، وهو أني أرى نفسي قد فارقت الحياة، ولم ~~يبق من أثري غير رسم لي معلق في قاعة المنزل، وقد لبست ملابس الحداد، ولكنني وأنا أرسم كنت أشعر ~~وأفتكر كالأحياء. # وقد وضعوني في القاعة الموجودة فيها رسوم أجداد أسرة باميلتون، وبإزائي رسم زوجي الفقيد، ~~وكان رسمه مثلي يشعر ويتكلم فكنا نتحدث بصوت منخفض. # وكانت نوافذ القاعة مفتوحة، وأشعة القمر تنبعث إلينا، فكنا نرى منها أشجار الحديقة. # وقد رأينا رجلا يتنزه لم نكن نعرفه تصحبه امرأة متأبطة ذراعه، ومعهما كثيرون من الأشراف، ~~فكانوا يدعونه ميلورد ويدعون المرأة اللادي. ~~- إن هذا اللورد كان وليم دون شك. ~~- بل كان أفندال. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك جعلت أنظر إلى زوجي وهو ينظر إلي وكلانا رسمان فنذرف الدمع السخين. # فقلت: كيف صار أفندال لوردا، وهو حق أخيه؟! ألعله ... ولم أجسر أتمم حديثي ... ~~- إنه لم يمت، يا توما؛ فإن وليم كان لا يزال حيا. # وعند ذلك احتجب ضوء القمر، واكتنفتنا الظلمات، وسمعت زوجي الفقيد يشهق بالبكاء، ثم تلا ذلك ~~دوي عظيم كدوي الصاعقة تلاه برق يخطف الأبصار ... # إلى هنا ينتهي القسم الثاني من حلمي، ويبدأ القسم الثالث، وهو تتمة هذا الحلم، وجعلت تبكي، ~~فأخذت أنظر إليها نظر المنذهل، وأتمت حديثها، وقالت: # 19 ~~«بصرت فرأيت أن قمم جبال شفيوت قد توارت، وتلك الثلوج قد احتجبت، وهذه المروج الخضراء ~~القائم في وسطها قصرنا قد توارت عن الأنظار. # ومع ذلك فإني أنا وزوجي كنا لا نزال رسمين معلقين في الجدار، ولكننا نستطيع أن نرى إلى ~~مسافات بعيدة. # وكنا في رابعة النهار، وأشعة الشمس تملأ الفضاء، وكنا نرى عن بعد عمالا يشتغلون فيها ~~نبتا، فلا ينالونه؛ لأن أولئك العمال كانوا من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة. # وقد نفتهم الحكومة الإنكليزية إلى البلاد الأوسترالية إلى أن تنقضي المدة المحكوم بها ~~عليهم، وكان بصرنا يمتد حتى يصل ms2428 إلى تلك القارة. # وأن بين هؤلاء المجرمين رجلا بريئا كان يشتغل مكرها، حتى إذا أضنكه التعب رفع عينيه إلى ~~السماء كأنه يستشهد الله على ما يعانيه». # وهنا توقفت اللادي عن الحديث، ومسحت دموعها، ثم قالت: «أتعلم، يا توما، من هو هذا الرجل ~~البريء المنكود؟ إنه ولدي: اللورد وليم!» # فدهشت لحلمها وراعني تأثرها منه، فقلت لها: «إنها أضغاث أحلام، أيتها العزيزة، فكيف يمكن أن ~~يتفق مثل هذا، وليس لنا غير عدو واحد، وهو السير جورج، ولكن أخاك قتله كما تعلمين؟!» ~~- كلا ... إن الأمر لم يجر كما ظننت؛ فإن أخي وذلك الشقي قد تبارزا في غابة في ضواحي ~~كلكوتا، لكن أخي لم يقتله، بل أصابه بجرح بالغ في فخذه. ~~- هو ذاك ولكن السير جورج سقط، ولم يستطع النهوض، فافترسته الوحوش الكاسرة، ألا تذكرين أن ~~جميع الجرائد نشرت هذا الخبر؟ ~~- نعم، فإنهم وجدوا بقية من ملابس جندي، ولكن من يعلم إن كان هذا الجندي هو السير ~~جورج؟ ~~- إنك قد جريت شوطا بعيدا في هواجسك، وإن موت السير جورج حقيقة راهنة لا ريب ~~فيها. # فهزت رأسها، وقالت: «ولكني أريد أن أبرح هذا القصر في الحال.» ~~- إلى أين تريدين الذهاب؟ ~~- إلى الحصن ... ~~- كما تشائين. إذ لم أستطع أن أعترضها. # وهذا هو السبب، يا امرأتي العزيزة، في قدومنا إلى هنا. # وقالت بيتزي: «ولكن صحة اللادي آخذة بالانحطاط كل يوم، ويقول الأطباء إنه لا رجاء لهم ~~بنجاتها.» ~~- من يعلم؟ فقد يخطئ الأطباء. ~~- ولكن الطبيب جوهان ممبروك لا يخطئ؛ فهو يرى أن حياتها لا تطول، وهو حاضر قريبا لعيادتها ~~فسله إن شئت. ~~- ولكنه طبيب غريب الأخلاق والصفات. ~~- هو ذاك فإنه غني لا يعالج للارتزاق، ولكن ندر أنه عالج مريضا دون أن يشفيه. # وفيما هما يتحدثان سمع قرع الجرس، من الباب الخارجي الكبير، فنهض توما وأسرع إلى الباب ليرى ~~من الطارق، فقد كانت معهودة إليه حراسة الحصن العامة. # ولقي كبير الحراس وقال له: «من يطرق الباب؟» ~~- اثنان أحدهما فارس والآخر راجل. ~~- ماذا يريدان؟ ~~- يريدان الدخول. ~~- ماذا يدعيان؟ ~~- إن الفارس ms2429 يقول إنه قادم من بيرت. ~~- والراجل؟ ~~- إنه لا يقول شيئا. # فذهب توما إلى الباب الكبير وكان البرد قارصا والهواء زمهريرا والمطر يهطل كأفواه القرب، ~~ففتح نافذة صغيرة من الباب ونظر إلى الفارس فعرف أنه الطبيب ممبروك. # ثم نظر إلى الثاني، وسأل الطبيب: «من هو هذا الرجل القادم معك؟» ~~- إنه فقير هندي لقيني في الطريق، وسألني صدقة فوعدته بالضيافة. # فقطب توما حاجبيه، وقال: إنه يوجد كثير من الهنود في لندرا، ولكني لم أر أحدا منهم في ~~جبالنا، وما تعودت اللادي أن تأذن لمن لا تعرفهم بالدخول إلى حصنها، فسأعطيه صدقة، وليذهب إلى ~~القرية فيبيت فيها. ~~- كلا، هذا لن يكون ... ~~- لم، يا سيدي الطبيب؟ # فأجاب: «لأن هذا الرجل قد أضنكه التعب، ووهت رجلاه، فلا يستطيع المسير.» ~~- إنه يجدد قواه في القرية، وسأمنحه ما يكفيه. ~~- إني أرجوك أن ترفق به؛ فإن الإنسانية تقضي عليك بإيوائه. ~~- ولكن الواجب يقضي علي بعدم قبوله، لقد أقسمت يمينا للادي أن لا أدخل إلى قصرها من لا ~~أعرفه. ~~- إذا، أنت مصمم على عدم قبوله؟ ~~- كل التصميم؛ لأني لا أستطيع أن أنهج هذا النهج. # ثم أخرج من جيبه جنيهين، ورمى بهما إلى ذلك المتسول الهندي. # ولكن الطبيب منعه أن يأخذهما، ثم جذب الفقير إلى جواده فأردفه وراءه وذهب وهو ينظر إلى توما ~~النظر الشذر. # ففتح توما الباب، وجعل ينادي الطبيب، فلم يجبه الطبيب، وسار ينهب الأرض بجواده إلى ~~القرية. # وعاد توما إلى الحصن، فركب جوادا وذهب إلى تلك القرية، فرأى الهندي مقيما في فندقها قرب ~~النار، ولم يجد الطبيب. # وقد كان هذا الطبيب، قال لصاحب الفندق: «إذا جاء توما، وسأل عني فقل له إني لا أحب من خلت ~~قلوبهم من الرفق الإنساني، فلا يدعونني لزيارتهم بعد الآن.» # وعاد توما إلى الحصن منقبض الصدر كثير الهواجس، وصعد إلى غرفة اللادي، فوجدها ملقاة على ~~سريرها كأنها نائمة. # وناداها بصوت لطيف فلم تجب، فرفع صوته بالنداء، فلم تستيقظ، فدنا منها ولمسها، ثم صاح صيحة ~~رعب؛ لأن اللادي لم تكن نائمة بل كانت ms2430 قد فارقت الحياة. # 20 # بعد ذلك بعشرة أيام كان فارسان في نضارة الصبى يسيران فوق جواديهما جنبا إلى جنب في ضواحي ~~قصر باميلتون، وكان هذان الفارسان ولدي اللادي باميلتون. # وكان اللورد وليم باميلتون، الذي حرصت عليه أمه وتوما كل هذا الحرص قد بلغ مبلغ الشباب، ~~وبات جميلا قوي البنية خلافا لأخيه الأصغر فقد كان نحيف الجسم. # وكان اللورد وليم طلق المحيا كثير الابتسام متوقد العينين، تدل مخائله على النجابة ~~والسلام، وأما أخوه السير أفندال، فقد كان مقطب الجبين رقيق الشفتين. # وكانت علائم الإخلاص بادية في وجه الأول خلافا للثاني؛ فقد كانت دلائل الحسد بادية ~~فيه. # وكانا يمتطيان جوادين من خير الخيول الإيكوسية، وهما لابسان ملابس الصيد، وذاهبان إلى ~~الغابة للانضمام إلى رفاقهم الصيادين. # ولما أوشكا أن يصلا إلى الغابة اعترضهما ذلك المتسول الهندي، وهو شيخ ابيضت شعوره وطالت ~~لحيته حتى بلغت إلى صدره، فقال لهما: «أرجو، يا سيدي، أن لا تنسيا الفقير الهندي ~~المسكين.» # فألقى اللورد وليم جنيها إليه، وقال له: «امض في سبيلك.» # فالتقط الهندي الجنيه، واختفى وراء الأدغال. # وعندها قال السير أفندال لأخيه: إنك نغصت عليه لذته بإحسانك إليه، فلماذا طردته يا أخي بعد ~~إحسانك إليه؟! ~~- لأنه كان السبب في موت أمنا، فلا أطيق النظر إليه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألم يخبرك توما شيئا عن هذا؟ ~~- كلا. # فتنهد اللورد وليم، وقال: إن أمنا كانت يوما في أشد حالات المرض، فدعا لها توما الطبيب ~~ممبروك، فأقبل إلى الحصن، ولكنه لم يجئ وحده؛ بل جاء معه هذا الفقير الهندي، فأبى توما إدخال ~~الهندي لأنه لا يعرفه فأفضى الأمر إلى استياء الطبيب، وانصرف دون أن يعودها فماتت في تلك ~~الليلة. # وأجابه أفندال: «إن كان كذلك كان الذنب ذنب الطبيب لا ذنب هذا الفقير المنكود.» ~~- هو ما تقول، ولكنه كان السبب في استياء الطبيب وانصرافه، ومهما يكن من أمره فإني أشعر ~~بانقباض حين أراه. ~~- أتراه دائما؟ ~~- إني ما مررت بطريق إلا تعرض لي. ~~- ولكن، كيف أن هذا الرجل ولد في بلاد الهند وطابت له ms2431 الإقامة في جبالنا؟! ~~- هذا ما أجهله. ~~- ولكن توما قد يعلم شيئا من أمره. ~~- لا ... فلم يقف أحد من أهل القرية على شيء من سره، وغاية ما عرفوا عنه هو أنه يدعى نظام، ~~وأنه يقضي كل ليله في الغابات ونهاره عند أبواب القرية أو القصور، ولم يعرفوا له مهنة غير ~~التسول. # فقال له أفندال: «إنه شيخ عجوز.» ~~- إن هذا لا يمنعه عن العمل؛ فإنه قوي نشيط. ~~- ولكني رأيت منه ما راعني حين أحسنت عليه بالدينار؛ فإنه نظر إليك نظرة تشف عن البغض ~~الشديد، في حين أنه كان ينظر إلي نظرات الحنو والانعطاف. # فضحك اللورد وليم وقال: «هذا يدل على أنه راض عنك، وأني لم أتشرف بإرضائه.» ~~- ولكن عزاءك أن هذا الفقير إن رضي عني دونك فإنه يوجد كثيرون يسفكون دماءهم عند قدميك ~~ويفضلونك علي كل التفضيل. # فهز اللورد كتفيه، وقال: «أظنك تعني توما.» ~~- توما وامرأته بيتزي. ~~- أتظن أنهما لا يحبانك؟ ~~- دون شك، ولو كنت مثلك لوردا لطردت هذا الرجل وامرأته. # فأجابه اللورد وليم بجفاء: «إذا، تكون ارتكبت خطأ عظيما؛ فإن توما أخو أمنا بالرضاع، ~~وأرجو أن لا تنسى هذا يا أخي.» # فسكت أفندال، وسار الاثنان دون أن يتكلما حتى دخلا إلى الغابة. ~~••• # ولم يسيرا بضع خطوات حتى رأيا على مسافة بعيدة جمهورا كبيرا من الفرسان، جميعهم بملابس ~~الصيد الحمراء، وأمامهم فتاة ممتطية جوادا أسود، وهي مرتدية بملابس بيضاء. # فخفق قلب اللورد وليم حين رآها، أما السير أفندال فإنه نظر إلى أخيه نظرة ملؤها البغض ~~والحسد. # غير أن وليم لم يره، ولكز جواده، وهو يقول: «إن هذه هي مس إينا.» # 21 # كانت مس إينا في الثامنة عشرة من عمرها، وهي فتنة للناظرين، لما وهبها الله من ~~الجمال. # وهي ابنة السير أرشيبالد كيرتون، كان أبوها قد سافر إلى بلاد الهند، واشتغل بالتجارة على ~~كونه كان من النبلاء الأغنياء، فجمع ثروة طائلة، وتزوج ابنة رجاه هندي فازدادت ثروته أضعافا ~~ولم يرزق منها غير هذه الفتاة. # وكان قصره يبعد عن قصر اللورد وليم مسافة ثلاثة ms2432 أميال، فكانا يتزاوران، وكانت مس إينا يحمر ~~وجهها حين ترى اللورد وليم. # ولما تمكن الحب منها ذهب اللورد وليم إلى السير أرشيبالد، وقال له: «إني أحب ابنتك، وأسألك ~~أن تنعم علي بزواجها.» # فأجابه: «وأنا رأيت أن ابنتي تحبك - أيضا - ويسرني عقد هذا الزواج بينكما، ولكن امرأتي قد ~~توفيت، وهي ابنة رجاه هندي واسع الثروة، ولا وارث له غير ابنتي، فلذلك لا أستطيع تزويجها دون ~~مصادقته.» # ورأى السير أرشيبالد أن اللورد وليم قطب جبينه، فقال: «ولكني أخبرك مقدما أن الرجاه ~~يصادق لفوره؛ فإنه يريد ما تريده ابنتي.» # وكانت هذه المفاوضة سرية بينهما، وكتب السير أرشيبالد إلى الرجاه، غير أن الطامعين بزواج ~~الفتاة كانوا لا يزالون يختلفون إلى منزلها، فكانت تلاطفهم، وتحضر معهم حفلات الصيد، لشدة ~~ولوعها بتلك الحفلات. # ولذلك كانت في طليعة أولئك الصيادين الذين توافدوا في ذلك اليوم إلى الغابة، ووافاهم إليها ~~اللورد وليم وأخوه. # ولقد تقدم لنا القول إن اللورد وليم، حين رأى مس إينا دفع جواده في تلك الغابة، ولبث أخوه ~~السير أفندال يسير وراءه الهويناء، وهو ينظر إليه بعينين تتقدان ببارق الحسد والحقد. # أما اللورد وليم فإنه التقى بمس إينا، فمدت إليه يدها وصافحته قائلة له وهي تبتسم: «إن لدى ~~أبي نبأ سار سيوحيه إليك.» # فاحمر وجهه وقد أدرك القصد، وعند ذلك دنا منه السير أرشيبالد، وقال له: «إن الكتاب الذي ~~ننتظره من الهند قد وصل، يا بني، وإن الرجاه يوافق على الزواج.» # ثم التفت إلى أولئك النبلاء المحيطين بهم، وقال لهم: أتشرف، أيها السادة، بإخباركم أن ابنتي ~~مس إينا ستزف قريبا إلى اللورد باميلتون. # فوقع هذا النبأ وقوع الصواعق على كثيرين من الذين كانوا طامعين بزواج الفتاة، ولكنهم كظموا ~~الغيظ وأقبلوا يهنئون الخطيبين. # وعند ذلك رأى السيد أرشيبالد السير أفندال، فقال له: «وأنت، أيها العزيز، لدي نبأ سار أيضا ~~أخبرك به، ألم تطلب الخدمة في جيش الهند؟» ~~- نعم ... ~~- إذا، أبشرك الآن أنك قد عينت قائد فرقة، وقد صدر الأمر بتعيينك في هذا الصباح. # فاضطرب السير أفندال ms2433 اضطرابا شديدا خاله أخاه اللورد وليم اضطراب فرح، وقال له: «يجب عليك ~~أن تشكر، يا أخي، السير أرشيبالد؛ فقد ساعدك بملء الإخلاص، ولكني أرجو أن لا تسافر على الأثر ~~أليس كذلك؟» ~~- إنك رئيس أسرتنا فعليك أن تأمر وعلينا أن نطيع. ~~- إذا، أرجو أن تبقى إلى أن تحضر زواجي. ~~- سأمتثل. # والتفت السير أرشيبالد إلى رفاقه، وقال لهم: «هلموا إلى الصيد، أيها السادة.» # ونفخ في بوق الصيد، وانطلق الصيادون يطاردون الأرانب بجيادهم الصافنة، ما خلا واحدا منها، ~~وهو السير أفندال، فإنه تخلف عنهم، وترجل عن جواده فربطه إلى شجرة، وجلس على العشب وقد عض قلبه ~~الحسد، وخرج الحقد لهبا من عينيه، وجعل يحدث نفسه بصوت مرتفع ويقول: ما هذا القدر الجائر؟ وما ~~هذا الظلم الشائن؟ ألم أكن أخاه؟ ألم أولد مثله من أب واحد وأم واحدة؟ ألا يجول في عروقنا دم ~~واحد؟ فما باله اختص بالثروة والشرف، واللقب، ومس إينا في حين أني لم أنل غير رتبة قائد في ~~الجيش الهندي؟! إنها قسمة جائرة فيا ويل هذا الأخ، إني أكرهه أشد كره. # وكان يتكلم بصوت مرتفع وهو يحسب أنه وحده في تلك الغابة. ولكنه لم يكد يتم حديثه حتى فتحت ~~الأدغال، وخرج منه شيخ أبيض الشعور. # ولما رآه أفندال قال: «أنت الفقير الهندي؟!» # فأجابه بلهجة التهكم: أنا هو صديقك الهندي الذي لا يريد إلا خيرك من هذا الوجود، وهو يكره ~~اللورد وليم كما تكرهه. # 22 # وجعل أفندال ينظر إلى هذا الرجل منذهلا؛ فإنه كان عجوزا كما تدل شعوره البيضاء، غير أن من ~~تمعن في ملامحه يجد بينها دلائل القوة والنشاط. # والغريب في أمره أن لون وجهه كان يدل على أنه من الإرلنديين إذ لم يكن له من علائم الهنود ~~غير اللون الأصفر. # وكان هذا الرجل حين يسير في الأزقة متسولا يرفع أكمام ثوبه، ويكشف صدره، فينذعر من يراه؛ ~~لأن جسمه كان مصابا بجراح مغطاة بقشرة رقيقة شفافة كورق البصل. # وكان منظرها مما تقشعر له الأبدان، وهو يدعى نظاما كما قدمناه، فكان إذا ms2434 أراد حمل الناس ~~على الإشفاق عليه يقص عليهم قصته الغريبة، وهو أنه سقط بين براثن النمور في إحدى غابات الهند. ~~فبينما النمور تمزقه بأنيابها وهو مستسلم للقضاء كسائر الهنود، سمع دوي قاصف كدوي الرعود، ~~فتوقفت النمور عن نهشه وجعلت تتشاور بالأنظار، وقد قلقت لهذا الدوي. # وكان الدوي يدنو منها فتهتز له الأرض، وبات منتظما يشبه صوت أقدام جيش كثيف يسير بخطوات ~~موزونة. # فلما اقترب الصوت هربت النمور، وتركت نظاما لا يزال في قيد الحياة، أما هذا الجش الكثيف ~~فقد كان من الأفيال. # فقال نظام في نفسه: «إن النمور قد تخلت عني، فهل تصفح عني الأفيال؟» # وكان عدد الأفيال يبلغ نحو مائتين وفي طليعتها فيل، وهو ذلك الفيل المقدس عند ~~الهنود. # فلما وصلت تلك الأفيال إلى نظام وقف الفيل الأبيض، فوقفت الأفيال كلها! ثم لف الفيل الأبيض ~~خرطومه على نظام، ورفعه برفق إلى فوق ظهره، ومشى فتبعته الأفيال. # وما زال سائرا به والأفيال تتبعه حتى وصل إلى حقل أرز فألقاه فيه، وانصرف برفاقه بعد أن ~~جعله في مأمن من النمور. # وهكذا كانت نجاة نظام فإن جراحه شفيت، ولكن الجلد لم ينم فوقها بل نمت بشرة رقيقة كانت تشف ~~عن تلك الجراج الهائلة فتبدو للأنظار بما يحمل على الذعر. # وقد بقي من مشكلات أسراره سفره من الهند وإقامته في تلك الجبال؛ فإنه لم يبح بسرها ~~لأحد. # أما هذا الفقير فإنه حين لقي السير أفندال جلس بجانبه دون كلفة، وقال له: «لا تخف مني ~~شيئا؛ فإني متصل بك أكثر من اتصال الشجر بقشرها، فإني أحبك حبا لا أصفه؛ إذ لا أفيه، وقد ~~أوقفت دمائي لك.» ~~- أحق ما تقول؟ ~~- كل الحق؛ لأني أحبك وأحب أن أجعلك لوردا. # فتنهد السير أفندال، وقال: «إن هذا مستحيل لسوء الحظ.» ~~- لا شيء مستحيل في هذا الوجود، أصغ الآن ألا تستطيع التخلي عن هذا الصيد؟ ~~- نعم ... ~~- أيروق لك أن تسمعني؟ ~~- قل ما تشاء. ~~- إنك، يا سير أفندال، تحب مس إينا. # فارتعد الفتى، وقال: «كيف عرفت ذلك؟!» ~~- إنك حين ترفع ms2435 عينيك إلى هذه الجبال، ترى فوقها أبراج حصن باميلتون. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك ترى تلك الحقول المتسعة التي تكتنف القصرين على مسافة عشر مراحل. # فتنهد أفندال، وقال: «هو ما تقول!» ~~- وإنهم ينادونك بلقب الأشرف البسيط في حين أنهم ينادون أخاك بلقب ميلورد. ~~- هو ذاك، ولكن ما تريد أن أفعل؟ ~~- يجب أن تصير لوردا، وإذا أردت أنا أبلغك هذا المقام. # فنظر إليه وقال: «أنت؟!» # فاتقدت عينا نظام، وقال: «لا تهزأ بي، فإن الناس يستخفون بي هنا حين يرونني، ولكني إذا أردت ~~جعلتك لورد باميلتون.» ~~- كيف ذلك؟ ~~- أصغ إلي. # 23 # ثم أخذ يده بين يديه، وقال له: «كم كان عمرك، يا بني، حين ماتت والدتك؟» ~~- سبعة أعوام. ~~- أي كنت صغيرا لا يمكن الإباحة لك بالأسرار. # فارتعش أفندال، وقال: «أي سر تعني؟» ~~- سر يتعلق بمولدك. # فشمخ السير أفندال بأنفة، وقال له بلهجة ملؤها العظمة والكبرياء: «إن مولدي لا أسرار ~~فيه.» ~~- سوف تعلم؛ لأني سأخبرك بكل شيء، والآن قل لي ألم تسمعهم يتحدثون بعمك السير جورج ~~باميلتون؟ ~~- بالقليل النادر. ~~- ولكنهم ذكروا اسمه أمامك بعض الأحيان. ~~- نعم ... ~~- من كان يحدثك عنه؟ ~~- خدم المنزل. ~~- وأمك؟ ~~- لم أسمعها ذكرته مرة أمامي. # فابتسم الهندي ابتسامة الأبالسة، وقال: «ألم تذكر اسمه على الإطلاق؟!» ~~- بل أذكر أن أحد الخدم ذكر اسمه مرة أمامها، فأوشكت أن يغمى عليها. # فقال الهندي بلهجة المتهكم: «ولكنها لم يكن يغمى عليها من قبل.» # فاستاء أفندال من تهكمه، وقال: «ماذا تعني أيها المتسول؟» # أما الهندي فإنه لبث يبتسم، وقال له: «لا تحتقرني، يا سير أفندال؛ فإني أنا المتسول أستطيع ~~أن أفعل ما لا تستطيعه وأنت من النبلاء، وقد قلت لك إني قادر أن أجعلك لوردا، وأزوجك مس إينا، ~~تلك الغنية الحسناء.» # فاهتز السير أفندال اهتزاز الأجسام الكهربائية، وقال له: «امض في حديثك.» ~~- إنه يوجد رجل أيضا في باميلتون لا يذكر السير جورج بلسان، وهو توما شقيق أمك ~~بالرضاع. ~~- نعم، وإني أكره هذا الرجل أشد الكره. ~~- لقد أصبت في كرهك إياه، ولكن لماذا تكرهه؟ ~~- لأنه يحب أخي، ms2436 ويؤثره علي بكل أمر. ~~- بل يوجد سبب آخر لو عرفته لتضاعف حقدك. ~~- ما هو؟ ~~- سأكشفه لك. ولكني لا أريد البحث الآن في توما، بل في السير جورج. ~~- تكلم. ~~- إن السير جورج كان منذ عشرين عاما مثلك، ثاني أبناء اللورد باميلتون، بل كان مثلك في كل ~~أمره؛ فإن أخاه تزوج ابنة اللورد أسكولت وتمتع بتلك الثروة الواسعة، في حين أن أخاه كان قائدا ~~بسيطا في الجيش الهندي. # فتنهد أفندال، وقال: «وأنا - أيضا - سأخدم في جيش الهند.» ~~- غير أن السير جورج كان يهوى مس أفلين. # فاضطرب السير أفندال، وقال: «وهل كانت مس أفلين تهواه؟» ~~- نعم ... ~~- إنك كاذب نمام. # فأجابه الهندي ببرود: «إني لم أكذب في حياتي.» # ثم نظر إليه نظرة تسلط بها على حواسه، وقص عليه بالتفصيل جميع ما مر من الحوادث بين السير ~~جورج وأمه تلك الليلة الهائلة التي اضطرت فيها اللادي باميلتون إلى خيانة زوجها مكرهة. # فكان السير أفندال يسمع حديثه، والعرق ينصب من جبينه، إلى أن أتم حديثه. # ثم قال له: «إذا، إن السير جورج كان ...» # فقاطعه الهندي ببرود: «نعم، إنه أبوك ... وقد خطر له - أيضا - أن يجعلك لوردا.» ~~- ولكن السير جورج قد مات. ~~- لقد مات في عرف جميع الناس. ~~- وفي عرفك؟ ~~- إنه لا يزال حيا يرزق، وسأبرهن لك على صدقي فيما أقول. # ثم نهض، وقال لأفندال: «انتظرني هنا فسأعود إليك قريبا.» # وتركه وانصرف، فدخل بين أشجار الغابة. # وهنا ذهب إلى ساقية وغسل وجهه بمياهها عدة مرات، وعاد إلى السير أفندال. # فلما رأه دهش دهشة عظيمة؛ لأن ذلك النور الأصفر قد امحى، وحل محله لون الأوروبيين ~~الأبيض. # وبينما كان السير أفندال ينظر إليه منذهلا قال له الفقير: «إني لست من الهنود، وإن السير ~~جورج هو أنا، يا بني.» # وكاد السير أفندال يجن لدهشته، وجعل يكرر قوله: «أنت، أنت ... أنت أبي! ...» ~~- نعم، أنا هو أبوك ... # ثم ضمه إلى صدره، وجعل يعانقه بلهف شديد؛ فإن هذا الرجل الذي كانوا يدعونه في تلك الجبال ~~باسم نظام، ويحسبونه من الهنود، كان السير جورج ms2437 بعينه. # وكانت الحكاية التي يرويها عادة للناس عن أسباب جراحه صادقة، فقصها على ولده أفندال، وأخبره ~~في الختام أن الجيش الإنكليزي يعتقد أنه قد مات، وأن الجرائد نشرت خبر وفاته، فتنكر بلباس ~~الهنود وجاء إلى هذه الجبال. # فقال له السير أفندال: «وأي غرض لك من أن يحسبك الناس ميتا؟» ~~- سأقول لك كل شيء، يا بني، فأصغ إلي. # 24 # إن شفاء جراحي طال شهرين، كنت مختبئا في خلالهما في منزل أحد البراهمة. # وكانت النمور قد شوهتني تشويها عظيما، حتى إني لو ذهبت إلى الجيش الإنكليزي واختلطت ~~برفاقي الجنود لما عرفني منهم أحد. # ولكن، لم يكن نصب عيني غير غرض واحد وهو الرجوع إلى إنكلترا ليس لأرى اللادي أفلين، بل ~~لأرى ابن غرامنا، وهو أنت. # وكان الهندي يتكلم وعلائم التأثر بادية من حديثه، بحيث لم يشكك السير أفندال أن نظام والسير ~~جورج واحد، وأن السير جورج هو أبوه دون شك. # قال السير جورج: وقد أقمت عند الرجل الهندي ثلاثة أشهر بحت له في خلالها بسري، وأطلعته ~~على بعض مقاصدي، فأعطاني صباغا جعل لون وجهي كلون الهنود. # وسرت إلى كلكوتا وامتزجت مع الناس فلم يعرفني أحد. # وقد أقمت في المدينة السوداء، وهي مدينة الوطنيين. ولم يكن لدي شيء من المال، وأنا في ~~حاجة إليه لنفقات السفر، فلفقت حكاية عن سبب تشويهي. # وكان تشويهي يستلفت الانتباه، فجعلت أقصها على الوطنيين والإنكليز وأتخذها وسيلة للكسب، فما ~~مر بي ستة أشهر حتى جمعت النفقات اللازمة لسفري إلى أوروبا. # فجئت إلى لندرا وقد أقمت فيها عدة أشهر، فكنت أرود بين قصر باميلتون، وأتردد إلى الحدائق ~~العمومية، فكنت أراك في بعض الأحيان. # فقاطعه السير أفندال قائلا: «لقد ذكرت ذكرى بعيدة، وهي أني عندما كنت في الرابعة من عمري ~~أذكر أنهم ذهبوا بي إلى الحدائق، وبينما أنا ألعب مع الغلمان رأيت رجلا هنديا ينظر إلي ~~ويبتسم، فلم يغب رسمه عن ذهني.» ~~- هذا الرجل هو أنا، يا بني، فقل ألا تذكر شيئا - أيضا؟ ~~- نعم، فإننا كنا نلعب فوق الجليد، ثم ms2438 فتح الجليد فجأة وسقط أحد الغلمان في النهر، فأسرع ~~الرجل إليه وانتشله ورده إلى أهله دون أن يصاب بأذى. ~~- ألا تذكر أنك رأيتني بعد ذلك؟ ~~- نعم ... ~~- إذا، أصغ إلى تتمة حديثي. # إن اللادي باميلتون برحت لندرا، وجاءت بك وبأخيك وبتوما إلى هذا الحصن فأقامت فيه. # ولم أجد بدا من القدوم - أيضا - لأراك، ولكن لم يكن لدي نفقات السفر، فقطعت تلك ~~المسافة الشاسعة مشيا على الأقدام، وكنت أستدل على الطريق حتى وصلت. # غير أني لم أكن أراك إلا في النادر؛ لأن أمك وذلك الشرير توما قد جعلا القصر حصنا منيعا ~~ولم يأذنا لأحد بالدخول إليه. # وقد بالغت في الحيل توصلا إلى الدخول إلى القصر فما استطعت. # وبينما كنت أرود ليلة حول الحصن، وكانت ليلة باردة ممطرة، رأيت فارسا قادما إليه ~~فاستوقفته وسألته الإحسان، فنظر إلي مشفقا، وقال: «إن البرد يؤثر فيك كما أرى.» ~~- إن البرد ينخر عظامي، والجوع يعض قلبي، ولا أجد سبيلا للقوت وللمبيت. ~~- تعال معي فتأكل وتدفأ. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى هذا الحصن. ~~- لقد أخطأت، يا سيدي؛ فإن أبوابه لا تفتح للبائسين أمثالي. ~~- اتبعني؛ فإني طبيب العائلة المقيمة فيه، ولا يقفلون دوني الأبواب. # فامتثلت له، ولكن توما أبى أن يأذن لي بالدخول، بالرغم من إلحاح الطبيب ورجائه. # وعاد الطبيب مغضبا دون أن يدخل إلى المنزل، وهو يقول: «إن الرفق قد انتزع من قلوب هؤلاء ~~الناس فلتقع التبعة عليهم.» # ولقد أصاب فيما كان يتوقعه؛ لأن أمك ماتت في اليوم التالي، ولو أدركها الطبيب لأنقذها، فكان ~~توما الجاني عليها بإغضابه الطبيب. # فقال له أفندال: «ألا تزال منذ ذلك العهد في هذه الجبال؟» ~~- نعم. ~~- ماذا تصنع؟ ~~- أستعطي وأحاول أن أراك، فأنسى الكدية وما أنا فيه حين أمتع عيني بوجهك. ~~- إذا، أنت السير جورج، أنت أبي؟ # فأدمعت عيناه، وقال: «نعم، يا بني.» ~~- إذا، إني مسافر إلى الهند وستسافر معي، فلا يعلم أحد بأمرنا وتعيش معي سعيدا. # فضمه السير جورج إلى صدره، وقال له: «كلا، يا ولدي، إنك لا تسافر إلى الهند.» ~~- إلى أين إذا ms2439 تريد أن أذهب؟ ~~- تبقى هنا. ~~- لماذا ألكي يقتلني حقدي على أخي؟ ~~- كلا، بل لكي تحل محله وتصير لوردا. ~~- أنا أصير لوردا؟! ~~- وتتزوج - أيضا - مس إينا خطيبة أخيك. # فاضطرب السير أفندال، وقال: إذا، يجب أن يموت أخي وليم. ~~- ربما. ~~- ولكن كيف يموت، وهو في ريعان الشباب؟! ~~- إن الموت لا يروعه الصبا. ~~- ألعلك تريد قتله؟ ~~- ماذا يهمك؟ ~~- كلا، كلا، إني لا أريد سفك دمه. # فأطرق السير جورج هنيهة، ثم قال: «إذا، لنفترض أن جميع الناس باتوا يعتقدون أن اللورد ~~وليم ميت، وهو مع ذلك لا يزال في قيد الحياة.» ~~- ولكن ذلك مستحيل. ~~- ليس من مستحيل علي، وكل شيء ممكن في هذا الوجود. ~~- إذا، يبقى أخي حيا، ويعتقد الناس أنه مات؟ ~~- نعم. ~~- وأتزوج مس إينا؟ ~~- تتزوجها. ~~- ولكنك تقسم لي أن أخي لا يموت. ~~- أقسم لك بك أني لا أقتل أخاك. # ثم ضمه إلى صدره فقبله، واحتجب في الغابة بين الأشجار. # 25 # لم ير أفندال أباه في ذلك اليوم، وفي المساء عاد إلى القصر، وهو مفكر مهموم. # وكان اللورد وليم قد وصل إلى القصر عائدا من الصيد فرأى أخاه، وقال له: «ماذا أصابك وأين ~~كنت؟» ~~- إني تهت عنكم في الغابة، فقضيت يومي متنزها بين الحقول. ~~- لقد شغل بالي عليك حين طلبتك فلم أجدك لا سيما أن لدي أمورا خطيرة أحب أن أطلعك ~~عليها. # فارتعش السير أفندال، وسأله: «ما هي؟» ~~- هي أولا أني أحسب نفسي من أسعد الناس؛ لأنه لا يمضي ثلاثة أسابيع حتى تصبح مس إينا ~~اللادي باميلتون. ~~- إني أهنئك، يا أخي، وأرجو لك التوفيق. ~~- ثم إنني تحدثت مليا بشأنك مع والد مس إلينا. ~~- على أي محور دار الحديث؟ ~~- اعلم، يا أخي العزيز، أني أنكر الشريعة الإنكليزية كل الإنكار فيما يتعلق بحقوق ~~البكورية. # وابتسم السير أفندال ابتسام المتهكم، وقال: «كيف ذلك؟» ~~- ذلك أني أخوك البكر، فلي اللقب والأراضي ولي السعادة وعضوية المجلس الأعلى. # فأجابه أخوه بلهجة الراضخ لأحكام القدر: «أما أنا فلا شيء لي.» ~~- هو ذاك، ولكني أعد هذه القسمة جائرة، ولا أرتاح لهذه ms2440 الشريعة، وإني أحب أن أشركك في ~~كل ما لدي، ولكن الشرع لا يجيز هذا الاشتراك لنكد الطالع. # فأجابه أفندال بجفاء: «أتراني سألتك شيئا من ذلك؟» # فابتسم اللورد وليم، وقال: أصغ إلي، يا أخي العزيز، فقد خطر لنا خاطر أرجو أن يكون ~~صالحا. ~~- ما هو؟ ~~- إنك تعلم أن خطيبتي حفيدة أحد أمراء الهند. ~~- نعم. ~~- وإن لعميدها الأمير خالا لا تقل ثروته عن ثروة أخيه وله بنت واحدة، فخطر لوالد خطيبتي ~~أن يزودك برسائل توصية إلى والد هذه الفتاة، فلا يبقى عليك إلا أن تريد الزواج بدابي ~~تاتا. ~~- أتدعى هذه الفتاة دابي تاتا؟ ~~- نعم، يا أخي، وهي بارعة في الجمال. ~~- إني أشكرك خير شكر لحسن عنايتك بي. # وكانت نبرات صوته تدل على شيء من التهكم، غير أن اللورد وليم لم ينتبه لتهكمه؛ فقد كان سليم ~~النية شديد الرفق بأخيه، فلم يخطر له الشر في بال. # ولما أصبح السير أفندال وحده ضم يديه منذرا متوعدا، وقال: «ليست تلك الفتاة الهندية التي ~~أبتغيها أيها الأبله، بل مس إينا، ولا أريد العيش بين حقول الأرز، وتحت سماء الهند المحرقة، بل ~~أريد العيش في هذه الحقول البديعة التي تكتنف قصر باميلتون.» # ومضى على ذلك يومان، كان السير أفندال يخرج كل يوم فيهما متنزها، ويذهب إلى ذلك المكان ~~الذي روى له فيه الفقير الهندي حكايته، فلا يجده. # وفي مساء اليوم الثالث، بينما كان عائدا من الغابة، وقد كاد يقنط من عدم لقاء أبيه، لقي ~~توما بملابس السفر، وهو يحادث أخاه اللورد بصوت منخفض. # فدنا منهما، وقال لأخيه: «إلى أين يسافر توما؟» ~~- إلى لندرا. ~~- لماذا؟ ~~- ليحضر لي أموالا وضعتها في المصارف. # وعند ذلك ودعهما توما وذهب، فتأبط وليم ذراع أخيه، وقال له: إن الشرائع الإنكليزية تقضي ~~علي أن أحتفظ بثروة العائلة العقارية أما المال النقدي فإني أتصرف فيه كما أشاء. # وإن لدي في المصارف عشرين ألف جنيه، فاسمح لي، يا أخي العزيز، أن أقدمها لك. # فاضطرب السير أفندال، وتلعثم لسانه ولم يدر ماذا يجيب. # وافترق الأخوان، واحد يضمر ms2441 الشر والكيد لأخيه المحسن إليه، وآخر لا يريد له إلا الخير. فلما ~~حان وقت الرقاد دخل السير أفندال إلى مضجعه. ~~••• # وكانت تلك الليلة من ليالي الصيف الحارة، ففتح السير أفندال النوافذ وصعد إلى سريره، ولكنه ~~لم يستطع النوم لكثرة همه وتفكيره. # وفيما هو يفتكر بأبيه سمع حفيف أوراق تحت النافذة، ثم رأى رجلا قد وثب فجأة من تلك النافذة ~~إلى الغرفة بخفة القرود. # فذعر أفندال، ولكنه ما لبث أن رأى الرجل حتى صاح صيحة فرح، وقال: أهذا أنت، يا أبي؟ وأين ~~كنت؛ فإني لم أرك منذ ثلاثة أيام؟ ~~- إني كنت في لندرا وقد عدت منها الآن. ~~- وأي شأن لك في لندرا؟ ~~- ذهبت إليها للبحث عن أصحاب، أحتاج إليهم ليساعدوني على جعلك لوردا. # فارتعش السير أفندال، وقال: إذا، سأصبح لوردا حقيقة؟ ~~- دون شك. ~~- متى؟ ~~- قبل أن يمر شهر. ~~- ولكنك تبر بقسمك، ولا تقتل أخي اللورد وليم. ~~- لقد أقسمت لك، وهو قسم أجله. # فتنهد السير أفندال، وقال: إذا، يبقى حيا ويحسبه الناس من الأموات؟ ~~- هو ذاك. ~~- ماذا عزمت على أن تصنع به؟ ~~- لا تتسرع، يا بني، فسأخبرك حين يحين الأوان، غير أني محتاج إلى شيء من المال. ~~- لا أعلم مقدار حاجتك، وهذا مالي بين يديك، فخذ منه ما تحتاج إليه. # ثم قام إلى خزانة ملؤها الأوراق المالية ودفعها إلى أبيه، فأخذ منها مائتي جنيه ورد الباقي ~~فقال: «إن هذا القدر يكفيني الآن، وإذا احتجت إلى المزيد عدت إليك.» # عند ذلك ذهب إلى النافذة كي يعود منها كما أتى، ثم عاد فقال لابنه: «أسافر توما؟» ~~- نعم. ~~- متى؟ ~~- في هذا المساء. # فاتقدت عيناه ببارق السرور، وقال: «إذا، لقد آن لنا أن نبدأ بالعمل، فاطمئن يا بني؛ فستغدو ~~لوردا.» # ثم تركه وانصرف. # 26 # عقب تلك الليلة يوم حر شديد انقطعت فيه الطيور عن التغريد، واحتجبت بين الأوراق فرارا من ~~أشعة الشمس المحرقة. # وقد كف الناس عن السير في الطرقات، وأصبحت تلك البلاد الباردة كأنها في خط الاستواء. # ومع ذلك فقد كان فريق من الرجال يسيرون ms2442 في طريق كثر الغبار فيها، وقد أنهك التعب والحر ~~أجسامهم، وهم مقيدون بسلاسل، كل اثنين منهم بسلسلة. # وكانوا جميعا حفاة الأقدام حاسري الرءوس حليقي الشعور، وهم من المجرمين الإيكوسيين المحكوم ~~عليهم بالنفي إلى أوستراليا، فكان الجنود سائرين بهم إلى ميناء ليفربول. # وكانوا يسيرون ببطء، والعرق يسيل من أجسادهم، وكان بعضهم يشكون ويتوجعون، وآخرون يتضجرون ~~ويشتمون، وإذا أضنى التعب أحدهم وتوقف عن المسير أدركه كرباج الجندي، فصاح صيحة ألم وتبع الرفاق ~~حذر السوط. # غير أن أولئك الجنود كانوا يعانون نفس ما يعانيه أولئك المجرمون، فقال أحدهم لرئيسه: «لقد ~~أنهكنا السير، وصهر الحر أجسادنا، ألا ترى أن نستريح؟» ~~- أراك قد تعبت. ~~- إن قدمي قد تورمتا. ~~- وأنا أكاد أموت ظمأ. ~~- بئست هذه الطريق؛ فإننا لا نجد فيها قطرة ماء. # فأجابه الرئيس: «ذلك لأن هذه الثلوج التي تراكمت فوق هذه القمم، لم تذب بعد .» ~~- إني أخشى أن لا تذوب. ~~- وهذا ما أراه، غير أنه لا بد لنا أن نجد قرية أو فندقا. ~~- إني أعرف هذه البلاد، فإنه يوجد على مسافة مرحلتين - أيضا - قرية باميلتون. ~~- ولكني لا أستطيع الصبر على العطش إلى أن نبلغ القرية. ~~- ولكننا نتوقف عن السير قبل البلوغ إليها. ~~- أين؟ ~~- ألا ترى هذه النقطة السوداء الشاسعة؟ ~~- نعم ... ~~- إنها غابة كثيفة تبدو في آخر ما يمتد إليه البصر كالنقطة في الكتاب، غير أنه يوجد فيها ~~نهر صغير نقيم على ضفته إلى المساء بدلا من أن نواصل السير إلى قرية باميلتون. ~~- بل أرى أن نروي عطشنا من هذا الجدول، ثم نواصل السير إلى القرية. # فأجابه الضابط وكان يدعى برسي: «كلا، بل نقيم عند النهر، فإننا نكسب بذلك مائة ~~جنيه.» # فنظر إليه الجندي نظرة المنذهل، وقال له: «كيف ذلك؟! ألعل الشمس قد أثرت فيك أم أنت تهزأ ~~بي؟!» ~~- لا هذا ولا ذاك؛ فإني أقول الحق. ~~- ولكن، كيف نكسب المائة جنيه؟ ~~- هذا سر من أسراري، ويكفيك أن تعلم أنك ستنال منها نصفها. ~~- أنا أنال النصف؟ ~~- نعم، إنما يجب من أجل ذلك أن تفعل ما أقوله لك. ms2443 ~~- إني أفعل كل ما تريد؛ فإن هذه القيمة لا أنالها في عام، فقل لي ما يجب أن أصنع. ~~- إنك تتسرع يا جوهن، والتسرع غير محمود، ثم سكت ولم يوضح له شيئا. # وكان المجرمون قد كثر تذمرهم فرق الضابط لهم، وقال: «صبرا، ألا ترون هذه الغابة؟ فإننا ~~سنستريح فيها ونحن في هذا الشقاء سواء.» # فارتاح المجرمون لهذا الوعد، وكان عددهم ثمانية. # وكان يسير وراء المجرمين بغل يقوده جندي ثالث، وفوق هذا البغل رجل نائم. # وكان هذا الرجل فتى لا يتجاوز العشرين من العمر، وقد أخذوه من مستشفى على الطريق وهو كأنه ~~مصاب بداء البرص، وهيئته تحمل على الرعب. # وكانوا يخافونه خوفا شديدا حذر العدوى، فإذا توقفوا للاستراحة عزلوه عنهم، ولبس الحارس ~~الذي يقدم له الطعام والشراب قفازا اتقاء لهذا الداء الوبيل. # على أن هذا الفتى المنكود لم يكن مصابا بالداء وحده ؛ بل زاد في نكبته أنه كان معتوها، ولم ~~يكن ينطق بحرف. # ولم يكن بينهم من يعلم أي ذنب جناه هذا الرجل غير أن الذي كانوا يعلمونه من أمره أنه كان ~~محكوما عليه بالنفي. # وبعد أن أذاب الحر أجسادهم وصلوا إلى تلك الغابة، فصدر أمر القائد بالتوقف عن السير، ولكن ~~المجرمين بدلا من أن يتوقفوا اندفعوا إلى النهر وقد كاد الظمأ يقتلهم وألقوا أنفسهم في المياه، ~~فكانوا يشربون ويغتسلون في وقت واحد، فيروون عطشهم ويتداوون من الحر بشرب المياه. # وبعد أن فرغوا من الشرب والاغتسال فرق القائد عليهم قطعا من الخبز، وقال لهم: «إنكم ~~تستطيعون أن تناموا إذا أحببتم؛ فإننا سنقيم هنا إلى المساء.» فنام أولئك المنكودون فوق العشب، ~~وبقي القائد برسي والجندي جوهن قربهم يتحدثان بصوت منخفض. # قال القائد للجندي: «إننا سنربح مائة وخمسين جنيها لا مائة كما قلت لك، ولكنك تقبض خمسين ~~وأقبض مائة.» ~~- لتكن القسمة كما تشاء، ولكن أود أن أعلم كيف نكسب هذا المال. ~~- ألا تذكر حين وصلنا إلى برت وأخذنا من مستشفاها ذلك العليل أن حارس السجن أعطاني علبة من ~~الصفيح. ~~- نعم، ولكني لا أعلم ما ms2444 يوجد في هذه العلبة. ~~- يوجد فيها حية زرقاء. ~~- كيف تكون الحية زرقاء؟! ~~- إنها من أفاعي الهند، وهي صغيرة حتى لا يزيد طولها عن أصبع ولكن لسمها تأثيرا هائلا؛ ~~فإنه يورم الجسم والوجه ورما عظيما ويشوه الملسوع تشويها غريبا بحيث لا يمكن لأهله أن ~~يعرفوه، وهذا السجين العليل قد لسعته هذه الحية. ~~- كيف اتفق ذلك؟ ~~- إن حارس السجن وضعها في فراشه قبل الليلة التي كنا عازمين على أخذه فيها، وقد كان صحيح ~~الجسم والعقل، قبل أن تلسعه وأنت ترى الآن كيف استحال. ~~- ولكني لا أعلم لماذا أساء إليه حارس السجن هذه الإساءة الهائلة. ~~- ذلك ليربح أيضا مائة جنيه. ~~- إني لا أفهم ما تقول. # فابتسم القائد وقال: «يوجد رجل غني في إنكلترا يستطيع أن يشتري بماله جميع أمثالنا ~~فيها.» # وبينما هو يحدثه حانت منه التفاتة، فاضطرب، وقال: «كفى الآن، وسأتم الحديث في فرصة ~~أخرى.» # ثم نهض؛ ذلك أنه رأى رجلا مضطجعا على العشب على مسافة قريبة، وقد أشار إليه الرجل إشارة ~~سرية اضطرب منها وأسرع إليه. # أما ذلك الرجل فقد كان نظام الفقير الهندي، أي السير جورج والد السير أفندال. # 27 # ولما وصل إليه وقف السير جورج، وقال له بلهجة الحذر: «أأنت هو القائد برسي؟» ~~- نعم ... ~~- إذا، أنا هو الذي تنتظره فهل أحضرت الأفعى؟ ~~- هي معي في هذه العلبة. # ثم دفع العلبة إليه، فأخذها السير جورج، وأخرج من جيبه خمسين جنيها، فأعطاه إياها، وقال: ~~«خذ هذه الدفعة من أصل الحساب.» # فأخذها القائد فرحا، وقال: «إني أنتظر أوامرك، يا سيدي.» ~~- يجب أن تبيت الليلة في هذا المكان، وغدا تكون في قرية باميلتون فتتظاهر أنك مريض لا ~~تستطيع مواصلة السير. ~~- كم ينبغي أن أقيم في القرية؟ ~~- لا أعلم الآن؛ فإن ذلك موكول إلى الحوادث، وفوق ذلك فإن أولئك المجرمين لا تسوءهم الإقامة ~~في هذه القرية. ~~- دون شك؛ فإنهم لا يسيرون إلا بعد أن نجلدهم بالسياط لشدة الحر. ~~- إذا، فاعلم أنه يوجد في هذه القرية فندق قرب قصر باميلتون يجب أن تقيموا فيه؛ فإن صاحبه ms2445 ~~من رجالي، فهو يسجن المجرمين في قبو ويعين بقية غرف الفندق لك ولرجالك وللرجل الملسوع. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تنتظر إلى أن ترد لك تعليماتي فتعمل بموجبها. # ثم وضع العلبة في جيبه وانصرف. # ولم يكن المجرمون قد تنبهوا من رقادهم، أما الرجل الملسوع، فقد كان ملقيا على العشب، قرب ~~البغل وهو يتوجع ويئن أنينا يقطع القلوب من الإشفاق. ~~••• # وأما السير جورج فإنه ذهب توا إلى ابنه فلقيه قرب القصر ودار بينهما الحديث الآتي: فقال ~~السير جورج: «أظن أننا وحدنا الآن.» ~~- نعم، فماذا تريد أن تقول لي؟ ~~- إن كل شيء قد تهيأ. # فارتعش السير أفندال، وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن الحية باتت عندي. # ثم أخرج العلبة وأراه إياها. # فاضطرب السير أفندال، وقال: «أريد أن أعود إلى الاستيثاق منك؛ فأقسم لي أن من تلسعه هذه ~~الأفعى لا يموت.» ~~- إني أقسم لك، وإن كان القسم لا يكفيك فاذهب غدا إلى فندق باميلتون. ~~- ما أفعل في هذا الفندق؟ ~~- سل القائد برسي أن يريك ذلك الرجل الذي لسعته الحية الزرقاء تجد أنه لا يزال في قيد ~~الحياة. ~~- لقد صدقتك. ~~- إذا، يجب أن تعمل الآن بما يقوله المثل السائر، وهو ساعد نفسك يساعدك الله. ~~- بل إن الأبالسة تساعدني في هذه المهمة. ~~- كما تشاء. ~~- ماذا تريد يا أبي؟ ~~- أين هو أخوك الآن؟ ~~- في منزل خطيبته ... ~~- متى يعود؟ ~~- قرب انتصاف الليل. ~~- أتجد وسيلة للدخول إلى غرفة رقاده دون أن يراك أحد؟ ~~- نعم، فإني أدخل إليها من غرفة المكتبة. ~~- إذا، انتظرني هذه الليلة في غرفتك. ~~- في أية ساعة؟ ~~- في الساعة الثامنة من المساء. ~~- أتدخل من النافذة كما دخلت أمس؟ ~~- إني سأسلك نفس الطريق. # ثم تركه وانصرف. ~~••• # في الليلة نفسها أقام السير أفندال في غرفته وترك النافذة مفتوحة، فأتاه أبوه في الساعة ~~الثامنة حسب الاتفاق وسأله عن اللورد وليم فقال له: «لم يعد بعد.» ~~- إذا، هلم بنا. # وكان السير أفندال أصفر الوجه يتكلم بصوت يتهدج. # ولما رأى أن الوقت حان أجفل من الخيانة، وقال لأبيه: «كلا ... إني لا أريد ...» # فقال له أبوه: ms2446 «ألا تريد أن تكون غنيا أيها الأبله؟» ~~- كلا. ~~- إذا كان ذلك فكيف ترجو الحصول على مس إينا؟! # فأثر ذلك في أفندال تأثيرا عظيما، وهاج عامل غرامه فأقدم على الجريمة وزال من نفسه ما كان ~~يشعر به من الخوف فقال لأبيه: «هلم بنا.» # ثم فتح بابا يؤدي إلى غرفة المكتبة، ودخل إليها مع أبيه. # وكان في هذه الغرفة باب يؤدي إلى غرفة اللورد وليم، وولج الشقيان منه إلى غرفة ذلك ~~المنكود. # وعندئذ، أخذ السير جورج علبة من جيبه ودنا من سرير اللورد وليم، فكشف الغطاء، ثم فتح العلبة ~~فوثبت الحية منها إلى السرير، وأسرع السير جورج ورد الغطاء إلى ما كان عليه بحيث باتت الحية ~~تحته. # وعند ذلك عاد الاثنان إلى غرفة أفندال، فوثب السير جورج من النافذة، وهو يقول إلى ~~الغد. # أما السير أفندال فإنه بقي واقفا قرب النافذة ينتظر قدوم أخيه، ويقول إني سأصبح لوردا ~~وستكون مس إينا لي. # 28 # بعد أن ذهب السير جورج بساعتين، عاد اللورد وليم من بيت خطيبته إلى القصر، وكان السير ~~أفندال لا يزال ينتظره. # ودخل اللورد وليم وهو لا يزال مشرق الجبين طلق المحيا وعلائم السرور والارتياح بادية ~~بين ثنايا وجهه، ولما رأى أخاه لا يزال ساهرا أسرع إليه، وعانقه قائلا: «إني بت، يا أخي، من ~~أسعد الناس.» # فأجابه بلهجة المتهكم: «إني أهنئك، يا أخي العزيز.» ~~- إن مس إينا تحبني حبا أكيدا. # ولم يجبه السير أفندال، ولو كان لدى أخيه أقل أثر من الريب به لرأى الغضب يتقد في عيني ذلك ~~الشقي. # غير أن اللورد وليم كان يحب أخاه، ولا يخطر له غدره في باله، فأتم حديثه قائلا: إنها تحبني ~~كما قلت لك، لقد اعترفت لي اليوم بما لم أكن أتوقعه. ~~- بم اعترفت لك؟ ~~- إننا كنا في الحديقة، وكان أبوها معنا فتركنا هنيهة منفردين، ولما خلا بنا المكان ~~وضعت يدها بيدي وقالت لي: «إني أحب أن أحدثك بأمر طالما أخفيته عنك.» # فارتعشت، وقلت: «ماذا عسى أن يكون، أيتها الحبيبة؟» ~~- «إني لا أريد، أيها ms2447 الميلورد أن أكون امرأتك إلا متى قرأت سور الغرام في قلبي، كما تقرأ ~~في كتاب مفتوح، فاعلم أني أحبك حبا نقيا، ولكني ما أحبك لشرف آبائك، ولا لأنك من أعضاء ~~المجلس الأعلى، بل أحب منك أنت.» # فأخذت يدها، وقبلتها قبلات، وعادت إلى الحديث، فقالت: «إني أحبك وأردت الزواج بك لغاية هي ~~غير غاية أبي.» # فذهلت لقولها، وقلت لها: «ما كانت غاية أبيك؟» ~~- إن أبي واسع الثروة، ولكنه غير عريق في النسب مثلك، وليس له شيء من الألقاب، فهو إنما رغب ~~في هذا الزواج طمعا بشرف مصاهرتك، أما أنا ... # وهنا توقفت عن الحديث وقد احمر وجهها. # فقلت لها: «أتمي حديثك، أيتها الحبيبة.» ~~- أما أنا فكنت أود لو كنت دعيا في نسبك فقيرا معدما لا تملك شروى نقير؛ لأني لا أحب ~~مجدك ونسبك بل أحب أنت. ~~- هذا ما قالته لي، يا أخي العزيز، ولم يبق لزواجنا غير أسبوعين غير أنهما سيمران بي ~~سيمران بي كدهرين. # وسكت السير أفندال، وقد كاد الحقد ينفجر في قلبه انفجار البراكين. # وعاد اللورد وليم إلى الحديث بعد سكوت قصير، فقال: «أسألك العفو، يا أخي؛ لأن السرور قد غلب ~~علي فلم أتكلم إلا عن نفسي، ولكنك ستغدو سعيدا مثلي؛ فإن والد خطيبتي يعد لك خير ~~زواج.» # وأجابه فندال بجفاء: «لا تقارن، أيها الأخ، بيننا ولا تشابه بين حالتينا.» ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أنك تحب مس إينا. ~~- حب عبادة. ~~- ولكنك تقول إن الفتاة الهندية حسناء، ولكن قد يمكن أن لا يجد جمالها سبيلا إلى ~~قلبي. # ثم تنهد تنهد القانطين، فشعر اللورد وليم أنه أخطأ بمحادثته أخاه عن سعادته وغير ~~الحديث، وقال لأخيه: إني عازم على النوم فإن حديث خطيبتي قد أثر في، فبت محتاجا إلى الراحة، ~~وفي كل حال فإني أرجوك أن تصفح عني. ~~- إنك لم تخطئ إلي فأصفح عنك، وسأوصلك إلى غرفتك إذا أذنت. ~~- حبا وكرامة. # ثم سار الاثنان إلى غرفة اللورد وليم. # وكانت النوافذ مفتوحة فقال السير أفندال: «أتريد أن أقفل هذه النوافذ، يا أخي؟» ~~- كلا؛ لأن الحر ms2448 شديد. ~~- ولكن ألا تخشى رطوبة الليل؟ ~~- كلا، فدعها مفتوحة، لقد تعودت في الصيف أن أفتح النوافذ. ~~- وأنا أفعل مثلك؛ لأن حر هذا الصيف لا يطاق. # وقد سر أفندال من ترك النوافذ مفتوحة؛ إذ قد يتبادر من الفور إلى الأذهان أن الحية قد ~~تسلقت الشجرة وانسابت إلى أخيه من النافذة، وفي هذا ما يبعد الظن ويضيق مجال الاتهام. # ثم ودع أخاه وخرج من غرفته بعد أن نظر نظرة خفية إلى السرير، ووجد أن الغطاء لا يزال على ~~حاله، وأن الحية لا تزال نائمة تحته، دون شك. ~~••• # بعد ذلك بساعة سمع خادم غرفة اللورد وليم صرخة مزعجة في غرفة اللورد المجاورة ~~لغرفته. # وكانت صرخة ألم شديد فهب الخادم منذعرا وأسرع إلى غرفة سيده، فوجد ذلك اللورد الشاب واقفا ~~في وسط الغرفة بملابس النوم، وهو قابض بيده على تلك الحية. # ولكن الحية كانت قد لسعته في وجهه قبل أن يقبض عليها، وأسالت بعض نقط من الدماء على ~~خده. # وكانت عينا اللورد قد جحظتا واصفر وجهه فبات كالمجانين. # ثم ألقى تلك الحية مغضبا على الأرض، وأسرع الخادم وسحقها بقدمه، ثم خرج من الغرفة وجعل ~~ينادي الخدم مستغيثا لما رآه من خطورة الحالة. # أما اللورد فإنه كان يصيح متألما، وقد بات في حالة من اليأس لا سبيل فيها إلى ~~العزاء. # وبعد هنيهة أقبل الخدم وأسرع واحد منهم إلى إحضار طبيب، ففحص المكان الملسوع، والحية ~~القتيلة، فقرر أن الحالة شديدة الخطورة، ولكنها لا تحمل على اليأس. # ثم غسل الجرح وطهره وأعاد اللورد وليم إلى سريره. # أما السير أفندال فقد كان يتظاهر بالحزن الشديد، وينسب هذا الحادث إلى إهمال أخيه وتركه ~~النوافذ مفتوحة، ويقول إنه لولا هذا الإهمال لما فوجئنا بهذه النكبة الهائلة. # وكان يمثل الحزن واليأس خير تمثيل حتى كان الخدم يشفقون عليه. # ولكنه إذا خلا بنفسه أشرق وجهه بنور البشر وعلل النفس بإدراك ما يبتغيه من ثروة أخيه ولقبه ~~وخطيبته. # أما ذلك اللورد المنكود الذي قضي عليه أن يكون ضحية الحسد واللؤم والمطامع السافلة، فقد ms2449 ~~أصيب بحمى شديدة لزمته فأضاعت رشاده. # ثم اختلط عقله فصار يهذي ويتكلم كلاما غير مفهوم. # وكان وجهه قد تورم واسود فبات لونه كلون الفحم. # على أنه في هذيانه كان يردد كلمة واحدة تخرج واضحة من فمه دون سواها وهي اسم خطيبته مس ~~إينا. # ورأى السير أفندال أنه يجب في هذا المقام إبلاغ مس إينا وأبيها فأمر أحد الخدم أن ~~يدعوهما. # وركب الخادم جوادا، وانطلق به يسابق الرياح، إلى منزل السير أرشيبالد. # وعند الفجر أقبل السير أرشيبالد وابنته فلم تكد تراه الفتاة حتى صاحت صيحة رعب ... # فإن وجهه انتفخ انتفاخا شديدا حتى لم يعد يعرفه أحد. # وكان لحم وجنتيه قد تناثر واندلع لسانه وازرقت شفتاه، وغارت عيناه فلم يعد له شيء من الشبه ~~بالإنسان. # ولما رأى الطبيب تلك الاستحالة هز رأسه إشارة إلى القنوط: «لم يبق للطب حيلة في هذا ~~المنكود.» # أما السير أفندال فقد كان خرج من غرفة أخيه وغادر القصر، فسار دون أن يعرف إلى أين ~~يسير. # وكان حاسر الرأس، ولعله ندم على فعلته الشنعاء. ولم يعد يطيق النظر إلى وجه أخيه، أو أنه ~~خجل من تكلفه الكآبة وهو يضمر السرور والارتياح. # وفيما هو سائر إلى حيث تدفعه قدماه رأى أباه خرج من الأدغال وتعرض له وهو يبتسم ابتسامة ~~الأبالسة فسأله: ما وراءك من الأخبار، يا بني؟ ~~- أخشى أن تكون خدعتني، يا أبي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن اللورد وليم على فراش الموت ولقد أقسمت لي أنه لا يموت. # فابتسم وأجابه: «ولا أزال أقسم لك أنه لا يموت.» ~~- ولكن الطبيب أكد أنه مشرف على الموت. # وأجابه ببرود: «إنه طبيب جاهل ... والآن فاحذر من أن يبدو منك ما يفتضح به أمرك، فإني أراك ~~شديد الاضطراب، وقد تمكن منك الرعب شأن من لا إرادة عنده ولا صبر له على المهام الجسام فهلا ~~تريد أن تغدو لوردا، وتتزوج مس إينا؟» # فاضطرب فؤاده عند ذكر خطيبة أخيه، وعادت إليه السكينة، فقال لأبيه: «قل ماذا تريد مني ~~الآن؟» # وأخرج السير جورج شمعة من جيبه، فدفعها ms2450 إليه قائلا: خذ هذه الشمعة ... ~~- ماذا تريد أن أصنع بها؟ ~~- أريد أن تضعها في شمعدان بدلا من الشمعة التي تكون فيه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تضعها في غرفة أخيك، وتسهر مع السير أرشيبالد وابنته في الغرفة، فإنهما سيقضيان الليل في ~~غرفته دون شك، فتضع هذه الشمعة فوق المستوقد وتضيئها. ~~- إني لم أفهم شيئا. ~~- لا حاجة الآن إلى أن تفهم. ثم ضحك، وقال: «سوف تعلم، فأودعك الآن على أمل اللقاء ~~القريب.» # 29 # كان ذلك اليوم هائلا في قصر اللورد باميلتون، فإن الحمى اشتدت على اللورد حتى أوشكت أن ~~تفتك به. # ثم تلاها انحطاط شديد فوهنت قواه وأطبقت عيناه. # وكانوا قد أرسلوا الرسائل البرقية إلى لندرا يستقدمون فيها أعظم أطبائها وأبعدهم شهرة، ~~وأوسعهم علما، ولكنهم كانوا يخشون أن لا يدرك الأطباء هذا العليل المنكود، لما رأوه من انحطاطه ~~وخطورة حاله. # وكان السير أرشيبالد وابنته قد أقاما في غرفة اللورد. # أما السير أرشيبالد فقد كان حزين النفس منقبض الصدر، ينظر إلى صهره نظر القانط من حياته، ~~فيتجهم جبينه، وتنطبع على وجهه علائم الكآبة والحزن الشديد. # وأما مس إينا فإنها كانت لا تنظر إلى وجه خطيبها حتى تصيح صيحة ذعر فتحمل رأسها بين يديها ~~وتذرف الدمع السخين، ثم تنقطع إلى الصلاة وتنذر النذور. # وأما السير أفندال، فقد كان يمثل دوره أتقن تمثيل فيتنهد ويشهق بالبكاء ويمتنع عن مناولة ~~الطعام، كأنما هذه النكبة قد أصابته حقيقة، وكأنما ليست يده الأثيمة التي دست لأخيه اللورد وليم ~~هذا السم! # ولقد أشفق عليه السير أرشيبالد لما رآه من دلائل يأسه، فأقبل يعزيه، وتعزت مس إينا بما رأته ~~من دلائل صدق إخائه، فعانقته وهي تناديه: «يا أخي العزيز.» # وفي المساء تغيرت حالة اللورد بعض التغيير، وزال عنه ذلك الذهول ففتح عينيه وتكلم بضع ~~كلمات، فعاد الرجاء إلى قلب مس إينا وحسبت أنه سيستفيق ويعود إلى الرشاد. # أما السير أفندال فقد قطب جبينه حين بدت هذه الدلائل من أخيه، فقال في نفسه: «إنه إذا عاد ~~إليه صوابه فلا أدري كيف يستطيع أبي ms2451 أن يفي بما وعد.» # وكأنما هذا التغيير الفجائي قد أحدث ارتياحا في نفس السير أفندال ورضي أن يأكل، وخرج مع ~~الفتاة وأبيها إلى قاعة الطعام. # ولكنه لم تمر به ساعة حتى بدأ يفهم قصد أبيه؛ ذلك أنه شم رائحة غريبة عبقت في تلك ~~الغرفة. # وقد شم السير أرشيبالد وابنته نفس تلك الرائحة ولكنهما حسبا أنها صادرة من جسم اللورد، فإن ~~لحم وجنتيه كان قد تناثر ولم يخرجا من تلك الغرفة التماسا للراحة، لتوهمهما أن ذلك دليل على ~~دنو ساعة اللورد، وأنه لا يجمل بهما تركه في مثل هذه الساعة. # أما السير أفندال فقد علم أنها رائحة الشمعة. ~~••• # ولم تطل مدة انبعاث هذه الرائحة فإن السير أفندال شعر بدوار في رأسه وبحاجة قوية إلى النوم ~~لا تقاوم. # على أنه قاوم ما استطاع حين رأى السير أرشيبالد والفتاة قد أغمضا عيونهما وكذلك خادم الغرفة ~~التي كان واقفا بجانب سرير العليل يعالجه بدواء الطبيب وأطبق هو عينيه بالرغم عنه. # وبعد ذلك بزمن وجيز شعر باهتزاز عنيف، ثم أحس ببرود في جسمه، ففتح عينيه واستفاق من ذلك ~~الإغفاء. # ولكنه لم يجد نفسه في غرفة أخيه اللورد وليم، بل كان في غرفته الخاصة وفي سريره ~~الخاص. # وقد وجد رجلا بالقرب منه، أما هذا الرجل فكان أباه. # وكان بيد السير جورج إسفنجة غمسها بالخل وجعل يدعك بها صدغي ولده حتى استفاق تمام ~~الاستفاقة. # ونظر إلى أبيه، وقال له: «أين أنا وما حدث؟» ~~- انهض من سريرك. # ونهض السير أفندال، ووثب من سريره إلى الأرض، وقد عاد إلى حالته الطبيعية، ولم يبق مصابا ~~إلا بدوار خفيف. # وعند ذلك قال له أبوه: «اتبعني.» # ثم فتح باب الغرفة المؤدي إلى المكتبة، التي تؤدي إلى غرفة اللورد وليم. # وكان السير جورج قد دخل إلى تلك الغرفة قبل ولده، وهو يبتسم ابتسام الهازئ، وتبعه ولده وهو ~~يمشي مشية المضطرب الخائف، وهو لا يعلم أيشفق على أخيه فيندم، أم يسترسل إلى الطمع بنتيجة فوزه ~~على أخيه. # ولما دخل إلى غرفة أخيه قال له ms2452 أبوه: «انظر.» # حتى نظر إلى أخيه، فرآه مسجى فوق سريره، وليس عليه شيء من دلائل الحياة. # فقال له أبوه: «هلم بنا نتحدث الآن، ولا خوف علينا فإن دوي المدافع لا يوقظ النائمين، وإن ~~طالت إقامتنا في هذه الغرفة تؤثر فينا رائحة الشمعة، وتفعل بنا فعلها بهم.» ~~- أرى أنك خدعتني، يا أبي؛ فإن أخي لا حراك به. ~~- كلا، بل هو نائم. ~~- ألا تخدعني؟ ~~- كلا، فادن منه وضع يدك فوق قلبه تشعر بدقاته. # فامتثل السير أفندال ودنا من أخيه غير هياب فاستوثق مما قاله له أبوه، وأيقن أن أخاه لا ~~يزال في قيد الحياة، ولكن يده كانت تضطرب اضطرابا قويا، فإن الجريمة تمثلت له حين لمس أخاه ~~فأثرت به أسوأ تأثير. # ثم نظر إلى أبيه بعد أن أدار ظهره كي لا يرى أخاه، وسأله: وبعد ذلك؟ ~~- انظر. # وأشار إلى زاوية في الغرفة ودله على جسم إنساني كان ممددا في تلك الزاوية ومغطى بقطعة ~~كبيرة من القماش. # فذعر السير أفندال، وسأل: «ما هذا؟» # فمشى السير جورج إلى هذا الجسم، وأزاح عنه الغطاء. # غير أن السير أفندال لم يلبث أن رأى ذاك الجسم حتى صاح صيحة رعب منكرة؛ فإنه رأى جثة ~~باردة. # وكانت جثة متورمة وقد كثر تشويه الوجه بحيث لم يعد يعرف كوجه اللورد وليم. # أما السير جورج فإنه قابل ذعر ولده بابتسام، وقال له: «إذا وضعت الآن هذه الجثة مكان أخيك ~~أيمكن التمييز بينهما؟» ~~- كلا، فإن التشويه واحد والتورم متشابه. ~~- إذا أنت ترى التشابه بين الاثنين؟ ~~- هذا أكيد، غير أن أحدهما ميت والآخر حي. ~~- إن هذا الرجل الذي تراه في الزاوية هو ذاك الملسوع الذي كانوا يحملونه على البغل. ~~- ولكنه مات؟ ~~- نعم ... ~~- أرأيت إذا أن سم تلك الحية قاتل؟ ~~- إنك منخدع، يا بني. ~~- كيف أكون منخدعا وأنت تقول إنه مات؟ ~~- لم يمت حتف أنفه، ولكنا قتلناه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إننا سقيناه سما فمات، والطبيب يحسب أنه مات بسم الأفعى. # وجعل السير أفندال ينظر نظرا مضطربا إلى الجثة وإلى أخيه. # فقال له أبوه: كفاك ms2453 تضطرب اضطراب الأطفال، وهلم إلى مساعدتي. # ثم دنا من سرير اللورد وليم فحمله من سريره ووضعه فوق مقعد، وعاد مع ولده إلى الجثة فحملاها ~~ووضعاها فوق سرير اللورد وليم. # وبعد أن وضع فوقها الغطاء، قال لولده: «يحب الآن أن تساعدني على إخراج أخيك من ~~القصر.» ~~- كيف ذلك؟ ~~- إننا سنحمله في البدء إلى غرفتك. ~~- إلى غرفتي؟ ~~- نعم ... فإن رجلين ينتظرانني تحت نافذة غرفتك، وقد وضعا سلما تصل إليها. ~~- من هما هذان الرجلان؟ ~~- القائد برسي والجندي جوهن. ~~- ولكن أخي نائم نوم تخدير، فإذا نقل إلى حيث تريد نقله فلا بد له أن يستفيق بعد ~~ذلك. ~~- إنه يستفيق دون شك. ~~- إذا ماذا تصنع؟ ~~- ألم أقل لك إنه سيغدو مجنونا عدة أسابيع من تأثير سم الأفعى. ~~- نعم ... # وضحك السير جورج، وقال: إنه في مدة هذه الأسابيع يصبح بعيدا بعدا شاسعا عن إنكلترا فمتى ~~عاد إلى صوابه يجد نفسه في أوستراليا. ~~- وأنا ما يكون من أمري؟ ~~- إنك تصبح لوردا؛ إذ لا وارث لأخيك إلاك، وهو ميت في عرف الناس. # ثم حمل ذلك اللورد المنكود على كتفه إلى غرفة السير أفندال وتبعه ولده إليها. ~~••• # أما الشمعة المخدرة في غرفة اللورد وليم فقد ذاب ثلاثة أرباعها، ولكنها كانت لا تزال ~~مضاءة. # 30 # ولما وصلا باللورد وليم إلى غرفة أفندال أطل السير جورج من النافذة ورأى الخائنين لا يزالان ~~في موقفهما. # فأشار إلى أحدهما أن يصعد على السلم، فصعد وألقى إليه اللورد وليم، وأعانه حتى بلغ به إلى ~~الحديقة. # وعند ذلك التفت إلى ولده، وقال له: «ينبغي الآن أن تعود إلى غرفة أخيك، وتجلس في المكان ~~الذي كنت جالسا فيه مع السير أرشيبالد وابنته فيؤثر فيك المخدر وتنام نومهما.» # ثم تركه ونزل من النافذة، فخرج باللورد وليم من الحديقة، وتوارى عن الأنظار. # أما السير أفندال فإنه بقي واقفا عند النافذة حتى احتجبوا عنه وأيقن أنهم ساروا بأخيه فعاد ~~إلى أخيه. # وقد رأى أن الشمعة لا تزال منيرة فجلس على الكرسي الذي كان جالسا عليه قبل أن يتخدر منذ ms2454 ~~بضع ساعات، وهو يقول في نفسه: «لست أبالي الآن بالتخدير، بل أود أن يطول زمن تخديري، فيستفيق ~~السير أرشيبالد وابنته قبلي.» # ولبث في موضعه وهو يعلل النفس بالأماني ويبسط فرش المستقبل ورائحة الشمعة تدخل من خياشيمه ~~إلى رئتيه وتفعل فعلها فيه. # وما زال يفتكر بأخيه وما عسى أن يكون من أمرهم حين يستفيقون ويجدونه ميتا. # وبلغ المخدر مبلغه منه فأطبق أجفانه ونام. # وبعد حين انطفأت الشمعة وأخذ هواء الغرفة ينقى تباعا. # فما مضى على ذلك ساعة حتى استفاق السير أرشيبالد، ولكنه كان لا يزال مشتت الحواس لا يستطيع ~~الوقوف. # وبعد جهد قوي تمكن من الوقوف، وجعل يمشي مشية السكارى، فلا يخطو خطوة حتى يقف. # ولم يكن يعلم ما أصابه، غير أنه شعر أنه يكاد يختنق وأنه محتاج إلى الهواء النقي. # فجر نفسه إلى النافذة ولم يتمكن من فتحها، فضرب زجاجها بيده فتحطم، ودخل الهواء النقي إلى ~~الغرفة. ووقف يتنشقه هنيهة حتى خف ما به، فالتفت ورأى ابنته والخادم قد استيقظا، ولم يبق ~~نائما غير السير أفندال. # وكان الفجر قد انبثق وملأ شعاعه الغرفة فنظرت مس إينا إلى ما حولها منذهلة حتى استقر نظرها ~~على يد باردة من تحت غطاء السرير. # فدنت منه وهي تحسب أن اليد يد خطيبها اللورد وليم وأخذتها بين يديها وهي تضطرب ~~لاصفرارها. # ولم تكد تلمسها حتى صاحت صيحة رعب منكرة لما شعرت به من برودتها، وقالت: «ويلاه! إنه ~~مات.» # فأسرع السير أرشيبالد ووضع يديه على قلبه، وقال: «إنه ميت، واأسفاه!» # أما السير أفندال فإنه صحا لصوت مس إينا، فأجال نظرا قلقا مضطربا وقال: «ماذا ~~جرى؟» # فأخذه السير أرشيبالد ووضع يده بين يديه، وقال: «صبرا، يا بني، إن أخاك مات ونحن ~~نيام.» ~~••• # وبعد ذلك وصل الطبيب، وأثبت وفاة اللورد مسموما، وعلل نوم أخيه والسير أرشيبالد وابنته، ~~بسبب تسمم هواء الغرفة، وعدم تجديده. # أما السير أفندال فإنه أظهر من الحزن ما لا تظهره أم فجعت بولدها فكان يضرب الجدار ~~برأسه ويحاول الانتحار، حتى انصرف جميع الخدم إلى مراقبته ms2455 لإشفاقهم عليه من الانتحار. # وفي مساء اليوم التالي خرج السير أفندال من القصر ماشيا إلى الخلاء، وهو مطرق الرأس كئيب ~~النفس، حتى وصل إلى قمة مشرفة على الطريق العام. # وهنا وقد استلفت نظره منظر غريب، وهو جماعة من الرجال مقيدون بسلاسل، وهم يسيرون مكرهين، ~~ودلائل اليأس بادية في وجوههم. # وكان يمشي في طليعتهم القائد برسي والجندي جوهن، ووراء الجماعة بغل عليه رجل مشوه الخلقة ~~مورم الجسم. # فرآه السير أفندال وارتعش ارتعاشا عظيما، حتى أوشك أن يسقط على الأرض؛ إذ عرف أن هذا ~~المنكود أخوه. # وعند ذلك دنا منه رجل فقير وكان قرب أولئك المجرمين، فقال له: «إن هؤلاء المجرمين تعساء، يا ~~سيدي الميلورد، ولكن أشدهم بؤسا ذلك الرجل المحمول على البغل.» # فألقى السير أفندال دينارا إلى ذلك الفقير ومشى هائما على وجهه لا يعلم أين يسير لما ~~أصابه من الاضطراب. # وفيما هو ينزل عن تلك القمة، سمع صوت رجل يناديه بلقب اللورد. # والتفت فرأى أن هذا الرجل أبوه وقد كان واقفا عند أسفل القمة يراقب سير المجرمين. # ووقف السير أفندال وهو مصفر الوجه منعقد اللسان فقد أثر به منظر أخيه تأثيرا عظيما حتى ~~أوشك أن يبوح بما جرى. # أما السير جورج فإنه وثب إليه، وقال: «لقد وفيت بوعدي، يا بني، فأنت اليوم لورد وستتزوج مس ~~إينا بعد ستة أشهر.» # ثم تركه وتوارى عن الأنظار مختفيا بين الأدغال. # ولقد صدق هذا الرجل الجهنمي الأثيم بما تنبأ به؛ فإن السير أفندال الذي بات الآن لوردا بعد ~~احتجاب أخيه، تمكن من الفوز بمراده من زواج مس إينا. # وذلك أن والد هذه الفتاة كان كثير الطمع بالجاه شديد التزلف من النبلاء، وقد رأى أن آماله ~~خابت بمصاهرة اللوردية بعد موت اللورد وليم فطمع بأخيه أفندال لا سيما وقد علم من ابنته أنه ~~يهواها. # غير أنه رأى أن ابنته لا تهواه، فما زال بها وهو يسهل لهما أسباب الاجتماع والاختلاء، ~~ويبالغ في مدح أفندال وإظهار حسناته، حتى رضيت به بعلا فخلعا ثياب الحداد وعقد زواجهما ms2456 فأدرك ~~هذا الأثيم ما كان يبتغيه. # وفي اليوم الذي دفن فيه ذلك الرجل المجرم الذي كان يعتقد الناس أنه اللورد وليم، عاد توما ~~من لندرا ولكنه عاد متأخرا ولو عاد قبل يوم لما تمكن السير جورج من فوزه بالدسيسة. # فبكى سيده بكاء شديدا واعتزل الخدمة من قصر باميلتون فإنه أنف من أن يخدم ابن ~~الجريمة. # أما السير أفندال فإنه بعد أن جاء بعروسه إلى قصره نزل إلى حديقة القصر لمقابلة أبيه؛ فقد ~~كان السير جورج سأله أن يوافيه إليها. # وكان نور القمر يتألق في السماء ويرسل أشعته إلى تلك الحديقة من خلال أوراق الشجر فيلقيها ~~على العشب كالدنانير. # فلما وصل اللورد أفندال إلى تلك الشجرة التي اتفق مع أبيه على الالتقاء عندها رأى أباه ~~ولكنه رآه مضطجعا على العشب. # وناداه باسمه. # ولكن السير جورج لم يجب النداء. # ودنا منه ولم يكد يصل إليه حتى صاح صيحة رعب. # ذلك أنه رأى أباه صريعا ورأى خنجرا مشكوكا في قلبه والدم يسيل من جرحه. # فأسرع إليه، وانتزع الخنجر من قلبه ونظر فيه فرأى خنجر الصيد الذي كان يتقلده توما زوج ~~بيتزي. # 31 # ولنعد الآن إلى توما فإنه في اليوم الذي تزوج فيه اللورد أفندال مس إينا خطيبة أخيه، أنف ~~الإقامة في ذلك القصر قصر الإثم والجريمة فاستقال من خدمته. # وقد عرف القراء أن اللورد وليم كان قد أرسله إلى لندرا لقبض ما كان لديه من المال النقدي في ~~مصارفها. # فلما عاد وعرف ما أصاب مولاه بكاه وهو يعتقد أنه مات حقيقة؛ إذ لم تخطر له هذه الجريمة ~~الهائلة في بال. # وكان السير أفندال يمثل الكآبة خير تمثيل، فلم يجد توما أقل سبيل للشك به. # غير أنه اتفق له مرة قبل سفره إلى لندرا ببضعة أيام أنه رأى رجلا يسير بين أشجار ~~الحديقة. # وكان توما واقفا عند النافذة والقمر يسطع في السماء، فرأى توما الرجل وعرف أنه نظام، أي ~~الفقير الهندي الذي كان قد طرده من القصر حين جاء إليه مع الطبيب يوم وفاة ms2457 أم اللورد. # وقد كان يكره هذا الرجل كرها قويا لاعتقاده أنه كان السبب في وفاة أخته بالرضاع، ولأنه ~~كان يتبين دلائل الخبث والشر من عينيه. # فلما رآه ينسل بين أشجار الحديقة أنكر وجوده فيها كل الإنكار، وهم بالنزول إليه وطرده ~~أقبح طرد. # ولكنه رأى على نور ضوء القمر رجلا خرج من باب القصر وعرف أن هذا الرجل هو السير ~~أفندال. # فراقبه ورآه قد لحق الهندي وانضم إليه. # وقد ذعر واشمأز حين رأى السير أفندال قد تأبط ذراع الفقير الهندي ومشى وإياه دون كلفة على ~~ما بينهما من التباين في المقام. # واتسع مجال الشك لدى توما، وأيقن أن الاثنين شريكان في الجريمة. # ثم خطر في ذهنه أن هذا الرجل هندي، وأنه هو الذي أحضر الحية الهندية الزرقاء. # واستنتج من ذلك أن السير أفندال قد قتل أخاه طمعا بثروته ولقبه كما حاول أبوه من قبل أن ~~يفعل بأخيه؛ لأن الحية لا تلد إلا الحية. # ومن ذلك الحين، جعل يراقب الهندي مراقبة الجواسيس، ولازمه لزوم الظل. # وقد كان توما واثقا من أن اللورد وليم قد مات قتيلا، وأن الاثنين شريكان بالجريمة. # غير أنه كان يعوزه البرهان كي ينتقم للورد وليم انتقاما هائلا، ترتعد له الفرائص. # ولم يكن يخطر له في بال أن هذا الفقير الهندي والسير جورج واحد، بل كان يعتقد أنه رجل أثيم ~~سافل، وأن السير أفندال قد استخدمه لأغراضه الدنيئة. # وما زال يراقب الاثنين مراقبة اليقظ، حتى رأى السير أفندال يسير ليلة لموافاة الهندي فتبعه ~~حتى رآه دخل إلى الغابة واختلى فيها بالفقير الهندي الذي كان ينتظر بين الأشجار. # وكان الظلام كثيفا فاختبأ توما بين الأدغال وراء الشجرة التي كانا جالسين عندها وسمع حديث ~~هذين الأثيمين. # وبعد انصرافهما، خرج توما من الأدغال، والعرق البارد ينصب من جبينه. # إذ علم الآن أن هذا الرجل المتنكر بأزياء الهنود لم يكن إلا والد السير أفندال؛ أي السير ~~جورج باميلتون. # وقد علم توما أن السير جورج الذي أذاعت الجرائد خبر وفاته، منذ خمسة عشر عاما، ms2458 لا يزال في ~~قيد الحياة. # وعلم أن السير أفندال وأباه قد اشتركا بالجريمة. # غير أن الذي بقي مشكلا عليه من هذه الخفايا مما سمعه من حديثهما أن اللورد وليم لا يزال ~~حيا. # وكان يقول في نفسه: «كيف أنه لم يمت؟ وإذا كان لم يمت، فكيف دفنوه؟ وإذا كانوا دفنوا سواه ~~بدلا منه، فمن هذا الشخص المدفون؟ وأين هو اللورد؟» # كل هذه الألغاز كانت تجول في ضميره فلا يهتدي من حلها إلى مراد، ولا يزيده إشكالها إلا ~~حقدا على هذين الأثيمين. # ففي اليوم الذي تزوج فيه السير أفندال مس إينا، اعتزل توما وامرأته بيتزي خدمة القصر، ~~وسافرا في رائعة النهار، إلى المحطة التي تسير منها القطارات إلى لندرا. # ورآهما الخدم وصلا إلى المحطة بأمتعتهما، ووثق السير أفندال كل الوثوق من سفرهما. # غير أن توما سافر بالقطار إلى أول محطة فنزل فيها وترك امرأته تواصل السير إلى ~~لندرا. # واختبأ في تلك المحطة إلى الليل، ثم عاد إلى قرية باميلتون دون أن يعلم بعودته أحد. # وما زال يراقب السير جورج حتى رآه ليلة دخل إلى حديقة القصر. # فاقتفى أثره على مسافة بعيدة فرآه جلس عند جزع الشجرة التي كان يتسلقها إلى غرفة ولده ~~واضطجع فوق العشب. # وكانت الأنوار لا تزال تتألق في القصر، وكان السير جورج ينظر إليها ويتوقع انطفاءها بفارغ ~~الصبر. # وفيما هو على ذلك رأى رجلا وثب إليه وثبة النمر. # وكان هذا الرجل توما. # فإنه انقض عليه وقبض على عنقه وكان مشهرا خنجرا، في حين أن السير جورج لم يكن لديه ~~سلاح. # فذعر السير جورج ذعرا قويا وحاول أن يصيح مستنجدا. غير أن توما ضغط على عنقه حتى ~~كاد يخنقه، وقال له: إذا فهت بكلمة أغمدت هذا الخنجر في قلبك. # فخاف السير جورج إنفاذ وعيده، وقال له بصوت منخفض: «ماذا تريد مني؟» ~~- أن أقول لك إني أعرف كل شيء؛ فما أنت نظام وما أنت من فقراء الهنود، بل أنت السير جورج ~~باميلتون. # فأن السير جورج أنين الموجع، وقال: «أعرفتني؟» ~~- نعم، وعرفت ms2459 أنك قتلت اللورد وليم. ~~- كلا. ~~- أيها الشقي أتجسر على إنكار الجريمة؟! ~~- إني لا أنكر فقد قلت الحقيقة، ولم أقتل اللورد وليم. ~~- ولكنك أنت الذي جئت بالحية الزرقاء؟ ~~- نعم. ~~- وأنت الذي وضعتها في فراش اللورد؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذا كنت تقر هذا الإقرار، فكيف تجسر بعد ذلك على إنكار الجريمة؟ ~~- قلت لك إني لم أقتل اللورد وليم. ~~- وأنا أقول لك إنك نذل خائن سفاك أثيم. ~~- إن اللورد وليم لم يمت، ولكنك متى عرفت ما صار إليه تتمنى لو كان في مصاف الأموات. # فوضع توما ركبته فوق صدر السير جورج ووضع رأس خنجره فوق عنقه، وقال له: أتبوح أيها الأثيم ~~بكل شيء أم تؤثر الموت؟ ~~- أتريد أن تعلم كل شيء؟ ~~- دون شك. ~~- وإذا قلت لك ما جرى للورد وليم أتعفو عني؟ ~~- كلا؛ إنك لا تستحق الحياة. ~~- إذا، أخبرك بما صار إليه، ويكون هذا آخر انتقامي. # ثم ظهرت عليه علائم الانتقام الوحشي وخرج الزبد من شدقيه، فأخبر توما كيف أنه قتل أحد ~~المجرمين المحكوم عليه بالنفي إلى أوستراليا ووضعه في فراش اللورد وليم. # ثم أتم حكايته وضحك ضحك الأبالسة، وقال له: «لم يبق لك فائدة من علمك أن اللورد وليم في ~~قيد الحياة؛ لأنك لن تلقاه.» # إن اللورد وليم سافر مع المجرمين باسم ذلك المجرم الذي قتلته ووضعته في فراشه، فحسب الناس ~~أنه مات. ~~- ما اسم هذا المجرم؟ ~~- لن تعرفه. ~~- قل ماذا يدعى أو قتلتك؟ ~~- كلا. # وكان السير جورج يحاول الإطالة في الحديث راجيا أن يوافيه ولده السير أفندال وينقذه مما هو ~~فيه. # غير أن توما أدرك قصده، فقال له: «قل أو أنت من الهالكين.» ~~- كلا، كلا، لا أريد. ~~- إذا، مت أيها الفاجر الأثيم. # ثم طعنه بخنجره طعنة نجلاء فأغمده في قلبه، فمات هذا الشقي دون أن يسمع له صوت. # وعند ذلك نهض توما عنه وهو يقول في نفسه: «إني لا أدري أي اسم دعي به هذا اللورد ~~المنكود. # ولكني لا أبالي، وإن الأرض واسعة، ولكن الله يعينني على إيجاده.» # ثم ترك الخنجر مغمدا ms2460 في قلب السير جورج، وأركن إلى الفرار. # 32 # وسار توما منذ ذلك اليوم مستطلعا باحثا عن مولاه اللورد وليم بل ربيبه بل ابن أخته ~~بالرضاع. # وإن الأرض متسعة فلا أصعب من البحث فيها عن رجل لا يعرف اسمه بل إن إيجاده يعد ضربا من ~~المحال. # غير أن توما كان يحب اللورد وليم حب عبادة، فجعل يبحث عنه غير مكترث لهذه الصعاب. # وكان أول ما بدأ به أنه سافر إلى امرأته في لندرا، فأخبرها بما علمه من السير جورج. # وكانت امرأته بيتزي ذكية الفؤاد بالغة الإخلاص، فأصغت إلى كلامه بملء الاهتمام، حتى إذا ~~أتم حكايته، قالت له: «إنه يجب قبل كل شيء أن تعرف أمرين.» ~~- ما هما؟ ~~- أولا معرفة اسم القائد الذي يقود المجرمين. ~~- والثاني؟ ~~- من أي مدينة إيكوسية جاءوا بذلك المجرم الذي دفن الآن في تربة أسرة باميلتون بدلا من ~~اللورد وليم؟ ~~- لقد أصبت وسأسلك هذا السبيل. # وكان توما يعرف كثيرين من لندرا، وله صحبة مع بوليس سري شهير كان رئيس بوليس لندرا يعهد ~~إليه بأعظم المهمات الخطيرة. # فذهب إليه وباح له بسر اللورد وليم. # وكان توما يعلم أن البوليس الإنكليزي لا يخدم مثل هذه الخدمات مجانا، فنفحه ثلاثمائة ~~جنيه. # أما البوليس فإنه قبض المال شاكرا وسأله أن يمهله ثمانية أيام. # وبعد ثمانية أيام، أرسل هذا البوليس الحاذق إلى توما، هذه المذكرة، وهي: # إن ضابطا يقود المجرمين إلى منفاهم مر بهم، منذ سبعة أشهر، بقرية باميلتون. # وهو يدعى برسي، وقد ذهب بهم إلى ليفربول. والمرجح أنه سافر معهم. # فسار توما لفوره بالسكة الحديدية إلى ليفربول. # وهناك بحث في سجلات البحرية فوجد حقيقة اسم برسي على ما وصفه له البوليس السري. # ثم علم من ذلك السجل، أن برسي قد سافر مع المجرمين المنفيين إلى زيلندا الجديدة. # فتردد توما في أمره بين أن يسافر في الحال إلى زيلندا وبين أن يبحث قبلا عن اسم المجرم ~~الذي دعي به اللورد وليم. # إلى أن استقر رأيه على ضرورة معرفة ذلك الاسم فسار إلى إيكوسيا. ms2461 # وكان أول مسيره إلى ومبورج ثم إلى غلاسكو فكان يستقصي في طريقه ويبحث أدق الأبحاث. # إلى أن وصل إلى تلك المدينة الصغيرة التي تسمى بيرت واختلط مع أهلها وباحثهم عن الجرائم، ~~فقصوا عليه هذه الحكاية الغريبة وهي: # إن رجلا يدعى ولتر بريس حكم عليه بالنفي خمسة أعوام لكثرة سرقاته. # وقد كان مسجونا في سجن بيرت وهو على أتم ما يكون من العافية. # وبينما هو نائم في سجنه استيقظ مرعوبا، وجعل يصيح صياحا هائلا. # فأسرع السجان إليه فلقيه قد جن، وأن وجهه قد تورم واسود. # فلما سمع توما هذه الحكاية رأى أن تورم هذا المجرم واسوداد بشرته ينطبق كل الانطباق على ما ~~كان عليه اللورد بعد أن لدغته الأفعى. # وخطر له أنه نفس المجرم الذي دفن باسم اللورد وليم، ولكنه أراد أن يستوثق فسأل من كان ~~يحدثه عن مصير هذا الرجل. # فقال له: «إنه نقل إلى المستشفى ، وبقي فيه حتى مرت قافلة المجرمين، فأخذوه بالرغم من علته ~~واستفحال دائه.» # فسأل عن تاريخ هذه الحادثة فعلم أن القافلة سافرت من بيرت إلى قرية باميلتون قبل أن يذاع ~~موت اللورد وليم بخمسة أيام. # وهنا أيقن توما أن اللورد وليم يدعى ولتر بريس. # ولكنه بقي عليه أن يجد ولتر بريس؛ فلم ير بدا من العودة إلى لندرا. # ولم يكن توما غنيا؛ إذ لم يكن لديه غير بضع مئات من الجنيهات كان اقتصدها طيلة خدمته في ~~قصر باميلتون من رواتبه. # فلما أخبر امرأته بعزمه على السفر إلى زيلندا الجديدة، للبحث عن مولاه اللورد المنكود قالت ~~له: «خذ كل ما لدينا من المال، فإني أشتغل وأكفي نفسي، ولا تبق لي شيئا؛ فإني أشتغل وأعيش، ~~وأنت أحوج مني إلى المال في اغترابك.» # وبعد ذلك بثمانية أيام سافر توما إلى زيلندا الجديدة. # وكان جميع ما أخذ معه من المال ألفا ومائتي جنيه، جعلها أوراقا مالية ووضعها في منطقة من ~~جلد، فتمنطق بها حذرا عليها من السرقة أو الضياع. # وكان قد سافر في سفينة شراعية، فوافق الهواء سير السفينة ms2462 في الشهر الأول من سفرها، واجتازت ~~الجهة الغربية من أميركا، ودخلت في الأوقيانوس الباسيفيكي. # ولكنها صدمت صخرا بعد ذلك بأسبوع في ليلة مظلمة فغرقت. # وكان الربان والبحارة بذلوا مجهودهم في سبيل إنقاذها فلم يفلحوا، فلما قنط الربان من ~~إنقاذها صرف همه إلى إنقاذ المسافرين فأنزل القوارب إلى البحر وازدحم فيها الركاب والنوتية ~~بعضهم فوق بعض. # وقد لقي توما في هذه الرحلة أخطارا هائلة. # وإنه أقام في ذلك القارب ثمانية عشر يوما تائها في البحر مع رفاقه لا يدرون أين ~~يسيرون. # ثم نفد الزاد من عندهم وقاسوا آلاما هائلة من الجوع. # على أنهم رأوا البر بعد اليوم العشرين وبعد أن كاد يفتك بهم الجوع فصاحوا جميعهم صياح الفرح ~~والاستبشار. # وقد حسب أولئك المنكودون أنهم نجوا، غير أنهم وقعوا في بلاء لا يذكر معه بلاء الغرق ~~والجوع. # ذلك أن هذا البر الذي رأوه، وحسبوا أن النجاة فيه، إنما كان جزيرة يسكنها المتوحشون من أكلة ~~البشر، ووجدوا أولئك المنكودين طعاما مريا! # غير أن توما كان أسعدهم حظا فإنه كان هزيل الجسم فرأى أولئك المتوحشون أن يصبروا عليه إلى ~~أن يسمن فيأكلوه خلافا لرفاقه؛ فإنهم لم يبقوا على أحد منهم وأكلوهم أكل الخرفان. # وقد أقام في تلك الجزيرة المتوحشة الهائلة خمسة أعوام، ينتظر أهلها أن يسمن فيأكلوه، وهو لا ~~يزيد إلا نحولا كل يوم أملا أن تمر سفينة بهذه الجزيرة فيفر عليها. # إلى أن اتفق يوما مرور سفينة إنكليزية بمياه تلك الجزيرة فأسرع إليها أولئك المتوحشون لبيع ~~أثمارهم حسب عادتهم. # وهناك أخبروا بحارتها أن لديهم رجلا من البيض أمثالهم. # فأشفق الربان عليه، لما كان يعلم من عادات أولئك الهمج بأكل لحوم البشر. فأرسل بعض رجاله ~~لإنقاذه فأنقذوه، وجاءوا به إلى تلك السفينة. # وكانت السفينة مسافرة إلى زيلندا الجديدة. فكان حظ توما مزدوجا بنجاته من أنياب المتوحشين ~~وباتفاق سفر السفينة إلى زيلندا حيث كان يرجو أن يلاقي اللورد وليم. # وكان المتوحشون قد تركوا له أمواله لعدم اهتدائهم إليها في منطقته فتشجع لهذا الاتفاق وشكر ~~الله ms2463 لسلامته وسلامة أمواله وعد ذلك فألا حسنا فاستبشر بلقاء مولاه. # وبعد ذلك بشهر وصلت السفينة إلى زيلندا، وكان توما قد أصبح لضعفه مثل الخيال. # وكان أول ما فعله أنه كتب لامرأته يطمئنها عنه، ثم أخذ يبحث عن اللورد وليم بل عن ولتر بريس ~~الذي سموه باسمه. # وطال بحثه عدة أيام وهو لا يظفر بشيء من مراده إلى أن علم بعد البحث الطويل أن نحو مائة من ~~المجرمين المنفيين سافروا إلى أوستراليا ولكنه لم يعلم إذا كان ولتر بريس بينهم. # غير أنه لا بد له من السفر، فسافر في اليوم التالي إلى ملبورن عاصمة أوستراليا بل إحدى ~~عاصمتيها. # وهناك بدأ أبحاثه، فكان يتردد على الحانات، ويسأل كل من يجده فيها من البحارة، فلم يجد ~~بينهم من يخبره عن ولتر بريس. # غير أنه لم يقنط بعد هذا الفشل، بل برح العاصمة الأولى إلى العاصمة الثانية، وهي ~~سدني. # فنزل في فندق حقير من فنادقها التماسا للاقتصاد في النفقة، وهناك عرف رجلا ألمانيا ~~يدعى فونتر هوسر. # وقد كان هذا الرجل فقيرا معدما، فسأل توما أن يساعده بشيء من المال، ثم قص عليه حكايته، ~~وهي أنه قضي عليه ظلما بالنفي إلى زيلندا الجديدة منذ ثمانية أعوام، وأنه يقاسي أشد العناء ~~لما يلقاه من العسر، وضيق سبل الرزق. # فأعطاه توما شيئا من النفقة، وقال له: «أكان لك اختلاط بالمنفيين من الإنكليز؟» ~~- نعم، ولي صحبة مع أكثرهم. ~~- أعرفت رجلا بينهم يدعى ولتر بريس؟ ~~- نعم، ويا طالما ضحكنا منه! فقد كنا نلقبه بالميلورد. # فصاح توما صيحة سرور وأخذ يد فونتر بين يديه، وقال بلهف: «بالله امض في حديثك، وقل لي كل ~~ما تعلمه عن هذا الرجل.» # 33 # فنظر إليه فونتر نظرة المنذهل، وقال: نعم، عرفت رجلا يدعى بهذا الاسم، بل إنهم دعوه ~~به. ~~- إنه كان ينكره كل الإنكار، أليس كذلك؟ ~~- نعم، ولكن الغريب في أمره أنه كان يدعي بالنسب الرفيع والثروة الطائلة، بل كان يقول إنه ~~لورد من أعضاء المجلس الأعلى، ولهذا كنا نلقبه بميلورد مجازاة له على ms2464 ما علمناه بأنه من ~~المجرمين. ~~- إنكم لا تعلمون شيئا، وحاشاه أن يكون من أهل الإثم. # ونظر فونتر نظرة السائل المستغرب. # أما توما فإنه مضى في حديثه، فقال: «إن هذا الذي كنتم تدعونه ولتر بريس هو لورد حقيقة، فقل ~~لي الآن أين اجتمعت به وكيف عرفته.» ~~- إنهم استعبدونا سوية مدة أربعة أعوام. ~~- أين كان ذلك؟ ~~- في زيلندا الجديدة كما قلت لك. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- افترقنا فلم أعد أراه. ~~- كيف افترقتم؟ ولماذا؟ ~~- أما أنا فلأن مدة عقابي قد انتهت، فأطلقوا سراحي وخيروني بين أن أعود إلى أوروبا وبين أن ~~أحضر إلى هنا. ~~- وولتر بريس؟ ~~- إن مدى عقابه ينبغي أن تكون قد انتهت أيضا. ~~- إذا، إنه عاد إلى أوروبا؟ ~~- لا أظن. # فاضطرب توما، وقال: «كيف ذلك؟» ~~- إني لا أضمن حقائق التعليمات التي سألقيها إليك، ومع ذلك فأصغ إلى ما سأرويه ... # فجعل قلب توما يخفق خفوق أجنحة الطائر، وقال: «تكلم ...» ~~- إن المجرمين الذين يحكم عليهم بالنفي إلى هذه البلاد لا يعود منهم عادة إلى أوروبا غير ~~نفر قليل، وأما معظمهم فإنهم يؤثرون البقاء في أستراليا. # وهم يشتغلون أشغالا مختلفة فيها بعضم يرعى المواشي، وبعضم يشتغل في المناجم، وقد اتفق ~~لكثير منهم أنهم نالوا ثروة عظيمة من هذه البلاد. # أما أنا فقد كنت منذ ستة أشهر في ملبورن وكان اليوم خاصا ببيع البهائم في سوقها ~~الخاص. # فكانت الثيران والخرفان والماعز ترد ألوفا إلى السوق، ومعها أصحابها وكثير من ~~الرعاة. # وأذكر أني رأيت في ذلك اليوم رجلا يشبه ولتر بريس في الغابة مع الرعاة، فأسرعت إليه كي ~~أحدثه، ولكن الازدحام كان شديدا فلم أعثر به، ولم أتمكن بعد ذلك من لقياه. # فقال له توما: هب أن هذا الرجل الذي رأيته كان ولتر بريس بعينه، فماذا تستنتج من ~~ذلك؟ ~~- أستنتج أنه استخدم راعيا عند أحد أصحاب المواشي. ~~- في أوستراليا؟ ~~- دون شك. ~~- ولكن، أوستراليا عظيمة تشبه القارة باتساعها، ففي أي قسم منها تحسب أن يكون؟ ~~- هو ذاك، غير أن ملبورن لا ترد إليه الماشية إلا من الأقاليم الغربية. ~~- حسنا ms2465 فسأبحث عنه في هذه الأقاليم، فإن قلبي يحدثني أني سأجده. ~~- ألعله كان صديقك؟ ~~- كلا، بل كان سيدي ومولاي. ~~- كيف ذلك؟ أكان هذا الرجل حقيقة من الأسياد؟! ~~- لقد قلت إنه لورد نبيل. ~~- أيمكن أن يحكم على اللوردية هذه الأحكام، وأن تبدل أسماؤهم هذا التبديل؟ ~~- إن لذلك حديثا طويلا لا يمكن أن أرويه لك اليوم. ~~- متى تقصه علي؟ ~~- بعد أن أقترح عليك اقتراحا وأرى رأيك فيه. ~~- قل ما تريد؟ ~~- إنك فقير معدم، أليس كذلك؟ ~~- بل إني أكاد أموت من الجوع. ~~- ولذلك أظن أنك لا تأنف من كسب عشرة جنيهات في الشهر. # فاتقدت عينا فونتر ببارق من السرور، وقال: عشرة جنيهات؟! ~~- نعم. ~~- وماذا يجب أن أصنع لأكسبها؟ ~~- تصحبني أين سرت وتشترك معي بالتفتيش عن ولتر بريس، أي لورد وليم. ~~- إني أرضى بذلك كل الرضى؛ فإني أحببت هذا الرجل لصفاء قلبه، وفوق ذلك فإني محتاج إلى هذا ~~الكسب. ~~- إني لا أقتصر على منحك هذا الراتب؛ فإن وجدنا اللورد كان لك خير مكافأة تعيش بها سعيدا ~~بقية أيامك. ~~- إن كان ذلك فإني أسير معك حيث تشاء. # وفي اليوم التالي سار توما وفونتر إلى سيدني ليذهب منها إلى ملبورن. # وكان موعد سوق الماشية قريبا، فقررا أن ينتظراه على رجاء أن يظفرا باللورد بين الرعاة. غير ~~أن توما لم يكتف بالانتظار، بل جعل يتفقد جميع الفنادق والحانات ويسير في جميع الشوارع والأزقة ~~باحثا عن ولتر بريس فلا يعثر به ولا بمن وقف على أثره. # وكان الاثنان يبحثان عنه وكل منهما قد سار في قسم من المدينة، وكان فونتر أسعد حظا من ~~توما في أبحاثه؛ وذلك أنه رأى راعيا كان يعرف ولتر بريس. # فأسرع إليه وسأله عنه؛ فقال له: إن السعادة قد تفاجئ المرء من حيث لا يدري. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن ولتر بريس أحد هؤلاء السعداء. # وكان توما واقفا مع فونتر يسمع الحديث، فكان قلبه يخفق خفوقا عظيما، ولكنه لم يفه بحرف، ~~أما فونتر فإنه قال للراعي: إذا قد أصبح ولتر بريس من السعداء. ~~- بل من أسعدهم. ms2466 ~~- وأين هو الآن؟ ~~- على بعد مرحلة من هذا المكان في الشمال الغربي. ~~- أرأيته؟ ~~- منذ ستة أشهر ... ~~- ماذا يعمل؟ ~~- إنه عندما عاد من زيلندا الجديدة، كان راعيا مثلي، وأما الآن فهو من أعظم تجار ~~المواشي. ~~- كيف حصلت له هذه الثروة؟ ~~- إن ابنة تاجر المواشي الذي كان راعيا عنده أحبته فتزوجها وهي وحيدة، فلم يمض بضعة أشهر ~~على هذا الزواج حتى توفي أبوها فورث ولتر بريس ثروته ومواشيه. ~~- أتستطيع أن ترشدنا إلى المكان الذي يقيم فيه ولتر بريس بالتدقيق؟ ~~- بل أفعل خيرا من ذلك؛ فإنه قريب منا وسأرافقك إليه. ~~- متى؟ ~~- متى شئت، فإني الآن قد بعت جميع المواشي التي أتيت بها من قريتي في السوق، ولم يبق لي ما ~~أعمله في هذه المدينة. ~~- إذا نسافر غدا؟ ~~- كما تريد. # أما توما فقد كان سروره لا يوصف؛ فشكر الراعي شكرا عظيما، وافترق عنه على أمل اللقاء ~~غدا. # وفي اليوم التالي التقى فرنتر وتوما بالراعي وسافروا. # وقد كان سفرهما شديد البطء لوعورة المسالك في تلك البلاد، ولأن المركبات تجرها ~~الثيران. # وكانت المسافة بين المدينة وبين مركز اللورد وليم مائة مرحلة ينبغي لاجتيازها ثمانية أيام؛ ~~فوصلوا في اليوم السابع - بعد ذاك السير الشاق - إلى مركز الراعي، وبات عنده تلك الليلة ~~واستراحا من عناء السفر. # وفي صباح اليوم التالي سافروا جميعهم عند الفجر. # وبعد أن ساروا أربع ساعات قال لهم الراعي: إن المسافة لا تزال شاسعة بيننا وبين منزل ولتر ~~بريس، ولكننا نمشي الآن في مراعي مواشيه، فإن جميع هذه الأراضي المتسعة له. # فأجفل توما لهذا الخبر، وعجب؛ كيف أنه لم يعد إلى إنكلترا ويعاقب الأثمة، لقد كان يحسب في ~~البدء أن الفقر يمنعه من السفر أو الحكم عليه بالنفي. # أما وقد انتهت مدة عقابه ولم يعد يعوزه المال؛ فلا بد أن يكون هناك مانع عظيم يحول دون سفره ~~إلى مسقط رأسه. # ومن ذلك الحين زاد اضطرابه وهواجسه وطلب إلى رفيقيه أن يسرعا في المسير، فقد نفدت جعبة صبره ~~وأكبر هذه المعميات. # وما زالوا سائرين حتى توسطت ms2467 الشمس في قبة الفلك، فرأى توما منزلا أبيض جميلا قائما بين ~~غابة كثيفة من الأشجار الباسقة. # فقال له الراعي: إن هذا المنزل منزل ولتر بريس. # فسالت دموع توما من الحنو، وقال في نفسه: ترى أيعود معي إلى أوروبا؟ # ثم واصل السير إلى ذلك المنزل ورجلاه تضطربان من فرط تأثيره وهو يبكي بكاء الأطفال، فإنه قد ~~ربى اللورد وليم حتى بات لديه كأبنائه. # وزاده ولعا به وإشفاقا عليه نفوذ هذه الجريمة فيه، وإرساله إلى أقاصي الأرض في عداد ~~المجرمين وهو أطهر الناس قلبا وأسلمهم نية، واشتغاله في حرث الأرض ورعي المواشي، وهو ربيب ~~النعمة وابن الرخاء، وسليل النبلاء، بل هو الذي كان إن لمس الحرير يدمي بنانه. # فبات يحمل المعول في تلك اليد بعد أن كان يحمل بها عصا اللوردية وهي أولى بحمل ~~الصولجان. # 34 # كان هذا المنزل الأبيض جميل الرونق لطيف المنظر، يشبه وهو بين الغابات حمامة بيضاء مستترة ~~بين الأوراق. # وقد وجدوا عند مدخله إسطبلات وزرائب محاطة جميعها بسور ناصع البياض. # أما هذا المنزل؛ فقد كان في وسط حديقة غناء باسقة الأشجار وهي محيطة به كالنطاق. # ودخل توما ورفيقاه إلى الفناء الخارجي، واستقبلهم خادم زنجي يدعى بافان. # وكان الراعي يعرفه معرفة جيدة فقال له بعد التحية والسلام: إن هذين الرجلين من أصدقائي، وقد ~~أتينا لزيارة المستر بريس. # فرحب الزنجي بهم وقال لهم: إن المستر بريس ليس في منزله الآن. # فاصفر وجه توما وخشي أن يكون مسافرا. # وقال له الراعي: أين هو ألعله مسافر؟ ~~- كلا، ولكنه ذهب لتفقد بعض قطعانه في مسافة لا تبعد أكثر من ميل. ~~- ألعله يعود قريبا؟ ~~- دون شك. # وسأله توما: أيؤذن لنا بانتظاره في هذا الفناء؟ ~~- بل في المنزل؛ فإن امرأته فيه فهلموا واتبعوني. # وتردد توما في البدء، ولكنه تبعه بعد إلحاحه. # وكان باب المنزل الكبير مفتوحا، فرأى توما حوالي هذا الباب حديقة خاصة بالزهر تتصل الأزهار ~~منها إلى سلم المنزل وتتصاعد عليه حتى تبلغ غرفه. # ولما صعدوا السلم فتح الباب وظهرت منه امرأة صبية تحمل ms2468 على صدرها طفلا صغيرا كانت ترضعه، ~~ووراءها فتاة في الرابعة من عمرها، نظرت إلى الزائرين نظرة المنذهل إذ لم تكن رأتهم قبل هذه ~~المرة. # أما المرأة فكانت زوجة ولتر بريس أو اللورد وليم. # وانحنى الراعي أمامها وحياها بكل احترام. # وقالت له: ما جاء بك يا طوبيا؟ ألعلك تريد مقابلة المستر ولتر؟ # وكانت تكلمه وتنظر إلى توما وفونتر، كأنها تسأله بعينيها عن هذين الرجلين. # وأشار الراعي إلى توما وقال لها: هو ذا يا سيدتي رجل نبيل عاشر زوجك منذ عهد بعيد وهو من ~~خير أصدقائه. # فارتعشت المرأة وقالت له: أين عرفه؟ # فأجابها توما: إني عرفته في إنكلترا يا سيدتي. # وزاد اضطرب المرأة وقالت: ماذا؟ أفي إنكلترا؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- أفي قرية برت؟ ~~- كلا، بل في باميلتون. # وكان توما يكلمها بصوت يتهدج. # وسألته: من أنت يا سيدي؟ ~~- إني أدعى توما. # وانذهلت المرأة انذهالا شديدا وقالت: أنت تدعى توما؟! ~~- نعم يا سيدتي، ولم هذا الانذهال؟ إني أدعى توما، وقد رأيت أن اسمي قد أثر عليك، فهل زوجك ~~يحدثك عني؟! ~~- بل يحدثني كل يوم. # وفيما هي تكلمه سمعوا وقع حوافر جواد في الفناء الخارجي، فقالت: هو ذا زوجي قد حضر. # وأسرع توما وقد زاد به الاضطراب حتى وهت رجلاه وأوشك أن يقع؛ فجعل الراعي يعينه على ~~المشي. # أما ولتر بريس فقد كان شابا يبلغ السابعة والعشرين من العمر، وهو أبيض الوجه غير أن الشمس ~~لوحته فبات أميل إلى السمرة. # ولم يكن باقيا في وجهه شيء من التشويه وتلك الندوب التي أصيب بها بعد أن لسعته الحية ~~الزرقاء. # ولما رأى توما مقبلا لاستقباله، والحنو يسيل من عينيه، نظر إليه نظرة إنكار، ولم يعرفه في ~~البدء، فإن شعوره قد ابيضت، واخترم الهم جسمه، وغير هيأته. # ثم ترجل عن جواده وقال لامرأته: من هذا الرجل؟ # وبكى توما قائلا له: ألم تعرفني إلى الآن يا سيدي؟ # وعرفه من صوته وقال له بلهجة المضطرب: أنت توما؟ ~~- نعم يا سيدي اللورد، وقد صدق حديث قلبي لأني كنت أعتقد أني لا ms2469 بد لي أن أجدك. # وعانقه اللورد وليم عناقا طويلا وكلاهما يذرف الدموع. # ثم نظر اللورد إلى فرنتر والراعي وابتسم ابتسامة حزن وقال لهما: ألم أقل لكما إني من ~~اللوردية فهل صدقتم ورأيتم بأعينكم؟ # ثم قال لامرأته: اذهبي أيتها العزيزة بهذين الضيفين إلى قاعة الطعام، أما أنا فإني أحب ~~الاختلاء بتوما وسأوافيكم إليها. # وذهبوا إلى قاعة الطعام وتأبط اللورد ذراع خادمه الشيخ الأمين توما، وسار به إلى غرفته ~~وكلاهما يتعانقان ويضطربان ويبكيان. # ولما اختليا عانقه اللورد أيضا وقال له: إذا أنت تبحث عني؟ ~~- إني برحت إنكلترا باحثا عنك منذ ستة أعوام، ولولا تلك القبائل المتوحشة التي أوقعني نكد ~~الطالع بأيديها للقيتك منذ عهد طويل. ~~- أية قبائل تعني؟ ~~- أواه يا سيدي اللورد إن مصائبي وما لقيته من العذاب لا يذكر في جنب مصائبك وعذابك. ~~- ولكني قبل أن أخبرك بأمري أحب أن أعرف أمرك. # وكان يكلمه بلهجة السيادة؛ فلم يسع توما إلا الامتثال. # ثم قص عليه جميع ما اتفق له، منذ مبارحته إنكلترا باحثا عنه إلى أن لقيه. # وقال له اللورد بعد أن أتم حكايته: لا يزال يشكل علي يا توما أمر لم أجد سبيلا ~~لفهمه. ~~- ما هو يا سيدي اللورد؟ ~~- إني فقدت الذاكرة عاما كاملا وقد قالوا لي إني كنت من المجانين. # وكان آخر ما أذكره من أمري أني صعدت إلى سريري بغية الرقاد في قصر باميلتون الجديد، ولم أكد ~~أستقر فيه حتى صحت صيحة ألم شديد وشعرت بجسم بارد يدب على وجهي. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- لم أتذكر شيئا من حياتي الماضية. # على أني نهضت في صباح يوم من رقادي فشعرت أني صحوت بعد حلم طويل وقد وجدت سلسلة حديدية في ~~وسطي شأن المجرمين، ورأيت نفسي أشتغل في منجم من مناجم الفضة. # وكان يحيط بي رفاق مقيدون مثلي ويشتغلون شغلي فدهشت لأمري، وجعلت أناديك باسمك وأنا أحسب ~~نفسي حالما وأني لا أزال في قصري. # أما رفاقي فإنهم جعلوا يضحكون ويهزءون بي. # فأكبرت هزأهم بي وقلت لهم: ويحكم ألا تعلمون من أنا؟ # فأجابني أحدهم: ms2470 كيف لا نعلم فإنك ولتر بريس. ~~- إنكم منخدعون فإني أدعى اللورد باميلتون. # فأضحكهم قولي ضحكا شديدا. # وكان مراقب الأعمال يسمع هذا الحديث، فدنا مني، وقال: ما هذه الأقوال يا ولتر؟ ألعلك عدت ~~إلى الجنون؟ ~~- ومتى كنت مجنونا أيها الأبله؟ # فاستعظم شتمي إياه بعد توقفي عن العمل وجلدني بسوطه ست جلدات. # وبقيت ثمانية أيام في أسوأ حال؛ أستغيث فلا أرحم، وأسأل عدالة؛ فلا أجاب، وأحدث من حولي ~~بحقيقة أمري فلا ألقى غير الهزء والسخرية، فإذا قلت لهم: إني لورد، قالوا: ما أنت إلا ولتر ~~الإيكوسي، وإنه محكوم عليك في قرية بيرت بالنفي خمسة أعوام. # وهنا توقف اللورد هنيهة عن الحديث وقد راعه هذا التذكار. # أما توما فإنه كان يبكي بكاء الأطفال. # 35 # ثم عاد اللورد إلى الحديث؛ فقال: على أني كنت واثقا من نفسي أني في تمام العقل وأني أنا هو ~~وليم باميلتون نفسه وأني في يقظة ولست من الحالمين . # وهنا عادت إلي تذكارات حياتي السابقة؛ فذكرت أيام حداثتي وأيام صباي ولم يفتني ~~حادثة. # وكنت أستدرجها في ذاكرتي حادثة حادثة حتى إذا انتهيت بها إلى حادثة شعرت أن قلبي قد أخفق ~~خفوقا شديدا حتى أخشى أن ينفجر صدري وتنطق شفتاي هذا الاسم (مس إينا). # وبعد أن أفرغت وسعي في إقناع رفاقي - على أني كما وصفت لهم دون أن أفلح - تمكنت بعد الجهد ~~الشديد من الوصول إلى الحاكم العسكري، الذي كان يحكم البلد والمنفيين إليها وقد توسلت إليه أن ~~يأذن لي بشرح حالي. # وأذن لي الحاكم بعد إشفاقه علي لفرط توسلي، وأخبرته أني لا أدعى ولتر بريس، بل إني اللورد ~~وليم باميلتون. # أما الحاكم فإنه أصغى ببرود ثم طلب سجل المنفيين؛ فقرأ ما كتب فيه، وقال لي: إنك تدعى ولتر ~~بريس، وإنك كنت تبلغ العشرين من العمر حين حكم عليك مجلس بيرت بالنفي. # وقد أصبت حين كنت في سجن تلك المدينة بمرض غريب شوه وجهك تشويها كثيرا حتى لم تعد ~~تعرف. # وبعد ذلك أصبت بالجنون، واضطروا أن يحملوك على بغل إلى لفربول؛ ms2471 لأنك لم تكن تستطيع المشي مع ~~المجرمين. # ولما نقلوك من لفربول إلى السفينة كنت لا تزال مشوها معتوها. # ولم تذهب عنك آثار التشويه إلا بعد وصولك إلى هنا، وقد أصبحت هادئا ساكنا، ورجونا أن يكون ~~ذلك مقدمة لشفائك من الجنون. # فلما سمعت هذه الأقوال من الحاكم كدت أجن حقيقة لغرابتها، ولكني كظمت اضطرابي ورويت للحاكم ~~جميع أمري بلهجة يتبين منها الصدق الأكيد، فقصصت عليه جميع علائقي السابقة مع أصحابي في لندرا، ~~ومعظمهم من مشاهيرها. # فوقع موقعا حسنا من فؤاد الحاكم، وقد داخله الريب في حكايتي الغريبة؛ فقال لي: إني سأكتب ~~إلى إنكلترا وأسأل عنك، وسنرى في أمرك بعد ورود التفاصيل. # فخرجت من حضرته شاكرا ممتنا وقد تمكن الرجاء من قلبي، فإن قلبي كان يحدثني أنك تبحث عني، ~~وكنت أقول في نفسي: إن أخي لا بد أن يكون تأثيره عظيما لاحتجابي. # فصبرت عاما كاملا وأنا أتقلب فيه بين عوامل اليأس والرجاء، إذ كنت أعلل النفس بورود ~~التعليمات عني من لندرا فأطمئن، ثم تتوالى الأيام والشهور دون ورودها فأعود إلى القنوط. # وبعد انقضاء العام دعاني الحاكم العسكري إليه. # ولما مثلت بين يديه بادرني بقوله: أشفيت أم لا تزال على ما كنت فيه من الهوس؟ # ولم يكن وقع الصواعق أشد علي من وقع هذه الكلمات؛ فقلت له: ماذا حدث يا سيدي؟ ~~- حدث أني كتبت إلى لندرا سائلا عنك. ~~- وهل ورد جواب؟ ~~- نعم ... وهذا هو! # ثم دفع إلي كتابا موقعا عليه باسم اللورد أفندال باميلتون. # ففحصت التوقيع وأيقنت أنه خط أخي، وقرأت ما يأتي: # لحضرة حاكم زيلندا الجديدة ... # لقد كان لي حقيقة أخ يدعى اللورد وليم وهو أخي البكر. # غير أنه توفي منذ عامين في قصره في قرية باميلتون ... # وقد توفي مسموما؛ فإن حية لسعته في فراشه. # وإنك تجد - في طي هذا الكتاب - سجل وفاته مصدقا عليه من محافظ المدينة، التابعة لها ~~القرية التي توفي فيها، وهو واضح كل الإيضاح ولا سبيل بعده للريب ... # وقد أشار علي، عمي السير أرشيبالد، أن أرفع قضية إلى ms2472 نظارة الحقانية، سائلا فيها ~~معاقبة ذلك المزور الخائن الذي تجاسر على انتحال اسم أخي التعيس. # اللورد أفندال باميلتون # ولما فرغت من تلاوة هذا الكتاب، بل هذه المعميات، نظر إلي الحاكم وقال لي بلهجة المتهكم: أي ~~حضرة اللورد كيف رأيت؟ # فأطرقت برأسي إلى الأرض ولم أجب بحرف؛ لأني فهمت عند ذلك كل شيء ... # وقال له توما: ماذا فهمت يا سيدي؟ ~~- فهمت أن أخي قد سلبني لقبي وثروتي وخطيبتي ... # غير أني لا أزال أفكر إلى الآن كيف تمكن من البلوغ إلى هذه الغاية دون أن أهتدي إلي حل هذه ~~المشكلة العويصة. # ثم تنهد وقال: وإني أخشى أن لا أهتدي إلى حلها مدى العمر. # فقال له توما: بل أنا أكشفها لك. ~~- أنت تعرف هذا السر؟ ~~- نعم ... # ثم مسح توما دموعه وقال له: أتذكر ذلك الفقير الهندي الذي كان يدعى باسم نظام؟ ~~- نعم ... ~~- إذن فاعلم أنه كان شريك أخيك بالجريمة، بل إن فكره الجهنمي هو الذي دبر هذه المكيدة ~~الهائلة. ~~- أية إساءة أسأت بها إلى هذا الشقي؟ # فضحك توما ضحك المتألم وقال: أتعرف من هو هذا الرجل؟ ~~- كلا. ~~- إنه عمك السير جورج باميلتون الذي خان أخاه النبيل ودنس أمك الطاهرة. # فاصفر وجه اللورد وليم، وأطرق برأسه مستحيا من هذه الجريمة كأنه هو الذي ارتكبها. # فقال له توما: وإن أخاك قد حذا حذو أبيه، والحية لا تلد إلا الحية كما يقال. # ثم قص عليه توما كل ما جرى مما عرفه القراء. # فقال له اللورد: لماذا لم تقل شيئا لأخي عندما قتلت هذا الأثيم؟ ~~- لأني كنت أحب أن أراك قبلا. ~~- إذا تزوج مس إينا؟ ~~- إني غادرت القرية يوم زواجه. # وهنا قص عليه توما، جميع ما لقيه من الشقاء والأخطار، بين القبائل المتوحشة. # ولما أتم حديثه قال له اللورد: لقد تبين لي الآن أنه عندما كتب الحاكم إلى أخي يسأله عني ~~كنت قد برحت إنكلترا. ~~- هو ذاك. # فصمت اللورد هنيهة ثم قال: إني منذ أبلغني الحاكم كتاب السير أفندال استسلمت إلى القضاء ولم ~~أعد أكترث بشيء. # وقد ms2473 استمر رفاقي المجرمون على اعتباري منهم، ورجعت عن اعتبار نفسي من اللوردية وقلت: ليفعل ~~الله ما يشاء. # ثم توالت الأيام والسنون، إلى أن جاء يوم أبلغوني فيه أن مدة عقابي قد انتهت. # وقد دعاني الحاكم إليه، فدفع إلي شيئا من المال جزاء أتعابي الشاقة في حفر المناجم خمسة ~~أعوام، وقال لي: إنك أصبحت الآن حرا مطلق السراح، ولك الخيار بين أن تعود إلى إنكلترا، أو بين ~~أن تبقى في زيلندا، وبين أن تذهب إلى أوستراليا فتشتغل فيها. # وكانت نفسي قد سئمت الوجود، وكرهت العودة إلى بلاد يفتك فيها الأخ بأخيه، وعولت على الذهاب ~~إلى أوستراليا والارتزاق فيها. # فأرسلني الحاكم إلى ملبورن، فوصلت إليها في يوم كانوا يعرضون فيه الماشية للبيع. # ولقيني في تلك السوق رجل من تجار المواشي، وعرض علي أن أكون راعيا عنده، فرضيت الاقتراح ~~وذهبت معه إلى منزله. # أما هذا الرجل فقد كان والد لوسي زوجتي. # على أن ما لقيته من الشقاء في شغل المناجم بعشرة أولئك المجرمين الأدنياء أعواما لم يؤثر ~~على أدب نفسي أقل تأثير، ولم تغير تلك العشرة السيئة شيئا من فطرتي الغريزية. # وهنا حدث لي حادث غرام جدير أن يكون حكاية تكتب، فيتفكه بها الناس، غير أني لا أقصها عليك ~~لطولها، وأكتفي بالقول أن تعاقب الأيام محا أثر مس إينا من قلبي، لا سيما بعد عرفاني أنها أصبحت ~~زوجة أخي وحلت محلها لوسي. ~~- أكانت هي تحبك؟ ~~- كما كنت أحبها، وقد مضى على ذلك عامان، كسبت فيها ثقة هذا التاجر، فخلا بي يوما وقال لي: ~~أرى أنك تحب ابنتي، وابنتي تحبك، ولا أنكر تباين الحالة بيني وبينك غير أني ميال إلى التساهل، ~~لا سيما وقد حكيت لي حكايتك فصدقتك، فإذا شئت جعلتك زوجا لابنتي. # وبعد شهرين عقد زواجنا، ثم توفي أبوها، فورثت امرأتي جميع أمواله، وأنا أعد نفسي الآن من ~~السعداء. # فقال له توما: ولكنك لا تطيل إقامتك في هذه الديار بعد الآن؟ ~~- بل أبقى. ~~- كيف ذلك؟ أرجعت عن المطالبة بحقوقك؟ ~~- أية فائدة بقيت من ms2474 ذلك؟ فإن الذي كان يدعى اللورد وليم بات يدعى ولتر بريس؟ ~~- إن هذا محال، بل تعود إلى بلادك وتعود إليك ثروتك وألقابك. ~~- كلا، فإني هنا سعيد. # وعند ذلك دخلت امرأته ومعها ولداها، فأشار اللورد وليم إليهما، وقال لتوما: انظر إلى هذين ~~الملاكين، فما يعوزني بعد من أسباب السعادة؟! # 36 # وقد أقام توما عدة أشهر في منزل مولاه اللورد وليم، وهو يرجوه ويتوسل إليه كل يوم أن يذكر ~~أنه يدعى اللورد وليم، وأن يطالب بحقه المسلوب، ويدخل دخول الرئيس إلى قصر أجداده. # غير أن اللورد وليم كان يأبى أن يعود إلى موطنه، وقد تنازل عن ثروته وألقابه، وعول على ~~الإقامة في أوستراليا؛ لما كان يجد فيها بين امرأته وولديه من أسباب السعادة، وتوفر دواعي ~~الهناء. # ثم إنه كان أكبر جريمة أخيه كل الإكبار، حتى إنه بات يحتقر تلك الثروة، وذلك الجاه اللذين ~~أفسدا قلب أخيه، وحملاه على ارتكاب هذه الجريمة السافلة . # وكان إذا ألح عليه توما يقول له: إني لا أسافر إلى إنكلترا، ولا أدعك تذهب إليها، فاكتب إلى ~~امرأتك كي تحضر إلينا فنعيش في هذه البلاد عيش الهناء والسلام. # غير أن توما لم يقنط ولم يكف عن محاولة إقناع مولاه، إلى أن ألح عليه توما وقال له: لا بد ~~من عودتك إلى إنكلترا. ~~- أصغ إلي أيها الصديق. ~~- تكلم يا سيدي. ~~- لنفرض أني امتثلت لرأيك. ~~- أتعود إلى إنكلترا؟ ~~- لنفرض أننا عدنا إلى إنكلترا وذهبنا إلى أخي. ~~- يجب أن يعرفك ويعترف بحقوقك. ~~- لقد أخطأت يا توما، فإنه لا يقتصر على عدم الاعتراف بحقوقي؛ بل إنه يشكوني ويتهمني ~~بالتزوير. ~~- ولكننا نبرهن للقضاء عن الحقيقة فلا تخفى عليهم. ~~- كيف أستطيع إبداء هذا البرهان بعد أن ثبت في السجلات الرسمية أني أدعى ولتر بريس وأني ~~مجرم محكوم عليه بالنفي. # فلم يحفل توما باعتراضه، وقال له: إنه إذا أبى السير أفندال إلا أن ينكرك فإن لدينا من لا ~~يستطيع إنكارك. ~~- من هو؟ ~~- مس إينا. # فمرت غمامة كثيفة في ذهن اللورد وليم، وقال: كلا، إن حب هذه ms2475 المرأة قد انتزع من قلبي وأنا ~~أحب امرأتي. # فتظاهر توما بالاقتناع، وكف عن البحث في هذا الشأن. # وفي اليوم التالي عاد إلى ما كان عليه فلم يفز بمراده. # وما زال على ذلك إلى أن حدثت حادثة أعانت توما على الفوز بما يسعى إليه. # وذلك أن الثروة في البلاد الأوسترالية تتكدس بسرعة ولكنها قد تذهب أيضا كما أتت وتتبدد ~~بنفس السرعة. # فإن معظم المهاجرين إلى تلك البلاد من الأفاقين والمجرمين الذين انتهت مدة عقوباتهم، ~~فيشتغلون بملء الجد ويقدمون على طلب الثروة بهمة لا تعرف الملل. # وأكثرهم يبدءون برعي المواشي، ثم يصبحون باقتصادهم من تجارها وتأخذ ثروتهم ~~بالازدياد. # على أن هذه الثروة تكون غالبا معرضة لأشد الأخطار. # ذلك أن صاحب الماشية ينام ليلته غنيا، وهو يملك مائة ألف من الخرفان ترعى في مسافة عشرين ~~مرحلة مربعة، في أية أرض اختارها، فامتلكها بحق وضع اليد. # ثم ينهض في اليوم التالي فقيرا معدما لا يملك شروى نقير؛ كأنما تلك الثروة كانت أضغاث ~~أحلام. # أما سبب هذا الانقلاب السريع فإنه يوجد في أوستراليا كثير من العبيد الذين يهربون من ~~المستعمرات التي كانوا مستعبدين فيها؛ فيعيشون في أوستراليا من السرقة والنهب والحرائق. # وقد عظم شأن أولئك السود حتى إن الحكومة ألفت منهم جندا سمته الجيش الأسود. # أما هؤلاء السود فإنهم كانوا يقصرون على سرقة ما يحتاجون إليه من المواشي للقيام ~~بأودهم. # ولكنهم إذا وجدوا سبيلا للشكوى من أحد التجار، عقدوا مجالسهم واتفقوا على نهب هذا الرجل ~~والانتقام منه بتجريده من ثروته قوة واغتصابا. # فيصبح هذا المسكين ويجد منزله مطوقا محصورا بجيش من أولئك المنتقمين، يعظم ويقل بنسبة عدد ~~حراس هذا التاجر، فيهاجمونه من كل صوب ويسلبون مواشيه، فلا يسلم من شرهم إلا إذا أدركته النجدة ~~قبل فوات الأوان. # ومن عاداتهم أنهم قد لا يفتكون بأصحاب المنزل، ولكنهم يحرقونه ويقتلعون الأشجار، ويسدون ~~الينابيع، ويقتلون ما لا يستطيعون حمله من المواشي. # فيصبح المنكود لا يمتلك شروى نقير ويضطر أن يعود إلى جمع الثروة كما بدأ بها؛ أي إنه ms2476 يعود ~~إلى مصاف الرعاة. # وكان اللورد وليم مسالما لهذه الطوائف محبوبا منهم، فإذا رأى بعضهم يرودون حول منزله أرسل ~~إليهم جميع ما يحتاجون إليه من المأكل والمشرب بسخاء يحملهم على الشكر والإخلاص ~~والامتنان. # فما زال آمنا شرهم، وما زالوا راضين عنه، حتى حدث حادث غرام أفسد إخلاصهم ومحا أثر ~~الامتنان من قلوبهم. # ذلك أن زعيما من زعماء هذه الطائفة يدعى كبليرين أحب جارية سوداء كانت تخدم في منزل ~~اللورد. # وقد بلغ حبها من قلبه مبلغا عظيما حتى إنه تجاسر على أن يسأل اللورد وليم الزواج ~~بها. # فقال له ولتر بريس: اخطبها من نفسها فإذا رضيت بالزواج بك فلا أكون من المعارضين. # فذهب الأسود إليها وطلب أن تقترن به، فأبت وردته ردا قبيحا كبر وقعه عليه. # فأقسم أن ينتقم منها ومن مولاها على السواء. # وبعد ذلك ببضعة أيام تسلق سور المنزل في ليلة حالكة الأديم، وولج إلى غرفة الفتاة التي ~~يحبها . # غير أن الفتاة لم تحسن استقباله، بل استقبلته بالصياح وطردته أقبح طرد ففر هاربا لا يلوي ~~على شيء. # وقد اتفق أن أحد حراس منزل اللورد وليم رأى هذا العبد يفر فأطلق عليه بندقيته فقتله. # وكان هذا القتيل أحد زعماء السود كما قدمناه، فأيقن المستر بريس في اليوم التالي أن العبيد ~~لا بد أن ينتقموا منه وأخذ يتأهب، ولكنه تأهبه لم يفده في شيء. # وذلك أنه في الليلة التالية حاصر منزله نحو ألف رجل من أولئك السود كما تحاصر الجنود ~~القلاع. # وقد جمع أعوانه ودافع دفاعا جميلا، ولكن سهام السود المسمومة كانت تفتك بأعوانه وتنكل بهم ~~غاية التنكيل. # ولم يكتفوا بقتل الحراس؛ بل إنهم أشعلوا النار في المنزل. # ولما رأى اللورد وليم ما حل به من هذه النكبة الفادحة، جمع من بقي حيا من خدمه، ودافع بهم ~~عن امرأته وولديه دفاع المستبسل المستميت. # وما زال على دفاعه وهو يتوقع القتل في كل لحظة حتى جاءته النجدة، وأقبل الجنود السود، فأركن ~~السود إلى الفرار، وسلم اللورد وامرأته وولداه وتوما من القتل، ولكنه ms2477 بات فقيرا معدما؛ لأن ~~أولئك السود قد نهبوه. # غير أن توما كان لا يزال لديه نحو سبعمائة جنيه، وهو مبلغ يكفيه للعودة مع عائلة اللورد إلى ~~إنكلترا. # ولما فرق الجند شمل المعتدين، خلا توما بسيده اللورد، وقال له بلهجة الفائز: لا بد لك بعد ~~هذه النكبة الآن أن توافقني على ما اقترحته عليك وأن تعود إلى اسمك الكريم. # فتنهد اللورد وليم وقال: إني لو كنت وحدي لفضلت البقاء، وعدت إلى تجديد ثروتي الضائعة، ولكن ~~لي امرأة وولدين، لا أطيق أن أراهم يقاسمونني الشقاء، ولهذا السبب وحده رضيت أن أعود معك إلى ~~لندرا. # فسالت دموع السرور من عيني توما، وشكر الله. # وبعد شهر سافر توما واللورد وليم وعائلته إلى ملبورن، ومنها إلى إنكلترا. # أما توما فإنه كتب إلى امرأته قبل السفر بأسبوع يبشرها بقدومه مع اللورد. # وسافر ونفسه تفيض بشرا ورجاء. # وأما اللورد وليم فإنه كان منقبض الصدر يذكر منزله في أوستراليا بين تلك الحقول الناضرة، ~~فتسيل دموعه، ويحسب أنه خسر كل ما كان يطمع به من أسباب السعادة والهناء. # 37 # ولنعد الآن إلى لندرا، فندخل إليها بأذهان القراء في فصل الصيف، وقد تبدد ضباب شتائها ~~الكثيف وملئت شوارعها أشعة وهواء نقيا. # وكانت البساتين والحدائق في ذلك اليوم غاصة بالمتنزهين، ولا سيما حديقة هايد بارك. # فقد كانت تدهش الأبصار بازدحام المتنزهين، بين حسان يشرقن من مركباتهم إشراق الأقمار، ~~وفرسان يتنزهون على صهوات جيادهم، وخطيب يروي لخطيبته حديث غرامه ويقنعها أنه أبدي دائم لا ~~يزول، وأطفال يلعبون عند السواقي، والسلامة تخرج من أفواههم ضحكا عاليا يرتاح إليه ~~المقطبون. # وكان هذا الخليط يذهب ويجيء في تلك الحدائق الغناء، مستنشقا نسمات الغروب البليلة بعد أن ~~كان حر النهار يصهر الأجساد. # وكانت الساعة الثامنة، ولا يزال شفق الشمس المتوارية يرسل أشعته الأخيرة لترقد بين أوراق ~~الأشجار الباسقة. # وكان بين هؤلاء المتنزهين امرأة ماسكة بيد غلام يتبعها خادمان وهي تتنزه عند ضفة ~~النهر. # إن هذه المرأة كانت تدعى من قبل مس إينا، وهي تدعى الآن اللادي ms2478 أفندال باميلتون، وكان ~~الغلام الذي يصحبها ولدها. # وكانت تسير الهويناء متنزهة وظواهر القلق بادية عليها، ذلك لأنها رأت رجلا يقتفي أثرها منذ ~~مدة على مسافة قريبة. # ولم تكن قد تبينت وجه هذا الرجل فتعرفه، ولكنها استدلت من لباسه وملامحه أنه ليس من الذين ~~يخشون، لا سيما وأنه كان مبيض الشعور وفي ذلك ما يدعو إلى الاطمئنان. # إن الذي رابها أنه كان يقتفي أثرها من مدة طويلة ويتبعها إلى حيث سارت، فأفضى بها الأمر إلى ~~الخوف منه. # ثم ظهر من هذا الرجل فجأة أنه أقر على أمر كان يتردد فيه، فتقدم الخادمين اللذين كانا ~~يسيران وراء اللادي، ودنا منها وقبعته في يده. # فذعرت اللادي في البدء حين رأته. # غير أن الرجل ابتسم لها وقال: ألم تعرفني سيدتي؟ # فعرفته، وقالت له: أأنت توما؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- أنت هو خادم وليم الأمين؟ ~~- هو بعينه. ~~- كنت أحسبك فارقت هذه الحياة. ~~- وأنت ترين يا سيدتي أني لا أزال حيا أرزق؟ # فجعلت اللادي باميلتون تنظر إليه نظرات الانذهال، ثم قالت له: أين كنت؟ ~~- إني قادم من أوستراليا يا سيدتي وقد أتيت خصيصا لأراك. # فزاد انذهالها، وقالت: لتراني أنا؟! ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إذا ليست هي الصدفة التي جعلتك تلقاني؟ ~~- كلا يا سيدتي، فإني أرود حول قصرك منذ ثمانية أيام. ~~- ولماذا لم تدخل إليه؟ ~~- لأني أحب أن أراك دون أن يرانا أهل القصر. # فعاود القلق اللادي وقالت له: كيف هذا؟ ~~- ولا يجب أن يسمع حديثنا أحد. ~~- إن هذه اللهجة السرية تريعني منك يا توما. ~~- ولكني لا أجد بدا من مباحثتك، دقائق معدودة، إذا كنت تأذنين. ~~- لا بأس؛ امش إلى جانبي، وحدثني بما تريد؛ فإن الخادمين بعيدان، ولا يسمع حديثك ~~أحد. ~~- لدي يا سيدتي سر أحب أن أستودعك إياه. ~~- سر؟ ~~- نعم سر، لو ألقي إليك منذ بضعة أعوام لكان لك خير بشرى، وتلقيته بالسرور العظيم. أما ~~اليوم فإنه سيقع منك أسوأ موقع، ويملأ قلبك الرقيق حزنا وغما. ~~- إنك ترعبني بما تقول يا توما. # فمضى توما في حديثه دون أن ms2479 يحفل بكلامها، وقال: لقد قلت لك يا سيدتي: إني عائد من ~~أوستراليا. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- أعني أني لقيت فيها رجلا كان يذكرك، ويحدث نفسه بك كثيرا. ~~- من هو هذا الرجل الذي يفكر بي في أوستراليا؟ ~~- إنه يدعى ولتر بريس يا سيدتي. ~~- إني لم أسمع هذا الاسم قبل الآن. ~~- قد يكون ذلك يا سيدتي، ولكن هذا الرجل قبل أن يدعى بهذا الاسم كان له اسم آخر. ~~- ماذا كان يدعى؟ ~~- اللورد وليم باميلتون. # فصاحت صيحة ذعر، وقالت: ماذا أصابك يا توما ألعلك جننت؟ ~~- كلا يا سيدتي، فإني بتمام العقل بحمد الله. ~~- ولكنك تعلم أن اللورد وليم قد مات من عهد بعيد، وأنت بكيته كما بكيناه. ~~- هو ذاك، يا سيدتي، فإني كنت أعتقد أنه مات، كما كنت تعتقدين. ~~- أما أنا فإني رأيته ميتا. ~~- لم يكن اللورد الذي رأيته على فراش الموت أيتها اللادي. ~~- إذا من هو؟ ~~- هو ولتر بريس. # فنظرت إليه عند ذلك نظرة المشفق، وقالت: إني أرى يا توما أن حزنك على وليم قد برح بك وأضاع ~~رشدك. ~~- لقد قلت لك يا سيدتي: إني لست بمجنون. ~~- إذا كنت سليم العقل فما هذه الأقوال؟ ~~- أتوسل إليك يا سيدتي أن تصغي إلى تتمة حديثي. # فظهرت على محياها علائم الجزع، ونظرت إلى ما حواليها فرأت أنها بخلوة تامة معه؛ لأن ~~الخادمين حين رأيا هذا الرجل يحدث مولاتهما دون كلفة ابتعدا عنهما. # وخافت أن يكون حقيقة من المجانين، ولكنها رأت الخادمين على مسافة بعيدة وأنهما يريانها، ~~فاطمأنت بعض الاطمئنان وقالت له: ماذا تريد أن تقول بعد؟ ~~- أعيد عليك، يا سيدتي اللادي، ما قلته، وهو أن اللورد وليم باميلتون لا يزال في قيد ~~الحياة، وستصدقين كلامي حين تعلمين حقيقة ما جرى. # ثم قص عليها تفصيلا كل ما عرفه القراء من قصة هذين الأخوين. # على أن اللادي باميلتون بقيت مرتابة في صحة عقل توما، ولم تصدق حكايته. # فقال لها توما عند ذلك: إنك لا تزالين مشككة بأقوالي، ولكنك حين ترينه يزول منك كل ~~ريب. ~~- كيف أراه ألم تقل: ms2480 إنه في أوستراليا؟ ~~- لقد كان فيها أما الآن فهو في لندرا. # فاصفر وجهها، وقالت: أفي لندرا يقيم هذا الرجل؟ ~~- ولكن هذا الرجل كنت تحبينه وقد بكيته. ~~- تقول: إني أراه. ~~- نعم يا سيدتي سوف ترينه. # وكان يمشيان حتى وصلا إلى عطفة. # وهناك مقعد من الخشب، كان رجل جالسا عليه، وهو لا يزال في مقتبل الشباب، غير أن غضون وجهه ~~كانت تدل على أنه لاقى كثيرا من المصائب. # فلما رأى هذا الرجل توما واللادي قد اقتربا منه نهض عن مقعده، وقال: مس إينا؟ # فارتعشت اللادي باميلتون. # أما توما فإنه قال لها: هذا هو اللورد وليم يا سيدتي. # فنظرت اللادي إلى اللورد وليم نظرة جامدة، ثم التفتت إلى توما، وقالت له: إني أرى يا توما ~~شبها كبيرا بين هذا الرجل وبين اللورد رحمه الله، ولكنه ليس هو كما تعتقد؛ لأن اللورد قد ~~مات. # أما اللورد فإنه صاح صيحة منكرة، وأركن إلى الفرار وهو يقول : رباه! لماذا أبقيتني حيا ~~فإني كنت واثقا أنها لا تعرفني؟! # 38 # يوجد في لندرا شارع يدعى شارع المكاتب، ولكن هذا الشارع لم يكن مقتصرا على أصحاب المكاتب ~~وحدهم، بل كان يقيم فيه أيضا عمال وتجار وموظفون. # وكان في هذا الشارع محام مشهور، والمحامون في لندرا يكسبون مكاسب عظيمة ويتقاضون أجرة ~~فاحشة، ثم يطيلون القضايا حتى لا يبقى متسع للتسويف. # فإذا وقع الغني بين براثنهم قضي عليه بالفقر قضاء مبرما، إلا إذا كان من العقلاء، وتنازل ~~عن دعواه أو تراضى مع خصمه. # على أن هذا المحامي كان يتسابق إليه أصحاب القضايا لاشتهاره بالفوز في كل قضاياه. # وكان هذا المحامي يدعى سيمونس، وهو - على شدة طمعه وحبه للمال - محبوب من الناس لبعد صيته، ~~ولكثرة تضلعه في القوانين حتى إنهم كانوا يعدلون كل كلمة من أقواله بجنيه. # وكان على هذه الشهرة لا يزال في مقتبل الشباب، وقد رشحه مريدوه مرارا لعضوية مجلس العموم، ~~ولكنه كان يرفض القبول ويقول: إني لا أزال في حاجة إلى المال، ولم أرو منه غلي، فلا يسعني ~~الانصراف ms2481 للخدمة العامة. # وكان شديد الفصاحة قوي الحجة، ولكلامه تأثير عظيم على القضاة، فإنه دافع مرة عن إرلندي كان ~~يتوقع الجميع أن يحكم عليه بالإعدام فبرأ ساحته وأطلق سراحه، وكان إعجاب الناس به ~~عظيما. # غير أن إعجاب الناس به لم يكن قاصرا على فوزه، بل لأن هذا الإرلندي المنكود كان معدما ~~فقيرا، فكان دفاعه عنه دفاعا محضا عن الإنسانية. # ولا ينكر أن بعض حساده أذاعوا أنه إنما أراد بذلك إشهار أمره، ولكن العقلاء لم يعبئوا بهذه ~~الإشاعات ولم تؤثر هذه الأقوال بحسن صيته، فإن الإحسان محمود كيفما كانت مقاصد المحسنين. # ففي ذات يوم؛ كان هذا المحامي راكبا في مركبته وخارجا من منزله، فاستوقفه رجل على الطريق ~~يريد أن يكلمه. # وكان هذا الرجل متأنقا بلباسه، فلم ترع هيئته ذلك المحامي وأمر بإيقاف مركبته كي يرى ما ~~يريد. # وقد نظر إليه وقال في نفسه: أذكر أني أعرف هذا الرجل، ولكني لا أذكر أين كنت أراه . # فقال له الرجل باسما: ألم تعرفني يا سيدي سيمونس؟ ~~- كلا! ولكن يخال لي أني رأيتك. ~~- بل كنت تراني مرارا وذلك منذ عشرة أعوام. ~~- أنا؟ ~~- في مكتب أعمالك فإني كنت من زبائنك. ~~- كيف ذلك ومتى؟ ~~- ذلك حينما كنت عند اللورد باميلتون، فإني أدعى توما يا سيدي، وأنا الذي كنت آتيك بأشغال ~~سيدي اللورد النبيل. ~~- لقد ذكرتك الآن وعرفتك حق العرفان. ~~- إذا، فاسمح لي يا سيدي أن أخلو بك، فإني قادم إليك بمهمة خطيرة. ~~- إذا ادخل معي إلى مكتبي. # وكان مكتبه ومنزله في بيت واحد، فنزل المحامي من المركبة وعاد إلى المكتب يتبعه ~~توما. # ولم يفه توما بكلمة حتى دخل إلى غرفة المحامي الخاصة. # وهناك قال له المحامي: ألعلك لا تزال في خدمة أسرة باميلتون؟ # فأجابه توما: نعم ولا. # فذهل المحامي لجوابه وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني اعتزلت خدمة السير أفندال، ولكني لا أزل في خدمة اللورد وليم. # فزاد انذهال المحامي، فإنه كان يعلم - كما يعلم معظم أهل لندرا - أن اللورد وليم قد مات، ~~وأن السير أفندال قد ورثه وخلفه ms2482 باسمه ومذهبه وخطيبته. # وقد حسب في البدء أن توما قد أصابه مس من الجنون، ولكنه أمعن النظر فيه، فلم يجد في لهجته ~~وملامحه وعينيه شيئا من دلائل الجنون، فقال له: أرجوك، أيها الصديق، أن توضح بجلاء، فإن حديثك ~~قد أشكل علي. ~~- إني موضح لك كل شيء إذا أحببت الإصغاء إلي. ~~- إني كلي آذان للسمع فتكلم. # وكان هذا المحامي صبورا من طبعه، وقد تدرب دهرا طويلا في هذه المهنة، فعلمته التجارب أنه ~~مهما كانت رواية الزبون مضطربة مشوشة، فلا بد أن يجد بها بابا يصلح للدفاع. # ولذلك عول على أن يصغي لتوما كل الإصغاء، بالرغم عما ظهر له في مقدمة حديثه من الغرائب ~~المدهشة. # أما توما فإنه استوى في محله، وقال: إني واثق، يا سيدي، من مروءتك وشرف طباعك. ولهذا أتيت ~~إليك في مهمة خطيرة لا تخطر لأحد في بال. # وإن رجال الشرع يا سيدي يشبهون رجال الدين من حيث الوثوق بهم فيما يؤتمنون عليه من الأسرار، ~~فعلي أن أوحي إليك بأسراري وعليك أن تسمع كل ما أقول. # هو ذاك أيها الصديق، وأرجو أن لا يكون من وراء ذلك إلا الخير. # وعند ذلك قص عليه توما جميع ما عرفه القراء من حكاية اللورد وليم، وكيف أسفرت هذه الجريمة ~~الهائلة، عن تلقيب السير أفندال بلقب اللوردية. # وقد فصل له أدق تفصيل حياة اللورد وليم من عهد حداثته إلى تعلقه بمس إينا، إلى تلك الجريمة ~~التي حدثت في قصر باميلتون وأسفرت عن استبدال اللورد وليم باسم ولتر بريس. # فلما أتم حديثه الغريب قال له المحامي: إن جميع ما رويته لي أكيد، دون ريب، ولكنه بعيد ~~الإمكان، غير أني لو حملته على محمل الحقيقة؛ فماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن تؤيد مطالب اللورد وليم. # فابتسم المحامي ابتساما وجف له قلب توما، وسأله: وما هي هذه المطالب؟ ~~- إن الأمر بسيط يا سيدي، فإن اللورد وليم لم يمت وحقه صريح باسترجاع ثروته ولقبه. ~~- ولكن هذا مستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأن اللورد وليم قد مات في عيون الناس، وأثبت اسمه ms2483 رسميا في سجل الأموات. ~~- ولكننا نبرهن على أنه لا يزال في قيد الحياة. ~~- ما هو برهانك؟ ~~- هو أن أروي الحكاية كما اتفقت. ~~- إن حكاياتك قد أصدقها أنا، وأما القضاة فهيهات أن يصدقوك. ~~- إذا كيف نعمل؟ ~~- إن رجلا واحدا تفيد شهادته وأقواله في هذا المقام. ~~- من هو؟ ~~- هو الضابط برسي الذي كان يقود المجرمين، وكان شريك السير جورج باميلتون بالجريمة. ~~- إني أجد هذا الرجل أين كان. ~~- إنك قد تجده ولكنه لا يشهد هذه الشهادة. ~~- ولكن لا بد له أن يشهد ويعترف بالحقيقة. # فهز المحامي سيمونس كتفيه ثم قال بعد أن تمعن هنيهة: يجب قبل كل شيء أن نتصرف تصرف ~~المتدربين. ~~- قل يا سيدي؛ فإن ثقتي بك لا حد لها. # 39 # فأطرق المحامي هنيهة ثم قال: إن هذا الرجل الذي تدعوه مولاك، قد يكون حقيقة اللورد وليم، ~~وقد كان محكوما عليه بالنفي كما تقول. ~~- نعم يا سيدي. ~~- وهو برح إنكلترا منذ عشرة أعوام أليس كذلك ؟ ~~- بالتقريب. ~~- إذا لا بد أن تكون تغيرت ملامح وجهه في هذه الفترة الطويلة، فإذا أراد أخوه إنكاره كان ~~المجال متسعا. ~~- هو ذاك واأسفاه. ~~- وعلى ذلك فإن مولاك إذا ذهب إلى اللورد أفندال أنكره كما تنكره امرأته أيضا، دون شك، إذ ~~لا يطيب له التخلي عن تلك الثروة والمجد وهو يتمتع بهما منذ عشرة أعوام. ~~- سأخبرك بكل شيء يا سيدي، فإن اللورد وليم قابل امرأة أخيه. ~~- وماذا كان من هذه المقابلة؟ ~~- إنها أنكرته أو لم تعرفه. ~~- إن هذا سبب آخر يدعوك إلى قبول ما سأقترحه عليك. ~~- ماذا تقول يا سيدي؟ ~~- لا شك أنك رجعت مع مولاك من أوستراليا دون مال. # فلم يجبه توما ولكنه أطرق برأسه. # فقال له المحامي: إن اللورد أفندال واسع الثروة ولي ملء الثقة من إمكان الوصول إلى تسوية ~~بين اللورد وأخيه. # فأجابه توما بعنف: أية تسوية تعني؟ ~~- إن التسويات تختلف، ولكن التسوية التي أعنيها هي أن يبقى للورد اسم ولتر بريس، فيعطيه ~~اللورد أفندال مقابل ذلك أربعين أو خمسين ألف جنيه. # فأجابه توما ببرود: ms2484 إنك مجنون. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- دون شك لأن اللورد وليم لا يتنازل عن شيء من حقه. ~~- أيريد أن يكون لوردا؟ ~~- نعم. ~~- أيريد أن يستولي على الثروة بجملتها؟ ~~- دون شك. ~~- إذا أنت مجنون يا توما ومولاك أشد جنونا منك. # فبهت توما لكلامه وقال: كيف ذلك؟ ~~- سأبرهن لك، فإنه لا ينفع في هذه القضية غير شهادة الضابط برسي كما قلت لك. ~~- إني سأبحث عن هذا الرجل وسأجده دون شك. ~~- ولكني أعيد عليك ما قلته أيضا: وهو أن هذا الرجل لا يبوح بشيء. ~~- لا بد له أن يبوح. ~~- وعلى افتراض أنه باح بما يعلمه؛ فإن شهادة مثل هذا الرجل الذي يقضي العمر في معاشرة ~~المجرمين لا يكون لها تأثير عظيم على القضاة، ولكنها قد تفيد بعض الفائدة. ~~- قلت لك: إني سأجده. ~~- على افتراض أنك وجدته ورضي أن يبوح؛ أتحسب أن الأمر ينتهي عند هذا الحد بالفوز؟ ~~- هذا ما أراه. ~~- إنك مخطئ، فإن وزير الحقانية لا يتداخل في هذه القضية؛ لأن اللورد أفندال من أعضاء مجلس ~~البرلمان، ويقتضي للمحاكمة إذن خاص من المجلس الأعلى. # ولا أرجح أن المجلس الأعلى يأذن بمحاكمته في مثل هذه القضية. ~~- بل يأذن، فإن القلوب لم تتجرد من الشفقة. ~~- لنفرض أنه أذن أيضا، فقد بقيت مشكلة أخرى، وهي أن مثل هذه القضايا الخطيرة تكلف نفقات ~~باهظة، وأنا لا أتولاها إلا إذا ضمن لي أجرة قدرها عشرة آلاف جنيه. # فأجفل توما لجسامة الطلب، وقال: عشرة آلاف جنيه؟ ~~- على الأقل. ~~- إن العشرة آلاف جنيه تساوي مائتين وخمسين ألف فرنك. ~~- ومع ذلك فإنها تنفق قبل الشروع في القضية. ~~- أيحتاج المرء إلى مثل هذه النفقات الهائلة للحصول على حقه؟ فما هذه المحاكم؟ وما هذا ~~العدل؟ ~~- لا أنكر عليك انتقادك فهو حق، ولكن الحقيقة هي ما قلته لك. ~~- إذا ماذا نصنع؟ ~~- تقنع سيدك على التسليم. ~~- بماذا؟ ~~- بالتسوية. ~~- إن هذا محال، لا أرضاه، ولا يرضاه. ~~- أنت وشأنك فيما تريد، إنما أوصيك بالحذر. # فنظر إليه توما نظرة إنكار وقال: مم تريد أن أحذر؟ ~~- من اللورد أفندال، فإنه في ms2485 حالة تدعو إلى الحذر منه. ~~- ما عساه يصنع؟ ~~- إذا كان ما تقوله أكيدا، فإن هذا الرجل لا يقف عند حد ولا سيما إذا حاولت فضيحته. ~~- ولكننا في بلاد إنكلترا بلاد الحرية والعدل والأمان. # فهز المحامي كتفه دون أن يجيب. # أما توما، فإنه نهض مغضبا، وقال: يسوءني يا سيدي أن أكون مخطئا باعتمادي عليك. # وأجابه المحامي ببرود قائلا: إني لا أزال مستعدا لخدمة اللورد وليم بأتم إخلاص، ولكني لا ~~أتجاوز الحد الذي أقترحه عليك، وهي مسألة التسوية. # فقال له توما: إننا لا نريد تسوية، بل نريد حقا. # ثم خرج من مكتب المحامي مغضبا، فشيعه إلى الباب، وقال له: إننا سنلتقي. ~~- لا أظن أن يكون بيننا لقاء بعد هذا الفراق. ~~- أما أنا فإني واثق من اللقاء القريب. # وخرج توما وقد تولاه اليأس، فإن اعتماده على هذا المحامي كان عظيما، حتى إنه كان واثقا من ~~الفوز كل الثقة. # ولكنه لم يلق منه غير الخيبة والخذلان، فسار هائما على وجهه، من مكان إلى مكان حتى وصل إلى ~~زقاق أدم ستريت، حيث تقيم امرأته بيتزي. # وكان اللورد وليم وامرأته وولداه يقيمون في المنزل نفسه الذي يقيم فيه توما. # أما توما؛ فإنه دخل إلى امرأته واليأس باد بين عينيه، فأجفلت لمرآه، وقالت له: ماذا أصابك؟ ~~وما وراءك من الأخبار؟ # فهز توما رأسه وقال: إن هؤلاء المحامين قد خلت قلوبهم من الرحمة. # ثم قص عليها جميع ما جرى بينه وبين المحامي سيمون. # وكانت بيتزي عاقلة ذكية الفؤاد، فأطرقت هنيهة، بعد أن سمعت حكاية زوجها وقالت: أرى أن هذا ~~الرجل مصيب فيما ارتآه، ولكن لي رأي آخر. ~~- ما هو؟ ~~- إني خرجت منذ هنيهة إلى السوق لشراء أغراضنا، فلقيت امرأة مقنعة بقناع كثيف، وهي كأنها ~~تبحث عن شيء. ~~- ومن هي هذه المرأة؟ ~~- لقد لاح لي أنها مس إينا. # فارتعش توما وقال: اللادي باميلتون؟ ~~- نعم، وأظن أنها تحاول أن ترى اللورد وليم، ثم أردفت: انظر! أنها لا تزال في ~~موقفها. # 40 # فقام توما إلى النافذة ونظر منها فرأى امرأة مبرقعة ms2486 وهي تنظر نظرات تائهة كأنها تبحث عن ~~شيء. # فعرفها للحال وقال: هي، هي بعينها. # أما المرأة فإنها دخلت فجأة إلى رواق المنزل كأنها اهتدت إليه بعد طول بحثها وتوارت عن ~~الأنظار. # فقال توما لامرأته: انتظريني فإني ذاهب للقائها. # ثم خرج من الغرفة ونزل السلم. # وكانت المرأة تصعد عليه، والتقيا عند وسطه، وسألها توما بصوت منخفض: بماذا تأمر ~~اللادي؟ # فأزاحت المرأة برقعها، وقالت: إني أبحث عنك. # وكانت تضطرب، وملامح الخجل بادية بين عينيها، كأنها قد خجلت من الدخول إلى هذا المنزل ~~الحقير. # وتأبط توما ذراعها وصعد بها. # أما إينا، أو «اللادي باميلتون»، فإنها صعدت معه وقالت له: إني أتيت إليك دون أن يعرف ~~اللورد أفندال، فإني أحب أن أرى مرة ثانية هذا الرجل الذي قلت إنه اللورد وليم. ~~- إنه هنا يا سيدتي. ~~- هنا في هذا المنزل؟ ~~- نعم، وهذا باب المنزل الذي يقيم فيه فقد وصلنا إليه. ~~- أهو وحده؟ ~~- كلا، فإنه يقيم مع امرأته وولده. # فدهشت دهشا عظيما وقالت: امرأته وولده! # ثم سكن اضطرابها وقالت: ولكني أريد أن أراه وحده. ~~- إذا، اصعدي إلى منزلي، فأخرج أنا وامرأتي منه، وأدعو اللورد إلى موافاتك. # وظهرت على اللادي علائم التردد، وكأنها قد ندمت لاندفاعها، غير أنها رأت أن الأوان قد فات، ~~وأنه لم يعد سبيل إلى الرجوع. # وصعد بها توما وهي تسير نادمة متثاقلة إلى منزله، فأقامها فيه وذهب للإتيان باللورد ~~وليم. # ولما علم اللورد وليم بمجيء اللادي إليه تأثر تأثرا عظيما، وقال في نفسه: إنها لم تعرفني ~~حين رأتني المرة الأولى، ولكن لا بد لها أن تعرفني هذه المرة. # ثم خرج من منزله إلى غرفة توما ورجلاه تضطربان. # أما توما فإنه أشار إلى امرأته أن تتبعه كي يخلو لهما المكان، فامتثلت وخرج الاثنان. # وكانت اللادي باميلتون قد أرخت نقابها، حتى إذا خرج توما وامرأته أسفرت عن وجهها، وجعل كل ~~منهما ينظر إلى الآخر نظرة الخائف الواجم، دون أن يجسر على الكلام. # إلى أن بدأت اللادي بالحديث وقالت: أردت يا سيدي أن أراك مرة ثانية ms2487 للتحقق من أمرك. ~~- وأنا أرى من عينيك يا سيدتي أنك قد عرفتني حق العرفان. # ولم تجبه على كلامه وقالت له: ألعلنا وحدنا يا سيدي؟ ~~- دون شك. ~~- أنت واثق أنه لا يسمع حديثنا أحد؟! ~~- إني واثق كل الثقة. ~~- إني أردت الآن أن أراك يا سيدي لكي أخدمك خدمة خالصة في كل ما تريد. # وارتعش اللورد وليم، وقال: كيف ذلك يا سيدتي؟! # أجابت: إني رأيت اللورد وليم ميتا، ومع ذلك فإنك تقول لي: إنه لا يزال في قيد ~~الحياة. ~~- هو أنا يا سيدتي ... ~~- ليكن ما تقول، ولنعتبر أنك أنت هو اللورد وليم. ~~- ماذا تريدين بذلك؟! ~~- أتوسل إليك أن تصغي إلى تتمة حديثي. ~~- إني مصغ يا سيدتي كل الإصغاء فقولي ما تشائين. ~~- إني كنت أعتقد كل الاعتقاد أنك مت والله يعلم كم بكيتك. # وكانت تقول هذا القول بلهجة المضطرب، ثم عادت إلى الحديث فقالت: نعم إني بكيت عدة شهور، ~~وأبيت كل الإباء أن أتزوج بعدك، ولكن أبي كان يلح علي والسير أفندال يظهر لي حبا أكيدا، ~~فلم أجد بدا من الامتثال لأبي واضطررت مكرهة إلى الزواج بالسير أفندال. # وقال لها اللورد وليم: وبعد ذلك؟! ~~- وبعد ذلك أفضت بي الألفة إلى حب السير أفندال الذي لم أتزوجه إلا من قبل الامتثال لأوامر ~~أبي، وأصبحت أما بعد حين، وكنت من أسعد النساء، إلى أن ظهرت لي، وأنا أعتقد أنك ميت، فوقعت ~~وقوع الصاعقة على رأسي، ولذلك أتوسل إليك أن لا تفضحنا، وأن لا تنازع أخاك نزاعا لا فائدة ~~منه. # فقال لها: ولكن كيف ترجين مني ذلك وأنت تعلمين أن زوجك قد نهبني؟ ~~- إنا مستعدان لأن نعوض عليك بما تريد. # وأجابها بعظمة: إني لا أريد تعويضا عن حقي، بل أريد كل هذا الحق. ~~- ولكن ... يستحيل عليك يا سيدي أن تبرهن أن اللورد وليم لا يزال في قيد الحياة. ~~- بل أنت واهمة يا سيدتي، فإني سأثبت ذلك كل الإثبات. ~~- إذا ... ستنهب أخاك كما نهبك، ولا يكون من ذلك غير فضيحة بيتكم النبيل. ~~- إذا كنت تقولين مثل هذه ms2488 الأقوال يا سيدتي، فلماذا أتيت إلي؟ ~~- إني أتيت لأقترح عليك تسوية أرجو أن لا يكون بعدها غير الاتفاق. ~~- اعرضي اقتراحك علي لأرى رأيي فيه. ~~- إني أقترح أن تبرح هذه البلد وترجع إلى لندرا، أو أستراليا فيبقى لك اسم ولتر بريس ~~... # فأجابها بلهجة المتهكم: وما تعطونني مقابل هذا التنازل؟ ~~- قدر ما تشاء من المال؟ # فابتسم اللورد وليم وقال: إنك تسألين المحال يا سيدتي، فما أنا بطالب مال. ~~- إذا ما تريد؟ ~~- أصغي إلي كما أصغيت إليك يا سيدتي، فإني أشفق على شرف أسرة باميلتون أكثر من إشفاقك ~~عليه. # وقد اقترحت علي اقتراحا، وأنا سأقترح عليك اقتراحا آخر أرجو أن تسمعيه. ~~- ما هو هذا الاقتراح الذي تقترحه علي؟ ~~- إن عمي السير جورج الذي كان متنكرا باسم نظام كان السبب في جميع ما لقيته من المصائب، ~~فلماذا لا يكون هو المجرم الوحيد؟ ~~- إني لم أفهم شيئا مما تقول فأوضح لي. ~~- لماذا لا يعترف أخي أن هذا الرجل قد خدعه، وليس من يعلم أنه كان عمنا؟ ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك يعترف أني أخوه فتقسم الثروة بيننا، ويبقى له لقب اللوردية، فإني أحب أن أبقى من ~~أسرة باميلتون. ~~- إن ما تطلبه محال يا سيدي. ~~- لماذا؟ ~~- لأن حق البكورية لا يزال معمولا به في بلاد الإنكليز. # فبدرت من اللورد وليم بادرة غضب وقال لها: احذري أيتها اللادي. # فأجابته ببرود قائلة: تقول إنك اللورد وليم أليس كذلك؟ ~~- إنك تعرفين ذلك حق العرفان. ~~- ولكن يجب أن تبرهن على صدق ما تقول. ~~- إني سأبرهن على ذلك عند الاقتضاء. ~~- وفي ذلك اليوم الذي تبرهن فيه أنك اللورد وليم يرجع لك اللورد أفندال ثروتك وتخرج من هذه ~~المعركة خروج الظافرين. # ثم نهضت تحاول الذهاب، وحاول اللورد وليم أن يوقفها، ولكنها أبت أن تقف؛ ففتحت الباب وهي ~~تقول: إنك لو كنت حقيقة وليم الذي كان يحبني لما كلمتني بهذه اللهجة العنيفة، فأودعك الآن يا ~~سيدي، فإننا لا نلتقي بعد ذلك إلا في مواقف القضاء. # ثم خرجت بملء العظمة والكبرياء. # أما اللورد وليم فإنه ms2489 أن أنين الموجع، ثم وضع رأسه بين يديه، وقال: إن اللادي قد عرفتني حق ~~العرفان. # 41 # في مساء ذلك اليوم كان ثلاثة مجتمعين في قصر باميلتون يتداولون. # وكان هؤلاء الثلاثة اللورد أفندال وامرأته ووالدها السير أرشيبالد. # وقد عرف القراء شيئا من حال السير أرشيبالد؛ فإنه لم يكن من طبقة النبلاء، ولكنه كان واسع ~~الثروة، وقد جمع مالا عظيما من الهند، ولما عاد من تلك البلاد النائية إلى إنكلترا لم يكن ~~يخطر في باله غير تزويج بنته بفضل ثروته من أحد كبار النبلاء. # وكان أول من وقع في شركه اللورد وليم. # ولما توارى هذا اللورد طمحت نفسه إلى أخيه اللورد أفندال، كانت الرواية التي روتها اللادي ~~باميلتون للورد وليم صادقة في جميع معانيها. # فإنها قاومت أباها مقاومة عنيفة في البدء، ولكنها اضطرت في النهاية إلى الإذعان، وبات اسمها ~~منذ ذاك الحين اللادي باميلتون. # ثم عقدت الألفة الزوجية الحب بينهما، ورزقت منه بنين، فدعاها جميع ذلك إلى نسيان اللورد ~~وليم؛ لأنها كانت تعتقد أنه من الأموات. # ويذكر القراء أنه بعد ذلك بثلاثة أعوام اهتم حاكم زيلندا بما عرضه عليه ولتر بريس «اللورد ~~وليم» فكتب إلى إنكلترا يسأل عما أشكل عليه من أمره. # وكان اللورد أفندال في ذلك العهد غائبا عن لندرا، ففتحت امرأته كتاب الحاكم، وقرأته فوقع ~~عليها وقوع الصاعقة وأخبرت أباها بما قرأته. # وقال لها السير أرشيبالد: إن اللورد وليم قد مات، وإن هذا الذي ينتحل الآن اسمه من أهل ~~الزور والنفاق، ولكن لنفرض أنه صادق فيما يدعيه، وأن اللورد وليم لا يزال في قيد الحياة، فيجب ~~أن تعتبريه من أهل القبور. # إنك تدعين الآن اللادي أفندال باميلتون، وليس لزوجك أخ بعد أن كتب اسمه في سجل ~~المائتين. # وبعد حين رجع اللورد أفندال إلى لندرا، فاطلع على هذا الكتاب، وأنكر الجريمة أتم الإنكار ~~وأظهر النفور والاشمئزاز من هذه العيوب، لكن امرأته انتهت بالفوز عليه، فباح لها بسر الجريمة ~~الهائلة مدعيا أنه لم يقدم عليها لطمعه بمال أخيه وألقابه، بل لحبه إياها ms2490 ولطمعه بالزواج ~~بها. # فغفرت له ذلك الذنب مقابل هذا الحب فكانت كما قال هملت في جنسها: # كذا خلق النساء فكل أنثى # تصدق ما يدعى غراما # وقد صدقت حديث هذا الحب، وأنستها كلمات غرامه الحلوة تلك الجريمة التي تقشعر لها الأبدان، ~~وذاك اللورد خطيبها الأول المنكود، فوافقت زوجها على كل ما فعل. # وقد زاد حرصها على تلك الثروة الشائنة، التي لم ينلها زوجها إلا منغمسة بدم الجريمة والإثم، ~~وأشفقت عليها إشفاقا شديدا، حتى باتت تكره اللورد وليم بعد ذلك الحب القديم حين علمت أنه في ~~قيد الحياة، وأنه قد يعود ويطالبهم بالثروة المسروقة. # وقد كانت اللادي تحدث أباها وزوجها في ذاك الاجتماع بما جرى بينها وبين اللورد وليم وهما ~~يسمعان حديثها بملء الجزع. # حتى إذا أتمت حديثها قال لها أبوها: أحق ما تقولين أنه قد تغير حتى لم يعد يعرف؟ # أجابت: إنك لو أقمت بقربه طول العمر لما عرفته. # فقال لها زوجها: ومع ذلك لم يقبل اقتراحنا. ~~- بل هو يأباه كل الإباء. # فابتسم السير أرشيبالد وقال: إنها ستكون قضية شائنة، ولكننا سنخرج فائزين منصورين. # فقال اللورد أفندال: وفوق ذلك فإن مثل هذه القضايا الكبرى يقتضي لها المال الكثير، ومن أين ~~له هذا المال كي ينفق هذا الإنفاق؟ # فأجابته زوجته: إني رأيته في أشد درجات الفقر، فقد رأيته مقيما في أحقر المنازل. # فقال السير أرشيبالد: ولكن يجب أن يبرح هذا الرجل لندرا. # قالت: لا أعلم، لكن لا بد لنا أن نجد طريقة. # وبينما كان السير أرشيبالد يقول هذا القول دخل الخادم وهو يحمل على صينية من الفضة رقعة ~~زيارة وقدمها إلى اللورد أفندال. # فتناولها اللورد ونظر إلى توقيعها فرأى اسم الأسقف بترس توين فقال له: ما عسى يريد مني هذا ~~الأسقف الآن؟ ~~- إنه يا سيدي يطلب مقابلتكم بإلحاح. ~~- إذن أدخله. # وبعد هنيهة دخل الأسقف الذي عرف القراء فيما تقدم من الأجزاء السابقة أنه أعدى عدو للرجل ~~العبوس «روكامبول» وكهنة الكاثوليك. # وكان السير أرشيبالد قد خرج مع ابنته. # فلما دخل الأسقف وجد اللورد ms2491 أفندال وحده في انتظاره، غير أنهما كانا لا يزالان عند الباب ~~فناداهما الأسقف وقال لهما: لا حاجة إلى انصرافكما، بل إن بقاءكما لا بد منه. # فقال اللورد بعد أن عادت زوجته وأبوها إلى مجلسيهما: تفضل يا سيدي الأسقف وقل لنا السبب ~~الذي دعاك إلى تشريفنا بهذه الزيارة. ~~- إني يا سيدي اللورد زعيم الرسالة الإنجليكانية في جميع إنكلترا، وإن أعمالنا الخيرية ~~يقتضي لها كثير من النفقات، ولذلك تعجز رسالتنا، على كثرة إيرادها عن القيام بهذه النفقات ~~وتحتاج إلى مساعدة أهل الخير من أمثالكم الأغنياء. ~~- إذا كنت آتيا لهذا الغرض فإني أكتتب بخمسمائة جنيه. # فابتسم الأسقف وقال: إن هذا المبلغ كثير على غيرك أما عليك فهو قليل. ~~- إذا أزيدك خمسمائة أيضا فأكتتب بألف. ~~- إنك لو تعلم، يا سيدي الخدمة التي سأخدمك إياها لما ساومتني هذه المساومة ... # فارتعش اللورد أفندال وقال: أية خدمة تعني؟ ~~- إن جمعيتنا - يا سيدي اللورد - كثيرة الفروع، ولها مرسلون في كل مكان، حتى في زيلندا ~~الجديدة، وقد رجع حديثا أحد هؤلاء المرسلين إلى إنكلترا. ~~- وأية علاقة لي برجوعه؟ ~~- إن علاقتك به يا سيدي أن هذا المرسل عرف في تلك البلاد حين كان فيها رجلا منفيا يدعى ~~ولتر بريس. # فاصفر وجه اللورد أفندال، وجعل السير أرشيبالد وابنته ينظر كل منهما إلى الآخر نظرات تشف عن ~~القلق. # فقال له أفندال: أحق ما تقول؟ # فأجابه الأسقف: بل أزيدك يا سيدي أن هذا الرجل - ولتر بريس - يقيم الآن في لندرا وهو يدعي ~~أن اسمه الحقيقي اللورد وليم باميلتون؛ أي اسم أخيك. ~~- إن هذا الرجل مزور محتال. # فأجابه الأسقف ببرود: وهذا رأيي فيه. # ثم نظر إليه محدقا وابتسم ابتسامة تشف عن معرفته الحقيقة، وأن المباحثة بجلاء خير من ~~التمويه. # فأدرك أفندال معنى هذه الابتسامة، ولكنه لبث في موقف المتردد. # فقال له الأسقف: إن هذا الرجل سواء كان صادقا أو كاذبا فيما يدعيه فإنه قد يولد لك مشاكل ~~ومصاعب على أني أستطيع أنا وقايتك منها. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- ذلك لا ريب فيه بشرط أن نتفق. ms2492 ~~- إذا قل ما تريد. # 42 # ولم يدر أحد ما جرى بين هذا الأسقف وبين الثلاثة المتآمرين، غير أنه في التالي وردت إلى ~~توما هذه الرسالة دون توقيع، وهي: «إن رجلا لا يستطيع التصريح باسمه، ولكنه يخلص إخلاصا ~~شديدا للورد يخبر توما أن الضابط برسي رجع إلى مسقط رأسه في مدينة بيرب من أعمال ~~إيكوسيا. # وهو الآن في حالة عسر شديد يعيش من دريهمات تنفقها عليه الحكومة وقد ذهب بصره وهو يقيم مع ~~ابنته في تلك المدينة. # إنه شديد الفقر إذا أعطيته القليل من المال باح لك بما يعلمه من ذاك السر الرهيب.» # فأخذ توما الرسالة إلى اللورد وليم، فلما اطلع عليها قطب ~~حاجبيه ثم قال: إني أخشى أيها الصديق أن تكون هذه الرسالة شركا نصب لك وأشير عليك أن تذهب إلى ~~بيرت. ~~- أتظنها مكيدة؟ ~~- نعم، فإن مس إينا قد عرفتني، وأيقنت أنها ليست فقط لم تعد تحبني، بل إنها باتت شريكة ~~زوجها الأثيم، وقد طلبت إلي أن أبرح إنكلترا، فأبيت وأخذت تكيد المكائد إذ لم تستطع ~~إقناعي. ~~- وأية غاية لها من هذه الرسالة؟ ~~- التفريق بيني وبينك بغية إضعافنا. ~~- إنك قد تكون مصيبا، وسأكتب إليه بدلا من أن أسافر. # وكان توما يعرف كثيرين في مدينة بيرت، بينهم رجل من تجار الخيول كان من أصدقائه المخلصين، ~~فذهب إلى إدارة التلغراف وأرسل إليه الرسالة البرقية الآتية: # صديقي العزيز ... # إن بيرت مدينة صغيرة، يعرف كل الناس بعضهم بعضا فيها، فأرجو أن تخبرني إذا كان فيها ~~رجل يدعى برسي كان من الضباط الذين يقودون المجرمين إلى منفاهم. # أرسل الجواب بهذا العنوان: # توما # وكيل اللورد باميلتون سابقا # نمرة ~~17 شارع أدم سيتملس لندرا # وأقام ينتظر الرد فجاءه في المساء الجواب الآتي: # صديقي العزيز # إن الضابط برسي يقيم في بيرت، ولكنه مريض وحالته شديدة الخطورة. # فأخذ توما الجواب إلى اللورد وليم، وأطلعه عليه فقال له: مهما كان المبلغ الذي يحمله على ~~الإقرار زهيدا، لا أستطيع دفعه إليك، إذ لا مال لي. ~~- ولكن بقي لي مائة جنيه. ~~- إن ms2493 هذا المبلغ لا يكفي. ~~- ولكني أسافر في كل حال، فإذا كان المبلغ غير كاف، فلا أعدم وسيلة للحصول على الكفاية من ~~المال في تلك المدينة، إذ لي فيها كثير من الأصدقاء. ~~- إذا سر على بركات الله. # فخرج توما من عنده كي يعد معدات السفر، فلما خرج تصدى له رجل تشير ملابسه على أنه من رجال ~~الشرع، فحياه وقال له: إني أدعى يا سيدي إدوارد كوليرس. ~~- لقد تشرفت بمعرفتك يا سيدي، فهل أنت قادم إلي؟ ~~- نعم إني أشتغل في مكتب المحامي سيمون. # فبرقت عينا توما ببارق السرور، وقال في نفسه: لا شك أن هذا المحامي قد تمعن في الأمر، ووجد ~~وسيلة صالحة لفوز اللود وليم وإرجاع ثروته وألقابه إليه. # وأتم إدوارد كلامه فقال: إن غرفتي يا سيدي مجاورة لغرفة المحامي سيمون لا يفصل بين الغرفتين ~~غير جدار رقيق من الخشب، بحيث إذا أصغيت سمعت كل ما يدور من الحديث بينه وبين زبائنه، وقد كنت ~~أنت أمس عنده، أليس كذلك؟ ~~- هو ذاك. ~~- إني سمعت حديثكما بالتفصيل، فلم تفتني كلمة منه. # فنظر إليه توما نظرة ريب، وقال: إذا أليس هو المحامي سيمون الذي أرسلك إلي؟ ~~- أرجو أن تصغي إلى حديثي حتى أتمه، يا سيدي، ثم سلني ما تشاء. ~~- تكلم. ~~- إني أشتغل منذ عشرين عاما، وقد جمعت بعض المال مما كنت أقتصده، وأنا الآن طامع بشراء ~~مكتب المحامي سيمون، فإنه يريد أن يتخلى عن الأعمال بعد أن نال ما ناله من الثروة، ولكني لا ~~أزال في حاجة إلى ثلاثة آلاف جنيه لتتمة الثمن. # فابتسم توما ابتسامة حزن، وقال له: إذا كنت معتمدا علي، فقد أخطأت. ~~- إني لست مخطئا بقدر ما تتوهم، فقد قلت لك إني جمعت بعض المال باقتصادي، وأزيدك أن ما ~~جمعته يربو على اثني عشر ألف جنيه، أما هذا المال فإني مستعد لوضعه بين يدي اللورد وليم، يتصرف ~~به كيف يشاء. # فدهش توما لما سمع وقال: أحق ما تقول؟ ~~- دون شك وفوق ذلك فإني من رجال الشرع المتضلعين، وإني واثق من كسب ms2494 القضية. ~~- ألعل ذلك من الممكنات؟ ~~- إني بالأمس كنت مترددا بالحكم، أما اليوم فإني على أتم ثقة من الفوز، وأنا هو الذي أرسل ~~إليك الرسالة. ~~- أنت هو مرسل الرسالة التي لا توقيع فيها؟ ~~- نعم. ~~- إذا؛ إن الضابط برسي هو في بيرت حقيقة؟ ~~- لا بد أن تكون عرفت ذلك بالبرهان. ~~- هو ذاك فقد سألت عنه تلغرافيا في بيرت فأجابوني بالإيجاب. ~~- وهل عزمت على السفر؟ ~~- إني مسافر الآن. ~~- ولكن كم لديك من المال. ~~- مائة جنيه. ~~- إن هذا المبلغ لا يكفي. ~~- ربما، ولكن هذا كل ما أملكه. ~~- إذا خذ هذه الحوالة بألف جنيه، واسمح لي أن أعرض عليك شروطي ... ~~- ما هي؟ ~~- هي أنه حين نكسب القضية يكون لي منها خمسون ألف جنيه. # فأخذ توما الحوالة منه، وقال: سيكون لك هذا المبلغ. # فقال له إدوارد: اذهب إلى بيرت وأحضر برسي، وأنا الضمين بإقناعه على الإقرار. ~~- أأستطيع أن أكتب لك من بيرت؟ ~~- لا فائدة من الكتابة فإن كل الفائدة بحضور برسي. # ثم تركه وانصرف. # أما توما فإنه عاد إلى اللورد وليم وأخبره بجميع ما جرى، وقال: إن ساعة الانتصار قد دنت يا ~~سيدي. # فأجابه اللورد بلهجة المرتاب: من يعلم؟ # وبعد هنيهة ركب توما القطار المسافر إلى أدمبرج، وكانت الساعة الثامنة من المساء. # وكان وحده بالمركبة، ولم يلق فيها أحدا من الركاب، وفي المحطة الثانية دخل مسافر وجلس ~~بالقرب من توما في تلك المركبة. # فتعارفا وبعد حين أخذ المسافر سيكارا من علبته وقدمه لتوما فأخذه منه وجعل يدخن ~~بها. # ولم يكد يأتي على آخره حتى نام نوما عميقا. # 43 # كان هذا السيكار الذي قدمه الرجل لتوما يحتوي على مادة مخدرة، بدليل أن توما نام على أثر ~~تدخينه عدة ساعات. # فلما استفاق وجد نفسه في ظلام دامس، وحاول أن يتحرك فلم يستطع؛ لأنه كان مقيد اليدين ~~والرجلين، فحسب أن القطار واقف. # غير أن عينيه تعودتا تباعا على الظلام فرأى أنه لم يكن نائما في قطار فجعل يصيح مستغيثا ~~دون أن يجيبه أحد. # وعند ذلك حاول أن ينهض فسقط ms2495 على الأرض وشعر أن الأرض رطبة، فعلم أنه في قبو. # فتمثلت له الحقيقة وأيقن أنهم نصبوا له شركا بغية التفريق بينه وبين اللورد وليم. # فانقطع عن الصياح وجعل يفكر فيما صار إليه. # ثم أجال في ذلك المكان المظلم نظرا فاحصا، فرأى نورا ضعيفا قد ظهر له ثم توارى. # وفحص الأرض التي كان ملقيا عليها، فلم يجد ترابا بل خضبا رطبا، ثم شم رائحة زفت، وشعر ~~بعد ذلك باهتزاز عظيم، فعلم لفوره أنه في عنبر سفينة. # وبعد هنيهة سمع وقع أقدام فوق رأسه وعاد النور إلى الظهور، ثم تلا ذلك أصوات بشرية عقبها ~~زيادة الاهتزاز. # وعند ذلك سمع صوت صفير شديد، فلم يبق لديه شك أنه في سفينة بعد أن كان في قطار. # وقد كان المنكود يسأل نفسه إلى أين تسير به السفينة وبيد من وقع، فلا يهتدي إلى حل هذا ~~اللغز. # وعند ذلك مر بخاطره اسم اللورد أفندال فوجف قلبه وعاد إلى الاستغاثة والصياح دون أن يجيبه ~~أحد . # وكانت السفينة قد رفعت مرساها وأخذ النوتية يهتمون بها في بدء السفر فلم ينتبه إليه ~~أحد. # ولكنه لم ينقطع عن الصياح وما زال يستغيث حتى رأى الباب قد فتح ودخل منه النور. # فرأى توما رجلا دخل إليه فدنا منه وقال له: أأنت هو الذي كان يصيح هذا الصياح؟ ~~- نعم أنا هو، فمن الذي قيدني قيد المجرمين؟ ومن جاء بي إلى هذه السفينة؟ # فجعل النوتي يضحك وقال له: اذهب واسأل الربان هذا السؤال، أما أنا فلا أعلم شيئا من أمرك، ~~على أني أنذرك أنك إذا رجعت إلى مثل هذا الصياح المزعج، جلدتك خمسين جلدة، وقد أعذر من ~~أنذر. ~~- إني لا أطيق الجلد وسأنقطع عن الصياح كما أردت إنما أرجوك أن تخبرني أيها الصديق أين ~~أنا؟ ~~- إنك في عنبر سفينة. ~~- وإلى أين مسافرة هذه السفينة؟ ~~- إلى أميركا. ~~- ولكن كيف وصلت إلى هنا ومن جاء بي؟ ~~- لا علم لي بشيء من هذا. # ثم تركه وانصرف. # وبعد ذلك ببضع ساعات رجع إليه بشيء من الطعام والشراب ms2496 فوضع المائدة أمامه وفك قيود يديه كي ~~يستطيع أن يأكل. # وكان اليأس قد تمكن من قلبه، والسفينة مجدة في السير، فمضى النهار وعقبه الليل. # ثم تعاقب الليل والنهار وفي كل يوم يأتيه النوتي مرة بالطعام، ثم يقيد يديه بعد أن يفرغ من ~~الأكل. # وبعد ثلاثة أيام جاءه النوتي وقال له: لدي أوامر جديدة من الربان، فقد رأى أنه لم يبق فائدة ~~من بقائك في العنبر. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- بلا ريب والبرهان أني سأفك قيودك وأصعد بك إلى ظهر السفينة إذ لم نعد نخاف شيئا ~~الآن. ~~- ماذا تعني بما تقول؟ ~~- إننا أصبحنا على بعد مائة مرحلة من الشواطئ الإنكليزية، فلم نعد نخشى أن تفر ~~سباحة. # ثم فك قيده وصعد به إلى ظهر السفينة. # وبعد أن فحص توما هذه السفينة قال في نفسه: إن هذه الباخرة هي من بواخر الحكومة، فإن ربانها ~~من الضباط، ولا شك أنه من أهل الظرف والأدب فإني سأكلمه بأمري فيعلم أن سجني في باخرته إنما كان ~~خطأ ومكيدة فيطلق سراحي. # وعند ذلك جعل ينتظر مناسبة تمكنه من محادثة الربان. # وكان البحارة ينظرون إليه منذهلين، ولم يكلمه أحد. # ولبث صابرا إلى أن أقبل الظلام، فرأى الربان قد صعد إلى حيث كان واقفا ينتظره. # فأسرع إليه وحياه بملء الاحترام، ولكنه لم يلبث أن بدأ بشكواه حتى قاطعه الربان بعنف وقال ~~له بجفاء: إني لا أستطيع أن أخبرك بشيء وغاية ما أستطيع قوله أني تلقيت أوامر بشأنك فأنفذتها ~~كما تلقيتها. # ثم تركه وانصرف. # فذهب توما واليأس ملء قلبه إلى الربان الثاني، فلقي من قسوته أشد ما لقي من الأول، وقال له: ~~إنك إذا عدت إلى التثقيل علينا بمثل هذه الأسئلة وضعتك في أصفاد الحديد. # فتركه توما آسفا حزينا، وقد علم أنه لا يستطيع الاعتماد إلا على نفسه، فأقام في تلك ~~السفينة ينتظر فرصة تمكنه من الفرار، وقد طال انتظاره. # ولكن هذه الفرصة قد وافته فاغتنمها، كما سنبينه للقراء. # 44 # إن هذه السفينة التي كان مسافرا عليها توما، كانت ذاهبة إلى ms2497 بونس أيرس. # وقد وصلت بعد اجتيازها البحار خمسة عشر يوما إلى قرب تناناريف، فكانت السماء صافية والبحر ~~ساكنا هادئا. # فواصلت سيرها، ولكنها لم تسر بضعة أميال حتى برد الهواء فجأة، وظهر بعض الغيوم في تلك ~~السماء الصافية. # وكان الربان من المدربين في هذه المهنة الشاقة، فلما شعر ببرد الهواء فجأة أخذ منظاره وجعل ~~ينظر إلى تلك الغيوم، فراقبها حينا ثم قطب حاجبيه ولم يفه بحرف. # أما توما فقد استسلم إلى القضاء، وكانت له الحرية المطلقة بالإقامة أين يريد في ~~السفينة. # وقد أذن له الربان بالتكلم مع البحارة، فلم يعد يخطر في باله بعد أن أمعنت في السفر أن ~~يبرحها، ولكنه كان يراقب كل ما يجري فيها وقد رأى الربان حين نظر بمنظاره إلى الغيوم، ورأى ~~تقطيب حاجبيه، فعلم أن العاصفة تنذر السفينة. # فلما أقبل الليل أمر الربان بإيقاف السفينة، فسر توما سرورا عظيما، وإنما أمر بإيقافها ~~لأنه رأى الرياح قد سكنت والأمواج قد ارتفع زبدها فقال للبحارة: ها هي العاصفة بدأت ~~مقدماتها. # ثم هجم الليل وهبت العاصفة فكانت هائلة وأخذت السفينة ترقص فوق تلك الأمواج الثائرة. # وكان توما يعلم أن تناناريف لا تبعد غير مرحلتين، عن موقف السفينة. # فبينما كانت السفينة في أشد هياجها، وبحارة السفينة يخضعون جميعهم للربان كأنهم رجل واحد ~~ويمتثلون لصوته الجهوري الرنان. # وبينما الصواري تكاد تنكسر لقوة الرياح، سمع صوت قائل يقول: «رجل في البحر.» # ولم يعلم أحد إذا كان هذا الرجل قد حملته السفينة أو أنه ألقى نفسه إلى البحر طائعا ~~مختارا. # ثم إنهم لم يعلموا إذا كان من البحارة أو من المسافرين، بل إنهم لم يحاولوا أن يبحثوا ~~لانشغالهم بما كانوا فيه من مقاومة العاصفة وإنقاذ السفينة مما كان يحدق بها من الأخطار. # وعند الصباح هدأت العاصفة وسكنت الأمواج، فعلم الربان أن الرجل الذي سقط في البحر كان ~~توما. # ثم أخذ سجل السفينة وكتب فيه ما يأتي: # في هذه الليلة حملت الأمواج المدعو توما عن ظهر السفينة فغرق، وهو الرجل الذي أنقله إلى ~~أميركا ms2498 بأمر الرسالة الإنجليكانية في لندرا. # وواصلت السفينة سيرها غير أن ربانها كان مخطئا في توهمه؛ لأن توما لم يغرق إذ كان من ~~الماهرين في السباحة. # فما زال يسبح في ذلك الظلام الدامس ويقاوم تلك الأمواج الثائرة، حتى عثر - وقد أشرف على ~~الغرق - بلوح كبير من الخشب كان السبب في نجاته، فإنه أمسك به واستراح، وجعلت الأمواج تقذفه وهو ~~ممسك باللوح حتى بلغ البر. # إن هذا الرجل الذي لقيه في القطار وأعطاه السيكار المخدر، لم يكن غرضه سرقة ماله، بل ~~الاحتيال على إقصائه، ولذلك أبقى له منطقته وفيها ما كان لديه من المال. # وقد كان أول وصوله إلى شاطئ مهجور، لا ينتابه غير الصيادين، فسقط مغميا غليه فوق تلك ~~الرمال، لفرط ما عاناه من التعب. # فجاء أحد الصيادين عند الفجر ليتفقد شباكه، فوجده وعالجه حتى استفاق فذهب به إلى عاصمة ~~الجزيرة. # وهناك ذهب توما إلى قنصل الإنكليز، وطلب إليه أن يعيده إلى بلده. # وقد اضطر أن يصبر ثمانية أيام إلى أن سارت باخرة نرويجية في تلك الميناء كانت مسافرة إلى ~~أوروبا، فرجع عليها إلى إنكلترا، فاستمرت الباخرة في سفرها شهرا كاملا. # على أن توما كان قد كتب رسالتين من تناناريف، إحداهما إلى زوجته والأخرى إلى اللورد وليم، ~~فشرح لهما أمره وفصل المكيدة، ثم طلب إليهما أن يختبآ في لندرا وأن لا يفعلا شيئا قبل ~~عودته. # وكان توما قد سافر إلى إيكوسيا وهو قد علم بعض الحقيقة، فقد كان واثقا أن إدوار لم يخدعه ~~وأن الرجل الذي أرسل إليه التلغراف من بيرت كان هو نفس الرجل الذي يعرفه، ولذلك كان واثقا كل ~~الثقة أن الذي نصب له هذه المكيدة إنما كان اللورد أفندال دون سواه. # ولذلك سافر توا إلى إيكوسيا ولم يقف إلا في بيرت. # فذهب حين وصوله إلى مركز البريد راجيا أن يجد رسالة من زوجته أو من اللورد وليم فلم يظفر ~~بشيء، فذهب إلى منزل ذلك الصديق الذي أرسل إليه الرسالة البرقية فعلم أن هذا الرجل قد برح مدينة ~~بيرت ms2499 منذ أعوام بعيدة، وأيقن أنه ليس هو الذي كتب إليه تلك الرسالة. # على أنه لم ييأس بعد كل ما اتفق له بل جعل يبحث عن برسي بأتم تدقيق فما وجد أحدا رآه في ~~تلك المدينة حتى إنه لم يجد من يعرفه فيها. # وعند ذلك عاد المنكود إلى لندرا عودة القانط، وأسرع إلى شارع أدم ستريت حيث ترك امرأته ~~واللورد وليم، فكاد يجن من قنوطه حين علم أن اللورد قد برح المنزل منذ شهر، فلم تحبط هذه ~~المصاعب عزمه، وأخذ يبحث عنهم وهو يقول: لا بد لي أن أجدهم أينما كانوا. # 45 # وقد كان وصول توما إلى لندرا في الليل، فاضطر أن يؤجل أبحاثه إلى اليوم التالي. # وفي صباح اليوم التالي ذهب توما إلى مكتب المحامي سيمون، وأخبره بما اتفق له مع إدوارد الذي ~~يشتغل في مكتبه. # فدهش المحامي دهشا عظيما إذ لم يشتغل عنده رجل يدعى بهذا الاسم. # فأخبره توما بجميع ما جرى له وعن احتجاب امرأته واللورد وليم. # فقال له المحامي: إني لم أر أحدا منهم على أن تلك الأمور التي أراك تستغربها لا أجد فيها ~~شيئا من الغرابة لأني كنت أتوقع حدوث مثلها، ألا تذكر أني حذرتك من السير أفندال؟ ~~- والآن ماذا نصنع؟ ~~- خير ما تصنعه هو أن ترضى بما عرضته عليك من قبل بشأن التسوية. ~~- ولكن هذا الشقي قد يكون قتل أخاه. ~~- إني لا أرى ما تراه، ألم تقل لي إن امرأتك واللورد وامرأته وولديه قد اختفوا؟ ~~- نعم. ~~- إذا اطمئن فإن قتل خمسة أشخاص ليس بالأمر اليسير. ~~- إذا ماذا صنعوا بهم؟ ~~- أصغ إلي أيها الصديق فإن ميزتي أن لا أهتم بما يتعلق بأعمال غيري، إني أصبحت واثقا الآن ~~أن اللورد وليم لا يزال حقيقة من الأحياء، وقد أشفقت عليك وعليه، وعولت على أن أهتم بأمره ~~وبأمرك. # إني لا أزيدك الآن شيئا على ما قلته، فعد إلي في هذا المساء وسوف ترى ما يكون. # فتركه توما وانصرف هائما على وجهه في لندرا يبحث عن امرأته وسيده دون جدوى. ms2500 # ولما أقبل المساء رجع إلى المحامي ولم يكن لديه عند ذلك سواه، فقال له: ألعلك لقيت أحدا من ~~الضائعين؟ ~~- كلا واأسفاه. ~~- أما أنا فقد كنت أسعد حظا منك. # فصاح توما صيحة فرح وقال: كيف ذلك يا سيدي؟ ~~- لا تتسرع بالسرور أيها الصديق. ~~- رباه ماذا حدث ألعلهم ماتوا؟ ~~- كلا، ولكنهم كادوا لهم مكيدة فسيحة أتعلم أين هو الآن هذا اللورد المنكود يا توما؟ ~~- أين؟ ~~- إنه في بدلام ... # فصاح توما صيحة يأس وقال: أهو مجنون؟ ~~- كلا، ولكنهم وضعوه في مستشفى المجانين، فإني أعرف بوليسا ماهرا يدعى روجرس، فدعوته إلي ~~بعد انصرافك من عندي، وعهدت إليه أن يبحث عن اللورد، فقال لي: إن مسألة هذا اللورد قد عرضت علي ~~فأبيت أن أتولاها، ولكني أعرف حقيقة ما حدث وإليك ما أخبرني به هذا البوليس. # إنه في اليوم التالي لسفرك ورد تلغراف منك إلى اللورد وليم. # فقاطعه توما وقال: تلغراف مني، إني لم أرسل له شيئا! ~~- إنه تلغراف مزور، وقد كان مفاده ما يأتي: «وجدنا برسي، إن إدوار سافر ليقابلك فاصنع ما ~~يقوله لك.» # وفي اليوم نفسه زار إدوار اللورد وليم، فأملى عليه مذكرة طويلة مزجها بعبارات كثيرة غير ~~مفهومة، فكان إذا اعترض عليها وليم يقول له إدوار: إنها اصطلاحات قضائية تشكل عليك لأنك لم ~~تألفها، ثم عهد إليه أن يذهب بنفسه إلى وزير الحقانية ويقدم له هذه المذكرة. # وبعد ذلك بيومين ورد إلى اللورد وليم كتاب منك. # فقاطعه توما قائلا: ولكني لم أكتب إليه. ~~- هو ذاك، ولكنهم قلدوا خطك. ~~- وماذا كتبوا بلساني؟ ~~- إنك كتبت إليه تقول: إن برسي مريض، وأنك مضطر إلى ملازمته حتى يبرأ. # وبعد ذلك بثمانية أيام صدر الأمر إلى اللورد وليم باسم ولتر بريس أن يذهب إلى نظارة ~~الحقانية. # فذهب مسرعا والرجاء ملء قلبه، ولكنه لم يعد في المساء فقلقت امرأته وامرأتك إلى أن ورد إلى ~~امرأته كتاب بتوقيع اللورد وليم، فإنهم زوروا خطه. # وكانت خلاصة هذا الكتاب أن ناظر الحقانية لم يشكك في قول وليم، وأنه دعا إليه أفندال وجمعه ms2501 ~~به فاعترف بكل ما كان. # غير أن ناظر الحقانية نظر نظرة خوف إلى جسامة هذه القضية وأشفق على أسرة باميلتون من ~~الفضيحة، فوفق بين الأخوين وعقد تسوية بينهما، وهي أن يقبض اللورد وليم من أخيه مائتين وخمسين ~~ألف جنيه، ويستولي على قصر أسرة باميلتون الكائن في باريس في شارع أونوريه، وتكون إقامته في ~~فرنسا. # وقد قال في ختام هذا الكتاب: إنه مسافر إلى فولكستون، وإنه ينتظر فيها امرأته وولديه، ثم ~~دعا بيتزي إلى السفر إلى بيرت لتخبر زوجها توما وتأتي به إلى لندرا، ثم تسافر وإياه إلى ~~فرنسا. # وكان يوجد في طي الكتاب ورقة مالية قيمتها مائة جنيه، فلم تشكك امرأته بشيء في هذا الكتاب ~~لأن الخط كان مقلدا أتم تقليد، والحكاية معقولة لا تحمل على الريب. # وأسرعت امرأة اللورد إلى دفع ما كان عليها من الدين ثم ركبت مركبة مع ولديها وسارت إلى محطة ~~الجنوب، ولم يرها أحد بعد ذلك العهد. # فقال له توما: وماذا جرى للورد وليم؟ ~~- إن ناظر الحقانية لم يصدق كلمة من حكايته، وقد ورد إليه في الوقت نفسه شكوى من اللورد ~~أفندال خلاصتها أن أحد المجرمين قد انتحل اسم أخيه الميت وطلب معاقبته. # وبينما كانت امرأة اللورد وليم مسافرة مع ولديها إلى فولكستون، كان طبيبان من أطباء ~~المجانين يفحصان اللورد وليم، فما ترددا في الحكم عليه أنه مجنون. # فاضطرب توما وقال: وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك أرسلوه إلى مستشفى المجانين ولا يزال فيه. ~~- وامرأتي؟ ~~- إنها سافرت في اليوم نفسه إلى إيكوسيا في مركبة النساء، فلما بلغت إلى المحطة الأولى ادعت ~~إحدى السيدات أنها قد سرقت في القطار. # فأقبل البوليس وفتش جميع النساء المسافرات فوجد كيس النقود المسروق في جيب امرأتك بيتزي ~~فقبض عليها وذهب بها إلى السجن. # فصاح توما صيحة يأس وقال: رباه لقد قطع كل رجاء. ~~- لا تقنط يا توما فلا يزال لنا رجاء وطيد. # 46 # فجعل توما ينظر إليه حائرا مبهوتا دون أن يفوه بحرف، فقال له المحامي: إنك بحثت عن برسي ~~دون شك. ms2502 ~~- إني بحثت عنه في كل مكان فلم أظفر بأثره ولا شك أنه قد مات. ~~- إنك مخطئ يا توما فهو لا يزال في قيد الحياة. ~~- أأنت واثق مما تقول؟ ~~- كل الثقة، فإنك بينما كنت تبحث أنت عنه كنت أنا أبحث أيضا، فعلمت أن برسي في قيد الحياة، ~~وأنه ليس أعمى، ولا هو مريض بل إنه بأتم صحة. ~~- أين هو؟ ~~- في لندرا ... # ثم قرع جرسا فأسرع إليه أحد الموظفين فقال له: اركب مركبة وسر بها إلى ذلك الرجل الذي ~~جاءني أمس وأتني به. # وذهب الموظف، وعند ذلك قال المحامي لتوما: إنك استرسلت إلى اليأس منذ هنيهة، فلا تتمادى ~~بالسرور الآن، فأصغ إلي، فإن برسي مقيم في لندرا وسيبوح بما يعلم مقابل مبلغ اتفقت معه عليه، بل ~~هو سيفعل أكثر من ذلك فإنه سيقنع الحارسين اللذين شاركاه بالجريمة على الاعتراف أيضا فيكون ~~لدينا ثلاثة شهود وهذا فوق الكفاية. # وقد اعتزل هؤلاء الثلاثة خدمة الحكومة، ولهم الآن رواتب تقاعد فإن علمت الحكومة بما ارتكبوه ~~ربما حكمت عليهم بالإعدام. # وعاد توما إلى الاضطراب وقال له: إذا كيف ترجو أن يبوحوا؟ ~~- لقد وجدت طريقة يقرون بها دون أن تنالهم يد الحكومة، وهي أني أعطي كل واحد منهم ألفا ~~وخمسمائة جنيه، وهو السعر الذي اتفقت عليه معهم لحملهم على الإقرار، وبعدها يبرحون لندرا إلى ~~فرنسا. # فقال له توما: إذا لا يبوحون. ~~- بل يعترفوا، ذلك أنهم حين وصولهم إلى باريس يذهبون إلى سفير إنكلترا ويعترفون له بجميع ما ~~حدث، ويخبرونه أيضا بخيانة ذلك السجان الذي وضع الحية في فراش ولتر بريس الحقيقي فيقبضون عليه ~~فجأة ولا بد له عند ذلك من الإقرار. # فقال توما: إذا يحكمون على هذا السجان؟ ~~- هو ذاك، ولكنه يستحق أشد عقاب إذ كان له أطول يد في الجريمة. # فغلب السرور على توما وقال: إذا كسبنا القضية. ~~- لا تتسرع بالحكم، فإن اللورد أفندال قوي، ولا تأذن الحكومة بافتضاح مثل هذا البيت ~~النبيل. # فأطرق توما برأسه وقال: إذا أية فائدة لنا بشهادة برسي ورفيقيه؟ ~~- إنها تفيدنا ms2503 بالحصول على التسوية؟ ~~- أية تسوية تعني؟ ~~- التسوية التي اقترحها خصومنا في كتابهم المزور إلى اللورد وليم. ~~- مائتان وخمسون ألف جنيه. ~~- وقصر باميلتون في باريس أيضا. ~~- بواسطة تلك الأوراق فأتسلح بها وأذهب إلى اللورد أفندال فيخاف من الفضيحة بعد أن يرى تلك ~~البراهين الجلية ويرضى بالتسوية على ما نبسطه له، ثم يطلق سراح أخيه من مستشفى المجانين بكلمة ~~يكتبها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يبرح اللورد وليم لندرا إلى باريس، وهناك تتم المبادلة؟ ~~- أية مبادلة تعني؟ ~~- يقبض المال الذي اتفقنا عليه ويسلم أوراق ملكية القصر، وفي مقابل ذلك يرد لهم القرار ~~المسجل بالسفارة. # غير أن توما لم يقتنع وكبر عليه أن يتنازل مولاه عن اسمه وحقه مقابل مال، فقال له المحامي: ~~إنك لا تزال على خطئك على أنك لو علمت كم تقتضيه مثل هذه القضية من الزمن لرجعت عن هذا العناد، ~~فقد يمر أعوام طويلة قبل أن يصدر الحكم فيها. ~~- وماذا يضرنا إن كان النجاح مضمونا؟ ~~- وجه الضرر فيه أن عائلة اللورد تموت جوعا، وأن اللورد المحبوس بين المجانين يصبح ~~مثلهم. # ثم إني لا أكتمك أيها الصديق أن هذه القضية يقتضي لها عشرون ألف جنيه على الأقل، ولا أستطيع ~~المخاطرة بهذا المبلغ الجسيم. # فلم يجد توما بدا من الامتثال بعد هذه البراهين المفحمة، وقال: إذا ليكن ما تريد. ~~- هذا الذي كنت أرجوه منك فقد انصعت للحق بعد ذاك العناد. # وعندها دخل الضابط برسي، وكان لا يزال شابا وعليه دلائل القوة والنشاط. فدله المحامي على ~~توما، وقال له: إننا متفقون على كل الأمور ولم يبق إلا التنفيذ، فهل تسافر الليلة إلى ~~باريس؟ ~~- أسافر دون شك ... ~~- إذا هذه الخمسمائة جنيه لك ولرفاقك وسندفع لك الباقي بعد التسجيل. # ثم أخذ دفتر الحوالات فكتب له حوالة على أحد مصارف باريس وأعطاه إياها. # 47 # فأخذ الحوالة ووضعها في جيبه، وقد برقت عيناه بأشعة الفرح، فقال له المحامي: اذهب الآن ~~وتأهب للسفر في المساء، وعندما تصل إلى باريس أرسل إلي تلغرافا يرشدني إلى الفندق الذي نزلت ~~فيه مع رفاقك. ~~- أيجب ms2504 أن نذهب إلى السفارة حين وصولنا إلى باريس؟ ~~- كلا، بل تصبرون إلى أن يوافيكم هذا الرجل، وأشار إلى توما. # فخرج برسي ممتثلا وبقي توما مع المحامي، فقال له: وماذا تصنع بامرأتي المنكودة وهي في ~~السجن؟ ~~- إنها ستخرج منه. ~~- كيف ذلك؟! ~~- إني أطلق سراحها بضمانة مالية. ~~- ولكنها إن برحت إنكلترا تخسر المال. ~~- لا بأس فإني أضيفه إلى ما أدفعه من نفقات اللورد وليم. # فأطرق توما برأسه إلى الأرض وبعد سكوت قصير قال له: ألم تقل لي يا سيدي إن امرأة اللورد ~~وولديه قد احتجبوا؟ ~~- نعم ... ~~- ألعلهم أصيبوا بمكروه؟! ~~- هذا ما كنت أخشاه، أما الآن فقد اطمأننت عليهم بعض الاطمئنان. ~~- كيف ذلك ... ~~- ذلك أني أرسلت في أثرهم ذلك البوليس الذي أخبرتك عنه، فوردني منه في صباح اليوم تلغراف ~~يقول فيه: إنه موشك أن يقف على أثرهم. ~~- أتظن أنه سيجدهم؟! ~~- هذا لا ريب فيه. # فنهض توما يحاول الانصراف وقال: سأعود إليك في الغد. ~~- كلا، لا يجب أن يعلموا أنك حي إلا حين يكتب برسي ورفيقاه إقرارهم، ويسجلون ما كتبوه في ~~السفارة وتصبح هذه الأوراق في يدنا، فقل لي أين تقيم الآن؟ ~~- إني لم أجد بيتا بعد. ~~- يجب أن تقيم في شارع بعيد. ~~- سأفعل، ولكن متى يجب أن أسافر؟! ~~- حينما يرد إلي نبأ من البوليس يدل على التقائه بامرأة اللورد وولديها. ~~- ألا يجب أن أرى اللورد وليم قبل سفري ...؟ ~~- إن الدخول إلى مستشفى بلدام غير ميسور ... ~~- ولكنهم قد يرخصون للبعض. ~~- نعم ... ولكن أعداءنا يراقبوننا كل المراقبة، وقد قلت لك: إنه يجب أن يعتقدوا أنك ميت إلى ~~أن نحصل على الأوراق. ~~- ولكن أين أجدك غدا. ~~- إني سأركب مركبة بين الساعة التاسعة والعاشرة قرب الحدائق فكن في ضواحيها. # ثم افترقا، وفي اليوم التالي ذهب توما في الموعد المعين لمقابلة المحامي فلقيه وقال له: ~~أوجد البوليس امرأة اللورد؟! ~~- نعم ... وهذا كتاب البوليس بشأنها فخذه واقرأه ... # فأخذ توما منه الكتاب وقرأ ما يأتي: # إني أكتب إليك يا سيدي من المحل الذي تقيم فيه مدام بريس، وإنما كتبت لك ms2505 رسالة بدلا من ~~تلغراف كي لا يطلع على ما أكتبه إليك سواك. # إن مدام بريس الآن في بريتون تقيم في منزل صغير عند شاطئ البحر، وهي لا تعلم شيئا من ~~دخائل المكيدة التي كيدت لزوجها، وتعتقد أنه ينتظرها في باريس، وإليك ما حدث لها ~~بالتفصيل. # إن الكتاب الذي أرسل إليها بتوقيع زوجها كان الخط فيه مقلدا أتم تقليد بحيث لم يحدث في ~~فؤادها شيئا من الريب. # وهي قد برحت لندرا منذ ثلاثة أيام كما تعلم، فلما وصلت إلى فولكستون لقيت رجلا ينتظرها ~~في المحطة. # ولم يكن هذا الرجل زوجها كما كانت تتوقع، بل كان رجلا يدعي أنه قادم من قبل زوجها ~~فأعطاها كتابا منه، وحسبت تلك المنكودة أنه حقيقة من زوجها لإتقان تقليد الخط. # أما هذا الكتاب فقد كانت خلاصته: أنه عرض على شروط الاتفاق بينه وبين أخيه بعض التبديل ~~والتحوير، فاضطر اللورد وليم للذهاب وحده إلى باريس، وهو يرجوها أن تعتمد كل الاعتماد على ~~الرجل الذي أرسله إليها. # فوثقت تلك المنكودة بهذا الكتاب، كما وثقت بالكتاب الذي تقدمه، وسافرت مع ذلك الرجل إلى ~~بريتون؛ حيث أقامها في منزل صغير وجدتها فيه صباح اليوم. # وقد وردها غير هذا الكتاب كتاب آخر من زوجها وفي طيه ما تحتاج إليه من النفقة، فلم أر ~~من الصواب أن أخبرها بالحقيقة قبل أن ترد إلي أوامرك، وإني أخبرتها أني قادم إليها من قبلك ~~لعلمها أنك أنت الذي تتولى عقد التسوية بين اللورد وأخيه، وفي كل حال فإني أنتظر ~~أوامرك. # وبعد أن أتم تلاوة الكتاب رده إلى المحامي وقال له: ماذا فعلت؟ ~~- أرسلت تلغرافا إلى البوليس استحسنت فيه عمله. ~~- وماذا تصنع الآن؟ ~~- يجب أن تسافر اليوم إلى باريس، وهذه حوالة على مصرف سامفري تقبض بموجبها ما تحتاج إليه من ~~النفقات. # فأخذها توما، وقال له: أعلم اللورد وليم بشيء. ~~- كلا. ~~- إذا لا بد أن يكون يأسه شديدا. ~~- دون شك، ولكن ذلك خير من أن يعلم الحقيقة. ~~- لماذا؟ ~~- حذرا من أن ننبه اللورد أفندال. ~~- وأين أجد برسي ms2506 ورفيقه في باريس؟ ~~- لقد وردني منه تلغراف مفاده أنه يقيم في فندق شامبانيا في شارع مونتمار. ~~- ومتى ذهبت إلى عنده والتقيت به ماذا أصنع؟ ~~- تذهب به توا إلى السفارة فمتى سجلت الأوراق تكتب لي؟ ~~- بعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك أذهب فأقابل السير أفندال. # فودعه توما وانصرف وعاد المحامي بمركبته إلى مكتبه. # وقد سافر توما بعد ساعة إلى باريس، وفي اليوم التالي ورد إلى المحامي هذا التلغراف: # القرار تم والسفير اقتنع والأوراق سجلت، وأنا مسافر هذا المساء إلى لندرا. # توما # فسر المحامي لهذه الرسالة وقال: إنها تسفر عن خير النتائج، ولا بد للورد أفندال أن يذعن بعد ~~أن يقف على الحقيقة. # 48 # ولما عاد توما من باريس كان في استقباله على المحطة امرأته والمحامي، فإن المحامي كان قد ~~أطلق سراحها بضمانة. # وكانت ملامح توما تدل على الفوز؛ فإنه كان يحمل إقرار برسي مصدقا عليه من السفارة. # فأخذ المحامي الأوراق منه وقال له: لقد بدأت الآن ساعة العمل فسأكتب إلى اللورد أفندال كي ~~يعين لي موعد الاجتماع. # وفي اليوم التالي ذهب المحامي وتوما إلى منزل اللورد، ولما وصلا إليه قال المحامي لتوما: ~~ابق أنت في المركبة، فإذا احتجت إليك دعوتك لأني أخشى أن تبدر منك بادرة غضب تفسد أمرنا ~~معه. # ثم تركه في المركبة وصعد إلى منزل اللورد فوجده ينتظره. # ولم يكن اللورد أفندال يعلم ما يريده منه المحامي، غير أنه كان يعلم أنه كان يتولى أعمال ~~أسرته في عهد أخيه، فقال في نفسه: إنه قادم لمثل تلك الأعمال دون شك. # أما المحامي فإنه بقي واقفا فقال له اللورد: في أي شأن طلبت مقابلتي يا سيدي؟ ~~- إني قادم بالوكالة عن أخيك يا سيدي اللورد. ~~- أي أخ تعني؟! ~~- أخاك البكر اللورد وليم. ~~- ولكني أخي البكر قد مات منذ عشرة أعوام. ~~- هذا ما كان يعتقده الناس. ~~- ولكنها الحقيقة. # فقال له المحامي ببرود: يوجد اثنان أيضا يا سيدي اللورد يعتقد الناس أنهما من ~~الأموات. ~~- من هما؟ ~~- إن الأول يدعى تونا. # فارتعش اللورد وقال: والثاني؟ ~~- هو برسي. ms2507 ~~- إني لا أعرف هذا الرجل. ~~- ربما، ولكنه هو نفس الرجل الذي أعان أباك السير جورج على استبدال أخيك الحي بجثة ولتر ~~بريس. # فقال له اللورد: إنك ما زلت عارفا بهذه الأمور فلنتحدث بجلاء. ~~- إن هذا كل ما أتمناه يا سيدي اللورد. ~~- إذا فاعلم أنه يوجد رجل شقي قد انتحل اسم أخي الفقيد بغية النصب علي فعلمت ذلك ولكني ~~طلبت إلى الحكومة تأديبه. ~~- إني عارف يا سيدي بجميع ما صنعت. ~~- وإن الحكومة قد استعملت معه الرأفة فوضعته في مستشفى المجانين. ~~- ولكن لهذا الرجل امرأة وبنين. ~~- قد يكون ذلك. ~~- وإن جميع ذلك قد جرى بأمرك. # فأجابه اللورد بعظمة: إني أراك قد وقفت معي موقف قضاة التحقيق. ~~- أسألك المعذرة يا سيدي اللورد عما بدر مني، وإنما أردت به أن أظهر لك وقوفي التام على كل ~~خفايا هذه المسألة الخطيرة. ~~- حسنا تكلم ... ~~- اتفق يا سيدي ذات يوم أن امرأة ولتر بريس «وندعها الآن بهذا الاسم» قد ورد إليها كتاب بخط ~~زوجها، ولكن الخط مزور، وقد تضمن هذا الكتاب الاتفاق على التسوية. ~~- مع من هذه التسوية؟ ~~- معك يا سيدي ... ~~- وما هي هذه التسوية؟ ~~- هي أن اللورد وليم يتنازل عن اسمه ولقبه ويبرح إنكلترا مقابل مائتين وخمسين ألف جنيه ~~يقبضها من أخيه اللورد أفندال. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك رأيت أن هذه التسوية موافقة للفريقين فجئت أقترحها عليك يا سيدي اللورد. # ثم أخرج ورقة من جيبه فوضعها على المنضدة أمام أفندال وقال: إنك حين تقرأ هذه الورقة يا ~~سيدي لا تتوقف لحظة عن قبول ما أقترحه عليك. # فجعل اللورد يقرؤها، وكان المحامي يراقبه فرآه قد اصفر وارتعش ثم بدرت منه بادرة غضب فدعك ~~تلك الورقة بين يديه وكاد يمزقها. # فقال له: هذه صورة الأصل، أما النسخة الأصلية المسجلة في سفارة لندرا في باريس فإنها محفوظة ~~في مكتبي. # فأطرق اللورد عند ذلك هنيهة مفكرا ثم قال: لقد رضيت باقتراحك، فأية ضمانة تكون لي على ~~تنفيذ شروطك؟ ~~- إعدامك النسخة الأصلية المسجلة التي قرأت صورتها الآن فإنها البرهان الوحيد الخطير ms2508 في هذه ~~القضية. ~~- حسنا، غير أن ولتر بريس في مستشفى المجانين. ~~- هو ذاك، ولكن إن أردتم كان إخراجه منه سهلا ميسورا. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكد، فإن كلمة منك إلى ناظر الحقانية تكفي لإخراجه. ~~- ومتى خرج يبرح لندرا؟ ~~- لفوره. ~~- وإذا دفعت المال، وأعطيته القصر في باريس، ترجع إلي نسخة الإقرار الأصلية؟ ~~- دون شك، فما كنت يا سيدي من الكاذبين. ~~- إذا ليكن ما تريد، فسأذهب إليك غدا في مثل هذه الساعة ونبرم الاتفاق النهائي. # فحنى المحامي رأسه للورد وخرج إلى حيث كان ينتظره توما في المركبة، فقال له: قضي الأمر ~~وكسبنا القضية. # فقال له توما والسرور باد بين عينيه: أرضي بكل اقتراحك؟ ~~- إنه رضي بكل شيء. ~~- واللورد وليم أيخرج من المستشفى؟ ~~- إنه يخرج غدا دون شك، وفي كل حال عد إلي في الساعة الثانية بعد ظهر غد فإني أرجو أن يكون ~~كل شيء قد انتهى. # وعند ذلك افترقا، فذهب المحامي إلى مكتبه وانصرف توما إلى امرأته والفرح ملء قلبه. # وكان توما مثل كل الإنكليز، فإن الإنكليزي إذا نال نعمة وأراد شكر الله عليها أصبح يحمده ~~وكأس الشراب بيده، وهكذا توما؛ فإنه قضى مع امرأته بقية يومه وبعض ليله وهو يتجول بها من خمارة ~~إلى أخرى، ويحمد الله لانفراج أزمة مولاه ويناجيه بما توحيه إليه كئوس الخمر، فلم ينم إلا عندما ~~بلغ من الخمر كل مبلغ. # على أنه صحا في اليوم التالي ونامت السكرة، فجعل ينتظر دنو الساعة الثانية بفارغ ~~الصبر. # حتى إذا حان الموعد المعين أسرع مهرولا إلى مكتب المحامي، فلما وصل إلى قرب ذلك المكتب وجد ~~الناس محتشدين جماهير عند باب منزل المحامي. # وكانت علائم الكآبة بادية في ثنايا الوجوه، فامتعضت نفس توما وحدثه قلبه بحدوث سوء، وحاول ~~أن يخترق الجماهير إلى منزل المحامي فلم يستطع لشدة الزحام. # ولما رأى أن المرور قد تعذر عليه سأل أحد الناس عن سبب هذا الزحام فقال له: لقد حدث مصاب ~~عظيم. # فارتعش توما واضطرب قلبه وجعل العرق البارد ينصب من جبينه. # فعاد إلى سؤال ms2509 الرجل وقال له بلهجة تشف عن القلق: ولكن ماذا حدث يا سيدي؟ ~~- مصاب عظيم. ~~- أي مصاب! ~~- إن سيمون المحامي مات. # 49 # ولم يكن وقع الصواعق على توما بأشد من وقع هذا النبأ عليه، فصاح صيحة يأس وكاد يذهب عقله، ~~وفي ذلك الحين دنا منه ذلك الموظف الذي كان قد أرسله المحامي لإحضار برسي وقال له: أعرفت هذه ~~الفاجعة الذي أصابتنا يا سيدي؟ ~~- ولكن هذا مستحيل. ~~- لقد كنت مثلك منذ ساعة لا أريد تصديق هذا النبأ المحزن الأليم، ولكني رأيته بعيني مسجى ~~على فراش الموت. # ثم قص عليه تفصيل وفاته، فقال له: إنه عاد أمس إلى منزله وعلائم السرور بادية بين عينيه، ~~فتعشى حسب عادته ونام قبل أن ينتصف الليل، وفي الساعة الثامنة من الصباح لم يخرج من غرفته، ~~فاستبطأته امرأته وقرعت باب غرفته فلم يجبها أحد، ففتحت الباب ودخلت فرأت زوجها على فراشه لا ~~حراك فيه. # وبعد هنيهة أقبل الطبيب فأثبت أنه مات بسكتة دماغية نتجت عن عارض مجهول. # فقال توما: أمات هنا في منزله؟ ~~- كلا، بل مات في ضواحي لندرا. ~~- إذا فما بال الناس محتشدون هنا قرب مكتبه؟ ~~- لأن الجنود قد دخلت إليه. # فدهش توما وقال: أي شأن للجنود في مكتبه؟ ~~- إن الحكومة قد أرسلت مندوبها لوضع الأختام على خزائنه وأوراقه. # ففعل هذا الخبر بتوما كما فعل به خبر الوفاة ذلك أن إقرار برسي المسجل كان موجودا عند ~~المحامي في إحدى خزائن مكتبه، وهو البرهان الوحيد الذي حمل اللورد أفندال على الرضى بالتسوية، ~~وإنما هاله هذا الخبر؛ لأنه كان يعلم بطء الحكومة الإنكليزية، إذا وضعت على منزل أختامها لا ~~تفضها إلا بعد عهد طويل. # وبعد أن خرج الجند تفرق الناس ولبث توما واقفا قرب المكتب فمرت الساعة الثانية والثالثة ~~دون أن يحضر اللورد أفندال، انتظر إلى المساء لم يحضر، عندئذ أيقن أن المحامي المنكود لم يمت ~~حتف أنفه، وأن موته الفجائي لم يكن قضاء وقدرا، بل كان من مكائد أهل الشر والمكر، وأنه لم ~~يضربه هذه الضربة القاتلة غير ms2510 تلك اليد الخفية الهائلة التي قلدت خط اللورد وليم. # ثم وجد نفسه فردا بإزاء أعدائه الأقوياء، فكبر عليه هذا الأمر وكاد أن يحيط به اليأس لولا ~~نفسه الكبيرة ورجاؤه أن يتولى من يخلف المحامي هذه القضية. # وبعد أن أيقن بوفاة المحامي ذهب إلى امرأته فأخبرها بما اتفق وأخذها فاختبأ وإياها في شارع ~~مقفر خمسة عشر يوما. ~~••• # وفي خلال هذه المدة تولى أحد تلامذة المحامي أشغاله ... فذهب توما إليه وأخبره بما كان فقال ~~له: إني واقف على حقيقة الأمر بالتفصيل ... وسأتولى القضية وأقابل اللورد أفندال، متى رفعت ~~الحكومة الأختام وأملي وطيد بالفوز. # ورجع توما إلى المكان الذي كان مختبئا فيه ... # وبعد أسبوع أزيلت الأختام، ولكن حدثت نكبة كانت أشد ما لقيه توما من النكبات، وهي أن إقرار ~~برسي المسجل لم يكن بين أوراق المحامي الفقيد ... لأن يدا أثيمة قد اختلستها من مكتبه قبل أن ~~يضعوا الأختام. # غير أن المحامي لم ييأس فقال لتوما: عد إلى باريس واطلب إلى برسي أن يكتب إقراره مرة أخرى ~~وهو مسجل. # فظهرت علائم اليأس على توما وقال: ويلاه إنه في اليوم الذي كتب فيه إقراره خاف خوفا شديدا ~~فقبض المال وسافر إلى حيث لا يعلم أحد أين هو. ~~- إذا قضي علينا بالفشل، فلا سبيل إلى الفوز بغير هذه الأوراق. # وخرج توما من عند المحامي خروج القانطين، وهو لا يعلم ليأسه أين يسير ... # وقد اتفق ساعة خروجه أن اللورد أفندال خرج من البرلمان وذهب إلى النادي، فأقام فيه إلى ~~الساعة الثالثة بعد انتصاف الليل. # ثم خرج منه ماشيا على الأقدام إلى منزله لقربه من ذاك النادي، ولم يكد يسير بضع خطوات، حتى ~~شعر أن رجلا يتبعه، فأسرع في سيره، فرأى أن الرجل قد اقتدى به، حتى إذا وصل إلى تمثال نلسن - ~~قرب ترافلغار - وقد دنا منه الرجل الذي كان يتبعه، وقال له: لي كلمة أقولها لك يا ~~ميلورد. # فارتعش اللورد وقال: ماذا تريد ...؟ تكلم ... # فدنا الرجل خطوة منه أيضا وقال له: ألم تعرفني أيها اللورد؟ # فأجابه بجفاء: ms2511 كلا. ~~- إني أدعى توما ... ~~- ماذا تريد؟ ~~- إني جئت أسألك إطلاق سراح أخيك. # فضحك اللورد وقال: لا شك إنك مجنون. # فقال له توما بصوت يضطرب: احذر أيها اللورد. # فانتهره اللورد وقال: ارجع إلى الوراء أيها الشقي. # ثم التفت فرأى بوليسا على مسافة قريبة فناداه مستنجدا فقال له توما: إن الجنود لا يدركونك ~~إلا قتيلا أيها السفاك ... # ثم هجم عليه هجوم الضواري وطعنه بخنجره طعنة نجلاء اخترقت قلبه فسقط صريعا دون أن يصيح ~~... # أما توما فإنه صاح صيحة فرح وقال: الآن ... لقد انتقمت منك لأخيك أيها القاتل السفاك، فمت غير ~~مأسوف عليك ... لقد استراحت الأرض من شرورك وآثامك. # 50 # كانت بيتزي واقفة على جميع مشروعات زوجها توما، إذ كان يطلعها على كل أسراره ونواياه، وكان ~~قد أخبرها بعزمه على الانتقام من اللورد أفندال إذا لم يحقق طلبه وينصف أخاه، ولذلك لم تقلق ~~عليه حين لم يعد إليها في المساء. # وفي اليوم التالي ذهبت ترود حول قصر اللورد أفندال، فوجدت جمهورا من الناس محتشدين وسمعتهم ~~يقولون: إن اللورد قتل بطعنة خنجر قرب ترافلغار. # فكان بعضهم يقول: إن الذي قتله إرلندي لأن اللورد ألقى خطابا منذ يومين في مجلس البرلمان ~~أثار سخط الإرلنديين، وبعضهم يقول: إن قاتله كان من اللصوص بغية سلبه ما معه ولم تسمع أحدا ~~منهم ذكر اسم زوجها توما. # غير أنهم كانوا جميعهم متفقين على أن الجنود قبضوا على القاتل ... فلم يبق شك لدى بيتزي أن ~~القاتل هو زوجها؛ لأنه لم يعد إليها في ليلة أمس، فقالت في نفسها: إنه سجن دون شك، ولكني لا ~~أبالي فإني سأتم ما كان شارعا به. # لأنها كانت تعتقد أن اللادي باميلتون تذكر بعد وفاة زوجها أنها أحبت اللورد وليم، وتوافق ~~على التسوية التي اتفق عليها زوجها، مع ذلك المحامي. # فصبرت بيتزي أسبوعا، وبعد انقضائه ذهبت إلى قصر باميلتون وطلبت مقابلة أرملة اللورد فرضيت ~~بمقابلتها. # ولما مثلت بيتزي بين يديها قالت لها: إن الشقي الذي عبث بضميرك وقلبك أيتها اللادي قد لقي ~~حفته وجازاه الله ms2512 بما يستحق، فهل ترضين أن تعترفي بحق اللورد وليم حبيبك الأول؟ # ولم تجبها اللادي باميلتون بشيء، ولكنها قرعت جرسا كان أمامها، فدخل إليها رجلان، أحدهما ~~والدها السير أرشيبالد، والآخر السير بترس توين. # ذلك الأسقف الشقي الذي دبرت قريحته الجهنمية تلك المكيدة التي أفضت إلى مقتل اللورد ~~أفندال. # فلما رأت اللادي أباها أشارت إلى بيتزي وقالت: أرجوك يا والدي أن تطرد هذه المجنونة الشقية ~~من أمام عيني. # فبدت على شفتي بيتزي علائم الاحتقار، وقالت بلهجة شفت عن الازدراء: لقد كنت أظن أنك آلة بيد ~~ذلك اللئيم اللورد أفندال، أما الآن، فقد علمت أنك كنت شريكته بالجريمة، وأنك مثله من أهل الإثم ~~والفساد فتبا لك من خائنة. # وأسرع السير أرشيبالد إلى مناداة الخدم وأمرهم بطردها. # فأخرجوها فجعلت تصيح خارج القصر، فجاءها بوليس الناحية وذهب بها إلى المركز. # وهناك حاولت أن تبوح بجميع ما تعلمه. # غير أن مأمور القسم أسكتها وأمر بإرسالها إلى السجن. ~~••• # وعند ذلك أيقنت بيتزي من ضياع كل رجاء ... غير أنها كانت شديدة الحمية كزوجها ، وقالت في ~~نفسها: إني بت سجينة فلأبذل جهدي في مقابلة اللورد وليم. # وأخذت منذ ذلك الحين تتظاهر بالجنون، فما مر بها ثلاثة أيام، حتى قرر طبيب السجن أنها ~~مجنونة، فأرسلت إلى مستشفى بدلام، وهذا الذي كانت تتوقعه، فإن اللورد كان لا يزال محبوسا في ~~ذاك المستشفى باسم ولتر بريس. # وكان رئيس هذا المستشفى قد تلقى أوامر سرية بشأن اللورد وليم، فعلم أنه يجب إبقاؤه في ~~المستشفى مدة حياته، فكان يراقبه كل المراقبة، ولكن لا يمنعه عن الاجتماع بالمجانين، ولذا فلم ~~يتعذر على بيتزي أن تراه. # ولم يكن هذا اللورد المنكود قد أضاع شيئا من صوابه، ولكن الهم كان يقتله قتلا بطيئا، ~~ويأخذ من حياته وصبره، فقد يئس من استرجاع ثروته ولقبه، ولم يعد يتمنى إلا أن يرى امرأته وولديه ~~ويسافر بهم إلى أوستراليا فيعود إلى رعي المواشي مؤثرا تلك الهمجية الصادقة على هذه المدنية ~~الكاذبة، وذلك العدوان الصريح على هذه الآثام المزخرفة. # وقد كان كتب ms2513 مذكرة ذكر فيها جميع ما اتفق له من الحوادث الهائلة المفجعة ودعاها مذكرة ~~مجنون؛ لأنه كتبها في المستشفى وهو محبوس فيه بدعوى الجنون، فأتم مذكرته بما وقف عليه من بيتزي ~~بعد اجتماعه بها. ~~••• # وكأنما الأقدار أرادت أن تساعد اللورد وليم وبيتزي بعد أن ضربتهما تلك الضربات الهائلة، ~~فاتفق أنه بعد دخول بيتزي إلى المستشفى ببضعة أيام أدخلوا إليها رجلا لم تلبث بيتزي أن رأته، ~~حتى عرفته، فإنه كان إدوار ذلك الرجل الذي خدع توما بقوله: إنه من عمال المحامي سيمون. # ويذكر القراء أن هذا الرجل كان من أعوان اللورد أفندال في المكيدة، أو من أعوان الأسقف بترس ~~توين، وهو الذي قلد خط اللورد وليم وأرسل إلى توما ذلك التلغراف من بيرت. # وقد جن هذا الرجل حقيقة، وكان السبب في جنونه غريبا، فإنه في اليوم الثاني لمقتل اللورد ~~أفندال ذهب إلى هذا اللورد فلما علم بمقتله ذهب عقله فجأة. # وذلك أن اللورد أفندال كان عازما على أن يدفع له، في ذاك اليوم، ألفي جنيه جزاء خيانته ~~ونفقاته، ولما علم أنه مات قنط من قبض المال وأصابه اليأس بالجنون. # فذهبوا به إلى منزله، وله فيه امرأة وبنون فحبسوه فيه بضعة أيام إلى أن اشتدت أعراض جنونه ~~فلم يجدوا بدا من نقله إلى المستشفى. # غير أن الغريب في أمره أن عقله لم يذهب إلا إثر انفعال شديد، وقد أصيب بمثل هذا الانفعال ~~فعاد إليه صوابه فجأة كما ذهب، وذلك حين رأى بيتزي واللورد وليم في ذاك المستشفى. # وعادت إليه ذاكرته وعادت معها الندامة على ما ارتكبه من الآثام فركع أمام اللورد وليم ~~سائلا منه الغفران. # ثم اعترف له أنه كان آلة بأيدي اللورد أفندال، والأسقف بترس توين، وأنه هو الذي اختطف توما ~~من القطار، وهو الذي ملأ قلب برسي خوفا حتى دعاه إلى السفر من باريس. # وهو الذي سرق الأوراق المسجلة من مكتب المحامي قبل أن توضع عليها الأختام غير أن الأوراق ~~المسجلة المتضمنة إقرار برسي لم يردها إلى اللورد أفندال، بل أبقاها ms2514 رهينة إلى أن يدفع اللورد ~~أفندال ما وعد به من المال. # فلما أتم اعترافه قال: إني إذا تيسر لي الخروج من هنا يا سيدي اللورد أصلحت جميع ما أفسدته ~~يدي الأثيمة. # فهز اللورد رأسه وقال: إن من يدخل مستشفى بدلام لا يخرج منه. # فقالت له بيتزي: من يعلم يا سيدي، فقد خطر لي خاطر ربما سهل لي سبيل الفرار ... # فنظر إليها اللورد نظرة المشكك، وقال لها: كيف يتيسر لك الخروج؟ ~~- لقد وجدت طريقة صالحة، ولكني أرجو إدوار أن يخبرني: أين وضع هذه الأوراق؟ ~~- سأرشدك إليها، دون شك، ولكن أخبرينا كيف تخرجين من هذا المكان؟ ~~- بطريقة سهلة، وهي أنه يوجد في لندرا جمعية مؤلفة من السيدات، يدعونها أخوات ~~السجون. # وهن يتفقدن المرضى في السجون والمستشفيات، ولا يأتين إلا متبرقعات؛ بحيث لا يرى الناظر ~~إليهن غير عيونهن، وقد زارت إحداهن أمس مجنونا فنظرت إلي ونادتني باسمي، فذهبت إليها وقلت: ~~ألعلك تعرفينني يا سيدتي؟ ~~- نعم، فإنك امرأة توما، وأنا أعلم أنك سليمة العقل، وأن وجودك بين المجانين لا يدل على أنك ~~منهم. ~~- عجبا يا سيدتي كيف عرفت هذا؟ ~~- إني زرت زوجك في سجنه، قبيل إعدامه، فأخبرني بكل شيء، ويسوءني أني لا أستطيع أن أخدمك ~~خدمات جليلة، ولكني مستعدة لفعل كل ما أستطيعه، حتى إن أردت الخروج من هذا المستشفى أخرجك ~~منه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ألست مقيمة وحدك في غرفتك. ~~- نعم ... ~~- إذا، لا تخرجي من غرفتك هذه الليلة وادعي أنك مريضة، فأزورك بعد يومين تصحبني امرأة أخرى ~~من أخوات السجون وعند ذلك ترين كيف أخرجك؛ فلا تهتمي لهذا الأمر واعتمدي علي. # ثم تركتني وانصرفت. # فقال اللورد وليم: ولكني لم أعلم بأية طريقة تريد إخراجك. ~~- أظن أنها تريد أن تلبسني لباسها فأخرج بدلا منها، وتبقى هي مكاني. ~~- ولكنها تضطر بعد ذلك إلى إشهار أمرها فتسوء بذلك سمعة هذه الجمعية. ~~- إن هذا من شأنها. # ثم التفتت إلى إدوار وقالت له: والآن أخبرني أين خبأت الأوراق. ~~- إن منزلي في شارع أولدلين في الطبقة الثانية ونمرته 7، فخذي هذا الخاتم ms2515 وأظهريه لامرأتي ~~وقولي لها: إنك آتية من قبلي لأخذ الأوراق، فلا تعترض، أما الأوراق فإنها موضوعة في جوف تمثال ~~على المستوقد في غرفة النوم، وهو تمثال الدوق ولنجتون. # فقالت له بيتزي: ولكن امرأتك لا تصدقني إلا متى اعتقدت أنك غير مجنون. ~~- إذا أكتب لها كتابا يدل على صحة عقلي. # وقد اتفقوا على ذلك، وذهبت بيتزي إلى غرفتها، فتظاهرت أنها مريضة، وفي اليوم التالي أبت أن ~~تذوق الطعام. # وكان اللورد وليم قد أعطاها تلك المذكرات التي كتبها فخبأتها. ~~••• # وفي اليوم الثالث لتظاهرها بالمرض زارتها السيدتان، فأقفلت إحداهما باب الغرفة من الداخل، ~~ثم فتحت صرة كانت بها، فأخرجت منها ثوبا يشبه ثوب أخوات السجون وبرقعا كثيفا كبراقعهن، ثم ~~قالت لبيتزي: أسرعي والبسي هذه الثياب. # فامتثلت وباتت بعد لبس هذه الملابس لا تختلف في شيء عن أخوات السجون. # وبعد أن أتمت لباسها فتحت السيدة الباب وقالت لبيتزي: اتبعيني. # ثم خرجت بها من ذلك المستشفى دون أن ينتبه إليها أحد بفضل ملابسها، أما السيدة الثانية ~~فإنها خرجت من باب آخر. # ولما باتت مطلقة السراح أعطتها كيسا من النقود وافترقت عنها فشكرتها بيتزي وذهبت توا إلى ~~إدوار. # فأعطتها الرسالة والخاتم ثم أخذت منها الأوراق وعادت إلى منزلها فخلعت ملابس أخوات السجون ~~ولبست ملابسها الاعتيادية. # وفي اليوم التالي ذهبت إلى المحامي الذي خلف المحامي سيمون وعرضت عليه المسألة، وهي تتوقع ~~أن يسر لوجود الأوراق، غير أنها رأت منه عكس ما كانت تتوقعه فإنه قال لها: لقد حدث في هذه ~~الأيام أمور خطيرة؛ أولها أن زوجك قتل اللورد أفندال. ~~- لقد فعل ما يجب؛ لأن قتل هذا الفاجر أقل ما يستحق. ~~- إني وإياك على اتفاق، ولكن أعداءنا اليوم غير أعدائنا أمس، إذ هم الرسالة الإنجليكانية ~~التي يرأسها الأسقف بترس توين، ولا قبل لأحد بمقاومة هذه الطائفة الشديدة. ~~- لماذا يا سيدي؟ ~~- لأنهم يسحقونه سحق الزجاج. # ثم خفض صوته وقال: إني أسديك نصيحة إن عملت بها فربما توسطت لك بالعفو عن زوجك مقابل إتلاف ~~الأوراق. # وخرجت بيتزي تتعثر بأذيالها واليأس ms2516 يكاد ينفجر في قلبها وهي تقول: إني لن أتلف براهين خيانة ~~اللورد أفندال، ولا أجرد أخاه التعس من سلاحه، فقد يرسل الله من يعينه على استرداد حقه ~~المهضوم. # ثم رجعت قانطة إلى منزلها وهي تفتكر بطريقة تخفي فيها الأوراق في محل لا تهتدي إليه أسرة ~~باميلتون، إلى أن خطر لها أن تدفنها في ضريح، فجعلت تتنكر وتخرج كل يوم إلى التربة بحجة الصلاة ~~على الموتى، حتى اغتنمت فرصة ودفنت تلك الأوراق، وهي مذكرة اللورد وليم، وإقرار برسي ورفيقيه في ~~ذلك الضريح، فأخرجها مرميس كما وصفنا في مقدمة هذه الرواية. # 51 # إلى هنا انتهت مذكرة اللورد وليم، وكانت الصفحات الأخيرة من ذلك الدفتر الضخم المكتوبة فيه ~~مكتوبة بخط بيتزي. # وكان مرميس يقرأ هذه المذكرة بصوت مرتفع أمام فاندا والأب صموئيل وشوكنج وهم جلوس قرب سرير ~~بيتزي الميتة، فلما فرغ مرميس من تلاوتها جعل مرميس وفاندا ينظر كل منهما إلى الآخر. # فقال مرميس: لقد عرفنا أشياء كثيرة وفاتنا أشياء، فإن اللورد وليم وعائلته لا يزالون ~~أحياء. # فقال الأب صموئيل: أنا أخبركم بما لم تعرفوه فإن بيتزي قد دفنت هذه الأوراق في الضريح منذ ~~ستة أشهر، وأنا مخبركم بما جرى في خلال هذه المدة، وهو أن بيتزي احتجبت عن الأنظار بعد أن خبأت ~~الأوراق حذرا من البوليس؛ لأنه كان يبحث عنها بحثا دقيقا لإرجاعها إلى مستشفى بدلام، فدام ~~البحث ثلاثة أشهر حتى يئس منها. # وبعد ذلك جعلت بيتزي تخرج في كل مساء متنكرة فتذهب إلى الحانات وتعربد كي تحمل البوليس على ~~القبض عليها باسم غير اسمها فيسجنها بقية الليل ثم يطلق سراحها في الصباح، وكانت تفعل ذلك كل ~~ليلة في مركز كي تسجن في جميع سجون البوليس. # وغرضها من ذلك أنها كانت ترجو أن تجد في تلك السجون لصا تقرر سجنه في نوايت فتعهد إليه ~~إخبار زوجها توما أنها وجدت الأوراق كي يطمئن ويموت قرير البال. # وما زالت على ذلك حتى لقيت الرجل العبوس في سجن البوليس يوم قبض عليه بمكيدة مس ألن ms2517 وكلفته ~~إخبار زوجها بما كان. # فقاطعته فاندا متأوهة وقالت: لا سبيل لإنقاذ توما من سجنه فإنه بات سجينا في ~~القبور. # فأجابها الكاهن: ولكنكم تتمون مشروعه. ~~- ولكنه مشروع صعب. # فقال مرميس: إني لا أرى ما ترينه، فإن إقرار برسي المسجل بيدنا ولدينا من المال ما يكفي ~~للقضية. # فقال شوكنج: وإن المال يعينك على نيل ما تريد في هذه البلاد. # فقال الكاهن: أرى أنه يجب أن تبدءوا بإخراج اللورد وليم باميلتون من المستشفى. # فقالت فاندا: ألا ترون ذللك صعبا؟ # فقال مرميس: لا أنكر صعوبته ولكنه ليس مستحيلا، وسأذهب غدا إلى المحامي الذي خلف المحامي ~~سيمون، وأرجو أن أبلغ بما أبذله من المال ما أريد كما قال شوكنج. # وعند ذلك انبعثت أنوار الفجر من نافذة الغرفة التي كانوا فيها وسقطت أشعتها على وجه بيتزي ~~المصفر فركعت فاندا وصلت صلاة الأموات. # خاتمة روكامبول‏ # خاتمة روكامبول‏ # | خاتمة روكامبول # | خاتمة روكامبول # | روكامبول (الجزء السابع عشر) # تأليف # بونسون دو ترايل # ترجمة # طانيوس عبده # | خاتمة روكامبول # 1 # في الساعة العاشرة من الصباح أقبل رجل إلى مكتب المحامي سيمون، وهو شاب جميل الوجه ~~متأنق في لباسه فسأل البواب قائلا: أليس هنا مكتب المحامي سيمون؟ ~~- نعم، غير أن سيمون قد مات وخلفه في إدارة مكتبه المستر جمس كوكلام. ~~- إني أحب أن أراه. ~~- إن هذا محال يا سيدي الآن؛ فإنه يرافع في المجلس. ~~- لا بأس فسأعود غدا. # فقال له البواب: إنك قادم في قضية يا سيدي دون شك، فإذا كان ذلك فإن سكرتير المستر ~~جمس كوكلام يقضي لك ما تريد، لأنه واقف على جميع أشغال المحامي. # فتردد الشاب هنيهة، ثم قال في نفسه: لا أجد بأسا من مقابلة السكرتير وسبر غوره فقد ~~أقف منه على ما يفيدني. # ثم قال للبواب: ماذا يدعى هذا السكرتير؟ ~~- سلمون بيردت. ~~- سر أمامي إليه. # فامتثل البواب وأوصله إلى السكرتير. # فوجده جالسا عند منضدة كبيرة، وهو كبير الشاربين كثيف الشعر، وقد ستر عينيه ~~بنظارتين من الزجاج الأزرق. # فحياه الشاب وقال له: إني كنت أود - يا سيدي - أن ms2518 أرى المستر كوكلام. # فأجابه سلمون: إني وإياه واحد؛ لأني أدير جميع أعماله. ~~- لا شك عندي بما تقول، غير أن القضية التي جئت من أجلها قديمة العهد تتصل بزمن ~~المحامي سيمون. ~~- هو ما تقول، بل إنها منذ عدة شهور. # فعجب الفتى لقوله، وقال له: كيف عرفت هذا يا سيدي، في حين أني لم أذكر لك اسمي، ولم ~~أقل لك شيئا عن القضية التي جئت من أجلها؟ ~~- كنت أستطيع أن أجيبك أني من السحرة، غير أني أؤثر أن أقول لك: إني أعرفك، فإنك ~~تدعى مسيو بيتافن، وأنت فرنسي، وقد رأيتك أمس في جنازة امرأة فقيرة تدعى بيتزي، وهي ~~امرأة رجل يدعى توما، أعدم شنقا لأنه قتل اللورد أفندال، وأزيدك على ذلك أنك قادم ~~لمحادثتي في قضية اللورد باميلتون، الذي يدعى الآن ولتر بريس. # فدهش الشاب دهشة عظيمة وقال: ولكن كيف عرفت ذلك، يا سيدي؟ # فلم يجبه السكرتير على سؤاله، وقال: إن بيتزي، التي دفنت أمس، جاءت منذ ثلاثة أشهر ~~إلى المستر كوكلام، ومعها الأوراق التي تتضمن كسب القضية. # فقال مرميس، وكان هو بعينه: ولكن هذا المحامي أبى أن يتولى القضية. ~~- لقد كان مصيبا في رفضه فإن المستر كوكلام لا يزال في مقتبل الشباب وهو فقير لا ~~يستطيع أن يتحمل نفقات هذه القضية الكبرى، ولم يكن لدى بيتزي شيء من المال. # فقال مرميس: ولكن، الذين ينوبون عنها، في مقاضاة أسرة باميلتون أغنياء. # فهز سلمون رأسه وقال: ليس الفقر وحده الذي منعه عن تولي القضية، بل إن هناك سببا آخر ~~وهو أنه عين مصفيا لتركة اللورد أفندال. # فأجفل مرميس لهذا النبأ، وجعل ينظر إليه بحذر. # فقال له السكرتير: وفوق ذلك، فإن المستر كوكلام يخاف مقاومة الجمعية الإنجليكانية، ~~فإن قوتها في إنكلترا تشبه قوة الجزويت في فرنسا. # فنهض مرميس عند ذلك يحاول الخروج، وقال: أسألك العفو يا سيدي فقد أضعت وقتك الثمين ~~فيما لا يفيد. # فأوقفه سلمون وقال له: إني غير المستر كوكلام، وبوسعي أن أسديك نصيحة، وهي أنك تخطئ ~~خطأ رهيبا إذا قاضيت هذه ms2519 الأسرة أمام المحاكم. # ولكني لا أجد غير هذه الطريقة. ~~- ثم يجب أن تعلم أن القضايا كثيرة الإسهاب في هذه البلاد. ~~- إني أعرف ذلك حق العرفان، ولكني شديد الصبر، كثير المال. ~~- ثم يجب أن لا تنسى أنك تلميذ روكامبول. # فتراجع مرميس منذعرا إلى الوراء وقال: أتعرف هذا أيضا؟ ~~- بل أعرف أنك أبله. # ثم رفع نظارته عن عينيه فذهل مرميس انذهالا غريبا، وقال في نفسه: إن العينين عينا ~~روكامبول ولكن الوجه غير وجهه، ثم قال له بصوت يتهدج: كلا إن هذا محال ... كلا ... إنك لست ~~... ~~- إني لا أزال أشد منك بدليل أنك لم تعرفني. # وعند ذلك سقط شاربه وشعر رأسه المستعار، فلم يبق لدى مرميس شيء من الشك إذ رأى أن ~~الرجل الذي يكلمه هو روكامبول نفسه، وقد كان يحسبه من الأموات. # وكان تأثر مرميس قويا، حتى إنه أكب على روكامبول يعانقه ودموع السرور تنهل من ~~عينيه. # أما روكامبول، فإنه أعاد شاربيه وشعر رأسه، ووضع النظارتين على عينيه. # ثم قال لمرميس: كفى بلاهة يا بني، فقد يتفق دخول أحد علينا ونحن في هذه الحال ~~فنفتضح. # وبقي مرميس على تأثره ينظر إلى روكامبول كأنه لا يصدق أنه يراه ويقول: أنت. أنت ~~روكامبول؟ ~~- نعم أنا هو روكامبول الذي يبدأ فيقول لك: إن من كان مثلنا لا يلجأ بأعماله إلى ~~المحاكم. # 2 # وقد عاد روكامبول إلى تنكره فكان مرميس ينظر إليه نظرات الانذهال ويرى أنه لا يمكن ~~أن يعرفه أحد وهو على هذا التنكر. # أما روكامبول فإنه ابتسم وقال له: إنك لم تكن تتوقع يا بني أن تراني هنا. ~~- هذا لا ريب فيه. ~~- ألعلكم حسبتوني ميتا؟ ~~- أما أنا فلا، وأما فاندا، فإنها جعلت تبكي آناء الليل وأطراف النهار. # فارتعش روكامبول ارتعاشا لم يخف على مرميس؛ فإنه كان يعلم منزلة فاندا من قلب ~~روكامبول. # أما روكامبول فإنه حاول أن يخفي اضطرابه، فضغط على زر كهربائي، وبعد هنيهة دخل إليه ~~أحد الموظفين فقال له: إني أتحدث مع حضرة هذا الزائر، بشأن خطير، فلا تدع أحدا يدخل ~~إلي، ms2520 مهما اتفق. # فانحنى الموظف وهم بالانصراف، فأوقفه روكامبول، أو المستر سلمون، وقال: إلا إذا جاء ~~الأسقف بترس توين، فأدخله إلى قاعة الاستقبال، وأخبرني بقدومه. # وبعد انصراف الموظف قال روكامبول لمرميس: لقد خلا بنا المكان الآن فأخبرني كيف كان ~~خروجكم من الدهليز. ~~- إن شوكنج أنقذنا. # ثم قص عليه جميع ما اتفق لهم، مما عرفه القراء في رواية (روكامبول في السجن). # وذكر له كيف أنهم تبعوا أثره وأثر ميلون إلى النافذة المطلة على النهر، وكيف أن فاندا ~~كانت ولا تزال تعتقد أنه غرق، وأنه أي مرميس كان واثقا في معتقده أنه لا يزال في قيد ~~الحياة، وأنه لم يحتجب عن العصابة إلا لشأن خطير. # فلما أتم حكايته قال روكامبول: لقد أصبت في اعتقادك يا بني؛ لأني احتجبت لسبب بالغ ~~الخطورة، ولذلك أريد أن أبقى ميتا مؤقتا في عرف الجميع ما عداك. ~~- وفاندا؟ ~~- وفاندا أيضا. # فتنهد مرميس وأجاب: مسكينة فاندا ... إني أخشى أن يقتلها اليأس. ~~- إنها قوية فلا أخاف عليها، ولكني أخشى أن تحاول أن تراني إذا علمت بوجودي وفي ذلك ~~خطر هائل. ~~- ليكن ما تريد أيها الرئيس، ولكن ألا تريد أن تساعدنا في مهمة اللورد وليم؟ ~~- ما هذه البلاهة يا مرميس؟ ... وما شأني في هذا المكتب إلا لهذا الغرض؟ ~~- ولكن ... إذا كنت تريد أن تكون ميتا، فكيف تستطيع مساعدتنا؟ ~~- إذا كنت أنا ميتا، فإنك لا تزال حيا لدى العصابة، ألقي إليك الأوامر ~~فتنفذها. ~~- لقد أصبت فسأعمل حسب ما تريد. ~~- إذن، اعلم أنه لو لم يكن شأننا إلا مع اللادي باميلتون وأبيها السير أرشيبالد لكانت ~~مهمتنا سهلة، ولكن عدونا قوي هائل. ~~- أتعني به الأسقف بترس توين؟ ~~- هو وعصابته السوداء، فإنها تشبه جيشا من البوليس، وهم لا يغفلون في الليل والنهار ~~من البحث والتنقيب عن الرجل العبوس المحكوم عليه بالشنق كما تعلمون. ~~- ولكني أرى أنك تعرض نفسك للخطر بوجودك هنا. # فابتسم روكامبول ابتسامة تدل على استخفافه بالأخطار وقال: إذا كنت أنت لم تعرفني فكيف ~~تخشى أن يعرفوني بهذا التنكر؟ ~~- إني لا أراك مصيبا في ms2521 رأيك؛ فإن شعر رأسك وشاربيك قد يسقط اتفاقا في ساعة سوء؛ ~~فيفتضح أمرك وينكشف سرك. ~~- إنه يجدر بك بدلا من أن تحدثني بهذه البلاهة أن تسألني كيف دخلت إلى هذا المكتب ~~بهذه الصفة. ~~- إني مصغ إليك يا حضرة الرئيس. ~~- لقد قلت لك: إن المستر كوكلام صاحب هذا المكتب خلف المحامي سيمون قد عين مصفيا ~~لتركة اللورد أفندال. ~~- نعم أذكر ذلك. ~~- إن هذا الرجل لا يزال في مقتبل الشباب، وهو شريف الخلق نقي القلب، ولكن الأسقف ~~بترس توين، لا يريد أن تكون له هذه الصفات الحسنة. ~~- لماذا؟ ~~- لأن اللورد أفندال، قبل قتله، وقع على صك بمبالغ طائلة لهذا الأسقف، مقابل إنقاذه ~~من أخيه اللورد وليم، ومعاونته على سلب حقه، ولا بد للمستر كوكلام أن ينصر امرأة اللورد ~~على الأسقف، فلما أيقن الأسقف من طهارة ذمة هذا المحامي، أراد أن يعين معه رجلا يكون ~~من أتباعه. ~~- ومن هو هذا الرجل؟ # فأجابه روكامبول ببرود: هو أنا! # فقال مرميس بلهجة المنذهل: أنت هو؟! # فضحك روكامبول ضحكا شديدا، وقال: نعم أنا يا بني . # فأعجب مرميس بدهائه، وقال: إننا مهما تقدمنا في حلبة الاختبار، ومهما عاركنا ~~الدهر فإنك لا تزال رئيسنا الأعظم الذي نأتمر به. # فابتسم روكامبول وقال: أما هذا الأسقف فإنه من أهل الذكاء والدهاء والإقدام، ولكن ~~ثقته بي شديدة، فهو ينصاع لي كل الانصياع، ويمتثل لكل ما أريد. ~~- ولكن ... # فقطع عليه روكامبول الكلام قائلا: اسكت. # ذلك أنه رأى الموظف قد فتح الباب، فدخل إليه وقال: إن الأسقف قد أقبل وهو في قاعة ~~الانتظار. ~~- حسنا فادخل به إلي. # فخرج الموظف وأسرع روكامبول ففتح بابا في الغرفة التي هو فيها، يؤدي إلى غرفة أخرى ~~وقال لمرميس: ادخل إلى هذه القاعة وأصغ إلى حديثنا؛ فإن جدارها رقيق لا يحول دون سماعك ~~ما نقول. # ثم رجع إلى مجلسه بعد أن أقفل الباب برفق، فدخل إليه الأسقف بعد هنيهة، وقال بعد ~~التحية والسلام: ماذا ارتأيت؟ ~~- إني تمعنت مليا بالأمر منذ أمس فرأيت أنه لا يمكن نزع أموال اللادي باميلتون ms2522 ~~على ما تظنه من السهولة. ~~- ولكن الأوراق التي بيدي قانونية لا ريب فيها. ~~- هو ذاك ولكن هذا السلاح الذي نتقلده قد نصاب به نحن. ~~- ماذا تعني بذلك؟ ~~- اسمح لي يا سيدي في البدء أن أبسط الحالة التي نحن فيها. ~~- تكلم. ~~- إنك ساعدت اللورد أفندال على أخيه، وأنت تطلب الآن أجرة عملك بعد فوزك. ~~- دون شك. ~~- وأرى أنك تطلب مقادير عظيمة، تكاد تجرد اللادي باميلتون من ثروتها. ~~- نعم ... ~~- ألا تخاف أنه إذا رأت هذه اللادي باميلتون الخراب بضياع ثروتها أن تتفق مع اللورد ~~وليم المسجون في مستشفى بدلام؟ إنك أصبت بسجن هذا اللورد ستة أشهر، وأما الآن، فإن ~~بقاءه في المستشفى خطر من أشد الأخطار. ~~- إني لا أفهم ما تقول. ~~- أصغ إلي يا سيدي، تعلم جميع ما أعنيه، وأني لم أقل غير الصواب، فإنه يوجد في ذلك ~~المستشفى رجل أدخل إليه مجنونا، وهو الآن ليس من المجانين. ~~- من هو هذا الرجل؟ ~~- هو إدوار كوكري. ~~- نعم. ~~- وهذا الرجل لم يشف فقط من الجنون، بل هو الآن من أشد الناس إخلاصا للورد ~~وليم. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول الحقيقة. # ثم أخذ دفترا أمامه وأخرج منه مذكرة كتبت بالأرقام فقال: سأقرأ لك هذه المذكرة، وسوف ~~ترى. # فقطب الأسقف حاجبيه، أما مرميس فلم تفته كلمة، من هذا الحديث. # 3 # وكانت خلاصة هذه المذكرة كما يأتي: # إن المجنون ولتر بريس والمجنون إدوار كوكري، يعيشان في أتم ولاء، ويختليان ~~سرية وهما يذكران في بعض الأحيان بصوت منخفض اسم بيتزي. # وأنتم تعلمون أن بيتزي قد هربت من المستشفى. # ومن المرجح أنهما لا يعرفان هذه المرأة، ولكنهما واثقان أنها استولت على ~~إقرار برسي. # وقد ختمت هذه المذكرة أنهم بحثوا بحثا دقيقا في منزل بيتزي بعد موتها عن ~~هذا الإقرار فلم يجدوا له أثرا. # فلما أكمل روكامبول تلاوة هذه المذكرة نظر إليه الأسقف، وقال له: ماذا ترى؟ ~~- أرى أنه قد يتفق أن يخطر للادي باميلتون، أن تتفق مع اللورد وليم، شقيق زوجها، على ~~مبلغ معين من المال، فيتنازل لها تنازلا قانونيا لا ms2523 يرد. ~~- وبعد ذلك يخرج اللورد وليم من المستشفى فيكون لنا عدوان بدلا من واحد. ~~- ألا تجد سبيلا لاتقاء هذا الخطر؟ ~~- لدي طريقة صالحة للتفريق بين اللورد وامرأة أخيه، فلا يجتمعان إلى الأبد؟ ~~- كيف يتيسر لك ذلك؟ ~~- إن حبس اللورد وليم لم يذهب بصوابه، كما كنت تتوقع، لأني موقن أن إحدى أخوات ~~السجون تقابله وتطمئنه على امرأته وولديه، وعندي أنه يجب أن نسهل له أسباب الفرار من ~~المستشفى. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نعطيه خمسة آلاف جنيه، ونرسله إلى أستراليا مع باخرة يجد فيها امرأته ~~وولديه. ~~- إن إطلاق سراحه سهل ميسور لدي، فلماذا تريد أن نسهل له أسباب الفرار؟ ~~- لأنهم لو أطلقوا سراحه كما تقول، شكك في نياتنا، واتفق مع إدوار على إزعاجنا، أما ~~إذا أيقن أنه خرج من المستشفى هاربا فلا يبقى له إلا السعي لإيجاد امرأته ~~وولديه. ~~- ومتى بات مطلق السراح أتظن أنه يوافق على السفر؟ ~~- إني أتعهد بتسفيره. ~~- كيف تصنع؟ ~~- أحمله على التوقيع على تسوية مزورة بينه وبين اللادي باميلتون. ~~- وهذه التسوية أيكون لها شأن؟ ~~- على الإطلاق. ~~- ويسافر إلى أستراليا ؟ ~~- بحوالة مزورة على أحد صيارفة سدني، لأن مفاد هذه التسوية المزورة أن يقبض في ~~أستراليا مدى الحياة خمسة آلاف جنيه في كل عام. ~~- وهذا الإيراد السنوي أيدفع له؟ ~~- يدفع مرة واحدة في العام الأول فقط، وأما في العام الثاني فإنك تكون قد نلت من ~~أموال هذه الأسرة ما أردت، ومتى بلغت قصدك فليفعل اللورد وليم وامرأة أخيه ما ~~يريدان. ~~- الحق أنك من كيال الرجال، فقل لي الآن كيف تمهد وسائل الفرار للورد وليم. ~~- بكلمة بخطك تكتبها إلى مدير المستشفى، فهل تأذن لي يا سيدي الأسقف أن أملي عليك ~~فتكتب؟ ~~- أفعل. # ثم أخذ معدات الكتابة، وأملى عليه روكامبول ما يأتي: # رئيس الرسالة الإنجليكانية التي أنت أحد أعضائها السريين يدعوك إلى ~~مساعدة حامل هذه السطور في كل ما يريده. # فلما أتم كتابتها قال: وقع عليها الآن بتوقيعك الخاص. # فكتب الأسقف في ذيل الرسالة الحرف الأول من اسمه، ورسم تحته شكل صليب وثلاث نقط، ms2524 فأخذ ~~روكامبول الرسالة ووضعها في جيبه. # فقال الأسقف: متى تذهب إلى المستشفى؟ ~~- لا أذهب أنا بل أرسل رجلا أثق به كل الثقة. ~~- ومتى نتقابل؟ وأين؟ ~~- هنا بعد غد. ~~- ألا يكون هنا المحامي كوكلام؟ ~~- كلا بل يكون في المجلس للمرافعة. # فنهض الأسقف وحاول الذهاب فمشى خطوة إلى الباب، ثم رجع روكامبول فقال: ألم يبلغك شيء ~~عن الرجل العبوس؟ ~~- الشائع أنه غرق. ~~- أتظن الإشاعة صحيحة؟ ~~- إني لا أصدق شيئا من هذه الإشاعات، ولا أزال أخشى الرجل العبوس، فإن توما لقيه في ~~سجن نوايت، وأخبره بكل شيء، ولذلك لا هم لي الآن إلا أن أرى قريبا، اللورد وليم ~~وعائلته مسافرين إلى أستراليا. ~~- لقد أصبت يا سلمون، فإن الرجل العبوس هو الرجل الوحيد الذي أخشاه. ~~- وأنا أيضا. ~~- أما عرفت تاريخ هذا الرجل الغامض؟ # فقال روكامبول: إن ملخص ما عرفته عنه أن أمه كانت نورية، من أخبث أهل الشر والفساد، ~~وأن أباه كان فرنسيا من أهل السلامة والخير فخرج في بدء أمره شريرا فاسد الأخلاق ~~كأمه، ثم رجع إلى أخلاق أبيه بعد أن ملأ الأرض شرورا، وتاب توبة صادقة، فبات من أصدق ~~أهل الصلاح. ~~- ألا تزال أمه في قيد الحياة؟ ~~- كلا فقد ماتت في أواخر عهد الثورة أفظع موت. # فتنهد الأسقف وقال: إذن، أسرع ومهد سبل الفرار للورد. ~~- كن مطمئنا يا سيدي فما رائدنا إلا النجاح. # فودعه الأسقف وانصرف. # فلما بات خارج المكتب فتح روكامبول باب الغرفة التي كان فيها مرميس ودعاه إليه ~~قائلا: أسمعت الحديث؟ ~~- لم تفتني كلمة منه فأعجبت بك كما أعجب بك الأسقف، غير أنه أشكل علي أمر مما قلته ~~للأسقف حين سألك عن الرجل العبوس فهل كانت أمك حقيقة من النور؟ ~~- نعم فقد كانت من أفظع النساء وجميع ما قلته عنها أكيد، وسأخبركم بتاريخ هذه الأم ~~الهائلة. ~~- أما الآن وقد سمعت حديثي مع الأسقف فقد علمت بلا ريب أني سأرسلك أنت بدلا مني إلى ~~مستشفى بدلام. ~~- أنا؟ ولكني لا أعلم شيئا عن هذا المستشفى، ولم أفهم شيئا من أسرار المهمة التي ms2525 ~~تعهد بها إلي. # فابتسم روكامبول وقال: سأعطيك التعليمات اللازمة. # ثم أقفل الباب بالزلاج كي لا يدخل إليهما أحد. # 4 # كانت الساعة الثامنة من المساء وقد ادلهم الظلام، واشتد الضباب وتكاثف بحيث لم ~~تستطع أنوار الغاز النفوذ منه. # وكان رجلان يسيران بالقرب من بدلام، وهما مرميس وشوكنج. # وكان شوكنج يقول لمرميس: إن جميع ما قلته لي غريب نادر. ~~- كيف ذلك يا شوكنج؟ ~~- ألا تعلم إذا كان الرجل العبوس ميتا فيبكى أم حيا فيرجى؟ ~~- كلا إني لا أعلم شيئا من أمره. ~~- ولكنك ذهبت اليوم إلى مكتب المحامي كوكلام، كي تعهد إليه بالقضية. ~~- هو ذاك. ~~- إذن، فما بالك رجعت عن هذا القصد؟ ~~- لأني وجدت طريقة أفضل من طريقة المقاضاة. ~~- إن جميع ما تقول يحملني على الظن أن الرجل العبوس حي. ~~- أية علاقة بين الرجل العبوس والمحامي كوكلام؟ ~~- وجه العلاقة أنك رأيت الرجل العبوس وهو الذي حملك على الرجوع عن القضية. ~~- أصغ إلي أيها الصديق، ألم يكن الاتفاق بيننا أنه حين غياب الرئيس تكون الزعامة ~~لي ويجب عليكم الامتثال؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذن، فاصدع بما آمرك به، ولا تهتم إلا بما أقول لك. ~~- سأمتثل لكل ما تريد فقل ما يجب أن أصنع. ~~- يجب أن تذهب إلى كنيسة سانت جورج فتقابل بوابها الشيخ، وتخبره أنك آت من قبل ~~توما. ~~- ولكن توما قد مات. ~~- لا بأس فإنها كلمة متفقون عليها. ~~- ماذا أقول له؟ ~~- لا تقل شيئا غير تلك الكلمة فمتى قلتها أعطاك حبلا فتضع الحبل في جيبك وتأتي ~~إلي. ~~- أين أراك؟ ~~- إني أنتظرك حيث أنا الآن. # فذهب شوكنج إلى الكنيسة، وقال لبوابها ما لقنه إياه مرميس، فأعطاه الحبل قائلا: ~~أتدري ما هذا الحبل؟ ~~- كلا. ~~- إنه الحبل الذي شنق به توما وقد أعطاه للرجل العبوس؛ لأن حبل المشنوق يجلب ~~السعادة، فتركه الرجل العبوس عند الأب صموئيل، ولو كان لي لكنت الآن من ~~الأغنياء. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأن مدير مستشفى بدلام الثاني ويدعى جوهن بيل دفع خمسة آلاف جنيه فما رضي ~~الكاهن أن يبيعه. ~~- ماذا يرجو هذا المدير فوق ms2526 ما له من أسباب الهناء في مركزه؟ ~~- لا أعلم ولعل له به حاجة، وأنت يا شوكنج فماذا تريد أن تصنع بهذا الحبل؟ ~~- لا أعلم فإني لم أطلبه لنفسي بل أمرت أن أحضره. # فتنهد البواب وأعطاه الحبل، فوضعه شوكنج تحت ثوبه، ورجع به إلى مرميس. # فعلم مرميس شوكنج ما يجب أن يصنع. # وبعد ربع ساعة كانا عند باب مستشفى بدلام، فتقدم شوكنج وقرع الباب، وقال مرميس: إني ~~في انتظارك. # أما شوكنج فقد كان مرتديا بتلك الملابس التي كان يلبسها حين كان يدعوه روكامبول ~~اللورد ويلموت كما تقدم في الأجزاء السابقة، فلما فتح البواب باب المستشفى قال: ماذا ~~تريد أيها المستر؟ # فكبر ذلك على شوكنج وقال: إني لست مستر بل أنا لورد، فنادني بلقب اللوردية. # فاعتذر البواب ورجع إلى السؤال عما يريد، فأجاب: إني أريد أن أرى مدير ~~المستشفى. ~~- أي المديرين تريد مقابلته يا حضرة الميلورد، فإن لهذا المستشفى مديرين. ~~- أعلاهما رتبة. ~~- إنهما متساويان. ~~- إذا كان ذلك فسر بي إلى أيهما شئت. ~~- أظن أن أحدهما، وهو المستر جوهن بيل، قد خرج لبعض الشئون فسأذهب بك إلى المدير ~~الآخر، وهو المستر بلويت. ~~- كما تشاء. # ثم تقدمه البواب فسار في أثره حتى وصلا إلى غرفة المدير فقال البواب: تفضل يا ~~حضرة الميلورد وقل لي اسمك كي أذكره للمدير. # فأجابه شوكنج بملء العظمة والجلال: إني أدعى اللورد ويلموت. # فدخل البواب إلى غرفة المدير، ووقف شوكنج يحدث نفسه فيقول: إني سأفعل كل ما ~~أمرني به مرميس، وأقول كل ما لقنني إياه، ولكن الحق أن هذا الغلام يعبث بي كما يشاء؛ ~~فإني لم أفهم شيئا من هذه الألغاز. # وعند ذلك فتح باب الغرفة، وخرج المدير نفسه لاستقبال شوكنج، فدخل به إلى قاعة ~~الاستقبال. # ولما خلا بهما المكان قال المدير: بماذا يأمر سيدي اللورد فإني خادمه المطيع؟ ~~- إني يا حضرة المدير غني بقدر ما أنا شقي تعس، فإني أرمل، ولم تلد لي امرأتي بنين ~~غير أن لي ابن أخ كفلته وربيته فكان كولدي، وقد عرفت دون شك السبب ms2527 بقدومي ~~لزيارتك. # فنظر إليه المدير نظر المشفق وقال له: ألعله مجنون يا سيدي اللورد؟ ~~- هو ذاك، واأسفاه، فقد أدبته خير تأديب، وعلمته خير علم، فهو يتكلم بجميع لغات ~~أوروبا، وهو من الشعراء المجيدين في لغتنا الإنكليزية التي جعلها شكسبير من اللغات ~~الخالدة. ~~- ولكن كيف جنونه يا سيدي؟ ~~- إن جنونه بل ذهوله قد بدأ في باريس حين إقامته في تلك العاصمة، فقد كنت عينت له ~~راتبا سنويا قدره عشرة آلاف جنيه، فعاش عيش رخاء، بل عيش طيش أدى به إلى هذا الجنون، ~~وكان السبب في جنونه كثرة تردده إلى الأوبرا. ~~- ألعله من أصحاب الأمزجة العصبية فأثرت به الموسيقى هذا التأثير؟! ~~- كلا، ولكنه كان يهوى إحدى المعنيات في الأوبرا، وقد أنفق عليها الملايين، وكان أحد ~~الممثلين يهواها أيضا، فاتفق ليلة أنه بينما كان جالسا في لوجه فتح الستار فظهر هذا ~~الممثل المنكود مشنوقا بحبل. # فقال له المدير: ألعل دوره بالتمثيل كان يقضي عليه أن يشنق؟! ~~- كلا، بل شنق نفسه حقيقة ليأسه. ~~- وهذا الحادث أثر على ابن أخيك، إذ كان هو السبب في انتحار ذلك المنكود فجن؟ ~~- كلا، فإن الناس يعتقدون أن حبل المشنوق يجلب السعادة فتهافتوا على شراء الحبل، ~~فأصاب ابن أخي قطعة منه، وكان من المولعين بالمقامرة فاتفق أنه ربح مرارا حتى يئس منه ~~اللاعبون، وتآمروا عليه فسرقوا الحبل منه لاعتقادهم أنه السبب في ربحه، كما اتفق أنه ~~خسر بعد سرقة الحبل. # فتنهد المدير وقال: إن لابن أخيك يا سيدي شبيها في جنونه. ~~- ألعله يوجد لديك مصاب بهذا النوع من الجنون؟ ~~- كلا يا سيدي، ولكن المصاب به زميلي في الإدارة وهو المستر جوهن بيل. إنك يا سيدي قد ~~تعجب لهذا الأمر، ولكن مدير مستشفى المجانين نفسه مجنون. # والغريب أنه لا يوجد من يصدق جنونه؛ فإني ذهبت إلى اللورد المحافظ، وقصصت عليه الأمر ~~سرا، فقال: لا بد لي من فحصه. # ثم جاء إلى المستشفى وباحثه مليا، فظهر أمامه بأتم مظاهر العقل، حتى إن اللورد حين ~~انصرافه قال لي: إن كان يوجد بينكما ms2528 مجنون، فأنت هو ذلك المجنون، ولا شك أنك اتهمته هذه ~~التهمة كي تستقل في إدارة المستشفى. # فقال له شوكنج: إذن، إن جنونه منحصر بحبل المشنوق. ~~- هو ذاك، فإذا حدثته بغير هذا الحديث، فلا تجد منه غير العقل المتزن الرجيح. ~~- ومن أين أتاه هذا العارض؟ ~~- إنه إرلندي الأصل، ولكنه ولد في لندرا، وهو يعتقد أنه من الأشراف وأن أسرته من أغنى ~~الأسرات، غير أنه بروتستانتي مثلنا، وهو يقول إن الإرلنديين قد اضطهدوا جده فاضطر إلى ~~الفرار من إيرلندا بعد أن دفن ثروة طائلة في أراضيه الواسعة. # وقد رسخ هذا الاعتقاد في ذهن جوهن بيل زميلي في الإدارة، حتى إنه سافر منذ ثلاثة ~~أعوام إلى إرلندا باحثا عن تلك الثروة المدفونة في أراضي أسرته، فوجد أن الأراضي قد ~~بيعت، فالتمس من صاحبها الجديد أن يأذن له بالبحث فيها، فأذن له وبحث بحثا دقيقا فلم ~~يجد شيئا، فرجع إلى لندرا، وكاد ينسى أمر هذه الثروة. # غير أنه لنكد طالعه اشتهر في تلك الأيام رجل صناعته التنويم ومعرفة الغيب، وقرأ عنه ~~في الجرائد أخبارا غريبة نادرة، فذهب إليه وسأله أن ينومه ويسأله عن تلك ~~الثروة. # فقال شوكنج: وماذا أجابه؟ ~~- أكد له لسوء بخته أن الثروة موجودة، وأنها فوق ما كان يقدرها، ويوجد مع المال ~~المدفون أوراق تثبت حقه بهذا المال، وله الحق أيضا بلقب اللوردية، ولكن لا يتيسر له ~~إيجاد هذه الثروة إلا إذا كان لديه حبل مشنوق، وقد بدأ جنونه منذ ذلك اليوم. ~~- ولكني لا أجد الحصول على الحبل صعبا إلى هذا الحد. ~~- إنك منخدع يا سيدي، فإن الشنق في سجن نوايت نادر، وفوق ذلك فإذا شنق مجرم تسابق ~~الأغنياء إلى شراء الحبل الذي شنق به بالمزايدة. # وليس زميلي من الأغنياء، ومن ذلك أنهم شنقوا حديثا رجلا يدعى توما، فأفرغ جوهن بيل ~~جهده كي يتحصل على قطعة من هذا الحبل، فذهبت مساعيه أدراج الرياح، لأن هذا الجبل كان ~~لدى بواب كنيسة سانت جورج، وقد طلب ثمنه خمسة آلاف جنيه. # فابتسم شوكنج عند ذلك ms2529 ابتسامة معنوية. # فقال له المدير: لماذا تبتسم يا سيدي؟ ~~- أتم حديثك فسأخبرك بعد فراغك عن السبب. ~~- أما جوهن بيل فلم يستكثر الثمن ولكنه فقير، ليس له غير راتبه، غير أن العالم لا ~~يخلو من أهل البلاهة في كل مكان، فقد وجد من يسلفه هذا المبلغ بشرط أن يرده إليه أربعة ~~أضعاف حين يجد الثروة التي ينشدها. # فقال شوكنج: إذن، تمكن من شراء الحبل؟ ~~- كلا، يا سيدي، فإنه حين عاد بالمال إلى بواب الكنيسة أبى أن يبيع الحبل. ~~- لماذا؟ ~~- أنت تعلم يا سيدي اللورد تعصب الإرلنديين، إن رئيس هذا البواب أمره أن لا يبيع ~~الحبل إلا لأمثاله من الكاثوليك. # فضحك شوكنج أيضا ... # أما المدير فإنه قطب حاجبيه وقال له: لماذا تضحك يا سيدي هذا الضحك؟ ~~- ذلك لأني أعرف قصة هذا الحبل، وأعرف البواب الذي باعه بسبعة آلاف جنيه بدلا من ~~خمسة. ~~- لمن؟ ~~- لي أنا. # ثم أخرج الحبل من جيبه فدهش المدير، وقال: أتعتقد أنت يا سيدي ما يعتقده سائر الناس ~~بحبل المشنوق؟ ~~- إني لا أعتقد بشيء من هذا على الإطلاق. ~~- إذن ، كيف اشتريت الحبل يا سيدي بهذا المبلغ الجسيم؟ ~~- لأن لي خطة أحب أن أوقفك عليها، وأرجو أن تفيدني في شفاء ابن أخي ... ~~- إني مصغ إليك يا سيدي. ~~- إنك عارف بطبع المجانين، بلا ريب، فهل تظن أنه إن امتلك ابن أخي الحبل، ووثق أنه ~~حبل مشنوق أيشفى من الهوس؟ ~~- لا أظن يا سيدي ... ~~- إذن، قد ذهب المال الذي أنفقته ضياعا. ~~- هذا الذي كنت أخشاه. ~~- ولكني أرجو أن أستفيد من هذا الحبل بعض الاستفادة. ~~- كيف ذلك يا سيدي؟ ~~- إني أجعله وسيلة لإدخال ابن أخي إلى المستشفى. ~~- بأية طريقة؟ ~~- إنه لا يوافق على الإقامة في مستشفى المجانين لاعتقاده بسلامة عقله، وإني أشفق من ~~استعمال القوة، فاسمع ما خطر لي. ~~- إني كلي آذان للسمع يا سيدي. # 5 # قبل أن يبدأ شوكنج الحديث قال له المدير: ألعلك واثق أن هذا الحبل حبل مشنوق؟ ~~- كل الثقة فانظر، إن العقدة التي عقدها كالكراف الجلاد لا تزال على ms2530 حالها، وفوق ذلك، ~~فإن بواب الكنيسة ليس من المخادعين. ~~- إذن، ستحضر غدا ابن أخيك إلى هنا ... ~~- بل أحضره الآن فإنه ينتظرني في المركبة عند الباب الخارجي، فإني لم أتمكن من إحضاره ~~إلا بالحيلة. ~~- كيف فعلت؟ ~~- إن ابن أخي كان يعلم أن الحبل في حوزة بواب الكنيسة، وقد قلت له: إني ذهبت إلى ~~البواب كي أشتري الحبل، وإني أتيت بعد فوات الأوان؛ فإن مدير مستشفى بدلام قد سبقك ~~واشتراه. # فقال لي ابن أخي: يجب أن تشتري الحبل من المدير وأن تدفع له قدر ما يشاء. # فقلت له: سأفعل كل ما تريد، وجئت به إلى هنا بحجة شراء الحبل من المدير، وهو لا يعلم ~~أن الحبل في جيبي، ولما كنت أريد أن أخلو بك في البدء وأطلعك على الحقيقة فقد أبقيته في ~~مركبتي عند الباب. ~~- لقد أحسنت، والآن فكيف رأيت أن تدخله؟ ~~- سأقول له: إنك متردد في بيع الحبل وأدعوه ليدخل إليك فيساومك عساك تقبل ... ~~- إنها طريقة صالحة لإدخاله، ولكن كيف يبقى في المستشفى؟ ~~- لقد وجدت طريقة صاحة أيضا، وهي أن زميلك جوهن بيل خارج المستشفى كما قلت لي، أليس ~~كذلك؟ ~~- بلى. ~~- إذن، تظهر الحبل لابن أخي حين يجتمع بك وتقول له: إنك لا تستطيع الموافقة على البيع ~~إلا بعد موافقة زميلك، فمتى علم أنه غائب فهو ينتظر دون شك إلى أن يرجع. ~~- إنها خير طريقة يا سيدي، فمتى تجيء به؟ ~~- في الحال ... # ثم خرج شوكنج فشيعه المدير إلى الباب، وبعد أن انصرف دعا اثنين من حرس السجن وقال ~~لهما: إنهم سوف يأتوننا بمجنون فاختبئا في هذه الغرفة المجاورة لغرفتي إذ لا نعلم ما ~~يكون. # أما شوكنج فإنه ذهب إلى مرميس، فقال له مرميس: ماذا حدث؟ ~~- قضي الأمر. ~~- أهم ينتظرونني؟ ~~- دون شك. ~~- مع أي المديرين كان حديثك؟ ~~- مع المستر بلونت. ~~- إذن، إن الأمور تجري من نفسها. ~~- كيف ذلك؟ # فقال له مرميس: اقنع أيها الصديق بتنفيذ ما أقوله لك، ولا تهتم بما بقي، فاعتبر شوكنج ~~أنه أهين وقال: ولكني أرى أمورا لا أفهمها. ms2531 # فأجاب بجفاء: لا يجب أن تفهمها. # وأطرق شوكنج برأسه ودخل الاثنان إلى المستشفى. كان مرميس طلق المحيا باسم الثغر، فلما ~~لقي المدير قال: أخبرني عمي اللورد ويلموت يا سيدي أنك أبيت أن تتخلى لنا عن الحبل الذي ~~لديك. # ففحصه المدير باعتناء وقال: ذلك لأني وزميلي جوهن بيل قد اشتريناه بثمن جسيم. ~~- كم هو هذا المبلغ الجسيم؟ ~~- خمسة آلاف جنيه. ~~- وأنا أدفع لكم عشرة آلاف، فهل يرضيك هذا الثمن؟ ~~- إنه ثمن موافق، ولكن ... ~~- ولكن ماذا، ألا تزال تتردد؟ ~~- نعم ولا سيدي. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني رضيت البيع، ولكني لا أعلم ما يكون من شريكي، إذ لا أستطيع أن أبيعه دون ~~مصادقته. ~~- لقد عرفت ذلك، ولكن شريكك لا يبطئ في الرجوع إلى المستشفى. ~~- دون شك ولا بد أن يكون هنا بعد ساعة. ~~- حسنا فسأنتظره إن أذنت لي. # ثم نظر إلى شوكنج وقال: موعد فتح البرلمان قد حان يا عمي العزيز، ولا أحب أن تتأخر عن ~~حضور الجلسة. ~~- أأبقيك وحدك هنا؟ ~~- لا بأس يا عماه فإني حين أشتري الحبل أوافيك. ~~- ليكن ما تريد. # ثم قام فودع المدير وهو يبتسم ابتسامة معنوية وانصرف. # فلما خلا المكان بالمدير وبمرميس قال له المدير: أتأذن لي يا سيدي أن أقدم لك ~~الشاي. ~~- مع الشكر؛ فإني أحب أن أحدثك هنيهة يا سيدي المدير. ~~- مر بما تشاء ... # فغير مرميس لهجته، وقال: إن عمي يا سيدي المدير من أهل الحماقة والبلاهة؛ فإنه قد مثل ~~الدور الذي عهدت إليه أن يمثله أمام زميلك. # فاضطرب المدير وقال: ماذا تعني بذلك؟ ~~- إنه أحضر لك الحبل. # فدهش المدير وأخرج مرميس عند ذلك من جيبه الكتاب الذي أعطاه إياه روكامبول بخط الأسقف ~~فعرضه عليه وقال: أتعرف هذا الخط والتوقيع؟ # فأخذ المدير الرسالة، وقرأ ما يأتي: # إن الجمعية التي أنت أحد أعضائها السريين تأمرك أن تسهل لحامل هذه الرسالة كل ~~ما يريد. # فلم يكد يقرأها ويرى التوقيع حتى ارتعش، ونظر إلى مرميس نظرة الإعجاب فقال: إذن، أنت ~~يا سيدي لست بمجنون؟ # فضحك مرميس وقال: كلا فإني ms2532 سليم العقل بحمد الله، ولا أشتري هذا الحبل بثلاثة شلنات، ~~ولكني كنت في اضطرار إلى الاجتماع بك والاتفاق معه. ~~- على أي شيء يا سيدي؟ ~~- أولا على الطريقة التي نستطيع بها أن نتصرف بزميلك جوهن بيل كما نشاء، وهذا الحبل ~~خير طريقة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إني أريد تمهيد سبيل الفرار لأحد المسجونين في هذا المستشفى، وهذه الرسالة تأمرك أن ~~تطيعني، أليس كذلك؟ ~~- دون شك يا سيدي، فسأمتثل لك كل الامتثال. # 6 # ولم يدر أحد ما جرى بين مرميس والمدير، غير أن المدير أصدر أمره بعد ساعتين إلى ~~حارسين من حراس المستشفى، فأخذا مرميس إلى إحدى غرف المجانين، وأمرهما أن يراقباه أتم ~~المراقبة. # فلم يبد من مرميس أقل مقاومة غير أنه طلب أن يلف حبل المشنوق حوله وسطه. # وكان المستر بلونت أمر الحراس أن يخبروه حين قدوم زميله جوهن، وأن بين هذين المديرين ~~تحاسدا غريبا ولده حب الاستقلال، فإن كلا منهما كان يقول في نفسه: إن إنكلترا ~~تحكمها ملكة واحدة فلماذا هذا المستشفى يتولاه مديران؟ أليس من الأفضل أن يعزل زميلي ~~وأن أستقل بالإدارة وحدي ؟ # ولم يكونا يجتمعان إلا في الشئون الخطيرة، فبعد ساعة حضر جوهن، فذهب إليه بلونت وقال ~~له: إني آسف لخروجك من المستشفى اليوم. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه دخل إليه مجنون جديد. ~~- ألم تدخله إليه؟ ~~- بلى. ~~- إذن، فما وجه الأسف؟ ~~- هو رجل خطير، فهو ابن أخ اللورد ويلموت. ~~- إني لم أسمع هذا الاسم بين أسماء اللوردية. ~~- لا عجب في ذلك فإنه يوجد في لندرا ستمائة لورد، ولكن هذا اللورد من أعظمهم ثروة ~~فإنه دفع عشرة آلاف جنيه ثمن حبل مشنوق. # فوقف جوهن وقد اضطرب لهذا الخبر وسأل: ماذا تقول؟ ~~- الحقيقة. ~~- اللورد ويلموت اشترى الحبل الذي شنق به توما؟ ~~- ليس هو الذي اشتراه، بل ابن أخيه. ~~- ألعله مجنون؟ ~~- بل في أتم العقل. ~~- إذن، كيف أدخلته إلى المستشفى؟ ~~- لأن أسرته أكبرت شراءه قطعة حبل بهذا المبلغ الجسيم. ~~- إذن، هو عمه الذي أدخله إلى المستشفى. ~~- نعم ... ~~- ولكننا لا نستطيع ارتكاب هذه الفظاعة زمنا طويلا فإن ms2533 هذا المستشفى خاص بالمجانين ~~فلا يسجن به العقلاء مراعاة لعائلاتهم. ~~- لا أنكر ذلك ولكن الأطباء يظنون أنه مجنون. ~~- إذا كان ذلك فأنا أيضا من المجانين. ~~- إني لا أقول عنك هذا القول. ~~- ولكنك تعلم شدة ميلي إلى شراء هذا الحبل فممن اشتراه؟ ~~- من بواب كنيسة سانت جورج. ~~- ولكن هذا المنافق أقسم لي أنه لا يبيعه لأحد. ~~- هذا ما اتفق، فإن الحبل بات الآن في قبضة السير أرثير أي ابن أخي اللورد ~~ويلموت. ~~- ألعل الحبل معه الآن؟ ~~- إنه طوق به وسطه لشدة حرصه عليه. # فأطرق جوهن هنيهة مفكرا ثم قال: إني أحب أن أرى هذا الرجل. ~~- إنه نائم وستراه غدا. ~~- كلا فسأوقظه إذا كان نائما كما تقول، ففي أية غرفة وضعته؟ ~~- في الغرفة التي نمرتها 17. # فخرج عند ذلك ذاهبا إليها لا يلوي على أحد. # أما المستر بلونت فإنه ابتسم بعد انصراف زميله وقال: إنه بات أشد جنونا من جميع من ~~لدينا من المجانين. ~~••• # وذهب المستر جوهن إلى الغرفة التي يقيم فيها مرميس فوجده لا يزال ساهرا، وقد جلس ~~يكتب فوق منضدة فقال: أأنت الذي يدعى السير أرثير؟ # فنظر إليه مرميس دون اكتراث، وقال: نعم أنا هو. ~~- وأنا أدعى جوهن بيل أحد مديري المستشفى. ~~- ولكن هذا المستشفى خاص بالمجانين، وأنا لست بمجنون. ~~- وأنا أرى ما تراه يا سيدي. # فبرقت عينا مرميس بأشعة الفرح وقال: أحقا ما تقول؟ # وكان الحراس واقفين، فجعلوا يضحكون؛ لتعودهم سماع مثل هذه الأقوال، فقال لهم بلهجة ~~الآمر: اذهبوا في شئونكم فليس لي بكم حاجة. # 7 # فلما انصرف الحارس وبقي وحده مع مرميس قال له: إني أرى يا سيدي أنك لست ~~بمجنون. ~~- دون شك. ~~- ومع ذلك فإن عائلتك أدخلتك إلى هذا المستشفى، فلو كنت مكانك لطلبت إطلاق سراحي عن ~~يد القضاء. ~~- إنه يوجد في إنكلترا بين المجانين من يعرف أن يثبت الجنون، وإن عائلتي قد اتخذت ~~احتياطها دون شك. # فضرب جوهن الأرض برجليه مغضبا، وقال: إني لا أطيق أن أكون شريك المجرمين بهذا ~~الإثم. # فتنهد مرميس وقال: واأسفاه يا سيدي ms2534 إني لا أجد طريقة للخروج من هنا إلا ~~بالفرار. # فاضطرب جوهن وقال: الفرار؟ إن هذا محال يا سيدي. ~~- لماذا؟ ~~- لأني إن أذنت لك بالفرار أكون مخلا بواجباتي. # فضحك مرميس وقال: ولكنك معتقد كما أرى أني لست بمجنون. ~~- هذا لا ريب فيه عندي. ~~- أما أنا فإني أعتقد أن حبل المشنوق يجلب السعادة، فلا بد لي إذن من النجاة لأني ~~أحمل هذا الحبل. ~~- أحقيقة أن لديك هذا الحبل؟ ~~- هذا هو. # ثم فتح ثوبه وظهر الحبل ملتفا على وسطه. # أما جوهن فإنه حملق بعينيه وقال: حبذا لو كان هذا الحبل لي، فقد كنت أغدو به أغنى ~~الأغنياء. ~~- كيف ذلك؟ # فقص عليه جوهن عند ذلك خبر الثروة المدفونة في إرلندا وما قاله له ذلك الرجل المشتغل ~~في التنويم، وهو أنه لا يتمكن من إيجاد الثروة المدفونة إلا إذا كان له حبل ~~مشنوق. # فقال له مرميس: أأنت واثق من فائدة الحبل؟ ~~- كما أثق بأشعة الشمس، ألا تتفضل علي يا سيدي بإعارتي هذا الحبل؟ ~~- كلا، إنه لن يفارق وسطي ما زلت في قيد الحياة. ~~- إذن، بعني إياه. ~~- إنك لو دفعت لي به مائة ألف جنيه لما بعته. # فصاح جوهن صيحة يأس وهم بالانصراف، غير أن مرميس أوقفه وقال: أصغ يا سيدي فقد يمكن ~~لنا أن نتفق. # فعاد الرجاء إلى قلب المدير وقال له: كيف ذلك؟ ~~- كم راتبك في العام؟ ~~- ألف جنيه. ~~- إنه راتب قليل لا يكاد يكفي نفقاتك. ~~- هو ذاك، ولكني سأستقيل حين أجد الثروة الضائعة. ~~- ولماذا لا تستقيل الآن؟ ~~- ذلك لأني لم أجد الثروة. ~~- وإذا أعطيتك الحبل الذي معي؟ ~~- أجد الثروة دون شك. ~~- إذن، لنهرب معا من هذا المستشفى. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- نذهب معا إلى إرلندا ونبحث عن هذه الثروة فإن لم نجدها عدت معك إلى ~~المستشفى. # فتمعن جوهن هنيهة ثم قال: إن ما تقترحه علي محال، ولكن يوجد طريقة صالحة لبلوغ ~~المراد، وهي أن الأطباء قرروا أن الأسفار تفيد غالبا في شفاء المجانين، وقد التمست ~~الإذن مرات كثيرة بالسفر مع بعض الذين كنت أرجو لهم ms2535 الشفاء من المجانين، فكانوا يأذنون ~~لي. ~~- إذن، ستلتمس هذ الإذن الآن للسفر معي. ~~- هو ذاك. ~~- إنما يجب أن لا تعلم عائلتي بشيء من هذا، ثم إن الوقت غير متسع لدينا، فإننا نسافر ~~غدا. ~~- ما تعني بذلك؟ ~~- أعني أنه يوجد في هذا المستشفى مجنون لي معه شأن خاص، وأحب أن يصحبنا في هذه ~~الرحلة. ~~- أية فائدة ترجوها؟ ~~- إني أصغيت إلى حديثك، ورجائي أن تصغي إلى حديثي. # فقال له المدير: قل يا سيدي ما تشاء. # وقد كان معولا على تضحية كل ما يستطيع تضحيته بشرط أن ينال الحبل. # فقال له مرميس: إنك تعلم يا سيدي المدير أن هذا الحبل الذي معي قد شنق به رجل يدعى ~~توما، وأن توما وهب حبله قبل شنقه إلى بواب كنيسة سانت جورج. ~~- نعم أعلم ذلك، وأن البواب قد باعك الحبل. ~~- ولكنه لم يبعني إياه إلا بشرط، وهو أن أخرج من المستشفى رجلا منكودا يدعى اللورد ~~باميلتون. # فظهرت علائم الرعب على وجه المدير وقال: إن ما تطلبه مستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأن اللورد وليم حقيقة مجنون. ~~- لا أنكر ذلك. ~~- وإن الذين أدخلوه إلى هنا من أشد الناس هولا. ~~- تريد أنك لا تتحمل هذه التبعة. ~~- كلا. ~~- إني أمهلك فتمعن بالأمر. ~~- لا فائدة بالتمعن فإن ذلك لن يكون ... ~~- يسوءني أن أرى منك هذا الإباء، فإني تعهدت لبواب الكنيسة أن أخرج هذا الرجل ~~المظلوم من محبسه. ~~- ولكني، إن وافقتك فيما تريد، أخللت بواجباتي، بل كنت من المجانين. ~~- شأنك وما تريد، غير أنك إن لم توافقني لا تنال الحبل. # فجعل العرق البارد ينصب من جبين المدير، وقد ظهرت عليه علائم اليأس. # فقال له مرميس: لقد حان وقت الرقاد يا سيدي فأذن لي أن أنام، وتمعن في الأمر كما قلت ~~لك. # 8 # وفي اليوم التالي نزل مرميس إلى الساحة التي يجتمع فيها المجانين، وكان قد تنكر حين ~~دخوله إلى المستشفى بحيث لم يعد يعرفه أحد، فأجال نظر الفاحص بين أولئك المجتمعين، فرأى ~~رجلا لا يزال في مقتبل الشباب قد اعتزلهم وجلس وحده على مقعد، ms2536 وقد حمل رأسه بين يديه ~~وتاه في مهامه التفكير. # فقال مرميس في نفسه: أظن أنه الرجل الذي أبحث عنه. # ثم رأى رجلا آخر قد دنا منه، فلما رآه الرجل الجالس بش إليه، وبرقت أسرة ~~وجهه. # وتبودلت التحية بين الاثنين، فسمع مرميس أحدهما دعا رفيقه باسم إدوار، والآخر حياه ~~بلقب ميلورد، فلم يعد لديه شك. # وجلس الرجلان يتحدثان بصوت منخفض. # فدنا منهما مرميس، فلما رأياه يدنو منهما أجفلا، وحاولا أن يذهبا. # غير أن مرميس أسرع إليهما وقال لأحدهما: أسألك المعذرة يا حضرة الميلورد. # فارتعش اللورد وقال: إنك مخطئ يا سيدي، فما أنا بلورد، بل إني أدعى ولتر بريس ليس ~~إلا. ~~- أنت تدعى الآن ولتر بريس، كما كنت تدعى من قبل اللورد وليم باميلتون. # وكان مرميس يكلمه بلهجة تشف على الاحترام الشديد، فقال له اللورد: من أنت أيها الرجل ~~الذي يعرفني؟ ~~- إني صديق يا سيدي اللورد. # فأجابه بلهجة القانط: ليس لي أصدقاء. ~~- إنك مخطئ يا سيدي اللورد، فإن توما قد أرسلني. ~~- إن توما قد مات. ~~- هو ذا، ولكنه أخبرني بكل شيء قبل موته. # فخفق قلب اللورد حين تذكر اسم توما وقال: أين اجتمعت بتوما؟ ~~- إني لم أره، ولكني رأيت امرأته بيتزي. ~~- أعرفت بيتزي؟ ~~- عرفتها يا سيدي قبيل وفاتها. # فصاح اللورد وإدوار صيحة يأس عند مفاجأتها بهذا الخبر وقال إدوار: هو ذا آخر شعاع من ~~أشعة رجائنا قد انطفأ. # فأجابه مرميس إنك مخطئ باسترسالك إلى اليأس، فإن بيتزي قد تحصلت قبل موتها على ~~الأوراق التي كانت مخبوءة في منزلك. # فنظر إدوار بحذر وقال: كيف عرفت هذا؟ ~~- إن الأوراق عندي، وقد عرفت منها كل حكاية اللورد وليم. # فقال له اللورد: قل لنا من أنت؟ ~~- إني يا سيدي رجل دخل إلى هذا المستشفى لإخراجك منه. # فدهش اللورد، وقال: تخرجني أنا؟ ~~- نعم يا سيدي. # فأجابه اللورد بصوت مختنق: إن الهزء بالتعساء إلى هذا الحد منكر من أشد ~~المنكرات. # فقال مرميس: إني لست من الهازئين، يا سيدي، كما أنك لست من المجانين. ~~- دون ريب. ~~- وهذا رفيقك إدوار ms2537 دخل إلى المستشفى مجنونا، ثم شفي من جنونه. ~~- هو ما تقول. ~~- إذن، أحدقا بي، أتجدان بين ملامحي ما يدل على الجنون؟ ~~- كلا، ولكنك مع ذلك في مستشفى المجانين. ~~- إني دخلت إليه بملء خاطري خصيصا لأجلك. ~~- لأجلي أنا؟ ~~- نعم إني أتيت لأنقذك. ~~- ولكن ... # فقطع مرميس حديثه قائلا: بل لأجمعك بزوجتك وولديك. # فلم يكد هذا اللورد المنكود يسمع ذكر زوجته وولديه حتى هاجت به عاطفة الحنان وسالت ~~دموعه. # وتابع حديثه قائلا: لا تبكي يا سيدي اللورد، فإن زوجتك وولديك في مأمن من كل ~~طارئ. ~~- أحقا ما تقول ... أتقسم لي؟ ~~- إني أقسم لك يا سيدي أنهم في أتم هناء. # فرفع اللورد عينيه إلى السماء وشكر الله. ~~- وستكون قريبا بينهم. # فاختلج اللورد وقال: أظن أني من الحالمين. ~~- بل هي الحقيقة يا سيدي اللورد، فأرجوك أن تخفف روعك، وتصغي إلي. ~~- ولكن قل لي: من أنت؟ ~~- ألم تسمع يا سيدي باسم الرجل العبوس. ~~- كلا. # فقال إدوار: أنا أعرفه، وأعرف أن الأسقف بترس توين لم يكن يخاف إلاه. ~~- إذن، فاعلما أن الرجل العبوس لقي توما في السجن، ووعده أن ينقذ اللورد وليم. # فقال اللورد: رباه أهذا من الممكنات؟ ~~- إنه لا يريد أن ينقذك فقط، بل هو يريد أن يرجع إليك ثروتك ولقبك. # فقال له إدوار: أحقا ما تقول يا سيدي، إن الرجل العبوس يتولى أمرنا؟ ~~- أقسم لكما أني صادق فيما أقول، وأنا آت من قبله. # فالتفت إدوار إلى اللورد، وقال له: إذن، أبشرك يا سيدي بالفوز، فإن هذا الرجل العبوس، ~~لم يقدم على شيء، إلا وكان فيه من الفائزين. # 9 # ورجع مرميس إلى الحديث فقال: إن الرجل العبوس هو الذي أرسلني. # وكرر اللورد السؤال قائلا: من أنت؟ ~~- إن اسمي لا يفيدك شيئا يا سيدي، فاكتف أن تعلم أني أخضع كل الخضوع لهذا الرجل الذي ~~يدعوه الإنكليز الرجل العبوس، ونسميه نحن الفرنسيين باسم آخر. ~~- إذن، هو الرجل العبوس الذي أرسلك؟ ~~- نعم يا سيدي، وإنما أرسلني كي أبلغك أن تكون على استعداد للخروج من هنا. # فهز وليم رأسه وقال: ms2538 لقد حاول كثيرون الخروج من هذا المستشفى، بل بالحري من هذا السجن ~~فما وجدوا لذلك سبيلا. ~~- ولكننا نحن نخرج منه. ~~- كيف؟ ~~- نخرج من الباب الكبير وفي طالعة النهار. ~~- بأية طريقة تخرج؟ ~~- إني لا أستطيع اليوم أن أزيد حرفا على الذي قلته، كي لا أخالف الرجل ~~العبوس. # وكان إدوار لا يزال مشككا في أقواله فسأل: ولكن من يضمن لنا يا سيدي أنك آت من قبل ~~الرجل العبوس؟ ~~- أتريدون برهانا على ذلك؟ # فقال اللورد: نعم، وبعد هذا البرهان نمتثل لك في كل ما تريد. # فمد يده إلى جيبه، وأخرج خاتما وأراه لإدوار، فلما رآه عرفه، وقال: إن هذا ~~خاتمي. ~~- نعم، وهو ذلك الخاتم الذي أعطيته إلى بيتزي أليس كذلك؟ ~~- بلى، وأنا واثق بك الآن كل الثقة. # أما اللورد فإنه قال له: ومن الذي يضمن لنا أن بيتزي لم تكن أسيرة في يدي ~~أعدائي؟ ~~- إذا صح ما تقول، فقد وجب أيضا أن تكون الأوراق بأيدي أعدائك، وهي الأوراق التي ~~ترجع لك ثروتك المسلوبة، وأية فائدة لهم أن يخرجوك من سجنك؟ # فلم يستطع اللورد أن يدحض هذا البرهان، فمد يده إليه قائلا: إني واثق بك، وأنا منذ ~~الآن أفعل كل ما تريد. # وعند ذلك أقبل المدير جوهن بيل، فقال لهما مرميس: إني ذاهب لأحيي المدير. ~~- احذر منه فهو شديد العنف والقسوة، وقد حاولت مرة أن أحكي له حكايتي فغضب علي، ~~وأمر أن يضعوني في السجن. # وقال إدوار: وأنا شرحت له شأني فأمر بجلدي. # فضحك مرميس وقال: أما أنا فسوف ترون أنه لا يحدث لي شيء من ذلك. # ثم تركهما وسار إلى المدير. # كان جوهن يسير مطرق الرأس مفكرا مهموما، فلما رأى مرميس يحييه ابتسم له وقال: أهذا ~~أنت يا سير أرثر؟ ~~- نعم يا سيدي المدير فهل تمعنت فيما اقترحته عليك البارحة؟ # فظهرت علائم الغضب عليه وقال: إني سأؤدب بواب الكنيسة شر تأديب فقد مكر بي. ~~- إنه لم يمكر بك، ولكنك دفعت خمسة آلاف جنيه ودفعت له أنا عشرة آلاف فباعني إياه، ~~فأين هو وجه ms2539 المكر؟ إن كل إنسان في مكانه يفعل فعله، وعندي أنه خير لك أن تتمعن فيما ~~اقترحته عليك بدلا من أن تغضب. # فتنهد وقال: واأسفاه إن هذا محال. ~~- لماذا؟ # فخفض جوهن صوته، وقال: أراك رجلا شريفا يا سيدي لا تخل بما تتعهد به، فهل تتعهد لي ~~أن لا تبوح بما سأقوله لك؟ ~~- إني أقسم بشرفي على الكتمان. ~~- إذن، اعلم أن هذا الشخص الذي نريد إخراجه من المستشفى، هو اللورد وليم باميلتون ~~حقيقة، وما هو بمجنون، ولكنه مقضي عليه أن يموت في هذا السجن. ~~- من قضى عليه هذا القضاء؟ ~~- جمعية البعثات الإنجليكانية، وأنت تعلم ما لها من النفوذ بلا ريب. ~~- نعم إنها تشبه الجزويت في فرنسا، ألعلك تخشى هذه الطائفة؟ ~~- أخافها كما أخاف الموت. # فضحك مرميس وقال: إذا كان هذا الحائل بينك وبين الحبل، فهو لك. ~~- ماذا تعني بذلك؟ # وقد اتقدت عيناه ببارق الأمل، فقال له مرميس: أعطني معدات الكتابة. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أكتب كتابا، وأعطيك إياه فترسله إلى صاحبه. ~~- ولكن ... ~~- هذا كل الذي أستطيع أن أقوله، وسوف ترى النتيجة. ~~- إذن، تعال إلى مكتبي. # ثم تأبط ذراعه دون كلفة، وسار وإياه. # 10 # وقد دهش المجانين دهشا عظيما، حين رأوا مرميس يسير مع المدير متأبطا ~~ذراعه. # وأما مرميس فإنه دخل برفقة المدير إلى المكتب، ثم أخذ ورقة وكتب فيها سطورا كثيرة، ~~والمدير واقف وراءه ينظر إلى ما يكتب، ولا يفهم شيئا. # فسأل: ما هذه اللغة الغريبة التي تكتب بها الآن؟ ~~- إنهم يسمونها اللغة الجافانية. ~~- ولكن إلى من تكتب؟ ~~- سوف ترى. # ولما فرغ من الكتابة أخذ غلافا، وكتب فوقه هذا العنوان: # بتر نوستر 17، المسيو بيردث سكرتير المحامي كوكلام. # ثم وضع الكتاب في طي الغلاف، وأعطاه للمدير قائلا: إذا وصل هذا الكتاب إلى صاحبه ~~فرجائي وطيد أننا نسافر غدا. ~~- أنصحب معنا اللورد وليم أم نبقيه هنا؟ ~~- بل نأخذه هو وإدوار كوركي أيضا. ~~- ولكن أية فائدة من إخراج هذا الرجل أيضا؟ ~~- هذا الذي أريده، فإما أن تقبل فتأخذ الحبل، أو ترفض فيبقى الحبل لي. # فاضطرب المدير في ms2540 أمره وقال: ولكن أية علاقة بين سكرتير المحامي كوكلام وبين شركات ~~البعثات الإنجليكانية؟ ~~- سوف ترى في هذا المساء. # ثم تركه وانصرف. # أما المدير فقد كان عرضة للهياج الشديد، فكان يسير ذهابا وإيابا بخطوات غير متزنة ~~ويقول: الحبل ... الحبل ... لا بد لي من نيل الحبل. # وبعد أن مضت ساعة على إرسال الكتاب الذي كتبه مرميس إلى روكامبول، فتح باب غرفة ~~المدير جوهن بيل فجأة، ودخل إليه المدير الثاني زميله، وهو مضطرب فقال: إني لدي الآن ~~شأن خطير يجب أن أباحثك فيه. ~~- ما عسى أن يكون هذا الشأن؟ ~~- تعلم أن لدينا سجينا يجب علينا أن نحرص عليه حرصا خاصا. ~~- لدينا كثيرون من أمثاله. ~~- أنا أعني ولتر بريس. ~~- بل تعني اللورد وليم باميلتون. ~~- سمه كما تشاء، فإن ناظر الحقانية أصدر إلينا أمرا مشددا بأن لا ندع أحدا يراه ~~من الخارج، فإذا أهملنا شيئا من هذه الأوامر، قضي علينا بالعزل. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أقبلت الآن امرأة تلح في مقابلة اللورد وليم أتعلم من هي هذه المرأة؟ إنها اللادي ~~باميلتون امرأة أخي اللورد وليم. # فذهل جوهن بيل وقال: أهذا ممكن، وبماذا أجبتها ؟ ~~- إني أبيت أن آذن لها بمقابلته. ~~- ولكن هذه المرأة وزوجها هما اللذان أدخلا اللورد وليم إلى هذا المستشفى، فلا أجد ~~مانعا من إدخالها إليه. ~~- ولكني أحببت أن لا أبت في شأنها قبل أن أستشيرك. # وبينما المديران يفكران دخل إليهما أحد الحراس يحمل رقعة زيارة الأسقف بترس ~~توين. # فاضطرب جوهن وقال: ماذا عسى أن يريد منا؟ # وكان كلاهما يعرفان منزلة هذا الأسقف، فأسرعا إلى استقباله بملء الاحترام. # أما الأسقف فإنه قال لهما بعد أن جلس بينهما: إني أرسلت إليكما منذ حين أمرا مشددا ~~من ناظر العدلية يقضي بمراقبة ولتر بريس. # ثم نظر نظرة خاصة إلى جوهن بيل وقال: إن هذا الرجل يدعي أنه اللورد وليم باميلتون، ~~مع أن هذا اللورد مات كما يعلم الجميع، ولكن هذا الشقي يحاول مقاضاة أسرة اللورد ~~أفندال، وقد أرسل مذكرة إلى اللادي باميلتون، لا أعلم كيف تمكن من إرسالها، فذعرت ms2541 ~~اللادي لما رأت فيها من الإنذار، وفوق ذلك، فقد أثرت عليها هذه المذكرة حتى أوشكت أن ~~تزعزع اعتقادها. # ولا يبعد أن تزور هذا الرجل وتقف منه على حقيقة ما قرأته في مذكرته من المختلقات ~~الغريبة. # فقال بلونت: ولكنها أتت يا سيدي. # فتظاهر الأسقف بالاضطراب وقال: أحقا ما تقول؟ ~~- نعم يا سيدي، فقد أتت من نصف ساعة. ~~- وهل اجتمعت به؟ ~~- كلا فقد حلت دون قصدها؛ لأن الأوامر كانت قد وردت إلي، ولكنها سوف ترجع ~~غدا. ~~- احذر أن تراه. ~~- بل يصعب علي أن أمنعها بعد الآن. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنها سترجع إلي بأمر من ناظر العدلية. # فقطب الأسقف عند ذلك حاجبيه وقال: إنها تستطيع الحصول على الأمر، ولكن كيف العمل، ألا ~~يوجد طريقة تمنع اجتماعهما؟ # فقال جوهن عند ذلك: يوجد طريقة صالحة يا سيدي وهي أن آخذ هذا الرجل. ~~- إلى أين؟ ~~- إن الأسفار تفيد في شفاء المجانين بعض الأحيان، وقد اعتدت أن أسافر ببعضهم كل عام، ~~وسيكون هذا الشخص بين الذين أسافر بهم من المجانين. ~~- وتسافر غدا؟ ~~- بل أسافر الليلة إذا شئت. ~~- إذن، ليكن سفرك في المساء. # فاتقدت عينا جوهن ببارق السرور، وذكر الحبل وأنه سيناله دون أن تقع عليه تبعة فرار ~~اللورد وليم. # غير أنه حاول التفصيل نهائيا فقال للأسقف: ولكني أجد بعض الخطر في تحقيق ذاك ~~القصد. ~~- أي خطر تعني؟ ~~- إني سأسافر بالمجانين إلى إرلندا، وليس لي هناك سلطة عليهم كما لي في ~~إنكلترا. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إن ولتر بريس هذا رجل شديد العزم قوي البنية ثابت الإرادة، فقد يتمكن هناك من ~~الفرار وأكون أنا المسئول عنه. ~~- لا تخف تبعة فراره، وفوق ذلك فإني أؤثر أن يهرب على أن يجتمع باللادي باميلتون، فلا ~~تخف، وسافر به وبمن شئت في المساء. # وبعد هنيهة خرج الأسقف فأوصله المدير بلونت إلى الباب، فابتسم الأسقف وقال: مسكين ~~رفيقك فلم يطل وقت سقوطه في الفخ. ~~- ذلك لأن الرجل الذي أرسلته إلينا كان من الماهرين النابغين. ~~- يظهر أنه كما تقول. ~~- كيف تقول ذلك ألم تعرفه يا سيدي؟ ~~- كلا. ms2542 ~~- إذن، من الذي أرسله إلى هنا؟ ~~- رجل حازم أعتمد عليه في أعمالي. ~~- إذن، لم تره؟ ~~- كيف أكون رأيته وقد قلت لك إني لا أعرفه. ~~- أتريد أن تراه؟ ~~- لا فائدة من ذلك لأن الوقت غير فسيح لدي الآن. # ثم انصرف وهو فرح القلب مما رآه من حسن النتائج. # 11 # وبعد أن ذهب الأسقف أسرع جوهن بيل إلى مرميس والفرح يملأ قلبه فقال: لدي نبأ عظيم ~~سأرويه لك. ~~- ما هو؟ ~~- هو أنه لم يعد يبقى لدينا حائل دون السفر ولا شيء يمنعني أن أصحب معي ولتر ~~بريس. ~~- تريد أن تقول اللورد وليم. ~~- نعم. ~~- بقي سؤال ألقيه إليك، وهو أني أحب أن أقف على رأيك بهذا الرجل. ~~- رأيي أني واثق من صدق حكايته وأنه من العار أن تحدث هذه الفظائع الشائنة في بلاد ~~الحرية والعدل والدستور. ~~- ولكنك كنت آلة في يد تلك الأسرة، التي ظلمت ذلك اللورد النبيل. ~~- لست أنا يا سيدي الذي أخدمها في أغراضها السافلة، بل هو ناظر العدلية ولا بد لي من ~~الخضوع له مكرها، واأسفاه. ~~- إذن، ناظر العدلية الذي أذن لك أن تصحب معك اللورد وليم . ~~- بل الأسقف بترس توين ولكنهما واحد. # ففتح مرميس سترته بغير اعتناء فرأى جوهن الحبل مشدودا في وسطه فزاد هياجه وقال: ~~أتعلم أننا مسافرون في هذه الليلة بقطار ليفربول؟ # فأجاب ببرود: أحقا ما تقول؟ ~~- نعم وإنما اخترت طريق ليفربول لأنها أقرب الطرق إلى إرلندا. ~~- وأنا مستعد الآن للسفر وإياكم. # فلما فرغ جوهن من قص النبأ المفرح عاد إلى أماني نفسه فقال: إني أثق بما قاله لي ~~المنوم على الحبل كما أثق بأشعة الشمس. # فابتسم مرميس وقال: ابحث عن غير هذه الاستعارة في التعبير عن ثقتك فإن أشعة الشمس ~~يندر وجودها في هذه البلاد. ~~- لقد أصبت، وإنما أردت أن أقول إن ثقتي به شديدة، فسأجد كنوز آبائي بفضل ذاك ~~الحبل. ~~- وأنا أعتقد اعتقادك. ~~- بل إنني سأجد أيضا، دون شك، مع تلك الكنوز البراءة المثبتة أني من اللوردية، فيكون ~~لي الحق، عند ذلك، بالعضوية في المجلس ms2543 الأعلى، وأدافع عند ذلك عن إرلندا خير دفاع، ~~وأحمل على ناظر العدلية حملات منكرة. ~~- إذن، لقد عولت على الأخذ بناصر اللورد وليم. ~~- دون شك. # فعض مرميس شفتيه كي لا يضحك وقال في نفسه: لقد أخطأ روكامبول بتخوفه من أن لا نستطيع ~~ضم هذا الرجل إلينا، في حين أنه يخدمنا أكثر مما نخدم أنفسنا. # وعاد جوهن إلى الحديث فقال: إذن، لقد تم الاتفاق على أن نسافر في هذه الليلة. ~~- دون شك. # فحك جوهن أذنه وقال: لم يعد يشغلني غير شيء واحد. ~~- ما هو؟ ~~- كيف نحتال على اللورد وليم، فإني أخشى أن لا يوافقنا على السفر. ~~- أنا أتعهد به. ~~- وإدوار ألا تزال مصرا على إخراجه أيضا؟ ~~- لست أنا الذي أصر على ذلك، فليس لي به أقل شأن، ولكن هو بواب الكنيسة صاحب الحبل، ~~فقد جعل ذاك الشرط من أخص شروطه، حين باعني إياه. ~~- إذن، سنصحبه معنا، بل إني أفعل كل الذي تريده، من أجل ذاك الحبل. # وقد غلب السرور فجعل يرقص في الغرفة، فلم يوقفه عن الرقص غير سماعه خطوات أحد ~~الحراس. # فقال مرميس في نفسه: ما أليق هذا الرجل لإدارة مستشفيات الجنون فإنه أشد جنونا من ~~المجانين الذين يتولى شفاءهم. # وعند ذلك طرق الباب، ففتحه جوهن فرأى أحد الحراس يحمل بيده رقعة زيارة اللورد ويلموت ~~أي شوكنج. # فقال لمرميس: إني أخشى أن يخطر لعمك أن يخرجك الآن من المستشفى. ~~- وإذا أخرجني منه؟ ~~- إذا أخرجك منه فكيف تسافر معنا الليلة؟ ~~- بل أسافر، فأنت تجدني في الساعة الثامنة، أنتظرك في محطة شارع كروس. ~~- أتعدني بذلك؟ ~~- بل أقسم لك فاطمئن. # 12 # وكان شوكنج ينتظر في قاعة الاستقبال، فلما دخل إليه مرميس رأى علائم الاضطراب بادية ~~في وجهه، فضحك وقال: لم أكن أتوقع زيارتك. ~~- وأنا لم يكن في نيتي الحضور. # ثم نظر نظرة الفاحص إلى ما حواليه وقال: ألعلنا وحدنا، فلا يسمع حديثنا أحد؟ ~~- نعم، فقل ماذا حدث؟ ~~- لا أعلم شيئا فقد فعلت أمس كل ما أمرتني أن أفعله، ولكني أقول لك إني أعمل عمل ms2544 ~~الآلة وأنقل ما تلقيه إلي، فشأني معك شأن الببغاء، ولكني لا أفهم شيئا من كل الذي ~~يحدث. ~~- ذلك لأنه لا يجب أن تعلم شيئا، فقل الآن ماذا حدث. ~~- حدث شيء بسيط بالظاهر، وهو أني كنت أتنزه في ستراند فشعرت بيد وضعت على كتفي، فرأيت ~~رجلا لم أكن رأيته قبل هذه المرة. ~~- اذكر لي ملامح الرجل وشكله. ~~- إنه أشقر يضع على عينيه نظارة زرقاء ويحمل محفظة أوراق، وهو من رجال القضاء دون ~~شك. # فابتسم مرميس إذ علم أن ذاك الرجل هو روكامبول وقال له: أأنت واثق أنك لم تر الرجل ~~قبل الآن؟ ~~- كل الوثوق، فلماذا تسألني هذا السؤال؟ ~~- لأني ظننت أنك قد تكون رأيت الرجل، فإني عرفت من ذكرته لي من شكله. ~~- من هو؟ ~~- هو سكرتير المحامي كوكلام، فماذا قال لك؟ ~~- قال لي كلمة دهشت لها فإنه ناداني بلقب لورد مع أني كنت لابسا ثيابي العادية، ~~فنظرت إليه منذهلا، وقلت له: أتهزأ بي أيها الرجل، فإني لست لوردا بل إن اسمي ~~شوكنج؟! ~~- هو ذاك ولكنك تدعى أيضا اللورد ويلموت. ~~- كيف عرفت ذلك؟ ~~- بل إنك سجنت أمس ابن أخيك السير أرثر. ~~- هذا أكيد ولكن كيف عرفت ذلك؟ ~~- ذلك لا يفيدك، ولكني أحب أن أعهد إليك برسالة. ~~- لمن أللسير أرثر؟ ~~- للسير أرثر أو لمرميس، فإن كليهما واحد، أرأيت كيف أني واقف على الحقيقة؟ # فقال مرميس: وهل أعطاك الرسالة؟ ~~- نعم وعهد إلي أن أسرع في إيصالها إليك، وهذه هي. # فأخذها مرميس، وكانت مكتوبة باللغة الجافانية فقرأ ما يأتي: # أرسلت إلى السجن امرأة من أتباعي بصفة أنها اللادي باميلتون، فذعر الأسقف ~~لاعتقاده أنها اللادي باميلتون حقيقة، فأذن لجوهن بيل بالسفر مع اللورد ~~وليم. # فإذا سافرتم هذا المساء فاشتر من محطة شرنج كروس جريدة البال مال غازيت من ~~بائع الكتب المقيم في المحطة، فإنك تجد في الجريدة رسالة، وفي الرسالة ~~التعليمات التي يجب أن تجري عليها. # وكان شوكنج يذوب شوقا لمعرفة ما تضمنته تلك الرسالة. # ولكن مرميس لم يجد فائدة من إيقافه على مضمونها: فطواها ووضعها ms2545 في جيبه. # فقال له شوكنج: أتأذن أن أسألك سؤالا. ~~- إني أجيبك عنه إن استطعت فسل. ~~- كيف أن ذاك الرجل، الذي لم أره في حياتي، عهد إلي بمثل تلك المهمة؟ ~~- لأن هذا الرجل يعرفك كما تعرفه أنت أيضا. ~~- ولكني قلت لك إن هذه أول مرة رأيته فيها. ~~- وأنا أقول لك عكس ما تقول فقد عرفته حق العرفان. # فارتعش شوكنج، أما مرميس فإنه ابتسم وقال له: بل إنك تعرفه، وعشت معه زمنا ~~طويلا. # فاضطرب شوكنج وقال: كلا، إن هذا محال ... كلا، لا يمكن أن يكون ... # وقد كاد يذكر اسم روكامبول فأسكته مرميس، وقال له: اذهب الآن من حيث أتيت. ~~- متى يجب أن أعود. ~~- لا تعد إلي بعد الآن فإني سأخرج من بدلام في المساء. ~~- إلى أين تذهب؟ ~~- إلى محطة لفربول مع اللورد وليم وإدوار. # فزادت دهشة شوكنج وقال: وبعد ذلك؟! ~~- نسافر إلى لفربول ومنها إلى إرلندا. ~~- وأنا وفاندا ماذا يجب أن نصنع؟ ~~- يجب أن تبقيا في لندرا إلى أن أكتب لكما إذا وجبت الكتابة. # فصغرت نفس شوكنج في عينيه، وكبرت عليه تلك الأسرار فقال: أرى أن خدمتكم باتت مزعجة ~~بعد التكتم الغريب. # فلم تظهر على وجه مرميس علامات الاستياء لهذا التقريع بل قال له: إني إذا كنت أتكتم ~~أيها الصديق، ذلك لأني أجهل تلك الأسرار كما تجهلها أنت، وإني أتلقى الأوامر غامضة كما ~~تتلقاها. # فصاح شوكنج صيحة فرح وقال: لقد عرفت الآن من هو ذاك الرجل الذي أرسلني إليك. # فأسكته مرميس بجفاء، وأمره أن ينصرف لفوره. # فانصرف شوكنج ورجع مرميس إلى اللورد وليم وإدوار، وأخبرهما أن السفر سيكون في ~~المساء. # وفي الساعة السابعة والنصف كانت مركبة ضخمة واقفة على باب المستشفى وقد نقلت أمتعة ~~جوهن بيل، ثم خرج ذلك المدير من المستشفى يتبعه اللورد وليم وإدوار ومرميس. # وكان المدير الثاني المسيو بلونت خرج لوداع زميله، وكلاهما يفيض وجهه بشرا، هذا ~~لانطلاق يده في إدارة المستشفى بعد سفر زميله، وذاك لاعتقاده أنه سيظفر بملايين آبائه ~~بعد أن ظفر بضالته المنشودة وهي حبل المشنوق. ms2546 # ثم سارت بهم المركبة إلى محطة ليفربول، حتى وصلت إليها. # وبينما كانوا يشتغلون بنقل الأمتعة من المركبة إلى القطار، ذهب مرميس إلى مكتبة ~~المحطة كي يشتري الجريدة كما أوصاه روكامبول، فرأى صاحبها جالسا حول منضدة، وعلى عينيه ~~نظارات سوداء، وقد وضع رأسه بين يديه وهو تائه في مهامه التفكير. # فأيقظه مرميس من هواجسه وقال: ألعله بقي لديك يا سيدي نسخة من جريدة البال مال ~~غازيت؟ # فارتعش الرجل، وأزاح النظارة عن عينيه، فلما رآه مرميس صاح صيحة دهش وقال: ~~ميلون؟ # فأجابه ذلك الشيخ خادم روكامبول الأمين: نعم أنا هو كما ترى، إذ لا أزال في قيد ~~الحياة. # ثم أعاد النظارة إلى عينيه. # 13 # وعند ذلك أعطاه ميلون الجريدة ونظر إلى الساعة وقال: لا يزال لدينا نصف ساعة لسفر ~~القطار فلنتحدث. ~~- قل أيها الصديق ... ~~- لقد علمت دون شك أنه لم يكتب رسالة في تلك الجريدة. ~~- كيف ذلك؟ ألا يوجد رسالة فيها؟ ~~- كلا. ~~- إذن، أين أجد تلك التعليمات؟ ~~- في الجريدة. ~~- كيف ذاك؟ ~~- إنك تبحث في صفحاتها فتجد بين سطورها كلمات متفرقة وضع تحتها خطوط حمراء، فإن جمعت ~~هذه الكلمات ورتبتها حسب ورودها مبتدئا من أول الجريدة تألف منها رسالة تجد فيها ~~التعليمات التي يجب أن تسير عليها. ~~- لقد فهمت. ~~- وقد اتخذ الرئيس هذا الاحتياط وهو يخشى أن تصلوا إلى المحطة حين سفر القطار فلا ~~أستطيع مباحثتك، ولكن الوقت لا يزال فسيحا لدينا فاسمع خلاصة التعليمات. # إنك ستبلغ لفربول غدا صباحا فتجد هناك باخرة ستسافر قبل جميع البواخر الراسية إلى ~~دبلين، واسم الباخرة كريمي، وربانها من أصحابنا. ~~- إذن، سنسافر إلى إرلندا. ~~- كلا بل تذهبون إلى جزيرة مان. ~~- وهناك ما نصنع؟ ~~- إني لا أستطيع أن أقول لك كل شيء الآن، فإني أرى جوهن بيل يدنو منا، ولكني أخبرك ~~أنه يوجد في الجزيرة امرأة تشتغل بالتنويم. ~~- أيجب أن نذهب إليها؟ ~~- نعم، وهي تخبركم أين تجدون الكنوز التي يبحث عنها جوهن بيل. ~~- ولكننا غير ذاهبين إلى إرلندا كما تقول. ~~- كفى فإنك تعلم البقية من الجريدة. # وعند ذلك ms2547 وصل إليهما جوهن بيل، فدفع مرميس ثمن الجريدة ووضعها في جيبه. # ثم تأبط ذراع جوهن بيل، وقال له وهو يسير: إنني حادثت صاحب هذه المكتبة فأخبرني بأمر ~~لم نكن نعرفه. ~~- ما هو؟! ~~- أن الباخرة التي سنسافر عليها لا بد لها أن ترسو في جزيرة مان مثل جميع البواخر ~~المسافرة إلى إرلندا، وأنه يوجد في هذه الجزيرة امرأة اشتهرت شهرة غريبة في عجائب ~~التنويم. ~~- أي فائدة بقيت لنا من المنومين بعد أن حصلت على الحبل؟! ~~- ولكنها تعيننا على إيجاد كنوزك، فإن شهرتها بعيدة، ويقال: إنها وجدت كثيرا من ~~الكنوز المدفونة. ~~- أحقا ما تقول؟! ~~- هذا ما قاله لي بائع الكتب. # فأطرق جوهن مفكرا، ولم ينتبه من هواجسه إلا حين سمع الجرس المؤذن بسفر القطار إليه ~~مع رفاقه. # وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي وصلوا إلى أدمبرج، فوجدوا أن الباخرة كريمي ~~ترفع مراسيها في الساعة التاسعة، وأنها مسافرة قبل جميع البواخر الراسية في الميناء، ~~فأسرعوا إليها جميعهم. # ولما أقلعت السفينة أخذ مرميس الجريدة، وفحص ما فيها، حتى إذا حل رموزها ذهب يبحث عن ~~ربان السفينة. # أما جوهن بيل فإنه كان يحلم بسعادته المقبلة، وقد اختلى بغرفته وجعل يناجي نفسه بتلك ~~الكنوز. # 14 # ولنعد الآن إلى الأسقف بترس توين، فإنه بعد أن خرج من مستشفى بدلام ذهب توا إلى ~~مكتب المحامي كوكلام فلم يجده فيه، بل وجد سكرتيره بليدت أي روكامبول. # فاستقبله روكامبول مبتسما وقال له: إني أعلم ما تريد أن تقوله لي. ~~- ما تعلم ...؟ ~~- إن اللادي باميلتون خرجت إلى مستشفى بدلام. # فعجب الأسقف وقال: أعرفت هذا ...؟ ~~- بل عرفت كل شيء فإنها طلبت مقابلة اللورد وليم، ولكن المديرين أبيا أن يأذنا لها ~~بمقابلته. ~~- هو ما تقول. ~~- وإن اللادي عزمت على العودة غدا، ولكنها لا تجده، فإن جوهن بيل فر به هذا ~~المساء. ~~- إننا نجونا منه والحمد لله. ~~- ولكنك تعلم أن هذا اللورد سليم العقل وأن المجنون هو ذلك المدير الذي يصحبه. ~~- أعلم ذلك يقينا فما تريد به ...؟ ~~- أريد أن جنون المدير يسهل فرار ms2548 اللورد. ~~- ليفر إلى أين شاء بشرط أن لا يعود إلى إرلندا. ~~- ولكنه إذا ما تمكن من الفرار، فلا شك أن أول خاطر يخطر له العودة إليها. # ورأى روكامبول أن الأسقف قد قطب حاجبيه فقال له: ولكني قد اتخذت الاحتياطات، وأعطيت ~~التعليمات اللازمة لذلك الرجل الذي يمثل دور السير أرثير. ~~- ألعلك رأيته اليوم؟ ~~- كلا، بل أرسلت إليه تعليماتي. # فاطمأن بال الأسقف وقال له: لندع الآن اللورد وليم وجوهن بيل، ولنتحدث بأمر آخر، فإن ~~اللادي باميلتون قد ذهبت إلى بدلام، وفي ذلك دليل على أنها تريد الاتفاق معه وتأبى أن ~~تدفع لي. ~~- دون شك، ولكني أستطيع إكراهها على الدفع بالمقاضاة. ~~- كم ينبغي لذلك من الزمن؟ ~~- إن المحامي العادي لا يستطيع إنجاز هذه المهمة قبل عامين، أما أنا فإني أتمها بمدة ~~ثلاثة أشهر. ~~- أتعدني بذلك؟ # فبرقت أسرة وجهه ثم عاد إلى التقطيب فقال: إني إذن أعتمد عليك كل الاعتماد، فإني ~~مسافر إلى فرنسا حيث أقيم فيها بضعة أيام. ~~- أتأذن لي يا سيدي، بسؤالك عن السبب الذي يدعوك إلى زيارة فرنسا؟ ~~- إني أحاول الوقوف على أثر رجل لا أخشى سواه في هذا الوجود وهو الرجل العبوس فإنه ~~الخصم الوحيد القوي الذي لقيته في حياتي. ~~- أتظن أنه سافر إلى فرنسا؟ ~~- نعم، فقد أكد لي ذلك أحد رجال بوليسي السري ولي به ملء الثقة. ~~- إذن، سافر يا سيدي، وأنا أشرع بالحصول على إرث اللورد أفندال. # وعند ذلك ودعه وانصرف، فابتسم روكامبول وقال: إنك لم تظفر به أيها الأبله وقد ظفر ~~بك. # أما الأسقف فإنه ركب مركبته، وأمر السائق أن يسير به إلى المنزل. # ولما وصلت به المركبة إلى أكسفورد تقابلت مع مركبة أخرى، فسمع الأسقف صوتا يناديه، ~~فعرف أنه السير أرشيبالد والد اللادي باميلتون. # أما السير أرشيبالد فإنه نزل من مركبته وأسرع إلى الأسقف فقال له بعد التحية: إلى أين ~~أنت ذاهب يا سيدي؟ ~~- إني عائد إلى منزلي. ~~- أرجو أن تأذن لي بمرافقتك، فإن لدي أمورا كثيرة أحب أن أحدثك عنها. # ثم صعد إلى المركبة فجلس ms2549 بجانبه وأمر السائق أن يسير. # ودار بين الاثنين الحديث الآتي: قال السير أرشيبالد: إني عائد يا سيدي من إيكوسيا ~~فإني رافقت ابنتي اللادي باميلتون إليها. # فذهل الأسقف وقال: أنت ذهبت بابنتك اللادي إلى إيكوسيا؟ ~~- نعم يا سيدي الأسقف ... ~~- متى سافرتما إليها؟ ~~- منذ خمسة أيام. ~~- ومتى عدت منها؟ ~~- اليوم. ~~- وابنتك أعادت معك؟ ~~- كلا، بل بقيت هناك. # فنظر إليه الأسقف نظرة إنكار وقال: أراك تجرؤ على الهزء بي. # فاهتز السير أرشيبالد لكلام الأسقف وقال: كيف خطر لك أني أهزأ بك؟ ولم هذا ~~الهزء؟ ~~- لا أعلم، ولكني أثبت ما قلته، فإن اللادي باميلتون ليست في إيكوسيا كما تقول بل في ~~لندرا. ~~- إنك مخطئ يا سيدي الأسقف. ~~- كلا، بل إني أثبت ذلك بالبرهان. ~~- إذا كان ذلك فأنت الذي تهزأ بي يا سيدي، ولست أنا، فإني أعيد عليك ما قلته فإن ~~اللادي باميلتون بعيدة مائة مرحلة عن إرلندا. # فهز الأسقف كتفيه وقال: أرى يا سيدي أنه يجدر بك أن تكلمني بجلاء؛ فإن الجلاء أصلح في ~~هذه الشئون. ~~- قل يا سيدي فإني مصغ إليك. ~~- إنك وابنتك تعلمان يقينا أني أنا الذي أنقذتكم من ولتر بريس. ~~- نحن شاكرون لك هذا الصنيع. ~~- ثم إنك تعلم أن هذه الجمعية العظيمة التي أتولى رئاستها العليا لا تخدم الناس لمجرد ~~حب الله، وأن اللورد أفندال تعهد لي كتابة بمبلغ من تلك الثروة التي حفظتها له. ~~- نحن مستعدون لدفع ما تعهد به اللورد. ~~- أحقا ما تقول؟ ~~- كل الحق يا سيدي، فإنك تعلم أني من كبار الأغنياء وأني لم أطمع بمال اللورد حين ~~صاهرته، بل بجاهه. ~~- إذن، أنت عازم على أن تدفع لي تلك المبالغ الجسيمة التي تعهد لي اللورد أفندال ~~بدفعها؟ ~~- دون شك. # فانذهل الأسقف لما رآه من التناقض. # ثم أطرق رأسه هنيهة وقال: إذن، قل لي لماذا أرادت اللادي باميلتون مقابلة ولتر بريس، ~~أي اللورد وليم؟ ~~- لا أعلم أنها خطر لها هذا الخاطر. ~~- إذن، قد كان ذلك دون أن تعلم. ~~- دون شك ولذلك أدهشتني بهذا الخبر الغريب، فمتى حاولت مقابلته؟ ~~- اليوم. ms2550 ~~- ولكن هذا محال يا سيدي، فقد قلت لك إنها في إيكوسيا منذ خمسة أيام وما أنا من ~~الكاذبين. # وتبين الأسقف دلائل الصدق الأكيد من لهجته وحار في أمره فقال له: ولكني أؤكد لك أن ~~امرأة ذهبت اليوم إلى بدلام فقالت: إنها اللادي باميلتون وإنها تريد مقابلة ولتر ~~بريس. ~~- إني لا أستطيع حل هذا اللغز، ولا أدري أية شقية تجاسرت على انتحال اسم ~~ابنتي. # فلم يجبه الأسقف بشيء، ولكن مر في باله خاطر سريع وجفت له أعضاؤه، فقد تذكر أن حاكم ~~سجن نوايت كان قد وضع الرجل العبوس حين كان سجينا في غرفة واحدة مع توما قبل إعدامه ~~وقال في نفسه: لا بد أن يكون أخبر الرجل العبوس بحكاية اللورد وليم، وأن الرجل العبوس ~~تولى الانتصار له، ودليل ذلك أن امرأة تنكرت باسم اللادي، وأرادت مقابلة اللورد، فلا بد ~~أنه يوجد من يهتم لهذا الرجل، وقد يكون هذا من صنع الرجل العبوس. # غير أن الأسقف لم يجاهر بمخاوفه أمام السير أرشيبالد بل قال: إني وثقت بكلامك يا ~~سيدي، ولكني أؤثر ألف مرة أن تكون خدعتني. ~~- لماذا يا سيدي؟ # وكانت المركبة وقفت عندها أمام باب منزل الأسقف فقال له: هلم بنا إلى منزلي فأخبرك ~~بكل شيء. # ولما دخلا أسرع أحد الخدم إلى الأسقف وقال له: إن البوليس سكوتوي قد خرج الآن بعد أن ~~انتظرك مدة طويلة، وقد ترك لك رسالة يا سيدي. ~~- أين هي؟ ~~- على المستوقد في غرفتك. # فذهب الأسقف إلى غرفته، وقرأ الرسالة فقرأ ما يأتي: # لقد وجدت أثر الرجل العبوس فاطمئن. # إنه، يا سيدي، يضع فوق عينيه نظارة زرقاء ويلبس شعرا مستعارا أشقر، وهو ~~يسمي نفسه، بليدت سلمون، ويشتغل في مكتب المحامي كوكلام. # إني أنتظر أوامرك. # فسقط الكتاب من يد الأسقف وقد اصفر وجهه حتى بات كالأموات فقال: لا شك أني لست من ~~رجال هذا الشيطان المريد، فإنه يهزأ بي منذ خمسة عشر يوما ويلعب بي كما يلعب الصبيان ~~بالكرة. # ثم سقط على كرسيه واهن القوى وقد كاد يغمى عليه. ms2551 # 15 # وجعل كل من الاثنين ينظر إلى الآخر، أما الأسقف فقد كان خائر القوى منخلع القلب، أما ~~السير أرشيبالد فلم يكن قد فهم شيئا من ذلك الكتاب، ولكنه أيقن مما رآه من انقلاب ~~الأسقف أنه حدث أمر هائل. # فقال له: ماذا حدث يا سيدي؟ # فانفجر الغضب في قلب الأسقف وقال: أتريد أن تعلم ما حدث؟ ~~- نعم ... ~~- إذن، فاسمع ... إنك كنت تعتقد بي إلى الآن أني من أهل الذكاء والمهارة ولكنك منخدع يا ~~سيدي. # ثم ضحك ضحكا مغضبا وقال: بل إني أبله ضعيف العقل، فإني منذ ثلاثة أسابيع اصطفيت ~~رجلا، وجعلته موضع ثقتي، فكان يعبث بي كما يشاء دون أن أعلم، فإن هذا الرجل كان ألد ~~عدو لي وأنا أحسبه خير صديق، أتريد الآن أن تعلم ما حدث؟ # إن اللادي باميلتون لم تذهب إلى المستشفى كما كنت أعتقد، واللورد وليم خرج من ذلك ~~المستشفى. # فاضطرب السير أرشيبالد وقال: كيف خرج؟ وإلى أين ذهب؟ ~~- إنه الآن في الطريق إلى لندرا. # ثم جعل يمشي في الغرفة ذهابا وإيابا بخطوات غير موزونة. # فسأله السير أرشيبالد: ما أصابك فإني أراك كالمجانين؟ ~~- إني لم أجن بعد ولكني سأجن. ~~- ولكن كيف يمكن اللورد مبارحة المستشفى؟ ~~- ... لأني فتحت له بابه. # فنظر إليه أرشيبالد بملء الانذهال وقال: أنت أطلقت سراحه بيدك؟ ~~- نعم ... فإن هذا الرجل الذي وثقت به قد خدعني شر خداع ثلاثة أسابيع متوالية بحيث وثقت ~~به كل الثقة، وبت لا أحيد عن رأيه، وهذا الرجل قد آلى على نفسه أن يرد للورد وليم ثروته ~~وألقابه. ~~- إن هذا محال. ~~- ولكنه الحقيقة. ~~- وعند ذلك طرق الباب فسكت الأسقف، وأمر الطارق أن يدخل، ففتح الباب ودخل منه ذلك ~~البوليس السري، وقال: أسألك المعذرة يا سيدي لقدومي إليك الآن، فقد رأيت مركبة وقفت عند ~~بابك، فما أخطأ ظني أنها تقلك وأتيت أخبرك ... ~~- حسنا فعلت بقدومك فإني كنت أنتظرك. ~~- أقرأت الكتاب؟ ~~- نعم، فهل أنت واثق أن الرجل العبوس وبرديت واحد؟ ~~- كل الثقة، وهو يقيم في زقاق ضيق في شارع باترنوستر، فإن دخل ms2552 إلى منزله في المساء ~~نزع شعره المستعار. ~~- أيقيم وحده في المنزل؟ ~~- كلا، بل مع رفيق له ضخم الجثة يدعى ميلون، وهو يبيع الجرائد في محطة شارنج كروس، ~~وقد كان بوسعي أن أقبض عليه، غير أني ما أردت أن أفعل شيئا قبل أن أتلقى أوامرك، فإن ~~القبض عليه سهل ميسور سواء في منزله، أو في مكتب المحامي الذي يشتغل فيه. ~~- ألعلك اتخذت الاحتياطات اللازمة للقبض عليه؟ ~~- إني أعددت كل شيء. ~~- كم رجلا أعددت؟ ~~- ثمانية. ~~- أأنت واثق أنه لا يوجد منفذ في المنزل الذي هو فيه؟ ~~- كل الثقة ... ~~- أمن السهل تطويق المنزل؟ ~~- نعم فإنه في زقاق. # فاتقدت عينا الأسقف ببارق من نار وقال: إن الساعة الثامنة الآن من المساء، ولا يجب أن ~~نصبر إلى الغد. ~~- أتريد إذن يا سيدي القبض عليه في هذه الليلة؟ ~~- بل في هذه الدقيقة، إن كان هذا من الممكنات. ~~- إذن، اطمئن يا سيدي، فسيعود إلى نوايت قبل منتصف الليل. ~~- وبعد غد يشنق. # وكان السير أرشيبالد يسمع الحديث فسأل: أي رجل تعنون ...؟ ~~- إن له اسما غريبا فإنه يدعى الرجل العبوس. # ثم قال في نفسه: إن الرجاء لم يفقد بعد ما زال الرجل العبوس سيشنق. # 16 # لقد كان البوليس صادقا في قوله فإن روكامبول كان يقيم حقيقة في الزقاق الذي أشار ~~إليه، وإنما اختار روكامبول هذا المنزل، لأنه كان يعرفه فإن مس ألن كانت مستأجرة غرفة ~~فيه، فكانت تأتي إليها حين تريد تغيير ملابسها واستبدالها بملابس أخوات السجون. # وكان لديه مفتاح هذه الغرفة، فلما نجا من السرداب مع ميلون في تلك الليلة التي بسطنا ~~تفصيل حوادثها في رواية روكامبول في السجن وألقى نفسه من النافذة إلى النهر مع ميلون ~~ذهب به توا إلى تلك الغرفة وهو يقول لرفيقه: إنهم دون شك لا يبحثون عنا في هذا ~~المكان. # ومن أخلاق أهالي لندرا، بل الإنكليز عامة عدم الفضول، فإن المرء لا يهتم إلا بمشاغله، ~~وإن العائلة قد تجاور العائلة في منزل واحد أعواما دون أن تتعارفا. # وبعد ثمانية أيام من إقامتهما في ms2553 هذه الغرفة، اشترى ميلون مكتبة في محطة شانج كروس، ~~فأقام فيها، ودخل روكامبول إلى مكتب المحامي، فكان يذهب إلى عمله في الساعة السابعة من ~~كل صباح، وروكامبول في الساعة الثامنة. # وفي الساعة السادسة ينصرف روكامبول من المكتب فيذهب إلى ميلون ويسير به متنزها، إلى ~~زمن العشاء، فيتعشيان ويعودان إلى الغرفة قبل انتصاف الليل. # ففي اليوم الذي عرف فيه البوليس روكامبول وكتب عنه إلى الأسقف بترس توين، كان ~~روكامبول خارجا من المطعم مع ميلون في الساعة التاسعة وقد تأبط ذراعه وسار وإياه ~~يتحدثان. # فقال له ميلون: أرأيت هذا الشخص الذي كان يتعشى في الفندق على المائدة المقابلة ~~لمائدتنا؟ ~~- نعم، وأظنه أحد المستخدمين. ~~- نعم، وأنا أظنه جاسوسا من الفرنسيين، فقد رأيته في باريس، وقد رأيت منه ما رابني، ~~وأخاف أن يكون جاسوسا علينا. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أؤكد. # ثم ضغط على يده وقال: انظر. # والتفت روكامبول دون أن يتوقف عن السير وقال: لقد أصبت، فإنه يقتفي أثرنا فهلم نلهو ~~به قليلا فليس لنا ما نعمله الآن وأسرع الخطى. # فقال ميلون: إني كنت أؤثر أن نتخلص منه. ~~- هذا الذي سنفعله وسوف ترى. # وقد كان روكامبول متنكرا أتم التنكر بحيث إن رجال عصابته أنفسهم لم يعرفوه. # وكذلك ميلون فقد كانت ملامحه تدل على أنهما من الإنكليز. # وكانا يسيران وهذا الرجل يتبعهما وميلون مضطرب البال. # فقال روكامبول: إني لا أنكر أن هذا الرجل جاسوس علينا، ولكني أريد أن أتحقق فإن بوليس ~~لندرا يعتقد في اعتقادين مختلفين: أحدهما أني مت تحت أنقاض الدهليز، والآخر أني غير ~~مقيم في لندرا، ولذلك لا أخشى غير رجل واحد وهو السير بترس توين، وكيف يعتقد هذا الأسقف ~~أني الرجل العبوس وهو يحادثني كل يوم ويمتثل لي في كل ما أرتئيه. ~~- ولكن انظر فإنه لا يزال في أثرنا. ~~- سوف ترى فادخل معي إلى هذا الدكان لشراء سكاير. # فدخلا إليها وعندها رأيا الرجل قد انتقل من رصيف إلى آخر وظل واقفا بإزاء الدكان إلى ~~أن خرجا منها، فلم يعد شك لدى روكامبول وذهب ms2554 توا إلى الرجل فرفع النظارة عن عينيه، ~~ونظر إليه تلك النظرات المكهربة، وقال له باللغة الفرنسية: ما تفعل أنت في ~~لندرا؟ # فاضطرب الرجل لتلك النظرات وقال: أسألك العفو يا سيدي فإني أشتغل بما يقوم ~~بأودي. ~~- إنك فرنسي مثلنا؟ ~~- نعم ... ~~- إذن، لم تتجسس أحوالنا وتقفو أثرنا؟ أيطيب لك أن تخدم الأغراب على مواطنيك؟ # فتلعثم الرجل وقال: إنهم يدفعون لي جنيها كل يوم لأقفو أثركما وأنا معدم ~~فقير. ~~- من الذي يدفع لك بهذا السخاء؟ ~~- هو بوليس سري يدعى سكوتوي. # وكانت نظرات روكامبول ومباغتته لهذا الجاسوس قد أثرت به تأثيرا عظيما فقال له: ~~أتعرف من أنا؟ ~~- كلا، ولكن يظهر أنك الرجل العبوس الذي فر من سجن نوايت. ~~- هو ذاك. # ثم مد يده إلى جيبه فأخرج قبضة من الذهب فدفعها إلى الجاسوس وقال: خذ هذا المال فهو ~~يغنيك الآن عن إيذاء مواطنيك وانصرف. # فاعتذر الجاسوس وأخذ المال وانصرف. # أما روكامبول فإنه ضحك وقال لميلون: بورك بهذا الجاسوس الذي يبوح بكلمة عما ~~يعلم. # ثم واصل السير مع ميلون. # فقال له ميلون: أرى أنك تريد العودة إلى الغرفة، وعندي أن المبيت فيها خطر. ~~- لماذا؟ ~~- لأن البوليس بات عارفا بأمرنا. # فأجابه روكامبول ببرود: إن البوليس لا يعلم شيئا عني، ولا أكترث للبوليس. # فقال له ميلون بلهجة المستسلم: إن هذا سيان عندي فقد تعودت أن أذهب معك حيثما ~~ذهبت. # ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى الغرفة فنزع روكامبول شعره المستعار، وعاد إلى هيئته ~~الأصلية. # أما ميلون فإنه أشعل سيكارة وذهب إلى النافذة فجعل يدخن، وهو على فرط استسلامه لا ~~يزال مضطرب البال. # وفيما هو يدخن مسترسلا إلى هواجسه حانت منه التفاتة من النافذة فاضطرب وتراجع ~~منذعرا إلى الوراء. # وكان روكامبول قد رآه فقال: ما حدث؟ ~~- حدث أنهم طوقونا، ولا أجد مناصا هذه المرة. # فقام روكامبول إلى النافذة فرأى كثيرا من الجنود يطوقون المنزل. # فابتسم ابتسام الاستخفاف، أما ميلون فإنه قال بلهجة القانطين: لقد قطع كل ~~رجاء. # 17 # وقد رأى القراء كيف أن الأسقف بترس توين لم يضع الوقت ms2555 سدى، فإنه بعد أن اجتمع ببوليسه ~~على ما تقدم خرج مسرعا إلى ناظر الحقانية وأخبره بما أبلغه إياه البوليس. # ثم ذهب إلى مدير سجن نوايت، وكان هذا المدير المنكود الذي لم يكن يلقى غير باسم الثغر ~~طلق المحيا قد انقلبت سحنته بعد فرار الرجل العبوس من سجنه، فبات شديد السويداء كثير ~~الهم والتفكير. # فلما زاره الأسقف قال له المدير: ألعلك جئت يا سيدي لتأنيبي على فرار ذلك الشيطان ~~الرجيم، فإن كان ذلك يا سيدي، فقد كفاني ما لقيت، فإن الرجل الذي كنت أحسبه من الأشراف ~~قد قيدني كما يقيد المجرمون، وإن هؤلاء الإرلنديين كادوا ينسفون السجن بي وبعائلتي، حتى ~~إني أدفع كل مالي في سبيل القبض على هذا المجرم الأثيم. # فابتسم الأسقف وقال: إنه سيعود إليك دون أن تدفع درهما، ولكني أرجو أن لا تعامله هذه ~~المرة بمثل تلك المجاملة. ~~- أضعه في أصفاد الحديد، وأنزع من قلبي معه كل رحمة وإشفاق. ~~- ألا تزال الغرفة التي كان مسجونا فيها فارغة؟ # فنظر إليه المدير نظرة المنذهل وأجاب: نعم. ~~- إذن، تعز فسيعود الرجل العبوس إليها في هذه الليلة ويملأ فراغها. # فصاح المدير صيحة فرح وقال: أقبضتم عليه؟ ~~- لم نظفر به بعد، ولكننا سنقبض عليه. # فتجهم وجه المدير بعد هذا الإشراق وقال: واأسفاه إني أخشى أن لا تنالوا منه مرادا ~~فليس هذا الرجل من البشر. ~~- هيئ له السجن، وما تريد من أسباب التعذيب، ورجائي أن أعود إليك به في أقرب ~~حين. # ثم تركه وانصرف دون أن يزيد في الإيضاح. # وقد ركب مركبته وسار توا إلى كنيسة سانت بول، وهناك وافاه البوليس سكوتوي فقال له ~~الأسقف بلهف: ما حدث؟ ~~- إن الرجل العبوس ورفيقه صاحب المكتبة لا يزال البوليس يتعقبهما. ~~- أين هما الآن؟ ~~- في الطريق إلى المنزل. ~~- أتظن أنهما يعودان إليه؟ ~~- دون شك. ~~- وكيف تعلم بعودتهما؟ ~~- إني عينت رقباء يخبرونني حين عودتهما، وفيما هو يقول هذا رأى رجلا قد مر بهما ~~فناداه البوليس وسأله: ألعلك قادم من هناك؟ ~~- نعم. ~~- أعاد الرجلان إلى المنزل؟ ~~- إنهما عادا إليه، ms2556 فأسرعت لأخبرك. # فاضطرب الأسقف وقال: يجب أن لا نضيع الوقت. ~~- إني أعددت كل شيء يا سيدي فاطمئن. ~~- أين وضعت رجالك الذين تحت أمرك؟ ~~- إني أقمت ستة منهم في خمارة في ذلك الزقاق، فإن صفرت لهم صفيرا اصطلاحيا خرجوا ~~منها في الحال. ~~- وبقية رجالك؟! ~~- إنهم في موضع آخر من الزقاق. ~~- إذن، هلم بنا. # فهمس البوليس عند ذلك بضع كلمات في أذن الرجل الذي أخبره بعودة روكامبول إلى المنزل، ~~فانطلق يعدو كالريح، لتنفيذ ما أمره به. # وبعد ذلك بربع ساعة، كان المنزل الذي يقيم فيه روكامبول قد طوقته الجنود وكان ميلون ~~يتراجع منذعرا ويقول لروكامبول: قضي علينا الآن ولم يبق لنا مناص. # أما الأسقف فإنه لم يكتف بنجاح البوليس ووثوقه من فوزه في مهمته إلى النهاية، بل أراد ~~أن يتولى أمر القبض عليه بنفسه، ولذلك ذهب مع البوليس حتى إذا وصلا إلى المنزل قال ~~الأسقف: أأنت واثق أنه لا يوجد منفذ في هذا المنزل؟ ~~- كل الثقة، وفوق ذلك، فإنه يوجد رجل من رجالنا على السلم. ~~- ولكن الباب الخارجي مقفل؟ ~~- إني أعرف طريقة فتحه. ~~- هل رجالك مسلحون؟ ~~- إنهم مدججون بالسلاح. ~~- إذن، هلم بنا. # فسار الأسقف والبوليس سكوتوي في طليعة الجنود، وبقي قسم من الجند في الزقاق. # ففتح البوليس الباب بمفتاح خاص، وصعد مع الأسقف السلم والجند وراءه إلى الغرفة التي ~~يقيم فيها روكامبول وميلون. # وكان يوجد عند بابها جندي وضعه البوليس للمراقبة، فقال له بصوت منخفض: ألا يزالان في ~~الغرفة؟ ~~- نعم ... # فطرق البوليس الباب فلم يجبه أحد، فهلع قلب الأسقف وقال: إنهما لا يجيبان. ~~- ولكنهما في الغرفة دون شك ألا ترى المصباح الذي هو في الداخل تنبعث أشعته من خلال ~~قفل الباب. ~~- إذن، نكسر الباب؟ ~~- لا حاجة إلى ذلك إن المفتاح فيه. # ثم أمر الجند أن يشهروا سلاحهم، وفتح الباب بعنف وهو يتوقع أن يسمع دوي ~~الرصاص. # ولكنه لم يسمع غير صوت الأسقف قد صاح صيحة ذعر ويأس، لأن الغرفة كانت خاوية خالية ~~والمصباح لا يزال يضيء على المستوقد، وروكامبول وميلون قد اختفيا. ms2557 # ولا يستطيع قلم أن يصف الذي أصاب ذلك الأسقف من تأثير الخذلان، فإنه بعد أن صاح تلك ~~الصيحة المنكرة، وقف جامدا مبهوتا كالصنم لا يتحرك. # أما البوليس فإنه نادى الرقيب الذي على السلم وقال له: ألم ترهما حين خروجهما من ~~الغرفة؟ ~~- كيف أراهما يا سيدي وهما لم يخرجا منها، إني أقسم لك بشرف الجندية أن باب هذه ~~الغرفة لم يفتح. # فتركه البوليس ونزل إلى حيث كان الجنود، وسألهم عما رأوه، فأكد له بعضهم أنهم رأوا ~~رجلا ضخم الجثة يدخن، وهو واقف عند النافذة. # ورجع البوليس إلى الغرفة، وبحث فيها بحثا دقيقا. # ولم يجد فيها ما يشير إلى وجود منفذ غير خزانة مقفلة، ففتحها فلم يجد ذلك ~~المنفذ. # فوقف مضطربا منذهلا وهو يقول: لا شك أن ذاك الرجل من الأبالسة. # أما الأسقف بترس توين فإنه أفاق من سباته وقال: يستحيل أن يكون هذان الرجلان خرجا من ~~غير هذا الباب. # فقال البوليس: إذا كان ذلك فلا بد أن يكونا باقيين في المنزل. ~~- يجب أن نفتشه تفتيشا دقيقا. ~~- ولكنك تعلم، يا سيدي، أن النظام في إنكلترا لا يجيز مهاجمة المنازل. ~~- تعال معي ودع المسئولية علي. # فخرجا من غرفة روكامبول وطرق باب الغرفة المجاورة، ففتح لهم الذي يقيم فيها. # فقال الأسقف: إننا نبحث عن رجل شرير من أولئك الإرلنديين الذين كادوا ينسفون لندرا في ~~هذه الأيام. # فأجاب: ولكن هذا الرجل لا يكون عندي يا سيدي، فإني من البروتستانت. ~~- لا بأس فأذن لنا بتفتيش منزلك. # ثم أعطاه خمسة جنيهات فكف عن الاعتراض ودخلوا جميعهم ففتشوا المنزل تفتيشا دقيقا ~~فلم يقفوا على أثر. # فزاد اضطراب الأسقف، ولكنه لم يفقد رشده فقال للبوليس: إننا إذا لم نجد هذا الشيطان ~~المريد فلا بد لنا من إيجاد أوراقه. # وقد خطر للأسقف أنه لما كان الرجل العبوس والمستر بريدت واحدا فلا بد أن يكون قرار ~~برسي المسجل في سفارة إنكلترا في باريس موجودا لديه في مكتب المحامي كوكلام، فإذا عثر ~~بهذه الأوراق فلا يعود يخشى الرجل العبوس. # وعند ذلك برح ms2558 المنزل بعد أن يئس من وجود روكامبول فيه، وذهب مع البوليس توا إلى ~~مكتب المحامي كوكلام. # وكان المكتب مقفلا في تلك الساعة فنادى الأسقف البواب وسأله أن يفتح الباب بأمر ناظر ~~العدلية. # فأبى، فبذل جهده في الحيلة والوعود، ولكن البواب أصر على الإباء وقال: إنه لا يفتح ~~المكتب، ولا يأذن لأحد بالدخول إليه إلا بأمر سيده المحامي. # فأمر الأسقف البوليس أن يحيط المكتب بجنوده وينتظر إلى أن يعود، وذهب مسرعا إلى بيت ~~المحامي كوكلام. # وكان المحامي يعرف منزلة الأسقف حق العرفان، فحكى له الأسقف جميع ما اتفق، وهذا ~~المحامي من أنصار اللادي باميلتون فإنه كان مصفيا لتركتها، كما يذكر القراء. # ولذلك تمكن الأسقف من إقناعه على الذهاب معه إلى مكتبه للتفتيش في غرفة الرجل العبوس ~~عن تلك الأوراق، فإن العثور بها يفيد تلك الأسرة التي يتولى أمورها. # وبعد ساعة رجع الاثنان إلى المكتب، وبحثا بحثا دقيقا في غرفة الرجل العبوس، أو ~~المسيو بريدت، فلم يجدوا بين أوراقه أثرا لتلك الأوراق، بل وجدوا أن جميع الأوراق ~~الخاصة بقضية اللورد وليم، قد اختفت. # فغضب الأسقف عند ذلك غضبا شديدا حتى إن الزبد كان يخرج من شدقيه، وخرج من المكتب ~~خروج القانطين. # فلما دخل إلى الشارع وهو لا يكاد يبصر ما حوله لفرط غيظه، جاءه رجل وأعطاه رسالة وقال ~~له: إن رجلا لقيه في الطريق، فعهد إليه أن يسلمه إياها. # فأخذ الأسقف الرسالة ففضها بيد ترتجف وتلا ما يأتي: # إنك أجهدت نفسك في هذه الليلة، فلم تظفر بالأوراق، ولم يتيسر لك القبض علي، ~~فاسمح لي، على أمل اللقاء القريب، أن أقدم لك فروض التعازي. # الرجل العبوس # فصاح الأسقف صيحة مؤلمة، وقد كاد يذهب عقله من القهر، فإن الرجل العبوس، لم يكتف بما ~~ناله من الفوز بالفرار، بل إنه كتب إليه يهزأ به. # 18 # ولنذكر الآن كيف تمكن الرجل العبوس من الفرار مع ميلون من تلك الغرفة، بعد أن ~~طوقها الجند، وأصبح الفرار منه ضربا من المحال، فإنه حين قال له ميلون: لقد طوقنا ms2559 ~~الجند، وليس لدينا سلاح، فلا سبيل للفرار. # فابتسم روكامبول وقال له: خذ هذا المسدس كي تطمئن، ولكن لن تحتاج إليه. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن الوقت يضيق بي الآن عن أن أوضح لك بالتفصيل، ولكن لا بد لي من إخبارك ببعض الأمر ~~كي تكون على بينة فلا تهفو، فاعلم أني كنت أتوقع حدوث ما جرى. ~~- إذا كان ذلك فكيف عدت إلى الغرفة؟ ~~- كان لي بذلك مأرب لا تعلمه. ~~- ولكن الجند قد طوقتنا وسوف يقبضون علينا. ~~- اسكت الآن وأصغ، ألم تر حين وصولنا إلى هذه الغرفة أن رجلا كان يقتفي أثرنا وقد ~~اختبأ الآن عند السلم؟ ~~- كلا. ~~- أما أنا فقد رأيته وهو يقيم الآن وراء الباب. ~~- إذن، سيحول دون خروجنا من الغرفة. ~~- كلا وسوف ترى الآن فاتبعني. # ثم فتح الباب وخرج فتبعه ميلون، ورآهما الرجل الكامن فهم أن يصيح، غير أن روكامبول ~~بادره بإشارة سرية فوجم ودنا منه روكامبول وقال له: أنا هو الرجل العبوس. # فانحنى الرجل ولم يفه بحرف. # وعند ذلك أقفل روكامبول باب الغرفة التي خرج منها، وأبقى المفتاح في قفله، ثم صعد ~~وتبعه ميلون سلما انتهى بهما إلى غرفة لا أثاث فيها فدخل الاثنان إليها. # وكان في تلك الغرفة نافذة عالية مفتوحة تشرف على سطح المنزل فقال روكامبول لميلون: ~~احملني إليها. # فحمله ميلون حتى إذا صار فيها مد له ساقه فتعلق ميلون بالساق وصعد، فخرج الاثنان إلى ~~السطح. # وكانت سطوح ذلك الزقاق متلاصقة، فما زال روكامبول يسير من سطح إلى سطح وميلون يتبعه، ~~حتى انتهى إلى سطح وقف عنده ونقر بيده فوق مكان معين منه ثلاث مرات، ففتحت في الحال كوة ~~في ذلك السطح، فنزل الاثنان إلى غرفة مظلمة، وأقفلت الكوة من نفسها حين نزولهما. # فأجفل ميلون لما رآه من هذه الغرائب وقال: أين نحن الآن؟ ~~- إننا في بيت صديق لي، وأنت تعلم أن لي كثيرا من الأصدقاء. ~~- أهو الذي فتح لك نافذة السطح؟ ~~- كلا بل أنا. ~~- ولكنك قرعت السطح ثلاث مرات. ~~- إني طرقت هذه الطرقات كي أدير لولبا. ~~- إذن، ms2560 نحن الآن في أمان من كل خطر؟ ~~- دون شك ونستطيع أن نتحدث. ~~- إذن، ستخبرني الآن ماذا فعلت بالرجل الذي كان كامنا لنا عند باب الغرفة حتى أذن ~~لنا بالذهاب دون أن يعترضنا. ~~- ذلك أني عرفت هذا الرجل حين دخولنا إلى الغرفة، فهو من الإرلنديين، ولولا ذلك لخرجت ~~من منفذ سري في الغرفة، فإني كنت أتوقع كل حين هذه المباغتة، وتأهبت لها كل التأهب، ~~فلما أيقنت أن الرجل إرلندي فضلت الفرار من طريق السطح وأشرت إلى ذلك الإرلندي إشارة ~~الرؤساء السرية. ~~- لقد فهمت ولكني أعتقد أننا خاطرنا مخاطرة عظيمة. ~~- هو ذاك ولكني لم أجد بدا من المخاطرة. ~~- ولماذا؟ ~~- لأني أريد أن أبرهن للأسقف أني لا أخافه. ~~- إذا كان ذلك فأنت مصيب، ولكن ماذا فعلت بالأوراق؟ ~~- أية أوراق؟ ~~- أوراق اللورد التي كانت في مكتب المحامي. ~~- إنها ليست فيه، فقد أخذتها في المساء وهي الآن في جيبي. # فتنهد ميلون تنهد المرتاح ثم قال: لكن الأسقف يعلم من أنت. ~~- دون شك. ~~- وهو سيرسل أوامره إلى لندرا للقبض على مرميس. # فابتسم روكامبول وقال: لا تخف، فلا تصاب عصابتي بسوء، وأنا في قيد الحياة. # 19 # أما الأسقف فإنه بعد أن اطلع على الرسالة التي كتبها إليه الرجل العبوس، مزقها وألقى ~~بها مغضبا إلى الأرض، ثم لم يلبث أن أخمد نار غيظه وجعل يمعن الفكرة في ما صار إليه، ~~فقال في نفسه: لم يبق شك أن الرجل العبوس يتولى شأن اللورد وليم، ولا يجب التهامل لحظة ~~مع مثل هذا الخصم الشديد. # وماذا صنع بي هذا الرجل خلال انخداعي بإخلاصه وثقتي به. # إنه أقنعني بوجوب إخراج اللورد وليم من المستشفى، فامتثلت له وهو الآن سائر في طريق ~~إرلندا. # وهناك ينجو بسهولة من جوهن بيل، ويعود بملء السكينة إلى لندرا. إذن، يجب أن أهتم ~~بالقبض على اللورد في القريب العاجل. # ولما أقر على هذا القرار نظر إلى البوليس سكوتوي وقال له: يجب عليك أن تسافر ~~الليلة. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى إرلندا. ~~- وماذا يجب أن أصنع فيها؟ ~~- تلقي القبض على ثلاثة، ms2561 أحدهم مدير مستشفى بدلام، والاثنان من المجانين. ~~- إني أعرف شيئا من أمر هذا المدير، أما هو جوهن بيل؟ ~~- هو بعينه. ~~- ولكن لا يصحبه اثنان كما تتوهم بل أربعة. ~~- كيف عرفت أنه يصحبه أربعة؟ ~~- عرفته من أحد رجالي فقد كان في المحطة حين سفرهم وأحد هؤلاء الأربعة السير أرثر وهو ~~صاحب حبل المشنوق. ~~- هو ذاك، ويجب أن تسافر في الحال إلى إرلندا، وتقبض عليهم جميعا. ~~- وماذا أصنع بعدها هل أعود بهم إلى إرلندا؟ ~~- كلا بل تضعهم في مستشفى دبلين وترجع إلي، فنعود إلى البحث عن الرجل ~~العبوس. ~~- ولكني لا أرى حاجة للذهاب إلى إرلندا فإن البواخر التي تسافر من لفربول إلى دبلين ~~لا بد لها من الوقوف في جزيرة مان، وجوهن بيل لم يسافر إلا من ساعة، بل ربما كان باقيا ~~في الميناء. ~~- إني لم أفهم قصدك. ~~- قصدي هو أن ترسل تلغرافا إلى قومندان ميناء تلك الجزيرة، فيوقف المركبة المقلة ~~جوهن بيل ورفاقه عن السفر، إلى حين صدور أوامر جديدة. ~~- وأية فائدة لنا من ذلك؟ ~~- فائدتنا أنه يوجد في جزيرة مان مستشفى للمجانين، من يدخل إليه لا يخرج منه، ثم إننا ~~قد نجد في دبلين من الخطر ما لا نجده في تلك الجزيرة. ~~- كيف ذلك؟ صرح لي. ~~- إني عارف بحقيقة الأمر يا سيدي، فإن الذي يهمك القبض عليه من أولئك الخمسة هو ~~اللورد وليم دون سواه، وإن لهذا اللورد الآن نصيرا من أشد الأنصار. ~~- بل هو شيطان في صورة إنسان. ~~- وإن هذا الشيطان يا سيدي من زعماء الإرلنديين كما تعلم، فلا بد أن يكون له كثير من ~~الأنصار في إرلندا. ~~- دون شك. ~~- وإن دبلين عاصمة إرلندا، فلو سافر اللورد وليم إليها، لما عدم الرجل العبوس واسطة، ~~تمكنه من إنقاذ اللورد وليم، بواسطة الإرلنديين. # وإن هؤلاء الإرلنديين مستخدمون في جميع المصالح وبينهم كثيرون من رجال ~~البوليس. ~~- ولهذا أرى أن الأفضل أن يقبض عليهم في جزيرة مان. ~~- وأنا أرى رأيك. غير أنه لا بد، لإيقاف الباخرة في الميناء، من صدور أمر ناظر ~~البحرية، ms2562 وكيف يتيسر لنا الحصول على هذا الأمر في مدة ساعة؟ ~~- بواسطة السير أرشيبالد فإنه من كبار رجال البحرية. # فقال له الأسقف: لقد أذكرتني ما كانت ناسيا، وها أنا ذاهب إليه لفوري. ~~- أما أنا فإني واثق من حصولك على هذا الأمر، ولذلك سأذهب لفوري أيضا إلى المحطة ~~وأسافر إلى ليفربول. # ثم افترق الاثنان. # وركب الأسقف مركبته، وسار بها مسرعا إلى قصر باميلتون، حيث كان يقيم السير ~~أرشيبالد. # أما البوليس فقد سار إلى المحطة. # وكانت الشمس عندئذ قد تعالت، والباخرة المقبلة لجوهن بيل خارجة من حوض ~~ليفربول. # 20 # ولنبرح الآن لندرا إلى ليفربول، حين صعد جوهن بيل ورفاقه إلى الباخرة. # ويذكر القراء أنه بعد أن رفعت الباخرة مرساها، وبعد أن قرأ مرميس في الجريدة ما كتبه ~~له روكامبول ذهب لمقابلة الربان فحياه وقال له: إني أدعى يا سيدي السير أرثر. # فانحنى الربان دون أن يجيب. ~~- وإني يا سيدي ابن أخ اللورد ويلموت، ولا بد أن يكون أحد أصدقاء عمي قد كتب إليك ~~يوصيك بي أليس كذلك؟ ~~- هو ما تقول يا بني. ~~- وإن لهذا الرجل الذي أوصاك بي اسما، لا أجد فائدة من التصريح به. ~~- لقد عرف كل منا الآخر وهذا يكفي، فأذن لي الآن أن أراقب سير الباخرة حين خروجها من ~~الحوض. # ثم تركه وانصرف. # فقال مرميس في نفسه: إنه قليل الكلام، ولكن دلائل صدق العزم بادية بين عينيه بحيث إني ~~واثق من إمكان الاعتماد عليه. # وصفرت الباخرة ثم سارت في الحوض، فلم تسر هنيهة، حتى أمر الربان بإيقاقها. # فشعر مرميس أن السفينة قد وقفت بعد سيرها، وأسرع إلى الربان وقال: ماذا حدث؟ # فأشار الربان بيده إلى المنارة وقال: انظر. ~~- ما هذا؟ ~~- إشارة تأمرنا بإيقاف الباخرة. ~~- لماذا؟ ~~- لا أعلم بعد، ولعل ذلك نبأ برقي وارد من لندرا. # فاصفر وجه مرميس، أما الربان فإنه ابتسم ابتسامة معنوية وقال له: لا تخف ~~شيئا. ~~- بل إني أخاف كل شيء، فقد يمكن أن يكون ذلك النبأ أمرا صادرا إليك وهو بإرجاعنا ~~إلى البر. # وقد يكون الأسقف ms2563 بترس توين استصدره، فإذا كان ذلك فقد ضاع كل رجاء. # فلم يجبه الربان بشيء بل أخذ نظارته وجعل ينظر بها إلى الميناء. # وبعد هنيهة خرج قارب من الميناء وسار إلى جهة الباخرة، ولم يمر نصف ساعة حتى وصل ~~إليها. # وأخذ الربان التلغراف من الذي جاء بالقارب، فنظر فيه وقال لمرميس: إن هذا التلغراف ~~ليس لي بل هو لك. # فأخذ مرميس التلغراف بلهف وفضه، فوجده ممضيا بتوقيع بريدت، فإن روكامبول كان قد سبق ~~الأسقف كما نرى. # أما التلغراف فقد كان متضمنا ما يأتي: # افتضح أمر بريدت وهو في أمان، ولكن الأسقف على حذر ... فاحذروا أنتم أيضا، ~~وستردكم تعليماتي. # بريدت # فلما قرأ مرميس الرسالة قال: إنها لا تدل على شيء وتدل على كل شيء في حين ~~واحد. # وبعد مداولة الربان مع مرميس استنتجا أن الأسقف بترس توين عرف الرجل العبوس وأنه بات ~~واثقا من خطئه بتسهيل خروج اللورد وليم من مستشفى بدلام، فهو دون شك قد اتخذ التدابير ~~اللازمة لمنع اللورد وليم من الوصول إلى لندرا. # فقال الربان: إني أؤثر أن يكون الأمر كذلك، فلنسافر الآن إذ لا بد لنا من ~~السفر. ~~- وما كنت تفعل لو كان هذا النبأ واردا من الأميرالية، يتضمن إرجاعنا إلى ~~البر؟ ~~- كنت أعصي الأميرالية. # ثم تركه وانصرف إلى مراقبة السفينة. # 21 # ولنعد الآن إلى البوليس سكوتوي، فقد كان هذا الرجل من أمهر رجال البوليس السري وأشدهم ~~حذقا، ولم يغلبه إلى الآن غير روكامبول، ولكنه تعزى لخيبته، وعلل نفسه بالأخذ بالثأر، ~~فركب القطار من لندرا إلى ليفربول. # ولبث تلك المدة الفاصلة بين المدينتين، وهي اثنتا عشرة ساعة، على أحر من ~~النار. # فلما وصل إلى لفربول استقصى عن مدير مستشفى بدلام، فعلم أن الباخرة قد أقلعت به ~~وبرفاقه في الصباح، وأنها وصلت إلى جزيرة مان، ولا تزال راسية فيها. # وذهب إلى إدارة التلغراف، فعلم منها أن الأميرالية البحرية أرسلت إلى قومندان ميناء ~~الجزيرة هذا التلغراف الوجيز: # أوقفوا، إلى حين صدور أوامر جديدة، الباخرة التي يدعى ربانها روبرت والاس، ~~وراقبوا ms2564 جميع المسافرين فيها. # فلما اطلع البوليس على التلغراف قال في نفسه: إن الأسقف لم يضع الوقت سدى فلأقتد ~~به. # وعند ذلك عزم على السفر إلى تلك الجزيرة، ولكنه لم يجد باخرة مسافرة إليها. # فاستاء كل الاستياء من هذا التأخير، لأنه كان واثقا أن الرجل العبوس يعمل في لندرا ~~على تخليص اللورد وليم، وأنه لا بد أن يكون أرسل تعليماته إلى ركاب السفينة. # وكان البحر شديد الاضطراب، ولولا هياجه لكان سافر على قارب صغير غير مكترث ~~للأخطار. # ولكنه لم يجد نوتية يجسرون على السفر إلى الجزيرة بالقوارب، في مثل هذه الأنواء ~~الثائرة، فلم يجد بدا من الصبر إلى صباح اليوم التالي. # ثم ذهب إلى خمارة في الميناء، كان يتردد إليها البحارة، فأقام فيها إلى أن يحين وقت ~~الرقاد. # وفيما هو جالس يشرب شيئا من الخمر، دخل نوتي جثل الشعر لوحت وجهه الشمس، فبات لونه ~~كألوان أهل الشرق، فطلب زجاجة شراب، فلما شرب الكأس الأول التفت إلى الحاضرين وقال: إني ~~مسافر الليلة على سفينتي إلى جزيرة مان فهل بينكم من يريد السفر؟ # فارتعش البوليس ولكنه لم يفه بحرف. # وكان أحد النوتية جالسا يشرب مع رفاقه، فلما سمع صوت الرجل قال: هذا أنت يا ~~بنيتن؟ ~~- نعم، وقد أتيت أشرب كأسا قبل سفري علي أجد في الخمارة من يود السفر. ~~- إلى أين أنت مسافر؟ ~~- إني مسافر إلى إرلندا. ~~- متى؟ ~~- بعد ساعة. ~~- أتسافر على سفينتك فكتوريا؟ ~~- نعم، إنها صغيرة كما تعلم ولكنها تقاوم الأمواج كالمدرعات. ~~- ولكن البحر شديد الاضطراب الليلة. ~~- هو ذاك، غير أن اضطراب البحار لا يروع أمثالي، وأنت تعرف مهارة بحارتي، وفوق ذلك ~~فإني مضطر أن أسافر الليلة إلى جزيرة مان لأشغال خطيرة، والريح موافقة فإنها تهب من ~~الشمال الشرقي. ~~- إني أرجو لك سفرا سعيدا موفقا، ولكني لست من المسافرين. # فأفرغ النوتي بقية الزجاجة في كأسه، فشرب ما بها ثم حيا الجماعة وهم ~~بالخروج. # فاستوقفه البوليس سكوتوي عند ذلك، وقال له: أحقيقة أنك مسافر الليلة؟ ~~- دون شك. ~~- أتذهب إلى جزيرة مان؟ ~~- نعم يا ms2565 سيدي. ~~- كم تأخذ مني أجرة سفري في سفينتك؟ ~~- جنيهين ونصف. ~~- إذن، أسافر معك، وهذه الأجرة أدفعها لك سلفا. # فقال النوتي: إذا كان ذلك فهلم معي الآن، وهات أمتعة سفرك. ~~- ليس لدي غير هذه الحقيبة. # ثم أخذ حقيبته وخرج من الخمارة في أثر النوتي، وكان النوتيون يعجبون لجرأته النادرة، ~~فإن البحر كان شديد الاضطراب وهو يسافر مسافة شاسعة في فلك صغير. # وبعد ذلك بساعة كانت تلك السفينة تخترق عباب الريح، وترقص فوق الأمواج. # وكان البوليس ممسكا بحبال السفينة حذرا من أن تقذفه الرياح إلى البحر لشدتها، ~~والربان وبحارته يراقبون سير الفلك، دون اكتراث للأخطار. # غير أن هذا البوليس لم يلبث أن ندم، لشدة ما لقيه من العناء، وفيما هو على ذلك دنا ~~منه رجل كان نائما في أرض السفينة وقال له: ألا ترى يا سيدي أن البحر شديد الاضطراب ~~وأننا في خطر؟ # فارتعش سكوتوي وذكر أنه سمع ذلك الصوت. # ولكنه لم يذكر أين، وحاول أن يرى وجه محدثه، فحال دون ذلك اربداد الظلام. # 22 # ثم دنا الرجل المجهول من البوليس حتى التصق به ووضع يده فوق كتفه، فخيل للبوليس أنها ~~يد من حديد وقال له: ماذا تريد مني؟ ~~- إني مسافر في هذه السفينة مثلك، وقد رأيت اضطراب البحر فجئت أسألك رأيك. ~~- عن أي شيء؟! ~~- أتظن أن هذه السفينة الصغيرة، تتحمل مواصلة السير وتستطيع بلوغ الميناء؟ ~~- لا أعلم. # ثم قال في نفسه لا شك أني سمعت هذا الصوت، ولكن أين؟! # أما الرجل فعاد إلى الحديث وقال: يظهر لي أنك غير خائف. ~~- ومم الخوف فإن حياتنا بيد الله؟! # فضحك الرجل بسخرية وقال: أتعتقد أنت بالله؟! ~~- ولماذا لا أعتقد به؟! ~~- لأنك تمتهن مهنة لا تنطبق على إرادته، ولا يمتهنها من يعتقد به. # فرجع البوليس خطوة إلى الوراء منذعرا وقال: ماذا تعني بذلك ...؟ # فأجابه بلهجة الهازئ: أعني أنك من رجال البوليس الذين يشتغلون بالجاسوسية. ~~- وإذا كان ذلك، ماذا يعنيك أمري؟ ~~- إنك اكتشفت أول أمس اكتشافا جميلا في لندرا يدل على توقد ذكائك. # فاستدل البوليس من ms2566 هذه الكلمات على كل شيء، وحاول أن يتخلص من الرجل وقال له: انظر ~~إلي فلعلك تعرفني الآن. # فلم يكد البوليس يراه، حتى صاح صيحة ذعر، وقال: الرجل العبوس. ~~- نعم، هو بعينه، وقد أيقنت يا سيدي أنك دون ما بلغته من الشهرة، فقد قيل عنك إنك من ~~أذكياء رجال البوليس، ولكنك سقطت في الفخ الذي نصب لك دون احتراس. # فذعر البوليس ذعرا شديدا، وجعل يصيح مستغيثا ... # فأسرع إليه الربان وقال: ما حدث ...؟ # أما روكامبول فإنه أشار إلى الربان وقال للبوليس: لا بد أن تكون عرفت أيضا هذا ~~الرجل النوتي الذي تستجير به، فإنه صاحب المكتبة في المحطة، أي ميلون. # فاسطكت أسنان البوليس من الرعب، وأيقن أنه بات مقضيا عليه. # وعند ذلك جعل روكامبول وميلون يتحدثان بلغة لم يفهمها البوليس حتى إذا فرغا من ~~حديثهما، التفت روكامبول إلى البوليس وقال له: إني مخيرك الآن في أمر. ~~- بم تخيرني؟ ~~- بالطريقة التي تريد أن تموت فيها، ثم أخرج مسدسا من جيبه فصوبه إليه وقال: أتريد ~~أن أقتلك بالرصاص، أم تؤثر أن ألقيك في البحر، فتأكلك الأسماك؟ # فجثا البوليس على ركبتيه وقد ملئ فؤاده رعبا وقال: ألتمس منك العفو يا سيدي عن ~~حياتي ، فلي امرأة وبنون لا معين لهم سواي. # فضحك روكامبول وقال: لنفترض أنك تمكنت من القبض علي تلك الليلة ألعلك كنت ترجع عن ~~الذهاب بي إلى سجن نوايت، حين لا يكون جزائي فيه غير الشنق. # فلبث البوليس راكعا وقال: العفو والرحمة يا سيدي. ~~- إنك تعرف المثل القائل: اقتل الذئب خيرا من أن يفترسك، ولكني أقول: إني على فرط ~~إساءتك إلي لم أحمل عليك حقدا، ولم أضمر لك شرا، ولكني إن أبقيت عليك أخطأت خطأ لا ~~يغتفر، وندمت أشد الندم. ~~- أقسم لك يا سيدي أنك لا تخطئ ولا تندم. ~~- أيها الغاشم أتحسب أني أغتر بأقسام أمثالك؟ ~~- إني أقسم لك يا سيدي حلفة صادقة أنك إذا عفوت عني لا أسيء إليك في حياتي، ولا أكون ~~عليك في شأن من الشئون. # فعاد روكامبول إلى المحادثة بتلك ms2567 اللغة السرية مع ميلون كأنما يتشاوران، وبقي البوليس ~~راكعا ينتظر القضاء عليه. # إلى أن فرغ من المحادثة فقال روكامبول: إنك تدعى جاك سكوتوي، أليس كذلك؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- وأنت من رجال البوليس السري؟ ~~- نعم. ~~- إذن، لا بد أن يكون لديك أوراق تثبت وظيفتك. ~~- نعم. ~~- ولا بد أيضا، أن يكون لديك كتاب توصية، من الأسقف بترس توين. ~~- نعم ... ~~- إذن، هات هذه الأوراق وهذا الكتاب. ~~- وإن أعطيتك إياها يا سيدي، أتعفو عني؟ ~~- إن العفو عنك منوط بك، فأعطني الأوراق الآن. # ففتح البوليس سترته، وأخرج من جيبه محفظة ودفعها لروكامبول، فأخذها روكامبول وقال ~~لميلون: احرص على هذا الرجل. # ثم اقترب من المصباح، ففتح المحفظة وجعل يفحص ما فيها من الأوراق. # 23 # وكانت هذه المحفظة محتوية على أوراق كثيرة، كل واحدة كافية لإثبات مهمة البوليس ~~سكوتوي وبينها جواز غريب في بابه، وهو الذي كان يبحث عنه روكامبول ... # لأنه جواز سري مكتوب على ورق أصفر، وفي وسطه صليبان رسما بالحبر الأحمر، وقد كتب ~~تحتهما بحبر بنفسجي هذا الحرفان ر. ب فكان للبوليس سكوتوي بفضل هذا الجواز، سلطة لا حد ~~لها، إذ كان يستطيع به أن يذهب إلى حيث شاء، ويجمع قدر ما يشاء من أولئك الرجال، ذوي ~~الملابس السوداء المنتمين إلى الجمعية الإنجليكانية، برئاسة الأسقف بترس توين. # فلما فحص روكامبول هذا الجواز، وضعه في جيبه وعاد إلى سكوتوي، الذي كان يخفره ميلون، ~~ولم يكن ميلون ينتظر غير إشارة من روكامبول كي يحمله ويلقيه في البحر. # أما روكامبول فإنه التفت إلى سكوتوي وقال له: إن الموقف خطير، وإن سلامتك موقوفة على ~~صدقك في القول. ~~- سل يا سيدي ما تشاء أجبك. ~~- أبدأ بسؤالك: إلى أين كنت مسافرا؟ ~~- إلى جزيرة مان. ~~- بأية مهمة؟ ~~- بمهمة القبض على جوهن بيل، مدير مستشفى بدلام ومن معه من المجانين ... ~~- وبعد ذلك؟ ~~- أضعهم في مستشفى المجانين في جزيرة مان وأدعهم فيه. ~~- ألم تكن متفقا مع الأسقف على أن تكتب إليه حين تقبض عليهم؟ ~~- نعم ... ~~- إذن، تعال معي، واكتب إليه رسالة أمليها عليك. # فلم ms2568 يجد البوليس بدا من الامتثال حذر القتل، وجلس حيث أمره روكامبول، فأحضر له ~~ميلون أدوات الكتابة وأعطاه إياها. # فقال البوليس لروكامبول: إني سأكتب كل ما تمليه علي، ولكن كتابتي ستكون مضطربة لشدة ~~هياج البحر. # فابتسم روكامبول وقال: لا تهتم بذلك واكتب. # فأخذ القلم وكتب بإملاء روكامبول ما يأتي: # سيدي الأسقف ... # إن جوهن بيل واللورد وليم، وبقية الرفاق قبض عليهم، ولكني لا أعود الآن إلى ~~لندرا، فإن جوهن مجنون، ولا ريب في جنونه، غير أن جنونه منحصر في كنوز أجداده ~~وهذه الكنوز موجودة حقيقة فلا أستطيع الإيضاح أكثر من ~~ذلك الآن ... # إني أكتب إليك هذه الرسالة وأنا في سفينة صغيرة تتقاذفها الأمواج وهي ذاهبة ~~إلى لندرا ... # وقد قضيت المهمة التي انتدبتني إليها فبت حرا، ولكني أحب أن أقترح عليك ~~أمرا، وهو أني واثق من إيجاد تلك الكنوز المدفونة التي يبحث عنها جوهن بيل، ~~فهل تريد أن نقتسمها بيننا؟ # إذا راقت لك القسمة فاركب أول باخرة مزمعة على السفر، واحضر بها إلى كورك، ~~فإن حضرت فإنك تجد في مينائها فندقا عنوانه زنبقة الحقل، وإني أنتظرك ~~فيه. # خادمك المطيع # سكوتوي # ولما فرغ من كتابة الرسالة قال له روكامبول: إنك مصطلح دون شك على أن تضيف إلى توقيعك ~~علامة سرية. ~~- هو ذاك ... ~~- إذن، ضع هذه العلامة، واحذر أن يجول في خاطرك خديعتي فلا يكون جزاؤك غير ~~الموت. # ثم أشار روكامبول إلى عرض البحر وقال للبوليس: انظر إلى هذا النور المتألق في البحر، ~~إنه نور سفينة خاصة بالإرلنديين، وكلهم مخلصون لي، وستأتي إلينا عند الصباح فيأخذك ~~ربانها ويحبسك في عنبرها إلى أن يرد تلغراف يشير إلى أن الأسقف بترس توين برح لفربول ~~إلى إرلندا، وعلى هذا فإن كان توقيعك صحيحا فلا بد للأسقف أن يحضر، وإن لم يحضر كان ~~التوقيع مزورا فتصبح طعاما للأسماك. # فأخذ البوليس القلم دون أن يجيب، ورسم تحت توقيعه صليبين. # فقال له روكامبول: لقد أحسنت، فاكتب الآن العنوان. # فامتثل البوليس، وعند ذلك، أخذ روكامبول الكتاب ووضعه في جيبه. # وظلت السفينة سائرة، ms2569 إلى أن أشرق الصباح، فرأى روكامبول تلك الباخرة التي أخبر عنها ~~روكامبول البوليس، وأمر أن يشير لها براية بيضاء، ولم تكد تمضي ساعة حتى التقتا فنقل ~~البوليس إليها، وسجن في عنبرها. # ووصلت سفينة روكامبول سيرها إلى جزيرة مان، وقال روكامبول لميلون: لقد ظفرنا الآن، ~~بهذا الأسقف كل الظفر، ولم يبق له مناص هذه المرة. # 24 # ولنعد الآن إلى الباخرة التي كانت تقل جوهن بيل ورفاقه، فإنها حين وصلت إلى ميناء ~~دوغلاس، في جزيرة مان، وألقت مراسيها، كان أول من صعد إليها ضابط إنكليزي فاجتمع ~~بربانها وقال له: كم عزمت على الإقامة في هذه الميناء؟ ~~- إني أقيم فيها إلى أن يتم نقل الركاب. ~~- ولكني قادم إليك بنبأ من الأميرالية سيغير خطتك. # ثم أعطاه الأمر ففضه الربان وقرأ ما يأتي: # نأمر الربان روبرت والاس أن يبقى في جزيرة مان بباخرته إلى أن ترد إليه ~~التعليمات. # فقال الربان بعد أن اطلع على التلغراف: ولكن يوجد في باخرتي كثيرون من المسافرين إلى ~~إرلندا. ~~- أعرف ذلك. ~~- وهم لا يطيقون الصبر إلى أن ترد التعليمات. ~~- لقد توقعت الأميرالية ذلك، فإنه يوجد الآن باخرة في الميناء متأهبة للسفر إلى ~~دبلين. ~~- ألعلها تنقل المسافرين في باخرتي؟ ~~- هو ذاك ، ما عدا خمسة منهم ... ~~- من هم هؤلاء الخمسة؟ ~~- المستر جوهن بيل مدير مستشفى بدلام، ورجل من المجرمين يدعى ولتر بريس، وآخر من رجال ~~الشرائع يدعى إدوار كوكري، ورجل آخر من الأعيان يدعى السير أرثير. ~~- وهؤلاء أيجب أن أبقيهم في باخرتي؟ ~~- نعم إلى أن ترد أوامر جديدة بشأنهم. ~~- وإن أرادوا أن يخرجوا منها إلى المدينة للنزهة؟ ~~- تأذن لهم بشرط أن تكون مسئولا عنهم. ~~- سأمتثل للأمر، وسأأذن لهؤلاء الذين اخترتهم بالنزهة وتحمل تبعتهم. فودعه الضابط ~~وانصرف. # وكان مرميس واقفا بعيدا عنهما يصغي إلى حديثهما فلما انصرف الضابط دنا من الربان ~~وقال: ماذا حدث؟ # فأطلعه الربان على الأمر الصادر من الأميرالية، فلما وقف عليه مرميس قال: ماذا عولت ~~أن تفعل؟ ~~- عزمت على الطاعة والامتثال، فإن الرجل العبوس يشتغل بأمرنا دون شك. ~~- وإن جاء ms2570 أعوان الأسقف قبل الرئيس؟ # فأجابه الربان ببرود: إن اتفق ذلك ننظر حينئذ فيما يجب أن نصنعه. # أما جوهن بيل، فكان يسير على ظهر السفينة ذهابا وإيابا، وقد راعه ما رآه من إطفاء ~~نور السفينة، ووقوفها في الميناء من غير حراك، فدنا من الربان وقال له بعنف: ما هذا ~~الوقوف؟ وما هذا البطء؟ أتظن أن الوقت متسع لدي؟ ~~- إننا ننتظر، يا سيدي، تلك الباخرة الراسية في طرف الميناء فإنها مسافرة ~~قريبا. ~~- ولماذا ننتظرها؟ ~~- لأنها ستجيء إلينا. ~~- لماذا؟ ~~- لنقل الركاب الذي معنا إليها، وتذهب بهم إلى إرلندا. # فاضطرب جوهن بيل وقال: ولكن لماذا لا تنزل إلى دوغلاس، فإنك تعلم يقينا أني أريد أن ~~أستشير فيها تلك المرأة المشهورة بفن التنويم. ~~- سوف تنزل مع رفاقك. ~~- ومتى أستأنف السفر إلى إرلندا؟ ~~- متى فرغت من استشارة تلك المرأة. # وعادت السكينة إلى جوهن بيل وقال: إن كان كذلك فلا بأس من الانتظار. # وبعد هنيهة دخلت الباخرة ونقل إليها المسافرون. ~~••• # ولما تم النقل جاء ربان الباخرة التي نقل إليها المسافرون إلى ربان الباخرة التي ~~نقلوا منها، وقال له باللغة الإرلندية الاصطلاحية: وأنا أيضا وردني تلغراف كما ~~وردك. ~~- ممن؟ ~~- من لفربول وهو وارد إليك. # ثم أعطاه التلغراف وقرأ ما يأتي: # وصلت مع ميلون إلى ليفربول، خبروا مرميس، سيرد إليكم أمر بالبقاء في جزيرة ~~مان، فلا تقلقوا لذلك، إن الأمور جارية خير مجرى. # ر... # ولما قرأ الربان هذا التلغراف دفعه لمرميس فأشرق وجهه بعد انقباضه، وأيقن أن الرئيس ~~ساهر عليهم فقال للربان: أنستطيع النزول إلى البر؟ ~~- دون شك فقد تحملت تبعتكم. ~~- متى ننزل؟ ~~- بعد ساعة. # فاطمأن مرميس خلافا لجوهن بيل فقد غضب لهذا التسويف وقال: إني أرى في جميع ذلك مكيدة ~~هائلة، كادها لي زميلي، كي يستقل في الإدارة، ولكني سأجد كنوزي وأصير لوردا، وعند ذلك ~~أعزله من منصبه شر عزل. # وما زال مرميس يطيب خاطره وهو لا يزيد إلا هياجا، وسوء ظن، حتى أمر الربان بإنزال ~~قارب إلى البحر. # وقال له مرميس: أرأيت يا سيدي أن الربان كان ms2571 صادقا، وأنه لا أثر للمكائد، فهلم بنا ~~الآن فقد دنا زمن استشارة المنومة التي سترشدنا إلى مواضع الكنوز. # 25 # ولنرجع الآن خطوة إلى الوراء فقد تركنا السير أرشيبالد والد اللادي باميلتون، منذعرا ~~لما رآه من اضطراب الأسقف، حين علم بوجود الرجل العبوس في لندرا، وأنه كان يخدمه منذ ~~أسبوعين، فلم يستطع من اضطرابه أن يتفكر بما دار بينه وبين الأسقف من الحديث. # غير أنه لما خلا بنفسه، وزالت دهشة ذلك النبأ أخذ يتمعن في حديث الأسقف، ويفحص كل ~~كلمة خرجت من فمه، فذكر أن الأسقف قد أظهر استياء شديدا، حين كان يعتقد أن اللادي ~~باميلتون ذهبت إلى مستشفى بدلام. # وأنه كان يعتقد أيضا أن أسرة باميلتون تحاول نقض ما تعهد به اللورد أفندال للجمعية ~~الإنجليكانية، فقال في نفسه بعد التفكير والتمعن: إن هذا الأسقف لم يسهل للورد وليم ~~سبيل الخروج من المستشفى إلا لخوفه أن تجتمع به اللادي باميلتون. # وإنما خشي هذه المقابلة حذرا من اتفاق الاثنين فيحرم عند ذلك من المال الذي تعهد به ~~له اللورد أفندال، إذن، فلا بد أن تكون هذه المبالغ التي يطمع بها الأسقف ويخاطر من ~~أجلها هذه المخاطرة جسيمة جدا، وإلا لما باع ذمته وضميره بيع السلع. # ولم يكن السير أرشيبالد يعلم قيمة هذه المبالغ، ولم يدر بشيء من مفاد تعهد صهره، ~~فعول على مقابلة الأسقف ومباحثته بجلاء في هذا الشأن. # فإن وجد أن المبالغ جسيمة نقض التعهد، واتفق مع اللورد وليم. # وعند ذلك خرج من منزله وذهب إلى منزل الأسقف فلم يجده فيه، فبحث عنه في كل مكان يذهب ~~عادة إليه فلم يظفر به، فعاد إلى منزله وهو عازم عزما أكيدا على المفاوضة بأتم الجلاء ~~مع هذا الأسقف الطامع. # ولم يكد يستقر في منزله حتى دخل إليه الخادم برقعة زيارة مكتوب عليها هذا العنوان: # الكونتس فاندا # فقال للخادم: من هذه السيدة فإني لا أعرفها؟ ~~- إنها سيدة بارعة في الجمال وهي تلح يا سيدي بمقابلتكم. ~~- إذن، لتدخل. # فخرج الخادم ودخلت فاندا، فخف السير أرشيبالد ms2572 لاستقبالها، وقد بهر بما رآه من جمال ~~صديقة روكامبول. # وكان السير أرشيبالد في الخامسة والخمسين من عمره، ولكنه كان كثير التأنق، فلا يحسب ~~من رآه أنه قد تجاوز الحلقة الرابعة من العمر. # أما فاندا فقد تأنقت تأنقا عظيما بملابسها حتى باتت فتنة للناظرين، فلما دخلت إلى ~~السير أرشيبالد ورأت من نظراته دلائل الإعجاب بجمالها ابتسمت له ألطف ابتسام، وقالت: ~~العفو يا سيدي فقد تجاسرت بقدومي على زيارتك دون سابق معرفة لأني جئتك بشأن ~~خطير. # فاضطرب السير أرشيبالد للطفها وقدم لها كرسيا ولبث واقفا أمامها وقال لها: ما هي ~~الظروف السعيدة، التي جعلتني أحظى بهذه الزيارة، يا سيدتي؟ ~~- إني أعرف كثيرين يا سيدي يعبثون الآن بك وبابنتك اللادي باميلتون وأولهم الأسقف ~~بترس توين. # فارتعش السير أرشيبالد وقال: كيف ذلك؟ ~~- ويوجد رجل أيضا يهتم بشأنك وهو الرجل العبوس الذي أقام لندرا وأقعدها منذ شهر، ~~وإني قادمة إليك من قبله يا سيدي ... # فأجفل وقال: أنت قادمة إلي من قبل الرجل العبوس؟ ~~- نعم ... فإنه قد برح لندرا في هذا الصباح، وعهد إلي أن أراك. # فزاد اضطراب السير أرشيبالد وقال: اسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك إني لا أعرف الرجل ~~العبوس وما رأيته في حياتي . ~~- إني أعرف هذا حق العرفان، ألعلك معجب كيف أنه يرسلني إليك وأنت لا تعرفه؟ ~~- هو ذاك ... # فابتسمت فاندا وقالت: ولكن ... متى أصغيت إلي يا سيدي، يبطل عجبك. # فجلس السير أرشيبالد بقربها وقال: تفضلي إذن يا سيدتي، فإني كلي آذان للسمع. # فتكلفت فاندا هيئة السكينة التامة وقالت: أرجو أن تأذن لي يا سيدي بالقول إني عارفة ~~بحقيقة ولتر بريس، الذي يقول إنه يدعى اللورد وليم. # فاهتز السير أرشيبالد في كرسيه اهتزازا عنيفا، فقالت له فاندا: رويدك يا سيدي، ~~واسمح لي أن أتم حديثي، فإن الرجل العبوس قد أخذ على نفسه الانتصار لهذا اللورد ~~المنكود، ومتى انتصر الرجل العبوس لمظلوم فلا يكون حليفه غير النصر. # فاصفر وجه السير أرشيبالد اصفرارا شديدا، ولكن فاندا لم تكترث له فمضت في حديثها ~~وقالت: ولا ms2573 بد أن تكون عالما يا سيدي أن المرحوم اللورد أفندال قد عهد بأموره إلى ~~الجمعية الإنجليكانية. # وقد أمضى دون تمعن تعهدا لا يكون بعد تنفيذه غير دمار أسرة باميلتون وتجريدها من ~~معظم ثروتها. ~~- أحقا ما تقولين؟ ~~- كل الحق، فإن الأسقف بترس توين رئيس هذه الجمعية المخطرة وضع هذا التعهد الذي أعطاه ~~إياه اللورد أفندال في مكتب المحامي كوكلام، وكان لهذا المحامي، سكرتير يدعى المستر ~~بريدت، وهو والرجل العبوس واحد يا سيدي. ~~- لقد عرفت ذلك يا سيدتي. ~~- بقي أمر لم تعرفه وهو أن الرجل العبوس قد اختفى فاختفت معه تلك الأوراق التي كانت ~~سلاح الأسقف ضدكم بحيث بات هذا الأسقف دون سلاح. # فاتقدت عينا السير أرشيبالد ببارق من الفرح وقال: أهذا أكيد؟ # فابتسمت فاندا وقالت: هذا أكيد لا ريب فيه، ولكن لا تتسرع بالسرور؛ فإنك لا تكسب ~~شيئا من اختفاء هذه الأوراق. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إن خصمك قد تغير، ليس إلا، فبدلا من أن يكون الأسقف، صار الرجل العبوس. ~~- ولكن ماذا يريد مني الرجل العبوس؟ ~~- إني قادمة إليك باقتراحاته. ~~- تفضلي يا سيدتي بعرضها علي لننظر فيها. ~~- إن الرجل العبوس يا سيدي تولى رئاسة جمعية أشد بأسا من الجمعية التي يتولاها ~~الأسقف. ~~- ألعله زعيم الإرلنديين؟ # قالت: ربما، وقد آلى الرجل العبوس على نفسه أن يبدأ بإطلاق سراح اللورد وليم. ~~- إني لا أعارض في ذلك. ~~- ثم يرد إليه ثروته. # فلم يجب بحرف. # قالت: ثم يرد إليه اسمه ولقبه. ~~- ولكن هذا مستحيل يا سيدتي ... ~~- لماذا؟ ~~- لأن اللورد وليم قد مات في عرف الحكومة والناس. ~~- ولكنه في عرفك لم يمت. ~~- هو ذاك يا سيدتي، ولكن يستحيل رد اسمه إليه. ~~- بل إن الأمر سهل ميسور. ~~- كيف ذلك؟ ~~- بواسطة إقرار الضابط برسي، فإن أوراق إقراره محفوظة وهي مسجلة في سفارة إنكلترا في ~~باريس. ~~- ولكن، هذه الأوراق قد تكون مفقودة. ~~- كلا، يا سيدي، بل هي محفوظة عند الرجل العبوس. # فتجهم وجه السير أرشيبالد وقال: إذن، سيئول الأمر إلى المرافعات في القضايا. # فابتسمت فاندا وقال: إنك منخدع يا سيدي، فإن ms2574 الرجل العبوس ما تعود أن ينال حقا ~~بواسطة القضاء، وفوق ذلك فهو محكوم عليه بالإعدام في إنكلترا، فكيف يستطيع الظهور أمام ~~القضاء؟ ~~- إن كان ذلك كما تقولين، فما نخاف إذن أنا وابنتي؟ ~~- تخافان من الطرق التي يستعملها الرجل العبوس لنيل حق اللورد وليم، وإن طرقه هائلة ~~في بعض الأحيان. # وكانت فاندا تقول هذا القول بلهجة الوعيد حتى إن السير أرشيبالد خاف وعيدها، فاغتنمت ~~فاندا فرصة خوفه وقالت له: إنك تحب ابنتك دون شك يا سيدي، فاسمح لي أن أسديك ~~نصيحة. ~~- ما هي يا سيدتي؟ ~~- إن أوراق تعهد اللورد أفندال لو بقيت في يد الأسقف لتمكن من تجريد ابنتك من معظم ~~أموالها، ولكنك أنت واسع الثروة، فلا تبالي بخسارة هذه الأموال، ويبقى للادي باميلتون ~~اسمها، ولأولادها لقب أبيهم، والآن فاعلم أنك إن رفضت اقتراحات الرجل العبوس فإن اللادي ~~باميلتون لا تخسر ثروتها واسمها فقط، بل قد تفقد حياتها. # فارتعد السير أرشيبالد وقال: ماذا يقترح هذا الرجل؟ ~~- التخلي عن ثروة باميلتون لصاحبها اللورد وليم. ~~- ولكن هذا محال. ~~- وهو لا يقتصر على استرجاع الثروة وحدها بل يطلب أن تعترفوا بأن اللورد وليم رئيس ~~أسرة باميلتون. ~~- وهذا لا يكون. # فأجابته فاندا ببرود: إن الرجل العبوس أمرني أن أمهلك يومين لتتمعن في اقتراحه، ~~وسأعود إليك بعد يومين. # ثم نهضت وهي تبتسم له ألطف ابتسام، فاضطرب قلبه لابتسامها على ما هو فيه من الشواغل ~~فودعها إلى الباب، وهو منشغل بجمالها. # ولما أصبح وحده وضع رأسه بين يديه، وقال في نفسه: إني أخاف هذه المرأة أكثر مما أخاف ~~الرجل العبوس. # ذلك أنه شعر بعاصفة حب وحشي قد هاجت في فؤاده فشغلته عن ابنته وعن أسرة ~~باميلتون. # 26 # إن مدينة دوغلاس، وهي عاصمة جزيرة مان، ضيقة الشوارع واطئة المنازل يطوفها السائر ~~فيها بنصف ساعة. # وقد تركنا مرميس وجوهن بيل ينزلان من الباخرة إلى البر، فلما رست السفينة ونزلا، جعل ~~جوهن بيل يسير سير المستعجل، ومرميس في أثره. # فأوقفه مرميس وقال له: أية فائدة من السرعة في السير إذا ms2575 كنا لا نعلم أين ~~نسير؟ ~~- إننا ذاهبان إلى المنومة. ~~- هو ذاك، ولكن أتعلم أين تقيم هذه المنومة؟ ~~- كلا. ~~- إذن، دعني أستعلم عن مكانها. # وإنما قال مرميس هذا القول لأنه رأى حين نزوله من الباخرة رجلا يتبعه وينظر له نظرات ~~خاصة، فأيقن أن لهذا الرجل شأنا معه، فانفصل عن جوهن بيل، وذهب توا إليه فقال له: ~~أتأذن لي، يا سيدي، أن أسألك سؤالا؟ # فابتسم الرجل وقال: سل يا سيدي ما تشاء. ~~- ألا يوجد منومة في دوغلاس؟ ~~- نعم. ~~- أين تقيم؟ ~~- اتبعني أدلك عليها. # وكان جوهن بيل قد سمع الحديث فقال له: إني أكافئك بجنيه على أن تسرع الخطى. ~~- أهي بعيدة؟ ~~- كلا فاتبعاني. # وسار الرجل وجوهن في أثره ومرميس إلى جانبه فقال له الرجل: أأنت الذي يدعونه السير ~~أرثر؟ # فابتسم مرميس وقال: إني أدعى في الوقت الحاضر بهذا الاسم. ~~- إذن، خذ هذه الرسالة فقد عهد إلي أن أطلعك عليها. ~~- ما هي هذه الرسالة؟ ~~- تلغراف. ~~- من أين؟ ~~- من لفربول وقد ورد من ساعة. # ففتح مرميس التلغراف وقرأ ما يأتي: # إلى جورج بلاك في دوغلاس # دع المنومة تبقي عندها جوهن بيل، ودع السير أرثر ينتظرني. # الإمضاء «ر.» # فنظر مرميس إلى الرجل، وأشار إليه إشارة إرلندية أجابه بمثلها فقال له مرميس: إن ~~توصية الرئيس لا فائدة منها لأننا أسرى في الجزيرة، ولا بد لنا من البقاء فيها. ~~- إني لا أبالي بأسركم، فلو لم تكن إرادة الرئيس أن تبقوا في الجزيرة لأخرجتكم منها ~~بالرغم عن المستر وجوربيم. # وكان مرميس قد سمع هذا الاسم أول مرة، فقال له: ومن هو هذا الشخص؟ ~~- هو وكيل الجمعية الإنجليكانية في جزيرة مان وسأريك إياه. # فقال له مرميس: إن التعليمات، التي وردت إلي، تفيد أن المنومة من أشياعنا. ~~- هو ذاك. ~~- أهي عارفة حقيقة بفن التنويم؟ # فابتسم الرجل وقال: هي كذلك عند الاقتضاء. # وقد كان جوهن بيل يتقدم رفاقه وهو يود لو كان له أجنحة فيطير بها إلى تلك المرأة، ~~ومرميس ومحدثه يسيران جنبا إلى جنب ووراءهما اللورد وليم وإدوارد. # وبعد هنيهة وصلوا ms2576 إلى تلك المرأة المنومة، فصعد بهم الرجل إليها. # وهناك نقده جوهن بيل ما وعده به من المكافأة، وأطلق سراحه. # وهمس الرجل، في أذن مرميس قائلا: سنلتقي عند الميناء، في هذا المساء. # ثم انصرف. # ثم دخلوا جميعهم إلى تلك المرأة، وهي عجوز شمطاء. # ووجدوها جالسة على كرسي كبير، في غرفة تكاد تكون مظلمة لكثافة ستائرها. # فاستقبلتهم العجوز بلطف وقالت لهم. ~~- ما أسعدني بقدومكم! # فرد جوهن بيل: إننا قادمون إليك للاستشارة. ~~- ألعلكم تريدون معرفة مستقبل مريض؟ ~~- كلا. ~~- أتبحثون إذن عن مفقود؟ ~~- هو ذاك. ~~- إذن، ادفع لي خمسة جنيهات سلفا، وضعها فوق المائدة. # فامتثل جوهن ووضع المال حيث أمرته. # وقالت: والآن اجلس بجانبي، وانتظر إلى أن أنام. # ثم اضطجعت على كرسيها وأطبقت عينيها. # فجعل قلب جوهن ينبض نبضا عنيفا حتى خشي أن يخرج من صدره. # 27 # إن للتنويم المغناطيسي طريقتين: إحداهما أن المرء القابل للتنويم ينام بضغط منوم ~~خبير، والثانية أن القابل للتنويم ينام من نفسه بمحض إرادته. # ويظهر أن هذه العجوز كانت من أهل الطريقة الثانية، فإنها أغمضت عينيها، ولبثت بضع ~~دقائق دون حراك. # ثم أحنت رأسها برفق إلى جهة كتفها الأيسر، وتحركت شفتاها فتمتمت قائلة: إني ~~أرى. # فكاد جوهن بيل يجن من سروره وقال : أترين؟ ~~- نعم، فسلني عما يجول بخاطرك. # فقال لها المدير: أتعلمين من أنا؟ ~~- نعم، إنك لورد نبيل. # ونظر جوهن إلى رفاقه نظرة انتصار، وقال لهم: أرأيتم كيف عرفت الحقيقة، وكيف أنه يوجد ~~من الكنوز المدفونة ما يثبت أني من اللوردية. # واستمرت العجوز في حديثها فقالت: إنك تبحث عن كنوز. ~~- نعم ... ~~- وهي كنوز مدفونة. ~~- لقد أصبت، ولكن هل أجد تلك الكنوز؟ ~~- ستجدها. ~~- متى؟ ~~- بعد ثمانية أيام. ~~- في أي مكان ألعلك ترين؟ ~~- نعم ... # فاتقدت عينا جوهن وقال: ما بالك ساكتة؟ تكلمي. # فلم تجبه بحرف. # فهمس مرميس في أذنه قائلا: إنها تعبت فاصبر عليها. # فصبر جوهن مكرها على أحر من نار الجمر، إلى أن عادت العجوز إلى الكلام، فقالت: إني ~~أرى وراء عرض البحر أرضا، وهذه الأرض جزيرة. ~~- ألعلها إرلندا؟ ~~- ربما. ms2577 بل نعم ... نعم إرلندا، وستسافرون وتنزلون في ميناء صغير من هذه الجزيرة واقع ~~في الجنوب. ~~- ألعله ميناء كورك؟ ~~- ربما. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تسيرون في طريق ممتدة وراء الميناء، وتصعدون إلى قمة، وتسيرون نحو ساعتين. ~~- وبعد ذلك أنقف؟ ~~- إنكم تصلون إلى غابة واسعة، زرعت فيها أشجار السنديان منذ قرنين أو أكثر، وهذه ~~الكنوز التي تبحثون عنها مدفونة عند جذع إحدى تلك الأشجار. ~~- أية شجرة؟ # فسكتت العجوز وجعل العرق البارد ينصب من على جبين جوهن وأخذ يلح عليها بالسؤال وهي لا ~~تجيب. # فصبر عليها جوهن بإيعاز مرميس إلى أن تستريح. # ثم رآها انتفضت فجأة وعادت إلى الكلام فقالت: أرى بينكم رجلا قد شد حبلا على ~~وسطه. # فدهش جوهن وقال: هذا أكيد. ~~- وأن الحبل حبل مشنوق. # فاضطرب جوهن لهذه الحقائق، وجعل يسير في الغرفة ذهابا وإيابا بخطوات غير ~~موزونة. # فقالت العجوز: وإني أرى بجانب هذا الشخص الذي عقد الحبل على وسطه شخصا آخر، فيجب ~~عليك حين تبحث عن كنوزك أن تصحب معك هذين الشخصين إلى الغابة التي ذكرتها لك. # وكان الرجل الذي أشارت إليه اللورد وليم. # فقال لها: حسنا سأفعل. ~~- إن حبل المشنوق سيفيدك فائدة كبرى، ولكن هذه الفائدة لا تتم إلا إذا دخل إلى الغابة ~~هذان الشخصان، وكان كل منهما ممسكا طرفا من طرفي الحبل. ~~- سيفعلان، والآن قولي لي كيف أستطيع أن أعرف الشجرة التي دفنت تحتها الكنوز؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك اليوم. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أرى! ~~- إذن، سنبحث تحت جميع أشجار الغابة. ~~- إنك تضيع الوقت سدى، إذ يوجد في تلك الغابة نحو ألفي شجرة وكلها متشابهة. # فظهرت على محيا جوهن علائم اليأس وقال: إذن، كيف نعمل؟ ~~- أنا أرشدك إلى طريقة، وهي أنه يجب أن تدع أحد المجانين يلمس هذا الحبل. ~~- لماذا اخترت أن يكون مجنونا دون سواه؟ ~~- لا أستطيع أن أقول لك ولكن ذلك لا بد منه. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- تسافر إلى كورك وتسير في الطريق الذي أرشدتك إليه، ثم تذهب إلى غابة السنديان فتدخل ~~إليها مع الرجلين ويكون كل منهما ممسكا ms2578 بأحد طرفي الحبل، ويجب عليهما أن لا ينظرا نظرة ~~إلى الأرض بل تكون أبصارهما شاخصة إلى السماء. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك يعثر أحدهما، فتقف عند المكان الذي عثر فيه، وتبحث تحت أقرب شجرة من الشخص ~~الذي عثر، فتجد تحتها ما تبحث عنه. # فصاح جوهن صيحة فرح صحت لها العجوز، فنظرت إلى من حولها نظرا تائها، إلى أن استقر ~~على جوهن فقالت له: أأنت الذي كان يسألني حين كنت نائمة؟ ~~- نعم. ~~- ألعلك كنت راضيا؟ ~~- كل الرضا. ~~- لا تؤاخذني بسؤالي، فإني حين أستفيق لا أذكر شيئا مما قلته، حين نومي. # فأعطاها جوهن جنيهين وقال: يجب أن نسافر في الحال. # ثم خرج من الغرفة وتبعه رفاقه. # فلما صاروا في الشارع، قال له مرميس: لا أرى الأمر سهلا، كما تراه يا حضرة ~~المدير. # فحملق جوهن بعينيه وقال: كيف ذلك؟ # 28 ~~- ذلك أنه يجب قبل كل شيء أن تظفر بمجنون يلمس الحبل بيده، كما قالت العجوز. ~~- أليس اللورد وليم معنا؟ ~~- نعم ولكنك تعلم يقينا أنه سليم العقل. ~~- وإدوارد؟ ~~- إنه مثله لا أثر في عقله للجنون. ~~- ولكنه كان مجنونا. ~~- إنما المراد أن يمسك الحبل شخص به مس الجنون، فإذا كان إدوارد مجنونا من قبل فهو ~~الآن سليم العقل. ~~- إذن، ماذا نعمل؟ ~~- يجب أن نبحث عن مجنون. ~~- ذلك سهل أيضا فإنه يوجد في دوغلاس مستشفى للمجانين. ~~- أتعرف مديرها؟ ~~- كلا فإني لم أره، ولم يرني، غير أننا تراسلنا وأن العلائق كثيرة بين مستشفانا في ~~لندرا ومستشفاه. ~~- أتعلم أين هو هذا المستشفى؟ ~~- كلا. # وكان ذلك الشخص الذي أرشدهم إلى منزل العجوز المنومة مارا في ذلك الحين فناداه ~~وسأله أن يرشده إلى المستشفى. # فامتثل وسار أمامهم وهم في أثره. # فلما قربوا من المستشفى وقف مرميس فجأة وقال لجوهن: أتأذن لي يا سيدي بإبداء ~~ملاحظة؟ ~~- ما هي؟ ~~- يجب أن ننهج مناهج الحكمة ونتمعن في كل أمر. ~~- ماذا تعني؟ ~~- لقد قلت لي إن مدير هذا المستشفى لم يعرفك. ~~- هو ذاك فإنه لم يرني ولم أره. ~~- إذن، أصغ إلي أيها الصديق. إنك تعتقد ms2579 بحبل المشنوق، كما أعتقد أنا به أيضا، ولكن ~~كثيرين من الناس لا يعتقدون هذا الاعتقاد، بل قد يوجد بينهم من يندهش، حين يعلم ~~اعتقادك، وأنت من أطباء المجانين، وفوق ذلك، فإنك متأثر بهذا الحبل، تأثرا عجيبا، ~~يبدو عليك لأول وهلة. ~~- ذلك لأن صبري كاد ينفد، وأود لو طرت بأجنحة، إلى تلك الغابة. ~~- هو ذاك، ولكن مدير المستشفى يندهش حين يرى منك هذا التسرع، وعندي أنه يجب أن تخبره ~~بزيارتك من قبل. ~~- من يتولى إخباره؟ ~~- أنا فإني أشد سكينة منك. # فتنهد جوهن وقال: ولكن ذلك يدعو إلى التأخير. ~~- إنه يؤخرنا ربع ساعة وهو خير من تأخير ثلاثة أيام. # فارتعش جوهن وقال: كيف ذلك؟ ~~- ذلك أن المدير قد يندهش مما يراه من اعتقادك بالحبل، وطلبك أن يمسه مجنون، ويعجب من ~~تأثرك وحكاية كنزك. # فيتزعزع اعتقاده بعقلك، فيكتب إلى إرلندا بشأنك ويبقيك عنده حتى يأتيه الجواب. # فاصفر محيا جوهن وقال: افعل ما تشاء، وادخل وحدك إلى مستشفى المجانين. ~~- أتنتظرني عند الباب؟ ~~- نعم. # فواصلوا سيرهم، وكان الرجل الدليل يمشي بجانب مرميس، فقال له مرميس: ليفعل مدير ~~المستشفى به ما يشاء، أما أنا فإني أجري حسب تعليمات الرئيس. ~~- ما هي تعليماته؟ ~~- هي أن ألقى طريقة أبقي فيها جوهن بجزيرة مان. ~~- ألعلك لقيت الطريقة؟ ~~- نعم، وراقب أنت جوهن بيل لأني داخل وحدي إلى المستشفى. # وكانوا قد وصلوا إلى المستشفى، فوقفوا جميعهم بعيدا، وتقدم مرميس إلى البواب وقال ~~له: هل المدير في المستشفى؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- قل له إذن، إن زميله جوهن بيل، مدير مستشفى لندرا، قادم لزيارته. # فانحنى البواب وتقدم أمام مرميس إلى غرفة المدير، وهو يعتقد أنه جوهن بيل ~~نفسه. # 29 # كان هذا المدير يدعى وادامان، وهو مناقض أتم التناقض لزميله جوهن بيل، من حيث الطباع ~~والأخلاق؛ إذ كان يشبه أكثر الإنكليز بالسكينة والجمود. # وكان يعتقد أن كل شخص يمشي، لما يجد من اللذة بالمشي، وكل شخص يتكلم دون أن يسفر ~~حديثه عن نتيجة، فهو دون شك، من المجانين. # فلما دخل عليه مرميس كان جالسا ms2580 على منضدة، عليها كثير من الكتب والأوراق. # فلم ينهض لقدومه بل مد إليه يده مسلما وقال له: لقد آن لنا أن نتعارف بالوجوه يا ~~زميلي العزيز بعد طول تعارفنا بالكتابة. # فأجابه مرميس، بنفس بروده: لقد أصبت، فقد تبودلت بيننا رسائل كثيرة. ~~- ما أسعدني بقدومك فإني لم أكن أتوقع زيارتك! ~~- إني جئتك في مهمة ألتمس قضاءها فإني مسافر إلى إرلندا مع ثلاثة مجانين من مستشفى ~~بدلام. # وإن بينهم شخصا يدعى ولتر بريس قد نال الشفاء تقريبا، وكنت أتمنى أن يتم السفر ~~شفاءه. ~~- ألعله انتكس؟ ~~- وأي انتكاس، فإنه بعد أن خرجنا من لندرا عاوده الجنون، ولكن بشكل غريب فإنه نسي ~~اسمه الحقيقي، وبات يعتقد أنه يدعى جوهن بيل أي أنا. # فلم يضحك المدير وقال: إنك تحسب هذا النوع من الجنون فريدا في نوعه، ولكن قد اتفق ~~منذ ستة أعوام، حادثة تشبه هذه الحادثة تماما في هذا المستشفى، فهل أتيت أيها الصديق ~~تستشيرني في أمر هذا الشخص؟ ~~- بل أتيت أسألك معاونتي فإني مسافر إلى لندرا ولي فيها مشاغل خاصة، فإذا بقي معي هذا ~~المنكود ولتر بريس بعد انتكاسه شغلتني مراقبته عما سافرت من أجله. ~~- إذن، تريد أن أبقيه عندي في المستشفى إلى أن تعود؟ ~~- هو ذاك، فهل أثقل عليك بهذا الطلب؟ ~~- كلا فأرسله لي. ~~- إني ذاهب لإحضاره. ~~- ألعله في مكان قريب؟ ~~- إنه واقف على الباب، ولا بد لي أن أخبرك بأنواع جنونه قبل إحضاره، فإنه لا يعتقد ~~فقط أنه أنا، بل هو يعتقد أن لديه كنوزا مدفونة، وأنه سيظفر بهذه الكنوز بواسطة حبل ~~مشنوق. ~~- إن هذا الجنون أيضا كثير الشيوع ... # وهم أن يروي له حادثة تشبهها. # فقاطعه مرميس وقال له: إني ذاهب لإحضار هذا المنكود، فهو واقف عند الباب. # ثم خرج مرميس إلى جوهن ووجده ينتظره بفارغ الصبر فقال له: هلم معي فقد أخبرت المدير ~~بقدومك فهو يستقبلك خير استقبال، وتختار أي مجنون شئت من مستشفاه ليمس الحبل كما قالت ~~العجوز. # فدخل جوهن مع مرميس إلى غرفة المدير، فلم ينهض المدير لاستقباله، ولكن ms2581 جوهن هجم عليه ~~فجعل يعانقه ويقول: ما أسعدني بلقائك، أيها الزميل العزيز! # فرد المدير بمثل تحيته وهو يبتسم. ~~- وإني أحسب نفسي سعيدا باجتماعي بك، لأني سأعتزل المهنة وأنت في منصب ~~الرئاسة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك لأني لورد أيها الصديق وسأغدو من كبار الأغنياء. # وكان من عادة هذا المدير أنه لا يناقض المجانين في شيء من أقوالهم فقال: لقد أخبروني ~~بذلك فأهنئك. # أما جوهن بيل فإنه لم يكن يطيب له غير التحدث بثروته ولورديته وحبله، فقال: إن السير ~~أرثر قد أحضر الحبل الذي طالما بحثت عنه. ~~- من هو أرثر هذا؟ # فغمز مرميس المدير بعينه وقال: هو أنا يا سيدي. # فقال له المدير: وماذا تريد أن تصنع بهذا الحبل؟ ~~- أريد أن يلمسه أحد المجانين عندكم. ~~- سأفعل كل ما تريد. # ثم ضغط على زر كهربائي فجاءه اثنان من الممرضين: فقال لهما: سيرا به إلى ~~جوناتهام. # فالتفت جوهن إلى مرميس، وقال له: هات الآن الحبل، فقد قضي الأمر. # فأعطاه مرميس ذلك الحبل الذي شنق به توما. # فسار به مع الممرضين وبقي مرميس مع المدير. # فقال له المدير: إنهما سيصبان عليه الماء البارد، فيهدأ ثائر جنونه. # وعض مرميس شفته، كي لا يضحك، وقال: إنه محتاج إلى هذا العلاج. ~~••• # وكان مرميس باش الوجه، غير أن تلك البشاشة لم تدم، فقد فتح الباب عند ذلك، ودخل أحد ~~الخدم وقال: إن المستر وجوربيم بالباب، يا سيدي. # فارتعش مرميس لسماعه هذا الاسم. # أما المدير فإنه أسرع لاستقباله، فإن هذا الزائر كان وكيل الجمعية الإنجليكانية في ~~الجزيرة. # ودخل الوكيل فقال للمدير: ألم يزرك المستر جوهن بيل مدير مستشفى بدلام في ~~لندرا؟ # فدله المدير على مرميس وقال: هذا هو يا سيدي. # فجعل الوكيل ينظر إلى مرميس نظرات الشك، حتى إنه اضطرب لنظراته على كونه تلميذ ~~روكامبول. # ثم بادره الوكيل بالحديث فقال له: أأنت هو المستر جوهن بيل؟ # فتشدد مرميس وقال: نعم، أنا هو. ~~- إنك لم تحضر وحدك إلى الجزيرة، بل أحضرت معك مجنونا يدعى ولتر بريس. # فقال المدير: قد أدخلناه الآن إلى ms2582 المستشفى. # وقال مرميس: أما الآخر فإنه ينتظرني عند الباب. # فأخرج الوكيل دفترا من جيبه فنظر فيه وقال: لقد حضر معك أيضا شخص يدعى السير أرثر ~~فأين هو؟ ~~- إنه ينتظرني مع إدوارد. ~~- إني أحب أن أرى الاثنين. # فنهض مرميس وقال: إني ذاهب لإحضارهما. ~~- حسنا تفعل، ولكن لا بد لي من القول لك إنه وردني تلغراف من لندرا بشأنك، وهذا ~~التلغراف وارد من إدارة البوليس يقضي عليك أنت وجوهن بيل بالسجن مع رفاقك في ~~المستشفى. # فتظاهر مرميس بالدهشة وقال: أنا جوهن بيل مدير مستشفى بدلام يحكم علي بالسجن مع ~~المجانين؟ إنك مخطئ! ~~- كلا، فإن الأمر صريح. # فقال له مدير مستشفى الجزيرة، وقد راعه هذا الحكم: افتكر يا سيدي أن هذا الرجل زميلي ~~وأني لا أستطيع سجنه عندي إلا إذا كان مصابا بالجنون. ~~- هو ذاك، ولكن الأمر الوارد إلي صريح، كما قلت لكم وهذا هو التلغراف: # إن جوهن بيل مدير مستشفى بدلام سافر من لندرا مع مجنونين أحدهما يدعى ولتر ~~بريس، والآخر كوكري، ومع رجل عاطل يدعى السير أرثير فاقبضوا على الأربعة، ~~واسجنوهم في مستشفى جزيرة مان، وألقوا تبعة الاحتفاظ بهم على مدير مستشفى مان، ~~إلى أن يصل إليكم البوليس سكوتوي فيتصرف بهم كيف شاء، ويكون له عليهم مطلق ~~السلطان. # فقرأ مرميس التلغراف أيضا، ثم رده إلى الوكيل وقال: إن الأمر صريح يا سيدي، لا سبيل ~~إلى نقضه، ولكن لا بد لي من أن أوضح لك أمرا تجهله. # فسر مدير المستشفى لقوله وقال: أوضح أيها الزميل العزيز فإني لا أطيق أن أراك ~~متهما بتهمة الجنون. # فابتسم مرميس وقال: إنهم لا يتهمونني بالجنون بل بالمؤامرة مع المجانين. # فقال الوكيل: ماذا تعني بذلك؟ # فقال مرميس في نفسه: أرى أن الاثنين يجهلان الحقيقة. # ثم التفت إلى المدير وقال له: إنك تعلم أيها الزميل العزيز أن مستشفيات المجانين يتفق ~~لها كثيرا أن تكون شريكة في جرائم سرية، فإن ولتر بريس هذا الذي يسافر معي ليس من ~~المجانين، أو أنه لم يكن مجنونا حين أدخل إلى مستشفى بدلام. ms2583 ~~- إذن، لماذا أدخلوه؟ ~~- لسبب سياسي، فإن ولتر بريس حين كان متمتعا بقواه العقلية كان معاديا للشركة ~~الإنجليكانية التي ينوب عنها المستر وجوربيم، ولم تكن الشركة تعلم أن ولتر بريس قد بات ~~مجنونا حقيقة، بل كانت تعتقد أنه لا يزال سليم العقل. # فلما علمت الشركة أني سافرت به حسبت أني أحاول أن أسهل له سبل الفرار فلا بد لي أن ~~أبقى أسيركم إلى أن تتضح الحقيقة فترد أوامر جديدة. # فقال المدير: إني أرجو أن لا يطول زمن انتظار ورودها. # وقال الوكيل: أظنها ترد مع البوليس سكوتوي. # فقال مرميس: متى يحضر البوليس؟ ~~- غدا وربما حضر اليوم. ~~- إنك عالم دون شك يا سيدي، أنهم حين أرسلوا إليك الأوامر بالقبض علي، أرسلوا مثل ~~هذه الأوامر إلى إدارة البوليس وإلى ربان الباخرة التي جئت فيها وإلى قومندان ~~الميناء. ~~- هو ذاك. ~~- ولذلك بات فراري مستحيلا إذا أردته. ~~- لا أظن أنك تحاول الفرار، فإن حقيقة أمرك لا تلبث أن تتضح فيفرج عنك. ~~- إذن، فاسمح يا سيدي أن ألتمس قضاء أمر. ~~- إنه يجاب إن كان في وسعي فعل ما تشاء. ~~- إني تركت عند الباب السير أرثير وإدوار وهو لا يزال مجنونا ولكنه أخذ ~~بالشفاء. # أما السير أرثير فهو بأتم العقل وقد سافر معي طائعا مختارا، وهو الآن يقبض عليه ~~ويسجن مع المجانين. ~~- ما تريد بذلك؟ ~~- إن هذا الرجل صديق لي وهو من الأشراف، وإنما سافر معي لمجرد خدمتي في بعض الشئون، ~~فهل تأذن لي يا سيدي، أن أخبره بما اتفق لنا فأعزيه عن نكبته! ~~- لا بأس فأخبره. ~~- إني مضطر إلى استعمال الحيلة مع إدوار كي أتمكن من إدخاله إلى المستشفى. ~~- افعل ما بدا لك ويقيني أنه لا يخطر لك الفرار ببال فإني أحضرت معي ثلة من الجند وهي ~~تطوق المستشفى. # فابتسم مرميس وقال: أرجو أن تطمئن يا سيدي، فإن الفرار يضيع حقي، وأنا أرجو أن أنال ~~تعويضا عظيما من الحكومة عن إساءتها إلي. ~~- إذن، فاذهب إليهما. # فخرج مرميس من تلك الغرفة إلى الباب الخارجي، حيث كان اللورد وليم ms2584 وإدوار والدليل ~~الإرلندي ينتظرونه فدنا منهم وقال لهم: إن الوقت ضيق لا يسمح لي بإيضاح فاعلموا أننا ~~أسرى. # فاصفر وجه اللورد وليم فقال له مرميس: اطمئن يا سيدي اللورد فإن الرجل العبوس لا يلبث ~~أن يحضر فينقذنا، فاعلم الآن أنك ستدخل وإدوار معي إلى هذا المستشفى وإني لا أدعى السير ~~أرثير، بل جوهن بيل مدير مسشتفى بدلام. # فقال له اللورد: ولكن ... # فقطع مرميس عليه الكلام وقال له: سأوضح لك فيما بعد فاعلم الآن أنك تدعى السير ~~أرثير. # وكان الدليل الإرلندي يسمع الحديث فقال لمرميس: لا تخف يا سيدي فإني مع إخواني ساهرون ~~عليكم. # وعند ذلك تأبط مرميس ذراع اللورد وليم، ودخل به إلى الوكيل مع إدوار فقال له: هذا هو، ~~يا سيدي السير أرثير الذي أخبرتك عنه. # 30 # بعد ذلك بساعة كان اللورد وليم ومرميس أسيرين في المستشفى أحدهما باسم جوهن بيل، ~~والآخر باسم السير أرثير، وكان وكيل الجمعية قد انصرف فجعل مدير المستشفى يعتذر لمرميس، ~~وهو يحسبه زميله ويطيب خاطره، فقال له مرميس: أرجو أن لا تستاء أيها الصديق لما أصابك، ~~فإن البوليس سكوتوي لا يلبث أن يحضر فتتضح الحقيقة. # وكان المدير قد بالغ في إكرامهما تلطيفا لنكبتهما، أما إدوار فقد وضع بين ~~المجانين. # وكذلك جوهن بيل فإنه كلما صاح صبوا عليه الماء المثلج، حتى رأى أن لا حيلة له في ~~إثبات صحة عقله فاستسلم للقضاء، وكف عن الصياح. # وفي صباح اليوم التالي دخل مدير المستشفى إلى غرفة مرميس وقال له: أبشرك بقدوم ~~سكوتوي. # ولم يكد يتم حديثه حتى دخل سكوتوي، فلم يكد مرميس يراه حتى اهتز وكاد يفتضح أمره، فإن ~~سكوتوي هذا إنما كان روكامبول بعينه، ولم يكن قادما وحده، بل كان يصحبه وكيل الجمعية ~~الإنجليكانية، فإن هذا الوكيل كان واثقا كل الوثوق أن روكامبول هو سكوتوي البوليس الذي ~~أرسله إليه الأسقف. ~~••• # وكان روكامبول قد دخل إلى ميناء دوغلاس منذ ساعة، فكان أول من استقبله الدليل ~~الإرلندي. # وكان روكامبول واثقا أن وكيل الجمعية لا يعرف سكوتوي، لكنه تزيا ms2585 بشكله من قبيل ~~الاحتياط. # ولم يعرفه الدليل الإرلندي حين رآه، ولكن روكامبول عرفه بنفسه وقال له: أين ~~رجالي؟ ~~- إنهم في مستشفى المجانين، فإن وكيل الجمعية قد سجنهم فيه. ~~- كلهم؟ ~~- نعم، غير أن السير أرثير عبث بهم جميعا. # فظهرت على روكامبول دلائل الإعجاب بتلميذه وقال: كيف ذلك؟ # وأخبره الدليل بجميع ما اتفق. # ولما أتم حكايته قال روكامبول: أتعرف منزل وكيل الجمعية؟! ~~- نعم. ~~- سر بي إليه. # فسار به إليه وأخبره الوكيل وهو يحسبه سكوتوي بجميع ما فعله. # فقال روكامبول: لا نية لي بحبس جوهن بيل والسير أرثير، لأن الأسقف أمر في البدء ~~بالقبض عليهم جميعا حذرا من فرار ولتر بريس. ~~- والمجنون الآخر الذي يدعى إدوار! ~~- إن هذا سأعود به إلى بدلام حين عودتي إلى لندرا. ~~- إذن، يجب أن تبقي هنا اللورد وليم. # فأجابه روكامبول بجفاء: لا تذكر أبدا هذا الاسم، واعلم أنه لا يوجد في الوجود رجل ~~يدعى اللورد وليم، وأن هذا السجين يدعى ولتر بريس، وهو من المجانين. ~~- إذن، سندع ولتر بريس. ~~- نعم إلى أن يرد أمر جديد. ~~- وجوهن بيل أتطلق سراحه؟ ~~- إني سأعود به إلى لندرا وهناك ينال ما يستحقه من التوبيخ. ~~- إذن، إنه سيكون أقل جزائه العزل. ~~- هذا لا ريب فيه. # وعندها ذهب الاثنان إلى مستشفى المجانين ودخلا إلى غرفة مرميس كما تقدم، وكان مرميس ~~يمثل دور جوهن بيل أتقن تمثيل، فإنه جعل يوبخ روكامبول ويتوعده بالمقاضاة. # وكان روكامبول يمثل دور سكوتوي فيعتذر إلى مرميس عما حدث من الخطأ لسجنه. # وذكر له أن الحكومة لا بد أن تعوضه عن هذه الإساءة، غير أنه لامه لوما لطيفا وختم ~~لومه بقوله: إنك تعلم حرص الحكومة على ولتر بريس وأنه شديد الخطر، ولذلك كان خطؤك ~~عظيما بإخراجه من المستشفى، لأنه لو تمكن من الفرار لما نجوت من العقاب الصارم. # فقال له المدير: ألعلك عازم يا سيدي على إبقاء هذا المجنون عندي؟ ~~- نعم فاحذر أن يفر. ~~- لا تخف فإن المجانين لا يستطيعون الفرار من هذا المستشفى. ~~••• # وبعد ذلك بساعتين كان روكامبول ومرميس واللورد ms2586 وليم وإدورد كوكري وهيلون على ظهر ~~الباخرة. # وقال مرميس لروكامبول: إلى أين نسير أيها الرئيس؟ ~~- إلى إرلندا. ~~- ماذا نصنع فيها؟ # فضحك روكامبول وقال: نبحث عن كنوز جوهن بيل. # ثم أقلعت بهم الباخرة سائرة إلى إرلندا. # 31 # يذكر القراء أن السير أرشيبالد كان قد ذهب إلى الأسقف، فلم يجده، لأن هذا الأسقف كان ~~منهمكا في كثير من المشاغل فلم ينم في منزله، في ذلك اليوم. # وفي اليوم التالي وردت إليه رسالة سكوتوي، وهي تلك الرسالة التي أملاها عليه روكامبول ~~في السفينة. # فلما قرأها الأسقف سر سرورا عظيما للقبض على وليم، ولما ذكر له سكوتوي من أمر ~~الكنز. # وكان توقيع هذا البوليس صحيحا وهو توقيع اصطلاحي سري متفق عليه بينه وبين ~~البوليس. # ولم يجل الشك في خاطر الأسقف، وعقد النية على السفر إلى كورك، وهي ذلك الميناء ~~الإرلندي الذي دعاه إليه سكوتوي بالرسالة كما يذكر القراء. # وفي الحال وضع شيئا من الثياب في حقيبة فركب مركبة وسار بها إلى محطة لفربول، فركب ~~القطار إليها. # ثم ركب البحر منها إلى كورك متخذا أقرب الطرق إليها. # وكان البحر شديد الهيام فأقام الأسقف في غرفته في الباخرة لا يذوق طعاما، ولبث على ~~ذلك إلى أن ظهرت أرض إرلندا، وكان قد سكن بعض السكون، فشدد عزيمته وصعد إلى ظهر ~~السفينة. # وكانت الشمس قد أشرقت فبينما هو واقف يتنشق نسيم الصباح دنا منه أحد المسافرين وحياه ~~باحترام. # فقال له المسافر: أرى أن سيدي لم يعرفني. # فحدق به الأسقف وارتعش ثم قال: أظن أني رأيتك، ولكني لا أذكر أين. ~~- إني أدعى يا سيدي شوكنج. # فوقع هذا الاسم على الأسقف وقوع الصاعقة، إذ ذكر في الحال أن شوكنج رفيق الرجل ~~العبوس. # أما شوكنج فإنه قال له: أسأل سيدي المعذرة فإني خلقت كثير الكلام من طبعي، وقد رأيتك ~~في هذه السفينة. # فقاطعه الأسقف بجفاء وقال: وبعد ... ~~- إني ذاهب إلى إرلندا كما أنك ذاهب أنت. # ولم يجبه الأسقف بشيء بل أدار له ظهره ومشى، وقد تمكن الرعب من قلبه، وجعل يسائل ms2587 نفسه ~~في السبب في وجود شوكنج معه في السفينة، فاستنتج من ذلك أن الرجل العبوس قد جعله ~~جاسوسا عليه كي يقتفي آثاره. # وكانت السفينة أوشكت أن تصل إلى الميناء فجعل المستر توين يراقب شوكنج بطرف خفي، فيرى ~~أنه لا يكترث له أقل اكتراث. # وبعد ساعة رست الباخرة في الميناء، ونزل المسافرون إلى البر وبينهم توين، وكان يرجو ~~أن يرى البوليس سكوتومي قادما لاستقباله، ولكن ساء ظنه فإنه لم ير له أثرا. # وفيما هو واقف يبحث عنه دنا منه رجل بملابس البحارة وقال: ألست يا سيدي بحضرة الأسقف ~~بترس توين؟ ~~- نعم. ~~- إن المستر سكوتوي قد أرسلني إليك بهذه الرسالة. # فأخذ الأسقف الرسالة وقرأ ما يأتي: # ليس جوهن بيل وحده الذي يبحث عن الكنوز، فقد تألفت هنا شركة من الإرلنديين ~~للبحث عنها أيضا، ولكنهم لم يهتدوا إليها بعد، أما أنا فقد اهتديت. # غير أني وجدت أنه لا بد من الاحتياط الشديد في هذا المقام، ولم أر من الحكمة ~~أن أنتظرك في كورك كي لا أنبه إلينا الأنظار. # أما الكنوز فإنها مدفونة في مكان يبعد ستة أميال عن مدينة كورك، وأنا أنتظرك ~~في منتصف الطريق، فاتبع الشخص الذي يعطيك رسالتي هذه فإنه من رجالي وهو من أهل ~~الثقة. # سكوتوي # ففحص الأسقف الخط والتوقيع فوجد أنهما خط سكوتوي وتوقيعه، فنظر إلى الرجل الذي جاءه ~~بالرسالة، فرآه بمقتبل الشباب، وهو بملابس البحارة، غير أنه لو دقق النظر في يديه لعلم ~~من نعومتهما أن الرجل كان متنكرا بهذه الملابس، وأنه لا يمكن أن يكون من رجال ~~البحار. # وعند ذلك قال له: أأنت من رجال سكوتوي؟ ~~- نعم، يا سيدي. ~~- إني متأهب للسير معك. # ثم نظر إلى ما حواليه نظرة الخائف باحثا عن شوكنج، فإنه بات واثقا أنه لم يسافر إلى ~~إرلندا إلا للتجسس على أحواله، فلم يره فاطمئن بعض الاطمئنان، وسار في أثر الرجل حتى ~~وقف به عند باب فندق فقال له الأسقف: ما عسى أن نصنع في هذا الفندق؟ ~~- نقضي فيه بقية النهار يا سيدي، فقد ms2588 رأى سكوتوي أنه ليس من الحكمة أن نخرج من كورك ~~في رائعة النهار. ~~- لقد أصاب، وسأصبر إلى الليل. ~~- وقد جئت بك إلى هذا الفندق لبعده عن المدينة، وفنادقها غاصة بالغرباء، فلا يخطر ~~لأحد أنك مقيم فيه. # فلم يعترض الأسقف، ودخل إلى ذلك الفندق، وهو فندق حقير ينتابه البحارة فيأكلون ~~ويسكرون فيه ويتخاصمون ويعربدون، بحيث لا ينتبه أحد منهم من يدخل إليه من المسافرين أو ~~غيرهم. # وصعد البحار المتنكر، أمام الأسقف إلى إحدى غرف الفندق فأدخله إليها وقال: يجب أن ~~تبقى فيها إلى الليل، أما أنا فإني منصرف عنك لإعداد معدات السفر. # ثم انصرف، وأقام الأسقف سجينا في تلك الغرفة إلى أن أقبل الليل فجاءه ذلك البحار ~~وقال له: لقد آن يا سيدي أوان السفر فهلم بنا. # فخرج الأسقف معه خارج الفندق فوجد جوادين قد أعدهما البحار، فامتطى كل منهما جوادا، ~~وسار بهما الجوادان ينهبان الأرض إلى حيث كان يقودهما البحار. # 32 # يكثر المسافرون في مدينة كورك بحيث ألف سكانها النظر إليهم فلم يعودوا يكترثون لهم، ~~ولذلك لم ينتبه أحد لسفر الأسقف ومرشده. # وبعد أن خرجا من المدينة واجتازا بضعة فراسخ وصلا إلى قمة عالية، وكان الجوادان ~~يصعدان إليها بعناء، غير أن الأسقف كان ماهرا بركوب الجياد كسائر إخوانه ~~الإنكليز. # فلما وصلا إلى أعلى القمة وقفا وكان الظلام حالكا، والضباب كثيفا فكانا يريان من ~~ورائهما أنوار الغاز التي في المدينة تظهر صغيرة كالنجوم، وأمامهما تمتد السهول ~~والغابات والوديان. # فالتفت البحار المتنكر إلى الأسقف وقال له: يجب أن ننتظر هنا. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أنتظر إشارة. ~~- ممن؟ ~~- من المستر سكوتوي. ~~- إني لم أفهم شيئا. ~~- إنه سيشير إلينا إشارة خاصة، فإما أن نتقدم بعدها أو نرجع. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنه إن رأيناه وأشار إلينا أن نتقدم كان ذلك دليلا على أن كل شيء قد تهيأ للتنقيب ~~عن الكنوز. ~~- وإن لم تكن هذه المعدات قد تمت؟ ~~- نعود عند ذلك إلى كورك. # فارتعش الأسقف، وتذكر شوكنج فقال له البحار: ولكني أرجو أن تكون الإشارة مؤذنة ~~بالتقدم. ~~- إذن، لا ms2589 بد أن يكون سكوتوي قريبا منا. ~~- بل هو على مسافة ثلاث مراحل من هذا المكان الذي نحن فيه. ~~- إن كان ذلك فكيف يستطيع أن يشير إلينا؟ # فمد البحار يده إلى ناحية البحر وقال: انظر ألا ترى نورا يضيء في الأفق ويخترق ~~الضباب كالنجم؟ ~~- نعم. ~~- إنها نيران أوقدتها يد إنسان. ~~- إذن، هي الإشارة فلنتقدم. ~~- كلا، بل يجب أن ننتظر نيرانا أخرى تضاء بجانب هذه النيران التي نراها الآن. ~~- إذن، لنصبر إلى أن نرى هذه الإشارة. # غير أن صبرهما لم يطل فإنه لم تمض هنيهة حتى ظهرت نار ثانية بجانب تلك النار. # فقال له البحار بلهجة المستبشر: هلم بنا الآن يا سيدي إلى الأمام. # ثم أطلق العنان لجواده فسار توين في أثره. # ولبثنا نحو ساعة وهما تارة يصعدان قمة، وتارة ينزلان إلى واد، وطورا يسيران في ~~سهل. # إلى أن أوقف الدليل جواده فجأة فاقتدى به توين، ونظر إلى الأمام، فرأى رجلين قادمين ~~إليهما. # وكان البحار قد رآهما فقال: هو ذا المستر سكوتوي، فإنه قادم لمقابلتك. # فتنهد الأسقف تنهد الارتياح. # وبعد هنيهة وصل الرجلان إليهما وقال أحدهما: أأنت هو يا سيدي الأسقف بترس ~~توين؟ # فعرف الأسقف من صوته أنه سكوتوي. # فدنا منه وصافحه وقد رأى معه رجلا يصحبه فلم يستطع أن يتبين وجهه لشدة ~~الظلام. # ولكنه لم يكترث له لاطمئنانه بعد أن رأى سكوتوي فقال: أرأيت أني لبيت دعوتك في ~~الحال؟ ~~- أشكرك. # وقد قال هذا القول بلهجة تشف عن الكآبة، فأنكر الأسقف هذه اللهجة وقال في نفسه: لا شك ~~أنه لم يهتد إلى موضع الكنز. # أما البوليس فقد قال: لنتقدم يا سيدي. # ووضع جواده بإزاء جواده وسار وإياه وهو لا يفوه بحرف. # غير أن الأسقف أجفل لسكوته فقال: ما بالك حزينا؟ ألعلك فشلت؟ ~~- كلا، وما أنا بحزين. ~~- ألعل المكان الذي نسير إليه بعيدا؟ ~~- نعم. # وعاد إلى السكوت والتفكير. # فاشتد قلق الأسقف لما رآه من سكوت البوليس وارتياحه إلى الإيجاز في الحديث، كما أنه ~~قلق أيضا لسكوت ذلك الرجل الذي كان يصحب البوليس وقال ms2590 في نفسه: لا بد أن يكون في الأمر ~~سر؛ فإني ما تعودت من البوليس هذا المنهج. # وعند ذلك طرق أذنه خبب جياد كثيرة من محل بعيد، فوضع الرجل الذي كان يصحب البوليس ~~إصبعيه في فمه وصفر صفيرا اصطلاحيا. # فوجف قلب الأسقف، وبدأ يضطرب دون أن يعلم سبب هذا الاضطراب. # 33 # وبعد هذا الصفير أتى فارسان فانضما إلى الجماعة، وواصلوا السير دون أن ينبس أحدهم ~~بكلمة. # فقال بترس توين في نفسه: لا شك أن هذين الفارسين من رجال سكوتوي. # ثم ساروا نحو عشر دقائق، فصفر الشخص نفس الصفير الأول، وأتى على أثر الصفير فارسان، ~~فانضما إلى الجماعة دون أن يتكلما، وواصلوا جميعهم السير. # فكبرت تلك المعميات على بترس توين وقال لسكوتوي: أما آن أن توضح لي هذه ~~الألغاز. # فتظاهر سكوتوي أنه لم يسمع. # فعاد بترس توين إلى السؤال وقال له: من هؤلاء الرفاق فإننا كلما سرنا بضع خطوات ينضم ~~إلينا اثنان، ألعل ذلك يدوم؟ ~~- كلا يا سيدي فقد انتهينا. # وقد قال له هذا القول كمن تنبه من ذهول عظيم، ثم عاد إلى ذلك الذهول. # وظلوا سائرين حتى انتهوا إلى قمة، فعثروا عندها على آثار تلك النيران، فعيل صبر بترس ~~توين لسكوت البوليس وقال له: ما هذا السكوت وما هذا التكتم ، ألسنا ذاهبين للبحث عن ~~الكنز؟ ~~- نعم. ~~- وما شأن هؤلاء الفرسان أيذهبون جميعهم معنا للبحث عنه؟ ~~- نعم. # وقد حار بترس توين في أمره، وحاول أن يحمل البوليس على الكلام، فلم يستطع. # فعاد إلى الدليل الذي أتى به من مدينة كورك وقال له: ألا تقول لي أيها الصديق ماذا ~~أصاب المستر سكوتوي فإنه كثير الهم والتفكير؟ ~~- لم يصب بشيء، ولكن هذه الأعراض تحدث له كثيرا. ~~- ألعلك تعرفه؟ ~~- عرفته حق العرفان فقد اشتغلنا معا في كثير من الشئون. ~~- والآن ألعلنا اقتربنا من المكان الذي نسير إليه؟ ~~- أظن. ~~- كيف تظن ألست واثقا؟ ~~- كلا فإن المكان لا يعرفه غير سكوتوي. ~~- ولكن ما شأن هؤلاء الفرسان معنا؟ ~~- يظهر أن سكوتوي محتاج إليهم. ~~- لماذا؟ ~~- للتأمين على الكنوز، فإنه ms2591 يخشى الإرلنديين كما يظهر. # فكف بترس توين عن السؤال، وتابع الجميع سيرهم في القمة، حتى انتهوا إلى ~~أعلاها. # فأمر رفيق سكوتوي الجماعة بالوقوف، وكانت هذه أول كلمة خرجت من فمه في هذه ~~الرحلة. # فوقف بترس توين، وأخذ ينظر إلى المكان الذي هو فيه نظر الفاحص، فلم ير لاشتداد ~~الظلام، غير آثار النار التي كانت موقدة في مرتفع القمة فقال في نفسه: ربما كانت الكنوز ~~مدفونة في هذا المكان. # وعند ذلك أمر رفيق سكوتوي الفرسان أن يترجلوا، فامتثلوا جميعهم لأمره حتى سكوتوي نفسه ~~فقد كان يظهر أنه خاضع لأوامر هذا الرجل. # فلم يخف ذلك على الأسقف وأوجس خيفة لا سيما حين رأى على نور تلك النار رجالا نائمين ~~على الأرض فوق تلك القمة. # فنادى الأسقف سكوتوي وقال له بلهجة تشف عما داخل فؤاده من الرعب: ما الفائدة من هذا ~~الجمع الكثير ألعلنا في حاجة إليهم؟ ~~- يظهر ذلك. # وكان الفرسان قد نزعوا الأعنة من الجياد وأطلقوا سراحها. # فانطلقت ترعى ذلك العشب الذي كان يغطي وجه الأرض خلافا لجواد الأسقف فإنه لم يترجل ~~عنه. # إلى أن جاءه الدليل وقال له: ما بالك يا سيدي لا تترجل؟! ~~- لماذا ألعل إقامتنا هنا تطول؟ ~~- إننا نبيت في هذه القمة إلى الصباح. ~~- لماذا؟ ~~- لأننا لا نستطيع مواصلة السير في الليل. ~~- كنت أحسب أن المكان قريب من هنا. ~~- هو ذاك، ولكنه في الجانب الآخر من هذه القمة واد عميق، كما قال لي سكوتوي. # وهذا الوادي تكتنفه الأدغال من كل جانب بحيث يستحيل الدخول إليه في ظلام ~~الليل. # وبينما كان الدليل يوضح للأسقف ما كان يسأله عنه، كان رفيق سكوتوي قد ألقى في النار ~~بضع قطع من الأخشاب، فعادت إلى الشبوب وأضاءت ما حولها. # فنظر الأسقف إلى ذلك الرجل السري، وتبين وجهه على نور الوقود فلم يعرفه، ولكنه نظر ~~إلى عينيه فذعر ذعرا عظيما، والتفت إلى سكوتوي فأطرق سكوتوي برأسه إلى الأرض، وبدت ~~علائم اليأس على وجهه فكان كمن حكم عليه بعقاب سري هائل. # 34 # بعد أن جدد رفيق ms2592 سكوتوي إيقاد النار اضطجع بقربها فوق العشب، فاقتدى به الجميع فالتف ~~كل منهم بردائه، وحاول أن ينام. # وكانت مخاوف الأسقف أخذت بالازدياد، فإن كل ما كان يراه كان يحمل على الظنون. # غير أن ثقته بسكوتوي كانت قوية فاقتدى بالمضطجعين، وجعل يفكر بالحالة التي هو فيها ~~فيقول في نفسه: إن سكوتوي قد ائتمن على سر الكنز نحو عشرة رجال، فهل يحتاج إلى مثل هذا ~~العدد الكثير للتنقيب عن هذا الكنز؟ # ثم هل يكون لهؤلاء الجماعة نصيب نسبي من الأموال المدفونة أم أن شأنهم معنا شأن ~~العمال. # إذا كان ذلك فما بال سكوتوي يتكتم عني إلى هذا الحد، بل ما شأن هذا الرجل الذي أقبل ~~معه لاستقباله، فإني أرى من لهجة سيادته أنه الزعيم الأكبر لهذه العصابة، وأنه الآمر ~~الناهي، حتى سكوتوي يمتثل له صاغرا. # وقد جالت جميع هذه الأفكار في خاطر الأسقف، فكانت تتمثل له أحاجي ومعميات لا يرى من ~~خلالها غير الخطر، حتى إنه ندم لحضوره من لندرا، وعد عمله تسرعا وطيشا. # ثم إنه خطر له خاطر زاد في قلقه واضطرابه، وهو أنه إذا كان سكوتوي قد ظفر بهذا الكنز ~~على فقره، فلماذا أراد أن يقتسمه مع الشركة الإنجليكانية. # وبينما كان الأسقف يتصور هذه التصورات ويضرب أخماسا لأسداس في حل هذه المعميات، حانت ~~منه التفاتة فرأى اثنين من رجال العصابة واقفين في مواقف الحراس، بينما كان الجميع ~~نياما، فقال في نفسه: إنهم يتوقعون خطرا دون شك، ولولا ذلك لما وضعوا الحراس. # وكان سكوتوي مضطجعا بجانب الأسقف وهو يحاول الرقاد فلا يستطيع، فلما عيل صبر الأسقف ~~هز كتف سكوتوي ففتح عينيه، وقال له بصوت منخفض: ماذا تريد؟ ~~- إني أوشك أن أجن مما أراه وأنت لا توضح لي شيئا، والذي أريده منك الآن أن توضح لي ~~الحقيقة بما عهدته بك من الإخلاص، فقل لي: لماذا بتنا هنا بدلا من أن نواصل ~~السير؟ ~~- ذلك لأنه يظهر لي أن الوادي عميق وأن النزول إليه في ظلام الليل شديد الخطر. ~~- إنك تخدعني يا سكوتوي على ms2593 فرط إحساني إليك وثقتي بك، وما عهدي بك من ~~المنافقين. # فلم يجبه البوليس بحرف. # فقال الأسقف: إنك دفعتني إلى السقوط في الفخ الذي نصب لي. # وقد أراد بهذا القول أن يحمله على الكلام وأن ينفي عنه هذه التهمة. # غير أن البوليس جعل يتمتم بكلمات لا تفهم. # فقال الأسقف بلهجة الأمر: أوضح كلامك، فإني لا أفهم ما تقول، وأجبني على ~~سؤالي. ~~- لا أستطيع يا سيدي. # ثم زحف إليه ووضع فمه عند أذنه وقال له همسا: احذر أن تصبح أو تبدو منك بادرة وإلا ~~هلكنا. # وشعر الأسقف أن العرق البارد ينصب من جسمه. # وكان رفيق سكوتوي ذلك الرجل ذو النظرات النافذة مضطجعا في مكان بعيد عنهما بحيث لا ~~يستطيع سماع الحديث. # فقال للبوليس: كيف ذلك، وما حدث؟ ~~- إني أسير يا سيدي، وقد أكرهت على الكتابة إليك والمسدس مصوب إلى رأسي. # فرعب توين رعبا عظيما وقال: والكنز؟ ~~- لا أعلم إن كان يوجد كنز، وإنما كتبت إليك عن هذا الكنز، ودعوتك إلى الحضور لأني ~~كنت مكرها على كتابة ما أملي علي، ونحن الآن أسيران. # فقال الأسقف بصوت مختنق: ولكن من هو الذي أسرنا وكاد لنا هذه المكيدة؟ ~~- إننا أسرى لدى هذا الرجل؟ ~~- من هو هذا الرجل؟ # فسكت البوليس ولم يجب. # وعند ذلك ذعر الأسقف ذعرا شديدا، إذ جال في خاطره الرجل العبوس، وفيما هو يمسح عرق ~~اليأس المنصب من جبينه، رأى رجلا من النيام قد نهض منذعرا كمن صحا وقد أصابه الكابوس ~~فنظر توين إلى وجهه على نور النيران المشبوبة فرأى أنه شوكنج. # وعند ذلك لم يبق لديه شك أنه في قبضة الرجل العبوس ما زال شوكنج مع العصابة فإنه من ~~رجاله. # غير أن هذا الأسقف كان عازما صبورا شديد التأني في مواقف الخطر فلم يسترسل إلى ~~اليأس، بل إنه دنا من سكوتوي وهمس في أذنه قائلا: ألم تجد وسيلة في جزيرة مان للنجاة ~~من قبضتهم؟ ~~- إني لم أذهب إلى الجزيرة. ~~- أهذا ممكن؟ ~~- هي الحقيقة يا سيدي. ~~- إذن، لقد كاد لنا الرجل العبوس ونحن ms2594 في قبضته الآن. ~~- هو ذاك يا سيدي، واأسفاه، فإن هذا الرجل ليس من البشر بل هو شيطان في صورة ~~إنسان. ~~- أتعلم ما يريد أن يصنع بنا؟ ~~- أما أنا فقد وعدني أن يعفو عني. ~~- وأنا؟ ~~- لا أعلم. # 35 # وساد السكوت بين الاثنين، فكان البوليس يضطرب من خوفه أن يصحو رئيس العصابة، وكان ~~الأسقف يمعن الفكر فيما صار إليه، ويدبر حيلة للخروج من موقفه الحرج. # فقد كان يعلم قوة خصمه، وجعل يتكهن عن المستقبل ويبحث في الماضي. # وأول ما جال في خاطره التفكر في ما أعده الرجل العبوس من الانتقام، وذكر ماضي هذا ~~الرجل وما اشتهر به من صدق التوبة والصلاح، فأيقن أنه يقدم على قتله، ولا يسفك دما ~~بشريا، وما زال آمنا الموت فلا سبيل إلى القنوط من النجاة. # وقد التفت فرأى أن جميع العصابة ورئيسها نيام. # فخطر له خاطر الفرار، ودنا من البوليس وقال له همسا: ألا ترى أننا نستطيع ~~الفرار؟ # فارتعش البوليس ثم هز رأسه قانطا وقال: إن هذا محال. ~~- لماذا؟ ~~- لأن هؤلاء النيام قد يستيقظون، ولأن الحراس ساهرون. ~~- لم يبق من الحارسين غير واحد، فإن أحدهما قد غلبه النعاس فنام. ~~- ألا يكفي حارس واحد لإيقاظ النائمين؟ ~~- ولكنه سوف يقتدي برفيقه فينام. ~~- ولو افترضنا ذلك فإن فرارنا غير مضمون. ~~- لماذا ؟ ~~- لأننا أولا في بلدة منعزلة. ~~- وماذا يضيرنا ذلك؟ ~~- إنهم متى استيقظوا لا يصعب عليهم إدراكنا. ~~- ولكن خطر لي خاطر، فلنفرض أن الحارس الثاني قد نام كما نام الحارس الأول، وأننا ~~نستطيع أن نزحف فوق هذا العشب زحف الأفاعي إلى حيث ترعى الجياد. ~~- نعم. ~~- إذن، نمتطي جوادين منها ونعود بهما إلى مدينة كورك. # فابتسم البوليس ابتسام المشكك بالفوز وقال: إني أحب أن أحاول الفرار معك، لكن رجائي ~~بالفوز ضعيف. ~~- كم الساعة الآن؟ ~~- أظنها تبلغ الثانية بعد منتصف الليل. ~~- يبقى أربع ساعات لطلوع الصباح فلينم الحارس الثاني، وأنا أضمن الفوز ~~بالفرار. # وكأنما وثوق الأسقف من الفوز قد ولد الأمل في نفس البوليس فقال له: إني أوافقك على ~~الفرار فلنصبر. # وعند ذلك ms2595 انقطعا عن المحادثة وتظاهرا بالرقاد مع الراقدين. # وكان الحارس يسير ذهابا وإيابا وكان السير بترس توين يراقبه من حين إلى حين. # وظل الحارس على ذلك نحو ساعة، ثم اضطجع على العشب ونام، وكان الأسقف يراقبه فهز كتف ~~البوليس وقال له: أرى أن الفرصة قد حانت فإن الحارس قد نام. ~~- لنصبر هنيهة إلى أن يغفو. # فصبرا نصف ساعة، ثم جعلا يزحفان على بطنيهما فوق العشب حتى وصلا إلى موقف الجياد، ~~فهم الأسقف أن يمتطي أحدهما، فمنعه البوليس وقال له: إننا إذا ركبناها هنا فقد تعدو ~~بنا فيستيقظ النيام لوقع حوافرها، فلنقدها بأعنتها ولنسر بها برفق إلى حيث لا يسمع ~~لحوافرها صوت فنمتطيها. ~~- لقد أصبت ... # ثم أخذ كل منهما بعنان جواد وجعلا يسيران سيرا خفيفا، وكلما تقدما بضع خطوات التفتا ~~إلى الوراء كي يريا إن كان أحد من رجال العصابة قد صحا. # وما زالا على ذلك حتى بعدا عن العصابة، فوثب الأسقف إلى ظهر جواده، واقتدى به ~~البوليس. # ثم أطلقا لجواديهما العنان فاندفعا بهما فوق تلك المروج الخضراء اندفاع ~~الرياح. # وكان الأسقف يترنح طربا فوق جواده ويقول: لقد نجوت اليوم من الرجل العبوس، ولكنه لا ~~ينجو مني الغد. # ولم يمر بهما بضع دقائق حتى اجتازا القمة وباتا في سهل متسع فسارا به وهما لا يدريان ~~أين يسيران لاشتداد الظلام. # ولم يسمعا حسا من ورائهما، فكانا واثقين أن عصابة الرجل العبوس نائمة، وأنه لم يفطن ~~أحد إلى فرارهما. # وكان الليل حالك الظلام بحيث كان الجوادان يسيران حسب أهوائهما. # غير أن توين لم يكترث بشيء من ذلك، بل كان همه منصرفا إلى السرعة والابتعاد عن الرجل ~~العبوس ورجاله، فقال للبوليس: إننا إذا سرنا هذا السير ربع ساعة أيضا فقد نجونا دون ~~شك. ~~- قد تصدق هذه الأمنية، ولكن إلى أين نحن سائران؟ ~~- إننا عائدان إلى مدينة كورك. ~~- ألعلك واثق أننا عائدان إليها؟! ~~- إني لا أشك بأننا سائران في نفس الطريق التي جئت فيها من تلك المدينة. ~~- قد تكون مخطئا فإن الطرق تتشابه في هذه السهول. ms2596 ~~- وفوق ذلك، فقد لاحظت أني أمتطي نفس الجواد الذي جئت عليه من كورك. ~~- وما يفيد ذلك؟ ~~- يفيد أن الجواد متى أطلقت له الحرية عاد بالسليقة إلى مربطه، ولما كان هذا الجواد ~~من كورك فهو عائد إليها دون شك. ~~- ولكن من يضمن أن جوادي أنا مستأجر من كورك؟ ~~- لا بأس في ذلك فإن جوادك يقفو أثر جوادي منذ فرارنا إلى الآن. # فسكت البوليس، ولكنهما لم يسيرا بضع خطوات حتى شعرا أن حوافر الجوادين تقع على حجارة ~~صلبة، ولم يكن في الطريق من كورك إلى القمة مثل هذه الحجارة. # فتنهد سكوتوي وقال: لقد كنت متوقعا هذا الخطأ. ~~- أي خطأ تعني؟ ~~- ألا تشعر أن حوافر الجوادين تقع فوق الحجارة. ~~- ماذا يفيد ذلك؟ ~~- يفيد أننا ضللنا السبيل، فإننا لم نجد من كورك إلى القمة التي كنا فيها غير ~~العشب. ~~- وما علينا من ضلالنا فإننا إن لم نصل إلى كورك وصلنا إلى سواها. ~~- هو ما تقول، بشرط أن لا نصل إلى قرية من قرى الإرلنديين. # فارتعد الأسقف لذكر الإرلنديين، وكان جواداهما يسيران في منحدر، فشعر سكوتوي أن ~~الانحدار قد زاد فحاول الوقوف غير أن توين لكز بطن جواده وقال: الفرار. # وعند ذلك سمع صوتا يلعلع فوق رأسيهما، وخيل لهما أنه ضاع بين الغيوم وهو صوت صفير ~~قوي. # فالتفت البوليس إلى ورائه عله يقف على سر هذا الصفير فرأى أن السماء قد احمرت فوق ~~المنحدر الذي كانوا نزلوا منه، فذعر وقال: إنها آثار النيران ولا شك أنهم شعروا ~~بفرارنا. ~~- إذن، لنسرع العدو فإننا نتقدمهم بمسافة كبيرة. # ثم دفع جواده في ذلك المنحدر الذي كان يظهر أنه لا نهاية له، وكان الجوادان ينطلقان ~~انطلاق السهم، وسكوتوي يلتفت من حين إلى حين إلى الوراء ثم يرفع عينيه إلى السماء ~~متفقدا الوهج فيراه على ازدياد. # ومما زاد في شقائهما أنهما لم يكونا عالمين إلى أن يسيران، فكان الشرطي ملأ قلبه ~~اليأس خلافا للأسقف، فإنه كان يعلل نفسه بالفوز ويقول: لا بد لنا أن نصل إلى مكان نأمن ~~فيه الخطر. ms2597 # وفيما هما سائران رأيا شعاعا قد تألق فجأة في أسفل المنحدر يشبه ذلك الوهج الذي ~~رأياه في كبد السماء وراءهما فأوقف بترس توين جواده وقال لسكوتوي: انظر. ~~- ماذا تصنع؟ ~~- أرى أنه يجب أن نتقدم فلا بد أن يكون هذا الشعاع من منزل في أسفل المنحدر أو من ~~حقل. ~~- إذن، يجب التقدم؟ ~~- هذا ما أراه. ~~- وإذا كان أصحاب هذا النور من الإرلنديين؟ ~~- يفعل الله ما يشاء. ~~- إذن، لنسر على بركات الله. # وكان النور الذي يبدو لهما من أشعة المنحدر يتعاظم فكانا يريان من حولهما أشباحا ~~سوداء تمثلها لهما الصخور الضخمة والقمم. # ولما رأى ذلك سكوتوي أوقف جواده وقال: أرى أننا ضللنا مرة ثانية، أتعلم أين نحن ~~الآن؟ ~~- كلا. ~~- إننا ننزل إلى واد عميق. ~~- وهذا النور الذي تراه؟ ~~- إنه مضاء في الفضاء وليس في منزل. ~~- لقد أناره الرعاة دون شك. ~~- أو عصابات الإرلنديين. # فذعر الأسقف لخوفه من الإرلنديين وقال: إذن، لنرجع على أعقابنا. # فاستسلم البوليس للقضاء وقال: أية فائدة بقيت من الرجوع؟ # ثم لكز جواده فانطلق في ذلك المنحدر، وتبعه جواد بترس توين بالرغم عن فارسه، فإنه بذل ~~جهده في سبيل إيقافه فلم يستطع. # وعند ذلك سمعا صفيرا شديدا كالصفير الأول وانطفأت في أثره تلك الأنوار التي كانت ~~تضيء في أسفل المنحدر. # 36 # وكأنما الجوادان قد أجفلا لهذا الصفير فانطلقا انطلاق السهم، وجمحا فلم يستطع ~~الهاربان كبح جماحهما. # ثم رأى الفارسان أن المنحدر قد ضاق بعد اتساعه، وأن على جانبيه هوتين هائلتين، فقال ~~سكوتوي: لقد قضي علينا. # وقد أصيب الأسقف بمثل ما أصيب به رفيقه من الرعب، ولكنه لم يقنط بل أمسك بشعر جواده ~~كي لا يسقط عنه، وكان المنحدر يضيق كلما نزلا فيه حتى بات عرضه لا يزيد عن ثلاث ~~أذرع. # ثم سمعا صفيرا آخر فزاد جماح الجوادين، وكبا جواد سكوتوي فسقط عنه ولكنه لم يسقط في ~~أرض المنحدر، بل اندفع إلى الهاوية، وبعد أن صاح صيحة رعب منكرة. # وقد مسع الأسقف صيحته، ثم لم يعد يسمع بعدها شيئا، فأيقن أنه ms2598 سقط في الهاوية، وأن ~~الهاوية عميقة جدا، حتى إن صوت سقوطه لم يصل إلى مسمعه. # ثم رأى جواد سكوتوي يسير بجانب جواده دون فارسه، فلم يخطر له في تلك الساعة أن ينجو ~~من قبضة الرجل العبوس، بل كان يحاول أن لا يصاب بما أصيب به سكوتوي. # فبذل جهده كي يوقف جواده، فلم يستطع، فأمسك جيدا بشعره وتركه يسير كما يشاء، بعد أن ~~لم يجد سبيلا لكبح جماحه واستمر الجواد في ركضه، والظلام محيط به. # ثم رأى أن ذلك النور الذي كان يضي في أسفل المنحدر قد انطفأ فجأة، ثم عاد فجأة أيضا ~~إلى الإضاءة، ولكنه كان هذه المرة قريبا جدا من الأسقف بحيث لم يبعد عنه أكثر من ~~مائة متر. # وقد فاجأ هذا النور عينيه في الظلام الدامس فاضطر إلى إطباقهما، ثم فتحهما ونظر إلى ~~ما حوله فرأى أنه لم يكن يسير في منحدر بل في منجم حفرته أيدي العمال تحت الأرض. # وكان الحفر ممتدا من أعلى القمة، فلما وصل الأسقف إلى أسفل المنحدر رأى على ذلك ~~النور الساطع رفيقه سكوتوي المنكود وهو جثة جامدة لا حراك فيها. # وعند ذلك وقف جواده فخف اضطرابه، وزال ما كان عنده من اليأس ولم يعد يروعه غير موت ~~رفيقه سكوتوي فإنه كان يعتقد أنه بات بعيدا عن الرجل العبوس، وإن رجال هذا المنجم لا ~~علاقة لهم بعصابات الإرلنديين، فهو سيلجأ إليهم ويهتدي منهم إلى الطريق فيعود آمنا إلى ~~كورك ويسافر إلى لندرا. # غير أن سكينته لم تطل لنكد حظه فإنه سمع صفيرا من ورائه، ثم صفيرا آخر يشبهه من ~~المنجم، وتلا هذا الصفير صوت وقع حوافر جياد قادمة من المنحدر فعاوده الخوف، وأيقن أنهم ~~يطاردونه وأنه لم يبق له سبيل للفرار. # وكان جواده يسير الهويناء فوقف عند جثة سكوتوي وهي غارقة بالدماء، فنظر إليها نظرة ~~القنوط، وقال: يا ليتني مت هذه الميتة فإنها خير من الرجوع إلى أسر الرجل ~~العبوس. # 37 # وفيما هو على ذلك سمع صفيرا آخر رن صداه في تلك الهاوية ms2599 التي كان فيها، ورأى الأشعة ~~تتماوج منها وتتحرك وهي تدنو منه، فعلم أن هذا الصفير لم يكن إلا إشارة اصطلاحية، وأن ~~هذه الأنوار المتحركة التي كانت تدنو منه لم تكن إلا مصابيح يعلقها عمال المناجم عادة ~~في رءوسهم كي يسترشدوا بأنوارها. # وكانت المصابيح تدنو منه من الأمام والجياد تقترب إليه من الوراء، وهو سجين بينهما لا ~~يجد منفذا للخروج. # وقد وصل إليه عمال المناجم قبل وصول الفرسان. # فرأى بترس توين عشرة رجال عراة الأبدان إلى الوسط، وعلى رأس كل منهم مصباح ~~يضيء. # فأحاطوا به جميعهم، وأمروه أن ينزل عن جواده ففعل، وعند ذلك تقدم أعظمهم جثة من توين ~~وقال له باللغة الإنكليزية: من أنت وما أتيت تعمل هنا؟ ~~- إني مسافر ضللت السبيل. # فضحك الجميع لجوابه ضحكا عاليا، وقال زعيمهم: ألست أسيرا هاربا؟ # فأشار له الأسقف إشارة سلبية، لأن لسانه لم ينطق بالكلام لما أصابه من الرعب. # ثم سمع وقع حوافر جياد فالتفت فرأى ستة فرسان قادمين إليه من ذلك المنحدر العميق وهم ~~يسيرون اثنين اثنين. # ورأى في طليعتهم ذلك الرجل الذي كان يتولى زعامة العصابة فوق القمة التي كان فيها قبل ~~الفرار. # ثم وصل الفرسان وترجلوا عن جيادهم فحياهم عمال المناجم بملء الاحترام. # وعند ذلك دنا الزعيم ذو النظرات النافذة من الأسقف فوضع يده فوق كتفه وقال له: إنك من ~~الفرسان الماهرين يا سيدي، ولكنك قد تكون أخطأت بعدم اختيارك الميتة التي مات بها ~~المستر سكوتوي. # فذعر الأسقف لهذه اللهجة ولهذا الصوت ولكنه لم يجب. # وعاد الرجل إلى الحديث فقال: إن سكوتوي المنكود قد أخطأ لفراره فإني لم أقتصر على ~~العفو عنه، بل إني وعدته أن أذهب به إلى فرنسا حين أتمم أشغالي في بلادكم. # وكان توين ينظر إليه وهو يكلمه ويقول في نفسه: إنه لا يستطيع أن يقول مثل هذا القول ~~غير الرجل العبوس، ولكن هذا الوجه ليس وجهه؟ # وكأنما الرجل قد أدرك ما يجول في خاطره فضحك وقال له: ألم تصدقني يا سيدي ~~الأسقف؟ # فتراجع منذعرا وقال: ما ms2600 هذا الصوت؟ ~~- إنه صوت المستر بريدت فكيف لم تعرفني يا سيدي وقد تشرفت بعشرتك أسبوعين؟ # وعند ذلك تجلد الأسقف واستسلم إلى القضاء فوضع يده فوق صدره وقال له: نعم، فقد عرفتك ~~الآن، وإني لا أنتظر منك عفوا ولا مرحمة، فقل ماذا تريد مني؟ # فقال الرجل العبوس وقد كان هو بعينه: لقد أصبت يا سيدي فإنك كدت تنزع الرحمة من ~~قلبي. # فقال له توين بلهجة شفت عن توقعه الموت بملء السكينة: قل ماذا تريد؟ ~~- إن كلينا يا سيدي يسعى إلى غاية، وقد التحمت الغايات، ونحن في عراك دائم منذ أسبوع، ~~وقد انتصرت علي مرة، فلما وضعتني في سجن نوايت حسبت أن الحرب قد وضعت أوزارها. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- إني لو بقيت بضع ساعات في ذلك السجن لقرت عيناك برؤيا الرجل العبوس معلقا من عنقه، ~~وعلى ذلك فإنك تأخرت بضع ساعات. # فقال له الأسقف بكبرياء: ولكن، قل لي ماذا تريد أن تصنع بي فإني يئست من هذه ~~الحياة؟ # فضحك الرجل العبوس وقال: إنك لا تفتكر بما تقول يا سيدي، ثم أنك تعلم أن الإرلنديين، ~~وأنا أحد زعمائهم، لا يسفكون الدماء إلا حين لا يجدون بدا من سفكها، ولذلك لا أحكم ~~عليك بالموت. # فاطمئن توين لهذا التصريح، لأنه كان يطمع بالنجاة والإفلات من قبضته بعد أن أبقى على ~~حياته، وكما أن الرجل العبوس تمكن من الفرار من سجن نوايت وظفر به، فهو لا يعدم وسيلة ~~للفرار من الرجل العبوس والظفر به أيضا. # فنظر إلى روكامبول وقال بلهجة الملتمس: أسألك بالله أن لا تطيل جزعي وأن تخبرني أي ~~نوع من أنواع الأسر أعددت لي. ~~- إني حكمت عليك يا سيدي بالسجن المؤبد ولا بأس عليك في ذلك، فإن كثيرين من أتقياء ~~رجال الدين أمثالك كانوا يحكمون على أنفسهم بمثل هذا السجن المؤبد طائعين ~~مختارين. ~~- أين تريد سجني؟ ~~- في قلب هذا المنجم. # فذعر توين لهذا السجن الرهيب وقال: احذر من العاقبة فلا شيء يدوم في هذا ~~الوجود. ~~- إن سكنك سيكون مؤبدا يا سيدي إلا إذا أصبت خلال ms2601 مدة سجنك بحادثة تمنعك عن الضرر أو ~~الإيذاء في مستقبل الأيام، وتجعلك في عيون الناس أهلا للرحمة والإشفاق، فبعد ذلك يطلق ~~سراحك. # فجمد الدم في عروق توين، وهو لم يعلم حقيقة ما أراد روكامبول، ولكنه توقع حوادث ~~هائلة. # وعند ذلك أمر روكامبول رفاقه أن يمتطوا صهوات جيادهم، وأمر عمال المناجم أن يحملوا ~~السير بترس توين ويضعوه فوق جواده ففعلوا، ودخل روكامبول ورجاله إلى ذلك المنجم ~~العميق. # 38 # إن هذا المنجم الذي دخل إليه روكامبول ورفاقه كان مدخله عريضا وعاليا فدخلوه ~~بجيادهم. # وكانت مركبات النقل مصطفة فيه على الجانبين، وفي كل مسافة عشرة أمتار مصباح كبير معلق ~~في القبة، وفي الجملة فإنه كان يشبه نفقا تسير فيه القطر الحديدية تحت الأرض. # وكان الأسقف يسير فوق جواده تحيط به عصابة روكامبول، أما روكامبول فكان يسير في طليعة ~~رجاله. # وقد حاول توين مرارا أن يقف، ولكن العصابة المحيطة به كانت تمنعه عن الوقوف، فكانوا ~~يسيرون تارة بين المصابيح المضيئة، وتارة يكتنفهم الظلام الدامس. # وداموا على ذلك نحو ربع ساعة مرت بتوين مرور الأدهار إلى أن أوقف روكامبول جواده ~~وقال: قفوا. فأوقفوا جيادهم. # وعند ذلك ترجل عن جواده فاقتدى به الجميع وأسرع العمال إلى الأسقف فأنزلوه عن ~~جواده. # وقد اصفر وجهه حتى بات كالأموات، ولكن اصفراره لم يكن عن خوف بل عن تأثر عصبي، فقد ~~كان شجاع القلب، وقد ذهب عنه اليأس حين علم أنه لم يحكم عليه بالموت. # فاقترب الرجل العبوس عند ذلك منه وتأبط ذراعه دون كلفة وقال له: تعال معي يا سيدي، ~~فإننا مضطرون إلى مواصلة السير على الأقدام وهي فرصة نغتنمها للمحادثة. # وكان يكلمه بلهجة تشف عن السلامة وأنه يطوي له خير النيات. # فسار الأسقف معه حتى دخلا في رواق ضيق. # فالتفت قبل دخوله في الرواق، فرأى أن رجال العصابة لا يتبعونهما ما خلا اثنين من ~~العمال كانا يتقدمانهما ليرشداهما إلى الطريق. إن الرواق كان مظلما إذ لم يكن فيه ~~مصابيح. # بدأ روكامبول الحديث مع الأسقف فقال: لا شك أنك ms2602 مستاء أشد الاستياء يا سيدي مما ~~أصابك، إنك على فرط ذكائك ودهائك خدعت كما يخدع الأطفال. # فأجابه الأسقف وقد استنكر هذا التهكم: إنني في قبضة يدك وحسبك هذا الفوز فلا سبيل إلى ~~الهزء. ~~- إني لا أهزأ بك يا سيدي، ولكني أقول الحقيقة، وسأثبت لك أيضا أني بعيد عن الهزء ~~لأني مخبرك بما أعددته لك. ~~- إني أنتظر أن أسمع حكمك. ~~- لقد تقدم لي القول أني حكمت عليك بالسجن المؤبد، إلا إذا أصبت بما يمنعك عن إيذاء ~~الناس فأطلق سراحك. # فأجابه الأسقف وقد تنبهت فيه عاطفة الكبرياء: أو إذا أنقذوني. ~~- إن ذلك صعب، ولكني لا أمنعك عن التعلل بهذا الرجاء. # وعند ذلك وقف العاملان المرشدان فجأة، فرأى الأسقف أن الدهليز الذي يسيرون فيه قد ~~انتهى عند قبة، ووجد تحت هذه القبة شيئا غريبا استلفت أنظاره، وظهر لعينيه لأول وهلة ~~بشكل صندوق يبلغ ارتفاعه ست أقدام وعرضه أربع. # ولكنه عندما اقترب منه ورآه وجد أنه قفص مصنوع من قضبان ضخمة من الحديد. # فقال له روكامبول عند ذلك ببرود: هذا هو السجن الذي أعددت لك يا حضرة الأسقف. # فجمد الدم في عروق الأسقف، وحاول أن ينزع يده من يد روكامبول فلم يستطع، قال له ~~روكامبول: إن مقاومتك لا فائدة منها. # فكاد الأسقف يتميز من غيظه، وقال له: إنك سافل دنيء. # فلم يجبه روكامبول، ولكنه أشار إشارة إلى العاملين فأطبقا عليه. # وحاول الأسقف أن يدافع عن نفسه فلم يمهلاه، فحملاه وأدخلاه إلى ذلك القفص وأغلقا بابه ~~الحديدي. # وكان يوجد في القفص كرسي ومائدة فقال روكامبول: إنهم سيحضرون لك الطعام كل ~~يوم. # وأودعك الآن يا سيدي، وعسى أن تذكر أنك من الأساقفة فتلقى الله تائبا نادما عما ~~اقترفته من الآثام. # ثم تركه وانصرف. # فهاج توين هياج الأسود الضارية، وهجم على تلك القضبان الحديدية يريد كسرها، ولكنه عاد ~~عنها بالخيبة وهو يصيح صياح المجانين. # ثم وقف ينظر إلى العاملين يسيران بمصباحهما حتى خرجا من الدهليز، وساد الظلام. # وبقي وحده في ذلك القفص الضيق المظلم عدة ساعات وهو ms2603 يستغيث فلا يجيبه غير ~~الصدى. # ثم يهيج ويندفع هاجما على باب القفص، فيصدمه صدما عنيفا، ويقع على الأرض من شدة ~~الصدمة حتى أعياه الأمر، ورأى أن ما يفعله ضرب من الجنون فاضطجع في أرض القفص وهو يؤثر ~~الموت على هذا الأسر. # وفيما هو على ذلك والظلام الدامس يكتنفه من كل صوب سطع نور شديد تبلغ قوته عشرات ~~أضعاف قوة الشمس لدى من يحدق بها. # فسطع هذا النور الغريب وكشفت ستائر كانت موضوعة على جدران القبة، فظهر أن تلك الجدران ~~قد وضعت فوقها المرائي البراقة وهناك آلة ضخمة تعكس الأنوار الكهربائية. # فشعر توين بألم شديد في عينيه كأنما أصيبتا بحديد محمي بالنار فأطبق عينيه، وعلم ما ~~كان يعنيه روكامبول بقوله: «سيكون سجنك مؤبدا إلا إذا أصبت بما يمنعك عن إيذاء ~~الناس.» # وذكر ما روي عن دنيس الظالم، الذي كان يعاقب أسراه بالعمى، فيضعهم في الظلمات ~~الدامسة، ثم يطلق عليهم فجأة الأنوار البازغة، فيفقدون البصر. # وعندها، أيقن أنه حكم عليه بالعمى. # 39 # ولم يحاول الأسقف أن يبحث عن النور فإنه حين سطع فجأة صاح صيحة ألم وأطبق عينيه اتقاء ~~لحرارته المؤلمة. # غير أن هذا الحذر لم يفد، فإن النور قد نفذ إلى عينيه فأثر تأثيره فيها. # ودام تألقه نحو عشر دقائق، ثم انطفأ فجأة كما سطع، فعادت الظلمات إلى الدهليز. # وبينما هو يفكر في طريقة يتقي فيها آلام هذا النور وأخطاره، سمع وقع أقدام، فعلل نفسه ~~بالرجاء. # فإن رجال الشر يثقون غالبا برأفة غيرهم من الناس. # فعلق الرجاء بقلب هذا الوحش الضاري الذي لم يعرف الرحمة، وقال في نفسه: إن الرجل ~~العبوس قد اشتهر شهرة بعيدة بالرفق والإصلاح ومكارم الأخلاق، فهو لا يرتكب جريمة ~~إعمائي دون شك، وإنما فعل فعله من قبيل الإرهاب. ~~- وعند ذلك وقف في قفصه، واتكأ على قضبانه الحديدية، وأدار رأسه إلى الجهة التي سمع ~~فيها وقع الأقدام فرأى نورا. # وكان هذا النور مصباحا يحمله رجل بيده ويدنو من القفص، فقال توين في نفسه: لا شك أنه ~~الرجل العبوس ms2604 وأنه قادم ليعفو عني مقابل إرجاع ثروة أسرة باميلتون للورد وليم. # فلما قرب الرجل منه وتبين وجهه ذهب ذلك الرجاء الذي علل به نفسه، فإن هذا الشخص لم ~~يكن روكامبول، بل كان شوكنج ذلك المتسول القديم الذي احتقره بترس توين حين كلمه في ~~الباخرة وأبى أن يجيبه. # وكان شوكنج يحمل بإحدى يديه مصباحا وبالأخرى سلة فيها طعام. # فدنا من القفص وحيا الأسقف، ولكن بترس توين جعل ينظر إليه ولم يرد التحية. # فقال له شوكنج بلهجة المسكنة: ألا تزال متكبرا علي يا سيدي؟ ~~- إني لا أتكبر على أحد. ~~- إن كان كذلك فإننا نستطيع المحادثة. ~~- ألديك ما تقوله لي؟ ~~- أولا إني قادم إليك بالطعام. # ثم أخرج من السلة ما كان فيها من خبز ولحم وخمر، وقال له: أسألك المعذرة يا سيدي، ~~فإني لم أحضر لك سكينا لتقطع اللحم لأن الرجل العبوس لا يريد. ~~- لماذا لا يريد؟ ~~- إنه يخشى أن يتمكن منك اليأس فيؤدي بك إلى الانتحار. ~~- لقد أخطأ الرجل العبوس. ~~- وأنا أرى ما تراه يا سيدي الأسقف من خطئه، لأن من كان مثلك لا يتناوله هذا ~~الضعف. # فأخذ بترس توين الطعام من شوكنج، ووضعه على المائدة دون أن يأكل منه. # فقال له شوكنج: ألست جائعا يا سيدي؟ ~~- لم أجع بعد؟ ~~- ولكنك إن لم تأكل الآن اضطررت أن تأكل في الظلام لأني أفارقك وأذهب ~~بالمصباح. ~~- لا بأس فإني أؤثر الظلمة. ~~- ولا سيما حين يتلوها مثل ذلك النور الساطع الذي فاجأ عينيك منذ حين. # فنظر الأسقف نظرة غريبة إلى شوكنج وقال له: أتعرف هذا النور أيضا؟ ~~- نعم. ~~- وهذا النور؟ ~~- سيفاجئك في كل ساعة يا سيدي على التوالي ... # فأجابه بصوت مختنق: ولكن لماذا؟ ~~- إنك ما زلت اليوم تكلمني برفق يا سيدي دون استكبار فإني موضح لك ما أعلمه، فاعلم أن ~~هذا النور الذي كاد يحرق عينيك منذ هنيهة قد اخترعه جوهن أوبريان، وهو إرلندي عريق ~~بالإرلندية، وأحد كبار زعمائهم. ~~- ولأية غاية؟ ~~- لتعذيب من يقع في يد الإرلنديين من أعدائهم. ~~- وماذا يحدث من توالي هذا التعذيب؟ ms2605 ~~- لقد جربوه مرارا فاتضح لهم أن من يحكم عليه به، يفقد بصره بعد ثلاثة أيام، وأن ~~كثيرين أصيبوا بعد ذلك بالجنون. # فارتعدت فرائص بترس توين وقال: ألعلهم حكموا علي بهذا العقاب؟ ~~- نعم يا سيدي، ولكن نجاتك موكولة إليك. ~~- كيف ذلك؟ ~~- ذلك أني لست قادما إليك لإحضار الطعام فقط، بل لأكون سفيرا لديك. ~~- أهو الرجل العبوس الذي أرسلك؟ ~~- نعم. ~~- حسنا، فماذا يريد مني؟ ~~- صبرا يا سيدي فلا بد لي أن أوضح لك بعض الأمور. ~~- إني مصغ إليك. ~~- إن الرجل العبوس قد اتفق مع زعماء الإرلنديين، وهو يرجو إنهاء ما لديهم من المهمات ~~في مدة شهرين. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- وهو واثق من رد ثروة اللورد وليم إليه في أقرب حين، وهذه فرصة لك تغتنمها للقبول ~~باقتراحات الرجل العبوس، أو لرفضها، فإن رضيت باقتراحاته خرجت من هنا بعد شهرين سليم ~~البصر. ~~- وإن أبيت؟ ~~- تصبح أعمى قبل ثمانية أيام. # فسكت الأسقف سكوتا دل على مبلغ عنائه واضطرابه. # 40 # أما شوكنج فإنه سكت وصبر عليه إلى أن يجيب من تلقاء نفسه. # وبعد هنيهة عاد توين إلى الحديث فقال: إذن، قد تقرر فقد بصري إن أبيت قبل ثمانية ~~أيام؟ ~~- نعم. ~~- وإن رضيت؟ ~~- يطلق سراحك حين يفرغ الرجل العبوس من جميع مهماته ولا يعود يخشى ضررك. ~~- وفي خلال هذه المدة أين أقيم؟ ~~- تبقى في هذا القفص. # فعاد الأسقف إلى السكوت، ثم استأنف الحديث فقال: إن الرجل العبوس قد فوضك تفويضا ~~مطلقا كما أظن. ~~- دون شك. ~~- إذن، اعرض علي اقتراحاته. ~~- إنك يا سيدي من أعظم الناس نفوذا في إنكلترا، وإنك تقود جيشا كبيرا من رجال ~~الملابس السوداء يدعونهم بكهنة الإنجليكان، وإن للجمعية الإنجليكانية التي تتولى ~~رئاستها سلطة لا حد لها، حتى إنها تستطيع قلب الحكومة إذا خطر لها هذا الخاطر. ~~- ربما، وبعد ذلك؟ ~~- لقد خطر للرجل العبوس خاطر غريب، وهو أنه يريد أن يستولى على هذه السلطة لمدة ~~معينة. ~~- إني لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- تفضل يا سيدي، وأصغ إلي فإني موضح لك ما أشكل عليك، وافترض أنك كولونيل ms2606 فرقة من ~~الجيش. ~~- نعم. ~~- ثم افترض أن الوزارات قررت أنك لا تحسن إدارة الجنود الذين تتولى رئاستهم؛ فعينت ~~رئيسا عليك جنرالا. ~~- وبعد ذلك؟ ~~- يصبح الأمر للجنرال وتجب عليك الطاعة. ~~- لقد بدأت أن أفهم. ~~- إذن، فاعلم أنه خطر للرجل العبوس أن تكون له الرئاسة العليا على الجمعية ~~الإنجليكانية إلى أن يقضي مهماته. ~~- ولكن ... ذلك مستحيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأنهم لا يخضعون للرجل العبوس. ~~- هو ذاك، ولكنهم يخضعون لك. ~~- دون شك. ~~- وأنت يا سيدي تخضع للرجل العبوس، وترسل إلى رجالك الأوامر التي يصدرها إليك. # فاستغرق السير بترس توين بالضحك وقال: أيخطر للرجل العبوس على ذكائه هذا الخاطر ~~الغريب؟ ~~- قد يكون غريبا ولكنه يرجو تنفيذه. # فأجابه بلهجة المستكبر المستعظم: إني أسير الرجل العبوس فله أن يفعل ما يشاء في جسمي ~~وحياتي، وأما نفسي وإرادتي فلا تؤسران. ~~- إذن، ترفض هذا الاقتراح؟ ~~- كل الرفض. ~~- أنت وشأنك فافعل ما تشاء. # ثم أخرج شوكنج من جيبه نظارة مطلية الزجاج فوضعها على عينيه، ووضع إصبعه في فمه وصفر ~~بعد أن أطفأ مصباحه ووضعه على الأرض. # فساد الظلام في القفص والدهليز وصبر بضع دقائق فبزغت تلك الأنوار الكهربائية المحرقة ~~فجأة. # فصاح الأسقف صيحة شديدة وقد كاد يحرق النور عينيه وانقلب على ظهره إلى الأرض. # وقد وضع يديه فوق عينيه وكانت آلامه شديدة حتى إنه كاد يخال أن ألوفا من الإبر تخز ~~عينيه. # فصبر شوكنج عليه إلى أن انقطع صياحه فقال له: إني لم يصبني ما أصابك يا سيدي الأسقف ~~بفضل النظارة المطلية التي حجبت بها النور عن عيني فإن أردت عدنا إلى الحديث. ~~- إنكم لصوص سفاكون، بل وحوش ضارية، فتبا لكم ولأحاديثكم. # فصفر شوكنج مرة أخرى فانطفأ النور، وشعر الأسقف بشيء من الراحة فقال له شوكنج: هذه هي ~~المرة الثانية التي أطلق فيها على عينيك، وسترى نتيجتها فانظر ... # ثم أخرج من جيبه علبة من الكبريت الشمعي، وأنار بها مصباحه وقال للأسقف: ~~أنظرت؟ # وكان السير بترس توين قد سمع احتكاك الكبريت، ولكنه لم ير النور، فقال له: إن هذا ~~الكبريت لا ينفع. ms2607 ~~- أتظن؟ ~~- بل أؤكد فلو كان مفيدا لكنت أنرت به المصباح. ~~- إن المصباح مضاء يا سيدي. ~~- لقد كذبت. ~~- بل أظن أنك فقدت بصرك ... ولكن الذنب ذنبك فأنت أردت. # فصاح توين صيحة منكرة خرجت من صدره كزئير الأسود، وسقط على الأرض وهو يشتم ويسب أقبح ~~السباب. # 41 # غير أن الأسقف لم يكن قد فقد بصره تماما كما توهم في البدء فإنه فتح عينيه بعد هنيهة ~~فرأى مصباح شوكنج يضيء على قرب منه كما يضيء النجم البعيد. # فعلم أن النور الكهربائي قد أثر بعينيه تأثيرا عظيما فعاد إلى الهياج. # فلما سكن تأثره بعض السكون قال له شوكنج، يستحيل يا سيدي أن تكون عميت من مرتين فقط، ~~على أن بصرك، وإن يكن قد ضعف ضعفا شديدا كما تحققت ذلك بنفسك، فإن شفاءك ~~ميسور. # فأعادت هذه الكلمات الرجاء إلى قلبه ووقف قائلا: نعم، إني لا أزال أرى. ~~- أترى مصباحي؟ ~~- نعم. ~~- كيف تراه؟ ~~- كمصباح غازي خلال ضباب كثيف. ~~- إن لدى الرجل العبوس مرهما إذا وضع مدة خمس دقائق على عينيك عاد نظرهما إلى ما كان ~~عليه. ~~- أحقا ما تقول؟ ~~- نعم. ~~- ولكن هذا الرجل لا يريد أن يشفيني فهو شقي أقسم لإهلاكي. # فأجابه صوت غير صوت شوكنج قائلا: إنك مخطئ يا سيدي. # فصاح السير بترس توين صيحة دهش لأنه عرف من الصوت أن صاحبه الرجل العبوس. # فقال له روكامبول: إنك ما زلت لم تفقد البصر تماما فإني أستطيع أن أشفيك. ~~- أتشفيني حقيقة؟ ~~- إني أشفيك في الحال. # فحدق الأسقف فلم ير غير نور المصباح ولكنه لم ير شوكنج ولا الرجل العبوس، إنه لم يكن ~~بينه وبينهما غير مسافة متر. # وعاد الرجل العبوس إلى الحديث وقال له: أغمض عينيك. # فامتثل، وعند ذلك شعر أن يدا مبتلة مرت فوق عينيه، وأحس بأنهما بردتا بردا شديدا ~~كما لو وضع فوقهما قطعة من الثلج. # وقال له: لا تفتح عينيك إلا حين أقول لك؛ إذ يجب أن تصبر بضع دقائق كي ينفذ مفعول ~~الدواء، وفي خلال ذلك نتحدث. # فأجابه بصوت يضطرب: ماذا تريد ms2608 مني؟ ~~- إن شوكنج أخبرك قبل قدومي بما أريده وأنك ستفتح عينيك بعد هنيهة فتجدهما سليمتين، ~~كما كانتا قبل أن يفاجئهما النور، على أن هذه المفاجأة إن تكررت أيضا ثلاث أو أربع ~~مرات، فإن دوائي لا يعود يفيد عينيك، بل لا يعود يفيدهما دواء. ~~- ألعلك عازم على تكرار هذه المفاجآت؟ ~~- ذلك منوط بك. ~~- ولكن الذي تطلبه مني يستحيل أن أجيبك إليه. ~~- إذن، لا تنكر علي الاستفادة من نوري، فإنك لو فزت علي لما رحمتني. ~~- إني لا أستطيع أن أخون الجمعية التي أتولى رئاستها. ~~- كما تريد فافتح الآن عينيك. # ففتح الأسقف عينيه فرأى النور، ورأى شوكنج والرجل العبوس وعاد بصره كما كان. # فقال له روكامبول: إنك قد وجدت بصرك بعد فقده، وعلمت حقيقة لذة النظر، والآن فاعلم يا ~~سيدي أنه يوجد في لندرا رجل يدعى المستر سكوت وهو ساعدك الأيمن. # فدهش الأسقف وقال: أتعرف هذا أيضا؟ ~~- وأعرف أيضا أن المستر سكوت يتظاهر أنه لا يعرفك لأسباب أعرفها أنا كما تعرفها أنت، ~~حتى إنكما إذا تقابلتما في مجلس لا تتبادلان التحية، ولكنك إذا برحت لندرا فإنه يتولى ~~عنك قيادة جيشكم السري. ~~- وما الذي تريد بما ذكرته لي الآن؟ ~~- أريد أن تكتب كتابا إلى المستر سكوت. ~~- ما معنى هذا الكتاب؟ ~~- إني أمليه عليك فتعلم القصد. ~~- أمل ما تريد فإنني سأرى بعد ذلك. # 42 # وقد كان الأسقف منذ هنيهة يؤثر الموت على خيانة الجمعية التي يتولاها. # ولكنه، ظهر الآن، أنه عازم على الرضوخ لكل ما يريده الرجل العبوس! # أما الرجل العبوس فقد أشار إشارة إلى شوكنج، فأخرج من السلة التي أحضر فيها الطعام ~~ورقا وأدوات الكتابة، وأدخلها إلى الأسقف من خلال قضبان الحديد. # ووضع الأسقف تلك الأدوات فوق المائدة فتنهد تنهدا طويلا، ثم نظر إلى الرجل العبوس ~~وقال له: إني في قبضة يدك، وأرى أنه لا بد لي من الامتثال. # فقال له روكامبول: ثق يا سيدي أني لا أستخدم سلطتك لأمور دينية بل لمهامي الخاصة ~~ومهام من يهمني أمرهم. # فلم يجبه الأسقف بشيء بل أخذ ms2609 القلم بيده وتأهب للكتابة. # فقال روكامبول: إني عالم يا سيدي بكل عاداتك مع عمالك، فإنك حين تسافر من لندرا لا ~~تخبر أحدا منهم بسفرك حتى ولا المستر سكوت. ~~- كل هذا أكيد، ولكن ماذا تريد مني الآن؟ ~~- تفضل إذن بكتابة ما أمليه عليك. ~~- قل! # فأملى عليه روكامبول ما يأتي: # عزيزي سكوت ... # إني أكتب لك من إيكوسيا، فقد برحت لندرا فجأة دون أن أتمكن من إخبارك بالسبب ~~الذي سافرت من أجله فأقصر الآن على إخبارك أن رحلتي ستأتي بخير فائدة ~~للجمعية. # وسأسافر غدا إلى جزائر سرفي للبحث عن كنز فيها، ولا أعلم متى أعود، فقد تكون ~~رحلتي قصيرة، وقد تطول إلى عدة أسابيع، فاعلم الآن أن حامل هذا الكتاب هو أحد ~~عمالي الثقاة، وهو يخبرك بسر رحلتي لوقوفه عليه، وإنما أرسلته إلى لندرا لشأن ~~خطير، وهو نائبي فيها فاخضعوا له خضوعا مطلقا في كل شأن كما تخضعون ~~لي. # وهنا توقف روكامبول عن الإملاء، فتوقف بترس توين عن الكتابة وقال: أهذا كل ما ~~تريد؟ ~~- نعم، فلم يبق عليك غير التوقيع. # فتنهد وكتب اسمه تحت السطور. # فأخذه روكامبول وتمعن فيه، ثم ابتسم وقال: يظهر أن اضطرابك كان شديدا يا سيدي، حتى ~~إنك نسيت أن تضيفه إلى توقيعك. ~~- أية إضافة تعني بكلامك هذا؟ ~~- أعني إضافة صليبين؛ فإن توقيعك إذا لم يكن مذيلا بهما لا يعتبره نائبك، بل يعلم ~~أنك أكرهت على الكتابة. # فارتعش الأسقف ولم يجب بشيء. # أما روكامبول فإنه رد إليه الكتاب، وقال: تفضل يا سيدي، وضع هذه العلامة. ~~- كلا ... فإن ذلك لن يكون. ~~- لقد توقعت منك هذا العناد. # ثم التفت إلى شوكنج وقال: هلم بنا فإن حضرة الأسقف يؤثر العمى كما يظهر لنا من إصراره ~~وعناده فأطفئ مصباحك، ولنضع النظارات على عيوننا فإن الأشعة ستعود إلى الظهور. # فذعر الأسقف وصاح بروكامبول قائلا: قف لا تفعل. ~~- لماذا لا أفعل ألعلك خفت؟ ~~- إني أضيف العلامة إلى التوقيع، وأفعل ما تريد بشرط أن تعدني بقضاء أمر. ~~- ما هو؟ ~~- هو أن لا يصاب المستر سكوت بأذى. ~~- أتعهد ms2610 لك. ~~- وأن تخرجني من هذا القفص في أقرب ما يمكن. ~~- أعدك بذلك أيضا. # فأخذ عند ذلك الكتاب، ووضع العلامة الاصطلاحية تحت توقيعه. # فقال له روكامبول: اكتب الآن العنوان فوق الغلاف. # ففعل ودفعهما لروكامبول، فأخذهما ووضعهما في جيبه، ثم قال للأسقف: إلى اللقاء يا ~~سيدي. # وانصرف ... # ووضع الأسقف رأسه بين يديه، وبدت عليه علائم اليأس الشديد فقال له شوكنج: أظننت يا ~~سيدي أنك تغلب الرئيس؟ # فلم يجبه الأسقف، فوضع شوكنج المصباح على الأرض وانصرف، فشيعه الأسقف بنظرات تشف عن ~~مبلغ همه حتى توارى عن الأنظار. # 43 # ولنعد الآن إلى لندرا فقد تركنا السير أرشيبالد مضطرب القلب لخوفه من الرجل العبوس ~~ولافتتانه بجمال فاندا. # وكان إذا ذكر الرجل العبوس تذكر ما رآه من رعب الأسقف بترس توين، حين علم أن الرجل ~~العبوس يخدعه، فيهلع قلبه، ثم يذكر ما أنذرته به فاندا، وهو أنه إذا أصر على المكابرة ~~والعناد كان الخطر شديدا على حياة ابنته. # وكان يذكر جميع ذلك بعد أن فارقته فاندا ويخاف خوفا شديدا. # ثم يرى أن الرجل العبوس ليس لديه برهان غير تلك الأوراق المسجلة في سفارة باريس، وهي ~~برهان قاطع وسلاح ماض، لا سيما في يد ذلك الرجل لمقدرته على الإنفاق، ولكنه كان يشكك في ~~وجود هذه الأواق حقيقة لديه، ويظن أن الرجل العبوس كان عارفا بأمره، وأنه يدعي أنها ~~لديه من قبيل الإرهاب والوعيد فيهدأ خاطره ويطمئن بعض الاطمئنان. # ثم يعاوده الخوف مما قالته فاندا، وهو أن الرجل العبوس لا يقرع أبواب المحاكم، ويذكر ~~شهرة هذا الداهية وتفننه بالحيل فيعود إلى الاضطراب والجزع. # ولبث هذا دأبه يوما وليلة، وهو تارة يتمكن منه الخوف فيعول على الاستسلام، وتارة ~~يطمئن فيعزم على الإباء. # ويذكر القراء أن فاندا فارقته على أن تعود إليه في اليوم التالي، وأنها أمهلته يوما ~~للتفكير والإمعان، فلما دنا موعد قدومها كان لا يزال مترددا في أمره، لا يعلم أين ~~يستقر. # ثم جاءته فاندا وهو على الحالة التي تقدم لنا وصفها، فنسي كل ما فيه؛ لما تولاه ms2611 من ~~الدهشة بجمالها. # وخف لاستقبالها وهو يضطرب غراما ويتلعثم، فلا يجد للتعبير عن فرحه بلقائها ~~كلاما. # ثم جلست فاندا، وهي على أتم التأنق، فجلس بجانبها. # حتى إذا زالت دهشة اللقاء، بدأت فاندا الحديث، فقالت له وهي تبتسم: أي حضرة السير ~~أرشيبالد، هل تمعنت في ما اقترحته عليك باسم الرجل العبوس؟ # فبدت على وجه السير أرشيبالد علائم الانقباض لذكر اسم هذا الشخص الهائل وقال: نعم يا ~~سيدتي لقد فكرت مليا في هذه المشكلة العويصة فما فتحت منها بابا حتى سد بدلا منه ما ~~وراءه من الأبواب. ~~- كيف ذلك؟ ~~- إنك تسألينني التنازل عن جميع ثروة اللورد أفندال لأخيه اللورد وليم من نقد وعقار ~~ومقتنيات. # فابتسمت فاندا وقالت: أليس ذلك حقا ولمن هذه الأموال أما هي أموال اللورد ~~وليم؟ # ورد قائلا: هو ذلك يا سيدتي، غير أني أرى تحقيق تلك الأمنية محال. ولو كنت تطلبين ~~المال النقد لسهل الأمر، وأما عقار القاصرين فلا يمكن بيعه. ~~- ومال القاصرين كيف يسهل دفعه؟ ~~- إني أدفعه من مالي ولكن العقار لا يباع. ~~- إني لا أسألك البيع، فإن اللورد وليم لا يريده، ولكني أسألك التنازل! ~~- وكيف يتيسر هذا التنازل إلا إذا أثبتنا حقيقة أن اللورد لا يزال في قيد ~~الحياة؟ ~~- ألعلك نسيت يا سيدي أن الرجل العبوس يريد أن يرد إلى اللورد وليم ثروته ~~ولقبه. ~~- ولكن هذا محال لن يكون. ~~- بل يكون إذا تدبرت، وأحسنت التمعن في عاقبة الرفض، وأشفقت على ابنتك، وذكرت ما ~~يتهدد حياتها من الأخطار. # فابتسم السير أرشيبالد ابتسام المشكك وقال لها: أراك تتوعدين كثيرا يا سيدتي. ~~- إني لا أتوعد من تلقاء نفسي، بل إني رسول، وليس على الرسول إلا البلاغ، وقد نقلت ~~هذه الأقوال كما تلقيتها. ~~- وهل تظنين أن هذا الوعيد صدق وأن الرجل العبوس قادر على إنفاذه في بلاد لا تنام ~~فيها عيون رجال الأمن. # فضحكت فاندا وقالت: لقد غفلت عيون رجال الأمن عن الرجل العبوس حين خرج آمنا من سجن ~~نوايت ليلة الحكم عليه بالإعدام. # وغفلت عيون رجال الأمن عنه، حين طوق ms2612 الأسقف بترس توين منزله. # وغفلت عيون رجال الأمن عنه حيث عبث بذلك الأسقف، كما يعبث الهر بالفأر. # وماذا عسى أن يصنع رجال الأمن مع هذا الشخص الهائل الذي أقام لندرا وأقعدها؟ # إنك يا سيدي مخطئ بما تظهره من عدم الاكتراث، مسيء لابنتك، مسيء لولديها، مسيء لنفسك، ~~وإنما أقول لك ذلك من قبيل الإشفاق، وأنت مخير في قبول النصيحة. # فأطرق السير أرشيبالد هنيهة مفكرا وقال: إني أشكرك لنصحك، يا سيدتي، ولكنك لو كنت في ~~مكاني لهانت عليك الأخطار في جانب تلك المطالب الفادحة، فإن الرجل العبوس، أي اللورد ~~وليم يريد أن يحرم ابنتي وابنتها من كل شيء. ~~- إنه لا يحرم أحدا يا سيدي، بل إنه يسترجع حقه. ~~- ولكن أخاه إذا كان قد أذنب بإغواء أبيه فأي ذنب جنته امرأته وبنوه فيعاقبون بهذا ~~الحرمان؟ ~~- قد تكون مصيبا بعض الإصابة يا سيدي، ولكن اللورد وليم ليس من أهل الشر والانتقام، ~~فمتى نال حقه الصريح فهو لا يهمل امرأة أخيه وأولادها. # فكبر هذا القول على السير أرشيبالد، وعظم عنده أن تكون بنته في موقف ~~المتسولات. # فهاجت كبرياؤه وقال لفاندا: لا أدري بأي سلاح يريد أن يحاربنا هذا الرجل العبوس، ولا ~~أدري كيف يريد اللورد وليم أن ينال ما يطمع به ثم يقف معنا في موقف المتبرعين ~~المحسنين؟ # وقد رأت فاندا أن عينيه قد اتقدتا وأنه بات أقرب إلى المشاكسة والعناد منه إلى ~~المسالمة واللين. # فابتسمت له ألطف ابتسام وقالت له: إني ما جئت يا سيدي غير رسول، ويسوءني أن يكون ~~لكلامي هذا الوقع الأليم منك، فإني لا أريد لك إلا الخير، غير أني أراك كثير التشبث في ~~رأيك، قليل الاكتراث بما يتهددك من الأخطار، فهل تريد أن أقنعك بوجود هذه ~~الأخطار؟ ~~- هذا كل ما أريده يا سيدتي. # وقالت له فاندا: وإذا أقنعتك يا سيدي، أتوافق الرجل العبوس في ما اقترحته لك؟ ~~- إني أنظر عند ذلك في اقتراحاته نظرة أخرى. ~~- إنك سألتني، يا سيدي، عن سلاح الرجل العبوس، وسلاح اللورد وليم. ~~- هو ذاك. ~~- أما سلاح ms2613 الرجل العبوس، فهو فوزه على أبناء سيوا في الهند، وعلى الإنجليكان في ~~لندرا، وكفى بذلك سلاحا يحملك على الخوف إذا كنت من المتبصرين، وأما سلاح اللورد وليم ~~فهو إقرار برسي المسجل في السفارة الإنكليزية. ~~- وأين هذا الإقرار؟ ~~- لدى العبوس. # فابتسم السير أرشيبالد ابتسام المشكك وقال: وما يضمن لي صحة هذا القول؟ ~~- يضمن لك الاطلاع على هذه الأوراق. # وكانت فاندا تقول هذا القول بلهجة الواثق المطمئن وقد تبين السير أرشيبالد الصدق من ~~لهجتها. # فاضطرب وأفحمه البرهان، ولكنه حاول المراوغة فقال: لنفرض أن هذه الأوراق موجودة حقيقة ~~لدى العبوس، فكيف يستطيع المجاهرة بها وهو محكوم عليه بالإعدام؟ ~~- لقد قلت يا سيدي، إن الرجل العبوس لا يلجأ إلى المحاكم في نيل حق. # ولكن لنفرض كما فرضت أنه عاجز عن نيل حق اللورد وليم بالدهاء والحيلة فإنه يعطي ~~الأوراق للورد وليم. ~~- إن ذلك يحتاج إلى المقاضاة. ~~- وما يمنعه عنها؟ ~~- أولا المال. ~~- إن العبوس ينفق عن سعة ولا يعوزه المال. ~~- ثم البرلمان نفسه؛ فإنه لا يؤذن بمثل هذه الفضيحة، ولا يسمح بمحاكمة هذه ~~الأسرة. ~~- إن القضاة فوق البرلمان، والمال في بلادكم فوق القضاء، وفوق البرلمان. ~~- ولكن هناك قوة لا تعلمينها وهي فوق جميع ما ذكرناه. ~~- ما هي؟ ~~- هي نفوذ الجمعية الإنجليكانية. ~~- بمن يقوم نفوذ هذه الجمعية السرية؟ ~~- بعميدها ورئيسها الأسقف بترس توين. # فابتسمت فاندا وقالت له بلهجة المتهكم: إنك تبحث يا سيدي منذ يومين عن هذا الرئيس ~~ألعلك وجدته؟ # فذعر السير أرشيبالد لما سمعه وقال: هو ذاك فكيف عرفت أني أبحث عنه وأين هو ~~الآن؟ ~~- أما إني عرفت أنك تبحث عنه، فذلك مما يثبت لك أن عين العبوس غير غافلة عنك. # وأما بترس توين فلا أدري أين هو، ولكن لنفرض أنه في قبضة الرجل العبوس، وأنه اضطر إلى ~~أسره كي لا يكون عثرة في سبيل ما يريد قضاءه من المهمات. # فأجفل السير أرشيبالد وقال: ماذا أسمع منك يا سيدتي، أيمكن ذلك أن يكون؟ ~~- كل شيء ممكن للرجل العبوس، فما أراد أن يكون فهو كائن، وقد ms2614 نصحتك، ولا أزال أكرر ~~عليك النصح، فإن مسالمة هذا الشخص خير من معاداته، ولأن تنيله ما يريد بالرضا خير من أن ~~يناله منك بالكره والاغتصاب. ~~- ولكنك لم تخرجي بعد يا سيدتي عن حد الافتراض، فكيف أستطيع التسليم والرضوخ وأنت ~~تقولين لنفرض أن الأوراق بيد العبوس، ولنفرض أن بترس توين في أسره. ~~- تريد أنك لا توافق الآن على اقتراحاتنا إلا عندما ترى تلك الأوراق ويثبت لك أسر ~~بترس توين. ~~- هو ذاك ومتى ثبت ذلك نظرنا معا في تعديل تلك الاقتراحات، فإن تحقيقها بجملتها ~~محال. ~~- إذن، أستمهلك يومين فأثبت لك الأمرين. ~~- أتريني الأوراق وتثبتين لي أسر بترس توين. ~~- نعم. ~~- وعندها ننظر في اقتراحكم. # وردت فاندا قائلة: بل تنظر فيه الآن على افتراض أن البرهان موجود كي لا يطول زمن ~~المخابرات، فإن أشغال الرجل العبوس تقضي عليه بسرعة الذهاب. ~~- ألعلك مفوضة عن العبوس بإبرام الاتفاق؟ ~~- كلا، وإنما أعرض عليه ما اقترحته من التعديل بلسان البرق، فإذا رضي به فلا توقع على ~~الاتفاق إلا بعد أن تستوثق من تلك البراهين، فقل الآن ماذا تريد أن تقترح؟ ~~- إني أبسط اقتراحي يا سيدتي وأنا أرجو أن تكوني لي عونا في تنفيذه فإني أراك من ~~نساء الخير وخير النساء. # فانحنت فاندا شاكرة وقالت له: ثق يا سيدي، إني سأكون عونا لك فيما تريد. ~~- إن أشد مشكلات هذه القضية التنازل عن اللقب؛ فإن في ذلك فضيحة لا يخلق أن توصم بها ~~تلك الأسرة العريقة بالنسب. # أما الفضيحة فهي أن اللورد وليم ميت في عيون الحكومة والناس، فإذا أعدنا إليه اسمه ~~فلا بد من إظهار حقيقة الجناية، وأية فضيحة أعظم من فضيحة اللورد أفندال إذ ظهرت جنايته ~~على أخيه. # ثم إن هذا العار لا يلحق باللورد أفندال الميت، وأولاده وامرأته الأحياء فقط، بل إنه ~~يشمل أسرة باميلتون، ويلطخ هذا البيت بوصمة لا يمحوها كرور الأدهار. # وبعد، فأية فائدة للورد وليم من المحافظة على اسم أسرة تلطخ بعار الجنايات؟ # إن المرء يحافظ على اسم أسرته ما زال نقيا من العيوب، ms2615 سالما من الشوائب ... # أليس خير للورد وليم أن يبقي على شرف هذه الأسرة، وينتحل لنفسه ما أراد من الأسماء ~~بفضل ما يقبضه من المال الكثير؟ ~~- ليس من شأني الحكم في هذا الشأن فقد يكون للعبوس واللورد وليم غير هذا ~~الرأي. ~~- ولكنك وعدتني يا سيدتي بالمساعدة. ~~- لم أزل على وعدي، فقل لي بقية ما تريده من التعديلات، حتى إذا رأيت من التساهل ما ~~يفسح لي مجال المداخلة تداخلت، وكنت لك خير معين. ~~- لم يبق غير أمرين وهما إرجاع الثروة وابتعاد اللورد عن لندرا. # أما الثروة فقد تقدم لي القول إني أدفع له منها المال النقد، فإن عقار القاصرين لا ~~يباع، والتنازل محال، ما زال اللورد ميتا في أعين الناس. # وأما ابتعاده عن إرلندا فذلك لا بد منه تجنبا للفضيحة إذ قد يراه بعض أصحابه القدماء ~~فيعرفونه. # فابتسمت فاندا ابتسام المتهكم وقالت: أهذا هو التعديل الذي تريد أن تحمل به اللورد ~~على التنازل عن لقبه ولديه بإثباته أمضى سلاح؟ ~~- ماذا تريدين؟ ~~- إني لا أريد شيئا، ولكني أشير عليك أن تتنازل عن الثروة بجملتها فإن اللورد يأنف ~~من أسرته بعد تلك الجناية الهائلة، وقد ينفر من الإقامة في لندرا، بعد ما لقي فيها تلك ~~الآثام، ولكني لا أخاله يتنازل عن درهم من ثروته. ~~- ولكن العقار لا يباع وأصحابه قاصرون. ~~- ولكن قيمته تعرف . ~~- ماذا تعنين بذلك؟ ~~- أعني به أن ثروتك تبلغ أربعة أضعاف ثروة أسرة باميلتون، وأنت لا وارث لك غير ابنتك ~~وبنيها. # ثم أنت من أشد الناس رغبة بالجاه والنفوذ، فإذا أردت استبقاء الجاه، واتقاء الفضيحة، ~~والاحتفاظ بذاك اللقب، لأبناء ابنتك، فلتثمن موجودات أسرة باميلتون بأسرها، فإذا عرفت ~~قيمتها، دفعتها أنت من نقودك. # فذعر السير أرشيبالد وصاح مستنكرا: إن هذه الثروة تبلغ عشرين مليونا، أتريدين أن ~~أدفع من مالي ذاك المبلغ الجسيم؟ ~~- أليس خيرا أن تدفع بالرضا، بدلا من أن تدفع بالإكراه؟ وقد عرفت يا سيدي سلاح ~~العبوس، فهل تجعل بك المكابرة بعد ذاك العرفان؟ ~~- ولكن هذه البراهين لم تثبت لي يا سيدتي، ms2616 ولا تزال في حد الافتراض! ~~- دون شك، ولكنك لا تدفع المال إلا بعد أن تستلم الأوراق، أي بعد أن يصبح ذاك السلاح ~~بيدك، على أني أعيد عليك ما قلته وهو أني لا أضمن رضا العبوس، ولكني أتوسط لديه، وأرجو ~~أن أتمكن من حمله على القبول. # فأطرق السير أرشيبالد إطراق المهموم وقد أيقن من وجود البراهين وهي أمضى سلاح ضد ~~ابنته. # وراعه احتجاب الأسقف، وهو معينه الوحيد، وخشي أن ينتزع الرجل العبوس لقب اللوردية من ~~أبناء بنته، وهو يحتقر كل مال في جانب هذا اللقب. # ثم إنه كان من أعظم أغنياء الإنكليز، ومن أشدهم احتقارا للمال، فلما رأى أنه بات ~~كالطير قص جناحاه لم يجد بدا من القول، فالتفت إلى فاندا وقال لها: متى أرى البراهين ~~يا سيدتي؟ ~~- أية براهين؟ ~~- براهين الأوراق وبراهين الأسقف. ~~- بعد يومين. ~~- وإذا دفعت المال بجملته أستلم الأوراق؟ ~~- دون ريب. ~~- ويتعهد اللورد وليم أن لا يقيم في لندرا! ~~- إذا رضي باسترجاع الثروة دون اللقب فلا بد له من الرضا بالابتعاد، وإنما شأني ~~بينكما شأن الوسيط، فسأعرض على العبوس اقتراحك، فإذا رضي به بلغتك رضاه. ~~- وإذا لم يرض؟ ~~- يعود إلى العمل لاسترجاع اللقب بالقوة، ويعود اللورد إلى استرجاعه بالأحكام. # فاصفر محيا السير أرشيبالد وقال: إذن، تفضلي بعرض اقتراحي على الرجل العبوس. ~~- إنه يتضمن إعادة الثروة بجملتها من نقد وعقار؟ ~~- هو ذاك. ~~- وأما العقار فيثمن، وتحول قيمته إلى نقد، وتدفع أنت المال على الفور. ~~- بعد أن أستلم الأوراق. ~~- هذا لا ريب فيه. # فتنهد السيد أرشيبالد وقال: إذن، افعلي ما تشائين، فقد ألقيت عليك اعتمادي. ~~- وأنا معتمدة في قضاء هذه المهمة على ما لي من الدلالة على العبوس، ورجائي أن أتمكن ~~من إقناعه. ~~- متى أراك يا سيدتي؟ ~~- بعد يومين، فإما آتيك نذير حرب أو أكون رسول سلام. ~~- إنك حمامة وديعة يا سيدتي، ولم تكن الحمائم إلا رسل السلام. ~~••• # وبعد حين ودعته فاندا، وانصرفت رأسا إلى مكتب التلغراف، وأرسلت إلى روكامبول بجمل ~~اصطلاحية التلغراف الآتي: # مضى بعد الجهد بإعادة الثروة بجملتها ms2617 من ماله الخاص دون اللقب ... إنه مصيب، ~~فإن إحياء اسم اللورد وليم يظهر الحقيقة، ويشين الأسرة. # وهو يشترط استلام تقرير برسي، وإثبات أسر الأسقف بترس توين، وابتعاد اللورد ~~عن لندرا ... وعدته بالجواب بعد يومين ... فمر بماذا يجب أن أجيب. # فاندا # وبعد أن أرسلت هذا التلغراف إلى روكامبول، عادت إلى منزلها بعد أن تركت عنوانها ~~وأقامت فيه تنتظر الرد. # فجاءها بعد ساعة هذا التلغراف: # سأكون أنا الجواب وسنتفق. # روكامبول # 44 # لقد تركنا الأسقف سجينا في قفص الحديد، وهو يعض البنان حسرة وندما لما أصابه من ~~الفشل، ولوقوعه في قبضة الرجل العبوس، بعد أن كاد يظفر به في لندرا، ويرده إلى سجن ~~نوايت، وينال منه مراده. # وقد كان أشد ما لقيه من الهم أنه اضطر إلى خيانة الجمعية التي يتولى رئاستها بذلك ~~الكتاب الذي أملاه عليه روكامبول. # وقد ندم بعد فوات الأوان، وبات يؤثر العمى، وكل ضروب التعذيب والتنكيل. # ولكنه ندم بعد فوات الأوان، فكان يأسه لا يوصف، لا سيما حين كان يجول في خاطره ما ~~يمكن أن يناله الرجل العبوس والإرلنديون بواسطة هذا الكتاب، فإنه كان يئن أنين ~~المتوجعين، ويزأر في ذلك القفص زئير الوحوش. # أما روكامبول فإنه بعد أن أخذ الكتاب من الأسقف ذهب إلى عصابته فقال لهم: لقد قضي ~~الأمر، وحمله الخوف على التسليم. # ثم حدثهم بأمر الكتاب وقال له مرميس: إني لا أرى في الكتاب فائدة لك بل كل الفائدة ~~للإرلنديين. ~~- بل لي ولهم. ~~- إني أعجب أيها الرئيس كيف تخدم الإرلنديين مثل هذه الخدمة الجليلة وهم جحدوا نعمتك، ~~وأنكروا فضلك حين كنت في السجن. ~~- ألم يحاولوا إنقاذي؟ وما عليهم أن يفلحوا فإن على المرء أن يسعى وليس عليه أن تتم ~~المقاصد. ~~- ولكنهم ما حاولوا إنقاذك من أجلك بل من أجل مس ألن. ~~- قد يكون ذلك، غير أن غايتهم نبيلة، لا تضيع فيها جلائل الأعمال. ~~- ولكن جحودهم نعمتك لوث هذه الغاية، ولو كان أمرهم بيدي لتركتهم وشأنهم وما جازيتهم ~~بعد الإساءة بالإحسان. # فابتسم روكامبول ابتسام الحزين وقال: أهذا ما ms2618 أخذته عني يا مرميس بعد التلمذة؟ # ألا تدرى أنك تعمل بمبدأ الشر بالشر وأنت لا تدري ... وإذا تخليت عن نصرة المظلوم ~~وانتشاله من براثن أهل الشر حين تستطيع، ألا تكون شريكا لهؤلاء الأشرار؟ # ومتى علمتك أن تكون من أهل الشر؟ # إن المرء خلق جحودا كافرا بالنعمة، يذكر السيئة ويتغاضى عن الحسنة، فإذا تخلقت ~~بأخلاقهم فكيف تمتاز عنهم؟ # وإذا لم تكن لك ميزة عليهم فكيف تفيدهم، وإذا أحببتم من يحبكم فأي فضل لكم؟ # فأطرق مرميس مستحييا وقال: عفوك أيها الرئيس فقد دفعني حقدي على الإرلنديين إلى قول ~~ما قلته، فقد أثر بي رفضهم إنقاذك تأثيرا شديدا لا تزال آثاره إلى الآن في داخل ~~صدري. ~~- وما نطقت به الآن هفوة أخرى أود أن لا تعود، فإن النفوس الشريفة لا تضمر ~~الأحقاد. # وكأنما قد أشفق على تلميذه من الاستحياء، فالتفت إلى اللورد وليم وقال له: بقيت لهذا ~~الكتاب فائدة أخرى، قلت لمرميس إنها لي والحقيقة أنها لك. ~~- كيف ذلك أيها الرئيس؟ ~~- ذلك لأني أرجو أن أقنع به السير أرشيبالد أن الأسقف في قبضتي كي أحمله على التساهل ~~في أمرك إذ لا نصير له غير الأسقف فمتى عرف أنه في قبضتي، لم يبق له نصير، كما عرف أن ~~إقرار برسي بيدي فهو يتساهل كل المساهلة دون شك. ~~- كيف عرف أن الإقرار بيدك؟ ~~- إني قد عهدت إلى فاندا بمخابرته، وربما تكون قد لمحت له عن وقوع الأسقف في قبضتي، ~~فقد كلفتها بذلك أيضا. ~~- إذن، لم يبق لدينا ما نعمله الآن هنا فلنعد إلى لندرا. ~~- كلا فإني أنتظر تلغرافا من فاندا عما أفضت إليه المخابرات، إذ ربما احتجت إلى كتاب ~~آخر أمليه على الأسقف السجين. ~~••• # بينما كان روكامبول يحادث اللورد وليم وتلميذه بما تقدم كانت فاندا تخابر السير ~~أرشيبالد بما تقدم لنا بيانه في الفصل السابق. # فلم تمض ساعة حتى ورد إلى روكامبول ذلك التلغراف المتضمن خلاصة المخابرات. # وعاد روكامبول إلى الاجتماع باللورد وليم والمداولة معه فيما اقترحه السير أرشيبالد ~~من التعديل، وهو إرجاع الثروة بجملتها ms2619 إلى اللورد وإبقاء اللقب لأبناء أخيه وسفره من ~~لندرا. # وقد كان من رأي روكامبول الإصرار على استرجاع اللقب والثروة معا. # ومن رأي اللورد، الاكتفاء بالثروة حذرا من الافتضاح، وإشفاقا على أسرة باميلتون من ~~العار. # وفوق ذلك فإنه أنف العودة إلى هذه الأسرة بعد تلطخها بهذه الوصمة الشائنة فرضي بما ~~اقترحه السير أرشيبالد من التعديل. # وكذلك روكامبول فإنه علم أنه إذا لم يفز على السير أرشيبالد بالدهاء والحيلة فاز عليه ~~بالمقاضاة. # لكن مثل هذه القضية الكبرى يقتضي لها عدة أعوام، لا يستطيع في خلالها مفارقة اللورد ~~وليم، لا سيما وأن اللورد رضي بما قسم له فاضطر إلى موافقته. # وعند ذلك أرسل إلى فاندا ذلك التلغراف ويقول فيه: «سأكون أنا الجواب». # ثم جمع عصابته فأمرها أن تتأهب للرحيل ونادى شوكنج وقال له: إننا سنسافر دونك، وستبقى ~~في هذا المنجم، وتكون مهمتك حراسة القفص الحديدي ومن يسكنه. ~~- أيطول عهد سجن هذا الأسقف؟ ~~- إني لا أظنه يمتد أكثر من شهر واحد. ~~- وبعد ذلك ماذا أعمل؟ ~~- تطلق سراحه. ~~- بأمر من؟ ~~- بأمري أو بأمر من الكاهن صموئيل. ~~- وبعد إطلاق سراحه؟ ~~- تبرح هذه البلاد وتعود توا إلى باريس حيث تلقاني فيها. ~~- ألا خطر علي من الأسقف بعد إطلاق سراحه؟ ~~- كلا، حيث يصبح عاجزا عن الإيذاء بأحد، وأحوج منك إلى الخوف واتقاء الأخطار. ~~- سأمتثل يا سيدي لما تريد ، فسر آمنا على السجين. # وبعد ساعة سافر روكامبول وعصابته واللورد وليم وإدوار عائدين إلى لندرا، بعد أن كتب ~~إلى رئيس مستشفى الجزيرة يأمره بإطلاق سراح جوهن بيل أو ولتر بريس؛ إذ لم تبق لهم فائدة ~~من أسره. # ولما وصلوا إلى لندرا اجتمع روكامبول وفاندا بالسير أرشيبالد وأيقن السير أرشيبالد من ~~صدق ما قالته له فاندا. # وتم الاتفاق بينه وبين اللورد وليم أن يبرح لندرا فلا يرجع إليها احتفاظا بالسر، وأن ~~يتخلى عن لقبه، وأن يقبض نقدا قيمة جميع ثروة أسرة باميلتون. # ففضت هذه المشكلة العويصة رحلة روكامبول، وكان الخصمان راضيين أتم الرضا، هذا ~~لاحتفاظه بالجاه والنفوذ، وذاك لاقتصاره على المال ms2620 وابتعاده عن أهل الشر ~~والنفاق. # 45 # لقد مضى بنا عهد طويل دون أن نذكر شيئا عن مس ألن ابنة اللورد بالمير ولا بد أن يكون ~~القراء تواقين إلى معرفة أمرها، بعد عودتها من باريس إلى لندرا فنقول: إن أباها كان ~~يحبها حبا شديدا فلم يكن يحن إلا لصوتها، ولا يرق فؤاده إلا لحديثها، ولا يعرف قلبه ~~الضعف إلا حين ينظر إليها. # وقد عادت مس ألن إلى منزله وهي واثقة كل الوثوق من استرضائه، بل إنها كانت واثقة ~~أيضا من حمله على موافقتها في التشيع للإرلنديين بعد أن انضمت إليهم بفضل ~~روكامبول. # وقد نالت كل ما أرادت من ذلك القلب الأبوي الضعيف فغفر لها فرارها من منزله. # ولم يمض بها بضعة أيام حتى أرجعته إلى مذهب آبائه وهو الكثلكة فبات لوردا ~~بروتستانيا بالظاهر وفي الباطن إرلندي كابنته. # وكان روكامبول يزورها بعد خروجه من السجن متنكرا، وقد راعه ما رآه من تهورها في ~~غرامه، فكان يحاول أن يصرف قلبها عن هذا الحب الذي لا رجاء فيه بما أوتيه من الدهاء ~~والحيلة، ولكنها لم تكن تزداد إلا هياما به وتعلقا برجاء زواجه حتى خشي عاقبة هذا ~~التهور، وعول أن يلجأ معها إلى التصريح بدلا من التلميح. # وكانت مس ألن تدرك معاني تلميحه وترى من مناهجه أنه يحبها حبا أبويا طاهرا فيكبر ~~عليها أمره، ثم يمر بخاطرها اسم فاندا فتكاد تفترسها الغيرة منها، ولكنها لا تذكر شيئا ~~من غيرتها لروكامبول أنفة واستكبارا. # فلما فرع روكامبول من قضاء مهمة اللورد وليم، لم يبق عليه غير مهمتين وهما توديع الأب ~~صموئيل وتسليحه بكتاب الأسقف بترس توين، وتوديع مس ألن ونزع هذه الأميال من فؤادها بما ~~تفتقه له الحيلة في تضاعف الحديث، إذ جاهر لسانها بما كانت تجاهر به عيناها من معاني ~~الغرام. # وقد بدأ بزيارة مس ألن فسار إليها وقلبه يضطرب لما كان يتوقع أن يلقاه في ساعة ~~التوديع. # فاستقبلته في القاعة الكبرى، ثم نزلت به إلى الحديقة وجلست وإياه على مقعد في ظل شجرة ~~باسقة ms2621 فأقام معها نحو ساعتين لم يعلم أحد ما دار بينهما من الحديث في خلالهما. # غير أنهما حين افترقا كانت مس ألن مصفرة الوجه متقدة العينين، وكان روكامبول مضطرب ~~البال تبدو آثار القلق من عينيه. # ولم يذهب بعد افتراقهما إلى مقر العصابة، بل سار توا إلى الكنيسة التي يقيم فيها ~~الأب صموئيل، فلقيه وأخبره بجميع ما اتفق له مع الأسقف، إلى أن أخبره بأمر الكتاب الذي ~~أملاه عليه وكتبه بخطه وتوقيعه، فكاد يطير فؤاد الكاهن سرورا وقال: إنك خدمت ~~الإرلنديين خدمة لا ينسونها أبد الدهر، فإننا سنبلغ من الجمعية الإنجليكانية ما نشاء ~~بفضل هذا الكتاب. ~~- وإذا كنتم محتاجين إلى المال فإن خزائنها الآن بين أيديكم على أن تحسنوا ~~الحيلة. ~~- ولكن الكتاب يتضمن تفويضا مطلقا وطاعة لحامله لا حد لها. ~~- وماذا عليك من هذا الإطلاق؟ ~~- إني أخشى أن يريبهم ذلك فلا ندرك كل مقاصدنا. ~~- إن شعرتم بشيء من الريبة فاعمدوا إلى التخصيص. ~~- كيف ذاك؟ ~~- ذلك أن الأسقف لا يزال سجينا في القفص، وشوكنج يعرف أسرار الآلة الكهربائية فأملوا ~~عليه ما تشاءون، فيكتب لكم، وإن أبى هددوه بالنور؛ فقد لقي من عنائه وآلامه ما يضطره ~~إلى الإذعان. ~~- وبعد ذلك ما تريد أن نصنع به؟ ~~- إني كنت أود أن أطلق لكم الحرية في أمره، ولكني وعدته بإطلاق سراحه حين نفرغ من ~~مهمتنا ونصبح جميعنا في أمن من كيده، أما أنا فإني قد قضيت الآن مهمتي فأسرعوا الآن ~~أنتم في قضاء ما تبتغون منه. ~~- ولمن عهدت إطلاق سراحه؟ ~~- لك، فإن شوكنج لا يطلقه إلا إذا ورده أمر منك أو مني، وأنا مسافر فلا أتداخل في ~~أمره بعد الآن. ~~- وأين أجد شوكنج؟ # فأرشد روكامبول إلى مكانه، ثم ودع ذلك الكاهن الجليل بعد أن أقام عنده مدة طويلة ~~وانصرف إلى مقر العصابة وهو مشتت البال وعلائم الحزن بادية عليه. # فلما وصل إلى حيث يقيمون كان أول ما نطق به سؤاله عن فاندا لأنه لم يرها ~~بينهم. # فقال له مرميس: إنها خرجت من المنزل منذ ساعتين ولم تعد ms2622 بعد. ~~- إلى أين ذهبت؟ ~~- إلى مس ألن فإنها أرسلت تدعوها برسالة قالت فيها إنها محتاجة إليها لشأن خطير فلم ~~يسع فاندا إلا الإسراع بالذهاب مع الرسول. # فلم يكد روكامبول يسمع هذا القول حتى امتقع لون وجهه وبدت علائم الرعب بين عينيه فهب ~~منذعرا وخرج من المنزل وهو لا يلوي على أحد. # فأجفل مرميس ورفاقه وحاولوا أن يتبعوا الرئيس، فعاد إليهم وأمرهم بالبقاء في المنزل، ~~ثم خرج وهو يقول: قوتلت الغيرة، فإني أخشى أن تكون دفعت تلك الفتاة إلى الكيد بفاندا، ~~بل قوتلت أنا فقد غفلت عما يجره نزق الشباب. # ثم اندفع ينزل درجات السلم أربعا أربعا وهو يود لو كان له أجنحة فيطير بها إلى مس ~~ألن لفرط إشفاقه على فاندا ورجال العصابة وقوف في أعلى السلم وهم منذعرون، فإنهم عاشروا ~~الرئيس دهرا طويلا، ومارسوا معه أفدح الخطوب فما رأوه مرة أصيب بمثل هذا الرعب ولم ~~يتعودوا منه غير السكينة وثبات الجأش. # أما روكامبول فإنه لم يكد يخرج من الباب حتى صاح صيحة فرح وقال: فاندا! # فأجابته فاندا بصيحة مثلها وقالت: روكامبول! # ثم هجمت عليه فعانقته والدموع تذرف من عينيها، ذلك أنه كان خارجا من الباب، وكانت ~~داخلة إليه، وكان خائفا عليها، وكانت خائفة عليه كما سنبسطه للقراء. # 46 # كانت مس ألن قد علقت بروكامبول وفتنت به أي افتتان حتى باتت تراه في مقتبل الشباب وهي ~~تعلم أنه تجاوز عهده، ورأته مثيلا لها في النبل والنسب على عرفانها بأنه وجد لقيطا ~~ونشأ لصا وترعرع سفاكا، ولكن الغرام جعل كهولته شبابا ناضرا، وحطة مولده نسبا ~~طاهرا. # فكانت إذا ذكرت آثامه شفع فيها أنه ندم وتاب، وإذا رأت وخط الشيب في شعره قالت إنه ~~استبدل حمامة بغراب، وإذا خطرت لها حطة نسبه قالت: إن عرش الغرام لا يرقى إليه بسلم ~~الأنساب. # الغرام الغرام إنه آفة البصائر والألباب، فلا يسمع فيه غير حديث القلوب، ولا لغة له ~~غير لغة الوجدان، ولا رأي فيه لعقل وصواب. # ذلك كان حال تلك الفتاة، وهي في ربيع ms2623 العمر وزهرة الشباب، قد نفذت إلى قلبها أشعة ~~الغرام، فملأت وعاء ذلك القلب، وعشقت في الثامنة عشرة من عمرها، وهي عروس الشعر كهلا ~~تجاوز الأربعين فتجاوز عنه الشعراء. # ولقد زادت في اتقاد جذوة غرامها استخفاف روكامبول بذلك الغرام، ووثوقها أنه يحب ~~فاندا، ولذلك كانت إذا ذكرت ما بينها وبين مزاحمتها من التباين في الجمال والصبى ~~والمقام، ثم رأت ميل روكامبول إلى خصيمتها فيه، هاجت فيها عوامل الغيرة وأكبرت رغبته ~~بها عنها، على وجود ذلك التباين، وهي لا تدري أن أعظم مفرق بينها وبينه إنما هو هذا ~~التباين نفسه، فما رأت العقلاء جناية أبلغ من جناية زواج تباينت فيه الأقدار والأعمار ~~إلى حد تباينها بين هذين. # غير أن مس ألن على وفرة ذكائها لم تكن تصغي إلا لصوت قلبها، فلما انصرف روكامبول من ~~منزلها تمثلت لها فاندا وكادت تفترسها الغيرة، وقد أضل الغرام صوابها، وخطر لها أن تدعو ~~إليها فاندا وتبوح لها بمكنونات قلبها وتمنحها ما تشاء من أموالها في مقابل التخلي لها ~~عن ذلك العشيق، كأنما العشق يباع ويشترى. # ولكن الغيرة ذهبت بذكائها، فقامت إلى منضدة، وكتبت إلى فاندا رسالة تسألها فيها ~~الحضور إليها، وبعثت رسالتها مع إحدى خدامها، ثم ذهبت إلى غرفة زينتها فتبرجت أحسن ~~تبرج، ولبست أفضل ما لديها من الملابس والمجوهرات فباتت فتنة للناظرين، وأقامت تنتظر ~~قدوم فاندا على أحر من النار. # وقد عرف القراء من حب فاندا لروكامبول، ما لم يبق سبيل معه لوصف، فهي شريكته في سرائه ~~وضرائه، وهي التائبة من أجله أصدق توبة، وهي التي كانت تقتبس نور الحياة من نور عينيه، ~~وتخاطر بالموت من أجل أن يحيا، وهي التي امتزجت نفسها بنفسه، حتى سارتا نفسا واحدة ذات ~~شعور واحد ووجدان واحد. # وهي التي اتفقت وإياه في المقام والسيرة والمنزلة والروح، ومثل هذا الحب لا يوصف، ~~وأنى لأقلام الكتاب أن تجول فيه. # غير أن فاندا، على فرط ثقتها بروكامبول، وعلى توقد ذهنها كان يأخذ الغرام في حالاته ~~من ثقتها وعقلها بقدر ما كان يأخذ ms2624 من عقل مس ألن، فإن الحب يضعف الأحلام. # ولذلك كانت إذا علمت بالتقاء روكامبول مع تلك الفتاة خلت في غرفتها، وبكت بكاء ~~الأطفال، ليس لخوفها من أن تنفذ نظرات مس ألن إلى قلب الرئيس، فقد كانت تعلم أن هذا ~~القلب العظيم لا موضع فيه للخيانة، ولكنها كانت تحزن لهذا اللقاء دون أن تعلم السبب في ~~هذا الحزن، ولعل ذلك لشدة حرصها على غرامه، ولفرط افتتانها به على اعتقادها بصدق ولائه، ~~فكان مثلها مثل الطفل إذا دنوت من ألعوبته صاح وبكى دون أن تمسها. # تلك هي حالة هاتين المتزاحمتين في حب ذلك الرجل الكبير، وتلك حال روكامبول ~~بينهما. # فلما وصل كتاب مس ألن إلى فاندا وجف قلبها، كأنما قد توقعت مصابا، ولكنها لم تجد ~~بدا من الذهاب إليها، فسارت إلى ذلك القصر الفخيم مكرهة وهي كأنها تسير إلى موقف ~~عقاب. # وكانت مس ألن قد أخفت اضطرابها، حتى إذا أقبلت فاندا استقبلتها بالبشر والترحاب، ~~وآنستها كل الإيناس، وجعلت تنتقل معها من حديث إلى حديث حتى بلغت إلى حديث عزم العصابة ~~على السفر. # فأخبرتها بصوت مضطرب، أن روكامبول جاءها مودعا، وأنه فارقها منذ حين. # فاصفر وجه فاندا لما رأته من اضطراب مس ألن حين ذكرت اسم روكامبول، ونظرت كلتاهما إلى ~~الأخرى نظرة تشف عما يخالج قلبهما من الغيرة. # وكأنما هذا الاصفرار والاضطراب منهما قد فتح بينهما باب التصريح، وأطلقت الألسنة ~~بمكنونات الفؤاد، فكانت مس ألن البادئة بالحديث، فابتسمت ابتسام المتهكم وقالت لفاندا: ~~أرى وجهك قد اصفر أيتها الحسناء، فهل راعك أن يزورني روكامبول مودعا قبل السفر؟ # فأجابتها فاندا بمثل ابتسامها وقالت: لم ترعني زيارته لك يا سيدتي فقد طالما زارك، ~~وإنما راعني اضطراب شفتيك حين خرج منها اسم روكامبول. ~~- وماذا فهمت من هذا الاضطراب؟ ~~- كما فهمت أنت من ذلك الاصفرار. ~~- نعم ... إن قلبي يضطرب حين يجول رسمه في خاطري، ويتلعثم لساني حين ينطلق باسمه، نعم ~~إني أهواه، ولا أخشى في هواه لومة لائم، فقد جرى حبه في قلبي مجرى دمي في مفاصلي، فعصيت ms2625 ~~من أجله أبي، وفررت من بلدي، وتركت مذهبي، وخنت أمتي، فكيف أخاف التصريح بهواه وقد برح ~~حبه بي هذا التبريح؟ # فامتقع وجه فاندا لما سمعته من هذا التصريح الجلي، ولكنها تجلدت وتذرعت بالسكينة ~~والحكمة فابتسمت وقالت لها: يسوءني يا سيدتي أن أرى منك هذا الاندفاع في حب رجل لا ~~فائدة لك من هواه، وأية فائدة من غرام لا يسفر عن القران؟ إنه لا يكون منه غير ~~العذاب. # فاهتزت الفتاة وهاجت بها عوامل الكبرياء فقالت: ولماذا لا يسفر حبي له عن القران؟ ~~ألعلي لست من أكفائه؟ ~~- إنه ليس من أكفائك يا سيدتي، فإن ما بينكما من تباين المقام يحول دون هذا الغرام؛ ~~إنك يا سيدتي في الحلقة الثانية من العمر، وهو قد تجاوز الرابعة، وأنت يدعونك اللادي ~~بنت فلانة وفلان، وهو لقيط لا يعرف اسم أبيه، ولا يعرف عن أمه إلا أنها كانت وصيفة ~~نورية في أيام الثورة عند إحدى النبيلات، وكيف يكون التباين أعظم مما بينكما، وكيف يخطر ~~لك خاطر الزواج ببال. # تمعني أيها الحبيبة تجدي أن زواجك به محال، وإذا كنت قد جريت في حبه هذا الشوط ~~البعيد، فصبرا إنك سوف تتدرجين بسلوانه كما تدرجت بحبه، ويكون البعاد خير شفيع ~~للسلوان. # وكانت مس ألن تسمع حديث فاندا والدموع تكاد تجول في عينيها لوثوقها أن فاندا لا تحاول ~~إقناعها بهذه البراهين العقلية ، إلا لتواله قلبها فيه، ولكنها تكلفت السكينة أيضا، كما ~~تكلفتها فاندا، وأرادت دحض برهانها بالبرهان فقالت: تقولين: إنه تجاوز عهد الصبى، وإن ~~الشيب قد وخط شعره، ولكنه إذا شاب رأسه فإن قلبه لم يشب، وكفى بإقدامه دليلا على أنه ~~من أهل الشباب، وأما أنه نشأ بين اللصوص فكفاه نسبا أنه ابن نفسه، وأنه أشرف أهل ~~الأنساب، وماذا يشين المرء أن يكون لقيطا، وأي عدل يقضي أن يؤخذ الولد بذنب ~~أبويه. # وأما أنه كان من اللصوص الآثمة فأنت تعلمين أنه تاب توبة صادقة لا رجعة فيها، وأن بين ~~جنبيه قلبا كبيرا لا متسع فيه لغير النبل والشرف وجلائل الأعمال، ms2626 فأي تباين بقي بيني ~~وبينه، وماذا يمنعني عن هواه؟ ~~- ولكنه يا سيدتي محكوم عليه بالإعدام في لندرا، ومحكوم عليه بالسجن المؤبد في باريس ~~فهو يعيش ما يحيا وأين وجد متنكرا حذرا لا يأمن في كل ساعة أن ينقض البوليس ~~عليه. ~~- إن بلاد الله واسعة فأهرب به إلى آخر الأرض، إني أحب منه «هو»، هو أينما كان وكيف ~~كان. # ورأت فاندا أن إقناعها بالبرهان مستحيل فقالت: إذا كان ذلك كذلك يا سيدتي يبقى إلا أن ~~يقنع هو اقتناعك. ~~- ولهذا دعوتك إلي يا فاندا. ~~- وأي شأن لي في إقناعه، ألا تعلمين أنه الرئيس المطلق علينا وأنه ليس بيننا من يجسر ~~على اعتراضه في ما يريد حتى بالفكر والتصور. # فابتسمت الفتاة ابتسامة حزن وكآبة وقالت: كفى يا فاندا مواربة فقد تدفعت بالتصريح حتى ~~لم أعد أجد بدا من البلوغ به إلى أبعد غاياته ... # إنك ترينني يا فاندا أتمتع بملذات الحياة وترين الجواهر تتألق فوق صدري، ولكني لا ~~أمتع النفس بهذه الملاذ إلا لألطف ذلك الشعاع الذي يملأ قلبي وجميع حواسي، فكوني لي ~~أختا صادقة أفتح لك خزائني وأشركك في ثروتي ونعيمي، بل أمنحك كل ما لدي بشرط أن ~~تتخلي عن روكامبول. # فابتسمت فاندا ابتسام الحزن وقالت: ليس الحب يا سيدتي بمتاع ... ومتى كانت قلوب المحبين ~~تشرى وتباع؟ ~~... وبعد، فهل لديك من أسباب السعادة ما يفيض عنك، فتفرقي منه على الناس، ولو اقترحت ~~عليك أن نتبادل بالقلبين وبالمحظين مهما بلغت من الفقر وبلغت من النعيم، ألا ترضين هذا ~~التبادل؟ ~~- إني أراك شديد الاغترار بجمالك، فهل تظنين أن زهرة هذا الجمال تدوم نضرتها ولا ~~يعتريها الذبول، إنك الآن وجمالك كالحلية تسترها أوراق الذهب فماذا تصنعين متى أسقط ~~العمر تلك الأوراق بيد من تحبين؟ ~~- أشكر هذا المحب، الذي لم يشتر الحلية إلا لما يحيط بها من أوراق الذهب ... ~~- إن لكل امرأة مرآتين إحداهما من زجاج، تنظر فيها إلى نضرة جمالها، والثانية من وجه ~~من تحب، تنظر فيها إلى أمالي الهوى، فإذا كسرت مرآة الغرام، فهل تنظرين ms2627 في المرآة ~~الصحيحة غير آثار تلك النضرة الزائلة؟ ~~- وأنت إذا كسرت تلك المرآة فكيف تنظرين بمرآتك الصحيحة إلى هذه اللآلئ المضيئة على ~~صدرك؟ ~~- ما أحلى ذلك اليوم الذي يأتي فيه روكامبول فيقول إن بريق دموعك في عينيك أشد ~~لمعانا من بريق اللآلئ على صدرك ... إني ذلك اليوم أطرح الملاذ، وألقي تلك الجواهر، ~~وأكون عبدة لهذا الحبيب، فأفر به إلى آخر حدود الأرض، يوارينا تيها الغرام على عيون ~~البشر. نعم، أحبه ... أحبه ولا أخشى عارا في هذا الإقرار، إن حبه تعاظم في قلبي حتى ضاق ~~به وخرجت منه تلك الأسرار، وإنه يناجي قلبي فيحرقه، وما أصدق من وصف الحب ~~بالنار. # وكانت فاندا تسمعها وهي تزيد اصفرارا وتقول في نفسها: ويلاه إنها بنت ثمانية عشر، أي ~~في أول دور من أدوار الحياة حين تنفذ إلى القلوب فيه أشعة الغرام، وترقى النفس فيه إلى ~~عرش الحب الأول. ويلاه لا يمكن أن تتلاقى الأشعة من هذين القلبين. # ثم عادت مس ألن إلى الحديث ومسحت دمعها فقالت: قلت لك يا فاندا إني سأبلغ بالتصريح ~~إلى أبعد غاياته، وقد علمت من إقراري أن هذا الحب قد تمكن من قلبي فلا سبيل إلى ~~انتزاعه، وقد بقي أن تعلمي أني عالمة بما بينك وبين الرئيس وبأنك تهوينه منذ أمد ~~بعيد. # فوجف قلب فاندا، وعلمت أن ساعة النزاع قد دنت، وأنه لا سبيل مع هذه الفتاة المتدلهة ~~إلى لغة العقل، فعولت على التصريح. # قالت: نعم أهواه فوق ما تهوينه، وقد طفت معه البلاد، وخاطرت من أجله بالحياة، وامتزجت ~~نفسه بنفسي فهو عندي بمنزلة الروح، فلا يحق لسواي هواه! فأصغي إلي يا سيدتي، إنك ~~طاهرة القلب عظيمة النفس وقد أوقفت ... # فامتعضت نفس مس ألن، وتغلبت فيها عواطف الشر فقالت: أرى أنك لا يدفعك إلى هذا القول ~~غير ما تدعينه من الجمال ... ~~- بل هو صوت أرفع وأشد، وهذا الصوت يوحي إلي أن أقول إن في العالم أمورا يجب الحذر ~~منها فهي لا تورث غير الندم وتقريع الضمير. ~~- إني لم أفهم ما ms2628 تريدين. ~~- أريد أن أقول أيتها السيدة إن ضميرك سيقرعك أشد التقريع حين تحولين بيني وبين من ~~أحب. # إني إذا بليت بالضعف في حبه فلا أرتكب ذنب الخداع في إخفاء هذا الحب. نعم، إني أعبده ~~ولا أرى في هذا القول كفرا ولا إلحادا، فإني قبل أن أراه لم أكن أفتكر بغير الله، ثم ~~رأيته فصرت أفتكر به وحده دون الله. ألا ترين أنه عندما نرى رسما جميلا كيف نمدح ~~الرسم ونغفل عن امتداح الراسم، أفلا نكون بامتداح الرسم قد امتدحنا الراسم، لأنه مرجع ~~الفضل إليه في ذلك الرسم. وكذلك روكامبول، فإن الله قد جعله على هذا المثال الجميل، ~~فإذا غفلت عن ذكر الصانع فلافتتاني بجمال المصنوع، وإذا عبدت روكامبول فأنا أعبد الله، ~~وإذا كان هذا مبلغ حبه من قلبي ألا يكون انتزاعه كجناية، على أنه لا ينتزع من قلبي إلا ~~بانتزاع ذلك القلب. # فعضت مس ألن شفتها من القهر وقالت في نفسها: ويلاه إنها كلمات مرة ولكنها حق. # وعادت فاندا إلى الحديث فقالت: إن تعرضك لي في هذا الحب يا سيدتي عدوان محض، وإساءة ~~بينة، وأنا لم أسئ إليك في شيء، فقد أحببته قبل أن يكون في قلبك موضع للغرام، وبعد فهل ~~تظنين إذا رجعت عن حبه أحبك أكثر مني؟ ~~- ربما لن أكون سعيدة معه ولكني أمنعه أن يكون سعيدا معك، ومع سعادة العدو ~~سعادة. ~~- أتعدين شقاء الناس سعادة أيتها اللادي؟ # فاضطربت مس ألن وقالت: إني لا أرى سعادة بعد سعادتي، فاحذري أن أكون من ~~أعدائك. ~~- أتحسبين أني أخشى انتقامك يا سيدتي، كلا فقد بلغ بي الشقاء منتهاه، فلم أعد أخشى ~~مزيدا ولا وعيدا، وأنت تريدين أن أترك لك روكامبول فأقول خذيه، إن الموت والحياة عندي ~~ذلك الرجل الذي تريدين أن تسلخيه من نفسي القانطة، فإن هناء الغرام لا يدوم أيتها ~~اللادي، وضعي على رأسه بيدك إكليل الزفاف. # ولكن لا تنسي أيتها اللادي أن تنظري إلي خيالي الدموي، فهو سيكون بينكما عند أول ليلة ~~تتبادلان قبلات الغرام. # ثم خرجت فاندا وعلى ms2629 وجهها علائم القنوط، وقد نادتها مس ألن مرارا فلم تجب. # أما مس ألن فقد أثر فيها كلام فاندا أشد تأثير، حتى إنها وقفت بعد انصرافها جامدة ~~ساهية. # ثم انتفضت وجعلت تكلم نفسها فتقول: ماذا تقول هذه المنكودة ... أحلم ما رأيت ... كلا فإن ~~كلماتها لا تزال ترن في أذني وتقرع في قلبي ... الخيال الدموي ... قبلات الغرام ... إكليل ~~الزفاف ... خذيه ... ويلاه بأي صوت كانت تقول خذيه وبأي نظر متقد كانت تنظر إلي ... خذيه ... ~~كلا فغير ابنة بالمير تغتصب القلوب ... # والآن فقف أيها القلب الخفوق الدامي واحرق بوقيد نارك دموع عيني فامنعها أو تسيل، ~~وأنت يا أماني الغرام وأحلام الهناء ارقدي بسلام آمنة، فما أنت ثائرة بعد هذا ~~الحين. # وعند ذلك جلست على كرسي ووضعت رأسها بين يديها، وتاهت في مهامه التفكير كأنها حاولت ~~الإقدام على أمر جليل فأخذت تفكر فيه. # 47 # ولنعد الآن إلى فاندا فإنها لم تقل قولها الأخير لمس ألن إلا لتصيب غرضا من غرضين، ~~وهما: إما أن تتأثر تلك الفتاة من كلامها وظواهر بأسها فتهزها الأريحية وتنثني عن ذلك ~~الغرام. # وإما أن تعتقد أنها، أي فاندا، قد تخلت لها حقيقة عن روكامبول فلا تقدم على ~~الانتقام. # وإنما خشيت انتقامها، لأنها كانت تعلم أنها واقفة على جميع أسرار روكامبول، فخشيت أن ~~يحملها نزق الشباب على الانتقام، بإفشاء تلك الأسرار. # وقد رأت من ملامح مس ألن، حين كانت تكلمها، أن حيلتها قد جازت عليها، فلم تجب نداءها ~~حين نادتها، وانصرفت وهي تتظاهر بأشد حالات اليأس. # حتى إذا باتت خارج المنزل ذهبت أعراض اليأس، ولكن ظواهر التأثر والانفعال كانت لا ~~تزال بادية عليها، حتى وصلت إلى منزل العصابة ولقيت روكامبول خارجا من الباب، فعانقته ~~ودموع الفرح تنهال من عينيها، كما تقدم في الفصل السابق. # أما روكامبول فقد علم من اضطرابها أنه قد جرى بينها وبين مس ألن أمور خطيرة، فسألها ~~أن تقص عليه بالتفصيل كل ما جرى. # فروت له فاندا عند ذلك كل ما دار بينهما من الحديث، وأخبرته بحيلتها الأخيرة وأنها ms2630 ~~ترجو أن تكون قد جازت على الفتاة. # فأطرق روكامبول هنيهة ثم قال: لم يبق بد من السفر في هذه الليلة، فإن الغيرة ونزق ~~الشباب قد يدفعانها إلى فعل ما لا تريد أن تفعله وخير لنا اتقاء الخطر. # ثم صعد مع فاندا إلى المنزل، وكان اللورد وليم ورجال العصابة ينتظرون عودته بفارغ ~~الصبر، وقد وجفت قلوبهم خوفا لما رأوه من اضطرابه حين برحهم. # فلما رأوه عائدا مع فاندا فرحوا واستبشروا. # ثم نادى روكامبول مرميس وقال له: هل استأجرت الباخرة التي تنقلنا إلى فرنسا؟ ~~- نعم. ~~- أين هي الآن؟ ~~- في مرساها. ~~- كيف اتفقت مع الربان؟ ~~- على أن يكون موعد السفر بعد غد كما أمرتني. ~~- كلا فإننا مسافرون بعد ساعة فأسرع إلى الربان، وقل له يتأهب، وابق في الباخرة فإننا ~~ذاهبون في أثرك. # فأسرع مرميس إلى تنفيذ أوامر الرئيس، وأخذ رفاقه يتأهبون للسفر، فلم تمض ساعة حتى ~~كانوا جميعهم في الباخرة. # فأمر روكامبول الربان أن يسير، فرفعت المراسي وصفرت السفينة، فأجابها أصوات رجال ~~العصابة الهتاف قائلين: ليحيا الوطن! ليحيا روكامبول! # ثم سارت الباخرة باللورد وليم ورجال العصابة وهم ينظرون إلى روكامبول وفاندا ويبتسمون ~~ابتسام الاستبشار. # أما فاندا فكانت متكئة على روكامبول تنظر إليه نظرات الدلال وتقول له: أما آن لنا ~~أيها الحبيب أن نستريح؟ # وكان روكامبول ينظر إليها نظرات تشف عن الحب الصادق، والحنان الشديد، فتكاد تطير ~~سرورا لأنها أول مرة جاهر فيها روكامبول بحبه لفاندا هذه المجاهرة. # 48 # وبعد يومين كان اللورد وليم مقيما في قصر أسرة باميلتون في باريس مع امرأته وأولاده، ~~ومرميس مقيما في منزله، وميلون يتفقد أعماله، وجواني الجزار في حانوته، وبوليت وامرأته ~~عند أمه، وفاندا مع روكامبول. # وقد ارتاحوا جميعا مما لقوه من العناء، واعتصبوا جميعهم على روكامبول يحاولون تزويجه ~~بفاندا. # وكان يقطب حاجبيه عندما يذكرون له الزواج ويقول: إني لم أكفر عن ذنوبي بعد، ولا يحق ~~لي أن أستريح. # ولما رأت العصابة ما كان من إصراره، وما تولى فاندا من اليأس خافت على الرئيس أن يعود ~~إلى الأسفار ms2631 والأخطار، وخافت على فاندا أن يحملها اليأس على الانتحار. # فخطر لمرميس أن يستعين عليه بباكارا والكونت أرمان دي كركاز، فزارهما والتمس منهما ~~مساعدته على إقناع الرئيس. # وفي اليوم التالي جاء رسول إلى روكامبول، يدعوه إلى زيارة أرمان دي كركاز. # فأسرع إلى تلبية الدعوة معجبا لها، ووجد عنده باكارا. # ولم يعلم أحد ما دار بينهم من الحديث. غير أن روكامبول خرج بعد خلوة ساعات، منخفض ~~الرأس مغلوبا، فإنهما أقنعاه على الزواج، وعيناه بعد أسبوع. # فلما عاد إلى المنزل الذي كان يقيم فيه مع فاندا، وجد جميع العصابة، فأيقن أنهم كانوا ~~عالمين بسر دعوة الكونت أرمان له، فنظر إليهم نظر المؤنب، وقال لهم: أيكم الذي خان ~~الرئيس؟ # ثم نظر إلى مرميس نظرة خاصة، فلم يطق مرميس احتمالها وقال له: أنا هو يا سيدي ... فإني ~~خشيت أن تعود إلى المخاطرة وأنت أحوج إلى الراحة بعد ما لقيته من العناء. أليس في باريس ~~من الأعمال ما يشغلنا عن سواها من البلدان؟ ألا تحب أن تقر عيون رجالك بولد يرث عنك تلك ~~المبادئ الجليلة؟ # فابتسم روكامبول ابتساما ذهب بخوف مرميس، وقال له: لقد شفع بهفوتك حسن قصدك، فاحذر ~~أن تعود إلى مثلها. # ثم نظر إلى فاندا، وقال لها مبتسما: لقد حكم علي الكونت وباكارا ورجالي بالزواج، ~~فهل أنت راضية بهذا الحكم؟ # فلما سمع رجال العصابة كلامه أيقنوا أنه رضي بالزواج فهتفوا هتافا: ليحيا روكامبول! ~~ولتحيا فاندا! # 49 # وفي اليوم الثاني ذهب روكامبول إلى المستشفى الذي وضع فيه المركيز دي مورفر، وهو ذلك ~~المركيز الذي عذبته البستانية الحسناء عذابا أفضى به إلى الجنون، ووجده قد شفي من ~~جنونه فأخرجه منه وأعاد إليه ثروته وولده، فكان سرور هذا المركيز بمنقذه ومنقذ ولده لا ~~يوصف. # ثم تفقد ابن صديقه الرجاه الهندي فوجده على خير حال. # وذهب إلى حنة، والدة ابن إرلندا، فأخبرها بانضمام اللورد بالمير، شقيق زوجها، إلى ~~الإرلنديين، وبغل يد الأسقف. وأنه ينتظر ورود كتاب من الكاهن صموئيل كي يرسلها مع ولدها ~~إلى إرلندا، فتقيم فيها آمنة ms2632 كيد المعتدين. # ومرت أيام ذلك الأسبوع، ورجال العصابة يهتمون بإعداد معدات الزفاف، وهم كلما خلوا ~~بفاندا اتفقوا على مداعبتها وممازحتها، حتى إذا أقبل الرئيس كفوا عن المزاح ووقفوا في ~~مجلسه وقد رهبوا رهبة التلامذة بحضور الأستاذ. # إلى أن انقضى ذلك الأسبوع، ودنا ذلك اليوم العظيم الذي طالما حنت فاندا إليه، فذهب ~~بها روكامبول إلى الكنيسة يحيط بها رجال العصابة، كما يحاط الأمير بحراسه. # حتى إذا وصلوا إليها وجدوا فيها الكونت أرمان دي كركاز والكونت دي أرتوف وامرأته ~~باكارا، والمركيز دي مورفر وابنه واللورد وليم وامرأته، وحنة الإرلندية وولدها، وجميع ~~الذين أحسن إليهم هذا الرجل العظيم صاحب الزفاف ووقاهم كيد الأشرار. # وقبل أن يشرع الكاهن بصلاة الإكليل، دخل رجل يحمل بيديه علبتين ورسالتين فدفعهما إلى ~~روكامبول. # وظهرت علائم السرور على وجوه رجال العصابة، فإن هذا الرجل كان شوكنج. # أما روكامبول فإنه فض إحدى الرسالتين ووجدها مذيلة بتوقيع الكاهن صموئيل فقرأ فيها ما يأتي: # إلى ولدي الحبيب روكامبول # يصل إليك شوكنج في اليوم الذي تعين لزفافك المبارك، إن شاء الله، وقد علمت من ~~مس ألن خبر هذا الزفاف الميمون، فأسرعت إلى تهنئتك، وإني أهنئك بلسان كل إرلندي ~~عرف نبل نفسك، وشهامة قلبك، وأسأل الله أن يجعل زفافك سعيدا هنيئا، محفوفا ~~باليمن والخير والبركات. # ولقد أقر رأي الزعماء في جلسة عقدت خصيصا أن يغتنموا هذه الفرصة ويرسلوا ~~إليك أجل تذكار مقدس عندهم يحفظ عندك دليلا على اعتراف إرلندا والإرلنديين بما ~~لك عليهم من المنة والفضل. # هذا التذكار صليب مرصع، أهداه الإرلنديون لأول أمير منهم بدأ بالجهاد، فأصبح ~~هذا التذكار وطنيا مقدسا، بعد استشهاد الأمير، وبقي محفوظا في مركز الزعامة ~~الكبرى إلى أن قررت اليوم إهداءه إليك فاقبله يا بني، إنه خير من أوسمة الملوك ~~فإن الوسام يهدى من واحد، وهذا التذكار قد أهدي إليك من ملايين. # نعم، أرسلت إليك هذا الكتاب مع شوكنج، لأني قضيت بفضلك كل ما كنا نبتغيه من ~~الجمعية الإنجليكانية، وأطلقت الأسقف من قفصه الحديدي. # ولكنه لم يخرج منه إلا ms2633 بعد أن ذهب عقله، وهو الآن في ذلك المستشفى الذي وضع ~~فيه ولتر بريس من قبل، وقد أمن الناس أذاه. # فأرسل يا بني ابن إرلندا، زعيمنا الأكبر، مع أمه، فلا خوف عليه بيننا بعد ~~الآن ... # وفي الختام، أسأل الله لك ولعروسك كل خير وهناء. # الكاهن صموئيل # فاغتم روكامبول لجنون الأسقف، إذ لم يكن يريد أن يبلغ به العقاب إلى هذا الحد، ولكنه ~~تعزى بأن أذاه قد امتنع عن الناس. # ثم فض الكتاب الثاني بيد تضطرب، إذ علم من خط عنوانه أنه من مس ألن، فقرأ ما يلي: # إلى أخي روكامبول وأختي فاندا # يصل إليكما كتابي هذا وأنتما في خير ما ترجوانه من نعيم الحياة، وقد بلغ ~~قلباكما الطاهران ما طالما تمنياه. # وستقرآنه ونحن جميعا في أقدس موقف، فأنتما في الهيكل المقدس يعقد إليكما ~~الكاهن إكليل الزفاف، وأنا جاثية في غرفة من غرف الدير، أدعو لكما دعاء ~~مستجابا بإذن الله، فإن دعاء الإخلاص يبلغ إلى ذلك العرش العالي. # نعد لقد أوحى إلي جل جلاله أن أكون من خدامه، فدخلت الدير لا قنوطا من ~~السعادة في هذه الدار بل ابتغاء لها في الأخرى. # فادعوا لي كما أدعو لكما، فإنكما خير من أحببت في هذا الوجود. # ولقد أرسلت مع شوكنج علبة تحتوي على جميع ما كنت أتزين به من ~~المجوهرات. # ورجائي من الحبيبة فاندا أن تتكرم بقبولها هدية زفاف، بل هدية من التي كانت ~~تدعى من قبل مس ألن وهي الآن تدعى الأخت. # ماري # فأدمعت عينا روكامبول حنوا وسره هذا الانقلاب، فإنه كان يتوقع لها غير هذا ~~المصير. # ثم دفع المجوهرات إلى فاندا وسألها أن تتزين بها، وعلق هو صليب الإرلنديين في عنقه. ~~وعندها بدأت صلاة الإكليل. # وانتهت حفلة الإكليل، وهنأ الجميع ذلك البطل الخالد وعلائم البشر بادية في ثنايا ~~الوجوه. # فهم روكامبول بالانصراف مع عروسه وعصابته إلى منزله، فحالت باكارا دون قصده، ودعت ~~الجميع إلى مأدبة أعدتها للعروسين وللضيوف، فلبوا الدعوة. # غير أن باكارا لم تذهب بهم إلى قصرها، بل سارت بهم ms2634 إلى منزل لم يكن روكامبول يعرفه من ~~قبل. # وكان كل ما في هذا المنزل من الأثاث والرياش جديدا من أتقن ما جادت به يد ~~الصناعة. # وهناك بسطت الموائد فأكل المدعوون ما لذ وطاب، ثم جاء دور الأنخاب. # فنهضت باكارا وكأسها بيدها فشربت نخب العروسين، وقالت: إن بيني وبين روكامبول اتفاقا ~~في السيرة من البدء إلى المصير، وائتلافا في الحياة من المبدأ إلى الغاية. # ولذلك أسأله بحق هذا الاتفاق أن يقبل مني هذا المنزل وما فيه هدية زفاف أرجو أن يكون ~~سعيدا بإذن الله. # ثم وضعت حجة المنزل أمامه فابتسم ولم يجب. # ووقف بعدها المركيز دي مورفر فشرب نخب العروسين، وقال: إنكم تعلمون جميعا أني مدين ~~لهذا الكريم بثروتي وعقلي وحياتي وحياة ولدي، فلا أجسر على مكافأته فليس لعمله جزاء يفي ~~حق فضله في هذه الديار، ولكني أقتسم هذه الثروة التي ردها إلي بيني وبينه وبين ولدي، ~~وأرجو أن يقبل حظه من القسمة هدية زفاف. # ثم وضع أمامه محفظة محشوة بالأوراق. # فابتسم روكامبول ولم يجب. # ووقف بعده اللورد وليم فشرب النخب وقال: إني لا أقل عن حضرة المركيز امتنانا لمنقذي، ~~فإني مثله مدين له بالثروة والحياة وإنقاذ العقل والبنين، فأنا أقف لك نصف ريع ثروتي ~~الطائلة ولأولادك من بعدك، وأرجو من سيدي روكامبول أن يكون حظ هذه القسمة ~~القبول. # ثم وضع أمامه حجة الوقف. # وعند ذلك وقف الكونت دي كركاز وهم أن يتكلم، فسبقه روكامبول إلى الكلام وقال: من ~~الأمثال المأثورة يا سادتي أن الإحسان يطلق اللسان، ولكن هذه الأمثال لا تنطبق علي، ~~لأني لا أجد كلاما يعرب عما يخالج قلبي من الامتنان. # لقد عرفتم أيها السادة تاريخ حياتي التي سودتها الجرائم والآثام، إلى أن قدر الله ~~لذاك اللص أن يتوب ولذاك السفاك أن يندم، ويرجو أن يلقى الله بوجه لا يسود. # وكيف ألقاه بهذا الوجه إذا لم أكفر عن تلك الذنوب؟ وإذا قبلت من الكونتس أرتوف تلك ~~الهبة، ورضيت أن أقتسم ثروة اللورد والمركيز فكيف أكون كفرت عن ذنوبي؟ # إني ms2635 ألتمس منكم أن أرفض هذه الهبات شاكرا ممتنا، فما أنا من طلاب المال والعقار، ~~ولم يبق لي مأرب في الحياة غير التكفير والاستغفار، على أني أقبل هبة واحدة، وهي هبة ~~ألتمسها التماسا من الكونت أرمان دي كركاز. # إن لسيدي الكونت بوليسا سريا في باريس، يرشده إلى كل منكود وإلى كل ظالم محتال، ~~وإلى كل من أناخ به الدهر وجور المعتدين. # وقد كان لهذا البوليس رئيس يخدع الكونت، وكنت من عصابة ذاك الرئيس في عهد الشر ~~والغواية. # فأنا ألتمس من سيدي الكونت أن يجعلني رئيسا لبوليسه الخيري وهذا كل ما ~~أبتغيه. # فأكبر الحضور علو نفسه وأعجبوا بشهامته، ورأوا من لهجته أن لا سبيل إلى إثنائه عن ~~عزمه، فاسترجع كل على الكره منه ما وهب. # وتفرقوا، يلهجون بمواهب هذا الرجل الكبير، وكلهم منه بين الإعجاب والعجب. # وأرجع روكامبول ابن إرلندا وأمه إلى الكاهن صموئيل، وأعاد رجال عصابته إلى الانضمام ~~تحت لوائه، وتقلد رئاسة بوليس الكونت أرمان أعواما طويلة. # واستعان بأموال مرميس فأنشأ منها محافل للبر والمعروف، لا تزال آثارها باقية إلى ~~الآن. # وقد مضى على عهد زواجه ثلاثون عاما لم يرزقه الله ولدا، فكان ولده تلميذه ~~مرميس. # 50 # إن الشيخ الهزيل هرم وتشنج جلده نحولا. # قلب عليه الدهر مجنه، فعاضه من نضارة عوده ذبولا، واعوجت قناته فتوكأ على ~~العصا. # إنه كالنسر من قمة إلى قمة يرقى، وأين له همة النسور وقد فصمت منه العرى؟ ~~••• # وإن في أثره كهلا وخطه الشيب، وهو يسير سير الفتى، وما فتئ مفتول الساعد جزل القوى، ~~وقد ومض الذكاء من عينيه برقا، إنه يستوقف الشيخ فلا يريد الرجعى. # يقول: قف يا أبتاه حسبك وكفى، إن شدتك قد ولت وإن عظمك قد دق، وهذا السير يهد منك ~~القوى. ~~- سر يا بني إنها دقائق معدودة فأستريح أبدا. ~~- إلى أين تريد البلوغ من هذه القمة العالية؟ ~~- إلى هوة الأبد القصيا، إن الناس ينزلون إلى قبورهم وأنا أذهب إلى القبر ~~صعدا. ~~- علو في الحياة وفي الممات أيضا ... إنها معجزة، ما متع الدهر ms2636 بها أحدا. # وتأبط الشيخ ذراع الكهل فاستعان به على ارتقاء الذرى. # وهناك شجرة باسقة خرجت أغصانها من سقف قبة ولها فروع تتدلى، وتكاثفت أوراقها فغطت ~~جوانب القبة الناصعة بياضا. ~~••• # أشرف الشيخ من فوق القمة وقال: سلام على الأرض ومن فيها، إنها آخر نظرة إلى الوجود، ~~ثم يأكل لحمي الدود. # سبحانك اللهم إني تماديت في الغي وتهت في الضلالة، وهذا عبدك قد تاب وارعوى. # اللهم أقلني عثرتي، وتجاوز عن ذنبي، إنك أرحم من أغضى. # اللهم إني استكملت مدتي، وبلغت الميقات، فانقلني إلى دار كرامتك، إن عبدك قد ~~أودى. ~~••• # وفتح الشيخ باب القبة وقال: تعال يا بني، هنا ولدت لأموت، وهنا أموت لأحيا. # فاجأ أمي المخاض عند جزع هذه الشجرة، وكانت امرأة سوء بغيا، هنا ولدتني بالإثم، ~~فكفلتني بغي مثلها، فخرجت لصا شقيا. # ألقني يا بني فوق هذا العشب، إنه فراش الموت وأنعم به فراشا وثيرا، ولا تلقني في ~~قبر ضيق الأرجاء، بل تحت هذه القبة الزرقاء في فسيح الخلاء أموت قريرا، سعة في الفناء ~~لم تدرك في البقاء، ولو بت طعم طير السماء ووحش الفلاء. # واعلم يا بني أنك بت بعدي فريدا أوحدا. # فاعمل بما علمتك، واحي للناس تلق رشدا، واعمل ليومك كأنك تعيش أبدا، ولغدك كأنك ~~تموت غدا. # هذه وصيتي، يا بني، فاركع وادع لي الله يحشرني بين عباده الصالحين تنل ثوابا. ~~••• # فبكى الكهل حتى اخضل عارضاه، وجزع الشيخ فقال: علام البكاء؟ أعلى الحياة وهي من بنات ~~الموت؟ أم على نفسي وهي من بنات الخلود؟ # لا تبك يا بني من مات بل ابك من بقي حيا، وأطبق الآن عيني فقد دنت الساعة وآن لي ~~بهذا الموت أن أحيا ... # وانقطع صوت الشيخ، وأخذت الروح تحشرج في صدره، فتخرج زفيرا. ~~••• # وكان هذا آخر العهد به، فخرج الكهل من القبة تكاد تبيض عينيه من البكاء والحسرات، ~~فأقفل الباب وكتب فوقه: # هذا الذي مات بالحياة، وعاش بالممات. # إن هذا الشيخ كان روكامبول، وهذا الكهل مرميس، إذ لم يبق من عصابة روكامبول في عهد ~~موته ms2637 غير تلميذ روكامبول. # وإن من زار قرية بوجيال وصعد إلى قمتها العالية، يجد في أعلى تلك القمة قبة جعلها ~~الناس مزارا، وقد رسم على بابها روكامبول وعصابته. # فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة، ورحم من ترحم عليها. ms2638