######OpenITI# #META# الناشر: دار المعرفة بيروت- لبنان #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ¶ المؤلف: محمد بن عفيفي الخضري ¶ المحقق: هيثم هلال ¶ الناشر: دار المعرفة بيروت- لبنان ¶ الطبعة: الطبعة الأولى، 1425ه/ 2004م ¶ مصدر الكتاب: موقع مكتبة المدينة الرقمية ¶ http://www.raqamiya.org ¶ [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# comp: 1 #META# auth: محمد الخضري #META# bkid: 34443 #META# authno: 1016 #META# مصدر الكتاب: موقع مكتبة المدينة الرقمية #META# bk: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين - المعرفة #META# ndata: مقدمة ال8A04EC76.... 233 #META# bkord: 8600 #META# idx: 1 #META# higrid: 1345 #META# iso: نور اليقين في سيره سيد المرسلين المعرفه #META# digitization_comments: [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# المحقق: هيثم هلال #META# Lng: محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري #META# الطبعة: الطبعة الأولى، 1425ه/ 2004م #META# max: 236 #META# archive: 24 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authinf: محمد الخضري (1289 - 1345 ه = 1872 - 1927 م) ¶ محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري: باحث، خطيب، من العلماء بالشريعة والأدب وتاريخ الإسلام. ¶ مصري، كانت إقامته في (الزيتون) من ضواحي القاهرة، وتوفي ودفن بالقاهرة. ¶ تخرج بمدرسة دار العلوم، وعين قاضيا شرعيا في الخرطوم، ثم مدرسا في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، مدة 12 سنة، وأستاذا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، فوكيلا لمدرسة القضاء الشرعي، ¶ فمفتشا بوزارة المعارف. ¶ من كتبه (أصول الفقه - ط) و (تاريخ التشريع الإسلامي - ط) و (إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء - ط) و (محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية - ط) جزآن، و (نور اليقين في سيرة سيد المرسلين - ط) و (مهذب الأغاني - ط) تسعة أجزاء، و (محاضرات - ط) في نقد كتاب الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين، و (الغزالي وتعاليمه وآراؤه - ط) نشر تباعا في المجلد 34 من مجلة المقتطف، و (دروس تاريخية - ط) وهو أخو الشيخ عبد الله عفيفي المتقدم ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 1345 #META# المؤلف: محمد بن عفيفي الخضري #META# cat: السيرة والشمائل #META# الكتاب: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO مقدمة المؤلف # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # نحمدك يا من أوضحت لنا سبل الهداية، وأزحت عن بصائرنا غشاوة الغواية، ~~ونصلي ونسلم على من أرسلته شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا، وعلى الأصحاب الذين هجروا الأوطان يبتغون من الله الفضل ~~والرضوان، والأنصار الذين آووا ونصروا وبذلوا لإعزاز الدين ما جمعوا وما ~~ادخروا. # أما بعد، فيقول محمد الخضري ابن المرحوم الشيخ عفيفي الباجوري: كنت أجد ~~من نفسي منذ النشأة الأولى ارتياحا لقراءة تواريخ السالفين وقصص الغابرين، ~~وأجدها لعقل الإنسان أحسن مهذب، وأنصح معلم، وكنت أرى في تاريخ نبينا -عليه ~~الصلاة والسلام- وما لقيه من أذى قومه حينما دعاهم إلى الحق، وعظيم صبره ~~حتى هجر أوطانه وبلاده، أعظم مرب لأفكار المسلمين، فإنه يدلهم على ما يجب ~~اتباعه، وما يلزم اجتنابه، ليسودوا كما ساد سابقوهم، وخصوصا ما يتعلق ~~بالحكام، من اجتذاب النفوس النافرة، والتأليف بين القلوب المختلفة، وما ~~يتعلق بقواد الجيوش، من تأليف الرجال وإحكام المعدات حتى يتم لهم النصر على ~~أعدائهم، وما يتعلق بالعامة من اتحاد قلوبهم وصيرورتهم يدا على من سواهم ~~فكنت أجد من قراءتها ارتياحا عظيما وكانت نفسي كثيرا ما تأسف على ترك ~~المسلمين لها، فقلما أجد من يشتغل بها، ولكني كنت أقدم لهم العذر بتطويل ~~الكتب المؤلفة في هذا الموضوع، فلما قدمت مدينة المنصورة جمعتني النوادي مع ~~محمود بك سالم، القاضي بمحكمة المنصورة المختلطة، فوجدت منه علما بدينه تقف ~~دونه فحول الرجال، وتتأخر عن مسابقته فيه الأبطال، فقلما توضع مسألة دينية ~~إلا وجدته مبرزا1 فيها، مفصحا عن الجواب عنها؛ أما علمه بسيرة الرسول ~~الأكرم صلى الله عليه وسلم فعنده منها الخبر اليقين، وكنت كثيرا ما أسمعه ~~يتشوف لعمل سيرة خالية من الحشو والتعقيد تنتفع بها عامة المسلمين، # 1 مبرزا: سابقا، وكل سابق مبرز. PageV01P005 # فقلت: يا لله! لقد وافق هذا السيد الكريم ما في نفسي، ولكني كنت أرى في ~~عزيمتي قصورا عن تنفيذ رغبته وتتميم أمنيته، فإن المقام عظيم، وصعوباته ~~أعظم؛ ولكن لم أر من الأمر بدا ms001 تلقاء ما كنت أسمعه من كبار الرجال ~~المنصورة، فإنهم أكثروا من الأماني لعمل هذا الكتاب، العميم النفع، الجزيل ~~الفائدة، فقمت معتمدا على الله راجيا منه أن يوفقني لما فيه رضاه، وواصلت ~~السير بالسرى1 حتى بلغت المنى، فجاء بحمد الله، سهل المنال، عذب المورد، ~~تنتفع به العامة، وترجع إليه الخاصة، وقد كان موردي في تأليفه: القرآن ~~الشريف، وصحيح السنة مما رواه الإمامان البخاري ومسلم، ولم أخرج عنهما إلا ~~فيما لا بد من تفهيم العبارات، فكان يساعدني الشفا2 للقاضي عياض والسيرة ~~الحلبية3 والمواهب اللدنية للقسطلاني، وإحياء علوم الدين للغزالي، هذا، ~~وأسأل الله من فيض فضله أن يوفق أئمتنا وأمراءنا للاقتداء بسيدنا ومولانا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإحياء معالم دينه حتى يؤيدوا بروح من عند ~~الله؛ وقد آن أن نشرع فيما قصدناه مستعينين بحول الله فنقول: # 1 السرى: سير الليل. # 2 وهو كتاب حول كل ما يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه وفي نفسه ~~ومعاملته، للقاضي عياض المالكي. # 3 وهو كتاب لعلي بن برهان الحلبي من المتأخرين، وقد جمع كثيرا من ~~الروايات صحيحها وضعيفها مع محاولة التوفيق بين المتعارضات من الروايات. PageV01P006 ### | AUTO قبل الوحي # ... # النسب الشريف # السيد الأكرم الذي شرف الناس بوجوده هو: محمد بن عبد الله، من زوجه آمنة ~~بنت وهب الزهرية القرشية. ابن عبد المطلب، من زوجه فاطمة بنت عمرو ~~المخزومية القرشية. وكان عبد المطلب شيخا معظما في قريش يصدرون عن رأيه في ~~مشكلاتهم ويقدمونه في مهاماتهم. ابن هاشم، من زوجه سلمى بنت عمرو النجارية ~~الخزرجية ابن عبد مناف، من زوجه عاتكة بنت مرة السلمية. ابن قصي، من زوجه ~~حبى بنت حليل الخزاعية، وكان إلى قصي في الجاهلية حجابة البيت، وسقاية ~~الحاج وإطعامه، المسمى بالرفادة، والندوة وهي الشورى، لا يتم أمر إلا في ~~بيته، واللواء، لا تعقد راية لحرب إلا بيده. ولما أشرف على الموت جعلها في ~~يد أحد أولاده عبد الدار، لكن بنو عبد مناف أجمعوا رأيهم على ألا يتركوا ~~بني عمهم عبد الدار يستأثرون ms002 بهذه المفاخر، وكاد يفضي الأمر إلى القتال ~~لولا أن تدارك الأمر عقلاء الفريقين, فأعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ~~فدامتا فيهم إلى أن انتهتا للعباس بن عبد المطلب، ثم لبنيه من بعده، أما ~~الحجابة فبقيت بيد بني عبد الدار، وأقرها لهم الشرع فهي فيهم إلى الآن. وهم ~~بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأما ~~اللواء فدام فيهم حتى أبطله الإسلام، وجعله حقا للخليفة على المسلمين يضعه ~~فيمن يراه صالحا له، وكذلك الندوة. وقصي بن كلاب، من زوجه فاطمة بنت سعد، ~~وهي يمانية من أزد شنوءة. ابن مرة، من زوجه هند بنت سرير من بني فهر بن ~~مالك. ابن كعب، من زوجه وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضا. ابن لؤي من زوجه ~~أم كعب ماوية بنت كعب من قضاعة. ابن غالب، من زوجه أم لؤي سلمى بنت عمرو ~~الخزاعي. ابن فهر، من زوجه أم غالب ليلى بنت سعد من هذيل. # وفهر هو قريش -في قول الأكثرين- وكانت قريش اثنتي عشرة قبيلة: بنو عبد ~~مناف، وبنو عبد الدار بن قصي، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن ~~كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو تيم بن مرة، وبنو عدي بن كعب، وبنو ~~سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عامر بن لؤي، وبنو تيم بن غالب، وبنو ~~الحارث بن فهر، وبنو محارب بن فهر. والمقيمون منهم بمكة يسمون قريش البطاح، ~~والذين بضواحيها قريش الظواهر. ابن مالك، من زوجه جندلة بنت الحارث من PageV01P007 ~~جرهم. ابن النضر، من زوجه عاتكة بنت عدوان من قيس عيلان ابن كنانة، من زوجه ~~برة بنت مر بن أد، ابن خزيمة، من زوجه عوانة بنت سعد بن قيس عيلان. # ابن مدركة، من زوجه سلمى بنت أسلم من قضاعة. ابن إلياس، من زوجه خندف ~~المضروب بها المثل في الشرف والمنعة. ابن مضر، من زوجه الرباب بنت جندة بن ~~معد. ابن نزار، من زوجه سودة بنت عك. ms003 ابن معد، من زوجه معانة بنت جوشم من ~~جرهم. ابن عدنان. # هذا هو النسب المتفق على صحته من علماء التاريخ والمحدثين، أما النسب فوق ~~ذلك فلا يصح فيه طريق. غاية الأمر أنهم أجمعوا على أن نسب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم أبي العرب المستعربة1. نسب شريف ~~كما ترى: آباء طاهرون وأمهات طاهرات، لم يزل عليه السلام ينتقل من أصلاب ~~أولئك إلى أرحام هؤلاء حتى اختاره الله هاديا مهديا من أوسط العرب نسبا، ~~فهو من صميم قريش التي لها القدم الأولى في الشرف وعلو المكانة بين العرب، ~~ولا تجد في سلسلة آبائه إلا كراما ليس فيهم مسترذل بل كلهم سادة قادة، ~~وكذلك أمهات آبائه من أرفع قبائلهن شأنا، ولا شك أن شرف النسب وطهارة ~~المولد من شروط النبوة، وكل اجتماع بين آبائه وأمهاته كان شرعيا بحسب ~~الأصول العربية، ولم ينل نسبه شيء من سفاح الجاهلية بل طهره الله من ذلك ~~والحمد لله. # زواج عبد الله بآمنة وحملها: # كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه، فزوجه آمنة بنت وهب بن ~~عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وسنه ثماني عشرة سنة، وهي يومئذ من أفضل نساء ~~قريش نسبا وموضعا، ولما دخل عليها حملت بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين، ودفن بالمدينة عند أخواله بني عدي بن ~~النجار2، فإنه كان قد ذهب بتجارة إلى الشام، فأدركته منيته بالمدينة وهو ~~راجع، ولما تمت مدة حمل آمنة وضعت ولدها، فاستبشر العالم بهذا المولود ~~الكريم الذي بث في أرجائه روح الآداب # 1 انظر السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق طه عبد الرءوف سعد، ط/1/ بيروت - ~~دار الجيل/ 1411ه / : ج1 ص 89 وما بعدها. # 2 وهم من القبائل الأنصارية في المدينة المنورة. PageV01P008 # وتمم مكارم الأخلاق وقد حقق المرحوم محمود باشا الفلكي1 أن ذلك كان صبيحة ~~يوم الاثنين تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من أبريل /نيسان سنة ~~571 من الميلاد، وهو يوافق السنة ms004 الأولى من حادثة الفيل2، وكانت ولادته في ~~دار أبي طالب بشعب بني هاشم، وكانت قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، ~~ولما ولد أرسلت أمه لجده تبشره، فأقبل مسرورا وسماه محمدا، ولم يكن هذا ~~الاسم شائعا قبل عند العرب، ولكن أراد الله أن يحقق ما قدره وذكره في الكتب ~~التي جاءت بها الأنبياء كالتوراة والإنجيل3، فألهم جده أن يسميه بذلك ~~إنفاذا لأمره، وكانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية، أمة أبيه عبد الله، وأول ~~من أرضعه ثويبة أمة4 عمه أبي لهب. # الرضاع: # وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجب5 ~~للولد، وكانوا يقولون: إن المربى في المدن يكون كليل الذهن فاتر العزيمة، ~~فجاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالا يرضعنهم فكان الرضيع المحمود من ~~نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، وهو الذي كانت قريش ~~تنسب له الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يريدون الاستهزاء به فيقولون: هذا ~~ابن أبي كبشة يكلم من السماء! ودرت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه ~~مدة وجوده بينهم وكانت تربو عن أربع سنوات. # 1 عالم فلكي مصري، له باع في الفلك والجغرافيا والرياضيات وكتب وأبحاث، ~~توفي عام/ 1885م/. # 2 عام الفيل، الذي أرخت به العرب لغزو أبرهة الحبشي لمكة مريدا لهدم ~~الكعبة، وقد ذكر القرآن في سورة الفيل هذا الحدث وما صنعه الله بأبرهة ~~وجنده بأن رماهم بطير أبابيل تقذف عليهم حجارة. # 3 وذلك أن اسمه من الحمد، فهو كذلك أحمد في التوراة والإنجيل كما بشر به ~~سيدنا عيسى ابن مريم عليهما السلام. # 4 الأمة: التي تباع وتشترى. # 5 من النجابة التي هي الذكاء والفطنة وجودة الفهم. PageV01P009 # حادثة شق الصدر: # وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه، فأحدث ~~ذلك عند حليمة خوفا فردته إلى أمه وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بهم1 ~~لنا خلف بيوتنا إذ أتى أخوه يعدو، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه ~~رجلان عليهما ms005 ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه فهما يسوطانه. فخرجت أنا وأبوه ~~نحوه فوجدناه منتقعا لونه2، فالتزمته3 والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا ~~بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: ~~نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني فشقا بطني، فالتمسا فيه شيئا، فأخذاه وطرحاه ~~ولا أدري ما هو. # وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب: # ثم إن أمه أخذته منها، وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي ~~بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء4 ~~فحضنته أم أيمن، وكفله جده عبد المطلب، ورق له رقة لم تعهد له في ولده، لما ~~كان يظهر عليه مما يدل على أن له شأنا عظيما في المستقبل، وكان يكرمه غاية ~~الإكرام، ولكن لم يلبث عبد المطلب أن توفي بعد ثماني سنوات من عمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، فكفله شقيق أبيه أو طالب فكان له رحيما وعليه غيورا، ~~وكان أبو طالب مقلا من المال فبارك الله له في قليله، وكان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في مدة كفالة عمه مثال القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها ~~الأطفال عادة، كما روت ذلك أم أيمن حاضنته، فكان إذا أقبل وقت الأكل جاء ~~الأولاد يختطفون وهو قانع بما سييسره الله له5. # 1 البهم: البهائم التي ترعى هنا، وهي غالبا من الإبل ثم من الشاء. # 2 انتقع وامتقع كذلك إذا تغير لونه، وهما دوما مبنيان للمجهول. # 3 التزمه: إذا تمسك به أشبه ما يكون بالحضن والعناق. # 4 الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي ~~المدينة ثلاثة وعشرون ميلا كما في معجم البلدان: ج1 ص 79. وانظر سيرة ابن ~~هشام: ج1 ص 305 حول موت آمنة. # 5 سيرة ابن هشام: ج1 ص 307 وما بعدها. وص 318 وما بعدها عن كفالة عمه أبي ~~طالب له. PageV01P010 # السفر إلى الشام: # ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام اثنتي عشرة سنة، أراد عمه وكفيله ~~السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم ms006 الرسول صلى الله عليه وسلم فراقه، فرق له، ~~وأخذه معه، وهذه هي الرحلة الأولى، ولم يمكثوا فيها إلا قليلا، وقد أشرف ~~على رجال القافلة -وهم بقرب بصرى- بحيرى1 الراهب، فسألهم عما رآه في كتبهم ~~المقدسة من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن، فقالوا: إنه لم يظهر للآن، ~~وهذه العبارة كثيرا ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة ~~الرسول {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89]. # حرب الفجار: # ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام عشرين سنة حضر حرب الفجار، وهي حرب ~~كانت بين كنانة ومعها قريش، وبين قيس؛ وسببها: أنه كان للنعمان بن المنذر ~~ملك العرب بالحيرة تجارة يرسلها كل عام إلى سوق عكاظ2 لتباع له، وكان ~~يرسلها في أمان رجل ذي منعة وشرف في قومه ليجيزها3، فجلس يوما وعنده البراض ~~بن قيس الكناني -وكان فاتكا خليعا، خلعه قومه لكثرة شره- وعروة بن عتبة ~~الرحال فقال: من يجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها عكاظ؟ فقال البراض: أنا ~~أجيزها على بني كنانة. فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على الناس كلهم. ~~فقال عروة: أبيت اللعن أكلب خليع يجيزها لك؟ أنا أجيزها على أهل الشيح ~~والقيصوم4 من أهل نجد وتهامة 5. فقال البراض: أو تجيزها على كنانة يا عروة؟ ~~قال: وعلى الناس كلهم. # 1 سيرة ابن هشام: ج1 ص 319 وما بعدها عن قصة بحيرى الراهب. # 2 أحد أسواق العرب الشهيرة في الجاهلية، وهو سوق تميز إلى جانب التجارة ~~بحضور السفراء وإنشاء الشعر فيه وسماعه. # 3 الإجازة هنا هي قدرة رجل قوي بين العرب على حماية القافلة لما يعرف من ~~عزته وقوته ومنعته. # 4 الشيح والقيصوم من أشجار الصحراء. # 5 مكانان في جزيرة العرب، ونجد مرتفعة وتهامة منخفضة. وكنانة من قبائل ~~العرب ذات القوة وكذلك قيس. PageV01P011 # فأسرها في نفسه، وتربص له حتى إذا خرج بالتجارة، قتله غدرا، ثم أرسل رسولا ~~يخبر قومه كنانة بالخبر، ويحذرهم قيسا قوم عروة. وأما قيس فلم تلبث بعد أن ~~بلغها الخبر أن ms007 همت لتدرك ثأرها، حتى أدركوا قريشا وكنانة بنخلة، فاقتتلوا، ~~ولما اشتد البأس وحميت قيس، احتمت قريش بحرمها، وكان فيهم رسول الله، ثم إن ~~قيسا قالوا لخصومهم: إنا لا نترك دم عروة، فموعدنا عكاظ العام المقبل. ~~وانصرفوا إلى بلادهم يحرض بعضهم بعضا، فلما حال الحول1 جمعت قيس جموعها ~~وكانت معها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها من كنانة والأحابيش -وهم حلفاء ~~قريش- وكان رئيس بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه إخوته أبو طالب وحمزة ~~والعباس وابن أخيه النبي الكريم، وكان على بني أمية حرب بن أمية، وله ~~القيادة العامة لمكانه في قريش شرفا وسنا، وهكذا كان على كل بطن من بطون2 ~~قريش رئيس. ثم تناجزوا3 الحرب، فكان يوما من أشد أيام العرب هولا، ولما ~~استحل فيه من حرمات مكة التي كانت مقدسة عند العرب سمي يوم الفجار، وكادت ~~الدائرة تدور على قيس حتى انهزم بعض قبائلها ولكن أدركهم من دعا المتحاربين ~~للصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد، ~~فكانت لقيس زيادة أخذوا ديتها من قريش وتعهد بها حرب بن أمية، ورهن لسدادها ~~ولده أبا سفيان4. وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيرا ما تشبه حروب العرب ~~تبدؤها صغيرات الأمور حتى ألف الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات ~~بانتشار نور الإسلام بينهم. # حلف الفضول: # وعند رجوع قريش من حرب الفجار تداعوا لحلف الفضول فتم في دار عبد الله بن ~~جدعان التيمي، أحد رؤساء قريش، وكان المتحالفون: بني هاشم وبني المطلب ابني ~~عبد مناف، وبني أسد بن عبد العزى، وبني زهرة بن كلاب، وبني تيم بن مرة # 1 الحول: العام. # 2 وقد عدد المؤلف بطون قريش قبلا. # 3 تناجزوا: إذا أسرعوا إلى سفك الدماء. # 4 أبو سفيان بن حرب والد معاوية الخليفة الأموي الأول. وانظر السيرة ~~النبوية لابن هشام ج1 ص324. PageV01P012 # تحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر ~~الناس إلا قاموا معه، حتى ترد إليه مظلمته، وقد حضر هذا الحلف رسول الله ms008 ~~صلى الله عليه وسلم مع أعمامه، وقال بعد أن شرفه الله بالرسالة: "لقد شهدت ~~مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ~~دعيت به في الإسلام لأجبت" 1. وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام مبعوث بمكارم ~~الأخلاق، وهذا منها، وقد أقر دين الإسلام كثيرا منها، يرشدك إلى هذا قوله ~~عليه الصلاة والسلام: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وقد دعا بهذا الحلف ~~كثيرون فأنصفوا. # رحلته إلى الشام المرة الثانية: # ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين سنة سافر إلى الشام المرة ~~الثانية، وذلك أن خديجة بنت خويلد الأسدية كانت سيدة تاجرة ذات شرف ومال، ~~تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، فلما سمعت عن السيد من الأمانة وصدق ~~الحديث ما لم تعرفه في غيره حتى سماه قومه الأمين، استأجرته ليخرج في مالها ~~إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، فسافر مع غلامها ميسرة ~~فباعا وابتاعا وربحا ربحا عظيما، وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من ~~البركات ما حببه في قلب ميسرة غلام خديجة. # زواجه خديجة: # فلما قدما مكة ورأت خديجة ربحها العظيم سرت من الأمين عليه الصلاة ~~والسلام وأرسلت إليه تخطبه لنفسها، وكانت سنها نحو الأربعين، وهي من أوسط ~~قريش حسبا وأوسعهم مالا، فقام الأمين عليه الصلاة والسلام مع أعمامه حتى ~~دخل على عمها عمرو بن أسد، فخطبها منه بواسطة عمه أبي طالب، فزوجها عمها، ~~وقد خطب أبو طالب في هذا اليوم فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ~~إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضئ3 معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس ~~حرمه، وجعله # 1 انظر صحيح ابن حبان تحقيق شعيب الأرناءوط ط/2/ 1993م/ بيروت: ج10 ص ~~216. والمستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عطا، ط/ 1/بيروت/ 1990م/ : ج2 ص239. # 2 والحديث بلفظ "إنما بعثت" وهو بغير "إنما" في رواية فيض القدير ~~ط/1/مصر: ج5 ص164. # 3 ضئضئ: أصل. PageV01P013 # لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن ~~عبد الله لا يوزن ms009 به رجل شرفا ونبلا وفضلا، وإن كان في المال قل،1 فإن ~~المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية2 مستردة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ~~وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ~~كذا. وعلى ذلك تم الأمر، وقد كانت متزوجة قبله بأبي هالة، توفي عنها وله ~~منها ولد اسمه هالة، وهو ربيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. # بناء البيت: # ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام خمسا وثلاثين سنة، جاء سيل جارف فصدع ~~جدران الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل، فأرادت قريش هدمها ~~ليرفعوها ويسقفوها، فإنها كانت رضيمة3 فوق القامة، فاجتمعت قبائلهم لذلك، ~~ولكنهم هابوا هدمها لمكانها في قلوبهم. فقال لهم الوليد بن المغيرة: ~~أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح. قال: إن الله لا ~~يهلك المصلحين. وشرع يهدم فتبعوه وهدموا حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل، وهناك ~~وجدوا صحافا نقش فيها كثير من الحكم على عادة من يضعون أساس بناء شهير ~~ليكون تذكرة للمتأخرين بعمل المتقدمين، ثم ابتدأوا في البناء وأعدوا لذلك ~~نفقة ليس فيها مهر بغي4 ولا بيع ربا، وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة ~~على أعناقهم، وكان العباس ورسول الله فيمن يحمل، وكان الذي يلي البناء نجار ~~رومي اسمه باقوم، وقد خصص لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة، ~~وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها ~~الحجر، وبنوا عليه جدارا قصيرا، علامة على أنه من الكعبة، ولما تم البناء ~~ثمانية عشر ذراعا بحيث زيد فيه عن أصله تسعة أذرع ورفع الباب عن الأرض بحيث ~~لا يصعد إلى إلا بدرج، أرادوا وضع الحجر الأسود موضعه، فاختلف أشرافهم فيمن ~~يضعه، وتنافسوا في ذلك حتى كادت تشب بينهم نار الحرب، # 1 قلة # 2 عارية: كل ما يستعار. # 3 رضيمة: أحجار فوق بعضها متراصفة دون شيء بينها من ملاط ونحوه مما ~~يمسكها. # 4 بغي: زانية أو بائعة الهوى. PageV01P014 # ودام بينهم هذا الخصام أربع ليال، وكان أسن رجل في ms010 قريش إذ ذاك أبو أمية بن ~~المغيرة المخزومي عم خالد بن الوليد فقال لهم: يا قوم! لا تختلفوا وحكموا ~~بينكم من ترضون بحكمه. فقالوا: نكل الأمر لأول داخل. فكان هذا الداخل هو ~~الأمين المأمون عليه الصلاة والسلام، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من ~~الأمانة وصدق الحديث وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد؛ لأنهم كانوا ~~يتحاكمون إليه إذ كان لا يداري ولا يماري،1 فلما أخبروه الخبر بسط رداءه ~~وقال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب". ثم وضع فيه الحجر وأمرهم برفعه ~~حتى انتهوا إلى موضعه فأخذه ووضعه فيه وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرا ~~ما يكون أمثالها سببا في انتشار حروب هائلة بين العرب، لولا أن يمن الله ~~عليهم بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم يقضي بينهم بما يرضي جميعهم. ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا، ~~لأن البيت قبلة العرب وكعبتهم التي يحجون إليها، فكل عمل فيه عظيم به الفخر ~~والسيادة، وهو أول بيت وضع للعبادة بشهادة القرآن الكريم، قال تعالى في ~~سورة آل عمران: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه ~~آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 96، 97]. وكان يلي ~~أمره بعد ولد إسماعيل قبيلة جرهم فلما بغوا وظلموا من دخل مكة اجتمعت عليهم ~~خزاعة وأجلوهم عن البيت، ووليته خزاعة حينا من الدهر، ثم أخذته منهم في عهد ~~قصي بن كلاب، وبسببه أمنوا في بلادهم، فكانت قبائل العرب تهابهم، وإذا ~~احتموا به كان حصنا أمينا من اعتداء العادين، وامتن الله عليهم بذلك في ~~تنزيله، فقال في سورة العنكبوت: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم} [العنكبوت: 67]. # معيشته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة: # لم يرث عليه الصلاة والسلام من والده شيئا، بل ولد يتيما عائلا فاسترضع ~~في بني سعد، ولما بلغ مبلغا يمكنه أن يعمل عملا كان يرعى الغنم مع إخوته من ~~الرضاع في البادية، وكذلك لما رجع إلى مكة كان يرعاها ms011 لأهلها على قراريط ~~كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه، ووجود الأنبياء في حال التجرد عن الدنيا ~~ومشاغلها أمر لا بد # 1 من المراء: وهو جدل بغير حق. PageV01P015 # منه، لأنهم لو وجدوا أغنياء لألهتهم الدنيا وشغلوا بها عن السعادة الأبدية، ~~ولذلك ترى جميع الشرائع الإلهية متفقة على استحسان الزهد فيها والتباعد ~~عنها، وحال الأنبياء السالفين أعظم شاهد على ذلك، فكان عيسى عليه السلام ~~أزهد الناس في الدنيا، وكذلك كان موسى، وإبراهيم، وكانت حالتهم في صغرهم ~~ليست سعة بل كلهم سواء؛ تلك حكمة بالغة أظهرها الله على أنبيائه ليكونوا ~~نموذجا لمتبعيهم في الامتناع عن التكالب على الدنيا والتهافت عليها، وذلك ~~سبب البلايا والمحن، وكذلك رعاية الغنم، فما من نبي إلا رعاها كما أخبر عن ~~ذلك الصادق المصدوق في حديث للبخاري1، وهذه أيضا من بالغ الحكم فإن الإنسان ~~إذا استرعى الغنم -وهي أضعف البهائم- سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا، فإذا ~~انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان لما هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم ~~الغريزي، فيكون في أعدل الأحوال، ولما شب عليه الصلاة والسلام كان يتجر، ~~وكان شريكه السائب بن أبي السائب، وذهب بالتجارة لخديجة -رضي الله عنها- ~~إلى الشام على جعل يأخذه، ولما شرفت خديجة بزواجه، وكانت ذات يسار، عمل في ~~مالها وكان يأكل من نتيجة عمله2. وحقق الله ما امتن عليه به في سورة الضحى ~~بقوله جل ذكره: {ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى} ~~[الضحى: 6-8] بالإيواء والإغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة، هداه للكتاب3 ~~والإيمان ودين إبراهيم عليه السلام ولم يكن يدري ذلك قبل. قال تعالى في ~~سورة الشورى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] # سيرة في قومه قبل البعثة: # كان عليه الصلاة والسلام أحسن قومه خلقا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، ~~وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى كان أفضل قومه مروءة، ~~وأكرمهم مخالطة، وخيرهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، فسموه ms012 الأمين # 1 انظر صحيح البخاري في باب رعي الغنم على قراريط، تحقيق البغا: ص 789. # 2 سيرة ابن هشام: ج2 ص5 وما بعدها. # 3 الكتاب في آية الشورى بمعنى الكتابة، ولا يعني هذا أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يكتب بل هذا إعلام بمرتبة الرسول بتيسير الأمر له ولسائر ~~المسلمين. PageV01P016 # لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة من الحلم، ~~والصبر، والشكر، والعدل، والتواضع، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، حتى ~~شهد له بذلك ألد أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار حيث يقول: قد كان ~~محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا ~~رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحر، لا والله! ما هو بساحر. ~~قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذي يحضرون الموسم حتى ~~يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ~~قائلا: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: ما ~~كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله. ورد ذلك في أول صحيح البخاري1. # وقد حفظه الله في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف بضدها ~~وبغضت إليه الأوثان بغضا شديدا حتى ما كان يحضر لها احتفالا أو عيدا مما ~~يقوم به عبادها، وقال عليه الصلاة والسلام: "لما نشأت بغضت إلي الأوثان، ~~وبغض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، كل ذلك ~~يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني ~~الله برسالته. قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة ~~فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا ~~بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك، فضرب الله على أذني فنمت فما ~~أيقظني إلا مس الشمس ولم أقض شيئا، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك" 2. وكان ~~عليه الصلاة والسلام لا يأكل ما ذبح على النصب وحرم ms013 شرب الخمر على نفسه مع ~~شيوعه في قومه شيوعا عظيما، وذلك كله من الصفات التي يحلي الله بها أنبياءه ~~ليكونوا على تمام الاستعداد لتلقي وحيه، فهم معصومون من الأدناس قبل النبوة ~~وبعدها، أما قبل النبوة فليتأهلوا للأمر العظيم الذي سيسند إليهم، وأما ~~بعدها فليكونوا قدوة لأممهم، عليهم من الله أفضل الصلوات وأتم التسليمات. # 1 كتاب بدء الوحي ص7 من صحيح البخاري. # 2 انظر دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، القاهرة، ط /1/ ~~1988م/: ج2 ص33. PageV01P017 # ما أكرم الله به قبل النبوة: # أول منحة من الله ما حصل من البركات على آل حليمة الذين كان مسترضعا ~~فيهم، فقد كانوا قبل حلوله بناديهم مجدبين1 فلما صار بينهم صارت غنيماتهم ~~تؤوب من مرعاها وإن أضراعها لتسيل لبنا، ويرحم الله البوصيري حيث يقول في ~~همزيته: # وإذا سخر الإله أناسا ... لسعيد فإنهم سعداء # ثم أعقب ذلك ما حصل من شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه، وليس هذا بالعجيب ~~على قدرة الله تعالى، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر، لا يعرف من قوة الله ~~شيئا، لأن خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب. # ومن المكرمات الإلهية تسخير الغمامة له في سفره إلى الشام2، حتى كانت ~~تظله في اليوم الصائف لا يشترك معه أحد في القافلة، كما روى ذلك ميسرة غلام ~~خديجة الذي كان مشاركا له في سفرهن وهذا ما حببه إلى خديجة حتى خطبته ~~لنفسها، وتيقنت أن له في المستقبل شأنا، ولذلك لما جاءته النبوة كانت أسرع ~~الناس إيمانا به، ولم تنتظر آية أخرى زيادة على ما علمته من مكارم الأخلاق، ~~وما سمعته من خوارق العادات. # ومن منن الله عليه ما كان يسمعه من السلام عليه من الأحجار والأشجار3، ~~فكان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بناء، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية ~~فلا يمر بحجر ولا شجر إلا سمع: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وكان ~~يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا، وقد حدث بذلك عن نفسه. وليس في ~~ذلك كبير إشكال ms014 فقد سخر الله الجمادات للأنبياء قبله، فعصا موسى التقمت ما ~~صنع سحرة فرعون بعد أن تحولت حية تسعى ثم رجعت كما كانت، ولما ضرب بها ~~الحجر نبع منه الماء اثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين، ~~وكذلك غيره من الأنبياء سخر الله لهم ما شاء من أنواع الجمادات لتدل ~~العقلاء على عظيم قدرهم وخطارة4 شأنهم. # 1 مجدبين من الجدب الذي هو عموم القحط. انظر دلائل النبوة للبيهقي ج1 ~~ص134 حول الرضاع وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم في آل حليمة السعدية. # 2 دلائل النبوة للبيهقي: ج2 ص65 وما بعدها. # 3 السابق: ج 2 ص 135 وما بعدها. # 4 خطارة: لا وجود لهذا المصدر في العربية فيما نقلت المعاجم، والصواب: ~~خطورة أو خطر. PageV01P018 # تبشير التوراة به # أنزل الله التوراة على موسى محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك ~~الزمن، ونوه فيها بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم، فمما ~~جاء فيها تبشيرا برسولنا الكريم خطابا لسيدنا موسى عليه السلام: وسوف أقيم ~~لهم نبيا مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ويكلمهم بكل شيء آمره به، ~~ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا الذي أنتقم منه، فأما النبي ~~الذي يجترئ علي بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمره به أو باسم آلهة أخرى ~~فليقتل، وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب فهذه علامتك: أن ما ~~قاله ذلك النبي باسم الرب ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا ~~تخشاه1، ويقول اليهود: إن هذه البشارة ليوشع بن نون خليفة موسى عليه ~~السلام، مع أنهم كانوا ينتظرون في مدة المسيح نبيا آخر غير المسيح، فإنهم ~~أرسلوا ليوحنا المعمدان يحيى، يسألونه عن نفسه فقالوا له: أنت إيليا؟ فقال: ~~لا، فقالوا: أنت المسيح؟ فقال: لا، فقالوا: أنت النبي؟ فقال: لا، فقالوا: ~~ما بالك إذا تعمد إذا كنت لست إيليا ولا المسيح ولا النبي؟ فهذه تدل على أن ~~التوراة تبشر بإيليا والمسيح ونبي لم يأت حتى زمن المسيح. ms015 ثم إن التوراة ~~تقول في صفة النبي: إنه مثل موسى، وقد نصت في آخر سفر التثنية على أنه لم ~~يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى، وورد في هذه البشارة: أن النبي الذي ~~يفتري على الله يقتل، ويشبه ذلك في القرآن قوله تعالى في سورة الحاقة: {ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين} ~~[الحاقة: 44-46] ونبينا صلى الله عليه وسلم مكث بين أعدائه الألداء من ~~مشركين ويهود ثلاثا وعشرين سنة يدعوهم فيها إلى الله، ومع ذلك عصمه الله ~~منهم وأنزل عليه تطمينا لخاطره في سورة المائدة: {والله يعصمك من الناس} ~~[المائدة: 67] أكان يعجز الله -وهو القادر على كل شيء- أن يعاقب من ينسب ~~إليه ما لم يقله وهو الذي قال في سورة الشورى : {أم يقولون افترى على الله ~~كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه ~~عليم بذات الصدور} [الشورى: 24]. وقد أخبرتنا هذه البشارة عن العلامة التي ~~نعرف بها صدق النبي من كذبه وهي الإخبار بما سيأتي، وقد أخبر النبي عليه ~~الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة فحدثت كما أخبر عنها، ومنها ما لا ينفع معه ~~الحدس والتخمين، كالإخبار بأن الروم سيغلبون # 1 سفر التثنية: إصحاح ثامن. PageV01P019 # وبعد أن قهرهم الفرس قهرا شديدا حتى كادوا يحتلون القسطنطينية عاصمة ملكهم، ~~فالإخبار إذا بأن الروم سيردون ما فقد منهم بعد بضع سنين لا يكون إلا من ~~عند الله، ولذلك استغربه جدا بعض المشركين من قريش وراهن على ذلك أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه، وقد حقق الله الخبر فاستحق الصديق الرهن، وهذا قليل ~~من كثير سيأتيك تفصيله إن شاء الله تعالى. # وروى القاضي عياض في الشفا: أن عطاء بن يسار سأل عبد الله بن عمرو بن ~~العاص عن صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: أجل! والله إنه لموصوف ~~في التوراة ببعض صفته في القرآن {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا} [الأحزاب: 45] وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس ~~بفظ ms016 ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ~~ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا ~~الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا1. # وروي مثله عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو الذي كان رئيس اليهود ~~فلم تعمه الرياسة حتى يترك الدين القويم، وكذلك كعب الأحبار، وفي بعض طرق ~~الحديث: ولا صخاب في الأسواق ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل ~~خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة ~~مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق ~~شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، وأهدي به بعد الضلالة، ~~وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر ~~به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين ~~قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. ~~وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن صفته في التوراة فقال -وهو الصادق ~~الأمين-: عبدي أحمد المختار مولده مكة ومهاجره المدينة -أو قال: طيبة- ~~وأمته الحمادون الله على كل حال2. # 1 حول هذه الرواية وما بعدها انظر دلائل النبوة للبيهقي: ج1 ص 374، وأيضا ~~فتح الباري لابن حجر، تحقيق الخطيب: ج4 ص342 وج8 ص585. ومعنى سخب وصخاب: أي ~~أنه يرفع الصوت في السوق نداء على سلعته وبضاعته ليسمع الناس بها فيشتروها. # 2 انظر دلائل النبوة من الجزء المذكور آنفا. PageV01P020 # تبشير الإنجيل: # بشر عيسى عليه السلام قومه في الإنجيل بالفارقليط ومعناه قريب من محمد أو ~~أحمد ويصدقه في القرآن قول الله تعالى في سورة الصف: {وإذ قال عيسى ابن ~~مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6]. وقد وصف المسيح هذا ~~الفارقليط بأوصاف لا تنطبق إلا على نبينا فقال: إنه يوبخ العالم على ~~خطيئته، وإنه يعلمهم جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده ms017 بل يتكلم بكل ما ~~يسمع، وهذا ما ورد في القرآن الكريم في سورة النجم: {وما ينطق عن الهوى، إن ~~هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3، 4]. وقد ورد في إنجيل برنابا -الذي ظهر منذ ~~زمن قريب وأخفته حجب الجهالة- ذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة1. # حركة الأفكار قبل البعثة: # وهذا يسهل لك فهم الحركة العظيمة من الأحبار والرهبان قبيل البعثة فكان ~~اليهود يستفتحون على عرب المدينة برسول منتظر، فقد حدث عاصم بن عمر بن ~~قتادة عن رجال من قومه، قالوا: إنما دعانا للإسلام -مع رحمة الله تعالى ~~لنا- ما كنا نسمع من أحبار يهود، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب ~~عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ~~ما يكرهون، قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد ~~وإرم. فكثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله محمدا أجبنا حين دعانا ~~إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا وكفروا. ~~وإنما قال لهم اليهود: نقتلكم معه قتل عاد وإرم؛ لأن من صفته عليه الصلاة ~~والسلام في كتبهم2: أن هذا النبي يستأصل المشركين بالقوة، ولم يكونوا يظنون ~~أن الحسد والبغي سيتمكنان من أفئدتهم فينبذون الدين القيم فيحق عليهم ~~العذاب في الدنيا والآخرة، وكان أمية بن أبي الصلت المتنصر العربي كثيرا ما ~~يقول: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا. وحدث سلمان الفارسي رضي ~~الله عنه # 1 للتوسع يراجع كتاب بذل المجهود للسموءل، وإظهار الحق للهندي وكتاب ~~موريس بوكاي دراسة الكتب المقدسة. # 2 حول هذا الموضوع ينظر دلائل النبوة للبيهقي: ج1 ص373 وما بعدها. PageV01P021 # عن نفسه أنه صحب قسيسا فكان يقول له: يا سلمان، إن الله سوف يبعث رسولا ~~اسمه أحمد، يخرج من جبال تهامة، علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة1. ~~وهذا الحديث كان من أسباب إسلام سلمان، ولما راسل عليه الصلاة والسلام ملوك ~~الأرض لم يهن كتابه إلا كسرى الذي ليس عنده علم من الكتاب، وأما ms018 جميع ملوك ~~النصارى كالنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر، وقيصر ملك الروم، فأكرموا ~~وفادة رسله، ومنهم من آمن كالنجاشي، ومنهم من رد ردا لطيفا وكاد يسلم لولا ~~غلبة الملك كقيصر، ومنهم من هادى كالمقوقس، ولم يكن عليه الصلاة والسلام في ~~قوة يرهب بها هؤلاء الملوك اللهم ما ذاك إلا لأنهم يعلمون أن المسيح عليه ~~السلام بشر برسول يأتي من بعده، ووافقت صفات رسولنا ما عندهم فأجابوا بالتي ~~هي أحسن، وأما ما سمع من الهواتف2 والكهان قبيل زمنه فهو ما لا يدخل تحت ~~حصر، وليس بعد ما ذكرته لك زيادة لمستكثر، ومع ذلك كله فالأعمال التي جاد ~~الله بها على يديه والأقوال التي أتانا بها أعظم مقو لحجته ومؤيد لدعوته، ~~وسيأتي عليك بيان ذلك كله بأجلى بيان فتأمله ترشد هداك الله إلى الصراط السوي. # 1 دلائل النبوة: ج2 ص82 والسيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص41 وما بعدها في ~~حديث طويل عن إسلامه رضي الله عنه. # 2 الهاتف: هو ما يسمع من شعر الجن دون أن يرى الجن. PageV01P022 ### | AUTO بدء الوحي والدعوة سرا # ... # بدء الوحي: # لما بلغ عليه الصلاة والسلام سن الكمال وهي أربعون سنة أرسله الله ~~للعالمين بشيرا ونذيرا ليخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وكان ذلك ~~في أول فبراير شباط سنة 610 من الميلاد كما أوضحه المرحوم محمود باشا ~~الفلكي، تبين بعد دقة البحث أن ذلك كان في 17 رمضان سنة 13 قبل الهجرة وذلك ~~يوافق يوليو تموز سنة 610. # وأول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصادقة3، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح، وذلك لما جرت به عادة الله في خلقه من التدريج في الأمور كلها ~~حتى تصل إلى درجة الكمال، ومن الصعب جدا على البشر تلقي الوحي من الملك لأول # 3 البخاري في صحيحه من كتاب بدء الوحي من ص3 فما بعدها. PageV01P022 # مرة، ثم حبب إليه عليه الصلاة والسلام الخلاء، ليبتعد عن ظلمات هذا العالم ~~وينقطع عن الخلق إلى الله فإن في العزلة صفاء السريرة، وكان ms019 يخلو بغار حراء ~~فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشرا، وتارة أكثر، إلى شهر، وكانت ~~عبادته على دين أبيه إبراهيم عليه السلام ويأخذ لذلك زاده، فإذا فرغ رجع ~~إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فبينما هو قائم في ~~بعض الأيام على الجبل إذ ظهر له شخص، وقال: أبشر يا محمد! أنا جبريل، وأنت ~~رسول الله إلى هذه الأمة. ثم قال له: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ" . فإنه ~~عليه الصلاة والسلام أمي لم يتعلم القراءة قبلا، فأخذه فغطه بالنمط الذي ~~كان ينام عليه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا ~~بقارئ" . فأخذه فغطه ثانية ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ" . ~~فأخذه فغطه الثالثة، ثم أرسله فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان ~~من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} ~~[العلق: 1-5]. فرجع بها عليه الصلاة والسلام يرجف فؤاده، مما ألم به من ~~الروع الذي استلزمته مقابلة الملك لأول مرة، فدخل على خديجة زوجه، فقال: ~~"زملوني، زملوني" ، لتزول عنه هذه القشعريرة، فزملوه1 حتى ذهب عنه الروع2، ~~فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" ، لأن الملك غطه حتى كاد ~~يموت، ولم يكن له عليه الصلاة والسلام علم قبل ذلك بجبريل ولا بشكله، ~~فقالت: كلا والله! ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل3،وتكسب ~~المعدوم، وتقري الضيف،4 وتعين على نوائب الحق، فلا يسلط الله عليك الشياطين ~~والأوهام، ولا مراء أن الله اختارك لهداية قومك. ولتتأكد خديجة مما ظنته ~~أرادت أن تتثبت ممن لهم علم بحال الرسل، ممن اطلعوا على كتب الأقدمين، ~~فانطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في ~~الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء ~~الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم! اسمع من ~~ابن أخيك. فقال: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره عليه الصلاة ms020 # 1 زملوه: غطوه. # 2 الروع: الخوف. # 3 الكل: العاجز. # 4 تقري: تطعم؛ من القرى طعام الضيافة. PageV01P023 # والسلام خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ~~لأنه يعرف أن رسول الله إلى أنبيائه هو جبريل، ثم قال: يا ليتني فيها جذعا1 ~~-شابا جلدا- إذ يخرجك قومك -من بلادك التي نشأت بها، لمعاداتهم إياك، ~~وكراهيتهم لك حينما تطالبهم بتغيير اعتقادات وجدوا عليها آباءهم. فاستغرب ~~عليه الصلاة والسلام ما نسب لقومه مع ما يعلمه من حبهم له لاتصافه بمكارم ~~الأخلاق وصدق القول، حتى سموه الأمين، وقال: "أو مخرجي هم؟". قال: لم يأت ~~رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وقد نطق بذلك القرآن الكريم، قال تعالى في ~~سورة إبراهيم: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا} [إبراهيم: 13] ولتمام تصديق ورقة برسالة الرسول الأكرم عليه الصلاة ~~والسلام قال: وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا -معضدا- ثم لم يلبث ورقة أن توفي. # فترة الوحي: # وفتر الوحي مدة لم يتفق عليها المؤرخون، وأرجح أقوالهم فيها أربعون يوما، ~~ليشتد شوق الرسول للوحي، وقد كان، فإن الحال اشتد به عليه الصلاة والسلام ~~حتى صار كلما أتى ذروة جبل بدا له أن يرمي نفسه منها، حذرا من قطيعة الله ~~له بعد أن أراه نعمته الكبرى، وهي اختياره لأن يكون واسطة بينه وبين خلقه، ~~فيتبدي له الملك قائلا: أنت رسول الله حقا، فيطمئن خاطره ويرجع عما عزم ~~عليه، حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين فعاد إليه الوحي2. # 1 الجذع: الصغير من البهائم في الأصل، وأراد أن يكون شابا. وهي هنا حال، ~~وخبر ليت محذوف هنا، بدليل رواية أخرى تأتي به بلفظ: أكون حيا. وانظر دلائل ~~النبوة للبيهقي: ج2 ص137. # 2 سيرة ابن هشام: ج2 ص80. وقصة رواية محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يرمي نفسه من الجبل مضعفة لانقطاعها، غير أنها وإن صحت فالرسول عليه ~~الصلاة والسلام بشر تنتابه الانفعالات كما تنتابنا نحن، فهو بشر، وهذا يدل ~~على مقدار ms021 المعاناة الشديدة التي كابدها عليه الصلاة والسلام في هذا الصدد. PageV01P024 # عودة الوحي: # فبينما هو يمشي إذ سمع صوتا من السماء فرفع إليه بصره، فإذا الملك الذي ~~جاءه بحراء جالس بين السماء والأرض، فرعب منه لتذكر ما فعله في المرة ~~الأولى فرجع وقال: "دثروني، دثروني" ، فأنزل الله تعالى عليه {يا أيها ~~المدثر ، قم فأنذر} [المدثر: 1، 2] حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عن ~~غيهم وما كان يعبد آباؤهم {وربك فكبر} [المدثر: 3] خصه بالتعظيم، ولا تشرك ~~معه في ذلك غيره {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] لتكون مستعدا للوقوف بين يدي ~~الله إذ لا يليق بالمؤمن أن يكون مستقذرا نجسا {والرجز فاهجر} [المدثر: 5] ~~أي اهجر أسباب الرجز1 -وهو العذاب- بأن تطيع الله وتنفذ أمره {ولا تمنن ~~تستكثر} [المدثر: 6] ولا تهب أحدا هبة وأنت تطمع أن تستعيض من الموهوب أكثر ~~مما وهبت، فهذا ليس من شأن الكرام {ولربك فاصبر} [المدثر:7] على ما سيلحقك ~~من أذى قومك حينما تدعوهم إلى الله. # الدعوة سرا: # فقام عليه الصلاة والسلام بالأمر ودعا لعبادة الله أقواما جفاة لا دين ~~لهم، إلا أن يسجدوا لأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا حجة لهم إلا أنهم متبعون ~~لما كان يعبد آباؤهم، وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطا ~~بالعزة والأنفة، وهو الذي كثيرا ما كان سببا في الغارات والحروب وإهراق ~~الدماء، فجاءهم رسول الله بما لا يعرفونه، فذوو العقول السليمة بادروا إلى ~~التصديق وخلع الأوثان، ومن أعمته الرياسة أدبر واستكبر كي لا تسلب منه ~~عظمته، وكان أول من سطع عليه نور الإسلام خديجة بنت خويلد زوجه2، وعلي بن ~~أبي طالب ابن عمه، وكان مقيما عنده يطعمه ويسقيه ويقوم بأمره، لأن قريشا ~~كانوا قد أصابتهم مجاعة، وكان أبو طالب مقلا كثير الأولاد، فقال عليه ~~الصلاة والسلام لعمه العباس بن عبد المطلب: إن أخاك أبا طالب كثير # 1 اختار المؤلف هذا التأويل، بالرغم من أن الرجز هي الرجس، وهذا المعنى ~~مقدم على ما ذكره. # 2 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص77 وما بعدها. PageV01P025 # العيال، ms022 والناس فيما ترى من الشدة، فانطلق بنا إليه لنخفف من عياله، تأخذ ~~واحدا، وأنا واحدا". فانطلقا وعرضنا عليه الأمر، فأخذ العباس جعفر بن أبي ~~طالب، وأخذ عليه الصلاة والسلام عليا، فكان في كفالته كأحد أولاده إلى أن ~~جاءت النبوة وقد ناهز الاحتلام، فكان تابعا للنبي في كل أعماله، ولم يتدنس ~~بدنس الجاهلية من عبادة الأوثان، واتباع الهوى، وأجاب أيضا زيد بن حارثة بن ~~شرحبيل الكلبي، مولاه عليه الصلاة والسلام، وكان يقال له زيد بن محمد، لأنه ~~لما اشتراه أعتقه وتبناه، وكان المتبنى معتبرا كابن حقيقي يرث ويورث، ~~وأجابت أيضا أم أيمن حاضنته التي زوجها لمولاه زيد، وأول من أجابه من غير ~~أهل بيته أبو بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن ~~مرة التيمي القرشي، كان صديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ~~يعلم ما اتصف به من مكارم الأخلاق ولم يعهد عليه كذبا منذ اصطحبا، فأول ما ~~أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق، وقال: بأبي أنت وأمي، أهل الصدق أنت، ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وكان رضي الله عنه صدرا معظما في ~~قريش على سعة من المال وكرم الأخلاق، وكان من أعف الناس، سخيا، يبذل المال، ~~محببا في قومه، حسن المجالسة، ولذلك كله كان من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمنزلة الوزير، فكان يستشيره في أموره كلها، وقال في حقه: "ما دعوت ~~أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر" 1. وكانت الدعوة إلى ~~الإسلام سرا حذرا من مفاجأة العرب بأمر شديد كهذا فيصعب استسلامهم، فكان ~~عليه الصلاة والسلام لا يدعو إلا من يثق به، ودعا أبو بكر إلى الإسلام من ~~يثق به من رجال قريش، فأجابه جمع. # منهم: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي ~~القرشي، ولما علم عمه الحكم بإسلامه، أوثقه كتافا وقال: ترغب عن دين آبائك ~~إلى دين مستحدث؟ والله لا أحلك حتى تدع ms023 ما أنت عليه فقال عثمان: والله لا ~~أدعه ولا أفارقه. فلما رأى الحكم صلابته في الحق تركه، وكان كهلا يناهز ~~الثلاثين من عمره. # ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، ~~وأمه صفية بنت عبد المطلب، وكان عم الزبير يرسل الدخان عليه وهو مقيد ليرجع ~~إلى دين آبائه، فقواه الله بالثبات، وكان شابا لا يتجاوز سن الاحتلام. # 1 دلائل النبوة للبيهقي: ج2 ص164. ويريد بالكبوة هنا أن المدعو لم يكن ~~مجيبا على الفور. PageV01P026 # ومنهم: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي ~~الهاشمي، وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فسماه عليه الصلاة والسلام عبد ~~الرحمن. # ومنهم: سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري ~~القرشي، ولما علمت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بإسلامه قالت له يا سعد، ~~بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف من الحر والبرد، وإن الطعام ~~والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد. وبقيت كذلك ثلاثة أيام فجاء سعد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه أمر أمه فنزل في ذلك تعليما قول الله ~~تعالى في سورة العنكبوت: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} ~~[العنكبوت: 8]. وصاه جل ذكره بوالديه وأمره بالإحسان إليهما مؤمنين كانا أو ~~كافرين، أما إذا دعواه للإشراك فالمعصية متحتمة؛ لأن كل حق -وإن عظم- ساقط ~~هنا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ثم قال: {إلي مرجعكم} من آمن منكم ~~ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم، وفي ختام هذه الآية فائدتان: التنبيه على أن ~~الجزاء إلى الله فلا تحدث نفسك بجفوتهما لإشراكهما، والحض على الثبات في ~~الدين لئلا ينال شر الجزاء في الأخرى. # ومنهم: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ~~التيمي القرشي، وقد كان عرف من الرهبان ذكر الرسول ms024 وصفته، فلما دعاه أبو ~~بكر وسمع من رسول الله ما نفعه الله به، ورأى الدين متينا بعيدا عما عليه ~~العرب من المثالب، بادر إلى الإسلام. # وممن سبقوا إلى الإسلام: صهيب الرومي، وكان من الموالي، وعمار بن ياسر ~~العنسي، وقد قال رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه ~~إلا خمسة أعبد وأمرأتان وأبو بكر. وكذلك أسلم أبوه ياسر وأمه سمية. # ومن السابقين الأولين: عبد الله بن مسعود، كان يرعى الغنم لبعض مشركي ~~قريش، فلما رأى الآيات الباهرة وما يدعو إليه عليه السلام من مكارم ~~الأخلاق، ترك عبادة الأوثان ولزم رسول الله، وكان رضي الله عنه كثير الدخول ~~على الرسول لا يحجب، ويمشي أمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ~~ويلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه. PageV01P027 # ومن السابقين الأولين: أبو ذر الغفاري وكان من أعراب البادية فصيحا حلو ~~الحديث، ولما بلغه مبعث رسول الله قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي ~~علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ~~ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم مكة وسمع من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ~~رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاما ما هو بالشعر. ~~فقال: ما شفيتني مما أردت. # فتزود وحمل قربة له فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه لما يعرفه من كراهة قريش لكل ~~من يخاطب رسول الله، حتى إذا أدركه الليل رآه علي فعرف أنه غريب فأضافه ~~عنده، ولم يسأل أحد منهما صاحبه عن شيء -على قاعدة الضيافة عند العرب لا ~~يسأل الضيف عن سبب قدومه إلا بعد ثلاث- فلما أصبح احتمل قربته وزاده إلى ~~المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه الرسول حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به ~~علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله الذي أضيف به بالأمس؟ فأقامه، فذهب ~~معه لا يسأل واحد منهما ms025 صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث عاد علي ~~مثل ذلك، ثم قال له علي: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا ~~وميثاقا لترشدني فعلت. ففعل فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله، فإذا ~~أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء، فإن ~~مضيت فاتبعني حتى ندخل مدخلي. ففعل فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله، ~~فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء، ~~فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل، فانطلق يتبع أثره حتى دخل على ~~النبي ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" . قال: والذي نفسي بيده ~~لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى ~~العباس فأكب عليه وقال: ويلكم! أولستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق ~~تجارتكم إلى الشام عليه؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه ثاروا ~~إليه، فأكب العباس عليه. رواه البخاري1. وكان رضي الله عنه من أصدق الناس ~~قولا، وأزهدهم في الدنيا. # ومن السابقين: سعيد بن زيد العدوي القرشي، وزوجه فاطمة بنت الخطاب أخت ~~عمر، وأم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، زوج العباس بن عبدالمطلب، ~~وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، ابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو سلمة # 1 صحيح البخاري: ص 1294 وما بعدها وص 1401. وانظر دلائل النبوة: ج2 ص208. PageV01P028 # عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وزوجه أم سلمة، وعثمان بن مظعون الجمحي القرشي، وأخواه قدامة، وعبد ~~الله، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي القرشي. # ومن السابقين الأولين: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي ~~القرشي، كان أبوه سيد قريش إذا اعتم لم يعتم قرشي إجلالا له، وكان خالد بن ms026 ~~سعيد قد رأى في منامه أنه سيقع في هاوية، فأدركه رسول الله وخلصه منها فجاء ~~إليه وقال: إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: "أدعوك إلى عبادة الله وحده لا شريك ~~له، وأن تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ~~والإحسان إلى والديك، وأن لا تقتل ولدك خشية الفقر، وأن لا تقرب الفاحشة ما ~~ظهر منها وما بطن، وأن لا تقتل نفسا حرم الله إلا بالحق، وأن لا تقرب مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأن توفي الكيل والميزان بالقسط، ~~وأن تعدل في قولك ولو حكمت على ذوي قرباك، وأن توفي لمن عاهدت" 1. فأسلم ~~رضي الله عنه، وحينئذ غضب عليه أبوه وآذاه حتى منعه القوت، فانصرف إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فكان يلزمه ويعيش معه، ويغيب عن أبيه في ضواحي ~~مكة، وأسلم بعده أخوه عمرو بن سعيد. # وهكذا دخل هؤلاء الأشراف في دين الإسلام، ولم يكن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سيف يضرب به أعناقهم حتى يطيعوه صاغرين، وليس معه ما يرغب فيه ~~حتى يترك هؤلاء العظماء آباءهم، وذوي الثروة منهم، ويتبعوا الرسول ليأكلوا ~~من فضل ماله، بل كان الكثير منهم واسع الثروة أكثر منه عليه الصلاة والسلام ~~كأبي بكر وعثمان وخالد بن سعيد وغيرهم، والذين اتبعوه من الموالي اختاروا ~~الأذى والجوع والمشقات مع اتباع الرسول، بحيث لو اتبعوا سادتهم لكانوا في ~~هذه الدنيا أهدأ بالا وأنعم عيشة، اللهم! ليس ذلك إلا من هداية الله وسطوع ~~أنوار الدين عليهم، حتى أدركوا ما هم عليه من الضلالة وما عليه رسول الله ~~من الهدى. # 1 دلائل البيهقي: ج2 ص172 وما بعدها. وعمن تقدم ذكر إسلامهم ينظر الجزء ~~الثاني من دلائل النبوة والسيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص82 وما بعدها. PageV01P029 ### | AUTO الجهر بالتبليغ # ... # الجهر بالتبليغ : # مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلاة والسلام لا يظهر الدعوة في مجامع ~~قريش العمومية، ولم يكن المسلمون يتمكنون من إظهار عبادتهم حذرا من ms027 تعصب ~~قريش، فكان كل من أراد العبادة ذهب إلى شعاب مكة يصلي مستخفيا1، ولما دخل ~~في الدين ما يربوا على الثلاثين، وكان من اللازم اجتماع الرسول بهم ليرشدهم ~~ويعلمهم، اختار لذلك دار الأرقم بن أبي الأرقم -وهو ممن ذكرنا إسلامهم- ~~ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرا حتى نزل عليه قوله تعالى في سورة الحجر: ~~{فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر:94]، فبدل الدعوة سرا بالدعوة ~~جهرا، ممتثلا أمر ربه واثقا بوعده ونصره، فصعد على الصفا فجعل ينادي: يا ~~بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش- فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل ~~رسولا لينظر الخبر، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب قريشا، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم ~~مصدقي؟" . # قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ~~. فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله في شأنه: {تبت يدا أبي ~~لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالة ~~الحطب، في جيدها حبل من مسد} [المسد:1-5] والقصد من حمل الحطب المشي ~~بالنميمة لأنها كانت تقول على رسول الله الأكاذيب في نوادي النساء2، ثم نزل ~~عليه في سورة الشعراء3: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] وهم بنو ~~هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس أولاد عبد مناف. {واخفض جناحك لمن ~~اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك} [الشعراء: 215، 216] أي: العشيرة والأقربون { ~~فقل إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216] فجمعهم عليه الصلاة والسلام وقال ~~لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو ~~غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو! إني لرسول الله ~~إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، # 1 كانت الصلاة مفترضة منذ البداية في مكة. والشعاب: جمع شعب وهو الطريق ~~في الجبل. # 2 دلائل النبوة: ج2 ص181 وما بعدها. وحول الصدع بالرسالة انظر: ج2 ص316. # 3 وحول آية الشعراء انظر السابق: ج2 ms028 ص179. وهذه الآية هي المتقدمة على ~~آية الحجر بدلالة مضمونها ودلالة الروايات الصحيحة. PageV01P030 # ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، ~~وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" . فتكلم القوم كلاما لينا غير ~~عمه أبي لهب الذي كان خصما لدودا فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع ~~عليه العرب، فإن أسلمتموه إذا ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقال أبو طالب: ~~والله! لنمنعنه ما بقينا، ثم انصرف الجمع. # ولما جهر رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدعوة سخرت منه قريش واستهزءوا ~~به في مجالسهم فكان إذا مر عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، ~~وهذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء، لا يزيدون على ذلك، فلما عاب آلهتهم، ~~وسفه عقولهم وقال لهم: "والله يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم" . ثارت ~~في رءوسهم حمية الجاهلية غيرة على تلك الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم، ~~فذهبوا إلى عمه أبي طالب سيد بني هاشم الذي أخذ على نفسه حمايته من أيدي ~~أعدائه، فطلبوا منه أن يخلي بينهم وبينه أو يكفه عما يقول، فردهم ردا جميلا ~~فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله لما يريده لا يصده عن مراده شيء، فتزايد ~~الأمر، وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحث ~~بعضهم بعضا على ذلك، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له: إن لك سنا ~~وشرفا ومنزلة منا، وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا ~~والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه عقولنا، وعيب آلهتنا. فإنهم ~~كانوا إذا احتجوا بالتقليد1 في استمرارهم على عدم اتباع الحق ذمهم لعدم ~~اسعمال عقولهم فيما خلقت له، قال تعالى في سورة البقرة: {وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة:170]. وقال في سورة المائدة {وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان ms029 آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [المائدة: 104]وقال في سورة ~~لقمان: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} [لقمان: 21]. وقال في ~~سورة الزخرف في بيان حجتهم الداحضة: {قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23]. ولما شبههم بمن قبلهم من الأمم في ~~هذه المقالة الدالة على التعصب والعناد قال: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم # 1 التقليد المنهي عنه في القرآن هو التقليد في الاعتقاد لا في الأحكام ~~الشرعية كما هو سياق الآيات الدالة على النهي في موضوعها. PageV01P031 # عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: 24] فلما تمسكوا ~~بحجة التقليد لآبائهم جر ذلك إلى وصف آبائهم بعدم العقل وعدم الهداية، فهاج ~~ذلك أضغانهم، وقالوا لأبي طالب: إما أن تكفه أو ننازله1 وإياك في ذلك حتى ~~يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا ~~بخذلان ابن أخيه، فقال له: يا ابن أخي، إن القوم جاءوني فقالوا لي كذا، ~~فأبق على نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن الرسول أن عمه خاذله ~~فقال: "والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك ~~هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهره الله أو أهلك دونه" . ثم بكى وولى. فقال أبو ~~طالب: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه، فقالك اذهب، فقل ما أحببت والله لا أسلمك. # الإيذاء: # ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة، خصوصا إذا ذهب إلى ~~الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله جماعة سموا لكثرة أذاهم ~~بالمستهزئين: # فأولهم وأشدهم: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، قال ~~يوما: يا معشر قريش، إن محمدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم، ~~وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر لا أطيق ~~حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ms030 ذلك أو امنعوني، فليصنع ~~بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس ~~لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، ~~وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام ~~احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه ~~من الفزع ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا ~~الحكم؟ قال: قدمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من ~~الإبل، والله # 1 دلائل النبوة: ج2 ص187. وسيرة ابن هشام: ج2 ص100 وما بعدها. ولا بد أن ~~يفهم أن النهي المطلوب من قريش والشكوى لأبي طالب كانت عن سب الآلهة وتسفيه ~~الأحلام، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، وكلام الرسول عليه الصلاة ~~والسلام: "على أن أترك هذا الأمر" يعني هذا الإسلام كما هو متبادر. PageV01P032 # ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني. فلما ذكر ذلك لرسول الله قال: "ذاك جبريل ~~ولو دنا لأخذه" . وكان أبو جهل كثيرا ما ينهى الرسول عن صلاته في البيت ~~فقال له مرة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا؟ فأغلظ له رسول الله القول ~~وهدده، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فأنزل الله تهديدا له في ~~آخر سورة اقرأ: {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة، ~~فليدع ناديه، سندع الزبانية، كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق: 15-19]. # ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال: كنا ~~مع رسول الله في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث1 ~~جزور بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد؟ فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي ~~عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على ms031 إلقائه ~~عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل عليه الصلاة والسلام ساجدا حتى جاءت ~~فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته. فلما قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح ~~فقال: "اللهم عليك بالملإ من قريش" . وسمى أقواما، قال ابن مسعود: فرأيتهم ~~قتلوا يوم بدر. # ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل أن هذا ابتاع أجمالا من رجل يقال له: ~~الإراشي فمطله بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة على أخذ ~~ماله، فدلوه على رسول الله لينصفه من أبي جهل استهزاء لما يعلمونه من أفعال ~~ذلك الشقي بالرسول، فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل فخرج ~~معه حتى ضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: "محمد"، فخرج منتقعا لونه فقال ~~له الرسول: "أعط هذا حقه"، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه. فلم يبرح ~~الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم، ما رأينا مثل ما صنعت! ~~قال: ويحكم! والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي حتى سمعت صوته فملئت منه ~~رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله. # ومن جماعة المستهزئين: أبو لهب2 بن بن عبد المطلب، عم رسول الله كان أشد ~~عليه من الأباعد، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جارا له، فكان الرسول يطرحه # 1 الفرث: سرقين الكرش. وحول أذى أبي جهل ينظر ما في دلائل النبوة ~~للبيهقي: ج2 ص190 وما بعدها. # 2 وهي كنية القرآن باعتبار أنه سيصلى اللهب، وأما كنيته عند القرشيين فهو ~~أبو عتبة واسمه عبد العزى. PageV01P033 # ويقول: "يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟". وكانت تشاركه في قبيح عمله زوجه ~~أم جميل بنت حرب بن أمية، فكانت كثيرا ما تسب رسول الله، وتتكلم فيه ~~بالنمائم، وخصوصا بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب. # ومن المستهزئين: عقبة بن أبي معيط كان الجار الثاني لرسول الله، وكان ~~يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله ~~فقال عليه ms032 الصلاة والسلام: "والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله" . فتشهد ~~فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي القرشي، وكان صديقا له فقال: ما شيء بلغني عنك، ~~قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت ~~أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له. قال أبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت ~~محمدا فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه. فلما رأى عقبة رسول الله ~~فعل به ذلك فأنزل الله فيه سورة الفرقان: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد ~~أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: ~~27-29]. ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ما رواه البخاري في صحيحه ~~قال: بينما النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه ~~في عنق رسول الله فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم} [غافر:28] # ومن جماعة المستهزئين: العاص بن وائل السهمي القرشي والد عمرو بن العاص، ~~كان شديد العداوة لرسول الله، وكان يقول: غر محمد أصحابه أن يحيوا بعد ~~الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر. فقال الله ردا عليه في دعواه في سورة ~~الجاثية: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ~~وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] وكان عليه دينا لخباب ~~بن الأرت، أحد رجال المسلمين، فتقاضاه إياه1 فقال العاص: أليس يزعم محمد ~~هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة، أو ثياب، ~~أو خدم؟ قال خباب: بلى. قال: فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالا وولدا ~~وأقضيك دينك. فأنزل الله في سورة مريم: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا ، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن ms033 # 1 طلب منه قضاءه أي رد الدين الذي عليه. PageV01P034 # عهدا ، كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا، ونرثه ما يقول ويأتينا ~~فردا} [مريم: 77-80]. # ومن جماعة المستهزئين: الأسود بن عبد يغوث1 الزهري القرشي، من بني زهرة، ~~أخوال رسول الله، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول: قد جاءكم ملوك ~~الأرض، استهزاء بهم لأنهم كانوا متقشفين، ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، وكان ~~يقول لرسول الله سخرية: أما كلمت اليوم من السماء؟ # ومنهم: الأسود بن المطلب الأسدي، ابن عم خديجة، كان هو وشيعته إذا مر ~~عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم نزل في سورة المطففين: {إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون ، وإذا انقلبوا إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين: ~~29-32]. # ومنهم: الوليد بن المغيرة، عم أبي جهل، كان من عظماء قريش وفي سعة من ~~العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لقومه بني ~~مخزوم: والله! لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من ~~كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله ~~لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأن قريش ~~كلها. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فتوجه وقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه، ~~فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يهوس؟ وتقولون: إنه ~~كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ ~~وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم ~~لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه ~~يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتج النادي فرحا فأنزل الله في شأن ~~الوليد في سورة المدثر مخاطبا لرسوله2: { ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له ~~مالا ممدودا ، وبنين شهودا ، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه ~~كان لآياتنا عنيدا ، سأرهقه صعودا ، إنه فكر وقدر ، فقتل كيف ms034 قدر ، ثم قتل ~~كيف قدر ، ثم نظر ، ثم عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ، فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ، سأصليه سقر} [المدثر: 11-26]. # 1 ابن أخي آمنة بنت وهب. # 2 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص105. PageV01P035 # وأنزل في أيضا في سورة ن: {ولا تطع كل حلاف} كثير الحلف، وكفى بهذا زاجرا ~~لمن اعتاد الحلف1 {مهين} حقير وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه {هماز} ~~عياب طعان {مشاء بنميم} بنقل الأحاديث للإفساد بين الناس {مناع للخير معتد ~~أثيم، عتل} غليظ جاف {بعد ذلك زنيم} دخيل {أن كان ذا مال وبنين ، إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين ، سنسمه على الخرطوم} [القلم: 10-16] كناية ~~عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه، ولذلك اشتقوا ~~منه كل ما يدل على العظمة، كالأنفة وهي: الحمية. فالوسم على أشرف عضو دليل ~~الإذلال والإهانة. # ومن المستهزئين: النضر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن قصي، كان ~~إذا جلس رسول الله مجلسا للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من قبلهم، قال ~~النضر: هلموا يا معشر قريش! فإني أحسن منه حديثا ثم يحدث عن ملوك فارس، ~~وكان يعلم أحاديثهم، ويقول2: ما أحاديث محمد إلا أساطير الأولين، وفيه نزل ~~في سورة لقمان: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ، وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن ~~لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} [لقمان: 6، 7] وكل هؤلاء ~~انتقم الله منهم كما قال الله تعالى في سورة الحجر: {إنا كفيناك المستهزئين ~~، الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون} [الحجر: 95-96] وقد وضع الله ~~جل ذكره الوعد في صورة الماضي للتحقق من وقوعه، لأن الآية مكية، وهلاك هذه ~~الفئة كان بعد الهجرة، فمنهم من قتل كأبي جهل، والنضربن الحارث، وعقبة بن ~~أبي معيط، ومنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها كأبي لهب، والعاص ~~بن وائل، والوليد بن المغيرة3. # 1 ms035 ليس في الآية دليل على عدم جواز الحلف كما هو ظاهر العبارة هنا، بل ~~فيها الزجر عن الحلف الكاذب بيمين كاذبة فاجرة. # 2 نقل المفسرون هذه الرواية في تفسير سورة لقمان. # 3 انظر دلائل النبوة: ج2 ص335 وص 274. PageV01P036 # إسلام حمزة: # وكان بعض إيذائهم هذا سببا لإسلام عمه حمزة بن عبد المطلب، فقد أدركته ~~الحمية عندما عيرته بعض الجواري بإيذاء أبي جهل لابن أخيه، فتوجه إلى ذلك ~~الشقي وغاضبه وسبه، وقال: كيف تسب محمدا وأنا على دينه؟ ثم أنار الله ~~بصيرته بنور اليقين حتى صار من أحسن الناس إسلاما، وأشدهم غيرة على ~~المسلمين، وأقواهم شكيمة على أعداء الدين حتى سمي أسد الله1. # وكما أوذي الرسول عليه الصلاة والسلام، أوذي أصحابه لاتباعهم له، خصوصا ~~من ليس له عشيرة تحميه، وترد كيد عدوه عنه، وكل هذا الأذى كان حلوا في ~~أعينهم ما دام فيه رضاء الله، فلم يفتنوا عن دينهم بل ثبتهم الله حتى أتم ~~أمره على أيديهم، وصاروا ملوك الأرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها، كما قال ~~جل ذكره في سورة القصص: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] وقد حقق ما أراد. # ومن الذين أوذوا في الله: بلال بن رباح كان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي ~~القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلا ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به، وهو يقول: ~~أحد أحد، لم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله، وكان أمية يخرج به في وقت ~~الظهيرة في الرمضاء -وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه قطعة لحم ~~لنضجت- ثم يؤمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا ~~حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول: أحد أحد، مر به أبو بكر ~~يوما فقال: يا أمية، أما تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى تعذبه؟ قال: ~~أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فاشتراه منه، وأعتقه فأنزل الله فيه وفي أمية ~~في سورة الليل: {فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى} أمية بن خلف ms036 ~~{الذي كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى} الصديق {الذي يؤتي ماله يتزكى ، وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى} [الليل: ~~14-21] بما يعطيه الله في الأخرى جزاء أعماله، # 1 قصة إسلامه في سيرة ابن هشام: ج2 ص128 وما بعدها، وفي دلائل النبوة ~~للبيهقي: ج2 ص212 وما بعدها. PageV01P037 # وقد نبه الله جل ذكره على أن بذل الصديق ماله في شراء بلال وعتقه لم يكن ~~إلا ابتغاء وجه ربه، وكفى بهذا شرفا وفضلا للصديق رضي الله عنه وأرضاه، وقد ~~أعتق غير بلال جماعة من الأرقاء أسلموا فعذبهم مواليهم1. # ومنهم: حمامة أم بلال2، وعامر بن فهيرة كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، ~~وأبو فكيهة، كان عبدا لصفوان بن أمية بن خلف. ومنهم امرأة تسمى زنيرة عذبت ~~في الله حتى عميت فلم يزدها ذلك إلا إيمانا، وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون ~~لهؤلاء وأتباعهم؟ لو كان ما أتى به محمد خيرا ما سبقونا إليه أفتسبقنا ~~زنيرة إلى رشد؟ فأنزل الله في سورة الأحقاف: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} ~~[الأحقاف: 11] وممن أعتق أبو بكر بعد شرائه: أم عنيس كانت أمة لبني زهرة ~~وكان يعذبها الأسود بن عبد يغوث. # وممن عذب في الله: عمار بن ياسر، وأخوه، وأبوه، وأمه، كانوا يعذبون ~~بالنار فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صبرا آل ياسر فموعدكم ~~الجنة، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت" . أما أبو عمار وأمه فماتا تحت ~~العذاب رحمهما الله، وأما هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر، فإن ~~أبا جهل كان يجعل له دروعا من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إياها، فقال ~~المسلمون: كفر عمار، فقال عليه الصلاة والسلام: "عمار ملئ إيمانا من فرقه ~~إلى قدمه" وأنزل الله في شأنه استثناء في حكم المرتد، فقال جل ذكره في سورة ~~النحل: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن ~~من ms037 شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106]. # وممن أوذي في الله: خباب بن الأرت، سبي في الجاهلية فاشترته أم أنمار، ~~وكان حدادا وكان النبي يألفه قبل النبوة، فلما شرفه الله بها أسلم خباب، ~~فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ليكفر ~~فلا يزيده ذلك إلا إيمانا، وجاء خباب مرة إلى رسول الله وهو متوسد بردة في ~~ظل الكعبة، فقال: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد عليه الصلاة ~~والسلام محمرا وجهه فقال: "إنه كان # 1 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص159. # 2 المصدر نفسه. وكذلك ينظر حول من عذب من المسلمين المذكورين: دلائل ~~النبوة للبيهقي: ج2 ص274 وما بعدها. PageV01P038 # من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ويوضع ~~المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى ~~هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله، والذئب ~~على غنمه" . قال ذلك عليه الصلاة والسلام وهو في هذه الحال الشديدة التي لا ~~يتصور فيها أعقل العقلاء، وأنبل النبلاء، قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة، ~~اللهم إلا أن ذلك وحي يوحى إليه، ثم أنزل الله تعالى تثبيتا للمؤمنين أول ~~سورة العنكبوت: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ~~[العنكبوت: 1-3]. # وممن أوذي في الله: أبو بكر الصديق، ولما اشتد عليه الأذى أجمع أمره على ~~الهجرة من مكة إلى جهة الحبشة، فخرج حتى أتى برك الغماد1 فلقيه ابن الدغنة ~~-وهو سيد قبيلة عظيمة اسمها القارة- فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: ~~أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: مثلك يا ~~أبا بكر لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، ~~وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل ~~ابن الدغنة معه، وطاف في أشراف ms038 قريش، فقال لهم: أبو بكر لا يخرج مثله. ~~أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين ~~على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له: مر أبا بكر ~~فليعبد ربه في داره، فليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا ~~يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، ~~فلبث بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم ~~بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف ~~عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلا بكاء ~~لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن ~~الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ~~ربه في داره فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة ~~فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد # 1 برك الغماد: وهو موضع في أقصى اليمن. وذكر أنه موضع في أقاصي أرض هجر ~~أيضا كما في معجم البلدان ومعجم ما استعجم للبكري. PageV01P039 # ربه بفناء داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا ~~قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة أبا ~~بكر، فقال: لقد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ~~ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال ~~أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. رواه البخاري. وكان ذلك ~~سببا لإيصال أذى عظيم إلى أبي بكر رضي الله عنه1. # وبالجملة فلم يخل أحد من المسلمين من أذية لحقته، ولكن كل ذلك ضاع سدى ~~تلقاء ثباتهم وعظيم إيمانهم، فإنهم لم يسلموا لغرض دنيوي يرجون حصوله فيسهل ~~إرجاعهم، ولكن وفقهم الله لإدراك حقيقة الإيمان فرأوا كل شيء دونه ms039 سهلا. # مساومة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ليترك الدعوة # ولما رأى كفار قريش أن ذلك الأذى لم يجدهم نفعا، بل كلما زادوا المسلمين ~~أذى ازداد يقينهم، اجتمعوا للشورى فيما بينهم، فقال لهم عتبة بن ربيعة ~~العبشمي من بني عبد شمس بن عبد مناف -وكان سيدا مطاعا في قومه-: يا معشر ~~قريش! ألا أقوم لمحمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا عله يقبل بعضها فنعطيه إياها ~~ويكف عنا؟ فقالوا: أبا الوليد! فقم إليه فكلمه، فذهب إلى رسول الله وهو ~~يصلي في المسجد، وقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من خيارنا حسبا ~~ونسبا، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت ~~آلهتهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر ~~فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال عليه الصلاة والسلام: "قل يا أبا الوليد ~~أسمع" . # فقال: يا بن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من ~~أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع ~~أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا ~~من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك ~~منه، فإنه ربما # 1 الخبر في دلائل البيهقي: ج2 ص471 وما بعدها. ونحفرك: أي نغدر بالعهد ~~الذي بيننا وبينك. والذمة: العهد. PageV01P040 # غلب التابع على الرجل حتى يداوى، فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد فرغت يا ~~أبا الوليد؟" قال: نعم، قال: "فاسمع مني" فقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أول سورة فصلت: # بسم الله الرحمن الرحيم {حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون ، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ، ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون ، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ، الذين ms040 لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ، ~~قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين ، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ، ~~فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ، فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود ، إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا ~~الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون} [فصلت: 1-14]. # فأمسك عتبة بفيه، وناشده الرحم أن يكف عن ذلك، فلما رجع عتبة سألوه فقال: ~~والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله! ما هو بالشعر ولا بالكهانة ~~ولا بالسحر، يا معشر قريش، أطيعوني فاجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو ~~فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب كفيتموه ~~بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزه عزكم، فقالوا: لقد سحرك محمد، فقال: هذا رأيي1. # ثم عرضوا عليه بعد ذلك أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته فأنزل ~~الله تعالى في ذلك: {قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم ~~دينكم ولي دين} [الكافرون: 1-6] فلا تتوهموا أني أجيبكم لطلبكم من الإشراك ~~بالله، فأيسوا منه وطلبوا بعد ذلك أن ينزع من القرآن ما يغيظهم من ذم ~~الأوثان والوعيد الشديد، فيأتي # 1 سيرة ابن هشام: ج2 ص 130 وما بعدها. PageV01P041 # بقرآن غيره أو يبدله فأنزل الله جوابا لهم في سورة يونس: {قل ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [يونس: 15]. # وقد حصل له مع كفار قريش ms041 نادرة تكون لمن استهان بالضعيف كمصباح يستضيء ~~به، وهو أنه بينما الرسول عليه الصلاة والسلام مع كبراء قريش وأشرافهم ~~يتألفهم ويعرض عليهم القرآن وما جاء به من الدين إذ أقبل عليه عبد الله بن ~~أم مكتوم الأعمى-وهو ممن أسلموا قديما- والنبي مشتغل بالقوم، وقد لقي منهم ~~مؤانسة حتى طمع في إسلامهم، فقال له عبد الله: يا رسول الله، علمني مما ~~علمك الله وأكثر عليه القول، فشق ذلك على الرسول، وكره قطعه لكلامه، وخاف ~~عليه الصلاة والسلام أن يكون التفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك ~~الأشراف، فأعرض عنه، فعاتبه الله على ذلك بقوله أول سورة عبس: {عبس وتولى ، ~~أن جاءه الأعمى ، وما يدريك لعله يزكى ، أو يذكر فتنفعه الذكرى ، أما من ~~استغنى ، فأنت له تصدى ، وما عليك ألا يزكى ، وأما من جاءك يسعى ، وهو يخشى ~~، فأنت عنه تلهى} [عبس: 1-10] فما عبس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها ~~في وجه فقير، وكان إذا أقبل عليه عبد الله ابن أم مكتوم يقول له: "مرحبا ~~بمن عاتبني فيه ربي" . # ولما رأى المشركون أن هذه المطالب التي يعرضونها لا تقبل منهم أرادوا أن ~~يدخلوا في باب آخر، وهو تعجيز الرسول بطلب الآيات، فاجتمعوا، وقالوا: يا ~~محمد، إن كنت صادقا فأرنا آية نطلبها منك وهي أن تشق لنا القمر فرقتين، ~~فأعطاه الله هذه المعجزة، وانشق القمر فرقتين فقال رسول الله: "اشهدوا" . ~~وهذه القصة رواها عبد الله بن مسعود وهو من السابقين الأولين رويت عنه من ~~طرق كثيرة، ورواها عبد الله بن عباس وغيره، ورواها عنهم جمع غزير حتى صار ~~الحديث كالمتواتر1 وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى في أول سورة ~~القمر: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر:1] فحينما رأى المعاندون هذه ~~الآية الكبرى قال بعضهم: لقد سحركم ابن أبي كبشة فأنزل الله فيهم: {وإن ~~يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 2] ثم سألوا الرسول بعد ذلك ~~آيات لا يقصدون بذلك إلا التعنت والعناد، فمنها أن قالوا كما في سورة ~~الإسراء: {لن نؤمن لك حتى ms042 تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو # 1 في الكلام تجاوز فالحديث ليس متواترا أي نقله جماعة من الصحابة ثم من ~~التابعين ثم من تبابعة التابعين، والروايات دون حد التواتر بل هي آحاد. PageV01P042 # {تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ، أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} ~~[الإسراء: 90-93] ولم يجبهم الله إلا بقوله: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا} [الإسراء: 93] لأن الله علم ما تكنه جوانحهم من التعصب والعناد، فلا ~~يؤمنون مهما جاءهم من البينات كما قال جل ذكره في سورة الأنعام: {وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} [الأنعام: 109] وكيف يرجى الخير ممن قالوا ~~كما في سورة الأنفال: [الأنفال: 32] {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] ولم ~~يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، وهذه سنة من سنن الأنبياء ~~إذا رأوا من طلاب الآيات عنادا، وأنهم يطلبونها تعجيزا لا يسألون الله ~~إنفاذ هذه الآيات كي لا يحل بقومهم الهلاك كما حصل لعاد وثمود وغيرهم، وهذا ~~هو المراد من قوله تعالى في سورة الإسراء: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59]. وقد حصل للمسيح عليه السلام أنه لما ~~وقف أمام هيرودس1 طلب منه آية فلم يجبه إلى طلبه، فلما رأى ذلك سخر منه ~~ورده إلى عدوه بيلاطس بعد أن كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه، وذلك مذكور في ~~الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل لوقا. # هذا ولما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان، تحولوا إلى ~~سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث قالوا: {حرقوه ~~وانصروا آلهتكم} [الأنبياء: 68] كما في سورة الأنبياء، أما هؤلاء فازدادوا ~~بالأذى على كل من أسلم رجاء صدهم عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ~~يتركوا بابا إلا ولجوه، ms043 فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: "تفرقوا في ~~الأرض، فإن الله سيجمعكم" ، فسألوه عن الوجه فأشار إلى الحبشة. # هجرة الحبشة الأولى: # فعند ذلك تجهز ناس للخروج من ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم كما أشار عليه ~~الصلاة والسلام، وهذه هي أول هجرة من مكة، وعدة أصحابها عشرة رجال وخمس # 1 الحاكم الروماني. PageV01P043 # نسوة، وهم: عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله، وأبو سلمة وزوجه أم ~~سلمة، وأخوه لأمه أبو سبرة بن أبي رهم، وزوجه أم كلثوم، وعامر بن ربيعة ~~وزوجه ليلى، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجه سهلة بنت سهيل، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وعثمان بن مظعون، ومصعب بن عمير، وسهيل ابن البيضاء، والزبير بن ~~العوام، وجلهم من قريشن وكان عليهم -فيما روى ابن هشام- عثمان بن مظعون، ~~فساروا على بركة الله، ولما انتهوا إلى البحر، استأجروا سفينة أوصلتهم إلى ~~مقصدهم، فأقاموا آمنين من أذى يلحق بهم من المشركين، ولم يبق مع النبي عليه ~~الصلاة والسلام إلا القليل1. # إسلام عمر: # وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهمام عمر بن الخطاب العدوي القرشي بعد ما كان ~~عليه من كراهية المسلمين وشدة أذاهم، قالت ليلى -إحدى المهاجرات لأرض ~~الحبشة مع زوجها-: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ~~ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا به، فقال لي: إلى أين يا ~~أم عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، ~~فقال: صحبكم الله، فلما جاء زوجي عامر أخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ~~ترجين أن يسلم؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! وذلك لما كان يراه من ~~قسوته وشدته على المسلمين، ولكن حصلت له بركة دعوة المصطفى صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه قال قبيل إسلامه: "اللهم أعز الإسلام بعمر" وكان إسلامه في دار ~~الأرقم بن أبي الأرقم التي كان المسلمون يجتمعون فيها وقد حقق الله بإسلامه ~~ما رجاه عليه الصلاة والسلام، فقد قال عبد الله بن مسعود من رواية البخاري: ms044 ~~ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر2. فإنه طلب من رسول الله أن يعلن صلاته في ~~المسجد ففعل وقد أدرك الكفار كآبة شديدة حينما رأوا عمر أسلم، وكانوا قد ~~أرادوا قتله حتى اجتمع جمع حول داره ينتظرونه، فجاء العاص بن وائل السهمي ~~-وهو من بني سهم حلفاء بني عدي قوم عمر- وعليه حلة # 1 دلائل النبوة للبيهقي: ج2 ص285 والسيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص164. # 2 صحيح البخاري: ص 1346. PageV01P044 # حبرة، وقميص مكفوف بحرير، فقال لعمر: ما بالك؟ فقال: زعم قومك أنهم ~~سيقتلونني إن أسلمت. قال: لا سبيل إليك فأنا لك جار. فأمن عمر، وخرج العاص ~~فوجد الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن ~~الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فرجع الناس من حيث أتوا1. # رجوع مهاجري الحبشة: # وبعد ثلاثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث لا تتيسر لهم ~~الإقامة فيها لأنهم قليلو العدد -وفي الكثرة بعض الأنس- وأضف إلى ذلك أنهم ~~أشراف قريش ومعهم نساؤهم، وهؤلاء لا يطيب لهم عيش في دار غربة بهذه الحالة. # وقد أولع بعض المؤرخين بحكاية يجعلونها سببا في رجوع مهاجري الحبشة، وهي ~~أنه بلغهم إسلام قومهم حينما قرأ عليهم الرسول سورة النجم، وتكلم فيها ~~كلاما حسنا عن آلهتهم حيث قال بعد: {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة ~~الأخرى} [النجم:19، 20] تلك الغرانيق -جمع غرنوق وهي الطيور، ويراد بها ~~الملائكة- العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فسجدوا إعظاما لذلك وفرحا. # وهذا مما لا تجوز روايته إلا من قليلي الإدراك الذين ينقلون كل ما وجدوه ~~غير متثبتين من صحته، وها نحن أولاء نسوق لك أدلة النقل والعقل على بطلان ~~ما ذكر، أما الحديث فسنده ومتنه قلقان، فالسند قال فيه القاضي عياض في ~~الشفا: لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم، وأما المتن فليس ~~أصحاب رسول الله ولا المشركون مجانين حتى يسمعوا مدحا أثناء ذم ويجوز ذلك ~~عليهم، فبعد ذكر الأصنام قال: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها ms045 من سلطان} [النجم: 23]، فالكلام غير منتظم، ولو كان ذلك قد ~~حصل لاتخذه الكفار عليه حجة يحاجونه بها وقت الخصام، وهم من نعرفهم من ~~العناد فيما ليس فيه أدنى حجة، فكيف بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل ~~القبلة إلى الكعبة، وهذا قالوا فيه ما قالوا حتى سماهم الله سفهاء وأنزل ~~فيهم في سورة البقرة: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلولتي كانوا ~~عليها} [البقرة:142]، ولكن لم يسمع عن أي واحد من رجالاتهم # 1 دلائل النبوة: ج2 ص215 وما بعدها. PageV01P045 # والمتصدرين للعناد منهم أن قال: ما لك ذممت آلهتنا بعد أن مدحتها؟ وكان ذلك ~~أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مهج1 الرجال. # على أن المؤرخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سببا لرجوع مهاجري ~~الحبشة يقولون أثناء كلامهم: إن الهجرة كانت في رجب، والرجوع كان في شوال، ~~ونزول سورة النجم كان في رمضان، فالمدة بين نزول السورة وروجوع المهاجرين ~~شهر واحد، والمتأمل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في ذاك الزمن ~~للذهاب من مكة إلى الحبشة والإياب منها لأنه لم يكن إذ ذاك مراكب بخارية ~~تسهل السير في البحر، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش لمن بالحبشة، فلا ~~غرابة بعد ذلك إن قلنا: إن هذه الخرافة من موضوعات أهل الأهواء الذين ابتلى ~~الله بهم هذا الدين، ولكن الحمد لله فقد من علينا بحفظ كتابنا المجيد الذي ~~يحكم بيننا وبين كل مفتر كذاب ففي السورة نفسها: {وما ينطق عن الهوى} ~~[النجم: 3] والذي يلقيه الشيطان من أقبح ما يروى، فكيف يقول عليه الصلاة ~~والسلام أو يجري على لسانه مما يبث الشكوك في الوحي؟ الأمر الذي يريده ~~السفهاء، رد الله كيدهم في نحرهم. # والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد الله بن مسعود: أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قرأ والنجم فسجد، وسجد من كان معه إلا رجلا أخذ ~~كفا من حصى وضعه على جبهته، وقال: يكفيني هذا، فرأيته قتل بعد كافرا2. # وليس في هذا الحديث أدنى دلالة على ms046 أن الذين سجدوا معه هم مشركون، بل ~~الذي يفيده قوله: فرأيته قتل بعد كافرا: أنه كان مسلما ثم رأيته ارتد وهذا ~~ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحملوا الأذى فكفروا، منهم: علي بن ~~أمية بن خلف3. # هذا، ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن من الدخول إليها إلا من ~~وجد له مجيرا، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون ~~في جوار الوليد بن المغيرة، وقد رد عليه جواره حينما رأى ما صنعه ~~بالمسلمين، فلم ير أن يكون مرتاحا وإخوانه يعذبون. # 1 المهج: جمع مهجة وهي الروح. # 2 وهذه الكلمة الأخيرة فرأيته قتل بعد كافرا من قول ابن مسعود رضي الله عنه. # 3 وقد قتل مرتدا في بدر مع أبيه أمية. PageV01P046 # كتابة الصحيفة: # ولما ضاقت الحيل بكفار قريش، عرضوا على بني عبد مناف، الذين منهم الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، دية مضاعفة، ويسلمونه، فأبوا عليهم ذلك، ثم عرضوا على ~~أبي طالب أن يعطوه سيدا من شبانهم يتبناه، ويسلم إليهم ابن أخيه، فقال: ~~عجبا لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فلما رأوا ذلك ~~أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب ولدي عبد مناف وإخراجهم من ~~مكة، والتضييق عليهم فلا يبيعونهم شيئا، ولا يبتاعون منهم حتى يسلموا محمدا ~~للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم -بسبب ~~ذلك- في شعب أبي طالب، ودخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ما ~~عدا أبا لهب فإنه كان مع قريش، وانخذل عنهم بنو عميهم عبد شمس ونوفل ابني ~~عبد مناف، فجهد القوم حتى كانوا يأكلون ورق الشجر، وكان أعداؤهم يمنعون ~~التجار من مبايعتهم وفي مقدمة المانعين أبو لهب1. # هجرة الحبشة الثانية: # وبعد دخول الرسول وقومه الشعب أمر جميع المسلمين أن يهاجروا للحبشة حتى ~~يساعد بعضهم بعضا على الاغتراب، فهاجر معظمهم وكانوا نحو ثلاثة وثمانين ~~رجلا وثماني عشرة امرأة، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت ~~عميس، والمقداد بن الأسود، ms047 وعبد الله بن مسعود، وعبيد الله بن جحش، وامرأته ~~أم حبيبة بنت أبي سفيان، وتوجه لهم الذي أسلموا من جهة اليمن وهم ~~الأشعريون: أبو موسى وبنو عمه. ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن ~~العاص وعمارة بن الوليد بهدايا إلى النجاشي ليسلم المسلمين، فرجعا شر رجعة، ~~ولم ينالا من النجاشي إلا إهانة لما خاطبوه به من إخفار ذمته في قوم لاذوا ~~به، أما بنو هاشم فمكثوا في الشعب قريبا من ثلاث سنوات في شدة الجهد ~~والبلاء لا يصلهم شيء من الطعام إلا خفية2. # 1 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص 195. # 2 السابق: ج2 ص175 وما بعدها. وص 211 أيضا. PageV01P048 # 55]. وقد كان أهل مكة حينما عجزوا عن أمر رسول الله ولم يتمكنوا من مقارعة ~~الحجة بالحجة رموه بالسحر مرة، وبالكذب أخرى، وبالجنون طورا، وبالكهانة تارة. # كل ذلك شأن العاجز المعاند الذي لا يستحي لمزيد عناده أن يقول: {اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} ~~[الأنفال: 32]. # وفاة خديجة رضي الله عنها: # وبعد خروجه علي الصلاة والسلام من الشعب بقليل وقبل الهجرة بثلاث سنين ~~توفيت خديجة بنت خويلد زوجه رضي الله عنها، كان عليه الصلاة والسلام كثيرا ~~ما يذكرها ويترحم عليها، ولا غرابة، فهي أول نفس ذكية صدقت رسول الله فيما ~~جاء به عن ربه، وقد جاء منها بأولاده كلهم ما عدا إبراهيم. فمنها زينب وهي ~~أكبر بناته تزوجها في الجاهلية أبو العاص بن الربيع، وأعقب منها أمامة التي ~~تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ومنها رقية وأم كلثوم تزوجهما ~~عثمان؛ الأولى بمكة قبل الهجرة وهاجر بها إلى الحبشة، والثانية بالمدينة ~~بعد أن ماتت أختها، ومنها فاطمة وهي أصغر بناته تزوجها علي بن أبي طالب، ~~وقد جاءت خديجة بأولاد توفوا صغارا، ولم يعش بعد رسول الله من أولاده إلا ~~فاطمة عاشت بعده قليلا. ولما توفيت خديجة حزن عليها رسول الله حزنا شديدا ~~لما كانت عليه من الرقة لرسول الله، ms048 ومحاجزة الكفار عنه لما لها من الجاه ~~في عشيرتها بني أسد، ومنها القاسم وكان به يكنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر1. # زواج سودة: # وعقد عليه الصلاة والسلام في الشهر الذي ماتت فيه خديجة على سودة بنت ~~زمعة العامرية القرشية بعد أن توفي عنها زوجها وابن عمها السكران بن عمرو، ~~وقد كانت آمنت بالله وبرسوله وخالفت أقاربها وبني عمها، وهاجرت مع زوجها إلى # 1 دلائل النبوة: ج2 ص315 وما بعدها. PageV01P049 # الحبشة في المرة الثانية خوف الفتنة، وعقب رجوعه من هجرته توفي عنها، فلم ~~يكن ثم أجمل مما صنعه الرسول بزوج رجل آمن به، ولو تركت لقومها مع ما هم ~~عليه من الغلظة وكراهة الإسلام لفتنوها، وكرم نسبها في قومها يمنعها من ~~التزوج برجل أقل منها نسبا وشرفا1. # زواج عائشة رضي الله عنها: # وبعد ذلك بشهر عقد على عائشة بنت صديقه أبي بكر وهي لا تتجاوز السابعة من ~~عمرها، ولم يتزوج عليه الصلاة والسلام بكرا غيرها، ودخل عيها بالمدينة، أما ~~سودة فدخل عليها بمكة2. # وبعد وفاة خديجة بنحو شهر، توفي عمه أبو طالب3، الذي كان يمنعه من أذى ~~أعدائه، ومع أنه كان لا يكذب رسول الله فيما جاء به بل يعتقد صدقه لم ينطق ~~بالشهادتين حتى آخر لحظة من حياته، وفيه نزل في سورة القصص: {إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] ولكن ~~لأعماله العظيمة التي عملها مع رسول الله نرجو أن يخفف عنه. وعدم إسلامه هو ~~وغالب أقارب الرسول فيه من الحكمة ما لا يخفى، فإنهم لو بادروا باتباعه ~~لقيل: قوم يطلبون سيادة وفخرا ليسا لهم فجاءوا بهذا الأمر المفترى، ولكن ~~لما رأى المعاندون أن متبعيه أمية،لم يكن عندهم أدنى حجة يقيمونها، اللهم ~~إلا دعاويهم الكاذبة التي كانوا يتمسكون بها حينما تصدعهم الحجة من قولهم: ~~ساحر يفرق بين المرء وزوجه وكاهن يتكهن بالغيب. # وقد سمى رسول الله هذا العام الذي فقد فيه زوجه وعمه عام الحزن. ولما مات ms049 ~~أبو طالب نالت قريش من رسول الله ما لم يمكنها نيله في حياة أبي طالب، واشتد # 1 دلائل النبوة: ج2 ص409. # 2 دلائل النبوة: ج2 ص409. # 3 السابق: ج2 ص340. والسيرة النبوية: ج2 ص 263 وما بعدها. PageV01P050 # الأمر عليه حتى كانوا ينثرون التراب على رأسه وهو سائر، ويضعون أوساخ الشاة ~~عليه في صلاته، وتعلقت به كفار قريش مرة يتجاذبونه ويقولون له: أنت الذي ~~تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ فما تقدم أحد من المسلمين حتى يخلصه منهم ~~لما هم عليه من الضعف إلا أبو بكر فإنه تقدم، وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله} [غافر: 28]. # هجرة الطائف # فلما رأى عليه الصلاة والسلام استهانة قريش به أراد أن يتوجه إلى ثقيف ~~بالطائف يرجو منهم نصرته على قومه ومساعدته حتى يتمم أمر ربه، لأنهم أقرب ~~الناس إلى مكة وله فيهم خؤولة، فإن أم هاشم بن عبد مناف عاتكة السلمية من ~~بني سليم بن منصور وهم حلفاء ثقيف، فلما توجه إليهم ومعه مولاه زيد بن ~~حارثة قابل رؤساءهم وكانوا ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن ~~عمير الثقفي، فعرض عليهم نصرته حتى يؤدي دعوته، فردوا عليه ردا قبيحا، ولم ~~ير منهم خيرا، وحينذاك طلب منهم أن لا يشيعوا ذلك منه كي لا تعلم قريش ~~فيشتد أذاهم لأنه استعان عليهم بأعدائهم، فلم تفعل ثقيف ما رجاه منهم عليه ~~الصلاة والسلام، بل أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم يقفون في وجهه في الطريق ~~ويرمونه بالحجارة، حتى أدموا عقبه، وكان زيد بن حارثة يدرأ عنه إلى أن ~~انتهى إلى شجرة كرم واستظل بها، وكانت بجوار بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة ~~وهما من أعدائه وكانا في البستان، فكره رسول الله ماكنهما فدعا الله قائلا: ~~"اللهم! إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم ~~الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، ~~أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي ~~أوسع لي، أعوذ بنور ms050 وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا ~~والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ~~ولا قوة إلا بك" فلما رآه ابنا ربيعة رقا له وأرسلا إليه بقطف من العنب مع ~~مولى لهما نصراني اسمه عداس. فلما ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال عداس: هذا الكلام ما يقوله أهل هذه ~~البلاد، فقال له عليه الصلاة والسلام: "من أي البلاد أنت وما دينك؟" . ~~فقال: نصراني من نينوى. فقال له PageV01P051 ~~عليه الصلاة والسلام: "من قرية الرجل الصلاح يونس بن متى؟" قال: وما علمك ~~بيونس؟ فقرأ له من القرآن ما فيه قصة يونس، فلما سمع ذلك عداس أسلم1، وأتى ~~جبريل برسالة من الله جل ذكره، وقال: إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما ~~صنعوه معك، فقال عليه الصلاة والسلام: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" ~~فقال جبريل: صدق من سماك الرءوف الرحيم. # ولما كان بنخلة2 وفد عليه نفر من الجن يستمعون القرءان، وهم ممن ينتمون ~~إلى موسى صلوات الله عليه، فلما سمعوه أنصتوا له ورجعوا إلى قومهم منذرين ~~وأبلغوهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل في سورة الأحقاف: ~~{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما ~~قضي ولوا إلى قومهم منذرين ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ، ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين} ~~[الأحقاف: 29-32] وقد قص الله قصة الجن بعبارة أطول في سورة سميت باسمهم ~~أولها: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ، ~~يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 1، 2]. # الاحتماء بالمطعم بن عدي # ولما ms051 رجع عليه الصلاة والسلام من الطائف هكذا لم يتمكن من دخوله مكة، لما ~~علمه كفار قريش من أنه توجه إلى الطائف يستنصر بأهليها عليهم، فأرسل عليه ~~الصلاة والسلام إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف يخبره أنه سيدخل مكة ~~في جواره فأجاب إلى ذلك، وتسلح هو وبنوه وتوجهوا مع رسول الله إلى المطاف، ~~فقال له بعض المشركين: أمجير أنت أم تابع؟ فقال بل مجير، قالوا: إذا لا ~~تخفر ذمتك. # وفد دوس # وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة الطفيل بن عمرو الدوسي، ~~من قبيلة دوس، # 1 السيرة النبوية: ج2 ص266. # 2 نخلة: مكان بين مكة والطائف. وحول إسلام الجن انظر السيرة النبوية: ج2 ص 269. PageV01P052 # عشيرة أبي هريرة الصحابي الشهير، وكان الطفيل شريفا في قومه شاعرا نبيلا، ~~فلما قرأ عيه القرآن أسلم، فقال له رسول الله: "اذهب على قومك فادعهم إلى ~~الإسلام" ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اهد دوسا" ، ~~فتوجه إليهم الطفيل ودعاهم فآمن بدعوته كثير منهم. وستأتي وفادته على ~~الرسول مرة ثانية بقومه في المدينة1. # الإسراء والمعراج # وقبل الهجرة أكرمه الله بالإسراء والمعراج، أما الإسراء2 فهو توجه ليلا ~~إلى بيت المقدس بإيلياء ورجوعه من ليلته، وأما المعراج 3 فهو صعوده إلى ~~العالم العلوي، وقد قال جمهور أهل السنة: إن ذلك كان بجسمه الشريف، وكانت ~~عائشة رضي الله عنها تمنع رؤية رسول الله ربه، وتقول: من قال: إن محمدا رأى ~~ربه فقد أعظم الفرية على الله4، والإسراء مذكور في القرآن الكريم، قال ~~تعالى في أول سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} ~~[الإسراء: 1]. # وأما المعراج فقد ورد في صحيح السنة، وأصح أحاديثه ما رواه الشيخان ونقله ~~القاضي عياض في شفائه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أتيت بالبراق" -وهو دابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ms052 ~~عند منتهى طرفه- قال: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي ~~تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل ~~بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم ~~عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ ~~قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بآدم، فرحب ~~بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى # 1 حول الروايات في ذلك انظر دلائل النبوة: ج4 ص247 وج5 ص360 وما بعدها. # 2 دلائل النبوة للبيهقي ج2 ص354. # 3 السابق: ج2 ص366. # 4 عائشة رضي الله عنها أخبرت عن علمها، وقد ثبت بنص رواه ابن عباس في ~~المسند للإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرح برؤية ربه عز وجل: ~~"رأيت ربي ليلة أسري بي" . ولم يختلف الصحابة في الرؤية بل خلافهم في طبيعة ~~الرؤية: هل هي بأم عينه أم بقلبه؟. PageV01P053 # السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ ~~قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فغذا أنا بابني ~~الخالة يحيى وعيسى ابن مريم فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء ~~الثالثة فذكر مثل الأولى، ففتح لنا وإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر ~~الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فذكر مثله، فإذا ~~أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير، قال تعالى في سورة مريم: {ورفعناه مكانا ~~عليا} [مريم: 57]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا ~~بهارون فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله، ~~فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر ~~مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل ~~يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ~~أوراقها ms053 كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر ربي ما غشيها ~~تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما ~~أوحى، ففرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، ~~فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله ~~التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وخبرتهم، ~~قال: فرجعت إلى ربي وقلت له: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى ~~موسى، فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فسله ~~التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال سبحانه: يا ~~محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم ~~بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا، ومن هم ~~بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئا، ومن هم بسيئة فعملها كتبت له سيئة ~~واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله ~~التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" . # ثم رجع عليه الصلاة والسلام من ليلته، فلما أصبح غدا إلى نادي قريش فجاء ~~إليه أبو جهل بن هشام فحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى له فقال ~~أبو جهل: يا بني كعب بن لؤي هلموا، فأقبل عليه كفار قريش، فأخبرهم الرسول ~~الخبر، فصاروا بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتد ناس ممن ~~كان آمن به من ضعاف القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك ~~لقد صدق، قالوا: أتصدقه PageV01P054 ~~على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي من ذلك اليوم صديقا، ثم ~~قام الكفار يمتحنون رسول الله فسألوه نعت بيت المقدس وفيهم رجال رأوه، أما ~~رسول الله فلم يكن رآه قبل ذلك فجلاه الله له فصار يصفه لهم بابا بابا ~~وموضعا ms054 موضعا، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فأخبرنا عن عيرنا، وكانت لهم ~~عير قادمة من الشام، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: "تقدم يوم كذا مع ~~طلوع الشمس يقدمها جمل أورق" . فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال ~~قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت ~~يقدمها جمل أورق كما قال محمد، فلم يزدهم ذلك إلا كبرا وعنادا، حتى قالوا: ~~هذا سحر مبين. # وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلم رسول الله كيفية الصلاة وأوقاتها، ~~فيصلي ركعتين إذا ظهر الفجر، وأربع ركعات إذا زالت الشمس، ومثلها إذا ضوعف ~~ظل الشيء، وثلاثا إذا غربت، وأربعا إذا غاب الشفق الأحمر. وكان عليه الصلاة ~~والسلام قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا، ومثلهما مساء كما كان يفعل ~~إبراهيم عليه السلام1. # العرض على القبائل # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجد من قريش منعة من تأدية ~~الرسالة وتسلط الكبر والعظمة على قلوبهم، أراد الله أن يظهر أمر الدين على ~~أيدي غيرهم من العرب، فكان عليه الصلاة والسلام يخرج في المواسم العربية ~~-وهي أسواق كانت العرب تعقدها للتجارة والمفاخرة- ويعرض نفسه على القبائل ~~ليحموه حتى يؤدي رسالة ربه، فكان بعضهم يرد ردا جميلا وآخرون ردا قبيحا ~~وكان من أقبح القبائل ردا بنو حنيفة رهط مسيلمة الكذاب2، وطلب منه بنو عامر ~~إن هم آمنوا به أن يجعل لهم أمر الرياسة من بعده، فقال لهم: "الأمر لله ~~يضعه حيث يشاء" وكان من الذين يحجون البيت عرب يثرب وهي مدينة بين مكة ~~والشام يقطنها قبيلتان: إحداهما من ولد الأوس، والثانية من ولد الخزرج وهما ~~أخوان وكان بين أولادهما من العداوة ما يجعل الحرب لا تضع أوزارها بين ~~الفريقين، فكانوا دائما في شقاق ونزاع، وكان يجاورهم في المدينة أقوام # 1 دلائل النبوة: ج2 ص366 وما بعدها. # 2 السيرة النبوية لابن هشام: ج2 ص271. PageV01P055 # من اليهود وهم: بنو قينقاع، وبنو قريظة وبنو النضير1 وكان لهم الغلبة على ~~يثرب أولا، فحاربهم العرب حتى صاروا ذوي النفوذ ms055 فيها والقوة، وكان اليهود ~~إذا خذلوا يستفتحون على أعدائهم باسم نبي يبعث قد قرب زمانه، ولما اختلفت ~~كلمة العرب فيما بينهم وشقت عصا الألفة، حالفوا اليهود على أنفسهم، فحالف ~~الأوس بني قريظة، وحالف الخزرج بني النضير وبني قينقاع، وآخر الأيام بينهم ~~يوم بعاث قتل فيه أكثر رؤسائهم ولم يبق إلا عبد الله بن أبي بن سلول من ~~الخزرج، وأبو عامر الراهب من الأوس، ولذلك كانت عائشة تقول: كان يوم بعاث ~~يوما قدمه الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خطر ببال رؤساء الأوس ~~أن يحالفوا قريشا على الخزرج، فأرسلوا إياس بن معاذ وأبا الحيسر أنس بن ~~رافع مع جماعة يلتمسون ذلك الحلف في قريش، فلما جاءوا مكة جاءهم رسول الله ~~وقال: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ أن تؤمنوا بالله وحده، ولا تشركوا به ~~شيئا، وقد أرسلني الله إلى الناس كافة" ثم تلا عليهم القرآن، فقال إياس بن ~~معاذ: يا قوم، هذا والله خير مما جئنا له، فحصبه أبو الحيسر وقال له: دعنا ~~منك لقد جئنا لغير هذا، فسكت2. # بدء إسلام الأنصار # ولما جاء الموسم تعرض رسول الله لنفر منهم يبلغون الستة، وكلهم من الخزرج ~~وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث من بني النجار، ورافع بن مالك من بني ~~زريق، وقطبة بن عامر من بني سلمة، وعقبة بن عامر من بني حرام، وجابر بن عبد ~~الله من بني عبيد بن عدي، ودعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته في تبليغ رسالة ~~ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه للنبي الذي كانت تعدكم به يهود فلا يسبقنكم ~~إليه، فآمنوا به وصدقوه، وقالوا: إنا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما ~~بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ووعدوه المقابلة في الموسم ~~المقبل، وهذا هو بدء الإسلام لعرب يثرب3. # 1 أصل أسماء اليهود هؤلاء عربية على الأرجح تنسب قبائلهم إلى أسماء جبال ~~أو أمكنة، فهم عرب بلغتهم الدعوة اليهودية قديما في جزيرة العرب. وحول بني ~~عامر انظر السابق: ص272. # 2 القصة في ms056 السيرة النبوية: ج2 ص275 وما بعدها. # 3 السابق: ص 276 وما بعدها. PageV01P056 # العقبة الأولى # فلما كان العام المقبل قدم اثنا عشر رجلا، منهم عشرة من الخزرج، واثنان ~~من الأوس، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث، ورافع بن مالك، ~~وذكوان بن قيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة، وعقبة ~~بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء من الخزرج، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم ~~بن ساعدة وهما من الأوس، فاجتمعوا به عند العقبة، وأسلموا وبايعوا رسول ~~الله على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألا يشركوا بالله ~~شيئا، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه ~~بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، فإن وفوا فلهم الجنة، وإن غشوا ~~من ذلك شيئا فأمرهم إلى الله عز وجل، إن شاء غفر وإن شاء عذب، وهذه هي ~~العقبة الأولى1. # فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير العبدري وعبد الله ابن أم ~~مكتوم -وهو ابن خالة خديجة- يقرآنهم القرآن، ويفقهانهم في الدين، ونزل مصعب ~~على أحد المبايعين أبي أمامة أسعد بن زرارة، وصار يدعو بقية الأوس والخزرج ~~للإسلام، وبينما هو في بستان مع أسعد بن زرارة إذ قال سعد بن معاذ -رئيس ~~قبيلة الأوس- لأسيد بن حضير ابن عم سعد: ألا تقوم إلى هذين الرجلين اللذين ~~أتيا يسفهان ضعفاءنا لتزجرهما؟ فقام لهما أسيد بحربته، فلما رآه أسعد قال ~~لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه، فلما وقف عليهما قال: ما ~~جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما بأنفسكما حاجة، فقال مصعب: أو ~~تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره، فقرأ عليه ~~مصعب القرآن فاستحسن دين الإسلام، وهداه الله له فتشهد ورجع إلى سعد، فسأله ~~عما فعل، فقال: والله ما رأيت بالرجلين بأسا، فغضب سعد وقام لهما مغيظا، ~~ففعل معه مصعب كسابقه فهداه الله للإسلام، ورجع لرجال بني عبد الأشهل، وهم ~~بطن من الأوس، فقال لهم: ما تعدونني فيكم؟ قالوا: ms057 سيدنا وابن سيدنا، قال: ~~كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا، فلم يبق بيت من بيوت بني عبد ~~الأشهل إلا أجابه، وقد انتشر الإسلام في دور يثرب حتى لم يكن بينهم حديث ~~إلا أمر الإسلام2. # 1 السيرة النبوية: ج2 ص 280 وما بعدها. # 2 دلائل النبوة: ج2 ص430 وما بعدها. وهذه البيعة كانت بيعة على الإسلام. PageV01P057 # العقبة الثانية # ولما كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى، قدم مكة كثيرون منهم ~~يريدون الحج، وبينهم كثير من مشركيهم، ولما قابل وفدهم رسول الله، واعدوه ~~المقابلة ليلا عند العقبة، فأمرهم أن لا ينبهوا في ذلك الوقت نائما، ولا ~~ينتظروا غائبا؛ لأن كل هذه الأعمال كانت خفية من قريش كي لا يطلعوا على ~~الأمر، فيسعوا في نقض ما أبرم، شأنهم مع رسول الله في أول أمره. ولما فرغ ~~الأنصار من حجهم توجهوا إلى موعدهم كاتمين أمرهم عمن معهم من المشركين، ~~وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، فكانوا يتسللون الرجل والرجلين حتى تم ~~عددهم ثلاثة وسبعين رجلا، منهم اثنان وستون من الخزرج، وأحد عشر من الأوس، ~~ومعهم امرأتان وهما: نسيبة بنت كعب من بني النجار، وأسماء بنت عمرو من بني ~~سلمة، ووافقهم رسول الله هناك وليس معه إلا عمه العباس بن عبد المطلب وهو ~~على دين قومه، ولكن أراد أن يحضر أمر ابن أخيه ليكون متوثقا له، فلما ~~اجتمعوا عرفهم العباس بأن ابن أخيه لم يزل في منعة من قومه حيث لم يمكنوا ~~منه أحدا ممن أظهر له العدواة والبغضاء، وتحملوا من ذلك أعظم الشدة، ثم قال ~~لهم: إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، ~~فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم، فقال ~~كبيرهم المتكلم عنهم البراء بن معرور: والله! لو كان لنا في أنفسنا غير ما ~~ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله، وعند ~~ذلك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ لنفسك ولربك ما ms058 أحببت. فقال: ~~"أشرط لربي أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم" ، فقال له أبو الهيثم بن ~~التيهان: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال عهودا وإنا قاطعوها، فهل عسيت ~~إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم عليه ~~الصلاة والسلام، وقال: "بل الدم الدم والهدم الهدم" ، أي: إن طالبتم بدم ~~طالبت به وإن أهدرتموه أهدرته، وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة ~~الثانية، فبايعه الرجال على ما طلب، وأول من بايع أسعد بن زرارة، وقيل: ~~البراء بن معرور، ثم تخير منهم اثني عشر نقيبا، لكل عشيرة منهم واحد، تسعة ~~من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وهم: أبو الهيثم بن التيهان، وأسعد بن زرارة ~~وأسيد بن حضير، والبراء بن معرور، ورافع بن مالك، وسعد بن خيثمة، وسعد بن ~~الربيع، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن ~~الصامت، والمنذر بن عمرو، ثم قال PageV01P058 ~~لهم: "أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل ~~على قومي" ولأمر ما أراده الله بلغ خبر هذه البيعة مشركي قريش، فجاءوا ~~ودخلوا شعب الأنصار، وقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا ~~تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك، وصار بعض المشركين ~~الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يحصل منهم شيء في ليلتهم وعبد ~~الله بن أبي كبير الخزرج يقول: ما كان قومي ليفتاتوا علي بشيء من ذلك1. # هجرة المسلمين إلى المدينة # ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام أكثر من المرة الأولى، ~~أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما ~~سمعوا أنه حالف قوما عليهم، فأمر عليه الصلاة والسلام جميع المسلمين ~~بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون خيفة قريش أن تمنعهم، وأول من خرج أبو ~~سلمة المخزومي زوج أم سلمة ومعه زوجه، وكان قومها منعوها منه ولكنهم ~~أطلقوها بعد فلحقت به. وتتابع المهاجرون فرارا بدينهم ليتمكنوا من ms059 عبادة ~~الله الذي امتزج حبه بلحمهم ودمهم، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم ~~والابتعاد عن آبائهم وآبائهم ما دام في ذلك رضا الله ورسوله، ولم يبق بمكة ~~منهم إلا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة، وقليلون من المستضعفين الذين ~~لم تمكنهم حالهم من الهجرة، وقد أراد أبو بكر الهجرة2 فقال له عليه الصلاة ~~والسلام: "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي" ، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك ~~بأبي أنت؟ قال: "نعم" ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف ~~راحلتين كانتا عنده ورق السمر استعدادا لذلك. # 1 دلائل النبوة: ج2 ص442. وقد كانت هذه البيعة على الحرب والقتال، وذلك ~~أنهم سلموا الرسول صلى الله عليه وسلم السلطان في المدينة للحكم، وقد ظهر ~~من الألفاظ في هذه البيعة أن الوفد الذين حضروا كانوا يمثلون المسلمين في ~~المدينة تمثيلا فعليا، والاختيار للنقباء للتمثيل الحقيقي الكافي بهذا العدد. # 2 السابق: ج2 ص458 وما بعدها. PageV01P059 # دار الندوة # أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا بمس الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة ~~الأنصار له على الذود عنه حتى الموت، فاجتمع رؤساؤهم وقادتهم في دار الندوة ~~-وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون ما ~~يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه، فقال قائل منهم: ~~نخرجه من أرضنا كي نستريح منه، فرفض هذا الرأي لأنهم قالوا: إذا خرج اجتمعت ~~حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه، وقال آخر: نوثقه ونحبسه ~~حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت، فرفض هذا الرأي كسابقه، لأنهم ~~قالوا: إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره، ونحن أدرى الناس بمن دخل في دينه ~~حيث يفضلونه على الآباء والأبناء، فإذا سمعوا ذلك جاءوا لتخليصه وربما جر ~~هذا من الحرب علينا ما نحن في غنى عنه، وقال لهم طاغيتهم: بل نقتله، ولنمنع ~~بني أبيه من الأخذ بثأره، نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا يجتمعون أمام داره، ~~فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيفترق ms060 دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد ~~مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية، فأقروا هذا الرأي؛ هذا مكرهم، ~~ولكن إرادة الله فوق كل إرادة {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ~~[الأنفال: 30] فأعلم نبيه بما دبره الأعداء في سرهم، وأمره باللحاق بدار ~~هجرته، بدار فيها ينشر الإسلام، ويكون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~العزة والمنعة، وهذا من الحكمة بمكان عظيم فإنه لو انتشر الإسلام بمكة لقال ~~المبغضون: إن قريشا أرادوا ملك العرب، فعمدوا إلى شخص منهم، وأوعزوا إليه ~~أن يدعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل مآربهم، ولكنهم كانوا له أعداء ~~ألداء، آذوه شديد الأذى حتى اختار الله له مفارقة بلادهم والبعد عنهم. PageV01P060 ### | AUTO هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم # ... # هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم # فتوجه من ساعته إلى صديقه أبي بكر، وأعلمه أن الله قد أذن له في الهجرة، ~~فسأله أبو بكر الصحبة، فقال: "نعم" ، ثم عرض عليه إحدى راحلتيه اللتين ~~كانتا معدتين لذلك، فجهزهما أحث الجهاز، وصنعت لهما سفرة في جراب، فقطعت ~~أسماء بنت أبي بكر نطاقها، وربطت به على فم الجراب، واستأجرا عبد الله بن ~~أريقط من بني الديل بن بكر، وكان هاديا ماهرا، وهو على دين كفار قريش ~~فأمناه ودفعا إليه PageV01P060 ~~راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، ثم فارق الرسول عليه الصلاة ~~والسلام أبا بكر وواعده المقابلة ليلا خارج مكة، وكانت هذه الليلة هي ليلة ~~استعداد قريش لتنفيذ ما أقروا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله ~~داخله، فلما جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليا بالمبيت مكانه كي لا يقع ~~الشك في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يرددون النظر من شقوق الباب ~~ليعلموا وجوده، ثم سجى عليا ببرده، وخرج على القوم وهو يقرأ: {وجعلنا من ~~بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9]. فألقى ~~الله النوم عليهم حتى لم يره أحد، ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائرا حتى ~~تقابل مع الصديق، وسارا حتى بلغا غار ثور فاختفيا ms061 فيه1. # أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون علي بن أبي ~~طالب لا محمد بن عبد الله، هاجت عواطفهم، فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا ~~الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار ~~الذي فيه طلبتهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما، حتى أبكى ذلك أبا ~~بكر، فقال له عليه الصلاة والسلام: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة:40] ~~فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار بل ~~صار أعدى الأعداء أمية بن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار، ~~فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب، وكان يبيت عندهم عبد الله بن أبي ~~بكر وهو شاب ثقف ولقن فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، ~~فلا يسمع أمرا يكتادون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ~~وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من غنم يرعاها حين تذهب ساعة من ~~العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع أثره عامر ~~بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر، ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل ~~بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متبعين طريق الساحل2. # وفي الطريق لحقهم طالبا سراقة بن مالك المدلجي، وكان قد رأى رسل مشركي ~~قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة ناقة لمن قتله أو ~~أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام ~~عليهم وهم جلوس فقال: يا سراقة! إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا ~~وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم، ~~فقال: إنك رأيت # 1 دلائل النبوة: ج2 ص465 وما بعدها. # 2 انظر السابق: ج2 ص471 وما بعدها. PageV01P061 # فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، ~~وقام وركب فرسه، ثم سار، حتى دنا من الرسول ومن معه، فعثرت به ms062 فرسه فخر ~~عنها، ثم ركبها ثانيا وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو ~~بكر يكثر الالتفات فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخر ~~عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ساطع في ~~السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أن عمله ضائع سدى، وداخله رعب عظيم، ~~فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى جاءهم، ويقول ~~سراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله، فقلت: إن ~~قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهما بما يريد بهما الناس، وعرض عليهما الزاد ~~والمتاع فلم يأخذا منه شيئا بل قالا له: أخف عنا، فسأله سراقة أن يكتب له ~~كتاب أمن، فأمر أبا بكر فكتب. وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها ~~عنايته برسوله1. # وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى ~~الحرة حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد أن أطالوا انتظارهم، فلما ~~أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر ~~برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال ~~اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم -أي: حظكم- الذي تنتظرون، ~~فثاروا إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة2. # النزول بقباء # فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء، والذي حققه ~~المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي ~~يوافق 20 سبتمبر سنة 622، وهذا أول تاريخ جديد لظهور الإسلام بعد أن مضى ~~عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من ~~الجهر بعبادة ربه، أما الآن قد آواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد ~~أن كانوا قليلا يتخطفهم الناس. # 1 دلائل النبوة: ج2 ص483. # 2 السابق: ج2 ص498 وما بعدها. PageV01P062 # هجرة الأنبياء # وبهذه الهجرة تمت لرسولنا صلى الله عليه وسلم سنة إخوانه من الأنبياء من ~~قبله، فما ms063 من نبي منهم إلا نبت به بلاد نشأته، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي ~~الأنبياء وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ~~ورفعة مقامهم أهينوا من من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالا لمن يأتي بعدهم ~~من متبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في طاعة الله، فسل مصر ~~وتاريخها تنبئك عن إسرائيل -يعقوب- وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من ~~بنيها ترحيبا بهم، وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته، ولما مضت سنون، ~~نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم، ~~خرج بهم موسى وهارون ليتمكنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح ~~عليه السلام من اليهود حينما كذبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن ~~تعاليمه لتلاميذه: طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات، ثم ~~قال بعد: افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء ~~الذين قبلكم. وسل القرى التي حلت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد ~~وثمود تنبئك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر ~~عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله {سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 62]. # أعمال مكة # هذا، ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكة من ~~أصول الدين وذلك أمران: # الأول : الاعتقاد بوحدانية الله وألا يشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ~~ذلك الغير صنما كما يفعل مشركوا مكة، أو أبا أو زوجة أو بنتا كما عليه بعض ~~الطوائف الأخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كلف أحد نفسه ~~تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها ~~وملذاتها ما دام ذلك خافيا عن الناس. # الثاني : الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوما ثانيا للإنسان يجازى فيه ~~على ما صنعه في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وعلى هذين الأمرين جاء ~~غالب الآي PageV01P063 ~~المكية، فقلما نرى سورة من سور مكة إلا مشحونة بالاستدلال ms064 عليهما وتوبيخ من ~~تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين ~~يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع الوقت سدى، ونزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا ثلاثا وعشرين سورة ~~منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، ~~النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، ~~الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه ~~كلها مدنية وباقي القرآن مكي. # ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقباء، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن ~~الهدم، وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعد بن خيثمة لأنه كان عزبا1، ~~ونزل أبو بكر السنح2 -محلة بالمدينة- على خارجة بن زيد من بني الحارث من ~~الخزرج. # مسجد قباء # وأقام رسول الله بقباء ليالي أسس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه ~~مسجد أسس على التقوى من أول يوم، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من ~~الأنصار والمهاجرين، وهم آمنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله ~~في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بناة المساجد في القرون ~~الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جل همهم إلا منصرفا لتزيين القلوب، ~~وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يتقى ~~بها حر الشمس. # الوصول إلى المدينة # ثم تحول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي ~~سيوفهم، وهنا حدث ولا حرج عن سرور أهل المدينة، فكان يوم تحوله إليهم يوما ~~سعيدا لم يروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج ~~النساء والصبيان والولائد يقلن: # 1 العزب: غير المزوج. # 2 السنح: منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة. PageV01P064 # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع1 # وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع # أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع # وكان الناس يسيرون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ماش وراكب ~~يتنازعون زمام ناقته، كل يريد أن يكون نزيله. # أول جمعة # وأدركته عليه الصلاة ms065 والسلام صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فنزل ~~وصلاها وهذه أول جمعة له عليه الصلاة والسلام، وأول خطبة خطبها عليه الصلاة ~~والسلام حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس، فقدموا ~~لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن ~~له ربه -ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه- : ألم يأتك رسولي فبلغك، ~~وآتيتك مالا، وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى ~~شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ~~ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإن بها تجزى الحسنة عشرة ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" 2. # النزول على أبي أيوب # ثم ساروا وكلما مروا على دار من دور الأنصار يتضرع إليه أهلها بأن ينزل ~~عندهم، ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: "دعوها فإنها مأمورة"، ولم تزل سائرة ~~حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار -وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده- فبركت # 1 عبارة ثنيات الوداع تفضي إلى تناقض في الرواية، فالشعر لم يقل في هذا ~~المكان المذكور، بل عندما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة له هي ~~تبوك على الراجح. انظر موارد الظمآن لأبي الحسن الهيثمي تحقيق محمد عبد ~~الرزاق حمزة بيروت: ص493. فضلا عن أن الرواية هنا ضعيفة السند في رواية ~~البيهقي والسيرة النبوية لابن هشام. # 2 انظر دلائل النبوة: ج2 ص 524. والسيرة النبوية: ج2 ص282. PageV01P065 # بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد، وذلك محل ~~مسجده الشريف، فقال عليه الصلاة والسلام: "ههنا المنزل إن شاء الله" {رب ~~أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} [المؤمنون: 29] فاحتمل أبو أيوب ~~رحله ووضعه في منزله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده، ~~وخرجت ولائد بني النجار يقلن: # نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار # فخرج إليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتحببنني؟ " فقلن: نعم، ~~فقال: "الله يعلم أن ms066 قلبي يحبكن" واختار عليه الصلاة والسلام النزول في ~~الدور الأسفل من دار أبي أيوب ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرض رضي الله ~~عنه ذلك كرامة لرسول الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يحدثه وطء ~~الأقدام أو الماء الذي يهراق، فقد اتفق أن كسرت من زوجته جرة ماء بالليل، ~~فقام هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرها، يمسحان الماء خوفا على رسول ~~الله، ولذلك لم يزل أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العلو، وكانت تأتيه الجفان ~~كل ليلة من سراة الأنصار كسعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وأم زيد بن ثابت، ~~فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد1. # نزول المهاجرين # ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار، فحكموا ~~القرعة بينهم، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة. # أخوة الإسلام # ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر، بل بفضل من ~~الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل ~~الكتاب مع قلة العدد والعدد. # وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم2، قال تعالى في سورة ~~الحشر: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه # 1 السيرة النبوية: ج3 ص27. # 2 السابق: ج3 ص 36. PageV01P066 # فأولئك هم المفلحون} [الحشر:9] وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا ~~يرونه قليلا بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليمكن بينهم الإخاء، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ~~ونزيله أخوين في الله، ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضح للقارئ أن هذه ~~الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية، بل نكل ذلك للإحساس الإسلامي ~~فإنه أفصح منطقا من القلم. وعلى الإجمال فتلك قلوب ألف الله بينها حتى صارت ~~شيئا واحدا في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء ~~حتى يسودوا كما ms067 ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن ~~يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لكل ~~اثنين: "تآخيا في الله أخوين أخوين" . ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله ~~سبحانه قوله في سورة الأحزاب: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله} [الأحزاب: 6]. # هجرة أهل البيت # ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع ~~إلى مكة ليأتيا بمن تخلف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أريقط يدلهما ~~على الطريق، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه عليه الصلاة والسلام، وسودة ~~زوجه، وأم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاص ~~بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأم رومان، زوج أبيه، ~~وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملا بابنها عبد الله، ~~وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة. # حمى المدينة # ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقا للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيرا ~~منهم الحمى، وكان رسول الله يعودهم، فلما شكوا إليه الأمر قال: "اللهم حبب ~~إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مدها وفي صاعها، ~~وانقل وباءها إلى الجحفة" . فاستجاب الله جل وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في ~~المدينة بسلام1. # 1 دلائل النبوة: ج2 ص565. PageV01P067 # منع المستضعفين من الهجرة # ومنع مشركو مكة بعضا من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم، منهم: ~~الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص، فكان عليه الصلاة ~~والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة ~~ومحال في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع ~~وقبله، فروى كل صحابي ما رآه، وهذا سبب اختلاف الأئمة في مكان القنوت. PageV01P068 ### | AUTO السنة الأولى # ... # السنة الأولى # بناء المسجد # ثم شرع عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده في مبرك ناقته أمام محلة بني ~~مالك بن النجار، وكان محله مربدا للتمر يملكه غلامان يتيمان في حجر أسعد بن ~~زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، ms068 فقالا: بل نهبه لك ~~يا رسول الله، فأبى عليه الصلاة والسلام أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه ~~منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنبشت، وبالحفر ~~فسويت، وبالنخل فقطع، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وشرعوا في البناء به، ~~وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع ~~النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا قليلا، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ~~ليرغب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم: # اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة # وجعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، ثم ~~حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثر فيه، فأمر عليه الصلاة والسلام بحصبه، ولم ~~يزين المسجد بفرش حتى ولا بالحصر، وبني بجانبه حجرتان، إحداهما لسودة بنت ~~زمعة، والأخرى لعائشة، ولم يكن عليه الصلاة والسلام متزوجا غيرهما إذ ذاك، ~~وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات ~~تبنى كلما جاءت زوج1. # بدء الأذان # أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائما متذكرين عظمة العلي الأعلى، ~~فيتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في محكم كتابه في سورة ~~العنكبوت: # 1 دلائل النبوة: ج2 ص538 وما بعدها. PageV01P069 # {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] وجعل أفضل الصلاة ما ~~كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضا في شئونهم واحتياجاتهم، ويقووا روابط ~~الألفة والاتحاد بينهم، ومتى حان وقت الصلاة فلا بد من عمل ينبه الغافل، ~~ويذكر الساهي حتى يكون الاجتماع عاما، فائتمر النبي عليه الصلاة والسلام مع ~~الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها ~~الناس، فلم يرضوا ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل، وقال آخرون: نشعل ~~نارا على مرتفع الهضاب فلم يقبل أيضا، وأشار آخرون ببوق -وهو ما كانت ~~اليهود تستعمله لصلواتهم- فكرهه رسول الله، لأنه لم يكن يحب تقليد اليهود ~~في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس -وهو ما يستعمله النصارى- فكرهه الرسول ~~أيضا، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي ms069 بها ~~فقبل هذا الرأي، وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد الأنصاري، فبينما هو ~~بين النائم واليقظان إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند ~~النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر الله أكبر مرتين، وتشهد ~~مرتين، ثم قل: حي على الصلاة مرتين، ثم قل: حي على الفلاح مرتين، ثم كبر ~~ربك مرتين، ثم قل لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأخبره خبر رؤياه، فقال: "إنها لرؤيا حق" ، ثم قال له: "لقن ذلك ~~بلالا فإنه أندى صوتا منك" ، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: ~~والله لقد رأيت مثله يا رسول الله، وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة، والآخر ~~عبد الله ابن أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: ~~الصلاة خير من النوم مرتين، وأقره الرسول على ذلك1. وكان عليه الصلاة ~~والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين: أولهما يوقظ به الغافلون حتى ينتبهوا ~~للسحور، والثاني للصلاة، وأما الأذان للجمعة، فكان أوله إذا جلس الإمام على ~~المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان ~~عثمان وكثر الناس زاد نداء آخر على الزوراء. رواه البخاري. # ولما تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله ~~على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر ~~في العهد الأول بين يديه. # فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشام بن عبد # 1 السيرة النبوية: ج3 ص40 وما بعدها. PageV01P070 # الملك، ولا معنى لهذا الأذان، لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو في المسجد ~~لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في ~~المسجد. ذكر ذلك الشيخ محمد ابن الحاج في المدخل. # قال الحافظ في فتح الباري: وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء ~~إليها بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في ms070 بعض البلاد دون ~~بعض واتباع السلف الصالح أولى.اه. # فعلم من ذلك كله أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذان الجمعة أنه ~~كان إذا جلس على المنبر أذن مؤذنه على المنار فإذا انتهت الخطبة أقيمت ~~الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع. # أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في نصها ~~فرواها محمد بن إدريس الشافعي مفردة إلا لفظ "قد قامت الصلاة" فمثنى، ~~ورواها مالك بن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مثنى كلها. # يهود المدينة # هذا، وكما ابتلى الله المسلمين في مكة بمشركي قريش ابتلاهم في المدينة ~~بيهودها وهم: بنو قينقاع، وقريظة، والنضير، فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء ~~حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق، وكانوا قبل مجيء الرسول ~~يستفتحون على المشركين من العرب إذا شبت الحرب بين الفريقين بنبي يبعث قد ~~قرب زمانه، فلما جاءهم ما عرفوا استعظم رؤساؤهم أن تكون النبوة في ولد ~~إسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغيا، مع أنهم يرون أن رسول الله محمدا لم ~~يأت إلا مصدقا لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها على من سبقه من ~~المرسلين، مبينا ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا ~~يعلمون، ومما عابوه على الإسلام نسخ الأحكام، وما دروا أن القادر العليم ~~يعلم ما يحتاجه الإنسان أكثر منهم، فإنه ميال بطبعه للترقي، والرسول عليه ~~الصلاة والسلام وجد بادئ بدء بين جماعة من العرب أميين ليسوا على شيء من ~~الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن يكون التشريع لهم على التدريج، ~~لأنه لو حرم الله عليهم شرب الخمر وأكل الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة، ~~وهكذا إلى آخر الأوامر والمناهي التي جاء بها الشرع الإسلامي لما أجابه أحد من PageV01P071 ~~هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم، الذين كانوا منغمسين في كثير من ~~الأضاليل، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر شيئا فشيئا حتى روضت ~~عقولهم، وهذبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث ~~التي تقتضيها، ليكون التأثير ms071 في النفوس أشد، ولكن اليهود أرادوا غل يد ~~القدرة عن أن تفعل إلا ما يشتهون، وقد حجهم القرآن الشريف بما يدل على أنهم ~~يعلمون من نفوسهم البعد عن الحق، فقال في سورة البقرة: {قل إن كانت لكم ~~الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} ~~[البقرة:94] ثم حتم جل ذكره عدم إجابتهم بقوله: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين} [البقرة:95]، فلو كانوا يعلمون من أنفسهم ~~أنهم على الحق لما تأخروا عما طلب منهم مع سهولته، وحرصهم على تكذيب الصادق ~~الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو نطقا باللسان، وقد تبين ~~الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد الله بن سلام، فترك هواه وأسلم بعد أن ~~سمع القرآن، وبعد أن كان اليهود يعدونه من رؤسائهم، عدوه من سفهائهم حينما ~~بلغهم إسلامه، ف {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} [البقرة: 90]، ولما استحكمت في ~~قلوبهم عدواة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره: {ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة: 32]1. # المنافقون # وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، ~~فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد الله بن أبي بن ~~سلول الخزرجي، الذي كان مرشحا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا شك أن ضرر المنافقين أشد على المسلمين من ضرر الكفار، ~~لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من ~~اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارا، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ~~ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم ~~في عمل ما، فكثيرا ما كان يتغيب # 1 السيرة النبوية: ج3 ص46 وما بعدها. وحول إسلام ابن سلام انظر ص 49 من ~~السيرة. PageV01P072 # عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن ms072 لم يعهد أنه ولى رجلا ممن عهد ~~عليه النفاق، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو ولوا عملا، ~~فإنهم بلا شك يتخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهم لرؤساء ~~الإسلام، يعلمهم ألا يثقوا في الأعمال المهمة إلا بمن لم تظهر عليهم شبهة ~~النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد1. # معاهدة اليهود # هذا، وقد علمت أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود ~~والمنافقون، ولكن الرسول قبل من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهدا مقتضاه ~~ترك الحرب والأذى، فلا يحاربهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحدا، وإن دهمه ~~بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرهم على دينهم. # مشروعية القتال # قد علم مما تقدم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يقاتل أحدا على ~~الدخول في الدين، بل كان الأمر قاصرا على التبشير والإنذار، وكان الله ~~سبحانه ينزل عليه من الآي ما يقويه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى ~~قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل} [الأحقاف: 35]، وكان كثيرا ما يقص الله عليه أنباء إخوانه من ~~المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجئوه إلى الخروج ~~من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعداء على المسلمين ~~حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال ~~مشركي قريش بقوله في سورة الحج: {أذن للذين يقاتلون بأنهم # 1 المنافقون هنا هم كافرون، وهو نفاق الإيمان، بخلاف نفاق العمل الذي بين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيه علاماته وآياته. وقد ضيق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على المنافقين ونكل بهم لتأثيرهم الشديد في الوسط السياسي ~~بالمدينة المنورة، فقد كانوا متآمرين على الدولة الوليدة حتى جاء في بعض ~~السير أنهم كاتبوا ملك الروم في هذا الصدد فحرق عليهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم المسجد الذي بنوه ضرارا وكفرا كما جاء في القرآن الكريم ذلك. وانظر ~~السيرة النبوية: ج3 ص126 وما بعدها. PageV01P073 # ظلموا وإن الله على ms073 نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله} [الحج: 39، 40]، ثم أمرهم بذلك في قوله في سورة البقرة: ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين ، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: ~~190-193]. # وبذلك لم يكن الرسول يتعرض إلا لقريش دون سائر العرب، فلما تمالأ على ~~المسلمين غير أهل مكة من مشركي العرب، واتحدوا عليهم مع الأعداء، أمر الله ~~بقتال المشركين كافة بقوله في سورة التوبة: {وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة} [ التوبة: 36] وبذلك صار الجهاد عاما لكل من ليس له كتاب ~~من الوثنيين وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ~~ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، ~~وحسابهم على الله" ، ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث إنهم ~~ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال: {وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} ~~[الأنفال:58] وقتالهم واجب حتى يدينوا أيو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ~~ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله للأعداء على هذه المبادئ1 ~~الآتية: # 1- اعتبار مشركي قريش محاربين لأنهم بدءوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ~~ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين. # 2- متى رئي من اليهود خيانة وتحيز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم ~~بالنفي أو القتل. # 3 متى تعدت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشا قوتلت حتى تدين ~~بالإسلام. # 1 الأولى أن يقال: المفاهيم لا المبادئ، لأن المبدأ يشمل العقائد وما ~~ينجم عنها. PageV01P074 # 4- كل من بادأ بعداوة ms074 من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو ~~يعطي الجزية عن يد وهو صاغر. # 5- كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، والإسلام يقطع ما قبله. # وقد أنزل الله في القرآن الكريم كثيرا من الآي تحريضا على الإقدام في ~~قتال الأعداء وتبعيدا عن الفرار من الزحف، فقال في الموضوع الأول في سورة ~~النساء: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74]. ~~وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~[الأنفال: 15، 16]1. # بدء القتال # كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويسمى الركب ~~السائر بهذه التجارة عيرا، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم ~~وسراتهم، ولا بد لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يصادر تجارتهم ذاهبة وآيبة، ليكون في ذلك عقاب ~~لمشركي مكة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان ~~القتال الذي لا بد أن يكون، لأن قريشا لم تكن لتسكت عمن سفه أحلامهم وعاب ~~عبادتهم خصوصا وهم قدوة العرب في الدين. # سرية حمزة بن عبد المطلب # ففي شهر رمضان أرسل عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلا من المهاجرين، ~~وعقد لهم لواء أبيض حمله أبو مرثد حليف حمزة، ليعترض عيرا لقريش آيبة من ~~الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار حمزة حتى وصل # 1 انظر حول الإذن بالقتال والجهاد دلائل النبوة: ج2 ص576 وما بعدها. PageV01P075 # ساحل البحر من ناحية العيص فصادف العير هناك، فلما تصافوا للقتال حجز بين ~~الفريقين مجدي بن عمرو الجهني فأطاعوه وانصرفوا، وشكر عليه الصلاة والسلام ~~مجديا على عمله لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم1. # سرية عبيدة بن ms075 الحارث # وفي شوال أرسل عبيدة بن الحارث ابن عم حمزة في ثمانين راكبا من ~~المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مسطح بن أثاثة ليعترض عيرا لقريش، فيها ~~مئتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ2 فكان بينهما الرمي بالنبل، ثم خاف ~~المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفر من ~~المشركين إلى المسلمين المقداد بن الأسود وعتبة بن غزوان وكانا قد أسلما ~~وخرجا ليلحقا بالمسلمين. # وفيات # وفي هذه السنة توفي من المهاجرين عثمان بن مظعون أخو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الرضاع أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، ولما دفن أمر عليه الصلاة ~~والسلام بأن يرش قبره بالماء، ووضع على قبره حجرا، وقال: "أتعلم به قبر ~~أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي" ، وهذا كان القصد من وضع الأحجار على ~~المقابر، لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على القبور، ~~وتصويرها بصور ترى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت ويصنعوا ~~عندها احتفالات كثيرة، تشبه ما كان يفعله مشركو مكة عند معابدهم، ومن العبث ~~فعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأمور الآخرة. # ومات من الأنصار أسعد بن زرارة أحد النقباء الاثنى عشر، كان رضي الله عنه # 1 دلائل النبوة: ج3 ص9. وقد اختلف في أسبقية سرية حمزة على عبيدة بن ~~الحارث. # 2 المكان هو الأحياء من رابغ، وهو ماء للعرب بين الجحفة وقديد. وانظر ~~المستدرك على الصحيحين: ج3 ص207. ورابغ واد من الجحفة بين الجحفة وودان. ~~معجم البلدان لياقوت: ج3 ص11 من طبعة دار الفكر/ بيروت. PageV01P076 # نقيب بني النجار، ولما مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن "ابن ~~أخت القوم منهم"، ومات أيضا البراء بن معرور أحد النقباء، وهو الذي كان ~~يتكلم عن القوم في العقبة الثانية. ومات من مشركي مكة في هذه السنة الوليد ~~بن المغيرة، ولما احتضر جزع فقال له أبو جهل: ما جزعك يا عم؟ فقال: والله ~~ما بي من جزع من الموت، ولكن أخاف أن يظهر دين ms076 ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو ~~سفيان: لا تخف إني ضامن ألا يظهر، وفيها أيضا مات العاص بن وائل السهمي، ~~وقد كفى الله المسلمين شر هذين الشقيين. PageV01P077 ### | AUTO السنة الثانية # ... # السنة الثانية # غزوة ودان # ولاثنتي عشرة ليلة خلت من السنة الثانية خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المدينة بعد أن استخلف عليها سعد بن عبادة، ليعترض عيرا لقريش، ~~فسار حتى بلغ ودان 1، وكان يحمل لواءه عمه حمزة، ولم يلق هناك حربا لأن ~~العير كانت قد سبقته، وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم آمنون على ~~أنفسهم ولهم النصر على من رامهم، وأن عليهم نصرة المسلمين إذا دعوا، ثم رجع ~~إلى المدينة بعد مضي خمس عشرة ليلة. # غزوة بواط # ولم يمض على رجوعه غير قليل حتى بلغه أن عيرا لقريش آيبة من الشام فيها ~~أمية بن خلف ومائة من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فسار إليها في مئتين من ~~المهاجرين، وذلك في ربيع الأول، وكان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، فسار حتى ~~بلغ بواط2، فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلق كيدا3، وذلك كله لما كان ~~يأخذه المشركون من الحذر على أنفسهم والاجتهاد في تعمية أخبارهم عن أهل ~~المدينة. # غزوة العشيرة # وأعقب رجوعه عليه الصلاة والسلام خروج قريش بأعظم عير لها، فقد جمعوا ~~فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي أو قرشية لها مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك # 1 ودان هي قرية بين مكة والمدينة من نواحي الفرع، بينها وبين هرش ستة ~~أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قرية من الجحفة. # 2 بواط: جبل من جبال جهينة قرب ينبع. # 3 أي لم يقاتله أحد. PageV01P078 # العير، وكان يرأسها أبو سفيان بن حرب ومعه بضعة وعشرون رجلا، فخرج لها ~~الرسول في جمادى الأول ومعه مائة وخمسون من المهاجرين، واستخلف على المدينة ~~أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل لواءه عمه حمزة، ولم يزل سائرا حتى بلغ ~~العشيرة فوجد العير قد مضت، وادع1 عليه الصلاة والسلام في هذه ms077 الغزوة بني ~~مدلج وحلفاءهم، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ينتظر هذه العير ~~حينما ترجع. # غزوة بدر الأولى # وبعد رجوعه عليه الصلاة والسلام بقليل جاء كرز بن جابر الفهري، وأغار على ~~سرح2 المدينة وهرب، فخرج الرسول في طلبه، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة ~~الأنصاري، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، فسار حتى بلغ سفوان وفاته كرز فلم ~~يلق حربا، وتسمى هذه الغزوة بدرا الأولى3. # سرية عبد الله بن جحش # وفي رجب من هذه السنة أسر سرية عدتها ثمانية رجال، يرأسها عبد الله بن ~~جحش، وأعطاه كتابا مختوما لا يفضه إلا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار ~~عبد الله يومين، ثم فتح الكتاب فإذا فيه: "إذا نظرت كتابي هذا فامض حتى ~~تنزل نخلة، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم" . وإنما لم يخبرهم عليه ~~الصلاة والسلام بمقصدهم وهم بالمدينة حذرا من شيوع الخبر، فيدل عليهم أحد ~~الأعداء من المنافقين أو اليهود فترصد لهم قريش. ولا يخفى أن عدد السرية ~~قليل لا يمكنه المقاومة، ثم سار عبد الله رضي الله عنه، وفي أثناء السير ~~تخلف سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان لأنهما أضلا بعيرهما الذي كانا ~~يعتقبانه، وسار الباقون حتى وصلوا نخلة فمرت بهم عير قرشية تريد مكة فيها ~~عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل، # 1 في الأصل: حالف، وقد صححناه من عندنا، لأن الموادعة هي التي حصلت؛ وهي ~~معاهدة مطلقا. والعشيرة: اسم مكان. # 2 السرح: ما يسرح به من الماشية، أي يغدى به ويراح. # 3 سفوان: واد من ناحية بدر. وانظر دلائل النبوة: ج3 ص13. PageV01P079 # والحكم بن كيسان، فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما ~~معهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا ~~عثمان والحكم، وهرب نوفل، واستاقوا العير وهي أول غنيمة غنمها المسلمون من ~~أعدائهم قريش ثم رجعوا، ولم يتمكن المشركون من اللحاق بهم، فلما قدموا ~~المدينة وشاع أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم، ms078 وعابتهم قريش واليهود بذلك، ~~عنفهم المسلمون، وقال لهم عليه الصلاة والسلام: "ما أمرتكم بقتال في الأشهر ~~الحرم" فندموا، فأنزل الله في سورة البقرة: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] فسري عنهم، وقد ~~طلب المشركون فداء أسيريهما، فقال عليه الصلاة والسلام: "حتى يرجع سعد ~~وعتبة" ، فلما رجعا قبل عليه الصلاة والسلام الفدية في الأسيرين، فأما ~~الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وبقي مع المسلمين، وأما عثمان فلحق بمكة ~~كافرا1. # تحويل القبلة # مكث عليه الصلاة والسلام بالمدينة ستة عشر شهرا يستقبل بيت المقدس في ~~صلاته، وكان يحب أن تكون قبلته الكعبة ويقلب وجهه في السماء داعيا الله ~~بذلك، فبينما هو في صلاته إذ أوحى الله إليه بتحويل القبلة إلى الكعبة ~~فتحول، وتحول من وراءه وكانت هذه الحادثة سببا لافتتان بعض المسلمين الذين ~~ضعفت قلوبهم فارتدوا على أعقابهم، وقد أكثر اليهود من التنديد على الإسلام ~~بهذا التحويل، وما دروا أن لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم2. # صوم رمضان # وفي شعبان من هذه السنة أوجب الله صوم شهر رمضان على الأمة الإسلامية، ~~وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والصيام من دعائم # 1 دلائل النبوة: ج3 ص17 وما بعدها. # 2 السابق: ج2 ص571. PageV01P080 # هذا الدين، والفرائض التي بها يتم النظام، فإن الإنسان مجبول على حب نفسه، ~~والسعي فيما يعود عليها بالنفع الخاص، تاركا ما وراء ذلك من حاجات الضعفاء ~~والمساكين، فلا بد من وازع يزعه لحاجات قوم أقعدتهم قواهم عن إدراك ~~حاجاتهم، ولا أقوى من ذوق قوارص الجوع والعطش، إذ بهما تلين نفسه ويتهذب ~~خلقه، فيسهل عليه بذل الصدقات. # صدقة الفطر # ولذلك أوجب الشارع الحكيم عقب الصوم زكاة الفطر فترى الإنسان يبذلها ~~بسخاء نفس ومحبة خالصة. # زكاة المال # وفي هذا العام فرضت زكاة الأموال، وهذه هي النظام الوحيد الذي به يأكل ~~الفقراء والمساكين ms079 من إخوانهم الأغنياء بلا ضرر على هؤلاء، فإذا بلغت ~~الدنانير1 عشرين أو الدراهم مائتين، وحال عليها الحول، وجب عليك أن تؤدي ~~ربع عشرها، أي اثنين ونصفا في كل مائة، وما زاد فبحسابه، وإذا بلغت الشياه ~~أربعين، والبقر ثلاثين، والإبل خمسا، وحال عليها الحول وجب عليك كذلك أن ~~تؤدي منها جزءا مخصوصا حدده الشارع، ومثلها عروض التجارة، ومحصولات الزراعة ~~كل هذا يقبضه الإمام، ويوزعه على مستحقيه من الفقراء والمساكين وبقية ~~المذكورين في آية الصدقة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]. واللبيب العاقل البعيد عن التعصب يحكم # 1 الدينار ذهبي ويزن /25.4 غ/ من الذهب، وكذلك يزن الدرهم من الفضة. وتقع ~~الزكاة فيهما وفي الإبل والبقر والغنم والشاء وعروض التجارة والقمح والشعير ~~والتمر والزبيب. والأرض عليها خراج وعشر، فالخراج إذا كانت الأرض قد دخلت ~~الفتح عنوة لا صلحا، وذلك إلى يوم القيامة، وأما الصلح فعلى الأرض عشر فقط ~~إذا كانت بيد مسلم، وعيها الخراج ما دامت بيد كافر. ويجتمع الخراج والعشر ~~في الأصح والراجح. وتجدر الإشارة إلى أن الزكاة ليست كل الحل للمشاكل بل هي ~~جزء من الحل في نظام كامل متكامل. PageV01P081 # لأول نظرة أن هذا النظام مع عدم إضراره بالأغنياء مقلل لمصائب الفقر التي ~~ألجأت كثيرا من فقراء الأمم أن يخالفوا نظام دولهم، ويؤسسوا مبادئ تقويض ~~العمران وتداعي الأمن كما يفعله الاشتراكيون وغيرهم. # غزوة بدر الكبرى # لم يطل العهد بتلك العير العظيمة التي خرج لها عليه السلام وهي متوجهة ~~إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقبا رجوعها، فلما سمع برجوعها ندب إليها ~~أصحابه، وقال: "هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها" ، فأجاب ~~قوم، وثقل آخرون، لظنهم أن الرسول عليه السلام لم يرد حربا، فإنه لم يحتفل ~~بها بل قال: "من كان ظهره حاضرا فليركب معنا" . ولم ينتظر من كان ظهره ~~غائبا. فخرج لثلاث ليال خلون من رمضان بعد أن ولى على المدينة ms080 عبد الله ابن ~~أم مكتوم، وكان معه ثلاث مائة وثلاثة فرسان، وسبعون بعيرا يعتقبونها، ~~والحامل للواء مصعب بن عمير العبدري. ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول صلى ~~الله عليه وسلم استأجر راكبا ليأتي قريشا ويخبرهم الخبر، فلما علموا بذلك ~~أدركتهم حميتهم، وخافوا على تجارتهم، فنفروا سراعا ولم يتخلف من أشرافهم ~~إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاص بن هشام بن المغيرة. ~~وأراد أمية بن خلف أن يتخلف لحديث حدثه إياه سعد بن معاذ حينما كان معتمرا ~~بعد الهجرة بقليل، حيث قال -كما رواه البخاري-: سمعت من رسول الله يقول: ~~"إنهم قاتلوك" قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك وحلف ألا يخرج، فعابه ~~أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصدا الرجوع بعد قليل ولكن إرادة الله فوق كل ~~إرادة، فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه. وكذلك عزم جماعة من الأشراف على ~~القعود فعيب عليهم ذلك، وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج، فخرجوا على ~~الصعب والذلول، أمامهم القينات1 يغنين بهجاء المسلمين: {وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} [الأنفال: ~~48]. وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثلا يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال ~~في سورة الحشر: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء ~~منك إني أخاف الله رب العالمين} # 1 القينة: هي المرأة المغنية التي تغني بتهتك وهلوك وخلاعة وقد تمكن ~~الناس من مس جسدها. PageV01P082 # [الحشر: 16] وهكذا كان عمله في هذه الواقعة {فلما تراءت الفئتان نكص على ~~عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد ~~العقاب} [الأنفال: 48] . # وكان عدة من خرج من المشركين تسع مئة وخمسين رجلا معهم مئة فرس وسبع مئة بعير. # أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يعرف شيئا مما فعله المشركون، ~~ولم يكن خروجه إلا للعير، فعسكر ببيوت السقيا خارج المدينة، واستعرض الجيش ~~فرد من ليس له قدة على الحرب، ثم أرسل ms081 اثنين يتجسسان الأخبار عن العير. ~~ولما بلغ الروحاء جاءه الخبر بمسير قريش لمنع عيرهم، وجاءه مخبراه بأن ~~العير ستصل بدرا غدا أو بعد غد، فجمع عليه الصلاة والسلام كبراء الجيش وقال ~~لهم: "أيها الناس، إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم: العير أو ~~النفير" فتبين له عليه الصلاة والسلام أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة1؛ ~~وهي العير ليستعينوا بما فيها من الأموال، فقد قالوا: هلا ذكرت لنا القتال ~~فنستعد وجاء مصداق ذلك قوله في سورة الأنفال: {وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} [الأنفال: 7]. ثم ~~قام المقداد بن الأسود رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك ~~الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~معكما مقاتلون، والله! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى ~~تبلغه، فدعا له بخير، ثم قال عليه السلام: "أشيروا علي أيها الناس" وهو ~~يريد الأنصار لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تجب عليهم نصرته إلا ~~ما دام بين أظهرهم. فإن فيها: يا رسول الله، إنا برآء من ذمتك حتى تصل إلى ~~دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. ~~فقال سعد بن معاذ، سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: "أجل" فقال ~~سعد: قد آمنا بك وصدقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا، فامض لما أمرك الله، ~~فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره ~~أن تكون تلقى العدو بنا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل ~~الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. # فأشرق وجهه عليه السلام، وسر بذلك، وقال كما في رواية البخاري: "أبشروا ~~والله كأني # 1 ذات الشوكة: كناية عن الحرب. PageV01P083 # أنظر إلى مصارع القوم" فعلم القوم من هذه الجملة أن الحرب لا بد حاصلة، ms082 ~~وحقيقة حصلت، فإن أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق ~~المسلوكة، وسار متبعا ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يعلمهم بذلك، ويشير ~~عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدرا فنقيم فيه ثلاثا: ننحر ~~الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ~~أبدا. فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة -وكان حليفا لهم-: ارجعوا يا ~~قوم، فقد نجى الله أموالكم فرجعوا، ولم يشهد بدرا زهري ولا عدوي، ثم سار ~~الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة. # أما جيش المسلمين، فإنه لما قارب بدرا أرسل عليه السلام علي بن أبي طالب ~~والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار، فصادفا سقاة لقريش فيهم غلام لبني ~~الحجاج وغلام لبني العاص السهميين، فأتيا بهما، والرسول عليه السلام قائم ~~يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء، ~~فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان ~~فتركاهما. ولما أتم الرسول عليه السلام صلاته، قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، ~~وإذا كذباكم تركتموهما؟! صدقا والله إنهما لقريش" . ثم قال لهما: "أخبراني ~~عن قريش؟" قالا: هم وراء هذا الكثيب، فقال لهما: "كم هم؟" فقالا: لا ندري. ~~قال: "كم ينحرون كل يوم؟" . قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال: " القوم ما ~~بين التسعمائة والألف" ، ثم سألهما عمن في النفير من أشراف قريش فذكرا له ~~عددا عظيما، فقال عليه السلام لأصحابه: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ ~~كبدها" ، ثم ساروا حتى نزلوا بعدوة1 الوادي الدنيا من المدينة. # بعيدا عن الماء في أرض سبخة، فأصبح المسلمون عطاشا بعضهم جنب وبعضهم ~~محدث، فحدثهم الشيطان بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، ~~فإنه قال لهم: ما ينتظر المشركون منكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب ~~قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاءوا. # فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة ~~الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا الأسقية، ولبدت الأرض، حتى ثبتت عليها ~~الأقدام، على حين ms083 أن كان هذا المطر مصيبة على المشركين فإنه وحل الأرض حتى لم # 1 العدوة: الجانب والطرف. PageV01P084 # يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى في سورة الأنفال1: ~~{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على ~~قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] وقد أرى الله رسوله في منامه ~~الأعداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدد كي لا يفشل المسلمون، وليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا. قال تعالى في سورة الأنفال: {إذ يريكهم الله في ~~منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه ~~عليم بذات الصدور ، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور} [الأنفال: 43، ~~44] ثم سار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر، فقال الحباب بن المنذر ~~الأنصاري وكان مشهورا بجودة الرأي: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله ~~ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو ~~الرأي والحرب والمكيدة" ، فقال: يا رسول الله، ليس لك هذا بمنزل، فانهض ~~بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته فننزله ~~ونغور ما عداه من الآبار، ثم نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون. ~~فقال الرسول عليه السلام: "لقد أشرت بالرأي" . ونهض حتى أتى أدنى ماء من ~~القوم، ثم أمر بالآبار التي خلفهم فغورت لينقطع أمل المشركين في الشرب من ~~وراء المسلمين، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه. ثم قال له سعد بن معاذ ~~سيد الأوس: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم ~~نلقى عدونا، فإن أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، ~~وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك ~~أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في ~~الجهاد ونية، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما ms084 تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير، ~~يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك. فقال عليه الصلاة والسلام: "أو ~~يقضي الله خيرا من ذلك" ، ثم بنى للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان الحرب، ~~ولما اجتمعوا عدل عليه السلام صفوفهم، مناكبهم متلاصقة، فصاروا كأنهم بنيان ~~مرصوص ثم نظر لقريش فقال: "اللهم، هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك ~~وتكذب رسولك، اللهم، فنصرك الذي وعدتني به" . وفي هذا الوقت وقع خلف بين ~~رؤساء عسكر # 1 انظر دلائل النبوة: ج3 ص45 وما بعدها حول ما ذكر. PageV01P085 # المشركين، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم حليفه ~~عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش، ويحمل ما أصيب من عيره ~~ودعا الناس إلى ذلك، فلما بلغ أبا جهل الخبر وسمه بالجبن وقال: والله، لا ~~نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وقبل أن تقوم الحرب على ساقها، خرج من ~~صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال: أعاهد الله لأشربن من ~~حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب وضربه ضربة ~~قطع بها قدمه بنصف ساقه فوقع على ظهره، فزحف على الحوض حتى اقتحم فيه ليبر ~~قسمه فأتبعه حمزة فقتله. ثم وقف عليه الصلاة والسلام يحرض الناس على الثبات ~~والصبر وكان فيما قال: "وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم ~~وينجي به من الغم" . ثم ابتدأ القتال بالمبارزة فخرج من صفوف المشركين1 ~~ثلاثة نفر: عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فطلبوا أكفاءهم فخرج ~~إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: لا حاجة لنا بكم إنما نريد أكفاءنا من بني ~~عمنا، فأخرج لهم عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب للأول، ~~وحمزة بن عبد المطلب للثاني، وعلي بن أبي طالب للثالث. فأما حمزة وعلي ~~فقتلا صاحبيهما، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا بضربتين كلاهما جرح صاحبه، فحمل ~~رفيقا عبيدة على عتبة فأجهزا عليه، وحمل عبيدة بين الصفوف جريحا يسيل مخ ~~ساقه، وأضجعوه ms085 إلى جانب موقفه صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله قدمه ~~الشريفة، فوضع خده عليها، وبشره عليه الصلاة والسلام بالشهادة، فقال: وددت ~~والله أن أبا طالب كان حيا ليعلم أننا أحق منه بقوله: # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وبعد انقضاء هذه المبارزة، وقف عليه الصلاة والسلام بين الصفوف يعدلها ~~بقضيب في يده، فمر بسواد بن غزية حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فضربه ~~بالقضيب في بطنه وقال: "استقم يا سواد" ، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد ~~بعثت بالحق والعدل فأقدني من نفسك. فكشف الرسول عليه الصلاة والسلام عن ~~بطنه، وقال: "استقد يا سواد" ، فاعتنقه سواد وقبل بطنه2. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "ما # 1 دلائل النبوة: ج3 ص71 وما بعدها. والسيرة النبوية: ج3 ص172. # 2 السيرة النبوية: ج3 ص173. PageV01P086 # حملك على ذلك؟" فقال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد ~~أن يمس جلدي جلدك، فدعا له بخير، ثم ابتدأ عليه الصلاة والسلام يوصي الجيش ~~فقال: "لا تحملوا حتى آمركم، وإن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل ولا تسلوا ~~السيوف حتى يغشوكم" ثم حضهم على الصبر والثبات، ثم رجع إلى عريشه1 ومعه ~~رفيقه أبو بكر، وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشح سيفه، وكان ~~من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري: ~~"اللهم، أنشدك عهدك ووعدك، اللهم، إن شئت لم تعبد" فقال أبو بكر: حسبك فإن ~~الله سينجز لك وعده. فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول: {سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45]. ثم قال عليه الصلاة والسلام يحرض الجيش: ~~"والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير ~~مدبر إلا أدخله الله الجنة، ومن قتل قتيلا فله سلبه" فقال عمير بن الحمام ~~-وبيده تمرات يأكلها-: بخ بخ! ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني ~~هؤلاء، ثم قذف التمرات، وأخذ سيفه، وقاتل حتى قتل2. # واشتد القتال، وحمي الوطيس، وأيد الله المسلمين بالملائكة ms086 بشرى لهم ~~ولتطمئن به قلوبهم. فلم تكن إلا ساعة حتى هزم الجمع، وولوا الدبر، وتبعهم ~~المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحو السبعين، منهم من قريش: ~~عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، قتلوا مبارزة أول القتال، وأبو ~~البختري بن هشام، والجراح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم ~~يزدجر، وقتل أمية بن خلف وابنه علي، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع ~~بلال بن رباح وعمار بن ياسر، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أمية في ~~مكة. ومن القتلى حنظلة بن أبي سفيان، وأبو جهل بن هشام، أثخنه فتيان صغيران ~~من الأنصار، لما كانا يسمعانه من أنه كان شديد الإيذاء لرسول الله، وأجهز ~~عليه عبد الله بن مسعود، وقتل نوفل بن خويلد قتله علي بن أبي طالب، وقتل ~~عبيدة والعاصي ولدا أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، وقتل كثيرون غيرهم. ~~أما الأسرى فكانوا سبعين أيضا، قتل منهم عليه الصلاة والسلام وهو راجع عقبة ~~بن أبي معيط، والنضر بن الحارث اللذين كانا بمكة من أشد # 1 السابق: ج3 ص 174. # 2 السيرة النبوية: ج3 ص 175. PageV01P087 # المستهزئين1. وكانت هذه الواقعة في 17 رمضان، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه ~~نزول القرآن وبين التاريخين 14سنة قمرية كاملة. # وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كان الرسول ~~عليه الصلاة والسلام أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر2، لأنه عليه ~~الصلاة والسلام كان من سننه في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بها فدفنت، ~~لا يسأل عنه مؤمنا أو كافرا. ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة أحد السابقين ~~إلى الإسلام تغير وجه ابنه ففطن الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك، فقال: ~~"لعلك دخلت من شأن أبيك شيء؟" فقال: لا والله، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا ~~وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه ~~أحزنني ذلك، فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بخير، ثم أمر عليه الصلاة ~~والسلام براحلته فشد عليها حتى ms087 قام على شفة القليب الذي رمي فيه المشركون، ~~فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان! ~~أيسركم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا؟" فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا ~~أرواح فيها؟ فقال: "والذي نفس محمد بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" . ~~وتقول عائشة رضي الله عنها إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول ~~لهم حق" ، ثم قرأت: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] {وما أنت بمسمع من في ~~القبور} [فاطر:22]، يقول: "يعلمون ذلك حينما تبوؤوا مقاعدهم من النار" . ~~رواه البخاري. ثم أرسل عليه السلام المبشرين، فأرسل عبد الله بن رواحة لأهل ~~العالية3، وأرسل زيد بن حارثة لأهل السافلة راكبا على ناقة رسول الله، وكان ~~المنافقون والكفار من اليهود قد أرجفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضراء، يقصدون بذلك فتنة المسلمين، فجاء ~~أولئك المبشرون بما سر أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت ~~رسول الله وزوج عثمان. ثم قفل رسول الله راجعا، وهنا وقع خلف بين بعض ~~المسلمين في قسمة الغنائم، فالشبان يقولون: باشرنا القتال، فهي لنا خالصة، ~~والشيوخ يقولون: كنا ردءا لكم فنشارككم. ولما كان هذا الاختلاف # 1 دلائل النبوة: ج3 ص122 وما بعدها. وانظر السيرة النبوية: ج3 ص175 وما ~~بعدها أيضا. # 2 السيرة النبوية: ج3 ص187 وما بعدها. # 3 دلائل النبوة: ج3 ص 130. PageV01P088 # مما يدعو إلى الضعف، ويزرع في القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت ~~الشمل أنزل الله حسما لهذا الخلاف أول سورة الأنفال: {يسألونك عن الأنفال ~~قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ~~إن كنتم مؤمنين} [الأنفال:1] فسطع على أفئدتهم نور القرآن، فتألفت بعد أن ~~كادت تفترق، وتركوا أمر الغنائم لرسول الله يضعها كيف شاء -كما حكم القرآن- ~~فقسمها عليه الصلاة والسلام على السواء الراجل مع الراجل، والفارس مع ~~الفارس، وأدخل في الأسهام ms088 بعض من لم يحضر لأمر كلف به وهم: أبو لبابة ~~الأنصاري لأنه كان مخلفا على أهل المدينة، والحارث بن حاطب لأن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام خلفه على بني عمرو بن عوف ليحقق أمرا بلغه، والحارث بن ~~الصمة وخوات بن جبير لأنهما كسرا بالروحاء فلم يتمكنا من السير، وطلحة بن ~~عبيد الله، وسعيد بن زيد لأنهما أرسلا يتجسسان الأخبار، فلم يرجعا إلا بعد ~~انتهاء الحرب، وعثمان بن عفان لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خلفه على ~~ابنته رقية يمرضها، وعاصم بن عدي لأنه خلفه على أهل قباء والعالية، وكذلك ~~أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن ~~هاشم الذي جرح في المبارزة الأولى1، فإنه رضي الله عنه مات عند رجوع ~~المسلمين من بدر ودفن بالصفراء. ولما قارب عليه الصلاة والسلام المدينة ~~تلقته الولائد بالدفوف يقلن: # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع # أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع # أسرى بدر # ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة والسلام أصحابه فيما يفعل ~~بالأسرى، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! قد كذبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى ~~أن تمكنني # 1 انظر سياق قصة بدر في دلائل النبوة برواية موسى بن عقبة في مغازيه: ج3 ~~ص101 وما بعدها وحول من حضر من المسلمين: السيرة النبوية: ج3 ص232 وما ~~بعدها. وحول من استشهد: ج3 ص262 وما بعدها. PageV01P089 # من فلان -لقريب له- فأضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه العباس، وعليا من أخيه ~~عقيل. وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين، ما أرى أن ~~تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. ووافقه على ~~ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء ~~أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ ~~الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم ~~بك فيكونوا لك عضدا. فقال عليه الصلاة والسلام: "إن ms089 الله ليلين قلوب أقوام ~~حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشد من ~~الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: {رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ورأى عليه الصلاة والسلام رأي ~~أبي بكر بعد أن مدح كلا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، ~~وخذلان المشركين، ثم قال لأصحابه: "أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد من ~~أسراكم إلا بفداء" وقد بلغ قريشا ما عزم عليه رسول الله في أمر الأسرى، ~~فناحت على القتلى شهرا، ثم أشير عليهم من كبارهم ألا يفعلوا كي لا يبلغ ~~محمدا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمموا على ألا يبكوا قتلاهم حتى ~~يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى ~~المسلمون فيه1. # الفداء # فلم يلتفت إلى ذلك المطلب بن أبي وداعة السهمي، وكان أبوه من الأسرى، ~~فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة آلاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش ~~في فداء أسراها، وكان أربعة آلاف إلى ألف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو ~~يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلمهم، وكان ذلك فداءه. # ومن الأسرى عمرو بن أبي سفيان، ولما طلب من أبيه فداؤه أبى، وقال: والله ~~لا يجمع محمد بين ابني ومالي، دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما ~~أبو سفيان بمكة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمرا، فعدا عليه فحبسه ~~بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عمرا ففكوا به سعدا. # 1 حول قتلى المشركين انظر السيرة النبوية: ج3 ص263. PageV01P090 # ومن الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان عليه الصلاة ~~والسلام قد أثنى عليه خيرا في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ~~ورسول الله بمكة، طلبوا من أبي العاص أن يطلق زينب كما فعل ابنا أبي لهب ~~بابنتي الرسول، ms090 فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بها ~~امرأة من قريش، ولما أسر أرسلت زينب في فدائه قلادة لها كانت حلتها بها ~~أمها خديجة ليلة عرسها. # فلما رأى عليه الصلاة والسلام تلك القلادة رق لها رقة شديدة، وقال ~~لأصحابه: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها قلادتها فافعلوا" فرضي ~~الأصحاب بذلك، فأطلقه عليه الصلاة والسلام بشرط أن يترك زينب تهاجر إلى ~~المدينة. فلما وصل إلى مكة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من ~~يأتي بها فاحتملوها. هذا، ولما أسلم أبو العاص بن الربيع قبيل الفتح رد ~~عليه امرأته بالنكاح الأول1. # ومن الأسرى: سهيل بن عمرو، وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما آذى ~~المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، ~~يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في مواطن أبدا، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~"لا أمثل فيمثل الله بي وإن كنت نبيا، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه" وقدم ~~بفدائه مكرز بن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه بدله حتى جاء ~~الفداء. هذا، وقد حقق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لما مات عليه الصلاة ~~والسلام أراد أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا ~~خطيبا وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس، من كان ~~يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ألم ~~تعلموا أن الله قال: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] وقال {وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل ~~عمران: 144] ثم قال: والله، إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في ~~طلوعها فلا يغرنكم هذا -يريد أبا سفيان- من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ~~ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين ~~الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقو دينه، وقد ms091 جمعكم الله ~~على خيركم -يريد أبا بكر- وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ~~ضربنا عنقه. فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات ~~نبينا صلى الله عليه وسلم. # 1 دلائل النبوة: ج3 ص154 وما بعدها. PageV01P091 # ومن الأسرى: الوليد بن الوليد افتكه أخواه خالد وهشام، فلما افتدي ورجع إلى ~~مكة أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل الفداء؟ فقال خفت أن يعدوا إسلامي خوفا. ~~ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففر إلى النبي في عمرة القضاء. # ومن الأسرى: السائب بن يزيد، وكان صاحب الراية في تلك الحرب، فدى نفسه. ~~وهو الجد الخامس للإمام محمد بن إدريس الشافعي. # ومنهم: وهب بن عمير الجمحي كان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش كثير ~~الإيذاء لرسول الله، جلس يوما بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوان بن أمية ~~يتذاكران مصاب بدر، فقال عمير: والله، لولا دين علي ليس عندي قضاؤه وعيال ~~أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت آتي محمدا فأقتله، فإن ابني أسير في أيديهم، ~~فقال صفوان: دينك علي وعيالك مع عيالي، فأخذ عمير سيفه وشحذه وسمه، وانطلق ~~حتى قدم المدينة، فبينا عمر مع نفر من المسلمين إذ نظر إلى عمير متوشحا ~~سيفه، فقال: هذا الكلب عدو لله ما جاء إلا بشر، ثم قال للنبي عليه الصلاة ~~والسلام: هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه، فقال: "أدخله علي" . فأخذ ~~عمر بحمائل سيفه وأدخله. فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: "أطلقه يا عمر، ~~ادن يا عمير" فدنا، وقال: أنعموا صباحا، فقال عليه الصلاة والسلام: "قد ~~أبدلنا الله تحية خيرا من تحيتك وهي: السلام" ، ثم قال: "ما جاء بك يا ~~عمير؟" قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، فقال: "فما بال ~~السيف؟" قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال عليه الصلاة ~~والسلام: "اصدقني ما الذي جئت له؟" قال: ما جئت إلا لذلك. قال عليه الصلاة ~~والسلام: "كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحجر وقلتما كيت وكيت" ، فأسلم عمير ~~وقال: ms092 كنا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا ~~أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان!! فقال عليه الصلاة والسلام: "فقهوا أخاكم في ~~دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره" . فعاد عمير إلى مكة وأظهر إسلامه. # ومن الأسرى: أبو عزيز بن عمير، أخو مصعب بن عمير. مر به أخوه فقال للذي ~~أسره: شد يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. فقال له: يا أخي! هذه ~~وصايتك بي؟ ثم بعثت أمه بفدائه أربعة آلاف درهم. # ومن الأسرى: العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ~~قد خرج لهذه الحرب مكرها، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه ~~عقيل بن أبي طالب، فقال: علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: PageV01P092 # "لقد كنت في الظاهر علينا" ، فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه، ثم قال ~~للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال: "كيف وقد تركت لأم الفضل ~~أموالا؟ وقلت لها: إن مت فقد تركتك غنية!" فقال العباس: والله ما اطلع على ~~ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يعف عمه مع علمه بأنه إنما خرج مكرها، وقد أعفى غيره جماعة تحقق ~~له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة، فذلك أدب قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135]. # ومن الأسرى: أبو عزة الجمحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله بمكة ~~فلما أسر قال: يا محمد، إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامنن، فمن ~~عليه فضلا منه. # العتاب في الفداء # ولما تم الفداء أنزل الله في شأنه: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ، لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68]. # نهى سبحانه عن اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدون عن سبيل ms093 الله ~~ويمنعون دين الله من الانتشار، وعاب بعض المسلمين على إرادة عرض الدنيا وهو ~~الفدية، ولولا حكم سابق من الله ألا يعاقب مجتهدا على اجتهاده1 ما دام ~~المقصد خيرا لكان العذاب، ثم أباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها ~~على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام ~~فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناء على ~~رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيرا بأن ~~يؤتيهم خيرا مما أخذ # 1 الكلام خطأ هنا فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يكون في حقه أن يكون ~~مجتهدا، إذ هو معارض لبلاغ النبوة. وإنما كان حكم الأسرى قد نزل قبل آية ~~الأنفال في سورة القتال، والرسول عليه الصلاة والسلام اعتمد على آية سورة ~~محمد "القتال" ولكنه خالف الأولى، وليس هذا إلا كما يسكن الدبلوماسي في ريف ~~المدينة فهو مخالف للأولى لا مخطئ. والحديث المروي حديث آحاد في مسألة ~~العذاب وبكاء عمر رضي الله عنه وهو يعارض القطعي فيرد من هذه الناحية. PageV01P093 # منهم ويغفر لهم فقال: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} ~~[الأنفال: 70]. # وهذه الغزوة هي التي أعز الله بها الإسلام وقوى أهله، ودمغ فيه الشرك ~~وخرب محله، مع قلة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي آية ظاهرة على عناية الله ~~تعالى بالإسلام وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد والعدة ~~الكاملة، والخيل المسومة، والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتنا على ~~عباده بهذا النصر: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} [آل عمران: 123] أي: ~~قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، فهي أعظم غزوات ~~الإسلام، إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، فقد قتل ~~فيها من صناديد قريش من كانوا الأعداء الألداء للإسلام، ودخل الرعب في قلوب ~~العرب الآخرين، فكانت للمسلمين ms094 هيبة بها يكسرون الجيوش، ويهزمون الرجال، ~~فلا جرم أن شكرنا العلي الأعلى على هذه العناية، واتخذنا يوم النصر في بدر ~~وهو السابع عشر من شهر رمضان عيدا نتذكر فيه نعمة الله على رسوله وعلى ~~المسلمين. # غزوة بني قينقاع # هذا، وإذا كان للشخص عدوان فانتصر على أحدهما حرك ذلك شجو الآخر، وهاج ~~فؤاده، فتبدو بغضاؤه غير مكترث بعاقبة عدائه، وهذا ما حصل من يهود بني ~~قينقاع عند تمام الظفر في بدر، فإنهم نبذوا ما عاهدوا المسلمين عليه، ~~وأظهروا مكنون ضمائرهم، فبدت البغضاء من أفواههم، وانتهكوا حرمة سيدة من ~~نساء الأنصار، وهذا ما يدعو المسلمين للتحرز منهم وعدم ائتمانهم في ~~المستقبل إذا شبت الحرب في المدينة بين المسلمين وغيرهم، فأنزل الله في ~~سورة الأنفال: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين} [الأنفال:58] فدعا عليه الصلاة والسلام رؤساءهم وحذرهم عاقبة ~~البغي ونكث العهد، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك ما لقيت من قومك فإنهم لا علم ~~لهم بالحرب ولو لقيتنا لتعلمن أنا نحن الناس، وكانوا أشجع يهود، فأنزل الله ~~في سورة آل عمران: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، ~~قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم ~~مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك PageV01P094 ~~لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 12، 13] وعند ذلك تبرأ من حلفهم عبادة بن ~~الصامت، أحد رؤساء الخزرج، وتشبث بالحلف عبد الله بن أبي، وقال: إني رجل ~~أخشى الدوائر، فأنزل الله تعليما للمسلمين في سورة المائدة: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 51، 52]. # وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم، سار إليهم عليه ~~الصلاة والسلام في ms095 نصف شوال من هذه السنة، يحمل لواءه عمه حمزة، وخلف على ~~المدينة أبا لبابة الأنصاري، فحاصرهم خمس عشرة ليلة1. # جلاء بني قينقاع # ولما رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين، وأدركهم الرعب، سألوا ~~رسول الله أن يخلي سبيلهم، فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية، ~~وللمسلمين الأموال. فقبل ذلك عليه الصلاة والسلام، ووكل بجلائهم عبادة بن ~~الصامت وأمهلهم ثلاث ليال، فذهبوا إلى أذرعات، ولم يحل عليهم الحول حتى ~~هلكوا، وخمس عليه الصلاة والسلام أموالهم، وأعطى سهم ذوي القربى لبني هاشم ~~ولبني المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل، ولما سئل عن ذلك قال: "إنما ~~بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإسلام هكذا" ، وشبك بين ~~أصابعه. # غزوة السويق2 # كان أبو سفيان متهيجا، لأنه لم يشهد بدرا التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه ~~فحلف ألا يمس رأسه الماء حتى يغزو محمدا، وليبر بقسمه خرج بمائتين من ~~أصحابه يريد # 1 دلائل النبوة: ج3 ص173. # 2 سميت بذلك لأنهم كانوا يطرحون السويق في أزوادهم؛ وهو عبارة عن أن تحمص ~~الحنطة أو الشعير ويسافر بها، وقد تمزج باللبن والعسل وتلت بالسمن. انظر ~~السيرة النبوية: ج3 ص310 لابن هشام. PageV01P095 # المدينة، ولما قاربها، أراد أن يقابل اليهود من بني النضير ليهيجهم، ~~ويستعين بهم على حرب المسلمين، فأتى سيدهم حيي بن أخطب فلم يرض مقابلته، ~~فأتى سلام بن مشكم فأذن له واجتمع به، ثم خرج من عنده، وأرسل رجالا من قريش ~~إلى المدينة، فحرقوا في بعض نخلها، ووجدوا أنصاريا فقتلوه، ولما علم بذلك ~~رسول الله، خرج في أثرهم في مائتين من أصحابه، لخمس خلون من ذي الحجة، بعد ~~أن ولى على المدينة بشير بن عبد المنذر، ولكن لم يلحقهم، لأنهم هربوا ~~وجعلوا يخففون ما يحملونه ليكونوا أقدر على الإسراع، فألقوا ما معهم من ~~جرب1 السويق، فأخذه المسلمون، ولذلك سميت هذه الغزوة بغزوة السويق. # صلاة العيد # وفي هذا العام سن الله للعالم الإسلامي سنة عظيمة، بها يتمكن أبناء البلد ~~الواحد من المسلمين أن يجددوا عهود الإخاء، ويقووا عروة ms096 الدين الوثقى، وهي ~~الاجتماع في يومي عيد الفطر وعيد الأضحى. وكان عليه الصلاة والسلام يجمع ~~المسلمين في صعيد واحد، ويصلي بهم ركعتين تضرعا إلى الله أن لا يفصم ~~عروتهم، وأن ينصرهم على عدوهم، ثم يخطبهم حاضا لهم على الائتلاف، ومذكرا ~~لهم ما يجب عليهم لأنفسهم، ثم يصافح المسلمون بعضهم بعضا، وبعد ذلك يخرجون ~~لأداء الصدقات للفقراء والمساكين، حتى يكون السرور عاما لجيمع المسلمين، ~~فبعد الفطر زكاته، وبعد الأضحى تضحيته، نسأله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، ~~ويوفقنا لأعمال سلفنا. # زواج علي بفاطمة عليهما السلام # وفي هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب وعمره إحدى وعشرون سنة بفاطمة بنت ~~رسول الله، وسنها خمس عشرة سنة، وكان منها عقب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بنوه: الحسن والحسين وزينب2. وفيها دخل عليه الصلاة والسلام بعائشة ~~بنت أبي بكر وسنها إذ ذاك تسع سنوات. # 1 جمع جراب: لما يوضع فيه الطعام. # 2 دلائل النبوة: ج3 ص160 وما بعدها. PageV01P096 ### | AUTO السنة الثالثة # ... # السنة الثالثة # يا لله! يقضى على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتخذ الغدر ~~رداء، والخيانة شعارا، فلا ينجح معه إلا إراحة العالم من شره. هذا كعب بن ~~الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلع برقع ~~الحياء، وصار يحرض قريشا على حرب رسول الله، ويهجوه بالشعر، ويجتهد في ~~إثارة الشحناء بين المسلمين، فكلما جبر عليه الصلاة والسلام كسرا هاضه هذا ~~الشقي بما ينفثه من سموم لسانه. # قتل كعب بن الأشرف # ولما انتصر المسلمون ببدر، ورأى الأسرى مقرنين في الحبال خرج إلى قريش ~~يبكي قتلاهم ويحرضهم على حرب المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام: " من ~~لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟" فقال محمد بن مسلمة الأنصاري ~~الأوسي: أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" ، قال: أنا لك به، وائذن لي أقول شيئا ~~أتمكن به، فأذن له، ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعبا فقال له: إن ~~هذا الرجل -يريد رسول الله- قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك ms097 ~~أستسلفك، قال: وأيضا والله! لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه ~~حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا1 أو وسقين. قال: ~~نعم ولكن ارهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف ~~نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك ~~أبناءنا فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكن نرهنك ~~اللأمة -يعني: السلاح- فرضي، فواعده ليلا أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو ~~نائلة أخو كعب من الرضاع وعباد بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عبس ابن جبر ~~-وكلهم أوسيون- فناداه محمد بن مسلمة، فأراد أن ينزل، فقالت له امرأته: أين ~~تخرج الساعة وإنك امرؤ محارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي # 1 الوسق صاعا أي يساوي /130، 56 كغ/ باعتبار أن وزن الصاع / 2176غ/. PageV01P097 # محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم ~~قال محمد لمن معه: إذا جاءني فإني آخذ بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت ~~من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم كعب متوشحا سيفه، وهو ينفح منه ريح المسك. ~~فقال محمد: ما رأيت كاليوم ريحا أطيب، أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم ~~فشمه، فلما استمكن منه قال: دونك فاقتلوه ففعلوا، وأراح الله المسلمين من ~~شر أعماله التي كان يقصدها بهم، ثم أتوا النبي فأخبروه، وكان قتل هذا الشقي ~~في ربيع الأول من هذا العام، وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى من رئيس ~~غدرا، ومقاصد سوء، ومحبة لإثارة الحرب، أرسل له من يريحه من شره. وقد فعل ~~كذلك مع أبي عفك اليهودي وكان مثل كعب في الشر1. # غزوة غطفان # بلغ رسول الله أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة رئيس منهم ~~اسمه دعثور، يريدون الغارة على المدينة، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يغل ~~أيديهم كي لا يتمكنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة ~~وخمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمان ~~بن عفان. ولما سمعوا ms098 بسير رسول الله هربوا إلى رءوس الجبال، ولم يزل ~~المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يسمى ذا أمر2، فعسكروا به، وحدث أنه عليه ~~الصلاة والسلام نزع ثوبه يجففه من مطر بلله وارتاح تحت شجرة والمسلمون ~~متفرقون، فأبصره دعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه، وقال: من يمنعك ~~مني يا محمد؟ فقال: "الله" ، فأدركت الرجل هيبة ورعب أسقطا السيف من يده، ~~فتناوله عليه الصلاة والسلام، وقال لدعثور: "من يمنعك مني؟" قال: لا أحد3. ~~فعفا عنه فأسلم الرجل، ودعا قومه للإسلام، وحول الله قلبه من عداوة رسول ~~الله، وجمع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له، {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} [المائدة: 54] وهذا ما ينتجه حسن المعاملة، والبعد عن الفظاظة وغلظ ~~القلب، {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا # 1 السيرة النبوية: ج3 ص318 وما بعدها. ودلائل النبوة: ج3 ص187 وما بعدها. # 2 ذو أمر: موضع بناحية النفيل. # 3 دلائل النبوة للبيهقي: ج3 ص 168- 169. PageV01P098 # غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [آل ~~عمران: 159]. # غزوة بحران1 # بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعا من بني سليم يريدون الغارة على ~~المدينة، فسار إليهم في ثلاثمائة من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى، وخلف ~~على المدينة ابن أم مكتوم، ولما وصل بحران تفرقوا، ولم يلق كيدا فرجع. # سرية زيد بن حارثة # لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أغلق في وجه تجارتهم، ولا ~~يمكنهم الصبر عنها لأن بها حياتهم، أرسلوا عيرا إلى الشام من طريق العراق، ~~وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحويطب بن ~~عبد العزى، فجاءت أخبارهم لرسول الله، فأرسل لهم زيد بن حارثة في مائة راكب ~~يترقبونهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة، فسارت السرية حتى لقيت العير على ماء ~~اسمه القردة بناحية نجد فأخذت العير وما فيها، وهرب الرجال، وقد خمس الرسول ~~عليه الصلاة والسلام هذه حينما وصلت له. # غزوة أحد # ولما أصاب قريشا ما أصابها ببدر، ms099 وأغلقت في وجوههم طرق التجارة، اجتمع من ~~بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم المصائب، ~~وكانت موقوفة بدار الندوة، ولم تكن سلمت لأصحابها بعد، فقالوا: إن محمدا قد ~~وترنا، وقتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها، استعدادا لحرب ~~محمد وأصحابه، وقد رضي بذلك كل من له فيها نصيب، وكان ربحها نحوا من خمسين # 1 بحران: موضع بين الفرع والمدينة. وانظر السيرة النبوية: ج3 ص313. ~~ودلائل النبوة: ج3 ص172. PageV01P099 # ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة آلاف رجل ومعهم ~~الأحابيش، وهم حلفاؤهم من بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة، ومعهم أبو عامر ~~الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعه عدد ممن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كنانة وتهامة، وقال ~~صفوان بن أمية لأبي عزة الشاعر، الذي لا ينسى القارئ أن الرسول من عليه ~~ببدر وأطلقه من غير فداء: إنك رجل شاعر فأعنا بلسانك، فقال: إني عاهدت ~~محمدا ألا أعين عليه، وأخاف إن وقعت في يده مرة ثانية ألا أنجو، فلم يزل به ~~صفوان حتى أطاعه، وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين، ودعا جبير بن مطعم ~~غلاما حبشيا له، اسمه وحشي، وكان راميا قلما يخطئ، فقال له: اخرج مع الناس، ~~فإن أنت قتلت حمزة بعمي طعيمة فأنت حر. ثم خرج الجيش، ومعهم القيان والدفوف ~~والمعازف والخمور، واصطحب الأشراف منهم نساءهم كي لا ينهزموا، ولم يزالوا ~~سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة. # أما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به ~~إليه عمه العباس بن عبد المطلب، الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب، ~~محتجا بما أصابه يوم بدر. ولما وصلت الأخبار باقتراب المشركين، جمع عليه ~~الصلاة والسلام أصحابه يوم بدر. وأخبرهم الخبر، وقال: "إن رأيتم أن تقيموا ~~بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا ~~علينا قاتلناهم" فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين ms100 والأنصار ورأى ذلك أيضا عبد ~~الله بن أبي، أما الأحداث وخصوصا من لم يشهد بدرا منهم فأشاروا عليه ~~بالخروج، وكان مع رأيهم حمزة بن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع ~~رأيهم، لأنهم الأكثرون عددا والأقوون جلدا1، فصلى الجمعة بالناس في يومها ~~لعشر خلون من شوال، وحضهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم: "لكم ~~النصر ما صبرتم" ثم دخل حجرته، ولبس عدته، فظاهر بين درعين، وتقلد السيف، ~~وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من # 1 أخذ الرسول عليه السلام بمشورة شباب الصحابة وترك رأيه مع نفر من ~~الصحابة لأن هذا رأي موضوع يؤدي إلى عمل من الأعمال فليس من الشورى بل هو ~~مشورة يؤخذ فيها برأي الأكثرية. بخلاف الرأي الذي هو فكر في موضوع أو مما ~~يدركه أهل الاختصاص أو الرأي الشرعي أو التعريف لأمر من الأمور فهذه كلها ~~يلجأ فيها إلى الصواب من خبرة الاختصاص والدليل، كما في حفر الخندق وإشارة ~~الحباب بن المنذر بنزوله على ماء بدر. PageV01P100 # الأنصار أن الأحداث استكرهوا الرسول على الخروج لاموهم، وقالوا: ردوا الأمر ~~لرسول الله، فما أمر ائتمرنا، فلما خرج عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا ~~رسول الله، نتبع رأيك، فقال: "ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله ~~بينه وبين أعدائه" ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ~~ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن الحضير، وخرج من ~~المدينة بألف رجل. فلما وصلوا رأس الثنية، نظر عليه الصلاة والسلام إلى ~~كتيبة كبيرة، فسأل عنها، فقيل: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود، ~~فقال: "إنا لا نستعين بكافر على مشرك" وأمر بردهم لأنه لا يأمن جانبهم من ~~حيث لهم اليد الطولى في الخيانة. ثم استعرض الجيش فرد من استصغر، وكان فيمن ~~رد: رافع بن خديج، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافعا لما قيل له إنه رام، فبكى ~~سمرة، وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله رافعا وردني مع أني أصرعه، فبلغ رسول ~~الله الخبر، ms101 فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سمرة، فأجازه. ثم بات عليه ~~الصلاة والسلام محله ليلة السبت، واستعمل على حرس الجيش محمد بن مسلمة، ~~وعلى حرسه الخاص ذكوان بن عبد قيس. وفي السحر سار الجيش حتى إذا كان بالشوط ~~-وهو بستان بين أحد والمدينة- رجع عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه ~~وقال: عصاني وأطاع الولدان فعلام نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو ~~والد جابر، وقال: يا قوم، أذكركم الله ألا تحذلوا قومكم ونبيكم، {قالوا لو ~~نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] فقال لهم: أبعدكم الله، فسيغني الله ~~عنكم نبيه. ولما فعل ذلك عبد الله بن أبي، همت طائفتان من المؤمنين أن ~~تفشلا: بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج، فعصمهما الله. وقد افترق ~~المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين، فقوم يقولون: نقاتلهم، وقوم ~~يقولون: نتركهم، فأنزل الله في سورة النساء: {فما لكم في المنافقين فئتين ~~والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن ~~تجد له سبيلا} [النساء: 88]. ثم سار الجيش حتى نزل الشعب من أحد، وجعل ظهره ~~للجبل ووجهه للمدينة، أما المشركون فنزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان ~~على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة ~~صفوان بن أمية، فجعل عليه الصلاة والسلام الزبير بن العوام بإزاء خالد وجعل ~~آخرين أمام الباقين، واستحضر الرماة وكانوا خمسين رجلا يرأسهم عبد الله بن ~~جبير الأنصاري فوقفهم خلف الجيش على ظهر الجبل، وقال: "لا تبرحوا؛ إن ~~رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا عينا فلا تبرحوا" . ~~ثم عدل عليه الصلاة والسلام PageV01P101 ~~الصفوف، وخطب المسلمين، وكان فيما قال: "ألقى في قلبي الروح الأمين أنه لن ~~تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا ~~الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق، لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ~~الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى له سائر جسده" . ~~ثم ابتدأ القتال بالمبارزة، فخرج رجل من صفوف المشركين فبرز ms102 له الزبير ~~فقتله، ثم حمل اللواء طلحة بن أبي طلحة فقتله علي، فحمل اللواء أخوه عثمان ~~فقتله حمزة، فحمله أخ لهما اسمه أبو سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم قضى ~~عليه، فتناوب اللواء بعده أربعة من أولاد طلحة بن أبي طلحة وكلهم يقتلون، ~~وخرج من صفوف المشركين عبد الرحمن بن أبي بكر يطب البراز، فأراد أبوه أن ~~يبرز له، فقال عليه الصلاة والسلام: "متعنا بنفسك يا أبا بكر" ثم حملت ~~خيالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات وفي كلها ينضحهم المسلمون بالنبل ~~فيتقهقرون. ولما التقت الصفوف، وحميت الحرب ابتدأ نساء المشركين يضربن ~~بالدفوف، ونشدن الأشعار تهييجا لعواطف الرجال، وكان عليه الصلاة والسلام ~~كلما سمع نشيد النساء يقول: "اللهم بك أحول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي ~~الله ونعم الوكيل" . وفي هذه المعمعة قتل حمزة بن عبد المطب عم رسول الله ~~سيد الشهداء، غافله وحشي وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطئ ثنايا بطنه. # هذا، ولما قتل حملة اللواء1 من المشركين، ولم يقدر أحد على الدنو منه ~~ولوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم ~~والأسلاب، فلما رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمين فوق الجبل، ~~قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم صلى الله عليه ~~وسلم، فذكرهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون. أما رئيسهم فثبت ~~وثبت معه قليل منهم، فلما رأى خالد بن الوليد -أحد رؤساء المشركين- خلو ~~الجبل من الرماة، انطلق ببعض الجيش، فقتل من ثبت من الرماة، وأتى المسلمين ~~من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلما رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما ~~بأيديهم، وانتقضت صفوفهم، واختلطوا من غير شعار، حتى صار يضرب بعضهم بعضا، ~~ورفعت إحدى نساء المشركين اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من # 1 اللواء: علم الجيش. والراية: تكون على الفرق ولكل أمير على كتيبة أو ~~فرقة راية تعقد له في الجيش الإسلامي. PageV01P102 # المشركين رجل يقال له: ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن ~~محمدا قد قتل، فدخل الفشل في المسلمين ms103 حتى قال بعضهم: علام نقاتل إذا كان ~~محمد قد قتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤمنوكم. وقال جماعة: إذا كان محمد قد قتل ~~فقاتلوا عن دينكم. وكان من نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين، من ~~بينهم: الوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن المعلى، وعثمان بن عفان، ~~وتوجهوا إلى المدينة، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها، فرجعوا بعد ثلاث، وثبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة، منهم أبو طلحة الأنصاري استمر ~~بين يديه يمنع عنه بحجفته، وكان راميا شديد الرمي. فنثر كنانته بين يدي ~~رسول الله، وصار يقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء. وكل من كان ~~يمر ومعه كنانة يقول له عليه الصلاة والسلام: "انثرها لأبي طلحة" ، وكان ~~ينظر إلى القوم ليرى مواضع النبل، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي ~~أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. # وممن ثبت سعد بن أبي وقاص، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له: "ارم سعد! ~~فداك أبي وأمي" . ومنهم سهل بن حنيف وكان من مشاهير الرماة نضح عن رسول ~~الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس. ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ~~تترس على رسول الله، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه. وكان ~~يقاتل عن الرسول زيادة بن الحارث حتى أصابت الجراح مقاتله، فأمر به فأدني ~~منه ووسده قدمه حتى مات. وقد أصابه عليه الصلاة والسلام شدائد عظيمة تحملها ~~بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أبي بن خلف يريد قتله فأخذ عليه الصلاة ~~والسلام الحربة ممن كانوا معه، وقال: "خلوا طريقه" ، فلما قرب منه ضربه ~~ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله غيره لا في هذه الغزوة ~~ولا في غيرها. # وكان أبو عامر الراهب قد حفر حفرا وغطاها ليقع فيها المسلمون، فوقع ~~الرسول في حفرة منها، فأغمي عليه، وخدشت ركبتاه، فأخذ علي بيده، ورفعه طلحة ~~بن عبيد الله -وهما ممن ثبت- حتى استوى قائما، فرماه عتبة بن أبي ms104 وقاص بحجر ~~كسر رباعيته فتبعه حاطب بن أبي بلتعة فقتله، وشج وجهه عليه الصلاة والسلام ~~عبد الله بن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر1 فيهما من # 1 المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة في الحرب. ~~وهي تأخذ أشكالا في الصناعة موصوفة في لغة العرب. PageV01P103 # ضربة ضربه بها ابن قمئة غضب الله عليه، فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى ~~نزعهما، فكسرت في ذلك ثنيتاه، وقال حينئذ عليه الصلاة والسلام: "كيف يفلح ~~قوم خضبوا وجه نبيهم؟" فأنزل الله في سورة آل عمران: {ليس لك من الأمر شيء ~~أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [آل عمران: 128] وكان أول من عرف ~~رسول الله بعد هذه الدهشة كعب بن مالك الأنصاري فنادى: يا معشر المسلمين، ~~أبشروا، فأشار إليه رسول الله أن اصمت. ثم سار بين سعد بن أبي وقاص وسعد بن ~~عبادة يريد الشعب ومعه جمع منهم: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث ~~بن الصمة، وأقبل عليه إذ ذاك عثمان بن عبد الله بن المغيرة يقول: أين محمد؟ ~~لا نجوت إن نجا، فعثر به فرسه، ووقع في حفرة فمشى إليه الحارث بن الصمة ~~وقتله. ولما وصل الشعب جاءت فاطمة فغسلت عنه الدم، وكان علي يسكب الماء، ثم ~~أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، ووضعتها على الجرح فاستمسك الدم. ثم أراد عليه ~~الصلاة والسلام أن يعلو الصخرة التي في الشعب فلم يمكنه القيام لكثرة ما ~~نزل من دمه، فحمله طلحة بن عبيد الله حتى أصعده، فنظر إلى جماعة من ~~المشركين على ظهر الجبل فقال: "لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا ~~إلا بك" . ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في جماعة فأنزلوهم. # وقد أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات، لأن ~~الشخص منهم كان يتلقى السهم، خوفا أن يصل للرسول، فوجد بطلحة نيف وسبعون ~~جراحة، وشلت يده، وأصاب كعب بن مالك سبع عشرة جراحة. أما القتلى فكانوا ~~نيفا وسبعين منهم ستة من المهاجرين، ms105 والباقون من الأنصار. ومن المهاجرين: ~~حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، ومن الأنصار حنظلة بن أبي عامر، وعمرو ~~بن الجموح، وابنه خلاد بن عمرو، وأخو زوجه والد جابر بن عبد الله، فأتت زوج ~~عمرو هند بنت عمرو بن حرام وحملتهم: زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم ~~بالمدينة، فنهى عليه الصلاة والسلام عن الدفن خارج أحد، فرجعوا. وقتل سعد ~~بن الربيع، وأرسل عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبره فوجده بين القتلى، ~~وبه رمق، فقيل له: إن رسول الله يسأل عنك، فقال لمبلغه: قل لقومي: يقول لكم ~~سعد بن الربيع: الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة، فوالله ما ~~لكم عند الله عذر. وقتل أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه لما سمع بقتل ~~رسول الله قال: يا PageV01P104 ~~قوم، ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم، فلم يزل ~~يقاتل حتى قتل رضي الله عنه. # ومثلت قريش بقتلى أحد حتى إن هندا زوج أبي سفيان بقرت بطن حمزة، وأخذت ~~كبده لتأكلها، فلاكتها ثم أرسلتها، وفعلوا قريبا من ذلك بإخوانه الشهداء. ~~ثم إن أبا سفيان صعد الجبل ونادى بأعلى صوته: نعمت فعال، إن الحرب سجال، ~~يوم بيوم بدر، وموعدكم بدر العام المقبل، ثم قال: إنكم ستجدون في قتلاكم ~~مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم إن المشركين رجعوا إلى مكة ولم يعرجوا على ~~المدينة، وهذا مما يدل على أن المسلمين لم ينهزموا في ذلك اليوم، وإلا لم ~~يكن بد من تعقب المشركين لهم حتى يغيروا على مدينتهم. ثم تفقد عليه الصلاة ~~والسلام القتلى وحزن على عمه حمزة حزنا شديدا، ودفن الشهداء كلهم بأحد، كل ~~شهيد بثوبه الذي قتل فيه. وكانوا يدفنون الرجلين والثلاثة في لحد واحد لما ~~كان عليه المسلمون من تعب، فكان يشق عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة. ولما ~~رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون، وأظهروا ما في ~~قلوبهم من البغضاء، وقالوا لإخوانهم: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} ~~[آل عمران: 156]. # وهذا الذي ms106 ابتلي به المسلمون درس مهم لهم، يذكرهم بأمرين عظيمين تركهما ~~المسلمون فأصيبوا، أولهما: طاعة الرسول في أمره، فقد قال للرماة: لا تبرحوا ~~مكانكم إن نحن نصرنا أو قهرنا، فعصوا أمره ونزلوا. الثاني: أن تكون الأعمال ~~كلها لله غير منظورة فيها لهذه الدنيا التي كثيرا ما تكون سببا في مصائب ~~عظيمة، وهؤلاء أرادوا عرض الدنيا، والتهوا بالغنائم حتى عوقبوا، وفي ذلك ~~أنزل الله في سورة آل عمران التي فصلت غزوة أحد: {ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ~~ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} [آل عمران: 152] فسبب هذا ~~الابتلاء التنازع فينبغي الاتفاق، والفشل فينبغي الثبات، والعصيان فينبغي ~~طاعة الرئيس1. نسأل الله التوفيق. # 1 حول أحد انظر السيرة النبوية: ج4 وما بعدها. ودلائل النبوة: ج3 ص201 ~~وما بعدها. PageV01P105 # غزوة حمراء الأسد # لما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصبح حذرا من رجوع المشركين إلى ~~المدينة ليتمموا انتصارهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وألا يخرج ~~إلا من كان معه بالأمس، فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ~~فضمدوا جراحاتهم وخرجوا واللواء معقود لم يحل، فأعطاه علي بن أبي طالب، ~~وولى على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء الأسد وقد ~~كان ما ظنه الرسول حقا، فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شن ~~الغارة على المدينة حتى يتم لهم النصر، فأصروا على الرجوع، ولكن لما بلغهم ~~خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس، وألقى الله ~~الرعب في قلوبهم، فتمادوا في سيرهم إلى مكة، وظفر عليه الصلاة والسلام وهم ~~في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر، الذي من عليه ببدر بعد أن تعهد ألا يكون ~~على المسلمين، فأمر بقتله، فقال: يا محمد، أقلني1، وامنن علي، ودعني ~~لبناتي، وأعطيك عهدا ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال عليه ms107 الصلاة والسلام: "لا ~~والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين، اضرب عنقه يا زبير" . فضرب عنقه، وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع ~~الشريف، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أصيب منه ليس بعاقل، فلا بد من الحزم ~~لإقامة دعائم الملك. # حوادث # وفي هذه السنة زوج عليه الصلاة والسلام بنته أم كلثوم لعثمان بن عفان2 ~~بعد أن ماتت رقية عنده، ولذلك كان يسمى ذا النورين. وفيها تزوج عليه الصلاة ~~والسلام حفصة بنت عمر بن الخطاب3، وأمها أخت عثمان بن مظعون، وكانت قبله ~~تحت خنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، فتوفي عنها بجراحة أصابته ببدر، ~~وفيها تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت خزيمة الهلالية من بني هلال بن ~~عامر، كانت تدعى في # 1 أي اجعلني في حل من عثرتي واعذرني. وحول الغزوة ينظر السيرة النبوية: ~~ج4 ص 52 وما بعدها. وخبر أبي عزة ص55. # 2 دلائل النبوة للبهقي : ج3 ص158. # 3 نفسه. PageV01P106 # الجاهلية أم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم، وكانت قبله تحت عبد الله بن ~~جحشن فقتل عنها بأحد وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وفيها ولد الحسن بن ~~علي رضي الله عنها. وفيها حرمت الخمر، وكان تحريمها بالتدريج، لما كان عليه ~~العرب من المحبة الشديدة لها، فيصعب إذا تحريمها دفعة واحدة، وكان ذلك ~~التحريم تابعا لحوادث تنفر عنها، لأن المنكر إذا أسند تحريمه لحادثة أقر ~~الجميع على تقبيحها كان ذلك أشد تأثيرا في النفس. فأول ما بين فيها قوله ~~تعالى في سورة البقرة: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس} [البقرة: 219]. فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء كما كانت ~~عادة العرب، ومنفعة الخمر تقوية الجسم، ولما شربها بعض المسلمين وخلط في ~~القراءة حرمت الصلاة على السكران، فقال تعالى في سورة النساء: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: ~~43] ولما حدث من شربها اعتداء بعض المسلمين على إخوانهم حرمت قطعيا بقوله ~~تعالى في ms108 سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91] وقد أجاب المسلمون على ذلك ~~بقولهم: انتهينا، فليجب المسلمون الآن. PageV01P107 ### | AUTO السنة الرابعة # ... # السنة الرابعة # سرية أبي سلمة # في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين ~~يدعوان قومهما بني أسد لحربه عليه الصلاة والسلام، فدعا أبا سلمة بن عبد ~~الأسد المخزومي، وعقد له لواء وقال له: "سر حتى تنزل أرض بني أسد بن خزيمة ~~فأغر عليهم" ، وأرسل معه رجالا، فسار في هلال المحرم حتى بلغ قطنا1 فأغار ~~عليهم، فهربوا من منازلهم، ووجد أبو سلمة إبلا وشاء فأخذها، ولم يلق حربا، ~~ورجع بعد عشرة أيام من خروجه2. # سرية ابن أنيس الجهني # وفي بدئها أيضا بلغه عليه الصلاة والسلام أن سفيان بن خالد بن نبيح ~~الهذلي المقيم بعرنة يجمع الجموع لحربه، فأرسل له عبد الله بن أنيس الجهني ~~وحده ليقتله، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقول حتى يتمكن، ~~فأذن له، وقال: "انتسب لخزاعة" ، فخرج لخمس خلون من المحرم، ولما وصل إليه ~~قال له سفيان: ممن الرجل؟ قال: من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك، ~~فقال له: أجل، إني لفي الجمع له، فمشي عبد الله معه وحدثه وسفيان يستحلي ~~حديثه، فلما انتهى إلى خبائه تفرق الناس عنه فجلس معه عبد الله حتى نام، ~~فقام وقتله، ثم ارتحل حتى أتى المدينة، ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # سرية الرجيع # وفي صفر أرسل عليه الصلاة والسلام عشرة رجال عيونا على قريش، مع رهط # 1 قطن: اسم لماء من مياه بني أسد. # 2 دلائل النبوة: ج3 ص319. PageV01P108 # عضل والقارة، الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون من يفقههم ~~في الدين، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فخرجوا يسيرون الليل ويكمنون ~~النهار حتى إذا كانوا بالرجيع ms109 غدر بهم أولئك الرهط، ودلوا عليهم هذيلا قوم ~~سفيان بن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد الله بن أنيس، فنفروا إليهم فيما ~~يقرب من مئتي رام، واقتفوا آثارهم حتى قربوا منهم، فلما أحس بهم رجال ~~السرية لجؤوا إلى جبل هناك، فقال لهم الأعداء: انزلوا ولكم العهد ألا ~~نقتلكم، فنزل إليهم ثلاثة اغتروا بعهدهم، وقاتلهم الباقون، ومعهم عاصم غير ~~راضين بالنزول في ذمة مشرك. ولما رأى الثلاثة الذين سلموا عين الغدر امتنع ~~أحدهم فقتلوه، وأما الاثنان فباعوهما بمكة ممن كان له ثأر عند المسلمين، ~~وهناك قتلا. وقد قال أحدهما وهو خبيب بن عدي حين أرادوا قتله: # ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع1 # سرية بئر معونة # وفي صفر وفد على رسول الله أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وهو من ~~رءوس بني عامر، فدعاه عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، ~~بل قال: إني أرى أمرك هذا حسنا شريفا ولو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل ~~نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال عليه الصلاة والسلام: "إني ~~أخشى عليهم أهل نجد" . فقال أبو براء عامر: أنا لهم جار، فأرسل معه المنذر ~~بن عمرو في سبعين من أصحابه كانوا يسمون القراء لكثرة ما كانوا يحفظون من ~~القرآن، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب إلى عامر ~~بن الطفيل سيد بني عامر، فلما وصل إليه لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على ~~حرام فقتله، ثم استصرخ على بقية البعثة أصحابه من بني عامر فلم يرضوا أن ~~يخفروا جوار ملاعب الأسنة، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم، وهم رعل ~~وذكوان وعصية فأجابوا وذهبوا معه، حتى إذا التقوا بالقراء أحاطوا بهم، ~~وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم، بعد دفاع شديد لم يجدهم نفعا لقلة عددهم ~~وكثرة عدوهم، ولم ينج إلا كعب بن زيد، وقع بين # 1 دلائل النبوة: ج3 ص 323 ms110 وما بعدها. PageV01P109 # القتلى حتى ظن أنه منهم، وعمرو بن أمية كان في سرح القوم. وأبلغ عليه ~~الصلاة والسلام خبر القراء فخطب في أصحابه، وكان فيما قال: "إن إخوانكم قد ~~لقوا المشركين وقتلوهم، وإنهم قالوا: ربنا بلغ قومنا أنا قد لقينا ربنا ~~فرضينا عنه ورضي عنا" ، وكان وصول خبر هذه السرية وسرية الرجيع في يوم ~~واحد، فحزن عليهم صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، وأقام يدعو على الغادرين ~~بهم شهرا في الصلاة1. # عزوة بني النضير # يا لله، ما أسوأ عاقبة الطيش، فقد تكون الأمة مرتاحة البال، هادئة ~~الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر، يظنون من ورائه النجاح، ~~فيجلب عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم، وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء ~~الخزرج، الذين كانوا يجاورون المدينة، فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود ~~يأمن بها كل منهم الآخر، ولكن بنو النضير لم يوفوا بهذه العهود حسدا منهم ~~وبغيا. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض من أصحابه في ديار بني ~~النضير إذ ائتمر جماعة منهم على قتله بأن يأخذ واحد منهم صخرة ويلقيها عليه ~~من علو، فأطلع عليه الصلاة والسلام على قصدهم، فرجع وتبعه أصحابه، ثم أرسل ~~لهم محمد بن مسلمة يقول لهم: "اخرجوا من بلادي فقد هممتم بما هممتم من ~~الغدر" . إذ الحزم كل الحزم ألا يتهاون الإنسان مع من عرف منه الغدر، فتهيأ ~~القوم للرحيل، فأرسل لهم إخوانهم المنافقون يقولون: لا تخرجوا من دياركم ~~ونحن معكم {لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ، لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} [الحشر: 11، 12] ولكن ~~اليهود طمعوا بهذا الوعد، وتأخروا عن الجلاء، فأمر عليه الصلاة والسلام ~~بالتهيؤ لقتالهم، فلما اجتمع الناس، خرج بهم، واستعمل على المدينة ابن أم ~~مكتوم، وأعطى رايته عليا. أما بنو النضير فتحصنوا في حصونهم وظنوا أنها ~~مانعتهم من الله، فحاصرهم عليه الصلاة والسلام ست ليال، ثم أمر بقطع نخيلهم ms111 ~~ليكون أدعى إلى تسليمهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب ولم يروا من عبد الله ~~بن أبي مساعدة، بل خذلهم، كما خذل بني قينقاع من قبلهم، فسألوا رسول الله ~~أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، وأن # 1 السيرة النبوية: ج4 ص 137. ودلائل النبوة: ج3 ص 338 وما بعدها، وص 345. PageV01P110 # لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا آلة الحرب ففعل، وصار اليهود يخربون ~~بيوتهم بأيديهم كي لا يسكنها المسلمون. # ولما سار اليهود نزل بعضهم بخيبر، ومنهم أكابرهم حيي بن أخطب، وسلام بن ~~أبي الحقيق، ومنهم من سار إلى أذرعات بالشام، وأسلم منهم اثنان: يامين بن ~~عمرو وأبو سعد بن وهب، ولم يخمس رسول الله ما أخذ من بني النضير، فإنه فيء ~~لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ومثل هذا يكون لمعدات الحرب، وللرسول، يطعم ~~منه أهله، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى في ~~سورة الحشر: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ~~[الحشر: 7] فأعطى عليه الصلاة والسلام من هذا الفيء فقراء المهاجرين، الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وردوا لإخوانهم من الأنصار ما كانوا قد أخذوه ~~منهم أيام هجرتهم، وأخذ عليه الصلاة والسلام أرضا يزرعها ويدخر منها قوت ~~أهله عاما1. # غزوة ذات الرقاع # وفي ربيع الآخر بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيئون لحربه، ~~وهم: بنو محارب وبنو ثعلبة، فتجهز لهم، وخرج في سبع مئة مقاتل، وولى على ~~المدينة عثمان بن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم، فلم يجدوا ~~فيها أحدا غير نسوة فأخذهن، فبلغ الخبر رجالهم، فخافوا وتفرقوا في رءوس ~~الجبال، ثم اجتمع جمع منهم وجاءوا للحرب، فتقارب الناس، وأخاف بعضهم بعضا. ~~ولما حانت صلاة العصر وخاف عليه الصلاة والسلام أن يغدر بهم الأعداء وهم ~~يصلون، صلى بالمسلمين صلاة الخوف، فألقى الله الرعب في قلوب الأعداء، ~~وتفرقت جموعهم خائفين منه صلى الله عليه وسلم. # ومال الإمام البخاري إلى أن هذه ms112 الغزوة كانت في السنة السابعة وأجمع أهل ~~السير على خلافه2. # 1 السيرة النبوية: ج4 ص 143. # 2 دلائل النبوة: ج2 ص 369. والسيرة النبوية: ج4 ص 157.والخلاف أيضا حاصل ~~في غزوة بني النضير وتاريخها. انظر دلائل النبوة: ج3 ص 354 وما بعدها في ~~هذا الصدد. PageV01P111 # غزوة بدر الآخرة # لما أهل شعبان هذا العام كان موعد أبي سفيان، فإنه بعد انقضاء غزوة أحد ~~قال للمسلمين: موعدنا بدر العام المقبل، فأجابه الرسول إلى ذلك، وكان بدر ~~محل سوق تعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانيا، فلما حل ~~الأجل وقريش مجدبون، لم يتمكن أبو سفيان من الإيفاء بوعده، فأراد أن يخذل ~~المسلمين عن الخروج كي لا يوسم بخلف الوعد، فاستأجر نعيم بن مسعود الأشجعي، ~~ليأتي المدينة ويرجف بما جمعه أبو سفيان من الجموع العظيمة، فقدم نعيم ~~المدينة وقال للمسلمين: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ولم يلتفت عليه الصلاة ~~والسلام لهذا الإرجاف اتكالا على ربه، بل خرج بألف وخمس مئة من أصحابه، ~~واستخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي. ولم يزالوا سائرين حتى ~~أتوا بدرا، فلم يجدوا بها أحدا لأن أبا سفيان أشار على قريش بالخروج على ~~نية الرجوع بعد مسير ليلة أو ليلتين ظانا أن إرجاف نعيم يفيد، فيكون المخلف ~~هم المسلمون، فسار حتى أتى مجنة -وهو سوق معروفة من ناحية مر الظهران- فقال ~~لقومه: إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب فارجعوا، أما المسلمون ~~فأقاموا ببدر لا يشاركهم في تجارته أحد {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] ولما ~~سمع بذلك صفوان بن أمية قال لأبي سفيان: قد والله نهيتك أن تعد القوم، قد ~~اجترءوا علينا ورأوا أنا أخلفناهم1. # حوادث # وفي هذا العام ولد الحسين بن علي، وفيه توفيت زينب بنت خزيمة أم ~~المؤمنين، وفيه توفي أبو سلمة رضي الله عنه ابن عمة رسول الله، وأخوه من ms113 ~~الرضاعة، وأول من هاجر إلى الحبشة، وفيه تزوج عليه الصلاة والسلام أم سلمة ~~هندا زوج أبي سلمة بعد وفاته. # 1 دلائل النبوة: ج3 ص 384. PageV01P112 ### | AUTO السنة الخامسة # ... # السنة الخامسة # غزوة دومة الجندل # وفي ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعا من ~~الأعراب بدومة الجندل1 يظلمون من مر بهم، وأنهم يريدون الدنو من المدينة ~~فتجهز لغزوهم، وخرج في ألف من أصحابه، بعد أن ولى على المدينة سباع بن ~~عرفطة الغفاري، ولم يزل يسير الليل ويكمن النهار حتى قرب منهم، فلما بلغهم ~~الخبر تفرقوا، فهجم المسلمون على ماشيتهم ورعائهم، فأصيب من أصيب، وهرب من ~~هرب، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحدا، وبث السرايا فلم يجد منهم أحدا، فرجع ~~عليه الصلاة والسلام غانما، وصالح وهو عائد عيينة بن حصن الفزاري، وهو الذي ~~كان يسميه عليه الصلاة والسلام الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه ألف قناة، ~~وأقطعه عليه الصلاة والسلام أرضا يرعى فيها بهمه على بعد ستة وثلاثين ميلا ~~من المدينة لأن أرضه كانت قد أجدبت2. # غزوة بني المصطلق # في شعبان، بلغه عليه الصلاة والسلام أن الحارث بن أبي ضرار، سيد بني ~~المصطلق الذين ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في أحد، يجمع الجموع لحربه، ~~فخرج له عليه الصلاة والسلام في جمع كثير، وولى على المدينة زيد بن حارثة، ~~وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة. وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط ~~في غزوة مثلها، يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا، وفي أثناء مسيره عليه ~~الصلاة والسلام التقى بعين بني المصطلق، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب ~~فأمره بقتله. ولما # 1 دومة الجندل: مكان شمال نجد، وهي طرف من أفواه بلاد الشام، بينها وبين ~~دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. # 2 تدعى هذه الغزوة غزوة دومة الجندل الأولى. انظر دلائل النبوة للبيهقي: ~~ج3 ص390. وانظر السيرة النبوية ج4 ص 169. PageV01P113 # بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه، وأنهم قتلوا جاسوسه، خاف هو ~~وجيشه خوفا شديدا حتى ms114 تفرق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون إلى المريسيع1 # تصاف الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا، فتراموا ~~بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا لرجل من ~~عدوهم مجالا للهرب، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذرية، ~~واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف، ~~واستعمل الرسول على ضبطها مولاه شقران، وعلى الأسرى بريدة. وكان في نساء ~~المشركين برة بنت الحارث سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزعت ~~على المسلمين، وهنا يظهر حسن السياسة ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعز ~~العرب دارا فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جدا، فأراد عليه الصلاة والسلام أن ~~يجعل المسلمين يمنون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج برة بنت ~~الحارث التي سماها جويرية، فقال المسلمون: أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم ~~في أيدينا فمنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها كما قالت ~~عائشة رضي الله عنها، وتسبب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة أن ~~أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. # وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان، لولا أن صاحبتهما حكمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعادتا التفريق على المسلمين. # فأولاهما: أن أجيرا لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج، فضرب الأجير ~~الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، ~~فأقبل الذعر من الفريقين، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله ~~فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟" وهي ما يقال في الاستغاثة: يا لفلان. فأخبر ~~الخبر، فقال: "دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة" ، ثم كلم المضروب حتى أسقط حقه ~~وبذلك سكنت الفتنة، فلما بلغ عبد الله بن أبي هذا الخصام غضب، وكان عنده ~~رهط من الخزرج، فقال: ما رأيت كاليوم مذلة أوقد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، ~~والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله: ~~{لئن رجعنا إلى # 1 المريسيع: ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة ms115 يوم. وبه سميت هذه ~~الغزوة أيضا. واختلف في تاريخها في شعبان سنة خمس أو شعبان سنة ست. انظر ~~دلائل النبوة: ج4 ص44. PageV01P114 # المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون:8]، ثم التفت إلى من معه، ~~وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما ~~والله، لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ثم لم يرضوا بما ~~فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضا للمنايا دون محمد فأيتمتم أولادكم، وقللتم ~~وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عنده، وكان في مجلسه شاب حديث ~~السن، قوي الإسلام، اسمه زيد بن أرقم، فأخبر رسول الله الخبر فتغير وجهه، ~~وقال: "يا غلام، لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت؟" فقال: والله، يا رسول الله ~~لقد سمعته. قال: "لعله أخطأ سمعك" ، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن أبي أو ~~أن يأمر أحدا غيره بقتله فنهاه عن ذلك. وقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه؟" ثم أذن بالرحيل في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتد ~~الحر يقصد بذلك عليه الصلاة والسلام شغل الناس عن التكلم في هذا الموضوع، ~~فجاءه أسيد بن حضير وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت، فقال: "أو ما بلغك ~~ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" . ~~قال: أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ~~ثم سار عليه الصلاة والسلام بالناس سيرا حثيثا حتى آذتهم الشمس، فنزل ~~بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض حتى وقعوا نياما. # وكلم رجال من الأنصار عبد الله بن أبي1 في أن يطلب من الرسول الاستغفار ~~فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورة المنافقين التي فضحت عبد الله ~~بن أبي وإخوانه وصدقت زيد بن أرقم. ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي، استأذن رسول الله في قتل أبيه حذرا من أن يكلف بذلك غيره، فيكون عنده ~~من ذلك أضغان وأحقاد، فأمره عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى أبيه. # حديث الإفك ms116 # النادرة الثانية: وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب، وهي رمي عائشة ~~الصديقة، زوج رسول الله بالإفك، فاتهموها بصفوان بن المعطل السلمي، وذلك ~~أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه الصلاة والسلام ليلة بالرحيل، وكانت ~~السيدة عائشة قد # 1 دلائل النبوة: ج4 ص 52 وما بعدها. PageV01P115 # مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها، فلمست ~~صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع فرجعت تلتمس عقدها، فحبسها ~~ابتغاؤه، فأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها، فاحتملوا هودجها ظانين أنها ~~فيه، لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهن اللحم، فلم يستنكر القوم خفة ~~الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السن، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت ~~عقدها، وليس بالمنزل داع ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير ~~وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطل، فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان ~~رآها قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه وسترت وجهها بجلبابها، فأناخ ~~راحلته وأركبها من غير أن يتكلما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل ~~الجيش وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الإفك، وقالوا ما قالوا في عائشة ~~وصفوان، والذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي. # ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا، والناس يفيضون في قول الإفك، وهي لا ~~تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقة إذا مرضت، فلم يعطها نصيبا منها في ~~هذا المرض، بل كان يمر على باب الحجرة لا يزيد على قوله: "كيف حالكم؟" مما ~~جعلها في ريب عظيم. فلما نقهت خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة -أحد أهل الإفك- ~~للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة: ~~بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه أو لم تسمعي ما قالوا؟ ~~فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضا على مرضها. ولما جاءها ~~عليه الصلاة والسلام كعادته، استأذنته أن تمرض في بيت أبيها، فأذن لها، ~~فسألت أمها عما يقول الناس، فقالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله، لقلما ms117 كانت ~~امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقالت عائشة: ~~سبحان الله! أو قد تحدث الناس بهذا؟ وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها ~~دمع، ولا تكتحل بنوم. وفي خلال ذلك كان عليه الصلاة والسلام يستشير كبار ~~أهل بيته فيما يفعل، فقال له أسامة لما يعلمه من براءة عائشة: أهلك أهلك ~~ولا نعلم عليهم إلا خيرا. وقال علي بن أبي طالب: لم يضيق الله عليك، ~~والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا عليه الصلاة والسلام بريرة ~~جارية عائشة، وقال لها: هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما ~~رأيت علها أمرا قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجينها، فتأتي ~~الداجن فتأكله. PageV01P116 # فقام عليه الصلاة والسلام من يومه وصعد المنبر والمسلمون مجتمعون وقال: "من ~~يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ~~ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي" . فقال ~~سعد بن معاذ: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن ~~كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي ~~وقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما ~~أحببت أنه يقتل، فقام أسيد بن حضير، وقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله ~~لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج ~~لولا أن رسول الله نزل من فوق المنبر وخفضهم حتى سكتوا. أما عائشة فبقيت ~~ليلتين لا يرقأ لهما دمع، ولا تكتحل بنوم. وبينما هي مع أبويها إذ دخل ~~النبي عليه الصلاة والسلام فسلم ثم جلس فقال: "أما بعد، يا عائشة، إنه ~~بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف وتاب، تاب الله عليه" ، ~~فتقلص دمع عائشة، وقالت لأبويها: أجيبا رسول الله، فقالا: والله ما ms118 ندري ما ~~نقول، فقالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في ~~أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم ~~بأمر -والله يعلم أني منه بريئة- لتصدقني فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا ~~أبا يوسف حيث قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]. # ثم تحولت واضطجعت على فراشها، ولم يزاول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مجلسه حتى نزلت عليه الآيات من سورة النور ببراءة السيدة المطهرة عائشة ~~الصديقة: { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ، ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ، ~~لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم ، إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به ~~علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين ، ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ، إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ، ولولا فضل الله عليكم PageV01P117 ~~ورحمته وأن الله رءوف رحيم ، يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ~~ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} ~~[النور: 11- 21]. فسري عن رسول الله وهو يضحك، وبشر عائشة بالبراءة، فقالت ~~لها أمها: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: لا والله، لا أشكر إلا الله الذي ~~برأني. وبعد ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بأن يجلد من صرح بالإفك ثمانين ~~جلدة، وهي حد القاذف، ms119 وكانوا ثلاثة: حمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وحسان ~~بن ثابت. وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه، فلما تكلم ~~بالإفك قطع عنه النفقة، فأنزل الله: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22] فقال أبو بكر: بل نحب ~~ذلك يا رسول الله، وأعاد النفقة على مسطح. فهذه مضار المنافقين الذين ~~يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقدا يتربصون الفتن، ~~فمتى رأوا بابا لها ولجوه فنعوذ بالله منهم1. # غزوة الخندق # لم يقر لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها، ~~بل كان في نفوسهم دائما أن يأخذوا ثأرهم ويستردوا بلادهم، فذهب جمع منهم ~~إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش، وحرضوهم على حرب رسول الله ومنوهم المساعدة، ~~فوجدوا منهم قبولا لما طلبوه، ثم جاءوا إلى قبيلة غطفان وحرضوا رجالها ~~كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوجدوا منهم ارتياحا، فتجهزت ~~قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ~~العبدري, وعددهم أربعة آلاف، معهم ثلاث مئة فرس، وألف وخمس مئة بعير. ~~وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفرا، فإنه ~~كما قدمنا أقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه، حتى إذا سمن خفه وحافره، قام يقود ~~الجيوش لحرب من أنعم عليه، وكان معه ألف فارس. وتجهزت بنو مرة يرأسهم ~~الحارث بن عوف # 1 دلائل النبوة: ج4 ص63 وما بعدها. PageV01P118 # المري وهم أربعمائة، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود بن رخيلة، وتجهزت ~~بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبع مئة، وتجهزت بنو أسد يرأسهم ~~طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو ~~سفيان. ولما بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هاته التجهيزات، استشار أصحابه ~~فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرار؟ فأشار عليه ~~سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب ms120 تعرفه، فأمرعليه الصلاة ~~والسلام المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحره الشرقية ~~إلى الحرة الغربية وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها. ~~أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكن العدو من الحرب جهتها، ~~وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من ~~العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام، فكان ينقل ~~التراب متمثلا بشعر ابن رواحة: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا # والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا # وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندا ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على ~~المدينة وعدتهم ثلاثة آلاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء ~~الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال، وأما عطفان فنزلت ~~جهة أحد. # وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا ~~يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليهم أكره جماعة منهم ~~أفراسهم على اقتحام الخندق، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن عبد ود ~~وآخرون، وقد برز علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن عبد ود فقتله ~~وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله، فاندقت عنقه، ورمي سعد بن ~~معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أكحله، وهو شريان الذراع، واستمرت المناوشة ~~والمراماة بالنبل يوما كاملا حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، ~~وجعل عليه الصلاة والسلام على الخندق حراسا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، ~~وكان يحرس بنفسه ثلمة فيه مع شدة البرد، وكان عليه الصلاة والسلام يبشر ~~أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. # أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنه ضمائرهم حتى قالوا: {ما وعدنا PageV01P119 ~~الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] وانسحبوا قائلين: إن بيوتنا عورة ~~نخاف أن يغير عليها العدو {وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب: ~~13] واشتدت الحال بالمسلمين، فإن هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء ms121 المدينة، ~~والذي زاد الشدة عليهم ما بلغهم من أن يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في ~~المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود، وسبب ذلك أن حيي بن أخطب سيد ~~بني النضير المجلين توجه إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، وكان له ~~كالشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فحسن له نقض العهد، ولم يزل به حتى أجابه ~~لقتال المسلمين. # ولما بلغت هذه الأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل مسلمة بن أسلم ~~في مئتين، وزيد بن حارثة في ثلاث مئة لحراسة المدينة، خوفا على النساء ~~والذراري، وأرسل الزبير بن العوام يستجلي له الخبر، فلما وصلهم وجدهم ~~حانقين، يظهر على وجوههم الشر، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين أمامه، فرجع وأخبر الرسول بذلك. وهناك اشتد وجل المسلمين وزلزلوا ~~زلزالا شديدا، لأن العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون، وتكلم المنافقون بما بدا لهم، فأراد ~~عليه الصلاة والسلام أن يرسل لعيينة بن حصن، ويصالحه على ثلث ثمار المدينة ~~لينسحب بغطفان، فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون منا قليلا ~~من ثمارنا ونحن كفار، أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها؟! وإذا أراد الله ~~العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون. فانظر إلى هذه العناية ~~من الله للمتمسكين بدينه القويم. جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وهو صديق قريش ~~واليهود ومن غطفان، فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون ~~بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال: "أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ~~ولكن خذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" . # الخدعة في الحرب # فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين، فلما رأوه ~~أكرموه لصداقته معهم، فقال: يا بني قريظة، تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم، ~~وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نعم، فقال: لقد رأيتم ما وقع لبني ~~قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإن قريشا وغطفان ليسوا ~~مثلكم فهم إذا PageV01P120 ~~رأوا فرصة انتهزوها ms122 وإلا انصرفوا لبلادهم. وأما أنتم فتساكنون الرجل -يريد ~~الرسول- ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأرى ألا تدخلوا في هذه الحرب حتى ~~تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم بأن تأخذوا ~~منهم رهائن سبعين شريفا منهم، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك. # ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم، وقال: أنتم تعرفون ودي ~~لكم، ومحبتي إياكم، وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نفعل، فقال لهم: ~~إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا ~~وتتركوهم معه فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعا من أشرافهم ونعطيهم لك، وترد ~~جناحنا الذي كسرت -يريد بني النضير- فرضي بذلك منهم. وها هم مرسلون إليكم ~~فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفا. # ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشا، فأرسل أبو سفيان وفدا ~~لقريظة يدعوهم للقتال غدا فأجابوا: إنا لا يمكننا أن نقاتل في السبت -وكان ~~إرساله لهم ليلة السبت- ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه، ومع ذلك ~~فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، ~~فتحققت قريش وغطفان كلام نعيم بن مسعود، وتفرقت القلوب فخاف بعضهم بعضا، ~~وكان عليه الصلاة والسلام قد ابتهل إلى الله الذي لا ملجأ إلا إليه ودعاه ~~بقوله: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم ~~وانصرنا عليهم" وقد أجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام، فأرسل على ~~الأعداء ريحا باردة في ليلة مظلمة، فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ~~ويهجموا عليهم في الليلة المدلهمة فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح ~~الصباح. ولما سمع عليه الصلاة والسلام الضوضاء في جيش العدو، قال لأصحابه: ~~"لا بد من حادث، فمن منكم ينظر لنا خبر القوم؟" فسكتوا حتى كرر ذلك ثلاثا. ~~وكان فيهم حذيفة بن اليمان، فقال عليه الصلاة والسلام: "تسمع صوتي منذ ~~الليلة ولا تجيب!" فقال: يا رسول الله البرد شديد، فقال: "اذهب في حاجة ~~رسول الله واكشف لنا خبر القوم" فخاطر رضي الله عنه بنفسه في ms123 خدمة نبيه، ~~حتى اطلع على جلية الخبر، وأن الأعداء عازمون على الرحلة. PageV01P121 # هزيمة الأحزاب # وقد بلغ من خوفهم، أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرف كل منكم ~~أخاه، وليمسك بيده حذرا من أن يدخل بينكم عدو، وقد حل عقال بعيره يريد أن ~~يبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أمية: إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي، ~~فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل، وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور ~~المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي ~~تحزب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين، ولولا لطف الله وعنايته بهذا ~~الدين منة منه وفضلا لساءت الحال1. # وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة، وكان حقا على الله أن يسميه نعمة بقوله ~~في سورة الأحزاب: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ، إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا ، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، وإذ ~~قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ~~يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب:9-13]. # غزوة بني قريظة # ولما رجع عليه الصلاة والسلام بأصحابه، وأراد أن يخلع لباس الحرب، أمره ~~الله باللحوق ببني قريظة، حتى يطهر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم العهود، ~~ولا تربطهم المواثيق، ولا يأمن المسلمون جانبهم في شدة، فقال لأصحابه: "لا ~~يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فساروا مسرعين، وتبعهم عليه الصلاة ~~والسلام راكبا على حماره، ولواؤه بيد علي بن أبي طالب، وخليفته على المدينة ~~عبد الله ابن أم مكتوم، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، وقد أدرك جماعة من ~~الأصحاب صلاة العصر في الطريق فصلاها بعضهم حاملين أمر الرسول بعدم صلاتها ~~على قصد # 1 انظر التفاصيل ms124 في الروايات دلائل النبوة: ج3 ص392 وما بعدها. وأيضا ص ~~398 -459. PageV01P122 # السرعة، ولم يصلها الآخرون إلا في بني قريظة بعد مضي وقتها حاملين الأمر ~~على حقيقته فلم يعنف فريقا منهم. # ولما رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم، وأرادوا ~~التنصل من فعلتهم القبيحة وهي الغدر بمن عاهدوهم وقت الشغل بعدو آخر، ولكن ~~أنى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم؟! فلما رأوا ذلك تحصنوا بحصونهم ~~وحاصرهم المسلمون خمسا وعشرين ليلة، فلما رأوا أن لا مناص من الحرب، وأنهم ~~إن استمروا على ذلك ماتوا جوعا، طلبوا من المسلمين أن ينزلوا على ما نزل ~~عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير مال ولا سلاح فلم يرض أيضا، بل ~~قال: لا بد من النزول والرضا بما يحكم عليهم خيرا كان أو شرا، فقالوا له: ~~أرسل لنا أبا لبابة نستشيره، وكان أوسيا من حلفاء بني قريظة، له بينهم ~~أولاد وأموال، فلما توجه إليهم استشاروه في النزول على حكم الرسول. فقال ~~لهم: انزلوا، وأومأ بيده إلى حلقه، يريد: أن الحكم الذبح، ويقول أبو لبابة: ~~لم أبارح موقفي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، فنزل من عندهم قاصدا المدينة ~~خجلا من مقابلة رسول الله، وربط نفسه في سارية من سواري المسجد حتى يقضي ~~الله فيه أمره. ولما سأل عنه عليه الصلاة والسلام أخبر بما فعل، فقال: "أما ~~لو جاءني لاستغفرت له، أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه" . ثم ~~إن بني قريظة لما لم يروا بدا من النزول على حكم رسول الله فعلوا، فأمر ~~برجالهم فكتفوا، فجاءه رجال من الأوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل بني ~~قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج، فقال لهم: "ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل ~~منكم؟" فقالوا: نعم. # واختاروا سيدهم سعد بن معاذ الذي كان جريحا من السهم الذي أصيب به في ~~الخندق، وكان مقيما بخيمة في المسجد معدة لمعالجة الجرحى، فأرسل عليه ~~الصلاة ms125 والسلام من يأتي به، فحملوه على حماره، والتف عليه جماعة من الأوس ~~يقولون له: أحسن في مواليك، ألا ترى ما فعل ابن أبي في مواليه؟ فقال رضي ~~الله عنه: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. # ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس، قال عليه الصلاة والسلام: "قوموا ~~إلى سيدكم فأنزلوه" ، ففعلوا، وقالوا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. وقال له الرسول: "احكم فيهم يا سعد" . ~~فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال: عليكم عهد الله وميثاقه ~~أن الحكم كما حكمت؟ PageV01P123 # فقالوا: نعم، فالتفت إلى الجهة التي فيها الرسول وقال: وعلى من هنا كذلك؟ ~~وهو غاض طرفه إجلالا، فقالوا: نعم، فقال: فإني أحكم أن تقتلوا الرجال، ~~وتسبوا النساء والذرية، فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد حكمت فيهم بحكم ~~الله يا سعد" . لأن هذا جزاء الخائن الغادر. ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ ~~عليهم، وجمعت غنائمهم، فكانت ألفا وخمس مئة سيف، وثلاثمائة درع، وألفي رمح، ~~وخمس مئة ترس وحجفة، ووجد أثاثا كثيرا، وآنية، وأجمالا نواضح، وشياها، فخمس ~~ذلك كله مع النخل والسبي للراجل ثلث الفارس، وأعطى النساء اللاتي يمرضن ~~الجرحى، ووجد في الغنيمة جرار خمر فأريقت. وبعد تمام هذا الأمر انفجر جرح ~~سعد بن معاذ فمات رضي الله عنه وأرضاه. كان في الأنصار كأبي بكر في ~~المهاجرين. وقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق، ~~وكان عليه الصلاة والسلام يحبه كثيرا وبشره بالجنة على عظيم أعماله. # وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي لبابة بقوله: {وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن ~~الله غفور رحيم} [التوبة: 102] وقد عاهد الله أن يهجر ديار بني قريظة التي ~~حصلت فيها هذه الزلة. # وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين من شر مجاورة اليهود الذين تعودوا ~~الغدر والخيانة، ولم يبق إلا بقية من كبارهم بخيبر مع أهلها وهم الذين ~~كانوا السبب في إثارة الأحزاب. ms126 وسيأتي للقارئ قريبا اليوم الذي يعاقبون فيه1. # زواج زينب بنت جحش # وفي هذا العام تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش -وأمها أميمة عمته- ~~بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة. وكان من أمر زواجها لزيد أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم خطبها له فتأفف أهلها من ذلك لمكانها في الشرف العظيم، فإن ~~العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي، ويعتقدون أن لا كفؤ من سواهم ~~لبناتهم، وزيد -وإن كان الرسول تبناه- ولكن هذا لا يلحقه بالأشراف، فلما ~~نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله # 1 السيرة النبوية: ج4 ص192 وما بعدها. PageV01P124 # ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب:36]. لم يروا بدا من القبول، فلما دخل ~~عليها زيد أرته من كبريائها وعظمتها ما لم يتحمله، فاشتكاها لرسول الله ~~فأمره باحتمالها والصبر عليها إلى أن ضاقت نفسه، فأخبره بالعزم على طلاقها ~~وقرر ذلك، ولما كانت العشرة بين مثل هذين الزوجين ضربا من العبث، أمر الله ~~نبيه أن يتزوج زينب بعد طلاقها حسما لهذا الشقاق من جهة، وحفظا لشرفها أن ~~يضيع بعد زواجها بمولى من جهة أخرى، ولكن رسول الله خشي من لوم اليهود ~~والعرب له في زواجه بزوج ابنه، فقال لزيد: {أمسك عليك زوجك واتق الله} ~~[الأحزاب: 37] . وأخفى في نفسه ما أبداه الله، فبت الله حكمه بإبطال هذه ~~القاعدة وهي: تحريم زوج المتبني بقوله في سورة الأحزاب: {فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا} [الأحزاب:37]. ثم إن الله حرم التبني على ~~المسلمين لما فيه من الأضرار، وأنزل فيه في سورة الأحزاب: {ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} ~~[الأحزاب: 40]. ومن هذا الحين صار اسم زيد: زيد بن حارثة بدل زيد بن محمد، ~~وأبدل بذلك أن ذكر اسمه في قرآن يتلى ms127 على مر الدهور والأعوام1. # يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقوالا لا تجوز ~~إلا ممن ضاع رشده، ولم يفقه حقيقة ما يقول، فإنهم يذكرون أن الرسول توجه ~~يوما لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة لأن الريح رفعت الستر عنها فوقعت في ~~قلبه، فقال سبحان الله! فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك، فرأى من الواجب عليه ~~فراقها، فتوجه وأخبر الرسول بعزمه فنهاه عن ذلك...إلخ. وهذا مما يكذبه أن ~~نساء العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه، وزينب بنت عمته أسلمت قديما ~~ورسول الله بمكة، فكيف لم يرها، وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت ~~عمته، إلا حينما رفعت الريح الستر مصادفة، ورسول الله هو الذي زوجها زيدا؟ ~~فلو كانت له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك. ومن ~~منا يتصور السيد الأكرم يقول لقومه إنه مرسل من ربه، ويتلو عليهم صباح مساء ~~أمر الله له بقوله في سورة الحجر المكية: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم} [الحجر: 88]. وفي سورة طه المكية أيضا: {ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} [طه: # 1 انظر دلائل النبوة: ج3 ص465. PageV01P125 # 131]. ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متبعيه، وينظر إلى زوجه مصادفة ثم ~~يشتهي زواجها؟ إن هذا لأمر عظيم تشعر1 بذلك صدورنا. ولو حدث أمر مثل ذلك من ~~أقل الناس لعيب عليه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس ~~خلقا، وأبعدهم عن الدنايا، وأشدهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقوله في سورة ~~ن: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم:4]. لا شك أن هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة ~~الغرانيق، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت ~~النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولا، وهو الذي ~~يستفاد من القرآن الشريف، قال تعالى في سورة الأحزاب: {وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ms128 وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا} [الأحزاب: 37]. والذي أبداه الله هو زواجه بها، ولم يبد غير ~~ذلك وهذا القرآن أعظم شاهد. # الحجاب # وفيه نزلت آية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم2، وكان ~~عمر بن الخطاب قبل نزول آيته يحبه ويذكره كثيرا، ويود أن ينزل فيه قرآن، ~~وكان يقول: لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل في سورة الأحزاب: {وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ~~[الأحزاب:53]. فقال بعضهم: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء الحجاب؟ ~~لئن مات محمد لأتزوجن عائشة! فنزل بعد الآية المتقدمة: [الأحزاب:53] {وما ~~كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان ~~عند الله عظيما} [الأحزاب: 53]. أما غير أزواجه عليه الصلاة والسلام من ~~المؤمنات، فأمرن بغض الأبصار، وحفظ الفروج، كما أمر بذلك الرجال، وأمرن ألا ~~يبدين زينتهن3 للأجانب إلا ما ظهر منها كالخاتم في الإصبع، والخضاب في # 1 تشعر: تعلم، من شعر بمعنى علم ومنه: ليت شعري أي علمي. # 2 الحجاب اصطلاح على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو وضع خاص بهن. ~~وهذا بخلاف الجلباب الذي هو لسائر نساء المسلمين. # 3 يعني مواضع الزينة من الوجه والكفين اللذين دل النص على جواز ظهورهما. PageV01P126 # اليد، والكحل في العين، أما ما خفي منها فلا يحل إبداؤه كالسوار للذراع، ~~والدملج للعضد، والخلخال للرجل، والقلادة للعنق، والإكليل للرأس، والوشاح ~~للصدر، والقرط للأذن. والمراد بالزينة الظاهرة والخفية موضعها، وأمرن أيضا ~~بأن يضربن بخمرهن على الجيوب كي لا تبقى صدورهن مكشوفة، فإن النساء إذ ذاك ~~كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر ~~من ورائهن، ونهين عن أن يضربن بأرجلهن ليعلم أنهن ذوات خلخان. وإذا كان ~~النهي عن إظهار صوت الحلي بعدما ms129 نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن ~~إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ، قال تعالى في سورة النور: {وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء ~~بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني ~~أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ~~ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} ~~[النور:31]. وكان النساء في أول الإسلام كما كن في الجاهلية متبذلات، تبرز ~~المرأة في درع وخمار1، لا فرق بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة ~~يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان، ~~وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن ~~زي الإماء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليغطي الوجه والأعطاف ليحتشمن2، ~~ويهبن فلا يطمع فيهن طامع، قال تعالى في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن ~~فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 59]. # أما حجب المرأة عمن يريد خطبتها فهو أمر لم يكن يفعل في عهد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولا في عهد السلف الصالح، فإن الشارع الحكيم سن ذلك ليكون ~~الرجل على علم مما يقدم عليه، حتى يتم الوفاق والوئام بين الزوجين في أمر ~~أجمع عليه أئمة الدين. # 1 الدرع للمرأة: ثوب تجوب المرأة وسطه وتجعل له يدين وتخيط فرجيه. # 2 يفهم من هذا أن الإماء لم يفرض عليهن الحجاب، وهو كلام باطل لا صحة له، ~~فالنساء كلهن سواء في الخطاب، ولم يصح شيء في التفريق بين الحرة والأمة في ~~هذا الموضع حتى يفرق. PageV01P127 # قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب ~~الألفة ولذلك استحب النظر، فقال: "إذا ms130 أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة، ~~فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" -أي: يؤلف بينهما- من وقوع الأدمة ~~على الأدمة1، وهي الجلدة الباطنة، والبشرة: الجلدة الظاهرة، وإنما ذكر ذلك ~~للمبالغة في الائتلاف، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن في أعين الأنصار شيئا ~~فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن" قيل: كان في أعينهن عمش. ~~وقيلك صغر. وكان بعض الصالحين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازا من ~~الغرور، وقال الأعمش: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم. # ولا يبعد أن يكون فساد الزمن والابتعاد عن التربية الدينية التي تسوق إلى ~~مكارم الأخلاق قد حسنا عند عامة المسلمين في العصور الأولى حجب المرأة ~~مطلقا حسما للمفاسد ودرءا للفتنة. # فرض الحج # وفي هذا العام -على ما عليه الأكثرون- فرض الله على الأمة الإسلامية حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا، ليجتمع المسلمون من جميع الأقطار، فيتجهوا إلى ~~الله ويبتهلوا إليه أن يؤيدهم بنصره ويعينهم على اتباع دينه القويم. وفي ~~ذلك من تقوية الرابطة واتحاد القلوب ما فيه للمسلمين الفائدة العظمى. # 1 الراجح أنه يحل النظر إلى المرأة للزواج بما يمكن من ظاهر وجهها ومعالم ~~جسمها الظاهرة وحركاتها الظاهرة والخفية. PageV01P128 ### | AUTO السنة السادسة # ... # السنة السادسة # سرية القرطاء # ولعشر خلون من محرم السنة السادسة، أرسل عليه الصلاة والسلام محمد بن ~~مسلمة في ثلاثين راكبا لشن الغارة على بني بكر بن كلاب الذين كانوا نازلين ~~بناحية ضرية، فسار إليهم يكمن النهار ويسير الليل حتى دهمهم فقتل منهم ~~عشرة، وهرب باقيهم، فاستاقت السرية النعم والشياه، وعادوا راجعين إلى ~~المدينة، وقد التقوا وهم عائدون بثمامة بن أثال الحنفي، من عظماء بني ~~حنيفة، فأسروه وهم لا يعرفونه، فلما أتوا به رسول الله عرفه وعامله بمنتهى ~~مكارم الأخلاق، فإنه أطلق إساره بعد ثلاث أبى فيها الانقياد للإسلام بعد أن ~~عرض عليه. ولما رأى ثمامة هذه المعاملة، وهذه المكارم، رأى من العبث أن ~~يتبع هواه ويترك دينا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله وأسلم غير مكره ~~وخاطب الرسول بقوله: ms131 يا محمد، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إلي من ~~وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الدين كله إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من ~~بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي. فسر عليه الصلاة والسلام كثيرا بإسلامه لأن ~~من ورائه قوما يطيعونه. ولما رجع ثمامة إلى بلاده مر بمكة معتمرا وأظهر ~~فيها إسلامه، فأرادت قريش إيذاءه، فذكروا احتياجهم لحبوب اليمامة التي منها ~~ثمامة فتركوه، ومع ذلك فقد حلف هؤلاء ألا يرسل إليهم من اليمامة حبوبا حتى ~~يؤمنوا، فجهدوا جدا، ولم يروا بدا من الاستغاثة برسول الله، فعاملهم عليه ~~الصلاة والسلام بما جبل عليه من الشفقة والمرحمة، وأرسل لثمامة أن يعيد ~~عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة ففعل. وقد كان لهذا الرجل الكريم ~~الأصل قدم راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول حينما ارتد أكثر أهل بلاده، ~~فكان ينهى قومه عن اتباع مسيلمة، ويقول لهم: إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، ~~وإنه لشقاء كتبه الله على من اتبعه، فثبت معه كثير من قومه رضي الله عنه1. # 1 دلائل النبوة: ج4 ص78 وما بعدها. PageV01P129 # غزوة بني لحيان # بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه، ولم يزل رسول الله حزينا ~~عليهم متشوقا للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة، فأمر أصحابه ~~بالتجهز، ولم يظهر مقصده كما هي عادته عليه الصلاة والسلام في غالب ~~الغزوات، لتعمى الأخبار عن الأعداء، وولى على المدينة ابن أم مكتوم، وسار ~~في مائتي راكب معهم عشرون فرسا، ولم يزل سائرا حتى مقتل أصحاب الرجيع، ~~فترحم عليهم ودعا لهم، ولما سمع به بنو لحيان تفرقوا في الجبال، فأقام عليه ~~الصلاة والسلام بديارهم يومين يبعث السرايا فلا يجدون أحدا، ثم أرسل بعضا ~~من أصحابه ليأتوا عسفان حتى يعلم بهم أهل مكة فيداخلهم الرعب، فذهبوا إلى ~~كراع الغميم، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهو يقول: "آيبون، ~~تائبون، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء ~~المنظر في الأهل والمال" 1. # غزوة الغابة ms132 # كان للنبي عليه الصلاة والسلام عشرون لقحة2 ترعى بالغابة3، فأغار عليها ~~عيينة بن حصن في أربعين فارسا واستلبها من راعيها، فجاءت الأخبار رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام، والذي بلغه هو سلمة بن الأكوع، أحد رماة الأنصار، ~~وكان عداء فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم ~~المسلمون، فخرج يشتد في أثرهم حتى لحقهم، وجعل يرميهم بالنبل، فإذا وجهت ~~الخيل نحوه رجع هاربا، فلا يلحق، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل، ~~فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيرا مما بأيديهم من الرماح والأبراد ~~ليخففوا عن أنفسهم، حتى لا يلحقهم الجيش، ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق ~~به الجيش، فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه، وأول من انتهى إليه المقداد بن ~~عمرو، فقال له: "اخرج في طلب القوم حتى ألحقك" وأعطاه اللواء فخرج، وتبعته ~~الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو، فحصلت # 1 دلائل النبوة: ج3 ص 364 وما بعدها. # 2 اللقحة: الناقة ذات در وحلب. # 3 الغابة: موضع قريب من المدينة جهة بلاد غطفان. انظر دلائل النبوة: ج3 ~~ص303 وما بعدها. PageV01P130 # بينهم مناوشات قتل فيها مسلم ومشركان، واستنقذ المسلمون غالب اللقاح، وهرب ~~أوائل القوم بالبقية، وطلب سلمة بن الأكوع من رسول الله أن يرسله مع جماعة ~~في أثر القوم، ليأخذهم على غرة، وهم نازلون على أحد مياههم، فقال له عليه ~~الصلاة والسلام: "ملكت فأسجح" ثم رجع بعد خمس ليال. # سرية عكاشة بن محصن # كان بنو أسد الذين مر ذكرهم كثيرا ما يؤذون من يمر بهم من المسلمين، ~~فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام عكاشة بن محصن في أربعين راكبا ليغير عليهم، ~~ولما قارب بلادهم علموا به فهربوا، وهناك وجدوا رجلا نائما فأمنوه ليدلهم ~~على نعم1 القوم، فدلهم عليها فاستاقوها، وكانت مئة بعير ثم قدموا المدينة ~~ولم يلقوا كيدا2. # سرية محسن بن مسلمة إلى ذي القصة # وفي ربيع الأول بلغه عليه الصلاة والسلام أن من بذي القصة3 يريدون ~~الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء، فأرسل لهم محمد بن مسلمة في ~~عشرة ms133 من المسلمين، فبلغ ديارهم ليلا، وقد كمن المشركون حينما علموا بهم، ~~فنام المسلمون، ولم يشعروا إلا والنبل قد خالطهم، فتواثبوا على أسلحتهم ~~ولكن تغلب عليهم الأعداء فقتلوهم، غير محمد بن مسلمة تركوه لظنهم أنه قتل، ~~فعاد إلى المدينة، وأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فأرسل أبا عبيدة عامر ~~بن الجراح في ربيع الآخر ليقتص من الأعداء، فلما وصل ديارهم وجدهم تشتتوا ~~هاربين فاستاق نعمهم ورجع4. # سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم # عاكس بنو سليم الذين كانوا من المتحزبين في غزوة الخندق المسلمين في # 1 النعم: الإبل. # 2 طبقات ابن سعد، دار صادر/ بيروت، ج2 ص 84. # 3 ذو القصة: موضع في طريق الربذة على بعد أربعة وعشرين ميلا عن المدينة. # 4 طبقات ابن سعد: ج2 ص85. PageV01P131 # سيرهم، فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة في ربيع الآخر ليغير عليهم ~~في الجموم فلما بلغوا ديارهم وجدوهم تفرقوا، ووجدوا هناك امرأة من مزينة ~~دلتهم على منازل بني سليم، أصابوا بها نعما وشاء، ووجدوا رجالا أسروهم، ~~وفيهم زوج تلك المرأة، فرجعوا بذلك إلى المدينة، فوهب الرسول لهذه المرأة ~~نفسها وزوجها1. # سرية زيد بن حارثة إلى العيص # بلغ الرسول أن عيرا لقريش أقبلت من الشام تريد مكة، فأرسل لها زيد بن ~~حارثة في مائة وسبعين راكبا ليعترضها، فأخذها وما فيها وأسر من معها من ~~الرجال، وفيهم أبو العاص بن الربيع، زوج زينب بنت رسول الله، وكان من رجال ~~مكة المعدودين تجارة ومالا وأمانة، فاستجار بزوجه زينب فأجارته، ونادت بذلك ~~في مجمع قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: "المسلمون يد واحدة، يجير عليهم ~~أدناهم، وقد أجرنا من أجرت" وهذا أبلغ ما قيل في المساواة بين أفراد ~~المسلمين ورد عليه الرسول ماله بأسره لا يفقد منه شيء، فذهب إلى مكة. فأدى ~~لكل ذي حق حقه، ورجع إلى المدينة مسلما، فرد عليه رسول الله زوجه2. # سرية زيد بن حارثة إلى الطرف # وفي جمادى الآخرة أرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة في خمسة عشر ~~رجلا، للإغارة على بني ثعلبة، ms134 الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة وهم مقيمون ~~بالطرف. فتوجهت السرية لذلك، ولما رآهم الأعداء ظنوهم طليعة لجيش رسول ~~الله، فهربوا وتركوا نعمهم وشاءهم، فاستاقها المسلمون ورجعوا إلى المدينة ~~بعد أربع ليال3. # سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى # وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة، ليغير على بني فزارة # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص86. # 2 طبقات ابن سعد: ج2 ص87 والعيص: مكان بينه وبين المدينة أربع ليال. # 3 طبقات ابن سعد: ج2 ص87. PageV01P132 # لأنهم تعرضوا لزيد وهو راجع بتجارة من الشام، فسلبوا ما معه، وكادوا ~~يقتلونه، فلما جاء المدينة، وأخبر الرسول الخبر، أرسله مع رجاله للقصاص من ~~فزارة المقيمين في وادي القرى. فساروا حتى دهموا العدو وأحاطوا بهم، وقتلوا ~~منهم جمعا كثيرا، وأخذوا امراة من كبارهم أسيرة، فاستوهبها عليه الصلاة ~~والسلام ممن أسرها وفدى بها أسيرا كان بمكة1. # سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل # وفي شعبان أرسل عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن بن عوف مع سبعمائة من ~~الصحابة لغزو بني كلب في دومة الجندل، وقد وصاهم عليه الصلاة والسلام قبل ~~السفر بقوله: "اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ~~ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم" ~~ثم أعطاه اللواء فساروا على بركة الله حتى حلوا بديار العدو، فدعوهم إلى ~~الإسلام ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أسلم رئيس القوم الأصبغ بن عمرو ~~النصراني، وأسلم معه جمع من قومه، وبقي آخرون راضين بإعطاء الجزية، فتزوج ~~عبد الرحمن بنت رئيسهم، كما أمره بذلك عليه الصلاة والسلام، وهذه أقرب ~~واسطة لتمكين صلات الود بين الأمراء بحيث يهم كلا ما يهم الآخر، فنعما هي ~~سياسة السلم والمحبة2. # سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك # وفي شعبان أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب في مائة لغزو بني ~~سعد بن بكر بفدك لأنه بلغه أنهم يجمعون الجيوش لمساعدة يهود خيبر على حرب ~~المسلمين مقابل تمر ms135 يعطونه من تمر خيبر، فسارت السرية، وبينما هم سائرون ~~التقوا بجاسوس للعدو، وكانوا قد أرسلوه إلى خيبر ليعقد المعاهدة مع يهودها، ~~فطلبوا منه # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 87 وقد بعث زيد إلى حسمى وراء وادي القرى أيضا، ~~انظر: ص88 من طبقات ابن سعد المذكورة. # 2 طبقات ابن سعد: ج2 ص89. PageV01P133 # أن يدلهم على القوم وهو آمن، فدلهم على موضعهم، فاستاق منه المسلمون نعم ~~القوم، وهرب الرعاة، فحذروا قومهم، فداخلهم الرعب، وتفرقوا، فرجع المسلمون ~~ومعهم خمسمائة بعير وألفا شاة، ورد الله كيد المشركين فلم يمدوا اليهود بشيء1. # قتل أبي رافع # وكان المحرك لأهل خيبر على حرب المسلمين، وهو سيدهم، أبو رافع سلام بن ~~أبي الحقيق الملقب بتاجر أهل الحجاز، لما كان له من المهارة في التجارة، ~~وكان ذا ثروة طائلة يقلب بها قلوب اليهود كما يريد، فانتدب له عليه الصلاة ~~والسلام من يقتله، فأجاب لذلك خمسة رجال من الخزرج رئيسهم عبد الله بن ~~عتيك، ليكون لهم مثل أجر إخوانهم من الأوس الذين قتلوا كعب بن الأشرف، فإن ~~من نعم الله على رسوله أن كان الأوس والخزرج يتفاخرون بما يفعلونه من تنفيذ ~~رغبات رسول الله، فلا تعمل الأوس عملا إلا اجتهد الخزرج في مثله، فأمرهم ~~الرسول بذلك بعد أن وصاهم ألا يقتلوا وليدا ولا امرأة، فساروا حتى أتوا ~~خيبر، فقال عبد الله لأصحابه: مكانكم، فإني منطلق للبواب ومتلطف له لعلي ~~أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوب كأنه يقضي حاجته، وقد دخل ~~الناس، فهتف به البواب: ادخل يا عبد الله، إن كنت تريد الدخول، فإني أريد ~~أن أغلق الباب، فدخل وكمن حتى نام البواب، فأخذ المفاتيح، وفتح ليسهل له ~~الهرب، ثم توجه إلى بيت أبي رافع، وصار يفتح الأبواب التي توصل إليه، وكلما ~~فتح بابا أغلقه من الداخل حتى انتهى إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، ~~فلم يمكنه تمييزه، فنادى يا أبا رافع، قال: من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت فلم ~~يغن شيئا، وعند ذلك قالت امرأته: ms136 هذا صوت ابن عتيك، فقال لها: ثكلتك أمك ~~وأين ابن عتيك الآن؟ فعاد عبد الله للنداء مغيرا صوته، قائلا: ما هذا الصوت ~~الذي نسمعه يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني بالسيف، ~~فعمد إليه فضربه أخرى لم تغن شيئا، فتوارى ثم جاءه كالمغيث وغير صوته، ~~فوجده مستلقيا على ظهره، فوضع السيف في بطنه، وتحامل عليه حتى سمع صوت ~~العظم، ثم خرج من البيت، وكان نظره ضعيفا فوقع من فوق السلم فكسرت رجله، ~~فعصبها بعمامته، ثم انطلق إلى أصحابه، وقال: النجاة، قتل والله أبو رافع، # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص89. PageV01P134 # فانتهوا إلى الرسول، فحدثوه ثم قال لعبد الله: "ابسط رجلك" فمسحها عليه ~~الصلاة والسلام فكأنه لم يشتكها قط، وعادت أحسن ما كانت فانظر -رعاك الله- ~~إلى ما كان عليه المسلمون من استسهال المصاعب ما دامت في إرضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم1. # سرية عبد الله بن رواحة # ولما قتل كعب ولى اليهود مكانه أسير بن رزام، فأرسل عليه الصلاة والسلام ~~من يستعلم له خبره، فجاءته الأخبار بأنه قال لقومه: سأصنع بمحمد ما لم ~~يصنعه أحد قبلي، أسير إلى غطفان فأجمعهم لحربه، وسعى في ذلك. فأرسل عليه ~~الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة الخزرجي في ثلاثين من الأنصار لاستمالته، ~~فخرجوا حتى قدموا خيبر، وقالوا لأسير: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؟ ~~قال: نعم، ولي مثل ذلك، فأجابوه، ثم عرضوا عليه أن يقدم على رسول الله ~~ويترك ما عزم عليه من الحرب فيوليه الرسول على خيبر، فيعيش أهلها بسلام، ~~فأجاب إلى ذلك وخرج في ثلاثين يهوديا كل يهودي رديف لمسلم، وبينما هم في ~~الطريق ندم أسير على مجيئه، وأراد التخلص مما فعل بالغدر بمن أمنوه فأهوى ~~بيده إلى سيف عبد الله بن رواحة، فقال له: أغدرا يا عدو الله؟ ثم نزل وضربه ~~بالسيف فأطاح عامة فخذه، ولم يلبث أن هلك، فقام المسلمون على من معه من ~~اليهود فقتلوهم عن آخرهم. وهذه عاقبة ms137 الغدر2. # قصة عكل وعرينة # قدم على رسول الله في شوال جماعة من عكل وعرينة، فأظهروا الإسلام وبايعوا ~~رسول الله. وكانوا سقاما، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فلم يوافقهم هواء ~~المدينة، فأمر لهم عليه الصلاة والسلام بذود من الإبل معها راع، وأمرهم ~~باللحوق بها في مرعاها ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، ولما تم شفاؤهم ~~جازوا الإحسان كفرا، # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص91. # 2 السابق: نفسه. PageV01P135 # فقتلوا الراعي ومثلوا به، واستاقوا الإبل، فلما بلغ ذلك رسول الله أرسل ~~وراءهم كرز بن جابر الفهري في عشرين فارسا فلحقوا بهم، وقبضوا على جميعهم، ~~ولما جيء بهم إلى المدينة أمر عليه الصلاة والسلام أن يمثل بهم كما مثلوا ~~بالراعي، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا بالحرة حتى ماتوا، ~~فهكذا يكون جزاء الخائن الذين لا ينتظر منه صلاح، وعمل هؤلاء الشريرين مما ~~يدل على فساد الأصل، ولؤم العشيرة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك عن المثلة1. # سرية عمرو بن أمية # جلس أبو سفيان بن حرب يومافي نادي قومه، فقال: ألا رجل يذهب لمحمد فيقتله ~~غدرافإنه يمشي بالأسواق لنستريح منه؟ فتقدم له رجل وتعهد له بما أراد، ~~فأعطاه راحلة ونفقة وجهزه لذلك. فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة صبح سادسة ~~من خروجه، فسأل عن رسول الله فدل عليه وهو بمسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه ~~عليه الصلاة والسلام قال: "إن هذا الرجل ليريد غدرا، وإن الله مانعي منه" ~~فذهب لينحني على الرسول، فجذبه أسيد بن حضير من إزاره، وهنالك سقط الخنجر، ~~فندم الرجل على فعلته، ثم سأله عليه الصلاة والسلام عن سبب عمله فصدقه بعد ~~أن توثق من حفظ دمه، فخلى عليه الصلاة والسلام سبيله. فقال الرجل: والله يا ~~محمد، ما كنت أخاف الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم ~~إنك اطلعت على ما هممت به مما لم يعلمه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، ~~وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، ثم أسلم. وعند ذلك أرسل عليه الصلاة ms138 ~~والسلام عمرو بن أمية الضمري، وكان رجلا جريئافاتكا في الجاهلية، وأصحبه ~~برفيق، ليقتلا أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه، فلما قدما مكة توجها ليطوفا ~~بالبيت قبل أن يؤديا ما أرسلا له، فعرف عمرا أحد رجال مكة، فقال: هذا عمرو ~~بن أمية ما جاء إلا بشر، فلما رآهم علموا به لم يجد مناصا من الهرب، فاصطحب ~~معه رفيقه، ورجعا إلى المدينة، وكأن الله سبحانه أراد أن يعيش أبو سفيان ~~حتى يسلم بيده مفاتيح الكعبة للمسلمين، ويعتنق الدين الحنيفي القويم2. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص93. # 2 السابق: ج2 ص93. PageV01P136 # علينا في جنوده معتمرا تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينهم من ~~الحرب ما بيننا؟ والله لا كان هذا أبدا ومنا عين تطرف!. ثم أرسلوا حليس بن ~~علقمة سيد الأحابيش وهم حلفاء قريش، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: ~~"هذا من قوم يعظمون الهدي، ابعثوه في وجهه حتى يراه" ، ففعلوا، واستقبله ~~الناس يلبون، فلما رأى ذلك حليس رجع، وقال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن ~~يصدوا. أتحج لخم وجذام وحمير، ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش، ~~ورب البيت! إن القوم أتوا معتمرين. # فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك ~~بالمكايد، ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى رسول ~~الله، وقال: يا محمد! قد جمعت أوباش الناس، ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لتفضها ~~بهم! إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله! ~~لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك. فنال منه أبو بكر، وقال: نحن ننكشف عنه؟ ويحك! # وكان عروة يتكلم وهو يمس لحية رسول الله، فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده ~~إذا أراد ذلك، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول أصحابه، لا يتوضأ وضوءا ~~إلا كادوا يقتتلون عليه يتمسحون به، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا ~~يحدون النظر إليه. فقال: والله يا معشر قريش! جئت كسرى في ملكه وقيصر في ~~عظمته، فما رأيت ms139 ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا ~~يسلمونه لشيء أبدا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض ~~عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه. فقالت قريش: لا تتكلم ~~بهذا، ولكن نرده عامنا ويرجع إلى قابل. ثم إن الرسول اختار عثمان بن عفان ~~رسولا من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مقصده، فتوجه وتوجه معه عشرة استأذنوا ~~الرسول في زيارة أقاربهم، وأمر عليه الصلاة والسلام عثمان أن يأتي ~~المستضعفين من المؤمنين بمكة فيبشرهم بقرب الفتح وأن الله مظهر دينه، فدخل ~~عثمان مكة في جوار أبان بن سعيد الأموي فبلغ ما حمل، فقالوا: إن محمدا لا ~~يدخلها علينا عنوة أبدا. ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت، فقال: لا أطوف ورسول ~~الله ممنوع، ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين أن عثمان قتل، فقال عليه ~~الصلاة والسلام حينما سمع ذلك: "لا نبرح حتى نناجزهم الحرب" 1. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص95 وما بعدها. ودلائل النبوة: ج4 ص99 وما بعدها. PageV01P138 # بيعة الرضوان # ودعا الناس للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك -سميت بعد بشجرة ~~الرضوان- على الموت، فشاع أمر هذه البيعة في قريش فداخلهم منها رعب عظيم، ~~وكانوا قد أرسلوا خمسين رجلا عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر المسلمين ~~لعلهم يصيبون منهم غرة، فأسرهم حارس الجيش محمد بن مسلمة وهرب رئيسهم، ولما ~~علمت بذلك قريش جاء جمع منهم وابتدءوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم اثنا ~~عشر رجلا وقتل من المسلمين واحد1. # صلح الحديبية # وعند ذلك خافت قريش وأرسلت سهيل بن عمرو للمكالمة في الصلح، فلما جاء ~~قال: يا محمد، إن الذي حصل ليس رأي عقلائنا بل شيء قام به السفهاء منا ~~فابعث بمن أسرت، فقال: حتى ترسلوا من عندكم. وعندئذ أرسلوا عثمان والعشرة ~~الذين معه، ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش وهي: # 1- وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات. # 2- من جاء المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريشا من المسلمين لا يلزمون برده. # 3- أن يرجع النبي من ms140 غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها ~~بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من ~~السلاح إلا السيف في القراب والقوس. # 4- من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل ~~في عهد قريش دخل فيه. # فقبل عليه الصلاة والسلام كل هذه الشروط2. أما المسلمون فداخلهم منها أمر ~~عظيم وقالوا: سبحان الله! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلما، ولا يردون من ~~جاءهم مرتدا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده ~~الله، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا" . # 1 دلائل النبوة: ج1 ص133. # 2 طبقات ابن سعد: ج2 ص102. PageV01P139 # أما الأمر الثالث: وهو صد المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشد تأثيرا في ~~قلوبهم، لأن الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت آمنين، وقد ~~سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي الله عنه: وهل ذكر أنه في هذا العام؟ ثم ~~كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه عليه ~~الصلاة والسلام: "بسم الله الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: اكتب باسمك ~~اللهم، فأمره الرسول بذلك، ثم قال: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" فقال ~~سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك، اكتب محمد بن عبد الله. فأمر عليه ~~الصلاة والسلام عليا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله، فامتنع، فمحاها ~~النبي بيده، وكتبت نسختان نسخة لقريش ونسخة للمسلمين. # وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جندل بن سهيل يحجل في قيوده، وكان من ~~المسلمين الممنوعين من الهجرة، فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين ~~فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بين القوم صلحا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدا ~~فلا نغدر بهم" . # هذا، وقد دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ودخل بنو بكر في عهد قريش1. # ولما انتهى الأمر، أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه ms141 أن يحلقوا رءوسهم، ~~وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك هما عظيما، حتى ~~إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل عليه الصلاة والسلام على أم المؤمنين، أم ~~سلمة، وقال لها: "هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا" ، فقالت: يا رسول الله! ~~اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرا عظيما في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح فهم ~~لذلك مكروبون، ولكن اخرج يا رسول الله، وابدأهم بما تريد فإذا رأوك فعلت ~~تبعوك، فتقدم عليه الصلاة والسلام إلى هديه فنحره ودعا بالحلاق فحلق رأسه، ~~فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا2، ثم رجع المسلمون إلى ~~المدينة، وقد أمن كل # 1 انظر: ص 149 من دلائل النبوة، ج4. # 2 طبقات ابن سعد: ج2 ص103. وفي استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم ~~سلمة فوائد عظيمة من جواز استئمار النساء في أمر من الأمور والسماع لهن فيه ~~ما دمن يعرفن ويقدرن التقدير السليم. PageV01P140 # فريق الآخر. ولما قر قرارهم جاءتهم مهاجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~أخت عثمان لأمه، فطلبها المشركون فقالت: يا رسول الله، إني امرأة، وإن رجعت ~~إليهم فتنوني في ديني، فأنزل الله في سورة الممتحنة: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما ~~أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم ~~والله عليم حكيم} [الممتحنة: 10]. فكانت المرأة المهاجرة تستحلف أنها ما ~~خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا من بغض زوج، ولا لالتماس دنيا، ولا لرجل من ~~المسلمين، وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، ومتى حلفت لا ترد بل يعطى لزوجها ~~المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم تزوجها. وفي الآية تحريم إمساك الزوجة ~~الكافرة، بل ترد إلى أهليها بعد أن يعطوا ما أنفقوا عليها. # وقد تمكن أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي رضي الله عنه من الفرار ms142 إلى رسول ~~الله، فأرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فأمره عليه الصلاة والسلام ~~بالرجوع معهما، فقال: يا رسول الله، أتردني إلى الكفار يفتنوني1 في ديني ~~بعد أن خلصني الله منهم؟! فقال: "إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجا" ، فلم يجد ~~بدا من اتباعه، فرجع مع صاحبيه، ولما كان بذي الحليفة عدا على أحدهما ~~فقتله، وهرب منه الآخر، فرجع إلى المدينة وقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، ~~أما أنا فنجوت، فقال له: "اذهب حيث شئت ولا تقم بالمدينة" . فذهب إلى محل ~~بطريق الشام تمر به تجارة قريش، فأقام به واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين ~~بمكة ونجوا، وسار إليه أبو جندل بن سهيل، واجتمع إليه جمع من الأعراب، ~~وقطعوا الطريق على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد، فأرسل رجال قريش ~~لرسول الله يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحق في إمساك من جاءه ~~مسلما، فقبل منهم ذلك، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي لم يتمكنوا ~~من تحملها في الحديبية حينما أمرهم عليه الصلاة والسلام برد أبي جندل، ~~وعلموا أن رأي رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن تسبب عنه ~~اختلاط الكفار بالمسلمين، فخالطت بشاشة الإسلام قلوبهم حتى قال أبو بكر رضي ~~الله عنه: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية ولكن الناس قصر رأيهم # 1 الأصل: يفتونني، وحذفت النون للتخفيف وهي جائزة في كلام العرب. PageV01P141 # عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون، والله لا يعجل لعجلة العباد حتى ~~تبلغ الأمور ما أراد. # وفي رجوعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح، وقال ~~سبحانه في أولها: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح:1] وفي تسمية هذه ~~الغزوة بالفتح المبين تصديق لما قدمنا لك عن الصديق1. # مكاتبة الملوك # بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من قريش، ~~كاتب عليه الصلاة والسلام ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، واتخذ إذ ذاك ~~خاتما من فضة يختم به خطاباته، وكان نقشه: محمد رسول الله، فوجه ms143 دحية ~~الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليوصله إلى الملك. # كتاب قيصر # وكان في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى ~~هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية ~~الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم ~~الأريسيين: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]2. # حديث أبي سفيان # ولما وصل هذا الكتاب قيصر، قال: انظروا لنا من قومه أحدا نسأله عنه، وكان ~~أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة، فجاءت رسل قيصر لأبي # 1 دلائل النبوة: ج4 ص 154. # 2 السابق: ج4 ص377. PageV01P142 # سفيان ودعوه لمقابلة الملك فأجاب، ولما قدموا عليه في القدس قال لترجمانه: ~~سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان: أنا، ~~لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره، فقال قيصر: ادن مني، ثم أمر ~~أصحابه فجعلوا خلف ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إنما قدمت هذا أمامكم ~~لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وقد جعلتكم خلفه كي لا تخجلوا من ~~رد كذبه عليه إذا كذب، ثم سأله كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قال: هو فينا ذو ~~نسب. قال: هل تكلم بهذا القول أحد منكم قبله؟ قال: لا. قال: هل كنتم ~~تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. قال: فهل كان من آبائه من ~~ملك؟ قال: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. ~~قال: فهل يزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. # قال: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ قال: لا. قال: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: ~~لا، ونحن الآن منه في ذمة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: فهل قاتلتموه؟ ~~قال: نعم. ms144 قال: فكيف حربكم وحربه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال مرة لنا ~~ومرة علينا. قال: فبم يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به ~~شيئا، وينهى عما كان يعبد آباؤنا ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء ~~بالعهد وأداء الأمانة. # فقال الملك: إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث ~~في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا، فلو ~~كان أحد قال هذا القول قبله لقت: رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم ~~تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا فقلت: ما كان ليذر الكذب ~~على الناس ويكذب على الله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فقلت: لا، فلو ~~كان من آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك أأشراف الناس يتبعونه أم ~~ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ ~~فقلت: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطة ~~لدينه؟ فقلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل ~~قاتلتموه؟ فقلت: نعم، وإن الحرب بينكم وبينه سجال، وكذلك الرسل تبتلى ثم ~~تكون لهم العاقبة، وسألتك: بماذا يأمر؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق ~~والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، ~~وكذلك الرسل لا تغدر، فعلمت أنه نبي، وقد علمت أنه مبعوث، ولم أظن أنه ~~فيكم، وإن كان ما كلمتني به حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أعلم أني أخلص ~~إليه لتكلفت ذلك، قال أبو سفيان: فعلت أصوات الذين عنده وكثر لغطهم فلا ~~أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا. PageV01P143 # فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك ~~بني الأصفر1! # ولما سار قيصر إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له، ثم أمر بأبوابها ~~فأغلقت ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم ~~فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها ms145 مغلقة، ~~فلما رأى قيصر نفرتهم، قال: ردوهم علي، فقال لهم: إني قلت مقالتي أختبر بها ~~شدتكم على دينكم، فسكتوا له، ورضوا عنه. فغلبه حب ملكه على الإسلام، فذهب ~~بإثمه وإثم رعيته كما قال عليه الصلاة والسلام ولكنه رد دحية ردا جميلا. # كتاب أمير بصرى # وأرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بصرى، ~~فلما بلغ مؤتة -وهي قرية من عمل البلقاء بالشام- تعرض له شرحبيل بن عمرو ~~الغساني، فقال له: أين تريد؟ قال: الشام. قال لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، ~~فأمر به، فضربت عنقه. ولم يقتل لرسول الله عليه الصلاة والسلام رسول غيره، ~~وقد وجد لذلك وجدا شديدا. # كتاب الحارث بن أبي شمر # ووجه عليه الصلاة والسلام شجاع بن وهب إلى أمير دمشق -من قبل هرقل- ~~الحارث بن أبي شمر، وكان يقيم بغوطتها وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من ~~محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن ~~بالله، وصدق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك" ~~فلما قرأ الكتاب رمى به، وقال: من ينزع ملكي مني. واستعد ليرسل جيشا لحرب ~~المسلمين، وقال لشجاع: أخبر صاحبك بما ترى، ثم أرسل إلى قيصر يستأذنه في ~~ذلك، وصادف أن # 1 الحديث صحيح ذكره البخاري في كتاب الجهاد. وقد روته كتب ومصنفات. انظر ~~دلائل النبوة: ج4 ص 378 وما بعدها. والذمة: هي صلح الحديبية؛ وهي العهد. PageV01P144 # كان عنده دحية فكتب قيصر إليه يثنيه عن هذا العزم ويأمره أن يهيئ بإيلياء ~~ما يلزم لزيارته، فإنه بعد أن قهر الفرس نذر زيارتها، فلما رأى الحارث كتاب ~~قيصر صرف شجاع بن وهب بالحسنى، ووصله بنفقة وكسوة1. # كتاب المقوقس # ووجه عليه الصلاة والسلام حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير مصر ~~من جهة قيصر، وكان فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى ~~المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية ~~الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك ms146 مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم ~~القبط"و{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة...} الآية [آل عمران: 64] فأوصله له ~~حاطب بإسكندرية، فلما قرأه قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه ~~وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ألست تشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله، فما له ~~حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه ألا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى ~~رفعه الله إليه؟ قال: أحسنت! أنت حكيم جاء من عند حكيم. ثم قال: إني قد ~~نظرت في أمر هذا النبي فوجدت أنه لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب ~~فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكذاب، ووجدت معه آلة النبوة: ~~إخراج الغائب المستور، والإخبار بالنجوى، وسأنظر. # ثم كتب رد الجواب يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: لمحمد بن عبد الله ~~من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت ~~فيه وما تدعوا إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، ~~وقد أكرمت رسولك، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، ~~وأهديت إليك بغلة تركبها والسلام. وإحدى الجاريتين مارية التي تسرى بها ~~عليه الصلاة والسلام، وجاء منها بولده إبراهيم، والأخرى أعطاها لحسان بن ~~ثابت. ولم يسلم المقوقس2. # 1 طبقات ابن سعد: ج1 ص 261. # 2 دلائل النبوة: ج4 ص395. PageV01P145 # كتاب النجاشي # ووجه عليه الصلاة والسلام عمرو بن أمية الضمري بكتاب إلى النجاشي ملك ~~الحبشة وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم ~~الحبشة سلام. أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله، وكلمته ~~ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق ~~آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن ~~تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز ~~وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، ms147 والسلام على من اتبع الهدى". ولما ~~وصله الكتاب احترمه غاية الاحترام، وقال لعمرو: إني أعلم والله أن عيسى بشر ~~به، ولكن أعواني بالحبشة قليل فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب. # وقد عرض عمرو على من بقي من مهاجري الحبشة الرجوع إلى رسول الله ~~بالمدينة، وكان من المهاجرين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج عبيد الله بن جحش ~~الذي كان أسلم وهاجر بها، ولكن قد غلبت عليه الشقاوة فتنصر، فتزوج عليه ~~الصلاة والسلام أم حبيبة وهي بالحبشة، والذي زوجها له النجاشي بتوكيل منه ~~عليه الصلاة والسلام. # كتاب كسرى # ووجه عليه الصلاة والسلام عبد الله بن حذافة السهمي بكتاب إلى كسرى، ملك ~~الفرس، وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم ~~فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول ~~الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، أسلم ~~تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس". فلما وصله الكتاب مزقه استكبارا، ~~ولما بلغه عليه الصلاة والسلام ذلك، قال: "مزق الله ملكه كل ممزق" . وقد ~~فعل، فكانت مملكته أقرب الممالك سقوطا وقد بدأ هذا الشقي بالعدوان، فأرسل ~~لعامله باليمن أن يوجه إلى PageV01P146 ~~الرسول من يأتي به إليه فعاجله الله بقيام ابنه شيرويه عليه وقتله له، ثم ~~أرسل لعامله في اليمن ينهاه عما أمره به أبوه. # كتاب المنذر بن ساوى # ووجه عليه الصلاة والسلام العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى المنذر بن ساوى ~~ملك البحرين يدعوه إلى الإسلام وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ~~النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي ~~لا إله إلا هو. أما بعد: فإن من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ~~فذلك المسلم له ذمة الله وذمة الرسول، من أحب ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن ~~أبى فإن عليه الجزية" فأسلم وكتب في رد الجواب: ms148 أما بعد، يا رسول الله، فإن ~~قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم ~~من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إلي في ذلك أمرك. فكتب إليه عليه الصلاة ~~والسلام: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، ~~سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح ~~فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي، ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم ~~فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك فاترك ~~للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح ~~فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية"1. # كتاب ملكي عمان # ووجه عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص بكتاب إلى جيفر وعبد ابني ~~الجلندى ملكي عمان وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى ~~جيفر وعبد ابني الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما ~~بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان ~~حيا ويحق القول # 1 دلائل النبوة: ج4 ص387. PageV01P147 # على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا ~~بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما". ~~فلما دخل بناديهما عمرو سأله عبد بن الجلندى عما يأمر به الرسول وينهى عنه، ~~فقال: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر، وصلة الرحم، ~~وينهى عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن ~~والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه! ولو كان أخي يتابعني لركبنا ~~حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير تابعا. قال ~~عمرو: إن أسلم أخوك ملكه رسول الله على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها ~~على فقيرهم فقال عبد إن ms149 هذا لخلق حسن. وما الصدقة؟ فأخبره بما فرض الله من ~~الصدقات في الأموال، ولما ذكر المواشي، قال: يا عمرو، يؤخذ من سوائم ~~مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه؟ قال: نعم، فقال عبد: والله ما أرى ~~قومي على بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. # ثم إن عبدا أوصل عمرا لأخيه جيفر فتكلم معه عمرو بما ألان قلبه حتى أسلم ~~هو وأخوه، ومكناه من الصدقات1. # كتاب هوذة بن علي # ووجه عليه الصلاة والسلام سليط بن عمرو العامري بكتاب إلى هوذة بن علي ~~ملك اليمامة، وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة ~~بن علي، سلام على من اتبع الهدى، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف ~~والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك". فلما جاءه الكتاب كتب في رده: ~~ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله! وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، ~~فاجعل لي بعض الأمر أتبعك. # ولما بلغ ذلك رسول الله قال: "لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد وباد ~~ما في يديه" . فلم يلبث أن مات منصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من فتح ~~مكة. وكان عليه الصلاة والسلام يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم2. # 1 طبقات ابن سعد: ج1 ص262. # 2 السابق: ج1 ص262. PageV01P148 ### | AUTO السنة السابعة # ... # السنة السابعة # غزوة خيبر # وفي محرم السنة السابعة أمر عليه الصلاة والسلام بالتجهز لغزو يهود خيبر، ~~الذين كانوا أعظم مهيج للأحزاب ضد رسول الله في غزوة الخندق، والذين لا ~~يزالون مجتهدين في محالفة الأعراب ضد رسول الله كما قدمنا ذلك في قصة كعب ~~بن الأشرف. وقد استنفر رسول الله لذلك من حوله من الأعراب الذين كانوا معه ~~بالحديبية، وجاء المخلفون عنها ليؤذن لهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا ~~تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد، أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئا" ، وأمر ~~مناديا ينادي بذلك، ثم خرج عليه الصلاة والسلام بعد أن ولى على المدينة ~~سباع بن عرفطة الغفاري1. وكان معه من أزواجه أم سلمة، ولما ms150 وصل جيش ~~المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي، ~~رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام: "ارفقوا ~~بأنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم" . # وكانت حصون خيبر ثلاثة، منفصلا بعضها عن بعض، وهي: حصون النطاة، وحصون ~~الشق، وحصون الكثيبة، والأولى ثلاثة: حصن ناعم، وحصن الصعب، وحصن قلة، ~~والثانية حصنان: حصن أبي، وحصن البريء، والثالثة ثلاثة حصون: حصن القموص، ~~وحصن الوطيح، وحصن السلالم، فبدأ عليه الصلاة والسلام بحصون النطاة، وعسكر ~~المسلمون شرقيها بعيدا عن مدى النبل، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يقطع ~~نخلهم ليرهبهم حتى يسلموا، فقطع المسلمون نحو أربع مئة نخلة. # ولما رأى عليه الصلاة والسلام تصميم اليهود على الحرب نهى عن القطع، ثم ~~ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمراماة، وكان لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين ~~فلم يصنع في ذلك اليوم شيئا، وفيه مات محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة، ~~وصار عليه الصلاة والسلام يغدو كل يوم مع بعض الجيش للمناوشة، ويخلف على ~~العسكر أحد # 1 دلائل النبوة: ج4 ص198. PageV01P149 # المسلمين1، حتى إذا كانوا في الليلة السادسة، ظفر حارس الجيش، وهو عمر بن ~~الخطاب، بيهودي خارج في جوف الليل، فأتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام، ~~ولما أدرك الرجل الرعب قال: إن أمنتموني أدلكم على أمر فيه نجاحكم. فقالوا: ~~دلنا فقد أمناك، فقال: إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال والتعب، وقد تركتهم ~~يبعثون بأولادهم إلى حصن الشق، وسيخرجون لقتالكم غدا، فإذا فتح عليكم هذا ~~الحصن غدا فإني أدلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات ودروع وسيوف، يسهل عليكم ~~بها فتح بقية الحصون، فإنكم تنصبون المنجنيق، ويدخل الرجال تحت الدبابات، ~~فينقبون الحصن فتفتحه من يومك، فقال عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة: ~~"سأعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبانه" فبات المهارجرون والأنصار ~~كلهم يتمنونها، حتى قال عمر بن الخطاب: ما تمنيت الإمارة إلا ليلتئذ. # فلما كان كان الغد سأل عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب ms151 فقيل له: ~~إنه أرمد، فأرسل من يأتيه به، ولما جاء تفل في عينيه فشفاهما الله كأن لم ~~يكن بهما شيء، ثم أعطاه الراية، فتوجه مع المسلمين للقتال، وهناك وجدوا ~~اليهود متجهزين، فخرج يهودي يطلب البراز فقتله علي، ثم خرج مرحب، وهو أشجع ~~القوم، فألحقه برفيقه، فخرج أخوه ياسر، فقتله الزبير بن العوام، ثم حمل ~~المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا الحصن ~~بالقوة وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن الصعب، وغنم المسلمون ~~من حصن ناعم كثيرا من الخبز والتمر، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب، فقاتل ~~عنه اليهود قتالا شديدا حتى رد عنه المسلمون، ولكن ثبت الحباب بن المنذر ~~ومن معه وقاتلوا قتالا شديدا حتى هزموا اليهود، فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم ~~الحصن، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام فأمر عليه الصلاة والسلام مناديا ~~يقول: "كلوا واعلفوا دوابكم ولا تأخذوا شيئا" . # ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حصن قلة، فتبعهم المسلمون، ~~وحاصروهم ثلاثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه، وفي اليوم الرابع دلهم يهودي ~~على جداول الماء التي يستقي منها اليهود، فمنعوها عنهم، فخرجوا، وقاتلوا ~~قتالا شديدا # 1 دلائل النبوة: ج4 ص205 وما بعدها. PageV01P150 # انتهى بهزيمتهم إلى حصون الشق، فتبعهم المسلمون وبدءوا بحصن أبي، فخرج ~~أهله، وقاتلوا قتالا شديدا أبلى فيه أبو دجانة الأنصاري بلاء حسنا حتى تمكن ~~من دخول الحصن عنوة، ووجد المسلمون فيه أثاثا كثيرا ومتاعا وغنما وطعاما، ~~وهرب المنهزمون منه إلى حصن البريء، فتمنعوا به أشد التمنع، وكان أهله أشد ~~اليهود رميا بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه، فنصب المسلمون ~~عليه المنجنيق فوقع في قلب أهله الرعب، وهربوا منه من غير عناء شديد، فوجد ~~فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~"اغسلوها واطبخوا فيها" . # ثم تتبع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكتيبة، وبدءوا بحصن القموص، ~~فحاصروه عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد علي بن أبي طالب، ومنه سبيت صفية ~~بنت حيي بن أخطب، ثم ms152 سار المسلمون لحصار حصني الوطيح والسلالم، فلم يقاوم ~~أهلهما بل سلموا طالبين حقن دمائهم، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم لا ~~يصطحب الواحد منهم إلا ثوبا واحدا على ظهره، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، ~~وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع، وأربع مئة سيف، وألف رمح، وخمس ~~مئة قوس عربية، ووجدوا صحفا من التوراة فسلموها لطالبيها. # وقد أمر عليه الصلاة والسلام بقتل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق لأنه ~~أنكر حلي حيي بن أخطب، وقد عثر عليها المسلمون، فوجدوا فيها أساور ودمالج ~~وخلاخيل وقرطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك. # هذا، والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلا، وقتل من اليهود ~~ثلاثة وتسعون رجلا، وفي هذه الغزوة أهدت إحدى نساء اليهود كراع شاة ~~مسمومة1لرسول الله، فأخذ منها مضغة، ثم لفظها حيث أعلم أنها مسمومة، وأكل ~~منها بشر بن البراء فمات لوقته، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجيء ~~له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة، فسألها عن سبب ذلك فأجابت: قلت: إن كان ~~نبيا لن يضره، وإن كان كاذبا أراحنا الله منه، فعفا عنها عليه الصلاة ~~والسلام2. # 1 دلائل النبوة: ج4 ص265. # 2 انظر طبقات ابن سعد: ج2 ص100 وما بعدها. PageV01P151 # زواج صفية # وبعد تمام الظفر والنصر تزوج عليه الصلاة والسلام صفية بنت حيي، سيد بني ~~النضير، وأصدقها عتقها، وقد أسلمت رضي الله عنها، فشرفت بأمومة المؤمنين. # النهي عن نكاح المتعة # ونهى عليه الصلاة والسلام -وهو بخيبر- عن نكاح المتعة، وهي: النكاح لأجل ~~وقد كان حلالا في الجاهلية1، واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه الشرع في هذه ~~السنة، ونهى كذلك عن أكل لحوم الحمر الأهلية فأكفأ المسلمون قدورها بعد أن ~~نضجت ولم يطعموها. # رجوع مهاجري الحبشة # وحين رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه ~~الأشعريون: أبو موسى وقومه، بعد أن أقاموا فيها نحوا من عشر سنين آمنين ~~مطمئنين، وفرح عليه الصلاة والسلام بمقدمهم فرحا عظيما، وأعطى للأشعريين من ~~مغانم الحصون المفتوحة صلحا، وكان مع ms153 جعفر أم حبيبة بنت أبي سفيان أم ~~المؤمنين وقدم في هذا الوقت على النبي عليه الصلاة والسلام الدوسيون إخوان ~~أبي هريرة رضي الله عنه وهو معهم، فأعطاهم أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم2. # فتح فدك # وبعد تمام الفتح، أرسل عليه الصلاة والسلام من يطلب من يهود فدك الانقياد ~~والطاعة، فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم، ويتركوا الأموال. وكانت ~~أرض فدك هذه لرسول الله خاصة ينفق منها على نفسه، ويعول منها صغير بني هاشم ~~ويزوج منها أيمهم # 1 هذا هو التحريم الأول، ثم أحلت بعده المتعة، ثم حرمت بحديث رواه سبرة ~~الجهني، ثم أكد الرسول صلى الله عليه وسلم التحريم في حجة الوداع. # 2 دلائل النبوة: ج4 ص244 وما بعدها. PageV01P152 # صلح تيماء # ولما بلغ يهود تيماء ما فعله المسلمون بيهود خيبر صالحوا على دفع الجزية، ~~ومكثوا في بلادهم آمنين مطمئنين. # فتح وادي القرى # ثم دعا عليه الصلاة والسلام يهود وادي القرى إلى الاستسلام فأبوا ~~وقاتلوا، فقاتلهم المسلمون، وأصابوا منهم أحد عشر رجلا، وغنموا منهم مغانم ~~كثيرة، خمسها عليه الصلاة والسلام، وترك الأرض في أيدي أهلها يزرعونها بشطر ~~ما يخرجون منها، وكذلك صنع بأرض خيبر، وكان يرسل إليهم عبد الله بن رواحة ~~لتقدير الثمر، وكان تقديره شديدا عليهم، فأرادوا أن يرشوه، فقال لهم: يا ~~أعداء الله، تعطوني السحت1؟ والله! لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم ~~أبغض إلي من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل. # هذا وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة ارتاح المسلمون من شر عدو ~~كان يتربص بهم الدوائر، مهما كان بين الفريقين من العهود والمواثيق. ورجع ~~المسلمون مؤيدين ظافرين. # إسلام خالد ورفيقيه # وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلام ثلاثة طالما كانت لهم اليد ~~الطولى في قيادة الجيوش لحرب المسلمين وهم: خالد بن الوليد المخزومي، وعمرو ~~بن العاص السهمي، وعثمان بن طلحة العبدري، فسر بهم عليه الصلاة والسلام ~~سرورا عظيما، وقال لخالد: "الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت ms154 ~~ألا يسلمك إلا إلى خير" فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يغفر تلك ~~المواطن التي كنت أشهدها عليك، فقال عليه الصلاة والسلام: "الإسلام يقطع ما ~~قبله" .2 # 1 السحت: هو الحرام. # 2 انظر دلائل النبوة: ج4 ص 343 وص 349. PageV01P153 # سرية عمر بن الخطاب # وفي شعبان بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعا من هوازن بتربة يظهرون ~~العداوة للمسلمين، فأرسل لهم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا، فسار إليهم. ~~ولما بلغهم الخبر تفرقوا فلم يجد بها عمر أحدا، فرجع1. # سرية بشر بن سعد # ثم أرسل بشير بن سعد الأنصاري لقتال بني مرة بناحية فدك، فلما ورد بلادهم ~~لم ير منهم أحدا، فأخذ نعمهم وانحدر إلى المدينة، أما القوم فكانوا في ~~الوادي، فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيرا ليلا وهو راجع فتراموا بالنبل، ولما ~~أصبح اقتتل الفريقان قتالا شديدا حتى قتل غالب المسلمين، وجرح بشير جرحا ~~شديدا حتى ظن أنه مات، ولما انصرف عنه العدو تحامل حتى جاء إلى رسول الله ~~وأخبره الخبر2. # سرية غالب بن عبد الله # وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام غالب بن عبد الله الليثي إلى أهل ~~الميفعة3 في مائة وثلاثين رجلا، فساروا حتى هجموا على القوم فقتلوا بعضا ~~وأسروا آخرين، وفي أثناء الحرب طارد أسامة بن زيد رجلا من المشركين، ولما ~~رأى المشرك الموت في يد أسامة تشهد فظن أسامة أن عدوه إنما قال ذلك تخلصا ~~فقتله4. # ولما رجع المسلمون إلى المدينة، وأخبر رسول الله بفعلة أسامة قال: ~~"أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، فكيف تصنع بلا إله إلا الله؟!" فقال: ~~يا رسول الله، إنما قالها متعوذا من القتل قال عليه الصلاة والسلام: "فهلا ~~شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟!" فقال: يا رسول الله استغفر لي. قال ~~عليه الصلاة والسلام: "فكيف بلا إله إلا الله؟" فما زال يكررها حتى تمنى ~~أسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم، وأنزل # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص117 وتربة هذه: واد قرب مكة يبعد يومين منها. # 2 السابق: ms155 ج2 ص118. # 3 الميفعة: وراء بطن نخل من ناحية، بينها وبين المدينة ثمانية برد. # 4 طبقات ابن سعد: ج2 ص 119. PageV01P154 # الله في ذلك في سورة النساء: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة} [النساء: 94]، ثم أمر ~~عليه الصلاة والسلام أسامة أن يعتق رقبة كفارة لأنه قتل خطأ. # سرية بشير بن سعد # وفي شوال بلغه عليه الصلاة والسلام أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان ~~كانوا مقيمين قريبا من خيبر بأرض اسمها يمن وجبار للإغارة على المدينة، ~~فأرسل لهم بشير بن سعد في ثلاث مئة رجل، فساروا إليهم يكمنون النهار، ~~ويسيرون الليل حتى أتوا محلتهم، فأصابوا نعما كثيرة، وتفرق الرعاء فأخبروا ~~قومهم ففزعوا ولحقوا بعليا بلادهم، ولم يظفر المسلمون إلا برجلين أسلما، ثم ~~رجعوا بالغنائم إلى المدينة1. # عمرة القضاء # لما حال الحول على عمرة الحديبية خرج عليه الصلاة والسلام بمن صد معه ~~فيها ليقضي عمرته، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري، وساق معه الهدي ~~ستين بدنة، وأخرج معه السلاح حذرا من غدر قريش، وكان معه مائة فرس عليها ~~محمد بن مسلمة، وعلى السلاح بشير بن سعد، وأحرم عليه الصلاة والسلام من باب ~~المسجد المدني، ولما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول ~~الله، حملت السلاح، وقد شرطوا ألا تحمله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "لا ~~ندخل الحرم به ولكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا هائج فزعنا له" فلما كان بمر ~~الظهران قابله نفر من قريش، ففزعوا من هذه العدة، وأسرعوا إلى قومهم ~~فأخبروهم فجاءه فتيان منهم وقالوا: والله يا محمد، ما عرفت بالغدر صغيرا ~~ولا كبيرا، وإنا لم نحدث حدثا، فقال: "إنا لا ندخل الحرم بالسلاح" ولما حان ~~وقت دخوله مكة خرج أهلوها كارهين رؤية المسلمين يطوفون بالبيت، فدخل عليه ~~الصلاة والسلام وأصحابه متوشحين سيوفهم من ثنية كداء وأمامه عبد الله بن ~~رواحة يقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم ~~الأحزاب وحده. وطاف ms156 عليه الصلاة والسلام بالبيت وهو على راحلته، # 1 انظر الخبر في طبقات ابن سعد: ج2 ص120. PageV01P155 # واستلم الحجر بمحجنه1، وأمر أصحابه أن يسرعوا ثلاثة أشواط إظهارا للقوة لأن ~~المشركين قالوا: سيطوف اليوم بالكعبة قوم نهكتهم حمى يثرب، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "رحم الله امرءا أراهم من نفسه قوة" واضطبع عليه الصلاة ~~والسلام بردائه2، وكشف عضده اليمنى شأن الفتوة، وفعل مثله المسلمون، وقد ~~أتم المسلمون طوافهم بالبيت آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين كما رأى عليه ~~الصلاة والسلام في منامه. # زواج ميمونة # وتزوج صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج عمه ~~حمزة بن عبد المطلب شهيد أحد، وخالة عبد الله بن العباس -وهي آخر نسائه ~~زواجا- ولم يدخل بها إلا بعد الخروج من مكة حيث كان برف. ولما خرج عليه ~~الصلاة والسلام أمر الذين كان تركهم لحراسة الخيل بالذهاب ليطوفوا ففعلوا، ~~ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فرحا مسرورا بما حباه الله من ~~تصديق رؤياه3. # 1 المحجن: شبه عصا معقوف الرأس معوجه. # 2 الاضطباع: هو جعل الثوب تحت الإبط وترك المنكب مكشوفا. # 3 دلائل النبوة: ج4 ص330. وحديث نكاحها وهو حلال هو الراجح على رواية أنه ~~نكحها وهو حرام -محرم بالحج- لأن الرواية الأولى كان الراوي فيها هو الذي ~~يباشر النكاح بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة رضي الله عنها. PageV01P156 ### | AUTO السنة الثامنة # ... # السنة الثامنة # سرية غالب بن عبد الله # وفي صفر أرسل عليه الصلاة والسلام غالب بن عبد الله الليثي إلى بني ~~الملوح، وهم قوم من العرب يسكنون بالكديد، فسار القوم حتى إذا كانوا بقديد ~~التقوا بالحارث بن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء، وكان خصما لدودا ~~فأسروه، فقال لهم: ما جئت إلا للإسلام، فقالوا له: إن تكن مسلما لن يضرك ~~رباط ليلة وإلا استوثقنا منك، ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني الملوح فاستاقوا ~~النعم والشاء، وخرج الصريخ إلى القوم فجاءهم ما لا قبل لهم به، ولكن من ~~الله على المسلمين، فأرسل سيلا شديدا حال بينهم وبين عدوهم ms157 حتى صار ~~المشركون يرون نعمهم تساق وهم لا يقدرون على ردها. # سرية # ولما رجع غالب إلى المدينة ظافرا أرسله عليه الصلاة والسلام في مئتي رجل ~~ليقتص من بني مرة بفدك -وهم الذين أصابوا سرية بشير بن سعد- فساروا حتى إذا ~~كانوا قريبا من القوم خطب غالب فيمن معه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: ~~أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تخالفوا ~~لي أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع. ثم آخى بين الجند، فقال: يا فلان، أنت ~~وفلان، ويا فلان، أنت وفلان، لا يفارق أحد منكم زميله، وإياكم أن يرجع ~~الرجل منكم فأقول له: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبرت فكبروا، فلما ~~أحاطوا بالعدو، وكبر كبروا، وجردوا السيوف فلم يفلت من عدوهم أحد، واستاقوا ~~نعمهم، فكان لكل واحد من الغزاة عشرة أبعرة1. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص123 وما بعدها. PageV01P157 # سرية كعب بن عمير # وفي ربيع الأول أرسل عليه الصلاة والسلام كعب بن عمير الغفاري إلى ذات ~~أطلاح1 -من أرض الشام- في خمسة عشر رجلا، فوجدوا جمعا كثيرا، فدعوهم إلى ~~الإسلام فلم يجيبوا وقاتلوا، وكانوا أكثر عددا، فاستشهد المسلمون عن آخرهم ~~إلا رئيسهم كعب بن عمير فإنه نجا، وأتى بالخبر إلى رسول الله، فشق عليه، ~~وأراد أن يبعث إليهم من يقتص منهم، فبلغه أنهم تحولوا من منزلهم فعدل عن ذلك2. # غزوة مؤتة # جهز عليه الصلاة والسلام في جمادى الأول جيشا للقصاص ممن قتلوا الحارث بن ~~عمير الأزدي، رسوله إلى أمير بصرى، وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال لهم: "إن ~~أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فأن أصيب فعبد الله بن رواحة" . وكان عدة ~~الجيش ثلاثة آلاف، فساروا وشيعهم عليه الصلاة والسلام، وكان فيما وصاهم به: ~~"اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في ~~الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرا ولا بصيرا ~~فانيا، ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء" . # ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا مؤتة مقتل ms158 الحارث بن عمير، وهناك وجدوا ~~الروم قد جمعوا لهم جمعا عظيما، منهم ومن العرب المتنصرة. فتفاوض رجال ~~الجيش فيما يفعلونه: أيرسلون لرسول الله يطلبون منه مددا أم يقدمون على ~~الحرب؟ فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم، والله إن الذي تكرهون هو ما خرجتم ~~له، خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل بعدد ولا بقوة ولا بكثرة، ما نقاتل ~~إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ~~الظهور وإما الشهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. ومضوا للقتال، ~~فلقوا هذه الجموع المتكاثرة، فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه حتى استشهد، ~~فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وهو يقول: # 1 ذات أطلاح: وراء وادي القرى من مكة. # 2 طبقات ابن سعد: ج2ص 127. PageV01P158 # يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها # والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها # علي إذ لاقيتها ضرابها # ولم يزل يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة ~~فتقدم ثم تردد بعض التردد، فقال يخاطب نفسه: # أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه # إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... ما لي أراك تكرهين الجنة؟ # قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة؟ # ثم اقتحم بفرسه المعمعة، ولم يزل يقاتل رضي الله عنه حتى استشهد، فهم بعض ~~المسلمين بالرجوع إلى الوراء، فقال لهم عقبة بن عامر: يا قوم، يقتل الإنسان ~~مقبلا خير من أن يقتل مدبرا، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد ~~بن الوليد، وبهمته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع، إذ ما تفعل ~~ثلاثة آلاف بمئة وخمسين ألفا؟ فإنه لما أخذ الراية قاتل يومه قتالا شديدا، ~~وفي غده خالف ترتيب العسكر، فجعل الساقة1 مقدمة، والمقدمة ساقة، والميمنة ~~ميسرة، والميسرة ميمنة، فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا. # ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة، ثم مكث ~~يناوش الأعداء سبعة أيام ثم تحاجز الفريقان لأن الكفار ظنوا أن الأمداد ~~تتوالى ms159 للمسلمين، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلص ~~وبذلك انقطع القتال، وقد نعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا وجعفرا وابن ~~رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخدها ~~جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب -وكانت عينا رسول الله تذرفان- ثم ~~قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" وجاءه رجل فقال: ~~يا رسول الله، إن نساء جعفر يبكين، فأمره أن ينهاهن، فذهب الرجل ثم أتى ~~فقال: قد نهيتهن فلم يطعن، فأمره فذهب ثانيا، ثم جاء فقال والله لقد ~~غلبننا، فقال له عليه الصلاة والسلام: " احث في أفواههن التراب" . # 1 الساقة: مؤخرة الجيش. PageV01P159 # ولما أقبل الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون يقولون لهم: يا فرار، فقال ~~عليه الصلاة والسلام: "بل هم الكرار" . ظن المقيمون بالمدينة أن انحياز ~~خالد بالجيش هزيمة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراهم أن ذلك من ~~مكايد الحرب، وأثنى على خالد في مهارته1. # سرية عمرو بن العاص # وفي جمادى الآخرة بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعا من قضاعة يتجمعون في ~~ديارهم وراء وادي القرى ليغيروا على المدينة، فأرسل لهم عمرو بن العاص في ~~ثلاث مئة رجل من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في ~~مائتين من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر، فلحقوا عمرا قبل أن يصل ~~إلى القوم، وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو، فأنكر عليه عمر ~~بن الخطاب، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله علينا رئيسا لمعرفته بالحرب ~~أكثر منا فلا تعصه، فامتثل. # ولما حلوا بساحة القوم حملوا عليهم فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرق ~~الأعداء منهزمين، فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتباع أثرهم فمنعهم قائدهم، ثم ~~رجعوا إلى المدينة ظافرين، وبينما هم في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة ~~في ليلة باردة، فلما أصبح قال: إن أنا اغتسلت هلكت والله يقول: {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ثم تيمم وصلى، ثم أمر بالسير حتى إذا ms160 ~~وصلوا إلى المدينة قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأل عن أنباء سفرهم ~~كما هي عادته، فأخبروه بما نقموه من عمرو بن العاص من نهيهم عن إيقاد ~~النار، ونهيهم عن اتباع العدو، وصلاته جنبا، فسأله عليه الصلاة والسلام عن ~~ذلك، فقال: منعتهم من إيقاد النار لئلا يرى العدو قلتهم فيطمع فيهم، ~~ونهيتهم عن اتباع العدو لئلا يكون له كمين، وصليت جنبا لأن الله يقول: {ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] وإن أنا اغتسلت هلكت، فتبسم عليه ~~الصلاة والسلام وأثنى على عمرو خيرا2. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 128 وما بعدها. # 2 وهي غزوة ذات السلاسل وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام. ~~انظر طبقات ابن سعد: ج2 ص131، ودلائل النبوة: ج4 ص397. PageV01P160 # سرية أبي عبيدة بن الجراح # وفي رجب أرسل عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة عامر بن الجراح في ثلاثمائة ~~فارس لغزو قبيلة جهينة التي تسكن ساحل البحر، وزود عليه الصلاة والسلام هذا ~~الجيش جرابا من التمر، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ~~ينتظرون العدو، وقد فنى زادهم حتى أكلوا الخبط، وهو ورق السمر، يبلونه ~~بالماء ويأكلونه إلى أن تقرحت أشداقهم، وكان في القوم الكريم ابن الكريم ~~قيس بن سعد بن عبادة فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور. وفي اليوم الرابع ~~أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة، لأن قيسا كان أخذ تلك الجزر بدين على ~~أبيه، فخاف أبو عبيدة ألا يفي له أبوه بما استدان، فقال قيس: أترى سعدا ~~يقضي ديون الناس، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في ~~سبيل الله؟ ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة، فقال قيس بن سعد ~~لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، فقال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا قال: ~~انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، ~~قال: انحر، قال: نهيت1. # غزوة الفتح الأعظم # إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه وأزال موانعه، فقد كان عليه الصلاة ms161 ~~والسلام يعلم أنه لا تذل العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد ~~مكة، فكان يتشوف لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشا ~~في الحديبية وهو سيد من وفى. ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، فقد علمت ~~أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش، ~~وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام، فلما ~~حصلت الهدنة وقف رجل من بني بكر يتغنى بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه، فحرك ذلك كامن الأحقاد، وتذكر بنو بكر ~~ثأرهم فشدوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم ~~سرا بالعدة والرجال، ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون # 1 دلائل النبوة: ج4 ص 406 وما بعدها. وطبقات ابن سعد: ج2 ص132، وهي سرية ~~ذات الخبط. PageV01P161 # فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا ~~منهم وفدا برياسة عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو ~~بكر وقريش، فلما حلوا بين يديه، وأخبروه، قال: "والله، لأمنعنكم مما أمنع ~~نفسي منه" . # أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا ~~على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب ~~إلى المدينة ليشد العقد، ويزيد في المدة، فركب راحلته، وهو يظن أنه لم ~~يسبقه أحد، حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته وقد ~~أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه فقال: يا بنية، أرغبت به عني أم ~~رغبت بي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، ~~فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج من عندها، وأتى النبي في المسجد، وعرض ~~عليه ما جاء له، فقال له عليه الصلاة والسلام: "هل كان من حدث؟" قال: لا، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: "فنحن على مدتنا وصلحنا" . ولم ms162 يزد عن ذلك. فقام ~~أبو سفيان، ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلهم يساعدونه على مقصده، ~~فلم يجد منهم معينا، وكلهم قالوا: جوارنا في جوار رسول الله، فرجع إلى قومه ~~ولم يصنع شيئا، فاتهموه بأنه خانهم واتبع الإسلام، فتنسك عند الأوثان لينفي ~~عن نفسه هذه التهمة. # أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجهز للسفر، وأمر أصحابه بذلك، وأخبر ~~الصديق بالوجهة، فقال له: يا رسول الله، أو ليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: ~~"نعم، ولكن غدروا ونقضوا" . ثم استنفر عليه الصلاة والسلام الأعراب الذين ~~حول المدينة، وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان ~~بالمدينة" . فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة، وطوى عليه ~~الصلاة والسلام الأخبار عن الجيش كي لا يشيع الأمر، فتعلم قريش فتستعد ~~للحرب، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يقيم حربا بمكة بل يريد ~~انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها، فدعا مولاه جل ذكره وقال: "اللهم خذ ~~العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها" فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد ~~الذين شهدوا بدرا، وكتب كتابا لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جعل، فأعلم الله رسوله ~~ذلك، فأرسل في أثرها عليا والزبير والمقداد وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة ~~خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها" . فانطلقوا حتى أتوا الروضة، ~~فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقالوا: ~~لتخرجن الكتاب أو لنلقين PageV01P162 ~~الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتوا به رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~"يا حاطب، ما هذا؟" قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت حليفا لقريش ~~ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم ~~وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها ~~قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "أما إنه قد صدقكم" . فقال عمر: دعني ms163 يا رسول الله، أضرب ~~عنق هذا المنافق، فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من ~~شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ، وفي ذلك أنزل الله في سورة ~~الممتحنة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة ~~وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} ~~[الممتحنة: 1]. # ثم سار عليه الصلاة والسلام بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولى ~~على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت عدة الجيش عشرة آلاف مجاهد، ولما وصل ~~الأبواء لقيه اثنان كانا من أشد أعدائه وهما: ابن عمه أبو سفيان بن الحارث ~~بن عبد المطلب شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد الله بن أبي أمية ~~بن المغيرة شقيق زوجه أم سلمة، وكانا يريدان الإسلام، فقبلهما عليه الصلاة ~~والسلام، وفرح بهما شديد الفرح، وقال: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 92]. ولما وصل عليه الصلاة والسلام الكديد رأى ~~أن الصوم شق على المسلمين، فأمرهم بالفطر، وأفطر هو أيضا، وقد قابل عليه ~~الصلاة والسلام في الطريق عمه العباس بن عبد المطلب مهاجرا بأهله وعياله، ~~فأمره أن يعود معه إلى مكة ويرسل عياله إلى المدينة. # ولما وصل عليه الصلاة والسلام مر الظهران أمر بإيقاد عشرة آلاف نار1، ~~وكانت قريش قد بلغهم أن محمدا زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته، فأرسلوا أبا ~~سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله، ~~فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال ~~أبو سفيان: # 1 وهي نيران الحرب التي تدل على تميز الجيش عن غيره من الجيوش، وقد أكثر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم منها لإرعاب المشركين. PageV01P163 # ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران ms164 بني عمرو، فقال أبو ~~سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم فأخذوهم ~~فأتوا بهم رسول الله، فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: "احبس أبا ~~سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين"، فحبسه العباس فجعلت القبائل ~~تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان وهو يسأل عنها ويقول: ما لي ولها، حتى إذا ~~مرت به قبيلة الأنصار وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد: يا أبا سفيان، ~~اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم ~~الذمار. ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيها رسول الله وأصحابه، وحامل ~~الراية الزبير بن العوام، فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد. فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى ~~فيه الكعبة" . ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن تركز رايته بالحجون، وأمر ~~خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من كدى، ودخل هو من أعلاها من كداء ~~ونادى مناديه: "من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ~~ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" . وهذه أعظم منة له، واستثنى من ذلك جماعة ~~عظمت ذنوبهم، وآذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى، فأهدر دمهم -وإن تعلقوا ~~بأستار الكعبة- منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم، وكتب لرسول ~~الله الوحي، ثم ارتد، وافترى الكذب على الأمين المأمون، فكان يقول: إن ~~محمدا كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم، فيقول: كل جيد، ومنهم ~~عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وهبار بن الأسود، والحارث بن هشام، وزهير ~~بن أبي أمية، وكعب بن زهير، ووحشي قاتل حمزة، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان، ~~وقليل غيرهم، ونهى عن قتل أحد سوى هؤلاء إلا من قاتل، فأما جيش خالد بن ~~الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صده، فقالتهم وقتل منهم أربعة وعشرين، ~~وقتل من جيشه اثنان، ودخلها عنوة من هذه الجهة، وأما جيش رسول الله صلى ~~الله ms165 عليه وسلم فلم يصادف مانعا وهو عليه الصلاة والسلام راكب راحلته منحن ~~على الرحل تواضعا لله وشكرا له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تمس الرحل، ~~وأسامة بن زيد رديفه، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل ~~الحجون1 موضع رايته، وقد نصبت له هناك قبة فيها أم سلمة وميمونة، فاستراح ~~قليلا ثم سار وبجانبه أبو بكر # 1 موضع قرب مكة مشهور مقابل للصفا. PageV01P164 # يحادثه، وهو يقرأ سورة الفتح، حتى بلغ البيت، وطاف سبعا على راحلته، واستلم ~~الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذا ذاك ثلاث مئة وستون صنما، فجعل عليه ~~الصلاة والسلام يطعنها بعود في يده، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ ~~الباطل وما يعيد" ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل ~~وإبراهيم في أيديهما الأزلام1، فقال عليه الصلاة والسلام: "قاتلهم الله، ~~لقد علموا ما استقسما بها قط" . وهذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه ~~المعبودات الباطلة. # وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأدناث ~~سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلا. ويوشك أن نذكر للقارئ ~~اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية. # العفو عند المقدرة # ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وكبر في نواحيها، ثم خرج إلى ~~مقام إبراهيم، وصلى فيه ركعتين، ثم شرب من زمزم، وجلس في المسجد، والناس ~~حوله، والعيون شاخصة إليه، ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين آذوه، ~~وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلم ~~منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيرا، أخ كريم ~~وابن أخ كريم، فقال عليه الصلاة والسلام: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . ويرحم ~~الله البوصيري حيث قال: # وإذا كان القطع والوصل لله ... تساوى التقريب والإقصاء # وسواء عليه فيما أتاه ... من سواه الملام والإطراء # ولو أن انتقامه لهوى النف ... س لدامت قطيعة وجفاء # قام لله في الأمور فأرضى ms166 الله ... منه تباين ووفاء # فعله كله جميل وهل ينض ... ح إلا بما حواه الإناء؟ # ثم خطب عليه الصلاة والسلام خطبة أبان فيها كثيرا من الأحكام الإسلامية، ~~منها: "ألا يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا تنكح ~~المرأة على # الأزلام: قداح الميسر التي يستقسم بها المشركون. PageV01P165 # عمتها أو خالتها، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولا تسافر ~~المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد الصبح والعصر، ولا ~~يصام يوم الأضحى ويوم الفطر" ، ثم قال: "يا معشر قريش، إن الله أذهب عنكم ~~نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، والناس من آدم، وآدم من تراب" ، ثم تلا هذه ~~الآية {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13] ثم ~~شرع الناس يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وممن أسلم في ~~هذا اليوم. معاوية بن أبي سفيان وأبو قحافة والد الصديق، وقد فرح الرسول ~~كثيرا بإسلامه. وجاء رجل يرتعد خوفا فقال له عليه الصلاة والسلام: "هون ~~عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد" . # أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فمنهم من ~~حقت عليه كلمة العذاب فقتل، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم، فعبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمان بن عفان، وطلب منه أن ~~يستأمن له رسول الله، فغيبه عثمان حتى هدأ الناس، ثم أتى به وقال: يا رسول ~~الله، قد أمنته فبايعه، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام مرارا ثم بايعه، ~~فلما خرج عثمان وعبد الله قال عليه الصلاة والسلام: "أعرضت عنه ليقوم إليه ~~أحدكم فيضرب عنقه" ، فقالوا: هلا أشرت إلينا؟ فقال: "لا ينبغي لنبي أن تكون ~~له خائنة الأعين" . # وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب، فخرجت وراءه زوجته وبنت عمه أم حكيم بنت ~~الحارث بن هشام، وكانت قد أسلمت يوم الفتح، وقد أخذت ms167 له أمانا من رسول الله ~~فلحقته، وقد أراد أن يركب البحر، فقالت: جئتك من عند أبر الناس، وخيرهم، لا ~~تهلك نفسك، وإني قد استأمنته لك فرجع، ولما رآه عليه الصلاة والسلام وثب ~~قائما فرحا به، وقال: "مرحبا بمن جاءنا مهاجرا مسلما" ثم أسلم رضي الله ~~عنه، وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة عاداه إياها فاستغفر له، ~~وكان رضي الله عنه بعد ذلك من خيرة المسلمين وأغيرهم على الإسلام. # وأما هبار بن الأسود فهرب، واختفى، حتى إذا كان رسول الله بالجعرانة جاءه ~~مسلما، وقال: يا رسول الله، هربت منك وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك ~~وصلتك وصفحك عمن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، ~~وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل، فقال عليه الصلاة والسلام: "قد عفوت عنك" . PageV01P166 # وأما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم هانئ بنت ~~أبي طالب، فأجاز عليه الصلاة والسلام جوارها، ولما قابل رسول الله الحارث ~~بن هشام مسلما قال له: "الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام" وقد ~~كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة. # وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر، فجاء ابن ~~عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، هرب ليقذف ~~نفسه في البحر فأمنه فإنك قد أمنت الأحمر والأسود، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "أدرك ابن عمك فهو آمن" فقال: أعطني علامة، فأعطاه عمامته، فأخذها ~~عمير حتى إذا لقي صفوان، قال له: فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، ~~وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزه عزك، وشرفه شرفك، ~~وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، ~~وأراه العمامة علامة الأمان، فرجع إلى رسول الله، وقال له: إن هذا يزعم أنك ~~أمنتني؟ قال: "صدق" قال: أمهلني بالخيار فيه شهرين، قال: "أنت بالخيار فيه ~~أربعة أشهر" ثم أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه. ms168 # وأما هند بنت عتبة فاختلفت ثم أسلمت، وجاءت إلى رسول الله فرحب بها وقالت ~~له: والله يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا ~~من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك1. # وفود كعب بن زهير # وأما كعب بن زهير فلما ضاقت به الأرض، ولم يجد له مجيرا، جاء المدينة بعد ~~أن قدمها رسول الله من مكة فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها: # وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول # فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول # كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول # 1 يراجع الصفحات المئة الأولى من المجلد الخامس من دلائل النبوة في شأن ~~فتح مكة وتفاصيلها. PageV01P167 # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل # وقال فيها مادحا: # إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول # ولما قال هذا البيت خلع عليه الرسول بردته1. # وأما وحشي قاتل حمزة فكذلك أسلم، وحسن إسلامه، وقبله عليه الصلاة ~~والسلام، وقد جاءه ابنا أبي لهب عبتة ومعتب فأسلما وفرح بهما عليه الصلاة ~~والسلام. # وكان من الذين اختفوا سهيل بن عمرو، فاستأمن له ابنه عبد الله فأمنه عليه ~~الصلاة والسلام، وقال: "إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام" . # فلما بلغت هذه المقالة سهيلا قال: كان والله برا صغيرا، برا كبيرا، ثم ~~أسلم بعد ذلك. # بيعة النساء # هذا، ولما تمت بيعة الرجال بايعه النساء، وكن يبايعن على ألا يشركن بالله ~~شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه ~~بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين الرسول في معروف. # ثم أمر عليه الصلاة والسلام بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة، وهذا بدء ظهور ~~الإسلام على ظهر البيت الكريم، فلا عجب أن اتخذ المسلمون هذا اليوم عيدا ~~يحمدون فيه الله حق ms169 حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم. # وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوما يقصر فيها ~~الصلاة، وولى عليها عتاب بن أسيد، وجعل رزقه كل يوم درهما، فكان عتاب رضي ~~الله عنه يقول: لا أشبع الله بطنا جاع على درهم كل يوم. # 1 قصيدة بانت سعاد شهيرة قد عني بشرحها كثير من العلماء، وقد عني بها ابن ~~هشام النحوي في شرح نفيس وقيم مع إعراب. ولا يوجد مسند صحيح يعول عليه في ~~إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم بردته لكعب، فكل الروايات الواردة فيها ضعيفة. PageV01P168 # هدم العزى # وفي الخامس من مقامه عليه الصلاة والسلام بمكة أرسل خالد بن الوليد في ~~ثلاثين فارسا لهدم هيكل العزى -وهي أكبر صنم لقريش، وكان هيكلها ببطن نخلة- ~~فتوجه إليها خالد وهدمها1. # هدم سواع # وأرسل عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص لهدم سواع -وهو أعظم صنم لهذيل- ~~وهيكله على ثلاثة أميال من مكة، فذهب إليه وهدمه2. # هدم مناة # وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا لهدم مناة، وهي صنم لكلب وخزاعة. ~~وهيكلها بالمشلل، وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد. فتوجهوا إليها ~~وهدموها3. # غزوة حنين # بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان، دانت للإسلام جموع العرب ودخلوا ~~فيه أفواجا. أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما حمية الجاهلية، واجتمع ~~الأشراف منهم للشورى، وقالوا: قد فرغ محمد من قتال قومه ولا ناهية له عنا، ~~فلنغزه قبل أن يغزونا. فأجمعوا أمرهم على ذلك، وولوا رياستهم مالك بن عوف ~~النصري، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة، فيهم بنو سعد بن بكر، الذي كان ~~رسول الله مسترضعا فيهم، وكان في القوم دريد بن الصمة المشهور بأصالة ~~الرأي، وشدة البأس في الحرب، ولتقدم سنه لم يكن له في هذه الحرب إلا الرأي، ~~ثم إن مالك بن عوف أمر # 1 طبقات ابن سعد: ج ص 145. # 2 السابق: ج2 ص 146. # 3 السابق نفسه. PageV01P169 # الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم، فلما علم ذلك دريد سأل ~~مالكا عن السبب، فقال: سقت مع ms170 الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل ~~رجل أهله وماله يقاتل عنهم، فقال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ~~ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فلم يقبل ~~مالك مشورته، وجعل النساء صفوفا وراء المقاتلة، ووراءهم الإبل، ثم البقر، ~~ثم الغنم، كي لا يفر أحد من المقاتلين. # أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون ~~لحربه أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز، منهم ألفان ~~من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة، وخرج أهل مكة ركبانا ~~ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعف يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من ~~المشركين، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر ~~العدو صف عليه الصلاة والسلام الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين ~~لعلي بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن ~~حضير، وكذلك أعطى ألوية لقبائل العرب الأخرى. ثم ركب عليه الصلاة والسلام ~~بغلته ولبس درعين والبيضة والمغفر. # هذا، وقد أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئا، فإن مقدمة المسلمين ~~توجهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، ~~وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا ~~إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة، أما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فثبت على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من ~~المهاجرين والأنصار، منهم: أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو ~~سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة بن الحارث ومعتب بن أبي لهب، وكان العباس آخذا ~~بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذا بالركاب، وكان عليه الصلاة والسلام ينادي: ~~"إلي أيها الناس" ولا يلوي عليه أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت. أما ~~رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم ربقة الشرك ~~فمنهم من فرح، ومنهم من ساءه هذا الإدبار، فقال أبو سفيان ms171 بن حرب: لا تنتهي ~~هزيمتهم دون البحر. وقال أخ لصفوان بن أمية: الآن بطل السحر. فقال له صفوان ~~-وهو على شركه- : اسكت فض الله فاك، والله لأن يربني رجل من قريش خير من أن ~~يربني رجل من هوازن. ومر عليه رجل من قريش وهو PageV01P170 ~~يقول: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه فوالله لا يجبرونها أبدا، فغضب صفوان وقال: ~~ويلك، أتبشرني بظهور الأعراب؟ وقال عكرمة بن أبي جهل لذلك الرجل: كونهم لا ~~يجبرونها أبدا ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أديل ~~عليه اليوم فإن العاقبة له غدا، فقال سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه ~~لحديث، فقال له: يا أبا يزيد، إنا كنا على غير شيء، وعقولنا ذاهبة، نعبد ~~حجرا لا يضر ولا ينفع. وبلغت هزيمة بعض الفارين مكة، كل هذا والرسول واقف ~~مكانه يقول: # "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" # ثم قال للعباس- وكان جهوري الصوت -: "ناد بالأنصار يا عباس" فنادى: يا ~~معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأسمع من في الوادي، وصار الأنصار ~~يقولون: لبيك لبيك، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عنان بعيره فيمنعه من ذلك ~~كثرة الأعراب المنهزمين. فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه، ~~وينزل عن بعيره، ويخلي سبيله، ويؤم الصوت حتى اجتمع حول رسول الله جمع عظيم ~~منهم. وأنزل الله سكينته على رسوله، وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم يروها، ~~فكر المسلمون على عدوهم يدا واحدة فانتكث فتل المشركين. وتفرقوا في كل وجه ~~لا يلوون على شيء من الأموال والنساء والذراري، وتبعهم المسلمون يقتلون ~~ويأسرون، فأخذوا النساء والذراري وأسروا كثيرا من المحاربين، وهرب من هرب، ~~وجرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة، وأسلم ناس كثيرون من مشركي ~~مكة لما رأوه من عناية الله بالمسلمين. # هذا، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهم من دروس الحرب، فإن هذا الجيش دخله ~~أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام، هؤلاء سيان عندهم نصر ~~الإسلام وخذلانه، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة، وكادت ms172 تتم الكلمة ~~على المسلمين لولا فضل الله، فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلا من يقاتل ~~خالصا مخلصا من قلبه ليكون مدافعا حقا عن دينه، فلا تميل نفسه إلى الفرار ~~خشية مما أعده الله للفارين من أليم العقاب1. # ثم أمر عليه الصلاة والسلام بجمع السبي والغنائم، وكانت نحو أربعة وعشرين # 1 حول غزوة حنين ينظر طبقات ابن سعد: ج2 ص 149 وما بعدها. دلائل النبوة: ~~ج5 ص 119 وما بعدها. PageV01P171 # ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، فجمع ذلك ~~كله بالجعرانة. أما المشركون فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة لحقت بالطائف، وفرقة ~~لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس. # سرية أبي عامر الأشعري # فأرسل عليه الصلاة والسلام لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة منهم ~~أبو موسى الأشعري، فسار إليهم وبددهم وظفر بما بقي معهم من الغنائم. وقد ~~استشهد أبو عامر في هذه الغزوة وخلف على الغزاة ابن أخيه أبا موسى، فرجع ~~ظافرا منصورا1. # غزوة الطائف # وسار عليه الصلاة والسلام بمن معه إلى الطائف ليجهز على بقية حياة ثقيف ~~ومن تجمع معهم من هوازان، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد، ومر عليه الصلاة ~~والسلام بحصن لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه. ومر ببستان لرجل من ثقيف قد ~~تمنع فيه، فأرسل إليه أن اخرج وإلا حرقنا عليك بستانك، فامتنع الرجل فأمر ~~عليه الصلاة والسلام بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد ~~تحصنوا به وأدخلوا معهم قوت سنتهم، فعسكر المسلمون قريب. فرماهم المشركون ~~بالنبل رميا شديدا حتى أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد الله بن أبي بكر، ~~وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت ~~عينه. وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلا من المسلمين. ولما رأى رسول الله أن ~~العدو متمكن من رميهم ارتفع إلى محل مسجد الطائف الآن، وضرب لأمر سلمة ~~وزينب قبتين هناك، واستمر الحصار ثمانية عشر يوما، كان فيها ينادي خالد بن ~~الوليد بالبراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد ياليل ms173 -عظيم ثقيف- لا ينزل إليك ~~منا أحد، ولكن نقيم في حصننا، فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أمقمت ~~حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا، فأمر ~~عليه الصلاة والسلام بأن ينصب # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 152. PageV01P172 # عليهم المنجنيق فنصب. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين لينقبوا الحصن، ~~فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر عليه الصلاة ~~والسلام أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعا ذريعا، فناداه ~~أهل الحصن، أن دعها لله وللرحم، فقال: "أدعها لله وللرحم" ثم أمر من ينادي ~~بأن كل من ترك الحصن ونزل فهو آمن، فخرج إليه بضعة عشر رجلا. ولما رأى عليه ~~الصلاة والسلام أن تمنع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن ~~معاوية الديلي في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن ~~أقمت أخذته، وإن تركته لم يضرك. فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل، وطلب ~~منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ~~مسلمين" 1. # تقسيم السبي # ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخمسه، ~~وأعطى منه شيئا كثيرا لأناس ضعف إسلامهم يتألفهم بذلك. وأعطى أناسا لم ~~يسلموا ليحبب إليهم الإسلام، ومن الأولين: أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من ~~الذهب ومئة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي ~~لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده ~~فأعطاه، ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال: "يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، ~~فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، ~~وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" فأخذ حكيم ~~المئة الأولى وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ2 أحدا بعدك ~~شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء ~~الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى ms174 عليه الصلاة والسلام عيينة بن ~~حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، وأعطى صفوان ~~بن أمية شعبا مملوءا نعما وشاء كان رآه يرمقه، فقال له: هل يعجبك هذا؟" ~~قال: نعم، قال: "هو لك" فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس # 1 حول مسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ينظر: دلائل النبوة: ج5 ~~ص 156 وما بعدها، وطبقات ابن سعد: ج2 ص 158. # 2 لا أصيب من أحد ولا آخذ. PageV01P173 # أحد، وكان سبب إسلامه. وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف ~~القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل ~~من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممن ~~أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حب الإسلام صاروا بعد من ~~أجلاء المسلمين، وأعظمهم نفعا، كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، ~~والحارث بن هشام وغيرهم. # ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسمه ~~على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا، حتى ~~ألجئوه إلى شجرة، فتعلق رداؤه، فقال: "ردوا ردائي أيها الناس، فوالله، إن ~~كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا ~~كذوبا" ثم قام إلى بعيره، وأخذ وبرة من سنامه، وقال: "أيها الناس، والله، ~~ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا ~~الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة" ~~فصال كل من أخذ شيئا من الغنائم خلسة يرده ولو كان زهيدا، ثم شرع يقسم ~~فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال ~~رجل من المنافقين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب عليه الصلاة ~~والسلام حتى احمر وجهه، وقال: "ويحك ! من يعدل إذا لم أعدل؟" . فلم يؤده ~~غضبه أن ينتقم لنفسه، حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك، بل لم يزد على ms175 أن ~~نصح وحذر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، ~~فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس ~~في قلبه! فقال صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ~~ولا أشق عن بطونهم" . # ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك ~~الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا، ويتركنا ~~وسيوفنا تقطر من دمائهم! فبلغه ذلك، فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم. فلما ~~اجتمعوا قال: "يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضلالا ~~فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ ~~إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أغضبتم يا ~~معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألفت به قوما ليسلموا، ووكلتكم ~~إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل؟ ألا PageV01P174 ~~ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله ~~إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو ~~سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصارن ~~وأبناء الأنصار" . فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ~~قسما وحظا، ثم انصرف عليه الصلاة والسلام وتفرقوا1. # وفود هوازن # وبعد بضع عشرة ليلة جاءه صلى الله عليه وسلم وفد هوازن يرأسهم زهير بن ~~صرد وقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات ~~والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله! وقال ~~زهير: إن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ثم قال ~~أبياتا يستعطفه بها: # أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر # امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك مملوءة من مخضها الدرر # إنا لنشكر للنعماء إن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر # إنا نؤمل عفوا منك نلبسه ... هدى البرية أن تعفوا وتنتصر # فألبس العفو من قد ms176 كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر # ... # فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى ~~الطائفتين: إما السبي وإما المال. وقد كنت أنتظركم حتى ظننت أنكم لا ~~تقدمون" . فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا ~~فهو أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ~~مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا أنا صليت الظهر فقوموا، وقولوا: نحن ~~نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا ~~إسلامكم، وتقولوا: نحن إخوانكم في الدين" ففعلوا. فقال صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: "أما بعد: فإن إخوانك هؤلاء جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد ~~عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه ~~حتى نعطيه إياه من أول ما # 1 حول قسمة الغنائم ينظر دلائل النبوة: ج5 ص 171 وما بعدها. PageV01P175 # يفيء الله علينا فليفعل" ، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول ~~الله. وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب، كالأقرع بن حابس، وعيينه بن حصن، ~~والعباس بن مرداس، فأخذه الرسول منهم قرضا، وأمر صلى الله عليه وسلم بأن ~~تحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكة عند عمتهم أم عبد الله ~~بن أمية. فقال له الوفد: أولئك ساداتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما ~~أريد بهم الخير" ثم سأل عن مالك فقالوا: هرب مع ثقيف، فقال: "أخبروه أنه إن ~~جاءني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل" فلما بلغ ذلك ~~مالكا نزل من الحصن خفية حتى أتى رسول الله بالجعرانة، فأسلم وأحرز ماله، ~~واستعمله عليه الصلاة والسلام على من أسلم من هوازن1. # عمرة الجعرانة # ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فأحرم من الجعرانة، ودخل مكة ~~بليل، فطاف، واستلم الحجر، ثم رجع من ليلته، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث ~~عشرة ليلة، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل، فسار الجيش آمنا مطمئنا ~~حتى دخل المدينة لثلاث بقين ms177 من ذي القعدة. # وغزوة حنين هي التي فرق الله بها جموع الشرك، وأدال دولته، وأفقد سراة2 ~~أهله، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلا تمكنه الحرب إلا ساقته، ولم تترك لها ~~بعيرا ولا شاة إلا جاءت به معها، فأراد الله إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه ~~وأخذ أموالهم، فانكسرت حدة المشركين، ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع، ~~ولذلك يمكننا أن نقول: إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب، فلم يبق ~~فيهم إلا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح، ثم لا يلبثون أن يغمدوا ~~السيوف حينما تظهر لهم قوة الحق الساطعة3. # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 194. # 2 السراة: علية القوم. # 3 انظر دلائل النبوة: ج5 ص201 وما بعدها. وانظر طبقات ابن سعد: ج2 ص 171. PageV01P176 # سرية # ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أرسل قيس بن سعد في أربع مئة ~~ليدعو صداء -قبيلة تسكن اليمن- إلى الإسلام، فجاء إلى رسول الله رجل منهم، ~~فقال: يا رسول الله، إني جئتك وافدا عمن ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، ~~فأمر عليه الصلاة والسلام برد الجيش. # وفود صداء # وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلا منهم، فنزلوا ضيوفا على سعد بن ~~عبادة، ثم بايعوا رسول الله على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من ~~قومنا، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام، وقدم على رسول الله منهم مئة في حجة ~~الوداع. # سرية بشر بن سفيان العدوي # ثم أرسل عليه الصلاة والسلام بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة ~~لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورون لهم من أداء ما فرض عليهم، ~~فلما علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن في خمسين فارسا من ~~الأعراب، فجاءهم وحاربهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، ~~وثلاثين صبيا، وتوجه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة والسلام بجعلهم ~~في دار رملة بنت الحارث1. # وفود تميم # فجاء في أثرهم وفد تميم، وفيه عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن ~~الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلما أبطأ عليهم ms178 نادوا من وراء الحجرات ~~بصوت جاف: يا محمد، اخرج إلينا نفاخرك، فإن مدحنا زين، وإن ذمنا # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 160. PageV01P177 # شين، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام، وقد تأذى من صياحهم، وفيهم نزل في ~~أوائل سورة الحجرات: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ، ~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} [الحجرات: ~~4، 5] وكان الوقت وقت الظهر، فأذن بلال، ودخل النبي للصلاة، فتعلقوا به ~~يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم ~~عليه الصلاة والسلام: "ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا" ثم صلى واجتمع ~~حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم، وقد مدح عمرو بن الأهتم ~~الزبرقان بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته، سيد في عشيرته، فقال ~~الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه ~~لزمن المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. فرئي الغضب في وجه رسول الله لاختلاف ~~قولي عمرو، فقال: يا رسول الله، لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الثانية، ~~رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "إن من البيان لسحرا" . ثم أسلم القوم، فرد النبي عليه الصلاة ~~والسلام عليهم أسراهم، وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن، ~~ويتفقهون في الدين1. # سرية الوليد بن عقبة # ثم بعث عليه الصلاة والسلام الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني ~~المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين سلاحهم احتفالا ~~بقدومه ومعهم إبل الصدقة، فلما نظرهم ظنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم ~~من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة، وأخبر الرسول أن القوم ~~ارتدوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار ~~إليهم في عسكره خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح، فأتاهم ~~خالد فلم ير منهم إلا طاعة، فرجع وأخبر الرسول، فأرسل عليه الصلاة والسلام ~~لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات: ms179 {يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ~~ما فعلتم نادمين} [الحجرات:6]. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص161. PageV01P178 # سرية علقمة بن مجزز # ثم بلغ رسول الله أن جمعا من الحبشة رآهم أهل جدة في مراكبهم يريدون ~~الإغارة عليهم، فأرسل لهم علقمة بن مجزز في ثلاث مئة، فذهب حتى وصل جدة، ~~ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصنين في جزيرة هناك، فلما رأوا ~~المسلمون يريدون هربوا، ولم يلق المسلمون كيدا، فرجع علقمة بمن معه. ولما ~~كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة ~~السهمي، وكان فيه دعابة، فأوقد لهم في الطريق نارا، وقال لهم: ألستم ~~مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلا ما تواثبتم في هذه النار، ~~فقال بعضهم: ما أسلمنا إلا فرارا من النار، وهم بذلك بعضهم، فمنعهم عبد ~~الله، وقال: كنت مازحا. فلما ذكروا ذلك لرسول الله، قال: "لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق" 1. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 163. PageV01P179 ### | AUTO السنة التاسعة # ... # السنة التاسعة # سرية علي بن أبي طالب # في ربيع الأول أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب في مئة راكب ~~وخمسين فارسا لهدم الفلس -صنم لطيئ- فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب ~~عباده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سفانة بنت حاتم طيئ. ~~ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفانة من رسول الله أن يمن عليها، فأجابها ~~لأنه كان من سنته صلى الله عليه وسلم أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من ~~دعائها: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله ~~بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك ~~سببا لردها عليه. وكانت هذه المعاملة من رسول الله سببا في إسلام أخيها عدي ~~بن حاتم الطائي الذي كان فر إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة ~~بلاده، وكان من حديث مجيئه أن أخته توجهت إليه بالشام، وأخبرته بما عوملت ~~به من ms180 الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به ~~سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكا فأنت أنت. قال: والله، ~~هذا هو الرأي1. # وفود عدي بن حاتم # فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "من ~~الرجل؟" قال: عدي بن حاتم، فأخذه إلى بيته، وبينما هما يمشيان إذ لقيت رسول ~~الله امراة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: ~~والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد ~~محشوة ليفا فقدمها إلى عدي، وقال: "اجلس على هذه" . فقال: بل أنت تجلس ~~عليها، فامتنع عليه الصلاة والسلام وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: ~~"يا عدي، # طبقات ابن سعد: ج2 ص 164. وانظر دلائل النبوة: ج5 ص340 وما بعدها. PageV01P180 # أسلم، تسلم" قالها ثلاثا، فقال عدي: إني على دين، وكان نصرانيا. فقال له ~~عليه الصلاة والسلام: "أنا أعلم بدينك منك" فقال عدي: أأنت أعلم بديني مني؟ ~~قال: "نعم" . ثم عدد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين ~~المسيح في شيء كأخذه الرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: "يا عدي، إنما يمنعك ~~من الدخول في الدين ما ترى، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم، ~~وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله، ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد ~~من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة ~~عددهم، أتعرف الحيرة؟" قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: "فوالله ليتمن هذا ~~الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلك إنما ~~يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله، ليوشكن ~~أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم" . فأسلم عدي رضي الله ~~عنه وعاش حتى رأى كل ذلك1. # غزوة تبوك # بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد ms181 غزوه في ~~بلاده، وكان ذلك في زمن عسرة الناس، وجدب البلاد، وشدة الحر حين طابت ~~الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام ~~بالتجهز، وكان قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها، ليعمي الأخبار على العدو ~~إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة ولشدة العدو، ليأخذ الناس ~~عدتهم لذلك، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحث الموسرين على ~~تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفان عشرة آلاف دينار، وأعطى ثلاث مئة بعير ~~بأحلاسها وأقتابها، وخمسين فرسا، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارض عن ~~عثمان فإني راض عنه" . وجاء أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "هل أبقيت لأهلك شيئا؟" فقال أبقيت لهم الله ورسوله، ~~وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاء ~~العباس وطلحة بمال كثير. وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر، وأرسلت ~~النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن، وجاءه صلى الله عليه وسلم سبعة أنفس من ~~فقراء الصحابة # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 337 وما بعدها. PageV01P181 # يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه" . فتولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز ~~العباس اثنين، وجهز يامين بن عمرو اثنين. # ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفا، وولى على المدينة ~~محمد بن مسلمة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلف كثير من المنافقين يرأسهم ~~عبد الله بن أبي، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد ~~البعيد! أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله، لكأني أنظر إلى ~~أصحابه مقرنين في الحبال. واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله ~~وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم ~~عما قالوا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب. # وجاء إليه جماعة منهم الجد بن قيس يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول ~~الله، ms182 ائذن لنا ولا تفتنا لأنا لا نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه ~~المعذرون1 من الأعراب -وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة- ليؤذن لهم فأذن ~~لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك ~~الإذن بقوله في سورة براءة: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة: 43]. ثم قال في حقهم: {إنما يستأذنك الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} ~~[التوبة: 45]. ثم كذبهم الله في عذرهم فقال: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له ~~عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46]. ~~ثم لكي لا يأسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جل ذكره: {لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ~~والله عليم بالظالمين} [التوبة: 47]. وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في ~~إسلامهم منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة. ~~ولما خلف صلى الله عليه وسلم عليا، قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع ~~إلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى؟" . ثم سار صلى الله عليه وسلم بالجيش، وأعطى ~~لواءه الأعظم أبا بكر الصديق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر في آخر غزوة للرسول # 1 الذين يطلبون أن يزال عنهم العذر. PageV01P182 # وتخليف علي على أهل البيت حكمة لطيفة، يفهمها القارئ. وفرق عليه الصلاة ~~والسلام الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، ~~والحباب بن المنذر راية الخزرج، ولما مر الجيش بالحجر، وهي ديار ثمود، قال ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلا وأنتم باكون" ~~ليشعر قلوبهم رهبة الله، وكان مستعملا على حرس الجيش عباد بن بشر، وكان أبو ~~بكر يصلي بالجيش، ولما وصلوا إلى تبوك، وكانت أرضا لا عمارة فيها، قال ~~الرسول لمعاذ بن جبل: "يوشك -إن طالت بك حياة- أن ترى ما هنا ms183 ملئ بساتين" . ~~وقد كان. # ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمه، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في ~~يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان، قد رشت كل منهما ~~عريشها، وبردت فيها ماء، وهيأت طعاما، وكان يوما شديد الحر، فلما نظر ذلك ~~قال: يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة ~~حسناء! ما هذا بالنصف. ثم قال: والله! لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق ~~برسول الله فيئا لي زادا ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد ~~رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك1. # وفود صاحب أيلة # هذا ولم ير صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشا كما كان قد سمع، فأقام هناك ~~أياما جاءه في أثنائها يوحنا، صاحب أيلة، وصحبته أهل جرباء، وأهل أذرح، ~~وأهل ميناء2، فصالح يوحنا رسول الله على إعطاء الجزية، ولم يسلم. وكتب له ~~الرسول كتابا هذه صورته: # 1 انظر القصة وغيرها من قصص غزوة تبوك في دلائل النبوة: ج5 ص 212- 273. ~~وطبقات ابن سعد: ج2 ص 165 وما بعدها. # 2 هذه كلها من إمارات الروم الحامية لهم، وقد تركها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالرغم من اقتداره على إزالتها مما يدل على أن الوضع الدولي اقتضى أن ~~يذهب نحو الشمال مهددا للروم في أماكن مقدمتهم من بلاد الشام. PageV01P183 # كتاب صاحب أيلة # "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا ~~بن رؤبة وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد ~~النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم ~~حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا ~~يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر"1. # كتاب أهل أذرح وجرباء # وكتب لأهل أذرح وجرباء كتابا صورته: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ~~من محمد النبي لأهل أذرح وجرباء، إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن ms184 ~~عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان ~~للمسلمين". # وصالح أهل ميناء على ربع ثمارها. # ثم إن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار ~~الشام، فقال له عمر: إن كنت أمرت بالسير فسر. فقال عليه الصلاة والسلام: ~~"لو كنت أمرت بالسير لم أستشر" . فقال: يا رسول الله، إن للروم جموعا ~~كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوك، فلو ~~رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرا، فتبع عليه الصلاة والسلام ~~مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة. # مسجد الضرار # ولما كان على مقربة منها، بلغه خبر مسجد الضرار وهو مسجد أسسه جماعة من ~~المنافقين معارضة لمسجد قباء، ليفرقوا جماعة المسلمين. وجاء جماعة منهم إلى # 1 حول وفود ملك أيلة ينظر مسند أحمد، ط مؤسسة قرطبة، مصر: ج5 ص 424. وحول ~~صاحب دومة الجندل وما صالحه الرسول صلى الله عليه وسلم انظر طبقات ابن سعد: ~~ج2 ص 165. وانظر دلائل النبوة: ج5 ص 250 وص 247 حول كتابه لأهل جرباء وأذرح. PageV01P184 # الرسول طالبين منه أن يصلي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه، فحلفوا بالله إن ~~أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، فأمر عليه الصلاة والسلام ~~جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه، ويهدموه، ففعلوا. هذا، ولما استقر عليه ~~الصلاة والسلام بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلفوا يعتذرون كذبا، فقبل ~~منهم عليه الصلاة والسلام علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله، واستغفر لهم1. # حديث الثلاثة الذين خلفوا # وجاءه كعب بن مالك الخزرجي، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الأوسيان ~~مقرين بذنوبهم، فلما دخل عليه كعب تبسم تبسم الغضب، وقال: "ما خلفك؟" فقال: ~~يا رسول الله، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه ~~بعذر، ولقد أوتيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ~~ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخط علي فيه، ولئن حدثتك حديث صدق تغضب علي ~~فيه، إني لأرجو فيه عفو ms185 الله، والله، ما كان لي من عذر. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك" . وقال صاحباه مثل ~~قوله، فقال لهما عليه الصلاة والسلام كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن ~~كلامهم، فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، واستأذنت زوج هلال بن ~~أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك ~~حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من ~~الله إلا إليه، ثم تاب عليهم، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام من يبشرهم ~~بهذه النعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجا يهنئونهم بتوبة الله. فلما دخل ~~كعب المسجد تلقاه رسول الله مسرورا، فقال: "أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك ~~منذ ولدتك أمك"، فقال: من عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: "بل من ~~عند الله". فقال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ~~ولرسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" . ثم ~~قرأ عليه الصلاة والسلام الآيات التي فيها توبته هو وصاحباه في سورة براءة: ~~{وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 256 وما بعدها. PageV01P185 # ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} ~~[التوبة: 118]1. # وفود ثقيف # وعقب مقدمه عليه الصلاة والسلام من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من ~~خبرهم أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم، تبع أثره عروة بن مسعود الثقفي ~~حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى ~~الإسلام، فقال له: "إنهم قاتلوك" . فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من ~~أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محببا ~~مطاعا، فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر ~~من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا ms186 أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من ~~العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلا منهم يكلمه، وطلبوا من ~~عبد ياليل بن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى، وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي ~~رجالا، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم، فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما ~~قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس ~~إذا صلوا. وكانوا يغدون إلى رسول الله كل يوم ويخلفون في رحالهم أصغرهم سنا ~~عثمان بن أبي العاص. فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن، وإذا رآه ~~نائما استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئا كثيرا من القرآن، وهو يكتم ذلك عن ~~أصحابه، ثم أسلم القوم، وطلبوا أن يعين لهم من يؤمهم، فأمر عليهم عثمان بن ~~أبي العاص لما رآه من حرصه على الإسلام وقراءة القرآن وتعلم الدين2. # كتاب أهل الطائف # ثم كتب لهم كتابا من جملته: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول ~~الله إلى المؤمنين، إن عضاه وج وصيده حرام، لا يعضد شجره، ومن وجد يفعل شيئا # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 273. # 2 السابق: ج5 ص 299. وما بعده ص 307 وما بعدها. PageV01P186 # من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه". ثم سألوا رسول الله أن يؤجل هدم صنمهم شهرا ~~حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم، ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، ~~فرضي بذلك عليه الصلاة والسلام، ولما خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا ~~أعلمكم بثقيف، اكتموا عنهم إسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن ~~محمدا طلب أمورا عظيمة أبيناها عليه. سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك ~~الزنا، وشرب الخمر والربا، فلما حلوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا ~~رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف، ودان الناس له، فعرض علينا أمورا شديدة، ~~وذكروا ما تقدم. فقالو: والله، لا نطيعه أبدا، فقالوا لهم: أصلحوا سلاحكم، ~~ورموا حصونكم، واستعدوا للقتال، فأجابوا، واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ~~ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله، ما لنا بحربه من طاقة، ~~ارجعوا إليه ms187 وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا: لم ~~كتمتم علينا ذلك؟ قالوا: حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا. # هدم اللات # ولما بلغ رسول الله إسلام ثقيف أرسل أبا سفيان، والمغيرة بن شعبة الثقفي، ~~لهدم اللات: صنم ثقيف بالطائف، فتوجهوا وهدموه حتى سووه بالأرض. # حج أبي بكر # وفي أخريات ذي القعدة، أرسل عليه الصلاة والسلام أبا بكر ليحج بالناس، ~~فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة ومعه الهدي: عشرون بدنة أهداها رسول الله، ~~وساق أبو بكر خمس بدنات، ولما سافر نزل على رسول الله أوائل سورة براءة، ~~فأرسل بها عليا ليبلغها الناس في يوم الحج الأكبر، وقال: "لا يبلغ عني إلا ~~رجل مني" فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصديق: هل استعملك رسول الله على ~~الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ أو أتلو "براءة" على الناس. فلما اجتمعوا ~~بمنى، يوم النحر، قرأ عليهم علي ثلاث عشرة آية من أول سورة براءة، تتضمن ~~نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوفوا عهودهم، وإمهالهم أربعة أشهر ~~يسيحون فيها في الأرض كيف شاءوا، وإتمام عهد المشركين الذين لم يظاهروا على ~~المسلمين، ولم يغدروا بهم إلى مدتهم، PageV01P187 ~~ثم نادى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وكان علي يصلي في ~~هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنه1. # وفاة ابن أبي # وفي ذي القعدة مات عبد الله بن أبي، وقد صلى عليه رسول الله صلاة لم يصل ~~مثلها، وشيع جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب ولده عبد ~~الله بن عبد الله،وتأليفا لقلوب الخزرج لمكانة عبد الله بن أبي فيهم، وقد ~~نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد ~~الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد نهى الله رسوله عن الصلاة على المنافقين، ~~فقل جل شأنه في سورة براءة: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره} [التوبة: 84]2. # وفاة أم كلثوم # وفي هذه السنة توفيت أم كلثوم بنت رسول الله وزوج ms188 عثمان رضي الله عنه. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 168 وما بعدها، دلائل النبوة: ج5 ص 293 وما بعدها. # 2 انظر دلائل النبوة: ج5 ص 285 وما بعدها. PageV01P188 ### | AUTO السنة العاشرة # ... # السنة العاشرة # سرية خالد بن الوليد # في ربيع الآخر أرسل عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد في جمع لبني عبد ~~المدان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاث مرات فإن ~~أبوا قاتلهم، فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ~~ويقولون: أسلموا، تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، فأقام خالد ~~بينهم يعلمهم الإسلام والقرآن، وكتب إلى رسول الله بذلك، فأرسل إليه أن ~~يقدم بوفدهم ففعل. # وحين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم قال لهم: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم ~~في الجاهلية؟" . قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: ~~"صدقتم" وأمر عليهم زيد بن حصين1. # سرية علي بن أبي طالب # وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام عليا في جمع إلى بني مذحج -قبيلة ~~يمانية- وعممه بيده، وقال: "سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى قول: لا إله ~~إلا الله، فإن قالوا: نعم، فمرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك، ولأن يهدي ~~الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك" ~~. فلما انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا المسلمين ~~بالنبل فصف علي أصحابه وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكف عن ~~طلبهم، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا، وبايعه رؤساؤهم، وقالوا: نحن ~~على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله، ففعل. ثم رجع إلى ~~رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع2. # 1 طبقات ابن سعد: ج2 ص 169. # 2 السابق نفسه. PageV01P189 # بعث العمال إلى اليمن # ثم بعث عليه الصلاة والسلام إلى اليمن عمالا من قبله، فبعث معاذ بن جبل ~~على الكورة العليا من جهة عدن، وبعث أبا موسى الأشعري على الكورة السفلى، ~~ووصاهما صلى الله عليه وسلم بقوله: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ms189 وال تنفرا" . ~~وقال لمعاذ: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله ~~فرض عليهم خمس صوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله ~~فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، ~~فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" . ~~وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله، أما أبو موسى فقدم على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في حجة الوداع. # حجة الوداع # وفي السنة العاشرة حج صلى الله عليه وسلم بالناس ودع فيها المسلمين، ولم ~~يحج غيرها. # وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وولى على المدينة أبا دجانة ~~الأنصاري، وكان مع الرسول جمع عظيم يبلغ تسعين ألفا، وأحرم للحج حيث انبعثت ~~به راحلته ثم لبى، فقال: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك والملك لا شريك لك" . ولم يزل صلى الله عليه وسلم سائرا حتى دخل ~~مكة ضحى من الثنية العليا وهي ثنية كداء. ولما رأى البيت قال: "اللهم زده ~~تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا" . ثم طاف بالبيت سبعا، واستلم الحجر الأسود، ~~وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا ~~والمروة سبعا راكبا على راحلته، وكان إذا صعد الصفا يقول: "لا إله إلا ~~الله، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده" . وفي الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات بها. # خطبة الوداع # وفي التاسع منه توجه إلى عرفة، وهناك خطب خطبته الشريفة التي بين فيها ~~الدين كله أسه وفرعه، وهاك نصها: PageV01P190 # "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ms190 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: أوصيكم ~~عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، أما بعد: ~~أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ~~في موقفي هذا . # أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فمن كانت ~~عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. إن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ~~ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول ~~دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير ~~السدانة والسقاية، والعمد قود1، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مئة ~~بعير2، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. # أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن ~~يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. # أيها الناس، إن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ~~ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم ~~خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات وواحد ~~فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل ~~بلغت؟ اللهم اشهد. # أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق ألا يوطئن فرشكم غيركم، ~~ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن، ~~فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير ~~مبرح، 3 فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء ~~عندكم عوان، # 1 قتل العمد يقاد به القاتل. # 2 هذا على أهل الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار كما جاء في صحيفة عمرو بن ~~حزم التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم له في الحقوق المالية والجرائم. ms191 # 3 وهذا في النشوز: وتعضلوهن مخالفة للقرآن لأنها تعني الحبس، وكأن اللفظ ~~هو: تعظوهن. PageV01P191 # لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة ~~الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. # أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس ~~منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ~~فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده: كتاب الله، ألا هل بلغت؟ ~~اللهم اشهد. # أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ~~أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ ~~اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. # أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث ~~وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر1،من ~~ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله" . # وفي هذا اليوم امتن الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ~~فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيدا، ويوما سعيدا، يظهرون فيه شكر الله على ~~هذه النعمة الكبرى. ثم إنه عليه الصلاة والسلام أدى مناسك الحج من رمي ~~الجمار، والنحر، والحلق، والطواف. وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قفل إلى ~~المدينة ولما رآها كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، ~~لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" 2. # الوفود # في هذه السنة والتي قبلها كان وفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على # 1 أي أن الولد يلحق بأبيه على فراش حلال، وبه تثبت أبوته، وأما الحرام ~~فلا ثبوت لأبوة ولا بنوة. وكذلك هذا النص ms192 يمنع التبني المتعارف عليه في ~~البلاد الغربية. # انظر طبقات ابن سعد: ج2 ص 181 وما بعدها، ودلائل النبوة: ج5 ص 432 وما بعدها. PageV01P192 # الإسلام، وكانوا يقدمون أفوجا، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم ~~الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها، رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك ~~يقينا وينير بصيرتك فتقول: # وفود نجران # ومن الوفود وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا، دخلوا المسجد وعليهم ~~ثياب الحبرة وأردية الحرير، مختمين بالذهب، ومعهم بسط فيها تماثيل، ومسوح ~~جاءوا بها هدية للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبل البسط وقبل المسوح. ~~ولما جاء وقت صلاتهم صلوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس. # ولما أتموا صلاتهم دعاهم عليه الصلاة والسلام للإسلام فأبوا وقالوا: كنا ~~مسلمين قبلكم، فقال عليه الصلاة والسلام: "يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم ~~الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدا" ، قالوا: فمن مثل عيسى ~~خلق من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك في سورة آل عمران: {إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] وليظهر الله لهم ~~أنهم في شك من أمرهم أنزل: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] فدعاهم صلى الله عليه وسلم ~~لذلك فامتنعوا، ورضوا بإعطاء الجزية، وهي: ألف حلة في صفر، وألف حلة في ~~رجب، مع كل حلة أوقية من ذهب ثم قالوا: أرسل معنا أمينا، فأرسل لهم أبا ~~عبيدة: عامر بن الجراح، وكان لذلك يسمى أمين هذه الأمة1. # وفود ضمام بن ثعلبة # ومن الوفود ضمام بن ثعلبة، بينما رسول الله بين أصحابه متكئا جاء رجل من ~~أهل البادية، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، فأناخ جمله في PageV01P193 ~~المسجد، ثم قال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فدلوه عليه، فدنا منه وقال: إني ~~سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: "سل ما بدا ms193 لك" ، ~~فقال: أنشدك بالله، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "نعم" ، فقال: أنشدك ~~بالله، آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: "اللهم نعم" ، ~~فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا؟ ~~قال: "اللهم نعم" فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نحج هذا البيت من استطاع ~~إليه سبيلا؟ قال: "اللهم نعم" ، قال: فإني قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة. # ولما ولى، قال عليه الصلاة والسلام: "فقه الرجل" ، ثم ذهب ضمام إلى قومه، ~~ودعاهم إلى الإسلام، وترك عبادة الأوثان فأسلموا كلهم1. # وفود عبد القيس # ومن الوفود عبد القيس، وكان من خبرهم أن الرسول كان جالسا بين أصحابه ~~يوما، فقال لهم: "سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق، ولم يكرهوا ~~على الإسلام، قد أنضوا الركائب، وأفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس" . ~~فلما أتوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم رموا بأنفسهم عن الركائب بباب ~~المسجد، وتبادروا إلى رسول الله، يسلمون عليه، وكان فيهم عبد الله بن عوف ~~الأشج، وكان أصغرهم سنا، فتخلف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وأخرج ~~ثوبين أبيضين فلبسهما، ثم جاء يمشي هونا حتى سلم على رسول الله، وكان رجلا ~~دميما، ففطن لنظر الرسول إلى دمامته، فقال: يا رسول الله، إنه لا يستقى في ~~مسوك -أي: جلود- الرجال، وإنما الرجل بأصغريه: قلبه ولسانه. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة" . وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم لهذا الوفد: "مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى" ، ~~فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا ~~الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل، فقال: ~~"آمركم بالإيمان بالله. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 374. PageV01P194 # وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدباء، والحنتم ~~والنقير، والمزفت" 1 -والمراد بذلك: ms194 ما ينبذ في هذه الأواني- فقال الأشج: ~~يا رسول الله، إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت ~~بطوننا، فرخص لنا في مثل هذه، وأشار إلى يده، فأومأ عليه الصلاة والسلام ~~بكفيه، وقال: "يا أشج، إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه -وفرج بين ~~يديه وبسطه- حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف" ~~. وإنما خص عليه الصلاة والسلام نهيهم بما ذكر لكثرة الأشربة بينهم2. # وفود بني حنيفة # ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم مسيلمة الكذاب، وكان مسيلمة يقول: إن جعل ~~لي الأمر من بعده اتبعته، فأقبل عليه الصلاة والسلام ومعه ثابت بن قيس بن ~~شماس، وفي يد رسول الله قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: ~~"إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وإني لأراك الذي منه رأيت" . وكان عليه ~~الصلاة والسلام قد رأى في منامه أن في يده سوارين من ذهب، فأهمه شأنهما، ~~فأوحى الله إليه أن انفخهما فنفخهما فطارا، فأولهما صلى الله عليه وسلم ~~كذابين يخرجان من بعده، فكان مسيلمة أحدهما، والثاني الأسود العنسي صاحب ~~صنعاء. وقد أسلم بنو حنيفة. # وفود طيئ # ومن الوفود وفد طيئ، وفيهم زيد الخيل رئيسهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~في حقه: "ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل" ~~. وسماه صلى الله عليه وسلم زيد الخير3. # 1 الدباء: القرع. والحنتم: الجرة الخضراء. والنقير: الذي هو منقور في أصل ~~شجرة كالنخلة. والمزفت: المطلي بالزفت. وقد نص على هذا ثم رخص فيه عليه ~~الصلاة والسلام كما روي في الصحاح من الأحاديث. # 2 دلائل النبوة: ج5 ص 323 وما بعدها. # 3 السابق: ج5 ص 337 وما بعدها. PageV01P195 # وفود كندة # ومنهم وفد كندة وفيهم الأشعث بن قيس، وكان وجيها مطاعا في قومه. ولما ~~دخلوا على رسول الله خبئوا له شيئا، وقالوا: أخبرنا عما خبأناه لك؟ فقال: ~~"سبحان الله، إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والمتكهن في ms195 النار". ثم ~~قال: "إن الله بعثني بالحق، وأنزل علي كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه" ، فقالوا: أسمعنا منه، فتلا عليه الصلاة والسلام: {والصافات ~~صفا ، فالزاجرات زجرا ، فالتاليات ذكرا ، إن إلهكم لواحد ، رب السموات ~~والأرض وما بينهما ورب المشارق} [الصافات: 1-5] ثم سكت وسكن، ودموعه تجري ~~على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي؟ أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: "إن ~~خشيتي منه أبكتني، بعثني على صراط مستقيم في مثل حد السيف إن زغت عنه هلكت" ~~، ثم تلا: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا، إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا} [الإسراء: 86، 87] ثم قال ~~لهم عليه الصلاة السلام: "ألم تسلموا؟" قالوا: بلى، قال: "ما بال هذه ~~الحرير في أعناقكم؟" فعند ذلك شقوه وألقوه. # وفود أزد شنوءة # ومنهم وفد أزد شنوءة، ورئيسهم صرد بن عبد الله الأزدي، فأسلموا وأمره ~~عليهم، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك1. # وفود رسول ملوك حمير # ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، ~~والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان وكانوا قد أسلموا وأرسلوا رسولهم ~~بذلك فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. # 1 دلائل النبوة: ج5 ص 372 وما بعدها. وحول وفد بني حنيفة انظر نفس ~~المرجع: ص 330، وعن وفود كندة ص 368. PageV01P196 # كتاب ملوك حمير # بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارث بن عبد كلال وإلى ~~نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان. أما بعد: ~~فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم ~~مقفلنا من أرض الروم، فلقيناه بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به، وخبر ما قبلكم، ~~وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم ~~وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم خمس ~~الله، وسهم النبي وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة. أما بعد: ms196 فإن ~~محمدا النبي أرسل إلى زرعة بن ذي يزن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: ~~معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن ~~مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، ~~وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا، أما بعد: فإن ~~محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة ~~الرهاوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير ~~وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإن رسول الله هو مولى غنيكم ~~وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا أهل بيته، إنما هي زكاة يزكى بها على ~~فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم ~~به خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # وفود همدان # ومنها وفد همدان، وفيهم مالك بن نمط، وكان شاعرا مجيدا فلقوا رسول الله ~~مرجعه من تبوك، عليهم مقطعات من الحبرات اليمنية، والعمائم العدنية، وقد ~~أنشد مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادر بالركبان من هضب قردد # بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد # فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد PageV01P197 ~~وقد أمره صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وقد قال الرسول في حق ~~همدان: "نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد، وفيهم ~~أبدال وفيهم أوتاد" . # وفود تجيب # ومنها وفد تجيب، قبيلة من كندة، وفد على رسول الله ثلاثة عشر رجلا منهم، ~~ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسر بهم عليه الصلاة والسلام ~~وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله، إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: "ردوها فاقسموها على فقرائكم" . فقالوا: يا رسول ~~الله، ما قدمنا عليكم إلا بما فضل عن فقرائنا، قال أبو بكر: يا رسول الله، ~~ما قدم علينا من وفد ms197 من العرب مثل هذا. فقال عليه الصلاة والسلام: "إن ~~الهدى بيد الله، فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان" ، وجعلوا يسألونه عن ~~القرآن، فازداد صلى الله عليه وسلم رغبة فيهم، ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم ~~فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ~~ولقائنا إياه وما رد علينا، ثم جاءوا إلى رسول الله فودعوه، فأجازهم بأفضل ~~ما كان يجيز به الوفود، ثم قال لهم: "هل بقي منكم أحد؟" قالوا: غلام خلفناه ~~في رحالنا وهو أحدثنا سنا، قال: "فأرسلوه إلينا" فأرسلوه، فأقبل الغلام، ~~وقال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حاجتهم فاقض حاجتي، ~~قال: "وما حاجتك؟" قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي. ~~فقال عليه الصلاة واسلام: "اللهم اغفر له، وارحمه، واجعل غناه في قلبه" ، ~~ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. # وفود ثعلبة # ومنها وفد ثعلبة، وفد على رسول الله أربعة منهم مقرين بالإسلام، فسلموا ~~عليه وقالوا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من قومنا ونحن مقرون ~~بالإسلام، وقد قيل لنا: إنك تقول: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم" ، ثم قال لهم: "كيف ~~بلادكم؟" فقالوا: مخصبون، فقال: "الحمد لله" . ثم أقاموا في ضيافته أياما، ~~وحين إرادتهم الانصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة. PageV01P198 # وفود بني سعد بن هذيم # ومنها وفد بني سعد بن هذيم من قضاعة، قال النعمان منهم: قدمت على رسول ~~الله وافدا في نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله البلاد، وأزاح العرب، ~~والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف السيف، فنزلنا ~~ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فوجدنا رسول ~~الله يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس في ~~صلاتهم، وقلنا حتى يصلي رسول الله ونبايعه. ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا ~~فدعا بنا فقال: "ممن ms198 أنتم؟" فقلنا: من بني سعد بن هذيم، فقال: "أمسلمون ~~أنتم؟" قلنا: نعم، فقال: "هلا صليتم على أخيكم؟" قلنا: يا رسول الله ظننا ~~أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك، فقال عليه الصلاة والسلام: "أينما أسلمتم فأنتم ~~مسلمون" . قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا، ثم انصرفنا إلى رحالنا، ~~وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا فبعث عليه الصلاة والسلام في طلبنا، فأتي بنا ~~إليه فتقدم صاحبنا فبايعه صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقلنا: يا رسول ~~الله، إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: "سيد القوم خادمهم، بارك الله عليه" . ~~قال النعمان: فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ثم أجازهم وانصرفوا. # وفود بني فزارة # ومنها وفد بني فزارة، وفد على رسول الله جماعة منهم مقرين بالإسلام وهم ~~مسنتون، فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم، فقال رجل منهم: يا رسول ~~الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وجاعت عيالنا. فادع لنا ~~ربك يغثنا. واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "سبحان الله ! ويلك هذا! أنا أشفع إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا ~~إليه؟ لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من ~~عظمته وجلاله كما يئط الرحل الحديث" . أي من ثقل الحمل. ثم صعد عليه الصلاة ~~والسلام المنبر، ودعا الله عز وجل حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير، ~~والرحمة التامة. PageV01P199 # وفود بني أسد # ومنها وفد بني أسد، وفيهم: ضرار بن الأزور وطليحة بن خويلد الذي ادعى ~~النبوة بعد ذلك، فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله، أتيناك نتدرع الليل البهيم ~~في سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثا، فأنزل الله في ذلك: {يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين} [الحجرات: 17] # وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يفعلون في الجاهلية من ~~العيافة والكهانة، وضرب الحصباء، فنهاهم عن ذلك، ثم سألوه عن ضرب الرمل، ~~فقال: "علمه نبي فمن صادف مثل علمه فذاك ms199 وإلا فلا" . ثم أقاموا أياما ~~يتعلمون الفرائض، وبعد ذلك ودعوا وانصرفوا بعد أن أجيزوا. # وفود بني عذرة # ومنها وفد بني عذرة، ووفد بني بلي، ووفد بني مرة، ووفد خولان -وهي قبائل ~~باليمن- وقد أمرهم عليه الصلاة والسلام بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وحسن ~~الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحدا فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. # وفود بني محارب # ومنها وفد بني محارب، وكانوا من الذين ردوا الرد القبيح حينما كان رسول ~~الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله، فما أعظم منة الله الذي أتى بهؤلاء ~~-وكانوا ألد الأعداء- مسلمين منقادين! # وفود غسان # ومنها وفد غسان، ووفد بني عبس، ووفد النخع. # وكان عليه الصلاة والسلام يقابل هذه الوفود بما جبله الله عليه من ~~البشاشة، وكرم الأخلاق، ويجيزهم بما يرضيهم، ويعلمهم الإيمان والشرائع، ~~ليعلموا من وراءهم، وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدين بين الأعراب ~~في البوادي. PageV01P200 # وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام # وفي هذه السنة توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم1. # 1 انظر الخبر في دلائل النبوة: ج5 ص 429. PageV01P201 ### | AUTO السنة الحادية عشرة # ... # السنة الحادية عشرة # سرية # لأربع بقين من صفر، جهز عليه الصلاة والسلام جيشا برياسة أسامة بن زيد ~~إلى أبنى1 حيث قتل زيد بن حارثة، والد أسامة، وقال له: "سر إلى موضع قتل ~~أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى، وحرق ~~عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله فأقل اللبث فيهم، وخذ ~~الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك" . وكان مع أسامة في هذا الجيش كبار ~~المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد. # ثم عقد عليه الصلاة والسلام لأسامة اللواء، وقال له: "اغز باسم الله، في ~~سبيل الله، وقاتل من كفر بالله" . # وقد انتقد جماعة على تأمير أسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره ~~على جيش فيه كبار المهاجرين، فأبلغ الرسول هذه المقالة فغضب غضبا شديدا، ~~وخرج، فقال: "أما بعد، أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري ~~أسامة؟ ولئن ms200 طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وايم ~~الله، إنه كان لخليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها، وإن كان لمن ~~أحب الناس إلي، وإنهما لمظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم" . # ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن المرض ~~بدأه فاختاره الله للرفيق الأعلى. وسيرى القارئ إن شاء الله خروج هذا الجيش ~~متمما في كتابنا "إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء". # مرض الرسول صلى الله عليه وسلم # لما تمم عليه الصلاة والسلام ما كلف به، وأدى ما اؤتمن عليه، وهدى الله به # 1 أرض السراة ناحية البلقاء. انظر طبقات ابن سعد: ج2 ص 189. PageV01P202 # أمته، اختاره الله للرفيق الأعلى، فجلس على المنبر مرة، وكان فيما قال: "إن ~~عبدا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده" . ~~فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا ~~خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت ~~إلا خوخة أبي بكر" . # وقد بداه عليه الصلاة والسلام مرضه في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة ~~من الهجرة في بيت ميمونة، واستمر مريضا ثلاثة عشر يوما، كان في خلالها ~~ينتقل إلى بيوت أزواجه، ولما اشتد عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت ~~عائشة الصديقة فأذن له، ولما دخل بيتها واشتد عليه وجعه، قال: "هريقوا علي ~~من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس". فأجلس في مخضب1، وصب ~~عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن، وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى ~~التي كانت تصيب من يضع يده فوق ثيابه2. # صلاة أبي بكر بالناس # ولما تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" ~~فرضيه عليه الصلاة والسلام خليفة له في حياته. ولما رأت الأنصار اشتداد وجع ~~الرسول طافوا بالمسجد، فدخل العباس، وأعلمه ms201 بمكانهم وإشفاقهم، فخرج صلى ~~الله عليه وسلم متوكئا على علي والفضل، وتقدم العباس أمامهم والنبي معصوب ~~الرأس يخط برجليه، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه فحمد ~~الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، ~~هل خلد نبي قبلي فيمن بعث الله فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي، وإنكم ~~لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، ~~فإن اله تعالى يقول: {والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1-3] وإن الأمور ~~تجري بإذن الله، ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله عز وجل لا # 1 المخضب: شبه الطست لغسل الثياب إلا أنه ليس بطست. انظر طبقات ابن سعد: ~~ج2 ص218. # 2 طبقات ابن سعد: ج2 ص 205 وما بعدها. PageV01P203 # يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، {فهل عسيتم إن ~~توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] وأوصيكم بالأنصار ~~خيرا، فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم ~~يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم ~~وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم، وليتجاوز ~~عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي، ألا ~~فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده علي غدا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ~~ينبغي" . # وبينما المسلمون في صلاة الفجر، من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول، ~~وأبو بكر يصلي بهم، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سجف حجرة ~~عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر رضي ~~الله عنه على عقبه ليصل الصف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، ~~وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله، فأشار إليهم بيده: أن ~~أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر1. # وفاة رسول الله صلى الله عليه ms202 وسلم # ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم دنياه، ~~ولحق بمولاه، وكان ذلك في يوم الاثنين 13 ربيع أول سنة 11 [8يونيو سنة 633] ~~فيكون عمره عليه الصلاة والسلام 63 سنة قمرية كاملة، وثلاثة أيام، وإحدى ~~وستين شمسية، وأربعة وثمانين يوما، وكان أبو بكر غائبا بالسنح - وهي منازل ~~بني الحارث بن الخزرج- عند زوجه حبيبة بنت خارجة بن زيد، فسل عمر سيفه، ~~وتوعد من يقول: مات رسول الله، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، ~~فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله، إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم. # فلما أقبل أبو بكر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله، ~~فجثا يقبله، ويبكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول # 1 دلائل النبوة: ج6 ص 194 وما بعدها، وانظر ص 186 أيضا، وانظر طبقات ابن ~~سعد: ج2 ص 214. PageV01P204 # الله، ما أطيبك حيا وميتا، بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين. ثم خرج ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات ومن ~~كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ~~ميتون} [الزمر: 30] وقوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] قال عمر: والله لكأني لم أتل هذه ~~الآية قط. # ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الاثنين، وليلة الثلاثاء ~~ويومه وليلة الأربعاء، حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم، فغسل ~~ودفن، وكان الذي يغسله علي بن أبي طالب، ويساعده العباس، وابناه الفضل ~~وقثم، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله، وكفن في ثلاثة أثواب بيض، ليس ~~فيها قميص ولا عمامة. ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل ~~الناس عليه أرسالا متتابعين يصلون عليه، ولم يؤمهم أحد، ثم حفر له لحد ms203 في ~~حجرة عائشة حيث توفي، وأنزله القبر علي والعباس وولداه الفضل وقثم، ورش ~~قبره بلال بالماء، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وترك للمسلمين ما إن اتبعوه لم يضرهم شيء: كتاب الله الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وترك أصحابه ~~البررة الكرام، يوضحون الدين، ويتممون فتح البلاد، ويظهرون في الدنيا شمس ~~الدين الإسلامي القويم، حتى يتمم الله كلمته، ويحق وعده، وقد فعل، فنسأل ~~الله أن يقدرنا على أداء شكره على هذه المنة العظمى، والنعمة الكبرى. PageV01P205 ### | AUTO شمائله عليه الصلاة والسلام # ... # شمائله عليه الصلاة والسلام # منح الله سبحانه نبينا صلى الله عليه وسلم من كمالات الدنيا والآخرة ما ~~لم يمنحه غيره ممن قبله أو بعده، ولا بد أن نأتي لك في هذا الباب بنبذة ~~يسيرة من محاسن صفاته، وأحاسن آدابه، لتكون لك أنموذجا تسير عليه، حتى تكون ~~على قدم نبيك صلى الله عليه وسلم، فتستحق الحمد في الدنيا والذخر في ~~الأخرى. # فاعلم - أرشدني الله وإياك، وهدانا للصراط السوي- أن خصال الجلال والكمال ~~في البشر نوعان: ضروري دنيوي: اقتضته الجبلة، وضرورة الحياة، ومكتسب ديني: ~~وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى. # فأما الضروري: فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في جبلته ~~عليه الصلاة والسلام من كمال الخلقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة ~~الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف ~~النسب، وعزة القوم، وكرم الأرض، ويلحق به ما تدعو ضرورة الحياة إليه من ~~الغذاء والنوم والملبس والمسكن والمال والجاه. # أما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العلية والآداب الشرعية من الدين، ~~والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، ~~والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، ~~والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها وهي التي يجمعها حسن الخلق. # فإذا نظرت -رعاك الله- إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة، وفي جبلة ~~الخلقة، وجدته عليه الصلاة والسلام حائزا لجميعها، محيطا بشتات محاسنها. # هيئته عليه الصلاة والسلام # فأما ms204 الصورة وجمالها وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة PageV01P206 ~~والمشهورة الكثيرة بذلك من أنه صلى الله عليه وسلم كان: أزهر اللون1، ~~أدعج2، أنجل3، أشكل4، أهدب5 الأشفار، أبلج6 أزج7 أقنى8 أفلج9 مدور الوجه ~~واسع الجبين كث اللحية تملأ صدره، سواء البطن10 عظيم الصدر، عظيم المنكبين، ~~ضخم العظام، عبل العضدين11 والذراعين والأسافل، رحب الكفين والقدمين، سائل ~~الأطراف، أنور المتجرد، دقيق المسربة12، ربعة القد، ليس بالطويل البائن13، ~~ولا القصير المتردد، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله ~~صلى الله عليه وسلم14، رجل الشعر، إذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق، ~~وعن مثل حب الغمام، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، أحسن الناس ~~عنقا، ليس بمطهم، ولا مكلثم، متماسك البدن، ضرب15 اللحم. قال البراء بن ~~عازب: ما رأيت من ذي لمة سوداء، في حلة حمراء، أحسن من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر. وفي حديث ابن أبي ~~هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وقال علي في آخر وصفه له: من ~~رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده ~~مثله صلى الله عليه وسلم. # 1 مضيء اللون. # 2 سواد الحدقة شديدا مع اتساع فيها. # 3 الواسع العين في حسن. # 4 المشوب بياض عينه حمرة # 5 كثير شعر الأهداب. # 6 مضيء الوجه في إشراقة. # 7 دقيق الحاجبين مع طول. # 8 ارتفاع قصبة الأنف مع انحناء فيها وهي صفات الأنف العربي. # 9 بين ثناياه أو أسنانه تباعد. # 10 مستوي البطن. # 11 ممتلئ الذراعين والعضدين. # 12 المسربة: شعر دقيق من الصدر إلى البطن. # 13 ليس متناهيا في الطول. # 14 غلبه في الطول. # 15 خفيف اللحم. PageV01P207 # طيب ريحه عليه الصلاة والسلام # وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد، ~~فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص ms205 لم توجد في غيره، ثم تممها بنظافة ~~الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: "بني الدين على النظافة" . وقال أنس: ما ~~شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وعن جابر بن سمرة، أنه عليه الصلاة والسلام مسح خده، قال: فوجدت ليده ~~بردا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها. ~~يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، يضع يده على رأس الصبي، فيعرف من بين ~~الصبيان بريحها، وروى البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه. وأما ~~وفور عقله صلى الله عليه وسلم وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، ~~واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن ~~تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسته للعامة والخاصة، مع عجيب ~~شمائله وبديع سيره فضلا عما أفاده من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم ~~سابق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، ~~وثقوب فهمه لأول بديهة. # من صفاته عليه السلام # وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من ~~أمامه، وبذلك فسر قوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219]. # وقالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يرى في الظلمة كما يرى في الضوء. ~~وكان يعد في الثريا أحد عشر نجما، وجاءت الأخبار أنه صرع ركانة أشد أهل ~~وقته، وكان دعاه إلى الإسلام. وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أسرع من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مشيه كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا ~~وهو غير مكترث. # وفي صفته عليه الصلاة والسلام أن ضحكه كان تبسما، إذا التفت التفت معا، ~~وإذا مشى مشى تقلعا، كأنما ينحط من صبب. PageV01P208 # فصاحته وبلاغته عليه الصلاة والسلام # وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك ~~بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة ms206 طبع، وبراعة منزع، وإيجاز ~~مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، وأوتي جوامع الكلم، ~~وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها، ~~ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاعتها، حتى كان كثير من أصحابه ~~يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله. من تأمل حديثه، وسيره علم ~~ذلك وتحققه. وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال1 حضر موت، وملوك اليمن، ~~وعظماء نجد. بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته من الألفاظ، وما انتهجته من ~~طرق البلاغة ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحدث الناس بما يعلمون. # وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ~~ألف الناس فيها الدواوين، وجمع في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا ~~يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة، كقوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" . وقوله: "الناس كأسنان المشط" ، ~~و"المرء مع من أحب" ، و"لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له" ، و"الناس ~~معادن" ، و"ما هلك امرؤ عرف قدره" ، و"المستشار مؤتمن" ، و"رحم الله عبدا ~~قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم" . وقوله: "أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين" ، و"إن أحبكم إي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ~~الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون" . وقوله: "لعله كان يتكلم بما لا ~~يعنيه، أو يبخل بما لا يغنيه" ، وقوله: "ذو الوجهين لا يكون عند الله ~~وجيها" . ونهيه عن "قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، ~~وعقوق الأمهات، ووأد البنات" ، وقوله: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة ~~الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ، و"خير الأمور أوساطها" . وقوله: ~~"أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما" ، وقوله: "الظلم ظلمات ~~يوم القيامة" . وقوله في بعض دعائه: "اللهم! إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، ~~وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وتزكي بها عملي، وتلهمني ~~بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم! إني أسألك # 1- جمع قيل وهو أمير من أمراء اليمن خاصة. ms207 PageV01P209 # الفوز في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء" . إلى ~~غير ذلك مما روته الكافة عن الكافة عن مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ~~فيها سبقا لا يقدر قدره. # وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: "وما يمنعني؟ وإنما ~~أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين" . وقال مرة أخرى: "أنا أفصح العرب بيد ~~أني من قريش، ونشأت في بني سعد" . فجمع له بذلك قوة عارضة البادية ~~وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي ~~مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشر. # نسبه وبلده ومنشؤه # وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ~~ولا بيان مشكل، ولا خفي منه. # فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب، وأعزهم نفرا من ~~قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده. وقد ~~قدمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في هذا المقام. # أما ما تدعو إليه ضرورة الحياة، فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما الفضل في ~~كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه. # فالأول: كالغذاء والنوم، ولم تزل العرب والحكماء قديما تتمادح بقلتهما، ~~وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص، والشره وغلبة ~~الشهوة، مسبب لمضار الدنيا والآخرة، جالب لأدواء الجسد، وخثارة النفس، ~~وامتلاء الدماغ. # وقلته دليل على القناعة، وملك النفس. وقمع الشهوة، مسبب للصحة، وصفاء ~~الخاطر، وحدة الذهن، كما أن النوم دليل على الفسولة1 والضعف، وعدم الذكاء ~~والفطنة، مسبب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب ~~وغفلته وموته. وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل، وحض # 1- الفسولة: ضعف وكلال ونقص مروءة الرجل. PageV01P210 # عليه قال صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن ~~آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث ~~لنفسه" . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله ms208 عليه وسلم شبعا ~~قط، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما ~~أطعموه قبل، وما سقوه شرب. وفي صحيح الحديث: "أما أنا فلا آكل متكئا" ~~والاتكاء: هو التمكن للأكل، والتقعدد في الجلوس له، كالمتربع وشبهه، من ~~تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة ~~يستدعي الأكل ويستكثر منه، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان جلوسه ~~للأكل جلوس المستوفز مقعيا، ويقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، ~~وأجلس كما يجلس العبد" ، وكذلك نومه كان قليلا، ومع ذلك فقد قال: "إن عيني ~~تنامان ولا ينام قلبي" . # وأما ما الفضل في كثرته، فكالجاه، وهو محمود عند العقلاء عادة، وبقدر ~~جاهه عظمه في القلوب، وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام: {وجيها في ~~الدنيا والآخرة} [آل عمران: 45]. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رزق من الحشمة، والمكانة في القلوب، ~~والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ~~ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته، كما ~~ذكرنا ذلك مرارا، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره، كما روي عن قيلة ~~أنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال: "يا مسكينة، عليك السكينة" . وفي حديث ~~أبي مسعود، أن رجلا قام بين يديه فأرعد، فقال له عليه الصلاة والسلام: "هون ~~عليك فإني لست بملك" . # وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وإناقة رتبته بالاصطفاء ~~والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم. # نفقاته وصدقاته وزهده في المال صلى الله عليه وسلم # وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله، ~~ككثرة المال، فصاحبه على الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به إلى ~~حاجته، وتمكنه في أغراضه، وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه PageV01P211 ~~منفقا له في مهماته، ومهمات من قصده وأمله، يصرفه في مواضعه، مشتريا به ~~المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب. # كان فضيلة في ms209 صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في ~~سبل الخير، وقصد بذلك الله تعالى والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل ~~حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجهه وجوهه، حريصا على جمعه، عادت ~~كثرته رذيلة البخل، ومذمة النذالة، فالتمدح بالمال ليس لذاته بل للتوصل به ~~إلى غيره، وتصريفه في متصرفاته، ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي خزائن ~~الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له ذلك من الشام والعراق، وجلب إليه كثير من ~~أخماسها وجزيتها وصدقاتها، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء ~~منه، ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ~~وقال: "ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده ~~لديني" . # وأتته دنانير مرة فقسمها، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه ~~نوم حتى قام فقسمها، وقال: "الآن استرحت" . # ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما ~~تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ماوجده، فيلبس في الغالب ~~الشملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج ~~المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر، فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حاز فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه. # كان خلقه القرآن # وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة وهي المسماة ~~بحسن الخلق فجميعها قد كان خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في ~~كمالها، والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: {وإنك ~~لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] # قالت عائشة: كان خلقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط بسخطه. PageV01P212 # وقال عليه الصلاة والسلام: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وقال أنس: كان عليه ~~الصلاة والسلام أحسن الناس خلقا. # وكانت له هذه الآداب الكريمة كما كانت لإخوانه من الأنبياء جبلة خلقوا عليها. # ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله عليهم، وتشرق أنوار المعارف في ~~قلوبهم حتى يصلوا الغاية، ويبلغوا باصطفاء الله لهم بالنبوة في تحصيل هذه ~~الخصال الشريفة النهاية ms210 دون ممارسة، وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة ~~كثيرة ولكنا نذكر أصولها، ونشير إلى جميعها، ونحقق وصفه عليه الصلاة ~~والسلام بها إن شاء الله. # فأصل فروعها، وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها: العقل الذي منه ينبعث العلم ~~والمعرفة، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن, ~~والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، ~~واقتناء الفضائل، وتجنب الرذائل، وقد بلغ عليه الصلاة والسلام منه ومن ~~العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، يعلم ذلك من تتبع مجاري ~~أحواله، واطراد سيره، وطالع جوامع كلمه، وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم ~~حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، وسير ~~الأمم الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، ~~وتأصيل الآداب النفيسة، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها ~~كلامه فيها قدوة وإشاراته حجة، كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون ~~تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي ~~أمي لا يعرف شيئا من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره وعلمه. وبحسب عقله ~~كانت معارفه عليه الصلاة والسلام إلى سائر ما علمه الله، وأطلعه عليه من ~~علم ما يكون وما كان، وعجائب قدرته، وعظيم ملكوته قال تعالى: {وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء: 113]. # وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكرهه، فمما أدب ~~الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} [الأعراف: 199]، وقد سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن تأويلها. ~~فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ~~ظلمك، وقال له: {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17] . ~~وقال: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} ~~[النور: 22] وقال: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43]. ~~وقد تضافرت الأخبار على اتصافه عليه الصلاة والسلام بنهاية PageV01P213 ~~هذه الأوصاف، فما من حليم إلا عرفت منه ms211 زلة، وحفظت عنه هفوة، ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الإيذاء إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما. # قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خير عليه الصلاة والسلام في أمرين قط إلا ~~اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما ~~انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله". # ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أحد، وطلب منه أن يدعو عليهم قال: ~~"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" . # وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين آذوه، واستهزءوا به، ~~وأخرجوه من دياره هو وأصحابه، ثم قاتلوه، وحرضوا عليه غيرهم من مشركي ~~العرب، حتى تمالأ عليه جمعهم، ثم لم فتح الله عليه مكة ما زاد على أن عفا ~~وصفح، وقال: "ما تقولون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، ~~فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . وعن أنس: كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام ~~وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية ~~البرد في صفحة عنقه، ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله ~~الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي ثم قال: ~~"المال مال الله وأنا عبده" . ثم قال: "ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي" ~~قال: لا، قال: "لم؟" قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك عليه الصلاة ~~والسلام، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر. # قالت عائشة: ما رأيت رسول الله منتصرا من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة ~~من محارم الله تعالى، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ~~ضرب خادما ولا امرأة، فصلى الله تعالى عليه، وأقر عينه باتباع المسلمين سنته. # وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يوازى ~~في هذه الأخلاق الكريمة، ولا يبارى. وصفه بهذا كل من عرفه، قال جابر رضي ~~الله عنه: ما ms212 سئل عليه الصلاة والسلام عن شيء فقال: لا. وقال ابن عباس: كان ~~عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان ~~إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. وقالت خديجة في صفته عليه ~~الصلاة والسلام مخاطبة له: إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم. PageV01P214 # وحسبك شاهدا في هذا الباب ما فعله مع هوازن من رد السبي إليها، وما فعله ~~يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم الأعطية. وقد استوفينا ذلك ~~في موضعه. # وحمل إليه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفا، فوضعها على حصير وأخذ يقسمها ~~فما قام حتى فرغ منها. # وجاءه رجل فسأله فقال: "ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء ~~قضيناه" فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره ذلك عليه الصلاة ~~والسلام، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش ~~إقلالا، فتبسم عليه الصلاة والسلام وعرف البشر في وجهه وقال: "بهذا أمرت". # والأخبار بجوده وكرمه عليه الصلاة والسلام كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ~~ذكرناه. # شجاعته صلى الله عليه وسلم # ومنها الشجاعة والنجدة، فكان عليه الصلاة والسلام منهما بالمكان الذي لا ~~يجهل، قد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت ~~لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا أحصيت له فرة، وحفظت ~~عنه جولة، سواه. وحسبك ما فعله في حنين وأحد مما ذكرناه مستوفى. # وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال علي: إنا كنا إذا اشتد البأس، واحمرت الحدق اتقينا ~~برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر، ونحن ~~نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس ~~يومئذ بأسا. وقال أنس: كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، وأحسن الناس، ~~وأجود الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم ~~عليه الصلاة والسلام ms213 راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس ~~لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه، وهو يقول: "لن تراعوا" . # وأما الحياء والإغضاء، فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء، وأكثرهم PageV01P215 ~~عن العورات إغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء ~~من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. # وكان عليه الصلاة والسلام لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحدا بما ~~يكرهه، حياء وكرم نفس. # قالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل: ~~ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ بل يقول: "ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا؟" ~~. ينهى عنه ولا يسمى فاعله، وقالت رضي الله عنها: لم يكن عليه الصلاة ~~والسلام فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ~~ولكن يعفوا ويصفح. # أدبه وحسن عشرته صلى الله عليه وسلم # وأما حسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه مع أصناف الخلق، فمما انتشرت به الأخبار ~~الصحيحة، قال علي رضي الله عنه: كان عليه الصلاة والسلام أوسع الناس صدرا، ~~وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. وكان عليه الصلاة والسلام ~~يؤلفهم، ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس ~~منهم، من غير أن يطوي على أحد منهم بشره، ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويعطي ~~كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه ~~لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو ~~بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في ~~الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبي هالة. وكان دائم البشر، سهل الخلق، لين ~~الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح، يتغافل ~~عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو ~~كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر} [آل عمران: 159]. # وقال تعالى: ms214 {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} [فصلت: 34]. # وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعا، ~~ويكافئ عليها، وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويلاعب صبيانهم، ~~ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة والمسكين، ويعود المرضى PageV01P216 ~~في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. وقال أنس: ما التقم أحد أذن النبي ~~يحادثه فنحى رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما أخذ أحد بيده ~~فيرسل يده حتى يرسلها الآخر. # وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قط مادا رجليه ~~بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ~~ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني ~~أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى ~~يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام، وكان أكثر الناس تبسما، وأطيبهم نفسا، ما لم ~~ينزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب. # وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله ~~تعالى: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] ~~وقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. # وروي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه، ثم قال: "أأحسنت إليك؟" قال ~~الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ~~ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه، وزاده شيئا، ثم قال: "أحسنت إليك؟" فقال: ~~نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنك قلت: ~~ما قلت، وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين ~~يدي، حتى يذهب ما في صدورهم عليك" قال: نعم، فلما كان الغد - أو العشي- جاء ~~فقال عليه الصلاة والسلام: " إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه فزعم أنه ~~رضي أكذلك؟" قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس فلم ~~يزيدوها ms215 إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها ~~منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها، حتى جاءت ~~واستناخت، وشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما ~~قال فقتلتموه دخل النار" . وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يبلغني أحد منكم ~~عن أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" . وكان يسمع بكاء ~~الصبي فيتجوز في صلاته. وعن ابن مسعود كان عليه الصلاة والسلام يتخولنا ~~بالموعظة مخافة السآمة علينا. PageV01P217 # وأما خلقه عليه الصلاة والسلام في الوفاء، وحسن العهد وصلة الرحم، فروي عن ~~عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي عليه الصلاة والسلام ببيع قبل أن ~~يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ~~ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: "يا فتى، لقد شققت علي، أنا هنا منذ ~~ثلاث أنتظرك" . وكان إذا أتي بهدية، قال: "اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها ~~كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة" . # وكان عليه الصلاة والسلام يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل ~~منهم. ووفد عليه وفد، فقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال: ~~"إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم" . # وفي حديث خديجة: أبشر، فوالله، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، ~~وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. # تواضعه صلى الله عليه وسلم # وأما تواضعه عليه الصلاة والسلام، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشد ~~الناس تواضعا، وأعدمهم كبرا، وحسبك أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا ~~عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، وخرج عليه الصلاة والسلام مرة على أصحابه ~~متوكئا على عصا، فقاموا، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم ~~بعضا" . وقال: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" . ~~وكان يركب الحمار ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة ~~العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما ms216 انتهى به المجلس جلس. وقال عليه ~~الصلاة والسلام: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، ~~فقولوا: عبد الله ورسوله" وحج عليه الصلاة والسلام على رحل رث، وعليه قطيفة ~~ما تساوي أربعة دراهم فقال: "اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة" هذا ~~وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجة ذلك مائة بدنة. ولما فتحت عليه مكة، ~~ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمس قادمته تواضعا لله ~~تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فاشترى سراويل، وقال للوازان: "زن وأرجح" ، ثم قال: فوثب إلى يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبلها، فجذب يده، وقال: "هذا تفعله الأعاجم ~~بملوكها PageV01P218 ~~ولست بملك إنما أنا رجل منكم" ، ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله قال: "صاحب ~~الشيء أحق بشيئه أن يحمله" . # عدله صلى الله عليه وسلم # وأما عدله عليه الصلاة والسلام، وأمانته، وعفته، وصدق لهجته، فكان آمن ~~الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، وأصدقهم لهجة منذ كان، اعترف له بذلك ~~محادوه وأعداؤه، وكان يسمى قبل نبوته الأمين، وقد قدمنا ذلك في سيرته عليه ~~الصلاة والسلام قبل النبوة. وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ما لمست ~~يده يد امرأة قط لا يملك رقها. قال أبو العباس المبرد: قسم كسرى أيامه، ~~فقال: يوم الريح يصلح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للهو والشرب، ~~ويوم الشمس للحوائج. # ولكن نبينا عليه الصلاة والسلام جزأ نهاره ثلاثة أجزاء، جزء لله، وجزء ~~لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على ~~العامة، ويقول: "أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإن من أبلغ حاجة من لا ~~يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر". وكان عليه الصلاة والسلام لا ~~يأخذ أحدا بذنب أحد، ولا يصدق أحدا على أحد. # وقاره عليه الصلاة والسلام # وأما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته، وتؤدته، ومروءته، وحسن هديه. # فكان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من ~~أطرافه، ms217 وكان إذا جلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا. وكان كثير ~~السكوت، لا يتكلم في غير حاجة. يعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسما، ~~وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيرا له، ~~واقتداء به. مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا ~~تؤبن فيه الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير. # وقال ابن أبي هالة: كان سكوته صلى الله عليه وسلم على أربع: على الحلم، ~~والحذر، والتقدير، والتفكر. PageV01P219 # وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده ~~العاد لأحصاه، وكان يحب الطيب، والرائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحض ~~عليهما. ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب ~~والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك وإنقاء البراجم والرواجب مفاصل ~~الأصابع من ظاهر الكف وباطنها. # زهده صلى الله عليه وسلم # وأما زهده عليه الصلاة والسلام في الدنيا فقد قدمنا لك فيه ما فيه ~~الكفاية، وحسبك شاهدا على تقلله من الدنيا، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت ~~إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها، أنه توفي عليه الصلاة والسلام، ودرعه ~~مرهونة عند يهودي في نفقة عياله. وهو يدعو ويقول: "اللهم، اجعل رزق آل محمد ~~قوتا" . وقالت عائشة رضي الله عنها: ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام ~~تباعا من خبز حتى مضى لسبيله. # وقالت: ما ترك عليه الصلاة والسلام دينارا، ولا درهما، ولا شاة، ولا ~~بعيرا، ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي. ~~وقال: "إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، أجوع يوما، ~~وأشبع يوما. فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي ~~أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك" وقالت عائشة: إن كنا آل محمد لنمكث شهرا ما ~~نستوقد نارا، إن هو إلا التمر والماء. وعن أنس: ما أكل عليه الصلاة والسلام ~~على خوان، ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق، ms218 ولا أرى شاة سميطا قط. # وفي حديث حفصة: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحا ~~نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فثنيناه ليلة بأربع، فلما أصبح، قال: "ما فرشتم ~~لي؟" فذكرنا له ذلك فقال: "ردوه بحاله فإن وطاءته منعتني الليلة صلاتي" . # وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبي عليه الصلاة والسلام شبعا، ولم يبث شكوى ~~إلى أحد، وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى. وإن كان ليظل جائعا يلتوي طول ~~ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه. ولو شاء أعطاه ربه جميع كنوز الأرض ~~وثمارها ورغد عيشها. ولقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به، وأمسح بيدي على ~~بطنه مما أرى به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما ~~يقوتك، فيقول: "يا عائشة، ما لي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل ~~صبروا على ما هو أشد من PageV01P220 ~~هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم. فأجدني ~~أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحب إلي من ~~اللحوق بإخواني وأخلائي" . قالت: فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفي صلوات ~~الله عليه وسلامه. # طاعته لله تعالى وعبادته # وأما خوفه ربه، وطاعته له، وشدة عبادته، فعلى قدر علمه بربه. ولذلك قال: ~~"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" "أرى ما لا ترون وأسمع ما ~~لا تسمعون أطت -صوتت- السموات وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ~~وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ~~تعالى. لوددت أني شجرة تعضد" . # وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى ترم1 قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا!" . # وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة، ~~وأيكم يطيق ما كان يطيق؟ وقالت: كان يصوم ms219 حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول ~~لا يصوم. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، ~~فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة ~~إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه، ~~يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" ، ثم سجد، وقال مثل ~~ذلك. ثم قرأ "آل عمران" ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وقال بعضهم: أتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي وصف ابن ~~أبي هالة: كان متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة. # وعن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته ~~فقال: "المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، ~~وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، ~~والرضا غنيمتي، والعجز # 1 من الورم. PageV01P221 # فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد ~~خلقي، وقرة عيني في الصلاة، وثمرة فؤادي في ذكره، وغمي لأجل أمتي، وشوقي ~~إلى ربي" فجزاه الله من نبي عن أمته خيرا، ورحم الله عبدا تأمل في هذه ~~الشمائل الكريمة والخصال الجميلة فتمسك بها، واتبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليحوز شفاعته يوم الفزع الأكبر، ويرضى الله عنه، فنسألك اللهم التوفيق ~~لما فيه الخير بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. PageV01P222 ### | AUTO معجزاته عليه السلام # ... # معجزاته عليه السلام1 # إذا تأمل المتأمل ما قدمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم، وحميد سيره، ~~وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، ~~وصواب مقاله. لم يمتر في صحة نبوته، وصدق دعوته، وقد كفى هذا غير واحد في ~~إسلامه والإيمان به كعبد الله بن سلام. فإنه قال: لما قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. # وروى مسلم أن ضمادا لما وفد عيه قال له صلى الله ms220 عليه وسلم: "إن الحمد ~~لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" فقال له ~~ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء، فقلد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك. # ولما بلغ ملك عمان أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإسلام، ~~قال: والله، لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول ~~آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب ~~فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي. وقال ابن رواحة: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك بالخبر # كيف وقد أظهر الله على يده تصديقا لدعوته من المعجزات ما لا يفي به العد، ~~فهو أكثر الأنبياء آية، وأظهرهم برهانا، وسنذكر لك في هذا الفصل من الآيات ~~ما تقر به عينك، ويزداد به يقينك، مما رواه الجم الغفير من الصحابة رضوان ~~الله عليهم، وأثبته المحدثون في صحاحهم، ونبدأ منها بأظهرها شأنا، وأوضحها ~~بيانا، وهو القرآن الشريف وإعجازه. # 1 لا بد أن يفهم أن المعجزة يجب أن تكون قطعية في الثبوت أي منقولة إلينا ~~بالتواتر في عصور الرواية الثلاثة: الصحابة والتابعين وتبابعتهم حتى يجوز ~~الاعتقاد بها. PageV01P223 # معجزة القرآن ا لكريم # اعلم أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من ~~جهة ضبط أنواعها في أربعة: # أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته ~~الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد ~~خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة ~~اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ذلك ~~طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به ~~إلى كل سبب، يخطبون بديها في المقامات، وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن ~~والضرب، ويقدحون ويمدحون، ويتوسلون ms221 ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ~~ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل، فيخدعون الألباب ~~ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن، ويهيجون الدمن، ويجرئون الجبان، ويصيرون ~~الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول ~~الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القوي، ومنهم الحضري، ذو ~~البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، ~~والتصرف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلاهما ~~له في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهيع ~~الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا ~~فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ ~~أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، وتقاولوا في ~~القل والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا رسول كريم، بكتاب ~~عزيز: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ~~[فصلت: 42]، أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته ~~على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في ~~الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان مجامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه ~~حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم أفسح ما كانوا في هذا ~~الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في الشعر والسجع ارتجالا، ~~وأوسع في الغريب واللغة مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي ~~عنها يتناضلون، PageV01P224 ~~صارخا بها في كل حين، ومقرعا لهم بضعة وعشرين عاما على رءوس الملإ أجمعين: ~~{أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين} [يونس: 38]، {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا} [البقرة: 23، 24]، {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]. ~~{قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 31]. # فلم يزل يقرعهم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ms222 ويحط ~~أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم ~~وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون ~~أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والاغترار بالافتراء، وقولهم: {إن هذا إلا سحر ~~يؤثر} [المدثر: 24]. و{سحر مستمر} [القمر:2]. { إفك افتراه} [الفرقان:4]. ~~{أساطير الأولين} [الأنعام: 25]. والمباهتة، والرضا بالدنية. كقولهم: ~~{قلوبنا غلف} [البقرة: 88]، و{في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5]، و{لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} [فصلت: ~~26]، والادعاء مع العجز، كقولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] ~~وقد قال لهم: {ولن تفعلوا} [البقرة: 24] فما فعلوا ولا قدروا، ومن تعاطى ~~ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم. وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح ~~كلامهم، وإلا لم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس ~~بلاغتهم، بل ولوا عنه مدبرين، وأتوا إليه مذعنين، وأنت إذا تأملت قوله ~~تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] وقوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا ~~فوت وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] وقوله: {وقيل يا أرض ابلعي ~~ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين} [هود: 44] وقوله: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [العنكبوت: 40] وأشباهها من ~~الآي، بل أكثر آيات القرآن، حققت ما بينته من إيجاز ألفاظها، وكثرة ~~معانيها، وديباجة عبارتها، وحسن تأليف حروفها، وتلاؤم كلمها، وإن تحت كل ~~لفظة منها PageV01P225 ~~جملا كثيرة، وفصولا جمة، وعلوما زواخر، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد ~~منها، وكثرت المقالات في المستنبطات عنها، ثم هو في سرد القصص الطوال، ~~وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء ~~البيان، آية لمتأمله، من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف ~~وجوهه، كقصة يوسف على طولها، ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها ms223 على ~~كثرة ترددها، وتناصف في الحسن وجه مقابلتها، ولا نفور للنفوس من ترديدها، ~~ولا معادة لمعادها. # الوجه الثاني من إعجاز القرآن: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب ~~المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه ~~مقاطع آيه، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا ~~استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم ~~يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر. # والإعجاز بكل واحد من النوعين، والإيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب ~~الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجاز، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد ~~منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها1. # الوجه الثالث من الإعجاز: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم ~~يكن ولم يقع فوقع، فوجد كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر كقوله تعالى: {لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27]، وقوله عن الروم: {وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين} [الروم: 3، 4]، وقوله: {ليظهره على الدين ~~كله} [الصف: 9] وقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} [النور:55] وقوله: {إذا جاء نصر ~~الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} [النصر: 1، 2]، فكان ~~جميع هذا كما أخبر، فغلبت الروم فارس، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ~~واتسع ملك المسلمين حتى كان لهم في وقت من الأوقات أقصى بلاد الأندلس غربا ~~إلى أقاصي الهند شرقا، ومن بلاد الأناضول شمالا إلى أقاصي السودان جنوبا، ~~وقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: # 1 الإعجاز حقيقته في نظم الكلام وأساليبه لا في أمور أخرى غيرها، فالتحدي ~~واقع باللغة. PageV01P226 # فكان كذلك إلى الآن والحمد لله، وقوله: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: ~~45] فكان كذلك في بدر، والآية نزلت بمكة، وقوله: { قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم} [التوبة: 14] فكان كذلك مما ms224 اطلع عليه قارئ هذه السيرة، وما فيه ~~من كشف أسرار المنافقين واليهود، ومقالهم وكذبهم في حلفهم كقوله: {ويقولون ~~في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} [المجادلة:8] وقوله: {يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك} [آل عمران: 154] وقوله: {من الذين هادوا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم ~~وطعنا في الدين} [النساء: 46] إلى غير ذلك من الآيات البينات. # الوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، ~~والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار ~~أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده عليه الصلاة والسلام على ~~وجهه، ويأتي به على نصفه، فيقر العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله ~~بتعليم، وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا ~~اشتغل بمدارسة ولا مجالسة، لم يغب عنهم، ولا جهل حاله أحد منهم، وكثيرا ما ~~كان يسأله كثير من أهل الكتاب عن هذا، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم ~~منه ذكرا، كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة مما صدقه فيه ~~العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، ولم يؤثر أن واحدا منهم ~~أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا، ولا سقيما من صحفه، بعد أن قرعهم ~~ووبخهم بقوله: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93]. # ومما يدل على أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحداهم فيه الله بقوله: {قل ~~إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين} [ البقرة: 94]. ثم حتم عدم إجابتهم بقوله: {ولن يتمنوه أبدا ~~بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] فما سمع عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو ~~بلسانه، مع أنهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه. ومثل ذلك ما فعله أهل نجران ~~حينما دعاهم للمباهلة فأبوا، وقد قدمنا ذلك في فصل وفودهم. # ومما يدل على أن هذا القرآن ليس من كلام البشر: الروعة التي تلحق قلوب ms225 ~~سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، لقوة حاله، وإنافة خطره، حتى ~~كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إن ~~القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم" . PageV01P227 # وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه إقبالا، وتكسبه ~~هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]. وقال تعالى: {لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} [الحشر:21]. # ومن وجوه إعجاز القرآن: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفل ~~الله بحفظه، فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] وقال: ~~{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] وسائر معجزات ~~الأنبياء لم يبق إلا خبرها، والقرآن إلى وقتنا هذا حجة قاهرة، ومعارضة ~~ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة ~~البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير، والمعادي ~~للشرع عتيد، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألف كلمتين في ~~مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا ~~بزند شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاءه في العجز بيديه، والنكوص ~~على عقبيه. # ولنختم لك هذ الباب بحديثه عليه الصلاة والسلام في القرآن قال: "إن الله ~~أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا، وسنة خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبؤكم وخبر من ~~كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي ~~عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به ~~فلج، ومن حاكم به أقسط ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ~~ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر ~~الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشفاء ~~النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج ms226 فيقوم، ولا يزيغ ~~فيستعتب" . # معجزات أخرى له صلى الله عليه وسلم # ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وقد قدمنا حديثه مستوفى. # ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره ~~ببركته، وقد روى هذا الجم الغفير من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود. # قال أنس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حانت صلاة العصر، فالتمس ~~الناس ماء PageV01P228 ~~للوضوء، فلم يجدوه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع في الإناء ~~يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، ~~فتوضأ الناس حتى توضئوا عن آخرهم، فقيل: كم كنتم؟ قال زهاء ثلاثمائة. # وقال ابن مسعود: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا ماء، ~~فقال لنا: "اطلبوا من معه فضل ماء" ، فأتي بماء، فصبه في إناء، ثم وضع كفه ~~فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه. # وقال جابر: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله بين يديه ركوة فتوضأ منها، ~~وأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك، فوضع يده في ~~الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قيل: كم كنتم؟ قال: ~~لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. # وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة، ومثل هذا في هذه المواطن الحفيلة، ~~والجموع الكثيرة، لا تتطرق التهمة إلى المحدث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى ~~تكذيبه، لما جبلت عليه نفوسهم من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل، ~~فهؤلاء قد رووا هذا، وأشاعوه ونسبوا حضور الجم الغفير له، ولم ينكر عليهم ~~أحد من الناس ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه، فصار كتصديق جميعهم لهم. # ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسه ودعوته، كما ورد عن ~~معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي تلمع بشيء من ماء مثل ~~الشراك، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فيه شيء، ثم غسل عليه الصلاة ~~والسلام فيه وجهه ويديه، وأعاده ms227 فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس -وفي ~~رواية ابن إسحاق فانخرق من الماء ما له حس، كحس الصواعق- ثم قال: "يوشك يا ~~معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هنا قد ملئ جنانا". وقد قدمنا ذلك في غزوة ~~تبوك. وروي عن البراء وسلمة بن الأكوع تكثير عين الحديبية بدعوته عليه ~~الصلاة والسلام. وروى أبو قتادة أن الناس شكوا إلى رسول الله العطش في بعض ~~أسفاره فدعا بالميضأة فجعلها في ضبنه "ما بين الكشح إلى الإبط" ثم التقم ~~فمها، فالله أعلم، أنفث فيها أم لا؛ فشرب الناس حتى رووا وملئوا كل إناء ~~معهم، فخيل لي أنها كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا. # ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محال ~~مختلفة، بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها. PageV01P229 # ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم، روى أبو طلحة أنه ~~عليه الصلاة والسلام أطعم ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من شعير جاء بها ~~أنس تحت إبطه، فأمر بها عليه الصلاة والسلام ففتتت، وقال فيها ما شاء الله ~~أن يقول. # وروى جابر أنه عليه الصلاة والسلام أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير ~~وعناق، وقال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط ~~كما هي، وإن عجيننا ليخبز. وكان عليه الصلاة والسلام قد بصق في العجين ~~والبرمة وبارك. وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر طعاما يكفيهما، ~~فأطعم منه عليه الصلاة والسلام مائة وثمانين رجلا. وروى مثل ذلك كثير من ~~الصحابة كعبد الرحمن بن أبي بكر، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وعمر بن ~~الخطاب، وأنس بن مالك، رضوان الله عليهم أجمعين. # ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام قصة حنين الجذع، قال جابر بن عبد الله: ~~كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقوم ~~إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. وفي ~~رواية أنس: حتى ms228 ارتج المسجد لخواره. وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما ~~رأوه به. # وفي رواية المطلب: وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه ~~فسكت. زاد غيره: # فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا بكى لما فقد من الذكر" . وزاد غيره: ~~"والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم" فأمر به فدفن تحت المنبر. وهذا الحديث خرجه أهل ~~الصحة، ورواه من الصحابة كثيرون، ورواه عنهم من التابعين ضعفهم، وبمن دون ~~عدتهم يقع العلم لمن عني بهذا الباب، والله المثبت على الصواب. # ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام إبراء المرضى، وذوي العاهات، فقد أصيبت ~~يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنتيه، فردها عليه الصلاة ~~والسلام، فكانت أحسن عينيه وأحدهما، وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في ~~يوم ذي قرد، فما ضرب عليه ولا قاح، وأصاب ابن ملاعب الأسنة استسقاء، فبعث ~~إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذ بيده حثوة من الأرض، فتفل عليها، ثم ~~أعطاها رسوله، فأخذها يرى أنه قد هزئ به، فأتاه بها وهو على شفى، فشربها ~~فشفاه الله. وتقدم حديث علي ورمده في غزوة خيبر، وغير ذلك كثير مما يعجز ~~قلمنا عن عده، ورواه ثقات المسلمين الأعلام. PageV01P230 # أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته، فروي عن أنس بن مالك، قال: قالت ~~أمي أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، فقال: "اللهم، أكثر ~~ماله وولده، وبارك له فيما آتيته" . قال أنس: فوالله، إن مالي لكثير، وإن ~~ولدي ليعادون اليوم نحو المئة. # ودعا لبعد الرحمن بن عوف بالبركة، فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من ~~تركته ثمانين ألفا، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل ~~شيء، فتصدق بها، وبما عليها، وبأقتابها، وأحلاسها. # ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة، ودعا لسعد بإجابة الدعوة، ~~فما دعا على أحد إلا استجيب له، وتقدم دعاؤه لعمر بن الخطاب أن ms229 يعز الإسلام ~~به، وقال لأبي قتادة: "أفلح وجهك، اللهم بارك في شعره وبشره" ، فمات وهو ~~ابن سبعين سنة، كأنه ابن خمس عشرة، ودعواته عليه الصلاة والسلام المستجابة ~~أكثر من أن تحصى يطلع عليها قارئ سيرتنا هذه. # أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان، فعن ~~حذيفة رضي الله عنه، قال: قام فينا رسول الله مقاما، فما ترك شيئا يكون في ~~مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه ~~أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه ~~الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ ~~والله، ما ترك عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ ~~من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته. ~~وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه مما وعدهم بهم من الظهور على ~~أعدائه، وفتح مكة، وبيت المقدس، واليمن، والشام، والعراق، وظهور الأمن حتى ~~تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة، لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستغزى، ~~وتفتح خيبر على يد علي في غد يومه، وما يفتح الله على أمته من الدنيا، ~~ويؤتون من زهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وقد قدمنا كثيرا من ذلك في هذه ~~السيرة، وقدمنا ما في القرآن من ذلك، وهذا يغنينا عن الإطالة في هذا المقام ~~فحسبك ما سمعت1. # 1 وقد استقصى البيهقي في دلائل النبوة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في مجلدات الكتاب السبع، فمن أراد الاستزادة ففي هذا السفر العظيم مقنع ~~وكفاية. PageV01P231 # ومما ينير بصيرتك -أيها القارئ- ما من الله به على رسولنا من عصمته له من ~~الناس، وكفايته من آذاه، قال تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ~~وقال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48] وقال: {أليس الله بكاف ~~عبده} [الزمر: 36]، وقال: {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95]، ولما نزل: ~~{والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] صرف حجابه، وقال: "انصرفوا فقد ms230 عصمني ~~الله" . وقدمنا حديث دعثور وإرادته قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وعصمة ~~الله لنبينا، وذكرنا كثيرا مما حصل من أبي جهل لما أراد بالرسول المكايد، ~~فكفاه الله شره، وما من الله به عليه ليلة الهجرة، وحديث سراقة في الطريق، ~~وعلى الجملة فيكفينا من هذا الباب أنه عليه الصلاة والسلام مكث بين أعداء ~~ألداء بمكة ثلاثة عشرة سنة، وبين مشابهيهم من المنافقين واليهود عشر سنين. ~~فما تمكن أحد من إيصال أذى إليه صلى الله عليه وسلم، بل كفاه مولاه شر ~~أعدائه حتى أظهر الدين وتممه. # والحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، ونسأله أن يوفق قارئي هذه ~~السيرة إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنصاره. # تم الكتاب بعونه تعالى PageV01P232 ### | AUTO محتويات الكتاب # ... # محتويات الكتاب # مقدمة المؤلف .................................................. 5 # النسب الشريف..................................................7 # زواج عبد الله بآمنة ~~وحملها.................................................. 8 # الرضاع.................................................. 9 # حادثة شق الصدر..................................................10 # وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب........ 10 # السفر إلى الشام.................................................. 11 # حرب الفجار.................................................. 11 # حلف الفضول.................................................. 12 # رحلته إلى الشام المرة ~~الثانية.................................................. 13 # زواجه خديجة.................................................. 13 # بناء البيت.................................................. 14 # معيشته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة........................... 15 # سيرته في قومه قبل ~~البعثة.................................................. 16 # ما أكرمه الله به قبل ~~النبوة.................................................. 18 # تبشير التوراة به.................................................. 19 # تبشير الإنجيل.................................................. 21 # حركة الأفكار قبل ~~البعثة.................................................. 21 # بدء الوحي.................................................. 22 # فترة الوحي.................................................. 24 # عودة الوحي.................................................. 25 # الدعوة سرا.................................................. 25 # الجهر بالتبليغ.................................................. 30 # الإيذاء.................................................. 32 # إسلام حمزة.................................................. 37 # مساومة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ليترك الدعوة....... 40 # هجرة الحبشة الأولى.................................................. 43 # إسلام عمر.................................................. 44 PageV01P233 ~~رجوع مهاجري الحبشة.................................... 45 # كتابة الصحيفة.................................... 47 # هجرة الحبشة الثانية.................................... 47 # نقض الصحيفة.................................... 48 # وفود نجران.................................... 48 # وفاة خديجة رضي الله عنها.................................... 49 # زواج سودة.................................... 49 # زواج عائشة رضي الله عنها.................................... 50 # هجرة الطائف.................................... 51 # الاحتماء بالمطعم بن عدي.................................... 52 # وفد دوس.................................... 52 # الاسراء والمعراج.................................... 53 # العرض على القبائل.................................... 55 # بدء إسلام الأنصار....................................56 # العقبة الأولى.................................... 57 # العقبة الثانية.................................... 58 # هجرة المسلمين إلى المدينة.................................... 59 # دار الندوة ms231 60 # هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.................................... 60 # النزول بقباء.................................... 62 # هجرة الأنبياء.................................... 63 # أعمال مكة.................................... 63 # مسجد قباء.................................... 64 # الوصول إلى المدينة.................................... 64 # أول جمعة.................................... 65 # النزول على أبي أيوب.................................... 65 # نزول المهاجرين.................................... 66 # أخوة الإسلام.................................... 66 # هجرة أهل البيت.................................... 67 # حمى المدينة.................................... 67 # منع المستضعفين من الهجرة.................................... 68 PageV01P234 ~~السنة الأولى # بناء المسجد......................................... 69 # بدء الأذان......................................... 69 # يهود المدينة......................................... 71 # المنافقون......................................... 72 # معاهدة اليهود......................................... 73 # مشروعية القتال......................................... 73 # بدء القتال......................................... 75 # سرية حمزة بن عبد المطلب......................................... 75 # سرية عبيدة بن الحارث......................................... 76 # وفيات......................................... 76 # السنة الثانية # غزوة ودان......................................... 78 # غزوة بواط......................................... 78 # غزوة العشيرة......................................... 78 # غزوة بدر الأولى......................................... 79 # سرية عبد الله بن جحش......................................... 79 # تحويل القبلة......................................... 80 # صوم رمضان......................................... 80 # صدقة الفطر......................................... 81 # زكاة المال......................................... 81 # غزة بدر الكبرى......................................... 82 # أسرى بدر......................................... 89 # الفداء......................................... 90 # العتاب في الفداء......................................... 93 # غزوة بني قينقاع......................................... 94 # جلاء بني قينقاع......................................... 95 # غزوة السويق......................................... 95 # صلاة العيد......................................... 96 # زواج علي بفاطمة عليهما السلام.......................... 96 # السنة الثالثة # قتل كعب بن الأشرف......................................... 97 PageV01P235 ~~غزوة غطفان ...................................... 98 # غزوة بحران...................................... 99 # سرية زيد بن حارثة...................................... 99 # غزوة أحد...................................... 99 # غزوة حمراء الأسد...................................... 106 # حوادث...................................... 106 # السنة الرابعة # سرية أبي سلمة...................................... 108 # سرية ابن أنيس الجهني...................................... 108 # سرية الرجيع...................................... 108 # سرية بئر معونة...................................... 109 # غزوة بني النضير...................................... 110 # غزوة ذات الرقاع...................................... 111 # غزوة بدر الآخرة...................................... 112 # حوادث...................................... 112 # السنة الخامسة # غزوة دومة الجندل...................................... 113 # غزوة بني المصطلق...................................... 113 # حديث الإفك...................................... 115 # غزوة الخندق...................................... 118 # الخدعة في الحرب...................................... 120 # هزيمة الأحزاب...................................... 122 # غزوة بني قريظة...................................... 122 # زواج زينب بنت جحش...................................... 124 # الحجاب...................................... 126 # فرض الحج...................................... 128 # السنة السادسة # سرية القرطاء...................................... 129 # غزوة بني لحيان...................................... 130 # غزوة الغابة...................................... 130 # سرية عكاشة بن محصن...................................... 131 PageV01P236 ~~سرية محسن بن مسلمة إلى ذي القصة ............................... 131 # سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم............................... 131 # سرية زيد بن حارثة إلى العيص............................... 132 # سرية زيد بن حارثة إلى الطرف............................... 132 # سرية زيد بن حارثة إلى وادي ms232 القرى............................... 132 # سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل.................. 133 # سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك............ 133 # قتل أبي رافع............................... 134 # سرية عبد الله بن رواحة............................... 135 # قصة عكل وعرينة............................... 135 # سرية عمرو بن أمية............................... 136 # غزوة الحديبية............................... 137 # بيعة الرضوان............................... 139 # صلح الحديبية............................... 139 # مكاتبة الملوك ............................... 142 # كتاب قيصر............................... 142 # حديث أبي سفيان............................... 142 # كتاب أمير بصرى............................... 144 # كتاب الحارث بن أبي شمر............................... 144 # كتاب المقوقس............................... 145 # كتاب النجاشي............................... 146 # كتاب كسرى............................... 146 # كتاب المنذر بن ساوى............................... 147 # كتاب ملكي عمان............................... 147 # كتاب هوذة بن علي............................... 148 # السنة السابعة # غزوة خيبر............................... 149 # زواج صفية ............................... 152 # النهي عن نكاح المتعة............................... 152 # رجوع مهاجري الحبشة............................... 152 # فتح فدك............................... 152 # صلح تيماء ............................... # 153 PageV01P237 ~~فتح وادي القرى ........................................ 153 # إسلام خالد ورفيقيه ........................................ 153 # سرية عمر بن الخطاب ........................................ 154 # سرية بشر بن سعد ........................................ 154 # سرية غالب بن عبد الله ........................................ 154 # سرية بشير بن سعد ........................................ 155 # عمرة القضاء ........................................ 155 # زواج ميمونة ........................................ 156 # السنة الثامنة # سرية غالب بن عبد الله ........................................ 157 # سرية ........................................ 157 # سرية كعب بن عمير ........................................ 158 # غزوة مؤتة ........................................ 158 # سرية عمرو بن العاص ........................................ 160 # سرية أبي عبيدة بن الجراح ........................................ 161 # غزوة الفتح الأعظم ........................................ 161 # العفو عند المقدرة ........................................ 165 # وفود كعب بن زهير ........................................ 167 # بيعة النساء ........................................ 168 # هدم العزى ........................................ 169 # هدم سواع ........................................ 169 # هدم مناة ........................................ 169 # غزوة حنين ........................................ 169 # سرية أبي عامر الأشعري ........................... 172 # غزوة الطائف ........................................ 172 # تقسيم السبي ........................................ 173 # وفود هوازن ........................................ 175 # عمرة الجعرانة ........................................ 176 # سرية ........................................ 177 # وفود صداء ........................................ 177 # سرية بشر بن سفيان العدوي .............................. 177 # وفود تميم ........................................ 177 PageV01P238 ~~سرية الوليد بن عقبة ................................. 178 # سرية علقمة بن مجزز ................................. 179 # السنة التاسعة # سرية علي بن أبي طالب ................................. 180 # وفود عدي بن حاتم ................................. 180 # غزوة تبوك ................................. 181 # وفود صاحب أيلة ................................. 183 # كتاب صاحب أيلة ................................. 184 # كتاب أهل أذرح وجرباء ................................. 184 # مسجد الضرار ................................. 184 # حديث الثلاثة الذين خلفوا ................................. 185 # وفود ثقيف ................................. 186 # كتاب أهل الطائف ................................. 186 # هدم اللات ................................. 187 # حج أبي بكر ms233 .................................187 # وفاة ابن أبي ................................. 188 # وفاة أم كلثوم ................................. 188 # السنة العاشرة # سرية خالد بن الوليد ................................. 189 # سرية علي بن أبي طالب .................................189 # بعث العمال إلى اليمن ................................. 190 # حجة الوداع ................................. 190 # خطبة الوداع ................................. 190 # الوفود ................................. 192 # وفود نجران ................................. 193 # وفود ضمام بن ثعلبة ................................. 193 # وفود عبد القيس ................................. 194 # وفود بني حنيفة ................................. 195 # وفود طيئ ................................. 195 # وفود كندة ................................. 196 # وفود أزد شنوءة ................................. 196 # وفود رسول ملوك حمير ................................. 196 PageV01P239 ~~كتاب ملوك حمير ................................... 197 # وفود همدان ................................... 197 # وفود تجيب ................................... 198 # وفود ثعلبة ................................... 198 # وفود بني سعد بن هذيم ................................... 199 # وفود بني فزارة ................................... 199 # وفود بني أسد ................................... 200 # وفود بني عذرة ................................... 200 # وفود بني محارب ...................................200 # وفود غسان ................................... 200 # وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام ............... 201 # السنة الحادية عشرة # سرية ................................... 202 # مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ................................... 202 # صلاة أبي بكر بالناس ................................... 203 # وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ................................... 204 # شمائله عليه الصلاة والسلام ................................... 206 # معجزاته عليه السلام ................................... 223 # محتويات الكتاب ................................... 233 PageV01P240 ~~ ms234