######OpenITI# #META# URI: 1345JurjTannus.NawadirHafizNajib.Hindawi96241536 #META# Tags: literature #META# ID: 96241536 #META# Title: نوادر حافظ نجيب #META# AuthorID: 14826058 #META# Author: جورج طنوس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم الكتاب‏ # الفاتحة‏ # تمهيد‏ # بعد السجن‏ # نابغة المحتالين‏ # كيف غدا حافظ من ذوي الأملاك‏ # حافظ والحسناء‏ # في قهوة الرقص‏ # حافظ في القهوة المصرية‏ # حيلة في مصرف مالي كبير‏ # فشل حافظ‏ # في أديرة الأقباط الأرثوذكس‏ # من نوادر حافظ نجيب‏ # تقديم الكتاب‏ # الفاتحة‏ # تمهيد‏ # بعد السجن‏ # نابغة المحتالين‏ # كيف غدا حافظ من ذوي الأملاك‏ # حافظ والحسناء‏ # في قهوة الرقص‏ # حافظ في القهوة المصرية‏ # حيلة في مصرف مالي كبير‏ # فشل حافظ‏ # في أديرة الأقباط الأرثوذكس‏ # من نوادر حافظ نجيب‏ # | نوادر حافظ نجيب # | نوادر حافظ نجيب # تأليف # جورج طنوس # فكرة الإنسان تجعله # صورة أبقى من الأثر # فافتكر في الخير تفعله # فحياة الناس «بالخبر» # جورج طنوس # مؤلف الكتاب # | تقديم الكتاب # إلى حضرة الصديق الفاضل المهذب فوزي أفندي ناشد حنا عمدة أشروبه، ونجل ~~سعادة السري الوجيه ناشد بك حنا عضو الجمعية العمومية عن مديرية ~~المنيا. # أيها الصديق # هذا - أعزك الله - كتاب يشتمل على نوادر محتال شهير، أوتي ذكاء نادرا ~~فاستخدمه في نصب الشراك لإخوانه من بني الإنسان، فرأيت أن أرفعه تقدمة ~~إليك ليظهر الفرق العظيم بين الشاب الذي يستخدم ذكاءه في توطيد دعائم ~~الأمن العام ونفع المجتمع الإنساني مثلك، وبين الشاب الذي على شاكلة ~~حافظ نجيب الذي لا يلذ له إلا أن يمتاز على الأنداد بما ينصبه من فخاخ ~~الخداع وأشراك الاحتيال، والضد يظهر حسنه الضد. # بل أقدمه إليك ليعلم القارئون أجمعون أن الذكاء مطية الأفاضل كما هو مطية ~~الأشرار؛ فقد أظهرت مع حداثة عهدك بخدمة الهيئة الاجتماعية في منصب ~~العمدية الذي قلدته عن عدل واستحقاق ذكاء نادرا في حفظ الأمن ~~العام في البلد الذي انتخبك أهلوه رئيسا له، حتى غدوا لسانا ناطقا ~~بشكرك والثناء عليك. # فلا زلت عاملا أمينا لشعبك وحكومتك، وقرة لعين أبيك، وفخرا لآلك، ~~وزهرة ناضرة بين محبيك. # جورج # خط نجيب هواري. # | الفاتحة # الحمد لله وكفى. # أما بعد؛ ما ظهر كتاب نابغة المحتالين أو حافظ نجيب حتى تهافت عليه القارئون ~~ونفدت نسخه في أيام وجيزة؛ إذ راج رواجا نادرا لم يرو عن كتاب ms01 عربي قبل ~~الآن، وليس ذلك لأن موضوع الكتاب علمي أو فلسفي، بل لأن المصريين شاقهم كثيرا ~~الاطلاع على حيل واحد منهم نبغ في الاحتيال؛ إذ إن ظهور مثل المحتال الكبير ~~«حافظ نجيب» بين أظهرنا مما يدعو إلى العجب الشديد، وما ذلك إلا لأن سكان هذا ~~الوادي الجميل لم يألفوا جر المغنم من باب الاحتيال، ولم يعمل منهم على جمع ~~المال من طرق محرمة في عرف الله والناس إلا نفر قليل جدا لا يذكر في جانب ~~مجموع الساكنين. # هذا هو السبب الذي دفع الناس إلى التهافت على كتاب نابغة المحتالين لا سواه، وهو ~~من دواعي الشرف للمصريين؛ لأنه يثبت أن المحتالين بينهم قليلون، ولذلك يأخذهم ~~العجب من كل جانب إذا هم سمعوا بمصري جنح إلى الاحتيال ونبغ فيه، تلك سنة الله ~~في هذا الشعب الكريم الخلال، الشريف العواطف، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. ~~••• # ولقد كان الأكثرون ينتظرون مني أن أورد لهم في ذلك الكتاب كل ما أعلم من حكايات ~~حافظ نجيب الغريبة وحيله المدهشة العجيبة، ولكن رأيت أن أنشر للقارئين قبل ذلك ~~كله تلك الرواية التي خطها بقلمه وهو في سجن الحضرة ليعلموا منها أن الإنسان لا ~~يخلق ميالا إلى الشر، ولكن هي الظروف تجعل الحمل ذئبا خاطفا، والملك ~~الكريم شيطانا رجيما. # فإذا ما رأيت سارقا قيد إلى السجن مكبلا بالأغلال، أو قاتلا انتزع روح أخيه من ~~بين جنبيه، لا تبسط يديك لاستنزال اللعنات عليه، بل اطلب له من الله الرحمة، ~~وللذين سهلوا له سبيل الجرم الغفران. # أقول هذا لأنني أعتقد أن الشرير إذا لقي من يردعه عن غيه، ويعمل على إصلاح ما ~~اعوج من أخلاقه، رجع عن الشر وارعوى، وكذلك قل عن الشاب الصالح، فهو إذا ~~عاشر الأشرار ومازج الماكرين الخادعين ساء مصيره، وما مصيره إلا إلى التعس ~~والهوان. # جورج طنوس # | تمهيد # ما سقط حافظ نجيب في أيدي رجال البوليس وسيق إلى ظلمة السجن، حتى عرف أن كل امرئ ~~معاقب على ما جنته يداه فاسودت الدنيا في عينيه، وندم على ms02 ما أتاه من الاحتيال ~~والخداع مع حضرة الكاتبة الفاضلة البرنسس ألكسندره آفرينو، ولكن لات ساعة ~~مندم. # ولقد عرف القارئون أن رجل البوليس السري قبض على حافظ نجيب بينما كان راكبا ~~دوكارا وسائرا به قبيل الغروب في شارع وجه البركة حيث يزدحم طلاب الغرام ~~الفاسد وعشاق الليالي. # ومنه سيق إلى سجن الإسكندرية بعد أن أجرى رجال البوليس هنا التحقيق الابتدائي معه ~~وحوكم أمام محكمتها الأهلية، وكان في كرسي النيابة يوم محاكمته سعادة القانوني ~~محمد بك محفوظ رئيس نيابتها سابقا والمستشار الآن في محكمة الاستئناف. # وقد روت صحف الثغر الإسكندري أثناء محاكمته حكاية مدهشة مؤداها أن المحامي الذي ~~ندبته المحكمة للدفاع عن حافظ مجانا قال في يوم الجلسة إنه متنازل عن الدفاع ~~عنه؛ لأنه احتال عليه فأخذ منه أربعة جنيهات بدلا من أن يعطيه ما يشجعه على ~~الإجادة في دفاعه، ولذلك هو يخشى أن يسلبه ساعته وكل ما يملك إذا ترافع في ~~دعواه، فأغرب الحاضرون في الضحك وكانوا كثيرين! # وقال توفيق أفندي فرغلي إنه خشي الدنو منه يوم المحاكمة مخافة أن يسلبه قلمه، وهو ~~كل ما يملك في هذه الدنيا. # وقال طانيوس أفندي عبده: ما ذكر حافظ نجيب أمامي يوما حتى تمثل لي في الحال ~~روكامبول. # وروكامبول هذا كان آية المحتالين في زمانه، وله رواية مؤلفة من 17 جزءا، وهي ~~أشهر من أن تذكر. # ولما تنازل المحامي المشار إليه عن الدفاع عنه، قال حافظ إنه سيدافع عن نفسه ~~بنفسه، وإنه في غنى عن جميع المحامين، فأظهر في مرافعته اقتدارا غريبا حتى ~~أعجب به البعض وبكى الآخرون. # ومما يروى عن محاكمته أنه جيء بشاهد إثبات كان قبل القبض على حافظ نجيب محسوبا ~~عليه، فشهد شهادة تثبت الجرم على حافظ، وعند ذاك التفت رئيس المحكمة إليه وقال: ~~«وما قولك الآن في شهادة هذا الرجل الذي طالما غمرته بإنعامك؟» # فأجابه حافظ لساعته: لقد كنت إلى ما قبل اليوم ماديا لا أعرف ما هي الأديان ولا ~~أعترف بالأنبياء الأطهار، أما الآن فقد عرفت أن نبينا محمدا ms03 نبي كريم إذ قال: ~~«أبت النفس الخبيثة أن تخرج من جسم صاحبها قبل أن تسيء إلى من ~~أحسن إليها.» # وقد جاء هذا الحديث الشريف مصداقا لما ورد عن ذلك الشاهد، فدهش القضاة والسامعون ~~من قوة عارضته وسرعة بديهته. # غير أن ذلك الذكاء لم ينقذ حافظا من السجن، فحكم عليه بالنزول فيه عامين كاملين، ~~فرضخ راغما لأحكام القضاء وسيق إلى سجن الحضرة لقضاء تينك السنتين. # وما شعر بغيابة السجن، وما لحق به من الهون بعد ذلك الحكم حتى كتب إلي كتابا ~~مطولا يندب فيه سوء حظه، وكأنه عز عليه أن يعترف بخطئه الذي أثبته القضاء، ~~فقال: «وإنني - وحرمة الحق - بريء من كل ما عزي إلي من النصب أو التبديد، ~~ولكن هي الظروف صورتني للقضاء مبددا محتالا.» ~~«هو الحب أنزلني منزل الشقاء، وكم لهذا الحب من ضحايا!» ~~••• # ولاح لي من كتبه العديدة التي أرسلها إلي من سجن الحضرة أن السجن لم يؤثر عليه ~~كثيرا إلا في الأيام الأولى فقط، ثم تعود على سكناه بعد ذلك فأخذ يمرح فيه ~~كأنه في قصر مشيد تحيط به الحدائق الغناء. # ومن نوادره في سجن الحضرة أنه كان يضع الخبز في إناء الماء الخاص به، حتى إذا ~~اهترأ صنع منه جوزة أو شيشة وأهداها إلى المغرمين من ساكني السجن بشرب التنباك ~~أو الحشيش. # ولا ريب في أنه لم يكن يقصد من عمل هذه الأركيلة إلا أن يظهر للمسجونين أنه على ~~جانب عظيم من الدهاء حتى ينال شهرة ذائعة بينهم، وهذه الشهرة هي الضالة الوحيدة ~~التي ينشدها في هذه الحياة مهما عرض له في سبيلها من المصائب والعثرات. # ومن نوادره أيضا حصوله على ورق أميري من أوراق السجن وإرساله الخطابات العديدة ~~منه بطريق البريد، وتأليفه الرواية التي نشرها في كتاب نابغة المحتالين مع أن ~~نظام السجن يمنع المسجونين من الكتابة على الإطلاق. # ومن حكاياته وهو سجين أيضا أن أحد المسجونين شكا إليه سوء معاملة أحد موظفي ~~السجن لامرأته التي تعودت على أن تزوره كل أسبوع، فسأله ما إذا ms04 كانت زوجته هذه ~~حسناء، فأجابه: نعم. فقال له إن الانتقام سهل المنال إذا فعلت ما أشير به عليك. ~~قال السجين: وما هو؟ فشرح له حافظ وسيلة الانتقام قائلا: نبه على زوجتك ~~عندما تأتي لمقابلتك أن تحضر في الأسبوع المقبل وهي على أتم ما يكون من البهرجة ~~والرواء، حتى إذا ما قابلها ذلك الموظف أظهرت له الميل، ثم ماست أمامه بقدها ~~المعتدل حتى يقع في شرك هواها، وعند ذاك تتفق وإياه على أن يزورها في المنزل ~~في ساعة معلومة من يوم محدود، وأن يحضر معه ما يلزم من المشروبات الروحية ~~والمأكولات الشهية، وبعد ذلك تقدم بلاغا إلى مأمور القسم مؤداه أن موظف السجن ~~المشار إليه راودها عن نفسها في كل مرة ذهبت فيها لمقابلة زوجها، فكانت تردعه ~~بالتي هي أحسن فلم تفلح، وأخيرا أخذ يتردد على منزلها وهي تبعده عنها بكل ~~الوسائل حتى غدت غير آمنة على حياتها وعرضها؛ ولذلك ترجو تعيين من يلزم من ~~رجال البوليس لمراقبة المنزل وذلك العاشق الثقيل، حتى إذا ما جاء إليها مهددا ~~ألقي القبض عليه وأرسل إلى المخفر للتحقيق معه ومحاكمته. # ولا أدري إذا كان ذلك السجين قد طاوعته نفسه على إنفاذ هذا الانتقام في ذلك ~~الموظف، أم ردعه ضميره عنه. # وله عدة نوادر غريبة وحكايات عجيبة غير ما تقدم، ولكنها ضاعت من الذاكرة فأكتفي ~~بهذا الآن. # | بعد السجن # | كيف جعل نفسه ابن أخي أفلاطون باشا # حافظ يحتال على يوناني في اليوم الأول لخروجه من السجن - اجتماعه بأبيه - اشتغاله بفن الكهرباء. ~~*** # أرسل حافظ إلى أحد عارفيه في العاصمة كتابا قبل خروجه من سجنه ببضعة أيام سأله ~~فيه أن يبعث إليه بريال واحد وبنطلون؛ ليتسنى له القدوم إلى القاهرة عند خروجه ~~من السجن، فلم يخيب ذلك الرجل طلبه؛ لأنه وأكثر عارفي حافظ كانوا إلى ما قبل ~~اشتهاره بالنصب والاحتيال يعتقدون أنه بعيد عن الدنايا والنصب، وأنه على سعة من ~~العيش وذو عقارات تغنيه عن ارتكاب المحرمات؛ لأنه كان يدعي ذلك دائما، ولا ~~يعلم الصحيح إلا الله. ms05 # خرج حافظ من السجن فارتدى بذلك البنطلون، ولا أدري من أين جاء بالجاكته والصديري ~~والقميص والحذاء وغير ذلك؟ ثم ركب القطار حال خروجه عائدا إلى عاصمة ~~القطر. # ولما وصل إلى العاصمة نزل في فندق البوستة الكائن بشارع وجه البركة أمام «رويال ~~أوتيل»، ولعل سوء حظ صاحب هذا الفندق هو الذي بعث به إليه. # ولا ريب أن جيب حافظ كان أفرغ من جوف أم موسى؛ لأنه لم يستطع أن ينال مالا داخل ~~السجن، ولعل ذلك لأن المسجونين ممنوع عليهم أن يدخلوا السجن ومعهم نقود؛ وإلا ~~لما عجز عن الاحتيال على أحدهم، فلما نزل في فندق البوستة فكر في رجل ينصب له ~~شركا، فلم يجد أقرب إليه من صاحب الفندق نفسه، فوضع له فخا سرعان ما وقع ~~فيه. # وبيان ذلك أن حافظا ادعى عندما دخل الفندق أنه ابن المرحوم نجيب باشا - ولا ~~أدري إذا كان يوجد في مصر باشا بهذا الاسم - وأن عمه المرحوم أفلاطون باشا، وأن ~~عمته مقيمة في سراية بشبرا وأنه وريثها الوحيد، فلما اعتقد صاحب الفندق ذلك ~~أكرمه وبالغ في العناية به لا سيما وأن حافظا عندما حل في الفندق طلب أحسن غرفة ~~فيه، فلم ترق له غير غرفة فيها سريران فاتخذها لنفسه راضيا عن دفع أجرة ~~سريرين بدلا من سرير حبا في راحته؛ لأنه لم يتعود إلا على الترف والدلال. # ولما شعر صاحبنا حافظ «أن السمك قد أكل الطعم»؛ أي إن صاحب الفندق اغتر به، ناداه ~~وقال له إنه لم يدخل الفندق إلا لأن عمته وهي شقيقة المرحوم أفلاطون باشا طريحة ~~الفراش، وقد حضر من الإسكندرية لزيارتها خاصة، ولأخذ مبلغ كبير منها تعودت على ~~أن تعطيه إليه سنويا في مثل هذا الشهر، فلما رآها مريضة لم يشأ أن ينام عندها ~~واختار الإقامة في الفندق، ثم دعا صاحبه إلى مصاحبته لزيارة عمته المشار إليها، ~~فلبى الرجل دعوته عن رضى وارتياح. # وللحال أمر حافظ أحد الخادمين أن يحضر عربة تكون عجلاتها من ذات المطاط ~~(كاوتشو)، وركبها وصاحب الفندق قاصدا إلى ms06 شبرا . # وفي ذلك الشارع الكبير المزدان بالقصور العظيمة التي يسكنها عدد من عظماء مصر، ~~أوقف العربة أمام باب قصر منها ودخل بالرجل اليوناني إليه. # فلما وصلا إلى المندرة حيث يستقبل الضيوف جلس وإياه برهة شربا في خلالها ~~القهوة. # وقد سأل حافظ الخادم أمام صاحب الفندق عما إذا كانت عمته لا تزال مريضة، فأجابه ~~بالإيجاب، فقال لصاحب الفندق لا سبيل لنا إذن لمقابلتها اليوم، فلنعد إليها ~~غدا أو بعد، حيث تكون قد نالت الشفاء أو تماثلت إليه. # ولما ركبا العربة دارت بينه وبين صاحب الفندق المحاورة الآتية: # حافظ ~~: # أرجوك أن تعطيني الآن جنيها لأدفع للحوذي أجرته؛ لأن النقود ~~التي جئت بها قد أنفقتها اعتمادا على ما سآخذه من ~~عمتي. # الرومي ~~: # أمرك يا بك ~~(وللحال أخرج من جيبه ~~جنيها وأعطاه إلى حافظ بكل احترام). # حافظ ~~: # إني سأرده إليك غدا إذا تمكنت من الاجتماع بعمتي، وإلا فلا مناص ~~لي من أن أقترض منك مبلغا من المال إلى أن يمن الله عليها ~~بالشفاء العاجل. # الرومي ~~: # يجب أن تتأكد يا سعادة البك أنني دائما طوع أمرك. ~~(ولعله قال ذلك عن طمع منه بالربا الذي يتقاضاه ~~اليونانيون من أبناء الذوات، ولكن ما كل ذي ورم بذي ~~سمن.) # وفي اليوم الثاني خرج حافظ من الفندق وأمضى النهار متنزها هنا وهناك، وعندما خيم ~~الغسق عاد إليه وقال لصاحبه إن عمته لم تزل مريضة، وإنه ليس في وسعه الحصول على ~~النقود إلا بعد أسبوع من الزمان، ولذلك هو يرجوه أن يقرضه خمسين أو ستين ~~جنيها، فأثر بكلامه على الرجل؛ لأنه أحضر إليه المبلغ في الحال، فكتب له حافظ ~~به كمبيالة يدفعها إليه عند الطلب. # وفي اليوم التالي شاهدته في الطريق فحياني وشكرني على ما نشرته له من المقالات ~~والقصائد التي بعث بها إلي من سجن الحضرة، فقلت له أن لا موجب لهذا الشكر؛ ~~لأنني أعتقد أن ما أتاه هفوة منه لا يبعد عليه أن يصلحها وهو لم يزل في سن ~~الشباب، فأخذ يقسم لي بأغلظ الأيمان أن كل ما ms07 روته الجرائد عنه محض اختلاق، وأن ~~مسألة سجنه سر من الأسرار، فلم أطل معه الكلام في هذا الصدد، بل سألته ما ~~إذا كان زار أباه وإخوته، فقال: لا، وما ذلك إلا لأني خجل من مقابلة أبي، ~~فقلت له: أنا الكفيل لك برضاه إذا وافقتني وذهبت معي لزيارته، فرضي. # وعند ذاك ركبنا عربة وقفت بنا عند منزل أبيه، وهو حضرة الفاضل أحمد أفندي نجيب في ~~جزيرة بدران في شبرا، فلما اجتمع الوالد بالولد أظهر الأب لابنه استياءه الشديد ~~مما حصل له، ووبخه توبيخا صارما، فقال له حافظ: «كم في الحبس من مظاليم!» ومع ~~ذلك فالمثل يقول: ما فات مات، فانظر لما هو آت. # وبعد حديث غير طويل صفح أبوه عنه، واتفق وإياه على أن يدير حركة المحل الذي ~~افتتحه حديثا إذ ذاك لتركيب المصابيح والأجراس الكهربائية بأول شارع الدواوين ~~تحت عنوان - شركة الكهربائية الحقيقية - فوعد حافظ أن يستلم زمام العمل من غد، ~~ثم خرج مع أبيه حيث تنزها في المساء معا. # وهنا لا بأس من إيراد كلمة موجزة عن الفاضل أحمد أفندي نجيب؛ ليرى القراء الكرام ~~أن الصالح ينبت الطالح في بعض الأحايين، كما ينبت النرجس من البصل ~~أحيانا. # عرفت أحمد أفندي نجيب، وهو مأمور لمركز المنصورة منذ ثماني سنوات تقريبا في ~~اليوم الذي حدثت له تلك الحادثة المشهورة مع بعض وكلاء الصحف، فرأيت الرجل مثال ~~الأمانة والاستقامة، اشتهر بين الناس أجمعين بالتقى والعبادة والنزاهة، حتى إنه ~~أفرط في المحافظة على روح القانون إفراطا غريبا، فلم يكن يفرق بين شخص وآخر؛ ~~إذ كل الناس لديه سواء. # وهو ذو همة علياء؛ فقد طارد كبار اللصوص في الفيوم مطاردة ألقت الرعب في قلوبهم، ~~وشهد له المستشار السابق وجميع كبار نظارة الداخلية بالإقدام الغريب والنزاهة ~~التامة. # ومما يروى عنه أنه ضبط قاتلا فحكم عليه بالإعدام، ولكنه مع ثقته بعدل القضاء كان ~~يخشى كثيرا أن يكون رجلا مظلوما، فاتفق مع حارسيه في سجنه على أن يسألوه ~~عند منتصف الليل تماما من يوم معلوم عما حمله ms08 على إنكار الجريمة، حيث يكون هو ~~واقفا بالباب مصغيا لما يجيب به فصدعوا بأمره، وعندما سألوا القاتل ذلك ~~السؤال أجابهم: «وهل يجوز الاعتراف في مثل هذه الأحوال؟» # فعند ذاك استراح ضميره الحي، وأيقن أن الرجل قاتل أثيم يستحق القتل، ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب. # وهو الآن مأمور الأوقاف في الفيوم، وشهرته ذائعة بالاستقامة والفضل، فما قول ~~القارئ الكريم في هذا التباين العجيب بين الوالد والولد. ~~••• # عرف القارئ أن حافظا استلم إدارة محل الكهرباء لمساعدة أبيه، فمضت أيام لم أره ~~فيها، ولكني علمت أن صاحب فندق البوستة يفتش عليه؛ لأنه علم بأن حافظا ليس ابن أخي ~~أفلاطون باشا كما ادعى «صح النوم»، وأنه احتال عليه. # وقد صادف أني شاهدت الرجل بنفسي وسألته جلية الخبر فقصه علي مفصلا، ثم سألني ~~إذا كنت أشتري مبلغ الستين جنيها التي له على حافظ بخمسة جنيهات، ويحول لي ~~الكمبيالة، فأبيت طبعا. # ثم لم تمر أيام قليلة حتى هجر حافظ محل أبيه، ولا حاجة بي إلى ذكر السبب؛ لأنه لا ~~يجوز للكاتب أن يدخل بين الوالد والولد. # وهكذا ذهب أمل أبيه سدى كما ذهبت أموال وأحلام صاحب فندق البوستة أدراج ~~الرياح. # | نابغة المحتالين # يحتال على الأغنياء الجاهلين # من طريق الرتب والنياشين # حافظ يمثل مندوبا عثمانيا ساميا - وقوع غني من أهل الريف في شراكه - إنعامه ~~عليه برتبة الميرميران - إنعامه على ريفي آخر بالتبة الثانية. ~~*** # ضاقت سبل العيش في وجه حافظ بعد خروجه من السجن؛ لأنه كان كلما طرق بابا للعمل ~~سد في وجهه؛ إذ غدا الناس يخشونه بعد ما ذاع عنه وشاع في حادث احتياله على ~~حضرة الكاتبة الفاضلة صاحبة مجلة «أنيس الجليس» الغراء. # عند ذاك لم يجد بدا من العمل بقول الشاعر: # وإذا حالك ساءت # فليكن عندك حيلة # ومن البديهي أن أرباب البطالة الذين لا عمل لهم إلا الاحتيال على الناس تجمع ~~بينهم وحدة الحال، ولهذا ما عتم حافظ أن تعرف على بضعة منهم فانضموا تحت لوائه ~~بلا تعب ولا عناء. # ولما غدا حافظ مثل ms09 «أرسين لوبين» نابغة المحتالين الفرنسويين، ذا عزوة ورجال ~~يشدون أزره ويأتمرون بأمره ويسيرون طبق رغباته، أخذ في تدبير المكايد التي يصيد ~~بها الأغنياء الجاهلين، ولقد فشا في تلك الأيام مرض عضال هو مرض الرتب ~~والنياشين الذي أصيب به عدد جم من سراة مصر المعروفين بكل أسف عند السواد ~~الأعظم بالوجاهة والنبل والمجد والفضل، فرأى حافظ أن يغتنم الفرصة - واللبيب من ~~انتهزها - لإيقاع بعض المصابين بداء «السعادة والعزة» في فخاخه التي لا يحصى ~~لها عدد. # ولما صحت عزيمته على ذلك جمع أفراد عصابته في قهوة بشارع جامع البنات أمام محل ~~عياش وطنبة، وهي قهوة تعود التخلف إليها منذ أربعة عشر عاما على ما ~~علمت من صاحبها. # جمع رجاله وجلس بينهم جلوس الزعيم، ثم أخذ يكلمهم بلهجة الخطباء المبدعين قائلا ~~ما معناه: # أيها الإخوان # إنكم تعلمون - ولا ريب - أن صروف الأيام ونوائب الحدثان أنزلتنا منازل ~~الفقر والهوان، وتركتنا بلا مال نقضي به الأغراض، أو منصب يدفع عنا شر ~~العوز والشقاء. # غير أن الرجل الذكي القدير يهزأ بالزمن إذا عبس في وجهه ويتغلب على ~~الأيام وإن قلبت له ظهر المجن؛ لأن العقل الرجيح يعرف كيف ينتقم من ~~القضاء بالضحك على صغار العقول والأحلام. # وإننا، ونحن على ما تعلمون من الحاجة إلى المال، لا نجد بدا من ركوب ~~المركب الخشن، ولو كان أسنة وسهاما، حتى لا نعيش كالحيوانات الساقطة ~~تحت إمرة سوانا، وعرضة لكل مذلة وهوان. # ولقد خدمتني الصدف اليوم خدمة جلى؛ إذ مكنتني عندما كنت في «أوبرا بار» ~~هذا الصباح من معرفة غني كبير من أغنياء الصعيد جاء إلى العاصمة ليشتري ~~له رتبة الميرميران حتى يلقب في بلدته وبين عشيرته بسعادتلو أفندم. # ولقد لاح لي من حديث الرجل أنه على غاية ما يكون من الجهل، وأن الذين ~~التفوا حوله ليس في وسعهم أن يخففوا عنه ثقل جيبه. # لهذا رأيت أن أعهد إلى أحدكم التحكك به بعد أن أدله عليه، حتى إذا ما ~~تمكن من محادثته أخبره بأنه مطلع على ما يطلب، عارف بأنه ms10 إنما جاء ~~إلى مصر ليكون باشا، ثم يوهمه بعد ذلك أن جلالة السلطان عبد الحميد قد ~~أوفد إلى مصر مندوبا ساميا يحمل عدة رتب من الميرميران وسواها، وأنه ~~في وسعه أن يحصل له على واحدة منها، فأمن الجميع على كلامه كما كان ~~يؤمن رجال روكامبول على كل ما كان يشير به. # وللحال تفرق أفراد العصابة بعد أن وضع حافظ لكل منهم خطة عمله، ولم يبق معه إلا ~~الذي اصطفاه من بينهم للتغرير بذلك الوجيه المغفل. # وفي اليوم الثاني أخذه إلى «أوبرا بار»؛ لأن ذلك الغني تعود على التردد إليه كل ~~صباح، فلما وصل أشار إليه حافظ، حتى إذا ما وثق من أن تلميذه قد عرفه غادر البار ~~ومن فيه. ~~••• # جلس تلميذ حافظ إلى طاولة مجاورة للطاولة التي جلس عندها الغني المشار إليه، وأخذ ~~يترقب فرصة لمحادثته، حتى إذا ما تركه الذين كانوا معه شاهد على الطاولة جريدة ~~تركها أحدهم، فتقدم منه وقال له: أتأذن لي سعادتك بقراءة هذه الجريدة؟ فأجابه ~~الغني: تفضل يا بك. # وبعد هنيهة دارت بين الاثنين المحادثة الآتية، وقد رأيت أن أرمز إلى تلميذ حافظ ~~ورسوله بحرف «ت»، وإلى الغني بحرف «غ» دفعا لتكرار الأسماء. # غ ~~: # قل لي رأيت إيه في الغازيتة؟ ~~(ويعني ~~بها الجريدة طبعا.) # ت ~~: # لم أجد فيها شيئا؛ لأنني بحثت بين أخبارها عن المحل الذي اختاره ~~دولة المندوب العثماني الأسمى الذي قدم إلينا من أيام، فلم ~~أوفق إلى ذلك. # غ ~~: # مندوب عثماني يعني إيه؟ مش هو مختار باشا اللي بقى له هنا سنين ~~وأعوام؟ # ت ~~: # لا لا. سعادتك غلطان. إن المندوب السامي الذي أشير إليه هو غير ~~مختار باشا؛ لأنه لم يحضر إلى بلادنا إلا منذ ثلاثة أيام فقط ~~لمسائل مهمة ندبه جلالة مولانا السلطان لقضائها في مصر. # غ ~~: # يعني يمكنك تقول لي الشغلانات المهمة دي إيه؟ سلامات، أيوه ~~سلامات، الحمد لله على السلامة، ما تتفضل تقعد هنا حداي. # ت ~~: # تشرفنا يا سعادة، ~~(وسرعان «ما التصق ~~بسعادة المغفل»، ثم مال عليه كمن يريد أن ms11 يودعه ~~سرا هائلا، وقال له): # هل إذا بحت لك بالمهمة ~~التي جاء ذلك المندوب السامي لقضائها، تعدني بكتمانها عن كل ~~إنسان؟ # غ ~~: # أيوه، وعلي الحرام بالثلاثة. # ت ~~: # حسنا، فاسمع وع جيدا ما أقول: لقد بلغ جلالة مولانا السلطان ~~عبد الحميد خان خاقان البحرين وسلطان البرين أن المصريين من ~~أشد الناس إخلاصا للدولة العلية والخلافة العثمانية، وأن ~~كثيرين منهم قد تبرعوا لسكة حديد الحجاز بمبالغ طائلة دلت على ~~ما في قلوبهم من الغيرة الشديدة على الدين الحنيف. # لهذا رأت جلالته أن ترسل ذلك المندوب السامي المعظم لتسليم من ~~يستحق من أغنياء المصريين براءات الرتب والنياشين التي جاء بها ~~ليعلموا هم أيضا أن جلالة السلطان عارف بإخلاصهم، وقادر على ~~مكافأتهم. # غ ~~: # وكيف يكون الحصول على رتبة الباشوية؟ # ت ~~: # تريد أن تقول رتبة الميرميران التي تعطي حاملها لقب باشا مع ~~سعادتلو أفندم حضرتلري؟ # غ ~~: # أيوه، سباعتلو أفندم، أهي دي يا بوي. # ت ~~: # للوصول إلى نيل هذه الرتبة الرفيعة الشأن طريقان؛ أولهما أن ~~يتبرع الإنسان بمبلغ عظيم من المال لمشروع سكة حديد الحجاز، ~~والثاني أن يشهد قوم من الذين يثق بهم دولة المندوب الأعظم أن ~~فلانا هذا الطالب الإنعام عليه، من الأغنياء المحسنين الذين ~~يتعهدون بالتبرع لمشروع سكة حديد الحجاز بطائل الأموال. # غ ~~: # سلامات. تفضل سجارة، أجيب لك إيه؟ اشرب حاجة بنص فرنك! # ت ~~: # مرسي يا بك لقد شربت الآن قهوة، ما قولك بمن يسعى لسعادتك لدى ~~هذا المندوب الأعظم برتبة الباشوية؟ # غ ~~: # يبقى جدع وأشوف كيفه. # ت ~~: # وبالطبع يجب أن تقدم لدولة المندوب حال الإنعام عليك مبلغا يذكر ~~تبرعا منك للسكة الحجازية. # غ ~~: # هي دي فيها كلام. # ت ~~: # إذن فأنا أرجو سعادتك أن تسمح لي الآن بالانصراف حتى أقف على ~~المحل الذي نزل فيه ذلك المندوب الأسمى ثم أعود إليك في الساعة ~~الرابعة من بعد الظهر تماما. # وإنني لأرجوك ألا تبوح بكلمة واحدة مما قلته الآن لك لأحد ما، ~~ولو كان ابنك أو أباك، وإلا فسد الأمر، خصوصا وأنك قد حلفت ~~بالحرام. # غ ms12 ~~: # ما يكون لك فكر، مع السلامة، أنا بانتظار حضرتك. ~~(ثم صافحا بعضهما، وابتعد تلميذ حافظ مسرعا ~~إليه.) # اجتمع نابغة المحتالين برسوله، فأوقفه هذا الأخير على كل ما جرى بينه وبين ذلك ~~الغني من الحديث، فسر حافظ من نباهته كثيرا وأثنى على ذكائه ثناء جميلا، ~~ثم أخذه وذهب به إلى فندق شبرد المعروف، واستأجر هناك ثلاث غرف محاذية لبعضها ~~بعضا، وأوقف تلميذه على ما يجب أن يفعله بعد أن أوصاه بالانتباه ~~والحذر. # ومن ثم قصد إلى أعوانه وأمرهم بالحضور إليه في الفندق عند الساعة الثالثة تماما ~~ليكونوا على استعداد لمقابلة ذلك الوجيه الريفي. # أما هو فذهب إلى أحد باعة الملابس حيث اشترى «بدلة» سوداء عثمانية، ثم قصد إلى ~~أحد حلاقي الأوبرا الخديوية فاشترى منه لحية وشاربا مستعارين، حتى إذا ما ~~وضعهما ظهر لناظره أنه من عظماء الأتراك. # فعل ذلك كله وحضر إلى الفندق قبيل الساعة الثالثة، وللحال قدم تلاميذه فلما ~~شاهدوه بالبدلة السوداء واللحية والشارب المستعارين أنكروه، فضحك كثيرا وسر ~~من إحكام تنكره أكثر. # وعند الساعة الرابعة وبضع دقائق وصل تلميذه الأكبر يقود «ضحيته» إلى فندق شبرد، ~~فاستأذن الذين على الباب بمقابلة دولة المندوب الأعظم، فأذنوا له بالدخول ~~عليه. # وعند ذلك خلع الغني الريفي بلغته قبل أن يدخل جريا على العادة المتبعة عندهم، ثم ~~دخل فخر حتى قدميه ولثم يد دولة المندوب العظيم الشأن، وجرت بعد هذا ~~المحاورة الآتية، وقد رأيت أن أرمز إلى حافظ بحرف الحاء، مع بقاء «الغين» للغني ~~و«التاء» لتلميذ نابغة المحتالين، فقال هذا الأخير بعد تبادل أقوال التحيات ~~والتهنئة بسلامة القدوم: # ت ~~: # إن الذي نريد عرضه على مسامع دولتكم هو أن هذا الوجيه من أكبر ~~أغنياء الوجه القبلي ومن المشهورين بالأعمال الخيرية والمبرات ~~المشكورة. # ح ~~: # شيء جميل. # ت ~~: # ومن أهم ما عرف فيه إخلاصه الشديد لجلالة مولانا السلطان الأعظم، ~~وغيرته العظمى على الدولة ومشروعاتها، ولا سيما مشروع السكة ~~الحديدية الحجازية. # ولهذا ما علم بوجود دولتكم في هذه الديار، حتى أسرع لتقديم واجب ~~التهنئة والإخلاص، وعرض عبوديته لمولانا ms13 السلطان الأعظم على يد ~~دولتكم. # غ ~~: # أيوه، الأفندي بيقول الحق، ربنا يطول عمر مولانا السلطان. سلامات. # ت ~~: # ونظرا لعلمي بالمأمورية التي ندبكم جلالة السلطان لقضائها في ~~مصر، أعرض على دولتكم بأن هذا الوجيه من الذين يستحقون التشرف ~~بالرتب العالية والوسامات السامية؛ نظرا لإخلاصه وصدق ~~عبوديته. # ح ~~: # حسنا. ~~(ثم التفت إلى الوجيه الريفي وقال): أنت تعلم أن رتبة ~~ميرميران عالية تشرف حاملها وتمنحه لقب باشا، فإذا ما سلمتك ~~براءة واحدة منها وجب عليك أن تكون مثال الاستقامة والشرف ~~والصدق بين الناس. # غ ~~: # أنا كده برضه. # ح ~~: # وعليه، فأنا أقلدك من الآن سيف الباشوية العظيمة الشأن. ~~(ثم وقف وتناول سيفا كان موضوعا إلى ~~جانبه، وهو من سيوف مراسح التمثيل المزركشة بالحجارة ~~العاطلة التي تصنع من الزجاج ليكون ذا رونق وهاج، ~~وبعد أن لثمه منطقه به وقال): # أهنئ سعادتكم ~~برتبة الباشوية العظيمة الشأن ~~(فتبسم الرجل من صميم فؤاده، ~~وكاد أن يغشى عليه من شدة الطرب، حتى لجم السرور لسانه وأجرى ~~دمعة من عينه فلم يسعه غير تقبيل يد دولة المندوب، ثم أشار دولته إليهما بالخروج، فخرجا ~~بعد أن لثما أنامله الشريفة). ~~(ولما وصلا إلى القاعة الثانية قال له: ما رأيك الآن؟ وأين هو المبلغ الذي ستتبرع ~~به لسكة الحجاز حتى يعطيك دولة المندوب البراءة؟ فأخرج الباشا الجديد من جيبه ~~كيسا من القماش داخله خمسمائة جنيه، وقال: هذا مبلغ كذا أتشرف بتقديمه لدولة ~~المندوب. فأشار عليه تلميذ حافظ أن يعطيه إليه بيده، فأدخله عليه ثانيا، وتقدم ~~«الباشا» ولثم يد المندوب ثانية، وقال له: أتشرف يا دولة الباشا أن أقدم لكم ~~خمسمائة جنيه لسكة الحجاز.) # ح ~~: # بورك في همتك يا باشا. وقد كنت أود أن أعطيك البراءة الآن ولكنها ~~موجودة داخل صندوق لم أفتحه بعد، فلهذا أرى من الأوفق أن تترك ~~سيف الباشاوية هنا، ثم تحضر غدا في مثل هذه الساعة لأخذه ~~والبراءة معا، وإني أهنئك سلفا. ~~(فأطاع الغني الأمر وأرجع السيف وكأن روحه خرجت عند ذلك، ثم ودع وعاد مع تلميذ ~~حافظ من حيث ms14 أتيا على أن يعودا معا غدا إلى فندق شبرد لاستلام البراءة ~~والسيف.) ~~(وفي غد انتظر الغني المغفل عودة تلميذ نابغة المحتالين، فكان حظه حظ الذين ~~انتظروا القارظ العنزي من قبل.) ~~(ولما طال أمد الانتظار عليه، ذهب بنفسه إلى فندق شبرد وسأل عن دولة المندوب ~~السامي فلم يجد من خدمة الفندق إلا السخرية والاستهزاء، فعجب للأمر كثيرا ~~وكان ندمه شديدا عندما علم أن الأمر حيلة جازت عليه.) # ومما يذكر من نوادر حافظ عن الرتب والنياشين أن أحد أغنياء الريف شكا إليه سوء ~~حظه في الرتب، وأنه سعى كثيرا للحصول على الرتبة الثانية فلم ينجح، فبعد أن ~~أطرق حافظ قليلا قال له: إن الغرض الذي ترمي إليه من الرتبة أن تلقب بعزتلو ~~بك؟ أجاب: نعم. فقال حافظ: إذن لا تهمك تلك الورقة التي تدعى بالبراءة؟ أجاب: ~~نعم، لا تهمني مطلقا لأنها ليست وساما يزين صدر الإنسان. # فقال له حافظ: إن البكوية سهلة المنال، وإذا شئت أمطرتك تلغرافات التهنئة بالرتبة ~~الثانية غدا، وهرع آل بلدك إلى رفع مراسيم التبريك إليك، ولكن على شريطة أن ~~تنقدني مائة جنيه مصري متى تم ذلك. # فأقسم له الوجيه على أن يعطيه هذا المبلغ إذا جعل الناس كلهم يعلمون أنه بك، وأنه ~~قد أنعم عليه بالرتبة الثانية، فسر حافظ بهذا القسم وخرج من عند ذلك ~~الوجيه على أن يعود إليه مساء غد. # وفي الصباح أسرع إلى إدارات بعض الجرائد اليومية ونشر فيها خبرا مأجورا مؤداه ~~أن قد ورد في صحف الأستانة العلية إنعام الجناب العالي بالرتبة الثانية على ~~صاحب العزة المفضال فلان بك من عيون المركز الفلاني، ثم أرسل عدة أعداد من ~~الجرائد التي نشرت هذا الخبر إلى بلد ذلك الوجيه ليكونوا على علم من ~~الأمر. # وقبل أن يجتمع حافظ بالبك الجديد كان كثيرون من عارفيه الذين شاهدوه بعد مطالعة ~~الصحف قد هنئوه وطلبوا له مزيد التعطفات السامية، فلما شاهد حافظا عانقه من ~~فرحه ومنحه المائة جنيه رزقا حلالا. # ولا تسل عن الاحتفال الباهر الذي قوبل به سعادة ms15 البك المشار إليه في بلدته عند ~~وصوله إليها، وهو لا ريب لا يزال يدعى «بك» إذا كان لم يزل حتى الآن على قيد ~~الحياة. # ومن هاتين النادرتين الصغيرتين يرى القارئون الكرام أن الذكي إذا صرف ذكاءه إلى ~~جر المال من أي طريق كان لم يعدم ذريعة ينال بها غرضه. # وأظن أن حضرة الفاضل كامل أفندي دياب مراسل المؤيد التجاري على علم من هذه ~~الحكاية الغريبة، ولكنه على ما أظن يرويها محرفة بعض التحريف الذي لا يخل ~~بجوهرها. # | كيف غدا حافظ من ذوي الأملاك # اشتغال حافظ بالسمسرة - بيعه منزلا لا يمتلكه. ~~*** # بين المهن التي زاولها حافظ أثناء جهاده في معترك هذه الحياة مهنة السمسرة، يوم ~~كان كل واحد من الناس سمسارا حتى غدا السماسرة أكثر عددا من الذين يبيعون ~~ويشترون. # وإن شابا كحافظ أوتي من زلاقة اللسان وقوة التعبير والتأثير ما أوتي، يمكن له ~~أن يكون وسيطا «سمسارا» من أهون سبيل. # وقد أوقعت الصدف بين يدي حافظ رجلا من ذوي الأملاك، أراد أن يرهن منزلا له في ~~أحد البنوك لقاء مبلغ ثلاثة آلاف جنيه، فأفهمه حافظ أن في وسعه إحضار هذا ~~المبلغ إليه بفائدة لا تزيد على الخمسة في المائة في خلال ستة عشر يوما، ثم ~~أخذ منه حجة المنزل ووصول الضرائب ليقدمها إلى البنك جريا على المعتاد. # عند ذاك فكر حافظ في طريقة تمكنه من بيع المنزل المذكور والاستيلاء على ثمنه، ~~فاستحضر إليه وسيطا لا يعلمه ولم يره من قبل، وقال إنه يريد بيع منزل له، ثم ~~اتفق وإياه على آخر ثمن للبيع وفوضه في إجرائه وقبض العربون. # ولقد رأى الوسيط الجديد أن الثمن الذي يطلبه حافظ قليل في جانب ما يساويه المنزل ~~من الثمن الحقيقي، فسرعان ما أوجد شاريا قبض منه مبلغ مائة جنيه عربونا ~~بمقتضى التوكيل الذي معه من حافظ نجيب الذي تسمى باسم صاحب المنزل الحق. وبعد ~~ذلك كشف طالب الشراء على المنزل في المحكمة المختلطة، فلما لم يجده مرهونا ولا ~~مباعا لأحد اشتراه بمبلغ أربعة آلاف ms16 جنيه، أخذها حافظ غنيمة باردة. # ولعل صاحب المنزل الحقيقي لا يزال حتى الساعة يبحث عن حافظ، كما يبحث عنه البوليس ~~السري إلى الآن. # | حافظ والحسناء # أو المحتال العاشق # إذا كان الحب في عرف ابن الفارض أوله سقم وآخره قتل، فهو في عرف النابغة حافظ ~~نجيب مداعبة في أوله وربح في آخره، وإذا كنت أيها القارئ الكريم في ريب من ذلك ~~فاسمع القصة التي سأرويها الآن لتصدق ما تقدم به البيان: من ميل حافظ التنقل ~~وعدم الثبات، فهو إذا ما اتخذ إحدى القهوات للهو غادرها بعد حين قريب من الزمان ~~إلى قهوة أخرى، شأن الطائر الغرد الذي لا يستقر على شجرة من الأشجار. # ففي ذات يوم راقت له قهوة كائنة في شارع كبير من أحياء العاصمة، فاتخذها له ~~مركزا لقضاء بضع ساعات من النهار والليل. # ولا ريب أن الذي يجلس على القهوة لا يهمه منها إلا أن يكون ما يقدم إليه نظيفا ~~وخاليا من الغش، أما حافظ فلم يكن هذا شأنه بل هو إذا جلس مرات في قهوة ما أخذ ~~بتأمل ما حولها من المنازل سابرا غور كل منزل منها، على أمل أن يجد له في ~~أحدها مغنما، فهو كثير التفكير بعيد النظر شأن النوابغ من رجال البوليس السري ~~والمحتالين. # ولذلك ما كاد يجلس في تلك القهوة بضع مرات حتى علم أن في أحد المنازل المقابلة ~~لها سيدة طرحت العفاف قصيا وأخذت تأتي ما لا تحلله الشرائع تحت الستار، وهي ~~تظن أن ليس بين الناس من هو واقف على منكراتها إلا عشاقها وقد كانوا ~~قليلين. # وغني عن البيان أن في مصر كثيرات على شاكلة هذه السيدة يأتين أنواع الفجور ~~متحجبات عن أنظار الرقباء والعذال، وندر أن يعرف القريبون منهن أنهن على ضلال؛ ~~لأن هؤلاء الفاجرات المتسترات يتظاهرن دائما بالتقى والإصلاح، ولذلك قال المثل ~~العامي: خف من الذي يكثر من الصلوات. # ولو درت تلك المرأة المشار إليها أن حافظ نجيب أخذ في مراقبتها وعرفت من هو حافظ ~~نجيب لأقلعت عن الإثم وتجلببت ms17 بجلباب الطهر والعفاف، ولكنها كانت تجهل أن عين ~~حافظ ترقبها، ولذلك ظلت ناهجة منهجها غائصة في بحر خضم من الشرور ~~والجرائم. # والظاهر أن حافظا راقه جمال تلك الحسناء، فعول على أن يكون أحد أولئك العشاق ~~الذين يتطلعون إلى ما تضمه القصور والدور من السيدات، غير خاشين عقاب الضمير ~~ولا موقف الديان. # فماذا فعل؟ # لقد تمكن بدهائه واقتداره من معرفة واحد من عشاق تلك الحسناء، وهو بكل أسف من ذوي ~~الألقاب العالية والوظائف السامية الذين إذا وجدوا في محفل أعجب بهم القوم، ~~وكانوا موضوع التجلة والإكرام. # فلما وقف حافظ على هذا السر المكتوم تنكر بلباس خدم العيون والوجهاء وقصد إلى ~~منزل تلك السيدة، وبعد أن قرع الباب طلب مواجهتها شخصيا لأمر يهمها، فلم ~~تمتنع عن مقابلته، ولعلها تعودت السماح لمثله من الخدم بالمثول بين ~~يديها. # وعندما تمكن من مقابلتها قال لها: إن سيدي البك قد أرسلني إليك سرا ليبلغك أنه ~~في انتظارك في منزل خاص تمكن من إعداده اليوم للاجتماع بحضرتك فيه، وقد أكد علي ~~أن أذهب بك إليه في هذه الساعة حيث هو بانتظارك على أحر من الجمر، وقد أرسل معي ~~عربته الخاصة لتقلك إليه على عجل. # وبعد محاورة غير طويلة بين الخادم «حافظ نجيب» وبين تلك السيدة الحسناء قالت له: ~~إني خائفة من الذهاب. فأقسم لها بأغلظ الأيمان على أنها في أمن تام، وعلى ألا ~~يكون معها سواه، فتمكن بحديثه الخلاب وتأثيره العجيب من حملها على مطاوعته، ~~فتركها عند ذاك وخرج حيث وقف على باب المنزل بانتظارها. # وقد جاء حافظ بعربة خاصة فعلا استأجرها من بعض الناس الذين يؤجرون أمثال هذه ~~العربات للفنادق الكبرى وأرباب الأفراح، فما انتظر طويلا حتى هبطت عليه السيدة ~~من منزلها متنكرة بحجاب كثيف يحجب عن عين المجتلي محاسن وجهها الجميل الفتان، ~~فأسرع حافظ إلى جانب الحوذي وأمره بالمسير، حتى إذا ما وصل إلى البيت الذي كان ~~يقصده أوقف العربة وتقدم السيدة صاعدا إليه، فتبعته على عجل مخافة أن تقع ~~عليها عين عاذل أو رقيب ms18 . # أما مجمل ما حدث في ذلك المنزل، ولم يكن إلا إحدى عمائر الشيطان، فهو أن حافظا ~~عندما أدخل السيدة إلى إحدى غرفه أوصد بابها وخلع عنه ملابس الخدم، فظهر بمظاهر ~~أبناء الذوات، وللحال أدركت السيدة أنها وقعت في شرك نصب لها فحاولت ~~الخلاص، ولكنها لم تجد إليه سبيلا. # ولما سألته عن البك المعروف أجابها أنني أقسمت لك على ألا يكون معك أحد غيري، ~~وقد بررت بقسمي كما ترين، فهل تريدين عاشقا أرق مني شمائل وأكرم ~~أخلاقا؟ # ولا ريب أنه قد جرى بعيد ذلك ما جرى، فظن ما شئت أن تظن إن خيرا وإن شرا، ~~ولا تسأل عن الخبر. # وقد هدد حافظ تلك السيدة بكشف أمرها وإذاعة سرها إذا هي لم ترضه، فاضطرت مكرهة ~~إلى أن تعطيه كل ما كانت تزين به نفسها من الحلي والجواهر، وما كان في ~~جيبها من النقود، خيفة أن يسلمها إلى رجال البوليس، ثم خرجت وهي لا تصدق ~~بالنجاة، وفاز حافظ بالمصوغات والمال. # | في قهوة الرقص # كيف أوقع إحدى الراقصات في شرك احتياله - إيهامها بأنه عازم على التزوج منها - ~~مرافقتها إلى محل أساياس بالموسكي - إلقاء القبض عليه في فندق الكونتننتال - ~~وقوعه في أيدي البوليس - فراره من السجن بعد ذلك. ~~*** # يتشوق الناس كثيرا للاطلاع على الحوادث التي أجراها حافظ نجيب عندما تنسك وجعل ~~نفسه من الرهبان المسيحيين منقطعا للصلاة والصوم في «الدير المحرق» تارة، وفي ~~دير أنبا بشوي أو أنطونيوس مرة أخرى؛ لأن لغط الناس بهذه الحوادث كثر إلى حد ~~ضاع معه الصحيح، ولأنه لم تقم صحيفة من الصحف لإذاعة تلك الأسرار بإيضاح يشفي ~~الغليل، إذ قصرت فيما كتبته على ذكر موجز لا يغني ولا يفيد. # وأراني إجابة لرغائب غالب القراء مضطرا إلى تأجيل بقية النوادر العجيبة المدهشة ~~التي أتاها حافظ تحت الستار قبل أن يجترم خداع تلك الراقصة الغانية التي كانت ~~سببا في إيداعه السجن، بادئا الآن بذكر تفصيل ذلك الخداع متدرجا منه إلى ~~بيان بقية حوادث حافظ ليعلم القارئون كيف نجا من أيدي البوليس؟ وكيف ms19 غش رؤساء ~~الأديرة القبطية مدعيا أنه قبطي من أبناء السروات في أسيوط، إلى غير ذلك؟ حتى ~~أصل به إلى تفصيل التحايل الغريب الذي أتاه على بعض رؤساء الأديرة المشار ~~إليها، حتى حصل على مبلغ وافر من المال. # قلت إنني سأبدأ الآن بذكر حكاية حافظ مع الراقصة، وإليك تحريرها. # بينما كنت ذات مساء جالسا في قهوة الشيشة مر بي حافظ، وسرعان ما اتخذ إلى جانبي ~~مكانا، وبعد أن حدثني طويلا لاح لي أنه على أشد ما يكون من البؤس، فأشفقت على ~~ذكائه وعلمه أن يكونا في رأس شاب مثله لا يستخدمهما في عمل سام ينال منه أجرا ~~يجعله في أحسن حال. # غير أن حافظا كان من الذين يعملون دائما بقول القائل: # وتجلدي للشامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتضعضع # فلهذا لم يشأ أن يظهر لي بؤسه، مع أن شواهد الحال كانت تنم عليه، وبعد أن شرب ~~القهوة غادرني يتسكع في مشيته مطرقا برأسه مفكرا في حيلة تنقذه من ورطة ~~الإملاق. # وبعد يوم واحد فقط سمعت أن حافظا أنفق على إحدى الراقصات في قهوة النوفرة بشارع ~~كلوت بك خمسين جنيها في جلسة واحدة. فتأمل أيها القارئ الكريم كم كان دهشي ~~عظيما عند ذاك! إذ بينا كان حافظ مملقا لا يملك بارة إذا به قد ظهر فجأة وهو ~~ينفق إنفاقا يعجز عنه الأغنياء المسرفون. # من أين أتى حافظ بالذهب الرنان؟ لا أدري ولا أحب أن أختلق الحوادث والأخبار، ~~ولهذا أقتصر على ذكر ما أعلمه من التفاصيل التي وصلت إلي عن حادث احتياله على ~~الراقصة المشار إليها من العارفين بمحاضر البوليس. # لما عرف حافظ راقصة قهوة النوفرة أراد أن يخدعها بأنه من أبناء الذوات الوارثين، ~~فلم يخيب لها طلبا قط، فظنته عند ذاك غنيمة باردة، فأخذت تطلب زجاجات البيرة ~~بالعشرات وحافظ يدفع الثمن عن طيبة خاطر، غير مظهر ضجرا أو مللا، باذلا ~~كل جهده في إرضاء تلك التي وهمها أنه وقع في غرامها حتى الركب. # ولما رأت الراقصة منه هذه السهولة في الدفع، وذلك ms20 الكرم الحاتمي، رجته أن يشرفها ~~في منزلها على أمل أن تحتال عليه؛ لأنه مهما أنفق في القهوة من المال لا ينالها ~~منه إلا التفاخر على زميلاتها من الراقصات، وذلك، ولا ريب، لا يزين معصمها ~~بسوار ذهبي، ولا رأسها بتاج من الماس. فلما سمع حافظ دعواها لم يرفضها، بل شكر ~~لها لطفها وظرفها ومكارم أخلاقها، ثم وعدها أن يزورها بعد ظهر الغد. # ولما حانت ساعة العصر ارتدى حافظ ببدلة جميلة المنظر، حسنة التفصيل، غالية الثمن، ~~فاستقبلته الراقصة مرحبة به. # ومن ثم طلب حافظ شرب كأس من الخمر؛ لأن المدام من مستلزمات الغرام في عرف ~~الأكثرين، واللبيب تكفيه الإشارة، فسرعان ما جاءته بزجاجة من كونياك مارتيل ~~ماركة # VO ~~، وجلست إلى جانبه تناجيه بلغة ~~الهيام. # والظاهر أن حافظا لم يرق له نوع الإدام الذي يستعمل «مازة»، فنادى الخادم ~~وأمره بإحضار حمامتين ناضجتين من أحد المطاعم، فجاءه بهما وكان قد أعطاه ~~جنيها، فقدم الخادم إليه بقيته وهي تسعة وثمانون قرشا صاغا، فأشار حافظ بيده ~~وقال له: «أبق الباقي معك؛ فهو لك.» # وما رأت الراقصة ذلك الكرم الحاتمي النادر المثال حتى أخذت تعد نفسها بالهيل ~~والهيلمان والمصوغات النادرة والأصفر الرنان، جاهلة أنها إن كانت ريحا فقد ~~لقيت إعصارا. # ولما لعبت الخمر برأس الراقصة المشار إليها أخرج حافظ من جيبه حافظة من الجلد ~~الثمين وأخرج منها عشرات من أوراق البنك الأهلي قائلا لها: انظري كم من مئات ~~الجنيهات في هذه الحافظة! وإنني لم أرك إياها لأظهر لك أنني غني جدا، ولكن ~~لأعتذر لك عن الحضور هذا المساء إلى القهوة؛ لأن عندي أعمالا مهمة تعوقني عن ~~الذهاب إليها، ولكن ثقي أن حبك ثابت في فؤادي وأنني لن أرضى سواك بديلا. # والحقيقة أن جيب حافظ كان قد فرغ من المال، فأتى هذه الحيلة للخلاص من إنفاق عدة ~~جنيهات في قهوة الرقص التي تشتغل فيها تلك الراقصة، وما كانت الأوراق المالية ~~التي أظهرها إلا من الأوراق التي يصدرها البنك الأهلي مبصومة بختم فيه كلمة ~~«لاغ»؛ لأن هذه الأوراق يوزعها ms21 على الصيارف والبنوك المالية للمضاهاة عليها عند ~~اللزوم، ولا أعرف كيف حصل حافظ عليها ومن أين جاء بها هذا الشيطان؟ غير أن تلك ~~الأوراق البائرة التي لا ثمن لها قد أدهشت الراقصة وحملتها على الاعتقاد بأن ~~حافظا قارون زمانه وحاتم عصره وأوانه، فأجابته إلى ما طلب ببشاشة ~~وابتسام. # ولما حانت الساعة التي يجب على الراقصة أن تخرج فيها إلى القهوة قال لها إنه يخشى ~~أن تعلق بسواه، ولذلك هو يطلب منها عربونا على المودة والهيام لا سيما وأن في ~~عزمه أن يتزوج منها، فحصل بهذه الواسطة على سوارين ذهبيين كانا يزينان أحد ~~معصميها. # ذهبت الراقصة إلى قهوتها وهي تهجس بذكر حافظ وغناه والأوراق المالية التي معه، ~~وذهب حافظ إلى حيث ثمن السوارين عند أحد الخبراء، فرأى أن ثمنهما لا يعادل ما ~~أنفقه في ليلة واحدة على تلك الراقصة، فلم يرض بهما وعول على نزع بقية الحلي ~~والمصوغات، ولذلك عاد في اليوم الثاني إلى منزل الراقصة عند الأصيل في عربة ~~فاخرة استأجرها لسبك احتياله من العربات التي لا نمرة عليها ليوهم تلك الفتاة ~~المسكينة أنها عربته، وأمر الحوذي أن يبقى بالانتظار، فاستقبلته ربة الدار بما ~~يليق بقدره الرفيع من التجلة والإكرام، وأخذت تبالغ في احترامه وهي تظن بأنها ~~تعمل على خداعه، متخيلة «أن في القبة شيخا»، وما درت من هو حافظ نجيب؟ # وقبل أن تغرب الشمس قال حافظ للراقصة إنني أريد أن أشتري لك بعض الهدايا من أكبر ~~المحال التجارية، وأرجو ألا تردي رجائي وأن تسرعي الآن بارتداء ملابسك لنذهب ~~معا، فشكرت له الراقصة هذه العناية شكرا جزيلا ودعت له دعاء طويلا. # ولكيلا نضيع على القارئ الكريم وقته بالتفاصيل التي لا فائدة منها، نختصر من ~~القول على أن حافظا أركب الراقصة معه تلك العربة الفاخرة فتاهت به عجبا ~~ودلالا، ثم أوقف العربة في أول شارع الموسكي عند محل # La belle ~~jardiniére ~~، الذي أسسه الخواجا أساياس لبيع فاخر ~~الأقمشة وأنواع الهدايا، ثم قلد الوارثين والأغنياء في كلامه ومساومته ودلاله ~~حتى ظن صاحبنا ms22 أن هذا الزبون الكريم خير من ألف زبون، خصوصا وأن حافظا لم ~~يقتر في ثمن ما مالت إليه الراقصة الحسناء. # وما زال والراقصة يطلبان هذا وذاك حتى زاد ثمن ما انتقياه على الثلاثمائة جنيه، ~~فاكتفت الغانية به وأشارت إلى حافظ بأن هذا يكفي الآن على نية أن تذهب به في ~~يوم ثان إلى محل جوهرجي أو تاجر آخر حيث تربح ما ربحته من محل أساياس. # ولما قدم صاحب المحل كشفا بأثمان الأشياء التي انتقتها الراقصة إلى حافظ أخرج ~~هذا من جيبه دفتر شيكات من الدفاتر التي تعطيها البنوك المالية إلى الذين ~~يودعونها أموالهم، وكتب بالمبلغ المطلوب تحويلا على بنك الكريدي ليونه، وأعطى ~~صاحب المحل عنوان الراقصة ليرسل البضاعة لها على عجل. # وبينا هو عائد مع الراقصة قال لها إنه مضطر إلى مغادرتها بعد أن يصل بها إلى ~~منزلها حيث يغيب أربع ساعات ثم يعود، ولكنه لا يريد أن تذهب الليلة إلى القهوة؛ ~~لأنه يرى من الواجب عليها الامتناع عن العمل بتاتا؛ إذ ستغدو عن قريب زوجته، ~~فأجابته إلى ما طلب عن رضى بالطبع، ولكنه قال لها إنه يخاف ألا تصدق في ~~كلامها، ولذلك يرجوها إذا كانت صادقة في وعدها وحبها أن تعطيه ما عليها من ~~الحلي؛ لأنها بغيرها لا تقدر على الذهاب إلى القهوة، ثم يعيدها إليها عند ~~رجوعه، فلم تجد المسكينة مناصا من إجابته إلى ما طلب خيفة أن يهرب العصفور من ~~الفخ الذي وقع فيه! # ولما وصلا إلى المنزل أخذ حافظ منها مصوغاتها وودعها على أمل اللقاء العاجل في ~~المساء بعد أن أعطى الخادم جنيهين لإحضار الكونياك وما يلزمه من المأكولات ~~الشهية. # ذهب حافط وظلت الراقصة التعسة في انتظار تشريفه وانتظار الملابس وبقية الأشياء ~~الثمينة التي انتقتها من محل أساياس، فذهب انتظارها سدى؛ لأن الخواجا أساياس ~~عندما ذهب إلى البنك لقبض قيمة التحويل عجب موظفوه منه، وأجابوه ضاحكين بأن لا ~~اسم مطلقا لصاحب التحويل عندنا؛ لأنه لم يودع البنك قرشا من أمواله، فعض عند ~~ذاك على أرمه من ms23 الغيظ، وأدرك لساعته أن ذلك البك العظيم الجاه لم يكن إلا ~~نصابا محتالا. # أما حافظ فقد فاز بالمصوغات والحلي وترك الراقصة تضرب أخماسا لأسداس. # ولما لم ~~يعد حافظ في مساء ذلك اليوم ولا في صباح اليوم الثاني، عرفت هي أيضا أنه محتال ~~كبير، فأسرعت إلى قسم الأزبكية حيث قصت الخبر على حضرات مأموره وضباطه، فكتبوا ~~أقوالها في المحضر اللازم. # ثم ذهب الخواجا أساياس أيضا لشدة ما لحق به من الغيظ إلى قسم الموسكي، وأبلغ ~~تفاصيل الخبر إلى حضرة المأمور النشيط، وعاد وهو يكاد يتميز من الكيد. ومن ثم ~~أخذ رجال البوليس السري يبحثون على حافظ في كل جهة، فلم يقفوا له على مقر ~~معلوم. # أما هو فقد باع المصوغات التي أخذها من الراقصة، ووضع ثمنها في جيبه، وذهب إلى ~~فندق الكونتيننتال الشهير حيث نزل فيه باسم البرنس يوسف بك كمال بعد أن ارتدى ~~بأفخر الملابس، وتحلى بالذهب البراق والماس الثمين، فلم يشك عمال الفندق فيه؛ ~~لأنه ليس لديهم قلم لتحقيق شخصية من يقصدون إليهم. # وقد وصل إلى علم حضرة الأديب صالح بك شاكر خبر نزول حافظ نجيب في فندق ~~الكونتيننتال، فحدثته نفسه بإلقاء القبض عليه، فقصد إلى الفندق وجلس في المحل ~~المعد قهوة عامة لكل الناس، حتى إذا ما نزل حافظ حياه بوقار واحترام كما لو ~~يحيي فعلا صاحب الدولة الأمير الخطير يوسف بك كمال، وسأله أن يسمح له بكلمة ~~وجيزة في أمر ذي بال، فأجابه حافظ إلى ما طلب وجلسا معا على مائدة ~~واحدة. # وبعد أن حياه دولة البرنس «حافظ نجيب» بسكارة من سكاير جناكليس سأله الإفصاح عن ~~بغيته، فقال له صالح بك: إنني أعلم حق العلم أن حضرتك لست بالبرنس يوسف كمال، ~~وأنك حافظ نجيب المحتال الهارب من وجه البوليس، فلذلك أنصح لك بالذهاب معي إلى ~~أقرب مخفر حتى لا تحول الأنظار إليك، ويكون في ذلك ما فيه من الفضيحة والعار ~~عليك. # فشمخ حافظ بأنفه كبرا وأجاب صالح بك بأنك واهم يا هذا فيما قلت، وما أنا بحافظ ms24 ~~نجيب ولكنني البرنس يوسف كمال، ثم مد يده إلى جيب بنطلونه ليوهم مخاطبه بأنه ~~سيخرج منه مسدسا أو مدية أو ما شاكل ذلك، فأسرع صالح بك وقبض على ذراعه بيد ~~من حديد، وقال له: إما أن تسير أمامي وإما أن أستعين على إلقاء القبض عليك بخدم ~~الفندق ورجال البوليس، فصغرت عند ذاك نفس حافظ وحاول إرشاء صالح بك فلم ~~يفلح. # وأخيرا اضطر أن يسير وإياه جنبا إلى جنب كأنهما عاشقان أو قتيلا غرام حتى وصلا ~~إلى قسم الموسكي، وهناك سلمه حضرة صالح بك إلى حضرة الفاضل رزق أفندي إبراهيم ~~مأمور القسم بعد أن كان صلة تعارف بين الاثنين. # ولا ريب أن حضرة المأمور النابه قد أدرك اقتدار حافظ وسعة حيلته ودهائه الشديد، ~~فأودعه سجنا لا يستطيع منه فرارا، فضاقت الدنيا على رحبها في وجه حافظ، فسلم ~~أمره إلى المقدار وقال بلسان الحال ما يقوله العامي في مثل هذا المقام «الصباح ~~رباح». # ولكن ذلك الرأس المفكر الكبير رأس حافظ نجيب عسر عليه أن يلتحف الأرض دون أن ~~يفكر في طريق النجاة قبل أن تبدأ النيابة العمومية معه بالتحقيق، فيضطر إلى ~~الافتكار بما ينقذه من شر التهم التي توجه إليه، فلم يطلب الراحة إلا وقد أعياه ~~الفكر، ثم ابتسم ضاحكا من تقلب الأحوال؛ لأنه منذ ساعة واحدة فقط كان الأمير ~~يوسف بك كمال موضوع التجلة والإكرام في أعظم فنادق القاهرة، فغدا الآن طريح ~~«الأسفلت» وعشير اللصوص وغيرهم من المجرمين بعد أن كان خلطاؤه من ذوي الجاه ~~والمال والنقود من القوم السائحين. # ولكن صاحبنا حافظ تعود على أن يستهين بالأخطار ويضحك من تقلبات الأحوال، فنام وهو ~~واثق بالنجاة في القريب العاجل. # ولو كان في ذلك المقام وعلى تلك الحال شاب غير حافظ نجيب ليئس من الحياة الدنيا ~~وأيقن بالشقاء المقيم، ولكن حافظا يرى مثل هذه الكوارث سحابات صيف لا تلبث ~~أن تزول. # وفي صباح اليوم الثاني نادى حضرة المأمور على حافظ نجيب وشرع في إجراء التحقيق ~~معه، فكان يجيب على كل سؤال يوجه ms25 إليه برزانة وثبات جأش يدلان على اقتدار عجيب ~~في المواقف الحرجة، فعجب له حضرة المأمور ودهش من سرعة بديهته وقوة ~~حاضرته. # ولقد ضبط معه قبل أن يودع السجن عدة أوراق مالية من أوراق البنك الأهلي الملغاة ~~فأودعت محضر التحقيق. # وبعد أن انتهى رجال البوليس من تحقيقاتهم أرسلوه مع محضرهم إلى نيابة محكمة ~~الموسكي لتتم التحقيق القضائي اللازم في مثل هذه الحال. # وقد حدث أنني صادفته ذات يوم والجنود عائدون به من نيابة الموسكي مع عدد ليس ~~بقليل من المتهمين وفي يده الأغلال الحديدية فحياني مبتسما وقال لي على غفلة ~~من رجال البوليس: «لي يا سي جورج في كل يوم شأن، وما هو إلا مظلمة جديدة من ~~مظالم بني الإنسان. فقد اتهموني الآن بالنصب والاحتيال على راقصة طالما غمرتها ~~بإنعامي وأغرقتها في بحر مكارمي، ولكن لا بأس فإن العصفور لا يظل في القفص ~~طويلا.» وهو يرمي بالجملة الأخيرة إلى أن يوم فراره قريب. # وكأنه عز عليه أن يكون كاذبا في دعواه فأسرع في الهرب من أيدي البوليس متخلصا ~~من غطرسة السجانين وعذاب التحقيق الدقيق. # وبيان ذلك أنه كان آيبا ذات يوم عند الظهر من محكمة الموسكي الجزئية حيث كان ~~حضرة وكيل نيابتها يحقق معه وإلى جانبه عسكري يحرسه ويحافظ عليه من الهرب، فلما ~~وصلا إلى العمارة الكبرى الكائنة على مقربة من محل «ستين» الشهير قال للجندي: ~~أنت تعلم يا صاح أنني لست بالفقير المعدم وأن لي في النيابة العمومية مبلغا ~~طائلا من المال وعدة مصوغات، ومن كانت حالته هكذا يصعب عليه كثيرا أن يقضي ~~أيام التحقيق سجينا دون أن يكون معه في جيبه مال يمكنه من شراء كل ما تتوق ~~إليه نفسه من الأكل والدخان، فإذا تفضلت علي بالانتظار قليلا ريثما أصعد إلى ~~منزل أحد أصدقائي العظماء الساكن في هذه الوكالة، وآتى منه بخمسين جنيها أو ما ~~يقرب من ذلك أعطيتك عشرة جنيهات لقاء لطفك ومكارم أخلاقك، وغدوت لك من ~~الشاكرين، كما أنه يجب أن تثق أنني بعد خروجي سأكون لك ms26 نعم النصير وبك خير ~~شفيق. # فسال عند سماع الجنيهات لعاب العسكري شوقا إليها، وقال لحافظ: «إنني أسمح لك بما ~~أردت، على شريطة أن يظل القيد في يديك.» # فأجابه حافظ: «لا بأس في ذلك؛ لأن صديقي هذا يعلم أنني سجين ظلما، فهو لا يزدري ~~بي إذا رآني مقيدا مثل سائر المتهمين.» # وسرعان ما أخذ يصعد الدرج أربعا أربعا تاركا الجندي بانتظاره، ناسيا هذا ~~المسكين أنه إنما ينتظر أحد القارظين. # مضت ساعة وأخرى والعسكري التعس في انتظار حافظ وهو يعد نفسه بالجنيهات ~~العشرة، ولكن حافظا لم يعد حتى أيقن ذلك العسكري أنه احتال على الفرار، وأن ~~أوبته من المستحيلات، فصعد إلى المنازل التي في تلك العمارة الكبرى، وأخذ يطرق ~~أبوابها واحدا بعد آخر فلم يجد لذلك السجين الهارب من عين ولا أثر، فأدرك إذ ~~ذاك عظم خطئه ونتيجة إهماله، واستعد للعقاب العادل الذي سيحل به جزاء له على ~~تهاونه. # أما حافظ فإنه خرج من باب آخر بعد أن حمل أحد الخادمين من البرابرة على حل قيوده، ~~وسار في طريقه آمنا عيون العواذل والرقباء. # وفي مساء ذلك اليوم ذهب إلى القهوة المصرية الشهيرة باسم # Café ~~Egyptienne # حيث توجد البلياردات النادرة المثال؛ لأنه ~~كان من المولعين بلعب البلياردو ومشاهدة ما يأتيه كبار اللاعبين من الألعاب ~~المدهشة. # | حافظ في القهوة المصرية # كيفية احتياله على إحدى الغانيات الإفرنجيات - تقليده أبناء ذوات الفلاحين. ~~*** # قلت إن حافظا جلس في القهوة المصرية، وبينا هو جالس أحب أن يمثل دورا قصيرا ~~على الهامش وصوب نظره نحو غانية كانت هناك. # ولكن جيبه كان فارغا والمرء لا يكون وجيها ولا عالما ولا ذكيا بغير الذهب، ~~فاضطر على الرغم منه أن يؤجل تمثيل ذلك الدور المضحك إلى يوم غد حتى يحصل على ~~شيء من النقود لا سيما وأن عشاق تلك الغانية كانوا كثيرين. # ولقد تمكن بدهائه الشيطاني في اليوم الثاني من الحصول على مبلغ ليس بكبير من ~~المال، فقصد لساعته إلى محل الماس بيرا، حيث اشترى عدة مصوغات كاذبة ولكنها ~~تلمع في الليل ms27 لمعانا يبهر الأنظار، ولا سيما نظر الغواني اللواتي لا أحب ~~إليهن من الأغنياء الذين ينفقون عليهن عن سعة ورخاء. # وما أمسى المساء حتى قصد إلى القهوة المعينة، وظل فيها إلى أن قرب الليل من ~~الانتصاف وهو يحاول استدعاء تلك الغانية إليه، فلم يجد فرصة مناسبة؛ لأن ~~عاشقيها أربوا على الخمسة عدا وكلهم من أبناء العيون وعيون البلاد. # ولكنه طلب إليها أخيرا أن تجلس معه، فلم تجد بدا من إجابة طلبه أسوة سواه. ~~وقبل أن تحضر كان حافظ قد تزين بما اشتراه من المصوغات من محل «الماس بيرا»، ~~فظهر بها من أصحاب الثروة الواسعة والجاه العريض. # وقد أرادت الغانية المشار إليها أن تحرج موقفه لتخلص منه، فأخذت تحضر لنفسها من ~~المشروبات ما غلا ثمنه، فلم تجد من حافظ إلا ارتياحا، ثم آنست من سذاجته ما ~~رغبها فيه بعد أن كانت راغبة عنه، على أمل منها بالضحك عليه واستنزاف ماله، ~~جاهلة أنه حافظ نجيب آية المحتالين ونابغتهم بلا ريب في هذا الزمان. # أمعن حافظ النظر في الغانية وهي على تلك الحال من وجود خمسة أو ستة من العاشقين ~~وكلهم يود الاستئثار بها، فرأى أن مركزه حرج، فعول على استخدام ذكائه ~~للفوز على خصومه. # وقد دارت بينه وبين تلك اللعوب محادثة قصيرة باللغة الفرنسوية، فأفهمها بأنه وإن ~~كان يجيد هذه اللغة إلى حد بعيد، فهو ليس من سكان العاصمة؛ لأنه ذو أراض واسعة ~~في مديرية الشرقية، وما جاء إلى القاهرة إلا لأخذ رخصة من نظارة الأشغال ~~العمومية ببناء عزبة وتركيب وابور بخاري على النيل، فزاد رغب الفاتنة فيه نظرا ~~لما هو مشهور عن كرم المزارعين في محال اللهو والزهو. # وما حانت الساعة الثانية إلا وقد اتفقا على أن يشرفها حافظ بزيارته إياها في تلك ~~الليلة، فلبى طلبها مظهرا لها أنه قتيل حبها وصريع هواها. # ولا ريب أن تلك اللعوب لم يخدعها إلا الحلي التي رأتها على حافظ، فظنت ما ظنت ~~وتاهت في بيداء الأحلام الحلوة والأماني اللذيذة. # ولما أقفلت القهوة أبوابها وغادرها كل ms28 من فيها، انسل حافظ إلى الخارج ووقف أمام ~~الباب منزويا داخل عربة، حتى إذا ما خرجت الغادة المشار إليها دعاها إليه ~~فركبت معه وسار إلى المنزل العامر. # وكأن حافظ أراد أن يطرد ما يجيش في صدره من الهموم والخوف من الوقوع مرة أخرى في ~~أيدي البوليس والرجوع إلى النوم على «الأسفلت»، فطلب خمرا جيدة فجيء بها إليه، ~~وأخذ يشرب وفاتنته بين لهو ولعب كأنه لم يكن أمس سجينا تحت رحمة ~~القضاء. # وما حانت الساعة الرابعة من الصباح حتى أنهك التعب قوى الفتاة الأوروبية، فاضطرت ~~إلى الرقاد وتظاهر حافظ بالنوم أيضا، ولكن هيهات لمثله أن ينام في مثل ذلك ~~المنزل، ولذلك صبر عليها حتى أيقن من أنها استغرقت في النوم، ثم خف إلى الباب ~~وخرج منه دون أن يدري أحد بعد أن نزع كل ما اشتراه من المصوغات الكاذبة، ووضعه ~~على مائدة الشراب فوق ورقة كتب فيها ما يأتي: # عزيزتي ... # لا تغتري بأي كان لأول مرة، فالإنسان كالدنيا دائما يغر في ~~الابتداء ويسيء في النهاية. # لو شئت أن أسيء إليك لاستطعت، ولكنني لا أميل إلى الشر ولا أرغب ~~في إيذاء أحد من عباد الله فنامي براحة وسلام. # إذا استيقظت فلا تعجلي في تفقد أمتعتك ومصوغاتك، فكلها سليمة لم ~~تمسها يدي، بل زدت عليها جميع ما كان معي من المصوغات الكاذبة ~~لتكون لديك تذكارا من «العاشق الظريف». # حاشية: # ربما عدت إلى زيارتك ~~يوما، فانتظري ذلك اليوم بفارغ الصبر. # | حيلة في مصرف مالي كبير # الحصول على مبلغ من المال # ولقد رأى حافظ نفسه في حاجة قصوى إلى مال يمكنه من الاختفاء عن عيون رجال البوليس ~~السري والملكي، فعمد إلى إحدى القهوات، وهناك أخذ يفكر في إيجاد ذريعة تمكنه من ~~نيل ما يرمي إليه، فسدت الأبواب في وجهه؛ لأنه كان على خوف دائم من أن يقف ~~رجال البوليس على أثره فيعيدوه إلى السجن سريعا. # ولا ريب أن من كان في حالة حافظ يعجز مهما أوتي من الدهاء عن الاحتيال على عباد ~~الله وهو طريد ms29 البوليس، وقد شهرت به الجرائد تشهيرا لفت نحوه أنظار الناس ~~أجمعين. # ولكن حافظا أبى إلا أن يفوز بأمنيته، فصحت عزيمته بعد إمعان الفكر على إتيان ~~حيلة غريبة يراها الإنسان سهلة ولكن الصعب في تصورها والإقدام عليها. # كان في جيب حافظ في تلك الساعة عشرة جنيهات، فأسرع إلى أحد المصارف الكبرى ووضعها ~~فيه أمانة، ثم جاء في اليوم التالي وطلب سحب خمسة منها، فأعطي نمرة منقوشة على ~~قطعة من نحاس للقبض بموجبها؛ إذ كانت العادة الجارية في ذلك البنك أن يعطى طالب ~~المال أو من معه تحويل عليه تلك القطعة النحاسية وعليها نمرة توضع على التحويل ~~المرسل إلى الصراف، حتى إذا ما جاء دوره نودي على نمرته لا على اسمه، فيقدمها ~~ويقبض بموجبها المال. # فلما أخذ حافظ تلك القطعة النحاسية وعليها النمرة جلس حول طاولة كبرى هناك يجلس ~~بقربها المنتظرون، حتى إذا سمع أحدهم نمرته خف إلى الخزنة ليقبض المبلغ ~~المطلوب. # وقد كان على مقربة من حافظ بربري من البرابرة الذين تستخدمهم المحال التجارية ~~والمصارف المالية في إرسال النقود إلى البنوك وسحبها منها، فأخذ يحادثه بشأن ~~الأعمال وغرابة القطع النحاسية، حتى تمكن بدهائه من استبدال قطعته بالقطعة ~~التي بيد البربري ونمرتها قبل نمرته بثلاث نمر أو أربع. # وقد كان حافظ مراقبا هذا البربري منذ دخوله، فعرف أن التحويل الذي جاء به هو ~~بمبلغ مائتي جنيه، فلما نودي على نمرة البربري أسرع إلى الخزانة وقبض المبلغ ~~المشار إليه. # وقد رأى حبا منه في اتخاذ كل تحوط يحول دون ظهور حيلته أن يرسل ذلك البربري ~~إلى محل ماتوسيان لشراء سجاير له من هناك، فأجابه البربري تأدبا إلى ما طلب، ~~فلما عاد كان حافظ خارجا من البنك فأخذ منه السكاير وشكر له حسن صنيعه. # أما البربري فدخل إلى البنك وطالب الصراف بقيمة التحويل الذي جاء به، فقال له إن ~~المبلغ المستحق لك هو خمسة جنيهات فقط، فصاح غيظا مخطئا الصراف، وأخيرا ~~جاء مدير البنك ووقف على الأمر بنفسه، ولكنه حتى الساعة لم يقف على ms30 حافظ نجيب، ~~ولم يعلم أنه هو الذي تناول مبلغ المائتي جنيه غنيمة باردة. # ومما يذكر في هذا الباب أن ذلك البنك عدل عن هذه الطريقة على أثر حادثة حافظ مع ~~البربري؛ لأنه رأى في وجودها خطرا ظاهرا، فكان صنيع حافظ إحسانا إلى ذلك ~~البنك وإنقاذا له من غوائل الطريقة المشار إليها. # | فشل حافظ # ادعاؤه أنه الخواجا روفان صيدناوي - معاكسة الظروف له. ~~*** # وقبل أن يخطر له الذهاب إلى الدير ساح سياحة مطولة في الوجهين البحري والقبلي دون ~~أن يقف له رجال البوليس على أثر فكأني به كان يتمثل دائما بما كتبته تحت ~~رسمه: # أيها الباحثون عني أفيقوا # إنني كالهواء في كل أرض # إن رآني النسيم غض حياء # لخداعي وإنني لست أغضي # وقد وصل به الرحيل إلى بلدة الشين، فلما حط رحاله فيها سأل بعض الناس عن كبير هذه ~~البلدة وسريها، فقيل له إنه حضرة الخواجا قلد غالي مفتش زروعات سعادة المحامي ~~الشهير خليل بك إبراهيم الذي يملك هناك مساحة واسعة من الأطيان، فقصد ~~إليه. # ولما وصل إلى السراي التي شيدها سعادة خليل بك هناك أرسل إلى الخواجا قلد كارت ~~فزيت هذه صورته: # وغني عن البيان أن الشعب المصري كله يعرف أن أفراد عائلة صيدناوي الشهيرة كلهم ~~أغنياء وأصحاب أملاك وأطيان كثيرة، فرأى حضرة الخواجة قلد نظرا لما فطر عليه ~~من اللطف ومكارم الأخلاق أن يرحب بضيفه الكريم، فأسرع إليه وبالغ في إكرامه ~~بينا كان صاحبنا حافظ «قد أعطى النعمة استحقاقها»، فجلس منتفخ الأوداج كبرا ~~وفي يده عصا ذهبية يديرها لاعبا بها تارة وناكتا بها الأرض طورا. # وبعد أن شرب القهوة وبعض المرطبات سأله الخواجا قلد عن الداعي الذي حمله على ~~تشريفه، فقال له «الخواجا روفان» أستغفر الله بل «حافظ نجيب» إنه كان على مقربة ~~من الشين يعاين أرضا يرغب صاحبها في بيعها له، وقد صادف أن جميع النقود التي ~~كانت معه قد أنفقت، فذهب إلى المحطة ليبدل فيها ورقة مالية بمبلغ مائة جنيه فلم ~~يجد، ولما سأل الناس عن محل يمكن ms31 أن يوجد فيه هذا القدر من الذهب، أشير عليه ~~بالذهاب إلى تفتيش خليل بك إبراهيم، فسره ذلك إذ ستكون هذه الزيارة سببا ~~للتعارف مع محام شهير وغني من أكبر أغنياء القطر. # ثم زاد على قوله هذا شيئا كثيرا من «المعر والفشر»، فقال إنه يملك أطيانا ~~عليها أربعة عمد من عمد البلاد، وغير ذلك مما لا يدخل تحت حصر أو قيد. # فقال له الخواجا غالي إنه يأسف كثيرا لعدم وجود مائة جنيه في خزينته، ثم نادى ~~أحد الخادمين وأعطاه الورقة المالية دون أن يمعن النظر فيها وأمره بالذهاب بها ~~إلى واحد يعرفه من التجار ليصرفها له، فلم يجد ذلك التاجر لحسن حظه مائة جنيه ~~ذهبي في صندوقه. أقول لحسن حظه؛ لأن تلك الورقة المالية لم تكن إلا إحدى ~~الأوراق الملغاة التي عرف القراء سرها فيما تقدم به البيان. # وعند ذاك أظهر حافظ أسفا وضجرا من هذه الحال، فقال له الخواجا قلد إنه إذا كان ~~يريد من النقود ما يمكنه من السفر إلى مصر فهو يعطيه ما يشاء، وللحال أخرج من ~~جيبه جنيها وسلمه إليه، فأخذه حافظ منه وكتب كلمة على كارت باسم الخواجة روفان ~~إلى أحد أفراد عائلة كوهين بالمنصورة ليدفع الجنيه إلى الخواجا قلد، ثم سلمه ~~إليه شاكرا لطفه. # قال حضرة الفاضل توفيق أفندي خليل إبراهيم الذي قص علي هذه الحكاية إنه عندما ~~ذهب أحد المستخدمين إلى الخواجا كوهين بالمنصورة لقبض الجنيه، أغرب هذا الأخير ~~في الضحك عندما ذكرت له أوصاف الخواجا روفان أي «حافظ نجيب»، وقال إن الخواجا ~~روفان على غير ما سمع من الوصف، وإنه لا عمل له في الشين أو ما يجاورها على ~~الإطلاق. ثم عرفوا بعد البحث أن الخواجا روفان الذي زراهم لم يكن إلا حضرة ~~المحتال الظريف حافظ أفندي نجيب. # | في أديرة الأقباط الأرثوذكس # التجاء حافظ إلى الأديرة للفرار من مطاردة البوليس - تأثير ~~الرهبنة عليه - بماذا احتج للاندماج في سلك الرهبان - رثاؤه ~~المرحوم مصطفى باشا كامل باسم الراهب غبريال إبراهيم بدير ~~الأنبا بيشوي - اهتمام أدباء ms32 الأقباط والغيورين منهم بشأن هذا ~~الراهب الجديد - حافظ يناظر واعظا قبطيا بصفة كونه راهبا - ~~الراهب غبريال يظهر المعجزات - انتقاله إلى دير المحرق - ~~احتياله على أسقفي بوش والمحرق. ~~*** # ما تناولت القلم لأسطر هذا الفصل من فصول حافظ نجيب حتى أسفت على أن يكون هذا ~~المحتال الظريف، مستودع ذلك الذكاء النادر؛ لأنه لم يستخدمه إلا في أعمال لم ~~تعد بفائدة ما سواء عليه أو على الهيئة الاجتماعية، مع أنه لو كان صحافيا ~~لنفع بمعارفه الاجتماع، وكان خير معين لرجال البوليس على كشف المخبآت وإظهار ما ~~في الزوايا من الخبايا والأسرار. # ولهذا لا عجب إذا اعتقدت أن الذكاء قسمان؛ قسم وهو الذي يصاحب الأدباء وأهل الشرف ~~يدعى ذكاء عن عدل واستحقاق، وقسم وهو الذي يظهر على نوابغ المحتالين يدعى ~~مكرا؛ لأن الذكي الحق لا يعمد إلا إيذاء عباد الله واستحلال المحرم، في حين ~~أنه قادر على أن ينتفع من الطرق المشروعة عدلا أكثر مما ينتفع من سبل النصب ~~والاحتيال. ~~••• # اختلى حافظ ذات يوم إلى نفسه بعد أن غادر تفتيش سعادة خليل بك إبراهيم فحزن حزنا ~~شديدا على ما وصل إليه من سوء الحال، فكر في المستقبل فرآه أسود من الغراب، ~~فتمشى قلبه في صدره لشد ما أخذه من الحزن وتساوره من الهم، فصفق بيديه صفقة ~~الأواه وندم على ما فات من أيامه وأعماله ندامة الكسعي في سالف الأزمان. # وبعد أن أطال التفكير وبرح به الشقاء أياما، لم يجد أمامه من وسيلة للخلاص غير ~~التنسك في أحد الأديرة التي لا تنصرف إليها أفكار رجال البوليس؛ لأنهم لا ~~يتصورون أن حافظ نجيب يدعي النصرانية ويقيم بين أظهر القسيسين والرهبان. # ولما صحت عزيمته على ذلك ذهب إلى دير وادي النطرون، ولما سئل عن الداعي الذي حمله ~~على مغادرة العالم والانقطاع لعبادة الله قال: # إنني أحد أبناء ذوات مدينة أسيوط، توفي والدي قبل أن أبلغ سن ~~الحلم، فأرسلتني والدتي إلى مدينة طولوز حيث مكثت فيها ثلاثة ~~عشر عاما أتلقى العلم العالي والحقوق. # ولما انتقلت والدتي إلى رحمة ms33 الله عدت إلى بلادي وأخذت أجاهد في ~~معترك هذه الحياة، فكان حظي منها وافرا، فعشت عيشة الرخاء ~~واليسار، وكان لي شقيقة وحيدة وابنة عم يتيمة جعلتهما موضع ~~آمالي، فكانتا لي نعم العزاء في أيام الكدر والشقاء، وكنت أحب ~~ابنة عمي حبا مبرحا كما كانت هي تهواني أيضا، فتعاهدنا على ~~الحب الدائم وإقرانه بالزواج، ولكنني قبل أن أفوز بهذه الأمنية ~~اللذيذة رميت على حين غرة بمصاب بدد آمالي وصرم حبل ~~آمالي، وتركني في أشقى حالات النكد والهوان بعد أن عشت مع ~~عزيزتي تسعة أعوام كاملة آصالها مواسم وأسحارها بواسم، أما ~~ذلك المصاب الذي دهمني فهو موت أختي وخطيبتي فجأة اختناقا ~~بالغاز. # وبيان ذلك أن المنزل الذي كنا نقيم فيه معا ينار بالغاز الممتد ~~بأنابيب إلى المنازل والحوانيت، وقد صادف ذات يوم أنهما دخلتا ~~إلى مخدعهما ونامتا دون أن يلتفتا إلى أن الغاز يتصاعد من ~~المصباح، وإن كان غير مضاء، فأوصدتا الباب والنوافذ وغرقتا في ~~بحار النوم، ولكن عدم وجود منفذ يخرج منه الغاز دعا إلى ~~اختناقهما قبل أن يدخل عليهما أحد يمكنهما من النجاة، ودون أن ~~يتمكنا من الاستنجاد بأحد من العالمين. # وفي صباح اليوم الثاني أبطأتا في الخروج من مخدعيهما، وقد جرت ~~عادتي ألا أخرج إلى عملي قبل أن أتناول معهما طعام الصباح، ~~فأسرعت إلى غرفتهما وطرقت بابها مرارا على غير جدوى، وعند ذاك ~~أخذني الخوف والقلق من كل جانب، فدفعت الباب بكل قواي فانفتح، ~~ويا لهول ذلك المشهد الأليم الذي رأته عيناي بعد ذلك! فقد ~~شاهدت أختي وابنة عمي قتيلتين لا حراك فيهما، وشعرت للحال بضيق ~~الصدر من رائحة الغاز، فأدركت سبب الموت واستخرطت في البكاء ~~والعويل، ولكن ماذا يفيد البكاء وقد حل القضاء المحتوم وذبلت ~~تانك الزهرتان اليانعتان، وعما قريب أودعهما الوداع الأخير؟ ثم ~~بلغ مني الحزن حدا كرهت معه الحياة الدنيا، فتركت أعمالي ~~وأودعت ما أملك من المال أحد البنوك، وجئت إلى هذا الدير لأكون ~~أحد رهبانه منقطعا لعبادة الله، والصلاة عن نفسي تينك ~~العزيزتين رحمهما الله. ms34 # ثم أجهش للبكاء. # فما سمع رئيس الدير هذه الحكاية المؤثرة حتى أخذته الشفقة على حافظ، فرحب به ~~وألبسه المسوح، فغدا راهبا قبطيا اسمه الراهب غبريال إبراهيم. # وقد أقام حافظ في ذلك الدير بضعة شهور وشيمته الورع والزهد، وعمله الصلاة صباح ~~مساء، فأجله كل من كان في ذلك الدير من رهبان وقسيسين، وقد أعانه على ~~الظهور بمظهر المسيحي المتمكن من دينه أنه ربي في مدرسة الفرير الكبرى ~~بالعاصمة، وتلقى فيها التعليم المسيحي أسوة سواه، فلم يرتب في نصرانيته ~~أحد. # وكأن حافظ قد ملت نفسه الجهاد فاستسلم إلى القضاء، وعول على قضاء أيامه بعيدا عن ~~حركة هذا العالم في ذلك الدير النائي. # ولكن ما فطر حافظ عليه من الميل إلى إتيان كل حيلة نادرة وأمر غريب لم يمكنه من ~~البقاء على تلك الحال طويلا، فغادر ذلك الدير إلى دير أنبا بيشوي؛ لأنه لم يجد ~~في وادي النطرون ما تطمح إليه نفسه من الآمال. # ومما لا يحتاج إلى بيان أنه قوبل في دير أنبا بيشوي بإكرام وإعزاز لا سيما بعد أن ~~حسنت الشهادة في حقه من رئيس دير وادي النطرون، فعمد عند دخوله إلى اكتساب ثقة ~~أسقف الدير ورئيسه وسائر من فيه من أهل الدين والدنيا، فلم يعسر ذلك على نابه ~~قدير كحافظ نجيب. # وقد حدث عند ذاك أن المنية استأثرت بالمرحوم النابغة مصطفى باشا كامل صاحب اللواء ~~ورئيس الحزب الوطني، فما علم حافظ بانتقاله إلى رحمة الله تعالى حتى أثار النبأ ~~المفجع شجونه وحرك يراعه بعد أن مضت عليه سنة أو يزيد وهو ساكت هادئ، فنظم ~~المرثية الآتية وبعث بها إلى جريدة الوطن فنشرتها في العدد الذي صدر يوم 17 ~~فبراير سنة 1908 بالنص الآتي: # دموع الأدباء على فقيد الوطنية: دمعة راهب من داخل ~~الدير # تحطمت الآمال وانحسم ~~الأمر # فكل الرزايا دون خطبك يا ~~مصر # ومن كارثات الدهر هل بت ~~مثلما # تبيتين ثكلى لا عزاء ولا ~~صبر # وهل أوحشت في موت فرعون ~~مصره # وحلت بواديك المخاوف ~~والذعر # وهل مر ماء النيل من ms35 هول ~~حادث # كما مر مرتاعا وفي مائه ~~المر # ومن قبل هذا هل شهدت ~~مناحة # يضيق لها التاريخ والنظم ~~والنثر # فأي فؤاد لا يذوب لما ~~جرى # وأي جلود لا يفتته ~~القهر # فيا عين جودي بالمدامع ~~والدما # ويا حزن لا تبرح وموعدك ~~الحشر # فما كل خطب ينتسى سوء ~~وقعه # ولا كل ذكر حظه الطي ~~والنشر # وما خلف الثاوي بديلا له ~~ولا # تجود به الأزمان هيهات ~~والدهر # وفي القبر هل ترضى المقام ~~وعهدنا # بأنك يا محبوب موضعك ~~الصدر # ومن للملا من بعد صوتك ~~صائح # يصيح فتهتز المغارب ~~والقطر # ومن يرتجى للشعب بعدك ~~قائد # وأنى له منك العزيمة ~~والفكر # وأي خطيب بعد موتك ~~مصطفى # إذا قرع الأسماع ينتثر ~~الدر # وأي يراع بعد ذياك إن ~~جرى # أثار جبان القلب وانتعش ~~الحر # وأي زعيم للسياسة ~~بعده # وقد ضاع منها الرأس وانقصم ~~الظهر # وهل للصحافة بعد فقدك ~~عامل # يخلد ذكراها كما خلد ~~الذكر # قضيت فأبكيت العداة ~~وحسدا # وشاركنا في حزننا الجلمد ~~الصخر # وسالت مع العبرات نفس ~~عزيزة # وليس إلى السلوى سبيل ولا ~~وعر # فلا تهدأ الأحزان ما دمت ~~صامتا # وما دام ذاك البدر يحجبه ~~القبر # الفقير الراهب # غبريال ~~إبراهيم # بدير الأنبا ~~بيشوي # وما ذاع أمر هذا الرثاء حتى أعجب به إخواننا الأقباط أيما إعجاب، وسروا ~~لوجود كاتب ناظم في عداد الرهبان، فأخذوا يتساءلون عن هذا الراهب الجديد الذي ~~ظهر على حين غرة وأخذوا يبنون على وجوده داخل الأديرة القبطية الآمال الحلوة، ~~مؤملين أن يكون باعثا لكثيرين سواه على الاقتداء به، فينتقل الرهبان إلى حالة ~~جديدة ويغدو بينهم عدد كبير من أهل العلم والحصافة والذكاء. # وقد حرك هذا الاهتمام حضرة الفاضل جندي بك إبراهيم صاحب جريدة الوطن بصفة كونه ~~أحد زعماء الحركة الفكرية بين الأقباط ومدير جريدة هي لسان حالهم من قديم إلى ~~أن يبعث بكتاب إلى حضرة رئيس الدير، فجاءه منه الكتاب الآتي نصه: # عزتلو الفاضل جندي بك إبراهيم باركه الله # نهديكم وافر التحية وأذكى السلام مع صالح الدعوات، وبعد؛ فقد ورد لنا ~~خطابكم وردا على سؤالكم ms36 بخصوص صاحب قصيدة الرثاء فإنه حقيقة موجود ~~بالدير رئاستنا، ويمكنكم الحكم على مقدرته في اللغة العربية والنظم من ~~قصيدته الثانية المرسلة مع هذا، وتقبل احترام وتحية المخلص، وسلام الرب ~~ليكون معكم. # رئيس دير الأنبا بيشوي # ووصلت مع هذا الكتاب مرثية ثانية من الراهب غبريال إبراهيم أو حافظ نجيب وهذا ~~نصها: # أنة مكلوم # بعادك يا رب اللواء ~~أساءنا # وزعزع طودا راسخا ~~وجليلا # ولم تر عين الشمس قبلا ~~نظيره # ولا ترتجي الأزمان عنه ~~بديلا # يد الموت هلا كنت عنه ~~قصيرة # وأبقيت فينا حازما ~~ونبيلا # يد الدهر لم تعرف سبيلا ~~لخذله # فكيف وجدت للعظيم ~~سبيلا # ألم يجزع الموت العشية ~~بعده # وهلا بكته الحادثات ~~طويلا # وقد جف ماء النيل حزنا وما ~~جرى # ولكن جرى دمع المحاجر ~~نيلا # وقد أظلم الكون الذي كان ~~نيرا # ولم يغن ضوء الشمس عنه ~~فتيلا # فهل ضمه القبر الذي صار ~~موطنا # وما وسعته الأرض قبل ~~نزيلا # عجيب لصرف الدهر فيه ~~وإنني # مرارا شهدت الدهر آب ~~ذليلا # وكم مرة عاد الزمان ~~بجيشه # حسيرا ورد الطرف عنه ~~كليلا # فلا تنزعي مصر الحداد ~~فإنما # على مثله يبقى الحداد ~~طويلا # وحجي إلى قبر الفقيد ~~ورددي # ثناه فقد ذاع الثناء ~~جميلا # وفي كل عام عيدي يوم ~~وضعه # وضجي ونوحي يوم مات ~~عليلا # وإن قام تمثال يشير ~~لمجده # فقد شاده الثاوي الكريم ~~أثيلا # فيا مصر إن لم ترجعي شخص ~~مصطفى # كما كان عاد الجسم منك ~~نحيلا # ويا عين إن لم تبصري شخص ~~مصطفى # كما كان خلت النور فيك ~~ضئيلا # ويا عصر عباس إذا اليوم لم ~~يعد # خطيبك قلت الخطب صار ~~وبيلا # ويا حزبه شق القلوب ~~لفقده # قليل وإنا لا نريد ~~قليلا # ويا حزب إن لم تحمل اليوم ~~حمله # وهيهات أصبحت الغداة ~~هزيلا # غبريال إبراهيم # الراهب بدير ~~الأنبا بيشوي # وما أقام حافظ في ذلك الدير قليلا حتى عمل على اكتساب ثقة نيافة أسقفه الفاضل ~~الورع، فغدا بدهائه موضع ثقته ممتازا على غيره من الرهبان في معاملته كما ~~امتاز عليهم بعلومه ودهائه. # ومما أتاه من الأعمال المبرورة في ms37 ذلك الدير ليذاع فضله بين الرهبان ويعتقدوا ~~والأسقف بصلاحه وتقاه أنه أظهر لنيافة الأسقف افتقار الرهبان إلى العلم الصحيح؛ ~~لأن غالبهم إن لم تقل كلهم لم يأخذوا من العلوم إلا قشورا لا تغني ولا ~~تفيد، واقترح عليه إنشاء مدرسة خاصة لهم يعلمون فيها اللغة العربية واللغة ~~القبطية وبعض اللغات الأوروبية ليكونوا على بينة من أمور دينهم ودنياهم. # ونظرا لما فطر عليه نيافة أسقف دير أنبا بيشوي من حسن النوايا وحب الخير للرهبان ~~أجمعين، أحل اقتراح الراغب غبريال إبراهيم أو حافظ نجيب محلا كبيرا وأثنى ~~على فكره الصائب وعمله على ما فيه خير إخوانه من العابدين والزاهدين، ثم طلب ~~إلى حافظ أن يشرع في تأسيس هذه المدرسة فعلا وإحضار المعلمين اللازمين مع ما ~~تحتاج إليه من الكتب والأدوات، فشمر عن ساعد الجد إنفاذا لرغبة نيافة المطران، ~~وذرا للرماد في العيون، حتى لا يسيء أحد فيه الظن ولا ينصرف فكر إخوانه إلا ~~إلى أنه من خيرة التقاة الصالحين. # وقد تبرع حافظ بإلقاء الدروس اللازمة في هذه المدرسة بلا مقابل إفادة لإخوانه، ~~وأخذ يلقي عليهم مبادئ اللغة الفرنسوية وفلسفة الدين المسيحي، ولو قيل هذا عن ~~رجل غير حافظ نجيب لما صدقه إنسان لاستبعد صحته كل واحد من القارئين، ولكن ~~حافظا أبو المعجزات ورب كل غريبة وعجيبة، ولهذا أظهر اقتدارا مدهشا في تعليم ~~الرهبان قواعد الدين المسيحي السامية ولا بدع، فهو متمكن من هذا الدين؛ لأنه ~~ربيب طغمة الفرير الذين يدرسون التعليم المسيحي جميع التلاميذ على ~~السواء. # بل إن حافظا برز على المسيحيين بين إخوانه الطلبة؛ لأنه منذ صغره شب على الدهاء ~~والمكر، فكان يحتال على بعض الفرير المدرسين بأنه مغرم في الدين المسيحي، وأنه ~~عازم على اعتناقه مظهرا رغبا كبيرا في التبحر فيه والتضلع منه، فكان ~~أساتذته يحسنون معاملته ويهدونه من حين إلى آخر عدة هدايا نفيسة ترغيبا له في ~~إنفاذ وعده، فكان حافظ يأخذ تلك الهدايا شاكرا لسانه ضاحكا في قلبه من صفاء ~~سريرة المدرسين من أولئك الإخوة الطيبين. # ومما زاد الفرير ms38 تعلقا به ما رأوه من ذكائه ونباهته، وما كان يقول لهم من أنه ~~ابن غني كبير يملك الألوف من الجنيهات، ولا وارث له سواه، فهو إذا ما اندمج في ~~سلكهم آل كل ذلك الإرث العظيم إلى طغمتهم غنيمة باردة ولا مراء. # وقد استعان حافظ أيضا على تلقين الرهبان التعليم المسيحي بالكتب الفرنساوية ~~الكثيرة التي وضعها الجزويت والفرير لإفادة الطالبين، فظن الرهبان أجمعون أن ~~حافظا من كبار علماء اللاهوت وأنه في النصرانية من الأساتذة المبرزين. # ومن ذلك الحين غدا حافظ أو الراهب غبريال موضوع إجلال وإكرام الرهبان أجمعين، ~~ولقد تمكن بعد ذلك من الاحتيال على ساكني ذلك الدير النائي، وأخذ مبلغ عظيم ~~بحيلة نادرة لا محل لذكرها الآن؛ لأنها ستكون فاتحة الجزء القادم مع تلك الحيلة ~~الغريبة التي أتاها على نيافة أسقف دير المحرق مما سيدعو إلى دهش جميع ~~القارئين. # وقبل أن ينتقل الراهب غبريال إبراهيم من دير الأنبا بيشوي إلى الدير المحرق، حدثت ~~بينه وبين أحد وعاظ الأقباط مناظرة أدبية نأتي على بعضها دليلا على اقتدار ~~حافظ نجيب في عالم الأدب، وإظهارا لبراعته في صناعة التحبير. # ذلك أن حضرة الأديب حبيب أفندي شنودة واعظ أقباط أسيوط راعه أن يكون داخل الأديرة ~~القبطية راهبا أديبا مثل الراهب غبريال ولا يعمل على خدمة طائفته، وظن أنه ~~طامح إلى رتبة أسقف، فبدد له هذا الأمل لأسباب واضحة كلها في الرسالة الآتية ~~التي كتبها ذلك الواعظ الأديب إلى بطل كتابنا حافظ أفندي نجيب في 24 فبراير سنة ~~1908 على صفحات الوطن، قال: # من الواعظ إلى الراهب # عزتلو الفاضل صاحب الوطن # اسمح لي أن أسطر على صفحات جريدتك الحرة هذه الكلمات التي أحرجت صدري ~~وجعلتني في موضع الحائر المندهش، فقد قرأت القصيدتين الشعريتين اللتين ~~جادت بهما قريحة راهب الدير في رثاء فقيد الوطن مصطفى باشا كامل، ~~فأخذني العجب من كل جانب وقلت في نفسي إذا كان هذا الراهب الشاعر من ~~سكان الأديرة حقيقة، فما الذي أثار فيه ثائر الوجد والحزن وهو في داخل ~~«صومعته» بعيدا ms39 عن مشاغل هذا الكون، عاملا آناء الليل وأطراف النهار ~~على التعبد والسجود، لا يلهيه عن ذلك لاه، ولا يشغله شاغل، وهو يعلم - ~~حفظه الله وأبقاه - أن أهل العالم أحق من سواهم بأن يبكوا بعضهم بعضا ~~ويرثوا بعضهم بعضا، وأما هو فقد زهد في العالم واحتقر الحياة الزائلة ~~وفضل أن يكون قريبا من الملأ الأعلى بأصوامه وتهجداته وعبادته، ثم إذا ~~كان هذا الراهب قادرا على النظم بمثل ما رأيت وكان رقيق العواطف لهذه ~~الدرجة، فلماذا لا يصرف ذكاءه وشاعريته إلى رثاء أمته القبطية التي يرى ~~حالها أمامه مما تنفطر له المرائر: يرى معابد مهجورة، ومدارس قاصرة، ~~ومجالس نائمة، وجمعيات خاملة، وأفرادا مفككة عصبيتهم، منحلة ~~رابطتهم، يرى قسوسا ورعاة جهلاء لا علم في رءوسهم ولا حرارة في ~~قلوبهم لرعاية القطيع المسلم إليهم، ويرى رؤساء مشتغلين بهموم هذا ~~العالم وأباطيله، شغوفين بأمواله وزخارفه، ويرى أمورا أكثر مما ذكرت ~~تستحق البكاء ويخلق بها الندب والرثاء. فلماذا لا يوقف هذه الموهبة ~~الشعرية على نظم المراثي المحزنة التي تؤثر على القلوب لعله يعيد إلينا ~~عهد أرميا، ومراثي أورشليم، فيلين لنا هذه الأفئدة القاسية التي ~~قدت من الصخور؟ # على أني لا أتمالك نفسي من الشك في وجود راهب بالأديرة كهذا الشاعر، ولو ~~أني قد صدقت الوطن وما نشره من جواب رئيس الدير؛ لأني أعتقد أن أديرتنا ~~كانت في الزمان القديم مدارس حافلة بالعلم والعلماء، وأما الآن فأضحت ~~مدارس لتعليم الطباخة والخبازة والزراعة والأعمال الشاقة الخشنة التي ~~لا يستطيع راهب متعلم أن يحتملها، بل إذا وجد راهب ذكي وقصد أن ينتفع ~~بالدرس والمطالعة في الكتب النفيسة المذخرة في مكاتب الدير، وهي الآن ~~طعام للعث والجرذان، لم يلق غير الامتهان والاحتقار من إخوانه ~~الرهبان، وربما من رئيس الدير فيعيرونه بأنه طامح للأسقفية ويقضون على ~~مواهبه شر قضاء - اللهم إلا إذا كان راهبنا الشاعر قد تعلم في المدارس ~~العالية قبل دخوله إلى الدير، وفي هذه الحالة فإني أوجه إليه أشد كلمات ~~العذل والتأنيب على رضائه بالبقاء في وسط منحط ليس ms40 فيه أقل واسطة ~~لتشجيع ذي المواهب والمعارف الدينية والدنيوية، فهو عبارة عن قبر تدفن ~~فيه صفات الذكاء الفطري والجد والعزيمة، وتنبت على جوانبه حشائش الخمول ~~والجمود وقساوة الطباع وفظاظة الأخلاق، مع أن كثيرين من الرهبان هجروا ~~الأديرة لسوء حالتهم، وهم الآن يطوفون البلاد ويجوسون خلال الديار ~~فارين من وجه ذلك العيش الخشن والمعاملة القاسية، وبعضهم ترك الدير ~~ساعيا وراء جمع المال، حتى إذا قضى منه وطره طلق البتولية وعاد رجلا ~~علمانيا. # فاسمع يا أيها الراهب الكريم نصيحتي، واعلم بأنك إذا كنت بدخولك إلى ~~الدير تطمح إلى رتبة أسقفية، لا تنال مرادك؛ لأن رؤساءنا يشق عليهم أن ~~يروا في هذه الوظائف رجلا مهذبا متنورا مثلك لئلا يكون سلاحا ضدهم، ~~ولذلك هم لا يرقون إليها إلا البارعين في التمليق والمداهنة ولو كانوا ~~من الجهلاء - وإذا كنت تريد أن توسع مداركك وتهذب نفسك، فالدير لا ~~يبلغك أمنيتك ولا يقضي حاجتك ولا يشفي أوامك ولا يبرد ظمأك - وإذا كنت ~~تريد الشهرة وجميل الذكر فلا تبك على الذين استراحوا من عناء الحياة؛ ~~لأنك من القائلين بالبقاء، بل تعال وابك حال أمتك وانظم أبياتك الشعرية ~~في معنى تأخرها وانحطاطها لعلك تستطيع أن تنهض عزائمها وتبث فيها روح ~~الحماسة والغيرة والشوق إلى الإصلاح العملي، فتقوم طالبة إياه وأنت ~~أمامها تنشد الأشعار وتشدد القوى. # وأما إذا كنت أيها الراهب خيالا أو أرواحا جئت من عالم الأرواح لتسأل ~~عن سلامة إخوتك في هذه الأديرة التي ينعق فيها بوم الجهل والعماية، ~~فاذهب من حيث جئت وبلغ الذين أرسلوك بأننا في حال تستحق النوح والرثاء، ~~وسلام عليك من. # حبيب شنودة # واعظ أقباط أسيوط # وما اطلع حافظ على هذه الرسالة حتى هزته عوامل الطرب؛ لأنها غدت من أكبر الأسباب ~~التي تمهد له الظهور وهو كل ما يشتهيه من هذه الحياة الدنيا، وما كانت أعماله ~~كلها إلا عن رغبة منه في الاشتهار بين العالمين بالاقتدار الغريب والذكاء ~~النادر. # ولذلك عمد إلى قلمه وهو أطوع إليه من ظله، ورد على ذلك الواعظ ردا جميلا ms41 نثبته ~~هنا بنصه قال: # من الراهب إلى الواعظ # تعسا لي أنا الضعيف الشقي، فررت من الحياة العالمية وأوصابها، ~~وابتعدت عن ضوضاء الكون ومشاغله، وانزويت في هذه البرية ~~النائية لكيلا تشوش علي جلبة القوم، ولا تلهيني ملاهي العالم ~~وزخارفه. تركت كل شيء واحتقرت كل ما يظنه الغير لذة، وعفت كل ~~ما يزعمونه مجدا وترفا، واقتنعت بهذا السكون المخيم على كل ~~ما حوالي وهذا القفر الخالي إلا مما يدل على مجد الرب وقدرته ~~العظيمة. فهل هدأ خاطري وسكن اضطراب قلبي وارتاح ضميري، ~~وانقطعت عن الافتكار في العالم ومشاغله؟ هل صرت جديرا بهذا ~~الاسم أحمله وبهذا الطقس يكون شعاري؟ هل أنا راهب بكل معاني ~~الكلمة لا يبكتني ضميري على ذلة وتتعفف نفسي عن الخطية؟ # الإنسان إنسان ما دام على الأرض ضعيف بطبيعته خاضع لأحكام البشر ~~وإن اعتزلهم، معرض للسقوط في كل لحظة من حياته غير معصوم من ~~الزلل، وله في كل يوم تجارب ودروس جديدة لا تنتهي إلا في ساعته ~~الأخيرة. # هذا ما ناجيت به نفسي بعد أن اطلعت على رسالتك أيها الأخ الواعظ، ~~ولست أدري كم كان أسفي لتلك الهفوة التي عرضتني لتقولات العالم ~~وأحوجتني للخوض مع البعض في أخذ ورد. فانعم بك يا سيدي من واعظ ~~كريم، فقد ألفت نظري إلى مركزي ورددتني عن سبيل لا يليق بمثلي، ~~وسددت في وجهي بابا لو ولجت منه خرجت عن سواء السبيل. فتأكد ~~أن العظة من هذه الوجهة كانت بالغة وحلت من نفسي مكانا ساميا ~~وفي عزمي أن لا أعود فأطيع شعوري مرة ثانية، ولا أضعف لهذه ~~العواطف التي تدفعني لمثل ما عيرت به. # وصدق إنني حاسبت نفسي قبل إرسال هذه الأبيات، فرأيت لها قصدا ~~يحمد، فأقدمت غير هياب ولم يدر في خلدي أن هذه الدمعة تبقى ولا ~~تضيع بين مثيلاتها. فعذري أن الفادح عظيم جزعت له الأمة ~~المصرية عن بكرة أبيها، اللهم إلا من كان مجردا عن الشعور ~~والإحساس وكان قاصرا عن إدراك فضل الرجل على أمته. وقد سرني ~~ما رأيته من مشاركة ms42 الطائفة إخوانهم في الحزن على زعيم الحركة ~~الوطنية، ومحيي الشعور والوجدان في هذه النشأة الجديدة ~~المباركة. وتراني وطنيا أرفع صوتي مع أبناء طائفتي ندبا على ~~هذا البطل، وأذرف لفقده الدمع السخين الدامي، فمن شأن أن يكون ~~له هذه المنزلة في القلوب والمحبة في كل الأفئدة والتبجيل ~~والإكرام عند مواطنيه، فليحذ حذوه وليتبع طريقه وخطته ~~الشريفة. وكان غرضي من النشر أن أظهر عواطفنا لإخواننا في ~~الوطن والمصالح، وتأثرنا لهذا الخطاب، وأبرهن لهم على اشتراكنا ~~معهم في السراء والضراء، وهذا مما يقوي بيننا عرى الألفة ~~التآخي. # وقد لاحظت علي يا سيدي أنني ابتعدت عن العالم ولم تعد لي علاقة ~~به، فلم بكيت مع الباكين ولم رثيت مع الراثين، والجواب على ذلك ~~سهل تراه إذا قلبت طرفك في أنحاء وادي النيل، ولم تجد أخا ~~للفقيد في قوة الإرادة أو مثيلا في مضاء العزيمة والتفاني في ~~خدمة بلاده منزها عن كل غرض. ولو وقع بصرك على من يحلف الثاوي ~~ويحمل حمله الثقيل أكتب لي فأمسح دمعتي وأقصف قلمي وأخفت صوتي ~~وأعود إلى سكوني الأول، ناعم البال وأختفي إلى الأبد. وأملي ~~عظيم في رحمة الرب فهو لا يعاقبني ويسامحني في هذه اللحظات ~~التي قضيتها في رثاء الصحافي الكريم. # وقد رأيتك تعجب وتسائل نفسك لم لا أصرف فكري إلى ندب ورثاء الأمة ~~القبطية وهي في حال يشمت ولا يسر وأنها، إلخ، فاعلم يا رعاك ~~الله أن الطائفة حية بمشيئة الرب خالدة إلى اليوم الأخير، ولا ~~أظن أن الرب يسمح بموت من أتى لخلاصهم ووهبهم الحياة ~~الأبدية. # وفي الناس من يقول إن هذه الحياة ظاهرة، وأن الطائفة وضعت قدمها ~~على أول درج الحياة الراقية وابتدأت تسير على أثر الأمم الحية، ~~وقد أصبح بعون الله بين أبنائها كثيرون ممن تعلموا ونبغوا ~~وظهروا في مصاف الفحول والمقتدرين، لا تنقصهم إلا إرادة كإرادة ~~مصطفى كامل، ويعوزهم عزمه وثباته وتفانيه في خدمة أمته، فترى ~~الطائفة منهم خيرة رجال لعمل رقيها ولم شعثها وتقوية ~~رابطتها. # وفينا من يقول إن الحياة كامنة غير ms43 ظاهرة، تحتاج لمن يبعثها ~~وينشط بها من مكمنها، فقد طال عليها القدم، ولو عرف هؤلاء أن ~~من أبناء الطائفة حضرة الواعظ البليغ وأمثاله لغيروا معتقدهم ~~وعرفوا بخطاهم واتفقوا مع أصحاب الرأي الأول، على أن الطائفة ~~حية تنمو وترقى بقدر ما تسمح به سنة الطبيعة والظروف السياسية ~~الحالية، ولا تفتقر إلى الثبات والمحبة والإخلاص والتعاضد ~~والتكاتف في هذا المعترك الحيوي. لا يعوزها إلا أمثال حضرة ~~الفاضل ويراع كيراعه فيؤثر على القلوب الصخرية التي قال عنها. ~~يؤثر على الحائدين فيردهم إلى أحضان الكنيسة أمهم الشفيقة ~~الحنونة، يؤثر على الزائغين والمتكبرين فيهديهم سواء السبيل، ~~يؤثر على كل أفراد الطائفة وعلى الأخص من سمت مراكزهم في ~~الهيئة الاجتماعية فنسوا واجبهم نحو الله، يؤثر على الجميع ~~فتمتلي بهم المعابد ويراها آهلة معمورة فلا يعود يذكرها آسفا ~~حزينا. # ومتى سادت المحبة وأخلصت القلوب تزول كل أسباب الشقاق الذي يجزئ ~~القوى فتضعف وتتلاشى. تزول كل أسباب التنافس وتتفاهم الرؤساء ~~والأعضاء فترى الأمة كما تحب وتشاء. وجولة من قلمك أيها الواعظ ~~المجيد وعظة من عظاتك البليغة، بل صيحة من صيحاتك تبعث في هذه ~~الجمعيات روح الحياة العاملة وتوقظها من سباتها وتنشط بها من ~~خمولها. # لا تيأس يا سيدي ولا تكتئب ولا تضعف نشاط نفسك بهذه التصورات، ~~ولا تنظر للطائفة بمنظرك المصغر ولا من جهتها المعلولة، وابعث ~~الأمل إلى الأفئدة والقلوب لتنتعش وتبتهج فتتقوى وتشتد، فبغير ~~الأمل لا عيش ولا حياة. # سيدي الواعظ، لست أدري كيف طاوعتك نفسك ولم يعصك اليراع عند ذكر ~~ما ذكرت بخصوص القسس والرعاة، هل فاتك وأنت المتعلم المهذب أن ~~مقام الكهنوت جليل لا يرمى بمثل هذه المطاعن، ولو صحت وهو أرفع ~~من أن يكون قلمي الضعيف محاميا عنه فاسمح لي أن أقتصر هنا ~~على هذه الكلمة وأن أذكرك فقط بأن الرعاة ترعى الخراف الوديعة ~~لا الذئاب الجارحة. وأما الرؤساء الذين نعتهم بما شئت فإنهم ~~أقدر مني على تبرير أنفسهم، ولا أخالك إلا تضرب على وتر دق ~~عليه كثيرون قبلك فباتت النغمة غير مقبولة، والعاقل ms44 الحكيم من ~~لا يندفع لذم من ذمه غيره إلا إذا خبر الحال بنفسه. # وأما الدير ومشقة البقاء به والعيش فيه، فأراك غير عادل في ~~التشنيع في أخلاق سكانه متحامل على من به، وربما خبرت نفرا ~~منهم فشمت الجميع مثله. وإنك تتوهم أن قضاء الحوائج الضرورية ~~للإنسان من خبز وإصلاح طعام وما أشبه مما يحط من شأن الرهبنة ~~أو يجعلها شاقة خشنة لا تحتمل، أو يتعاظم عليها المتعلم المهذب ~~وإن كان متنغما مترفها. فهل غاب عنك أن المرء في حاجة للطعام ~~في كل بقعة من بقاع الأرض، فإن لم يجد من يقوم بتهيئته قضاء ~~لنفسه. والراهب لم يقم بالدير ليتنعم ويخدم بل ليتواضع وينقشف ~~ويترك كل أباطيل المجد الباطل والعظمة والكبرياء، فأتوسل إليك ~~أن لا تصور الوسط الذي أعيش فيه بمثل ما صورته وأملته عليك ~~مخيلتك وجسمه الخيال، فإن ما تراه قبرا تدفن فيه المواهب ~~العقلية يراه مثلي ملجأ يفر إليه من شرور العالم، ويهرب إليه ~~من ذلك الوسط المملوء بالمفاسد والمنكرات. # هذا المكان الذي تخاله يقضي على الذكاء الفطري والجد والعزيمة هو ~~المكان الذي يتجرد فيه العقل من كل فكرة شيطانية خبيثة، ويتفرغ ~~لإدراك الحقائق الغامضة وأسرار الكون الغريبة، هذا المكان الذي ~~تظن أن حظ من يدخله الخمول والجمود هو المكان الذي يرد إليه ~~الظمآن ويستقي ماء حياء من شربه لا يعطش إلى الأبد. والمرء إن ~~كان ذا عزيمة ثابتة وإرادة قوية لا يحتاج للتشجيع الذي تفوه ~~عنه، فهو ثابت بطبعه قوي بإرادته، ومحبة الرب والخوف منه تزيد ~~الثبات ثباتا والقوة قوى. # ولا تظن أن الذين هجروا الأديرة وساروا يتطفلون على العباد ~~ويعيشون عالة على الغير يلتقطون فتات الموائد، ويريقون ماء ~~الوجه تطلعا وسؤالا، لا تظن أنهم عباد ولا تحسبهم رهبانا ~~حقيقيين، فإنما هم إخوة الشيطان لم يطيقوا مع المؤمنين ~~المجاهدين المتعبدين ثباتا ولا صبرا، فاندحروا وباءوا بالذل ~~إلى حيث تراهم مرذولين محتقرين عليهم مسحة الخزي وغضب من الله ~~عظيم. واللوم على الشعب الذي لا يرقى لهم وينزلهم بينه منزلا ms45 ~~رحبا. # وانزع من فكرك «يا من توصيني» أنني أطمح للانخراط في مصاف ~~المطارنة أو الأساقفة أو في أي صف من صفوف الكهنة والقمامصة، ~~وأؤكد لك بل أعاهدك على أنني أرفض ذلك بتاتا ما حييت، وهذا ~~وعد مني ولست أمين، وأما الشهرة والذكر الجميل فإنني ~~تركتهما لمن يبتغيهما من الطامحين إلى الباطل، ولم يعد لي ~~مطمح في البائد الزائل، ولا أرجو من الرب إلا أن يقويني ~~ويثبتني على محبته وفي طاعته. # ولو كنت أنا الواعظ لاستعملت كل ما آتاني الله من المواهب لإحياء ~~الأمل في القلوب ونزع أسباب الخلاف والنفور من بين أبناء ~~الطائفة، لو كنت أنا الواعظ لأرشدت الأتقياء من المعلمين ~~الأذكياء إلى طريق الدير وحببت إليهم الرهبنة فلا يعود لطاعن ~~وجه للطعن على معلومات القسس والرعاة، لو كنت أنا الواعظ لما ~~أضعت وقتا ثمينا في تثبيط عزائم ضعيف مثلي، ولكنت أكتب إليك ~~أشجعك وأنشطك وأقوي عزمك، لو كنت أنا الواعظ لناجيت النفوس ~~وحركت الضمائر لمعرفة الرب معرفة حقيقية، لو كنت أنا الواعظ ~~لذكرت الشعب بجلل مقام الكهنوت ورفعته وأزلت من بين ~~الفريقين سوء التفاهم، وقويت بينهما رابطة المحبة والسلام، ~~ولكن ما كل ما يتخيله العقل يتحقق، فأنت أنت الواعظ، وأنا ~~الفقير. # غبريال إبراهيم بدير الأنبا بيشوي # لا يسع المطلع على هذه المقالة الشائقة إلا الإعجاب ببلاغة الكاتب وقوة ~~حججه، فقد ناضل خصمه نضالا محوره الأدب ولحمته الحكمة والسداد، ~~فأقنعه وأقنع جميع القارئين، وهي خطة مثلى في المناظرة نرجو أن يتعلمها ~~الصحافيون من حافظ نجيب. # ثم إنك إذا أمعنت النظر في مرامي المقالة المشار إليها، والمعاني التي ~~وردت فيها، والطريقة التي كتبت بها، لا يسعك إلا القول بأن كاتبها ~~مسيحي من صميم المسيحية، وراهب شب على حب دين المسيح ودخل إلى الدير ~~زاهدا عن رغب منه في عبادة الله ونيل رضاه ليس إلا. # ولهذا لا بدع إذا اهتم له أدباء الأقباط وتضاربت بشأنه الظنون، لا سيما ~~بعد أن خرج من معابد الله إلى معترك هذه الحياة ثانية، حتى اضطر أن ms46 ~~ينشر على الأمة القبطية البيان الآتي تهدئة للخواطر وإزالة لكل الشكوك ~~والشبهات قال: # اعتقد الجميع ورسخ في الذهن قصور الرهبان العلمي وضعف ~~مداركهم، وثبت لدى الملأ استحالة العيش بينهم لتنافر ~~أذواقهم وخشونة طباعهم، فغير عجيب أن يدهش مثلكم من ~~وجود متعلم بين ظهرانيهم أو يلجأ إلى الدير غير معدم ~~أو ذو طمع، ولا غرابة إذا أسأتم الظن فيمن ترك الحياة ~~وملذاتها وزخارفها وانخرط في زمرة هي على زعمكم مسوقة ~~بالفاقة والعوز إلى الاستكانة وراء الأسوار، ~~فاقتنعوا من اللباس بما يطرح عن سواهم واكتفوا لسد ~~أودهم بالكفاف، وإشباع بطونهم بفضلات ترمى إليهم بتأفف ~~وضجر، ولا عجب إذ رأيتم عسيرا بل محالا إمكان العيش ~~في وسط قاحل مجدب أو بين ضوار تأنست أو أقوام ~~توحشت، حياتهم طعام فنوم، فنوم فطعام؛ لأن أناسا ~~هذا شأنهم لا يألفون من كان على غير شاكلتهم وينفرون ~~ممن آمنهم من ذوي الميزة والإدراك. فمن استكان وصبر ~~ولو على مضض كان لعلة أو لسر أضمره، أقول لا عجب إذا ~~أسأتم الظن وعددتم ترهبه نادرة في القرن ~~العشرين. # إن رأي الطائفة بأسرها وصاحب الوطن على الأخص مشهور ~~وذائع عن أمر الأديرة والرهبان، بل ليس في القطر من ~~ينكر تأخر الإكليروس القبطي أدبيا وعلميا، وطالما ~~ارتفعت الصيحات وتعدد الرثاء والندب على حال مصيره إلى ~~أتعس مما نرى إذا لم توجد نهضة حقيقية من رجال الدين ~~وأبناء الطائفة لترقية وتحسين هذه الطغمة، وقد تشبع ~~أسقف الدير المحرق بهذا الفكر وعمل بلا جلبة ولا صياح ~~على تربية وتعليم نشئه الحديث، فانخرط في سلك رهبنته ~~عشرات يركن إليهم بعد حين، ولم يبغ نيافته شهرة ولا ~~مجدا بل رمى لأسمى الغايات وأشرف المقاصد بلا جلبة ~~ولا غوغاء. # ففي هذا الدير يمكن العيش بهدو واستثمار الفكر بالعمل ~~والدرس بين أفراد، وإن لم يحصلوا كثيرا فهم أرقى ~~الآباء وأكثرهم وداعة، فغير عسير على مثلي العيش معهم ~~وقضاء بغيته أيام الحياة بين ظهرانيهم مستفيدا أو ~~مفيدا، إلا أن الحياة لا تخلو من الأوصاب والشقاء لم ~~يترك مكانا ms47 دون أن يطرقه ويزعج ساكنيه. # ولو لم أطلع على ما كتب الوطن أمس بشأني لما كتبت إليكم ~~يا سيدي؛ إذ لم يكن بودي أن أخط شيئا تنشره صحيفة ~~فيتحرك ساكن قوم تذهب أقلامهم كل مذهب، أغراضهم ~~متباينة ومصالحهم متضاربة، فتأخذني الصيحات من كل فج ~~وتحل علي اللعنات من رجال الدين وهم يسوءهم أن ~~يرتفع صوت بصيحة حق أو يظهر امرؤ قضوا عليه بالصمت ~~والجمود، ولكن ما ذيل الوطن عبارته به دفعني للكتابة ~~فأنا مسوق مرغم. # كتب الوطن ما وصل إليه عن شخص محرفا أو محورا فوهم ~~وأوهم، ونقب وظن، ولو تروى صاحبه فطلب مقابلتي قبل أن ~~يكتب ما عن له لأحسن، ولكنه متحفز وثاب يهب ~~للصغيرة والكبيرة، شغوف بجلاء الغوامض، فليسمح لي أن ~~أذكره بأن كل خبر لا يستقى من مصدر محقق كان إذا ~~أذيع أكثر ضررا من كتمانه، وربما آذى امرأ يود له ~~الخير والفلاح. وليسامحني الفاضل إن رأى في كلماتي ما ~~يمس رقيق عواطفه أو يجرح صدره، فإنني لم أقرأ رسالته ~~إلا بعد أن تركت الرهبنة وتركت الدير، ولو كان حقيقة ~~نقب كما ادعى واستسقى الأخبار من مصادرها لكان في ~~علمه أنني حضرت إلى القاهرة من نحو شهر، وطلبت إلى ~~نيافة أسقف الدير المحرق أن يجردني من شعار الرهبنة ~~بعد أن كتبت إليه من أشهر رسائل بريدية وبرقية أكرر ~~فيها نفس الطلب، ليس في وسعي أن أصرح بسبب ترك الدير ~~حرصا على سمعته ومراعاة لعواطف نيافة الأسقف الذي لا ~~أذكر له إلا كل حسنة. # قرأت كلمات الوطن أمس ليلا بعد أن حضرت بأمر نيافته ~~فرابني الأمر، وتبادر لذهني أن اليد التي أرغمتني على ~~ترك الدير والترهب هي التي تحرك اليوم الوطن مستترة ~~عنه أو متحدة معه، ولكن ليهنأ بال الجميع فقد أخليت ~~لهم المكان حيث لم أجد فيه الهدو المنشود وراحة الضمير ~~والفكر التي ابتغيتها، والأرض واسعة الفضاء لا تضيق ~~بمثلي، وأبواب العمل مفتوحة في وجه المجد. # وحذرا من تخبط الأفكار لاستنادها على المنقول، أرى من ~~اللزوميات أن ms48 أجمل ما تهم معرفته عني مؤجلا ~~زيارة الوطن لأيام ريثما يهدأ فكري وأرتب أعمالي وأثبت ~~مركزي. # أنا شاب في بدء الحلقة الرابعة، تيتمت من والدي في ~~صبوتي، درست كل أيامي بتولوز ولبثت بها ثلاثة عشر ~~عاما، خرجت بعدها فنقبت عن رزقي وكفاف فتاتين كانتا ~~أملي في الحياة ورجائي منها، وغالبت الشقاء تسعة أعوام ~~كنت فيها ميسورا، وادخرت من كسبي ما يعين على المضض ~~ويدفع الفاقة ويقضي الحاجة. واختطف الموت عزيزتي فشق ~~الخطب وسئمت العيش، فالتجأت إلى الدير فلم أجد ما ~~أنشده من الهدو والسكينة. # وخلق الحسد ووجد التنافس، فأزعجتني الدسائس وأحاقت بي ~~إهانات توالت، فطلبت إلى نيافة الأسقف السماح لي بترك ~~الدير فماطل وسوف ووعد وأمهل وخمن وفصح ووعظ، ~~ولكن سواه غمز ولمز ودس وحرك الفتن، فتركت باختياري ~~وسطا عيشه نكد ونعيمه شقاء وهدؤه جلبة، وحضرت أمس ~~ليلا طوعا لأمر نيافة الأسقف وأنا أجله وأحترمه، ~~ورأيت كلمة الوطن فعزوتها لغرض مهم، وفضلت الانزواء في ~~داري عن مقابلة ربما تلجئني لما لا أحب، وكتبت للوطن ~~الأغر أطمنه وأهدي روعه وأسكن جأشه، ولي معه كلمات ~~ومقابلات ورسائل ربما كانت للصالح العام إن كان حقيقة ~~ينشده، وأرجو منه أن يفسح لكلماتي مكانا في وطنه كما ~~أفسحت لنفسي فنزعت رداء الرق والعبودية، وتركت واسع ~~الأكمام لألبس زيي الإفرنكي غير حامل اسمي في ~~البريد. # فيلوثاؤس # ولو شئت أن أورد في هذا الجزء كل ما حصل لحافظ في الأديرة القبطية، أو ~~بالحري كل ما أتاه هذا المحتال القدير من الحيل المدهشة والأعمال ~~الغريبة لاضطررت إلى جزء آخر غير هذا على الأقل، ولذلك أقف بالقلم إلى ~~عند هذا الحد واعدا حضرات القراء الكرام بتفصيل تلاعبه المدهش مع ~~حضرات نيافة الأنبا باخوميوس أسقف الدير المحرق والقس إيذيروس رئيس ذلك ~~الدير وكاتبه المعلم إبراهيم وسائر رجال دير أنبا أنطونيوس ورؤسائه ~~العظماء وغيرهم مما يضيق عن ذكرهم هذا المقام. # وسيكون لهذه الحكايات وقع غريب وتأثير عجيب على القارئين لا سيما لمناسبة ~~ما حدث أخيرا من فرار نفر رهبان دير المحرق، ms49 مما ذاع وشاع وعرف به ~~القاصي والداني من جمهور القارئين . # ومن غريب النوادر أنه كان لحافظ نجيب في فرار أولئك الرهبان اليد الطولى ~~كما أثبتت ذلك جريدة الوطن الغراء في عددها الصادر يوم السبت 20 نوفمبر ~~سنة 1909. # أما تفصيل تداخل حافظ في أمر أولئك الرهبان وكيفية وصوله إليهم، فما ~~سيأتي عليه الكلام في الجزء القادم إن شاء الله. # | من نوادر حافظ نجيب # يرى القارئ الكريم أنني لم أدخر وسعا في جعل هذا الجزء أحسن تسلية له في ~~ساعات الفراغ، ولم أضن في سبيل إخراجه على أحسن ما يكون من جمال الطبع ~~المشهور عن مطبعة المعارف. # ويلوح لكل مطالع من أول وهلة أنني لم أتعمد في كتابة هذا الجزء التهويل الذي لا ~~يقبله عقل اللبيب الحصيف، ولم أنهج نهج الروائيين الغربيين الذين يجعلون الحبة ~~قبة، والحمل جملا؛ لأنني تحاشيت الشرح الضافي الذي لا طائل تحته ولا فائدة ~~منه لمعاشر القارئين، ورغبت عنه في إيراد الحقائق منزهة عن كل تزويق وتنميق، ~~وهذا ما يريده القراء أجمعون ولا ريب. # وسأسعى في إصدار الجزء الثالث في القريب العاجل مزينا بعدة رسوم تمثل أبطال ~~النوادر التي سترد فيه، راجيا من ذلك كله رضى القراء الكرام وتشجيعهم إياي على ~~المثابرة في هذا السبيل عسى أن أكون سببا في إقبال سواي من الكتاب عليه، ~~فيكثر بيننا جمهور الروائيين الشرقيين، ونعمد إلى إصلاح عاداتنا وتهذيب نفوسنا ~~وإظهار معائبنا بروايات شرقية عربية خالية من رطانة العجمة وعادات ~~الغربيين. # وإنني لأرجو من كل قارئ أن يوافيني بما يعلمه عن حافظ نجيب مما يكون قد خفي ~~علي، وله الخيار في نشر اسمه أو إغفاله أو الإشارة إليه برمز من الرموز؛ لأنه ~~قد وصل إلي أن كثيرين من الذوات والعيون والمستخدمين قد غشهم حافظ وأوهمهم ~~أنه من كبار الأغنياء وعظماء المصريين تارة والسوريين طورا، مما لا يستبعد ~~حصوله من نابغة في الاحتيال قدير كحافظ نجيب. # كتاب مفتوح إلى الصديق القديم حافظ أفندي نجيب المدرس بمدرسة الاتحاد ~~الإسرائيلي سابقا # أيها الصديق القديم # اسمح ms50 لي أن ألقبك بالصديق القديم وإن لم تخلق جدتك الأيام؛ ~~لأنك اليوم غير ما كنت عليه أمس، فقد عرفتك شابا وديعا يخجل ~~لأقل كلمة كالعذراء الطهور، ويسعى سعي الأنبياء في خدمة الأدب ~~ولا سيما فن التمثيل الجليل، ويبر بوعده حافظا عهود ~~أصدقائه خادما لجميع عارفيه ومريديه، ذكيا لا يستخدم ذكاءه ~~إلا فيما يعود بالخير العام ولو على طائفة من الأدباء ~~المفكرين. # أما اليوم فقد تضاربت بشأنك الأقوال واختلفت الاعتقادات ~~والمذاهب. «فمن قائل أو أمثاله قليل» إنك أحسنت في كل ما نسب ~~إليك؛ لأنك عرفت كيف تنتقم من القدر الذي أساء إليك مع ما ~~حصلته من العلم وما أوتيته من الحصافة والذكاء بالضحك من بعض ~~البخلاء المقترين من الأغنياء المتنسكين لعبادة الأصفر الرنان، ~~والبعض الآخر يقول: حبذا لو صرف حافظ نجيب ذكاءه ونشاطه إلى ~~الأعمال الشريفة السامية، فهو لو فعل ذلك لأفاد ~~واستفاد. # ويقول فريق ثالث: إن حافظا لم يأت ما أتاه من الأعمال المدهشة ~~والنوادر العجيبة إلا عن رغب منه في إظهار ما فيه من المزايا ~~النادرة، وطلبا لإصلاح البوليس السري الذي لا يزال حتى الساعة ~~يبحث عنك وكأنه يبحث عن الغول أو العنقاء. # أما أنا فأقول: إن الخليق بك وأنت على هذه الحال أن تكفر عن ~~كل ما أتيت بتسليم نفسك للبوليس، حتى إذا ما قضيت مدة سجنك عدت ~~إلى عالم الجهاد خلقا جديدا، وخدمت العباد والبلاد بذكائك ~~وإقدامك، بل إن في وسعك وأنت أنت الذي حير الألباب وأدهش ~~المفكرين في اقتداره على الاختفاء عن أعين رجال البوليس أن ~~تقضي السنوات اللازمة لسقوط حق رفع الدعوى عليك، ثم تعود إلى ~~عالم الاجتماع ملكا طاهرا لا غاية له إلا خدمة بني الإنسان، ~~بل إن في مكنتك أن تخدم الاجتماع وأنت طريد فتراسل الصحف بما ~~يعن لك من الخواطر التي أملاها عليك الاختبار، فيكون ~~لمقالاتك أعظم تأثير وأبلغ استحسان، وإنني لأنتظر منك أن تفعل ~~ذلك، مقدما في الختام خالص تعازي للبوليس السري الذي عجز ~~عن اللحاق بك وأدرك أن مثلك لا ms51 يشق له غبار. # هداك الله ووهبك من لدنه رشدا وغفرانا بمنه وكرمه. # جورج طنوس ms52