######OpenITI# #META# URI: 1345YacqubSarruf.AmirLubnan.Hindawi80603582 #META# Tags: novels #META# ID: 80603582 #META# Title: أمير لبنان #META# AuthorID: 59284082 #META# Author: يعقوب صرُّوف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - النصح بالإخلاص‏ # 2 - بارقة الأمل‏ # 3 - الغداء على الغدير‏ # 4 - ما وراء الستار‏ # 5 - سورية في البارلمنت الإنكليزي‏ # 6 - التفتيش الأول‏ # 7 - مطارح النظر‏ # 8 - الاجتماع الثاني‏ # 9 - العرس والميدان‏ # 10 - المجمع البطريركي‏ # 11 - المشكل الجديد‏ # 12 - بوادر الحب‏ # 13 - حل مشكلة‏ # 14 - الأميرة صفا‏ # 15 - كشف الغامض‏ # 16 - استفحال الخطب‏ # 17 - واقعة الساحل‏ # 18 - التفتيش عن الأميرة سلمى‏ # 19 - النار ولا العار‏ # 20 - شكوى الحب‏ # 21 - الشهابيون في بيروت‏ # 22 - المذاكرات السياسية‏ # 23 - استفحال الفتنة‏ # 24 - حادثة دمشق‏ # 25 - توقع القضاء‏ # 26 - الذهاب إلى العرب‏ # 27 - المأتم‏ # 28 - خطر غير منتظر‏ # 29 - خيبة الأمل‏ # 30 - البحث والتحقيق‏ # 31 - مؤتمر باريس‏ # 32 - الخيبة والفشل‏ # 33 - البطر بعد الظفر‏ # 34 - التزلف والنفور‏ # 35 - الاحتفال في الحرش‏ # 36 - مؤتمر بيروت‏ # 37 - النجاة من السجن‏ # 38 - السلطان عبد العزيز‏ # 39 - زيارة الوالي‏ # 40 - فصل الخطاب‏ # الخاتمة‏ # 1 - النصح بالإخلاص‏ # 2 - بارقة الأمل‏ # 3 - الغداء على الغدير‏ # 4 - ما وراء الستار‏ # 5 - سورية في البارلمنت الإنكليزي‏ # 6 - التفتيش الأول‏ # 7 - مطارح النظر‏ # 8 - الاجتماع الثاني‏ # 9 - العرس والميدان‏ # 10 - المجمع البطريركي‏ # 11 - المشكل الجديد‏ # 12 - بوادر الحب‏ # 13 - حل مشكلة‏ # 14 - الأميرة صفا‏ # 15 - كشف الغامض‏ # 16 - استفحال الخطب‏ # 17 - واقعة الساحل‏ # 18 - التفتيش عن الأميرة سلمى‏ # 19 - النار ولا العار‏ # 20 - شكوى الحب‏ # 21 - الشهابيون في بيروت‏ # 22 - المذاكرات السياسية‏ # 23 - استفحال الفتنة‏ # 24 - حادثة دمشق‏ # 25 - توقع القضاء‏ # 26 - الذهاب إلى العرب‏ # 27 - المأتم‏ # 28 - خطر غير منتظر‏ # 29 - خيبة الأمل‏ # 30 - البحث والتحقيق‏ # 31 - مؤتمر باريس‏ # 32 - الخيبة والفشل‏ # 33 - البطر بعد الظفر‏ # 34 - التزلف والنفور‏ # 35 - الاحتفال في الحرش‏ # 36 - مؤتمر بيروت‏ # 37 - النجاة من السجن‏ # 38 - السلطان عبد العزيز‏ # 39 - زيارة الوالي‏ # 40 - فصل الخطاب‏ # الخاتمة‏ # | أمير لبنان # | أمير لبنان # تأليف # يعقوب صروف # الفصل الأول # | النصح بالإخلاص # هضاب لبنان آكام يعلو بعضها بعضا من ساحل بحر الروم إلى قنن صنين، مرتصفة على طول البلاد ~~من طرابلس الشام إلى ms001 ساحل صيداء، رصعتها القرى والدساكر، ووشحتها حراج الصنوبر والبلوط، ~~وتخللتها أودية وفجوات تنساب فيها الجداول والغدران، وقد قامت على جوانبها الحدائق ~~والبساتين من التوت والزيتون والتين والرمان، ودبجت أرضها بطرائق الديباج من النرجس ~~والخزام والأقحوان. بلاد المروءة والضيافة والشهامة والعفاف، مضى على سكانها دهور طوال، وهم ~~يغرسون كرومهم ويجنون ثمارهم، ويذودون عن ذمارهم بالبيض الصفاح، جانبهم عزيز وحرزهم حريز، ~~يمر بهم الغزاة من مصر، وبابل، واليونان، والرومان كالطيور القواطع تلتهم ما تراه وتغادر ~~البلاد وأهلها، فيعودون إلى زرعهم وضرعهم يغرسون البساتين، ويزرعون الحقول ويسومون القطعان، ~~ويبنون البيوت، ويشيدون القصور آمنين ناعمي البال إلى أن ينتابهم غاز آخر كما تنتاب ~~الأوبئة البلدان، فيظاهرونه أو يشاغبونه حسب مقتضى الحال. # لما كثر مرور الغزاة في بلاد الساحل بين بيروت ولبنان، انحدر الأمراء آل أرسلان من الشرق ~~إلى الغرب، ونزلوا قرى تطل على طريقهم لاستكشافها فسميت الشويفات، وبنوا فيها دورهم حيث ~~ضافهم سلطان دمشق الملك المؤيد المحمودي الخاصكي منذ خمسمائة عام، ونزل على الأمير سيف ~~الدين ثلاثة أيام. # في دار من هذه الدور وقف الأمير أحمد صباح يوم من أواخر عام 1859، وقف في رواق يطل على ~~بحر الروم وغابة الزيتون المعروفة بصحراء الشويفات، وكانت سفن الصيادين قد خرجت من بيروت ~~للصيد، ونشرت شراعها لنسيم الصبا، وقد هب صباحا من البر إلى البحر قبل اشتداد الهجير، ~~فجازت خلدة وشقت صدر الماء فأرغى وأزبد، ونشرت الغزالة أشعتها على الرمال بين الصحراء ~~والبحر، فعصفرتها وعبثت بما تجمع على أوراق الزيتون من ندى الليل، فطار ضبابا لطيفا ~~كأنفاس المحبين. # وقف الأمير هنيهة يقلب طرفه فيما يراه من جمال الطبيعة، ويستنشق نسيم الصباح، ويصغي إلى ~~تغريد الطيور، وهم بالخروج للصيد، ثم عاد إلى التفكير في كتاب ورد عليه في الليل الفائت ~~من الكولونل روز قنصل إنكلترا في بيروت، وقال في نفسه: لأمر دعاني القنصل إليه، ولا بد من ~~تلبية دعوته. ولم يستغرب دعوة القنصل له وتخصيصه إياه دون أبناء عمه؛ لأنه كان يعتمد عليه ~~بعد أبيه، والكتاب ليس من ms002 القنصل نفسه بل من ترجمانه، ثم دخل غرفته وافتقد الكتاب وقرأه ~~ثانية فإذا هو يقول فيه: # الجناب الأكرم والملاذ الأفخم الأمير أحمد أرسلان المحترم دام بقاه # بعد أداء واجب التحية والإكرام، أعرض أن سعادة القنصل أمرني لكي أكتب إليكم ~~أدعوكم إلى دار القنصلية غدا صباحا، للمذاكرة في بعض الشئون الهامة والمرجو ~~تشريفكم في الوقت المعين، وأدام الله بقاءكم. # فقال في نفسه: ما هذه الأمور الهامة يا ترى؟ ولماذا لم يكتب القنصل نفسه إلي ~~بالفرنسوية؟ أويظن أنني أكون آلة في يده كما كان المرحوم والدي؟! تلك أيام مضت ولن تعود، ~~نعم إن إنكلترا وفرنسا ساعدتا دولتنا على الروس في حرب القرم، ولكن تلك المساعدة لا تقضي ~~علينا بالاستعباد، وليس من صواب الرأي أن نجاري خورشيد باشا فيما طلبه، ولكن لا يليق بنا أن ~~نستميت إلى هذا الحد. # ثم نظر إلى ساعته، ونادى مسرورا عبده، وأمره أن يشد على جواده، ولبس ثيابه: بذلة من ~~الجوخ الكحلي، وطماقا مزركشا بالقصب، وتقلد سيفه؛ وهو لجده الأعلى الأمير جمال الدين، ~~قلده به السلطان سليم الفاتح في مدينة دمشق يوم دخلها ظافرا، وتنكب قربينة صنعت لأبيه ~~في بيت شباب، صنعها له أولاد نفاع من فضلات نعال الخيل المطرقة، فجاءت مجوهرة كالسيوف ~~الدمشقية يطلق بها عشرين حواشة معا، فتنطلق منها كالمدفع الرشاش ولا يستطيع إطلاقها إلا ~~من كان ساعده من الحديد مثل ساعده، وألقى على كتفيه برنسا أبيض من نسج دمشق، ثم اعتلى صهوة ~~جواده، ووضع فردين صغيرين في قربوصه؛ وهما هدية لأبيه من إبراهيم باشا، أهداهما إليه قبل ~~واقعة اللجاة، وسار وأمامه عبداه مسرور وسالم، وهما بالعدة الكاملة مع كل منهما يطقان، وزوج ~~طبنجات، وبندقية نظامية إبرهيمية من البنادق التي ألقتها جنود إبراهيم باشا وهي عائدة إلى ~~مصر. # فمر في طريق متعرج بين البيوت والحوانيت، وكانت نساء القرية ذاهبات يستقين وجرارهن على ~~أكتافهن أو رءوسهن، والبراقع مسدولة على وجوههن لا يبين منها إلا عين واحدة يكشفنها لينظرن ~~طريقهن، فلما دنا منهن وقفن كاسرات الطرف هيبة ووقارا، ms003 وكذلك كان الرجال يقفون في ~~حوانيتهم، ويضعون أكفهم على صدورهم ويحيونه. # وسار من تحت كفر شيما والحدث إلى الشياح والناس ينظرون إليه شزرا؛ لأن قلوبهم كانت موغرة ~~بالأحقاد، ومر في حراج بيروت، وكان الهجير قد اشتد وعلا صوت الصراصير، فوقف هنيهة في ظل ~~صنوبرة كبيرة مما بقي من الصنوبر الذي غرسه الأمير فخر الدين المعني، وهي منتصبة بين ~~الأشجار التي غرسها إبراهيم باشا كالجبار بين الأطفال، حتى إذا كثر رفس الجواد من كثرة ~~الذباب استأنف السير ومر في طريق الميدان فالباشورة. # وعرف أصحاب الحوانيت أنه من أمراء الجبل من قيافته وعدته، لكنهم لم ينهضوا للسلام عليه ~~لاعتقادهم أن أهالي لبنان فلاحون كلهم حتى أمراؤهم، ولو كانوا من نسل الملوك، ولا هو بادأهم ~~بالسلام أنفة وعتوا، ودار من عند السور «عصور»، وصعد في طريق المصيطبة إلى بيت الكولونل ~~روز قنصل الإنكليز الجنرال، فبادر إليه قواسان كانا واقفين عند الباب، وأمسكا بركاب جواده، ~~فنزل عنه ونفح كلا منهما بريال، ودخل غرفة كبيرة، كواها تطل على حديقة غناء، نسقت فيها ~~أشجار البرتقال والتفاح والرمان، وأنواع الورد والياسمين، وكانت الغرفة مفروشة بالبسط ~~الفارسية، وفيها مقاعد مكسوة بالحرير المطرز من نسج دير القمر، ومكتب كبير من خشب الجوز ~~مطعم بعرق اللولؤ من عمل دمشق، وكراسي إنكليزية كبيرة مكسوة بالجلد البني، أمامها موائد ~~صغيرة، فلاقاه القنصل إلى الباب ورحب به، ثم أتي بالقهوة ودار الحديث بينهما على شئون الجبل ~~وثورة الخواطر فيه، فشكا الأمير من أن نصارى المتن والعرقوب وزحلة ودير القمر قد أكثروا من ~~ابتياع الأسلحة، ولا عمل لهم إلا سبك الرصاص ولف الفشك، فلا عجب إذا فعل دروز الشوفين ~~فعلهم. قال: ويبلغني أن كسروان كلها متحفزة للثورة، وأن يوسف بك كرم قابل قنصل فرنسا، فشد ~~القنصل أزره، وأكد له أن فرنسا لا تتخلى عن الموارنة بوجه من الوجوه. فقال القنصل: ولكن ~~بلغني أن خورشيد باشا قال لكم مثل ما قال قنصل فرنسا ليوسف بك. فقال الأمير: أما أنا فلم ~~أقابل خورشيد باشا. فقال القنصل: ms004 نعم لم تقابله أنت، ولكن قابله جماعة من بيت عماد وبيت ~~نكد، ومضى اثنان منهم إلى خلوات البياضة لهذا الغرض، وقد استدعيتك الآن لكي أحذرك من عواقب ~~الثورة، فإنه إذا استفحل الخطب فلا يبعد أن تحتل بلادكم دولة أجنبية، وهذا لا نرضاه لكم ولا ~~للدولة العثمانية، وأمس كان عندي سعيد بك فأخبرته بما أخبرتك به الآن، وليس الخوف من ~~عقالكم بل الخوف من جهالكم، وأنا أعلم شدة طاعتهم للعقال، ولكن ما كل وقت يكون العقال ~~على يقظة من أمرهم. # وطالت المذاكرة نحو ساعتين، حتى إذا حان وقت الغداء دعا القنصل الأمير للغداء معه، وتغدى ~~معهما شاب إنكليزي اسمه السر هنري بدمونت في غرفة مجاورة لغرفة الاستقبال، وجلسوا بعد ~~الغداء يدخنون التبغ ويشربون القهوة، ويتكلمون في مصالح الجبل، وتاريخ أمرائه، وسبب الخلاف ~~بين اليزبكية والجانبلاطية، وبين النصارى والدروز، إلى غير ذلك مما يهتم به قناصل الإنكليز ~~خاصة، وكان كلامهم بالفرنسوية، وقد سر السر هنري بحديث الأمير أحمد، وطلب إليه أن يسمح ~~له بزيارته في داره بالشويفات. فقال: حبا وكرامة، وإن سمحت فإني آتي بنفسي وأذهب بك. فقال ~~السر هنري: إني لا أكلفك إلى ذلك، وسأزورك بعد غد مع أحد قواسة القنصلية. ثم استأذن الأمير ~~أحمد في الانصراف، فودعه الكولونل روز والسر هنري بدمونت إلى باب القنصلية. # ومر وهو راجع في طريقه ببيت رجل اسمه الشيخ درويش ويكنى بأبي فخر، وكان هذا الرجل قد ~~رآه ذاهبا إلى دار القنصل، فجلس في رواق بيته ينتظر عودته، حتى إذا مر به قام للقائه ودعاه ~~لينزل ويشرب القهوة، واعتذر الأمير عن النزول بفوات الوقت، فقال له: ألا نزلت، فإن ~~المرحوم والدك كان يشرفنا كلما نزل إلى بيروت، وبيتنا مستعد لقبول الزوار، وأمس شرفنا ~~الوالي والسرعسكر. وما زال به حتى ترجل وصعد معه إلى رواق كبير يطل على الطريق، فلما جلس ~~قال له الشيخ درويش: يا سبحان الله! إنك جلست على الكرسي الذي كان يجلس عليه المرحوم والدك! ~~وهو الكرسي الذي يجلس عليه دولة الوالي كلما ms005 زارنا، هات أخبرني أين كنت؟ ولا تخف عني ~~شيئا، فإن المرحوم والدك كان يطلعني على كل أخباره وأسراره، وقد كان أبي صديقا له، ~~وأوصاني لأكون صديقا لك، قل لي أين كنت؟ فقال الأمير: كنت في بيت الكولونل روز لشغل ~~خصوصي. # فقال الشيخ: أي نعم لشغل خصوصي، اسمع يابني ولا تملك الأجانب منك، ولا تحد عن خطة ~~أبيك - رحمه الله، ولماذا لم تذهب إلى بيت الوالي مثل سائر مناصب الجبل؟ # فقال الأمير: إني ذاهب إليه. # فقال الشيخ: أحسنت أحسنت، وتفضل خذ القهوة. انظر ما أجمل هذه الفناجين! فإنها من الصيني ~~الحر، اشتراها المرحوم والدي من دمشق الشام، كل فنجان بعشرة فندقليات، إذا رميته على الأرض ~~لا ينكسر! والظروف من صياغة إسطانبول: فضة روباص، وذهب بندقي، والمرجان من أعلى طبقة. ~~الظروف اشتريتها أنا من إسطانبول، أخذتها من الدلال بثمن بخس بالنسبة إلى ثمنها الأصلي، ~~كانت لأزميرلي باشا الصدر السابق، وبيعت مع بعض التحف بعدما قتل، ما أكثر تقلبات الدهر! ~~يقال إنها كانت للسلطان مصطفى، نعم كانت للسلطان مصطفى، فأهداها إلى أزميرلي باشا، أما أنا ~~فاشتريتها بمالي، كل ما عندي اشتريته بمالي؛ لأني أكره المهاداة، فإن الهدية بلية على ما ~~يقال، فأنت الآن تشرب القهوة في فنجان من الصين، وظرف كان يشرب منه السلطان مصطفى - غفر ~~الله له. # وكان الأمير أحمد يعرف هذا الرجل وحبه للفخر والمباهاة، ولذلك لقب أبا فخر فلم يسؤه ~~كلامه، لكنه ود تقصير الزيارة على قدر الإمكان، فلم يكد يشرب القهوة حتى نهض، وقال: تعذرني ~~الآن يا أبا فخر لأنه لا بد لي من رؤية دولة الوالي. # فقال: أحسنت، وإن أردت فأنا أذهب معك إليه، ولكن قد حانت صلاة العصر، ولا بد لي من ~~الذهاب إلى الجامع، لأني لا أترك الصلاة مطلقا فعلى الطائر الميمون. # فودعه الأمير بعد أن طلب إليه أن يشرفه إلى الشويفات، وركب جواده وسار إلى دار الولاية، ~~وأقام مع الوالي نصف ساعة دار فيها الحديث على شئون الجبل، وكان الوالي يتودد إليه على خلاف ~~عادته، ms006 وقال له: أنتم سيف الدولة ولا غنى لنا عنكم، ولا غرض لنا إلا استتباب الأمن في ~~البلاد، وكف يد الأجانب عنها، ولا بد للدولة من ذلك مهما كلفها، ونصيحتي لك أن تكون في ~~خاطرها مثل أبناء عمك. # فقال الأمير: نحن لا نخرج عن خاطر الدولة؛ لأن طاعتها فرض علينا، ولكن يا حبذا لو فضت هذه ~~المشاكل من غير حرب أهلية. # فقال الوالي: هذا الذي نوده، ولكن إذا كان لا بد من الحرب الأهلية، فالدولة لا تتغاضى ~~عنكم؛ لأنها لا تترك الحزب القوي ليفتك بالضعيف، وقد أبنت رأيي بالإسهاب لشيخ العقل، ولا ~~بد من أن يجمعكم ويبسطه لكم، ولا أخفي عليك أن ترددك على القنصل لا يرضينا. # فقال الأمير: كيف ذلك؟! والذي أعلمه أن دولة الإنكليز من أشد الدول صداقة لدولتنا ~~العلية. # فقال الوالي: نعم هي كذلك، ولكن ليس كل رجالها على رأي واحد. # قال ذلك وصمت، فعرف الأمير أن مدة الزيارة انقضت، فقام وودع، فوقف له الوالي وشيعه إلى ~~باب الغرفة التي استقبله فيها على خلاف عادته، وكان هذا الحديث باللغة التركية؛ لأن الأمير ~~أحمد تعلمها لما كان في الأستانة مع أبيه، وهو يحسن التكلم بها كما يحسن التكلم بالفرنسوية، ~~وكان العصر قد أذن فركب جواده وعبداه معه، وسار راجعا إلى الشويفات في الطريق الذي جاء ~~فيه. وكان يفكر في كلام القنصل المسهب وكلام الوالي الموجز وأحوال الجبل، وما يمكن أن تئول ~~إليه إذا نشبت فيه حرب أهلية تسفك فيها الدماء وتحرق البيوت، وراجع ما كان من نتائج الحروب ~~الأهلية السابقة وكلها ضعف على ضعف وذل على ذل، فقال: لا بد لي من اتباع نصيحة القنصل وحمل ~~أبناء عمي على اتباعها. ووصل إلى نهر الغدير، وهو تائه في فيافي الأفكار وحانت منه التفاتة، ~~فرأى نسوة جالسات وراء مطحنة، فخفق فؤاده وغض طرفه وظل سائرا. # وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، وانتشر ذهب الأصيل على ربى لبنان، وألبس الأفق طرازا ~~معلما من البرفير والأرجوان. # الفصل الثاني # | بارقة الأمل # في أحوال الناس سر ms007 غامض لا ينطبق على قاعدة معلومة، وهو الاتفاقات الكثيرة التي تقع على ~~غير انتظار، يخطر على بالك رجل لم تره منذ سنين كثيرة، وفي الساعة التي يخطر على بالك فيها ~~تراه آتيا لزيارتك، كأن قوة روحية تقدمته ووصلت إليك فأعلمتك بقدومه. # وتفتش عن عبارة قرأتها في كتاب فتقع عينك عليها حالما تفتح الكتاب، وقد تفتش عنها مرة ~~أخرى فلا تجدها إلا بعد العناء الطويل، فكيف اتفق أن عثرت عليها في المرة الأولى؟! # وينشغل بالك بأمر هام وترتبك فيه ولا ترى وجها لحله، ثم تقابل أحد أصدقائك اتفاقا أو ~~رجلا لا تعرفه، ولم تره قبلا، فتجده عنده حل المشكل والخبر اليقين، كأنه سخر لخدمتك ~~وقت حاجتك إليه. # على هذا النمط كان الأمير أحمد في نظر السر هنري بدمونت، فلم يكد يخرج من دار القنصلية ~~حتى دخل السر هنري مكتبه، وعاد إلى إتمام الكتاب الذي شرع في كتابته إلى أمه ذاكرا فيه ~~خلاصة ما جرى له يوما بعد يوم من حين وصوله إلى بيروت، وكان قد أخبر أمه عن كل ما رآه ~~وسمعه من حين قدومه، وعن درسه جغرافية البلاد من بيروت إلى صيداء، وتعيينه مكان الواقعة ~~التي جرح فيها جده الأعلى كونت بدمونت، لما أوفده ملك الإنكليز الملقب بقلب الأسد لفتح ~~بيروت، فقد عين مكان الواقعة بالتدقيق، وكانت تقاليد عائلته تجعلها قرب نهر الدامور المعروف ~~عند الأقدمين باسم تاميراس أو داموراس، حيث حدثت المعركة الدموية المشهورة بين أنطيوخس ملك ~~سورية ونيقولاوس قائد الجيوش المصرية، فدارت الدائرة على الجنود المصرية، وقتل منها ألفا ~~رجل وأخذ ألفا أسير، وعادت فلولها إلى صيداء، وذلك قبل التاريخ المسيحي بنحو 218 سنة، لكنه ~~وجد أن شكل الأرض هناك لا ينطبق على الوصف الذي وصفها به ولف خادم جده، بل ينطبق على جهات ~~خلدة، حيث تكثر نواويس الحجر التي ذكرها ولف في وصفه، ولا عبرة بما جاء في دليل أورشليم من ~~أن خلدة على اثني عشر ميلا رومانيا عن بيروت؛ لأن الاسم القديم وهو«هلدوي» ينطبق على ~~الاسم ms008 الجديد، فالواقعة حدثت قرب خلدة، وجده لجأ إلى كهف من الكهوف التي قرب الشويفات، ~~ولا بد من أن تكون رفاته هناك حتى الآن؛ لأن خادمه ولف سد باب الكهف الداخلي عليه بعد أن ~~لفه بردائه. # ولما قابل السر هنري الأمير أحمد، وعرف أنه من أمراء الشويفات شعر كأن بارقة من الأمل بدت ~~أمام عينيه، ثم لما علم أنه من طائفة الدروز أصحاب الطريقة السرية الخاصة بهم، كادت نفسه ~~تطير حبورا، وجعل يسترق اللحظ ويتفرس في وجهه، وكان الكولونل روز يعلم أنه مغرم بالمباحث ~~التاريخية والأثرية، فأشار إلى عائلة الأمير، وقال للسر هنري: لا يبعد أن يكون جدك كونت ~~بدمونت قد التقى بجد الأمير منذ سبعمائة سنة في ضواحي هذه المدينة، وقد يكون بينكما ثارات ~~وأخاف أن تتقاضياها الآن. # فتبسم السر هنري، وقال: أما الآن فإننا في جوار الأمير، والعرب يرعون الجوار ويحمون ~~الجار. فقال الأمير: بل أنا في حماكم وضيف عليكم. # فقال الكولونل: إن السر هنري جاء هذه البلاد للتفتيش عن رفات جده؛ لأنه توفي فيها على قول ~~خادمه، بعد أن قتل أكثر رجاله، وأسر من بقي منهم حيا، وأرجو أن تبذل جهدك لكي ينال ~~بغيته. # فقال الأمير: حبا وكرامة، إني من الساعة في خدمته باذل جهدي في تحقيق بغيته. # فشكره السر هنري على مروءته وكرم أخلاقه، واتفق معه على أن يزوره بعد يومين؛ ليريه ما حول ~~الشويفات من الكهوف القديمة. # وذكر السر هنري هذه الأمور كلها لأمه، وهو يعجب من هذا الاتفاق الغريب، ويقول: إني موفق ~~بإذن الله. إلى أن قال لها: فإذا عدت ومعي الوثيقة، وختم قلب الأسد عليها، فلا يبقى لي ~~منازع في كونتية بدمونت، ولا يبقى اعتراض لإفلين ولا لأمها، أواه يا أماه لو تعلمين كم ~~أقاسي من هذا البعاد؟! وقد آليت على نفسي أن لا أكتب إلى إفلين حتى أجد الوثيقة. # قال ولف: إنها من الفضة وعليها ختم قلب الأسد، وإنه وضعها على صدر سيده لما لفه بردائه، ~~هذا هو الخبر المسلسل في تاريخ العائلة، ms009 وإن باب المغارة إلى جهة الشمال الغربي وقد سدها من ~~الداخل على أسلوب يظهر منه أن نهايتها هناك، لا بد وأن أهتدي إليها إن شاء الله، وهذا ~~الأمير شاب في نحو الرابعة والعشرين تلوح على وجهه لوائح الشهامة وعزة النفس، وهو يحسن ~~الفرنسوية، ولا بد من أنه يحسن لغته العربية، والكولونل روز يكرمه كثيرا، وقال لي إن ~~أباه كان من أخلص الناس لنا، لكنه يخشى أن لا يكون مثل أبيه؛ لأن الذين علموه اللغة ~~الفرنسوية أثروا في ذهنه، فضلا عن أن اللغة وآدابها تكفي لهذا التأثير، ولا أدري لماذا لا ~~يسعى رجالنا في نشر اللغة الإنكليزية وتعليمها لأبناء الأمراء والعظماء، كما يسعى ~~الفرنسويون في نشر لغتهم؟! فإننا إذا فعلنا استفدنا تجارة وسياسة، وقد رأيت كثيرين هنا ~~يتكلمون الفرنسوية والإيطالية ولم أر أحدا يتكلم الإنكليزية من أبناء البلاد غير اثنين أو ~~ثلاثة، ولا أحد يهتم بتعليم اللغة الإنكليزية غير بعض المرسلين الأميركيين. وسأزور الأمير ~~بعد غد، وأكتب إليك عن زيارتي له بالتفصيل. ثم فصل لها كيفية سفره من الأستانة العلية إلى ~~بيروت، لكنه لم يذكر لها شيئا عن المهمة السياسية التي جاء لأجلها. # وكانت الباخرة الفرنسوية على أهبة السفر، فطوى الكتاب وأرسله مع مكاتيب القنصلية، وركب هو ~~والقنصل جوادين وخرجا للنزهة على رمل بيروت إلى أن بلغا البحر ورأيا غروب الشمس، وقد امتدت ~~أصابع الشفق حتى بلغت الأفق الشرقي وهو منظر بديع قرأ عنه في الكتب، ولكنه لم يره قبل الآن، ~~فقال: ما أجمل هذا المنظر وما أبدعه للتصوير! أين مصورو الطبيعة يأتون هذه البلاد فيرون ~~فيها كل يوم منظرا بديعا تعجز ألوانهم عن تصويره؟! # فقال القنصل: نعم، هي كما تقول وفوق ما تقول، ومتى جاء فصل الربيع تتعشقها تعشقا، وما ~~هضاب اسكتلندا وجبال سويسرا شيئا مذكورا في جنب جبال لبنان وهضابه، ولكن انظر كيف صار ~~أقرع أجرد من توالي المحن، وهذه المدينة التي كانت من أعظم المدائن الرومانية تكاد أعلامها ~~تندرس، ولولا الإصلاح القليل الذي نالها في زمن الدولة المصرية ms010 لصارت أثرا بعد عين، أين ~~أرز لبنان وبلوط باشان؟! أين المعاقل والمصانع؟! لا ترى مكانها غير أديرة الرهبان ومزارع ~~الفلاحين، أما دور الأمراء والمشايخ فلا تذكر في جنب ما كانت عليه قصور الأمراء في سالف ~~الزمن، أين المدارس والمشاهد التي كانت بيروت غاصة بها في عهد الرومان؟! لم يبق منها غير ~~بعض الأعمدة الكبيرة مبثوثة بين الخرائب والأنقاض دالة على عظمتها السالفة. # فقال السر هنري: أوتبقى الحال على هذا المنوال؟ # فقال القنصل: كلا؛ لأن دوام الحال من المحال، فإن لم تفلح مساعينا احتلت فرنسا البلاد ~~كما تعلم، وأن أفلحت فلا بد لنا من وضع حد لسوء الإدارة. # الفصل الثالث # | الغداء على الغدير # إلى الشمال الشرقي من الشويفات قرية كبيرة تفضلها في غزارة مائها وكثرة بساتينها، ولو ~~قلت عنها في عدد سكانها وفخامة مبانيها، وهي قرية كفر شيما أو قرية الفضة، نزلها الأمراء ~~الشهابيون من قديم الزمان كما نزل الأرسلانيون الشويفات، وبنى الشهابيون الدور الكبيرة، ~~واعتنوا بغرس الجنائن والبساتين فيها وفيما جاورها من رياض الغدير، وهو نهر شتوي يفيض في ~~الشتاء حتى يطم على الربى، ويجف في الصيف حتى لا تبقى فيه نقطة ماء. # في دار من دور كفر شيما أمير من آل شهاب اسمه الأمير عباس لم يتنصر مع إخوته وأبناء عمه، ~~بل بقي على الإسلام مثل أقاربه في حاصبيا ووادي التيم، وكان عنده خطيب يصلي وراءه، لكنه كان ~~سمحا لا يجادل إخوانه إلا بالتي هي أحسن، ولا منع زوجته وأولاده من التنصر، بل كانت زوجته ~~شديدة التمسك بالنصرانية والإكرام لقسوسها، وكثيرا ما قصده مطران بيروت وتجادلا طويلا، ثم ~~انتهى الجدال بينهما بقوله: لكم دينكم ولي ديني، فيتركان الجدال ويعودان إلى وصف الدخان ~~الجبيلي والشقيفي، فإن المطران كان مولعا بالأول والأمير بالثاني وكانا كلاهما مغرمين ~~بالسعوط، ومع المطران حقة مرصعة بالماس أهدتها إليه الإمبراطورة أوجيني زوجة الإمبراطور ~~نبوليون الثالث لما زارها في فرنسا، فلم يكن يسعه إلا استنشاق السعوط منها من وقت إلى آخر ~~وتقديمها إلى الأمير، حتى يرى حجارة ms011 الماس على غطائها، والأمير يقدم له حقة سوداء سادجة من ~~صنع الصين، لكن حملة شبقه كانت من الكهرباء وتحتها حلقات من الجزع والعقيق مرصعة بالذهب، ~~والشبق نفسه قضيب طويل من الورد الأخضر يقطعه ويثقبه بيده، وقد غرس وردا كثيرا في حديقة ~~داره لهذه الغاية فلا تلبث القصبة في يده يومين حتى يبدلها بغيرها قبلما تجف. # وكان للأمير عباس ابنان وابنة اسمها سلمى، وفي اليوم الذي مضى فيه الأمير أحمد أرسلان إلى ~~بيروت لمقابلة الكولونل روز، قامت الأميرة سلمى وطالبت أمها بوعدها، وهو النزول إلى الغدير ~~للنزهة وتناول الغداء هناك؛ لأن مطر الخريف كان قد كسا الأرض بساطا سندسيا، وظهر زهر ~~العصفر فدبجه بطراز معلم، فنادت أمها جارية اسمها زهرة، وقالت لها: قولي لمرجان إننا ~~نازلتان إلى الغدير، وقولي للخزندار أن يرسل غداءنا إلى هناك، ويدعو أم يوسف لتوافينا إليه. ~~وأرسلت سلمى إلى صفا ابنة عمها تدعوها إلى النزهة معهما. # ثم ركبت الأميرة هند وابنتها وابنة سلفها خيولا عربية مطهمة تتهادى بما عليها من الحلى، ~~ونزلن إلى الغدير ونزل معهن مرجان وبيده نارجيلة جوزتها من البلور المطرش وقلبها من الفضة ~~والذهب، وقد علق على جنبه كيس التنباك من المخمل الأحمر المزركش بالقصب، ونزلت زهرة ومعها ~~طاس من الفضة وجارية أخرى بطاس آخر وخادم يحمل سجادتين، وساروا الهوينى وقد تكبدت الشمس ~~السماء، فلم يصلوا إلى الغدير إلا قبيل الظهر. # ثم تبعهم بعض الخدم والحشم ومعهم ما طهاه الطهاة من فاخر الطعام وسلتان من العنب ~~والليمون، فمدوا سماطا للأميرات، ووقفت الجواري في خدمتهن، حتى إذا اكتفين من الطعام وأكلن ~~الحلوى والفاكهة، اتكأن يتطارحن الحديث، وكانت أم يوسف من أفكه نساء القرية حديثا وأوسعهن ~~رواية، فلا يطيب للشهابيات عيش بدونها فيدعونها من بيت إلى بيت، ولا يخرجن للنزهة إلا وهي ~~معهن تطرفهن بالأحاديث المختلفة بعضها صحيح وبعضها مختلق أو مزوق، فحدثتهن تلك الساعة عن ~~أعمال السحر والتعزيم التي كان يعملها الشيخ بشير تلحوق، وكان من أعلم أهل زمانه وأمهرهم ~~وأدهاهم، ومما قصته عنه أنه ms012 كان يضع إبريقا بين رجلين، ويتلو عليه بعض الآيات من القرآن ~~والزبور، فيدور الإبريق من جهة إلى أخرى من تلقاء نفسه بقوة السحر، وأنه كان يوقف عصاه ~~فتقف، ثم يأمرها فتدور أمام الجلوس من أمام واحد إلى أمام آخر من غير أن يلمسها أحد، ويضع ~~إبريقين في زاويتين من زوايا الغرفة واحدا ملآنا والآخر فارغا، ثم يتلو بعض الآيات ~~فينتقل الإبريق الفارغ من مكانه ويسير إلى مكان الإبريق الملآن، ويسير الإبريق الملآن من ~~مكانه إلى مكان الإبريق الفارغ، هذا والناس ينظرون ويعجبون ولا يشكون أنه يفعل ذلك بقوة ~~سحرية، ويضع بيضة في إناء ويسلقها فتثب من الماء الغالي من نفسها وتبعد عنه. # وأعجب من ذلك قدرته على شفاء المجانين من جنونهم، لكنه لا يستطع ذلك ما لم يقفل باب غرفته ~~عليه ويبقى فيها عشرة أيام أو أكثر صائما جاهدا، وأخيرا يأتيه ملك الجن ويقول له: اطلب ~~ما تريد. فيقول الشيخ: إن فلانا أصيب بالجنون، وأطلب منك أن تساعدني على شفائه. فيقول له ~~ملك الجن: لبيك وسعديك قد أجيب طلبك. ولما تورمت امرأة الشيخ أحمد تلحوق، حتى ظن أنها حامل، ~~وطال الزمن عليها ولم تلد ولا شفيت من الورم؛ أمر الشيخ بشير يده عليها فشفيت للحال وزال ~~الورم كله، وأتي إليه بالشيخ يوسف تلحوق وهو مجنون جنونا مطبقا، فأبقاه عنده يومين ثم ~~أرجعه إلى بيته صحيح الجسم والعقل. # وكانت كلما أوردت قصة من هذه القصص تستشهد على صحتها بأسماء كثيرين من الرجال المعروفين ~~في البلاد، حتى لم تبق شبهة في نفس الأميرة هند وابنة سلفها أن كل ما كان الشيخ بشير يفعله ~~هو من قبيل السحر الحقيقي، أما الأميرة سلمى فقالت: إن كان الشيخ بشير ماهرا إلى هذا الحد ~~فلماذا لا يستعمل سحره فيما ينفعه وينفع أبناء عمه؟! وأنا لو كنت مكانه أقدر أن استخدم الجن ~~لجعلتهم يملكونني الدنيا. # فصلبت أمها على وجهها، وقالت: اسكتي ولا تتكلمي بهذا الكلام! من منا ينكر الجن؟! ألم ~~يستحضرهم عمك مرة، ولما رآهم ملئوا المكان ms013 الذي كان فيه وضاق بهم ذرعا وهم يرقصون حوله، ~~لم ير سبيلا لصرفهم عنه إلا بأن أمرهم ليذهبوا وينقبوا له الأرض التي فوق نهر بيروت، ~~فذهبوا ونقبوها كلها في ساعتين من الزمان، ولكنهم جعلوا جلالها ممتدة عرضا من أعلى إلى ~~أسفل، فلا تصلح للزرع ولا لشيء، ثم عادوا إليه يطلبون عملا يعملونه له، فحار في أمره، ~~وأخيرا التفت إلى ما حوله فرأى بلاسا أسود، فقال لهم: خذوه واغسلوه لي حتى يصير أبيض. ~~فمضوا به يغسلونه وحتى الآن لم يعودوا، ولولا هذه الحيلة لخطفوا روحه. # فصادقت أم يوسف على كلامها، وقصت عليهن قصة القديسة هندية التي كان ملك الجان يأتيها ~~ليلا في شكل تيس من المعزى، فتركب عليه وتذهب به إلى بلاد الصين، وتعود منها بالحرير تدفعه ~~إلى الخواجه جاماتي، وتذهب وترجع في ليلة واحدة من غير أن يشعر بها أحد، قالت: وقد اغتنى ~~الخواجه جاماتي من الحرير الذي جلبته له من بلاد الصين، وها داره أمامنا على قمة سبنيه ~~ولولا ذلك ما استطاع رجل فلاح أن يبني دارا مثل دور الأمراء. # فقالت الأميرة سلمى: سمعت أبي يقول إن الجاماتي كان يدين الأمراء، ويستد الحرير منهم بثمن ~~بخس، ثم يبيعه لتجار الإفرنج بثمن غال وهذا سبب غناه. # فقالت لها أمها: من أين عرف أبوك ذلك والجاماتي نفسه يقول إن الحرير يأتيه من ~~الصين؟! # فقالت الأميرة صفا: الحق مع سلمى، وأنا سمعت أن ميخائيل طوبيا صار أغنى من قارون من ~~مشتراه الحرير من الأمراء والفلاحين بثمن بخس، وبيعه لتجار الإفرنج في مرسيليا. # فقالت أم يوسف: أنا لم أسمع أن ميخائيل طوبيا استخدم الجن مثل الجاماتي، ولكن لا أحد ينكر ~~السحر واستخدام اللعين - خزاه الله. ثم قصت قصة رجل أراد آخر أن يقتله غيلة، فأتى أحد ~~السحرة، وكتب له كتابة سحرية على قطعة من الشحم، ومضى وعلقها في مغارة عميقة، فجعلت الكتابة ~~السحرية تذيب الشحم رويدا وريدا، وكلما ذاب منه شيء نحل جسم الرجل، حتى كاد يموت سلا ~~وعجز الأطباء عن شفائه، وأخيرا ms014 استشاروا له أحد السحرة، فعرف بسحره أمر الشحمة، ففتشوا ~~عنها حتى وجدوها ونزعوا الكتابة عنها، فسلم الرجل من الموت ثم شفي، ولولا ذلك لمات لا ~~محالة. # فقالت سلمى: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يستعين الولاة بالسحر على التخلص من أعدائهم ~~بدل المخاطرة بأنفسهم ورجالهم؟! أنا لا أصدق شيئا من ذلك. # فقالت أم يوسف: هاك قصة جرت للمرحوم أبي يوسف بالقرب من المكان الذي نحن فيه الآن، كان ~~ذات ليلة راجعا من بيروت، وكان القمر بدرا، فلما وصل إلى الوروار سمع غناء وزغردة، فظن أن ~~على الطريق أناسا آتين بعروس، ثم لما قرب من المطحنة علا الصوت كثيرا، وأتاه أربعة أولاد ~~وهم يصفقون ويغنون ويقولون: يا أبا يوسف يا أبا يوسف، تعال انظر العروس. فسار معهم رغما ~~عنه، حتى إذا وصل إلى قرب الماء رأى عروسا مجلوة وحولها جمهور غفير من الرجال والنساء، ~~وهم بالحلى والحلل فقبضوا عليه وقالوا له: هلم نكتب الكتاب. فصلب يده على وجهه، فانشقت ~~الأرض وابتلعت العروس وكل الذين كانوا معها. ولما قالت أم يوسف ذلك ارتجفت مفاصل الأميرة ~~هند والأميرة صفا، وأما سلمى فقالت: إني معلمي قص علي قصة من هذا القبيل، وهي أنه كان ~~سائرا مرة في طريق لم يسر فيه من قبل، فوصل إلى بئر سمع صوتا خارجا منها، فأطل وإذا في ~~قعر البئر نساء يستقين ماء، فلم يشك أنهن من الجن، فأسرع العدو، ولما أتم غرضه من المكان ~~الذي كان ذاهبا إليه خاف أن يعود في الطريق الذي ذهب فيه، فعاد في طريق آخر يمر من تحت ~~البئر، وكان هناك درج يوصل إلى أسفل البئر والنساء ينزلن به ويستقين من الماء، فلو لم يمر ~~في ذلك الطريق لاعتقد أنه رأى نساء الجن في البئر. # فقالت لها أمها: لا يمكننا إلا التصديق بوجود الجن، وأبوك يصدق بوجودهم والمطران أيضا، ~~وكل واحد يصدق بوجودهم، وهم الذين رجموا بيت خالك بالحجارة، فقد فتشنا عن الراجمين كل مكان ~~ولم نر أحدا. وقالت الأميرة صفا: دعونا من ms015 هذا الحديث، فقد صرت أخاف من خيالي ولا يمكنني ~~أن أنام وحدي الليلة. # وقصت أم يوسف عليهن قصصا أخرى مضحكة فأطربتهن بعد أن خوفتهن بقصص السحر والجن، فمضى ~~النهار ومالت الشمس إلى المغيب وهن لا يشعرن، ولما مر الأمير أحمد والتفت إليهن، ثم غض طرفه ~~نظرت أم يوسف إلى الأميرة صفا، ثم نظرت كلتاهما إلى الأميرة سلمى فرأتاها قد احمرت وأطرقت ~~إلى الأرض، فتغامزتا ولم تقولا شيئا، وكان العبيد قد أتوهن بالخيل فركبن وعدن إلى ~~بيوتهن. # ودخلت الأميرة هند غرفة ابنتها في المساء، وقالت لها: أين كان أحمد يا ترى؟ الظاهر أنه لم ~~ينظرنا، ألم تغيري فكرك من جهته؟ تقول خالتك إن عمه وأولاد عمه يحسبونه رئيس العائلة ~~وركنها. # فقالت سلمى: نعم، ولكنه درزي، وفوق ذلك فأنا لا أميل إليه مهما كان. # فقالت أمها: وأبوك لا يرضى بمجيد لأنه شاب خليع. # فقالت سلمى: ومن قال إني أريده؟! أنا لا أريد أحدا، ولا أريد أن أفارقك وأفارق ~~أبي. # الفصل الرابع # | ما وراء الستار # في دار فخيمة من دور الأستانة العلية التي تطل على البسفور، اجتمع جماعة من وكلاء الدولة ~~وكبار العلماء، أتوها خفية الواحد بعد الآخر، وأوصدوا الأبواب وجلسوا ينظرون في أحوال ~~السلطنة وما آلت إليه من الضعف، وجعل كل منهم يقص القصص المختلفة عن أحوال البلاد التي له ~~فيها أصدقاء يكاتبونه منها أو التي كان مأمورا فيها. # وبعد أن نظروا في الداء مليا في قلة موارد الخزينة، وفيما آلت إليه حال الجيش بعد عودته ~~من حرب القرم، وفي الاعتداء على الحدود؛ أخذوا ينظرون في الدواء، فأشار واحد منهم أن يعيدوا ~~قراءة الفاتحة، وقسم اليمين المغلظة بأن لا يبوح أحد منهم بكلمة مما قيل ويقال في ذلك ~~الاجتماع، فقرءوها وأقسموا كلهم على الكتمان واتباع الخطة التي يقع الإجماع عليها، ولا يعلم ~~حتى الآن ما هي الأقوال التي قالوها، والآراء التي ارتأوها، ولكن يعلم أنهم أجمعوا أخيرا ~~على أن يعملوا عملا يغيظ الدولة الأوروبية، ويجعلها تساعدهم على تغيير الحالة، وكان بعض ~~المأمورين ms016 في سورية من حزبهم، فبعثوا إليهم من أطلعهم على القرار الذي أجمعوا عليه، وأهالي ~~سورية غافلون، وسكان لبنان منهم لا ينبذون ضغائنهم وأحقادهم التي أضعفتهم وأذلتهم، فتعبث ~~بهم الأهواء وينقادون صاغرين إلى كل من يدعي زعامتهم، وكيف لا تكون الحال كذلك وقد تسلط ~~عليهم الجور والظلم قرونا طوالا ولسان حالهم يقول: # أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا # فلن تبيد وللآباء أبناء # فاتفقت الكلمة في ذلك الاجتماع على إيقاد نار الثورة، وأن يكون القصد منها التنكيل ~~بالنصارى لا انتقاما منهم، بل لغرض سياسي، وهذا شأن رجال السياسة في كل زمان يبيعون النفوس ~~بيع السماح لأغراض يقصدونها، ولولا ذلك ما كان لنصف الحروب والثورات سبب معقول، وهم على هذا ~~النمط من سالف عهدهم، وإنما يختلفون في الأساليب التي يبتدعونها، وقل من يستطيع أن يجاهر ~~بالشكوى منهم أو يقول كما قال ذلك الأعرابي لعمر بن عبد العزيز: # إن الذين بعثت في أقطارنا # نبذوا كتابك واستحل المحرم # طلس الثياب على منابر أرضنا # كل يجور وكلهم يتظلم # وأردت أن يلي الأمانة منهم # عف وهيهات الأمين المسلم # أو من يقول ما قاله المنصور قبلما ولي الخلافة: # حتى متى لا نرى عدلا نسر به # ولا نرى لولاة الحق أعوانا # مستمسكين بحق قائمين به # إذا تلون أهل الجور ألوانا # يا للرجال لداء لا دواء له # وقائد ذي عمى يقتاد عميانا # ولا تحسبن العمران الغربي مزبلا لهذه الشكوى وشافيا من هذا الداء. كلا، بل إن مطامع ~~أهل الغرب تفوق مطامع أهل الشرق، ودهاتهم من رجال المال ورجال السياسة يتذرعون إلى نيل ~~مآربهم بكل وسيلة، ويستحلون كل عمل، فيدخل روادهم بلادا بعيدة، ويخاتلون صاحبها حتى ~~يعاهدهم معاهدة لا بد له من الإخلال بها، ثم يتعقبونه إلى أن يستولوا على بلاده أو على ~~خيراتها بحجة مخالفته لذلك العهد، ولا بد من ذلك ما دام هذا التنازع للبقاء سنة ~~للكون. ~~••• # في غرفة من غرف الدار الكبيرة التي يسكنها الأمير أحمد أرسلان، وقد سكنها أبوه وجده من ~~قبله، جماعة من الأمراء والمشايخ والعقال اجتمعوا ms017 على أثر عودة الأمير أحمد من عند الكولونل ~~روز، وتداولوا في أحوال الجبل، فقص عليهم الأمير ما قاله له الكولونل وما قاله الوالي، وجعل ~~كل يبدي رأيه، ويعيد تاريخ الجبل، ويذكر أسباب الأحقاد القديمة من عهد آل تنوخ وآل معن، ~~وتعرض الدول الأوروبية لإبراهيم باشا، وكيف استتبت السلطة للباب العالي على البلاد ~~بمساعدة دولة إنكلترا، ولولاها ما استطاعت الدولة العلية أن تخرج إبراهيم باشا من بلاد ~~الشام، بل كان نصف رجال الدروز الآن منتظمين في سلك الجنود المصرية. # وبعد كلام طويل في هذا الشأن تناول الحديث شيخ أشيب من التلاحقة، وقص عليهم ما فعله ~~السنيور ود قنصل الإنكليز في دمشق الشام منذ ثماني عشرة سنة، لما هرب الأمير أمين أرسلان ~~والأمير أسعد شهاب ونحو ألفين من الدروز إلى حوران فرارا من عمر باشا، الذي اعتقل أمراء ~~الدروز ومشايخها، وكاد يوقع بكل عظيم منهم، فإن والي الشام أوجس منهم شرا، لا سيما وأنه ~~يعلم ما فعل الدروز بعساكر إبراهيم باشا في تلك البلاد الوعرة، فجمع أعوانه واستشارهم في ~~الأمر، فأشاروا عليه أن يلجأ إلى السنيور ود لكي يقنع الدروز بالعودة إلى الطاعة والرجوع ~~إلى أوطانهم، والظاهر أن السنيور ود سر بذلك؛ لأنه كان يود أن يتوسط أمر الدروز من نفسه، ~~ويخشى أن لا تقبل وساطته على حد قولهم «كل معروض مرفوض»، فقبل الوساطة على شرطين؛ الأول: أن ~~يطلب العفو لأولئك الرجال من الباب العالي، والثاني: أن يؤمنوا على أرواحهم إلى أن يأتيهم ~~العفو، فقال له الوالي أحمد باشا: إني أسمح لهؤلاء العصاة أن يقيموا في دار القنصلية إلى أن ~~يصل فرمان العفو من الباب العالي، وأطلق كل أقاربهم الذين قبض عليهم وأدعهم يقيمون معهم في ~~دار القنصلية. # فبعث السنيور ود ترجمانه إلى حوران، ومعه أمر الوالي بالمهادنة إلى حين وصول العفو من ~~الأستانة، وكتب معه إلى الأمراء والمشايخ ضامنا لهم سلامتهم بناء على ضمانة الوالي له، ~~وناصحا لهم لكي يسلموا وينزلوا إلى دمشق، وبعد أيام قليلة عاد الترجمان ومعه الأمير أسعد ms018 ~~شهاب - وكان قد انضم إلى الدروز؛ لأنهم وعدوه بالولاية على الجبل - والشيخ يوسف عبد الملك ~~وغيرهما من مشايخ الدروز وسبعمائة من أتباعهم، ومضى السنيور ود إلى الوالي بمشايخ الدروز، ~~فرحب الوالي بهم، وأعطى كلا منهم شالا من الكشمير علامة العفو والرضا، ثم وصل بقية ~~الدروز فضاقت بهم دار القنصلية، ورأى السنيور ود أنه يستحيل عليه أن ينزلهم كلهم في داره ~~إلى أن يرد العفو من الأستانة، فسمح لهم الوالي بالعودة إلى بلادهم ما عدا سبعين من رؤسائهم ~~بقوا في دمشق منتظرين فرمان العفو. # وبعد شهرين جاء الفرمان المنتظر، وفيه أمر صريح بالقبض على أولئك المشايخ وقتلهم وإرسال ~~رءوسهم إلى الأستانة، وكان أحمد باشا قد عزل من ولاية دمشق، وولي علي باشا بدلا منه، فجاء ~~كاخيته إلى دار القنصلية قبلما اشتهر ما في الفرمان، وقال لمشايخ الدروز: علام انقطعتم عن ~~التردد على دولة الوالي؟! فتفضلوا واشربوا فنجان قهوة. فانخدع الشيخ يوسف عبد الملك بهذا ~~الكلام، وسار معه إلى دار الولاية، فقبض عليه حالما وصلها، وبلغ السنيور ود ذلك، فهرع إلى ~~دار الولاية، وأبى أن يجلس إلا ويطلق سبيل الشيخ، فأخبره الوالي بمضمون الفرمان، ثم قرأه له ~~فالتفت إلى أحمد باشا، وكان جالسا مع علي باشا، وقال له: كيف كان الاتفاق بيني وبينك؟ ألم ~~يكن على كذا وكذا؟! وقص على علي باشا واقعة الحال، ثم قال لأحمد باشا: إنك لو ذكرت للباب ~~العالي واقعة الحال كما وقعت تماما، لجاء الفرمان بالعفو حتما، فأجاب أحمد باشا: إنني ~~ذكرت لهم كل ما حدث بالتدقيق، فكانت النتيجة كما ترى، وقال علي باشا: لا بد لنا من العمل ~~بالأمر العالي. # فقال السنيور ود: إن استطعتم أن تفعلوا ذلك فافعلوا، ولكن اعلموا أن إنكلترا لا تخفر ذمة ~~قنصل من قناصلها. # ثم احتدم الجدال بينه وبينهما ثلاث ساعات على غير طائل، وأخيرا قالا له: إنك إن لم ~~تسلمنا كل الرجال الذين عندك برضاك، اضطررنا أن نرسل قوة عسكرية ونستلمهم عنوة. # فاطرق برهة يفكر في أمره، ثم قال لعلي ms019 باشا: نحن أصدقاء منذ عهد طويل ولي عليك جميل لا ~~تنكره، فإذا كان لا بد لك من العمل حسب أمر الدولة، فأرجو من فضلك أن تنذرني قبل إرسال ~~القوة العسكرية بنصف ساعة، حتى أخرج النساء والأطفال من دار القنصلية. فقال له علي باشا: ~~وهل مرادك أن تقاومنا بالقوة؟ # فقال القنصل: حتما ولا بد لي من الدفاع عن شرف القنصلية، ولا يمكن أن تمسوا أحدا من ~~كل الذين في حمانا ما دمت في قيد الحياة، وأنت تعلم ما يفعل أناس مسلحون مثلنا إذا وقعنا في ~~اليأس، ولا يخفى عليك أن الدولة الإنكليزية لا تدع نقطة من دمنا تذهب هدرا، فإذا شئت أن ~~تلقي دولتك في المشاكل فافعل ما تشاء. # ثم نهض وهم بالخروج، فطلب إليه علي باشا أن يتمهل، وأخذ يفكر في أمره، ثم قال له: إني ~~أعرف الإنكليز وأعرف مقدرتهم، ولا أريد أن أكون سببا للخلاف بينهم وبين دولتنا العلية، ~~فآخذ العهدة على نفسي وأوقف الأمر العالي، وغاية ما يصيبني العزل أو الإبعاد، وهما أهون من ~~حرب دولية. # ثم أمر بأن يطلق سبيل الشيخ يوسف عبد الملك، فعاد إلى دار القنصلية بين ستة من القواسة، ~~واجتمع أهالي دمشق يرون مقدرة قنصل الإنكليز ويعجبون بها. # قال المتكلم: وبقينا في دار القنصلية سبعة أشهر؛ لأني كنت في جملة من لجأ إليها إلى أن ~~جاء العفو من الأستانة، وقد بلغنا أن العفو صدر منها بواسطة سفير الإنكليز، فإذا كان قناصل ~~الإنكليز وسفراؤهم يحموننا ويدافعون عنا أينما كنا، فكيف لا نسمع مشورتهم ولا نعمل حسب ~~إرادتهم؟! # وكان المتكلم شيخا جليلا مسموع الكلمة، وكانت هذه الحادثة معروفة عند بعض الحضور، ~~فشهدوا بصحتها، وكاد ينفض الاجتماع على أن لا يحركوا ساكنا، ولا يأتوا عملا من شأنه إثارة ~~حرب أهلية في البلاد، ولكن قال واحد منهم قبل انفضاض المجلس: هب أن خصومنا اعتدوا علينا ~~وتكرر اعتداؤهم، فهل نصبر على الضيم؟ فأجاب أكثر الحضور: كلا كلا. ثم اتفقوا على أن يرسلوا ~~خبر ما قر عليه قرارهم إلى الخلوات ms020 كلها في الجبل ووادي التين وحوران. # ستأتي البقية ... # الفصل الخامس # | سورية في البارلمنت الإنكليزي # غطى الضباب مدينة لندن، ووقفت المركبات عن السير والناس عن المشي، ولم تعد المصابيح ترى ~~في الشوارع، فلم يصل الأعضاء إلى دار البارلمنت إلا بشق الأنفس، ولما انتظم عقدهم وجلس كل ~~في مكانه حسب درجته، دارت المجادلات على نتائج الحرب بين النمسا وسردينيا، ومعاهدة زورك، ~~وتنازل إمبراطور النمسا عن لمبرديا للإمبراطور نبوليون الثالث الذي أعطاها لسردينيا، وعلى ~~ماجريات الحرب الأميركية الأهلية، والقبض على جون برون الذي غنم الترسانة الأميركية بعد ~~أن قتل نصف رجاله، وعلى ما جرى لسفراء إنكلترا وفرنسا وأميركا في بلاد الصين وهم ذاهبون ~~إلى بكين فصدوا عن دخولها، وطال البحث في هذه المسائل إلى ما بعد نصف الليل. # وكان العضو النائب عن لنكشير قد طلب من مجلس النواب أن ينظر فيما شاع عن قرب نشوب الحرب ~~في سورية، وعما يقال عن دسائس بعض الدول الأوروبية رغبة في احتلال تلك البلاد وإقفال ~~أبوابها دون التجارة الإنكليزية، فلما حانت الفرصة للمناقشة في هذا الموضوع نهض وقال: إن ~~لنا في سورية تجارة واسعة، فنرسل إلى مدينة بيروت في السنة ما ثمنه أكثر من ستمائة ألف ~~جنيه، فإذا نشبت حرب أهلية هناك بارت تجارتنا، وإذا استولت عليها دولة أوروبية فقولوا على ~~تجارتنا السلام، وأنا أسأل الرئيس عما عنده من الأخبار في هذا الصدد، وعن التحوطات التي ~~اتخذتها الحكومة لمنع هذا الضرر عن التجارة الإنكليزية. # فقال الرئيس: إن الوزارة مهتمة بهذا الأمر تمام الاهتمام، وقد عقدت لجنة للبحث فيه، ومتى ~~علمت الخبر اليقين لا تضن بإطلاع المجلس عليه. # فقال العضو: إننا لا نكتفي باطلاعنا على الأخبار؛ لأن عملاءنا في تلك البلاد يكتبون لنا ~~بأخبارها كل أسبوع، ونحن نعلمها كما تعلمها الوزارة، وإنما يهمنا أن تتخذ الحكومة التدابير ~~اللازمة لمنع الحرب الأهلية، وأن تذاكر الحكومة الطامعة باحتلال سورية، وتكف يدها عن ~~ذلك. # فقال الرئيس: إن الوزارة مهتمة بهذه المسائل كلها، وهي ترجو أن تطرح على المجلس نتيجة ~~أعمالها بعد ms021 وقت غير بعيد، ولا يخفى على حضرة العضو الكريم أن الوزارة تهتم بكل أمر له ~~علاقة بنا، ولكنها لا تكفل النجاح في كل أمر؛ لأن زمام الدنيا ليس في يدنا. # ونهض المستر غلادستون حينئذ وكان ناظرا للمالية، وقال: إن مالية البلاد لا تمكن الوزارة ~~من عمل كل ما تتمناه، ولكن الوزارة لا تضن بإنفاق المال إذا كان إنفاقه واجبا لتعزيز قوة ~~البلاد وحفظ متاجرها. ثم قال: ولا يخفى على حضرة العضو الكريم أن جيوشنا تحارب الآن في بلاد ~~الصين مع جيوش الدولة التي أشار إليها، ولنا كلينا مصلحة فلا ننتظر منها أن تسعى في عمل ~~يكون من ورائه الإضرار بنا. # ففهم الأعضاء مع كلامه تهديدا خفيا، ولكنه لطيف لا يؤاخذ به. # وفي اليوم التالي اجتمعت اللجنة برئاسة لورد رسل وزير الخارجية، ونظرت فيما كتبه سفير ~~إنكلترا في الأستانة عن ثورة الأفكار التي يراد بها خلع السلطان عبد المجيد بأية واسطة ~~كانت، ولو بالتنكيل بالمسيحيين حتى تنهض دول أوروبا وتنتصر لهم، وفيما كتبه قنصلها في بيروت ~~عن سعي فرنسا المتواصل في تحريض موارنة الجبل على مقاومة القوة بالقوة، ثم نظرت في تقرير ~~غرفة التجارة عما تستورده سورية من منسوجات إنكلترا، وما تصدره إليها من الصوف وعرق السوس، ~~وبعد بحث طويل في هذا الموضوع قر رأيها على ما تكتب به إلى سفيرها في الأستانة، وإلى سفيرها ~~في باريس، وخلاصته السعي في منع الحرب الأهلية بكل واسطة ممكنة وحمل الدروز على الإخلاد إلى ~~السكينة، وعدم الاغترار بمواعيد الولاة الذين يعدونهم بالمساعدة. ~~••• # وفي تلك الليلة اجتمع جماعة من الماليين عند واحد منهم، ودار البحث على القرض الأخير الذي ~~عقدته فرنسا، والقرض الثاني الذي طلبه فكتور عمانوئيل ملك سردينيا؛ ليستعين به على ضم ممالك ~~إيطاليا بعضها إلى بعض. # فقال أحد الحضور واسمه ابن حاييم: إن القرض الأول مكن فكتور عمانوئيل من التغلب على ~~النمسا، فإذا تيسر له بهذا القرض الثاني أن يضم ممالك إيطاليا بعضها إلى بعض، ويصير ملكا ~~عليها كلها، نكون قد خدمنا أسرة ms022 سافوى خدمة لا مثيل لها جزاء دفاعها عنا. # وقال آخر: ليس من غرضنا أن نخدمه أو لا نخدمه، بل أن نستثمر أموالنا في بلاد نأمن عليها ~~فيها، أما فرنسا فماليتها ثابتة وشعبها مجتهد مقتصد ولا خوف عليها مهما زاد دينها، وأما ~~إيطاليا فبلاد فقيرة وأكثر خيراتها تذهب إلى خدمة الدين فيها، ولو علمنا أن حياة كاڤور تطول ~~عشرين سنة أخرى لوثقنا أنه يصلح البلاد، ويبني مالية الحكومة على أساس وطيد، أما وأحوال ~~إيطاليا لا تزال مرتبكة، والسلطة الدينية قوية فيها فلا يحسن المجازفة في تديين المال ~~لها. # وبعد أخذ وعطاء في هذا الموضوع اتفقوا على أن لا يكتتبوا بأكثر من مائة مليون فرنك، ثم ~~قال ابن حاييم: كتب إلينا الخواجه بخور من دمشق أن الأحوال فيها وفي بيروت ليست على ما ~~يرام، وأن دروز الجبل يستعدون للحرب الأهلية، وقد استدان رؤساؤهم منه نحو خمسين ألف جنيه ~~بربا عشرين في المائة، وطلبوا مائة ألف جنيه أخرى، وهو لا يرى مانعا يمنع إعطاءهم إياها؛ ~~لأنهم وعدوه برهن ضياعهم في البقاع وهي تساوي أضعاف ذلك، والدروز داخلون في ذمة إنكلترا فلا ~~يجسرون أن يهضموا لنا حقا عندهم. # وقال آخر: إنني التقيت منذ ساعة باللورد فلان، فأخبرني أن الوزارة باذلة جهدها في منع ~~الحرب الأهلية من سورية، وقد أرسلت الأوامر المشددة إلى سفيرها في باريس وسفيرها في ~~الأستانة ليبذلا جهدهما فيما يمنع إثارة الحرب. # فقال ابن حاييم: إن تم ذلك فهو أصلح لنا، وإن لم يتم ونشبت الحرب فلا بد من أن تلجأ ~~الدولة العثمانية إلى التعويض على المنكوبين وخزائنها فارغة فينفتح أمامنا سبيل آخر ~~للكسب. # الفصل السادس # | التفتيش الأول # لما حان الوقت الموعود لذهاب السر هندي بدمونت إلى الشويفات لزيارة الأمير أحمد، والتفتيش ~~عن المغارة التي فيها رفات جده كونت بدمونت؛ خاطب الكولونل روز في ذلك، وطلب منه أن يسمح له ~~بذهاب الترجمان معه؛ لئلا يجد الأمير أحمد غائبا فيتعذر عليه التكلم مع أحد؛ لأنه لا يعرف ~~كلمة من العربية، وقام في الصباح ms023 وركب جواده، وركب معه الترجمان أيضا وقواس من قواسة ~~القنصلاتو، وساروا نحو الشويفات، فوصلوها بعد ساعتين من الزمان، ولقوا الأمير أحمد في ~~انتظارهم عند نهر الغدير، ومعه جماعة من الأمراء أبناء عمه والخدم والحشم، فرحبوا بالسر ~~هنري وساروا أمامه، وكان الأمراء بالخيول المطهمة، وقد غطوا سروجها بصفائح الذهب الوهاج فوق ~~لبد الشعر الأسود، وقلدوا أعناقها برصائف من الذهب لوسواسها نغم شجي تسمعه الأصائل وتطرب ~~بد، فيزيد إعجابها وتهاديها، فتظنها ترقص رقصا وهي تسير زميلا. # حتى إذا بلغوا دار الأمير أحمد استأذنوا السر هنري في نصب الميدان إكراما له، وانقسموا ~~قسمين، وجعلوا يكرون ويفرون ويتراشقون بالجريد فطرب لذلك طربا شديدا، وكانت الشمس قد ~~تكبدت السماء واشتد الهجير فشكرهم على ما أبدوه له، وقال إنه طالما تمنى أن يرى ميدانا مثل ~~هذا يلعب فيه أمراء البلاد على صهوات الصافنات الجياد، ثم ترجل وترجلوا ودخلوا ديوانا ~~جلسوا فيه، واستراحوا هنيهة، وقدمت لهم الشربات والشبقات، ومد السماط وعليه فاخر الطعام، ~~وأتى بعده بالحلويات، وكانوا ثمانية: الأمير أحمد، وخمسة من أبناء أعمامه، والسر هنري، ~~والترجمان، وأكل السر هنري من كل الألوان، واستطابها على دسمها، وكان يكلم الأمير أحمد ~~بالفرنسوية وهو يترجم لأبناء عمه. # واستراحوا بعد الطعام ساعة زمانية، ثم التفت السر هنري إلى الأمير أحمد وقال له: لا بد ~~لي من العودة إلى بيروت الليلة، وأرجو من فضلك أن ترسل معي واحدا من أتباعك يريني ما حول ~~بلدكم من المغاير. فقال الأمير أحمد: أنا أذهب في خدمتك، فهل تريد أن نذهب راكبين أو ~~ماشيين؟ فقال السر هنري: بل أفضل أن نذهب ماشيين، إلا إذا وجدت في ذلك مشقة أو كان المكان ~~بعيدا جدا. # فضحك الأمير أحمد وقال: إني أجري النهار كله وراء الصيد، وأحب ما علي أن أمشي معك، لا ~~سيما وأننا مضطرون أن نصعد وننزل في أماكن لا تسير الخيل فيها. ثم قاما وودعا الحضور وسارا ~~وحدهما قاصدين المغاير، التي كان الأمير أحمد يمر بها وهو يجري وراء الصيد، فنزلا أولا إلى ~~غربي القرية، ms024 ودارا إلى جنوبيها وشرقيها وهبطا في جهة كفر شيما، ومشى معهما ثلاثة من خدم ~~الأمير، وكانا كلما وصلا إلى باب مغارة يراجع السر هنري ما قاله ولف خادم جده عن وصف ~~المغارة والجهة التي تطل عليها، ويدخل الخدم المغارة ويخبرون عما رأوه فيها، واستمروا على ~~هذه الحال نحو ثلاث ساعات إلى أن أجهدهم التعب، ومالت الشمس إلى المغيب ولم ير السر هنري ~~مكانا ينطبق على الوصف الذي عنده. # وبينما كان السر هنري والأمير أحمد يجوبان الشعاب والهضاب يفتشان عن المغارة التي دفن ~~فيها الكونت بدمونت، كانت الأميرة هند خالة الأمير أحمد قد ذهبت هي وابنتها وابنة سلفها إلى ~~نبع ماء في مكان بين كفر شيما والشويفات، وتغدين هناك، ثم تبعتهن أم يوسف، وأتى معها رجل ~~قزم كثير الهزل والمزاح يسمى عنتر، وهو من أفكه الناس حديثا، وأسرعهم خاطرا، يقيم في دور ~~الأمراء للهزل والتهريج، فلما وصل قال للأميرات: خافت أم يوسف أن تخطفها الجن إذا أتت ~~وحدها، فأتت بي معها مع إني أكدت لها أن الجن تخاف منها، ولو لم يكن أبو يوسف أعمى القلب ما ~~وقع هذه الوقعة، ولكن «لا فولة مسوسة إلا ولها كيال أعمى.» # فانتهرته أم يوسف وقالت: اسكت يا خبيث، وخلنا من لسانك ولا تذكر مسألة الجن، فإن الست ~~سلمى لا تصدق بالجن ولا بالعفاريت. # فقالت الأميرة صفا: دعونا من سير الجن والعفاريت، فإني خفت في المرة الماضية، ولم أنم طول ~~الليل. # فقال القزم: الحق في يد الست صفا، وأنا أخاف من الجن لئلا تخطفني، على فيقة يا ست هند ~~أتاكم ضيوف من أولاد عمكم ملئوا الدار. # فقالت: قبحك الله على هذه البشارة، نحن نهرب من الناس والناس تلحقنا. # فقال: إذا أردت أن تتخلصي منهم، فلا أسهل من ذلك؛ ديني الفقير منهم فلا تعودي ترين ~~وجهه، واطلبي من الغني أن يدينك فلا يعود يرى وجهك! # فقالت: أصبت، وإن كان فراق البدوي بعبا، فلا كان البدوي ولا كانت العبا. # وقبل أن تتم كلامها وصل الأمير أحمد والسر ms025 هنري والرجال الثلاثة الذين معهم، فاضطربت ~~الأميرات لما رأين رجلا بثياب إفرنجية، ولكن لم يطل اضطرابهن؛ لأن الأمير أحمد كان قد ~~أخبرهن أنه لقي في بيروت عند القنصل شابا إنكليزيا من عائلة شريفة، وأنه وعده بزيارة ~~الشويفات بعد أيام قليلة، فلما رأينه أدركن حالا أنه هو الشاب الذي أخبرهن عنه، وتقدم ~~الأمير أحمد وعرفهن به. # فنظرت إليه الأميرات معجبات من جمال طلعته، واعتدال قامته، ونظر هو إليهن فرأى الجمال ~~الشرقي الذي قرأ عنه في حكاية ألف ليلة وليلة وكتب الروايات والرحلات ، وكان يظن أنه من قبيل ~~الشعر والمبالغات. # ودعتهما الأميرة هند للجلوس معهن وشرب القهوة، وقدمت لها السكاير، وسألت السر هنري عن كيف ~~رأى البلاد، وعما إذا كان معه أحد من أهله، وطلبت إليه أن يزورهم ويضيفهم تلك الليلة، وكان ~~الأمير أحمد يترجم بينها وبينه، فأجابها السر هنري أنه آسف؛ لأنه ثقل عليهن بمجيئه إليهن ~~في تلك الساعة، ولكنه سر جدا برؤية الأميرات الشهابيات، وأنه كان يحسب أنهن يتحجبن مثل ~~سائر نساء الجبل، فإذا هن مثل الأميرات في بلاده؛ لا يحرمن مخلوقات الله من نظرهن، كما لا ~~تحرم الشمس النبات من باهر أشعتها. # فسرت الأميرة هند بهذا التشبيه، ونظرت صفا وسلمى إليه باسمتين ثم أطرقتا حياء، أما ~~القزم فكان يتأخر إلى الوراء رويدا رويدا وهو يزور بعينيه ويقلب شفتيه، والتفت إليه ~~الأمير أحمد وقال له: مالي أراك تهرب منا يا عنتر؟! # فقال: متى حضرت الملائكة هربت الشياطين. فقال الأمير: إذن كان يجب أن تهرب قبل ~~مجيئنا. # فقال عنتر: كنت عازما على الهرب، ولكن أم يوسف مسكتني؛ لأنه لا يطيب لها عيش في البعد ~~عني. # فقالت أم يوسف: اسكت يا لعين، وخلنا من شرك فأنت في كل عرس لك قرص. # والتفت السر هنري إلى الأمير أحمد كأنه يستفهم منه عما يقوله القزم، فترجمه له فضحك وهو ~~يقول في نفسه: هذا مجلس من مجالس الأمراء حقيقة، وهذا من الأقزام الذين لا يخلو منهم مجلس ~~أنس من مجالس الملوك. # وكان الخدم قد غلوا ms026 القهوة وأرادوا تقديمها للسر هنري قبل غيره، فأبى إلا أن تقدم إلى ~~الأميرات أولا. فقالت له الأميرة هند: إذن العادة عندكم مثل العادة عندنا تقديم الأميرات ~~على الأمراء. وترجم له الأمير أحمد ذلك، وقال له: إن هذه هي العادة عندنا أيضا، ولكنها ~~خاصة بالأميرات، وأما سائر الناس فرجالهم مقدمون على النساء في كل شيء. فعجب السر هنري من ~~ذلك، وقال: إذن لم يفضل أميرات الشرف إلا لأن حقهن في التفضيل أثبت من أن ينكر. # وكان مجلسه مواجها لمجلس الأميرة سلمى، فلم يسعه إلا النظر إليها مرة بعد أخرى، فصبغ ~~الحياء وجنتيها وزادها جمالا على جمال، ولحظ حرج موقفها، وشعر من نفسه أنه في موقف تذوب ~~فيه المهج، فنهض واستأذن في الانصراف، فنهض السيدات إجلالا له، فودعهن مصافحة، وعاد أدراجه ~~هو والأمير أحمد وهو مبلبل الأفكار، وخاف أن يظهر أمره، فجعل يحاول جمع أفكاره المشتتة وهو ~~ينظر إلى ما حوله فيرى صورا تمر أمام عينيه ولا يفقه لها معنى، إلى أن وقعت عينه على نبات ~~صغير الورق له ثمر أحمر كحبوب المرجان، فوقف وقال للأمير أحمد: انظر، هذا نبات الفوة الذي ~~يستعمل في الصباغة، وهذه أول مرة رأيته نابتا. # وكان عارفا بعلم النبات مغرما بجمع الحشائش، فأخذ يصف بعض ما يراه منها لكي يخفي ما به ~~من تبلبل الأفكار. # ولج عليه الأمير أحمد لكي يبيت عنده تلك الليلة، وأرسلت أمه تلج أيضا، فاعتذر بأنه ~~لا بد من عودته حالا لكي يكتب مكاتيبه لقيام سفينة البريد في الصباح، لكنه وعد بالعودة ~~في الأسبوع التالي لاستئناف البحث عن المغارة. # الفصل السابع # | مطارح النظر # التنازع سنة الكون، به ارتقت أنواع الحيوان والنبات، وإليه مرجع التفاضل بين الشعوب ~~والأمم، وهو شامل لأعمق عواطف النفس، كما أنه عام لما في الكون من العوالم. # كان السر هنري بدمونت مغرما بابنة خاله إفلين برادن، يراها عين الكمال ومجمع الجمال، وهي ~~تدل عليه ولا ترى في قلبها ما يجذبها إليه؛ لأنها رأت منه سيرا على غير الطريق السوي، مثل ms027 ~~أكثر الشبان الذين يربون في نعمة وينغمسون في الملاهي، فإن أمه أرسلته إلى مدرسة أكسفرد، ~~وقطعت له مائة جنيه في الشهر، فكان ينفقها وينفق فوقها، وهذا شأن أكثر الشبان في تلك ~~المدرسة، وكان قليل الدرس ولكنه ذكي الفؤاد، فحصل ما يكفي لنيل الشهادة، وخرج من المدرسة ~~ولا مطمع له في الدنيا إلا ابنة خاله فلا يرى غيرها، ولما رأى منها الدل والصدود رهن نفسه ~~لمشيئتها، وانقطع عن الملاهي، وعكف على الدرس، وطلب المعالي، ولا غاية له إلا رضاها حتى ~~حسدها عليه أترابها، أما هي فبقي الدلال شأنها والغنج ديدنها، وحدث ذات يوم أن ذكرت ألقاب ~~الشرف وأنساب الشرفاء، فقال إن جده كان مع الملك ركارد ملك الإنكليز الملقب بقلب الأسد، ~~وإنه كان فارسا مغوارا، وأنعم عليه الملك بلقب كونت قبل وفاته. # فتبسمت إفلين قائلة: أراك تصدق هذه الأقاصيص الموضوعة كأنها حقائق راهنة. # فقال لها: هذا ليس من الأقاصيص الموضوعة، بل هو خبر ثابت بالسند المتصل، وأنا أصدق ولف ~~كما أصدق أصدق الناس، والفارس الباسل لا يكذب ولا يختلق الأخبار، وقد ذكر ولف في الخبر ~~الذي نقل عنه أنه وضع وثيقة لقب جدي على صدره لما دفنه، وهذا كلام من رأى بعينه ولمس بيده، ~~نعم إن منحه هذا اللقب غير مذكور في سجل الألقاب، ولكن أي سجل يحفظ بالتدقيق والناس في دار ~~الحرب، ولم تصف الأيام لقلب الأسد بعد رجوعه وخلاصه من الأسر حتى تطالبه عائلتنا بإثبات ~~ذلك في سجلات الحكومة. # فبقيت إفلين على ريبها، وقالت له: إن أنت وجدت الوثيقة أثبت الكونتية لك؛ لأنك الوارث ~~الوحيد له الآن. # فقال: نعم، وسأفعل ذلك وأبذل دونه كل مرتخص وغال إن كان يرضيك. # وكانت تتكلم معه على سبيل المزاح، أما هو فأخذ الأمر بالجد، وجعل يفتش في كتب الأنساب ~~والتواريخ، وعقد النية على الذهاب إلى سورية ليفتش عن الوثيقة فيها، وكان قد انتظم في وزارة ~~الخارجية، فطلب أن ينقل إلى بلاد الشام، فنقل أولا إلى الأستانة ثم إلى مدينة بيروت ~~وآماله معلقة باكتشاف ms028 الوثيقة وإرضاء ابنة خاله وهو لا يرى غيرها أمام عينيه، أما الآن فعاد ~~من الشويفات على غير ما ذهب؛ فقد ذهب إليها وفي قلبه شخص واحد وأمام عينيه مطلب لا يرى ~~سواه، وهو أن يعود بالوثيقة فترضى ابنة خاله عنه، وترتفع منزلته في عينيها، وعاد وقلبه ~~يتنازعه شخص آخر، شخص الجمال والدلال؛ فتاة لم ير أجمل منها في بلاده ولا في غيرها، فتاة من ~~نسل الأمراء الذين حاربوا فرسان الصليب ودحروهم في بلاد الشام، ولقد ربي مع ابنة خاله وشب ~~معها وأحبها كما يحب الأخ أخته، ولكنه كان يشعر دائما أنها بعيدة عنه، وازداد البعد ~~بتقدمهما في السن، فظن أنه لم يملأ عينيها لسيره في طرق لا ترضيها، فغير أسلوب معيشته وبذل ~~جهده في مرضاتها، وكلما ظن أنه بلغ المراد رأى أنه لم يزل حيث كان بالنسبة إليها، لا هي ~~تقصيه ولا هي تدنيه، لكنه لم يفشل ولا قطع الأمل، وقد تحمل مشقة السفر إلى بلاد الشام قربة ~~منها وزلفى. # والآن شعر كأن آماله كلها كانت أماني، وإفلين لا تحبه إلا كما تحب الأخت أخاها، تهتم ~~بأمره وترجو له الخير والفلاح، تحزن لحزنه وتفرح لفرحه، تتألم إذا أصابه مكروه، وتفتخر إذا ~~فعل فعال الكرام، وتفتديه بنفسها إذا وقع في شدة، ولكنها لا تلقي اعتمادها عليه ولا تحسب ~~إنه الرجل الذي يكفلها في السراء والضراء. # ثم قال في نفسه: ولكن من هذه الأميرة؟! ومن هم قومها؟ وما هي أخلاقهم وأطوارهم؟ ومن أي ~~مذهب هم؟ وكيف ينظرون إلي؟! وقد لا أراها بعد الآن، وقد تكون مخطوبة أو متزوجة، وقد يكون ~~أهلها أرفع مني حسبا ونسبا فلا يتنازلون لمصاهرة أناس مثلنا. كنت أستطيع أن أسأل الترجمان ~~عنها، ولكنه يعد ذلك فضولا مني، ولا يبعد أن تكون خطيبة للأمير أحمد وهي ابنة خالته، ~~ولعلها احمرت لما رأته. لم تتكلم على مسمعي غير كلمة واحدة حينما عرفها بي، فقد قالت ~~بالفرنسوية إنها تسر بمعرفتي، ما أمهر هؤلاء الفرنسويين في تعليم لغتهم ونشرها في الآفاق! ~~هذا ms029 كله فعل الرهبنات، يطردونهم من بلادهم وينفقون عليهم في سائر البلدان لينشروا فيها ~~لغتهم. لا بد من إيضاح ذلك لنظارة الخارجية حتى تهتم حكومتنا بنشر لغتنا اهتمام ~~الفرنسويين بنشر لغتهم. # سأكتب لأمي عن هذه الفتاة، وهي تقرأ كتابي لإفلين فتثور الغيرة في قلبها، ذلك القلب ~~الطاهر، قوتل الرجال ما أقل وفاءهم! لا لا، لا أنساك يا إفلين أبدا، إن افتكاري بهذه ~~الأميرة السورية من قبيل الجنون الوقتي الذي يعتري الشاب، دقائق جديدة تكونت في دماغي كما ~~يقول العلماء ارتسمت فيها أول صورة وقعت عليها، لكنها تزول سريعا كما ارتسمت ~~سريعا. # خطرت هذه الخواطر على بال السر هنري، وناجى نفسه بها وهو ماسك القلم وعازم على الكتابة ~~لأمه، ونظر إلى ساعة أمامه، وقال: حسبي من أحلام الصبا. وأنغض رأسه مسرعا كأنه يجزر ذبابا ~~حط عليه، وغرضه نزع هذه الأفكار من باله، وشرع في الكتابة، فملأ صفحات كثيرة وصف فيها كل ما ~~لقيه في ذهابه إلى الشويفات ورجوعه منها. # الفصل الثامن # | الاجتماع الثاني # عاد وكلاء الدولة والعلماء إلى الاجتماع في دار رشيد أفندي، وكلهم متشوف إلى الاطلاع على ~~ما فعلته اللجنة التنفيذية التي شكلت لإجراء ما أقروا عليه في اجتماعهم السابق، وعلى ما ورد ~~عليها من أشياعهم في سورية، فقرئ كتاب وارد من دمشق مؤداه أن سكانها على أتم الوفاق ~~والوئام، وأنه يتعذر إيقاظ الفتنة فيها، لا سيما وأن أميرا من نزلائها لا يستحل خفر ذمة ~~أحد بوجه من الوجوه، ولا يصدق أن ما طلب منه يعود بالنفع على أحد، وأعوانه أشداء يفعلون كل ~~ما يأمرهم، فيستطيع أن يحمي بهم المدينة كلها. # ولما قرئ هذا الكتاب ضحك أحد المأمورين، وقال: إن كانت كل الكتب التي وردتنا على هذا ~~النسق، فلا فائدة من قراءتها غير التضليل، فإن الأمير هو الذي أشار على فرنسا باحتلال سورية ~~وأرشدها إلى السبيل المؤدي إلى ذلك، فوعدته بجعله أميرا عليها. # فناقضه مأمور آخر، وكثر الحجاج واللجاج بين الطرفين، إلى أن تصدى لهما أحد الحضور ~~وأطلعهما على كتابة معه ms030 من سفارة باريس، فنظروا فيها، ثم نظر بعضهم إلى بعض وصمتوا. # وقرئ كتاب وارد من بيروت وكله أمل وتأكيد وتفاؤل بنيل المراد، فقال أحد العلماء: أوصوهم ~~أن لا يسرفوا. ثم قرئ كتاب وارد من لبنان يشكو كاتبه فيه من أحد المأمورين ويقول: إننا نظنه ~~جاسوسا. وطلب إبعاده، فكلف أحد الحضور بالسعي في نقله إلى ولاية أخرى. # ودار الكلام على الخطة التي يراد اتباعها في كل أنحاء الولاية بناء على الكتاب المسهب ~~المرسل من سفارة لندن، ومدار هذه الخطة إثارة الرأي العام الأوروبي بأعمال تستفز الأوروبيين ~~إلى «التداخل»، ولا خوف من فوز المعتدى عليهم؛ لأن دولة عظيمة ستمنعهم من أن يعضدوا بعضهم ~~بعضا ولا يتسع لها مجال التداخل؛ لأن الدولة المناظرة لها توقفها عند حدها، وتحبط مساعيها ~~وتمنعها من ازدراد اللقمة التي اختطفتها؛ فتحصل الغاية المطلوبة من غير ضرر كبير. # وكان بين الحضور رجل أشيب تدل ملامح وجهه على أنه عرك الدهر، وذاق ما فيه من خل وخمر، ~~وكان صامتا لا يتكلم، ولكن وجهه يدل على أنه كان يتتبع المتكلمين ويزن كل كلمة، فلما رأى ~~أنهم فرغوا من الكلام، التفت إلى رئيس المجلس، وقال: لقد علمتنا التجارب أن العامة لا تقف ~~عند حد محدود إذا أطلق لها العنان، والذي أخشاه هو أن النتيجة لا تكون حسب التقدير، فلو ~~نلنا بغيتنا وافتديناها برجل أو رجلين أو عشرة أو مائة، لهان الأمر، وقلنا «ويل أهون من ~~ويلين»، ولكنني أخاف أن نطلق العنان للغوغاء فيسرفوا في القتال والتنكيل، فتفقد البلاد ~~جانبا كبيرا من سكانها الذين عليهم اعتمادها في الصناعة والتجارة، ويتسع المجال للتداخل ~~الأوروبي فوق ما نريد، فمهما بالغنا في التحذير لكيلا يسرفوا لا نوفي الأمر حقه، ولا بد لنا ~~من انتداب أناس يعول عليهم لكي يديروا هذه الحركة ضمن حدودها المعقولة. فوافقوه على رأيه ~~وانتدبوا ثلاثة أرسلوهم إلى بلاد الشام لهذه الغاية. ~~••• # في الليلة التي اجتمع فيها وكلاء الدولة في الأستانة للنظر في أمر يمكنهم من إبدال الحالة ~~الحاضرة بأصلح منها؛ اجتمع ثلاثة ms031 من المرابين في بيت الخواجه بخور بدمشق، والبيت في حي ~~اليهود يوصل إليه بزقاق ضيق لا يسع إلا اثنين يمشيان معا، وكذلك باب البيت ضيق واطئ يضطر ~~الداخل منه أن يحني رأسه حين دخوله، ولكن البيت واسع رحب، في داره فسقية كبيرة يتدفق الماء ~~منها، والأرض حولها مرصوفة بالرخام المجزع، وفيها دوائر غرست فيها أشجار الليمون والريحان ~~وأمامها ديوان عضائده من الرخام الناصع البياض، وأبواب الغرف التي حوله يحيط بها قوائم من ~~الرخام المنقوش نقشا بديعا يمثل بعضه شرفات لها أساطين وحنايا مفرغة. # ويدخل من هذه الأبواب إلى غرف كبيرة مفروشة بالبسط العجمية على جوانبها مقاعد من المخمل ~~المعرق أو الحرير المحجر تنار بمصابيح مدلاة من السقف زجاجها ملون، وفيها منصات عليها ~~مصابيح أخرى من نوع الطلمبا يوقد فيها زيت الزيتون، وفي وسط الغرفة كانون كبير من النحاس ~~الأصفر أوقدت فيه نار الفحم لتدفئتها، فدخل الثلاثة غرفة من هذه الغرف وتداولوا في الانتقال ~~إلى بيروت؛ لأن أصدقاءهم في أوروبا - ولا سيما في باريس ولندن - كتبوا إليهم أنه يخشى من ~~حرب أهلية في بلاد الشام، وهم لا ناصر لهم، فأية فئة غلبت تطمع بأموالهم وتسلبها، أما ~~بيروت فلا يخلو مرفؤها من سفينة أجنبية يلجئون إليها إذا دعت الضرورة. # وقال واحد منهم: إني لا أرى ما يخشى منه، فبالأمس استدان أمير من أمراء لبنان عشرين ألف ~~غرش من محلنا في بيروت لتزويج ابنته، فما دام الناس يهتمون بالإنفاق على أفراحهم، فهم غير ~~مشغولي البال بأمر مهم مثل الحروب الأهلية. # فقال آخر: وأنا جاءني من ابن خالي في دير القمر أن الناس هناك لا شغل لهم إلا صب الرصاص ~~وعمل الفشك «الخرطوش»، وقد أخبروه صريحا أنهم ينتظرون ثورة عامة. # فقال الخواجه بخور: وهذا هو الصواب، فإن عملاءنا في كل مكان يقولون إن الفتنة كامنة الآن ~~كالنار تحت الرماد، ولا بد من إيقاظها قريبا، ورأيي أن نستشير الأمير المغربي في أمر ~~انتقالنا، فإني أعتقد فيه الإخلاص، فأجمعوا على أن يستشيروه ويفعلوا حسب مشورته. # الفصل ms032 التاسع # | العرس والميدان # خصت بلاد الشام بإقليم لا أعدل منه على وجه البسيطة، ساحلها من المنطقة الحارة ينبت فيه ~~النخيل والصبر والبرتقال، ويقتني سكانه الإبل لحمل أثقالهم، وجبالها يكللها الثلج أكثر فصل ~~الشتاء والربيع، وينبت فيها الأرز والبربريس، وتقيم فيها الدباب والأرنب، والبلاد بين بين ~~الاعتدال بعينه لا ينبت نبات في المنطقة المعتدلة، إلا ويجود فيها التين والزيتون والكرم ~~والتوت واللوز والجوز والمشمش والتفاح والليمون والرمان والصنوبر والسنديان والدلب والشربين ~~والورد والياسمين. كل شجر مثمر وغير مثمر، وكل نبت مزهر وغير مزهر، فصول أربعة تتوالى في ~~مواقيتها كأنها جارية على قواعد الحساب. # الخريف بوسميه يعد الأرض للزرع، والشتاء بمزنه يخترق طبقاتها، ويروي جذور أشجارها ويمد ~~مياه ينابيعها ويفعم غدرانها وأنهارها، ويأتي الربيع بشآبيبه فيروي نباتها حتى يزهر ويثمر، ~~ثم تمسك السماء عن المطر ستة أشهر متوالية بين الاعتدالين من أواسط الربيع إلى أواسط الصيف، ~~فتنضج الأثمار وتتيسر الأعمال، وإذا ترفه المرء وأراد الابتعاد عن الساحل فلا أكثر من أن ~~يسير ساعتين، فيصل مكانا هواؤه عليل وماؤه نمير، كأنه انتقل من وادي النيل إلى جبال ~~الألب. # ولكن مهما كثر الخير والمير في بلاد صغيرة كبلاد الشام لا تستوفي أسباب الحضارة ما لم يكن ~~لأهلها بضاعة يتجرون بها، حتى يشتروا بثمنها ما لا يجدونه في بلادهم من الحاجيات ~~والكماليات، فإذا كثر عندهم الحديد فقد ينقصهم النحاس، وإذا كثر الحرير فقد ينقصهم الكتان، ~~وإذا كثرت الفضة فقد ينقصهم الذهب. # ولقد كان السوريون أهل تجارة من قديم الزمان، بل هم أول من ركب السفن وخاض البحار وضرب ~~بالقوافل شرقا وغربا، وامتدت تجارتهم من الهند إلى إسبانيا على طول نصف الكرة الشرقي، ~~وساروا بسفن سليمان إلى جنوبي أفريقية، وما ذلك إلا لأنهم وجدوا في بلادهم من البضائع ما ~~تروج سوقه في سائر البلدان، وتقلبت الدول وكرت القرون بغيرها وأهالي الشام يسعدون ويشقون، ~~ولكنهم لم ينفكوا عن التجارة برا وبحرا، ومرت بهم سنون تشيب الولدان، وابتلوا بولاة ~~كأنهم زبانية الحجيم، ولكنهم لم يفقدوا خصب أرضهم وكبر ms033 همتهم. # الزمن الذي حدثت فيه حوادث هذه الرواية سبق بقرون كلها ظلم وجور وإرهاق، تلتها فترة صغيرة ~~ساد فيها الأمن الفترة التي استتب فيها الأمر للأمير بشير الشهابي المعروف بالكبير، ثم ~~لإبراهيم باشا ابن محمد علي باشا عزيز مصر، في هذه الفترة عاد الناس إلى زراعتهم وتجارتهم ~~فنقبوا أراضي الساحل وزرعوا فيها التوت، وربوا دود الحرير وبعثوا به إلى فرنسا، فتدفقت ~~عليهم ميازيب النضار. # رجل واحد من أهالي عمشيت لا من الأمراء ولا من المشايخ كسب من تجارة الحرير ما استطاع أن ~~يوفي به الأموال الأميرية عن بلاد البترون وبلاد جبيل وبلاد الفتوح دفعة واحدة. هذا الرجل، ~~واسمه ميخائيل طوبيا، أقام في عمشيت قريته، وجعل يشتري الحرير من أهالي البلاد المجاورة ~~ويرسله إلى مرسيليا وبلغ من علو همته أنه كان يملي على خمسة من الكتاب في وقت واحد كأنه ~~نبوليون الأول، ولا يستطيع الإنسان أن يدبر الأعمال الكبيرة إلا إذا كان كبير الهمة. # واقتنى غيره قوافل من الجمال أو البغال لنقل بضائع المشرق الأقصى من العراق إلى دمشق، ~~ومنها إلى ساحل بيروت، وحمل بضائع أوروبا إلى داخلية البلاد لنقلها إلى المشرق الأقصى، فلا ~~تمر بك ليلة إلا وتسمع غناء المكارين يحدون لجمالهم، وأجراس بغالهم تحيي ظلمة الليل وتطرب ~~آذان النيام، فتتدفق ينابيع النضار على جانب كبير من السكان، خلة جرى عليها أهالي الشام من ~~عهد الفينيقيين، واستمروا عليها أكثر من ثلاثة آلاف عام، يسعدون بها آونة ويشقون أخرى، ~~والدهر في الناس قلب. # وكان أمراء لبنان قد ذاقوا لذة الراحة بعد طول الكفاح، وباروا الفلاحين وسبقوهم في زرع ~~التوت وتربية دود الحرير، فصارت مزارعهم في البقاع تأتيهم بما يحتاجون إليه من الحبوب، ~~وحراجهم في الجبل تسوم فيها قطعانهم ومواشيهم، وبساتينهم في الساحل يربى فيها الدود ويعصر ~~منها الزيت، فتمتعوا برفاه العيش، وظهر ذلك في أعراسهم ومآتمهم. # وكانت الأميرة صفا مخطوبة للأمير قاسم من أمراء الحدث، وجاء الوقت المعين للاحتفال ~~بزفافها إليه، فجاءها التجار والصاغة من بيروت بالأطالس، والمقصبات الحلبية، والحلى ~~المختلفة ms034 من عقود، وقلائد، وخواتم، وأساور، وأقراط، وضفائر مرصعة باللؤلؤ، والماس والياقوت. ~~وأهدى العريس إليها هدايا فاخرة من أنسجة دمشق ودير القمر ومصوغات بيروت وصيداء. # وجاء اليوم الموعود للخروج بموكب العروس من كفر شيما إلى الحدث، وهو يوم أحد قبل الصوم ~~الكبير، وكانت الأميرة جلنار أم الأمير قاسم تخاف أن يكون يوم العرس يوما مطيرا، فنذرت ~~لمار أنطونيوس أنه إذا كان اليوم صحوا تصنع له إكليلا من الذهب وتعلق أمامه قنديلا من ~~الفضة، وعلم المطران بنذرها فلما انحبس المطر من أول الأسبوع وغابت الشمس يوم السبت تحيط ~~بها غيوم حمراء، خاف أن يأتي الأمر على غير ما يود، ولكن أصبح الصباح يوم الأحد ولا غيم في ~~السماء ولا ضباب في الجو، وفاضت أشعة الغزالة على ربى لبنان وانتشرت على ساحل بيروت: # وفاخر بحر الروم لون سمائه # وسارت جواريه عليها المطارف # وسالت على الكثبان غدران عسجد # من الشمس فيها الظل غرثان وارف # وساحل بيروت الخصيب ونهرها # وتلك الروابي والقرى والصفاصف # بساط وسيف والنهود ولؤلؤ # نضيد على صدر الربى متراصف # وكان الأمراء آل شهاب وآل أبي اللمع قد وفدوا إلى الحدث من جهات مختلفة، أتي كل منهم ~~بموكبه من الخدم والحشم، فلم تعد تسمع إلا صهيل الخيل، وإطلاق البنادق، وأصوات الطبول ~~والدفوف والزمور، وكلما وصل وفد منهم قوبل بالأغاني والزغاريد وقماقم العطر ومجامر البخور، ~~واجتمع أولاد القرية ووقفوا عن كثب مبهوتين مدهوشين، والسعيد منهم من أعطي فرسا ليمشي به، ~~أما آباؤهم فقاموا على خدمة الضيوف والأتباع كأنهم كلهم من خدم الأمير. # وقام الأمراء في الصباح واعتلوا صهوات خيولهم، فتألف من ذلك موكب كبير يأخذ الطرف مهابة ~~وجلالا. سارت في مقدمته الأميرة جلنار أم الأمير قاسم على جواد أشهب يتهادى بما عليه من ~~الحلى، وإلى جانبيها اثنان من خواص أهل القرية ماسكان بركابها، ووراءها سائر الأمراء، ~~وأمامهم وخلفهم خلق كثير فيه المغنون والمطبلون والمزمرون، وسار هذا الموكب الهوينى، وكلما ~~مر ببيت قابلته نساؤه بالزغاريد وقماقم ماء الود إلى أن خرجوا من بين البيوت، وساروا ms035 في ~~الأرض البراح بين الحدث وكفر شيما، وكان الماء قليلا في نهر الغدير فقطعوه، ولقوا هناك ~~وفدا من كفر شيما آتيا لاستقبالهم والترحيب بهم، فتصافحوا وهم على ظهور الجياد، وأكثر ~~رجالهم من إطلاق البنادق، ثم نصب الميدان في سهل فسيح على ضفة الغدير، فانقسم الأمراء ~~فريقين وجعلوا يترامون بالجريد؛ يهجم الفارس منهم والجريدة في يده ويرمي بها خصمه فتخرج ~~كالشهاب الثاقب؛ لأن زخم الفرس يضاف إلى قوة الساعد، ويراها الخصم مقبلة إليه، فيحيد من ~~طريقها أو يغطس تحت بطن جواده أو يستلقيها بيده أو يدفعها عنه بجريدة أخرى، والفتيان من ~~القريتين يجولون في الميدان، وكلما وقعت جريدة التقطوها وأعطوها لفارس من الفرسان، وظل ~~أولئك الأمراء في كر وفر وهجوم ودفاع إلى أن تصببت جباههم عرقا وسبحت جيادهم في عرقها، ~~وإذا بفتى يصرخ ويقول: أخ يا عيني يا أمي. كان هذا الشاب يلتقط الجريد فأصابته جريدة ذهبت ~~بعينه، فالتف عليه غيره من الفتيان، وأتوا به إلى الأمير الذي ضربه، وقالوا له: انظر يا ~~سيدي، عبدك فلان طارت عينه. فقال: اربطوها له. ثم نادى وكيله وقال له: أرسل إلى هذا المسكين ~~كيس غلة وخمسمائة غرش. فتقدم أبو الفتى وقبل يد الأمير ودعا له بطول العمر، ومن يهن يسهل ~~الهوان عليه! # وكان الأمير أحمد أرسلان في جملة المدعوين إلى هذا العرس، وذكره للسر هنري بدمونت في إحدى ~~خطراته إلى بيروت فود السر هنري أن يكون حاضرا ليشهد الميدان ولعب الجريد، فدعاه الأمير ~~أحمد إلى الحضور، وكان يعلم أن الميدان سينصب على ضفة الغدير، فوافاه السر هنري إلى كفر ~~شيما، وسارا مع أمرائها الذين لاقوا أمراء الحدث، ووقفا يريان الفرسان تكر وتفر، ولم يشتركا ~~معهم، وحاول كثيرون إغراء الأمير أحمد بالنزول إلى الميدان، فلم ينزل معتذرا بوجود السر ~~هنري معه، وهو في الباطن يخشى حدوث ما لا يرضاه؛ لأن الأحقاد الكامنة بين النصارى والدروز ~~كانت قد أخذت في الظهور، وتطاول أحد الفتيان عليه ووجه جريدة إليه، وهو يقول: خذها يا أمير ~~أحمد، ولا تقل ms036 إني غدرتك. فاستلقى الأمير أحمد الجريدة بمحجن كان في يده ولم يحذفه بها، ~~وكان ابنا الأمير عباس أخوا الأميرة سلمى هناك فبادرا إلى الذي رمى الجريدة وتكلما معه؛ لأن ~~أمهما أوجست شرا من حضور ابن أختها، فأوصت ابنيها أن لا يفارقاه، وقالت لهما: إن العيون ~~محمرة فلا تدعا ابن خالتكما وحده. # ولما انتهى الميدان وأصيب الفتى بجريدة فقأت عينه، قال بعض الحضور: إن هذا الأمير ~~الإفرنجي لا بد وأن يكون عارفا بالطب. فأتوا بالفتى إليه فنظر وإذا العين قد فقئت تماما ، ~~فقال للأمير أحمد: لا أرى أن رد النظر إليها في الإمكان، ولكن يجب أن تعالج لكيلا تلتهب، ~~ويمتد الالتهاب إلى أختها. ثم نزع ورقة من جيبه، وكتب له سطرين إلى طبيب في بيروت ليذهب ~~إليه بها، فأخذها الفتى وقبل يده. # ثم سار الموكب في طريقه كأن عين ذلك الفتى ذبابة كانت على رأسه فأطارتها الجريدة عنها! ~~حتى إذا بلغ الموكب دار العروس في كفر شيما علت الزغاريد، وطلقات البنادق وأصوات الطبول ~~والزمور، وبادر رجال القرية إلى استلام الخيول والمشي بها، وتصافح الأمراء ودخلت أم العريس ~~واعتنقت كنتها، ثم قدمت القهوة والشبقات، ومدت أسمطة الطعام من الخرفان المحمرة والديوك ~~المقمرة والرز المفلفل والألبان والأسماك وأنواع الحلوى، ولما فرغ الأمراء من الطعام جلس ~~الأهالي والأتباع أفواجا أفواجا، حتى إذا امتلأت الخواصر وفرغت الجفان انتظم الموكب ~~ثانية، وقامت العروس فودعتها الأميرة سلمى وكاد يغمى عليها، واعتنقتها الأميرة هند وهي ~~تبكي؛ لأنها ربتها بعد وفاة أمها فكانت مثل أم لها وودعها أبوها وزوجته؛ لأنه كان قد تزوج ~~بعد وفاة أمها، فخنقت العبرات الأميرة صفا، لا سيما وأنها تذكرت أمها وشعرت حينئذ باليتم ~~شعورا أليما لم يخامر قلبها من قبل. # ثم أركبوها وساروا بها الهوينى وهم ينشدون الأناشيد ويطبلون ويزمرون، إلى أن وصلوا إلى ~~دار العريس، فقام المطران ولفيف الكهنة بصلاة الإكليل، ووزعت الهدايا من أكياس القصب ~~ومناديل الحرير ومدت أسمطة الطعام، وزينت الدار وما حولها تلك الليلة وأطلقت فيها السهام ~~النارية. # وبينما الناس ms037 في لهو وطرب يغنون ويزمرون ويطلقون السهام فتشق عنان السماء، علت الجلبة ~~والضوضاء وهجم القوم بعضهم على بعض حتى اختلط الحابل بالنابل؛ فإن شابا كان يطلق سهما ~~فأصاب فتى من أولاد الأمراء في رأسه فوقع صريعا، وظن أبوه أن السهم أرداه، فاستل سيفه وضرب ~~الشاب به فانتصر له رفاقه وهجموا على الأمير، وهجم أعوانه عليهم، وعلا الصياح حتى اختلط ~~الجمع كله اختلاطا، وخرج العريس ومن معه، وخرج النساء أيضا وتركن العروس في حجلتها، وكان ~~الظلام حالكا خارج البيت إلا حيث توقد المشاعل، فتركها الرجال الموكلون بها واختلطوا ~~بالغوغاء، ومضت ساعتان من الزمان، وذلك الجمع كالبحر الزاخر، ثم خمد الهيجان رويدا رويدا، ~~فانجلى عن كثيرين من الجرحى والعريس في جملتهم، فإنه أصيب بعصى شدخت رأسه فعادوا به إلى ~~داخل الدار، ولكنهم فتشوا عن العروس فلم يجدوها، وتناقل النساء هذا الخبر وبلغ الرجال ~~فجعلوا يفتشون في جوانب البيت وغرفه، وعادت الضوضاء ومضت ساعتان في التفتيش على غير ~~جدوى. # وتضاربت الأقوال حينئذ فمن قائل: إن الجن خطفت العروس بحلاها. ومن قائل: إن أميرا آخر ~~يحبها وتحبه، ولكن أباها أبى تزويجها منه فأرسل أتباعه اختطفوها، وهم الذين صوبوا السهم إلى ~~ذلك الفتى لكي يقلقوا الجمع فيلهوا عنهم. ومن قائل: إنها كانت تريد أن تترهب ولكن أباها ~~منعها من ذلك وأبى إلا تزويجها، فبعث الراهبات من اختطفها. لكن الأكثرين كذبوا هذا القول ~~الأخير إجلالا للراهبات عن هذا الفعل المنكر، وكيفما كانت الحال فإن التفتيش استمر إلى ~~الصباح ولم توجد العروس، ولا وجد أثر لها، وقام في نفوس الأكثرين أن الجن اختطفوها. ~~••• # وجلست الأميرة هند مع ابنتها تلك الليلة وقالت لها: لا أدري لماذا أشعر بضيق في صدري على ~~فراق صفا، مع أن حماتها تحبها كما تحب الأم ابنتها، وقاسم من نخبة الشبان، نعم إنه لا يقاس ~~بأحمد، ولكنه أفضل من كل أولاد عمه، هل رأيت أحمد بين الحضور هو والأمير الإنكليزي؟ يظهر لي ~~أن أحمد تغير كثيرا في هذين الشهرين فصار قليل الكلام كثير التفكير. ms038 # فقالت الأميرة سلمى: ألم تسمعي ما قال أبي؟ إنهم يطبخون لنا طبخة ويدبرون مهلكا! # فقالت أمها: إن أحمد أعقل من أن يغتر بنفسه، فإن بلاد كسروان كلها قائمة قاعدة، وفرنسا ~~معنا، والإنكليز لا يساعدونهم ولو تظاهروا بمساعدتهم، إن كل أحد يقول الآن إن هذا الأمير ~~الإنكليزي جاء مع أحمد؛ لأنه حليف له، مع أنه جاء لكي يشاهد العرس والميدان لا غير، كما قال ~~لي أحمد نفسه، وقد أوصيت أخويك أن لا يفارقاهما خوفا من أمر يحدث، إن أحمد من أعقل الشبان ~~وهو يحبك جدا، وقد قال لي بالأمس إنك ما عدت تلتفتين إليه. # فصمتت الأميرة سلمى ولم تقل شيئا، وانتهى الحديث على هذه الصورة، ولكن لما خلعت ثيابها ~~لتنام فكرت طويلا في أمر يشغل بالها، وذرفت دمعتين سخينتين ثم ألقت رأسها على وسادتها، ~~وسلمت نفسها لسلطان الكرى وهي لا تعلم شيئا مما جرى لابنة عمها. ~~••• # وعاد السر هنري إلى بيروت تلك الليلة، وجلس بعد العشاء يكتب لأمه، فوصف لها ما رآه في ~~يومه، وصف الميدان ولعب الجريد وتهادي الجياد العربية بما عليها من الحلى، وملابس الأمراء ~~المقصبة، وأشار إلى الفتى الذي فقئت عينه، وعجب من رضوخ الناس للذل واعتقادهم القضاء ~~والقدر، ثم وصف ما رآه في بيت العروس وأسهب في وصف المآكل وجلوس الأمراء حول السماط على ~~المساند، وانتقل إلى وصف الأميرات وملابسهن وحلاهن، وكان قد رأى الأميرة سلمى واقفة إلى ~~جانب ابنة عمها الأميرة صفا كأنهما بدران أو لؤلؤتان، فلما شرع في وصفهما ارتجف القلم في ~~يده وأرتج عليه، فكتب يقول: أخاف أن أصف لك جمال هاتين الأميرتين، فتطلع إفلين على كتابي ~~وتقول إني نسيتها حتى صرت أرى غيرها جميلا مثلها، الجمال الشرقي غير الجمال الغربي، الجمال ~~الشرقي مسلح والجمال الغربي أعزل، تنظر الفتاة الشرقية إليك بعينيها، فتشعرين كأنها راشت ~~سهامها ورشقتك بها، أما الفتاة الغربية فترين في زرقة عينيها كأسا سائغة تودين ارتشافها، ~~ثم قال: لم أهتد حتى الآن إلى المغارة، ولكن بلغني اليوم أنهم عثروا على مغارة ms039 قرب ~~الشويفات فيها أسلحة قديمة، وسأمضي إلى هناك في هذين اليومين، إذا وجدت رفات جدي والوثيقة، ~~فسأسمي نفسي أمير لبنان، وآتي بإفلين إلى هنا فتكون أميرة لبنان، هذه أحلام أهدس بها ~~أحيانا، ولكن قلبي يحدثني أن إفلين نسيتني؛ أنساها إياي اللورد كارو الذي كتبت لي عنه، ~~أخبريني عن كل ما قاله لها بالتفصيل، وعن مقام هذا اللورد بين قومه، فإنني لا أعرفه. # ثم ذكر لها أمورا أخرى عن أحوال الجبل وثورة الأفكار فيه، وختم الكتاب وهو يود الرجوع ~~إلى وصف الأميرة سلمى وقلمه لا يطاوعه، كأنه يرى حرما حظر عليه الدنو منه. # الفصل العاشر # | المجمع البطريركي # شمالي لبنان مقر المردة ومعقل رجال الدين، عصى قياصرة الروم ولم يخضع لخلفاء المسلمين، بل ~~كان ينازعهم السلطة في بلاد الشام، وكان لأمرائه السيادة المطلقة من أورشليم إلى أنطاكية ~~يحاربون بني أمية كما يحارب الأكفاء بعضهم بعضا، واستمروا على ذلك إلى أن وقع الخلاف ~~الديني بينهم وبين أراخنة القسطنطينية، فعاون الروم العرب عليهم، وتوالت السنون وهم لا ~~يزيدون قوة ولا تزيد بلادهم اتساعا، فضعف شأنهم رويدا رويدا إلى أن انقرضوا وبقيت ~~السيادة لرجال الدين؛ لأنهم يتجددون بالانتخاب، فبنوا أديرتهم على كل معقل، واستأثروا بجانب ~~كبير من أملاك البلاد. # في دير من هذه الأديرة، فوق زوق ميكائيل شمالي الطريق إلى بزمار دير بكركي لرهبنة أنشأتها ~~فتاة حلبية اسمها هندية، جاءت كسروان واشترت أولا دير ما عبدا المشمر، وأنشأت فيه الرهبنة، ~~ثم استحسنت موقع بكركي، وطلبت من رهبانه المقايضة فأعطتهم ديرها وأخذت ديرهم، وبنت فيه بناء ~~كبيرا أنفقت عليه أربعين ألف ريال، وكانت عازمة أن تزيده فخامة واتساعا، فجاءته بثلاثين ~~ألف حجر منحوت وبأعمدة عظيمة من الرخام، ولكن قام عليها مبغضوها وشانئوها ونسبوا إليها ~~السحر والضلال، فاضطر البطريرك يوسف التيان إلى الاستعفاء؛ لأنه كان من ناصريها، وحرمتها ~~الكنيسة وحرمت أعمالها، وحلت رهبنتها، وبات الدير قفرا لا يأوي إليه غير البوم. ويقال إن ~~أحد المطارنة أحرق الثلاثين ألف حجرا كليا، زاعما أن الحرم تناولها. # وكان بطاركة الموارنة ms040 يقيمون في دير قنوبين في شمالي لبنان، فاختاروا الإقامة في كسروان ~~في الأيام الأخيرة؛ لأنها مقر وجهاء الموارنة، فكانوا ينزلون في الدير الذي يختارونه إلى أن ~~تنصب البطريرك يوسف إسطفان، فعقد المطارنة مجمعا في دير مار يوسف الحصن في غسطا، حضره ~~القاصد الرسولي، وقرروا في جملة ما قرروه أن يكون الكرسي البطريركي في بكركي، ثم تكرر هذا ~~القرار في مجمع آخر ولكن لم يعمل به، فلما تنصب البطريرك يوسف حبيش عمل به، وأقام في بكركي ~~وخلفه البطريرك يوسف الخازن فزاد البناء . وأمام الدير ميدان صغير في آخره شجرة ميس قديمة ~~العهد، وكثيرا ما يمشي البطريرك والمطارنة فيه يتلون فروض الصلاة. # وفي تاريخ الدويهي أن بكركي كانت بلدة كبيرة في أوائل القرن الخامس عشر، والمنظر منها ~~جميل جدا يطل على كل بلاد الساحل من جبيل إلى بيروت وما وراءها جنوبا. # إن حوادث الجبل المشار إليها في الفصول السابقة جعلت بطريرك الموارنة يدعو المطارنة ووجوه ~~الطائفة للاجتماع والمذاكرة فيما يجب عمله إذا قام الدروز لمحاربة النصارى، فاجتمع لديه ~~جماعة منتقاة لا تتجاوز اثني عشر نفسا، وهم: مطران بيروت، ومطران صور وصيداء، ومطران عكاء، ~~ومطران قبرص، ومطران الشام، والخوري نعمة الله الدحداح كاتب السر، والخوري يوحنا الحاج قاضي ~~النصارى. ومن الوجوه: الأمير أمين منصور أبو اللمع، ويوسف بك كرم، والشيخ كنعان الخازن، ~~والشيخ صالح الخازن، وترجمان قنصلاتو فرنسا في بيروت. # المجلس رهيب البطريرك في صدره والمطارنة على جانبيه وأكثرهم شيوخ عركوا الدهر، وبعضهم درس ~~في رومية، واطلع على أخبار الأمم الغابرة والحاضرة، وعرف تاريخ لبنان وما تعاقب عليه من ~~أيام النعيم والبؤس، فدارت المذاكرة على أحوال الجبل من حين تولاه عمر باشا النمسوي، فإنه ~~تولى إمارته واتخذ بتدين دارا للولاية واتخذ له مديرين: الشيخ خطار العماد، والشيخ منصور ~~الدحداح؛ الأول: درزي والثاني: ماروني، وولى الشيخ فرنسيس أبا نادر الخازن على كسروان، ~~والشيخ ظاهر منصور الدحداح على الفتوح، وولى على بلاد جبيل والبترون والكورة ثلاثة من ~~المشايخ الحمادية، فنفرت الخوازنة من انضمام ولاياتهم الثلاث ms041 إلى واحد منهم، ونفرت نصارى ~~جبيل والبترون والكورة؛ لأن الحمادية مرفوعة ولايتهم عنهم منذ نحو ستين سنة، نعم إن عمر ~~باشا اتخذ النصارى أحلافه ليرضوا بولاية الدولة، وجند منهم الجنود وجعل الشنتيري وأبا سمرا قائدين عليهم، وكتب مصطفى باشا والي بيروت إلى البطريرك يثني على غيرته في خدمة ~~الدولة، وأرسل إليه هدية نفيسة ظرف فنجان مجوهرا، ولكن الأفعال التي فعلها منيب باشا ~~بالدحادحة والدسائس التي دست للدروز لينتقضوا على عمر باشا ويحاربوه، ثم قسمة البلاد إلى ~~قائمقاميتين متناظرتين، ثم إلى ولايتين وتجدد الفتن واستمرارها؛ كل ذلك مكن الضغائن ~~والأحقاد في قلوب النصارى والدروز. # هذا من حيث أهالي لبنان ونسبتهم بعضهم إلى بعض، وكأن الحروب الأهلية التي استمرت مئات من ~~السنين لم تكف لزعزعة أركان الجبل والتنكيل بأهله، فتسلط عليه عاملان آخران يرميان بسهم ~~واحد إلى غرضين مختلفين: الواحد يريد التنكيل بالنصارى لكي يتحزب لهم أهل ملتهم من الدول ~~الأوروبية، ويسعوا في تغيير الحالة الحاضرة، والثاني يريد التنكيل بهم لكي يجد سبيلا ~~لحمايتهم واحتلال البلاد. # وكان مدار الكلام في المجمع البطريركي على شئون الجبل، وما يجب عمله في تلك الأحوال، وكان ~~كثيرون من الحضور غير عارفين الغاية المقصودة، فلما شرحت لهم بهتوا وخاف بعضهم عواقبها، ~~وكثر الجدال بينهم، ولا سيما بين مطران بيروت ومطران عكاء، وأخيرا تكلم مطران دمشق وكان ~~مسموع الكلمة لتقواه، وقال: إن نحن جرينا على الخطة التي فصلها لنا حضرة الترجمان، فقد لا ~~يكون الضرر جسيما في نواحي لبنان، ولكن المدن البعيدة كدمشق لا تسلم من الإفراط، ونحن هناك ~~شرذمة صغيرة فلا تبقى منا بقية، وما فائدتنا من اصطلاح الأحوال بعد أن نمسي من ~~الغابرين. # فقال له الترجمان: لقد أوصينا بكم أميرا مقداما عندكم، وهو تكفل بمنع كل إفراط، ولا نظن ~~أنه يصاب أكثر من اثنين أو ثلاثة، وقد لا يصاب أحد، بل يكتفى بنهب بعض البيوت، وإن كانت ~~حادثة البادري توما أقامت أوروبا وأقعدتها والقاتل مجهول، فكيف إذا حدثت ثورة عامة وبدا ~~اعتداء مقصود؟! # وبعد جدال طويل ms042 وأخذ وعطاء أجمعوا على إرسال جانب من الرجال المسلحين إلى ساحل بيروت، ~~وجانب آخر إلى جهات زحلة ثم يعود الفريقان من حيث أتيا. # الفصل الحادي عشر # | المشكل الجديد # ركب الأمير أحمد وركب معه ثلاثة من رجاله وهم بالسلاح الكامل؛ لأن النزول إلى بيروت لم ~~يعد مأمون العاقبة تماما، ولما وصلوا إلى الغدير اضطروا أن يصعدوا إلى مخاضته؛ لأن الماء ~~كان غزيرا فيه على أثر الأمطار الكثيرة التي وقعت في الشهر الماضي، ووصلوا إلى بيت ~~الكولونل روز نحو الساعة العاشرة صباحا، ودخل الأمير أحمد إلى مكتب الكولونل، وأما رجاله ~~فدخلوا غرفة في الدار الخارجية، وكان الكولونل في انتظاره ومعه السر هنري بدمونت فرحبا ~~به، وكان البرد شديدا مع أن الجو كان صافيا والشمس مشرقة، وقد أوقد الكولونل نارا كبيرة ~~في موقد حديدي دفئت بها الغرفة، ولما استقر المقام بالأمير قال له الكولونل: بلغني أن أبناء ~~عمك وجمهور المشايخ عازمون على مقاومة القوة بالقوة، وهم على تمام الاستعداد، وأن دروز وادي ~~التيم متحفزون مثلكم، وقد كاتبتم دروز حوران وعربها وكلهم قلب واحد معكم. # فقال الأمير: لا يمكننا أن نخفي استعدادنا، ولكن غرضنا محصور في الدفاع، فإذا اعتدوا ~~علينا اضطررنا أن ندافع عن أنفسنا. # الكولونل ~~: # إن كلمة الاعتداء كلمة مبهمة غير محدودة، فغدا يتهارش كلبان أو يتخاصم رجلان أو ~~يقتل زيات في أحد الخانات، فتقوم القيامة ويدعي كل فريق أنه اعتدي عليه، وما دامت ~~القلوب ملآنة فلا بد من إفراغها، وقد كنت أظن أن كلامي لك في السنة الماضية أقنعك ~~بالعدول عن هذه الخطة، وجعلك تقنع أبناء عمك بالعدول عنها، فلا أرى حتى الآن إلا ~~تفاقم الشر والتحفز للقتال وتوالي الاجتماعات في كل خلوة والانصياع لمشورة الوالي، ~~فقل لأبناء عمك إن مساعدتنا لهم تصل إلى حد محدود، ودفاعنا عنهم لا يجدي نفعا إلا ~~إذا كان الحق في جانبهم، فإن الحق هو الذي يقوينا على الدفاع. # الأمير ~~: # كن على ثقة يا سعادة القنصل أننا لا نكون البادئين، وأنا معكم في أن كلمة ~~الاعتداء غير ms043 محدودة المعنى، ولكني أؤكد لسعادتكم أننا غير عازمين أن نلجأ إلى ~~القوة إلا إذا طفح الكيل، فإذا قتلوا منا واحدا هنا وواحدا هناك واعتدوا علينا في ~~جهات مختلفة، فمهما توقى خاصتنا وبذلوا من الجهد في تسكين العامة، فالعامة لا ~~تستكن ولا تسكت، ومحال على أحد الفريقين أن يمنع الشر إذا أراده الفريق الآخر؛ ~~لأن الفريق الذي يريده يتذرع إليه بكل وسيلة، فلماذا لا يجتمع القناصل كلهم ويوجبون ~~على النصارى أن يكفوا عن الابتداء بالشر؟ # فتنهد الكولونل ونظر إلى صورة معلقة أمامه على الحائط تمثل ملكة الإنكليز والإمبراطور ~~نبوليون الثالث واقف أمامها يقبل يدها، فقال في نفسه: ما أبعد الظواهر عن البواطن! وكيف ~~يركب أهل السياسة كل مركب خشن في سبيل الوصول إلى مقاصدهم! وكان قد بلغه اجتماع المطارنة ~~والمشايخ في دار البطريرك، فإن قواس القنصلاتو سمع الترجمان يتكلم مع المطران وهما راجعان ~~على الخطة التي قر القرار عليها، وكان قواس قنصلاتو إنكلترا نسيبا له فأخبره بما سمع، وهذا ~~أخبر الترجمان، واتصل الخبر بالقنصل فرآه معقولا ومنطبقا على ما أتاه الخبر به من وزارة ~~الخارجية بناء على ما وصلها من السفارة في باريس، فاستدعى الأمير أحمد لكي يحذره، وكان يعلم ~~أن الوالي يحرض الدروز، وإذا سمعت كلام الفريقين لا تجد عليهما ممسكا ولا تقطع بأن الشر ~~ينتج عنه، وأي لوم على من يقول لك «كن على حذر واعلم أني لا أتركك إذا رأيت عدوك اعتدى ~~عليك»، أو يقول لك «استعد لخصمك، ولكنك إذا رأيته اعتدى عليك، فلا تقابل القوة بالقوة ~~فتضعف حجتك وتمنع صديقك من مساعدتك، بل استمت لخصمك قليلا فيأتي الصديق لمعونتك وتكون ~~الغلبة أتم»؟! القولان سياسيان محكمان، وأغراض أهل السياسة لا تنال بأقل منهما. # هذه الخواطر خطرت كلها على بال الكولونل في تلك اللحظة التي كان ينظر فيها إلى الصورة، ~~فإن الأفكار أسرع من الكهربائية في حركتها، وهي مثل صورة كبيرة تمثل معركة من معارك القتال ~~أو حادثة من حوادث التاريخ تلمحها لمحة واحدة، فتتجلى لك تلك الواقعة أو ms044 الحادثة بملابساتها ~~الكثيرة في لحظة من الزمان. # ثم التفت إلى الأمير، وقال له: إن الذي أراه وتدل الدلائل كلها عليه هو أنكم إذا تهيأتم ~~للحرب فالحرب حادثة لا محالة، وإذا لم تتهيئوا لها لم تحدث، وإذا حدثت فلا بد ما تدور ~~الدائرة على النصارى، وحينئذ تبادر دولة من الدول الأوروبية إلى احتلال بلادكم، وربما لا ~~تمضي بضعة أشهر حتى تروا بوارجها في مرفأ بيروت وجنودها على ربى لبنان، وأنتم أدرى بما تصير ~~حالكم إليه حينئذ. وقد تقول لي: كيف يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة والوالي يحرضنا على ~~القتال؟! فأقول لك: إن الوالي قصير النظر في العواقب، وهو وأضرابه في القسطنطينية يرمون إلى ~~غرض آخر، وربما تتحقق أمنيتهم ولكنهم لا يعبئون بكم؛ لأن السلطنة واسعة فلا يحسبون حساب ~~بقعة صغيرة مثل لبنان، ولكن لو علموا أن العاقبة تكون كما تقدر الدول الأوروبية لعدلوا عن ~~هذا التحريض. # فأدرك الأمير غرض الكولونل تماما، ولكنه كان يرى يده مغلولة عن العمل، لا سيما وأن أمرا ~~آخر شغل باله منذ شهرين من الزمان، فإن أمه كانت تحبب إليه الاقتران بالأميرة سلمى ابنة ~~خالته، وهذا كان غرض خالته أيضا، وكانت الأميرة سلمى تنظر إليه كما تنظر إلى أخويها، وإذا ~~كلمتها خالتها في ذلك تلميحا غيرت الموضوع ولم تبد الرفض التام، فلما دنا زفاف الأميرة صفا ~~طلبت منها خالتها جوابا صريحا، فأجابتها: أنت ترين اضطراب الأحوال يا خالتي، والشهابيون ~~عن بكرة أبيهم لا يحتملون ذكر الأرسلانيين، فما هذا وقت النظر في هذه الأمور. # فعادت خالتها وأخبرت ابنها بذلك فزاد انشغال باله، وكان قد رأى اضطراب الأميرة سلمى ~~واحمرار وجهها لما شاهدت السر هنري بدمونت فأوجس شرا حتى لم يعد يدعوه إلى الشويفات، وكان ~~وهو يكلم الكولونل روز في هذه النوبة ينظر إلى السر هنري من وقت إلى آخر، وهو يحسب أنه يرى ~~أمامه خصما عنيدا، حتى إذا فرغ من الحديث السياسي التفت إليه السر هنري باسما، وقال له: ~~عسى أن تطمئن القلوب فنعود إلى التفتيش عن ms045 المغارة. # فلم يسعه إلا العود إلى المجاملة، فقال له: لا أرى الآن ما يمنعنا من التفتيش، فتعال ~~شرفنا وقتما تريد. فشكره السر هنري ووعده بأن يزوره بعد أيام قليلة، ثم قال له: ولكن ما هذا ~~الخبر الذي سمعناه؛ وهو أن العروس التي حضرنا عرسها خطفت من بيت عريسها؟! # فقال الأمير أحمد: نعم، وقد أشاعوا أن الجن خطفتها، خرافات العجائز! والحقيقة مجهولة حتى ~~الآن، فمن قائل إن واحدا من الفلاحين؛ أي من غير الأمراء، كانت تحبه وقد اتفقت معه على ~~الهرب، ومن قائل إنها كانت تريد أن تترهب فمنعها أبوها من ذلك، لكنها اتفقت مع بعض الراهبات ~~فخرجت إلى بيت في جوار بيت عريسها ولبست هناك لبس الراهبات وهربت معهن، ومن قائل غير ذلك، ~~وأبوها غير مهتم بها، والفتاة لا أم لها، ليس لها من يهتم بأمرها. # فقال السر هنري: بلغتنا هذه الأخبار، ثم لم نعد نسمع عنها شيئا، فظننا أنكم اهتديتم ~~إليها. # فقال الأمير: كلا، وأنا قلما أسمع شيئا من أخبار الشهابيين الآن غير ما يتعلق بالقلاقل ~~التي في الجبل، ولو لم تكن خالتي امرأة عمها ما كنت سمعت عنها شيئا. # ثم قام وودع القنصل والسر هنري، وطلب القنصل منه أن يبقى عنده للغداء فاعتذر بأنه مدعو ~~للغداء عند أحد أقاربه، ومر في طريقه على بيت أبي فخر، وهو لا يلتفت يمنة ولا يسرة مخافة أن ~~يرى ذلك الرجل؛ فيضطر أن يكلمه، لكن أبا فخر كان جالسا أمام الباب، فلما رآه قادما قام ~~لاستقباله، ودعاه لينزل ويشرب فنجان قهوة، فاعتذر بقرب آذان الظهر وبأن عمه في انتظاره، ~~فجادله أبو فخر وكانت السماء قد غامت وابتدأ وقوع المطر، فلم ير له بدا من التخلص منه ~~بأية واسطة كانت، فودعه وأعمل المهماز في شاكلة جواده، وكان لعمه دار في بيروت يشتي فيها، ~~فسار إليه مع رجاله الثلاثة وهم يعدون عدوا، وكان في الطريق صبية يلعبون تحت المطر، فلما ~~رأوا الخيل عادية قاموا ليهربوا من وجهها، فهرب واحد منهم إليها فداسه فرس أحد ms046 أتباع ~~الأمير، وخرجت أمه في تلك اللحظة لترى سبب عدو الخيل، فرأت ابنها يختبط بين قوائم الفرس، ~~فجعلت تزعق وتصيح واجتمع النساء على صياحها وعلت الضوضاء، وترجل الأمير ليرى ما حل بالولد ~~فترجل رجاله معه، وكان في قهوة مجاورة كثيرون من أهل العطلة فالتفوا عليهم، وكان الولد ~~حيا، ولكن كسرت ذراعه وشدخ رأسه ونزف الدم الكثير منه. # واتفق مرور ضابط في ذلك الطريق ومعه بعض الجند، فزاد صياح النساء وعرف الضابط الأمير فطلب ~~منه أن يذهب معه إلى الوالي، وحمل الجند الولد لكي يمضوا به إلى حيث يقيم طبيب العسكر، ~~وأعطى الأمير أحمد أم الولد كل ما معه من النقود، فرمته بها، وهي تقول: قتلت ابني وأنت ~~تبرطلني بغرشين؟! وحاولت أن تلحق به فردها العسكر عنه، فجعلت تتناول الحجارة وترشقه بها، ~~ووقع حجر منها على فرسه فرفس وجمح وكاد يتفاقم الخطب، وبينما هم على هذه الحال مر بهم ~~الوالي ذاهبا إلى الجامع لأجل صلاة الجمعة، فترجل الأمير ورجاله حالا، ودعاه الوالي ~~للذهاب معه، فوقع في حيرة؛ لا هو يريد أن يخالف أمر الوالي ولا هو يستطيع أن يجيبه إليه، ~~وإن أجابه فقد لا يسمح له بدخول الجامع، وإذا جاءت المشاكل ضاقت حلقاتها حتى يضيق المرء بها ~~ذرعا مهما كان رحب الصدر واسع الحيلة؛ هنا ولد مضرج بالدماء وأمه تصيح وتستغيث، وأهالي ~~بيروت يستخفون بأهالي الجبل كلهم ويعدونهم فلاحين ولو كانوا أمراء ومن نسل الملوك، والوالي ~~الذي يفضل الأمير أحمد أن يخسر أية خسارة كانت ولا يراه في ذلك الوقت، أمره بالذهاب معه ~~والدخول إلى الجامع والصلاة فيه، وهذه مشكلة أخرى لم يكن ينتظرها، نعم إن بعض أعمامه تظاهر ~~بالإسلام، ولكن ذلك لم يكن من مذهبه، فوقع في حيرة ولا حيرة الضب! # الفصل الثاني عشر # | بوادر الحب # بذلت الوسائل كلها في التفتيش عن الأميرة صفا لا من قبل أبيها؛ لأنه كان قليل الاهتمام ~~بها، بل من قبل عريسها وذويه؛ فإنهم حسبوا اختفاءها عارا لا يمحى، وزادهم قلقا تلبس الأمر ~~عليهم، فبعثوا ms047 بالرسل إلى كل ناحية وصوب، بعد أن فتشوا بيوت القرية كلها فلم يقفوا لها على ~~أثر، وكان يأتيهم كل يوم رجل بخبر جديد، فيبحثون ويفتشون فلا يجدون لخبره صحة، وجاءهم رجل ~~ذات يوم وقال إنه كان ذاهبا إلى جهة بسكنتا، فأمسى عليه المساء وغامت السماء، فخاف من ~~المطر والليل حالك الظلام والطريق وعر لا يسلك، ولا سيما بعد أن مر فيه السيل وخربه، فقصد ~~ديرا من أديرة الراهبات قريبا من الطريق، وطلب من البواب أن يسمح له بالنوم عنده فامتنع ~~البواب أولا عن إجابة طلبه، ثم رأى اشتداد الريح فخاف أن يموت بردا إذا لم يسمح له ~~بالمبيت عنده. ونحو نصف الليل قرع الباب، فقام البواب وفتح وإذا أمام الباب رجلان معهما ~~امرأة في زي راهبة، وهم راكبون خيولا، فدخلا بها ووقف الثلاثة في الصحن الخارجي، ودخل ~~البواب وقرع الباب الداخلي فجاءت راهبة فتحته وأدخلت المرأة وأقفلت الباب، وعاد الرجلان من ~~حيث أتيا. # فلما سمع الأمير ذلك قام في نفسه أن هذه المرأة هي عروسه نفسها؛ لأنه شاع وذاع أنها كانت ~~عازمة على الترهب، فقام من ساعته ونزل إلى بيروت وأخبر المطران بما سمعه من هذا الرجل، فأكد ~~له المطران أن الخبر كاذب؛ لأن الراهبات لا يقبلن فتاة عندهن ما لم يأت بها أهلها، ولا سيما ~~بعدما حدث من القيل والقال في مسألة الراهبة هندية، أما الأمير فلم يكتف بهذا النفي بل طلب ~~من المطران أن يرسل ويتحقق له الأمر، فقال: إن هذا خاص بسيدنا البطرك، وسأرسل الآن أخبره ~~بما وقع وأنتظر أوامره. وكان من الأمير كيس فيه عشرون ذهبا، فقدمها إلى المطران أجرة ~~قداديس، فامتنع المطران عن أخذها أولا ثم أخذها، وقال للأمير: كنت أظن أنك تسمح لنا بنصف ~~المطحنة كما سمحت أمك بالنصف الآخر حتى تصير كلها للكرسي. فعبس الأمير؛ لأن إيجار المطحنة ~~السنوي ثلاثة آلاف غرش، ولو أراد أن يبيعها لبيعت بثلاثين ألفا أو أكثر، ولكنه عاد فرأى ~~حرج موقفه فقال للمطران: الذي تقوله سيادتك يصير. واتفقا ms048 على أن يكتب له حجة بالنصف الثاني ~~من المطحنة فتصير كلها للكرسي. # وكانت الأميرة سلمى أكثر الشهابيات اهتماما بفقد ابنة عمها؛ لأنها عشيرة صباها وقد ربيتا ~~معا، وحالما بلغها الخبر عرفت حقيقته، ولكنها كانت تحسب أن ابنة عمها عدلت عن عزمها، ورضيت ~~بما قسم لها؛ فإن صفا كانت قد أخبرتها بما عزمت عليه منذ أكثر من نصف سنة، ثم لما لج الأمير ~~قاسم في طلبها ولم تر لها مناصا من قبوله، ولا سيما بعد ما رأت من اضطهاد زوجة أبيها لها ، ~~ورأت أن سلمى لا تشجعها على عزمها، وغاية ما في الأمر أنها طلبت منها أن تترك بيت أبيها ~~وتأتي وتسكن معها؛ لما رأت منها ذلك تظاهرت بالقبول، ولم تعد تبوح لها بشيء، وكانت كبيرة ~~النفس قليلة الكلام، فدبرت أمرها على مهل، وكانت تعلم خطر السبيل الذي سارت فيه، ولكن لسان ~~حالها كان يقول: # إذا لم يكن إلا الأسنة مركب # فلا يسع المضطر إلا ركوبها # وكانت الأميرة هند كثيرة الأوهام تصدق ما يقال عن الجن والعفاريت، فقام في نفسها أن الجن ~~خفطت ابنة سلفها، لكنها رأت الأمر فادحا رهيبا حتى لم تجسر على التفكير فيه، بل خافت أن ~~تذاكر ابنتها به، وسرت الأميرة سلمى باعتقاد أمها ذلك لكيلا تضطر أن تكذب عليها إذا ~~سألتها عما تعلمه من أمر ابنة عمها، لكنها بقيت مضطربة البال عليها، ولم يعد يهنأ لها عيش ~~ومرت الأيام وهي لا تزيد إلا قلقا، وكثيرا ما كان يخطر ببالها السر هنري بدمونت فتسر ~~بالخاطر وتجاربه أو تنفيه من ذهنها وتتسلى عنه بعمل تعمله أو كتاب تقرؤه، ثم كثر تردده في ~~بالها ولم يعد يفارقها بسهولة، فقلقت أولا من جراء ذلك، ثم رأت أنها مدفوعة إلى محبته رضيت ~~أو كرهت، فلم تعد تحاول المحال بمحو صورته من ذهنها، وصارت تود أن تراه أو ترى منه أقل ~~علامة تدلها على أن في قلبه مثل ما في قلبها، ولما مضت أيام كثيرة ولم تره ولا سمعت عنه ~~شيئا، صارت تقيم ms049 في رواق يشرف على طريق الشويفات، وكلما رأت فارسا أحدقت بنظرها إليه، ولم ~~تنقطع عن لوم نفسها، وكثيرا ما قامت الحرب بين عقلها وقلبها؛ يقول عقلها: هذا شاب أجنبي ~~رأيته مرتين لا غير، والمرجح بل المؤكد أنه نسيك الآن ولم تعودي تخطرين بباله، فما هذا ~~الغرور بل هذا الجنون؟! فيجيبه قلبها: لو لم يكن في قلبه عاطفة إلي ما كان في هذه ~~العاطفة إليه، وإلا فما معنى قولهم إن القلوب شواهد والحب متبادل، ناهيك عن أنه في المرتين ~~اللتين رأيته فيهما نظر إلي نظرا غير عادي، وفي المرتين كان الحياء يصبغ جبينه، وكان ~~يسترق اللحظ، وإذا نظرت إليه غض طرفه، ولم أر شيئا مثل ذلك في كل الشبان الذين عرفتهم ولا ~~في أحمد. ثم يخفق فؤادها وتشعر كأن حجرا ثقيلا وضع على صدرها وهي تحاول كتمان ما بها عن ~~كل أحد. # الفصل الثالث عشر # | حل مشكلة # وقف الأمير أحمد أمام باب الجامع وهو يضرب أخماسا لأسداس، فضاقت في وجهه المذاهب، وتصبب ~~جبينه عرقا باردا، ورأى الوالي حيرته فتظاهر بأنه لم ير شيئا، ووقف معه يكلمه في الصحن ~~والجماعة تصلي وراء الإمام، ثم دار معه ومشيا إلى جهة الميضئة، وكان يحسن التركية والوالي ~~يسر بحديثه، وقد علم أنه آت من دار قنصل الإنكليز، لكنه لم يشر إلى ذلك، بل حصر الكلام في ~~تغلب النصارى على الدروز في حادثة بيت مري التي حدثت في الصيف الماضي، وكيف أنهم أثخنوا ~~فيهم وحرقوا قراهم، قال: وأنت تعلم غيرتي عليكم وحسباني إياكم سيف الدولة، ولكن الصدر ~~الأعظم لم يكن يهتم بشكاوى حينئذ الاهتمام الواجب لانشغال الدولة بأمور أخرى أهم من مسائل ~~لبنان، فلما تمهدت تلك الأمور اتجه الالتفات العالي إلى الجبل وفي النية قصاص الذين سببوا ~~هذه الفتنة، وها عمك وجميع المناصب والمشايخ موافقون على ذلك، ويقيني أنك أنت معهم ~~أيضا. # فقال الأمير: أنا ابن الدولة وعبدها المطيع. وكان كلام الكولونل روز لا يزال يتردد في ~~ذهنه؛ وهو أنه إذا دارت الدائرة على النصارى تبادر ms050 دولة من الدول الأوروبية إلى احتلال ~~بلادكم. وصمت قليلا ثم قال: ولكن هل تأذنون دولتكم لي في الكلام بحرية وصراحة؟ فقال ~~الوالي: قل ما تشاء. فقال: هب أن الحرب الأهلية نشبت وأننا انتصرنا على خصومنا بمعونة الله ~~وبتأييد دولتكم لنا، أفلا تكون النتيجة أن دول أوروبا ترسل مراكبها الحربية وتحتل البلاد ~~حالا؟! # فتبسم الوالي وقلب شفتيه، وقال: كن مطمئن البال من هذا القبيل، فإن دول أوروبا متخاصمة ~~متناظرة، ولا يمكن لدولة منها أن تسمح لأخرى باحتلال هذه البلاد، وأحب ما علينا أن تقع ~~المنافسة بينهم حتى نخلص من شرهم. # الأمير أحمد: حلمك يا أفندينا، فأنا قرأت في التاريخ أن دولة واحدة منهم تحسب حامية ~~المسيحيين في الشرق والدول الباقيات يسلمن لها بهذا الحق. # فقطب الوالي وجهه لكنه قال: إن هذا الكلام حبر على ورق، فدولة فرنسا تدعيه ودولة ~~المسكوب تنازعها فيه، والحق للقوة، ألا ترى أن الفرنسويين ساعدوا محمد علي، والإنكليز ~~قاوموهم وغلبوهم، وأنا واثق أن الإنكليز معنا في هذه النوبة أيضا، ولذلك لا ألومك لأجل ~~ترددك على قنصلهم ألا ترى أنه معنا. # والتفت الأمير أحمد حينئذ إلى الجامع فرأى الناس قد أخذوا في الخروج فقال في نفسه: إنني ~~أخلص من مشكل وأقع في آخر! لكنه كان قوي البداهة، فأجاب الوالي قائلا: نعم، إني أرى منه كل ~~تشجيع لنا وغيرة على دولتنا، ويظهر لي من كلامه أن الإنكليز لا يزالون مخاصمين للفرنسويين، ~~ولا يهون عليهم أن تحتل فرنسا هذه البلاد. # وكانت الجماعة قد خرجت من الجامع كما تقدم، فسار الوالي والأمير أحمد معه، وخرجا من الباب ~~الخارجي كأنهما صليا مع الجماعة وخرجا معها، وهو أمر عادي للولاة والحكام يدخلون المعابد ~~ويقفون في صحنها يتحدثون مع خواصهم في شئون مختلفة، وهم يحسبون أنهم أتوا وعبدوا مثل غيرهم، ~~كأن الكبراء معفون من القيام بشعائر الدين، وسري عن الأمير أحمد؛ لأنه كان يكره الرياء ~~ولكنه لم يكد يسير في الشارع مع الوالي، حتى رأى المرأة التي ديس ولدها واقفة له في ~~المرصاد، وهي ms051 تصيح وتصخب فسأل الوالي عن قصتها، فقيل له إن جوادا من خيل الأمير داس ابنها، ~~فوقف وأدار رأسه إلى الأمير وشمخ بأنفه كأن لسان حاله يقول له: مسكتك وكيف تنجو من يدي. ~~فقال الأمير: نعم، إن ابنها وقع في الطريق، فرفسه فرس رجل من أتباعي، ولكن المسألة ~~عرضية. # فقال الوالي: ألم يدسه فرسك؟ فقال الأمير: كلا بل فرس رجل من أتباعي وهو له ليس لي، ومع ~~ذلك فالمسألة عرضية وقد نقل إلى المستشفى. # فأسف الوالي على ما بدر منه، وأراد أن يمحو تأثير كلامه من ذهن الأمير أحمد، فدعاه ~~لزيارته حينما ينزل ثانية إلى بيروت، وقال لرئيس الضابطة وكان سائرا وراءه: خذ هذه المرأة ~~من هنا ولا تدعني أرى وجهها. ثم ودع الأمير أحمد وسار في طريقه، فوقف الأمير إلى أن أبعد ~~عنه، ثم ركب جواده وأسرع إلى بيت عمه وهو لا يصدق بالنجاة من هذه المشاكل المتوالية. # فلما وصل إلى بيت عمه وجد عمه والبعض من مشايخ البلاد في انتظاره فهنئوه بالسلامة؛ لأن ~~أحد أتباعه كان قد سبقه إلى هناك وأخبرهم عن التقاء الوالي به، وأخذه معه إلى الجامع بعدما ~~جرى للولد ما جرى، وكانوا يخافون أن يمنع من دخول الجامع مع الوالي، أو يأخذه الوالي بجريرة ~~الرجل الذي داس فرسه الولد، فتفضي الحال إلى ما لا تحمد عقباه، فلما وصل قص عليهم ما جرى ~~له مع الوالي في صحن الجامع وكلام الوالي له، وكانوا كلهم من رأي الوالي، ويظنون أن إنكلترا ~~تساعدهم نكاية في فرنسا، أما هو فأكد لهم أن إنكلترا لا تساعدهم بل تطلب منهم أن يلزموا ~~السكينة ولو اعتدي عليهم، فقالوا: له إذن تكون العاقبة وخيمة علينا، ولا نعود نستطيع السكن ~~في البلاد، بل نضطر أن نرحل منها، وأروه مكاتيب واردة إليهم من دروز حوران ووادي التيم، ~~فقرأها وتمعن فيها مليا وجاراهم في الحديث، ثم جلسوا للطعام وغيروا موضوع الكلام أمام ~~الخدم، وجلسوا بعد ذلك ينظرون في تدبير المال اللازم لما يقصد من الأعمال؛ لأن الوالي ms052 وعد ~~بكل مساعدة حتى بالرجال والسلاح، ولكن خزينته أفرغ من جراب أم موسى، وكان الخواجه بخور قد ~~انتقل إلى بيروت، بعدما وقف على رأي الأمير المغربي، فزاره عم الأمير أحمد وطلب منه أن ~~يقرضه ألف كيس؛ أي خمسمائة ألف غرش، وهو يرهن له ما يملكه من الزيتون في صحراء الشويفات، ~~واختلفا على المدة ومعدل الربا؛ فالأمير طلب أن تكون المدة أربع سنوات، ويكون الربا اثني ~~عشر في المائة، والخواجه بخور طلب أن تكون المدة سنتين فقط، ويكون الربا عشرين في المائة ، ~~وأن الأمير أحمد يضمن الدين مع عمه، ولذلك لم يتفقا. # وجاء الخواجه بخور حينئذ لرد الزيارة ومشاهدة الأمير أحمد؛ لأنه كان يعرف أباه وكان ~~بينهما صداقة قديمة، ولم تطل إقامته حتى اتصل الكلام إلى مسألة الدين. فقال الخواجه بخور: ~~لقد بلغت الديون التي استدانها منا جمهور المشايخ والبكوات حتى الآن أكثر من ثلاثين ألف ~~كيس، وكلها بفائدة عشرين في المائة، فلا يخلصنا أن نعطيكم بأقل من هذه الفائدة؛ لأن النقود ~~صارت عزيزة في هذه الأيام، ولا سيما بعدما عقدت فرنسا قرضا وعقدت سردينيا قرضا آخر ~~استغرقا كل الأموال التي في أيدينا، وأنتم تعلمون مقدار القلاقل المنتشرة في البلاد كلها، ~~ولولا علمي أن الفوز يكون لكم أخيرا؛ لأن الدولة معكم، ما كنت أخاطر بغرش واحد، ولكن مع ~~ذلك من يدري ماذا تكون العاقبة. # فجعل الأمير أحمد يتوسل إليه ليتساهل مع عمه، ويجعل الربا خمسة عشر في المائة، ويعفيه من ~~الضمان؛ لأن عمه يستعيب ذلك، ومما قاله له: إن الأملاك التي سيرهنها عمي لك تساوي خمسة آلاف ~~كيس على الأقل، أفلا ترهنها على ألف كيس؟! لقد زدتموها يا خواجه بخور، وهذا ليس من العدل ~~ولا من الإنصاف ونحن أصدقاء من زمان طويل. # فقال الخواجه بخور: ليس في اليد حيلة يا أمير أحمد، وأنت تعلم أني لست وحدي، وأن أولاد ~~عمي لا يتنازلون عن غرش واحد. # فأخبره الأمير أحمد أنه استدان من بيت طراد، ولم يدفع سوى 12 في المائة، نعم إن ms053 المبلغ ~~الذي استدانه زهيد، ولكنه لو طلب منهم ألف كيس بهذه الفائدة لأعطوه. # فأجابه الخواجه بخور أن هذا يكاد يكون ضربا من المحال في هذه الأيام، وأنه لو طلب منهم ~~اليوم ودفع لهم عشرين في المائة لرأى أنهم يعتذرون عن إعطائه مائة كيس بهذه الفائدة. # ولكن كلام الأمير أحمد عن بيت طراد حل عزائم الخواجه بخور، فقال في نفسه: يجب أن نجمع كل ~~أصحاب البنوك الذين يدينون، ونتفق على معدل واحد حتى لا يضر بعضنا بعضا. وبعد جدال طويل ~~اتفقوا على أن يكون معدل الربا ثمانية عشر في المائة، وأن تكون المدة ثلاث سنوات، ويكتفي ~~الخواجه بخور بالرهن ولا يطلب ضمان الأمير أحمد. # ثم التفت الخواجه بخور إلى الأمير أحمد وسأله عما إذا كانت الأملاك تساوي خمسة آلاف كيس ~~حقيقة، فقال: نعم وهذا لا يقبل الغلط؛ فإنها خمسمائة قنطار من أغراس الزيتون، والقنطار ~~يساوي خمسة آلاف غرش على الأقل. # فقال الخواجه بخور: إذن يمكنه أن يستدين عليها ألف كيس أخرى، فنحن تحت أمرك وأمر ~~عمك. # وعاد الخواجه بخور إلى مكتبه، فوجد أنه أتاه تحويل على خزينة بيروت بثلاثة آلاف كيس؛ لأن ~~شركاءه في لندن وفينا كانوا يدفعون الأموال في الأستانة، ويأخذون بها تحاويل على خزائن ~~الولايات فأسقط في يده؛ لأن اليوم كان الجمعة، والخزينة مقفلة واليوم التالي السبت لا ~~يستطيع أن يعمل فيه عملا، فيضيع عليه ربا يومين، فجعل يشتم ربان السفينة التي لم توصل ~~التحويل يوم الخميس، وعد ذلك من جملة النحوس التي توالت عليه تلك السنة، وعاد إلى بيته منغص ~~العيش كأنه خسر خسارة كبيرة لا تعوض. # الفصل الرابع عشر # | الأميرة صفا # مضى شهران على اختفاء الأميرة صفا ولم يعلم أحد مقرها، لكن زادت الإشاعات بأنها ترهبت في ~~أحد الأديرة، وكتب المطران إلى البطريرك، وبحث البطريرك في الدير الذي أشار إليه الأمير ~~قاسم، فلم يجدها فيه ولا وجد أن راهبات الدير يعلمن شيئا من أمرها، وكان أبوها يظن أنها ~~هربت مع شاب من الفلاحين فحرمت ميراثها من أمها؛ ms054 لأن الشاب غني جدا، وكان يحبها ويود ~~الاقتران بها، ولكن الشهابيين لا يزوجون الفلاحين، ولو صاروا من أفقر الناس وصار الفلاحون ~~من أغناهم، وقد قال هذا الشاب لأبيها إنه يتنازل له عن ميراثها من أمها، وكان وافرا جدا، ~~فإن أمها من نسل الأمير بشير الكبير، وقد ورثت منها جنائن وبساتين في الحدث والشياح ووطأ ~~نهر الكلب، وضياعا ومزارع في بلاد جبيل وسهل البقاع، فمال أبوها إلى تزويجه بها، ولكن ~~إخوته وأبناء عمه منعوه من ذلك، وهي لم تكن تميل إلى ذلك الشاب ، واتفق أنه كان غائبا وقت ~~زواجها، فاتهموه باختطافها ولكنه عاد من غيبته، واتضح أنه لم يكن عارفا بما جرى لها؛ لأنه ~~لما رأى إصرار أهلها على تزويجها بالأمير قاسم، سافر إلى مصر لكي يسلوها، فلما رأى أبوها ~~ذلك انشغل باله وخاف أن يتحقق أمر ترهبها، فيطلب منه أن يسلمها كل ميراثها من ~~أمها. # وكان كذلك؛ فإنه بينما كان ذات يوم يفكر في هذا الأمر جاءه رسول من دير العازرية في بيروت ~~ومعه كتاب من ابنته له، فلما فضه وقرأه أظلم الضياء في عينيه، وقام من ساعته وجاء إلى بيت ~~أخيه الأمير عباس أبي الأميرة سلمى؛ لأنه كان أكبر منه سنا وأوسع خبرة وأراه الكتاب، ~~فأرغى هذا وأزبد وشتم ولعن، وقال لأخيه: قلت لك لا تدع هؤلاء الراهبات يدخلن بيتك، وليس ~~طمعهن بصفا بل بالجنائن والبساتين والضياع والمزارع، ما دمتم لاصقين بهذه الطغمة صيروكم على ~~الأرض، هذا قاسم الحمار وهب المطحنة كلها للمطران لكي يفتش له عن صفا، وأنا أحلق لحيتي إن ~~كان المطران لا يعلم أنها ذهبت مع الراهبات، وأن ذلك بعلمه وبدسيسته، هذا أمر لا نحتمله ولا ~~نطيقه لم يقع مثله لبيت شهاب من أول مجيئهم إلى هذه البلاد إلى الآن، اسمع ماذا تقول لك في ~~مكتوبها تقول إنها فرحة جدا؛ لأنها تستطيع الآن أن تصلي لأجل خلاص نفسك واهتداء عمها، من ~~كان يمنعها عن الصلاة وهي هنا؟! ألا يسمع الله في لبنان كما يسمع في إيطاليا، ms055 ولكن ليس ~~العبرة هنا، بل العبرة في قولها إنها نذرت لله أن تساعد الفقراء والمساكين بكل ما تملكه؛ أي ~~بكل ما ورثته تكفيرا عن نفس أمها؛ لأن نفسها لا تزال في المطهر، قم قم لعبوا عليك وأخذوا ~~ابنتك ومرادهم أن يأخذوا أموالك، ثم اسمع ماذا تقول، إنها مبسوطة جدا ولكن البرد شديد في ~~تلك البلاد وهي مصابة بزكام شديد، غدا يتحول معها إلى سل في تلك البلاد الباردة وتموت، من ~~يذهب من هنا إلى إيطاليا في فصل الشتاء غير المجانين؟! # فلم يقل الأمير فارس شيئا بل جلس يفكر في الأمر، ويمص المصة بعد المصة من الشبق الذي في ~~يده، ويطلق دخانها في الجو، حتى صار حوله سحابة من الدخان، وهو يقطب حاجبيه تارة، ويرفعهما ~~أخرى كأنه يفكر في مسألة ابنته، والأمير عباس يعيد تلاوة المكتوب وينظر في معانيه، وأخيرا ~~قال الأمير فارس: ليس لنا إلا قنصل فرنسا، فهو محتاج إلينا الآن، فأذهب إليه أنا وقاسم ~~ونطلب منه أن يرجعها حالا وإلا نخرب طبخته كلها. # فقال الأمير عباس: وهذا لا يكفي، بل يجب أن تتهددوا المطران بالرجوع إلى الإسلام إن هو ~~أصر على عدم إجابة طلبكم، فإني أخاف أن قنصل فرنسا لا يستطيع أن يفعل شيئا من هذا القبيل؛ ~~لأن الإمبراطورة في يد الإكليروس لا تخالف لهم أمرا، ولا تتجاسر أن تطلب منهم شيئا ~~والإمبراطور في يدها، وعلى كل حال لا ضرر من الذهاب إلى الاثنين؛ إلى القنصل وإلى ~~المطران. # وكتبت الأميرة صفا إلى الأميرة سلمى، وأرسلت الكتاب ضمن كتابها إلى أبيها ليسلمه إليها، ~~وهو باللغة الفرنسوية وتقول فيه: # أختي وشقيقة روحي ... # أطلب السماح منك يا حبيبتي ومن والدتك الحنونة؛ لأنني فارقتكما على هذه الصورة، ~~وقد كنت أعلم لما ودعتك وودعتها أنني قد لا أعود أراكما في حياتي، فتصوري مقدار ~~كآبتي حينما خرجت من بيت أبي ووقع نظري آخر مرة على الوجوه التي أحبها، وعلى ~~المناظر التي قضيت فيها زهرة عمري، على الأماكن التي كنا نلعب فيها معا والأشجار ~~التي كنا ms056 نجلس تحتها، كل ما كنت أتسلى بتربيته من الطيور والرياحين والأزهار، كل ~~شيء من ذلك له مكان في قلبي، ولكن المكان الأول فيه هو لك ولأمك ولقبر المرحومة ~~والدتي. # آه يا سلمى! كم أود أن أراك الآن، وأضمك إلى صدري، ونذهب معا إلى قبر والدتي، ~~فأضع خدي عليه وأغسله بدموعي! صدقيني يا سلمى، إني تركتكم كلكم لأجلها؛ لكي أخلص ~~نفسها، لا بد من أن يكون الناس قالوا أقوالا كثيرة، واتهموني تهما لا أصل لها. ~~الله يسامحهم، أما أنا فكنت أشعر أني اخترت النصيب الصالح، ولا يحق لقاسم أن ~~يلومني؛ لأنني أخبرته صريحا أنه يستحيل علي أن أقترن به بعد أن كرست نفسي ~~لمخلصي، فلومه على نفسه، وكذلك لا يحق لأبي أن يلومني، ومع ذلك فإني أصلي لأجلهما ~~دائما، كما أصلي لأجل أبيك وأمك، ولا تظني يا حبيبتي أني صرت الآن أسعد مما كنت، ~~كلا، غير أني أرجو أن يغفر الله لي ولكل الذين أحبهم، نوبي عني بتقبيل والدتك ~~وتقديم الاحترام لوالدك. # ولما قرأت الأميرة سلمى الكتاب وترجمته لأمها جلست الاثنتان تبكيان، وشعرت الأميرة سلمى ~~كأن بلاطة وقعت على صدرها، فلم تعد تستطيع التنفس، ومضت ساعة من الزمان وهي تعود إلى البكاء ~~كلما وقع نظرها على أمها، وصفقت أمها بيديها فأتوها بالنارجيلة والقهوة، فجلست تتسلى ~~بالتدخين، وقالت لابنتها: هل كنت تعلمين يا سلمى عزم صفا على الترهب؟ فقالت: أخبرتني صفا ~~بذلك مرارا، ولما رأت أني لم أصوب رأيها لم تعد تكلمني به، والظاهر أنها لم تصمم إلا قبل ~~العرس بيوم أو يومين. # فقالت أمها: لا تخافي إلا من النهر الهادئ، من كان يظن أن صفا تقدر على هذه الحيلة؟! ~~ولكن ماذا نقول وماذا نتكلم؟! أبوك يشمت بنا، وخالتك تشمت بنا، وابن خالتك يشمت بنا، فالصمت ~~أولى، قال عمك إنه سيذهب إلى المطران وقنصل فرنسا هو وقاسم، ولكن لا فائدة من ذلك، وستكون ~~عاقبة تشديدنا أنهم لا يعودون يدعونها تأتي إلى هذه البلاد، ما خلصنا من سيرة القديسة هندية ~~حتى وقعنا في ms057 قصة ابنة عمك، غدا ترين تطويل ألسنة الفلاحين علينا، الله يهونها. # ومرت ساعتان وهما في حديث مثل هذا، ودخل الأمير عباس، وجلس إلى جانب زوجته، وأتاهما أحد ~~الخدم بمنقلة، وقال الأمير عباس: أخذت مني عشرين غرشا أمس، ولا بد لي من استرجاعها. فقالت ~~له: ستخسر عشرين فوقها. ثم أخذا يلعبان لكن الاثنين كانا مشغولي البال، وقبلما أتما الدق ~~الأول قالت الأميرة هند: هل تظن أنهم ينجحون في إرجاعها؟ فقال: لا أظن؛ لأنهم طامعون ~~بأملاكها، فإن أملاكها تساوي أكثر من ستمائة ألف غرش ، ولا بد ما توقفها كلها للدير، وأنا ~~خائف على صحتها؛ لأنها تقول في مكتوبها إلى أبيها إنها مصابة بزكام شديد. # فتنهدت زوجته وقالت: يجب أن ندير بالنا على سلمى، فإن أختي كلمتني عنها مرات كثيرة، وأحمد ~~ميت حتى يأخذها، ولكن هي لا تلتفت إليه، ولاسيما بعد أن زارنا هذا الشاب الإنكليزي. # الأمير عباس ~~: # ماذا تقولين؟ ماذا تقولين؟ الشاب الإنكليزي؟! متى زارنا هذا الشاب؟ # الأميرة هند ~~: # رأيناه مرة ونحن عند النجمة كان مارا هو وأحمد، ثم دعاه أحمد لحضور العرس، ألم ~~تره حينئذ؟ # الأمير عباس ~~: # نعم رأيته، أهذا هو؟ نعم رأيته ولكنني لم أسأل عنه. # الأميرة هند ~~: # يقول أحمد إنه وكيل القنصل، وإنه من أمراء الإنكليز. # الأمير عباس ~~: # من أمراء الإنكليز ويكون وكيلا للقنصل! لعله افتقر مثل كثيرين من ~~الشهابيين. # الأميرة هند ~~: # يقول أحمد إنه من الأمراء الأغنياء، ولكن أمراء الإنكليز مهما كانوا أغنياء ~~يخدمون في أصغر الوظائف السياسية، وقد جاء إلى بر الشام لكي يفتش عن قبر واحد من ~~أجداده قال إنه قتل قرب بيروت، ودفن في جهات الشويفات أو كفر شيما، سلمى تعلم عنه ~~أكثر مني، فإنها سمعت كل كلمة قالها أحمد، وسمعت أشياء أخرى عنه من الخدم، فإذا ~~كانت تتعلق به فهناك المصيبة. # الأمير عباس ~~: # لماذا تكون مصيبة؟! ألم يتزوج عبد الله بابنة تشرشل بك الإنكليزي؟! فإن كان هذا ~~الأمير كريم الأخلاق شهما فلا مانع عندي، ولكن إن كان أفاقا مثل كثيرين من ~~الإفرنج الذين يأتون ms058 البلاد الشرقية للارتزاق والاكتساب، فينبغي أن لا ندع له ~~سبيلا إلينا. ثم صفق بيديه فدخل الخادم فقال له: ناد سلمى. فدخلت الأميرة سلمى ~~وبيدها كتاب كانت تقرأ فيه، وجلست إلى جانب أمها، فقال لها أبوها: ما قصة هذا ~~الأمير الإنكليزي؟ # فاحمرت وجنتاها وخفق فؤادها وقد باغتها سؤال أبيها مباغتة، فلم تدر بماذا تجيب، لكنها ~~كانت سريعة الخاطر تعلم أن سكوتها حينئذ أدل عليها من كلامها وأكشف لسترها، فقالت: لما ~~رأيته كنت مع أمي ولم أسمع منه وعنه إلا ما سمعته أمي، ولا بد من أن تكون قد أخبرتك بكل ما ~~تعلمه من هذا القبيل. # فجعل يتفرس في وجهها وهي مطرقة إلى الأرض محمرة الوجنتين، فلم يخف عليه أمرها، ولم يشأ ~~أن يزيد ارتباكها، ثم قال: لا بد من أن يكون أحمد عارفا به. والتفت إلى زوجته، وقال: إذا ~~جاء أحمد إلى هنا، فذكريني لكي أسأله عنه، أما أنت يا سلمى، فانظري ما أصاب ابنة عمك، ولا ~~تدعي أحدا يلعب بعقلك، وعلى كل حال لا أسمح لك أن تفعلي شيئا إلا بعلمي، هل تعدينني ~~بذلك؟ # فقالت: نعم، ولكن صفا معذورة؛ لأن عمي لم يكن يلتفت إليها، كما يجب على الأب أن يلتفت إلى ~~ابنته وخالتها على ما تعلم. # فقال: إن كانت صفا معذورة فأنت غير معذورة، فإنك تعلمين معزتك علي وعلى أمك، وقد كانت ~~أمك تود أن تعطيك لابن أختها، ولكن لما علمت أنك لا تميلين إليه اعترضتها وأوقفت ~~الأمر. # فقالت الأميرة هند: ولا أزال أود أن تغير فكرها؛ لأنه ليس في كل الشبان مثل أحمد. # أما سلمى فلم تتكلم بشيء بل بقيت صامتة، وعاد أبوها إلى اللعب بالمنقلة، وعادت هي إلى ~~القراءة في الكتاب الذي كانت تقرأ فيه. # وفي اليوم التالي نزل الأمير فارس أبو الأميرة صفا والأمير قاسم عريسها إلى بيروت، وزارا ~~المطران أولا فوجداه عارفا بما جرى للأميرة صفا، وقال لهما إنه لم يكن يعرف ذلك من قبل، ~~فقال الأمير فارس: لقد عرفت الآن وأنت وسيدنا البطرك قادران ms059 على إرجاعها حالا. # فقال المطران: إن هذا لا يمكن بعد أن نذرت العفة. فنظر إليه الأمير قاسم نظرة الاستغراب ~~وقال: إن قانون الرهبان والراهبات واحد في كل الدنيا تقريبا، فالذي يدخل الرهبنة يدخل ~~أولا تحت التجربة مدة سنة أو سنتين، ويحق له أن يترك في هذه المدة. # فقال المطران: هذا قانون رهبنتنا، ونحن لا نعلم قانون رهبنتهم، وعلى كل حال أنا لست ~~مسرورا بهذا العمل، وقد كتبت إلى سيدنا البطرك ليعترض عليه، وأنا اعترضت عليه بنفسي؛ لأننا ~~لا نسر بمداخلة الرهبنات اللاتينية في طائفتنا، ومع ذلك لا أقدر أن أعدكم بنجاحنا. # فقال الأمير فارس: نحن ذاهبان إلى قنصل فرنسا، فما رأي سيادتك في ذلك؟ # فقال: لا بأس اذهبا إليه وهو قادر على مساعدتنا إذا أراد. # فقال الأمير فارس: إن لم يساعدنا، فأنا أعرف كيف أفسد لهم الطبخة. # فاضطرب المطران من هذا الكلام وقال: ماذا تقول يابني؟! لا تخلط شعبان برمضان، هذه مسألة ~~وهذه مسألة، فمسألة ابنتك مسألة دينية عائلية، ومسألة الجبل مسألة سياسية، وهذه هي الفرصة ~~الوحيدة لنا للتخلص من هذه الحالة التي لا تحتمل، فأرجو أن لا تحركوا ساكنا. # فقال الأمير فارس: سياسية أو غير سياسية، فأنا لا أسكت ما لم تردوا لي بنتي. # فأطرق المطران وهو ماسك لحيته بيده يفكر في الأمر، ثم قال للأميرين: انتظراني هنا حتى ~~أذهب وأقابل القنصل. # ونادى قواسه ولبس جبته وسار إلى قنصلاتو فرنسا، فقابله القنصل بالترحاب وتذاكرا مليا ثم ~~وعده خيرا. # الفصل الخامس عشر # | كشف الغامض # اثنان من العملة دخلا مغارة بين الشويفات وكفر شيما، ظاهرها قبر بسيط باب في الصخر الكذان ~~الأبيض، عرضه نحو ثلاث أقدام وعلوه نحو أربع، وقد علاه الطحلب، وعلت النباتات حوله، حتى ~~كادت تسده من الأقحوان والشوكران وبخور مريم، وأينعت السراخس داخل المغارة من كل ما يكره ~~الشمس ويحب الظل، وكان مع العاملين أدوات الركس مران ومجرفتان، وهما أخوان أتيا ليغرسا ~~نصب التوت حيث كان التين مزروعا؛ لأنهما رأيا الحرير أربح من التين، وهما مالكان لتلك ~~الأرض ms060 مثل سائر أبناء لبنان؛ لأنه قلما يخلو أحد منهم من ملك يعمل به وكثيرا ما ينقب البور ~~ويفتت الصخر ويزرع في فتاته تينة أو كرمة أو توتة أو زيتونة. # واستمر وقوع المطر ساعة من الزمان فاضطرا أن يبقيا في المغارة كل تلك المدة، وصارت ~~عيونهما ترى ما لم تكن تراه أولا؛ لأنها اعتادت الظلام فاتسعت حدقاتها، وجمعت النور القليل ~~المنعكس عن جدران المغارة فانتبها إلى حفرة في داخلها كأنها باب مغارة أخرى، فقاما إليها ~~وجعلا يحفران فأزالا التراب، وإذا هما بباب آخر كالباب الأول ولكنه مسدود بحجر كبير. # فتعاونا عليه ونزعاه من مكانه، ودخلا المغارة الثانية وهي أكبر من الأولى، وكان الظلام ~~حالكا فيها إلا حيث يدخلها قليل من النور من الباب الذي فتحاه، فمشيا فيها وعثرا بما ~~ظناه عظاما فاقشعر بدناهما ووقفا حائرين، ثم اعتمدا على أن يرجعا الحجر إلى مكانه، ويعودا ~~بعد الظهر ومعهما شمعة، فعادا بعد الظهر ولم يكن أحد يشك في أنهما عائدان لزرع نصب التوت ~~بعد انقطاع المطر؛ لأن الأرض أرضهما وكانا يزرعان التوت فيها، ودخلا المغارة وفتحا الباب ~~الداخلي ثانية وأنارا الشمعة، فدهشا مما رأيا فيها؛ فإنهما رأيا عظام عشرين أو ثلاثين جثة، ~~وبعض تلك الجثث لم يكن باليا بل كان جافا مسودا، ومع بعضها أسلحة قديمة: دروع وسيوف ~~وفئوس وخوذ، كأن الذين وضعوا القتلى هناك من أصدقائهم لا من أعدائهم، أو كأن الفرصة لم تسمح ~~لهم لسلبهم فألقوهم في المغارة بأسلحتهم. # فاتفق الأخوان على أن يسدا الباب الداخلي كما كان ويعودا في الليل، فيأخذا الأسلحة شيئا ~~فشيئا حتى لا يشعر بهما أحد، فسداه وخرجا وكانت السماء قد صحت، فعادا إلى غرس نصب التوت ~~ووضعا الشمعة على حجر إلى جانب باب المغارة. # ومر بهما الأمير أحمد حينئذ، وكان قد خرج للصيد وحده، فوقفا للسلام عليه فحانت منه ~~التفاتة إلى باب المغارة؛ لأنه لم ينس غرض السر هنري بدمونت، فرأى الشمعة موضوعة على ~~الحجر، فسألهما عنها فارتبكا في الجواب، فوقف مشتبها بأمرهما وطلب منهما أن ms061 يصدقاه الخبر، ~~فجعل كل منهما ينظر إلى أخيه، وكانا كلاهما من حزبه يركنان إليه، فلم يريا لهما بدا من ~~إخباره بما رأيا في المغارة الداخلية، فدخل معهما وأزاحا الحجر، وأوقدا الشمعة فرأى ما ~~رأياه وقال: لا بد وأن تكون جثة جد السر هنري بين هذه الجثث، لا سيما حينما رأى الأسلحة ~~قديمة، نعم إن الصدأ كان قد أكلها، ولكن شكلها لا يزال ظاهرا، وهي من الأسلحة القديمة التي ~~كانت تستعمل في عهد الصليبيين. # فأمرهما أن يسدا المغارة ولا يخبرا أحدا أبدا، ووعدهما بمشتري كل ما وجداه فيها، وعاد ~~إلى داره وهو حائر في أمره: هل يخبر السر هنري بما رأى فيكثر تردده على كفر شيما والشويفات ~~ويرى سلمى فيزيد ميلها إليه وحبها له، أو يكتم الأمر عن كل أحد ويقنع السر هنري أن التفتيش ~~عن جده في تلك الجهات ضرب من العبث، وعليه أن يفتش عنه في جهات أخرى. فقام في نفسه عاملان ~~متنازعان: عامل الشهامة وكرم الأخلاق يقول له: هذا رجل غريب، وقد التجأ إليك واستنجد بك، ~~وقد صار في طاقتك أن ترشده إلى ما استعان بك عليه، فيجب أن تلبي طلبه وترسل تخبره بما اكتشف ~~هذان الرجلان وجزاؤهما عليه، وإلا فأنت لئيم لا نجدة لك. وعامل الحب والأثرة يقول له: هذا ~~مناظرك في حب ابنة خالتك، ويجب عليك أن تبعده عنها بكل طاقتك، ولا تدع له سبيلا للتردد إلى ~~هذه الجهات فتنساه وتعود إليك. فتقول له الشهامة: إن كانت ابنة خالتك قد فضلت هذا الأجنبي ~~عليك فلا خير فيها لك، ويجب عليك أن تسلوها وتنساها. فيقول الحب: هذا اغترار بالظواهر، فقد ~~اغترت به وقد لا تخطر على باله أبدا، فإذا لم تعد تراه نسيته ونجت من ورطة كان يمكن أن تقع ~~فيها، فيجب عليك أن تبذل كل واسطة لنجاتها منها. # وبعد جدال طويل على هذا النمط تغلب عامل الحب على عامل الشهامة، فصمم على أن يحضر الأسلحة ~~إلى داره ويخفيها فيها ويسد المغارة ويطمس معالمها، فاستدعى الرجلين وأمرهما ms062 أن يأتياه بكل ~~ما يمكنهما حمله من الأسلحة، ثم يسدا المغارة ولا يخبرا أحدا، وأعطى كلا منهما عشرة ~~ريالات، فقبلا يده وذهبا وجعلا ينقلان الأسلحة في حالك الظلام، واكتفيا بنقل السيوف ~~والخوذ، وأما الدروع فتركاها في مكانها، وسدا باب المغارة جيدا وغرسا شجرة أمام بابها تمنع ~~الدخول إليها. # وفي تلك الليلة جاء كتاب إلى الأمير أحمد من الكولونل روز يدعوه فيه إلى بيروت، فود أن ~~يطلع أولاد عمه عليه، ولكنه خاف من غيرتهم؛ لأنهم كانوا يغارون منه لمكاتبة القنصل له ~~دونهم، وكان يود أن يشركهم في المسئولية معه، فوقع بين نارين، ونام تلك الليلة وهو على أحر ~~من جمر الغضا؛ لا يستطيع أن يخالف الوالي ولا أن يعادي القنصل، ولا يريد أن يقابل السر ~~هنري؛ لئلا يسأله عما إذا كان قد عرف شيئا عن المغارة أو بلغه شيء عنها؛ لأنه كان قد وعده ~~بمداومة البحث والتنقيب، وكانت الشرور قد تفاقمت، وعزم الناس عزما أكيدا على إيقاد نار ~~الفتنة، وكانوا ينتظرون انقطاع المطر، وأهالي الساحل يودون أن ينتهوا من موسم الحرير قبلما ~~يحدث شيء. # وقام في الشويفات في ذلك الحين شاب من النصارى اسمه كامل؛ جريء الفؤاد، قوي الساعد، لا ~~يخطئ رصاصه من يسدده إليه، اجتمع عليه مرة ستة وحصروه في مطحنة، ففتك باثنين منهم ونجا من ~~يدهم، وانتقل إلى المتن وجعل دأبه ربط الطرق وشن الغارات. # وكان النصارى يحسبون أن الفوز سيكون لهم حتما؛ لأنهم فازوا فوزا مبينا في الحركة ~~الأولى في بيت مري التي حدثت في الصيف الماضي، وأتت الرجال من كسروان وهي بالسلاح الكامل، ~~وأقامت في بعبدا تشجيعا لنصارى الساحل، فخشي الأمير أحمد أن يذهب بطريق الحدث، فيلتقي ~~بكامل هذا أو بأحد من أتباعه، فيحدث ما لا تحمد عقباه، فاختار طريق البرج. ووصل إلى دار ~~الكولونل روز نحو الساعة العاشرة صباحا على جاري عادته، فرحب به الكولونل وأجلسه إلى ~~جانبه، ورحب به السر هنري أيضا، وكان الكولونل قد أرسل واستدعى اثنين آخرين من مشايخ ~~الدروز الذين يثق بهم، ms063 فوصلا بعد وصول الأمير أحمد بنحو ربع ساعة، ولما استقر بهم المجلس ~~وشربوا القهوة قال لهم الكولونل: لقد بلغني أن الوالي أبلغكم الأوامر التي وصلته من ~~الأستانة، فأنا أؤكد لكم أن هذه الأوامر غير صحيحة، وأن الذين بعثوا بها إليه غير مسئولين ~~عما يفعلون، أو هم جهلاء يعرفون مصلحتهم ومصلحة بلادهم؛ لأن الحركة التي أمركم بها ستعود ~~عليكم بالوبال وتجر الشر على رءوسكم، فاسمعوا مني وأخبروا عقالكم لينصحوا جهالكم، وإلا ~~فالخطب جلل. # فجعل الشيخان ينظر كل منهما إلى الآخر، أما الأمير أحمد فكان خالي الذهن؛ لأن الوالي لم ~~يعد يأتمنه، فلم يطلعه على تلك الأوامر مع أنه أرسلها إلى أولاد عمه، لكن كبر عليه أن ~~يتظاهر بجهلها أمام الشيخين، واستنتج ماهيتها من كلام الكولونل، فقال: لقد قلنا لسعادتكم ~~قبلا إننا نحن لا نكون البادئين، ولكنهم إذا أحرجونا أخرجونا. فوافق الشيخان على ~~كلامه. # ولحظ القنصل أن الأمير أحمد يتكلم وهو غير عالم بمفاد الأوامر، ولكنه لم يشأ أن يظهر ذلك ~~أمام الشيخين، فقال لهم: إني أنذرتكم وبينت لكم وخامة العاقبة؛ حتى إذا تخلت عنكم دولة ~~إنكلترا لا يكون عليها لوم. # وكان أحد الشيخين كبير السن وقور المنظر، فقال له: اسمع يا سعادة القنصل، نحن نعلم أن ~~دولة إنكلترا تحبنا وتودنا وتدافع عن حقوقنا، ولكن ذلك كله يتوقف على رأي سفيرها في ~~إسطانبول وقنصلها في بيروت، والسفراء والقناصل يتغيرون كل سنة أو كل بضع سنوات، وأما دولتنا ~~فلا تتغير وسياستها معنا صارمة كما لا يخفى، فإذا لم نطع أوامرها أوقعتنا في ألف مهلك، ~~ودولتكم أقوى منا، وكما منعت إبراهيم باشا المصري عن البقاء في هذه البلاد، يمكنها أن تمنع ~~رجال دولتنا عن إلقاء الفتن فيها، فإذا كنتم تريدون أن توقفوا هذه الحركة فلا أسهل عليكم من ~~أن تأتوا بمركبين حربيين وتهددوا بهما بيروت، وترسلوا فرقة من عساكرهما إلى الشام فيقف كل ~~واحد عند حده، ولا يخفى على سعادتك أن الحركات التي تصير في لبنان أكثرها ليس منا، بل من ~~غيرنا، فإذا أوصيتم ms064 كل أهالي الجبل حتى يلزموا السكينة، لم يحدث فيه شيء، ونحن قد نزلنا إلى ~~بيروت خوفا من القلاقل، ونؤكد لسعادتك أن البلاد كلها منتظرة الشهر التالي، ولا بد من قومة ~~عامة إذا كانت بقية القناصل لا توجب على النصارى أن يلزموا جانب السكون. # فقال القنصل: وما هي هذه الأوامر التي أطلعكم الوالي عليها؟ # فقال أحدهما: يصعب علينا أن نجيب سعادتك على هذا السؤال، ولكن لا بد ما يكون سفيركم في ~~إسطانبول قد وقف عليها كلها. # ولم يكن السفير عارفا بها ولا مهتما بالوقوف عليها، واستحى الكولونل أن يخبرهم بذلك، ~~وكان واثقا أن الأمير أحمد لا يعلم بها والشيخين لا يفشيان سرا اؤتمنا عليه، فلم يلج ~~عليهما، لكنه فهم من مغزى كلامهما أن الأوامر ذات شأن خطير كما قيل له، ورجا أن يأتيه من ~~يخبره بها حرفيا؛ لأنه كان يقول إن السياسة تقضي على المرء أن يعرف مقاصد خصمه بكل واسطة، ~~حتى يتلافى الضرر قبل الوقوع فيه، إلا أنه ود أن يعرفها ذلك اليوم؛ ليكتب مع البريد يخبر ~~وزارة الخارجية، ورأى أن الشيخ مصيب في طلب مركبين حربيين، وعزم أن يكتب بذلك إلى حكومته، ~~ولو وقف على الأوامر السرية التي بلغه خبرها لفعل ذلك حتما. # ولما انتهت المذاكرة نهض الأمير أحمد ونهض الشيخان لنهوضه، فودعوا وركبوا خيولهم، وساروا؛ ~~الأمير أحمد إلى بيت عمه، والشيخان إلى بيتيهما؛ لأنهما كانا قد شتيا في بيروت تلك السنة ~~هما وكثيرون من مشايخ الجبل على خلاف العادة، وكان لا بد لهم من المرور تجاه بيت الشيخ ~~درويش أبي فخر، وكأنه كان جاسوسا عليهم يرقب حركاتهم وسكناتهم فوقف في باب بيته وسلم ~~عليهم، وطلب منهم أن ينزلوا ويشربوا فنجان قهوة، فاعتذروا إليه بضيق الوقت وبقرب آذان ~~الظهر، فمسك بلجام فرس الأمير أحمد وقال: علي الطلاق إن لم تنزلوا وتشربوا فنجان قهوة. ~~فاضطروا أن ينزلوا، فأدخلهم بيته وأجلسهم حيث أجلس الأمير ونادى بالقهوة، وجعل يقص عليهم ما ~~سمعه من الوالي من المدح والثناء على الأمير أحمد وذكائه، قال: ms065 وقلت لدولته إن الأمير أحمد ~~ابن أبيه، وأبوه كان صديقي، والصداقة قديمة بيننا، أنتم الآن آتون من عند قنصل الإنكليز، لا ~~بأس؛ فإن الإنكليز أصدقاء لدولتنا العلية هم والفرنسوي حالفوها على حرب المسكوب، ولكن يرى ~~لي أن السياسة انقلبت اليوم؛ فإن أفندينا الوالي ما عاد يركن إلى قنصل الإنكليز، لم يقل لي ~~ذلك صريحا ولكنني فهمت منه، أنا ألقطها طائرة! ونحن ما لنا وللقنصل ولكل الإفرنج ما دام ~~دولتنا في الوجود، ما هو رأي القنصل؟! قل لي يا أمير أحمد، الظاهر أنك لا تستخلصني كما كان ~~يستخلصني المرحوم والدك. # فقال الأمير أحمد: ليس الأمر كذلك يا أبا فخر، ولكنك أنت عارف بكل شيء، والذي لا تعلمه ~~بالسمع تستنتجه بذكاء عقلك. # فضحك أبو فخر وقال: هكذا كان المرحوم أبوك يقول عني، نحن أحباب من زمان طويل، وحضرة ~~الشيخين معرفة مباركة إن شاء الله، تفضلوا خذوا القهوة، هذا بن حجازي يأتيني هدية كل سنة، ~~لا مثيل له في كل بيروت ولا في الشام، وعندي جارية اشتريتها من جواري أسعد باشا كأنها ~~مخلوقة لعمل القهوة فلا أطيب من قهوتها، وهي تدق البن في هاون خشب ولا تدقه في هاون نحاس ~~لئلا يفسد طعمه - كل شيء صنعه - يقال إن قهوة البدو أطيب من غيرها، شربتها في السنة الماضية ~~لما أتى الفضل إلى بلاد الحولة، ذهبت إلى هناك من قبل الوالي لبعض الأشغال، وكنت أشرب من ~~قهوتهم فلا أراها أطيب من قهوة الجارية التي عندي، ماذا تقول يا حضرة الشيخ، هل شربت قهوة ~~أطيب من هذه القهوة؟ والفناجين والظروف الأمير أحمد يعرف قصتها، زارني الوالي في رمضان لكي ~~يشرب من هذه القهوة، ولما رأى الفناجين ابتهج لها، وإلى الآن يقول إنه ما شرب مثل القهوة ~~التي شربها في بيت الشيخ درويش. # فقال أحد الشيخين: نعم القهوة كما وصفت يا حضرة الشيخ، ونحن مسرورون بهذه المعرفة ~~الجديدة والفضل فيها لسعادة الأمير. وصادق الشيخ الآخر على كلامه ونهضوا، وبعد اللتيا ~~والتي تمكنوا من وداعه وركبوا وساروا في ms066 طريقهم، والأمير أحمد يقول: لا بد لنا أن نجد ~~طريقا آخر نمر به بعد الآن حتى نخلص من هذا الثقيل. # وسار الأمير أحمد إلى بيت عمه والشيخان إلى بيتيهما، وافترقوا على أن يجتمعوا في المساء ~~في خلوة رأس بيروت، ويتداولوا فيما يجب عليهم عمله في الأحوال الحاضرة. # الفصل السادس عشر # | استفحال الخطب # أرى خلل الرماد وميض جمر # ويوشك أن يكون له ضرام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها الكلام ~~••• # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # متى تبعثوها تبعثوها ذميمة # وتضر إذا ضربتموها فتضرم # فتعرككم عرك الرحى بثقالها # وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم # كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها # قرى بالعراق من قفيز ودرهم # ليقل محبو السلام ما شاءوا في مذام الحرب، وليطنب كتابهم في وصف ويلاتها، فما دام في ~~الدنيا أناس يتجرون بالحروب ويكتسبون بها اسما وجاها أو مالا ومقاما، فهم يوقدون نارها ~~ويذكون أوارها، فهي آلة الملوك والوزراء والقواد والرؤساء والمرابين والموردين وصانعي ~~الأسلحة والمهمات وكل المرتزقين من مال غيرهم، فما دام هؤلاء يجدون فيها مغنما فلن تنطفئ ~~نارها. # وشر الحروب الحرب الأهلية، وشر الناس موقدو سعيرها، ولا سيما إذا لم يكن للمتحاربين مصلحة ~~فيها. # مضى الشتاء وجاء الربيع فانتعشت الطبيعة، ولبست أبهى حللها وحلاها، تفجرت الينابيع، ~~واكتست الرياض والغياض أثوابا سندسية مطرزة بالوشي المعلم، وانحنت الأدواح تحت حملها من ~~تفاح فضي ومشمش عسجدي، والطيور تتغنى في أفنانها، وعبق أريج الأزهار يعطر الآفاق ويسلي ~~النفوس عن أشجانها. أستغفر الله، الطبيعة من نبات وحيوان جذلة طربة، إلا ابن آدم انتظر ~~انقطاع الأمطار لكي يبدلها بوابل من رصاص بنادقه يخطف بها النفوس من الأبدان قضاء للبانات ~~أفراد معدودين. # وصلت الأخبار إلى الكولونل روز أن الرزيئة وقعت والنار اشتعلت، وقد طرح الصوت وأطلق ~~المدفع، وانفض رجال كسروان من الساحل إطاعة لأمر الوالي والمطران وعادوا أدراجهم، واجتمع ~~الدروز حول مشايخهم وهجموا على قرى المتن، فالتقاهم النصارى خائري ms067 العزائم؛ لأن الجنود في ~~الحازمية وراءهم، وقد خافوا أن يقعوا بين نارين، لا سيما وأنه كان قد شاع وذاع أن في يد ~~الوالي أوامر سرية باستئصال شأفتهم. # وصعد السر هنري بدمونت إلى سطح القنصلية والنظارة في يده، فرأى كأن ربى لبنان استحالت ~~إلى براكين كثيرة تقذف الدخان والنيران من أفواهها، وقام أبناؤه زرافات زرافات مشاة ~~وفرسانا، وقد نشروا الأعلام وانتشروا حول القرى يهاجم بعضهم بعضا ويترامون برصاص البنادق ~~من وراء المتاريس، ثم يستلون السيوف ويردون الحتوف إلى أن يتغلب فريق على فريق ، فيدحره ~~ويضرب في أقفيته ثم يضرم النار في مساكنه، والتفت إلى كفر شيما حيث دار الأميرة سلمى، فرأى ~~الدخان مسردقا فوقها، فوقعت النظارة من يده وجلس على كرسي، وسند رأسه وقد مر في ذهنه صور ~~الحروب القديمة التي كانت تنشب في تلك البلاد وتنتهي بحرق البيوت وسبي النساء والذراري، ~~فقال في نفسه: ترى ما حل بتلك الأميرة؟ وأي فارس أردفها وراءه الآن وهي تنادي وتستغيث ولا ~~سامع ولا مغيث؟ هل يفعل ما كان يفعله الفرسان في القرون الوسطى، فيتقلد سلاحه ويركب جواده ~~ويبادر لإنقاذها، يهجم على الفارس الذي خطفها ويطعنه طعنة تكون القاضية؟ ولكن أنى له ذلك ~~الآن وهو غريب في بلاد غريبة، وقد قضي الأمر وكادت جموع الفارين تصل أبواب بيروت؟ وهل بقي ~~الأمير عباس وأهل بيته في كفر شيما إلى أن هاجمها الأعداء أو غادرها في الليل الغابر؟ وهل ~~ركب مع أتباعه وقاوم الأعداء، فدارت الدائرة عليه، أو رأى أن المقاومة ضرب من المحال فأركن ~~إلى الفرار؟ # وكان الكولونل روز مصابا بزكام شديد وحمى وهو طريح الفراش، فنزل السر هنري وأخبره بما ~~رأى، فتململ في سريره وتحفز للقيام، ولكن أصابته نوبة سعال صرفته عن عزمه، فقال: نالوا ~~بغيتهم، أتوا بالرجال من كسروان لتشديد العزائم ثم صرفوهم لحلها، وأرسلوا الجنود إلى ~~الحازمية لتسكين الخواطر وهم يعلمون مع من ضلعها، وأولئك الحمقى من أمراء ومشايخ مغترون ~~بالمواعيد، ولا يعلمون أن الدائرة ستدور عليهم أخيرا ولو كان النصر لهم، ms068 وقد أخلصت لهم ~~النصح فما انتصحوا. # ثم عاودته نوبة السعال فعجز عن الكلام، وحضر الترجمان حينئذ، وقال للسر هنري: إن الفارين ~~من قرى الساحل قد وصلوا إلى بيروت وهم في حالة يرثى لها، وكلهم نساء وأولاد مع بعض العجائز، ~~ولا طعام لهم ولا شراب، ولا يعلمون إلى أين يذهبون، فاتجه فريق منهم إلى دار مطران ~~الموارنة، وفريق إلى دار بطركخانة الروم، وانتشر كثيرون منهم في بساتين التوت في حي ~~المصيطبة وبير النبع، ولا بد لنا من مساعدتهم بما يفرج كربتهم، وإن كنا لا نحمل الوالي ~~تبعة كل ما يحدث في المدينة، فلا أمان عليهم ولا علينا، كيف حال القنصل الآن؟ # السر هنري ~~: # القنصل على حاله، وأنت أدرى مني بالخطة التي يجب أن نجري عليها في هذه الحال، ~~فأخبرني بما ترتئيه وأنا أستشير القنصل به، ألم يأت الرجال مع الهاربين؟ # الترجمان ~~: # لم أر إلا قليلين منهم والباقون لا يزالون يناوشون خصومهم ويدافعون عن حريمهم، ~~ولا بد أن يبلغ عدد القتلى والجرحى مبلغا كبيرا؛ لأن القلوب ملآنة والناس لا ~~يعرفون نظام الحروب. # ودد السر هنري أن يذهب ويختلط بجموع الهاربين ليفتش عن الأميرة سلمى، ولكنه كان يجهل كل ~~طرق الاستدلال عليها، وخاف أن يسأل الترجمان كما يخاف من يحاول منكرا، ويرى العيون رقيبة ~~عليه، ثم لام نفسه؛ لأنه فكر بأمر خاص وقتما يجب عليه أن يهتم إلا بالأمر العام وبالبلية ~~الكبرى التي تشتمل ألوفا مثل الأميرة سلمى، وقد تكون هي أسعد حالا منهم كلهم، فجلس مشرد ~~الأفكار ينظر إلى السقف مرة وإلى الأرض أخرى. # وسار الترجمان إلى الدار التي يجتمع فيها المرسلون الأميركيون ليستشيرهم في الأمر، وهو ~~عازم أن يذهب بعد ذلك ويرى قنصل فرنسا وقنصل روسيا، ثم يعود ويخبر السر هنري بما وقف ~~عليه. # الفصل السابع عشر # | واقعة الساحل # لما كان السر هنري واقفا على سطح القنصلية يرى الدخان يتصاعد عن سفح لبنان من قراه ~~المنتشرة كالحبب على وجه الماء أو كالدراري في كبد السماء؛ كان رجال الساحل قد أحبوا الليل ms069 ~~بالاستعداد لمقابلة الأعداء، وانقسموا فريقين: فريقا تولى حماية النساء والأولاد، والذهاب ~~بهم إلى مدينة بيروت مع ما خف حمله وغلا ثمنه من الأمتعة؛ وفريقا تسلح وودع أهله وأقاربه ~~وداعا قد لا يعقبه لقاء، فكنت ترى هنا طفلا متعلقا بثياب أبيه، وهو يقول له: كيف تتركنا ~~يا أبت؟! ومن يبقى مع أمي وأخواتي؟! وأبوه يرفعه بيديه ويقبله، ثم يسلمه إلى أمه ويوصيها ~~به، وهناك امرأة تربط زنار الفشك «الخرطوش» على وسط زوجها، وتناوله بندقيته ويطقانه وهي ~~تنظر إلى وجهه تارة وإلى أطفالها أخرى ، وترفع قلبها إلى الله وقديسيه ليردوا لها زوجها ~~سالما، وهنالك رجلا يودع ابن عمه ويقول له: أودعك يا أخي المرأة والأولاد. فيجيبه ذاك: ~~بأمان الله، كن مستريح البال فهم مثل أولادي وأعز. وأكثر الأولاد نيام يوقظهم أمهاتهم ~~فيفركون عيونهم ثم ينامون، والنساء الجبارات يحملن جرار الماء ليجرين وراء الرجال، والجمال ~~باركة تهدر والناس يحملون عليها أمتعتهم، وهم يتآمرون فيما يجب أخذه وما يجب تركه، ~~والمكارون يسبون ويشتمون وقد علت الجلبة واختلط الحابل بالنابل، ووقف العجائز بعضهن يشير ~~بما يجب عمله وينبئ بحسن المصير، وبعضهن يضرع إلى السيدة ومار إلياس، ومار أنطونيوس، وكانت ~~ليلة صفا أديمها وأغنت دراريها عن بدرها، فأشرقت تقابل بين توحش الناس وأنس الوحوش. # ولما طلع الفجر ركب الأمراء وهم بالعدة الكاملة، مع كل واحد منهم سيف وقربينة وطبنجتان، ~~ومشى الرجال معهم ومع كل منهم بندقية ويطقان أو بالة وطبنجتان أو فردان، وسار حملة البيارق ~~في مقدمة الجمع وهم ينشدون الأناشيد الحماسية، ومشوا فرقا فرقا إلى ظهور الوادي وبعبدا ~~ومترسوا هناك، وأشرقت الشمس حينئذ وصبت أشعتها عليهم فكادت تعمي أبصارهم، وقبل أن يتموا ~~إقامة المتاريس، أقبل الدروز عليهم براياتهم البيضاء وأصلوهم نارا حامية، ومرت ساعتان ~~والحرب سجال بين الفريقين، لكن الدروز كانوا أكثر عددا وأحكم انتظاما وأطوع لقوادهم، ~~فأقام فريق منهم يناوش النصارى، ودار فريق من ورائهم، وكاد يقطع خط الرجعة عليهم، ويئس ~~النصارى من الفوز فجعلوا يرتدون القهقرى، وكلما وصلوا إلى مكان تسهل المترسة فيه ms070 وقفوا، ~~وأطلقوا بنادقهم على أعدائهم، حتى إذا لم يستطيعوا قهرهم أخروهم عن بلوغ قراهم إلى أن تخرج ~~عيالهم منها، وتصل إلى بيروت. # ودار الحديث التالي بين اثنين من الدروز: # حامد ~~: # من هذا الخيال الذي ينخي رجاله والسيف مسلول بيده؟ # محمود ~~: # أتعني راكب الحصان الأزرق أو راكب الحصان الأشقر؟ # حامد ~~: # راكب الحصان الأزرق، فإني أراه لا يخاف الموت. # محمود ~~: # هذا الأمير عبد الله وهذا حصانه الأبجر، وهو مثل الأبجر حصان عنتر بن شداد لا ~~مثيل له بين خيول الشهابيين. # حامد ~~: # إن بندقيتك نظامية فلماذا لا تطلقها عليه؟ # محمود ~~: # نيشنت عليه مرتين وأنا أرمي العصفور الطائر ولكني لم أصبه؛ لأن المجال بعيد ~~والرصاص لا يصل إليه. # حامد ~~: # لماذا لا يهجم عليه الشيخ حمدان؟ وما هو نفع كحيلان إن كان لا يلحق ~~الأبجر؟! # محمود ~~: # أخ! # حامد ~~: # مالك؟ قم نتبعهم فقد قاموا من أمامنا. # محمود ~~: ~~«الكاتبه ربك يصير» سلم على أم قاسم، وقل لها: ربي ابنك حتى يأخذ بثأر أبيه ~~- يا حمزة يا سيد عبد الله. وارتمى على الصعيد، فجره حامد إلى وراء صخر، ودنا من ~~الشيخ حمدان، وأخبره أن راكب الحصان الأزرق هو الأمير عبد الله عقيد ~~النصارى. # فقال له: ومن أين تعرفه؟ # فقال: من حصانه. # فلما سمع الشيخ حمدان ذلك أغمد سيفه، وصلى قربينته، وأغار على الأمير عبد الله وهو يقول ~~في نفسه: كسرنا القوم وقتلنا عميدهم. حتى إذا دنا من الأمير قال له: خذها ولا تقل إني غدرتك ~~وأطلق القربينة عليه، وكان الأمير عبد الله قد تنحى من وجهه، فلم يصبه شيء من حواشها، ثم ~~ارتد إليه والسيف في يده وأطبق عليه وكاد يوقع به، ولكن رآه أربعة من أتباعه وهجموا عليه ~~ببالاتهم فارتد عنه وهو يقول له: إن كنت راعي كحيلان فابرز إلي وحدك فارسا لفارس. # وكان بعض الدروز قد داروا من وراء النصارى، وأضرموا النار في بيوت الوادي وبعبدا وسبنيه، ~~والتفت النصارى فرأوا الدخان يتصاعد من بيوتهم، فأيقنوا أن الجنود المعسكرة في الحازمية لن ~~تدفع عنهم مكروها خلافا لمواعيد ms071 الوالي إن لم تكن ممالئة لعدوهم عليهم، فارتدوا إلى بعض ~~الدور وتحصنوا فيها. # والتفت ميخائيل إلى منصور، وقال له: لقد دخل الأمير داره وتحصن فيها، ويظهر لي أننا لا ~~نستطيع أن نصبر أكثر من ساعة، وربما تتعذر علينا النجاة بعد ذلك، فما لنا ولقلة ~~العقل. # منصور ~~: # أيليق بنا أن نترك الأمير وحده في هذه الساعة؟! لا، أنا لا أذهب من هنا إلا رجلي ~~ورجله. # ميخائيل ~~: # هو فارس وأنت راجل، فإذا حميت الحديدة تركك وهرب. # منصور ~~: # هو وشأنه، أما أنا فقد حلفت لأمه أني لا أتركه. # ميخائيل ~~: # أخ! # منصور ~~: # مالك؟! مالك؟! يا مسكين! الذي تأتي ورقته يذهب غصبا عن رقبته. في رأسك؟! رصاصهم ~~عال، هذه الرصاصة من صاحب اللفة البيضاء خذها يا ملعون. # وسدد إليه بندقيته ورماه فلم يصبه، ثم التفت فرأى الأمير خارجا من باب داره ومعه ~~صندوق صغير فتناوله منه وجرى وراءه. # وكانت الشمس قد تكبدت السماء، ورأى النصارى أن الدروز تكاثروا عليهم، وكادوا يحيطون بهم ~~من كل جهة، فأركنوا إلى الفرار، وتبعهم الدروز إلى قرب الشياح، وقتلوا منهم زهاء ثلاثين ~~نفسا، وفي جملتهم الأمير بشير قاسم الملقب بأبي طحين. # ووصلت العيال إلى بيروت في الصباح بعد شروق الشمس بساعة أو ساعتين، وتفرقت في أحياء ~~المدينة، واضطر الأولاد الصغار من ابن ست سنوات فصاعدا أن يسيروا هذه المسافة كلها مشيا ~~على أقدامهم، والرجال الذين ساروا معهم لحمايتهم لقيهم الخفر عند فرن الشباك والميدان، ~~وأخذوا ما معهم من الأسلحة بأمر والي بيروت، فلم يعودوا يستطيعون الرجوع لنصرة ~~إخوانهم. # الفصل الثامن عشر # | التفتيش عن الأميرة سلمى # عاد الترجمان من مقابلة المرسلين والقناصل، واجتمع بالسر هنري وتذاكرا مع القنصل مليا، ~~ثم خرج السر هنري مع الترجمان يتعهدان أحوال النصارى الذين وصلوا إلى بيروت ذلك الصباح ~~فارين من وجه الدروز، وكان الرجال الذين أصلوا نار الحرب، وناوشوا الدروز إلى أن تكاثرت ~~جموعهم، واضطروا أن ينهزموا من وجههم؛ قد وصلوا إلى بيروت، وجعلوا يفتشون عن عيالهم، فكانت ~~المرأة التي ترى أن زوجها أو ابنها ms072 أو أخاها لم يعد مع الذين عادوا، توقن أنه بين القتلى، ~~فترفع صوتها بالبكاء والعويل، وتجلس تضرب صدرها وتنوح نوحا يفتت الأكباد، واجتمع كثيرات من ~~النساء زرافات زرافات، وقد أسدلن الشعور وجعلن يلحن بالمناديل ويندبن ويبكين، وسمع أولادهم ~~صوت البكاء والنواح فعلا بكاؤهم وعويلهم، وقام الرجال ينتهرونهم لكي يسكتوا أو يشاركونهم في ~~البكاء، واجتمع عليهم نساء بيروت وأولادها يأتونهم بالخبز والماء ويرثون لبلواهم، وكان ~~لأكابر الساحل أصدقاء وأقارب نزلوا عليهم، فوسع هؤلاء لهم في منازلهم وأحلوهم على الرحب ~~والسعة. # وسار السر هنري والترجمان من محلة إلى أخرى يرون الرجال ويستقصون الأخبار، والسر هنري ~~يكتب في مذكرته كل ما يراه ويسمعه، وكان يعلم اسم الأميرة سلمى، ويعلم أنها شهابية، ولكنه ~~نسي اسم أبيها ولم يكن يدري كيف يسأل عنها، فقضى من العصر إلى قرب الغروب ينتقل من محلة إلى ~~أخرى، ومن حي إلى آخر، فلم تقع عينه عليها ولا على أمها ولا على أبيها، فزاد انشغال باله ~~وكاد يبوح بما في نفسه للترجمان لعله يساعده على التفتيش عنها. # وبينما هو في حيرة ولا حيرة الضب، حانت منه التفاتة، فرأى القزم الذي رآه في كفر شيما لما ~~التقي بالأميرة سلمى وأمها على عين الماء بين كفر شيما والشويفات، ورآه القزم فعرفه وجعل ~~يناديه قائلا: يا خواجه يا قنصل. فهش له السر هنري وأخذ بيده، وكادت الدموع تهطل من عينيه ~~لما قابل الحالة التي رآه فيها أولا، وهو يكاد يكون في مجالس أنس الملوك، والحالة الحاضرة ~~والناس مرتمون على الأرض كالأنعام، وأطفالهم يبكون، ويتخاطفون كسر الخبز، وكأنه كان يرى ألف ~~رقيب عليه، فطلب من الترجمان أن يقول للقزم ليأتي معه إلى دار القنصلية ويقص عليه ما حدث ~~لهم، فقال له الترجمان: إن القنصل يدعوك للذهاب معه إلى دار القنصلية. فقال: حبا وكرامة. ~~وكان القواسة قد أحضروا له فرسا وللترجمان فرسا آخر، فركبا وعادا إلى دار القنصلية، وعاد ~~القواسة بالقزم إليها. # وجعل الترجمان يسأله عن الأمراء واحدا واحدا إلى أن وصل إلى اسم الأمير ms073 عباس، فقال: إن ~~الأمير عباسا تخاصم مع الوالي؛ فإن الوالي طلب منه أن يوافق الدروز ويكون معهم لأنه مسلم، ~~فرفض ذلك وذهب بزوجته وأولاده إلى أبناء عمه أمراء حاصبيا منذ أربعة أيام. ثم التفت إلى ~~السر هنري، وقال له: والأميرة سلمى معهم. ففهم السر هنري اسم سلمى، واستفهم من الترجمان عما ~~قاله، فترجمه له، فأظلم الضياء في عينيه، ولم ينتبه الترجمان لذلك، ولكن القزم انتبه له ~~وقال: إني رأيت الأميرة سلمى يوم ارتحلوا، وكانت تشير على أبيها أن ينزلوا إلى بيروت، وتؤكد ~~له أن قنصل الإنكليز يحميهم، وهو مصر على الذهاب إلى حاصبيا ووادي التيم، ولما فرغت ~~حيلتها جعلت تبكي وتتوسل إلى أمها لكي تقنع أباها بالنزول إلى بيروت أو بالذهاب إلى ~~الشويفات إلى بيت خالتها؛ لأن الأمير أحمد أرسل يدعوهم إليه، ولكن الأمير عباسا رجل عنيد ~~لا يسمع رأي أحد. # ثم قال القزم للترجمان: قل للقنصل إن الأميرة سلمى تحبه وكانت تريد أن تنزل إلى بيروت ~~لأجله. فأبى الترجمان أن يترجم هذا الكلام للسر هنري، لكن السر هنري طلب منه أن يترجمه له ~~فترجمه له فتضاحك، وقال: قل له من أين عرفت ذلك؟ فقال: أجبه أن العصفورة أخبرتني، وأنا وإن ~~كنت صغير الجسم لكن عمري أربعون سنة، وأنا أضحك الناس وأضحك عليهم؛ لأني أعرف ضمائرهم وأقرأ ~~أفكارهم في وجوههم وحركاتهم، فإننا لما كنا على النجمة ورأيته واقفا أمامها، قرأت في ~~عينيها وعينيه رسائل الحب بينهما، وقل له إن الأميرة سلمى في حاصبيا الآن، ولا أمان عليها ~~هناك؛ لأن أمراء حاصبيا مع النصارى، ولا بد ما تدور الدائرة عليهم، وليس لهم هناك مدينة ~~يلجئون إليها مثل بيروت، فإن كان يحبها حقيقة فليبذل جهده في إنقاذها. # ثم نظر إلى السر هنري، وجعل يكلمه بالإشارات، ففهم السر هنري بعض مراده وزاد انشغال باله، ~~وقال في نفسه: إن هذا الرجل المشوه الخلقة أذكى فؤادا من أكثر الذين رأيتهم في حياتي. فطيب ~~خاطره وأخرج من جيبه قبضة من النقود الفضية وأعطاه إياها، وعرض عليه ms074 أن يبقى في القنصلية ~~وينام مع الخدم إذا أراد، فقبل ذلك شاكرا، وصار دأبه التردد على النازحين إلى بيروت ~~والمجيء بأخبارهم، فكان من أفضل المخبرين وأذكاهم فؤادا وأكثرهم تدقيقا وأصوبهم ~~رأيا. # وكان السر هنري يسمع ما يأتي به من الأخبار، وهو يفكر في الأميرة سلمى وما يحتمل أن ~~يصيبها في حاصبيا إذا وقع بها ما يخشى وقوعه، أو إذا لجأ بها أبوها إلى عرب البادية فتاهوا ~~في القفار وغزا بعضهم بعضا وأخذت سبية، وقد يراها أمير من أمرائهم فيتزوج بها رغما عنها ، ~~وراجع ما كتبه قنصل صيداء عما بلغه من أخبار حاصبيا، فوجد أن الفتنة ابتدأت فيها، ولا أمان ~~على الأمراء الشهابيين الذين هناك ولو كانوا مسلمين، ولكن الحول والطول في تلك الجهات للست ~~نائفة أخت الشيخ سعيد جنبلاط، فعزم أن يكتب إليها لكي تحمي الأمير عباسا وعائلته، ولكنه ~~عاد وتذكر ما قاله له القزم وهو أن الأمير عباسا عنيد، ولا يرضى أن يحتمي بأحد من الدروز، ~~فرأى أن لا فائدة من الكتابة. # ولا أشد على المرء من أن يرى نفسه مغلول اليدين لدى أمر يسهل عليه عمله ولكن لا سبيل له ~~إليه، فلو جاء الأمير عباس إلى بيروت لكانت حمايته وحماية كل الذين يلوذون به من أسهل ~~الأمور على السر هنري، ولو كان الوالي ضده، ولكنه اختار الذهاب إلى مكان في داخلية البلاد ~~دون الوصول إليه خرط القتاد. # وكانت هذه الأفكار تتردد في بال السر هنري وهو يتناول عشاءه، ولحظ الكولونل اضطرابه، فظن ~~أن ذلك ناشئ عما شاهده ذلك اليوم مما ينفجع له المرء، فلم يشأ أن يسأله عنه، ثم استطرد ~~الحديث إلى أحوال اللاجئين إلى بيروت، فتكلم السر هنري كلاما مجملا دل على أنه كان مشغول ~~البال بأمر آخر. # الفصل التاسع عشر # | النار ولا العار # ومن يخش أطراف الرماح فإننا # لبسن لهن السابغات من الصبر # وإن كريه الموت حلو مذاقه # إذا ما مزجناه بطيب من الذكر # وما رزق الإنسان مثل منية # أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر ms075 ~~••• # ألا ربما كان التصبر ذلة # وأدنى إلى الحال التي هي أسمج # وقد يركب الخطب الذي هو قاتل # إذا لم يكن إلا عليه معرج # لا أثقل على نفس الحر من الصنيعة يسديها إليه من ليس أهلها، ولا من الانقياد لرأي ترى من ~~نفسك بطلانه، هكذا كان شأن الأمير عباس حينما بعث إليه الأمير أحمد يدعوه إلى الشويفات ~~ليقيم في حماه، فإنه لما أخبرته زوجته الأميرة هند بكلام الرسول هز رأسه، وقال: الله الله! ~~صار ابن شهاب يحتمي بابن أرسلان! لا وتربة أجدادي. ثم نادى بغلمانه وقال: استعدوا للسفر ~~فإننا ذاهبون إلى حاصبيا. وقال لزوجته: لا يمكنني الذهاب إلى الشويفات والالتجاء إلى بيت ~~أرسلان ولا النزول إلى بيروت؛ لأن الوالي، على ما تعلمين، قد سفهت رأيه وحذرته عواقبه فحقد ~~علي؛ ولا البقاء هنا؛ لأنه لا بد للدروز من مهاجمة الساحل، ولا يستطيع النصارى أن يثبتوا ~~في وجههم بعد أن كفل الوالي لهم الفوز، فقولي للأولاد أن يكونوا على استعداد، فنذهب إلى ~~أولاد عمنا في حاصبيا ووادي التيم، فإنهم بعثوا يلحون علينا بالذهاب إليهم، وربما ذهبنا من ~~هناك، ونزلنا على عرب الفضل، فإن الأمير عمر الفاعور أرسل إلي مرتين لنذهب إليه، ونحن ~~باختيارنا منازل البدو على غيرهم نكون قد عدنا إلى أصلنا، أو كما يقول المثل أكلنا الفول ~~وعدنا إلى الأصول. # وكان الشهابيون في كفر شيما والحدث وبعبدا مرتابين في أمره؛ هل ينتصر للدروز أو ينتصر ~~للنصارى. ولكنهم لم يكلموه في هذا الموضوع، وهو كان يعلم أن الحرب الأهلية تئول إلى إضعاف ~~أهالي لبنان كلهم، فيتمكن ولاة الدولة من إذلاهم، وكان يسفه رأي القائلين بها والحاثين ~~عليها، وأفضى الجدال بينه وبين والي بيروت إلى المغاضبة، لكنه طلع بسواد الوجه مع الفريقين، ~~فلا هو أرضى الدروز ولا هو أرضى النصارى، وارتاب كلاهما في إخلاصه، وأقام يرقب تغير ~~الأحوال، وتفاقم الخطوب، وكلما حانت له فرصة وبخ القائمين بهذه الفتنة وسفه رأيهم، وهو ~~لا يوقر كبيرا، ولا يحترم ذا مقام، حتى مطران الموارنة صديقه الحميم اغتاظ ms076 منه وكف عن ~~زيارته، وبقي يحسب أن الوالي يرى وخامة العاقبة، فيأمر الفريقين بالتزام جانب السكينة، أو ~~يكون على المعتدي مع المعتدى عليه، إلى أن جاء الرسول من عند الأمير أحمد يطلب منه أن يلجأ ~~إلى داره ليحتمي فيها، وكان يعلم أن الأمير أحمد رجل جد لا يقول إلا ما يعني، ولا يكلمه إلا ~~بالوقار التام، فثبت له حينئذ أن الشر واقع لا محالة، وأن الدروز واثقون بالفوز في هذه ~~النوبة، وهم لا يثقون هذه الثقة إلا وقد أكد لهم الوالي أنه ينصرهم بالجنود، وترجح له حينئذ ~~ما كان قد سمعه، ولم يصدقه؛ وهو أن الوالي اشترى رؤساء الدروز بالأموال الطائلة، واستأجرهم ~~لهذا العمل استئجارا، ولما رآهم ممتنعين عن إجابة طلبه برأي بعض عقالهم، حذرهم سوء ~~العاقبة، وقال لهم: إن الأموال التي عرضتها عليكم أعطيها لخصومكم، وأساعدهم عليكم إن أنتم ~~أصررتم على رفض طلبي. لأن غرضه كان إثارة الفتنة على كل حال عملا بمشورة الحزب الناقم على ~~الحكومة في الأستانة، وقد عمل بعض الدروز برأيه مكرهين؛ لأنهم رأوا أنفسهم بين نارين، ~~فاختاروا أخف الشرين، وما هذه أول مرة استحل فيها رجال السياسة إثارة الحروب والفتن لأجل ~~أغراضهم السياسية. # فقال الأمير عباس حينئذ: لقد قضي الأمر، واتفق الدروز مع الوالي، ووافقهم الأمير أحمد وما ~~كان أغناه عن أمر يجر عليه البلاء، فقوي الميل في نفسه إلى نصرة أبناء عمه؛ لأنه الفريق ~~المعتدى عليه، ولكن أبناء عمه في لبنان لا يأتمنونه، فقال: لا بد من الرحيل إلى حاصبيا؛ لأن ~~أمراء حاصبيا لا يزالون على الإسلام مثله وهم من حزب النصارى. # وشاع في كفر شيما أن الأمير عباسا عازم على الارتحال إلى حاصبيا، فلم يعبأ أهلها ~~بارتحاله؛ لأنهم كانوا غير عارفين إلى أي حزب ينتمي، وكانوا يحسبون أن الفوز سيكون لهم إذا ~~اتقدت نار الحرب؛ لأن رجال كسروان كانوا في بعبدا وهم أبطال مشهود لهم، والدروز يخشون بأسهم ~~ووراءهم بلاد كسروان كلها. # ولم يخطر على بال الأميرة سلمى أن أباها يفضل الذهاب إلى ms077 حاصبيا على البقاء في كفر شيما ~~أو النزول إلى بيروت، وكانت تتبع حوادث الجبل، وتعلم أن أهاليه يستعدون لحرب أهلية، وكثيرا ~~ما سمعت أباها يتكلم عن رعونة القائمين بهذه الحركة، وأنها ستعود عليهم بالضعف غالبين كانوا ~~أو مغلوبين، مستشهدا بالحروب الأهلية الماضية ونتائجها الوخيمة، وحسبت كل حساب الأحساب ~~الذهاب إلى حاصبيا والابتعاد عن بيروت، فإنه لم يخطر لها ببال، فلما جاءتها أمها تقول لها ~~«إن أباك عازم على الذهاب بنا إلى حاصبيا ووادي التيم»، نظرت إلى أمها نظر المستفهم ~~المرتاب، وقالت: حاصبيا ! أإلى هناك؟! ثم صمتت وكانت آخذة في كتابة كتاب إلى ابنة عمها ~~الأميرة صفا، فوقف القلم في يدها ولم يعد يجري، وقالت لها أمها: إن أحمد أرسل يدعونا لنذهب ~~إلى داره، فرفض أبوك ذلك واغتاظ من دعوته لنا. فقالت سلمى: إذا قال أبي قولا لا يرجع عنه، ~~وأنت تعلمين طبعه، فليس لنا إلا التسليم لإرادته. # قالت ذلك لأنها رأت اضطراب أمها فأرادت أن تخفف عنها، أما هي فكانت كارهة لهذا السفر ~~نافرة منه أشد النفور، ثم مضت إلى غرفة أبيها وكلمته على انفراد مبينة له أن قنصل الإنكليز ~~يحميهم إذا نزلوا إلى بيروت، ولما قال لها: من أين تعلمين ذلك؟ أسقط في يدها، ولكن بداهتها ~~كانت قوية، فقالت له: إني أشعر بهذا الأمر من نفسي، وقد سمعت أحمد يقول غير مرة إن قنصل ~~الإنكليز مضاد للوالي، فإذا عرف ما بينك وبين الوالي فلا بد من أن يحميك منه. # فقال أبوها: هذا قد يكون وقد لا يكون، والمسألة مسألة حياة وموت وعار وشماتة، فلا ألقي ~~بيدي إلى التهلكة. وكانت تعلم أنه إذا قال كلمة لا يعود عنها فتركته، وعادت إلى الكتاب الذي ~~كانت تكتبه لابنة عمها، وهي تقول في نفسها: لعل صفا أحكم مني، ولو ذهبت وترهبت مثلها لخلصت ~~من كل هذه الهموم. وتجلت أمام عينيها حينئذ صورة السر هنري بدمونت، وكانت قد مضت أيام كثيرة ~~لم تره فيها، ولا سمعت عنه شيئا ولا سمعت اسمه بلسان أحد، فجالت ms078 الدموع في عينيها، وهي ~~تقول: ما أشقى المرأة؛ تحب فتضطر إلى الكتمان، وتميت قلبها وعواطفها لكي تحافظ على عادات ~~قومها! ولقد طالما عللت نفسي بأني أسلوه، فمضت الأيام وأنا لا أزيد إلا شوقا إليه، فماذا ~~يصيبني إذا أبعدت عنه ولم يبق لي أقل أمل أن أراه؟! ورآها القزم وهي على تلك الحال، ورأى ~~آثار الدموع في عينيها، فلم يخف عليه أمرها. # ومضي النهار وهي سكرى لا تدري ماذا تفعل، وكان الخدم يهيئون ما يلزم أخذه من الأمتعة، ~~ونهضوا في الصباح، وركب الأمير عباس وزوجته وأولاده خيولهم، وحملوا الأمتعة على ستة بغال ~~ركب عليها بعض الخدم أيضا، وأم يوسف معهم أخذتها معها الأميرة هند لتسليتهم، حتى إذا بلغوا ~~نهر الدامور وجدوا الماء فيه غزيرا إلى بطون الدواب، وكاد يحمل واحدا من المكارين، ~~فعلا صياح الجواري، واضطر الأمير عباس أن يعود إليهن ويتهددهن بالضرب إن لم يصمتن، أما ~~الأميرة هند والأميرة سلمى، فكانتا معتادتين ركوب الخيل، فخاض فرساهما الماء بهما من غير أن ~~توجسا شرا، وتغدوا في النبي يونس، ووصلوا صيداء بعيد الظهر، فباتوا فيها في بيت قاضيها ~~وهو من أصدقاء الأمير عباس ومن أهل التقى، وقاموا منها قبل الفجر قاصدين حاصبيا فوصلوها عند ~~الغروب، وخرج الأمراء الشهابيون للقائهم ومعهم جماعة من أهالي حاصبيا، فرحبوا بهم وأنزلوهم ~~على الرحب والسعة، وأنست الأميرة سلمى بمن رأت هناك من بنات أعمامها، لا سيما وأن بعضهن كن ~~متعلمات في المدارس الإنكليزية، وآباؤهن على واسع علم وحسن محاضرة، ورأت عندهم كثيرا من ~~كتب الأدب، فأخذت تطالع فيها لتسلي نفسها وتنسى ما مر بها في الشتاء الماضي مما شغل بالها ~~ولا يرجى تحققه في زمن من الأزمان. # ولكن لم يكد يستقر بهم المقام حتى وردت الأخبار أن الدروز هاجموا ساحل بيروت، وحرقوا قراه ~~وقتلوا كثيرين من سكانه، فعلا البكاء والنواح في دار الخدم، وقامت أم يوسف تطالب الأميرة ~~هند بزوجها، وتطلب منها أن ترجعها إلى كفر شيما، وهي تقول: خرجنا يوم الجمعة وهو يوم نحس ما ~~أقل ms079 عقلي! وقلق الأمراء؛ لأنهم رأوا أن الفتنة أوقظت ولا بد ما ينتشر سعيرها في البلاد ~~كلها. # الفصل العشرون # | شكوى الحب # قام السر هنري عن العشاء، وأتم التقرير الذي شرع في كتابته للسفير، وأرسل صورته إلى نظارة ~~الخارجية بعدما قرأها للقنصل، ثم دخل غرفته وأخذ قلما وقرطاسا وجعل يكتب لأمه، وكان كلام ~~القزم لا يزال يرن في أذنيه، ولا سيما قوله إن الأميرة سلمى تحبه كما يحبها، فأخذ يصف لأمه ~~ما شاهده من احتراق قرى لبنان وما رآه من أحوال سكانه الفارين منه ، وما سمعه عن الحرب التي ~~نشبت ذلك اليوم. # ومما قاله لها: مهما أطنبت في جمال هذه البلاد لا أوفيها حقها من الوصف، فقد طفت اسكتلندا ~~في أجمل فصول السنة، ورأيت بحيراتها وجداولها وجبالها ووهادها، ومررت على سويسرا في فصل ~~الصيف وأقمت فيها نحو شهرين، ولكني لم أر أجمل من ربى لبنان وساحل بيروت في فصل الربيع، ~~والناس هنا أهل جد ونشاط؛ الرجال يحرثون الأرض ويغرسون الأشجار، والنساء يغزلن ويحكن، وكلهم ~~يربون دود القز ويستخرجون منه الحرير. # وأمراؤهم ليسوا على ثروة طائلة مثل أمرائنا، ولا قصورهم فخيمة مثل قصورنا، ولكنهم متمتعون ~~بشيء من أبهة السيادة والاستقلال، وعندهم الخدم والحشم من العبيد والجواري والخيل والبغال، ~~ويركب الأمير منهم ومعه خدمه بالسلاح الكامل، ويظهر لي أن البلاد غنية - على ما فيها من سوء ~~الإدارة - ولكن مهما بالغت في قولي «سوء الإدارة»، فلا تفهمين مرادي؛ لأنك لا تستطيعين أن ~~تتصوري أن حكومة تقسم شعبها قسمين، وتحرض القسم الواحد على الآخر لكي يفتك به ويخرب دياره، ~~هذا هو الأمر الواقع الآن، وقد بذل الكولونل جهده لكي يمنعه، فما استطاع؛ لأن المغرين بالشر ~~أقوى منا. # ومما يسوءني ذكره أن جيراننا عبر البحر مساعدون على هذا التحريض لكي يحتلوا البلاد، وقد ~~ذهبت نصائحنا سدى، وكان اليوم يوما مشهودا رأيت فيه الدخان صاعدا من منازل السكان إلى ~~عنان السماء، وشاهدت بالنظارة البحرية التي عندنا جماهير الأهالي بأثوابهم البيضاء والزرقاء ~~وأعلامهم الحمراء والبيضاء ومعهم قليلون من الفرسان، ms080 وهم أمراؤهم ومشايخهم يجتمعون ويفترقون ~~ويترامون بالرصاص ويتضاربون بالسيوف، ثم يهجم بعضهم على بعض، ويندحر بعضهم من أمام بعض، ~~وجنود الحكومة معسكرة في الطريق تصد الفارين عن الفرار، وضلعها مع أحد الفريقين على الآخر، ~~وهي لو أرادت لأطفأت هذه الحرب بكلمة يقولها قائدها أو مدفع يرمي به المعتدين. # ونزلت بعد الظهر إلى شوارع المدينة وأحيائها، فرأيت ما تتفتت له الأكباد؛ رأيت النساء ~~جالسات تحت أشجار التوت أو في عرصات البيوت يندبن وينحبن، وأولادهن يبكون طالبين ما يسد ~~الرمق. ورأيت بعض الرجال واقفين حيارى لا يدرون ما يفعلون، ولا كيف يعولون عيالهم وعيال ~~الذين قتلوا من إخوانهم، وقد نهبت أمتعتهم وحرقت منازلهم. ورأيت امرأة بديعة الجمال ومعها ~~ولدان كأنهما بدران، وهي تندب ندبا أبكى الترجمان، فترجم لي كلامها، فإذا هي تقول «إنها ~~ذهبت إلى القبر تطالبه بحبيبها، فأجابها أن حبيبها ملقى على الطريق تأكله طيور السماء ~~وتنهشه وحوش البرية.» # نحن باذلون جهدنا الآن لنجمع من المال ما يخفف بعض الكرب عن هؤلاء المساكين، ولو بتقديم ~~الخبز لهم، فابذلي جهدك لتجمعي لنا ما يمكن جمعه من إحسان المحسنين، وقولي لإفلين إن هذا ~~يومها، فأرسلوا لنا نقودا وثيابا إن أمكن، والنقود أحسن؛ لأن إرسالها أسهل بتحاويل على ~~الصيارفة، ولا بد ما تزيد الحاجة؛ لأنه يبلغنا أن الأوامر صدرت بقتل كثيرين في أنحاء سورية، ~~أو حيثما يمكن الإيقاع بهم، ويصعب علينا أن نصدق هذا الخبر لغرابته، ولكن ما حدث اليوم يدل ~~على صحته وسنرى ما تفعله حكومتنا في هذه الحال. # أخبرتك في تحرير سابق عن الأميرة سلمى التي رأيتها في بلدة قرب بيروت، وقد رأيت اليوم ~~النار مضطرمة في دار أبيها، ثم بلغني أن أباها ارتحل بها إلى بلدة تبعد نحو يومين عن بيروت، ~~ولا أظن أنها في مأمن هناك، ولا أخفي عليك يا أماه أن لهذه الفتاة في نفسي منزلة لا أراها ~~لغيرها، نعم، إني لم أنس إفلين وحبها لي، ولكنني كنت أشعر دائما أنها لا تنظر إلي كما ~~أنظر إليها، وقلبي يحدثني ms081 أنها نسيتني الآن، أو أنها كانت تحبني محبة الصداقة أو محبة ~~الأقرباء بعضهم لبعض، وهذه الأميرة لم تكلمني كلمة تدل على الحب، ولا أنا ذاكرتها في هذا ~~الموضوع لا صريحا ولا تلميحا، ومع ذلك كنت أشعر من قلبي أني وقعت في نفسها كما وقعت في ~~نفسي، وبقي هذا الاعتقاد في مبنيا على التصور لا غير إلى اليوم، فسمعت اليوم ما حقق لي ~~ظني؛ وذلك أنني عثرت على القزم المهرج الذي رأيته في دارهم، فأخبرني بأمور وفي جملتها أنه ~~عارف عن ثقة أن هذه الأميرة تحبني، وأن ابن خالتها طلب الاقتران بها فرفضته، وهو الأمير ~~أحمد الذي أخبرتك عنه قبلا، فهذا الخبر وذهابها مع أهلها إلى حاصبيا في هذه الأوقات بلبلا ~~أفكاري ولا أعلم ما يأتي به الغد، لا داعي لإخبار إفلين بشيء من هذا القبيل، بل يكفي أن ~~تخبريها بحاجة الناس هنا إلى مساعدتها وكرمها، ولقد أعطاها الله ثروة وافرة لتساعد بها ~~المحتاجين، فلجي عليها لتتصدق بكل ما يمكنها التصدق به، وأنا أراقب توزيعه على مستحقيه ~~بنفسي، ثم التفت إلى أمور أخرى خصوصية من حيث أملاكهم وريعها وراتبه، وطلب في الختام رأيها ~~في أمر الأميرة السورية. # الفصل الحادي والعشرون # | الشهابيون في بيروت # وصل الأمراء الشهابيون إلى مدينة بيروت بخدمهم وحشمهم، واستأجروا بيوتا نزلوا فيها، ~~فرأوا أن نفقاتهم اليومية زادت عما كانت وهم في دورهم؛ لأن أكثر مواد الطعام لهم، والعلف ~~لخيلهم ودوابهم؛ كانت تأتي من أملاكهم فلا يدفعون ثمنها، أما الآن فاضطروا أن يشتروا الحنطة ~~واللحم والسمن والزيت والزيتون والحبوب على أنواعها والشعير والتين، وكان لا يزال عندهم ~~قليل من النقود من ثمن الحرير الذي باعوه أو أنزلوه معهم إلى بيروت، فأنفقوه في أيام قلائل ~~وجعلوا يستدينون ممن اعتادوا الاستدانة منهم من تجار بيروت وصيارفتها، فاعتدل الدائنون ~~أولا في معدل الربا، ثم زادوا رويدا رويدا يوما بعد يوم. # والتقى اثنان من التجار ودار بينهما الحديث التالي: # نقولا ~~: # هذه فرصة نادرة يا مارون إذا لم نستغنمها سبقنا إليها بخور. # مارون ~~: # وما ms082 هي هذه الفرصة النادرة؟ عسى أن لا تكون مثل فرصة الصوف التي خسرنا بها عشرة ~~آلاف ليرة. # نقولا ~~: # من كان يعلم أن أستراليا تمتلئ غنما في سنة واحدة وتملأ الدنيا صوفا، ومع ذلك ~~فالتورط إلى هذا الحد في المشترى والتخزين كان رأيك ورأي عمك، وجهد ما هنالك أنني ~~أرشدكم إلى الصنف، وقلت إنه ينتظر الصعود في ثمنه بناء على ما كنت أقرؤه في الجرائد ~~التجارية، وبناء على ما كتب به إلي عميلي من بلاد الإنكليز. # مارون ~~: # ما علينا من مسألة الصوف، فما هي هذه الفرصة النادرة؟ # نقولا ~~: # الشهابيون في بيروت، وقد صاروا على الأرض، فقد باعوا كل حريرهم وصرفوا ثمنه، ولا ~~أمل لهم بشيء من مواسم الغلال، وهم يستدينون المائة الآن بعشرين وبثلاثين، وبخور ~~ورفاقه عازمون أن يسلخوا جلدهم، أما أنا فلا رأي لي أن ندينهم؛ لأني لا أستحل أن ~~ندين بعشرين وبثلاثين، بل أن نشتري منهم أملاكهم في سقي بيروت ووطأ نهر الكلب، فإن ~~كل بساتين التوت هناك لهم، ويمكننا أن نشتريها منهم الآن بأرخص ثمن. # مارون ~~: # أتعرف كم إيراد الملك الآن؟ # نقولا ~~: # أظن أن الإيراد قليل لا يزيد على أربعة أو خمسة في المائة، ولكن أسعار الحاصلات ~~ستزيد فيزيد معها ثمن الملك. # مارون ~~: # كيف عرفت أن الأسعار الحاصلات ستزيد وما أدرانا أنها لا تنقص؟! # نقولا ~~: # إني أعرف ذلك لسببين: السبب الواحد يمكنني أن أخبرك به، وهو أن دود الحرير مضروب ~~في فرنسا وإيطاليا، وقد اجتهد الفرنسويون كثيرا في علاج الضربة فلم يجدوا لها ~~علاجا، ولا بد ما يرتفع ثمن الحرير فيرتفع ثمن بساتين التوت، هذا هو الأمر الأول؛ ~~والأمر الثاني أخبرك به على شرط أن تعدني أنه يبقى الآن في سرك. # نقولا ~~: # إذا كان الأمر يحتاج إلى كتمان فأعدك بكتمانه. # مارون ~~: # لو ما كان يحتاج إلى الكتمان ما كنت أطلب منك كتمانه. # نقولا ~~: # قل لي ما هو وأنا أعدك بكتمانه. # مارون ~~: # إني أعلم عن ثقة أن عساكر فرنسا ستحتل سوريا، والمرجح أنه لا يمضي شهران حتى ~~يكونوا هنا. ms083 # فلما سمع نقولا هذا الكلام أبرقت أسرته، وقال: إذا كان الأمر كذلك فستتضاعف قيمة ~~الأملاك حتما، فما العمل؟ ومن يطلبها لنا من الشهابيين؟ # مارون ~~: # ليس لنا إلا السمسار غنطوس، فهو يدخل فيهم مثل النعس، ويلبص عليهم مثل ~~الباطلينوس. # ثم استدعياه وسألاه عن الشهابيين، وتدرجا معه في الحديث إلى مشترى الأملاك؛ أي الأراضي ~~المزروعة توتا، وجنائن في ساحل بيروت ووطأ نهر الكلب، فوجداه على تمام الخبرة بأحوال ~~الشهابيين، واتفقا معه على السمسرة وعلى أن يذهب ويعاين الأملاك ويأتيهما بوصفها. # وقام من ساعته لهذا الغرض، فاجتمع برجل اسمه عبد الله كان مستلما أشغال أمير من أغنى ~~الأمراء وأكثرهم إسرافا، ويحكى عن هذا الرجل أنه تورط في اختلاس أموال مولاه، حتى اغتنى ~~واقتنى أملاكا وبنى دورا فاشتكى منه أولاد مولاه لأبيهم، وقالوا له: إن عبد الله نهبك، ~~والناس كلهم يلوموننا؛ لأننا أبقيناه عندنا كل هذه المدة. فقال لهم: إن هذا الرجل كان ~~جائعا فشبع الآن، فإذا عزلناه وأتينا بإنسان آخر يكون جائعا، فيضطر أن ينهب لكي يشبع؛ ~~فخير لنا أن نبقي الشبعان من أن نستخدم رجلا جوعان. # وكان عبد الله هذا على ما يطلب من اتساع الذمة، فساره غنطوس واتفق معه على قسمة السمسرة ~~مناصفة، وكان الأمير قد فوض إليه عقد سلفة بألفي ليرة، فجاءه في المساء بعد العشاء، وجعل ~~يشكو من ارتفاع الفائدة وأن المداينين ماسكون السكين ليذبحوا ذبحا، فلا يعطون المائة بأقل ~~من خمسة وعشرين في السنة، وبعد كل جهد أنزلهم إلى اثنين وعشرين. # وكان الأمير أكولا يأكل دجاجة أو دجاجتين على عشائه، ومتى شبع اتكأ على مسند إلى أن ~~ينام، فيقلب إلى فراشه قلبا، وينزل دمه إلى معدته، فلا يبقى منه في رأسه ما يكفي لتوليد ~~الأفكار أو لتشغيل العقل، فقال لعبد الله: وما رأيك؟ ولا أظن أن أحدا يدينا بأقل من ذلك في ~~هذه الضيقة. فقال عبد الله: إنني اهتديت إلى طريقة أخرى لأخذ المال المطلوب من غير أن نخسر ~~خسارة تذكر، وهي أن الأملاك التي تحت قناطر زبيدة ms084 لا يبلغ إيرادها مائة ليرة في السنة، ~~ويمكننا أن نبيعها بألفي ليرة وفائدة الألفي ليرة 440 ليرة على الأقل، فإذا بعناها نكون قد ~~وفرنا 340 ليرة في السنة، وعندي سمسار يمكنه أن يبيعها لنا بهذا الثمن إذا أعطيناه ~~سمسرته. # ففتح الأمير عينيه وقال له: أعد لي ما قلته ثانية. فكرر له الكلام الأول بالتأني، فقال: ~~فهمت فهمت، نبيع العلقة التي تحت القناطر بألفي ليرة هي والمطحنة، طيب بعت، اكتب الحجة حتى ~~أمضيها لك. # وفي أقل من خمسة أيام اشترى غنطوس للخواجه نقولا والخواجه مارون أملاكا بنحو عشرة آلاف ~~ليرة، وهي تساوي عشرين أو ثلاثين ألف ليرة، ودرى غيرهما من التجار بذلك فجعلوا يتسابقون إلى ~~مشترى الأملاك، وهي من جنى الشهابيين؛ لأنهم هم استخدموا الفلاحين لنقب الأرض وحرثها ~~وغرسها، ولكن الذين تعبوا على إنشائها ماتوا وأورثوها أناسا لم يتعبوا بها، فسهل عليهم ~~بيعها، وهكذا انتقل جانب كبير من أملاكهم إلى تجار بيروت، ولقد أحسنوا فيما فعلوا من بيع ~~الأملاك بدل استدانة الأموال ورهنها؛ لأنهم لو استدانوا ورهنوا أملاكهم لتضاعف الدين في ~~ثلاث سنوات، فالذين أشاروا عليهم بالبيع لم يضروهم، ولكن جاءهم الضرر من جهة أخرى، وهي أن ~~كثيرين منهم رأوا نجاح التجار ومكاسبهم الكثيرة، فسولت لهم النفس أن يبيعوا أملاكهم ويتجروا ~~بثمنها، وفاتهم أن التاجر يمارس التجارة ولدا ويربى فيها من صغره حتى يتمرن عليها ويعرف ~~أساليبها وأسرارها، وبغير ذلك تكون التجارة خاسرة، فلم يمض عليهم وقت طويل حتى خسروا كل ~~الأموال التي وضعوها في التجارة، وهذا شأن كل من يستسهل الأعمال ويتعاطاها قبلما يتمرن ~~عليها. # الفصل الثاني والعشرون # | المذاكرات السياسية # اجتمع مجلس الوزراء في بلاد الإنكليز للنظر فيما سيطرح على البارلمنت من المسائل، ومنها ~~مسألة عن جبل لبنان والفتنة التي اتقدت نارها فيه، فقال وزير المستعمرات: هذا هو الأمر الذي ~~كنت أخشاه من حين شرعت الشركة الفرنسوية في إنشاء سكة المركبات من بيروت إلى دمشق، فقد أخذت ~~الآن تقول إن لها مصالح مالية في سورية لا يمكنها الإغضاء عنها، وإنه ms085 لا بد لها من إرسال ~~جنودها لحماية مصالحها هناك. # فقال وزير المالية: إلى أين وصلوا في إنشاء ذلك الطريق؟ قال ذلك موجها خطابه إلى ناظر ~~الخارجية. # فأجابه وزير الخارجية: لا يمكنني أن أقول بالتأكيد إلى أين وصلوا؛ لأنهم ابتدءوا من أماكن ~~مختلفة في وقت واحد على ما كتب به إلي قنصلنا في بيروت؛ لأن البلاد جبلية وفيها كثير من ~~الآكام والأودية والغدران، ولا بد من بناء جسور كثيرة في أماكن مختلفة، فبنوا هذه الجسور، ~~ومهدوا الطرق بين جانب كبير منها على ميول معتدلة، ولا يسعنا أن ننكر أنه صار لهم مصلحة ~~مالية ثابتة في البلاد ولنا نحن أيضا مصلحة مالية بسبب تجارتنا الواسعة، وهي أوسع من تجارة ~~فرنسا، بل مثل تجارة أوروبا كلها، ولكن ليس لنا رأس مال موضوع في البلاد مثل فرنسا إلا إذا ~~اشترينا الشركة الفرنسوية، وقد خابرت بعض الماليين في مشتراها فلم أر منهم رغبة في ذلك؛ ~~لأنهم يظنون أن ترعة السويس ستبطل طريق التجارية البرية بين بيروت وبلدان المشرق، وليس ~~الاعتماد على تجارة دمشق نفسها بل على البلدان الشرقية التي تصل تجارتها إلى دمشق. # فقال وزير الحربية: وهل تظن أن الفتنة خمدت واكتفى الفريقان بما حدث؟ # فأجابه وزير الخارجية: كلا، بل يظهر من تقارير قناصلنا أن النار لا تزال مخبوءة تحت ~~الرماد، وأنه لا بد من امتداد الفتنة إلى المدن الكبيرة في داخلية البلاد، ودمشق نفسها ليست ~~بمأمن من ذلك، والقناصل باذلون جهدهم لإخماد الفتنة وحماية النصارى، ولكن الأمر ليس في ~~يدهم؛ لأنه يظهر أن أوامر سرية وردت من الأستانة إلى رجال العسكرية لإيقاد نار الفتنة، وليس ~~المراد بها الفتك بالنصارى دون الدروز، بل مساعدة فريق على فريق، فيصح أن يساعدوا الدروز ~~على النصارى، ويصح أن يساعدوا النصارى على الدروز، والمراد إثارة الفتنة على كل حال وتضحية ~~بعض النفوس لغرض سياسي، وهو تحريك أوروبا لإلقاء المسئولية على الحكومة الحالية، هذا هو ~~الغرض الذي يرمون إليه على ما اتصل بنا وإخواننا عبر الخليج، يرمون إلى غرض آخر، ms086 ولكنهم ~~يتوسلون إليه بالطريقة نفسها؛ أي بإيقاد نار الفتنة في البلاد، ونحن نكاد نكون مغلولي ~~الأيدي، وقد كتب إلينا قنصلنا في بيروت أنه باذل قصارى جهده لإيقاف الفتنة عن هذا الحد ~~وإطفاء نارها، ويساعده على ذلك صديق قديم لنا من مشايخ الدروز له أكبر سلطة على جماعته، ~~فإذا نجح في سعيه ووقفت الفتنة عند هذا الحد، فلا أظن أن جيراننا يصرون على إرسال جنودهم ~~إلى هناك، وإذا لم تقف عند هذا الحد بل شملت البلاد كما يخشى، فلا بد لنا حينئذ من تدبير ~~آخر . # فقال وزير الحربية: إننا نطلب حينئذ أن يكون الاحتلال مشتركا ونرسل فرقة من ~~جنودنا. # فقال وزير المالية: وهل في الإمكان إرسال جيش الآن مع ما نحن فيه من الضيق المالي؟ ولا ~~أرى أن الميزانية تساعدنا على ذلك. # ونظروا إلى رئيس الوزراء كأنهم يطلبون رأيه، فقال: ليس من الحكمة أن نرسل جنودنا مع جنود ~~فرنسا؛ لأنه قد يتولد من وجود الجيشين مشاكل ليست في الحسبان، وفوق ذلك فإن جيراننا ~~يستسهلون أن يرسلوا عشرة آلاف مقاتل إلى هناك ونحن لا نستطيع أن نرسل هذا العدد، ولا يلبق ~~بكرامتنا أن يكون عدد جنودنا أقل من عدد جنودهم، فيضعف نفوذنا حيث نريد أن يقوى، ولكنني أرى ~~أنه يسهل علينا أن نقنع فرنسا بأن يكون إرسال جنودها باسم أوروبا كلها، وحنيئذ يسهل علينا ~~أيضا أن نطلب منها إرجاعهم باسم أوروبا حينما يتيسر الاستغناء عنهم. # فاستصوب الجميع هذا الرأي، وطلبوا من ناظر الخارجية أن يكلم سفير روسيا به، وسفير بروسيا ~~قبلما يكلم سفير فرنسا. # واجتمع البارلمنت في المساء فقال أحد الأعضاء: قرأنا في جرائد الصباح أن حربا أهلية نشبت ~~في سورية، وأن لبعض الدول الأوروبية يدا في ذلك، فما هي الأخبار التي عند الحكومة؟ وما هي ~~التدابير التي عزمت على اتخاذها لإخماد الفتنة؟ # فأجابه رئيس المجلس: إن ما قرأه حضرة العضو المحترم صحيح بوجه الإجمال، والحكومة تنظر ~~الآن في التدابير التي يجب اتخاذها، ومتى أقرت عليها لا تتأخر عن إخبار المجلس بها. ms087 # فقال عضو آخر: إن لنا مصالح مالية كبيرة في مدينة بيروت، فهل يخشى على تلك المدينة؟ وما ~~هي التدابير التي اتخذتها الحكومة لوقاية مصالحنا هناك؟ # فأجابه الرئيس: إن الأخبار التي وردت إلينا حتى الآن لا يظهر منها أنه يخشى على مدينة ~~بيروت، وعلى ذلك فقد أمرت نظارة البحرية بارجة من أسطول البحر المتوسط بالذهاب من مالطة إلى ~~سواحل بيروت وسواحل سورية. # وقال عضو ثالث: إن جماعة من المبشرين الإنكليز منتشرون في مدن سورية، فهل أخذت ~~الاحتياطات اللازمة لوقايتهم؟ # فقال الرئيس: يظهر أن قناصلنا لم يغفلوا عن ذلك، ولا عن حماية المرسلين الأميركيين، ~~والمرجح أن المتحاربين يحترمون الراية الإنكليزية مهما كانوا؛ لأن أعمال بحريتنا المجيدة في ~~سورية - ولا سيما في بيروت وعكاء - لم تنس من تلك البلاد حتى الآن. # ثم دارت المناقشة في مواضيع أخرى داخلية وخارجية. # أما في فرنسا فلم تدخل المسألة مجلس النواب، بل اكتفت الوزارة بالمداولة فيها، وبين ~~ناظر الحربية أن الجنود مستعدة للسفر عند أول إشارة، وأن معارضات إنكلترا على ما جاءهم في ~~التقارير السرية لا يعبأ بها؛ لأن إنكلترا لا تستطيع أن ترسل جيشا مثل جيش فرنسا، ولا ~~تستطيع أن تمنع إرسال الجيش من فرنسا بعد أن يتفاقم الخطب في سورية، ويتحفز نصارى كسروان ~~للأخذ بثأر إخوانهم. # الفصل الثالث والعشرون # | استفحال الفتنة # سر الدروز بالفوز المبين الذي فازوه في ساحل بيروت، وودوا الاكتفاء به حاسبين أنهم قهروا ~~الشهابيين، وهم عمدة النصارى، إلا أن والي بيروت لم يكن من رأيهم، فجمع بعض أمرائهم إلى ~~الحازمية خارج بيروت، وقال لهم: إنكم لم تفعلوا شيئا حتى الآن، ولم يزل النصارى أقوى منكم ~~كثيرا، ولا بد لهم أن يأخذوا بالثأر، ولا سبيل لإضعافهم حتى تأمنوا شرهم إلا بتخريب مدنهم ~~الكبيرة: زحلة ودير القمر وجزين وحاصبيا وراشيا، فازحفوا عليها والفوز لكم. # فدبت النخوة في رءوس البعض منهم وقالوا له سمعا وطاعة، وخاف البعض الآخر سوء العاقبة، ~~ولا سيما لأنهم كانوا يعلمون أن دول أوروبا لا يمكن أن تسكت عن ذلك، فقالوا ms088 له: إننا في ~~المتن والشوف والعرقوب ووادي التيم كثار، ولا يعسر علينا التغلب عليهم، ولكن لا يخفى على ~~دولتكم أن نصارى كسروان أكثر منا كثيرا، فإذا جاءوا لنصرة إخوانهم فلا طاقة لنا ~~بهم. # فقال لهم: إننا احتطنا لذلك ونصارى كسروان لا يحركون ساكنا، ولو تظاهروا بمساعدة ~~إخوانهم، ألم تروا كيف انفض جمعهم من بعبدا حالما أمرناهم بذلك؟ ثم انصرفوا من لدنه وأكثرهم ~~واثق أنه يفعل ما وعدهم به. # ووصل إلى دمشق في تلك الأثناء رجل اسمه صادق أفندي، وجعل يجتمع بمشايخ الدروز من حوران ~~وببعض مشايخ لبنان، حتى إذا أتم عمله الذي حضر لأجله أمر بالعودة إلى الأستانة بعد أن أسر ~~إلى الوالي بما جاء لأجله، ويقول أهالي دمشق إن سلوك الوالي تغير معهم بعد سفر صادق ~~أفندي. # ثم اجتمع الدروز وحاربوا أهالي جزين وبكاسين وحرقوهما وقتلوا كثيرين من سكانهما، وزحفوا ~~بعد ذلك على زحلة، وكان كثيرون من نصارى العرقوب، قد قاموا لمعاونة أهاليها، فالتقوا ~~بالدروز عند ظهر البيدر، وكادت الدائرة تدور على الدروز، وقتل هناك ابن عقيدهم علي بن خطار ~~العماد، وكان الشيخ إسماعيل الأطرش قد جمع دروز حوران وعربها عملا بأمر والي دمشق، وقام ~~بهم لنجدة دروز لبنان، حتى إذا دخل وادي العجم، وجد فيه بعض النصارى من إقليم البلان، ~~فقتلهم وهم 135 نفسا وسار برجاله إلى أن وصل إلى زحلة، وفي أثناء ذلك وصلت إليها فرقة من ~~الجنود العثمانية، وعسكرت أمامها وحينئذ هجم الدروز عليها من الجنوب والغرب فصد أهاليها ~~هجماتهم، وهم مشهورون بالشجاعة والفروسية، وظلت الحرب سجالا إلى أن قدم عليها رجال من ~~الدروز من الجهة الشمالية، وكان الأهالي ينتظرون نجدة من يوسف بك كرم فظنوهم النجدة ~~المنتظرة، ولكنهم ما لبثوا أن وصلوا حتى أخذوا يطلقون النار على الحامية، فانهزمت من أمامهم ~~ورأى أهالي زحلة أن الدروز دخلوا مدينتهم من ورائهم، فارتدوا رويدا رويدا وظلوا يناوشون ~~من أمامهم إلى أن خرج أكثر الذين في زحلة، وساروا إلى جهة بسكنتا، والظاهر أن الخوف من ~~العرب وجنود الدولة ms089 كان مالئا القلوب، ولولا ذلك لتعذر أخذ تلك المدينة. # وكان في زحلة رجل من أهالي دير القمر رأى ما جرى وتدبره، فعلم أن الحركة مدبرة وأن لا بد ~~من الزحف على دير القمر، فكتب إلى ترجمان قنصل الإنكليز في بيروت يخبره بما جرى في زحلة ~~وبما يوجس منه، وتوسل إليه لكي يبذل كل ما في وسعه لحمل القناصل على الذهاب إلى دير القمر ~~بأنفسهم؛ لأنه إذا أحاط الدروز بها لم يبق لأهلها مهرب منهم. # فسعى الترجمان مع غيره من وجوه دير القمر المتوطنين بيروت لدى قناصل الدول فلبوا طلبهم، ~~واتفق قنصل إنكلترا مع قنصل فرنسا على الذهاب إلى دير القمر، ولو ذهبا ما حدث شيء مما حدث ~~فيها ومما حدث في غيرها بعدها، ولكن والي بيروت أقنع قنصل فرنسا بأن لا داعي لذهابه، وإنه ~~هو؛ أي الوالي، يرسل قومندان مركز الولاية لوقايتها، وقال مثل ذلك لقنصل الإنكليز وأقنعه ~~بأن لا داعي لذهابه، ثم أرسل القومندان فذهب واجتمع بمشايخ الدروز وحرضهم على الفتك ~~بالنصارى. قيل ولما رأى سعيد بك جانبلاط منه ذلك، بعث اثنين من خواصه إلى أهالي دير القمر ~~يطلب منهم أن ينزحوا إليه إلى المختارة إذا فارقها القومندان، فصدق بعضهم كلامه وساروا إليه ~~فحماهم، وأما الباقون فجمع أميرالاي العساكر العثمانية سلاحهم بعد أن تهددهم بأن لا أمان ~~لهم إن لم يعطوه السلاح، وكانوا قد أفنوا كل ما عندهم من البارود والرصاص، فسلموه أسلحتهم ~~فأدخل الدروز إلى مدينتهم فنهبوها، ثم ذبحوا كل الذين التجئوا من الأهالي إلى سراي ~~الحكومة. قيل وكان متسلم دير القمر مخالفا للأميرالاي في هذا العمل الوحشي، وحمى كل الذين ~~التجئوا إلى داره من الأهالي لكن الأميرالاي أمر الجنود والدروز أن يدخلوا دار المتسلم ~~عنوة، ويقتلوا كل من لجأ إليها ففعلوا، ثم إن المتسلم نفسه جرع غصص المنون بعد أن عاد ~~إلى بيروت. # هذا بالاختصار التام أما التفصيل فتقشعر منه الأبدان وتذوب له النفوس أسى؛ فإنهم كانوا ~~يذبحون الولد على ركبة والدته، وينزعون الطفل من يد أمه، ms090 ويضربونه بالسيف فيشطرونه شطرين، ~~ويردونه إليها قائلين: خذيه فقد أسكتناه لك. ويقطعون أوصال الرجل قبل أن يذبحوه، ولم يبقوا ~~على أحد من الذكور، وقد جن بعض النساء مما رأين من الفظائع. # ما أشد توحش الإنسان إذا أطلق العنان لشهوة الغضب! وما أقبح التعصب الديني إذا حمل أصحابه ~~على الانتقام من الذين يخالفونهم دينا! وأقبح من هذا وذاك تدبير المذابح وتنظيمها لغرض في ~~النفوس؛ كما فعل ذلك الوالي وزبانيته وتلك الفئة الطاغية في الأستانة، فإنه كان يجب عليهم ~~أن يعرفوا ما ستئول إليه الحال، ولكنهم أغمضوا عيونهم لكيلا يروا، وصمموا أذانهم لكيلا ~~يسمعوا. # ووصل تفصيل هذه الحوادث إلى الكولونل روز قنصل الإنكليز الجنرال في بيروت، ووصله أيضا ~~تفصيل ما جرى في حاصبيا وراشيا، وخلاصته أن الأمير سعد الدين كان في دمشق، وقد استعفى من ~~الولاية على بلاد حاصبيا، فأعطيت لابنه الأمير أحمد، وكان أحمد باشا والي دمشق يتودد إليه، ~~فطلب منه أن يعود إلى حاصبيا مع فرقة من الجنود العثمانية؛ لتحصيل الأموال الأميرية من ~~دروزها، واستشار الأمير سعد الدين صديقا له من النصارى، فأشار عليه أن لا يذهب؛ لئلا يغتاظ ~~الدروز من مطالبتهم بالأموال في ذلك الوقت ويثوروا عليه، فاستعفى من الذهاب لكن الوالي لم ~~يعفه، بل اضطره اضطرارا وأرسل معه فرقة من الجند، حتى إذا وصل إلى حاصبيا وطالب الدروز ~~بالأموال الأميرية ثاروا عليه، واجتمعوا على حاصبيا من كل الجهات المجاورة لها، فخرج ~~النصارى منها لمناوشتهم، ثم تقهقروا وتحصنوا في السراي، فهجم الدروز على بيوتهم وسلبوها ثم ~~حرقوها، وقال أميرالاي العسكر للنصارى إنه لا يستطيع أن يحميهم ما لم يسلموه أسلحتهم فسلموه ~~إياها، فبعث بها إلى الدروز، وسد منافذ السراي ليمنعهم من الهرب منها، وبلغ القناصل في دمشق ~~ما حدث، فطلبوا من الوالي أن يرسل ضابطا كرديا من دمشق ليأتي بنصارى حاصبيا ~~إليها. # وقر القرار على إرسال أحمد بك أجليقين، فطلب أن يؤذن له بضرب الدروز إن هم منعوه من جلب ~~النصارى، فلم يأذن له الوالي في ذلك، فرفض الذهاب ms091 على هذه الصورة، فاستدعى الوالي الشيخ كنج ~~العماد، وأرسل معه ياورا إلى حاصبيا ومعه الأوامر اللازمة لأميرالاي الجنود العثمانية التي ~~هناك، وبعد وصولهما بيوم واحد أدخل الدروز إلى السراي التي فيها النصارى، فقتلوهم عن بكرة ~~أبيهم، ذبحوهم ذبح الغنم ومثلوا بهم تمثيلا، ثم صعدوا إلى دار الأمير سعد الدين في أعلى ~~السراي، فقتلوه وقتلوا صهره الأمير جهجاه وأربعة آخرين من الأمراء الشهابيين؛ ظنا منهم ~~أنهم من النصارى، وهجم دروز حوران على راشيا، فأدخلهم الجنود إلى سراي الحكومة، وقتلوا كل ~~من التجأ إليها من النصارى، وبلغ قتلى حاصبيا نحو 700 نفس، وقتلى راشيا 500، وقتلى دير ~~القمر وما جاورها نحو 1500 نفس؛ قتلوا كلهم في الدم البارد بعد أن سلموا أسلحتهم لرجال ~~حكومتهم. # ولا تحسبن الدروز كلهم اشتركوا في هذا العمل الفظيع خاصتهم وعامتهم، كلا فإن بعض العامة ~~وكثيرين من الخاصة كانوا أشد الناس مردة للنصارى، فدافعوا عنهم وحموهم في بيوتهم من كل ~~اعتداء، ولولاهم ما نجا أحد. # ولما اطلع السر هنري بدمونت على ما حل بحاصبيا حيث كانت الأميرة سلمى ووالداها؛ رجفت ~~شفتاه واصطكت ركبتاه، وكاد يغمي عليه، ثم غلى الدم الاسكتسي في عروقه، فاحمرت وجنتاه، ونهض ~~وجعل يمشي في غرفته ذهابا وإيابا، بل يركض فيها ركضا كمن يطارده عدو، ودخل الكولونل روز ~~عليه وهو على تلك الحالة، وكان قد قرع الباب مرارا، ولم يسمع مجيبا، ففتحه خائفا أن يكون ~~السر هنري مريضا، فلما وقعت عينه عليه، قال له السر هنري: قرأت تواريخ البشر الحاضرين ~~والغابرين، فلم أر ولم أسمع أن دولة تقتل رعاياها لغير إثم ولا حرج قضاء لمآرب شخصية، كيف ~~صبرنا على هذا الجور وكيف نصبر عليه؟ إذا رأينا رجلا يعذب نعجة أو عصفورا بغير سبب، ألا ~~نتعرض له؟! فهب أن هؤلاء المساكين نعاج أو عصافير، أفلا تقضي الشفقة علينا أن نتعرض لمن ~~يمسك الرجل منهم ويقطع أذنيه ويديه ثم يذبحه ذبحا؟! ألا نتعرض لمن يلقي رأس الولد على ركبة ~~أمه ويذبحه عليها؟! ألا نتعرض لمن يأخذ الطفل الرضيع ms092 من يدي والدته ويطعنه بخنجر ثم يرده ~~إليها والدم يسيل من صدره؟! ما هذا التوحش وما هذا الجمود الذي نحن فيه؟! أين الشهامة؟! أين ~~المروءة؟! ثم ما حال أولئك الأرامل الثاكلات النائحات النادبات؟! وما حال بناتهن إذا كن قد ~~تركن لهن؟! وأين مقرهن الآن؟! # وفي تلك اللحظة عينها خطرت بباله صورة سلمى ممزقة الأذيال، تجري بين الصخور والأدغال، ~~ووراءها وغد يجد في أثرها، فجمد الدم في عروقه، ثم انتفض كما انتفض العصفور بلله القطر، ~~وقال للكولونل روز: ألا تظن أنني أستطيع أن أقوم ببعض ما يجب علينا إذا ذهبت إلى صيداء ~~واستصحبت قنصلنا أو بعض القواسة، ومضينا إلى جهات حاصبيا ووادي التيم نفتش عن الذين سلموا ~~من القتل والموت؛ فنغيثهم ونأتي بهم إلى بيروت؟! # وقبل أن يجيبه الكولونول على ذلك، شعر أنه أخطأ فيما قال؛ لأن غرضه الأكبر من هذا الذهاب ~~شخصي، وقد عبر عنه على أسلوب يفهم منه أنه مجرد عن كل غاية شخصية، فلام نفسه على ما فرط ~~منه، واستدرك قائلا: ولي في ذلك مأرب شخصي لا أخفيه عن الكولونل. ثم قص عليه قصته مع ~~الأميرة سلمى من أولها إلى آخرها. # وكان الكولونل يعرف الأمير عباسا ويوده لإخلاصه، ويعلم أنه على خلاف مع الوالي، وأنه غير ~~راض بما حدث من الفتن، ولكنه لم يكن يعرف شيئا عن ابنته، ولا عن علاقة السر هنري بها، ~~فتحركت في نفسه عوامل الشهامة، وشعر بسلطة الحب شعور من نسي صديقا عزيزا، ثم التقى به ~~فرثى لحال السر هنري، وقال له: قم ولا تتأخر ساعة، وإني لاستغرب سكوتك عن ذلك إلى الآن، نعم ~~إنك غير واثق بحب هذه الأميرة لك، ولكن مهما كان شأنها، فليس من الشهامة وعزة النفس أن ~~تتركها في هذا الوقت وأنت قادر على مساعدتها، لو كنت مكانك لذهبت الآن ولم أتأخر ~~ساعة. # فشكره السر هنري على ذلك وقال له: يشق علي جدا أن أتركك في هذا الوقت مع تراكم ~~الأشغال عليك، واشتداد هذا الحر الذي يكاد يزهق النفوس، ولكن ms093 ما دام الذهاب فرضا علي ~~فأنا ذاهب. # وقام من ساعته وأمر أحد القواسة أن يعد ما يلزم لذهابهم إلى صيداء وجهات مرجعيون وغيابهم ~~شهرا من الزمان، وكتب إلى أمه بخلاصة ما بلغهم من أخبار المذابح، وطلب منها أن تبذل كل ما ~~في وسعها لجمع الصدقات من أهل البر والإحسان، وقال لها: إن ما ترسلونه من نقود وأحرمة ~~وأقمشة تشكرون عليه أعظم شكر؛ لأن علينا أن نطعم ألوفا من النساء والأطفال ونكسوهم. وختم ~~الكتاب بالسلام لإفلين وبالالتجاء إلى كرمها وحنانها. # الفصل الرابع والعشرون # | حادثة دمشق # لا أعدى من الحمس الديني، ولا أشد منه خطرا على البلاد، لا سيما وأنه سلاح الرعاع الذين ~~إذا ثار ثائرهم أمسوا وحوشا ضارية لا تأخذهم شفقة ولا رحمة، ويا ويح بلاد يطلق العنان ~~لرعاعها، ويحرضون على الانتقام من مخالفيهم مذهبا، فإن التاريخ يشهد أنهم كانوا يفتكون ~~بالألوف ولا يملون، ويرتكبون أقبح الموبقات مع أسيادهم الذين هم غرس نعمتهم، وأي عمل أقبح ~~من أن تربي ولدا مسكينا في بيتك، وتأتمنه على أولادك وأموالك، ثم تراه وقت الشدة مقبلا ~~إليك كالوحش الضاري والخنجر في يده يغمده في صدرك وصدور أولادك لكي يغتنم أموالك، الوحوش ~~الضاربة لا تصل إلى هذه الشراسة، ولكن ابن آدم يقدم عليها عفوا إذا ثار في صدره ثائر الحمس ~~الديني، كذا فعل اليهود بالنصارى والنصارى باليهود، وأهل الشيعة بأهل السنة وأهل السنة بأهل ~~الشيعة، ولا تزال أمثال هذه الفظائع تجري في بلدان المشرق، وإن زالت الآن من بلدان المغرب ~~حتى لقد يقف المرء حائرا بين فوائد الأديان ومضارها، وأيها أكثر لنوع الإنسان، وإن شئت فقل ~~المتنطعين في الأديان؛ لأن الدين بريء مما يفعله المتنطعون فيه باسمه. # أهالي دمشق من مسلمين ونصارى من ألين الناس عريكة، وأكثرهم وداعة، وقد عاشوا السنين ~~الطوال متآلفين متحابين والنصارى قلال العدد جدا، وكأنهم عائشون في حمى المسلمين، وهؤلاء ~~أهل تقى ومسالمة ولا سيما الكبراء منهم، ولكن لما أراد ذوو الشأن أن يوقعوا الجفاء بينهم ~~وبين المسيحيين لأغراضهم، لم يتعذر عليهم ms094 أن يجدوا من يجيب نداءهم من العامة، فحرضوهم ~~وأطلقوهم فانطلقوا كالنار في الهشيم يذبحون ويفتكون إلى أن جرت الدماء أنهارا، وحل ~~بالمسيحيين هناك ما لم يحل بهم مثله من زمن الفتح إلى الآن، ولولا بعض الصلاح ذوي الشهامة ~~والنجدة لما أبقى الأشرار على أحد. كل ذلك، والوالي متسلح بالأوامر السرية التي في يده وغير ~~خائف أن يطالب بشيء مما فعل. # ووصلت أخبار هذه المذابح إلى بيروت، وهاجر إليها من بقي حيا من نصارى دمشق وسائر مدن ~~الشام التي أصابها ما أصاب دمشق، فازدحمت بهم منازلها وشوارعها وبساتينها ، حتى كنت ترى ~~عائلتين أو ثلاثا في غرفة واحدة، بل أخرجوا الدواب من مزاربها وسكنوها، والأولاد المعتادون ~~رفاهة العيش كانوا يفتشون عن أوكار النمل ليأكلوا ما فيها من الحبوب، وإذا أصاب أحدهم ~~رغيفا اجتمع حوله عشرون من أمثاله يقاسمونه إياه. # وبادر أهل البر والإحسان في أوروبا إلى معونة أولئك المنكوبين بسخاء حاتمي، فأرسلوا إليهم ~~أكياس الدقيق وأثواب القطن والصوف وكثيرا من النقود، وأقيمت اللجان في بيروت لتوزيع ~~الإحسان، ولولا ذلك لمات كثيرون جوعا. # وظل المنكوبون في بيروت يتقلبون على مثل جمر الغضا، ويبحث بعض النساء عن أزواجهن ~~وأولادهن، وهن لا يعلمن أفي عداد من قتل هم أو لم يزالوا في قيد الحياة. وكل يوم يصل جريح ~~لم يجهز الأعداء عليه، فبقي مغطى بالقتلى مغمى عليه من كثرة ما نزف من دمه، إلى أن أفاق ~~ودفعته بقية الحياة الكامنة فيه إلى الهرب، فجعل يسري ليلا ويختبئ نهارا، وهو يسد رمقه ~~بأعشاب الأرض إلى أن بعد عن مواقع الخطر، والأطفال الذين أرضعتهم أمهاتهم لبن الحزن يموت ~~الواحد منهم بعد الآخر، وقناصل الدول يكتبون إلى دولهم يشرحون لها وقائع الحال وهم مجمعون ~~على استقباح ما جرى واستفظاعه، ورجال الدولة متربصون ليروا ماذا تكون العاقبة، وهم يكذبون ~~تارة ويشمخون أخرى قائلين أن لا شأن للدول الأجنبية، حتى تطالبهم بما يجري بينهم وبين ~~رعاياهم، ووحوش البر وطيور السماء قزت نفوسها من أكل لحوم القتلى، فجلست أمامها يدفعها ~~الطبع ms095 إليها، ويبعدها الشبع عنها، وهو شعور جديد لم تعرفه من قبل، والشمس تشرق على منازل ~~أكلتها النار، والنجوم تتطلع عليها فلا ترى فيها غير الضباع وبنات آوى، وقد ندم الله على ~~خلق الإنسان كما ندم في عهد نوح وود ملائكته أن تصاب الأرض بطوفان آخر يطهرها من ~~الأشرار. # أيعجب أحد بعد هذا إن كانت أرض الموعد جنة الله في خلقه، الأرض التي كانت تفيض لبنا ~~وعسلا، الأرض التي نشأت فيها دمشق وصور وصيداء وأورشليم وبيروت وعكاء وعسقلان، أرض حكمة ~~اليهود وصناعة الفينيقيين، التي طمع فيها الفاتحون من كل الأقطار لكثرة خيراتها وتوسط ~~موقعها، بلاد الضيافة والشهامة وعزة النفس، هذه البلاد أوصلها سوء السياسة إلى أن صار ~~أبناؤها يحرش بينهم ليفترس بعضهم بعضا. # قدورا ~~: # من أين يا أبا فخر؟ وإلى أين؟ # أبو فخر ~~: # صليت الجمعة وأنا راجع إلى البيت، والله ما عاد لي نفس أجلس في القهوة. # قدورا ~~: # ولماذا؟ ماذا جرى؟ # أبو فخر ~~: # أما سمعت؟ قال إن السفرا والقناصل طلبوا مسك كل مشايخ الدروز وشنقهم. الصبح كنت ~~عند الوالي، لا تقل هو خبرني، أنا ألقطها طائرة من هنا كلمة ومن هنا كلمة، والله ~~العظيم لو سلح رجال الباشوره لطلعوا مقابل كل الإفرنج. # قدورا ~~: # ولكن أنا سمعت أن فرنسا عازمة أن ترسل عسكرا كبيرا إلى هنا. # أبو فخر ~~: # هل هذا صحيح؟ من قال لك ذلك؟ فرنسا كانت مع مولانا السلطان وقت حرب المسكوب هي ~~والإنكليز، ولكن - الكلام بسرك - زادوها. قال قتلوا كل النصارى في الشام، هذا حرام! ~~الله وصانا بالذمي وبالجار، الله يساعدنا، قل آخر زمان قرب وقت المهدي، ما سمعت ولا ~~كلمة عن بيت رسلان، الأمير أحمد أنا ربيته، وبالي مشغول عليه، سألت الوالي عنه قال ~~سمع أنه ترك البلاد وقصد حوران، الله يهونها، آخر زمان آخر زمان. # وبينما كان أبو فخر يتذاكر مع قدورا أفندي على ما تقدم، كان الخواجه بخور والخواجه شمعون ~~يتذاكران في الأخبار التي بلغتهما من دمشق وفيما يخشى منه على بيروت. # فقال بخور: كانت المذبحة هائلة، ms096 وقد انتقمنا منهم على ما جرى لنا في مسألة البادري توما، ~~واشترى يوسف كل الصيني الذي كان في بيت الخوري وكل شيلان الكشمير. # فقال شمعون: وما أدرانا أنهم لا يرتدون إلينا بعدما يخلصون منهم؟ # بخور ~~: # كان بالي مشغولا من هذا القبيل في أول الأمر، أما الآن فقد اطمأن، فإن أصحابنا ~~دبروها في إسطانبول، وأتت مكاتيب توصية للوالي بنا في الشام وفي بيروت، حتى إخواننا ~~الذين في دير القمر ما أصابهم شيء، الله يهونها على البرطيل فهو يحل شاشة ~~القاضي. # شمعون ~~: # والصيني الذي اشتروه هل هو شيء يحرز ؟ # بخور ~~: # شيء لا مثيل له في قصور الملوك، فإنهم كانوا يتوارثونه أبا عن جد؛ صحون وزبادي ~~وقوارير كبيرة وصغيرة من كل الأشكال، وبعضه قديم جدا عمره أكثر من ألف سنة، وكان ~~الناهبون عازمين على تكسيره، ولكن ربك الحميد وصل يوسف إليهم قبلما كسروا شيئا ~~منه، واشتراه كله بليرتين، وإذا كان هو كل الصيني الذي أعرفه فيساوي خمسة آلاف ~~ليرة، واشترى أيضا من شيلان الكشمير ما يساوي ألفي ليرة على قوله، ولم يدفع ثمنه ~~إلا نحو عشرين ليره، أما الفضيات والنحاس فلا تسأل عنها؛ لأنها كثيرة جدا وتسابق ~~الناس إلى مشتراها. # شمعون ~~: # إذن سنة مباركة، وهل تظن أنه يحدث شيء هنا؟ # بخور ~~: # لا يبعد، فإني كنت عند الوالي أمس، فكلمني بالتلميح ولم يصرح، أما أنا فأخاف من ~~المراكب الحربية؛ لأنه إذا جاء مركب واحد حربي لا يعود أحد يجسر على شيء. # شمعون ~~: # والأخبار من لندرا. # بخور ~~: # الدنيا قائمة قاعدة هناك. الأعضاء في مجلس النواب يسألون الوزارة مائة سؤال كل ~~يوم، والقسوس يعظون في الكنائس ويحرضون الناس على الدولة، والنتيجة طيبة على كل ~~حال؛ لأنهم يجمعون الأموال ويرسلونها إلى هنا، هذه خلاصة آخر مكتوب وصلني ~~اليوم. # يوسف ~~: # الله يصرفها على سلامة، أقول لك مال الدنيا يبقى في الدنيا، وأنا قلبي رقيق فإني ~~حينما أرى هؤلاء الأرامل والأطفال يتفتت قلبي، وأتذكر الأيام التي كان يصير فيها ~~بنا مثل ذلك، وأخاف أن ينقلب الدهر، والدهر دولاب فيصيبنا ms097 كما أصابهم، إله إسرائيل ~~حي لا يموت، الله ينجينا من أولاد الحرام. # بخور ~~: # الحق معك، مال الدنيا يبقى في الدنيا، هذا سلمون مات، وماذا أخذ معه؟! ولكن الله ~~أوصانا أن نجمع مال الأمم، ألا تتذكر ماذا قال لنا لما أمرنا بالخروج من مصر، ~~والمال قوة كما يقول الإنكليز. # ودخل ثالث فانقطع الكلام في هذا الموضوع. # الفصل الخامس والعشرون # | توقع القضاء # كانت البيوت في حي مارمتر، أحد أحياء بيروت، قليلة صغيرة متفرقة بين بساتين التوت، وقد ~~لجأ إليها كثيرون من النصارى الذين سلموا من المذابح، فكنت ترى البيت الذي فيه أربع غرف ~~تسكنه أربع عيال، ولم يكد يستقر بهم المقام حتى أخذ الرجال منهم يفتشون عن أعمال يعملونها، ~~وشارك النساء نساء الحي في تسليك الحرير وكبه، فاكتسبن ما ساعدن به رجالهن على نفقات ~~بيوتهم، ولم يترك الأولاد يلعبون في الشوارع، بل أرسلوا إلى المدارس؛ لأن أهالي سورية ~~يحسبون تعليم أولادهم من الضروريات التي لا بد منها، فترى الرجل يقتصد في نفقاته لأجل ~~تعليم أولاده، والمرأة تبيع حلاها وتعلم أولادها ولا يكتفون بتعليم الصبيان، بل يعلمون ~~البنات أيضا. # في مدرسة من هذه المدارس، وهي غرفة واحدة على دائرها مقاعد من الخشب، والأولاد جلوس عليها ~~مرصوصين رصا، والمعلم جالس على كرسي إلى جانب الباب، وأمامه مائدة صغيرة عليها جرس ودواة ~~وفي يده قضيب من الرمان؛ وقف ثلاثة أولاد أمام المعلم وجعلوا يقرءون في كتاب طبع حديثا في ~~المطبعة الأميركية، وبينما هم يقرءون والمعلم يصلح أغلاطهم، ويأمر المجتهد بشد أذن الكسلان ~~دخل رجل طويل القامة، أسمر اللون، عابس الجبين، لابس دامرا مرخي الأكمام، دخل يتهادى في ~~مشيه لطول قامته، فنهض المعلم واقفا إكراما له ووقف التلامذة كلهم لوقوفه، فأمسك بيد ~~المعلم وأسر في أذنه كلمتين، ثم خرجا من المدرسة ووقفا أمام الباب يتحادثان، وبعد هنيهة عاد ~~الرجل من حيث أتى، ودخل المعلم وقرع الجرس، وقال للتلامذة: اذهبوا كل واحد إلى بيته، لا ~~تحيدوا يمنة ولا يسرة، ولا تتأخروا في الطريق، وقولوا لأهاليكم: إن المعلم ms098 صرفنا وستقفل ~~المدرسة بضعة أيام. وخذوا كتبكم معكم. # فقام التلامذة وتأبط كل كتابه أو كراسته، وتكتفوا وخرجوا في صف واحد، ثم تفرقوا وسار كل ~~منهم في طريقه، ولم يكادوا يصلون إلى بيوتهم حتى وجدوا فيها حركة غير عادية، وبعضهم التقوا ~~بآبائهم ذاهبين للمجيء بهم، وقابلهم أمهاتهم بلهفة وأدخلنهم حالا إلى داخل البيوت، وكن قد ~~أخذن يجمعن القليل من ثيابهم ويرزمنها. # فدهش الأولاد من ذلك، وسأل الكبار منهم آباءهم وأمهاتهم عن سبب هذا الاضطراب، وأقبلت ~~حنة وأصبعها على فمها وهي تقول لأخيها: «هس، قتل مسلم وبدهم يقتلونا كلنا .» فأمسكت أمها ~~بكتفها وهزتها، وقالت لها: «اسكتي يا مضروبة.» # ما أرهب تلك الساعة! وما أثقلها على النفوس! ألوف مؤلفة من الأرامل والأيتام الذين نجوا ~~من المذابح وقصدوا بيروت للاحتماء بها، ألوف من النساء اللواتي ذبح رجالهن وأولادهن أمام ~~عيونهن، ألوف من الصبيان والبنات الذين نجوا مع أمهاتهم وساروا يوما بعد يوم مشيا على ~~أقدامهم إلى أن بلغوا بلاد الأمان، مئات من الرجال الذين ساعدتهم التقادير على النجاة، وعلى ~~كل منهم أن يعول عائلتين أو ثلاثا من عيال إخوته الذين ذهبوا شهداء السياسة والطمع؛ كل ~~هؤلاء التجئوا إلى مدينة بيروت، وهم يحسبون أنهم نجوا من كل خطر، وفي ساعة واحدة رأوا سيف ~~النقمة مسولا فوق رءوسهم، فتصوروا المشاهد الفظيعة التي مرت بهم منذ شهر أو شهرين، ورأوا ~~فيها أشلاء القتلى لم تزل تتحرك والدم يفور من جراحها، وأيقنوا أن نجاتهم كانت حلما مر ~~وانقضى، وأن السيف تابعهم لا محالة، ولم يبق لهم مهرب ولا نصير، الجبل وراءهم محروق القرى، ~~والبحر أمامهم يرغي ويزبد. # مضى العصر ومالت الشمس إلى المغيب، وطالت ظلال البيوت والأشجار واكدر ماء البحر بعد ~~صفائه، وبدت تباشير الشفق فوق جبال لبنان، وامتدت أصابعه من الشرق إلى الغرب، الطبيعة ساكنة ~~جامدة، ولكن النفوس جائشة مضطربة. # ماذا نعمل يا رجل؟ وإلى أين نذهب بهؤلاء الأولاد؛ أولادنا وأولاد أخيك وأولاد صهرك؟ ليس ~~لنا مهرب إلا إلى بيت إبراهيم، فإنه واسع وله بوابة كبيرة متينة، ms099 ولا بد ما يجتمع فيه ~~كثيرون من أهالينا وأقاربنا، فندافع عن أنفسنا إلى أن يفرجها ربنا. # وبعد قليل جمعوا ثيابهم وساروا هي وزوجها وسلفتها وابنة حميها وأولادهم إلى أن وصلوا إلى ~~بيت الخواجه إبراهيم، وهو من وجوه بلدهم، وكان قد نجا مع الذين نجوا، احتمى ببيت الست ~~نائفة، ثم هرب بعد المذبحة، ورحل إلى بيروت واستأجر بيتا كبيرا فيها؛ لأنه كان على شيء من ~~الثروة، ولما أتت أموال الإحسان جعل وكيلا على توزيعها، فخص نفسه بجانب كبير منها، أما ~~الآن فهرب من بيته إلى بيت رجل من وجهاء بيروت، له بوابتان؛ الواحدة داخل الأخرى، وهو أحصن ~~من بيته، وكان صاحبه مشهورا بشجاعته وبأنه من أمهر الرجال بلعب السيف، ولكنه كان قد هرب من ~~بيته والتجأ إلى دار وجيه كبير من أكبر أغنياء بيروت، فلما وصلها وجدها مملوءة بالناس الذين ~~التجئوا إليها من النازحين ومن أهالي بيروت أنفسهم، والدار كبيرة ساحتها مرصوفة بالحصى ~~الملونة ولها سور عال على دائرها، وفي وسطها حديقة غناء فيها من أنواع الأزهار والرياحين ~~وفسقية كبيرة يتدفق الماء منها، وعلى جانبي الحديقة بناءان فخيمان، كل منهما طبقتان فيهما ~~الغرف الكبيرة الدالة على غنى وافر، ولا عجب؛ فإن صاحبها جمع ثروة طائلة من مصر وبر ~~الأناطول من التجارة والمرابحة، لكنه شعر الآن بالخطر كما شعر غيره، فأخذ زوجته وأولاده ~~وأمواله ونزل إلى سفينة بخارية كانت راسية في المرفأ، ووافاه إليها أولاد عمه وكثيرون من ~~أغنى أغنياء المدينة، وعزموا على السفر تلك الليلة تاركين الدار تنعى من بناها. # وغابت الشمس وخيم الليل، والرجال يعدون ما وجدوه من الأسلحة ليدافعوا بها الدفاع ~~الأخير، والنساء يضرعن إلى الله وإلى السيدة، والأولاد سهروا مع والديهم إلى أن غلبهم سلطان ~~الكرى، فانطرحوا في أماكنهم، وجالت نفوسهم في فردوس الأحلام، يحلمون بألعابهم تارة وبدروسهم ~~أخرى، ولم تغمض في تلك الليلة إلى عيونهم. # وجلس اثنان من الشيوخ يحدث أحدهما الآخر عن حركة الأمير بشير الأولى والثانية، وعن خروج ~~إبراهيم باشا، ويقول: مرت بنا التباريح ولكن ms100 لم يحل بنا مثل هذا الضيق، أيذبحوننا ذبح الغنم ~~برجل واحد؟! ولا أحد يشفع ولا أحد يدفع، وقد تخلى الله عن شعبه وأسلمنا إلى يد ~~الأعداء. # فقال الآخر: هذه آخر الأيام كما أنبأنا الجفر، ولكن لا بد ما يأتي المسكوب من أقصى ~~الشمال كما قال النبي دانيال. # فقال الأول: يأتي ولكن بعد خراب البصرة، وما نفع مجيئه الآن وقد اجتمعت طوائف الدروز ~~وقبائل العرب في حرش بيروت؟! # فأجابه الثاني: ولكن لماذا لا ينزل رجال كسروان لخلاصنا؟ أين يوسف كرم؟ وأين البطرك؟ لم ~~نر منهما إلا المواعيد. # فقال الأول: سمعت أن يوسف كرم مخاوذ معهم، ولكني لا أحط بذمتي، وعلى كل حال آخر زمان يا ~~أبا نهرا. # الثاني: آه على أيام الصبا! رزق الله على تلك الأيام! ولكن ما العمل والسن له حق، انظر ~~كيف ترتجف يدي، فلا أستطيع رفع البندقية ولا يزال الرصاص في فخذي من أيام إبراهيم باشا، هذا ~~الذي كتبه الله علينا، ولكن لا بد ما يجيء المسكوب، قلبي يقول لي إن مراكبه الآن في البحر ~~ولا بد ما نراها غدا. # والتقى نقولا بمارون هناك، وقال له: أين عساكر فرنسا التي وعدتنا بمجيئها؟! فإننا لم نسمع ~~عنها كلمة، والأمر كما ترى، وكنت عازما على النزول في البحر مع الذين نزلوا، ولكننا لم ~~نكتب حتى الآن حجج الأملاك التي اشتريناها أخيرا من الشهابيين، وأخاف أن يصيبهم شيء وينكر ~~أولادهم المشترى. # مارون ~~: # الحق بيدك، ولكن إذا أصابهم شيء وكنا باقين معهم أصابنا كما يصيبهم، فماذا تنفع ~~الحجج؟! # نقولا ~~: # صحيح ولكن المال أعز من الروح، وأنا تأخرت في المخزن حتى صفيت أشغالي، وما وصلت ~~إلى البيت إلا منذ ساعة، ولولا ذلك لألزمتني أم منري أن ننزل إلى البحر مع الذين ~~نزلوا. # مارون ~~: # هل تظن أن فرنسا عدلت عن إرسال عساكرها؟ # نقولا ~~: # كلا ما عدلت، ولكن الإنكليز وضعوا لها ألف عرقولة؛ لأنهم لا يريدون أن تأتي ~~وتأخذ البلاد وحدها. # مارون ~~: # الله ينجينا من مناظراتهم ويصرفها على سلام. # نقولا ~~: # أظن أنها تنصرف، فإن ms101 القناصل اجتمعوا كلهم وذهبوا إلى الوالي ودركوه ~~بالمسئولية، واجتمع عقلاء المسلمين، ونبهوا على الجهلاء في الجوامع أن لا يفعلوا ~~شيئا، وقد سمعت الآن وأنا داخل أنهم قبضوا على القاتل وقتلوه، ولكن الأشرار كثار، ~~ويقال إن العسكر معهم، وهذا الذي يخوفنا، وأرسل القناصل يطلبون مراكب حربية، فإذا ~~وصل ولو مركب واحد لزم الأشرار حدهم. # مارون ~~: # الله كريم، وكيف حال بخور وشمعون وإخوانهم؟ # نقولا ~~: # ما على قلبهم، فإن الوالي طمنهم بنفسه. # مضى الليل بتباريحه، وأشرقت الغزالة وانعكست أشعتها عن وجوه صفراء لم تغمض لها عين، وعيون ~~غائرة لم يغمض لها جفن، وأطفال يبكون وينتحبون طالبين كسرة خبز أو شربة ماء، ولم يكن إلا ~~القليل حتى اهتزت تلك النفوس طربا، كأنه بسلك كهربائي، وجعل الألوف يستشرفون البحر، أو ~~يصعدون على السطوح ليتمكنوا من رؤيته، وهم يقولون: أتى أتى، الله ينصره، الله ينصره! # في أقصى الشمال بارجة تشق سطح الماء، وقد رفعت شراعها للنسيم، واستعانت بما فيها من ~~البخار، يقودها الأمل ويسوقها الواجب، وكأن إله السلام أوحى إلى ربانها أن قم على عجل، ~~واقصد مدينة بيروت، فهناك مائة ألف نسمة حياتهم معلقة بخيط من العنكبوت، فقام لا يلوي على ~~أحد، واستعان بالرياح والبخار حتى إذا أشرف على المدينة جعل يطلق أكبر ما عنده من المدافع، ~~فاهتزت المنازل وتكسر زجاج الشبابيك، وأخذت الدهشة قوما والفرح آخرين، أخذت الدهشة رعاع ~~القوم الذي يتوقعون الفتن والثورات؛ لكي يطلقوا لنفوسهم المنحطة عنانها، ويأتوا من الشر ما ~~فطروا عليه، وأخذ الفرح العقلاء والفضلاء الذين يعلمون أن الفتن تفضي إلى خراب البلاد ~~وتضييع مصالحها. # والتقى أحمد بمصطفى بعد ساعة من الزمان، وقال له: الحمد لله على انفراج الأزمة. فقال ~~مصطفى: الحمد لله على كل حال، فقد أويت في بيتي ثلاثين عائلة من هؤلاء المساكين، وكنت ~~حائرا كيف أدافع عنهم وأدفع عنهم الأشرار، أنا لا أفهم هذه السياسة؛ سياسة والينا، وستأتي ~~كلها على رأسه، بأي شرع وفي أي سنة تحرض الرعية بعضها على بعض، الله ينجينا من القوم ~~الظالمين، ليأخذوا الآن ms102 على أيديهم، فقد جاء المسكوب وسبع دول ما وقفت في وجهه، أسمعت صوت ~~مدافعه؟ كسر نصف الزجاج في شبابيك بيتي. # فقال أحمد: نعم قبق كبير لم أر مثله في حياتي، مع أني سافرت إلى قبرص وإلى الإسكندرية، ~~ولكن ماذا فعلوا بالقاتل؟ # مصطفى ~~: # مسكوا واحدا وقتلوه. # أحمد ~~: # هل هو القاتل؟ # مصطفى ~~: # لا أظن ولكنه لم ينكر أنه هو القاتل، على كل حال انقضى الإشكال، ولما كنا في ~~المجلس عند الوالي سفهت رأيه، ووافقني أكثر إخواننا، ولكن هذا الثرثارة أبا فخر ~~كان حاضرا ولا أعلم بأي صفة يحضره الوالي في مجلسه، وقال إن عنده كتابات من كل ~~مشايخ الدروز، وإنهم كلهم مستعدون لأول إشارة حتى ينزلوا على بيروت، فقلت للوالي: ~~سلمنا أنهم نزلوا وأنه تم كل شيء على حسب رغبتك، فمن ينجينا بعد ذلك من الفرنسوي ~~والإنكليز والمسكوب؟! والله، نحن غير قادرين على الأروام. فقال لي: حلمك يا حاج ~~مصطفى حلمك، أما دول أوروبا فأنا عالم أنها لا تحرك ساكنا، نعم إن أهاليها ترسل ~~الصدقات، ولكن رجال الحكومة لا يفعلون شيئا، ومهما جرى فالحالة الحاضرة لا بد من ~~تغييرها. وقد انصرفنا من عنده وأكثرنا غير موافق له على رأيه، ونبهنا في الجوامع ~~حتى لا يصير شيء، وقد أتت هذه الفرقاطة فحلت عزائمه وستراه الآن يحاسن ويجامل ويقول ~~إنه كان باذلا غاية جهده في حفظ الأمن وسينزل الآن للتسليم على الأميرال. # أحمد ~~: # هل ردت القشلة السلام للفرقاطة؟ # مصطفى ~~: # نعم ردت ولكن كان صوت مدافعنا مثل صوت الفقاعة. # أحمد ~~: # أتظن إذن انقضى الإشكال؟ # مصطفى ~~: # انقضى وقتيا، ولكن الله يسترنا من عواقبها. # وانفرجت قلوب الألوف من سكان بيروت واللاجئين إليها على أثر مجيء البارجة الروسية، وجعلوا ~~يعانق بعضهم بعضا، ويهنئ بعضهم بعضا بالسلامة وعاد كل إلى منزله. # الفصل السادس والعشرون # | الذهاب إلى العرب # وصل الأمير عباس وزوجته وأولاده إلى حاصبيا كما تقدم، وخرج الأمراء الشهابيون ورجالهم ~~للقائهم إلى سوق الخان، ولم يقابلهم بإطلاق البنادق على جاري العادة؛ لأن الأمير عباسا ~~أرسل ينهاهم عن ذلك، وأمراء ms103 حاصبيا أنفسهم كانوا يخافون إيقاظ الفتنة بأية وسيلة كانت، لكن ~~حذرهم لم يجدهم نفعا، ولما وصل الأمير سعد الدين إلى حاصبيا مرسلا من قبل والي دمشق ليجمع ~~الأموال الأميرية من الدروز؛ قص على الأمير عباس ما أشار عليه به أحد أصدقائه في دمشق، وكان ~~الأمير عباس يعرف هذا الرجل، ويعرف أنه واسع الخبرة شديد الفراسة، فقال للأمير سعد الدين: ~~لا رأي لي بالإقامة بينكم بعد الآن، ولا أظن أنهم يضمرون لكم إلا الشر، وقد دعاني الأمير ~~عمر الفاعور، أمير عرب الفضل، إليه فأرى في تلبية دعوته السلامة . ثم أخبر زوجته وأولاده بما ~~عزم عليه، فوقع الخبر على زوجته وقع الصاعقة؛ لأنها كانت ترى البدو الذين يشتون في ساحل ~~بيروت وهم في حالة من القذر تشمئز منها النفوس، فظنت أن كل البدو مثلهم، أما الأميرة سلمى ~~فطربت أولا لهذا الخبر؛ لأنها كانت تود أن تقف على حال البدو في قفارهم، وترى معيشة نسائهم ~~وبناتهم، وتحقق بالخبر ما قرأته عنهم بالخبر، وكانت تحب ركوب الخيل فتصورت نفسها راكبة ~~مع أميرات العرب يجبن القفار وينشدن الأشعار فطربت نفسها لذلك، ثم تذكرت أنها تبعد عن ~~السر هنري، وقد لا تعود تراه، فخفق فؤادها وصعد الدم إلى وجهها، ثم تقلص عنه فاصفرت وجنتاها ~~وارتجفت شفتاها، وجالت الدموع في عينيها، فألقت جبينها على يدها، وحاولت أن تنسى كل شيء حتى ~~وجودها. # وسر أخواها بهذا السفر؛ لأنهما كانا يحبان ركوب الخيل أيضا ولم، يغتظ منه إلا أمها وأم ~~يوسف، وكادت أم يوسف تعدل عن الذهاب معهم، وودت أن ترجع إلى كفر شيما أو بيروت، ولكنها لم ~~تجد من يوصلها إليهما، فعادت تندب زوجها وأولادها، وسلمت بالذهاب مع الأميرة هند مكرمة وهي ~~لا تنشف لها دمعة. # وكان الأمير عباس على وفاق مع الست نائفة أخت سعيد بك جنبلاط، فأرسلت معه اثنين من رجالها ~~ليوصلاه إلى عرب الفضل، ويخبرا الدروز الذين يلتقي بهم في الطريق أنه من أصدقائهم، ولم يكن ~~السير شاقا كما ظنت الأميرة هند، ونزلوا في الطريق ms104 على مشايخ الدروز والعرب إلى أن وصلوا ~~المزار في جبل عجلون، فالتقاهم الأمير عمر بخمسمائة فارس رامح على بعد ساعتين من مضاربه، ~~وكانت عيونه مبثوثة في البلاد، فأوصلت إليه أخبارهم قبل وصولهم بيومين، ولما دنا من الأمير ~~عباس ترجل الأميران وتصافحا، فترجل الفرسان كلهم في أقل من طرفة عين وعلا صهيل الجياد، ثم ~~دنا الأمير عمر من الأميرة هند، وقبل يدها وعاد إلى الأميرة سلمى، فطارحها السلام مصافحة، ~~وقبل يده بعد أن صافح بها يدها، وكانت مسفرة عن وجه يخجل البدر، فوقه عينان تفتنان ~~الظبي، وقد توردت وجنتاها من هواء الصحراء ومما جاش في صدرها من الفخار لما رأت الجياد ~~تتدفق كالسيل المنهمر، كأن الأخلاق التي غرست في نفوس أسلافها، وهم في بطحاء مكة وجبل كامل، ~~لم تزل من خلفائهم، بل بقيت آثارها فيهم تظهر كلما حانت لها الفرص ونبهتها العوامل. # وكان الأمير عمر شابا في نحو الخامسة والعشرين طويل القامة، أبيض الوجه، أسود العينين، ~~ولم يطلق العنان لعارضيه على جاري عادة العرب، ولا جدل شعر رأسه كما يفعلون؛ لأن أباه أحضر ~~له معلمين من دمشق، فعلموه مبادئ العلوم، وزار دمشق غير مرة، وتزيا بزي أهلها، وكان لابسا ~~قفطانا من الأطلس الأحمر، فوقه رداء من الجوخ الرصاصي، وعلى رأسه كوفية وعقال من الحرير ~~والقصب، وتدل ثيابه ورائحته على أنه عائش في نعمة ونعيم، فسرت الأميرة سلمى بمنظره وطلاقة ~~وجهه. # ثم ركب الأميران وركب الفرسان لركوبهما، وانشقوا شطرين؛ فسار الأمير عباس والأميرة هند في ~~المقدمة، والأمير عمر والأميرة سلمى وراءهما وأخواها وراءها، ثم سائر الخدم والحشم، إلى أن ~~بلغوا مقدمة الفرسان، وكان السهل قد لثم الجبل، فصعدوا فيه بين المناهل والغدران، وواصلوا ~~السير على هذا النمط إلى أن وصلوا إلى مضارب الأمير عمر، فلقوا مئات من النساء بالمزاهر ~~والدفوف قد خرجن للقائهم، وهن ينشدن نشيد الترحيب ويقلن: # هلا بالضيف هلا بالضيف # أمير شهاب عزيز ومهاب # وآل الفضل ضيوف الفضل # وكل الفضل لآل شهاب # وكانت واحدة منهن تقول الدور، والباقيات يرددن عليها ms105 على نقر الدفوف والمزاهر، فطربت ~~الأميرة هند والأميرة سلمى، ووقفتا هنيهة تسلمان عليهن وتقولان: مرحبا بالزينات، مرحبا ~~بزينات الدار ربات الفخار. حتى إذا دخلتا الحلة وجدتا الأميرة عاتكة أم الأمير عمر واقفة في ~~باب خدرها، فسلمت على الأميرة هند مصافحة، واعتنقت الأميرة سلمى وقبلتها في وجنتيها، وجلس ~~الأمراء وحدهم في مضرب كبير والأميرات وحدهن، وقدمت لهم كلهم القهوة الجديدة وكئوس الشراب، ~~ثم مدت أسمطة الطعام وعليها الخرفان المحمرة، وكان عند الأميرة عاتكة جارية تحسن الطبخ ~~التركي، فطبخت للأميرات ألوانا من الطعام والحلوى لم يأكلن أطيب منها. # ولم يكن الأمير عباس ضعيف البنية، ولكن الترفه الكثير والانقطاع للمطالعة أضعفا جسمه، ~~فصار لا يقوى على عوادي الأدواء، وكأنه أكل طعاما غير صالح أو شرب ماء تطرق إليه الفساد ~~وهو آت في الطريق، أو أثرت فيه حرارة الشمس، أو أصابه أمر آخر، فلم يكد يتم عشاءه حتى أصابه ~~صداع شديد، وكانوا قد أعدوا له مضربا خاصا، فقام إليه وجاشت نفسه فتقيأ ما أكله وحم ~~وأصابه شيء من الهذيان، وأخبرت زوجته وأولاده فأتوا مضربه وقد تولاهم القلق، ولما رأت أم ~~يوسف القيء قالت: إن سيدي مسموم. قالت ذلك همسا في أذني الأميرة هند، وخرجت تدعو الخدم ~~ليأتوها بكثير من اللبن حتى تسقيه، وفهم الأمير عمر مرادها فاسودت الدنيا في عينيه، وقال ~~لها: إننا أكلنا معا من خروف واحد وعن سماط واحد، وشربنا القهوة من غلاية واحدة، وأنا شربت ~~قبله. فأخذت تعتذر عن نفسها، وقالت: ربما يكون سيدي قد شرب شيئا أو أكل شيئا في الطريق. ~~وأتوها بكثير من اللبن لكن الأمير أبى أن يشربه. # وأرسل الأمير عمر أربعة فرسان إلى دمشق يستدعي طبيبا من أمهر أطبائها. # واشتدت الحرارة على الأمير عباس إلى درجة لا تطاق، حتى كاد يشتعل ثم انحطت سريعا، وجعل ~~يشكو من ضيق النفس والعطش الشديد، وجعل جلده يجف ثم يتندى بالعرق دواليك، ونبضه يسرع ثم ~~يبطئ، وازرق وجهه وعنقه، وانقبضت حدقتاه ثم اتسعتا، وأصابته تشنجات صرعية وعقب ذلك سبات ~~عميق. # وكان ms106 في القبيلة شيخ كبير مارس صناعة التطبيب من غير معلم ومن غير كتاب، ناقلا ما يعرفه ~~عن أبيه وجده، ومضيفا إليه ما عرفه بالاختبار، فاستدعاه الأمير عمر حالا، فأمر بصب الماء ~~الكثير على رأس الأمير عباس قائلا إن ما أصابه ضربة شمس، ورأت الأميرة هند أن ما قاله ~~الرجل صواب؛ لأن الشمس كانت حارة، وكان نورها ساطعا جدا حتى اضطرت أن تسدل نقابها على ~~وجهها أكثر الطريق، ولم تخف حرارتها بعد غيابها، فأذنت لهم في صب الماء على رأسه، ~~وخالفتها أم يوسف في ذلك، وهي تقول: «سموه يا ستي سموه، اسمعي مني واسقوه اللبن وزلال ~~البيض.» لكن الأميرة هند لم تصغ إليها بل أمرت بصب الماء، وكان ماؤهم باردا؛ لأن الأرض ~~جبلية؛ فانتعش الأمير عباس قليلا ثم عاودته الحمى وأسلم الروح. # الفصل السابع والعشرون # | المأتم # تمر الرزايا بالمرء فيراها عن بعد، ويستعظمها قبلما تصل إليه، ويظن أنها إذا وقعت به ضاق ~~بها ذرعا، لا سيما وأنه يعظم أمرها في غيره، ويعجب من صبرهم عليها، ثم إذا حلت به فالغالب ~~أنه يصبر عليها ويجري معها كأنها أمر عادي وقع له؛ لأن الأمل بالنجاة منها يخفف وطأتها ~~ويحلي مرارتها، ولكن إذا جاء المصاب الأكبر ونفذ سهم القضاء، وانقطع الأمل من البقاء، وخطف ~~الموت عزيزا، ورأى المرء أمامه رزيئة لا يمكن دفعها ولا منعها؛ نفد صبره وغاض ينبوع أمله ~~وضاقت به الحيل وارتد دمه إلى قلبه، فلم يعد يغذي دماغه لتذكيره بالمواعظ والحكم، فيسمع منك ~~أقوال التعازي ويقول: «سمعت وفهمت» ويكون قد سمع وفهم، ولكنه لم يع شيئا، حالة لا يتصورها ~~إلا من وقع فيها ورزئ بفقد عزيز، ولا سيما إذا كان سنده الوحيد ومدبر أمره. # هذا ما أصاب الأميرة هند وأولادها، وهي غريبة نزيلة على قوم من البدو في بلاد لم تطأها ~~قدماها من قبل وبين أقوام لا تعرف أحدا منهم. # كان زوجها يعرف الأمير عمر ويعرف أباه، وقد حارب معه كتفا لكتف في عهد إبراهيم باشا، لكن ~~ذلك كان قبل أن ms107 اقترنت به، وكان الأمير عمر يواصلهم بالهدايا، ولكنها لم تر صورته إلا ذلك ~~اليوم، فلم تكد تأنس به وبأمه حتى وقعت بها هذه الضربة الأليمة. # وقد عاشت مع زوجها نحو عشرين سنة على تمام الهناء والصفاء، وكانت تهتم به أكثر مما يهتم ~~النساء بأزواجهن عادة؛ لأن معرفيها غرسوا في ذهنها أنه هالك، ولا بد لها من أن تجاهد جهادا ~~مستمرا في الصلاة لأجله، فأكثرت من الصلوات والنذور في السنة الأولى والثانية، ثم رأت أن ~~زوجها أفضل سيرة وسريرة من كل الذين تعرفهم حتى من رجال الدين، وسمعت مرة واحدا يتلو آية ~~من التوراة مفادها أن كل من يعمل البر فهو مقبول لدى الله مهما كانت أمته، فانجلى لها وجه ~~الصواب، وقالت: إن الله لا يأخذ بالوجوه، بل الناس لديه حسب أعمالهم ونياتهم. وكانت لا ترى ~~من زوجها إلا العمل الطيب والنية الصالحة على ما فيه من الرزانة والوقار ومجادلة الناس ~~بالحسنى، حتى إن المطران كان يسر بحديثه ولا يسمعه كلمة تغيظه، فزالت الشكوك من نفسها، ~~ومنعت القسوس عن الكلام معها في أمر زوجها، ثم لما كبر أولادها اتجه همها كله إلى تعليمهم ~~وتهذبيهم، فلم تعد تهتم بالخلاف الديني الذي بينها وبينه، ولم يخطر لها ببال أنه يمكن أن ~~يموت قبلها؛ لأنه لم يمرض قط مدة اقترانها به، فلما رأته الآن مطروحا على فراشه لا حراك ~~به، لم تصدق أنه ميت، بل أخذت يده وجعلت تناديه وتكنيه، ثم غلبتها عواطفها واسودت الدنيا في ~~عينيها فأعولت بالبكاء. # وغلب الحزن الأميرة سلمى وجفف دموعها، فوقفت شاخصة، ولكنها لم تكد تسمع بكاء أمها حتى ~~وقعت على الأرض وطرحت رأسها على صدر أبيها وهي تبكي وتقول: يا أبي يا أبي. وفاضت الدموع من ~~عيون أخويها وجعلا يبكيان وينتحبان، وقد قام كل منهما في زاوية من المضرب. # ووقف الأمير عمر حائرا في أمره، رأى هذا المشهد وسمع نواحا يفتت الأكباد فاغروقت عيناه ~~بالدموع، ولكنه لم ينس هول الموقف وما يطلب منه ويطالب به فوقف يفكر في ms108 أمره، وجلست أم ~~يوسف على الأرض وقد غلبها الحزن فلم تحاول الندب على جاري عادتها، فإنها كانت من النادبات ~~الشهيرات ولكن الحزن الشديد يبكم الألسنة. # وعلا البدر فقصرت ظلال المضارب، واشتد حلكها بالنسبة إلى النور الذي حولها، ونبحته الكلاب ~~من كل ناحية، فانقطع عواء الذئاب خوفا ورهبة، وبركت الجمال وربضت الثيران، والأغنام تجتر ~~وتلوك جرتها على مهل، ووقفت الصافنات الجياد تغمض جفونها ثم تفتحها كلما مر خفاش من أمامها، ~~وخمدت النيران أمام المضارب، وعلا نقيق الضفادع من جوانب الغدران، حيث تظللها أغصان الصفصاف ~~والبان، فامتزج به خرير الماء امتزاج الحسيني بالعشيران، واجتمعت الخفافيش على أشجار الإجاص ~~والزعرور تختصم وتصيح، ولكنها لا تنتقل من الحجاج الشجاج؛ لأنها تكتفي بالكفاف من الطعام، ~~ولا تفعل فعل ابن آدم الذي لا يكفيه شيء يلهمه، فيطمع بما في يد غيره ويجور على أبناء ~~نوعه. # ودخل الأمير عمر مشوره، وجمع رؤساء عشيرته الأدنين وقص عليهم ما حدث بالاختصار، فقال إن ~~أباه كان متآخيا مع الأمير عباس من عهد إبراهيم باشا إخاء الدم، # 1 # وقد أوصاه أبوه قبل وفاته أن يحسب الأمير عباسا عما له، ويبر به بر الأب ~~بابنه، وأنه استدعاه إليه إلى جبل عجلون لما علم أن في النية قتل أمراء حاصبيا واللاجئين ~~إليهم، ولكن يظهر أنه كان مريضا، فأثرت فيه الشمس وقتلته، والطبيب يقول إنه مات من ضربة ~~الشمس، ولا بد من أن يطالبه الشهابيون والحكومة بدمه قبلما تنجلي لهم الحقيقة، ولكنه واثق ~~أن الأميرة هند وابنتها الأميرة سلمى تقرران الحقيقة، وهي أنه وصل المضارب متعبا، ثم أكل ~~من الطعام الذي أكل منه ولداه وأصحاب المنزل، وأصيب بعد ذلك بصداع شديد وحمى، وقضى نحبه قبل ~~أن يشرب دواء، قال: وقد أحضرتكم الآن لأستشيركم في أمرين؛ الأول: أن الأمير عباسا كان ~~مسلما، فهل ندع الإمام يغسله وندفنه مسلما؟ والثاني: هل ندعو رؤساء العشائر كلهم ونقيم له ~~مأتما يليق به؟ قال ذلك وأومأ إلى شيخ كبير السن شيبت الأيام رأسه، ولكنها لم تحن ظهره ~~كأنه يطلب ms109 منه الجواب على سؤاليه. # فقال هذا الشيخ: أما عن الأمر الأول، فالرأي عندي أن نستشير زوجة الأمير، ونعمل بقولها، ~~ولاسيما إذا وافقها عليه أولادها، وأما الأمر الثاني فواجب الضيافة وعهد الأخوة بين الأمير ~~المتوفى وبين المرحوم أبيك؛ يقضي علينا أن نحتفل بمأتمه كما احتفلنا بمأتم أبيك. # ووافقه سائر الرؤساء والمشايخ على ذلك، وللحال نادى الأمير عمر بالسعاة وبعث معم إلى كل ~~أحياء قبيلته، وعين وقت الدفن عصر اليوم التالي، وأعطى الطبيب حنجرا من عطر الورد حتى يصبه ~~في الماء الذي يغسل الميت به فيمنع فساده، وأوصى مدير بيته أن ينحر مائة خروف وعشرة جمال، ~~ويطبخها كلها غداء للجموع التي تحضر المأتم، وأن يطبخ معها عشرين قفة من الأرز، ويخبز ما ~~يكفي ثلاثة آلاف نفس، ويفعل كما فعل في مأتم أبيه، بحيث تكون مضارب طبخ الطعام مفصولة عن ~~المضارب التي يقام فيها المأتم، ولو لم تكن الأرض سهلا كما كانت حينئذ. # وأتم هذه المهام كلها بما لا مزيد عليه من السرعة، وعاد إلى المضرب الذي فيه الميت، وكانت ~~أمه قد جلست إلى جانب الأميرة هند تشاركها في البكاء والنوح، ووقف خدم الأمير خارجا يبكونه ~~ويندبونه، ولا سيما مربي أولاده، وكان رفيقا له في صباه وشبابه، وشهد معه المواقع التي ~~حضرها، وقضى عمره عزبا منقطعا لخدمته وخدمة أولاده، فشعر الآن كأنه فقد ركنه الوحيد في ~~الدنيا، وجلس عند باب الخيمة يبكي سيده، ويعدده ويلوم الموت لأنه لم يأخذه بدلا منه، وجلست ~~أم يوسف إلى جانب الأميرة سلمى وهي تندب مرة وتنوح أخرى، وبات الجميع على هذه الصورة إلى أن ~~ثقل سلطان الكرى على الأجفان، ولج الأمير عمر على الأميرة هند وأولادها لينهضوا ويناموا في ~~مضاربهم، مؤكدا لهم أنه يتولى حراسة الميت بنفسه. # وقد يظن لأول وهلة أن مضارب البدو خالية من كل وسائل الراحة والرفاهة، ولكن ليس الأمر ~~كذلك؛ لأن أمراءهم على ثروة واسعة، وهم يترددون على المدن القريبة منهم، ويقتبسون ما فيها ~~من الكماليات، لا سيما وأنه يزورهم رجال الحكومة أحيانا، ms110 وينزل بعض السياح عليهم ضيوفا، ~~فيضطرون إلى اقتناء الأمتعة الفاخرة مما يلزم لراحتهم، ولذلك تجد عندهم الفرش الوثيرة مهيأة ~~للضيوف، ويقتنون الجواري المعتادات على خدمة أهل الرفاهة، فنامت الأميرة هند وابنتها في ~~مضرب مبطن بالحرير على فرش وثيرة تغطيها دثر من الحرير والكتان، ونام ولداها في مضرب آخر ~~متصل به، والمضربان إلى جانب مضرب أم الأمير. # وأصبح الصباح وسومت الانعام، واجتمع الخيامون فخاطوا مضربا كبيرا من مضارب كثيرة لفقوها ~~معا وسمكوه على عمد عالية وشدوا أطنابه، فكان منه قبة واسعة كقبة نجران، ووضعوا الميت في ~~نعش كبير مجلل بشالات الكشمير، ونصبوا له دكة في وسط القبة وسرجوا أربعة من الخيول المطهمة، ~~ووقف السياس بها أمام المضرب. # ولم يمض ساعتان أو ثلاث من النهار حتى انتظم عقد النائحات حول النعش وهن مسدولات الشعور، ~~وقص بعضهن شهورهن وطرحنها عليه إكراما للميت، وجعلت أم يوسف وامرأة من البدو تتباريان في ~~إنشاد أبيات الندب والرثاء، والنادبات يرددن أقوالهما، والأميرة هند والأميرة سلمى لا تكفان ~~عن البكاء حتى تقرحت آماقهما. # وأعدوا نعشا آخر يمثل نعش الميت، وجعلوا فيه حجارة كبيرة وجللوه بشيلان الكشمير، وجعلوا ~~يحملونه ويرفعونه فوق رءوسهم ويطوفون به حول قبة المأتم، والجياد الأربعة ماشية أمامه، وعلى ~~جانبي كل جواد رجلان معهما سيفان مسلولان فوق ظهر الجواد، ورجل ثالث يقوده، ووراء النعش ~~شاعر يعدده وباقي الرجال يرددون ما يقول، ومن ذلك قولهم: # يا سيدي ويا سنجق # كل القول لك يلبق # لما شاعت أخبارك # الشركا لبست الازرق # وقولهم: # يا سيدي ويا ابن دلال # يا رمح انشكل بالمال # قال السيف خبوني # لغير سيدي لا تعطوني # أين الكان ينقلني # ويرخي بنودي عالشروال # وكلما أقبل فريق من قبائل العرب وقف في أول الميدان هنيهة، ونادى بصوت جهوري معددا ~~مناقب الميت، ثم تناول النعش من حامليه وطاف به حول القبة على ما تقدم، واستمر على ذلك إلى ~~أن يصل فريق آخر ويتناول النعش منه ودام الحال على هذا المنوال إلى أن تكبدت الشمس ~~السماء. # وكان رؤساء القبائل جلوسا مع ms111 ولدي الأمير في مضرب كبير تجاه قبة النعش، يدخنون التبغ ~~ويشربون القهوة، فلما بلغت الشمس الهاجرة جاء الخدم وأخبروا الأمير عمر أن الأسمطة مدت ~~للطعام في مضارب الرجال، وجاءت الجواري فأخبرن أمه بمدها في مضارب النساء، فنهض الأمير ودعا ~~رؤساء القبائل وسار أمامهم، فجلس نحو مائتي نفس من الرؤساء دفعة واحدة، ولما شبعوا جلس ~~مائتان غيرهم وهلم جرا، إلى أن بلغ عدد الآكلين أكثر من ألفي نفس. وأكل النساء في مضربهن، ~~أما الأميرة هند والأميرة سلمى، فأكلتا مع أم الأمير عمر في مكان منفرد ومن طعام خاص ولم ~~يكدن يذقن طعاما. # حمل النعش بعيد العصر وسير به إلى مدفن عائلة الأمير عمر في سفح ذلك الجبل ودفن فيه، ~~ونحرت على القبر النياق، وألقيت عليه الحجارة الكبيرة وودعت الجماهير الأمير عمر وابني ~~الفقيد، وعادت إلى أحيائها وصعد هو مع رجاله إلى مضاربه مضيع الرشد لا يعلم ماذا ~~يفعل. # ودام المأتم ثلاثة أيام، والعرب يفدون أفواجا أفواجا كل يوم يعزون ولدي الأمير، لكنهم ~~يقتصرون على المجيء نهارا ولا يبقون إلى الليل، ولما انقضت الثلاثة الأيام وثلاثة بعدها، ~~جلست الأميرة هند وابنتها وابناها واستدعت صبي # 2 # أولادها، وجعلوا ينظرون فيما يحسن بهم عمله في تلك الأحوال: هل يعودون إلى ~~بلادهم بخفارة الأمير عمر ورجاله، أو يبقون عندهم إلى أن تنجلي تلك الغياهب وتطمئن الخواطر. ~~فقالت الأميرة سلمى وكان لها الرأي المعلى: إن الفتنة لا تزال قائمة في بلادنا، فلا نكون ~~بمأمن فيها، ولا يليق بنا أن نكلف الأمير عمر الذهاب إليها في هذه الأوقات، ورأيي يا أماه ~~أن نبقى هنا إلى أواخر فصل الخريف، وحينئذ يرحل الأمير عمر من هذا الجبل إلى بلاد الساحل ~~فنطلب منه أن يوصلنا إلى دمشق، وقلبي يحدثني أن قنصل الإنكليز في بيروت سيبحث عنا ويعرف ~~مقرنا، ويرسل إلينا من يردنا إلى بيروت إن لم يأت هو بنفسه إلينا، والعرب على تمام الوفاق ~~مع الإنكليز؛ لأنهم ينقلون لهم البريد بطريق البر إلى خليج العجم، وقد سمعت تشرشل بك يتكلم ms112 ~~مع أبي في هذا الموضوع لما زارنا آخر مرة. # فقالت الأميرة هند: فهمت مرادك، فأنت تعنين السر هنري الذي زارنا مع ابن خالتك لا قنصل ~~الإنكليز نفسه، لماذا تظنين أنه يبحث عنا؟ وكيف يستطيع أن يهتدي إلينا إذا كانت حاصبيا قد ~~احترقت الآن كما يظن؟ ولنسمع ما يقوله أخواك وصبيهما. # فقال الأخوان إنهما يفضلان البقاء عند الأمير عمر إلى أن يفرجها ربنا، وأما صبيهما فارتأى ~~أن يرسل رسول من العرب لأخبار الأمير أحمد وهو يدبر طريقة لحمايتهم، وكادت الأميرة هند ~~توافق على هذا الرأي، ولكن الأميرة سلمى رفضته ووافقها أخواها؛ لأنهما كانا يكرهان ابن ~~خالتهما ويقولان إنه متكبر مدع. # واشتد الجدال بين الأميرة هند وأمها وبين الأخوين وصبيهما، وأخيرا قالت الأميرة سلمى: ما ~~ضرنا يا أماه لو انتظرنا شهرا من الزمان إلى أن يفرجها الله؟! فإننا لم نر من الأمير عمر ~~وأمه وأهل قبيلته كلهم إلا كل إكرام، ولا أظن أنهم يسمحون لنا بالرحيل عنهم الآن ما دامت ~~القلاقل قائمة في جبل لبنان وكل البلاد المجاورة له. # ودنا أخواها من أمهما وأخذا يديها يقبلانهما، ويقولان: نعم يا أماه مثل ما تقول سلمى، ~~نبقى هنا، ونحرس تربة والدنا إلى فصل الشتاء ثم نرحل مع الأمير. ففاضت الدموع من عيني ~~الأميرة هند لما قال ولداها ذلك وصمتت هنيهة، ثم قالت: مثلما يريد الله. ولم يقل صبيهما ~~شيئا بل عزم أن يرسل رسولا يخبر الأمير أحمد كيفما كانت الحال، وكان الأمير أحمد يكرمه ~~ويواصله بالهدايا، وأعطاه مرة خنجرا محلى بالذهب وملقطا من الفضة لمسك السيكارة قصد ~~استمالته إليه؛ حتى يمدحه أمام الأميرة سلمى كلما ذكر اسمه، ولما رآها الآن تشير إلى السر ~~هنري أوجس شرا، وكانت الظنون قد خامرت نفسه قبل الآن، واطلع الأمير أحمد عليها، لكنه خاف ~~أن يطلب من الأمير عمر إرسال الرسول لئلا يرفض ذلك ويعاتب الأميرة هند، فعزم أن يتصاحب مع ~~غيره من الأمراء، ويرسل رسولا من رجالهم. # وألفت الأميرة سلمى الأميرة عاتكة أم الأمير عمر، وجعلت تجلس في ms113 مضربها ساعة بعد ساعة ~~تسمع منها أخبار العرب وقصصهم عن الجن والغيلان والحروب والغزوات، وأخذ أخواها يخرجان مع ~~الأمير عمر للصيد والقنص، وطابت لهما الإقامة هناك، أما الأميرة هند فاستوحشت كثيرا لبعد ~~كل أقاربها عنها. # الفصل الثامن والعشرون # | خطر غير منتظر # مضى على قبائل العرب أكثر من أربعة آلاف سنة من حين ورد ذكرهم في التاريخ المكتوب ~~والمنقوش، وهم رحل يعيشون بالغزو والنهب وتربية المواشي وحمل بضائع التجار ولم تتغير ~~حالهم. # قامت ممالك آشور وبابل وصور وصيداء ومصر والنوبة، وأينعت ثم انحطت وانقرضت، وقام اليونان ~~والرومان ودوخوا المعمور ثم زالت دولهم، وخرج من العرب أناس بلغوا في فتوحهم قلب الهند ~~والصين شرقا وأطراف أوروبا وإفريقية غربا، ولكن أبناء البادية المقيمين فيها بقوا على ~~بداوتهم لهذا العهد، يعيشون في الخيام ويضربون في انتجاع الرزق ويغزو بعضهم بعضا، كما ~~كانوا يفعلون منذ ألف سنة وألفي سنة، وقد يظن أن بداوتهم هذه على تأصلها فيهم وتمكنها من ~~عروقهم؛ تفارقهم إذا خالطوا أهل الحضارة ورأوا فيها من الرفاهة ما ليس في البداوة، لكنهم لم ~~يروا في البلاد التي حولهم لهذا العهد ما يرغبهم في الحضارة، فبقوا بعيدين عنها ما ~~أمكن. # ولما لم يكن لقبائل العرب وازع عام يقضي بينهم تراهم يلجئون دواما إلى أخذ ثأرهم بيدهم، ~~وهذا هو السبب الأكبر لما يقع بينهم من العدوان. # وكان بين عرب الفضل وعرب بني صخر ثارات قديمة، واتفق أن عرب بني صخر آنسوا الضعف من عرب ~~الفضل، أو حرضهم محرض على غزوهم لكي يضعف الفريقان معا فشنوا الغارة عليهم، وبلغ الأمير ~~عمر أن بني صخر زاحفون عليه، فجمع رجاله في سفح جبل عجلون، وكان هناك سهل فسيح يبتدئ بواد ~~عند أسفل الجبل، ثم ينتشر شمالا وجنوبا وشرقا، وكانوا نحو ثلاثة آلاف فارس، وترك النساء ~~والأولاد في الجبل ومعهم نحو ألفين من الرجال لحمايتهم، وأراد ابنا الأمير عباس أن يخرجا ~~معه للقتال فمنعهما وأوصى أمهما أن لا تدعهما يخرجان من مضربها، وأكد لها وللأميرة سلمى أنه ~~يعود فائزا ms114 مساء ذلك اليوم؛ لأن رجال بني صخر لا يقاسون برجاله. # وخرج هو في مقدمة جيشه وكان رجاله مسلحين بالسيوف والرماح، ومعهم نحو مائتي بندقية من ~~البنادق القديمة ذات الزناد، فلما توسطوا السهل رأوه يموج بفرسان العدو، فتقدم فارس منهم ~~براية بيضاء، ومعه رسالة إلى الأمير عمر مفادها أن يسلم للأمير حسان أمير بني صخر الرجلين ~~اللذين قتلا ابن خالته، ويرد له أحمال البن التي نهبها رجاله من قافلة كان فيها عشرون جملا ~~لبني صخر على كل جمل منها نصف قنطار من البن، ويسلم له الأمير عباسا وأهله ليحميهم عنده ؛ ~~لأن بني صخر أولى بحمايتهم من عرب الفضل. # فقرأ الأمير عمر الرسالة وقال للرسول: قل لمولاك إن الرجلين اللذين قتلا ابن خالته إنما ~~قتلاه بثأر قديم لهما عنده، وإن العرب الذين نهبوا القافلة لم يكونوا كلهم من عرب الفضل، ~~ولا هم فعلوا ذلك بأمره، ولا رأى البن الذي يقال إنهم نهبوه، وإن الأمير عباسا - رحمة الله ~~عليه - لجأ إلى حماه، وأوصاه بزوجته وأولاده قبل وفاته، وهو وحده حامي الذمار في تلك ~~الديار، وعرب صخر معتدون عليها وأوطانهم بعيدة في البلقاء، وهو يطلب منهم أن ينكصوا على ~~أعقابهم ويعودوا إليها، فيعود عنهم، وإلا أشبع غربان الجو ووحوش البر من لحومهم. # فرجع الرسول وأخبره مولاه بما سمع، فالتفت إلى الذين حوله وأخبرهم بمفاد الجواب، فأشرعوا ~~رماحهم، وقالوا له: مرنا بالهجوم عليهم. فقال: هلموا يا شجعان العرب! واستل سيفه وهم ~~بالهجوم معهم فمنعه رجاله، وأقسموا عليه أن لا يهجم ما لم يبرز له الأمير عمر، لكن رجاله ~~قوموا الأسنة وأطلقوا الأعنة، فالتقى الجيشان كأنهما جبلان، ودار الطعن والضرب، وكانت ~~الشمس قد علت عن الأفق، وأرسلت أشعتها في وجوه عرب الفضل، فكادت تعمي أبصارهم، وانفصلت ~~كتيبة من بني صخر ودارت وراء عرب الفضل، وربطت عليهم المضيق المؤدي إلى جبلهم، واحتر ~~القتال، واشتدت حمارة الصيف، وتعثرت الجياد بجثث القتلى، وبرز الأمير عمر للأمير حسان، ~~فتنازلا ساعة زمانية على ميمنة الجيش حتى تكسر رمحاهما وتثلم سيفاهما، وكاد ms115 فرساهما يسقطان ~~تحتهما، ثم افترفا للم شعث رجالهما. # وكان بنو صخر قد فازوا على عرب الفضل وأثخنوا فيهم؛ لا لأنهم أشد منهم بأسا وأمهر في ~~الكر والفر والضرب والطعن، بل لأن أشعة الشمس كادت تعمي أبصار عرب الفضل، فسقط منهم مئات من ~~القتلى، ولما حاولوا الفرار رأوا فرسان بني صخر تفصل بينهم وبين جبلهم، فانتشروا في عرض ~~البر، وبنو صخر يجدون وراءهم ويضربون في أقفيتهم، وصعد فريق منهم إلى الجبل وهجموا على خيام ~~الأمير عمر، فنهبوها وسبوا من فيها وفي جملتهم أمه والأميرة هند وأولادها، واحتملوهم وعادوا ~~بهم يجدون السير إلى جهة البلقاء. # ولما بلغوا السهل التف حولهم فرسان بني صخر يخفرونهم، وكان الأمير عمر قد سعى وراء رجاله ~~يلم شعثهم وينخيهم ليعاودوا الكرة، فجمع نحو ألف منهم وعادوا إلى السهل، وبلغه حينئذ أسر ~~أمه والأميرة هند وأولادها، فصار الضياء في عينيه ظلاما، والتفت إلى رجاله وقال لهم: هذا ~~يومكم يا عرب الفضل، النار ولا العار، من منك أخو أخته يرضى بهذه المذلة؟! افتضحنا والله ~~بين العرب إلى آخر الدهر، وقد مالت الشمس الآن ولم يبق لنا عذر، فهلموا يا أبطال الحرب ~~والطعان. ثم أشار بيديه إلى الأعداء، وهجم عليهم هجمة منكرة وأخذ يجندل الأبطال يمنة ويسرة، ~~حتى دنا من الفرس الذي عليه أمه وكاد يخطفها من سرجها، ولكن عثر جواده حينئذ فسقط، واجتمع ~~رجاله حوله يدافعون عنه، فأسرع الفارسان اللذان معهما الأميرة سلمى وأمها وأبعدا عنه، ولم ~~يكن إلا دقائق قليلة حتى عاد إلى صهوة جواده، واقتحم فرسان العدو بصدره وكانوا قد أطبقوا ~~عليه من كل ناحية وسدوا في وجهه منافس الفضاء. # ومضت ساعة من الزمان بيعت فيها الأرواح بيع السماح، وفعل الأمير عمر فعالا تشيب الأطفال، ~~وكان معه فارس أسود يحمي ظهره لكنه لم يستطع استرجاع الأسرى مع كل ما بذله من الجهد، ورأى ~~رجاله استبساله فزادت نخوتهم واستقتلوا كلهم، ولكن اجتمع عليهم نحو ألفين من الفرسان ~~الأشداء، ومضت ساعة لم تر تلك البطاح مثلها من عهد الصليبيين، ms116 وأخيرا رأى الأمير عمر أن ~~الكثرة غلبت الشجاعة، وأن شمل رجاله قد تمزق، فعزم أن يرجع ويجمعهم ثانية ويبيت بني صخر ~~بهم تلك الليلة. # الفصل التاسع والعشرون # | خيبة الأمل # وصل السر هنري إلى صيداء، وبات عند قنصل الإنكليز وأخبره أنه ذاهب إلى حاصبيا، فقال له ~~القنصل: إن حاصبيا والقرى المجاورة لها أمست رمادا، وقتل أكثر رجالها ووصل الفارون من ~~النساء والعجائز إلى هنا وهم في حالة يرثى لها. # فطلب منه السر هنري أن يريه بعضهم، فأرسل القنصل قواسا من قواسته، فجاءه بشيخ طاعن في ~~السن، فقص عليه ما جرى من أول الفتنة إلى أن جمع الرجال في السراي وذبحوا ذبح الغنم، فسأله ~~السر هنري عن الأمراء الشهابيين، فقال له إنهم قتلوا أيضا، فسأله عن الأمير عباس، فقال له ~~إنه رحل إلى عرب الفضل في جبل عجلون منذ عشرين يوما أو أكثر. # وطلب السر هنري من القنصل أن يسير به إلى حيث يقيم المهاجرون من أهالي حاصبيا والقرى ~~المجاورة لها لكي يراهم، فسار به إلى الخانات التي كانوا مقيمين فيها، فقابله النساء ~~بالبكاء والعويل ورأى مناظر تفتت الأكباد، فتداول مع القنصل في أمرهم، ثم مضى وقابل ~~المتسلم، وأسمعه من الكلام أمره، واستأجر سفينة كبيرة ليرسل بها المهاجرون إلى بيروت، ~~وأرسل معهم القواس الذي أتى معه، وكتب إلى الكولونل روز يخبره بما سمع ويستأذنه في السفر ~~إلى جبل عجلون، وأرسل الكتاب مع رسول، وقام يطوف في صيداء ليرى مبانيها القديمة، فرأى خان ~~الإفرنج وقلعة البحر، وصعد إلى قلعة الملك لويس، ورأى أبراجها وما فيها من المدافع المصرية ~~الباقية فيها من عهد إبراهيم باشا، فأعجبه منظرها، وخرج إلى خارج المدينة من عند الميناء ~~القديم، ورأى أكمة الحلازين البحرية التي كان الصيدونيون يستخرجون الأرجوان منها، وركب في ~~اليوم التالي وذهب إلى ضواحي المدينة، وزار بيت لادي إستيرستانهوب، واستقصى أخبارها من بعض ~~الذين يعرفونها، وعاد عند الظهر إلى المدينة، فوجد الجواب من الكولونل روز ينصح له فيه أن ~~لا يوغل في البلاد ما دامت الفتنة ms117 قائمة قاعدة، ويؤكد له أن الأمير عباسا فعل عين الصواب ~~برحيله إلى عرب الفضل، ولا بد ما ينزل هناك على الرحب والسعة؛ لأن الأمير عمر أميرهم من ~~أكرم أمراء العرب ووسائل الراحة والرفاهة متوفرة لديه. # قال الكولونل: وقد زرته منذ سنتين وأقمت عنده ثلاثة أيام، فرحب بي وأكرمني غاية الإكرام، ~~ووجدت عنده كل وسائل الراحة التي يمكن أن توجد خارج المدن، ولو كنت أعلم أن الوصول إليه سهل ~~لأشرت عليك بالذهاب إليه من غير تردد، أما والأحوال كما ترى فليس من الحكمة أن تخاطر بنفسك، ~~لا سيما وأن خصومنا قد ينسبون ذهابك لغاية سياسية، ولا يخفى علي انشغال بالك، ولكن ما كل ~~ما يتمنى المرء يدركه، والصبر مر ولكن ثمرته حلوة كما يقول المثل الفرنسوي، وما دام الأميرة ~~سلمى وأهلها في حمى عرب الفضل فلا خوف عليهم، وبعد شهر أو شهرين نرى كيف تتصرف هذه الأمور؛ ~~لأن دوام الحال من المحال، ولقد أسفت جدا لما أصاب هؤلاء المساكين على ما وصفت لي، ولا بد ~~من أن تصل السفينة التي أرسلتهم بها اليوم أو غدا فيجدوا هنا بعض الراحة وكل مساعدة ~~ممكنة. # لما قرأ السر هنري هذا الكتاب رأى أن رجوعه إلى بيروت أجدر به في الأحوال الحاضرة، ~~فاستدعى الشيخ الذي رآه قبلا، وكان لا يزال باقيا في صيداء عند أقاربه، وسأله عن عرب ~~الفضل ومنازلهم وعدد رجالهم وأوصاف أميرهم، فقص عليه الشيخ ما يعلمه من أمرهم، وقال: إنهم ~~بطون كثيرة تنزل جبل عجلون والسهول المجاورة له، فتقيم في الجبل صيفا وفي السهول شتاء، وهم ~~نحو ستة آلاف بيت، وإذا خرج أميرهم الأمير عمر الفاعور للغزو خرج معه أربعة آلاف فارس، وقد ~~حاولت الدولة إدخالهم في طاعتها مرارا فأخفقت، لكنهم لا يضمرون العداء لها على ما يظهر، بل ~~يكرمون رجالها ويهادون الولاة بالهديا، ويقصدهم التجار ويشترون منهم السمن والصوف والغنم ~~والجمال والخيل إذا لم تكن كريمة، وقد يبيعون الفرس الكريم بألف ريال أو أكثر، ويشترون من ~~التجار الأقمشة المختلفة والتبغ والرز ms118 والبن والسكر والطيوب والآنية النحاسية والحلى ~~والأسلحة، ويقيم إلى جنوبيهم بنو صخر وهم لا يقلون عنهم عددا وعددا، وقد ذهبت إليهم في ~~تجارة منذ عشر سنوات، وكان معي ولداي. # ولما نطق بهذه الكلمة اغرورقت عيناه بالدموع وألقى رأسه على عصاه وجعل يبكي كالطفل ~~الصغير، ثم كفكف دموعه وعاد إلى الحديث، فقال: نعم ذهبت مع ولدي، وكانت الحرب ناشبة بين ~~عرب الفضل وبني صخر، لكن العدول من الطرفين اجتمعوا يوم وصولنا ووقعوا شروط الصلح، فاستبشر ~~العرب بنا واشتروا كل ما معنا من البضائع، وأعطونا غنما بدلا منها فرجعنا راكبين على ~~دوابنا، ومعنا قطعان كبيرة من الغنم، رزق الله على تلك الأيام! يا ليتني مت فيها. # فسأله السر هنري عن حال المعيشة في بيت أمير عرب الفضل. فقال الشيخ: العرب عرب أينما ~~كانوا، وقد ضافنا أمير عرب الفضل في بيته فأكلنا وشربنا مع رجاله، وهو وبعض الأمراء يأكلون ~~وحدهم، وطعامهم الرقاق والرز المفلفل والخرفان، والأمير متأنق في طعامه، فيصطادون له الحجال ~~ويطبخون له أحيانا مآكل تركية؛ لأن عنده الجواري السود المعتادات على طبخ المآكل التركية ~~وعمل الحلويات، وهم يكثرون من أكل الحلوى، وعندهم العسل البري يشتارونه من الجبل ويكون ~~في شقوق الصخور العالية، وقد أكلت منه وهو أطيب من العسل الشبعاوي. # فقال له السر هنري: وكيف ينامون؟ هل عندهم فرش مثلنا؟ # فقال: نعم عندهم فرش كبيرة محشوة بالصوف الناعم، وكثيرا ما يزورهم كبار رجال الحكومة ~~وينامون عندهم، والهواء هناك طيب منعش، فينام الإنسان ساعتين كأنه نام الليل كله، فإن كنت ~~عازما على الذهاب إلى هناك فاذهب ولا تخف، فإن كثيرين من السياح قد ذهبوا إلى هناك، وأنا ~~ذهبت مع جماعة من الإنكليز إلى مصر بطريق البر، ومررنا على عرب الفضل وعلى كل العربان الذين ~~في الطريق من هنا إلى عريش مصر، نعم إن السياح كانوا ينامون في خيامهم، ولكن أمراء العرب ~~كانوا يدعونهم للأكل عندهم فيجدون ما يسرهم. # فاطمأن بال السر هنري من هذا الحديث، وسلم أمره لله، وصرف الشيخ بعد أن ms119 ناوله صرة من ~~النقود، وقام في اليوم التالي وعاد راجعا إلى بيروت. # الفصل الثلاثون # | البحث والتحقيق # لم يكد السر هنري يصل إلى بيروت، حتى وصل إليها فؤاد باشا الصدر الأعظم، جاء ليصلح الحال ~~من أقرب الطرق خوفا من مداخلة أوروبا، وقد فوض إليه أن يفعل ما يرى فعله لازما لاطمئنان ~~الخواطر وإرجاع الأمن إلى البلاد، فقبض على والي بيروت وألقاه في السجن، وسجن معه بعض رجال ~~الحكومة، لكنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن جاءه كتاب قوي اللهجة من أميرال الأسطول الإنكليزي ~~الذي كان راسيا تجاه بيروت، وصف له فيه الفظائع التي جرت، وأبان له أن الأمم الأوروبية لا ~~تستطيع السكوت عنها، وأنه إذا لم تبادر الدولة إلى الاقتصاص من المرتكبين، فالدول الأوروبية ~~متفقة على أن تتولى هي بنفسها الاقتصاص منهم وإرجاع الأمن إلى نصابه، وأشار في هذا الكتاب ~~إلى أن اللوم الأكبر واقع على كبار رجال الحكومة الذين أمروا بهذه الفظائع وتولوا ~~إجراءها. # فوقع هذا الكتاب وقعا شديدا في نفس الوزير، وصعد إلى دمشق وقبض على واليها وأمر بقتله، ~~وقتل معه المأمور الذي كان في حاصبيا وثلاثة من ضباطه ومائة وسبعة عشر جنديا ونحو خمسين ~~أو ستين من الأهالي، وكان الذين قتلوا من دمشق وضواحيها نحو ستة آلاف نفس. # وسئل أحد وجوه دمشق ليكتب محضرا يصف فيه ما جرى له، وكان قد نجا من المذبحة، فكتب ما ~~خلاصته. # لما فشت الفتنة في لبنان والبلاد المجاورة له اضطربت الأفكار في دمشق، حتى إذا ورد الخبر ~~بالاستيلاء على زحلة كان فرح عظيم وزينت الأسواق بالأنوار، فزاد الخوف وهرب كثيرون إلى دمشق ~~من البلاد المجاورة لها فامتلأت بهم الكنائس والأزقة، وكانت الآمال معقودة بأن الأمير عبد ~~القادر الجزائري يستطيع منع الفتنة، وقد بذل جهده في هذا السبيل، فاطمأنت الخواطر وعاد ~~الناس إلى أعمالهم في السابع والثامن من شهر يوليو، وفي التاسع منه استبيحت الأرواح، ودخل ~~الأشقياء البيوت والأديرة والكنائس، وقتلوا من فيها حتى العاجز والأعمى من السكان ومن ~~اللاجئين إليهم، بل قتلوا ms120 المجذومين الذين يقصدون دمشق للتداوي فيها وحرقوا مكانهم. # وكما فعل هؤلاء الأشقياء المنكرات فعل الفضلاء الصالحات؛ فالأمير عبد القادر، والشريف ~~أسعد حمزة، والشيخ سليم العطار، والشيخ عمر العابد، وأمثالهم؛ طافوا أحياء المدينة برجالهم ~~ينقذون الناس، ويمنعون الاعتداء عليهم، فخمدت الفتنة في اليوم الثاني، ثم اشتدت في اليوم ~~الثالث، ودامت الشدة إلى أن وصل إلى دمشق وال جديد وأمن من بقي حيا. # وأنا كنت نائما في بيتي فأيقظوني صباح الاثنين في 9 يوليو، وأخبروني أن الفتنة فشت في ~~المدينة، فخرجت إلى باب داري لأتحقق الخبر، فرأيت الناس يتراكضون فأقفلت بابي منتظرا قدوم ~~قواس من قنصلاتو الإنكليز؛ لأني تابع لها، وبعد قليل حضر قواس، فأرسلته إلى الأمير عبد ~~القادر أطلب منه رجالا يوصلونني إليه، فرجع القواس وحده بعد برهة قائلا إن الأمير أعطاه ~~ستة رجال، ولكن لم يمكنهم الوصول إلي؛ لشدة الازدحام ولأنهم غير مسلحين، فانتظرت آملا أن ~~يتسلحوا ويعودوا إلي، وبينما أنا جالس في انتظارهم هجم جماعة على باب داري وكسروه ~~بالبلطات ودخلوا الدار الخارجية، وجعلوا يطلقون الرصاص على غرف البيت، فخرجت من باب صغير ~~خارجي ومعي ابني وعمره تسع سنوات وابنتي وعمرها ست سنوات والقواس، وأخذت معي مبلغا من ~~النقود لأستعين به بدل السلاح، وكنت كلما التقيت بجمهور من الثائرين ورأيتهم هاجمين علي ~~أرميهم بقبضة من النقود فيلتهون بها عني، إلى أن وصلت إلى زقاق ضيق ظننت أني لا أجد فيه ~~أحدا فأصل منه إلى دار الأمير عبد القادر، ولكن خاب ظني وهجم علي رجاله ليقتلوني، وضرب ~~واحد منهم ابنتي ببلطة على رأسها، فأسال دمها، وأطلق آخر علي الرصاص مرتين فأخطأني، ~~وبادرني واحد ببلطة على رأسي فشق جبيني، وأصبت بضربات كثيرة في جنبي الأيمن، ولم يعد الذين ~~حولي يستطيعون إطلاق الرصاص علي لئلا يصيب بعضهم بعضا، فقلت لهم: إني ذاهب لأقابل حضرة ~~البك محافظ المحلة في شغل له فيه مصلحة كبيرة. # فقال بعضهم: هلم نأخذه إلى البك. فأخذوني إليه بعدما سلبوا مني ساعتي وكل ما معي من ~~النقود، وبينما نحن ms121 سائرون لحقنا درويش بعمامة خضراء وشعر مسدول، وبيده عصا طويلة في رأسها ~~منجل كبيرة، وكان يمدها من فوق رءوس الرجال لينخر بها رأسي، حتى إذا وصلت إلى بيت المحافظ ~~أخذني بيده وصرف الناس عني ووضعني في بيت أحد أتباعه مع القواس، وكان قد صار العصر وليس في ~~البيت إلا امرأة عجوز، والتفت فلم أر ولدي ولا كنت أعلم ماذا جرى لزوجتي وطفلها الرضيع ~~ووالدتها وخالتها، وكنت قد فارقتهم في البيت، أما ولداي الكبيران فكان أولهما عند قنصل ~~الإنكليز والثاني في مدرسة الروم البطريركية، ولم أكن أعلم أيضا ماذا جرى لهما ، وأصعدوني ~~إلى غرفة عالية «قصر» تطل على الشارع، فرأيت منها المحافظ آتيا إلى بيته بأناس كثيرين ~~وعيالهم، فاستغربت كيف يحمي هؤلاء في بيته ولا يحميني أنا فيه، بل يضعني في بيت أحد أتباعه، ~~وترجح عندي أنه يقصد الإيقاع بي ليلا، ولا يريد أن يقتلني في بيته أمام الجمهور، فأخبرت ~~القواس بذلك، وقلت له: الأجدر بك أن تنجو بنفسك. فقال: وأنت ماذا تفعل؟ فقلت له: إني أنتظر ~~حتى يخيم الليل، وأدخل بيت المحافظ، فلا أظن أنه يتجاسر على قتلي في بيته وبيته مملوء ~~بالناس. فقال: هذا هو الصواب ولكني لا أفارقك إلا بعد أن تصل إلى بيت المحافظ، وحينئذ أذهب ~~وأخبر الأمير عبد القادر، فاستحسنت رأيه وانتظرنا إلى أن خيم الظلام. # وحينئذ رأينا سبعة رجال جاءوا وقرعوا الباب بعنف، ففتحت لهم العجوز فسألوها: هل فلان هنا؟ ~~فقالت: نعم هو في القصر «الغرفة العليا». فقلت: دنت الساعة! وأشرت إلى القواس لينجو بنفسه ~~ويخبر عما حل بي، وبينما أنا أكلمه بذلك صرخ واحد من الرجال قائلا: انزل يا فلان فأنا ~~صديقك السيد محمد السوطري، جئت برجال الأمير عبد القادر لكي أنقذك، فلا تخش بأسا. فنزلت ~~إليه، وألبسوني برنسا كالمغاربة، ومشيت بينهم وسرنا ندوس على القتلى في الأزقة حتى وصلنا ~~إلى بيت الأمير، وكان مزدحما باللاجئين إليه؛ لأن الأمير بقي ثمانية أيام متسلحا يطوف في ~~الشوارع وينقذ الناس من القتل، ولما رأى السيد محمد ms122 السوطري أن بيت الأمير مزدحم إلى هذا ~~الحد طلب منه أن يسمح له بأخذي إلى بيته وهو قريب من بيت الأمير فسمح له، ومضى بي إلى بيته ~~وسألني عن عائلتي، فقلت له: إن ابني الكبير في قنصلاتو الإنكليز، والثاني في مدرسة الروم، ~~وكان معي ولدان ففرقوا بيني وبينهما ولا أعلم ماذا جرى لهما، وقد تركت زوجتي وطفلها في ~~البيت. فقال: أما ابنك الكبير فلا خوف عليه؛ لأنه لم يدن أحد من قنصلاتو الإنكليز، وأما ~~الباقون فأنا أمضي الآن أفتش عنهم، وهم لا يعرفونني فقد يمتنعون عن المجيء معي، فدع القواس ~~يذهب برفقتي لاطمئنانهم. # ومضى هو والقواس فوجدوا زوجتي وأولادي كلهم ما عدا الثاني الذي كان في المدرسة، وسألت ~~السيد محمدا كيف عرف أني في البيت الذي كنت فيه، فقال إنه لما بلغه ما حصل بباب البريد ظن ~~أن الأمر طفيف وأن الحكومة تتلافاه حالا، فأقفلوا الباب الواصل إلى حارة النصارى لمنع ~~أولاد محلتهم من الاشتراك مع الثائرين، فأتى جمهور من أكراد الصالحية، وخلعوا الباب فخاف ~~حينئذ على بيتي، وأتاه واحد فأخبره بما أصابني وبوصولي إلى بيت محافظ الحارة، فتوجه إليه ~~وطلبني منه فأنكرني، فرجع وأخبر الأمير عبد القادر، فأعطاه ستة من المغاربة المتسلحين ~~ليطلبوني من المحافظ، فذهب معهم وطلبوني منه وشددوا عليه، فاضطر أن يرسل ابن أخيه معهم ~~ليدلهم على مكاني. # وفي تلك الليلة زارني المستر برانت قنصل الإنكليز وطمنني عن ولدي الأكبر، أما ولدي الثاني ~~فمضى ثلاثة أيام، ولم أقف له على خبر ولا وجد بين القتلى المطروحة في الأزقة. # ثم أتى رجل تركي إلى قنصل الإنكليز، وأخبره أنه متزوج ابنة علي آغا كاتب الخزينة - وكنت ~~قد أسكنت المستر روبنصن المرسل الإنكليزي في بيته - فلقيت زوجته ابني المفقود وأخفته في ~~بيتها، فللحال أرسل القنصل رجالا من المغاربة فأحضروه إليه. # وبقيت شهرا في بيت السيد محمد السوطري حتى شفيت من جراحي، ثم دعاني الشريف محمود أفندي ~~حمزة إلى داره فانتقلت إليها؛ لأن الأشقياء خربوا بيتي، ونزعوا خشبه وبلاطه، وبقيت في ms123 بيت ~~محمود أفندي إلى أن حضر فؤاد باشا. # وعادني السيد محمد الأمين الشاعر المشهور مفتي بلاد بشارة وقال لي: ماذا أصابكم؟ فقلت: ~~الذي تراه. فقال: سفكت دماؤكم وسبيت نساؤكم وهدمت بيوتكم، ولكن عليكم أن تتأسوا بمصاب ~~غيركم، فإن أهالي دمشق الذين فعلوا بكم هذه الفعال قتلوا أولاد نبيهم وسبوا نساءهم وهدموا ~~الكعبة المشرفة. # الفصل الحادي والثلاثون # | مؤتمر باريس # ما هذا الحر الذي يزهق النفوس؟! حقا إن باريس لا تطاق في شهر أغسطس. (المتكلم مندوب ~~روسيا والمخاطب مندوب إنكلترا.) # فقال مندوب إنكلترا: والحر عندنا شديد أيضا على خلاف المعتاد، وقد بلغت درجة الحرارة ~~التسعين أمس. # مندوب روسيا ~~: # التسعين! ما هذا؟! وكيف تحسبون درجات الحرارة؟! # مندوب إنكلترا ~~: # نسيت أنكم لا تحسبون الدرجات مثلنا، إن التسعين بميزان فارنهيت تقابل نحو 32 ~~بميزان سنتغراد، ولكنني أشعر برطوبة هنا لا نشعر بها عندنا، وعلى كل حال الحر شديد ~~هنا، ولا أظنه شديدا في بطرس برج. # مندوب روسيا ~~: # كلا ولكنه يشتد أحيانا كثيرة في فصل الصيف. الظاهر أن فرنسا تريد أن تفتح ~~المسألة الشرقية من جديد. # مندوب إنكلترا ~~: # هل أنتم من رأيها؟ # مندوب روسيا ~~: # أنتم تعلمون أنه لا يمكن أن نكون من رأيها، ومولاي الإمبراطور مستاء جدا مما ~~حدث في سورية، ولكنه يقول إنه إن كان الحق في المداخلة لدولة واحدة، فذلك الحق هو ~~لروسيا لا لغيرها، وقد وصلت بارجة من بوارجنا إلى مدينة بيروت في الوقت اللازم ~~فمنعت حدوث مذبحة فيها. # مندوب إنكلترا ~~: # نعم بلغنا ذلك، ومولاتي الملكة شكرت لسفيركم لما بلغها الخبر؛ لأنها مستاءة جدا ~~من هذه الحوادث، وأنتم مصيبون في قولكم إنه لا يحسن بدولة واحدة أن تنفرد ~~بالمداخلة؛ أي بإرسال جنودها إلى تلك البلاد، ولكن هل ترون من الحكمة أن ترسل كل ~~دولة من الدول المتحابة فرقة من جنودها. # ففكر المندوب الروسي هنيهة، ونظر في وجه المندوب الإنكليزي لعله يقرأ فيه ما يضمر، ثم ~~قال له: كلا، ولكن لماذا نفضل فرنسا على غيرها إذا فضلنا أن تنفرد دولة واحدة بإرسال ~~جنودها؟! # فقال ms124 المندوب الإنكليزي: نحن لا فرق عندنا؛ فإذا أردتم فنحن نرسل جنودنا، أو أنتم ترسلون ~~جنودكم، أو ترسل جنود نمسوية. # فلم يجب المندوب الروسي على هذا الكلام، بل بقي صامتا يفكر في إرسال الجنود الروسية إذا ~~أمكن، ولكنه يحسب ذلك ضربا من المحال. # وتكامل الأعضاء حينئذ، ودارت المذاكرة بعد أن تليت عليهم تقارير القناصل كلهم، وكان ~~حاضرا في ذلك المؤتمر: معتمد بريطانيا، ومعتمد روسيا، ومعتمد تركيا، ومعتمد فرنسا، ومعتمد ~~النمسا، ومعتمد بروسيا، ولم يسع مندوب تركيا أن ينفي شيئا مما ذكره القناصل. # وبعد بحث طويل أقرت الأكثرية على أنه لا بد من إرسال جنود أوروبية لإرجاع الأمن إلى ~~البلاد، وتبرعت فرنسا بإرسال ستة آلاف من جنودها، وكانوا مستعدين للسفر عند أول إشارة، ~~فشكرها المندوبون على هذه المروءة. وقال مندوب إنكلترا: يجب أن نقرر أيضا أن هذه الجنود ~~ذاهبة باسم أوروبا كلها لا باسم فرسنا وحدها. فبهت المندوب الروسي والبروسي من هذه السياسة ~~الرشيدة وقالا: نعم، هذا هو الصواب. ووافقهما المندوب النمسوي، فلم يسع المندوب الفرنسوي ~~إلا القبول بذلك، وقال: هذا هو غرض مولاي الإمبراطور، فإن الذي دفعه إلى إرسال جنوده إنما ~~هو الشفقة والحنان، وليس له أقل مأرب سياسي، فباسم أوروبا كلها نرسل جنودنا إلى ~~سورية. # فقال المندوب الإنكليزي: والمفهوم أيضا أن هذه الجنود ذاهبة لغرض مخصوص، وهو توطيد ~~الأمن، فمتى توطد تعد مشكورة كما ذهبت مشكورة. فأبرقت أسرة مندوب الدولة العلية حينئذ، وكان ~~قد أوجس شرا لما طلب مندوب إنكلترا أن يكون إرسال الجنود باسم أوروبا كلها قائلا في ~~نفسه: إن هذا يدل على اتفاق أوروبا كلها علينا. فلما سمع القول الثاني، وهو أن الجنود تخرج ~~من سورية حالما يتوطد الأمن فيها سري عنه، ووافق على ذلك ووافق سائر المندوبين، ولم يقل ~~مندوب فرنسا شيئا؛ لأن كلمة توطيد الأمن واسعة المعنى تحتمل التعليل الكثير والمطل ~~الطويل. # وتذاكر أعضاء المؤتمر في أمور شتى تتعلق بهذا الموضوع، وعادوا إلى معاهدة باريس التي عقدت ~~بعد حرب القرم سنة 1856، وألحوا على مندوب الباب العالي ms125 بوجوب العمل بها، من حيث المساواة ~~بين كل أصناف الرعية فقال لهم: إن الباب العالي قد بذل أقصى جهده للقيام بتلك المعاهدة، ~~وسيبقى باذلا أقصى الجهد للقيام بها. # وختم المؤتمر وكان ابتداء اجتماعه في الثالث من أغسطس سنة 1860، ووصلت الجنود الفرنسوية ~~إلى بيروت في السادس عشر منه؛ أي بعد وصول فؤاد باشا بشهر كامل، وعسكرت في حرش بيروت نصبت ~~خيامها هناك وانتظرت الأوامر، وحالما وصلت سادت السكينة في كل مكان، واطمأنت القلوب وراجت ~~الأعمال، لاسيما وأن أموال المحسنين من أوروبا وأميركا كانت تتدفق لإعانة المنكوبين، وجعل ~~كثيرون منهم يعيشون من بيع الأطعمة للجنود، وتصرف الجنود تصرف الكرام، فكانوا يدفعون كل ما ~~يطلب منهم، ويعطون الباعة شيئا من طعامهم، حتى إن الفقراء الذين كانوا لا يأكلون إلا الخبز ~~الحاف ولا تصل يدهم إلى شيء من الأدام؛ صاروا يأكلون اللحم الغريض مما يعطيهم إياه الجنود، ~~واكتسى كثيرون من الثياب القديمة التي أعطوهم إياها، وظهر كأن البلاد انتعشت بعدما خيم ~~عليها ظل الموت. # الفصل الثاني والثلاثون # | الخيبة والفشل # رجع الأمير عمر إلى مضاربه كاسف البال، يكاد يشتعل غيظا، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، ~~فترجل عن جواده، واجتمع حوله شيوخ قبيلته، وكان قد أصيب بجرح في ذراعه اليسرى، فأتى المتطبب ~~وغسل الجرح بالماء، وحمى أداة من الحديد، وكواه بها كأنه يميت ميكروبات الفساد، ورش على ~~الجرح رماد خرقة محروقة وربطه، والأمير رابط الجأش لا يتألم ولا يتكلم، ثم سأل الذين حوله ~~عن عدد القتلى، فقالوا له: زهاء مائتين، وقد أبلينا بلاء حسنا فقلتنا أكثر من ذلك. فأمر أن ~~يرسل من يهتم بحمل الجرحى ودفن القتلى، وأن يستريح الرجال ساعتين من الزمان، ثم ينهضوا ~~ويلحقوا بالعدو حيث يبيت تلك الليلة. # فقال له رجل شيخ من رجاله: ليس تبييتهم من صواب الرأي؛ لأن الليل حالك الظلام، وقد نصيب ~~أحدا من أولاد الأمير عباس، والرأي عندي أن ترسل نستنجد عرب عنزه، فأنهم استنجدونا مرتين ~~في حياة المرحوم والدك، فأنجدناهم، ونضرب موعدا نهجم فيه على بني صخر من ms126 جهتين مختلفتين، ~~فإما أن يثوبوا إلى رشدهم ويردوا الأسرى ويصالحونا، وإما أن نخرب ديارهم ونمحو ~~آثارهم. # فقال رجل آخر: وهذا ليس من صواب الرأي؛ لأن عرب عنزه ارتحلوا إلى جهات الجزيرة، أو هم على ~~أهبة الارتحال، ورأيي أن ترسل إلى بني صخر نعرض عليهم افتداء الأسرى، ثم نترقب الفرص للأخذ ~~بالثأر. وقال ثالث: إن الأمير حسانا إن قبل بافتداء أسرانا لا يقبل بتسليمنا الأميرة هند ~~وأولادها، ولا بد ما يكون قد كتب كتابه الآن على الأميرة سلمى على جاري عادته. # ولما سمع الأمير عمر هذا الكلام صار الضياء في عينيه ظلاما ، فنهض واقفا وقال: من منكم ~~أخو أخته يسير ورائي ويحمي ظهري، وعلي أنا وحدي ببني صخر كلهم! # ولكنه كان خائر القوى لكثرة ما نزف من دمه، فارتجفت ركبتاه وكاد يغمى عليه، فقال له ~~الطبيب: تناول الآن شيئا من الطعام حتى تسترد قوتك وبعد ذلك تنظر في الأمر. وشعر هو بخوران ~~قوته فاتكأ على عمود الخيمة، وأطرق وهو يكاد يتميز غيظا من نفسه ومن سوء طالعه؛ لأنه لو لم ~~يعثر جواده لرد الأسرى وقهر الأعداء، ولولا أشعة الشمس التي أعمت أبصار رجاله لما دارت ~~الدائرة عليهم، فكأن التقادير كلها كانت معاندة له، فالتفت إلى الذين حوله وكادت دموع الغيظ ~~تنفجر من عينيه، وقال لهم: لا بد لنا من الراحة على كل حال، فعلقوا لخيلكم واستريحوا ~~قليلا. # ثم أمر خدمه أن يقدموا لهم ما حضر من الطعام ودخل خباءه، وانطرح على بساط وحاول جمع ~~أفكاره المتشتتة فلم يستطع، وشعر كان رأسه يكاد يشتعل، فنزع كوفيته وعقاله، واتكأ على مسند ~~وجعل يغمض عينيه ليزول من أمامه شبح أمه وشبح الأميرة هند وأولادها، فزادت تلك الأشباح ~~تجسما، وكأنه كان يسمع أصواتهم ترن في أذنيه وتناديه ليسرع إلى نجاتهم، وخيل له أنه سمع ~~الأميرة سلمى تناديه وتقول له: نزلنا عليك ضيوفا لتسلمنا إلى هذا الوغد الزنيم! ما كذا ~~تفعل العرب الكرام. وسمع الأمير حسانا يعرض عليها الزواج به ويهددها بقتل أخويها إن أبت، ~~فارتعدت ms127 فرائصه وحاول النهوض، ولكنه لم يستطع؛ لأن الحمى كانت قد تمكنت منه وجعلت الأخيلة ~~تتراءى أمام عينيه، وخيل له أنه عاد إلى ميدان القتال فجعل ينخي رجاله ويحرضهم على الهجوم، ~~وكان صوته يرتفع أحيانا حتى يسمعه فيستيقظ وفي أقل من لحظه يعاوده البحران. # وسمع خدمه هذيانه فخافوا ونادوا الطبيب، فدخل وجس نبضه وغلى بعض الأعشاب وسقاه غلايتها، ~~ونزع جزمته من رجليه وغطاه، فعرق عرقا غزيرا، ثم نهض وخلع ثيابه وشرب قليلا من اللبن ~~فانتعشت قواه، ولكنه لم يستطع أن يصرف عن ذهنه التفكير بأمه والأميرة هند وأولادها، لا لأنه ~~كان يخشى عليهم شرا؛ لأن العرب لا يسيئون إلى أسراهم، ولا سيما إذا كانوا من كرام القوم، ~~بل يحتفظون بهم ليأخذوا فكاكهم؛ ولكن لأن الكلام الذي سمعه عن الأمير حسان كان أوقع في نفسه ~~من ضرب الحسام، فجعل يضرب أخماسا لأسداس ويوازن بين الأساليب التي يمكن أن يسترد الأسرى ~~بها ويقهر عدوه من غير أن يقع بهم ضرر، فلم ير أسلم عاقبة من افتكاكهم ولو بكل ما يمتلكه. ~~وقال في نفسه: إن حسانا وإن كان زير نساء إلا أنه يفضل المال على كل شيء، فإن أنا أعطيته ~~مائة جمل أو مائتي جمل أو خمسمائة جمل، فعل ما أريد، فأشتري شرفي الآن بالمال القليل، ومتى ~~انفرجت هذه الأزمة يدبرها الله، ثم استدعى رجاله وقال لهم: ما قولكم لو عرضنا الفداء على ~~الأمير حسان وأجزلنا له العطاء؟ فاجمعوا على أنه ممن يشترى بالمال، ولكنهم خافوا أن يصر على ~~بقاء الأميرة هند وأولادها عنده؛ إما رغبة في الأميرة سلمى، وإما طمعا بأن بني شهاب ~~يفتدونها بالأموال الطائلة. # وبينما هم في الحديث دخلت أم يوسف، وهي تصيح وتقول: أين شهامة العرب يا أمير عمر؟! أتترك ~~ستي وأولادها في السبي؟! أرسلني إلى بيروت حتى أخبر قنصل الإنكليز، فإن الست سلمى مخطوبة ~~لأمير إنكليزي، وإذا عرف ما أصابها أتاكم بألف عسكري إنكليزي. # فكان لكلامها وقع عظيم في نفوسهم فأجلسوها وسكنوا روعها، وسألوها عن قصة الأمير ~~الإنكليزي، فأكدت ms128 لهم أن في دار قنصل الإنكليز في بيروت أميرا إنكليزيا من أولاد عم ملكة ~~الإنكليز، وهو خطيب الأميرة سلمى، وقد سافر أبوها بها على غير علمه، وأنه لا بد وأن يكون ~~آتيا الآن بالعساكر للتفتيش عنها، فطيبوا خاطرها وجعلوا يتداولون في إيصال هذا الخبر إلى ~~الأمير حسان. # أما الأمير عمر فصمت ولم يعد يتكلم؛ لأنه رأى أنه إن كان ذلك ينجيه من خصم يكرهه هو ~~وتكرهه الأميرة سلمى أيضا، فهو يوقعه في خصم آخر تحبه الأميرة سلمى، ولا يمكن نجاتها منه، ~~فرأى أن الآمال التي أحياها في فؤاده أماني فارغة وأضغاث أحلام، فلم يعرف كيف يتقي النبال؛ ~~فشل وخذلان وأسر وذل، ثم هو مضطر أن يحمل العار لينقذ فتاة تكون لغيره ولا يعود يراها في ~~حياته، فوجم ولم يعد يتكلم، وظن رجاله أنه كان يفكر في طريقة لإنقاذ الأسرى من غير فكاك ~~فصمتوا هم أيضا، ثم نظروا إليه يستوضحونه رأيه، فقال وهو لا يدري ما يقول: أرسلوا اعرضوا ~~عليه الفكاك، وخذوا من مالي خمسمائة جمل أو أكثر، حسب دواعي الحال، وأخبروه أن الأميرة سلمى ~~مخطوبة لأمير إنكليزي، وأنه لا بد وأن يكون آتيا الآن بعساكر الإنكليز ومدافعهم، وهو يعلم ~~ما حل به وبرجاله يوم خربوا عكاء، وإن فسح الله لي في الأجل أخذت ثأري بيدي، وإلا تركت ثأري ~~لكم لتأخذوه بعدي، وقد عاودتني الحمى الآن ولا أدري ماذا أقول. ثم اتكأ على ذراعه وأسند ~~رأسه إلى كتفه. وقام رجاله وتشاوروا ساعة من الزمان، ثم أرسلوا ثلاثة منهم ومعهم رايات ~~بيضاء ليعرضوا الفكاك على الأمير حسان ويخبروه بقصة الأمير الإنكليزي. # وكان قد وصل إلى القبيلة شاعر دمشقي، فنظم أبياتا في واقعة الحال وأنشدها الأمير عمر ~~يعزيه بها عما حل به ومنها قوله: # تعز فإن الصبر بالحر أجمل # وليس على ريب الزمان معول # فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا # لحادثة أو كان يغني التذلل # إذن فالتعزي عند كل مصيبة # ونائبة بالحر أولى وأجمل # فكيف وكل ليس يعدو حمامه # وما لامرئ عما ms129 قضى الله مرحل # فإن تكن الأيام فينا تبدلت # بئوسا بنعمى والحوادث تفعل # فما لينت منا قناة صليبة # ولا ذللتنا للذي ليس يجمل # ولكن رحلناها نفوسا كريمة # تحمل ما لا تستطيع فتحمل # فشكره الأمير وأمر له بصلة سنية وفرس كريم. # الفصل الثالث والثلاثون # | البطر بعد الظفر # عاد الأمير حسان ورجاله وهم لا يصدقون بما نالوه من الفوز المبين، فإن غاية ما رجوه أن ~~يأخذوا بثأر رجالهم من عرب الفضل، ويكشفوا عنهم العار ويستردوا ما نهب من قافلتهم، ففازوا ~~بأكثر مما أملوه؛ قتلوا مائتي رجل أو أكثر، وأسروا أم الأمير عمر وضيوفه، واستافوا قطيعا ~~كبيرا من الماشية وجدوه في طريقهم، وانتظروا الفكاك الكبير للأسرى، فواصلوا السير بالسرى ~~إلى أن أبعدوا مرحلة كبيرة عن منازل عرب الفضل، ونزلوا في آخر الليل واستراحوا قليلا، ثم ~~قاموا في الصباح وساروا وئيدا ثلاثة أيام إلى أن وصلوا إلى محلتهم في البلقاء، والأمير ~~حسان لا يصدق ما يرى، بل يحسب أنه في حلم، وكانت أخبارهم قد بلغت من بقي في المحلة، فخرجت ~~النساء للقائهم بالدفوف والمزاهر والأناشيد الحماسية، وذبحت الذبائح في اليوم التالي وأولمت ~~الولائم وأديرت الخمور، وأنزل الأمير حسان الأميرة هند والأميرة سلمى وأم الأمير عمر في ~~مضرب كبير قرب مضرب زوجته، وأقام جاريتين على خدمتهن، وأنزل ولدي الأميرة هند في مضرب آخر، ~~وكان في بني صخر شاعر من مثاولة جبل عامل، فنظم له قصيدة يمدحه بها، ويذكر مناقبه الحسان ~~وبلاءه بالأعداء، ويحذره من التمادي في عدائهم ومما قاله فيها: # تجاف عن الأعداء بقيا فربما # كفيت ولم تجرح بناب ولا ظفر # ولا تبر منهم كل عود تخافه # فإن الأعادي ينبتون مع الدهر # إذا أنت أفنيت النبيه من العدى # رمتك الليالي عن يد الخامل الذكر # وهبك اتقيت السهم من حيث تتقي # فكيف بمن يرميك من حيث لا تدري؟! # ففطن الأمير حسان إلى مراده، وظن به السوء فلم يصله بشيء بل أمر أحد أعوانه أن يأخذه إلى ~~خيمته ويحتفظ به إلى أن ينظر في أمره، وشرب من معتقة ms130 الدنان إلى أن امتلأ رأسه ببخارها، ~~فذهبت بعقله وقام قاصدا مضرب الأميرة هند، فالتقت به زوجته، ولم يخف عليها أمره، فقالت ~~له: إلي أين يا سيئ الفعال؟! أتريد أن تتركنا عارا بين قبائل العرب؟! وأمسكت به وردته من ~~حيث أتى، وكان يخشى صولتها وقد طلق نساء كثيرات قبلها، أما هي فملكته وكان يجلس أمامها ~~كالعبد الذليل، فعاد إلى مضربه سكران بخمرتين: خمرة الظفر وخمرة العنب، فخيل له أنه راكب ~~على جواده، والفرسان تتسابق بين يديه، فجعل يضرب يمنة ويسرة، كأنه يجندل الأقران، ويصيح مرة ~~بعد أخرى، ثم يضحك حتى يستلقي على ظهره، ويقوم ويسير مهرولا طالبا الخروج من المضرب، ~~فيمسك به عبده ويرده إلى مكانه، وإذا أكثر من الجلبة والعربدة أتت زوجته إليه وتهددته، ~~فيضحك لها أولا، ويحاول القبض عليها ثم يقول لها: أنا الفارس المغوار، أنا قاهر عرب الفضل ~~هه هه، من أنت حتى تقفي في طريقي؟! تعالي يا حبيبتي هه هه هه، ألا تأتين؟! اذهبي عني يا ~~لكاع، اغربي من وجهي، لا بد ما أطلقك وآخذ الأميرة هند لا لا، بل الأميرة سلمى هه هه هه، ~~أين الأميرة سلمى؟ اذهب يا لعين وائتني بها، اذهب وإلا قطعت رأسك بهذا السيف. ثم يلوح بيده ~~كمن يستل سيفا من غمده. # ولم يهتم الخدم بسكره؛ لأنهم كانوا معتادين أن يروه سكران، أما زوجته فخافت أن يسمع أحد ~~من الأميرات الأسيرات صوته، وحاولت وضعه في فراشه، فدفعها عنه وأراد الخروج لكن السكر كان ~~قد أضعفه، فتغلبت عليه هي والعبد وأجلساه على فراشه، ولم يعد يستطيع القيام لكنه بقي يعربد ~~ويهذي ساعة من الزمان، ثم جاشت نفسه فاستفرغ بعض ما في معدته، وانطرح في فراشه كالميت إلى ~~أن أصبح الصباح. # الفصل الرابع والثلاثون # | التزلف والنفور # الأميرة هند وابنتها وولداها في خيمة سوداء من الشعر، مرفوعة العماد، مبطنة بشقق الحرير ~~الدمشقي المخطط بالأصفر والأزرق، وهي جالسة على أريكة متكئة على مسند عابسة الوجه مقطبة ~~الجبين، والسيكارة في يدها والأمير حسان واقف أمامها يكلمها بصوت ms131 منخفض، ويسترق اللحظ إلى ~~الأميرة سلمى وهي جالسة إلى جانب أمها مستندة إلى مسند آخر لكنها صامتة لا تتكلم، وحاول ~~الأمير حسان جهده لكي يصلح منطقه حتى يكون بلغة مفهومة لدى الأميرة هند، فقال: لقد أبنت ~~لحضرتك أننا لم نقصدك أنت وأولادك بسوء على الإطلاق، ولم يكن لنا غرض إلا عرب الفضل لأخذ ~~الثأر وكشف العار، وأنتم آل شهاب من العرب الكرام الذين يعرفون عادات القبائل ولا يرضون لنا ~~بمذلة إذا أمكننا أن نرفعها عنا. # الأميرة هند ~~: # أنا لا أجادلك في ذلك، ولا أقول لك أن لا تأخذ بثأرك من أعدائك ، ولكن كان في ~~إمكانك أن تخبرنا حتى نرحل عن عرب الفضل، أو أن تخبر رجالك لكيلا يمسونا بمكروه، ~~ولا يحملوا إليك بنات شهاب سبايا، كما حملونا. ما هذا ظني بك يا أمير، ولا تستطيع ~~أن تعتذر بأنك لم تكن تعلم أننا نازلون على الأمير عمر؛ لأنني أرى أنكم تعلمون كل ~~شيء في هذه البلاد. # فقال: لا أنكر عليك أنني كنت عالما بنزولكم على عرب الفضل، وكنت أحسدهم على هذا الشرف، ~~ولكن لم يخطر ببالي أننا نفوز عليهم هذا الفوز المبين، وغاية ما كنت أتوقعه أن نأخذ بثأرنا ~~منهم، ونستاق بعض ماشيتهم غنيمة، أما الوصول إلى مضاربهم وسبي من فيها، فلم نكن لنطمع به، ~~والظاهر أن وجودك في مضاربهم غل أيديهم، وأفسد تدابيرهم، ولولا ذلك لناوشونا إلى أن نبعد عن ~~حماهم، وأميرهم بطل مجرب ولكن خانته الأقدار هذه النوبة؛ لأنه ظلمنا هو وقومه، والله لا ~~ينصر القوم الظالمين. # الأميرة هند ~~: # والآن على أي شيء عولت؟ # الأمير حسان ~~: # على الذي تريدينه، فإن شئت أن تبقوا عندنا فعلى الرحب والسعة، ونحن ندافع عنك وعن ~~أولادك بسيوفنا ورماحنا ونبذل جهدنا في مرضاتكم ومسرتكم، وإن شئتم أن نرحل بكم إلى ~~مكان آخر رحلنا، وأينما ذهبنا فكلنا في خدمتك وخدمة أولادك، وغاية ما نتمناه رضاؤك ~~ورضاء الأميرة سلمى (قال ذلك ونظر إليها). # وكان واقفا ويده اليسرى على مقبض سيفه، ويده اليمنى مطلقة يشير بها حينما ms132 يتكلم، وهو كهل ~~في نحو الأربعين من العمر، قصير القامة أسود الشعر أسمر الوجه براق العينين خفيف اللحية ~~عصبي المزاج. # فقالت الأميرة هند: لماذا تكلمنا وأنت واقف مع أننا أسراك؟ ولماذا لا تجلس ~~وتستريح؟ # فرفع يده إلى رأسه وقال: العفو يا مولاتي، بل أنا أسيركم، ولكن ما دمت قد أمرتني بالجلوس ~~فأنا أجلس إطاعة للأمر. # ثم جلس مكانه متربعا ووضع سيفه على حضنه، ونادى خادمه فأتاه بشبق قصير فمه من الكهرباء ~~وماسورته من الكرز، فمص منه مصتين، وأتاهم خادم آخر بالقهوة، فقدمها للأميرة هند أولا، ثم ~~للأميرة سلمى وأخويها فتناولتها الأميرة هند منه، وأما الأميرة سلمى فاعتذرت عن شربها وكذلك ~~اعتذر أخواها. # ولما شربت الأميرة هند بعض فنجانها قالت له: يا حبذا لو كنت توصلنا إلى الشام «دمشق»، ~~فنظر إليها مستغربا، وقال: ألم يبلغكم ما حدث في الشام؟ فقد حدث فيها أكثر مما حدث في ~~حاصبيا. # فلما سمعت هذا الكلام صرخت قائلة: ماذا تقول؟! أقتلوا نصارى الشام أيضا؟! وارتجفت يدها ~~ووقع الفنجان منها وضربت بيدها على المسند، وقالت: قلت لأحمد إن هذا العمل كله بدسيسة، ~~والغرض منه قتل كل النصارى فلم يصدقني. # ثم ألقت رأسها على يدها وقالت: الله يجازيهم، الله يجازي الذي كان السبب! ما هذه المصيبة؟ ~~ما هذه البلية؟ أين أهلي الآن؟ أين إخوتي وأخواتي وأولاد عمي وأولاد خالي؟! # وقالت له الأميرة سلمى: هل أنتم على يقين من صحة هذا الخبر؟ # فقال: نعم وقد سمعته من أكثر من واحد من الذين كانوا هناك، وقد أرسل إلينا والي دمشق ~~لنزحف مع دروز حوران على جبل لبنان، فلم أشأ أن أفعل ذلك؛ لأن الدروز أعداؤنا ولا أركن ~~إليهم، ولم أفهم ما هو غرض الوالي من ذلك، ولا كيف استحل قتل الآمنين في دار الولاية نفسها. ~~ونحن نشكر الله لأننا في هذا القفر مستغنون عن الشام وعن النزول إليها، وبلادنا الآن قاحلة ~~لأننا في فصل الخريف، ولكن متى جاء الربيع تجديها من جنان الخلد، وسترينها في ذلك الفصل إن ~~شاء الله. ms133 (قال ذلك موجها كلامه إلى الأميرة سلمى.) # فقالت له: أنبقى هنا إلى الربيع لا سمح الله؟! ثم كيف تقيمون في هذه الخيام وقت ~~المطر؟ # فقال: إن المطر لا يخرق الخيام، ولا سيما إذا كانت محكمة النسج مثل هذه الخيمة، وفصل ~~الشتاء عندنا من أبدع الفصول، وسترينه إن شاء الله. وقد سمعت أنك تحبين ركوب الخيل، فخيلي ~~كلها تحت أمرك وأمر أخويك، وعندي مهرة بيضاء تتجلى كالعروس. # ثم صفق بيديه فدخل عبد أسود فقال له: هات غزالة يا شيبوب لتراها الأميرة سلمى. فذهب وبعد ~~دقائق قليلة عاد يقود مهرة كالريم، وقال لها : هذه المهرة لا يعلو ظهرها أحد غيرك، وهي وديعة ~~كالحمل وسريعة كالنعامة. # فشكرته وقالت في نفسها: لعل له ابنة من عمري أركب معها. وكانت قد رأت نساء كثيرات في ~~المضارب، وعرفت أن واحدة منهن زوجته ولكنها لم تر له أولادا، وحقيقة أمره أنه كان قد تزوج ~~بابنة عمه وولد له منها ولدان ماتا بالجدري، ولم يرزق غيرهما، ثم طلقها وتزوج كثيرات غيرها، ~~وكان كلما سمع بابنة حسناء يخطبها إلى أبيها، ثم لا يلبث أن يكرهها ويطلقها، وعرف بهذا ~~الخلق حتى كان العرب يخفون بناتهم عنه، فلما وقعت الأميرة سلمى في أسره لم يشك أحد في أنه ~~يتزوج بها حالا، رضيت بذلك أو لم ترض. # أما هو فهابها في أول الأمر وخشي أن ينظر إليها كما ينظر إلى غيرها من بنات قبيلته، ولكنه ~~لما جالسها وسمع حديثها سولت له نفسه أن يخطبها إلى أمها، وأبت عليه عادات قومه أن يخاطبها ~~في ذلك قبل أن يريها ضروب الكرم، وكان له نديم ربي معه وشاركه في كل طرق الفساد، فأطلعه ~~على مرامه، فسهله له قائلا: إنها أسيرتك وليس لها ملجأ غيرك، ويستحيل عليها أن ترفض ~~طلبك. # وجاء الرسل من قبل الأمير عمر الفضل طالبين فك الأسرى، وأخبروا الأمير حسانا أن الأميرة ~~سلمى مخطوبة لأمير إنكليزي، فهاله الخبر لكنه لم يصدقه، وسأل الأميرة هند عن حقيقته، ~~فاستغربت ذلك ولم تسأله عمن أخبره به، ms134 بل قالت له: إنها غير مخطوبة لأحد. # فسري عنه واستدعى الرسل، وقال لهم إنه يرد أم الأمير عمر إليه إن هو افتداها بمائة ناقة ~~ومائتي جمل، وأما الأميرة هند وأولادها فليسوا أسرى بل هم ضيوف عليه، وقد أنزلهم على الرحب ~~والسعة، وهو أولى منه بحمايتهم وسيبقون في حماه إلى أن يسكن الاضطراب في جبل لبنان، ثم ~~يردهم إلى بلادهم آمنين. وكان معه رجال من شيوخ قبيلته فأشاروا عليه أن يرد أم الأمير عمر ~~إليه حالا حسما لأسباب النزاع، وأن ما غنموه من الماشية يكفي بدل ما فقده تجارهم، فاستصوب ~~رأيهم ونادى الرسل، وقال لهم: «هوذا أم الأمير عمر، فخذوها لا فداء ولا فكاك، لكي تعلموا ~~أننا أكرم منكم، وأن ليس غرضنا العداء، وإنما الأخذ بالثأر ورد ما سلبتموه من رجالنا.» ثم ~~أمر لها بهودج، وأرسل معها جارية لخدمتها، فرأوا أن لا سبيل لهم للاعتراض ولا للادعاء بأن ~~الأميرة سلمى مخطوبة؛ لأنها هي كذبت الخبر فعادوا من حيث أتوا. # ومرت الأيام والأمير حسان يزيد توددا إلى الأميرة سلمى وهي تزيد منه نفورا، وقد ظلم ~~الحب من سمى مثل هذا حبا؛ لأنه ميل شهواني دنس، وضعفت سلطة زوجته عليه بازدياد شغفه ~~بالأميرة سلمى، فصار يتهددها بالطلاق كلما لامته، وأسقط في يد الأميرة هند، ولم تعلم كيف ~~تنجو من هذه البلية، أما ولداها فأخذتهما الغيرة والأنفة وعزما على الفتك به إن لم يرعو عن ~~غيه، ولازمت الأميرة سلمى خيمة أمها ولم تعد تخرج منها، وقل أكلها فنحلت وذبلت، ومرت ~~الأيام والشهور وهي تزيد سقما ونحولا، وذلك الطاغية يزيد جرأة وقحة، وأخيرا اتفق مع ~~نديمه على أن يبعد الأميرة سلمى عن أمها، وينقلها إلى خيمة بعيدة، ويحضر الشيخ ويكتب كتابه ~~عليها غصبا، فاحتال النديم عليها ذات يوم واحتملها هو وغلمانه وساروا بها خلسة إلى تلك ~~الخيمة، فركضت أمها حافية حاسرة إلى خيمة ولديها وهي تلطم وتنوح، فاختطف أحدهما سيفا ~~والآخر هراوة وأسرعا وراء أختهما فلاقاهما الأمير حسان ورجاله وقبضوا عليهما واعتقلوهما، ~~وجاء الشيخ ليكتب ms135 كتاب الأميرة سلمى، فسأل: من ولي أمرها؟ ففطنت إلى قوله وقالت: أنا ولية ~~أمر نفسي ولا أريد الاقتران بهذا الرجل مطلقا. قالت ذلك وهي لا تدري كيف أتتها القوة لتنطق ~~بهذا القول لشدة ما حل بها من الجزع، ولكن النفوس الكبيرة يظهر مضاؤها في المكاره. فقال ~~الشيخ: إذن لا أستطيع أن أكتب كتابها. والظاهر أن الأمير حسانا لم يكن يتوقع هذا السؤال، ~~فوقف مبهوتا لا يدري ماذا يفعل، فأشار إليه نديمه وانفرد به، وقال له: ليس لك إلا أن تذلها ~~هي وأمها حتى تصغر نفساهما وتضطر أن تفتدي أمها بنفسها. فقال : أصبت. وأمر أن تخرجا من ~~خيمتهما وتنقلا إلى خيمة صغيرة، وتقدم لهما لوازم الطعام فقط، وتجبرا على إعداده ~~بأيديهما من عجن وخبز وطبخ، وأقام عليهما الجواسيس، وأبقى الولدين بعيدين عنهما. # الفصل الخامس والثلاثون # | الاحتفال في الحرش # أشرقت الغزالة وانتشرت أشعتها على ساحل بيروت، فتململ ندى الليل من حرها، وتجمعت نقطة على ~~أوراق القلقاس كالدر، وانبسطت على أوراق التوت كأغشية الحرير، ثم ركبت متن الهواء وطارت إلى ~~أعالي الفضاء، فغطى الضباب تلك الهضاب ساعة من الزمان، ثم تقشع عنها وصفا أديم الأرض ووجه ~~السماء، وجفت الرمال إلا حيث وقع عليها ظل الصنوبر، ثم امتد الجفاف إليها كلها، وعلا صرير ~~الصراصير. # ما هذه النصب العالية! وما هذا الشعاع الذي يزري بشمس الضحى! دكة تعلوها قبة فوقها نصب ~~يناطح السحاب، وفي وجهه سيوف منظومة بعضها مع بعض كالشعاع المنتشر من كوكب دري حوله أكاليل ~~الأزهار، وشعار الأمة الفرنسوية وأعلامها منتشرة ومجموعة على أشكال شتى تأخذ بالأبصار ~~رونقا وبهاء. # وما هذه الأطناب النازلة من أعلى القبة كأعمدة الصبح وقد التفت عليها أكاليل الأزهار ~~والرياحين، وامتدت كالهواجر إلى أبعاد شاسعة! # الميدان واسع بين الصنوبر والبساتين في ضاحية بيروت تستعرض فيه ألوف الجنود من عهد ~~إبراهيم باشا ومن قبل عهده، وهو الآن مزدحم مكتظ ترمي فيه الرمل فيقع على رءوس الناس، إلا ~~في دائرة كبيرة حول الدكة والنصب تركت فراغا للولاة والقواد ورؤساء خدمة الدين ms136 وأعيان ~~المدينة، وأمامها مركبات المدافع والخيول مقرونة بها، والجنود وضباطهم بأفخر الملابس ~~والحلل. # بم بم بم! شهب تلمع ورعد يصقع، والناس يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر ~~الموت. # بم بم بم! ارتفعت أعمدة الدخان وسردقت فوق تلك الجماهير فحجبت عنها أشعة الهاجرة، ~~ثم صمت كل صوت وسكن كل متحرك، وتقشع الدخان وظهر على الدكة تحت القبة حبر جليل القدر بحلته ~~الحبرية حوله لفيف من الكهنة، يسبح الله بألحان شجية، وتحته رؤساء الأنام بملابسهم الرسمية ~~ثياب مقصبة، ونياشين تتألق في الصدور، وربات الجمال بالحلى والحلل، خصور كالخواتم، ووجوه ~~كالبدور، وقد أفرطن في توسيع أردانهن وأذيالهن، فوقعن كالأبراج المستديرة تبتدئ بدائرة لا ~~يقل قطرها عن الباع، ثم تستدق رويدا رويدا إلى أن تنتهي بخصر يصح فيه قول من قال: # تكاد لهضم الكشح تجعل عقدها # نطاقا كما يستبدل المثل بالمثل # وحولهم الجنود من الفرسان والمشاة ستة آلاف من رجال فرنسا ونخبة شبانها، ووراءهم جمهور ~~لا يحصى عدده من الرجال والنساء والأولاد يموج كالبحر الزاخر. # خشعت الأبصار واشرأبت الأعناق إلى أن انتهى الكهنة من الصلاة والترتيل، فعزفت الموسيقى ~~بالسلام السلطاني ثم بالسلام الإمبراطوري، وعادت المدافع إلى الدوي وتلتها الحركات الحربية، ~~فسار المشاة صفوفا وانتظموا قلعة كبيرة، المدافع والمهمات في وسطها والفرسان وراءها، وصدرت ~~الأوامر من القواد، فأطلقت البنادق طلقات متوالية يتخللها إطلاق المدافع، وسردق الدخان ~~ثانية فحجب الشمس واستظلت الجماهير بظله. # دام الاحتفال ثلاث ساعات كأنها ثلاث دقائق، والموسيقى تعزف والجنود تهتف والمدافع تقصف، ~~وأهالي بيروت ينظرون مدهوشين، يزحم بعضهم بعضا ولا يتنفسون الهواء إلا من فوق ~~رءوسهم! # ثلاث ساعات دام الاحتفال، سبقتها ثلاث ساعات ازدحمت فيها الجماهير، وتلتها ثلاث ساعات حتى ~~انحل عقدهم وانفض جمعهم، النهار كله من الضحى إلى الأصيل والناس مزدحمون لا طعام ولا شراب، ~~بل بعضهم جاء قبل الشمس ولم يستطع أن يعود إلا بعد مغيبها، ولولا باعة الكعك وسقاة السوس ~~لضاقت النفوس من الجوع والعطش، أما كبراء القوم فقدم لهم أفخر أنواع الطعام والشراب. # ولكن هل كان الوالي ms137 أطيب نفسا من ساقي السوس؟! وهل كانت زوجة الجنرال أطلق وجها من ~~بياعة اللبن؟! هل كان أحد من المجتمعين في الدائرة الوسطى من الحكام والقواد والأحبار ~~والتجار والشرفاء والأغنياء الذين أكلوا حلواء باريس وشربوا خمر شمبانيا؛ هل كان أحد منهم ~~أنعم بالا من المزدحمين حول تلك الدائرة من أهالي بيروت والقرى المجاورة؟! قال أحد ~~الفضلاء: إن في كل متر مربع من أكواخ الفقراء فرحا وسرورا أضعاف أضعاف ما في كل متر مربع ~~من قصور الأغنياء. إيطاليا أفقر ممالك أوروبا، ولكنك لا تجد غناء وطربا في مملكة أخرى كما ~~تجد فيها! وإسبانيا تتلوها في الفقر، ولكن سكانها يرقصون ويطربون أكثر من سكان إنكلترا ~~وفرنسا! # والذين شاهدوا ذلك الاحتفال من أهالي بيروت وضواحيها، حسبوا أن الجنود الفرنسوية احتلت ~~سورية ولن تخرج منها، فتمت أمنية فرنسا التي تمنتها من زمن حروب الصليب وأمنية فريق كبير من ~~سكان سورية، ومضت الشهور والجنود تزيد توددا إلى الأهالي، والأهالي لا يجدون سببا للشكوى، ~~بل لم يجدوا إلا كل ما يستحق الشكر، إذ كثرت الأموال وراجت الأعمال وشيدت المباني الفخيمة ~~في بيروت، وساعدت العساكر أهالي لبنان في بناء بيوتهم المحروقة. # كان مارون ونقولا التاجران قد اشتريا بساتين كثيرة في سقي بيروت وأراضي فسيحة في المدينة، ~~فربحا ربحا وافرا بارتفاق أثمانها وبغلاء سعر الحرير، ولم يكن نصيب غنطوس السمسار وعبد ~~الله الوكيل قليلا، ورأى الخواجه بخور والخواجه شمعون أن ابتياع الأملاك أربح من تديين ~~النقود، فعضا أصابعهما ندامة على فوات الفرص، وبادرا إلى مشترى ما يمكن مشتراه من الأراضي ~~التي قرب ساحة السمك؛ إذا بلغهما أن المدينة ستمتد من تلك الجهة. # واجتمع جماعة من الوجوه في بيت كبير من كبراء بيروت، وكان الشيخ درويش أبو فخر معهم أتى ~~من غير دعوة شأن كل فضولي، ودار البحث على الأحوال الحاضرة بعدما قتل فؤاد باشا والي دمشق ~~وكثيرين من المأمورين والضباط واعتقل والي بيروت. فقال واحد من الحضور: إن الإفرنج رشوا ~~الوزير حتى فعل هذا الفعل المنكر. وقال آخر: بل، ms138 إنه فعل ذلك بأوامر من إسطانبول لكي يسكت ~~دول أوروبا. وكان بين الحضور رجل دمشقي أتى حديثا من دمشق وشهد ما حدث فيها، فقال لهم: إن ~~الوزير لم يفعل عشر معشار ما يطلب منه، فأنا قد شاهدت كل ما حدث في الشام، ولولا لطف المولى ~~وشهامة الأمير عبد القادر ما أبقوا أحدا، والعملية مدبرة من إسطانبول، اعترفنا بذلك أو لم ~~نعترف، ولا أقول إن القصد قتل هذا المقدار من الأهالي، بل إيقاظ الفتنة لكي تتداخل دول ~~أوروبا على ما قال لي أحد العارفين بدخائل الأمر، والظاهر أن أصحابنا لا يهمهم خربت الدنيا ~~أو عمرت إذا كان لهم غرض سياسي. # فقال له آخر: وما هو هذا الغرض السياسي؟ هل يريدون أن يسلموا البلاد للإفرنج؟! قبحهم الله ~~وقبح سياستهم! فإنها كلها نفاق بنفاق. # وقال الشيخ درويش: الحق في يد الشيخ مصطفى، فإني أنا سمعت الوالي يقول لمشايخ الدروز إنه ~~يساعدهم ويحميهم، ولما زارني في رمضان الماضي قال لي: يا أبا فخر يجب أن تجتهد وتستميل ~~الأمير أحمد رسلان. فعملت كل واسطة معه، والمسألة مدبرة كما قال الشيخ مصطفى، ولكن ما عمره ~~خطر ببالي أنها تطلع في الآخر من رأس الوالي ويلقى كل اللوم عليه. # فقال الشيخ مصطفى: حبسوه يومين على عيون الناس وبعدها يفرج عنه. # فقال الشيخ درويش: ولكن والي الشام قتلوه. # فقال الشيخ مصطفى: قتلوه لأنه كان عنده أوراق فيها أوامر سرية وتهددهم بها، فقتلوه حتى ~~يخفوا الخبر، أنا لا أحط بذمتي ولكن الإشاعة مالئة الدنيا، ويقول البعض إنهم رأوا الأوامر ~~بعيونهم. # فقال آخر: ما قولكم الآن هل تبقى العساكر الفرنسوية هنا؟ # فأجابه أبو فخر: لا أحد يخرجها إلا الإنكليز مثلما أخرجوا بونابارته من عكا، وقواس قنصل ~~الإنكليز صاحبي وهو يمر يشرب عندي قهوة كل يوم، وقال لي من يومين إن العسكر الفرنسوي دخل ~~على هذا الشرط أنه يبقى حتى تصطلح الأحوال، ثم يخرج وهو سمع هذا الكلام من الترجمان، ~~والترجمان صاحبي أيضا من زمان طويل، ولو سألته لكان خبرني. # الشيخ ms139 مصطفى ~~: # الله لا يحكم الإفرنج فينا، ولكن الحق أولى أن يقال؛ من حين ما أتوا إلى هنا ~~راجت الأشغال واصطلحت أحوال الحكومة، وإذا فرضنا بقاء الفرنسوية هنا وعفونا من ~~العسكرية كما تعفي الدولة النصارى؛ كان ذلك أفضل لنا. # فأجابه الشيخ درويش: إن الفرنسويين لا يعفون أحدا، أما رأيت عساكر المغاربة؟ وأنا قد ~~تصادقت مع كثيرين منهم وزاروني في بيت، فعرفت منهم أن الفرنسوية تأخذ العساكر من ~~الجميع. # وبعد أخذ وعطاء على هذا النمط قر قرارهم على أن لا يحركوا ساكنا، وعلى أن يوصوا الجميع ~~بالتزام السكينة إلى أن يروا ما يحدث في الأستانة؛ لأن بعضهم كانوا يتوقعون حدوث أمر ذي بال ~~فيها. # الفصل السادس والثلاثون # | مؤتمر بيروت # اجتمع معتمدو الدول الست الموقعات على عهدة باريس، اجتمعوا في مدينة بيروت للنظر في حوادث ~~لبنان، وغرضهم: البحث عن الجانين وعقابهم، والتعويض على المجني عليهم، وإنشاء حكومة للجبل ~~يؤمن معها حدوث ما حدث. ورأى المؤتمر أن يقدم الأهم على المهم، فنظر أولا في مسألة ~~التعويض؛ لأن الشتاء كان على الأبواب وأراد أن يعطي أولئك المساكين ما يسدون به جوعهم، ~~ويكسو عريهم ويساعدهم على بناء بيوتهم إذا أرادوا العودة إليها، وانتقل بهيئته إلى دمشق، ~~ورأى ما حل بها من الدمار، وقدر الخسائر بثلاثة ملايين من الجنيهات، وبعد بحث طويل واهتمام ~~الوزير بتقليل التعويض المطلوب إلى أقل ما يمكن الوصول إليه؛ عين مقداره، وقيل إنه قيمة ~~المسلوبات أو ما يراد رده منها، وكتبت القوائم في ذلك، ولكنها كانت مأكلا لأهل الطمع، ولم ~~يصل إلى الفقير منها إلا شيء لا يذكر، وقد طبع الناس على الظلم حتى وهم متساوون فيه وراسفون ~~في قيوده بظلم بعضهم بعضا، خلق في الإنسان موروث من الحيوان لا يفلت منه إلا قليلون، وكم ~~من مرة وقفت أرملة مسكينة وطفلها على ذراعها أمام بيت رجل كبير من أهالي بلدها، تطلب منه أن ~~يحن عليها بجزء مما سمح به لها من مسلوباتها وهو ينتهرها ويقول لها «لم أقبض شيئا» أو ~~«هذا كل ما ms140 سمحوا لك به» ويعطيها ربع ما أخذ! ومما زاد الطين بلة أن المسلوبات قسطت ~~أقساطا، وأعطيت بها سندات، فجعل الصرافون يشترونها من أصحابها بأقل من قيمتها، فقل ما ~~نال أصحابها منها. # ولما انقضي البحث في مسألة التعويض، انتقل أعضاء المؤتمر إلى البحث في المسألة الأولى؛ أي ~~عقاب المجرمين، فطلب فؤاد باشا من رؤساء النصارى أن يكتبوا أسماء كل الذين يعلمون أنهم ~~ارتكبوا الجرائم، فارتكبوا الشطط حتى صار أعضاء المؤتمر عليهم بعد أن كانوا معهم؛ فاضطروا ~~أن يعدلوا طلبهم، وما زالوا يعدلون وأعضاء المؤتمر يطلبون المزيد في التعديل إلى أن انحصر ~~الطلب في نفر قليل من أعيان الدروز، فقبض عليهم وأودعوا السجن، وفي جملتهم الأمير أحمد ~~أرسلان. # وعاد المؤتمر إلى النظر في الأمر الثالث؛ وهو إنشاء حكومة منظمة في جبل لبنان يؤمن بها ~~العودة إلى مثل ما حدث فيه، فبحث في هذا الموضوع طويلا، وقرر أعضاؤه بعد النظر والروية أن: ~~يتولى إدارة الجبل متصرف مسيحي تختاره الدولة العلية بالاتفاق مع سفراء إنكلترا وفرنسا ~~وروسيا، ويساعده مجلس إدارة ينتخب أعضاءه سكان الجبل، فهو كمجلس الشورى في البلدان ~~الدستورية، وقرروا سن دستور لإدارة الجبل على غاية الدقة، وفرضت المساواة التامة بين جميع ~~سكانه، وانتهت جلسات المؤتمر في أوائل شهر مارس. # الفصل السابع والثلاثون # | النجاة من السجن # هذا يومك يا مسرور، سيدك في السجن وأخاف أن يقتلوه؛ لا لأنه مجرم مثل غيره، بل لأنه كان ~~يتردد على قنصل الإنكليز، فلا بد لك من تخليصه، وقد عرضنا الأمر للقنصل، فوعدنا خيرا وهو ~~صادق في وعده، ولست خائفة منه بل من أولاد الحرام أن يغدروا بأحمد، فخذ ما شئت، هذه عشرة ~~آلاف غرش خذها، وبرطل بها السجان أو برطل من تريد، وإذا ما كفت فخذ غيرها لحد مائة ألف ~~غرش، وأنا اعتمادي عليك بعد الله، ولا تخبر أحدا على الإطلاق بل دبر كل شيء وحدك، ولكن لا ~~بد من العجلة؛ لأني خائفة جدا أن تضيع الفرصة علينا. آه يا ربي! ما هذه المصيبة؟! من أين ~~أتتنا ms141 هذه البلية؟! قلت له ألف مرة: مالك ولهذه الاجتماعات؟! قلت له: انزل بنا إلى بيروت ~~وخلصنا من أولاد عمك ومن مشايخ العقل، قلت له: امش مع قنصل الإنكليز مثلما مشى المرحوم ~~والدك؛ فما سمع مني. الله يجازي الذين كانوا السبب، الله يخرب بيوتهم مثلما خربوا بيوت ~~الناس! قم يا مسرور وخذ ما شئت، ولا تدعني أرى وجهك إلا وأحمد معك (قالت أم الأمير أحمد هذا ~~القول والدمع ملء عينيها). # فقام مسرور ووضع نصف النقود في كمره ونصفها في كيسه، وهي مائة ليرة فرنسوية، وركب إلى بيت ~~الدين حيث كان أمراء الدروز ومشايخهم مسجونين، وجعل يتردد على السجان ويشرب معه الدخان، ~~ولما استوثق منه أعطاه عشرين ليرة، فجحظت عينا الرجل؛ لأنه لم ير في حياته نصف هذا المبلغ ~~في يده، واتفقا على أن يسكرا الخفراء؛ لأنه خاف أن يرشوهم فلا يكتموا السر كلهم، واشترى ~~مبردا كبيرا من بيطار، وأحضره إلى السجان، فأوصله إلى الأمير أحمد لكي يقطع به القيود من ~~رجليه، وانتظروا إلى أن كانت ليلة مظلمة من ليالي المحاق، تلبدت الغيوم في سمائها، وحجبت ~~نجومها، فدخل السجان وأخرج الأمير أحمد، وسار به الهوينى إلى أن وصلا إلى الباب الخارجي، ~~فوجدا الخفراء قد استيقظوا وأوقدوا نارا أضاءت ما حولهم، فعاد به من حيث أتى، وجاء مسرور ~~في الصباح فأخبره السجان بما جرى، ووصل إلى مأمور السجن في ذلك اليوم كتاب من غير إمضاء ~~يقال فيه إن أحد الأمراء المسجونين عازم على الفرار، فتعهد أبواب السجن وأقفلها بنفسه وضاعف ~~عدد الخفراء. # واجتمع مسرور بالسجان فأخبره السجان بما حدث، فعزم أن يذهب إلى المأمور ويرشوه، ولكنه لم ~~يجد إليه سبيلا، فعاد يفكر في الأمر فلم يجد أسلم من أن يقيم مقام الأمير أحمد، فرجع إلى ~~الشويفات وأحضر عبدا آخر من عبيد مولاه وصباغا أسود، وأتى به إلى السجن ليعطيه للأمير ~~أحمد حتى يصبغ به وجهه ويديه. # فتمت الحيلة ووضع مسرور القيود في يديه ورجليه بدل مولاه، وخرج الأمير أحمد من السجن، ~~وسار مع ms142 عبده الآخر، وجعلا يسريان ليلا ويختفيان نهارا إلى أن وصلا بلاد بشارة، واختفيا ~~عند الشيخ نصار أحد مشايخها، ومرت ثلاثة أيام ومسرور يدعي أنه مريض في سجنه لا يخرج منه، ~~وأخيرا دخل المأمور يفتقد المسجونين، فرأى العبد مسرورا بدل الأمير أحمد، وشاع الخبر ~~حالا في بيت الدين، وقامت له البلاد وقعدت، وقبض على السجان وأودع السجن، وتحدث مؤتمر ~~المعتمدين بهذا الأمر، وأصر معتمد فرنسا على معاقبة العبد والسجان والتفتيش عن الأمير أحمد ~~ومعاقبته أيضا، وكان فؤاد باشا مؤيدا له، وخالفهما لودر دفرن معتمد إنكلترا؛ لأن الكولونل ~~روز كان يعتقد براءة الأمير أحمد، ولو لم تكن لديه الأدلة الكافية على ذلك، وقد أعجب بشهامة ~~العبد مسرور، كما أعجب بها كل من سمع عنها، وأرسل الرجال للتفتيش عن الأمير أحمد في كل ~~أنحاء الجبل وجهات الولاية، ووصل ثلاثة منهم إلى قرية الشيخ نصار الذي كان الأمير أحمد ~~مختفيا فيها، وكانوا متنكرين فلما وصلوا إلى العين التي يستقي منها نساء القرية جلسوا ~~وأخرجوا زادهم وجعلوا يأكلون، وطلبوا الماء من النساء ليشربوا فامتنعن؛ لأنهن يتنجسن من كل ~~من يشرب من آنيتهن من غير المتاولة، وأخيرا أتت امرأة من نساء النصارى بجرتها وسقتهم، ~~ووقفت تتحدث معهم ووقف غيرها من النساء معها، واجتمع بعض الأولاد فأشارت عليهم إحدى النساء ~~أن ينزلوا في المنزول في دار الشيخ نصار، فقالت أخرى: إن عند الشيخ نصار ضيوفا. فقالت ~~الأولى: هؤلاء ليسوا ضيوفا، بل هم أمير من أمراء جبل لبنان وعبده. فأسكتتها الثانية قائلة: ~~إن هذا الكلام لا أصل له. والتفتت إليها وعضت على شفتها، فأدرك الرجال حالا أن ضالتهم ~~المنشودة في بيت الشيخ نصار شيخ تلك القرية، لكنهم تجاهلوا ذلك، وبقوا في مكانهم إلى أن ~~انصرف النساء عنهم، وقر قرارهم على أن يعود واحد منهم إلى بيروت يخبر بما سمعوا، ويبقى ~~اثنان منهم في القرية أو ينزلا ضيفين على الشيخ نصار؛ ليراقبا حركات الأمير أحمد ~~وسكناته. # فعاد أحدهم وسار الاثنان الباقيان إلى دار الشيخ نصار، ونزلا في المنزول الذي ms143 ينزل فيه ~~الضيوف، وهو غرفة كبيرة فيها فرش كثيرة، يزورها الشيخ كل يوم ليرى النزول فيها ويسألهم عن ~~راحتهم، ويقدم لهم الطعام في أوقاته الثلاثة من غير أن يسألوا عن غرضهم، لكن الشيخ أوجس ~~خيفة لما رآهما، فرحب بهما على جاري عادته، وأخبر الأمير أحمد بذلك وأخرجه في ظلمة الليل من ~~باب سري، وأرسل معه اثنين من خدمه ليوصلاه إلى حدود بلاد حوران فيصير في بلاد الأمان؛ لأن ~~حوران ملجأ الدروز وليس للدولة كلمة نافذة فيها. # فسار الأمير أحمد معهما ماشيا على قدميه بزي فلاح من فلاحي تلك البلاد الذين يذهبون إلى ~~حوران للتعيش فيها، ولم يأخذ عبده معه لئلا يعرف به، بل أمره بالعودة إلى الشويفات ليخبر ~~أمه بسلامته، وبأنه صار في بلاد الأمان، وقد كان معتادا المشي مسافات طويلة يخرج إلى الصيد ~~في الصباح فلا يعود إلا بعد الظهر، وقد يقضي النهار كله ماشيا على قدميه؛ يصعد في التلال ~~وينزل إلى الأودية، ولا يشكو تعبا؛ لا لأنه لا يتعب من المشي، بل لأن خفة روحه كانت تنسيه ~~التعب، أما الآن فكان الهم قد أنهك قواه، واشتد لومه لنفسه؛ لأنه ما فعل حسب مشورة أمه، ~~وانتقل إلى بيروت، وانقطع عن مجاراة قومه، لا سيما وأنه كان يعتقد أنهم مخطئون في عملهم، ~~وكانت صورة ابنة خالته الأميرة سلمى لا تزال أمام عينيه، وقد انقطعت أخبارها عنه بعد أن رحل ~~بها أبوها عن حاصبيا ووصله نعيه، ولكنه لم يصله من مصدر يوثق به ولا كتبت إليه خالته في هذا ~~الشأن، ورأى المستقبل كله مظلما أمام عينيه، فجلس على عين ماء في ظل صخر وغسل يديه ووجهه ~~وكان التعب قد أخذ منه كل مأخذ، فاتكأ على الصخر وران سلطان الكرى على جفنيه، وحلم أنه وصل ~~إلى بلاد حوران، فأحله شيخها على الرحب والسعة، وصار يركب مع قومه، ويغزو العرب المجاورين ~~لهم، فوقع في أيديهم أسيرا ووضعوا القيود في يديه ورجليه وضيقوا خناقه، ورأى الأميرة سلمى ~~وهو على تلك الحالة، فإذا هي مع ms144 الجواري تحلب البقر وعليها ثياب أسمال، وسيدتها تشتمها ~~وتضربها، فهب لكي ينقذها منها، ونسي قيوده وسلاسله فوقع وأصاب جبينه الصخر فشدخه، فنهض من ~~نومه والدم ينزف من جبهته، فقال: هو حلم ولكن ما أقبحه! وعاد يغسل جبينه إلى أن انقطع ~~الدم. # شمعون ~~: # قللوا التعويضات حتى لم يبق منها شيء يذكر، قدروا تعويضات الشام بثلاثمائة ألف ~~كيس، وأنزلوها إلى مائة وخمسين ألفا، والآن مراد الوزير أن ينزلها إلى خمسة وسبعين ~~ألفا فما عادت تحرز. # بخور ~~: # إن الدولة لا تدفع نقودا بل تعطي سندات عليها بالمبالغ التي يلزم دفعها، ويمكننا ~~أن نشتري هذه السندات بأقل من ثمنها الأصلي عشرين أو ثلاثين في المائة، وهذا باب ~~واسع للربح يجب أن لا نتغاضى عنه. # شمعون ~~: # كلا وليس لنا مناظر الآن فيه، ولكن بلغني أن مرادهم أن يفتشوا عن المسلوبات كلها ~~ويستردوها، فماذا فعل يوسف بالصيني الذي اشتراه وبسائر الأمتعة المنهوبة؟ # بخور ~~: # صرف بعضها، وأرسل البعض الآخر إلى مصر وهي مطلوبة هناك. # شمعون ~~: # لقد أحسن فيما فعل؛ لأنه بلغني أن القناصل والمعتمدين يشددون لاسترجاع كل ~~المنهوبات، وهل تظن أن العساكر الفرنسوية تبقى هنا؟ # بخور ~~: # لا أظن ويظهر من المكاتيب التي أتتني أول أمس أنهم يرحلون في أوائل الصيف، وكانت ~~فرنسا طلبت أن يعين والي الجبل من بيت شهاب، ولكن إنكلترا اعترضت على ذلك والدولة ~~معها، ولا يبعد أن يعين الوالي من الخارج، وعلى كل حال، إله آبائنا معنا وهو يدبر ~~كل الأمور لخيرنا. # الفصل الثامن والثلاثون # | السلطان عبد العزيز # «ما هذه المدافع يا أمي؟ فقد عددت منها أكثر من تسعين مدفعا ولم أبتدئ من الأول!» # هذا ما قالته فتاة جالسة أمام منصبين من الطين، فيهما قصب قائم، عليه قفل من الحرير حسب ~~اتساع الدواليب البلدية التي كان الحرير يحل ويلف عليها، وبيدها كوفية تكبه عليها حتى يصير ~~أقفالا صغيرة، وهي في نحو العاشرة من عمرها، وليس في الغرفة التي كانت فيها غير صندوق عليه ~~فرش، ولحف مطوية، وبعض آنية الطبخ من كانون وقدور وصحاف؛ غرفة ms145 حقيرة ولكنها نظيفة، لا ترى ~~فيها ذرة غبار ولا رائحة خبيثة، بل بالضد من ذلك ترى أمامها خميلة فيها الرياحين العطرية ~~والأزهار الجميلة الألوان من الريحان، والأفسنتين، والقرنفل، والفل، والياسمين، وقد تضوع ~~أرجها في الغرفة وامتزج بهوائها الراح بالماء، وهناك ورد جوري ولكن أزراره تقطف قبلما تفتح ~~لكي يخرج منها ماء الورد، فإن صاحب البيت بناء وأجرته كافية لمعيشة بيته، ولا سيما في ذلك ~~الوقت؛ إذ ارتفعت الأجور لكثرة المباني التي كانت تبنى بمال الإحسان تشغيلا للناس، ولكنه ~~كان يتقاضاها يوم السبت، ويسكر بها يوم الأحد، ويقضي يوم الاثنين نائما من أثر السكر، وهذا ~~دأبه، فتضطر زوجته أن تسلك الحرير، وتخرج ماء الورد لمعيشة بيتها، وكانت تكتسب هي وابنتها ~~ما يكفيهم. # فقال لها أمها: سمعت المدافع وأنا آتية، وسمعت الناس يقولون إنه مات السلطان عبد المجيد، ~~والتقيت بالخوري عند مدخل البستان، فبست يده وسألته عن الخبر فقال إنه صحيح، وقد سمعه في ~~البطركخانة ولكنه طمن بالي. # فنظرت الابنة إلى أمها مدهوشة، وقالت: «مات السلطان»، وحاولت أن تدرك معنى هذا الكلام فلم ~~تدركه، فإنها تذكرت أيام الخوف الماضية حينما قتل رجل واحد، وكيف أنها هربت مع أمها ~~وإخوتها إلى بيت خالها، وتأخر أبوها عن الرجوع إلى نصف الليل فقلقوا عليه، لكنها فهمت من ~~قول أمها أن الخوري طمنها، وقال لها إنه ليس هناك ما يخشى منه، وهو رجل صالح وكل الناس ~~يقبلون يده ويحترمونه لكبر سنه ولصلاحه، فصمتت ولم تقل شيئا، ولكنها بقيت تنظر إلى أمها من ~~وقت إلى آخر لترى ما إذا كانت مطمئنة أو مضطربة. # وسمع كل أهالي بيروت صوت إطلاق المدافع، وكان جرجس يكيل ثوبا من القماش لامرأة اشترت منه ~~عشر أذرع، وهو جالس متربعا في دكانه بسوق البزركان والدكان مرتفع عن أرض السوق قدر متر، ~~وبابه غلقان: أحدهما يرفع إلى أعلى ويسند بعصوين، فيصير مثل مظلة فوق الدكان تقي الواقفين ~~أمامه من الشمس والمطر، والآخر ينزل إلى أسفل فلا يكاد يصل إلى الأرض، وارتفاع الدكان عن ~~أرض ms146 السوق مترا يقيه من السيل الذي يجري في أسواق بيروت كلما اشتد وقوع المطر فيها، فلما ~~سمع أصوات المدافع ارتجفت يداه وأبطل الكيل ورد الثوب إلى مكانه، وخافت المرأة فسدلت ~~منديلها على وجهها، وسارت في طريقها مسرعة، واتفق أن مر رجل من التجار الكبار في تلك ~~اللحظة، وكان جرجس يعرفه فاستوقفه وسأله عن سبب إطلاق المدافع، فأسر في أذنه قائلا: مات ~~السلطان عبد المجيد ونصبوا السلطان عبد العزيز. فسأله جرجس: هل من خوف علينا؟ فرفع التاجر ~~راحتيه وأشار بشفتيه إشارة من يقول لا أعلم، ولكن الأمر لا يخلو من الخطر. # وكانت أعناق أصحاب الدكاكين المجاورة قد تطالت كلها ليسمعوا ما يقوله التاجر، ولم يكد ~~جرجس يرى إشارته حتى نزل من دكانه ونزع الدروندين، وأنزل الغلق الأعلى ورفع الأسفل وأقفل ~~الباب، فاقتدى به أكثر أصحاب الدكاكين، ولم تكن إلا دقائق قليلة حتى لم تعد ترى دكانا ~~مفتوحا في تلك السوق، وأقفل كثيرون دكاكينهم في سائر الأسواق وأسرعوا إلى بيوتهم، وجعل ~~الناس يتكلمون همسا ولا يجترئ أحد أن يرفع صوته، كأن آثار الجور والظلم رسخت في نفوسهم ~~رسوخ الطبائع، وتوارثوها خلفا عن سلف، فلا يحدث حادث حتى تراهم يذعرون ويهربون إلى بيوتهم، ~~كأنه بفعل عصبي منعكس لا دخل للإدارة فيه ولا لقوة أخرى من قوى العقل. # وكان نساء مسلمات ومسيحيات في مار إلياس يفين بنذورهن، فذعرن لما سمعن أصوات المدافع، ~~وجعلن يضرعن إلى مار إلياس أو الخضر ليلطف بهن ويقي عيالهن، وهن في ذلك سواء كأنهن من مذهب ~~واحد لا فارق بينهن. # وخرج أبو فخر من بيته ليسأل عن سبب إطلاق المدافع، فالتقى بالشيخ مصطفى صاعدا من ~~المدينة، فأخبره بموت السلطان عبد المجيد وتنصيب السلطان عبد العزيز، فقال: الحمد لله، فقد ~~نجانا الله من احتلال الفرنسوية لبلادنا، وأعطانا سلطانا لا يفضل الإفرنج علينا. # فقال له الشيخ مصطفى: ومن قال إن السلطان عبد المجيد كان يفضل الإفرنج علينا؟! فأجابه: ~~الظاهر أنك غائب عن البلد، ألا تعلم أن كل هذه الحركات والقلاقل مسببة عن ms147 ذلك؟! ولكن هذا سر ~~لا يعرفه غيري، أطلعني عليه الوالي لما زارني في رمضان الماضي. # والتقى مارون بنقولا وقال له: لم نستفد فائدة تذكر من مجيء الفرنسوية، ولم نكد نفرح ~~بمجيئهم حتى خرجوا عن آخرهم، وأخاف أن تهبط أسعار العقارات التي اشتريناها. # فقال نقولا: من كان يظن أن سياسة الإنكليز تغلب سياسة الفرنسويين؟! # فأجابه مارون: لو عرفت من الأول أن الإنكليز غير راضين عن مجيء العساكر الفرنسوية ما كنت ~~خاطرت بقرش واحد؛ لأن سياسة الإنكليز دائما غالبة، ألا تتذكر ما فعلوه بإبراهيم باشا؟ فإن ~~فرنسا كانت معه ولكنهم قوموا أوروبا كلها عليه حتى ألزموه أن يخرج من البلاد ويرجع إلى ~~مصر. # فقال نقولا: ومع ذلك لا أرى أن الأسعار هبطت ولا هي مائلة إلى الهبوط، وأسعار الحرير لا ~~تزال في ارتفاع، ولا بد ما تصطلح الأحوال في أيام السلطان الجديد. # وتذاكر بخور وشمعون في الأحوال الحاضرة، فقال شمعون: كتب إلي ابن خالتي من إسطانبول أن ~~السلطان الجديد سيستدين أموالا كثيرة، فتروج الاشغال وتكثر المكاسب في زمانه. فقال له ~~بخور: متى كتب لك ذلك والسلطان لم يجلس إلا أمس؟! فأجابه شمعون: إنه كتب لي مع البوسطة ~~الماضية، ولكن ابن خالتي وكل أصحابنا في فينا وباريس ولندرا كانوا عارفين أميال السلطان عبد ~~العزيز من قبل أن يتولى، وأمور مثل هذه لا تخفى عليهم. # واجتمع وكلاء الدولة والعلماء في دار رشيد أفندي، وهنأ بعضهم بعضا بانفراج الأزمة، فقد ~~تم كل شيء على ما تمنوا، وخرجت الجنود الفرنسوية من بلاد الشام، وجلس السلطان عبد العزيز ~~على كرسي السلطنة بعد أن وعدهم المواعيد الوثيقة أنه يكف أيدي أوروبا، ولم يتسع نطاق الفتن ~~أكثر مما قدروا، واعترض أحد العلماء على ذلك بأن الجنود أسرفت فيما فعلت، فأجيب أنه لم يكن ~~في الإمكان أن يفعلوا غير ذلك، وأجمعوا على تقديم الشكر لفؤاد باشا لنجاحه التام في العمل ~~الذي انتدب له. # وتلي خطاب الملكة في البارلمنت الإنكليزي، فأشارت إلى وفاة السلطان عبد المجيد، وتنصيب ~~السلطان عبد العزيز، وذكرت ms148 الأول بفضائله وأشارت إلى أسف الأمة الإنكليزية عليه، وذكرت ~~الثاني بما يرجى من النفع منه لبلاده، وشكرت فرنسا على ما أبدته من الغيرة بإرسال جنودها ~~إلى سورية وإلى حفظها لوعودها، وإخراج جنودها منها حالما استتب الأمن فيها لئلا تزيد ~~المسألة الشرقية تعقيدا. # وأشير إلى سورية في مجلس النواب بفرنسا فاعترض زعيم الراديكاليين على خروج الجنود من ~~سورية بهذه السرعة، ولمح إلى ارتشاء قائدهم فانتهره رئيس المجلس، واشتد الجدال حتى كاد يفضي ~~إلى الخصام، وأخيرا طلب الرئيس الاقتراع على الثقة بالوزارة فكانت الأغلبية لها، وأشير إلى ~~هذه المسألة في مجلس الشيوخ، فلم تلق من الاهتمام ما لقيته في مجلس النواب. # الفصل التاسع والثلاثون # | زيارة الوالي # جلس الكولونل روز في مكتبته، وتطلع من الشباك الشرقي المطل على حديقة المنزل، فوقع نظره ~~على أشجار التفاح والخوخ «الدراقن» والرمان، وقد كادت أغصانها تتكسر من ثقل حملها، ورأى ~~البستاني يجول بينها يتفقد ما يقع منها ويلتقطه، ورفع نظره إلى الجبل فرأى الظلال تمر عليه ~~مر السحاب، فتذكر العام الماضي حينما كان الدخان مسردقا عليه من احتراق بيوته، وشكر الله ~~على انقضاء أيام الشدة. # وكان فؤاد باشا قد أرسل إليه في الصباح يقول إنه قادم لزيارته عصر ذلك النهار إذا كان ~~مستعدا لاستقباله حينئذ، فجلس الآن في انتظاره وبعد هنيهة دخل السر هنري، وقال: حان ~~الوقت. فالتفت الكولونل إلى ساعة كبيرة دقاقة قائمة في زاوية الغرفة، وقال: نعم يصل بعد عشر ~~دقائق، وهو يمتاز على غيره من ولاة الأتراك بشدة تدقيقه في الوقت. ثم التفت إلى السر هنري ~~وقال: على ماذا أجمع رأيك؟ # فقال السر هنري: لا بد لي من الذهاب بنفسي، فقد أتاني كتاب من الأمير أحمد أرسلان أنه ~~قائم مع الشيخ إسماعيل الأطرش لمعاونة الأمير عمر الفاعور على بني صخر، ولا أدري على من ~~تدور الدائرة؛ فإن الأمير حسانا أمير بني صخر فارس مغوار لا يصطلى له بنار، والأميرة سلمى ~~في أسره تتجرع مرارة الذل، فإذا رأى أن لا قبل له بمحاربة العرب والدروز، ms149 رحل بقومه جنوبا ~~أو شرقا، وزاد في إذلالها إلى أن ترضى به زوجا لها أو تموت حسرة. # فقال الكولونل: وكيف تذهب بنفسك إذا كانت الحال على ما ذكرت؟! وأي فائدة من ~~ذهابك؟! # السر هنري ~~: # يا حبذا لو أمكنني أن آخذ فرقة من الجنود البحارة الذين في البارجة، فإني أقدر كل ~~واحد منهم بمائة من البدو، الذين أسلحتهم السيف والرمح أو البنادق القديمة ذات ~~الزناد. # الكولونل روز ~~: # إن ذلك غير ميسور؛ لأنه لا يجوز لنا أن نرسل جنودا في بلاد الدولة إلا بقرار ~~دولي خاص، ولا يزال البارلمنت مجتمعا فإذا سمع الأحرار أننا أخرجنا جنودنا إلى ~~البر، أقاموا الدنيا وأقعدوها، متخذين ذلك حجة ضد المحافظين لإسقاطهم من الوزارة، ~~ولكن قد نستطيع أن نطلب من الوالي فيعطينا فرقة من الجنود التركية. # السر هنري ~~: # وما أدرانا أنهم لا ينضمون إلى بني صخر، فنخرج من شر ونقع في شرين؟! # الكولونل ~~: # هذا بعيد الاحتمال؛ لأنهم أميل إلى الدروز منهم إلى البدو، وليس لهم مصلحة خصوصية ~~في الانضمام إلى هذا الفريق أو ذاك، ولا بد ما يفعلون بأمر الوالي. # فصمت السر هنري وفكر في الأمر هنيهة، ثم قال: أظن أن هذا هو الرأي الصواب؛ فنطلب من ~~الوالي مائتي فارس وأنا أقوم بنفقاتهم. # فقال الكولونل: ولا أظن أنه يمانع إذا ذهب معك عشرة من الجنود البحارة لحمايتك. # ووصل فؤاد باشا في الميعاد وكان راكبا جوادا مطهما، وأمامه ووراءه كوكبة من الفرسان ~~فلاقاه الكولونل إلى باب المنزل، وتصافحا وسلم على السر هنري مصافحة؛ لأنه كان قد رآه ~~مرارا في المخابرات السابقة، وجلس الثلاثة في غرفة الاستقبال يدخنون التبغ الجبيلي، ~~ويتجاذبون أطراف الحديث باللغة الفرنسوية، فأبان فؤاد باشا أن مهمته قد انتهت ولا يبعد أن ~~يعود من سورية قريبا، وشكر للكولونل روز وللسر هنري ما أبدياه من المساعدة له هما ~~وحكومتهما، واستطرد الكولونل روز الحديث إلى أحوال الدروز في جبل حوران وأحوال البدو ~~المجاورين لهم، فرآه عارفا بما بينهم من الضغائن، وبنشوب الحرب بين عرب الفضل وبني صخر، ~~وبانحياز ms150 الدروز إلى عرب الفضل، وحاسبا أن هذه الحرب ستضعف الفريقين، فيسهل كبح جماحهما ~~والتسلط عليهما، فأخبره الكولونل أن في أسر بني صخر أناسا يهم السر هنري إنقاذهم منهم، ~~ويود أن يذهب إليهم بحامية من الجنود العثمانية. # فاستحسن فؤاد باشا ذلك، وعرض عليه خمسمائة فارس يرسلهم مع السر هنري، فشكره السر هنري على ~~ذلك، وانتقلوا إلى الكلام على حكومة لبنان، وغرض فرنسا من رد ولايته إلى الأمراء الشهابيين، ~~واعتراض اللورد دفرن على ذلك، فأبان فؤاد باشا أنه كان يفضل أن يقسم الجبل إلى قسمين يضاف ~~قسم منهما إلى ولاية دمشق، وقسم إلى ولاية بيروت، فبين له الكولونل أن الدول الأوروبية لا ~~توافق على ذلك، فليس من الحكمة محاولته أما البقاع فلا بأس بضمه إلى ولاية دمشق؛ لأن أكثر ~~سكانه من غير المسيحيين. # ولما انتهت الزيارة قام فؤاد باشا فودع بما قوبل به من الإكرام. # الفصل الأربعون # | فصل الخطاب # مر على الأمير أحمد أيام لم ير أشد منها إلى أن خرج من حدود الشام ودخل بلاد حوران، ولم ~~يكد يصل إلى تلك البلاد حتى التقى بجماعة من دروز لبنان، فعرفوه وساروا به إلى الشيخ ~~إسماعيل الأطرش، فرحب به وأكرم وفادته وأنزله في أفخر بيوته، وأقام جماعة من رجاله على ~~خدمته، والتف حوله كثيرون من دروز الجبل ومشايخهم الذين هربوا من لبنان، وكانت عيون الشيخ ~~إسماعيل تتسقط الأخبار وتأتيه بها من كل ناحية، فلا يجري شيء في دمشق ولا في لبنان ولا في ~~بيروت ولا في بلاد الجولان كلها؛ إلا ويأتيه خبره، وكان له أصدقاء في بيروت يرسلون إليه بما ~~يبلغهم من أخبار الأستانة وأخبار البلدان الأوروبية، فيقف على أهم الأخبار السياسية، وقد ~~بلغه كل ما حدث في مؤتمر بيروت، وما قر عليه قرار أعضائه من اختيار وال مسيحي للجبل من ~~غير طوائفه، فأخذ يتداول مع الأمير أحمد في طريقه لإرجاع دروز الجبل إلى بيوتهم، فقر رأيهما ~~على أن الأمير أحمد يكتب إلى قنصل الإنكليز الجنرال في بيروت يطلب منه أن يوسط أمرهم ms151 عند ~~ولاة الأمور، فكتب إليه وأخبره عن أحوال بلاد حوران وما جاورها. # ولما بلغ الأمير أحمد ما حل بخالته وأولادها، بعث رسلا إلى الأمير حسان أمير بني صخر ~~يتودد إليه ويخبره أن الأميرة هند خالته، ويطلب منه أن يطلق سبيلها وسبيل أولادها، وأرسل مع ~~الرسل هدايا فاخرة من منسوجات دمشق وأسلحتها، وكان الأمير حسان غائبا في بعض مغازيه، ~~فانتظره الرسل إلى أن عاد، وقدموا إليه الهدايا وسلموه كتاب الأمير أحمد، فلم يحفل به ولا ~~قبل الهدايا؛ لأن الأميرة هند وأولادها كانوا يسمعونه مر الكلام، فاضطر الرسل أن يعودوا ~~فارغين، ثم أوعز إلى بعض أعوانه فاقتفوا أثرهم، وقتلوا واحدا منهم وسلبوا ما معهم، فعادوا ~~وأخبروا بما جرى لهم فأرغى الشيخ إسماعيل وأزبد، وكتب إلى الأمير عمر أمير عرب الفضل أنه ~~ينجده بخمسمائة من فرسان حوران إذا قام لمحاربة بني صخر، ودارت المراسلة بينهما، ثم اجتمع ~~الاثنان واجتمع الأمير أحمد معهما وقرروا خطة الهجوم. # وفي الوقت المعين خرج فرسان الدروز من حوران وواصلوا السير إلى أن بلغوا جبل عجلون، ~~فالتقاهم الأمير عمر وأنزلهم على الرحب والسعة، وأولم لهم الولائم ثلاثة أيام حسب عادة ~~الضيافة عند العرب، وقاموا في اليوم الرابع وساروا أربعة آلاف فارس، ومعهم الجمال تحمل ~~الزاد والماء، وقصدوا البلقاء، وكانت أخبارهم قد وصلت إلى الأمير حسان، فجمع رجاله وأحلافه ~~وخرج للقائهم في سهل فسيح يبعد عن الجبل الذي كان ممتنعا فيه نصف مرحلة. # ونام الفريقان تلك الليلة في السهل يفصل بينهما غدير صغير وخرائب مدينة قديمة، نام ~~الخليون وأما الشجيون فأحيوا الليل بين أحلام مرعبة وهواجس مزعجة، الأمير حسان متطير من ~~تلك الواقعة؛ لأن غرابا مر عن يساره حالما خرج من مضربه، وزجره فلم يزدجر، والشاعر الذي ~~غناه بالأمس ابتدأ نشيده بقوله: «يا دار غيرك البلى»، واليوم الذي اضطر أن يخرج فيه يوم ~~الثلاثاء، وهو من نحوسه، وقال في نفسه: إن دارت الدائرة على رجالي، عدت إلى المضارب وقتلت ~~سلمى وأمها وأخويها، ولو عيرني العرب أبد الدهر؛ لأنهم سبب هذه ms152 البلية. ثم أغمض جفنيه، ~~وكانت يده على مقبض سيفه فارتخت أصابعها ووقعت، فحلم أن جواده عثر به في حومة الوغى فسقط ~~عنه ونهض مذعورا، ثم عادت به الهواجس إلى فيافي الخيال، ففكر بالأميرة سلمى كما رآها آخر ~~مرة تحلب النياق والدمع قد قرح جفنيها، فأدارت وجهها عنه خجلا منه أو غيظا، فشمت بها كما ~~يفعل اللئام إذا رأوا الضعيف ذليلا بين أيديهم، وفكر بأخويها وقد صارت ثيابهما أخلاقا فلم ~~تأخذه شفقة عليهما ولا رثى لحال أمهما، بل احتدم غيظا على زوجته؛ لأنه كان يعلم أنها ترسل ~~إليهم من طعامها. # وبات الأمير عمر لا يفكر إلا بأخذ الثأر وكشف العار، وتخطر بباله الأميرة سلمى فيردد في ~~نفسه قول من قال: # هي الشمس مسكنها في السماء # فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها صعودا # ولن تستطيع إليك نزولا # فإن الطالبين لها أقرب منه إليها؛ ابن خالتها، وذلك الأمير الإنكليزي الذي أخبرته عنه أم ~~يوسف، وهو يلوم طالعه؛ لأنه أوقعه في حب فتاة لا يستطيع الوصول إليها وعزم أن يستدعي طبيب ~~الجزيرة فيسقيه دواء السلوان. # 1 # وكاد فؤاد الأمير أحمد يطير فرحا؛ لأن التقادير يسرت له أن ينقذ خالته وأولادها من ~~الأسر، وقال في نفسه: إن ذلك لا بد وأن يلين قلب سلمى، ويزيل منه كل أثر من حب ذلك الرجل ~~الإنكليزي الذي تخلى عنها وقت الشدة، مع أنه من أقدر الناس على نجاتها، كيف لا، وأساطيل ~~الإنكليز مالئة البحر وكلمة واحدة منه للوالي تقيم البلاد وتقعدها؟! ولا بد لي من أن أبين ~~ذلك لسلمى إن كانت تجهله. # أما الشيخ إسماعيل فلم يكن يفكر إلا بتحالف رجاله مع عرب الفضل، حاسبا أن ذلك يعزز مقامه ~~لدى الدولة، ويمنعها من تشديد الوطأة في طلب المتأخر من الأموال الأميرية، وكان قد بلغه ~~أنها اكتفت بقصاص نفر قليل من رجال الجبل وعفت عن الباقين، فلم يبق له هم إلا أن تعفيه من ~~الأموال الأميرية، وود أن تنتهي هذه الواقعة بأسرع ما يكون؛ حتى يعود رجاله إلى ms153 حصد ~~زروعهم. # ولم يكد ذنب السرحان يعلو فوق الأفق حتى ماج المعسكران، وعلا صهيل الجياد وهدير الجمال ~~واشتدت الضوضاء، وجعل الفريقان يتأهبان للهجوم، فانقسم كل فريق إلى أقسام، وكان كشافة ~~الأمير عمر والشيخ إسماعيل قد طافوا في البقاع التي حولهم وعادوا فأخبروا بما رأوا، فنقح ~~القائدان خطة الهجوم. # أما الأمير حسان فإن رجاله كانوا يعرفون كل شعبة من تلك الشعب وكل بقعة ومنهل، فاستدعى ~~مشايخهم، وكرر عليهم بيان الخطة التي يقابلون بها عدوهم وموضع الكمين الذي أقامه لهم، ولم ~~تكد الشمس تبزغ من وراء الأفق حتى اصطف الجيشان، وابتدأ إطلاق البنادق وأخذوا في الكر والفر ~~والالتحام والانفصال، وعلا العثير فسد منافس الفضاء، وصاح الأبطال واصطدم الشجعان، وتثلمت ~~البيض الصفاح، وتكسرت عوالي الرماح، وحلقت العقبان والقشاعم، ووقفت الضباع في أوجارها ~~تستروح رائحة الملاحم، وقام ملاك النقمة على رابية متهلل الجبين وهو يقول: لا تطهر المآثم ~~إلا بالدماء ما دامت القلوب مباءة للشحناء. # وعلت الشمس واشتد الهجير والحرب سجال والفريقان ككفتي ميزان تعبث بهما الرياح، وهربت ~~الأصلال من وقع سنابك الخيل، وتعذر عليها الانسياب على الرمضاء، فغارت في نوافق اليرابيع، ~~وبينما الجياد تكاد تسبح في عرقها، هبت ريح صرصر فجففت أبدانها ويبست جلودها، ولم تكد الشمس ~~تميل عن الهاجرة حتى ظهر الوهن في رجال الأمير حسان، فصارا يتقدمون خطوة ويتأخرون خطوتين ~~كمد البحر إذا ابتدأ جزره، وعرب الفضل والحوارنة يضربون في وجوههم وفي أقفيتهم إلى أن ~~أوصلوهم إلى محلتهم وأبعدوهم عنها، فعلت جلبة النساء والأولاد، وكان الأمير أحمد أسرع ~~الجميع إلى محلة بني صخر يحمي ظهره مائة فارس من فرسان حوران، فجعل يفتش عن خالته وأولادها، ~~حتى وصل إلى المضرب الذي كانوا محروسين فيه. # ولم يكد يصل إليهم حتى علت الصيحات وراءه، وهب رجال الأمير حسان في وجهه؛ لأن الكمين ثار ~~من مكمنه في تلك اللحظة، واندفع وراء عرب الفضل والحوارنة، فصاروا بين جيشين: جيش الأمير ~~حسان المتظاهر بالانكسار أمامهم، والكمين الذي كمن لهم؛ فارتبكوا في أمرهم ولم يروا إلا ~~الصبر في ms154 ذلك المأزق الحرج، فانقسموا فريقين: فريقا وقف في وجه الكمين، وفريقا في وجه ~~الأمير حسان ورجاله، ويالها من ساعة تكسرت فيها البيض الصفاح، وبيعت الأرواح بيع السماح، ~~وتطايرت الجماجم عن الأبدان، وانتشرت الجثث على الصحصحان! وبينما القوم يجرعون الموت ~~الزؤام، ويحسبون أن لا مناص لهم من شرب كأس الحمام، وقد زرت الربى عليهم جيوبها وأدارت ~~المنون عليهم خطوبها؛ علا الغبار من الشمال فظنوه إعصارا، وماج السهل بالفرسان فخالوه ~~تيارا، وقال كل لسان: الدولة الدولة، جنود النظام ببيارقها، وفرسان الحكومة ببنادقها. ~~فحار الفريقان في من المعني بهذه الغارة! ورأوا فرصة للكف عن القتال ، فكفوا إلى أن تنجلي ~~واقعة الحال. # ولم يكن إلا دقائق قليلة، حتى وصلت الفرسان وقد عقد لواؤها لسليم باشا من أمراء الجيش ~~العثماني، ومعه السر هنري بدمونت ونفر من الجنود البحارة، فوقعت مهابة الحكومة على الخصمين، ~~فانفصلا ووقفا منتظرين الأوامر، ولما تم انفصالهما نادى سليم باشا الأمير عمر والأمير ~~أحمد والشيخ إسماعيل، فاقتربوا منه وترجلوا في حضرته، فأمرهم بالركوب ثانية، ثم نادى ~~الأمير حسانا، فلم يكن مجيب، وأخذ رجاله يفتشون عنه، فوجوده ملقى بين صخرين جريحا، ~~استدلوا عليه من جواده الواقف أمامه، فإنه أصيب برصاصة في صدره فصرعته، ولكنها لم تخطف ~~أنفاسه، فحملوه إلى أمام سليم باشا مغمى عليه لكثرة ما نزف من دمه، وبادر الطبيب إلى قطع ~~النزف ومواساة الجرح، وعادوا به إلى مضربه، فأسلم الروح وهم في الطريق، وأحضر سليم باشا ابن ~~عم الأمير عباس فنصبه أميرا على قبيلته. # | الخاتمة # ازدانت دار الأمير عباس بالرياحين وأزهار الخريف، وانتظم فيها عقد جمهور منتخب من القناصل ~~الجنرالية والأمراء الشهابيين والأرسلانيين، ثم حضر والي بيروت ومتصرف لبنان والقاصد ~~الرسولي وجماعة من قسوس اللاتين، واقتصر الاحتفال على هؤلاء بسبب الحداد، وكانت الأميرة صفا ~~قد جربت معيشة الدير فلم تحتملها، فعادت إلى بيت أبيها، وخرجت الأميرة سلمى من خدرها متكئة ~~على ذراع عمها، وأتت أمها وابنة عمها وراءها والدموع تتساقط من أعينهما، وتقدم السر هنري ~~وضع يده في يدها، فكللهما القاصد ms155 الرسولي وأهديت إليهما الهدايا، وفي جملتها الأسلحة التي ~~وجدها الأمير أحمد في المغارة. # وكتب السر هنري إلى أمه تلك الليلة يصف لها حفلة إكليله، وقال إنه وجد أسلحة جده كونت ~~بدمونت، ووجد فيها الوثيقة وعليها ختم الملك ركاردس قلب الأسد، فلا شبهة في لقبه وهو الوارث ~~الوحيد له، وطلب إليها أن تعرض ذلك على جلالة الملكة، وتطلب منها أن تلقبه بكونت لبنان أو ~~أمير لبنان. ms156